######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : الاربعون حديثا ¶ المؤلف : الامام روح الله الموسوي الخميني«قدس سره» ¶ تعريب :محمد الغروي ¶ الناشر :مؤسسة دار الكتاب الاسلامي ¶ عدد الأجزاء :1 ¶ مصدر الكتاب: شبكة كربلاء المقدسة ¶ [ الكتاب مرقم آليا موافق للمطبوع ] #META# cat: مكتبة شبكة هجر #META# bkid: 256 #META# الكتاب: الاربعون حديثا #META# bkord: 298 #META# idx: 1 #META# iso: الاربعون حديثا السيد الخميني #META# comp: 1 #META# bk: الاربعون حديثا - السيد الخميني #META# max: 607 #META# المؤلف: الامام روح الله الموسوي الخميني«قدس سره» #META# digitization_comments: [ الكتاب مرقم آليا موافق للمطبوع ] #META# مصدر الكتاب: شبكة كربلاء المقدسة #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### | AUTO الاربعون حديثا PageV01P001 الاربعون حديثا :1 PageV01P001 الاربعون حديثا :2 PageV01P002 الاربعون حديثا :الامام روح الله الموسوي الخميني « قدس سره » # تعريب # محمد الغروي # مؤسسة دار الكتاب الاسلامي PageV01P003 الاربعون حديثا :4 PageV01P004 الاربعون حديثا :5 # بسم الله الرحمن الرحيم PageV01P005 الاربعون حديثا :6 PageV01P006 الاربعون حديثا :7 ### || AUTO مقدمة المترجم # الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين ~~الطاهرين . # وبعد... لا يعرف احد السر الدفين في عدد «الاربعين» وفلسفته الوجودية ، ~~وامتيازه على الاعداد الاخرى والارقام الثانية ، حيث نواجه في الاحاديث ~~الماثورة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واهل بيته الكرام ، تركيزا ~~كثيرا في شتى المجالات والمواضيع على هذا العدد : «الاربعين» بالذات ، مما ~~يسترعي الانتباه والوقوف امام هذه الظاهرة الفريدة بين الاعداد والارقام . ~~كما ان القرآن الكريم عند سرده لقصص بعض انبياء العظام يومئ الى دور هذا ~~العدد في حياة النبي عليه السلام . # واليك بعض التفصيل لما المحنا اليه ، من القرآن الكريم والسنة الشريفة . وهو : # تحدث القرآن الكريم عن قوم موسى عليه السلام وتقهقرهم على ما كانوا عليه ~~من الكفر والضلال عندما تاخر عنهم موسى عليه السلام اربعين ليلة قائلا : ~~«واذ واعدنا موسى اربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وانتم ظالمون» (1) # كما وان القران الكريم قد جاء على ذكر قوم موسى عليه السلام ، وما تلقوا ~~من العذاب في الدنيا بعد ان رفضوا الانصياع له عليه الصلاة والسلام ، ~~متحدثا : # «قال فانها محرمة عليهم اربعين سنة يتيهون في الارض فلا تاس على القوم ~~الفاسقين» (2) بعد ان امر موسى عليه السلام قومه بالدخول في الارض المقدسة ~~حسب ما يحكي القرآن الكريم«يا قوم ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم ~~ولا ترتدوا على ادباركم فتنقلبوا خاسرين» ولكن قومه تعنتوا وتمردوا و«قالوا ~~يا موسى انا لن ندخلها ابدا PageV01P007 الاربعون حديثا :8 # ما داموا فيها فاذهب انت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون» فتاهوا اربعين سنة ~~في البيداء . # وفي مجال ثالث يربط القرآن الكريم بين بلوغ الاشد وكمال العقل لدى ~~الانسان من جهة وبين البلوغ للعام الاربعين ms001 من جهة اخرى حيث يقول عز من ~~قائل : «حتى اذا بلغ اشده وبلغ اربعين سنة قال رب اوزعني ان اشكر نعمتك» ~~(1) ففي هذه الموارد الثلاثة يؤكد القرآن الكريم على عدد «الاربعين» . # واما الاحاديث التي جاءت على ذكر عدد الاربعين في مجالات مختلفة فكثيرة : # منها : استحباب شهادة اربعين مؤمنا بالخير والايمان للمؤمن الذي رحل من ~~الدنيا . # عن ابي عبد الله عليه السلالم انه قال : «اذا مات المؤمن فحضر جنازته ~~اربعون رجلا من المؤمنين فقالوا اللهم انا لا نعلم منه الا خيرا وانت اعلم ~~به منا قال الله تبارك وتعالى قد اجزت شهادتكم وغفرت له ما علمت مما لا ~~تعلمون» (2) . # ومنها : استحباب اجتماع اربعين شخصا في الدعاء والمسألة من الله سبحانه . # عن ابي خالد قال : قال ابو عبد الله عليه السلالم «ما من رهط اربعين رجلا ~~اجتمعوا فدعوا الله عز وجل في امر الا استجاب لهم» (3) . # ومنها : استحباب دعاء الانسان لاربعين شخصا من المؤمنين قبل دعائه لنفسه . # عن ابي عبد الله عليه السلام قال : من قدم في دعائه اربعين من المؤمنين ~~ثم دعا لنفسه استجيب له (4) . # ومنها : تاكد استحباب زيارة الحسين عليه السلام يوم الاربعين من مقتله ~~وهو يوم العشرين من صفر . # عن ابي محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام انه قال : علامات المؤمن ~~خمس : صلاة الخمسين ، وزيارة الاربعين ، والتختم باليمين ، وتعفير الجبين ، ~~والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (5) . # ومنها : استحباب رش القبر بالماء بعد الدفن وتكراره اربعين شهرا او ~~اربعين يوما PageV01P008 الاربعون حديثا :9 # وفي كل يوم مرة واحدة . # عن محمد بن الوليد ان صاحب المقبرة ساله عن قبر يونس بن يعقوب وقال: من ~~صاحب هذا القبر فان ابا الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام امرني ان ارش ~~قبره اربعين شهرا او اربعين يوما في كل يوم مرة» (1) . # ومنها : ان آثار الاخلاص لله تتفجر لدى المؤمن اذا استمر عليه لمدة ~~اربعين يوما . # عن ابي جعفر عليه السلام قال : «ما اخلص عبد الايمان بالله اربعين يوما ~~او قال ما اجمل عبد ms002 ذكر الله اربعين يوما إلا زهده الله في الدنيا ، وبصره ~~دائها ودوائها ، واثبت الحكمة في قلبه وانطق بها لسانه ...» (2) . # ومنها : احتباس الوحي عن النبي موسى عليه السلام اربعين صباحا (3) وان ~~مدة ملك داودد عليه السلام كانت اربعين سنة (4) وان الوحي قد احتبس عن ~~النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اربعين يوما (5) . # كما قيل ان الله سبحانه وتعالى قد جعل انتقال الانسان في اصل الخلقة من ~~حال الى حال في اربعين يوما كالانتقال من النطفة الى العلقة ، ومن العلقة ~~الى المضغة ومن المضغة الى العظام ومنها الى اكتساء اللحم (6) . # واورد المحقق الخبير الشيخ آقا بزرك الطهراني في «الذريعة» (7) اثنا عشر ~~كتابا لعلمائنا الكبار القدامى باسم «الاربعون» مثل «الاربعون مسألة» للشيخ ~~جمال الدين حسن بن يوسف بن المطهر الحلي المتوفى سنة 726 هجرية الموافق عام ~~1306 م . و«الاربعون مسألة» للامام فخر الدين الرازي المتوفى عام 606 هجرية ~~الموافق عام 1185 م . و«الاربعون مسألة» للشيخ شمس الدين محمد بن مكي ~~الشهيد عام 786 هجرية الموافق سنة 1366 م . # كما ان جمعا من علمائنا العظام رضوان الله تعالى عليهم وضعوا كتابا ~~اسموها ب «الاربعينات» لاستقصاء ما ورد ذكر الاربعين فيها . مثل ~~«الاربعونيات» للشيخ حبيب PageV01P009 الاربعون حديثا :10 # الله بن شيخ الحكماء . و«الاربعونيات» للعلامة النوري قدس الله نفسه . # فنستظهر من الآيات الكريمة والاحاديث النبوية الشريفة ، واهتمام العلماء ~~بعدد الاربعين في تصانيفهم القيمة ، ان لهذا العدد شانا قد لا يتوفر في ~~الاعداد والارقام الاخرى . # ومن جملة تلك الروايات الماثورة عن اهل البيت عليهم السلام واهتمامات ~~علمائنا الابرار ، الاحاديث المعروفة المشهورة ب «حفظ اربعين حديثا» . # عن ابي عبد الله الصادق عليه السلام «قال من حفظ من شيعتنا اربعين حديثا ~~بعثه الله عز وجل يوم القيامة عالما فقيها ولم يعذبه» (1) . # وعن انس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حفظ عني من امتي ~~اربعين حديثا في امر دينه يريد به وجه الله عز وجل والدار الآخرة بعثه الله ~~يوم القيامة فقيها عالما (2) . # وغير ذلك ms003 من الاخبار المنقولة عن المعصومين عليهم السلام التي تفوق حد ~~الاحصاء . قال المجلسي رحمه الله «هذا المضمون مشهور مستفيض بين الخاصة ~~والعامة بل قيل انه متواتر» (3) . # وذكر الباحث المدقق الطهراني في «الذريعة» (4) سبع وسبعين كتابا باسم ~~(الاربعون حديثا) للعلماء والفقهاء والمحدثين ابتداءا من القرن الرابع ~~الهجري حسب احصائه الى القرن الرابع عشر الهجري . ونجد بان هذه الكتب ~~مختلفة فيما بينها من ناحية الموضوع والمضمون ، رغم اتفاق جميع هذه الكتب ~~في اسم واحد هو : «اربعون حديثا» اذ ان قسما منها في مناقب الفقراء خاصة ~~وقسما آخر في خصوص الامامة ، وقسما ثالثا في فضائل امير المؤمنين وقسما ~~رابعا في الاحكام والاخلاق وخامسا في فضيلة العلم وسادسا في الطب وسابعا في ~~الاخلاق . # وممن الف في هذا الموضوع قائد الثورة الاسلامية الامام الخميني العظيم ~~قدس الله نفسه الزكية قبل انتصاره على قوى الاستكبار العالمي الشرقي ~~والغربي باربعين عاما تقريبا . حيث ذكر الامام رضوان الله تعالى عليه في ~~آخر كتابه هذا (قد تم هذا الكتاب على يد الفاني المؤلف الفقير في عصر يوم ~~الجمعة الرابع من شهر محرم الحرام عام ثمان PageV01P010 الاربعون حديثا :11 # وخمسين وثلاثمائة والف للهجرة القمرية» الموافق عام 1939 الميلادي . وكان ~~انتصار الثورة الاسلامية في ايران عام الف واربعمائة من الهجرة النبوية ~~الشريفة المصادف عام 1979 الميلادية . # ومما يجدر الانتباه اليه هو ان الانسان عندما يتامل في حياة هذا القائد ~~الكبير قبل انتصاره على الشاه عميل الصهيونية العالمية بعقود اربعة او اكثر ~~، ويدرس الشعارات التي رفعها امام الامة ايام الثورة ، ويصغي الى احاديث ~~القائد بعد قيادته للحكم طيلة عشرة اعوام من نهاية حياته الكريمة ، يفهم ~~ويتيقن بان هذه الثورة الاسلامية وقائدها الكبير امتداد لشريعة الله في ~~ارضه على يد النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم حيث ان الافكار ~~والاتجاهات والاهداف وادبيات الثورة وثقافة الملتزمين بالقائد قبل استلام ~~الحكم باربعين عاما وبعد استلام السلطة هي هي بعينها من دون اي تغيير ~~وتحريف او تبديل . # ان معظم افكار هذا الكتاب المؤلف قبل اربعين ms004 عاما من الانتصار على الكفر ~~، قد ترددت على لسان القائد في مناسبات عدة لدى توجيه المسؤولين والامة ~~ايام الحكم والسلطة . وان الهدف الاول والاخير هو السير الى الله سبحانه ~~وعدم الاغترار بزخارف الدنيا فان «ما عند الله خير وابقى» (1) . # وعندما نقارن هذا الكتاب مع الكتب الاخرى في الموضوع ذاته : «الاربعون ~~حديثا» نجد ان هذا الكتاب يتفوق على غيره من الكتب «الاربعون حديثا» في ~~الامور التالية رغم ان المؤلفين لها علماء لامعون واجلاء . وهي : # اولا شمولية الكتاب : # لقد اسلفنا الحديث عن ان معظم كتب «الاربعون حديثا» يتناول موضوعا واحدا ~~ويتحدث عن اربعين حديثا منقول عن المعصومين عليهم السلام في ذلك الموضوع ~~مثل فضائل الفقراء ، او فضائل امير المؤمنين عليه السلام ، او الطب او... ~~في حين ان هذا الكتاب يتحدث عن اكبر عدد ممكن من الابحاث المتنوعة مثل ~~تفسير بعض آيات القرآن الكريم ، واصول الدين ، والاخلاق وشرح بعض الروايات ~~المشهورة المستعصية فهمها على الناس والعرفاء . # كما ان المؤلف قدس الله نفسه يتناول الحديث ويدرسه من جوانب عديدة PageV01P011 الاربعون حديثا :12 # مختلفة : مثل الاحكام الفقهية والعرفانية والفلسفية واللغوية والاصولية ~~(1) ولا يقتصر على جانب واحد . # ثانيا الدقة والعمق : # ليس مستوى الكتاب بسيطا ومفهوما لدى الكثير من الناس بل حتى على الكثير ~~من اهل العلوم الدينية وذلك ان المؤلف رضوان الله تعالى عليه قد دخل جوهر ~~المعارف وعمق الابحاث واستظهر الحقائق العلمية التي قلما بيلغ اليها الكتاب ~~والباحثون ، ناهيك عن تعمقه في ابحاث فلسفية وعرفانية تقف عندها سفينة ~~المساكين ويعجز عن فهمها الكثير الكثير من المثقفين ويكاد ان يكون من ~~النادر جدا ان نجد كتابا آخر من زملاء هذا الكتاب يتمتع بهذا المستوى من ~~الدقة والعمق . # ثالثا تصور المكافئة الدنيوية والاخروية : # ان المؤلف رضوان الله تعالى عليه عند عرضه للمعاصي الكبيرة الموبقة مثل ~~الغيبة والحسد والكبر و... يصور العذاب الدنيوي بصورة يعيشه ويلمسه الانسان ~~، ويجسد العذاب الاخروي ببيان يحسب الانسان انه يراه وانه قريب منه جدا . # كما وانه طيب الله ثراه عندما يستعرض الحسنات والمثوبات ms005 يشرح بكل وضوح ~~ارتباط الحسنات بالاعمال والآخرة بالدنيا ، ويبين كيفية الارتباط ومستواه . # وعندما يقرا الانسان في الاحاديث المباركة الجزاء الكبير على عمل بسيط ~~وقليل ، قد ينبعث لديه الاستغراب او الاستنكار لمثل هذه المكافئة . ولكننا ~~نجد بان الامام رحمه الله يشرح ويستدل ويبين ذلك بصورة واضحة فلا يبقى مجال ~~للاستغراب والتردد في ذلك ، وانما تحصل للانسان القناعة بصواب مضمون الحديث ~~وصحة هذه المكافاة العظيمة من الرب الرحيم على عمل صغير وقليل . # رابعا الموعظة والنصحية : # يحتوى هذا الكتاب على قدر كبير من الموعظة والنصيحة بلغة عذبة وسهلة مع ~~حرارة الحب ودفئ الحنان مستعينا بامثلة مستخلصة من واقع الحياة التي يعيش ~~فيها الانسان ، مثله مثل الاب الكبير العطوف الذي يمسك بيد اولاده ويسير ~~بهم معترك الحياة ومنعطفات الحوادث والايام ويشرح لهم بلسان ملؤه الرافة ~~والرحمة وعواقب الامور ، PageV01P012 الاربعون حديثا :13 # ونتائج الاعمال ، وعدم الانبهار بالمظاهر الخلابة والزركشة المغرية . # ان المؤلف قدس الله نفسه يشفع الابحاث العلمية في معظم الاحاديث بالموعظة ~~والنصيحة حتى تكون فائدة البحث اوفى ، وثمرة الحديث انضج . # ويشعر القارئ بان هذه النصائح والمواعظ الربانية تنبعث من القلب الطاهر ~~النقي المحفوف بالحب الالهي والاخلاص الكامل ، لانها تاخذ الانسان وتهيمن ~~عليه وترتسم في القلب . # خامسا الداء والدواء : # يتولى السيد الامام رحمه الله تعالى بيان المساوئ الخلقية والعاهات ~~النفسية مع بيان آثارها واعراضها على الانسان والمجتمع .. ثم يطرح صيغة ~~العلاج بشقيها العلمي والعملي مع التذكير مغبة الامراض النفسية اذا اهملها ~~الانسان واجلها والتنبيه بنتائجها على الصعيد الفردي والاجتماعي والدنيوي ~~والاخروي . # ومثل هذا الاسلوب من الطرح والعلاج وان كان مذكورا في بعض الكتب ~~الاخلاقية ولكنها لا تقدم الوصفة العلاجية الطيبة بمثل ما نشهد في هذا ~~الكتاب . # سادسا التواضع والتذلل : # ان المؤلفين في مختلف الموضوعات ان لم يتبجحوا ويفتخروا بانجازاتهم ~~وافكارهم وابحاثهم ، يختاروا الصمت ويتركوا الحكم على الكتاب ومحتوياته الى ~~القارئ . ولكننا في هذا الكتاب نجد التواضع والاحتقار من المؤلف لنفسه ~~والاستهانة بالافكار التي يبديها والابحاث التي يشرحها امام الفلاسفة ~~والعلماء والاجلاء وكان تلميذا بسيطا يسطر ms006 امام العظماء والكبار دروسه ~~فيعتذر امام القارئ مما يكتبه ويصنفه . # ان الامام رضوان الله تعالى عليه يزدري نفسه ويحتقرها ولا يجد لها شانا ~~على كافة المستويات العلمية والعرفانية والفلسفية والعملية والاخلاقية . ~~وهذا امر نكاد ان لا نعثر عليه في كتاب آخر . # سابعا التعظيم للعلماء : # ان ادب المؤلف طيب الله ثراه قد دفع به الى تجليل كل العلماء والمحدثين ~~والفلاسفة وتعظيم كل من يرد ذكره في الكتاب فيعبر عن الكليني بثقة الاسلام ~~والمسلمين تارة وبحجة الفرقة وثقتها اخرى وشيخ المحدثين وافضلهم ثالثة . ~~وعن نصير الدين الطوسي بافضل المتاخرين واكمل المتقدمين ، وعن البهائي ~~العاملي بالشيخ الجليل PageV01P013 الاربعون حديثا :14 # العارف . وعن المجلسي بالمحقق المدقق و... فهذا التعظيم والاحترام ~~للعلماء والفقهاء والمحدثين ظاهر لكل من يقرا صفحات من هذا الكتاب . # ثامنا تعظيم المعصومين في الكتابة : # اعتاد الكتاب والمؤلفون بذكر (ص) كناية عن صلى الله عليه وآله وسلم عقيب ~~ذكر اسم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم . وذكر (ع) اثر ذكر اسم امام ~~من الائمة المعصومين عليهم السلام اشارة الى عليه السلام ولكن الامام رحمه ~~الله قد خالف هذا العرف السائد لدى العلماء واتى على ذكر صلى الله عليه ~~وآله وسلم بعد اسم رسول الله صلوات الله عليه وذكر عليه الصلاة والسلام بعد ~~اسم كل واحد من الائمة عليهم السلام ولم اعثر في هذا الكتاب الضخم على مورد ~~واحد اكتفى بالاحترام والتقدير كنابة بل صرح بالتقدير الصريح الواضح بكل ~~افتخار واعتزاز . # مع الترجمة في هذا الكتاب : # عندما طبع الكتاب باللغة الفارسية وصدر الى الاسواق اخذت نسخة منه وقرات ~~بعض صفحاته ، فوجدته كتابا قيما جديدا في العرض والاسلوب والمحتوى رغم ان ~~قسما كبيرا من موضوعاته موجودة في الكتب المختلفة ثم ازددت شوقا واعجابا به ~~عندما تصفحته اكثر ورأيت بان العالم الاسلامي المنبهر بشخصية الامام ~~وقيادته الحكيمة ومرجعيته الرشيدة ، بحاجة ماسة شديدة لمعرفة افكار الامام ~~وارشاداته فقمت بترجمة الكتاب رغم الاعمال الدينية الاجتماعية والمسؤوليات ~~التعليمية وراجعت مجلة التوحيد التي تترجم الاحاديث الشريفة حسب التسلسل ~~الموجود ms007 في الكتاب وتطبعها على حلقات في مجلتها التي تصدر الى الناس فاخذت ~~الاحاديث المترجمة وعددها اربعة عشر حديثا الاولى واجريت عليها التعديل ~~الكثير الكثير من الزيادة تارة والنقيصة اخرى والتغيير والتبديل في ~~المفردات والجمل فاصبح شيئا جديدا مغايرا لما كان مطبوعا ومنتشرا من خلال ~~المجلة بين ايدي الناس ، ثم مضيت في الترجمة الى ان انتهيت منها في اليوم ~~الثاني من شهر رجب عام احدى عشر واربعمائة والف بعد الهجرة النبوية الموافق ~~للثامن عشر من شهر كانون الثاني عام الف وتسعمائة وواحد وتسعين ميلادية . # ولا بد هنا من الاشارة الى : # اولا : ان الترجمة تكون حرفية وقريبة جدا من اصل الكتاب حتى انني في كثير ~~من الاحيان استعملت المفردات التي استعملها الامام قدس سره بعد صياغتها في ~~الجمل العربية . PageV01P014 # الاربعون حديثا :15 # ثانيا : اتيت على ذكر المصطلحات الفلسفية والعرفانية والفقهية والرجالية ~~من دون اي توضيح وشرح ، لان ذلك يتطلب جهد اكبر ودراسة اوسع ، تجعل من هذا ~~الكتاب الواحد مجلدات وكتبا عديدة ونحن هنا بصدد اعطاء توجيهات الامام ~~وترجمة افكاره ، ولسنا بصدد التبسيط والتفصيل والشرح والبيان . # ثالثا : لا يظن كل واحد يعرف اللغة العربية انه يستطيع ان يستوعب ابحاث ~~الكتاب بكل بساطة وسهولة ، لان هذا الكتاب ليس بكتاب تاريخ او قصة وانما هو ~~كتاب يعيش مع القرآن الكريم والسنة المباركة من خلال الفلسفة والعرفان ~~والتفسير والحديث وعلى يد عالم كبير يتدفق معرفة وثقافة وحكمة وعلما . ~~ولهذا يكون صعبا ومستعصيا فهمه على كل انسان . # رابعا : حاولت رغم قلة المصادر المتوفرة في مدينة صور من جبل عامل ~~الصالحة الكريمة المجاهدة ان استخرج الروايات والاحاديث من مصادرها والتقط ~~اقوال العلماء من منابعها ، مع العلم بان الإمام قدس سره كان مكتفيا بذكر ~~الحديث مرة ونقله الى اللغة الفارسية اخرى من دون بيان مصدر الراوية ومرجع ~~قول العالم . # واسال الله سبحانه القبول لهذا الجهد اليسير ، واساله سبحانه التوفيق لكي ~~اصير جنديا من جنود صاحب الامر الحجة بن الحسن عجل الله تعالى فرجه الشريف . # ولا يسعني في نهاية هذه ms008 المقدمة الا وان اشكر رعاية واهتمام مؤسسة «دار ~~التعارف للمطبوعات والنشر» تحت اشراف اخينا الحاج حامد عزيزي على طبعه ~~واخراجه لهذا الكتاب القيم في شكله الانيق ونشره بين ايدي الناس في العالم ~~الاسلامي ، حتى يستفيدوا ويستنيروا بالنور الالهي المشرق . انه سميع عليم ~~وبالاجابة جدير . # وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين . # السيد محمد الغروي # صور جبل عامل # لبنان # 21 شعبان 1411 ه # 8 آذار 1991 م PageV01P015 الاربعون حديثا :16 PageV01P016 الاربعون حديثا :17 ### || AUTO المقدمة # الحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد وآله اجمعين ولعنة الله على ~~اعدائهم الى يوم الدين . # الهي : انر مرآة القلب بنور الاخلاص ، وأجل عن صفحة القلب صدا الشرك ، ~~واهد هؤلاء المساكين في بيداء الحيرة والضلالة الى جادة السعادة والفلاح ~~الواسعة ... # ووفقنا للتخلق بالاخلاق الكريمة واجعل لنا نصيبا مما اختصصت به اولياءك ~~من نفحاتك والطافك الخاصة ... # واخرج من مملكة قلوبنا جنود الشيطان والجهل ، واحلل محلها جنود العلم ~~والحكمة والرحمن ... # واخرجنا من هذا العالم بحبك وحب من خصصتهم بقربك ... وعاملنا برحمتك حين ~~الموت وبعده ... # واقرن عاقبة امرنا بالسعادة بحق محمد وآله الطاهرين (صلوات الله عليهم ~~اجمعين) . # وبعد ... يقول هذا العبد الفقير الضعيف : كنت احدث نفسي منذ فترة ، بان ~~اجمع اربعين حديثا من احاديث اهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام) ، ~~المدونة في الكتب المعتبرة للاصحاب والعلماء رضوان الله عليهم ، وان اشرح ~~كل حديث شرحا يتناسب وفهم العامة . ومن هذا المنطلق كتبتها باللغة الفارسية ~~كي ينتفع منها الذين ينطقون بالفارسية ، ولعلي بذلك ان شاء الله اصبح ممن ~~يشمله الحديث الشريف لخاتم الانبياء صلى الله عليه وآله وسلم حيث يقول : ~~«من حفظ على امتي اربعين حديثا ينتفعون بها بعثه الله يوم القيامة فقيها ~~عالما» (1) . الى ان وفقت للبدء بذلك . ومن الله تعالى اطلب التوفيق ~~لاتمامه انه ولي التوفيق . PageV01P017 # الاربعون حديثا :18 # الفهرس # التالي # التالي PageV01P018 الاربعون حديثا :19 ### | AUTO الحديث الاول: جهاد النفس PageV01P019 الاربعون حديثا :20 # عن ابي عبد الله (الامام جعفر الصادق عليه السلام) ان النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ms009 بعث سرية ، فلما رجعوا ، قال : مرحبا بقوم قضوا الجهاد ~~الاصغر وبقي عليهم الجهاد الاكبر ، فقيل : يا رسول الله وما الجهاد الاكبر ~~؟ قال : «جهاد النفس» . PageV01P020 # الاربعون حديثا :21 # اخبرني اجازة مكاتبة ومشافهة عدة من المشايخ العظام ، والثقاة الكرام منهم : # الشيخ العلامة المتكلم ، الفقيه الاصولي الاديب المتبحر الشيخ محمد رضا ~~آل العلامة الوفي الشيخ محمد تقي الاصفهاني ادام الله توفيقه حين تشرفه بقم ~~المشرفة . # والشيخ العالم الجليل المتعبد الثقة الثبت الحاج الشيخ عباس القمي دام ~~توفيقه . وكلاهما عن المولى العالم الزاهد العابد الفقيه المحدث الميرزا ~~حسين النوري نور الله مرقده الشريف عن العلامة الشيخ مرتضى الانصاري قدس ~~الله سره . # ومنهم السيد السند الفقيه المتكلم الثقة الثبت العلامة السيد محسن الامين ~~العاملي ادام الله تاييداته ، عن الفقيه العلامة صاحب المصنفات العديدة ~~السيد محمد بن هاشم الموسوي الرضوي الهندي المجاور في النجف الاشرف حيا ~~وميتا قدس الله سره ، عن العلامة الانصاري . ومنهم العالم الثقة الثبت ~~السيد ابو القاسم الدهكردي الاصفهاني ، عن السيد السند الامجد الميرزا محمد ~~هاشم الاصفهاني قدس سره ، عن العلامة الانصاري . ولنا طريق اخرى غير منتهية ~~الى الشيخ تركناها ، عن المولى الافضل احمد النراقي ، عن السيد مهدي الملقب ~~ب «بحر العلوم» صاحب الكرامات رضوان الله عليه عن استاذ الكل الاقا محمد ~~باقر البهبهاني ، عن والده الاكمل محمد اكمل ، عن المولى محمد باقر المجلسي ~~، عن والده المحقق المولى محمد تقي المجلسي ، عن الشيخ المحقق البهائي ، عن ~~والده الشيخ حسين ، عن الشيخ زين الدين الشهير بالشهيد الثاني ، عن الشيخ ~~علي بن عبد العالي الميسي ، عن الشيخ شمس الدين محمد ابن المؤذن الجزيني ، ~~عن الشيخ ضياء الدين علي ، عن والده الحائز للمرتبتين الشيخ شمس الدين محمد ~~بن مكي ، عن الشيخ ابي طالب محمد فخر المحققين ، عن والده آية الله الحسن ~~بن مطهر العلامة الحلي ، عن الشيخ ابي القاسم جعفر بن PageV01P021 الاربعون حديثا :22 # الحسن بن سعيد الحلي المحقق على الاطلاق ، عن السيد ابي علي فخار بن معد ~~الموسوي ، عن الشيخ شاذان بن جبرئيل القمي ، عن ms010 الشيخ محمد بن ابي القاسم ~~الطبري ، عن الشيخ أبي علي الحسن ، عن والده شيخ الطائفة ، أبي جعفر محمد ~~بن الحسن الطوسي ، رحمه الله جامع «التهذيب والاستبصار» عن امام الفقهاء ~~والمتكلمين ، الشيخ ابي عبد الله محمد بن النعمان «الشيخ المفيد» عن شيخه ~~رئيس المحدثين الشيخ ابي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابوية ~~القمي ، صاحب كتاب «من لا يحضره الفقيه» ، عن الشيخ ابي القاسم جعفر بن ~~قولويه ، عن الشيخ الاجل ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني ، صاحب ~~«الكافي» ، عن علي بن ابراهيم ، عن ابيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن ~~ابي عبد الله (الامام جعفر الصادق عليه السلام) ان النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم ، بعث سرية ،فلما رجعوا ، قال : مرحبا بقوم قضوا الجهاد الاصغر ~~وبقي عليهم الجهاد الاكبر ، فقيل : يا رسول الله وما الجهاد الاكبر ؟ قال : ~~«جهاد النفس» (1) . ### || AUTO الشرح # «السرية» قطعة من الجيش . ويقال خير السرايا اربعمائة رجل . واما باقي ~~مفردات الحديث فواضحة . # اعلم ان الانسان اعجوبة وله نشأتان وعالمان : نشاة ظاهرية ملكية دنيوية ~~وهي بدنه ، ونشاة باطنية غيبية ملكوتية وهي من عالم آخر . ولنفس الانسان ~~وهي من عالم الغيب والملكوت مقامات ودرجات قسموها بصورة عامة الى سبعة ~~اقسام حينا ، والى اربعة اقسام حينا آخر ، وحينا الى ثلاثة اقسام ، وحينا ~~الى قسمين . ولكل من المقامات والدرجات جنود رحمانية عقلانية تجذب النفس ~~نحو الملكوت الاعلى وتدعوها الى السعادة . وجنود شيطانية وجهلانية تجذب ~~النفس نحو الملكوت السفلي وتدعوها للشقاء . ودائما هناك جدال ونزاع بين ~~هذين المعسكرين ، والانسان هو ساحة حربهما ، فاذا تغلبت جنود الرحمن كان ~~الانسان من اهل السعادة والرحمة وانخرط في سلك الملائكة وحشر في زمرة ~~الانبياء والاولياء والصالحين . # واما اذا تغلب جند الشيطان ومعسكر الجهل ، كان الانسان من اهل الشقاء ~~والغضب ، وحشر في زمرة الشياطين والكفار والمحرومين . # وحيث ان هذه الاوراق ليست محلا للتفصيل ، لذلك اشير هنا بصورة اجمالية ~~الى مقامات النفس واوجه سعادتها وتعاستها ، واوضح كيفية مجاهدتها ان شاء الله . PageV01P022 # الاربعون حديثا :23 ### || AUTO المقام الاول: ms011 وفيه عدة فصول ### ||| AUTO فصل: اشارة الى المقام الاول للنفس # اعلم ان مقام النفس الاول ومنزلها الاسفل ، هو منزل الملك والظاهر ~~وعالمهما . وفي هذا المقام تتالق الاشعة والانوار الغيبية في هذا الجسد ~~المادي والهيكل الظاهري ، وتمنحه الحياة العرضية ، وتجهز فيه الجيوش ، فكان ~~ميدان المعركة هو نفس هذا الجسد ، وجنوده هي قواه الظاهرية التي وجدت في ~~الاقاليم الملكية السبعة يعني : «الاذن والعين واللسان والبطن والفرج واليد ~~والرجل» . وجميع هذه القوى المتوزعة في تلك الاقاليم السبعة هي تحت تصرف ~~النفس في مقام الوهم ، فالوهم سلطان جميع القوى الظاهرية والباطنية للنفس ، ~~فاذا تحكم الوهم على تلك القوى سواء بذاته مستقلا او بتدخل الشيطان ، ~~جعلها اي تلك القوى جنودا للشيطان ، وبذلك يجعل هذه المملكة تحت سلطان ~~الشيطان ، وتضمحل عندها جنود الرحمن والعقل ، وتنهزم وتخرج من نشاة الملك ~~وعالم الانسان وتهاجر عنه ، وتصبح هذه الملكة خاصة بالشيطان . واما اذا خضع ~~الوهم لحكم العقل والشرع ، وكانت حركاته وسكناته مقيدة بالنظام والعقل ~~والشرع ، فقد اصبحت هذه المملكة مملكة روحانية وعقلانية ، ولم يجد الشيطان ~~وجنوده محط قدم لهم فيها . # اذا ، فجهاد النفس (وهو الجهاد الاكبر الذي يعلو على القتل في سبيل الحق ~~تعالى) هو في هذا المقام عبارة عن انتصار الانسان على قواه الظاهرية ، ~~وجعلها تأتمر بامر الخالق ، وتطهير المملكة من دنس وجود قوى الشيطان وجنوده . ### ||| AUTO فصل: في التفكر # اعلم ان اول شروط مجاهدة النفس والسير باتجاه الحق تعالى ، هو «التفكر» ، ~~وقد وضعه بعض علماء الاخلاق في بدايات الدرجة الخامسة ، وهذا التصنيف ~~صحيح ايضا في محله . # والتفكر في هذا المقام هو ان يفكر الانسان بعض الوقت في ان مولاه الذي ~~خلقه في هذه الدنيا ، وهيا له كل اسباب الدعة والراحة ، ووهبه جسما سليما ~~وقوى سالمة لكل واحدة منها منافع تحير الباب الجميع ، ورعاه وهيأ له كل هذه ~~السعة واسباب النعمة والرحمة . ومن جهة اخرى ، ارسل جميع هؤلاء الانبياء ، ~~وانزل كل هذه الكتب «الرسالات» ، وارشد ودعا الى الهدى ... فما هو واجبنا ~~تجاه هذا المولى مالك الملوك ؟! . هل ان ms012 وجود جميع هذه النعم ، PageV01P023 الاربعون حديثا :24 # هو فقط لاجل هذه الحياة الحيوانية واشباع الشهوات التي نشترك فيها مع ~~الحيوانات ، ام ان هناك هدفا وغاية اخرى ؟ # هل ان للانبياء الكرام ، والاولياء العظام ، والحكماء الكبار ، وعلماء كل ~~امة الذين يدعون الناس الى حكم العقل والشرع ويحذرونهم من الشهوات ~~الحيوانية ومن هذه الدنيا البالية ، عداء ضد الناس ام انهم كانوا مثلنا لا ~~يعلمون طريق صلاحنا نحن المساكين المنغمسين في الشهوات ؟! . # ان الانسان اذا فكر للحظة واحدة ، عرف ان الهدف من هذه النعم هو شيء آخر ~~، وان الغاية من هذا الخلق ، اسمى واعظم وان هذه الحياة الحيوانية ليست هي ~~الغاية بحد ذاتها ، وان على الانسان العاقل ان يفكر بنفسه ، وان يترحم على ~~حاله ونفسه المسكينة ؛ ويخاطبها : ايتها النفس الشقية التي قضيت سنين عمرك ~~الطويلة في الشهوات ولم يكن نصيبك سوى الحسرة والندامة ، ابحثي عن الرحمة ، ~~واستحي من مالك الملوك ، وسيري قليلا في طريق الهدف الاساسي المؤدي الى ~~حياة الخلد والسعادة السرمدية ، ولا تبيعي تلك السعادة بشهوات ايام قليلة ~~فانية ، التي لا تتحصل حتى مع الصعوبات المضنية الشاقة . فكري قليلا أحوال ~~أهل الدنيا والسابقين ، وتاملي متاعبهم وآلامهم كم هي اكبر واكثر بالنسبة ~~الى هنائهم ، في نفس الوقت الذي لا يوجد فيه هناء وراحة لاي شخص . # ذلك الذي يكون في صورة الانسان ولكنه من جنود الشيطان واعوانه ، والذي ~~يدعوك الى الشهوات ، ويقول : يجب ضمان الحياة المادية ، تامل قليلا في حال ~~نفس ذلك الانسان واستنطقه ، وانظر هل هو راض عن ظروفه ، ام انه مبتل ويريد ~~ان يبلي مسكينا آخر ؟! . # وعلى اي حال ؛ فادع ربك بعجز وتضرع ان يعينك على اداء واجباتك التي ينبغي ~~ان تكون اساس العلاقة فيما بينك وبينه تعالى ، والامل ان يهديك هذا التفكير ~~المقترن بنية مجاهدة الشيطان والنفس الامارة الى طريق آخر ، وتوفق للترقي ~~الى منزلة اخرى من منازل المجاهدة . ### ||| AUTO فصل: في العزم # وهناك مقام آخر يواجه الانسان المجاهد بعد التفكر ، وهو مقام العزم (وهذا ~~هو غير الارادة التي عدها الشيخ الرئيس ms013 في الاشارات اولى درجات العارفين) . ~~يقول احد مشايخنا اطال الله عمره : «ان العزم هو جوهر الانسانية ، ومعيار ~~ميزة الانسان ، وان اختلاف درجات الانسان باختلاف درجات عزمه» . PageV01P024 # الاربعون حديثا :25 # والعزم الذي يتناسب وهذا المقام ، هو ان يوطن الانسان نفسه ويتخذ قرارا ~~بترك المعاصي وباداء الواجبات ، وتدارك ما فاته في ايام حياته ، وبالتالي ~~ان يعمل على ان يجعل من ظاهره انسانا عاقلا وشرعيا ، بحيث يحكم الشرع ~~والعقل بحسب الظاهر بان هذا الشخص انسان . والانسان الشرعي هو الذي ينظم ~~سلوكه وفق ما يتطلبه الشرع ، وان يكون ظاهره كظاهر الرسول الاكرم صلى الله ~~عليه وآله وسلم ، وان يقتدي بالنبي العظيم صلى الله عليه وآله وسلم ويتاسى ~~به في جميع حركاته وسكناته ، وفي جميع ما يفعل وما يترك . وهذا امر ممكن ، ~~لان جعل الظاهر مثل هذا القائد امر مقدور لاي فرد من عباد الله . # واعلم ... ان طي اي طريق في المعارف الالهية ، لا يمكن الا بالبدا بظاهر ~~الشريعة ، وما لم يتادب الانسان بآداب الشريعة الحقة ، لا يحصل له شيء من ~~حقيقة الاخلاق الحسنة ، كما لا يمكن ان يتجلى في قلبه نور المعرفة وتتكشف ~~العلوم الباطنية واسرار الشريعة . وبعد انكشاف الحقيقة ، وظهور انوار ~~المعارف في قلبه ، سيستمر ايضا في تادبه بالآداب الشرعية الظاهرية . # ومن هنا نعرف بطلان دعوى من يقول : (ان الوصول الى العلم الباطن يكون ~~بترك العلم الظاهر) ، او (انه وبعد الوصول الى العلم الباطن ينتفي الاحتياج ~~الى الآداب الظاهرية) . وهذه الدعوى ترجع الى جهل من يقول بها ، وجهله ~~بمقامات العبادة ودرجات الانسانية . ولعلي اكون ان شاء الله تعالى موفقا ~~لبيان بعض هذا الامر في هذه الاوراق . ### ||| AUTO فصل: ( السعي للحصول على العزم ) # ايها العزيز ... اجتهد لتصبح ذا عزم وارادة ، فانك اذا رحلت من هذه ~~الدنيا دون ان يتحقق فيك العزم على ترك المحرمات فانت انسان صوري ، بلا ~~لب ، ولن تحشر في ذلك العالم (عالم الآخرة) على هيئة الانسان ، لان ذلك ~~العالم هو محل كشف الباطن وظهور السريرة . وان التجرؤ على المعاصي يفقد ~~الانسان ms014 تدريجيا العزم ويختطف منه هذا الجوهر الشريف . يقول الاستاذ المعظم ~~دام ظله : «ان اكثر ما يسبب على فقد الانسان العزم والارادة هو الاستماع ~~للغناء» . # اذا ؛ تجنب يا اخي المعاصي ، واعزم على الهجرة الى الحق تعالى ، واجعل ~~ظاهرك ظاهرا انسانيا ، وادخل في سلك ارباب الشرائع ، واطلب من الله تعالى ~~في الخلوات ان يكون معك في الطريق لهذا الهدف ، واستشفع برسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم واهل بيته حتى يفيض ربك عليك التوفيق ، ويمسك بيدك في ~~المزاليق التي تعترضك ، لان هناك مزالق كثيرة PageV01P025 الاربعون حديثا :26 # تعترض الانسان ايام حياته ، ومن الممكن انه في لحظة واحدة يسقط في مزلق ~~مهلك ، يعجز من السعي لانقاذ نفسه ، بل قد لا يهتم بانقاذ نفسه ، بل ربما ~~لا تشمله حتى شفاعة الشافعين . نعوذ بالله منها . ### ||| AUTO فصل: في المشارطة والمراقبة والمحاسبة # ومن الامور الضرورية للمجاهد : «المشارطة والمراقبة والمحاسبة» . ~~فالمشارط هو الذي يشارط نفسه في اول يومه على ان لا يرتكب اليوم اي عمل ~~يخالف اوامر الله ، ويتخذ قرارا بذلك ويعزم عليه . وواضح ان ترك ما يخالف ~~اوامر الله ، ليوم واحد ، امر يسير للغاية ، ويمكن للانسان بيسر ان يلتزم ~~به . فاعزم وشارط وجرب ، وانظر كيف ان الامر سهل يسير . # ومن الممكن ان يصور لك ابليس اللعين وجنده ان الامر صعب وعسير . فادرك ان ~~هذه هي من تلبيسات هذا اللعين ، فالعنه قلبا وواقعا ، واخرج الاوهام من ~~قلبك ، وجرب ليوم واحد ، فعند ذلك ستصدق هذا الامر . # وبعد هذه المشارطة عليك ان تنتقل الى «المراقبة» ، وكيفيتها هي ان تنتبه ~~طوال مدة المشارطة الى عملك وفقها ، فتعتبر نفسك ملزما بالعمل وفق ما شارطت ~~. واذا حصل لا سمح الله حديث لنفسك بان ترتكب عملا مخالفا لامر الله ، ~~فاعلم ان ذلك من عمل الشيطان وجنده ، فهم يريدونك ان تتراجع عما اشترطته ~~على نفسك ، فالعنهم واستعذ بالله من شرهم ، واخرج تلك الوساوس الباطلة من ~~قلبك ، وقل للشيطان : «اني اشترطت على نفسي ان لا اقوم في هذا اليوم وهو ~~يوم واحد باي عمل يخالف ms015 امر الله تعالى ، وهو ولي نعمتي طول عمري ، فقد ~~انعم وتلطف علي بالصحة والسلامة والامن والطاف اخرى ، ولو اني بقيت في ~~خدمته الى الابد لما اديت حق واحدة منها ، وعليه فليس من اللائق ان لا افي ~~بشرط بسيط كهذا» ، وآمل ان شاء الله ان ينصرف الشيطان ، ويبتعد عنك ، ~~وينتصر جنود الرحمن . # والمراقبة لا تتعارض مع اي من اعمالك كالكسب والسفر والدراسة ، فكن على ~~هذه الحال الى الليل ريثما يحين وقت المحاسبة . # واما «المحاسبة» فهي ان تحاسب نفسك لترى هل اديت ما اشترطت على نفسك مع ~~الله ، ولم تخن ولي نعمتك في هذه المعاملة الجزئية ؟ اذا كنت قد وفيت حقا ، ~~فاشكر الله على هذا التوفيق ، وان شاء الله ييسر لك سبحانه التقدم في امور ~~دنياك وآخرتك ، وسيكون عمل الغد ايسر عليك من سابقه ، فواظب على هذا العمل ~~فترة ، والمامول ان يتحول الى ملكة فيك بحيث يصبح هذا العمل بالنسبة اليك ~~سهلا ويسيرا للغاية ، وستحس عندها باللذة والانس في طاعة الله PageV01P026 الاربعون حديثا :27 # تعالى وترك معاصيه ، وفي هذا العالم بالذات ، في حين ان هذا العالم ليس ~~هو عالم الجزاء لكن الجزاء الالهي يؤثر ويجعلك مستمتعا وملتذا بطاعتك الله ~~وابتعادك عن المعصية . # واعلم ان الله لم يكلفك ما يشق عليك به ، ولم يفرض عليك ما لا طاقة لك به ~~ولا قدرة لك عليه ، لكن الشيطان وجنده يصورون لك الامر وكانه شاق وصعب . # واذا حدث لا سمح الله في اثناء المحاسبة تهاونا وفتورا تجاه ما اشترطت ~~على نفسك ، فاستغفر الله واطلب العفو منه ، واعزم على الوفاء بكل شجاعة ~~بالمشارطة غدا ، وكن على هذا الحال كي يفتح الله تعالى امامك ابواب التوفيق ~~والسعادة ، ويوصلك الى الصراط المستقيم للانسانية . ### ||| AUTO فصل: في التذكر # ومن الامور التي تعين الانسان وبصورة كاملة في مجاهدته للنفس والشيطان ~~، والتي ينبغي للانسان السالك المجاهد الانتباه اليها جيدا هو «التذكر» . ~~وبذكره نختم الحديث عن هذا المقام ، على رغم من انه لا زال هناك الكثير من ~~المواضيع . # والذكرى في هذا المقام ، هي ms016 عبارة عن ذكر الله تعالى ونعمائه التي تلطف ~~بها على الانسان . # واعلم ان احترام المنعم وتعظيمه ، هو من الامور الفطرية التي جبل الانسان ~~عليها والتي تحكم الفطرة بضرورتها ، واذا تامل اي شخص في كتاب ذاته ، لوجده ~~مسطورا فيه انه يجب تعظيم من انعم نعمة على الانسان . وواضح انه كلما كانت ~~النعمة اكبر وكان المنعم اقل غرضا ، كان تعظيمه اوجب واكثر ، حسب ما تحكم ~~به الفطرة . فهناك مثلا فرق واضح في الاحترام والتقدير بين شخص يعطيك ~~«حصانا» تلاحقه عيناه ويرمي من ورائه شيئا ، وبين الذي يهبك مزرعة كاملة ~~ولا يمن عليك . او مثلا ، اذا انقذك طبيب من العمى ، فستقدره وتحترمه بصورة ~~فطرية ، واذا انقذك من الموت كان تقديرك واحترامك له اكثر . # لاحظ الآن ان النعم الظاهرة والباطنة التي تفضل بها علينا مالك الملوك جل ~~شانه لو اجتمع الجن والانس لكي يعطونا واحدة منها لما استطاعوا . وهذه ~~حقيقة نحن غافلون عنها ، فمثلا هذا الهواء الذي ننتفع به ليلا ونهارا ، ~~وحياتنا وحياة جميع الموجودات مرهونة به ، بحيث لو فقد مدة ربع ساعة لما ~~بقي هناك حيوان على قيد الحياة ، هذا الهواء كم هو نعمة عظيمة ، يعجز الجن ~~والانس جميعا عن منحنا مثيلا لها لو ارادوا ان يمنحونا ذلك ؟ وعلى هذا فقس ~~وتذكر قليلا كافة النعم الالهية مثل سلامة البدن والقوى الظاهرية من قبيل ~~البصر والسمع PageV01P027 الاربعون حديثا :28 # والتذوق واللمس ، والقوى الباطنية مثل التخيل والواهمة والعقل وغير ذلك ~~حيث يكون لكل واحدة من هذه النعم منافع خاصة لا حد لها . وجميع هذه النعم ~~وهبنا مالك الملوك اياها دون ان نطلب منه او يمن علينا ، ولم يكتف بهذه ~~النعم بل ارسل الانبياء والرسل والكتب واوضح لنا طريق السعادة والشقاء ~~والجنة والنار ، ووهبنا كل ما نحتاجه في الدنيا والآخرة ، دون ان يكون ~~فقيرا ومحتاجا الى طاعتنا وعبادتنا . فهو سبحانه لا تنفعه الطاعة ولا تضره ~~المعصية ، وطاعتنا ومعصيتنا بالنسبة له على حد سواء ، بل من اجل خيرنا ~~ومنفعتنا نحن يامر وينهي . وبعد تذكر هذه النعم والكثير ms017 الكثير من النعم ~~الاخرى التي يعجز حقا جميع البشر عن احصاء الكليات منها ، فكيف بعدها واحدا ~~واحدا ؟ بعد ذلك يطرح السؤال التالي : الا تحكم فطرتك بوجوب تعظيم منعم ~~كهذا وما هو حكم العقل تجاه خيانة ولي نعمة كهذا ؟! . # ومن الامور الاخرى التي تقرها الفطرة ، احترام الشخص الكبير العظيم ، ~~ويرجع كل هذا الاحترام والتقدير الذي يبديه الناس تجاه اهل الدنيا والجاه ~~والثروة والسلاطين والاعيان ، يرجع الى انهم يرون اولئك كبارا وعظماء ، فاي ~~عظمة تصل الى مستوى عظمة مالك الملوك الذي خلق هذه الدنيا الحقيرة الوضيعة ~~والتي تعتبر من اصغر العوالم واضيق النشئات ، رغم كل ذلك لم يتوصل عقل اي ~~موجود الى ادراك كنهها وسرها حتى الآن ، بل ولم يطلع كبار المكتشفين في ~~العالم بعد ، على اسرار منظومتنا الشمسية هذه ، وهي اصغر المنظومات ولا تعد ~~شيئا قياسا بباقي الشموس . افلا يجب احترام وتعظيم هذا العظيم ، الذي خلق ~~هذه العوالم وآلاف الآلاف من العوالم الغيبية بايماءة ؟! . # ويجب ايضا بالفطرة ، احترام من يكون حاضرا ، ولهذا ترى بان الانسان اذا ~~تحدث لا سمح الله عن شخص بسوء ، في غيبته ، ثم حضر في اثناء الحديث ذلك ~~الشخص ، اختار المتحدث حسب فطرته الصمت ، وابدى له الاحترام . ومن المعلوم ~~ان الله تبارك وتعالى حاضر في كل مكان وتحت اشرافه تعالى تدار جميع ممالك ~~الوجود ، بل ان كل نفس تكون في حضرة الربوبية وكل علم يوجد ضمن محضره ~~سبحانه وتعالى . # فتذكري يا نفسي الخبيثة اي ظلم فظيع ، واي ذنب عظيم تقترفين اذا عصيت مثل ~~هذا العظيم في حضرته المقدسة وبواسطة القوى التي هي نعمه الممنوحة لك ؟ الا ~~ينبغي ان تذوبي من الخجل وتغوري في الارض لو كان لديك ذرة من الحياء ؟ . # اذا : فيا أيها العزيز ؛ كن ذاكرا لعظمة ربك ، وتذكر نعمه والطافه ، ~~وتذكر انك في حضرته وهو شاهد عليك فدع التمرد عليه ، وفي هذه المعركة ~~الكبرى تغلب على جنود الشيطان ، واجعل من مملكتك مملكة رحمانية وحقانية ، ~~واحلل فيها عسكر الحق تعالى محل جنود الشيطان ، كي يوفقك الله تبارك وتعالى ms018 ~~في مقام مجاهدة اخرى ، وفي ميدان معركة اكبر تنتظرنا PageV01P028 الاربعون حديثا :29 # وهي الجهاد مع النفس في العالم الباطن ، وفي المقام الثاني للنفس ، وهذا ~~ما سنشير اليه لاحقا ان شاء الله . واكرر التذكير بانه في جميع الاحوال لا ~~تعلق على نفسك الآمال لانه لا ينهض احد بعمل غير الله تعالى . فاطلب من ~~الحق تعالى نفسه بتضرع وخشوع ، كي يعنيك في هذه المجاهدة لعلك تنتصر . انه ~~ولي التوفيق . ### || AUTO المقام الثاني: وفيه عدة فصول ايضا ### ||| AUTO فصل: صراع جنود الرحمن مع جنود الشيطان الباطنية النفسية # اعلم ان للنفس الانسانية مملكة (عالما) ومقاما آخر ، وهي مملكتها ~~الباطنية ونشاتها الملكوتية ، وفيها تكون جنود النفس اكثر واهم مما في ~~مملكة الظاهر ، والصراع والنزاع فيها بين الجنود الرحمانية والشيطانية اعظم ~~والغلبة والانتصار فيها اشد واهم ، بل وان كل ما في مملكة الظاهر قد تنزل ~~من هناك وتظهر في عالم الملك . واذا تغلب اي من الجند الرحماني او الشيطاني ~~في تلك المملكة ، يتغلب ايضا في هذه المملكة . وجهاد النفس في هذا المقام ~~مهم للغاية ، عند المشايخ العظام من اهل السلوك والاخلاق ، بل ويمكن اعتبار ~~هذا المقام منبع جميع السعادات والتعاسات ، والدرجات والدركات . # ويجب على الانسان الالتفات كثيرا الى نفسه في هذا الجهاد . فمن الممكن ~~لا سمح الله ان تسفر هزيمة الجنود الرحمانية في تلك المملكة وتركها خالية ~~للغاصبين والمحتلين من جنود الشيطان ، عن الهلاك الدائم للانسان بالصورة ~~التي يستحيل معها تلافي الخسارة ، ولا تشمله شفاعة الشافعين ، وينظر اليه ~~ارحم الراحمين ايضا بعين الغضب والسخط نعوذ بالله من ذلك بل ويصبح شفعاؤه ~~خصماءه ، وويل لمن كان شفيعه خصمه . # ويعلم الله اي عذاب وظلمات وشدائد وتعاسات تلي هذا الغضب الالهي ، وتعقب ~~معاداة اولياء الله حيث تكون كل نيران جهنم وكل الزقوم والافاعي والعقارب ~~لا شيء امام هزيمة جنود الرحمان من قبل جنود الشيطان التي تترتب عليها ~~عقوبات تفوق جميع نيران جهنم والزقوم والافاعي . والعياذ بالله من ان يصب ~~على رؤوسنا نحن الضعفاء والمساكين ذلك العذاب الذي يخبر عنه ms019 الحكماء ~~والعرفاء واهل الرياضة والسلوك ، فان جميع اشكال العذاب التي تتصورونها ، ~~يسيرة وسهلة في مقابله ، وجميع النيران التي سمعتم بها ، جنة ورحمة في ~~قباله وبالنسبة الى ذلك العذاب . PageV01P029 # الاربعون حديثا :30 # ان وصف النار والجنة الوارد في كتاب الله واحاديث الانبياء والاولياء ، ~~يتعلق غالبا بنار الاعمال وجنتها اللتين اعدتا للاعمال الصالحة والسيئة . ~~وهناك اشارة خفية ايضا الى جنة الاخلاق ونارها ، واهميتهما اكبر ، واحيانا ~~يشار ايضا الى جنة اللقاء ونار الفراق ، وهذه اهم من الجميع ، ولكنها ~~اشارات محجوبة عنا ولها اهلها ، وانا وانت لسنا من اهلها ، ولكن من الاجدر ~~بنا ان لا نكون منكرين لها . وليكن لدينا ايمان بكل ما قاله الله تعالى ~~واولياؤه . اذ يكون في هذا الايمان الاجمالي نفع لنا . ومن الممكن ان يكون ~~الانكار في غير محله ، والرفض في غير موقعه الصادرين عن غير علم وفهم ، ~~اضرار كبيرة جدا علينا . وهذا الدنيا ليست هي بعالم الالتفات لتلك الاضرار ~~، فمثلا عند سماعك الحكيم الفلاني او العارف الفلاني او المرتاض الفلاني ، ~~يقول شيئا لا يتلاءم وذوقك الخاص ، فلا تحكم عليه فورا بالبطلان والوهم ، ~~فقد يكون لذلك القول اصل في الكتاب والسنة ولكن عقلك لم يطلع عليه بعد . # فما الفرق بين ان يفتي فقيه بفتوى في باب الديات وانتم لم تعرفوها ، فمن ~~دون مراجعة دليله تردونه ، وبين ان يقول شخص سالك الى الله او عارف بالله ، ~~قولا يتعلق بالمعارف الالهية او باحوال الجنة والنار ، وانتم ودون مراجعة ~~لدليله لا تردونه فحسب بل وتهينونه او تتجرأون عليه ؟ فمن الممكن لذلك ~~الشخص وهو من اهل ذلك الوادي وصاحب ذلك الفن ان يكون له دليل من كتاب الله ~~، او من احاديث الائمة ، ولكنك لم تطلع عليه بعد ، ففي هذه الحالة تكون قد ~~رددت على الله ورسوله دون مبرر مقبول . ومعلوم ان الاحتجاج باسلوب «ان ذلك ~~لا يتلاءم مع ذوقي» او «لم يصل اليه علمي» او «سمعت خلاف ذلك من الخطباء» ، ~~فان هذا كله لا يشكل عذرا مقبولا . وعلى اي حال لنرجع الى صلب الموضوع ms020 . # فما قالوه بشان جنة الاخلاق والملكات ، وجهنم الاخلاق والدركات ، مصيبة ~~لا يطيق العقل حتى سماعها . # اذا فيا ايها العزيز ؛ فكر ، وابحث عن العلاج ، واعثر على سبيل نجاتك ~~ووسيلة خلاصك ، واستعن بالله ارحم الراحمين ، واطلب من الذات المقدس ، في ~~الليالي المظلمة ، بتضرع وخضوع ان يعينك في هذا لاجهاد المقدس مع النفس ، ~~لكي تتغلب ان شاء الله ، وتجعل مملكة وجودك رحمانية ، وتطرد منها جنود ~~الشيطان ، وتسلم الدار الى صاحبها حتى يفيض الله عليك السعادة والبهجة ~~والرحمة التي يهون الى جانبها كل ما سمعت عن وصف الجنة والحور والقصور ، ~~وتلك هي السلطة الالهية العامة التي اخبر عنها اولياء الله من هذه الامة ~~الحنيفة ، مما لم يطرق سمع احد ولم يخطر على قلب بشر . PageV01P030 # الاربعون حديثا :31 ### ||| AUTO فصل: اشارة الى بعض القوى الباطنية # اعلم ان الله تبارك وتعالى قد خلق بيد قدرته وحكمته في عالم الغيب وباطن ~~النفس ، قوى لها منافع لا تحصى . ومورد بحثنا هنا هو ما يتعلق بهذه القوى ~~الثلاث ، وهي : «الوهمية ، والغضبية والشهوانية» ، ولكل واحدة من هذه القوى ~~منافع كثيرة لاجل حفظ النوع والشخص واعمار الدنيا والآخرة كما ذكر ذلك ~~العلماء . والآن لا حاجة لنا بذلك ، والذي يلزم ان انبه عليه في هذا المقام ~~هو ان هذه القوى الثلاث هي منبع جميع الملكات الحسنة والسيئة ، واصل جميع ~~الصور الغيبية الملكوتية . وتفصيل هذا الاجمال هو ان الانسان كما ان له في ~~هذه الدنيا صورة ملكية دنيوية ، خلقها الله تبارك وتعالى على كمال الحسن ~~والجمال والتركيب البديع ، والمتحيرة ازاءه عقول جميع الفلاسفة والعظماء ، ~~والذي لم يستطع علم معرفة الاعضاء والتشريح حتى الآن ان يتعرف على حاله ~~بصورة صحيحة ، وقد ميزه الله تعالى عن جميع المخلوقات بحسن التقويم وجودة ~~جمال المنظر ، كذلك فان له اي للانسان صورة وهيئة وشكلا ملكوتيا غيبيا ، ~~وهذه الصورة تابعة لملكات النفس والخلقة الباطنية . # وفي عالم ما بعد الموت سواء في البرزخ او القيامة اذا كانت خلقة ~~الانسان في الباطن والملكة والسريرة انسانية ، تكون الصورة الملكوتية له ~~صورة انسانية ms021 ايضا . واما اذا لم تكن ملكاته ملكات انسانية ، فصورته في ~~عالم ما بعد الموت تكون غير انسانية ايضا ، وهي تابعة لتلك السريرة ~~والملكة . فمثلا اذا غلبت على باطنه ملكة الشهوة والبهيمية ، واصبح حكم ~~مملكة الباطن حكم البهيمة ، كانت صورة الانسان الملكوتية على صورة احدى ~~البهائم التي تتلاءم وذلك الخلق . واذا غلبت على باطنه وسريرته ملكة الغضب ~~والسبعية ، وكان حكم مملكة الباطن والسريرة حكما سبعيا ، كانت صورته ~~الغيبية الملكوتية صورة احد السباع والبهائم . واذا اصبح الوهم والشيطنة ~~هما الملكة ، واصحبت للباطن والسريرة ملكات شيطانية كالخداع والتزوير ~~والنميمة والغيبة ، تكون صورته الغيبية الملكوتية على صورة احد الشياطين ~~بما يتناسب وتلك الصورة . # ومن الممكن احيانا ان تتركب الصورة الملكوتية من ملكتين او عدة ملكات ، ~~وفي هذه الحالة لا تكون على صورة اي من الحيوانات ، بل تتشكل له صورة غيبية ~~هذه الصورة بهيئتها المرعبة المدهشة والسيئة المخيفة لن يكون لها مثيل في ~~هذا العالم . # ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان بعض الناس يحشرون يوم ~~القيامة على صور تكون اسوا من صور القردة ، بل وقد تكون لشخص واحد عدة صور ~~في ذلك العالم ، لان PageV01P031 الاربعون حديثا :32 # ذلك العالم ليس كهذا العالم ، حيث لا يمكن لاي شيء ان يتقبل اكثر من صورة ~~واحدة له ، وهذا الامر يطابق البرهان وثابت في محله ايضا . # واعلم ان المعيار لهذه الصور المختلفة والتي تعد صورة الانسان واحدة ~~منها ، والباقي صور اشياء اخرى هو وقت خروج الروح من هذا الجسد ، وظهور ~~مملكة البرزخ ، واستيلاء سلطان الآخرة ، والذي اوله في البرزخ عند خروج ~~الروح من الجسد ، فباية ملكة يخرج بها من الدنيا ، تتشكل على ضوئها صورته ~~الاخروية ، وتراه العين الملكوتية في البرزخ ، وهو نفسه ايضا عندما يفتح ~~عينه في برزخه ، ينظر الى نفسه بالصورة التي هو عليها في ذلك العالم اذا ~~كان لديه بصر . وليس من المحتم ان تكون صورة الانسان في ذلك العالم على نفس ~~تلك الصورة التي كان عليها في هذه الدنيا . يقول سبحانه وتعالى ms022 على لسان ~~البعض : «قال رب لم حشرتني اعمى وقد كنت بصيرا» ، فياتيه الجواب من الله ~~: «قال كذلك اتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى» (1) . # فيا ايها المسكين ؛ قد كانت لديك عين ملكية ظاهرة البصر ، ولكنك في باطنك ~~وملكوتك كنت اعمى ، وقد ادركت الآن هذا الامر ، والا فانك كنت اعمى منذ ~~البداية ، لم تكن لديك عين البصيرة الباطنية التي ترى بها آيات الله . # ايها المسكين ! انت ذو قامة متناسقة وصورة جميلة في التركيب الملكي . ~~ومعيار الملكوت والباطن غير هذا . عليك ان تحرز الاستقامة الباطنية كي تكون ~~مستقيم القامة في يوم القيامة . يجب ان تكون روحك روحا انسانية كي تكون ~~صورتك في عالم البرزخ صورة انسانية ... انت تظن ان عالم الغيب والباطن وهو ~~عالم كشف السرائر وظهور الملكات مثل عالم الظاهر والدنيا ، حيث يمكن ان ~~يقع الخلط والاشتباه ... ان عينيك واذنيك ويديك ورجليك وسائر اعضاء جسدك ، ~~جميعها ، ستشهد عليك بما فعلت ، بالسنة ملكوتية ، بل وبعضها بصور ملكوتية . # ايها العزيز ؛ إفتح سمع قلبك ، وشد حزام الهمة على وسطك ، وارحم حال ~~مسكنتك ، لعلك تستطيع ان تجعل من نفسك انسانا ، وان تخرج من هذا العالم ~~بصورة آدمية ، لتكون عندها من اهل الفلاح والسعادة ، وحذارى من ان تتصور ان ~~كل ما تقدم هو موعظة وخطابة . فهذا كله هو نتيج ادلة فلسفية توصل اليه ~~الحكماء العظام . وكشف ، انكشف لاصحاب الرياضات ، واخبار عن الصادقين ~~والمعصومين . # وليس المقصود من هذه الاوراق ان تكون محلا لاقامة الدليل ونقل الاخبار ~~والآثار بصورة مفصلة . PageV01P032 # الاربعون حديثا :33 ### ||| AUTO فصل: في بيان لجم الانبياء لطبيعة الانسان # اعلم ان الوهم والغضب والشهوة من الممكن ان تكون من الجنود الرحمانية ، ~~وتؤدي الى سعادة الانسان وتوفيقه اذا سلمتها للعقل السليم وللانبياء العظام ~~، ومن الممكن ان تكون من الجنود الشيطانية اذا تركتها وشانها ، واطلقت ~~العنان للوهم ليتحكم في القوتين الاخريين : الغضب والشهوة . # وايضا لم يعد خافيا ان ايا من الانبياء العظام (عليهم السلام) لم يكبتوا ~~الشهوة والغضب والوهم بصورة مطلقة ، ولم يقل اي داع الى الله حتى الآن ms023 ، ~~بان الشهوة يمكن ان تقتل بصورة عامة ، وان يخمد اوار الغضب بصورة كاملة ، ~~وان يترك تدبير الوهم ، بل قالوا : [يجب السيطرة عليها حتى تؤدي واجبها في ~~ظل ميزان العقل والدستور الالهي] لان هذه القوى كل واحدة منها تريد ان تنجز ~~عملها وتنال غايتها ولو استلزم ذلك الفساد والفوضى . فمثلا النفس البهيمية ~~المنغمسة في الشهوة الجامحة التي مزقت عنانها ، هذه النفس تريد ان تحقق ~~هدفها ومقصودها ولو كان ذلك يتم بواسطة الزنا بالمحصنات وفي الكعبة ~~(والعياذ بالله) . والنفس الغضوب ، تريد ان تنجز ما تريده حتى ولو استلزم ~~ذلك قتل الانبياء والاولياء . والنفس ذات الوهم الشيطاني تريد ان تؤدي ~~عملها حتى ولو استلزم ذلك الفساد في الارض ، وقلب العالم بعضه على بعض . # لقد جاء الانبياء (عليهم السلام) ، واتوا بقوانين ، وانزلت عليهم الكتب ~~السماوية ، من اجل الحيلولة دون الاطلاق والافراط في الطبائع ، ومن اجل ~~اخضاع النفس الانسانية لقانون العقل والشرع وترويضها وتاديبها حتى لا يخرج ~~تعاملها عن حدود العقل والشرع . # اذا ؛ فكل نفس كيفت ملكاتها وفق القوانين الالهية والمعايير العقلية ، ~~فهي سعيدة ومن اهل النجاة ، والا فليستعذ الانسان بالله من ذلك الشقاء وسوء ~~التوفيق وتلك الظلمات والشدائد المقبلة ، ومنها تلك الصور المرعبة والمذهلة ~~التي تصاحبه في البرزخ والقبر والقيامة وجهنم ، والتي نتجت عن الملكات ~~والاخلاق الفاسدة التي لازمته . ### ||| AUTO فصل: في بيان السيطرة على الخيال # اعلم ان اول شرط للمجاهد في هذا المقام والمقامات الاخرى ، والذي يمكن ان ~~يكون اساس الغلبة على الشيطان وجنوده ، هو حفظ طائر الخيال ، لان هذا ~~الخيال طائر محلق يحط في كل آن على غصن ، يجلب الكثير من الشقاء . وانه من ~~احدى وسائل الشيطان التي جعل PageV01P033 الاربعون حديثا :34 # الانسان بواسطتها مسكينا عاجزا ودفعت به نحو الشقاء . # وعلى الانسان المجاهد الذي نهض لاصلاح نفسه ، واراد ان يصفي باطنه ، ~~ويفرغه من جنود ابليس ، عليه ان يمسك بزمامه خياله وان لا يسمح له بان يطير ~~حيثما شاء ، وعليه ان يمنع من اعتراضه للخيالات الفاسدة والباطلة ، كخيالات ~~المعاصي والشيطنة ، وان يوجه خياله ms024 دائما نحو الامور الشريفة ، وهذا الامر ~~ولو انه قد يبدو في البداية صعبا بعض الشيء ، ويصوره الشيطان وجنوده لنا ~~وكانه امر عظيم ، ولكنه يصبح يسيرا ، بعد شيء من المراقبة والحذر . # ان من الممكن لك من باب التجربة ان تسيطر على جزء من خيالك ، وتنتبه به ~~جيدا . فمتى ما اراد ان يتوجه الى امر وضيع ، فاصرفه نحو امور اخرى ~~كالمباحات او الامور الراجحة الشريفة . فاذا رايت انك حصلت على نتيجة فاشكر ~~الله تعالى على هذا التوفيق ، وتابع سعيك ، لعل ربك يفتح لك برحمته الطريق ~~امامك للملكوت وتهتدي الى صراط الانسانية المستقيم ، ويسهل عليك مهمة ~~السلوك اليه سبحانه وتعالى . # وانتبه الى ان الخيالات الفاسدة القبيحة والتصورات الباطلة هي من القاءات ~~الشيطان ، الذي يريد ان يوطن جنوده في مملكة باطنك . فعليك ايها المجاهد ضد ~~الشيطان وجنوده ، وانت تريد ان تجعل من صفحة نفسك مملكة إلهية رحمانية ، ~~عليك ان تحذر كيد هذا اللعين ، وان تبعد عنك هذه الاوهام المخالفة لرضا ~~الله تعالى ، حتى تنتزع ان شاء الله هذا الخندق المهم جدا من يد الشيطان ~~وجنوده في هذه المعركة الداخلية . فهذا الخندق بمنزلة الحد الفاصل ، فاذا ~~تغلبت هنا فتامل خيرا . # ايها العزيز ... استعن بالله تبارك وتعالى في كل آن ولحظة ، واستغث بحضرة ~~معبودك ، واطلب منه بعجز والحاح ... # اللهم ... ان الشيطان عدو عظيم ، كان له ولا يزال طمع بانبيائك واوليائك ~~العظام . # اللهم ... فاعني واناعبدك الضعيف المبتلي بالاوهام الباطلة والخيالات ~~والخرافات العاطلة ، كي استطيع ان اجابه هذا العدو القوي . # اللهم ... وساعدني في ساحة المعركة مع هذا العدو القوي الذي يهدد سعادتي ~~وانسانيتي ، لكي استطيع ان اطرد جنوده من المملكة العائدة لك ، واقطع يد ~~هذا الغاصب من البيت المختص بك . ### ||| AUTO فصل: في الموازنة # ومن الامور التي تعين الانسان في هذا السلوك ، والتي يجب عليه الانتباه ~~بها ، هي «الموازنة» فالموازنة هي ان يقارن الانسان العاقل بين منافع ومضار ~~كل واحدة من الاخلاق PageV01P034 الاربعون حديثا :35 # الفاسدة والملكات الرذيلة التي تنشا عن الشهوة والغضب والوهم عندما تكون ~~حرة وتحت ms025 تصرف الشيطان وبين منافع ومضار كل واحدة من الاخلاق الحسنة ~~والفضائل النفسية ، والملكات الفاضلة والتي هي وليدة تلك القوى الثلاث ~~عندما تكون تحت تصرف العقل والشرع ، ليرى على اي واحدة منها يصح الاقدام ~~ويحسن العمل ؟! . # فمثلا ، ان النفس ذات الشهوة المطلقة العنان التي ترسخت فيها اي في ~~النفس واصبحت ملكة ثابتة لها ، وتولدت منها ملكات كثيرة في ازمنة متطاولة ~~، هذه النفس لا تتورع عن اي فجور تصل يدها اليه ، ولا تعرض عن اي مال ~~ياتيها ، ومن اي طريق كان ، وترتكب كل ما يوافق رغبتها وهواها مهما كان ~~ولو استلزم ذلك اي امر فاسد . # ومنافع الغضب الذي اصبح ملكة للنفس ، وتولدت منه ملكات ورذائل اخرى ، ~~منافعه هي انه يظلم بالقهر والغلبة كل من تصل اليه يده ، ويفعل ما يقدر ~~عليه ضد كل شخص يبدي ادنى مقاومة ، ويثير الحرب باقل معارضة له ، ويبعد ~~المضرات وما لا يلائمه ، باية وسيلة مهما كانت ، ولو ادى ذلك الى وقوع ~~الفساد في العالم . وعلى هذا النحو تكون منافع النفس لصاحب الواهمة ~~الشيطانية الذي ترسخت فيه هذه الملكة . فهو ينفذ عمل الغضب والشهوة باية ~~شيطنة وخدعة كانت ، ويسيطر على عباد الله باية خطة باطلة كانت ، سواء ~~بتحطيم عائلة ما ، او بإبادة مدينة او بلاد ما . # هذه هي منافع تلك القوى عندما تكون تحت تصرف الشيطان ، ولكن عندما تفكرون ~~بصورة صحيحة ، وتلاحظون احوال هؤلاء الاشخاص ، تجدون ان اي شخص مهما كان ~~قويا ، ومهما حقق من آماله وامانيه فانه رغم ذلك لا يحصل على واحد من ~~الالف من آماله ، بل ان تحقق الآمال ووصول اي شخص الى امانيه ، امر مستحيل ~~في هذا العالم ، فان هذا العالم هو «دار التزاحم» وان مواده تتمرد على ~~الارادة . كما ان ميولنا وامنياتنا ايضا لا يحدها حد ، فمثلا ان القوة ~~الشهوية في الانسان ، هي بالصورة التي لو كانت بيده نساء مدينة كاملة بفرض ~~المحال لتوجه الى نساء مدينة اخرى ايضا ، واذا اصبحت بلاد باكملها من ~~نصيبه لتوجه الى بلاد اخرى ، وعلى الدوام تجده يطلب ms026 ما لا يملك ، رغم ان ~~ذلك من فرض المحال انه مجرد خيال ، ومع هذا يبقى مرجل الشهوة مشتعلا ، وان ~~الانسان لم يصل بعد الى امنيته . وهكذا بالنسبة الى القوة الغضبية فانها قد ~~خلقت في الانسان بالصورة التي لو انه اصبح يملك الرقاب بشكل مطلق في مملكة ~~ما ، لذهب الى مملكة اخرى لم يسيطر عليها بعد ، بل ان كل ما يحصل عليه يزيد ~~من هذه القوة فيه . وعلى كل منكر لهذه الحقيقة ان يراجع حاله وحال اهل ~~هذا العالم ، كالسلاطين ، والمتمولين ، واصحاب القوة والجاه ، وحينذاك ~~سيصدق كلامنا هذا . PageV01P035 # الاربعون حديثا :36 # اذا ، فالانسان هو على الدوام عاشق لما لا يملك ولما ليس في يده ، وهذه ~~فطرة اثبتها المشايخ العظام وحكماء الاسلام الكبار خصوصا استاذنا وشيخنا في ~~المعارف الالهية سماحة العارف الكامل «ميرزا محمد علي شاه آبادي» روحي له ~~الفداء ، واثبتوا بها الكثير من المعارف الالهية وهي لا ترتبط بموضوعنا . # وعلى اي حال ؛ فلو وصل الانسان الى اهدافه ، فكم يدوم تمتعه واستفادته ~~منها ؟ والى متى تبقى قوى شبابه ؟ # عندما ينقضي ربيع العمر ، ويحل خريفه ، تذهب القوة من الاعضاء ، وتتعطل ~~الحاسة الذائقة ، وتتعطل العين والاذن وحاسة اللمس وباقي الحواس ، وتصبح ~~اللذات عموما ناقصة او تفنى اصلا ، وتهجم الامراض المختلفة ، فلا تستطيع ~~اجهزة الهضم والجذب والدفع والتنفس ان تؤدي عملها بشكل صحيح . ولا يبقى ~~للانسان ، شيئ سوى انات التاوه الباردة والقلب المملوء بالالم والحسرة ~~والندم . # اذا ؛ فمدة استفادة الانسان من تلك القوى الجسمانية لا تتجاوز الثلاثين ~~او الاربعين عاما بالنسبة الى اقوياء البنية والاصحاء السالمين ، وهي فترة ~~ما بعد فهم الانسان وتمييزه الحسن من القبيح الى زمن تعطيل القوى او ~~نقصانها ، وهذا يصح اذا لم يصطدم بالامراض والمشاكل الاخرى التي نراها ~~يوميا ونحن غافلون عنها . # وافترض لكم بصورة عاجلة ، فرضية خيالية (وهذا ايضا ليس له واقع) افترض ~~لكم عمرا هو مائة وخمسون عاما ، مع توافر جميع اسباب الشهوة والغضب ~~والشيطنة ، وافترض بانه لا يعترضكم اي شيء غير مرغوب فيه ، ولا يحدث اي شيء ~~يخالف ms027 هدفكم ، ومع هذه الفرضية ، ماذا ستكون عاقبتكم بعد انقضاء هذه المدة ~~القصيرة والتي تمر مر الرياح ؟! فماذا ادخرتم من تلك اللذات لاجل حياتكم ~~الدائمية ؟! لاجل يوم عجزكم ويوم فقركم ووحدتكم ؟! لاجل برزخكم وقيامتكم ، ~~لاجل لقاءكم بملائكة الله واوليائه وانبيائه ؟! هل ادخرتم سوى الاعمال ~~القبيحة المنكرة ، والتي ستقدم لكم صورها في البرزخ والقيامة ، وهي الصور ~~التي لا يعلم حقيقتها الا الله تبارك وتعالى ؟ # ان جميع نيران جهنم ، وعذاب القبر والقيامة وغيرها مما سمعت هي جهنم ~~اعمالك التي تراها هناك كما يقول تعالى : «... ووجدوا ما عملوا حاضرا ...» (1) . # لقد اكلت مال اليتيم وتلذذت بذلك ولكن الله وحده يعلم ما هي صورة هذا ~~العمل في ذلك العالم والتي ستراها في جهنم ، وما هي اللذة التي ستكون نصيبك ~~هناك ؟ الله يعلم اي PageV01P036 الاربعون حديثا :37 # عذاب شديد ينتظرك بسبب تعاملك السيئ مع الناس وظلمك لهم في ذلك العالم ؟ ~~ستفهم اي عذاب قد اعددت لنفسك بنفسك ، عندما اغتبت ؟ فان الصورة الملكوتية ~~لهذا العمل قد اعدت لك وسترد عليك وتحشر معها ، وستذوق عذابها ، وهذه هي ~~جهنم الاعمال وهي يسيرة وسهلة وباردة وملائمة للعاصين ، واما الذين زرعوا ~~في نفوسهم الملكة الفاسدة والرذيلة السيئة الباطلة ، كالطمع والحرص والجدال ~~والشره وحب المال والجاه والدنيا وباقي الملكات ، فلهم جهنم لا يمكن تصورها ~~، لان تصورها لتلك الملكات لا يمكن ان تخطر على قلبي وقلبك ، بل تظهر النار ~~من باطن النفس ذاتها ، واهل جهنم انفسهم يفرون رعبا من عذاب اولئك . وفي ~~بعض الروايات الموثقة ان هناك في جهنم واديا للمتكبرين يقال له «سقر» ، وقد ~~شكا الوادي الى الله تعالى من شدة الحرارة وطلب منه سبحانه ان ياذن له ~~بالتنفس ، وبعد ان اذن له تنفس ، فاحرق سقر ، جهنم (1) . # واحيانا تصبح هذه الملكات سببا في ان يخلد الانسان في جهنم لانها تسلبه ~~الايمان ، كالحسد الذي ورد في رواياتنا الصحيحة عن ابي عبد الله عليه ~~السلام قال : ان الحسد ياكل الايمان كما تاكل النار الحطب (2) . وكحب ~~الدنيا والجاه والمال الذي ورد في الروايات الصحيحة انها اكثر ms028 اهلاكا لدين ~~المؤمن من ذئبين اطلقا على قطيع بلا راع ، فوقف احدهما في اول القطيع ~~والثاني في آخره ... عن ابي عبد الله عليه السلام ما ذئبان ضاريان في غنم ~~قد فارقها رعاؤها احدهما في اولها والآخر في آخرها فافسد فيها من حب المال ~~والشرف في دين المسلم (3) . # نسال الله ان لا تؤول عاقبة المعاصي الى الملكات والاخلاق الظلمانية ~~القبيحة ، والتي تؤول الى فقدان الايمان وموت الانسان كافرا ، لان جهنم ~~الكافر وجهنم العقائد الباطلة اشد بدرجات واكثر احراقا وظلمة من ذينيك ~~الجهنمين اللذين مر ذكرهما (جهنم الاعمال ، وجهنم الملكات الفاسدة) . # ايها العزيز ... لقد ثبت في العلوم العالية ان درجات الشدة غير محدودة ، ~~فمهما تتصور انت ومهما تتصور العقول باسرها شدة العذاب ، فوجود عذاب اشد ~~امر ممكن ايضا ، واذا لم تر برهان الحكماء ، ولم تصدق كشف اهل الرياضات ، ~~فانت بحمد الله مؤمن تصدق الانبياء صلوات الله عليهم ، وتقر بصحة الاخبار ~~الواردة في الكتب المعتبرة التي يقبلها جميع علماء الامامية ، وتقر صحة ~~الادعية والمناجاة الواردة عن الائمة المعصومين سلام الله عليهم . انت PageV01P037 الاربعون حديثا :38 # الذي رايت مناجاة مولى المتقين امير المؤمنين سلام الله عليه ، ورايت ~~مناجاة سيد الساجدين عليه السلام في دعاء ابي حمزة الثمالي ... فتامل قليلا ~~في مضمونها ، وفكر قليلا في محتواها ، وتمعن قليلا في فقراتها ، فليس ~~ضروريا ان تقرا دعاء طويلا دفعة واحدة وبسرعة دون تفكر في معانيه . انا ~~وانت ليس لدينا حال سيد الساجدين عليه السلام كي نقرا تلك الادعية المفصلة ~~بشوق واقبال ، اقرا في الليلة ربع ذلك او ثلثه وفكر في فقراته ، لعلك تصبح ~~صاحب شوق واقبال وتوجه ، وفوق ذلك كله فكر قليلا في القرآن ، وانظر اي عذاب ~~وعد به بحيث ان اهل جهنم يطلبون من الملك الموكل بجهنم ان ينتزع منهم ~~ارواحهم ، ولكن هيهات فلا مجال للموت .. انظر الى قوله تعالى«... يا حسرتي ~~على ما فرطت في جنب الله ، وان كنت لمن الساخرين». (1) # فاية حسرة هذه التي يذكرها الله تعالى بتلك العظمة وبهذا التعبير ؟ تدبر ~~في هذه ms029 الآية القرآنية الشريفة ولا تمر عليها دون تامل . وتدبر ايضا آية ~~«يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما ارضعت ، وتضع كل ذات حمل حملها ، وترى الناس ~~سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد». (2) # حقا فكر يا عزيزي ! القرآن استغفر الله ليس بكتاب قصة ، ولا بممازح ~~لاحد ، انظر ما يقول ... اي عذاب هذا الذي يصفه الله تبارك وتعالى وهو ~~العظيم الذي لا حد ولا حصر لعظمته ولا انتهاء لعزته وسلطانه ، يصفه بانه ~~شديد وعظيم ... فماذا وكيف سيكون ؟! الله يعلم ، لان عقلي وعقلك وعقول جميع ~~البشر عاجزة عن تصوره . ولو راجعت اخبار اهل بيت العصمة والطهارة وآثارهم ، ~~وتاملت فيها ، لفهمت ان قضية عذاب ذلك العالم ، هي غير انواع العذاب التي ~~فكرت فيها ، وقياس عذاب ذلك العالم بعذاب هذا العالم ، قياس باطل وخاطئ . # وهنا انقل لك حديثا شريفا عن الشيخ الجليل صدوق الطائفة ، لكي تعرف ماهية ~~الامر وعظمة المصيبة مع ان هذا الحديث يتعلق بجهنم الاعمال وهي ابرد من ~~جميع النيران ، وعليك ان تعلم اولا ان الشيخ الصدوق الذي ينقل عنه الحديث ، ~~هو الشخص الذي يتصاغر امامه جميع العلماء الاعلام ، اذ يعرفونه بجلالة ~~القدر . وهذا الرجل العظيم هو المولود بدعاء امام العصر عليه السلام ، وهو ~~الذي حظي بالطاف الامام المهدي عليه السلام وعجل الله تعالى فرجه الشريف ~~واني اروي الحديث بطرق متعددة عن كبار علماء الامامية رضوان الله عليهم ~~باسناد متصلة بالشيخ الصدوق ، والمشايخ ما بيننا وبين الصدوق (ره) ، جميعهم من PageV01P038 الاربعون حديثا :39 # كبار الاصحاب وثقاتهم . اذا فعليك الاهتمام بهذا الحديث ان كنت من اهل ~~الايمان . # روي الصدوق ، باسناده عن مولانا الصادق عليه السلام ، قال : بينا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم قاعدا اذ اتاه جبرئيل وهو كئيب حزين ~~متغير اللون فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا جبرئيل ما لي ~~اراك كئيبا حزينا ؟ فقال : يا محمد فكيف لا اكون كذلك وانما وضعت منافيخ ~~جهنم اليوم . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وما منافيخ جهنم ms030 يا ~~جبرئيل ؟ فقال : ان الله تعالى امر بالنار فاوقد عليها الف عام حتى احمرت ، ~~ثم امر بها فاوقد عليها الف عام حتى ابيضت ثم امر بها فاوقد عليها الف عام ~~حتى اسودت وهي سوداء مظلمة . فلو ان حلقة من السلسلة التي طولها سبعون ~~ذراعا وضعت على الدنيا ، لذابت الدنيا من حرها ولو ان قطرة من الزقوم ~~والضريع قطرت في شراب اهل الدنيا لماتوا من نتنها . قال : فبكى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وبكى جبرئيل فبعث الله اليهما ملكا ، فقال : ان ~~ربكما يقراكما السلام ويقول : اني امنتكما من ان تذنبا ذنبا اعذبكما عليه (1) . # ايها العزيز ... ان امثال هذا الحديث الشريف كثيرة ، ووجود جهنم والعذاب ~~الاليم من ضروريات جميع الاديان ومن البراهين الواضحة ، وقد راى نماذج لها ~~في هذا العالم اصحاب المكاشفة وارباب القلوب . ففكر وتدبر بدقة في مضمون ~~هذا الحديث القاصم للظهر ، فاذا احتملت صحته ، الا ينبغي لك ان تهيم في ~~الصحاري ، كمن اصابه المس ؟! . ماذا حدث لنا لكي نبقى الى هذا الحد في نوم ~~الغفلة والجهالة ؟! أنزلت علينا كرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وجبرئيل ملائكة اعطتنا الامان من عذاب الله في حين ان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم واولياء الله لم يقر لهم قرار الى آخر اعمارهم من خوف الله ~~، وما كان لهم نوم ولا طعام ؟ علي بن الحسين وهو امام معصوم ، يقطع القلوب ~~بنحيبه وتضرعه ومناجاته وعجزه وبكائه ، فماذا دهانا وصرنا لا نستحي ابدا ، ~~فنهتك في محضر الربوبية كل هذه المحرمات والنواميس الالهية ؟ فويل لنا من ~~غفلتنا ، وويل لنا من شدة سكرات الموت ، وويل لحالنا في البرزخ وشدائده ، ~~وفي القيامة وظلماتها ويا ويل لحالنا في جهنم وعذابها وعقابها . ### ||| AUTO فصل: في معالجة المفاسد الاخلاقية # ايها العزيز ؛ انهض من نومك ، وتنبه من غفلتك ، واشدد حيازيم الهمة ، ~~واغتنم الفرصة ما دام هناك مجال ، وما دام في العمر بقية ، وما دامت قواك ~~تحت تصرفك ، وشبابك موجودا ، ولم تتغلب عليك بعد الاخلاق الفاسدة ، ولم ~~تتاصل فيك الملكات ms031 الرذيلة ، فابحث عن PageV01P039 الاربعون حديثا :40 # العلاج ، واعثر على الدواء لازالة تلك الاخلاق الفاسدة والقبيحة ، وتلمس ~~سبيلا لالطفاء نائرة الشهوة والغضب ... # وافضل علاج لدفع هذه المفاسد الاخلاقية ، هو ما ذكره علماء الاخلاق واهل ~~السلوك ، وهو ان تاخذ كل واحدة من الملكات القبيحة التي تراها في نفسك ، ~~وتنهض بعزم على مخالفة النفس الى امد ، وتعمل عكس ما ترجوه وتتطلبه منك تلك ~~الملكة الرذيلة . # وعلى اي حال ؛ اطلب التوفيق من الله تعالى لاعانتك في هذا الجهاد ، ولا ~~شك في ان هذا الخلق القبيح ، سيزول بعد فترة وجيزة ، ويفر الشيطان وجنوده ~~من هذا الخندق ، وتحل محلهم الجنود الرحمانية . # فمثلا من الاخلاق الذميمة التي تسبب هلاك الانسان ، وتوجب ضغطة القبر ، ~~وتعذب الانسان في كلا الدارين ، سوء الخلق مع اهل الدار والجيران او ~~الزملاء في العمل او اهل السوق والمحلة ، وهو وليد الغضب والشهوة . فاذا ~~كان الانسان المجاهد يفكر في السمو والترفع ، عليه عندما يعترضه امر غير ~~مرغوب فيه حيث تتوهج فيه نار الغضب لتحرق الباطن ، وتدعوه الى الفحش والسيئ ~~من القول عليه ان يعمل بخلاف النفس ، وان يتذكر سوء عاقبة هذا الخلق ~~ونتيجته القبيحة ، ويبدي بالمقابل مرونة ويلعن الشيطان في الباطن ويستعيذ ~~بالله منه . # اني اتعهد لك بانك لو قمت بذلك السلوك ، وكررته عدة مرات ، فان الخلق ~~السيئ سيتغير كليا ، وسيحل الخلق الحسن في عالمك الباطن ، ولكنك اذا عملت ~~وفق هوى النفس ، فمن الممكن ان يبيدك في هذا العالم نفسه ، واعوذ بالله ~~تعالى من الغضب الذي يهلك الانسان في آن واحد في كلا الدارين فقد يؤدي ذلك ~~الغضب لا سمح الله الى قتل النفس . ومن الممكن ان يتجرا الانسان في حالة ~~الغضب على النواميس الالهية ، كما راينا ان بعض الناس قد اصبحوا من جراء ~~الغضب مرتدين . وقد قال الحكماء : «ان السفينة تتعرض لامواج البحر العاتية ~~وهي بدون قبطان ، لهي اقرب الى النجاة من الانسان وهو في حالة الغضب» . # او اذا كنت لا سمح الله من اهل الجدل والمراء في المناقشات العلمية ~~كبعضنا نحن الطلبة ms032 ، المبتلين بهذه السريرة القبيحة ، فاعمل فترة بخلاف ~~النفس ، فاذا دخلت في نقاش مع احد الاشخاص في مجلس ما ، ورايت انه يقول ~~الحق فاعترف بخطاك وصدق قول المقابل ، والمامول ان تزول هذه الرذيلة في زمن قصير . # ولا سمح الله ان ينطبق علينا قول بعض اهل العلم ومدعي المكاشفة ، حيث ~~يقول : «لقد كشف لي خلال احدى المكاشفات ان تخاصم اهل النار الذي يخبر عنه ~~الله تعالى ، هو الجدل PageV01P040 الاربعون حديثا :41 # بين اهل العلم والحديث» . # والانسان اذا احتمل صحة هذا الامر فعليه ان يسعى كثيرا من اجل ازالة هذه ~~الخصلة . # روي عن عدة من الاصحاب انهم قالوا : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يوما ونحن نتمارى في شيء من امر الدين فغضب غضبا شديدا لم يغضب ~~مثله ، ثم قال : انما هلك من كان قبلكم بهذا . ذروا المراء فان المؤمن لا ~~يمارى ، ذروا المراء فان المماري قد تمت خسارته ، ذروا المراء فان المماري ~~لا اشفع له يوم القيامة ، ذروا المراء فاني زعيم بثلاث ابيات في الجنة في ~~رياضها واوسطها واعلاها لمن ترك المراء وهو صادق ، ذروا المراء فان اول ما ~~نهاني عنه ربي بعد عبادة الاوثان المراء (1) . # وعنه ايضا : لا يستكمل عبد حقيقة الايمان حتى يدع المراء وان كان محقا (2) . # والاحاديث في هذا الباب كثيرة . فما اقبح ان يحرم الانسان شفاعة الرسول ~~الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة مغالبة جزئية ليس فيها اي ثمر ولا ~~اثر ، وما اقبح ان تتحول مذاكرة العلم وهي افضل العبادات والطاعات اذا ~~كانت بنية صحيحة الى اعظم المعاصي بفعل المراء وتتلو مرتبة عبادة الاوثان . # وعلى اي حال ينبغي للانسان ان ياخذ بنظر الاعتبار الاخلاق القبيحة ~~الفاسدة باعتبارها واحدة ، ويخرجها من مملكة روحه بمخالفة النفس . وعندما ~~يخرج الغاصب ، ياتي صاحب الدار نفسه ، فلا يحتاج حينذاك الى مشقة اخرى او ~~الى وعود . # وعندما يكتمل جهاد النفس في هذا المقام ، ويتوفق الانسان الى اخراج جنود ~~ابليس من هذه المملكة ، وتصبح مملكته مسكنا لملائكة الله ومعبدا لعباده ~~الصالحين ms033 ، فحينذاك يصبح السلوك الى الله يسيرا ، ويتضح طريق الانسانية ~~المستقيم ، وتفتح امام الانسان ابواب البركات والجنات ، وتغلق امامه ابواب ~~جهنم والدركات ، وينظر الله تبارك وتعالى اليه بعين اللطف والرحمة ، وينخرط ~~في سلك اهل الايمان ، ويصبح من اهل السعادة واصحاب اليمين ، ويفتح له طريقا ~~الى باب المعارف الالهية وهي غاية خلق الجن والانس وياخذ الله تعالى بيده ~~في هذا الطريق المحفوف بالمخاطر . # وقد كنا نريد ان نشير الى المقام الثالث للنفس وكيفية المجاهدة فيه ونذكر ~~ايضا بمكائد الشيطان في هذا المقام ، ولكننا لم نر المقام مناسبا لذلك ، ~~فصرفنا النظر ، واسال الله تعالى التوفيق والتاييد لكتابة رسالة خاصة في ~~هذا الباب . PageV01P041 # الاربعون حديثا :42 PageV01P042 الاربعون حديثا :43 ### | AUTO الحديث الثاني: الرياء PageV01P043 الاربعون حديثا :44 # بالسند المتصل الى محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم ، عن ابيه ، عن ابي ~~المغرا ، عن يزيد بن خليفة قال : قال ابو عبد الله عليه السلام : كل رياء ~~شرك . انه من عمل للناس كان ثوابه على الناس ومن عمل لله ، كان ثوابه على ~~الله» (1) . PageV01P044 # الاربعون حديثا :45 ### || AUTO الشرح : # اعلم ان الرياء هو عبارة عن اظهار وابراز شيء من الاعمال الصالحة او ~~الصفات الحميدة او العقائد الحقة الصحيحة ، للناس لاجل الحصول على منزلة في ~~قلوبهم والاشتهار بينهم بالصلاح والاستقامة والأمانة والتدين ، بدون نية ~~الهية صحيحة . وهذا الامر يتحقق في عدة مقامات . ### || AUTO المقام الاول : وله درجتان : ### ||| AUTO الاولى : وهي ان يظهر العقائد الحقة والمعارف الالهية ، من ~~اجل ان يشتهر بين الناس بالديانة ، ومن اجل الحصول على منزلة في القلوب ، ~~كأن يقول : «اني لا اعتبر ان هناك مؤثرا في الوجود الا الله» ، او ان يقول ~~: «اني لا اتوكل على احد سوى الله» او ان يثني على نفسه كناية او اشارة ~~بامتلاك العقائد الحقة ، وهذا الاسلوب هو الاكثر رواجا . فمثلا عندما يجري ~~حديث عن التوكل او الرضا بقضاء الله ، يجعل الشخص المرائي نفسه في سلك ~~اولئك الجمع بواسطة تاوهه او هز راسه . ### ||| AUTO الثانية : وهي ان يبعد عن نفسه العقائد ms034 الباطلة وينزه نفسه ~~عنها ، لاجل الحصول على الجاه والمنزلة في القلوب ، سواء اكان ذلك بصراحة ~~القول ام بالاشارة والكناية . ### || AUTO المقام الثاني : وفيه ايضا مرتبتان : ### ||| AUTO احداهما : ان يظهر الخصال الحميدة والملكات الفاضلة ، ### ||| AUTO والاخرى : ان يتبرا مما يقابلها ، وان يزكي نفسه للغاية نفسها ~~التي اصبحت معلومة . ### || AUTO المقام الثالث : # وهو الرياء المعروف عند الفقهاء الماضين رضوان الله عليهم وله ايضا نفس تلكما PageV01P045 الاربعون حديثا :46 # الدرجتين ، احداهما : ان ياتي بالاعمال والعبادات الشرعية ، او ان ياتي ~~بالامور الراجحة عقلا ، بهدف مراءاة الناس وجلب القلوب ، سواء ان ياتي ~~بالعمل نفسه بقصد الرياء ، او بكيفيته ، او شرطه او جزئه بقصد الرياء على ~~الشكل المذكور في الكتب الفقهية . ثانيهما : ان يترك عملا محرما او مكروها ~~بنفس الهدف المذكور . # ونحن نشرح في هذه الاوراق ، بعضا من مفاسد كل واحد من هذه المقامات ~~الثلاثة ونشير الى ما يبدو علاجا لها على نحو الاختصار . ### ||| AUTO المقام الاول ( الرياء ) # وفيه عدة فصول ### |||| AUTO فصل: اعلم ان الرياء في اصول العقائد والمعارف الالهية اشد ~~من جميع انواع الرياء عذابا واسوأها عاقبة ، وظلمته اعظم واشد من ظلمات ~~جميع انواع الرياء . وصاحب هذا العمل اذا كان في واقعه لا يعتقد بالامر ~~الذي يظهره ، فهو من المنافقين ، اي انه مخلد في النار ، وان هلاكه ابدي ، ~~وعذابه اشد العذاب . # واما اذا كان معتقدا بما يظهر ، لكنه يظهره من اجل الحصول على المنزلة ~~والرتبة في قلوب الناس ، فهذا الشخص وان لم يكن منافقا الا ان رياءه يؤدي ~~الى اضمحلال نور الايمان في قلبه ، ودخول ظلمة الكفر الى قلبه ، فان هذا ~~الشخص يكون مشركا ، ولكن في الخفاء ، لان المعارف الالهية والعقائد الحقة ، ~~التي يجب ان تكون خالصة لله ، ولصاحب تلك الذات المقدسة ، قد حولها ~~المرائي الى الناس ، واشرك فيها غيره ، وجعل الشيطان متصرفا فيه ، فهذا ~~القلب ليس لله . # ونحن سنذكر في احد الفصول ؛ ان الايمان من الأعمال القلبية ، وليس هو ~~مجرد علم ، وقد جاء في الحديث الشريف : «كل رياء شرك» . # ولكن هذه الفجيعة الموبقة ms035 ، وهذه السريرة المظلمة ، وهذه الملكة الخبيثة ~~، تؤدي بالانسان في النهاية ، الى ان تصبح دار قلبه مختصة بغير الله ، ~~وتؤدي ظلمة هذه الرذيلة بالانسان تدريجيا الى الخروج من هذه الدنيا بدون ~~ايمان . # وهذا الايمان الخيالي الذي يمتلكه هو صورة بلا معنى ، وجسد بلا روح ، ~~وقشر بلا لب ، ولا يكون مقبولا عند الله تعالى ، كما اشير اليه في حديث ~~مذكور في كتاب الكافي ، عن علي بن PageV01P046 الاربعون حديثا :47 # سالم ، قال : «سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول : قال الله عز وجل : ~~انا خير شريك من اشرك معي غيري في عمل عمله لم اقبله الا ما كان لي خالصا» (1) . # وبديهي ان الاعمال القلبية في حال عدم خلوصها لا تصبح موردا لتوجه الحق ~~تعالى ولا يتقبلها بل يوكلها الى الشريك الآخر ، الذي كان يعمل له ذلك ~~الشخص مراءاة . اذا فالاعمال القلبية تصبح مختصة بذلك الشخص ، وتخرج من حد ~~الشرك ، وتدخل الى الكفر المحض . بل ويمكن القول ان هذا الشخص هو من جملة ~~المنافقين . وكما ان شركه خفي فنفاقه خفي ايضا ، فهذا المسكين يتصور انه ~~مؤمن ولكنه مشرك منذ البداية ، وفي النتيجة هو منافق . وعليه ان يذوق عذاب ~~المنافقين ، وويل للذي ينتهي عمله الى النفاق . ### |||| AUTO فصل: في بيان ان العلم يغاير الايمان # اعلم ان الايمان غير العلم بالله ووحدانيته وسائر الصفات الكمالية ~~الثبوتية والجلالية السلبية ، والعلم بالملائكة والرسل والكتب ويوم القيامة ~~. وما اكثر من يكون له هذا العلم ولكنه ليس بمؤمن . فالشيطان عالم بجميع ~~هذه المراتب بقدر علمنا وعلمكم ، ولكنه كافر ، بل ان الايمان عمل قلبي ، ~~وما لم يكن ذلك فليس هناك ايمان ، فعلى الشخص الذي علم بشيء عن طريق الدليل ~~العقلي او ضروريات الاديان ، ان يسلم لذلك قلبه ايضا ، وان يؤدي العمل ~~القلبي الذي هو نحو من التسليم والخضوع ، ونوع من التقبل والاستسلام عليه ~~ان يؤدي ذلك لكي يصبح مؤمنا . # وكمال الايمان هو الاطمئنان ، فاذا قوي نور الايمان تبعه حصول الاطمئنان ~~في القلب ، وجميع هذه الامور هي غير العلم . فمن الممكن ان ms036 يدرك العقل ~~بالدليل شيئا لكن القلب لم يسلم بعد ، فيكون العلم بلا فائدة . مثلا انتم ~~ادركتم بعقولكم ان الميت لا يستطيع ان يضر احدا ، وان جيمع الاموات في ~~العالم ليس لهم حس ولا حركة بقدر ذبابة ، وان جميع القوى الجسمانية ~~والنفسانية قد فارقته ، ولكن ولان القلب لم يتقبل هذا الامر ولم يسلم امره ~~للعقل ، فانكم لا تقدرون على ان تبيتوا ليلة مظلمة واحدة مع ميت !! # واما اذا سلم القلب امره للعقل ، وتقبل هذا الحكم منه ، فلن يكون في هذا ~~العمل اي المبيت مع الميت اي اشكال بالنسبة اليكم ، كما انه وبعد عدة ~~مرات من الاقدام ، يصبح PageV01P047 الاربعون حديثا :48 # القلب مسلما ، فلن يبقى عنده بعدها باس او خوف من الميت . # اذا ؛ اصبح معلوما ان التسليم هو من حظ القلب غير العلم وهو من حظ ~~العقل . # من الممكن ان يبرهن انسان بالدليل العقلي ، على وجود الخالق تعالى ~~والتوحيد والمعاد وباقي العقائد الحقة ، ولكن هذه العقائد لا تسمى ايمانا ، ~~ولا تجعل الانسان مؤمنا ، وانما هو من جملة الكفار او المنافقين او ~~المشركين . فاليوم العيون مغشاة ، والبصيرة الملكوتية غير موجودة ، والعين ~~الملكية لا تدرك ، ولكن عند كشف السرائر ، وظهور السلطة الالهية الحقة ، ~~وخراب الطبيعة وانجلاء الحقيقة ، سيعرف ويلتفت بان الكثيرين لم يكونوا ~~مؤمنين بالله حقا ، وان حكم العقل لم يكن مرتبطا بالايمان ، فما لم تكتب ~~عبارة «لا اله الا الله» بقلم العقل على لوح القلب الصافي لن يكون الانسان ~~مؤمنا بوحدانية الله . # وعندما ترد هذه العبارة النورانية الالهية على القلب ، تصبح سلطة القلب ~~لذات الحق تعالى ، فلا يعرف الانسان بعدها شخصا آخر مؤثرا في مملكة الحق ، ~~ولا يتوقع من شخص آخر جاها ولا جلالا ، ولا يبحث عن المنزلة والشهرة عند ~~الآخرين . # ولا يصبح القلب مرائيا ولا مخادعا حينئذ . واذا رايتم رياء في قلوبكم ، ~~فاعلموا ان قلوبكم لم تسلم للعقل ، وان الايمان لم يقذف نوره فيها ، وانكم ~~تعدون شخصا آخر الها ومؤثرا في هذا العالم ، لا الحق تعالى ، وانكم في زمرة ~~المنافقين او المشركين ms037 اوالكفار . ### |||| AUTO فصل: في وخامة امر الرياء # تامل ايها الشخص المرائي ... يا من اودعت العقائد الحقة والمعارف الالهية ~~بيد عدو الله ، وهو الشيطان ، واعطيت مختصات الحق تعالى للآخرين ، وبدلت ~~تلك الانوار التي تضيء الروح والقلب وهي راسمال النجاة والسعادة الابدية ~~ومنبع اللقاء الالهي وبذرة القرب من المحبوب ابدلتها بظلمات موحشة وشقاء ~~ابدي وجعلتها راسمال البعد والابتعاد عن ساحة المحبوب المقدسة ، والابتعاد ~~عن لقاء الله تعالى . # تهيا ، اليها المرائي ، للظلمات التي لا نور بعدها ، وللشدائد التي لا ~~فرج لها ، وللامراض التي لا يرجى شفاؤها ، وللموت الذي لا حياة معه ، ~~وللنار التي تخرج من باطن القلب فتحرق ملكوت النفس وملك البدن حرقا لم يخطر ~~على قلبي وقلبك ، والتي يخبرنا عنها الله تعالى في كتابه المنزل في الآية ~~الشريفة : «نار الله الموقدة * التي تطلع على الافئدة» (1) . فتحدثت الآية PageV01P048 الاربعون حديثا :49 # المباركة عن نار الله ، هذه النار التي تتسلط على القلوب فتحرقها ، وليست ~~هناك نار تحرق القلب سوى النار الالهية ، فاذا فقدت فطرة التوحيد وهي فطرة ~~الله وحل محلها الشرك والكفر ، حينئذ لن تكون شفاعة الشافعين من نصيب ~~الانسان بل يخلد الانسان في العذاب ، وما ادراك ما العذاب ؟ انه العذاب ~~الذي ينبعث عن الغضب الالهي . # اذا ايها العزيز ... من اجل خيال باطل ومحبوبية بسيطة في اعين العباد ~~الضعاف ، ومن اجل جذب قلوب الناس المساكين ، لا تعرض نفسك للغضب الالهي ، ~~ولا تبع ذلك الحب الالهي وتلك الكرامات غير المحدودة ، وتلك الالطاف ~~والمراحم الربانية ، لا تبعها بمحبة بسيطة عند مخلوق ليس له اي اثر ، ولا ~~تكسب منه اية ثمرة سوى الندامة والحسرة ، عندما تقصر يداك عن هذا العالم ~~وهو عالم الكسب ، وعندما ينقطع عملك ، وليس للندم حينئذ تنيجة ولا للانابة ~~من فائدة . ### |||| AUTO فصل:تنبيه علمي لاستئصال جذور الرياء # نذكر هنا امرا نأمل ان يكون مؤثرا في علاج هذا المرض القلبي سواء في هذا ~~المقام او المقامات الاخرى ، وهذا الامر مطابق للبرهان الدليل والمكاشفة ~~والعيان واخبار المعصومين وكتاب الله ، وعقلكم يصدقه ايضا . # وهو انه نتيجة لاحاطة ms038 قدرة الله تبارك وتعالى بجميع الموجودات ، وبسطة ~~سلطانه على جميع الكائنات ، واحاطة قيمومته بجميع الممكنات ، فان قلوب ~~العباد جميعا هي تحت تصرفه وبيد قدرته وفي قبضة سلطانه ، ولا يتصرف ولن ~~يتصرف احد في قلوب العباد بدون اذنه القيومي واجازته التكوينية ، وحتى ~~اصحاب القلوب انفسهم ليست لهم القدرة على التصرف في قلوبهم بدون اذن من ~~الله تعالى . وبهذا المعنى وردت كلمات اشارة وكناية وصراحة في القرآن وفي ~~اخبار اهل البيت (عليهم السلام) . # اذا ، فالله تعالى هو مالك القلب والمتصرف فيه وانت العبد الضعيف العاجز ~~لا تستطيع ان تتصرف بقلبك بدون اذنه ، بل ان ارادته قاهرة لإرادتك ولإرداة ~~جميع الموجودات . اذن فرياؤك وتملقك ، اذا كانا لاجل جذب قلوب العباد ، ~~ولفت نظرهم ، ومن اجل الحصول على المنزلة والتقدير في القلوب والاشتهار ~~بالصلاح ، فان ذلك خارج كلية عن تصرفك ، وهو تحت تصرف الله ، فاله القلوب ~~وصاحبها يوجه القلوب نحو من يشاء بل من الممكن ان تحصل على نتيجة عكسية . ~~وقد راينا وسمعنا ان اشخاصا متملقين ومنافقين ممن لم تكن لهم قلوب طاهرة ، ~~قد افتضحوا وبان زيفهم ففرض عليهم ما ارادوا الحصول عليه من النتائج في نهاية PageV01P049 الاربعون حديثا :50 # الامر . لقد وردت الاشارة الى هذا المعنى في الحديث الشريف في الكافي : ~~«عن جراح المدائني ، عن ابي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل : ~~«فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا» (1). ~~قال عليه السلام : الرجل يعمل شيئا من الثواب لا يطلب به وجه الله ، انما ~~يطلب تزكية الناس يشتهى ان يسمع به الناس فهذا الذي اشرك بعبادة ربه . ثم ~~قال : ما من عبد اسر خيرا فذهبت الايام ابدا حتى يظهر الله له خيرا ، وما ~~من عبد اسر شرا فذهبت الايام ابدا حتى يظهر الله له شرا» (2) . # اذا ايها العزيز ، اطلب السمعة والذكر الحسن من الله ، التمس قلوب الناس ~~من مالك القلوب ، اعمل انت لله وحده فستجد ان الله تعالى فضلا عن الكرامات ~~الاخروية ونعم ذلك العالم سيتفضل ms039 عليك في هذا العالم نفسه بكرامات عديدة ، ~~فيجعلك محبوبا ، ويعظم مكانتك في القلوب ، ويجعلك مرفوع الراس وجيها في ~~كلتا الدارين . ولكن اذا استطعت فخلص قلبك بصورة كاملة بالمجاهدة والمشقة ، ~~من هذا الحب ايضا ، وطهر باطنك ، كي يكون العمل خالصا من هذه الجهة ، ~~ويتوجه القلب الى الله فقط ، وتنصع الروح ، وتزول ادران النفس . فاية فائدة ~~تجني من حب الناس الضعاف لك ، او بغضهم ، او للشهرة والصيت عند العباد وهم ~~لا يملكون شيئا من دون الله تعالى ؟ وحتى لو كانت له فائدة على سبيل الفرض ~~فانما هي فائدة تافهة ولايام معدودات ، ومن الممكن ان يجعل هذا الحب عاقبة ~~عمل الانسان الى الرياء ، وان يجعل الانسان لا سمح الله مشركا ومنافقا ~~وكافرا ، وانه اذا لم يفتضح في هذا العالم ، فسيفتضح في ذلك العالم في محضر ~~العدل الرباني ، عند عباد الله الصالحين وانبيائه العظام وملائكته المقربين ~~، ويهان ويصبح مسكينا . انها فضيحة ذلك اليوم ، وما ادراك ما تلك الفضيحة ، ~~والله يعلم اية ظلمات تلي تلك المهانة في ذلك المحضر ! ان ذلك اليوم كما ~~يقول الله تعالى في كتابه يتمنى الكافر فيه قائلا : «يا ليتني كنت ترابا» ~~(3) ، ولكن لا جدوى لهذا التمني . # ايها المسكين ، انك ولاجل محبة بسيطة ، جزئية ، ومنزلة عديمة الفائدة بين ~~العباد ، تجاوزت تلك الكرامات وفقدت رضا الله ، وعرضت نفسك لغضب الله . # لقد استبدلت الاعمال التي كان ينبغي ان تهيئ بها دار الكرامة في الآخرة ، ~~وتوفر الحياة السعيدة الدائمة وتصل بواسطتها الى اعلى عليين في الجنان ، ~~استبدلها بظلمات الشرك والنفاق واعددت لنفسك الحسرة والندامة والعذاب ~~الشديد ، وجعلت نفسك من اهل «سجين» ، PageV01P050 الاربعون حديثا :51 # بالصورة التي وردت في الحديث الشريف في الكافي عن الامام الصادق عليه ~~السلام : «قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ان الملك ليصعد بعمل ~~العبد مبتهجا به فاذا صعد بحسناته ، يقول الله عز وجل ، اجعلوها في سجين ، ~~انه ليس اياي اراد بها» (1) . # انا وانت في هذا الحال ، لا نستطيع ان نتصور «سجين» ولا ان نفهم ديوان ~~عمل «الفجار» ، ولا ms040 ان نرى صور هذه الاعمال وهي في سجين ... وسنرى حقيقة ~~الامر في احد الايام ولكن عندها تقصر ايدينا عن العمل ولا سبيل حينئذ ~~للنجاة . # ايها العزيز ... ! استيقظ وابعد عنك الغفلة والسكرة وزن اعمالك بميزان ~~العقل قبل ان توزن في ذلك العالم ، وحاسب نفسك قبل ان تحاسب ، واجل مرآة ~~القلب من الشرك والنفاق والتلون ، ولا تدع صدا الشرك والكفر يحيط به بمستوى ~~لا يمكن جلاؤه حتى بنيران ذلك العالم ، لا تدع نور الفطرة يتبدل بظلمة ~~الكفر ، لا تدع هذه الآية «فطرة الله التي فطر الناس عليها ...» (2) ان ~~تضيع لا تخن هذه الامانة الالهية بهذا النحو ، نظف مرآة قلبك لكي يتجلى ~~فيها نور جمال الحق فيغنيك عن العالم وكل ما فيه . ولكي تتوهج نار الحب ~~العشق الالهي في قلبك ، فتحرق الانواع الاخرى من الحب ، ولا تستبدل حينذاك ~~جميع هذا العالم بلحظة واحدة من الحب الالهي ، ولكي تحصل على لذة في مناجاة ~~الله وذكره ، تعتبر غيرها من جميع اللذات الحيوانية ، لعبا ولهوا . # واذا لم تكن من اهل هذه العوالم ، وترى هذه المعاني غريبة وعجيبة لديك ~~فاياك ان تضيع تلك النعم الالهية في العالم الآخر التي ذكرت في القرآن ~~المجيد واخبار المعصومين عليهم السلام وتخسرها من اجل جذب قلوب المخلوقين ... # لا تضيع كل هذا الثواب من اجل شهرة وهمية في ايام معدودات ، لا تحرم نفسك ~~من كل هذه الكرامات ، لا تبع السعادة الابدية بالشقاء الدائم . ### |||| AUTO فصل: في الدعوة الى الاخلاص # اعلم ان مالك الملوك الحقيقي وولي النعمة الواقعي ، الذي تفضل علينا بكل ~~هذه الكرامات ، وهيا لنا كل هذه النعم ، قبل المجيء الى هذا العالم ، ومن ~~الغذاء الطيب ذي المواد النافعة المناسبة لمعدتنا الضعيفة ، ومن المربي ~~الخادم بلا منة بل بفعل الحب الفطري الذاتي . PageV01P051 # الاربعون حديثا :52 # وهيأ لنا البيئة والهواء المناسبين وباقي النعم العظيمة الظاهرة والباطنة ~~. كما اعد لنا الكثير في العالم الآخر وفي البرزخ قبل ذهابنا الى هناك ، قد ~~طلب منا هذا المتفضل قائلا : # «اخلص قلبك لي او لاجل كرامتي ، كي تحصل ms041 انت على النتيجة ، وتحصل انت على ~~الفائدة» ومع ذلك لا يلقى منا اذنا صاغية بل يرى التمرد عليه والسير على ~~خلاف رضاه ، فاي ظلم عظيم نكون قد اجترحناه بذلك ؟! واي مالك الملوك نحارب ~~؟! ونتيجة يذلك كله تكون وبالا علينا نحن ، اما الله تعالى فلا يصاب سلطانه ~~بضرر ولا ينقص من ملكه شيء ولا نخرج من سلطنته وسلطته ، حتى اذا كنا مشركين ~~لانه الحقنا الضرر بانفسنا ، «... فان الله غني عن العالمين» (1) فهو غني ~~عن عبادتنا واخلاصنا وعبوديتنا ، ولا يؤثر تمردنا وشركنا وابتعادنا عنه ~~شيئا في مملكته ، وحيث انه ارحم الراحمين فقد اقتضت رحمته الواسعة وحكمته ~~البالغة ان يعرض لنا طريق الهداية وسبيل الخير والشر والحسن والقبح ويدلنا ~~على زلات طريق الانسانية ، ومزالق طريق السعادة ، ولله تعالى في هذه ~~الهداية والارشاد بل في هذه العبادات والاخلاص والعبودية ، له علينا منن ~~عظيمة وجسيمة بحيث لا يمكن ان نفهمها ما لم تنفتح عين البصيرة والبرزخية ~~التي ترى الواقع ، ومادمنا في هذا العالم الضيق والمظلم ، وفي ظلام الطبيعة ~~، ومادمنا مقيدين بسلاسل الزمان ، والسجن المظلم للمكان الممتد ، فانا لا ~~ندرك منن الله العظيمة علينا ، ونتصور ان نعم الله علينا تتلخص في هذا ~~الاخلاص وهذه العبادة ، وفي ذلك الارشاد وتلك الهداية فحسب . # لا تتوهم ابدا ان لنا المنة على الانبياء العظام والاولياء الكرام او على ~~علماء الامة وهم الادلاء الى سعادتنا ونجاتنا ، والذين انقذونا من الجهل ~~والظلمة والشقاء ، ودعونا الى عالم النور والسرور والبهجة والعظمة والذين ~~تحملوا ولا زالوا يتحملون كل هذه المشاق والمصاعب من اجل تربيتنا وانقاذنا ~~من تلك الظلمات التي تلازم الاعتقادات الباطلة ، والجهل المركب بكل اشكاله ~~، ومن انواع الضغوطات والعذاب الذي هو صورة الملكات والاخلاق الرذيلة ، ومن ~~تلك الصور الموحشة والمرعبة التي هي ملكوت اعمالنا وافعالنا القبيحة وكذلك ~~لاجل ايصالنا الى تلك الانوار وانواع البهجة والسرور والراحة والانس ~~والنعيم والحور والقصور التي لا نقدر ان نتصورها ، حيث ان عالم الملك هذا ~~مع كل ما له من عظمة ، اضيق من ان يحتوي على واحدة من ms042 حلل الجنة ، وان ~~اعيننا لا تطيق رؤية شعرة واحدة من شعر حور العين ، وتكون كل هذه المثوبات ~~صورا ملكوتية لتلك العقائد والاعمال والتي ادركها الانبياء العظام ، خصوصا ~~صاحب الكشف الكلي والكتاب الجامع خاتم الانبياء صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~ادركوها بالوحي الالهي وراوها وسمعوها ودعونا اليها ، ونحن المساكين ~~كالاطفال ، المتمردين على PageV01P052 الاربعون حديثا :53 # حكم العقلاء بل المخطئين لهم ، قد واجهناهم دائما بالعناد والمحاربة ~~والانفصال ، ولكن تلك النفوس الزكية والارواح الطيبة الطاهرة الانبياء ~~بما يكون لديهم من الرافة والرحمة بعباد الله ، لم يقصروا ابدا في دعوتهم ، ~~على الرغم من جهلنا وعنادنا ، وساقونا نحو الجنة والسعادة بكل ما يملكون من ~~القوة واساليب الدعوة دون ان يريدوا منا جزاء ولا شكورا . # وحتى عندما يحدد الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم اجره ب «المودة ~~في القربى» ، فان صورة هذه المودة في العالم الآخر قد تكون بالنسبة الينا ~~اعظم الصور نورا وعطاءا . وهذا هو ايضا من اجلنا نحن ومن اجل وصولنا الى ~~السعادة والرحمة ، اذا ، فاجر الرسالة عائد الينا ايضا ، ونحن الذين ننتفع ~~به ، فاية منة لنا نحن المساكين عليهم ؟! ... واية فائدة تعود عليهم سلام ~~الله عليهم من اخلاصنا لهم وتعلقنا بهم ؟! اية منة لكم ولنا على علماء ~~الامة ؟ بدءا من ذلك العالم الذي يوضح ويبين لنا الاحكام الشرعية ، الى ~~النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم والى ذات الله المقدسة جل جلاله فان ~~لكل منهم حسب درجته ومقامه من حيث ارشادهم لنا الى طريق الهداية مننا لا ~~نستطيع مكافاتهم عليها في هذا العالم ، فهذا العالم لا يليق بجزائهم « ~~...فلله ولرسوله ولاوليائه المنة» وكما يقول تعالى : «... قل لا تمنوا علي ~~اسلامكم بل الله يمن عليكم ان هداكم للايمان ، ان كنتم صادقين * ان الله ~~يعلم غيب السماوات والارض والله بصير بما تعملون» (1) . # اذا ، فان كنا صادقين في ادعاء الايمان ، فلله المنة علينا في هذا ~~الايمان نفسه . فالله بصير وعالم بالغيب ، وهو يعلم ماهية صور اعمالنا ، ~~وكيفية صورة ايماننا واسلامنا في عالم الغيب . اما نحن ms043 المساكين حيث لا ~~نعرف الحقيقة ، فاننا نتعلم العلم من العالم ونمن عليه ، ونصلي جماعة مع ~~العالم ونمن عليه ، مع ان لهم المنة علينا ونحن لا نعلم . بل وان هذه المنة ~~التي نمن بها عليهم هي التي تحبط اعمالنا وتجرها الى «سجين» ، وتذروها في ~~الهواء لكي تفنى وتذهب . ### ||| AUTO المقام الثاني # وفيه فصلان # الفصل الاول # اعلم ان الرياء في هذا المقام ، وان لم يكن بحجم المقام الاول من الدفع ~~نحو الكفر الا انه ، بعد الالتفات الى موضوعه ، قد يفضي بعمل المرائي ايضا ~~في هذا المقام (العمل) الى الكفر فيصبح واحدا في النتيجة مع عمل المرائي في ~~ذلك المقام : مقام الرياء في العقيدة . PageV01P053 # الاربعون حديثا :54 # لقد اوضحنا في شرح الحديث السابق ، انه يمكن ان تكون للانسان في عالم ~~الملكوت صورة تغاير الصورة الانسانية ، وان تلك الصور تتبع ملكوت النفس ~~وملكاتها ، فاذا كنتم ذوي ملكات فاضلة انسانية ، فستجعل هذه الملكات صوركم ~~، انسانية عندما يحشر الانسان ومعه تلك الملكات ما لم تخرج عن طريق ~~الاعتدال ، بل ان الملكات انما تكون فاضلة حين لا تتصرف النفس الامارة ~~بالسوء فيها ، ولا يكون لخطوات النفس دور في تشكيلها . # يقول استاذنا الشيخ محمد علي الشاه آبادي دام ظله : «ان المعيار في ~~الرياضة الباطلة والرياضة الشرعية الصحيحة هو خطى النفس وخطى الحق ، فاذا ~~كان تحرك السالك بخطى النفس وكانت رياضته من اجل الحصول على قوى النفس ~~وقدرتها وتسلطها ، كانت رياضته باطلة وادى سلوكه الى سوء العاقبة . وتظهر ~~الدعاوي الباطلة عادة من مثل هؤلاء الاشخاص . # اما اذا كان تحرك السالك بخطى الحق وكان باحثا عن الله ، فان رياضته هذه ~~حقة وشرعية وسياخذ الله تعالى بيده ويهديه كما تنص على ذلك الآية الشريفة ~~التي تقول : « والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا...» (1) وسيؤول عمله الى ~~السعادة ، فتسقط عنه «الأنا» ويزول عنه الغرور . ومعلوم ان خطوات الشخص ~~الذي يعرض اخلاقه الحسنة وملكاته الفاضلة على الناس ليلفت انظارهم اليه هي ~~خطوات النفس ، وهو متكبر واناني ومعجب بنفسه ، وعابد لها» . # ومع التكبر تكون العبودية لله ms044 وهما ساذجا ، وامرا باطلا ومستحيلا ، وما ~~دامت مملكة وجودكم مملوءة بحب النفس وحب الجاه والجلال والشهرة والترأس على ~~عباد الله ، فلا يمكن اعتبار ملكاتكم ملكات فاضلة ، ولا اخلاقكم اخلاقا ~~الهية . فالفاعل في مملكتكم هو الشيطان ، وليس ملكوتكم وباطنكم على صورة ~~انسان . وعند فتح العيون البرزخية ، ترون ملكوتكم على غير صورة الانسان ، ~~وانما هي صورة احد الشياطين مثلا . وحصول المعارف الالهية والتوحيد الصحيح ~~امر مستحيل بالنسبة الى قلب كهذا ما دام مسكنا للشيطان ، وما دام ملكوتكم ~~غير انساني ، وما دامت قلوبكم غير مطهرة من هذه الانحرافات والانانيات . # في الحديث القدسي يقول الله تعالى : «لا تسعني ارضي ولا سمائي ، بل يسعني ~~قلب عبدي المؤمن» (2) ما من موجود يكون آية جمال المحبوب سوى قلب المؤمن . ~~ان المتصرف في قلب المؤمن هو الله ، لا النفس . الفاعل في وجوده هو المحبوب ~~، فليس قلب المؤمن متمردا ولا تائها . PageV01P054 # الاربعون حديثا :55 # «قلب المؤمن بين اصبعي الرحمن يقلبه كيف يشاء» (1) . # وانت ايها المسكين العابد للنفس ، والذي تركت الشيطان والجهل يتصرفان في ~~قلبك ، ومنعت يد الحق ان تتصرف في قلبك ، اي ايمان لديك حتى تكون محلا ~~لتجلي الحق والسلطة المطلقة ؟ # فاعلم اذا ، انك ما دمت على هذه الحال ، وما دامت رذيلة الغرور موجودة ~~فيك ، فانت كافر بالله ، ومحسوب من زمرة المنافقين ، رغم زعمك بانك مسلم ~~ومؤمن بالله . # الفصل الثاني # ايها العزيز ! استيقظ وانتبه وافتح اذنيك ، وحرم نوم الغفلة على عينيك ، ~~واعلم ان الله خلقك لنفسه كما يقول في الحديث القدسي : # «يابن آدم خلقت الاشياء لاجلك وخلقتك لاجلي» (2) واتخذ من قلبك منزلا له ~~، فانت وقلبك من النواميس والحرمات الالهية ، والله تعالى غيور ، فلا تهتك ~~حرمته وناموسه الى هذا الحد ، ولا تدع الايادي تمتد الى حرمه وناموسه . ~~احذر غيرة الله ، والا فضحك في هذا العالم بصورة لا تستطيع اصلاحها مهما ~~حاولت . اتهتك في ملكوتك وفي محضر الملائكة والانبياء العظام ستر الناموس ~~الالهي ؟ وتقدم الاخلاق الفاضلة التي تتشبه بها الاولياء الى الحق ، الى ~~غير الحق ؟ وتمنح قلبك لخصم الحق ؟ وتشرك في ms045 باطن ملكوتك ؟ كن على حذر من ~~الحق تعالى فانه مضافا الى هتكه لناموس مملكتك في الآخرة وفضحه لك امام ~~الانبياء العظام والملائكة المقربين ، سيفضحك في هذا العالم ويبتليك بفضيحة ~~لا يمكن تلافيها ... وبتمزيق عصمة لا يمكن ترقيعها . # ان الحق تعالى «ستار» ولكنه غيور ايضا ... انه «ارحم الراحمين» ولكنه ~~«اشد المعاقبين» ايضا ، يستر ما لم يتجاوز الحد . فقد تؤدي هذه الفضيحة ~~الكبرى لا سمح الله الى تغليب الغيرة على الستر ، كما سمعت في الحديث ~~الشريف . # فارجع الى نفسك قليلا ، وعد الى الله ، فالله رحيم ، وهو يبحث عن ذريعة ~~لافاضة الرحمة عليك . واذا انبت اليه ، فانه يستر بغفرانه معاصيك وعيوبك ~~الماضية ، ولن يطلع عليها احدا ويجعلك صاحب فضيلة ، ويظهر فيك الاخلاق ~~الكريمة ، ويجعلك مرآة لصفاته تعالى ويجعل ارادتك فعالة في ذلك العالم كما ~~ان ارادته نافذة في جميع العوالم . كما ورد في حديث PageV01P055 الاربعون حديثا :56 # منقول : ان اهل الجنة عندما يستقرون في الجنة ، تبلغهم رسالة من الحق ~~تعالى خلاصتها : من الحي الابدي الذي لا يموت ، الى الحي الابدي الذي لا ~~يموت اذا اردت شيئا قلت له كن فيكون ، جعلتك هذا اليوم في مستوى اذا اردت ~~شيئا قلت له كن فيكون . # لا تكن محبا لنفسك ، سلم ارادتك للحق تعالى ، فان الذات المقدسة تتفضل ~~عليك بجعلك مظهرا لارادتك ، وتجعلك متصرفا في شؤونك ، وتخضع لقدرتك مملكة ~~الايجاد في الآخرة ، وهذا هو غير التفويض الباطل ، كما هو معلوم في محله . # فيا ايها العزيز . انت اعرف بنفسك فاختر اما هذا واما ذاك فالله غني عنا ~~وعن كل المخلوقات انه غني عن اخلاصنا واخلاص كل الموجودات . ### ||| AUTO المقام الثالث (الرياء) # وفيه فصول ### |||| AUTO فصل: # اعلم ان الرياء في هذا المقام ، اكثر من المقامات الاخرى ، واوسع شيوعا ~~اذ اننا نحن العامة من الناس ، لسنا على العموم اهلا لذينك المقامين . ~~ولهذا لا يدخل الشيطان الينا من ذلك الطريق ، ولكن بما ان معظم الناس ~~المتعبدين ، هم من اهل المناسك والعبادات الظاهرية ، فان الشيطان اكثر حرية ~~في التلاعب بهم ، في هذا ms046 المقام ومن خلال العبادات . # كما ان مكائد النفس في هذه المرحلة اكثر . وبتعبير آخر : بما ان عامة ~~الناس ، يفوزون بالجنة بالاعمال الجسمانية ، وبما انهم يحصلون على الدرجات ~~الاخروية بممارسة الاعمال الحسنة وترك الاعمال السيئة ، فان الشيطان يدخل ~~عليهم من هذا الطريق نفسه ، ويسقي جذور الرياء والتملق في اعمالهم ، فتفرع ~~وتورق ، ويبدل حسناتهم سيئات ، ويدخلهم جهنم ودركاتها عن طريق المناسك ~~والعبادات ، ويحول الامور التي يريدون ان يعمروا بها آخرتهم الى ادوات ~~لتخريبها الآخرة فيجعل الملائكة ما هو الاعمال من العليين بامر من الله ~~في سجين . # فعلى الذين يملكون هذا الجانب فقط ، ولا زاد لهم سوى زاد الاعمال ، عليهم ~~ان يكونوا حذرين كل الحذر لئلا يفقدوا لا سمح الله الزاد والراحلة كليهما ~~، ويصبحوا من اهل جهنم ، ولا يبقى لهم طريق نحو السعادة ، وتغلق في وجوههم ~~ابواب الجنة ، وتفتح لهم ابواب النار . ### |||| AUTO فصل:في دقة امر الرياء # كثيرا ما يتفق ان يكون الشخص المرائي نفسه غافلا ايضا عن كون الرياء قد ~~تسرب الى اعماله ، وان اعماله صارت رياء وهباء اذ ان مكائد الشيطان والنفس ~~من الدقة والخفاء ، وان PageV01P056 الاربعون حديثا :57 # صراط الانسانية من الرهافة والظلمة بحيث ان الانسان لا ينتبه الى ما هو ~~فيه ان لم يكن حذرا جدا انه يحسب ان أعماله لله ولكنها للشيطان ، ولما كان ~~الانسان مجبولا على حب النفس ، فان حجاب حب النفس يستر عنه معايب نفسه ، ~~وقد ياتي بيان بعض ذلك ضمن شرح بعض الاحاديث ان شاء الله ، ونسال الله ~~التوفيق . # ففي دراسة علوم الدين ، مثلا وهي من الطاعات والعبادات المهمة يبتلي ~~الانسان الكامل بالرياء من حيث لا يدري وذلك بسبب الحجاب الغليظ لحب النفس . # ان الانسان يرغب ان يتفرد في فهم معضلة علمية ، وحلها لدى محضر المعلماء ~~والرؤساء والفضلاء ، ويبتهج اكثر ، كلما كان توضيحه للمسألة العلمية احسن ، ~~ولفت انتباه الحاضرين اكثر ، ويحب ان ينتصر على كل من يناظره . انه يشعر ~~بنوع من الدلال العلمي والتفوق ، واذا اقترن ذلك بتصديق من احدى الشخصيات ، ~~لكان نور على نور ms047 . ان هذا المسكين غافل عن انه احرز هنا موقعا لدى الفضلاء ~~والعلماء ولكنه سقط من عين ربهم ومالك ملوك العالم ، وان عمله قد ترك بامر ~~من الحق المتعال في سجين . ثم إن عمله هذا من الرياء ممزوج بعدة معاص اخرى ~~، مثل فضحه واذلاله وايذائه اخا له في الايمان ، واحيانا التجرؤ على مؤمن ~~وهتكه ، وكل واحدة من هذه الاعمال هي من الموبقات وكافية وحدها لادخال ~~الانسان في جهنم . واذا القت النفس مرة اخرى شباك كليدها ، لتقول لك : ان ~~هدفي هو اعلان الحكم الشرعي واظهار كلمة الحق وهو من افضل الطاعات ، وليس ~~لاظهار العلم والتكبر وحب الظهور ، فاسال نفسك في الباطن انه لو كان زميلي ~~المساوي لي في الدرجة العلمية هو الذي قال ذلك الحكم الشرعي وهو الذي حل ~~تلك المعضلة وكنت انت مغلوبة في ذلك المحضر ، اكان ذلك على حد سواء عندك ؟ ~~اذا كان كذلك فانت صادق . واذا لم تترك كيدها وقالت لك : ان اظهار الحق ~~فضيلة ، وله ثواب عند الله تعالى ، وانا اريد ان انال هذه الفضيلة ، واعمر ~~دار الثواب ، فقل لها : لنفرض ان الله تعالى انعم عليك بتلك الفضيلة نفسها ~~في حالة مغلوبيتك وتصديقك بالحق ، فهل تبقين طالبة للغلبة ؟ فاذا رجعتم الى ~~باطنكم ورايتم انكم ما زلتم تميلون الى الغلبة ، والاشتهار بين العلماء ~~بالعلم والفضل ، وان بحثكم العلمي كان لاجل الحصول على المكانة في قلوب ~~اولئك ، اذا ، فاعلموا انكم مراؤون في هذا البحث العلمي الذي هو من افضل ~~الطاعات والعبادات وان عملكم هذا بحسب الرواية الشريفة في كتاب (الكافي) ~~هو في «سجين» ، وانكم مشركون بالله . وان هذا العمل هو لاجل حب الجاه ~~والشرف وهما بحسب الرواية اشد ضررا على الايمان من ذئبين اطلقا على قطيع ~~بلا راع . # اذا ، فعليكم انتم اهل العلم والمتكفلين باصلاح الامة والارشاد الى ~~الآخرة واطباء الامراض النفسية ، ان تصلحوا انفسكم اولا وتجعلوا مزاجكم ~~النفسي سالما ، كي لا تكونوا في PageV01P057 الاربعون حديثا :58 # زمرة «العالم بلا عمل» وهو صنف معلوم الحال والعاقبة . # اللهم طهر قلوبنا من ms048 كدر الشرك وانفاق ، وصف مرآة قلوبنا من صدا حب ~~الدنيا وهي منشا جميع هذه الامور . اللهم رافقنا ، وخذ بايدينا نحن ~~المساكين المبتلين بهوى النفس وحب الجاه والشرف في هذا السفر المملوء ~~بالخطر وفي هذا الطريق المليء بالمنعطفات والصعاب والظلمات انك على كل شيء قدير . # ان صلاة الجماعة واحدة من العبادات العظيمة في الاسلام ، وفضل امامتها ~~اعظم . ومن هنا فان الشيطان ينفذ اكثر الى هذه العبادة ، وهو مع الامام اشد ~~عداوة ، ويسعى الى ان ينتزع منه هذه الفضيلة ، ويفرغ عمله من الاخلاص ، ~~ويدخله الى «سجين» ، ويجعله مشركا بالله . ولاجل ذلك يدخل الشيطان الى قلوب ~~بعض ائمة الجماعة بطرق مختلفة مثل : العجب (سياتي بيانه ان شاء الله لاحقا) ~~ومثل : الرياء وهو اظهار هذه العبادة العظيمة ، امام الناس من اجل الحصول ~~على منزلة في قلوب الناس والاشتهار بالعظمة لديهم . فمثلا يرى امام الجماعة ~~ان احد المشهورين بالتقوى والدين قد حضر الى صلاة جماعته ، ولاجل جذب قلبه ~~، يكثر من خضوعه ويلتجا الى اساليب مختلفة ، وحيل كثيرة لصيده ، ومن اجل ~~تعظيم نفسه عند الغائبين الذين لم يحضروا صلاة جماعته ، يتحدث في المجالس ~~عن ذلك المتدين ، ويحاول افهام الناس ان فلانا ياتم به ويشارك في صلاة ~~جماعته . ثم هو ايضا يقابله بالود والحب في قلبه ، لاجل حضوره في صلاة ~~جماعته ويكن له من الحب والاخلاص ما لم يكن لحظة طوال حياته ، لله ولا ~~لاولياء الله ، خصوصا اذا كان هذا المتدين من التجار المحترمين . واذا حدث ~~لا سمح الله ان ضل احد الاشراف طريقه والتحق بصلاة الجماعة ، فان المصيبة ~~على امام الجماعة من وسوسة الشيطان تكون اعظم . ان الشيطان لا يترك حتى ~~امام جماعة قليلة الافراد ، فيذهب اليه ويوحي له فيوسوس في نفسه : انني قد ~~اعرضت عن الدنيا ، واقضيها في مسجد صغير ، مع الفقراء والمساكين . وهذا ~~ايضا مثل ذاك ، او اسوا منه ، لانه يثقل قلبه برذيلة الحسد ايضا ، فهو فضلا ~~عن كونه لم ينل من الدنيا شيئا ، يسلبه الشيطان عدته لآخرته ، فيخسر الدنيا ~~والآخرة . # وفي الوقت نفسه ms049 لم يرفع الشيطان يده عنا : انا وانت من الذين نقصر في ~~الحضور في صلاة الجماعة ونحمل الهم والاسى لعدم توفر الظروف والمناخ لاقامة ~~صلاة الجماعة بامامتنا ، فيدفعنا الى الاساءة الى جماعة المسلمين والطعن ~~بهم وخلق عيوب للجماعة ، ونعد عدم الاشتراك في الجماعة ، عزلة ، نظهر ~~انفسنا كاننا زاهدون في الدنيا ومنزهون عن حب الجاه والذات ، في حين اننا ~~اسوا من كلتا الفئتين السالفتين ، فلا نحن نلنا الدنيا الكاملة التي نالتها ~~الطائفة الاولى ، ولا دنيا الطائفة الثانية الناقصة ، ولا نحن فزنا بالآخرة ~~، مع اننا ايضا لو اتيح لنا ما نريد لكنا اشد من كلتا الطائفتين حبا للجاه ~~والمال . PageV01P058 # الاربعون حديثا :59 # والشيطان لا يكتفي بامام الجماعة وحده فلا تنطفئ شعلة شهوته بجعله امام ~~الجماعة من اهل النار ، بل يدخل الى صفوف المصلين المؤمنين ، فحيث ان ~~فضيلة الصف الاول اعظم من سائر الصفوف ، وان جانب يمين الامام اكثر فضلا من ~~جانب يساره ، فهو يستهدفه اكثر من غيره . # مسكين هذا المتدين . يجره من بيته البعيد ويجلسه في الجانب اليمين من ~~الصف الاول ، ثم يوسوس له كي يتباهى على الناس بهذه الفضيلة ، اذ لا يدري ~~هذا المسكين ماذا يفعل ، فياخذ باظهار فضله بتفاخر ودلال ، ويبرز شركه ~~الباطن فيكون مصيره الى «سجين» ثم يذهب الشيطان الى باقي الصفوف ويدفعهم ~~الى ان يكذبوا من في الصف الاول بالكناية والاشارة وان يجعلوا ذلك المتدين ~~المسكين هدفا لسهام الطعن والشتم ، معتبرين انفسهم منزهين عن مثل اطواره . ~~واحيانا قد يرى شخص محترم ، خصوصا اذا كان من اهل الفضل والعلم ، قد اخذ ~~الشيطان بيده واجلسه في الصف الاخير ، وكانه يريد ان يقول للحاضرين : اني ~~بمقامي هذا لا ينبغي ان اصلي مع شخص كهذا ، ولكن لكوني قد اعرضت عن الدنيا ~~وليس لدي هوى في النفس ، فقد جئت بل وجلست في الصف الاخير ولن التقي اشخاصا ~~من هذا القبيل في الصف الاول من صلاة الجماعة . # ولا يكتفي الشيطان بالامام والماموم ، بل ياخذ بزمام بعض المصلين ~~المنفردين عن الجماعة فيقوده من السوق او المنزل ms050 ، بدلال وتبختر ، الى ~~زاوية في المسجد ، حيث يفرش سجادته منفردا ، دون ان يرى اي امام عادلا ، ~~ويصلي في حضور الناس ويطيل السجود والركوع والاذكار الطويلة . هذا الانسان ~~يضمر في باطنه كلمة للناس هي : «انني متدين ومحتاط الى الدرجة التي اترك ~~معها صلاة الجماعة لئلا ابتلي بامام غير عادل» . هذا الانسان ، فضلا عن انه ~~معجب بنفسه ومراء ، فانه لا يعرف المسائل الشرعية ايضا ، وذلك لان مرجع ~~تقليد هذا الشخص ، قد لا يشترط اكثر من مجرد حسن الظاهر في صحة الاقتداء ، ~~ولكن عمله هذا ليس من هذا الباب ، بل من اجل الرياء امام الناس ، ولاجل ~~الحصول على المكانة والمنزلة في القلوب . # وهكذا سائر اعمالنا ، فهي تحت تصرف الشيطان الملعون الذي ينزل في كل قلب ~~كدر ملوث ، ويحرق الاعمال الظاهرة والباطنة ويجعلنا من اهل النار عن طريق ~~الاعمال الحسنة . ### |||| AUTO فصل:في الدعوة الى الاخلاص # اذا ايها العزيز ، كن دقيقا في اعمالك وحاسب نفسك في كل عمل ، واستنطقها ~~عن الدافع في الاعمال الخيرة ، والامور الشريفة ، فما الذي يدفعها الى ~~السؤال عن مسائل صلاة PageV01P059 الاربعون حديثا :60 # الليل او على ترديد الاذكار ؟ هل تريد ان تتفهم احكام صلاة الليل او ~~تعلمها قربة الى الله ، او تريد ان توحي الى الناس بانها من اهل صلاة الليل ؟ # لماذا تريد ان تخبر الناس باي اسلوب كان ، عن الزيارة للمشاهد المشرفة ~~وحتى عن عدد الزيارات ؟ # لماذا لا ترضى ان لا يطلع احد على الصدقات التي تعطيها في الخفاء ، ~~وتحاول ان تتحدث عنها ليطلع عليها الناس ؟ اذا كان ذلك لله ، وتريد ان ~~يتاسى به الناس باعتبار ان «الدال على الخير كفاعله» ، فان اظهاره حسن ، ~~واشكر الله على هذا الضمير النقي والقلب الطاهر ! . # ولكن ليكن الانسان حذرا في المناظرة والجدال مع النفس ، وان لا ينخدع ~~بكمرها ، واظهارها له العمل المرائي بصورة عمل مقدس ، فان لم يكن لله ، ~~فتركه اولى ، لان هذا من طلب السمعة وهو من شجرة الرياء الملعونة . ولن ~~يقبل الله المنان عمله ، بل يامر بالقائه في سجين . ويجب علينا ms051 ان نستعيذ ~~بالله تعالى من شر مكائد النفس ، فان مكائدها خفية جدا ، ولكننا نعلم ~~اجمالا ان اعمالنا ليست خالصة لله ، والا فاذا كنا عبادا لله مخلصين ، ~~فلماذا تكون للشيطان علينا هذه السيطرة وبهذا القدر ؟ مع انه اعطى لربه ~~عهدا ان ليس له سلطان على عباد الله المخلصين ، وانه لا يمد يده الى ساحتهم ~~المقدسة ، وعلى حد قول شيخنا (1) الكبير دام ظله : فان الشيطان كلب اعتاب ~~الحضرة الالهية ، فلا ينبح في وجه من كانت له معرفة بالله ولن يؤذيه وكلب ~~الدار لا يطارد معارف صاحب الدار ، ولكن الشيطان لا يسمح بالدخول لمن ليست ~~له معرفة بصاحب الدار ، اذا ، اذا رايت ان الشيطان شانا معك وسيطرة عليك ~~فاعلم ان اعمالك غير خالصة ، وانها ليست لله تعالى . # واذا كنت مخلصا فلماذا لا تجري ينابيع الحكمة من قلبك على لسانك مع انك ~~تعمل اربعين سنة قربة الى الله حسب تصورك ؟ في حين انه ورد في الحديث ~~الشريف عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم : «ما خلص عبد لله عز وجل اربعين صباحا الا جرت ينابيع الحكمة من ~~قلبه على لسانه» (2) ، اذا ؛ فاعلم ان اعمالنا غير خالصة لله ، ولكننا لا ~~ندري ، وههنا الداء الذي لا دواء له ! . # ويل لاهل الطاعة والعبادة والعلم والديانة الذين عندما يفتحون ابصارهم ~~ويقيم سلطان الآخرة قدرته ، يرون انفسهم من اهل كبائر المعاصي ، بل واسوا ~~من اهل الكفر والشرك ، بحيث ان صحيفة اعمالهم تكون اشد سوادا من صحائف ~~الكفار والمشركين . PageV01P060 # الاربعون حديثا :61 # ويل لمن يدخل بصلاته وطاعته جهنم . الويل لمن تكون صورة صدقته وزكاته ~~وصلاته ابشع مما يمكن تصوره . ايها المسكين المرائي ، انت مشرك ، واما ~~العاصي فموحد . ان الله يرحم بفضله العاصي ان شاء ، لكنه يقول انه لن يرحم ~~المشرك اذا رحل من الدنيا بدون توبة (1) . # لقد سمعت في الاحاديث الشريفة ان المرائي مشرك ، ان من يرائي بين الناس ~~برياسته الدينية وامامته وتدريسه وصومه وصلاته وباعماله الصالحة لاجل ~~الحصول على المنزلة في ms052 قلوبهم ، فهو مشرك . وانه لن يكون مشمولا لمغفرة ~~الله تعالى حسب الآية الشريفة واخبار اهل بيت العصمة صلوات الله عليهم . ~~اذا ؛ فيا ليتك كنت من اهل الكبائر ، ومتجاهرا بالفسق ، ومنتهكا للحرمات ~~الظاهرية ، وكنت موحدا ولم تشرك بالله . # فيا ايها العزيز ؛ فكر لتجد سبيلا لنجاتك ، واعلم ان الشهرة بين هؤلاء ~~الناس وهم باطل ، انها ليست بشيء . ان قلوب هؤلاء التي لو اكلها عصفور لما ~~شبع ، ان هي الا قلوب ضعيفة تافهة ، ولا طاقة لها على شيء ، وان هذا ~~المخلوق الضعيف لا حول له ولا قوة . القوة هي قوة الله المقدسة ، فهو ~~الفاعل المطلق ومسبب الاسباب . ولو اجتمع الناس جميعا وكان بعضهم لبعض ~~ظهيرا ، لما استطاعوا ان يخلقوا ذبابة ، واذا سلبت ذبابة منهم شيئا لما ~~استطاعوا استرجاعه منها . كما جاء في الآية الكريمة : # «يا ايها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ، ان الذين تدعون من دون الله لن ~~يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وان يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف ~~الطالب والمطلوب» (2) . # القوة لله تعالى وهو المؤثر في جميع الموجودات . اكتب على قلبك بمداد ~~العقل مهما قاسيت في ذلك وعانيت ان : «لا مؤثر في الوجود الا الله» ! . # ادخل في قلبك باية وسيلة كانت ، التوحيد العملي وهو اول درجات التوحيد ، ~~واجعل قلبك مؤمنا ومسلما ، واختم على قلبك بهذه الكلمة المباركة والختم ~~الشريف «لا اله الا الله» واجعل صورة القلب صورة كلمة التوحيد ، واوصله الى ~~درجة «الاطمئنان» ، وافهمه ان الناس لا يملكون لانفسهم نفعا ولا ضرا ، ~~فالله وحده هو النافع والضار . ازل هذا العمى عن عينك ، والا فستكون ممن ~~يقول : «... رب لم حشرتني اعمى وقد كنت بصيرا» (3) ، وتحشر يوم كشف السرائر ~~، اعمى . واعلم ان ارادة الله تعالى قاهرة لجميع الارادات ، واذا اطمان ~~قلبك بهذه الكلمة المباركة وتسلم لهذه العقيدة ، فالامل ان ينجز عملك ، ~~وتستاصل جذور الشرك والرياء والكفر والنفاق من قلبك . PageV01P061 # الاربعون حديثا :62 # واعلم ان هذه العقيدة الحقة مطابقة للعقل والشرع وليس فيها شبهة الجبر ، ~~وهي الشبهة التي من المحتمل ان يعتقد بها ms053 بعض من لا اطلاع لهم على مبادئ ~~الموضوع ومقدماته ولم يطرق سمعهم شيء من تلك الامور ، مع ان ذلك لا يرتبط ~~بالجبر ، فهو توحيد والجبر شرك ، وهذه هداية والجبر ضلالة . وهذا ليس مكانا ~~مناسبا لبيان الجبر والتفويض ، ولكن الامر واضح عند اهله ولا حق لغيرهم ~~بالدخول في هذه المواضيع ، بل وقد نهى صاحب الشريعة عن الدخول فيها . # وعلى اي حال ؛ اطلب من الله الرحيم في كل حين ، وخصوصا في الخلوات ، ~~وبتضرع وعجز وتذلل ، ان يهديك بنور التوحيد ، وان ينور قلبك ببارقة غيب ~~التوحيد في الايمان والعبادة ، حتى تعلم ان جميع العالم الواهي وكل ما فيه ~~يكون لا شيء ، واسال الذات المقدس بكل تضرع ان يجعل اعمالك خالصة وان يهديك ~~الى طريق الخلوص والولاء . واذا واتتك حالة السمو الروحي ، فاذكر بالدعاء ~~هذا العبد الضعيف البطال الخالي من الحقيقة الذي ضيع عمره في الهوى ، واصبح ~~قلبه بسبب كدر المعاصي والامراض القلبية بحيث لم تعد تؤثر فيه اية نصيحة ~~ولا رواية ولا برهان ولا دليل ولا آية ، لعلة يجد بدعائكم طريق النجاة ، ~~فان الله لا يرد دعاء المؤمن في حضرته ، بل يستجيب دعاءه . # بعد التذكير بهذه المطالب التي كنت تعرفها ولم تكن جديدة عليك ، راقب ~~قلبك وانتبه له ، واخضع اعمالك وتعاملك وحركاتك وسكناتك للملاحظة ، وفتش في ~~خبايا قلبك ، وحاسبه حسابا شديدا مثلما يحاسب شخص من اهل الدنيا شريكه ، ~~واترك كل عمل فيه شبهة الرياء والتملق ولو كان عملا شريفا جدا . واذا رايت ~~انك لا تستطيع اداء الواجبات باخلاص في العلن ، فادها في الخفاء مع انه ~~يستحب الاتيان بها في العلن . وقليل ما يتفق ان يقع الرياء في اصل الواجب ، ~~والاغلب ان يقع في الخصوصيات والمستحبات والاضافات ، وعلى اية حال ، طهر ~~قلبك من دنس الشرك بجد ومجاهدة شديدتين ، لئلا تنتقل من هذا العالم لا سمح ~~الله وانت بهذه الحالة السيئة من دون ان يكون لك امل بالنجاء ابدا ، ويكون ~~الحق المتعال غاضبا عليك ، كما ورد في الحديث الشريف المنقول في (الوسائل) ~~عن (قرب الاسناد) ms054 بسند متصل الى امير المؤمنين عليه السلام انه قال : «قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من تزين للناس بما يحب الله وبارز لله ~~في السر بما يكره الله لقي الله وهو عليه غضبان وله ماقت» (1) . # في هذا الحديث الشريف احتمالان : الاول : هو ذلك الذي يظهر للناس الاعمال ~~الصالحة ويخفي الاعمال القبيحة . والآخر : هو ذلك الذي يظهر للناس هيكل ~~العمل وفي PageV01P062 الاربعون حديثا :63 # الباطن يقصد الرياء ، وكلتا الصورتين يشملهما الرياء ، لان الاتيان ~~بالواجبات والمستحبات ، بغير قصد الرياء لا يستوجب الغضب ، بل يمكن القول ~~ان المعنى الثاني افضل لان التجاهر بالاعمال القبيحة اشد ، وعلى كل حال ؛ ~~لا سمح الله ان يكون مالك الملوك وارحم الراحمين غاضبا على الانسان «اعوذ ~~بالله من غضب الحليم» . ### |||| AUTO فصل:في بيان حديث علوي # نختم هذا المقام بحديث شريف روي في كتاب (الكافي) عن امير المؤمنين عليه ~~السلام ونقل الشيخ الصدوق رضوان الله عليه مثل هذا الحديث عن الامام الصادق ~~عليه السلام وهو من جملة وصايا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لامير ~~المؤمنين عليه السلام وهو هذا : # باسناده ؛ عن ابي عبد الله قال : قال امير المؤمنين عليه السلام : «ثلاث ~~علامات للمرائي ينشط اذا راى الناس ويكسل اذا كان وحده ، ويحب ان يحمد في ~~جميع اموره» (1) . # ولما كانت هذه السيئة الرياء الخبيثة شديدة الخفاء ، غابت حتى عن ~~الانسان نفسه بحيث يكون في الباطن من اهل الرياء وهو يتوهم عمله خالصا ، ~~ولهذا ذكروا لها علامة ، وبواسطة تلك العلامة يطلع الانسان على سريرته ، ~~وينهض لمعالجتها . وهذه العلامة هي ان الانسان يشاهد في نفسه عزوفا عن ~~الطاعات عندما يكون وحده ، واذا تعبد فمع كلفة او من منطلق العادة من دون ~~اقبال وتوجه ، بل ياتي بالعبادة مقطعة الاوصال من غير كمال وتمام ، ولكن ~~عندما يحضر في المساجد والمجامع ، وفي المحافل العامة يؤدي تلك العبادة في ~~الظاهر بنشاط وسرور وحضور قلب ويميل الى اطالة الركوع والسجود ، ويؤدي ~~المستحبات اداء حسنا مع توفير كافة اجزائها وشروطها . # ان الانسان اذا كان منتبها ms055 بعض الشيء ، ليسال نفسه عن سبب مثل هذا التصرف ~~؟ ولماذا تنصب شباكها باسم التقدس ؟ لموهت على الانسان وقالت : بما ان ~~العبادة في المسجد اعظم ثوابا او ان في صلاة الجماعة كذا من الثواب ، يشتد ~~النشاط . اما اذا صليت منفردا وفي غير المسجد ، فيكون الاهتمام من اجل انه ~~: «يستحب اداء العمل امام الناس بصورة حسنة لكي يقتدي به الآخرون ويرغبون ~~في الدين» . انها النفس تخدع الانسان باية وسيلة كانت ، ولهذا لا يفكر في ~~العلاج . وان المريض الذي يعتقد نفسه سالما ، لا يؤمل له الشفاء . ان هذا ~~الشقي يرغب في باطن ذاته ولب سريرته ان يظهر عمله للناس وهو غافل عن ان ذلك ~~بدافع من PageV01P063 الاربعون حديثا :64 # الشيطان ، بل ان نفسه تظهر له المعصية في صورة العبادة ، وتظهر التكبر ~~والغرور في شكل ترويج للدين . ان الاتيان بالمستحبات في الخلوات مستحب ، ~~فلماذا ترغب النفس دائما في ان تؤديها في العلن ؟ انه يبكي من خوف الله في ~~المحافل العامة بحرقة والم ، ولكنه في الخلوات مهما ضغط على نفسه لا تندى ~~عينه . فما الذي حدث لكي يذهب عنه خوف الله الا بين الناس ؟ تسمع له في ~~ليالي القدر وفي جموع الناس الحسرات والنحيب والحرقة والبكاء ، يصلي مائة ~~ركعة ويقرا دعاء الجوشن الكبير والصغير وعدة اجزاء من القرآن المجيد في وسط ~~المجموع ، دون ان يتلكا او يحس بالتعب . # اذا كانت اعمال الانسان لاجل رضا الله فقط او لاستحصال رحمته او خوفا من ~~النار وشوقا الى الجنة ، فلماذا يرغب في ان يمدحه الناس على كل عمل عمله ؟ ~~فتجد اذنه متوجهة الى السن الناس وقلبه عندهم ، لكي يسمع من يمدحه ، بقوله ~~: ما اشد تدين والتزام هذا الانسان ؟ وما احرصه على اداء الفرائض في ~~مواعيدها والمستحبات في اوقاتها ؟ وانه انسان مستقيم وصادق في معملاته ! ~~اذا كان الله هو الهدف في عملك فما هذا الميل المفرط نحوالناس ؟! واذا كانت ~~الجنة والنار هما اللتان تدفعانك الى العمل فما الذي يحكي لنا هذا الانحراف ~~؟! انتبه ، فان هذا الحب هو من نفس ms056 شجرة الرياء الخبيثة ، فاسع ما استعطت ~~لاصلاح نفسك من امثال هذا الحب اذا كان ذلك ممكنا . # في هذا المقام انبه الى نقطة مهمة وهي ان لكل واحدة من هذه الصفات ~~النفسانية ، الحسنة منها والسيئة ، درجات كثيرة جدا ، بحيث ان مرتبة من ~~الصفات يعتبر الاتصاف بها من الحسنات والتخلي عتها من السيئات وتكون من ~~مختصات اولياء الله او العرفاء بالله ولا يشاركهم فيها غيرهم من سائر الناس ~~. والصفة التي تعتبر نقصا لاولياء الله ، والعرفاء بالله ، لا تعتبر نقصا ~~لغيرهم من الناس حسب المقام الذي يتمتعون به ، بل قد يكون بمعنى من المعاني ~~كمالا لهم وكذلك تكون حسنات فئة سيئات لفئة اخرى . # والرياء من جملة ما يدور كلامنا عليه حاليا . فالاخلاص من جميع مراتب ~~الرياء هو من مختصات اولياء الله والآخرون ليسوا شركاء في هذه المرتبة ، ~~واتصاف عامة الناس بدرجة من درجات الاخلاص ليس نقصا بالنسبة اليهم بحسب ~~المقام الذي هم فيه ، ولا يضر بايمانهم واخلاصهم . فمثلا تميل نفوس عامة ~~الناس بحسب الغريزة والفطرة الى ان تظهر خيراتها امام الناس ، وان لم ~~يقصدوا ان يظهروها ، ولكن نفوسهم مفطورة على هذا الميل . وهذا ليس موجبا ~~لبطلان العمل او الشرك او النفاق او الكفر ، وان كان ذلك نقص بالنسبة ~~للاولياء وشرك ونفاق لدى الولي او العارف بالله . والتنزه عن مطلق الشرك ~~والاخلاص في جميع مراتبه هو اول مقامات الاولياء . ولهم مقامات اخرى لا ~~يناسب هذا المجال ذكرها . PageV01P064 # الاربعون حديثا :65 # ثم ان قول الائمة (عليهم السلام) ان «عبادتنا عبادة الاحرار» اي حبا لله ~~، لا طمعا بالجنة ولا خوفا من النار ، فهو من المقامات الاعتيادية بالنسبة ~~اليهم وهو اولى درجات الولاية ، ولهم في العبادات حالات لا يمكن ان ~~تستوعبها عقولنا ولا عقولكم . # وبهذا البيان الذي سمعت يمكن الجمع بين الحديث السابق المنقول عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وامير المؤمنين عليه السلام ، والحديث الذي ~~ينقله زرارة ، عن ابي جعفر الأمام محمد الباقر عليه السلام وهو : حديث محمد ~~بن يعقوب بأسناده عن ابي جعفرعليه ms057 السلام قال : «سالته عن الرجل يعمل الشيء ~~من الخير فيراه انسان فيسره ذلك ، قال : ثم لا باس ، ما من احد الا وهو يحب ~~ان يظهر له في الناس الخير اذا لم يكن صنع ذلك لذلك» (1) . # يعد في احد الحديثين حب المدح علامة الرياء ، ويعد في الآخر السرور بظهور ~~الخيرات امرا لا باس به . وبكون هذا حسب اختلاف مراتب الاشخاص . وهناك وجه ~~آخر للجمع بين الحديثين ، صرفنا النظر عنه هنا . ### |||| AUTO تتمة # اعلم ، ان السمعة وهي عبارة عن ايصال خصال النفس الى اسماع الناس لاجتذاب ~~قلوبهم ولاجل الاشتهار ، من شجرة الرياء الخبيثة . ولهذا السبب ، ذكرناها ~~مع الرياء في باب واحد ، ولم نعمد الى ذكر كل واحدة منهما بصورة منفصلة . PageV01P065 # الاربعون حديثا :66 PageV01P066 الاربعون حديثا :67 ### | AUTO الحديث الثالث: العجب PageV01P067 الاربعون حديثا :68 # بالسند المتصل الى محمد بن يعقوب ، عن علي بن ابراهيم ، عن ابيه ، عن علي ~~بن اسباط ، عن احمد بن عمر الحلال ، عن علي بن سويد ، عن ابي الحسن عليه ~~السلام قال : «سالته عن العجب الذي يفسد العمل ، فقال : العجب درجات منها ~~ان يزين للعبد سوء عمله فيراه حسنا فيعجبه ويحسب انه يحسن صنعا ومنها ان ~~يؤمن العبد بربه فيمن على الله عز وجل ولله عليه فيه المن» (1) . PageV01P068 # الاربعون حديثا :69 ### || AUTO الشرح :(1) # العجب ، انه عبارة حسب ما ذكره العلماء رضوان الله عليهم عن : «تعظيم ~~العمل الصالح واستكثاره والسرور والابتهاج به ، والتغنج والدلال بواسطته ، ~~واعتبار الانسان نفسه غير مقصر» . واما السرور بالعمل مع التواضع والخضوع ~~لله تعالى وشكره على هذا التوفيق وطلب المزيد منه ، فانه ليس بعجب وهو امر ~~ممدوح . ينقل المحدث العظيم مولانا العلامة المجلسي طاب ثراه ، عن المحقق ~~الخبير والعالم الكبير الشيخ الاجل بهاء الدين العاملي رضوان الله عليه (2) ~~انه قال : «لا ريب في ان من عمل اعمالا صالحة من صيام الايام ، وقيام ~~الليالي ، وامثال ذلك يحصل لنفسه ابتهاج . فان كان من حيث كونها عطية من ~~الله له ، ونعمة منه تعالى عليه ، وكان مع ذلك خائفا من نقصها ms058 ، شفيقا من ~~زوالها ، طالبا من الله الازدياد منها ، لم يكن ذلك الابتهاج عجبا . وان ~~كان من حيث كونها صفته وقائمة به ومضافة اليه ، فاستعظمها وركن اليها ، ~~وراى نفسه خارجا عن حد التقصير ، وصار كانه يمن على الله سبحانه بسببها ~~فذلك هو العجب» . # اقول ، وانا الفقير : تفسير العجب بالصورة التي ذكروها صحيح ، ولكن يجب ~~اعتبار العمل اعم من العمل الباطني والظاهري ، القلبي والشكلي ، وكذلك اعم ~~من العمل القبيح والعمل الحسن . وذلك لان العجب مثلما يدخل على اعمال ~~الجوارح ، يدخل ايضا على اعمال الجوانح فيفسدها ، وكما ان صاحب الفضيلة ~~الحسنة يعجب بخصاله ، كذلك يكون ذو PageV01P069 الاربعون حديثا :70 # العمل الشنيع ايضا ، اي انه يعجب بخصلته ، كما صرح بهذا ، الحديث الشريف ~~حيث خصهما بالذكر لانهما خافيان عن نظر اغلب الناس . وسياتي ذكرهما ان شاء الله . # ويجب ان نعلم ايضا ان السرور الخالي من العجب والذي اعتبروه من الصفات ~~الممدوحة انما يلاحظ بحسب نوعه ، كما سياتي بيانه في فصل من الفصول اللاحقة . # واعلم ان للعجب ، كما وردت الاشارة اليه في الحديث الشريف ، درجات : # الدرجة الاولى : العجب بالايمان والمعارف الحقة ، ويقابله العجب بالكفر ~~والشرك والعقائد الباطلة . # الدرجة الثانية : العجب بالملكات الفاضلة والصفات الحميدة ويقابله العجب ~~بسيئات الاخلاق وباطل الملكات . # الدرجة الثالثة : العجب بالاعمال الصالحة والافعال الحسنة ويقابلها العجب ~~بالاعمال القبيحة والافعال السيئة . # وهناك درجات اخرى غير هذه ولكنها ليست مهمة في هذا المقام . ونحن ان شاء ~~الله سنشير ضمن فصول لاحقة ، الى تلك الدرجات ومنشئها وما يمكن ان يكون ~~علاجا لها . وبه نستعين . ### || AUTO فصل:في مراتب العجب # اعلم (1) ان لكل واحدة من الدرجات الآنفة الذكر من العجب مراتب . بعض هذه ~~المراتب واضحة وبينة ويمكن للانسان الاطلاع عليها باقل تنبه والتفات . ~~وبعضها الآخر دقيق وخفي للغاية بحيث لا يمكن للانسان ان يدركها ما لم يفتس ~~ويدقق بصورة صحيحة . كما ان بعض مراتبها اشد واصعب واكثر تدميرا من بعضها ~~الآخر . # المرتبة الاولى # وهي اشد المراتب واهلكها ، حيث تحصل في الانسان بسبب شدة العجب حالة يمن ~~معها في ms059 قلبه بايمانه او خصاله الحميدة الاخرى على ولي نعمته ومالك الملوك ~~، فيتخيل ان الساحة الالهية قد اتسعت بسبب ايمانه ، او ان دين الله قد ~~اكتسب رونقا بذلك او انه بترويجه للشريعة او بارشاده وهدايته او بامره ~~بالمعروف ونهيه عن المنكر او باقامته الحدود ، او بمحرابه PageV01P070 الاربعون حديثا :71 # ومنبره ، قد اضفى على دين الله بهاء جديدا ، او انه بحضوره جماعة ~~المسلمين ، او باقامة مجالس التعزية لابي عبد الله عليه السلام قد اضفى على ~~الدين جلالا ، لذلك يمن على الله وعلى سيد المظلومين وعلى الرسول الاكرم ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، وان لم يظهر لاحد هذا المعنى ، الا انه يمن في ~~قلبه . ومن هنا ومن هذا الباب بالذات تنشا المنة على عباد الله في الامور ~~الدينية ، كان يمن على الضعفاء والفقراء باعطائهم الصدقات الواجبة ~~والمستحبة ومساعدتهم ، واحيانا تكون هذه المنة خافية حتى على الانسان نفسه ~~(وقد تقدم في الحديث الثاني شرح عدم امكان امتنان الانسان على الله ، وانما ~~يمن الله على الناس جميعا). # المرتبة الثانية : # وهي التي يتدلل فيها الانسان ويتغنج بواسطة العجب على الله تعالى وهذه ~~غير المنة ، ولو ان البعض لم يفرق بينهما . # ان صاحب هذا المقام يرى نفسه محبوبا لله تعالى ، ويرى نفسه في سلك ~~المقربين والسابقين ، واذا جيء باسم ولي من اولياء الله او جرى حديث عن ~~المحبوبين والمحبين او السالك المجذوب ، اعتقد في قلبه انه من اولئك . وقد ~~يبدي التواضع رياء وهو خلاف ذلك ، او انه لكي يثبت ذلك المقام لنفسه ، ~~ينفيه عن نفسه بصورة تستلزم الاثبات . # واذا ما ابتلاه الله تعالى ببلاء ، راح يعلن ان «البلاء للولاء» . # ان مدعي الارشاد من العرفاء والمتصوفة واهل السلوك والرياضة اقرب الى هذا ~~الخطر من سائر الناس . # المرتبة الثالثة : # ان يرى العبد نفسه وبواسطة الايمان او الملكات او الاعمال ، دائنا لله ~~وانه بذلك يكون مستحقا للثواب ، ويرى واجبا على الله ان يجعله عزيزا في هذا ~~العالم ، ومن اصحاب المقامات في الآخرة ، ويرى نفسه مؤمنا تقيا وطاهرا ، ~~وكلما جاء ذكر ms060 المؤمنين بالغيب ، قال في نفسه . «حتى لو عاملني الله بالعدل ~~، فاني استحق الثواب والاجر» بل يتعدى بعضهم حدود القبح والوقاحة ويصرح ~~بهذا الكلام . واذا ما اصابه بلاء وصادفه ما لا يرغب ، فانه يعترض على الله ~~في قلبه ، ويتعجب من افعال الله العادل ، حيث يبتلي المؤمن الطاهر ، ويرزق ~~المنافق ، ويغضب في باطنه على الله تبارك وتعالى وتقديراته ، ولكنه يظهر ~~الرضا في الظاهر ، ويصب غضبه على ولي نعمته ، ويظهر الرضا بالقضاء امام ~~الخلق . وعندما يسمع ان الله يبتلي المؤمنين في هذه الدنيا ، يسلي نفسه ~~بذلك في قلبه ، ولا يدري بان المنافقين المبتلين كثيرون ايضا وليس كل مبتل ~~مؤمنا . PageV01P071 # الاربعون حديثا :72 # المرتبة الرابعة : # هي ان يرى الانسان نفسه متميزا عن سائر الناس وافضل منهم بالايمان ، وعن ~~المؤمنين . بكمال الايمان ، وبالاوصاف الحسنة عن غير المتصفين بها ، ~~وبالعمل بالواجب وترك المحرم عما يقابل ذلك ، كما انه يرى في عمل المستحبات ~~والتزام الجمعة والجماعات والمناسك الاخرى وترك المكروهات يرى نفسه اكمل من ~~عامة الناس ، وان له امتيازا عليهم ، فيثق بنفسه وباعماله ، ويرى سائر ~~الخلق زبدا ناقصين ، وينظر الى سائر الناس بعين الاحتقار ، ويطعن بقلبه او ~~بلسانه في عباد الله ويعيبهم ، ويبعد كل شخص بصورة ما عن ساحة رحمة الله ، ~~ويجعل الرحمة خالصة له ولامثاله . # ومثل هذا الانسان يصل الى درجة بحيث يناقش كل عمل صالح يراه من الناس ، ~~ويخدشه بقلبه على نحو ما ، ويرى اعماله خالصة من ذلك الاعتراض والنقاش ولا ~~يرى الاعمال الحسنة من الناس شيئا ولكن اذا صدرت هذه الاعمال نفسها عنه ~~يراها عظيمة . انه يعرف جيدا عيوب الناس وهو غافل عن عيوبه . # هذه علامات العجب ، وان كان الانسان نفسه قد يكون غافلا عنها . وللعجب ~~درجات اخرى ، لم اذكر بعضها ، واكون غافلا عن بعضها الآخر حتما . ### || AUTO فصل:ان اهل الفساد قد يعجبون بفسادهم # يصل اهل الكفر والنفاق والمشركون والملحدون وذوو الاخلاق القبيحة ، ~~والملكات الخبيثة واهل المعصية والعصيان ، احيانا الى درجة الاعجاب بغرورهم ~~وزندقتهم تلك ، او بسيئات اخلاقهم وموبقات اعمالهم ، ويسرون بها ، ويرون ~~بها ms061 انفسهم من ذوي الارواح الحرة ، الخارجة عن التقليد وغير المعقدة ~~بالاوهام والخرافات ، ويرون انفسهم اولي شهامة ورجولة ، ويتصورون ان ~~الايمان بالله من الاوهام ، وان التعبد بالشرائع من ضعف العقل وصغره ، ~~ويرون ان الاخلاق الحسنة والملكات الفاضلة ، هي من ضعف النفس والمسكنة ، ~~ويحسبون ان الاعمال الحسنة والمناسك والعبادات هي من ضعف الادراك ونقصان ~~الاحساس ، ويرون ان انفسهم تستحق المدح والثناء ، بسبب الروح الحرة التي لا ~~تعتقد بالخرافات ولا تبالي بالشرائع . لقد تاصلت في قلوبهم الخصال القبيحة ~~والسيئة واصبحوا يانسون بها ، وبها امتلات اعينهم وآذانهم فراوها حسنة ، ~~وتصوروها كمالا مثلما وردت الاشارة الى ذلك في هذا الحديث الشريف حيث قال : ~~«العجب درجات ، منها ان يزين للعبد سوء عمله فيراه حسنا فيعجبه ويحسب انه ~~يحسن صنعا» وهذه اشارة الى قول الله تعالى : «افمن زين له سوء PageV01P072 الاربعون حديثا :73 # عمله فرآه حسنا » (1) وكما يقول« ويحسب انه يحسن صنعا »يشير الى قول الله ~~تعالى : «قل هل ننبئكم بالاخسرين اعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ~~وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا * اولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت ~~اعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا » (2)تلك المجموعة من الناس الذين ~~هم في الواقع جهلة ويحسبون انفسهم علماء . اولئك هم اكثر الناس مسكنة واسوا ~~الخلائق حظا ، اولئك يعجز اطباء النفوس عن علاجهم ، ولا تؤثر فيهم الدعوة ~~والنصيحة ، بل قد تعطي احيانا نتيجة عكسية . اولئك لا يعون الدليل ، ويسدون ~~اسماعهم عن هداية الانبياء عليهم السلام وبرهان الحكماء ومواعظ العلماء . # وعليه فتجب الاستعاذة بالله من شر النفس ومكائدها التي تجر الانسان من ~~المعصية الى الكفر الى العجب . ان النفس والشيطان ، بتهوينهما بعض المعاصي ~~، يلقيان بالانسان في المعصية ، وبعد تاصيلها في قلبه وتحقيرها في عينه ، ~~يبتلى الانسان بمعصية اخرى اكبر قليلا من الاولى ، ومع التكرار تسقط ~~المعصية الثانية من النظر ايضا وتبدو صغيرة وهينة في عين الانسان ، فيبتلى ~~بما هو اعظم . وهكذا يسير الانسان نحو الهاوية خطوة فخطوة ، وشيئا فشيئا ~~فتصغر كبائر المعاصي في عينه الى ان تسقط جميع ms062 المعاصي في نظره ، فيستهين ~~بالشريعة والقانون الالهي ، ويؤول عمله الى الكفر والزندقة والاعجاب بهما . ~~وقد ياتي الحديث عن ذلك فيما ياتي . ### || AUTO فصل:في بيان ان حيل الشيطان دقيقة # وعلى غرار ما يتدرج عمل اولي العجب بالمعاصي من مرتبة الى اخرى حتى يصل ~~الى الكفر والزندقة ، كذلك يتطور العجب بالطاعات من العجب في الدرجة ~~الناقصة الى الدرجة الكاملة ، فتصبح مكائد النفس والشيطان في القلب على ~~اساس تخطيط ودراسة . ان الشيطان لا يمكن ابدا ان يعهد اليكم ، انتم المتقون ~~الخائفون من الله ، مهمة قتل النفس او الزنا ، او ان يقترح على الشخص الذي ~~يتمتع باشرف وطهارة النفس ، السرقة او قطع الطريق ، فلا يمكن ان يقول لك ~~منذ البداية بان من على الله بهذه الاعمال او ضع نفسك في زمرة المحبوبين ~~والمحبين والمقربين من الحضرة الالهية . وانما يبدا الامر من الدرجة السفلى ~~ثم يشق طريقه في قلوبكم ، فيدفعكم نحو الحرص الشديد على التزام المستحبات ~~والاذكار والاوراد . وفي غضون ذلك يزين امامكم بما يناسب حالكم ، عملا ~~واحدا من اهل المعصية ، ويوحي لكم PageV01P073 الاربعون حديثا :74 # بانكم بحكم الشرع والعقل افضل من هذا الشخص ، وان اعمالكم موجبة لنجاتكم ~~، وانكم بحمد الله طاهرون بعيدون عن المعاصي ومبرأون منها ، فيحصل من هذه ~~الايحاءات على نتيجتين : الاولى : هي سوء الظن بعباد الله ، والاخرى : ~~العجب بالنفس . وكلاهما من المهلكات ومن معين المفاسد . # قولوا للشيطان والنفس : قد تكون لهذا الشخص المبتلي بالمعصية ، حسنات ، ~~او اعمال اخرى فيشمله الله تعالى بها بوافر رحمته ، ويجعل نور تلك الحسنات ~~والاعمال منارا يهديه فيؤول عمله الى حسن العاقبة . ولعل الله قد ابتلى هذا ~~الشخص بالمعصية لكي لا يبتلي بالعجب ، الذي يعد اسوا من المعصية . مثلما ~~ورد في الحديث الشريف المنقول في الكافي ، عن ابي عبد الله ، قال : «ان ~~الله علم ان الذنب خير للمؤمن من العجب ولولا ذلك ما ابتلى مؤمنا بذنب ~~ابدا» (1) ولعل عملي انا يؤول الى سوء العاقبة بسبب سوء الظن هذا . وكان ~~شيخنا الجليل العارف الكامل الشاه آبادي «روحي فداه» يقول ms063 : # «لا تعيبوا على احد ، حتى في قلوبكم ، وان كان كافرا ، فلعل نور فطرته ~~يهديه ، ويقودكم تقبيحكم ولومكم هذا الى سوء العاقبة ان الامر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر غير التعيير القلبي» بل كان يقول : «لا تلعنوا الكفار ~~الذين لا يعلم بانهم رحلوا عن هذا العالم وهم في حال الكفر ، فلعلهم اهتدوا ~~في اثناء الرحيل فتصبح روحانيتهم مانعا لرقيكم» . وعلى اي حال ، فان النفس ~~والشيطان ، يدخلانكم في المرحة الاولى من العجب وقليلا قليلا ينقلانكم من ~~هذه المرحلة الى مرحلة اخرى ، ومن هذه الدرجة الى درجة اكبر الى ان يصلا ~~بالانسان في النهاية الى المقام الذي يمن فيه على ولي نعمته ومالك الملوك ، ~~بايمانه او اعماله ويصل عمله الى اسفل الدرجات . ### || AUTO فصل:في مفاسد العجب # اعلم ان العجب هو بنفسه من المهلكات والموبقات وهو يحبط ايمان الانسان ~~واعماله ويفسدها ، كما يجيب الامام عليه السلام الراوي عندما يساله في هذا ~~الحديث الشريف عن العجب الذي يفسد العمل فيحدد عليه السلام ان درجة منه هي ~~العجب في الايمان . وقد سمعت في الحديث السابق ان العجب اشد من الذنب في ~~حضرة الله تعالى ومن هنا فانه تعالى يبتلي المؤمن بالمعصية لكي يصبح آمنا ~~من العجب ، والرسول الاكرم يعتبر العجب من المهلكات . PageV01P074 # الاربعون حديثا :75 # وفي امالي الصدوق ، عن امير المؤمنين عليه السلام انه قال : «من دخله ~~العجب هلك» (1) وصورة هذا السرور الحاصل من العجب في البرزخ وما بعد ~~الموت ، تكون موحشة ومرعبة للغاية ، ولا نظير لها في الهول . # واوضح ما يشير الى ذلك قول الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم في ~~وصيته لامير المؤمنين عليه السلام : «ولا وحدة اوحش من العجب» (2) . # سأل موسى بن عمران (على نبينا وآله وعليه السلام) الشيطان : «اخبرني ~~بالذنب الذي اذا ارتكبه ابن آدم استحوذت عليه ، قال : اذ اعجبته نفسه ، ~~واستكثر عمله ، وصغر في عينه ذبنه» (3) . # وقال : قال الله تعالى لداود عليه السلام : «يا داود بشر المذنبين وانذر ~~الصديقين» . قال : يا رب كيف ابشر المذنبين وانذر الصديقين ؟ قال : «يا ~~داود بشر ms064 المذنبين اني اقبل التوبة واعفو عن الذنب . وانذر الصديقين الا ~~يعجبوا باعمالهم ، فانه ليس عبد انصبه للحساب الا هلك» (4) اعوذ بالله ~~تعالى من المناقشة في الحساب التي تهلك الصديقين ومن هو اعظم منهم . # ينقل الشيخ الصدوق في (الخصال) مسندا الى الامام الصادق ان الشيطان يقول ~~: «اذا ظفرت بابن آدم في ثلاث فلا يهمني عمله بعد ذلك لانه لن يقبل منه : ~~اذا استكثر عمله ، ونسي ذنبه ، وتسرب اليه العجب» ! (4) . # وفضلا عما سمعت من مفاسد العجب ، فانه شجرة خبيثة ، نتاجها الكثير من ~~الكبائر والموبقات . فعندما يتاصل العجب في القلب ، يجر عمل الانسان الى ~~الكفر والشرك والى ما هو اعظم من ذلك . # ومن مفاسده استصغار المعاصي . بل ان ذا العجب لا ينهض لاصلاح نفسه ، ويظن ~~ان نفسه زكية طاهرة ، فلا يطرأ على تفكيره ابدا ان يطهرها من المعاصي ، ~~فستار الاعجاب بالنفس وحجابه الغليظ يحول بينه وبين ان يرى معايب نفسه . ~~وهذه مصيبة ، اذ انها تحجز الانسان عن جميع الكمالات ، وتبتليه بانواع ~~النواقص ، وتؤدي بعمل الانسان الى الهلاك الابدي ، ويعجز اطباء النفوس عن ~~علاجه .... # ومن مفاسده الاخرى انها تجعل الانسان يعتمد على نفسه في اعماله ، وهذا ما ~~يصبح سببا في ان يحسب الانسان الجاهل المسكين نفسه في غنى عن الحق تعالى ، ~~ولا يلاحظ فضل PageV01P075 الاربعون حديثا :75 # الحق تعالى ، ويرى بحسب عقله الصغير ان الحق تعالى ملزم بان يعطيه ~~الاجر والثواب ، ويتوهم انه حتى لو عومل بالعدل ايضا لاستحق الثواب ، ~~وسياتي فيما بعد ذكر هذا الامر ان شاء الله . # ومن مفاسد العجب الاخرى ، ان ينظر الانسان باحتقار الى عباد الله ، ويحسب ~~اعمال الناس لا شيء وان كانت افضل من اعماله ، وهذه وسيلة لهلاك الانسان ~~ايضا ، وشوكة في طريق خلاصه ونجاته . # ومن مفاسده الاخرى ، انه يدفع الانسان الى الرياء ، لان الانسان بصورة ~~عامة اذا استصغر اعماله وجدها لا شيء ووجد اخلاقه فاسدة ، وايمانه لا ~~يستحق الذكر ، عندما لا يكون معجبا بنفسه ولا بصفاته ولا باعماله ، بل يرى ~~نفسه وجميع ما يصدر عنها سيئا وقبيحا ، فلا ms065 يعرضها ولا يتظاهر بها ، فان ~~البضاعة الفاسدة سيئة لا تصلح للعرض . ولكنه اذا راى نفسه كاملا واعماله ~~جيدة ، فانه يندفع الى التظاهر والرياء ، ويعرض نفسه على الناس . # يجب اعتبار مفاسد الرياء المذكورة في الحديث الثاني من مفاسد العجب ايضا . # وهناك مفسدة اخرى هي ان هذه الرذيلة تؤدي الى رذيلة الكبر المهلكة ، ~~وتبعث على ابتلاء الانسان بمعصية التكبر وسياتي ان شاء الله ذكر الحديث ~~عنها فيما بعد . # وتبرز من هذه الرذيلة مفاسد اخرى ايضا بصورة مباشرة وغير مباشرة لكن ~~شرحها يوجب التفصيل . فليعلم المعجب ان هذه الرذيلة هي بذرة رذائل اخرى ، ~~ومنشا لامور يشكل كل واحد منها سببا للهلاك الابدي والخلود في العذاب . ~~فاذا عرف هذه المفاسد بصورة صحيحة ولاحظها بدقة ، ورجع الى الاخبار الآثار ~~الواردة بشانها عن الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم واهل بيت ذلك ~~القائد صلوات الله عليهم اجميعن ، فمن المحتم ان يعتبر الانسان نفسه ملزما ~~بالنهوض لاصلاح النفس ، وتطهيرها من هذه الرذيلة واستئصال جذورها من باطن ~~النفس ، لئلا ينتقل لا سمح الله الى العالم الآخر وهو بهذه الصفة ، وانه ~~حينما يغمض عينيه المادية الملكوتية ، ويشرق عليه سلطان البرزخ والقيامة ، ~~يرى ان حال اهل كبائر المعاصي افضل من حاله حيث غمرهم الله برحمته الواسعة ~~بسبب ندمهم او بسبب ما كان لديهم من رجاء بفضل الله تعالى . واما هذا ~~المسكين الذي راى نفسه مستقلا ، وحسبها في باطن ذاته غنية عن فضل الله ، ~~فيرى بان الله تعالى حاسبه لذلك حسابا عسيرا ، واخضعه لميزان العدل كما ~~اراد ، وافهمه بانه لم يقم باية عبادة لله تعالى ، وان جميع عباداته ابعدته ~~عن الساحة المقدسة ، وان كل اعماله وايمانه باطل وتافه . بل وان تلك ~~الاعمال والعبادات نفسها هي سبب الهلاك وبذرة العذاب الاليم وراس مال ~~الخلود في الجحيم . الويل لم يعامله الباري تعالى بعدله ، فاذا ما عومل PageV01P076 الاربعون حديثا :77 # الناس مثل هذا التعامل ما نجا احد من الاولين والآخرين . ان مناجاة صفوة ~~الله من الانبياء والائمة المعصومين صلوات الله عليهم مشحونة بالاعتراف ms066 ~~بالتقصير والعجز عن القيام بالعبودية . وعندما يعلن افضل الكائنات واقربها ~~الى الله رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم قائلا : «ما عرفناك حق ~~معرفتك وما عبدناك حق عبادتك» فماذا سيكون حال سائر الناس ؟ ... نعم انهم ~~العارفون بعظمة الله تعالى ، العالمون بحقيقة نسبة «الممكن» الى «الواجب» ~~انهم يعلمون ، انهم لو قضوا جميع اعمارهم في الدنيا بالعبادة والطاعة ~~والتحميد والتسبيح ، لما ادوا شكر نعم الله ، فكيف يمكن اداء حق الثناء على ~~ذاته وصفاته المقدسة ؟ ، انهم يعلمون ان ليس لموجود شيء . فالحياة والقدرة ~~والعلم والقوة وسائر الكمالات الاخرى هي ملك لكماله تعالى ، و«الممكن» فقير ~~، بل فقر محض يستظل بظله تعالى ، وليس بمستقل بذاته . اي كمال يملكه ~~«الممكن» بنفسه لكي يتظاهر بالكمال ؟ ، واية قدرة يمتلكها لكي يتاجر بها ؟ ~~اولئك العارفون بالله وبجماله وجلاله شاهدوا شهود عيان نقصهم وعجزهم ~~وشاهدوا كمال «الواجب» تعالى ، وانما نحن المساكين الذين قد ران حجاب الجهل ~~والغفلة والعجب والمعاصي على قلوبنا وقوالبنا وغشى ابصارنا واسماعنا ~~وعقولنا وكافة قوانا المدركة بحيث اخذنا نستعرض عضلاتنا في مقابل قدرة الله ~~القاهرة ، ونعتقد ان لنا استقلالا وشيئية بذواتنا . # ايها «الممكن» المسكين الجاهل بنفسك وبعلاقتك بالله ! ، ايها «الممكن» ~~السيئ الحظ الغافل عن واجباتك ازاء مالك الملوك ! ان هذا الجهل هو سبب جميع ~~ما يلحقك من سوء التوفيق ، وهو الذي ابتلانا بجميع هذه الظلمات والمكدرات . ~~ان الضياع قد ينشا من الاساس ، وان تلوث الماء يكون من المعين ، ان عيون ~~معارفنا عمياء ، وقلوبنا ميتة ، وهذا سبب جميع المصائب ، مع كل ذلك لسنا ~~حتى بصدد اصلاح انفسنا ! . # اللهم تفضل علينا بتوفيق التوبة ، وعرفنا انت بواجباتنا ، وتفضل علينا ~~بنصيب من انوار معارفك التي ملات بها قلوب العرفاء والاولياء ، اظهر لنا ~~احاطة قدرتك وسلطتك ، وعرفنا بنواقصنا . فهمنا نحن المساكين الغافلين الذين ~~ننسب جميع المحامد الى الخلق ، فهمنا معنى «الحمد لله رب العالمين» ، عرف ~~قلوبنا بان ليست هناك محمدة من مخلوق . اظهر لنا حقيقة «ما اصابك من حسنة ~~فمن الله وما اصابك من سيئة فمن نفسك ...» (1) ادخل كلمة التوحيد الى ms067 ~~قلوبنا القاسية الكدرة ، نحن اهل الحجاب والظلمة ، واهل الشرك والنفاق ، ~~نحن الانانيون ، عباد النفس ، المعجبون بها ، اخرج من قلوبنا حب النفس وحب ~~الدنيا ، واجعلنا عشاقا لله وعبادا لك «انك على كل شيء قدير» . PageV01P077 # الاربعون حديثا :78 ### || AUTO فصل:في بيان ان حب النفس اساس العجب # اعلم ان رذيلة العجب تنشأ من حب النفس ، لان الانسان مفطور على حب الذات ~~، فيكون اساس جميع الاخطاء والمعماصي الانسانية والرذائل الاخلاقية ، حب ~~النفس . ولهذا فان الانسان يرى اعماله الصغيرة كبيرة ، وبذلك يرى نفسه من ~~الصالحين ومن خاصة الله ويرى نفسه مستحقا للثناء ، ومستوجبا للمدح على تلك ~~الاعمال الحقيرة التافهة ، بل ويحدث احيانا ان تلوح لنظره قبائح اعماله ~~حسنة واذا ما راى من غيره اعمالا افضل واعظم من اعماله فلا يعيرها اهمية ، ~~ويصف اعمال الناس الصالحة بالقبح ، واعماله السيئة القبيحة بالحسنة ، يسيء ~~الظن بخلق الله ولكن يحسن الظن بنفسه ، وبسبب حبه لنفسه يرى بعمله الصغير ~~الممزوج بآلاف القذارات المبعدة عن الله ، ان الله مدين له وانه يستوجب منه ~~الرحمة . # فلنفكر الآن قليلا في اعمالنا الصالحة ولنحكم العقل قليلا في الافعال ~~العبادية الصادرة عنا ، ولننظر اليها بعين الانصاف ، لنرى هل اننا نستحق ~~بها المدح والثناء والثواب والرحمة ، او اننا جديرون باللوم والعتاب والغضب ~~والنقمة ؟ واذا ما احرقنا الله بسبب هذه الاعمال ، التي نراها حسنة ، بنار ~~القهر والغضب ألا يكون ذلك عدلا ؟ ... # اني احكمكم في هذا السؤال الذي اطرحه ، واريد منكم الجواب عليه بانصاف ~~بعد إعمال الفكر والتامل . والسؤال هو انه اذا اخبركم الرسول الاكرم صلوات ~~الله عليه وآله ، وهو الصادق المصدق ، انكم اذا عبدتم الله طوال عمركم ~~واطعتم اوامره وتركتم شهوات النفس ورغباتها ، او تركتم عبادته وعملتم على ~~خلاف توجيهاته سبحانه وتعالى وعلى اساس رغبات النفس وشهواتها طيلة حياتكم ~~واذا اخبركم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بانكم سيان في كلتا الحالتين ~~لن تختلف درجاتكم في الآخرة . انكم على كل حال الناجون وستذهبون الى الجنة ~~وتامنون من العذاب ، فلا فرق : حسب الفرض بين ان تصلوا او تزنوا ms068 ، ولكن مع ~~ذلك يكون رضا الله تعالى في عبادته والثناء عليه وحمده ، والابتعاد عن ~~الشهوات والرغبات النفسانية في هذا العالم ، مع عدم الاثابة على الطاعة . ~~فهل كنتم تصبحون من اهل المعصية او من اهل العبادة ؟ هل كنتم تتركون ~~الشهوات وتحرمون على انفسكم اللذات النفسانية من اجل رضا الله تعالى ~~والرغبة فيه ، او لا ؟ هل كنتم باقين من المتوسلين اليه تعالى بالمستحبات ~~والجمعة والجماعات ؟ او كنتم تغرقون في الشهوات وتلازمون اللهو واللعب ~~والملاهي وغير ذلك ؟ اجيبوا بانصاف ودون تظاهر ورياء . انني اعلن عن نفسي ~~وعمن هو على شاكلتي بانا نصبح من اهل المعصية ونترك الطاعات ونعمل بالشهوات ~~النفسانية . PageV01P078 # الاربعون حديثا :79 # وبعد ما تقدم نستنتج ان جميع اعمالنا هي من اجل اللذات النفسانية ومن اجل ~~الاهتمام بالبطن والفرج . اننا عباد للبطن وعباد للشهوة ، ونترك لذة صغيرة ~~، للذة اعظم وان وجهة انظارنا وقبلة آمالنا هي فتح بساط الشهوة . ان الصلاة ~~التي هي معراج القرب الى الله نؤديها قربة لنساء الجنة ولا علاقة لها ~~بالقرب الى الله ، ولا علاقة لها بطاعة الامر ، وهي بعيدة آلاف الفراسخ عن ~~رضا الله . # ايها المسكين الغافل عن المعارف الالهية ، يا من لا تفهم سوى ارادة شهوتك ~~وغضبك ، انت المتوسل بالاذكار والاوراد والمستحبات والواجبات ، والتارك ~~للمكروهات والمحرمات والمتخلق بالاخلاق الحسنة ، والمتجنب لسيئات الاخلاق ، ~~ضع اعمالك امام عين الانصاف ، اتقوم بها لاجل الوصول الى الشهوات النفسانية ~~والجلوس على سرر مطعمة بالزبرجد ، ومعانقة الضحوكات والدعوبات في الجنة ، ~~وارتداء الحرير والاستبرق ، والسكنى في القصور الفارهة الجميلات ، والوصول ~~الى الاماني النفسية ؟ افينبغي ان تمن بهذه الاعمال وهي جميعا لاجل النفس ~~ومن اجل عبادتها ، على الله وتعدها عبادة الله ؟ هل يختلف حالكم عن ذلك ~~الاجير الذي ينجز عملا من اجل الاجر ، ثم يقول : انني انجزت ذلك العمل لاجل ~~صاحب العمل فحسب ؟ افلا تكذبوه ؟ # الستم كاذبين حينما تقولون : اننا نصلي تقربا الى الله تعالى ؟ الاجل ~~التقرب الى الله هذه الصلاة او لاجل التقرب لنساء الجنة واشباع الشهوة ؟ ~~اقولها صراحة ، ان جميع عباداتنا هذه لهي ms069 من كبائر الذنوب عند العرفاء ~~بالله واولياء الله . # ايها المسكين ! انت في حضرة الله جل جلاله ، وفي محضر الملائكة المقربين ~~، تعمل خلاف رضا الله تعالى ، والعبادة التي هي معراج القرب من الله ، ~~تؤديها لاجل النفس الامارة بالسوء ولاجل الشيطان ، وعندها لا تستحي ان تكذب ~~في العبادة عدة اكاذيب في حضرة الرب والملائكة المقربين وتفتري عدة ~~افتراءات ، وتمن وتعجب وتتدلل ايضا ، ولا تخجل بعد كل ذلك ! بماذا تختلف ~~عبادتي هذه وعبادتك عن معصية اهل العصيان ، واشدها الرياء ؟ فالرياء شرك ~~وقبحه ناشئ من انك لم تؤد العبادة لاجل الله . جميع عباداتنا شرك محض ولا ~~اثر فيها للخلوص والاخلاص ، بل حتى ان رضا الله لا يشترك في الدافع الى ~~انجاز هذه العبادة ، فهي لاجل الشهوات واعمار البطن والفرج فحسب . # ايها العزيز ، ان الصلاة التي تكون لاجل المرأة ، سواء اكانت في الدنيا ~~ام في الجنة ، لا تكون لله ، الصلاة التي تكون من اجل الحصول على آمال ~~الدنيا او آمال الآخرة ، لا علاقة لها بالله فلماذا اذا تتدلل الى هذا الحد ~~، وتنظر الى عباد الله بعين الاحتقار ، وتحسب نفسك من خواص الله تعالى ؟ ~~ايها المسكين ! انت بهذه الصلاة مستحق للعذاب ومستوجب لسلسلة طولها PageV01P079 الاربعون حديثا :80 # سبعون ذراعا . فلماذا اذا تحسب نفسك دائنا لله ، وتهيأ لنفسك بهذا التدلل ~~والعجب عذابا آخر ؟ اعمل الاعمال التي امرت بها ، واعلم انها ليست لاجل ~~الله ، واعلم ان الله يدخلك الجنة بتفضله وترحمه ، وان الله تعالى خفف عن ~~عباده لضعفهم بالتجاوز عن نوع من الشرك واسدل عليه بغفرانه ورحمته حجاب ~~ستره ، فحاذر ان يتمزق هذا الحجاب وليبق حجاب غفران الله على هذه السيئات ~~التي اسميناها عبادة ، فاذا حدث لا سمح الله ان انطوت صفحتك هذه ورحلت من ~~هذه الدنيا وجاءت صفحة العدل فان عفونة عبادتنا عندئذ لن تقل عن عفونة ~~المعاصي والموبقات التي يرتكبها اهل المعصية . وقد اشرنا فيما مضى الى حديث ~~ينقله ثقة الاسلام الكليني في كتاب (الكافي) بسنده الى الامام الصادق عليه ~~السلام ، وهنا ننقل قسما من هذا ms070 الحديث بنصه تبركا وتيمنا : «عن ابي عبد ~~الله عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال الله عز ~~وجل لداود عليه السلام : «يا داود بشر المذنبين وانذر الصديقين . قال : كيف ~~ابشر المذنبين وانذر الصديقين ؟ قال : يا داود بشر المذنبين اني اقبل ~~التوبة واعفو عن الذنب وانذر الصديقين ان لا يعجبوا باعمالهم فانه ليس عبد ~~انصبه للحساب الا هلك» (1) . لانه مستحق للعذاب ، وفق العدالة فان ثواب ~~عبادات العبد لا تعادل شكر واحدة من نعمائه . # فاذا علمت ان الصديقين ، على الرغم من انهم مطهرون من الذنب والمعصية ، ~~جميعا هالكون في الحساب ، فماذا نقول انا وانتم ؟ ... هذا كله عندما تكون ~~اعمالي واعمالكم خالصة من الرياء الدنيوي ومن الموبقات والمحرمات وقلما ~~يحصل لنا خلوص عمل من الرياء والنفاق . # وعليه اذا استدعى العمل العجب والتدلل والتغنج ، فافعل . واذا استدعى ~~الخجل والتذلل والاعتراف بالتقصير فيجب عليك بعد كل عبادة ان تتوب من تلك ~~الاكاذيب التي قلتها في حضرة الله تعالى ، ومما نسبته الى نفسك دون دليل . ~~الا ترى ان عليك ان تتوب من قولك وانت تقف امام الله قبل الدخول في الصلاة ~~: «اني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض حنيفا وما انا من المشركين (2) ~~ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين» (3) فهل وجوهكم متوجهة الى ~~فاطر السماوات والارض ؟ هل انتم مسلمون وخالصون من الشرك ؟ هل صلاتكم ~~وعبادتكم وحياتكم ومماتكم لله ؟ الا يبعث على الخجل بعد هذا ان تقولوا في ~~الصلاة «الحمد لله رب العالمين» ؟ فهل حقا تقرون بان المحامد كلها لله ؟ ، ~~في حين انكم تقرون بالحمد لعباده ، بل ولاعدائه ؟ ، اليس قولكم «رب ~~العالمين» يكون كذبا لانكم تقرون في الوقت نفسه بالربوبية لغيره تعالى في ~~هذا العالم ، افلا يحتاج ذلك الى التوبة والخجل ؟ PageV01P080 # الاربعون حديثا :81 # وحينما تقول «اياك نعبد واياك نستعين» فهل تراك تعبد الله ام تعبد بطنك ~~وفرجك ؟ هل انت مطالب لله او للحور العين ؟ هل تطلب العون من الله فقط ؟ ان ~~الشيء الذي لا ياخذ بعين الاعتبار في الاعمال ms071 هو الله ، وانت اذا ذهبت الى ~~زيارة بيت الله ، فهل ان مقصدك ومقصودك هو الله ، وان مطلبك ومطلوبك هو ~~صاحب البيت ؟ وهل قلبك مترنم بقول الشاعر : # وما حب الديار شغفن قلبي # ولكن حب من سكن الديارا # اباحث انت عن الله ؟ اتطلب آثار جمال الله وجلاله ؟ ألاجل سيد المظلومين ~~تقيم العزاء ؟ ألاجله عليه السلام تلطم على راسك وصدرك ام لاجل الوصول الى ~~آمالك وامانيك ؟ أهي بطنك التي تدفعك لاقامة مجالس العزاء ، وشهوة الظهور ~~هي التي تدفعك للذهاب الى صلاة الجماعة ، وهوى النفس هو الذي يجرك للمناسك ~~والعبادة ؟ # فيا ايها الاخ ، كن حذرا تجاه مكائد النفس والشيطان ، واعلم انه لن يدعك ~~ايها المسكين بان تؤدي عملا واحدا باخلاص ، وحتى هذه الاعمال غير الخالصة ~~التي تقبلها الله تعالى منك بفضله ، لا يدعك الشيطان ان تصل بها الى ~~الهدف ، فيعمل عملا تحبط به اعمالك كلها ، وتخسر حتى هذا النفع بسبب هذا ~~العجب والتدلل في غير موقعه . وبغض النظر عن بعد الوصول الى الله ورضاه ، ~~فانك لن تصل الى الجنة ولا الى الحور العين ، بل تخلد في العذاب وتعذب بنار ~~الغضب كذلك . # انت تظن انك بهذه الاعمال المتفسخة المتعفنة الهزيلة الممزوجة بالرياء ~~وطلب السمعة والف مصيبة اخرى التي تحول دون قبول العبادات كلها ، تظن انك ~~بها تستحق الاجر من الحق تعالى او انك اصبحت بها من المحبين المحبوبين . ~~ايها المسكين الجاهل باحوال المحبين ! يا سيئ الحظ الذي لم يطلع على قلوب ~~المحبين ، وعلى لهب شوقها تجاه الحق سبحانه ، ايها المسكين الغافل عن حرقة ~~المخلصين ونور اعمالهم ! او تظن ان اعمالهم ايضا مثل اعمالي واعمالك ؟ او ~~تتوهم ان ميزة صلاة امير المؤمنين عليه السلام عن صلاتنا انه عليه السلام ~~كان يمد «الضالين» اكثر او ان قراءته اصح او ان سجوده اطول واذكاره واوراده ~~اكثر ؟ او ان ميزة ذلك الرجل العظيم في انه كان يصلي عدة مئات من الركعات ~~ليليا ؟ او تظن ان مناجاة سيد الساجدين علي بن الحسين هي مثل مناجاتي ~~ومناجاتك ؟ وانه كان يتحرق ويتضرع ms072 ويتلظى بتلك الصورة من اجل الحور العين ~~والكمثرى والرمان من نعم الجنة ؟ # اقسم به صلوات الله وسلامه عليه (وانه لقسم عظيم) لو ان المحبين بعضهم ~~كان ظهيرا لبعضهم الآخر ، وارادوا ان يتفوهوا كلمة (لا اله الا الله) مرة ~~واحدة بمثل ما كان يقولها امير المؤمنين عليه السلام لما استطاعوا . فكم ~~اكون تعيسا وشقيا ان لا اكون على خطى علي عليه السلام وانا من العارفين ~~لمقام ولاية علي عليه السلام ؟ . PageV01P081 # الاربعون حديثا :82 # اقسم بمقام علي بن ابي طالب عليه السلام ، لو ان الملائكة المقربين ~~والانبياء المرسلين عدا الرسول الخاتم الذي يكون مولى علي وغيره ارادوا ~~ان يكبروا مرة واحدة ، تكبيرا على غرار ما كان يكبر علي عليه السلام ، لما ~~استطاعوا . واما الوقوف على قلوبهم فلا يعرف احد شيئا الا حملة تلك القلوب ~~واصحابها ! . # فيا ايها العزيز ! لا تتباهى تقربك من الله ولا تبالغ في حبك له ، ايها ~~العارف ، ايها الصوفي ، ايها الحكيم ، ايها المجاهد ، ايها المرتاض ، ايها ~~الفقيه ، ايها المؤمن ، ايها المقدس ، ايها المساكين المبتلون يا سيئي الحظ ~~المغلوبين بمكائد النفس وهواها ، ايها المساكين المبتلون بالآمال والاماني ~~وحب النفس ، كلكم مساكين ، كلكم بعيدون فراسخ عن الاخلاص وعبادة الله ، لا ~~تحسنوا الظن بانفسكم الى هذا الحد ، لا تتغنجوا ولا تتدللوا . اسالوا ~~قلوبكم : هل تبحث عن الله ، ام تريد ذاتها ؟ هل هي موحدة وتطلب الواحد ام ~~مشركة وتعبد اثنين ؟ فماذا يعني اذا كل هذا العجب ؟ ماذا يعني اذا التعالي ~~بالعمل الى هذا الحد ؟ وهو اذا صحت جميع اجزائه وشروطه وخلا من الرياء ~~والشرك والعجب وباقي المفسدات ، فهدفه الوصول الى اشباع شهوات البطن والفرج ~~، فما قيمته كي تنقله الملائكة ؟ هذه الاعمال من القبائح والفجائع ، وينبغي ~~للانسان ان يخجل منها ويسترها ... # الهي ... بك نعوذ نحن المساكين من شر الشيطان والنفس الامارة بالسوء ، ~~اللهم فاحفظنا من مكائدهما بحق محمد وآله . PageV01P082 # الاربعون حديثا :83 ### | AUTO الحديث الرابع: الكبر PageV01P083 الاربعون حديثا :84 # بالسند المتصل الى محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم ، عن محمد بن عيسى ، ~~عن ms073 يونس ، عن أبان ، عن حكيم ، قال : «سالت ابا عبد الله عليه السلام عن ~~ادنى الإلحاد ، فقال : الكبر ادناه» (1) . PageV01P084 # الاربعون حديثا :85 ### || AUTO الشرح : # الكبر عبارة عن حالة نفسية تجعل الانسان يترفع ويتعالى على الآخرين . ومن ~~اماراته تلك الاعمال التي تصدر عن الانسان ، والآثار التي تبدو منه بحيث ~~يقال عنه انه متكبر . وهذه الصفة هي غير العجب ، بل هي ، كما سبق قوله ، ~~صفة رذيلة وخبيثة ، وتنجم عن العجب ، لان العجب هو الاعجاب بالذات ، والكبر ~~هو التعالي والتعاظم على الناس . فعندما يتوهم الانسان ان فيه صفة من صفات ~~الكمال ، تنتابه حالة ، هي مزيج من السرور والتدلل والتغنج وغيرها . هذه هي ~~صفة «العجب» ولكونه يرى الآخرين لا يملكون تلك الصفة التي يتوهمها في نفسه ~~، ينتابه شعور آخر هو تصور التفوق والتقدم ، وهذا يؤدي به الى التعاظم ~~والترفع ، وهذه هي صفة «الكبر» . # ان كل هذه الحالات تكون في القلب وفي الباطن ، وتظهر آثارها على الظاهر ، ~~في الملامح وفي الافعال وفي الاقوال . وبهذا يصبح الانسان مغرورا واذا ~~ازداد غروره اصبح معجبا بنفسه ، وعندما يطفح اعجابه بنفسه يتعاظم ويترفع ~~ويتكبر . # اعلم ان الصفات النفسانية ، سواء اكانت من صفات النقص والرذيلة ام من ~~صفات الكمال والفضيلة ، فانها دقيقة ومبهمة جدا . ولهذا فان التمييز بينها ~~والتعرف عليها يكون في غاية الصعوبة ، ولربما يقع الكثير من الاختلاف بين ~~العلماء الاعلام عند تحديدها ، او انه يصعب وضع تعريف لهذه الصفة الوجدانية ~~من دون ان تصيبها منقصة . لذلك فمن الخير ترك هذه الامور للوجدان نفسه ، ~~وتحرير النفس من اصطناع المفاهيم حتى لا تتخلف عن الهدف المقصود باصطناع ~~المفاهيم والمقاصد . # فلا بد ان ان نعرف ان للكبر درجات كالتي ذكرناها للعجب ، وتضاف اليها ~~درجات اخرى كانت في العجب ايضا ، ولكنها لم تكن هناك مهمة فلم نذكرها ويكون ~~ذكرها هنا مهما فنقول : PageV01P085 # الاربعون حديثا :86 # اما الدرجات التي ورد شبيهها في العجب فهي ايضا ست : # 1 الكبر بسبب الايمان والعقائد الحقة . ويقابله الكبر بسبب الكفر ~~والعقائد الباطلة . # 2 الكبر بسبب الملكات الفاضلة والصفات ms074 الحميدة . ويقابله الكبر بسبب ~~الاخلاق الرذيلة والملكات القبيحة . # 3 الكبر بسبب العبادات والصالحات من الاعمال . ويقابله الكبر بسبب ~~المعاصي والسيئات من الاعمال . # كل درجة من هذه يمكن ان تكون وليدة مثيلتها من درجات العجب ، وقد تكون ~~وليدة سبب آخر سوف تاتي الاشارة اليه فيما بعد . اما الذي نحن بصدده هنا ~~على وجه الخصوص فهو الكبر بسبب امور خارجية ، مثل الحسب والنسب والمال ~~والجاه والرئاسة وغيرها . ولسوف نشير ان شاء الله خلال الفصول اللاحقة الى ~~بعض مفاسد هذه الرذيلة وعلاجها قدر الامكان ، سائلين الله تعالى التوفيق ~~لحصول تاثير ذلك فينا وفي الآخرين . ### || AUTO فصل:في بيان درجات الكبر # اعلم ان للكبر ، من منظور آخر ، درجات : # الاولى : التكبر على الله تعالى . # الثانية : التكبر على الانبياء والرسل والاولياء صلوات الله عليهم . # الثالثة : التكبر على اوامر الله تعالى ، وهذا يرجع الى التكبر على الله . # الرابعة : التكبر على عباد الله تعالى ، وهذا ايضا يراه اهل المعرفة ~~راجعا الى التكبر على الله . # اما التكبر على الله فهو اقبحها واشدها هلكة وياتي على راس درجات الكبر ، ~~وتراه في اهل الكفر والجحود ومدعي الالوهية ، وقد تراه احيانا في بعض اهل ~~الدين مما ليس من المناسب ذكره . وهذا هو منتهى الجهل وعدم معرفة «الممكن» ~~حدود نفسه ، وعدم معرفة مقام «واجب الوجود» . # واما التكبر على الانبياء والاولياء ، فكثيرا ما كان يحصل في زمان ~~الانبياء . قال تعالى على لسانهم : # «... انؤمن لبشرين مثلنا ...» (1) . PageV01P086 # الاربعون حديثا :87 # وقال تعالى على لسان آخرين منهم : # «... لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم» (1) . # وفي صدر الاسلام وقع الكثير من التكبر على اولياء الله . وفي هذا الزمان ~~ايضا نجد نماذج منه في بعض المحسوبين على الاسلام . # واما التكبر على اوامر الله فيظهر في بعض العاصين ، كان يمتنع احدهم عن ~~الحج بحجة انه لا يستسيغ مناسكه من احرام وغيره ، او يترك الصلاة لان ~~السجود لا يليق بمقامه ، بل قد يظهر ذلك احيانا عند اهل النسك والعبادة ~~واهل العلم والتدين ، كأن يترك الآذان تكبرا ، او لا يتقبل مقولة ms075 الحق اذا ~~جاءت ممن هو قريب له او دونه منزلة . # فقد يسمع الانسان قولا من زميل له فيرده بشدة ويطعن في قائله ، ولكنه اذا ~~سمع ذلك القول نفسه ، من كبير في الدين او الدنيا ، قبله (2) . بل قد يكون ~~جادا في رد الاول وجادا ايضا في قبول الثاني . ان شخصا هذا شانه لا يكون من ~~طلاب الحق ، بل يكون تكبره قد اخفى عنه الحق ، واعماه تملقه لذاك الكبير ~~واصمه . ومثل هذا التكبر يتصف به ايضا من يترك تدريس علم او كتاب باعتباره ~~لا يليق به ، او يرفض تدريس اشخاص لا مركزية لهم ، او لان عددهم قليل ، او ~~يترك صلاة الجماعة في مسجد صغير ولا يقتنع بعدد معدود من المامومين حتى وان ~~علم ان في مثل تلك الجماعة رضا الحق تعالى . وقد تصبح هذه الحال من الدقة ~~بحيث ان صاحبها لا يدرك ان عمله هذا يرجع الى الكبر ، الا اذا تدراك الامر ~~باصلاح لانفسه وتخلص من مكائد هذه الحال . # اما التكبر على عباد الله تعالى فاقبحه التكبر على العلماء بالله ، ~~ومفاسده اكثر من كل شيء واهم . ومن هذا التكبر رفض مجالسة الفقراء ، ~~والتقدم في المجالس والمحافل ، وفي المشي ، وفي السلوك . وهذا النوع من ~~التكبر رائج وشائع بين مختلف الطبقات ، ابتداءا من الاشراف والاعيان ~~والعلماء والمحدثين والاغنياء حتى الفقراء والمعوزين ، الا من حفظه الله من ذلك . # ان التمييز بين التواضع والتملق ، والتكبر والاباء يصبح احيانا على درجة ~~كبيرة من الصعوبة ، فلا بد للانسان ان يتعوذ بالله ليهديه الى طريق الهداية ~~، واذا تصدى الانسان لاصلاح نفسه وتحرك نحو المقصود ، فان الله تعالى سوف ~~يشمله برحمته الواسعة وييسر له سبيل الهداية . PageV01P087 # الاربعون حديثا :88 ### || AUTO فصل:في الاسباب الاساسية للتكبر # للكبر اسباب عديدة ترجع كلها الى توهم الانسان الكمال في نفسه ، مما يبعث ~~على العجب الممزوج بحب الذات ، فيحجب كمال الآخرين ويراهم ادنى منه ، ~~ويترفع عليهم قلبيا او ظاهريا . فمثلا ، قد يحصل بين علماء العرفان ان ~~يتصور احدهم نفسه من اهل العرفان والشهود ومن اصحاب القلوب ms076 والسوابق الحسنى ~~، فيترفع على الآخرين ويتعاظم عليهم ، ويرى ان الحكماء والفلاسفة سطحيون ، ~~وان الفقهاء والمحدثين لا يتجاوزون الظاهر في نظراتهم ، وان سائر الناس ~~كالبهائم . وينظر الى عباد الله بعين التحقير والازدراء ، ويذهب هذا ~~المسكين ينمق الحديث عن الفناء في الله والبقاء بالله ، ويدق طبول التحقق ، ~~مع ان المعارف الالهية تقضي بحسن الظن بالكائنات ، فلو انه كان قد تذوق ~~حلاوة المعرفة بالله لما تكبر على مظاهر جمال الله وجلاله بحيث انه في مقام ~~العلم والبيان يصرح خلاف حاله ، ولكن الحقيقة هي ان هذه المعارف لم تدخل ~~قلبه ، بل ان هذا المسكين لم يبلغ حتى مقام الايمان ولكنه يتشدق بالعرفان ، ~~ومن دون ان يكون له حظ من العرفان يتحدث عن مقام التحقق . # ان من بين الحكماء ايضا اناسا ، يرون انهم بما يملكون من براهين ومن علم ~~بالحقائق ، وبكونهم من اهل اليقين بالله وملائكته وكتبه ورسله ، ينظرون الى ~~سائر الناس بعين التحقير ، ولا يعتبرون علوم الآخرين ، علوما ، ويرون عباد ~~الله جميعا ناقصي علم وايمان ، فيتكبرون عليهم في الباطن ، ويعاملونهم في ~~الظاهر بكبرياء وغرور ، مع ان العلم بمقام الربوبية ، وفقر الممكن ~~(المخلوق) ، يقضيان بخلاف ذلك . والحكيم من تحلى بملكة التواضع بوساطة ~~العلم بالمبدا والمعاد . # لقد وهب الله لقمان الحكمة بنص القرآن الكريم : فمن جملة وصايا ذلك ~~العظيم لابنه ، كما ورد في القرآن الكريم : # «ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الارض مرحا ، ان الله لا يجب كل مختال ~~فخور» (1) . # ونجد في الذين يدعون الارشاد والتصوف وتهذيب الباطن ، اشخاصا يعاملون ~~الناس بالتكبر ويسيؤون الظن بالعلماء والفقهاء واتباعهم ، ويطعنون بالعلماء ~~والحكماء ، ويرون الناس ، عدا انفسهم ومن يلوذ بهم ، من اهل الهلاك . وبما ~~انهم صفر اليدين من العلوم ، يصفون العلوم بانها اشواك الطريق ، ويرون ~~اصحابها شياطين طريق السالك ، مع ان كل ما PageV01P088 الاربعون حديثا :89 # يزعمونه لانفسهم من مقام يقتضي خلاف ذلك كله . ان من يدعي انه هادي ~~الخلائق ومرشد الضالين يجب ان يكون هو نفسه منزها عن المهلكات والموبقات ، ~~زاهدا في الدنيا ، غارقا في جمال الله ms077 ، لا يتكبر على خلقه ولا يسيء الظن بهم . # كذلك نجد احيانا بين الفقهاء وعلماء الفقه والحديث وطلابهما من ينظر الى ~~سائر الناس بعين الاحتقار ، ويتكبر عليهم ، ويرى نفسه جديرا بكل اكرام ~~واعظام ، ويعتقد ان من المفروض على الناس ان يطيعوا امره اطاعة عمياء ، ~~وانه «لا يسأل عما يفعل وهم يسألون» (1) ، وما من احد يستحق الجنة ، في ~~رايه ، الا هو وافراد معدودون مثله ، وكلما جاء ذكر طائفة مقترنا باي علم ~~من العلوم طعن فيهم ، ولا يعترف باي علم سوى علمه القليل الذي يتمتع به ~~ويرى ان تلك العلوم تافهة وغير نافعة ومدعاة للهلاك ، فيرفض العلماء وسائر ~~العلوم جهلا وسفها ، ويظهر كان تدينه هو الذي يحتم عليه ان يحتقرهم ويستهين ~~بهم ، مع ان العلم والدين منزهان عن امثال هذه الاطوار والاخلاق . ان ~~الشريعة المطهرة تحرم التصريح بقول من دون علم . وتوجب الحفاظ على كرامة ~~المسلم . اما هذا المسكين الذي لا معرفة له بالدين ولا بالعلم ، فيعمل على ~~خلاف قول الله ورسوله ، ثم يقول ان ذلك من صلب الدين ، مع ان سيرة السلف ~~والخلف من العلماء العظام تكون مغايرا لهذا . # ان كل علم من العلوم الشرعية يقضي بان يتصف العلماء بالتواضع ، وان ~~يقتلعوا جذور التكبر من قلوبهم . ولا يوجد علم يدعو الى التكبر ، ويخالف ~~التواضع . وعليه ، سوف نبين العلة في كون علم هؤلاء الاشخاص يخالف عملهم . # ان الكبر منتشر بين علماء سائر العلوم الاخرى ايضا ، في الطب والرياضيات ~~والطبيعة ، وكذلك اصحاب الصناعات الهامة ، كالكهرباء والميكانيك وغيرهما . ~~هؤلاء ايضا لا يقيمون وزنا للعلوم الاخرى مهما تكن ، ويحتقرون اصحابها ، ~~وكل منهم يحسب ان ماعنده وحده هو العلم ، وما عند غيره ليس بعلم ، فيتكبر ~~على الناس في باطنه وظاهره ، مع ان ما عنده من علم لا يقتضي ذلك . # وهناك من غير اهل العلم ، من اهل النسك والعبادة ، من يتكبر ايضا على ~~الناس ويتعالى عليهم ، ولا يعتبر الناس حتى العلماء من اهل النجاة ، وكلما ~~جرى حديث عن العلم قال : ما فائدة علم بلا عمل ؟ العمل هو الاصل ms078 . انهم ~~يهتمون بما يقومون به من عمل وطاعة ، وينظرون بعين الاحتقار الى جميع ~~الطبقات ، مع ان المرء اذا كان من اهل الاخلاص والعبادة ينبغي لعمله ان ~~يصلحه . فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وهي معراج المؤمن ، ولكن هذا الذي PageV01P089 الاربعون حديثا :90 # امضى خمسين سنة يصلي ويؤدي الواجبات والمستحبات مصاب برذيلة الكبر التي ~~هي الحاد ، وبالعجب الذي هو اكبر من الفحشاء ، ويتقرب من الشيطان واخلاقيته . # ان الصلاة التي لا تنهى عن الفحشاء ولا تحافظ على القلب ، بل لكثرتها ~~تبعث على ضياع القلب ، ان مثل هذه الطاعة ليست بصلاة . ان صلاتك التي تحافظ ~~عليها كثيرا وتحرص على اقامتها ، اذا كانت تقربك من الشيطان وخصيصته من ~~الكبر ، فهي ليست بصلاة ، لان الصلاة لا تستدعي ذلك . # كل هذه الامور تحصل من العلم والعمل . اما الذي يحصل من غير ذلك فيرجع ~~ايضا الى تصور المرء بانه يمتلك احدى الكمالات وان غيره يفتقر اليها . فهذا ~~الذي يملك الحسب والنسب يتكبر على من لا يملكهما . وقد يتكبر صاحب الجمال ~~على فاقده ، وطالبه ، او اذا كان كثير الاتباع والانصار او ذا قبيلة كبيرة ~~، او له تلامذة كثيرون ، وامثال ذلك ، فانه يتعالى ويتكبر على الذي ليس له ~~مثل ذلك . # وبناء على ذلك ، فان سبب الكبر انما هو تصور وجود كمال موهوم ، والابتهاج ~~بذلك والعجب به ، ورؤية الآخرين خلوا منه . وقد يحدث احيانا ان صاحب ~~الاخلاق الفاسدة والاعمال القبيحة يتكبر على غيره ، ظانا ان ما فيه ، ضرب ~~من الكمال . وعلى الرغم من ان المتكبر قد يمتنع احيانا لسبب ما من اظهار ~~التكبر علانية ، ولا يفصح عن اي اثر لذلك ، الا ان هذه الشجرة الخبيثة تمد ~~جذورها في قلبه ولا بد ان يتبين اثر ذلك منه اذا خرج عن طوره الطبيعي ، كان ~~يستولي عليه الغضب فيفلت منه الزمام ، واذا به تظهر عليه امارات الكبرياء ~~والتعاظم ، ويباهي الآخرين بما عنده من علم او عمل او اي شيء آخر ، ~~ويفاخرهم به . # وفي احيان اخرى قد لا يهتم باخفاء تكبره على من حوله ، كمام ms079 لو كان ~~العنان قد افلت من يده ، فتظهر آثار الكبر في اعماله وحركاته وسكناته ، كان ~~يتقدم في المجالس ويسبق الآخرين في الدخول والخروج ، ولا يسمح للفقراء ~~بحضور مجالسه ، ولا يحضر مجالسهم ، ويحيط نفسه بهالة من الحرمة ، ويظهر ~~التعالي في مشيته وفي نظرته وفي حديثه مع الناس . # يقول احد المحققين ، والذي اخذنا منه الكثير من اصول هذا البحث وترجمناه ~~: «ان ادنى درجة الكبر في العالم هي ان يدير وجهه عن الناس كانه يعرض عنهم ~~، وفي العابد هي ان يعبس في وجوه الناس ويقطب جبينه ، وكانه يتجنبهم او انه ~~غاضب عليهم ، غافلا من ان الورع ليس في تقطيب الجبين ، ولا في عبوس ملامح ~~الوجه ، ولا في البعد عن الناس والاعراض عنهم ، ولا في لي الجيد ، وطأطأة ~~الراس ، ولملمة الاذيال ، بل الورع يكون في القلب . لقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم : «ههنا التقوى» واشار الى صدره . PageV01P090 # الاربعون حديثا :91 # وقد يظهر الكبر على اللسان بتبيان المفاخرة والمباهاة وتزكية الذات . ~~فهذا العابد ، وهو في مقام التفاخر ، يقول : انني قمت بكذا عمل . فينتقص ~~بهذا من الآخرين عن طريق اخفاء الاهمية على اعماله . واحيانا لا يصرح بذلك ~~، ولكنه قد يتفوه بما يوحي بانه يزكي ذاته . والعالم يقول للآخرين : ما ~~ادراك انت ؟ انني طالعت الكتاب الفلاني مرات عديدة ، وامضيت سنوات لدى ~~المجامع العلمية ، ورايت عددا من اساطين العلم واساتذته ، لقد اجهدت نفسي ~~كثيرا ، صنفت والفت الكتب الكثيرة ، وما الى ذلك . وعلى كل حال ، ينبغي ان ~~نتعوذ بالله من شر النفس ومكائدها . ### || AUTO فصل:في مفاسد الكبر # اعلم ان لهذه الصفة القبيحة بحد ذاتها مفاسد كثيرة ، وهذه المفاسد تتمخض ~~عنها مفاسد اخرى كثيرة . ان هذه الرذيلة تحول دون وصول الانسان الى ~~الكمالات الظاهرية والباطنية ولا الى الحظوظ الدنيوية والاخروية . انها ~~تبعث في النفوس الحقد والعداوة ، وتحط من قدر الانسان في اعين الخلق وتجعله ~~تافها ، وتحمل الناس على ان يعاملوه بالمثل تحقيرا له واستهانة به . # جاء في «الكافي» عن الامام الصادق عليه السلام انه قال : # «ما من ms080 عبد الا وفي راسه حكمة وملك يمسكها ، فاذا تكبر قال له : اتضع ~~وضعك الله ، فلا يزال اعظم الناس في نفسه واصغر الناس في اعين الناس . واذا ~~تواضع رفعه الله عز وجل . ثم قال : انتعش نعشك الله ، فلا يزال اصغر الناس ~~في نفسه وارفع الناس في اعين الناس» (1) . # فيا ايها العزيز ما يحتوي عليه راسك من الدماغ ، تحتويه رؤوس الآخرين ~~ايضا ، اذا كنت متواضعا ، احترمك الناس قهرا واعتبروك كبيرا ، واذا تكبرت ~~على الناس لم تنل منهم شيئا من الاحترام . بل اذا استطاعوا ان يذلوك لاذلوك ~~ولم يكترثوا بك . وان لم يستطيعوا من اذلالك ، لكنت وضيعا في قلوبهم ، ~~وذليلا في اعينهم ، ولا مقام لك عندهم . افتح قلوب الناس بالتواضع فاذا ~~اقبلت عليك القلوب ظهرت آثارها عليك وان ادبرت تكون آثارها على خلاف رغباتك . # فاذا فرضنا انك كنت من المبتغين للاحترام والمقام الرفيع ، لكان اللازم ~~عليك ان تسلك الطريق الذي يفضي بك الى الاحترام والسمو ، وهو مجاراة الناس ~~والتواضع لهم . ان التكبر ينتج ما هو على خلاف طلبك وقصدك . انك لا تكسب من ~~وراء التكبر ، نتيجة دنيوية مجدية ، PageV01P091 الاربعون حديثا :92 # بل ستحصد من ورائه نتيجة معكوسة . ويضاف الى ذلك ان مثل هذا الخلق يوجب ~~الذل في الآخرة والمسكنة في ذلك العالم . فكما انك احتقرت الناس في هذا ~~العالم ، وترفعت على عباد الله وتظاهرت امامهم بالعظمة والجلال والعزة ~~والاحتشام ، كذلك تكون صورة هذا التكبر في الآخرة ، الهوان كما ورد في ~~الحديث الشريف من كتاب اصول الكافي : # باسناده ، عن داود بن فرقد ، عن اخيه ، قال : # «سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول : ان المتكبرين يجعلون في صور الذر ~~يتوطاهم الناس حتى يفرغ الله من الحساب» (1) . # وجاء في وصايا الامام الصادق عليه السلام لاصحابه : # «اياكم والعظمة والكبر ، فان الكبر رداء الله عز وجل فمن نازع الله رداءه ~~قصمه الله واذله يوم القيامة» (2) . # ولا اعرف بان الله تعالى اذا اذل شخصا ماذا يصنع به ؟ وبماذا يبتليه ؟ ~~لان امور الآخرة تختلف عن امور الدنيا كثيرا ، فان الذل ms081 في الدنيا يغاير ~~الذل في الآخرة ، كما ان نعم الآخرة وعذابها ، لا تتناسب مع هذا العالم ، ~~ان نعمها تفوق تصورنا ، وان عذابها لا يخطر على بالنا . ان كرامتها اسمى من ~~تصورنا ، والذل فيها يختلف عن الذل والهوان الذي نعرفه ، وتكون عاقبة ~~المتكبر النار ففي الحديث «الكبر مطايا النار» (3) فلا يرى الجنة من كان في ~~قلبه كبرا . كما روي عن الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم «لن يدخل ~~الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر» (4) وقد حدث الامام الباقر ~~والامام الصادق عليهما السلام ايضا بهذا المضمون . وفي حديث الكافي ~~الشريف ان الامام الباقر عليه السلام قال : # «العز رداء الله ، والكبر ازاره ، فمن تناول شيئا منه اكبه الله في جهنم» (5) . # وما ادراك ما جهنم التي اعدها الله للمتكبرين ، فهي غير جهنم التي اعدت ~~لسائر الناس . يكفي ان نورد هنا الحديث الذي سبق ان ذكرناه : # «عن محمد بن يعقوب ، عن علي بن ابراهيم ، عن ابيه ، عن ابن ابي عمير ، عن ~~ابن بكير ، عن ابي عبد الله عليه السلام قال : «ان في جهنم لواديا ~~للمتكبرين يقال له «سقر» ، شكى الى الله عز وجل PageV01P092 الاربعون حديثا :93 # شدة حره وساله ان ياذن له ان يتنفس فتنفس فاحرق جهنم» (1) والحديث في ~~غاية الاعتبار (من حيث السند) بل هو كالصحيح . # اعوذ بالله من مكان رغم كونه دار عذاب ، يشكو حرارته ، فيتنفس فتحترق ~~جهنم من جراء تنفسه . اننا لا نستطيع ان ندرك شدة حرارة نار الآخرة في هذا ~~العالم ، اذ ان اسباب شدة العذاب وضعفه : # من جهة ، تتبع قوة الادراك وضعفه ؛ اذ كلما كان المدرك اقوى والادراك اتم ~~وانقى كان ادراك الالم والعذاب اكثر . # ومن جهة اخرى ن تعتمد على اختلاف المواد التي يقوم بها الحس في تقبل ~~الحرارة ، لان المواد تختلف من حيث تقبل الحرارة . فالذهب والحديد ، مثلا ، ~~يتقبلان الحرارة اكثر من الرصاص والقصدير ، وهذان يتقبلانها اكثر من الخشب ~~والفحم ، وهذان اكثر من الجلد واللحم . # كما ان لمستوى ارتباط قوة الادراك بالموضع ms082 المقابل للحرارة اثرا في شدة ~~وضعف العذاب . فمثلا المخ الذي يكون تقبله للحرارة ، اقل من العظام ، يكون ~~تاثره اشد ، لان قوة الادراك فيه اكبر . وان للحرارة نفسها من حيث كمالها ~~ونقصانها ، دورا في الشدة والضعف فالحرارة التي تصل الى مائة درجة تؤلم ~~اكثر من الحرارة التي تصل الى درجة خمسين . # كما ان لمدى ارتباط المادة الحرارية الفاعلة بالمادة المتقبلة لها سببا ~~في تخفيف او تشديد العذاب . فمثلا ، اذا كانت النار قريبة من اليد كان ~~الاحتراق اخف مما اذا التصقت النار باليد . # جميع هذه الاسباب الخمسة المذكورة تكون في هذه الدنيا في منتهى النقص ، ~~وفي الآخرة في منتهى كمال القوة والتمامية . ان جميع ادراكاتنا في هذا ~~العالم ناقصة وضعيفة ومحجوبة بحجب كثيرة لا يتسع المجال لذكرها ولا تناسبه ~~. ان اعيننا لا ترى اليوم الملائكة ولا جهنم ، وآذاننا لا تسمع الاصوات ~~العجيبة والغريبة التي تصدر من البرزخ واصحابه ومن القيامة واهلها ، ~~وحواسنا لا تحس بالحرارة هناك ، كل ذلك لانها ناقصة جميعا . ان الآيات ~~والاخبار الواردة عن اهل البيت صلوات الله عليهم مشحونة بذكر هذا الامر ، ~~تلويحا وتصريحا . ان جسم الانسان في هذا العالم لا يتحمل الحرارة ، اذ لو ~~بقي ساعة واحدة في النار الباردة من الدنيا لاستحال الى رماد . ولكن الله ~~القادر يجعل هذا الجسم يوم القيامة بحيث انه في نار جهنم التي شهد جبرائيل ~~بانه لو جيء بحلقة واحدة من سلاسل جهنم التي طول الواحدة منها PageV01P093 الاربعون حديثا :94 # سبعون ذراعا الى هذه الدنيا لاذابت جميع الجبال من شدة حرارتها يبقى ولا ~~يذوب . فقابلية جسم الانسان للحرارة يوم القيامة لا تقاس بقابليتها لها في ~~دار الدنيا . # اما ارتباط النفس بالجسد في هذه الدنيا فضعيف وناقص ، ففي هذا العالم ~~يستعصى على النفس ان تظهر فيه بكامل قواها ، اما الآخرة فهي عالم ظهور ~~النفس . ان نسبة النفس الى الجسد نسبة الفاعلية والخلاقية ، كما هو ثابت في ~~محله ، وهي اتم مراتب النسبة والارتباط . # ونار هذه الدنيا نار باردة ذاوية وعرضية ومشوبة بمواد خارجية غير ms083 خالصة . ~~اما نار جهنم ، فنار خالصة لا تشوبها شائبة ، وجوهر قائم بذاته حي . ذو ~~ارادة يحرق اهله بادراك وارادة ، ويشدد الضغط عليهم بقدر الامكان . ولقد ~~سمعت الصادق المصدق الامين جبرائيل ، وهو يصفها . والقرآن والاخبار مليئة ~~بوصفها . اما ارتباط نار جهنم والتصاقها بالجسم فلا شبيه له في هذا العالم ~~، ولو تجمعت جميع نيران العالم واحاطت بانسان لما احاطت بغير سطح جسمه . ~~اما نار جهنم ، فتحيط بالظاهر والباطن وبالحواس المدركة وما يتعلق بها . ~~انها نار تحرق القلب والروح والقوى ، وتتحد بها بنحو لا نظير له في هذا ~~العالم . # فيتبين مما ذكر ان هذا العالم لا تتوافر فيه وسائل العذاب باي شكل من ~~الاشكال ، فلا مواده العالم جديرة بالتقبل ، ولا مصادره الحرارية تامة ~~الفاعلية ، ولا الادراك ، تام . ان النار التي تستطيع ان تحرق جهنم بنفس ~~منها ، لا يمكن ان نتصورها ولا ان ندركها ، الا اذا كنا لا سمح الله من ~~المتكبرين ، وننتقل من هذا العالم الى الآخرة قبل ان نطهر انفسنا من هذا ~~الخلق القبيح ، فنراها راي العين «فلبئس مثوى المتكبرين» (1)! . ### || AUTO فصل:في بيان بعض عوامل التكبر # اعلم ان من عوامل التكبر ، فضلا عما سبق ذكره من اسباب ، هو صغر العقل ، ~~وضعف القابلية ، والضعة ، وقلة الصبر . فالانسان لضيق افقه ما ان يجد في ~~نفسه خصلة مميزة حتى يتصور لها مقاما ومركزا خاصا . ولكنه لو نظر بعين ~~العدل والانصاف الى كل امر يتقنه وكل خصلة يتميز بها ، لادرك ان ما تصوره ~~كمالا يفتخر به ويتكبر بسببه ، إما انه ليس كمالا اصلا ، واما انه اذا كان ~~كمالا فانه لا يكاد يساوي شيئا ازاء كمالات الآخرين ، وانه كمن صفع وجهه ~~ليحسب الناس احمرار وجهه نشاطا وحيوية ، كما قيل : «استسمن ذا ورم» . فعلى ~~سبيل المثال ان العارف الذي ينظر من خلال عرفانه الى الناس جميعا بعين ~~الازدراء متكبرا ، او يقول عنهم انهم PageV01P094 الاربعون حديثا :95 # قشريون وسطحيون . ترى انه لا يملك شيئا من المعارف الالهية ، سوى حفنة من ~~المفاهيم التي لا تعدو جميعا ان تكون حجبا تغطي ms084 الحقائق ، او مطبات في ~~الطريق ، ومجموعة من المصطلحات ذات البريق الخادع مما لا علاقة لها ~~بالمعارف الالهية ، وبعيدة كل البعد عن معرفة الله وعن العلم باسمائه ~~وصفاته ؟ ان المعرفة صفة القلب . وكاتب هذه السطور يعتقد ان جميع هذه ~~العلوم هي علوم عملية ، لا مجرد معرفة نظرية وحياكة مصطلحات . لقد راينا ~~خلال هذا العمر القصير والمعرفة القليلة في من يسمون بالعرفاء والعلماء في ~~سائر العلوم ، اشخاصا اقسم بالعرفان والعلم انهم لم يتاثروا قلبيا بهذه ~~الاصطلاحات ، بل كان لها تاثير معكوس عليهم . # ايها العزيز ! ان العرفان بالله ، كما تعلم ، يحيل القلب الى محل تتجلى ~~فيه اسماء الله وصفاته وينزل فيه السلطان الحقيقي الذي يمحو آثار التلوث ~~ويطرد التعين : # «... ان الملوك اذا دخلوا قرية افسدوها وجعلوا اعزة اهلها اذلة ...» (1) ~~انه يجعل القلب احديا احمديا ، فلماذا اذا جعل قلبك والها بجمالك ، وزاد في ~~تلونك ، وضاعف في تعيناتك واضافاتك وابعدك عن الحق تعالى وتجليات اسمائه ، ~~وجعل قلبك موطنا للشيطان فتنظر عباد الله ، واصحاب ابواب الحق ، ومظاهر ~~جمال المحبوب ، نظرة تحقير وازدراء ؟ انك تتكبر على الله ، وتتفرعن في حضرة ~~ذات الله واسمائه وصفاته . # يا طالب المفاهيم ، ويا مضيع الحقائق ! تمهل ، انظر الى ما لديك من ~~المعارف فما الاثر الذي تراه من الحق وصفاته في نفسك ؟ ولعل علم الموسيقي ~~والايقاع ادق من علمك ، واصطلاحات العلوم الاخرى كالفلك والميكانيك وسائر ~~العلوم الطبيعية والرياضية ، تساوي اصطلاحات علمك ودقته كتفا لكتف . فكما ~~ان تلك العلوم ليس لها عرفان بالله ، كذلك فان علمك الذي حجبته الاصطلاحات ~~وسجف المفاهيم والاعتبارات ، لا يرجى منه تغيير في نفس ولا حال ، بل ان تلك ~~العلوم لدى منطق العلوم الطبيعية والرياضية افضل مما هو بك من العلم ، لان ~~تلك العلوم تنتج شيئا ، وليس لعلمك ناتج ، او ان ناتجه معكوس . فالمهندس ~~ينال نتيجة هندسته ، والصائغ نتيجة صنعته ، اما انت فقد قصرت يدك عن ~~النتائج الدنيوية ، ولم تصل الى نتائج عرفانك . فحجابك اثقل واسمك ، وما ان ~~يدور الكلام على الاحدية حتى يغشاك ظلام غير متناه ، وما ان تسمع ms085 عن حضرة ~~اسماء الله وصفاته حتى تتصور كثرة غير متناهية . اذا لم تعثر على الطريق ~~الى الحقائق والمعارف من هذه الاصطلاحات ، بل صارت مدعاة للتفاخر والتكبر ~~على العلماء الحقيقيين . ان المعارف التي تزيد من كدر القلب ليست معارف ، ~~والويل لمعارف PageV01P095 الاربعون حديثا :96 # تجعل عاقبة صاحبها وارثا للشيطان ! . # ان الكبر من اخلاق الشيطان الخاصة . فقد تكبر على ابيك آدم ، فطرد من ~~حضرة الله ، وانت ايضا مطرود لانك تتكبر على كل الآدميين من ابناء آدم . ~~ومن هنا ايضا يجب ان تفهم حال سائر العلوم الاخرى . ان الحكيم اذا كان ~~حكيما وعرف نسبته الى الخلق والى الحق ، خرج الكبرياء من قلبه واستقام امره ~~. ولكن هذا المسكين الذي يركض وراء المصطلحات والمفاهيم يظن انها هي الحكمة ~~، وانها هي التي تصنع العالم والحكيم ، فمرة يرى نفسه متصفة بالصفات ~~الواجبة ، فيقول : «الحكمة هي التشبه بالاله» ، ومرة يحسب نفسه في زمرة ~~الانبياء والمرسلين ، فيقرا : «ويعلمهم الكتاب والحكمة» (1) ، واحيانا يقرا ~~: «الحكمة ضالة المؤمن» (2) ، «ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا» (3) ، ~~ولكن ما اجهله بالحكمة وما ابعده عنها وعن خيراتها ؟! # يقول الحكيم المتأله وفيلسوف الاسلام الكبير ، المحقق الداماد ، رضوان ~~الله عليه : «الحكيم من كان جسده كالرداء له ، متى ما شاء خلعه» . فانظر ~~الى ما يقوله هو وما نقوله نحن ! وما ادركه هو من الحكمة وما ادركنا نحن ~~منها ! اذا ، فانت الذي تتباهى ببضعة اصطلاحات ومفاهيم وتتكبر على الناس ، ~~انما ذلك دليل ضيق نفسك وقلة صبرك وعدم اهليتك ! . # ان من يرى نفسه مرشد الخلائق وهاديهم ، ويجلس على كرسي التصوف والتوجيه ، ~~يكون اسوأ حالا من المسعف والمتصوف ، واكثر دلالا منهما . انه سرق ~~المصطلاحات منهما واسبغ بعض المظاهر على بضاعته في السوق ، وصرف قلوب الناس ~~عن الله ووجهها نحو نفسه ودفع بذلك الانسان الطيب النقي السريرة ، على ~~اساءة الظن بالعلماء وعامة الناس . ولكي يعطى اسواقهم شيئا من الرواج ، ~~يطعمون الناس ، عن وعي او بدون وعي ، بعضا من مصطلحاتهم الجذابة ، ظانين ان ~~الفاظا مثل : «مجذوب علي» او «محبوب علي» سوف تمنحهم حقا ms086 حالا من الانجذاب ~~والحب ! . # انت يا طالب الدنيا وسارق المفاهيم ، ان عملك هذا كما تظنه لا يدعو الى ~~الفخر والتكبر ! ان المسكين لقلة صبره وصغر عقله ينخدع حتى بنفسه ، فيرى ~~لنفسه مقاما ، وقد امتزج فيه حب النفس وحب الدنيا مع المفاهيم المسروقة ~~والاضافات والاعتبارات ، فولد مولودا مشوها ، اذ نشأ عن تجمعها مزيج عجيب ~~وخليط غريب . وعلى الرغم من كل هذه العيوب يحسب نفسه مرشد الخلائق وهادي ~~الامة الى النجاة ، ومالك سر الشريعة ! بل قد تتجاوز PageV01P096 الاربعون حديثا :97 # وقاحته الحدود ، فيرى نفسه في مقام الولاية الكلية . وهذا ناشئ ايضا من ~~صغر العقل وضيق القلب والصدر وقلة الاستعداد والاهلية . # وانت ايضا يا طالب علوم الفقه والحديث وسائر العلوم الشرعية ، لا تملك من ~~علمك اكثر من حفنة من الاصطلاحات الخاصة بالاصول والحديث ، فاذا لم يضف ~~اليك عملك هذا الذي كله عمل ، شيئا ولم يستطع اصلاحك ، بل انتج المفاسد ~~الاخلاقية والعملية ، فان عملك احط من عمل علماء العلوم الاخرى واتفه بل ~~اقل من عمل كل العوام . ان هذه المفاهيم العرضية والمعاني الحرفية والدخول ~~في منازعات لا طائل وراءها ومعظمها لا علاقة له بدين الله ولا يحتسب من ~~العلوم حتى تسميها بالثمرة العلمية ، لا تستوجب كل هذا الابتهاج والتكبر . ~~والله يشهد ، وكفى بالله شهيدا انه لو كانت هذه هي نتيجة العلم ، دون ان ~~تستطيع هدايتك ، ودون ان تبعد عنك المفاسد الاخلاقية والسلوكية ، فان احط ~~الاعمال خير من عملك لان تلك نتائجها عاجلة ومفاسدها الدنيوية والاخروية ~~اقل . وانت ايها المسكين لا تنال سوى الوزر والوبال ، ولا تحصد غير المفاسد ~~الاخلاقية والاعمال القبيحة . وعليه ، فان علمك من حيث الاعتبار العلمي ليس ~~فيه ما يدعو الى التكبر ، بل كل ما في الامر انك لضيق افقك العلمي ، ما ان ~~تضع اصطلاحا فوق اصطلاح حتى تحسب نفسك عالما وسائر الناس جهلاء وتفترش ~~اجنحة الملائكة تحت اقدامك وكانها تطير بك ، وتضيق على الناس في المجالس ~~وفي الطرقات . # ولكن الاحط من هذا والاصغر مكانة هو ذلك الذي يتكبر ويتباهى بالامور ~~الخارجية ms087 ، مثل المال ، والجاه ، والخدم ، والحشم والقبيلة . فهذا المسكين ~~بعيد عن الخلق البشري والادب الانساني فارغ اليد من كل العلوم والمعارف . ~~ولكن بما ان ملابسه من اجود الاصواف ، واباه فلان ابن فلان ، فهو يتكبر على ~~الناس . فما اضيق عقله واشد ظلام قلبه ! انه يقتنع من كل الكمالات باللباس ~~الجميل ، ومن كل جمال بالقبعة والرداء ! يرتضي المسكين مقام الحيوانية ~~ويقبل بحظها ، ويقتنع من جميع المقامات السامية الانسانية بالصورة الخالية ~~من كل شكل ومضمون ، والفارغة من الحقيقة ، ظانا نفسه بهذا انه ذو مقام . ~~وفي الواقع انه على درجة من الضعة ومن عدم اللياقة ، بحيث انه اذا شاهد ~~احدا اعلى منه مرتبة واحدة دنيوية تخضع له كما يتخضع العبد لسيده . لا شك ~~ان من لا هم له سوى الدنيا ، لا يكون الا عبدا للدنيا ولاهلها . وان يغدو ~~ذليلا لدى من يتزلف ويستذل لديهم . # وعلى كل حال ، يعتبر ضيق افق الفكر وانحطاط القابلية من اهم عوامل الكبر ~~، لذلك فمن يتصف بهذا يتاثر بالامور التي ليست من الكمال ، او ليست من ~~الكمال اللائق ، تاثرا شديدا يدفع به الى العجب والكبر . وكلما كثر حبه ~~للنفس وللدنيا ، ازداد تاثرا بهذه الامور . PageV01P097 # الاربعون حديثا :98 ### || AUTO فصل:في بيان معالجة الكبر # بعدما عرفت مفاسد الكبر ، فحاول ان تعالج نفسك مشمرا عن ساعد الجد للبحث ~~عن العلاج ، واشحذ همتك لتطهير القلب من هذا الدرن ، وازل الغبار والاتربة ~~عن مرآته . فاذا كنت ممن قويت نفوسهم ، واتسعت صدورهم ، ولم يتجذر حب ~~الدنيا في قلبك ، ولم يبهرك زبرجها وزخرفها ، وكانت عين انصافك مفتوحة ، ~~فان الفصل السابق خير علاج علمي لك . واذا لم تكن قد دخلت هذه المرحلة ، ~~ففكر قليلا في حالك ، فلعل قلبك يصحو . # فيا ايها الانسان الذي لم تكن شيئا في اول امرك ، وكنت كامنا في دهور ~~العدم والاباد غير المتناهية ، ما هو الاقل من العدم واللاشيء على صفحة ~~الوجود ؟ ثم لما شاءت مشيئة الله ان يظهرك ، الى عالم الوجود فمن جراء قلة ~~قابليتك الناقصة وتفاهتك وضعتك وعدم اهليتك لتقبل الفيض ، أخرجك من ms088 هيولى ~~العالم المادة الاولى الذي لا يكون سوى القوة المحضة والضعف الصرف ، الى ~~صورة الجسمية والعنصرية ، التي هي اخس الموجودات واحط الكائنات ، ومن هناك ~~اخرجك نطفة لو مستها يدك لاستقذرتها وتطهرت منها ، ووضعك في منزل ضيق رجس ~~هو خصيتي الاب ، واخرجك من مجرى البول في حالة مزرية قبيحة ، وادخلك في رحم ~~الام من مكان تنفر من ذكر اسمه . وهناك حولك الى علقة ومضغة ، وغذاك بغذاء ~~يزعجك سماع اسمه ويخجلك . ولكن بما ان الجميع هذا هو حالهم وتلك هي بليتهم ~~، زال الخجل «والبلية اذا عمت طابت» . # في كل هذه التطورات كنت ارذل الموجودات واذلها واحطها ، عاريا عن ادراك ~~ظاهري وباطني ، بريئا من كل الكمالات . ثم شملتك رحمته وجعلك قابلا للحياة ~~، ظهرت فيك الحياة رغم كونك في اشد حالات النقص ، بحيث انك كنت احط من ~~الدودة في امور حياتك ، فزادت برحمته تدريجيا قابليتك على ادارة شؤون حياتك ~~، الى ان اصبحت جديرا بالظهور في محيط الدنيا ، اظهرك في هذه الدنيا من ~~خلال اشد المجاري ضعة ، وفي اوطا الحالات ، وانت اضعف في الكمالات وشؤون ~~الحياة ، وادنى من جميع مواليد الحيوانات الاخرى . وبعد ان منحك بقدرته ~~قواك الظاهرية والباطنية ، ما زلت ضعيفا وتافها بحيث ان ايا من قواك ليست ~~تحت تصرفك ، فلست بقادر على المحافظة على صحتك ، ولا على قواك ولا على ~~حياتك ، ولست بقادر على الاحتفاظ بشبابك وجمالك . واذا ما هاجمتك آفة او ~~انتابك مرض فلست بقادر على دفعهما عنك . وعلى العموم ، ليس تحت تصرفك شيء ~~من ذلك . لو جعت يوما لتنازلت حتى لاكل الجيفة ، ولو غلبك العطش لما امتنعت ~~عن شرب اي ماء آسن . وهكذا انت في شؤونك الاخرى عبد ذليل مسكين لا قدرة لك ~~على شيء . ولو قارنت حظك من الوجود ومن الكمالات PageV01P098 الاربعون حديثا :99 # بما لسائر الموجودات ، لوجدت انك انت وكل الكرة الارضية ، بل وكل ~~المنظومة الشمسية ، لا قيمة لكم مقابل هذا العالم الجسماني الذي هو ادنى ~~العوالم واصغرها . # ايها العزيز ! انك لم تر سوى نفسك ، والذي رايته لم تضعه ms089 موضع الاعتبار ~~والمقارنة . حاول ان تنظر الى نفسك وما تملك من شؤون الحياة وزخارف الدنيا ~~وقارنها بمدينتك . وقارن مدينتك بوطنك ، ووطنك بسائر الدول في الدنيا التي ~~لم تسمع باكثر من واحدة بالمئة منها ، وقارن كل الدول بالكرة الارضية ، ~~والارض بالمنظومة الشمسية ، وبالكرات الواسعة التي تعيش على فتات اشعة ~~الشمس المنيرة ، وقارن كل المنظومة الشمسية الخارجة عن محيط فكري وفكرك ، ~~بالمنظومات الشمسية الاخرى التي تعد شمسنا وجميع سياراتها ، واحدة من ~~سيارات احدى تلك المنظومات التي لا يمكن ان تقارن شمسنا معها ، والتي يقال ~~ان ما اكتشف منها حتى الآن يبلغ عدة ملايين من المجرات ، وان في هذه المجرة ~~القريبة الصغيرة عدة ملايين من المنظومات الشمسية التي تكبر اصغر شمسها على ~~شمسنا ملايين المرات وتسطع نورا اكثر . هذه كلها من العوالم الجسمانية التي ~~لا يعرفها الا خالقها ، وان ما اكتشف منها لا يبلغ الجزء الضئيل منها . وكل ~~عوالم الاجسام هذه لا تكون شيئا بالقياس الى عالم ما وراء الطبيعة ، فهنالك ~~عوالم لا يمكن للعقل البشري ان يتخيلها . # هذه شؤون حياتك وحياتي وهذه حظوظنا ونصيبنا من عالم الوجود . وعندما تشاء ~~ارادة الله ان تتوفاك من هذه الدنيا ، فانه يامر جميع قواك بالاتجاه نحو ~~الضعف وجميع حواسك بالتوقف عن العمل ، فتختل اجهزة وجودك ، ويذهب سمعك ~~وبصرك ، وتضمحل قواك وقدراتك ، فتصير قطعة جماد تزكم بعد ايام رائحتك ~~العفنة ، انوف الناس وتؤذي مشامهم ، ويهربون من صورتك وهيئتك ، وما ان تمضي ~~عليك ايام اخر حتى تهترأ اعضاؤك وتتفسخ . هذه هي احوال جسمك ، اما احوال ~~اموالك وثروتك فامرها معروف . # اما عالم برزخك : فانك ان انتقلت من هذه الدنيا لا سمح الله قبل ان ~~تصلحه ، فالله يعلم كيف تكون صورتك ، وكيف تكون احوالك ، اذ ان قوى الادراك ~~في هذا العالم عاجزة عن ان تسمع او ترى او تشم شيئا من ذلك العالم .ان ما ~~تسمعه عن ظلمة القبر ووحشته وضيقه انما تقيسه على ما في هذا العالم من ظلمة ~~ووحشة وضيق ، مع ان هذا القياس وهذه المقارنة باطلة . نسال ms090 الله ان ينجينا ~~مما اعددنا لانفسنا بانفسنا ! # ان عذاب القبر انموذج من عذاب الآخرة ، والمستفاد من بعض الاحاديث ان ~~ايدينا تقصر عن الوصول الى شفاعة الشفعاء في القبر ، فيا له من عذاب ! ان ~~نشاة الآخرة اشد وافظع من جميع الحالات السابقة . انه يوم تبرز فيه الحقائق ~~، وتنكشف فيه السرائر ، وتتجسد فيه الاعمال والاخلاق . يوم تصفية الحساب . ~~يوم الذلة في المواقف . تلك هي احوال يوم القيامة ! PageV01P099 # الاربعون حديثا :100 # اما حال جهنم التي تكون بعد يوم القيامة فامرها معلوم ايضا . انك تسمع ~~اخبارا عن جهنم ! ان النار ليست وحدها عذاب جهنم . فلو ان بابا منها انفتحت ~~على عينيك وعلى هذا العالم لهلك اهلها خوفا . وكذلك لو انفتحت باب اخرى على ~~اذنيك ، واخرى على خياشيمك ، لو ان ايا منها فتح على اهل هذا العالم لهلكوا ~~جميعا من شدة العذاب . # يقول احد علماء الآخرة : مثلما ان حرارة جهنم اشد ما تكون ، كذلك برودتها ~~اشد ما تكون . والله تعالى قادر على ان يجمع الحرارة والبرودة معا . هكذا ~~هي نهاية حالك . # اذا ، فالذي اوله عدم غير متناه ، وهو منذه ان يضع قدمه في الوجود تكون ~~جميع تطوراته قبيحة وغير جميلة ، وكل حالاته مخجلة ، وكل من دنياه وبرزخه ~~وآخرته افجع من الاخرى ، بم يتكبر ؟ باي جمال او كمال يتباهى ؟ ان من كان ~~جهله اكبر وعقله اصغر كان تكبره اكثر ، ومن كان علمه اكثر وروحه اكبر وصدره ~~اوسع ، كان تواضعه اكثر . # النبي الكريم صلى لله عليه وآله وسلم الذي كان علمه من الوحي الالهي ، ~~وكانت روحه من العظمة بحيث انها بمفردها غلبت نفسيات كل البشر ، ان هذا ~~النبي قد وضع جميع العادات الجاهلية والاديان تحت قدمية ، ونسخ جميع الكتب ~~، واختتم دائرة النبوة بشخصه الكريم ، وكان هو سلطان الدنيا والآخرة ~~والمتصرف في جميع العوالم باذن الله ، ومع ذلك كان تواضعه مع عباد الله ~~اكثر من اي شخص آخر . كان يكره ان يقوم له اصحابه احتراما ، واذا دخل مجلسا ~~لم يتصدر ، ويتناول الطعام جالسا على الارض قائلا : انني عبد ms091 ، آكل مثل ~~العبيد واجلس مجلس العبيد . # لقد نقل عن الامام الصادق عليه السلام ان رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يحب ان يركب الحمار من دون سرج ، وان يتناول الطعام مع العبيد على ~~الارض ، وكان يعطي الفقراء بكلتا يديه . كان ذلك الانسان العظيم يركب ~~الحمار مع غلامه او غيره ، ويجلس على الارض مع العبيد . وفي سيرته انه كان ~~يشترك في اعمال المنزل ، ويحتلب الاغنام ، ويرقع ثيابه ويخصف نعله بيده ، ~~ويطحن مع خادمه ويعجن ، يحمل متاعه بنفسه ، ويجالس الفقراء والمساكين وياكل ~~معهم . هذه وامثالها ، نماذج من سيرة ذلك الانسان العظيم وتواضعه ، مع انه ~~فضلا عن مقامه المعنوي كان في اكمل حالات الرئاسة الظاهرية . # وهكذا قد اقتدى به امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام ، اذ كانت ~~سيرته من سيرته صلى الله عليه وآله وسلم . # فيا ايها العزيز ! اذا كان التكبر بالكمال المعنوي ، فقد كانا الرسول ~~الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم والامام علي عليه السلام ارفع شانا ، واذا ~~كان بالرئاسة والسلطان ، فقد كانت لهما الرئاسة الحقة . ومع ذلك ، كانا اشد ~~الناس تواضعا . فاعلم ، ان التواضع وليد العلم PageV01P100 الاربعون حديثا :101 # والمعرفة ، والكبر وليد الجهل وانعدام المعرفة . فامسح عن نفسك عار الجهل ~~والانحطاط ، واتصف بصفات الانبياء ، واترك صفات الشيطان ، ولا تنازع الله ~~في ردائه الكبرياء فمن ينازع الحق في ردائه فهو مغلوب ومقهور بغضبه ، ~~ويكب على وجهه في النار . # واذا عزمت على اصلاح نفسك ، فطريقه العملي ، امر يسير مع شيء من المثابرة ~~، وانه طريق لو اتصفت بهمة الرجال وحرية الفكر وعلو النظر ، فلن تصادفك اية ~~مخاطر . فان الاسلوب الوحيد للتغلب على النفس الامارة ، وقهر الشيطان ، ~~ولاتباع طريق النجاة ،هو العمل بخلاف رغباتهما . انه لا يوجد سبيل افضل ~~لقمع النفس من الاتصاف بصفة التواضع ومن السير وفق مسيرة المتواضعين فحيثما ~~تكن درجة التكبر عندك ، ومهما تكن طريقتك في العلم والعمل ، اعمل قليلا ~~بخلاف هوى نفسك ، فان مع الالتفات الى الملاحظات العلمية تجاه التكبر ، ~~والانتباه الى النتائج المطلوبة . فاذا رغبت نفسك ms092 بان تتصدر المجلس متقدما ~~على اقرانك ، فخالفها واعمل عكس ما ترغب فيه . واذا كانت نفسك تانف من ~~مجالسة الفقراء والمساكين ، فمرغ انفها في التراب وجالسهم ، وآكلهم ، ~~ورافقهم في السفر ، ومازحهم وقد تجادلك نفسك فتقول لك : ان لك مقاما ومنزلة ~~، وان عليك ان تحافظ على مقامك من اجل ترويج الشريعة والعمل في سبيلها ، ~~فمجالستك الفقراء تذهب بمنزلتك من القلوب ، وان المزاح مع من هو دونك ، ~~يقلل من عظمتك ، وجلوسك في ذيل المجلس يحط من هيبتك ، فلا تقدر ان تؤدي ~~واجبك الشرعي على خير وجه !! اعلم ، ان هذه كلها من مكائد الشيطان والنفس ~~الامارة . لقد كان مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا من ~~حيث الرئاسة والمركز ارفع منك ، ومع ذلك كانت سيرته هي التي قراتها وسمعت بها . # لقد عاصرت شخصيا من العلماء من كانت لهم الرئاسة والمرجعية الدينية كاملة ~~في دولة واحدة ، بل ولكل الشيعة في العالم وكانت سيرتهم تلي سيرة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم . # منهم ، الاستاذ المعظم والفقيه المكرم الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري ~~اليزدي حيث كانت له رئاسة الشيعة ومرجعيتهم من 1340 ه (1) حتى 1355 ه (2) . ~~كانت سيرته عجيبة ، كان يرافق الخدم في السفر ، ويؤاكلهم ، ويفترش الارض ، ~~ويمازح صغار الطلبة . وخلال ايام مرضه في اواخر حياته ، كان يخرج بعد ~~المغرب يتمشى في الشارع وقد لف راسه بقطعة قماش بسيطة متنعلا حذاءا بسيطا ~~من دون اي اهتمام بالمظهر ، وكان هذا يزيد من وقعه في القلوب ، من دون ان ~~تصاب هيبته باي اعتراض او وهن . PageV01P101 # الاربعون حديثا :102 # وكان هناك آخرون من علماء قم ممن لم يلتفتوا ابدا الى هذه التقيدات التي ~~يحيكها لك الشيطان . كانوا يشترون حاجياتهم من السوق بانفسهم ، ويحملون ~~الماء من مخازن المياه الى بيوتهم ، ويشتغلون في منازلهم . وكان صدر المجلس ~~وذيله سواء عندهم . وكانوا على درجة من التواضع بحيث تبعث على التعجب ومع ~~ذلك كله كان مقامهم محفوظا بل كانت منزلتهم تسمو في قلوب الناس اكثر فاكثر . # وعلى اي حال ، ان ms093 صفة النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم وصفة علي بن ~~ابي طالب عليه السلام لا تقلل من قدر الانسان اذا اتصف بها . ولكن لا بد من ~~ان ينتبه الانسان الى مكائد النفس في هذه الحالات ، لانها كثيرا ما تكون قد ~~اعدت لك فخا آخر لتوقعك فيه . فقد يجلس احدهم من يريد التخلص من الكبر في ~~ذيل المجلس بهيئة من يريد ان يقول ان مقامه ارفع من مقامات الحاضرين ، ~~ولكنه لتواضعه جلس حيث جلس . واذا التبس على الناس الامر وقدموا عليه من ~~يشك في افضليته عليه ، فانه من يهرب من صفة التكبر يقدم على نفسه من لا ~~يشك في تاخره عنه لكي يزيل ذلك الالتباس بالايحاء بان تاخيره في الدخول على ~~المجالس وتقديم الآخرين على نفسه يكون من باب التواضع . هذه ومئات الامثلة ~~الاخرى من هذا القبيل هي من مكائد النفس التي تريد للانسان التكبر والرياء . # فلا بد من المجاهدة الخالصة الصادقة ، فبها يمكن اصلاح النفس . ان جميع ~~الصفات النفسانية قابلة للاصلاح ، الا ان الامر في البداية يتطلب بعض ~~العناء ، ولكن ما ان يضع قدمه على طريق الاصلاح حتى يسهل عليه الامر . انما ~~المهم هو ان يشرع في الفكير في تطهير نفسه واصلاحها ، والاستيقاظ من النوم . # ان المرحلة الاولى من مراحل الانسانية هي «اليقظة» وهي الاستيقاظ من نوم ~~الغفلة ، والصحوة من سكر الطبيعة ، والادراك ان الانسان مسافر ، وانه لا بد ~~للمسافر من زاد وراحلة . وزاد الانسان خصاله ، وراحلته في هذه المرحلة ~~الخطرة المخيفة ، وفي هذه الطريق الضيقة ، وفي الصراط الذي احد من السيف ~~وادق من الشعرة ، هي همة الرجال وعزمهم . والنور الذي ينير ظلام هذا الطريق ~~، هو نور الايمان والخصال الحميدة . فاذا تقاعس الانسان ووهنت همته اخفق في ~~العبور ، وانكب على وجهه في النار ، وساوى تراب الذل ، وانقلب في هاوية ~~الهلاك . فمن لم يستطع اجتياز هذا الصراط لا يستطيع اجتياز صراط يوم ~~القيامة ايضا . # فيا ايها العزيز ، اشدد عزيمتك ، ومزق عن نفسك سجف الجهل ، وانج بنفسك من ~~هذه الورطة المهلكة ms094 ! كان امام المتقين وسالك طريق الحقيقة ينادي في المسجد ~~باعلى صوته حتى يسمعه الجيران : «تجهزوا رحمكم الله فقد نودي فيكم بالرحيل» ~~(1) ! وما زاد ينفعك سوى PageV01P102 الاربعون حديثا :103 # الكمالات النفسانية ، وتقوى القلب ، والاعمال الصالحة ، وصفاء الباطن ، ~~وخلوص النية من كل عيب وغش . # فاذا كنت من اهل الايمان الناقص والصوري ، فعليك ان تطهر نفسك من هذا ~~الغش حتى تنضم الى زمرة السعداء والصالحين . والغش يزول بنار التوبة والندم ~~، وبإدخال النفس في اتون العذاب واللوم ، وصهرها في حرارة الندامة والعودة ~~الى الله . عليك ان تعمل في هذا العالم ، والا فان «نار الله الموقدة * ~~التي تطلع على الافئدة» (1) سوف تذيب قلبك . والله اعلم كم قرن من قرون ~~الآخرة يستغرق اصلاحك هذا ! ان التطهر في هذه الدنيا سهل يسير ، فالتغيرات ~~والتصورات سريعة الوقوع فيها ، اما في العالم الآخر فالتغيير يكون بشكل آخر ~~، فزوال صفة من صفات النفس قد يستغرق قرونا عديدة . # اذا ، ايها الاخ ، ما دمت في مقتبل عمرك ، وزهرة شبابك ، واوج قوتك ، ~~وحرية ارادتك ، سارع لاصلاح نفسك ، ولا تلق بالا لهذا الجاه والمقام ، وطأ ~~على هذه الاعتبارات بقدميك انك انسان ، فابعد نفسك عن صفات الشيطان ، فلعل ~~الشيطان يهتم بهذه الصفة اهتماما كبيرا لكونها صفة من صفاته . وهي التي ادت ~~الى طرده من حضرة الله ، ولذلك فهو يريد ان يوقع الانسان ، عارفا او عاميا ~~عالما او جاهلا ، في مثل هذه الرذيلة ، حتى اذا ما لقيك يوم القيامة شمت بك ~~قائلا : «يا ابن آدم ، الم يخبرك الانبياء بان التكبر على ابيك قد طردني من ~~حضرة الحق . لقد نزلت علي لعنة الله لاني احتقرت مقام آدم واستعظمت مقامي ، ~~فلماذا اوقعتك نفسك في هذه الرذيلة» ؟ . # وعندئذ تصبح ، ايها المسكين ! موضع شماتة ارذل مخلوقات الله واحطها ، ~~فضلا عن عذابك وابتلاءاتك وندامتك وحسرتك مما يعجز الكلام عن وصفه . ان ~~الشيطان لم يكن قد تكبر على الله ، بل على آدم وهو من مخلوقات الحق ، فقال ~~: «خلقتني من نار وخلقته من طين» (2) فاستعظم نفسه واستحقر آدم . وانت ~~تستصغر بني آدم وتستكبر ms095 بنفسك عليهم ، فانت ايضا تعصي اوامر الله . لقد قال ~~لك تعالى : كن متواضعا مع عباد الله ، ولكنك تتكبر وتتعالى عليهم . فلماذا ~~، تلعن الشيطان وحده ؟ اشرك نفسك الخبيثة معه في اللعن ايضا ، مثلما انت ~~شريكه في هذه الرذيلة . انك من مظاهر الشيطان ، بل انك تجسد الشيطان . ~~ولربما كانت صورتك في البرزخ وفي يوم القيامة صورة شيطانية . فان المقياس ~~في صورة الانسان في الآخرة الملكات الحاصلة للنفس . فليس هناك ما يمنع من ~~ان تكون على صورة شيطان ، او على صورة نملة صغيرة . ان موازين الآخرة تختلف ~~عن موازين الدنيا . PageV01P103 # الاربعون حديثا :104 ### || AUTO فصل:قد يكون سببا للتكبر # اعلم ان من الممكن احيانا ان يتكبر فاقد الكمال على واجد الكمال ، كان ~~يتكبر الفقير على الغني والجاهل على العالم . ولا بد ان نعرف انه مثلما كان ~~العجب احيانا مدخلا للتكبر ، فان الحسد قد يصبح ايضا مدخلا اليه . فالانسان ~~الذي يفتقر الى كمال موجود في غيره ، يندفع الى ان يحسده ، ثم يصير سببا ~~لكي يتكبر عليه ويسعى جهده لاذلاه واهانته . # روي عن الامام الصادق عليه السلام انه قال : «الكبر قد يكون في شرار ~~الناس من كل جنس ...» ثم قال : «ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر ~~في بعض طرق المدينة وسوداء تلقط السرقين ، فقيل لها : تنحي عن طريق رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت : ان الطريق لمعرض . فهم بها بعض القوم ~~ان يتناولها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «دعوها فانها ~~جبارة» (1) . # وقد تظهر هذه الصفة في بعض اهل العلم ، مبررا ان التواضع امام الاغنياء ~~غير محمود ، وتقول له نفسه الامارة بالسوء ان التواضع للاغنياء منقصة ~~للايمان . ان المسكين لا يميز بين التواضع لغني لغناه والتواضع لغير ذلك . ~~فمرة يتواضع الانسان مدفوعا برذيلة حب الدنيا والانجذاب نحو طلب الجاه ~~والمقام . فليس هذا من خلق التواضع في شيء ، بل انه المداهنة والملق وانه ~~من الرذائل النفسانية ، وصاحبها لا يتواضع للفقراء ، الا اذا طمع فيهم بشيء ~~او اراد منهم شيئا . # ومرة ms096 اخرى يكون طبع التواضع في الانسان داعية له الى احترام الناس ~~والتواضع لهم . فقراء كانوا ام اغنياء ، مرموقين كانوا ام مغمورين . فهذا ~~تواضعه خالص من غير شائبة ، وروحه طاهرة مطهرة ، لم يجتذب قلبه الجاه ~~والمقام . انه تواضع محمود للفقراء ومحود للاغنياء ، فلا بد من احترام كل ~~انسان بما هو خليق به . اما تحقيرك لاهل الجاه والغنى والتكبر عليهم فلا ~~يعني انك لست متملقا ، بل يعني انك حسود ، وتكون في الوقت نفسه على خطأ . ~~ولهذا اذا رايتهم يحترمونك على غير انتظار وتوقع ، تتواضع لهم وتخفض لهم ~~جناحك . # وعلى كل حال ، ان مكائد النفس واحابيلها من الدقة المتناهية بحيث ان ~~المرء لا يسعه الا ان يستعيذ بالله منها . # والحمد لله اولا وآخرا . PageV01P104 # الاربعون حديثا :105 ### | AUTO الحديث الخامس: الحسد PageV01P105 الاربعون حديثا :106 # بالسند المتصل الى محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم ، عن محمد بن عيسى ، ~~عن يونس ، عن داود الرقي ، عن ابي عبد الله عليه السلام قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم : قال الله عز وجل لموسى بن عمران : «يا ابن ~~عمران لا تحسدن الناس على ما آتيتهم من فضلي ولا تمدن عينيك الى ذلك ولا ~~تتبعه نفسك فان الحاسد ساخط لنعمي صاد لقسمي الذي قسمت بين عبادي ومن يك ~~ذلك فلست منه وليس مني» (1) . PageV01P106 # الاربعون حديثا :107 ### || AUTO الشرح : # ان الحسد ، حالة نفسية يتمنى صاحبها سلب الكمال والنعمة التي يتصورهما ~~عند الآخرين ، سواء اكان يملكها ام لا ، وسواء ارادها لنفسه ام لم يردها . ~~وهذا يختلف عن الغبطة ، لان صاحب الغبطة يريد النعمة التي توجد لدى الغير ، ~~ان تكون لنفسه ، من دون ان يتمنى زوالها عن الغير . واما قولنا : «النعمة ~~التي يتصورها عند الآخرين» فنعني به ان تلك النعمة قد لا تكون بذاتها نعمة ~~حقيقية . فطالما تبين ان الامور التي تكون بحد ذاتها من النقائص والرذائل ، ~~يتصورها الحسود من النعم والكمالات ، فيتمنى زوالها عن الآخرين . او ان ~~خصلة تعد من النقائص للانسان ومن الكمال للحيوان ويكون الحاسد في ms097 مرتبة ~~الحيوانية فيراها كمالا ، ويتمنى زوالها . فهناك بين الناس ، مثلا اشخاص ~~يحسبون الفتك بالغير وسفك الدماء موهبة عظيمة . فاذا شاهدوا من هو كذلك ~~حسدوه .او قد يحسبون سلاطة اللسان وبذاءته من الكمالات ، فيحسدون صاحبها . ~~اذا ، فالمعيار في معرفة هذه الحالة النفسية هو توهم الكمال وتصور وجود ~~النعمة ، لا النعمة نفسها ، فالذي يرى في الآخرين نعمة حقيقية كانت ، او ~~موهومة ويتمنى زوالها ، يعد حسودا . # اعلم ان للحسد انواعا ودرجات حسب حال المحسود ، وحسب حال الحاسد ، وحسب ~~حال الحسد ذاته . # اما من حيث حال المحسود ، فمثل ان يحسد شخصا لما له من كمالات عقلية ، او ~~خصال حميدة ، او لما يتمتع به من الاعمال الصالحة والعبادية ، او لامور ~~خارجية اخرى ، مثل امتلاكه المال والجاه والعظمة والاحتشام وما الى ذلك ، ~~او ان يحسد على ما يقابل هذه الحالات من حيث كونها من الكمال الموهوم ~~الموجود في المحسود . # واما من حيث حال الحاسد ، فقد ينشأ الحسد احيانا من العداوة ، او التكبر ~~، او الخوف ، PageV01P107 الاربعون حديثا :108 # وغير ذلك من الاسباب والعوامل التي سيرد ذكرها فيما بعد . # واما من حيث حال الحسد نفسه ، الذي نستطيع ان نقوله انها الدرجات ~~والتقسيمات الحقيقية ، للحسد دون ما سبق ذكره ، فلشدته وخفته مراتب كثيرة ، ~~تختلف باختلاف الاسباب ، كما تختلف باختلاف الآثار . وسوف نشير ، ان شاء ~~الله ، في عدة فصول الى مفاسد الحسد وعلاجه . قدر استطاعتنا ، ومن الله ~~التوفيق . ### || AUTO فصل:في ذكر بعض اسباب الحسد # للحسد اسباب كثيرة ، يرجع اكثرها الى رؤية الذلة في النفس ، تماما كما ان ~~الكبر ، نوعا يتم على عكس ذلك . فكما ان المرء عندما يجد في نفسه كمالا ~~لا يجده في غيره ، تنشا عنده حالة من الترفع والتعزز والتعالي في نفسه ، ~~فيتكبر . واذا لاحظ الكمال في غيره ، انتابته حالة من الذل والانكسار . ~~ولولا وجود عوامل خارجية ولياقات نفسانية ، لنتج من ذلك الحسد . وقد ينشا ~~من تصور ذلته في تساوي غيره معه ، مثل ان يحسد صاحب الكمال والنعمة مثيله ~~او الذي يليه . ويمكن القول ان الحسد هو ذلك ms098 الانقباض والذل النفسي اللذان ~~تكون نتيجتهما الرغبة في زوال النعمة والكمال عن الآخرين . وقد حصر بعضهم ~~كالعلامة المجلسي قدس سره (1) اسباب الحسد في سبعة امور : # «الاول : العداوة . # الثاني : التعزز : ان يكون من حيث يعلم انه يستكبر بالنعمة عليه وهو لا ~~يطيق احتمال كبره وتفاخره لعزة نفسه . # الثالث : الكبر : ان يكون في طبعه ان يتكبر على المحسود ويمتنع ذلك عليه ~~بنعمته وهو المراد بالتكبر . # الرابع : التعجب : ان تكون النعمة عظيمة والمنصب كبيرا فيتعجب من فوز ~~مثله بمثل تلك النعمة كما اخبر الله تعالى عن الامم الماضية اذ قالوا : «ما ~~انتم الا بشر مثلنا» (2) و«انؤمن لبشرين مثلنا» (3) وامثال ذلك كثيرة ~~فتعجبوا من ان يفوزوا برتبة الرسالة والوحي والقرب مع انهم بشر مثلهم ~~فحسدوهم وهو المراد بالتعجب . PageV01P108 # الاربعون حديثا :109 # الخامس : الخوف : ان يخاف من فوات مقاصده بسبب نعمة بان يتوصل بها الى ~~مزاحمته في اغراضه . # السادس : حب الرئاسة : ان يكون يحب الرياسة التي تنبني على الاختصاص ~~بنعمة لا يساوى فيها . # السابع : خبث الطينة : ان لا يكون بسبب من هذه الاسباب بل لخبث النفس ~~وشحها بالخير لعباد الله» . # ولكنني اعتقد كما اشرت اليه سابقا ، ان معظم هذه الاسباب بل كلها تعود ~~الى رؤية ذل النفس ، وان السبب المباشر للحسد حسب التعريف المشهور له هو ما ~~ذكرناه انبعاث الحسد من رؤية ذل النفس فلا مجال لذكر هذه الاقسام . واما ~~بناءا على ما ذكرنا في معنى الحسد من ان نفس هذه الحال تكون حسدا فلا ~~اعتراض على صحة ذكر هذه الاقسام . وعلى اي حال يكون البحث حول هذه المعاني ~~بعيدا عن مقصودنا وعن طبيعة موضوعنا . ### || AUTO فصل: في بعض مفاسد الحسد # اعلم ان الحسد نفسه احد الامراض القلبية المهلكة ، ويتولد منه ايضا امراض ~~قلبية كثيرة ، كالكبر وفساد الاعمال وتعد كل واحدة منها من الموبقات . ~~وتشكل سببا مستقلا لهلاك الانسان . ولسوف نباشر بذكر المفاسد الواضحة منها ~~. ولا شك في ان هناك مفاسد خفية عن نظر الكاتب . # واما مفاسد الحسد فسنكتفي بما نقل عن الصادق المصدق : # ففي ms099 صحيحة معاوية بن وهب قال : قال ابو عبد الله عليه السلام : «آفة ~~الدين الحسد والعجب والفخر» (1) . # وفي صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السلام : «ان الرجل ليأتي باي ~~بادرة فيكفر ، وان الحسد لياكل الايمان كما تاكل النار الحطب» (2) . # ومعلوم ان الايمان نور الهي يجعل القلب موضع تجليات الحق جل جلاله ، كما ~~جاء في الاحاديث القدسية : PageV01P109 # الاربعون حديثا :110 # «لا يسعني ارضي ولا سمائي بل يسعني قلب عبدي المؤمن» (1) . # فهذا النور المعنوي ، وهذه البارقة الالهية التي تجعل القلب اوسع من كل ~~الموجودات ، تتعارض مع هذا الضيق والظلام اللذين تسببهما هذه الرذيلة ، ~~رذيلة الحسد . ان هذه الصفة القبيحة تضغط على القلب وتضيقه فتبدو آثارها في ~~كل كيان الانسان ، باطنه وظاهره . انها تصيب القلب بالحزن والكدر ، والصدر ~~بالاختناق والضيق ، والوجه بالعبوس والغضب . وهذه الحال تطفئ نور الايمان ، ~~وتميت قلب الانسان ، وكلما اشتدت ازداد ضعف الايمان . # ان جميع الصفات المعنوية والظاهرية للمؤمن ، تتنافى والآثار التي يوجدها ~~الحسد في ظاهر الانسان وباطنه . ان المؤمن يحسن الظن بالله تعالى ، وهو راض ~~بقسمه الذي يقسمه بين عباده . اما الحسود فساخط على الله تعالى ، يشيح ~~بوجهه عن تقديراته . لقد جاء في الحديث الشريف : ان المؤمن لا يتمنى السوء ~~للمؤمنين ، بل هم اعزاء عنده ، والحسود بعكس ذلك . # المؤمن لا يغلبه حب الدنيا ، والحسود انما هو مبتلى بشدة حبه للدنيا . ~~والمؤمن لا يداخله خوف ولا حزن الا من بارئ الخلق تعالى ، اما الحسود فخوفه ~~وحزنه يدوران حول المحسود . # والمؤمن طلق المحيا ، وبشراه في وجهه ، والحسود مقطب الجبين عبوس الوجه . # والمؤمن متواضع ، والحسود متكبر في معظم الحالات . فالحسد ، آفة الايمان ~~التي تاكله ، كما تاكل النار الحطب . # ويكفي في شناعة هذه الرذيلة هو ان الحسد يقضي على الايمان الذي يعد وسيلة ~~النجاة في الآخرة ، وباعثا لحياة القلوب ، ويجعل الانسان مفلسا ومسكينا . # وان من المفاسد الكبيرة التي لا تنفك عن الحسد ، سخط الحسود على الخالق ~~وولي نعمته واعراضه عن تقديراته تعالى . # في هذا اليوم ان حجب الطبيعة الدكناء والحجب الحاصلة من ms100 انشغالنا بهذه ~~الطبيعة قد حجبت جميع مشاعرنا ، فاعمت اعيننا واصمت آذاننا ، فلا ندري اننا ~~غاضبون تجاه مالك الملوك ومعرضون عنه ولا نعلم ما هي صورة هذا الغضب ~~والاعراض في الملكوت حيث مساكننا الاصلية الدائمية ؟ وانما يصل الى اسماعنا ~~قول الامام الصادق عليه السلام : «ومن يك كذلك فلست منه وليس مني» ولا نفهم ~~ماذا يحمل لنا تبرؤ الحق تعالى منا واعراضه عنا من PageV01P110 الاربعون حديثا :111 # مصائب ؟ ان من يخرج عن ولاية الله ويطرد من ظل راية ارحم الراحمين لن ~~يكون له امل في النجاة ، ولن يشفع له احد « من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه ~~» من ذا الذي يتقدم ليشفع لمن يسخط عليه الله ويكون خارجا عن حرز ولايته ، ~~وقد انقطع حبل المودة بينه وبين مالك الرقاب ؟ واسوأتاه ! واحسرتاه على ما ~~نفعله بانفسنا ! لم يفتأ الانبياء والاولياء يصرخون في آذاننا ويريدون ~~ايقاظنا من النوم ، ولكننا نزداد غفلة وشقاء يوما بعد يوم . # ومن مفاسد هذا الخلق الذميم ، كما يقول العلماء ، ضيق القبر وظلمته . اذ ~~انهم يقولون ان صورة هذا الخلق الفاسد الرديء ، التي فيها ضيق نفساني وكدر ~~قلبي ، تشبه ضيق القبر وظلمته ، اذ ان ضيق القبر او اتساعه منوط بضيق الصدر ~~او انشراحه . # روي عن الامام الصادق عليه السلام الى ان قال ، وان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم خرج في جنازة «سعد» وقد شيعه سبعون الف ملك . فرفع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم راسه الى السماء ثم قال : مثل «سعد» يضم ؟ ~~قال : قلت جعلت فداك انا نحدث انه كان يستخف بالبول فقال معاذ الله ، انما ~~كان من زعارة في خلقه على اهله (1) . # ان الضيق والضغط والكدر والظلام الذي يحصل في القلب بسبب الحسد قلما يوجد ~~في خلق فاسد آخر . وعلى اي حال ان صاحب هذا الخلق يعيش في الدنيا معذبا ~~مبتلى ، ويكون له في القبر ضيق وظلمة ، ويحشر في الآخرة مسكينا متالما . # هذه هي مفاسد الحسد نفسه دون المفاسد الخلقية الاخرى ، او الاعمال ~~الفاسدة الباطلة ، التي يمكن ms101 ان تتولد عن الحسد ، وقلما يتفق ان لا تتولد ~~عن الحسد مفاسد اخرى بل ان عددا من السيئات الاخلاقية والاعمال الباطلة ~~الاخرى تكون وليدة الحسد ، كالكبر في بعض الحالات ، كما سبق ، والغيبة ، ~~والنميمة ، والشتم ، والايذاء ، وغير ذلك مما هو من الموبقات والمهلكات . # فعلى الانسان العاقل ان يشمر عن ساعد الجد لينقذ نفسه من هذا العار ~~وايمانه من هذه النار المحرقة والآفة الصعبة ، وان ينجو بنفسه من ضغط الفكر ~~وضيق الصدر في هذه الدنيا وهما نوعان من العذاب المرافقان للعمر كله ~~وكذلك من الضيق والظلمة في القبر وفي البرزخ ، ومن غضب الله تعالى . على ~~الانسان ان يفكر قليلا ليدرك ان امرا له هذا القدر من المفاسد يجب ان يعالج ~~، مع العلم ان حسدك لن يضر المحسود . فلا تزول نعمته بمجرد حسدك له ، بل ~~يكون له نفع دنيوي واخروي ، وذلك لان شقاءك وحزنك وانت عدوه وحاسده يعد ~~نفعا له . فهو يرى انه متنعم وانت معذب بتنعمه ، وهذه نعمة له . فاذا ~~انتبهت لهذه النعمة الثانية التي تتوفر PageV01P111 الاربعون حديثا :112 # للمحسود جلبت لنفسك عذاب وضغط فكري آخرين ويعتبر عذابك هذا نعمة له وهكذا ~~. وعليه ، فانك تكون دائما في عذاب وشقاء وتعاسة وغم ، وهو في نعمة وسرور ~~وانبساط . وفي الآخرة ايضا يكون حسدك له نفعا له ، وخصوصا اذا كان الحسد قد ~~دفع بك الى الغيبة والافتراء وسائر الرذائل ، مما يستوجب اخذ حسناتك ~~واعطائها له ، فتعود انت مفلسا ، ويزداد هو نعمة وعظمة . # لو انك امعنت الفكر في هذه الامور لاقدمت على تطهير نفسك من هذه الرذيلة ~~وانقذت نفسك من هذه المهلكة . ولا تظنن ان الرذائل النفسانية والخلق ~~الروحية غير ممكنة الزوال ، ان ظنونا باطلة توحيها اليك النفس الامارة ~~والشيطان لكي تنحرف عن سلوك الآخرة واصلاح النفس . فما دام الانسان في دار ~~الزوال وعالم التبدل هذا ، فمن الممكن ان يتغير في جميع صفاته واخلاقه ، ~~ومهما تكن صفاته متمكنة ، فانها قابلة للزوال ما دام حيا في هذه الدنيا ، ~~وانما تختلف صعوبة التصفية وسهولتها نتيجة شدة هذه الصفات ms102 وخفتها . # ومن المعلوم ان ازالة صفة حديثة الظهور في النفس انما يتحقق بقليل من ~~الجهد والترويض ، كالنبتة في ايامها الاولى التي لم ترسل جذورها الى ~~الاعماق بعد ولم تتمكن من التربة . ولكن اذا تمكنت تلك الصفة من النفس ~~واصبحت من الملكات المستقرة فيها ، فانه يصعب ازالتها ، ورغم ان ازالتها ~~ممكنة ، كاقتلاع شجرة ضخمة معمرة ضربت بجذورها في اعماق التربة ، فكلما ~~تقاعست وابطات في مساعيك لاقتلاع جذور المفاسد من قلبك وروحك ، ازداد تعبك ~~وعنائك في اجتثاثها . # فيا عزيزي ؛ ان الوقوف منذ البداية دون تسرب المفاسد الاخلاقية او ~~العملية الى مملكة ظاهرك وباطنك ، ايسر بكثير من اخراجها بعد توغلها ، لان ~~ذلك يتطلب الكثير من العناء والجهد . واذا تسربت ، فانك كلما اخرت التصدي ~~لاخراجها ، ازداد الجهد المطلوب منك وضعفت قواك الداخلية . # يقول شيخنا الجليل والعارف الكبير الشاه آبادي (روحي فداه) : ان الانسان ~~في عز شبابه وقوة فتوته يكون اقدر على الوقوف بوجه المفاسد الاخلاقية ~~،وافضل في اداء واجبه الانساني . فلا تتركوا هذه القوى تضيع من ايديكم ، ~~ويستولي عليكم ضعف الشيخوخة ، وعندئذ يصعب عليكم التوفيق في مساعيكم ، وحتى ~~لو انكم وفقتم ، فان ذلك الاصلاح سوف يتطلب منكم الكثير من المشقة والتعب . # وعليه ، اذا فكر الانسان العاقل في المفاسد ووجد انه غير داخل فيها ، ~~فانه يستطيع ان يمنع نفسه من التلوث بها ، واذا وجد نفسه لا سمح الله ~~مبتلاة بها ، فخير له ان يسرع في اصلاح نفسه قبل ان تتجذر تلك المفاسد فيه ~~، واذا كانت لا سمح الله قد تجذرت فيه فعليه PageV01P112 الاربعون حديثا :113 # ان يبذل كل جهد مستطاع في سبيل اقتلاع تلك الجذور لئلا يصل الى مرحلة ~~اللاعودة في البرزخ والآخرة ، لانها اذا اعطت ثمرها ، وخرج صاحبها بخلقة ~~الفاسد من هذه الدنيا المتبدلة في هيولاها والمتغيرة في جوهرها ، خرج امر ~~اقتلاعها من يديه ، وهيهات ان يتبدل خلق من الاخلاق النفسانية في الآخرة او ~~في البرزخ . # جاء في مضمون حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ان الخلود في ~~الجنة او في ms103 النار منوط بنية الانسان . فالنوايا الفاسدة ، التي هي وليدة ~~الاخلاق الرذيلة ، لا يمكن ان تزول الا بزوال منشئها . # ان الملكات في ذلك العالم تكون على درجة من شدة الظهور وقوته بحيث ان ~~زوالها اما لا يكون ممكنا ، فيكون صاحبها مخلدا في النار . واما اذا امكن ~~بالضغوطات والمشاق والنيران ازالتها ، فان ذلك قد يحدث ولكن بعد قرون ~~ربوبية . # فيا ايها الانسان العاقل ! ان ما يمكن ان تصلحه في شهر او في سنة مع ~~التعب القليل الدنيوي وبمحض اختيارك واضعا حدا لشقائك في الدنيا والآخرة ، ~~لا تهمله لكيلا يوردك موارد الهلاك . ### || AUTO فصل: في بيان جذور المفاسد الخلقية # سبق القول بان الايمان ، الذي هو حظ القلب ، غير العلم الذي هو حظ العقل ~~. ثم ان جميع المفاسد الاخلاقية والعملية تنشأ عن كون القلب غافلا عن ~~الايمان ، وان ما يدركه العقل عن طريق البرهان العقلي او عن طريق اخبار ~~الانبياء لم يوصله الى القلب ، ولذلك فالقلب لا يعرف عنه شيئا . # ان من بين المعارف التي يصدقها الحكماء والمتكلمون وعامة الناس من اهل ~~الشرائع ، ولا يشكون فيها ابدا ، هو ان ما جرى به قلم الحكيم المطلق جلت ~~قدرته من الوجود والكمال ومن بسط النعمة وتقسيم الآجال والارزاق ، جاء على ~~خير تقدير واجمل نظام ، وهو يتطابق كل التطابق مع المصالح التامة والنظام ~~الكلي لاتم نظام متصور . ولكن يعبر كل واحد من الحكماء والمتكلمين بلسانه ~~الخاص واصطلاحه الذي يختص بفنه الذي اتخذه وسيلة لتبيان هذه النعمة الالهية ~~والحكمة الكاملة . # يقول العارف : ظل الجميل جميل على الاطلاق . ويقول الحكيم : النظام ~~العيني المطابق للنظام العملي خال من النقص والشرور ، والشرور المتوهمة ~~الجزئية هي من اجل ايصال الكائنات الى كمالاتها التي تليق بها . ويقول ~~المتكلم واهل الشرائع : افعال الحكيم PageV01P113 الاربعون حديثا :114 # تكون على اساس من الحكمة والصلاح ، وان ايدي العقول البشرية الجزئية ~~المحدودة قاصرة عن ادراك المصالح العالية في التقديرات الالهية . هذا ~~الموضوع يدور على ألسنة الجميع ، وكل يستدل على ذلك بادلة تتناسب مع مدى ~~سعة علمه وعقله . ولكن ms104 بما انه لم يتعد حدود الاقوال الى حيث القلوب ~~والاحوال ، فان ألسنة الاعتراض مطلقة ، وان من لم يكن له حظ من الايمان ~~يقوم بتفنيد برهانه وتكذيب قوله . وعلى هذا الاساس تكون المفاسد الاخلاقية . # وليعلم من يحسد الناس ويتمنى زوال النعمة عن الآخرين ، ويحقد في قلبه على ~~اصحاب النعم ، انه لا ايمان له بان الله عز وجل من باب معرفة الصالح اسبغ ~~نعمه على اولئك ، وان ادراكنا لذلك قاصر . وليعلم ايضا انه لا يؤمن بعدل ~~الله تعالى ولا يرى التقسيم عادلا . انك في اصول العقائد تقول ان الله عادل ~~، وما هذا الا مجرد لفظة على لسانك . ان الايمان بالعدل يناقض الحسد . انك ~~اذا كنت ترى الله عادلا ، لرايت تقسيمه عادلا ايضا . وقد جاء في الحديث ~~الشريف : يقول الله عز وجل : «ان الحسود يشيح بوجهه عما قسمته بين العباد ، ~~وهو ساخط على نعمي» . # ان القلب يخضع بالفطرة للقسمة العادلة ، وينفر بالفطرة للقسمة العادلة ، ~~وينفر بالفطرة كذلك من العسف والجور . ان من الفطرة الالهية الكامنة في ~~اعماق البشر حب العدل والرضى به ، وكراهة الظلم وعدم الانقياد له . فاذا ~~راى خلاف ذلك فليعلم ان في المقدمات نقصا . فاذا سخط على النعمة واعرض عن ~~القسمة ، فذلك لانه لا يرى ذلك عدلا ، بل يراه والعياذ بالله جورا . وليس ~~معناه انه يرى القسمة عادلة ثم يعرض عنها ، او انه يرى الخطة المرسومة ~~مطابقة للنظام الاتم والمصلحة التامة ، ثم يسخط عليها بل يرى ان هذا جور ~~ومغاير للعدل . اسفا علينا ! ان ايماننا ناقص ، ولم تخرج ادلتنا العقلية من ~~نطاق العقل لتصل الى حدود القلب . ليس الايمان بالقول والسماع والمطالعة ~~والمباحثة والنقاش فحسب وانما يتطلب ايضا خلوص النية . ان الباحث عن الله ~~يجده لا محالة ، والذي يطلب المعارف يبحث عنها ، «ومن كان في هذه اعمى فهو ~~في الآخرة اعمى واضل سبيلا ... (1) ومن لم يجعل الله له نورا فما له من ~~نور» (2) . ### || AUTO فصل: في بيان المعالجة العملية للحسد # يوجد فضلا عن العلاج العلمي الذي ذكرنا بعضه ، العلاج العملي لهذه ms105 ~~الرذيلة ، وذلك بان تتكلف اظهار المحبة للمحسود وترتب الامور بحيث يكون ~~هدفك هو معالجة مرضك PageV01P114 الاربعون حديثا :115 # الباطني . ان نفسك تدعوك لايذائه واعتباره عدوا ، وتكشف لك عن مساوئه ~~ومفاسده . ولكن عليك ان تعمل خلافا لما تريده النفس ، وان تترحم عليه ~~وتحترمه وتجله . واحمل لسانك على ان يذكر محاسنه ، واعرض اعماله الصالحة ~~على نفسك وعلى الآخرين ، وتذكر صفاته الجميلة . صحيح ان هذا سوف يكون ~~متكلفا في بادئ الامر ومن باب المجاز دون الحقيقة ولكن بما ان الهدف هو ~~اصلاح النفس وازالة هذه المنقصة والرذيلة ، فان نفسك سوف تقترب في النهاية ~~من الحقيقة ، ويخف تكلفك شيئا فشيئا ، وترجع نفسك الى حالها الطبيعي وتصبح ~~ذات واقعية . # قل لنفسك ، على الاقل : ان هذا الانسان عبد من عباد الله ، ولعل الله نظر ~~اليه نظرة لطف فانعم عليه بما انعم ، واختصه دون غيره بها ، خصوصا اذا كان ~~المحسود من رجال العلم والدين ، وانه محسود على ذلك ، فان مثل هذا الحسد ~~يكون اقبح ، ومعاداة امثال هؤلاء اسوء عاقبة . ولا بد من تفهيم النفس بان ~~هؤلاء هم من عباد الله المخلصين الذين شملهم توفيق منه ، ووهبهم هذه النعم ~~العظيمة . وهي نعم يجب ان تبعث في القلوب المحبة لهم واحترامهم والخضوع لهم ~~. فاذا راى ان هذه الامور التي يجب ان تكون دافعا على المحبة والاحترام ~~توجب نقيض ذلك ، فعليه ان يعلم ان الشقاء قد اكتنفه من كل جانب ، وان ~~الظلام قد احاط بباطنه ، فلا بد ان يبادر الى اصلاح نفسه بالطرق العلمية ~~والعملية . وليعلم انه اذا اتخذ طريق المحبة فانه سرعان ما يكون موفقا ، ~~لان نور المحبة قاهر للظلمة ومزيل للكدر . ولقد وعد الله تعالى المجاهدين ~~ان يهديهم وان يعينهم بلطفه الخفي ويوفقهم . انه ولي التوفيق والهداية . ### || AUTO فصل: في ذكر حديث الرفع # اعلم انه ورد في بعض الاحاديث الشريفة ما مضمونه ان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال : ( ان الله رفع عن امتي تسع ، ... ومنها الحسد) اذا لم ~~يظهر من خلال يده او لسانه . ومن ms106 المعلوم انه يجب ان لا تحول امثال هذا ~~الحديث الشريف دون المساعي الجادة لقلع هذه الشجرة الخبيثة من النفس ، ولا ~~تمنع المحاولات المبذولة في سبيل تطهير الروح من هذه النار التي تحرق ~~الايمان ، ومن هذه الآفة التي تقضي عليه ، لانه يندر ان تدخل هذه الرذيلة ~~المفسدة الى نفس انسان ولا تتوالد فيها المفاسد المختلفة ، ثم لا يظهر ~~اثرها ابدا ، ويحافظ على ايمان الانسان . # مع انه قد ورد في الاحاديث الصحيحة ان هذه الصفة تاكل الايمان ، وانها ~~آفة الايمان ، وان الله تعالى بريء من صاحبها ، وانه مطرود من حضرته ، فيجب ~~ان لا يغفل الانسان عن مثل PageV01P115 الاربعون حديثا :116 # هذا الامر الخطير والفساد الكبير الذي يهدد كل وجوده وطاقاته ، متمسكا ~~بالتفسير الظاهري لهذا الحديث الشريف . # عليك اذا ، ان تقوم جاهدا ، بتقليم فروع الحسد ، والسعي لاصلاح النفس ، ~~ولا تدع شيئا منه يترشح الى الخارج ، وعندئذ تضعف جذوره ، ويقف نموه . واذا ~~وافتك المنية وانت ماض في سبيل الاصلاح والترويض للنفس ، فان رحمة الله سوف ~~تشملك ، ولسوف ينالك العفو برحمة الله الواسعة وببركة الرسول الاكرم صلى ~~الله عليه وآله وسلم ، واذا بقيت منه باقية فان بوارق الرحمة الالهية سوف ~~تحرقها وتطهر النفس وتزكيها . # اما ما جاء في رواية حمزة بن حمران ، عن ابي عبد الله عليه السلام انه ~~قال : «ثلاثة لم ينج منها نبي فمن دونه التفكر في الوسوسة في الخلق والطيرة ~~والحسد الا ان المؤمن لا يستعمل حسده» (1) فانه اما ان يكون من باب ~~المبالغة الدالة على كثرة الابتلاء بها ، واما ان يكون التعبير كناية عن ~~كثرة الابتلاء دون ان يكون القصد هو مضمون الكلام بذاته ، واما انه اعتبر ~~الحسد اعم من الغبطة ، من باب المجاز ، واما انه يقصد بالحسد تمني زوال بعض ~~النعم المستعملة لدى الكفار في ترويج مذهبهم الباطل . والا فان الانبياء ~~والاولياء مطهرون من الحسد بمعناه الحقيقي . ان القلب الملوث بالمساوئ ~~الاخلاقية والقذارات الباطنية لا يمكن ان يهبط عليه الوحي والالهام ، ولا ~~يكون موطن التجليات الذاتية والصفاتية . اذا ، لا بد ms107 ان يفسر هذا الحديث ~~بحسب ما ذكر ، او بشكل آخر ، او يرد علمه الى قائله صلوات الله عليه . # . والحمد لله اولا وآخرا PageV01P116 الاربعون حديثا :117 ### | AUTO الحديث السادس: من اصبح وامسى والدنيا او الاخرة اكبر همه PageV01P117 الاربعون حديثا :118 # بالسند المتصل الى محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى ، عن احمد بن محمد ، عن ~~ابن محبوب ، عن عبد الله بن سنان وعبد العزيز العبدي ، عن عبد الله بن ابي ~~يعفور ، عن ابي عبد الله عليه السلام قال : «من اصبح وامسى والدنيا اكبر ~~همه ، جعل الله الفقر بين عينيه وشتت امره ولم ينل من الدنيا الا ما قسم له ~~ومن اصبح وامسى والآخرة اكبر همه ، جعل الله الغنى في قلبه وجمع له امره » (1) . PageV01P118 # الاربعون حديثا :119 ### || AUTO الشرح # اعلم ان للدنيا والآخرة اطلاقات حسب آراء ارباب العلوم ولدى مقاييس ~~معارفهم وعلومهم ولا يكون البحث عن حقيقتها على ضوء المصطلحات العلمية ~~بمهمة لدينا ، فان بذل الجهد في فهم الاصطلاحات والرد والقبول والجرح ~~والتعديل يحول دون بلوغ القصد . # وانما المهم في هذا الباب هو فهم الدنيا المذمومة التي على طالب الآخرة ~~ان يتحرز منها . وما يعين الانسان على النجاة ، وسوف نبين ذلك ان شاء الله ~~في بضعة فصول ، ونسال الله تعالى التوفيق في سلوك هذا الطريق . ### || AUTO فصل: في بيان كلام مولانا المجلسي رحمة الله عليه في حقيقة ~~الدنيا المذمومة # يقول المحقق الخبير والمحدث المنقطع النظير مولانا المجلسي رحمة الله عليه : # (فاعلم ان الذي يظهر من مجموع الآيات والاخبار على ما نفهمه ان الدنيا ~~المذمومة مركبة من مجموع امور تمنع الانسان من طاعة الله وحبه وتحصيل ~~الآخرة ، فالدنيا والآخرة ، ضرتان متقابلتان فكلما يوجب رضى الله سبحانه ~~وقربه فهو من الآخرة ، وان كان بحسب الظاهر من اعمال الدنيا كالتجارات ~~والصناعات والزراعات التي يكون المقصود منها تحصيل المعيشة للعيال لامره ~~تعالى به وصرفها في وجوه البر ، واعانة المحتاجين ، والصدقات ، وصون الوجه ~~عن السؤال وامثال ذلك ، فان هذه كلها من اعمال الآخرة وان كان عامة الخلق ms108 ~~يعدونها من الدنيا . # والرياضات المبتدعة والاعمال الريائية ، وان كان مع الترهب وانواع المشقة ~~فانها من PageV01P119 الاربعون حديثا :120 # الدنيا لانها مما يعبد عن الله ولا يوجب القرب اليه كاعمال الكفار ~~والمخالفين) انتهى كلامه (1) . # ونقل المجلسي رحمه الله عن احد المحققين : # «دنياك وآخرتك عبارة عن حالتين من احوال قلبك ، والقريب الداني منهما ~~يسمى الدنيا وهي كل ما قبل الموت ، والمتراخي المتاخر يسمى آخرة ، وهي ما ~~بعد الموت . فكل مالك فيه حظ وغرض ونصيب وشهوة ولذة في عاجل قبل الوفاء ، ~~فهي الدنيا في حقك ...» (2) . # يقول الفقير الى الله : ان الدنيا مرة تطلق على نشاة الوجود النازلة ~~والتي هي دار تصرم وتغير ومجاز ، والآخرة تطلق على الرجوع من هذه النشاة ~~الى ملكوت الانسان وباطنه والتي هي دار بقاء وخلود وقرار . وهاتان النشأتان ~~متحققتان لكل نفس من النفوس وشخص من الاشخاص . وعلى العموم ، لكل كائن مقام ~~ظهور وملك وشهود . وتلك هي مرتبته النازلة الدنيوية . ومقام باطني ، وملكوت ~~غيبي ، وهي النشاة الصاعدة الاخروية . وهذه النشاة النازلة الدنيوية وان ~~كانت ناقصة بذاتها وانها آخر مراتب الوجود ، ولكن لما كانت مهد تربية ~~النفوس القدسية ، ودار تحصيل المقامات العالية ، ومزرعة الآخرة ، فانها من ~~احسن مشاهد الوجود واعز النشآت ، وهي المغنم الافضل عند الاولياء واهل سلوك ~~الآخرة . ولولا هذه الامور الملكية والتغييرات والحركات الجوهرية ، ~~الطبيعية والارادية ، ولولا ان يسلط الله تعالى على هذه النشاة التبدلات ~~والتصرمات ، لما وصل احد من ذوي النفوس الناقصة الى حد كماله الموعود ودار ~~قراره وثباته ، ولحصل النقص الكلي في الملك والملكوت . # ان ما ورد في القرآن والاحاديث عن ذم هذه الدنيا ، لا يكون عائدا في ~~الحقيقة الى الدنيا من حيث نوعها او كثرتها ، بل يعود الى التوجه نحوها ~~وانشداد القلب بها ومحبتها . # وعليه ، يتبين من ذلك ان امام الانسان دنياءان : دنيا ممدوحة ودنيا ~~مذمومة . فالممدوح هو الحصول في هذه النشاة وهي دار التربية ودار التحصيل ~~ومحل التجارة لنيل المقامات واكتساب الكمالات والاعداد لحياة ابدية سعيدة ، ~~مما لا يمكن الحصول عليه دون الدخول الى هذه ms109 الدنيا ، كما جاء في خطبة ~~لمولى الموحدين امير المؤمنين عليه السلام ردا على من ذم الدنيا : # «... ان الدنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار عافية لمن فهم عنها ، ودار غنى ~~لمن تزود منها ، ودار موعظة لمن اتعظ بها . مسجد احباء الله ، ومصلى ملائكة ~~الله ، ومهبط وحي الله ، ومتجر اولياء الله . أكتسبوا فيها الرحمة ، وربحوا ~~فيها الجنة ...» (3) # . PageV01P120 # الاربعون حديثا :121 # وقال الله تعالى : «... ولنعم دار المتقين» (1) وهي دار الدنيا حسب ما ~~ورد في تفسير العياشي عن الامام الباقر عليه السلام . وعليه ، فان عالم ~~الملك ، وهو مظهر الجمال والجلال وحضرة الشهادة المطلقة ، ليس مذموما بهذا ~~المعنى ، بل المذموم هو دنيا الانسان نفسه ، اي التوجه اليها والتعلق بها ~~وحبها ، وهذا هو منشأ كل المفاسد والخطايا القلبية والظاهرية . # كما جاء في كتاب الكافي الشريف عن الامام الصادق عليه السلام : قال عليه ~~السلام : «راس كل خطيئة حب الدنيا» (2) . # وعن ابي جعفر الباقر عليه السلام قال : «ما ذئبان ضاريان في غنم ليس لها ~~راع هذا في اولها وهذا في آخرها باسرع فيها من حب المال والشرف في دين ~~المؤمن» (3) . # فتعلق القلب بالدنيا وحبها ، هو الدنيا المذمومة . وكلما كان التعلق بها ~~اشد كان الحجاب بين الانسان ودار الكرامة ، والحاجز بين القلب والحق سبحانه ~~، اسمك واغلظ . وان ما جاء في الاحاديث الشريفة من ان لله سبعين الف حجاب ~~من النور والظلمة ، يمكن ان يكون المقصود من حجب الظلمة هذه الميول ~~والتعلقات القلبية نحو الدنيا . فكما كان التعلق بالدنيا اقوى ، كان عدد ~~الحجب اكثر ، وكلما كان الحب لها اشد ، كانت الحجب اغلظ واختراقها اصعب . ### || AUTO فصل: في بيان سبب ازدياد حب الدنيا # اعلم انه ولما كان الانسان وليده هذه الدنيا الطبيعية ، وهي امه ، وهو ~~ابن هذا الماء والتراب ، فان حب الدنيا يكون مغروسا في قلبه منذ مطلع نشوئه ~~ونموه ، وكلما كبر في العمر ، كبر هذا الحب في قلبه ونما . وبما وهبه الله ~~من القوى الشهوانية ووسائل التلذذ للحفاظ على ذاته وعلى البشرية ، يزداد ~~حبه ويقوى تعلقه ، ويظن ان الدنيا انما ms110 هي دار اللذات واشباع الرغبات ، ~~ويرى في الموت قاطعا لتلك اللذات ، وحتى لو كان يعرف من ادلة الحكماء او ~~اخبار الانبياء صلوات الله عليهم ان هناك عالما اخرويا فان قلبه يبقى غافلا ~~عن كيفية عالم الآخرة وحالاته وكمالاته ولا يتقبله ، فضلا عن بلوغه مقام ~~الاطمئنان . ولهذا يزداد حبه وتعلقه بهذه الدنيا . # وبما ان حب البقاء فطري في الانسان ، فهو يكره الزوال والفناء ، ويظن ان ~~الموت ، PageV01P121 الاربعون حديثا :122 # فناء . ولو انه آمن بعقله بان هذه الدنيا دار فناء ودار ممر ، وان العالم ~~الآخر عالم بقاء سرمدي ، فما دام ايمانه العقلي هذا يكون موجودا ، ولم يدخل ~~الايمان في قلبه ، بل ولم يحصل الاطمئنان الذي هو المرتبة الكاملة للايمان ~~القلبي . فهو لا يزال يميل فطرة ، الى الدنيا والبقاء فيها كما طلب ابراهيم ~~خليل الرحمن من الحق المتعال هذا الاطمئنان ، فانعم به عليه . اذا ، اما ان ~~القلوب لا تؤمن بالآخرة ، مثل قلوبنا ، وان كنا نصدق بها تصديقا عقليا ، ~~واما انها لا اطمئنان فيها ، فيكون حب البقاء في هذا العالم ، وكراهة الموت ~~والخروج من هذا العالم في القلب موجودا . ولو ادركت القلوب ان هذه الدنيا ~~هي ادنى العوالم ، وانها دار الفناء والزوال والتصرم والتغير ، وانها دار ~~الهلاك ودار النقص ، وان العوالم الاخرى التي تكون بعد الموت عوالم باقية ~~وابدية ، وانها دار كمال وثبات وحياة وبهجة وسرور ، لحصل فيها بالفطرة حب ~~تلك العوالم ، ولنفرت من هذه الدنيا . ولو ارتفع الانسان عن هذا العالم ~~ووصل الى مقام الشهادة والوجدان وراى الصورة الباطنية لهذا العالم وللتعلق ~~به ، والصورة الباطنية لذلك العالم عالم الآخرة والتعلق به ، لاصبح هذا ~~العالم ثقيلا عليه ، وغصة في حلقه ، ولنفر منه ، واشتاق للتخلص من هذا ~~السجن المظلم ومن سلسلة قيود الزمان والتغير . كما جاء في كثير من كلام ~~الاولياء . # يقول الامام علي عليه السلام : «والله لابن ابي طالب آنس بالموت من الطفل ~~بثدي امه» (1) . # ذلك لانه راى بعين الولاية حقيقة هذه الدنيا ، فلا يؤثر على مجاورة رحمة ~~الحق المتعال شيء ابدا . ولولا المصالح ms111 لما ثبتت نفوسهم الطاهرة ، لحظة ~~واحدة في سجن الطبيعة المظلمة . ان الوقوع في الكثرة ، ونشاة الظهور ~~والاشتغال بالتدبرات الملكية بل التاييدات الملكوتية ، يعد كل ذلك للمحبين ~~والمنجذبين ، الم وعذاب ليس بمقدورنا ان نتصورهما . # ان اكثر انين الاولياء انما هو من الم فراق المحبوب والبعد عن كرامته ، ~~كما اشاروا الى ذلك بانفسهم في مناجاتهم ، على الرغم من انهم لا يحجبهم ~~حجاب ملكي او ملكوتي ، وقد اجتازوا جحيم الطبيعة الذي كان خامدا غير مستعر ~~، وقد خلوا من التعلق بالدنيا وتطهرت قلوبهم من الخطيئة الطبيعية . الا ان ~~الوقوع في عالم الطبيعة هو بذاته تلذذ طبيعي وقسري ، مما كان يحصل لهم ، ~~ولو باقل مقدار ، فكان ذلك من باب الحجاب . وفي ذلك يقول رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم : # «ليران على قلبي واني لاستغفر الله في كل يوم سبعين مرة» (2) . PageV01P122 # الاربعون حديثا :123 # ولعل خطيئة آدم ابي البشر نجمت عن هذا التوجه القسري نحو تدبير الملك ~~والحاجة الاضطرارية الى القمح وسائر الامور الطبيعية ، وهذه خطيئة بالنسبة ~~الى اولياء الله والمنجذبين اليه . ولو بقي آدم عليه السلام في ذلك ~~الانجذاب الالهي ، ولم يدخل في قضية الملك ، لما حدث كل هذا الشقاء والعناء ~~في الدنيا والآخرة . ### || AUTO فصل: في بيان تأثير الحظوظ الدنيوية في القلب ومفاسده # اعلم ان ما تناله النفس من حظ في هذه الدنيا ، يترك اثرا في القلب ، وهو ~~من تاثير الملك والطبيعة ، وهو السبب في تعلقه بالدنيا . وكلما ازداد ~~التلذذ بالدنيا ، اشتد تاثر القلب وتعلقه بها وحبه لها ،الى ان يتجه القلب ~~كليا نحو الدنيا وزخارفها ، وهذا يبعث على الكثير من المفاسد . ان جميع ~~خطايا الانسان وابتلاءه بالمعاصي والسيئات سببها هو هذا الحب للدنيا ~~والتعلق بها ، كما ورد في الحديث الذي اوردناه من كتاب اصول الكافي قبل قليل . # وان من المفاسد الكبيرة لحب الدنيا كما كان يقول شيخنا العارف (روحي ~~فداه) هو انه اذا انطبع حب الدنيا على صفحة قلب الانسان ، واشتد الانس بها ~~، انكشف له عند الموت ان الحق المتعال يفصل بينه ms112 وبين محبوبه ، ويفرق بينه ~~وبين مطلوبه ، فيغادر الدنيا ساخطا مغتاظا على ولي نعمته . ان هذا القول ~~القاصم للظهر يجب ان يوقظ الانسان ايما ايقاظ للحفاظ على قلبه . فالعياذ ~~بالله من انسان يسخط على ولي نعمته ، مالك الملوك الحق ، اذ ليس احد يعرف ~~صورة هذا السخط والعداء ، غير الله تعالى . # ويقول ايضا شيخنا المعظم دام ظله نقلا عن ابيه المعظم ، انه كان في ~~اواخر عمره خائفا بسبب المحبة التي كان يكنها لاحد اولاده ، ولكنه بعد ~~الانهماك بالرياضات النفسية تخلص من ذلك الخوف ، وانتقل الى دار السرور ~~مسرورا ، رضوان الله عليه . # جاء في «الكافي» باسناده عن طلحة بن زيد ، عن ابي عبد الله عليه السلام قال : # «مثل الدنيا كمثل ماء البحر كلما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتى يقتله» (1) . # ان حب الدنيا ينتهي بالانسان الى الهلاك الابدي ، وهو اصل البلايا ~~والسيئات الباطنية والظاهرية وقد نقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قوله : «ان الدرهم والدينار اهلكا من كان قبلكم ، وهما مهلكاكم» . # وعلى فرض ان الانسان لم يرتكب معاصي اخرى على الرغم من ان هذا الفرض PageV01P123 الاربعون حديثا :124 # بعيد ، او من المستحيل عادة فان التعلق بالدنيا نفسه معصية ، بل ان ~~مقياس طول بقاء الانسان في عالم القبر والبرزخ هو امثال هذه التعلقات . ~~فكلما كان التعلق بالدنيا اقل كان البرزخ وقبر الانسان اكثر نورا واوسع ، ~~ومكثه فيه اقصر . لذلك فقد ورد في بعض الروايات : ان عالم القبر لاولياء ~~الله لا يزيد عن ثلاثة ايام ، وانما كان هذا لاجل التعلق الطبيعي والعلاقة ~~الجبلية لاولياء الله تجاه هذا العالم . # وان من مفاسد حب الدنيا والتعلق بها هو انه يجعل الانسان يخاف الموت . ~~وهذا الخوف الناشئ من حب الدنيا ، والتعلق القلبي بها المذموم جدا . غير ~~الخوف من المرجع مآل الانسان بعد الموت المعدود من صفات المؤمنين . ان ~~اهم صعوبة في الموت هي ضغوطات لرفع هذه العلائق ، والخوف من الموت . # يقول المحقق والمدقق الاسلامي البارع ، السيد العظيم الشان ، الداماد ، ~~كرم الله وجهه ، في كتابه «القبسات» ms113 الذي يعد من الكتب النادرة : «لا ~~يخيفنك الموت ، فان مرارته في خوفه» (1) . # ومن المفاسد الكبيرة لحب الدنيا انه يمنع الانسان من الرياضات الشرعية ~~والعبادات والمناسك ، ويقوي جانب الطبيعة في الانسان بحيث يجعلها تعصي ~~الروح وتتمرد عليها ويوهن عزم الانسان وارادته ، مع ان من اكبر اسرار ~~العبادات والرياضات الشرعية هو ان تجعل الجسم وقواه الطبيعية تابعة ومنقادة ~~للروح بحيث يكون للارادة دورا مؤثرا في الجسم ويخضع الجسم لاوامر الارادة ~~فيعمل ما تشاء ، ويمتنع عما تشاء ، ويصبح ملك الجسم وقواه الظاهرة مقهورا ~~ومسخرا للملكوت بحيث انه يقوم بما يريد من دون مشقة ولا عناء . # ان من الفضائل والاسرار الشاقة والصعبة للعبادات تحقق هذا الهدف تسخير ~~ملك الجسم للملكوت اكثر حيث يصير بذلك الانسان ذا عزم ، ويتغلب على ~~الطبيعة والملك . فاذا اكتملت الارادة وقوي العزم واشتد ، اصبح كمثل الجسم ~~وقواه الظاهرة والباطنة مثل ملائكة الله الذين لا يعصون الله وانما يطيعونه ~~في كل ما يامرهم به وينهاهم عنه ، من دون ان يعانوا في ذلك عنتا ولا مشقة . # كذلك اذا اصبحت قوى الانسان مسخرة للروح ، زال كل تكلف وتعب وتحول الى ~~الراحة واليسر ، واستسلمت اقاليم الملك السبعة للملكوت واصبحت جميع القوى ~~عمالا له . # فاعلم ، يا عزيزي ، ان العزم والارادة القوية لذلك العالم ضروريان وذات ~~فعالية . ان البلوغ لاحد مراتب الجنة والذي يعد من افضلها هو العزم ~~والارادة . فالانسان الذي ليست له PageV01P124 الاربعون حديثا :125 # ارادة نافذة ولا عزم قوي لا ينال تلك الجنة ولا ذلك المقام الرفيع . # جاء في الحديث ، ان اهل الجنة عندما يستقرون فيها ، تنزل عليهم رسالة من ~~ساحة القدس الالهي جلت عظمته بهذا المضمون : «هذه رسالة من الحي الثابت ~~الخالد الى الحي الثابت الخالد . انا الذي اقول للشيء : كن ، فيكون . وقد ~~جعلتك اليوم ايضا في مستوى اذا امرت الشيء : وقلت له كن ، فيكون» . # فلاحظ اي مقام وسلطان هذا ؟ واية قدرة الهية هذه التي تجعل ارادة الانسان ~~مظهرا لارادة الله ! فيلبس العدم لباس الوجود ؟ هذه القدرة وهذا النفوذ هما ~~افضل وارفع من ms114 كل النعم الجسمانية . وبديهي ، ان تلك الرسالة لم تكتب عبثا ~~وجزافا . ان من كانت ارادته تابعة للشهوات الحيواينة ، وعزيمته ميتة خامدة ~~، لا يصل الى هذا المقام . ان أعمال الله منزهة عن العبث فكما ان هذا ~~العالم قائم على النظام والترتيب ، على الاسباب والمسببات ، كذلك هي الحال ~~في العالم الآخر ، بل ان العالم الآخر أليق بالنظام والاسباب والمسببات ، ~~وان جميع نظام عالم الآخرة ينبعث من المناسبات والاسباب ، وان نفوذ الارادة ~~يجب ان يتهيأ من هذا العالم ، فان الدنيا مزرعة الآخرة وان هذا العالم مادة ~~لكل نعم الجنة ونقم النار . # اذا ، كل عبادة من العبادات وكل منسك من المناسك الشرعية ، فضلا عن ان ~~لها صورة اخروية وملكوتية ، وبها يتم عمارة الجنة الجسمانية وقصورها ، ~~وتهيئة الغلمان والحور طبقا للبراهين والاحاديث فان لكل عبادة من ~~العبادات ايضا اثرا يحصل في النفس ، مما يقوي الارادة شيئا فشيئا ويصل ~~بقدرتها الى حد الكمال . لذلك كلما كانت العبادات اشق كانت ارغب : «افضل ~~الاعمال احمزها» (1) . فالتنازل عن النوم اللذيذ في ليل الشتاء البارد ، ~~والانصراف الى عبادة الحق المتعال ، يزيد من قوة الروح وتغلبها على قوى ~~الجسم ، ويقوي الارادة . واذا كان هذا في اول الأمر على شيء من المشقة ~~والعناء ، فان ذلك يخف تدريجا كلما واصل العبادة ، وازدادت طاعة الجسم ~~للنفس . اذ اننا نلاحظ ان اهل العبادة يقومون بالاعمال دون مشقة وتكلف . ~~اما نحن فشعورنا بالكسل وبالمشقة ناشئ من اننا لا نبدا بالعمل . فلو اننا ~~بدانا العمل وكررناه عدة مرات ، لتبدلت مشقته الى راحة ، بل ان اهلها ~~يلتذون بها اكثر مما نلتذ نحن بمشتهيات الدنيا . اذا ، فالامر يصبح عاديا ~~بالتكرار . والخير عادة . # ولهذه العبادة ثمرات ، منها : ان صورة العمل نفسه تصبح على قدر من الجمال ~~في ذلك العالم لا يكون له نظير في هذا العالم ، ونكون عاجزين عن تصور مثلها . # ومنها : ان النفس تصبح ذات عزم واقتدار ، فتكون لها نتائج كثيرة ، وقد ~~سمعت واحدة منها . PageV01P125 # الاربعون حديثا :126 # ومنها : ايضا انها تجعل الانسان يانس بالذكر والفكر والعبادة ، فان ~~المجاز ms115 قد يقرب الانسان الى الحقيقة ، فيتوجه القلب الى مالك الملوك ، ~~وتحصل المحبة لجمال المحبوب الحقيقي ، ويخف تعلق القلب وحبه للدنيا والآخرة ~~. اذ لو حصلت الجاذبية الربوبية والحال الخاصة ، لامكن ادراك حقيقة العبادة ~~والسر الحقيقي للتذكر والتفكر ، ولسقط كلا العالمين الدنيا والآخرة من ~~نظره ، ولأذهب تجلي الحبيب غبار الرؤية الاثنينية من القلب ولا يعرف احد ~~سوى الله الكرامة المعطاة لمثل هذا العبد ؟ وكما يقوي عزم الانسان ~~بالرياضات الشرعية والعبادات والمناسك وترك الرغبات ويصبح الانسان ذا عزم ~~وارادة ، فكذلك في المعاصي تتغلب الطبيعة لدى الانسان وتضعف ارادته وعزمه . ~~كما سبق ذكر شيء منه . ### || AUTO فصل: # لا يخفى على كل ذي وجدان ان الانسان ، بحسب فطرته الاصلية وجبلته الذاتية ~~، يعشق الكمال التام المطلق ، ويتوجه قلبه شطر الجميل على الاطلاق والكامل ~~من جميع الوجوه . وهذا من فطرة الله التي فطر الناس عليها وبهذا الحب ~~للكمال ، تتوفر ارادة الملك والملكوت ، وتتحقق اسباب وصول عشاق الجمال ~~المطلق الى معشوقهم . # غير ان كل امرئ يرى الكمال في شيء ما ، حسب حالة ومقامه ، فيتوجه قلبه ~~اليه . فاهل الآخرة يرون الكمال في مقامات الآخرة ودرجاتها ، فقلوبهم ~~متوجهة اليها . واهل الله يرون الكمال في جمال الحق ، والجمال في كماله ~~سبحانه يقولون : «... وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض ...» (1) ويقولون ~~: «لي مع الله حال» (2) وفيهم حب وصاله وعشق جماله . واهل الدنيا عندما ~~رأوا ان الكمال في لذائذها ، وتبين لاعينهم جمالها ، اتجهوا فطريا نحوها . ~~ولكن على الرغم من كل ذلك ، فانه لما كان التوجه الفطري والعشق الذاتي قد ~~تعلقا بالكمال المطلق ، كان ما عدا ذلك من التعلقات عرضيا ومن باب الخطأ في ~~التطبيق . ان الانسان مهما كثر ملكه وملكوته ، ومهما نال من الكمالات ~~النفسية او الكنوز الدنيوية او الجاه والسلطان ، ازداد اشتياقه شدة ، ونار ~~عشقه التهابا . فصاحب الشهوة ، كلما ازدادت امامه المشتهيات ، ازداد تعلق ~~قلبه بمشتهيات اخرى ليست في متناول يده ، واشتدت نار شوقه اليها . كذلك ~~النفس التي تطلب الرئاسة ، فهي عندما تبسط لواء قدرتها على قطر من الاقطار ~~، تتوجه بنظرة طامعة الى ms116 قطر آخر ، بل لو انها سيطرت على الكرة الارضية ~~برمتها ، لرغبت في التحليق نحو الكرات الاخرى للاستيلاء عليها . الا ان هذه ~~النفس المسكينة لا تدري بان الفطرة انما تتطلع الى شيء آخر . ان PageV01P126 الاربعون حديثا :العشق الفطري الجبلي يتجه الى المحبوب المطلق ، ان جميع ~~الحركات الجوهرية والطبيعية والارادية ، وجميع التوجهات القلبية والميول ~~النفسية تتوجه نحو جمال الجميل الاعلى على الاطلاق ، ولكنهم لا يعلمون ، ~~فينحرفون بهذا الحب والعشق والاشتياق التي هي براق المعراج واجنحة الوصول ~~الى وجهة هي خلاف وجهتها ، فيحرروها ويقيدوها بلا فائدة . # لقد بعدنا عن القصد ، وهو انه لما كان الانسان متوجها قلبيا الى الكمال ~~المطلق ، فانه مهما جمع من زخرف الحياة فان قلبه يزداد تعلقا بها . فاذا ~~اعتقد ان الدنيا وزخارفها هي الكمال ازداد ولعه بها ، واشتدت حاجته اليها ، ~~وتجلى امام بصره فقره اليها . بعكس اهل الآخرة الذين اشاحوا بوجوههم عن ~~الدنيا ، فكلما ازداد توجههم نحو الآخرة ، قل التفاتهم واهتمامهم بهذه ~~الدنيا ، وتلاشت حاجتهم اليها ، وظهر في قلوبهم الغنى ، وزهدوا في الدنيا ~~وزخارفها . كما ان اهل الله مستغنون عن كلا العالمين (الدنيا والآخرة) ، ~~متحررون من كلتا النشأتين وكل حاجتهم نحو الغنى المطلق ، متجليا الغنى ~~بالذات في قلوبهم ، فهنيئا لهم . # اذا ، مضمون الحديث الشريف يمكن ان يكون اشارة لما مر شرحه من قوله : «من ~~اصبح وامسى والدنيا اكبر همه جعل الله الفقر بين عينيه ، وشتت امره ، ولم ~~ينل من الدنيا الا ما قسم له ، ومن اصبح وامسى والآخرة اكبر همه جعل الله ~~الغنى في قلبه وجمع له امره» . # ومن المعلوم ، ان من يتجه قلبه الى الى الآخرة ، تغدو امور الدنيا ~~وصعابها في نظره حقيرة سهلة ، ويجد هذه الدنيا متصرمة ، ومتغيرة ، ويراها ~~معبرا ومتجرا ودارا للابتلاء والتربية ، ولا يهتم بما فيها من الم وسرور ، ~~فتخف حاجاته ويقل افتقاره الى امور الدنيا والى الناس ، بل يصل الى حيث لا ~~تبقى له حاجة ، فيجتمع له امره ، وتنتظم اعماله ، ويفوز بالغنى الذاتي ~~والقلبي . # اذا ، كلما نظرت الى هذه الدنيا بعين المحبة والتعظيم ، وتعلق ms117 قلبك بها ، ~~ازدادت حاجتك بحسب درجات حبك لها ، وبان الفقر في باطنك وعلى ظاهرك ، ~~وتشتتت امورك واضطربت ، وتزلزل قلبك ، واستولى عليه الخوف والهم ، ولا تجري ~~امورك كما تشتهي ، وتكثر تمنياتك ويزداد جشعك ، ويغلبك الغم والتحسر ، ~~ويتمكن اليأس من قلبك والحيرة ، كما وردت الاشارة الى بعض ذلك في الحديث ~~الشريف . فقد روي في «الكافي» باسناده عن حفص بن قرط ، عن ابي عبد الله ~~الامام جعفر الصادق عليه السلام انه قال : # «من كثر اشتباكه بالدنيا كان اشد لحسرته عند فراقها» (1) . # وعن ابي يعفور قال ، سمعت ابا عبد الله (الصادق) عليه السلام يقول : # «من تعلق قلبه بالدنيا تعلق قلبه بثلاث خصال هم لا يفنى وامل لا يدرك ~~ورجاء لا ينال» (2) . PageV01P127 # الاربعون حديثا :128 # اما اهل الآخرة ، فانهم كلما ازدادوا قربا من دار كرم الله ، ازدادت ~~قلوبهم سرورا واطمئنانا ، وازداد انصرافهم عن الدنيا وما فيها . ولولا ان ~~الله قد عين لهم آجالهم لما مكثوا في هذه الدنيا لحظة واحدة . فهم ، كما ~~يقول امير المؤمنين ، علي بن ابي طالب عليه السلام : «نزلت انفسه في البلاء ~~، كالتي نزلت في الرخاء ، ولولا الاجل الذي كتب الله عليهم ، لم تستقر ~~ارواحهم في اجسادهم طرفة عين شوقا الى الثواب» (1) . جعلنا الله واياكم ~~منهم ، ان شاء الله . # اذا ، يا عزيزي ، بعد ان عرفت مفاسد هذا التعلق والحب ، وادركت ان ذلك ~~يفضي بالانسان الى الهلاك ، ويجرده من الايمان ، ويجعل دنياه وآخرته ~~متشابكتين مضطربتين ، فشمر عن ساعد الجد ، وقلل حسب طاقتك ، التعلق بهذه ~~الدنيا ، واقتلع جذور حبها من نفسك ، واحتقر هذه الايام القليلة التي ~~تقضيها في الحياة ، وازهد في خيراتها المشوبة بالالم والعذاب والنقمة ، ~~واطلب من الله ان يعنيك عن الاخلاص من هذا العذاب وهذه المحنة ، ويجعل قلبك ~~يانس بدار كرمه تعالى :«وما عند الله خير وابقى» . PageV01P128 # الاربعون حديثا :129 ### | AUTO الحديث السابع: الغضب PageV01P129 الاربعون حديثا :130 # بالسند المتصل الى محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم ، عن محمد بن عيسى ، ~~عن يونس ، عن داود بن فرقد قال : قال ابو عبد الله ms118 عليه السلام : «الغضب ~~مفتاح كل شر» (1) . PageV01P130 # الاربعون حديثا :131 ### || AUTO الشرح : # قال المحقق الكبير احمد بن محمد ، المعروف بابن مسكوية ، في كتابه تهذيب ~~الاخلاق وتطهير الاعراق القيم الذي يقل نظيره في حسن التنظيم والبيان ما ~~نصه (1) : # «والغضب بالحقيقة هو حركة للنفس يحدث بها غليان دم القلب شهوة للانتقام . ~~فاذا كانت هذه الحركة عنيفة ، أججت نار الغضب واضرمتها ، فاحتد غليان دم ~~القلب وامتلات الشرايين والدماغ دخانا مظلما مضربا يسوء منه حال العقل ~~ويضعف فعله ، ويصير مثل الانسان عند ذلك على ما حكته الحكماء مثل كهف مليء ~~حريقا واضرم نارا فاختنق فيه اللهيب والدخان وعلا منه الاجيج والصوت المسمى ~~وحي النار ، فيصعب علاجه ويتعذر اطفاؤه ، ويصير كل ما تدنيه منه للاطفاء ~~سببا لزيادته ومادة لقوته . فلذلك يعمى الانسان عن الرشد ويصم عن الموعظة ، ~~بل تصير المواعظ في تلك الحال سببا للزيادة في الغضب ومادة للهيب والتأجج ~~وليس يرجى له في تلك الحال حيلة» . # ثم يقول (2) «واما سقراطيس (3) قال اني للسفينة اذا عصفت بها الرياح ~~وتلاطمت عليها الامواج وقذفت بها الى اللجج التي فيها الجبال ، ارجى مني ~~للغضبان الملتهب ، وذلك ان السفينة في تلك الحال يلطف بها الملاحون ~~ويخلصونها بضروب الحيل فاما النفس اذا استشاطت غضبا فليس يرجى لها حيلة ~~البتة وذلك ان كل ما رقي به الغضب من التضرع والموعظة والخضوع يصير له ~~بمنزلة الجزل من الحطب يوهجه ويزيده استعارا» انتهى . PageV01P131 # الاربعون حديثا :132 ### || AUTO فصل: في بيان فوائد القوة الغضبية # اعلم ان غريزة الغضب من النعم الالهية التي يمكن بها عمارة الدنيا ~~والآخرة ، وبها يتم الحفاظ على بقاء الفرد والجنس البشري والنظام العائلي ، ~~ولها تاثير كبير في ايجاد المدينة الفاضلة ونظام المجتمع . فلولا وجود هذه ~~الغريزة الشريفة في الحيوان لما قام بالدفاع عن نفسه ضد هجمات الطبيعة ، ~~ولآل امره الى الفناء والاضمحلال . ولولا وجودها في الانسان ، لما استطاع ، ~~ان يصل الى كثير من مراتب تطوره وكمالاته زائدا على تحقق ما تقدم . بل ان ~~التفريط والنقص من حال الاعتدال يعد من مثالب ms119 الاخلاق المذمومة ومن نقائص ~~الملكات التي يترتب عليها الكثير من المفاسد والمعايب ، كالخوف ، والضعف ، ~~والتراخي ، والتكاسل ، والطمع ، وقلة الصبر ، وعدم الثبات في المواقف التي ~~تتطلب الثبات ، والخمود ، والخنوع ، وتحمل الظلم ، وقبول الرذائل ، ~~والاستسلام لما يصيبه او يصيب عائلته ، وانعدام الغيرة ، وخور العزيمة ... # ان الله سبحانه يصف المؤمنين بقوله : «اشداء على الكفار رحماء بينهم» (1) . # ان القيام بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتنفيذ الحدود والتعزيرات ~~وسائر التعاليم السياسية الدينية والعقلية ، لا يكون الا في ظل القوة ~~الغضبية الشريفة . وعلى ذلك ، فان الذين يظنون ان قتل غريزة الغضب بالكامل ~~واخماد أنفاسها يعد من الكمالات والمعارج النفسية انما يرتكبون خطيئة عظيمة ~~، ويغفلون عن حد الكمال ومقام الاعتدال . هؤلاء المساكين لا يعلمون ان الله ~~تبارك وتعالى لم يخلق هذه الغريزة الشريفة في جميع اصناف الحيوانات عبثا ، ~~وانه جعل هذه الغريزة في بني آدم رأسمال الحياة الملكية والملكوتية ، ~~ومفتاح الخيرات والبركات . ان الجهاد ضد اعداء الدين ، وحفظ النظام العائلي ~~للانسان ، والدفاع عن النفس والمال والعرض ، وعن سائر القوانين الالهية ، ~~والجهاد مع النفس وهي الد اعداء الانسان ، لا يكون كل ذلك الا بهذه الغريزة ~~الشريفة . ان منع الاعتداءات والذب عن الحدود والثغور ، ودفع المؤذيات ~~والمضرات عن الفرد والمجتمع ، يجري تحت لواء هذه الغريزة . لذلك سعى ~~الحكماء الى معالجة خمود هذه الغريزة وركودها . وهناك معالجات علمية وعملية ~~لايقاضها وتحريكها : مثل الاقدام على الامور العظيمة المخيفة ، والذهاب الى ~~ميادين الحرب ، والجهاد ضد اعداء الله . فقد نقل عن بعض المتفلسفين انه كان ~~يرتاد الاماكن المخوفة ويلبث فيها قليلا ويلقي بنفسه في المخاطر العظيمة ، ~~ويركب البحر في اوج تلاطم امواجه ، وذلك لكي يخلص نفسه من الشعور بالخوف ~~ويتحرر من الضعف والكسل . PageV01P132 # الاربعون حديثا :133 # وعلى اي حال ، فان غريزة الغضب موجودة لدى كل انسان ومودعة في باطنه ، ~~ولكنها في بعضهم خامدة منكمشة ، كالنار تحت الرماد . فالواجب على من يلحظ ~~في نفسه حال الخمول والضعف وانعدام الغيرة ان يعالج الحالة بضدها ، ويخرج ~~نفسه مما هي فيه الى حال من الاعتدال . وهذه الحال ms120 المحاولة من الشجاعة ~~التي تعد من الملكات الفاضلة والصفات الحسنة ، مما سوف ترد الاشارة اليه . ### || AUTO فصل: في بيان ذم الافراط في الغضب # اذا كانت حال التفريط ونقص الاعتدال من الصفات المذمومة التي تؤدي الى ~~كثير من المفاسد التي ذكرنا بعضها ، كذلك هي حال الافراط وتجاوز حد ~~الاعتدال ، فهي ايضا تعد من الصفات المذمومة التي تقود الى مفاسد كثيرة . ~~ويكفي لتبيان مفاسد هذه الحال ذكر هذا الحديث الشريف الوارد في الكافي . # عن ابي عبد الله عليه السلام انه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم «الغضب يفسد الايمان كما يفسد الخل العسل» (1) . # فقد يصل الغضب بالانسان الى حد الارتداد عن دين الله ، واطفاء نور ~~الايمان ، بحيث ان ظلام الغضب وناره تحرق العقائد الحقة . بل قد يصل الامر ~~الى الكفر الجحودي الذي نتيجته الهلاك الابدي ، ثم ينتبه على نفسه بعد فوات ~~الاوان وحين لا ينفع الندم ويمكن ان تكون نار الغضب ، جمرة الشيطان ، التي ~~وردت في كلام الامام الباقر عليه السلام «ان هذا الغضب جمرة من الشيطان ~~توقد في قلب ابن آدم» (2) صورتها في ذلك العالم ، صورة نار الغضب الالهي . # كما ورد عنه عليه السلام في حديث شريف رواه صاحب «الكافي» : # «مكتوب في التوراة فيما ناجى الله عز وجل به موسى : يا موسى امسك غضبك ~~عمن ملكتك عليه اكف عنك غضبي» (3) . # ولا شك في انه ليست هناك نار اشد من نار غضب الله عذابا . وقد جاء في كتب ~~الحديث ، عن ابي عبد الله عليه السلام قال : قال الحواريون لعيسى عليه ~~السلام : اي الاشياء اشد ؟ قال اشد الاشياء غضب الله عز وجل ، قالوا بم ~~نتقي غضب الله ؟ قال بان لا تغضبوا (4) . PageV01P133 # الاربعون حديثا :134 # وهكذا يتضح ان غضب الله من اصعب الامور واشدها ، وان نار غضبه اشد احراقا ~~، وصورة الغضب للانسان في هذه الدنيا هي صورة نار غضب الله في العالم الآخر ~~. وكما ان الغضب يظهر من القلب ، فلعل نار الغضب الالهي الذي يكون مبدأه ~~الغضب وسائر الرذائل القلبية الاخرى ms121 ، تنبعث من باطن القلب ، وتسري الى ~~الظاهر ، وتخرج السنة نيرانها المؤلمة من الاعضاء الظاهرية مثل العين ~~والاذن واللسان وغيرها بل ان هذه الاعضاء تكون ابواب تنفتح على جهنم ، ~~فتحيط نار جهنم بالاعمال والآثار الجسمية التي في ظاهر جسد الانسان ، لتتجه ~~الى باطنه ، فيقع الانسان في العذاب والشدة بين جهنمين : احدهما يبرز من ~~باطن القلب ويدخل السنة لهيبها بواسطة ام الدماغ الى عالم الجسم . وثانيهما ~~صورة قبائح الاعمال وتجسم الافعال ، حيث تتصاعد نيرانها من الظاهر الى ~~الباطن ، والله سبحانه وتعالى يعلم مدى هذا الضغط ؟ وهذا العذاب ؟ انه غير ~~الاحتراق وغير الإنصهار . اتظن ان احاطة جهنم تشبه هذه الاحاطات التي ~~تتصورها ؟ ان الاحاطة هنا انما تكون بظاهر السطح فقط . اما الاحاطة هناك ~~فتكون بالظاهر وبالباطن ، بالسطوح وبالاعماق . واذا اصبحت صورة الغضب عند ~~الانسان صفة راسخة لا سمح الله وصورة الغضب آخر مراحل الرسوخ كانت ~~المصيبة اعظم ، واصبح للانسان في البرزخ ويوم القيامة صورة السباع ، السباع ~~التي لا شبيه لها في هذه الدنيا . وذلك لان سبعية الانسان ، وهو في حالة ~~الغضب ، لا يمكن مقارنتها بسبعية اي حيوان آخر من الحيوانات . وكما ان ~~الانسان في حالة كماله اعجوبة الدهر ولن تجد له نظيرا ، كذلك في حال نقصه ~~واتصافه بالرذائل وبالصفات الخسيسة لن تجد بين الكائنات من يقف معه في ~~ميزان المقارنة ، لقد وصفهم الله بقوله : «ان هم الا كالانعام بل هم اضل» ~~(1) ، ووصف قلوبهم فقال : «فهي كالحجارة او اشد قسوة» (2) . # هذا الذي مر بك كان جانبا من مفاسد نار الغضب الحارقة ، اذا لم يستتبع ~~الغضب معاص اخرى ، بل بقي نارا داخلية مظلمة تتعقد في الباطن وتنحبس وتختنق ~~فتطفئ نور الايمان ، كالنار المشتعلة التي يخالطها الدخان الاسود الذي يغشى ~~النور فيطفئه . ولكن ذلك امر بعيد ، بل قد يكون من الامور المستحيلة ان ~~يكون الانسان في حال غضب شديد مستعرة ناره ، ثم يمتنع عن ارتكاب معاص ~~وموبقات مهلكة اخرى . فكثيرا ما يؤدي الغضب المستعر ، وهذه الجمرة ~~الشيطانية الملعونة ، في مدة دقيقة واحدة الى القاء الانسان في ms122 هاوية ~~الهلاك والعدم ، كان يسب الانبياء والمقدسات والعياذ بالله او يقتل نفسا ~~بريئة مظلومة ، او يهتك PageV01P134 الاربعون حديثا :135 # الحرمات ، فيخسر الدنيا والآخرة ، كما جاء في الكافي عن ابي عبد الله ~~عليه السلام في حديث له : # كان ابي يقول : «اي شيء اشد من الغضب ؟ ان الرجل ليغضب فيقتل النفس التي ~~حرم الله ويقذف المحصنة» (1) . # لقد وقعت افظع الفتن وارتكبت افجع الاعمال بسبب الغضب واشتعال ناره ~~الحارقة . وعلى الانسان ، وهو سليم النفس ، ان يكون على حذر كثير من حال ~~غضبه . واذا كان يعرف من نفسه حدوث حالات الغضب ، عليه ، في اثناء هدوئه ~~النفسي ، ان يعالجها وان يفكر في مبادئها وفي مفاسدها عند اشتدادها وآثارها ~~ونتائجها في النهاية ، لعله يصل الى معرفة طريق لانقاذ نفسه . فليفكر في ان ~~هذه الغريزة التي وهبها الله تعالى اياه لحفظ نظام الظاهر والباطن وعالم ~~الغيب والشهادة ، اذا استخدمها لغير تلك الاهداف وبخلاف ما يريد الله ~~سبحانه وضد المقاصد الالهية ، فما مدى خيانته ؟ وما هي العقوبات التي ~~يستحقها ؟ وكم هو ظلوم جهول ؟ لانه لم يصن امانة الحق تعالى ، بل استعملها ~~في العدوات والمخاصمات . ان امرء هذا شانه لا يمكن ان يامن الغضب الالهي . # ثم ان عليه ان يفكر في المفاسد العملية والاخلاقية التي تتولد من الغضب ~~ومن سوء الخلق . اذ كل مفسدة من هذه المفاسد يمكن ان تكون سببا في ابتلاء ~~الانسان بصورة دائمة ببلايا شديدة في الدنيا ، وبالعذاب والعقاب في الآخرة . # اما المفاسد الاخلاقية التي تتولد من هذا الخلق فهي الحقد على عباد الله ~~، وقد ينتهي به الامر الى الحقد على الانبياء والاولياء ، بل وحتى على ذات ~~الله المقدسة الواجبة الوجود وولي النعم ، وشدة هذا القبح وهذه المفسدة ~~واضح للجميع . نعوذ بالله تعالى من شر نفس عنيدة اذا ما انفصم وثاقها للحظة ~~واحدة ، جرت الانسان الى تراب الذل وقادته الى ارض الهلاك الابدي . وكذلك ~~الحسد الذي مرت بك بعض مفاسده وشروره في شرح الحديث الخامس . وغير ذلك من ~~المفاسد الاخرى التي تتولد من الغضب . # واما مفاسد ms123 الغضب المؤثرة في الاعمال فانها ليست بمحصورة ، فلعله يتفوه ~~بما فيه الارتداد او سب الانبياء والاولياء والعياذ بالله وهتك الحرمات ~~الالهية ، وخرق النواميس المقدسة ، وقتل الانفس الزكية ، والافتراء على ~~العوائل المحترمة بما يصمها بالعار والذل ويقضي على النظام العائلي بكشف ~~الاسرار وهتك الاستار . وغير ذلك من المفاسد التي لا تحصى والتي يبتلي بها ~~الانسان لدى فورة الغضب الباعثة على نسف الايمان وهدم البيوت . PageV01P135 # الاربعون حديثا :136 # لذلك يمكن ان توصف هذه السجية بانها ام الامراض النفسية ومفتاح كل شر . ~~ويقابلها كظم الغيظ واخماد سعير الغضب فانه من جوامع الكلم ودائرة تمركز ~~الحسنات ومجمع الكرامات . كما جاء في الحديث (الكافي) عن ابي عبد الله عليه ~~السلام انه قال سمعت ابي يقول : # «اتى رسول الله رجل بدوي ، فقال : اني اسكن البادية فعلمني جوامع الكلام ~~فقال : آمرك ان لا تغضب . فاعاد عليه الاعرابي المسألة ثلاث مرات حتى رجع ~~الرجل الى نفسه . فقال : لا اسال عن شيء بعد هذا . ما امرني رسول الله الا ~~بالخير . قال : وكان ابي يقول : اي شيء اشد من الغضب ؟ ان الرجل ليغضب ~~فيقتل النفس التي حرم الله ويقذف المحصنة» (1) . # قعد ان يدرك الانسان ، في حال تعلقه وسكون نفسه وخمود غضبه ، المفاسد ~~الناجمة عن الغضب ، والمصالح الناجمة عن كظم الغيظ ، يلزم ان يحتم على نفسه ~~ان يطفئ هذا اللهيب الحارق وهذه النار المشتعلة في قلبه ، مهما لاقى من عنت ~~ونصب في سبيل ذلك ، ليغسل قلبه من الظلام والكدر ، ويعيد اليه صفاءه ونقاءه ~~. وهذا امر ممكن تماما بشيء من مخالفة النفس والعمل ضد هواها ، وبقليل من ~~النصح والارشاد والتدبر في عواقب الامور . وهذه وسيلة يمكن بها ازالة جميع ~~الاخلاق الفاسدة والعادات القبيحة من ساحة النفس ، وابدالها بجميع الصفات ~~الحسنة والاخلاق المحمودة التي يجب ان يتحلى بها القلب . ### || AUTO فصل: في بيان علاج الغضب المشتعل # ان للغضب المشتعل علاجا علميا وعمليا ايضا . # اما علاجه العلمي فهو ان يتفكر الانسان في تلك الامور التي ذكرت ، ويعد ~~هذا من العلاج العملي ايضا . # اما العلاج ms124 العملي فاهمه صرف النفس عن الغضب عند اول ظهوره . وذلك لان ~~الغضب اشبه بالنار ، فهو يزداد شيئا فشيئا ويشتد ، حتى يتعالى لهيبه ، ~~وترتفع حرارته ويفلت العنان من يد الانسان ، ويخمد نور العقل والايمان ، ~~ويطفئ سراج الهداية ، فيصبح الانسان ذليلا مسكينا . فعلى الانسان ان ياخذ ~~حذره قبل ان يزداد اشتعاله ويرتفع سعيره ، فيشغل نفسه بامور اخرى ، او ان ~~يغادر المكان الذي ثار فيه غضبه ، او ان يغير من وضعه . فاذا كان جالسا فلينهض PageV01P136 الاربعون حديثا :137 # واقفا ، واذا كان واقفا فليجلس ، او ان يشغل نفسه بذكر الله تعالى . بل ~~هناك من يرى وجوب ذكر الله في حال الغضب ، او ان يشغل نفسه بأي امر آخر . # على كل حال ، يسهل كبح جماح الغضب في بداية ظهوره . ولهذا العمل في هذه ~~المرحلة نتيجتان : # الاولى : هي ان يهدئ النفس ويقلل من اشتعال الغضب . والثانية : هي انه ~~يؤدي الى المعالجة الجذرية للنفس . فاذا راقب الانسان حاله وعامل نفسه بهذه ~~المعاملة تغيرت حاله تغيرا كليا واتجهت نحو الاعتدال . وقد وردت الاشارة ~~الى بعض ذلك في كتاب (الكافي) باسناده عن ابي جعفر عليه السلام قال : # «ان هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم وان احدكم اذا غضب ~~احمرت عيناه وانتفخت اوداجه ودخل الشيطان فيه ، فاذا خاف احدكم ذلك من نفسه ~~فليلزم الارض فان رجز الشيطان يذهب عنه عند ذلك» (1) . # وباسناده ، عن ميسر قال : ذكر الغضب عند ابي جعفر الباقر عليه السلام فقال : # «ان الرجل ليغضب فما يرضى ابدا حتى يدخل النار فأيما رجل غضب على قوم وهو ~~قائم فليجلس من فوره ذلك فانه سيذهب عنه رجز الشيطان وايما رجل غضب على ذي ~~رحم فليدن منه فليمسه ، فان الرحم ، اذا مست ، سكنت» (2) . # يستفاد من هذا الحديث الشريف علاجان عمليان حال ظهور الغضب . الاول عام ، ~~وهو الجلوس من القيام ، اي تغيير وضعية الانسان ، ففي حديث آخر انه اذا كان ~~جالسا عند الغضب فليقم واقفا . # وقد نقل عن الطرق العامة ان رسول الله صلى الله عليه وآله ms125 وسلم عندما كان ~~يغضب ، يجلس ، اذا كان واقفا ، ويستلقي على قفاه اذا كان جالسا ، فيسكن غضبه . # والعلاج العملي الآخر علاج خاص بالأرحام ، وهو أن يمسه فيسكن غضبه . # هذه معالجات يقوم بها الغاضب لنفسه . اما اذا اراد الآخرون معالجة الغاضب ~~فعند ظهور بوادر الغضب ، عليهم ان يعالجوه باحدى الطرق العلمية والعملية ~~المذكورة . ولكن اذا اشتدت حاله واشتعل غضبه ، فان النصائح تنتج عكس ~~المطلوب . ولذلك يكون علاجه وهو في هذه الحال صعبا ، الا بتخويفه من قبل ~~شخص يهابه ويخشاه ، وذلك لان الغاضب انما يغضب PageV01P137 الاربعون حديثا :138 # عندما يرى نفسه اقوى ممن يغضب عليه ، او يرى انه ، على الاقل ، يتساوى ~~معه في القوة . اما مع الذين يرى انهم اقوى منه ، فلا يظهر الغضب امامهم ، ~~بل تكون الفورة والاشتعال في باطنه ويبقى محبوسا في داخله ويولد الحزن في ~~قلبه . وعليه فان العلاج في حالات انفعال الشديدة من الغضب والفورة يكون ~~على جانب كبير من الصعوبة . نعوذ بالله منه . ### || AUTO فصل: في بيان ان معالجة الغضب باقتلاع جذوره # من اهم سبل معالجة الغضب هي اقتلاع جذوره بازالة الاسباب المثيرة له . ~~وهي امور عديدة ، سوف نتناول بعضا منها مما يتناسب وهذا الكتاب . # من تلك الاسباب حب الذات ، ويتفرع عنه حب المال والجاه والشرف والنفوذ ~~والتسلط . وهذه كلها تتسبب في اشعال نار الغضب ، اذ ان من كانت فيه هذه ~~الانواع من الحب ، يهتم بهذه الامور كثيرا ، ويكون لها في قلبه مكان رفيع . ~~فاذا اتفق ان واجه بعض الصعوبات في واحدة منها ، او احس بان هناك من ينافسه ~~فيها ، تنتابه حال من الغضب والهيجان دون سبب ظاهر ، فلا يعود يملك نفسه ، ~~ويستولي عليه الطمع وسائل الرذائل الناجمة عن حب الذات والجاه وتمسك بزمامه ~~، وتحيد باعماله عن جادة العقل والشرع . ولكن اذا لم يكن شديد التعلق ~~والاهتمام بهذه الامور ، فان هدوء النفس والطمانينة الحاصلة من ترك حب ~~الجاه والمقام وسائر تفرعاته ، تمنع النفس من ان تخطو خطوات تخالف العدالة ~~والروية . ان الانسان البسيط غير المتكلف يتحمل المنغصات ولا ms126 تتقطع حبال ~~صبره ، فلا يستولي عليه الغضب المفرط في غير وقته . اما اذا اقتلع جذور حب ~~الدنيا من قلبه اقتلاعا ، فان جميع المفاسد تهجر قلبه وتحل محلها الفضائل ~~الاخلاقية السامية . # ومن الاسباب الاخرى لإثارة الغضب هو ان الانسان قد يظن الغضب ، وما يصدر ~~عنه من سائر الاعمال القبيحة والرذائل السافلة ، كمالا ، وذلك لجهله وقلة ~~معرفته . فيحسب الغضب من الفضائل ، ويراه بعض الجهال فتوة وشجاعة وجراة ، ~~فيتباهى ويطري على نفسه في انه فعل كذا وكذا ، فيحسب هذه الصفة الرذيلة ~~المهلكة شجاعة ، هذه الشجاعة التي تكون من اعظم صفات المؤمنين ، والصفات ~~الحسنة . فلا بد وان نعرف بان الشجاعة غير الغضب ، وان اسبابها ومبادئها ~~وآثارها وخواصها تختلف عن اسباب الغضب ومبادئه وآثاره وخواصه . مبدا ~~الشجاعة هو قوة النفس والطمانينة والاعتدال والايمان وقلة المبالاة بزخارف ~~الدنيا وتقلباتها . اما الغضب فناشئ عن ضعف النفس وتزلزلها ، وقلة الايمان ~~، وعدم الاعتدال في المزاج وفي الروح ، وحب الدنيا والاهتمام بها ، والتخوف ~~من فقدان اللذائذ البشرية . لذلك تجد هذه الرذيلة PageV01P138 الاربعون حديثا :139 # مستحكمة في المرضى اكثر مما هي في الاصحاء ، وفي الصغار اكثر مما هي في ~~الكبار ، وفي الشيوخ اكثر مما هي في الشبان . فالشجاعة عكس الغضب تماما . ~~ومن كانت فيه رذائل اخلاقية كان اسرع الى الغضب ممن فيهم فضائل اخلاقية ، ~~اذ يكون البخيل اسرع في الغضب من غيره اذا تعرض ماله وثروته للخطر . # هذا من حيث مبادئ الشجاعة والغضب وما يوجبهما ، وهما من حيث الآثار ~~والنتائج مختلفان ايضا . فالغاضب ، وهو في حال ثورة غضبه ، يكون اشبه ~~بالمجنون الذي فقد عنان عقله ، ويصبح مثل الحيوان المفترس الذي لا تهمه ~~عواقب الامور ، فيهجم دون ترو او احتكام الى العقل ، فيسلك سلوكا قبيحا ، ~~يفقد سيطرته على لسانه ويده وسائر اعضائه ، وتلتوي شفتاه في هيئة قبيحة ~~بحيث انه لو اعطي مرآة ، لخجل من صورته التي يراها فيها . # ان بعض اصحاب هذه الرذيلة يغضبون لأتفه الامور ، بل يغضبون حتى على ~~الحيوانات والجمادات ، ويلعنون حتى الريح والارض والبرد والمطر وسائر ~~الظواهر الطبيعية اذا ms127 كانت خلاف رغباتهم . ويغضبون احيانا على القلم ~~والكتاب والاواني فيمزقونها او يحطمونها . اما الشجاع فهو بخلاف ذلك تماما ~~. فاعماله لا تكون الا عن روية ووفق ميزان العقل وطمانينة النفس . يغضب في ~~محله ، ويحلم في محله ، لا تهزه التوافه ولا تغضبه . واذا غضب غضب بمقدار ، ~~وينتقم بعقل ، ويعرف كيف ينتقم ومتى وممن ؟ وكيف يعفو ومتى وممن ؟ وفي حال ~~غضبه لا يفقد زمام نفسه ، ولا يبادر بالكلام البذيء ولا بالاعمال القبيحة ، ~~ويزن كل اعماله بميزان العقل والشرع والعدل والانصاف ، ويخطو خطوات لا يندم ~~عليها بعد ذلك . # فعلى الانسان الواعي ان لا يخلط بين هذا الخلق الذي يتصف به الانبياء ~~والاولياء والمؤمنون ، ويعد من الكمالات النفسية . والخلق الآخر الذي هو من ~~النقائص والصفات الشيطانية ومن وسوسة الخناس . الا ان حجاب الجهل وعدم ~~المعرفة وحب الدنيا وحب الذات ، يعمي عين الانسان ويصم اذنه ويلقيه في ~~المسكنة والعذاب . # وهناك اسباب اخرى ذكروها للغضب ، مثل العجب والزهو والكبرياء والمراء ~~والعناد والمزاح وغيرها مما يطيل البحث الدخول في تفاصيلها ، ولعل اكثرها ~~ينطوي تحت هذين الموضوعين المذكورين بصورة مباشرة او غير مباشرة . والحمد لله . PageV01P139 # الاربعون حديثا :140 PageV01P140 الاربعون حديثا :141 ### | AUTO الحديث الثامن: العصبية PageV01P141 الاربعون حديثا :142 # بسندي المتصل الى محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم ، عن ابيه ، عن ~~النوفلي ، عن السكوني ، عن ابي عبد الله عليه السلام قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : «من كان في قلبه حبة من خردل من عصبية ، بعثه ~~الله يوم القيامة مع اعراب الجاهلية» (1) . PageV01P142 # الاربعون حديثا :143 ### || AUTO الشرح # الخردل ، نبات معروف له خواص كثيرة ، ويصنع منه الشمع . والعصبي : هو ~~الذي يعين قومه على الظلم ويغضب لعصبته ويحامي عنهم . وعصبة المرء اقرباؤه ~~من جهة الاب ، لانهم يحيطون به فيقوى بهم . والتعصب بمعنى الحماية والدفاع . # يقول الفقير الى الله : العصبية واحدة من السجايا الباطنية النفسانية . ~~ومن آثارها الدفاع عن الاقرباء ، وجميع المرتبطين به وحمايتهم ، بما في ذلك ~~الارتباط الديني او المذهبي او المسلكي ، وكذلك الارتباط بالوطن وترابه ، ~~وغير ذلك ms128 من ارتباط المرء بمعلمه ، او باستاذه ، او بتلامذته وما الى ذلك . ~~والعصبية من الاخلاق الفاسدة والسجايا غير الحميدة ، وتكون سببا في ايجاد ~~مفاسد في الاخلاق وفي العمل . وهي بذاتها مذمومة حتى وان كانت في سبيل الحق ~~، او من اجل امر ديني ، من غير ان يكون مستهدفا لاظهار الحقيقة ، بل يكون ~~من اجل تفوقه او تفوق مسلكه ومسلك عصبته ، اما اظهار الحق والحقيقة واثبات ~~الامور الصحيحة والترويج لها وحمايتها والدفاع عنها ، فإما انه ليس من ~~التعصب ، وإما انه ليس تعصبا مذموما . # ان المقياس في الاختلاف يتمثل في الاغراض والاهداف وخطوات النفس والشيطان ~~او خطوات الحق والرحمن . وبعبارة اخرى ، ان المرء اذا تعصب لاقربائه او ~~احبته ودافع عنهم ، فما كان بقصد اظهار الحق ودحض الباطل ، فهو تعصب محمود ~~ودفاع عن الحق والحقيقة . ويعد من افضل الكمالات الانسانية ، ومن خلق ~~الانبياء والاولياء . وعلامته المميزة هو ان يميل الانسان الى حيث يميل ~~الحق فيدافع عنه ، حتى وان لم يكن هذا الحق الى جانب من يحب ، بل حتى لو ~~كان الحق الى جانب اعدائه . ان شخصا هذا شانه يكون من جملة حماة الحقيقة ، ~~ومن زمرة المدافعين عن الفضيلة وعن المدينة الفاضلة ، ومن الاعضاء الصالحين ~~في المجتمع ، ومن المصلحين لمفاسده . PageV01P143 # الاربعون حديثا :144 # اما اذا تحرك بدافع قومية وعصبيته بحيث اخذ بالدفاع عن قومه واحبته في ~~باطلهم وسايرهم فيه ودافع عنهم ، فهذا شخص تجلت فيه السجية الخبيثة ، سجية ~~العصبية الجاهلية . واصبح عضوا فاسدا في المجتمع ، وافسد اخلاق المجتمع ~~الصالح ، وصار في زمرة اعراب الجاهلية ، وهم فئة من اعراب البوادي قبل ~~الاسلام ممن كانوا يعيشون في ظلام الجهل ، وقد قويت فيهم هذه النزعة ~~القبيحة ، والسجية البشعة بل ان هذه الصفة توجد في معظم اهل البوادي عدى ~~من اهتدى بنور الهداية كما ورد في الحديث الشريف عن الامام امير المؤمنين ~~عليه السلام : أن الله سبحانه يعذب طوائف ستة بامور ستة : # اهل البوادي بالعصبية ، واهل القرى بالكبر والامراء بالظلم ، والفقهاء ~~بالحسد ، والتجار بالخيانة واهل الرساتيق بالجهل . ### || AUTO فصل: في ms129 بيان مفاسد العصبية # يستفاد من الاحاديث الشريفة عن اهل بيت العصمة والطهارة ان العصبية من ~~المهلكات والباعثة على سوء العاقبة والخروج من عصمة الايمان ، وانها من ~~ذمائم اخلاق الشيطان . # جاء في الكافي بسنده الصحيح ، عن ابي عبد الله الصادق عليه السلام قال : ~~«من تعصب او تعصب له فقد خلع ربق الايمان من عنقه» (1) . اي ان المتعصب ~~بتعصبه يكون قد خرج من ايمانه ، واما المتعصب له ، فبما انه قد رضي بعمل ~~المتعصب ، يصبح شريكا له في العقاب . كما جاء في الحديث الشريف : «ومن رضي ~~بعمل قوم حشر معهم . اما اذا لم يرض به واستنكره فلن يكون منهم» . # وعن ابي عبد الله الصادق عليه السلام قال : «من تعصب عصبه الله بعصابة من ~~النار» (2) . # وعن ابي عبد الله عليه السلام قال : «لم يدخل الجنة حمية غير حمية حمزة ~~بن عبد المطلب وذلك حين اسلم غضبا للنبي» (3) . # وقد وردت قصة اسلام حمزة بن عبد المطلب بعبارات مختلفة ، وهي خارجة عن ~~نطاق بحثنا هذا . وعلى كل حال . فمن المعلوم ان الايمان ، وهو الفوز الالهي ~~ومن الخلع الغيبية لله جل جلاله ، الذي يفيض بها على المخلصين من عباده ، ~~والخاصة في محفل انسه ، يتنافى مع PageV01P144 الاربعون حديثا :145 # مثل هذه السجية الموقوتة التي تدوس الحق والحقيقة ، وتطأ باقدام الجهل ~~على الصدق والاستقامة . # ولا شك في ان القلب اذا غطاه صدأ حب الذات والارحام والتعصب القومي ~~الجاهلي ، فلن يكون فيه مكان لنور الايمان ، ولا موضع للاختلاء مع الله ذي ~~الجلال تعالى . ان ذلك الانسان الذي تظهر في قلبه تجليات نور الايمان ~~والمعرفة ، ويطوق رقبته الحبل المتين والعروة الوثقى للايمان ، ويكون رهن ~~الحقيقة والمعرفة ، هو ذلك الانسان الذي يلتزم بالقواعد الدينية وتكون ذمته ~~مرهونة لدى القوانين العقلية ، ويتحرك بامر من العقل والشرع ، دون ان يهز ~~موقفه اي من عاداته واخلاقه وما يأنس به من مألوفاته . فلا تحيد به عن ~~الطريق المستقيم . ان الانسان الذي يدعي الاسلام والايمان هو ذلك الذي ~~يستسلم للحقائق ويخضع لها ، ويرى اهدافه ، مهما عظمت ، فانية ms130 في اهداف ولي ~~نعمته ، ويضحي بنفسه وبارادته في سبيل ارادة مولاه الحقيقي . ومن الواضح ان ~~مثل هذا الشخص لا يعرف العصبية الجاهلية ، وانه بريء منها ، ولا يتجه قلبه ~~الا الى حيث الحقائق ، ولا تغشي عينيه استار العصبية الجاهلية السميكة . ~~وفي سبيل اعلاء كلمة الحق والاعلان عن الحقيقة يطأ بقدميه على كل العلاقات ~~والارتباطات ، ويفدي بجميع الأقرباء والأحبة والعادات على اعتاب ولي النعم ~~المطلق . واذا تعارضت العصبية الاسلامية عنده مع العصبية الجاهلية ، قدم ~~الاسلام وحب الحقيقة . # ان الانسان العارف بالحقائق يعلم ان جميع العصبيات والارتباطات ليست سوى ~~امور عرضية زائلة ، إلا تلك العلاقة بين الخالق والمخلوق ، وتلك هي العصبية ~~الحقيقية التي هي امر ذاتي غير قابل للزوال ، وهو اوثق من كل ارتباط ، ~~واقوى من كل حسب واسمى من كل نسب . # في حديث شريف ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : «كل حسب ونسب ~~منقطع يوم القيامة الا حسبي ونسبي» (1) . وذلك لان حسب رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم روحاني وباق ، وبعيد عن جميع العصبيات الجاهلية ، وهذا ~~الحسب والنسب الروحانيين في ذلك العالم ، يكون ظهوره اكثر وكماله اوضح ~~ونسبه علاقة الهية لا تظهر على كمال حقيقتها الا في ذلك العالم . ان هذه ~~العلائق الجسمانية الملكية القائمة على العادات البشرية انما تتقطع باتفه ~~الاسباب ، وليس لاي منها في ذلك العالم نفع ولا قيمة ، الا تلك العلائق ~~التي تتوثق في نظام ملكوتي الهي وتحت ظل ميزان القواعد الشرعية والعقلية . ~~التي لا انفصام لها . PageV01P145 # الاربعون حديثا :146 ### || AUTO فصل: في بيان الصورة الملكوتية للعصبية # سبق في شرح بعض الاحاديث القول بان المعيار في الصور الملكوتية والبرزخية ~~وفي يوم القيامة هو الملكات وقوتها ، وان ذلك العالم هو محل ظهور سلطان ~~النفس الذي لا يعصي له الجسم امرا . فقد يحشر الانسان في ذلك العالم على ~~صورة حيوان او شيطان . وقد مر بنا في الحديث في بداية المقال : «من كان في ~~قلبه حبة من خردل من عصبية بعثه الله يوم القيامة مع اعراب الجاهلية» . ~~ولعله ms131 اشارة الى ذلك الموضوع الذي ذكرناه . # ان الانسان الذي فيه هذه الرذيلة ، لعله عندما ينتقل الى العالم الآخر ~~يرى نفسه من اعراب الجاهلية من دون ان يؤمن بالله تعالى ولا بالنبوة ~~والرسالة ، ويرى انه في الصورة التي يحشر بها اولئك الاعراب ، دون ان يعلم ~~انه كان في الدنيا يعتنق العقيدة الحقة من الايمان بالله وبرسوله وانه من ~~امة الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم . كما جاء في الحديث عن اهل ~~جهنم ينسون اسم رسول الله ، ولا يستطيعون ان يعرفوا انفسهم ، الا بعد ان ~~يشاء الحق سبحانه ان ينجيهم . وبما ان هذه السجية من سجايا الشيطان ، كما ~~ورد في بعض الاحاديث ، فلعل اعراب الجاهلية واصحاب العصبية يحشرون يوم ~~القيامة على هيئة الشياطين . # في الكافي في الصحيح ، عن ابي عبد الله الصادق عليه السلام قال : «ان ~~الملائكة كانوا يحسبون ان ابليس منهم وكان في علم الله انه ليس منهم ~~فاستخرج ما في نفسه بالحمية والغضب . فقال خلقتني من نار وخلقته من طين» (1) . # فاعلم ايها العزيز ان هذه الخصلة الخبيثة ، من الشيطان ، وانها من ~~مغالطات ذلك الملعون ومعاييره الباطلة . انه يغالط عن طريق هذا الحجاب ~~السميك الذي يخفي عن النظر كل الحقائق ، بل يظهر كل رذائل النفس محاسن ، ~~وجميع محاسن الآخرين رذائل ، ومعروف مصير الانسان الذي يرى جميع الاشياء ~~على غير حقيقتها وواقعيتها . # وفضلا عن كون هذه الرذيلة هي نفسها تكون سبب هلاك الانسان ، فانها كذلك ~~منشأ الكثير من المفاسد الاخلاقية والاعمال القبيحة التي لا يتسع المجال ~~لذكرها . # وعليه ، اذا عرف الانسان العاقل ان هذه المفاسد ناشئة من تلك السجية ~~الفاسدة ، واذعن للشهادة الصادقة المصدقة من رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم واهل بيته عليهم السلام بأن هذه الرذيلة تجر الانسان الى الهلاك ~~وتدخله النار ، فما عليه الا ان يتصدى لعلاج نفسه من هذه السجية ، وان يطهر ~~قلبه حتى من حبة خردل منها ، حتى يكون طاهرا عند الانتقال من هذه الدنيا PageV01P146 الاربعون حديثا :147 # الى العالم الآخر عند اقتراب اجله ، فينتقل ms132 بنفس صافية . ان على الانسان ~~ان يدرك ان الفرصة محدودة والوقت قصير جدا ، لانه لا يعلم متى يحين موعد ~~رحيله . # ايتها النفس الخبيثة لكاتب هذه السطور ، لعل الاجل المقدر قد حان وانت ~~منهمكة في الكتابة ، فينقلك بكل رذائلك الى العالم الذي لا عودة منه . # وايها العزيز يا من تقرأ هذه الوريقات ، خذ العبرة من حال هذا الكاتب ~~الذي يرزح الآن او مستقبلا تحت الثرى ، وهو في العالم الآخر مبتلى باعماله ~~واخلاقه البشعة . لقد ضيع الفرصة الثمينة التي كانت عنده بالبطالة والاهواء ~~، فاتلف ذلك الرأسمال الالهي وأباده . فانتبه الى نفسك لانك ستكون يوما ~~مثلي دون ان تعلم متى يكون ذلك . فلعلك الآن وانت مشغول بالقراءة ، اذا ~~تباطأت ذهبت الفرصة من يدك . يا اخي ، لا تؤجل هذه الامور لأنها لا تحتمل ~~التأجيل ، فكم من انسان سليم وقوي فاجأه الموت في لحظة واخرجه من هذه ~~الدنيا الى العالم الآخر ولا نعلم عن مصيره شيئا . اذا ، لا تضيع الفرصة ، ~~بل اغتنم اللحظة الواحدة ، لان القضية عظيمة الاهمية ، والرحلة شديدة ~~الخطورة . فاذا قصر الانسان في هذه الدنيا التي هي مزرعة الآخرة ، يكون ~~السيف قد سبق العذل ، ولن تستطيع اصلاح فساد النفس ، ولا يكون نصيبك سوى ~~الحسرة والندم والذل . # ان اولياء الله لم يخلدوا الى الراحة ابدا ، وكانوا دائمي الخوف من هذه ~~الرحلة المحفوفة بالمخاطر . ان حالات علي بن الحسين عليه السلام ، الامام ~~المعصوم ، تثير الحيرة . وأنين امير المؤمنين علي عليه السلام ، الولي ~~المطلق ، تبعث على الدهشة . ما الذي جرى لنكون على هذا القدر من الغفلة ؟ ~~من الذي جعلنا نطمئن ؟ انه لا يغرينا احد بتأجيل عمل اليوم الى الغد الا ~~الشيطان . انه يريد ان يزيد من اعداد انصاره واعوانه ، وان يجعلنا نتخلق ~~باخلاقه حتى نحشر مع اتباعه . ان ذلك الملعون هو الذي يسعى دائما الى تهوين ~~امور الآخرة في اعيننا ، وبتذكيرنا لرحمة الله ولشفاعة الشافعين يريد ان ~~ينسينا ذكر الله وطاعته . ولكن يا للأسف ! فهذه كلها أمنيات باطلة ، وهي من ~~احابيل مكر ذلك الملعون وحيله . ان ms133 رحمة الله تحيط بك الآن ، رحمته في صحتك ~~وسلامتك وحياتك وامنك وهدايتك وعقلك وقرصتك وارشادك الى اصلاح نفسك وان ~~آلاف الرحمة الالهية المختلفة تحيط بك من جميع الجهات ، ولكنك لا تنتفع بها ~~، بل تطيع اوامر الشيطان . فاذا لم تستطع ان تستفيد من رحمات هذه الدنيا ، ~~فاعلم انه لن تنالك في العالم الآخر رحمات الله اللامتناهية وتحرم من شفاعة ~~الشافعين . ان مظهر شفاعة الشافعين في هذه الدنيا هو الاهتداء بهداهم ، وفي ~~ذلك العالم فان باطن الهداية هو الشفاعة . فاذا حرمت الهداية هنا ، حرمت ~~الشفاعة هناك . وعلى قدر اهتدائك تكون لك الشفاعة . ان شفاعة رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم . مثل رحمة الله المطلقة تنال من هو جدير بها . PageV01P147 # الاربعون حديثا :148 # فاذا انتزع الشيطان لا سمح الله وسائل الايمان من يدك ، فلن تكون جديرا ~~بالرحمة والشفاعة . نعم ، رحمة الله واسعة في الدارين . فاذا كنت تطلب ~~الرحمة ، فلماذا لا تستفيد من فيوضات الرحمة المتتالية في هذه الدنيا ، وهي ~~بذور الرحمات الاخرى ؟ ان هذا العدد الكبير من الانبياء والاولياء دعوك الى ~~مائدة ضيافة الله ونعمه ، ولكنك رفضتها وهجرتها بوسوسة من الخناس ، وبايحاء ~~من الشيطان ، وضحيت بمحكمات كتاب الله ، وبالمتواترات من احاديث الانبياء ~~والاولياء ، وببديهات عقول العقلاء ، وببراهين الحكماء الدامغة ، على مذبح ~~نزعات الشيطان والاهواء النفسية . الويل لي ولك من هذه الغفلة والعمى ~~والصمم والجهل ! . ### || AUTO فصل: في عصبيات اهل العلم # من جملة العصبيات الجاهلية هو العناد في القضايا العلمية ، والدفاع عن ~~كلمة سبق ان صدرت منه او من معلمه او شيخه ، دون النظر الى احقاق الحق ~~وابطال الباطل . لا شك ان مثل هذا التعصب اقبح من كثير من العصبيات الاخرى ~~واجدر بالذم من جوانب عديدة . فمن جانب المتعصب نفسه نرى ان اهل العلم ~~ينبغي ان يكونوا هم المربين لابناء البشر ، باعتبارهم فروع شجرة النبوة ~~والولاية ، وعارفين بوخامة الامور وعواقب فساد الاخلاق . فاذا اتصف العالم ~~لا قدر الله بالعصبية الجاهلية او بالصفات الرذيلة الشيطانية ، كانت الحجة ~~عليه اتم وعقابه اشد . ان من يعرف ms134 نفسه على انه مصباح الهداية ، وشمع محفل ~~العرفان ، والهادي الى السعادة ، ومعرف طرق الآخرة ، ثم لا يعمل لا سمح ~~الله بما يقول ، ويختلف باطنه عن ظاهره ، يكون في زمرة اهل الرياء والنفاق ~~، ويحسب مع علماء السوء ، ويكون عالما بلا عمل . وهذا عقابه اكبر وعذابه ~~اشد . وقد اشار الله سبحانه الى امثال هذا في القرآن بقوله : # «بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين» (1) . # اذا ، من اهم التزامات اهل العلم هو ان يحافظوا على هذه الامور وهذه ~~المقامات ، وان يطهروا انفسهم كل التطهير من هذه المفاسد ، لكي يصلحوا بهذا ~~انفسهم والمجتمع ، وتكون مواعظهم مؤثرة ، وتقع نصائحهم موقعها من القلوب . ~~ان فساد العالم يؤدي الى فساد الامة . ومن البديهي ان الفساد الذي يتسبب في ~~مفاسد اخرى والخطيئة التي تزيد خطايا اخرى وتعظمها تكون اعظم عند ولي النعم ~~من الفساد الجزئي الذي لا يتعدى الى غيره . # ومن ناحية اخرى في قباحة هذه السجية لدى اهل العلم هو جانب العلم نفسه ، ~~اذ ان هذه العصبية خيانة للعلم وتجاهل لحقه اذ ان من يتحمل عبء هذه الامانة ~~ويلبس لبوسها ، عليه PageV01P148 الاربعون حديثا :149 # ان يرعى حرمتها واحترامها ، وان يعيدها الى صاحبها صحيحة سليمة . فاذا ما ~~تعصب ، تعصب الجاهلية يكون قد خان الامانة وارتكب الظلم والعدوان ، وهذه ~~بذاتها خطيئة كبرى . # والناحية الثانية من جراء هذه السجية القبيحة اهانة اهل العلم فيما اذا ~~كان التعصب في المباحث العلمية مع العلم بان اهل العلم من الودائع الالهية ~~الواجب احترامهم . بينما يكون هتكهم هتكا لحرمات الله ومن الموبقات الكبيرة ~~. وقد تؤدي العصبية التي لا تكون في محلها ، الى هتك حرمة اهل العلم . اعوذ ~~بالله من هذه الخطيئة الكبيرة ! . # وهناك جانب آخر هو جانب المتعصب له ، اي الاستاذ وشيخ الانسان . وهذا ~~يوجب العقوق ، وذلك لأن المشايخ العظام والاساطين الكرام نضر الله وجوههم ~~يميلون الى جانب الحق ، ويهربون من الباطل ، ويسخطون على من يتذرع بالتعصب ~~لقتل الحق وترويج الباطل . ولا شك في ان العقوق الروحي اشد من ms135 العقوق ~~الجسمي ، وحق الابوة الروحية اسمى من حق الابوة الجسمية . # اذا ، يتحتم على اهل العلم زادهم الله شرفا وعظمة ان يتبرأوا من ~~المفاسد الاخلاقية والعملية ، وان يزينوا انفسهم بحلية الاعمال الحسنة ~~والاخلاق الكريمة ، وان لا ينزلوا عن المركز الشريف الذي انعم الله تعالى ~~به عليهم ، اذ ان مدى الخسران في ذلك لا يعلمه الا الله . والسلام . PageV01P149 # الاربعون حديثا :150 PageV01P150 الاربعون حديثا :151 ### | AUTO الحديث التاسع: النفاق PageV01P151 الاربعون حديثا :152 # بالسند المتصل الى ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني ، عن محمد بن يحيى ~~، عن احمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن عون بن القلانسي ، عن ~~ابن ابي يعفور ، عن ابي عبد الله الصادق عليه السلام ، قال : «من لقي ~~المسلمين بوجهين ولسانين جاء يوم القيامة وله لسانان من نار» (1) . PageV01P152 # الاربعون حديثا :153 ### || AUTO الشرح # لقاء المسلمين بوجهين هو : ان يبدي المرء ظاهر حاله وصورته الخارجية لهم ~~على خلاف ما تكون في باطنه وسريرته . كأن بيدي انه من اهل المودة والمحبة ~~لهم ، وانه مخلص حميم ، بينما يكون في الباطن على خلاف ذلك فيعامل بالصدق ~~والمحبة في حضورهم ، ولا يكون كذلك لدى غيابهم . # اما ذو اللسانين فهو ان يثني على كل من يلقاه منهم ويمتدحه ويتملقه ويظهر ~~المحبة له ، ولكنه في غيابه يعمد الى تكذيبه والى استغابته . فبناء على هذا ~~التفسير ، تكون الحالة الاولى هي : «النفاق العملي» والحالة الثانية هي : ~~«النفاق القولي» . ولعل الحديث الشريف يشير الى صفة النفاق القبيحة . ~~وباعتبار ان هاتين الحالتين هي من اظهر صفات المنافقين وألصقها بهم ، اقتصر ~~الحديث الشريف على ذكرها خاصة . # والنفاق من الرذائل النفسانية والملكات الخبيثة التي تنجم عنها آثار ~~كثيرة منها هذين الاثرين المذكورين . وللنفاق درجات ومراتب . وسوف نحاول ، ~~ان شاء الله ، ان نذكر تلك الدرجات والمراتب ومفاسدها ومعالجتها بقدر ~~الامكان ، خلال بضعة فصول . ### || AUTO فصل: في بيان مراتب النفاق # اعلم ان للنفاق ، مثل سائر الاوصاف والملكات الخبيثة او الشريفة ، درجات ~~ومراتب من حيث القوة والضعف . وان كل رذيلة لم يتصد لها المرء ms136 بالعلاج ~~الناجع ، بل خضع لها وتبعها ، مالت الى الاشتداد ، وان درجات اشتداد ~~الرذائل ، مثل درجات اشتداد الفضائل ، غير متناهية ولا تقف عند حد . PageV01P153 # الاربعون حديثا :154 ### || AUTO فالمرء اذا ترك النفس الامارة على حالها ، دفعت به بسبب ميلها ~~الذاتي نحو الفساد وعدم ارتياحها ومساعدة الشيطان لها ، والوسواس الخناس ~~الى الفساد . فيتفاقم حالها ، وتزداد قوة وشدة يوما بعد يوم ، حتى يصل ~~الامر بتلك الرذيلة التي تابعها ان تتخذ الصورة الجوهرية للنفس وفصلها ~~الاخير ، وتصبح مملكة الانسان ، ظاهرها وباطنها تحت سيطرة تلك الرذيلة . ~~فاذا كانت رذيلة شيطانية ، كالنفاق والاتصاف بذي الوجهين ، مما هو من صفات ~~ذلك الملعون (اي الشيطان ) كما جاء في القرآن الكريم : «وقاسمهما اني لكما ~~لمن الناصحين» (1) ، بينما كان الامر خلاف ذلك استسلمت مملكة الانسان ~~للشيطان ، واصبحت الصورة الاخير للنفس وباطنها وذاتها وجوهرها ، صورة ~~للشيطان ، وقد تصبح صورته الظاهرة في الدنيا ايضا كصورة الشيطان ، وان كانت ~~ملامحه هنا بشرية . # فاذا لم يقف الانسان بوجه هذه الصفة ولم يردعها ، وترك نفسه وشأنها ، فلن ~~يمضي وقت طويل حتى يفلت الزمام منه ، ويصبح كل همه واهتمامه منصبا على تلك ~~الرذيلة ، حتى انه لا يلتقي شخصا الا وعامله معاملة ذي الوجهين وذي ~~اللسانين ، ولا يعاشر احدا الا وخالطت معاشرته تلك الصفة من التلون والنفاق ~~، دون ان يخطر له شيء سوى منافعه الخاصة وانانيته وعبادته لذاته ، واضعا ~~تحت قدميه الصداقة والحمية والهمة والرجولة . ومتسما في كل حركاته وسكناته ~~بالتلون ، ولا يمتنع عن اي فساد وقبح ووقاحة . ان شخصا هذا شأنه يكون بعيدا ~~عن البشرية والانسانية ، ومحشورا مع الشياطين . # كل هذا الذي استعرضناه يمثل القوة والضعف في جوهر النفاق نفسه ، ولكنه ~~يختلف باختلاف متعلقه . فقد يكون النفاق في دين الله وقد يكون في السجايا ~~الحسنة والفضائل الاخلاقية ، وقد يكون في الاعمال الصالحة والمناسك الالهية ~~، وقد يكون في الامور العادية والمتعارف عليها . وهكذا قد ينافق المرء مع ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، او مع أئمة الهدى عليهم السلام ، او ~~مع الاولياء والعلماء والمؤمنين ، وقد يتسع ms137 النفاق فيكون مع المسلمين وسائر ~~خلق الله من الملل الآخرى . # بديهي ان تكون هناك اختلافات في مدى قبح هذه الحالات التي عددناها ~~ووقاحتها ، على الرغم من انها جميعا تشترك من حيث الاصل في الخبث والقبح ، ~~لانها فروع واغصان لشجرة خبيثة واحدة . # فصل: # ان النفاق والاتصاف بذي الوجهين وان كانا في انفسهما من الصفات القبيحة ~~التي لا يتصف بها الانسان الشريف ، ويعتبر المتصف بها خارجا عن المجتمع ~~الانساني ، بل لا يكون PageV01P154 الاربعون حديثا :155 # شبيها بأي حيوان ويبعثان على الفضيحة والذل في هذه الدنيا امام الاصحاب ~~والاقران ، كما انهما يوجبان الذل والعذاب الاليم في الآخرة ، مثلما جاء ~~وصفه في الحديث الشريف ان صورته في ذلك العالم «انه يحشر بلسانين من نار» ~~ويسببان طأطأة الرأس والفضيحة امام خلق الله وفي حضرة الانبياء المرسلين ~~والملائكة المقربين . ويتضح من هذا الحديث شدة عذاب المنافق وذي الوجهين ، ~~لانه اذا اصبح جوهر الجسم جوهر النار ، كان الاحساس اقوى والالم اشد اعوذ ~~بالله من شدته . # عن علي عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجيء ~~يوم القيامة ذو الوجهين دالعا لسانه في قفاه وآخر من قدامه يلتهبان نارا ~~حتى يلهبا جسده . ثم يقال هذا الذي كان في الدنيا ذا وجهين ولسانين يعرف ~~بذلك يوم القيامة (1) . ويكون مشمولا بالآية الشريفة : # «ويقطعون ما امر الله به ان يوصل ويفسدون في الارض اولئك لهم اللعنة ولهم ~~سوء الدار» (2) . # ان النفاق وذا الوجهين مضافا الى ما تقدم يكونان مصدر كثير من المفاسد ~~والمهالك التي يمكن لاية واحدة منها ان تحكم بالفناء على دنيا الانسان ~~وآخرته ، مثل «الفتنة» التي ينص القرآن الكريم على انها «اشد من القتل» (3) ~~. ومثل «النميمة» التي يقول عنها الامام الباقر عليه السلام : # «محرمة الجنة على القتاتين المشائين بالنميمة» (4) . # ومثل «الغيبة» التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «انها ~~اشد من الزنا» . ومثل ايذاء المؤمن وسبه وكشف الستر عنه وافشاء سره ، ~~وغيرها مما يعد كل واحد منها سببا مستقلا لهلاك الانسان . # واعلم ms138 انه تتدرج في النفاق وذي الوجهين جملة امور هي : الغمز واللمز ~~والكنايات التي يطلقها البعض على البعض الآخر ، على الرغم من اظهار المحبة ~~والصداقة الحميمة . فعلى الانسان ان يكون على حذر شديد ، وان يراقب سلكوه ~~واعماله . فان مكائد النفس والاساليب الشيطانية الماكرة خفية جدا ، قل من ~~استطاع الافلات منها . فقد يصبح الانسان باشارة من اشاراته التي تصدر في ~~غير محلها ، او بغمز وتعريض يصدر منه في غير موضعه ، من ذوي الوجهين ، وقد ~~يكون الانسان مبتلى بهذه الرذيلة حتى نهاية عمره ، بينما هو يتصور نفسه سليما PageV01P155 الاربعون حديثا :156 # وطاهرة ، اذا ، على الانسان ان يكون مثل الطبيب العطوف الحاذق ، والممرض ~~الشفيق المطلع على حالات النفس ، يراقب اعماله وتطوراته دائما ولا يغفل عن ~~ذلك ابدا ، وان يعلم انه ما من مرض اخفى ، وفي الوقت نفسه افتك ، من ~~الامراض القلبية ، وانه ما من ممرض يكون اشفق واعطف على الانسان ، من نفسه . ### || AUTO فصل: في معالجة النفاق # اعلم ان لعلاج هذه الخطيئة الكبيرة طريقان : # احدهما : هو التفكير في المفاسد التي تنتج عنها . ذلك ان الانسان في هذه ~~الدنيا اذا عرف بهذه الصفة بين الناس سقط من انظارهم ، وافتضح بين الخاصة ~~والعامة ، وفقد كرامته بين اصحابه ، فيطردونه من مجالسهم ، ويتخلف عن محافل ~~انسهم ، ويقصر عن اكتساب الكمالات وبلوغ المقاصد . فعلى الانسان ذي الشرف ~~والضمير ان يطهر نفسه من هذا العار الملطخ للشرف ، لكيلا يبتلى بامثال هذه ~~الحالات من الذل والضعة . كذلك الامر في عالم الآخرة ، عالم كشف الاسرار . ~~اذ كل ما هو مستور في هذه الدنيا عن انظار الناس لا يمكن ستره في عالم ~~الآخرة . فهناك يحشر وهو مشوه الخلقة بلسانين من نار ، ويعذب مع المنافقين ~~والشياطين . # اذا ، فالانسان العاقل اذا ما راى هذه المفاسد ، ولم يجد لذلك الخلق ~~نتيجة غير القبح والرذيلة ، وجب عليه ان يتجنب الاتصاف بهذه الصفة والسلوك ~~للمعالجة وهو : # الطريق الآخر : وهو الاسلوب العملي لعلاج النفس وهو ان يراقب الانسان ~~حركاته وسكناته بكل دقة وتمحيص لتفرة من الوقت ، وان يعمد الى ms139 العمل بما ~~يخالف رغبات النفس وتمنياتها ، وان يجاهد في جعل اعماله واقواله في الظاهر ~~والباطن واحدة وان يبتعد عن التظاهر والتدليس في حياته العملية ، وان يطلب ~~من الله تعالى ، خلال ذلك ، التوفيق والنجاح في التغلب على النفس الامارة ~~واهوائها ، ويعينه في محاولاته العلاجية . اذ ان فضل الله تعالى على الناس ~~ورحمته بهم لا نهاية لها . وهو يشمل بعونه كل من خطا نحو اصلاح نفسه ، ويمد ~~يد الرحمة لانتشاله . فاذا ثابر على ذلك بعض الوقت ، كان له ان يرجو لنفسه ~~الصفاء والانعتاق من النفاق ذي الوجهينية ، وان يصل الى حيث يتطهر قلبه من ~~هذه الرذيلة ليصبح موضع الطاف الله ورحمة ولي نعمته الحقيقي . وذلك لان ~~التجربة والبراهين تدل على انه ما دامت النفس في هذه الدنيا ، كانت منفعلة ~~بما يصدر عنها من افعال واقوال ، الصالحة منها والطالحة ، ويكون لكل ذلك ~~اثر فيها . فاذا كان العمل صالحا ، كان اثره نورانيا كماليا ، واذا كان ~~خلاف ذلك ، كان اثره PageV01P156 الاربعون حديثا :157 # مظلما انتقاصيا ، حتى يصبح القلب كله نيرا او مظلما ، منخرطا في سلك ~~السعداء او الاشقياء . اذا ، فما دمنا في دار العمل وفي هذه المزرعة ، ~~فاننا نستطيع بارادتنا ان ندفع بقلوبنا اما الى السعادة واما الى الشقاء ، ~~لان المرء رهين بعمله وفعله : «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعلم ~~مثقال ذرة شرا يره» (1) . ### || AUTO فصل: في بيان بعض اقسام النفاق # اعلم ايها العزيز ان من مراتب النفاق وذي اللسانين والوجهين ، النفاق مع ~~الله تعالى والتوجه الى مالك الملوك وولي النعم بوجهين ، حيث نكون من ~~المبتلين به في هذا العالم ونحن غافلون عنه . لان استار الجهل الكثيفة وحجب ~~الانانية المظلمة وحب الدنيا وحب الذات مسدولة عليه ومختفية عنا ومن الصعب ~~جدا ان ننتبه له قبل انكشاف السرائر ، ورفع الحجب ، والظعن عن دنيا الطبيعة ~~، وشد الرحال عن دار الغرور ودار الجهل والغفلة . # اننا الآن غارقون في نوم الغفلة ، محكومون لسكر الطبيعة ، والميول ~~والرغبات التي تزين لنا كل قبائح الاخلاق وفساد الاعمال ، واذا ما استيقظنا ms140 ~~وصحونا من هذه السكرة العميقة يكون قد فات الاوان . اذ نجد انفسنا قد صرنا ~~في زمرة المنافقين وذي والجهين واللسانين وحشرنا بلسانين من نار ، او ~~بوجهين مشوهين بشعين ! وعندئذ لن تنفعنا نداءاتنا «رب ارجعون» (2) اننا ~~نجاب ب «كلا» . ان صفة التلون هذه تكون بحيث اننا انا وانت نقضي كل عمرنا ~~ونحن نظهر التمسك بكلمة التوحيد ، وندعي الاسلام والايمان ، بل المحبة ~~والمحبوبية ، وغير ذلك من الادعاءات على قدر ما نشتهي ونحب . # فاذا كنا من عامة الناس وعوامهم ادعينا الاسلام والايمان والزهد والخلوص . # واذا كنا من اهل العلم والفقه ، ادعينا كمال الاخلاص والولاية وخلافة ~~الرسول ، متشبثين بما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال : ~~«اللهم ارحم خلفائي» (3) ، ويقول الامام صاحب الزمان روحي له الفداء : ~~«انهم حجتي» (4) وغير ذلك من الاقوال المنقولة عن ائمة الهدى سلام الله ~~عليهم في شأن العلماء والفقهاء . PageV01P157 # الاربعون حديثا :158 # واذا كنا من اهل العلوم العقلية ، ادعينا الايمان الحقيقي المبرهن ، ~~وزعمنا اننا نملك علم اليقين ، وعين اليقين ، وحق اليقين ، معتقدين ان سائر ~~خلق الله ناقصو علم وايمان ، ونستشهد بالآيات القرآنية والاحاديث الشريفة ~~الواردة بحقنا . # واذا كنا من اهل العرفان والتصوف ، ادعينا المعارف الالهية والانجذاب ~~الروحي والفناء في الله ، والبقاء بالله ، وولاية الامر ، وما الى ذلك من ~~الاقوال مما يخطر بالبال من الالفاظ الجذابة . # وهكذا فان كل طائفة منا تدعي بلسانها وظاهر حالها ان لها مرتبتها واظهار ~~حقيقة من الحقائق الشائعة . فاذا كان هذا الظاهر مطابقا للباطن ، واتفق ~~العلن مع السر ، وكان صادقا مصدقا ، فهنيئا لارباب النعيم نعيمهم . اما اذا ~~كان ، مثل كاتب هذه السطور ، الاسود الوجه ، القبيح ، المشوه الخلقة ، ~~فليعلم انه من المنافقين وذوي الوجهين واللسانين ، وعليه ان يبادر الى علاج ~~نفسه ، وان يغتنم الفرصة قبل فواتها من التعاسة والذل والظلام . # ايها العزيز المدعي للاسلام : قد ورد في «الكافي» حديث شريف عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم انه قال : «المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه» ~~(1) فلماذا نقوم انا وانت وعلى قدر ms141 ما نستطيع ونتمكن ، على ايصال الاذى الى ~~من هم اقل منا ولا نمتنع عن ظلمهم والاجحاف بحقهم ؟ واذا لم تصل ايدينا ~~اليهم فلن نتوقف عن تجريحهم بحد اللسان في حضورهم ، او حتى في غيابهم ، ~~فنعمد الى هتك اسرارهم ، والكشف عن مكنوناتهم ، واغتيابهم ، والصاق التهم بهم . # اذا ، فإدعاؤنا نحن الذين لا يسلم المسلمون من ايدينا والسنتنا ، للاسلام ~~مخالف للحقيقة ، وباطننا يخالف ظاهرنا ، واننا من زمرة المنافقين ومن ذوي ~~الوجهين . # يا من تدعي الايمان وخضوع القلب في حضرة الله ذي الجلال ، اذا كنت تؤمن ~~بكلمة التوحيد ، ولا يعبد قلبك غير الواحد ، ولا يطلب غيره ، ولا ترى ~~الالوهية تستحق الا لذاته المقدسة ، واذا كان ظاهرك وباطنك يتفقان فيما ~~تدعي ، فلماذا نجدك وقد خضع قلبك لاهل الدنيا كل هذا الخضوع ؟ لماذا تعبدهم ~~؟ أليس ذلك لانك ترى لهم تاثيرا في هذا العالم ، وترى ان ارادتهم هي ~~النافذة ، وترى ان المال والقوة هما الطاقة المؤثرة والفاعلة ؟ وان ما لا ~~تراه فاعلا في هذا العالم هو ارادة الحق تعالى ، فتخضع لجميع الاسباب ~~الظاهرية ، وتغفل عن المؤثر الحقيقي وعن مسبب جميع الاسباب ، ومع كل ذلك ~~تدعي الايمان بكلمة التوحيد . اذا ، فانت ايضا خارج عن زمرة المؤمنين ، ~~وداخل في زمرة المنافقين ومحشور مع اصحاب اللسانين . PageV01P158 # الاربعون حديثا :159 # وانت يا من تدعي الزهد والاخلاص ، اذا كنت مخلصا حقا ، وانك لاجل الله ~~ولاجل دار كرامته تزهد عن مشتهيات الدنيا ، فما الذي يحملك على ان تفرح ~~بمدح الناس لك والثناء عليك بقولهم انك من اهل الصلاح والسداد ؟ فيملأ ~~السرور قلبك ، ولماذا لا تبخل بشيء في سبيل مجالسة اهل الدنيا وفي سبيل ~~زخارفها ، وتفر من الفقراء والمساكين ؟ # فاعلم ان زهدك وإخلاصك ليسا حقيقيين ، بل ان زهدك في الدنيا هو من اجل ~~الدنيا ، وان قلبك ليس خالصا لوجه الله ، وانك كاذب في دعواك ، وانك من ~~المتلونين المنافقين . # وانت يا من تدعي الولاية من جانب ولي الله ، ولاخلافة من جانب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فان كان واقعك مطابقا للحديث المروي في ms142 كتاب ~~«الاحتجاج» : «صائنا لنفسه ، حافظا لدينه ، مخالفا لهواه ، مطيعا لأمر ~~مولاه» (1) . واذا كنت ورقة على غصن الولاية والرسالة ، ولا تميل الى ~~الدنيا ، ولا تحب التقرب الى السلاطين والاشراف ، ولا تنفر من مجالسة ~~الفقراء ، فان اسمك يطابق مسماه ، وانك من الحجج الالهية بين الناس ، والا ~~فانك من علماء السوء ، وفي زمرة المنافقين ، وحالك أسوأ من الطوائف التي ~~ذكرناها ، وعملك اقبح ، ويومك اشد سوادا ، لان الحجة على العلماء اتم . # وانت يا من تدعي امتلاك الحكمة الالهية ، والعلم بحقائق المبدأ والمعاد ، ~~اذا كنت عالما بالحقائق في الاسباب والمسببات ، واذا كنت حقا عالما بالصور ~~البرزخية واحوال الجنة والنار ، فلا بد ان لا يقر لك قرار ، وعليك ان تصرف ~~كل وقتك في اعمار عالم البقاء ، وان تهرب من هذه الدنيا ومغرياتها ، فانت ~~عالم بما هنالك من مصائب وظلام وعذاب لا يطاق . اذا ، لماذا لا تتقدم ولو ~~خطوة واحدة خارج حجب الكلمات والالفاظ والمفاهيم ، ولم تؤثر في قلبك ~~البراهين الفلسفية قدر جناح ذبابة ؟ اذا ، انت خارج عن زمرة المؤمنين ~~والحكماء ، ومحشور في زمرة المنافقين ، وويل للذي يقضي عمره وسعيه في علوم ~~ما وراء الطبيعة ، دون ان يسمح له انتشاؤه بخمر الطبيعة ولو بدخول حقيقة ~~واحدة الى قلبه . # وانت يا من تدعي المعرفة والإنجذاب والسلوك والمحبة والفناء ، اذا كنت ~~حقا من اهل الله ومن اصحاب القلوب ، ومن ذوي السابقة الحسنة ، فهنيئا لك . ~~ولكن كل هذه الشطحات وهذا التلون وتلك الادعاءات اللامسؤولة التي تكشف عن ~~حب الذات ووسوسة الشيطان ، تتعارض مع المحبة والانجذاب «ان اوليائي تحت ~~قبابي لا يعرفهم غيري» (2) . فانت اذا كنت من اولياء الله والمنجذبين اليه ~~ومحبيه ، فان الله يعلم بذلك ، فلا تظهر للناس مدى مقامك ومنزلتك PageV01P159 الاربعون حديثا :160 # بهذه الصورة ، ولا تسع لتلفت قلوب عباد الله الضعيفة من وجهة خالقها الى ~~وجهة المخلوق ولا تغتصب بيت الله . واعلم ان عباد الله اعزاء وقلوبهم ثمينة ~~ويجب ان تشتغل في محبة الله ، فلا تتلاعب الى هذا الحد ببيت الله ولا تتعرض ~~لحرماته ، «فان للبيت ربا» فاذا ms143 لم تكن صادقا في دعاواك ، فانت في زمرة اهل ~~النفاق ومن ذوي الوجهين . # لنكتف بهذا القدر هنا ، اذ ليس الاسهام في هذا الموضوع مما يجدر بي وانا ~~ذو الوجه المظلم ! . # يا ايتها النفس اللئيمة التي تتظاهرين بالتفكير للخروج من الايام المظلمة ~~والنجاة من هذه التعاسة . اذا كنت صادقة ، وقلبك يواكب لسانك ، وسرك يطابق ~~علنك ، فلماذا انت غافلة الى هذا الحد ؟ ولماذا يسيطر عليك القلب المظلم ~~والشهوات النفسانية وتتغلب عليك ، دون ان تفكري في رحلة الموت المليئة ~~بالمخاطر ؟ # لقد تصرم عمرك دون ان تبتعد عن اهوائك ورغباتك . لقد امضيت عمرا منغمسا ~~في الشهوة والغفلة والشقاء وسيحل الاجل قريبا ، وانت ما زلت تمارس اعمالك ~~واخلاقك القبيحة . فانت نفسك واعظ غير متعظ ، ومن زمرة المنافقين وذوي ~~الوجهين . ولئن بقيت على هذا الحال فستحشر بوجهين ولسانين من نار ... # اللهم ايقظنا من هذه الرقدة المديدة ، وصحنا من السكر والغفلة ! وانر ~~قلوبنا بنور الايمان ! وارحم حالنا ! اننا لسنا من رجال هذا الميدان . فمد ~~الينا يدك واعنا على النجاة من مخالب الشيطان واهواء النفس ، بحق اوليائك ~~محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين . PageV01P160 # الاربعون حديثا :161 ### | AUTO الحديث العاشر: اتباع الهوى وطول الامل PageV01P161 الاربعون حديثا :162 # بالاسناد المتصلة الى رئيس المحدثين محمد بن يعقوب رضوان الله عليه عن ~~الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الوشاء ، عن عاصم بن حميد ، عن ابي ~~حمزة ، عن يحيى بن عقيل قال : قال امير المؤمنين عليه السلام : «انما ~~اخاف عليكم اثنتين : اتباع الهوى وطول الامل ، اما اتباع الهوى فانه يصد عن ~~الحق واما طول الامل فانه ينسي الآخرة» (1) . PageV01P162 # الاربعون حديثا :163 ### || AUTO الشرح : # «الهوى» في اللغة «حب الشيء» و«اشتهاؤه» من دون فرق في ان يكون المتعلق ~~امرا حسنا ممدوحا ، او قبيحا مذموما . او لان النفس بمقتضى الطبيعة ، تميل ~~الى الشهوات الباطلة والاهواء النفسية ، لولا العقل والشرع اللذان يكبحانها ~~(1) . اما احتمال الحقيقة الشرعية كما يقول بعض المحققين فمستبعد . # اما «الصد» عن الشيء فمعناه المنع والاعراض والإنصراف عنه . وهي معان ~~تناسب الكلمة ms144 ، الا ان المعنى المقصود هنا هو المنع والإنصراف عن الشيء ، ~~اذ ان الصد بمعنى الاعراض يكون لازما لا متعديا . # وسوف نحاول ، ان شاء الله ، من خلال مقامين اثنين ان نوضح فساد هاتين ~~الصفتين ، وكيف تقوم الاولى بالمنع عن الحق . وتقوم الثانية بنسيان الآخرة ~~. طالبين من الله التوفيق : ### || AUTO المقام الاول: في ذم اتباع هوى النفس # وفيه فصول ### || AUTO فصل: في بيان ان الانسان عند ولادته يكون حيوانا بالفعل # اعلم ان النفس الانسانية ، على الرغم من كونها في معنى من المعاني ~~الخارجة عن نطاق بحثنا مفطورة على التوحيد ، بل هي مفطورة على جميع ~~العقائد الحقة . ولكنها منذ ولادتها وخروجها الى هذا العالم تنمو معها ~~الميول النفسية والشهوات الحيوانية ، الا من ايده PageV01P163 الاربعون حديثا :164 # الله وكان له حافظ قدسي . ولما كان هذا الاستثناء من النوادر فانه لا ~~يدخل في حسابنا ، لاننا نتناول نوع الانسان عموما . # لقد ثبت في محله بالبراهين ان الانسان منذ اول ظهوره ، وبعد مروره بمراحل ~~عدة ، لا يعدو ان يكون حيوانا ضعيفا لا يمتاز عن سائر الحيوانات الا ~~بقابلياته الانسانية . وان تلك القابليات ليست بمقياس انسانيته الفعلية . # فالانسان حيوان بالفعل عند دخوله هذا العالم ، ولا معيار له سوى شريعة ~~الحيوانات التي تديرها الشهوة والغضب . ولكن لما كان اعجوبة الدهر هذا ~~الانسان له ذات جامعة ، او قابلة على الجمع ، فانه لكي يدبر هاتين القوتين ~~، تجده يتوسل باستعمال الصفات الشيطانية ، مثل الكذب والخديعة والنفاق ~~والنميمة وسائر الصفات الشيطانية الاخرى . وهو بهذه القوى الثلاث الشهوة ، ~~الغضب ، هوى النفس التي هي اصل كل المفساد المهلكة ، يخطو نحو التقدم ، ~~فتنمو فيه كذلك هذه القوى وتتقدم وتتعاظم . واذا لم تقع تحت تاثير مرب او ~~معلم ، فانه يصبح عند الرشد والبلوغ حيوانا عجيبا يفوز بقصب السبق في تلك ~~الامور المذكورة على سائر الحيوانات والشياطين ، ويكون اقوى واكمل في مقام ~~الحيوانية والصفات الشيطانية من الجميع . واذا ما استمرت حاله على هذا ~~المنوال ، ولم يتبع في هذه الشؤون الثلاثة سوى اهوائه النفسية ، فلن يبرز ~~فيه شيء من ms145 المعارف الالهية والاخلاق الفاضلة والاعمال الصالحة ، بل تنطفئ ~~فيه جميع الانوار الفطرية . # فتقع جميع مراتب الحق التي لا تعدو هذه المقامات الثلاثة التي ذكرناها ~~اي المعارف الالهية ، والاخلاق الفاضلة ، والاعمال الصالحة تحت اقدام ~~الاهواء النفسية . وعندئذ يصبح اتباع الاهواء النفسية والرغبات الحيوانية ~~حائلا دون ان يتجلى فيه الحق من خلال اية واحدة من تلك المراتب ، ويطفئ ~~ظلام النفس واهواؤها كل انوار العقل والايمان ، ولن تتاح له ولادة ثانية ، ~~اي الولادة الانسانية ، بل يمكث على تلك الحال ويكون ممنوعا مصدودا عن الحق ~~والحقيقة الى ان يرحل عن هذا العالم . ان مثل هذا الشخص اذا رحل عن هذا ~~العالم بتلك الحالة ، فلن يرى نفسه في ذلك العالم ، عالم كشف السرائر ، الا ~~حيوانا او شيطانا . لا تشم منه رائحة الانسان والانسانية ابدا ، فيبقى في ~~تلك الحال من الظلام والعذاب والخوف الذي لا ينتهي حتى يقضي الله امرا كان ~~مفعولا . اذن هذه هي حال التبعية الكاملة لاهواء النفس والتي تبعد الانسان ~~نهائيا عن الحق . # ومن هنا يمكن ان نعرف ان ميزان البعد عن الحق هو اتباع هوى النفس . ~~ومسافة هذا البعد تقدر ايضا بمقدار التبعية . فمثلا ، لو ان هذا الانسان ، ~~استطاع ان يجعل مملكة انسانية هذا الانسان الذي اقترن منذ ولادته بالقوى ~~الثلاثة وترعرعت وتكاملت تلك القوى ايضا مع نمو PageV01P164 الاربعون حديثا :165 # الانسان وتكامله ، لو استطاع ان يجعل هذه المملكة متاثرة بتربية تعاليم ~~الانبياء والعلماء والمرشدين لاستسلم شيئا فشيئا لسلطة تربية الانبياء ~~والاولياء عليهم السلام ، فقد لا يمضي عليه وقت طويل حتى تصبح القوة ~~الكاملة الانسانية ، التي اودعت فيه على اساس القابلية فعلية تظهر للعيان ، ~~وترجع جميع شؤون مملكته وقواها الى شان الانسانية بحيث يجعل شيطان نفسه ~~يؤمن على يديه ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «ان شيطاني ~~آمن بيدي» (1) فتستسلم حيوانيته لإنسانيته ، حتى تصبح مطية مروضة على طريق ~~عالم الكمال والرقي ، وبراقا يرتاد السماء نحو الآخرة ، ويمتنع عن كل ~~معاندة وتمرد . وبعد ان تستسلم الشهوة والغضب الى مقام العدل ms146 والشرع تنتشر ~~العدالة في المملكة ، وتتشكل حكومة عادلة حقة يكون فيها العمل والسيادة ~~للحق وللقوانين الحقة ، بحيث لا تتخذ فيها خطوة واحدة ضد الحق ، وتكون ~~خالية من كل باطل وجور . # وعليه ، فكما ان ميزان منع الحق والصد عنه هو اتباع الهوى ، فكذلك ميزان ~~اجتذاب الحق وسيادته هو متابعة الشرع والعقل . وبين هذين المقياسين وهما ~~التبعية التامة لهوى النفس والتبعية التامة المطلقة للعقل منازل غير ~~متناهية ، بحيث ان كل خطوة يخطوها في اتباع هوى النفس ، يكون بالمقدار نفسه ~~قد منع الحق ، وحجب الحقيقة ، وابتعد عن انوار الكمال الانساني واسرار ~~وجوده . وبعكس ذلك ، كلما خطا خطوة مخالفة لهوى النفس ورغبتها ، يكون ~~بالمقدار نفسه قد ازاح الحجاب وتجلى نور الحق في المملكة . ### ||| AUTO فصل: في ذم اتباع الهوى # يقول الله تعالى في ذم اتباع النفس واهوائها : «ولا تتبع الهوى فيضلك عن ~~سبيل الله» (2) «... ومن اضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله» (3) . # وجاء في الكافي الشريف ، بسنده عن الامام الباقر عليه السلام قال : «قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يقول الله عز وجل : وعزتي وجلالي ~~وعظمتي وكبريائي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواه على هواي الا ~~شتت عليه امره ولبست عليه دنياه وشغلت قلبه بها ولم اوته منها الا ما قدرت ~~له وعزتي وجلالي وعظمتي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواي على هواه PageV01P165 الاربعون حديثا :166 # الا استحفظته ملائكتي وكفلت السموات والارضين رزقه وكنت له من وراء تجارة ~~كل تاجر واتته الدنيا وهي راغمة» (1) . # وهذا الحديث الشريف من محكمات الاحاديث التي يدل مضمونها على انه ينبع من ~~علم الله تعالى الرائق حتى وان كان مطعونا فيه بضعف السند ، فنحن لسنا بصدد ~~شرحه . وهناك حديث آخر منقول عن الامام علي عليه السلام قال فيه : # «ان اخوف ما اخاف عليكم اثنان اتباع الهوى ، وطول الامل» (2) . # وجاء في الكافي عن الامام الصادق عليه السلام انه قال : # «احذروا اهوائكم كما تحذرون اعدائكم ، فليس شيء اعدى للرجال من اتباع ~~اهوائهم وحصائد السنتهم» ms147 (3) . # اعلم ايها العزيز ، ان رغبات النفس وآمالها لا تنتهي ولا تصل الى حد او ~~غاية . فاذا اتبعها الانسان ولو بخطوة واحدة ، فسوف يضطر الى ان يتبع ~~الخطوة خطوات ، واذا رضي بهوى واحد من اهوائها ، اجبر على الرضى بالكثير ~~منها . ولئن فتحت بابا واحدا لهوى نفسك ، فان عليك ان تفتح ابوابا عديدة له . # انك بمتابعتك هوى واحدا من اهواء النفس توقعها في عدد من المفاسد ، ومن ~~ثم سوف تبتلى بآلاف المهالك ، حتى تنغلق لا سمح الله جميع طريق الحق ~~بوجهك في آخر لحظات حياتك ، كما اخبر الله بذلك في نص كتابه الكريم ، وكان ~~هذا هو اخشى ما يخشاه امير المؤمنين وولي الامر ، والمولى ، والمرشد ~~والكفيل للهداية والموجه للعائلة البشرية عليه السلام . # بل ان روح النبي صلى الله عليه وآله وسلم وارواح الائمة عليهم السلام ~~تكون جميعا في قلق واضطراب لئلا تسقط اوراق شجرة النبوة والولاية وتذوي . # قال صلى الله عليه وآله وسلم : # «تناكحوا تناسلوا فاني اباهي بكم الامم ولو بالسقط» (4) . # لا شك في انه لو سار الانسان في مثل هذه الطريق المخوفة المحفوفة ~~بالمخاطر مما قد PageV01P166 الاربعون حديثا :167 # يلقي به الى هوة الفناء ويجعله موضع عقوق ابيه الحقيقي ، اي النبي الكريم ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، ويبحث على نمط العظيم الذي هو رحمة للعالمين . ~~فما اشد تعاسته ، وما اكثر المصائب والبلايا التي يخبئها له الغيب ! . # فاذا كنت على صلة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، واذا كنت تحب ~~امير المؤمنين عليه السلام واذا كنت من محبي اولادهما الطاهرين ، فاسع لكي ~~تزيل عن قلوبهم المباركة القلق والاضطراب . # لقد جاء في القرآن الكريم في سورة هود : # «... فاستقم كما امرت ومن تاب معك ...» (1) . وجاء في الحديث الشريف ان ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : «شيبتني سورة هود لمكان هذه الآية» (2) . # يقول الشيخ العارف الكامل الشاه آبادي روحي فداه : «هذا ، على الرغم من ~~ان هذه الآية قد جاءت في سورة الشورى ايضا ، ولكن من دون « ومن تاب معك » ~~الا ان النبي خص ms148 سورة هود بالذكر ، والسبب ان الله تعالى طلب منه استقامة ~~الامة ايضا ، فكان يخشى ان لا يتحقق ذلك الطلب ، والا فانه بذاته كان اشد ~~ما يكون استقامة ، بل لقد كان صلى الله عليه وآله وسلم مثال العدل ~~والاستقامة» . # اذا ، يا اخي ، اذا كنت تعرف انك من اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~، وتريد ان تحقق هدفه ، فاعمل على ان لا تضعه موضع الخجل بقبيح عملك وسوء ~~فعلك . ترى اذا كان احد من اولادك والمقربين اليك يعمل القبيح وغير المناسب ~~من الاعمال التي تتعارض وشأنك ، فكم سيكون ذلك مدعاة لخجلك من الناس وسببا ~~في طأطأة راسك امامهم ؟ اعلم ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وعلي ~~عليه السلام ، هما ابوا هذه الامة بنص ما قاله النبي الكريم : «انا وعلي ~~ابوا هذه الامة» (3) . فلو احضرنا في حضرة رب العالمين يوم الحساب وامام ~~نبينا وائمتنا ، ولم يكن في كتاب اعمالنا سوى القبيح من الاعمال ، فان ذلك ~~سوف يصعب عليهم ولسوف يشعرون بالخجل في حضرة الله والملائكة والانبياء . ~~وهذا هو الظلم العظيم الذي نكون قد ارتكبناه بحقهم ، وانها لمصيبة عظمى ~~نبتلى بها ، ولا نعلم ما الذي سيفعله الله بنا ؟ # فيا يها الانسان الظلوم الجهول ، يا من تظلم نفسك ! كيف تكافئ اولياءك ~~الذين بذلوا اموالهم وارواحهم في سبيل هدايتك ، وتحملوا اشد المصائب ، ~~وافظع القتل ، واقسى السبي PageV01P167 الاربعون حديثا :168 # لنسائهم واطفالهم من اجل ارشادك ونجاتك ؟ فبدلا من ان تشكرهم على ما ~~فعلوا وتحفظ لهم اياديهم البيض نحوك ، تقوم بظلمهم ظنا منك انك انما تظلم ~~نفسك وحدها ! استيقظ من نوم الغفلة ، واخجل من نفسك ، واتركهم يعانون من ~~الظلم الذي تحملوه من اعداء الدين من دون ان تضيف على ظلامتهم ظلامة اخرى ، ~~لان الظلم من المحب اشد الما واكثر قبحا ! . ### ||| AUTO فصل: في تعدد هوى النفس # لا بد ان نعرف ان اهواء النفس متعددة ومتنوعة من حيث المراتب والمتعلقات ~~، وقد تكون احيانا من الدقة بحيث ان الانسان نفسه يغفل عن ملاحظة انها من ~~مكائد الشيطان ms149 ومن اهواء النفس ، ما لم ينبه على ذلك ، ويوقظ من غفلته . ~~الا انها جميعها تشترك في كونها تمنع الحق وتصد عن طريقه ، رغم اختلاف ~~مراتبها ودرجاتها ، فان اصحاب الاهواء الباطلة من الذين يتخذون الآلهة من ~~الذهب وغيرهم كما يخبر الله سبحانه عنهم في قوله «افرايت من اتخذ الهه ~~هواه» (1) وغيرها من الآيات الشريفة ينقطعون عن الله ، بصورة معينة ، وان ~~اتباع الاهواء النفسية والاباطيل الشيطانية في عقائدهم الباطلة واخلاقهم ~~الفاسدة يحتجبون عنه سبحانه بصورة اخرى ، وان اصحاب المعاصي الكبيرة ~~والصغيرة والموبقات والمهلكات كل حسب درجة المعصية ومرتبتها يبتعدون عن ~~سبيل الحق بصورة ثالثة . وان اهل الاهواء في الرغبات النفسية المباحة مع ~~الانشغال والانهماك فيها يتخلفون عن سبيل الحق بصورة رابعة . وان اهل ~~المناسك والطاعات الظاهرية الذين يعبدون من اجل عمران الآخرة وتلبية ~~الشهوات النفسية ومن اجل البلوغ الى الدرجات العلى او الخشية من العذاب ~~الاليم والنجاة من الدركات السفلى يحتجبون عن الحق وسبيله بصورة خامسة ، ~~وان اصحاب تهذيب النفس وترويضها ، لاظهار قدرتها واالوصول الى جنة الصفات ، ~~فيفصلون عن الحق ولقائه بشكل آخر ، وان اهل العرفان والسلوك والانجذاب ~~ومقامات العارفين الذين لا يهمهم سوى لقاء الحق والوصول الى مقام القرب ، ~~يحتجبون عن الحق وتجلياته الخاصة بنوع سابع لان التلون وآثار وجوده الخاص ~~لا يزال عندهم موجودا . # ثم توجد بعد هذه المراتب درجات اخرى لا يناسب ذكرها في هذا المقام . فان ~~على اصحاب هذه المراتب ان يراقبوا بدقة حالهم ، وان يطهروا انفسهم من ~~الاهواء لئلا يتخلفوا عن طريق الله ولا يضلوا عن مسالك الحقيقة ، حتى تظل ~~ابواب الرحمة مفتوحة عليهم ، مهما تكن مقاماتهم ومنازلهم . والله ولي ~~الهداية . PageV01P168 # الاربعون حديثا :169 ### || AUTO المقام الثاني: في ذم طول الامل ### ||| AUTO وفيه فصلان ### ||| AUTO فصل: في بيان ان طول الامل ينسي الاخرة # اعلم ان المنزل الاول من منازل الانسانية هو منزل اليقظة كما يقوله كبار ~~اهل السلوك في بيانهم لمنازل السالكين ، ولهذا المنزل كما يقول الشيخ ~~العظيم الشأن الشاه آبادي دام ظله بيوت عشرة ، لسنا الآن ms150 بصدد تعدادها . ~~ولكن ما يجب قوله هو ان الانسان ما لم ينتبه الى انه مسافر ، ولا بد من ~~السير ، وان له هدف وتجب الحركة نحوه ، وان البلوغ الى المقصد ممكن ، لما ~~حصل له العزم والارادة للتحرك . ولكل واحد من هذه الامور ، شرح وبيان لو ~~ذكرناه لطال بنا المقام . # ويجب ان نعرف ان من اهم اسباب عدم التيقظ الذي يؤدي الى نسيان المقصد ~~ونسيان لزوم المسير ، والى اماتة العزم والارادة ، هو ان يظن الانسان ان في ~~الوقت متسعا للبدء بالسير ، وانه اذا لم يبدا بالتحرك نحو المقصد اليوم ، ~~فسوف يبدأه غدا ، واذا لم يكن في هذا الشهر ، فسيكون في الشهر المقبل . # فان طول الامل هذا وامتداد الرجاء ، وظن طول البقاء ، والامل في الحياة ~~ورجاء سعة الوقت ، يمنع الانسان من التفكير في المقصد الاساسي الذي هو ~~الآخرة . ومن لزوم السير نحوه ومن لزوم اتخاذ الصديق وتهياة الزاد للطريق ، ~~ويبعث الانسان على نسيان الآخرة ومحو المقصد من فكره ولا قدر الله اذا ~~اصيب الانسان بنسيان للهدف المنشود في رحلة بعيدة وطويلة ومحفوفة بالمخاطر ~~مع ضيق الوقت ، وعدم توفر العدة والعدد رغم ضرورتها في السفر ، فانه من ~~الواضح لا يفكر في الزاد ، والراحلة ولوازم السفر وعندما يحين وقت السفر ~~يشعر بالتعاسة ، ويتعثر ويسقط في اثناء الطريق ، ويهلك دون ان يهتدي الى سبيل . # فصل: # اعلم اذا ، ايها العزيز ، ان امامك رحلة خطرة لا مناص لك منها ، وان ما ~~يلزمها من عدة وعدد وزاد وراحلة هو العلم العمل الصالح . وهي رحلة ليس لها ~~موعد معين ، فقد يكون الوقت ضيقا جدا ، فتفوتك الفرصة . ان الانسان لا يعلم ~~متى يقرع ناقوس الرحيل للانطلاق فورا . ان طول الامل المعشعش عندي وعندك ~~الناجم من حب النفس ومكائد الشيطان الملعون ومغرياته ، تمنعنا من الاهتمام ~~بعالم الآخرة ومن القيام بما يجب علينا . واذا كانت هناك مخاطر PageV01P169 الاربعون حديثا :170 # وعوائق في الطريق ، فلا نسعى لازالتها بالتوبة والانابة والرجوع الى طريق ~~الله ، ولا نعمل على تهيئة زاد وراحلة ، حتى اذا ما ازف الوعد ms151 الموعود ~~اضطررنا الى الرحيل دون زاد ولا راحلة . ومن دون العمل الصالح ، والعلم ~~النافع ، اللذان تدور عليهما مؤونة ذلك العالم ، ولم نهيأ لأنفسنا شيئا ~~منهما . وحتى لو كنا قد عملنا عملا صالحا ، فانه لم يكن خالصا بل مشوبا ~~بالغش ، ومع آلاف من موانع القبول . واذا كنا قد نلنا بعض العلم ، فقد كان ~~علما بلا نتيجة وهذا العلم اما ان يكون لغوا وباطلا ، واما انه من الموانع ~~الكبير في طريق الآخرة . ولو كان ذلك العلم والعمل صالحين ، لكان لهما ~~تاثير حتمي وواضح فينا نحن الذين صرفنا عليهما سنوات طوالا ، ولغيرا من ~~اخلاقنا وحالاتنا . فما الذي حصل حتى كان لعملنا وعلمنا مدة اربعين او ~~خمسين سنة تاثير معكوس بحيث اصبحت قلوبنا اصلب من الصخر القاسي ؟ ما الذي ~~جنيناه من الصلاة التي هي معراج المؤمنين ؟ اين ذلك الخوف وتلك الخشية ~~الملازمة للعلم ؟ لو اننا اجبرنا على الرحيل ونحن على هذه الحال لا سمح ~~الله لكان علينا ان نتحمل الكثير من الحسرات والخسائر العظيمة في الطريق ، ~~مما لا يمكن ازالته ! . # اذا ، فنسيان الآخرة من الامور التي يخافها علينا ولي الله الاعظم ، ~~الامام امير المؤمنين عليه السلام ، ويخاف علينا من الباعث لهذا النسيان ~~وهو طول الامل ، لانه يعرف مدى خطورة هذه الرحلة ، ويعلم ماذا يجري على ~~الانسان الذي يجب ان لا يهدأ لحظة واحدة عن التهيؤ واعداد الزاد والراحلة ، ~~عندما ينسى العالم الآخر ، ويستهويه النوم والغفلة من دون ان يعلم ان هناك ~~عالما آخر ، وان عليه ان يسير اليه حثيثا . وما سيحصل له وما هي المشاكل ~~التي يواجهها ؟ # يحسن بنا ان نفكر قليلا في سيرة امير المؤمنين والنبي الكريم صلى الله ~~عليه وآله وسلم ، وهما من اشرف خلق الله ومن المعصومين عن الخطأ والنسيان ~~والزلل والطغيان ، لكي نقارن بين حالنا وحالهم . ان معرفتهم بطول السفر ~~ومخاطره قد سلبت الراحة منهم ، وان جهلنا اوجد النسيان والغفلة فينا . # ان نبينا صلى الله عليه وآله وسلم قد روض نفسه كثيرا في عبادة الله ، ~~وقام على قدميه في طاعة ms152 الله حتى ورمت رجلاه ، فنزلت الآية الكريمة تقول له ~~: «طه * ما انزلنا عليك القرآن لتشقى» (1) . وعبادات علي عليه السلام ~~وتهجده وخوفه من الحق المتعال معروف للجميع . # اذا ، اعلم ان الرحلة كثيرة المخاطر ، وانما هذا النسيان الموجود فينا ~~ليس الا من مكائد النفس والشيطان ، وما هذه الآمال الطوال الا من احابيل ~~ابليس ومكائده . فتيقظ ايها النائم من PageV01P170 الاربعون حديثا :171 # هذا السبات وتنبه ، واعلم انك مسافر ولك مقصد ، وهو عالم آخر ، وانك راحل ~~عن هذه الدنيا ، شئت ام ابيت . فاذا تهيات للرحيل بالزاد والراحة لم يصبك ~~شيء من عناء السفر ، ولا تصاب بالتعاسة في طريقه ، والا اصبحت فقيرا مسكينا ~~سائرا نحو شقاء لا سعادة فيه ، وذلة لا عزة فيها وفقر لا غناء معه وعذاب لا ~~راحة منه . انها النار التي لا تنطفئ ، والضغط الذي لا يخفف ، والحزن الذي ~~لا يتبعه سرور ، والندامة التي لا تنتهي ابدا . # انظر ايها الاخ الى ما يقوله الامام في دعاء كميل وهو يناجي الحق عز وجل : # «وانت تعلم ضعفي عن قليل من بلاء الدنيا وعقوباتها» الى ان يقول : «وهذا ~~ما لا تقوم له السموات والارض» . ترى ما هذا العذاب الذي لا تطيقه السموات ~~والارض ، الذي قد اعد لك ؟ افلا تستيقظ وتتنبه ، بل تزداد كل يوم استغراقا ~~في النوم والغفلة ؟ # فيا ايها القلب الغافل ! انهض من نومك واعد عدتك للسفر ، «فقد نودي فيكم ~~بالرحيل» (1) ، وعمال عزرائيل منهمكون في العمل ويمكن في كل لحظة ان يسوقوك ~~سوقا الى العالم الآخر . ولا تزال غارقا في الجهل والغفلة ؟ # «اللهم اني اسالك التجافي عن دار الغرور ، والانابة الى دار السرور ~~والاستعداد للموت قبل حلول الفوت» (2) . PageV01P171 # الاربعون حديثا :172 PageV01P172 الاربعون حديثا :173 ### | AUTO الحديث الحادي عشر: الفطرة PageV01P173 الاربعون حديثا :174 # بالسند المتصل الى محمد بن يعقوب ، عن محمد بن يحيى ، عن احمد بن محمد ، ~~عن ابن محبوب ، عن علي بن رئاب ، عن زرارة قال : «سالت ابا عبد الله عليه ~~السلام عن قول الله عز وجل : « فطرت الله التي فطر الناس عليها » . قال ms153 : ~~«فطرهم جميعا على التوحيد» (1) . PageV01P174 # الاربعون حديثا :175 ### || AUTO الشرح : # يقول اهل اللغة والتفسير : ان «الفطرة» تعني الخلق . وفي الصحاح : ~~«الفطرة» بالكسر «الخلقة» . ويمكن ان تكون الكلمة ماخوذة من «فطر» اي «شق ~~ومزق» كأن الخلق اشبه بشق حجب العدم والغيب . وبهذا المعنى يكون افطار ~~الصائم ، فكأنه يمزق استمرارية الامساك المتصل . # على كل حال ، البحث اللغوى خارج عن نطاق بحثنا . انما هذا الحديث الشريف ~~اشارة الى الآية المباركة في سورة الروم : «فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة ~~الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن اكثر ~~الناس لا يعلمون» (1) . ### || AUTO فصل: في معنى الفطرة # اعلم ان المقصود من «فطرة الله» التي فطر الناس عليها هو الحال والكيفية ~~التي خلق الناس وهم متصفون بها والتي تعد من لوازم وجودهم . ولذلك «تخمرت» ~~طينتهم بها في اصل الخلق . والفطرة الالهية كما سيتبين فيما بعد من ~~الالطاف التي خص الله تعالى بها الانسان من بين جميع المخلوقات ، اذ ان ~~الموجودات الاخرى غير الانسان اما انها لا تملك مثل هذه الفطرة المذكورة ~~واما ان لها حظا ضئيلا منها . # وهنا لا بد من معرفة ان الفطرة ، وان فسرت في هذا الحديث الشريف وغيره من ~~الاحاديث بالتوحيد ، الا ان هذا هو من قبيل بيان المصداق ، او التفسير ~~باشرف اجزاء الشيء ، كاكثر التفاسير الواردة عن اهل بيت العصمة عليهم ~~السلام ، وفي كل مرة تفسر بمصداق جديد PageV01P175 الاربعون حديثا :176 # بحسب مقتضى المناسبة ، فيحسب الجاهل ان هناك تعارضا . والدليل على ان ~~المقام كذلك هو ان الآية الشريفة تعتبر «الدين» هو «فطرة الله» مع ان الدين ~~يشمل التوحيد والمبادئ الاخرى . # وفي صحيحة عبد الله بن سنان فسرت الفطرة على انها تعني «الاسلام» . وفي ~~حسنة زرارة فسرت بالمعرفة ، وفي الحديث المعروف : «كل مولود يولد على ~~الفطرة» (1) جاءت في قبال «التهود» و«التنصر» و«التمجس» . كما ان الامام ~~الباقر عليه السلام في حسنة زرارة المذكورة فسرها بالمعرفة . وعليه ، ~~فالفطرة ليست مقصورة على التوحيد ، بل ان جميع المبادئ الحقة هي من الامور ~~التي ms154 فطر الله تعالى الانسان عليها . ### || AUTO فصل: في تحديد احكام الفطرة # لا بد ان نعرف بان ما هو من احكام الفطرة لا يمكن ان يختلف فيه اثنان ، ~~من ناحية انها من لوازم الوجود وقد تخمرت في اصل الطبيعة والخلقة . فالجميع ~~، من الجاهل والمتوحش والمتحضر والمدني والبدوي ، مجمعون على ذلك . وليس ~~ثمة منفذ للعادات والمذاهب والطرق المختلفة للتسلل اليها والاخلال بها . ان ~~اختلاف البلاد والاهواء والمانوسات والآراء والعادات ، التي توجب وتسبب ~~الخلاف والاختلاف في كل شيء ، حتى في الاحكام العقلية ، ليس لها مثل هذا ~~التاثير ابدا في الامور الفطرية . كما ان اختلاف الادراك والافهام قوة ~~وضعفا لا تؤثر فيها . واذا لم يكن الشيء بتلك الكيفية فليس من احكام الفطرة ~~ويجب اخراجه من فصيلة الامور الفطرية . ولذلك تقول الآية : «فطر الناس ~~عليها» (2) اي انها لا تختص بفئة خاصة ولا طائفة من الناس . ويقول تعالى ~~ايضا : «لا تبديل لخلق الله» (3) اي لا يغيره شيء ، كما هو شأن الامور ~~الاخرى التي تختلف بتاثير العادات وغيرها . # ولكن مما يثير الدهشة والعجب انه على الرغم من عدم وجود اي خلاف بشأن ~~الامور الفطرية ، من اول العالم الى آخره ، فان الناس يكادون ان يكونوا ~~غافلين عن انهم متفقون ، ويظنون انهم مختلفون ، ما لم ينبههم احد على ذلك ، ~~وعند ذلك يدركون انهم كانوا متفقين رغم اختلافهم في الظاهر كما سيتضح ذلك ~~فيما ياتي من البحث ان شاء الله . # وهذا ما تشير اليه الجملة الاخيرة من الآية الشريفة : «ولكن اكثر الناس ~~لا يعلمون» (4) . # فيتضح مما سبق ذكره ان احكام الفطرة اكثر بداهة من كل امر بديهي . اذ لا ~~يوجد في PageV01P176 الاربعون حديثا :177 # جميع الاحكام العقلية حكم مثلها في البداهة والوضوح ، حيث لم يختلف فيه ~~الناس ولن يختلفوا . وعلى هذا الاساس تكون الفطرة من اوضح الضروريات وابده ~~البديهيات ، كما ان لوازمها ايضا يجب ان تكون من اوضح الضروريات . فاذا كان ~~التوحيد او سائر المعارف من احكام الفطرة او من لوازمها ، وجب ان يكون من ~~اوضح الضروريات واجلى البديهيات «ولكن ms155 اكثر الناس لا يعلمون» . ### || AUTO فصل: # اعلم ان المفسرين ، من العامة والخاصة ، فسروا كل على طريقته ، كيفية كون ~~الدين او التوحيد من الفطرة . ولكننا في هذه الوريقات لا نجري مجراهم وانما ~~نستفيد في هذا المقام من آراء الشيخ العارف الكامل (الشاه آبادي) الذي هو ~~نسيج وحده في هذا الميدان ، ولو ان بعضها قد ورد بصورة الاشارة والرمز في ~~بعض كتب المحققين من اهل المعارف ، وبعضها الآخر مما خطر في فكري القاصر . # اذا ، لا بد ان نعرف ان من انواع الفطرة الالهية ما يكون على «اصل وجود ~~المبدا» تعالى وتقدس ومنها الفطرة على «التوحيد» واخرى على «استجماع ذات ~~الله المقدسة لجميع الكمالات» واخرى على «المعاد ويوم القيامة» واخرى على ~~«النبوة» و«وجود الملائكة والروحانيين وانزال الكتب واعلان طريق الهداية» . ~~وهذه الامور بعضها من الفطرة ، وبعضها من لوازم الفطرة . فالايمان بالله ~~تعالى وبملائكته وكتبه ورسله وبيوم القيامة ، هو الدين القيم المحكم ~~والمستقيم والحق على امتداد حياة المجموعة البشرية . ولسوف نشير الى بعض ~~منها مما يتناسب والحديث الشريف ، طالبين التوفيق من الحق تعالى . ### ||| AUTO المقام الاول: في بيان ان اصل وجود المبدأ المتعالي جل وعلا ~~من الامور الفطرية # وهذا يتضح بعد التنبيه الى مقدمة واحدة هي : ان من الامور الفطرية التي ~~جبلت عليها سلسلة بني البشر باكملها ، بحيث انك لن تجد فردا واحدا في كل ~~المجموعة البشرية يخالفها ، وان العادات والاخلاق والمذاهب والمسالك وغيرها ~~لا يمكن ان تبدلها ولا ان تحدث فيها خللا ، انها «الفطرة التي تعيش الكمال» ~~. فانت ان تجولت في جميع الادوار التي مر بها الانسان ، واستنطقت كل فرد من ~~الافراد ، وكل طائفة من الطوائف ، وكل ملة من الملل ، تجد هذا العشق والحب ~~قد جبل في طينته ، فتجد قلبه متوجها نحو الكمال . بل ان ما يحدد الانسان ~~ويدفعه في سكناته وتحركاته ، وكل العناء والجهود المضنية التي يبذلها كل ~~فرد في مجال عمله وتخصصه ، انما هو نابع من حب الكمال ، على الرغم من وجود ~~منتهى الخلاف بين الناس فيما يرونه من الكمال ؟ واين ms156 يوجد الحبيب ويشاهد ~~المعشوق ؟ . PageV01P177 # الاربعون حديثا :178 # فكل يجد معشوقه في شيء ، ظانا ان ذلك هو الكمال وكعبة الآمال ، فيتخيله ~~في امر معين ، فيتوجه اليه ، ويتفانى في سبيله تفاني العاشق . ان اهل ~~الدنيا وزخارفها يحسبون الكمال في الثروة ، ويجدون معشوقهم فيها ، فيبذلون ~~من كل وجودهم الجهد والخدمة الخالصة في سبيل تحصيلها فكل شخص ، مهما يكن ~~نوع عمله ، ومهما يكن موضع حبه وتعشقه ، فانه لاعتقاده بان ذلك هو الكمال ~~يتوجه نحوه . وهكذا حال اهل العلوم والصنايع ، كل يرى الكمال في شيء ويعتقد ~~انه معشوقه ، بينما يرى اهل الآخرة والذكر والفكر غير ذلك ... # وعليه ، فجميعهم يسعون نحو الكمال . فاذا ما تصوروه في شيء موجود او ~~موهوم تعلقوا به وعشقوه . ولكن لا بد ان نعرف انه على الرغم من هذا الذي ~~قيل ، فان حب هؤلاء وعشقهم ليس في الحقيقة لهذا الذي ظنوه بانه معشوقهم ، ~~وان ما توهموه وتخيلوه ويبحثون عنه ليس هو كعبة آمالهم . اذ لو ان كل واحد ~~منهم رجع الى فطرته لوجد ان قلبه في الوقت الذي يظهر العشق لشيء ما فانه ~~يتحول عن هذا المعشوق الى غيره اذا وجد الثاني اكمل من الاول ، ثم اذا عثر ~~على اكمل من الثاني ، ترك الثاني وانتقل بحبه الى الاكمل منه ، بل ان نيران ~~عشقه لتزداد اشتعالا حتى لا يعود قلبه يلقي برحاله في اية درجة من الدرجات ~~ولا يرضى باي حد من الحدود . # مثلا ، اذا كنت تحب جمال القدود ونضارة الوجوه ، وعثرت على ذلك عند من ~~تراها كذلك ، توجه قلبك نحوها . فاذا لاح لك جمال اجمل ، لا شك في انك سوف ~~تتوجه الى الجميل الاجمل ، او انك على الاقل تطلب الاثنين معا ، ومع ذلك لا ~~تخمد نار الاشتياق عندك ، ولسان حال فطرتك يقول : كيف السبيل اليهما معا ؟ ~~ولكن الواقع هو انك تطلب كل جميل تراه اجمل ، بل قد تزداد اشتياقا بالتخيل ~~، فقد تتخيل ان هناك جميلا اجمل من كل ما تراه بعينك ، في مكان ما ، فيحلق ~~قلبك طائرا الى بلد الحبيب ، ولسان حالك ms157 يقول : انا بين الجمع وقلبي في ~~مكان آخر . وقد تعشق ما تتمنى . فانت ان سمعت باوصاف الجنة وما فيها من ~~الوجوه الساحرة حتى وان لم تكن تؤمن بالجنة لا سمح الله قالت فطرتك : ليت ~~هذه الجنة موجودة وليتهن كن من نصيبي ! . # وهكذا الذين يرون الكمال في السلطان والنفوذ واتساع الملك ، يتجه حبهم ~~واشتياقهم الى ذلك . فهم اذا بسطوا سلطانهم على دولة واحدة ، توجهت انظارهم ~~الى دولة اخرى ، فاذا دخلت تلك الدولة ايضا تحت سيطرتهم ، تطلعت اعينهم الى ~~اكثر من ذلك . فهم كلما استولوا على قطر ، اتجه حبهم الى الاستيلاء على ~~اقطار اخرى ، بل تزداد نار تطلعاتهم لهيبا ، واذا بسطوا سلطانهم على الارض ~~كلها ، وتخيلوا امكان بسط سلطتهم على الكواكب الاخرى ، تمنت قلوبهم لو كان ~~بالامكان ان يطيروا الى تلك العوالم كي يخضعوها لسيطرتهم . PageV01P178 # الاربعون حديثا :179 # وقس على ذلك اصحاب الصناعات ورجال العلم ، وغيرهم ، وكل افراد الجنس ~~البشري ، مهما تكن مهنتهم وحرفهم ، فهم كلما تقدموا فيها مرحلة متقدمة ، ~~رغبوا في بلوغ مرحلة اكمل من سابقتها ، ولهذا يشتد شوقهم وتطلعهم . # اذا ، فنور الفطرة قد هدانا الى ان نعرف ان قلوب جميع ابناء البشر ، من ~~اهالي اقصى المعمورة وسكان البوادي والغابات الى شعوب الدول المتحضرة في ~~العالم ، وابتداء بالطبيعيين والماديين وانتهاء باهل الملل والنحل ، تتوجه ~~قلوبهم بالفطرة الى الكمال الذي لا نقص فيه ، فيعشقون الكمال الذي لا عيب ~~فيه ولا كمال بعده ، والعلم الذي لا جهل فيه ، والقدرة التي لا تعجز عن شيء ~~، والحياة التي لا موت فيها ، اي ان «الكمال المطلق» هو معشوق الجميع . ~~جميع الكائنات والعائلة البشرية ، يقولون بلسان فصيح واحد وبقلب واحد : ~~اننا نعشق الكمال المطلق ، اننا نحب الجمال والجلال المطلق ، اننا نطلب ~~القدرة المطلقة ، والعلم المطلق . فهل هناك في جميع سلسلة الكائنات ، او في ~~عالم التصور والخيال ، وفي كل التجويزات العقلية والاعتبارية ، كائن مطلق ~~الكمال ومطلق الجمال ، سوى الله تقدست اسماؤه ، مبدا العالم جلت عظمته ؟ ~~وهل الجميل على الاطلاق الذي لا نقص فيه الا ذلك المحبوب المطلق ؟ # فيا ms158 ايها الهائمون في وادي الحسرات والضائعون في صحاري الضلالات . بل ~~ايتها الفراشات الهائمة حول شمعة جمال الجميل المطلق ، ويا عشاق الحبيب ~~الخالي من العيوب والدائم الازلي ، عودوا قليلا الى كتاب الفطرة وتصفحوا ~~كتاب ذاتكم لتروا ان قلم قدرة الفطرة الالهية قد كتب فيه : «اني وجهت وجهي ~~للذي فطر السموات والارض» (1) فهل ان «فطر الله التي فطر الناس عليها» هي ~~فطرة التوجه نحو المحبوب المطلق ؟ وهل ان الفطرة التي لا تتبدل «لا تبديل ~~لخلق الله» هي فطرة المعرفة ؟ فإلى متى توجه هذه الفطرة التي وهبك الله ~~اياها نحو الخيالات الباطلة ، نحو هذا وذاك من المخلوقات لله ؟ اذا كان ~~محبوبك هو هذا الجمال الناقص والكمالات المحدودة ، فلماذا عندما تصل اليها ~~يبقى اشتياقك ملتهبا لا يخمد ، بل يزداد ويشتد ؟ . # تيقظ من نوم الغفلة واستبشر فرحا بان لك محبوبا لا يزول ، ومعشوقا لا نقص ~~فيه ، ومطلوبا من دون عيب ، وان لك مقصودا يكون نور طلعته هو النور «الله ~~نور السموات والارض» ، وان محبوبك ذو احاطة واسعة «لو دليتم بحبل الى ~~الارضين السفلى لهبطتم على الله» (2) . اذن يستوجب عشقك الحقيقي معشوقا ~~حقيقيا ، ولا يمكن ان يكون شيئا متوهما متخيلا ، اذ ان كل موهوم ناقص ، ~~والفطرة انما تتوجه الى الكمال . فالعاشق الحقيقي والعشق PageV01P179 الاربعون حديثا :180 # الحقيقي لا يكون من دون معشوق ، ولا يكون غير الله الكامل ، معشوقا تتجه ~~اليه الفطرة . فلازم تعشق الكمال المطلق وجود الكمال المطلق . وقد سبق ان ~~عرفنا ان احكام الفطرة ولوازمها اوضح من جميع البديهيات «افي الله شك فاطر ~~السموات والارض» (1) . ### ||| AUTO المقام الثاني: في بيان ان توحيد الحق المتعالي وصفاته الاخرى فطرية # في بيان أن توحيد الحق تعالى شأنه واستجماع ذاته لكل الكمالات من ~~الأمور الفطرية ، وبالانتباه إلى ما جاء في المقام الأول يتضح ذلك أيضا إلا ~~أننا سنبرهن على ذلك ببيان آخر هنا أيضا . # إعلم أن من الأمور الفطرية التي «فطر الناس عليها» هو النفور من النقص ، ~~ولذلك فإن لإنسان ينفر من كل ناقص ، فهو ينفر منه لأنه وجد ms159 فيه نقصا وعيبا ~~. إذا ، فالفطرة تنفر من النقص والعيب كما أنها تنجذب إلى الكمال . فالفطرة ~~لا بد وأن تتوجه إلى الواحد الأحد ، لأن كل كثير ومركب ناقص ، ولا تكون ~~الكثرة دون محدودية والمحدودية نقص . وكل ناقص مرغوب عنه من جانب الفطرة ~~وليس بمرغوب فيه . إذا ، أمكن من هاتين الفطرتين : «فطرة حب الكمال» و«فطرة ~~النفور من النقص» إثبات التوحيد . بل إن استجماع الله لجميع الكمالات ، ~~وخلو ذاته المقدسة من كل نقص ، قد ثبت بالفطرة أيضا . وسورة التوحيد ~~المباركة التي تبين نسب الحق المتعالي ، وبحسب رأي شيخنا الجليل (2) (روحي ~~فداه) إن الهوية المطلقة ، التي تتوجه إليها الفطرة ، والتي أشير إليها في ~~صدر سورة التوحيد المباركة بكلمة «هو» «هو» المباركة ، تعد برهانا على ~~الصفات الست المذكورة بعد ذلك . إذ لما كانت ذات الله المقدسة هوية مطلقة ، ~~والهوية المطلقة يجب أن تكون كاملة مطلقة ، وإلا لكانت محدودة ، ولم تكن ~~مطلقة ، فهو مستجمع لجميع الكمالات ، فهو (الله) . وفي الوقت الذي يكون ~~مستجمعا لجميع الكمالات يكون بسيطا ، وإلا فالهوية لا تكون مطلقة ، إذا فهو ~~«أحد» ولازم الأحدية هو الواحدية ولما كانت الهوية المطلقة المستجمعة لجميع ~~الكمالات منزهة عن جميع النقائص ، التي تعود بأجمعها إلى الماهية ، إذا ~~فتلك الذات المقدسة هي «الصمد» وليست جوفاء . ولما كانت الهوية مطلقة ، فلن ~~يتولد منها شيء ولا ينفصل عنها شيء ، ولا ينفصل هو عن شيء «لم يلد ولم ~~يولد» وإنما هو مبدأ كل شيء ومرجع جميع الموجودات ، بدون الانفصال الذي ~~يوجب النقصان . والهوية المطلقة أيضا PageV01P180 الاربعون حديثا :181 # ليس لها كفو ، إذ لا يمكن تصور التكرار في الكمال الصرف . إذا فالسورة ~~المباركة (الإخلاص) من أحكام الفطرة ولبيان نسب الحق المتعال . ### ||| AUTO المقام الثالث: في بيان ان المعاد فطري # ان «المعاد» او يوم القيامة من الامور الفطرية المجبولة عليها طينة البشر ~~. وهذا ايضا ، مثل المقامين السابقين ، يمكن البرهنة عليه بطرق كثيرة وامور ~~فطرية عديدة ، ونحن هنا نشير الى بعض منها . # اعلم ان من الفطريات الالهية التي فطرت عليها العائلة البشرية كافة هي ms160 ~~فطرة حب الراحة . فلو انك في كل ادوار التمدن والتوحش ، والتدين والعناد ~~رجعت الى هذا الانسان ، الجاهل والعالم ، والوضيع والشريف ، والمدني ~~والبدوي ، وسألته : «لم كل هذا التعلق المتنوع والاهواء الشتى ، وما الغاية ~~من تحمل كل هذه المشقات والصعوبات والمعاناة في الحياة ؟» فانهم جميعا ~~وبكلمة واحدة وبلسان الفطرة الصريح يجيبون قائلين : بأن كل ما يتوخونه انما ~~هو لراحتهم ، والغاية النهائية والمرام الاخير واقصى ما يتمنونه هو الراحة ~~المطلقة الخالية من كل تعب ونصب . فلما كانت هذه الراحة التي لا تمازجها ~~مشقة والتي لا يشوبها الم ونقمة هي معشوقة الجميع ، وكانت هذه المعشوقة ~~المفقودة لدى كل انسان مقصورة في شيء ، لذلك فهو عندما يحب شيئا يتصور ~~محبوبه فيه ، مع ان مثل هذه الراحة المطلقة لا وجود لها في كل ارجاء العالم ~~وزواياه . اذ ليس من الممكن ان تعثر على راحة غير مشوبة بالألم . ان جميع ~~نعم هذا العالم يصاحبها العناء والعذاب المضني ، وما من لذة الا وفيها الم ~~. ان العذاب والتعب والالم والحزن والهم والغم تملأ ارجاء الارض . # وعلى امتداد حياة الانسان لن تجد فردا واحدا يتساوى عذابه وراحته ، ~~ونعمته توازي تعبه ونقمته ، ناهيك عن الراحة الخالصة المطلقة . وبناء على ~~ذلك فان معشوق الانسان لا يوجد في هذا العالم الدنيوي . ان العشق الفطري ~~الذي جبل عليه ابناء البشر لا يكون من دون معشوق موجود فعلا . # اذا ، لا بد من ان يكون هناك في دار التحقق وعالم الوجود عالم لا تشوب ~~راحته شائبة من الم وعذاب وتعب ، راحة مطلقة لا يخالطها شيء من العناء ~~والشقاء ، سرور دائم خالص لا يعتوره حزن ولا هم . ذلك العالم هو «دار نعيم ~~الله» ، عالم كرم ذات الله المقدسة . # وهو عالم يمكن اثباته بفطرة الحرية ونفوذ الارادة الموجودة في فطرة كل ~~انسان . ولما كانت مواد هذا العالم وما به من العسر والضيق مما يستعصي على ~~حرية الانسان وارادته ، فلا بد PageV01P181 الاربعون حديثا :182 # اذا ، ان يكون هناك عالم آخر تكون للارادة فيه كلمة نافذة ، ولا تستعصي ~~مواده على ms161 ارادة الانسان ، ويكون الانسان في ذلك العالم فعالا لما يشاء ~~والحاكم بما يريد ، حسبما تقتضيه الفطرة . # اذا ، يعتبر العشق للراحة والعشق للحرية هما الجانبان المودعان لدى ~~الانسان ، بموجب فطرة الله التي لا تتبدل ، فيحلق بهما في عالم الملكوت ~~الاعلى متقربا الى الله . # وفي المقام مواضيع اخرى لا تسعها هذه الاوراق ، وفيها فطرات اخرى لاثبات ~~المعارف الحقة ، مثل اثبات النبوة ، وبعثة الرسل ، وانزال الكتب السماوية . ~~بل بفطرة واحدة من هذه الفطر المذكورة يمكن اثبات جميع المعارف . ولكننا ~~نكتفي بهذا القدر لئلا نخرج عن الموضوع ولكيلا نشرح ما لا يتناسب مع الحديث ~~الشريف . # الى هنا عرفنا ان العالم بالمبدأ ، ,الكمالات ، ووحدتها ، والمعاد ، ~~وعالم الآخرة كلها من الامور الفطرية . والحمد لله . PageV01P182 # الاربعون حديثا :183 ### | AUTO الحديث الثاني عشر # التفكر PageV01P183 الاربعون حديثا :184 # بسندي المتصل الى محمد بن يعقوب رضوان الله عليه عن علي بن ابراهيم ، ~~عن ابيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن ابي عبد الله عليه السلام قال : ~~«كان امير المؤمنين عليه السلام يقول : نبه بالتفكر قلبك وجاف عن الليل ~~جنبك واتق الله ربك» (1) . PageV01P184 # الاربعون حديثا :185 ### || AUTO الشرح : # «كان يقول» يختلف عن «قال» او «يقول» من حيث الدلالة ، لأنه يفيد ~~الاستمرار والدوام . وهذا يعني ان الامام عليه السلام كان يكرر هذا الكلام ~~. «والتنبيه» هو الاخراج من الغفلة والايقاظ من النوم . وكلا المعنيين ~~مناسب هنا . فالقلوب قبل التفكر غافلة ، وقبل الايقاظ نائمة ، والتنبيه ~~يخرجها من الغفلة ، ويوقظها من النوم . والنوم واليقظة ، والغفلة والفطنة ، ~~لكل من ملك الجسد وملكوت النفس ، مختلفان . فقد تكون العين الظاهرة يقظة ~~وجانب الملك واعيا ، ولكن عين الباطن والبصيرة تغط في نوم ثقيل ، وجانب ~~ملكوت النفس في غفلة ومن دون وعي . # و«التفكر» اعمال الفكر ، وهو ترتيب الامور المعلومة للوصول الى النتائج ~~المجهولة . فهو اعم من التفكر الذي يعد من مقامات السالكين . لان الخواجه ~~الانصاري يعرفه بقوله : «اعلم ان التفكر تلمس البصيرة لاستدراك البغية» (1) ~~. ومعلوم ان مطلوبات القلب هي المعارف ، ولهذا فان المراد بالتفكر في هذا ~~الحديث الشريف هو المعنى الخاص ms162 الذي يعود الى القلوب وحياتها . # وللقلب تعريفات واصطلاحات كثيرة : فاذا عرف عند الاطباء وعامة الناس ، ~~كان المراد منه تلك القطعة من اللحم الصنوبرية الشكل التي بانقباضها ~~وانبساطها يجري الدم في الشرايين ، ومن ذلك تتولد الروح الحيوانية التي هي ~~بخار لطيف . # وعند الحكماء يطلق على بعض مقامات النفس . وله عند اصحاب العرفان مقامات ~~ومراتب ، يكون التعمق في بيان هذه المصطلحات خارجا عن قصدنا . # وفي القرآن الكريم والاحاديث الشريفة يطلق (القلب) في المواضيع المختلفة على كل PageV01P185 الاربعون حديثا :186 # واحد من المعاني المتداولة بين العامة والخاصة ، مثل «اذ بلغت القلوب ~~الحناجر» (1) وهو بمعناه المتداول بين الاطباء ، «... لهم قلوب لا يفقهون ~~بها ولهم اعين لا يبصرون بها» (2) وهو المعنى المتداول على السنة الحكماء . ~~«ان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد» (3) وهو الاصطلاح ~~الجاري عند العرفاء . وما جاء في الحديث الشريف بشأن التفكر هو المتداول ~~عند الحكماء . اما القلب في اصطلاح العرفاء ، فلا علاقة له بالتفكر ، ~~وخصوصا في بعض مراتبه ، كما يعرف ذلك اهل الاصلاح . # وقول الامام عليه السلام : «جاف عن الليل جنبك» ، الجفاء بمعنى «البعد» ~~و«جافاه عنه ، فتجافى جنبه عن الفراش» اي «نبا» كما في الصحاح . ونسبة ~~المجافاة الى الليل من الاسناد الى المجاز ، او من جعل الليل فراشا ادعاء ، ~~او ان الكلمة استعملت في معناها الحقيقي وان الاسناد يكون حقيقيا ولكن ~~الفرق في الارادة الجدية والاستعمالية ، كما احتملوه في مطلق المجازات ، ~~وحسبما اسهب في شرحه الشيخ الفقيه والاصولي والاديب المتبحر «الشيخ رضا ~~الاصفهاني» في «جلية الحال» . ومهما يكن ، فتلك كناية عن النهوض عن فراش ~~النوم في الليل من اجل العبادة . وبعد ذلك سوف يتم بيان التقوى ومراتبها ، ~~ان شاء الله ... ولكننا سوف نبين ضمن فصول عديدة مناسبات الحديث الشريف ~~فيما يلي : ### || AUTO فصل: في بيان فضيلة التفكر # اعلم ان للتفكر فضائل كثيرة . فالتفكر هو مفتاح ابواب المعارف وخزائن ~~الكمالات والعلوم ، وهو مقدمة لازمة وحتمية للسلوك الانساني ، وله في ~~القرآن الكريم والاحاديث الشريفة تعظيم بليغ وتمجيد كامل ms163 ، كما ان تاركه ~~معير ومذموم . وقد جاء في «الكافي» الشريف عن الامام الصادق عليه السلام : # «افضل العبادة ادمان التفكر في الله وفي قدرته» (4) . ويرد ذكر لهذا ~~الحديث فيما بعد . وفي حديث آخر : «تفكر ساعة خير من قيام ليلة» . وفي حديث ~~عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «ان تفكر ساعة من خير عبادة سنة» . ~~وفي حديث غيره : «ان تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة» ، وفي رواية : ~~«سبعين سنة» ، وعن بعض علماء الفقه والحديث : «الف سنة» . وعلى كل PageV01P186 الاربعون حديثا :187 # حال ، ان للتفكر درجات ومراتب ، ولكل مرتبة نتيجة او نتائج ، وسوف نتناول ~~بعضها . # الاول : هو التفكر في الحق تعالى ، واسمائه وصفاته وكمالاته . ونتيجة ذلك ~~هو العلم بوجوده وبانواع تجلياته ، التي منها الاعيان الواقعية والمظاهر ~~الخارجية . وهذا افضل مراتب التفكر ، واعلى مراتب العلوم ، واتقن مراتب ~~البرهان . اذ ان الانتباه الى ذات العلة ، والتفكر في السبب المطلق ، يدفع ~~بالانسان الى العلم به وبالمسببات والمعلولات . وهذا هو رسم تجليات قلوب ~~الصديقين ، ولذلك سمي باسم : «برهان الصديقين» . فالصديقون بمشاهدة الذات ~~يشهدون الاسماء والصفات ، وفي مرآة الاسماء ، يشهدون الاعيان والمظاهر . ~~وما تسمية هذا القسم من البرهان باسم «برهان الصديقين» الا لان الصديق اذا ~~اراد ان يظهر مشاهداته في صورة برهان ، وان يضع ما وجده ذوقا وشهودا في ~~قالب الالفاظ ، لكان هكذا . ولا يعني هذا الاسم ان كل من استدل بهذا ~~البرهان على ذات الله وتجلياته كان من الصديقين ، ولا ان معارف الصديقين هي ~~من سنخ البراهين ، فان لهم براهين خاصة وهيهات ان تكون علومهم من جنس ~~التفكر ، او ان تكون ثمة مشابهة بين مشاهداتهم وبين البرهان ومقدماته . فما ~~دام القلب في حجاب البرهان ، وخطوته هي خطوة التفكر ، لا يكون قد وصل الى ~~اول مراتب الصديقين . واذا ما خرج من حجاب العلم والبرهان السميك ، فلا ~~علاقة له بالتفكر ، بل يفوز في آخر الامر ومنتهى السلوك بمشاهدة جمال ~~الجميل المطلق ، من دون واسطة البرهان ، وحتى من دون واسطة اي كائن ، ويذوق ~~اللذة الدائمة السرمدية ، ويتحرر ms164 من الدنيا وما فيها ، ويبقى في الفناء ~~التام تحت قباب الكبرياء ، ولا يبقى منه اسم ولا رسم ويصبح مجهولا مطلقا ، ~~الا اذا شملته العناية الالهية وارجعته الى مملكته وممالك الوجود على قدر ~~سعة وجود عينه الثابتة ، ويتم له في هذا الرجوع كشف سبحات الجمال والجلال ، ~~ويشهد في مرآة الذات الاسماء والصفات ، ومنها يفوز بمشاهدة عينه الثابتة ~~وكل ما هو تحت ظل حمايته ، وتتكشف كيفية سلوك المظاهر والرجوع الى الظاهر ، ~~على قلبه ، ثم يتشرف برداء النبوة . اذ في هذا المقام يظهر اختلاف مقامات ~~الانبياء والرسل ، وتنكشف لهم في هذا المقام سعة دائرة الرسالة او ضيقها ~~والمبعوث منه والمبعوث اليه . ان الاسهاب في المقال بهذا الشأن لا يتناسب ~~مع هذه الاوراق ، حتى اننا تغاضينا عن برهان الصديقين ايضا لأن له مقدمات ~~يطول شرحها هنا . ### ||| AUTO تتميم: في بيان التفكر الممنوع والمرغوب في ذات الحق # لا بد ان نعرف ان قولنا : «التفكر في الذات والاسماء والصفات» قد يحمل ~~الجاهل على الظن بأن التفكر في ذات الله ممنوع بحسب الروايات ، دون ان يعلم ~~ان التفكر الممنوع هو PageV01P187 الاربعون حديثا :188 # التفكر في اكتناه الذات وكيفيتها ، حسب ما يستفاد من الاحاديث الشريفة ~~(1) . وقد يمنع غير المؤهل ، من النظر في بعض المعارف ذات المقدمات الدقيقة ~~. وهذان المقامان يتفق بشأنهما الحكماء ايضا . الا ان استحالة اكتناه الذات ~~الالهية مبرهنة في كتبهم ، ومنع التفكر فيها مسلم به عند الجميع . # اما شرائط الدخول في هذه العلوم ، ومنع تعليم غير المؤهل ، فمذكورة في ~~كتبهم . ووصاياهم في خصوص شرائط الدخول مسطورة في اوائل كتبهم او اواخرها ، ~~كما فعل اماما الفن وفيلسوفا الاسلام العظيمان ، «الشيخ ابن سينا» في آخر ~~«الاشارات» (2) و«صدر المتألهين» في آخر «الاسفار» (3) . حيث اوردا ~~وصاياهما البليغة (فراجع) (4) . # اما النظر في ذات الله لغرض اثبات وجوده وتوحيده وتنزيهه وتقديسه ، فهو ~~الغاية من ارسال الانبياء والمقصد لآمال العرفاء . والقرآن الكريم ~~والاحاديث الشريفة مشحونة بالاخبار حول العلم بذات الله وكمالاته واسمائه . ~~وكتب الاخبار المعتبرة ، مثل «الكافي» و«توحيد» الشيخ الصدوق ، تتعمق في ~~اثبات ms165 ذات الله واسمائه وصفاته . والفرق بين المأثورات عن الانبياء وكتب ~~الحكماء انما هو في الاصطلاحات والايجاز والتفصيل فقط ، مثلما ان الفرق بين ~~الفقه والاخبار الخاصة بالفقه هو في الاصطلاحات والايجاز والتفصيل ايضا ، ~~لا في المعنى . # لكن المصيبة في ان هناك بعض الجهلاء في لباس اهل العلم الغير عارفين ~~بالكتاب والسنة والجاهلين بهما ، ظهروا في القرون الاخيرة ، من دون أية ~~رؤية صحيحة او اعتماد على معيار صحيح او معرفة بالكتاب والسنة ، وجعلوا ~~جهلهم وحده دليلا على بطلان العلم بالمبدأ والمعاد ، ولكي يروجوا بضاعتهم ~~حرموا النظر في المعارف التي هي غاية ما يقصده الانبياء والاولياء سلام ~~الله عليهم ، والتي امتلأ بها كتاب الله واخبار اهل البيت عليهم السلام ~~وراحوا يرمون اهل المعرفة بكل شتيمة واتهام ، وسببوا انحراف قلوب عباد الله ~~عن العلم بالمبدأ والمعاد ، وكانوا سببا في تفريق الكلمة وتشتيت شمل ~~المسلمين . ولو سأل سائل : لم كل هذا التكفير والتفسيق ؟ لتشبث المجيب ~~بالحديث القائل : «لا تتفكروا في ذات الله» . ان هذا الجاهل المسكين مخطئ ~~وجاهل من جهتين : # الاولى انه ظن ان الحكماء يقومون بالتفكر في ذات الله ، مع انهم يرون ان ~~التفكر في ذات الله واكتناهها ممتنع ، وهذا من المسائل المبرهن عليها في ~~هذا العلم . PageV01P188 # الاربعون حديثا :189 # والثاني : انه لم يفهم معنى الحديث ، فظن انه لايجوز التفوه بأي شيء عن ~~ذات الله المقدسة مطلقا . اننا سنذكر بعض الاحاديث ونجمع بينها وبين ما في ~~نظرنا القاصر ، ونجعل الانصاف هو الحكم ، على الرغم من ان هذا يخرج قليلا ~~عن موضوعنا ، ولكن لعل فيه بعض الضرورة لرفع الشبهة وابطال الباطل . # الكافي باسناده عن ابي بصير : قال ابو جعفر عليه السلام : «تكلموا في خلق ~~الله ولا تتكلموا في الله فان الكلام في الله لا يزداد صاحبه الا تحيرا» (1) . # يدل هذا الحديث بذاته على ان المراد هو التكلم في اكتناه ذات الله ~~وكيفيته ومحاولة تعليله . والا فان الكلام في اثبات ذاته تعالى وسائر ~~كمالاته وتوحيده وتنزيهه لا يوجب التحير . ولعل النهي موجه الى الذين يكون ~~التكلم ms166 حتى في هذه الامور موجبا لحيرتهم . وقد احتمل المرحوم المحدث ~~المجلسي رحمه الله هذين الاحتمالين ، اللذين قربناهما ، من دون تعليق ، ~~ولكن قوى الاحتمال الاول . # وفي رواية اخرى عن حريز : «تكلموا في كل شيء ولا تتكلموا في ذات الله» ~~(2) . وهناك روايات اخرى بهذا المضمون او قريبة منه ، مما لا نجد ضرورة ~~لذكرها . # وفي «الكافي» عن ابي جعفر (محمد الباقر) عليه السلام قال : «اياكم ~~والتفكر في الله ولكن اذا اردتم ان تنظروا الى عظمته ، فانظروا الى عظيم ~~خلقه (3) . # الظاهر ان هذا الحديث ايضا يشير الى التفكر في كنه ذات الله ، لانه يقول ~~في نهايته : «اذا اردتم ان تنظروا الى عظمته فانظروا الى عظيم خلقه» . اي ~~استدلوا من عظمة المخلوق على عظمة الخالق عز وجل . ويكون هذا على سبيل ~~المثال لمختلف طبقات الناس الذين يمر طريق معرفتهم من خلال المخلوق . # هذه الاحاديث وامثالها التي تنهى عن التكلم في ذات الله والتفكر فيه هي ~~نفسها دليل على ما نقصده . والحديث الذي يوضح هذا الامر هو الحديث الشريف ~~في «الكافي» في باب التفكر . # عن ابي عبد الله (جعفر) الصادق عليه السلام قال : «افضل العبادة ادمان ~~التفكر في الله وفي قدرته» (4) . # وفي حديث آخر في «الكافي» : PageV01P189 # الاربعون حديثا :190 # سئل علي بن الحسين (عليهما السلام) عن التوحيد ، فقال : # «ان الله عز وجل علم انه يكون في آخر الزمان اقوام متعمقون فانزل الله ~~تعالى «قل هو الله احد» ، والآيات من سورة الحديد الى قوله : «وهو عليم ~~بذات الصدور» فمن رام وراء ذلك فقد هلك» (1) . # اذا ، يتضح ان هذه الآيات التي تشير الى التوحيد ، وتنزيه الله ، والبعث ~~، ورجوع الكائنات [الى الله] نزلت للمتعمقين واهل التفكير العميق . # فهل مع كل هذا يمكن القول ان التفكر في ذات الله حرام ؟ اي حكيم او عارف ~~جاء بمعارف اكثر مما جاء في اول (سورة الحديد) ؟ ان منتهى معرفتهم هو ~~الوصول الى قوله تعالى : «سبح لله ما في السموات والارض» هل هناك افضل ~~بيانا في وصف الله تعالى وتجلي ذاته المقدسة من الآية ms167 الشريفة: «هو الاول ~~والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم» ؟ . # اقسم بحياة الحبيب انه لو لم تكن لبيان حقية كتاب الله الكريم غير هذه ~~الآية الشريفة لكفت ذوي القلوب . ارجعوا قليلا الى كتاب الله ، والى خطب ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، واخبار خلفائه المعصومين سلام الله ~~عليهم ، وقارنوا لتروا من من الحكماء والعارفين جاء ببيانات اجلى واوضح مما ~~جاء بها اولئك في كل من مواضيع المعارف ؟ ان اقوالهم مشحونة بوصف الحق ~~والاستدلال على ذات الله وصفاته المقدسة ، بحيث ان كل طائفة تحظى على قدر ~~سعتها وادراكها . # اذا ، يتضح من مجموع هذه الاخبار ان التفكر في ذات الله ممنوع اذا كان ~~ذلك في مرتبة التفكر في كنه ذات الله وكيفيته ، كما جاء في حديث «الكافي» : ~~«من نظر في الله كيف هو ، هلك» (1) ، او ان الجمع بين الاخبار الناهية ~~والآمرة يستدعي منع فريق من الناس الذين لا تطيق قلوبهم الاستماع الى ~~البرهان وليس لهم الاستعداد للدخول في مثل هذه البحوث . والدليل على هذا ~~الجمع موجود في الاخبار نفسها . # اما الذين لهم الاستعداد والاهلية ، فيكون من الراجح لهم التفكر ، بل هو ~~افضل من جميع العبادات . # على كل حال ، لقد خرجنا كليا عن المقصد . ولكن لم يكن لنا مناص من ان ~~نتعرض لهذا الراي الفاسد والتهمة التي لا ترضي الحق والمتداولة في هذا ~~الزمان على الالسنة ، لعل ذلك يحدث بعض التاثير في قلوب بعضهم . ولو تم ~~تاثير هذا القول في قلب شخص واحد لكفاني . والحمد لله واليه المشتكى . PageV01P190 # الاربعون حديثا :191 ### || AUTO فصل: في التفكر في المصنوع # ومن مراتب التفكر ، التفكر في روائع الصنع واتقانه ودقائق الخلق ، بما ~~يتناسب وقدرة الانسان من طاقة للتفكر . ونتيجة هذا التفكر هي معرفة المبدا ~~الكامل والصانع الحكيم ، وهذا على العكس من «برهان الصديقين» . اذ ان مبدا ~~البرهان في ذاك المقام هو الحق تعالى عز اسمه ، ومنه يحصل العلم بالتجليات ~~والمظاهر والآيات . واما في هذا المقام فمبدا البرهان هو «المخلوقات التي ~~عن طريقها يتم العلم بالمبدا والصانع ms168 . وهذا البرهان يكون للعامة من الناس ~~الذين لا حظ لهم من برهان الصديقين . ولهذا ، قد ينكر الكثيرون ان يصبح ~~التفكر في الحق مبدا العلم به ، وان يؤدي العلم بالمبدا الى العلم بالمخلوق . # وملخص الكلام ، ان التفكر في لطائف الصنعة ودقائقها وفي اتقان نظام ~~الخليقة ، من العلوم النافعة ، ومن افضل الاعمال القلبية ، وخير من جميع ~~العبادات ، لان نتيجته اشرف نتيجة . وعلى الرغم من ان النتيجة الاصلية ~~لجميع العبادات والسر الحقيقي لها هو الحصول على المعرفة . فان كشف هذا ~~السر والحصول على تلك النتيجة ليسا متيسرين للجميع ، بل ان لذلك اهلا تكون ~~لهم في كل عبادة بذرة لمشاهدة او لمشاهدات . وعلى اي حال ان الاطلاع على ~~لطائف الصنعة واسرار الخليقة بحسب الحقيقة والواقع لم يتيسر للبشر ، حتى ~~الآن . ان اساس الخليقة ونظامها يكون من الدقة والاستحكام ومن الجمال ~~والكمال في مستوى لو ان الانسان امعن النظر في اي كائن مهما كان حقيرا ، ~~مستخدما كل علومه التي اكتسبها خلال قرون ، لما استطاع ان يطلع على نسبة ~~واحد بالألف ، من ذلك ، فكيف له ان يتمكن من ادراك النظام الكلي الجميل ، ~~ساعيا عن طريق الافكار البشرية الجزئية الناقصة ، لفهم بدائعه ودقائقه . ~~اننا سنلفت انتباهك الى احدى دقائق الخلق مما هو قريب بعض الشيء من الافهام ~~ويعد من المحسوسات ، (ثم اقرا الحديث المفصل عن هذا المجمل) . # ايها العزيز ، انظر وتامل في العلاقة التي بين هذه الشمس والارض . وفي ~~المسافة المعينة بين الارض والشمس ، وحركة الارض حول نفسها وحول الشمس . ~~تلك الحركة التي تكون على مدار محدد فيحصل منها الليل والنهار والفصول . ~~فما اتقنه من صنع وما اكملها من حكمة ؟ ولولا هذا التنظيم ، اي لو كانت ~~الشمس اقرب او ابعد ، لما تكون في الارض في الحالة الاولى من الحر ، وفي ~~الحالة الثانية من البرد معدن ، ونبات ، وحيوان . وكذلك لو توقفت الارض عن ~~الحركة ، على ما هي عليه من البعد عن الشمس لما كان الليل او النهار ، ولا ~~كانت الفصول ، ولما تكونت الارض نهائيا او القسم الاكبر منها ms169 . # ولا يقتصر على هذا ايضا ، فان الاوج ، او اقصى نقطة للارض عن الشمس ، يقع في PageV01P191 الاربعون حديثا :192 # جهة الشمال لكيلا تزداد الحرارة فتصاب الكائنات بالضرر . وكذلك الحضيض ، ~~او اقرب نقطة بين الشمس والارض ، يقع في جهة الجنوب ، لكيلا يصاب اهل الارض ~~بضرر . ولا يكتفي بهذا ايضا ، فالقمر المؤثر في تربية موجودات الارض ، ~~يعاكس الارض في سيرها ، بحيث عندما تكون الشمس في شمال الارض ، يكون القمر ~~في جنوبها ، والعكس بالعكس ، اذا كان هذا في الشمال ، كانت تلك في الجنوب ، ~~وذلك لانتفاع سكان الارض منهما . هذه كلها من الامور الضرورية المحسوسة . ~~غير ان الاحاطة ببدائع النظام ودقائقه لا تكون الا للخالق الذي يحيط علمه ~~بكل شيء . # ولكن لم ابتعدنا كل هذا البعد ؟ فليفكر المرء في خلقه هو ، على قدر طاقته ~~وسعة علمه : اولا في الحواس الظاهرة التي صنعت وفق المدركات والمحسوسات ، ~~اذ ان لكل مجموعة من المدركات ، التي توجد في هذا العالم ، قوة مدركة بأدق ~~ما تكون من الدقة والترتيب المحيرين للعقول . # والامور المعنوية ، التي لا تدرك بالحواس الظاهرة ، تدرك على ضوء الحواس ~~الباطنية . دع عنك علم الروح والقوى الروحية للنفس ، مما تقصر مدارك ~~الانسان عن فهمها ، واتجه بنظرك الى علم الابدان وتشريحها وبنائها الطبيعي ~~، وخصائص كل عضو من الاعضاء الظاهرة والباطنة . انظر ما اغرب هذا النظام ~~وما اعجب هذا الترتيب ؟! على الرغم من ان علم البشر لم يبلغ حتى الآن ، ولن ~~يبلغ حتى بعد مائة قرن ، الى معرفة واحد بالالف منه ، حسب الاعتراف الصريح ~~بافصح لسان من جميع العلماء بعجزهم ، مع ان جسم الانسان بالنسبة الى كائنات ~~الارض الاخرى ، لا يزيد على مجرد ذرة تافهة ، وان الارض وجميع كائناتها ، ~~لا تعدل شيئا ازاء المنظومة الشمسية ، وان كل منظومتنا الشمسية لا وزن لها ~~ازاء المنظومات الشمسية الاخرى ، وان كل هذه المنظومات ، الكبيرة منها ~~والصغيرة ، مبنية وفق ترتيب منظم ، ونظام مرتب ، بحيث ان اي نقد لا يمكن ان ~~يوجه الى اتفه ذرة فيها ، وان عقول البشر كافة عاجزة عن فهم دقيقة من ms170 ~~دقائقها . # فهل بعد هذا التفكر يحتاج عقلك الى دليل آخر ليذعن بان كائنا عالما ، ~~حكيما ، لا يشبه الكائنات الاخرى ، هو الذي اوجد هذه الكائنات بكل حكمة ~~ونظام وترتيب واتقان ؟ # «أفي الله شك فاطر السموات والارض» (1) . # ان كل هذا الخلق المتقن الذي يعجز عقل الانسان عن فهمه ، لم يظهر عبثا ~~وتلقائيا ! فلتعم عين القلب التي لا ترى الله ، ولا تشاهد جمال جميله في ~~هذه المخلوقات ! وليمحق PageV01P192 الاربعون حديثا :193 # الذي يبقى في الشك والتردد بعد كل هذه الآيات والآثار ؟ ولكن ما الذي ~~يستطيع هذا الانسان المسكين عمله بالاوهام ؟ . # لو انك عرضت مسبحتك وزعمت ان حباتها قد انتظمت تلقائيا من دون ان ينظمها ~~منظم ، لاستهزأت بك البشرية . والأدهى من ذلك انك لو اخرجت ساعتك من جيبك ~~وزعمت نفس الزعم نفسه ايضا بالنسبة اليها ، الا يخرجونك من زمرة العقلاء ؟ ~~والا يرميك كل عقلاء العالم بالجنون ؟ فاذا وصف الذي يخرج نظام هذه الساعة ~~من قاعدة العلة والمعلول ، بانه مجنون ويجب ان يحرم من حقوق العقلاء فما ~~الوصف المناسب الذي يجب ان يوصف به من يزعم ان نظام هذا العالم ، لا بل هذا ~~الانسان ونظام روحه وجسمه قد ظهر تلقائيا ؟ هل يجب ابقاؤه في زمرة العقلاء ~~؟ ترى اي بله اشد من هذا ؟ . # «قتل الانسان ما اكفره» (1) . ### || AUTO فصل: في التفكر في احوال النفس # من درجات التفكر ايضا في احوال النفس ، مما يؤدي الى نتائج كثيرة ومعارف ~~عديدة . واننا سنلقي نظرة على نتيجتين اثنتين : الاولى : العلم بيوم المعاد ~~. والثانية : العلم بارسال الرسل وانزال الكتب ، اي النبوة العامة ، ~~والشرائع الحقة . # ان من حالات النفس هو تجردها ، وهي حالة لم يول الحكماء العظام اهمية ~~لأية مسالة حكمية فلسفية اخرى مثلما أولوا هذه المسالة واثبتوها بالأدلة ~~والبراهين . ولكننا لسنا الآن في صدد اثبات تجرد النفس بصورة مفصلة ، وانما ~~نكتفي ببعض الادلة التي لا تستعصي مبادؤها على الفهم ، للوصول الى المقصود . # فنقول : يجمع الاطباء وعلماء الابدان ، وحسب التجارب ، على ان جميع اعضاء ~~الجسم ، من ام الدماغ التي هي مركز الادراكات ms171 ومحل ظهور قوى النفس ، وحتى ~~آخر اجزائه الصلبة ، تبدا ، من سن الخامسة والثلاثين ، او الثلاثين فما فوق ~~، بالانحدار نحو الانحطاط والنقصان ، والاقتراب من الضعف والانحلال . ولقد ~~جربنا بانفسنا ايضا كيف يبدو الضعف في القوى كلها . ولكن في هذه الفترة ~~نفسها ، اي من سن الثلاثين او الاربعين فما فوق ، تزداد القوى الروحية ~~والادراكات العقلية كمالا ورقيا وسدادا . ويتضح من هذا ان القوى العقلية ~~ليست جسمانية ، اذ لو كانت جسمانية لانحدرت ، مثل سائر قوى الجسم ، نحو ~~الضعف والوهن . كما لا يمكن القول بان القوى العقلية تزداد قوة بكثرة اعمال ~~القوة الفكرية وحصول PageV01P193 الاربعون حديثا :194 # التجربة ، اذ ان القوى الجسمانية ينتابها التعب والانحلال ، لا القوة ~~والكمال ، نتيجة كثرة العمل وبذل الجهد . وهذا بذاته دليل على ان القوى ~~العقلية ليست جسمية ولا من آثار الجسم . والاعتراض على هذا الكلام بضعف ~~القوى الفكرية ايام الكهولة ، كالضعف الجسماني ، لا محل له ، وذلك لانه : # اولا : ليست هناك قوة جسمانية تنمو وتشتد حتى سن الكهولة بحيث يمكن ان ~~نقول بان الموضع الفلاني من الجسم هو موضع الادراكات العقلية وانه كان يشتد ~~ويزداد قوة حتى سن الكهولة ، والآن بعد ان ضعف هذا الموضع ضعفت بضعفه القوة ~~الفكرية ايضا . # ثانيا : هل ان هذا الضعف في الكهولة يعود الى الفكر كقوة حالة في الجسم ، ~~ام ان الفكر يحتاج الى قوة جسمانية فعند وهن الجسم محل الفكر لا يؤدي ~~دورالفكر ؟ هذا كله بالنسبة الى القوة الفكرية . واما الادراكات المحضة ~~والملكات الفاضلة في فترة الكهولة تكون اقوى ايضا مما كانت عليه من قبل ، ~~حتى وان قل ظهورها او اظهارها . وعلى كل حال ، يكفي لاثبات دعوانا تجرد ~~النفس ما قلناه من قوة الادراك في سن الاربعين او الخمسين مع ان الجسم ~~ينحدر نحو الوهن والضعف . # واما الاجابة على الاعتراض والنقض هو ان النفس لما تستجمع قواها من ملك ~~البدن ، وتعود القوى الى باطن ذاتها ، فكلما كانت القوى اقرب الى عالم ~~الجسم والجسماني ، كلما كان اسرع الى الضعف والكلال ، وكلما كانت ابعد كانت ~~ابطأ ms172 في الاصابة بالضعف . اما القوى التي تنتمي الى عالم التجرد والملكوت ~~فتقوى وتزداد شدة عندما يزداد عمر الانسان . وهذا دليل على ان النفس ليست ~~جسما ولا هي قوة جسمانية . # وايضا ان خصائص النفس وآثارها وافعالها على النقيض من خصائص الاجسام ~~وآثارها وافعالها بصورة مطلقة . وهذا دليل على ان النفس ليست جسما . # فمثلا ، نحن نعلم ان الجسم لا يتقبل بالضرورة سوى صورة واحدة ، واذا اريد ~~اعطاؤه صورة اخرى كان لا بد للصورة الاولى ان تفارقه لكي يمكنه تقبل الصورة ~~الثانية . فاذا رسمت مثلا ، صورة على صفحة الورق ، لا يمكن رسم صورة اخرى ~~مكانها الا اذا ازيلت الصورة الاولى تماما . وهذا الحكم يجري في جميع ~~الاجسام بالضرورة العقلية . # اما النفس فتختلف تماما ، ففي الوقت الذي تكون هناك صورة مرسومة فيها ، ~~يمكن رسم صورة اخرى مضادة لها من دون زوال الصورة الاولى . # وايضا ان الجسم ترتسم فيه الصور المتناهية . اما في النفس فترتسم الصور ~~غير المتناهية . ولهذا فهي تحكم على الامور غير المتناهية . PageV01P194 # الاربعون حديثا :195 # وايضا ان الجسم الذي تزول منه الصورة ، لا تعود اليه من دون استئناف ~~السبب ، ولكن النفس اذا غابت عنها بعض الصور عادت اليها من دون سبب خارجي . # اذا ، يتبين ان النفس تضاد جميع الاجسام في خصائصها وآثارها وافعالها . ~~اي ان النفس مجردة وليست من سنخ الاجسام والجسمانيات ، والمجردات لا تفسد ، ~~كما هو مبرهن عليه في محله . وذلك لان الفساد لا يكون من دون مادة قابلة ~~للفساد ، والمجردات منزهة عن مادة قابلة للفساد . اذ ان ذلك من لوازم ~~الاجسام . اذا ، لا تفسد النفس . ومن هنا يستنتج ان النفس لا تفسد بفساد ~~البدن وبمفارقتها له ، بل تبقى في عالم آخر ، ولا تفنى . وهذا هو المعاد ~~الروحي للنفوس والارواح قبل يوم القيامة الى ان يشاء الله لها ان تعود الى ~~الابدان . اننا الآن في صدد اثبات المعاد المطلق في قبال المنكر المطلق وقد ~~اتضحت الفكرة من هذه المقدمات . # ولا بد ان نعرف ان للنفوس صحة ومرضا ، وصلاحا وفسادا ، وسعادة وشقاء ms173 ، ~~وان ادراك طرقها ودقائق مصالحها ومفاسدها لا يتسنى لاحد سوى ذات الله ~~المقدسة . لذلك ففي النظام الاتم الذي هو احسن نظام ، وقد تبين من قبل ان ~~منظمه حكيم على الاطلاق ومحيط بكل شيء لا يمكن ان يهمل بيان طرق السعادة ~~والشقاء ، والطرق الهادية الى الصلاح والفساد ، وطرق علاج النفوس ، اذ ان ~~مثل هذا الاهمال يقتضي النقص في العلم او النقص في القدرة ، او الظلم ~~والبخل من دون سبب . # ولقد تبين ان ذات الله المقدسة منزهة عن كل ذلك ، فهو الكامل على الاطلاق ~~والمفيض على الاطلاق ، وان اهمال بيان الطرق الموصلة الى السعادة والشقاء ~~يعد خللا كبيرا في الحكمة ، ويبعث على الفساد والاختلال في النظام والحكم . ~~اذا ، اصبح من اللازم بيان طرق السعادة والهداية في النظام الاتم . # وقد حصلت من هذا نتيجتان واضحتان : # الاولى : هي ان الشريعة وهي الوصفة الخاصة باصلاح الامراض النفسية لا ~~توجد الا عند ذات الحق المقدس . # والثانية : هي ان الله تعالى يعلنها الشريعة حتما . ومعلوم ان مثل هذا ~~الهدف العظيم ، وهذا العلم الكامل الدقيق الذي يعجز عن ادراكه اعقل العقلاء ~~، الذي يربط بين الملك والملكوت وتاثير الصور الملكية في باطن النفس ، لا ~~يقع لاحد الا عن طريق الوحي والالهام . اي يجب ان يكون تعليمه من جانب الحق ~~تعالى . وبديهي ، ان جميع افراد البشر ليسوا خليقين بمثل هذه الهبة ، وليست ~~لهم القابلية والقدرة على القيام بمثل هذه المهمة . ولكن يظهر خلال بضعة ~~قرون من يكون جديرا بالاضطلاع بمثل هذا الواجب وتحقيق مثل هذا الهدف العظيم ، PageV01P195 الاربعون حديثا :196 # فيبعثه الحق تعالى ليبين للناس الطريق الى السعادة والطريق الى الشقاء ، ~~وليعلم الناس كيف يصلحون انفسهم . وهذه هي النبوة العامة . # ولما انتهى بنا الحديث الى هنا ، خطر لي ان اشير استطرادا الى موضوع اراه ~~من البديهيات . # وهو اننا وبعد ان علمنا ضرورة وجود شريعة الهية لبني البشر ، ولزوم ~~رجوعنا الى الشرائع السائدة بين الناس ، وهي على الاغلب الشرائع الالهية ~~الثلاث : اليهودية والمسيحية والاسلام ، نرى بان الشريعة الاسلامية هي اكمل ~~من ms174 الشرائع الاخرى في ابعادها الثلاثة ، التي هي اساس الشرائع ومدار ~~التشريع ، احدها ما يعود الى العقائد الحقة ، والمعارف الالهية وتوصيف ~~الحق وتنزيهه وكيفية ذلك . والعلم بالملائكة وتوصيف الانبياء (عليهم ~~السلام) وتنزيههم ، مما هو اصل الشريعة واساسها . وثانيها ما يعود الى ~~الخصال الحميدة والاخلاق الفاضلة واصلاح النفس . وثالثها هو جانب الاعمال ~~الفردية والاجتماعية والسياسية والمدنية وغير ذلك بل ان كل ناظر منصف وغير ~~مغرض في هدفه يدرك ان الاسلام ارقى من ان يقارن بدين آخر ، وان الحياة ~~البشرية لم تشهد قانونا ولا شريعة بهذا الاتقان بحيث تكون تامة وكاملة في ~~جميع مراحل الحياتين الدنيوية والاخروية . وهذا بذاته خير دليل على احقية ~~الاسلام وصدقه . # وعليه ، وبعد اثبات النبوة العامة ، وان الله قد شرع لبني البشر شريعة ، ~~وبين لهم طريق الهداية ، ووضعهم ضمن اطار نظم ونظام ، لم يعد اثبات احقية ~~الدين الاسلامي بحاجة الى مقدمات ابدا ، سوى التمعن فيه ومقارنته بسائر ~~الاديان والشرائع في جميع المراحل التي يمكن تصورها ، ابتداء من حاجة ~~الانسان الى الملكات الحقة والمعارف النفسانية ، وحتى بلوغ الواجبات ~~النوعية المفردية والاجتماعية . وهذا معنى من معاني الحديث الشريف : ~~«الاسلام يعلو ولا يعلى عليه» (1) اذ كلما ازداد العقل البشري تقدما وتطورا ~~في مدركاته وتمعنا في حجج الاسلام وبراهينه ، ازداد خضوعا لنور هدايته ، ~~وقوة امام الحجج فلا تظهر حجة ودليل في العالم ضد الاسلام الا وينتصر عليه . # والمستخلص من ادلتنا على اثبات نبوة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله ~~وسلم هو انه لما كان اتقان خلق الكائنات وحسن ترتيبها وتنظيمها دليلا ~~يهدينا الى الاعتراف بوجود الخالق والمنظم الذي يحيط علمه بكل الدقائق ~~واللطائف والجلائل ، كذلك يهدينا اتقان احكام شريعة وحسن نظامها وترتيبها ~~الكامل وكونها تتكفل بكل الحاجات المعنوية والمادية ، الدنيوية والاخروية ، ~~الفردية والاجتماعية ، الى ان مشرعها ومنظمها عالم محيط بجميع حاجات ~~العائلة PageV01P196 الاربعون حديثا :197 # البشرية . وكما ان العقل يهدينا الى ان عقل ذلك الانسان ، الذي كتب ~~تاريخه جميع المؤرخين من مختلف الامم قائلين انه كان اميا وعاش في محيط خال ~~من الكمالات ms175 والمعارف ، لا يمكن ان يكون قادرا على وضع مثل هذا الترتيب ~~الكامل والنظام التام بنفسه . كذلك ندرك بالضرورة ان هذه الشريعة قد شرعت ~~في الغيب وفيما وراء الطبيعة ، ونزلت عن طريق الوحي والالهام على ذلك ~~الانسان العظيم . والحمد لله على وضوح الحجة . # كنت ناويا الاشارة الى نوع آخر من انواع التفكر ، وهو التفكر في عالم ~~الملك الذي تكون نتيجته الزهد . ولكن عنان القلم في المقالات السابقة قد ~~افلت من يدي ، فشرحت ذلك بصورة مطولة ، ادت الى الخروج عن الموضوع ولهذا ~~غضضت الطرف عنه . ### || AUTO فصل: في فضيلة صلاة الليل # بقي علينا شرح جملتين اخريتين من الحديث الشريف حيث يقول صلوات الله عليه ~~«جاف عن الليل جنبك واتق الله ربك» . # في هذا الكلام المبارك يقرن الامام عليه السلام الاعمال القلبية والتفكر ~~المنبه ، وتقوى الله تعالى ، باحياء الليل ومجافاة الفراش من اجل العبادات ~~. وهذا دليل على كمال صلاة الليل وفضيلته واهميته . كما ان الاحاديث ~~الشريفة تمجد هذا العمل الشريف كثيرا . ويستدل من سيرة ائمة الهدى عليهم ~~السلام والمشايخ العظام والعلماء الاعلام انهم كانوا مثابرين على ادائها . ~~بل كانوا يحرصون على اليقظة في الهزيع الاخير من الليل ، بصرف النظر عن ~~التعبد فيه . # لقد جاء في كتاب «وسائل الشيعة» الذي يعتبر من اعظم كتب الامامية ، ~~ومدار المذهب ومرجع العلماء والفقهاء واحد واربعون حديثا في فضلها ، ~~والعديد من الاحاديث في كراهية تركها . وفضلا عن ذلك يشير الى السابقات ~~واللاحقات من الاحاديث في شانها . وهناك ، بالطبع ، احاديث كثيرة جدا في ~~كتب الادعية وغيرها ، ولكننا ، من اجل التيمن والتبرك نورد بعضا منها : # «عن الكافي باسناده عن معاوية بن عمار قال : سمعت ابا عبد الله عليه ~~السلام يقول : كان في وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي قوله : يا ~~علي ! اوصيك في نفسك بخصال فاحفظها ، ثم قال : اللهم اعنه ... الى ان قال : ~~وعليك بصلاة الليل وعليك بصلاة الليل وعليك بصلاة الليل» (1) . # يتبين من صدر هذا الحديث وذيله ما لصلاة الليل من اهمية . PageV01P197 # الاربعون حديثا :198 # « وعن الخصال ms176 باسناده عن ابي عبد الله عليه السلام قال : قال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم لجبرئيل : عظني ، فقال : يا محمد عش ما شئت فانك ميت ، ~~واحبب ما شئت فانك مفارقه ، واعمل ما شئت فانك ملاقيه ، واعلم ان شرف ~~المؤمن قيامه بالليل وعزه كفه عن اعراض الناس» (1) . # ان تخصيص الموعظة المقدسة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الامر ~~ليدل ايضا على اهميته البالغة . ولو كان جبرائيل الامين يرى اهمية اكبر ~~لاجر آخر لكان قدمه في هذا المقام : # وفي المجالس باسناده عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في حديث : «فمن رزق صلاة الليل من عبد او امة قام لله مخلصا فتوضا ~~وضوءا سابغا وصلى لله عز وجل بنية صادقة وقلب سليم [وبدن خاشع] وعين دامعة ~~جعل الله تعالى خلفه سبعة صفوف من الملائكة في كل صف ما لا يحصى عددهم الا ~~الله احد طرفي كل صف بالمشرق والآخر بالمغرب ، فاذا فرغ ، كتب الله عز وجل ~~له بعددهم درجات» (2) . # وعن العلل باسناده الى انس قال : « سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول : الركعتان في جوف الليل احب الي من الدنيا وما فيها» (3) . # وثمة احاديث كثيرة اشير فيها الى ان صلاة الليل هي شرف المؤمن ، وزينة ~~الآخرة ، مثلما ان المال والبنين زينة الحياة الدنيا . # « وعن العلل باسناده الى جابر بن عبد الله الانصاري قال : « سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ما اتخذ الله ابراهيم خليلا الا ~~لاطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام» (4) . # ولو لم تكن لصلاة الليل سوى تلك الفضيلة لكفتها ، ولكن لاهلها ، وهم ~~ليسوا بامثالي . اننا لا نعلم شيئا عن عظمة رداء الخلة وما يعني مقام اتخاذ ~~الله تعالى العبد حبيبا وخليلا . فكل العقول تعجز عن تصور ذلك . فلو انهم ~~اكرموا الخليل بكل ما في الجنة من نعم ، فانه لا يلتفت اليها (ما دام مع ~~خليله) . وانت ايضا اذا كان لك محبوب عزيز ، او كان لك صديق حميم ودخل عليك ms177 ~~، فانك تترك كل نعمة ورفاه ، وتستغني عن ذلك بجمال المحبوب ولقاء الصديق ، ~~بالرغم من ان هذا المثل بعيد عن المقام بعد المشرقين . # وعن علي بن ابراهيم باسناده عن ابي عبد الله عليه السلام قال : «ما من ~~عمل حسن يعمله العبد الا وله ثواب في القرآن الا صلاة الليل فان الله لم ~~يبين ثوابها لعظيم خطرها عنده فقال « تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم ~~خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون * فلا تعلم نفس ما اخفي لهم PageV01P198 الاربعون حديثا :199 # من قرة اعين جزاء بما كانوا يعملون» (1) » . # ترى ما قرة العين هذه التي يدخرها الله ويخفيها حتى لا يعلم احد عنها ~~شيئا ، وما يمكن ان تكون ؟ فلو كانت من قبيل «انهار جارية» و«قصور عالية» ~~ومن نعم الجنة المختلفة ، لذكرها الله ، مثلما بين ما للاعمال الاخرى واطلع ~~الملائكة عليها . # ولكن يبدوا انها ليست من ذلك السنخ ، وانها اعظم من ان ينوه بها لاحد ، ~~وخصوصا لاحد من اهل هذه الدنيا . انه لا تقارن نعم ذلك العالم بالنعم هنا ، ~~ولا تظنن ان الفردوس والجنان تشبه بساتين الدنيا ، او ربما اوسع وابهى . ~~هناك دار كرامة الله ودار ضيافته . فكل هذه الدنيا لا شيء ازاء شعرة واحدة ~~من الحور العين في الجنة . بل ليست شيئا ازاء خيط من خيوط الحلل الفردوسية ~~التي اعدت لاهل الجنة . ومع كل هذا الوصف ، لم يجعلها الله ثواب من يؤدي ~~صلاة الليل ، وانما ذكرها من باب التعظيم له . ولكن هيهات ! نحن الضعفاء في ~~الايمان لسنا من اصحاب اليقين ، والا لما كنا نستمر في غفلتنا ، ونعانق ~~النوم حتى الصباح . لو ان يقظة الليل تكشف للانسان حقيقة الصلاة وسرها ، ~~لانس بذكر الله والتفكر في الله ، ولجعل الليالي مركوبه للعروج الى قربه ~~تعالى ، ولما كان ثمة ثواب له الا جمال الحق الجميل وحده . # الويل لنا نحن الغافلين الذين لا نستيقظ من النوم حتى آخر العمر . نبقى ~~في سكر الطبيعة غارقين ، بل نزداد كل يوم سكرا وغفلة ، ولا نفهم شيئا سوى ~~الحالة الحيوانية من مأكل ومشرب ومنكح ms178 ، ومهما فعلنا ، وان كان من سنخ ~~العبادات ، فانما نفعله في سبيل البطن والفرج . اتحسب ان صلاة خليل الرحمن ~~كانت مثل صلاتنا ؟ الخليل لم يطلب حاجة حتى من جبرئيل ، ونحن نطلب حاجاتنا ~~من الشيطان نفسه ظنا منا بانه يقضي الحاجات ! ولكن علينا ان لا نيأس . ~~فلعلك بعد مدة من سهر الليالي والإستئناس بذلك والاعتياد عليه ، يلبسك الله ~~بلطفه الخفي خلعة الرحمة . كما ان عليك الا تغفل عن سر العبادة بصورة عامة ~~، ولا تقصر همك على التجويد في القراءة وتصحيح الظاهر فقط . ولئن لم تقدر ~~ان تكون خالصا لله تعالى ، فاسع ، على الاقل ، من اجل قرة العين التي ~~يخفيها الله عز وجل ، وتذكر الفقير ، العاصي ، الحيواني السيرة الذي اكتفى ~~من كل المراتب ، بالحيوانية . واذا وجدت في نفسك الرغبة ، فقل بخلوص نية : # «اللهم ارزقني التجافي عن دار الغرور ، والانابة الى دار الخلود ، ~~والاستعداد للموت قبل حلول الفوت» (2) . PageV01P199 # الاربعون حديثا :200 ### || AUTO فصل: في بيان التقوى # اعلم ان القوى من «الوقاية» بمعنى المحافظة . وهي في العرف وفي الإصطلاح ~~الاخبار والاحاديث تعني : «وقاية النفس من عصيان اوامر الله ونواهيه وما ~~يمنع رضاه» وكثيرا ما عرفت بانها «حفظ النفس حفظا تاما عن الوقوع في ~~المحظورات بترك الشبهات» فقد قيل : «ومن اخذ بالشبهات وقع في المحرمات وهلك ~~من حيث لا يعلم» (1) ، «فمن رتع حول الحمى اوشك ان يقع فيه» (2) . # لا بد ان نعرف ان التقوى ، وان لم تكن من مدارج الكمال والمقامات ، ولكنه ~~لا يمكن بدونها بلوغ اي مقام ، وذلك لان النفس ما دامت ملوثة بالمحرمات ، ~~فلا تكون داخلة في الانسانية ، ولا سالكة طريقها ، وما دامت تميل الى ~~المشتهيات واللذائذ النفسية وتستطيب حلاوتها ، فلن تصل الى اول مقامات ~~الكمال الانساني ، وما دام حب الدنيا والتعلق بها في القلب ، فلا يمكن ان ~~يصل الى مقام المتوسطين والزاهدين ، وما دام حب الدنيا باقيا في دخيلة ذاته ~~، فلن ينال مقام المخلصين والمحبين ، وما دامت الكثرة الملكية والملكوتية ~~ظاهرة في قلبه ، فلن ينال مقام المنجذبين ، وما دامت كثرة الاسماء متجلية ~~في ms179 باطنه ، فلن يصل الى الفناء الكلي ، وما دام القلب يلتفت الى المقامات ، ~~فلن يبلغ مقام كمال الفناء ، وما دام هناك تلوين ، فلن يصل الى مقام ~~التمكين ولن تتجلى في سره الذات في مقام الاسم الذاتي تجليا ازليا وابديا . ~~فتقوى العامة اذا تكون من المحرمات ، وتقوى الخاصة تكون من المشتهيات ، ~~وتقوى الزاهيدن من حب الدنيا ، والمخلصين من حب الذات ، والمنجذبين من كثرة ~~ظهور الافعال ، والفانين من كثرة الاسماء ، والواصلين من التوجه الى الفناء ~~، والمتمكنين من التلوينات «فاستقم كما امرت» (3) . # ولكل من هذه المراتب شرح وتفصيل لا يحصل لامثالنا منه سوى الحيرة والضياع ~~في المصطلحات ، والتلفع في حجب المفاهيم ، اذ لكل معركة رجال . # والآن نعود الى بيان نبذة من التقوى المذكورة في بدأ الامر ، لاهميتها ~~للناس بصورة عامة : PageV01P200 # الاربعون حديثا :201 ### || AUTO فصل: في بيان تقوى العامة # اعلم ايها العزيز انه مثلما يكون لهذا الجسد صحة ومرض ، وعلاج ومعالجا ، ~~فان للنفس الانسانية ايضا صحة ومرضا ، وسقما وسلامة ، وعلاجا ومعالجا . ان ~~صحة النفس وسلامتها هي الاعتدال في طريق الانسانية ، ومرضها وسقمها هو ~~الاعوجاج والانحراف عن طريق الانسانية ، وان الامراض النفسية اشد فتكا ~~بآلاف المرات من الامراض الجسمية . وذلك لان هذه الامراض انما تصل الى ~~غايتها بحلول الموت . فما ان يحل الموت ، وتفارق الروح البدن ، حتى تزول ~~جميع الامراض الجسمية والاختلالات المادية ، ولا يبقى اثر للآلام او ~~الاسقام في الجسد ولكنه اذا كان ذا امراض روحية واسقام نفسية لا سمح الله ~~فانه ما ان تفارق الروح البدن ، وتتوجه الى ملكوتها الخاص ، حتى تظهر ~~آلامها واسقامها . # ان مثل التوجه الى الدنيا والتعلق بها ، كمثل المخدر الذي يسلب الانسان ~~شعوره بنفسه . فعندما يزول ارتباط الروح بدنيا البدن ، يرجع اليها الشعور ~~بذاتها ، ومن ثم الاحساس بالآلام والاسقام التي كانت في باطنها ، فتظهر ~~مهاجمة لها بعد ان كانت مختفية كالنار تحت الرماد . وتلك الآلام والاسقام ~~اما ان تكون ملازمة لها (للروح) ولا تزول عنها ابدا ، واما ان تكون قابلة ~~للزوال . وفي هذه الحال يقتضيها ان تبقى آلاف السنين ms180 تحت الضغط والعناء ~~والنار والاحتراق قبل ان تزول ، اذ ان آخر الدواء الكي . قال الله تعالى : ~~«يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم» (1) . # ان منزلة الانبياء هي منزلة الاطباء المشفقين ، الذين جاؤوا بكل لطف ~~ومحبة لمعالجة المرضى ، بانواع العلاج المناسب لحالهم ، وقاموا بهدايتهم ~~الى طريق الرشاد . «اننا اطباء وتلاميذ الحق» وان الاعمال الروحية القلبية ~~والظاهرية والبدنية هي بمثابة الدواء للمرض كما ان التقوى ، في كل مرتبة من ~~مراتبها ، بمثابة الوقاية من الامور المضرة للامراض . ومن دون الحمية لا ~~يمكن ان ينفع العلاج ، ولا ان يتبدل المرض الى صحة . # قد يغلب الدواء والطبيعة على المرض في الامراض الجسمية حتى مع عدم الحمية ~~جزئيا . وذلك لان الطبيعة هي نفسها حافظة للصحة ودواء لها . ولكن الامر في ~~الامراض النفسية صعب ، وذلك لان الطبيعة قد تغلبت على النفس منذ البداية ، ~~فتوجهت هذه نحوالفساد والانتكاس «ان النفس لأمارة بالسوء» (2) ، وعليه ، ~~فان من يتهاون في الحمية ، تصرعه PageV01P201 الاربعون حديثا :202 # الامراض ، وتجد مناطق للنفوذ اليه ، حتى تقضي على صحته قضاء مبرما . # اذا ، فالانسان الراغب في صحة النفس ، والمترفق بحاله ، اذا تنبه ان ~~وسيلة الخلاص من العذاب تنحصر في امرين : الاول : الاتيان بما يصلح النفس ~~ويجعلها سليمة . والآخر ، هو الامتناع عن كل ما يضرها ويؤلمها . # ومن المعلوم ان ضرر المحرمات اكثر تاثيرا في النفس من اي شيء آخر ، ولهذا ~~كانت محرمة ، كما ان الواجبات لها اكبر الاثر في مصلحة الامور ، ولهذا كانت ~~واجبة وافضل من اي شيء ، ومقدمة على كل هدف ، وممهدة للتطور الى ما هو احسن . # ان الطريق الوحيد الى المقامات والمدارج الانسانية يمر عبر هاتين ~~المرحلتين ، بحيث ان من يواظب عليهما يكون من الناجين السعداء ، واهمهما هي ~~التقوى من المحرمات ، وان اهل السلوك يحسبون هذه المرحلة مقدمة على المرحلة ~~الاولى ، اذ يتضح من الرجوع الى الاخبار والروايات وخطب «نهج البلاغة» ان ~~المعصومين عليهم السلام كانوا يعتنون كثيرا بهذه المرحلة . # اذا ، ايها العزيز ! بعد ان عرفت بأن المرحلة مهمة جدا . ثابر عليها ms181 بدقة ~~، فإذا انت خطوت الخطوة الاولى وكانت صحيحة ، وبنيت هذا الاساس قويا ، كان ~~هناك امل بوصولك الى مقامات اخرى ، والا امتنع الوصول ، وصعبت النجاة . # كان شيخنا العارف الجليل يقول : ان المثابرة على تلاوة آخر آيات سورة ~~الحشر المباركة ، من الآية الشريفة : «يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله ~~ولتنظر نفس ما قدمت لغد ...» (1) الى آخر السورة المباركة ، مع تدبر ~~معانيها ، في تعقيبات الصلوات ، وخصوصا في اواخر الليل حيث يكون القلب فارغ ~~البال ، مؤثرة جدا في اصلاح النفس ، وفي الوقاية من شر النفس والشيطان . ~~وكان يوصي بدوام حال الوضوء ، قائلا : ان الوضوء مثل «بزة جندي» . وعلى كل ~~حال ، عليك ان تطلب من القادر ذي الجلال ، من الله المتعال جل جلاله ، مع ~~التضرع والبكاء والالتماس كي يوفقك في هذه المرحلة ويعينك في الحصول على ~~خصلة التقوى . # واعلم ، ان بدايات الامر صعبة وشاقة ، ولكن بعد فترة من الاستمرار ~~والمثابرة تتحول المشقة الى راحة ، والعسر الى يسر ، بل تتبدل الى لذة ~~روحية ، خصوصا ، وان اصحاب هذه اللذة لا يستبدلونها بجميع اللذائذ . ويمكن ~~، ان شاء الله ، وبعد المواظبة الشديدة والتقوى التامة ، ان تنتقل من هذا ~~المقام الى مقام تقوى الخاصة . وهي التقوى التي تتلذذ الروح بها . اذ انك ~~بعد ان تذوق طعم اللذة الروحية تترك شيئا فشيئا اللذائذ الجسدية وتتجنبها . ~~وعندئذ يسهل PageV01P202 الاربعون حديثا :203 # عليك المسير حتى لا تعود تقيم وزنا للذات الجسدية الزائلة ، بل تنفر منها ~~، وتقبح زخارف الدنيا في عينيك ، وتنظر في باطنك فتجد ان كل لذة من لذات ~~هذا العالم قد اوجدت في النفس اثرا وابقت في القلوب لطخة سوداء تبعث على ~~شدة الانس بهذه الدنيا والتعلق بها . وهذه هي نفسها تكون سبب الاخلاد الى ~~الارض . وعند سكرات الموت تتبدل الى صعوبة ومشقة ومعاناة . والواقع ان ~~صعوبة سكرات الموت وحالة النزع الاخير القاسية ناجمة عن هذه اللذات وحب ~~الدنيا ، كما سبقت الاشارة الى ذلك . فاذا ادرك الانسان هذا المعنى سقطت ~~لذات العالم من عينه كليا ، ونفر من الدنيا وما فيها من مباهج ms182 وزخارف . ~~وهذا هو التقدم الثاني الى المقام الثالث من التقوى . # وبذلك يصبح سبيل السلوك الى الله سهلا ميسورا ، وطريق الانسانية نيرا ~~واسعا ، وتصبح خطوته شيئا فشيئا خطوة الحق ، ورياضته رياضة الحق ، ويتهرب ~~من النفس وآثارها واطوارها . اذ يجد في ذاته عشق للحق ، فلا يعود يقنع ~~بوعود الجنة والحور العين والقصور ، بل يكون مطلوبه ومقصوده امرا آخر ، ~~وينفر من الانانية وحب الذات . # فيتقي حب النفس ويتقي ذاته وانانيته . وهذا مقام على قدر كبير من الشموخ ~~والرفعة ، وهو اول مراتب هبوب نسيم الولاية ، فيدرجه الحق المتعال في كنف ~~لطفه ويعينه ويجعله موضع الطافه الخاصة . # اما ما يحدث للسالك بعد ذلك فخارج عن قدرة القلم . والحمد لله اولا وآخرا ~~وظاهرا وباطنا ، والصلاة على محمد وآله الطاهرين . PageV01P203 # الاربعون حديثا :204 PageV01P204 الاربعون حديثا :205 ### | AUTO الحديث الثالث عشر # التوكل PageV01P205 الاربعون حديثا :206 # بالسند المتصل الى الشيخ الجليل ثقة الاسلام محمد بن يعقوب عن عدة من ~~اصحابنا ، عن احمد بن محمد بن خالد ، عن غير واحد ، عن علي بن اسباط ، عن ~~احمد بن عمر الحلال ، عن علي بن سويد ، عن ابي الحسن الاول عليه السلام قال ~~: سالته عن قول الله عز وجل «ومن يتوكل على الله فهو حسبه» فقال : «التوكل ~~على الله درجات ، منها ان تتوكل على الله في امورك كلها فما فعل بك كنت عنه ~~راضيا تعلم انه لا يألوك خيرا وفضلا وتعلم ان الحكم في ذلك له فتوكل على ~~الله بتفويض ذلك اليه وثق به فيها وفي غيرها» (1) . PageV01P206 # الاربعون حديثا :207 ### || AUTO الشرح : # «الحلال» بتشديد اللام : بائع الحل ، وهو دهن السمسم . وابو الحسن الاول ~~هو الامام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام . ويكنى ايضا بأبي الحسن المطلق ~~. وابو الحسن الثاني هو الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام ، وابو الحسن ~~الثالث هو الامام علي بن محمد الهادي عليه السلام . # و«التوكل» كما في اللغة ، هو اظهار العجز والاعتماد على طرف آخر : واتكلت ~~على فلان في امر ، اعتمدته . واصله : اوتكلت . و«حسبه» اي محسبه وكافيه . ~~و«يألوك» من ms183 : ألا ، يألو ، ألوا . ويعني التقصير . وقد قال بعضهم : اذا ~~عدي هذا الفعل الى مفعولين تضمن معنى المنع ، وهذا حسن ، لان المعنى يكون ~~اسلس ، وان لم تكن ثمة حاجة الى ذلك ، فمعنى التقصير وحده يكفي ، كما ~~يستفاد خلاف ذلك من «الصحاح» الذي جاء فيه : «الا ، يألو : اي قصر . وفلان ~~لا يألوك نصحا» . فيتبين من ذلك ان المعنى واحد حتى مع المفعولين . # و«التوكل» غير «التفويض» ، وكلاهما غير «الرضا» وغير «الوثوق» كما سيأتي ~~بيانه . وسوف نشرح فيما يلي ما يحتاج من الحديث الشريف الى شرح . ### || AUTO فصل: في بيان معنى التوكل ودرجاته # اعلم ان للتوكل معاني متقاربة ، ولكن بتعبيرات مختلفة ، بحسب المسالك ~~المختلفة ، كما يقول صاحب «منازل السائرين» : «التوكل كلة الامر كله الى ~~مالكه والتعويل على وكالته» (1) . ويقول بعض اصحاب العرفان : «التوكل طرح ~~البدن في العبودية وتعلق القلب بالربوبية» . وقال PageV01P207 الاربعون حديثا :208 # آخرون : «التوكل على الله انقطاع العبد في جميع ما يأمله من المخلوقين» . # وهكذا تجد هذه المعاني متقاربة ، ولا حاجة للبحث في المفهوم . وكل ما ~~يتطلب القول هو ان للتوكل درجات مختلفة بحسب اختلاف مقامات العباد . ولما ~~كانت معرفة درجات التوكل مبنية على العلم بدرجة معرفة العباد بربوبية الحق ~~جل جلاله ، كان لا بد من الاشارة الى ذلك . # فاعلم ، ان احد اصول معارف السالكين ومقاماتهم ، التي لا تكون الا به ، ~~هو العلم بربوبية الحق تعالى ، ومالكيته ، وكيفية تصرف الذات المقدسة في ~~الامور . اننا لا ندخل هذا البحث من الناحية العلمية ، لان ذلك يتطلب ~~التحقيق في «الجبر والتفويض» وذلك ما لا يتناسب مع هذه السطور . وانما ~~نقتصر على ذكر درجات الناس في معرفة ذلك . # وعليه ، نقول ان الناس في معرفة الربوبية مختلفون متباينون الى حد كبير : ~~فالموحدون عموما يعرفون ان الحق تعالى هو خالق مبادئ الامور ، وكليات ~~الجواهر ، وعناصر الاشياء ، ويرون بأن تصرفه محدود ، ولا يقولون بإحاطته ~~الربوبية . فهؤلاء تراهم تارة يقولون : مقدر الامور حق ؟ وهو المتصرف في كل ~~شيء ، فما من كائن يكون الا بإرادته المقدسة . ولكنهم ليسوا اصحاب هذا ~~المقام ms184 ، لا علما ، ولا ايمانا ، ولا شهودا ، ولا وجدانا . # ان هذا الفريق من الناس والظاهر اننا منهم ليس لهم علم كامل بربوبية ~~الله بل يكون توحيدهم ناقصا ، حيث حجبت عنهم ربوبية الحق وسلطنته لعلل ~~واسباب ظاهرة ، وليس لهم مقام التوكل وهو ما يدور كلامنا عليه الا لفظا ~~وادعاء . لهذا ، فانهم في الامور الدنيوية ، لا يعتمدون على الحق سبحانه ، ~~بأي شكل من الاشكال ، ولا يتشبثون الا بالاسباب الظاهرية والمؤثرات الكونية ~~. واذا ما اتفق احيانا ان توجهوا الى الحق تعالى وطلبوا منه حاجة ، او رجوا ~~منه رجاء ، فذلك من باب التقليد ، او من باب الاحتياط ، لانهم لا يرون في ~~ذلك ضررا عليهم ، بل ربما يحتملون فيه فائدة . وفي هذه الحال توجد رائحة ~~التوكل . ولكنهم اذا رأوا الاسباب الظاهرة ملائمة ومطابقة لأهوائهم ، غفلوا ~~كليا عن الحق تعالى وعن تصريفه للامور . ان المقولة القائلة بأن التوكل لا ~~يتنافى مع العمل والتكسب ، صحيحة ، بل هي مطابقة للبرهان وللنقل ، ولكن ~~الاحتجاب عن ربوبية الحق وتصريفه للامور واعتبار الاسباب مستقلة ، يتنافى ~~والتوكل . # ان هؤلاء الذين لا يتمسكون حتى بأدنى درجات التوكل في اعمالهم الدنيوية ، ~~يتحدثون فيما يتعلق بالامور الاخروية عن التوكل بزهو ومباهاة ، واذا ما ظهر ~~منهم اي تهاون وضعف وكسل في العلم او في تهذيب النفس والعبادات والطاعات ، ~~بادروا الى اظهار اعتمادهم وتوكلهم على الحق تعالى وفضله . وكأنهم يريدون ~~بمجرد تلفظهم بأن «الله عظيم» و«اننا متوكلون على فضل الله» ان ينالوا ~~الدرجات الاخروية ! فانهم يقولون في الشؤون الدنيوية : ان السعي والعمل لا ~~يتنافيان مع التوكل على الله ، وفي الامور الاخروية يرون السعي والعمل PageV01P208 الاربعون حديثا :209 # ينافيان الاعتماد والتوكل عليه . وما هذا الا من مكائد النفس والشيطان . ~~فهؤلاء ليسوا متوكلين على الله ، لا في الامور الدنيوية ، ولا في الامور ~~الاخروية ، ولا هم يعتمدون عليه في اي امر من الامور . ولكنهم ، لاهتمامهم ~~بالامور الدنيوية ، يتشبثون بالاسباب ، دون الاعتماد على الحق تعالى ~~وتصريفه للشؤون في العالم . وعلى العكس من ذلك ، فهم ، لعدم اهتمامهم بامور ~~الآخرة ، وعدم ايمانهم ايمانا صادقا ms185 بيوم المعاد وتفاصيله ، يصطنعون لذلك ~~الاعذار . فمرة يقولون : «الله عظيم» ، ومرة يظهرون الاعتماد على الله وعلى ~~شفاعة الشفعاء ، مع ان هذا كله ليس سوى لقلقة لسان لا اساس لها من الحقيقة ~~في شيء . # وثمة فريق ثان من الناس اقتنعوا ، اما بالبرهان واما بالنقل ، وصدقوا بأن ~~الحق تعالى هو مقدر الامور ، ومسبب الاسباب ، والمؤثر في الوجود ، ولا حدود ~~لقدرته وتصرفه . هؤلاء يتوكلون على الحق سبحانه عن طريق العقل ، اي ان ~~اركان التوكل تامة عندهم ، بحسب الادلة العقلية والنقلية ولهذا فهم يرون ~~انفسهم من المتوكلين ، ويقيمون الدليل ايضا على لزوم التوكل ، لأنهم اثبتوا ~~اركان التوكل ، والتي هي امور : # ان الحق تعالى عالم بحاجات العباد . # انه قادر على تلبية تلك الحاجات . # انه ليس في ذاته المقدسة بخل . # انه رحيم بالعباد ورؤوف بهم . # واذا ، يجب التوكل على عالم قدير كريم رحيم بالعباد ، قائم بمصالحهم ، لا ~~يفوت عليهم شيئا فيها ، حتى وان لم يميزوا هم بين ما ينفعهم وما يضرهم . ~~هؤلاء وان كانوا من المتوكلين عمليا ، الا انهم لم يبلغوا مرتبة الايمان . ~~فهم لهذا مضطربون في اتخاذ امر من امورهم ، وعقولهم مغلوبة في الصراع مع ~~قلوبهم ، لانها بالاسباب متعلقة ، وعن تصرف الحق سبحانه في الاشياء محجوبة . # اما الطائفة الثالثة ، فهم الذين توصلوا بقلوبهم الى معرفة تصرف الحق ~~تعالى في الكائنات ، فآمنت تلك القلوب بأن مقدر الامور ، والسلطان ومالك ~~الاشياء ، هو الحق تعالى ، وكتبوا بقلم العقل على الواح القلوب اركان ~~التوكل . هؤلاء هم اصحاب مقام التوكل . غير ان هؤلاء ايضا يختلفون من حيث ~~مراتب الايمان ودرجاته اختلافا كبيرا ، قبل ان يصلوا الى درجة الاطمئنان ~~الكامل . وعند ذاك تظهر في قلوبهم درجةالتوكل الكاملة ، ولا تتعلق بالاسباب ~~، بل تتشبث بمقام الربوبية ، فتطمئن اليه وتعتمده ، كما وصف العارف المتقدم ~~، التوكل قائلا انه : «طرح البدن في العبودية وتعلق القلب بالربوبية» . وكل ~~ما قلناه يعود الى ما اذا كان القلب في مقام الكثرة الافعالية ، والا فانه ~~يتجاوز مقام التوكل ويخرج عن المقصود . PageV01P209 # الاربعون حديثا :210 # اذا ، فقد اتضح ان للتوكل درجات ms186 . ولعل الدرجة التي تعرض لها الحديث ~~الشريف هي توكل الطائفة الثانية . اذ انه جعل العلم من مبادئه ، وربما اشار ~~ايضا الى درجات اخرى ذات اعتبارات مختلفة . اذ ان للتوكل درجات اخرى في ~~تقسيمات مختلفة ، مثلما هي الحال في درجات سلوك اصحاب العرفان والرياضات ، ~~حيث يصلون من مقام الكثرة الى مقام الوحدة تدريجا ، فلا يحصل فناء افعالي ~~مطلق ، دفعة واحدة ، بل يشاهد اولا في مقامه ، ومن ثم في سائر الكائنات . ~~فكذلك يحصل التوكل والرضا والتسليم وسائر المقامات بالتدرج ايضا . وربما ~~يبدأ اول الامر بالتوكل على الاسباب الغائبة والخفية ، ومن ثم يصل الى مقام ~~المطلق تدريجا ، سواء أكانت له اسباب ظاهرة جلية ، ام اسباب باطنة خفية ، ~~وسواء أكان ذلك في اعماله هو ام في اعمال اقربائه ومقربيه . ولذلك جاء في ~~الحديث : «ان من درجات التوكل ان تتوكل على الله تعالى في كل امورك» . ### || AUTO فصل: في بيان الفرق بين « التوكل » و« الرضا » # اعلم ان مقام «الرضا» غير مقام «التوكل» ، وهو اسمى منه وارفع . وذلك لان ~~المتوكل يطلب الخير والصلاح لنفسه ، فيوكل الحق تعالى ، بصفته فاعل الخير ، ~~للحصول على الخير والصلاح . اما الشخص «الراضي» فيكون قد افنى ارادته في ~~ارادة الله ، فلا يختار لنفسه شيئا . ولقد سئل احد اهل السلوك : # «ما تريد ؟» . فقال : «اريد ان لا اريد» . # فمطلوبه هو مقام الرضا . اما ما جاء في الحديث الشريف : «فما فعل بك كنت ~~عنه راضيا» فانه لا يعني مقام الرضا ولذلك جاء بعد ذلك قوله : «تعلم انه لا ~~يألوك خيرا وفضلا» ، وكأنه صلى الله عليه وآله وسلم اراد ان يوجد في السامع ~~مقام التوكل ، وذلك بوضع المقدمات ، فقال اولا : «تعلم انه لا يألوك خيرا ~~وفضلا» ثم قال : «تعلم ان الحكم في ذلك له» طبيعي ان من يعلم ان الله تعالى ~~قادر على كل شيء ، وانه لا يفوت على نفسه خيره وفضله ، فان مقام التوكل ~~يحصل له ، وذلك لان ركني التوكل الاساسيين قد ذكرهما ، بينما لم يذكر ~~الركنين او الثلاثة الاخرى لوضوحهما . اذا ، تكون نتيجة المقدمات ms187 المذكورة ~~المطوية والمعلومة هي ان ما يفعله الحق تعالى يبعث على الرضا والسرور . اذ ~~ان فيه الخير والصلاح ، وبذلك يحصل مقام التوكل . ولهذا فرع عليه السلام في ~~الحديث الشريف قوله : «فتوكل على الله» . PageV01P210 # الاربعون حديثا :211 ### || AUTO فصل: في بيان الفرق بين « التفويض » و« التوكل » و« الثقة » # ثم اعلم ان «التفويض» ايضا غير «التوكل» ، وان «الثقة» غيرهما . ولذلك ~~فقد اشير اليهما في مقامات السالكين بصورة منفصلة . # يقول الخواجة عبد الله الانصاري : «التفويض الطف اشارة واوسع معنى من ~~التوكل ثم قال : التوكل شعبة منه» . وذلك لأن التفويض هو ان لا يرى العبد ~~في نفسه حولا ولا قوة ، ولا يجد ان له التصرف في شيء ، ويرى الحق تعالى هو ~~المتصرف في كل الامور . اما في التوكل فليس الامر كذلك ، لان المتوكل يجعل ~~الحق سبحانه قائما مقامه في التصرف واجتلاب الخير والصلاح . واما ان ~~التفويض اوسع ، لان التوكل فرع منه ، لان التوكل يكون في المصالح ، ~~والتفويض يكون في الامور كافة . # ولان التوكل لا يكون الا بعد وقوع سبب يستوجبه ، اي عند وجود امر يتوكل ~~فيه العبد على الله ، مثل توكل النبي صلى الله عليه وآله وسلم واصحابه على ~~الله في ان يحفظهم من المشركين ، حينما قيل لهم : «ان الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل» (1) واما التفويض ~~فيكون قبل وقوع السبب ، كما جاء في الدعاء المروي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم : «اللهم اني اسلمت نفسي اليك ، والجأت ظهري اليك ، وفوضت ~~امري اليك» (2) . وقد يكون بعد وقوع السبب ، مثل تمثيل مؤمن آل فرعون . # ان ما ذكرناه يكون حاصل ترجمة شرح العارف المعروف «عبد الرزاق الكاشاني» ~~للتوكل والتفويض مأخوذا من كلام العارف الكامل «الخواجة عبد الله» مع شيء ~~من الاختصار وفي كلام الخواجة ما يدل على ذلك . ولكن في اعتبار التوكل شعبة ~~من التفويض يستدعي النظر . # كما ان في جعل التفويض من التوكل مسامحة واضحة . وكذلك ليس ثمة دليل على ~~ان التوكل يقع بعد وقوع السبب . اذ ms188 في كلتا الحالتين قبل وبعد وقوع السبب ~~يصح معنى التوكل . اما الحديث الشريف الذي يقول : «فتوكل على الله بتفويض ~~ذلك اليه» فيمكن القول بأنه لا توكل الا مع رؤية تصرفه بنفسه ، ولهذا يتخذ ~~لنفسه وكيلا في امر من اموره الخاصة به . الا ان الرسول الاكرم اراد ان ~~يرفع ذلك من مقام التوكل الى مقام التفويض ، وليفهمه ان الحق تعالى لا يقوم ~~مقامك في التصرف ، بل هو المتصرف في ملكه ومملكته . وقد نبه على ذلك PageV01P211 الاربعون حديثا :212 # الخواجة نفسه في «منازل السائرين» بشأن الدرجة الثالثة من درجات التوكل . # واما «الثقة» فهي غير «التوكل» و«التفويض» ، كما يقول الخواجة : «الثقة ~~سواد عين التوكل ، ونقطة دائرة التفويض ، وسويداء قلب التسليم» . # اي ان المقامات الثلاثة لا تحصل من دون «ثقة» ، بل ان روح تلك المقامات ~~هي الثقة بالله تعالى . فما لم يثق العبد بالحق تعالى ، لا يمكن ان ينالها . # فتبين السر في قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، بعد التوكل ~~والتفويض ، «ثق به فيها وفي غيرها» . PageV01P212 # الاربعون حديثا :213 ### | AUTO الحديث الرابع عشر # الخوف والرجاء PageV01P213 الاربعون حديثا :214 # بسندي المتصل الى محمد بن يعقوب ، ثقة الاسلام وعماد المسلمين عن عدة من ~~اصحابنا ، عن احمد بن محمد ، عن علي بن حديد ، عن منصور بن يونس ، عن ~~الحارث بن المغيرة او ابيه ، عن ابي عبد الله عليه السلام قال : قلت له : ~~ما كان في وصية لقمان ؟ قال : «كان فيها الاعاجيب وكان اعجب ما كان فيها ان ~~قال لابنه : خف الله عز وجل خيفة لو جئته ببر الثقلين لعذبك ، وارج الله ~~رجاء لو جئته بذنوب الثقلين لرحمك . ثم قال ابو عبد الله عليه السلام : ~~كان ابي يقول : انه ليس من عبد مؤمن الا وفي قلبه نوران نور خيفة ونور رجاء ~~، لو وزن هذا لم يزد على هذا ولو وزن هذا لم يزد على هذا» (1) . PageV01P214 # الاربعون حديثا :215 # يقول «الجوهري» في الصحاح : «اعاجيب» كأنهم ارادوا جمع «اعجوبة» مثل ~~احدوثة واحاديث . وقال : ان «الاعجوبة» هي ما يكون ms189 حسنة او قبحه مثيرا ~~للتعجب . ويكون المقصود في هذا الحديث هو المعنى الاول وكأن اللفظ في الاصل ~~مختص بما يثير حسنه العجب ، وان استعملت تطفلا في الاعم . # و«البر» خلاف «العقوق» و«فلان يبر خالقه» يعني انه يطيعه ، كما يقوله ~~الجوهري . و«الثقلان» هما الجن والانس . # ويدل هذا (الحديث الشريف) على ان كلا من الخوف والرجاء يجب ان يصل الى ~~مرتبة الكمال ، ولا يجوز اليأس من رحمة الله تعالى ابدا ، ولا الامان من ~~مكره مطلقا . فهناك الكثير من الاحاديث التي تؤكد ذلك ، كما ينص القرآن ~~الكريم على ذلك ايضا . ثم يجب الا يرجح احدهما على الآخر . وسوف نقوم ، ~~بشرح ذلك وبيان المواضيع الاخرى من الحديث ان شاء الله ضمن فصول عديدة . ### || AUTO فصل: في بيان نظرتي الانسان العارف # اعلم ، ان للانسان العارف بالحقائق والمطلع على النسبة بين الممكن ~~والواجب جل وعلا نظرتين : الاولى : نظرته الى نقصه الذاتي والى نقص جميع ~~الممكنات وانحطاط الكائنات فهو يدرك في هذه النظرة ، عينا او علما ، ان ~~الممكن غارق بكليته في الذل والنقص وفي بحر ظلام الامكان والفقر والاحتياج ~~ازلا وابدا ، وانه لا يملك بذاته شيئا اطلاقا ، وهو محض لا شيء ، ومجرد ضعة ~~، ونقص مطلق ، بل ان هذه التعبيرات نفسها لا تصدق عليه حقيقة وانما هي من ~~ضيق افق التعبير والكلام ، والا فان النقص والفقر والحاجة من سمات الشيئية ~~، وليس لجميع الممكنات والخلائق كافة ، شيئية بذواتها . وهو في هذه النظرة ~~، لو تقدم PageV01P215 الاربعون حديثا :216 # الى اعتاب الربوبية بكل العبادات والطاعات والعلوم والمعارف ، فلن يكون ~~امامه سوى ان يطأطئ راسه خجلا وذلا وخوفا ، فما هذه العبادة والطاعة ؟ ممن ~~؟ ولمن ؟ ان كل المحامد تعود اليه تعالى ، وليس للممكن اي تصرف فيه ، بل ان ~~تصرف الممكن يبعث على نقص في اظهار محامد الله والثناء عليه . وهذا ما ~~سألوي عنه عنان القلم ، ففي هذا المقام يقول عز وجل : # «ما اصابك من حسنة فمن الله وما اصابك من سيئة فمن نفسك ...» (1) . كما ~~يقول في المقام الاول «قل كل من عند الله » (2) # يقول ms190 الشاعر في هذا المقام : # قال مرشدنا : ان قلم الصانع لم يخطا ................... (ان الاخطاء منا) # بوركت نظرته السديدة الساترة للعيوب ............... (قل كل من عند الله) # ان قول المرشد راجع الى المقام الثاني (ما اصابك من حسنة فمن الله وما ~~اصابك من سيئة فمن نفسك) . واما قول الشاعر (الشطر الثاني من الشعر) فيعود ~~الى المقام الاول (قل كل من عند الله) وفي هذا المقام يستولي على الانسان ~~الخوف والحزن والخجل والحزي . # والنظرة الاخرى نظرته الى كمال الواجب ، وبسط بساط رحمته ، وسعة لطفه ~~تعالى وعنايته . فهو يرى انه سبحانه قد بسط هذه النعم والرحمات المتنوعة ، ~~التي لا يمكن الاحاطة بها ولا حصرها وتحديدها ، من دون استعداد وتهيأ مسبق ~~لها . وانه قد فتح ابواب لطفه وعفوه على العباد دون استحقاق . فنعمه مبتدءة ~~لا يسبقها سؤال . # كما اشار الى ذلك حضرة الامام زين العابدين وسيد الساجدين كثيرا في ادعية ~~الصحيفة وغيرها ، فيقوى رجاؤه برحمة الحق تعالى ويزداد امله ، بالكريم الذي ~~لا يسبغ كرمه الا من باب الرحمة واللطف ، وبمالك الملوك الذي يفيض علينا ~~بنعمه من دون سؤال او استعداد . تلك النعم التي تعجز العقول عن ادراك بعضها ~~وتقصر . والمالك الذي لا تنقص من ملكه الواسع معصية العاصين ، ولا تزيده ~~طاعة المطيعين ، بل ان هداية ذاته المقدسة لنا الى طرق الطاعات ، ومنعه ~~ايانا عن العصيان ، انما هو من عناياته الكريمة ونعمه وآلائه ، لأجل وصولنا ~~الى مقامات الكمال ومدارجه الرفيعة ، وللتنزه عن النقص والقبح والتشوه . # فاذا جثونا عند اعتاب رحمته وعنايته ، لوجب ان نقول : اللهم انك اذ ~~البستنا لباس الوجود ، ووهبتنا كل اسباب الحياة والرفاه بما يفوق ادراك ~~المدركين ، واريتنا طرق الهداية ، واسبغت علينا من نعمك ، انما كان ذلك ~~لمصلحتنا لننعم بافضالك ونعمك . وها نحن قد وفدنا الى دار كرامتك ، وعلى ~~اعتاب سلطنتك ، مثقلين بذنوب الثقلين ، مع ان ذنوب المذنبين لم PageV01P216 الاربعون حديثا :217 # تنقص من خزائن رحمتك ، ولم تخل خطاياهم بمملكتك . فماذا انت صانع بقبضة ~~تراب لا تساوي شيئا عند اعتاب عظمتك سوى ان تشملها برحمتك ms191 وعنايتك ؟ ايمكن ~~ان نأمل غير الرحمة من لطفك ؟ # فعلى الانسان ، اذا ، ان يتردد بين هاتين النظرتين . فلا هو يغمض عينيه ~~عما فيه من نقص وقصور في القيام بالعبودية ، ولا هو ينسى سعة رحمة الحق جل ~~جلاله وعنايته وشموليتهما . ### || AUTO فصل: في بيان مراتب الخوف ودرجاته # اعلم ايها العزيز ، ان للخوف والرجاء مراتب ودرجات حسب حالات العباد ~~ومراتب معرفتهم . فخوف العامة يكون من العذاب وخوف الخاصة يكون من العتاب ، ~~وخوف اخص الخاصة يكون من الاحتجاب . ولكننا لسنا الآن بصدد شرح ذلك ، وانما ~~سنشير الى الموضوع السابق ببيان آخر . # فاعلم ان ليس احد من المخلوقات بقادر على عبادة الحق تعالى حق عبادته . ~~لان العبادة هي الثناء على مقام ذات الله المقدسة ، وثناء كل شخص فرع ~~معرفته بمن يثني عليه . ولما كانت يد ارجاء العباد ، في الحقيقة قصيرة ، عن ~~عز جلال معرفة ذاته المتعال ، فهم اذا ليسوا قادرين بالثناء على جماله ~~وجلاله . وقد اعترف بذلك اشرف الخلائق واعرف الكائنات بمقام الربوبية : # «ما عبدناك حق عبادتك وما عرفناك حق معرفتك» (1) حيث الجملة الثانية هي ~~بمثابة التعليل للجملة الاولى ، اذ قال : # «انت كما اثنيت على نفسك» (2) . # اذا ، فالقصور الذاتي من حق الممكن ، والعلو الذاتي خاص بذات كبرياء الله ~~جل جلاله . ولما كان العباد قاصرين عن الثناء على الله تعالى وعن عبادة ~~ذاته المقدسة . ومن دون معرفة الحق سبحانه وعبوديته لا يمكن لأحد من عباده ~~ان يبلغ المقامات الكمالية والمدارج الاخروية ، كما هو ثابت ومبرهن عليه ~~عند علماء الآخرة في محله ، ولكن العامة غافلون عن ذلك ، ويحسبون المدارج ~~الاخروية جزافا او شبيهة بالجزاف تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا لما كان ~~كذلك فقد فتح الله تعالى بلطفه الشامل ورحمته الواسعة بابا من الرحمة ~~والرعاية بالعباد عن طريق تعليمات الوحي الغيبية والالهام ، وبوساطة ~~الملائكة والانبياء : ذلك هو باب العبادة PageV01P217 الاربعون حديثا :218 # والمعرفة . فعلم العباد طرق عبادته ، وفتح لهم سبيلا الى المعارف لكي ~~يخففوا من نقائصهم قدر الامكان ، ويسعوا لنيل الكمالات الممكنة ، ويهتدوا ~~باشعة نور العبودية للوصول ms192 الى عالم كرامة الحق ، والى الروح والريحان ~~وجنات النعيم ، بل الى رضوان الله الاكبر . # اذا ، ففتح باب العبادة والعبودية من النعم الكبرى التي تدين لها ~~الكائنات كافة ، دون ان تستطيع الوفاء بحق الشكر ، بل ان كل شكر هو فتح باب ~~كرامة لا تقدر على شكره ايضا . فاذا علم الانسان مشربه هذا ، واطلع قلبه ~~عليه ، اعترف بتقصيره . وحتى لو انه تقدم الى اعتاب الله جل جلاله بعبادة ~~الجن والانس والملائكة المقربين ، لكان مع ذلك خائفا ومقصرا . وكذلك ان ~~عباد الله العارفين واولياءه المختصين به الذين فتح لهم بابا من سر القدر ، ~~واستنارت قلوبهم بنور المعرفة ، لإرتجفت قلوبهم من الخوف ، ونفوسهم من ~~الخشية ، بحيث لو اتجهت اليهم الكمالات كلها ، واعطوا مفاتيح المعارف كلها ~~، واترعت قلوبهم بالتجليات ، لما قل من خوفهم قدر ذرة ، ولا من خشيتهم قدر ~~شعرة ، كما يقول احدهم : الناس تخاف النهاية وانا اخاف البداية . سبحان ~~الله ولا حول ولا قوة الا بالله ، اعوذ بالله تعالى . يعلم الله يجب ان ~~يتقطع قلب الانسان من هذا الكلام ، ويذوب خوفا ، ويهيم على وجهه في البراري ~~فإلى اي حد يكون الانسان غافلا ؟ # ثم انه قد سبق منا في شرح احد الاحاديث السابقة وقلنا بأننا في كل ~~عباداتنا وطاعاتنا انما نريد مصالحنا الخاصة ، ودافعنا اليها هو حب النفس . ~~وما الزهد في الدنيا في الحقيقة الا من اجل الآخرة . وهو اشبه بالزهد في ~~الدنيا من اجل الدنيا عند الاحرار . فلو ذهبنا بعبادة الثقلين الى محضر ~~قدسه الربوبي ، لما كان استحقاقنا سوى البعد عن ساحته المقدسة . لقد دعانا ~~الحق تبارك وتعالى الى مقام قربه وانسه . قال : «وخلقتك لاجلي» وجعل غاية ~~الخلق معرفته ، وهدانا الى طرق المعارف والعبودية ، ولكننا مع هذا لم نشغل ~~انفسنا الا بتعمير البطن والفرج ، ولا هم لنا سوى الانانية وحب الذات . # فيا ايها الانسان المسكين ، الذي لم تجن من عبادتك ومناسكك الا البعد عن ~~ساحة الله المقدسة ، والاستحقاق للعتاب والعقاب ، علام اعتمادك ؟ ولماذا لا ~~يقلقك ولا يزعجك الخوف من شدة بأس الحق ؟ أعندك متكأ ms193 تتكئ عليه ؟ أتثق ~~بعملك وتطمئن اليه ؟ اذا كان الامر كذلك فالويل لك من معرفتك بحالك وحال ~~مالك الملوك ! واذا كان اعتمادك على فضل الحق وسعة رحمته وشمول عناية ذاته ~~المقدس ، لكان ذلك في محله جدا . لقد اعتمدت على امر وثيق ، ولجأت الى اوثق ملجأ . # الهي ، وربي ! ان ايدينا عن كل شيء قاصرة ، ونحن عارفون بأننا ناقصون ~~وتافهون ، ولا نملك ما يليق بأعتاب قدسك . كلنا نقص وعيب . ظاهرنا وباطننا ~~ملوث بالمهالك والموبقات . PageV01P218 # الاربعون حديثا :219 # فمن نحن حتى نرجو القدرة على الثناء عليك ، فيما يعترف الولي من اوليائك ~~قائلا : «افبلساني الكال هذا اشكرك !» مقرا بعجزه وقصوره ، فكيف بنا نحن ~~اهل المعصية المحجوبين عن ساحة كبريائك ؟ ما عسانا نقول سوى ان نحرك ~~السنتنا قائلين : ان رجائنا موكول الى رحمتك ، وأن املنا وثقتنا بفضلك ~~ومغفرتك وجودك وكرمك ، كما جاء على السنة اوليائك . # في الكافي ، باسناده عن ابي جعفر الباقر عليه السلام قال : «قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم : قال الله تبارك وتعالى : «لا يتكل العاملون ~~لي على اعمالهم التي يعملونها لثوابي ، فانهم لو اجتهدوا وأتعبوا انفسهم ~~أعمارهم في عبادتي كانوا مقصرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما ~~يطلبون عندي من كرامتي والنعيم في جناتي ورفيع الدرجات العلى في جواري ، ~~ولكن برحمتي فليثقوا ، وفضلي فليرجوا ، والى حسن الظن بي فليطمئنوا ، فان ~~رحمتي عند ذلك تدركهم ، ومني يبلغهم رضواني ، ومغفرتي تلبسهم عفوي ، فاني ~~انا الله الرحمن الرحيم ، وبذلك تسميت» (1) . # ومن اسباب الخوف ايضا التفكر في شدة بأس الله تعالى ، وفي دقة سلوك طريق ~~الآخرة ، والاخطار التي تحيط بالانسان في حياته وعند موته ، ومشاق البرزخ ، ~~ويوم القيامة ، ومناقشات الحساب والميزان ، مع ملاحظة الآيات والاخبار التي ~~تنبئ عما وعد الله تعالى عباده ، مما يحيي كامل الامل والرجاء . # لقد جاء في الاحاديث ، ان الحق تعالى يبسط يوم القيامة بساط رحمته بصورة ~~يطمع حتى الشيطان بالمغفرة منه . وان الحق سبحانه لم ينظر الى هذا العالم ~~منذ تكوينه وخلقه ، نظرة لطف كما ورد في الرواية وانه سبحانه ms194 وتعالى لم ~~يبعث الى هذا العالم رحمته الا بمقدار ذرة بالنسبة الى العوالم الاخرى ، ~~هذه الذرة قد بعثت على احاطة النعم الالهية ، والطافه ورحمته وغفرانه ، ~~بالجميع من جميع جوانبهم ، وان الظاهر من النعم والباطن منها تعتبر مائدة ~~نعم الله تبارك وتعالى وعطاياه التي لا يقدر العالم برمته على الاحاطة بجزء ~~منها ، فكيف اذا بنعمه سبحانه في عالم هو عالم كرامته ، ودار ضيافته ، ~~وموضع رحمته ، حيث يبسط رحيميته ورحمانيته ؟ فيحق للشيطان ان يطمع في نيل ~~رحمة الله ، ويرجو عطيته ! اذا ، فأكمل حسن ظنك بالله وثق بفضله «ان الله ~~يغفر الذنوب جميعا» (2) . فالله يغرق الجميع في بحر جوده وكرمه ، والله لا ~~يخلف وعده ، وان كان الخلف في الوعيد ممكن ، وكثيرا ما يقع فعلا . فليستبشر ~~قلبك برحمته التامة . ولولا شمولك برحمته الواسعة لما كنت قد خلقت ، فكل ~~مخلوق مرحوم : «وسعت رحمته كل شيء» (3) . PageV01P219 # الاربعون حديثا :220 ### || AUTO فصل: في الفرق بين الرجاء والغرور # ولكن ايها العزيز كن على حذر ، لئلا تخلط بين الرجاء والغرور . فقد تكون ~~مغترا وتحسب نفسك من اهل الرجاء . ان من السهل التمييز بين الحالين في ~~مباديهما . انظر الى هذه الحال التي فيك والتي تظن نفسك بها بأنك من اهل ~~الرجاء . فهي اما ان تكون ناشئة من التهاون في اوامر الحق سبحانه والتقليل ~~منها ، واما ان تكون ناجمة عن الاعتقاد بسعة رحمة الله وعظمة ذاته المقدسة ~~. واذا عسر عليك التمييز بينهما ايضا ، امكنك التمييز من خلال الآثار . ~~فاذا كان الاحساس بعظمة الله في القلب ، وكان قلب المؤمن محاطا برحمة ذاته ~~المقدسة وعطاياه ، لقام القلب بواجب العبودية والطاعة . لأن تعظيم العظيم ~~المنعم وعبادته من الامور الفطرية التي لا خلاف فيها . # واذا لم تكن في اداء واجبات العبودية ، وفي بذل الجهد والجد في الطاعة ~~والعبادة ، معتمدا على اعمالك ، ولم تحسب لها حسابا ، وكنت آملا رحمة الله ~~وفضله وعطائه ، ووجدت نفسك مستحقا للوم والذم والسخط والغضب بسبب اعمالك ، ~~ولم تعتمد الا على رحمة الجواد المطلق ، فأنت من اهل الرجاء . فاشكر الله ~~تبارك وتعالى ms195 ، واطلب من ذاته المقدسة ان يثبت ذلك في قلبك ، ويمنحك اعلى ~~منه مقاما . # اما اذا كنت لا سمح الله متهاونا في اوامر الحق تعالى ومستحقرا ~~ومستهينا لتعاليمه ، فاعلم انه الغرور الحاصل في قلبك وانه من مكائد ~~الشيطان ، ومن نفسك الامارة بالسوء . فلو آمنت بسعة الله ورحمته وعظمته . ~~لظهر اثر ذلك فيك . ان المدعي الذي يخالف عمله دعواه يكذب نفسه بنفسه . ~~والشواهد على هذا في الاحاديث المعتبرة كثيرة . # ففي الكافي باسناده عن ابن ابي نجران ، عمن ذكره ، عن ابي عبد الله عليه ~~السلام قال : « قلت له : قوم يعملون بالمعاصي ويقولون نرجو فلا يزالون كذلك ~~حتى يأتيهم الموت ، فقال : هؤلاء قوم يترجحون في الاماني . كذبوا ليسوا ~~براجين ، ان من رجا شيئا طلبه ومن خاف من شيء هرب منه» (1) . # وبهذا المضمون رواية اخرى في كتاب الكافي الشريف : # وباسناده عن الحسين بن ابي سارة قال : «سمعت ابا عبد الله عليه السلام ~~يقول : لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون خائفا راجيا ولا يكون خائفا راجيا ~~حتى يكون عاملا لما يخاف ويرجو» (2) . # قال بعضهم : ان مثل من لا يعمل وينتظر رحمة ربه ويرجو رضوانه مثل من يرجو المسبب PageV01P220 الاربعون حديثا :221 # دون ان يعد الاسباب ، ومثل الفلاح الذي ينتظر الزرع من دون ان يبذر الارض ~~او يهتم بها وبإروائها او يقضي على موانع الزرع . ان مثل هذا الانتظار لا ~~يسمى بالرجاء ، بل هو بله وحماقة . وان مثل من لم يصلح اخلاقه او لم يبتعد ~~عن المعاصي فينهض باعمال راجيا تزكية نفسه ، مثل من يودع البذر في اراضي ~~سبخة ، ومن الواضح ان هذا الزرع لا يثمر النتيجة المتوخاة . # فالرجاء المستحسن والمحبوب هو تهيأة كافة الاسباب التي يمتلكها الانسان ~~كما امر الله بها واستغلالها حسب القدرة التي زوده بها الحق المتعال ~~بعنايته الكاملة ، وحسب هدايته عز وجل اياه الى طرق الصلاح والفساد ، ثم ~~ينتظر ويرجو الحق المتعال ان يتم عنايته السابقة تجاه الاسباب التي وفرها ~~من قبل ، ويحقق الاسباب التي لا تدخل تحت ارادته واختياره من بعد ، ويزيل ms196 ~~الموانع والمفاسد . # فاذا نظف العبد ارض قلبه من اشواك الاخلاق الفاسدة واحجار الموبقات ~~وسباختها ، وبذر فيها بذور الاعمال ، وسقاها بماء العلم الصافي النافع ~~والايمان الخالص ، وخلصها من المفسدات والموانع مثل العجب والرياء وامثالها ~~التي تعد بمثابة الاعشاب الضارة العائقة لنمو الزرع ، ثم انتظر ربه ~~المتعالى ورجاه ان يثبته على الحق ، ويجعل عاقبة امره الى خير ، كان هذا ~~الرجاء مستحسنا . كما يقول الحق المتعالي : # «ان الذين آمنوا والذين هاجروا في سبيل الله اولئك يرجون رحمة الله» (1) . ### || AUTO فصل: في سبب تعادل الخوف والرجاء # ورد في نهاية هذا الحديث الشريف الحديث الرابع عشر انه لا بد من تعادل ~~الخوف والرجاء وعدم تفوق احدهما على الآخر ، كما ورد هذا المضمون في مرسلة ~~ابن ابي عمير عن الامام الصادق عليه السلام ايضا . # ان الانسان عندما يدرك منتهى قصوره في النهوض بالعبودية ، ويرى صعوبة ~~وضيق طريق الآخرة ، يتولد فيه الخوف بأعلى درجة ، وعندما يجد ذنوبه ويفكر ~~في أناس كانت عاقبة امرهم الموت من دون ايمان وعمل صالح ، رغم حسن احوالهم ~~في بدء الامر ولكنهم انتهوا الى سوء العاقبة ، يشتد فيه الخوف . ففي الحديث ~~الشريف في الكافي عن الامام الصادق عليه السلام : # قال : «المؤمن بين مخافتين ذنب قد مضى لا يدري ما صنع الله فيه وعمر قد ~~بقي لا يدري ما يكتسب فيه من المهالك فهو لا يصبح الا خائفا ولا يصلحه الا ~~الخوف» (2) . PageV01P221 # الاربعون حديثا :222 # ونقل الكافي في حديث آخر عن الامام الصادق عليه السلام خطبة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذا المضمون . # وعلى اي حال يرى الانسان نفسه في منتهى النقص والتقصير ، ويرى الحق في ~~منتهى العظمة والجلال ، وسعة الرحمة والعطاء ، ويعيش العبد بين هاتين ~~النظرتين دائما في حال متوازية بين الخوف والرجاء . وحيث ان الاسماء ~~الجلالية والجمالية تتجليان في قلب السالك بصورة متعادلة لا يترجح كل من ~~الخوف والرجاء على الآخر . # وقال (1) بعض ان الخوف في بعض الاحيان انفع للانسان مثل ايام الصحة ~~والعافية ، حتى يجهد الانسان نفسه في ms197 كسب الكمال والعمل الصالح ، وفي بعض ~~الاحيان الرجاء افضل مثل ايام ظهور علامات الموت ، حتى يلاقي الانسان الحق ~~المتعالي مع حال مفضلة اكثر عنده سبحانه . # ولكن هذا الكلام لا يتطابق مع الكلمات السابقة والاحاديث المذكورة ، لان ~~الرجاء المحبوب يدفع الانسان ايضا نحو العمل واكتساب الآخرة ، والخوف من ~~الحق سبحانه محبوب لديه عز وجل ولا يتنافى مع الرجاء المؤكد . # وقال بعضهم (2) ان الخوف لا يعتبر من الفضائل النفسية والكمالات العقلية ~~في عالم الآخرة وانما يعد من الامور النافعة في دار الدنيا التي هي دار ~~العمل ، حيث يحرص الانسان على فعل العبادات وترك المعاصي وينتهي دوره بعد ~~الخروج من هذه الدنيا . في حين ان الرجاء لا ينقطع ويستمر حتى في عالم ~~الآخرة . لان العبد كلما نال رحمة الله اكثر ، ازداد طمعه نحو فضل الحق ~~المتعالي اكثر ، لان خزائن رحمة الحق الجليل لا تتناهى . فالخوف ينقطع ~~بالموت ويبقى الرجاء حتى الى ما بعد الموت . # يقول (3) المحدث المحقق المجلسي رحمه الله تعالى «والحق ان العبد ما ~~دام في دار التكليف لا بد له من الخوف والرجاء وبعد مشاهدة امور الآخرة ~~يغلب عليه احدهما لا محالة بحسب ما يشاهده من احوالها» . # يقول الكاتب : ان ما قيل من غلبة الخوف والرجاء في عالم الآخرة ، لا ~~يتلاءم مع ما ذكر من معنى الرجاء . وعلى فرض صحة الكلام المذكور فهو صحيح ~~بالنسبة الى المتوسطين حيث يكون خوفهم ورجاؤهم عائدين الى الثواب والعقاب . # واما حال الخواص والاولياء فيختلف الامر عما ذكروا ، لان الخوف والرجاء ~~الناجمان عن PageV01P222 الاربعون حديثا :223 # مشاهدة عظمة وجلال وتجلي اسماء اللطف والجمال ، والحاصلان في القلب لا ~~يزولان بمشاهدة امور الآخرة . ولا يترجح احدهما على الآخر ، بل ان آثار ~~الجلال والعظمة وتجليات الجمال واللطف في عالم الآخرة اكثر ، فيصبح الخوف ~~الحاصل من عظمة الحق من اللذائذ الروحانية ، ولا يتنافى هذا مع الآية ~~الكريمة : «الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» (1) كما يتبين ~~ذلك بالتمعن في الآية المباركة . وما نقل قبل اسطر من ان ms198 الخوف ليس ~~بفضيلة نفسية ، ليس هو الخوف من الجلال والعظمة ، لان مثل هذا الخوف يكون ~~كمالا ومن صفات الكاملين والمكملين . كما ان خوف غيرهم يكون اكثر . والحمد ~~لله على جماله وجلاله والصلاة على محمد وآله . PageV01P223 # الاربعون حديثا :224 PageV01P224 الاربعون حديثا :225 ### | AUTO الحديث الخامس عشر # البلاء PageV01P225 الاربعون حديثا :226 # بسندنا المتصل الى سلطان المحدثين محمد بن يعقوب الكليني رضوان الله ~~عليه عن علي بن ابراهيم ، عن ابيه ، عن ابن محبوب ، عن سماعة ، عن ابي عبد ~~الله عليه السلام قال : ان في كتاب علي عليه السلام : «ان اشد الناس بلاء ~~النبيون ثم الوصيون ثم الامثل فالامثل وانما يبتلى المؤمن على قدر اعماله ~~الحسنة ، فمن صح دينه وحسن عمله ، اشتد بلاؤه وذلك ان الله تعالى لم يجعل ~~الدنيا ثوابا لمؤمن ولا عقوبة لكافر ومن سخف دينه وضعف عقله ، قل بلاؤه وان ~~البلاء اسرع الى المؤمن التقي من المطر الى قرار الارض» (1) . PageV01P226 # الاربعون حديثا :227 ### || AUTO الشرح : # قال بعض بأن المقصود من الناس في امثال هذا الحديث الشريف ، الكاملون من ~~قبيل الانبياء والاولياء والاوصياء ، فانهم الناس حقا . واما عامة الناس ~~فهم النسناس كما ورد في الاحاديث . # ولكن لا مرجح لهذا الكلام ، بل المناسب في المقام ارادة عموم البشر وهو ~~واضح تماما ، ويكون هذا المعنى مستفادا من الاحاديث الموجودة في هذا ~~الباب من كتاب الكافي . واذا عثرنا في حديث على كلمة «الناس» وكان المقصود ~~منها الكاملين ، فليس ذلك مبررا لارادة هذا المعنى من هذه اللفظة حيثما وردت . # ان «البلاء» هو الاختبار والامتحان ، في الحسن والقبح . كما صرح بذلك اهل ~~اللغة . يقول الجوهري في الصحاح (والبلاء الاختبار يكون بالخير والشر ، ~~يقال ابلاه الله بلاءا حسنا وابتلاه معروفا) ويقول الحق المتعال «بلاء ~~حسنا» (1) . # وعلى اي حال ان كل ما يمتحن به الحق جل جلاله عباده يدعى بلاء او ~~ابتلاء سواء كان بالامراض والاسقام والفقر والذل وادبار الدنيا بما يقابل ~~هذه الامور ، كأن يختبر بكثرة الجاه والاقتدار والمال والمنال وبالزعامة ~~والعزة والعظمة . ولكن متى ما ذكر البلاء ms199 او البلية او الابتلاء بصورة ~~مطلقة انصرف انسبق الى الذهن من اللفظ البلاء من القسم الاول . # و«أمثل» بمعنى افضل واشرف يقال : هذا امثل من هذا اي افضل وادنى الى ~~الخير . واماثل الناس ، خيارهم . فمعنى «ثم الامثل فالامثل» هو ان من كان ~~افضل واحسن بعد الائمة PageV01P227 الاربعون حديثا :228 # الاوصياء عليهم السلام فبلاؤه اشد من الآخرين . ومن كان من غير الفئة ~~المذكورة افضل فبلاؤه اكثر من غيره من الناس . فمراتب الابتلاء على قدر ~~درجات الفضل عند الله سبحانه . ولا يوجد مثل هذا التعبير الامثل فالامثل ~~في الادب الفارسي حتى اذكره . # وال «سخف» هو ضعف العقل وخفته ، كما ورد في الصحاح وغيره من الكتب ~~اللغوية . # وال «قرار» هو المستقر والمكان ، كما يستفاد من معاجم اللغة . وفي كتاب ~~قاموس اللغة : «القرار والقرارة ما قر فيه والمطمئن من الارض» ووجه الشبه ~~بين المؤمن التقي وقرار الارض هو ان الارض محل الامطار ومستقرها ، حيث ~~تهطل قطرات السماء عليها وتستقر ، وكذلك المؤمن حيث تهجم عليه البلايا ، ~~وتستقر عنده ولا تفارقه . # ونحن ان شاء الله سنشرح ما يحتاج اليه الحديث الشريف في غضون فصول عدة . ### || AUTO فصل: في بيان معنى الامتحان واثاره وكيفية نسبته الى الحق ~~المقدس المتعالى # اعلم ان النفوس البشرية منذ ظهورها وتعلقها بالاجساد ، وهبوطها الى عالم ~~الملك عالم المادة تكون على نحو القوة الاهلية والقابلية تجاه جميع ~~العلوم والمعارف والملكات الحالات الراسخة المتمركزة في الانسان الحسنة ~~والسيئة ، بل تجاه جميع الادراكات والفعليات الحاضرة التي هي ذات آثار ثم ~~تتدرج بعناية الحق جل جلاله نحو الفعلية شيئا فشيئا ، فتبدو اولا ~~الادراكات الضعيفة الجزئية مثل حاسة اللمس والحواس الظاهرية الاخرى الاخس ~~فالاخس ثم تظهر ثانيا الادراكات الباطنية متدرجة ايضا . ولكن الملكات لا ~~تزال موجودة بالقوة ، فان لم تتأثر بعوامل تفجر فيها الطاقات الخيرة وتركت ~~لوحدها لانتصرت الخبائث وتحققت الملكات الفاسدة وانعطفت نحو القبائح ~~والمساوئ ، لان الدواعي الداخلية الباطنية كالشهوة والغضب وغيرها يسوقان ~~الانسان الى الفجور والتعدي والظلم وبعد انقياده لهما يتحول في فترة قصيرة ~~الى حيوان ms200 عجيب وشيطان غريب . # ولما كانت عناية الحق تعالى ورحمته قد وسعت بني الانسان في الازل ، جعل ~~لهم سبحانه حسب تقدير دقيق نوعين من المربي والمهذب ، بمثابة جناحين يطير ~~بهما من حضيض الجهل والنقص والقباحة والشقاء الى اوج العلم والمعرفة ~~والكمال والجمال والسعادة ويحرر نفسه من ضغط ضيق عالم الطبيعة الى الفضاء ~~الرحب الملكوتي الاعلى . وهما : # المربي الباطني المتجسد في العقل والقدرة على التمييز بين الحسن والقبيح ~~. والمربي الخارجي المتمثل في الانبياء والأدلاء لطرق السعادة والشقاء . ~~وكل منهما لا يؤدي دوره بدون الآخر ، اذ ان العقل البشري عاجز عن معرفة طرق ~~السعادة والشقاء واكتشاف الطريق الى عالم PageV01P228 الاربعون حديثا :229 # الغيب ، ونشأة الآخرة ، كما ان هداية الانبياء ، وارشادهم لا تكون مؤثرة ~~بدون ادراك العقل والقدرة على التمييز . # فالحق تبارك وتعالى منحنا هذين النوعين من الموجه لكي نجعل الطاقات ~~المكتنزة والاستعدادات الكامنة في النفوس تتحرك من القوة الى الفعلية ~~والظهور . وقد وهبنا الحق المتعالي هاتين النعمتين الكبيرتين لنا امتحانا ~~واختبارا ، لان الانسان يتميز افراده بعضهم عن بعض ، ويتم الفصل بين السعيد ~~والشقي والمطيع والعاصي والكامل والناقص . كما قال ولي المؤمنين عليه ~~السلام : «والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة» (1) . # وفي كتاب الكافي الشريف في باب التمحيص والامتحان عن ابن ابي يعفور عن ~~الامام الصادق عليه السلام : «لا بد للناس من ان يمحصوا ويميزوا ويغربلوا ~~ويستخرج في الغربال خلق كثير» (2) . # وباسناده عن منصور قال : قال لي ابو عبد الله عليه السلام : «يا منصور ان ~~هذا الامر لا يأتيكم الا بعد إياس ولا والله حتى تميزوا ولا والله حتى ~~تمحصوا ولا والله حتى يشقى من يشقى ويسعد من يسعد» (3) . # وفي حديث آخر عن ابي الحسن عليه السلام قال : «يخلصون كما يخلص الذهب» (4) . # وفي كتاب الكافي الشريف في باب الابتلاء والاختبار بسنده الى الامام ~~الصادق عليه السلام قال : «ما من قبض ولا بسط الا ولله مشيئة وقضاء ~~وابتلاء» (5) . # وفي حديث آخر عنه عليه السلام قال : «انه ليس شيء فيه قبض او بسط مما امر ~~الله ms201 او نهى عنه الا وفيه لله عز وجل ابتلاء وقضاء» (6) . # و«القبض» في اللغة الامساك والمنع والاخذ ، و«البسط» بمعنى النشر والعطاء ~~: فكل عطاء وتوسعة ومنع امتحان للانسان ، كما ان كل امر ونهي وتكليف يكون ~~للامتحان ايضا . فان بعث الرسل ونشر الكتب السماوية لغربلة الناس ، ولفصل ~~الاشقياء عن السعداء ، والمطيعين عن العاصين . ومعنى امتحان الحق المتعالي ~~للناس واختبارهم هو الفصل الحقيقي الواقعي على صعيد الخارج للناس بعضهم عن ~~بعض ، لا العلم بالفصل ، لان علم الحق جل جلاله أزلي ومتعلق ومحيط بكل شيء ~~قبل ايجاده . PageV01P229 # الاربعون حديثا :230 # والحكماء قد اسهبوا الحديث في معنى الابتلاء والامتحان ، ولا يتناسب نقله ~~مع هذا الكتاب . فنتيجة الاختبار بصورة مطلقة ورغم ان الامرين المذكورين ~~من اهم نتائجه هو فصل السعيد عن الشقي على صعيد الخارج الواقعي . # وتتم في هذا الامتحان والتمحيص حجة الله على خلقه ايضا ، وتكون تعاسة ~~وسعادة وهلاك وحياة كل شخص عن حجة وبينة ، ولا يبقى لاحد مجال للاعتراض ، ~~فمن سعى في طريق السعادة والحياة الابدية ، كان سعيه توفيقا من الله وهداية ~~له ، لانه سبحانه قد وفر جميع اسباب هذا السبيل . ومن جد في طريق الشقاء ~~ووجه وجهه نحو الهلاك ومتابعة الهوى والشيطان مع توفر كل طرق الهداية ~~وأسباب السعادة ، فقد اختار بنفسه الهلاك والتعاسة رغم نهوض الحجة البالغة ~~للحق تبارك وتعالى على خلاف ما ارتآه «لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت» (1) . ### || AUTO فصل: في بيان فلسفة شدة ابتلاء الانبياء والاوصياء والمؤمنين # اعلم وقد سبق منا الحديث بان كل عمل يصدر من الانسان ، بل كل ما يقع منه ~~في عالم ملك الجسم ، وكان مدركا للنفس ، يترك اثرا لدى النفس ، من دون فرق ~~بين الاعمال الحسنة او السيئة ، ومن دون فرق بين ان يكون العمل من نوع ~~الافراح او نوع الاتراح . وقد عبر عن هذا الاثر في الاخبار بنقطة بيضاء ~~ونقطة سوداء مثلا : ان كل لذة مما يلتذ الانسان به من المطعومات او ~~المشروبات او المنكوحات او غيرها ، يترك اثرا في النفس ، ويحصل تعلقا ومحبة ~~في ms202 عمق الروح تجاهه الشيء الذي تمتع فيه ويزداد توجه النفس اليه . وكلما ~~توغل في اللذائذ والمشتهيات اكثر ، ازداد تعلق النفس وحبها لهذا العالم ~~اكثر . وغدا ركونهه واعتماده على هذا العالم اكبر ، فتتربى النفس وترتاض ~~على التعلق بالدنيا . وكلما كانت المتع في ذائقته احلى ، كانت جذور محبة ~~الدنيا في قلبه اكثر . وكلما توفرت وسائل العيش والعشرة والراحة بشكل اوفى ~~، اصبحت دوحة التعلق بالدنيا اقوى وكلما اقبلت النفس على الدنيا اكثر ، ~~كلما كانت غفلته عن الحق وعالم الآخرة اكثر . فان نفس الانسان اذا ركنت الى ~~الدنيا كليا وصار توجهها ماديا ودنيويا ، انصرف عن الحق المتعال ودار ~~الكرامة نهائيا و«اخلد الى الارض واتبع هواه» (2) . # فالانهماك في بحر اللذائذ والمشتهيات يصرف الانسان الى حب الدنيا من دون ~~اختيار ، PageV01P230 الاربعون حديثا :231 # وحب الدنيا يوجب النفور عن غيرها ، والاقبال على الملك الماديات يسبب ~~الغفلة عن الملكوت عالم الغيب . وكذلك العكس فلو ان الانسان استاء من شيء ~~وشعر ببشاعته ، استدعت صورة ذلك الشيء الكراهية والنفور ، وكلما كانت تلك ~~الصورة في النفس اقوى كان النفور والانزجار اكثر . # فمثلا : اذا دخل شخص على بلد وابتلى بأسقام وآلام فيه وعانا من ورائه ~~مشاكل داخلية وخارجية لكرهه وتنفر منه وكلما كانت معاناته اكثر كان هروبه ~~ونفوره منه اكثر واذا وجد مدينة افضل منه لأقبل عليها وان لم يستطع التحرك ~~نحوها ، لإشتاق اليها وتوجه قلبه نحوها . # فالانسان اذا عاش هموم الدنيا وآلامها واسقامها ومشاكلها وعنائها وشعر ~~بأن امواج الفتن والمحن تزحف نحوه ، خف تعلقه بها اي الدنيا وقل ركونه ~~اليها ونفر قلبه منها . واذا اعتقد بوجود عالم آخر ، وفضاء رحب فارغ من ~~جميع انواع الشقاء والتعاسة ، ارتحل اليه . واذا لم يتمكن من السفر بجسمه ~~لذهب بروحه وبعث بقلبه الى ذلك العالم . # وواضح جدا ان المفاسد الروحية والخلقية والسلوكية بأسرها تنجم عن حب ~~الدنيا والغفلة عن الله سبحانه وعالم الآخرة ، وان حب الدنيا رأس كل خطيئة . # في حين ان الصلاح الروحي والخلقي والسلوكي ينبعث من التوجه نحو الحق ، ~~ودار الكرامة عالم الآخرة ms203 ومن اللامبالاة بالدنيا وعدم الانبهار بزخارفها . # اذا ، علمنا من هذا التمهيد بأن لطف الحق تبارك وتعالى وعنايته كلما شملت ~~لشخص اكثر ، ووسعته رحمة الذات المقدسة بصورة اوفى ، كلما ابعده سبحانه عن ~~هذا العالم وزخرفه اكثر ، ودفع عنه امواج المحن والفتن اكثر ، حتى تنقلع ~~رغبته في الدنيا وزركشتها ، ووجه وجهه حسب مستوى ايمانه الى عالم الآخرة ~~وارتبطت روحه بذلك العالم . # وان لم تكن جدوى من احتمال شدائد المحن الا هذه الجهة الانزجار والاعراض ~~عن الدنيا والاقبال نحو الآخرة لوحدها ، لكفى . # وفي الاحاديث الشريفة اشارة الى هذا المعنى : # محمد بن يعقوب باسناده عن ابي جعفر عليه السلام قال : «ان الله تعالى ~~ليتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرجل اهله بالهدية من الغيبة ويحميه ~~الدنيا كما يحمي الطبيب المريض» (1) . # ونقل هذا المعنى في حديث آخر . ولا يحسبن احد ان محبة الحق وشدة عناية ~~ذاته الاقدس ، لبعض عباده جزاف ومن دون جهة والعياذ بالله بل كل خطوة ~~يخطوها مؤمن وعبد PageV01P231 الاربعون حديثا :232 # من عباده ، غمرته رحمة الحق المتعالي واقبل على عبده قدر ذراع . # ان مثل الايمان وتوفير بواعث التوفيق ، مثل الانسان قد حمل مصباحا وسلك ~~طريقا مظلما فكلما تقدم خطوة ، اضاء امامه واهتدى للخطوة اللاحقة . فكلما ~~رفع الانسان قدما نحو عالم الآخرة ، اتضح السبيل اكثر ، وغمرته عنايات الحق ~~بصورة اكبر ، وتوفرت عوامل التوجه الى عالم القرب الآخرة والانزعاج عن ~~عالم البعد الدنيا . والعنايات الأزلية للحق المتعالي انما تسع الانبياء ~~والاولياء لعلمه سبحانه الازلي بطاعتهم ايام التكليف . # كما انكم لو علمتم ايام طفولة ولديكم بأن احدهما سيطيعكم ويسعى في تأمين ~~رضاكم وثانيهما يبعث على سخطكم وامتعاضكم ، فمن المعلوم ان ألطافكم ستشمل ~~المطيع اكثر من الثاني منذ الايام الاولى . # ومن فوائد شدة ابتلاء الخواص من العباد ، ان هؤلاء من خلال المحن ~~والمعاناة يذكرون الحق ويناجونه ويتضرعون على اعتباه المقدسة في ساحة ذاته ~~الاقدس ويعيشون مع ذكره وفكره . # ومن الطبيعي ان نوع بني الانسان يتشبث حين الشدة بكل ما يرجو فيه النجاة ~~، وعند الرخاء والراحة يغفل عنه ms204 . ولما كان الخواص من العباد ، لا يعرفون ~~ملجأ الا الحق ، توجهوا نحوه ، وانقطعوا الى مقامه المقدس ، وان الحق ~~المتعال يوفر لهم سبب الانقطاع اليه من خلال عنايته الخاصة بهم . # ولا تستساغ هذه الفائدة من الابتلاء بل الفائدة السابقة ، لدى الانبياء ~~والاولياء الكملين ، لتنزه مقامهم الشامخ عن ذلك ، وعدم انعطاف قلوبهم تجاه ~~الدنيا ، ولا تتبدل في الانقطاع الى الحق من جراء تغير الاحوال . # ويمكن ان يكون ايثار الانبياء والاولياء للفقر على الغنى ، والابتلاء على ~~الراحة ، والمعاناة على غيرها نتيجة انهم وقفوا من خلال النور الباطني ~~والمكاشفات الروحانية على ان الحق المتعالي لا ينظر بعين اللطف الى هذا ~~العالم ولا الى زخارفه ، ولا يكون للدنيا وما فيها موقع امام ساحته المقدسة ~~الا الذل والهوان . والاحاديث الشريفة شاهدة على ذلك . ففي الحديث ان ~~جبرائيل قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه مفاتيح خزائن ~~الارض وقال لو اخترتها لما هبط من درجاتك الاخروية ، شيء ابدا . ولكن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قد امتنع عن القبول تواضعا للحق سبحانه ، ~~فاختار الفقر . # وفي الكافي الشريف في حديث بسنده عن الامام الصادق عليه السلام قال : «ان الكافر PageV01P232 الاربعون حديثا :233 # ليهون على الله لو سأله الدنيا بما فيها اعطاه ذلك» (1) وذلك من جراء ~~هوان الدنيا في عين الحق الكبير المتعالي . وفي حديث ان الحق جل وعلا منذ ~~ان خلق العالم المادي لم ينظر اليه نظرة لطف وعناية . # ومن فوائد شدة ابتلاء المؤمنين حسب ما اشير اليها في الإخبار ، ان لهم ~~درجات لا ينالونها الا من وراء المصائب والاسقام والآلام . ويحتمل ان تكون ~~هذه الفوائد صورة غيبية للإعراض عن الدنيا والإقبال على الحق المتعالي . ~~ويمكن ان تكون صورة ملكوتية لهذه المحن حيث لا تبلغ الا بعد حصولها ~~البليات في عالم الملك وابتلاء الانسان بها ، كما ورد في الحديث الشريف ~~المأثور في الكافي بسنده الى الامام الصادق عليه السلام قال : «انه ليكون ~~للعبد منزلة عند الله فما ينالها الا باحدى الخصلتين اما بذهاب ms205 ماله او ~~ببلية في جسده » (2) . # وفي رواية شهادة الامام ابي عبد الله الحسين عليه السلام انه رأى جده ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام واخبره ب (ان لك درجة في ~~الجنة لا تنالها الا بالشهادة) (4) . # ومن المعلوم ان الصورة الملكوتية للشهادة في سبيل الله لم تحصل الا بعد ~~وقوع الشهادة في عالم الملك عالمنا الحاضر كما برهن على ذلك في العلوم ~~العالية . وورد في الأخبار المذكورة ان لكل عمل في هذا العالم صورة في عالم آخر . # وفي الكافي عن الامام الصادق عليه السلام : «قال : ان عظيم الاجر لمع ~~عظيم البلاء وما احب الله قوما الا ابتلاهم» (3) . ### || AUTO فصل: # يقول المحدث الكبير المجلسي عليه الرحمة (في هذه الاحاديث احاديث ~~ابتلاء الانبياء الواردة من طرق الخاصة والعامة ، دلالة واضحة على ان ~~الانبياء والاوصياء عليهم السلام في الامراض الحسية والبلايا الجسمية ~~كغيرهم بل هم اولى بها من الغير تعظيما لأجرهم الذي يوجب التفاضل في ~~الدرجات ولا يقدح ذلك في رتبتهم بل هو تثبيت لأمرهم وانهم بشر اذ لو لم ~~يصبهم ما اصاب سائر البشر مع ما يظهر في ايديهم من خرق العادة لقيل فيهم ما ~~قالت النصارى في نبيهم) انتهى (5) . # وقال المحقق المدقق الطوسي والحكيم العظيم القدوسي عطر الله مرقده في ~~كتاب التجريد في بحث ما يجب كونه في كل نبي (... وكلما ينفر عنه الحق ...) (6) . PageV01P233 # الاربعون حديثا :234 # وقال علامة علماء الاسلام رضوان الله عليه في شرح هذه الجملة : (وان ~~يكون منزها عن الامراض المنفرة نحو الانبة وسلس الريح والجذام والبرص لأن ~~ذلك كله مما ينفر عنه فيكون منافيا للغرض من البعثة) (1) . # يقول الكاتب : ان درجة النبوة وان كانت تابعة للكمالات النفسية والدرجات ~~الروحانية ، ولا علاقة لها بالجسم . وان النقائص الجسمانية وامراضها لا ~~تسيء الى المقام الروحاني للانبياء . وان الامراض المنفرة لا تقلل شيئا من ~~علو شأنهم وعظمة رتبتهم ، ان لم تؤكد كمالاتهم وتدعم درجاتهم ، كما أشير ~~اليها . ولكن ما ألمح اليه المحققان لا يخلو عن وجه ، لأن عوام الناس ms206 لا ~~يفرقون بين المقامات الجسمية والروحية ويحسبون ان النقص الجسماني نتيجة ~~النقص الروحاني او ملازم له ، ويعتبرون ان من عناية الحق سبحانه ان لا يصيب ~~الانبياء اصحاب الشريعة والمبعوثين بالرسالة ، بأمراض تسبب نفرة الطباع ~~واستيحاش الناس . فعدم ابتلائهم لا يكون نتيجة ان هذه المصائب والبلايا تحط ~~من مقام النبوة ، بل لأجل فائدة هي اكمال التبليغ والارشاد . وعليه لا مانع ~~من ابتلاء بعض الانبياء الذين لم يحظوا بالشريعة ، وابتلاء الاولياء الكبار ~~والمؤمنين بمثل هذه المحن . كما كان النبي ايوب والمؤمن حبيب النجار ~~مبتليين . وقد وردت احاديث كثيرة في ابتلاء النبي ايوب عليه السلام : # فمن ذلك ما روي عن تفسير علي بن ابراهيم ، عن ابي بصير ، عن ابي عبد الله ~~عليه السلام في حديث طويل قال : «فسلطه على بدنه ما خلا عقله وعينيه فنفخ ~~فيه ابليس فصار قرحة واحدة من قرنه الى قدمه فبقي في ذلك دهرا طويلا يحمد ~~الله ويشكره حتى وقع في بدنه الدود وكانت تخرج من بدنه فيردها ويقول لها ~~ارجعي الى موضعك الذي خلقك الله منه ونتن حتى اخرجه اهل القرية من القرية ~~وألقوه في المزبلة خارج القرية» (2) . # وفي الكافي باسناده عن ابي بصير ، عن ابي عبد الله عليه السلام قال : ~~«قلت له : «فاذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم * انه ليس له ~~سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون» . فقال : «يا ابا محمد يسلط ~~والله من المؤمن على بدنه ولا يسلط على دينه ، قد سلط على ايوب فشوه خلقه ~~ولم يسلط على دينه وقد يسلط من المؤمنين على ابدانهم ولا يسلط على دينهم» (3) . # وباسناده عن ناجية قال : «قلت لابي جعفر عليه السلام : ان المغيرة يقول : ~~ان المؤمن لا يبتلى بالجذام ولا بالبرص ولا بكذا ولا بكذا ، فقال : ان كان ~~لغافلا عن صاحب ياسين انه كان مكنعا ثم رد PageV01P234 الاربعون حديثا :235 # اصابعه فقال : كأني انظر الى تكنيعه ، أتاهم فأنذرهم ثم عاد اليهم من ~~الغد ، فقتلوه . ثم قال : ان المؤمن يبتلى بكل بلية ويموت بكل بلية الا ms207 انه ~~لا يقتل نفسه» (1) . # ان «صاحب ياسين» هو حبيب النجار و«التكنيع» مع النون كما هو في اكثر ~~النسخ بمعنى التشنج والمثلة كما في البحار . قال المجلسي «كأنه كان الجذام ~~سببا لتكنيع اصابعه» (2) وفي هذا الكلام تأمل . # ويستفاد من هذه الاحاديث والروايات الاخرى ان الانبياء والمؤمنين قد ~~يصابون بأمراض منفرة لأجل بعض المصالح . وتقابل هذه الاخبار ، احاديث اخرى ~~تنفي تشويه جسم النبي ايوب عليه السلام بسبب الامراض ، وانبعاث الرائحة ~~الكريهة من جسده المبارك . ولا جدوى في الجمع بين هذه الروايات واطالة ~~البحث فيها . # وملخص الحديث ان مثل هذه الامراض لا تسيء الى المؤمنين ولا تعد نقصا لهم ~~ولا للانبياء عليهم السلام ، بل تبعث على رفعة درجتهم وعلو شأنهم والله ~~تعالى اعلم بالصواب . ### || AUTO فصل: في بيان ان الدنيا ليست محلا لثواب الحق المتعالي وعقابه # اعلم ان هذا العالم الدنيوي لما فيه من النقص والقصور والضعف لا يكون دار ~~كرامة ولا محلا لثواب الحق سبحانه ولا محلا لعذابه وعقابه ، لان دار كرامة ~~الحق عز وجل عالم تكون نعمه خالصة وغير مشوبة بالنقم ، وراحته غير مخلوطة ~~بالشقاء والتعب ، ومثل هذه النعم غير متوفرة في هذا العالم ، لانه دار ~~التزاحم والصراع . وان كل نعمة من نعم هذا العالم محفوفة بأنواع من العذاب ~~والآلام والمحن . بل قال الحكماء ان لذات هذا العالم هي دفع للآلام ونستطيع ~~ان نقول ان لذاته تبعث على الآلام لان اثر كل لذة ، شقاء ونصب والم ، بل ان ~~مادة هذا العالم تتمرد على قبول الرحمة الخالصة والنعمة المحضة غير المشوبة ~~بالمكارة . وهكذا العذاب والشقاء والالم والتعب في هذا العالم لا يكون ~~خالصا، بل يكون كل ألم وتعب محفوفا بنعمة او نعم ، وكل واحد من الآلام ~~والأسقام والشقاء والمحن في هذا العالم لا يكون محضا وغير مشوب بنعمة ورحمة ~~: فإن مادة هذا العالم تتمرد على قبول العذاب الخالص المطلق . # ان دار عذاب الحق سبحانه ودار عقابه ، دار فيها العذاب المحض والعقاب ~~الخالص ، وان آلامها واسقامها لا تضاهى بآلام واسقام هذا العالم كأن ms208 يمس ~~العذاب عضوا دون عضو ، او يكون عضو سالما وفي راحة والآخر في تعب وشقاء . ~~وقد اشير الى بعض ما ذكرنا في الحديث PageV01P235 الاربعون حديثا :236 # الشريف الذي شرحناه عندما يقول : «وذلك السبب في ابتلاء المؤمن بالبليات ~~ان الله لم يجعل الدنيا ثوابا لمؤمن ولا عقوبة لكافر» هنا عالم الدنيا ~~دار تكليف ، ومزرعة الآخرة ، وعالم الكسب . وهناك عالم الآخرة دار جزاء ~~ومكافأة وثواب وعقاب . # ان الذين يتوقعون من الحق سبحانه ان ينتقم في هذا العالم من كل مرتكب ~~معصية او فاحشة او جور او اعتداء ، بأن يضع عز وجل حدا له ، فيقطع يده ~~ويقلع العاصي من الوجود انهم غافلون بأن مثل هذا العقاب خلاف النظم والسنة ~~الالهية التي أقرها الله سبحانه . ان هذه الدار ، دار امتحان وتفريق بين ~~الشقي والسعيد والمطيع والعاصي ، وعالم ظهور الفعليات وليس بدار تبين نتائج ~~الاعمال والملكات . واذا انتقم الحق المتعالي من ظالم نادرا ، لامكننا ~~القول بأن عناية الحق عز وجل قد شملته . واذا ترك اهل الموبقات والظلم في ~~ضلالهم وغيهم ، كان ذلك استدراجا . كما يقول سبحانه : «سنستدرجهم من حيث لا ~~يعلمون * واملي لهم ان كيدي متين» (1) . # ويقول : # «ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لانفسهم انما نملي لهم ~~ليزدادوا اثما ولهم عذاب مهين» (2) . # وفي مجمع البيان عن الامام الصادق عليه السلام : انه قال : «اذا احدث ~~العبد ذنبا جدد له نعمة فيدع الاستغفار فهو الاستدراج» (3) . ### || AUTO فصل: # ان شدة المعاناة الروحية توازي شدة الادراك # يظهر من نهاية الحديث الشريف المذكور في بداية الموضوع «ومن سخف دينه ~~وضعف عقله ، قل بلاؤه» ان البلية تعم الجسمانية والروحانية ، فان الاشخاص ~~الضعاف في عقولهم وادراكهم في امان من المعاناة الروحية والانزعاجات ~~العقلية ، على خلاف من يتمتع بالعقل الكامل والادراك الحذق ، حيث تزداد ~~معاناته ومصائبه . ومن المحتمل ان يعود الى هذا المعنى كلام الرسول صلى ~~الله عليه وآله وسلم القائل : «ما اوذي نبي مثل ما اوذيت» (4) لأن كل من ~~يدرك جلال الرب وعظمته اكثر ، ويقف على المقام المقدس للحق جل ms209 وعلا بشكل اعمق ، PageV01P236 الاربعون حديثا :237 # يتألم ويتعذب من جراء عصيان العباد وهتكهم للحرمة اكثر . وايضا كل من ~~كانت رحمته وعنايته وشفقته على عباد الله اكثر ، تاذى من اعوجاج العباد ~~وشقائهم اكثر . # وقطعا كان خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم في كل هذه المقامات ~~والمنازل الكمالية ، اكمل من جميع النبيين والاولياء وبني الانسان فتكون ~~محنه وآلامه اعمق . # وايضا هناك توجيه آخر لكلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يتناسب ~~مع هذا المقام . والله العالم وله الحمد . PageV01P237 # الاربعون حديثا :238 PageV01P238 الاربعون حديثا :239 ### | AUTO الحديث السادس عشر # الصبر PageV01P239 الاربعون حديثا :240 # بأسانيدنا المتصلة الى ثقة الاسلام والمسلمين ، فخر الطائفة الحقة ~~ومقدمهم محمد بن يعقوب الكليني رضي الله عنه عن عدة من اصحابنا ، عن احمد ~~بن محمد بن خالد ، عن ابيه ، عن علي بن النعمان ، عنه عبد الله بن مسكان ، ~~عن ابي بصير قال : «سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول : ان الحر حر على ~~جميع احواله ، ان نابته نائبة صبر لها ، وان تداكت عليه المصائب لم تكسره ، ~~وان اسر وقهر ، واستبدل باليسر عسرا ، كما كان يوسف الصديق الامين لم يضرر ~~حريته ان استعبد وقهر ، واسر ولم تضرره ظلمة الجب ووحشته وما ناله ان من ~~الله عليه فجعل الجبار العاتي له عبدا بعد اذ كان [له] مالكا ، فارسله ورحم ~~به امة وكذلك الصبر يعقب خيرا فاصبروا ووطنوا انفسكم على الصبر تؤجروا» (1) . PageV01P240 # الاربعون حديثا :241 ### || AUTO الشرح : # ال «نائبة» مفرد وجمعها نوائب وهي الحوادث والكوارث النازلة . وفي الصحاح ~~انها المصيبة . و«دك» بمعنى دق . وفي الصحاح : (وقد دككت الشيء ادكه دكا ~~اذا ضربته وكسرته حتى سويته بالارض . انتهى) . وتداكت عليه اي تداقت ~~واستعملت ايضا بمعنى الاجتماع والازدحام . كما نقل عن كتاب «النهاية» حديثا ~~عن الامام امير المؤمنين عليه السلام «ثم تداككتم علي تداكك الابل الهيم ~~على حياضها» (1) اي ازدحمتم . ونقل عن النهاية ايضا ان اصل دك بمعنى الكسر ~~وان استعماله في هذا الحديث بالمعنى الاول الاجتماع انسب لمكان «لم ~~تكسره» وان كان ms210 المعنى الثاني الكسر ايضا مناسبا . وكلمة (إن) في «وإن ~~اسر» وصلية وقوله «وقهر واستبدل» معطوفان على «اسر» . وقال المجلسي رحمه ~~الله ان في بعض النسخ «واستبدل بالعسر يسرا» بتقديم العسر على اليسر ~~وعليه تكون جملة (واستبدل) معطوفة على «لم تكسره» فيتبين بذلك منتهى الصبر . # وجملة «أن استعبد» مبني على المفعول وفاعل لقوله «لم يضرر» . وفي نسخة ~~مرآة العقول «استبعد» بتقديم الباء على العين المهملة . وفي كتاب وسائل ~~الشيعة «استعبد» بتقديم العين على الباء ، ولكن المظنون ان نسخة مرآة ~~العقول من سهو الكاتب وان كان معناه استبعد لا يخلو عن الصحة . ولكن ~~المناسب مع المقام ومع الحديث الشريف هو ما ورد في نسخة وسائل الشيعة . # وقوله «وما ناله» معطوف على ظلمة الجب اي لم يضرره ما ناله من اخوته ومن ~~ظلمة الجب والوحشة والبليات . # وقوله «ان من الله» الاظهر انه بتقدير الى حرف الجر ومتعلق ب «لم تضرر» ~~(فالظرف PageV01P241 الاربعون حديثا :242 # متعلق بلم يضرر في الموضعين ما ناله وان استعبد على سبيل التنازع) (1) . # واورد المرحوم المجلسي احتمالات كثيرة في ذلك ان من الله ولم تضرر لا ~~يخلو ذكرها عن التطويل (2) . والمقصود من قوله «عبدا بعد اذ كان مالكا» انه ~~أطاعه . ### || AUTO فصل: في بيان ان اسر الشهوة مصدر لكل اسر # اعلم ان الانسان اذا اصبح مقهورا لهيمنة الشهوة والميول النفسية ، كان ~~رقه وعبوديته وذلته بقدر مقهوريته لتلك السلطات الحاكمة عليه ، ومعنى ~~العبودية لشخص هوالخضوع التام له واطاعته . والانسان المطيع للشهوات ~~المقهور للنفس الأمارة يكون عبدا منقادا لها . وكلما توحي هذه السلطات بشيء ~~أطاعها الانسان في منتهى الخضوع ، ويغدو عبدا خاضعا ومطيعا امام تلك القوى ~~الحاكمة ، ويبلغ الامر الى مستوى يفضل طاعتها على طاعة خالق السماوات ~~والارض ، وعبوديتها على عبودية مالك الملوك الحقيقي ، وفي هذا الحال تزول ~~عن نفسه العزة والكرامة والحرية ويحل محلها الذل والهوان والعبودية ، ويخضع ~~لأهل الدنيا ، وينحني قلبه امامهم وامام ذوي الجاه والحشمة ، ولأجل البلوغ ~~الى شهواته النفسية يتحمل الذل والمنة ، ولأجل الترفيه عن البطن والفرج ~~يستسيغ ms211 الهوان ، ولا يتضايق من اقتراف ما فيه خلاف الشرف والفتوة والحرية ~~عندما يكون اسيرا لهوى النفس والشهوة . وينقلب الى اداة طيعة امام كل صالح ~~وطالح ، ويقبل امتنان كل وضيع عنده لمجرد احتمال نيل ما يبتغيه حتى اذا كان ~~ذلك الشخص احط واتفه انسان ، وذلك الاحتمال موهوما ، حيث يزعمون ان الوهم ~~في دائرة الاطماع حجة . # ان عبيد الدنيا وعبيد الرغبات الذاتيه ، والذين وضعوا رسن عبودية الميول ~~النفسية في رقابهم ، يعبدون كل من يعلمون ان لديه الدنيا او يحتملون انه من ~~ذوي الدنيا ، ويخضعون له ، واذا تحدثوا عن التعفف وكبر النفس كان حديثهم ~~تدليسا محضا ، وان اعمالهم واقوالهم تكذب حديثهم عن عفة النفس ومناعتها . # وهذا الاسر والرق من الامور التي تجعل الانسان دائما في المذلة والعذاب ~~والنصب . ويجب على الانسان ذي النبل والكرامة ان يلتجأ الى كل وسيلة لتطهير ~~نفسه منها . ويتم التطهير من هذه القذارات ، والتحرير من كل خفة وهوان ، ~~بمعالجة النفس ، وهي لا تكون الا بواسطة العلم والعمل الناجع . PageV01P242 # الاربعون حديثا :243 # أما العمل فيكون بالرياضة الشرعية وبمخالفة النفس فترة يتم فيها الوازع ~~للنفس تجاه حبها المفرط للدنيا والشهوات والاهواء حتى تتعود النفس على ~~الخيرات والكمالات . # واما العلم فيتم بتلقين النفس وابلاغ القلب : بأن الناس الآخرين يضاهونه ~~في الفقر والضعف والحاجة والعجز ، وانهم يشبهونه ايضا في الاحتياج الى ~~الغني المطلق القادر على جميع الامور الجزئية والكلية ، وانهم غير قادرين ~~على انجاز حاجة احد ابدا ، وانهم اتفه من ان تنعطف النفس اليهم ، ويخشع ~~القلب امامهم ، وان القادر الذي منحهم العزة والشرف والمال والوجاهة ، قادر ~~على المنح لكل احد . # ومن العار حقيقة على الانسان ان يتذلل وينحط في سبيل بطنه وشهوته ، ~~ويتحمل الامتنان من مخلوق فقير ذليل لا حول له ولا علم ولا وعي . # اذا اردت ايها الانسان ان تقبل المنة فلتكن من الغني المطلق وخالق ~~السماوات والارض ، فانك اذا وجهت وجهك الى الذات المقدسة ، وخشع في محضره ~~قلبك تحررت من العالمين ما سوى الله وخلعت من رقبتك طوق العبودية . ~~«العبودية جوهرة ms212 كنهها الربوبية» (1) . # ونتيجة لعبودية الحق والانتباه الى نقطة واحدة مركزية ، وافناء كل القوى ~~والسلطات النفس واهوائها في السلطة الالهية المطلقة ، تنجم حالة في القلب ~~تقهر العوالم الاخرى وتستولي عليها ، وتظهر للروح حالة من الشموخ والعظمة ~~تأبى الطاعة الا امام الرب سبحانه وامام من تكون طاعتهم طاعة ذات الحق ~~المقدس ، واذا كان من جراء الظروف الطارئة محكوما لأحد ، لما تزلزل قلبه ~~منه ولحافظ على حرية نفسه واستقلالها ، كما كان الشأن في النبي يوسف ولقمان ~~حيث لم تنعكس سلبا عبوديتهما الظاهرية على حرية وانطلاقة نفسيهما . # كم من اصحاب القدرة والسلطة الظاهرية لم يستنشقوا نسمة حرية النفس ~~الشخصية والاعتداد بها ويكونون اذلاء وعبيد للنفس واهوائها ، ويتزلفون نحو ~~المخلوق التافه ؟ . # نقل عن الامام علي بن الحسين عليهما السلام انه قال في حديث «اني لآنف ان ~~اطلب الدنيا من خالقها فكيف من مخلوق مثلي» (2) . # ايها العزيز ان لم تشعر بالنقص في طلب الدنيا ، فعلى الاقل لا تطلبها من ~~انسان ضعيف مثلك . وافهم بانه لا حول للمخلوق في اعمال دنياك . فلو فرضنا ~~بأنك استطعت مع الذل والامتنان المتكرر ان تكسب رأيه الانسان الذي تطلب ~~منه اعمار دنياك ولكن ارادته لا تكون فاعلة في ملك الحق سبحانه . اذ لا ~~يوجد احد يتصرف في مملكة مالك الملوك . فلا تتملق PageV01P243 الاربعون حديثا :244 # لتأمين حياتك الدنيوية المعدودة ، وشهواتك المحدودة ، تجاه مخلوق معدم . ~~ولا تغفل عن إلهك ، وحافظ على حريتك ، وارفع اغلال العبودية والاسر عن ~~رقبتك ، وكن حرا في جميع حالاتك كما ورد في الحديث الشريف «ان الحر حر على ~~جميع احواله» . # واعلم ان الغنى غنى النفس وان عدم الحاجة من حالات الروح ، وغير مرتبطة ~~بأمور خارجة عن الانسان . وانني رأيت اناسا من اهل الثراء والمال والجاه ~~يتفوهون بكلمات يندى لها الجبين ولا يقولها المستجدي المتهتك . انه المسكين ~~الذي ضربت على روحه الذلة والمسكنة . # ان شعب اليهود بالنسبة الى عددهم يعدون من اغنى الشعوب القاطنين على ظهر ~~الارض كافة ولكنهم يعيشون طيلة حياتهم في الشقاء والتعاسة والشدة والهوان ، ~~وتبدو على ms213 ملامحهم الحاجة والفقر والذل والمسكنة ، ولا يكون ذلك الا من ~~وراء الفقر النفسي والذل الروحي . ورأينا في اصحاب الزهد وذوي الحياة ~~البسيطة الدراوشة اشخاصا قلوبهم مفعمة بالغنى والكفاف ، ويلقون نظرة ~~اللامبالاة على الدنيا وكل ما فيها ، ولا يجدون احدا اهلا للاستنجاد به الا ~~الحق المقدس المتعالي . وانت ايضا تمعن وابحث في احوال اهل الدنيا وذوي ~~الرغبة في الرئاسة ، كي ترى ذلهم وتزلفهم للناس وخضوعهم امامهم اكثر من ~~الآخرين . ان ادعياء الارشاد والتوجيه ، يتحملون الذل تلو الذل ويبدون ~~الخضوع إثر الخضوع في سبيل ترفيه بطونهم وفروجهم . ان خضوع الحالة القلبية ~~للمراد المربي الطالب للدنيا ، تجاه المريد المربي اكثر من خضوع قلب ~~المريد تجاه المراد ، رغم البون الشاسع بين نوعية الارادتين . فان ارادة ~~المريد روحانية والهية حتى اذا كان على خطا واشتباه من جهة متعلق الارادة ~~في حين ان ارادة المراد دنيوية وشيطانية . ان ما ذكرناه بأسره ، هو الذل ~~الدنيوي والمفاسد الدنيوية . فاذا ارتفعت الحجب تتجلى الصورة الملكوتية ~~للأسر في اغلال الشهوات ، وسلاسل الرغبات النفسانية وانها كيف تكون ؟ . # ولعل هذه السلسلة التي طولها سبعون ذراعا والتي اخبر عنها الله تعالى ~~والتي تكون اصفادا واغلالا لنا في يوم الآخرة هي الصورة الملكوتية لهذا ~~الاسر والرق في ظل اوامر القوة الشهوية والغضبية . يقول الله تعالى «ووجدوا ~~ما عملوا حاضرا» (1) ويقول «لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت» (2) . # فما يصل الينا في ذلك العالم هو صور اعمالنا . فمزق سلاسل الشهوة ~~والاهواء المتعرجة PageV01P244 الاربعون حديثا :245 # بعضها على بعض ، وحطم اصفاد القلب ، وأخرج من قيود الاسر ، وكن حرا في ~~هذا العالم ، حتى تكون حرا في ذلك العالم . ولولا ذلك لوجدت الصورة ~~الملكوتية لهذا الأسر حاضرة في ذلك العالم ، واعلم بانها مؤلمة جدا . # ان اولياء الله رغم تحررهم التام من الاسر والرق ، وبلوغم الحرية المطلقة ~~فان قلوبهم كانت مضطربة وكانوا يجزعون وينحبون بدرجة تثير دهشة العقول . ### || AUTO فصل: # ان ابحاث هذه الاوراق وان كانت من الامور الرائجة الشائعة ومن المكررات ، ~~ولكن لا بأس في ذلك فان تذكير النفس ms214 وتكرار قول الحق ، امر مطلوب . ولهذا ~~يستحب تكرار الاذكار والاوراد والعبادات والمناسك . والسبب الرئيسي هو ~~تعويد النفس وترويضها . فلا تضجر يا عزيزي من التكرار . واعلم انه ما دام ~~الانسان يرزح في قيود النفس والشهوات ، وما دامت سلاسل الشهوة والغضب ~~الطويلة على رقبته لا يستطيع ان يبلغ المقامات المعنوية والروحانية ، ولا ~~تظهر فيه السلطة الباطنية للنفس وارادتها الثاقبة ، ولا يحصل له مقام ~~استقلال النفس وعزتها ، الذي هو أرقى مقام لكمال الروح ، بل ان هذا الاسر ~~والرق يقيده ولا يسمح له بالتمرد على النفس في جميع الاحوال . ولما قويت ~~هيمنة النفس الامارة والشيطان في الباطن ، وانقادت القوى جميعها لهما في ~~العبودية والطاعة وأبدت لهما الخضوع والتسليم التأمين ، لما اقتصرتا على ~~المعاصي بل دفعتا بالانسان من المعاصي الصغيرة رويدا رويدا الى المعاصي ~~الكبيرة ، ومنها الى ضعف في العقائد ثم الى الافكار المظلمة ثم الى الطريق ~~المغلق للجحود ثم الى بغض وعداوة الانبياء والاولياء . وحيث ان النفس ~~مضطهدة وتعيش حالة الرق ، لا تستطيع ان تخرج على رغباتها . وعليه تكون ~~عاقبة امر الطاعة والتقيد للنفس الامارة وخيمة جدا ، وستدفع بالانسان الى ~~اماكن خطيرة ومخيفة . # ان الانسان العاقل الرؤوف بنفسه لا بد له من السعي واللجوء الى كل سبيل ~~لانقاذ نفسه من الاسر ، والنهوض امام النفس الامارة والشيطان الباطني ، ما ~~دامت الفرصة سانحة ، وقواه الجسدية سالمة وما دام انه على قيد الحياة وفي ~~صحة موفورة وفتوة موجودة ، وان قواه لم تتسخر كليا ، ثم يراقب حياته فترة ~~من الوقت ، ويتأمل في احوال نفسه واحوال الماضين ، ويتمعن في سوء عاقبة ~~بعضهم . ويفهم نفسه ان هذه الايام القليلة ، تبلى ، ويوقظ قلبه ويفهمه ~~الحقيقة التالية المنقولة عن الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم حيث ~~خاطبنا قائلا : «الدنيا مزرعة الآخرة» (1) فلو اننا لم نزرع في هذه الايام ~~المعدودة ، ولم نعمل عملا صالحا ، لفاتتنا PageV01P245 الاربعون حديثا :246 # الفرصة ، واذا غشينا الموت ، وحل العالم الآخر ، لانقطعت اعمالنا جميعا ~~وذهبت آمالنا نهائيا . واذا جاء ملك الموت ونحن لا نزال عبيد الشهوات ~~واسارى قيود ms215 اهواء النفس المتشعبة والعياذ بالله لكان من الممكن للشيطان ~~ان يسرق ايماننا الذي هو غايته القصوى وان يحتال ويتراءى امام قلبنا بصورة ~~نخرج من الدنيا ونحن اعداء الحق المتعالي والانبياء والاولياء . والله ~~سبحانه يعرف ماذا وراء هذا الحجاب من الشقاوات والظلمات والوحشة ؟ . # فيا ايتها النفس الدنيئة ويا ايها القلب الساهي استيقظا وانهضا امام هذا ~~العدو الذي ألجمكما منذ سنين وربطكما بإغلال الأسر وقادكما الى كل جهة حيث ~~يريد ، ودفع بكما الى كل عمل قبيح وسلوك بشع واجبركما عليه . وحطما هذه ~~القيود ، وكسرا هذه السلاسل ، وكن ايها الانسان حرا ، وادفع عن نفسك الذل ~~والهوان ، وضع في رقبتك طوق العبودية للحق جل جلاله حتى تتحرر من كل ~~عبودية وترقى الى السلطة الالهية في العالمين . # ايها العزيز على الرغم من ان هذا العالم ليس بدار الجزاء والمكافاة وليس ~~بمحل لظهور سلطة الحق المتعالي ، وإنما هو سجن المؤمن ، فلو تحررت من أسر ~~النفس ، واصبحت عبدا للحق المتعالي ، وجعلت القلب موحدا ، واجليت مرآة روحك ~~من غبار النفاق والاثنينية ، وارسلت قلبك الى النقطة المركزية للكمال ~~المطلق ، لشاهدت بعينك آثار ذلك في هذا العالم ، ولتوسع قلبك بقدر يغدو ~~محلا لظهور السلطنة التامة الالهية حيث تصير مساحتها اوسع من جميع العوالم ~~«لا يسعني ارضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن» (1) ولشعرت غنى ~~واضحا في النفس ، حيث لم تعبأ بكل العوالم الغيبية والمادية ، ولأصبحت ~~ارادتك قوية ، حيث لم تفكر في عالمي الملك والملكوت ، ولم تجد لهما اللياقة ~~لاحتضانك . بيت شعر : # هل رايت تحليق الطير ؟ . # انسلخ من اغلال الشهوة حتى ترى تحليق الانسان ! . ### || AUTO فصل: # معنى الصبر وانه نتيجة التحرر من قيود النفس # من النتائج الكبيرة والثمار العظيمة لتحرر الانسان من عبودية النفس ، ~~الصبر في البلايا والنوائب . وعلينا ان نشرح معنى الصبر بصورة مختصرة مع ~~ذكر اقسامه ونتائجه ، وارتباطه بالتحرر من اسر النفس . # قال محقق الطائفة الحقة ومدقق الفرقة المحقة ، الكامل في العلم والعمل ~~نصير الدين PageV01P246 الاربعون حديثا :247 # الطوسي قدس الله نفسه القدوسية في تعريف الصبر : انه كف ms216 النفس عن الجزع ~~عند حلول مكروه . وقال العارف المحقق المشهور في كتاب «منازل السائرين» انه ~~: امتناع النفس عن الشكوى على الجزع المستور . (انتهى) . # واعلم ان الصبر يعتبر من مقامات المتوسطين ، لان النفس ما دامت تكره ~~المصائب والبليات ، وتجزع منها ، يكون مقام معرفته ناقصا . كما ان مقام ~~الرضا بالقضاء ، والابتهاج من اقبال المصائب عليه ، مقام ارقى من مقام ~~الصبر ، رغم كون مقام الرضا من مقامات المتوسطين ايضا . وهكذا يكون الصبر ~~على المعصية والطاعة ، من جراء نقص المعرفة بأسرار العبادة وصور المعاصي ~~والطاعات . فان الانسان اذا ادرك حقيقة العبادة وآمن بصورها البهية ~~البرزخية ، وكذلك آمن بالصور البرزخية الموحشة للمعاصي لما كان للصبر على ~~الطاعة او المعصية وقع . بل الامر يغدو معكوسا . فانه اذا واجه ابتهاجا ~~وراحة او افضى به الامر الى ترك عبادة او فعل معصية ، لأصبحت هذه الامور ~~مكروهة عنده وكان جزعه الباطني النفسي اكثر من جزع ذوي الصبر في البليات ~~والمصائب . # نقل عن العبد الصالح ، العارف بوظائف العبودية وصاحب المقامات والكرامات ~~علي بن طاووس قدس الله نفسه انه كان يحتفل في كل عام يوم ذكرى بلوغه ~~للتكليف الشرعي ، ويتخذه عيدا وينثر الهدايا على الاصدقاء والاهل ، وذلك ~~لما شرفه الله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم بالاذن في فعل العبادات والطاعات . # هل ان فعل الطاعات يعد لهذا الروحاني من الصبر على المكروهات الكامنة في ~~اعماق الانسان ؟ أين نحن وأين هؤلاء العباد المنقادون للحق تبارك وتعالى ؟ ~~نحن نحسب بأن الحق تبارك وتعالى قد كلفنا وشدد علينا ، ونعتبر الاحكام ~~الشرعية كلفة وازعاجا . واذا بذل احدنا الجهد في اول الوقت لأداء الفريضة ، ~~لقال انه المفروض علي ، ويجب في أقرب وقت ان ارتاح منه ! كل هذه التعاسة من ~~جهلنا وقلة علمنا ونقص او فقدان ايماننا . # وعلى اي حال فالحقيقة ان الصبر هو الامتناع عن الشكوى على الجزع الكامن . ~~وما ورد في ائمة الهدى او الانبياء العظام من نعتهم بالصبر ، فمن المحتمل ~~انه من الصبر على الآلام الجسدية التي تسبب الانفعال والتأثر حسب طبيعة ~~الانسان او من ms217 الصبر على فراق الأحبة وهو حينئذ من المقامات الكبيرة ~~للمحبين فيصح الحديث عنه في تراجم حياتهم . واما الصبر على الطاعات او ~~المعاصي او النوائب عدا ما ذكرنا الآلام الجسمية فلا معنى لها في حقهم ~~ولا في حق شيعتهم . # يقول العارف المعروف كمال الدين عبد الرزاق الكاشاني في كتابه شرح ~~المنازل : ان هدف خواجة الانصاري من قوله ان الصبر كف النفس عن الشكوى . هو ~~الشكوى الى المخلوق PageV01P247 الاربعون حديثا :248 # واما الشكوى عند الحق المتعالي واظهار الجزع والفزع امام قدسيته فلا ~~تتنافى مع الصبر . كما اشتكى النبي ايوب عند الحق سبحانه قائلا : «أني مسني ~~الشيطان بنصب وعذاب» (1) رغم ان الله تعالى اثنى عليه بقوله «انا وجدناه ~~صابرا نعم العبد انه اواب» (2) . وقال النبي يعقوب «انما اشكوا بثي وحزني ~~الى الله» (3) مع انه كان من الصابرين . بل ان ترك الشكوى الى الحق ~~المتعالي اظهار للجلادة وللدعوى (انتهى) . # ويبدو من تراجم حياة الانبياء العظام والائمة المعصومين صلوات الله ~~عليهم اجمعين رغم ان مقاماتهم كانت ارفع من مقام الصبر ومقام الرضا ~~والتسليم ، انهم لم يمتنعوا من الدعاء والتضرع والعجز امام المعبود ، ~~وكانوا يسألون حاجاتهم من الحق سبحانه . وهذا لا يكون مغايرا للمقامات ~~الروحية ، بل ان تذكر الحق جل وعلا والخلوة والمناجاة مع المحبوب واظهار ~~العبودية والذل امام عظمة الكامل المطلق ، غاية آمال العارفين وثمرة سلوك ~~السالكين . ### || AUTO فصل: في نتائج الصبر # اعلم ان للصبر نتائج كثيرة التي منها ترويض النفس وتربيتها : اذا صبر ~~الانسان حينا من الوقت على المفاجئات المزعجة ونوائب الدهر ، وعلى مشاق ~~العبادات والمناسك وعلى مرارة ترك الملذات النفسية امتثالا لأوامر ولي ~~النعم ، وتحمل الصعاب مهما كانت شديدة ومؤلمة ، تروضت النفس شيئا فشيئا ، ~~واعتادت وتخلت عن طغيانها ، وتذللت صعوبة تحمل المشاق ، عليها ، وحصلت ~~للنفس ملكة راسخة نورية ، بها يتجاوز الانسان مقام الصبر ليبلغ المقامات ~~الاخرى الشامخة . بل ان الصبر على المعصية يبعث على تقوى النفس ، والصبر ~~على الطاعة يسبب الاستيناس بالحق عز وجل ، والصبر على البلايا يوجب الرضا ~~بالقضاء الالهي ، وكل ذلك ms218 من المقامات الشامخة لأهل الايمان، بل لأهل ~~العرفان . وقد ورد في الاحاديث الشريفة عن اهل بيت العصمة ثناء بليغ على ~~الصبر . كما في الكافي الشريف عن الامام الصادق عليه السلام : # قال : «الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد فاذا ذهب الرأس ، ذهب ~~الجسد ، وكذلك اذا ذهب الصبر ، ذهب الايمان» (4) . PageV01P248 # الاربعون حديثا :249 # وفي حديث آخر عن الامام السجاد علي بن الحسين عليهما السلام : قال : ~~«الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا ايمان لمن لا صبر له» (1) . # والاحاديث كثيرة في هذا الباب . ونحن سنأتي على ذكر بعضها عند توفر ~~المناسبة . # ان الصبر مفتاح ابواب السعادات ، وباعث للنجاة من المهالك بل الصبر يهون ~~المصائب ، ويخفف الصعاب ، ويقوي العزم والارادة ، ويبعث على استقلالية ~~مملكة الروح . واما الفزع والجزع فمضافا على انه عيب ، وكاشف عن الضعف في ~~النفس ، يجعل الانسان مضطربا ، والارادة ضعيفة والعقل موهونا . # يقول المحقق الخبير الخواجة نصير الدين الطوسي : # «وهو اي الصبر يمنع الباطن عن الاضطراب ، واللسان عن الشكاية ، ~~والاعضاء عن الحركات الغير المعتادة» . # وعلى العكس فان الانسان غير الصابر ، قلبه مضطرب ، وباطنه موحش ونفسه ~~قلقة ومهزوزة . وهذا بنفسه بلية فوق جميع البلايا ، ومصيبة من اعظم المصائب ~~التي تحل بالانسان ، وتسلب منه الراحة والقرار . واما بالصبر فتخف الرزية ، ~~ويتغلب القلب على النوائب والبلايا ، وتنتصر ارادة الانسان على المصائب . ~~ولذا نجد الانسان غير الصابر ، يشكو عند من هو اهل للشكاية ، ومن هو ليس ~~بأهل للشكاية ، وهذا الامر زائدا على انه يؤدي الى الفضيحة لدى الناس . ~~والاشتهار بالضعف بينهم وعدم الجلادة ، فانه يسقطه من اعين الناس ويحط من ~~كرامته لدى ملائكة الله ، وامام جلال القدس الربوبي . # ان العبد الذي لا يتحمل مصيبة واحدة نازلة عليه من الحق المتعالي والحبيب ~~المطلق والذي اذ واجه بلية واحدة رفع صوته بالشكوى من ولي نعمه امام ~~المخلوق ، رغم نزول البركات عليه وتلقيه آلاف آلاف النعم ، مثل هذا العبد ~~اي ايمان له ؟ واي تسليم له امام المقام القدسي للحق ؟ فيصح ان يقال : من ~~لا صبر له لا ms219 ايمان له . لو كنت مؤمنا بالحضرة الربوبية ، ورايت بأن مجاري ~~الامور بيد قدرته الكاملة ، ولا يكون لأحد يد في الحوادث والامور ، لما ~~اشتكيت من حوادث الايام والبليات امام غير الحق تعالى ، بل لاستقبلتها بكل ~~حفاوة وتكريم وشكرت نعم الحق سبحانه . # فكل الاضطرابات النفسية والشكاوى اللسانية والحركات الغير اللائقة والغير ~~المعتادة للاعضاء ، تشهد باننا لسنا من ذوي الايمان ، فما دامت النعمة ~~موفورة ، شكرنا ربنا شكرا ظاهريا لا لب له ، بل يكون لأجل طمع الزيادة ، ~~وحينما تواجهنا مصيبة واحدة او يحل بنا ألم PageV01P249 الاربعون حديثا :250 # ومرض ، اشتكينا من الحق المتعالي لدى الناس وغمزنا فيه ، واعترضنا عليه ، ~~وابدينا الشكوى امام كل من هو اهل ومن هو ليس بأهل وتتحول الشكاوى والجزع ~~والفزع في النفس الى بذور البغض تجاه الحق والقضاء الالهي ، ثم ينمو شيئا ~~فشيئا ويشتد حتى يتحول الى ملكة ، بل لا سمح الله تتحول الصورة الداخلية ~~للذات صورة البغض لقضاء الحق ، والعداء للذات المقدس . وحين ذلك يفلت ~~الزمام من اليد ، ويزول الاختيار عن الانسان ، ولا يستطيع ان يفعل شيئا ~~لتحسين الوضع وضبط الأوهام ، ويتلون الظاهر والباطن بلون العداء للحق ~~سبحانه وتعالى ، وينتقل من هذا العالم وهو قطعة من البغض والعداء لمالك ~~النعم ، فيبتلي بالشقاء الابدي والظلام الدائم . واعوذ بالله من سوء ~~العاقبة والايمان المستعار المستودع . فيكون كلام المعصوم عليه السلام ~~صحيحا حيث يقول : عندما يذهب الصبر يذهب الايمان . # فيا ايها العزيز ان الموضوع خطير ، والطريق محفوف بالمخاطر ، فابذل من كل ~~وجودك الجهد واجعل الصبر والثبات من طبيعتك ، امام حوادث الايام وانهض امام ~~النكبات والرزايا ، ولقن النفس بأن الجزع والفزع مضافا الى انه عيب فادح ، ~~لا جدوى من ورائه للقضاء على المصائب والبليات ، ولا فائدة من الشكوى على ~~القضاء الالهي وعلى ارادة الحق عز وجل امام المخلوق الضعيف الذي لا حول له ~~ولا قوة . # كما اشير الى ذلك في الحديث الشريف المنقول في الكافي : # «محمد بن يعقوب باسناده عن سماعة بن مهران ، عن ابي الحسن عليه السلام ~~قال : قال لي : ما حبسك ms220 عن الحج ؟ قال : قلت : جعلت فداك ، وقع علي دين ~~كثير وذهب مالي ، وديني الذي قد لزمني هواعظم من ذهاب مالي ، فلولا ان رجلا ~~من اصحابنا اخرجني ما قدرت ان اخرج ، فقال لي : ان تصبر تغتبط وإلا تصبر ~~ينفذ الله مقاديره راضيا كنت ام كارها» (1) . # فاعلم بأن الجزع والفزع لا يجديان ، بل لهما اضرار مخيفة ومهالك تنسف ~~الايمان . واما الصبر والجلادة فلهما الثواب الجزيل والأجر الجميل والصورة ~~البهية البرزخية الشريفة كما ورد في ذيل الحديث الشريف الذي نحن بصدد شرحه ~~حيث يقول : «وكذلك الصبر يعقب خيرا فاصبروا ووطنوا انفسكم على الصبر ~~تؤجروا» . فعاقبة الصبر الى خير في هذه الدنيا كما يستفاد من التمثيل ~~بالنبي يوسف عليه السلام في الحديث المذكور ويبعث على الاجر والثواب في ~~يوم الآخرة . # وفي الحديث الشريف المنقول في الكافي بسنده الى ابن حمزة الثمالي رحمه الله PageV01P250 الاربعون حديثا :251 # قال : «من ابتلي من المؤمنين ببلاء فصبر عليه كان له مثل اجر الف شهيد» (1) . # ووردت احاديث كثيرة في هذا المضمار . ونحن سنذكر بعضها في الفصل القادم . ~~واما ان للصبر صورة بهية برزخية ، فمضافا الى انها تتطابق مع بعض الادلة ~~نجد الاحاديث الشريفة ايضا تتحدث عنها . كما في الكافي الشريف عن الامام ~~الصادق عليه السلام قال : «اذا دخل المؤمن في قبره كانت الصلاة عن يمينه ~~والزكاة عن يساره والبر مطل عليه ويتنحى الصبر ناحية ، فاذا دخل عليه ~~الملكان اللذان يليان مساءلته قال الصبر للصلاة والزكاة والبر : دونكم ~~صاحبكم فان عجزتم منه فانا دونه» (2) . ### || AUTO فصل: في درجات الصبر # اعلم ان للصبر درجات حسب ما يفهم من الاحاديث الشريفة . ويختلف الاجر ~~والثواب عليه على ضوء مراتبه . كما في الكافي الشريف مستندا الى مولى ~~المتقين الامام امير المؤمنين عليه السلام : «قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم الصبر ثلاثة : صبر عند المصيبة وصبر على الطاعة وصبر ~~عن المعصية . فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها ، كتب الله له ~~ثلاثمائة درجة ما بين الدرجة الى الدرجة كما بين السماء ms221 والارض ، ومن صبر ~~على الطاعة كتب الله له ستمائة درجة ما بين الدرجة الى الدرجة كما بين تخوم ~~الارض الى العرش ، ومن صبر على المعصية كتب الله له تسعمائة درجة ما بين ~~الدرجة الى الدرجة كما بين تخوم الارض الى منتهى العرش» (3) . # ويفهم من هذا الحديث بأن الصبر على المعصية افضل من كل مراتب الصبر حيث ~~تكون درجاته اكثر ، والفاصل بين درجة واخرى كبير جدا . ويفهم ايضا بأن ~~مساحة الجنة اوسع مما في اوهامنا نحن المحجوبين والمقيدين . ولعل ما ورد في ~~تحديد الجنة من قوله تعالى «عرضها السموات والارض» (4) عائد الى جنة ~~الاعمال ، وما ورد في هذا الحديث الشريف ، جنة الاخلاق ، والمقياس في جنة ~~الاخلاق ، قوة الارادة وكمالها ، وهي غير محدودة بحد . # وقال بعض بأن المقصود في الحديث الشريف تحديد الجنة من جهة العلو ~~والارتفاع ، وفي الآية المباركة من جهة العرض ، ولا تنافس بينهما ، اذ انه ~~من الممكن ان يتحدا من ناحية العرض ويختلفان من ناحية الارتفاع . PageV01P251 # الاربعون حديثا :252 # وهذا بعيد ، لان الظاهر من «العرض» المساحة لا ما يقابل الطول . كما انه ~~ليس للسماوات والارض عرضا بالمعنى المقابل للطول حسب المتفاهم العرفي ~~واللغوي ، وان كان لهما عرض بمعنى البعد الثاني في مصطلح الطبيعيين ، ~~والقرآن الكريم لا يتكلم على اساس المصطلحات العلمية . # وفي الكافي الشريف مستندا الى الامام الصادق عليه السلام قال : «قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم : سيأتي على الناس زمان لا ينال فيه الملك ~~الا بالقتل والتجبر ، ولا الغنى الا بالغضب والبخل ، ولا المحبة الا ~~باستخراج الدين واتباع الهوى ، فمن أدرك ذلك الزمان فصبر على الفقر وهو ~~يقدر على الغنى وصبر على البغضة وهو يقدر على المحبة وصبر على الذل وهو ~~يقدر على العز اتاه الله ثواب خمسين صديقا ممن صدق بي» (1) . # ونقل حديث آخر ايضا عن الامام امير المؤمنين عليه السلام بهذا المضمون ~~وعلى اي حال فان الاحاديث في هذا الموضوع كثيرة . ونحن نكتفي بهذا القدر من ~~الاحاديث الشريفة . ### || AUTO فصل: في بيان درجات صبر ms222 اهل المعرفة # اعلم ان ما ذكرناه الى هنا ، يعود الى عامة الناس والمتوسطين كما ذكرت في ~~اول فصل من هذه الفصول المذكورة من ان الصبر قد عد من مقامات المتوسطين ~~من الناس . ولكن للصبر درجات اخرى ترجع الى اهل السلوك والعرفاء والكملين ~~والاولياء . حيث ان منها : (الصبر في الله) وهو الثبات في المجاهدة وترك ما ~~هو متعارف لدى الناس ومألوف عندهم . بل ترك نفسه في سبيل الحبيب . وهذا ~~المقام عائد لاهل السلوك . # والمرتبة الاخرى (الصبر مع الله) وهو لاهل الحضور ومشاهدي الجمال حين ~~الخروج من جلباب الانسانية ، والتجرد عن ملابس الافعال والصفات ولدى تجلي ~~القلب بتجليات الاسماء والصفات ، وتوارد واردات الانس والهيبة ، وحفظ النفس ~~من التلونات ، والغياب عن مقام الانس والشهود . # والمرتبة الثالثة (الصبر عن الله) وهو من درجات العشاق والمشتاقين من اهل ~~الشهود والعيان عندما يعودون الى عالمهم ويرجعون الى عالم الكثرات والصحو . ~~وهذا من اصعب مراتب الصبر واقسى المقامات . وقد اشار الى هذه المرتبة مولى ~~السالكين وامام الكملين وامير المؤمنين عليه السلام في الدعاء الشريف ~~الموسوم بدعاء الكميل : «فهبني يا الهي وسيدي ومولاي صبرت على عذابك فكيف ~~اصبر على فراقك» . PageV01P252 # الاربعون حديثا :253 # وروي أن شابا من المحبين سأل الشبلي عن الصبر فقال : اي الصبر اشد ؟ فقال ~~: الصبر لله . فقال : لا . فقال : الصبر بالله . فقال : لا . فقال : الصبر ~~على الله . فقال : لا . فقال : الصبر في الله . فقال : لا . فقال : الصبر ~~مع الله . فقال : لا . فقال : ويحك فأي ؟ فقال : الصبر عن الله فشهق الشبلي ~~وخر مغشيا عليه (1) . # والمرتبة الرابعة (الصبر بالله) وهو لأهل التمكين والاستقامة حيث يحصل ~~بعد الصحو والبقاء بالله وبعد التخلق بأخلاق الله ، ولا نصيب الا للكملين . # وحيث انه لا حظ لنا في هذه المراتب ولا نصيب ، لم نتطرق في هذه الاوراق ~~للبحث المفصل عن ذلك . # والحمد لله اولا وآخرا وصلى الله على محمد وآله الطاهرين . PageV01P253 # الاربعون حديثا :254 PageV01P254 الاربعون حديثا :255 ### | AUTO الحديث السابع عشر # التوبة PageV01P255 الاربعون حديثا :256 # بالسند المتصل الى الامام الاقدم حجة الفرقة ms223 ورئيس الامة ، محمد بن يعقوب ~~الكليني رضي الله عنه عن محمد بن يحيى ، عن احمد بن محمد بن عيسى ، عن ~~الحسن بن محبوب ، عن معاوية بن وهب قال : سمعت ابا عبد الله عليه السلام ~~يقول : «اذا تاب العبد توبة نصوحا احبه الله فستر عليه في الدنيا والآخرة . ~~فقلت : وكيف يستر عليه ؟ قال : ينسى ملكيه ما كتبا عليه من الذنوب ، ثم ~~يوحى الى جوارحه : اكتمي عليه ذنوبه ويوحى الى بقاع الارض : اكتمي عليه ما ~~كان يعمل عليك من الذنوب . فيلقى الله حين يلقاه وليس شيء يشهد عليه بشيء ~~من الذنوب» (1) . PageV01P256 # الاربعون حديثا :257 # في حقيقة التوبة ### || AUTO الشرح : # اعلم ان التوبة من المنازل المهمة الصعبة . وهي عبارة عن الرجوع من عالم ~~المادة الى روحانية النفس ، بعد ان حجبت هذه الروحانية ونور الفطرة ، ~~بغشاوات ظلمانية من جراء الذنوب والمعاصي . # وتفصيل هذا الاجمال بايجاز هو : ان النفس في بدء فطرتها خالية من كل ~~انواع الكمال والجمال والنور والبهجة ، كما انها تكون خاليه ايضا من اضداد ~~هذه الصفات المذكورة الاربعة فكأن النفس صفحة نقية من كل رسم ونقش ، لا ~~توجد فيها الكمالات الروحية ولا تتصف بالنعوت المضادة لها . ولكن قد اودع ~~فيها نور الاستعداد والاهلية لنيل اي مقام رفيع او وضيع ، وأنشأت فطرتها ~~على الاستقامة ، وعجنت طينتها بالانوار الذاتية . وعندما تجترح سيئة ، تحصل ~~في القلب ظلمة وسواد ، وكلما ازدادت المعاصي تضاعفت الظلمة والسواد ، الى ~~ان يغشى الظلام والسواد القلب كله ، وينطفئ نور الفطرة ويبلغ مرتبة الشقاء ~~الابدي . فاذا انتبه الانسان قبل ان يستوعب الظلام القلب كله ، ثم اجتاز ~~منزل اليقظة ودخل على منزل التوبة واستوفى حظوظ هذا المنزل حسب الشرائط ~~التي سنأتي على ذكرها اجمالا في هذه الصفحات ، زالت الحالات الظلمانية ~~والكدورات الطبيعية وعاد الى الحالة الفطرية النورية الاصلية والروحانية ~~الذاتية وكأنها تنقلب النفس الى صفحة خالية من جميع الكمالات واضدادها . ~~كما ورد في الحديث الشريف المشهور «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (1) . # فتبين ان حقيقة التوبة هي الرجوع من عالم الطبيعة وآثارها ms224 ومضاعفاتها الى ~~عالم الروحانية والفطرة . كما ان حقيقة الإنابة رجوع من الفطرة والروحانية ~~الى الله والسفر والهجرة PageV01P257 الاربعون حديثا :258 # من بيت النفس نحو بيت القصيد . فمنزل التوبة سابق ومقدم على منزل الإنابة ~~، ولا يناسب تفصيل ذلك في هذا المقال . ### || AUTO فصل: نقطة هامة # على سالك طريق الهداية والنجاة ، الانتباه الى نقطة هامة : هي ان التوفيق ~~الى التوبة الصحيحة الكاملة مع توفير شرائطها التي سنذكرها من الامور ~~الصعبة ، وقليلا ما يستطيع الانسان ان يصل الى هذا المقصد . بل ان اقتراف ~~الذنوب وخاصة المعاصي الكبيرة يجعلان الانسان غافلا عن ذكر التوبة نهائيا . ~~وإذا ما اثمرت وقويت شجرة المعاصي في مزرعة قلب الانسان وتحكمت جذورها ، ~~ستكون لها نتائج وخيمة : منها حث الانسان على الانصراف كليا عن التفكير في ~~التوبة ، واذا تذكرها احيانا تكاسل في اجرائها واجلها وقال : «اليوم او غدا ~~وهذا الشهر او الشهر المقبل ، ويخاطب نفسه قائلا انني اتوب آخر العمر وأيام ~~الشيخوخة توبة صحيحة» . وانه يغفل عن ان هذا مكر مع الله «والله خير ~~الماكرين» (3) . لا يتوقع الانسان انه بعد ان تقوى جذور الذنوب في نفسه ، ~~يستطيع ان يتوب او يقوم بتوفير شروط التوبة . ان افضل ايام التوبة وربيعها ~~هي فترة ايام الشباب . لان الذنوب اقل وشوائب القلب وظلمات الباطل اخف ، ~~وشروط التوبة اسهل وايسر . وقد يكثر في سن الشيخوخة حرص الانسان وطمعه وحبه ~~للمال ويزداد طول امله وقد اثبتت التجربة ذلك . # والحديث النبوي الشريف افضل شاهد على هذه المقولة . واذا افترضنا ان ~~الانسان يستطيع القيام بهذا العمل (التوبة) في سن الشيخوخة . فما هو الضمان ~~للوصول الى سن الشيخوخة وعدم ادراكه الاجل المحتوم ايام الشباب على حين غرة ~~، وهو مشغول بالذنوب والعصيان ؟ ان انخفاض عدد المسنين ، دليل على ان الموت ~~اقرب الى الشباب منه الى الشيخ . اننا في المدينة التي تحتوي على خمسين الف ~~نسمة لم نجد خمسين شيخا يناهز عمر كل منهم ثمانين عاما . # فيا ايها العزيز كن على حذر من مكائد الشيطان ولا تمكر على الله ولا ~~تحتال ms225 عليه بأن تقول اعيش خمسين عاما او اكثر مع الأهواء ، ثم استغفر ربي ~~لدى الموت واستدرك الماضي ، لان هذه افكار واهية . # اذا سمعت او علمت من الحديث الشريف ان الله سبحانه وتعالى قد تفضل على ~~هذه الامة بتقبل توبتهم قبل مشاهدة اثار الموت او عند الموت فذلك صحيح ، ~~ولكن هيهات ان PageV01P258 الاربعون حديثا :259 # تتحقق التوبة من الانسان في ذلك الوقت . # هل تظن ان التوبة مجرد كلام يقال ؟ ان القيام بالتوبة لعمل شاق . ان ~~الرجوع الى الله والعزم على عدم العودة الى الذنب يحتاج الى رياضة علمية ~~وعملية ، اذ نادرا ما يحدث للانسان ان يفكر لوحده بالتوبة او يتوفق اليها ~~او يتوفق الى توفير شرائط صحة التوبة وقبولها او الى توفير شرائط كمالها . ~~اذ من الممكن ان يدركه الموت قبل التفكير في التوبة او انجازها وينقله من ~~هذه النشأة مع المعاصي التي تنوء بالانسان ومع ظلمات الذنوب اللامتناهية . ~~وفي ذلك الوقت يعلم الله وحده المصائب والمحن التي سوف يواجهها ! . # ليس من السهل ان يجبر الانسان في العالم الآخر معاصيه ، اذا كان من اهل ~~النجاة وممن عاقبة امره سعيدة : اذ لا بد من متاعب وضغوطات ونيرانا حتى ~~يصبح الانسان اهلا لرحمة ارحم الراحمين . # اذا ايها العزيز ! عجل في شد حيازيمك ، واحكام عزيمتك وقوتك الحاسمة وانت ~~في ايام الشباب او على قيد الحياة في هذه الدنيا وتب الى الله ، ولا تسمح ~~لهذه الفرصة التي انعم الله بها عليك ان تخرج من يدك ، ولا تعبا بتسويف ~~الشيطان ومكائد النفس الامارة . # نقطة هامة # ويجب الانتباه الى نقطة هامة اخرى : هي ان الشخص التائب بعد توبته لا ~~يستعيد الصفاء الداخلي الروحاني والنور الخالص الفكري السابق كما انك لو ~~سودت صفحة بيضاء ثم حاولت ان تعالج السواد وتزيله عنها لم تعد الصفحة الى ~~حالتها الاولى من البياض الناصع ، وكذلك الاناء المكسور اذا اصلحناه فمن ~~الصعب ان يعود الى حالته السابقة . انه لبون شاسع بين خليل يكون مخلصا مع ~~الانسان طوال العمر ، وصديق يخونك ثم يعتذر عن ms226 تقصيره . # فضلا عن ان قليلا ما ترى شخصا يستطيع القيام بوظائف التوبة بشكل صحيح . # اذا ، يجب على الانسان ان يتجنب ما امكن ارتكاب المعاصي والذنوب ، لأن ~~اصلاح النفس بعد افسادها من الاعمال الشاقة ، واذا تورط لا سمح الله في ~~مصيبة وجب عليه بشكل عاجل ان يفكر في العلاج لان اصلاح الفساد القليل يتم ~~اسرع وبكيفية احسن . # ايها العزيز ! لا تمر على هذا المقام من دون مبالاة ولا اهتمام . فكر في ~~حالك وعاقبة امرك ، وراجع كتاب الله واحاديث خاتم الانبياء وائمة الهدى ~~سلام الله عليهم اجمعين وكلمات علماء الامة واحكام العقل الوجدانية . افتح ~~على نفسك هذا الباب الذي يعد مفتاح الابواب الاخرى ، وادخل في هذا المقام ~~الذي يعتبر من اهم المنازل الانسانية ، بالنسبة الينا وكن مهتما فيه وواظب ~~عليه واطلب من الله عز وجل التوفيق في الوصول الى المطلوب ، PageV01P259 الاربعون حديثا :260 # واستعن بروحانية الرسول الاكرم وأئمة الهدى سلام الله عليهم والتجئ الى ~~ولي الامر وناموس الدهر امام العصر عجل الله فرجه وبالطبع انه ينجي ~~الضعفاء والعجزة ويعين المحتاجين . ### || AUTO فصل: في اركان التوبة # اعلم ان للتوبة الكاملة اركانا وشروطا . ولولا تحققها لما تحققت التوبة ~~الصحيحة . ونحن نذكر الاركان وشرائطها الهامة : # ان من اهم الشروط الذي يعتبر ركنا ركينا للتوبة هو الندامة على الذنوب ~~والتقصير في اداء التكاليف الشرعية . ومنها : العزم على عدم العودة الى ~~الذنوب نهائيا . وفي الحقيقة ان هذين الامرين يحققان حقيقة التوبة ويعتبران ~~من مقوماتها الذاتية . والعمدة في هذا الباب تحصيل هذا المقام وانجاز هذه ~~الحقيقة على نحو يتذكر الانسان تاثير معاصيه في روحه وعواقبها في عالم ~~البرزخ ويوم القيامة كما هو مقرر في المعقول والمنقول ومبرهن عليه لدى اهل ~~العلم والمعرفة ، وماثور في اخبار اهل بيت العصمة عليهم السلام من ان ~~للمعاصي في عالم البرزخ والقيامة صورا تتناسب معها وهذه الصور في ذلك ~~العالم تكون ذات حياة وارادة حيث تعذب الانسان المذنب وتسيء اليه عن شعور ~~وارادة . ان نار جهنم ايضا تحرق الانسان عن ارادة ووعي لان ms227 تلك النشأة نشأة ~~الحياة . # ففي ذلك العالم صورا تحشر معنا من جراء اعمالنا الحسنة او القبيحة . وقد ~~ورد في القرآن الكريم والاحاديث الشريفة صراحة وتلويحا ذكر لهذا الموضوع . # ويتطابق مع مسلك الحكماء الاشراقيين ، وذوق اهل السلوك ومشاهدات اصحاب ~~العرفان . وكذلك تترك كل معصية في الروح اثرا عبر عنه في الاحاديث الشريفة ~~بالنقطة السوداء وهي ظلام ظهر في القلب والروح وتزداد هذه النقطة ثم تسوق ~~الانسان الى الكفر والزندقة والشقاوة الابدية . وقد فصلنا ذلك في الفصول ~~السابقة . فالانسان العاقل لو انتبه لهذه المعاني واعتنى بكلام الانبياء ~~والاولياء عليهم السلام والعرفاء والحكماء والعلماء رضوان الله عليهم ~~بقدر اعتنائه بقول طبيب معالج ، لابتعد لا محالة عن المعاصي ولم يقترب منها ~~ابدا . واذا ابتلي بالمعصية لا سمح الله ابدى بسرعة تبرمه وضجره منها وندم ~~عليها وظهرت صورة ندمه في قلبه وتكون نتيجة هذه الندامة عظيمة جدا ، ~~وآثارها حسنة وكثيرة ثم يحصل من جراء ندمه العزم على ترك المعصية وترك ~~مخالفة رب العالمين . وعندما يتوفر هذان الركنان الندم على اقتراف المعصية ~~والعزم على عدم العودة اليها يتيسر عمل سالك طريق الآخرة ، PageV01P260 الاربعون حديثا :261 # وتغشاه التوفيقات الالهية ليصبح حسب النص القرآني «ان الله يحب التوابين ~~ويحب المتطهرين» (1) وهذه (2) الرواية الشريفة محبوبا لله تعالى اذا كان ~~مخلصا في توبته . انه يجب على الانسان بالرياضة العلمية والعملية وبالتفكر ~~والتدبر اللائق ان يسعى في سبيل تحقيق التوبة ويجب عليه ان يفهم بأن ~~المحبوبية عند الله لا تقدر في حساب . والله يعلم بأن صورة حب الحق في تلك ~~العوالم من أي نوع من الأنوار المعنوية والتجليات الكاملة تكون ؟ وان الله ~~سبحانه كيف يتعامل مع محبوبه ؟ ايها الانسان كم انت ظلوم وجهول ؟ ! ولا ~~تقدر نعم ولي النعم . انك تعصي وتعادي سنين وسنين ولي نعمك الذي وفر لك كل ~~وسائل الرفاه والراحة من دون ان تعود منها عليه والعياذ بالله بجدوى ~~وفائدة ، وطيلة هذه الفترة قد هتكت حرمته وطغيت عليه ولم تخجل منه ابدا ~~ولكنك اذا ندمت على ما فعلت ورجعت ms228 اليه ، احبك الله وجعلك محبوبا له «ان ~~الله يحب التوابين» فما هذه الرحمة الواسعة والنعم الوافرة ؟ . # الهي ! نحن عاجزون عن شكر آلائك ، وألسنة البشر وجميع الاحياء في هذا ~~الكون مصابة باللكنة تجاه الحمد والثناء عليك ولا يسعنا الا ان ننكس ~~رؤوسنا ونعتذر على عدم حيائنا منك . من نحن حتى نستحق رحمتك ؟ ولكن سعة ~~رحمتك وشمول نعمتك اوسع من تقديرنا لها «انت كما اثنيت على نفسك» (3) . # وايضا ، يجب على الانسان ان يقوي في قلبه صورة الندامة كي يحترق القلب ان ~~شاء الله تعالى . وذلك بأن يفكر في الآثار الموحشة للمعاصي وعواقبها . ~~ويعمل على تقوية الندامة في قلبه ويضرم النار في قلبه على غرار«نار الله ~~الموقدة» ويحرق قلبه في نار الندامة حتى تحترق مع نار الندامة جميع المعاصي ~~وتزول الكدورة عن القلب وصدئه . وليعلم انه اذا لم يضرم بنفسه هذه النار ~~الندامة ولم يفتح في وجهه باب جهنم هذه التي تكون بذاتها الباب الرئيسي ~~لأبواب الجنة ، فعندما ينتقل من هذا العالم تهيأت له لا محالة في ذلك ~~العالم نار عاتية ، وتفتح في وجهه ابواب جهنم وتوصد في وجهه ابواب الجنة ~~والرحمة . # الهي الهمنا صدرا محترقا واقذف في قلوبنا جذوة من نار الندامة واحرقه مع ~~هذه النار «الندامة» الدنيوية ، وأزل عن قلوبنا الكدر والغبرة ، واخرجنا من ~~هذا العالم من دون مضاعفات المعاصي انك ولي النعم وعلى كل شيء قدير . PageV01P261 # الاربعون حديثا :262 ### || AUTO فصل: في شروط التوبة # ذكرنا في الفصل السابق اركان التوبة . وسوف نذكر شروط قبولها وشروط ~~كمالها مرتبا . ثم ان عمدة شروط القبول امران كما ان عمدة شروط الكمال ~~امران ايضا . # ونحن نذكر في هذا الفصل الكلام الشريف لمولى الموالي الذي هو في الواقع ~~من جوامع الكلام ، ومن كلام الملوك وملوك الكلام . # روي في نهج البلاغة ان قائلا قال بحضرته عليه السلام : استغفر الله ، ~~فقال له : «ثكلتك امك اتدري ما الاستغفار ؟ ان الاستغفار درجة العليين وهو ~~اسم واقع على ستة معان : اولها الندم على ما مضى . الثاني العزم على ترك ~~العود ms229 اليه ابدا . والثالث ان تؤدي الى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله ~~سبحانه املس ليس عليك تبعة . الرابع ان تعمد الى كل فريضة عليك ضيعتها ~~فتؤدي حقها . والخامس ان تعمد الى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه ~~بالاحزان حتى تلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد . والسادس ان تذيق ~~الجسد الم الطاعة كما اذقته حلاوة المعصية فعند ذلك تقول استغفر الله» (1) . # يشتمل هذا الحديث الشريف على ركنين من اركان التوبة هما : الندامة والعزم ~~على العودة وعلى شرطين مهمين للقبول : هما ارجاع حقوق المخلوق لأهلها ورد ~~حقوق الخالق لله سبحانه . ولا تقبل التوبة من الانسان بقوله استغفر الله . ~~ان على الانسان التائب ان يرد كل ما اخذه من الناس من دون حق الى اصحابه ~~واذا وجد حقوقا اخرى للناس في ذمته واستطاع ان يؤديها الى اصحابها او يطلب ~~السماح منهم ، يجب ان لا يتوان في ذلك . وان يقضي كل الفرائض الالهية او ~~يؤديها . واذا تعذر عليه انجاز ذلك ادى المقدار الميسور منه . وليعلم ان ~~لكل هذه الحقوق اصحاب سيطالبونه بها في النشأة الاخرى بأشق الاحوال وليس له ~~في ذلك العالم وسيلة لاداء هذه الحقوق ، الا ان يتحمل ذنوب الآخرين ، ويدفع ~~اليهم اعماله الحسنة فيصير حينذاك عاجزا وشقيا ولا يملك طريقا للخلاص وملجأ ~~للاستخلاص . ايها العزيز اياك ان تسمح للشيطان والنفس الامارة بالهيمنة ~~عليك والوسوسة في قلبك فيصوران لك العملية جسيمة وشاقة ويصرفانك عن التوبة ~~. اعلم بأن انجاز الشيء القليل من هذه الامور يكون افضل . ولا تيأس من رحمة ~~الله ولطفه ، حتى وان كانت عليك صلاة كثيرة وصيام غير قليل ، وكفارات عديدة ~~، وحقوق الهية كثيرة ، وذنوب متراكمة ، وحقوق الناس لا تعد ، والخطايا لا تحصى . # لأن الحق المتعالي يسهل عليك الطريق عندما تقوم بخطوات مستطاعة لديك في PageV01P262 الاربعون حديثا :263 # اتجاهه ، ويهديك سبيل النجاة . واعلم بان اليأس من رحمه الحق من اعظم ~~الذنوب ، ولا اظن ان هناك ذنب أسوأ وأشد تأثيرا في النفس من القنوط من رحمة ~~الله . فان الظلام الدامس اذا غشي قلب ms230 الانسان اليائس من الرحمة الالهية ، ~~لما امكن اصلاحه ، ولتحول الى طاغية ، لا يوجد سبيل للهيمنة عليه . فإياك ~~ان تغفل من رحمة الحق عز وجل ، وإياك ان تستعظم الذنوب وتبعاتها . ان رحمة ~~الحق سبحانه اعظم واوسع من كل شيء . نصف بيت شعر : # «ان عطاء الحق غير مشروط بقابلية المعطى اليه» . # ماذا كنت في بدء الامر ؟ كنت في غياهب العدم ولا توجد فيك القابلية ~~والاهلية ، ولكن الحق جل وعلا ، قد وهبك نعمة الوجود وكمالاته وبسط مائدة ~~النعم اللامحدودة ، والرحمة اللامتناهية ، وسخر لك كافة الموجودات ، من دون ~~استحقاق واستعداد ومن دون سؤال ودعاء مسبق . # ثم انك في هذا اليوم لا يكون وضعك أسوأ ، من اليوم الذي كنت فيه عدما ~~صرفا ، ولا شيخا بحتا . ان الله قد وعد بالرحمة والمغفرة . تقدم الى الامان ~~خطوة واحدة ، باتجاه عتبة قدسه ، فانه سيأخذ بيدك مهما كلف الامر . انك ان ~~لم تستطع ان تؤدي حقوقه ، فهو سيتنازل عنها . وان لم تستطع ان تدفع حقوق ~~الناس ، فانه سيجبرها . # هل سمعت قصة الشاب الذي كان ينبش القبور في عهد الرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم ؟ # ايها العزيز ان طريق الحق سهل وبسيط ، ولكنه يحتاج الى انتباه يسير ، ~~فيجب العمل ، لان التباطئ والتسويف ، ومضاعفة المعاصي في كل يوم ، تبعث على ~~صعوبة الامر ، وأما الاقبال على العمل ، والعزم على اصلاح السلوك والنفس ، ~~فيقرب الطريق ويسهل العمل . # جربه ، واعمل في الاتجاه المذكور ، فاذا حصلت على النتيجة تبين لك صحة ~~الموضوع . وان لم تصل الى النتيجة المتوخاة فان طريق الفساد مفتوح ويد ~~المذنب طويلة . وأما الامران الآخران الخامس والسادس المذكوران في الرواية ~~المنقولة عن نهج البلاغة المتقدمة اللذان ذكرهما الامام امير المؤمنين ~~عليه السلام ، فهما من شروط كمال التوبة ، والتوبة الكاملة ، لان التوبة لا ~~تتحقق ولا تقبل من دونهما ، بل ان التوبة من دونهما ليست بكاملة . # اعلم ان لكل منزل من منازل السالكين مراتب ودرجات تختلف حسب اختلاف حالات ~~قلوبهم . وان التائب اذا اراد البلوغ الى مرتبة الكمال ، فلا بد من تدراك ~~ما تركه ms231 ، وتدارك الحظوظ ايضا ، يعني لا بد من تدارك الحظوظ النفسانية التي ~~لحقت به ايام الآثام والمعاصي PageV01P263 الاربعون حديثا :264 # وذلك بالسعي لمحو كل الآثار الجسمية والروحية التي حصلت في مملكة جسمه ~~ونفسه من جراء الذنوب حتى تعود النفس مصقولة كما كانت في بدء الامر ، وتعود ~~الفطرة الى روحانيتها الاصيلة . وتحصل له الطهارة الكاملة . # لقد علمت بأن لكل معصية ومتعة انعكاس وأثر في الروح ، كما قد يحصل اثر من ~~بعض الذنوب واللذائذ في الجسم ، فلا بد للتائب ان ينتفض ويستأصل تلك الآثار ~~ويقوم بالرياضة البدنية والروحية حتى تزول منهما كل تبعات ومضاعفات الخطايا ~~والآثام ، كما أمرنا الامام علي عليه الصلاة والسلام . # فعن طريق ممارسة الرياضة الجسمية من الامساك عن أكل المقويات والمنشطات ~~والصيام المستحب او الواجب اذا كان في ذمته صيام واجب ، يذيب اللحوم التي ~~نشأت على جسمه من الحرام والمعصية او ايام الخطايا والآثام . # وعن طريق الرياضة الروحية من العبادات والمناسك يتدارك الحظوظ الطبيعية ، ~~لان صورة اللذات الطبيعية لا تزال مائلة في ذائقة النفس ، وما دامت عالقة ~~بها ترغب اليها النفس ، ويعشقها القلب ويخشى من لحظة طغيان النفس وتمردها ~~على صاحبها والعياذ بالله . فلا بد على السالك لسبيل الآخرة والتائب عن ~~المعاصي ان يذيق الروح الم الرياضة الروحية ومشقة العبادة . فاذا سهر ليلة ~~في المعصية تداركها بليلة من العبادة . واذا عاش يوما واحدا من اللذائذ ~~الطبيعية تداركه بالصوم والمستحبات المناسبة حتى تطهر النفس من كل آثار ~~المعاصي وتبعاته التي هي عبارة عن تعلق حب الدنيا بالنفس ورسوخه فيها ، ~~وتتطهر من كل ذلك . # نعم تكون التوبة في هذه الصورة اكمل ، ويعود النور الى فطرة النفس ، ~~ويستمر في غضون اشتغاله بهذه الامور التفكر والتدبر في نتائج المعاصي وشدة ~~بأس الحق المتعالي ، ودقة ميزان الاعمال وشدة عذاب عالم البرزخ والقيامة . ~~وليعلم وليلقن النفس والقلب ، بأن كل ذلك نتاج وصور هذه الاعمال القبيحة ~~والمخالفة مع مالك الملوك . ونأمل بعد هذا العلم والتمعن ان تنفر النفس عن ~~المعاصي ، وترتدع بشكل كامل ونهائي ، وينتهي بالتوبة الى ms232 النتيجة المطلوبة ~~، وتتم توبته وتكمل . # فهذان المقامان من المتممات والمكملات لمنزل التوبة . والانسان في بدء ~~الامر عندما يريد ان يدخل مقام التوبة ويتوب الى الله لا يظن بأن المطلوب ~~منه المرتبة الاخيرة من التوبة حتى يجد الطريق صعبا وعملية التوبة شاقة ~~فينصرف عنها ويتركها . # ان كل مقدار يساعد عليه حال السالك ، في سلوكه لطريق الآخرة ، يكون ~~مطلوبا ومرغوبا فيه ، وعندما تطأ قدماه الطريق ييسر الله تعالى له الطريق . ~~فلا بد ان لا تحجز صعوبة الطريق ، PageV01P264 الاربعون حديثا :265 # الانسان عن الهدف الاصيل ، لانه مهم جدا وعظيم جدا . واذا انتبهنا الى ~~جلال الهدف وعظمته ، تذللت جميع الصعاب من اجله . واي شيء اعظم من النجاة ~~الابدية والروح والريحان الدائميان ؟ واي بلاء اعظم من الهلاك الدائمي ~~والشقاء السرمدي ؟ ومع ترك التوبة والتسويف والتأجيل قد يبلغ الانسان الى ~~الشقاء الابدي والعذاب الخالد والهلاك الدائم . وعند الورود على مقام ~~التوبة قد يتحول الانسان الى سعيد مطلق ، ومحبوب للحق سبحانه . فاذا كان ~~الهدف جليلا على هذا المستوى ، فلا بأس من المعاناة والآلام لايام يسيرة . # واعلم ان الدخول في مقام التوبة بالمقدار الممكن والميسور مهما كان قليلا ~~فهو مجد وناجع . قارن امور الآخرة بالامور الدنيوية فان العقلاء اذا لم ~~يستطيعوا ان يحققوا مبتغاهم الاعلى والارفع ،لم يتركوا الهدف الاقل ، واذا ~~لم يستطيعوا من تحصيل الهدف الكامل المنشود فانهم لم يغضوا الطرف عن ~~المطلوب الناقص . # وانت ايضا اذا لم تستطع ان تحقق التوبة الكاملة ، فلا تعدل عن التوبة ولا ~~تعرض عنها وحاول ان تحققها بالمستوى المستطاع والممكن . ### || AUTO فصل: في نتيجة الاستغفار # من الامور الهامة التي لا بد للتائب ان يقدم عليها ، اللجوء الى مقام ~~غفارية الله تعالى وتحصيل حالة الاستغفار ، والطلب من الحق جل جلاله ومن ~~مقام غفارية ذاته المقدس بلسان مقاله وحاله وفي السر والعلن وفي الخلوات . ~~الطلب منه بكل مذلة ومسكنة وتضرع وبكاء بأن يستر عليه ذنوبه ومضاعفاته . ~~نعم ان مقام الغفارية والستارية للذات المقدس يستدعي ستر العيوب وغفران ~~تبعات الذنوب ، لان الصور الملكوتية للاعمال ms233 بمثابة وليد الانسان ، بل ألصق ~~من ذلك . وان حقيقة التوبة وكلمات الاستغفار بمثابة اللعان ونفى الولد . # ان الحق تبارك وتعالى بسبب غفاريته وستاريته يقطع الصلة بين وليد الانسان ~~الصور الملكوتية للاعمال المحرمة والانسان ، بواسطة لعان المستغفر . ويحجب ~~عن تلك المعصية كل الكائنات التي اطلعت على احوال الانسان من الملائكة ، ~~وكتاب صحائف الجرائم ، والزمان والمكان واعضاء نفس الانسان وجوارحه ، ~~وينسيهم جميعا تلك المعصية . كما اشير اليه في الحديث الشريف حيث يقول ~~«ينسى ملكيه ما كتبا عليه من الذنوب» ومن المحتمل ان يكون المقصود وحيه ~~تعالى للاعضاء والجوارح وبقاع الارض ، بكتمان المعاصي الوارد في الحديث ~~الشريف هو انساء المعاصي . كما يحتمل ان يكون المقصود من وحيه ، الامر بعدم ~~الادلاء بالشهادة . ويمكن ان يكون المقصود رفع الآثار التي تركتها المعاصي ~~على الاعضاء والتي بها تتم الشهادة التكوينية . PageV01P265 # الاربعون حديثا :266 # كما انه لو لم يتب لأمكن ان يشهد كل عضو بلسان مقاله او حاله على افعاله ~~الأثيمة . # وعلى اي حال كما ان مقام الغفارية والستارية اقتضى الآن ونحن في هذا ~~العالم ان لا تشهد اعضائنا وجوارحنا ضدنا وان يستر الزمان والمكان افعالنا ~~المشينة ، كذلك يقتضي ستر اعمالنا في العوالم الاخرى عندما نتوب توبة صحيحة ~~ونستغفر استغفارا خالصا ونرحل من هذا العالم ، او ان الناس يحجبون عن ~~اعمالنا . ولعل مقتضى كرامة الحق جل جلاله هو الثاني حتى لا يكون الإنسان ~~التائب مطأطأ رأسه ومفضوحا امام الآخرين والله العالم . ### || AUTO فصل: في تفسير التوبة النصوح # اعلم ان هناك تفسيرات مختلفة في بيان المقصود من التوبة النصوح . ومن ~~المناسب ان نذكرها هنا بصورة مجملة . ونحن نكتفي بنقل كلام المحقق الجليل ~~الشيخ البهائي قدس الله نفسه . # نقل المحدث الخبير المجلسي رحمه الله (1) عن الشيخ البهائي انه قال : # «ثم اعلم ان المفسرين اختلفوا في تفسير التوبة النصوح على اقوال : # منها : ان المراد توبة تنصح الناس اي تدعوهم الى ان يأتوا بمثلها لظهور ~~آثارها الجميلة في صاحبها او ينصح صاحبها فيقلع عن الذنوب ثم لا يعود اليها ابدا . # ومنها ms234 ان النصوح ما كانت خالصة لوجه الله سبحانه من قولهم عسل نصوح اذا ~~كان خالصا من الشمع ، بأن يندم على الذنوب لقبحها ، وكونها خلاف رضى الله ~~تعالى لا لخوف النار مثلا . # وحكم المحقق الطوسي في التجريد بأن الندم من الذنوب للخوف من النار ، ليس ~~بتوبة» ومنها ان النصوح من النصاحة وهي الخياطة لأنها تنصح من الدين ما ~~مزقته الذنوب او يجمع بين التائب وبين اوليائه واحبائه كما تجمع الخياطة ~~بين قطع الثوب . # ومنها ان النصوح وصف للتائب واسناده الى التوبة من قبيل الاسناد المجازي ~~اي توبة تنصحون بها انفسكم بأن تاتوا بها على أكمل ما ينبغي ان تكون عليه ~~حتى تكون قالعة لآثار الذنوب من القلوب بالكلية . ويكون ذلك بذوب النفوس ~~بالحسرات ومحو ظلمات القبائح بنور الاعمال الحسنة . PageV01P266 # الاربعون حديثا :267 ### || AUTO تكميل: في بيان ان جميع الموجودات ذات علم وحياة # اعلم ان للتوبة حقائق ولطائف واسرار ، ولكل واحد من اهل السلوك الى الله ~~توبة خاصة تتناسب مع مقامه . وحيث ان لا حظ ولا نصيب لنا في تلك المقامات ، ~~فلا يناسب شرحها والإسهاب فيها في هذا الكتاب . والافضل ان ننهي الحديث ~~بذكر فائدة دقيقة تستكشف من الحديث الشريف المذكور في اول فصل التوبة ~~وتتفق مع ظاهر الكتاب الكريم والاحاديث الكثيرة المأثورة في الابواب ~~المتفرقة . # وتلك الفائدة هي ان لكل واحد من الموجودات علم وحياة ومعرفة ، بل ان جميع ~~الموجودات تحظى بالمعرفة لمقام الحق المقدس جل وعلا . فان الوحي الى ~~الاعضاء والجوارح وبقاع الارض ، بالكتمان ، واطاعتها للامر الالهي ، وتسبيح ~~الموجودات بأسرها الذي نص عليه القرآن الكريم (1) وأوردته الاحاديث الشريفة ~~كثيرا ، كل ذلك دليل على علم وشعور حياة الموجودات ، بل دليل على الارتباط ~~الخاص بين الخالق والمخلوق ، لا يطلع عليه احد الا ذاته المقدس جل وعلا ومن ~~ارتضى من عباده . # وهذه الفائدة الدقيقة احدى المعارف التي لمح اليها القرآن الكريم واحاديث ~~الائمة المعصومين ، وتتطابق مع برهان الفلاسفة الاشراقيين وذوق اهل العرفان ~~ومشاهدات اصحاب السلوك والرياضة الروحانية . # وقد ثبت في ابحاث ما وراء ms235 الطبيعة من الفلسفة ان حقيقة الوجود عين ~~الكمالات والاسماء والصفات ، وعندما يظهر في كل مرتبة من مراتب الوجود ~~الوجود ، ويتجلى في مرآة للأعين ، يكون ظهوره مع جميع الشؤون والكمالات ~~لان الوجود عين هذه الكمالات السبعة من الحياة والعلم وبقية الامهات ~~السبعة . ولكل من مراحل تجلي حقيقة الوجود ومراتب تنزلات نور الجمال الكامل ~~للمعبود تعالى شأنه ، ارتباط خاص مع مقام الاحدية ، ومعرفة كامنة خفية مع ~~مقام الربوبية . كما تقول الآية الكريمة «ما من دابة الا هو آخذ بناصيتها» ~~(2) وقالوا ان (هو) اشارة الى مقام غيب الهوية . و«آخذ بالناصية» هو الربط ~~الاصيل الغيبي السري الوجودي الذي لا محال لأحد في معرفته . PageV01P267 # الاربعون حديثا :268 PageV01P268 الاربعون حديثا :269 ### | AUTO الحديث الثامن عشر # الذكر PageV01P269 الاربعون حديثا :270 # بالسند المتصل الى فخر الطائفة وذخرها محمد بن يعقوب الكليني رضوان الله ~~عليه عن محمد بن يحيى ، عن احمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن عبد ~~الله بن سنان ، عن ابي حمزة الثمالي ، عن ابي جعفر عليه السلام قال : ~~«مكتوب في التوراة التي لم تغير ان موسى عليه السلام سأل ربه فقال : يا رب ~~اقريب انت مني فأناجيك ، ام بعيد فأناديك ؟ فأوحى الله عز وجل اليه : يا ~~مسى انا جليس من ذكرني . فقال موسى : فمن في سترك يوم لا ستر الا سترك . ~~فقال : الذين يذكرونني فاذكرهم ويتحابون في فأحبهم فأولئك الذين اذا أردت ~~ان اصيب اهل الارض بسوء ذكرتهم فدفعت عنهم بهم» (1) . PageV01P270 # الاربعون حديثا :271 ### || AUTO الشرح : # يفهم من هذا الحديث الشريف بأن التوراة الرائجة بين اليهود محرفة ومزورة ~~. وان محتوى التوراة الصحيحة يتواجد عند اهل البيت عليهم السلام . ويعرف ~~ايضا من منطويات التوراة والانجيل المتداولين لتدني مستواهما على جميع ~~الاصعدة انهما ليسا بحديث انسان عادي ، بل انه حديث ينسجم مع اوهام بعض ~~اهل الشهوات وذوي الاهواء النفسية . # يقول المحدث المحقق المرحوم المجلسي : «كان الغرض من السؤال عن آداب ~~الدعاء مع علمه بانه اقرب إلينا من حبل الوريد بالعلم والقدرة والعلية أي ~~أتحب أن أناجيك ms236 كما يناجي القريب او اناديك كما ينادي البعيد؟ وبعبارة أخرى ~~إذا نظرت إليك فأنت أقرب من كل قريب ، وإذا نظرت إلى نفسي أجدني في غاية ~~البعد عنك فلا أدري في دعائي أنظر إلى حالي أو إلى حالك؟. # ويحتمل ان يكون السؤال للغير او من قبلهم كسؤال الرواية» (1) . انتهى ~~كلامه . ### || AUTO في الاحاطة القيومية لله تعالى # من المحتمل ان النبي موسى عليه السلام في الحديث المذكور يعرض عجزه عن ~~كيفية دعائه لله تعالى فيقول : الهي انت منزه من الاتصاف بالقرب والبعد حتى ~~ادعوك دعاء من يكون دانيا او قاصيا ، فأنا متردد في امري ولا اجد دعاءا ~~يليق بعظمتك وجلالك . فاسمح لي ان أناديك ، وعلمني كيفية ندائك واهدني الى ~~ما يتناسب ومقام قدسك في هذا المجال . # فأتى الجواب من مصدر الجلال والعزة : بأنني حاضر حضور القيومية في جميع ~~النشآت وان هذه العوالم بأسرها حاضرة لدي . انا جليس من يذكرني ونديم من ~~يتحدث معي . PageV01P271 # الاربعون حديثا :272 # وبالطبع ان ذاته المقدس لا يتصف بالقرب والبعد وأن له احاطة قيومية ، ~~وسعة وجودية تعم جميع دائرة الوجود وكافة سلسلة الموجودات . # وما ورد في الآيات الشريفة من الكتاب الالهي الكريم من توصيف الحق ~~المتعالي بالقرب مثل قوله تعالى : «واذا سالك عبادي عني فإني قريب» (1) ~~وقوله عز من قائل «نحن اقرب اليه من حبل الوريد» (2) وغيرها من الآيات ~~فمن باب المجاز والاستعارة . لأن ساحته المقدسة تتنزه عن القرب والبعد ~~الحسيان والمعنويان . اذ يستلزم ذاك القرب والبعد الحسيان والمعنويان نوع ~~من التحديد والتشبيه ، والحق المتعالي منزه عن ذلك ، بل ان حضور قاطبة ~~الموجودات امام وجوده المقدس ، حضور تعلقي ، واحاطة ذاته المتعالية لكل ~~دقائق الكائنات وسلسلة الموجودات ، احاطة قيومية وهذا الحضور وهذه الاحاطة ~~يختلفان عن الحضور الحسي والمعنوي وعن الاحاطة الظاهرية والباطنية . # ويستفاد من هذا الحديث وبعض الاحاديث الاخرى رجحان الذكر ذكر الله ~~الخفي ، واستحباب الذكر السري والقلبي ، كما يقول الله سبحانه ايضا في ~~الآية المباركة «واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة» (3) . # وجاء في الحديث الشريف انه لا يعلم ms237 احد ثواب ذكر الله سبحانه ، الا الله ~~تعالى لعظمته وكبره . وقد يكون الاجهار في الذكر واظهاره راجحا في بعض ~~الحالات والمقامات ولدى طرو بعض العناوين ، مثل الذكر لدى اهل الغفلة لكي ~~ينتبهوا . # ففي الحديث الشريف من الكافي قال ابو عبد الله عليه السلام الذاكر لله عز ~~وجل في الغافلين ، كالمقاتل في المحاربين (4) . # ونقل عن عدة الداعي للشيخ ابن فهد : «قال : قال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم : من ذكر الله في السوق مخلصا عند غفلة الناس وشغلهم بما فيه كتب الله ~~له الف حسنة وغفر الله له يوم القيامة مغفرة لم تخطر على قلب بشر» (5) . # وكذلك يستحب الاجهار بالذكر في اذان الاعلام والخطبة وغيرها . PageV01P272 # الاربعون حديثا :273 ### || AUTO فصل: # يستفاد من هذا الحديث الشريف ، ان لذكر الله والتحاب بين الاشخاص في سبيل ~~الله ، خصائص : احداها وهي الاهم ان ذكر العبد لله ، يبعث على ذكر الله ~~لعبده ، كما نطقت بهذا المضمون احاديث اخرى ايضا . ويقابل هذا الذكر ~~النسيان ، الذي قال سبحانه وتعالى عن الناسي في القرآن «كذلك اتتك آياتنا ~~فنسيتها وكذلك اليوم تنسى» (1) . # فكما ان نسيان الآيات والعمى الباطني عن رؤية مظاهر جمال الحق وجلاله ~~يسبب عمى في العالم الآخر ، يكون التذكر للآيات والاسماء والصفات وتذكر ~~الحق سبحانه وجماله وجلاله باعثا على حدة في البصيرة ، وازاحة للحجب ، بقدر ~~قوة التذكر ونورانيته . # هذا وان تذكر آيات الحق سبحانه ، وصيرورته هذا التذكر ملكة راسخة في ~~الانسان يجعل لبصيرته قوة ، يرى من خلال الآيات ، جمال الحق . وان تذكر ~~الاسماء والصفات يبعث على مشاهدة الحق في تجليات اسمائه وصفاته . وان تذكر ~~الذات عز شأنه من دون حجاب الآيات والاسماء والصفات ، يوجب رفع الحجب ~~بأسرها ومشاهدة الحبيب من دون غشاء وحجاب . # ويعتبر هذا التفسير واحدا من التوجيهات والتفسيرات للفتوحات الثلاثة ~~التي هي قرة عين العرفاء والاولياء وهي : # الفتح القريب . الفتح المبين . الفتح المطلق . الذي هو فتح الفتوح . # وكما ان التذكرات الثلاثة المذكورة تزيل الحجب الثلاثة ، كذلك التحاب ~~بين الناس في الله سبب لمحبة الله ، وتكون نتيجته ms238 رفع الحجب حسب ما يقوله ~~العرفاء الشامخون . # ومن الواضح ان للتحاب بين الناس مراتب ودرجات ، كما ان للحب في الله من ~~جهة الخلوص والخلو من الشوائب مراتب كثيرة ودرجات عديدة ايضا ، والحب ~~الخالص التام هو الحب المحض الفارغ من شوب كثرات الاسماء والصفات ، وهو ~~الموجب لحصول الحب التام . والمحبوب المطلق في شريعة العشاق ، لا يكون ~~محجوبا عن الوصال ، ولا يبقى بينه وبين محبوبه حجابا . # وبهذا البيان نستطيع ان نوفق بين سؤالي النبي موسى عليه السلام ، لأنه ~~عليه السلام عندما سمع من حضرته تعالى بأنه عز وجل جليس من ذكره ، وسمع ~~من محبوبه ، امنيته من الوعد بالوصال والوصول الى الجمال ، اراد ان يستقصي ~~اهل الوصال حتى ينهض بالمسؤولية PageV01P273 الاربعون حديثا :274 # مع كافة الشؤون المتوجبة عليه ، فقال : «فمن في سترك يوم لا ستر الا سترك ~~لي ؟ ومن يكون في سترك ، بعد ان تخلص من التعلق بغيرك ، وحطم قيود الحجب ، ~~ووصل الى جمالك الجميل ؟» . فقال هم طائفتان : الذين يذكرونني ابتداءا ، ~~والذين يتحابون لأجلي حيث يكون تذكرا في مظهر جمالي التام ، الذي هو ~~الانسان . انهما الطائفتان في مأمني وجلسائي وأنا جليسهم . # فتبين ان لهذين الطائفتين خصلة واحدة عظيمة ، ولها نتاج عظيم آخر ، اذ ~~انهم يذكرون الله فينقلبوا بذكرهم له محبوبين للحق المتعالي ونتيجته انهم ~~يستقرون في ستره سبحانه وملجأه يوم لا ستر فيه ، ويختلي بهم الحق عز وجل في ~~المحل الارفع . # ومن خصال هاتين الطائفتين ان الله سبحانه يرفع لكرامتهم ، العذاب عن ~~عباده بمعنى انه ما دامت الطائفتان تعيشان بين العباد ، لا ينزل الله ~~سبحانه العذاب على الناس . ### || AUTO فصل: في الفرق بين مقام التفكر والتذكر # اعلم ان التذكر من نتائج التفكر ، ولهذا يعتبرون مقام التفكر مقدما على ~~مقام التذكر . يقول العارف عبد الله الانصاري «التذكر فوق التفكر ، فإن ~~التفكر طلب والتذكر وجود» اذ ان التفكر طلب للمحبوب والتذكر حصول للمطلوب . ~~فما دام الانسان يطلب ويبحث يكون محجوبا عن مطلوبه وعندما يصل الى محبوبه ~~يتحرر من عناء البحث والتفتيش . # ان قوة التذكر وكماله ms239 ، يرتبطان بقوة التفكر وكماله . والتفكر الذي يفضي ~~الى التذكر التام للمعبود . لا يساوي الاعمال الاخرى ولا يقاس في الفضيلة ~~بها . ففي الاحاديث الشريفة ان تفكر ساعة افضل من عبادة سنة واحدة او ستين ~~عاما او سبعين عاما . ومن الواضح ان الغاية من العبادات وثمرتها المهمة ، ~~حصول المعرفة والتذكر للمعبود الحق . وستحصل على هذه الخاصية من التفكر ~~الصحيح ، احسن من الحصول عليها عن طريق العبادة . # اذ لعل تفكر ساعة واحدة ، يفتح ابوابا من المعارف على السالك ، لا تفتحها ~~عبادة سبعين سنة ، او ان في تفكر ساعة واحدة تذكر للانسان بحبيبه سبحانه ، ~~ما لا يحصل من المشاق والمساعي المجهدة فترة سنين عديدة مثل هذا التذكر . # واعلم ايها العزيز ان تذكر الحبيب ، والتفكر فيه دائما ، يثمر نتائج ~~كثيرة لكافة الطبقات . # اما الكملون والاولياء والعرفاء فان تذكر الحبيب في نفسه ، غاية آمالهم ~~وفي ظله يبلغون جمال حبيبهم . هنيئا لهم . # واما عموم الناس والمتوسطين منهم ، فهو افضل مصلح للاخلاق والسلوك ~~وللظاهر والباطن . PageV01P274 # الاربعون حديثا :275 # اذا عاش الانسان مع الحق سبحانه وتعالى في جميع الاحوال وكافة المستجدات ~~، وشاهد نفسه امام الذات المقدس عز شأنه ، لأحجم عن الامور التي تسخط الله ~~، وردع نفسه عن الطغيان . ان المشاكل والمصائب المنبثقة من النفس الامارة ~~والشيطان الرجيم قد نشأت عن الغفلة عن ذكر الحق وعذابه وعقابه . ان الغفلة ~~عن الحق تضاعف كدورة القلب ، وتمكن النفس والشيطان من التحكم في الانسان ~~وتسبب زيادة المفاسد على مر الايام . # وان التذكر للحق جل شأنه يبعث على صفاء النفس وصقلها ، ويجعلها مظهرا ~~للمحبوب ويصفي الروح وينقيه ، ويحرر الانسان من اغلال الأسر ، ويخرج حب ~~الدنيا الذي هو رأس الخطايا ومصدر السيئات من القلب ، ويجعل الهموم هما ~~واحدا ، والقلب نظيفا وطاهرا لورود صاحبه الحق جل وعلا . # فيا ايها العزيز مهما تتحمل من الصعاب في سبيل الذكر والتذكر للحبيب ~~الحق سبحانه كان ذلك قليلا . روض قلبك على التذكر للمحبوب ، لعل الله يجعل ~~صورة القلب ، صورة لذكر الحق ، وكلمة لا اله الا الله الطيبة ، الصورة ~~النهائية والكمال ms240 الاقصى للنفس ، فانه لا زاد افضل منه للسلوك الى الله ، ~~ولا مصلح احسن منه لعيوب النفس ، ولا رفيق اجدى منه في المعارف الالهية . # فاذا كنت طالبا للكمالات الصورية والمعنوية ، وسالكا لطريق الآخرة ~~ومهاجرا ومسافرا الى الله ، اجعل قلبك معتادا على تذكر المحبوب ، واعجن ~~قلبك مع ذكر الحق تبارك وتعالى . ### || AUTO فصل: في بيان ان الذكر التام هو الذكر البالغ الى كل اطراف ~~المملكة جسم الانسان # ان ذكر الحق والتذكر لذاته المقدس من صفات القلب ، وان القلب اذا تذكر ~~ترتبت عليه القلب جميع الفوائد المذكورة للذكر ، ولكن الافضل ان يعقب ~~الذكر القلبي ، الذكر اللساني . وان افضل وأكمل مراتب الذكر كافة هو الذكر ~~الساري في نشآت مراتب الانسانية ، والجاري على ظاهر الانسان وباطنه ، سره ~~وعلنه . # فيكون الحق سبحانه مشهودا في سر الوجود ، وتكون الصورة الباطنية للقلب ~~والروح ، صورة تذكر المحبوب . ويطغى على الاعمال القلبية والقالبية ~~الظاهرية التذكر لله سبحانه . وتنفتح الاقاليم السبع الظاهرية ، والممالك ~~الباطنية ، على ذكر الحق ، وتتسخر لتذكر الجميل المطلق . بل لو ان حقيقة ~~الذكر تحولت الى صورة باطنية للقلب ، وانفتحت مملكة القلب على يديه الذكر ~~لجرى حكمه في كل الممالك والاقاليم القوى الجسمية الظاهرية والباطنية PageV01P275 الاربعون حديثا :276 # ولكانت حركة وسكون العين واللسان واليد والرجل ، وافعال كل القوى ~~والجوارح مع ذكر الحق . ولم تقم القوى الظاهرية والباطنية في جسم الانسان ~~بإنجاز ما يخالف الوظائف الشرعية المقررة . فتكون حركاتها وسكناتها مبدوة ~~ومختومة بذكر الحق ، وتنفذ «بسم الله مجريها ومرسيها» (1) في جميع اطراف ~~المملكة جسم الانسان بما فيه القوى الظاهرية والباطنية . # وفي النتيجة يتحول الانسان الى حقيقة الاسماء والصفات ، بل الى صورة اسم ~~الله الاعظم ، ومظهره . وهذه هي الغاية القصوى لكمال الانسان ومنتهى رجاء ~~اهل الله . وكلما حصل انخفاض عن هذا المستوى الرفيع ، وقل نفوذ الذكر في ~~الانسان انتقص وبنفس النسبة من كمال الانسان ، وأثر نقصان كل من الظاهر ~~والباطن ، في الآخر ، لأن نشآت وجود الانسان مترابطة ومتأثرة بعضها ببعض . # ومن هنا يعلم ان ذكر الحق بالنطق واللسان الذي يعد من ms241 اقل مراتب الذكر ، ~~يكون مجديا ونافعا ايضا لأنه : # اولا : قام اللسان بوظيفته بواسطة ذكره وان كان هذا الذكر قالبا لا روح ~~له . وثانيا : يمكن ان يصير هذا التذكر الذكر باللسان سببا لتفتح لسان ~~القلب ايضا بعد فترة من المواظبة على الذكر والاستمرار عليه بشروطه . # قال شيخنا الكامل العارف الشاه آبادي روحي فداه يجب ان يكون الانسان ~~الذاكر مثل المعلم الذي يريد ان يعلم الطفل الصغير الذي لم ينطق بعد ~~الكلمات ، حيث يكرر الكلمة ، حتى ينفتح لسان الطفل وينطق الكلمة ، ثم نرى ~~المعلم يداعب الطفل ويردد الكلمة بمثل ما سمعها من الطفل فيزول تعب المعلم ~~وكأن مددا يبلغه من الطفل . كذلك الذاكر يجب ان يعلم قلبه الذكر اذا لم ~~ينفتح لسانه القلب على الذكر . وسبب تكرار الذكر هو انفتاح لسان القلب ~~على الذكر . وآية انفتاحه لسان القلب ان لسان الفم يتبع القلب ، فيزول ~~نصب تكرار الذكر وعنائه . في البدء كان اللسان ذاكرا والقلب استمد الذكر ~~منه ، وبعد انفتاح لسان القلب بالذكر ، يتبعه لسان الفم ، ويستمد اللسان ~~منه القلب الذكر ، او من الغيب . # ولا بد من معرفة ان الاعمال الظاهرية الصورية لا تليق بمقام الغيب ، ولا ~~تحشر في عالم الملكوت ، الا اذا بلغها من باطن الروحانية ولباب القلب مددا ~~، ووهبها حياة ملكوتية ، ولا يكون ذلك الا بالنفخة الروحية التي هي بمثابة ~~الروح والباطن ، لصورة خلوص النية ، والنية الخالصة ، وبتبعها يحشر الجسم ~~في عالم الملكوت ويعتبر لائقا للقبول في مقام الغيب القدسي . ولهذا أورد في ~~الروايات الشريفة ان قبول الاعمال على قدر توجه القلب . ومع كل PageV01P276 الاربعون حديثا :277 # ذلك ايضا يكون الذكر باللسان محبوبا ومستحبا ، ويقود الانسان في نهاية ~~المطاف الى الحقيقة . ومن هذا المنطلق ورد في الاحاديث الشريفة مدح عظيم ~~للذكر اللساني . وقليلا ما تجد موضوعا يشتمل على احاديث كثيرة مثل موضوع ~~الذكر . وقد اثنت ايضا الآيات الكريمة كثيرا على ذكر الله باللسان . وان ~~كانت هذه الآيات غالبا ما تتحدث عن الذكر القلبي او الذكر مع الروح ، ولكن ~~تذكر الحق في ms242 كل مرتبة محبوب ومطلوب . ونحن نختم الكلام في هذا المقام بعرض ~~بعض الاحاديث الشريفة للتيمن والتبرك . ### || AUTO فصل: في ذكر بعض الاحاديث في فضل ذكر الله # في الكافي بسند صحيح عن الفضيل بن يسار قال : قال ابو عبد الله عليه ~~السلام : «ما من مجلس يجتمع فيه ابرار وفجار فيقومون على غير ذكر الله عز ~~وجل الا كان حسرة عليهم يوم القيامة» (1) . # من الواضح ان الانسان عندما تنكشف عليه يوم القيامة ، النتائج العظيمة ~~لذكر الله ، ويرى نفسه بعيدا عنها ، ويعلم بانه قد حرم من نعم كثيرة ، ولا ~~يستطيع تداركها ، تستولي عليه الحسرة والندامة . فيجب على الانسان ان يغتنم ~~الفرصة ولا يخلي مجالسه ومحافله من ذكر الله . # الكافي بسند موثق عن ابي جعفر عليه السلام : «من أراد ان يكتال بالمكيال ~~فيقل اذا اراد ان يقوم من مجلسه.«سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على ~~المرسلين * والحمد لله رب العالمين»» (2) . # ونقل عن الامام الصادق عليه السلام بأن امير المؤمنين عليه السلام قال : ~~من أراد ان يكون يوم القيامة كيله تاما من الثواب فليتلوا هذه الآيات ~~المباركة سبحان ربك الى آخره في دبر كل صلاة (3) . # وعن الصادق عليه السلام مرسلا ، كفارات المجالس أن تقول عند قيامك منها« ~~سبحان ربك رب العزة عما يصفون* وسلام على المرسلين* والحمد لله رب ~~العالمين» (4) . # الكافي باسناده عن ابن فضال رفعه قال : «قال الله عز وجل لعيسى عليه ~~السلام : يا عيسى اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي واذكرني في ملإك أذكرك في ~~ملأ خير من ملأ الآدميين . يا عيسى ألن لي قلبك واكثر ذكري في الخلوات ~~واعلم ان سروري ان تبصبص إلي وكن في ذلك حيا ولا تكن ميتا» (5) . PageV01P277 # الاربعون حديثا :278 # «التبصبص» هو حركة ذنب الكلب نتيجة الخوف او الطمع . وهذا كناية عن شدة ~~الالتماس والمسكنة . و(كن في ذلك حيا ولا تكن ميتا) بمعنى انتباه القلب ~~وحضوره . # الكافي بإسناده عن ابي عبد الله عليه السلام : قال : «ان الله عز وجل ~~يقول : من شغل بذكري عن مسألتي اعطيته أفضل ms243 ما اعطي من سألني» (1) . # عن احمد بن فهد في عدة الداعي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ~~: «... واعلموا ان خير أعمالكم [عند مليككم] وأزكاها وارفعها في درجاتكم ~~وخير ما طلعت عليه الشمس ذكر الله سبحانه وتعالى فإنه اخبر عن نفسه فقال : ~~أنا جليس من ذكرني» (2) . # ان الاحاديث المأثورة في فضل ذكر الله وكيفيته وآدابه وشرائطه تفوق ~~استيعاب هذه الصفحات . والحمد لله اولا وآخرا وظاهرا وباطنا . PageV01P278 # الاربعون حديثا :279 ### | AUTO الحديث التاسع عشر # الغيبة PageV01P279 الاربعون حديثا :280 # بسندي المتصل الى ثقة الاسلام والمسلمين محمد بن يعقوب الكليني رضوان ~~الله تعالى عليه عن علي بن ابراهيم ، عن ابيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، ~~عن ابي عبد الله عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~: «الغيبة اسرع في دين الرجل المسلم من الأكلة في جوفه» . # قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «الجلوس في المسجد ~~انتظار الصلاة عبادة ما لم يحدث . قيل : يا رسول الله وما يحدث قال : ~~الاغتياب» (1) . PageV01P280 # الاربعون حديثا :281 ### || AUTO الشرح : # الغيبة كما في اللغة مصدر «غاب» ، واسم مصدر ل «اغتياب» . قال الجوهري : ~~«اغتابه اغتيابا ذا وقع فيه ، والاسم الغيبة ، وهو ان يتكلم خلف انسان ~~مستور بما يغمه لو سمعه ، فإن كان صدقا سمي غيبة ، وان كان كذبا سمي بهتانا ~~. انتهى» (1) . # قال المحقق المحدث المجلسي عليه الرحمة : هذا بحسب اللغة (2) انتهى . ~~ولكن يبدو بان صاحب الصحاح الجوهري ذكر المعنى الاصطلاحي لا اللغوي . لأن ~~المعنى اللغوي ل غاب واغتاب وجميع مشتقاته ليس بذلك . وانما هو معنى اعم من ~~ذلك ، وقد يكتب اللغويون المعنى الاصطلاحي او الشرعي للكلمة في كتبهم . ~~وينقل عن صاحب القاموس ان غاب بمعنى عاب . وعن المصباح المنير : «اغتابه ~~اذا ذكره بما يكرهه من العيوب وهو حق» . # وحسب اعتقاد الكاتب ان هذه المعاني المذكورة لا تمت الى المعنى اللغوي ~~بشيء ، بل في كل منها قيود تداخلت مع المعنى المصطلح . وعلى اي حال لا جدوى ~~في البحث عن المعنى اللغوي ، فإن المهم ms244 هو الوصول الى الموضوع الشرعي الذي ~~اصبح متعلقا للتكليف الشرعي الحرمة . وحسب الظاهر يكون لهذا الموضوع ~~الغيبة قيود شرعية لا يرقى اليها الفهم العرفي والمعنى اللغوي . ونتطرق ~~للبحث في ذلك بعد قليل . # والأكلة كفرحة ، داء في العضو يأتكل منه كما في القاموس وغيره وقد يقرء ~~بمد الهمزة على وزن فاعلة اي العلة التي تأكل اللحم والاول اوفق باللغة كذا ~~قال المجلسي (3) . # وعلى اي حال فالمقصود هو ان مرض الأكلة عندما يحل في العضو وخاصة الاعضاء ~~اللطيفة من الجسم مثل الباطن منه يأكله بسرعة ويقضي عليه ، كذلك الغيبة ~~تأكل دين الانسان PageV01P281 الاربعون حديثا :282 # اسرع من ذلك ، وتفسده وتقضي عليه . # «ما لم يحدث» من باب الافعال ، والضمير المستتر فيه يعود الى «الجالس» ~~المستفاد من «الجلوس» المذكور في الرواية . # و«الاغتياب» منصوب ومفعول لفعل مقدر يحدث مفهوم من كلام السائل . وفي ~~بعض النسخ «ما الحدث» في مكان «ما يحدث» وعليه يكون «الاغتياب» مرفوعا على ~~الخبرية . ### || AUTO فصل: في تعريف الغيبة # اعلم ان الفقهاء رضوان الله عليهم اجمعين ذكروا تعاريف كثيرة للغيبة ، ~~لا يتناسب عرضها ومناقشة كل واحد منها من ناحية الجامعية الشمول لكل افراد ~~الغيبة والمانعية عدم الاستيعاب لما ليس من الغيبة مع حجم هذا الكتاب ، ~~الا اذا اقتصرنا على ذكر التعاريف اجمالا . # يقول الشيخ المحقق السعيد الشهيد في (كشف الريبة) واما في الاصطلاح فلها ~~تعريفان : احدهما مشهور : «هو ذكر الانسان حال غيبته بما يكره نسبته اليه ~~مما يعد نقصانا في العرف بقصد الانتقاص والذم» . # وثانيهما : «التنبيه على ما يكره نسبته اليه وهو اعم من الاول» (1) وحاصل ~~المعنى الاول : ان الغيبة عبارة عن ذكر انسان في غيبته بما يكره نسبته اليه ~~، مما يعد نقصا وذما لدى الناس ، وكون هذا الذكر بقصد الانتقاص والطعن . ~~وحاصل المعنى الثاني هو التنبيه الى ما هو كذلك . ثم ان التعريف الثاني ~~يكون اعم من الاول فيما اذا كان الذكر في الاول بمعنى القول كما هو ~~المتفاهم العرفي ، فيكون التنبيه في الثاني أعم من القول والكتابة ~~والحكاية وغيرها من ms245 سائر طرق التفهيم . واذا كان الذكر اعم من القول كما هو ~~الموافق للغة ، كان مرجع التعريفين واحدا . والمستفاد من الاخبار ايضا يدل ~~على هذين التعريفين . # مثل ما في مجالس الشيخ في حديث ابي بصير في وصية النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم لأبي ذر رضوان الله عليه وفيه «قلت : يا رسول الله ما الغيبة ~~؟ قال : ذكرك اخاك بما هو فيه فقد اغتبته واذا ذكرته بما ليس فيته فقد ~~بهته» (2) . # وورد في الحديث النبوي الشريف : «هل تدرون ما الغيبة ؟ فقالوا : الله ~~ورسوله اعلم ، قال ذكرك اخاك بما يكره ... الخ» (3) . PageV01P282 # الاربعون حديثا :283 # ويرجع هذا المعنى الاول حسب المتفاهم العرفي الى معنى الذكر ، او الى ~~المعنى الثاني بناء على ان الذكر اشمل من القول . ولم يذكر الحديث غياب ~~الاخ ، لأنه مفهوم من معنى الغيبة فلا حاجة لذكره . ومن الواضح ايضا ان ~~المقصود من الاخ هو الاخ في الايمان لا في النسب . و(ما يكره) تعبير عن كل ~~ما فيه نقص عرفا . وارادة الإنتقاص والطعن وان لم تذكر في الحديثين ~~الشريفين : لأبي ذر ، والنبوي المشهور ، ولكنها مستفادة من فحوى الكلام . ~~بل ان صدر رواية ابي ذر يدل على ذلك ، فكان مستغنيا عن ذكره . لأن في صدر ~~الرواية «الغيبة اشد من الزنا . قلت : ولم ذاك يا رسول الله ؟ قال : لأن ~~الرجل يزني فيتوب الى الله فيتوب الله عليه والغيبة لا تغفر حتى يغفرها ~~صاحبها ثم قال : ... وأكل لحمه من معاصي الله» (1) ويفهم من هاتين الجملتين ~~ان الذكر مع قصد الانتقاص ، يكون غيبة وان كان ذكر الغير بقصد الشفقة عليه ~~لما كانت غيبة حتى يحتاج الى طلب المغفرة . ولما كانت من اكل لحمه . ~~ويستفاد من رواية عائشة ان الغيبة اعم من الذكر القولي : «قالت : دخلت ~~علينا امرأة فلما ولت أومأت بيدي انها قصيرة فقال صلى الله عليه وآله وسلم ~~: اغتبتيها» (2) بل العرف لا يفهم من اخبار الغيبة ، خصوصية للفظ ، وانما ~~تعرض له من جهة انه اسلوب من اساليب التفهيم ، بمعنى ان الغيبة غالبا تكون ~~باللفظ ، لا ms246 من جهة ان للفظ خصوصية مميزة . # يبقى مطلب واحد وهو ان المستفاد من أخبار الغيبة ان كشف ستر المؤمنين ~~حرام بمعنى انه يحرم اظهار عيوب المؤمنين المستورة ، من دون فرق بين ان ~~تكون هذه العيوب خلقية او خلقية او سلوكية ، سواء كان الشخص المتصف بالعيب ~~راضيا بكشف عيبه او لا . وسواء كان هناك قصد انتقاص ام لا . ولكن يستفاد من ~~مراجعة عدة روايات في المقام ان لقصد الانتقاص والطعن دور في حرمة الغيبة ، ~~الا اذا كان العمل بنفسه من الامور التي يحرم شرعا ذكره واشاعته . بأن يكون ~~معصية وتعديا على حقوقه سبحانه حيث لا يجوز لصاحب المعصية اظهارها للآخرين ~~، وانها من اشاعة الفاحشة . وهذا لا يكون مرتبطا بحرمة الغيبة . ولا يبعد ~~ان يكون اظهار المستور من عيوب المؤمنين عند عدم رضاهم بذلك محرما ، حتى ~~وان لم يكن هناك قصد للانتقاص منهم . وعلى اي حال ان التفصيل في هذا ~~الموضوع ، اكثر مما ذكرنا ، يكون خارجا عن المطلوب . ### || AUTO فصل: # اعلم ان حرمة الغيبة محل اتفاق اجمالا ، بل تعد من ضروريات الفقه ومن ~~المعاصي الكبيرة والموبقات المهلكة . ويكون البحث في ذلك والموارد التي ~~استثنى منها ، خارجة عن PageV01P283 الاربعون حديثا :284 # نطاق هذا الكتاب . واللازم في هذا المقام التنبيه على فساد هذه السيئة ~~الموبقة على مضاعفاتها ، حتى نفكر فيها ولا نبتلي بها انشاء الله او اذا ~~ابتلينا لا سمح الله لرجعنا عنها ، وتبنا ، واستئصلنا مادة الفساد ، ولا ~~نفسح المجال للارتحال من هذا العالم مع هذا الدنس والابتلاء بهذه المعصية ~~الكبيرة الماحقة للايمان . لأن لهذه الخطيئة الكبيرة في عالم الغيب ، وخلف ~~حجاب الملكوت ، صورة مشوهة بشعة ، تبعث مضافا الى قبح منظرها على الفضيحة ~~في الملأ الأعلى ولدى محضر الانبياء المرسلين والملائكة المقربين . والصورة ~~الملكوتية لها ، هي التي أشار اليها سبحانه وتعالى في كتابه الكريم ، ~~وشرحتها الاحاديث الشريفة صراحة وتلويحا ايضا . قال الله تعالى : «ولا يغتب ~~بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه» (1) . # نحن غافلون عن ان اعمالنا بأنفسها في صور تتناسب ms247 معها ، تعود الينا ، في ~~عالم آخر . وغافلون عن ان لهذا العمل ، صورة أكل الميتة . ان صاحب هذا ~~العمل المغتاب يضاهي الكلاب الجارحة ، في افتراسه لأعراض الناس ولحومهم ، ~~وسترجع اليه الصورة الملكوتية لهذا العمل كلب ينهش لحم الميت في نار جهنم . # وفي رواية ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما رجم الرجل في الزنا ~~قال رجل لصاحبه : «هذا أقعص كما يقعص الكلب فمر النبي معهما بجيفة ، فقال : ~~انهشا منها ، فقالا : يا رسول الله ننهش جيفة ؟ فقال : ما اصبتما من اخيكما ~~انتن من هذه» (3) . # نعم ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد شاهد نتيجة قوة نور بصيرته ~~وحدة مشاهدته النبوية الغيبية عملهم المغتابين وعرف بأن جيفة الغيبة ~~اشد من جيفة الميتة وصورة عمل الغيبة اشد قبحا وفظاعة من صورة الميتة ~~المتفسخة . # وفي رواية اخرى ان المغتاب يأكل من لحمه يوم القيامة . وفي وسائل الشيعة ~~عن كتاب «المجالس» لصدوق الطائفة رضوان الله عليه عن نوف البكالي قال اتي ~~امير المؤمنين عليه السلام (الى ان قال) قلت زدني قال : «اجتنب الغيبة ~~فانها إدام كلاب النار ثم قال : يا نوف كذب من زعم انه ولد من حلال وهو ~~يأكل لحوم الناس بالغيبة» (4) . # ولا تهافت بين هذه الاحاديث الشريفة . اذ يمكن ان يتحقق كل ذلك : يأكل ~~المغتاب لحم الميتة ويأكل لحم جسده ايضا . يكون على صورة الكلب فيأكل ~~الجيفة ، ويكون على PageV01P284 الاربعون حديثا :285 # صورة الميتة تأكله كلاب جهنم ايضا . هناك في عالم الآخرة ان الصورة ~~تابعة للحيثيات التي توجد في الفاعل فيمكن ان تكون لموجود واحد صور مختلفة ~~. كما هو مقرر في محله العلوم الفلسفية والعرفانية . # وعن عقاب الاعمال بإسناده ... عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~حديث : «... ومن مشى في غيبة اخيه وكشف عورته كانت اول خطوة خطاها وضعها في ~~جهنم وكشف الله عورته على رؤوس الخلائق» (1) . # هذا وضعه يوم القيامة وفي جهنم حيث يفضحه الله تعالى بين الناس وأمام ~~الملكوتيين . # وفي وسائل الشيعة عن الامام الصادق عليه ms248 السلام عن آبائه عليهم السلام في ~~حديث المناهي ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .... ونهى عن الغيبة ~~وقال : «من اغتاب امرء مسلما بطل صومه ونقض وضوءه وجاء يوم القيامة يفوح من ~~فيه رائحة انتن من الجيفة يتأذى به أهل الموقف وإن مات قبل ان يتوب مات ~~مستحلا لما حرم الله عز وجل» (2) . # وهذا حاله قبل وروده على نار جهنم حيث يكون أمره مفضوحا على رؤوس الأشهاد ~~ويعتبر من الكفار ، لأن المستحل لما حرمه الله يكون كافرا ، وتكون نهاية ~~المغتاب يوم القيامة حسب هذه الرواية تضاهي نهاية الكافر لأنهما يستحلان ~~ما حرمه الله . # وروي ايضا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيان حال المغتاب في ~~البرزخ الرواية التالية : «عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم : مررت ليلة اسري بي على قوم يخمشون وجوههم بأظافيرهم ، فقلت : يا ~~جبرئيل! من هؤلاء ؟ قال هؤلاء الذين يغتابون الناس ويقعون في اعراضهم» (3) ~~. فتبين ان المغتاب مفضوح في عالم البرزخ وعلى استحياء امام اهل المحشر يوم ~~الوقوف بين يدي رب العالمين ، وفي حال من الذل والمسكنة عندما يزج به في ~~نار جهنم ، بل ان بعض مراتب الغيبة يدفع بصاحبها على الفضيحة في هذا العالم ايضا . # ففي اصول الكافي عن اسحاق بن عمار قال : «سمعت ابا عبد الله عليه السلام ~~يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا معشر من أسلم بلسانه ~~ولم يخلص الايمان الى قلبه لا تذموا PageV01P285 الاربعون حديثا :286 # المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإن من تتبع عوراتهم تتبع الله عورته ومن ~~تتبع الله عورته يفضحه ولو في بيته» (1) . # ان الله سبحانه وتعالى غيور ، ويكون هتك ستر المؤمنين وكشف عوراتهم ، ~~هتكا لناموس الهي وكرامته . ولو ان انسانا تجاوز في الاستهتار الحدود ، ~~وهتك حرمات الله ، كشف الله الغيور عيوبه التي سترها عن الآخرين بلطفه ~~وستاريته ، وهتك اسراره وفضح امره في هذا العالم امام الناس وفي عالم ~~الآخرة امام الملائكة والانبياء والاولياء عليهم السلام . # وفي الحديث الشريف ms249 في الكافي عن ابي جعفر عليه السلام : «قال : لما اسري ~~بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : يا رب ما حال المؤمن عندك : قال : يا ~~محمد من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وانا اسرع [شيء] الى نصرة ~~اوليائي» (2) . # والاحاديث في هذا الموضوع كثيرة . # وعن الشيخ الصدوق عن الامام الصادق عليه السلام انه قال : «ومن اغتابه ~~بما فيه فهو خارج من ولاية الله تعالى داخل في ولاية الشيطان» (3) . # ومن الواضح ان من يخرج عن ولاية الله تعالى ويدخل في ولاية الشيطان ، لا ~~يكون من اهل النجاة والايمان . كما ورد في حديث اسحاق بن عمار المتقدم (4) ~~ايضا من ان اسلام المغتاب بلسانه ولم يخلص الايمان الى قلبه . # ومعلوم ان من يؤمن بالله ويصدق بيوم الجزاء ويعتقد اعتناقه يوم القيامة ~~لصور اعماله وحقائق سيئاته ، لا يقترف موبقة كبيرة ، تفضحه في عوالم الغيب ~~والشهادة وفي عالم الدنيا والبرزخ والآخرة ، وتقوده الى شر المصائب ، التي ~~هي نار جهنم ، وتخرجه عن ولاية الحق المتعالي وتدخله تحت ولاية الشيطان . # لو اننا اجترحنا مثل هذه المعصية العظيمة لوجب ان نعرف بأن الاساس غير ~~سليم ، وان حقيقة الايمان لم يدخل في قلبنا . ولو ان الايمان تغلغل في ~~القلب ، لصلحت الامور ، لأن آثاره الايمان تتسرب الى الظاهر والباطن ~~والسر والعلن . # فلا بد من معالجة الباطن وامراض القلب . ويستفاد من الاحاديث ان ضعف ~~الايمان وعدم خلوصه كما يسبب فسادا في الاخلاق وانحرافا في الاعمال ، كذلك ~~توجب المفاسد PageV01P286 الاربعون حديثا :287 # الاخلاقية نقصا في الايمان بل زواله ، وهذا الكلام يتطابق مع بعض ~~البراهين . كما تقرر في محله . # واعلم ان هذه المعصية من جهة اخرى اشد من كافة المعاصي ، وان آثارها اخطر ~~من آثار الذنوب الاخرى ، لأن الغيبة مضافا الى انها تمس حقوق الله ، تمس ~~حقوق الناس ايضا . ولا يغفر الله للمغتاب حتى يرضى صاحب الغيبة . كما ورد ~~هذا المضمون في الحديث الشريف المأثور يطرق مختلفة . # عن محمد بن الحسن في المجالس والإخبار بإسناده عن ابي ذر ، عن النبي صلى ~~الله عليه ms250 وآله وسلم في وصية له قال : «يا ابا ذر إياك والغيبة ، فإن ~~الغيبة اشد من الزنا . قلت : ولم ذاك يا رسول الله ؟ قال : لأن الرجل يزني ~~فيتوب الى الله فيتوب الله عليه والغيبة لا تغفر حتى يغفرها صاحبها» (1) . # وفي كتاب علل الشرائع والخصال ومجمع البيان واخوان الصفا احاديث بهذا ~~المعنى او قريب من هذا المعنى . # ولو أن الانسان والعياذ بالله مات وعليه حقوق الناس ، كان امره صعبا جدا ~~. اذ ان علاقة الانسان في حقوق الله تكون مع الكريم الرحيم الذي لا يتطرق ~~الى ساحته القدسية شيئ من البغض والضغينة والعداوة والتشفي ولكنه في حقوق ~~العباد قد يرتبط بإنسان فيه تلك الصفات الفاسدة ولا يتجاوز عنه بسرعة او لا ~~يرضى عنه نهائيا . # فلا بد للانسان من المواظبة على نفسه كثيرا ، والانتباه الى الملاحظات ~~التي ذكرناها فإن الامر خطير جدا وصعب للغاية . والاحاديث في خطورة الغيبة ~~اكثر من طاقة هذه الصفحات . ونحن نقتصر على ذكر بعضها . # مثل ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه خطب يوما فذكر الربا ~~وعظم شأنه فقال : «ان الدرهم يصيبه الرجل من الربا اعظم من ست وثلاثين زنية ~~وان اربى الربا عرض الرجل المسلم» (2) . # وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم انه قال : «ما النار في اليبس بأسرع من ~~الغيبة في حسنات العبد» (3) . # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «يؤتى بأحد يوم القيامة يوقف بين ~~يدي الرب عز وجل ويدفع اليه كتابه فلا يرى حسناته فيه فيقول الهي ليس هذا ~~كتابي (فإني) لا ارى فيه حسناتي . فيقال له ان ربك لا يضل ولا ينسى ذهب ~~عملك بإغتياب الناس . ثم يؤتى بآخر ويدفع اليه كتابه فيرى فيه PageV01P287 الاربعون حديثا :288 # طاعات كثيرة فيقول : الهي ما هذا كتابي فإني ما عملت هذه الطاعات ، فيقال ~~له : ان فلانا اغتابك فدفع حسناته اليك» (1) . # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم «أدنى الكفر ان يسمع الرجل من اخيه ~~كلمة ، يحفظها عليه يريد ان يفضحه بها اولئك لا خلاق لهم» ms251 (2) . # هذه هي الاخبار المأثورة في خصوص الغيبة . في حين ان عناوين اخرى من ~~المعاصي المذكورة في الروايات تنطبق ايضا على الغيبة وتعمها تلك الآثام ~~ومضاعفاتها الفاسدة مثل : اهانة المؤمن وإذلاله واحتقاره وتعييره واحصاء ~~عثراته والطعن فيه . وكل واحد من هذه الامور سبب مستقل لهلاك الانسان . ~~والاحاديث في تشنيع كل واحد منها قاصمة للظهر . # ونحن اعرضنا عن نقلها للمحافظة على الاختصار . ### || AUTO فصل: المفاسد الاجتماعية للغيبة # كما ان هذه المعصية الكبيرة وهذه الجريرة العظيمة ، من المفسدات للايمان ~~والاخلاق والظاهر والباطن ومما تدفع بصاحبها الى الفضيحة في الدنيا والآخرة ~~. حيث ذكرنا سلفا في الفصل السابق نبذة يسيرة منها ، كذلك تشتمل هذه ~~الرذيلة على مفاسد اجتماعية ونوعية ايضا ، ولهذا يكون فسادها وقبحها اعظم ~~من كثير من المعاصي . # ان من الاهداف الكبيرة للشرائع الالهية والانبياء العظام سلام الله ~~عليهم مضافا الى كونه الهدف الذي نذكره هدفا مستقلا وليس بمجرد أداة ~~وواسطة وانما هي الوسيلة التي تبعث على انجاز الاهداف الاساسية الكبيرة ، ~~وشرط ضروري لتحقيق المدينة الفاضلة . مضافا على ذلك ، هو توحيد الكلمة ~~وتوحيد العقيدة والاتفاق في الامور الهامة ، والحد من ظلم الجائرين الباعث ~~على فساد بني الانسان ودمار المدينة الفاضلة ، ولا يتحقق هذا الهدف الكبير ~~المصلح للمجتمع والفرد الا في ظل وحدة النفوس واتحاد الهمم والتآلف والتآخي ~~، والصداقة القلبية والصفاء الباطني والظاهري ، وتربية افراد المجتمع على ~~نمط يساهم كلهم في بناء شخص واحد ، ويحول المجتمع الى فرد ، ويجعل الافراد ~~بمنزلة الاعضاء والاجزاء لذلك الفرد وتدار كافة الجهود والمساعي حول الهدف ~~الالهي الكبير ، والامر الهام العقلي العظيم الوحدة والأخوة الذي فيه ~~مصلحة الفرد والمجتمع . ولو ان مثل هذه الوحدة والأخوة ظهرت في طائفة PageV01P288 الاربعون حديثا :289 # او نوع ، لتغلبوا على جميع الطوائف والامم التي لا تحظى بالأخوة والوحدة ~~كما يتضح ذلك من مراجعة التاريخ وخاصة دراسة الحروب الاسلامية وفتوحاته ~~العظيمة ، حيث تمتع المسلمون لدى بزوغ القانون الالهي الاسلام بشيء من ~~الوحدة والاتحاد ، واقترنت مساعيهم بشيء من الخلوص في النية ، فحققوا في ~~فترة قصيرة انجازات عظيمة ms252 ، وهزموا القوى الجبارة آنذاك المتمثلة في ايران ~~والروم وانتصروا رغم قلة عددهم وعدتهم على الجيوش المدججة بالسلاح وعلى ~~المجتمعات الكبيرة . # ان نبي الاسلام قد اجرى عقد الاخوة في الايام الاولى بين المسلمين ، ~~فسادت الاخوة حسب الآية الكريمة «انما المؤمنون اخوة» (1) بين جميع ~~المؤمنين . # وفي الكافي الشريف : عن العرقوفي قال : سمعت ابا عبد الله عليه السلام ~~يقول لأصحابه : «اتقوا الله وكونوا اخوة بررة في الله متواصلين متراحمين . ~~تزاوروا وتلاقوا وتذاكروا أمرنا وأحيوه» (2) . # وعن ابي عبد الله عليه السلام قال : «يحق على المسلمين الاجتهاد في ~~التواصل والتعاون على التعاطف والمواساة لأهل الحاجة وتعاطف بعضهم على بعض ~~حتى تكونوا كما أمركم الله عز وجل :«رحماء بينهم ...»» (3) . # وعنه عليه السلام : «تواصلوا وتبارروا وتراحموا وكونوا اخوة بررة كما ~~امركم الله عز وجل» (4) . # ومن المعلوم انه كلما يبعث على ازدياد هذه الصفات ، يكون محبوبا ومرغوبا ~~فيه وكلما ينقص هذه الاخوة ويفرط عقد التواصل ويدفع نحو التمزق ، يعتبر ~~مبغوضا عند صاحب الشريعة ومناقضا لاهدافه الكبيرة . ومن الواضح لدى الجميع ~~بأن هذه المعصية الكبيرة الخطيرة الغيبة اذا أشيعت في المجتمع ، اصبحت ~~سببا للضغينة والحسد والعداوة والبغض وترسيخ جذور الفساد في المجتمع ، وغرس ~~شجرة النفاق فيه ، وضعضعة وحدة المجتمع وتضامنه ، ووهن اساس الديانة ، وفي ~~النهاية تزداد في المجتمع القبائح والفساد . # فيجب على كل مسلم غيور ملتزم ، لصيانة نفسه من الفساد ، واهل دينه من ~~النفاق وللمحافظة على المجتمع الاسلامي ووحدته ولتحكيم عقد الاخوة ان يبتعد ~~عن هذه الرذيلة ، ويمنع المغتابين من هذه الموبقة القبيحة ، ويتوب الى الله ~~من هذا العمل الكريه ، اذا كان مبتليا به ، ويسترضي من اغتابه . واذا أمكن ~~من دون ان يفضي الى مشكلة استحله ، والا استغفر له PageV01P289 الاربعون حديثا :290 # وتخلى عن هذه الخطيئة ، وأنعش من جديد في قلبه جذور الصداقة والاتحاد ، ~~حتى يصبح من الاعضاء الصالحين في المجتمع وينقلب الى جزء هام في عجلة ~~الاسلام والله الهادي الى سبيل الرشاد . ### || AUTO فصل: في علاج هذه الموبقة # اعلم ان معالجة هذه الخطيئة العظيمة وغيرها من الخطايا تكمن ms253 في العلم ~~النافع والعمل . # اما العلم النافع فهو ان يفكر الانسان في الآثار الناجعة التي تترتب على ~~معالجة هذه الموبقة ، ويقارنها مع المضاعفات السيئة والآثار الشنيعة التي ~~تترتب على الغيبة ، ثم يعرض كلا الامرين على العقل ويستهديه لما فيه الحسن ~~والخير والصلاح . # ان الانسان لا يعادي نفسه البتة ، ولكنه يجترح السيئات من جراء الجهل ~~والغفلة عن بواعثها ونتائجها . اما الفائدة الموهومة فتترتب على تلك ~~المعصية ، من ارضاء رغباته النفسية في ذكر مساوئ الناس وكشف عوراتهم دقائق ~~محدودة ، ومن تضييع الوقت في ذكر اللطائف اللاذعة والاحاديث الشنيعة ~~المنسجمة مع الطبيعة الحيوانية او الشيطانية ويلهو في جلسته مع اصدقائه ~~ويشفي غيظه ممن يحسدهم . # وأما آثارها الغيبة القبيحة فقد عرفت قسما منها في الفصول السابقة ~~وعليك ان تقف على قسم آخر وتتعظ منه ، وتأخذه بعين الاعتبار لدى المقارنة ~~بين حسنات الكف عن الغيبة بالمعالجة وسيئات الانهماك فيها . وتنجم عن هذا ~~التفكر والمقارنة ، آثار طيبة . # أما آثارها الغيبة الشنيعة في هذا العالم فهو سقوط الانسان من اعين ~~الناس ، وسحب ثقتهم به . ان طبائع الناس مجبولة على حب الكمال والجمال ~~والحسن ، والنفور من كل نقص وقبح وانحطاط . وملخص الحديث ان الناس يفرقون ~~بين من يتجنب ، هتك استار الناس وكشف اعراضهم واسرارهم ، وغيره ، حتى ان ~~الذي يتولى الغيبة يرى في نفسه فطرة وعقلا ، الانسان الذي يكون على حذر من ~~هذه الامور هتك الاستار وكشف الاعراض والاسرار مفضلا على نفسه . واذا ~~تمادى الانسان وتجاوز الحدود ، وهتك اسرار اعراض الناس ، فضحه الله في هذه ~~الدنيا كما صرح بذلك في حديث اسحاق بن عمار المتقدم . ويجب ان يكون على حذر ~~من فضيحة يريدها الله للانسان حيث لا يمكن تداركها . # اعوذ بالله من غضب الحليم . ان من المحتمل ان يفضى هتك حرمات المؤمنين ~~وكشف عوراتهم بالانسان ، الى سوء العاقبة . لأن هذا العمل الشنيع اذا اصبح ~~ملكة راسخة لدى PageV01P290 الاربعون حديثا :291 # الانسان ، ترك آثارا في النفس ، منها الضغينة والعداوة تجاه المستغاب ~~التي تزداد شيئا فشيئا فعندما يدنو منه الاجل ، وتنكشف ms254 عنه حجب الملكوت ، ~~ويرى المقامات الشامخة للذين اغتابهم وتعظيم الحق سبحانه لهم ، قد تحصل ~~عنده الكراهية للحق ، لأن الانسان يعادي ، المحب لعدوه ، ويبغض المحب ~~لمبغوضه ، فيخرج من الدنيا وهو كاره للحق والملائكة ويمنى بالخذلان الابدي ~~والشقاء الدائم . # عزيزي تصادق مع عباد الله الذين تشملهم رحمة الله ونعمه ، ويتزينون ~~بالاسلام والايمان واحببهم في قلبك . وإياك ان تعادي محبوب الحق ، لأنه ~~سبحانه يعادي ، اعداء احباءه وسوف يبعدك عن ساحة رحمته . ان عباد الله ~~المخلصين مجهولون بين سائر عباده ، ومن الممكن ان يعود عداءك لمؤمن وهتكك ~~حرمته وكشفك عورته ، الى هتك حرمة الله تعالى ومعاداته ! . # ان المؤمنين اولياء الحق ، والتحاب معهم ، تحاب مع الحق ، والتخاصم معهم ~~تخاصم مع الحق . اياك وإثارة غضب الحق سبحانه ، ومعاداة شفعاء يوم القيامة ~~«ويل لمن شفعاؤه خصماؤه» . فكر قليلا في النتائج الدنيوية والاخروية لهذه ~~المعصية ، وتأمل يسيرا في تلك الصور صور تجسد الاعمال الموحشة المدهشة ~~التي يبتلى بها الانسان في القبر والبرزخ ويوم القيامة . وراجع الكتب ~~المعتبرة لعلمائنا العظام رضوان الله عليهم والاحاديث المأثورة عن الائمة ~~الاطهار عليهم سلام الله التي تقصم الظهر ، من شدة العقاب المتوعد عليه . ~~ثم قارن بين ربع ساعة من اللغو في الحديث والثرثرة في ظل تحقيق رغبة وهمية ~~، وبين آلاف السنين من المعاناة ، اذا كنت من اهل النجاة وارتحلت عن هذه ~~الدنيا مع الايمان . والا تكن من اهل الايمان والنجاة فقارن تلك الدقائق ~~اليسيرة مع الخلود في نار جهنم والعذاب الاليم المؤبد نعوذ بالله منه . # يضاف الى ذلك انك اذا خاصمت الشخص الذي تستغيبه ، فمقتضى ايمانك ~~بالاحاديث الشريفة ان تكف عن استغابته . لأنه ورد في الخبر ان حسنات ~~المستغيب تنتقل الى صحيفة عمل المستغاب ، وسيئات المستغاب تنتقل الى سجل ~~عمل المستغيب . فإنك اردت ان تعاديه ، ولكنك قد عاديت نفسك . # اذن اعلم انك لا تستطيع ان تحارب الله . ان الله قادر على ان يجعل ~~المغتاب نتيجة غيبتك إياه عزيزا ومقدرا بين الناس ، ويجعلك حقيرا وذليلا . ~~ويقوم سبحانه امام الكروبيين المقربين بنفس العملية ، فيملأ صحيفة ms255 عملك ~~من السيئات ويفضحك ، ويملأ صحيفة عمله من الحسنات معززا مكرما . # فافهم انك تحارب بغيبتك اي قادر جبار ، وكن على حيطة وحذر من معاداته . PageV01P291 # الاربعون حديثا :292 # واما من الناحية العملية فلا بد من كف النفس عن هذه المعصية لبعض الوقت ~~مهما كان صعبا ، ولجم اللسان ، والمراقبة الكاملة للنفس ، ومعاهدة النفس ~~بعدم اقتراف هذه الخطيئة ، ومراقبتها والحفاظ عليها ومحاسبتها . حيث يمكن ~~أن يتم اصلاح النفس بعد مضي فترة قصيرة بمشيئته تعالى ، وتستأصل مادة هذا ~~الفساد ، ويسهل عليك الامر قليلا قليلا . وبعد فترة تحس بأنك تتنفر منها ~~بحسب طبيعتك وتنزجر عنها . ثم تكون راحة النفس ومتعتها في ترك هذه العصية . ### || AUTO فصل: الاولى ترك الغيبة في الموارد الجائزة # اعلم بأن العلماء والفقهاء رضوان الله عليهم استثنوا مواردا من حرمة ~~الغيبة تبلغ في كلمات بعضهم العشرة ولسنا بصدد عرضها وتعدادها ، حتى لا ~~تكون هذه الصفحات ساحة لبيان الابحاث الفقهية . والذي يجب ان نذكره هنا هو ~~أن على الانسان ان لا يعيش حالة الاطمئنان أبدا من مكائد النفس ، بل يجب ان ~~يتحرك في منتهى الحذر والاحتياط ، ولا يكون في صدد التبرير لغيبته ~~بالأعذار بأن يقول ان هذا المورد هومن الموارد المستثناة فيسمح لنفسه ~~بالبحث عن عيوب الناس وإشاعتها في المجتمع . # ان مكائد النفس بالغة الدقة ، فيمكن ان تخدع الانسان عن طريق الشرع ، ~~وتزجه في مهلكة . فمثلا إن غيبة المتجاهر بالفسق جائزة ، واذا توقف ردعه ~~بعض الاحيان على استغابته وجبت غيبته من باب النهي عن المنكر ، ولكن يجب ان ~~يتأمل الانسان بأن الدافع النفسي لغيبته هو الداعي الشرعي الالهي النهي عن ~~المنكر او ان الباعث ، اهواء شيطانية ، ورغبة نفسانية العداوة والتشفي ~~و... فإن كان الهدف الدافع الالهي النهي عن المنكر كان عمله من العبادات ~~، بل كانت غيبته هذه بنية اصلاح المتجاهر بالفسق ، والإساءة اليه من اوضح ~~مصاديق الاحسان والانعام اليه ، وان لم يشعر المغتاب بذلك . ولكن اذا كان ~~قصده مشوبا بالفساد والميول النفسانية ، فلا بد من تخليص النية من غير ~~الدافع الالهي والصفح عن ms256 اعراض الناس وحرماتهم مع عدم هدف صحيح . # بل إن تعويد النفس على الغيبة في الاحوال الجائزة ، تضر بحاله ايضا . لأن ~~النفس تميل نحو الشرور والقبائح ، فمن المحتمل أن ينجر رويدا رويدا من ~~الموارد الجائزة الى مرحلة اخرى وهي الموارد المحرمة . كما أن الدخول في ~~الشبهات غير محمود ، رغم جوازه ، لأنها حمى المحرمات ومن الممكن ان ~~الاقتحام في الحمى يفضي الى الدخول في المحرمات . يجب على الانسان مهما ~~أمكن ان يبعد النفس عن الغيبة في الاحوال المسموحة ، ويحترز عن PageV01P292 الاربعون حديثا :293 # الأمور التي يحتمل ان يكون فيها طغيان للنفس. # نعم في الاحوال التي تجب الغيبة فيها ، مثل غيبة المتجاهر بالفسق بهدف ~~منعه اذا كان لا يرتدع الا بها ، والموارد الاخرى التي ذكرها العلماء ، فلا ~~بد من الاقدام عليها ، مع السعي الحثيث لتخليص النية عن هوى النفس ومتابعة ~~الشيطان . ولكن ترك الغيبة في الموارد الجائزة ، أولى وأحسن . ينبغي ان لا ~~نفعل كل عمل جائز ، وخاصة الامور التي يكون فيها لمكائد النفس والشيطان دور بارز . # في الحديث : مر عيسى بن مريم عليه السلام ومعه الحواريون على جيفة كلب ، ~~فقال الحواريون ما أنتن ريح هذا الكلب فقال عيسى عليه السلام : «ما أشد ~~بياض اسنانه» (1) . # ان المربي والموجه للانسان لا بد وأن يكون ذا نفس طاهرة نقية . ان عيسى ~~لم يسمح ان يذكر مصنوع الله بالسوء . انهم شاهدوا عيبه وهو قد لوح بكماله . # سمعت رواية منقولة عن السيد المسيح عليه السلام انه قال: لا تكونوا مثل ~~البعوض الذي يجلس على الأوساخ والقاذورات حيث تركزون على عيوب الناس . # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال : «طوبى لمن شغله ~~عيبه عن عيوب الناس» (2) . # من الجدير بالانسان ان يبحث عن عيوبه قليلا بمثل ما يتحرى عن عيوب الناس ~~. وكم هو قبيح على الانسان الذي فيه آلاف العيوب ، ان يغفل عن عيوبه ، ~~وينتبه لعيوب الآخرين وبذلك يضيف عيبا آخر على عيوبه . اذا تأمل الانسان ~~قليلا في احواله واخلاقه واعماله وانصرف الى اصلاحها ، لصلحت اعماله ms257 . واذا ~~اعتقد بأنه خال عن العيوب ، كانت عقيدته هذه نتيجة غاية الجهل . ولا يوجد ~~عيب اعظم من العيب الذي لا يلتفت الانسان الى عيبه ، ويكون غافلا عنه ومن ~~أن الانسان مجموعة عيوب ونقائص ، فيترك عيوبه وينعطف على عيوب الآخرين . ### || AUTO فصل: في بيان إن الاستماع الى الغيبة ، محرم # ان الاستماع الى الغيبة محرم ، كما أن الاستغابة تكون محرمة بل يظهر في ~~بعض الروايات ان المستمع مثل المغتاب في كل الامور حتى وجوب التسامح منه ، ~~وإنه من الكبائر . PageV01P293 # الاربعون حديثا :294 # عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم «المستمع أحد المغتابين» (1) وعن علي ~~عليه السلام : «السامع احد المغتابين» (2) . # بل يظهر من الروايات الكثيرة وجوب رد الغيبة . # عن الصدوق بإسناده عن الصادق عليه السلام في حديث مناهي النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم «أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الغيبة ~~والاستماع اليها الى ان قال : الا ومن تطول على أخيه في غيبة سمعها فيه في ~~مجلس فردها عنه رد الله عنه ألف باب من الشر في الدنيا والآخرة فإن هو [ لم ~~يردها وهو ] قادر على ردها كان عليه كوزر من اغتابه سبعين مرة» (3) . # وعن الصدوق بإسناده عن جعفر بن محمد عليهما السلام عن آبائه في وصية ~~النبي لعلي عليهما السلام : «يا علي ! من اغتيب عنده أخوه المسلم فاستطاع ~~نصره فلم ينصره خذله الله في الدنيا والآخرة» (4) . # وعن عقاب الاعمال بسنده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «من رد عن ~~أخيه غيبة سمعها في مجلس رد الله عنه ألف باب من الشر في الدنيا والآخرة ~~فإن لم يرد عنه وأعجبه كان عليه كوزر من اغتاب» (5) . # يقول علامة علماء المتأخرين المحقق الجليل الجامع لفضيلتي العلم والعمل ~~الشيخ الانصاري رضوان الله تعالى عليه : # «والظاهر أن الرد غير النهي عن الغيبة ، والمراد به الانتصار للغائب بما ~~يناسب تلك الغيبة فإن كان عيبا دنيويا انتصر له بأن العيب ليس الا ما عاب ~~الله به من المعاصي التي من أكبرها ذكرك أخاك بما ms258 لم يعبأ الله به وإن كان ~~عيبا دينيا وجهه بمحامل تخرجه عن المعصية فإن لم يقبل التوجيه انتصر له بأن ~~المؤمن قد يبتلى بالمعصية فينبغي ان تستغفر له وتهتم له لا ان تعيره ، وأن ~~تعييرك اياه لعله اعظم عند الله من معصيته» (6) انتهى كلامه رفع مقامه . # ويلاحظ أحيانا أن المستمع فضلا عن أنه لم يمنع الغيبة ، يعمد الى تحريض ~~الشخص المستغيب ، او يشجعه عليها من خلال مشاركته معه في الاستغابة ، او ~~تحسينه إياه على غيبته . PageV01P294 # الاربعون حديثا :295 # واذا كان المستمع من اهل الصلاح ، رغب المستغيب في الاستغابة نتيجة ~~مواقفه ذات الطابع الديني حين استماع الغيبة ، من الاشتغال بذكر الله او ~~الاستغفار او أمور أخرى التي تعد من الوسائل الشيطانية للإتجاه الى المعصية ~~الكبيرة ، بذكر الله تعالى . # ومن الممكن ان يكون الحديث الشريف الذي يضاعف وزر المستمع للغيبة اكثر من ~~وزر المغتاب سبعين مرة اشارة لهؤلاء الاشخاص يستمعون الغيبة ويشجعون ~~المستغيب من خلال مواقفهم الدينية ظاهرا على المضي فيها نعوذ بالله منه . ### || AUTO تتميم: كلام الشهيد الثاني رحمه الله # للشيخ الجليل والمحقق العظيم الشهيد السعيد الشهيد الثاني رضوان الله ~~عليه كلام نختم هذا المقام به ، قال: # «ومن أضر انواع الغيبة ، غيبة المتسمين بالفهم والعلم المرائين فإنهم ~~يفهمون المقصود على صفة اهل الصلاح والتقوى ليظهروا من انفسهم التعفف عن ~~الغيبة ويفهمون المقصود ولا يدرون بجهلهم انهم جمعوا بين فاحشتين الرياء ~~والغيبة ، وذلك مثل أن يذكر عنده انسان فيقول الحمد لله الذي لم يبتلينا ~~بحب الرياسة او حب الدنيا او بالتكيف بالكيفية الفلانية ، او يقول نعوذ ~~بالله من قلة الحياء او من سوء التوفيق او نسأل الله ان يعصمنا من كذا بل ~~مجرد الحمد على شيء اذا علم منه اتصاف المحدث عنه بما ينافيه ونحو ذلك فإنه ~~يغتابه بلفظ الدعاء وسمت أهل الصلاح . وإنما قصده ان يذكر عيبه بضرب من ~~الكلام المشتمل على الغيبة والرياء ، ودعوى الخلاص من الرذائل ، وهو عنوان ~~الوقوع فيها ، بل في أفحشها ومن ذلك أنه قد يقدم مدح ms259 من يريد غيبته فيقول ~~ما أحسن أحوال فلان ما كان يقصر في العبادات ، ولكن قد اعتراه فتور وابتلى ~~بما يبتلي به كلنا وهو قلة الصبر فيذكر نفسه بالذم ، ومقصوده أن يذم غيره ، ~~وأن يمدح نفسه بالتشبه بالصالحين في ذم انفسهم فيكون مغتابا مرائيا ، مزكيا ~~نفسه ، فيجمع بين ثلاث فواحش ، وهو يظن بجهله انه من الصالحين المتعففين عن ~~الغيبة ، هكذا يلعب الشيطان بأهل الجهل اذا اشتغلوا بالعلم والعمل من غير ~~ان يتقنوا الطريق فيتبعهم ويحبط بمكائده عملهم ويضحك عليهم ويسخر منهم . # ومن ذلك ان يذكر ذاكر عيب انسان فلا ينتبه له بعض الحاضرين فيقول سبحان ~~الله ما اعجب هذا حتى يصغي الغافل الى المغتاب ويعلم ما يقوله ، فيذكر الله ~~سبحانه ، ويستعمل اسمه آلة في تحقيق خبثه وباطله وهو يمن على الله بذكره ~~جهلا وغرورا ومن ذلك ان يقول جرى PageV01P295 الاربعون حديثا :296 # من فلان كذا وابتلى بكذا ، بل يقول جرى لصاحبنا او صديقنا كذا ، تاب الله ~~عليه وعلينا ، يظهر الدعاء له والتألم والصداقة والصحبة والله مطلع على خبث ~~سريرته وفساد ضميره ، وهو بجهله لا يدري انه قد تعرض لمقت اعظم مما يتعرض ~~له الجهال اذا جاهروا بالغيبة . # ومن أقسامها الخفية الاصغاء الى الغيبة على سبيل التعجب فإنه انما يظهر ~~التعجب ليزيد نشاط المغتاب في الغيبة ، فيزيد فيها ، فكأنه يستخرج منه ~~الغيبة بهذا الطريق فيقول عجبت مما ذكرته ما كنت أعلم بذلك إلى الآن ما كنت ~~اعرف من فلان ذلك ، يريد بذلك تصديق المغتاب ، واستدعاء الزيادة منه باللطف ~~والتصديق لها غيبة ، بل الاصغاء اليها ، بل السكوت عند سماعها» . انتهى ~~كلامه رفع مقامه (1) . # وأحيانا تضاف عناوين أخرى على عنوان الغيبة ايضا فيبعث على ازدياد الفساد ~~والقبح والعقاب . مثل ان يثني المستغيب امامه ويعرب له عن حبه له . ويكون ~~هذا من مراتب النفاق ويعد من ذوي اللسانين والوجهين . والروايات تذم مثل ~~هذا الانسان . # ففي الكافي الشريف بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال : «من لقي ~~المسلمين بوجهين ولسانين جاء يوم القيامة وله لسانان ms260 من نار» (2) . # هذه هي صورة هذا العمل القبيح ونتيجة هذا النفاق في عالم الآخرة . أعوذ ~~بالله من شر لساني ونفسي الأمارة . والحمد لله أولا وآخرا . PageV01P296 # الاربعون حديثا :297 ### | AUTO الحديث العشرون # النية PageV01P297 الاربعون حديثا :298 # بالسند المتصل الى الشيخ الثقة الجليل محمد بن يعقوب الكليني قدس سره ~~عن علي بن ابراهيم ، عن أبيه ، عن القاسم بن محمد ، عن المنقري ، عن سفيان ~~بن عيينة ، عن ابي عبد الله عليه السلام في قول الله تعالى : «ليبلوكم أيكم ~~أحسن عملا» . قال : ليس يعني أكثركم عملا ولكن أصوبكم عملا . وإنما الاصابة ~~خشية الله والنية الصادقة والخشية . ثم قال : الإبقاء على العمل حتى يخلص ~~أشد من العمل والعمل الخالص الذي لا تريد ان يحمدك عليه أحد إلا الله تعالى ~~أفضل من العمل . ألا وان النية هي العمل ثم تلا قوله عز وجل «قل كل يعمل ~~على شاكلته» يعني على نيته» (1) . PageV01P298 # الاربعون حديثا :299 ### || AUTO الشرح : # البلاء بمعنى الأختبار والتمحيص . كما في الصحاح : «بلوته بلوى : جربته ~~واختبرته ، وبلاء الله بلاء وأبلاه إبلاء حسنا وابتلاه أي اختبره» . # و«أيكم» مفعول ثان ل «ليبلوكم» بعد تضمين يبلو معنى العلم حسب كلام ~~المجلسي . وهو ليس بصحيح . لأن أي الاستفهامية تعلق الفعل عن العمل فلا ~~تعمل يبلو ولا تتعدى الى مفعولين . والصواب أن «أيكم احسن عملا» جملة ~~مبتدأ وخبر ، وفي المعنى مفعول لفعل «يبلوكم» المعلق عن العمل . ولو ~~جعلنا «أي» موصولة لكان لكلام المرحوم المجلسي وجها ، ولكنها في ~~الاستفهامية أظهر . # و«الصواب» نقيض الخطأ كما يقول الجوهري . و«الخشية» الثانية غير موجودة ~~في بعض النسخ كما يقول المجلسي . ولو كانت موجودة لأمكن فيها احتمالات ، ~~أظهرها أن ال «و» بمعنى «مع» . ونقل عن (أسرار الصلاة) للشهيد الثاني رحمه ~~الله «النية الصادقة الحسنة» بدلا عن «النية الصادقة والخشية» . و«الإبقاء ~~على العمل» مراعاته والمحافظة عليه كما قال الجوهري : «ابقيت على فلان إذا ~~ارعيت عليه وحميته» . و«الشاكلة» بمعنى الطريقة والشكل والناحية . كما في ~~القاموس والصحاح فعن القاموس «الشاكلة : الشكل والناحية والنية والطريقة» . # ونحن سنوضح ما يحتاج الى ms261 الشرح من الحديث الشريف ضمن فصول عديدة ان شاء الله . ### || AUTO فصل: في الاشارة الى توجيه نسبةالابتلاء الى الحق تعالى # ان «ليبلوكم» في الحديث الشريف اشارة الى قوله تعالى «تبارك الذي بيده ~~الملك وهو PageV01P299 الاربعون حديثا :300 # على كل شيء قدير * الذي خلق الموت والحيوة ليبلوكم أيكم احسن عملا» (1) . # قال المحقق المجلسي قدس الله سره تدل هذه الآية الشريفة على ان الموت ~~امر وجودي . والمراد منه إما الموت الطارئ على الحياة ، او العدم الاصلي . ~~انتهى . # إن دلالة الآية الشريفة على ان الموت أمر وجودي تتوقف على تعلق الخلق ~~والتكوين بالموت ، بالذات ، وأما إذا كان التعلق بالعرض فلا تصح تلك ~~الدلالة ، كما يصرح بذلك المحققون . وعلى فرض دلالتها ، فلا وجه لجعل الموت ~~في الآية الشريفة عدما أصليا لأن اعتبار العدمي الاصلي ، وجوديا من الجمع ~~بين النقيضين . مع أنه في نفسه لا يصح تفسير الموت بالعدم الاصلي . # وملخص القول : ان مقتضى التحقيق هو أن الموت عبارة عن الانتقال عن النشأة ~~الظاهرية الملكية الدنيا إلى النشأة الباطنية الملكوتية . أو أن الموت ~~عبارة عن الحياة الثانية الملكوتية بعد الحياة الاولى الملكية الدنيوية . ~~وعلى كل تقدير يكون الموت امرا وجوديا بل هوأتم من الوجود الملكي ، لأن ~~الحياة الملكية الدنيوية مشوبة بالمواد الطبيعية الميتة التي تكون حياتها ~~عرضية وزائلة . في حين أن الحياة الذاتية الملكوتية التي تحصل هناك تبعث ~~على استقلالية للنفوس ، وتكون تلك الدار ، دار حياة ومن لوازم الحياة . وأن ~~الأبدان المثالية البرزخية قائمة بالنفوس قياما صدوريا مثل قيام المعلول ~~بالعلة كما هو مقرر في محله المناسب . # وبالجملة ان الحياة الملكوتية التي يعبر عنها بالموت حتى لا يكون ثقيلا ~~على السمع متعلق للجعل والتكوين وتحت قدرة الذات المقدس . # وقد تقدم منا معنى الاختبار والامتحان وكيفية نسبته الى الحق المتعال جل ~~جلاله عند شرح بعض الاحاديث ، على نحو لا يستلزم الجهل على الذات المقدس ، ~~ومن دون حاجة الى تكلف وتأويل . ولا بد من الاشارة اليه بصورة مجملة ، هي : # ان نفس الانسان في بدء فطرتها وخلقتها تتمتع ms262 بالاستعداد المحض والقابلية ~~الصرفة ، وهي خالية عن كل فعلية من ناحية السعادة والشقاء ، وبعد حصول ~~الحركات الطبيعية الجوهرية ، والافعال الاختيارية تتحول الاستعدادات الى ~~الفعلية وتنجم التشخصات والتميزات . # فانفراد السعيد عن الشقي والغث عن السمين ، يحصل في هذه الحياة الملكية . ~~والهدف من تكون الحياة الملكية هو تمحيص النفوس والتفرقة بين السعيد منها ~~والشقي . وعليه تتضح الغاية المنشودة من وراء اختبار الناس . PageV01P300 # الاربعون حديثا :301 # وأما خلق الموت فهو أيضا دخيل في هذا الفرز والتفريق بين السعيد والشقي ، ~~بل هو الجزء الاخير من العلة ، لان المقياس في الفعليات هي الصور ~~الملكوتية الاخيرة التي ينتقل بها الانسان من هذا العالم . # وخلاصة الكلام ان المقياس في التفرقة هو الصور الاخروية الملكوتية ، وهي ~~لا تحصل إلا بواسطة الحركات الجوهرية والأفعال الاختيارية الدنيوية الملكية ~~. فاتضحت الغاية المنشودة من الامتحان والاختبار المترتب على خلق الموت ~~والحياة من دون بقاء جهل في ذلك . # نعم تفصيل ذلك لأجل دحض كل الملاحظات ، يرتبط ببيان العلم الذاتي لله قبل ~~الايجاد ، وعلمه الفعلي لدى الايجاد ، وهو أكبر من نطاق هذا الكتاب . وقوله ~~سبحانه «أيكم احسن عملا» الذي ربط نتيجة الامتحان بأحسن الاعمال ، يعود ~~ايضا الى هذا المعنى المذكور . وعليه يفسر الحديث الشريف ، لأنه فسر الأحسن ~~بالأصوب ، والأصوب بخشية الله والنية الصادقة ، وهي الصور الباطنية للنفس ، ~~والباعثة على التفرق الحقيقي للأرواح ، او انها من المظاهر للاختلافات ~~الجوهرية الغيبية للنفس . بل بناءا على تأثر القلب والباطن من الاعمال ~~الظاهرية كما ذكرناه سابقا ، يحصل التفرق عبر الاعمال ايضا ، فامتحان ~~الاعمال ، اختبار للذاتيات ايضا . # وإذا فسرنا الآية المباركة حسب ظاهرها ، وقطعنا النظر عن تفسير الامام ~~عليه السلام ، كان الاختبار ايضا بهذا المعنى المذكور ، لإن نفس الحضور في ~~هذه النشأة الدنيوية وخلق الموت والحياة ، باعثان على فرز الاعمال الحسنة ~~عن الاعمال السيئة . اما سببية خلق الحياة في ذلك فمعلوم ، لإنها سبب ~~النهوض والحركة والعمل . وأما خلق الموت ، فمع العلم بعدم استقرار الحياة ~~الدنيوية ، ,تيقن حصول الارتحال من هذه النشأة الفانية ، تختلف الاعمال من ~~انسان لآخر ، ويتم الفرز ms263 بين صالحها وطالحها . ### || AUTO فصل: في بيان ان الخشية والنية الصادقة تبعثان على صواب ~~الاعمال # إعلم ان هذا الحديث الشريف أناط صواب وحسن العمل بأمرين شريفين وجعل ~~المقياس في كمال وتمامية الاعمال ، هذين الاصلين : أحدهما الخوف والخشية من ~~الحق المتعالي . وثانيها النية الصادقة والإرادة الخالصة . وعلينا أن نشرح ~~الصلة القائمة بين هذين الامرين مع كمال العمل وصوابه . # فنقول : الأمر الأول أن الخوف والفزع من الحق المتعالي يوجب خشية النفس ~~وتقواها ، وهي بدورها تبعث على قبول آثار الأعمال أكثر . # وتفصيل هذا الاجمال هو اننا ذكرنا سابقا لدى شرح بعض الاحاديث المتقدمة أن لكل PageV01P301 الاربعون حديثا :302 # الاعمال الحسنة أو السيئة تأثيرا في النفس . فإذا كانت تلك الاعمال من ~~سنخ العبادات والمناسك كان التأثير هو خضوع القوى الطبيعية للقوى العقلية ، ~~وقاهرية ملكوتية النفس على الملك ، وانقياد الناحية الطبيعية للإنسان ~~لناحيته الروحانية حتى يبلغ الامر الى الجذبة الروحية والوصول الى المقصود ~~الاصلي . وكل عمل يبعث على مثل هذا التأثير أكثر ، وينجز هذه الخدمة أحسن ، ~~لكان أصوب ، ولترتب عليه المقصود الاصلي بشكل افضل . وكل شيء له دور في هذا ~~التأثير ، فهو متكفل لصواب العمل . وغالبا ما يكون هذا هو المقياس لإفضلية ~~الاعمال . ويمكن ان يكون الحديث المعروف «افضل الاعمال أحمزها» (1) مندرجا ~~تحت هذا المقياس ايضا . # وبعد تبين هذه المقدمة ، لا بد ان نعرف بأن التقوى تزكي النفس وتطهرها من ~~الدنس والقذارات . وطبعا إذا كانت صفحة النفس ناصعة ، وطاهرة من حجب ~~المعاصي وكدرها ، كانت الاعمال الحسنة مؤثرة أكثر ، وإصابتها للهدف المبتغى ~~أدق ، وتحقق السر الكبير للعبادات الذي هو ترويض الجانب المادي للانسان ، ~~وقهر ملكوته على ملكه ونفوذ الارادة الفاعلة للنفس بصورة افضل . # فالخشية من الحق سبحانه ، التي لها التأثير التام في تقوى النفوس هي من ~~العوامل الكبيرة لإصلاح النفس ، وذات دور في إصابة الاعمال وحسنها وكمالها ~~. لإن التقوى مضافا الى أنها من العوامل الكبيرة في إصلاح النفس ، تكون ذات ~~قدرة فعالة في تاثير الاعمال القلبية والقالبية الظاهرية للإنسان ، وتكون ~~سببا لقبولها ايضا . كما يقول الله ms264 تعالى : «إنما يتقبل الله من المتقين» (2) . # والعامل الثاني المهم في إصابة الاعمال لإهدافها وكمالها ، والذي يكون ~~بمثابة القوة الفاعلة (كما أن الخشية ، والتقوى الحاصلة منها بمثابة شرط ~~التأثير ، وفي الواقع فهما يبعثان على تطهير للقابل ، ورفع للمانع) هي ~~النية الصادقة والارادة الخالصة حيث يكون كمال العبادات ونقصها وصحتها ~~وفسادها كليا تابعا لها . وكلما كانت العبادات أصفى من الشرك وشوب النية ، ~~كلما كانت أكمل . وليس في العبادات شيء ذو أهمية مثل النية وخلوصها ، لأن ~~نسبة النيات الى العمال كنسبة الارواح الى الابدان والنفوس الى الاجساد . ~~كما أن أجسام صور العبادات ، توجد من خلال مقام الملك للنفس وجسدها ، ~~وتحصل النية وروح العبادة من باطن النفس أعماقها ومقام القلب . ولا تقبل ~~عبادة البتة عند الحق المتعالي من دون نية PageV01P302 الاربعون حديثا :303 # خالصة . إلا أنها إذا لم تكن خالصة من الرياء والشرك الظاهري الملكي وهو ~~الرياء المذكور لدى الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم كانت باطلة وغير مجزية ~~ظاهرا في منطق الفقه . وإن لم تكن خالصة من الشرك الباطني ، فهي وان كانت ~~صحيحة ومجزية حسب ظاهر الشرع والحكم الفقهي ، ولكنها ليست بصحيحة حسب باطن ~~الشرع والواقع وفلسفة العبادة ، وغير مقبولة لدى الذات المقدس . فلا ملازمة ~~بين صحة العبادة وقبولها ، كما أشير الى ذلك كثيرا في الاخبار المأثورة عن ~~اهل البيت عليهم السلام . والتعريف الجامع للشرك في العبادة ، الشامل لكل ~~مراته هو : إدخال رضى غير الحق في العبادة . سواء كان رضا غير الحق رضى ~~نفسه أو غيره . إلا انه اذا كان ادخالا لرضا غير نفسه من الناس في العبادة ~~، لكان شركا ظاهريا ورياءا فقهيا . وإن كان رضا نفسه كان شركا خفيا وباطنيا ~~، والعبادة باطلة ، ولا تعد بشيء لدى اهل المعرفة ، ولا تكون مقبولة لدى ~~الحق سبحانه . # مثلا من يؤدي لسعة رزقه صلاة الليل ، او ان يتصدق لدفع البلية ، أو يقدم ~~الزكاة لتنمية أمواله ويأتي بهذه العبادات من أجل الحق تعالى ، ولكنه يسأل ~~ربه أن يهب له تلك الامور ببركة تلك العبادات ، هذه العبادات وإن كانت ms265 ~~صحيحة ومجزية ، وتترتب عليها تلك الآثار ايضا إذا اشتملت هذه العبادات على ~~أجزائها وشرائطها . ولكنها لا تكون عبادة للحق المتعالي وغير محتوية للنية ~~الصادقة والإرادة الخالصة . بل إنها عبادة لتعمير الدنيا ولنيل الرغبات ~~النفسية الدنيوية ، فلا يكون عمله مصابا . كما أن العبادات إذا كانت نتيجة ~~الخوف من نار جهنم ، والشوق الى الجنة ، لما كانت خالصة للحق سبحانه ، ولما ~~ضمنت النية الصادقة ، بل نستطيع ان نقول إن مثل هذه العبادات خالصة للشيطان ~~والنفس ، لأن الانسان الذي يقوم بمثل هذه العبادات لأهداف دنيوية او الفزع ~~من جهنم لم يدخل رضى الحق سبحانه في عبادته البتة ، حتى يتحقق الشرك ، ~~وإنما عبد الصنم الكبير فقط (إن أم الاصنام هي صنم النفس) . # ان الله سبحانه يقبل أمثال هذه العبادات نتيجة عجزنا ونتيجة رحمته ~~الواسعة ، بدرجة واحدة ، بمعنى أن هناك آثار تترتب على هذه العبادات ، ~~ومكافآت في مقابلها ، فلو أن الانسان عمل بتلك الشرائط الظاهرية ، ومع توجه ~~القلب وحضوره ومع شرائط قبول الاعمال ، ترتبت الآثار كافة عليها وأنجزت تلك ~~المكافآت الموعودة . # هذا هو حال عبادة العبيد والاجراء . وأما عبادة الاحرار الذين يعبدون ~~الله لحبهم الحق ألمتعالي ولبحثهم عن الذات المقدسة ، ولا يعبدونه من أجل ~~الخوف من نار جهنم أو الشوق الى الجنة ، فهذه العبادة أول مقام الاولياء ~~والاحرار . ولهم مقامات ومعارج أخرى لا يمكن ذكرها . فما دامت النفس تلتفت ~~الى العبادة والعابد والمعبود ، لم يتحقق الخلوص . يجب ان يخلو القلب من ~~الغير ولا ينفذ فيه أحد غير الحق حتى يكون خالصا . كما ورد في الحديث PageV01P303 الاربعون حديثا :304 # الشريف المنقول عن الكافي بسنده الى سفيان بن عيينة (راوي الحديث ~~العشرين) قال : # «سألته عن قول الله عز وجل : « إلا من أتى الله بقلب سليم » . قال : ~~القلب السليم الذي يلقى ربه وليس فيه احد سواه قال : وكل قلب فيه شرك او شك ~~فهو ساقط وانما اراد بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة» (1) . # ومن المعلوم ان القلوب التي استقبلت غير الحق وتعرضت لهزات الشك والشرك ~~سواء كان الشرك جليا ms266 أم خفيا فهي ساقطة في محضر القدس الربوبي . وإن من ~~الشرك الخفي الاعتماد على الأسباب والركون الى غير الحق . # وقد ورد عن أبي عبد الله عليه السلام أن الشرك أخفى من دبيب النمل وقال : ~~منه تحويل الخاتم ليذكر الحاجة وشبه هذا (2) . ودخول غير الحق المتعالي الى ~~القلب يعد من الشرك الخفي . واخلاص النية هو اخراج غير الحق سبحانه من مقام ~~الذات المقدس القلب . # وكما أن للشرك مراتب ، يكون للشك مراتب ايضا ، وأن منها الشك الجلي ، ~~ومنها الشك الخفي . وتحصل هذه المراتب نتيجة ضعف في اليقين ونقصان في ~~الايمان . إن مطلق الاعتماد على غير الحق سبحانه والالتفات الى المخلوق ~~يكون من جراء ضعف اليقين والايمان ، كما أن التزلزل في الامور نتيجة لذلك ~~ايضا . ومرتبة اخفاء الشك ، حالة من التلون في القلب وعدم التمكين في ~~التوحيد . فالتوحيد الحقيقي ، هو اسقاط الاضافات والتعينات والكثرات ، حتى ~~كثرات الاسماء والصفات ، والتمكين فيه يكون بالخلاص من الشك . وإن القلب ~~السليم ، هو القلب الفارغ من مطلق الشرك والشك . وفي هذا الحديث الشريف ~~القائل «وإنما أراد بالزهد ...» إشارة الى ان الغاية من الزهد في الدنيا هو ~~انصراف القلب شيئا فشيئا عن الدنيا وتنفره عنها ، وتوجهه الى المقصود ~~الاصلي والمطلوب الواقعي الحق المتعالي . # ويبدو من صدر الحديث المروي عن سفيان بن عيينة ان المقصود من الآخرة ~~النهاية القصوى لدائرة الوجود ، ونهاية الرجوع . وهي الآخرة بالقول المطلق ~~. فعليه تكون الدنيا كل دائرة الظهور ، والزهد فيها يستلزم خلوص القلب من ~~غير الحق تعالى . فكل من في قلبه غير الحق عز وجل ، ينتبه الى غيره سبحانه ~~من دون فرق بين أن يكون هذا الغير من الامور الملكية المادية أو الامور ~~المعنوية ومن دون فرق بين أن تكون الصورة اخروية او من الكمالات PageV01P304 الاربعون حديثا :305 # او المدارج الشامخة ، وملخص القول التوجه الى غير الحق المتعالي يعد من ~~عمل اهل الدنيا ولا يكون زاهدا فيها ويكون محروما من الآخرة الحقيقية ، ~~وجنة اللقاء التي هي اعلى مراتب الجنة ، وان كانت لهم مراتب أخرى من ms267 ~~الكمالات المعنوية والجنان الرفيعة . كما أن اهل الدنيا ذو مقامات مختلفة ~~بالنسبة الى الاحوال الدنيوية ، ولكن تلك المقامات بعيدة كثيرا عن أهل الله . ### || AUTO فصل: في تعريف الاخلاص # اعلم انهم ذكروا تعاريف مختلفة للاخلاص ونحن نذكر بعضها وهو المتداول لدى ~~أهل السلوك والعرفان ، بصورة مختصرة . # قال العارف الحكيم السالك خواجة عبد الله الانصاري قدس سره : «الاخلاص ~~تصفية العمل من كل شوب» وهذا أعم من أن يشوب العمل برضى نفسه ، او رضى غيره ~~من المخلوقات الاخرى . # ونقل عن الشيخ البهائي ان أرباب القلوب العرفاء ذكروا تعاريف عديدة ~~للاخلاص : # «قيل : هو تنزيه العمل ان يكون لغير الله فيه نصيب» وهذا ايضا قريب الى ~~التعريف المذكور . # «وقيل : هو أن لا يريد عامله عليه عوضا في الدارين» . ونقل عن صاحب غرائب ~~البيان : أن المخلصين هم الذين يعبدون الله ، ولا يرون انفسهم ولا العالم ~~ولا أهله في العبودية ، ولا يتجاوزون حدود العبودية في مشاهدة الربوبية . # وعندما تتساقط من العبد حظوظه بدءا من التراب وانتهاءا بالعرش فقد سلك ~~الدين ، وهو طريق العبودية الخالصة من رؤية الحوادث غير الله نتيجة شهود ~~الروح لجمال الرب المتعالي . وهذا هو الدين الذي اصطفاه الحق المتعالي ~~لنفسه ، وأخلصه من غير الحق قائلا «ألا لله الدين الخالص» (1) والدين ~~الخالص هو نور القدم ، بعد اضمحلال الحدوث في فياض نور عظمته ووحدانيته . ~~فكأن الله قد دعا عباده على سبيل التنبيه والاشارة نحو تخليص سره في الغير ~~لدى توجههم اليه . # ونقل عن الشيخ المحقق محي الدين العربي انه قال : # «ألا لله الدين الخالص عن شوب الغيرية والأنانية ، لانك لفنائك فيه ~~بالكلية فلا ذات لك ولا PageV01P305 الاربعون حديثا :306 # صفة ولا فعل ولا دين وإلا لما خلص الدين بالحقيقة فلا يكون لله» . فما ~~دامت العبودية والغيرية والأنانية باقية والعابد والمعبود والعبادة ~~والاخلاص والدين حاضرا ، يكون العمل مشوبا بالغيرية والأنانية وهذا شرك ~~لدى أرباب القلوب . # أن عبادة ارباب الاخلاص هي رسم تجليات المحبوب ، ولا يوجد في قلوبهم سوى ~~الحق المتعالي الواحد . ومع أن أفق الإمكان قد اتصل ms268 بالوجوب ، وإن التدلي ~~الذاتي ، والدنو المطلق الحقيقي قد حصل لهم ، وإن رسم الغيرية قد ارتفع ~~بالكلية عنهم ، فهم يقومون بكافة وظائف العبودية . ولا تكون عبادتهم ~~بالروية والتفكر ، بل تكون عبادتهم بالتجلي . كما أشير الى هذا المعنى في ~~صلاة ليلة معراج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ### || AUTO فصل: في بيان الاخلاص بعد العمل # اعلم ان ما ورد في الحديث الشريف «الابقاء على العمل حتى يخلص ، أشد من ~~العمل» حث على لزوم المحافظة والمواظبة على الاعمال ، التي تصدر من الانسان ~~، حين انجازها وبعد تحققها ، اذ قد يأتي الانسان بالعمل من دون عيب ونقص ~~وخال من الرياء والعجب وغيره ، ولكنه بعد العمل وبواسطة ذكره للآخرين يعاب ~~بالرياء . كما ورد في الحديث الشريف المنقول عن الكافي : # «عن أبي جعفر عليه السلام انه قال : الابقاء على العمل اشد من العمل . ~~قال : وما الابقاء على العمل ؟ قال : يصل الرجل بصلة وينفق نفقة لله وحده ~~لا شريك له فكتب له سرا ثم يذكرها فتمحى فتكتب له علانية ثم يذكرها فتكتب ~~له رياء» (1) . # ان الانسان حتى نهاية حياته لا يأمن أبدا من شر الشيطان والنفس ، وعليه ~~أن لا يظن بأنه عندما أتى بعمل لوجه الله ، من دون ملاحظة رضى المخلوق ، ~~أصبح في مأمن من شر النفس الخبيثة . وإنه اذا لم يراقب العمل ولم يواظب ~~عليه ، فمن الممكن أن تجبره نفسه على إظهاره أمام الآخرين . وقد يتم ~~الاظهار بالايماء والتلويح ، فمثلا إذا أراد ان يكشف عن صلاة الليل التي ~~أتى بها للناس ، التجأ الى اساليب اللف والدوران ، فيتحدث عن حسن جو السحر ~~أو ردائته وعن مناجاة الناس او اذانهم في السحر ، وضيع عمله من جراء ~~المكائد الخفية للنفس ، وألغاه من الاعتبار . # يجب ان يكون الانسان مثل الطبيب الرحيم ، والمرافق الرؤوف يراقب نفسه ، ~~ولا يسمح لفلتان زمامها من يده ، لأنها في لحظة من الغفلة تنفلت من يده ~~وتقوده الى الذل والهلاك . PageV01P306 # الاربعون حديثا :307 # وعلى أي حال نستعيذ بالله من شرالشيطان والنفس الامارة . «أن النفس ~~لأمارة بالسوء إلا ms269 ما رحم ربي» (1) . # ولا بد من معرفة ان تخليص النية من جميع مراتب الشك والرياء وغيرها ~~ومراقبتها والمحافظة عليها من الامور الصعبة والمهمة جدا ، بل إن بعض ~~مراتبها لا يتيسر إلا للخلص من أولياء الله تعالى . لأن النية عبارة عن ~~الارادة الباعثة نحو العمل ، وهي تتبع الغايات الاخيرة الدافعة نحو العمل ، ~~كما أن هذه الغايات تتبع الملكات النفسانية التي تشكل باطن ذات الانسان ~~وشاكلته . فمن له حب الجاه والرياسة ، وغدا هذا الحب ملكة نفسانية وشاكلة ~~روحه ، كان منتهى أمله البلوغ إلى سدة الزعامة ، وكانت افعاله الصادرة منه ~~تابعة لتلك الغاية ، وكان دافعه ومحركه هو مبتغاه النفسي المذكور ، وصدرت ~~عنه اعماله للوصول الى ذلك المطلوب . فما دام هذا الحب في قلبه ، لا يمكن ~~ان يصير عمله خالصا . ومن صار حب النفس والأنانية ملكة له ، وشاكلة نفسه ، ~~كانت غاية مقصده ونهاية مطلوبه الوصول الى ما يلائم نفسه وكان الدافع ~~والمحرك له في هذه الاعمال ، نفس هذه الغاية ، سواء كانت الاعمال للوصول ~~الى مطلوب دنيوي او اخروي من قبيل الحور والقصور والجنات ونعم ذلك العالم . ~~بل ما دامت الأنانية ، والذاتية موجودة ، كان إقدامه أو سلوكه لتحصيل ~~المعارف الربوبية والكمالات الروحية ، لنفسه ونفسانياته من حب للنفس لا ~~من حب لله . ومن المعلوم انهما لا يجتمعان ، بل إذا أحب الله كان ، من أجل ~~نفسه وليس من أجل الله وكانت غاية المقصود ونهاية المطلوب نفسه ونفسانياته . # فاتضح ان تخليص النية من مطلق الشرك ، عمل صعب جدا ، ولا يقدر عليه كل ~~أحد . وان كمال الأعمال ونقصها تابع لكمال النية ونقصها ، لأن النية هي ~~الصورة الفعلية ، والناحية الملكوتية للعمل . كما أشرنا إليه سابقا . # وفي الحديث الشريف تلميح الى هذا الموضوع ، عندما يقول «والنية أفضل من ~~العمل ألا وإن النية هي العمل» واحتمل بعض أن هذا المعنى مبالغة ، ولكنه ~~ليس بشيء من المبالغة ، بل مبني على الحقيقة ، لأن النية هي الصورة الكاملة ~~للعمل ، والفصل المحصل له ، وصحة العمل وفساده وكماله ونقصه ، مرتبطة ~~بالنية . # كما أن عمل شخص واحد لإختلاف ms270 نيته قد يكون تعظيما للغير ، وقد يكون ~~توهينا له ، وقد يصير تاما بها ، وقد يصير ناقصا لفقدانها ، وقد يكون من ~~سنخ الملكوت الاعلى وله صورة بهية جميلة ، وقد يكون من سنخ الملكوت السفلى ~~وله صورة موحشة مخيفة . PageV01P307 # الاربعون حديثا :308 # إن ظاهر صلاة علي بن أبي طالب عليه السلام ، وظاهر صلاة المنافق متضاهيان ~~في الاجزاء والشرائط والشكل الظاهري ، ولكن هذا يعرج بعمله الى الله ، ~~ولصلاته صورة ملكوتية اعلى ، وذاك يغور في اعماق جهنم ، ولصلاته صورة ~~ملكوتية سفلية . # وعند تقديم اهل بيت العصمة عليهم السلام ، للفقير أقراصا من خبز الشعير ~~لوجه الله ، تنزل من عند الله سبحانه آيات كريمة في الثناء عليهم ، ويحسب ~~الانسان الجاهل أن تحمل الجوع ليومين أو ثلاثة أيام ودفع الطعام الى الفقير ~~أمرا مهما ، رغم أن مثل هذه الاعمال يمكن أن تصدر من كل شخص ، من دون صعوبة ~~. في حين أن أهمية هذا العمل تكمن في القصد الخالص والنية الصادقة . إن روح ~~العمل ، القوية واللطيفة والتي تنبعث من القلب السليم الصافي ، هي مصدر هذه ~~الاهمية القصوى . # انه لا فرق بين المظهر الخارجي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وكافة ~~الناس ، ولهذا عندما كان يدخل عليه صلى الله عليه وآله وسلم شخص من خارج ~~المدينة ، وكان عليه الصلاة والسلام جالسا مع مجموعة من المسلمين ، يسأل ~~الوافد أيكم النبي ؟ إن الذي يفضل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على غيره ~~، هو روحه الكبيرة ، القوية ، اللطيفة لا جسمه المبارك وبدنه الشريف . وقد ~~قالوا في العلوم العقلية أن شيئية الشيء بصورته لا بمادته . بل إن الحد ~~التام هو التعريف بالفصل فقط ، أما التعريف بالجنس والفصل فهو من الحد ~~الناقص ، لأن الاختلاط بالغرائب والأجانب ، والتعريف بالمنافي ، يسيء الى ~~حقيقة الشيء وتعريفه وتماميته . والمادة والجنس تعتبران من الغرائب ~~والأجانب بالنسبة الى حقيقة الشيء التي هي عبارة عن الصورة والفعلية والفصل ~~. فإذن تمام حقيقة الاعمال هي صور الاعمال وناحيتها الملكوتية التي هي ~~النية . # ويستفاد من هذا البيان ان الامام الصادق عليه السلام قد بين ms271 في هذا ~~الحديث الشريف الحديث العشرون : # اولا : صور الاعمال وموادها ، وقال ان الجزء الصوري أفضل من الجزء المادي ~~، وأن النية أفضل من العمل ، كما نقول إن الروح أفضل من الجسم وليس لازم ~~ذلك مقتضى أفعل التفضيل إن العمل من دون نية يكون صحيحا ، وإن الجسم من ~~دون الروح يكون جسما ، بل المعنى أن بعد تعلق النية بالعمل ، والروح بالجسم ~~يتحقق عمل واحد ، وجسم واحد ، وأن كل واحد من الجزء الصوري الملكوتي في ~~هذين المزيجين الخليطين : أحدهما من النية والعمل ، والآخر من الروح والجسم ~~، الجسم أفضل من الجزء المادي الملكي . وهذا هو معنى الحديث المشهور «نية ~~المؤمن خير من عمله» (1) . PageV01P308 # الاربعون حديثا :309 # وثانيا : إن العمل يكون فانيا في النية ، والملك في الملكوت ، والمظهر في ~~الظاهر وقال عليه السلام «ألا وإن النية هي العمل» ولا يوجد شيء آخر عدا ~~النية ، وأن جميع الاعمال فانية في النية ، ولا استقلالية لها . ثم استشهد ~~بقوله تعالى «قل كل يعمل على شاكلته» وإن الاعمال تابعة لشاكلة النفس ، ~~وشاكلة النفس وإن كانت الهيئة الباطنية للروح ، والملكات المخمرة فيها ، ~~لكن النية هي الشاكلة الظاهرية للنفس . # ونستطيع ان نقول بأن الملكات هي الشاكلة الاولية للنفس ، والنيات هي ~~الشاكلة الثانوية لها ، والاعمال تتبعها ، كما قال الصادق عليه السلام . # ومن هنا يتبين بأن طريق تخليص الاعمال من جميع مراتب الشرك والرياء ~~وغيرها ينحصر في إصلاح النفس وملكاتها ، ويكون ذلك معينا لكل الاصلاحات ، ~~ومصدرا لجميع المعارج والكمالات . # فإذا أخرج الانسان حب الدنيا عبر الترويض العلمي أو العملي من قلبه ، ~~كانت غايته المنشودة شيئا آخر غير الدنيا ، وخلصت اعماله من الشرك الاعظم ~~الذي هو جلب انظار اهل الدنيا وكسب موقع لديهم ، وطهرت نيته ، وتساوى عنده ~~العمل في الجلوة أو الخلوة في السر أو العلن . # وإذا أخرج الانسان من قلبه حب النفس بالرياضة النفسية ، فبالمقدار الذي ~~يفرغ القلب من حب النفس ، يمتليء حبا لله ، وتخلص أعماله من الشرك الخفي ~~ايضا . وما دام حب النفس في القلب ، وما دام الانسان يعيش في البيت المظلم ms272 ~~للنفس ، لا يكون مسافرا الى الله تعالى ، بل يعد من المخلدين في الارض . ~~فإن الخطوة الاولى نحو الله ، تتمثل في ترك حب النفس ، والوطيء بقدمه على ~~الأنانية والذاتية . وهذا هو المقياس في السفر الى الله .. # قال بعض ان هذا هو أحد معاني الآية الكريمة «ومن يخرج من بيته مهاجرا الى ~~الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله» (1) أي من يخرج من بيت ~~نفسه ويهاجر الى الحق في الرحلة المعنوية ثم يدركه الفناء التام كان أجره ~~على الله تعالى . # ومن المعلوم أن مثل هذا المسافر لا يستحق أجرا ومكافأة إلا مشاهدة الذات ~~المقدس ، والوصول الى الفناء في حضرته ، كما يقال على السنتهم بيت شعر : # لا يتطرق الى قلوبنا أحد أبدا إلا الحبيب . # فقدم العالم الى العدو فإننا إقتصرنا على الحبيب . PageV01P309 # الاربعون حديثا :310 PageV01P310 الاربعون حديثا :311 ### | AUTO الحديث الحادي والعشرون # الشكر PageV01P311 الاربعون حديثا :312 # بالسند المتصل الى حجة الفرقة وامامهم محمد بن يعقوب الكليني كرم الله ~~وجهه عن حميد بن زياد ، عن الحسن بن محمد بن سماعة ، عن وهيب بن حفص ، عن ~~أبي بصير ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : «كان رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم عند عائشة ليلتها فقالت : يا رسول الله لم تتعب نفسك وقد غفرالله ~~لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : يا عائشة ألا أكون عبدا شكورا ؟ قال ~~: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقوم على اطراف اصابع رجليه ~~فأنزل الله سبحانه وتعالى : «طه * ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى»» (1) . PageV01P312 # الاربعون حديثا :313 ### || AUTO الشرح : # قد غفر الله لك: اشارة الى قوله تعالى في سورة الفتح : «إنا فتحنا لك ~~فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر» (1) . # إعلم ان العلماء رضوان الله تعالى عليهم ذكروا في تفسير هذه الآية ~~المباركة وجوها لمنع تنافي الآية مع عصمة النبي المكرم . ونحن نستعرض بعض ~~الوجوه التي نقلها المرحوم العلامة المجلسي رحمه الله تعالى ثم نبين بصورة ~~مجملة ما ذكره اهل ms273 المعرفة كل حسب ذوقه ومسلكه . # قال المرحوم المجلسي (2) : لأصحابنا فيه وجهان : # (احدهما ان المراد ليغفر لك الله ما تقدم من ذنب أمتك ، وما تأخر بشفاعتك ~~، ونسبة معاصي الأمة الى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لشدة الاتصال بين ~~الرسول والأمة . ويؤيده ما رواه المفضل بن عمر عن الصادق عليه السلام قال : ~~سأله رجل عن هذه الآية فقال : والله ما كان له ذنب ولكن الله ضمن له أن ~~يغفر ذنوب شيعة علي عليه السلام ما تقدم من ذنبهم وما تأخر . # وروى عمر بن يزيد قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام عن قول الله عز ~~وجل : «ليغغر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر» قال : «ما كان له ذنب ولا ~~هم بذنب ولكن حمله ذنوب شيعته ثم غفرها له» (3) . # يقول الكاتب : لهذا التوجيه على مسلك العرفاء وجه وجيه ، ولا تخلو ~~الاشارة اليه من فائدة . وهي إنه لا بد وأن نعلم كما تقرر في محله أن العين ~~الثابت للانسان الكامل ، مظهر اسم PageV01P313 الاربعون حديثا :314 # الله الاعظم الذي يكون إمام ائمة الاسماء واما اعيان كافة الموجودات فهي ~~في ظل عين الانسان الكامل في العلم وعالم الاعيان ، متقررة ، وفي عالم ~~العين والتحقق تكون موجودة . # اذن تكون أعيان جميع دائرة الوجود مظهر عين الانسان الكامل في عالم ~~الأعيان ، وتكون جميع الموجودات مظاهر جماله وجلاله في عالم الظهور . ولهذا ~~كل نقص يقع في عالم التحقق ، وكل ذنب يبرز من المظاهر ، سواء كان من الذنوب ~~التكوينية او التشريعية ، ينسب الى الظاهر حقيقة لا مجازا لمكان الظاهر ~~والمظهر . فإن صدق قوله تعالى «ما أصابك من سيئة فمن نفسك» (1) صدق ايضا ~~قوله تعالى «قل كل من عند الله» (2) . والاخبار الكثيرة تشير الى هذا ~~الموضوع . حيث يقول الامام الصادق عليه السلام : (نحن السابقون الآخرون) ~~(3) ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله : (آدم ومن دونه تحت لوائي يوم ~~القيامة) (4) ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله : (أول ما خلق الله روحي ~~أو نوري) (5) ويقول عليه الصلاة والسلام : (سبحنا فسبحت ms274 الملائكة ، قدسنا ~~فقدست الملائكة) (6) ويقول الامام الصادق عليه السلام : (لولانا ما عرف ~~الله) (7) ويقول عليه السلام : (لولاك لما خلقت الأفلاك) (8) ويقول عليه ~~السلام : (نحن وجه الله) (9) . # وفي حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول «أنا شجرة وفاطمة ~~فرعها وعلي لقاحها والحسن والحسين ثمرتها ومحبوهم من أمتي ورقها» (10) . ~~فزينة شجرة الولاية الطيبة بمظهرها ، وما يرد من النقص على مظهرها ينعكس ~~على الشجرة الطيبة . # إذن ذنوب كافة الموجودات ، ذنوب الولي المطلق ، والحق المتعالي برحمته ~~التامة ومغفرته الواسعة ، قد رحم النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم ~~،قائلا «ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر» وبشفاعته تصل كل دائرة ~~الوجود الى سعادته الكاملة ، وآخر من يشفع أرحم الراحمين . # وعلى اساس هذا التوجيه ، تندرج هذه الآية المباركة في عدد تلك الآية التي تقول PageV01P314 الاربعون حديثا :315 # «ولسوف يعطيك ربك فترضى» (1) والتي قالوا أنها «أرجى آية في القرآن» (2) ~~. ويمكن أن يكون المقصود من قوله «ما تقدم من ذنبك» بناءا على هذا التفسير ~~ذنوب الأمم السابقة ، لأن جميع الأمم ، أمة هذا الوجود المقدس ، وأن دعوة ~~الانبياء بأسرهم دعوة الى الشريعة الخاتمة ، ومظاهر للولي المطلق وآدم ومن ~~دونه من أوراق شجرة الولاية . # ثانيهما ما ذكره السيد المرتضى قدس الله روحه ان الذنب مصدر والمصدر يجوز ~~اضافته الى الفاعل والمفعول معا ، فيكون هنا مضافا الى المفعول . والمراد ~~ما تقدم من ذنبهم اليك في منعهم إياك عن مكة وصدهم لك عن المسجد الحرام (3) . # ومعنى المغفرة على هذا التأويل الإزالة والنسخ لإحكام أعداء رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم من المشركين أي يزيل الله سبحانه ذلك عند فتح مكة ~~ويستر عليك ذلك العار بفتح مكة وأنك ستدخل مكة في القريب العاجل ولهذا جعل ~~المغفرة غرضا من الفتح ووجها له (4) . # قال السيد رحمه الله فاذا أراد مغفرة ذنوبه لم يكن لقوله «إنا فتحنا لك ~~فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك» معنى معقولا ، لأن المغفرة ~~للذنوب لا تعلق لها بالفتح وليس غرضا فيه ms275 . فأما قوله «ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر» فلا يمتنع أن يريد بهما تقدم زمانه من فعلهم القبيح بك وبقومك (5) . # الثالث أن معناه : (لو كان لك ذنب قديم أو حديث لغفرناه لك) . هكذا ~~والقضية الشرطية لا تستلزم صدق طرفيها وتحققها . # الرابع أنه سمى ترك الندب ذنبا وحسن ذلك أنه صلى الله عليه وآله وسلم ممن ~~لا يخالف الأوامر إلا هذا الضرب من الخلاف ولعظم منزلته وقدره جاز أن يسمى ~~بالذنب منه فإذا وقع من غيره لم يسم ذنبا (6) . # الخامس أن القول خرج مخرج تعظيم وحسن الخطاب كما تقول غفر الله لك . # قال المجلسي : «وقد روى الصدوق في العيون بإسناده عن علي بن محمد بن ~~الجهم قال : حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا عليه السلام فقال له المأمون : ~~يا ابن رسول الله أليس من قولك PageV01P315 الاربعون حديثا :316 # أن الانبياء معصومون ؟ قال : بلى ، قال : فما معنى قول الله« : ليغفر لك ~~الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر» ؟ قال الرضا عليه السلام : لم يكن أحد عند ~~مشركي مكة أعظم ذنبا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لإنهم كانوا ~~يعبدون من دون الله ثلاثمائة وستين صنما ، فلما جاءهم صلى الله عليه وآله ~~وسلم بالدعوة إلى كلمة الاخلاص كبر ذلك عليهم وعظم وقالوا : «أجعل الآلهة ~~ألها واحدا إن هذا لشيء عجاب الى قوله : إن هذا الا اختلاق» (1) . # فلما فتح الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم قال له : يا محمد ~~«إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر» عند ~~مشركي أهل مكة بدعائك الى توحيد الله فيما تقدم وما تأخر ؛ لأن مشركي مكة ~~أسلم بعضهم ، وخرج بعضهم عن مكة ؛ ومن بقي منهم لم يقدر على إنكار التوحيد ~~عليه إذا دعا الناس اليه . فصار ذنبه عندهم في ذلك مغفورا بظهوره عليهم . ~~فقال المأمون : لله درك يا أبا الحسن» (2) . # يقول الكاتب : ان هناك توجيها سادسا للحديث الشريف تجاه تفسير الآية ~~المباركة وحاصله أن المقصود من قوله سبحانه ms276 من «ذنبك» ذنوبه صلوات الله ~~عليه في رأي المشركين وحسب زعمهم الفاسد . ### || AUTO فصل: في توجيه عرفاني للآية الشريفة # إعلم أن للآية الشريفة تفسيرا يتبين على أساس ذوق أهل العرفان ومسلك ذوي ~~القلوب ، وعليه لا بد من ذكر الفتوحات الثلاثة الشائعة عندهم . فنقول ان ~~الفتح في مشربهم عبارة عن فتح أبواب المعارف والعوارف والعلوم والمكاشفات ~~على الانسان من قبل الحق سبحانه بعد أن كانت موصدة في وجهه ومغلقة عليه . ~~فما دام الانسان في البيت المظلم للنفس ، وأنه مشدود بالتعلقات والرغبات ~~النفسية ، تكون أبواب المعارف والمكاشفات عليه مسدودة ، وعندما يغادر هذا ~~البيت المظلم ببركة ترويض النفس ، وأنوار الهداية ، واجتياز منازل النفس ، ~~تنفتح أبواب قلبه عليها العلوم والمكاشفات وتلقى المعارف في قلبه ، ويصبح ~~من ذوي مقام القلب . ويدعى هذا الفتح «بالفتح القريب» ، لانه أول الفتوحات ~~وأقربها . ويقال بأن الآية المباركة «نصر من الله وفتح قريب» تشير الى هذا ~~الفتح . PageV01P316 # الاربعون حديثا :317 # ومن الواضح أن هذا الفتح وكافة الفتوحات تتم بعون الله وإمداده ونور ~~الهداية وجاذبية الذات المقدس سبحانه عز وجل . # وما دام السالك يكون في عالم القلب ، وتكون النقوش والتعينات مستحوذة ~~عليه ، كانت أبواب الاسماء والصفات مغلقة ومسدودة عليه فاذا تلاشت تلك ~~الرسوم من عالم القلب ، بواسطة تجليات الاسماء والصفات ، وأفنت تلك ~~التجليات ، صفات القلب وتعيناته وكمالاته ، تحقق «الفتح المبين» وانفتحت ~~عليه باب الاسماء والصفات ، وارتفعت النقوش المتقدمة النفسية ، والمتأخرة ~~القلبية ، وغفرت ذنوبه في ظل غفارية الاسماء وستاريتها . ويقال بان قوله ~~تعالى «إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر» ~~تلويح الى هذا الفتح ومعناه إنا فتحنا عليك عالم الاسماء والصفات فتحا ~~مبينا ، حتى نغفر لك في ظل غفارية الاسماء الالهية ، الذنوب المتقدمة ~~النفسية ، والقلبية المتأخرة . ويكون هذا فتحا لباب الولاية . # وما دام السالك في حجاب كثرات الاسماء ، وتعينات الصفات ، تكون أبواب ~~التجليات الذاتية ، مغلقة في وجهه . وحينما تتم التجليات الذاتية الأحدية ~~عليه ، وتباد النقوش الخلقية والأمرية بأسرها من قلبه ، ويغرق العبد في عين ~~الجمع ms277 يكون «الفتح المطلق» وغفران الذنب المطلق وإستتر بواسطة التجلي ~~الاحدي على الذنب الذاتي الذي يكون مصدرا لكل الذنوب «وجودك ذنب لا يقاس به ~~ذنب» . ويقال بأن قوله تعالى«إذا جاء نصر الله والفتح» اشارة الى هذا الفتح . # فمع «الفتح القريب» تنفتح أبواب المعارف القلبية ، وتغفر الذنوب النفسية ~~. ومع «الفتح المبين» تنفتح أبواب الولاية ، والتجليات الالهية . وتغفر ~~البقايا من الذنوب المتقدمة النفسية ، والذنوب المتأخرة القلبية . ومع ~~«الفتح المطلق» تتكشف التجليات الذاتية الاحدية ، ويغفر الذنب الذاتي ~~المطلق . # ولا بد من معرفة أن «الفتح القريب» و«الفتح المبين» يتيسران للانبياء ~~والاولياء والعرفاء . وأما «الفتح المطلق» فهومن المقامات الخاصة بالمرتبة ~~الختمية خاتم النبيين واذا حصل ذلك لشخص ، فإنما هو بالتبع وبسبب شفاعة ~~النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم . # وعلم من البيان السابق أن للذنب مراتب يعد بعضها من حسنات الأبرار وبعضها ~~من سيئات المخلصين . كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : (ليران ~~أو ليغان على قلبي ، وإني لأستغفر الله في كل يوم سبعين مرة) (1) وهذا ~~الرين الغبرة هو الالتفات الى عالم الكثرة ولكنه سرعان ما يزول . وفي ~~الحديث (ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يقوم من مجلس وإن PageV01P317 الاربعون حديثا :318 # خف ، حتى يستغفر الله خمسا وعشرين مرة) (1) . # فيظهر من هذه الاحاديث بأن الاستغفار لا يختص فقط بالذنوب التي تتنافى مع ~~العصمة ، وأن المغفرة والذنب في الآية لا تكونا من المغفرة والذنب المصطلح ~~عليها عرفا لدى عامة من الناس . ولا تتنافى هذه الآية الشريفة مع المقامات ~~المعنوية من العصمة بل تؤكدها . لأن من لوازم السلوك الروحاني وإجتياز ~~المدارج والوصول الى أوج الكمال الانساني ، هو غفران الذنوب . لأن كل موجود ~~في هذا العالم نتاج هذه النشأة الملكية والمادة الجسمية ، وله كافة ~~الشؤونات الملكية الحيوانية والبشرية والانسانية المتوفرة بعضها بالفعل ~~وبعضها بالقوة . # فإذا أراد السفر من هذا العالم إلى عالم آخر ، ومنه الى مقام القرب ~~المطلق ، لا بد من اجتياز هذه المدارج ، والعبور من المنازل الواقعة في ~~الطريق ، وعندما يصل الى مرتبة ms278 ، تغفر له ذنوب المرتبة السابقة وهكذا حتى ~~تغفر له جميع الذنوب في ظل التجليات الذاتية الأحدية ، ويستتر الذنب ~~الوجودي الذي هو منشأ كافة الذنوب في ظل الكبرياء الأحدي . وهذه هي غاية ~~عروج كمال الموجود . ويحدث في هذا المقام الموت والفناء التام . ولهذا ~~عندما نزلت الآية الشريفة «إذا جاء نصر الله والفتح» على رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال : إن هذه السورة تنبأ بموتى (2) . والله العالم . ### || AUTO فصل: في حقيقة الشكر # إعلم أن الشكر عبارة عن تقدير نعمة المنعم . وتظهر آثار هذا التقدير في ~~القلب في صورة . وعلى اللسان في صورة اخرى ، وفي الافعال والاعمال بصورة ~~ثالثة . # أما آثاره القلبية فهي من قبيل الخضوع والخشوع والمحبة والخشية وأمثالها ~~. وأما آثاره على اللسان ، فالثناء والمدح والحمد ، وأما آثاره في الاعضاء ~~فالطاعة واستعمال الجوارح في رضا المنعم وأمثاله . # ونقل (3) عن الراغب (الشكر تصور النعمة واظهارها . قيل وهو مقلوب عن ~~الكشر أي الكشف ويضاده الكفر وهو نسيان النعمة وسترها ، ودابة شكور ~~مظهربسمنه إسداء صاحبه إله . وقيل أصله من عين شكري : أي ممتلئة ، فالشكر ~~على هذا هو الامتلاء من ذكر المنعم عليه . والشكر ثلاثة أضرب : شكر بالقلب ~~وهو تصور النعمة . وشكر باللسان وهو الثناء على المنعم . PageV01P318 # الاربعون حديثا :319 # وشكر بسائر الجوارح وهومكافأة النعمة بقدر استحقاقها) انتهى . # وقال العارف المحقق الخواجة الانصاري (الشكر اسم المعرفة والنعمة ، لأنها ~~طريق لمعرفة المنعم) . # وقال الشارح المحقق (إن تصور النعمة من المنعم ، ومعرفة أن هذه النعمة ~~منه ، هو الشكر بعينه كما روي عن النبي داوود عليه السلام أنه قال : يا رب ~~كيف أشكرك مع أن الشكر نعمة أخرى ، وتستدعي شكرا آخر ؟ فأوحى الله تعالى ~~عليه ، يا داوود عندما عرفت بأن كل نعمة نازلة عليك ، تكون مني ، فقد ~~شكرتني) . # يقول الكاتب : إن ما ذكره المحققون في الشكر مبني على المجاز والمسامحة ، ~~لأن الشكر لا يكون نفس المعرفة بالقلب ، والاظهار باللسان ، والعمل ~~بالاعضاء والجوارح ، بل هو حالة نفسية ناجمة عن معرفة المنعم والنعمة وأن ~~هذه النعمة من المنعم ، وتنتج ms279 من هذه الحال الاعمال القلبية والقالبية ~~العمل بالجوارح . كما ذكر للشكر بعض المحققين معنى يقترب من هذا المعنى ، ~~رغم أن كلامهم ايضا لا يخلو من المسامحة . # وقال المحقق (1) الطوسي قدس سره : الشكر أشرف الاعمال وافضلها واعلم ان ~~الشكر مقابلة النعمة بالقول والفعل والنية وله أركان ثلاثة : # الاول معرفة المنعم وصفاته اللائقة به ، ومعرفة النعمة من حيث إنها نعمة ~~ولا تتم تلك المعرفة الا بأن يعرف أن النعم كلها جليها وخفيها من الله ~~سبحانه وأنه المنعم الحقيقي وأن الخلق كلهم منقادون لحكمه مسخرون لأمره . # الثاني الحال التي هي ثمرة تلك المعرفة ، وهي الخضوع والتواضع والسرور ~~بالنعم ، من حيث إنها هدية دالة على عناية المنعم بك ، وعلامة ذلك أن لا ~~تفرح من الدنيا إلا بما يوجب القرب منه . # الثالث العمل الذي هو ثمرة تلك الحال فإن تلك الحال اذا حصلت في القلب ~~حصل فيه نشاط للعمل الموجب للقرب منه ، وهذا العمل يتعلق بالقلب واللسان ~~والجوارح . # أما عمل القلب فالقصد الى تعظيمه وتحميده وتمجيده ، والتفكر في صنائعه ~~وأفعاله وآثار لطفه ، والعزم على ايصال الخير والاحسان الى كافة خلقه ، ~~وأما عمل اللسان فإظهار ذلك المقصود بالتحميد والتمجيد والتسبيح والتهليل ، ~~والامر بالمعروف والنهي عن المنكر الى غير ذلك ، وأما عمل الجوارح فاستعمال ~~نعمه الظاهرة والباطنة في طاعته وعبادته ، والتوقي من PageV01P319 الاربعون حديثا :320 # الاستعانة بها في معصيته ومخالفته كاستعمال العين في مطالعة مصنوعاته ، ~~وتلاوة كتابه ، وتذكر العلوم المأثورة عن الانبياء والاوصياء عليهم السلام ~~وكذا سائر الجوارح . انتهى كلامه . ### || AUTO فصل: في كيفية الشكر # اعلم أن شكر نعم الحق المتعالي سبحانه الظاهرية والباطنية ، من ~~المسؤوليات اللازمة للعبودية ، حيث يجب على كل شخص حسب قدرته المتيسرة أن ~~يشكر ربه ، رغم أن أحدا من المخلوقين لا يستطيع أن يؤدي حق شكره تعالى . ~~ويكون منتهى الشكر في معرفة الانسان عجزه عن النهوض بحق شكره سبحانه . كما ~~أن غاية العبودية تكون في معرفة الانسان عجزه عن القيام بحق العبودية له ~~تعالى . ومن هذا المنطلق اعترف الرسول الاكرم صلى الله عليه ms280 وآله وسلم ~~بالعجز ، مع أن شخصا لم يشكر ربه ولم يعبده ، بمثل شكر ذلك الوجود المقدس ~~وعبوديته ، لأن كمال الشكر ونقصه يتبعان التعرف الكامل على المنعم واحسانه ~~، والتعرف الناقص على المنعم وجميله . ولهذا لم يستطع أحد من النهوض بحق ~~شكره . لأن أحدا لم يعرفه حق معرفته . # إنما العبد يكون شكورا ، اذا علم ارتباط الخلق بالحق ، وعلم انبساط رحمة ~~الحق من اول ظهوره الى ختامه ، وعلم ارتباط النعم بعضها مع بعض وعلم بداية ~~الوجود ونهايته على ما هو عليه . ومثل هذه المعرفة لا تحصل الا للخلص من ~~أولياء الله الذين كان أشرفهم وأفضلهم ، الذات المقدس خاتم الانبياء صلى ~~الله عليه وآله وسلم ، وأن كافة الناس محجوبون عن بعض مراتب هذه المعرفة بل ~~عن أكثر مراتبها واعظمها . بل ما دامت حقيقة سريان ألوهية الحق لم تنتقش في ~~قلب العبد بعد ولم يؤمن بأنه (لا مؤثر في الوجود الا الله) ولا تزال غبرة ~~الشرك والشك عالقة في قلبه ، لا يستطيع أن يؤدي شكر الحق المتعالي كما يجب ~~أن يكون . ان الذي يلتفت الى الاسباب ، ويرى تأثير الموجودات بصورة مستقلة ~~، ولا يرجع النعم الى ولي النعم ومصدرها ، يكون كافرا بنعم الحق المتعالي . ~~انه قد نحت اصناما وجعل لكل واحد منها دورا مؤثرا . إنه قد ينسب الاعمال ~~الى نفسه ، بل يجعل شخصه متصرفا في الامور . وقد يتحدث عن فعالية طبائع ~~عالم الكون . وقد يرى الناس بأن النعم من الارباب الظاهريين الصوريين ، ~~ويجردون الحق من التصرف ، ويقولون بأن يد الله مغلولة «غلت أيديهم ولعنوا ~~بما قالوا» (1) . إن يد الحق مبسوطة وأن كل دائرة الوجود منه في الواقع ~~والحقيقة ، ولا مجال للآخرين فيها . بل إن العالم بأسره مظهر قدرته ونعمته ~~، وأن رحمته وسعت كل شيء وأن جميع النعم منه ، وليست لأحد نعمة حتى يعد ~~منعما . بل إن وجود العالم منه ، وغيره لا وجود له حتى يصدر عنه شيء ، PageV01P320 الاربعون حديثا :321 # ولكن العيون عمياء ، والآذان صماء والقلوب محجوبة . نصف بيت شعر : # «ابحث عن عين تثقب الاسباب الظاهرية ms281 كي ترى السبب الحقيقي» . # الى متى والى أي مستوى تكفر قلوبنا الميتة بنعم الحق سبحانه ، وتتعلق ~~بهذا العالم وظروفه وأشخاصه ؟ إن هذه التعلقات والتوجهات ، كفران لنعم ذاته ~~المقدس وإسدال ستار على رحمته . # ومن هنا يعلم أن النهوض بحق شكره لا يكون في مستطاع أي شخص ، كما يقول ~~الحق المتعالي جل جلاله «وقليل من عبادي الشكور» (1) فإن القليل من العباد ~~يعرفون كما ينبغي نعم الحق . ولهذا فإن القليل من العباد يؤدون الشكر للحق ~~جل جلاله كما يستحق . # ولا بد من معرفة أنه كما تختلف مستويات معرفة العباد ، كذلك تختلف مراتب ~~شكرهم . وأيضا أن مراتب الشكر مختلفة ، لأن الشكر هو الثناء على النعم التي ~~وهبها المنعم . فإذا كانت النعم من قبيل النعم الظاهرية كانت لها مرتبة من ~~الشكر ، وإذا كانت من النعم الباطنية كانت لها مرتبة أخرى . وإذا كانت من ~~نوع العلوم والمعارف كان شكرها من نوع آخر ، وإن كانت من تجليات الاسماء ، ~~كان لها شكر وإن كانت من قبيل التجليات الذاتية الأحدية كان هناك شكر آخر . ~~وحيث أن جميع مراتب النعم متوفرة لقليل من العباد ، كان النهوض بأداء الشكر ~~على جميع المستويات لقليل من العباد ، وهم الخلص من الاولياء الجامعين ~~لجميع الحضرات ، والذين هم برزخ البرازخ ، والحافظين لكل المراتب الظاهرة ~~والباطنة ، ولهذا يكون شكرهم مع جميع الألسنة الظاهرة والباطنة والسرية . # والشكر وإن قالوا إنه من المقامات العامة لأنه مقرون بدعوى مكافأة ~~المنعم على أنعامه . فيعد هذا من إساءة الأدب للمنعم ولكن هذه المقارنة ~~تكون لغير الاولياء خصوصا الكامل منهم ، الجامع للحضرات ، والحافظ لمقامي ~~الكثرة والوحدة . ولهذا قال الشيخ العارف الخواجة الانصاري ، رغم قوله بأن ~~الشكر من المقامات العامة : «والدرجة الثالثة أن لا يشهد العبد إلا المنعم ~~فإذا شهد المنعم عبودية استعظم منه النعمة ، وإذا شهده حبا استحلى منه ~~الشدة ، وإذا شهده تفريدا لم يشهد منه نعمة ولا شدة» . # توضيحه : إن الدرجة الثالثة من الشكر هو مشاهدة العبد لجمال المنعم ~~والتأمل فيه وله مقامات ثلاثة : # الاول : أن يشاهد جمال المنعم مشاهدة العبد ms282 الذليل لمولاه ، ويغفل عن ~~نفسه ويستغرق PageV01P321 الاربعون حديثا :322 # في آداب الحضور ، ولا يرى لنفسه اعتبارا . فإذا أنعم عليه في اللحظات ~~التي فيها يحتقر نفسه ، بنعمة استعظمها ، ويجد نفسه غير مؤهل لتلك النعمة . # الثاني : أن يشاهده مشاهدة الصديق لصديقه ، وفي هذه الحال يستغرق في جمال ~~محبوبه ، وكل ما يرى منه يكون محبوبا لديه ومستمتعا منه ، حتى إذا كان شاقا ~~ومجهدا . # الثالث : يشاهده مشاهدة التفريد ومن دون تعينات الاسماء ، بل يشاهد نفس ~~الذات ، فيغفل عن نفسه وعن غيره ، ولا يكون مشهودا له إلا ذات الحق من دون ~~أن يرى أو يشاهد شدة . # فعلم أن أوائل المقامات في كل من مقامات السالكين هي من السبل العامة ، ~~وفي نهاية المقامات يتخصص الأمر للخلص بل للكملين . ### ||| AUTO تكملة: في فضيلة الشكر على ضوء الاخبار الماثورة # ونختم هذا المقام بذكربعض أحاديث الشكر . # في الكافي : بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : «الطاعم الشاكر له من الأجر كأجر الصائم المحتسب ~~. والمعافى الشاكر له من الأجر كأجر المبتلى الصابر . والمعطى الشاكر له من ~~الاجر كأجر المحروم القانع» (1) . # وبإسناده عن عبيد الله بن الوليد قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام ~~يقول : «ثلاث لا يضر معهن شيء : الدعاء عند الكرب ، والاستغفار على الذنوب ~~، والشكر عند النعمة» (2) . # وبإسناده عن أبي بصير قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : «إن الرجل ~~منكم ليشرب الشربة من الماء فيوجب الله له بها الجنة . ثم قال : إنه ليأخذ ~~الإناء فيضعه على فيه فيسمى ثم يشرب فينحيه وهو يشتهيه فيحمد الله ثم يعود ~~فيشرب ثم ينحيه فيحمد الله ثم يعود فيشرب ثم ينحيه فيحمد الله فيوجب الله ~~عز وجل بها له الجنة» (3) . # وحمد الله يساوي الشكر . كما ورد في الروايات الكثيرة أن من قال (الحمد ~~لله) فقد شكر الله . كما في كتاب الكافي الشريف بسنده إلى عمر بن يزيد : ~~قال : «سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : شكر كل نعمة وإن عظمت أن تحمد ~~الله ms283 عز وجل عليها» (4). PageV01P322 # الاربعون حديثا :323 # وبإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال : «شكر النعمة اجتناب المحارم ~~، وتمام الشكر قول الرجل : الحمد لله رب العالمين» (1) . # وبإسناده عن حماد بن عثمان قال : «خرج أبو عبد الله عليه السلام من ~~المسجد وقدضاعت دابته فقال : لئن ردها الله علي لأشكرن الله حق شكره . قال ~~: فما لبث أن اتي بها ، فقال : الحمد لله . فقال له قائل : جعلت فداك أليس ~~قلت : لأشكرن الله حق شكره ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام : ألم تسمعني ~~قلت : الحمد لله» (2) . # ويفهم من هذا الحديث ، أن حمد الله سبحانه من أفضل مصاديق الشكر باللسان . # إن من آثار الشكر ، زيادة النعمة ووفورها ، كما صرح بذلك الكتاب الكريم ~~«لئن شكرتم لأزيدنكم» . وفي كتاب الكافي الشريف عن الامام الصادق عليه ~~السلام : # قال : «من اعطي الشكر اعطي الزيادة ، يقول الله عز وجل : «لئن شكرتم ~~لأزيدنكم» (3) . ### ||| AUTO تتميم # إعلم أن عائشة قد حسبت بأن سر العبادات ، ينحصر في الخوف من العذاب أو في ~~محو السيئات ، وتصورت بأن عبادة النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~مثل عبادة كافة الناس ، ولهذا بادرت الى الاعتراض عليه قائلة : لماذا تجهد ~~نفسك ؟ وقد نشأ هذا الظن من جراء جهلها لمقام العبادة والعبودية ولمقام ~~النبوة والرسالة ، حيث لم تعرف بأن عبادة العبيد والاجراء بعيدة عن ساحة ~~قدسه ، وأن عظمة الرب ، وشكر نعمه اللامتناهية قد سلبت الراحة والقرار من ~~حضرته صلوات الله عليه ، بل إن عبادة الاولياء الخلص ، انتقاش للتجليات ~~اللامتناهية للمحبوب ، كما أشير اليه في الصلاة المعراجية . # إن الأولياء عليهم السلام رغم إنهم ينصهرون في الجمال والجلال ، ويفنون ~~في الصفات والذات ، لا يغفلون عن كل مرحلة من مراحل العبودية . وإن حركات ~~أبدانهم تتبع حركاتهم العشقية الروحانية ، وهي تتبع كيفية ظهور جمال ~~المحبوب ، ولكن لا يمكن التحدث مع عائشة بجواب مفحم ، بل اقتصر عليه الصلاة ~~والسلام على جواب مقنع ، حيث بين مرتبة من المراتب النازلة للعبادة حتى ~~تعرف هذا المقدار بأن عبادات حضرته ليست لهذه الأمور الدنية الحقيرة . ~~والحمد لله ms284 . PageV01P323 # الاربعون حديثا :324 ### || AUTO فصل: # روى علي بن ابراهيم في تفسيره بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام وأبي ~~عبدالله عليه السلام قالا : «كان رسول الله إذا صلى قام على أصابع رجليه ~~حتى تورمت (1) ، فأنزل الله تبارك وتعالى : «طه» بلغة طي : يا محمد ما ~~أنزلنا الآية» (2) . # وعن الصدوق في معاني الأخبار بإسناده عن سفيان الثوري عن الصادق عليه ~~السلام في حديث طويل قال فيه : «وأما «طه» فاسم من أسماء النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ومعناه : يا طالب الحق الهادي اليه» . # وروي عن ابن عباس وآخرين أن (طه) بمعنى أيها الرجل . ونقل عن بعض العامة ~~أن (ط) اشارة الى طهارة قلب الرسول الاكرم من غير الله و(الهاء) تلويح الى ~~ان قلبه اهتدى الى الله .وقيل إن (ط) طرب أهل الجنة و(الهاء) هوان أهل جهنم ~~. وقال الطبرسي رحمه الله (روي عن الحسن أنه قرأ طه بفتح الطاء وسكون الهاء ~~. فإن صح ذلك فأصله طأ ، فأبدل من الهمزة هاء ومعناه طإ الارض بقدميك جميعا ~~. انتهى) . # ومجمل الكلام أنه يوجد اختلاف شديد في الحروف المقطعة الواقعة في أوائل ~~بعض السور . وما يوافق الاعتبار أكثر من غيره هو أنها إشارات ورموز تستعمل ~~بين المحب والحبيب ولا يستطيع أحد أن يعرف شيئا عنها . وما ذكره بعض ~~المفسرين حول تلك الحروف حسب حرصهم وحدسهم فهو حدس موهون لا مستند له غالبا ~~. وفي حديث أبي سفيان الثوري أيضا إشارة إلى أنها رموز . ولا يستبعد أن ~~تكون أمورا فوق القدرة الاستيعابية للإنسان ، وقد خص الله سبحانه فهمها ~~بالمخاطبين المخصوصين من أوليائه . # والشقاء والشقاوة ضد السعادة ، ومعناها النصب والتعاسة . قال الجوهري ~~(الشقاء والشقاوة بالفتح نقيض السعادة) . # روى الطبرسي في الاحتجاج عن موسى بن جعفر عليه السلام عن آبائه عليهم ~~السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام : «ولقد قام رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عشر سنين على أطراف PageV01P324 الاربعون حديثا :325 # أصابعه حتى تورمت قدماه واصفر وجهه ، يقوم الليل أجمع حتى عوتب في ذلك ، ~~فقال الله عز وجل : «طه ms285 * ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى» بل لتسعد به» (1) . # وروي عن الامام الصادق عليه السلام (أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يرفع إحدى رجليه في العبادة ، كي يزيد تعبه وجهده ، فأنزل الله ~~عليه هذه الآية المباركة) . وقال بعض المفسرين هو جواب للمشركين حين قالوا ~~إنه شقي فقال سبحانه يا رجل « ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى» . # وقال شيخنا العارف الكامل الشاه آبادي : إن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم عندما دعا الناس الى رسالته ولم يجد الإصغاء المطلوب والدخول في دين ~~الله حسب المستوى المرغوب فيه ، أبدى احتمالا في نفسه وهو النقص في دعوته ~~الداعي فانصرف الى ترويض نفسه طيلة عشرة أعوام حتى ورمت قدماه ، فنزلت هذه ~~الآية المباركة مخاطبه إياه« ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى» ، إنك طاهر وهاد ~~، ولا يوجد عيب ونقص فيك ، بل النقيصة في الناس «إنك لا تهدي من أحببت» (2) . # وعلى أي حال يستفاد من هذه الآية المباركة ، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان في ترويض وتعب وجهد . ويستفاد من مجموع أحاديث المفسرين هذا ~~المعنى أيضا ، رغم اختلافهم في كيفية الترويض والتعب . # ويجب أن تكون هذه الآية المباركة ، قدوة للناس جميعا وخاصة للعلماء الذين ~~يريدون القيام بالدعوة الى الله تعالى ، حيث أن رسول الله مع طهارة قلبه ~~وكماله التجأ الى الترويض وأتعب نفسه حتى نزلت الآية الشريفة من الحق ~~المتعالي ونحن رغم ثقل الخطايا والذنوب ، لم نفكر البتة في معادنا ومآلنا ~~وكأننا نحمل صك الخلاص والبراءة من جهنم والأمان من العذاب . وهذا لا يكون ~~إلا نتيجة أن حب الدنيا قد أصم آذاننا فلا نسمع كلمات الاولياء والانبياء . PageV01P325 # الاربعون حديثا :326 PageV01P326 الاربعون حديثا :327 ### | AUTO الحديث الثاني والعشرون # الانسان وكراهته للموت PageV01P327 الاربعون حديثا :328 # بالسند المتصل الى ركن الاسلام وثقته محمد بن يعقوب الكليني ، عن محمد بن ~~يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن بعض أصحابه ، عن الحسن بن علي بن أبي عثمان ، ~~عن واصل ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد الله ms286 عليه السلام قال : «جاء ~~رجل إلى أبي ذر فقال : يا أبا ذر ما لنا نكره الموت ؟ فقال : لأنكم عمرتم ~~الدنيا وأخربتم الآخرة ، فتكرهون أن تنقلوا من عمران إلى خراب ، فقال له : ~~فكيف ترى قدومنا على الله ؟ فقال : أما المحسن منكم فكالغائب يقدم على أهله ~~؛ وأما المسيء منكم فكالآبق يرد على مولاه . قال : فكيف ترى حالنا عند الله ~~؟ قال : إعرضوا أعمالكم على الكتاب ، إن الله يقول :« إن الأبرار لفي نعيم ~~* وإن الفجار لفي جحيم» قال : فقال الرجل : فأين رحمة الله ؟ قال : رحمة ~~الله قريب من المحسنين» . # قال أبو عبدالله عليه السلام : «وكتب رجل الى أبي ذر رضي الله عنه : يا ~~أبا ذر : أطرفني بشيء من العلم . فكتب اليه : إن العلم كثير ولكن إن قدرت ~~أن لا تسيء إلى من تحبه فافعل . فقال له الرجل : وهل رأيت أحدا يسيء إلى من ~~يحبه ؟ فقال له : نعم ، نفسك أحب الأنفس إليك فإذا أنت عصيت الله فقد أسأت ~~إليها» (1) . PageV01P328 # الاربعون حديثا :329 ### || AUTO الشرح : # ان الناس يختلفون كثيرا في كراهية الموت والخوف منه ، كما أنهم يختلفون ~~في مناشئ هذه الكراهية . وما ذكره أبو ذر رضوان الله تعالى عليه في الرواية ~~المذكورة فهو مرتبط بالمتوسطين من الناس . ونحن نذكر إجمالا موقف الناقصين ~~والكاملين من الناس ، تجاه الموت . # فلا بد أن نعرف بأن كراهتنا للموت ، وخوفنا منه نحن الناقصين ، لأجل أمر ~~أشرنا اليه لدى شرح بعض الأحاديث المتقدمة ، وهو أن الانسان حسب فطرته التي ~~فطرها الله سبحانه ، وجبلته الأصلية ، يحب البقاء والحياة ، ويتنفر من ~~الفناء والممات ، وهذا يرتبط بالبقاء المطلق والحياة الدائمية السرمدية ، ~~أي البقاء الذي لا فناء فيه والحياة التي لا زوال فيها . إن بعض الكبار قد ~~أثبتوا المعاد يوم القيامة مع هذه الفطرة التي تحب الحياة والبقاء ، حسب ~~بيان يوجب ذكره هنا الخروج عن المقصود . وحيث أن في فطرة الانسان هذا الحب ~~وذاك التنفر ، فإنه يحب ويعشق ما يرى فيه البقاء ، ويحب ويعشق العالم الذي ~~يرى فيه الحياة الخالدة ، ويهرب من العالم الذي يقابله . وحيث ms287 إننا لا نؤمن ~~بعالم الآخرة ، ولا تطمئن قلوبنا نحو الحياة الأزلية ، والبقاء السرمدي ~~لذلك العالم ، نحب هذا العالم ، ونهرب من الموت حسب تلك الفطرة والجبلة . # وقد ذكرنا سابقا أن الإدراك والإذعان العقلي يختلف عن الإيمان والاطمئنان ~~القلبي . نحن ندرك عقلا أو نصدق أحاديث الانبياء تعبدا بأن الموت الذي هو ~~انتقال من النشأة النازلة المظلمة الملكية إلى عالم آخر ، عالم حياة دائمية ~~نورانية ، ونشأة باقية عالية ملكوتية حق ، ولكن قلوبنا لا تحظى بشيء من ~~هذه المعرفة ، ولا علم لها عن ذلك . بل إن قلوبنا قد أخلدت إلى أرض الطبيعة ~~، والنشأة الملكية ، ونعتبر الحياة هي هذه الحياة النازلة الحيوانية ~~الملكية ، ولا نرى بقاء وحياة للعالم الثاني ، عالم الآخرة ، وعالم الحيوان ~~. ولهذا نركن ونعتمد على هذا العالم المادي ونخاف ونهرب ونتنفر من ذلك ~~العالم عالم الآخرة . إن كل شقائنا هذا من PageV01P329 الاربعون حديثا :330 # وراء النقص في الإيمان بيوم القيامة ومن عدم الاطمئنان بعالم الآخرة . لو ~~أننا آمنا بعالم الآخرة والحياة الأبدية ، عشر اطمئناننا بالحياة الدنيوية ~~وعيشها ، وعشر إيماننا بحياة هذا العالم وبقائه ، لتعلقت قلوبنا بذلك ~~العالم أكثر ولعشقناه ، ولسعينا قليلا في إصلاح الطريق وترميمه . ولكن ~~المؤسف أن إيماننا بالآخرة قد نضب في القلب ، وأن يقيننا متزلزل ، فنضطر ~~إلى أن نخاف من الموت والفناء والزوال . وعليه ينحصر العلاج الحاسم في ~~ادخال الإيمان إلى القلب عبر التفكير والذكر النافع والعلم والعمل الصالح . # وأما خوف وكراهة المتوسطين ، للموت ، أي الذين لا يؤمنون بعالم الآخرة ، ~~فلأن قلوبهم انشدت إلى تعمير الدنيا ، وغفلت عن تعمير الآخرة ، ولهذا لا ~~يرغبون في الانتقال من مكان فيه العمران والازدهار إلى مكان فيه الدمار ~~والخراب . كما ذكر ذلك أبو ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه ، وهذا أيضا ناتج ~~من نقص في الإيمان والاطمئنان . وأما إذا كان الإيمان كاملا ، فلا يسمح ~~الإنسان لنفسه أن يشتغل بأمور الدنيوية المنحطة ويغفل عن بناء الآخرة . # وملخص الكلام أن كل هذه الوحشة والكراهية والخوف ، تكون نتيجة بطلان ~~أعمالنا ، واعوجاج سلوكنا ومخالفتنا لمولانا ، في حين أنه إذا ms288 كان نهجنا ~~صحيحا وكنا نقوم بمحاسبة أنفسنا لما إستوحشنا من الحساب يوم القيامة ، لان ~~المحاسبة هناك عادلة ، والمحاسب يكون عادلا ، فخوفنا من الحساب لأجل سوء ~~أعمالنا وتزويرنا واحتيالنا ، وليس من أجل المحاسبة . # ففي الكافي الشريف نسبة إلى الإمام موسى بن جعفر عليه السلام قال : «ليس ~~منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم ، فإن عمل حسنا استزاد الله وإن عمل سيئا ~~استغفر الله منه وتاب إليه» (1) . # فلو تحملنا محاسبة أنفسنا ، لما واجهنا صعوبة في موقفنا يوم الحساب ، ~~ولما دخل علينا الخوف والفزع . وهكذا كل المهالك والمواقف في ذلك العالم ~~نتيجة أعمالنا في هذا العالم . # مثلا : إذا انتهجت في هذا العالم صراط النبوة ، والطريق المستقيم للولاية ~~، ولم تنحرف عن محجة ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام ، ولم تنزلق أقدامك ~~، لما كان عليك بأس حين اجتيازك على الصراط يوم القيامة . لأن حقيقة الصراط ~~هي الصورة الباطنية للولاية . كما ورد في الأحاديث الشريفة أن أمير ~~المؤمنين عليه السلام هو الصراط . وفي حديث آخر : نحن الصراط المستقيم (3) ~~وفي الزيارة المباركة الجامعة الكبيرة «أنتم السبيل الأعظم والصراط الأقوم» ~~(4) . فمن كان على هذا الصراط مستقيما في حركته في الحياة الدنيا ، ولم ~~يضطرب قلبه لما اضطربت أيضا أقدامه على الصراط في الحياة الآخرة ، وإنما ~~يجتازه كالبرق الخاطف . وهكذا إذا كانت PageV01P330 الاربعون حديثا :331 # أخلاقه طيبة ، وملكاته عادلة ونورانية ، لكان في مأمن من ظلمة القبر ~~ووحشته ، وعالم البرزخ ومخاوفه ، وعالم القيامة وأهوالها ، ولم يكن عليه ~~خوف من تلك النشآت . فعليه يكون الداء منا والدواء أيضا منا . كما قال أمير ~~المؤمنين عليه السلام في الابيات المنسوبة إليه : # دواؤك فيك وما تشعر # وداؤك منك وما تبصر # وفي الكافي الشريف بسنده إلى الامام الصادق عليه السلام أنه قال لرجل : ~~«إنك قد جعلت طبيب نفسك ، وبين لك الداء ، وعرفت آية الصحة ، ودللت على ~~الدواء ، فانظر كيف قيامك على نفسك» (1) # أيها الإنسان فيك أعمال وأخلاق وعقائد فاسدة ، وتكون رسالات الأنبياء ~~وأنوار الفطرة والعقل ، أدوية ناجعة ، ويتم إصلاح النفوس بالسعي في تزكيتها ~~وتصفيتها ms289 . # هذا تمام الكلام في حال المتوسطين . # وأما الكملون ، والمؤمنون المطمئنون ، فإنهم لا يكرهون الموت ولكنهم ~~يستوحشونه ويخافونه ، لأنهم يخشون عظمة الحق المتعالي ، وجلال ذاته المقدسة ~~، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «فأين هول المطلع؟» وكما كان ~~أمير المؤمنين عليه السلام ليلة التاسع عشر من شهر رمضان مندهشا دهشة عظيمة ~~وفزعا ، رغم أنه كان يقول : «والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي ~~أمه» (2) . وملخص الحديث أن خوف هؤلاء يكون من أمور أخرى ، ولا يكون من نوع ~~خوفنا نحن المصفدين بالآمال والأماني ، والمحبين للدنيا الفانية . وإن قلوب ~~أولياء الله من جراء الخوف في منتهى الاختلاف فيما بينها حتى لا يمكن عد ~~المراتب المختلفة وإحصائها . ونحن نشير إلى بعضها بصورة مجملة فنقول : # إن قلوب الأولياء تختلف فيما بينها في قبول تجليات الأسماء : فبعضها قلوب ~~عشقية وشوقية وأن الحق المتعالي يتجلى في تلك القلوب من خلال أسمائه ~~الجمالية ، وذاك التجلي ، يبعث على الشوق والخوف ، فإن الخوف يكون من ~~مضاعفات تجلى عظمة سبحانه . وإن قلب الواله العاشق يكون مضطربا حين اللقاء ~~مع حبيبه ، وفي نفس الوقت يكون مستوحشا وخائفا . ولكن هذا الخوف والاستيحاش ~~يختلفان عن المخاوف العادية . # وبعضها قلوب خوفية وحزينة ، وأن الحق المتعالي يتجلى في تلك القلوب بواسطة PageV01P331 الاربعون حديثا :332 # الأسماء الجلالية والعظمة ، فيحصل الوجد والحب الشديد المشوب بالخوف ، ~~والحيرة المشوبة بالحزن . وفي الحديث أن النبي يحيى عليه السلام رأى يوما ~~النبي عيسى عليه السلام يضحك ، فعاتبه قائلا : أتأمن مكر الله وعذابه ، ~~فأجاب عيسى عليه السلام أأنت آيس من رحمة الله وفضله ؟ فأوحى الله سبحانه ~~إليهما من كان منكما يحسن الظن بي أكثر فهو محبوب عندي أكثر . # فلما تجلى الحق المتعالي في قلب يحيى عليه السلام من خلال الأسماء ~~الجلالية كان يحيى خائفا ، ومؤنبا للنبي عيسى عليه السلام بتلك الشدة . ~~ولكن الحق قد تجلى بأسمائه الجمالية في قلب عيسى عليه السلام فأجاب عيسى ~~يحيى حسب تجليات الرحمة . ### || AUTO فصل: # إعلم أن الظاهر من هذا الحديث الثاني والعشرين عندما ms290 يقول : «عمرتم ~~الدنيا وأخربتم الآخرة» أن دار الآخرة والجنة مشيدة وقائمة ، وتتهدم ~~بأعمالنا . ومن الواضح أن المقصود من قوله عمرتم الدنيا وأخربتم الآخرة ~~هو التشابه به في التعبير ، فإنه لما عبر عن الدنيا بالتعمير عبر عن دار ~~الآخرة بالتخريب . وإن عالم الجنة والنار وإن كانا مخلوقين ، ولكن تعمير ~~دار الجنة ومواد بناء جهنم تابعة لأعمال أهلها . ففي الرواية أن أرض الجنة ~~جرداء ومواد بنائها أعمال بني الإنسان . وهذا يتطابق مع البرهان وكشف أهل ~~المكاشفة . كما يقول بعض العرفاء المحققين : (إعلم عصمنا الله وإياك أن ~~جهنم من أعظم المخلوقات ، وهي سجن الله في الآخرة . وإنما سميت بجهنم لبعد ~~قعرها حيث يقال لبئر بعيد الغور والعمق بئر جهنام . وهي تحتوي على حرارة ~~وزمهرير البرودة وتكون برودتها في أقصى درجات البرودة ، وحرارتها في أقصى ~~درجات الحرارة ، وتعتبر المسافة بين أعلاها وأسفلها مسيرة سبعمائة وخمسين ~~عاما . والناس اختلفوا في أن جهنم مخلوقة أم غير مخلوقة ، وكان الخلاف في ~~ذلك مشهورا . كما أنهم اختلفوا في أن الجنة مخلوقة أم غير مخلوقة . أما ~~عندنا وعند أصحابنا من أهل المكاشفة والمعرفة فأن الجنة وجهنم مخلوقتان ~~وغير مخلوقتين أما أنهما مخلوقتان فإن مثلهما ، مثل رجل بنى بيتا وأقام ~~الجدار الخارجي حيث يقال له بيت ، ولكننا عندما ندخل لا نجد شيئا إلا سوره ~~وحائطه الذي يصون البيت من الخارج ، ولكن بعد ذلك يشيد البيت حسب طلب ~~الساكنين من بناء الغرف والمرافق والملاجئ وحسب هدف صاحب البيت وما ينبغي ~~أن يكون فيه . انتهى) . # وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لما أسرى بي إلى ~~السماء دخلت الجنة فرأيت فيها قيعان ورأيت فيها ملائكة يبنون لبنة من ذهب ~~ولبنة من فضة وربما أمسكوا ، فقلت لهم : ما بالكم قد أمسكتم . فقالوا : ~~تجيئنا النفقة . فقلت : وما نفقتكم ؟ قالوا قول المؤمن PageV01P332 الاربعون حديثا :333 # سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فإذا قال بنينا وإذا ~~سكت أمسكنا) (1) . # وخلاصة الحديث أن صورة الجنة وجهنم الجسمانيتين الماديتين هي صور الأعمال ms291 ~~والأفعال الحسنة والسيئة لبني آدم حيث تعود إليهم يوم الآخرة كما أن الآيات ~~الشريقة قد أشارت إلى ذلك مثل قوله تعالى : «ووجدوا ما عملوا حاضرا» (2) ~~وقوله : «إنما هي أعمالكم ترد إليكم» (3) ومن الممكن أن يكون عالم الجنة ~~وعالم جهنم نشأتين ودارين مستقلين يتحرك إليهما بالحركة الجوهرية ، ~~والدوافع الملكوتية والحركات الإرادية العملية والخلقية . وإن كانت حظوظ كل ~~من الناس من صور أعمال أنفسهم . # وعلى أي حال فإن عالم الملكوت الأعلى عالم الجنة الذي هو عالم مستقل ~~وتساق النفوس السعيدة إليه . وعالم جهنم هو الملكوت السفلي الذي تساق إليه ~~النفوس الشقية . وما يعود إلى الإنسان في كل من النشأتين من الصور البهية ~~الحسنة أو الصور المؤلمة المدهشة فهي أعمال نفس الإنسان . # وبهذا البيان نجمع بين ظواهر الكتاب والأخبار المختلفين بحسب الظاهر . ~~كما أن هذا البيان يوافق البرهان ومسلك ذوي العرفان أيضا . ### || AUTO فصل: # لا يخفى أن حديث أبي ذر رضوان الله تعالى عليه في هذا المقام ، حديث جامع ~~، وكلام متين ، لا بد من المحافظة عليه . فإنه أبو ذر لما قال : اعرضوا ~~أعمالكم على الكتاب الكريم حيث يقول : «إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي ~~جحيم» تمسك الرجل بالرحمة قائلا : فأين رحمة الله ؟ قال أبو ذر لا تكون ~~رحمة الحق من دون قيد ولا شرط بل هي قريبة من المحسنين . # إعلم أن الشيطان الملعون ، والنفس الأمارة بالسوء الخبيثة ، يغرران ~~بالإنسان عبر طرق كثيرة ، ويقودانه إلى الهلاك الأبدي الدائمي ، وآخر وسيلة ~~يلتجآن إليها ، هي تغرير الإنسان في بدء الأمر برحمة الحق سبحانه ، ومنعه ~~بذلك عن المضي في العمل الصالح ، وهذا الاتكال على الرحمة من مكائد الشيطان ~~وأساليب تضليله . والدليل على ذلك أننا في قضايانا الدنيوية ، لا نعتمد على ~~رحمة الحق سبحانه ، بل نرى العوامل الطبيعية والظاهرية ، مستقلة ومؤثرة ~~بدرجة كأنه لا أثر في الوجود إلا للأسباب الظاهرية . ولكننا في الأمور ~~الأخروية نتكل غالبا حسب زعمنا على وجود الحق سبحانه ، ونغفل عن توجيهه لنا ~~وتوجيه رسوله صلى الله عليه وآله PageV01P333 الاربعون حديثا :334 # وسلم ، فكأن ms292 الله لم يزودنا بالقدرة على العمل ، ولم يعلمنا سبيل الصواب ~~، والاعوجاج . # وخلاصة الكلام نكون في شؤوننا الدنيوية من المفوضة ، وفي شؤوننا الأخروية ~~من الجبريين ، غافلين عن أن هذين المسلكين باطلان وفاسدان ومخالفان لإرشاد ~~الأنبياء صلى الله عليهم ، ومنهج أئمة الهدى ، والأولياء المقربين . مع ~~أنهم كانوا جميعا يؤمنون برحمة الحق وكان إيمانهم أكثر من الآخرين . رغم ~~ذلك كله ، لم يغفلوا لحظة واحدة عن أداء واجبهم ، ولم يتوقفوا عن السعي ~~وبذل الجهد دقيقة واحدة . # أخي ادرس صحائف أعمالهم : أدعية ومناجاة سيد الساجدين وزين العابدين عليه ~~السلام وتدبر أنه ماذا كان يفعل في مقام العبودية ؟ وكيف كان ينهض بدور ~~العبودية ؟ ومع ذلك عندما يلقي السيد السجاد نظرة على صحيفة مولى المتقين ~~، أمير المؤمنين عليه السلام ، يبدى أسفه ، ويظهر عجزه ! # فنحن إما أن نكذبهم نعوذ بالله ونقول بأنهم لم يطمئنوا ولم يؤمنوا ~~برحمة الحق سبحانه ، مثلما أننا لم نؤمن ولم نطمئن برحمته عز وجل . أو نكذب ~~أنفسنا ، ونفهم بأن هذه الأقوال التي نتفوه بها من مكائد الشيطان وإغراءات ~~النفس ، حيث يريدان ان تضليلنا عن الصراط المستقيم . نعوذ بالله من شرهما . # فيا أيها العزيز ، كما قال أبو ذر للرجل : إن العلم كثير ، ولكن العلم ~~النافع لأمثالنا أن لا نسيئ إلى أنفسنا ونعرف بأن أوامر الأنبياء والأولياء ~~عليهم السلام تكشف عن حقائق نحن محجوبون عنها . إنهم يعلمون بأن للأخلاق ~~الذميمة والأعمال السيئة ، صورا بشعة وثمارا فاسدة ، وان للأعمال الحسنة ~~والأخلاق الكريمة صورا جميلة ملكوتية . إنهم حدثونا عن كل شيء عن الدواء ~~والعلاج وعن الداء والسقم . فإذا كنت عطوفا على نفسك ، فلا بد وأن لا ~~تتجاوز هذه الإرشادات لتداوي ألمك ، وتعالج مرضك . الله يعلم أنه إذا ~~انتقلنا مع ما نحن عليه الآن إلى ذلك العالم ، فبأي مصائب وآلام ومعاناة ~~سوف نبتلي ؟ والحمد لله أولا وآخرا . PageV01P334 # الاربعون حديثا :335 ### | AUTO الحديث الثالث والعشرون # المراء والجدل PageV01P335 الاربعون حديثا :336 # بالسند المتصل إلى حجة الفرقة وثقتها محمد بن يعقوب الكليني رضي الله ~~عنه عن علي بن إبراهيم ، رفعه إلى أبي ms293 عبد الله عليه السلام قال : «طلبة ~~العلم ثلاثة فاعرفهم بأعيانهم وصفاتهم : صنف يطلبه للجهل والمراء ، وصنف ~~يطلبه للإستطالة والختل ، وصنف يطلبه للفقه والعقل . فصاحب الجهل والمراء ~~موذ ممار متعرض للمقال في أندية الرجال بتذاكر العلم وصفة الحلم ، قد تسربل ~~بالخشوع وتخلى من الورع ، فدق الله من هذا خيشومه وقطع منه حيزومه وصاحب ~~الإستطالة والختل ذو خب وملق ، يستطيل على مثله من أشباهه ويتواضع للإغنياء ~~من دونه ، فهو لحلوائهم هاضم ولدينه حاطم ، فأعمى الله على هذا خبره وقطع ~~من آثار العلماء أثره . وصاحب الفقه والعقل ذو كآبة وحزن وسهر ، قد تحنك في ~~برنسه وقام الليل في حندسه ، يعمل ويخشى وجلا داعيا مشفقا مقبلا على شأنه ~~عارفا بأهل زمانه مستوحشا من أوثق إخوانه ، فشد الله من هذا أركانه وأعطاه ~~يوم القيامة أمانه» . # قال الكليني رحمه الله : وحدثني به محمد أبو عبد الله القزويني عن عدة ~~من أصحابنا ، منهم جعفر بن محمد الصيقل بقزوين ، عن أحمد بن عيسى العلوي ، ~~عن عباد بن صهيب البصري ، عن أبي عبد الله عليه السلام (1) . PageV01P336 # الاربعون حديثا :337 ### || AUTO الشرح : # «بأعيانهم» تأكيد لضمير(عرفهم) ، فالمعنى أعرفهم بأنفسهم حتى يتحددوا ~~ويتشخصوا ولا يلتبسوا عليك ، مثل أن تقول رأيته بعينه . وقوله «كل شيء فيه ~~حلالا وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه» . إن المحقق المحدث ~~المجلسي رحمه الله قد أبدى احتمالات عديدة ، وقال في هذا المقام إن ~~الاحتمال المتعين والواضح لا يكون شيئا من ذلك ، وإن تلك الاحتمالات أيضا ~~في منتهى البعد . وقال : بأعيانهم أي بخواصهم وأفعالهم المخصوصة بهم أو ~~بالشاهد والحاضر من أفعالهم ، ثم قال بعد ذلك وقيل بأعيانهم أي أقسامهم ~~ومفهومات أصنافهم ، وقيل : المراد بأعيانهم مناظرهم من هيئتهم وأوضاعهم ~~كالتسربل بالخشوع . وغير ذلك من الاحتمالات البعيدة . # قوله : «وصفاتهم» ان المقصود من الأوصاف ، الحالات التي تتبع الملكات ~~والأغراض لهذه الصفات الثلاثة مثل مؤذ ، مراء ، متعرض ... فبهذه الأوصاف ~~يتم تعريف أحوالهم ويتشخصون بأعيانهم . # والجهل : خلاف العلم ، ولعل المقصود منه هنا ، إخفاء الحق أو التجاهل ~~ورفض قبول الحق . ونحن سنشرح هذا ms294 الموضوع أكثر مما ذكرناه هنا . وقال ~~المجلسي : الجهل : السفاهة وترك الحلم ، وقيل : ضد العقل . # والمراء : الجدال في الرأي والحديث ، ومنه مادة جدل التي هي من الصناعات ~~الخمس المذكورة في المنطق . يقال : ماريت الرجل أماريه مراء ؛ إذا جادلته . ~~كما ورد في صحاح الجوهري . وهذا الكلام وإن كان مطلقا يعم الجدل المنطقي ~~وغيره ولكن الظاهر هو ما ذكرناه . وفي المقام احتمال آخرسنأتي على ذكره في ~~أحد الفصول القادمة . # و«الإستطالة» : طلب الرفعة . والختل بفتح الخاء المعجمة وسكون التاء ~~بمعنى الخدعة PageV01P337 الاربعون حديثا :338 # والمكر . قال الجوهري : ختله وخاتله أي خدعه والتخاتل : التخادع . # قوله : ممار : سنتحدث عن سبب تعريف صاحب المراء بالمماري ، وصاحب ~~الاستطالة والختل ، بالاستطالة على الانداد وبصاحب الخب أي الخدعة (1) . # قوله متعرض للمقال : أي إظهار المقال ، يقال :عرضت له الشيء ؛ إذا أظهرته ~~له وعرض له أمر كذا ويعرض : أي ظهر . # والأندية : جمع «النادي» وهو محل اجتماع القوم ، ومجلس التداول لقضاياهم ~~. فإذا تفرقوا لا يقال للمحل «النادي» ومنه «دار الندوة» التي كانت في مكة ~~والتي شيدت للاجتماع والتشاور . و«ندي» على وزن فعيل وتستعمل«ندوة» ~~و«منتدى» و«متندى» بهذا المعنى كما يقول الجوهري . # بتذاكرالعلم : الظرف إما متعلق بالمقال أو بدل عن المقال . وصفة الحلم : ~~معطوفة على تذاكر العلم . والمقصود هو أنهم يتذاكرون العلم حتى يجعلوا ~~أنفسهم من المنتمين إليه ويصفون الحلم ويستحسنوه حتى يعدوا من زمرة الحكماء ~~، رغم أنهم لا يكونون من أهل العلم ولا من أصحاب الحلم . إن علمهم جهل في ~~صورة العلم وحلمهم خارج عن الحدود الكاملة المعتدلة . ونحن سنتحدث قليلا عن ~~هذا الموضوع . # قوله تسربل : من باب تفعلل ومعناه لبس السربال يقال : سربلته فتسربل : ~~أي ألبسته السربال . وتسربل بالخشوع : أي ارتدى لباس الخضوع ، وأظهر ~~ملازمته بمثل ما أن الثوب يلصق بالجسم ويلازمه . في حين أنه خال عنه ، ~~كالثوب الذي يكون استعارة على الجسم . # والورع : بفتح الراء . معناه الابتعاد وتجنب المحرمات والمشتبهات . # قوله : فدق الله ... الخ : يحتمل أن تكون هذه الجملة ومثيلاتها من ~~الجملتين اللاحقتين للدعاء ، ويحتمل أن تكون أخبارا لأحوالهم في الدنيا ~~والآخرة ms295 أو فيهما . و«دق» بمعنى قرع أو إنه اسم صوت . # قوله : من هذا : أي من أجل كل واحد من هذه الخصال . # والخيشوم : هو أعلى الأنف . والمقصود من دق الخيشوم ، الكناية عن الذل ~~والهوان ، أي أن الله سبحانه لأجل تلك الخصال يذلهم . وإننا سنلمح لهذا ~~المعنى بعد حين . # والحيزوم : بفتح الحاء المهملة وضم الزاء المعجمة . ومعناه : ما يضم عليه ~~الحزام . PageV01P338 # الاربعون حديثا :339 # وبمعنى وسط الصدر والعظم الذي يحيط مثل الطوق على الحلقوم . والمعنى ~~الأول هو المناسب ، لنسبة القطع اليه . # والخب : بكسرالخاء معناه الخدعة والخبث والغش . يقال رجل خب بكسر أو فتح ~~بمعنى الخداع كما يقول الجوهري . # وملق : بمعنى التملق والتزلف ، وهذا المعنى يلازم ما قاله الجوهري في ~~صحاحه من قوله : قال «رجل ملق : يعطي بلسانه ما ليس في قلبه . انتهى» وهذا ~~تفسير باللازم الاعم بل المعنى إظهار التلطف والتودد المشوب بالتخضع رغم أن ~~قلبه لا يكون كذلك . # قوله لحلوائهم : يقول المجلسي وفي بعض النسخ مع النون . وعليه تكون ~~الكلمة بضم الحاء المهملة وسكون اللام ومعناها أجرة السمسار والكاهن ، ~~وما يدفع من قبيل الرشوة والمقصود ما يدفع له الأغنياة مكافأة لأعماله التي ~~أنجزها لهم ، ولتنازله عن مواقفه الدينية . # والحطم : هو الكسر . ويقول المجلسي : إن حطم بمعنى الكسر ، الباعث على ~~الفساد . # قوله خبره : يحتمل أن تكون بضم الخاء المعجمة وسكون الباء بمعنى الخبرة ~~والبصيرة . ويحتمل أن يكون بفتح الخاء والباء . وحيث أن الفعل منسوب إليه ~~كان المعنى الأول أنسب وإن كان المعنى الثاني لا يخلو عن وجه . # والكآبة : بالتحريك والمد والتسكين ، سوء الحال والذبول من شدة الهم ~~والحزن . # قوله : تحنك في برنسه : يعني جعل تحت الحنك الطرف من العمامة على الرأس ~~في برنسه . والبرنس قلنسوة طويلة كان أهل العبادة في صدر الإسلام يضعونها ~~على رؤوسهم . كما ورد في (صحاح اللغة) للجوهري . وقال المحقق المجلسي (تشير ~~هذه الجملة إلى استحباب التحنك في الصلاة) . وفي هذا الاستظهار نظر ، لأن ~~التحنك في ثياب يرتديها أهل العبادة ، يدل على استحبابه بصورة مطلقة ولا ~~يدل على الاستحباب في ms296 خصوص وقت الصلاة ، نعم لو كان البرنس ثوبا يخص الصلاة ~~فقط ، لكان الاستظهار صحيحا . # والحندس : مع الحاء المهملة المكسورة ، ومع النون الساكنة ، والدال ~~المهملة المكسورة هو الليل الشديد الظلام ، كما يقول الجوهري . وإضافته ~~إلى الضمير إضافة بيانية . وجملة (في حندسه) بدل «ليل» ويحتمل بقوة أن يكون ~~الحندس في هذا المقام ظلمة الليل بناءا على تجريده من الألف واللام . # قوله : فشد الله أركانه : إن «شد» بمعنى القوة والمتانة ، يقال شد عضده ~~أي قواه . وإن «الركن» هو الذي يعتمد ويقام عليه . قال الجوهري : «ركن ~~الشيء : جانبه الأقوى» . PageV01P339 # الاربعون حديثا :340 # ونحن نذكر في شرح هذا الحديث ما يناسب بيانه وشرحه ، ضمن فصول عديدة. ~~وعلى الله التكلان . ### || AUTO فصل: # اعلم أنه قد تقرر في محله بأن مقدمات القياس بالنسبة إلى نتائجه ، ~~والأدلة والبراهين في كل علم بالنسبة إلى مدلولاتها والمبرهن عليه ، تكون ~~بمثابة المعدات ، فليست مستقلة بصورة تامة ، تتولد عنها الدلالات وتكون ~~منتجة من دون ارتباطها بشيء آخر ولا غريبة عنها نهائيا ومن دون ارتباط ~~تكون عقيمة وغير منتجة . وقد اختلف في المقام . الطائفتان المجبرة ~~والمفوضة ، وحاد كلاهما عن طريق الاعتدال ، واختار كل منهما جانبا يتناسب ~~مع وجهة نظره ومذهبه . فقال أحدهما : إن المقدمات مستقلة ، وإنه لو أغلقت ~~أبواب عالم الغيب ، وانقطع الفيض من عالم الملكوت ، استطاع الانسان أن ~~ينتهي من المقدمات ذاتها إلى النتائج .وقال الآخر منهما أن المقدمات لا ~~علاقة لها كليا مع النتائج ولكن العادة قد جرت على إلقاء النتائج في ذهن ~~الإنسان بعد ترتيب المقدمات ، وأن المقدمات ترتبط بالنتائج شكليا من دون أن ~~يكون بينهما إرتباط حقيقة . # وكل واحد من هذين الرأيين مع منطلقاته من المذهبين المجبرة والمفوضة ~~باطل لدى أهل المعارف الحقة والعلوم الحقيقية . # والحق وفاقا لأهله هو : أن المقدمات ذات دور إعدادي للنفس ، لتلقي ~~العلوم المفاضة عليها من المبادئ العالية الغيبية . # ونحن لسنا هنا بصدد شرح هذا المذهب وإبطال المسلكين المذكورين ، لأنه ~~يوجب الخروج عن الهدف المبتغى ، وإنما ذكرنا ذلك استطرادا لشرح موضوع آخر هو : # إننا بعدما ms297 ذكرنا أن إلقاء العلوم والمعارف من العوالم الغيبية ، ومن ~~نتائج ارتباط النفس بها وتقبلها للعلوم كما ورد في الحديث الشريف : «ليس ~~العلم بكثرة التعليم بل هو نور يقذفه الله في قلب من يشاء» (1) فكل نفس ذات ~~ارتباط مع الملكوت الأعلى وعالم الملائكة المقربين ، وتكون الإلقاءات إليها ~~من نوع الفيوضات الملكية ، والعلوم التي تفاض عليها هي من العلوم الحقيقية ~~ومن عالم الملائكة . وكل نفس منشدة إلى عالم الملكوت السفلي ، وعالم الجن ~~والشيطان والنفوس الخبيثة ، كانت الإلقاءات اليها شيطانية ومن قبيل الجهل ~~المركب ، والحجب المظلمة . PageV01P340 # الاربعون حديثا :341 # ومن هذا المنطلق يرى أرباب المعارف العرفاء ، وأصحاب العلوم الحقيقية ~~يأتي تفسير العلم الحقيقي ، أن تطهير النفوس ، وإخلاص النية ، وتصحيح ~~الغايات والأهداف في تحصيل العلم وخاصة في دراسة المعارف الحقة والعلوم ~~الشرعية ، هو الشرط الأول في ذلك ، ويؤكدونه على المتعلمين ، لأنه مع تصفية ~~النفس ، وتجليتها ، يشتد ارتباطها بالمبادئ العالية . وعندما يقول الرب جل ~~جلاله في الآية الكريمة «اتقوا الله ويعلمكم الله» (1) فلأجل أن التقوى ~~تزكي النفس وتربطها بعالم الغيب المقدس ثم يكون التعليم الالهي والإلقاء ~~الرحماني ، لأن لبخل في المبادئ العالية ، محال ، وأن فيضها يكون واجبا ، ~~إذ أن واجب الوجود بالذات ، واجب من جميع الجهات والحيثيات . # وإذا كان الانسان لأجل تعمير نفسه ومأكله ومشربه وأنانيته النفسانية ، ~~منصرفا إلى تحصيل العلوم ، غدا الهدف غير إلهي ، وأصبحت الإلقاءات شيطانية . # ومن المقاييس التي لا تتمكن من التفرقة، بين الإلقاءات الرحمانية ، ~~والإلقاءات الشيطانية ، والتي لم يذكرها أهل المعارف حسب ما أظن ، هو ما ~~ذكرناه ، والذي يدركه الانسان بنفسه في كثير من الأحيان . فإن ما يلقى الى ~~النفس المعتمة ، اللانقية ، يكون من الجهل المركب الذي هو مرض نفسي لا دواء ~~له ، وشوك في طريق وصولهم إلى الحقيقة . لأن المقياس في العلم ، ليس هو ~~تجميع المفاهيم الكلية ، والاصطلاحات العلمية ، بل المقصود منه ، رفع الحجب ~~عن عين البصيرة للنفس ، وفتح باب معرفة الله ، حيث يكون العلم الحقيقي هو ~~مصباح هداية الملكوت ، والصراط المستقيم ، للتقرب إلى الحق ، ودار كرامته . ~~وكل ما عدا ms298 ذلك ، وإن كان في عالم الملك ، وقبل إزاحة حجب الطبيعة الدنيا ~~فهو في شكل العلم وصورته ، وإن أصحابه لدى أهل الحوار والجدال ، يعدون من ~~العلماء والعرفاء والفقهاء . ولكنه بعد تساقط الحجب عن وجه القلب ، وكشف ~~ستار الملكوت ، والاستفاقة من السبات العميق في عالم الملك والطبيعة ~~الدنيا يتبين بأن سمك هذا الحجاب وغلظته أكثر من كل الحجب ، وإن هذه ~~العلوم المقررة باسرها ، من الحجب الغليظة الملكوتية التي تكون بين حجاب ~~وآخر مسافة أميال وفراسخ وقد كنا من الغافلين عنه « الناس نيام فإذا ماتوا ~~انتبهوا» (2) ويتبين بإننا جميعا كيف سنكون ؟ . # وهنا العار والفضيحة ، إذ نتعلم خمسينعاما أو أكثر أو أقل ، ونزعم بأن ~~أبحاثنا لله سبحانه ، ولكننا نكون من المخطئين أيضا ومن الغافلين عن ~~كيدالشيطان ومكر النفس ، لأن PageV01P341 الاربعون حديثا :342 # حب النفس حجاب سميك جدا ، يستر علينا عيوبنا . # ولهذا ذكر الأولياء الأطهار ، والأئمة الكبار عليهم سلام الله ، لتفهيمنا ~~معالم وآثارا من أجل التفريق بين الإلقاءات الرحمانية والإلقاءات الشيطانية ~~، حتى نعرف بها أنفسنا ، ونختبرها ، ولا نحسن الظن بها عبثا ولغوا . # وبعد هذا نشير إلى العلامات التي أتت على ذكرها الرواية الشريفة : # فعلم بأن طلاب العلم ينقسمون بصورة كلية أولية . إلى طائفتين : # إحديهما : إن هدفهم من وراء طلب العلم يكون إلهيا . # ثانيهما : إن مقصودهم من وراء الدراسة ، أمور نفسية . ونستطيع أن نقول أن ~~غاية مطلوبهم الجهل ، لأن العلوم الصورية التي تحصل لديهم ، تكون في ~~الحقيقة من الجهل المركب ، والحجب الملكوتية . # وهذان الصنفان اللذان ذكرهما الامام الصادق عليه السلام في هذا الحديث ~~الشريف الذي شرحناه يلتقيان في هذا الأمر الذي ذكرناه الجهل لأن أصحاب ~~المراء والجدال وكذلك ذوي الاستطالة والختل ، من أرباب الجهل والضلال . ~~ولهذا يمكننا أن نقول أن «الجهل» الذي جعله الامام عليه السلام من علامات ~~الصنف الأول غير «الجهل» الذي له معنى متعارفا ، بل المقصود إما التباس ~~الأمور ، وإلقاء الناس في الجهالة ، أو المقصود من الجهل ، التجاهل وعدم ~~الإذعان للحق . كما أن هذين الأمرين من خصائص اصحاب المراء والجدال . إنهم ~~يجحدون الأمور الحقة ms299 والحقائق الشائعة ، ويتجاهلون ، حتى يثبتوا كلامهم ، ~~وينعشوا الأباطيل ، وينشروا أمتعتهم الفاسدة . # وإما أن الامام الصادق عليه السلام جعل الناس على ثلاثة أصناف مع أنهم ~~حسب التقسيم الأولي الكلي . صنفان يدوران بين النفي والإثبات ، وحسب اعتبار ~~آخر يكونون أكثر من ثلاثة أصناف فيمكن أن نقول إنما هو لأجل أنه صلوات ~~الله وسلامه عليه أراد أن ينبه إلى هذين الصنفين العظيمين ، وهذين النوعين ~~الكبيرين اللذين يعود إليهما معظم أصحاب الجهل والضلال . ولهذا نجد في ~~رواية أخرى الإمام الصادق عليه السلام ، يصنف طلاب العلوم إلى صنفين : # الكافي : بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال : «من أراد الحديث ~~لمنفعة الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب . ومن أراد به خير الآخرة أعطاه ~~الله خير الدنيا والآخرة» (1) . PageV01P342 # الاربعون حديثا :343 ### || AUTO فصل: # قد سبق منا الكلام في ذكرمفاسد المراء والجدال ضمن حديث من الأحاديث ~~الشريفة . ولما رأينا أن من المناسب هنا ذكر بعض الأحاديث ، عرضناها وبينا ~~نبذة من مفاسد المراء والجهل . # في الكافي الشريف بسنده إلى الإمام الصادق عليه السلام : قال : قال أمير ~~المؤمنين عليه السلام «إياكم والمراء والخصومة فإنهما يمرضان القلوب على ~~الإخوان وينبت عليهما النفاق» (1) . # وفي الكافي أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام قال : «إياكم والخصومة ~~فإنها تشغل القلب وتورث النفاق وتكسب الضغائن» (2) . # وفيه أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام قال : «قال جبرئيل للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم : إياك وملاحاة الرجال» (3) . # أما بيان أن المراء والخصومة في المقال ، يمرضان القلب ، ويسيئان في نظرة ~~الانسان إلى أصدقائه ويبعثان النفاق في القلب ، فقد سبق منا الكلام بأن ~~الأعمال الظاهرية تترك آثارا في الباطن والقلب ، متناسبة مع تلك الأعمال ، ~~ونقول هنا بأن تأثير الأعمال السيئة في القلب أسرع وأكثر ، لأن الإنسان ~~نتاج عالم الطبيعة المادة ، وأن القوى الشهوية والغضبية والشيطانية ~~ترافقه وتتصرف فيه ، كما ورد في الحديث : «إن الشيطان يجري مجرى الدم من ~~بني آدم» (4) ، ولهذا يتجه القلب نحو المفسدات ، والأمور المنسجمة مع ~~الطبيعة ، ولدى وصول أقل عون ومدد من الخارج مثل ms300 أعضاء الانسان أو الصديق ~~المنحرف السيء ، يتحقق الأثر الشديد في القلب . كما ورد النهي في الروايات ~~الشريفة عن الصداقة والمؤاخاة مع المنحرفين . # الكافي : عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه ~~السلام : «لا ينبغي للمرء المسلم أن يواخي الفاجر فإنه يزين له فعله ويحب ~~أن يكون مثله ولا يعينه على أمر دنياه ولا أمر معاده ، ومدخله إليه ومخرجه ~~من عنده شين عليه» (5) . # وعن أبي عبد الله عليه السلام قال : «لا ينبغي للمرء المسلم أن يواخي ~~الفاجر ولا الأحمق ولا الكذاب» (6) # . PageV01P343 # الاربعون حديثا :344 # والنكتة المهمة في النهي عن مخالطة أهل المعصية ، أو الحضور في مجلس يعصى ~~الله فيه أو التواد والتحاب مع أعداء الله ،هي من تأثير أخلاق العصاة ~~والمنحرفين وسلوكهم في الإنسان . # والأهم من كل ذلك هو تأثر روح الانسان من أعمال نفسه ، فإن في ممارسة ~~قليلة للأعمال السيئة ، تأثير كبير على الروح ، بحيث لا يتيسر ولا يمكن ~~التنزه من تلك الآثار وتطهير الروح منها عبر سنين طويلة . # فعلم أن الانسان لو انصرف إلى المراء والخصومة ، لحصلت بعد فترة ، ظلمة ~~موحشة في القلب ، وأفضت الخصومة اللسانية الظاهرية ، إلى الخصومة القلبية ~~الباطنية . وهذا هو السبب الكبير للنفاق والتلون . فلا بد من معرفة أن ~~مفاسد النفاق تعود إلى مفاسد المراء والجدال أيضا . وقد تقدم منا لدى شرح ~~رواية الحديث عن مساوئ النفاق والتلون ، ولا حاجة إلى إعادته هنا . # وذكر الإمام الصادق عليه السلام آثارا وعلائم لصاحب الجهل والمراء : # منها : إيذاء الناس ، وسوء مجلسه ، وهذه من الصفات الذميمة والمفاسد التي ~~تكون سببا مستقلا لهلاك الانسان . وفي الحديث الشريف المنقول من الكافي «من ~~آذى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة» (1) . والأحاديث في هذا المضمار كثيرة ~~لا يتسع لها هذا البحث المختصر . # ومنها : المراء والتصدي للحديث والبحث العلمي لأجل التغلب على الآخرين ، ~~وإظهار علمه . وأما جعله صلوات الله وسلامه عليه ، المراء علامة على المراء ~~، فيمكن أن يكون المقصود من المراء الأول في كلامه عليه السلام الصفة ~~القلبية وملكته الخبيثة ، ومن المراء الذي ms301 هو آية وعلامة المراء الثاني ~~الأثر الظاهر من المراء . # ومنها : أن يظهر الاتصاف بالحلم رغم أنه غير ملتزم به ، وهذا هو النفاق ~~وذو الوجهين والرياء والشرك ، كما أن إظهار الخشوع مع الخلو من الورع ، من ~~أوضح مصاديق الشرك والرياء والنفاق والتلون . # فلما علمنا أن لهذه الصفة المراء مساوئ عظيمة ، توجب كل واحدة منها ~~الموبقات والمهلكات ، وجب انقاذ أنفسنا بالترويض والجهد ، من هذه الخصلة ~~المشينة ، والرذيلة المفسدة للقلب ، المدمرة للإيمان ، وتطهير النفس من هذه ~~الظلمة والغبرة ، وتزيين القلب وجلائه بخلوص النية ، وصدق الباطن . PageV01P344 # الاربعون حديثا :345 # وهنا نكتة لو وقف عندها الانسان وتأمل فيها ، لانقصم ظهره ، وهي أن ~~الإمام الصادق عليه السلام يقول بعد ذكره لهذه العلامة : «فدق الله من هذا ~~خيشومه وقطع منه حيزومه» وهذه الجملة إما إخبار أو دعاء ؟ وعلى أي حال ~~فإنها ستتحقق ، لإنها إذا كانت إخبارا ، فهو إخبار صادق مصدق ،وإن كان ~~دعاءا فهو دعاء إمام معصوم وولي الله ، ويكون مستجابا وهذا كناية عن الذل ~~والهوان والفضيحة . ولعل الإنسان يفتضح في الدنيا والآخرة ويكون مهانا ~~فيهما . إنه يذل في هذا العالم أمام أناس أراد أن يكون وجيها عندهم عبر ~~تظاهره بالعلم فعلى العكس من ذلك ينحط من قدره ، ويذهب ماء وجهه ، ويصبح ~~مهانا وذليلا أمام من كان يسعى للتفوق عليهم . وإنه يذل ويهان في عالم ~~الآخرة أمام الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين وأوليائه المعصومين ~~وعباده الصالحين ، ولا يكون له شأن عندهم . # إذا : الويل لنا نحن أصحاب المراء والجدال وذوي الأهواء النفسية ~~والخصومات ، حيث ابتلينا بهذه النفس الخبيثة التي لا تعرف الرحمة والحنان ، ~~والتي لا تتركنا ، إلى أن تهلكنا في جميع النشآت والعوالم ، ولم نبادر ~~لإصلاحها إطلاقا . لقد صممنا آذاننا ولم نستيقظ من سباتنا العميق الباعث ~~على التوغل في عالم المادة . # إلهي أنت مصلح العباد ، وبيدك القلوب ، وطوع قدرتك وجود الكائنات ، وتحت ~~هيمنتك ، قلوب العباد ، وإننا لا نملك نفعا ولا ضرا ولا حياة ، ولا موتا ، ~~أنر يا إلهي بنور فيضك قلوبنا المعتمة ، ونفوسنا المظلمة ، واصلح بفضلك ~~ولطفك مفاسدنا أنقذ ms302 هؤلاء الضعفاء العجز . ### || AUTO فصل: # كما ذكرنا في الجملة الأولى من هذا الحديث الشريف ، أن للمراء مرتبة ~~باطنية وملكة نفسانية ، ومرتبة ظاهرية تكون نتاجا لتلك المرتبة الباطنية ، ~~وآية وعلامة عليها . فكذلك الجملة الثانية من كلام الإمام عليه الصلاة ~~والسلام حيث يكون لصاحب الاستطالة والترفع والختل والخديعة ، مرتبة باطنية ~~وسرية هي ملكتها ، ومرتبة ظاهرية هي وليدة تلك الملكة . كما أن للقلب أيضا ~~في كثير من الأعمال والأفعال نصيب ، حيث قد يصل إلى مرحلة الرسوخ والملكة ~~وقد يبلغ مرتبة الحال السطح دون الارتكاز والرسوخ ، وتكون الأعمال ~~الظاهرية من آثارها ومضاعفاتها . فمن كانت له ملكة الاستطالة والترفع وحب ~~الرئاسة ،والتزوير وخداع الناس كانت لها علامات وآثار ظاهرية أيضا ، حيث ~~ذكر بعضها الإمام الصادق عليه السلام : وهي : الخدعة والاحتيال على الناس ، ~~فإنه يجعل نفسه من أهل الصلاح في حين أنه لم يكن في الحقيقة منهم . وهؤلاء ~~الناس ذئاب في زي الأغنام ، وشياطين في هيكل الانسان . وإنهم أسوأ PageV01P345 الاربعون حديثا :346 # خلق الله، وإسائتهم إلى دين الناس ، أكثر من إساءة جيوش المخالفين ~~الأعداء . # ومنها : أي من الآثارالظاهرية للجهل والمراء . إنهم يتزلفون ويتواضعون ~~تجاه من يطمعون فيه ، وينصبون له شرك التدليس والتملق والتواضع ، حتى ~~يصيدوا البسيط من الناس ، ويستفيدوا من حبهم الدافئ الجميل ، وقربهم ~~واحترامهم الدنيوي ، فهم يدفعون بدينهم وايمانهم ، كي يستفيدوا من دنياهم . ~~وهؤلاء من الناس الذين ورد فيهم الحديث قائلا (... يطلع قوم من أهل الجنة ~~إلى قوم من أهل النار فيقولون ما أدخلكم النار وإنما دخلنا الجنة بفضل ~~تعليمكم وتأديبكم فيقولون إنا كنا نأمركم بالخير ولا نفعله) (1) . # ومنها : إنهم يتكبرون على إبناء نوعهم وأشباههم وأمثالهم الذين لا يطمعون ~~فيهم دنيويا ولكنهم يعتبرونهم عثرات في طريق تقدمهم ، ويترفعون عليهم ~~ويحقرونهم مهما أمكن في سلوكهم وأقوالهم ، لأنهم يخشون أن ينافسوهم يوما من ~~الأيام ، ويقللون من اعتباراتهم . # ولا بد من معرفة أن من أصعب الأمور ، وأقسى الأشياء ، محافظة العلماء ~~والزهاد والمتقين على دينهم والمراقبة لقلوبهم في حياتهم . # ولهذا لو أن شخصا من هذه الطبقة ينهض بوظائفه ، وبكل ms303 إخلاص في النية ~~ويسلك طريق العلم ، والزهد والتقى ، وينقذ نفسه من هذه المحن ، ويسعى في ~~سبيل إصلاح الآخرين ، بعد أن أصلح نفسه ، ويرعى أيتام آل محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم ، كان مثل هذا الإنسان من المقربين والسابقين . كما قال ~~الإمام الصادق عليه السلام ذلك في خصوص أربعة رجال كانوا من حواري الإمام ~~الباقر عليه السلام ، ففي الوسائل عن رجال الكشي بسنده إلى أبي عبيدة ~~الحذاء قال : «سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : زرارة ومحمد بن مسلم ~~وأبو بصير وبريد من الذين قال الله تعالى« والسابقون السابقون * أولئك ~~المقربون» (2) . # والأحاديث في هذا المضمار كثيرة وفضل أهل العلم أوسع من قدرة الانسان على ~~بيانه ، ويكفي في ذلك الحديث المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~: «من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيى به الاسلام كان بينه وبين الأنبياء ~~درجة واحدة في الجنة» (3) وبعد ذلك سنأتي على ذكر فضل أهل العلم إنشاء الله . # وإذا لا سمح الله انحرف العالم عن طريق الإخلاص ، وسلك طريق الباطل ، ~~اعتبر من علماء السوء الذين هم أسوء خلق الله وقد وردت فيهم أحاديث شديدة ، ~~وتعبيرات قاسية . PageV01P346 # الاربعون حديثا :347 # ويجب على طلاب العلوم الدينية ، والسالكين لهذا السبيل المحفوف بالمخاطر ~~، أن يكون أول ما يضعونه بعين الاعتبار ، إصلاح أنفسهم أثناء الدراسة ~~ويقدموه مهما أمكن على كل شيء ، لأنه أوجب كل الواجبات العقلية والفرائض ~~الشرعية وأصعبها . # فيا طلاب العلوم الاسلامية ، والكمالات والمعارف ، استيقظوا من نومكم ، ~~واعلموا أن الله قد أتم الحجة عليكم أكثر ، وسيحاسبكم أشد ، ويكون ميزان ~~أعمالكم وعلومكم مغايرا كليا لميزان كافة العباد ، وصراطكم أرق وأدق ، ~~ومحاسبة الله لكم أعظم . # الويل لطالب علم ، عندما يبعث علمه في قلبه ، الظلمة والكدرة . كما ~~نشعرنحن بأننا إذا حصلنا على بعض المفاهيم الناقصة والمصطلحات التي لا طائل ~~تحتها ، توقفنا عن متابعة طريق الحق ، وتحكم فينا الشيطان والنفس ، ~~وأنثنينا عن طريق الانسانية والهداية ، فغدت هذه المفاهيم الحقيرة حجابنا ~~الغليظ ، ولا منجى لنا إلا اللجوء إلى الذات المقدس تعالى . # إلهي : نحن ms304 نعترف بالتقصير ، ونقر بالإثم ، ونعلم بأننا لم نخط خطوة ~~واحدة في سبيل رضاك ، ولم نأت بعبادة على وجه الاخلاص لك . ولكن نرجو أن ~~تعاملنا بلطفك العميم ورحمتك الواسعة . وأن تستر عيوبنا في الآخرة كما سترت ~~عيوبنا في الدنيا فإننا هناك أحوج إلى الستر والمغفرة . # ويجب في هذا المقام أيضا أن أبين نكتة مذكورة في ذيل الجملة الأولى من ~~الحديث الشريف وهو أن الإمام يقول «فأعمى الله على هذا خبره وقطع من آثار ~~العلماء أثره» وهذه الجملة أيضا ستحصل سواء كانت إخبارا أو دعاءا . ويجب أن ~~يكون الانسان حذرا جدا من العمى في البصيرة والباطن الذي يكون مصدر كافة ~~أنواع الشقاء والظلمات ومبعثا لكل أصناف التعاسة . # وهكذا فإن «قطع الأثر من آثار العلماء» ، والحرمان من كراماتهم وعطاياهم ~~، مضافا على أنه حرمان في نفسه ، يكون شناره وعاره وفضيحته أمام الخواص في ~~ساحة حق المتعالي يوم القيامة أكثر مما يتصور . ### || AUTO فصل: # لأصحاب الفقه والعقل الذين يقصدون التفقه في الدين وإدراك الحقائق أيضا ~~علامات وآثار ، عمدتها ما ذكره الإمام عليه السلام : # منها : أنه ينجم عن هذا العلم في قلبه الحزن والهم والانكسار ، ومن ~~الواضح أن هذا الانكسار والفزع لا يكون لأجل الأمور الدنيوية الدنية ~~الزائلة ، بل إنه ناجم عن الخوف من المعاد ، والتقصير في وظائف العبودية . ~~وإن الانكسار والحزن مضافا إلى أنهما ينيران القلب ويجليانه ، يكونان مبدءا ~~لإصلاح النفس ، ونمشأ للنهوض بوظائف العبودية . وإن هذا النور PageV01P347 الاربعون حديثا :348 # نور القلب يسلب السكون والقرار من النفس ، ويعرف قلبه على الحق سبحانه ~~وعلى دار كرامته . ويجعله مستمتعا في مناجاته مع الحق المتعالي فيحيي ~~لياليه ويقوم بوظائف العبودية . كما قال عليه السلام : «قد تحنك في برنسه ، ~~وقام الليل في حندسه» فإن الجملة الاولى كناية عن ملازمة العبادة . # ومن علامات هذا العالم الرباني أنه رغم قيامه الكامل بوظائف العبودية ~~يعيش حالة الخوف ، لأن نور العلم يهديه إلى أنه كلما أدى وظائفه ، يشعر ~~بأنه قاصر أو مقصر ، وأنه لا يستطيع أن يخرج من مسؤولية شكر نعمه وحقيقة ms305 ~~عبادته . فيكون قلبه مملوءا من الخشية والذعر . وقال الحق جل جلاله فيهم : ~~«إنما يخشى الله من عباده العلماء» (1) . # إن نور العلم يبعث على الخشية والحزن ، وصاحبه رغم إقباله على إصلاح نفسه ~~لا يقر له قرار من جراء خوفه من يوم القيامة ، ويدفعه نحو الطلب من الله في ~~أن يصلحه ، ويحذره من الانشغال بغير الحق ، ويبعده عن أهل زمانه ، ويجعل ~~هاجسه الخوف من أنهم أهل زمانه يمنعونه من السير إلى الله ، والسفر إلى ~~عالم الآخرة ، ويزينون الدينا ولذائذها في عينه . والحق سبحانه يؤيد مثل ~~هذا الانسان ، ويقوى وجوده وينعم عليه بالأمان يوم القيامة . فيا ليتنا كنا ~~معهم فنفوز فوزا عظيما . والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على محمد وآله ~~الطاهرين . PageV01P348 # الاربعون حديثا :349 ### | AUTO الحديث الرابع والعشرون # العلم PageV01P349 الاربعون حديثا :350 # بالسند المتصل إلى أفضل المحدثين وأقدمهم محمد بن يعقوب الكليني رضوان ~~الله عليه عن محمد بن الحسن وعلي بن محمد ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن ~~عيسى ، عن عبيد الله بن عبد الله الدهقان ، عن درست الواسطي ، عن إبراهيم ~~بن عبد الحميد ، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال : «دخل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم المسجد فإذا جماعة قد أطافوا برجل ، فقال : ما هذا ؟ ~~فقيل : علامة ، فقال : وما العلامة ؟ فقالوا له : أعلم الناس بأنساب العرب ~~ووقائعها وأيام الجاهلية والأشعار العربية ، قال : فقال النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم : ذاك علم لا يضر من جهله ولا ينفع من علمه ، ثم قال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم : إنما العلم ثلاثة : آية محكمة أو فريضة عادلة أو ~~سنة قائمة ، وما خلاهن فهو فضل (1) . PageV01P350 # الاربعون حديثا :351 ### || AUTO الشرح : # ورد في بعض النسخ مكان (ما هذا) ، (من هذا) . واستعمل صلوات الله عليه ~~(ماهذا) لأجل التحقير . # و(العلامة) صيغة المبالغة ، والتاء أيضا للمبالغة والمعنى كثير العلم جدا . # إعلم أنه ذكر في المنطق بأن (من) للسؤال عن الشخص وكلمة (ما) للسؤال عن ~~الحقيقة أو عن شرح الاسم ومفهومه . وعندما قالوا لرسول الله صلى ms306 الله عليه ~~وآله وسلم أن هذا الرجل علامة ، استفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~عن تصورهم لحقيقة العلامة ، ومغزى علمه ، ولهذا سأل بكلمة (ما) . فإنه قد ~~تجعل الأوصاف العنوانية العلامة وسيلة للسؤال عن الذات . مثل ما إذا كان ~~الإنسان عارفا لحقيقة الوصف ولكنه يجهل الموصوف فيسأل حينئذ بكلمة من ويقول ~~من العلامة ؟ # وأما إذا كان الشخص معروفا والوصف مجهولا أو أن الغرض قد تعلق بمعرفة ~~الوصف فقط فيسأل حينئذ بكلمة (ما) ويتوجه السؤال نحو الوصف فقط لا الموصوف ~~مع الوصف ولا الموصوف فقط . # وفي هذا الحديث الشريف لما قالوا إن هذا الرجل علامة ، تعلق غرض خاتم ~~النبيين نحو معرفة حقيقة الوصف حسب زعمهم فقال (وما العلامة ؟) ولم يقل (من ~~العلامة ؟) أو (لماذا يقال له العلامة ؟) أو (ما السبب في كونه علامة ؟) . # وما ذكرناه أوضح مما حققه محقق الفلاسفة وفيلسوف المحققين صدر المتألهين ~~قدس الله نفسه في شرح هذا الحديث الشريف الذي يوجب ذكره التطويل والخروج ~~عن المقصد . PageV01P351 # الاربعون حديثا :352 ### || AUTO فصل: # إعلم قد تقدم سابقا بإن للانسان إجمالا وبصورة كلية نشآت ومقامات ~~وعوالم ثلاث : # الأولى نشأة الآخرة ، وعالم الغيب ، ومقام الروحانية والعقل . # الثانية نشأة البرزخ وعالم متوسط بين العالمين ، ومقام الخيال . # الثالثة نشأة الدنيا ومقام الملك وعالم الشهادة . # ولكل منها كمال خاص وتربية خاصة وعمل يتناسب مع نشأته ومقامه ، وأن ~~الأنبياء عليهم السلام يتولون بيان تلك الأعمال . # فجميع العلوم النافعة تنقسم إلى هذه العلوم الثلاثة : # علم راجع الى الكمالات العقلية والوظائف الروحية . وعلم راجع إلى الأعمال ~~القلبية ووظائفها . وعلم راجع إلى الأعمال القالبية الخارجية ، ووظائف ~~النشأة الظاهرة للنفس . # أما العلوم التي تقوي العالم الروحاني، والعقل المجرد وتربيهما فهي ~~:العلم بالذات المقدس الحق جل وعلا ، ومعرفة أوصافه الجمالية والجلالية ، ~~والعلم بالعوالم الغيبية المجردة مثل الملائكة وأصنافهم من أعلى مراتب ~~الجبروت الأعلى والملكوت الأعلى إلى نهاية الملكوت السفلي والملائكة ~~الأرضية وجنود الحق سبحانه . والعلم بالأنبياء والأولياء ومقاماتهم ~~ومدارجهم ، والعلم بالكتب المنزلة ، وكيفية نزول الوحي ، وتنزل الملائكة ~~والروح . والعلم بنشأة ms307 الآخرة وكيفية عودة الموجودات إلى عالم الغيب ، ~~وحقيقة عالم البرزخ والقيامة ، وتفاصيل ذلك . # وملخص الكلام أن العلم الذي يرتبط بالعالم الروحاني والعقل المجرد ، هو ~~العلم بمبدأ الوجود وحقيقته ومراتبه وبسطه وقبضه وظهوره ورجوعه . ويتكفل ~~بيان هذا العلم بعد الأنبياء والأولياء ، الفلاسفة والعظام من الحكماء ~~وأصحاب المعرفة والعرفان . # أما العلوم التي ترتبط بتربية القلب وترويضه والأعمال القلبية فهي : ~~العلم بالمنجيات الخلقية والمهلكات الخلقية ، أي العلم بمحاسن الأخلاق مثل ~~الصبر ، والشكر ، والحياء والتواضع ، والرضا والشجاعة والسخاء والزهد ~~والورع والتقوى وغير ذلك من محاسن الأخلاق ، والعلم بكيفية تحصيلها وأسباب ~~حصولها ومبادئها وشرائطها . والعلم بقبائح الأخلاق مثل الحسد والكبر ~~والرياء والحقد والغش وحب الرئاسة والجاه وحب الدنيا والنفس وغير ذلك ، ~~والعلم بمبادئها التي تمنحها الوجود ، والعلم بكيفية التنزه عنها . والذي ~~يتولى بيان هذه الأمور PageV01P352 الاربعون حديثا :353 # أيضا الأنبياء والأوصياء عليهم الصلاة والسلام ثم علماء الأخلاق وأصحاب ~~الرياضة الروحية وذوي المعارف . # والعلوم التي تناط بها تربية الظاهر وترويضه ،علم الفقه ومبادئه ، وعلم ~~آداب المعاشرة وتدبير المنزل ، وسياسة المدن ويتكفل بشرحها الأنبياء ثم ~~الأولياء عليهم السلام ثم علماء الظاهر من الفقهاء والمحثين . ولا بد من ~~معرفة أن كل واحد من هذه المراتب الثلاث الإنسانية المذكورة مترابطة بدرجة ~~، تنعكس آثار كل مرتبة على المرتبة الأخرى من دون فرق في ذلك بين الأمور ~~الكمالية ، أو الأمورالقبيحة المعيبة . # مثلا لو أن شخصا قام بالظائف العبودية والمناسك الظاهرية حسب ما هو لازم ~~ومطابق لتوجيهات الأنبياء لانعكست من جراء أدائه لمسؤولياته العبودية آثار ~~على قلبه وروحه ، حيث يحسن خلقه ، وتتكامل عقائده . وهكذا من يواظب على ~~تهذيب خلقه وتحسين باطنه ، يترك آثارا على النشأتين الأخريتين البرزخ ~~والقيامة . كما أن كمال الإيمان ومتانة العقائد يؤثران في النشأتين ~~التاليتين . ويكون كل ذلك نتيجة شدة الارتباط بين المقامات الثلاثة ، بل ~~التعبير بالارتباط بين العوالم الثلاثة من جهة ضيق الخناق لعدم وجود كلمة ~~أخرى تعبر عن مدى تداخل كل منها في الآخر . إذ لا بد وأن نقول إنها ~~العوالم الثلاثة حقيقة واحدة ، ذات مظاهر ثلاثة ms308 . وهكذا كمالات المقامات ~~الثلاثة مرتبطة بكمالات كل واحد منها . من دون أن يظن أحد أنه يستطيع أن ~~يكون ذا إيمان كامل أو خلق مهذب من دون الأعمال الظاهرية ، والعبادات ~~الصورية . أو يستطيع أن يجعل إيمانه كاملا وأعماله تامة ، رغم نقصان في ~~خلقه وعدم تهذيبه ، أو يمكن أن يتم أعماله الظاهرية ويكمل محاسن أخلاقه من ~~دون الإيمان القلبي . وهكذا عندما تكون الأعمال الصورية الصلاة ، الصوم ، ~~الحج و... ناقصة وغير واقعة على ضوء أوامر الأنبياء ، لحصل حجاب في القلب ~~وكدرة في الروح ، وهما يمنعان من نور الإيمان واليقين . وأيضا إذا كان ~~الخلق الذميم معشعشا في القلب ، لمنع من نفوذ الإيمان إليه . # فيلزم على طالب السفر إلى عالم الآخرة ، والسلوك على الصراط المستقيم ~~للإنسانية أن يتمعن في كل واحد من المراتب الثلاث ، ويشدد في المراقبة ~~عليها ، ويصلحها ، ويروضها ولا يلوي بوجهه عن كل واحد من الكمالات العلمية ~~والعملية . # لا يحسب بأن تهذيب الخلق أو ترسيخ العقائد أو موافقة ظاهر الشريعة ، ~~يكفيه ، كما اكتفى بعض أصحاب العلوم الثلاثة بكل واحد من الأمور الثلاثة . ~~فمثلا يقوم شيخ الإشراق في أول كتابه (حكمة الإشراق) بتقسيمات ، تعود إلى : ~~كامل في العلم والعمل ، وكامل في العمل وكامل في العلم ، ويستفاد من ذلك أن ~~كلا من العلم الكامل مع النقصان في العمل ، أو العمل الكامل مع النقصان في ~~العلم ، يمكن أن يتحقق ، واعتبر ذوي العلم الكامل ، من أهل PageV01P353 الاربعون حديثا :354 # السعادة ، والمرتبطين بعالم الغيب والتجرد ، ورأى أن مآلهم الانخراط في ~~سلك العليين والروحانيين . # ويرى بعض علماء الأخلاق ، وتهذيب الباطن ، أن منشأ جميع الكمالات ، تحسين ~~الأخلاق وتهذيب القلب وأعماله ، ولا يرون دورا للحقائق العقلية والأحكام ~~الظاهرية ، بل يعتبرونها معوقات في سبيل السالكين . # ويزعم بعض علماء الظاهر الفقهاء ، أن العلوم العقلية والباطنية ~~والمعارف الإلهية من الكفر والزندقة ، ويعاندون طلابها وعلمائها . # إن هؤلاء الطوائف الثلاث الذين يعتنقون هذه الآراء الثلاثة الباطلة ، ~~لمحجوبون عن المقامات الروحانية والنشآت الإنسانية ، ولم يتدبروا بصورة ~~صحيحة في علوم الأنبياء والأولياء ، ولهذا كان بينهم العداء سائدا دائما ms309 ، ~~والافتراء متبادلا ، وكان أحدهم يرمي الآخر بالباطل ، مع أنهم جميعا على ~~الباطل ولكنهم يختلفون في تحديد مراتب الباطل بمعنى أن أصحاب الطوائف ~~الثلاث صادقون في تكذيب كل منه للآخر ، لا من جهة أن علمهم أو عملهم باطل ~~بصورة مطلقة ، بل من جهة أن تحديدهم للمراتب الإنسانية بهذا المستوى أن ~~أصحاب الكمال العلمي هم العليون وأن أصحاب التهذيب للباطن هم ذوو الكمالات ~~، وأن أصحاب العلوم الظاهرية هم المقربون عند الله وجعلهم العلوم ~~والكمالات مقتصرة على المجال الذي يرتأونه ، يكون على خلاف الواقع . # إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قسم في هذا الحديث الشريف ~~العلوم إلى ثلاثة أقسام . ولا شك أن هذه العلوم الثلاثة ، مرتبطة بهذه ~~المراتب الثلاث كما تشهد بذلك العلوم السائدة في الكتب الإلهية وسنن ~~الأنبياء وأحاديث المعصومين عليهم الصلاة والسلام ، حيث تكون العلوم لديهم ~~مقسمة إلى هذه الأقسام الثلاثة : # أحدها : العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله ويوم الآخر ، فإن الكتب ~~السماوية وخاصة الكتاب الإلهي الجامع والقرآن الربوبي الكريم مشحونة ، من ~~ذلك ، بل نستطيع أن نقول إن الشيء الوحيد الذي تصدى كتاب الله لذكره أكثر ~~من غيره ، هو هذا العلم ، مع الدعوة إلى المبدء والمعاد على أساس براهين ~~صحيحة ووضوح كامل ذكرها المحققون . # وأما القسم الثاني والثالث فلا ذكر لهما بمقدار القسم الأول . # وإن أحاديث أئمة الهدى عليهم السلام في هذا المجال القسم الأول من ~~العلوم الثلاثة تفوق حد الإحصاء . ويتضح ذلك عند مراجعتنا للكتب المعتبرة ~~لدى جميع العلماء رضوان الله تعالى عليهم مثل كتاب (الكافي) الشريف و(توحيد ~~الصدوق) وغيرها . PageV01P354 # الاربعون حديثا :355 # وهكذا وردت بالنسبة إلى تهذيب النفس وإصلاح الأخلاق وتعديلها ، آيات في ~~الكتاب الإلهي ، وأحاديث مأثورة عن أهل البيت عليهم السلام ، فوق المستوى ~~المأمول ، ولكن تلك الآيات وهذه الروايات أصبحت لدينا نحن المساكين ~~والمبتلين بالآمال والأماني ، مهجورة ، وغير معتبرة ولا نبالي بها . وسيأتي ~~يوم يؤاخذنا الله سبحانه عليها ، ويحتج علينا ، ويتبرأ منا نعوذ بالله ~~الأئمة الأطهار عليهم السلام ، لبراءتنا من أحاديثهم وعلومهم . نعوذ بالله ~~من سوء ms310 العاقبة وشر الختام . # وإن الأحاديث العائدة إلى الفقه والمناسك الظاهرية ، مشحونة بها في كل ~~كتبنا ولا نحتاج إلى عرضها وذكرها . # إذا إتضح أن علوم الشريعة منحصرة في هذه الأقسام الثلاثة ، حسب حاجات ~~الإنسان ، والمقامات الإنسانية الثلاثة . ولا يحق لأحد من العلماء في هذه ~~العلوم الثلاثة أن يطعن في الآخر ، ولا يجب على الإنسان إذا جهل علما أن ~~يكذبه ويتطاول على صاحبه . وكما أن العقل السليم يعتبر التصديق من دون تصور ~~من الأغلاط والقبائح الأخلاقية ، فكذلك التكذيب لشيء من دون تصور بل حاله ~~أسوء وقبحه أعظم . فإذا سألنا الله سبحانه يوم القيامة ، وقال مثلا أنتم لم ~~تكونوا تعرفون معنى وحدة الوجود حسب مسلك الحكماء ، ولم تتعلموه من المتخصص ~~في ذلك العلم وصاحب ذلك الفن ، ولم تحصلوا على علم الفلسفة ومقدماتها ~~فلماذا أهنتم القائل بها وكفرتموه من دون معرفة ؟ # فماذا نملك من الجواب أمام ساحة قدسه حتى نجيب عليه ، عدا أن نطأطأ الرأس ~~حياءا وخجلا ؟ ولا يقبل الاعتذار بأنني هكذا زعمت في نفسي . إن لكل علم ~~مبادئ ومقدمات ولا يتيسر فهم ذلك العلم إلا بعد استيعاب تلك المقدمات ، ~~وخاصة مثل هذه المسألة الدقيقة التي استنزفت جهود أجيال تلو أجيال ، ومع ~~ذلك يصعب فهم أصل الحقيقة ومغزاها بصورة دقيقة . # إن الشيء الذي بحثه الحكماء والفلاسفة آلاف السنين ودققوا فيه ، هل تريد ~~أن تدرك بعقلك الناقص ، الموضوع بواسطة دراسة كتاب واحد أو قصيدة واحدة من ~~قصائد المثنوي ؟ وقطعا لا تستطيع أن تدرك شيئا من ذلك . «رحم الله امرءا ~~عرف قدره ولم يتعد طوره» (1) . # وهكذا إذا سأل الله سبحانه حكيما متفلسفا أو عارفا متصنعا ، لماذا جعلت ~~العالم الفقيه قشريا وظاهريا وطعنت فيه ؟ بل ما هو المبرر الشرعي في قدحك ~~في سلسلة من العلوم الشرعية ، التي جاء بها الأنبياء عليهم السلام من قبل ~~رب الأرباب لتكميل النفوس البشرية وفي تكذيبك إياها وإهانتها ؟ وما هو ~~المسوغ الشرعي أو العقلي للتطاول على مجموعة من العلماء PageV01P355 الاربعون حديثا :356 # والفقهاء ؟ فما هو جوابه أمام الحق المتعالي ؟ إنه لا يملك ms311 جوابا إلا أن ~~يطأطأ رأسه حياءا مبديا الإنفعال . وعلى أي حال نترك هذه المرحلة التي تبعث ~~على السأم والضجر . ### || AUTO فصل: # بعد أن تبين أن العلوم الثلاثة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم هي هذه الفروع الثلاثة التي ذكرناها ، نقول على أي علم من العلوم ~~الثلاثة تنطبق هذه العناوين الثلاثة ؟ وهذا الموضوع وإن لم يكن مهما ، فإن ~~المهم هنا هو فهم تلك العلوم ثم السعي في سبيل طلبها وتحصيلها ، ولكن من ~~أجل شرح الحديث الشريف ، نضطر إلى التلويح لذلك . فنقول : # إن أعاظم علمائنا رضوان الله تعالى عليهم الذين تصدوا لشرح هذا الحديث ~~الشريف ، قد اختلفوا فيما بينهم في شرحه ، ولكن ذكر تلك الأقوال والشروح ~~يسبب إطالة الحديث . ونحن سنذكر ما يخطر ببالنا القاصر في هذا الموضوع مع ~~ذكر شواهد لم تبين بعد . ثم نأتي على ذكر نكتة مهمة قد بينها العارف الكامل ~~الشاه آبادي دام ظله : # إعلم أن (الآية المحكمة) هي العلوم العقلية والعقائد الحقة والمعارف ~~الإلهية . وإن (الفريضة العادلة) عبارة عن علم الأخلاق وتطهير القلوب . ~~و(السنة القائمة) عبارة عن العلم الظاهر وعلوم الآداب القالبية الصورية . ~~وذلك أن كلمة (آية) التي تكون بمعنى العلامة ، تتناسب مع العلوم العقلية ~~الاعتقادية ، لأن هذه العلوم هي علامات الذات والأسماء والمعارف الأخرى . ~~ولم نعهد من قبل ، أن استعملت الآية أو العلامة في علوم أخرى . فمثلا نجد ~~في موارد كثيرة من الكتاب الإلهي ، بعد استعراض البرهان على وجود الصانع ~~المقدس أو على الأسماء والصفات لذاته المقدس أو على وجود القيامة وكيفيتها ~~وعالم الغيب والبرزخ قوله : «إن في ذلك لآية (1) أو لآيات لقوم يتفكرون (2) ~~أو لقوم يعقلون (3)» وهذا تعبير شائع بالنسبة إلى هذه العلوم والمعارف . في ~~حين أن كلمة (آية) لو ذكرت إثر مسألة فقهية شرعية أو أصل من الأصول ~~الأخلاقية لكان مستهجنا . كما هو الظاهر . فعلم أن (الآية) والعلامة من ~~مختصات ومما يتناسب مع علوم المعارف الإلهية . كما أن التوصيف ب (الحكمة) ~~مما ينسجم مع هذه العلوم ، لأن هذه العلوم تخضع للموازين ms312 العقلية والبراهين ~~المحكمة . وأما بقية العلوم غالبا فلا يوجد لها دليل قاطع ومتين . # وأما الدليل على أن (الفريضة العادلة) تعود إلى علم الأخلاق هو وصف ~~الفريضة PageV01P356 الاربعون حديثا :357 # بالعادلة ، لأن الخلق الحسن كما تقرر في ذلك العلم علم الأخلاق هو ~~الخروج عن حد الإفراط والتفريط فإن كلا منهما مذموم ومشين ، وأما العدالة ~~التي هي الحد المتوسط والمعتدل بينهما فمستحسن . مثلا : # إن الشجاعة التي هي من أصول وأركان الخلق الحسن والملكة الفاضلة ، هي ~~الحالة المتوسطة والمعتدلة بين الإفراط ، الذي يعبر عنه بالتهور (وهو عدم ~~الخوف من مورد ينبغي الخوف فيه) والتفريط الذي يعبر عنه بالجبن (وهو عبارة ~~عن الخوف في موارد لا ينبغي الخوف فيها) . # والحكمة التي تكون من الأركان أيضا تتوسط بين رذيلة (السفه) وهو استعمال ~~الفكر في غير مورده أو في الموارد التي لا ينبغي استعماله فيها . وبين ~~رذيلة (البله) وهو عبارة عن تعطيل القوة الفكرية في الموارد التي ينبغي ~~استعمالها فيها . # وهكذا العفة فإنها تتوسط بين رذيلة الشره والخمود . والسخاء يتوسط بين ~~الإسراف والبخل . # فالفريضة العادلة تدل على انطباقها على علم الأخلاق . كما أن كلمة ~~(الفريضة) أيضا تشعر بذلك .لأن الفريضة المقابلة للسنة الراجعة الى القسم ~~الثالث ، يجد العقل إلى استيعابها سبيلا ، كما هو شأن علم الأخلاق ، على ~~خلاف السنة التي تكون تعبدا صرفا ويكون العقل عاجزا عن إدراكه . # ولهذا نقول إن (السنة القائمة) تعود إلى العلوم التعبدية ، والآداب ~~الشرعية التي يعبر عنها بالسنة فعل المعصوم وقوله وتقريره والتي تعجز ~~العقول غالبا عن إدراكها . وينحصر طريق إثباتها وفهمها بالسنة . كما أن ~~توصيف السنة بالقائمة يتناسب مع الواجبات الشرعية ، لأن إقامة الواجبات من ~~الصلوات والزكوات وغيرهما من التعابير الشائعة الصحيحة . في حين أن هذه ~~الكلمة لم تستعمل في العلمين الآخرين ولم يكن التعبير فيهما بالسنة صحيحا . # هذا منتهى ما يمكن تطبيقه في هذا الحديث الشريف حسب المناسبات القائمة ~~بين كلماته . والعلم عند الله . ### || AUTO فصل: # الآن نفسح المجال لذكر النكتة التي وعدناكم بذكرها ، وهي أن الحديث ~~الشريف قد ms313 عبر عن علم العقائد والمعارف بالآية وهي بمعنى العلامة ، والسر ~~في التعبير هذا هو أن العلوم العقلية ، والحقائق الاعتقادية إذا تم تحصيلها ~~لأجل نفس هذه العلوم والحقائق ولأجل تجميع المفاهيم والمصطلحات وزخرفة ~~العبارات وتزيين تركيب الكلمات بعضها مع بعض ومن ثم PageV01P357 الاربعون حديثا :358 # نقلها إلى العقول الضعيفة ، للحصول على المقامات الدنيوية ، لا تكون مثل ~~هذه العلوم من الآيات المحكمة ، وإنما هي حجب غليظة وأوهام واهية ، لأن ~~الإنسان إذا لم يبتغ من وراء طلب العلم ، الوصول إلى الحق ، والتحقق بأسماء ~~الله وصفاته ، والتخلق بأخلاق الله ، سيتحول كل واحد من إدراكاته إلى دركات ~~، وحجب مظلمة ، تسود قلبه وتعمي بصيرته ، ويصبح من مصاديق الآية المباركة ~~التي تقول : «ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ~~* قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها ~~وكذلك اليوم تنسى» (1) . # فإن المقياس في البصر في عالم الآخرة ، هو بصيرة القلب ، وأن الجسم ~~والقوى يكونا في الآخرة تابعين للقلب واللب ، وأن ظلية ذلك العالم ، لهذا ~~العالم تبدو وبنحو أتم ، وأن ظل الأعمى والأصم والأبكم تجاه آيات الله ، هو ~~العمى والصمم والبكم في يوم القيامة . # لا يظن علماء المفاهيم والمصطلاحات والعبارات ، وحافظو الكتب في الصدور ، ~~بأنهم من أهل العلم بالله والملائكة واليوم الآخر ، فلو كانت علومهم علامة ~~وآية على معرفة الله فلماذا لم تتنور قلوبهم من الآثار النورانية ؟ نعم قد ~~اضيفت على ظلمات قلوبهم ومفاسد أخلاقهم وأعمالهم الظلمات والفساد . والقرآن ~~الكريم قد ذكرالمقياس لمعرفة العلماء حيث يقول : «إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء» فمن لا يخشى ولا يخاف من الحق المتعالي فلا يعد من العلماء . # هل في قلوبنا شيء من آثار الخشية ؟ وإذا كانت فلماذا لم يبد أثر منها على ~~ظاهرنا ؟ ففي الحديث الشريف عن الكافي بسنده إلى أبي بصير قال : «سمعت أبا ~~عبد الله عليه السلام (أبا جعفر خ ل) يقول كان أمير المؤمنين عليه السلام ~~يقول : يا طالب العلم إن للعلم فضائل كثيرة ، فرأسه التواضع ، وعينه ~~البراءة ms314 من الحسد ، وأذنه الفهم، ولسانه الصدق ، وحفظه الفحص ، وقلبه حسن ~~النية ، وعقله معرفة الأشياء والأمور ، ويده الرحمة ، ورجله زيارة العلماء ~~، وهمته السلامة ، وحكمته الورع ، ومستقره النجاة ، وقائده العافية ، ~~ومركبه الوفاء ، وسلاحه لين الكلمة ،وسيفه الرضا ، وقوسه المداراة ، وجيشه ~~محاورة العلماء ، وماله الأدب ، وذخيرته اجتناب الذنوب ، وزاده المعروف ، ~~وماؤه الموادعة ، ودليله الهدى ، ورفيقه محبة الأخيار» (2) . # إن ما استعرضه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يكون من علامات العلماء ~~، وآثار العلوم ، فمن حصل على العلوم السائدة وكان خاليا من هذه الآيات ، ~~فليعلم بأنه لاحظ له من PageV01P358 الاربعون حديثا :359 # العلم ، بل هو من أصحاب الجهل والضلال ، وتوجب له في عالم الآخرة هذه ~~المفاهيم والجهل المركب والكلمات المتبادلة بينه وبين العلماء الآخرين لدى ~~التحقيق والبحث ، الحجب الظلمانية ، وتكون حسرته يوم القيامة أعظم الحسرات ~~. فالمقياس في العلم أن يكون آية وعلامة ، ولا تكون له إنية ولا أنانية ، ~~بل تضمحل الإنية ، وتتلاشى الأنانية لدى حصول العلم ، دون أن يغدو العلم ~~باعثا على النخوة والأنانية والتظاهر والترفع . # ثم عبر الإمام عليه السلام عن العلم ب (المحكمة) لأجل أن العلم الصحيح ~~لنورانيته وضيائه في القلب ، يوجب الاطمئنان ، ويدحض الريب والشك ، ومن ~~الممكن أن الإنسان طيلة حياته يخوض في البراهين ومقدماتها ، ويستدل لكل ~~واحد من المعارف الإلهية براهين عديدة وأدلة كثيرة ، ويتفوق على أقرانه في ~~مقام البحث والمنافسة ، ولكن تلك العلوم لم تؤثر في قلبه شيئا ، ولم تبعث ~~لديه الاطمئنان ، بل تزيده شكا وتحيرا والتباسا ، فجمع المفاهيم والإكثار ~~من المصطلحات ، لا تجدي نفعا ، وإنما تشغل القلب بغير الحق سبحانه ، وتثنيه ~~عن الذات المقدس ، فيغفله . # أيها العزيز إن العلاج كل العلاج فيما إذا أراد الإنسان أن يكون علمه ~~إلهيا فعليه عندما يدرس أي علم شاء ، أن يبادر إلى مجاهدة النفس ، ويسعى ~~بواسطة الرياضة الروحانية ، في سبيل تخليص نيته . فإن المنقذ الأساسي ، ~~ومصدر الفيض ، تخليص النية ، والنية الخالصة «من أخلص لله أربعين صباحا جرت ~~ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه» فهذه فوائد وآثار الإخلاص في أربعين يوم ~~. فأنت عندما بذلت الجهد ms315 أربعين عاما أو أكثر في سبيل تجميع المصطلحات ~~والمفاهيم العلمية ، واعتبرت نفسك علامة ومن جنود الله ، ولكن لم تجد أثرا ~~للحكمة في قلبك ، ولا طعما لها على لسانك فاعلم بأن دراستك وتعبك لم يقترنا ~~بالإخلاص بل إنما اجتهدت للشيطان والرغبات النفسية . فعندما رأيت بأن هذه ~~العلوم لم تثمر ولم تنجع فانصرف ولو لأجل الاختبار ، نحو إخلاص النية ~~وتصفية القلب من الرذائل والكدر . فإذا لمست أثرا حاول أن تستمر في ذلك ~~أكثر . وإن كانت التصفية لأجل الاختبار كانت هذه النية متنافية مع الإخلاص ~~، ولكن من المحتمل أن بصيصا من نورها يهديك . # وعلى أي حال أيها العزيز أنت محتاج في جميع العوالم : عالم البرزخ وعالم ~~القبر وعالم القيامة ودرجاتها إلى المعارف الإلهية الحقة ، والعلوم ~~الحقيقية والخلق الحسن والأعمال الصالحة . فاجتهد أينما كنت من هذه الدرجات ~~والمراتب ، وأكثر من أخلاصك وأزل عن قلبك أوهام النفس ووساوس الشيطان حتى ~~تظهر لك النتائج ، وتجد سبيلا إلى الحقيقة ، وينفتح لك طريق الهداية ، ~~ويكون الله سبحانه في عونك . # يعلم الله سبحانه بأننا إذا انتقلنا مع هذه العلوم التافهة الباطلة وهذه ~~الأوهام الفاسدة PageV01P359 الاربعون حديثا :360 # والقلب الكدر والخلق الذميم إلى عالم الآخرة . كيف تكون مصائبنا ومحنتنا ~~، وكيف يكون مصيرنا ، وأن أي ظلم ووحشة وعذاب توفر لنا هذه العلوم وهذه ~~الأخلاق ؟ ### || AUTO فصل: # نقل محقق الفلاسفة صدر الحكماء والمتألهين قدس الله سره وأجزل أجره في ~~(شرح أصول الكافي) عن الشيخ الغزالي كلاما طويلا خلاصته : أن العلوم تنقسم ~~إلى علوم دنيوية وأخروية ، وجعل علم الفقه من العلوم الدنيوية . وقسم ~~العلوم الأخروية إلى علم المكاشفة والمعاملة واعتبر علم المعاملة ، هو ~~العلم بأحوال القلوب ، وعلم المكاشفة نور يحصل في القلب بعد تطهيره من ~~الصفات المذمومة ، وبه تنكشف الحقائق ، وتحصل المعرفة الحقيقية بالذات ~~والأسماء والصفات والأفعال وأسرارها وكافة المعارف الإلهية (1) . # ولما كان هذا التقسيم مرضيا لدى المحقق المذكور قال في شرح هذا الحديث ~~الذي نحن بصدد شرحه : (الظاهر أن هذا التقسيم الحاصر الذي بينه رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يعود ms316 إلى علوم المعاملات ، لأن معظم الناس ينتفعون ~~من هذه العلوم ، وأما علوم المكاشفة ، فتحصل لدى قليل من الناس وتكون أعز ~~من الكبريت الأحمر ، كما تدل عليه أحاديث كتاب الإيمان والكفر التي ~~سنذكرها) . # يقول الكاتب إن في كلام الشيخ الغزالي إشكال . وعلى فرض صحة كلامه وعدم ~~توجه الاشكال عليه ، يرد اشكال آخرعلى ما ذكره صدر المتألهين رحمه الله ~~تعالى . أما الاعتراض على كلام صدر المتألهين حسب فرض صحة كلام الغزالي ، ~~فهو أن الغزالي اعتبر علم المعاملات الذي هو العلم بأحوال القلب من ~~المنجيات حينا مثل الصبر والشكر والخوف والرجاء وغير ذلك ، ومن المهلكات ~~حينا آخر مثل الحقد والحسد والغل والغش وغيرها ، وعليه لا تكون العلوم ~~الثلاثة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من علوم المعاملة ~~إلا قسم واحد منها وهو الفريضة العادلة ، وقد تقدم شرح ذلك . في حين أن صدر ~~المتألهين جعل العلوم الثلاثة من علوم المعاملة . # وأما الملاحظة الواردة على كلام الشيخ الغزالي فتتجسد في أمرين : # أحدهما : إنه اعتبر علم الفقه من العلوم الدنيوية والفقهاء من علماء ~~الدنيا ، مع أن هذا العلم من أعز علوم الآخرة . وهذا التوجه ، نشأ من الحب ~~للنفس ، وحب ما يتصور أنه من أهله وهو علم الأخلاق بالمعنى المتعارف ~~المتداول بين الناس ، ولهذا طعن في كل العلوم ، حتى العلوم العقلية . PageV01P360 # الاربعون حديثا :361 # ثانيهما : أنه جعل المكاشفات جزءا من العلوم وأوردها في تقسيمات العلوم ~~في حين أن الحق يستدعي أن نقول بأن العلم هو الذي يشتمل على التدبر والتمعن ~~والبرهان والاستدلال ، بينما قد تكون المكاشفات والمشاهدات نتيجة العلوم ~~الحقيقية ، وقد تكون من جراء الأعمال القلبية . وعلى أي حال إن المشاهدات ~~والمكاشفات ، والتحقق بحقائق الأسماء والصفات ، يجب أن لا تندرج في تقسيمات ~~العلوم ، لأن العلوم من واد والمكاشفات من واد آخر . والأمر سهل . ### || AUTO فصل: # إعلم أن كثيرا من العلوم تندرج على تقدير في قسم من الأقسام الثلاثة التي ~~ذكرها رسول الله ، وعلى تقدير آخر في قسم آخر . مثلا : إن علم الطب ~~والتشريح والنجوم ms317 والأفلاك وما يضاهيها ، إذا جعلناها آية وعلامة ، وكذلك ~~علم التاريخ وأمثاله ، إذا ألقينا عليه نظرة اعتبار واتعاظ ، اندرج جميعها ~~في (الآية المحكمة) ، لأنه يحصل بواسطتها العلم بالله أو بالمعاد ، أو ~~يتأكد العلم بالله وبالمعاد وقد يندرج تحصيلها في (الفريضة العادلة) وقد ~~يندرج تحت (السنة القائمة) . # وأما إذا كانت دراسة هذه العلوم ، لأجل ذاتها أو لأجل أهداف أخرى ، فلو ~~شغلتنا عن علوم الآخرة ، لأصبحت مذمومة بالعرض ، لأنها صرفت الناس عن ~~الآخرة ، وإن لم تشغلنا عن علوم الآخرة فليس فيها ضرر أو نفع ، كما قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فالعلوم بصورة كلية تنقسم إلى ثلاثة ~~أقسام : # الأول ما كان نافعا للإنسان حسب أحواله في النشآت الأخرى التي يعتبر ~~الوصول إليها غاية التكوين والكائنات . وهذا القسم هو الذي جعله رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم علما ، وقسمه إلى الأقسام الثلاثة التي وردت في ~~الحديث الشريف . # الثاني ما يضر بالإنسان ويصرفه عن وظائفه اللازمة . ويكون هذا القسم من ~~العلوم المذمومة التي يجب على الأنسان أن لا يقترب منها مثل علم السحر ، ~~والشعوذة وأمثالهما ... # الثالث ما لا يوجد فيها ضرر ولا نفع ، فيهدر الإنسان وقته عليها للتسلي ~~والتلهي ، مثل علم الموسيقى وعلم الأنساب والحساب والهندسة والأفلاك وأمثال ~~ذلك . ولو استطاع الإنسان أن يدخل هذا النوع من العلم تحت واحد من العلوم ~~الثلاثة لكان أفضل . وإن لم يتمكن من ذلك ، فعدم الاشتغال يكون حسنا . لأن ~~الإنسان العاقل عندما عرف بأنه مع هذا العمر القصير ، والوقت القليل ، ~~والحوادث الكثيرة ، لا يستطيع أن يكون جامعا لكل العلوم ، وحائزا على جميع ~~الفضائل ، فلا بد له من التفكير والتأمل في العلوم ، واختيار ما يكون له أنفع ، PageV01P361 الاربعون حديثا :362 # والإنصراف إليه ، وتكميله . # ومن المعلوم أن ما هو أنفع من كل العلوم وأهمها بالنسبة إلى حياته ~~الأبدية الخالدة هو العلم الذي أمر به الأنبياء عليهم السلام والأولياء ، ~~وحثوا الناس على تعلمه ، وهو هذه العلوم الثلاثة التي ذكرناها . والحمد لله ~~تعالى . PageV01P362 # الاربعون حديثا :363 ### | AUTO الحديث الخامس والعشرون ms318 # الشك والوسوسة PageV01P363 الاربعون حديثا :364 # بسندي المتصل إلى شيخ المحدثين وأفضلهم محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله ~~تعالى عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن عبد الله بن ~~سنان قال : «ذكرت لأبي عبد الله عليه السلام رجلا مبتلى بالوضوء والصلاة ~~وقلت : هو رجل عاقل . فقال أبو عبد الله عليه السلام : وأي عقل له وهو يطيع ~~الشيطان ؟ فقلت له : وكيف يطيع الشيطان ؟ فقال : سله هذا الذي يأتيه من أي ~~شيء هو ؟ فإنه يقول لك : من عمل الشيطان» (1) . PageV01P364 # الاربعون حديثا :365 ### || AUTO الشرح : # إعلم أن الوسوسة والشك والتزلزل والشرك وأشباهها من الخطرات الشيطانية ~~والإلقاءات الإبليسية التي تقذف في قلوب الناس . كما أن الطمأنينة واليقين ~~والثبات والاخلاص وأمثالها من الإفاضات الرحمانية والإلقاءات الملكية . ~~وتفصيل هذا الإجمال بصورة مختصرة هو : أن قلب الإنسان شيء لطيف متوسط بين ~~نشأة الملك ونشأة الملكوت ، بين عالم الدنيا وعالم الآخرة ، وجهة منه نحو ~~عالم الدنيا والملك ، وبها يعمر هذا العالم ، ووجهة أخرى منه نحو عالم ~~الآخرة والملكوت والغيب ، وبها يعمر عالم الآخرة والملكوت . # فالقلب بمثابة مرآة لها وجهان ، وجه منها نحو عالم الغيب ، وتنعكس فيه ~~الصور الغيبية ، ووجه آخر نحو عالم الشهادة وتنعكس فيه الصور الملكية ~~الدنيوية . ويتم انعكاس الصور الدنيوية من خلال القوى الحسية الظاهرية وبعض ~~القوى الباطنية مثل الخيال والوهم . وتنتقش الصور الأخروية فيها من باطن ~~العقل وسر القلب . فإذا قويت الوجهة الدنيوية ، والتفتت كليا إلى تعمير ~~الدنيا ، وانحصرت همته في هذا العالم واستغرق في ملاذ البطن والفرج ، وكافة ~~المشتهيات والمتع الدنيوية ، انعطف باطن الخيال نحو الملكوت السفلي ، الذي ~~يكون بمثابة الظل المظلم لعالم الملك والطبيعة ، وعالم الجن والشياطين ~~والنفوس الخبيثة ، وتكون الالقاءات شيطانية ، وباعثة على تخيلات باطلة ~~وأوهام خبيثة . وحيث أن النفس تنتبه إلى الدنيا ، فتشتاق إلى تلك التخيلات ~~الباطلة ، ويتبعها أيضا العزم والإرادة ، وتتحول كل الأعمال القلبية ~~والقالبية إلى سنخ الأعمال الشيطانية من قبيل الوسوسة والشك والترديد ~~والأوهام والخيالات الباطلة ، وتصبح الإرادة على ضوء ذلك في ملك الجسم ~~فعالة ms319 ، وتتجسد الأعمال البدنية أيضا حسب الصور الباطنية للقلب ،لأن ~~الأعمال صورة وتمثال للإدراكات ، التي هي صور ومثال للأوهام التي بدورها ~~انعكاس لاتجاه القلب . وحيث أن وجهة القلب كانت نحو عالم الشيطان ، كانت ~~الإلقاءات في القلب من سنخ الجهل المركب الشيطاني ، وفي النتيجة ، PageV01P365 الاربعون حديثا :366 # تستشري من باطن الذات ، الوسوسة والشك والشرك والشبهات الباطلة ، وتسري ~~في كل أنحاء الجسم . # وعلى هذا القياس المذكور ، إذا كانت وجهة القلب نحو تعمير الآخرة ، ~~والمعارف الحقة ، وعالم الغيب ، لحصل له وئام مع الملكوت الأعلى ، الذي هو ~~عالم الملائكة ، وعالم النفوس الطيبة السعيدة ، والذي يكون هذا العالم ~~بمثابة الظل النوراني لعالم الطبيعة ، وتعتبر العلوم التي تفاض عليه ، من ~~العلوم الرحمانية الملكية والعقائد الحقة ، وتصير الخواطر من الإلقاءات ~~والخواطر الإلهية ، ويتطهر من الشك والشرك ويتنزه منهما ، وتحصل الاستقامة ~~والطمأنينة في النفس ، وتصير أشواقها أيضا على ضوء تلك العلوم ، وإرادتها ~~على ضوء تلك الأشواق . ومجمل الكلام أن الأعمال القلبية والقالبية ~~والظاهرية والباطنية ، تتحقق على أساس العقل والحكمة . # ولهذه الإلقاءات الشيطانية والملكية والرحمانية مراتب ومقامات ، ولا تسمح ~~هذه الصفحات فعلا ، في تفصيل ذلك . # وتدل على ذلك بعض الأخبار الشريفة ، مثل ما ورد في مجمع البيان عن ~~العياشي : # روي العياشي بإسناده عن أبان بن تغلب ، عن جعفر بن محمد عليهما السلام ~~قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «ما من مؤمن إلا ولقلبه في ~~صدره اذنان : اذن ينفث فيها الملك واذن ينفث فيها الوسواس الخناس ، يؤيد ~~الله المؤمن بالملك وهو قوله سبحانه : « وأيدهم بروح منه» (1) . # وفي «مجمع البحرين» : في حديث آخر : «إنه قال : الشيطان واضع خطمه على ~~قلب ابن آدم ، له خرطوم مثل خرطوم الخنزير ، يوسوس لابن آدم أن أقبل على ~~الدنيا وما لا يحل الله ، فإذا ذكر الله خنس» (2) إلى غير ذلك من الروايات . ### || AUTO فصل: # بعد أن علمنا عن طريق أهل المعرفة ، أن الوسوسة من الأعمال الشيطانية ، ~~كما ورد في هذا الحديث الشريف الذي نحن بصدد شرحه ، والأحاديث الأخرى ، ~~نضطر إلى بيان هذا الموضوع بطريق ms320 آخر يكون أقرب إلى أذهان العامة وأكثر ~~ملائمة لها ، رغم أن البيان السابق عند أهله موافق للقواعد العقلية ~~والضوابط البرهانية ومطابق لذوق أهل المعرفة ومشاهدات أصحاب القلوب ، ولكن ~~حيث أنه يرتكز على قواعد وأسس خارجة عن مستوى هذا الكتاب ننصرف عن بيانه ~~فنقول : PageV01P366 # الاربعون حديثا :367 # إن الشاهد على أن هذه الوساوس والأعمال من ألعاب الشيطان وإلقاءات ذلك ~~المعلون ، وأنه لا يوجد لها دافع ديني وباعث إيماني ، رغم زعم صاحبها أن ~~دافعه أمر ديني ، هو أن هذه الوساوس تخالف أحكام الشريعة وأخبار أهل بيت ~~العصمة والطهارة . # مثلا : وردت في أحاديث متواترة عن طريق أهل بيت العصمة عليهم السلام ، ~~كيفية وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أنها كانت غسلة واحدة . ~~ومن ضروريات الفقه ، اجزاء غرفة واحدة للوجه ، وغرفة لغسل اليد اليمنى ~~وغرفة واحدة لغسل اليد اليسرى وأما الإجزاء مع غرفتين أو غسلتين لكل من ~~الوجه واليد اليمنى واليسرى ، فهو محل خلاف ، حتى أنه يستفاد من وسائل ~~الشيعة الفتوى بعدم الجواز أو التأمل في عدم الجواز . ونقل عن آخرين خلاف ~~ذلك . مع أن جواز الغسلتين لا يكون محل تأمل أيضا . والشهرة العظيمة مع ~~الأخبار الكثيرة دالة على استحبابه ، لكن لا يبعد أفضلية الغسلة الواحدة ~~شريطة أن يصل الماء إلى جميع أطراف العضو الذي نريد أن نغسله . مع العلم ~~بأن الغسل ثلاث مرات بأن نصب الماء في كل مرة على أن يستوعب الماء العضو ~~المغسول هو بدعة وحرام بلا أي محذور ، ووضوئه يكون باطلا إذا مسح مع رطوبة ~~الغسلة الثالثة . وفي أخبار أهل البيت عليهم السلام أن الغسلة الثالثة بدعة ~~، وكل بدعة في النار . # وعليه فإن الإنسان الجاهل المبتلى بالوسوسة ، يغسل أعضاء الوضوء أكثر من ~~عشر مرات وفي كل مرة يوصل الماء إلى كل أطراف العضو الذي يريد أن يغسله ~~بدقة متناهية ، بل يغسل العضو حتى يجري ماء الوضوء ، ويتحقق الغسل الشرعي ~~ثم يكرر الغسل مرات عديدة ، فمع أي مقياس نستطيع أن نطبق عمله هذا ؟ ومع أي ~~حديث أوفتوى فقيه ms321 يتطابق عمله ؟ لقد صلى المسكين عشرين عاما أو أكثر مع مثل ~~هذا الوضوء الباطل ، وتظاهر أمام الناس أنه في منتهى القدسية والطهارة . إن ~~الشيطان قد داعبه ، والنفس الأمارة بالسوء ، قد غررته ، ومع هذا كله يخطيء ~~الآخرين ويرى نفسه مصيبا . # إن الذي يخالف النص المتواتر وإجماع العلماء ، هل يجب أن نعده من عمل ~~الشيطان أو من طهارة النفس وتقواها ؟ فإذا كانت هذه الوسوسة من جراء منتهى ~~التقوى والاحتياط في الدين فلماذا نجد الكثير من ذوي الوسوسة التي لا مبرر ~~لها والجهلة المتنسكين ، لا يحتاطون في مواضع يجب الاحتياط فيها أو يستحب ؟ ~~هل سمعت أحدا يعيش حالة الوسوسة في الشبهات المالية ؟ من من الوسواسين دفع ~~الزكاة والخمس مرات عديدة ؟ وذهب إلى الحج لأداء الواجب مرات متكررة ؟ ~~وأعرض عن الطعام المشتبه ؟ لماذا كانت أصالة الحلية في الأطعمة المشتبهة ~~جارية وأصالة الطهارة في شكوك النجاسة غير جارية ؟ مع أنه في باب مشكوك ~~الحلية من PageV01P367 الاربعون حديثا :368 # الراجح الاجتناب ، وتدل على ذلك الأحاديث الشريفة مثل حديث التثليث (1) ~~عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال وإنما الأمور ثلاثة : أمر بين ~~رشده فيتبع وأمر بين غيه فيجتنب وأمر مشكل يرد علمه إلى الله ورسوله وفي ~~باب الطهارة عكس ذلك كل شيء لك طاهر حتى تعلم أنه نجس . # كان أحد الأئمة المعصومين سلام الله عليه وعليهم إذا ذهب لقضاء حاجته ترك ~~الماء على فخذيه ، حتى إذا ترشحت لدى الاستبراء أو الاستنجاء قطرات من ~~الماء لم يحس بذلك فهو لم يحتط ولم يتوسوس . وهذا المسكين الذي يرى نفسه ~~محتذيا حذو الإمام المعصوم عليه السلام وآخذا دينه منه ، لا يتقي لدى ~~التصرف في الأموال ، ولا يحتاط تجاه الطعام بل يتكل على قاعدة إصالة ~~الطهارة ، ويأكل ، ثم يقوم ويغسل فمه ويديه . إنه حين الأكل يتمسك بأصالة ~~الطهارة وبعد أن يشبع يقول كل شيء نجس وإذا كان من أهل العلم برر عمله هذا ~~بأنني أريد أن أصلي مع الطهارة الواقعية ، مع أننا لم نعرف ميزة للصلاة مع ~~الطهارة الواقعية ms322 . ولم ينقل عن أحد من الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم ~~اعتبار الطهارة الواقعية في الصلاة . إذا كنت من أهل الطهارة الواقعية ~~فلماذا لم تكن من أهل الحلية الواقعية ؟ وإذا فرضنا أنك أردت الطهارة ~~الواقعية فما معنى الغسل في الماء الكر أو الجاري عشر مرات ؟ مع أنه يكفي ~~الغسل مرة واحدة من غير البول أو بعض النجاسات الأخرى في الماء الجاري وفي ~~الماء الكر . وأما في البول فتكفي مرة واحدة على المشهور وتكفي مرتان ~~إجماعا ، فلا يكون الغسل لمرات عديدة إلا من تدليس الشيطان وتسويل النفس . ~~وحيث أن ذلك لا يطلب جهدا منا نجعله رأس المال للتظاهر بالقدسية . # وأسوأ من كل ذلك وأكثر فضيحة ، وسوسة البعض لدى نية الصلاة وتكبيرة ~~الإحرام ، لأنه يرتكب عدة محرمات ، ويعتبر نفسه من المقدسين ، ويرى بهذا ~~العمل ميزة لنفسه . هذه النية التي تتوقف عليها الأعمال الاختيارية بأسرها ~~، وتعد الأمور اللازمة للأعمال الاختيارية ، ولا يستطيع الإنسان أن يأتي ~~بعمل من الأعمال العبادية أو غير العبادية من دونها ، فمع هذا الوصف ومع ~~مختلف أساليب الشيطنة وهيمنة الشيطان عليه قد يبتلى ساعة أو ساعات ، لإنجاز ~~هذا الأمر الضروري الوجود وفي النهاية قد لا يحصل . فهل إن هذا الأمر من ~~الخواطر الشيطانية وأعمال إبليس لعنه الله الذي وضع الطوق واللجام على هذا ~~المسكين ، وأخفى عليه هذا الأمر الضروري وابتلاه بالمحرمات الكثيرة من قبيل ~~قطع الصلاة ، وتركها وتجاوز وقتها ، أو أنه من طهارة الباطن والقدس والتقوى ؟ PageV01P368 # الاربعون حديثا :369 # ومن شؤون الوسوسة عدم الاقتداء بأشخاص حكم عليهم بالعدالة نصا وفتوى ، ~~فإن ظاهرهم من أهل الصلاح ومن المحافظين على الأعمال الشرعية وباطنهم معلوم ~~عند الله ، ولا يجب علينا البحث والتفتيش الدقيق عنهم ، بل لا يجوز البحث ~~والتحري عنهم ومع ذلك نرى الشيطان يلجمه ويقوده إلى زاوية من زوايا المسجد ~~معتزلا عن جماعة المسلمين فيصلي فرادى ، ويعلل عدم إلتحاقه بالجماعة بأنني ~~أحتاط ولا أجد توجها قلبيا نحو الجماعة ولكنه لا يتضايق من امامته للجماعة ~~مع أن الإمامة أصعب ، ومحل التباسها أكثر ولكن لما ms323 كانت الإمامة موافقة ~~للرغبات النفسية لا يحتاط في ذلك . # ومن شؤون الوسوسة التي يكثر الابتلاء بها ، الوسوسة في قراءة الفاتحة في ~~الصلاة حيث قد تخرج نتيجة التكرار للحروف أو الكلمات وتفخيمها من القواعد ~~التجويدية وقد تتغير صورة الكلمة كليا . مثلا ينطق حرف الضاد من كلمة ~~(الضالين) بصورة تقترب من حرف القاف . ويتفوه بالحاء في (الرحمن الرحيم) ~~وكأنه ينطق كلمة غريبة . ويفصل بين حرف وحرف في كلمة واحدة مما يسبب تغييرا ~~في هيئة الكلمة ومادتها ، وتنسلخ الكلمة عن وضعها الطبيعي . ومجمل القول إن ~~الصلاة التي تعد معراجا للمؤمن ، وقربانا للمتقين ، وعمودا للدين ، تفرغ من ~~كافة شؤوناتها المعنوية ، وأسرارها الإلهية ، وتتحول إلى كلمات يراد بها ~~التمويه والإلقاء ، وفي نفس الوقت ، ينجر تجويد الكلمات ، إلى فسادها وإلى ~~عدم إجزائها وكفايتها بحسب ظاهر الشرع . فهل إن هؤلاء وفي هذه الحالة ، ~~يعيشون وساوس الشيطان أو تغمرهم فيوضات الرحمن ؟ # لقد وردت روايات كثيرة في حضور القلب لدى الصلاة ، والتوجه القلبي في ~~العبادات ولكن هذا المسكين عرف من حضور القلب علما وعملا ، الوسوسة في ~~النية ومد كلمة « ولا الضالين » أكثر من القدر اللازم ، وتغيير تقاسيم ~~الوجه والفم حين تلفظ الكلمات . # أليست هذه بمصيبة ، حيث أن الإنسان يغفل سنينا طويلة عن حضور القلب ~~ومعالجة قلقه النفسي ، ولم يتصد لإصلاحه ، ولا يعتبر ذلك حضور القلب شأنا ~~من شؤون العبادة ، ولم يتعلم كيفية تحصيله من علماء القلوب العرفاء ولم ~~يلتزم به ، ويشتغل بهذه الأباطيل التي تكون من الخناس اللعين حسب نص الكتاب ~~الكريم (1) وأنها من عمل الشيطان حسب تصريح الصادقين عليهم السلام بذلك . ~~وإن العمل بها يوجب البطلان ، كما ذكرتها فتاوى الفقهاء لكنه يعتبر كل ذلك ~~من شؤون الطهارة والقدسية ؟ . # وقد تحدث الوسوسة أو تشتد من جراء أن جهلة مثل هذا الإنسان الوسواسي ~~يطرون عليه ويعتبرون وسوسته من الفضائل ، ويثنون على ديانته وقدسيته وتقواه ~~، قائلين إنه نتيجة شدة PageV01P369 الاربعون حديثا :370 # الدين والتقوى أصبح وسواسيا ، مع أن الوسوسة لا ترتبط بالديانة أبدا ، بل ~~هي مخالفة للدين ومن ثمار الجهل وعدم ms324 العلم . ولكنهم لما لم يبينوا له ~~حقيقة الأمر ، ولم يبتعدوا عنه ولم يؤنبوه بل على العكس مدحوه وأثنوا عليه ~~، استمر في عمله الشنيع ، حتى بلغ نهايته ، وجعل نفسه لعبة بيد الشيطان ~~وجنوده ، فأقصاه من ساحة قدس المقربين . # فيا أيها العزيز ، بعد أن علم نقلا وفعلا بأن هذه الوساوس من الشيطان ، ~~وهذه الخواطر من عمل إبليس ، الذي يفسد عملنا ، ويصرف قلوبنا عن الحق ~~المتعالي . ومن المحتمل أنه لا يكتفي بهذه الوسوسة في العمل ، بل يبدي ~~البراعة ، ليدخل الوسوسة في العقيدة والدين ، ويبعد دينك عن دين الله ، ~~ويجعلك شاكا في المبدء والمعاد ، ويدفعك إلى الشقاء الأبدي . وإذا لم يستطع ~~أن يضلل أشخاصا عبر الفسق والفجور ، فهو يسلك سبيل العبادات والمناسك فيبطل ~~نهائيا الأعمال والأفعال التي يجب أن نتقرب بها إلى الله ، ونعرج من خلالها ~~إلى الحق المتعالي ، ويجعلها دوافعا للابتعاد عن ساحة القدس الربوبي جل ~~شأنه والتقرب من إبليس وجنوده . وعلى أي حال يخشى منه أن يعبث في عقائدك . ~~فلا بد من معالجة هذه الحالة بأي شكل كان وبواسطة أي ترويض ممكن . ### || AUTO فصل: # إعلم أن معالجة هذه الآفة القلبية التي يخشى منها أن تودي بالإنسان إلى ~~الهلاك الأبدي والشقاء الدائم ، كبقية الأمراض القلبية ، يمكن أن تتم ~~بواسطة العلم النافع والعمل بكل سهولة ويسر . ولكن يجب أن يشعر الإنسان ~~بإنه سقيم ، حتى يسعى في سبيل المعالجة . ولكن النقص يكمن في أن الشيطان قد ~~يزين له الأمور على مستوى لا يرى فيه هذا المسكين نفسه مريضا ، وإنما ~~الآخرون يرونه منحرفا عن السبيل وغير مكترث بالدين . # أما سبيل العلم بأنه سقيم أو ليس بسقيم ، فهو التفكر في هذه الأمور ~~المذكورة ، حيث يجدر بالإنسان أن تكون أعماله وأفعاله ، نتيجة التفكر ~~والتأمل . بأن يفكر في أن هذا العمل الذي يريد أن ينجزه ، ويريد أن يجعله ~~مرضيا لله تعالى من أي مصدر يكون وممن يؤخذ حتى تكون كيفيته بهذا الشكل ~~المخصوص ؟ ومن الواضح أن العوام من الناس يأخذون من الفقهاء كيفية العمل ، ~~ومراجع التقليد يستنبطون من الكتاب ms325 والسنة والقواعد الفقهية . وعندما نرجع ~~إلى الفقهاء نسمع منهم القدح في عمل الوسواسي ، ويرون بعض أعماله الباطلة ، ~~وعندما نرجع إلى الأحاديث الشريفة ، والكتاب الإلهي نجد بأن عمله يعتبر من ~~الشيطان ويجعل صاحبه مجنونا . إذن إن الإنسان العاقل إذا فكر وتدبر قليلا ~~قبل أن يهيمن الشيطان على عقله لأوجب على نفسه الاقلاع عن هذا العمل الفاسد ~~، ولسعى في سبيل تصحيح عمله حتى يكون مرضيا عند الحق المتعال . PageV01P370 # الاربعون حديثا :371 # ويجب على كل من يشك في حصول الوسوسة عنده ، أن يكون مثل الناس العوام ، ~~في عرض عمله على العلماء والفقهاء ، والإستفهام منهم بأنه هل ابتلي عمله ~~بمرض الوسوسة أم لا ؟ لأنه كثيرا ما يكون الإنسان الوسواسي غافلا عن حاله ~~ومعتقدا بأنه معتدل وأن الآخرين غير مكترثين بالدين . ولكنه إذا فكر قليلا ~~، لوجد أن مصدرهذا الاعتقاد هو الشيطان وإلقاءاته الخبيثة ، لأنه يرى بأن ~~العلماء والفقهاء الكبار من الذين يؤمن بعلمهم وعملهم ، بل ويكونون مراجع ~~المسلمين في أخذ مسائل الحلال والحرام منهم ، يعملون بما يغاير عمله . ولا ~~يستطيع القول بأن الملتزمين غالبا والعلماء وعظام الدين لا يحفلون بدين ~~الله وأن الإنسان الوسواسي وحده يتقيد بالدين . # وعندما أدرك ضرورة إصلاح العمل ، دخل مرحلة العمل ، والعمدة في هذه ~~المرحلة ، عدم الاهتمام بالوساوس الشيطانية والأوهام التي تلقى عليه . ~~فمثلا إذا كان مجتهدا ومبتليا بالوسوسة في الوضوء ، فليتوضأ مع غرفة ~~واحدة رغم وسوسة الشيطان . إن الشيطان يوسوس ويقول بأن هذا العمل ليس بصحيح ~~ولكن يواجهه بأن عملي لو لم يكن صحيحا لوجب أن لا يكون عمل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم والأئمة الطاهرين عليهم السلام والفقهاء جميعا صحيحا . ~~لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الطاهرين قد توضأوا في فترة ~~طويلة تقرب من ثلاثمائة سنة ، وكانت كيفية وضوء جميعهم واحدة. فإذا كان ~~عملهم باطلا ، فليكن عملي باطلا أيضا . وإذا كنت مقلدا لمجتهد ، فأجب ~~الشيطان بأنني أعمل على ضوء فتوى المجتهد ، فإذا كان وضوئي باطلا ، فلا ~~يؤاخذني ربي عليه ، ولا تكون علي حجته . وإذا ms326 أوقعك الشيطان الملعون في ~~الشك قائلا بأن المجتهد لم يقل هكذا فافتح رسالته العملية وتأكد من صحة ~~العمل ، فإذا لم تعبأ بإلقاءاته عدة مرات ، وعملت على خلاف رأيه ، لغدا ~~آيسا منك . ونرجو أن تكون المعالجة النهائية لمرضك . كما ورد هذا المعنى في ~~الأحاديث الشريفة : # فعن الكافي بإسناده عن زرارة وأبي بصير قالا : «قلنا له : الرجل يشك ~~كثيرا في صلاته حتى لا يدري كم صلى ولا ما بقي عليه ؟ قال : يعيد . قلنا له ~~: فإنه يكثر عليه ذلك ، كلما أعاد شك . قال : يمضي في شكه ، ثم قال : لا ~~تعودوا الخبيث من أنفسكم بنقض الصلاة فتطمعوه فإن الشيطان خبيث يعتاد لما ~~عود ، فليمض أحدكم في الوهم ولا يكثرن نقض الصلاة فإنه إذا فعل ذلك مرات لم ~~يعد إليه الشك . قال زرارة : ثم قال : إنما يريد الخبيث ان يطاع فإذا عصي ~~لم يعد إلى أحدكم» (1) . # وبإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال : «إذا كثر عليك السهو فامض في ~~صلاتك فإنه يوشك أن يدعك ، إنما هو من الشيطان» (2) . PageV01P371 # الاربعون حديثا :372 # ومن الوضوح بمكان أنك إذا خالفت الشيطان فترة من الزمان ، ولم تلق بالا ~~لوساوسه ، لانقطع طمعه عنك ، وعادت الطمأنينة والسكون إلى نفسك . ولكن في ~~غضون أيام تصديك للشيطان ، تضرع إلى ساحة الحق المتعالي والتجئ إلى ذاته ~~المقدس من شر ذاك الملعون وشر النفس ، وإستعذ بالله منه وهو يعينك عليه كما ~~ورد في الكافي الأمر بالاستعاذة من الشيطان . # بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال : «أتى رجل النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال : يا رسول الله أشكو إليك ما ألقى من الوسوسة في صلاتي حتى ~~لا أدري ما صليت من زيادة أو نقصان ، فقال : إذا دخلت في صلاتك فاطعن فخذك ~~الأيسر باصبعك اليمنى المسبحة ثم قل : «بسم الله وبالله ، توكلت على الله ، ~~أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم» فإنك تنحره وتطرده» (1) . # والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا ، والصلاة والسلام على محمد وآله ~~الطاهرين . PageV01P372 # الاربعون حديثا :373 ### | AUTO الحديث السادس والعشرون # طالب العلم ms327 PageV01P373 الاربعون حديثا :374 # بالسند المتصل إلى ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني ، عن محمد بن الحسن ~~وعلي بن محمد ، عن سهيل بن زياد ومحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، جميعا ~~عن جعفر بن محمد الأشعري ، عن عبد الله بن ميمون القداح ؛ وعلي بن إبراهيم ~~، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن القداح ، عن أبي عبد الله عليه السلام ~~قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «من سلك طريقا يطلب فيه ~~علما سلك الله به طريقا إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم ~~رضا به ، وإنه يستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض حتى الحوت في ~~البحر . وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر وإن ~~العلماء ورثة الأنبياء ، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ولكن ~~ورثوا العلم ، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر» (1) . PageV01P374 # الاربعون حديثا :375 ### || AUTO الشرح : # إعلم أن ألفاظ هذه الرواية لا تحتاج إلى الشرح ، ولكننا نشرح هذه الصفات ~~التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فضل طالب العلم والعلماء ~~، ضمن فصول . وعلى الله التكلان : ### || AUTO فصل: في بيان ان من سلك طريق العلم جعله الحق المتعالي من ~~السالكين لطريق الجنة # لا بد من معرفة أن العلوم بصورة كلية تنقسم إلى قسمين : # أحدهما : العلوم الدنيوية التي هدفها الوصول إلى المآرب الدنيوية . على ~~أساس أن النية قد تكون الأناينة وقد تكون إلهية . # والآخر : العلوم الأخروية التي يقصد منها البلوغ إلى المقامات والدرجات ~~الملكوتية والوصول إلى المراتب الأخروية . وقد تقدمت منا الإشارة إلى أن ~~الفرق بين القسمين يكون على أساس النية والقصد غالبا ، وإن كانت هذه العلوم ~~في نفسها تنقسم إلى نوعين . ويكون المقصود من هذا العلم في هذا الحديث حسب ~~الآثار المذكورة لطلب العلم وللعلماء في هذه الرواية ، هو النوع الثاني علم ~~الآخرة . وهذا واضح . # وتقدم منا أيضا الحديث بأن جميع العلوم الأخروية لا تخرج عن أطار الحالات ~~الثلاثة أما من قبيل العلم بالله والمعارف الإلهية ms328 ، أو من قبيل علم تهذيب ~~النفس والسلوك إلى الله أو من قبيل علم الآداب وسنن العبودية . ونقول هنا ~~بأن تعمير نشأة الآخرة يرتبط بهذه الأمور الثلاثة . وعليه تكون الجنة أيضا ~~منقسمة إلى جنات ثلاثة : PageV01P375 # الاربعون حديثا :376 # احداها جنة الذات وهي التي تكون غاية العلم بالله والمعارف الإلهية . ~~وثانيها جنة الصفات وهي نتيجة تهذيب النفس وترويض الروح . وثالثها جنة ~~الأعمال وهي صورة أداء العبودية وآثارها ، وهذه الجنات لا تكون معمورة ~~ومشيدة . # وكما أن أرض «جنة الأعمال» قاع مسطحة ومستوية فكذلك أراضي النفس في بدء ~~الأمر مستوية ولا شيء فيها . ويكون عمرانها تابع لعمران النفس . # وإذا لم يعمر مقام الغيب للنفس بالمعارف الإلهية ، والجذبات الغيبية ~~الذاتية ، لم تحصل للإنسان «جنة الذات واللقاء» . وإن لم يهذب الباطن ، ولم ~~يتحل الداخل ، ولم تقو الإرادة والعزم ولم يكن القلب محل تجل للأسماء ~~والصفات ، لم تكن «جنة الأسماء والصفات» التي هي الجنة المتوسطة ، للإنسان ~~. وإن لم ينهض الإنسان بالعبودية ، ولم تتطابق أعماله وأفعاله وحركاته ~~وسكناته مع أحكام الشريعة ، لم يحصل على «جنة الأعمال» التي «فيها ما ~~تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين» (1) . # وبناءا على هذه المقدمة الموافقة للبراهين الفلسفية ، وذوق أهل العرفان ، ~~وأخبار الأنبياء والأولياء عليهم السلام ، والمستفادة من القرآن الإلهي ~~الكريم ، يتبين أن العلوم في أي مستوى كانت : سواء كان علم المعارف أو غيره ~~فهي السبيل للوصول إلى الجنة التي تتناسب مع ذلك العلم ، وسالك سبيل كل علم ~~، سالك لطريق من طرق الجنة . # وقد ذكرنا سابقا بأن العلوم بصورة عامة ، طريق إلى العمل ، حتى علوم ~~المعارف إلا أن الأعمال التي تنجم من علم المعارف ، هي أعمال قلبية ، ~~وجذبات باطنية ، وتكون نتيجة تلك الأعمال والجذبات وصورها الباطنية ، صورة ~~«جنة الذات واللقاء» . إذن : سلوك طريق العلم ، سلوك طريق طريق الجنة ~~العلم طريق إلى الجنة ، وطريق الطريق ، طريق أيضا . # [ نكتة مهمة ] # والسر في قوله عليه السلام : «سلك الله به إلى الجنة» حيث نسب إلى العبد ~~، السلوك العلمي من سلك طريقا يطلب فيه علما وإلى ذاته المقدس الحق ، ~~السلوك إلى ms329 الجنة سلك الله به إلى الجنة لأجل أنه في مقام الكثرة رجح طلب ~~العبد العلم ، وفي مقام الرجوع إلى الوحدة ، رجح طرف الحق . ولولا هذا ~~التوجيه ، لاستطعنا من جهة أن نقول : ينتسب أيضا إلى العبد السلوك إلى ~~الجنة «ووجدوا ما عملوا حاضرا» (2) «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * PageV01P376 # الاربعون حديثا :377 # ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره» (1) . كما نستطيع من جهة أخرى أن ننسب ~~السلوك إلى العلم أيضا ، إلى الذات المقدس وأنه من تأييده وتوفيقاته . «قل ~~كل من عند الله» (2) . # ولمحقق الفلاسفة ، وفخر الطائفة الحقة صدر المتألهين رضوان الله تعالى ~~عليه في هذا المقام شرح يبتنى على ذلك ، وهو أن نفس إدراك الملائم ~~والمنافر ، جنة ونار ، وأن العلوم مما يلائم النفس ، والجهل مما تنفر منه . # وهذا الرأي مخالف لنظريته ، المذكورة في الكتب الحكمية عند رده على الشيخ ~~الغزالي ، حيث يذهب الشيخ الغزالي إلى أن الجنة والنار ، عبارة عن اللذات ~~والآلام الحاصلة في النفس ، ويجحد وجودهما الجنة والنار الخارجيين ، حسب ~~ما ينقل عنه . وهذا المذهب ، مضافا إلى أنه مخالف لبرهان الحكماء ، مغاير ~~لأخبار الأنبياء ، والكتب السماوية ، وضرورة الأديان بأسرها . فنهض صدر ~~المتألهين الفيلسوف العظيم الشأن ، للإجابة عليه ، وإبطال تصوره ، ولكنه ~~صدر المتألهين قد ذكر في المقام ما يضاهي المنقول عن الشيخ الغزالي ، رغم ~~رفضه وإنكاره لمسلك الغزالي . وعلى أي حال هذا الكلام مذهب صدر المتألهين ~~ليس بصحيح عندي ولكن لا يتناسب مع حجم الكتاب عرض أكثر من هذا المقدار من ~~البحث . ### || AUTO فصل: في بيان ان الملائكة لتضع اجنحتها لطالب العلم حتى يطأ عليها # إعلم أن ملائكة الله على أصناف وأنواع كثيرة كلهم جنود الحق المتعالي ، ~~ولا يعلمهم أحد إلا الذات المقدس علام الغيوب «وما يعلم جنود ربك إلا هو» (3) . # صنف منهم ملائكة مهيمون عاشقون مجذوبون ، لا يلتفتون نهائيا إلى عالم ~~الوجود ، ولا يعرفون بأن الله قد خلق عالما أم لا ، وإنما هم مستغرقون في ~~جمال الحق وجلاله ، ومنصهرون في كبرياء ذاته المقدس . ويقال بأن كلمة « ن » ~~المباركة في الآية الشريفة ms330 «ن * والقلم وما يسطرون» (4) إشارة إلى هذا ~~الصنف من الملائكة . # وصنف آخر منهم ، ملائكة مقربون ومن سكان الجبروت الأعلى ، وهم أنواع ~~كثيرون ولكل منهم شأن وتدبير في العالم لا يكون لغيرهم من الملائكة . PageV01P377 # الاربعون حديثا :378 # وطائفة ثالثة ملائكة عالم الملكوت الأعلى والجنات العليا ، على مختلف ~~أصنافهم وتشتت أنواعهم . # وطائفة رابعة ملائكة عالم البرزخ والمثال . # وطائفة خامسة الملائكة الموكلون على عالم الملك والطبيعة ، حيث يتولى كل ~~منهم أمرا ويدبر شأنا ، وهذا القسم من الملائكة المدبرين في عالم الملك ، ~~غير الملائكة الموجودين في عالم المثال والبرزخ . كما هو مقرر في محله ، ~~ومستفادا من الأخبار أيضا . # ولا بد من معرفة أنه لا توجد أجنحة وريش وأعضاء أخرى للملائكة بجميع ~~أصنافها ، فإن الملائكة المهيمين حتى سكان الملكوت الأعلى منزهون ومبرأون ~~من هذه الأعضاء والأجزاء المقدارية ، ومجردون من المادة ولوازمها ومقدارها ~~وعوارضها . وأما ملائكة عالم المثال والموجودات الملكوتية البرزخية ، فمن ~~المحتمل أن تكون في هذه الطائفة من الملائكة ، جوارح وأعضاء وأجنحة ورياش ~~وغيرها ، ولما كانوا من عالم المثال والبرزخ ، وكان لهذا العالم كمية ~~وكيفية ، كان لهذه الطائفة قدر خاص ، وجوارح مخصوصة وإن قوله تعالى : ~~«والصافات صفا» (1) ؛ و«أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع» (2) يرتبط بهذه ~~الطائفة من الملائكة . ولكن للملائكة المقربين والقاطنين في الجبروت الأعلى ~~، الإحاطة الوجودية القيومية ، فهم يستطيعون ، أن يتمثلوا في كل واحد من ~~العوالم بهيئة وصورة تتناسب مع ذلك العالم . كما أن جبرائيل الأمين ، الذي ~~هو من المقربين للساحة المقدسة ، وحامل الوحي الإلهي ، ومن أعلى مراتب ~~موجودات سكان الجبروت ، كان يتمثل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، في ~~المثال المقيد دائما ، وفي المثال المطلق ، مرتين ، وفي عالم الملك حينا ، ~~وفي عالم الملك في صورة دحية الكلبي رضيع رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم الذي كان أجمل الناس ، حينا آخر . # ولا بد من معرفة أن التمثل الملكي للملائكة ، لا يكون مثيل الموجودات ~~الملكية ، كي يراه كل سليم الحس والبصر ، بل الجانب الملكوتي للملائكة يغلب ~~الجانب الملكي . ولهذا لا يراهم الناس مع أبصارهم ms331 الملكية ، بل رأى بعض ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جبرائيل وهو في صورة دحية الكلبي ~~، بعد تأييد من الحق المتعالي ، واشارة من خاتم الأنبياء صلى الله عليه ~~وآله وسلم . # ومن هذا المنطلق أن طلبة العلم والمعارف ، والمتوجهين إلى الحق والحقيقة ~~، والسالكين لسبيل رضا الله من الأبناء الروحانيين لآدم صفي الله عليه ~~السلام الذين يكونون PageV01P378 الاربعون حديثا :379 # مسجودا للملائكة ومطاعا لتمام دائرة الوجود ، هؤلاء يكونون محل عناية ~~ملائكة الله ، ورعايتهم وتأييدهم ، وإن مثل هذا الملكي الذي تحول إلى وجود ~~ملكوتي ، وهذا الأرضي الذي أصبح سماويا قد وطأت أقدامه ، أجنحة الملائكة ، ~~فإذا انفتحت عين بصيرته الملكوتية والمثالية لرأى بأنه مستقر على أجنحة ~~الملائكة ، وإنه يطوي المسافات بفضل تأييداتهم . # هذا بالنسبة إلى الذين الابناء الروحانيون لآدم عليه السلام هاجروا من ~~الملك إلى الملكوت ، وإن كانوا لا يزالون في الطريق . # وأما الذين ، لا يزالون يعيشون في عالم الملك ، ولم يطرقوا عالم الملكوت ~~، فمن الممكن أن يكونوا محل تأييد ولطف الملكوتيين ، حيث يفترشون أجنحتهم ~~تواضعا لهم وابتهاجا بهم وبأعمالهم . كما أشير إلى ذلك في هذا الحديث ~~الشريف وفي حديث (غوالي اللئالئ) . عن المقداد رضي الله عنه أنه قال : ~~«سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن الملائكة لتضع أجنحتها ~~لطالب العلم حتى يطأ عليها رضا به» (1) . # فعلم أن الخطوة الأولى إلى الله وإلى مرضاته ، وضع الأقدام على أكتاف ~~الملائكة ، والجلوس على أجنحتهم ، ويكون هذا الفرش وهذا الافتراش موجودين ~~حتى نهاية مراتب الدراسة ، وحصول العلم والمعارف ، ولكن الدرجات تختلف ، ~~والملائكة المؤيدين لهذا السالك في سبيل العلم يتبدلون ، حسب تبدل المراتب ~~، ويصل مستوى السالك إلى مرحلة ، يرفع قدمه من على رأس الملائكة المقربين ، ~~ويجتاز عوالما ، ويطوي مراتبا ، لا يستطيع أن يدنو منها الملائكة المقربون ~~، بل يبدي جبرائيل أمين الوحي عجزه عن الوصول إلى تلك الدرجات حيث يقول «لو ~~دنوت أنملة لاحترقت » (2) . # فلما لم يكن هذا الكلام معارضا للبرهان ، بل يوافقه ، فلا داعي إلى ~~تأويله إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم ، كما ms332 صنع الفيلسوف العظيم ~~، صدر المتألهين ، مع أنه اعترف وأثبت ملائكة عالم المثال ، والتمثلات ~~الملكية والملكوتية للملائكة ، في كتبه الفلسفية والعلمية ، مع بيان أنيق ~~يختص به . ### || AUTO فصل: في بيان انه يستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الارض # إعلم أنه قد تقرر في محله أن حقيقة الوجود ، عين جميع الكمالات والأسماء ~~والصفات ، كما أن الوجود الخالص المحض عين الكمال المحض الخالص . ولهذا حيث ~~أن الحق PageV01P379 الاربعون حديثا :380 # المتعالي جل شأنه يكون وجودا صرفا ، فهو كامل صرف ، وأنه سبحانه عين جميع ~~الأسماء والصفات الجمالية والجلالية . وفي الحديث «علم كله ، قدرة كله» . # وقد ثبت بالبرهان أن حقيقة الوجود ، في المرايا العالم عين جميع ~~الكمالات ، وإنه لا يمكن البتة تجريد الكمالات من الوجود ، لكن ظهور ~~الكمالات ، يكون بقدر سعة وضيق الوجود ، وصفاء وكدورة المرآة . ولهذا تكون ~~كافة الكائنات الوجودية ، آيات ذاته تعالى ومرآة أسمائه وصفاته . وهذا ~~الموضوع رغم أنه مبرهن عليه ، بل قلما تجد مسألة فلسفية تبلغ مستوى الموضوع ~~المبحوث عنه هنا في الإحكام والقوة ، واتقان الدليل . فهو مطابق لمشاهدات ~~أصحاب الشهود ، ومذاق أرباب المعرفة ، وموافق مع الآيات الكريمة ، وأخبار ~~أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام . كما أشار كتاب الله سبحانه في عدة ~~مواضع ، إلى تسبيح الموجودات بأسرها : «يسبح لله ما في السموات وما في ~~الأرض» (1) «وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم» (2) . # ومن الواضح جدا أن التسبيح والتقديس والثناء ، يتطلب العلم والمعرفة ~~لمقام الذات المقدس للحق جل شأنه ، ومن دون العلم والمعرفة لا يمكن ~~التسبيح والتقديس والتحميد . # وقد تولت الأحاديث بيان هذا الموضوع الشريف بكل صراحة ووضوح لا يقبل أي ~~توجيه وتأويل . ولكن ذوي الحجاب والمحجوبين من المعارف الإلهية ، من أهل ~~الفلسفة التقليدية وذوي الجدل ، قد أولوا كلام الله ، تأويلا باهتا ، ~~فمضافا إلى أنه مخالف لظاهرالآيات الكريمة ونصوص القرآن الكريم ، يكون ~~حديثهم بعض الموارد ، مثل قصة تكلم النمل في سورة النمل المباركة ، مخالفا ~~للنصوص الكثيرة الواردة عن الأئمة الأطهار عليهم السلام ومخالفا لبراهين ~~الحكمة القويمة أيضا . ولا ms333 يتناسب ذكر البراهين مع مقدماتها وحجم هذا ~~الكتاب المختصر . # فتسبيح الموجودات للحق المتعالي يكون عن وعي وشعور . وفي الحديث عن ~~الباقر عليه السلام قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «إني كنت ~~أنظر إلى الإبل والغنم . وأنا أرعاها وليس من نبي إلا وقد رعى الغنم فكنت ~~أنظر إليها [ قبل النبوة ] وهي متمكنة في المكينة ما حولها شيء يهيجها حتى ~~تذعر فتطير ، فأقول : ما هذا ؟ وأعجب حتى جاءني جبرئيل فقال : إن الكافر ~~يضرب ضربة ما خلق الله شيئا إلا سمعها ويذعر لها إلا الثقلين (3) . # ويقول أهل المعرفة أن الإنسان أكثر الموجودات بعدا وحجابا عن الملكوت ما دام هو PageV01P380 الاربعون حديثا :381 # منهمك بعالم الملك وشؤونه ، لأن اشتغاله أكثر من الكل وأقوى ، فيكون ~~احتجابه أكثر من الجميع ، وحرمانه عن الوصول إلى عالم الملكوت أعظم . # وأيضا لأن كافة الموجودات ذات وجهة ملكوتية يكتسبون بها الحياة والعلم ~~والشؤون الحياتية «وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض» (1) . وهذا ~~الدليل وجه آخر لتحقق العلم والحياة في الموجودات بأسرها . # وبعد أن علم أن لجميع الموجودات علما ومعرفة ، وأنها ذات وجهة ملكوتية ، ~~ولكن الإنسان بما أنه من جهة ليس في مرتبتها ، بل أرفعها وأسماها وبما أنه ~~محجوب من جهة أخرى عن عالم الملكوت ، فلا يتم له العلم بحياة الموجودات ~~وشؤونها ، بعد هذا لا مانع من القول باستغفار كل ما في السماء والأرض ~~للإنسان السالك لطريق العلم ، المتوجه إلى الحق المتعالي ، الذي هو زبدة ~~عالم الوجود ، وولي النعمة لعالم التحقق ، والطلب من مقام غفارية الذات ~~المقدس الحق جل وعلا ، مع ألسنتهم المقالية ، ولهجتهم الصريحة الملكوتية ، ~~التي تسمعها الآذان الملكوتية الصاغية ، أن يغرق في بحار غفرانه هذا النتاج ~~الكامل الملكي ، الذي هو مفخرة الطبيعة ، وأن يستر عيوبه جميعا . # كما أنه لا مانع من احتمال آخر هو أن الكائنات الأخرى تعلم ، بأن الوصول ~~إلى مقام فناء ذات الإنسان المقدس ، والغرق في بحر الكمال ، لا يتيسر إلا ~~بتبع ذات الإنسان المقدس الكامل العالم بالله ، العارف للمعارف الإلهية ، ~~الجامع للعلم والعمل كما هو ms334 مقرر في محله فمن هذه الجهة يسألون الحق ~~سبحانه ، الكمال الإنساني ، الذي يحصل بالغرق في بحر غفارية الحق ، حتى ~~ينالوا بواسطته كمالاتهم اللائقة بهم والله العالم . ### || AUTO فصل: في بيان ان فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر ~~النجوم ليلة البدر وهي ليالي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر # إعلم أن حقيقة العلم والإيمان الذي يتقوم بالعلم ، عبارة عن النور ، وهذا ~~الموضوع مضافا إلى أنه مطابق مع البرهان والعرفان ، موافق لنصوص وأخبار أهل ~~العصمة والطهارة عليهم السلام أيضا . لأن حقيقة النور التي هي عبارة عن ~~الظاهر والمكشوف بالذات ، المظهر والكاشف للغير ، ثابتة للعلم وصادقة عليه ~~، بل صدق هذه الحقيقة على العلم يكون حقيقيا ، وعلى الأنوار الحسية ، ~~مجازيا ، لأن النور الحسي ، لا ظهور ذاتي له في الحقيقة وإنه من تعينات PageV01P381 الاربعون حديثا :382 # مصاديق تلك الحقيقية ، وتكون لها الماهية ، وأما حقيقة العلم ، فهي عين ~~الوجود ذاتا ، وغيره مفهوما ، فهو في حاق الحقيقة ، وعالم الخارج موافق ~~للوجود ومتحد معه ، وتكون حقيقة الوجود عين النور ، وعين العلم «الله نور ~~السموات والأرض» (1) فالعلم عين النور وقد عبر في الآيات الشريفة عن ~~الإيمان والعلم بالنور «ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور» (2) . # وقد فسر (النور) حسب تفسير أهل بيت العصمة عليهم السلام في آية النور ~~المباركة بالعلم ، فعن الصادق عليه السلام : « الله نور السموات والأرض » ~~قال : كذلك الله عز وجل « مثل نوره» قال : محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~«كمشكوة» قال : صدر محمد صلى الله عليه وآله وسلم «فيها مصباح» قال فيه نور ~~العلم يعني النبوة « المصباح في زجاجة» قال : علم رسول الله صدر إلى قلب ~~علي الحديث (3) . # وعن الباقر عليه السلام أنه يقول : انا هادي السماوات والأرض ، مثل العلم ~~الذي اعطيته وهو النور الذي يهتدى به مثل المشكوة فيها المصباح ، ~~فالمشكوة قلب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والمصباح نوره الذي فيه ~~العلم» (4) . # وفي رواية قال : «فالمؤمن ينقلب في خمسة من النور : مدخله نور ، ومخرجه ~~نور ، وعلمه نور ، وكلامه نور ، ومصيره ms335 إلى الجنة يوم القيامة نور» (5) . # وورد في الحديث المعروف : «العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء» (6) . # ولهذا النور مراتب ، حسب مراتب إيمان وعلم ذوي النور . # ولا بد من معرفة أن هذا النور الحقيقي الموجود في قلوب أهل الإيمان ~~والعلم ، لما كان من أنوار عالم الآخرة ، ينير في عالم الآخرة حسب فعالية ~~النفس بالنور الحسي . وحيث أن هذا النور هو الذي ينيرالصراط ، يكون نور ~~طائفة مثل نور الشمس وأخرى مثل نور القمر حتى ينتهي الأمر إلى نور يضيء ~~أمام قدميه فقط . # وعندما علمنا بأن العلم نور وظهور ، حقيقة من دون شائبة مجاز ، لا بد وأن ~~نعرف بأننا نحن المساكين الذين ما دمنا نعيش في حجب ظلمات الطبيعة ، وفي ~~الليل المظلم من عالم الملك ، نكون محجوبين عن العلم : الشمس الحقيقية ، ~~والنور المتزايد للعلم والوعي ، PageV01P382 الاربعون حديثا :383 # ونتصور بأن هذه الكلمات مبتنية على المثال والمجاز والاستعارة والتخمين ~~والتعبير . # نعم ، لما كنا في سبات في هذه الحياة المستعارة ، وكان سكر الطبيعة يداعب ~~رأسنا ولم نفرق بين الحقيقة والمجاز ، يترائى أمام رؤيتنا المجازية النور ~~المجازي لأنه في الحقيقة تترائى في عالم المجاز ، الحقيقة ، مجازا . «الناس ~~نيام فإذا ماتوا انتبهوا» . # وعندما نفتح أعيننا ، نرى العالم نيرا بمثل ما نرى الشمس والقمر نيرين ، ~~فبنوره في هذا العالم ، تضاء القلوب المظلمة ، وتحيي أموات الجهل ، وفي ذلك ~~العالم أيضا نوره يحيط ويشفع ، من خلال إحاطته النورية ، المقتبسين من ~~مشكاة علمه والمرتبطين بساحة قدسه . # ولا بد وأن نعرف بأن العبادة لا تتحقق من دون علم أيضا ، ومن هنا يكون ~~للعابد نور مخصوص به ، بل إن نفس الإيمان وعبادة الحق المتعالي من سنخ ~~النور ولكن نور العابد ، يضيء لنفسه ، وينير تحت أقدامه ، ولا ينير للآخرين ~~ولهذا يكون مثلهم مثل النجوم ليلة البدر ، حيث تختفي أنوارها أمام نور ~~القمر ليلة البدر ، وإنما تضيء لنفسها من دون أن تنفع الآخرين وتسطع لهم . ~~فمثل العابد أمام العالم ، لا يكون مثل النجمة في الليل المظلم حتى ينير ~~قدرا من المساحة المحيطة بالنجمة وإنما ms336 يضيء بمثل إضاءة النجمة ليلة البدر ~~حيث تكون ظاهرة وغير مظهرة لشيء آخر . # قال صدر المتألهين قدس سره (أن المقصود من العالم في هذا الحديث الشريف ~~غير العالم الرباني ممن يكون علمه لدنيا وحاصلا بواسطة الموهبة الإلهية كما ~~هو شأن علم الأنبياء والأولياء عليهم السلام ، ويدل على ما ندعيه تمثيله ~~بالقمر إذ لو كان المقصود من العلم ، اللدني منه ، لكان من الجدير به أن ~~يمثل بالشمس لأن نورها بإفاضة من الحق المتعال من دون واسطة شيء آخر من ~~نوعه أو جنسه) انتهى كلامه رفع مقامه . ### || AUTO فصل: في بيان ان العلماء ورثة الانبياء عليهم السلام # هذه الوراثة روحانية ، وولادة العلماء من الأنبياء ولادة ملكوتية ، ~~والإنسان كما يكون حسب نشأته الملكية والجسمية ، وليد الملك والطبيعة فبعد ~~تربية الأنبياء للإنسان ، وحصول مقام القلب له ، تكون له ولادة ملكوتية . ~~وكما أن منشأ تلك الولادة المادية ، الأب الجسماني ، يكون منشأ هذه الولادة ~~الأنبياء عليهم السلام ، فيكونوا الآباء الروحانيين ، وتكون الوراثة ، ~~وراثة روحانية باطنية ، والولادة ولادة ثانوية ملكوتية . وتكون التربية ~~والتعليم بعد الأنبياء من شؤون العلماء ، الورثة الحقيقيين للأنبياء . إن ~~الأنبياء عليهم السلام حسب هذا المقام الروحاني لا يملكون درهما ولا دينارا ~~ولا يلتفتون إلى عالم الملك والشؤون الملكية فتركتهم حسب هذا PageV01P383 الاربعون حديثا :384 # المقام الروحاني ، لا يكون شيئا آخر عدا العلم والمعارف وإن كان حسب ~~ولادتهم الأنبياء الملكية والشؤون الدنيوية يحتوون على كل الحيثيات ~~البشرية «قل إنما أنا بشر مثلكم» (1) وورثتهم حسب هذا المقام الحيثيات ~~البشرية لا يكونون العلماء ، بل أولادهم الجسمانيون الذين يرثون حسب هذا ~~المقام الدرهم والدينار . # وهذه الرواية الشريفة ظاهرة بل صريحة على الوراثة الروحانية كما ذكرناها ~~. ويكون مقصود الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم من الحديث المنسوب ~~إليه «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» (2) على فرض صحة صدوره عنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم ، ما يرتبط بشأن النبوة والوراثة الروحانية حيث لا يورثون ~~مالا ولا منالا ، بل يورثون العلم . كما هو واضح . والسلام . PageV01P384 # الاربعون حديثا :385 ### | AUTO الحديث السابع ms337 والعشرون # حضور القلب PageV01P385 الاربعون حديثا :386 # بالسند المتصل إلى الشيخ الأجل والثقة الجليل محمد بن يعقوب الكليني ~~رضوان الله عليه عن عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن ~~عمر بن يزيد ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : «في التوراة مكتوب يابن ~~آدم تفرغ لعبادتي املأ قلبك غنى ، ولا أكلك إلى طلبك ، وعلي أن أسد فاقتك ، ~~وأملأ قلبك خوفا مني . وإن لا تفرغ لعبادتي أملأ قلبك شغلا بالدنيا ثم لا ~~أسد فاقتك وأكلك إلى طلبك» (1) . PageV01P386 # الاربعون حديثا :387 ### || AUTO الشرح : # (تفرغ لكذا) على وزن تفعل بمعنى أنفق وقته جميعا ولم يبق شيء حتى ينشغل ~~بشيء آخر . وتفرغ القلب للعبادة ، معناه إخلاؤه من الانتباه لأي شيء آخر ~~حتى ينشغل بالعبادة خاصة . # وملأ الإناء ماء ومن الماء وبالماء : وضع فيه بقدر ما يأخذه . و«أكل» ~~متكلم من يكل ؛ وكل إليه الأمر أي سلمه وفوضه وتركه إليه واكتفى به . «أسد» ~~متكلم من سد يسد سدا ، ومن باب نصر ؛ نقيض الفتح . «الفاقة» أي الحاجة ~~والفقر . «واملأ قلبك خوفا مني» ، الظاهر أنه أملأ صيغة متكلم لوحده . ~~ويستبعد أن تكون صيغة أمر ، معطوفة على أول الكلام . ونحن سنذكر ما يتناسب ~~من الشرح والبيان حول هذا الحديث الشريف من خلال فصول إن شاء الله . ### || AUTO فصل: # إعلم أن التفرغ للعبادة يحصل من تكريس الوقت والقلب لها . وهذا من الأمور ~~المهمة في باب العبادات . فإن حضور القلب من دون تفريغه وتكريس الوقت له ~~غير ميسور ، والعبادة من دون حضور القلب ، غير مجدية . وما يبعث على حضور ~~القلب ، أمران : أحدهما : تفريغ القلب والوقت للعبادة . ثانيهما : إفهام ~~القلب أهمية العبادة . والمقصود من تفريغ الوقت هو أن الإنسان يخصص في كل ~~يوم وليلة وقتا للعبادة ويوطن نفسه على العبادة في ذلك الوقت ، رافضا ~~الانشغال في ذلك الوقت بأي عمل آخر . # إن الإنسان إذا اقتنع بأن العبادة من الأمور الهامة ، وأنها أكثر أهمية ~~بالنسبة إلى الأمور الأخرى ، بل لا مجال للمقارنة بين العبادة والأمور ~~الثانية الأخرى ، لحافظ على أوقات ms338 العبادة وخصص لها وقتا . PageV01P387 # الاربعون حديثا :388 # ونحن بعد هذه اللمحة الخاطفة من أهمية العبادة ، نشرح نبذة من أهميتها . # وعلى أي حال لا بد للإنسان المتعبد ، أن يوظف وقتا للعبادة . وأن يحافظ ~~على أوقات الصلاة التي هي أهم العبادات وأن يؤديها في وقت الفضيلة ، ولا ~~يختار لنفسه في تلك الأوقات عملا آخر . وكما أنه يخصص وقتا لكسب المال ~~والجاه والدراسة والبحث ، كذلك لا بد أيضا من تخصيص وقت للعبادات ، حتى ~~يكون خاليا من أي عمل آخر ، ويتيسر له حضور القلب الذي هو بمثابة اللب ~~والجوهر . ولكن إذا فرضنا بأن شخصا مثلي تكلف من أداء صلاته ، ورأى بأن ~~العبادة من الأمور الزائدة ، لأجل صلاته إلى أخر الوقت ، ولآتى بها بكل ~~فتور ونقص . لما يرى حين التهيؤ لأداء الصلاة بأن هناك أمورا أخرى في نظرة ~~أهم منها ، وأنها تتزاحم مع هذه الأمور الهامة ، فيفضل غير الصلاة عليها . ~~ومن المعلوم أن مثل هذه العبادة لا نورانية لها ، بل تكون مثار سخط إلهي ، ~~وأنه مستخف بالصلاة ومتهاون في أمرها . أعوذ بالله من الاستخفاف بالصلاة ~~وعدم الاكتراث بها . # وإن هذا الكتاب ، لا يسع عرض الأخبار المأثورة في المستخفين بالصلاة . # ولكننا سنذكر بعضها للاتعاظ والاعتبار : # عن محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال : «لا تتهاون ~~بصلاتك فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال عند موته : ليس مني من استخف ~~بصلاته ، ليس مني من شرب مسكرا ، لا يرد علي الحوض لا والله» (1) . # وبإسناده عن أبي بصير قال : قال أبو الحسن الأول عليه السلام : «لما حضرت ~~ابى الوفاة قال لي : يا بني لا ينال شفاعتنا من استخف بالصلاة» (2) . # والأخبار كثيرة في المقام ، ويكفي هذان الحديثان لمن يريد أن يعتبر ويتعظ ~~. ويعلم الله وحده حجم المصيبة العظمى الناشئة من الانقطاع عن الرسول ~~الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، والخروج من تحت ظل حمايته كما ورد في ~~الحديثين الشريفين ؟ كما أن الله يعلم مستوى الخذلان ، عندما يمنى الإنسان ~~بالحرمان من شفاعة رسول الله وأهل بيته العظام ms339 ؟ # لا تظن بأن أحدا يرى رحمة الحق سبحانه ، ووجه الجنة ، من دون شفاعة رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وحمايته ورعايته ! والآن انتبه إلى أن تقديم ~~أي عمل بسيط ، بل المصلحة الموهومة على الصلاة التي هي قرة عين الرسول صلى ~~الله عليه وآله وسلم ، والوسيلة الرفيعة لنزول رحمة الحق ، وأن إهمالها ~~وتأخيرها إلى نهاية وقتها من دون مسوغ ، وعدم المحافظة على حدودها ، أليست ~~هذه الأمور من التهاون والاستخفاف بالصلاة ؟ فإذا كان هذا من PageV01P388 الاربعون حديثا :389 # التهاون في الصلاة ، فاعلم ، حسب شهادة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وشهادة الأئمة الأطهار عليهم السلام ، أنك قد خرجت عن ولايتهم ، ولا ~~تنالك شفاعتهم . # انتبه ، إذا أردت شفاعتهم ، ورغبت في أن تكون من أمة رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ، اهتم بهذه الوديعة الإلهية ، وعظم من أمرها ، وإلا فأنت ~~تواجه العقاب والعاقبة السيئة . إن الله تعالى وأولياءه في غنى عن أعمالي ~~وأعمالك ، فيخشى أنك إذا لم تهتم بها ، أدى ذلك إلى تركها وينتهي الأمر إلى ~~جحودها فتصير من الأشقياء المؤبدين والهالكين الدائمين . # والأهم من تفريغ الوقت ، تفريغ القلب ، بل إن تفريغ الوقت ، مقدمة لتفريغ ~~القلب أيضا ، وذلك أن الإنسان لدى اشتغاله بالعبادة ، يجرد نفسه من هموم ~~الدنيا وأعمالها ، وينقذ قلبه من الأوهام المتشتتة ، والأمور المختلفة ، ~~ويفرغ فؤاده نهائيا ، ويخلصه مرة واحدة للتوجه إلى العبادة والمناجاة مع ~~الحق المتعالي . ولو لم يفرغ القلب من هذه الأمور ، لما حصل لقلبه ولعبادته ~~التفرغ . ولكن شقائنا في أننا نترك كل أفكارنا المتشتتة ، وأوهامنا ~~المختلفة إلى وقت العبادة ، وعندما نكبر تكبيرة إحرام الصلاة ، فكأننا ~~فتحنا باب المتجر ، أو دفتر الحساب ، أو كتاب الدرس ، ونرسل قلبنا للانصراف ~~إلى أمور أخرى ، ونغفل كليا عن العمل العبادي ، وعندما ننتبه للعبادة نجد ~~أنفسنا في نهاية الصلاة ! . # وفي الحقيقة إنه لمن الفضيحة أمر هذه العبادة ، ومما يبعث على الخجل أمر ~~هذه المناجاة . # عزيزي : إجعل مناجاتك مع الحق سبحانه بمثابة التحدث مع إنسان بسيط من ~~هؤلاء الناس ؛ فماذا بك إذا تكلمت ms340 مع صديق ، بل مع شخص غريب انصرف قلبك عن ~~غيره ، وتوجهت بكل وجودك نحوه ، أثناء التكلم معه ، ولكنك إذا تكلمت وناجيت ~~ولي النعم ، ورب العالمين ، غفلت عنه وانصرفت عنه إلى غيره ؟ هل إن العباد ~~يقدرون أكثر من الذات المقدس للحق ؟ أو أن التكلم مع العباد أغلى من ~~المناجاة مع قاضي الحاجات ؟ # نعم أنا وأنت ، لا نعرف ما هي المناجاة مع الحق سبحانه ؟ إننا نرى ~~التكاليف الإلهية كلفة ، وفرضا علينا ، ومن الواضح أنه متى ما أصبح شيء ما ~~حملا ثقيلا على الإنسان وعلى شؤون حياته ، لما اعتبر عنده ذلك الشيء ذا بال ~~وأهمية . إنه لا بد من إصلاح الينبوع ، والعثور على الإيمان بالله ، ~~وبكلمات أنبيائه حتى يتم إصلاح الأمور . إن كل تعاستنا من ضعف الإيمان ووهن ~~اليقين . إن إيمان السيد ابن طاووس رضي الله تعالى عنه ، يدفعه للاحتفال ~~بيوم بلوغه ، لأن الحق المتعال قد رخص له بالمناجاة ، وزينه بزينة التكليف ~~والخطاب . فلاحظ بكل دقة أي PageV01P389 الاربعون حديثا :390 # قلب هذا الذي يحمل هذا القدر الكبير من النور والصفاء . إذا لم يكن عمل ~~هذا السيد الجليل حجة لك ، فعمل سيد الموحدين وأولاده المعصومين حجة عليك ، ~~فتأمل في حياتهم وكيفية عباداتهم ومناجاتهم ، حيث كان لون وجه بعضهم يتغير ~~لدى حلول وقت الصلاة ، وتضطرب فرائصه خشية أن يخطأ في الواجب الإلهي ، رغم ~~أنهم كانوا معصومين . # اشتهر عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أن سهما قد أصاب رجله ~~المباركة ، فلم يستطع أن يتحمل ألم انتزاعه من رجله ، فقام وصلى وفي أثناء ~~اشتغاله بالصلاة ، إنتزع السهم من دون أن ينتبه أصلا . # عزيزي : إن هذا الموضوع عدم ادراك الألم حين التوجه إلى شيء ليس من ~~الأمور الممتنعة ، فإن له أمثلة كثيرة في الأمور العادية من حياة الناس . ~~إن الإنسان عند هيجان الغضب أو المحبة ، يغفل عن كل شيء . قال أحد أصدقائنا ~~الموثوقين (عندما اصطدمت مع جمع من الأوباش في مدينة أصفهان ، ففي أثناء ~~العراك والتضارب ، علمت بأنهم يضربونني بأيديهم ولم أفهم أكثر من ذلك ، ~~وبعد ms341 أن وضعت المعركة أوزارها ، علمت بأنهم قد طعنوني بالسكين طعنات ، ~~وطرحوني في فراش المرض لأيام) ووجه ذلك معلوم أيضا ، فإن النفس عندما تلتفت ~~بصورة تامة إلى شيء ، تغفل عن ملك البدن ، وتتوقف القوى الحسية عن العمل ~~وتتحول الهموم إلى هم واحد . إننا نشعر بأنفسنا حين السجال في الكلام ~~والجدال في البحث نعوذ بالله بالغفلة عما يحدث في المجلس . ومع الأسف ~~إننا نتوجه نحو كل شيء توجها تاما ، إلا نحو عبادة الله ، ولهذا نستبعد ذلك . # وعلى أي حال إن تفريغ القلب من غير الحق يعد من الأمور المهمة ، التي يجب ~~على الإنسان أن يحققها مهما كلف الثمن ، والسبيل إلى تحصيله ميسور وسهل ، ~~فمع قدر قليل من الانتباه والمراقبة نستطيع أن ننجزه . # يجب على الإنسان الذي يريد السلوك إلى الله من إمساك الخيال فترة من ~~الزمان ، وإلجامه عندما يريد أن يتحول من غصن إلى غصن آخر ويتشتت وبعد ~~مضي فترة من المراقبة ، يدجن الخيال ويهدأ وتزول عنه حالة التشتت ويصير ~~الخير من عادته والخير عادة فينصرف فارغ البال إلى التوجه نحو الحق ~~والعبادة . # والأهم من كل ذلك والذي يجب أن نجعل الأمور الأخرى مقدمة له ، هو حضور ~~القلب الذي هو روح العبادة ، والذي ترتبط به حقيقة العبادة ، ومن دونه لا ~~يكون لها أهمية ، ولا تقع مقبولة في ساحة الحق المتعالي ، كما ورد في ~~الروايات الشريفة : # في الكافي : بإسناده عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا ~~: «إنما لك من صلاتك PageV01P390 الاربعون حديثا :391 # ما أقبلت عليه منها ، فإن أوهمها كلها أو غفل عن آدابها لفت فضرب بها وجه ~~صاحبها» (1) . # وروى الشيخ الأقدم محمد بن الحسن رضوان الله عليه في التهذيب بإسناده ~~عن الثمالي قال : «رأيت علي بن الحسين عليهما السلام يصلي فسقط رداؤه عن ~~منكبه فلم يسوه حتى فرغ من صلاته . قال : فسألته عن ذلك ، فقال : ويحك ~~أتدري بين يدي من كنت ؟ إن العبد لا يقبل منه صلاة إلا ما أقبل عليه منها . ~~فقلت : جعلت فداك هلكنا . قال : كلا ، إن ms342 الله متمم ذلك للمؤمنين بالنوافل» (2) . # وعن الخصال : بإسناده عن علي عليه السلام في حديث الأربعمائة قال : «لا ~~يقومن أحدكم في الصلاة متكاسلا ولا ناعسا ، ولا يفكرن في نفسه فإنه بين يدي ~~ربه عز وجل ، وإنما للعبد من صلاته ما أقبل عليه منها بقلبه» (3) . # والأخبار في هذا المضمار كثيرة . وهكذا بالنسبة إلى فضيلة توجه القلب . ~~ونحن نذكر بعضها في المقام ونكتفي به ، فإنه كاف لمن أراد أن يعتبر ويتعظ . # وعن محمد بن علي بن الحسين صدوق الطائفة بإسناده عن عبد الله بن أبي ~~يعفور قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : «يا عبد الله إذا صليت فصل ~~صلاة مودع يخاف أن لا يعود إليها أبدا ، ثم اصرف ببصرك إلى موضع سجودك ، ~~فلو تعلم من عن يمينك وشمالك لأحسنت صلاتك ، واعلم أنك بين يدي من يراك ولا ~~تراه» (4) . # وبإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث أنه قال : «لأحب للرجل ~~المؤمن منكم إذا قام في صلاة فريضة أن يقبل بقلبه إلى الله ولا يشغل قلبه ~~بأمر الدنيا ، فليس من عبد يقبل بقلبه في صلاته إلى الله تعالى إلا أقبل ~~الله إليه بوجهه وأقبل بقلوب المؤمنين إليه بالمحبة بعد حب الله إياه» (5) . # انتبه ما أعظم هذا الخبر الباعث على الفرح والسرور ، الذي يخبر به الصادق ~~من آل محمد عليهم السلام المؤمنين ، ومع الأسف إننا نحن المساكين المحجوبين ~~عن المعرفة ، المحرومين من التوجه إلى الحق المتعالي ، لا نعرف شيئا عن ~~صداقة ذاته المقدس لنا وإقباله علينا ونقيس الصداقة مع الحق على الصداقة مع ~~العباد . إن أهل المعرفة يقولون بأن الحق المتعالي يرفع الحجب لمحبوبه ، ~~ويعلم الله ما في هذا الرفع للحجب من الكرامات ! إنه غاية آمال الأولياء ، ~~وأقصى أمنياتهم من رفع هذه الحجب . # إن أمير المؤمنين عليه السلام وأولاده المعصومين يسألون الله سبحانه في ~~المناجاة الشعبانية قائلين : PageV01P391 # الاربعون حديثا :392 # «إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك ، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك ، ~~حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور ، فتصل إلى معدن العظمة ، وتصير ms343 أرواحنا ~~معلقة بعز قدسك» (1) . # إلهي أية بصيرة هذه البصيرة القلبية النورانية التي سألها أولياؤك ، ~~ورجوك أن يصلوا إليك بها ؟ # إلهي ما هي هذه الحجب النورية التي يتداول ذكرها على ألسنة أئمتنا ~~المعصومين عليهم السلام ؟ . إلهي ما هو معدن العظمة والجلال وعز القدس ~~والكمال ، الذي يكون منتهى طلب هؤلاء الكبار ، ونحن منه محرومون حتى عن ~~استيعابه العلمي فكيف بتذوقه وشهوده ؟ إلهي نحن عبادك المسودة وجوههم ~~والمظلمة أيامهم ، لا نعرف شيئا عدا طعامنا وشرابنا وراحتنا وبغضنا وشهوتنا ~~، ولا نفكر يوما في معرفة هذه الأمور ، فانظر إلينا بلطفك ، وأيقظنا من ~~سباتنا وأزل عنا هذا السكر الذي قد غشينا . # وعلى أي حال يكفي لأهل المعرفة هذا الحديث الواحد ، حتى ينفقوا جل عمرهم ~~، لتحصيل الحب الإلهي ، ويتمتعوا بالإقبال على الله . ولكن أمثالنا الذين ~~لا يكونون جياد هذه الساحة وفرسان هذا الميدان نتشبث بأحاديث أخرى : # عن ثواب الأعمال : بإسناده عمن سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول : ~~«يقول من صلى ركعتين يعلم ما يقول فيهما ، انصرف وليس بينه وبين الله ذنب ~~إلا غفر له» (2) . # وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : «ركعتان خفيفتان في ~~تفكر خير من قيام ليلة» (3) . ### || AUTO فصل: # بعد أن علم أن حضور القلب في العبادات ، جوهر العبادة وروحها ، وأن ~~نورانية العبادة مع مراتب كمالها ، مرتبطتان بحضور القلب ومراتبه ، لا بد ~~من معرفة مراتب حضور القلب : بعضها تختص بأولياء الحق سبحانه ، وتكون أيدي ~~الآخرين قاصرة عن الوصول إلى قمتها ، وبعضها متيسرة الحصول والتحقق لكافة ~~الناس أيضا . # ولابد من معرفة أن حضور القلب ، ينقسم بصورة عامة إلى قسمين مهمين : # أحدهما : حضورالقلب في العبادة . والآخر حضور القلب في المعبود . # وقبل شرح هذا الموضوع ، نضطر إلى ذكر مقدمة هي : PageV01P392 # الاربعون حديثا :393 # يقول أهل المعرفة العرفاء أن العبادات بأسرها ، ثناء للمعبود ولكن كل ~~منها ثناء على الحق سبحانه ، بواسطة نعت من النعوت أو اسم من الأسماء ، إلا ~~الصلاة فإنها ثناء للحق مع جميع الأسماء والصفات . وقد تقدم منا الكلام لدى ~~شرح بعض الأحاديث ms344 أن ثناء المعبود من الفطرة ، التي جبل عليها جميع الناس ، ~~والتي تقضي بلزوم الثناء على المعبود ، والخضوع للكامل المطلق والجميل ~~المطلق والمنعم المطلق والعظيم المطلق . وحيث أن أحدا لا يستطيع أن يكتشف ~~كيفية ثناء الذات الأحدى المقدس ، لأنه قائم على معرفة الذات والصفات ، ~~وكيفية ارتباط عالم الغيب بعالم الشهادة ، وعالم الشهادة بعالم الغيب ، ~~وهذه المعرفة غير متيسرة لكل أحد إلا عن طريق الوحي والإلهام الإلهي ، لهذا ~~كانت العبادات بشكل عام توقيفية ، وبيد الحق سبحانه ، ولا يحق لأحد أن يشرع ~~من عنده ، ويبدع عبادة ، كما لا اعتبار لأساليب التواضع والاحترام المعهودة ~~عند الناس أمام الكبار والسلاطين ، لا اعتبار لها عند ساحة قدس رب العالمين ~~. فلا بد للإنسان أن يفتح سمعه وعينه ويتلقى كيفية العبادة والعبودية من ~~الوحي والرسالة ، من دون أن يتصرف هو بنفسه . # فبعد أن علمنا بأن العبادة هي الثناء على المعبود ، إعلم بأن حضور القلب ~~كما أشير إليه ينقسم إلى قسمين مهمين : # أحدهما حضور القلب في العبادة . والآخر حضور القلب في المعبود . # أما حضور القلب في العبادة ، فله أيضا مراتب ، وعمدتها مرتبتان : # أحداهما : حضور القلب في العبادة إجمالا : وهو أن الإنسان لدى إنجازه ~~لعبادة مهما كانت هذه العبادة من الطهارة مثل الوضوء والغسل أو من قبيل ~~الصلاة والصيام والحج وغيرها من الأمور العبادية يعرف إجمالا بأنه يثني ~~على المعبود ، رغم عدم معرفته أي ثناء يثني أو أي اسم من أسماء الحق يدعو . # لقد كان شيخنا العارف الكامل الشاه آبادي روحي فداه يضرب مثلا على حضور ~~القلب في العبادة على سبيل الإجمال بأن شخصا ينظم قصيدة في مدح أحد فيعطيها ~~لطفل لا يستوعب معنى القصيدة كي يلقيها أمام ذلك الشخص ، ثم يفهم الطفل بأن ~~هذه القصيدة قد نظمت في مدح ذلك . فعندما يقرأ الطفل هذه القصيدة ، يعلم ~~إجمالا بأنه يثني على الممدوح رغم جهله لكيفية ثنائه عليه . ونحن الذين ~~أيضا بمثابة الأطفال نمدح الحق ، من دون أن نعرف ما هي أسرار هذه العبادات ~~؟ وما هي الأسماء التي ترتبط بها هذه ms345 العبادات ؟ وكيف تكون هذه العبادات ~~ثناءا للحق جل وعلا ؟ ولكن لا بد وأن نعرف إجمالا بأن كل واحد من هذه ~~العبادات ، ثناء على الكامل المطلق والمعبود المطلق والممدوح المطلق ، على ~~الشكل الذي أثنى هو بنفسه على نفسه ، وأمرنا أن نثني أمام ساحته المقدسة ~~بنفس هذه الكيفية . PageV01P393 # الاربعون حديثا :394 # وثانيهما من مراتب حضور القلب ، هو حضور القلب في العبادة بصورة تفصيلية ~~ولا تتيسر لأحد المرتبة الكاملة منها إلا للخلص من أوليائه ، ولأهل المعرفة ~~، ولكن بعض المراتب الدانية منها متيسرة الحصول للآخرين ، حيث تكون المرتبة ~~الأولى ، الالتفات إلى معاني الألفاظ في مثل الصلاة والدعاء ، وقد أشير إلى ~~هذه المرتبة في رواية مأثورة عن (ثواب الأعمال) سابقا . # والمرتبة الأخرى أن يعرف حسب الإمكان أسرار العبادة ، ويعلم كيفية ثناء ~~المعبود في كل من الأوضاع والأحوال . # إن أهل المعرفة قد بينوا شيئا قليلا من أسرار الصلاة والعبادات الأخرى ، ~~واستفادوا حسب الإمكان من أخبار المعصومين عليهم السلام ، وإن كان فهم ~~الحقيقة بأسرها غير متيسر إلا للقليل من الناس ، وما تيسر فهمه ، فهو غنيمة ~~لأهله . # وأما حضور القلب في المعبود : فله مراتب أيضا وعمدتها ثلاث مراتب : # إحداهما حضور القلب في تجليات الأفعال . ثانيتها حضور القلب في تجليات ~~الأسماء والصفات وثالثتها حضور القلب في تجليات الذات ، ولكل واحد من هذه ~~المراتب الثلاث بصورة كلية أربع مراتب : # المرتبة العلمية ، المرتبة الإيمانية ، المرتبة الشهودية ، المرتبة ~~الفنائية . والمقصود من حضور القلب في تجليات الأفعال العلمية ، هو أن ~~الشخص العابد السالك يدرك عن يقين وبرهان بأن مراتب الوجود كافة ، ومشاهد ~~الغيب والشهود بأسرها ، قبس من فيوضات تجلي الذات الأقدس ، وأن أدنى مرتبة ~~في عالم الطبيعة إلى ينبوع الملكوت الأعلى والجبروت الأعظم ، حاضرون عند ~~ساحة قدسه ، بشكل واحد ، وأن الجميع شعاع مظهر مشيئته كما ورد في الحديث ~~الشريف المنقول عن الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام : «خلق الله المشية ~~بنفسها ثم خلق الأشياء بالمشية» (1) فالمشية تكون بنفسها مظهرا للذات ، ~~وسائر الموجودات مخلوقة بها . ونحن لسنا بصدد الاستدلال على هذا المعنى ~~الشريف ms346 . فإذا علم العابد هذا المعنى عن علم ودليل ، فهم بأنه هو وعبادته ~~وعلمه وإرادته وقلبه وحركات قلبه وظاهره وباطنه والجميع حاضرون في ساحة ~~قدسه بل الكل عين الحضور . # وإذا سجل مع قلم العقل هذا المعنى الثابت بالدليل ، على لوح القلب ، ~~واعتقد عبر الترويض العلمي والعملي ، بهذه القضية اليقينية الإيمانية ، ~~لبلغ حضور القلب مرتبة تجلي الإيمان . وبعد حصول الكمال لهذا الإيمان ~~والمجاهدة والترويض والتقوى الكاملة للقلب ، PageV01P394 الاربعون حديثا :395 # تشمله الهداية الإلهية ، ويحصل في قلبه قدرا من تجليات الأفعال بالعيان ~~والشهود ، ثم يتكامل حتى يصبح القلب كليا مرآة للتجليات ، ويحصل للسالك ~~الصعق والفناء . وهذه هي المرتبة الأخيرة للحضور ، التي تنتهي إلى فناء ~~الحاضر في تجليات الأفعال . وكثير من أهل السلوك يبقون في هذا الصعق إلى ~~الأبد ولا يصحون . # وإذا كان قلب السالك مؤهلا لأكثر من ذلك من جراء إشعاع الفيض الأقدس في ~~عالم الأزل ، يصحو السالك من الصعقة ، ويحصل له الانس ويعود إلى عالمه ~~ويكون موردا لتجليات الأسماء ، ويطوي تلك المراتب الأربعة ، ويصل إلى مرحلة ~~الفناء في الصفات ، وبمناسبة عينه الثابتة يفنى في اسم من الأسماء الإلهية ~~. وإن كثيرا من أهل السلوك يبقون في هذا الفناء الأسمائي ولا يصحون . ولعل ~~الكلمة القائلة «إن أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري» (1) إشارة إلى هؤلاء ~~الأولياء . # وإذا كان هناك استعداد أكثر من جراء تجلي الفيض الأقدس في عالم الأزل ، ~~يحصل للسالك بعد الصعقة والفناء ، الانس أيضا ويصحو ، ويصير محلا للتجليات ~~الذاتية ويطوي المراحل الأربعة حتى مرتبة الفناء الذاتي ، والصعق الكلي ~~فينتهي السير إلى الله ويحصل الفناء التام . # قال بعض أن الآية الكريمة «ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم ~~يدركه الموت فقد وقع أجره على الله» (2) تشير إلى هذه الطائفة من أولياء ~~الله والسالكين إليه وأجرهم لا يكون إلا على الذات المقدس تبارك وتعالى . # وقد يتفق أن يفيق السالك من فنائه فينهض حسب استعداده ، وقدر إحاطة عينه ~~الثابتة ، لهداية الناس «يا أيها المدثر * قم فأنذر» (3) . وإن كانت عينه ~~الثابتة تابعة للاسم الأعظم ms347 ، لاختتمت به دائرة النبوة كما اختتمت بالنبي ~~المعظم الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يوجد شخص آخر من الأولين ~~والآخرين ومن الأنبياء والمرسلين ، تكون عينه الثابتة ، تابعة للاسم الأعظم ~~ولم يكن ظهور ذاته بجميع الشؤون ولهذا حصل له صلى الله عليه وآله وسلم ~~ظهور بجميع الشؤون وحصلت الغاية من الظهور في الهداية ، وتم الكشف الكلي ، ~~واختتمت النبوة بوجوده المقدس . # وإذا فرضنا أن شخصا من أولياء الله تبعا لذات النبي المقدس وهدايته ~~سبحانه ، بلغ نفس PageV01P395 الاربعون حديثا :396 # المقام المقدس ، لكان كشفه عين النبي ، إذ لا يجوز التكرار في التشريع . ~~فإذن انتهت دائرة النبوة في وجوده المقدس ، صلى الله عليه وآله وسلم ووضع ~~اللبنة الأخيرة في دائرة النبوة ، كما ورد في الحديث . # ولا بد من معرفة أن العبادات والكيفيات المعنوية لها ، تختلف كثيرا لدى ~~كل واحد من أصحاب هذه المقامات المذكورة وتتفاوت ، ولكل واحد منهم حظ ونصيب ~~من المناجاة مع الحق المتعالي ، لا يكون لغيره الذي لم يبلغ ذلك المقام . ~~ومن الواضح أن ما حصل للإمام الصادق عليه السلام لدى العبادة لا يمكن أن ~~يحصل للآخرين . # لقد نقل عن كتاب (فلاح السائل) للسيد ابن طاووس قدس الله سره أنه قال : ~~«فقد روي أن مولانا جعفر بن محمد الصادق عليه السلام كان يتلو القرآن في ~~صلاته فغشي عليه ، فلما أفاق سئل : ما الذي أوجب ما انتهت حالك إليه ؟ فقال ~~ما معناه : ما زلت أكرر آيات القرآن حتى بلغت إلى حال كأنني سمعتها مشافهة ~~ممن أنزلها على المكاشفة والعيان ، فلم تقم القوة البشرية بمكاشفة الجلالة ~~الإلهية» (1) . # والحال التي كانت تحصل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لم تحصل ~~لأحد من الكائنات كما ورد في الحديث المشهور (لي مع الله حال لا يسعه ملك ~~مقرب ولا نبي مرسل) (2) . وعليه أترك هذا الموضوع الذي لا حظ لي فيه إلا ~~الألفاظ . ولكن المهم لأمثالنا هو أننا المحرمون من مقامات الأولياء . إن ~~لا نجد هذه المقامات بل نسلم بها فإن في التسليم لأمر الأولياء فوائد ms348 كثيرة ~~وفي الإنكار والعياذ بالله مفاسد اللهم إني مسلم لأمرهم صلوات الله عليهم ~~أجمعين . ### || AUTO فصل: # إعلم أنه لا يتم حضور القلب في العبادات ، إلا بعد تفهيم القلب لأهمية ~~العبادات ، وهو لا يتيسر إلا عند استيعاب أسرارها وحقائقها ، ومن الواضح أن ~~ذلك لا يتم لنا ، ولكنني أذكر منها بالمقدار الذي يتناسب مع فهم أمثالي ~~مستفيدا من أخبار أهل بيت العصمة عليهم السلام ، ومن كلمات أهل المعرفة ، ~~بالمقدار الذي ينسجم مع حجم هذا الكتاب . # إعلم كما أشرنا مرات أن لكل من الأعمال الحسنة والأفعال العبادية صورة ~~باطنية ملكوتية ، وأثر في قلب العابد ، أما الصورة الباطنية فهي التي تعمر ~~العوالم البرزخية والجنة PageV01P396 الاربعون حديثا :397 # الجسمانية ، لأن أرض الجنة قاع خالية من كل شيء كما ورد في الحديث ، وأن ~~الأذكار والأعمال مواد إنشاء وبناء لها . كما ورد في الحديث . وإن الآيات ~~الكثيرة من الكتاب الشريف الإلهي ، تدل على تجسم الأعمال مثل قوله تعالى ~~«فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره» (1) ومثل قوله ~~تعالى : «ووجدوا ما عملوا حاضرا» (2) . # والأخبار الدالة على تجسم الأعمال والصور الغيبية الملكوتية مذكورة في ~~الأبواب المختلفة . ونحن نكتفي بذكر بعضها : # روي الصدوق قدس سره بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال : «من صلى ~~الصلوات المفروضات في أول وقتها وأقام حدودها ، رفعها الملك إلى السماء ~~بيضاء نقية تقول : حفظك الله كما حفظتني ، استودعني ملك كريم . ومن صلاها ~~بعد وقتها من غير علة ولم يقم حدودها ، رفعها الملك سوداء مظلمة وهي تهتف ~~به ضيعتني ضيعك الله كما ضيعتني ولا رعاك الله كما لم ترعني» (3) . # ويستفاد من هذا الحديث الشريف مضافا إلى تحقق الصورة الملكوتية للعمل ، ~~حياة الصورة الملكوتية وشؤونها الحياتية أيضا ، وهذا ضرب من البرهان على ~~تجسم الأعمال . والأخبار تدل على أن لجميع الموجودات حياة ملكوتية ، وأن ~~عالم الملكوت كله حياة وعلم . «وإن الدار الآخرة لهي الحيوان» (4) . # وفي الكافي بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث طويل : «إذا بعث ~~الله المؤمن من قبره ms349 خرج معه مثال يقدم أمامه ، كلما يرى المؤمن هولا من ~~أهوال يوم القيامة قال له المثال : لا تفزع ولا تحزن وأبشر بالسرور ~~والكرامة من الله عز وجل ، حتى يقف بين يدي الله عز وجل فيحاسبه حسابا ~~يسيرا ويأمر به إلى الجنة والمثال أمامه ، فيقول له المؤمن : يرحمك الله ~~نعم الخارج ، خرجت معي من قبري وما زلت تبشرني بالسرور والكرامة من الله ~~حتى رأيت ذلك ، فيقول : من أنت ؟ فيقول : أنا السرور الذي كنت أدخلته على ~~أخيك المؤمن في الدنيا ، خلقني الله عز وجل منه لأبشرك» (5) . # وفي هذا الحديث الشريف أيضا دلالة واضحة على تجسم الأعمال في نشأة الآخرة ~~. كما ذكر الشيخ الأجل بهاء الدين قدس سره أيضا إثر ذكره لهذا الحديث : ~~(وقد ورد في بعض الأخبار تجسم الاعتقادات أيضا فالأعمال الصالحة والاعتقدات ~~الصحيحة تظهر صورا نورانية مستحسنة موجبة لصاحبها كمال السرور والابتهاج . ~~والأعمال السيئة والاعتقادات الباطلة تظهر PageV01P397 الاربعون حديثا :398 # صورا ظلمانية مستقبحة توجب غاية الحزن والتألم كما قاله جماعة من ~~المفسرين في قوله تعالى « يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من ~~سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا» ويرشد إليه قوله تعالى « يومئذ يصدر ~~الناس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره» ومن جعل التقدير ليروا جزاء أعمالهم ولم يرجع ضمير يره إلى ~~العمل فقد بعدعن الحق) (1) . انتهى كلامه رفع مقامه الشريف . # وفي هذا المقام كلام غريب صدر من بعض المحدثين الأجلاء والأولى عدم ذكره ~~، وهو ينبع من توهم المنافاة بين القول بتجسم الأعمال ، والقول بالمعاد ~~الجسماني مع أن هذا الكلام تجسم الأعمال يؤكد المعاد الجسماني وكلمة ~~«تمثل» في هذا الحديث الشريف تعطي نفس معنى التمثل المذكور في قوله تعالى : # « فتمثل لها بشرا سويا» (2) والذي هو التمثل بالصورة الجسمانية حقيقة ، ~~وليس بمعنى الوهم والخيال والرؤيا في المنام . وليس من المستحسن صرف أمثال ~~هذه الآيات والروايات عن ظاهرها لأجل عدم انسجام مضمونها مع عقولنا ، رغم ~~مطابقتها للبرهان ms350 القاطع المذكور في محله ، وموافقته لمذهب الحكماء ~~والفلاسفة . فإن من أفضل الأمور التسليم أمام ساحة قدس الحق المتعالي ~~والأولياء المعصومين والإذعان إلى الآيات الشريفة والروايات المباركة . # فعلم أن لكل عمل مقبول لدى ساحة قدس الحق المتعالي صورة بهية حسنة تتناسب ~~معه من الحور أو القصور أو الجنان العالية أو الأنهار الجارية . ولا يوجد ~~كائن على صفحة الوجود جزافا ، بل هناك ارتباطات عقلية بينها لا يدركها إلا ~~الكملين من الأولياء . وعلى أي حال إن هذا الموضوع يتطابق مع مقاييس العقل ~~والبراهين الفلسفية . # ثم بعد أن علم بأن الحياة في عالم الآخرة ولذاتها ترتبط بأعمال تنتقل ~~صورها الكمالية إلى ذلك العالم ، وإن تلك الأعمال عبادات قد اكتشفها محمد ~~بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخبر أمته بها ، وأن كمال العبادة ~~وحسنها منوط بالنية وتوجه القلب والمحافظة على شرائطها ، وأنه إذا فقدت ~~العبادة هذه الأمور أو بعضها ، سقطت عن الاعتبار ، بل كانت لها صورة بشعة ~~مشوهة يلقاها الإنسان في عالم الآخرة ، كما يستفاد ذلك من الأخبار ~~والأحاديث . # بعد أن علمت هذه الأمور ، على كل إنسان مؤمن بعالم الغيب وبأحاديث ~~الأنبياء والأولياء وأهل المعرفة ، وذوي الرغبة في الحياة الأبدية ، أن ~~يصلح أعماله مهما كلفت من مشقة وجهد وترويض للنفس حيث يجب عليه بعد موافقة ~~ظواهر أعماله للقواعد الاجتهادية أو فتوى الفقهاء PageV01P398 الاربعون حديثا :399 # رضوان الله عليهم السعي في سبيل إصلاح سيرته وباطنه ، وبذل الجهد حتى ~~يأتي بالفرائض على الأقل مع توجه القلب ، ويجبر عيوبها بالنوافل . كما ورد ~~في الأحاديث الشريفة ، أن النوافل تجبر الفرائض وتبعث على قبولها . # في العلل : بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال : «إنما جعلت النافلة ~~ليتم بها ما يفسد من الفريضة» (1) . # وروى الشيخ قدس سره بإسناده عن أبي بصير قال : قال أبو عبد الله عليه ~~السلام : «يرفع للرجل من الصلاة ربعها أو ثمنها أو نصفها أو أكثر بقدر ما ~~سها (2) ، ولكن الله تعالى يتم ذلك بالنوافل» (3) . # ومن هذا القبيل روايات كثيرة . ومن المعلوم أننا لا نخلو من ms351 السهو ~~والنسيان وتشويش في الحواس والأمور الأخرى التي تتنافى مع الصلاة أو مع ~~كمالها ، وقد شرع الله بلطفه الكامل النوافل حتى تجبر نقيصتها ، ومن اللازم ~~وبقدر الإمكان أن لا نغفل عن هذا الأمر ولا نترك النوافل . # وعلى أي حال أيها العزيز ، أفق قليلا من الغفلة ، وتأمل في أمرك ، وانظر ~~في صحيفة أعمالك ، واخش من أعمال تظن أنها صالحة مثل الصلاة والصوم والحج ~~وغيرها ، في حين أنها تكون سبب عنائك وذلك في ذلك العالم . فحاسب نفسك ما ~~دامت الفرصة مؤاتية ، وزن عملك بيدك ، وزنه في ميزان شريعة أهل البيت ~~وولايتهم ، وتبين من صحته وفساده وكماله ونقصه ، وأجبره ما دامت الفرصة ~~سانحة ، والمهلة باقية . وإن لم تحاسب نفسك هنا ولم تصحح أعمالك فستحاسب ~~هناك ، ويوضع ميزان الأعمال أمامك ، فتواجه مصائب عظمى . إتق الله في ميزان ~~عدله ، ولا تغتر بشيء ، ولا تترك الجد والاجتهاد ، وراجع صحيفة أعمال أهل ~~البيت عليهم السلام المعصومين من الخطأ ، وتأمل فيها ، حتى تعرف بأن الأمر ~~صعب والطريق ضيق ومظلم . # أنظر إلى هذا الحديث الشريف وانتبه إلى تفاصيل الأمور من خلال هذا ~~الإجمال . # عن فخر الطايفة وسنادها وذخرها وعمادها محمد بن النعمان المفيد رضوان ~~الله عليه في الإرشاد : عن سعيد بن كلثوم ، عن الصادق جعفر بن محمد عليهما ~~السلام قال : «والله ما أكل PageV01P399 الاربعون حديثا :400 # علي بن أبي طالب عليه السلام من الدنيا حراما قط حتى مضى لسبيله ، وما ~~عرض له أمران كلاهما لله رضا إلا أخذ بأشدهما عليه في بدنه (دينه خ ل) وما ~~نزلت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نازلة قط إلا دعاه ثقة به ، وما ~~أطاق أحد عمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الامة غيره ، وإن ~~كان ليعمل عمل وجل كان وجهه بين الجنة والنار يرجو ثواب هذه ويخاف عقاب هذه . # ولقد أعتق من ماله ألف مملوك في طلب وجه الله والنجاة من النار مما كد ~~بيديه ورشح منه جبينه . وإنه كان ليقوت أهله بالزيت والخل والعجوة ، وما ~~كان ms352 لباسه إلا كرابيس إذا فضل شيء عن يده دعا بالجلم فقصه . # وما أشبهه من ولده ولا أهل بيته أحد أقرب شبها به في لباسه وفقهه من علي ~~بن الحسين عليهما السلام ، ولقد دخل أبو جعفر عليه السلام ابنه عليه فإذا ~~هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد ، فرآه قد اصفر لونه من السهر وومضت ~~عيناه من البكاء ودبرت جبهته وإنخرم أنفه من السجود وورمت ساقاه وقدماه من ~~القيام في الصلاة . # وقال أبو جعفر عليه السلام : فلم أملك حين رأيته بتلك الحال . إلا البكاء ~~فبكيت رحمة له فإذا هو يفكر ، فالتفت إلي بعد هنيئة من دخولي فقال : يا بني ~~أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة علي بن أبي طالب عليه السلام ، ~~فأعطيته فقرأ فيها شيئا يسيرا ثم تركها من يده تضجرا وقال : من يقوى [على] ~~عبادة علي بن أبي طالب عليه السلام» (1) . # وعن أبي جعفر عليه السلام : «كان علي بن الحسين عليهما السلام يصلي في ~~اليوم والليلة ألف ركعة ، وكان الريح تميله مثل السنبلة» (2) . # عزيزي : فكر قليلا في هذه الأحاديث الشريفة ، وانظر إلى الإمام الباقر ~~عليه السلام المعصوم الذي بكى من شدة وكيفية عبادة أبيه . وإلى الإمام ~~السجاد عليه السلام رغم شدة محافظته على العبادة وكمالها والتي بعثت على ~~بكاء ابنه الإمام الباقر عليه السلام ، أنه صلوات الله عليه قرأ شيئا يسيرا ~~من صحيفة عمل جده علي بن أبي طالب عليه السلام ، وأظهر عجزه . ومن المعلوم ~~أن الجميع عاجزون عن عبادة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، وأن الناس ~~عاجزون عن عبادة المعصومين عليهم السلام ، ولكن لا يجوز للإنسان العاجز عن ~~نيل المقام العالي أن يترك العبادات نهائيا . # لا بد من معرفة أن هذه العبادات والعياذ بالله لا تكون عبثا ، بل إن ~~إبداء أهل المعرفة الحقيقيين العجز والذل وإلحاحهم في الدعاء والمسألة ، من ~~أجل أن الطريق ضيق ومحفوف PageV01P400 الاربعون حديثا :401 # بالمخاطر ، وأن مضاعفات الموت والقيامة ، صعبة للغاية . إن هذه ~~اللامبالاة التي نعيشها تكون نتيجة ضعف إيماننا ووهن عقيدتنا ms353 وجهلنا . # إلهي أنت واقف على حقيقتنا ، وعالم بقصورنا وتقصيرنا ، وضعفنا وعجزانا. # أنت غمرتنا برحمتك قبل أن نسألها . وابتدأتنا بنعمك ، وتفضلت علينا من ~~دون طلب والتماس . نحن نعترف بتقصيرنا وكفرنا لآلائك اللامتناهية ، ونجد ~~أنفسنا من المستحقين لعذابك الأليم ، ودخول الجحيم ولا نملك شيئا يسعفنا ~~ووسيلة تعيننا ، إلا ما عرفتنا به على لسان أنبيائك من التفضل والترحم وسعة ~~جودك ورحمتك ، فقد عرفناك بهذه الصفات حسب فهمنا واستيعابنا . فماذا تصنع ~~مع حفنة تراب إن لم ترحمه وتتفضل عليه ؟ # أين رحمتك الواسعة ؟ أين أياديك الشاملة ؟ أين فضلك العميم ؟ أين كرمك يا كريم ؟ ### || AUTO فصل: في بيان ان التفرغ في العبادة يوجب الغنى في القلب # لا بد من معرفة أن الغنى من الأوصاف الكمالية للنفس ، بل يكون من الصفات ~~الكمالية للموجود بما أنه موجود ، ولهذا ، يكون الغنى من الصفات الذاتية ~~للذات الحق المقدس جل وعلا ، وإن الثروة والأموال لا توجب الغنى في النفس ، ~~بل نستطيع أن نقول إن من لا يملك غنى في النفس ، يكون حرصه تجاه المال ~~والثراء والمنال أكثر ، وحاجته أشد . ولما لم يكن أحد غنيا حقيقيا أمام ~~ساحة الحق جل جلاله المقدسة الغنى بالذات ، وكانت الموجودات كلها من أدنيها ~~وهو التراب إلى ذروة الأفلاك ، ومن الهيولى الأولى إلى الجبروت الأعلى ، ~~فقيرة ومحتاجة ، لهذا كلما كان تعلق القلب إلى غير الحق ، وتوجه الباطن نحو ~~تعمير الملك والدنيا أشد ، كان الفقر والحاجة أكثر ، أما الحاجة القلبية ، ~~والفقر الروحي ، فواضح جدا ، لأن نفس التعلق والتوجه فقر . وأما الحاجة ~~الخارجية التي تؤكد بدورها الفقر القلبي ، فهي أيضا أكثر ، لأن أحدا لا ~~يستطيع النهوض بأعماله بنفسه ، فيحتاج في ذلك إلى غيره . والأثرياء وإن ~~ظهروا في مظهر الغنى ولكنهم بالتمعن يتبين أن حاجتهم تتضاعف على قدر تزايد ~~ثرواتهم . فالأثرياء فقراء في مظهر الأغنياء ، ومحتاجون في زي من لا يحتاج . # وكلما اتجه القلب نحو تدبير الأمور وتعمير الدنيا أكثر ، وكان تعلقه أشد ~~، كان غبار الذل والمسكنة عليه أوفر ، وظلام الهوان والحاجة أوسع ، وعلى ~~العكس كلما ركل بقدميه التعلق بالدنيا ms354 ، ووجه وجه قلبه إلى الغنى المطلق ، ~~وآمن بالفقر الذاتي للموجودات ، وعرف بأن أحدا من الكائنات لا يملك لنفسه ~~شيئا ، وأن جميع الأقوياء والأعزاء والسلاطين قد سمعوا بقلوبهم أمام ساحة ~~الحق المقدسة من الهاتف الملكوتي ، واللسان الغيبي ، الآية الكريمة «يا PageV01P401 الاربعون حديثا :402 # أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد» (1) كلما ~~استغنى الإنسان عن العالمين أكثر ، وبلغ مستوى استغنائه درجة لا يرى لملك ~~سليمان قيمة ، ولا يأبه بخزائن الأرض عندما توضع بين يديه مفاتيحها . كما ~~ورد في الحديث أن جبرائيل قد هبط من قبل الله تعالى بمفاتيح خزائن الأرض ~~لخاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم ، فتواضع صلوات الله وسلامه عليه ~~ورفض قبولها وافتخر بفقره . # ويقول علي بن أبي طالب عليه السلام لابن عباس «وإن دنياكم عندي لأهون من ~~ورقة في فم جرادة تقضمها» (2) ويقول الإمام علي بن الحسين عليه السلام ~~«إستنكف أن أطلب الدنيا من خالقها فكيف بطلبها من مخلوق مثلي» . # وفي كتاب (سلسلة الرعية الكبرى) لنجم الدين ، بعد الإيمان المغلظة : «لو ~~خيروني بين ثروة الدنيا وجاهها مع الجنة وحورها وقصورها من جهة ، وأرادوا ~~مني مجالسة الأغنياء ، وبين البؤس في الدنيا والشقاء في الآخرة وأرادوا مني ~~مجالسة الفقراء من جهة أخرى ، لاخترت الفقراء وابتعدت عن عار مجالسة ~~الأغنياء والنار خير من العار . نعم إن أهل الحق يعرفون بأن التوجه نحو ~~خزائن الدنيا والمال والجاه والمجالسة مع أهلها يسبب أي نوع من الكدورة ~~والظلام في القلب ؟ وكيف يبعث على الوهن والفتور في العزيمة ، ويوجب الفقر ~~والحاجة لدى القلب وفقره ، ويرفه عن الانتباه إلى النقطة المركزية الكاملة ~~بصورة مطلقة ؟ ولكن عندما أعطيت أيها العزيز القلب إلى أهله والبيت إلى ~~صاحبه وأعرضت عن غيره ولم تدفع البيت إلى الغاصب ، تجلى فيه صاحبه . ومن ~~المعلوم أن تجلي الغني المطلق ، يدفع إلى الغنى المطلق ، ويغرق القلب في حر ~~العزة والغنى ، فيمتلأ من الغنى وعدم الاحتياج «ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين» (3) وينهض صاحب البيت بإدارة أموره ، ولم يترك الإنسان إلى نفسه ~~، وإنما يتدخل ويتصرف ms355 في جميع شؤون عبده ، بل يصبح هو سمعه وبصره ويده ~~ورجله ، وتحصل ثمرة التقرب بالنوافل ، كما ورد في الحديث الشريف عن الكافي ~~بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام في حديث : وإنه ليتقرب إلي بالنافلة حتى ~~أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ~~ينطق به ويده التي يبطش بها الحديث » (4) فتوصد باب فقر العبد وفاقته ~~نهائيا ويستغني عن العالمين . # ومن المؤكد أنه يرتفع من وراء هذا التجلي الخوف من جميع الكائنات ، ويحل الخوف PageV01P402 الاربعون حديثا :403 # من الحق المتعالي محله . وتملأ القلب عظمة الحق وهيبته ، ولا يرى لغير ~~الحق عظمة واحتشاما وتصرفا ، ويدرك حقيقة (لا مؤثر في الوجود إلا الله) بكل ~~قلبه . وقد أشير في هذا الحديث الشريف إلى بعض هذه المطالب التي ذكرناها ~~(تفرغ لعبادتي املأ قلبك غنى الخ) وهذا التفرغ القلبي لأجل العبادة يسمو ~~بالإنسان رويدا رويدا إلى أعلى مراتب حضور القلب للعبادة . # هذه نبذة من الآثار التي تترتب على العبادة كما ذكرناها . # فلو أن القلب غفل عن الاشتغال بالحق وأهمل التفرغ في التوجه نحوه لغدت ~~هذه الغفلة أساس كل الشقاء ، وينبوع جميع النقائص ومبعث كافة الأمراض ~~النفسية ، وبسبب هذه الغفلة يحول بين القلب والحق المتعالي ظلام داكن ~~وكدورة شديدة وحجب غليظة تمنع من تغلغل نور الهداية فيه ، وتحرمه من ~~التوفيقات الإلهية ، وينعطف القلب مرة واحدة إلى الدنيا وملذاتها من تعمير ~~البطن والفرج . ويغشاه حجاب الأنانية والإنية ، وتطغى النفس ، ويكون تحرك ~~صاحب هذه النفسية من خلال الترفع والأنانية ، ويبدو ذله الذاتي وفقره ~~الحقيقي ويبتعد في كل حركاته وسكناته عن ساحة الحق المتعالي ، ويكون نصيبه ~~الخذلان . كما تولى الحديث الشريف بيانه : (وأن لا تفرغ لعبادتي أملأ قلبك ~~شغلا بالدنيا ثم لا أسد فاقتك وأكلك إلى طلبك) . ### ||| AUTO تنبيه : # لا بد من معرفة أن المقصود من إيكال الأمر إلى العبد أكلك إلى طلبك ، ~~ليس بمعنى تفويض الأمر إليه ، لأن هذا المسلك لدى العرفاء والفلاسفة ومذهب ~~الحق باطل وممتنع . إذا لا يوجد كائن خارج عن ms356 نطاق تصرف الحق سبحانه ، ~~وحيطة قدرة ذاته المقدس ، ولا يوكل إليه شيء من تدبير أموره . لكن العبد ~~لما ينصرف عن الحق ويتوجه إلى الدنيا وتتحكم فيه الطبيعة وتتغلب عليه ~~الأنانية ويبرز فيه العجب والذاتية والمحورية ، يعبر عن ذلك بإيكال الأمر ~~إلى العبد . وأما الإنسان الذي يولي وجهه نحو الحق والملكوت الأعلى ، ويغمر ~~جوانب قلبه نور الحق ، فلا محالة تكون تصرفاته حقا ، بل يتحول في بعض ~~المراحل وجوده إلى وجود الحق . كما أشير إلى بعض هذه المقامات في الحديث ~~الشريف المذكور في الكافي عند عرضه لبعض آثار التقرب إلى الله بالنوافل . ~~والله العالم . PageV01P403 # الاربعون حديثا :404 PageV01P404 الاربعون حديثا :405 ### | AUTO الحديث الثامن والعشرون # لقاء الله PageV01P405 الاربعون حديثا :406 # بالسند المتصل إلى ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله عن ~~محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن خالد ؛ والحسين بن سعيد جميعا ~~، عن القاسم بن محمد ، عن عبد الصمد بن بشير ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد ~~الله عليه السلام قال : «قلت : أصلحك الله من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ~~ومن أبغض لقاء الله أبغض الله لقاءه ؟ قال : نعم قلت : فوالله إنا لنكره ~~الموت : فقال : ليس ذلك حيث تذهب ، إنما ذلك عند المعاينة إذا رأى ما يحب ~~فليس شيء أحب إليه من أن يقدم على الله ، والله تعالى يحب لقاءه وهو يحب ~~لقاء الله حينئذ ، وإذا رأى ما يكره فليس شيء أبغض إليه من لقاء الله والله ~~يبغض لقاءه» (1) . PageV01P406 # الاربعون حديثا :407 ### || AUTO الشرح : # «أصلحك الله» دعاء في الخير ، ولا يلزم في الدعاء أن يكون المدعو له ~~فاقدا لمضمون الدعاء ، بل الدعاء مستحب حتى وإن كان مضمونه حاصلا في المدعو ~~له . فيكون الدعاء للإمام الصادق عليه السلام بالصلاح والسداد ضمن الحدود ~~المتعارفة . # كما أن جملة «غفر الله لك» و«عفا الله عنك» من الأدعية التي يصلح أن ندعو ~~بها لتلك الذوات المقدسة . وقد حمل بعض الآية الكريمة «ليغفر لك الله ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر» (1) على هذا ms357 المعنى المذكور ، وقالوا إن هذه الآية ~~المباركة بمثابة أن يقال «غفر الله لك» ولا يجب أن يكون الطلب من أجل تحقق ~~مضمونه . ولكن هذا التفسير في الآية المباركة بعيد . ونحن قد بينا ذلك في ~~شرح حديث من الأحاديث السابقة (2) وعلى كل حال فإن الصحيح هوعدم توقع حصول ~~المضمون من هذه الإنشاءات والأدعية من المدعو له غالبا . # «اللقاء» بفتح اللام وكسره ، مصدر لقي على وزن رضي ، كما أن لقاءة ولقاية ~~ولقيا ولقيانا ولقيانة بكسر اللام في جميع ذلك ولقيا ولقى ولقيانا ولقية ~~ولقيانة بضم اللام في جميع ذلك ، مصدر لقي أيضا ، ومعناه لرؤية واللقاء . ~~ويأتي بيان معنى لقاء الله حسب ما يتناسب وحجم هذا الكتاب . # و«أبغض» من باب الافعال ، و«بغض» مثل كرم ، ونصر وفرح بغاضة فهو بغيض ، ~~بمعنى ضد الحب . و«بغضة وبغضاء» شدة البغض . وعلى أي حال فإن الحب والبغض ~~من الصفات النفسية المتقابلة ، ومعناهما واضح لدى الوجدان ، مثل وضوح كافة ~~المعاني الوجدانية والصفات النفسية التي تكون حقيقتها أوضح من الإدلاء ~~بمعانيها . وسيأتي معنى نسبة الحب PageV01P407 الاربعون حديثا :408 # والبغض إلى الذات الحق المقدس ، وإنها بأي اعتبار تكون ، إنشاء الله ~~تعالى . # قوله «إنا لنكره الموت» ولما تصور الراوي الموت ملازما مع لقاء الله أو ~~كان مقصوده من لقاء الله نفس الموت . اعتبر كره الموت كرها للقاء الله ~~تعالى ، فسأل هذا السؤال ، فأجاب الإمام عليه السلام بأنه ليس المقياس ~~كراهية الموت بصورة مطلقة بل الميزان كراهية الموت لدى نزع الروح عندما يرى ~~آثار الملكوت والعوالم الأخرى . # وقوله عليه السلام «ليس ذلك حيث تذهب» . يستعمل كثيرا في اللغة العربية ~~مثل هذا التعبير ، ويقصدون منه ذهاب الوهم ، بل التعبير المتداول في الذهاب ~~ومشتقاته ، هو ذهاب الوهم والعقيدة وأمثالها . كما أن المذهب يكون بهذا ~~المعنى . وهذا يبتنى على الاستعارة لأنه مأخوذ من الذهاب الخارجي . # قوله عليه السلام «عند المعاينة» ، المعاينة مصدر من باب المفاعلة وعاينت ~~الشيء عيانا إذا رأيته بعينك . ويسمى حين النزع والاحتضار بالمعاينة ، لأن ~~الميت يشاهد آثار عالم الآخرة بعينه ، حيث تنفتح عيونه ms358 الغيبية الملكوتية ، ~~وتنكشف عليه نبذة من أحوال الملكوت ، ويعاين بعض آثار وأعمال وأحوال نفسه . # ونحن نذكر ما يحتاج من الحديث الشريف إلى الشرح والبيان في خلال فصول . ~~وعلى الله التكلان . ### || AUTO فصل: في لقاء الله وكيفيته # إعلم أن الآيات والأخبار الواردة في لقاء الله صراحة أو كناية وإشارة ، ~~كثيرة لا يسع هذا المختصر الخوض في ذلك مفصلا . ولكننا نشير إلى بعضها ~~بصورة مختصرة . ومن أراد التفصيل في ذلك أكثر فعليه مراجعة كتاب (لقاء ~~الله) للمرحوم العارف بالله ، الحاج ميرزا جواد التبريزي قدس سره ، حيث جمع ~~إلى حد كبير الأخبار الماثورة في هذا الموضوع . # اعلم بأنه قد ذهب بعض العلماء والمفسرين إلى سد باب السبيل إلى (لقاء ~~الله) نهائيا ، والجحود للمشاهدات العينية والتجليات الذاتية والأسمائية ، ~~زاعمين بذلك أنهم ينزهون الذات المقدس ، ومفسرين جميع آيات لقاء الله ~~وأحاديثها ، بلقاء يوم الآخرة ، ولقاء الجزاء والثواب والعقاب . # وهذا التوجيه ليس ببعيد كثيرا ، بالنسبة إلى مطلق اللقاء وإتجاه بعض ~~الآيات والروايات ، ولكنه بالنسبة إلى بعض الأدعية المعتبرة والأحاديث ~~المأثورة في الكتب المعتبرة ، والأحاديث المشهورة التي ارتكز عليها علماؤنا ~~العظام ، موهون وبعيد جدا . PageV01P408 # الاربعون حديثا :409 # ولا بد أن نعرف بأنه ليس مقصود من أجاز فتح الطريق على لقاء الله ومشاهدة ~~جمال الحق وجلاله ، جواز اكتناه التعرف على الحقيقة والذات ذاته المقدس ، ~~أو إمكان الإحاطة في العلم الحضوري والمشاهدة العينية الروحانية ، على ذاته ~~، المحيط بكل شيء على الإطلاق ، فإن امتناع الاكتناه لذاته المقدس بالفكر ~~في العلم الكلي الفلسفة وامتناع الإحاطة بالبصيرة في العرفان ، من الأمور ~~البرهانية ، ومتفق عليه لدى جميع العقلاء ، وأرباب القلوب والمعارف . بل ~~المقصود لدى من يدعي مقام لقاء الله هو : أنه بعد حصول التقوى التامة ~~والكاملة ، وانصراف القلب نهائيا عن جميع العوالم ، ورفض التوجه نحو ~~النشأتين الملك والملكوت ووطأ الأنانية والإنية ، والإقبال الكلي نحو ~~الحق المتعالي وأسماء ذاته المقدس وصفاته ، والانصهار في عشق ذاته المقدس ~~وحبه ، وتحمل جهد وترويض القلب ، يحصل صفاء في القلب لدى السالك يبعث على ~~تجلي أسماءه وصفاته ، وتمزق الحجب ms359 الغليظة التي أسدلت بين العبد من جهة ~~والأسماء والصفات من جهة أخرى ، والفناء في الأسماء والصفات ، والتعلق بعز ~~قدسه وجلاله والتدلي التام بذاته . وفي هذا الحال لا يوجد حاجز بين روح ~~السالك المقدسة والحق المتعالي سوى حجاب الأسماء والصفات . # ويمكن أن يرفع الستار النوري للأسماء والصفات لبعض أرباب السلوك أيضا ، ~~وينال التجليات الذاتية الغيبية ، ويرى نفسه متدليا ومتعلقا بالذات المقدس ~~، ويشهد الإحاطة القيومية للحق والفناء الذاتي لنفسه ، ويرى بالعيان أن ~~وجوده ووجود كافة الكائنات ، ظلا للحق المتعالي . # وكما قامت البراهين على أنه لا حجاب بين الحق سبحانه والمخلوق الأول ~~المجرد عن جميع المواد والتعلقات ، بل البرهان قائم على عدم وجود حجاب بين ~~الحق وكافة المجردات بشكل عام ، فكذلك لا يوجد حجاب بين هذا القلب الذي بلغ ~~في سعته وإحاطته الموجودات المجردة بل اجتازها ووطئ بأقدامه على رؤوسها ، ~~وبين الحق المتعالي . كما في الحديث الشريف المنقول عن (الكافي) و(التوحيد) : # «إن روح المؤمن لأشد اتصالا بروح الله من اتصال شعاع الشمس بها» (1) وفي ~~المناجاة الشعبانية المقبولة لدى العلماء ، والتي يدل مضمونها على أن هذه ~~المناجاة من الأئمة المعصومين عليهم السلام : «إلهي هب لي كمال الإنقطاع ~~إليك ، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك حتى تخرق أبصار القلوب حجب ~~النور فتصل إلى معدن العظمة وتصير أرواحنا معلقة بعز قدسك . إلهي واجعلني ~~ممن ناديته فأجابك ولاحظته فصعق لجلالك فناجيته سرا وعمل لك PageV01P409 الاربعون حديثا :410 # جهرا» (1) . وفي الكتاب الإلهي الشريف ، لدى حكاية معراج الرسول الأكرم ~~صلى الله عليه وآله وسلم « ثم دنى فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى» (2) ولا ~~تتنافى هذه المشاهدة الحضورية الفنائية ، مع البرهان على عدم الاكتناه ~~والإحاطة للذات المقدسة ، ومع الأخبار والآيات التي تدل على تنزيه الحق جلا ~~وعلا من كل عيب ونقص وحد . بل يكون مؤكدا ومؤيدا لها . # فانظر الآن ما جدوى هذه التوجيهات والتأويلات البعيدة ؟ هل نستطيع أن ~~نوجه كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام الذي يقول «فهبني صبرت على ~~عذابك فكيف أصبر على فراقك» (3) هل أن تحرق وتألم أولياء ms360 الله ، من فراق ~~حور العين وقصور الجنة ؟ وهل يمكن تفسير هذه الجملة (ما عبدتك خوفا من نارك ~~ولا طمعا في جنتك بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك عبادة الأحرار) على أن هذا ~~الأنين من جراء الفراق عن الجنة وأطعمتها ؟ هيهات أن يكون ذلك ، إنه لكلام ~~غير موزون ، وتوجيه غير مقبول . # هل يمكن القول أن تجلي جمال الحق سبحانه ليلة المعراج ، والمجلس الذي ~~أقيم في تلك الليلة من دون أن يحضرها أحد من الكائنات أو لم يطلع على ~~أسراره أحد ، حتى أمين الوحي جبرائيل ، بأنه مشاهدة للجنة وقصورها المشيدة ~~، وأن أنوار العظمة والجلال هي رؤيته لنعم الحق ؟ # هل أن التجليات التي حصلت للأنبياء عليهم السلام ، والتي ورد ذكرها في ~~الأدعية المعتبرة هي من قبيل النعم والمأكول والمشروب أو البساتين والقصور ؟ # ومن المؤسف أننا نحن المساكين ، المسجونين في الحجب المظلمة ، والمصفدون ~~بسلاسل الآمال والأمنيات ، لا نفهم إلا المطعومات والمشروبات والمنكوحات ~~وأمثالها ، وإذا أراد فيلسوف أو عارف أن يرفع هذه الحجب ، اعتبرنا سعيه هذا ~~غلطا وخطأ ، وما دمنا مسجونين في البئر المظلم ، عالم الملك لم نستوعب شيئا ~~من أصحاب المعارف والمشاهدات . # ولكن عزيزي : لا تقارن نفسك مع الأولياء ، ولا تظن بأن قلبك يضاهي قلوب ~~الأنبياء وأهل المعارف . إن قلوبنا ذات غبار التعلق بالدنيا ، وملذاتها وإن ~~انغماسنا في الشهوات يمنع قلوبنا من أن تكون مرآة لتجلي الحق سبحانه ، ~~ومحلا لظهور المحبوب . ومن المعلوم أننا لا نعي شيئا من تجليات الحق وجماله ~~وجلاله عندما نشعر بالأناينة والذاتية والمحورية بل يجب أن نكذب في هذا ~~الحال أحاديث الأولياء وأهل المعرفة ، فإن لم نكذبها بألسنتنا في الظاهر ، PageV01P410 الاربعون حديثا :411 # كذبناها في قلوبنا . وإن لم نجد سبيلا للتكذيب ، بأن كانت أحاديث النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أو الأئمة المعصومين عليهم السلام ، لفتحنا باب ~~التأويل والتفسير ، وفي النهاية نسد باب معرفة الله . # فنفسر قوله «ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله معه وقبله وفيه» على رؤية ~~الآثار . وقوله «لم أعبد ربا لم أره» بالعلم بالمفاهيم الكلية التي تضارع ~~علومنا ms361 ، وقوله في آياته الكريمة التي تتحدث عن لقاء الله ، بلقاء يوم ~~الجزاء . وقوله «لي مع الله حالة» بحالة الرقة في القلب . وقوله «وارزقني ~~النظر إلى وجهك الكريم» وتأوه الأولياء وتحرقهم في معاناة الفراق ، بالبعد ~~عن حور العين ، وطيور الجنة . وهذه التفاسير لا تكون إلا نتيجة أننا لا ~~نكون رجال تلك الساحات ، ولا نفهم إلا المتع الحيوانية والجسمانية دون ~~غيرها ، ولهذا ننكر جميع المعارف . والأنكى من كل ذلك ، هذا الإنكار الذي ~~يفضي إلى غلق باب كل المعارف ، ويحجزنا عن السعي والطلب ، ويجعلنا نقتنع ~~بمستوى الحيوانية والبهيمية ، ويحرمنا من عوالم الغيب والأنوار الإلهية . ~~أصبحنا نحن المساكين المحرومين نهائيا من المشاهدات والتجليات في منأى حتى ~~عن الإيمان بهذه المعاني التي هي درجة من الكمال النفسي والتي يمكن أن ~~تسوقنا إلى مرحلة متقدمة . نهرب من العلم الذي قد يكون منطلقا وبذرة ~~للمشاهدات ، ونغلق عيوننا وأسماعنا نهائيا ونضع القطن في آذاننا حتى لا ~~يتطرق كلام الحق إليها . وإذا سمعنا حقيقة من لسان عارف هائم أو سالك حزين ~~أو فيلسوف متأله ، نتصدى فورا نتيجة عدم طاقة آذاننا على استماع تلك ~~الحقيقة ، ونتيجة أن حب النفس يمنعنا من جعل هذه الحقائق اسمى من قدرة ~~استيعابنا لها ونتصدى فورا للطعن فيه ولعنه وتكفيره وتفسيقه ، ولا نأبى من ~~أي غيبة أو تهمة . # إننا نوقف الكتاب ونشترط على كل من يستفيد منه أن يلعن المرحوم الملا ~~محسن فيض الكاشاني صاحب كتب الأخبار والأخلاق والكلام والتفسير يوميا ~~مائة مرة . ونرمي صدر المتألهين الذي هو قمة التوحيد بالزندقة ولا نبخل عن ~~إهانته أبدا ، ونقول عنه بأنه صوفي رغم عدم ظهور أي رغبة منه في كل كتبه ~~نحومذهب التصوف ورغم تأليفه لكتاب (كسر اصنام الجاهلية في الرد على ~~الصوفية) . # إننا نترك الذين يستحقون اللعن ، ويكونون ملعونين على لسان الله ورسوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، ونلعن من يصرخ بالإيمان بالله ورسوله والأئمة ~~الهادين عليهم السلام . وإنني أعلم بأن هذا اللعن والتوهين لا يسيء إلى ~~مقامهم ، بل قد يضاعف حسناتهم ويرفع من درجاتهم ، ولكنه ms362 يسيء إلينا وقد ~~يبعث على الخذلان وسلب التوفيق منا . # يقول شيخنا العارف الشاه آبادي روحي فداه (لا تلعنوا الأشخاص حتى ~~الكافر الذي مات من دون أن تعرفوا على أي دين مات ، إلا إذا أخبر ولي معصوم ~~عن حاله بعد الموت ، إذ PageV01P411 الاربعون حديثا :412 # من الممكن أنه أصبح مؤمنا لدى سكرات الموت ، فإلعنوا بصورة عامة وكلية) . # فكم الفرق بين شخص يملك مثل هذه النفس القدسية التي لا ترضى أن يلعن من ~~مات على الكفر ظاهرا ، لإمكان أنه غدا مؤمنا في اللحظات الأخيرة من حياته ، ~~وشخص آخر من أمثالنا وإلى الله المشتكى يرقى المنبر مع أنه من أهل العلم ~~والفضيلة ويقول أمام العلماء والفضلاء مستغربا (أن فلان رغم أنه فيلسوف ، ~~يتلو القرآن) . وهذا الكلام يشبه ما إذا قلنا (أن فلان رغم كونه نبيا ، ~~يعتقد بالمبدأ والمعاد) . # إنني أيضا لا أعتقد كثيرا بالعلم فقط ، إن العلم الذي لا يفضي إلى ~~الإيمان أراه الحجاب الأكبر ، ولكن لو لم نرد الحجاب ولم نتعلم لما تمكنا ~~من خرقه . # إن العلوم بذور المشاهدات . وإنه لمن الممكن أن يبلغ الإنسان إلى مقامات ~~شامخة من دون تعلم حجاب المصطلحات والعلوم ، ولكن هذا خلاف العادة ، وخلاف ~~طبيعة السنن ، وإنه نادرا ما يحصل . فالطريق الطبيعي لمعرفة الله وطلبه هو ~~أن الإنسان يبتدئ أولا بإنفاق وقت في التفكر بالحق سبحانه ، ويحصل على ~~العلم بالله وأسماء ذاته المقدس وصفاته حسب الأساليب المتبعة من التلمذة ~~على يد رجال ذلك العلم ، ثم يتزود من المعارف بواسطة الرياضة العلمية ~~والعملية وينتهي بذلك حتما إلى النتيجة المنشودة . # وإن لم يكن الإنسان من أهل المصطلحات العلم يستطيع أن يصل إلى النتيجة ~~من خلال تذكر المحبوب ، وانشغال القلب بالذات المقدس . ومن المعلوم أن مثل ~~هذا الإنشغال القلبي والتوجه الباطني سيكون سببا لهدايته وأن الله سبحانه ~~سيعينه في ذلك ، وأن حجابا من الحجب سيرفع له ، وأنه سيتنازل قليلا عن ~~موقفه المنكر تجاه العرفاء والفلاسفة ولعل الله سبحانه يفتح عليه ببركة ~~عناياته الخاصة ، بابا من المعارف إنه ولي النعم . ### || AUTO ms363 فصل: في بيان انكشاف بعض الاحوال الغيبية على الانسان لدى موته # يفهم من هذا الحديث الشريف ، أن حين المعاينة وعند الموت ، تنكشف على ~~الإنسان الذي أوشك على الرحيل بعض مقاماته وأحواله . ويطابق هذا ضربا من ~~البراهين ويوافق مكاشفات أصحاب الكشف والعيان . ويجاري الأحاديث والآثار ~~الأخرى أيضا . # إن الإنسان ما دام يشتغل بتعمير هذا العالم ، ويكون قلبه متجها نحو هذه ~~النشأة ، وما دام سكر الطبيعة عالم المادة قد أغماه وأفقد وعيه ، والشهوة ~~والغضب المخدرتان قد خدرتاه وسلبتا لبه ، يكون محجوبا نهائيا عن صور أعماله ~~وأخلاقه ، وتكون آثار أعماله وأخلاقه مهجورة في ملكوت قلبه . ولكن عندما ~~تغشاه سكرات الموت وتواجهه صعابها وضغوطها ، ويبتعد قليلا PageV01P412 الاربعون حديثا :413 # عن هذه النشأة ، فإذا كان من أهل الإيمان واليقين ، وكان قلبه متعلقا ~~بهذه العوالم المادية ، اتجه قلبه في نهاية المطاف من حياته إلى ذلك العالم ~~، والسائقون المعنويون ، وملائكة الله الموكلون عليه ، يسوقونه جميعا إلى ~~ذلك العالم وبعد هذا السوق ، وذاك الإنصراف ينكشف له نموذج من عالم البرزخ ~~، وتنفتح عليه من عالم الغيب كوة ويتكشف له حاله ومقامه قليلا كما نقل عن ~~الإمام أمير المؤمنين عليه السلام إنه قال : «حرام على كل نفس أن تخرج من ~~الدنيا حتى تعلم أنها من أهل الجنة هي أم من أهل النار» (1) . # وهنا حديث شريف نذكره بتمامه لأن فيه بشارة لأهل الولاء ، بولاية مولى ~~الموالي ، والمتمسكين بذيل عناية أهل بيت العصمة عليهم السلام . وهو حديث ~~نقله الفيض الكاشاني في كتابه علم اليقين . قال : وفي كتاب الحسين بن سعيد ~~الأهوازي ، عن عباد بن مروان قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : ~~«منكم والله يقبل ، ولكم والله يغفر ، إنه ليس بين أحدكم وبين أن يغتبط ~~ويرى السرور وقرة العين إلا أن تبلغ نفسه ههنا وأومى بيده إلى حلقه ثم قال ~~عليه السلام إنه إذا كان ذلك واحتضر ، حضره رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وعلي والأئمة وجبرئيل وميكائيل وملك الموت عليهم السلام ، فيدنو منه ~~جبرئيل (2) عليه السلام فيقول لرسول الله ms364 صلى الله عليه وآله وسلم : إن هذا ~~كان يحبكم أهل البيت فأحبه ، فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا ~~جبرئيل إن هذا كان يحب الله ورسوله وأهل بيته فأحبه ، فيقول جبرئيل : يا ~~ملك الموت إن هذا كان يحب الله ورسوله وآل رسوله فأحبه وارفق به . # فيدنو منه ملك الموت عليه السلام فيقول : يا عبد الله أخذت فكاك رقبتك ؟ ~~أخذت أمان براءتك ؟ تمسكت بالعصمة الكبرى في الحياة الدنيا ؟ فيوفقه الله ~~فيقول : نعم ، فيقول له : وما ذاك ؟ فيقول : ولاية علي بن أبي طالب عليه ~~السلام ، فيقول : صدقت ، أما الذي كنت تحذر فقد آمنك الله ، وأما الذي كنت ~~ترجو فقد أدركت ، أبشر بالسلف الصالح مرافقة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وعلي والأئمة من ولده عليهم السلام . # ثم يسل نفسه سلا رفيقا ثم ينزل بكفنه من الجنة وحنوطه حنوط كالمسك الأذفر ~~فيكفن بذلك الكفن ويحنط بذلك الحنوط ، ثم يكسى حلة صفراء من حلل الجنة . ~~فإذا وضع في قبره فتح له باب من أبواب الجنة يدخل عليه من روحها وريحانها ~~ثم يقال له : نم نومة العروس على فراشها ، أبشر بروح وريحان وجنة نعيم ورب ~~غير غضبان . PageV01P413 # الاربعون حديثا :414 # قال : وإذا حضرت الكافر الوفاة حضره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وعلي والأئمة وجبرئيل وميكائيل وملك الموت عليهم السلام ، فيدنو منه جبرئيل ~~فيقول : يا رسول الله إن هذا كان مبغضا لكم أهل البيت فأبغضه ، فيقول رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا جبرئيل إن هذا يبغض الله ورسوله وأهل ~~بيت رسوله فأبغضه : فيقول جبرئيل : يا ملك الموت إن هذا يبغض الله ورسوله ~~وأهل بيت رسوله عليهم السلام فأبغضه واعنف عليه . # فيدنو منه ملك الموت فيقول : يا عبد الله أخذت فكاك رقبتك ؟ أخذت براءة ~~أما تمسكت بالعصمة الكبرى في الحياة الدنيا ؟ فيقول : لا ، فيقول له : أبشر ~~يا عدو الله بسخط عذابه والنار ، أما الذي كنت ترجو فقد فاتك ، وأما الذي ~~كنت تحذر فقد نزل بك . ثم يسل نفسه سلا عنيفا ms365 ،ثم يوكل بروحه ثلاثمائة ~~شيطان يبزقون في وجهه ويتأذى بريحه ، فإذا وضع في قبره فتح له باب من أبواب ~~النار يدخل عليه من فيح ريحها ولهبها» (1) . # ولا بد أن تعرف أن عالم برزخ كل شخص ، أنموذج من نشأته يوم القيامة ، ~~والبرزخ عالم يتوسط بين هذا العالم وعالم القيامة ، وتنفتح على هذا العالم ~~كوة من الجنة أو النار . كما أشير إليه في نهاية هذا الحديث الشريف ، وفي ~~الحديث النبوي المعروف «القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر ~~النيران» (2) . # فتبين أن الإنسان لدى سكرات الموت والاحتضار يشاهد صور أعماله وآثارها ، ~~ويسمع من ملك الموت بشارة الجنة أو الوعيد بالنار . وكما أن هذه الأمور ~~تنكشف عليه قليلا ، كذلك تنكشف عليه الآثار التي تركتها أعماله وأفعاله في ~~قلبه ، من النورانية وشرح الصدر ورحابته أو أضدادها أيضا من الظلام ~~والكدورة والضغط وضيق في الصدر ، فإن كان من أهل الإيمان والسعادة ، يستعد ~~قلبه عند معاينة البرزخ لمشاهدة النفحات اللطيفة اللطفية والجمال ، وتظهر ~~فيه آثار تجليات اللطف والجمال ، فيأخذ القلب في الحب للقاء الله ، وتشتعل ~~في قلبه ، جذوة الاشتياق إلى جمال المحبوب ، إن كان من أهل الحسنى وحب الله ~~والجاذبة الربوبية ، ولا يعرف أحد إلا الله ، مقدار اللذات والكرامات ~~الموجودة في هذا التجلي والاشتياق . # وإن كان من أهل الإيمان والعمل الصالح ، فتغدق عليه من كرامات الحق ~~المتعالي بقدر إيمانه وأعماله ، ويراها لدى الاحتضار ، فيتوق إلى الموت ~~ولقاء كرامات الحق ويرتحل من هذا العالم مع البهجة والسرور والروح والريحان ~~، ولا تطيق الأعين الملكية والذائقة المادية ، لرؤية هذه الكرامات ومشاهدة ~~هذه البهجة والفرح . PageV01P414 # الاربعون حديثا :415 # وإن كان من أهل الشقاء والجحود والكفر والنفاق والأعمال القبيحة والأفعال ~~السيئة ، انكشف عليه بقدر نصيبه من دار الدنيا وما وفره واكتسبه لنفسه منها ~~من آثار السخط الإلهي والقهر ، ونموذجا من دار الأشقياء ، فيدخل الذعر ~~والهلع في نفسه بدرجة لا يكون أبغض شيء عنده ، من التجليات الجلالية ~~والقاهرة للحق المتعالي ويستولي عليه من جراء هذا البغض والعداوة الشديدين ~~، الضغوط والظلام ms366 والصعاب والعذاب ، لا يعرف حجمها أحد إلا الذات الحق ~~المقدس ، وهذه المحن تكون لمن كان من الجاحدين والمنافقين ومن أعداء الله ~~وأعداء أوليائه في هذه الدنيا . وينكشف على أهل المعاصي والكبائر ، بقدر ~~أجتراحهم للسيئات ، نموذجا من جهنمهم ، فلا يكون شيء عندهم أبغض من الرحيل ~~من هذا العالم ، فيرحلون بكل عنف وقسوة وعذاب ، وفي نفوسهم حسرات لا تتحقق ~~في هذه الأحوال . # ويستفاد من هذا البيان أن الإنسان لدى الاحتضار والمعاينة ، يشاهد ما كان ~~فيه وهو غير واقف عليه ، رغم أنه بذر بنفسه هذه المعاينة والمشاهدة في عالم ~~وجوده . # إن الحياة الدنيوية ، كانت ستارا ملقى على عيوبنا ، وحجابا على وجه أهل ~~المعارف ، وعندما يزاح هذا الستار ، ويخترق هذا الحجاب ، يرى الإنسان ~~أنموذجا ، مما أعده ، ومما كان فيه . # إن الإنسان لا يرى في العوالم الأخرى من العذاب والعقاب ، إلا ما وفره ~~وهيأه في هذه الدنيا ، ولا يشاهد في العالم الآخر إلا صورة ما أنجزه في هذا ~~العالم من الأعمال الصالحة والخلق الحسن ، والعقائد الصحيحة ، مع رؤيته لما ~~يتفضل عليه الحق المتعالي بلطفه من الكرامات الأخرى . # يروي صاحب كتاب تفسير (الصافي) عن (مجمع البيان) في ذيل الآية المباركة ~~«فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره الخ» (1) حديثا عن أمير المؤمنين عليه ~~السلام وفيه «هي هذه الآية أحكم آية في القرآن وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يسميها الجامعة» (2) . # فلا بد وأن نعلم بأننا إذا تعلقنا بالحق المتعالي وأوليائه ، ووضعنا في ~~رقابنا حبل طاعة الذات المقدس ، وجعلنا اتجاه القلب إلهيا وربانيا ، لظهرت ~~أمامنا حين النزع ، الحقائق بعينها في صور بهية . وعلى العكس إذا كانت ~~قلوبنا ذات صبغة دنيوية ، وانصراف عن الحق ، فمن الممكن أن تبذر فيها شيئا ~~فشيئا بذور عداوة الحق والأولياء ، وتشتد هذه العداوة ، حين المعاينة ، ~~فتظهر آثارها الغريبة الموحشة كما قد سمعت . PageV01P415 # الاربعون حديثا :416 # إذن من الأمور الهامة السعي في سبيل تطوير حالة القلب ، وجعلها إلهية ، ~~وتوجيهها نحو الحق المتعالي وأوليائه ودار كرامته ، ويتم هذا قطعا بواسطة ~~التفكر في آلاء الذات ms367 المقدس ، ونعمائه والمحافظة على طاعته وعبادته . ولكن ~~يجب أن لا يعتمد الإنسان على نفسه ومساعيه ، بل يستعين بالله على ذلك في ~~جميع الأحوال ، وخاصة في حالات الخلوة مع الله بكل تذلل وتضرع وبكاء ، ~~ويطلب منه أن يلقي حبه في قلبه ويضيئه بنور محبته ومعرفته ، ويخرج حب ~~الدنيا وما عدى الله من قلبه ، ومن الواضح أن هذا الدعاء يكون في بدء الأمر ~~من دون لب ، ويكون صرف لقلقة لسان ، لأن مطالبة زوال حب الدنيا من القلب مع ~~كونه مفرطا في التعلق بها ، مشكل جدا ، ولكن نرجو بعد التمعن في ذلك ، فترة ~~من الزمن ، والمراقبة ، وإفهام القلب النتائج الحسنة لمحبة الله ، والنتائج ~~السيئة لحب الدنيا ، أن يتحقق ذلك إنشاء الله تعالى . ### || AUTO فصل: في بيان معنى حب الحق المتعالي وبغضه # إعلم أن نسبة الحب والبغض وأمثالها للحق المتعالي ، الواردة في القرآن ~~الكريم والأحاديث الشريفة ، لا تكون بمعناها المتفاهم العرفي ، لأن لازمها ~~الانفعال النفسي الذي يتنزه الحق سبحانه منه . ولا مجال في هذا المختصر ، ~~للإسهاب في ذلك ، فنقتصر على الإجمال والإشارة . # لا بد من معرفة أن كثيرا من الأوصاف والأحوال ، بعد تنزلها من العوالم ~~الغيبية التجردية ، وحصولها للنشأة الملكية المادية التي هي عالم الفرق بل ~~عالم فرق الفرق ، تتجلى في صورة تختلف عن الصور الغيبية المتجردة من الآثار ~~واللوازم . كما أن الأفلاطونيين الذين يعتقدون بأن كافة الموجودات الملكية ~~، مظاهر للأرواح الغيبية ، وتنزلات للحقائق الملكوتية ، وأمثلة للمثل ~~الأفلاطونية ، هؤلاء يرون أن العوارض والكيفيات التي تقوم في هذا العالم ~~بغيرها لا بنفسها كما هو شأن الجواهر ، يرون أنها تتجلى في ذلك العالم ~~صورها الذاتية بوجوداتها من دون حاجة إلى الإرتكاز على الغير ، وعليه نقول ~~أن أمثال هذه الأوصاف والأحوال التي تلازم في عالم الملك ، التجدد ~~والإنفعال ، تكون موجودة في العوالم الغيبية ، والنشآت التجردية وخاصة في ~~عالم الأسماء ومقام الواحدية ، في صورة منزهة وبعيد عن جميع النقائص ، ~~ويكون التعبير عن تلك الصور ، حسب النشأة التجردية والصقع الربوبي مغايرا ~~عن التعبير عنها في هذا العالم . # فمثلا أن ms368 التجليات الرحمانية والرحيمية والتي نقول عنها أيضا التجليات ~~الجمالية PageV01P416 الاربعون حديثا :417 # واللطفية والحبية والأنسية ، إذا ظهرت في هذا العالم ، كانت في صورة الحب ~~والرحمة واللطف ، الملازمة للانفعال والتأثر ، وذلك نتيجة ضيق هذا العالم . ~~ففي الحديث أن للرحمة مائة جزء ، وإن جزءا واحدا منها قد هبط إلى هذا ~~العالم ، وتحققت به الرحمة كل الرحمة في هذا العالم ، مثل الرحمة الحاصلة ~~بين الأولاد والأبوين وأمثال ذلك . كما أن التجليات القاهرية والمالكية ~~التي هي من تجليات الجلال ، تظهر في هذا العالم في صورة البغض والغضب ~~المتلازمين للانفعال والتأثر أيضا . # وعلى اي حال إن باطن الحب والبغض والغضب ، الرحمانية والقهارية وتجليات ~~الجمال والجلال ، وتكون تلك التجليات ، موجودة بعين الذات ، ولا تتطرق ~~إليها الكثرة والتجدد والإنفعال . كما أن مظهر الرحمانية والقهارية ، الحب ~~والبغض المتوفران في هذا العالم ، وحيث أن المظهر الحب والبغض يكون فانيا ~~في الظاهر الرحمانية والقهارية والظاهر يتجلى في المظهر ، يصح في بعض ~~المقامات التعبير عن أحدهما بالآخر . وعليه يكون سخط الحق المتعالي لعبده ، ~~ظهورا بالقهارية والانتقام وظهور حبه له ، بالرحمة والكرامة . والله العالم . PageV01P417 # الاربعون حديثا :418 PageV01P418 الاربعون حديثا :419 ### | AUTO الحديث التاسع والعشرون # وصية النبي لعلي بخصال PageV01P419 الاربعون حديثا :420 # بالسند المتصل إلى أفضل المحدثين وأقدمهم محمد بن يعقوب الكليني رضي ~~الله عنه عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن النعمان ~~، عن معاوية بن عمار قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : «كان في ~~وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام أن قال : يا علي ~~أوصيك في نفسك بخصال فاحفظها عني ، ثم قال : اللهم أعنه . أما الأولى ~~فالصدق ولا يخرجن من فيك كذبة أبدا . والثانية الورع ولا تجترئ على خيانة ~~أبدا . والثالثة الخوف من الله عز ذكره كأنك تراه . والرابعة كثرة البكاء ~~من خشية الله تعالى يبنى لك بكل دمعة ألف بيت في الجنة . والخامسة بذلك ~~مالك ودمك دون دينك . والسادسة الأخذ بسنتي في صلاتي وصومي وصدقتي ، أما ~~الصلاة فالخمسون ركعة ms369 ، وأما الصيام فثلاثة أيام في الشهر : الخميس في أوله ~~والأربعاء في وسطه والخميس في آخره ، وأما الصدقة فجهدك حتى تقول قد أسرفت ~~ولم تسرف . # وعليك بصلاة الليل وعليك بصلاة الليل وعليك بصلاة الليل ، وعليك بصلاة ~~الزوال وعليك بصلاة الزوال وعليك بصلاة الزوال ، وعليك بتلاوة القرآن على ~~كل حال ، وعليك برفع يديك في صلاتك وتقليبهما ، وعليك بالسواك عند كل وضوء ~~، وعليك بمحاسن الأخلاق فاركبها ومساوئ الأخلاق فاجتنبها ، فإن لم تفعل فلا ~~تلومن إلا نفسك» (1) . PageV01P420 # الاربعون حديثا :421 ### || AUTO الشرح : # (الخصال) جمع خصلة ومعناها الفضيلة النابعة من السجية ، كما في (الصحاح) ~~وعليه يكون استعمالها في مطلق الأفعال والخلق ، كما في هذا الحديث الشريف ~~وغيره ، من باب المجاز . ومن الممكن أن تكون الخصلة ، أعم من الفضيلة ~~الراسخة في طبيعة الإنسان ، فيكون استعمالها في مثل هذه الموارد من باب ~~الحقيقة . # قوله عليه السلام (الورع) بفتح الراء و(الرعة) مصدران لورع يرع بكسر ~~الراء فيهما . ومعناه التقوى أو شدة التقوى ومنتهى الحذر . ومن المحتمل أن ~~يكون المعنى مأخوذا من ورعته توريعا ، أي كففته ، لأن الورع في الحقيقة ، ~~كف النفس ، ومنعها من تخطى حدود الشرع والعقل . أو من ورع بمعنى الرد ، ~~يقال ورعت الإبل عن الماء إذا رددتها ، لأن المؤمن يرد نفسه عن الشهوات ~~والولوج فيها . # قوله عليه السلام : (لاتجترئ) يكون من باب الافتعال ، بمعنى الجسارة ~~والشجاعة ، وكثرة الإقدام في الأمور . في الصحاح عن أبي زيد (الجرأة مثال ~~الجرعة : الشجاعة) و(في الصحاح) أيضا (الجريء المقدام) . # قوله عليه السلام (فجهدك) الجهد بضم الجيم وفتحها : الطاقة والمشقة ، ~~يقال : جهد دابته وأجهدها ، إذا استعملها أكثر من طاقتها . ويكون الجهد ~~أيضا بمعنى الجدية والإصرار . وهذه المعاني تتناسب مع هذه الرواية . # قوله عليه السلام : «عليك بصلاة الليل» إن كلمة «عليك» اسم فعل ، وتستعمل ~~بمعنى الفعل المتعدي أو في محل الفعل المتعدي «عليكم أنفسكم» أي الزموا ، ~~وعليه تكون الباء للتأكيد والتأييد لا للتعدية . وقال في مجمع البحرين إذا ~~تعدت عليك ، بالباء كان معناها استمسك مع إفادة المبالغة . PageV01P421 # الاربعون حديثا :422 # ونحن نذكر إنشاء ms370 الله معاني الحديث ، ضمن مقدمات وفصول . ### || AUTO مقدمة # يتضح من نواحي عديدة من هذا الحديث الشريف ، أن هذه الوصايا التي أوصى ~~بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ~~كانت عنده صلوات الله وسلام عليه مهمة جدا ، وهذه النواحي هي : # احداها : توجيه الوصية نحو أمير المؤمنين عليه السلام مع أنه سلام الله ~~عليه ، أسمى من أن يتساهل في الأحكام الشرعية ، والأوامر الإلهية ، ولكن ~~هذه الأمور لدى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت هامة جدا ، فلم ~~يحجم عن الوصية بها . ومن المتعارف أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~لا يوصي بشيء إلا وقد كان يعتنى به ، ويراه مهما ، فلأجل إظهار أهميته ، ~~يوصي به ، حتى لمن يعرف أنه لا يتهاون به . # أما احتمال أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد أوصى لأمير المؤمنين عليه ~~السلام حتى يفهم الآخرين ، من قبيل (إياك أعني وأسمعي يا جارة) فهو بعيد . ~~لأن سياق الحديث يشهد بأن الخطاب متوجه نحو الإمام علي عليه السلام ، وأنه ~~المقصود مباشرة ، كما يستفاد من كلمة (في نفسك) و(احفظها) و(اللهم أعنه) . ~~ثم أن مثل هذه الوصايا كانت متداولة بين الكبار من الناس ، وبين الأئمة ~~الأطهار عليهم السلام من وصية بعضهم البعض الآخر ، وكان الظاهر من سياق كل ~~واحد من مثل هذه العبارات التي وردت من إمام لإمام آخر عليهم السلام ، هو ~~الإمام المخاطب بنفسه . كما ورد في إحدى وصايا الإمام علي بن أبي طالب عليه ~~السلام إلى ولديه الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام : (أوصيكما ~~وأهل بيتي ومن بلغه كتابي) ومن المعلوم أن الحسنين عليهما السلام كانا ~~داخلين في هذه الوصية ، وتكشف هذه الوصايا عن شدة اهتمام وتعلق المعصومين ~~عليهم السلام بعضهم ببعض . وعلى أي حال إن كون الإمام أمير المؤمنين عليه ~~السلام مخاطبا بالوصية يكشف عن عظمة الوصية وأهميتها . # ثانيتها : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكد على هذه الوصية بهذا ~~المستوى من التأكيد للإمام علي بن أبي طالب عليه ms371 السلام رغم أنه لن يتجاوز ~~عليه السلام وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قيد أنملة ولم يبد ~~تجاهها وهنا ولا فتورا . # ثالثتهما : نبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا بعد أن قال (يا ~~علي أوصيك) على أهمية الوصية قائلا : (فاحفظها عني) . ولما تمنى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم على علي عليه السلام أن يأتي بهذه الوصايا المهمة ~~دعا له قائلا (اللهم أعنه) وهكذا بقية التأكيدات التي وردت في كل واحدة من ~~هذه الجمل بصورة مستقلة مثل نون التأكيد ، وتكرار الوصية وغير ذلك مما لا ~~نحتاج إلى تعداده . PageV01P422 # الاربعون حديثا :423 # إذن يعلم أن هذه الوصايا من الأمور الهامة . ومن الواضح أنه لا يعود في ~~جميع هذه الوصايا بالفائدة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإنما ~~تعود المنفعة إلى المخاطب . والإمام عليه السلام وإن كان هو المخاطب ~~بالأصالة ، ولكن التكاليف عامة ومشتركة بين الجميع ، حيث لا تعطل برحيل ~~المخاطب ، بل إنها متواصلة مع الأجيال . # ولا بد من معرفة أن شدة تعلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~بالإمام علي عليه السلام تبعث على الفائدة الكبيرة لهذه الوصايا التي بينت ~~بهذا الأسلوب وعلى أهميتها الكثيرة . والله العالم . ### || AUTO فصل: في مفاسد الكذب # من وصايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ملازمة الصدق ، والابتعاد ~~عن الكذب فالصدق ولا يخرجن من فيك كذبة أبدا ويستفاد من تقديم رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم لهذه الوصية على الوصايا الأخرى ، أن هذه الوصية ~~أهم من كافة الوصايا المذكورة . ونحن نقدم مفاسد الكذب على مصالح الصدق . # واعلم أن هذه الرذيلة من الأمور التي اتفق العقل والنقل على قبحها ~~وفسادها وأنها نفسها من الفواحش والمعاصي الكبيرة ، كما تدل على ذلك ~~الأخبار . وقد تترتب عليها مفاسد أخرى لا تقل عن هذه الموبقة ، بل قد يسقط ~~الإنسان من أعين الناس في الوسط الاجتماعي على إثر كذبة واحدة عندما تكتشف ~~، ولا يستطيع إلى نهاية عمره أن يجبرها . فإذا اشتهر إنسان ms372 لا قدر الله ~~بالكذب ، فلعله لا يوجد شيء آخر يسيء إلى شخصية الإنسان أكثر من الكذب . ~~ومضافا إلى ذلك فإن مفاسده الدينية وعقوباته الأخروية كثيرة أيضا . ونحن ~~نقتصر على ذكر بعض الأحاديث الشريفة في هذا الموضوع . وحيث أن شناعة الكذب ~~من الأمور الواضحة المعروفة ، نبتعد عن الإسهاب في الحديث عنه . # روي في «الوسائل» عن محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال ~~: «إن الله عز وجل جعل للشر أقفالا وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب ، ~~والكذب أشر من الشراب» (1) . # والآن تدبر في هذا الحديث الشريف المروي عن عالم آل محمد عليهم السلام ، ~~والمذكور في كتاب يعد مرجعا لجميع علماء الأمة ، ويتلقى بالقبول لدى كافة ~~العلماء رضوان الله عليهم ، وأنظر هل يبقى سبيل للاعتذار ؟ أليس هذا ~~التهاون في الكذب إلا من جراء الضعف PageV01P423 الاربعون حديثا :424 # في الإيمان تجاه أخبار أهل بيت العصمة عليهم السلام ؟ # نحن لا نعرف الصور الغيبية لأعمالنا ، ولا ندرك الارتباطات الغيبية بين ~~الملك والملكوت ، ولهذا نبتعد عن مثل هذه الأخبار ، ونحمل أمثالها على ~~المبالغة . ولكن هذا المنهج باطل وناتج من الجهل والضعف في الإيمان . فلو ~~فرضنا بأننا حملنا هذا الحديث الشريف على المبالغة ، أليست المبالغة ذات ~~شروط ووضع خاص ؟ هل نستطيع أن نقول عن كل شيء أنه أسوأ من الخمر ، أو لا بد ~~وأن يكون الشيء ذا شر عظيم حتى نتمكن من المبالغة ونقول إنه أعظم من الشر ؟ # وبإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال : «الكذب هو خراب الإيمان» (1) . # في الحقيقة أن مثل هذه الأخبار ، تهز أعماق الإنسان ، وتقصم ظهره فإننا ~~نتصور بأن الكذب من الأعمال الفاسدة ، التي فقد الاحساس بقبحها نهائيا من ~~جراء شيوعها بين الناس ، ولكن سيأتي وقت ننتبه ونشعر بأن الإيمان الذي هو ~~رأس مال حياة عالم الآخرة ، قد زال من أيدينا من جراء الاستهانة بالكذب ولم ~~نشعر بذلك أبدا . # وعن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يكون المؤمن جبانا ؟ قال : نعم ، قيل ويكون بخيلا ms373 ؟ قال : نعم ، قيل : ~~ويكون كذابا ؟ قال : لا (2) . # ونقل عن صدوق الطائفة محمد بن علي بن الحسين أنه قال : من كلام رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : «أربى الربا الكذب» (3) مع أن التشديد في حرمة ~~الربا وبشاعته مما يذهل الإنسان : # ومن الأمور التي لا بد للإنسان أن يلتفت إليها ، هو أن الأخبار قد ~~استنكرت الكذب حتى هزله ومزحه ، وشددت في ذلك . وأفتى العلماء بحرمته أيضا ~~. كما ذكر صاحب الوسائل في عنوان الباب الذي هو تعبير عن فتاواه : باب ~~تحريم الكذب في الصغير والكبير والجد والهزل هنا ما استثنى (4) . # وعن الكافي الشريف عن أبي جعفر عليه السلام قال كان علي بن الحسين صلوات ~~الله عليهما يقول لولده اتقوا الكذب ، الصغير منه والكبير في كل جد وهزل ~~فإن الرجل إذا كذب في الصغير PageV01P424 الاربعون حديثا :425 # اجترئ على الكبير أما علمتم أن الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ما ~~يزال العبد يصدق حتى يكتبه الله صديقا وما يزال العبد يكذب حتى يكتبه الله ~~كذابا (1) . # وفي الكافي عن الأصبغ بن نباته قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام : ~~«لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يترك الكذب هزله وجده» (2) . # وفي وصايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر : «يا أبا ذر ، ويل ~~للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ، ويل له ، ويل له» (3) . # وبعد عرض هذه الأخبار الشديدة والمنقولة عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم والأئمة المعصومين عليهم السلام ، لا بد من الجرأة الكبيرة والشقاء ~~المضاعف ، حتى يقدم الإنسان على هذا الأمر الخطير ، والمعصية الكبيرة . # وكما أن الكذب قد عد من المفاسد الخطيرة جدا ، اعتبر صدق اللهجة ~~والاستقامة في الحديث ، مهما جدا ، واثني عليه في أخبار أهل البيت ثناءا ~~بليغا . ونحن نكتفي بذكر بعضها : # محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال : كونوا دعاة ~~للناس بالخير بغير ألسنتكم ، ليروا منكم الاجتهاد والصدق والورع» (4) . # وقال الصدوق رحمه الله بسنده إلى رسول الله قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه ms374 وآله : إن أقربكم مني غدا وأوجبكم علي شفاعة ، أصدقكم لسانا ، وأداكم ~~للأمانة وأحسنكم خلقا وأقربكم من الناس (5) . ### || AUTO فصل: في حقيقة الورع ومراتبه # يتحدث هذا الفصل عن الورع ، وأنه قد عد من منازل السالكين والسائرين إلى ~~الله سبحانه ، وعرف حسب ما نقل العارف المعروف خواجة عبد الله الأنصاري «هو ~~توق مستقصى على حذر أو تحرج على تعظيم» . وهذا التعريف يشمل كافة مراتبه ، ~~لأن للورع مراتب كثيرة : فورع العوام ، الاجتناب عن الكبائر ، وورع الخواص ~~الابتعاد عن الشبهات خشية الوقوع في PageV01P425 الاربعون حديثا :426 # المحرمات كما أشير إليه في حديث التثليث الشريف (1) . وورع أهل الزهد ~~الاجتناب عن المباحات للابتعاد عن وزرها . وورع أهل السلوك ترك النظر إلى ~~الدنيا لأجل الوصول إلى المقامات . وورع المجذوبين ، ترك المقامات لأجل ~~الوصول إلى باب الله ، ومشاهدة جمال الله . وورع الأولياء ، الاجتناب عن ~~التوجه إلى الغايات . # ولكل واحدة من هذه المراتب شرح لا يجدينا الإسهاب فيه . وما يجب أن نعرفه ~~هنا هو : # أن الورع عن المحرمات الإلهية يكون أساس جميع الكمالات المعنوية ، ~~والمقامات الأخروية . ولا يحصل لأحد مقام إلا عند الورع عن محرمات الله . ~~وإن القلب الذي لا يتحلى بالورع ، ليصدأ ، وليبلغ به الأمر إلى مستوى لا ~~يرجى له النجاة . إن الورع يوجب صفاء النفوس وجلائها ، وأنه يكون من أهم ~~المنازل لدى العوام ، ويعتبر من أفضل زاد المسافر نحو الآخرة . وقد ورد في ~~فضله حسب أحاديث أهل بيت العصمة عليهم السلام أكثر مما يسعه هذا الكتاب . ~~ونحن نكتفي بذكر بعض هذه الأحاديث . يرجع الباحث لأكثر من ذلك ، إلى كتب ~~الأخبار . # الكافي : بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال : «أوصيك بتقوى الله ~~والورع والاجتهاد ، واعلم أنه لا ينفع اجتهاد لا ورع فيه» (2) . # وبهذا المضمون رواية أخرى أيضا . وهذا شاهد على أن العبادات تتساقط عن ~~الاعتبار ، إذا كانت خالية من الورع . ومن المعلوم أن الغاية المنشودة من ~~العبادات التي هي ترويض النفس ، ولجمها ، وقهر الملكوت للملك والطبيعة ، لا ~~تحصل إلا بواسطة الورع الشديد ، والتقوى الكاملة . # ثم إن النفوس ms375 المدنسة بالمعصية ، لا تقبل صورة ولا رسما إلا بعد تنظيفها ~~من الكدر وتطهيرها من القذارة ، حتى يتمكن الرسام من الرسم فيها . ~~فالعبادات التي هي الصور الكمالية للنفس ، لا تنفع من دون صقلها من غبار ~~المعصية ، وإنما تكون صورة من دون لب وظاهرا من دون روح . # وبإسناده عن يزيد بن خليفة قال : «وعظنا أبو عبد الله عليه السلام فأمر ~~وزهد ثم قال : عليكم بالورع فإنه لا ينال ما عند الله إلا بالورع (3) . PageV01P426 # الاربعون حديثا :427 # فبموجب هذا الحديث الشريف ، أن الإنسان الذي لا ورع له ، يكون محروما من ~~الكرامات التي وعدها الله لعباده . وهذا الحرمان من أعظم الخذلان والشقاء . ~~وفي الوسائل مسندا إلى الإمام الباقر عليه السلام في حديث «لا تنال ولايتنا ~~إلا بالعمل والورع» (1) . # وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق ثم (... قال يا عيسى بن عبد الله ليس ~~منا ولا كرامة من كان في مصر فيه مائة ألف أو يزيدون وكان في ذلك المصر أحد ~~أورع منه) (2) . # ولا بد من معرفة أن المقياس في كمال الورع على ضوء الروايات الشريفة ، هو ~~الاجتناب عن محرمات الله ، وأن كل من يبتعد عن المحرمات الإلهية أكثر ، يعد ~~من أورع الناس طرا . فينبغي أن لا يستغل الشيطان هذا الموضوع ليس منا وفي ~~مصر مائة ألف يوجد أحد أورع منه ويعظمه ، ويلقي اليأس في القلب ، لأن من ~~طبيعة هذا الملعون دفع الإنسان إلى الشقاء الأبدي من خلال اليأس ، بأن يقول ~~له في المقام مثلا : كيف يمكن أن يكون أورع إنسان في بلد يحتضن مائة ألف أو ~~يزيدون من الناس ؟ فإن هذا من أساليب كيد هذا اللعين ، ووساوس النفس ~~الأمارة . وجوابه هو أن من ابتعد عن المحرمات الإلهية يندرج في هذه ~~الروايات ، حسب ما يستفاد من الأحاديث المباركة ، ويعتبر من أورع الناس . # ثم إن الابتعاد عن المحرمات الإلهية ، لا يستدعي جهدا جبارا ، بل الإنسان ~~مع قليل من الترويض النفسي والعمل ، يستطيع أن يترك جميع المحرمات ، شريطة ~~إرادته على أن يكون من أهل السعادة والنجاة ، ومن أهل ms376 الولاية للأئمة ~~الأطهار وكرامة الحق المتعالي . وإذا لم يكن له صبر على المعصية ، بهذا ~~المقدار ، لما تحقق له البعد عن المعصية . أنه يجب أن يتمتع بقدر من ~~الجلادة والإصرار والترويض النفسي . ### ||| AUTO تتميم: في بيان مفاسد الخيانة وحقيقة الامانة # توجد في المقام نكتة لا بد من الإشارة إليها ، وهي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بعد أن أوصى بالورع فرع عليه قائلا (ولا تجترئ على خيانة ~~أبدا) مع أن الورع يكون عن كل المحرمات ، أو يكون أعم من الخيانة ، وعليه ~~لا بد من تفسير الخيانة بمعنى أعم من المتفاهم العرفي لها ، حتى تتطابق مع ~~الورع ، بأن نقول إن مطلق المعصية أو اقتراف مطلق ما يمنع السير إلى الله ~~خيانة ، لأن التكاليف الإلهية أمانات للحق سبحانه كما ورد في الآية الكريمة ~~«إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض ...» (3) الخ . حيث فسر بعض ~~المفسرين الأمانة PageV01P427 الاربعون حديثا :428 # بالتكاليف الإلهية ، بل إن جميع الأعضاء ، والجوارح والقوى ، أمانات للحق ~~المتعالي واستعمالها على خلاف رضا الحق سبحانه ، خيانة ، كما أن توجيه ~~القلب إلى غير الحق يعد من الخيانة . بيت شعر : # هذه الروح التي أعارها لي الصديق الحميم # سأرجعها إليه في اليوم الذي أرى وجهه . # أو أن المقصود من الخيانة نفس المعنى المتعارف ، ويكون وجه التخصيص ~~بذكرها لأجل شدة الاهتمام بالخيانة ، فكأن الورع كل الورع هو الابتعاد عن ~~خيانة الأمانة . # ومن يرجع إلى أخبار المعصومين عليهم السلام المأثورة في رد الأمانة ~~والابتعاد عن الخيانة ، لأدرك حجم اهتمام الشارع المقدس بهذا الموضوع . ~~ويضاف إلى ذلك هو أن قبحها الذاتي لا يخفى على أحد . وأنه يجب إخراج ~~الإنسان الخائن من المجتمع البشري ، وإلحاقه بأرذل الشياطين . ومن المعلوم ~~أن الإنسان الذي يشتهر بين الناس بالخيانة ، تضيق عليه الحياة وتصعب ، حتى ~~في هذا العالم أيضا . # إن البشر بصورة عامة يعيشون مع بعضهم البعض في ظل التعاون والتعاضد حياة ~~سعيدة ، ولا يمكن لأحد ، الحياة بصورة منفردة ، إلا إذا غادر المجتمع ~~البشري وإلتحق بالحيوانات الوحشية . ثم إن العجلة الكبيرة التي ms377 تدور لتحريك ~~الحياة الأجتماعية ، هي اعتماد الناس بعضهم على بعض ، فإذا زال الاعتماد ~~وتلاشت الثقة ، لما تمكن الإنسان أن يعيش هنيئا رغيدا . إن الركيزة ~~الأساسية للاعتماد المتبادل بين الناس قائمة على الأمانة وترك الخيانة ، ~~فلا يحظى الخائن ، بالاطمئنان لدى الناس ويعد مارقا على المدنية وخارجا عن ~~العضوية للمجتمع البشري وتكون عضويته مرفوضة لدى أصحاب المدينة الفاضلة . ~~ومن الواضح أن مثل هذا الإنسان يعيش حياة ضنك وفي صعوبة بالغة . # ونحن لأجل تتميم الفائدة ، نذكر في هذا الباب بعض الأحاديث المنقولة عن ~~أهل بيت العصمة عليهم السلام ، إذ تكتفي بها القلوب الواعية ، والأعين ~~الباصرة . # محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال : «لا تنظروا إلى ~~طول ركوع الرجل وسجوده فإن ذلك شيء اعتاده فلو تركه استوحش لذلك ، ولكن ~~أنظروا إلى صدق حديثه وأداء أمانته» (1) . # وبإسناده عن أبي كهمس قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : «عبد الله ~~بن أبي يعفور يقرئك السلام . قال : عليك وعليه السلام ، إذا أتيت عبد الله ~~فأقرئه السلام وقل له : إن جعفر بن محمد يقول PageV01P428 الاربعون حديثا :429 # لك ، انظر ما بلغ به علي عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فالزمه ، ~~فإن عليا عليه السلام إنما بلغ به عند رسول الله بصدق الحديث وأداء ~~الأمانة» (1) . # فيا عزيزي : تدبر في هذا الحديث الشريف ، وانظر إلى أن مقام صدق الحديث ~~وأداء الأمانة دفعا بعلي بن أبي طالب عليه السلام إلى بلوغ ذلك المقام ~~الرفيع . # ويفهم من هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يحب هاتين ~~الخصلتين أكثر من غيرهما ، لأن هاتين الصفتين من الصفات الكمالية لمولانا ~~علي بن أبي طالب عليه السلام قد بلغتا به ذلك المقام الرفيع . وإن الإمام ~~الصادق عليه السلام قد أبدى اهتماما بهاتين الصفتين أكثر من كل الأفعال ~~والأوصاف ، وذكر عليه السلام ابن أبي يعفور الذي هو من المخلصين والمقربين ~~له عليه السلام بهما خاصة . # وبإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال : قال أبو ذر رضي الله ms378 عنه سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : «حافتا الصراط يوم القيامة الرحم ~~والأمانة ، فإذا مر الوصول للرحم المؤدي للأمانة نفذ إلى الجنة ، وإذا مر ~~الخائن للأمانة القطوع للرحم لم ينفعه معهما عمل وتكفأ به الصراط في النار» (2) . # فعلم بأن صورتي الرحم والأمانة في ذلك العالم تقفان على طرفي الطريق ، ~~وتعينان من يصل رحمه ويؤدي أمانته ، ومع تركهما لا يفيدنا أي عمل آخر وإنما ~~بتركها يهوي الإنسان في النار . # وبإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه ~~السلام : «أدوا الأمانة ولو إلى قاتل ولد الأنبياء» . # وبإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام في وصيته له : «اعلم أن ضارب علي ~~عليه السلام بالسيف وقاتله لو ائتمنني واستنصحني واستشارني ثم قبلت ذلك منه ~~لأديت إليه الأمانة» (2) . # ومحمد بن علي بن الحسين بإسناده عن أبي حمزة الثمالي قال : سمعت سيد ~~العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام يقول لشيعته : ~~«عليكم بأداء الأمانة فوالذي بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بالحق نبيا ~~لو أن قاتل أبي الحسين بن علي عليهما السلام ائتمنني على السيف الذي قتله ~~به لأديته إليه» (3) . # وبإسناده عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم في PageV01P429 الاربعون حديثا :430 # حديث المناهى أنه نهى عن الخيانة وقال : «من خان أمانة في الدنيا ولم ~~يردها إلى أهلها ثم أدركه الموت مات على غير ملتي ويلقى الله وهو عليه ~~غضبان ومن اشترى خيانة وهو يعلم فهو كالذي خانها» (1) . # وتوجد بهذا المضمون أحاديث أخرى مذكورة في كتب الأخبار . ويعرف الجميع ~~مضاعفات سخط الذات المقدس الحق وغضبه على العبد . كما أنه من المعلوم أن ~~الشفعاء ، لا يشفعون لمن هو مغضوب عليه لدى الحق سبحانه . وخاصة أن الخائن ~~يكون خارجا أيضا عن أمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ففي حديث آخر ~~(ليس منا من خان مؤمنا) (1) وفي حديث ثالث عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم «من ms379 خان أمانة في الدنيا ولم يردها على أهلها مات على غير دين الإسلام ~~ولقي الله وهو عليه غضبان فيؤمر به إلى النار فيهوى به في شفير جهنم أبد ~~الآبدين» (2) أعوذ بالله من هذه الخطيئة . # ومن المعلوم أن خيانة المؤمنين تعم الخيانة المالية والخيانات الأخرى ~~التي هي أكبر من الخيانة المالية فيجب على الإنسان في هذه الدنيا أن يراقب ~~النفس الأمارة كثيرا ، إذ ربما تقوم بعملية التعتيم للحقائق على الإنسان ~~وتذليل الصعوبات وتسهيلها ، مع أنها توجب الشقاء الدائم والخذلان الأبدي . # هذه هي حال الخيانة لعباد الله ، ويتبين من هنا أيضا وضع الخائن لأمانة ~~الحق المتعالي . ### || AUTO في الاشارة الى بعض امانات الحق # ولا بد من معرفة أن الحق تبارك وتعالى ، قد وهبنا كافة القوى والأعضاء ~~الظاهرية والباطنية ، وبسط لنا بساط الرحمة والنعمة في مملكتنا الظاهرية ~~والباطنية ، ووضعها كلها تحت قدرتنا لتسخيرها ، وائتمننا عليها بلطفه ~~ورحمته ، وهي هذه العطايا طاهرة ونظيفة من كل القذارات الصورية والمعنوية ~~وكذلك ما أنزل علينا من عالم الغيب كان بعيدا عن الشوائب والعناصر الغريبة ~~، فإذا أرجعنا هذه الأمانات لدى لقائنا بالذات المقدس ، من دون أن تصير ~~ممزوجة مع عالم المادة ، وقذارات الملك والدنيا ، كنا أمناء على الأمانة ~~التي أودعت عندنا ، وإن لم نحافظ على طهارة هذه الأمانات ، غدونا من ~~الخائنين والخارجين عن الإسلام الحقيقي ، وملة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم . PageV01P430 # الاربعون حديثا :431 # وفي الحديث المشهور إن (قلب المؤمن عرش الرحمن) وفي الحديث القدسي ~~المعروف «لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن» (1) . فإن ~~قلب المؤمن عرش الحق المتعالي ، وسرير سلطنته وسكنى ذاته المقدس ، وإنه ~~سبحانه صاحب هذا البيت ، فالإلتفات إلى غير الحق خيانة للحق ، والحب لغير ~~ذاته الأقدس ولغير أوليائه الذين يعتبر حبهم حبه سبحانه ، خيانة لدى ~~العرفاء . # وإن ولاية أهل بيت العصمة والطهارة ، ومودتهم ، ومعرفة مرتبتهم المقدسة ، ~~أمانة من الحق سبحانه . كما ورد في الأحاديث الكثيرة الشريفة في تفسير ~~الأمانة في الآية « إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض» (2) بولاية ~~أمير المؤمنين ms380 عليه السلام . كما أن غصب خلافته وولايته ، خيانة لتلك ~~الأمانة وأن رفض المتابعة للإمام علي عليه السلام مرتبة من مراتب الخيانة . ~~وفي الأحاديث الشريفة . # إن الشيعي هو الذي يتبع أمير المؤمنين عليه السلام اتباعا كاملا وإلا فإن ~~مجرد دعوى التشيع من دون الاتباع لا يكون تشيعا . # إن كثيرا من الأوهام ، تعتبر من قبيل الشهوات الكاذبة يشتهي الطعام وهو ~~شبعان ، فإذا لمسنا في قلوبنا مودة علي عليه السلام وأولاده الطاهرين ~~اغتررنا بها ، وحسبنا أن هذه المودة لوحدها ستبقى وتستمر من دون حاجة إلى ~~تبعية كاملة لهم . ولكن ما هو الضمان على بقاء هذه المودة إن لم نحافظ ~~عليها وتخلينا عن آثار الصداقة والمودة التي هي المشايعة والتبعية ؟ إذ من ~~الممكن أن الإنسان ينسى علي بن أبي طالب عليه السلام من جراء الذهول ~~والوحشة الحاصلتين من الضغوط الواقعة على غير المخلصين والمؤمنين . ففي ~~حديث (إن طائفة من أهل المعصية يتعذبون في جهنم وهم ناسون اسم رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، وبعد انتهاء فترة العذاب وحصول الطهارة والنظافة ~~من قذارات المعاصي يتذكرون اسم النبي المبارك أو يلقى الإسم في قلوبهم ، ~~فيصرخون ويستغيثون قائلين وا محمداه صلى الله عليه وآله وسلم فتشملهم بعد ~~ذلك الرحمة) . # إننا نظن أن حادثة الموت وسكراته ، تضاهي حوادث هذا العالم . عزيزي إنك ~~عندما تعاني من مرض بسيط ، تنسى كل علومك وثقافاتك ، فكيف بك عندما تواجه ~~الصعاب والضغوط والمصائب والأهوال التي ترافق الموت وسكراته ؟ إذا تصادق ~~الإنسان مع الحق سبحانه ، وعمل حسب متطلبات الصداقة ، وتذكر الحبيب وتبعه ، ~~لكانت تلك الصداقة مع PageV01P431 الاربعون حديثا :432 # الولي المطلق ، والحبيب المطلق الذي هو الحق المتعالي محبوبة لديه سبحانه ~~، وملحوظة عنده تعالى . ولكنه إذا ادعى المودة ولم يعمل حسب مقتضاها بل ~~خالفه ، فمن الممكن أن الإنسان يتخلى عن تلك الصداقة مع الولي المطلق قبل ~~رحيله من هذه الدنيا نتيجة التغييرات والتبدلات والأحداث المتقلبة في هذا ~~العالم . بل والعياذ بالله قد يصير عدوا له سبحانه وتعالى . كما أننا ~~شاهدنا أشخاصا كانوا يدعون المودة ms381 والصداقة وبعد العشرة اللامسؤولة ، ~~والأعمال البشعة تحولوا إلى أعداء وخصماء لله ورسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وأهل بيته عليهم السلام . وإذا فرضنا أن هؤلاء رحلوا من هذا العالم ~~على حسب محمد وآله ، فهم حسب الروايات الشريفة والآيات المباركة من أهل ~~النجاة يوم القيامة ومصيرهم السعادة ، ولكنهم يكونون في معاناة لدى البرزخ ~~وأهوال الموت وعند الحشر . ففي الحديث (إننا شفعاؤكم يوم القيامة ولكن ~~تزودوا لبرزخكم) (1) . # أعوذ بالله من عذاب القبر وضغطه وشدة البرزخ وعذابه ، حيث لا يشابهه شيء ~~في هذا العالم . إن الكوة التي تفتح من جهنم على القبر ، لو انفتحت على هذا ~~العالم لهلكت كافة الموجودات . نعوذ بالله منه . ### || AUTO فصل: في بيان الخوف من الحق المتعالي # إعلم أن الخوف من الحق جل وعلا من المنازل التي ، قلما نستطيع أن نجد ~~للعوام من الناس منزلة ، في مستوى منزلة الخوف من الحق سبحانه . وهذا الخوف ~~مضافا إلى أنه يكون من الكمالات المعنوية ، يعتبر منشأ لكثير من الفضائل ~~النفسية ، وعاملا هاما لإصلاح النفس ، بل مصدر جميع الإصلاحات للنفس ، ~~ومبدأ لعلاج جميع الأمراض الروحية . ويجب على الإنسان المؤمن بالله ، ~~السالك والمهاجر إلى الله ، أن يهتم كثيرا بهذه المنزلة ، وأن يقبل بوجهه ~~أكثر فأكثر على ما يبعث الخشية من الله في القلب ، ويعمق جذوره فيه ، مثل ~~التفكر في العذاب والعقاب وشدة أهوال الموت وبعد الموت من عالم البرزخ ~~والقيامة ، والصراط والميزان والحساب ، وألوان عذاب جهنم ، ومثل التذكر ~~لعظمة الحق المتعالي وجلاله وقهره وسلطانه ومكره وسوء العاقبة وأمثال ذلك . # وحيث أننا عرضنا شرحا مختصرا لكل هذه المراحل في هذا الكتاب ، اقتصرنا ~~هنا على ذكر بعض الأحاديث في فضيلة الخوف من الله تعالى . # محمد بن يعقوب بإسناده عن إسحاق بن عمار قال : قال أبو عبد الله عليه ~~السلام : «يا إسحاق ، PageV01P432 الاربعون حديثا :433 # خف الله كأنك تراه ، وإن كنت لا تراه فإنه يراك ، وإن كنت ترى أنه لا ~~يراك فقد كفرت ، وإن كنت تعلم أنه يراك ثم برزت له بالمعصية فقد جعلته من ~~أهون الناظرين ms382 عليك» (1) . # واعلم أنه إذا عرف شخص كيفية تجلي الحق في الملك والملكوت ، وظهور الذات ~~المقدس في السماوات والأرضين ، بواسطة المشاهدة الحضورية ، أو المكاشفة ~~القلبية ، أو الإيمان الحقيقي وإذا أدرك كيفية ارتباط الحق بالخلق ، والخلق ~~بالحق على ما هي عليها ، وكيفية ظهور المشيئة الإلهية في الكائنات الموجودة ~~، وفناء هذه الموجودات في تلك الإرادة على ما هي عليها ، لعرف بأن الحق ~~المتعالي حاضر في كل مكان وحيز ولشاهده بالعلم الحضوري في جميع الموجودات ، ~~كما يقول الإمام الصادق المصدق عليه السلام «ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله ~~معه أو فيه» وتنكشف عليه حقيقة «كنت سمعه وبصره ويده» المتوخاة من التقريب ~~بالنوافل . فيرى الحق حاضرا في جميع مراتب الوجود ، حسب مرتبته ومقامه إما ~~علما أو إيمانا أو عينا وشهودا . ومن المعلوم ، أن السالك في أي مقام كان ، ~~يراعي حضور الحق ، ويمتنع عن مخالفة ذاته المقدس ، لأن مراعاة الحضور ~~والمحضر من الأمور الفطرية التي جبل عليها الإنسان ، فإنه مهما كان مستهترا ~~ومن دون حياء ، لفرق بين حضور الطرف الآخر وغيابه ، خاصة إذا كان حضورا ~~للمنعم العظيم الكامل ، لأن فطرة الإنسان تراعي حضور كل شيء بصورة مستقلة . # في بيان اختلاف الناس في مراعاة حضور الحق # ولا بد من معرفة أن كل واحد من أهل الإيمان والسلوك والعرفان والولاية ، ~~يراعون حضور الحق سبحانه وحضرته حسب مرتبتهم التي تخصهم ، فإن المؤمنين ~~والمتقين يراعون حضوره جل وعلا بامتثال الأوامر وترك النواهي . والمجذوبين ~~بعدم الالتفات إلى الغير ، والانقطاع التام الكامل عن غيره . والأولياء ~~الكملين بنفي الغير وارهاب الأنانية . وملخص الكلام أن من المقامات الشامخة ~~لأهل المعرفة وأصحاب القلوب ، مشاهدة حضور الحق المتعالي ومراعاة حضرته . ~~كما أنه لدى مشاهدتهم كيفية العلم الفعلي للحق سبحانه ، وفناء الأشياء فيه ~~تعالى ، وحضور الموجودات لدى ساحة قدسه ، ومعرفتهم بأن هذا العالم في محضر ~~الرب المتعالي ، يراعون محضره ، كل حسب مقامه الذي يحظى فيه . وهذا أيضا من ~~الأمور الفطرية . # وأشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المقام الأول مشاهدة حضور ~~الحق سبحانه في وصيته ms383 لأمير المؤمنين عليه السلام ، هذه الوصية التي نحن ~~بصدد شرحها . كما PageV01P433 الاربعون حديثا :434 # أشير إليه في الحديث الشريف لأسحاق بن عمار بقوله عليه السلام «والثالثة ~~: الخوف من الله عز ذكره كأنك تراه» . # وأشار الإمام الصادق عليه السلام إلى المقام الثاني مشاهدة كيفية العلم ~~الفعلي سبحانه وتعالى بقوله «وإن كنت لا تراه فإنه يراك» . وإلى فطرية ~~رعاية محضره سبحانه ، بقوله «وإن كنت تعلم أنه يراك» . # إن للخوف مراتب حسب اختلاف مراتب أهل الإيمان والسلوك وذوي الترويض للنفس ~~وأرباب العرفان ، ويعتبر من المراتب العظيمة للخوف ، الخشية من عظمة الحق ~~وتجلياته القهرية والجلالية . ومن الممكن أن لا نجعل هذا المقام من مراتب ~~الخوف ، كما يقول العارف المعروف في كتاب (منازل السائرين) «وليس في مقام ~~أهل الخصوص وحشة الخوف إلا هيبة الإجلال» . ### ||| AUTO في فضل البكاء # إن للبكاء من خشية الله سبحانه فضلا كبيرا ، كما ورد في هذا الحديث (يبنى ~~لك بكل دمعة ألف بيت في الجنة) . # روى الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين رضوان الله عليه بسنده المتصل ~~إلى الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~في حديث المناهي قال ومن ذرفت عيناه من خشية الله ، كان له بكل قطرة من ~~دموعه قصر في الجنة مكلل بالدر والجوهر ، فيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ~~ولا خطر على قلب بشر (1) . # وعن «ثواب الأعمال» بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : «ليس شيء إلا وله شيء يعدله إلا الله فإنه لا ~~يعدله شيء ، ولا إله إلا الله لا يعدله شيء ، ودمعة من خوف الله فإنه ليس ~~لها مثقال ، فإن سالت على وجهه لم يرهقه قتر ولا ذلة بعدها أبدا» (2) . # وفي عيون الأخبار عن الحسن بن علي العسكري عن آبائه عليهم السلام قال : ~~قال الصادق عليه السلام أن الرجل ليكون بينه وبين الجنة أكثر مما بين الثرى ~~والعرض لكثرة ذنوبه فما هو إلا أن يبكي من خشية الله ms384 عز وجل ندما عليها حتى ~~يصير بينه وبينها أقرب من جفنه إلى مقلته» (3) . # وفي الكافي وعن أبي عبد الله عليه السلام قال : (ما من شيء إلا وله كيل ~~ووزن إلا الدموع PageV01P434 الاربعون حديثا :435 # فإن القطرة تطفي بحارا من نار ولو أن باكيا بكى في أمة لرحموا) (1) . # وهناك أحاديث كثيرة بهذا المضمون مأثورة عن المعصومين عليهم السلام . # في بيان وتوجيه المكافأة العظيمة على الاعمال البسيطة # يجب أن نشير إلى أن بعض أصحاب النفوس الضعيفة ، غير المطمئنة تعترض على ~~ما ورد في الأحاديث الشريفة من المكافأة العظيمة يوم القيامة ، على أمور ~~جزئية بسيطة . في حين أننا غافلون عن أن شيئا إذا كان عندنا تافها وبسيطا ~~لما كان دليلا على أن صورته الغيبية الملكوتية أيضا بسيطة وتافهة ؛ إذ من ~~الممكن أن يكون كائنا صغيرا ولكن باطنه وملكوته في منتهى الجلال والعظمة . ~~فإن الهيكل المقدس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والشكل الخارجي لجسم ~~الرسول الأكرم المعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، من الكائنات الصغيرة في ~~هذا العالم ، ولكن روحه المقدسة كانت تحيط بالملك والملكوت ، وكان صلى الله ~~عليه وآله واسطة لإيجاد السماوات والأرضين ، فالحكم على صغر الصورة ~~الباطنية الملكوتية لشيء ، يتفرغ على العلم بعالم الملكوت ، وبواطن الأشياء ~~، ولا يحق لأمثالنا إصدار مثل هذا الحكم . ولا بد لنا من الانتباه لكلمات ~~علماء عالم الآخرة أي الأنبياء والأولياء عليهم السلام والإذعان لما يقولون . # ثم إن ذلك العالم قائم على التفضل وبسط رحمة الحق اللامتناهية ، ومن ~~المعلوم أنه لا حدود لتفضل الحق المتعالي ، وأنه لمن منتهى الجهل إستبعاد ~~تفضل ذي الجود المطلق ، وذي الرحمة اللامحدودة . # إن النعم التي منحها سبحانه لعباده والتي تحير وتعجز العقول عن إحصاء ~~مفرداتها بل هي عاجزة عن إحصاء كلياتها ، هذه النعم كانت من دون طلب ~~واستحقاق ، فما هو المانع ، أن يتلطف الحق سبحانه على عباده ، انطلاقا من ~~تفضله البحت ومن دون أي سبب ، أضعافا مضاعفة من الأجر والمثوبة ؟ وهل ~~نستطيع أن نستبعد المكافأة العالية والكثيرة في عالم قد قيل ms385 فيه «فيها ما ~~تشتهي الأنفس وتلذ الأعين» (2) موضوع تحت تصرف إرادة الإنسان رغم عدم وجود ~~حد محدود لمشتهيات الإنسان ؟ إن الله سبحانه قد خلق عالم الآخرة وخلق إرادة ~~الإنسان بصورة لو أراد الإنسان شيئا لتحقق ذلك الشيء بنفس إرادته . فلا ~~استبعاد لمكافأة كثيرة وكبيرة في ذلك العالم على أعمال بسيطة وجزئية . PageV01P435 # الاربعون حديثا :436 # عزيزي إن الأخبار والأحاديث الشريفة التي تتحدث عن مثل هذه المثوبات ~~الكثيرة لا تتحدد بالواحد والاثنين والعشرة حتى نستطيع أن نناقش فيها ، ~~وإنما هي فوق حد التواتر فإن جميع الكتب المعتبرة المعتمدة مشحونة بأمثال ~~هذه الأحاديث . ثم إنه تضاهي دلالة هذه الأخبار الكثيرة في هذا المضمار ، ~~ما إذا كنا قد سمعنا الحديث بآذاننا من المعصومين عليهم السلام ، ومن دون ~~حاجة إلى التأويل والتفسير . إذن إنكار موضوع المكافأة الكثيرة على العمل ~~البسيط الموافقة للنصوص المتواترة ، والتي لا تصطدم أيضا مع البراهين بل ~~تتطابق مع سلسلة من الأدلة ، إنكار ذلك يكون من جراء ضعف في الإيمان ومنتهى ~~الجهالة . # يجب على الإنسان أن يكون مستسلما لأقوال الأنبياء والأولياء عليهم السلام ~~ولا يوجد شيء في سبيل تكامل الإنسان ، أفضل من التسليم والطاعة أمام أولياء ~~الحق . وخاصة في الأمور التي لا مجال للعقل في التطرق إليها ولا يوجد سبيل ~~لإدراكها واستيعابها إلا بواسطة الوحي والرسالة . ولو أراد الإنسان أن ~~يتطرق بعقله الصغير وأوهامه وظنونه ، إلى الأمور الغيبية الأخروية ، ~~والتعبدية الشرعية ، لانتهى أمره إلى إنكار الضروريات والمسلمات ، لأنه ~~ينجر من القليل إلى الكثير رويدا رويدا ، ومن البسيط إلى الأعلى حتى يفضي ~~به الأمر إلى جحود الأوليات البديهية من الدين . # لو فرضنا أن الإنسان ناقش في الأخبار وسندها رغم أنه لا مجال لمثل هذه ~~المناقشة لما استطاع أن يناقش في الكتاب الكريم والقرآن السماوي المجيد ~~حيث نجد فيه أيضا ذكرا لأمثال هذه المثوبات ، مثل قوله تعالى : «ليلة القدر ~~خير من ألف شهر» (1) وقوله تعالى : «مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف ms386 لمن يشاء» (2) . # بل وحسب زعم الكاتب أن من عوامل هذا الرفض والاستبعاد للمكافأة الكبيرة ~~على العمل الصغير ، العجب واستعظام العمل : مثلا إذا صام شخص يوما واحدا ، ~~أو أحيا ليلة واحدة بالعبادة ، فلا يستكثر الثواب الكثير إذا سمع بأن جزاءه ~~ثواب عظيم ، ولكنه إذا عرف بأن هذا الثواب ثمن عمله إستبعد عظمة الأجر ~~والثواب ، وبعد أن يستعظم عمله ويعجب به ، يتلاشى الاستبعاد ويصدق الثواب ~~العظيم ويؤمن به . # عزيزي إذا فرضنا بأننا إذا كنا طيلة حياتنا التي نعيشها خمسين أو ستين ~~عاما ، من الملتزمين لكل الوظائف الشرعية ، ثم ارتحلنا من هذه الدنيا مع ~~إيمان صحيح وعمل صالح PageV01P436 الاربعون حديثا :437 # وتوبة مقبولة فماذا نستحق من الجزاء لهذا القدر من الإيمان والعمل ؟ مع ~~أن هذا الإنسان حسب القرآن الكريم والسنة النبوية واتفاق جميع الأمم ، ~~تشمله رحمة الحق سبحانه ، ويدخل الجنة الموعودة ، هذه الجنة التي يخلد ~~الإنسان في نعمها ورفاهها ، ويعيش إلى الأبد في الرحمة والروح والريحان ، ~~ولا مجال لإنكار ذلك أبدا ، مع أنه إذا أردنا أن نقارن الجزاء بالعمل على ~~فرض أن يكون لعملنا مكافأة لما استحق هذا القدر من الجزاء الذي يعجز العقل ~~عن تصور كميته وكيفيته . # فيظهر أن القضية لا ترتبط بمقارنة المكافأة مع العمل ، بل تكون منوطة ~~بشيء آخر الرحمة الواسعة الإلهية وعليه لا يبقى مجال لاستبعاد هذه ~~المكافأة العظيمة على عمل صغير ، ورفضها . ### || AUTO فصل: في بيان عدد النوافل # إن مقصود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قوله (أما الصلاة ~~فالخمسون ركعة) الموافق لسنته (الآخذ بسنتي في صلاتي) ، هو الصلوات من ~~فرائضها ونوافلها عدا ركعتين بعد صلاة العشاء تؤديان من جلوس وتعدان ركعة ~~واحدة ، حيث يكون مجموع عدد الركعات مع هاتين الركعتين من جلوس إحدى وخمسين ~~ركعة . ولعل تجاهل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لذكر هذه الركعة لأجل ~~أن خمسين ركعة هذه ، مستحب مؤكد . كما تدل على ذلك رواية ابن أبي عمير قال ~~: «سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أفضل ما جرت به السنة ms387 من الصلاة ، قال ~~: تمام الخمسين» (1) . # ويستفاد من بعض الروايات أنه قد جرت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم على أداء الخمسين ركعة هذه . مع أن هناك روايات أخرى تدل على أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قد كان يأتي بالعتمة الركعتان من جلوس بعد ~~صلاة العشاء . ولعل عدم ذكرها ضمن النوافل ، وجعل السنة خمسين ركعة ، لأجل ~~أن العتمة بديل عن صلاة الوتر من دون أن تكون لها استقلالية ، كما تدل على ~~ذلك رواية فضيل بن يسار ، وتسمى في الرواية الشريفة بالوتر . وفي بعض ~~الروايات أن من صلى العتمة ومات كان من الذين ماتوا وقد أقاموا صلوة الوتر ~~. ففي الحقيقة أن صلاة العتمة هي صلاة الوتر التي لا بد أن نؤديها قبل ~~وقتها خشية موتنا تلك الليلة ، فعندما يحل وقتها لا تكون تلك العتمة مجزية ~~عنها . وفي بعض الروايات أن العتمة لم تكن من عدد النوافل للصلوات اليومية ~~، ولكنها أضيفت حتى تكون النوافل ضعف الفرائض . PageV01P437 # الاربعون حديثا :438 # وملخص الحديث أنه لا تهافت بين هذه الروايات ، فإنه من الممكن أن تكون ~~خمسون ركعةمن أفضل السنن ، وهاتان الركعتان من جلوس العتمة مستحبتان غير ~~مؤكدتين ، وإنما شرعتا لتتميم عدد الضعف ، وللإحتياط في الإتيان بالعتمة ~~قبل مفاجأته الموت بالليل قبل أن يأتي بصلاة الوتر . # وعلى أي حال هناك فضل كبير للنوافل اليومية ، بل اعتبر في بعض الروايات ~~أن من المعاصي ترك النافلة وفي بعض آخر أن الله سبحانه سيعذب الإنسان على ~~ترك السنة . وفي بعضها تصريح بوجوب النوافل . ويكون هذا التعبير لأجل ~~التأكيد على الإتيان بها والردع عن تركها . وينبغي على الإنسان مهما أمكن ~~أن لا يتركها ، لأن الهدف المنشود من ورائها حسب الروايات المذكورة اتمام ~~الفرائض وقبولها . ففي بعض الأحاديث قال الصادق عليه السلام (شيعتنا أصحاب ~~الإحدى وخمسين ركعة) (1) ويظهر من هذا الحديث أن الشيعة هم الذين يأتون ~~بالإحدى وخمسين ركعة ، ولم يقتصروا على الاعتقاد بها فحسب من دون أن ~~ينجزوها . ويقابلهم أهل السنة . ويظهر ذلك من حديث علامات ms388 المؤمن عن أبي ~~محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام قال علامات المؤمن خمس ، وعد منها ~~صلاة الإحدى وخمسين (2) . # في بيان استحباب صوم ثلاثة ايام من كل شهر # وأما السنة الثانية للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم فهي الصيام ~~ثلاثة أيام في الشهر . وقد ورد في فضل ذلك ما يتجاوز أربعين رواية . وحصل ~~خلاف لدى العلماء الاعلام حول كيفية ذلك . والذي يشتهر بينهم ويتطابق مع ~~الأحاديث الكثيرة ، وعمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في نهاية عمره ~~الشريف ، وعمل أئمة الهدى ، هو صوم ثلاثة أيام في الشهر الواحد هي : أول ~~خميس من الشهر ، وهو يوم عرض الأعمال . والأربعاء الأول من العشرة الثانية ~~وهو يوم نحس مستمر ، ويوم نزول العذاب . والخميس الأخير من الشهر الذي هو ~~يوم عرض الأعمال أيضا . وفي الرواية عن أبي عبد الله عليه السلام ... لأن ~~من قبلنا من الأمم كانوا إذا نزل على أحدهم العذاب ، نزل في هذه الأيام ~~فصام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الأيام لأنها الأيام المخوفة) ~~(3) . وفي صدر هذا الحديث (وقال ليعدلن صيام ثلاثة أيام في الشهر صوم ~~الدهر) . وعلل في بعض الروايات بالآية الكريمة « من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها» #