######OpenITI# #META# URI: 1412YusufIdris.AkhirDunya.Hindawi93859604 #META# Tags: literature #META# ID: 93859604 #META# Title: آخر الدنيا #META# AuthorID: 95064085 #META# Author: يوسف إدريس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # لعبة البيت‏ # الشيخ شيخة‏ ~~«أ» الأحرار‏ # أحمد المجلس البلدي‏ # شيء يجنن!‏ # آخر الدنيا‏ # الستارة‏ # الغريب‏ # لعبة البيت‏ # الشيخ شيخة‏ ~~«أ» الأحرار‏ # أحمد المجلس البلدي‏ # شيء يجنن!‏ # آخر الدنيا‏ # الستارة‏ # الغريب‏ # | آخر الدنيا # | آخر الدنيا # تأليف # يوسف إدريس # | لعبة البيت # شب سامح على أطراف أصابعه ونط ودق الجرس، وسمع صوتا طويلا ~~ممدودا يقول: مين؟ فاحتار وخاف وسكت. # وفتح الباب، ووقفت على عتبته سيدة ضخمة مهيبة، ترتدي قميص نوم خفيفا ~~جدا، لونه أصفر باهت كقشر الليمون. ووجم سامح وكاد يجري، ولكنه ~~تماسك، وعرف أن التي فتحت هي أم فاتن، رغم وجهها الخالي من ~~المساحيق. # وقبل أن يحدث أي شيء، ابتسمت له السيدة ابتسامة كبيرة وانحنت ~~ناحيته، وقالت: يوه ... هو انت يا حبيبي؟! ... أنا رخرة قلت مين اللي ~~بيضرب الجرس ده ومالوش خيال ... عايز إيه يا حبيبي؟ عايز الهون؟ ... ماما ~~بتعمل كفتة؟ # ولم يجب سامح في الحال ... مد بصره من خلال وقفة الأم العريضة ~~وقميصها الشفاف، وما بقي من الباب في فراغ، محاولا أن يرى فاتن ... ~~ولكنه لم يجد لها أثرا؛ لا في الصالة، ولا في الحجرة القريبة المواربة ~~للباب، ولا بجوار الراديو تعبث بمفاتيحه. # وقال بجرأة منقطعة: عايز ... عايز فاتن تلعب معايا. # وضحكت الأم، وانحنت وقبلته وقالت: كده؟ طيب حاضر يا حبيبي. # وانبسط سامح، وانبسط أكثر حين التفتت إلى الخلف، ونادت: فاتن. سيبي ~~الغسيل أحسن تبلي هدومك ... وتعالي ... تعالي علشان تلعبي مع ابن أم ~~سامح. # ثم التفتت إلى سامح قائلة: بس اوع تزعلها يا حبيبي ... لحسن مخليهاش ~~تلعب معاك بعد كده أبدا. # وقال سامح بحماس وعيون صغيرة ذكية تبرق: إن زعلتها يا تانت، ما ~~تخليهاش تلعب معايا تاني. # فقالت أم فاتن وهي تتركه وتستدير: وما تنساش تسلم لي على مامتك، ~~وتقول لها ما بتزرناش ليه؟ # ثم دخلت السيدة إلى الحمام، وهي تهتز وتتدحرج. # ووقف سامح يترقب ظهور فاتن ويتأمل الصالة، كان فيها ترابيزة سفرة مثل ~~صالتهم، غير أن كراسيها قديمة موضوعة فوق الترابيزة. وكان هناك كرسي ~~غريب الشكل مسنده عال جدا، يحتاج ms001 إلى سلم للصعود عليه، والكرسي ترقد ~~فوقه قطة ذات ألوان جميلة، ملفوفة على نفسها ونعسانة. وظهرت فاتن فجأة، ~~وكأنما خرجت من تحت الأرض، ترتدي فستانها الأبيض القصير الذي يرتفع ~~ذيله عن الركبة، وتوجهت إلى التسريحة الموضوعة في الصالة، وانحشرت ~~بينها وبين الحائط، ثم أخرجت سبتا صغيرا مثل الأسبتة التي يباع ~~فيها حب العزيز، غير أنه مصنوع من البوص، وعلقت السبت في يدها، ~~واتجهت إلى الباب حيث يقف سامح، وابتسم لها سامح وسار في اتجاه السلم، ~~وتبعته فاتن. # وفي منتصف السلم قال لها فجأة: إن كنت جدعة امسكيني قبل ما اوصل ~~باب شقتنا. # وجرى أمامها فوق الدرجات، ولكنه حين لم يسمعها تجري خلفه توقف، ~~وقال: إخيه عليكي ... مش قادرة تجري ورايا يا خايبة؟ # فقالت وفي ملامحها ثبات وتأفف ورزانة: أنا محبش الجري ده. # وتضايق سامح قليلا من تأففها، ووقف ينتظرها وهو معلق بدرابزين ~~السلم، ونصفه خارج عنه. # ودخلا الشقة من بابها المفتوح، وتأكد سامح أن أمه مشغولة في ~~المطبخ؛ إذ كانت لا ترحب أبدا بإحضاره فاتن ليلعب معها ... وعبر سامح ~~الصالة وفاتن وراءه، وعيناها لا تغادران السبت المعلق في ~~يدها. # وأصبحا في الحجرة الداخلية ذات السرير الحديدي القديم والدولاب ~~والكنبة. # وقال سامح وهو يهلل ويشير إلى ما تحت السرير: أهو ده بيتنا ... أهو ~~ده بيتنا ... يلا بقى نعمل بيت. # ورفع داير السرير الأبيض الذي يحيط به من كل الجهات، ودخل تحت ~~السرير، ودخلت فاتن وراءه ... وبينما بقيت هي على رزانتها، بدأ سامح ~~يصنع زيطة كبيرة، ويصرخ ويدور ويهلل، ثم أخذها إلى ركن السرير ~~الداخلي؛ حيث صندوق الشاي القديم الذي يحتوي على كل ممتلكاته وألعابه ~~الخاصة ... مجموعة كبيرة من علب السجائر الفارغة، وأغطية الكازوزة، ~~وأرجل كراسي مصنوعة بالمخرطة، وعلب تونة وسالمون بمفاتيحها، وقطع صغيرة ~~كثيرة من أقمشة جديدة متعددة الألوان سرقها من درج ماكينة الخياطة. ~~وجر الصندوق وأخذ يستخرج محتوياته ويفرج فاتن عليها ... وبدأت الرزانة ~~تغادر فاتن، فجلست على الأرض وتربعت، وأخذت تخرج من «سبتها» لعبها ~~هي الأخرى وممتلكاتها وتفرجه عليها. # وفي ms002 هذه المرة أيضا أعجب سامح بالحلة الألومنيوم الصغيرة، والوابور ~~البريموس الصغير، وترابيزة المطبخ التي في حجم علبة الكبريت. واستكثر ~~على فاتن أن تكون هي مالكة هذه اللعب الجميلة كلها ... ثم انتابته ~~الخفة والحماسة، فقام وأخذ ثلاثة ألواح خشبية كانت ساقطة من ~~«الملة» القديمة، ومضى يضعها على حدها، ويقسم بها ما تحت ~~السرير إلى أقسام، وهو يقول: دي أوضة السفرة ... ودي أوضة النوم ... وده ~~المطبخ. وبدأت فاتن تنقل أشياءها إلى المطبخ، ووضعت الترابيزة في ركن ~~ووضعت فوقها الوابور، ثم وضعت الحلة فوقه، وقالت: احنا اتأخرنا قوي ... ~~نطبخ إيه النهارده؟! # فقال سامح في حماس: نطبخ رز ... يلا نطبخ رز! # وما لبث أن غادر تحت السرير في الحال وجرى إلى المطبخ، حيث ادعى ~~لأمه أنه يبحث عن كرته المفقودة في الدولاب، وعاد وقبضته الصغيرة ~~مضمومة وموضوعة في جيب بنطلونه، وحين أصبح تحت السرير فتحها، ووضع ~~محتوياتها من حبات الأرز القليلة في الحلة. # وقالت فاتن وهي تتنهد: إنت تروح الشغل وأنا أطبخ. # فقال سامح: أروح الشغل إزاي؟ # فقالت: مش انت تروح الشغل ... وأنا أطبخ؟ # فقال: إييه؟ ... إنتي عايزة تلعبي لوحدك؟ ... يا نطبخ سوا سوا يا ~~بلاش. # فقالت فاتن: لا يا سيدي ... هي الرجالة تطبخ؟ ... إنت تروح الشغل وأنا ~~أطبخ ... يا كده يا بلاش. # فقال سامح: دي بواخة منك دي ... عايزة تطبخي لوحدك، وتقوليلي روح ~~الشغل؟ والله مانا رايح. # واحتقن وجه فاتن غضبا وقالت: طب هه. # وأنزلت الحلة من فوق الوابور، ووضعتها في السبت. # فقال سامح بغضب: هاتي الرز بتاعي ... هو بتاعك؟ # فأخرجت فاتن الحلة ... وقلبتها على الأرض ... وقالت: رزك أهه. جك ~~قرف. # ونشبت خناقة حادة ... وكل يحاول أن يجمع حوائجه، هذه لي وليست لك ... ~~وشتمته ولعنت أباه، وغضب سامح ودفعها، فسقطت منها العروسة ... وأخيرا ~~جمعت فاتن أشياءها، ووضعتها كلها في السبت الصغير، وعلقت السبت في ~~يدها، ورفعت داير السرير واختفت. # واغتاظ سامح كثيرا وهو يراقبها، وتمنى لو يلحقها قبل أن تغادر شقتهم ~~ويضربها ... بنت مثلها صغيرة ومفعوصة تريد أن تمشي عليه كلمتها. دائما ~~تغيظه ms003 هكذا كلما لعب معها، وكل مرة يلعب معها فيها يصمم ألا يعود ~~للعب معها ... في المرة القادمة سيضربها بالقلم لو فتحت فمها ... ولكن ~~لا ... لن تكون هناك مرة قادمة ... لن يلعب معها أبدا حتى لو أحضرتها أمها ~~ورجته أن يلعب معها ... بنت مفعوصة ذات سن أمامية مكسورة تغضب لأتفه ~~سبب، وما أسرع ما تعلق سبتها في يدها وتتركه! ... هي حرة، وحتى هو ~~ليس في حاجة إليها ليلعب ... يستطيع أن يلعب وحده ولا الحوجة ~~إليها. # وهكذا بدأ سامح يحاول أن يلعب لعبة البيت وحده، فراح يقيم الحواجز ~~الخشبية التي هدمتها الخناقة، ويكلم نفسه بصوت عال، وكأنه يريد أن ~~يقسم نفسه إلى قسمين أو شخصين يلعبان معا، أحدهما يتكلم والآخر يسمع. ~~ومضى يقول: ودي أوضة السفرة، وده المطبخ ... نطبخ إيه النهارده؟ # وأجاب على نفسه: رز. # ولكنه غير رأيه بسرعة وقال: لأ ... فاصوليا. # وفكر أن يذهب ويسرق فاصوليا من المطبخ، ولكنه لم يجد لديه حماسا ~~كافيا لتنفيذ الفكرة ... كان قد بدأ يدرك أنه يضحك على نفسه حين يقسم ~~نفسه قسمين يلعبان مع بعضهما ... وبدأ يتبين أنه يلعب وحده فعلا، وبدا ~~حينئذ كل شيء ماسخا وقبيحا إلى درجة أنه لم يعد يصدق أن ما تحت ~~السرير بيت كما كان منذ دقائق مضت ... بدأ يرى الألواح الخشبية مجرد ~~ألواح، والدواية التي كان ينوي استعمالها حلة مجرد علبة ورنيش فارغة. ~~لم يعد ما تحت السرير بيتا، ولا عادت الألواح الخشبية حجر نوم ~~وجلوس وسفرة. # واغتاظ سامح ... فمن دقائق قليلة، وحين كانت فاتن تلعب معه، كان يعتقد ~~فعلا أن المطبخ مطبخ، والصالة صالة، وحجرة السفرة حجرة سفرة. لماذا ~~حين ذهبت وأصبح وحده بدأ يرى كل شيء سخيفا مختلفا، وكأن لعبة البيت ~~لا تنفع إلا إذا لعبها مع الست فاتن؟! # وفي غمرة غيظه غادر ما تحت السرير، بل غادر الحجرة كلها، ومضى يلف في ~~الصالة يبحث لنفسه عن لعبة أخرى يتسلى بها ... وفي درج مكتب أبيه ~~الأخير عثر على حنفية قديمة، استغرب كيف كانت موجودة طوال هذه المدة ms004 ~~في ذلك المكان، ولم يعثر عليها سوى اليوم. أخرج الحنفية ومضى يفتحها ~~ويغلقها وينفخ فيها، ومضت في ذهنه فكرة: لماذا لا يستعملانها هو وفاتن ~~في لعبتهما، فيركبها في رجل السرير، ويصنع لها حجرة صغيرة، وتكون هي ~~الحمام؟ ألا يصبح حينئذ كالبيوت الحقيقية؟ ولكن ... لا ... إنه لن يلعب ~~أبدا معها، حتى ولو جاءت من تلقاء نفسها، وحاولت تلعب معه ... سوف يقول ~~لها بكل احتقار: جاية هنا ليه يا باردة؟ روحي يلا على بيتكم. # وطبعا هي لا بد قادمة عما قليل، فهي الأخرى لن تجد أحدا تلعب ~~معه. # وانتظر سامح أن تأتي، ولكنها لم تأت، وتذكر حينئذ كيف كانت غلبانة، ~~وهي تنحني وترفع داير السرير والسبت معلق في يدها ... كانت غلبانة ~~صحيح. لماذا لا يذهب ويصالحها؟ وذهب إلى الباب وفتحه، وتلفت هنا ~~وهناك، ولكن الطرقة كانت خالية وليس فيها أحد. # وعاد مغموما إلى الحجرة الداخلية، واتجه إلى السرير ونظر من الفرجة ~~الكائنة بين الداير الأبيض والمرتبة ... بدا ما تحت السرير واسعا جدا ~~وخرابا، والألواح الخشبية ولعبه وأشياؤه المبعثرة شكلها كئيب، وليس ~~هناك أبدا أي أثر لذلك العالم الصغير الذي كان أحب إليه من كل ~~عوالم الكبار وسيماته ومباهجه. # وترك الحجرة متضايقا وظل يدور في الصالة. وفجأة أحس أنه ضاق ببيتهم ~~كله، وأنه يريد الخروج منه والذهاب إلى أي مكان ... وهكذا وجد نفسه ~~واقفا في الطرقة خارج باب الشقة وحده. أمه تناديه وهو يكذب ويقول إنه ~~ذاهب ليلعب مع الأولاد في الحارة. # وفي الطرقة بدأ يفكر ... لا بد أن فاتن ذهبت إلى أمها باكية، ولا بد أن ~~أمها أخذتها وأغلقت عليها الباب، ولن تسمح لها أبدا باللعب معه مرة ~~أخرى. إن أخوف ما يخافه لا بد قد حدث. يا له من غبي سخيف! لماذا ~~أغضبها؟ لماذا لم يقل لها: أنا رايح الشغل أهه، ويصل إلى باب الحجرة ~~مثلا ثم يعود ويقول لها: أنا رجعت م الشغل أهه. لماذا عاندها؟ وماذا ~~يصنع الآن؟ # وهبط درجات السلم تائها، محتارا، مترددا بين أن يهبط، ويحاول أن ms005 ~~يجد طفلا من أولاد الحارة يلعب معه أسخف لعب؛ فهو لا يريد إلا أن يلعب ~~مع فاتن لعبة البيت بالذات، وفاتن ذهبت إلى أمها ولن تعود أبدا، أو أن ~~يصعد ويدعي لأمه أنه سخن ومريض. وحتى لم يجد في نفسه أي رغبة أو حماس ~~لكي يهبط أو يصعد أو يتحرك من مكانه أو أي شيء. كل ما أصبح يتمناه من ~~قلبه وهو يهبط درجة ويتوقف درجات؛ أن تزل قدمه رغما عنه فيسقط ويتدحرج ~~على السلم، ويظل رأسه يتخبط بين الدرجات، وكل خبطة تجرحه وتسيل ~~دماءه. # وحين وصل في هبوطه إلى باب شقة أم فاتن، كان الباب مغلقا ومسدودا، ~~وكأن أصحابه سافروا أو عزلوا ... ألقى نظرة واحدة على الباب، ولكنها ~~جعلته يحس بالرغبة في البكاء، ويسرع بالهبوط. # وقبل أن ينتهي السلم عند آخر بسطة، توقف حزينا حائرا، وكأن شيئا ~~ثمينا جدا قد ضاع منه، وأخرج رأسه من درابزين السلم، وتركه يتدلى في ~~يأس من حديد الدرابزين ... ومضى يجلس على الأرض، ويفرد ساقيه بلا أي ~~اهتمام بملابسه أو بما يلحقها، ثم يقف فجأة وقد قرر أن يكمل الهبوط، ~~ولكنه يجد نفسه قد عاد للجلوس وإدلاء رأسه من حديد الدرابزين. وكلما ~~تذكر أنه لولا عناده لكانت فاتن لا تزال تلعب معه، وكلما تصور أنه قد ~~حرم اللعب معها إلى الأبد، تمنى لو مرض فعلا أو مات، أو أصبح يتيما ~~من غير أب أو أم. # ولم يصدق عينيه أول الأمر، ولكنه كان حقيقة هناك. على آخر درجة في ~~السلم سبت فاتن الصغير نائما على جنبه، والحلة الألومنيوم ساقطة منه. ~~وهبط السلالم الباقية قفزا، وتدحرج وعاد يقفز، وعلى آخر درجة وجد فاتن ~~هناك ... هي بعينها جالسة ورأسها بين يديها، وكانت تبكي ودموعها تسيل، ~~وسبتها الصغير راقد بجوارها، والحلة قد تبعثرت منه. # وأحاطها سامح بذراعيه واحتضنها، وراح يطبطب عليها بيديه الصغيرتين، ~~ويقبلها في وجهها وشعرها، ويقول لها، وكأنه يخاطب طفلة أصغر منه ~~بكثير ويصالحها، وهو فرحان؛ لأنها لم تذهب لأمها ولا اشتكت: معلش، ~~معلش، معلش. # وجذبها ms006 برفق لينهضها، ونهضت معه بغير حماس، ودموعها لا تزال تتساقط ... ~~دموع حقيقية. وأعاد الحلة إلى السبت وعلقه في يدها، ومضى يصعد بها ~~السلم وذراعه حولها، وهي مستكينة إليه لا تزال تدمع وجسدها ينتفض، ~~ولكنها لا تقاومه ولا تتوقف عن الصعود. # | الشيخ شيخة # بلاد الله واسعة وكثيرة، وكل بلدة فيها ما يكفيها ... كبار وصغار، ~~وصبيان وإناث، أناس وعائلات، ومسلمون وأقباط، وملك واسع تنظمه قوانين ~~وتقض مضاجعه قوانين. وأحيانا يخرج للقاعدة شاذ، كالحال في بلدنا ~~الذي ينفرد دون بلاد الله بهذا الكائن الحي الذي يحيا فيه، والذي لا ~~يمكن وضعه مع أناس بلدنا وخلقها، ولا يمكن وضعه كذلك مع حيواناتها. ~~وأيضا ليس هو الحلقة المفقودة بينهما ... كائن قائم بذاته لا اسم له، ~~أحيانا ينادونه بالشيخ محمد وأحيانا بالشيخة فاطمة، ولكنها أحيان ~~وللسهولة ليس إلا. فالحقيقة أنه ظل بلا اسم ولا أب ولا أم، ولا أحد ~~يعرف من أين جاء ولا من الورثة ذلك الجسد المتين البنيان ... أما أن له ~~ملامح بشرية فقد كانت له ملامح، كانت له عينان وأذنان وأنف ويمشي على ~~ساقين ... ولكن المشكلة أن ملامحه تلك كانت تتخذ أوضاعا غير بشرية ~~بالمرة، فرقبته مثلا تميل على أحد كتفيه في وضع أفقي كالنبات حين ~~تدوسه القدم في صغره، فينمو زاحفا على الأرض يحاذيها، وعيناه دائما ~~عين منهما نصف مغلقة، وعين مطبقة. ولم يحدث مرة أن ضيق هذه أو وسع ~~تلك ... وذراعاه تسقطان من كتفيه بطريقة تحس معها أنهما لا علاقة لهما ~~ببقية جسده، كأنهما ذراعا جلباب مغسول ومعلق ليجف. # وبشعر رأسه القصير الكثيف الخشن كالفرشاة تبدأ مشكلة تسترعي الانتباه ~~... فليس فيه علامات أنوثة، وهو أيضا يخلو من علامات الرجولة. وجسده ضخم ~~ربع في سمك الحائط ومتانته، ولكن وجهه لا يحمل أثرا للحية أو شارب. ~~وكان من الممكن أن يفصل صوته في نوعه ويضمه إلى دنيا النساء أو الرجال، ~~لولا أنه كان لا يتكلم ولا يتحرك إلا إذا أوذي أو تألم. وحينئذ يخرج ~~منه فحيح رفيع لا تستطيع أن تعرف إن كان ms007 فحيح أنثى أم ذكر، أو حتى فحيح ~~آدمي أصلا. # وكان نادر المشي، وإذا مشى سار في خطوات ضيقة جدا، وكأنه مقيد. ~~وهوايته الكبرى أن يقف ... يظل واقفا بجوارك أو أمام دكانك أو في حوش ~~بيتك كالمذنب بلا ذنب، ساعات وساعات دون أن يخطر بباله أن يتحرك. ولا ~~أحد يعرف كيف يأكل أو من أين، فالطعام إذا قدم إليه رفضه ... والبعض ~~يؤكد أنه يقتات بالحشائش من الغيطان، وأن طعامه المفضل هو البرسيم، ~~وأنه إذا شرب يشرب كالمواشي من الترعة. ولكنها أقوال، مجرد أقوال، ولم ~~تبلغ الجرأة بأحد أن يزعم أنها رؤية عين. # وكائن كهذا لو وجد في أي مكان آخر؛ لرأى الناس فيه ظاهرة جديرة ~~بالدراسة والأبحاث، أو على الأقل ينشر صورته في الجرائد والقيام معه ~~بتحقيقات ... ولكن أهل بلدنا لم يكونوا يرون فيه كائنا شاذا أبدا، كل ~~ما في الأمر أنه كائن مختلف. وما دام يحيا بينهم لا يؤذي أحدا ولا ~~يجلب شرا لأحد، فلا اعتراض لأحد على حياته، وحرام أن يعترضه أحد، أو ~~يحملق فيه إنسان، أو يسخر من وقوفه أو اعوجاج رقبته ساخر، فهكذا أراد ~~الخالق. وإذا أراد الخالق فلا مناص من إرادته ... وليس على العبد أن ~~يعترض على نظامه حتى إذا شذ النظام ... وكم شذ النظام حتى ليبدو الكون ~~بلا نظام. وكم من مجذوب مهفوف ومشوه ومجنون ... والكل يحيا ولا بد أن ~~يحيا الكل، ويضمهم ذلك الموكب الرهيب البطيء السائر بهم نحو النهاية ~~حيث لا نهاية، كل ما في الأمر أن أهل البلد كانوا يعاملون الشيخ شيخة ~~بنوع خاص من الرهبة ليست فيها تلك القدسية الممزوجة بالسخرية التي ~~ينظرون بها إلى المجاذيب والأولياء، وليست فيها تلك الشفقة الممزوجة ~~بالاشمئزاز التي ينظرون بها إلى المشوهين والمرضى. ربما رهبة النظر ~~إلى شيء مخالف شاذ، يكشف بشذوذه عن كنه النظام الهائل الذي يلف الكون ~~والناس، رهبة من النظام أكثر منها رهبة من مخالفة النظام. كان إذا جاء ~~على قوم جالسين تحاشوا النظر إليه، وتعمدوا ألا يجعلوه يحس أنهم شعروا ~~بوجوده ms008 . وقد يلقي عليه واحد أو اثنان نظرات عجلى مستطلعة، ولكن العيون ~~لا تلبث أن ترتد، والألسنة لا تلبث أن تستمر فيما كانت فيه من حديث، ~~بصرف النظر عن وقفته غير بعيد عنهم، وثبوته في مكانه ثبوت جذع نبت من ~~الأرض فجأة ... وإذا جذب وقوفه الذي يطول انتباه الأطفال، والتفوا حوله ~~يتأملونه بلا رهبة أو خشية من معصية الاعتراض، نهرهم الكبار، وتطوع ~~واحد بالجري وراءهم حتى يغيبهم في شقوق البلدة وحواريها ... والويل لهم ~~إذا فكر أحدهم في معاكسته، أو نغزه بعود قطن ليجعله يصدر ذلك الفحيح ~~الغامض الرفيع. # وسنين طويلة قضاها الشيخ شيخة في بلدنا على هذه الحال، والناس قد ~~أحلوه من كل واجبات الإنسان والحيوان والنبات، وتركوا له كل حقوقها. ~~إذا شاء وقف كالنبات وتسمر، وإذا شاء فح كالحيوان، وإذا شاء تحرك من ~~تلقاء نفسه كإنسان وإلى أي مكان يريد، لا يزجره أحد، ولا يعترض طريقه ~~أحد. ويدخل أي بيت ويظل قابعا في أي ركن فيه ما شاء من الوقت، دون أن ~~يضايق وجوده أهل البيت أو حتى يحسوا له وجودا. وكأنه يصبح إذا حل ~~جزءا من المكان أو الزمان أو الأثير. تتعرى النساء أمامه، وكذلك يفعل ~~الرجال، وتتحدث العائلات عن أخص شئونها في حضرته، وينام الرجل مع زوجته ~~أو غير زوجته، وتدبر أمامه المكائد وتكتب البلاغات، ويقول الهامس ~~للآخر حين يريد أن يطمئنه كي يفتح له صدره: قول يا أخي قول ... ما تخافش ~~... هو فيه إلا أنا وأنت والشيخ شيخة ... قول. ~~••• # كل ما في الأمر أنه هناك بين كل بضع سنين وأخرى تنطلق إشاعة، خافتة ~~واهنة لا تكاد تصل إلى الألسنة حتى تذوب فوقها وتتبدد ... مرة يقولون: إن ~~ثمة علاقة مريبة تربطه بنعسة العرجة، فهي كثيرا ما تشاهد، وهي تبحث ~~بعينيها في الليل عنه، وأحيانا تسأل عنه. وكثيرا ما رؤيت خارجة من ~~الخرابة القريبة من الجامع، حيث كان يقضي معظم لياليه. وهي لا بد ~~تعاشره ... في إشاعة، وفي إشاعة أخرى يقولون: إنه ابنها، وإنه جاء هكذا؛ ~~لأنها حملت به ms009 سفاحا من أب فاسد الدم من رجال البندر، حيث كانت تذهب ~~نعسة لتبيع الجبنة واللبن وأحمال الحطب في الفجر ... ويتردد الناس ألف ~~مرة في تصديق أيهما؛ فنعسة تكاد بطلوع الروح تحسب على جنس النساء، فهي ~~صلبة العود كالرجال، جافة الأخذ والرد متينة البنيان، تدخل العركة ~~وتعور الرجال، وتخرج سليمة لم يصب جلبابها تقطيع. مات عنها زوجها وهي ~~صغيرة فتحزمت بحزام الكادحين واشتغلت، وتقلبت في الكثير من الأعمال ~~التي يزاولها النساء، ولكن طبعها كان إلى الرجال أقرب. وهو الذي حال ~~بينها وبين الزواج، وهو الذي جعلها تستقر آخر الأمر في عملها الذي ~~رشحتها له عضلاتها القوية وعظامها العريضة ... حمالة أحطاب وتبن وطحين ~~وكل ما لا يستطيع وما لا يليق بالرجال أن يحملوه. وكل عدة شغلها ~~«حواية» صنعتها من أثواب بالية، وخاطتها حتى أصبحت كالكعكة. وإذا ~~وضعتها فوق رأسها تستطيع أن تحمل بها حمل جمل ولا تكل. وتمضي ~~بحملها ثابتة الخطوة مختالة ترج الأرض، وتحدف عياقة بساقها، فيرن ~~خلخالها الذي لم تفرط فيه ... ربما ليظل العلامة الوحيدة على أنوثتها، ~~تلك التي تلتهم الأحمال الوعرة والعمل الشاق علاماتها واحدة وراء ~~الأخرى ... وعيبها الوحيد أنها كانت إذا مشت فاضية بغير أحمال لا تعرف ~~كيف تمشي، وتنط كالجرادة، وتتذبذب خطواتها بين هزات الأنثى ودغرية ~~الذكر. ومن هنا سموها بالعرجة، سماها الرجل غيرة، وسمتها النساء ~~استنكارا، وسماها الكل ظلما. أمن في مثل خشونتها يعاشر الشيخ شيخة؟ ~~أو حتى يتصور أحد أنها كانت أما لابن ذات يوم، حتى لو كان الابن هو ~~هذا المخلوق؟ # ولكنهم يؤكدون ويقولون إنها بعد ولادته أخفته في نفس الخرابة التي ~~يأوي إليها في كبره، وظلت ترضعه خفية وترعاه بعيدا عن الأنظار، ~~ولم يخرج منها إلا وهو كبير بأسنان! # وفي عام يكثر الحديث عن ميوعة النساء وفسادهن، ويبلغ الأمر بالبعض ~~أن يدعي أن بعض الجائعات والقاطنات في أطراف البلدة لا يجدن ما ~~يشبعهن، فيلجأن إلى الشيخ شيخة وهن ضامنات صمته المطبق ولسانه الذي لن ~~ينطلق. # ومرة سرت قصة تقول إن الشيخ شيخة ليس ms010 ابن رجل كبقية الآدميين ~~ولكنه ابن قرد، وإن إحدى نساء بلدنا اللاتي أعياهن البحث عن الخلف، ~~لجأت إلى غجرية، فوصفت لها «صوفة» تستعملها. واستعملتها ولحظها ~~السيئ كان فيها نطفة قرد، جعلتها تحمل وتلد الشيخ شيخة، وتفزع منه ~~ساعة ولادته، فتعطيه للغجرية، وتعطيها نقودا ثمنا لسكوتها ولكفالتها ~~له. وتأخذ الغجرية المولود وتلف به في بلاد الله، ثم تعود به وقد كبر، ~~فتتركه عند حافة البلدة وتمضي. # وفي العام التالي تسري قصة أخرى ضاحكة لتؤكد العكس، ولتهمس أن الشيخ ~~شيخة ما هو إلا ابن عبده البيطار الذي يقص شعر الحمير ويقلم حوافرها ~~ويركب لها «الحدوات» الحديد. والذي يشاع - والعهدة على الرواة - أنه ~~من عشاق إناثها، وبالذات حمارة الشيخ البليدي المأذون، وأن الشيخ ~~البليدي هو الذي تخلص من المولود؛ مخافة أن تلصق التهمة به، أو على ~~الأقل بابنه الذي كانوا يشيعون أنه مصاب بنفس الداء. # أقاويل وقصص وإشاعات هشة وخافتة ومتباعدة، ولكنها لا تنقطع. وكأنما ~~يؤكد بها الناس إصرارهم على محاولة تفسير هذا اللغز الحي؛ فلا بد ~~لوجوده بينهم من تفسير وسبب؛ إذ لا بد لكل شيء من سبب، حتى الشيء غير ~~المعقول لا بد لوجوده من سبب معقول، ولكنها إشاعات وحكايات لا تفسر ولا ~~توضح ... وبعضها يقال للترويح عن النفس لا غير. # وكان من الممكن أن يظل الشيخ شيخة يحيا في بلدنا يمثل شخصية الحاضر ~~الغائب والراكب الماشي والكائن غير الكائن، لولا أنه ذات ليلة من عام ~~مضى جاء ولد من أولاد العبايدة يجري من ناحية الجامع ويلهث. وما كاد ~~يجد الجمع الذي يسهر عند زقاق الطاحونة، حتى انهار يجلس بينهم ويرتجف ~~ويغمى عليه. ~~- ما لك يا ولد جرى إيه؟ # قال بتهتهة العبايدة وحشرجتهم: إنتم بالكم إيه! # قالوا: إيه؟ # قال: دا أتبن الشيخ شيخة بيسمع وبيتكلم زي البربند. ~~- إزاي يا ولد؟ مش معقول ... دا من رابع المستحيل ... عرفت إزاي؟ # والولد يقسم برحمة أبيه إنه كان فائتا من ناحية الخرابة، فسمع اثنين ~~يتكلمان بصوت منخفض ما لبث أن ارتفع، فاقترب وإذا به يجد ms011 الشيخ شيخة ~~يكلم العرجة، كلام مضبوط مثل كلام الناس، ولم يصدق نفسه، فاقترب أكثر، ~~ولكن نعسة كشت فيه، فجرى وجاء يلهث ويرتجف ويروي الحكاية. ~~••• # وطبعا لم يصدقه واحد من الجالسين ولا حتى من الذين سرى لهم الخبر، ~~كلهم أجمعوا على أن كلام الولد تخريف في تخريف، وأنه لا بد قد أرعبته ~~الخرابة فتصور ما تصور. أو من الجائز جدا أن المتحدثين كانا من ~~الجان ... فهو احتمال أقرب كثيرا من أن يكون الشيخ شيخة يتحدث أو يتكلم ~~أو يعقل الكلام. وهل من المعقول أن يخدعوا فيه كل هذه السنين الطوال؟ ~~ثم ما فائدة أن يخدعهم وماذا يستفيد؟ ولأي شيء يعذب نفسه ويقف بالساعات ~~وينام كالحيوانات ويحيا كالديدان؟ # ولكن رغم قوة الحجج واستنكار الناس لصحة أي حرف مما قاله الولد، ~~فرغما عنهم وبدون قصد راحت نظرتهم إلى الشيخ شيخة كلما رأوه أو تسمر ~~قريبا من أحد مجالسهم ... راحت نظرتهم تختلط بتساؤل شاك بمجرد احتمال، ~~ولو كان احتمالا غير معقول: ماذا لو كان كلام الولد صحيحا، وكان ~~الشيخ طول عمره يرى ويسمع ويعقل كل ما دار ويدور أمامه؟ # ما إن يطرق التساؤل الرءوس حتى تنتفض رافضة مستبشعة؛ فمصيبة كبرى بل ~~فاجعة الفواجع لو صح القول ... هذه السنين التي قضاها يعامل معاملة ~~الكائن المكاني الذي لا يرى ولا يسمع ولا يعقل، جعلته يرى من كل قاطن ~~في القرية أحوالا وأسرارا لم تطلع عليها عين بشر. كل إنسان في ~~البلدة يحيا كالسفينة، جزء منه فوق الماء ظاهر للعيان، وجزء تحت الماء ~~لا يراه أحد. وحتى لو شاهد أقوياء الأبصار ما قرب منه إلى السطح، فمن ~~المحال أن يروا الأجزاء الخافية العميقة التي لا يمكن أن تصلها يد أو ~~عين أو أذن ... لا تصلها إلا إذا أخرجها صاحبها، فهو وحده العليم بها ... ~~وإذا كان الإنسان كائنا له أسرار، ومن خواصه كإنسان أن يخفي في نفسه ~~أجزاء ويحكم إخفاءها؛ فكذلك من خواصه الأزلية أنه يخفيها رغما عن ~~نفسه وتحت مقاومته، ويضطر بين كل حين وحين للإذعان فيخرجها ms012 ويظهرها ~~ويتفحصها، ربما بعد فوات سنين، ولكن لا بد أن يخرجها لنفسه مثلا إذا ~~كتبها، أو لأقرب الناس إليه أو أحيانا أبعدهم منه ... ولكن لا بد أن ~~يتوسم فيه القدرة على حفظ سره ... والشيخ شيخة كان يمثل هذا الدور في ~~أحيان لبعض الناس. وفي أغلب الأحيان رأى ما لم يره أحد، وسمع ما لم ~~يسمعه أحد بحكم أنه لم يكن أحدا. كان كالحيوان المستأنس ... كقطط ~~البيوت مثلا وكلابها. وما أمنع ما رأت قطط البيوت وكلابها! وآه لو ~~تكلمت قطط البيوت وكلابها! ربما لما استطاع أحد العيش؛ فهو لكي يعيش ~~كفرد يضطر لإحاطة نفسه بجلباب وملابس تحفظ جسده وأسراره، ولكي يعيش ~~كفرد في مجموعة يضطر لإحاطة بعض نفسه بأسوار ... ويسمي هذا البعض ~~أسراره، ففيها كيانه وفيها مفاتيحه ونواياه الداخلية التي تفرقه عن ~~الآخرين وتحفظ استقلاله ... والعائلة المكونة من أفراد تضطر لإحاطة ~~نفسها ببيت ذي جدران بالغة السمك، فيكون لها هي الأخرى كيانها وذاتها ~~واستقلالها ... والبلدة تضطر هي الأخرى لإحاطة نفسها بسور مفترض وحدود ~~وجنسية، وكلمة «بلدي» و«بلدياتي» لتحفظ كيانها من الضياع ~~والذوبان. # كارثة كبرى لو صح الخبر، أو حتى لو كانت هناك شبهة في صحته، فقد لا ~~يعد هذا هدما لكل الجدران الداخلية التي تحيطهم وتقسمهم، ولكنه على ~~الأقل فرجة صنعت في كل جدار، فرجة من الممكن أن ينتقل منها للغير كل ~~ما يحويه الداخل، فيقوم حينئذ يوم الفوضى الذي هو أفظع وأبشع من يوم ~~القيامة. # بدءوا يرمقون الشيخ شيخة إذن بنظرات مرعوبة حيرى، تطوف حوله وحمى ~~الشك تعشيها، والشيخ شيخة على ما هو عليه ... رقبته مثنية وجلبابه ~~الأزرق ممزق متسخ، إذا وقف ظل واقفا، وإذا جلس لا يتحرك، وعينه ~~على ربع إغماضها لم تتغير، والأخرى على إغلاقها، وملامحه مثلما رأوها ~~دائما صلبة متجمدة لا تنفك، وواضح جدا أنها ما انفكت طول عمرها. حتى ~~والشك يدفعهم للدوار حوله واستيقافه ومخاطبته، وتوجيه الأسئلة إليه لا ~~تصدر عنه حركة، ولا بارقة انفعال لمحها أحد تطفو على سطح هذه الكتلة ~~المدكوكة من اللحم والعظم ms013 والشحم. # وكان أن بدأت الزوابع التي هاجت للخبر تهدأ وتئوب إلى رضا واقتناع، ~~والرعب الذي اكتسح كلا منهم حين أدرك أنه من الممكن جدا أن تكون ~~فرجة صغيرة قد صنعت في حائطه، وامتدت منها عين واعية، وعرفت كل ما ~~بداخله. هذا الرعب بدأ يتحول إلى اطمئنان وما صاحبه من شك يتجمد على ~~هيئة يقين. ~~••• # وكاد يصبح لما حدث نفس المصير الذي كانت تلقاه الشائعات لولا حادث ~~آخر وقع. وهذه المرة لم يردده خائف أو ولد، ولكن رجالا كبارا شهدوه ~~بأعينهم، وسمعوه بآذانهم، وكانوا يقسمون على ما يقولون ... ففي ظليلة ~~السعدني التي تحتل بطن الجسر، ويصنع للوافدين عليها القهوة والشاي ~~ويرص المعسل. كان الحديث يدور يوم السوق عن الحادثة التي رواها ابن ~~العبايدة، وكان الشيخ شيخة واقفا في الشمس فوق الجسر لا يتزحزح من ~~مكانه، وعرق كثير يكسوه، حين جاءت بالطبع سيرة نعسة العرجة، وانبرى ~~أكثر من واحد يغمزها ويلمزها، ويروي الهواجس على أنها وقائع وأخبار، ~~حتى دفعت المزايدة الدائرة أحدهم لأن يقسم أنها راودته ذات يوم عن ~~نفسه. وهنا فوجئ الجميع بصرخة، أو على الأصح شيء كالصرخة، فلم تكن صرخة ~~تلك التي سمعوها، ولا استغاثة، ولا عويلا، وإنما انفجار كالهدير أو ~~كالجمل حين يضرب بالقلة، ثم آهة. ثم الأهم من هذا كله كلمة سمعها البعض ~~«أعوذ بالله»، وبعض آخر «منك لله». وأقسم هؤلاء وهؤلاء، ولكن الشيء ~~المؤكد أنهم جميعا سمعوا كلاما بشريا يتصاعد قربهم، وحين تلفتوا، ~~رأوا الشيخ شيخة يترك مكانه تحت الشمس ويتحرك بأسرع مما اعتاد، ولا ~~يلبث أن يختفي في حقل الأذرة القريب ولا يظهر. # ورغم كل ما دار، وكل ما أجمع عليه الحاضرون واتفقوا، فبعد يوم أو ~~يومين كانت تلح على بعضهم كفرادى، وتضيق الخناق وتستحلفه، فيقول: ~~الحقيقة ما اقدرش أحلف ... الله أعلم ... إنما إن ما كانش هو حيكون مين؟ ~~الجسر؟ # وياما أقسمت أيمان، ورميت طلاقات، وهاجت البلدة بالجدل! وقسم كبير ~~يؤكد أنهم خدعوا في الشيخ شيخة أكبر خديعة، وأنه ظل سنين يمثل عليهم ~~دور الأصم الأبكم؛ ms014 ليعرف أحوالهم وأسرارهم ويسرق مخبآتهم، وقسم كبير ~~آخر أهون عنده أن يصدق أن الجسر قد نطق وتكلم من أن يصدق أن الشيخ ~~شيخة هو الذي فعل ... ولكن هذا الجدل والخلاف كان يجري على أسطح الألسنة ~~فقط، ففي أعماق الكل كان خوف حاد قد بدأ يتراكم. وكلما راجع أحدهم نفسه ~~ليتذكر ما قاله في حضرة الشيخ شيخة وما فعله، ووجد أن ما قاله كثير وما ~~فعله أكثر، انقلب خوفه إلى هوس ورعب، وازداد قلبا للبلدة رأسا على ~~عقب، باحثا عنه محاولا أن يراه؛ إذ ربما تعيد رؤيته، مجرد رؤيته ~~الطمأنينة إلى نفسه، ويصبح كل ما قيل ويقال كذبا في كذب وكابوسا ~~رهيبا مزعجا غمر البلدة ومن فيها. # غير أن الشيخ شيخة رغم كثرة الباحثين عنه لم يعثر له أحد على أثر؛ ~~مما كان له أسوأ الوقع ... إذ تراه أين ذهب؟ وإلى من يحكي الآن ~~ويعدد؟ # ولكن اختفاءه على أية حال لم يطل، فبعد أيام قليلة وجدوه عائدا من ~~البندر. وأغرب شيء أن نعسة كانت تسحبه من يده! وما كاد الخبر ينتشر حتى ~~كانت البلدة كلها بكبارها وصغارها، وبالأخص نساؤها اللاتي كن يبدون ~~هالعات يرتجفن من الغضب والذعر، ويكون بقعة كبيرة سوداء في ~~الدائرة الآدمية المحكمة التي ضربت حول نعسة والشيخ شيخة. ومضت أعينها ~~تمتد إليهما وتتفحصهما بحدة وشراهة ... ولم يكن شيء قد تغير في الشيخ ~~شيخة ... شواله الأزرق على حاله، وشعره على قصره. كل ما في الأمر أن ~~رقبته المثنية كانت قد بدأت تعتدل. والأمر المحير كانت هذه الضحكات ~~التي تصدر عنه كلما سأله أحدهم سؤالا، أو وجه إليه كلمة. ضحكة ~~غريبة تبدو كما لو كان يتكلمها ولا يضحكها. # أما نعسة فقد ظلت ساكتة لفترة، ثم وكأنها ضاقت فجأة، انفجرت تسألهم ~~عن سر تجمعهم وتشتمهم، وتلعن آباءهم جميعا من أكبر كبير لأصغر صغير، ~~يا غجر يا لمامة عايزين إيه؟ ابني ولا مش ابني ما لكم وما لنا؟ ... ~~أخرس ولا بيتكلم عايزين منه إيه؟ كان عيان وداويته يا ناس إيه ~~الجناية في ms015 كده؟ وحتى لو ما كانش عيان، لو كان سليم وسمع وشاف ... يعني ~~حيكون شاف إيه وسمع إيه؟ ما الحال من بعضه ... واللي بيقول في حق الناس ~~كلام بطال بيتقال عليه كلام بطال ... واللي بيخبي العيب عن جاره ~~حيلاقي جاره بيخبي عنه نفس العيب ... حيكون شاف إيه وسمع إيه؟ ... اوع كده ~~أنت وهو لحسن وحياة مقصوصي ده اللي حاطوله منكم، حاطبق زمارة ~~رقبته، ماني سيباها إلا بطلوع الروح. ~~••• # استمع الناس لكلام نعسة مذهولين حيارى، لا يعرفون بماذا يردون ... يرون ~~حماستها التي انبثقت فجأة، وأسقطت عنها كل خجل وحجاب، واستعدت معها ~~لأن تعترف مثلا أن الشيخ شيخة ابنها، وتذكر لو لزم الأمر اسم أبيه، ~~وتصك آذانهم الحمم الخارجة من فمها، ولا يملكون إزاء ما تقول تصرفا ~~أو حلا. # وكان لا بد أن ينفض الجمع، ويجيء الغد وبعد الغد ... ويبدأ الشيخ ~~شيخة يخرج وحده ويجوب البلدة، ويقف موقفته المشهورة لدى جماعاتها ~~الجالسة أو المنتحية ركنا. ولكن الحديث كان يكف نوعا ما لمقدمه. وإذا ~~استؤنف وبدأ متحدث ما يتكلم، وتطلع أثناء كلامه ناحية الشيخ ~~شيخة، وفاجأه الشيخ بالضحكة الجديدة التي عاد بها، ولدت الضحكة في عقل ~~الرجل كل الظنون وتلعثم وأجبر مرغما على السكوت ... إذن من يدري؟ ربما ~~يضحك الشيخ شيخة منه؛ لكيلة القمح التي لطشها أمامه من الجرن يوم ~~التخزين، بينما هو جالس الآن يتحدث عن السرقة واللصوص. وربما يضحك؛ ~~لعلمه بسر نقطة الدم التي لا تزال عالقة بذيل جلبابه، وقد كان يومها ~~واقفا في نفس المكان. وربما هو يضحك منه؛ لأنه بالأمس فقط كان في مجلس ~~آخر وكان الشيخ شيخة هناك، وكان يتحدث بكلام غير الكلام. # حين جاء الغد وبعد الغد ... بدأ الناس يدركون أكثر وأكثر أن المحظور قد ~~وقع، وأن ضحكة الشيخ شيخة هي الكوة التي فتحت في كل جدار، وأن ~~محتويات مخازنهم الخفية السرية في خطر، وأنهم أمام الشيخ شيخة عرايا ~~من كل ما يسترهم ويحفظ لهم الشخصية والكرامة والكيان ... وأنهم أبدا لا ~~يستطيعون أن يحيوا في بلدة واحدة معه، ms016 مع إنسان يعرف عنهم كل شيء ... ~~ويواجههم بضحكته الغريبة البشعة أنى يكونون! ~~••• # وكان لا بد أن يصحو الناس مذعورين ذات صباح على صراخ مدو، صادر ~~عن قلب يعوي ويتمزق، ويقول: يا بني يا حبيبي. # وتسرع الأرجل هالعة إلى مصدر الصوت، فيجدونه ينبعث من الخرابة، ~~ويجدون نعسة صاحبته، ويفاجئون بها تقذفهم بوابل من الطوب والأحجار، ~~وتبكي بحرقة وتلعنهم، وتقول إنه كان طول عمره أصم أبكم، وإن الويل لهم ~~منها. بينما الشيخ شيخة ممدد أمامها غارقا في دمه، ورأسه محطم ~~بحجر. # | «أ» الأحرار # وقعت هذه الحادثة في مكتب إحدى الشركات الكائنة في شارع سليمان، ~~واحدة من الشركات ذات الأبواب الزجاجية المصنفرة والمكاتب الصاج ~~الإيديال، والسعاة الذين يرتدون بدلا رمادية، ويضعون على جوانب ~~صدورهم لافتات نحاسية دقيقة الحجم. # في الصباح، وفي الساعة الثامنة تماما، الموظفون جميعا على مكاتبهم، ~~والسعاة على الأبواب، والسكون مستتب مطبق رغم حفيف الأوراق، ~~وتكتكة الآلات الكاتبة والحاسبة. بعد قليل كانت دوامة العمل قد بدأت ~~تدور، والأبواب الموصدة كثر فتحها وإغلاقها، وبدأ الموظفون يتجرءون ~~على الصمت وينطقون. والجو بدأ يحفل بدخان السجائر ورائحتها، غير أن هذا ~~كله كان يدور أيضا خارج حدود لا يتعداها. # وفجأة، وفي حوالي التاسعة، بدأت تصل إلى الآذان ضجة غير عادية ~~صادرة من حجرة السيد عبد اللطيف سالم، رئيس قسم السكرتارية. وأن تسمع ~~ضجة في حجرة السيد عبد اللطيف أمر عادي جدا، ولكن غير العادي أن ~~تحدث هذه الضجة قبل الحادية عشرة صباحا ... فالريس عبد اللطيف كان ~~مريضا بنوع غريب من الربو، وكانت أنفاسه - وبالتالي خلقه - لا تبدأ ~~تضيق قبل الحادية عشرة بأي حال من الأحوال. لهذا كان لا بد أن في ~~الأمر سرا، وليس خلف أبواب الشركة أسرار؛ فالسر الذي وراء الباب ~~يعرفه الساعي الواقف أمام الباب. ومن ساع إلى ساع ينتقل السر حتى ~~يصبح بعد ثوان قليلة خبرا. ولهذا سرعان ما عرف الجميع أن الريس عبد ~~اللطيف يزعق لأحمد رشوان، وعلى هذا أصبح العجب مضاعفا ... زعيق الريس ~~قبل الحادية عشرة، والزعيق لأحمد رشوان الذي ms017 لم يسبق لأحد، وخاصة الريس ~~عبد اللطيف، أن زعق له أو احتك به؛ فقد كان أحمد هذا شابا مؤدبا ~~جدا، بل ممكن أن يعد أكثر موظفي العالم أدبا ... وأدبه مقرون ~~بمراعاة تامة للأصول، وما يصح وما لا يصح. وكلمات مثل «من فضل سيادتك»، ~~و«تسمح لي» و«لا مؤاخذة»، و«أشكرك شكرا جزيلا» (باللغة العربية ~~الفصحى)؛ كلمات مثل تلك يستعملها أحمد آلاف المرات في اليوم الواحد. ثم ~~إنه لم يكن جميلا ولا وسيما لتكون لديه مركبات الوسيمين الجميلين، ~~مثل افتعال الحركات للفت نظر السيدات والآنسات من موظفات الشركة، أو ~~المحافظة الزائدة على هندامه والعناية به. كان كما يقال «دوغري ~~وجد»، ولكنك لأمر ما لا تستطيع، كلما رأيته جادا وقورا، أن تمنع ~~نفسك من أن تسخر من جده ووقاره! ربما لأن له أنفا طويلا بارزا ~~مقوسا، ومدببا من أسفل وكأنه رأس خطاف. ربما لملابسه التي يحرص على ~~اختيارها كلاسيكية جدا، فيفصل الجاكتة طويلة وحشمة، والبنطلونات ~~يجعلها واسعة وقورة. وليس معنى هذا أن أحمد جاد طوال الوقت، فهو ~~أحيانا يهزر معك ويضحك، ويستمع إلى النكات الخارجة التي يلقيها ~~زملاؤه. وقد يقرص الواحد منهم في جنبه، ولكنه يفعل هذا خلسة، وكأنما ~~يفعله من وراء نفسه الجادة الوقورة. ثم إنه شهم إذا كان معه نقود ~~سلفك، واطمئن؛ فإنه لن يقترض منك أبدا، فهو في مسائل النقود حريص ~~على أن يحيا في حدود دخله، لا يتعداه بأي حال من الأحوال. وفوق هذا ~~فهو لا يدخن، ولا تعرف إن كان يرتاد السينمات أو لا يرتادها، ولكنه على ~~أي حال فخور جدا بكونه خريج كلية التجارة جامعة القاهرة. صحيح هو ~~يعمل «تايبست» في الشركة، ولكن هذا لا يمنعه من الوعي الدائم بأنه أحسن ~~من زملائه كتاب الآلات الكاتبة الذين لا تتعدى مؤهلات الواحد منهم ~~حدود التجارة المتوسطة أو التوجيهية. # والشغل عند أحمد شغل، والرئيس رئيس، والزميل زميل. أما الزميلات فليس ~~له بهن علاقة؛ إذ هو ضد أن تعمل المرأة إلا مدرسة أو ممرضة. ولا يزال ~~إلى الآن يعتز برأيه هذا، ms018 وبأنه أبداه من عشر سنوات، حين كان لا يزال ~~طالبا لمندوب إحدى المجلات الجامعية، حين جاءه يسأل عن رأيه في ~~التعليم المشترك ... يومها ظل قرابة الساعتين يمليه رأيه باللغة الفصحى، ~~وهو يتابع ما يكتبه الطالب المحرر، ويصحح له أخطاءه الإملائية ~~والهجائية والنحوية، ويؤكد له أن المرأة مملكتها البيت، إذا خرجت منه ~~فلا بد أن تضل الطريق. لهذا لا بد أن أحمد قد وجد نفسه في محنة حين ~~عين بالشركة، وعينت معه زميلات له يؤدين نفس عمله. اكتفى حينذاك ~~بأن أزاحهم من خاطره تماما، وكأنهن غير موجودات. # وبالتأكيد كانت هذه هي المرة الأولى التي يزعق له فيها الريس عبد ~~اللطيف؛ فلا بد أن سبب الزعيق مثير للغاية. ولهذا سرعان ما اكتشف بعض ~~الموظفين أن هناك أوراقا مستعجلة يجب إمضاؤها من الريس في الحال. وما ~~أسرع ما كان باب الريس يفتح للداخل والخارج، الداخل يكاد يكون حب ~~الاستطلاع يقفز من عينيه، والخارج يضع يده في فمه يكاد يموت من ~~الضحك؛ ذلك لأن سبب الزعيق كان أغرب سبب ممكن أن يخطر على البال، بل ~~كان لا يمكن أبدا أن يخطر على البال. # الداخل كان يجد أحمد واقفا مزررا جاكتته، أنفه معقوف صارم جدا، ~~ورأسه منخفض في أدب وابتسامة لا معنى لها لا تبرح وجهه، والريس عبد ~~اللطيف خلف مكتبه الكبير ذي السطح الزجاجي يداه تدفعان المكتب، وكأنما ~~تريدان قلبه على أحمد رشوان، وزعيق كثير يخرج من فمه ووجهه وعينيه، ~~وحتى من صلعته الخفيفة ... يوزع قليلا منه إلى اليسار، وقليلا آخر إلى ~~اليمين، والأغلبية العظمى يصبها على أحمد: قلنا ميت مرة الصورة لازم ~~تنكتب زي الأصل تمام بالحرف الواحد بلا زيادة أو نقصان، قلنا ميت مرة ~~كده. # قالها الريس فعلا أكثر من مائة مرة، وفي كل مرة يسكت منتظرا إجابة ~~أحمد، حتى إذا ما هم أحمد بأن يجيب، قاطعه الريس ومضى يلقنه ~~المحاضرة التي يجيدها تماما عن العمل في الشركة وأصوله ~~وقواعده. # وأنهى الريس محاضرته قائلا: اتفضل. خد الجواب، واكتبه بالضبط زي ~~الأصل يا ms019 حضرة ... اتفضل يلا. # وخرجت كلمة من فم أحمد؛ ربما تكون قد خرجت قبل هذا، ولكنها كانت ~~المرة الأولى التي يسمعها فيها الريس. # قال أحمد رشوان: اسمح لي ... لأ ... مش حاكتبه إلا كده. # وتحجرت عينا الريس، وقال: أسمح لك إيه؟! # فقال أحمد: اسمح لي سيادتك مش حاكتبه. # فقال الريس بصوت منخفض كصوت الزناد حين يجذب استعدادا لإطلاق ~~النار: ليه بقى يا حضرة؟ # والواقع أن أحمد تململ للسؤال ... فهو بالتأكيد كان قد جهز نفسه له، ~~ولكنه وجد حرجا كثيرا، وكأنه متأكد تماما مما ينطقه وهو يقول: لأني ~~إنسان يا أستاذ عبد اللطيف. أنا مش آلة كاتبة. ~~- إيه؟ أنت إنسان مش آلة كاتبة؟! يعني إيه ده يا حضرة؟! # قالها الريس وملامحه تتسع فجأة كما ضاقت فجأة، وهو يمسك شفته السفلى ~~بأصبعين، ويجذبهما إلى أمام ويحدق في أحمد. # وأول ما خيل للريس أن الجدع قد جن، ولم يكن هذا في رأيه شيئا ~~مستغربا، فقد كان لا يطمئن أبدا إلى أدب أحمد هذا الزائد عن الحد، ~~ومحافظته المبالغ فيها على الأصول، والجنون يمكن أن يكون نهاية طبيعية ~~لإنسان كهذا. # وكأنما قرأ أحمد أفكار رئيسه؛ فقد ابتسم ابتسامة اعتذار كبيرة، وكأن ~~الذي سيقوله عيب ما بعده عيب وقال: ما تبصليش سيادتك على أني مجنون. ~~أنا مش مجنون ... أنا إنسان، ولازم يكون فيه فرق بيني وبين الآلة الكاتبة ~~... أنا ... أنا. # وإلى هنا انتهت حصيلة أحمد من الكلمات؛ فقد كانت مهمته شاقة ومزدوجة. ~~كان عليه أن يصوغ ما يدور في فكره إلى كلمات، ثم كان عليه أن يعيد ~~صياغة هذه، فيجعلها مؤدبة أصولية، تصلح لكي يخاطب بها رئيسه. وإذا كانت ~~المهمة الثانية سهلة؛ فالمهمة الأولى أكثر صعوبة؛ إذ كيف يصوغ أحمد ~~رشوان ما عن له بالأمس من أفكار، وكيف يشرح للريس عبد اللطيف العصبي ~~الضيق الخلق كل ما حدث بالضبط، خاصة إذا كان لم يحدث شيء يذكر. كل ما ~~حدث أن نوبة أرق حادة انتابته في الليلة الماضية ... كان راقدا في ~~فراشه غير المريح ، وكاد ينام لولا أن ms020 أطار النوم من عينيه برغوث ~~خبيث، صمم أحمد على أن يعثر عليه حيا، وصمم البرغوث على أن يحاوره ~~ولا يجعله يظفر به. كلما كاد يطبق عليه، أصبح وكأنه فص ملح وذاب. ~~وأخيرا غطس البرغوث ولم يظهر، ولكنه ترك أحمد يعاني من ذلك الإحساس ~~المقلق، الإحساس بنهشات خفية وزحف أقدام دقيقة غير مرئية، ذلك الإحساس ~~الذي يدفع الإنسان إلى التأرجح بين الشك واليقين في وجود تلك الكائنات. ~~وفجأة، وبدون سابق إنذار، خطر لأحمد رشوان ذلك الخاطر الذي كاد يجعله ~~يقفز من الفراش؛ فقد اكتشف أنه ليس كاتبا على الآلة الكاتبة كما يظن ~~نفسه ويظنه الناس، ولكنه هو نفسه آلة كاتبة ... كيف جاء الخاطر في ذهنه؟ ~~لا أحد يدري. وكيف استطاع ذهن أحمد رشوان الأصولجي أن يجمع تلك ~~المفارقة أو المتشابهة التي بدت غريبة كل الغرابة؟ لا أحد يدري أيضا ... ~~المهم أن الفكرة استحوذت عليه تماما، حتى أنسته النوم والفراش وزحف ~~الكائنات غير المرئية. ودون أن يستطيع أن يكبح جماح خياله وجد نفسه ~~يوغل في التفكير ويوغل ... ما الفرق بينه وبين الآلة الكاتبة؟ هو صحيح ~~خريج جامعة ومحترم، ولكنه في عمله لا فرق بينه وبين الآلة الكاتبة ~~التي يكتب عليها ... هو له أصابع وهي أيضا لها أصابع. وهو يقرأ الأصل، ~~وتستحيل الكلمات خلاله إلى ضغطات، والمكنة تستحيل الضغطات خلالها إلى ~~كلمات. وإذا كان هو يأمر المكنة بأصابعه أن تكتب، فالشركة تأمره بأصبع ~~واحدة منها أن يكتب. وإذا كانت المكنة لا تستطيع أن تغير ما يأمرها به ~~إذا ضغط على حرف الميم، فلا بد أن تكتب ميما؛ فهو أيضا لا يستطيع أن ~~يغير إذا قالوا له اكتب كذا، فلا بد أن يكتب كذا. أجل، ما الفرق بينه ~~وبين الآلة الكاتبة؟ الواقع لا شيء، بل الحقيقة لا شيء مطلقا. # وأول الأمر ضحك أحمد كثيرا، ضحك بلا وعي، ولم يكف عن الضحك إلا ~~بعد أن فطن لنفسه، فوجد أنه يضحك ضحكا غريبا ماسخا في الشقة المظلمة ~~الخاوية؛ «فأحمد رشوان كان قد تعدى الثلاثين ومع هذا ms021 كان لا يزال أعزب» ~~... وآلاف الخواطر كهذه تعن لآلاف الناس آلاف المرات في اليوم الواحد، ~~ولكنها لا تعلق بأذهانهم كثيرا. إنها كآلاف الأشياء التي تبرق في أرض ~~الشارع المشمس، يعبر بها الناس ولا يحفل ببريقها أي منهم، ولكن بريق ~~أحدها قد يجذب أنظار عابر سبيل ليتوقف عنده مثلا ويحدق فيه، بل ممكن ~~أن ينحني ويتناوله ويتفحصه. وفي أغلب الأحيان يعود ليلقي به وهو يضحك ~~من نفسه ومن البريق الزائف الذي شغله. # وكان ممكنا أن يحدث هذا لأحمد رشوان، فيلقي بالخاطر من وراء ظهره، ~~ويعود إلى متابعة أفكاره أو محاولة النوم، ولكن ربما لفراشه غير ~~المريح، وربما لأنه كان في حاجة ماسة إلى ما يشغله عن إحساسه بالكائنات ~~غير المرئية التي تقاسمه فراشه؛ ربما لهذا تلكأ عن الخاطر قليلا ... ~~وويل لأي منا إذا تلكأ عند خاطر؛ فقد يغير التلكؤ مجرى حياته. ربما ~~تتلكأ عند كلمة قالتها فتاة، وأعجبتك طريقة نطقها لها، فإذا بك بعد ~~شهور زوج لهذه الفتاة. والتلكؤ عند واجهة مكتبة قد يوقع في يدك كتابا ~~يغير شخصيتك تماما. ونيوتن المشهور لم يفعل أكثر من أنه تلكأ ذات يوم ~~أمام تفاحة سقطت من تلقاء نفسها على الشجرة. # أحمد رشوان هو الآخر تلكأ عند الخاطر، ومضى يقلبه على وجوهه. ~~أحيانا يحسب الأمر هزلا في هزل؛ إذ أمن المعقول تنعدم الفروق ~~تماما بينه وبين الآلة الكاتبة؟ ولكنه حين يحاول أن يجد فارقا ~~أساسيا، ولا يستطيع أن يدخل الأمر في طور الجد، ويبدأ يخاف أن يكون ~~التشابه حقيقة. بل بلغ به الوضع حد أنه كان أحيانا يحدق في أصابع ~~يديه، ويلعبها معا في الظلام، ثم يوقفها جميعا، ويلعب كلا منها على ~~حدة. وأحيانا يشيح بيده، وكأنما يقول: غير معقول هذا ... غير ~~معقول. # بل عنت له خواطر مضحكة للغاية: لم لا يكون الأمر عكس ما يتصور، ~~وتكون الماكينة الكونتيننتال التي يكتب عليها أفضل منه؟ فهي على الأقل ~~ضامنة بقاءها في الشركة مدى الحياة، وهو غير ضامن بقاءه ولو ليوم ~~واحد . وحتى المنضدة التي تستقر ms022 عليها منضدة أنيقة صنعت خصيصا من ~~أجلها، وكلفت الشركة ما لا يقل عن العشرة جنيهات، بينما مقره هو ~~عبارة عن كرسي ملقلق الساق، اشترته الشركة في مزاد، ووقف عليها ببضعة ~~قروش. # وعشرات الأفكار المضحكة للغاية. # وكأنما كان طوال المدة التي قضاها يفكر ويسرح، كان يدخر لنفسه خط ~~رجعة مؤكدا. وكان ضامنا مائة في المائة أنه يملك الدليل القاطع على ~~أن ثمة فرقا كبيرا بينه وبين الآلة الكاتبة. فقط كان يحتفظ بالدليل؛ ~~ليفاجئ به أفكاره في الوقت المناسب ... وأخيرا لم يجد بدا، وأخرج ~~الدليل وقال لنفسه: الفرق بيننا أنها آلة جامدة صماء بكماء، لا ~~تستطيع التصرف وحدها أبدا، أما أنا فأنا ملك ... أنا إنسان أستطيع أن ~~أفكر وأتصرف بمطلق إرادتي. # قال هذا لنفسه وهو يسحب الغطاء فوقه، وكأنما يكيل الضربة القاضية ~~وينهي المعركة التي دارت وطالت في خياله. # ولكنه ما كاد يسحب الغطاء حتى دق شيء ... ومن كثرة تفكيره في المكنة ~~خيل إليه أنها بالتأكيد هي التي تدق، بل ذراع واحدة فقط من عشرات ~~أذرعها هي التي تدق باستمرار، وكأنما علقت وتكتب: لا لا لا لا. # وبسرعة ثمانين كلمة في الدقيقة - وهي السرعة التي طالما حلم أحمد أن ~~يكتب بها - مضت أذرع الآلة ترتفع وتنخفض وتتداخل في الظلام، وتكتب وترد ~~عليه في تكتكة منتظمة: أنت واهم ... من قال إنك تملك حق التصرف؟ أنت مثلي ~~تماما، وحريتك في التصرف كحريتي والدليل موجود. الخطاب المشهود الذي ~~كنت تكتبه لشركة الأسمنت، ووجدت أن كلمة «شؤون» مكتوبة خطأ والهمزة ~~موضوعة فوق الواو، وذهبت إلى الريس عبد اللطيف فرحا تريه الخطأ، وظننت ~~أنه سيكافئك لفطنتك ونباهتك. أتذكر نظراته التي التهمك بها وهو يقول: ~~اسمع يا حضرة، أنت هنا مش على كيفك يا حضرة. اللي مكتوب قدامك، انقله ~~زي ما هو يا حضرة. غلط مش غلط ملكش دعوة يا حضرة. إيه حتعدل ع الشركة. ~~الشركة عايزة الهمزة على الواو تبقى الواو يا حضرة. عايزاها طايرة في ~~الهوا تبقى طايرة في الهوا. فاهم يا حضرة؟ اتفضل على شغلك ms023 واعرف مركزك ~~كويس. إنت هنا كاتب يعني تكتب، يعني تفعل ما تؤمر به. إنت عارف المكنة؟ ~~إنت زي المكنة ... فاهم يا حضرة؟ # الريس عبد اللطيف ذو الصدر المقفع إذن هو الذي أوحى إليه بالخاطر، ~~وظل الخاطر كالقنبلة الزمنية في عقله، حتى فجره الأرق اللعين في تلك ~~الليلة الليلاء. # في نفس الوقت، الذي اكتشف فيه أحمد رشوان السبب، كانت أشياء كثيرة ~~أخرى قد حدثت داخل عقله، وحدثت كلها معا وبسرعة مذهلة. فأولا كان قد ~~آمن إيمانا لا شك فيه أنه في نظر الشركة مكنة لا أكثر ولا أقل، وأن ~~الريس عبد اللطيف على حق، والمكنة على حق، وهو وحده المخطئ الواهم الذي ~~كان يظن نفسه شيئا آخر غير هذا، شيئا اسمه الإنسان. وفي لحظة خاطفة ~~تصور أحمد نفسه بأنفه الذي يعتد به كثيرا، بالكتب التي كان يقرؤها ~~أثناء دراسته، ويتيه على زملائه بقراءتها وإدراك حقائق عن الكون ~~والحياة لا يدركونها، بكفاحه الرهيب من أجل الشهادة، بالشهادة، بحياته ~~وكل أحلامه، بكل هذا مجرد مكنة، آلة، حتى أقل من الآلة التي يكتب ~~عليها! # للحظة خاطفة تصور أحمد هذا، ولكنها كانت كافية لأن تملأه بالغضب. ~~وغضب أحمد رشوان لأمثال هذه الأشياء ... غضب يعرفه عنه كل أصدقائه ~~وزملائه. إذن كانت المسألة مسألة مبدأ وحق. ركبه الغضب، وأبى أن ~~يتزحزح عن موقفه قيد أنملة. حدث مرة في أثناء امتحان المحاسبة أن وقف ~~أستاذ المادة في وسط خيمة الامتحان، ولبخ في حق الطلبة، واتهمهم ~~بأنهم سفلة وأوغاد (إذ كان الطلبة قد أحدثوا ضجة بعد توزيع الأسئلة ~~لصعوبتها). فما كان من رشوان إلا أن ترك الإجابة، وانتصب واقفا يحتج ~~على الأستاذ. وغضب الأستاذ وأصر على طرد رشوان من اللجنة، وتقديمه ~~لمجلس تأديب. ولكنه تحت إلحاح المدرسين زملائه، اكتفى بأن قال إنه على ~~استعداد للصفح عنه لو اعتذر عن تصرفه علنا أمام الطلبة. ورفض رشوان ~~رفضا باتا أن يعتذر، وفضل أن يغادر اللجنة ويرسب في المحاسبة على ~~أن يهين كرامته. # كان لا يمكن أن يمر خاطر كهذا على أحمد ms024 رشوان مرور الكرام إذن، ~~فالأصول أنه إنسان، وخلافا لكل الأصول أن يكون مجرد مكنة. وعليه أن ~~يثبت لنفسه وللناس أنه إنسان، وأن ثمة فرقا كبيرا بينه وبين المكنة، ~~عليه أن يثبت هذا أو يهلك دونه. ~~••• # وفي صباح اليوم التالي، كان أحمد رشوان يأخذ طريقه إلى مقر الشركة في ~~شارع سليمان، وكأنه في طريقه إلى ساحة معركة أو لجنة امتحان. كان قد ~~سهر كثيرا، وكان عصبيا وعلى وجهه تصميم خطير. لم يكن لديه أية فكرة ~~عما يمكن أن يفعله، ولكنه كان مصمما على أن يثبت لنفسه على الأقل أنه ~~إنسان، إنسان حقيقي، وليس مجرد آلة كاتبة. # دخل المبنى وألقى تحيات الصباح وتلقى التحيات، وبوجه غير صبوح ~~صبح على الريس عبد اللطيف، وتناول منه «الشغل» بلا ذيول شكر طويلة ~~كما تعود أن يفعل. # وذهب إلى الحجرة التي يعمل فيها هو وزملاؤه. كان أكثرهم قد سبقوه، ~~وبين حفيف التحيات ونكات الصباح الخفيفة الطائرة جلس. وبينما كان يرفع ~~الغطاء عن المكنة، لم يستطع أن يمنع نفسه من إلقاء نظرة متشككة عليها، ~~ومط شفتيه حتى التصقت شفته العليا بأرنبة أنفه المدببة، وذلك أنه ~~وجدها فعلا كتلة من حديد ... حديد في حديد يلمع ... وحديد مطفأ، وبرودة ~~وسكون ولا حياة. مكنة صماء بكماء، ذلك أمر لا شك فيه. # وقبل أن يبدأ في كتابة الخطاب الأول قرأ الأصل بإمعان ... وحين قارب ~~على الانتهاء تهلل وجهه وابتسم، ذلك لأنه عثر على الشيء الذي كان ~~يريد العثور عليه، فقرب نهاية الخطاب وجد في الأصل تعبيرا يقول: ~~«وحينئذ نكون أحرارا في التصرف بمقتضى ما تخوله لنا كافة حقوقنا ~~كشركة مساهمة.» # عند كلمة «أحرار» توقف أحمد رشوان. وهو نفسه لا يدري لماذا اختارها ~~بالذات، وجعلها ضالته المنشودة، وصمم على أن يحذف منها الألف، ويكتبها ~~«أحرار» فقط. ربما لأنه وجد موسيقاها هكذا تنسجم أكثر مع بقية الجملة؛ ~~وربما لأسباب أخرى لا يعلمها إلا الله. # مضى يكتب الخطاب بحماس، وهو يحس بنشوة لأنه يكتب شيئا أراده هو، ~~ويملك التصرف فيه . يكتب وهو يرمق في ms025 شماتة أذرع المكنة وحروفها، وهي ~~ترتفع وتنخفض في طاعة بكماء عمياء، وهو الذي حين جاءت كلمة «الأحرار» ~~راح يكتبها على مهل، وكأنه يتلذذ بطعم كتابتها، ورمق الألف في الأصل، ~~ثم ازور عنها شامخا بأنفه، وتابع الكتابة وكأنه يعزف على مفاتيح ~~بيانو أو ثقوب ناي. # وكان أسرع خطاب كتبه بعد أن التحق بالشركة، بل وقبل أن يبدأ في غيره، ~~ذهب به إلى مكتب الريس ومعه الأصل والصورة، وفي صدره حماس مستبشر ~~دافق. # والذي حدث أن الريس عبد اللطيف ما كاد يلقي نظرة سريعة على الخطاب، ~~حتى أدركت عينه الخبيرة على الفور أن الأحرار مكتوبة بلا ألف، فنظر إلى ~~أحمد رشوان طويلا، وكأنه يريد تجميده وقال: هي في الأصل «أحرارا» ~~ولا «أحرار» يا حضرة؟ ~~- أحرارا. ~~- يعني بألف؟ ~~- أيوة بألف. ~~- يعني شفتها؟ ~~- شفتها يا ريس. ~~- طيب أمال يا حضرة ما كتبتهاش ليه؟ ... روح يا حضرة اكتبها، وهات ~~الجواب تاني. # فقال أحمد رشوان بكل ثبات واطمئنان: مش حاكتبها يا سيد. # والواقع أنه قال هذا، وكادت تنتابه نوبة خوف. فالدهشة الشديدة ~~المذهلة التي ارتسمت على وجه الريس عبد اللطيف كانت شيئا يخيف؛ إذ ~~كيف يعصي مرءوس رئيسه هكذا في وضح النهار وعيني عينك، وفي مسألة لا ~~تحتمل النقاش؟! # دهش الريس عبد اللطيف وذهل، ولم ينطق في الحال! وخلال ذلك الصمت كان ~~أحمد رشوان في حالة «أخد ورد» مع نفسه، ذلك أنه في قرارة نفسه لم يكن ~~شديد الإيمان بما هو مقدم عليه. إن هي إلا نوبة حماس عنت له إثر خاطر ~~حاد في الليل، وكان لا بد لها أن تثمر عملا ما. وقام أحمد بهذا ~~العمل، وكان على استعداد للتراجع، بل لم يكن يعتقد أن المسألة ممكن أن ~~تأخذ كثيرا من الشد والجذب. # وأخيرا تكلم الريس، وقال: بتقول إيه يا حضرة؟ # وفي أدب جم عاد أحمد يقول: أنا رأيي يا أستاذ عبد اللطيف أنها تنكتب ~~من غير ألف تكون أحسن. ~~- رأيك؟! # خرجت الكلمة كالرصاصة من فم الرجل، أعقبها بسرب دافق من ~~القذائف. ~~- رأيك ده تلفه ms026 في ورقة، وتبلعه على ريق النوم. رأيك ده تقوله لصاحبك ~~وانتو ع القهوة. رأيك هناك عند بابا وماما، إنما هنا مفيش رأيك. هنا ~~شركة ليها أوامر وقوانين. هنا تمشي تروح تكتب الألف ورجلك فوق رقبتك، ~~ولولا عارف إنك طيب كنت بهدلتك صحيح ... اتفضل يا حضرة. # وانتاب أحمد غضب، وقال: أنا أحتج يا سيد عبد اللطيف على الإهانات ~~دي. ~~- إنت مش تحتج، وديني لاخصم لك يوم كمان ... اتفضل روح اكتبها. # وهكذا وجد أحمد نفسه في قلب المعركة ... معركة للدفاع عن كرامته كإنسان ~~... لم يكن يعتقد أن الأمر ممكن أن يتطور إلى هذا الحد، وطبعا كان ~~واثقا أن مسألة الخصم هذه تهديد ليس إلا، والمشكلة ممكن أن تحل بإضافة ~~ألف إلى الأحرار واعتذار لبق، وينتهي كل شيء. ولكن كان أسهل عليه أن ~~يقطعوا رقبته قبل أن يفعل شيئا كهذا؛ فأهم شيء في نظره كان هو الثبات، ~~فالمسألة لم تعد «أحرارا» بألف أو بغير ألف. المسألة كرامته وشرفه، ~~فلم يكن يعتقد أنه سيهان على تلك الصورة، ويعامل كما لو كان آلة كاتبة ~~لا تحس ولا تغضب. # كل هذا وصوت الريس يعلو أكثر وأكثر، وعناد أحمد يزداد ... الريس يقسم ~~أنه لن يتركه إلا إذا كتبها ورجله فوق رقبته، وأحمد يقسم أنه لن يكتبها ~~ولو خرج له أبوه من التربة وأمره بكتابتها. والصراع قد وصل قمته، ~~والمسألة التي بدأها أحمد وهو غير مؤمن تماما بها. كانت قد تبلورت إلى ~~درجة أنه لو قبل إضافة ألف للأحرار؛ فمعنى هذا أنه تنازل طائعا ~~مختارا عن كرامته ورجولته وشرفه، وإذا كان الناس في الصعيد وفي كل ~~مكان يقتلون دفاعا عن كرامتهم ورجولتهم؛ أفلا يستطيع هو الصمود مهما ~~كانت النتائج؟ # وطبعا لم يقف الزملاء مكتوفي الأيدي ... حاولوا تهدئة الريس بلا ~~فائدة، وحاولوا حمل أحمد على الإذعان بلا فائدة، بل كان يقابل ~~هدهداتهم ورجواتهم باشمئزاز؛ إذ هم في نظره أكلة عيش منافقون مداهنون ~~لا يقدرون قيمة هذه الأشياء والمواقف، يلتقطون الخبز من بين أقدام ~~الرؤساء بعد أن يلعقوا تلك الأقدام. ms027 فليمت قتيلا، ولكنه أبدا لن ~~يكتب ألفا للأحرار. # والعجيب أن قليلا من زملائه الموظفين والكتبة هم الذين كانوا ~~يضحكون بينهم وبين أنفسهم على المشكلة القائمة. أما الغالبية العظمي ~~فقد أخذت الأمر على أنه مشكلة من واجبهم حلها برجاء هذا وممالأة ذاك، ~~أو حتى باقتراح حل وسط؛ إذ اقترح أحدهم أن يقوم هو بكتابة ألف الأحرار ~~حسما للنزاع، وقوبل اقتراحه برفض هائل من الريس وباستنكار حاسم من ~~أحمد رشوان. # وسرعان ما ضاق صدر الريس عبد اللطيف، فهدر في جميع من بمكتبه يأمرهم ~~بالخروج مقسما بالله العظيم ثلاثا أن سيكون جزاؤه على تلك الفعلة هو ~~الرفت العاجل ... اليوم بلا أي تأخير. قال هذا وهو يعتصر قبضتيه، ويصر ~~على أسنانه، ويجهز نفسه لكتابة مذكرة مستعجلة جدا لمدير عام ~~الشركة، يطلب فيها فصل أحمد رشوان فورا؛ إذ الجريمة في نظره أخطر ~~جريمة ... عصيان واغتصاب، وإذا لم تعالج الأمور بحزم؛ وبتر فممكن أن ~~تسري عدواها إلى بقية الموظفين. # أما أحمد فقد أخذه الزملاء إلى حجرتهم، وأحضروا له فنجان قهوة رفض أن ~~يشربه، وظلوا يتحايلون عليه يحذرونه من العقاب، ويقسمون له أن ~~المشكلة الآن حلها بسيط، وأن الريس عبد اللطيف عصبي صحيح، ولكنه ابن ~~حلال، فأقل اعتذار يرضيه. # ولكن أحمد ظل يهز لهم رأسه باستمرار، بل كان حريصا على أن تظل ~~الابتسامة طوال الوقت فوق ملامحه؛ حتى لا يعتقد زملاؤه أنه مهزوز، مع ~~أنه كان مهزوزا ... كان قد صمم تصميما نهائيا خطيرا على عدم ~~التراجع؛ فقد كان يدرك أنه لو تراجع فلن يحترم نفسه بعدها. هو الذي ~~يعتبر أن ميزته الوحيدة أنه يحترم نفسه ... بل سر حرصه على الأدب الجم في ~~معاملة الناس أنه يريدهم أن يعاملوه بأدب، فإذا فقد احترامه لنفسه؛ فأي ~~قيمة تبقى له كإنسان؟ # وسرى الخبر طبعا في أنحاء المكتب ... وتلقفته الأفواه ضاحكة وساخرة ~~ومعقبة، حتى أصبح الخبر نكتة تروى، وصار الموظفون الكائنون في الأجنحة ~~البعيدة يتسابقون إلى حجرة أحمد رشوان؛ ليتفرجوا على زميلهم العجيب ~~الغريب الذي رفض أن يكتب ألف الأحرار، معتقدين ms028 أنه لا بد قد أصيب ~~بلوثة. يحدقون في ملامحه ويشاهدون كيف يتكلم وبأي ردود يجيب ليعرفوا ~~مدى إصابته ... وكانوا يعودون إلى مكاتبهم، وقد انقسموا على أنفسهم، ~~بعضهم يؤكد أنه مجنون، وبعضهم يؤكد أنه لا بد تعبان شوية، وآخرون يصرون ~~على أن المسألة كلها لا تعدو أنه ابتلع ليلة الأمس قطعة حشيش، لا يزال ~~مفعولها ساريا في جسده، ويؤكدون قائلين: دا من شكله باين عليه ~~حشاش. ~~••• # وعن طريق الريس عبد اللطيف وصل الأمر إلى المدير العام. والظاهر أنه ~~لم يكن لديه ما يشغله، أو أنه وجد المشكلة غريبة ومضحكة في الوقت نفسه، ~~وأراد أن يتفرج على الموظف الأعجوبة هذا الذي رفض أن يكتب ألف الأحرار. ~~الظاهر هذا لأنه بناء على المذكرة التي قدمها السيد عبد اللطيف كان ~~باستطاعته أن يمضي قرار الفصل في الحال، أو يخفض العقاب إلى خصم وإنذار ~~مثلا. # وأن يطلب المدير العام موظفا صغيرا معناه في العادة كارثة سوف تحل ~~بالموظف، أقلها أن يوقف أو يفصل أو يتهم في تبديد. وهكذا مضى ~~أحمد يتلقى كلمات التعزية والتشجيع، وهو يخطو إلى مكتب المدير العام ~~بخطوات راعى أن تكون منتظمة ومتماسكة ووقورة. # وكانت أول مرة يدخل فيها أحمد مكتب المدير العام، وخيل إليه حين ~~أصبح في الداخل أنه لم ير في حياته مكانا فيه كل تلك الفخامة ~~والأناقة والروعة، حتى النتيجة المعلقة على الحائط مطلية بماء الذهب. ~~وكل شيء في الحجرة مدير عام؛ المقاعد والستائر والهواء المكيف اللذيذ ~~الذي يكاد يصيب الداخل بقشعريرة جنسية، والسكون التام المطبق الذي تحس ~~فيه بدقات ساعة يدك عالية قبيحة بلدية. # وما كاد أحمد يستجمع شعاعات نفسه الطائرة، ويلتقط أنفاسه، ويبدأ يبحث ~~عن المدير العام في تلك الصالة الفخمة الواسعة، حتى فوجئ بصوت نحيف ~~يقول له: قرب يا شاطر. # وتقدم أحمد بضع خطوات أخرى حتى بدأ يتبين ذلك الرجل النحيف جدا ~~القابع وراء المكتب، لا يظهر منه غير رأس دقيق كرأس الفأر. وبينما أحمد ~~حائر ماذا يفعل أو يقول، جاءه الصوت مرة أخرى: إيه الحكاية؟ ms029 فيه إيه؟ ~~مش عايز تكتب ألف الأحرار ليه يا شاطر؟ # ووجد أحمد نفسه باندفاع ولا إرادة: عشان أنا إنسان يا سيادة ~~المدير. # وضحك المدير وقهقه ... ضحك كثيرا جدا، وظل كرسيه يدور به وهو يضحك ~~ويعلو، حتى كاد يصبح فوق المكتب. وعرق أحمد وتلجلج وأحس أنه قال كلمة ~~سخيفة لا معنى لها؛ إذ ما أدرى المدير العام بكل ما دار في عقله من ~~خواطر؟ وبدأ يبتلع ريقه وأفكاره بسرعة؛ ليبلل حلقه الجاف وعقله ويستطيع ~~أن يتكلم، وتكلم ... وشرح للمدير كل ما عن له من خواطر. وكلما رأى ~~الرجل يستمع كان يحس أنه رجل طيب جدا، على عكس ما يتصوره الناس عن ~~مديري العموم. # وحين انتهى فوجئ بالمدير العام يقهقه ويدور في كرسيه، والكرسي يهبط ~~به حتى كاد يصبح تحت المكتب ... واعتمد المدير رأسه على كفيه وقال: ~~أمال انت فاكر ايه ياسمك إيه؟ دا مش انت بس اللي مكنة ... انت مكنة وعبد ~~اللطيف رئيسك مكنة، وأنا مكنة، وكلنا مكن. مش أنا المدير العام أهه؟ ~~رئيسي عضو مجلس الإدارة المنتدب افرض قال لي اشتري ألف سهم من أسهم ~~الشركة، أقدر أشتري 999؟ لازم أشتري ألف، وإذا عملت كده أترفد ولا ~~لأ؟ طبعا أترفد. يبقى أنا في الحالة دي إيه؟ انطق. أبقى إيه؟ # وقال أحمد بصوت لم يصل أبدا إلى أذن المدير: تبقى سيادتك ~~مكنة. # فقال المدير وهو يستدير في كرسيه، ويولي أحمد رشوان ظهره، والمشكلة ~~بالنسبة إليه قد انتهت: روح أحسن اعتذر لرئيسك. وأنا حاكتفي بخصم يوم ~~واحد من مرتبك. اتفضل! كلنا مكن يا مغفل ... كلنا مكن. # وانتظر المدير قليلا ليترك لأحمد فرصة الانسحاب، وبعد لحظة استدار ~~مرة أخرى، وإذا به يفاجأ بأحمد رشوان لا يزال واقفا، بل فوجئ أكثر حين ~~وجد أنه قد انتظر اللحظة التي يواجهه فيها ليقول: بس أنا إنسان يا ~~سيادة المدير ... أنا إنسان. ~~- إنسان في عينك قليل الأدب ما تختشيش. ده جزا اللي يعاملكم بشفقة؟ ~~غور من وشي يلا غور. ~~- يا سيادة المدير أنا بكالوريوس تجارة، أنا مش ... ~~- غور ms030 من وشي. # وقبل أن يفتح أحمد فاه مرة أخرى كان الباب قد فتح، ودخل الساعي ~~وجذبه من يده برفق وأخرجه وأغلق الباب. # ولكنه ما كاد يصبح في الطرقة حتى كان جرس المدير يدق، وحتى كان قد ~~استدعي مرة أخرى للمثول في مكتبه. # ودخل أحمد بوجه شاحب كوجوه المنومين مغناطيسيا، وكأنما هو مدفوع ~~للمضي في الطريق الذي صمم عليه بقوى خفية أكبر منه. والمدير العام ~~أيضا كان متجهما صارما، وكأنما قد نبتت له فجأة أنياب أظافر. # وخير أحمد بين الموافقة على كتابة الألف فورا وخصم ثلاثة أيام من ~~مرتبه، أو فصله نهائيا من الشركة. # وما كاد أحمد يفتح فاه ويقول: أنا ... حتى كانت يد المدير على الزر، ~~وحتى كان السيد عبد اللطيف داخل الحجرة، وكأنما انشقت عنه الأرض. وكلمة ~~واحدة قالها المدير لعبد اللطيف: ارفدوه. # ثم لم يلبث أن أردف: دلوقت حالا. ~~••• # ورفدوه. # سلمه عبد اللطيف الأمر الإداري بفصله، وطالبه بتسليم العهدة، ونصحه ~~مدير المستخدمين بأن يرفع قضية على الشركة؛ لعل وعسى ... # والتف الزملاء حول أحمد حين عاد إلى الحجرة ليسلم ماكينته ~~الكونتننتال، وهي كل عهدته. كان في وجوههم أسى كثير ورثاء، ولكنه كان ~~في قرارة نفسه يرثي لهم هم. كان يحس أنه وحده الإنسان، وأنهم هم من ~~فراشهم إلى مديرهم العام مجرد ماكينات كاتبة وحاسبة وكانسة ~~ومفتشة. # وبينما كان أحمد يعبث بأحرف المكنة ليتأكد من سلامتها، دق صدفة على ~~حرف الألف، ولكنه فوجئ بأن ذراعها لا ترتفع، ودق مرة أخرى ولم ترتفع ~~الذراع. # واعتقد زملاؤه أنه لا بد قد جن حقيقة حين انطلق إلى حجرة الريس عبد ~~اللطيف، وهو يصرخ بطريقة مختلفة تماما عن طريقته المؤدبة وبانفجار: ~~الحق يا ريس ... اتفضل آهي الماكنة رافضة تكتب الألف. هيه! ارفدوها بقى ~~هيه رخرة يا ريس ... ارفدوها. # فقال الريس عبد اللطيف وهو يكح: المكن يا بني لما بيرفض الكتابة ما ~~بيترفدش، بيصلح ... ابقوا ودوها الورشة وصلحوها. ~~••• # وغادر أحمد مبنى الشركة وأصبح في الشارع، ولكنه بعد قليل لم يعد ~~يعرف في أي الشوارع يمشي؛ ms031 فقد ظل يسير كالمفيق من حادث، كالحالم؛ ~~كالمصدوم، يسير بلا وعي وبلا هدف أو وجهة. وأخيرا وجد نفسه مرة أخرى ~~في شارع سليمان قريبا من لافتة الشركة ومبناها. ولم يستطع أن يمنع ~~خاطرا صبيانيا خطر له، وجعله يقرأ اللافتة، وكأنه يراها ويتأملها ~~لأول مرة. وفقط حين كاد ينتهي من قراءتها، أدرك أنه قد رفد اليوم، ~~وأنه فقد عمله، وأن عليه أن يستعد لأيام وربما سنوات عجاف، وأن سبب ~~رفده أغرب سبب؛ إصراره على أنه إنسان. # ومرة أخرى نظر حوله ... الشارع يموج بالناس والعربات والدراجات، والناس ~~تسابق العربات، والدراجات تسابق الناس وهو ماش، لا يسابق دراجة ولا ~~تسبقه عربة، بلا هدف ولا وجهة. وفجأة أحس بشيء حار يندلع في حلقه، ~~شيء جعله يقف في وسط الشارع، ولا يشعر بنفسه إلا وهو يصرخ ويقول: أنا ~~إنسان. # والتفتت رءوس المارة مندهشة ناحيته، وأطلت من العربات وجوه، وألقيت ~~عليه نظرات كثيرة مستغربة. وقال واحد: الناس باين عليها ~~اجننت! # وضحك طفل، وزأر كلاكس يأمر أحمد بإخلاء الطريق. # ولم يستغرق هذا كله إلا لحظة خاطفة، ثم لم تلبث الحركة أن عادت في ~~الشارع إلى سابق عهدها، وكأن شيئا لم يحدث. # | أحمد المجلس البلدي # أنى تذهب كنت تجد أحمد العقلة ... نجارا تلقاه، حلاقا تلقاه، ~~تاجرا في مخلفات الجيش تلقاه. ثم هو بعد هذا يجيد شغل الآلاتية، وكي ~~الناس للشفاء من الأمراض، وجس البهائم العشر، والقيام بأعمال الأبونيه ~~وتعهدات فرق المزيكا والرقص، وإصلاح الكلوبات والبوابير في الأفراح، ~~وحتى في «تلتيم الموتى» تلقاه. # ومع هذا كله فقد كان بساق واحدة. # أو على وجه الدقة بساقين؛ ساق خلقها الله، وساق صنعها بنفسه على هيئة ~~عكاز عظيم الشأن، تفنن في مسحه وتنعيمه وتزويقه، وحفر الحمام ~~والعصافير والنساء الممسكات بسيوف عليه. # وإذا كانت ساقه التي خلقها الله وسواها تمشي في أمان الله وبصوت ~~غير مسموع، فساقه التي خلقها هو لها دبيب معروف، وفي أي مكان من البلد ~~يمكن أن تسمعه ... على الترعة، وعند المحطة، وفي القهوة، وفوق أسطح ~~البيوت، وأحيانا في كل ms032 الأماكن مجتمعة. ساق يستطيع أن يعدي بها ~~المصارف، ويقفز بها من فوق أكياس القطن، وينزل بها في «الباط» لشباب ~~البلد ويغلبهم، ويدخل معهم في مسابقات جري على السكة الزراعية ... ~~والغريب أنه يفوز. # وأحمد العقلة لا تستطيع أن تحدد له سنا أو هيئة أو حرفة حتى ولا ~~قامة ... إذا أردته قصيرا وجدته، طويلا وجدته، أحيانا تبدو لك عينه ~~اليسرى عوراء عن بعد وسليمة عن قرب، وتبدو اليمنى أحيانا كذلك، وله ~~كتف أعلى من كتف، ووجه لا يريك إياه. وإنما إذا حادثته ظل كالحمار ~~الذي تحاوره ذبابة يخفضه ويعليه، وينظر إلى جانب أو آخر، كأنما يلهيك ~~عن رؤية وجهه؛ ربما لعلمه أنه لا يخضع خضوعا حرفيا لمقاييس الجمال ~~المتعارف عليها. # إذا ضحك لا يضحك، وإذا حزن لا يحزن، وإذا تكلم تهته. وهو كثير ~~الأسفار كثير الغياب، كثير المشاريع والتقاليع، يبدأ عملا من الأعمال ~~أو حرفة من الحرف وينجح فيها، حتى إذا ما بلغ قمة النجاح تركها فجأة ~~وبلا مقدمات إلى غيرها. قيل مرة إنه لو حافظ على ما كسبه؛ لأصبح من ذوي ~~الأطيان، ويطير هو دائما وراء القائل مهددا إياه بعكازه، لاعنا أباه ~~وأبا الأطيان. # تجده يوما في البلد ويوما في القاهرة ويوما في العريش، ويوما ~~جالسا على قهوة بلدي في السلوم يروي لعربي بعقال حادثا غريبا وقع له ~~في عنيبة على الحدود بين مصر والسودان، ومقسما بالله العظيم وبرحمة ~~أبيه أنه حدث. # وإذا سافر سافر بالإكسبريس؛ فهو لا يطيق بطء القشاش، وإذا ركبه، ~~ركبه في الدرجة الأولى العليا أي فوق سطح القطار، وإذا أراد أن يهبط لا ~~يهبط كبقية خلق الله في المحطات، بل يهبط بين محطتين، والإكسبريس ~~مارق بأقصى سرعة. # وكل شيء فيه يتحرك، ودائم التحرك ... يده تتحرك لتقص شعر واحد بطريقة ~~مدهشة للغاية، أو تمتد إلى كيس خفي، وتخرج منه ولاعة غريبة الشكل ~~صنعها بنفسه لتفرجك عليها، أو تقبض على يد أخرى، وتضغط عليها وتكاد ~~تكسرها للهزل ليس إلا. # ولسانه دائم التحرك، يعدل حكاية رواها أحدهم ويكذبه فيها، أو ms033 يلقي ~~إليك بخبر يذهلك، أو يخرجه لبنت حلوة يتصادف مرورها أمام ~~الدكان. # وإذا حلق أحيانا لا يطلب من بعض زبائنه أجرا، وأحيانا يطير وراء ~~الزبون من هؤلاء مطالبا بأجره، مهددا بضربة عظمى من عكازه ... وممكن ~~أن تدخل دكانه فتجد نفسك وكأنك في متحف، فالدكان عشة من البوص أقامها ~~بنفسه وطلاها بنفسه وبيضها بنفسه، ونقش أسفلها وأعلاها بنفسه أيضا. ~~واللمبة الغاز من صنع يده، بل هو أيضا صانع البرنيطة التي تحجب ضوءها ~~عن السقف ... وهو الذي دندشها بالرسوم والنقوش والآيات القرآنية ... ولا بد ~~أن يفتح لك صندوقا من داخل الصناديق، ويخرج لك ماكينة حلاقة جديدة ~~تلمع، ويقسم بالأيمان المغلظة أنه أرسل في طلبها من ألمانيا، وأنها ~~جاءت باسمه رأسا. ولا تدهش إذا عثرت في ركن من أركان الدكان على ~~تلسكوب، أو ميكروسكوب «يستعمل عدساته لإشعال السجاير من ضوء الشمس»، ~~أو مدفع مترليوز من مخلفات الجيش. # ثم قد تجد نموذجا مصغرا لطنبور اخترعه أحمد العقلة، يديره أمامك ~~ويفرجك عليه قطعة قطعة معددا مزاياه التي تتلخص في أنه ينقل كمية أكبر ~~من الماء، ويمنع الفلاح من الإصابة «بالبلهاريسيا» ... وتتفرج عليه، ولا ~~تجد فيه أي شيء ممكن أن يميزه عن الطنبور العادي المستعمل فعلا، وتقول ~~لأحمد هذا، فيبتسم دون أن يبتسم، ويقول لك: اته ... اته ... اته ... اش اش ~~فهمك ف ف الاختراعات ... ومع هذا فلو أعجبك الطنبور أو الميكروسكوب، أو ~~حتى ماكينة الحلاقة الواردة رأسا من ألمانيا، فلا تنزعج إذا ناولها ~~أحمد لك وأقسم بالله العظيم أنها: ما ماما هي عادت تابعاه. # غير أن أهم شيء في أحمد العقلة أنه لم يكن يطيق رؤية الأعوج ولا ~~يصلحه. إذا رأى أن الكوبري الذي يصل ما بين البلدة والمحطة مهدد ~~بالانهيار، فسرعان ما تجده قد خلع جلبابه، وأدار عكازه كالسيف الطائح ~~في كل اتجاه، وأحضر أخشابا وأسمنتا وحجرا لا تدري من أين، وأصلح ~~الكوبري. وإذا وجد كومة تراب تسد الطريق وتعاكس مرور العربات الداخلة ~~إلى البلدة والخارجة منها، فستجده حالا قد استعار فأسا من دار قريبة، ms034 ~~ونزل في التل خبطا وعزقا حتى سواه. «كيف يستعمل الفأس وهو يرتكز على ~~عكاز؟ مسألة أخرى». وإذا خربت طلمبة الجامع يضيق بمحاولات عم باز ~~القاتلة البطء لجمع ثمن إصلاحها من المصلين، وستجده حتما هو الذي لا ~~يصلي، ويتخلص بمهارة من المحاولات التي تبذل لحمله على الصلاة، ستجده ~~قابعا بجوارها يدق «قلبها» ثم يستمع، وأحيانا لا تفعل محاولاته أكثر ~~من أن تزيد فسادها فسادا، ولكنه في أحيان يظل يقاوح حتى ~~يصلحها. # إذا احتجت طعما لتصطاد السمك دلك على أحسن مكان تجد فيه الطعم، ~~بل في أغلب الأحيان يستأذن منك دقيقة، ثم يعود وفي يده كرة الطين ~~المملوءة بالطعم. وإذا قلت إن نفسك في الذرة المشوية مثلا، فثق أنه ~~لن يهدأ حتى يسرق لك ملء حجره، ويشعل راكية نار ويشويها. وكل سعادته ~~حينئذ أن يجلس يراقبك وأنت تلتهم الكيزان في نشوة، ووجهه قد احمر ~~وسال منه العرق من كثرة ما هفهف على النار ونفخ وقلب الكيزان. وإذا ~~عزمت عليه أشاح بوجهه خجلا، وقال لك بسعادة حقيقية: بل بل بل بالهنا ~~والش ش ش فا. بالهنا والشفا. # وفي أي فرح لا بد ستجد عكازه يرتفع وينخفض ويزق وينزق، راقصا مرة، ~~حاملا العريس على كتفه مرة أخرى. وهو الذي ينصب الدولاب والسرير، ثم ~~هو الذي يعشي الناس، ويزكيه الجميع ليقف على حلة اللحم المسلوق، وتلك ~~علامة الثقة المطلقة في أمانته ... وفي أغلب الأحيان ينتهي الفرح دون أن ~~يتعشى. وقد يسكت عن تضحيته هذه أياما، ولكن سيرة الفرح لا بد ستأتي ~~ذات يوم، فيفلت لسانه رغما عنه ويقول: ود ود وديني ليلتها ما ما ما ~~تعشيت. # وأحمد العقلة له مع ساقه قصة مشهورة، بدأت في ذلك اليوم الذي جاء فيه ~~مفتش الصحة للكشف على أحد المتوفين في البلدة، وانتظره أحمد حتى خرج ~~وارتبك كثيرا وهو يحاول مواجهته والحديث إليه؛ فقد كان به ضعف من ~~ناحية الأطباء، ويكن لهم بالذات احتراما لا مزيد عليه، ربما من يوم أن ~~بتر أحدهم ساقه ... سأله أحمد عن حقيقة الإشاعات ms035 التي يسمعها، وتقول إن ~~مستشفى القصر العيني يركب لمبتوري الساق أرجلا صناعية مجانية. وأحس ~~الناس من سؤاله أن الموضوع الذي كانوا قد نسوه تماما لم ينسه أحمد ~~للحظة واحدة. وأكد له الطبيب صحة الإشاعة، ولكنه قال له كلاما يثبط ~~أقوى العزائم؛ فقد قال إن عمل ساق صناعية مسألة في حاجة لجهود كبيرة ~~وإقامة، ووساطات لا قبل لأحمد بها، ومن رأيه أن يريح نفسه ويوفر جهوده، ~~ولم يفعل أحمد شيئا أكثر من أنه ظل يهز رأسه، ويقول: ك ك ك كتر خيرك ... ~~كتر خيرك ... وانسحب من أمام الناس الذين التفوا حوله وحول الطبيب ~~والإشفاق يجتاحهم، وكأنهم قد أدركوا في تلك اللحظة فقط أنه ذو عاهة ~~وأنه يستحق الرثاء، هو الذي كانوا يعاملونه باستمرار على أنه ند لهم ~~فقط، ولكن على أنه جبار وقوي لا يستعصي عليه شيء. # وتلفتت البلدة ذات صباح، فلم تجد أحمد، وقيل إنه سافر، وقيل إنه ~~سيغيب. # وفعلا غاب أحمد أطول مدة غابها، حتى بدأت سيرته تطرق الأحاديث، ~~وتكاد مصمصات الشفاه تحدد له مصيرا تعسا مجهولا. ولكن مصير مين؟ ~~ذات عصر وجدوا أحمد نازلا من القطار ماشيا على رصيف المحطة كما يمشي ~~الناس، بساقين، وجلابية بيضاء جديدة. وكادت البلدة كلها تجتمع بشملها ~~حوله تستمع لقصته التي كان يرويها بكلماته التي يخرجها تحت ضغط كغطيان ~~زجاجات الكازوزة، وتتفرج عليه بعد أن جاء من مصر، وعلى ساقه الجديدة ~~الصلبة كالحديد التي لا يستطيع الإنسان أبدا أن يعرفها من ساقه ~~الأخرى. ومن تلقاء نفسه، كان أحمد يردد الحكاية وهو فرحان. سافر طبعا ~~في أول قطار بأبونيهه الدائم فوق السطح، وذهب إلى القصر العيني وسأل ~~وقطع تذكرة، وعرف اسم الطبيب الذي عنده الكشف، بل ذكر للناس أسماء جميع ~~أطباء القصر العيني ورتبهم مضيفا إليهم ألقابا خاصة من عنده ... وسأله ~~الدكاترة أين بترت ساقه؟ وبعشرة قروش أثبت لهم أنه عمل العملية في ~~القصر العيني نفسه ... وقالوا له شهادات من الشئون الاجتماعية أحضر لهم ~~شهادات، تعهدات جاء بالتعهدات، عفاريت زرق أحضر لهم العفاريت الزرق. ms036 ~~وأخيرا وجدوا أن الطريقة الوحيدة للتخلص من إلحاحه وإصراره ومناكفاته ~~أن يصنعوا له الساق، فبدءوا يتخذون إجراءات صنعها، ولكنهم أنذروه أنها ~~ستأخذ وقتا طويلا، ربما شهرا وربما أكثر، فقال لهم: على مهلكم قوي ... ~~معاكم لحد سنة واتنين. وظل وراءهم حتى عملوها ... وها هي ذي. ولكن ~~السامعين كانوا يتركون قصة الساق وتشغلهم أسئلة أخرى ... كيف وأين استطاع ~~أحمد أن يقيم كل تلك المدة، وهو الوحيد الساق في البلدة الكبيرة التي ~~يتوه فيها الناس؟ فيقول أحمد ببساطة إنه كان ينفق على نفسه من متاجرته ~~في الزجاجات الفارغة التي كان يبيعها للمترددين على المستشفى، وأحيانا ~~كان يسرح بصندوق ببس أو برطمان هندي. # ويبقى سؤال آخر أين كان يقيم ويبيت؟ # وتأتي إجابته: ف ف ف القصر يا ولاد. # فيدهش الناس ويسألونه: داخلية يعني؟! # فيجيب وهو ضيق بغبائهم وبالسؤال: لا لا لا لا ... داخلية إيه! ع ع ع ~~الباب. ~~••• # وبدأ أحمد يحيا في البلدة مستمتعا بساقه الأنيقة الجديدة. واضطر ~~لشراء حذاء لقدمه الأخرى، فالساق الصناعية مجهزة بحذاء وجورب ... وحين ~~أصبح من ذوي الأحذية وجد أن من المحتم أن يتخلى عن كثير من الأعمال ~~التي يقوم بها ... لا جري، ولا هزار، ولا طلوع نخل أو نزول ترعة، وهمه ~~كله أصبح المحافظة على الساق الجديدة وإبقاء حذائها نظيفا، وإبقاء ~~جلبابه أكثر نظافة ليتلاءم مع نظافة الحذاء ... فلا نوم على الأرض، ولا ~~حلاقة إلا للزبائن النظيفين، بل حتى هؤلاء الزبائن أصبح عليه أن يحلق ~~لهم فوق كرسي؛ إذ لم يعد بوسعه أن يتربع خلف الزبون أو أمامه على ~~الأرض. والسهم الأهوج المندفع الذي كأنه تضاءل وهبطت سرعته حتى أصبح ~~يمشي كالناس العاديين وربما أبطأ، محافظة على ساقه وتمسكا بالوقار ~~الذي تفرضه عليه، وحتى السفر أصبح المركز القريب هو آخر حدوده. وإذا ~~سافر يركب كبقية المسافرين بتذكرة، وصعود على مهل وهبوط باتزان وأدب ... ~~وأفكار غريبة أصبحت تتناثر من فمه لزبائنه الذين قل عددهم، ومعارفه ~~الذين قلت تحيته لهم وتحيتهم له، أفكار بنعل ورباط وحمالات، أفكار ~~عن فانلات حمراء بأكمام ms037 لا بد من اقتنائها، ومحفظة تحفظ قروشه من ~~الضياع. وبدلا من الفنجرة والصرف على الأصحاب والشاي الذي يعبه طول ~~النهار بغير حساب؛ لماذا لا يحاسب ويوفر ويبدأ في مفاوضة الحاج محمد ~~على امتلاك الأمتار القليلة التي يقوم عليها الدكان؟ وبدل الشحططة ~~والمبيت كل ليلة في مكان، لماذا لا يبدأ يستقر ويبحث له عن زوجة كبقية ~~خلق الله، وقد زالت العاهة ولم يعد يخشى أن تنظر امرأته إلى غيره من ~~الرجال؟ أفكار ومشاريع تكفلت بتعكير باله الرائق ومزاجه، وتحويل ~~ضحكاته العالية وقهقهاته إلى نوبات غضب وزعيق، والطلمبة تخرب، ويأتي عم ~~باز يستعرضه يرجوه فيخجل ويقول: حاضر يا عم باز. ولا يذهب ويكسل، ثم ~~يقول لنفسه أ اشمعنى أنا يعني اللي أصلحها؟ مانا زيي زي الناس. وما دام ~~الناس يصلون ولا يصلحون الطلمبة، أو يرفعون الأكوام من طريق العربات، ~~فليبدأ هو يصلي وليبدأ يفعل مثلما يفعل الناس. والناس تأكل وتلبس ~~وتتزوج، ويحيط كل منهم نفسه بما يحميه من ضربات الزمان؛ فلماذا يشذ هو ~~ويبعثر جهوده وما لديه دون خوف من ضربات الزمان؟ # بل المضحك أنه كان لا يغضب أبدا إذا عايره أحد بساقه المقطوعة، أو ~~أشار إلى عاهته على سبيل المزاح. كان يضحك ولا يحس أبدا أنه عوير أو ~~أهين. من يوم أن ركب الساق وأقل إشارة إليه أو إليها تجرحه، حتى أصبح ~~أشد ما يؤلمه أن يكون جالسا محترما في مكان، ويمد أحدهم يده خلسة ~~ليتحسس ساقه، وكثيرا ما يتحسس السليمة، فيشتعل أحمد غضبا ويثور، حتى ~~صار له في كل يوم خناقة وضرب وتحقيق. ~~••• # وفي يوم وجدته البلدة عائدا من غيبة فوق سطح القطار، ولم يهبط إلا ~~بعد أن تحرك القطار. هبط هائجا كالزوبعة يجري ويضحك ويطير وراء الناس ~~كالمجنون، حتى بدأ البعض يتساءل إن كان قد فقد عقله حقيقة. ولكنه لم ~~يكن قد فقد عقله، كان قد فقد ساقه الصناعية، واستبدلها بعكاز من المشمش ~~أيضا وقد أضاف إليه تحسينات ... وكان سعيدا جدا، وكأنما أفرج عنه بعد ~~سجن أو خرج براءة ms038 من اتهام، يتطلع إلى البلد والناس وكأنه يراهم من ~~جديد، وكأنه المسجون حين تفك عنه القيود. وانهالت عليه الألسنة تسأله ~~عن ساقه وأين ذهبت؟ وقال أحمد يومها حكاية وعدل فيها، ثم عاد ونفاها، ~~وروى حكاية أخرى. وإلى الآن لا يزال يروي عن ساقه في كل مرة قصة ~~مختلفة. مرة يقول إنه كان جالسا على قهوة في المنصورة واضعا ساقا ~~فوق ساق، وكانت الساق الصناعية هي العليا ... استرعت انتباه واحد من ~~الأفندية المحترمين الجالسين، وسأله عنها وفصلها له بخمسة جنيهات ~~ليشتريها لأخيه المبتور الساق. ومن هنا لهنا أوصل سعرها إلى عشرة، ووجد ~~أحمد الثمن معقولا، ووجدها فرصة فخلعها وقال: خذها مبروكة ~~عليك! # ومرة يقول إن أولاد الحرام نشلوا الساق، وهو نائم بها في منتزه في ~~طنطا، وإنه حين ذهب إلى القسم ليشكو للضابط نشل ساقه ظنه الضابط ~~مجنونا، وكاد يحيله إلى مستشفى المجاذيب. # ومرة يقول إن له صاحبا كان يعمل سواقا في بلاد فوق، وحدثت له ~~حادثة بترت ساقه فيها واستعمل العكاز، ولكنه حين أراد أن يتزوج قصده ~~ليستأجر منه الساق؛ ليتواجه بها أمام العروسة وأهلها، ولكن أحمد رفض أن ~~يؤجرها له وقال: إذا كان سلف معلشي ... إنما إيجار لأ. # وهكذا أخذها الصاحب على سبيل القرض وبلا رهن، ولكنه بعد الفرح ~~استحلاها، وطمع عليها، ولم يردها إلى يومنا هذا. # أكثر من قصة يرويها أحمد عن فقد ساقه، وينهيها دائما بضحكة عالية ~~مدوية وبقوله: في داهية ... دا دا كأن الواحد كانت رجله مقطوعة. # ثم يترك السامعين مبهورين، ويجري وراء واحد سبه أو خطف طاقيته، أو ~~ساهاه واستولى على الحقيبة الخشبية التي يحمل فيها عدة الحلاقة. يندفع ~~عكازه كالقذيفة الموجهة طائرا في الهواء، ثم يتبعه بجسده في قفزات ~~هائلة سريعة ترج الأرض. # | شيء يجنن! # لست في حل من ذكر اسم المدينة التي يوجد فيها ذلك السجن العمومي، ~~فالقصة لم تصبح بعد حكاية، ولا تزال في حكم الخبر الذي يتناقله ~~النزلاء وموظفو السجن وأقارب هؤلاء وأولئك. وعلى أية حال فالسجون ~~العمومية ليست كثيرة والحمد ms039 لله. بالكاد يوجد منها سجن في عاصمة كل ~~مديرية مخصص للمحكوم عليهم بالحبس، أو السجن من المديرية نفسها، وما ~~يحيط بها من مراكز أو محافظات. # والبداية مثل فرنسي يقول «فتش عن المرأة.» ولكننا لن نجد امرأة واحدة ~~في ذلك السجن العمومي، فهو من النوع المخصص للرجال. والأنثى الوحيدة ~~المسموح لها بالتجول في أنحاء السجن ليست امرأة ولكنها كلبة، أو على ~~وجه التخصيص كلبة المأمور. وللمأمور في أي سجن عمومي منزل مقام داخل ~~السجن لا تستطيع أن تفرقه عن بقية بناياته من الخارج، ولكنه قطعا فاخر ~~المنظر من الداخل، ويحتل في العادة مكانا قريبا من المدخل، وله باب ~~خاص، ولكنه محوط بالسور الرهيب الذي يحيط بالسجن من كل جانب. # ورغم أن «ريتا» (وهو اسم الكلبة) كانت تتمتع في السجن بحرية تحسد ~~عليها، إلا أنها ظلت سيئة الحظ لفترة طويلة، لا لأنها الحيوان الوحيد ~~الذي يحيا في مكان كل ما فيه من البشر، ولكن لسبب آخر؛ فكونها في بيت ~~المأمور داخل السجن كان يمنعها منعا باتا من الاختلاط ببني جنسها من ~~الكلاب في الخارج، وبالذكور منهم خاصة. والظاهر أن المسكينة بعدما ~~تعلقت بأهداب الصبر فترة طويلة لم تعد في النهاية تستطيع، وبدأت تفقد ~~السيطرة على نفسها وأعصابها، وساءت أخلاقها، وأصبحت مصدرا لشكوى لا ~~تنقطع من السيدة الشابة زوجة المأمور التي كانت تصغره بخمسة عشر عاما ~~على الأقل. مرة تهاجم النملية وتبعثر محتوياتها، وتدلق صفيحة السمن على ~~الأرز، ومرة ترفض الطعام ويظل لعابها يسيل بلا سبب واضح، وليالي بطولها ~~تمضيها في عواء غريب كأنها قد انقلبت ذئبة، وأحيانا تضبط في حالة ~~استكانة غير لائقة لمداعبة أحد المساجين. وأخيرا ذلك اليوم الذي هبهبت ~~فيه بشدة في وجه الولد الصغير حتى اصفر من الهلع، وحتى اقترح المسجون ~~العجوز الذي يخدم في البيت أن «يرشوا» له في المكان الذي روع فيه. في ~~ذلك اليوم بالذات أصرت الزوجة الشابة على أن يختار المأمور بين أحد ~~أمرين؛ إما أن يتخلص من الكلبة بالتي هي أحسن، وإما أن تترك ms040 له البيت ~~والسجن بأسره. والمأمور مع أنه كان رجلا شديد التدين أسمر البشرة ~~سمينا، ذا لغد و«شامة» دائرية في حجم القرش تحتل وجنته اليمنى؛ إلا ~~أنه كان شديد التعلق ب «ريتا»؛ ربما لأنها من النوع الأصيل الذي كان ~~يعتز المرحوم والده بتربيته (ووالده كان هو الآخر مأمور سجون، وتعلم ~~هواية تربية الكلاب من رئيسه الإنجليزي أيام كان الإنجليز هم الرؤساء ~~في كل شيء حتى في السجون)، شديد التعلق بها إلى درجة كانت تدفعه ~~لمناقشات بالغة العمق مع واعظ السجن حول نجاسة الكلاب، وأين تكمن ~~بالذات نجاستها. مناقشات كادت تدفعه لإيثار مذهب الإمام مالك على أبي ~~حنيفة الذي يتبعه؛ لأنه سمع أنه مذهب في بعض الروايات يبيح تربية ~~الكلاب إذا كانت للحراسة ... ومن تحصيل الحاصل أن نقول إنه كان أيضا ~~شديد التعلق بزوجته الشابة، ولا يمكنه بأي حال أن يفرط فيها. كل ما حدث ~~أنه رأى أن المشكلة لا تستدعي أيا من الحلين، وحلها واحد لا غير ... أن ~~يعقدوا للكلبة على كلب. وكان باستطاعة «ريتا» أن تحصل على عشرات الكلاب ~~الذكور بحركة واحدة من ذيلها فقط، لو فتحوا لها باب السجن وتركوها تجرب ~~حظها بالخارج. ولكن المأمور كان لا يمكن أن يسمح لها بهذا العبث؛ لخوفه ~~أن يتلوث نسلها من ناحية؛ ولأنه كان يتمنى لو استطاعت «ريتا» أن تنجب ~~ذكرا من أب أصيل حتى يستعيض بابنها عنها؛ إذ كان وجودها وهي الأنثى ~~داخل السجن الرجالي الذي تتجول فيه كما يحلو لها قد بدأ يقلقه، ويحس ~~أنه وضع لا يمكن أن يرتاح إليه مأمور حمش مثله. # كان على «ريتا» إذن أن تبقى رهينة المحبسين «سجنها وحرمانها»، حتى ~~يقدر لها أن تظفر بكلب يعطيها نسلا أصيلا معروف النسب. # وشاء حظها الحسن ألا تبقى هكذا طويلا؛ فقد كان بالسجن موظف محكوم ~~عليه في اختلاس اسمه فوزي واسمه المشهور به في السجن فوزي بك، وكان ~~يعامل معاملة حرف «ألف»، ويمضي طول النهار يتنقل بين مكاتب الموظفين ~~بقامته الفارعة النحيفة وبدلة السجن التي فصلها له ترزي ms041 ونظارته ~~السميكة، ووجهه المسحوب الطويل طولا لا حد له، حتى يكاد الناظر إليه ~~يعتقد أنه إذا ابتسم لا بد أن يبتسم بالطول. وكانت عائلة فوزي بك هذا ~~تأتي لزيارته زيارة خاصة مرة كل أسبوع، تتم عادة في غرفة المأمور الذي ~~كان ولوعا بحضورها وبالاشتراك في أحاديثها، ولو كانت عائلية أو خاصة، ~~وبانتهاز الفرصة كلما سنحت الفرصة لقرص ابنة فوزي بك الكبيرة ذات الستة ~~عشر عاما في خدها، وخدها كان يشبه التفاحة شكلا، ومن المؤكد أنه كان ~~يشبهها طعما. في زيارة من تلك الزيارات جاء كلب ضخم من نوع «الوولف» ~~مع العائلة. ومن لحظة أن وقع نظر المأمور عليه أدرك أن «ريتا» قد حلت ~~مشكلتها، وأنه عثر لها أخيرا على فارسها. وبالمناسبة كان الكلب اسمه ~~فارس، وإذا كانت الكلاب تقاس بما فيها من كلوبة؛ فقد كان من الواضح أن ~~فارس يتمتع بقدر وافر منها. وما كاد المأمور يعرض الأمر على فوزي بك ~~حتى إنه لم يوافق فقط، ولكنه أخذ يكيل للمأمور عبارات الثناء المنمقة ~~على «بالغ عطفه» «وعظم تواضعه»، وتنازله بإسناد هذا الشرف إلى كلبه ~~المتواضع. # وهكذا بعد الزيارة أخذوا «فارس» إلى مخزن الملابس والمهمات ليحتجزوه ~~حتى يحضروا ريتا، وكان المخزن حافلا بأكوام الملابس الجديدة ~~والمستعملة والكهنة، ولا بد أن الكلب أخذ يسلي نفسه بالقفز فوقها، ~~والتطلع من نوافذ المخزن العالية؛ إذ بعد قليل سمعه النزلاء والحراس ~~ينبح نباحا شديدا، ويحاول دفع رأسه بين حديد النوافذ ليغادر المخزن. ~~ولا يعرف أحد للآن على وجه الدقة ماذا رآه الكلب بالضبط وأثاره، ~~فالمخزن كان يطل من جهته الخلفية على فناء السجن الداخلي حيث كان ~~المسجونون حرف «ب» في حالة «طابور» أي في حالة فسحة. ربما مشهد المئات ~~منهم ببدلهم الزرقاء ذات السراويل التي تقصر أحيانا فلا تكاد تصل إلى ~~الركبة، وتطول أحيانا حتى تجرجر على الأرض، والتي يبدون فيها على هيئة ~~بشعة تكاد بشاعتها تبعث على الضحك، أو ربما تكون «الزيارة من خلال ~~السلك» تلك التي يقف فيها مئات الأهالي في ناحية، وعشرات ms042 المساجين في ~~ناحية أخرى، ويحشد كل منهم طاقته في صوته ليصرخ ويشتاق ويسلم، لتصبح ~~الزيارة مظاهرة مجنونة حافلة بالأيدي المشوحة والاستغاثات والدموع. ~~ربما هو مشهد الخارجين للمحاكمة الجالسين القرفصاء ببدلهم القذرة على ~~الأرض، في تشابه لا تكاد تميز فيه شخصا عن شخص، ولا بدلة عن تراب، ~~ربما هو الجو العام للسجن الذي يطبع كل شيء بطابع غريب مرير، ويبدو فيه ~~المساجين آلافا من البقع الزرقاء والبيضاء المنتشرة كالجراد البشري ~~مرصوصة على الأرض تقطع الطوب، متعلقة بالحيطان تطليها وخالعة ملابسها ~~تسلك المجاري، وسائرة اثنين اثنين وبين كل اثنين جردل فيه ما فيه من ~~ماء أو «يمك» أو قاذورات. أو لا بد أن التي أثارت «فارس» هي القضبان ... ~~في كل مكان قضبان، وكل شيء بينك وبينه قضبان ... بعض الناس قالوا إن الذي ~~أفقد الكلب صوابه كان منظر أرغفة عيش السجن. وقال آخرون بل هو إحساسه ~~أن الباب أغلق عليه، وأصبح أسير الجدران. المهم أن الكلب ظل نباحه ~~يرتفع، ولا يترك فرجة في المكان إلا وجرب فيها نفسه وجسمه، حتى زرق من ~~خلال فتحة التهوية في المخزن، وقفز المسافة الكائنة بينه وبين دور ~~تسعة، ومنه إلى سور المسجد، إلى الخلاء. وحدث هذا قبل أن ينتبه أحد، بل ~~دون أن ينتبه أحد ... فالحقيقة أنهم لم يكتشفوا هربه إلا حين ذهبوا ~~يفتحون باب المخزن، وقد أحضروا ريتا. # هاج المأمور طبعا، وكادت الشامة اللاصقة بوجنته تقفز غضبا، ~~وتخترق عين السجان الذي ذهب يبلغه بما حدث. وأسرع فوزي بك يعتذر عن ~~تصرف كلبه، ويعد بإنزال العقاب به وتوصية الأسرة بحرمانه من الطعام. ~~وظل طوال الأسبوع كلما قابل المأمور يعتذر، حتى حان موعد الزيارة ~~التالية، وجاء الكلب مع العائلة، ونبه المأمور زيادة في الاحتياط بأن ~~يحجز الكلب في إحدى الزنازين الانفرادية التي يوضع فيها كبار المجرمين ~~إذا عصوا أو أذنبوا. وخصص لحراسته أرذل سجان في العنبر. ولتسهيل ~~المهمة أكثر، وضعت «ريتا» في الزنزانة هي الأخرى حتى لا يضيع الوقت في ~~البحث عنها. وأخذ فارس بعد الزيارة من صحبة ms043 العائلة إلى الزنزانة، حيث ~~أدخل فيها بخدعة وأغلقوا عليه الباب. ووقف السجان يراقبه من خلال ~~«العين» الموجودة في الضلفة. وما كاد الباب يغلق على الكلب، ويدرك أنه ~~أصبح سجين جدران أربعة، حتى راح يهبهب دون أن يعير «ريتا» أقل انتباه ~~وكأنه لا يراها، ثم تحولت هبهبته إلى عواء. وما لبث السعار أن ~~انتابه، فمضى يقفز ويجري في اتجاه النافذة وينشب أظافره في الضلفة ~~ويخربش الحائط، بينما علا نباحه حتى كاد يصم الآذان. وكلما أوغل في ~~محاولاته انكمشت «ريتا» على نفسها، وانكمشت واضعة ذيلها بين فخذيها، ~~محتلة من ركن الحجرة القصي أصغر مساحة يمكنها أن تحتلها، تاركة ~~بقيتها لهذا البركان الهائج. ظل الشاويش يراقبه منتظرا أن يعقل ويهدأ ~~بلا فائدة، كلما كان الوقت يمتد كان سعاره يزداد والزبد الذي حول فمه ~~يتكاثر. وجرى الشاويش بالأخبار إلى المأمور، وسبه المأمور قائلا إنه ~~هائج لأنه لا بد جائع، وأمره بأن يقدم إليه ثلاث قطع كبيرة من اللحمة ~~التي يأكل منها المساجين، وعاد الشاويش مهرولا لينفذ الأمر، غير أنه ~~ما كاد يفتح الباب ليلقي اللحم حتى فوجئ بقفزة هائلة من الكلب، وثب ~~فيها على أكتافه وألقاه أرضا، وبقفزة أخرى كان قد أصبح خارج العنبر، ~~وبثالثة كان قد أصبح خارج السجن، ومضى يجري ويجري مبتعدا لا يلوي على ~~شيء. # ولم تكن السقطة وحدها هي كل الجزاء الذي حل بالشاويش؛ فقد أقسم له ~~المأمور بشارب أبيه أنه لن ينساها له، وأنه سينتهز أول فرصة، وينقله ~~إلى سجن الواحات. بل شمل غضب المأمور فوزي بك نفسه، واستمع الرجل ~~للتأنيب وهو صاغر، وحاول أن يعتذر فرفض اعتذاره، ولم يسمح له المأمور ~~بفرصة إلا أن يرسل في طلب الكلب فورا؛ وإلا كان ما كان. # وأرسل أحد السجانة إلى منزل عائلة الرجل ليحضر الكلب المارق، ولكنه ~~عاد يقول إن الكلب لم يعد بعد، وإن العائلة تقضي وقتا عصيبا في ~~انتظار عودته. وأرجعه المأمور إليهم ليخبرهم بأن عليهم إحضار الكلب متى ~~عاد، وفي أي ساعة يعود ولو كان في منتصف الليل. ms044 ولم يعد الكلب للعائلة ~~إلا بعد انقضاء يومين، يبدو أنه ظل تائها فيهما في المدينة. وخضوعا ~~للأوامر أحضروه، وكانوا قد استعدوا له هذه المرة، فأمر المأمور بإدخاله ~~حين حضوره مع «ريتا» في الفناء الداخلي لسجن التأديب، وهو فناء تحيطه ~~الزنازين من كل جانب، وسقفه مصنوع من القضبان، وبابه من حديد وقضبان ~~أيضا، ولا يمكن أن يهرب منه أبدا. وكان على الكلب أن يبقى مع «ريتا» ~~في هذا الفناء، حتى يتم كل شيء، على أن يقدم لهما الطعام والماء خلال ~~المسافات الكائنة بين القضبان ثلاثة عساكر بالبنادق، على رأسهم شاويش ~~التأديب المعروف بقسوته وجرأته. # وتم كل شيء تماما وفق ما أراد المأمور، ولكن الكلب بدا كأنه فقد ~~عقله نهائيا هذه المرة، فقد قضى يوما بطوله ينبح ولا يكف عن النباح، ~~وفي الليل لم يدع أحدا يغمض جفنه لا في فناء السجن ولا في بيت ~~المأمور. وقرب الفجر أحس الديدبان بحركة في سقف فناء التأديب، وقبل أن ~~يصرخ ويقول «م اللي هناك» كان الكلب قد أرغم جسده على المروق بقوة ~~جبارة من خلال المسافة الصغيرة الكائنة بين حديدتين. وفي ومضة كان يقفز ~~من سقف إلى سقف إلى خارج السجن. # ولم يعد لمنزل العائلة لا ليلتها ولا ما تلاها من أيام وليال، ~~وبحثوا عنه في كل مكان فلم يجدوه أبدا، كان بلا ريب قد غادر المدينة ~~كلها إلى غير رجعة. # | آخر الدنيا # حين ذهبت شمس الشتاء الصغيرة، وجاءت الشمس الكبيرة، وهبت نسمات الحر ~~تؤذن بقرب الامتحان ... كان أهم ما يشغل باله هو ضياع تلك القطعة الفضية ~~المسدسة الأحرف ذات اللمعة الهادئة الوقورة والنعومة الخشنة التي يبعث ~~ملمسها الفرحة والأمان. # وحين رجوعه إلى البيت وقد ضعضعته رحلة العودة، وملأت جسده النحيف ~~الأصفر بالعرق الصغير الأبيض، مد يده في جيب البنطلون وحين لم تلمسها ~~كذب أصابعه وعاد يمدها. وكلما أكدت الأصابع أنها غير موجودة ازداد ~~تكذيبا لها ... ولم يبدأ الخوف الأكبر ينتابه إلا حين فتش جيوب البنطلون ~~كلها والجاكتة والجلباب ومكان وقوفه، وكل بقعة من ms045 أرض الغرفة المظلمة ~~التي لا يأتيها النور إلا من كوة صغيرة قرب السقف ... لم يبدأ الخوف ~~الأكبر ينتابه إلا حين فتش الحجرة وما فيها بحرص وإمعان، وكأنما يفتش ~~كفه ... ولم يجدها. # حينئذ فقط كانطلاق الاستغاثة في ريف ساكن، كالخبر القاصم للظهر ... ~~كالمصيبة المفاجئة، أدرك أنها ضاعت ولم تعد في حوزته ... ووجد نفسه ~~ينهار على الأرض نصف خالع لملابسه، وهو لا يعرف شيئا، ولا يفكر في شيء ~~ولا ما يجب عليه أن يفعل، وكأن عقله قد ضاع منه أيضا ... وطالت الجلسة ~~وامتدت وهو يحس بها وكأنها لم تبدأ، وكأنها جريمة أن يتحرك ... لم يبدأ ~~يتحرك إلا حينما بدأ صوت رفيع يعلو داخله ويقوى، ويؤكد له أنها أبدا ~~لم تضع، وأنها لا بد موجودة في مكان ما، وما عليه إلا أن يجد المكان ~~ليجدها. هنا فقط تحرك وأكمل خلع بذلته، وأكمل ارتداء جلبابه وعاد يفتش ~~الحجرة ومحتوياتها من جديد، ثم خرج إلى فناء الدار الواسع غير المنتظم، ~~وصعد إلى السطح، وبعود من الحطب عسعس فيما أمام البيت من تراب، بل ~~الكناسة أيضا، فرزها بالعود وبعينيه وبكل قدرته على التمييز ... ولكن ~~بحثه في كل تلك الأمكنة كان نوعا من أداء الواجب ... لم يكن قد فقد ~~شيئا قبل الآن ... فلم يكن أبدا قد امتلك شيئا ... ولهذا فهو لم يجرب ~~أيضا أن يبحث عن شيء، ولا أحس أبدا بهذا المزيج الغريب من الأفكار ~~التي تفزعه ويطردها، فتعود أقوى، فيكاد يبكي مخافة أن يكون ما يحدث له ~~هو الجنون الذي يرسلون من أجله الناس إلى السراية الصفراء. # لا يهم الآن أين هو أو ماذا يفعل، ولا إن كان قد قدر له أن يظل حيا ~~إلى يومنا هذا؛ فربما عاش واغتنى وبنى لنفسه قصرا وأحس بأهمية أشياء ~~كثيرة، ولكنه أبدا لا يمكن أن يكون قد أحس بمثل الأهمية التي أحسها ~~يوما ما لتلك القطعة الفضية المسدسة الأحرف ... ليس لأنها أول نقود ~~أعطاها له أبوه ... فأبوه كان دائما يعطيه أشياء كلما جاء لزيارتهم ... ~~والحقيقة أنه لم يكن يأتي ms046 كثيرا ... كل بضعة شهور مرة ... يفاجأ حين ~~يعود من المدرسة بصوته الحبيب يأتيه من وراء الباب قبل أن يفتح له ~~الباب ... أو يكون الليل قد استتب وسكنت الأصوات كلها، ثم مر قطار ~~آخر الليل بصفيره الحزين النعسان ... ومرت بعده دقائق، وإذا بالقبضة تدق ~~على الباب، وبالصوت أحب صوت يقول: افتحوا أنا فلان ... ولهذا فما من مرة ~~كان يعود فيها من المدرسة ويطرق الباب، فما من مرة يفوت فيها آخر قطار ~~إلا ويستجمع نفسه استعدادا للمفاجأة، واستعدادا لما قد يعقبها من ~~خيبة الأمل. # وإذا جاء أبوه أخذه تحت إبطه واحتضنه وقبله قبلة سريعة في خده، ودس ~~يده في جيبه وأخرج له شيئا: حبة كراملة ... قلم رصاص جديد غير مبري، ~~وأحيانا يدس يده ولا يخرج شيئا، ويحس بأبيه محرجا فيفتعل سببا، ~~ويختفي لينقذه من الإحراج ... وفي كل مرة يأتي يظن أنه قد استحوذ عليه ~~أخيرا، وأنه لن يفلت منه أبدا. وفي كل مرة يحدث ما يؤلمه، فيعود من ~~المدرسة أو من الخارج ليجد أن أباه قد ساهاه وذهب. يدور في أنحاء البيت ~~ويصعد إلى السطح، ويجري إلى الجامع يفتش صفوف المصلين الراكعين أو ~~الواقفين ... أو حتى الساجدين الذين قد اختفت كل معالمهم ولم تبق لأيهم ~~سوى قدم واحدة واقفة تسند الجسد، وبلمحة واحدة يلقيها على الأقدام كان ~~يدرك أن أيا منها ليست قدم أبيه. # ويلهث حينئذ إلى المحطة لعله في مكان ما في البلدة لم يسافر بعد، ~~ولا بد سيأتي لركوب القطار، وتمر القطارات ذاهبة وآتية ولا يظهر له ~~أثر، حتى إذا مر قطار الرابعة تملكه اليأس الكامل، وجازف بنفسه ومر ~~من أمام «الراس» في طريقه إلى البيت يكاد يبكي ... وأحيانا يبكي ويحس أن ~~البكاء لا يعبر أبدا عن ضيقه، وأن الحل الوحيد أن يساهيه القطار، ويظل ~~يدهمه ويدفعه حتى يوصله إلى بعيد ... أبعد بعيد ... آخر الدنيا. # ويصل البيت وتسأله الجدة أين كان. فيتخابث هو ويسألها أين أبي؟ ... ~~فتجيبه بتلك الكلمة التي يحس بها كزلطة السكة الحديد حين تدق الرأس: ~~سافر. لكم ms047 كره السفر وتمناه؛ فهو الذي يأخذ أباه منه، وهو أيضا ~~الكفيل بأن يذهب به إليه ... وكأنما تتذكر الجدة ... إذ لا بد أن تعنفه على ~~شيء حدث في أثناء زيارة أبيه ... ثوب متسخ، أو شحوب زائد عن الحد، أو ~~كلمة شكوى تفوه بها، وبيد جافة معروقة تأخذ أنفه بين إصبعيها لتمسحه ~~وتعلمه النظافة، وإن تململ ثبتته في مكانه بقرصة أذن. وإن قال: «يا ~~اما» لكزته قائلة: اسكت يا ابن النجسة ... ويحس بالخجل الشديد كأنها عرته ~~أمام الناس، ومع أنه يعلم تماما أن جدته فظة المخارج فقط، وأن كلامها ~~مع الجميع شتائم. # ويحين العشاء ... والعشاء دائما خضار من الغيط مسلوق أو أرز بالتقلية، ~~والطبلية تزدحم بأيد كبيرة خشنة، وحتى النساء اللاتي يخجلن في حضرة ~~الرجال لا يخجلن ساعة الطعام، ويروح الكل يأكل في نهم، والأيدي تتسابق ~~بلقم كالفئوس تفرغ الغموس في ومضة، ويده صغيرة كيد القطة يمدها خلسة ~~ويدعي الأكل، خائفا أن يدرك أحد أن الطعام لا يعجبه وأنه دلوعة وأنه ~~طفل، فالجميع كبار يعاملونه كالكبير، ولا يمكن أن يجعلهم يتصورون أنه ~~صغير. ولا تكون به حاجة للادعاء فلا أحد يفطن إليه والكل مشغول عنه، ~~والقطط وحدها هي التي تهرب من القبضات الساحقة الزاجرة وتستهيفه ~~وتتكاثر عليه، تمد يدها قبل يده، فإن حاول سبقها زجرته وماءت في وجهه ~~وأخافته. # وفي أحيان يضيق بالعشاء ويروح يتصور عشاء آخر مع عائلته الحقيقية ~~وإخوته الصغار والكبار، فلا بد أن له إخوة، ولا بد أنهم يتناولون الآن ~~طعاما أحسن، وأبوه يأخذهم تحت ذراعيه ويهدهد عليهم، وأمهم - أمه - ~~تدللهم وتطعمهم ... لا بد هذا رغم كل ما تقوله الجدة وتقسم عليه، رغم ~~تأكيدها بأنه لا إخوة له ولا أم. إنه شيطاني ... مرة انتابه العناد، وظل ~~يبكي ويطالب الجدة أن تدعه يذهب إلى إخوته وأمه، وحين لم يفلح فيه زجر ~~أخذته الجدة في حضنها وقبلته، وقالت له وهو يرى الدموع في عينيها إن ~~أمه سرقها حرامي ذات ليلة من أبيه، وألا فائدة من بكائه أو إصراره؛ إذ ~~لا أحد ms048 يعرف مكانها أو أين تقيم، وأنها هي أمه الحقيقية التي سيعيش ~~معها إلى الأبد ... ليذهب كالشطار إلى المدرسة ويتعلم، ويصبح غنيا ~~وأفنديا كالبهوات. وحين حاول المحاولة الأخيرة، وطلب أن يذهب إلى ~~مدرسة من المدارس القريبة من أبيه، ضمته جدته وهي تخبره ألا مكان له ~~عند أبيه؛ إذ هو يعمل هناك بعيدا جدا بينهم وبينه أسفار ~~وأسفار. ~~- عند آخر الدنيا يا جدتي؟ ~~- تماما هناك يا بني ... مكانك معي هنا لتكون قريبا من ~~المدرسة. # ورغم هذا فلم تكن المسافة بين بيت جدته والمدرسة تقل عن الأربعة ~~كيلومترات، يصحو لها من الفجر ... توقظه العمة أو زوجة العم التي يكون ~~عليها الدور في جلب الماء من الترعة، وتصب عليه من إبريق فخار في ماء ~~مرصرص يوقف شعره، ويدمي فروة رأسه، ويظل لا عمل له طوال الطريق إلا ~~النفخ في يده. ويجري حتى لا يتأخر والطريق مضبب نصف مظلم وطويل لا ~~نهاية لطوله، ويقطعه وحيدا؛ فزملاؤه لا يصحون في هذا الوقت المبكر. ~~ومع هذا يسبقونه إلى المدرسة وقد أركبهم آباؤهم ركائب، أو قطعوا لهم ~~تذاكر بتعريفة في أول قطار. ودائما يصل والطابور واقف، ولا بد له كل ~~يوم من خيزرانات أربع أو خمس ... للتأخر أو لقذارة الحذاء، أو لعدم ~~الحلاقة ... وبأيد صغيرة ورمها البرد وخدرها الضرب. وبأذن حمراء ~~بالزمهرير وما تيسر من القرصات، وببدلة جرباء كالحة وركب مسلوخة وشبه ~~حذاء، يدخل الفصل منكس الرأس، وربما لهذا كان يطلع الأول ... دائما ~~الأول، ودائما هو أكثر التلاميذ انتباها ... ربما لكيلا ينتبه إلى نفسه ~~ويخجل. في فسحة الغداء فقط يعود رأسه ينكس، حين يترك غيره يذهب إلى ~~المطعم أو الكانتين ويذهب هو ليبحث هناك عند آخر السور على منديل ~~الغداء الذي طبقوا له فيه الرغيف على قطعة الجبنة، والذي كان يخفيه ~~بجوار السور، ويتكفل لونه الذي لا يختلف عن لون الأرض بحفظه من الضياع. ~~وما أعمق الراحة التي كان يحسها حين يدق آخر جرس؛ إذ معناه أن تبدأ ~~رحلة العودة ... نفس الطريق الذي قطعه لاهثا مذعورا يعود منه ms049 الهوينى، ~~وبالهوينى يحلم ما يشاء من الأحلام. وقد لا يحلم أبدا ويظل طول ~~الطريق سعيدا يكاد يطير، فقط لإحساسه أنه هنا يستطيع أن يختار أي حلم ~~ويحلم به ... وأي هدف ويحققه. هنا يستطيع أن يعثر على أمه، ويستحوذ إلى ~~الأبد على أبيه، ويسافر إلى آخر الدنيا، ويجد الكنز وخاتم سليمان ~~ومصباح علاء الدين. # وفي نفس طريق العودة هذا فقد كنزه الحقيقي، القطعة ذات القرشين التي ~~أعطاها له أبوه في زيارته الأخيرة ... وقبل أن يغيب غيبته التي طالت، ~~وأسالت دموع جدته مرارا. ويسمع الهمسات أنه لن يعود إلى البلدة مرة ~~أخرى ... أشياء لم يكن يحفل بها، فالهاتف الذي في نفسه يؤكد له أنهم ~~جميعا يكذبون عليه، فمن المستحيل أن يتركه أبوه هكذا ولا يعود إليه. ~~بل هو لا يعرف تماما لماذا أبطل التفكير في أبيه، ووضع همه في القطعة ~~ذات القرشين ... صحيح كان يدرك أنها نقود ولكنه يدرك بالسمع، فهو لم ~~يشتر شيئا ولم يبع، ولا امتلك قرشا أو مليما في حياته، ووضعه في ~~محفظة أو كيس، بل لم يكن قد امتلك أبدا شيئا لنفسه ... البدلة ~~والكراريس والأقلام كانت أشياء يعطونها له ليذهب إلى المدرسة، والأشياء ~~التي كان يعثر عليها أحيانا ويحفظها، ويصنع لها صندوقا، ويضعها فيه ~~كان يدرك من أعماقه أنها بغير قيمة، ويستغرب حرصه على إبقائها عنده ~~واعتنائه بها؛ فهو لا يتحمس لها إلا حين تضيع أو يكتشف ذات مرة أن ~~جدته تخلصت منها. # القطعة ذات القرشين أو «أم أربعة» كما كانت الجدة تسميها، كانت ~~شيئا آخر. لأول مرة في حياته أحس أنه أصبح مالك شيء ذي قيمة عظمى! ~~إنها ليست نكلة أو ربع قرش أو تعريفة أو غير هذا من القطع التي كانوا ~~يسمحون له بإمساكها في يده، أو التفرج عليها ... إنها قرشان بحالهما، في ~~قطعة من الفضة، الفضة التي يسمع الناس يتكلمون عنها باحترام لا يعادل ~~إلا احترامهم للذهب ... أيام أن أعطاها له أبوه لم يكن قد أحس ~~بأهميتها. كان مشغولا كالعادة بخوفه من أن يسافر، وبالضيق ms050 الذي ينتابه ~~حين يسافر، والأقاويل التي أعقبت سفره. حين بدأ يفطن إليها وإلى أنها ~~ملك خالص له لا يشاركه فيه أحد كاد ينسى أباه، والدنيا وكل ما في ~~حياته. # وظلت معه طوال الشتاء ... إذا عاد من المدرسة كان يضعها في كيس صغير ~~خيطه بنفسه لأجلها، ويحكم وضع الكيس في جيبه ... كلما خرج من البيت ~~تحسسها ... كلما جاء عليه الدور في لعبة «ضربونا» اطمأن لوجودها. ولا ~~ينام إلا إذا ملس عليها، ويستعجل اليقظة ويصحو فرحا؛ لأنه من جديد ~~سيضغطها بين أصبعيه، ويقلبها ويستمتع مرة أخرى بلمس خشونتها. إذا ارتدى ~~البدلة نقلها إلى جيب البنطلون، وقبل أن يخلعه يكون أول ما يفعله أن ~~يعيدها إلى الجلباب. وأغرب شيء أنها، وهي معه ويتحسسها طوال الطريق، ~~كان يحس بالدنيا دافئة وبخطواته أسرع، وحتى إذا ناله على التأخير ~~ضربات، وتورمت يداه فقبل أن يدخل الفصل كان يناضل لكي تستطيع أصابعه ~~التي فقدت حركتها وإحساسها أن تطبق عليها. وحين تنقل إليه الأصابع ~~حجمها مبالغا فيه ومضاعفا، وملمسها مخالفا مغايرا، وكأنما تورمت هي ~~الأخرى. وفقدت الإحساس ونالت خيزرانات، حين يحدث هذا في التو كان ~~يذهب الألم عن يديه والمهانة عن نفسه، وفي الفصل إذا استعصت عليه ~~الإجابة استنجد بها، وإذا خانته الذاكرة وأخطأ وأحس بالمذلة، تعزى ~~بأنها على الأقل معه في متناول يده. وتركزت أحلامه في طريق العودة ~~حولها ... أحيانا يتصور أن أناسا يعرضون عليه مائة جنيه ليأخذوها، ورغم ~~إدراكه أن الجنيهات المائة مبلغ لا حد لضخامته؛ فإنه كان إذا وصل في ~~أحلامه إلى مرحلة التنفيذ لا تطاوعه نفسه فيرفض، ويرفض حتى مبلغا أكبر ~~... ويقول الناس عنه إنه مجنون، ويسألونه كيف لا يقايض عليها بمائة جنيه ~~وأكثر، فيعجز هو عن تقديم السبب، إذ هو نفسه لا يستطيع أن يعرف لماذا ~~يحبها كل هذا الحب، ويفضلها على مال الدنيا كلها، وحتى على مصباح ~~علاء الدين! # وحين يستعرض في الطريق مخازي اليوم، ودائما كانت له كل يوم مخاز، ~~ويتذكر نظرة مدرس الجغرافيا «الملظلظ» السمين ذي الحذاء البني الذي لم ms051 ~~تر عيناه شيئا في مثل لونه البني الجميل، ولمعته التي تخطف البصر، ~~ونعله الثخين السميك المحلى حين يتصل بالجلد بعدد لا نهاية له من ~~الخطوط الدقيقة القصيرة المتوازية. أعظم ما كان يتمناه في حياته أن ~~يرتدي حذاء بمثل تلك اللمعة والنظافة. حين يتذكر نظرته إليه النظرة ~~التي كلها اشمئزاز، وكأنه ينظر إلى دودة أو بصقة، وكلامه عنه وعن أبيه، ~~وبصيغة الجمع، وعن أبيه بالذات وفقره وفقرهم، وكأنهم مصابون بداء منفر ~~تتقزز له النفس اسمه الفقر، حين يتذكر ضرب التلامذة الكبار له وقذفهم ~~الحبر على بدلته، وجاره ابن عامل تليفون هندسة الري الذي ترك له التختة ~~وحده، وذهب إلى تختة أخرى هامسا في أذن جيرانه بأنه لم يعد يطيق ~~رائحة البصل والمش التي تفوح منه، حين يطارده لقب «أبو ضب» الذي أطلقوه ~~عليه ظلما حتى آمن به وبدأ يفكر في وسيلة لانتزاع أسنانه، حين يستعرض ~~ويضم نفسه على نفسه، وكأنما يريد أن يخفي نفسه عن نفسه، لا يبدأ ينسى ~~ويعود يحلم ويسعد إلا حين يتذكرها ويدس يده كالملهوف ويطمئن ~~عليها. # وفي ذلك اليوم حين خلع البدلة، وعرف أنها ضاعت، وظل ما تبقى من اليوم ~~منحنيا يبحث، أو نائما على بطنه يخترق الظلام بأنظاره ويتأمل، وأوى ~~أخيرا إلى مضجعه بين الأجساد الكثيرة التي تحفل بها وبنفسها وشخيرها ~~الغرفة. كان كل ما يشغل باله قبل أن تغمض جفونه أنه - بعد - لم يجدها. ~~وحين استيقظ ومد يده مرة واحدة إلى الكيس عن بعد وتلمس جميع ~~أطرافه، استعد لصرخة فرحة، وأطبق يده مرة واحدة على الكيس، ولكن يده لم ~~تطبق إلا على الهواء، وكان الكيس كالأمس لا يزال فارغا. تورم قلبه ~~وتمدد يحتل كل صدره، ويكاد يوقف أنفاسه عن التردد. ما فائدة الصباح ~~الباكر أو المدرسة، أو أن يكون الأول ويصبح كالبهوات إذا لم ~~يجدها؟ # ومضت أيام كثيرة ... خميس وجمعة وراء خميس وجمعة، وما فعله في اليوم ~~الأول كان يفعل بعضه في الأيام الأخرى، فيعيد تفتيش الدرج أحيانا، أو ~~يتأمل البقعة التي يقف فيها حارسا ms052 لمرمى فريق الكرة الزلط، أو يعيد ~~تقسيم الحوش إلى مربعات جديدة يتفحصها إصبعا إصبعا. مضت أيام وعاد ~~يضحك ويحزن ويلعب «ضربونا»، ويعاني من خشونة الجدة وخيزرانات المدرسين، ~~ولكنه كان وكأن شخصا آخر هو الذي عاد يفعل كل هذا، شخصا لا يفرح ولا ~~يحزن، ولا يجد في الألم ألما ولا في أحلام العودة سعادة. أما شخصه هو ~~فقد ظل دائما معها، وكأنها كانت تمتلكه، وحين ذهبت أخذته وأخذت ~~انتباهه وكل إحساسه، كلما فتح فمه ونطق شيئا، كلما كف عن الحديث وسهم، ~~كلما أحس أنه يريد أن يفكر، كلما بدأ يضحك، كلما صادفته سعادة صغيرة ~~... حبة طماطم أو برتقالة أو أستيكة يكافئه بها مدرس الحساب على معضلة، ~~كلما أحس بالعضة وأدرك مفجوعا أنها ضاعت، وأنه لا يزال لم يعثر لها ~~على أثر، وهنا ومن جماع نفسه، وبكل ما يمتلك من عناد وتصميم، كان يهتف ~~ويكاد يصرخ ويسمع الناس أنها لم تضع، أبدا لم تضع، فلا بد أنها ~~موجودة في مكان ما من الدنيا تنتظر منه أن يعثر على المكان فيعثر ~~عليها. # وفي يوم وقد مضى الشتاء وبدأت الدنيا تحفل بالشمس الكبيرة والحر ~~ورائحة الامتحان، كان عائدا ما كاد يخلع الجاكتة ويلقيها ويلتقط ~~أنفاسه من رحلة العودة، حتى تذكر - هكذا - وكأن يدا لا يعرفها امتدت ~~ووضعت الفكرة في رأسه ثم تلاشت، تذكر أنه في اليوم الذي فقدها فيه ~~تماما كانت نفسه قد زينت له أن يحصل على بضع كيزان من التين الشوكي ~~المزروع فوق جسر السكة الحديد، وأنه لأول مرة خالف نصيحة أبيه الذي كان ~~يوصيه على الدوام بألا يصعد إلى الجسر أبدا، وأن يمشي على الناحية ~~المحاذية للخليج من السكة الزراعية، بحيث إذا ميلت عليه سيارة قادمة ~~يصبح بإمكانه أن يخوض في الخليج الضحل. يومها خالف النصيحة، وصعد ~~إلى الجسر، وزاغ بصره بين الكيزان الناضجة الصفراء كالكهرمان، وبين ~~جلباب عم علي الأسود الذي يشتري التين من المصلحة ويحرسه ويبيعه. لا بد ~~أنه في خضم خوفه واضطرابه ومحاولته أن يحاذر الشوك، وأن يفك ms053 ملابسه ~~بطريقة يدعي بها لعم علي أنه يقضي حاجته فيما لو ظهر له فجأة، لا بد ~~أنها سقطت منه في ذلك المكان، ولا بد أنه لم يع وهو في حالته تلك ~~بسقوطها. # ورغم أن الأمر كان مجرد فكرة بعيدة الاحتمال، أبعد منها أن تكون قد ~~ظلت في مكانها تنتظره طوال تلك الأسابيع هي الجديدة أو تكاد، ذات ~~اللمعة رغم هذا، إلا أن الفرحة التي اجتاحته أغرقت بفيضانها أي تردد أو ~~شك، فرحة حقيقية جعلته يدرك أنه لم يكن يفرح، وحين انطلق يجري بالقميص ~~والبنطلون قافزا فوق جدته التي كانت تجلس على عتبة الغرفة، تلضم عقود ~~«البامية الناشفة»، أحس أيضا أنه لأول مرة يجري أو يمشي أو يتحرك، أو ~~يهمه الجري والتحرك. ودون أن يعي كان قد حدد لنفسه ما يجب عمله؛ ~~فالتين الشوكي مزروع بطول الأربعة كيلومترات التي يستغرقها الجسر، وهو ~~لا يعرف في أي بقعة بالذات قام بمغامرته ... ولهذا فسيمسك الجسر من الأول ~~من محطة البندر إلى أن يجد البقعة. ولم يلتقط وعيه بنفسه، ولم يبدأ ~~ينظر إلى الشيء المحدد؛ إلا حينما أصبح، وكأنما بسرعة البرق عند محطة ~~البندر. ونظر إلى الجسر الطويل واستعذب النظر، ففي مكان منه سيجدها، ~~ولا يهم الطول فكلما طال البحث امتدت النشوة، وأيضا لا يهم أنه للمرة ~~الثانية يخالف نصيحة الأب، وتحذيره بأن القطار لو فعل سيقطعه قطعا ~~قطعا ... أكبر قطعة منها في حجم القرشين ... فهو للمرة الأخيرة يخالفها ~~ولا خطر هناك، فالساعة بالكاد قد بلغت الثالثة، وباقي على القطار ~~القادم، قطار الرابعة، ساعة، والأمر لن يأخذ دقائق. ~~••• # وقدما قدما فوق الفلنكات الخشبية مضى يتحرك ويتوقف، ويجول بعينيه ~~خلال الزلط الكثير، عشرات الزلطات ومئاتها وآلافها، ثم ينحني ويتفحص ~~جذور التين وأوراقه الجافة ثم يعود للسير، ولكنه كان يدقق ويتفحص ~~الأداء الواجب ليس إلا؛ فقد كان يعتمد على انفعال ما سينتابه حين ~~يصبح عند البقعة التي قام فيها بمغامرته؛ إذ رغم أن تينها لا يختلف عن ~~غيره في طول الجسر ، وزلطها لا يختلف عن الزلط؛ ms054 إلا أنه متأكد أنه لو ~~رأى ألواح التين وأوراقه وشجرته التي أخذ منها في الحال سيعرفها. وهكذا ~~مضى يزحف قدما قدما ينظر أداء للواجب، ويتأمل الأوراق والبقع، ~~منتظرا أن تحدث له الاختلاجة التي يترقبها. وحين لا تحدث يتقدم خطوة ~~أخرى فرحان فقط؛ لأنه أخيرا يعود للبحث عنها، سعيدا بتضييق الخناق ~~عليها، يود لو لم يحدث صوتا حتى لا تحس به وتفر. # وترك السيمافور خلفه وعدى الكوبري، وبدأت أعصابه تتوتر، وكأنها تستعد ~~للاختلاجة الكبرى، وأصبح يدقق إلى الدرجة التي لا يرفع عينيه عن الزلط ~~إلا حين يبدأ الزلط يسبح أمام عينيه ويدور، ولا يترك شجرة التين إلا ~~حين يحس بأشواك أوراقها تكاد تلمس عينيه. وفجأة اختلج جسده، وتوالت ~~دقات قلبه وعرق، وأحس بروحه تنسحب إلى أسفل، وعاد يدير عينيه في ~~البقعة، ويزداد جسده اختلاجا ودقا وعرقا. بالضبط ... هي البقعة! بقايا ~~الكيزان التي انتزعها، والورقة التي قسمها نصفين بلا سبب معين. كان ~~مفروضا أن يبدأ بفحص الزلط والرمل والتراب وينحني ويدقق، ولكنه لم ~~يفعل شيئا من هذا فقد وجدها، هكذا دون أن يبحث عنها. لفت نظره بريقها ~~الفضي الوقور ينبعث من فوق حجر أبيض، وكأنما وضعت هناك بفعل فاعل أو ~~ظل يحرسها ملاك، تماما كما هي بالعضة الصغيرة في حافتها، بملمسها، ~~بالرجفة التي تعتريه حين يتحسس خشونتها الناعمة. # ظل زمنا طويلا واقفا في مكانه لا يفكر ولا يرى ولا يسمع، ولا يعرف ~~ماذا يجب عليه أن يفعل، وكان أول ما تحرك فيه يده، وتحركت لتزيد قبضته ~~عليها، وخاف عليها من عنف القبضة فخففها، ثم سار ووجد نفسه يتوقف بلا ~~سبب، وما كان يتوقف برهة حتى أحس بفرحة حلوة طاغية، وأدرك أنه وجدها، ~~حقيقة وجدها. وراح يقذفها بحرص لتعود تختلط بالزلط وينقض عليها. ~~وتستميت قبضته ليعود يفتحها، ويقذفها ويفرح حين يجدها. ولكنه لم يلبث ~~أن عدل عن إضاعتها، فقد خاف أن تساهيه كأبيه تذهب ويفتش ولا يجدها. خاف ~~إلى درجة كاد يعتصر نفسه ويبكي، فهو خلاص لم يعد يريد أن يساهيه شيء، ~~ويذهب ms055 ويأخذ روحه معه، إلى درجة أصبح حلمه كله أن يستمر في هذه اللحظة ~~إلى الأبد؛ فهو لم يعد يريد شيئا، لا أبا ولا مدرسة ولا جدة، ولا حتى ~~يوما آخر يستيقظ من أجله وينام في آخره ... لم يعد يريد إلا أن يظل يحس ~~أنها عادت إليه، وأنه عاد إليها وأنها ستبقى معه، وسيبقى معها دون أن ~~يقطع هذا البقاء حادث أو ضياع. # وأنى له أن يدرك وهو على هذه الحال أن الثالثة كانت قد فاتت من زمن ~~والرابعة حلت، وقطارها جاء وقام من محطة البندر، وتعدى السيمافور، ~~وأنه في تلك اللحظة بالذات خلفه يصفر له صفيرا متقطعا مستغيثا ~~يأمره به أن يبتعد. # | الستارة # كلما رأيت ستارة مسدلة فوق شباك، أو «بيشة» تغطي وجها، أو مشربية ~~تحجب شرفة تذكرت بهيج. وكلما تذكرته وجدت نفسي أضحك بصوت عال، لا لشيء ~~في شخصيته أو سلوكه يستحق الضحك، ولكن لأنه كان زوجا من النوع ~~المحترم، النوع الذي تجده لا بد خريج جامعة أو صاحب منصب. ولديه ~~مجموعة هائلة من «الكرافتات»، والذي لا بد تجد مشكلته الكبرى أنه يخاف ~~خوف الموت أن يأتي عليه يوم يصبح فيه آخر من يعلم. # وتسأل بهيج عن سبب لهذا الرعب المقيم فلا تجد ... الحقيقة تجد أسبابا ~~أوجه، كانت كفيلة بمنع هذا الخوف عنه. فهو مثلا قد تزوج عن حب، وزوجته ~~جميلة وديعة، وتحبه إلى أقصى حد، حد يكلفها أحيانا أن تبكي إذا سافر، ~~وتبكي إذا عاد، وتبكي إذا استشعرت انصرافه عنها، وتبكي إذا أقبل عليها. ~~وليس معنى هذا أنها مصدر نكد؛ فالبكاء لدى النساء ليس دائما علامة ~~حزن، هو سلاح لا أكثر ... السلاح الذي لا يخيب. أكثر من هذا، سنسن (وهو ~~اسم التدليل لسناء)، تملك قدرة عجيبة على إرضائه، فتعرف متى تضحكه، ~~ومتى تضحك عليه، وبنفس الرشاقة التي تختار بها ألوان فساتينها تختار ~~أيضا أنواع خصامها وأوقاتها. ولديها نبوغ خاص في تحديد أوقات الصلح، ~~ودبلوماسيتها هائلة في إملاء شروطها، وقدرتها ساحرة في إحالة جلسة ~~الصلح إلى لجنة تعويضات، مهمة ms056 الزوج فيها أن يبالغ في التقدير، ومهمتها ~~هي أن تناشده الرأفة بميزانيتهم والاقتصاد، وكفاية خمسة جنيه للشنطة ... ~~هو أنا مجنونة أشتريها بستة ... بالاختصار هي زوجة حنون مطيعة مخلصة، وإن ~~كان هذا لا يمنعها أن تتحول أحيانا إلى نمرة مفترسة إذا امتدح زائرة ~~مثلا، أو تطلب الطلاق في الحال إن تأخر ساعة، فهي أحيان ليس إلا يسود ~~بعدها الصفاء. # ترى لماذا إذن هذا الخوف المقيم من يوم تخونه فيه؟ لماذا الخوف من ~~الإعصار والبحر هادئ أزرق وجميل؟ الحقيقة لا نستطيع أن نحدد سببا ~~واضحا، فهو يثق فيها أي نعم، وفي حبها له أي نعم، ولكن شيئا ما كان ~~لا يجعله على تمام الثقة في قدرتها على حماية نفسها من ذئاب المجتمع ~~وكلابه. شيء ما كان يفرض عليه أن يقوم هو بهذه الحماية، نفس الشيء الذي ~~يفرض عليه مثلا أن يحمل عنها حقيبة الملابس، أو يجلسها في مقعد ~~الأوتوبيس ليقف هو. شيء ربما السبب فيه أنها هي نفسها تطلبه، وتنتظره ~~وتعامله على أنه رجلها وحارسها وراعيها، وتشعره باستمرار أن لولاه ما ~~كان باستطاعتها أن تحيا معززة مصونة الشرف والكرامة ... هو شبه الاتفاق ~~الذي يرى أن المجتمع كله من حوله قد تواضع عليه، وأخذه مأخذ الحقائق ~~الثابتة ... اتفاق أن المرأة بمفردها غير قادرة على حماية نفسها بنفسها، ~~وأنها ارتضت أن تكون المهمة للرجل، بل حتى ولو لم ترتض لما اطمأن ~~الرجل على قدرتها على حماية نفسها، ولبقي يؤدي دور الحارس اليقظ ~~الأمين. # وبهيج رجل مجرب لم يتزوج إلا بعد أن عرك الحياة برجالها ونسائها، ~~وخرج من تجاربه وقد فقد الثقة في هؤلاء وأولئك، ثقته أن هناك قيما قد ~~تحول بين أي رجل وأي امرأة، وألا وسيلة للحيلولة بينهما إلا بالقوة، ~~القوة بأشكالها المختلفة. تعلم وقرأ وسافر وجال وآمن بالمساواة، ~~وديمقراطية الأجناس والأنواع، واستقلال المرأة وحقها في العمل واختيار ~~المهنة والزواج. حدث له هذا كله دون أن يؤثر في قليل أو كثير على ~~القواعد التي درج عليها والتجارب التي ترسبت فيه، وأصبحت جزءا من ms057 ~~كيانه، وجعلته بعد الزواج لا يملك إلا أن يصنع كما يصنع الأزواج، وإلا ~~أن يصبح خوفه الأكبر يوما يأتي عليه ويكون فيه آخر من يعلم ... ولهذا ظل ~~في كل لحظة من حياته الزوجية يعمل لهذا اليوم ألف حساب، وهو مؤمن ألا ~~سبيل لمنعه إلا بمجهود خارق يقول به ليدفع عن زوجته المهالك والمزالق، ~~ولعلمه أنها قد تأتي على أهون سبب؛ فقد كان يستعمل كل ذكائه وحداقته ~~وخبرته لشم الخطر ليتلافى أهون الأسباب. إذا أراد دخول السينما اختار ~~مقعدين، يجاور أحدهما الممر لتجلس فيه سنسن، وليجلس هو بجوارها حائلا ~~بينها وبين الرجال. وإذا سافر أرهق ميزانيته، وظل يطوف القطار حتى يعثر ~~على ديوان خال تماما، أو على الأقل ركابه من العجائز أو النساء، وفي ~~أي ازدحام تجده خلفها مباشرة، يكاد لولا الحياء يطوقها بجسده كله ويدفع ~~الناس عنها وكأنها من زجاج. وإذا انتقل من مسكن إلى آخر، ظل أياما ~~يدرس موقع المسكن الجديد ويتأكد من متانة معلوماته عن الجيران، أو على ~~الأقل هذا هو ما فعله حين انتقل إلى منزله الجديد بإحدى العمارات ~~الحديثة الكائنة في أول مصر الجديدة من ناحية روكسي. ~~••• # ولقد ظلت الحياة تمضي به وبسنسن إلى اليوم الذي عزلت فيه الشقة التي ~~تقابلهم من العمارة المواجهة، والتي كانت تقطنها أرملة جافة نحيلة ~~وأولادها الستة. يومها وطوال الأيام التي ظلت فيها الشقة خالية، كانت ~~أمنيته الخفية أن يبتسم الزمن له أخيرا، وتقطن الشقة شابة حسناء، ~~أرملة كانت أو غير أرملة. أمنية لم يكن يرى فيها بهيج ما يتنافى أبدا ~~مع الإخلاص الزوجي؛ إذ هو في الحقيقة مثل الأزواج لا يترك شاردة ولا ~~واردة ولا مارة في الشارع إلا ويسلط أنظاره عليها تعاينها، وتهم بها ~~أحيانا. وإن كانت الظروف مواتية، فلا مانع لديه إطلاقا، إذ لا يعقل، ~~ولا يمكن لشيء تافه عابر صغير كهذا أن يؤثر على حبه لزوجته أو تعلقه ~~بها. # ولكن الظروف لم تكن هذه المرة مواتية، ونوافذ الشقة المقابلة تفتحت ~~يوما، ورأى بهيج بعيني رأسه شابا يطل ms058 منها، شابا لا أحد معه، لا ~~طفل ولا زوجة أو أم ... وكان واضحا من نظراته الجريئة، وطريقة تطلعه إلى ~~الناحية المقابلة وإلى المارة في الشارع أنها طريقة الحر الذي لا يخشى ~~على نفسه مغبة نظرة، ولا يحمل فوق كاهله مسئولية، ولا يعمل حسابا ~~لإنسان وراءه كل مهمته أن يناقشه الحساب. كانت نظرات وتطلعات فرس بري ~~غير مروض ذكرت بهيج نفسه بأيام ما قبل الزواج، ذكرته لا ليتحسر، وإنما ~~ليحس بهم مفاجئ بدأ يركبه ... الشاب واضح تماما أنه أعزب، وها هو ذا ~~قد سكن أمامهم لا يفصلهم عنه سوى الشارع. وبهيج كان أعزب يوما، ويعلم ~~أنه والعزاب جميعا لا يتركون حولهم أو أمامهم طوبة من طوب الأرض إلا ~~وأشبعوها فحصا ولمسا؛ لعله يثبت في النهاية أنها طوبة مؤنثة. وهو ~~واثق طبعا من نفسه، ومن أن سنسن أشرف نساء الأرض، ولكن من قال إن أسلم ~~أصحاء الأرض لا يمرض، خاصة إذا ظل صباح مساء معرضا للميكروب؟ لا ضمان ~~هناك لأي شيء؛ فأي شيء ممكن أن يحدث. فالمسألة ليست جلسة في أوتوبيس أو ~~رفقة سفر ... المسألة إقامة دائمة وسكن. # أغلق بهيج باب البلكونة في ذلك اليوم وهو يفكر، وظل يفكر حتى بعد ~~إغلاقها ... وإلى صباح اليوم التالي حين فتحها بنفسه، ووجد بلكونة الجار ~~مفتوحة هي الأخرى، ووجده يغني وصوته القبيح يأتيه عبر الشارع عاليا ... ~~أعزب ... متحديا. ~~••• # وبدأ الجار الأعزب الجديد يصبح مشكلة، وبكثرة تفكير بهيج فيها، بدأت ~~تتشعب وتتعمق وتضاف إلى مشاكل حياته الرئيسية، خاصة حين كان يعود. وقبل ~~أن يدخل البيت يسرح ببصره إلى أعلى ليجد بلكونة الشاب مفتوحة وبلكونتهم ~~أيضا مفتوحة أو مواربة، ولا يفصل الاثنتين سوى الشارع العريض. # وبدأ بهيج يفكر في حل حاسم للمشكلة ... وأضناه التفكير فقد كان في موقف ~~لا يستطيع معه أن ينتقل من البيت ويعزل، وليس هو السلطان؛ لكي يجبر ~~القاطن الجديد على التعزيل. وهو يريد أن يحمي زوجته من الخطر الوافد في ~~سرية تامة وهدوء، ودون أن تشعر أنه لا يثق فيها أو يحميها. # ورغم ms059 هذا كله؛ فقد كان مصرا على أن يجد الحل. # وقد وجده. # وعلى العشاء المقتبس بحذافيره من ركن المرأة، والذي كانت تفوح منه ~~رائحة الاقتباس وطعمه الماسخ، بدأ بهيج يسوق المقدمات ويتحدث عن ~~الحريات المنزلية الأربع. قال إنه بدأ يدرك أنهم محرومون في بيتهم من ~~حرية الحركة والعري والحفاء وارتكاب الحماقات، وكيف أن المنزل لا يعد ~~متعة أو بيتا بمعنى الكلمة إلا إذا توافرت له هذه الأركان؛ وإلا لكان ~~السجن أرحم. وهو قد أدرك أيضا بعد طول بحث أن سبب إهدار حرياتهم تلك ~~يرجع إلى عامل واحد لا غير، هو البلكونة التي تفتح على الصالة، وتتوسط ~~البيت وتجرحه، وتجعله نهبا لأنظار الجيران القاطنين عبر الشارع. وأن ~~الطريقة الوحيدة؛ لكي يصبح بيتهم بيتا، هي أن يقيموا فوق سور البلكونة ~~ستارا عاليا، أعلى من قامته، يحجب كل ما يدور داخل البيت عن الأنظار. ~~وحين تبلورت المقدمة الطويلة في هذا الاقتراح، بدأت الزوجة تسخفه، ~~وتعيب عليه أن يريد أن يخنقها ويمنع عنها الشمس والهواء. وكل هذا لأنه ~~لا يثق فيها ولا يثق في نفسه، إلى آخر المحاضرة التي تعودت أن تلقيها ~~عليه، وتسخف بها أي اقتراح من اقتراحاته؛ ربما لمجرد كونها ~~اقتراحاته. # ولكنه لم ييأس ... استجمع كل ذكائه وقدرته على الإقناع؛ ليدحض مزاعمها ~~وليثبت لها أن ليس في الأمر شك فيها أو في الجيران، وأنه لا يريد سوى ~~حقه في الاستمتاع ببيته، وحجب الأنظار المستطلعة عنه. وأيضا لم تبدأ ~~الزوجة توافق إلا بعد أن تعهد بشراء طقم كراسي إيديال للبلكونة، ومضى ~~يغذي أحلامها عن الجلسات المرتقبة وليالي القمر وأشجار الياسمين التي ~~لا بد سيزرعونها. # ولم يأت الغد إلا ليجد بهيج قد اتفق مع المنجد والنجار، ولم يمض ~~يوم آخر إلا وكانت الستارة معلقة عريضة، تغطي البلكونة من جهاتها ~~الثلاث، وترتفع فوق قامة الرجل. # واعتقد بهيج يومها أن دوره في حل المشكلة والمحافظة على بيته وزوجته ~~قد أداه على خير ما يرام، ويحق له بعد هذا أن ينام ملء جفونه ويمدد ~~رجليه ويشخر. ~~••• # والحقيقة أيضا ms060 أن دوره هو انتهى أو كاد، ليبدأ دور الستارة؛ فقد ~~أصبح همه الشاغل كلما عاد إلى البيت أو خرج منه أن ينظر إليها، ويرى إن ~~كانت مقفلة أو مفتوحة. وحين نبه على سنسن مرة ومرتين أن تراعي إقفالها ~~باستمرار، ولم تفعل عنادا منها لا أكثر، قرر أن يكون حمشا ويفرض ~~رأيه. وهكذا فوجئت به سنسن في اليوم التالي، وهو في طريقه إلى المكتب، ~~فوجئت به يصرخ فيها بلهجة غريبة باترة حاسمة ألا تفتح الستارة أبدا ~~لأي سبب كان، وأن عليها أن تقبل أمره هذا بلا نقاش ... وغير مهم المناقشة ~~الشكلية التي تلت كلامه، والتي لم يتزحزح فيها عن رأيه في أن من حقه ~~كزوج أن يصدر أية أوامر يراها دون أن يكون مطالبا بتفسيرها، والتي لم ~~تتزحزح فيها هي عن رأيها في أن لها الحق كل الحق أن تمتنع عن تنفيذ أي ~~أمر صادر منه أو من غيره، ولا تكون مقتنعة به. المهم أن تمسك كل ~~منهما برأيه جعل الموقف يتوتر، وجعل بهيج يفقد السيطرة على هدوئه ~~وأعصابه، وجعله في نوبة غضب ينفجر لها بأن السبب الحقيقي لعمله الستارة ~~هو الشاب الأعزب الذي احتل الشقة المقابلة، ونظراته التي ضبطه وهو ~~يوجهها بصفاقة وقلة أدب إلى بلكونتهم، ورغبته في أن يحفظ لبيته حرمته، ~~ويحميها من وقاحة جار مثله. وساعتها اتضح أن الزوجة هي آخر من تعلم ~~بأخبار الجيران العزاب؛ فقد بدا واضحا أن سنسن لا تعلم شيئا عن ~~تعزيل الأرملة العجوز، ولا عرفت أبدا بمجيء الأعزب، ولا طرق لها ~~الموضوع بالا. ~~- طيب ... آدي انتي دلوقت عرفتي. ~~- لا ... إذا كان كده يبقى خلاص ... أمرك يمشي. # ومشى أمره وأصبحت الستارة كحائط لا يتزحزح، كل ما في الأمر أن ~~البلكونة قد تغير مركزها في البيت. وبدلا من المكان غير المطروق الذي ~~كانته، والذي لم تكن سنسن تجسر على الظهور فيها إلا وهي بملابس الخروج، ~~أو بأكثر ملابس البيت حشمة، ولا تظهر فيها إلا وهي مضطرة، وإذا وقفت ~~فيها نظرت إلى الشقق المقابلة والمجاورة بأدب ms061 وحساب، حتى ينظر إليها ~~أصحابها بأدب وحساب، بدلا من هذا أصبحت البلكونة تحت حماية الستارة ~~مكان سنسن المختار للجلوس، تقضي فيه أي وقت تشاء بأية ملابس ترتديها ~~وتقوم بأي عمل تراه. بل شيئا فشيئا بدأت سنسن تفطن إلى مزايا ~~للستارة كانت خافية عليها، أهمها بلا جدال ما يدور في شققهم ومطابخهم ~~وحجرات جلوسهم ونومهم، دون أن يكون باستطاعتهم هم أن يروها؛ فالستارة ~~تحجبها عنهم وتتيح لها أن ترى ولا ترى. وهكذا بدأت نظراتها تفقد ~~طابع النظر من خلال بلكونة مفتوحة، وتتخذ طابع النظر من خلال الشقوق. ~~وبعد أن كانت البلكونة تجعلها تعامل الآخرين بمثل ما تحب أن يعاملوها ~~به، وتجعل لعينيها دور المراقبة لغيرها ولنفسها، أصبحت مهمة عينيها أن ~~تراقب الغير فقط، وتتجسس عليه وتكشف أسراره وخباياه، وهي ضامنة أن ~~أسرارها في حصن حصين. ونفس التحول بعد بضعة أيام انتقل لتفكيرها، ~~فأصبح اهتمامها بما لديها، وأصبح الوقت الذي تقضيه تتفرج على ما يحدث ~~داخل الشقق الأخرى أكثر بكثير من الوقت الذي تقضيه ترعى فيه شئون ~~شقتها. # وكذلك كان لا بد أن يواتيها الخاطر ولو مرة، ويجعلها تفكر في رؤية ~~هذا الجار الجديد الذي كلمها زوجها عنه، وترى كيف تطل الوقاحة من ~~نظراته كما قال الزوج. ~~••• # والمدهش أن الجار الأعزب لم يكن وقحا أو قليل الأدب، كان في الحقيقة ~~مشغولا جدا. فقد كان يعمل في الصباح في شركة، ويدرس بعد الظهر في ~~كلية، ويقضي ساعتين كل ليلة يصحح الملازم في مطبعة. شاب من قراء سير ~~العصاميين المؤمن بأن في استطاعته أن يصبح مثل روكفلر وعبود. الغارق في ~~أحلامه هذه بطريقة لم يخطر على باله مرة أن يقف في بلكونته، ويتطلع إلى ~~بنات الجيران فضلا عن أن يحاول معاكسة أحد. وقد كان من الممكن أن يظل ~~غارقا في مشغولياته وأحلامه تلك، لو لم ير هذا الستار الذي صنعه ~~السيد بهيج؛ فقد لفت نظره أن تنفرد تلك البلكونة المقابلة وحدها دون ~~غيرها من بلكونات البيت وغيره من البيوت بهذه الستارة التي كان واضحا ms062 ~~أنها أقيمت حديثا، وأنها مسدلة باستمرار ولا تفتح أبدا. وهكذا منذ ~~اليوم الأول الذي لاحظ وجودها فوق سور البلكونة، وهذه البلكونة بالذات ~~بدأت تلقى منه عناية خاصة ربما لغرابة الظاهرة؛ وربما لأن منظرها هيج ~~كوامن خياله، وجعله يمضي يحلم ويتصور نساء ألف ليلة وليلة أو فتياتها ~~اللائي لا بد أقيمت ستارة كثيفة كهذه لتحميهن من العيون. # وربما لو كان قد رأى السيدة سنسن بكاملها، وهي في الشارع أو في ~~بلكونة مكشوفة لما استرعت انتباهه، أو توقفت عندها نظراته، ولكان قد ~~عاملها مثل العشرات غيرها من السيدات، والفتيات اللاتي يراهن في ~~نوافذهن وشرفاتهن، ويتركهن جميعا ليوجه انتباهه كله إلى الستارة ~~المسدلة وإلى الحورية الرائعة الجمال التي لا بد تكمن خلفها، والتي ~~لا بد أن يأتي يوم تظهر فيه أو على الأقل يبدو منها وجه أو ~~ذراع. # بل لم لا نقول إن الستارة وما تحجبه كانت وراء تركه لعمله في ~~المطبعة، ورفعه حرارة النقاش الذي دار بينه وبين صاحبها إلى درجة أخرى، ~~والاستغناء عن خدماته؟ وعدم ضيقه ألبتة بما حدث بل فرحته به، إذ سيتاح ~~له منذ اليوم أن يقضي ساعتين أخريين يتطلع فيهما إلى البلكونة ذات ~~الستارة المسدلة، ويخمن ويحس بالحرمان ويهيج الإحساس أحلامه. # وبالتأكيد إذن، كان لا بد أن يأتي اليوم الذي يدرك فيه، وقلبه تتعانف ~~دقاته، أن قماش الستارة يختلج اختلاجة أنثوية بلا شك، وأنه ويا للهول ~~بعد قليل انفرج فرجة صغيرة رفيعة، ولكنها كانت كافية لأن يتأكد أنها ~~فعلا أنثى، وأن عينها ووجنتها التي اطلعت وتلصصت أجمل وأروع عين ووجنة ~~رآهما في حياته. # حقيقة كان ذلك اليوم بالذات هو اليوم الذي قررت فيه سنسن أن تتفرج ~~على الجار الأعزب الوقح، ويبدو أن محاولتها البحث عن وقاحته قد امتصتها ~~إلى درجة لم تفطن معها أنه لمحها من خلال قماش الستارة ورآها. # والواقع أنها لم تفاجأ كثيرا، فقد وجدته كما وصفه زوجها تماما ... ~~وبالفعل كانت نظراته تحفل بالوقاحة وقلة الأدب، وبالفعل لم يحول أبصاره ~~عن البلكونة طيلة الوقت الذي ظلت ms063 تراقبه فيه. أدركت حينئذ أن زوجها ~~كان على حق في إقامته للستارة؛ فلولاها ما استطاعت أن تحمي نفسها من ~~وقاحته ونظراته. # وانسحبت يومها من البلكونة، وقد عاهدت نفسها أن تتجاهل وجود العازب ~~وشقته وبلكونته. # ولكن الشاب لم ينسحب ... وقف مسمرا في بلكونته إلى ساعة متأخرة من ~~الليل علها تظهر. وخيل إليه في الصباح أنه أخيرا أحب، ومن يدري قد ~~تكون هي الأخرى أحبته. وهكذا قضى الجزء الأكبر من اليوم التالي، ولا ~~عمل له إلا التحديق في الستارة علها تختلج مرة أخرى وتنفرج. وكلما كان ~~الهواء يداعب قماشها ويحركه، كان الدم يسخن في عروقه ويعتقد أنها هي، ~~ويركز بصره كله عله يستطيع أن يتبينها. # وفي نفس ذلك اليوم التالي لم يكن وحده الذي يحدق في الستارة ~~المختلجة، كان بهيج الزوج عائدا من عمله يلقي ببصره كما تعود ناحية ~~الستارة ليطمئن عليها أولا، ثم يعود ليختلس نظرة خاطفة إلى بلكونة ~~الجار ليطمئن على خلوها منه. # وفي ذلك اليوم حين وجد بهيج القماش يتحرك لم يعلق على حركته أهمية، ~~ولكنه حين وجد الأعزب واقفا في البلكونة قد صوب نظراته المحمومة إلى ~~الستارة المختلجة، عاد ينظر بسرعة إلى حيث كان ينظر، وبدوي أعنف دق ~~قلبه، وأيقن بلا أدنى جدال أن الستارة لا تختلج عبثا، وأن وراءها ~~عينين تنظران وجسدا ... وراءها سنسن. # وفي لمح البصر كان قد أصبح في الشقة، ولم يخل عليه أنه وجدها في ~~المطبخ، فلا بد أنها لمحته وفرت. وفي لمح البصر كان قد أطبق عليها ~~طالبا منها أن تعترف. وحين حاولت الكلام أجابها بصفعة قوية من يده ~~الأخرى أعقبها بأخرى مدوية من اليسرى. وإمعانا جرها إلى البلكونة، ~~وأزاح الستارة بغل ليريها الشريك الآخر واقفا لا يزال يحدق ... الشريك ~~الذي ما إن أزيحت الستارة ورأى المشهد حتى اختفى في التو وذاب ~~برعونة، وبكل جبن المذنب المتلبس. # وكانت الصفعتان إشارة البدء لعاصفة من تلك العواصف التي كثيرا ما ~~تجتاح حياة الأزواج والزوجات، تقتلع الضعيف منها وتهدد القوي، فقد ~~تبعها كلام صارخ محموم عن ms064 شرفه وطعنات حادة قاتلة إلى شرفها، ونعوت ~~بشعة ويمين طلاق ألقي. والزوجة تحاول الدفاع والاستشهاد بالخادمة، ~~ويصرخ قائلا إنه رأى الستارة بعينه تهتز، فتستنجد قائلة: ربما الهواء. ~~فيعود يهم بصفعها أو ركلها، وهو يقرنها بالهوى وبنات الهوى. # عاصفة قذفت بالزوجة تلك الليلة إلى بيت أبيها، وقذفت به إلى الخمارة ~~... وهطلت آخر الليل دموع. وفي اليوم التالي تدخل الأهل والأصدقاء، ~~وبدأ الزوج يراجع نفسه قليلا. وبعد أن كان رافضا ألبتة أن يصغي أو ~~يناقش، بدأ يخفض رأسه ويستمع، ويلمح حرقة الصدق في كلام كان الزوج في ~~حاجة إليه، فحتى بعد أن رأى بعينيه كان أهون عنده أن يشك في عينيه ولا ~~يشك فيها، فحياتهما معا وعشرتهما واندماجهما بطريقة كادا معها أن ~~يصبحا جسدا واحدا، بطريقة يعرف كل منهما عن الآخر أكثر مما يعرف ~~الآخر عن نفسه، ويثق بالآخر أكثر مما يثق بنفسه ... هذا كله فوق التجربة ~~التي قام بها وسطاء الخير، وأعادوا تمثيل ما حدث أمام الزوج ونفخوا في ~~الستارة لتختلج. وراقبها الزوج من أسفل ليعرف إن كانت اختلاجاتها تشبه ~~اختلاجة الأمس، وليثوب إلى نفسه حينئذ، ويطلب الصفح وتنتهي العاصفة ~~نهاية لا يتوقعها أحد فوق فراشهما، وهو يحتضنها ويقبل عينيها ~~الدامعتين، وتصل حرارة الحب بينهما حد أن ينسيا تماما ما حدث وسبب ~~الحكاية، ويستمتعا باللحظة والسهرة، وكأنها أول لقاء. وفي أحيان تصل ~~العواطف بينهما حد معاودة الاعتذار. بل تأكيدا لندمه وتوبته وإمعانا ~~في ثقته بها يعلن لها أنه خلاص قرر أن تفتح الستارة باستمرار، وحين ~~تأبى هي يقسم هو ويلحف في القسم، ويؤكد لها أنها بعد تلك اللحظة حرة ~~في أن تدخل وتخرج وتغلق البلكونة أو تفتحها وتقف فيها، أو تتطلع منها ~~على أية هيئة وبأية ملابس ولأي وقت تشاء. # وبينما كان الدفء يشع من فراشهما، كان الجار الأعزب في فراشه يرتجف ~~من البرد. ومن بعض ما تيسر من تأنيب الضمير ومن خوف كثير على نفسه ~~وحياته، وكان يتوج هذا كله بقرار صارم ألا يقف بعد هذا في بلكونته ~~أبدا، ولا ms065 يتطلع إلى جارة أو غير جارة، وأن ينهمك مرة أخرى في ~~مشاغله. ~~••• # وجاء الصباح التالي لتعود الحياة سيرتها وقد تغير شكلها قليلا؛ ~~فالستارة في بلكونة بهيج قد فتحت على آخرها، وبلكونة الأعزب مغلقة ~~وكأنما دقت فيها مسامير. ومع هذا فلم تظهر سنسن في البلكونة، ولا ~~حتى وجدت لديها حماسا لأن تفعل شيئا آخر بالمرة. كان ما حدث لا يزال ~~ساري المفعول في نفسها تأبى أن تصدق أنه حدث، وإذا صدقته غامت عيناها ~~بالدموع. # وحتى بعد أن مضت أيام وزالت كل آثار العاصفة، ظلت سنسن غير شديدة ~~الحماس لكل هذه الحريات التي أصبحت تملكها ... تقف في البلكونة فلا تحتمل ~~الوقوف، تجوب الشارع وواجهات العمارات المقابلة بعيون قد انطفأ فيها ~~البريق. أي متعة للبلكونة الواضحة المكشوفة بعد متعة اختلاس النظر من ~~الشقوق؟ وبأي نفس تقبل المتعة وهي قد عاشت التهمة وذلها ونالت العقاب؟ ~~الحقيقة كل ما كان يشغل بالها إذا وقفت في البلكونة أن تواتيها الفرصة ~~لتدافع هي عن نفسها وشرفها أمام الأعزب الشاب، الشرف الذي أهدره زوجها، ~~وهو يدافع عنه. كانت تريد أن تلقي عليه درسا وتريه أنها ليست كما ظن ~~هو أو ظن زوجها. ولكن الفرصة لم تكن تواتيها؛ ففي كل مرة تجد بلكونته ~~مغلقة وتجده غير موجود. # ولكن مهما طال الزمن؛ فلا بد أن سيأتي اليوم الذي يوجد فيه. غير أنه ~~حين جاء وخرجت هي إلى البلكونة، ووجدته واقفا أمامها عبر الشارع دق ~~قلبها بالانفعال. وللمرة المائة استعادت ما كانت قد انتوته، فهي ستظل ~~ساكتة إلى أن يبدأ يتطلع إليها، حينئذ سوف تواجهه بقسوة وتبصق في ~~وجهه أو تقذفه بما في يدها، ثم تدخل وتصفق وراءها الباب، ولكنها ظلت ~~واقفة أكثر من ساعة دون أن يتطلع إليها أو يبدو أن في نيته أن يتطلع ~~إليها. وكان من المستحيل عليها أن تقبل الهزيمة حتى لو أدى بها الأمر ~~لمحاولة جذب انتباهه ورفع صوتها تطلب من الخادمة أن تحضر لها شيئا. ~~وحتى حين ضغطت على نفسها وفعلت. لم يبد عليه أي ms066 اهتمام، أكثر من هذا ~~بعد قليل وجدته ينسحب إلى الداخل، ويمد يده ويغلق الشيش. # وكان عسيرا عليها أن تصادفه واقفا في البلكونة خلال الأيام التي ~~تلت، ولكنها في كل مرة عثرت عليه، كانت تحاول أن تفعل كل شيء وأي شيء ~~فقط؛ لترفع بصره الذي ألصقه بأرض الشارع وأبى أن يرفعه. ولم تفعل ~~محاولاتها المتعددة أكثر من أنها أنستها الهدف منها، والدرس الذي كان ~~في نيتها أن تلقيه عليه، والحقد الذي تكنه له في قلبها، وأصبح همها ~~كله ومنتهى أملها أن تنجح فقط في رفع بصره من فوق أرض الشارع، وكأنها ~~إذا نجحت ونظر إليها يكون قد تم الانتقام، واستعادت مكانتها وشرفها ~~المثلوم. # ولو كان أحد قد أخبرها أنها ستضطرب كل هذا الاضطراب، وستلهث ويجف ~~لعابها ويتوقف قلبها عن النبض، لو كان أحد قد أخبرها أن هذا كله سيحدث ~~لها حين تفاجأ ذات مرة، وقبل أن تحاول شيئا أنه قد رفع بصره إليها ~~وثبت عينيه في عينيها، لما صدقته بل ولما صدقت أبدا أنها لم تستطع ~~أن تحتمل نظراته لثوان، وأنها هي التي انسحبت من البلكونة هذه المرة ~~ترتجف، وهي لا تملك قدرة على صفق باب أو فتح فم. كل ما حدث أنها ~~استطاعت قبل أن تختفي أن ترسم بالكاد شيئا فوق ملامحها يعبر عن ~~الغضب. # وربما لو لم ترسم هذا الشيء ... ربما لو ظلت واقفة، وكأنها لم تلحظه أو ~~نالها اضطراب، ربما لو لم ترد أن تؤنبه وتعلمه الخلق الحسن، ربما لو ~~حدث شيء من هذا؛ لما قضى الشاب ذلك الوقت الطويل يفكر فيها، ولما ~~شجعه ما حدث منها على المضي في التفكير وتدبير الخطط لما بعد ~~التفكير. # أما هي فقد ظلت وقتا طويلا أيضا تفكر وتستنكر اضطرابها وتستعذبه، ~~وتنتوي العودة إلى البلكونة وتعدل عن نيتها، والإحساس العام الذي ~~يتملكها أنها غير غاضبة على الشاب، وأنها أصبحت ليس لديها مانع حتى أن ~~يعود يوجه إليها نظراته. # وفوجئ بهيج! عاد ذات يوم، فوجد الستارة تنسدل وتحجب الشرفة وما فيها، ~~واستغرب ... وسأل ms067 الزوجة فإذا بها تقول إن الستارة لازمة لحمايتها من ~~نظرات الجيران المتطفلين، وإن لكل بيت حرمته والستارة تحفظ الحرمة، ~~وحاول أن يناقشها بنفس حججها القديمة، ويتحدث عن الشمس والهواء، ولكنها ~~أفحمته حين قالت إنها كانت مخطئة في اعتقادها، وإنها أخيرا اقتنعت ~~برأيه. ~~••• # واستمرت الستارة بعد هذا تؤدي عملها مع اختلاف بسيط؛ إذ كانت ~~تستخدم لتحول بين بهيج وبين رؤية الشاب الأعزب إذا كان موجودا في ~~البيت، ولتحول بينه وبين رؤية الواقفة تحتمي بها لتستطيع أن ترى الشاب ~~ويراها دون أن يلحظهما أحد، وبالذات بهيج. وفي أحيان كان يتطلع بهيج ~~من الشارع ليطمئن على أن الستارة مغلقة ومسدلة، ودائما كان يجدها ~~كذلك. وإذا تصادف ووجدها تختلج كان حينئذ يهز رأسه ويبتسم، ويقول: ~~الهوا ... لا بد أنه الهواء ... لعنة الله عليه. # | الغريب # من كان يظن أن «الشوربجي» ذا الشعر الأصفر المجعد، والوجه ~~الخواجاتي الأحمر، والملامح الجذابة الحادة له مثل هذه القصة المذهلة ~~مع قتال القتلة، وقاطع الطريق وسلطان الليل؟ أنا نفسي، قبل أن يحكي لي، ~~كان من المستحيل أن أصدق أن الشوربجي، زميل ثانوي العتيد الذي علمني ~~ركوب العجل وكتابة القصص، جعلني أدمن قراءة روايات الجيب ... لم أكن ~~أعتقد للحظة أن في حياته جانبا بأكمله لا أعرفه، وكان مقدرا ألا ~~أعرفه، لولا تلك المصادفة التي جمعتني به ... والمصادفة وحدها هي التي ~~كانت تجمعني به. فعلى الرغم من أننا نعمل في نفس المدينة، في القاهرة، ~~إلا أنني لم أكن ألقاه إلا صدفة. وفي كل مرة نأخذ العناوين ونضرب ~~المواعيد ونحن نعرف سلفا أننا لن نستعملها، وأننا لن نلتقي إلا كما ~~تعودنا اللقاء صدفة ... وأنا أعرف عن الشوربجي أشياء كثيرة، أعرف بلدهم، ~~ورأيت أباه مرة، وأعرف ولعه بالنساء، وضيقه الشديد بأننا على الرغم من ~~أننا كبرنا وغادرنا ثانوي؛ إلا أننا لا نزال نسميه باسم جده، كما ~~تعودنا أن نسميه. فاسمه في الحقيقة كان، ولا يزال طبعا، عبد الرحمن ~~صالح الشوربجي، ولكنا في ثانوي نضيق بالأسماء الأولى المتشابهة. وهكذا ~~عرفناه بالشوربجي، وعلى الرغم من ضيقه ms068 بالتسمية ظللنا نعرفه هكذا إلى ~~اليوم، إلى حد أنني كنت أستغرب حين تناديه زوجته أمامي بعبد الرحمن، ~~أعرف عنه أشياء كثيرة، ولكني لم أكن أعتقد أبدا أن في حياته أناسا ~~كالغريب أبو محمد وعم خليل، وحياة الليل وسفك الدماء. هو الرائع الأدب ~~الذي تخدش خجله الكلمة الخارجة حتى بعدما صار رجلا كبيرا وخلف ~~أبناء، ولكنها الصدفة كما قلت، وربما الليلة أو الموضوع الذي طرقناه ... ~~موضوع السفاح. والشوربجي ليس محدثا لبقا ولا راوية ممتازا، وعلى ~~الرغم من أنه علمني كتابة القصص، ولكنه يتحدث أجمل بكثير مما ~~يكتب. # لا أعرف ماذا دعا الشوربجي ليكشف لي عن هذا الجزء من نفسه في تلك ~~الليلة ... فربما الموضوع كما قلت، وربما الجلسة، وربما الساعة الواحدة ~~والنصف التي بدأنا الحديث فيها، وربما قصته نفسها، أو لعل السبب هو تلك ~~اللذة الواضحة التي كنت أراه مستمتعا بها، وهو يغوص في نفسه ويحفر ~~ويستخرج أشياء، وكأنما يكشف وجودها لأول مرة، ربما هذا هو ما جعله ~~ينساق، ويقضي ليلة كلها يتحدث، وأقضيها وأنا أنصت ... وأرتجف أحيانا، ~~ولكني أستمر أنصت بشغف وبلا انقطاع. # 1 # تصور أنني جاءت علي فترات في حياتي، كان حلمي الوحيد فيها أن ~~أقتل إنسانا أي إنسان. أقتله هكذا بلا سبب وبلا رغبة إلا رغبة ~~القتل في حد ذاتها ... ولا تنهك نفسك وتحاول أن تبحث في طبك، أو في ~~كل علوم النفس الحديثة عن تفسير لهذه الرغبة؛ فأنا لم أكن مريضا ~~أو شاذا أو أعاني من مأساة عائلية. كنت تلميذا عاديا جدا، ~~بالكاد تعديت الرابعة عشرة من عمري، وكنت أعتبر رغبتي هذه رغبة ~~طبيعية جدا لا شذوذ فيها ولا انحراف، وأنها لا تعن لي فقط، ~~ولكنها لا بد موجودة عند كل الناس، ولا بد قد استبدت بهم يوما، ~~خاصة وهم يضعون أقدامهم على عتبة الرجولة، أن يقوموا بعمل خارق ~~يحسون بعد القيام به أنهم قد أصبحوا رجالا ... بعضهم يترك البيت ~~مثلا ويحاول البحث عن عمل يتقاضى عليه أجرا، مثلما يفعل الرجال ~~الكبار ومثلما يفعل أبوه. وبعضهم يبدأ ms069 يسهر في الخارج ويعود ~~متأخرا، ويصطدم بأهله ويقول لهم بأعلى صوته: «أنا حر أسهر على ~~كيفي ... أنا راجل». وبعضهم يبدأ بحمل بندقية أبيه على كتفه وإطلاق ~~النار، فإذا اعترض أبوه على تصرفه هدد بقتل نفسه أو بقتل من يعترض ~~طريقه «يقصد أباه»، وبعضهم يحلم بامتلاك مسدس ... وكلها رغبات طبيعية ~~الهدف منها أن يثبت كل لنفسه أنه قد أصبح رجلا، ويثبت لها بطريقة ~~الرجال الخشنة. # كل الخلاف بيني وبين من كانوا في سني أني غاليت قليلا في ~~رغبتي، وأردت أن أدخل عالم الرجال بأن أقتل أحدهم، وهي على العموم ~~كانت رغبة دفينة لا أجرؤ على إظهارها حتى لنفسي، ولكني أحس بوجودها ~~وأسعى إلى تحقيقها وكأنما من وراء نفسي. ومن ورائها لأني كنت أخاف ~~ألا أكتفي بقتل رجل واحد، وأن أنساق في هذا الطريق ... ولكني كنت ~~أطمئن نفسي وأقول إن هذا لن يحدث. # وأدلل لنفسي على هذا بأن أستعرض ما كنت أفعله مع القطط وأنا ~~صغير؛ إذ كنت وأنا طفل أخافها جدا، أخاف شواربها الطويلة ~~وتكشيرتها ومخالبها البشعة، وكنت أرنو إلى اليوم الذي أكبر فيه ~~وأستطيع إخافتها، وأنتقم لكل ما سببته لي من رعب ... وارتبط الكبر في ~~نفسي بقدرتي على إخافة القطط والكف عن الخوف منها؛ ولهذا لم أكف ~~عن مطاردتها أبدا. وهدفي أن أنجح ذات يوم في حصارها وإرعابها، ~~وإمتاع نفسي بمشهدها وهي خائفة مني ... وكم طاردت من قطط، وكم نجحت ~~في إغلاق الأبواب والنوافذ لمنعها من الهرب، ولكني دائما كنت ~~أفشل في حصارها وتهرب. مرة واحدة فقط نجحت في حبس قطة في إحدى ~~حجرات بيتنا. كانت قطة الجيران وكنا نكرههم، وكنت قد اعتزمت في ذلك ~~اليوم لا تخويفها فقط، والاكتفاء بسعادتي لرؤيتها خائفة، ولكن على ~~تمويتها أيضا. # ظللت أجري وراءها حتى دخلت حجرة المخزن وكل نوافذها وفتحاتها ~~محكمة الإغلاق، فدخلت وراءها مسلحا بعامود حديد من عمدان نافذة ~~قديمة. وأغلقت الباب واستمتعت أيما استمتاع بالورطة الكبرى التي ~~حلت بالقطة، تقفز من الأرض إلى السقف ومن السقف إلى الأرض، وتبحث ~~في هلع ms070 عن مخرج، وتصرخ صرخات مرعوبة متصلة، وكل ما فيها قد وقف ~~يرتجف ويرتعش، والباب من ورائي محكم الإغلاق، وأنا أتقدم ناحيتها ~~بخطى بطيئة، والعامود الحديدي مرفوع فوق كتفي ومستعد لأخبطها به ~~الخبطة الواحدة القاتلة. # مضيت أتقدم ببطء وأنا أنعم بحالة الرعب المميت التي تملكتها، ~~وأستعيد كل ما قاسيته في صغري من رعب، وأسعد بنفسي وبكبري، وبهذا ~~الانتقام الضخم الذي أتيح لي أن أقوم به ... وفجأة توقفت في مكاني، ~~فالقطة كانت قد أدركت بعد مجهود هائل مريع ألا مخرج لها من الحجرة ~~وأنها هالكة لا محالة ... ولا أعرف إن كانت فعلا قد أدركت هذا، ~~ولكني لا أزال أذكر صرختها الأخيرة والركن المظلم الذي كنت قد ~~أجبرتها على الانزواء فيه، ثم كيف كفت عن صراخها العالي المذعور، ~~واستدارت لي تواجهني لأول مرة منذ أن بدأت مطاردتي لها، تواجهني بل ~~وبدأت تمزق الأرض بمخالبها وتتقدم نحوي ... و... أعوذ بالله، نظرتها ... ~~عيناها بالذات ... لن أنسى ما حييت الرعب ... أقصى درجات الرعب. ~~حدقتاها مفتوحتان على الآخر وأنيابها مكشوفة كلها حتى آخر الفك، ~~وهي تتقدم وقد بلغ رعبها درجة كنت متأكدا معها أنها ستقفز حالا، ~~وتنشب أنيابها وأظافرها وشاربها والرعب المطل من عينيها ... ستنشب ~~هذا كله في وجهي، وتمزق لحمي وتفقأ عيني وتلتهم زوري. # ونظرة واحدة فقط هي التي ألقيتها عليها، وهي التي سمرتني في ~~مكاني أنظر إلى رعبها اليائس المجنون وتتفكك أوصالي ... ولا أدري كيف ~~أنقذت نفسي في آخر لحظة، وفررت من الحجرة وأنا أجري خائفا مرتعشا ~~لا ألوي على شيء، أبحث عن أمي لأحتضنها وأرتعش وأخفي وجهي وعيني في ~~صدرها، وأتمنى لو استطعت أن أختفي بكلي داخلها! ~~••• # ربما مغالاتي في إثبات رجولتي بقتل رجل سببها هذه المغالاة ~~التي دعتني لأن أثبت أني تركت الطفولة وكبرت، بتحولي من خائف من ~~القطط إلى مخوف لها. تلك العادة التي تركتها تماما بعدما حدث لي ~~مع القطة المرعوبة في المخزن. ولو كنت أعلم أن رغبتي هذه الثانية ~~لإثبات رجولتي ستقودني لموقف أكثر رعبا وأشد بشاعة؛ لترددت ~~قليلا وأنا ms071 أركب رأسي، وأصمم وأبيت النية في صدري، وأتكتمها وأسعى ~~حثيثا حثيثا لتحقيقها! # أما لماذا عن طريق القتل بالذات؛ فقد تقول إنها استمرار لنزعتي ~~وأنا صغير، ولكن الواقع غير هذا؛ فالقتل في حد ذاته لم يكن هو ما ~~يجذبني ... القتلة هم الذين كانوا يجذبونني ... هؤلاء الناس الذين ~~يسمونهم في مديريتنا أولاد الليل، هؤلاء الذين يحكمون مملكة الليل ~~ويقتلون من يعترض سبيلهم فيه ... في تلك السن كنت شديد الإعجاب ~~بأولاد الليل هؤلاء إلى درجة أني في أحلامي؛ لكي أصبح رجلا، كنت ~~لا أريد إلا أن أصبح واحدا من الذين يقشعر لذكرهم العاديون ~~القانعون بلقمهم وحياتهم ... كانت الرجولة في رأيي مرتبطة بأعمال ~~غير عادية وبرجال غير عاديين. كانت الرجولة في رأيي هي رجولة أولاد ~~الليل ... كنت أريد إذا أصبحت رجلا أن أصبح واحدا من الذين يقشعر ~~لذكرهم الرجال في بلدنا؟! # بالاختصار كنت أريد أن أصبح بطلا باعتبار أن الرجولة لا بد أن ~~تكون بطولة، ومثلي الأعلى كان أولاد الليل ... ولهذا كنت دائم التتبع ~~لتحركاتهم، وأتفه ما يحدث لهم تماما كما يتتبع شبان هذه ~~الأيام أبطال السينما، ويتحرقون شوقا إلى أخبارهم ... وكان حلمي ~~الدائم أن أتعرف بهم أو بأي منهم، وأن يصاحبني ويعلمني حرفة ~~أولاد الليل ويجعلني أقتل، وأصبح في النهاية رجلا. # كنت في الرابعة عشرة كما قلت، نحيفا شاحب الوجه هادئ الملامح، ~~عمري ما تشاجرت أو اشتبكت أو شتمت أحدا، حتى كان أبي وأمي وكل ~~الناس يقولون عني إني طيب وابن حلال ... ولم يكونوا يعرفون أبدا أن ~~في صدري بركانا يريد الانفجار، وأن في رأسي أحلاما وعالما ~~غامضا غريبا مختلفا تماما عن العالم الباهت الراكد الذي كنت ~~أحيا فيه، عالم آخر فيه شجاعة وجدعنة ومخاطرة وصدام ... عالم لا بد ~~أنه لا يوجد إلا في الليل، ولا يسمح بدخوله والحياة فيه إلا لرجل ~~بطل ... لابن ليل! # 2 # ولم أترك طريقا أسلكه ليوصلني لأولاد الليل إلا طرقته ... كنت ~~أضيق بصحبة لداتي من تلامذة البلدة وطلبتها، وأجوب الغرز ~~والقهاوي بحثا عن أخبار سرقة أو جريمة، أو ms072 أملا في العثور على ~~رجل شاف أو رأى وجالس يحكي ... وكان منقذي الدائم هو عم خليل ... كان ~~عم خليل يعمل خفير طماطم في عزبة قريبة مجاورة، وكان عجوزا تخطى ~~الخمسين، ولكنه قضى شبابه كله، وجزءا من رجولته لصا كبيرا وابن ~~ليل؛ وربما من أجل هذا السبب اختاره صاحب العزبة وعينه خفيرا ~~على المائة فدان. # كنت آخذ له باكو المعسل والسكر والشاي، والشاي بالذات؛ فقد كان ~~كييف شاي، يضع الأوقية كلها في التلقيمة الواحدة، ويعمل الشاي من ~~ثلاثة أدوار، الأول سادة، والثاني بخدشة سكر، ولا يسمح لي بأن أشرب ~~إلا من الدور الثالث الحلو ... وكنت أجد في صحبة عم خليل متعة كبرى ... ~~فقد كان إذا تسلطن من الشاي والدخان، بدأ يحكي عن مغامراته وعن ~~كبار اللصوص الذين عرفهم، وعن البهائم التي سرقوها، والجدران التي ~~نقبوها، والمنازل التي دخلوها، وكنت أحب منه عدم مبالغته في ذكر ~~بطولاته الشخصية وتمجيد أدواره، كان دائما يلعب لأي عصابة يعمل ~~معها دور المراقب، أو المشاهد الذي يحمي ظهر المهاجمين ويحذرهم ... ~~وكان خليل هو الآخر يجد في صحبتي متعة، فهو وحيد عجوز تعدى ~~الخمسين، يقبع طول الليل والنهار في ذلك العش الذي صنعه لنفسه على ~~رأس المائة فدان المزروعة طماطم، وكان أعور يغطي نصف وجهه بمنديل ~~محلاوي متسخ بطريقة لا يبدو معها أنه يخفي عوره. وكان يحب ~~الكلام ويحب أن يحكي عما فعله في الزمن الخالي ... وكان يجد في خير ~~مستمع، وكان يقضي الساعات يحكي ولا يمل. ساعات يلتهب فيها خيالي ~~البكر، وأجد نفسي بقوى أكبر مني مدفوعا؛ لا لكي أسمع فقط، ولكن ~~لكي أعمل وأنضم إلى عصابة مثلا، وأشاهدهم وهم يشتبكون ... وكنت ~~حينئذ أسأله إن كان يعرف أحدا من أولاد الليل المعاصرين الذين ~~كنا نسمع نتفا متفرقة عن حوادثهم، كان حينئذ يقول باشمئزاز ~~يكشف عن فكه الأسفل الأثرم، ويهز بيده علامة اليأس، ويقول: أولاد ~~ليل إيه دول؟ دول عيال ... أولاد الليل كانوا زمان ... إنما دلوقتي ... ~~يا شيخ ... دول شوية عيال. # وكنت أصدق عم خليل؛ إذ من ms073 الحكايات التي كنت أسمعها، كان واضحا ~~أن عالم البطولات والأمجاد قد ولى بعد أيامه وعصاباته. وكنت ~~أتحسر حقيقية ويملؤني الضيق؛ لأني لم أوجد قبل وجودي بأعوام، ~~وفاتني هذا الزمن القديم الحافل. # شخص واحد فقط كنت إذا سألت عم خليل عنه لا يشيح بيده أو يشمئز، ~~وإنما يتولاه وجوم ويقول: آه ... الغريب أبو محمد ... دا ما له ده؟ ... ~~أهو ده اللي فاضل من أيام زمان. # ذلك أن الغريب أبو محمد كانت شهرته، كابن ليل مدوخ بوليس، قد ~~بدأت تعم الآفاق ... وكان من غير الجيل الذي يتحدث عنه عم خليل، ~~ولكني حتى وأنا في هذه السن، كنت أستطيع أن أدرك بوضوح أن عم خليل ~~لا يستطيع أن ينكر على الغريب مكانته، ولكنه يفسر جدعنته ورجولته ~~بادعاء أنه الجزء الباقي من الماضي الغابر! # وحين كنت أطلب من عم خليل وألح في الطلب أن يجعلني أرى الغريب ~~أبو محمد ولو مرة واحدة، كان يتنصل ويعتذر، ويبدو عليه أنه أفاق ~~من حالة التفتح الوجداني الذي كان سادرا فيه ويقول: ما لك إنت ~~يا بني ومال الناس دول؟ ... يكفيك شرهم. # فلا يفزعني رده، وأستنكر أن يكون هو نفس الشخص الذي كان من ~~هنيهة يشيد بأولاد الليل وحياتهم وأشخاصهم، وأنه هو نفسه كان ~~منهم، فيعود ويقول في صوته الخائف خوف الموت من العودة ... إن الله ~~قد رضي عنه ... وإنه تاب، وإن هذا كان زمان وأيام زمان ... أما الآن ~~فإنه يصلي والحمد لله يصوم رمضان. والحقيقة أنه لم يكن يصلي أو ~~يصوم، وكنت أرى بعيني رجالا يأتون إليه؛ ليخفوا عنده أشياء ~~ويعودوا بعد أيام يستردونها. وأراهم وهم يغمزونه، وأراه وهو يعود ~~إلي وفيه اضطراب ويقول: آه ... أيوه ... احنا كنا بنقول في ~~إيه. # ويبدأ يتحدث فإذا بها نفس الحكاية التي قالها لي مرة، وأصبر ~~قليلا علها تكون مختلفة. وإذا بها هي بنفس تفاصيلها، فأقول له ~~هذا، فينتقل إلى مغامرة أخرى لا جديد فيها، فهي أيضا قد سمعتها. ~~ومع أني كنت قد اكتشفت أنه لم يعد لديه شيء جديد؛ إلا ms074 أني لم أكف ~~عن التردد عليه في عشته التي كان يسميها «الطيارة»، ويراقب منها ~~بعين واحدة كليلة عليها سحابة فدادين الطماطم الشاسعة ... لم أكف؛ ~~لأني في قرارة نفسي كنت عن طريقه أريد أن أعثر على الغريب، وكنت ~~أعرف أنه خيطي الوحيد الذي لا أعرف سواه، وكنت أطمع أن يحدث هذا ~~يوما ما مهما كثرت الأيام. وكانت الإجازة الصيفية تنقرض وأيامها ~~تسرع، وشغفي يزداد وأملي يكاد ينفد. # ولم أكن أتصور أن الإجازة لن تنقضي إلا وقد عرفت الغريب، وعرفته ~~بطريقة لم أكن أيضا أتصورها. # 3 # كانت الحرب العالمية الثانية على أشدها وروميل في العلمين، ~~والناس يتحدثون عن الحاج محمد هتلر وإشهار إسلامه، وبقدومه المتوقع ~~ليخلصنا من الإنجليز. أما عالم الليل في مركزنا؛ فقد كان مشغولا ~~بأمر آخر لا يمت بصلة إلى هتلر أو روميل. أيامها كان ثمة أمر ~~عسكري قد صدر بترحيل المجرمين المشبوهين إلى معتقل الطور، ونشط كل ~~مأمور مركز، ونشط كل عمدة، ونشط الحاقدون ومحترفو كتابة العرائض. ~~وفي كل بضعة أيام يتكون فوج من المجرمين فعلا، والأبرياء الذين ~~اغتنوا، والأبرياء الذين زج بهم نكاية وزورا، فوج يربط في ~~سلاسل من حديد وكلابشات، ويرحل إلى الطور. أما مركزنا فقد رزقه ~~الله بمأمور كان قريبا لأحد رجال السراي الذين تتحدث عنهم الصحف؛ ~~ولهذا رأى أن يفسر الأمر العسكري بطريقته الخاصة. وبدلا من أن ~~يتعب نفسه في عمليات الترحيل ومكاتباته واستماراته، كان يتولى ~~ترحيل المشتبه في أمرهم ليس إلى الطور ولكن إلى العالم الآخر، ~~وبطريقة بسيطة للغاية لا سلاسل فيها أو كلابشات. كان إذا أفلح في ~~القبض على أحدهم وجيء به إلى المركز لا يدخله السجن، وإنما يبقيه ~~معه في حجرته يحدثه ويؤانسه، ويقدم له الشاي والمزاج، ثم إذا هب ~~الليل يدعوه إلى نزهة معه في «البوكسفورد». وهناك على حافة البحيرة ~~أو أحد المصارف الكئيبة المؤدية إليها يوقف العربة، وينزل هو ~~ويدعو ضيفه للنزول، وبعدة طلقات ينتهي من أمره، ثم يدفعه إلى ~~البحيرة، ولتظهر جثته بعد هذا أو لا تظهر ، فلا أحد ms075 شاف ولا أحد ~~درى! والحكومة أبدا غير حريصة على حياة المجرمين والمشتبه في ~~أمرهم، ولا يمكن أن يثبت أي تحقيق يجري طرف مسئولية عليه أو على ~~أحد. # وبعدد هائل من هذه - الفسح - التي أصبحت بعد هذا معروفة ~~ومشهورة، استطاع المأمور الهمام أن يتخلص من عدد لا بأس به من ~~المجرمين السابقين والحاليين والمشتبه في سوابقهم أو لوائحهم، حتى ~~أصبحت سيرة المأمور كقاتل أكثر سريانا على الألسن من سيرة أي ابن ~~ليل عتيد. وكان يصله ما يقوله الناس، وكان يضحك ضحكا يسمع من ~~شباك مكتبه في المركز ويجلجل. ربما كان يجد هو الآخر لذة في الخروج ~~على القانون تفوق لذة تطبيقه ... المهم أنه كان في أحاديثه الخاصة ~~ومجالسه وبين مرءوسيه لا يكف عن ترديد أن كل ما حدث لا يعد ~~شيئا، وأن الفسحة الحقيقية التي لن يهدأ حتى يحققها هي فسحته مع ~~الغريب أبو محمد، عميد أولاد الليل في المركز بل في المديرية، ~~وربما في كل وجه بحري. ولم يكن راضيا أبدا عن مجهود مباحث المركز ~~وعساكره ومخبريه ... في كل يوم كان يعقد لهم طابور توبيخ وتأنيب ~~وتقريع. والعجيب أنهم كانوا يقولون إنه في طوابيره تلك يستعمل ~~ألفاظا لا يمكن أن يستعملها جامعو أعقاب السجائر، رغم أنه، كما ~~يقولون أيضا، يستمد نفوذه من صلته بالسراي والملك عن طريق قريبه ~~هذا ذي المنصب الكبير ... ورغم الألفاظ والطوابير والتوبيخ؛ فقد ظل ~~الغريب مختفيا لا يقبض عليه، حتى حين وصل الأمر إلى حد التحدي ~~السافر، وأصبح المأمور ينفق من ماله الخاص - وربما ليس بالضبط من ~~ماله الخاص - ويرصد المكافآت، ويؤجر العيون، ويلعب من بعيد على ~~شلبي الذي كان معروفا أنه ساعد الغريب الأيمن ويغريه - ويبدو أن ~~هذا السلاح نجح؛ فقد فوجئ أهالي المركز ذات يوم بأن الغريب محبوس ~~في المركز ينتظر مصيره المعلوم المحتوم، وأن القبض تم بالاتفاق ~~مع شلبي، وأن شلبي قد قبض. # والمفاجأة التي لم يكن أي من أهل المركز وقراه يتوقعها هي تلك ~~التي جاءت مع غروب الشمس، حين قالوا إن ms076 الغريب قد هرب في عز ~~النهار، وإن الدنيا قامت وراءه ولم تقعد بعد، وإن وقعة من يخفيه، ~~أو لا يبلغ عنه أسود من شعر رأسه. # تلك كانت المفاجأة التي لم يفق منها أحد في المركز أو قراه، ~~والتي ظلت حديث الناس أياما، والتي أصبح موقف الناس بعدها كموقف ~~المتفرجين على عسكر وحرامية، ولكنها لعبة خطرة يشاهدونها، ~~ويتحدثون عنها في السر وبأصوات منخفضة. وينهر الجار جاره أو الصديق ~~صديقه إذا رفع صوته وتحدث، مذكرا إياه بالمخبرين الذين أطلقهم ~~المأمور يتجسسون ويعدون الأنفاس، ويتسلمون غبار الغريب. # حتى نحن - شلة الطلبة والتلامذة الذين كنا نسهر على حائط الكوبري ~~الأسمنت الناعم في ذلك المساء - نتسامر ونتحدث عن المطاردة الخطرة ~~ونحن مطمئنون تماما ألا مخبر بيننا أو بوليس. كنا نتحدث في خوف ~~وهمس، ويستغرقنا الحديث تماما حتى ننسى أنفسنا ولا نصحو إلا على ~~تحذير صادر من أحدنا يقول: إن لليل آذانا، وإن من المستحسن أن نسد ~~أفواهنا ونسكت. # وكنا نصمت ويبدأ خوفنا يطغى، فالدنيا كلها كانت قد عرفت أن ~~الغريب لم يبارح المركز أو قراه؛ زيادة في تحديه للمأمور، وأنه ~~يستعمل الأذرة الصيفي بعيدانها الطويلة وتشابكها الذي يخفي الفيل ~~لو أراد ... وكان حديثنا عن الغريب خطرا من الناحيتين؛ كنا نخاف ~~المأمور وعيونه من ناحية، والغريب من ناحية أخرى؛ إذ من يضمن أننا ~~إذا تحدثنا لن تفلت من أحدنا كلمة ... كلمة قد يشيد فيها بالغريب، ~~فيغضب علينا المأمور ورجاله وآه من غضبهم! أو قد نشيد فيها ~~بالمأمور، فيغضب علينا الغريب، وآه من غضبه هو الآخر وسكينه التي ~~كانوا يقولون إنه يربطها حول سمانة رجله! ... بل أكثر من هذا كانت ~~جلستنا نفسها نوعا من التهور، سننال عليه بالتأكيد علقا ~~وتأنيبا؛ فأهلنا وأهل البلاد كلها يحيون في حالة رعب من اللحظة ~~التي عرف فيها أن الغريب قد هرب، وأنه يختفي في حقول الأذرة، وأنه ~~يظهر بالليل أحيانا ليغتصب الطعام والنقود ... وكان رعبهم هو الآخر ~~مزدوجا. وكأن كلا منهم كان يتصور أن المأمور سيوجه إليه تهمة ~~التستر على غريب، ms077 هكذا لله في لله، ودون حتى أن يراه. ولهذا كانت ~~قرى مركزنا تشطب من المغرب، والبهائم تروح قبل ذهاب الشمس، وتصبح ~~الحقول والشوارع صحراء ليلية جرداء، لا حياة فيها ولا حس، ليس فيها ~~سوى دوريات رهيبة مسلحة ومصفحة، تجوب ظلام الليل وصحراءه؛ ~~بحثا عن الذئب المختفي في مكان ما منه. # ولأن كل هذا كان يدور في خواطرنا بسرعة إذا صمتنا، فصمتنا كان لا ~~يطول ... في الحال نجد أحدنا قد بدأ يتحدث والآخرين قد بدءوا ~~يشاركونه. وإذا بالحديث يعود رغما عنا سيرته الأولى، ويعود كل منا ~~يسأل الآخرين، بينما هو في الحقيقة يسأل نفسه: ماذا يفعل الواحد ~~منهم لو لقيه الغريب، وهو في طريق عودته إلى بيته؟ وعاصفة خوف هي ~~التي كانت تجتاحنا لدى إلقاء السؤال. خوف مبالغ فيه؛ إذ الواقع أن ~~هاتفا خفيا في قرارة كل منا كان يتمنى لو حدث هذا، ولكن يتمنى ~~ماذا؟ كان مليون هاتف آخر يتصايحون فورا في جوفه، ويقتلون ذلك ~~الهاتف الخافت. وبسرعة تتحرك دوافع الجبن لتأخذ من الشجاعة كل ~~سماتها وأرديتها، وتحتل المقام الأول. وتجعل من دوافع الشجاعة ~~حيثيات تهور وجنون وقلة عقل ...! # وفي تلك الليلة حين تكاثر الخوف حتى فض سامرنا ومجلسنا، نفس ~~الخوف الذي كان يبقيه ويمنعنا من الحركة، وقام البعض يتشبث ~~بزملائه ويحتمي بهم ويطلب منهم أن يوصلوه. وقام آخرون يختارون أسلم ~~الطرق وأقربها إلى البيوت. وحين قمت بدوري لم أكن أعرف ولا كان حتى ~~باستطاعتي لو أردت أن أتخيل أن الصدف اختارتني ليلتها؛ ليخرج ~~علي الغريب من بين عيدان الذرة، ويجفف الدماء من عروقي بمثل ما ~~حدث ...! # 4 # من الصعب علي جدا أن أحدد إن كنت لم أستشعر أبدا أني ~~سألقاه، ولكنها لم تكن حاسة سادسة أو إشارة من المجهول ... كان ~~شعورا عاما غمرني، وجعلني لا أعتقد أن هناك فارقا كبيرا بين ~~أن ألقاه أو لا ألقاه. # كان علي لكي أصل إلى بيتنا أن أمشي على جسر الترعة مع بقية ~~رفاقي ثم نفترق، حيث يستمرون هم في سيرهم إلى البلدة، ms078 وأنحرف أنا ~~في طريق ضيق يدور حول طرف البلدة، وتحده المساكن من ناحية والأرض ~~المزروعة من ناحية أخرى ... والعجيب أن الخوف انتابني فقط وأنا معهم ~~... أما حين أصبحت وحدي؛ فقد تلاشى الخوف فجأة، ومع هذا لم أعد إلى ~~حالتي الأولى، اضطراب عظيم وجدته يعصف بي، وكان الخوف قد وصل إلى ~~أن أصبح فوق متناول حواسي ووعيي، وانقلب إلى حذر عظيم واستعداد ~~جنوني للدفاع عن النفس، وحساسية مطلقة لأخفت الأصوات، والتهاب ~~الخيال إلى درجة يرى فيها أي بياض في الليل جلبابا، وأي سواد ~~شبحا، وأي حركة طعنة ... وكان لم يبق على انتهاء حقل الأذرة الصيفي ~~الذي كنت أسير بحذائه إلا بضعة أمتار. بعدها أمر بأرض القمح ~~المنخفضة، حيث الاحتمالات أقل والأمان أكثر ... والأذرة في الليل لها ~~وشوشة تحدثها أوراقها الطويلة الحادة كالموسى الخشنة ~~كالمنشار، خاصة حين يفاجئك حدها في جبهتك أو يلسعك وهو يصك يدك ... ~~وأنا خائف أن أبطئ، وكل ثانية تمر قد تحدث فيها الكارثة. وجاءني ~~شيء من خلف ظهري كالهبهبة. حسبتها أول الأمر هبهبة كلب، ولكنها ~~كانت كلمة ... «وله» ... وبسرعة الومض خطر لي أنها بالتأكيد ليست ~~هبهبة، ولكنها كلمة ... أمر من إنسان. وخطوت خطوة ثانية، وجاءت هذه ~~المرة واضحة، أخرست وشوشة الذرة، وأصمتت صراصير الليل ~~وأزيزه. ~~- وله ... # نفذت إلي آمرة سريعة، فيها دعوة أحسست بعدها بصمم دافئ، وكأن ~~أحدهم صب ماء ساخنا في فتحات أذني ... ولم أعد أسمع ولا أتحرك أو ~~أتنفس أو أفكر ... وفي عقلي شيء واحد يدق ولا يتغير: لقد حدث ... لقد ~~حدث ... لقد حدث! # لحظة واحدة هي التي استغرقها كل ما دار، ولكنها من اللحظات التي ~~يجلس الإنسان بعدها ساعات؛ ليستطيع أن يلم بكل ما حدث فيها ~~ويرتبه، ويجعله يخضع للمنطق والمعقول ... لماذا لم أجر وقد كان ~~باستطاعتي أن أفعل؟ لماذا انكتم الصوت في حلقي الجاف ولم أصرخ؟ ~~لماذا لم أكن أريد أن أجري أو أصرخ أو حتى أتنفس؟ لماذا التفت ~~فجأة إلى الخلف في حركة مذعورة، وقلت بتلك الحشرجة المرتفعة التي ~~ملأت صوتي المراهق برنين ms079 أصوات الرجال وخشونته: أيوه ... عايز ~~إيه؟ ~~- ما تخافش يا شاطر. # هل معقول هذا؟ وهل يخضع الخوف أحيانا للأمر، أو لأمر قادم من ~~شخص معين، بحيث إذا جاءك وجدت نفسك فعلا قد كففت فورا عن الخوف؟ ~~ولكن إذا لم يكن هذا صحيحا؛ فبأي شيء استطعت أن أدفع هذا الخوف ~~وأجعل ما أصابني من خوف يتلاشى، وكأنه ذاب؟ جسدي فقط هو الذي ~~تولته رعشة ... رعشة بلا خوف ... وكأن الخوف قد غادر رأسي وصدري إلى ~~الأبد، وركب أطرافي وأرعشها بطريقة جعلت همي كله يصبح أن أوقف ~~ارتجافي الظاهر هذا، وأستجمع إرادتي كلها لآمر بها أطرافي أن تكف ~~عن خوفها ... بلا جدوى، بل بالعكس كلما أمرتها كانت تزداد خوفا ~~وارتعاشا ... والحقيقة المالئة رأسي لحظتها أني لا يجب أن يظهر ~~علي علامة خوف واحدة، حتى لو كانت ارتعاشة. ووجدت السؤال ينطلق ~~مني بلا تفكير، إلا أن أوقف أسنانا تصطك وركبا تهتز ... بلا تفكير ~~إلا أن تمر اللحظة الحاضرة، فقط تمر وبأي ثمن؛ إذ لأمر ما كنت ~~أعتقد أنها لو مرت بسلام، فسأملك أمر نفسي بعدها، وسأنجح في ~~التصرف. ~~- من أنت؟ # شخطة خرجت مني، ولا شخطة المأمور! ... أو الغريب نفسه إذا صادف ~~شحاذا أو متسولا! ... وبسرعة، وقبل أن تصطك أسناني مرة أخرى ~~أعقبتها: إنت مين؟ # وجاء الصوت الذي لم أكن إلى ذلك الوقت قد عرفت من أين يجيء، وهل ~~يأتي من أمامي أو من خلفي ... أو حتى يخرج من باطن الأرض: أني ~~غريب. # وانطلقت مرة أخرى، وكأنني مسدس الخائف حين لا يصبح همه إلا أن ~~يطلق الرصاص ... ولا يكف إلا بعد أن يفرغ رصاصه ... انطلقت لأقول: ~~إنت غريب ولا الغريب؟ ... ولكن شيئا غريزيا أوقف الجملة الطلقة ~~في حلقي، وجعلني أقول: أنت ال... وبتقول «وله» ليه؟ ... ما تقول سلام ~~عليكم يا أخي ... ما تقول سلام عليكم. # قلتها وانتهت طلقاتي وسكت. وسكت الصوت الآخر. انتهى بعدها صمم ~~أذني، وعاد إليها أزيز الليل ... وبدأت أنفاسي تتلاحق وتعمق، ورحت ~~أفكر في أن أطلق ساقي للريح وأجري وأستغيث، ولكن شيئا كامنا ms080 في ~~نفسي ظل يردد لي أنني لن أفعل شيئا كهذا، وأن ليس باستطاعتي أن ~~أتحرك من مكاني خطوة، حتى لو أردت. # وطال الصمت، أو ربما طال في نظري ... وخيل إلي أن كل شيء قد ~~انتهى ... وأن صاحب الصوت لا بد قد ذهب، ولكن أبدا ... إحساس غمرني ~~وجعلني أحس أني أراقب، وأن عينين لا أراهما تدرسانني خلجة خلجة، ~~وأن أمري وصغر سني لا بد سينكشفان حالا ... وستحين لحظتي القاضية. ~~ويا له من شعور أفزعني، وأنا واقف عاري الرأس مخلوع الصندل، تحت ~~سماء بدأ قمرها الجامد يختنق ويذوي، وظلامها الكامل يطبق، ~~والشعاعات غير المرئية تخرج لا بد من مكان داخل هذه الشجيرات ~~المتكاثفة لتتفحصني على مهل وبتمعن! ... أنا المتجمد في مكاني لا ~~بقوة الرعب؛ فقد ذهب الرعب، ولكن بقوة ما بعد الرعب، بقوة الشعور ~~الذي يجمد الفأر في مكانه حين تنغلق عليه المصيدة، بحيث حتى لو ~~فتحت له بابها؛ لما استطاع أن يهرب منها. # ومن الظلام المخفف بظلال العيدان سمعت ضحكة ... بالضبط لم تكن ضحكة ~~ممكن أن يقاس نوعها وطولها ... كانت إذا قيست بالضحك الحقيقي، حسبتها ~~حبة من مسبحة ... أو قطرة من ماء، أو عينة من ثوب قماش ... وآخر ما كنت ~~أتوقعه من نفسي هو أن أغضب لسماعها ... غضبت، بل أكثر من هذا، أحسست ~~أني أكظم غيظي، ولكني سكت. ~~- إنت ابن مين يا شاطر ...؟ # وكاد غضبي يتحول إلى حركة وقول لدى سماعي السؤال، وخاصة لدى كلمة ~~«شاطر»، ولكني لا أعرف لماذا هدأت للسؤال، وحل الاطمئنان في قلبي ... ~~وقلت: أنا ابن فلان. ~~- أبوك رجل طيب. # والحقيقة لم أسمع بقية إجابته ... فقد وجدت العيدان تشخشخ وتتأرجح، ~~ثم يبرز على أثر الكلام من بينها امرأة قصيرة القامة ترتدي ثوبا ~~أسود، وطرحة سوداء، وبرقعا ذا قصبة ذهبية لمعت بشحوب تحت شعاع ~~القمر الأصفر. # 5 # من الممكن أن يعتقد البعض أنه كان حريا بزيه هذا أن يبعث في ~~نفسي السخرية والاستهانة بصاحبه، ولكن العكس بالضبط هو ما حدث ... ~~فقد أحسست فعلا بشعري يقف، وقشعريرة ملتهبة تغمر فروة ms081 رأسي، وأنا ~~أرى الغريب قتال القتلة ومدوخ المديرية يرتدي ثوب النساء الأسود، ~~ويضع مثلهن البرقع ... وأن يظهر لنا العفريت كعفريت شيء يخيف، أما ~~أن يظهر في صورة «عرسة» فشيء لا بد أن يبعث على الرعب ~~المميت. # وخطا الغريب بضع خطوات ناحيتي، وهاتف الجري عند كل خطوة يعلو ~~نداؤه وترجع رأسي صداه، ولكنه فجأة جلس وقال: اقعد ... وفي الحال ~~قعدت، وإن كنت قد افتعلت البطء والتؤدة وأنا أجلس ... كانت حافة ~~«القيد» الذي تروى منه الأرض، والذي جلسنا عليه لأتهيأ مكانا ~~لجلسة مريحة، ولكن مشكلتي لم تكن في الجلسة. مشكلتي كانت فيما ~~يريده الغريب مني، هو يريد الناس لقتلهم مثلا أو ليعورهم أو ليأخذ ~~منهم نقودا، فماذا يريد مني وهو لم يقتلني، ولا يعقل أن يكون معي ~~نقود، ويطلب مني أن أجلس! # جلست في صمت، وهممت أن أتكلم ولكني أمرت بالسكوت. أمرني ذلك ~~الكائن الغريزي الذي يتولى أمرنا وحكمنا في أوقات كتلك، أوقات لا ~~نعرف فيها نوايا وأهداف من نكون معهم ... خاصة إذا كانوا من زملاء ~~الليل أو أمثال الغريب. # لم أكن حتى ذلك الوقت قد رأيته ... كنت قد لمحته وحدقت فيه، وكنت ~~أعرف أنه أمام عيني وبجواري، ولكني لم أكن قد رأيته ... السياج ~~الرهيب الذي كان يحيط به ... الذين قتلهم والذين طاردهم والذين ~~طاردوه، والحكومة التي يعاندها والحكومة التي تريده، وتاريخ طويل ~~من القصص والروايات والأحاديث منسوجة وملونة ومحبوكة كانت تحيط به ~~من كل جانب، ولا أستطيع معها أن أراه حتى وهو في ملابس النساء تلك، ~~بل لم تفعل ملابسه أكثر من أنها أضافت للسياج الوهمي سياجا ~~حقيقيا، وتفاعل السياجان ليجعلاني أحس به موجودا وغير موجود، هو ~~الجالس بجواري ويكلمني، ولا يمكن أن يكون هذا شخصه أو الكلام كلامه ~~... أمعقول هذا؟ الغريب هو الجالس على حافة القيد يحادثني؟ كان ~~يخيل لي في لحظة أن من أراه في تلك الثياب السوداء ليس سوى ظل ~~لعملاق رهيب لا يزال كامنا في الأذرة، وفي أحيان يخيل إلي أن ~~الثوب خال من الداخل، وأن الغريب ms082 ما هو إلا نقطة زئبقية داخلية لا ~~يمكن إمساكها أو القبض عليها. # وأخرج علبة الدخان من جيبه أو هكذا تمنيت، فأي حركة منه كانت ~~ترعشني، وتجعلني أنتفض مترقبا غرزة السكين المربوطة على فخذه في ~~صدري، وقال: تاخد سيجارة؟ # قلت: كتر خيرك. # قال: خد. # قلت، وأيامها كنت أدخن خلسة سيجارة أو سيجارتين في اليوم ... قلت ~~متصنعا الأدب: ما بشربش. # هز رأسه في سخرية وقال: بتشرب ... خد. # وادعيت، كأنما براعته قد كشفتني، فقلت: علشان خاطرك ~~حاخدها. # مد لي السيجارة وأشعل عود الكبريت من علبة ذات ستين عودا «ماركة ~~الخيال»، ومد العود ناحيتي قائلا: ولع. # وآليت على نفسي ألا أشعل سيجارتي قبله وأقسمت، ولم يفعل قسمي ~~أكثر من أنه أطفأ العود، وقرب رأسه ذات البرقع الذي كان قد رفعه ~~ليشعل اللفافة مني، وأشعل الكبريت مرة أخرى. ولأمنع انطفاءه قربت ~~رأسي، وليمنع انطفاءه قرب رأسه، وانفجرت الشعلة تضيء ما بيننا، ~~وتضيء - أعوذ بالله أعوذ بالله - وجهه، وكأنما أضاءت وجه جنية، ~~عيونها مخططة بالطول، وكأنما أضاءت وجه نعجة شيطانية مجنونة ~~ترتدي برقعا. # سقطة السيجارة من فمي هي فقط التي عرفتني أن فمي مفتوح وأني ~~خائف جدا، وكأن كل ما فات من خوف لم يكن سوى التثاؤب الذي يسبق ~~المرض. أما وأنا أحدق في وجهه فهو الخوف، المرض، الحمى الباردة ~~التي تهد الجسد وتضعضع العظام، الحمى التي ترجفني، حمى الخوف ~~التي أدركها بوعي محسوسة ملموسة. # ورغم هذا ما أعجب قدرتنا! ما أعجبنا نحن بني الإنسان! لو كنت ~~حيوانا ... وأحسست بمثل ما أحسست لفقدت السيطرة على نفسي، ولظللت ~~أجري وأركض رعبا حتى لقيت حتفي، ولكنني في اللحظات التالية كنت ~~بقدرة الخوف الخارقة قد ملكت السيطرة على نفسي تماما، جلست بجواره ~~أيضا أدخن السيجارة العربي «الملكونيان» التي عزم علي بها، ~~وأدوخ ... فقد كنت حديث العهد بالتدخين وبابتلاع الدخان، وأرد على ~~أسئلته بثبات أو بمحاولات جادة يائسة الثبات غالبا ما كانت تنجح، ~~وغالبا ما كانت إجاباتي تخرج مفهومة معقولة تكاد تبدو طبيعية ... ~~سألني عن دارنا، وأين هي من جلستنا ms083 ، وسألني أين كنت، ومع من، وماذا ~~قلت لهم، وماذا قالوا لي، وماذا يقول الناس عنه ... ولم يفتني وأنا ~~في حالتي التي أتأرجح فيها بين «الهي والهوى» تلك أن ألاحظ غبطته ~~الساذجة لكل كبيرة وصغيرة قلتها له نقلا عن الناس، بل وألفتها ~~أيضا. وما أيسر التأليف علي وأنا أحاول أن أرضيه، وأجعل أقوالي ~~كمرآة مكبرة يرى فيها حجمه مضاعفا وبطولاته أطول من المآذن وسعف ~~النخيل. # وأنا آخذ آخر أنفاس سيجارتي، كانت المشكلة لا تزال تلسعني، ولا ~~أزال أريد أن أقول له كم حاولت أن أراه وألقاه، وأشهد عم خليل ~~و«طيارته» غير بعيدة على أقوالي، وأتردد لا لشيء إلا لخوفي من أن ~~يفسر رغبتي في رؤيته تفسيرا يجلب غضبه. وأخشى ما كنت أخشاه لحظتها ~~أن أقول كلمة أو أقدم على حركة تثير غضبه، بل كان يخيل لي ~~أحيانا أنه سيغضب فجأة من تلقاء نفسه كالمجاذيب وأهل الله ... وكأن ~~أخلاق أهل الليل قريبة الشبه جدا من أخلاق أهل الله. ولكنني نسيت ~~المشكلة تماما، بل نسيت نفسي والمكان والزمان في طرفي الكماشة ~~اللذين أطبقا على بلبلة أذني، وأنا أدفن بقايا السيجارة في طين ~~القيد. # 6 # أصابع لا يمكن أن تكون أصابع ... لا بد أن عظامها من الداخل كانت ~~حديدا، والجلد فوقها قد جف من زمان وتحجز. خيل إلي أن جسدي ~~كله يحمر للقرصة، ومع هذا فقد كنت أحس بالأصابع الكماشة لا تقصد ~~بها الجد والأذى بقدر ما تريد التنبيه المغلف بهزل ... وصوت ~~يأتيني من وراء البرقع الذي أعيد كقناع الديك الرومي إلى مكانه: ~~وبتشرب سجاير ليه؟ ... مش عيب؟ # ولم أتأوه ... خوفا، وربما حسبها جدعنة، ولكنها كانت والله خوفا، ~~وحتى سكوني بعد هذا وهو يسألني، هل أصلي مثل أبي المشهور بصلاحه ... ~~ثم نطقي حين ازدادت الضغطة وقولي: لاه. # وتزداد القرصة، ويجيئني السؤال كلفحة النار الهادئة: ليه؟ # فأقول: حاصلي ... حاصلي. # وحينئذ أحس بجسدي يبرد وينتعش ويعود إلى الحياة؛ إذ الكماشة ~~كانت قد تركت أذني، ولكني ما كدت أتنفس، حتى دوت خبطة أو خبطتان ~~على ظهري كدق ms084 الساطور على جسد الذبيحة المنفوخ، والغريب لعنة الله ~~عليه، يقول: لا والله ... أنت واد جدع ... يحميك لأبوك ... لولا أنك جدع ~~لغرزتك زرع بصل في القيد ده ... قف. # ماذا أفعل؟ وقفت ... قرب هنا ... قربت ... هات ودانك ... أذني التي كنت ~~لا أزال أحس بها حمراء كالجمر المضيء في ظلمة الليل هي نفسها التي ~~قربتها، وهي نفسها التي سمعته ... سمعت قحة الغريب أبو محمد وهو ~~يقول: آني جعان يا ولد. # أقسم أن صدري لم ينشرح لكلمة سمعتها من إنسان بمثل ما شرحت صدري ~~تلك الكلمة، وأزالت كل ما تراكم فيه ليلتها من اضطراب ورعب وارتجاف ~~وهوس ... واستقرت في أعمق أعماقه وراحت تدوي دويا غريبا حبيبا، ~~نداء ... النداء الذي تتجمع له النخوة والحب والرغبة العارمة في ~~التضحية، وأسهلها التضحية بالنفس. وبكل هذا، وبكل ما حدث في وما ~~انداح من صدري قلت في شبه هتاف: تحب تاكل إيه؟ ~~- أي حاجة ... وإن كنت تقدر هات لي صندوق دخان وحجر بطارية وقلة ~~ميه. # واستدرت لأجري، ولكنني لم أتحرك، فيده المهولة كانت قد أمسكت ~~بذيل جلبابي ... وعدت أواجهه فوجدته يرفع البرقع ويقول: كلام ~~رجالة؟! # وجمت ... فقد أحسست أنه يهينني، وربما القمر الساقط على وجهي ~~الشاحب اللاهث قد أنبأه هو الآخر أني أكاد أبكي تأثرا، فترك ~~الذيل، ولكنني لم أتحرك ... ظللت واقفا، وأيضا لا أستطيع أن أتكلم ~~... كنت أريد أن أقول له أشياء كثيرة جدا، ولكني لم أكن أعرف كيف ~~أقولها؛ ربما لأني لم أكن أعرف بالضبط هذه الأشياء الكثيرة التي ~~أريد قولها؛ وربما لأني لدى كلمته هذه بدأت أفقد الحماس الدافق ~~الذي أشاعه طلبه في صدري، وبدأت أفكر في أن أذهب وأوقظ أبي ~~والخفراء والعمدة ونمسكه. # وقفت حتى قال: روح ... يلا. # قلت له: مش خايف مني؟ # قال بهدوء آمر هامس ينفذ إلى النخاع: روح. # وبخطوات مضطربة مضيت أتخبط في الطريق إلى بيتنا القريب. # 7 # قطع الشوربجي كلامه مرة ليقول: من كان يصدق أنني سأعود إليه ~~بعدما نفدت بجلدي منه، ومن كان باستطاعته أن يصدق أن علاقة طويلة ~~ستنشأ ms085 بيني وبين الغريب، علاقة أصبح فيها محل ثقته حتى ليأتمنني ~~على زوجته الحلوة الصغيرة «وردة»، أحلى وأجمل وأنضج من رأت ~~عيناي؟ # لا بد أن الإنسان هو الذي يتمتع وحده بتلك الخاصية المجنونة ~~خاصية أن يرى الخطر ماثلا أمام عينه أحيانا، فلا يهرب منه كما ~~تفعل الكائنات، ولكنه بكل طيش يواجهه ويسمي هذا شجاعة ويفخر ~~بها ... لا بد، وإلا لما كانت هناك قوة في الوجود تستطيع أن تعيدني ~~إلى حيث يختفي الغريب، محملا بكل ما استطعت العثور عليه في ~~بيتنا من طعام، وبقلة الماء المخصصة لأبي، والتي كان لا يجرؤ أحد ~~من أهل البيت على لمسها. ~~••• # تلك كانت قصة لقائي بالغريب لأول مرة. والذي حدث أنها لم تكن ~~الأخيرة، فلقد ظللت أياما كثيرة أقابل الغريب، وأحمل له الطعام ~~والماء، وكل المطالب الصغيرة التي يحتاجها اختفاؤه الكامل. ولم تكن ~~المهمة سهلة؛ فالطعام في القرى لا يباع أو يشترى، وكان لا بد من ~~التحايل الكثير لإحضاره من بيتنا، واختلاق الحجج للتزود ببعضه من ~~بيوت أهلي وأقاربي. وكان الغريب أول الأمر يعاملني بحرص شديد، فما ~~ذهبت له مرة بالطعام ووجدته في المكان المتفق عليه. كنت أجد مكان ~~الانتظار دائما خاليا فأقف، وأظل أتأرجح بالشك والخوف، حتى يخرج ~~علي من حيث لا أدري. وبعد أن يكون قد اطمأن إلى أني بمفردي ... ~~وكنا لا نلتقي إلا ليلا في تلك الفترة الكائنة بين المغرب والعشاء ~~... ورغم سني الصغيرة وغرابة هذه العلاقة، فلم يطلب مني الغريب أبدا ~~أن أبقي ما يحدث بيننا سرا، ولكني أنا كنت على استعداد لأن أموت ~~قبل أن أطلع عليه أحدا ... وما أروع تلك الأيام القليلة التي ~~عشتها أمينا على سر الغريب وصلته الوحيدة بالحياة ... كنت أحس ~~طوالها أني أخيرا، وبطريقة لم تخطر لي على بال، قد استطعت أن أدخل ~~ذلك العالم الذي عشت أحلم بالحياة فيه. وما أروع المرات التي ~~شاطرته فيها الطعام، أو التي طالت جلستنا فيها ودار الحديث ... حديث ~~كنت أقوم أنا بأغلبه، تاركا للغريب مهمة تشجيعي على المضي فيه، أو ms086 ~~قطع حبل استماعه بسؤال. وما أتفه ما كانت تبدو لي أحداث حياتي ~~الكبيرة، وأنا أحدثه عنها ... ما أتفه ما كانت تبدو خلافاتي مع الناس ~~وخناقاتي واشتباكاتي، وأنا أقولها للرجل الذي يقتل الناس لأي هفوة، ~~وأحيانا بلا هفوة! # وقد اقتضاني الأمر لقاءات كثيرة، وأحاديث ممتدة لأستطيع أن أراه ~~رأي العين، وأتعرف على ملامحه. كان أول ما يجذب انتباهك حين تراه ~~شارب أسود كث، بدأت تظهر له شعرات ناصعة البياض يمتد بعرض ~~وجهه. وتحس به يبتلع ملامحه كلها، ويستولي على عينيك، ولا يدع لك ~~اهتماما آخر توجهه إلى أنفه الحاد الرفيع الذي ينتهي فجأة، وكأنما ~~بمطب عند شاربه، ولا عينيه الضيقتين اللتين تآكلت بعض رموشهما ~~واحمرت. وكان أعجب ما فيه يداه؛ إذ كانتا صلبتين صغيرتين أصغر ~~حجما من يدي أنا وأقصر أصابع، وحتى «بلغته» كانت صغيرة، تحس أنها ~~فصلت لصبي أو أنها بلغة فتاة ... ومرة لاحظت أنه بالكاد يلاحقني ~~في الطول إن لم أكن أنا أطول منه بقليل، وأنه حين ينهي ضحكه بشخشخة ~~صوتية اعتادها؛ ربما ليضفي نوعا من الخشونة على ضحكه. # بعد ليال كنت قد أخذت عليه إلى درجة أني سألته مرة سؤالا لا ~~يوجهه إلا «عيل» مثلي - على حد رأيه - أو مجنون. سألته لماذا هو ~~قتال؟ ولماذا لا يحيا كالناس الذين خلقهم الله وسواهم؟ وماذا ~~دفعه في الطريق؟ ضحك للسؤال وشخشخت ضحكته، وقال: الله يقطعك يا شيخ ~~... وأنت قد السؤال ده؟ طب اسأل حاجه تانية. # ولكني وبطريقة صبيانية، وكأنما أتدلل على أبي، ألححت عليه أن ~~يجيب ... حينئذ فقط، وبعد إلحاح، سهم وشردت نظرته حتى خفت أن يكون ~~مشغولا بتتبع مصدر ما للصوت؛ إذ ما كان أرهف أذنيه لأقل الأصوات ~~وأضألها! ثم قال: الحق الحق مش عارف، إنما اللي أقدر أقول لك عليه ~~إني كنت كل مرة يا قاتل يا مقتول. # قلت مبهورا وقد خيل إلي أنه بدأ بعظمة لسانه يفتح لي أسرار ~~عالم الليل الرهيب: إزاي؟ قاتل يا مقتول إزاي؟ ~~- يعني يا كنت أقتل يا أتقتل، فكنت باقتل. # قلت وأنا ms087 أمد انبهاري، وأطيله لأشعره به: كل مرة كده؟ ~~- كل مرة كده. ~~- حتى أول مرة؟ # هنا سكت وعاد يسهم، ثم قال: لا ... هي المرة الأولانية هي اللي ~~صعبة ... كنت زارع عند واحد ... كلني، طالبته مرة واثنين وتلاتة، ~~وسقت عليه الناس مارضيش، قالوا لي بلغ فيه بلغت، حطوني أنا ~~في المركز وضربوني ... وأنا في السجن صممت إني أقتله. ويوم ما طلعت ~~تمام، بعت العجلة واشتريت بندقية وطخيته قدام باب بيته. حققم ~~معايا وانحبست إنما ما ثبتشي عليا، أهله راحوا أجروا واحد يقتلني ~~وياخد بتاره. أستناه لما يقتلني؟ قتلته قبل ما يقتلني، وعليها يا ~~سي عبد الرحمن. # قلت أقاطعه: يعني ... ال... الراجل ده ... ما. ما. ما زعلتش لما قتلته ~~مثلا يعني؟ ~~- زعلت، أمال ما زعلتش! قعدت شهر ما أدقش زاد ولا ميه وعييت، ما ~~خلصنيش م العيا إلا أما عرفت أن أهله مأجرين علي واحد ~~يقتلني. # وسكت سكوتا مفاجئا جعل الاضطراب يدب في نفسي، والتفت إلي مرة ~~واحدة وقال بصوت عال رفيع: وأنت بتسأل عن كده ليه؟ # فقلت له برهبة وصوت متهدج بالخطورة: أصلي عايز أقتل واحد. # ضحك وضحك حتى دمعت عيناه، ثم قال وهو لا يزال يضحك: تقتل واحد ~~مين؟ قل لي عليه وأنا أقتله لك. # قلت له: مش واحد محدد، أي واحد. # قال بدهشة: أي واحد ... إزاي يعني أي واحد؟ # قلت: أي واحد كده. # وكانت في الحقيقة مهمة صعبة أن أشرح له ما أريد، وأخبره بالتفصيل ~~عن تلك الرغبة الخفية التي تراودني، والتي جعلتني ألازم عم خليل، ~~وأتمنى أن ألقاه هو، والتي ما جرؤت أن أصرح بها لأحد سواه. نظر ~~إلي بركن عينه نظرة اكتشفت معها أنه حين ينظر بركن عينه يحول، ~~وقال: بتتكلم جد؟ # وقلت، وكلي صدق ومن أعماق قلبي: والله بتكلم جد. أمال أنا بكلمك ~~ليه؟ ~~- بتكلمني ليه؟ ~~- عشان أنت اللي حتعلمني أقتل إزاي. # ضحك حتى كاد ينفجر، وقال وهو يخبط على كتفي: مش عيب يا أستاذ ~~الكلام ده؟ أعلمك القتل إزاي، هو كوتشينة يا فندي؟ # وأحسست أني أهنت؛ ms088 خاصة لكلمة أفندي، وهو ينطقها بطريقة ممدودة ~~الحروف. مع أني لأمر ما، كنت أعتقد أنه هو الوحيد الذي لن يسخر من ~~رغبتي هذه لو حدث وقلتها له، بله أن يضحك علي وعليها كأي عابر ~~سبيل، أو زميل من زملاء الدراسة. أحسست أني أهنت، ولم أشأ ~~مجادلته؛ مخافة أن يأخذها هزلا ويضيع حلم حياة بأكملها ... ~~وسكت. # وسكت هو الآخر، ثم وجدته بعد فترة يطبطب على كتفي وكأنما ~~يصالحني ويقول: وإذا كان نفسك يا سيدي تقتل بخليك تقتل، ~~المسألة بسيطة. # قلت وقد عاودني الأمل: والنبي؟ # قال: بس على شرط حاكلفك بمأمورية تقدر تعملها؟ ~~- واعمل أبوها كمان. # 8 # وحتى تلك اللحظة لم أكن قد نظرت للغريب أبدا باعتبار أنه إنسان ~~مثلنا، ممكن أن تكون له زوجة أو يكون من عائلة وله والدان، وقطعا ~~لم يدر بخلدي أن تكون له مثلا زوجتان ومن يدري ربما أكثر ... ~~المشكلة أنه لم يترك لي وقتا للتأمل أو الاندهاش، على الفور مضى ~~يحدثني عن تفاصيل المهمة التي تنتظرني، والتي كان علي فيها أن ~~أوصل للزوجة الأولى ورقة بخمسة جنيهات، وأن آتي له بالثانية ... ~~والأولى كانت في بلده القريب من بلدنا، سمراء كالحدأة، جافة، رفيعة ~~كعود السنط الجاف. وأولادها على الأقل أكثر من عشرة، وكلهم لهم نفس ~~سمرتها وعودها الجاف. وطلعت عيني، وهي تسألني عن كل كبيرة وصغيرة ~~من أمر الغريب وتستريب، وتعود وتلح لتتأكد حتى تشهدت حين انتهت ~~المهمة وأفرجت عني. # أما مهمتي الثانية فكانت ل «وردة» أحدث زوجاته التي لم أكن أتخيل ~~أنها على هذا القدر المذهل من الأنوثة والليونة والجمال. لم أكن قد ~~ذهبت أبدا إلى العزبة التي وصفها لي الغريب، ولكني كنت أعرف أنها ~~تقع في منتصف المسافة بين كيلو 14، وبين محطة الطلمبات التي ترفع ~~مياه المصرف الكبير إلى مستوى ماء البحيرة ... واخترت أن أذهب في ~~شيخوخة العصر حتى أعود بها والدنيا ظلام، وكنت مضطربا خائفا ~~أتحاشى الناس، وأتصور أنهم يعرفون وجهتي، ويعرفون حتى «الأمارة» ~~التي زودني بها الغريب لتؤمن «وردة» أني قادم من عنده ms089 ... ويا لها ~~من أمارة، أمارة ما طلبت منه أن يأتي لها بقلم حواجب أسود، أمارة ~~لم أستسغها أبدا ولا هضمت أن ينطقها الغريب بلسانه، ويشغل نفسه ~~بها إلى درجة أن يتذكرها. # حين وصلت كانت العزبة لا تزال خالية إلا من النساء العجائز ~~والأطفال، وقوبلت بعاصفة نباح هائلة من كلاب كثيرة هزيلة يكاد ~~يقتلها الجوع، وظلت تطاردني حتى كدت أعود لولا الفلاحة الضخمة ~~الملوثة الملابس بالطين، والتي ظهرت في الوقت المناسب لتحول بينها ~~وبيني. # ثم تقودني لبيت «وردة» وتتطوع من تلقاء نفسها بتعليل زيارتي، ~~فتسألني: إنت يا خويا من قرايبها بتوع المحطة؟ # وكانت تقصد بالمحطة البندر حيث السكة الحديد، وحيث درج الناس على ~~تسميته بالمحطة. وهي أيضا التي دقت الباب بيدها الملوثة، ونادت ~~على وردة، وطلبت منها أن تفتح «للضيوف» ... وأجابها من الداخل صوت ~~حافل بزغاريد أنثوية رقيقة، لكنها بندراوية راقية حلوة ... صوت بدا ~~غريبا غير متوقع في ذلك المكان النائي الموغل في بعده عن كل ما ~~يمت إلى الرقي والحلاوة بصلة ... وفتح الباب، ولومضة خاطفة لمحت ~~أجمل وجه وقعت عليه عيناي، وجه أبيض يكاد من بياضه أن يصبح شفافا، ~~ومن وسامة تقاطيعه أن يتحول إلى صورة من الصور التي نراها على علب ~~الحلوى والملبس. وكان واضحا أنها انتهت توا من استحمامها، ~~فشعرها كان قد صفف نصفه، ولا تزال قطرات الماء تتساقط من نصفه ~~الآخر ... ومضة رأيتها بعدها تختفي بحركة غريزية وراء الباب، ثم تعود ~~للظهور، وقد وضعت فوق رأسها جلبابا أخفى الشعر، وحاول فاشلا أن ~~يخفي الوجه. ولم يتح لي أن أرى أكثر؛ فقد أسقطت رأسي في الحال ~~فوق صدري خجلا، ولم أرفع عيني عن الأرض، وكدت آمر أذني ألا تسمع ~~خاصة حين خرج صوت «وردة» مملوءا بزغاريده الخافتة الداخلية يرحب ~~بي، ويطلب مني أن أتفضل، مع أنها لم تكن قد عرفت بعد من أنا ~~ولماذا جئت. # ووجدت نفسي أزداد خجلا وتعثرا، وأنا أشرح لها بأقل الكلمات ~~وأسرعها سبب مجيئي، وتحمر أذناي وتسخنان وأنا أذكر لها الأمارة. ~~ولم يغير ما ms090 قلته شيئا من ترحيبها أو لهجتها، فمضت بنفس الروح ~~ترحب بي، وتطلب مني أن أدخل وأجلس. وحين ترددت وجدتها تجذبني إلى ~~الداخل بيد بضة لا تزال مبتلة بالماء وتقول: خش يا حبيبي ... دا ~~بيتك ... اتفضل اسم الله عليك، اسم النبي حارسك. # ولم تترك يدي إلا حين أصبحت في حجرة داخلية كالمندرة، وإلا حين ~~أمالت بيدها الأخرى «حصيرة» زاهية النقوش وفرشتها، ووضعت فوقها ~~مسندين، وأصرت على أن أجلس على أحدهما، وأستند إلى الآخر. # ولم أكد أبدأ ألتقط أنفاسي حتى كانت عدة الشاي أمامنا، والشاي ~~نفسه قد انتهى إعداده. وحتى كانت تناولني الكوب بنفس يدها التي بدت ~~حمراء من كثرة بياضها ونعومتها، ثم تسألني عن رأيي فيه، وتقول إنها ~~راعت أن تجعله خفيفا ليكون «شاي أفندية» يليق بي. # ومع رشفات الشاي الأولى بدأت أفيق، فحتى ذلك الوقت كانت ~~مشغوليتها الشديدة في إكرامي والترحيب بي لم تدع لي فرصة أحدثها ~~فيها عن سبب مجيئي بالتفصيل، أو حتى أذكر لها شيئا عن كنه علاقتي ~~بزوجها الغريب. وكلما طال الوقت يزداد اهتمامها بي، وكلما زاد ~~اهتمامها ازددت خجلا واضطرابا، حتى بدأت أفكر في وضع الشاي ~~جانبا، وتهيئة نفسي لإعادة الرسالة عليها، ولكني فوجئت بها تقترب ~~مني كثيرا وتقول: إنت مكسوف ليه يا حبيبي؟ ... هو ده مش زي بيتكم ~~ولا احنا مش قد المقام؟ ما تنكسفش يا خويا اسم النبي حارسك ~~وحاميك. # وأعقبت كلماتها الأخيرة بهدهدة حنونة علي، هدهدة كادت تأخذني ~~معها تحت إبطها. # وكان لا بد أن ينتهي خجلي ولو للحظة وأرفع بصري إليها، إلى تلك ~~التي تعاملني كصبي صغير أو طالب، بينما هي لا تكبرني إلا بأعوام ~~أقل من أن تعد. وحتى لو كانت أكبر مني بكثير؛ فهي امرأة وأنا شاب ~~غلظ صوتي وبرزت حنجرتي. ثم إنها ليست صغيرة فقط ولكنها حلوة بطريقة ~~لا يتصورها العقل، بيضاء جميلة ملفوفة في فستانها الحرير المحبوك، ~~وكل ما فيها ناضج فائر يكاد يمزق الفستان. وحتى لو كان لها جسد ~~رجل، فيكفي ما في عينيها من سواد جميل، ms091 يشع رغبات مجنونة تكاد تنطق ~~وتصيح ... ولا تجد في هذا كله حرجا من الطبطبة علي، وأخذي تحت ~~إبطها، وإدارة وجهي ناحيتها كلما حاولت أن أغض الطرف أو أستدير. ~~بل لا تجد حرجا في أن تعزم علي بالدخان والمعسل، وأي مكيف أريد. ~~وأحيانا كثيرة تملس على شعري وتقول: الله ... شعرك أصفر وحلو زي شعر ~~الإنجليز ... اسم النبي حارسك يا خويا وصاينك. # وتقول «أخويا» بطريقة يقشعر لها الجسد، بطريقة لا تمت إلى الأخوة ~~بصلة. # وظللت طوال الوقت منبهرا مما أراه وأسمعه ومن إحساسي الدائم ~~أنها مع كل ما تفعله زوجة الغريب ذلك الجبار الرابض ينتظر عودتنا، ~~وعلى فخذه الأيسر سكين. ويبلغ انبهاري قمته حين تتعمد بين كل حين ~~وحين أن تخبط على كتفي خبطة دلال وتأنيب وتقول: اطلع من دول ... دا ~~زمانك مقطع السمكة وديلها، حاكم البنات تموت في شعرك ده ... يحميك ~~يا خويا لشبابك اسم الله عليك ... إنت مش حتبات هنا إن شاء الله؟ ~~والله ما سيبك تروح لوحدك أبدا. # ويتولاني الضيق العظيم، ضيق الموفد في مهمة الذي يكتشف أنه ~~هو الذي أصبح موضع الاهتمام، وأن كل الرسالة التي يحملها لم يعد ~~لها أهمية بالمرة وسط ازدحام الإكرام الهائل، والأسئلة المتوالية ~~عنه وعن شخصه ونفسه، والطبطبة والأحضان التي ظاهرها عطف خالص، ~~والتي يدوخ التفكير في باطنها. # ويبلغ الضيق بي أن أقوم أحيانا منتفضا، وكأنني سأهم بالجري ~~فتحيطني بذراعيها فورا، وأحيانا تمس شعري بقبلة يقف لها شعري، ~~وتسألني في دلال عما يدفعني للعجلة، وبأصبعها المكهربة تتحسس وجهي ~~وذقني وشاربي المخضر. ويزداد ضيقي وأنا أعامل كاللعبة التي لا ~~رأي لها ولا اعتبار. وآمر نفسي أن تظل صورة الغريب ماثلة أمام ~~عيني، لا تختفي لحظة تحول بيني وبين هذه المرأة البندراوية التي لا ~~يوقفها خجل أو يمنع يدها حياء. امرأة تبدو كالمحرومة التي ما رأت ~~في حياتها رجلا ... تراه ماذا يفعل معها؟ ومن الواضح أنها لا تخافه ~~أبدا، ولا تعمل له حسابا قط. # وربما الضيق والاستنكار وغرابة الموقف هي التي دفعتني دفعا لأن ~~أجد ms092 نفسي أحس فجأة باحتقار هائل لوردة برغم جمالها الهائل وشخصيتها ~~الطاغية المكتسحة. # الغريب بعيد عنها، والرجال يخافونها خوف الموت، ولم يبق لها في ~~منفاها البعيد عن الرجال إلا تلك الصدفة التي ساقتني إليها، من ~~تحسبني تلك المرأة الداعرة؟ ومن تحسب نفسها؟ # هكذا بدفعة بغض قوية خلصت نفسي منها، وحدجتها بنظرات خلت من كل ~~ما يخجل أو يربك، وأعدت عليها الرسالة كلمة كلمة، وطلبت منها أن ~~تصحبني. وكأنما صدمها تغيري؛ فقد وجدت الاضطراب يملأ عينيها فجأة، ~~ويدفعها للحركة بلا هدف داخل محجريهما. ولكن ذلك لم يستمر إلا ~~لهنيهة؛ فقد وجدت بريقا ما يعود يشع من نظراتها، ولم أحتج ~~لذكاء كثير لأدرك أنها فسرت نفوري على أنه فشل لأنوثتها معي، ~~وأنها لكي تنجح، عليها أن تعيد سن أسلحتها، وتمضي في المعركة. ~~وهكذا جذبني، وهذه المرة كانت أحضانها مكشوفة، وإن حرصت على أن ~~تسبقها بقولها: اسم الله عليك، اسم النبي حارسك. # ووجدت نفسي أنا الآخر أبادلها البغض والنفور بطريقة مكشوفة، ~~ويغادر الخجل نظراتي ليغرق نظرتها هي، حتى ليدفعها لأن تقول: هو ~~أنا مش عاجباك يا حبيبي؟ # وإلى هنا وجدت نفسي أصرخ، وأقول لها: أنا ما لي وما لك؟ ... أنا ~~باعتني عم الغريب ... جاية ولا مش جاية؟ # ويبدو أنها قرأت في عيني أن الضيق قد بلغ بي منتهاه، ولكنها لم ~~تنسحب من الموقف فورا، ظلت تحادثني وكأنما لتختبر إحساسي الأخير ~~تجاهها، ولتزيل الجفوة التي حدثت. وفي النهاية قالت إن علي أن ~~أعود للغريب، وأخبره أنها لن تستطيع الذهاب إليه. أما لماذا؛ فقد ~~أبت أن تجيب، وطلبت مني أن أبلغه ما قالته فقط وبلا أي تعليق، وبعد ~~فترة قالت: وإذا كان عايز هو يشوفني ... خليه ييجي. # وكانت تقول هذا، وكلانا مدرك أنه مستحيل، فمجيئه إليها خطر ~~أكيد. # وحين لم أجد فائدة اندفعت خارجا، ولكنها أمسكتني واستبقتني ~~إلى أن حشت جيبي بفطيرة لفتها في غلاف مجلة، وأصرت علي أن آخذها. ~~ولا أدري لماذا حين أخرجتها في منتصف الطريق وأنا عائد، وحاولت أن ~~أقضم منها قضمة جزعت ms093 نفسي، ووجدتني أقذفها بكل قوتي في المصرف، ~~وأتخيل المشهد الحافل الذي سيدور بيني وبين الغريب. # 9 # وكان لقائي معه حزينا لا أدري لم. كنت أحس من ناحيتي أني فشلت ~~في مهمة كلفني بها، وأن علاقتي البسيطة الواضحة به قد حدث فيها شيء ~~عقد من بساطتها، الغريب الذي ما رأيته إلا كبطل يرى، لا يمكن أن ~~يربطه بأرضنا أو بحياتنا رابط فجأة اكتشفت أنه زوج، وزوج ل «وردة» ~~وأي وردة! اكتشاف جعلني أحس بالخجل ... وكأنه كان من واجبي ألا أعرف، ~~وكأنني ضبطته في موقف شائن أو لحظة ضعف. # أما الغريب؛ فكل ما فعله حين رآني أنه قال: هيه ... ما ~~جاتش؟ # ولأول مرة في علاقتي به، أدرك أني لكي أجيبه؛ علي أن أكذب. ~~وكذبت. وحاولت أن أجد لها عذرا وأبرر ولكنه هز رأسه وقال: طيب ... ~~هيه ... حصل خير ... وحد شافك لما رحت؟ # ومن توهانه عرفت أنه يريد أن يغير الموضوع ليس إلا. وضايقني ~~أنه لم يثر ولم يغضب وينشب أظافره في عنقي، أو قام من فوره إلى ~~العزبة، وانتزعها من مرقدها ونقلها. حتى حين حاولت أنا أن أعود ~~إلى الموضوع، وأستنكر موقفها استنكارا خفيا لم يظهر عليه الضيق، ~~وراح يسألني عنها وعن صحتها، وماذا كانت تفعله بالضبط حين وصلت. ~~أسئلة كان يبذل الجهد لكي تبدو طبيعية كأسئلة أي زوج غائب عن ~~زوجته البعيدة. # ومع هذا فكل سؤال من أسئلته كان ينبت العرق البارد تحت إبطي؛ ~~مخافة أن يكتشف الكذب في إجاباتي، وكنت لا أبدأ التنفس بحرية ~~وأرتاح إلا حين يهز رأسه وينتقل إلى سؤال آخر. # ولكني لا زلت أذكر رأسه هذا ذا الخمسين عاما حين ارتفع فجأة من ~~فوق صدره، وارتفعت معه عينان أخفي ظلام الليل ضيقهما وتفاصيلهما، ~~وجعلهما تبدوان كما لو كانتا مجرد دائرتين مظلمتين على جانبي أنفه ~~... لا زلت أذكر ارتفاعة رأسه، والوضع الذي اتخذه وهو يصب علي ~~صمته، وكيف طال الصمت، حتى بدأت أقلق وأحاول يائسا أن أخترق نظارة ~~الظلام الغامقة الموضوعة فوق عينيه لأفتش عما يريده مني، حين ms094 قال ~~فجأة: اسمع يا فندي. # ومنعتني الرهبة عن أن أستحثه، أو أفتح فمي، أو حتى أموء في ~~إصغاء. كان القمر يطل علينا من بعيد من فوق أشجار الظلام والكافور ~~المحيطة بغيط الميامنة، وكان مكسورا كأحد «متارد» اللبن التي ~~يضعونها تبركا بعد كسرها فوق قبر سيدي أبو لقان، وشعاعاته الشاحبة ~~محمرة كضوء لمبة الجاز حين توضع في الفانوس ويمنع عنها الهواء، ~~وكان رأس الغريب يواجهني كبيرا بالنسبة لحجمه، ثابتا واجما كأن ~~صاحبه قد مات، ومن خلال فم لا يكاد ينفرج جاءني صوته: إنت بتكدب ~~علي يا فندي؟ # ومت ... أقسم أني أحسست وكأني أسقط من حافة الدنيا إلى هاوية ~~الآخرة، السقطة توقف القلب وتشل العقل وتجمد الأطراف، ويدفع ~~رعبها جلودنا لأن تفرز فزعها على هيئة عرق صغير ينبت ... عرق الرعب. ~~وحاولت التشبث بالهواء وقلت: ليه؟ # ومرة أخرى، جاءني صوته، وكأنه صوت الظلام إذا تكلم الظلام: بتكدب ~~علي ليه يا أفندي؟ # وابتلعت ريقي بصوت حاولت كتمه، وقبل أن أبتلعه مرة أخرى قال: إنت ~~عملت حاجة مع وردة؟ # ويبدو أنه لمحني أعتدل في مكاني ملسوعا، فوجدته يستطرد معدلا ~~السؤال: ولا هي لعبت عليك يا أفندي؟ # وفي جزء من الثانية كنت قد وطنت نفسي على أن أنهار أمامه، ~~وأقول له كل شيء، وإذا نفدت بجلدي أقطع صلتي به وبوردة، وبتلك ~~المشاكل التي لست ندا لها، والتي ورطت نفسي فيها بصبيانية قد ~~تضيع حياتي. ولكني في الجزء التالي من الثانية، كدت أفقد وعيي ~~بتأثير دفقة الحياة القوية التي عادت إلي مع أغرب وآخر ما كنت ~~أتوقعه ... ضحكة عالية ضخمة صدرت عن الغريب، وبددت عن الليل ظلامه، ~~وانتزعت عقلي من مكانه، ضحكة ... ويد قصيرة قوية امتدت تطبطب على ~~كتفي، وصوت آخر كصوت النور إذا تكلم النور، يأتيني من ملامح بدأت ~~تتحرك وتنفعل وتعود إليها الحياة: إنت خفت يا أفندي؟ ... الله يجازي ~~شيطانك ... قول لي بقى ... وردة عملت معاك إيه؟ ~~••• # وأنى لي أن أعرف أن الغريب يعرف عن زوجته الجديدة وردة كل شيء، ~~وأنها نقاوة عينه التي أخذها ms095 على عيوبها، وأنه رآها تغني في ~~الأفراح مع الفرقة الموسيقية فأعجبته وعشقها وتزوجها بما يشبه ~~القوة، وأنه يضعها في العزبة النائية كالطائر في قفص مفتوح يتحدى ~~الرجال بها ويتحداها وتتحداه، وأن العلاقة بينهما - على رأي عم ~~خليل الذي شرح لي كل شيء - كالعلاقة بين الجني المارد والمرأة في ~~ألف ليلة، يضعها في قمقم مفتاحه معه، وتحتفظ هي بصرة فيها خواتم ~~من خانته معهم، رغم كل قمقمه وأقفاله وجبروته. غير أن وردة لم يكن ~~لديها صرة خواتم، وواضح أن الغريب أقوى أثرا من الجني المارد ~~وأكثر حبا، فهو يقتر على نفسه وزوجاته وأولاده ويصرف عليها، ~~ويعفيها من أن تخلص له أو تتصرف بشرف، ويقول لها: إذا استطعت أن ~~تفعلي شيئا؛ فحلال لك أن تفعليه. # وربما يقول هذا عجزا، وليبرر لنفسه خطأها إذا أخطأت، ونار الشك ~~تأكل قلبه، وعذابه لا ينتهي، والسؤال المضني يلح عليه: «تراها ~~استطاعت وأخطأت، أم لا تزال عاجزة؟» # ولا يزال اسمه المرعب يحول بينها وبين الخطيئة ... وكلما ازداد ~~شكه فيها وازداد شكا في نفسه، اندفع يثبت لنفسه وللناس أنه ~~قادر جبار، واندفع يضرب ويبطش ويبسط نفوذه على الجيرة وجير ~~الجيرة، ويجعل من اسمه - من الغريب - القمقم الرهيب الذي يحول ~~بينها وبين الرجال، ويحول بين الرجال وبينها. من أين لي أن أعرف أن ~~الغريب اختارني بالذات ليرسلني لوردة، لا لشيء إلا لأكون كالطعم ~~الحي يمتحن به حالتها ويتحداها بي، وليريها أنه وهو بعيد قادر ~~على أن يشل إرادتي أنا، ويضحك عليها بي؟ ومن أين لي أن أعرف أن ~~وردة كانت تعلم أني آجلا أو عاجلا سأنهار وأحكي للغريب كل شيء، ~~وأنها فعلت كل ما فعلته معي وهي متأكدة أن الغريب سيعرفه؟ فعلته ~~تحديا وردا على تحديه؟ أنى لي أن أعرف أني كنت كالرسالة الحية ~~المتنقلة التي أرسلها الغريب يسألها فيها عن أحوالها ومبلغ خضوعها ~~له، وأنها أرسلت إليه الرد مكتوبا على نفس الرسالة - علي أنا - ~~ردها المعتاد المملوء بتحديه وثورتها عليه؟ أنى لي أن أعرف أن ~~الغريب اختارني بالذات ms096 ليثبت لوردة أن نفوذه علي أشد أثرا من كل ~~أنوثتها وجمالها، وأنها أرادت بما فعلته أن تثبت العكس؟ # أنى لي أن أعرف هذا كله؟ ~~••• # أما ليلتها فكل ما فعله الغريب وأنا أحكي له ما حدث أنه استمع ~~إلي وهو يضحك، ضحكات لا شخشخة في آخرها كضحكات صبي مراهق سعيد ~~بنفسه ورجولته. # وسألني حين انتهيت بقليل من الجد: طيب يا فندي دي لو كانت مراتك ~~وعملت كده، كنت تعمل فيها إيه؟ # قلت بغضب حقيقي: كنت قتلتها من زمان. # فقال: كدهه؟ ... هو القتل بالساهل كده؟ # قلت بدهشة: بالنسبة لك على الأقل لازم يكون حاجة سهلة. # فقال وهو يعود يخفض رأسه: قتل الناس حاجة، وقتل مراتك حاجة تانية ~~... مين عارف ... بيتهيأ لي أن كل واحد تلاقيه بيفكر ساعات يقتل مراته ~~... بس العيب إنه ما بيرسيش على رأي ... ساعة تقول خلاص معدش فيها أمل، ~~يلا ادبحها ... وساعة تقول يا واد يمكن تصلح ... وتفضل متردد بين ~~كده وكده لغاية آخر يوم من عمرك ... لو كان الواحد بيرسي على رأي، ~~كان كل واحد زمانه قتل مراته من زمان. # ولم أفهم ما يريده بالضبط، كل ما فهمته أنه يريد مراوغتي وأنها ~~ليست طريقته، وأني لأول مرة أراه يتساهل في أمر خاص به، فقلت: كان ~~بيتهيأ لي إنك مش كده. # فقال بنصف ارتفاعة من رأسه، وبصوت حائر بين الجد والهزل: بكرة ~~تكبر، وتعرف، وتقدر. # وعاد رأسه إلى الانخفاض، وأحسست به هذه المرة مدلدلا، ورقبته ~~كالعلم الحائر المنكس، وكدت أشفق عليه وأضيق به وبالجلسة وأقوم ~~واقفا لأروح، لولا أنه فجأة شب من جلسته كالملسوع، وكأنما ~~استطالت أذناه وارتفعتا إلى فوق كأذني كلب أحس بالخطر، ثم وجدته ~~يقول في صوت يلهث بغير جري: خد توبك في سنانك وطير ... واوع تبطل ~~جري إلا أما تحصل الدار. # 10 # وبينما كنت أقضي ليلة محمومة أتقلب فيها على لذع اضطراب غير ~~مرئي أتساءل عما دعاه لأن يأمرني بالجري. وأحيانا أعود إلى الحديث ~~الذي دار بيننا، وأحاول أن أوفق بين صورة الغريب كما تصورته ~~والغريب ms097 كما وجدته، الغريب القادر والغريب العاجز، الغريب الذي ~~يخيف الدنيا والغريب الذي لا تخافه وردة أولى الناس منه بالخوف، ~~بينما كنت في هذا كان الغريب يقضي ليلة من أتعس لياليه كما علمت في ~~اليوم التالي ... فقد كان إحساسه مضبوطا، وكانت دورية مكبرة على ~~رأسها المأمور بنفسه قد خرجت للبحث عنه وفي حقول الأذرة بالذات، ~~ولو طال كلامنا قليلا، أو لو كان سمعه أقل حدة لأطبقوا ~~علينا. # وفي الليلة التالية ذهبت إلى الغريب، ومعي البطيخة التي كان قد ~~ذكر أن نفسه فيها، وشققتها لتبرد وجلست أنتظر، وطال انتظاري دون أن ~~يظهر. وأخيرا قنعت من الغنيمة بالتهام ما استطعته من البطيخة ودفن ~~الباقي في الأرض، ثم عدت وأنا حائر؛ أأفرح لانقطاع الخيط الذي كان ~~يربطني به أم أحزن؟! كانت معرفتي به على الرغم من قصرها قد أشبعت ~~قليلا من نهمي لمعرفته، ولكنها - وهذا هو المهم - لم تكن قد ~~حققت الشيء الوحيد الذي أردتها أن تحققه؛ إذ لم يعلمني الغريب ~~القتل كما حلمت، بل كدت أؤمن أنه هو نفسه لا يعرف كيف يقتل. # وانقضت أيام قليلة، ربما يومان ربما ثلاثة، قبل أن أصحو ذات ليلة ~~على طلقة مكتومة صكت الحائط المجاور لفراشي. انتبهت من نومي ~~تماما، وأصخت السمع هنيهة، وإذا بطلقة واضحة ثانية تأتي على هيئة ~~حصاة صغيرة، تأكدت أنها قد قذفت عن عمد لتصيب نافذتي دون سواها ~~وتناديني. وتساءلت: من تراه يكون؟ فالغريب لا يعرف بيتنا على وجه ~~التحديد، وحتى إن عرفه فكيف يعرف حجرتي، والنافذة التي أنام ~~بجوارها. اعتدلت برأس أفرغه الاضطراب الشديد من كل محتوياته، فغدا ~~كالصندوق الفاضي الذي يرن لأقل حركة أو خاطر. وفتحت النافذة ~~باحتراس، ومن شبه الظلام المخيم خارج البيت، سمعت كلمة آمرة هامسة ~~واحدة: انزل. # ثم أعقبتها أخرى: وهات الطلياني. # كلمات لمع في الظلام فحيحها كنصل صولي حاد ثم اختفى. وكاد كل ~~شيء في الخارج يعود إلى السكون المظلم الذي كانه، لولا أني لمحت ~~أكثر البقعات سكونا وظلاما تتحرك وتتشكل على هيئة شبح، ثم تمشي ~~آخذة ms098 طريقها إلى الغيطان. # والواقع ، طغت فرحتي على كل شيء؛ على اضطرابي وإشفاقي أن يكون ما ~~حدث قد أيقظ أحدا من أهل بيتنا، خاصة أبي ذلك الذي يستيقظ لأقل ~~همسة. وكانت الفرحة لا تزال تعصف بي وأنا أتحسس طريقي إلى العشة ~~الكائنة أسفل برج الحمام، حيث أخفيت المدفع الإيطالي الصغير الذي ~~أعطانيه الغريب. كنت خلال الأيام القليلة التي انقطعت فيها صلتي ~~بالغريب، قد بدأت أعود إلى حياتي التافهة الخالية من الأسرار ~~والليل والأحداث، وما أعظم ما بدا الفارق! ... وما أكثر ما جبت ~~الأذرة؛ لعل الخيط يعود مرة أخرى ويصلني به! وها هو ذا قد عاد ~~بنفسه، وبصورة ألهبت خيالي. # طغت فرحتي على كل شيء، وفي غمضة عين، كنت أقف أمامه حيث تعودنا ~~أن نلتقي، ألهث وأحدثه عن البطيخة، وأناوله المدفع، وأضع الظروف ~~أمامه في الخزانة الفارغة كما علمني ... وحين سيطرت على انفعالاتي ~~وبدأت أنظر إليه، أدركت مشدوها أني أمام غريب آخر، أمام إنسان قد ~~انعدمت كلماته ولم نفسه، وتجمعت شخصيته في بذرة إرادية واحدة، ~~وكان في سحنته شيء لم أره من قبل ... حماس ربما جنون، روح جديدة ~~تلبسته، شيء أسكت ثرثرتي مرة واحدة، فأرغمني على أن آخذ دور ~~الجندي الذي ينتظر أوامر قائده، ويدرك أنها أوامر خطيرة بالتأكيد ~~لها ما بعدها. # وبالفعل صح ما توقعته، فقد وجدته بلهجة حامية سريعة وخطيرة: ~~تروح ولا تيجي معايا؟ # قلت بسرعة: آجي معاك ... بس على فين؟ ~~- ما تسألش ... يمكن نقتل ... يمكن ننقتل ... تيجي معايا؟ # قال هذا، ودون أن ينتظر إجابتي فرق بيديه عيدان الأذرة، ونفذ ~~بجسده القصير بينها. # وكنت بعد ثانية تردد أتبعه. # 11 # ولم أحاول مرة أن أجره للحديث أو أسأله، كان يبدو كالمقاد إلى ~~هدف قوي بعيد يجذبه ويعيشه، ولا يدع له وقتا للكلام أو الوقوف، ~~ويتخطى بي كباري، ويلف حول خلجان ويزحف على يديه في بطون أحواض، ~~وكأنما هو لا يراني أو يسمعني أو يحس أصلا بوجودي. في الأحيان ~~النادرة التي تكلم فيها كان يقول: إيه ... هيه ... بتقول إيه؟ # فإذا حاولت استيضاحه، ms099 أجابني بغمغمة أدرك معها أنه مستغرق في ~~تفكير من العبث أن أحاول استخراجه منه. كان الليل هائلا كبيرا ~~كخيمة مأتم كللت بالسواد؛ حدادا على وفاة النهار، وليس فيها ~~سوى أنوار قمر شاحب ونجوم أضيئت لتهدي المعزين. وكانت الغيطان ~~واسعة ممتدة أوسع من غيطان النهار ... نترك حقول القمح المحصود لندخل ~~حقول الأذرة، ونخرم وسط أقطان، ونرقب خيالاتنا المعتمة في الأرض ~~الغارقة بالماء تنتظر زراعة الأرز. أرض كثيرة شاسعة وممتدة، كل شبر ~~منها مزروع ومعتنى به، وعرق من أجله هؤلاء الغلابى الراقدون في ~~بيوتهم، وكأنما ناموا من الحزن، يتقلبون في انتظار أن يأتي ~~النهار، ويغترفهم بقبضته، ثم بكل عزمه يبذرهم ليفرش بهم وجه الأرض، ~~فيقلبوا سوادها خضرة، وخرابها عمارا، وطميها خبزا ... إلى أن يجيء ~~الليل وبمنجله يحصدهم، وبأسراره وخفاياه يخزنهم في صوامعهم الآدمية ~~المصنوعة هي الأخرى من الطين. ما كان أبعدنا عن أولئك الذين يبذرهم ~~النهار ويحصدهم الليل، وتنبتهم الأرض ليعودوا ينبتونها! ما كان ~~أبعدنا عنهم وهم نائمون، بعيدين ينعمون بطاعتهم الشاملة للكون ~~وأرضه ونهاره وليله! ما كان أبعدنا ونحن نخترق عالمهم وجهدهم في ~~استخدامه وتجميله! الغريب أمامي قصير صغير اليد قوي الذراع ... الذي ~~ناضل حتى أفلت من قبضة النهار ومنجل الليل، ويريد أن يخضع الكون ~~لنواميسه، وليكون له على الناس سلطان الكون ونواميسه، فيخشونه كما ~~يخشون الله والآخرة وبرد طوبة. وأنا وراءه أتأمل حجمه الصغير حتى ~~المدفع المعلق في كتفه، وأتأمل حجم الليل الكبير، وأجده أحيانا ~~أضأل كثيرا من أن يملك زمام الليل ويصبح سلطانه. # ولكنا لم نكن وحدنا ... كان يحدث أن أسمع الغريب يغمغم بخفوت، ثم ~~يقول: دستوركم يا رجالة. # وأتفرس حينئذ فيما حولي، وبالكاد ألاحظ رجلين، أو بضعة رجال قد ~~انتحوا من الليل ركنا تحت كوبري أو في مدار ساقية، لا تدري لأي ~~شيء هم جالسون ينتظرون، ولا لأي هدف يتحدثون في صمت ويتشاورون، ولا ~~ما الذي جعلهم يتركون، هم الآخرون، مضاجعهم ويسهرون في تلك البقع ~~المخيفة ورغم هذا الليل الشامل البهيم؟ ولكني كنت أهز رأسي وأقشعر، ~~وأقول هم ms100 أولاد الليل الحريصون على تقاليد الليل حرص الغريب، ~~والذين حين يحييهم تحيته تلك يأمنون ويؤمنونه، وكأنما ألقى عليهم ~~كلمة السر، ويردون عليه قائلين: دستورك معاك. # وفيهم أيضا كرم الفلاحين، فما أكثر ما كانوا يردفون: ~~اتفضل. # وما أكثر ما كنت أفرح وأنتشي حين يلحظون وجودي، ويقولون: دستوركم ~~معاكم، اتفضلوا يا رجالة. # شيئا فشيئا وبعد توغل طويل في الليل، وغوص أكثر في ظلامه ~~ولقاء لأبنائه، بدأت أرى الغريب بعين جديدة، بدأت أراه بعين الليل ~~الذي نحن فيه، فأحس أنه مع الليل أكثر انسجاما. وكأن كلا منهما ~~جزء متمم للآخر ... حتى ليستحيل على المرء أن يتصور الليل بغير ~~الغريب والغرباء زملائه، أو يتصور الغرباء بلا ليل يحجبهم ~~ويسترهم ويحيون في كنفه ... هؤلاء الهاربون من أبوة النهار الواضحة ~~إلى أبوة الليل الخفية، هؤلاء الذين يجذبهم الليل بكل وضوحه ~~وقانونيته، من يراهم ويرى ألفتهم مع الليل وترويضهم لوحوشه يخيل ~~إليه أنه من المستحيل أن ينتهي أمرهم، حتى ولو ملأ العمران كل ~~الأرض. سيظل هناك أولاد ليل ما دام هناك ليل، وما دام لليل سحره ~~وجاذبيته التي لا تقاوم، فما ذنبهم؟ الليل هو الذي يجذبهم ~~ويخلقهم وينتزعهم من النهار، وسيظل الليل يخلقهم ما وجد هناك ليل ~~وما ظل الماء يخلق السمك، والصحراء تخلق الرعاة، والغربة تخلق ~~الحنين. منذ الأزل كان هناك الغرباء وإلى الأزل سيظلون. ومنذ الأزل ~~وأشد العقاب ينزل بهم ويهلكهم، ورغم العقاب يعودون يوجدون. فكما ~~فقد الليل غريبا جذب من أهل النهار آخر ... ربما لكي تظل الدائرة ~~تدور، ولكي يظل هناك أهل ليل وأهل نهار، ولكي يظل أهل النهار هم ~~الكثرة وأهل الليل قلة، أو حتى ربما لنظل من أهل الليل أو النهار ~~عن طواعية واختيار. # حين أوقفني الغريب بذراعه وواجهته، وراح يتفرس في، تساءلت بيني ~~وبين نفسي ما الذي يمنع رجلا كهذا أن يقتلني والبقعة نائية، ولن ~~يشهد فعلته أحد سوى الليل الذي لا يرى ولا يسمع ولا يفتن؟ والحجة ~~موجودة - حكاية وردة - بل حتى بلا حجة، ما الذي يمنعه من قتلي إلا ms101 ~~أنه يعرفني؟ ألأن بيني وبينه صلة هي التي تجعلني أحس بالأمان؟ من ~~يدري؟ ربما لو عرف الناس بعضهم بعضا معرفة وثيقة ما جرؤ أحد على ~~قتل أحد ... ما خاف أحد من أحد. كنت أفكر في هذا حين سألني الغريب ~~بصوت أجش، قد خشنه الصمت الطويل، وبله الندى: إنت ~~خايف؟ # قلت على الفور: لا. # قال: مستعد لأي حاجة؟ # قلت على الفور أيضا: أي حاجة إيه. # ولم يجب ... تأملني مرة أخرى، وقال: شايف النار دي؟ # ولم أكن قد رأيت نارا، ولكني حين تلفت وجدت قبضة بعيدة ~~كالجمرة تحسبها عين ذئب وحيد العين. ~~- عارف مين هناك؟ ~~- مين؟ ~~- شلبي. ~~- شلبي مين؟ ~~- صاحبي وحبيبي، أنا جاي أقابله أصلي ما شفتوش من زمان، ونفسي ~~هفتني عليه. # وشرح لي الغريب المطلوب مني. قال إنه يريد أن يخيف شلبي والرجل ~~الجالس معه أمام النار، يشويان الأذرة وتملأ رائحتها الجو ... كان ~~علي أن آخذ المدفع معي، وأمشي باحتراس حتى أصل منهما، ثم أخرج ~~عليهما فجأة، وأقول: بتعمل إيه يابن الكلب إنت وهوه؟ # وعلي أن أطمئن؛ فسرعان ما سيظهر هو، ونضحك جميعا على ما حدث، ~~ونجلس معهم نشوي الذرة ونأكلها. # وفي الحقيقة ظل قلبي يخفق، وكأنني ذاهب إلى حتفي، والمدفع يرتجف ~~في يدي حتى اضطررت لإمساكه بيدي الاثنتين وأضغطه في كتفي. وببطء ~~شديد رحت أتقدم، وخيل إلي أن وقتا طويلا قد مضى قبل أن تصبح ~~المسافة بيني وبينهما كافية لأن أراهما وأرى وجهيهما. كانا اثنين؛ ~~أحدهما شاب وسيم يرتدي طاقية صوف معوجة في عياقة على رأسه، ~~والآخر كان واضحا أنه خفير نظامي؛ فقد كانت بندقيته راقدة بطولها ~~على ساقيه المتربعتين، وهو مشغول بالهف على النار وتقليب الكيزان، ~~بينما الأول جالس، وقد أحاط ساقيه بيديه، وعلى وجهه علامات ~~تفكير. # ولولا خوفي من الغريب؛ لضربت فوقهما طلقة في الهواء، فقد كان ~~المدفع معبأ في يدي يغري بالإطلاق ... وإطلاق الرصاص من بعيد ~~أسهل بكثير من أن أواجههما. # ظللت أتردد وأرتجف، حتى رأيت شبح الغريب يطل من باب الحظيرة ~~خلفهما ... وحينئذ فقط، وكأنما أصدر ms102 لي أمرا غير مسموع، وجدت نفسي ~~أنطلق كالثور الهائج أصرخ وأدب بأقدامي، وأخترق المسافة الكائنة ~~بيني وبينهما في قفزات واسعة ألقتني في لمحة البصر أمامهما، لا ~~يفصلني عنهما إلا النار المحمرة الخافتة، والمدفع في يدي أصوبه ~~بحماس بالغ مضحك ... ولكن الحيلة نجحت بأكثر مما توقعت؛ فقد ارتدا ~~إلى الخلف في جزع حقيقي، بل اندفع الخفير يصرخ وكأنما فقد عقله ... ~~غير أن هذا كله استغرق ... لم يستغرق في الحقيقة أي زمن، وكأنه لم ~~يحدث بالمرة ... إذ في نفس الوقت تقريبا، كان شيء آخر يحدث ... أفظع ~~وأبشع شيء شاهدته، أو سأشاهده في حياتي. # والكارثة التي لا خلاص منها أني شاهدته بعيني هاتين ... رأيته ~~ولم يكن أمامي إلا أن أراه ... إلى هذه اللحظة بإمكاني أن أتذكر ~~الغريب، وهو يتقدم ليصبح خلفهما مباشرة، وبإمكاني أيضا أن أتذكر ~~يديه حين ارتفعتا عاليا فوق رأسه، ولكني لا أذكر أبدا أني ~~رأيتهما تهويان. كل ما أذكره هو ذلك الصوت الذي لم أسمعه قبلا، ~~والذي لا يشبه أي صوت من أصوات الوجود الأخرى، صوت كصوت كسر البيضة ~~بالبيضة إذا كانت البيضة في حجم الرأس ... كصوت الحديد المحمي حين ~~يطش إذا وضع في الماء ... ما أذكره هو ... طس ... وإذا بالشاب العايق ~~يقوم نصف قومة، ولكنه لا يعود للجلوس، ترتفع ساق من ساقيه في ~~الهواء، ثم تبدأ تهبط على دفعات متقاربة، وكأنها عقرب ساعة نطاط، ~~وكذلك راح رأسه يهبط ... ولكنه لم يكن نفس رأسه، كان قد تحول إلى ~~كتلة، وقسم إلى قسمين بينهما شيء لامع أسود تنخلع قلوب أكثر ~~الرجال شجاعة إذا عرف أنها بلطة قد غورت في الرأس، ووصلت خلال ~~إحدى العينين إلى الوجنة. # 12 # لم تستغرق العملية كلها سوى ثوان، ولكنها أخذت من عمري سنين ~~أستعيدها، وأتأملها وفي كل مرة تخاطبني نفس الأحاسيس، وأرتجف تحت ~~وقع القشعريرة نفسها، وأدوخ كما لو كنت أنا الذي شطرت البلطة ~~رأسه. # ترى، أية قوة خفية تجعلنا نتألم إذا رأينا الغير يتألم؟ ونكاد ~~نموت إذا رأيناه يموت؟ الشاب لم أكن أعرفه أو لي ms103 به صلة، ومع هذا؛ ~~فقد ظل مصرعه يطاردني ويعذبني ... وكأني أنا القتيل، بل كان يصل ~~عذابي إلى درجة أكبر ... وكأني أنا القاتل! # وإذا كنت قد روعت مرة لما حدث للشاب ليلتها، فروعي كان أكبر ~~للدقائق القليلة التي أعقبت موته، وبالذات لرؤية وجه الغريب ... وجهه ~~حين انتزع البلطة من مكانها الموغل في عمقه وبشاعته، ووقف يلهث ~~ويستند إليها ... ويقلب نظره بيني وبين الخفير الذي كان قد تمدد ~~على الأرض، لا نعرف إن كان إغماء أو رعبا أماته وأوقف قلبه ... يا ~~له من وجه! ... ويا لبصابيص النار حين أضاءته، وجسدت خلجاته، وجعلت ~~قشعريرتي تتحول إلى رجفة مسموعة لا يمكن إيقافها. # عيناه ... عيناه الضيقتان ما رأيتهما أبدا بهذا الاتساع، بل ما ~~اعتقدت أبدا أن أي عين بشرية يمكن أن تتسع وتستدير، وتصل إلى ما ~~وصلت إليه عين الغريب ... لو كان الغريب هو المقتول؛ لما أوصل الرعب ~~عينيه إلى هذه الدرجة من الاتساع، ولما حدث لوجهه كل ما كان يعانيه ~~من شحوب ... وكأنما الضربة التي فلق بها رأس الرجل قد فتحت بابا ~~سريا له منه مارد أو جني ووقف قبالته يمسك هو الآخر بلطة، ويهم ~~بتصويبها إلى أم رأسه ... لا بد أنه كان يرى فعلا شيئا كهذا؛ وإلا ~~لماذا كان يسيطر عليه كل ما كان مرتسما في عينيه ونظراته الزائغة ~~من رعب؟ ولا بد أنه كان في تلك اللحظة بالذات فاقد الإحساس بنفسه ~~وبما يفعله، فقد كان يدير رأسه وينقل البلطة من مكان لمكان، ويلف ~~ويدور ويفعل هذا بحركة شيطانية سريعة ما عهدتها فيه وليست من ~~خصائصه. وكأنه قد أصبح غريبا آخر غير الغريب الذي صاحبني في رحلة ~~الليل، أقسم أنه كان غريبا آخر ... غريبا لم أستبعد أن يرشق بلطته ~~في رأسي بلا سبب، أو يرفعها ثم يهوي بها على الخفير الممدد، ~~فيقسمه نصفين ... كان واضحا أن باستطاعته أن يفعل أي شيء، وهو في ~~حالته تلك التي لا يدري فيها بما يفعله، بل كان واضحا أنه وصل إلى ~~درجة لا يمكن إيقافه عندها، وإنما ms104 عليه أن يستمر يبطش ويقتل ويكسر ~~الرءوس، وكأنما ليدافع عن نفسه ضد هذا الشيء الخارق المهول الذي ~~كان منتصبا أمامه يخيفه ويرعبه، ويفقده من الرعب والخوف ~~عقله. # وباستطاعتي أن أقول إنني والخفير قد نفذنا من تحت بلطته ليلتها ~~بمعجزة. لقد كاد يدفعني وعيي لأن أضغط على زناد المدفع كما علمني، ~~ولا أتركه حتى يفرغ في جسده كل رصاصه ... كنا أربعة كائنات حية، ~~تسيطر عليها أقصى درجات الرعب ... رعب القاتل لا يقل عن رعب القتيل ... ~~ورعب الخفير الفاقد الوعي من الرعب لا يقل عن رعب الغريب ... ورعب ~~القاتل المحترف لا يقل عن رعب الصبي الخام المغامر، وكلنا في حالة ~~دفاع عن النفس ... أنا مستميت على المدفع، والغريب مستميت على البلطة ~~... مستميت في البحث كالمجنون عن الشبح الذي يرعبه ... والخفير متشبث ~~بإغمائه يحتمي به ولا يريد أن يفيق، ولو خير القتيل نفسه، لاستمات ~~على ميتته مفضلا ألف مرة أن يموت مرة، ولا يعود للحياة؛ ليواجه ~~ميتة البلطة مرة أخرى ... وحتى النار الموقدة كانت تقاوم الفناء ~~بإحراق كيزان الأذرة وشيها ... والكيزان تقاوم النار ويدفعها الرعب ~~عن المصير المحتوم لأن تئز وتشكشك، وتفرقع حباتها أحيانا، ~~وكأنها تستصرخ النار بآخر رمق وتطلب النجدة ... رعب كامل من الموت، ~~وتشبث كامل بالدفاع عن النفس في وسط ليل قد اشتدت ظلمته في محاولة ~~أخيرة للوقوف أمام النهار الطالع. والشاهد الوحيد المحايد قمر أفطس ~~الأنف مخنوق كالمشفق علينا مما نخوضه ... كالحزين على ~~المصير. # حتى بدأنا نشم رائحة لحم آدمي مشوي، تختلط برائحة الذرة المشوية ~~وتملأ المكان. ~~••• # وفجأة، بدأنا نتحرك. # وبدأت الحركة بضربة من قدم الغريب أعادت الخفير إلى صوابه ~~وأوقفته ... وتعاون الرجلان على حمل القتيل، وإطفاء النار التي كانت ~~قد بدأت تسري في لحم ذراعيه وملابسه ... وحملت أنا المدفع والبلطة ~~وسارا أمامي بحملهما ... ولم نذهب بعيدا، فبعد بضعة أمتار وصلنا إلى ~~ساقية مهجورة ... واحدة من تلك السواقي التي كانت تستعمل لاستخراج ~~الماء من جوف الأرض حين يشح ماء النيل، والتي بطل استعمالها من زمن ~~ونبتت حولها الحشائش، وأصبح ماؤها ms105 آسنا له لون الزيت المعدني ~~ورائحته ، لتبدأ تدخل في حوزة الليل وأبنائه، تؤخذ عندها المواعيد ~~وتخفى في مياهها المسروقات. وحتى ذلك الوقت لم أكن أعرف أنها ~~تستخدم أيضا كمقبرة لمن لا يستحب أن تحويهم المقابر ... مقبرة ~~تلقى فيها الجثة بعد ربطها بحجر ... وتتكفل مياهها بالتهام لحمها ~~وعظامها وما ترتديه في أيام! # وعدنا في موكب صامت، أنا في المقدمة والخفير وسطنا والغريب في ~~المؤخرة ... وقد انتقلت إليه البلطة والمدفع. وسرعان ما اختفى الخفير ~~بعد أن تبادل معه الغريب همسات، وأكملنا السير وحدنا. # وظللنا فترة لا نتحدث. وكان الغريب أول من نطق، وبدأ كلامه بنبرة ~~عادية، وبلهجة حاول فيها أن يعتذر عن اضطراره لإشراكي في تلك ~~اللعبة الخطرة؛ فقد كان لا بد له من قتل شلبي ... ولم يكن أمامه من ~~يستعين به سواي. # وبكلمات أخرى قليلة، حكى لي قصته مع شلبي الذي لم يكن مجرد مساعد ~~له أو عضو في عصابته، ولكنه كان صديقه وأخلص خلصائه، صداقة بدأت ~~بخناقة في سوق الأربعاء ... واستمرت عشر سنوات، ووصلت إلى حد أن ~~سلم له الغريب نفسه واسمه وماله، وهو مؤمن أنه يسلمها لصديق ... صديق ~~لم يشك في إخلاصه، حتى ذلك اليوم الذي واعده فيه على اللقاء عند ~~نفس الساقية التي تركناه فيها من هنيهة. والتي وجد نفسه بعدها ~~محاصرا بخمسين بندقية ميري، وبمسدس الضابط فوق رأسه. لم يداخله ~~الشك ساعتها، بل حتى لم يشك حين أخذوه هو في «البوكس»، وتركوا شلبي ~~... أنى له أن يعرف أن الحسد كان يأكل قلبه طوال هذه السنين، وأنه ~~ظل يدبر الخلاص منه ليستولي على العصابة، وعلى ما هو أهم من ~~العصابة ... على وردة ... وأنه هو الذي اتصل بالمأمور ودبر معه ~~الخطة؟ # لم يكن الغريب يحكيها كحكاية ... كان كأنما ينزف أو يتألم ... وفي ~~أحيان كان يسكت، ثم يقول فجأة وهو يطحن أسنانه بأسنانه: دا الطاقية ~~اللي كان لابسها ليلة الساقية طاقيتي، اشتريتها باتنين جنيه من ~~واحد عرباوي، وعجبته فحلفت أن يأخذها. # ويضحك فجأة ويقول: إنت عايز الحق ... الحق مش هو ms106 اللي غلطان. آني ~~الغلطان ... بقى عايز في صنعة اللي بيشتغلوا لصوص وقتالين قتلة تتوجد ~~خلصانية ولا صداقة؟ مفيش كلام من ده ... في الليل كل واحد ونفسه ... ~~واللي يسلم دقنه لغيره، ما يلومشي على اللي يصح له. # ثم يلتفت إلي مرة ويحكي لي كيف دبر مقتل شلبي بنفس الطريقة ~~التي دبر بها شلبي تسليمه ... وفي نفس المكان تقريبا ... وبنفس السلاح ~~... الصداقة والإخلاص ... فالخفير خفير العزبة التي فيها وردة، وقد ~~اندفع شلبي لصداقته والإغداق عليه، ليتركه يحوم حول وردة، ويدبر ~~معه أمر خطفها، تلك الليلة بالذات كانت موعد الاختطاف، وكان شلبي ~~والخفير جالسين ينتظران مقدم رجلين آخرين من العصابة، ومعهما ~~المطايا لتنفيذ الخطة. والشيء الذي لم يعرفه شلبي أبدا أن الخفير ~~باع سره للغريب ... والشيء الذي لم يعرفه الخفير أبدا أن الأمر ~~سيحسم بالبلطة. # وبينما الغريب يتكلم وأنا مندمج أسمع كلامه، كان خاطر يلح علي ~~إلحاح الناموسة: ترى ماذا يقول أبي الذي لا يفوته الفرض، لو تكشف ~~له الغيب للحظة، وعرف ما أفعله ساعتها وما شاهدته، والرجل الذي ~~أسير خلفه، وبحديثه أغوص في ذلك العالم الشاذ الغريب، وألم ~~بتفاصيل أتفهها يخلع القلب ويوقف الشعر؟ # وربما إلحاح الخاطر هو الذي شغلني عن أن أدرك أننا كنا طوال ~~الوقت قريبين من عزبة وردة، وأننا قد أصبحنا على أبوابها. # وربما هو أيضا الذي صرف أنظاري عن الغريب، بحيث لم أفطن إليه؛ ~~إلا وقد جلس وجذبني من جلبابي وقال: بص كده مش ده دم؟ # وحين أمعنت النظر كانت يده بالفعل تقطر دما. وكلما تحسس فخذه ~~وأخرجها تكاثر الدم، وحين عراها ظهر الجرح ... جرح بشع متهتك، وكأن ~~شيطانا مسعورا قد نهش فخذه. # إحدى ضربات البلطة لا بد قد أفلتت وأصابته، وهو يخلص على ~~شلبي. # 13 # وعولج الجرح طبعا ... قام بعلاجه الدكتور معروف الذي أخذ الطب ~~بالممارسة ... والذي كان يعمل حلاق صحة اسما ... بينما شهرته كطبيب ~~ملء الأسماع، حتى كانوا يقولون إن يده النحيفة المعروقة التي ~~تشبه في ليونتها ورقتها أيدي النساء أنجع من أيدي عشرات الأطباء ~~الحقيقيين. ms107 # وقصة علاجه نفسها ودوري فيه قصة طويلة تصلح وحدها رواية، يكفي ~~أن أقول إنها تمت تحت الكوبري المتحرك، حيث كان الغريب قد قرر ~~أن يقيم إلى أن تشفى ساقه ... ولم أكن أتصور أن تحت الكوبري سيكون ~~بهذا الأمان والاتساع ... وأن بإمكان الإنسان أن يعيش شهورا تحته ~~دون أن يدرك المار فوق الكوبري من أمره شيئا ... لم أكن أعتقد أن ~~الأمر سينقلب إلى متعة وتجربة جديدة مثيرة يحياها الإنسان وهو ~~منحن، كأنه يحمل الكوبري فوق كتفيه، ويحس بمشاعر غريبة والماء ~~يجري بجواره، وتحت هذا الارتفاع المنخفض، والأصوات ترن في مزيج من ~~صدى الأرض والحديد ورخامة الماء ... أيام كثيرة قضيتها أحيا مع ~~الغريب تحت الكوبري، وقد انقطعت صلتي بالعالم وبدنياي وعائلتي، ~~وكأن لم تكن لي في يوم من الأيام حياة أخرى غير تلك ... انقطعت هكذا ~~من تلقاء نفسها ... ودون أي قرار مني أو نية ... وقد أصبح شفاء ~~الغريب هو كل ما أحفل له وأحيا من أجله ... وما أعمق الصلة التي نشأت ~~بيني وبينه في تلك الفترة، وأنا أراه عن قرب ضعيفا قويا، ~~عملاقا ومتألما، نادر الكلام وصاحب حكمة ... ما أكثر ما في صدره من ~~أسرار، وما أقل ما يفضفض بها! # ولكني لا أزال أذكر من حادثة علاجه لحظة لا يمكن أن أنساها، تلك ~~التي كان يتهيأ فيها الدكتور معروف لإعطائه حقنة المخدر الموضعي، ~~حين بدأ وجه الغريب يشحب أمام عيني وعرقه ينبت، وعيناه تتسعان ~~ونظراته تروغ. # تساءلت لحظتها لم كل هذا؟ حسبته أول الأمر من مضاعفات الجرح ... ~~ولكن معروف حين سأله: إنت خايف ولا إيه؟ # ونفى الغريب بسرعة، وبشدة أدركت ما لم أكن على استعداد لتصديقه ~~أبدا، أن الغريب الهائل المهول بكل هيلمانه وجبروته خائف كأي طفل ~~من الحقنة، أكثر من هذا حين هم معروف بغرز الإبرة في جلده ~~وجدته يستمهله، ثم يشخط فيه ويأمره أن ينتظر حتى يلتقط أنفاسه، ~~ثم يستسلم أخيرا ليعود يتراجع وينسحب إلى الخلف حتى يوقف حائط ~~الكوبري انسحابه، ويستعمل معروف الإرغام حينئذ فيمسك بجلده، بقوة ~~ويغرز فيه ms108 الإبرة ... ويا لها من لحظة روعت فيها بالغريب، وقد انقلب ~~شخصا آخر! مجنونا ربما، أو قطة تعاني من أقصى درجات الرعب على ~~استعداد لأن تنقض وتغرز أنيابها وتنهش ... لحظة أعادت إلى ذاكرتي ما ~~حدث للغريب عقب مصرع شلبي، فعيناه فعلا كانتا قد اتسعتا ~~بطريقة غير بشرية، ونظراته قد أصبحت حمما، والاصفرار لونه ولم ~~يترك حتى أظافره، وكأنه يرى ماردا هائلا يهم بالانقضاض عليه ~~والفتك به ... لحظة بلغ من بشاعتها أن الغريب حين انتفض مستديرا ~~لمعروف عقب انتهاء الحقنة ... استدار بطريقة شيطانية مرعوبة حتى خلت ~~أنه يستدير ليطبق على رقبة الرجل، ولا يتركه إلا جثة هامدة ... لحظة ~~طالت وامتدت وارتسم خيالها على الماء المتموج الجاري قريبا منا، ~~كلوحة خالدة مهتزة للإنسان حين تقلبه أقصى درجات الرعب إلى ~~وحش غاضب مخيف. ~~••• # وفي ساعة راحة من الألم ناقشته في أمر وردة ... كان احتكاكي بها قد ~~ازداد في الفترة الأخيرة، وازداد معه اشمئزازي منها حتى بدأ ~~يتحول إلى اشمئزاز منه ... كنت أشكو له منها، فيهز رأسه هزة من ~~لا يبالي ولا يهمه الأمر ... ولم أكن أستطيع أن أهضم أن يصر رجل ~~مجرب خبير مثله على الاستحواذ على امرأة مثلها لا تليق به ولا ~~تقيم لسطوته حسابا ... كان راقدا ينش الذباب عن وجهه بمنشة من ~~الخوص صنعتها له فأغلق عينيه، وأحسست أنه خجلان مني ومكسوف، ولا ~~يجد ما يقوله ليبرر موقفه ... وماذا يقول؟ ... ومن الواضح أنها لا تقيم ~~لعلاقتها به وزنا، ولا تحفل بطلباته ورسائله ... والمرة الوحيدة ~~التي زارته فيها تحت الكوبري كانت بإلحاح شديد مني، ولأجل خاطري ~~أنا ... وبثمن آه لو عرفه الغريب! ... أغلق عينيه طويلا ثم فتحهما في ~~النهاية، ليقول لي إنه خلاص قد انتهى من أمرها إلى قرار، وأنه ~~سيطلقها ويدعها تذهب لحال سبيلها ... ولكني من الطريقة التي قال بها ~~«قراره» عرفت أنه قد يكون مخلص النية فعلا. ولكن قراره هذا سيظل ~~كلاما في كلام ومع إيقاف التنفيذ. # لماذا يصر إنسان كالغريب صاحب السطوة والنفوذ على الاحتفاظ ~~بإنسانة كوردة؟ أهو الحب كما ms109 يقولون؟ أم لكي تظل كالشاهد الحي على ~~عجز نفوذه، وعلى أنه هو الآخر له حدوده مثل أي إنسان؟ # القرار في الواقع جاء من ناحيتها هي حين ذهبت إليها في اليوم ~~التالي فلم أجدها، وقال أهل العزبة إنها أخذت ملابسها، وكل ما ~~يخصها وذهبت. إلى أين؟ لا أحد يعرف. # وبحماس الصبية نقلت له النبأ غير عابئ بما قد يحدثه فيه، ولم ~~أعتقد للحظة أن سيكون للنبأ مثل هذا الوقع، وأني بعد ساعات سأجد في ~~عيون الغريب آخر ما يتصوره العقل ... دموعا حقيقية. # المهم ... كان الجرح قد قارب على الشفاء، ورائحته بدأت تحتمل، ~~والغريب تمالك نفسه بعض الشيء، وأصبح في استطاعته أن يتسلى في ~~النهار بالسنارة واصطياد السمك، حين ظللت أدبر في نفسي أمرا طول ~~اليوم، وأنتظر حلول الليل لأواجهه به. كنت قد ألقيت نظرة تأمل على ~~حياتي، فوجدت أني فعلت كمن رقص على السلم، فلا هو صعد أو هبط، ولا ~~هو أصبح ابن ليل أو عاد إلى دنيا النهار. بكل تهور تركت حياتي ~~وأهلي وانضممت للغريب أجري وراء أحلامي، فماذا فعلت بنفسي أكثر من ~~أني بددت حياتي الواقعة، وبددت كذلك أحلامي، ولم يعد لي سوى دور ~~الخادم أو الصبي؟ كنت قد وصلت إلى قرار، ورحت أنتظر على مضض ~~اللحظة التي أعلنه فيها. # وأخيرا جدا وبعد لأي جاء الليل، ولم يكد العشاء يولي والليل ~~تتدعم أركانه، حتى طلبت من الغريب أن يسمعني. وأدرك بذكائه الفطري ~~أني أعاني من أمر لا يحتمل، فاستمع لي وطال إصغاؤه، وتركني أفضفض، ~~وسألني في النهاية عما أريد. وببساطة قلت له ما أريد ... قلت له إني ~~أريد منه أن يكون أمينا معي، وأن ينفذ وعده ويحقق لي الأمنية التي ~~دفعتني لترك حياتي ووضع نفسي تحت أمره. استمع لي أيضا، ثم سألني - ~~وكأنه لا يعرف - ما أريده بالضبط. # فقلت: ما انت عارف ... عايز اقتل. ~~- ما تقتل. ~~- ما أعرفش إلا أما تعلمني. ~~- القتل مش عايز علام. اللي عايز يقتل بيقتل. # هنا بدأت ألمح أنه سيعود إلى مراوغتي فاعتدلت أكثر، وبلهجة ms110 جادة ~~أعني كل حرف فيها رحت أعيد قولي، وأطلب منه أن يساعدني على تحقيق ~~أملي؛ لأحسم موقفي وأنضم نهائيا له، وأصبح ابن ليل بحق وحقيق. ~~وإلا فمعنى هذا أنه يستصغر شأني، ويضحك علي، ويستبقيني لأقوم على ~~خدمته. # وعض شفته السفلى تألما، وأغلق عينيه ثم عاد يفتحهما، ويقول: طيب ~~... عايز تبقى واد ابن ليل يعني، وتعمل حاجة ما يقدرش عليها أولاد ~~الليل؟ ... اقتلني ... أنا بقولك جد ... أحسن ما المأمور يقتلني ... وآني ~~خلاص زي ما قال سعد باشا آني انتهيت ... اقتلني ويبقي اسمك اللي قتلت ~~الغريب. # ولولا أني أحسست أنه لا يهزل، وإنما يتكلم جادا؛ لثرت وتركته ~~في الحال، ولم لا أقول إني فكرت في اقتراحه للحظة؟ # ولكني هززت رأسي هزة يائس ... وسكت مغيظا لا أعرف ماذا ~~أقول. # أما هو؛ فقد ابتسم وطبطب على كتفي بغير خشونة، وكأنه يطبطب علي ~~بيد وردة وقال: طيب ... ما تزعلش ... حنخليك تقتل زي ما انت عايز، ~~وتاخد الشهادة يا سيدي ... المدفع أهه ... وأول واحد بييجي عالكوبري ~~سوا من الناحيادي أو الناحيادي ... اقتله. # وانتفضت واقفا من الفرحة انتفاضة خبطت رأسي في «كمرة» الكوبري ~~الحديدية، وكادت تفقدني الوعي، وهتفت والألم يعصف بي: بتتكلم ~~جد؟ # قال: ما دام بتتكلم على الجد، فالحكاية معدش فيها هزار ... آني ~~مبسوط منك لأنك أفندي كده ومتعلم وبتفهم كأنك ابني ... يمكن كان نفسي ~~إني أبقى زيك، ولا يبقى ابني زيك، إنما ما دام انت عايز تبقى زيي ~~أنا، ومش عاجبك تبقى تلميذ، فخلاص معدش هزار ... يا حتقتل أول واحد ~~يفوت ... يا حاقتلك أنا ... وده مش كلام أفندية. # 14 # وهكذا تركنا مجلسنا تحت الكوبري، وزحفنا حتى بلغنا الحائط الذي ~~يمتد من درابزينه، والمدفع الإيطالي في يدي، وكلانا قابع في وضع ~~استعداد، وعيوننا تخترق الظلمة؛ إذ كان القمر لم يطلع بعد لنلمح ~~أول القادمين. وبهمس وبلهجة جديدة على أذني تماما، قال الغريب: ~~لما تشوفه انس نفسك خالص، وبص له هوه ... وما تنشنش إلا أما ~~يقرب ... عند الشجرة اللي هناك دي ... وساعة التنشين اكتم نفسك خالص، ~~وخلي ms111 النيشان على وسط صدره ... ولما تضبط النيشان اضرب على طول ... ~~اوع تتردد لحسن يقتلك هو ... لازم تعمل حساب إنه مسلح، وأنك إن ما ~~أصبتوش حيصيبك هو ... يا قاتل يا مقتول ... وإذا خفت فكر إن بينك وبينه ~~حاجة ... فكر إن ده اللي قتل أبوك حتى إن ما كانش أبوك مات ... فكر ~~تمام كده، وآمن بحق وحقيق إنه هو اللي قتله ... وإذا ما وقعش بعد ~~الأولانية ... التانية على طول ... والتالتة ... وحتى لو وقع غير ~~النيشان، واضرب في المليان. # ولأول مرة في حياتي أجد نفسي أستمع لدرس يلقى علي وأنا متفتح ~~كليا لتلقيه، وآذاني تسمع وأصابعي تفهم، وأنفاسي تعي ما يجب ~~عليها أن تفعله، وروعة ما سيحدث قد طغت علي واكتسحتني ... وروعة ما ~~يحدث تغرقني بنشوتها، فها أنا ذا أخيرا جدا أتلقى أسرار أولاد ~~الليل، وأتلقاها عن جدارة. فلولا ثقة الغريب في وفي قدراتي لما ~~رضي أن أصبح تلميذه. الغريب الرابض بجواري، وقد بدأت تطرق صوته ~~وحركاته ملامح الغريب الآخر، ملامح الغريب حين يقتل أو يهجم أو ~~يقدم على أمر خطير. أما الشيء الذي لمحته، وجعل العرق البارد ينبع ~~من جسدي كله ورقبتي، ويملأ بسريانه الملموس قناة ظهري، الشيء الذي ~~رأيته وقلب نشوتي إلى رعب بارد لا رحمة فيه ولا هوادة، فهو البلطة ~~التي لمحت الغريب يطبق عليها بيمينه ويخفيها عني بثيابه، البلطة ~~التي أطاحت برأس شلبي، والتي تستعد قطعا للإحاطة برأسي إذا فشلت ~~فيما أنا مقدم عليه. # فجأة أحسست وكأني كنت أحيا طول الوقت بأحلامي في واد، وجسدي في ~~واد آخر، وأنه قد آن الأوان ... أتت اللحظة لكي أنقل جسدي وكياني ~~لأرض أحلامي، وأن نحلم شيء وأن ننقل أجسادنا إلى أحلامنا شيء ~~آخر، فما بالك إذا أصبحت حياتنا نفسها تتوقف على هذه ~~الخطوة؟ # وقال الغريب: خد. # كانت سيجارة ملفوفة، وكنت أرفض أن أدخن أمامه، ولكني أخذتها ~~بيد ثابتة وأشعلتها، ومضينا ندخن تدخين ند لند ... وأجبر نفسي ~~على اعتقاد أنه تدخين ند لند. # وقال الغريب: بعد الحكاية ما تتم ... نمشي من هنا. # ثم ms112 صمت برهة، وواجهني بعينين فيهما لمعة، وقال: يمكن حظنا يبقى ~~كويس، ويطلع متريش ... على العموم بعد ما تخلص عليه تروح ومعاك ~~المدفع تفتشه، وتجيب أي حاجة تلقاها وتمشي ... واوع تتلخبط ويقع منك ~~انت حاجة وانت بتفتشه. # وهززت رأسي أطلب منه أن يطمئن. # ومر الوقت بطيئا، ونحن نمد أبصارنا بأكثر مما نستطيع علنا ~~نلمح ذلك القادم المجهول. # وطال انتظارنا، وأعصابي تزداد توترا مع كل دقيقة منه، حتى لم ~~أعد في النهاية أستطيع. وهممت أن أقف أو أنفجر أو أصرخ لأخفف ما ~~بي من بخار مضغوط، ولكني قبل أن أفعل وجدت يده الصغيرة تمتد إلى ~~ذراعي وتضغط عليها، ووجدته يقول: الصبر ... طول بالك أمال ... قلت لك ~~انس روحك خالص ... إنت لما بيعلموك ركوب العجل بيقولوا لك إيه؟ مش ~~بيقولوا بص لقدامك، بص لبعيد؟ ... وانت إياك تبص لروحك ... تضيع ... خلي ~~همك في اللي جاي. # وكأن كلماته تحفل بالسحر؛ فقد وجدت الضغط يخف، ووجدتني أهدأ ~~وأعود أنظر أمامي. # وطلع القمر ومضى نوره الأول الذي يشبه نور الشروق، وبدأت ~~شعاعاته تبيض، وقرصه الناقص يصعد قدما في السماء حتى كاد يتوسطها، ~~وكأنه «كلوب» علق من سقف الدنيا، وكأنه شمس الليل أشرقت، فقد وجدنا ~~ليل الليل يغيب ونهار الليل يحل، والظلمة الكاملة تستحيل إلى نور ~~غير كامل، والطريق الزراعي المؤدي إلى الكوبري، والطريق الممتد منه ~~والزرع القريب والأشجار البعيدة ... وجدتها كلها تظهر نصف ظهور، ~~وتتضح نصف اتضاح. # وطال تأملنا لكل ما حولنا ولكل ما حل بالكون من تغيير، وكذلك طال ~~ترقبنا لنلمح وسط هذا السكون الشامل حركة ... مجرد حركة. # وأول ما حدث أن دق قلبي دفعة دقات متتابعة سريعة، أعقبها خفوت ~~وصمت وكأن لم يعد يصدر عنه صوت، وأعقب هذا مباشرة صوت بعيد ساحق ~~في بعده. ولكنه كان يغني. # وعاد قلبي يطلق دقاته من جديد. # وخيل إلي أني انتظرت عاما كاملا، حتى ظهر في أفق النهار ~~القمري صاحب الصوت. بدا أول الأمر كنقطة بيضاء ساكنة، ثم بياض ~~متحرك، ثم كائن نصفه الأعلى أبيض، والأسفل أسود، ثم ظهر ms113 أنه رجل ~~يمتطي دابة ويغني. # انتظرت أن يتكلم الغريب، ولكن لم يصدر عنه شيء، حتى خلت أنه ما ~~رأى أو سمع. # وأيضا ما تكلم الغريب أو نطق ... عيناه وكأنهما ضمتا إلى الرجل ~~المتحرك بخيط، ويده لا تزال مستميتة على البلطة. ولا ينطق حتى حين ~~التفت إليه طالبا النجدة ... طالبا كلمة. # وعدت أنظر إلى الرجل من خلال العرق المملح الذي يسيل من جبهتي ~~إلى عيني ويلسعها. ومسحت العرق، وسددت فوهة المدفع ليصبح الرجل، ~~و«ذبابة» الفوهة، وشق جهاز التنشين على خط مستقيم واحد، وفي نيتي ~~ألا أبدأ في إحكام التنشين والتسديد على منتصف الصدر تماما؛ إلا ~~حين يصير الرجل القادم بحذاء الشجرة. # ومن أجل هذا، مضيت أتابع حركة الدابة بحركة يسيرة من الفوهة ... ~~ورغما عني رحت أتابع الموال الذي يغنيه الرجل ... لم يكن صوته ~~جميلا أو يصلح للغناء ... ولكنه كان عاليا وقويا، وكان يقول «يا ~~ليل»، وكأنما يستحلف الليل ويرجوه أن يمنع عنه شروره. ويا «عين» ~~فأتصور أنه يبكي ويرثي نفسه، وكأن مسعاه لدى الليل فشل. وكان ~~الموال يتحدث عن بستان حبيبه، وما فيه من مشمش ورمان ونرجس، وكيف ~~أنه سيدخله ويقطف من كل أثماره ... وبدأت أرى أن بينه وبين الدابة ~~شيئا ... كان «زكيبة» لا بد أنها ملأى بالطحين، ولا بد أنه تأخر ~~في «المكنة»، وكان الغريب لا يزال صامتا صمتا لم أر مثله، ولا ~~يمكن أن يستطيعه بشر، صمتا بلغ من عمقه وصدقه أنه جعلني أحس وكأنه ~~غير موجود معي بالمرة، وكأنني أواجه الموقف وحدي. الرجل المجهول ~~أمامي، والمدفع في يدي، ولا شيء سوى الليل معنا. ورغما عني أحسست ~~وكأن شيئا ثقيلا قد انزاح عن صدري. فقد أحسست أن باستطاعتي أن ~~أتصرف بمطلق إرادتي وأني حر، لا يحد من حريتي وجود الغريب أو ~~بلطته. لأول مرة بدأت أشعر أني غير خائف أو مرغم ... وكلما اختلست ~~النظر إلى الغريب، ووجدته ساكنا سكون الموتى أزداد إيمانا بأني ~~لا شريك لي فيما أفعله، وأني سيد الموقف والمدفع معي، والمفاجأة ~~معي، والليل هو الآخر معي ms114 ... لأول مرة أنفض عن نفسي رداء التلمذة ~~وعقليتها، وأحس أني ابن ليل حقيقي وأني قادر. # وبكل تلك الثقة التي غزتني عدت أنظر إلى هدفي. كان الرجل قد ~~اقترب حتى لم يعد بينه وبين الشجرة المعهودة سوى أمتار، وكان صوته ~~واضحا وألفاظ مواله ومعانيه منتظمة ... وربما الغناء الذي بدأه وهو ~~خائف قد عمل عمله ... وجعله يحس بالونس والطمأنينة ... فغناؤه كان قد ~~بدأ يحفل بالنشوة، وكأنه يغني للغناء ذاته، ويقول «يا ليل» مسبحا ~~بأبنوسية الليل وجلاله، و«يا عين» متحسرا على العين التي نامت، ~~وحرمت نفسها من جماله. # وكان علي أن أقتل هذا الرجل المنتشي بمواله وغنائه بعد أقل من ~~دقيقة زمن. ففوهة المدفع تتحرك معه، وعند الشجرة تماما سأحكم ~~التصويب وأطلق الرصاصة. # وأقول كان علي أن «أقتله» فقط لمجرد القول. فالقتل ساعتها لم ~~يعد له في نظري أي هالة أو بشاعة. كان قد أصبح شيئا عمليا ~~بحتا. شيئا لن يكلفني أكثر من مجرد كتم أنفاسي والتنشين، وحركة ~~صغيرة من سبابتي اليمني أجذب بها الزناد. # واقترب الرجل كثيرا، حتى لم يعد بينه وبين الشجرة سوى ~~قصبة. # وكتمت أنفاسي، وبكل ما أملك من قوة، حاولت أن أحمل يدي برصاص ~~الدنيا كله، حتى تكف عن ارتجافتها الرقيقة، ويظل الخط الواصل من ~~منتصف الصدر إلى جهاز التنشين قائما ومستقيما ... وفي ثانية تصورت ~~أن أبي قتل في نفس الليلة، وأن هذا الرجل قتله وقادم لتوه من ~~هناك ولا بد من قتله ... حركة واحدة من الزناد وينتهي كل شيء، ~~فأدخل عالم الليل من أرحب أبوابه ... حركة واحدة، ضغطة صغيرة. # ولا أعرف ما حدث بعد هذا على وجه الدقة. # كل ما أذكره هو ضوء القمر، وجلباب الرجل الأبيض الزاهي البياض، ~~ومواله الذي بدا جميلا يكاد من جماله يوقف الطير على أشجارها ~~تستمع، والشعور بالأمان والونس الذي كان مسيطرا عليه، والذي ظل ~~مسيطرا عليه، حتى وهو يحاذي الشجرة ويبدأ في تجاوزها ... ربما لو ~~كان قد خاف، ربما لو كف عن غنائه أو شعر بالخطر، ربما لو كنت قد ~~آمنت إيمانا ms115 كاملا أنه قتل أبي، ربما لو كان حدث شيء خارج عن ~~إرادتي وإرادته، شيء خدش سياج التحريم الذي يحيطه ويتحرك معه، ~~ويتكفل بشل أي إنسان حوله عن أن يلحق به أذى. ربما لو كان قد حدث ~~شيء من هذا لتغير كل شيء ... ولتغير مجرى حياته نفسه؛ إذ لا أستطيع ~~إلى الآن أن أعرف لماذا لم يتحرك إصبعي تلك الحركة الصغيرة الهينة ~~ويضغط على الزناد. وما سر هذا النداء الذي تصاعد من أعماقي، من ~~أعمق أعماقي، من أقدامي وجوفي وأصابع يدي، وقمم شعري ... نداء لم ~~أسمعه قبلا، ولم أكن أتصور وجوده، ولم أعمل له حسابا، ولا اعتقدت ~~أنني - في آخر لحظة - سيتصدى لي هاتف من داخل نفسي يقول لي: حرام ... ~~كلمة نتداولها ونقولها للغير ببساطة، ويقبلها الغير، أو يرفضها ~~ببساطة أيضا. أما أن أقولها أنا لنفسي، وفي لحظة كتلك، فهو ما ~~حيرني وما جعلني إلى الآن أحتار، وما أنبت العرق الغزير من كل ~~مكان في جسدي، وما جعله بحورا في باطن يدي وباطن سبابتي بالذات ... ~~تلك التي كان عليها أن تقوم بالعمل الحاسم في المهمة، عرق غزير ~~لزج، كاد ينزلق معه المدفع من قبضتي، ويجعل سبابتي تنزلق على ~~الزناد كلما أرادت أن تضغط. وهو أيضا لا بد سبب انزلاق إرادتي، ~~كلما استجمعتها وقلت: الآن لأرد بها على النداء المتصاعد من داخلي ~~يقول: حرام حرام! نداء ألعنه وأتساءل عن مصدره، وأستنكر أن تذيب ~~كلمة كهذه كل طاقتي على الإرادة، ويصل ما تحدثه من شلل إلى آخر ~~عقلة في إصبعي. # نداء أدركت قرب النهاية مصدره ... كان الرجل مصدره ... كلما رأيته ~~مطمئنا يغني ويرفع عقيرته، وكأنما الوجود كله ملكه، أحسست أنه لا ~~يضمر شرا، ولا يتوقع شرا. وكلما سمعت كلماته، وتعرفت عليها ~~ووجدت لها معاني، وكلما رأيت جلبابه الأبيض وعمامته، والدقيق الذي ~~طحنه، أحسست أن المسافة بيننا تتلاشى، وأنه يغني لي مثلا، أو ~~يحييني، وأنه إنسان، وأنه حرام ... حرام ... حرام ... كل غنائه وخبطاته ~~بالعصا على ظهر دابته، وهزات أرجله ورنات حنجرته، دون أن يقصد ms116 هو ~~أو يعي كانت تصلني على هيئة نداء أمر واحد يقول: حرام، حرام. بل ~~تكاثرت النداءات في النهاية؛ إذ إن أي شيء كان يفعله كإنسان كان ~~يطلق نداء، حتى جلسته الآدمية المنتصبة فوق الدابة كانت تطلق نداء ~~... تكاثرت النداءات، حتى وجدتها في النهاية تصنع حوله سياجا لا ~~يمكن اختراقه. وكأنه أينما يتحرك تتحرك معه دائرة حرام واسعة لا بد ~~أنها احتوتني وشلتني، والتي بلغ من تأثيرها أنه حين أصبح قاب ~~قوسين أو أدنى من الكوبري، ورآنا وألقى السلام، وجدت المدفع ينزلق ~~من قبضتي ويسقط، ووجدتني أقول: سلام ورحمة الله. # وحين حاذانا ... وقال معتذرا عن مروره علينا راكبا: دستوركم يا ~~رجالة. # وتصاعد من جانبي صوت كنت قد نسيته تماما، يقول: دستورك معك ... ~~اتفضل. # بدأت أتذكر على وجه التحديد المصير الذي ينتظرني ... والعجيب أني ~~فعلت هذا بلا خوف وبلا مبالاة تامة ... كنت على استعداد لمقاومة ~~الغريب، إن هو حاول قتل الرجل، وإنجاز ما فشلت في إنجازه، مقاومته ~~حتى ولو اقتضى الأمر أن أفقد حياتي. # 15 # ولكن الغريب لم يقتلني، وأيضا لم يحاول قتل الرجل. وبدأت أتكلم ~~وأحاول أن أشرح ما بدر مني، أو على وجه أصح ما لم يبدر مني، ~~ولكنه وضع يده على كتفي، وقال: مفيش داعي ... البلطة دي كنت ~~مجهزها ليك صحيح. # وسألته لماذا إذن لم يستعملها؟ وفوجئت به يقول إنه كان ينوي ~~استعمالها حقيقة لو كنت قد أطلقت النار على الرجل وصرعته ... إجابة ~~أذهلتني، وجعلتني أستمع للكلمات التي قالها بانتباه عظيم، ولكنه ~~على أي حال لم يتكلم كثيرا ... قال ما معناه إنه، هو الغارق إلى ~~أذنيه في عالم الجريمة والقتل، كان لا يمكن أن يسمح لي بأن أتردى ~~فيه حتى لو أردت، فلو كنت قد فعلتها، لما كنت قد كففت أبدا عن ~~فعلها ولأصبحت مثله، ولعشت الحياة المؤلمة الرهيبة التي يحياها، ~~ولاضطررت دفاعا عن حياتي لأن أجتث أعمارا، وأيتم أولادا ~~وأملأ الأرض بشروري وآثامي، أتعذب وأعذب الناس، وأعاديهم إلى درجة ~~الموت، ويعادونني إلى درجة البغض، لأصبحت في النهاية ابن ms117 ليل ~~غادرا خئونا كشلبي ... إذا تعاملت بشرف فقدت حياتي، وإذا لم أشك ~~في كل الناس حتى أخلص الناس ... ضعت. ~~- واخص على العيشة اللي لا تأمن فيها الناس ولا الناس يأمنوا لك ~~... ولا تصدق حد ولا حد يصدقك، ولا تخلص لحد ولا حد يخلص لك ... الموت ~~أهون منها ... والمصيبة إنك فيها ما تقدرش تقتل روحك، تقتل كل الناس ~~ولا تقتل روحك ... وعلشان كده كنت حالحقك وأرحمك وأخلص عليك، يا ريت ~~ألاقي أنا حد يرحمني ويغلبني، ويخلص علي. # وسكت برهة يتأمل القمر ... ثم قال وكأنما يحدث نفسه: وعلى أقل ~~تقدير لو كنت قتلته كنت حاعرف أنك ما عدتش تنفع الواحد يأمن لك ... ~~النفر لما بيقتل بيصبح زي الديبة، ماعندهاش مانع تاكل ولادها، ~~بينسعر زي ما يكون عقر كلب مسعور، ويبقى مالوش شغلة إلا أنه يعض، ~~ويفضل يعض حتى صاحبه وصديقه ... وعلى أقل تقدير كنت حاتبلغ ~~عني. # وسكت مرة أخرى وتناول مني المدفع وراح يتفحصه ... ثم استطرد: ~~الظاهر إني لازم أفوق ... آني حاوديك في داهية معاية ... آني عذبتك قوي ~~... وطول المدة دي كنت باتمني أني أغمض وأفتح ألاقيني أبوك، وألاقيني ~~راجل طيب وألاقيك ابني ... إنما الظاهر أبوك الحقيقي أولى بك ... اصلب ~~حيلك. # كنت سادرا في إصغائي حين فاجأتني كلماته الأخيرة، فقد قالها ~~بلهجة مغايرة تماما، وبصوت حاسم باتر لا تشوبه ذرة تردد أو رحمة ~~... وحدقت فيه بعيون واسعة مدهوشة، وبملامح صارمة جامدة قاسية لا ~~تضطرب ... عاد يقول: فز قوم ... وما تبطلش جري إلا حدا ~~بيتكم. # ودوى انفجار رهيب، وفوق كتفي تماما، مرت لفحة هواء ساخن مضغوط ~~كادت تقتلع أذني، وأفقت على نفسي وأنا أجري ... ودوى انفجار بعيد ~~آخر، وفوق رأسي مرت كتلة الرصاص تغلي وتطش وتثقب الهواء ... ولكني ~~وحتى وأنا مستمر في انطلاقي، جرؤت على إلقاء نظرة - كنت أعرف ~~أنها الأخيرة - على الغريب ... وربما كان خداع بصر، ولكني شعرت، ~~وكأني أنا الثابت وكأنه هو الذي يجري ويتحرك ... بملامح بدت طاعنة ~~في الكبر، وبأكتاف تنوء بما حملت، وبقامة قصيرة مضت تغوص مع الليل ~~وتختفي ms118 في أعماقه، وتنضم إلى كتله السوداء المتراجعة أمام كاشفات ~~الفجر وشعاعاته. ms119