######OpenITI# #META# URI: 1412YusufIdris.AnaSultanQanunWujud.Hindawi29403629 #META# Tags: literature #META# ID: 29403629 #META# Title: أنا سلطان قانون الوجود #META# AuthorID: 95064085 #META# Author: يوسف إدريس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أنا «سلطان» قانون الوجود‏ # جيوكوندا مصرية‏ # البراءة1‏ # لحظة قمر‏ # حوار خاص‏ # سيف يد‏ # حكاية مصرية جدا‏ # عن الرجل والنملة‏ # أنا «سلطان» قانون الوجود‏ # جيوكوندا مصرية‏ # البراءة1‏ # لحظة قمر‏ # حوار خاص‏ # سيف يد‏ # حكاية مصرية جدا‏ # عن الرجل والنملة‏ # | أنا سلطان قانون الوجود # | أنا سلطان قانون الوجود # تأليف # يوسف إدريس # | أنا «سلطان» قانون الوجود # لا أعتقد أن أحدا - خارج أسرة مدرب الأسود محمد الحلو - قد حزن ~~لمصرعه مثلما حزنت. # ذلك أن القدر ليلتها ساقني لأدخل السيرك، وكانت ليلة الافتتاح، ولا ~~أعرف لماذا، ولكني بعد رؤيتي لعبة الأسود تنبأت أن حادثا جللا لا بد ~~سيقع، وأن قاهر الأسود محمد الحلو سيصرع على يد أو «ناب» أحد أسوده؛ ~~بل بحت بالخاطر الحزين لمن كانوا معي، ووافقني بعضهم، بينما لم يكترث ~~الآخر وكأن الأمر لا يعنيه. # وحين تنبأت بما تنبأت به لم أكن ساعتها أستعمل حاستي السادسة ولا كنت ~~صوفيا قد أصيب فجأة بحالة وصل مع الذات العليا واتصال، ولا أعتقد ~~كذلك أني ولي من أولياء الله. # بل حتى لم أكن أعاني من نوبة غربة تدفعنا أحيانا لتجريد الأشياء من ~~دفئها المكنون وإفراغها من التفاؤل. # بصراحة، لم أكن ساعتها متأثرا بأي شيء خارج القمع الضوئي المتهرئ ~~المكفي علينا، يقتطعنا من العالم، ويقطع العالم عنا. # وحينما لا يحدث الشيء صدفة، بل تكون أنت - أنت الإنسان العادي مثلي - ~~على يقين أنه سيحدث. # وحين لا يحدث نتيجة خطأ أو إهمال. # حين يحدث وكأنه لا بد أن يحدث. # حينذاك من الممكن أن نقف عنده؛ لأن الأمر لا بد هام وخطير، ويصبح ~~واجبا علينا أن نعود، كلنا هذه المرة، إلى ذلك القمع الضوئي المقلوب ~~نعيش الظاهرة التي دارت أحداثها المروعة هناك، فمن يدري، ربما بعد أن ~~نحياها نجلس، لأول مرة منذ زمن طويل على ما أعتقد نفكر، ليس في محمد ~~الحلو وإنما في أنفسنا، من يدري، ربما تحدث المعجزة وحسنا أني كنت ~~هناك، وأني شاهد عيان. ~~••• # نصف الألعاب مضت، كاللب، نقزقزه قطعا لليلة أولى من ليالي ~~رمضان. # أثناء الاستراحة ms01 كان العمال قد أقاموا حلبة ترويض الأسود. # في هالة من فرقعة الأسواط والجئير الذي تضخمه الميكروفونات «ليرعب ~~أكثر!» والصراخ والهدير وأصوات الغابة، دخلت الأسود. عبرت ذلك النفق ~~الحديدي القائم بين محبسها في الكواليس وبين الحلبة، ذلك القفص الحديدي ~~صدئ وقديم. هذا صحيح، ولكنه حديدي أصلي وزيادة في الاحتياط مربوط بحبل ~~قديم إلى العامود الرئيسي لخيمة السيرك. # الأسود دخلت، أسود ستة، زيتية الصفار أو رمادية البنية أو بلا أي لون ~~له اسم، متشابهة، كثرتها تمنع عنها جلال التفرد، وانكماشها يخلع عنها ~~إحساس الملك أو حتى إحساس التوظف في قطاع عام. # ما لبثت الأسود جميعا بعد دخولها أن أخذت أماكنها على شكل نصف دائرة ~~مقعية كتماثيل أسود قصر النيل، مادة أقدامها الأمامية فوق الحامل ~~الخشبي الموضوع أمام كل منها. كل الأسود فعلت ذلك ما عدا الأسد قبل ~~الأخير، ذلك الذي عرفنا فيما بعد أن اسمه «جبار»؛ فقد أقعى فوق منصته ~~رافضا أن يمد أقدامه أمامه فوق الحامل. # وتولى مذيع أنيق، غريب الأناقة على المكان والناس والأجهزة وبائعي ~~اللب والكازوزة، تقديم المدرب. وبصوت مؤدب، لا مبالغة في طبقاته (وهذا ~~أيضا غريب) قال: الآن نقدم ... بطل الأسود ... وقاهر الملوك ... ملوك الغابة ~~... البطل محمد الحلو. # انصبت أضواء الكاشف الوحيد على الرجل الضخم الواقف بجوار القفص، ~~والذي يلتحف بعباءة لامعة براقة، هذا صحيح، ولكن يبدو وكأنما استعيرت ~~من متحف ملابس الممثلين بالمسرح القومي. # وكانت مفاجأة؛ فهذا الرجل قد رأيناه قبلا رئيسا لفريق «الجمباز» في ~~لعبة سابقة، يقود فريقا من أكثر من عشرة أشخاص يتولون، ويتولى معهم ~~القفز العالي والدحرجة والقيام بما يشبه المستحيلات، وهو عمل يكفي وحده ~~لأن يقوم به إنسان واحد، المهم، فتح الباب الوحيد في القفص الحديد ~~الدائري، ودخل الحلو، بعظمة ملك يلج قبوا للنبيذ، وتولى العامل ~~إغلاق الباب وراءه بترباس متين. # لاحظ محمد الحلو على الفور أن «جبار» لا يمد قدميه كما ينبغي، ومن ~~فوره اتجه إليه وحاول أن يصحح الخطأ لتصبح نصف الدائرة كاملة، نصف ~~دستة من ملوك الغابة الرابضة المقعية الخانعة، ms02 وهو بينها ، ملك الحلبة، ~~وملك الملوك، وملك السيرك وملك الليلة. # تناول الحلو سيخا حديديا مدببا من طرفه، ولكن طرفه ذاك معلقة ~~به قطعة لحم صغيرة جدا (عرفنا فيما بعد أنها ليست لحم عجول وإنما، ~~لغلو الأسعار، فهي لحم حمير). وانقض الحلو بالحربة الملغمة بقطعة ~~اللحم (وكأنها سيف المعز وذهبه) تجاه الأسد آمرا إياه، أن يمد قدميه. ~~ولم يحدث سوى أن الأسد نام بمنتهى الحزم ورفض أن يستجيب. حاول الحلو ~~مرة أخرى، نفس النتيجة. الحلو، فوق بطولته، رجل استعراض مدرب. إن ~~مسألة التمرد أو الطاعة أشياء لا تهمه بالمرة، المهم أن ينجح العرض، ~~وألا يبدو هذا التمرد الواحد واضحا للعيان. # وهكذا نفض يدا من مسألة جبار بسرعة وبصرخة هائلة ركزت الأنظار ~~عليه وعلى الأسود الخمسة دافعة أقدامها فوق الحامل الخشبي، وراكعة. ~~وحينذاك فقط تولى محمد الحلو تقديمها. فكان أولها من ناحية اليمين ~~«سلطان» الذي عرفنا الآن جميعا أنه هو المجرم الذي نهش جانب الحلو ~~وأدى لمصرعه، وكان المتمرد اسمه جبار، والباقون أسماء من هذا الطراز ~~الحائز على صيغ كثيرة للمبالغة. # كان على الحلو بعد هذا أن يرفع الحوامل الخشبية من أمام الأسود ~~ليستعد لعرضها القادم. # وهنا فقط بدأت أنتبه. # كان يتقدم من الأسد، ناظرا في عينيه، آمرا إياه بهما على ما يبدو ~~أن يمتثل، ثم بيديه، ودون أن يغير من نظرته، يتولى قذف الحامل بعيدا ~~عن منطقة الخطر، وهكذا ... # وتمت المحاولات الأربع الأولى بنجاح، وعند جبار الذي كان حامله ~~خاليا من أقدامه، ما كاد الحلو يقترب حتى زأر الأسد فجأة واقترب برأسه ~~من المدرب هاما بالتقدم الأكثر. # وهنا لمحت ارتدادة خوف سريعة من المدرب. # وبدأت أنتبه أكثر. # ليس توقعا لما هو قادم من ألعاب. # وإنما لما هو أهم، لتلك النظرة الصادرة من عيني الأسد، والنظرة ~~المنصبة تجاهها من عين الحلو. أحسست أن اللعبة الحقيقية الخطرة هنا، ~~وأن في الوضع ما يزعج، على الأقل يزعجني أنا. # الليلة الافتتاح هذا صحيح. ومآزق الافتتاح معروفة، كم جربها أولئك ~~الذين قدر لهم أن يكون عملهم، ms03 مهما كان جهدهم أو ابتكارهم أو كدهم ~~الخاص، مسألة تقديرها ليس في يد رئيس أو مجلس، إنما في يد جمهور، ~~يقزقز اللب، ويجرع الكولا، وبمنتهى البساطة يصعد إلى السماء، أو يخسف ~~أحيانا، بأعظم الأعمال قيمة، إلى أسفل سافلين. # الليلة الافتتاح، والجمهور كثير، والأضواء هي الأضواء، والسيرك هو ~~السيرك، ولكنه زمان، في أول إنشائه كان سيركا متلألئا، صاخب الجمهور، ~~غني الأضواء. كان فعلا ذلك المكان الذي قصد بالسيرك أن يكونه. المكان ~~الذي تدخله ليخلب لبك، لتعيشه تماما، تنسى نهائيا أن في الخارج حياة ~~وأحياء ومشاكل. # وأيضا كان السيرك للاعبين حلبة صراع، أمام جمهوره الحافل تتفجر ~~بطولاتهم، يغامرون حتى بالحياة وهم يتأكدون أن الموت في غمرة المجد ~~والأضواء وإحساس النفس المصرية الممتد بالبقاء والخلد، شيء بالمرة، لا ~~يخيف. # ونحن الآن في سيرك رمضان عام 72. # أنا شخصيا لم أكن أريد الدخول، ولكن لأنه على الأقل أمتع بكثير من ~~مسرحيات الصيف التي تنفرد كل منها برائحة نتنة خاصة، فليكن ~~السيرك. # ولكن أي سيرك! # إنك أحيانا لا تحس بالشيخوخة والكبر إلا حين تقابل زميل دراسة ~~سابقا أو صديقا له نفس سنك. وحين دخلت الخيمة لم يكن في كل ما رأيته ~~شيء سخيف أو عجوز أو غير عادي. المشكلة أن كل شيء كان طبيعيا ~~وعاديا وكأنك داخل إلى ديوان حكومة أو تعبر حديقة عامة. # لم يدهمني ذلك الإحساس أنك انتقلت فجأة من عالم مطفي أو قليل البطولة ~~والنور إلى عالم مليء بالوهج، بالخوارق، بالمعجزات، عالم يبهرك ويحفزك ~~إلى الخوارق والبطولات. # فكأني فعلا انتقلت من شارع مزدحم إلى ميدان صغير مزدحم بالكراسي هذا ~~صحيح، كثير الجمهور هذا صحيح، ولكن شيئا ما حدث للكشافات فجعلها ~~مسلطة أساسا على الجمهور، تنير الحلبة، ولكنها بإضاءتها للمشاهدين ~~تجعل من تلك الوجوه جزءا من العرض. # وأي وجوه؟ # نفس الوجوه. # المتزاحمون الغارقون في العرق أمام الجمعيات الاستهلاكية، في ممرات ~~الأتوبيس وعلى سلالمه، المتوقفون فراغا لمشاهدة خناقة، الجاعلون من ~~«السلطة» على مائدة الإفطار مسألة حياة أو موت، تفننا في صنعها، ~~انتقاء لمكوناتها وبهاراتها ومخللاتها. ms04 # وجوه ... # وجوه كثيرة تلمح بينها وجوه الأشقة العرب، وتستمتع بمرأى الكروش ~~المصرية المتكومة باسم الله ما شاء الله تصنع لكل كرش رجلا ورأسا ~~وملحقات. النساء وقد بدأت مودة الطويل تنتشر، أقصد الطويل التخين، فقد ~~بدا واضحا جدا آثار مربة خرز البقر، وإلا فهي آثار «العلف» أو شيء ~~لا بد شبيه بالعلف. # وجوه، ظللت طويلا، والكشافات تنصب على معظمها، أتأملها، أتأمل ما ~~يرتسم على ملامحها من تعابير، وعبثا ما كنت أحاول، فالأبخرة الدسمة ~~المتصاعدة من معدات تجأر بمحتويات الإفطار، والعرق المتصبب من تلقاء ~~نفسه من صدور وبطون بالكاد تلهث لتؤدي وظائفها، بالكاد إذا تجشأت ~~تتجشأ. # أنوار كاشفة مكشوفة مسلطة على وجوه لا تعكس الضوء، بعضها بالدسم ~~يمتصه، وبعضها لقلة التغذية يمتصه أيضا، وحلبة متربة، والحضور المسرحي ~~لا وجود له؛ فلا جماعة، وإنما عائلات وأفراد لا يجمعهم ذلك الرابط ~~العام الذي يخلق جو العرض ويحيطه، حتى المهرج من فرط ما نحت دوره من ~~خطوط تؤكد دوره كمهرج، لا يهرج. العمال الذين يقومون بالإعداد ~~للألعاب يرتدون «بدلا» لا بد أن أصلها كان شيئا آخر، ربما لباس ~~صعيدي، ربما قلع مركب ربما ممسحة بلاط. زرقاء كل بدل العمال زرقاء. ~~ولكن كل أزرق منها له لون، وفيها زرار، على الأقل لمحت زرارين، ومع هذا ~~فجميع بنطلوناتها بلا زراير وبلا أحزمة أو بأحزمة تصلب الوسط فقط وتترك ~~البنطلون يأخذ الوضع الذي يحلو له وينفتح من أمام بأي مطلق من الحرية ~~يراه. المنضدة التي تقدم عليها لعبة الوقوف فوق الزجاجات والتي لو ~~كان بها أي خلل ممكن أن تودي بحياة اللاعب، لا تصلح أصلا للارتكاز على ~~أربع، وإنما لا بد لها من سنادات، ولا بد أن تتأمل حكمة الكون أو ~~تفكر في اعتزال الدنيا وأنت ترى منضدة المطبخ تلك، التي لم تطل من ~~عشر سنوات، وأربعة عمال بأربعة أقراص مدورة بأربعة بنطلونات مفتوحة ~~بأربع جاكتات «زعر»، يدخلون، ليزنوا الأرجل الأربعة. ما فائدة أن أتحدث ~~عن اللعبة نفسها إذا كان هذا هو حال المنضدة، وإذا كان حال اللاعبة ms05 ~~التي تزامل اللاعب ومفروض أن تساعده أدهى؛ ذلك أنها سمينة إلى درجة ~~مزعجة ترتدي جوربا من جوارب «الباليه»، جورب من سمك الجسد والأرجل ~~والأرداف التي يحتويها ومن طول ما احتواها، تفتق في أكثر من مكان (ربما ~~لهذا سموها؛ أي ذلك الغذاء المسمن، المفتقة). فأنا لن أتحدث عن ~~اللعبة أو حتى لو كان صاروخ قد أطلقته فتاة كتلك من فوق منضدة كهذه ~~المنضدة ليصل إلى القمر، حتى لو تمت بهذه الأزياء والمناضد والجوارب ~~جراحة تحيل الدودة إلى إنسان، فالمعجزة، أي معجزة، تكون قد انتهت من ~~نفسك قبل أن تبدأ، انتهت، وانتهت معها ليلة من ليالي العمر، فالسيرك ~~قام، ليخلب اللب، ليبهر، لينقلك إلى عالم غريب حافل بالألوان والبطولات ~~والجمال والمعجزات. # ولكن اللعبة الخطرة كانت قد بدأت. # لعبة ترويض الأسود. ~~••• # هي لحظة. # ولكن ليلة كهذه يكفيها لحظة تحس فيها أنك حقيقة تنفعل وأنك حقيقة في ~~سيرك. # ولكن، حتى هذه اللحظة أفسدها علي ذلك السؤال الملح: من أين جاءني ~~ذلك الشعور أن شيئا ما سيحدث؟ # ملت على جارتي أهمس بألفاظ، فإذا بها تنظر لي باستغراب حقيقي؛ فهي ~~الأخرى كان لديها نفس الشعور. # المسألة إذن ليست وهما. هناك في الجو شيء يخيم. # ليس وافدا من كون آخر. # ولا متسرب إلى القمع المقلوب من الخارج. شيء نابع من الحلبة ذاتها، ~~وحتى ليس من شيء بعينه في الحلبة، في الحقيقة نابع من كل شيء تضمه ~~الخيمة، من الحيوانات والكاشفات، والأشياء والبشر، من جارتي، ومني، ~~ومنك أنت لو كنت هناك. # مضى الحلو يتحرك، يحيي، ينقل الأشياء داخل القفص، نفس الحركات التي ~~تعود أن يفعلها من زمن طويل. لا جديد فيما يفعل، لا جديد في الليلة ~~إلا عصبية ليلة الافتتاح المؤقتة المعهودة، حتى الوجوه، الوجوه كلها ~~داخل القفص وخارجه ظل يراها حتى لم يعد يراها. # النظرة المتبادلة بينه وبين الأسد، سلطان كان أو جبار، هي فقط ذلك ~~الشيء الجديد، في الليلة وفي حياته. # الرجل محبوس مع ستة أسود في قفص، وحياته كلها وهو مع الأسود في ~~قفص. # والأسد، ms06 بالتأكيد هو الأسد. # ولكن الرجل، هل الرجل هو الرجل؟ # والرجل ليس الحلو وحده. الرجل هو كل من تضمه الخيمة، لاعبا أو ~~عاملا، وعازفا ومتفرجا، هل الرجل نفس الرجل؟ # بينه وبين نفسه، بينه وبين أهله وجيرانه وأصحابه، أبدا لا تغيير، ~~هنا فقط. هنا حيث يصبح وجها لوجه مع الخطر المروع الذي عمله أن ~~يروضه، هنا يحس الرجل أن شيئا ما حدث. كأنه دائما يقول أنا البطل، ~~حتى من غير أن يقولها كان يقولها بنظراته يقولها بمشيته، بقهقهاته، ~~بالعاملين من حوله، حتى الأسود نفسها كانت تقولها. أنا البطل، القادر، ~~الواثق المتأكد. # أيكون ما ينتابه هو لحظة شك؟ ولكن من يكون إذن إذا لم يكن ~~البطل؟ # من الآن، أنا؟ ... # كنت أرى الناس أكيلة عيش، وأفندية، وبورمجية، وجدعان، ولكن من بينهم ~~أنا البطل. هم أيضا يرون أني البطل. يصفقون للبطولة حتى لو تجسدت في ~~غيرهم، في شخصي أنا. # الآن حدث شيء. ألم يعودوا يرونني بطلا؟ أم هم لم يعودوا يريدون ~~البطل، أي بطل؟ أيكون الأمر أني أنا شخصيا لم أعد أحفل أن أكون عليهم ~~البطل؟ أيكون الكفر المزدوج قد حدث؟ كفرت أنا بهم وكفروا هم بي، ~~وجميعا كفرنا حتى بوجود بعضنا البعض. والبطل مثل اللابطل، والميت ~~كالحي، والحي كالميت، والمومس كالفاضلة، والحرامي كالشريف، الأمس ~~كالغد، الأمل كاليأس. # إن البطل لا يولد وحده. # البطل يخلق. # ولا بد كي يوجد ويعيش أن يترعرع في ظل إحساس عام بضرورة البطولة، ~~بروعة البطولة، بتفرد البطل. # ولا يمكن لفكرة البطولة أن تترعرع في جو عام كهذا وحدها. # البطولة قيمة، ولا بد أن توجد وسط محصول وافر من القيم. # لا مجد للبطولة، بلا مجد للكرامة، بلا مجد للنبوغ، بلا مجد للشرف، ~~بلا مجد للعمل الصالح. # وأيضا لا توجد البطولة، بلا جو عام تلعن فيه اللابطولة. تجتث ~~كالحشائش الضارة منه، وتجتث معها حشائش سامة أخرى كالجبن كالتفاهة ~~كالنفاق كالكذب. # أما حين «ينجح» الجميع، المجتهد، والغشاش والمزور والأبله والنابغ. ~~حين يصبح لا فرق، لا أعلى ولا أسفل، لا أرفع ولا أحط. # حين ms07 تمضي الحياة بامتحان لا يرسب فيه أحد، ولا يتفوق أحد، ولا يفصل ~~أحد. حين يحدث هذا. ماذا يبقى من الإنسان؟ # وإذا كان هذا السؤال لم يعد يهتم أحد بأن يجيب عليه، بله، أن ~~يطرحه، فإن هناك أناسا في حياتنا لا يستطيعون أبدا إهمال السؤال، فهو ~~فارض نفسه عليهم فرضا ولا فكاك منه. هؤلاء هم تلك النسبة فينا التي ~~تحيا وجها لوجه مع الخطر. # وبالذات مع خطر من هذا النوع. # فمحمد الحلو يواجه هذه الوحوش الضارية ويمنع خطرها بما يملكه من ~~إرادة البشر وقدرتهم وما فيهم من بطولة أو قدرة على البطولة. # أليس من المهم إذن لمحمد الحلو أن يعرف، في تلك اللحظات التي ينغلق ~~عليه فيها القفص ويصبح وحده أمام الخطر ولا مغيث، أن يعرف ماذا بقي فيه ~~أو له. # ماذا بقي من البطل؟ ~~••• # تصفيق الناس للألعاب في السيرك، له معنى مختلف عن أي تصفيق آخر، ~~يحمل معنى إنسانيا عميقا جدا. هناك أبدا أنت لا تصفق مجاملة أو ~~مجاراة. بصدق تصفق. والعمل الذي ينتزع منك التصفيق ليس أي عمل. كلما ~~اقترب من قدرتك على القيام به بهت وفق أهميته. كلما استحال عليك القيام ~~به بهرك وازدادت حدة تصفيقك. # ليلتها كان للتصفيق في أذني وقع غريب. فمهما بلغت اللعبة أمامنا من ~~مهارة، ومهما احتوت من إعجاز وبطولة، فالتصفيق حتى في أعتى موجاته كان ~~دائما يبدو فاترا وكأنه صادر عن جمهور قد قرر بادئ ذي بدء، ألا ~~يقيس أي شيء بمقياس قدرته عليه أو استحالته، وكان أي شيء وكل شيء يبدو ~~مستحيلا تماما أو حتى ممكنا تماما. لا فرق. # كان في الحقيقة نوعا من تصفيق الخجل إذا لم تصفق. تصفيق أداء الواجب ~~تدفعه كثمن التذكرة، كالضريبة، وأمرك لله. # وكانت مضخات اللاعبين تجأر قواها في محاولات مستميتة من أجل الوصول ~~إلى مياه الجمهور العميقة وسحبها لتصعد إلى مستوى ما يقومون به من ~~بطولات كي تنسكب بعد هذا شلالات حماس وإحساس وانبهار. ولكن المياه ظلت ~~دائما أبعد من مدى المضخات، وأبعد. # ماذا كان قد ms08 بقي من البطل محمد الحلو؟ ~~••• # ذلك الذي بدأ حياته في ساحة السيرك، صبيا يلعب، ويفرح أنه يلعب، ~~وفوق هذا يكسب، ثم حالما بالبطولات يحلم، ثم بطلا يحقق الأحلام ~~وبالسعادة القصوى يتمتع. الجمهور يجأر ويزأر طربا، وهو يقتل نفسه كي ~~يجعله يجأر أكثر وأكثر. الدفء حوله وفي داخله. الحياة حلوة. الأمل ~~عريض. حتى النقود بجلالة قدرها، وفي لحظات كتلك، لا تهمه ~~بالمرة. # حين تختار أن تكون مروض وحوش، أو لاعب ترابيز، أو طيار اختبار ~~وتجارب فصحيح أنك تأكل عيشا بهذه الوسيلة، ولكن لو كان أكل العيش وحده ~~هو الهدف لما اخترت أيا منها أصلا، ولجأت، مثلما يلجأ أكيلة العيش ~~إلى أي عمل آخر خال من أية خطورة كما يفعل الملايين من الناس أكلة ~~العيش والأرزقية. # ذلك أنك تختار هذا العمل لتسعد ذاتك أولا ولتثبت لنفسك وللناس ~~قدراتك. # فإذا لم يعد مهما أبدا لدى أناس أن تثبت بطولتك، ولا حتى لديك ~~أنت نفسك. # فماذا يبقى منك؟ # أكل العيش؟ # أجل، أكل العيش كان هو الإنسان الذي يواجه الأسود وحده في القفص ~~المغلق. # الخيمة كلها أكلة عيش، متفرجين وعمالا وبائعي كازوزة، ولكن الذي ~~وزع الأرزاق جعل الآخرين متفرجين. # كلهم يتفرجون. # ويصفقون. # ذلك التصفيق الفاتر. # الناجحون جميعا في امتحان الحياة. # النافضون يدهم من كل شيء، الضيقون بأي شيء، الراضون حتى عن السخط. ~~والساخطون حتى على الرضا، الذين انسحبت منهم مياه الاندماج الحي العميق ~~حتى أصبح مستحيلا أن يصلها خلجة انفعال أو نبضة حماس أو لحظة ~~غضب. # أكل العيش وحده مع أكلة لحوم البشر. # والقفص الحديدي مغلق. # ومن بين أنيابهم عليه أن ينتزع لقمة عيشه. ~~••• # تلفت حولي. # لا تغير يذكر في انفعالات الوجوه. # لا أحد يعرف. # حتى هو نفسه، محمد الحلو، لا يعرف. # الوحيد، في الخيمة كلها الذي كان يعرف، هو الأسد نفسه. # الأسد ملك الغابة لأنه ملك الإحساس. # خطره الأعظم أن لديه القدرة دائما أن يعرف، وعلى وجه اليقين، إحساس ~~من أمامه. # وإذا اشتم أنه خائف منه انقض عليه. # فالغابة ليس فيها إلا المخوف والخائف، ms09 تلك هي العلاقة الوحيدة، ذلك ~~هو القانون الأعظم. # كل خائف من حيوان يخيف بدوره حيوانا آخر. # إلا الأسد. # الجميع يخافونه وهو لا يخاف أحدا. # الحيوان الوحيد الذي يخاف منه الأسد. # هو الإنسان. # أو بالضبط هو ذلك الإنسان الذي بما منح من ذكاء وإرادة وسلاح ~~يستطيع أن يواجه الأسد وهو لا يمثل أنه خائف منه، ولكن حقيقة وصدقا ~~غير خائف منه، بل ربما شاعر أنه الأقوى. # ولا بد لكي تروض الأسد أن تروض نفسك أولا بحيث تصل إلى الدرجة ~~التي تواجه فيها أسدا أو عدة أسود وأنت غير خائف منها. # الأسد وحده أدرك أن ذلك الرجل، الرجل الذي يعرفه جيدا وتعود منه ~~دائما أن يمد أصابع نظراته الغريزية إلى أعمق أعماقه فلا تنبئه ~~الغرائز إلا بأن الرجل ليس فقط غير خائف منه ولكن يأمره وينهره ويملك ~~إرادة وثقة بنفسه أقوى بكثير مما لديه؛ هو الملك، وأن عليه إن أراد ~~البقاء أن يخاف ويطيع. # ولا بد للإنصاف هنا أن أذكر أن إنسانا آخر في الخيمة كان يعرف. ذلك ~~الشاب الذي ما توقف لحظة واحدة عن الطواف حول القفص وملاحقة نظرات ~~الأسود التي تلاحق الحلو. ذلك الشاب الذي عرفت فيما بعد أنه ابنه ~~والذي خلفه. كان هو الآخر بغريزته العظمى يعرف ويدرك، فهو يعرف الأسود ~~جيدا، رباها مع أبيه وصاحبها، ويعرف أباه جيدا، ويعرف لا بد كنه ~~هذه النظرات الخارجة من عيون الأسود، ومعنى تلك النظرة التي تواجهها ~~والخارجة من عيون أبيه. # وحتى ما تلا هذا من حركات لم تغير الموقف. # إن محمد الحلو مدرب قديم، باعه طويل، وجراب خبراته مليء، إن ~~المسألة ليست شجاعة وبطولة فقط. إنها أيضا مليئة بالصنعة والحنكة ~~والدهاء. # ها هو يخرج من الجراب كل ما تملك أصابعه التي لا بد أصابتها رعشة ~~خفيفة لا تلحظ، كل ما تملك أصابعه إخراجه. بقية الأسود تلعب، والجمهور ~~يصفق، وكل شيء يمضي وكأن لا خطر البتة هناك. ولكن الرجل ليس نفس الرجل. ~~إنه هذه المرة خائف. هكذا راحت تدق أحاسيس الأسد الغريزية ms10 وتؤكد. في ~~يده الرمح المدبب المرعب ولكنه يرتعش. النظرة خارجة من عينيه ليست ~~واضحة وقاطعة وحاسمة، إنها تتردد، إنها تحسب، إنها تراجع، إنها تحوم، ~~أبدا ليست نفس النظرة. # تلك كانت الليلة الأولى. # الليلة التي أدرك فيها «جبار» هذا الإدراك. # ولكن الذي قتل محمد الحلو هو «سلطان». # وعضه في الليلة التالية. # فجبار حديث المعرفة بمحمد الحلو. # لا تزال العلاقة بينهما علاقة من يخاف من. # ولهذا كان هو أول من أدرك أن الآخر خائف. # أما «سلطان» فأمره مختلف. سلطان قضى عمره كله يعرف الحلو ويخاف منه، ~~ويطيعه، والليلة الأولى، مثلها مثل كل الليالي الأخريات، مرت، وسلطان ~~يقوم بما تعود القيام به من ألعاب، يأمره الحلو، فيطيع، يكافئه، بلحم ~~الحمير، فيسعد. الحيوان الذي فيه كان غافلا مستسلما كالعادة للطبيعة ~~الجديدة المتمدينة المروضة التي تكونت له. في الليلة التالية فقط، عرف ~~سلطان. # فجأة وللمرة الأولى، يدب في غرائزه العميقة ذلك الشعور الذي لم ~~يخالجه أبدا. الرجل؛ ذلك الرجل الذي يخاف منه، الليلة خائف. # يقترب منه الحلو لأداء اللعبة. # يزأر. # يصبح لنظرة الرجل تشتت غريب لم يعهد. # ولو كان الأسد يعرف الاستنكار لاستنكر أن يحدث هذا. # فما حدث بالنسبة إليه شيء لا يصدق، إذا كان الأسد يعرف ما يصدق ~~وما لا يصدق. # للأسف هو لا يعرف إلا لغة واحدة يتفاهم بها مع الكون والأشياء ~~والحيوانات والناس من حوله، ومع الرجل حتى ذلك الرجل. لغة لا تحتوي إلا ~~كلمة واحدة. كلمة لا وجود لها إلا في لغتنا نحن، ولكن الكلمة التي إذا ~~جاءته من الرجل، أحس أنه أصغر وأضأل وأضعف وأجبن وأن عليه أن يرضخ. نفس ~~الكلمة التي إذا رآها في عين الرجل أحس أنه هو الأقوى والأعظم والملك، ~~وأن عليه أن يفتك. # لا. لم يكن يريد عض الحلو أو قتله. # ربما أراد أن يتأكد. # ربما أراد أن يستفز الرجل ليقرأ في عينيه نفس النظرة، الكلمة التي ~~تعود إذا رآها أن يركع ويخضع. # أراد تماما كما يفعل المدرب حين يستفز الأسد برمحه ليزأر ليخيف ~~المتفرجين كي ms11 يزدادوا تقديرا لبطولته، أراد أن يستفز محمد الحلو ~~بانقضاضه أو بمخالبه أو بأنيابه، لينتفض له، مرة أخرى، ذلك الرجل الذي ~~تعود أن يجبن أمامه. # ولكنه ما كاد يستثير وينقض ويدفعه حتى سقط. حتى انهار تماما وهو في ~~أقصى درجات الرعب، حتى أطبق على الخيمة كلها رعب أكثر من رعب الحلو ~~نفسه. # وهكذا فجأة أدرك الحيوان العميق المستسلم لقيوده ومصيره وخوفه أنه ~~كان مخدوعا، وأنه الأقوى والأعظم والمسيطر والملك. # واندفع ينهش لحم صاحبه المدرب، ويعضه، ويكسر قيوده ويستعيد ~~نفسه. # ونستغرب بعد هذا لماذا صام «سلطان» عن الطعام وقضى الأيام التالية ~~حزينا. # الحزن في رأيي كان سببه أنه أبدا لم يرد أن يحدث ما حدث. # إن الأسد حيوان ليس الغدر في طبعه. # وكالكلب، الوفاء عنده، غريزة. # وهو لم يقصد أن يغدر أو يفترس أبدا صاحبه. # أراد فقط، كل ما أراد، أن يستمر على وضعه خائفا من ملكه وصاحبه ~~ومدربه وسيده. أراد، كل ما أراد، أن يجعله يشعره مرة أخرى أنه الأقوى ~~والأقدر. # كان متأكدا أنه سيقابل هجمته بهجمة أشد منها. # كان يعبث، كما تعود أن يعبث، حتى يناله العقاب، كما تعود أن ~~يناله، ويسعد بعودته للخضوع والطاعة والذلة. # وحين سقط الرجل، حين سقطت الهيبة الضخمة وضاع الصولجان. حين لم يعد ~~باقيا أمام سلطان إلا أن يحس بالشفقة على صاحبه فيطبطب عليه ويأخذ ~~بيده وخاطره، لم يستطع للأسف أن يفعل. فالأسد، كالحيوانات، كالغابة في ~~أساسها، لا يحس بالشفقة على أحد. ولو كانت الشفقة قانونا من قوانين ~~الوجود لماجت الحياة وازدحمت بأشكال وأنواع وأنماط ركيكة عاجزة لا تصلح ~~للحياة وإن كانت تصلح للشفقة. الأسد إذا لم يخف، خوف. إذا لم ~~يخف أن يؤكل خوف بأن يأكل. وإذا لم يجد التخويف، أكل فعلا، ~~وربما هذه هي طريقته في إظهار الشفقة. أن يأكل من لا يعتمد في بقائه ~~حيا إلا على إحساس الآخرين بالرثاء والشفقة. ~~••• # إلى المستشفى حملوا محمد الحلو ليموت طبا وعلاجا. # وإلى حديقة الحيوان أخذوا «سلطان» ليموت كمدا واكتئابا. # وكم آلمني ما حدث للحلو! ms12 # وكم آلم الناس الطيبين، من رأوا الفاجعة ومن لم يروها. # ولكن لأننا جميعا مشغولون بالإجابة على السؤال: لماذا يحدث للحلو ما ~~حدث للحلو؟ # ولماذا ينهش الحيوان المتوحش صاحبه الذي دربه وأطعمه ~~ورباه؟ # ولأننا جميعا لو استحلنا إلى أكلة عيش فسيكون مصيرنا أن تنهشنا ~~أكلة اللحوم. والإنسان أثبت أنه على رأس أكلة لحوم البشر. # لأن الأمر كذلك. # فإني أترك المشكلة لكم لتفكروا فيها. # ففي هذه اللحظة أنا قابع مع سلطان في حبسه الانفرادي، قاتلا، ~~ومجرما، ومنبوذا، ومحل سخط الجميع وازدرائهم، قابع معه أتساءل، كما ~~لا بد لذي العقل منا لو كان حيوانا، أو للحيوان منا لو كان ذا عقل أن ~~يتساءل: ما هي جريمتي أيها السادة؟ # أني عقرت الرجل وأرديته! # ما ذنبي وأنا لم أفعل إلا أني قمت بدوري كوحش عليه أن ينهش إذا خاف ~~مدربه، وأن يلعب إذا أخافه المدرب؟! # أم كنتم تريدونني أن آخذها أنا الآخر هزلا، ويصبح الوحش الذي في ~~نكتة، كما أصبح أي شيء نكتة. # إني آسف أيها السادة، شديد الأسف لما حدث لسيدي السابق، شديد الإعجاب ~~بابنه الذي يعتلي الآن ظهور الأسود ويخيفها، آسف أيها السادة فقانون ~~الغابة ليس قانونها فقط، إنه قانون الحياة والأحياء، ذلك الذي لم ~~تستطع حتى أديان السماء كلها أن تلغيه. # إما أن تخاف وتركع أو تخيف وتقتل. في القفص وخارج القفص، فأنت مقتول ~~إن ضعفت أو خفت، أو قاتل، وأنت المسئول عما تختار. # آسف أيها السادة، فأنتم وحدكم الذين تسخرون من هذا القانون وتضحكون، ~~فإذا كان العالم يحياه حقيقة وقانونا وتحيونه أنتم سخرية ونكتا ~~فالذنب ليس ذنب «سلطان». # ليس ذنبي. # وليس ذنب صاحبي محمد الحلو. # صاحبي الذي خضعت له بطلا. # وحين أصبح آكل عيش مثلكم أرديته. # فأنا لست سلطان الأسد. # أنا سلطان قانون الغابة، وقانون الحضارة، وقانون الإنسان، وقانون كل ~~الوجود. # | جيوكوندا مصرية # إنها ليست أول مرة أحاول، ربما هي ثالث أو رابع مرة؛ فأنا أحس كلما ~~أردت كتابتها أن اللغة التي استعملها أخشن وأصلب وأجوف بكثير من أن ~~تستطيع التعبير ms13 عنها، أحس أن لغتنا، تلك التي نتحدث بها ونكتب خلقت ~~لتصوير أحداث ضخمة وأحاسيس كبيرة الحجم كالصخر، أو حتى إذا صغرت فهي ~~كالرمل أو الحصى، في حين أن ما أريد تصويره ناعم موسيقي رقيق دقيق كأنه ~~الذرات العالقة بشعاع الضوء إذا سقط في غرفة مظلمة. لا، ليس حتى كعزف ~~الكمان أو أنين الناي، إنما هو كاللحن الذي لا تستطيع سماعه إلا إذا ~~خفت الضجة في الدنيا كلها أو سكن الكون تماما، ثم طهرت نفسك من كل ~~ما يشغلها من هموم الأرض وأحاسيسها الترابية العابرة، واستحضرت في ذاتك ~~المعاني الحقيقية للرحمة والحب والحنان والإنسان، المعاني الخالدة ~~السرمدية التي يحيا البشر على أمل أن ذات يوم تتحقق، حينئذ فقط، وبعد ~~طول معاناة في تهيئة النفس، وطول تأمل وسكون، ستجد نغما رقيقا واهن ~~الضعف قد بدأ يتسرب إلى نفسك، ليس من أذنك فقط، وإنما من كل ذاتك ولكل ~~ذاتك، يتسرب النغم تسربا لا يفعل أكثر من أن يحيل ذاتك نفسها إلى ~~ذات النغم، حتى لتندمج معه في وحدة بالغة الشفافية. # أنى لي بكلمات تستطيع وصف هذا وكلماتنا صنعت لمعان محدودة واضحة ~~لا شك فيها ولا اختلال، أنى لي بكلمات تستطيع وصف عشر الانفعال، ~~والواحد على المائة من الارتجافة أو الخفقة الواهنة المرهفة التي يكاد ~~السمع يتجاوزها؟ # أنى لي بألوان أستطيع بها وصف لون «حنونة» المسيحية، ذلك اللون ~~الذي لا هو أبيض ولا قمحي، ولا هو أوروبي ولا شرقي، لا هو صعيدي ولا من ~~أقصى الشمال في بحري، لون حتى في مكوناته زرقة ليست زرقة الموات ولكنها ~~كزرقة الفجر إذا شقشق، أو زرقة البحر إذا هجع وتحولت موجاته إلى نداءات ~~وديعة تئوب إلى مستقرها عند الشاطئ خاشعة ساجدة تهيب بك أن ترتمي بحرا ~~وتعب زرقته حتى النهاية. # وكيف لي أن أبدأ القصة وليس في ذهني بداية واضحة، إن هي إلا علاقات ~~متصلة بين الناس ومنشأ مشترك، وطفولة، ثم صبا، و«شال» كموني باهت، ~~وحجرة ليس بها أحد سوانا، وخبز مقدس، ثم إنجيل صغير الحجم كثير ms14 ~~الصفحات ، مكتوب بلغة عربية لها طعمها الخاص. # وكنت في سن البلوغ، تلك التي تحس فيها أن هناك دنيا هذا صحيح، وهناك ~~صبح وشمس وقمر، وهناك بلاد بعيدة قبل البحر المالح وعبر المالح وبعد ~~المالح، «الطلمبات» بضخامتها السوداء الزيتية المهولة وصوتها المتئد ~~الوقور المستمر، والماء المجذوب بسحر خفي وبكم هائل إلى فتحاتها والماء ~~الهادر الغاضب المندفع الأرعن الخارج عنها، هناك الغربان والعصافير، ~~وأولياء الله الصالحون، وهناك المصحف والآيات التي يجب عليك حفظها ~~وكلها عن جنة شديدة الجمال غريبة، وعن نار جحيمية يقشعر لها بدنك، ~~وثواب وعذاب ودنيا وآخرة، وهناك أيضا، وهذا هو المهم المباشر، خيزرانة ~~الشيخ مصطفى المنكفئ العمامة إلى أمام أكثر مما يجب، ذي الأرجل ~~الرفيعة المنتهية بركب كرءوس عيدان الكبريت، حين يضع ساقا رفيعة فوق ~~ساق، ويتدلى حذاؤه حائل اللون فاغر الفاه، ويهز لك رأسا فوقها تهتز ~~العمامة ويقول: سمع يا ولد. هناك شيء ما هذا صحيح. شيء لا نراه ولا ~~نحسه، شيء آخر غير ليلة القدر، والموت، والحب الشديد الذي أكنه لأبي، ~~شيء بإرادته مختلف لا يريد أن يظهر، ربما خوفا علينا؛ إذ ربما لو ظهر ~~لمتنا من شدة الخوف والرعب والمواجهة، شيء آخر غير العفاريت، فالعفاريت ~~رغم كل شيء فيها ما يضحك، ولكن هذا الشيء لا يبعث على الضحك أبدا. إنه ~~قاس وقور مهيمن رحيم. # قلت لحنونة، وأنا بالضبط لا أعني ما أقوله: أريد أن أكون ~~مثلك. # كانت لا بد أكبر مني ربما بعام أو بعامين؛ فقد كانت أطول وإن كانت ~~أضعف، ولكنها دائما الأعقل والأحكم. وهنا بالضبط أعجز عن التعبير. ~~روحها ذلك الإحساس المشع منها وكأنه النور يأتي من لا مكان أو بطريقة ~~غير مباشرة، روحها تلك كانت تضفي على كلماتها ومشيتها وعلى الطريقة ~~التي ترفع أو تخفض بها يدها أو تقضم قضمة صغيرة وبأسنانها الأمامية من ~~الخبز المقدس. مسحة غريبة البراءة والنقاء والرشاقة تجعلك تعتقد وكأنها ~~ليست من أهل الأرض، وكأنها النوع الثاني من البشر، ذلك الذي يصنع ~~الحلقة الكائنة بينهم وبين الملائكة. # ولا أذكر ms15 بماذا أجابتني. ولا حتى على وجه الدقة إذا كانت قد أجابت، ~~وماذا أيضا قالت عن الإنجيل، والخبز المقدس، و«كيرياليسون» ومعناها ~~كما علمتني «يا رب، ارحم». وكنت قد سمعت القسيس الآتي من المدينة ~~يرددها في زفاف «عفيفة» حين تزوجت منذ شهور. كل ما أذكر أني من ~~إجاباتها بدأت أحس أن هناك أناسا آخرين غيرنا نحن، أظن أن الدنيا كلها ~~مسلمة، وأن هذا الدين الآخر الجديد مملوء بأشياء تثير الخيال، وتبعث ~~على حب الاستطلاع الشديد، وخاصة أن لهم في البندر - كما عرفت من حنونة ~~- كنيسة، فيها صورة كبيرة للمسيح، وفيها شموع وثريات بالكهرباء، وفيها ~~غناء؛ بل إن كل صلاتهم غناء في غناء. # ولم أعد أدري، أسر تتبعي لحنونة - حتى وهي في طريقها إلى النوم - ~~إن هو إلا محاولات أكثر لإدراك أشياء أخرى عن هذا الدين، أم هو استسلام ~~لذلك الإشعاع الذي لا يقاوم الدائم الصدور عنها، يجذب إليها الناس ~~والأشياء، ويحيل كل ما تصنعه إلى حدث براق ممتع رقيق مثير. # ولكن ما أعرفه أنه لا أقول بدأت أحس برباط قوي يربطني بها، وإنما ~~بدأت في أحيان أعي أني لا أتركها وكأني ظلها، إحساس كان لا يراودني إلا ~~في اللحظات التي أغادرها فيها. # فوأنا معها كنت لا أحس بنفسي ولا بما أفعله أبدا؛ فأنا ذائب تماما ~~في ذلك اللقاء المستمر معها، لا هم لي إلا تأملها، وتتبع ما تقوله أو ~~تفعله كالمشدوه بمعجزة خارقة، دائمة الحدوث، لا ينفصل عن شعوره بها ولا ~~يبغي إلا أن يظل في حالة النشوة المشدوهة تلك لا يغادرها أو تغادره ~~لحظة. # ويخيل لي أن مشاكل العالم تنشأ من هنا؛ فنحن أبدا لا نستطيع الصبر ~~على ظواهر الكون أو التفاعل التلقائي للأحداث وعلاقات القوى والنماء ~~وهي تنشأ وتنمو وتتفرع وتزدهر، إنما دائما بإرادتنا الحمقاء وقوانيننا ~~التي ابتدعها أقدمون متزمتون، دائما نتدخل، فنفترض سوء النية أو حتى ~~حسنها ونتدخل، وفي تدخلنا نحاول الفرض والكبت والقطع والتأكد المستعجل ~~ولوي سنن الحياة. # ترى ماذا كان يضير أن تستمر علاقة كهذه، زهرة وديعة ms16 وسط غابات ~~الطبائع والنفوس والعلاقات الاجتماعية المتشابكة المعقدة التي لا تدري ~~عنها شيئا. # وماذا يهم أنني ابن مهندس الطلمبات، وأن والد حنونة هو كبير ~~الأسطوات، وأنني ولد وأنها بنت، وأن كلام الناس كثير، مع أن الناس في ~~«المستعمرة» التي نسكنها جميعا قليلون، كلهم لهم مساكن أقامتها لهم ~~وزارة الري قريبا من مبنى الطلمبات هائل الضخامة، مستعمرة ومجتمعها ~~وطلمباتها كائنة في مكان ما، بعيد وسحيق من شمال الدلتا. مجتمع صغير ~~مكون من مجموعة صغيرة - وإن كانت في ذلك الوقت تبدو لعيني وكأنها ربع ~~العالم - مسلمون ومسيحيون، ومع هذا فألف مشكلة قائمة، وألف شوكة تؤلم ~~بلسعها ووخزها هذه العشرات القليلة من الحلوق في ذلك المكان الكائن عند ~~آخر الدنيا. # بدأ الأمر بشكاية من أمي لأبي، وأبي خاضع لأمي منذ قطعت ساقه أو ~~التهمتها مروحة الطلمبات لا أعرف؛ فالقصة غالبا لا تروى، إذ هي ~~دائما وكأنما تجلب معها الذكرى والألم. ومنذ أن أصبح أبي بساق واحدة ~~أصبحت أمي بثلاث سيقان وعشر أيد ومائة لسان. # وهكذا أوقفني الرجل الطيب أبي ذات صباح وأنا ذاهب إلى «كتاب» ~~الشيخ مصطفى وأفهمني بطريقة لا تقبل الجدل أن علي العودة بعد ~~«الكتاب» إلى البيت مباشرة. # لم يشأ الرجل الطيب أن يؤلمني بذكر حنونة وحكايتي معها. آثر أن يدع ~~الباقي لفهمي. وأنا أيضا لم أشأ المناقشة؛ فقد اعتزمت ومنذ اللحظة ~~الأولى، أن أخالف هذا القرار، وأكذب، وأقابل حنونة. وكيف لي أن أستطيع ~~الكف عن شيء لا أفعله بإرادتي، إنما أجد نفسي، هكذا، كما أجوع وأعطش ~~وأشرب، أفعله، دونما فكر أو أرجحة للاحتمالات وأخذ قرار. إننا ونحن ~~أطفال وصبية نكون أكثر صدقا مع أنفسنا ومع ما نريد، وما نريده يكون ~~أكثر صدقا مع الحياة نفسها، كل ما في الأمر أننا صغار في عالم لا يخضع ~~للحياة وقوانينها وإنما ينظمه ويقننه ويحكمه الكبار. ولا بد دائما أن ~~يتدخلوا، فإذا فعلوا فإنما ليجبرونا، لا لنمتنع، وإنما لنراوغ ونكذب ~~ونكرههم كما نكره العقاب. # ولا أعرف ماذا بالضبط، وبالمقابل، حدث لحنونة. # ولكني في مكاننا ms17 المعتاد عند «الهدار» وهو البئر العميقة التي تصب ~~فيها كل المياه القادمة من المصارف الكبرى، وتأخذ عنه أفواه الطلمبات ~~الماء لترفعه بعد هذا إلى أعلى، إلى مستوى منسوب البحر الأبيض ليتم ~~صرفه والتخلص منه؛ إذ الماء الجوفي في الدلتا وشمالها أقل من منسوب ~~البحر ولا بد من ضخه إلى أعلى، ومن أجل هذا أقيمت الطلمبات. في مكاننا ~~عند الهدار لم أجدها. وانتظرت، وتأملت كثيرا منظر الماء وهو يهدر في ~~الهدار ويدور ويصنع دوائر كبيرة تنتهي إلى دوائر أقل وأكثر انخفاضا ~~وتدور بسرعة أشد إلى أن تصنع الدوائر حفرة على هيئة القمع يقولون إن ~~قاعها يبلغ الرجل ولا يبين له بعد هذا أثر. ولم تحضر. وغير قريب من ~~بيتهم وقفت وقد بدأت أحس أن يد الكبار غليظة حقا وأنها قد عملت ~~عملها، وأن اليوم الواحد العذب الممتد الطويل قد انقطع. # وفي الشباك لمحتها، كنا العصر، والشمس قد استحالت من جهنم الظهر ~~المروعة إلى مجرد مصباح أصفر رقيق يضيء الشباك وداخل الغرفة، وفي وسط ~~تلك الأرضية الصفراء الحية بصفرتها يستدير وجه حنونة وقد أكسبته الأشعة ~~لونا غريبا يلمع من خلال القضبان الحديدية الداكنة، لونا يحيل الوجه ~~إلى شمس أخرى، شمس مخنوقة منكفئة الجبهة، مختبئة. # وقفت أنتظر منها إشارة، أو بريق عين حتى، يدل على أنها رأتني أو ~~أرادتني، ولكنها كانت صامتة واجمة، كانت بالضبط صورة «العدرة»، العدرة ~~مريم، نفس الصورة المعلقة في غرفتها معلقة الآن في النافذة، ولا بد ~~أن ألقاها، وأنا أعرف الست «أم حنونة» وأعرف أنها وإن كان يقال إنها ~~أشد الناس سلاطة، إلا أنها معي طيبة، تعطف وكأنما بالسليقة على مزاملتي ~~لابنتها، كثيرا ما دست في جيبي برتقالة، أو حبات «بون بون» ودائما ~~تقول سلم على الست «أم محمد»، سلاما لا أوصله؛ فقد كنت أعرف رأي أمي ~~فيها، ورأيها في أمي. # الباب مفتوح، أأدقه؟ دخلت. # أم حنونة خارجة لتوها من المطبخ وهباب الوابور على وجهها وأطراف ~~شعرها الأبيض وملابسها، أشرق وجهها بابتسامة وكأنما أدركت سبب المجيء، ~~أعقبها في الحال ms18 تجمد ملامح وكأنما ظهرت إلى وعيها المشكلة والتحذير، ~~وتلعثمت، وفأفأت، ولكنها لم تصرح بشيء، وإنما استدارت وكأنما لم تر ~~ولم تسمع، وعادت إلى المطبخ. # وما يدريني؛ فقد قرأت في حركتها تلك علامة الرضا، واندفعت إلى الغرفة ~~كالسهم. ووجدت حنونة واقفة تبتسم وتنتظر انتظارا منخفض الرأس لا يزال ~~وفي عينيها دون أن أراهما مكر بريء جميل كمكر المحبين. # ولدهشتي أقدمت على حركة لم أكن قد تعودتها منها أبدا، مدت يدها ~~تصافحني، وبكل ما لدي من لهوجة مددت يدي وشددت على يدها بقوة حتى بدا ~~أنها تألمت. كنا دائما نلتقي أو نسير أو نتحرك أو نقدم على عمل ~~الشيء معا، أما أن نتصافح فذلك ما لم نفعله إلا هذه المرة. يدها صغيرة ~~كانت، ويدي رغم العامين فارق السن، أكبر، يد نحيلة بأصابع أيضا رفيعة ~~ونحيلة وكأنك تقبض على مجموعة من أقلام الرصاص، ولكن لم تكن أقلام ~~رصاص، كانت اليد بأصابعها حية دافئة كأنما تركزت فيها كل إشعاعاتها ~~الخاصة، لم تكن يدا. كانت قلبا نابضا دق، نفس القلب الذي سمعت دقته ~~حين كنت أتعمد الاقتراب بوجهي من صدرها. مصافحة روعتني وأحدثت بي ~~مسا. # قلت لها: أنت كالعدرة مريم. # رفعت حاجبها في استنكار مذعور، ولكنها عادت تبتسم كأنما عيب ما ~~أقول، ورغم هذا سألتني: كيف؟ # قلت لها: وأنا أراك من النافذة كنت كالعدرة، بدون المسيح يا حنونة، ~~أنت حنونة - وكم كان يمتعني دائما أن أناديها باسمها وكأنما أستمتع ~~بنطق الاسم وطعمه في فمي - أنا المسيح وأنت العدرة. خليني مسيحك وأنت ~~عدرتي. # كادت، بل ضربتني على يدي فعلا، إنما برفق تنهاني. ولكن الفكرة كانت ~~قد استبدت بعقلي، ولم تكن بنت لحظتها. لا بد أنها نبتت في ذلك اليوم ~~الذي كنا فيه منفردين كالعادة في منزلهم، وكنت أحدق في صورة العذراء ~~مريم وهي تحتضن ابنها المسيح بحنان زائد. كانت ألوان الصورة قديمة ~~وباهتة، ومن رأس مريم كانت تخرج إشعاعات تذهب في كل اتجاه، وكان عيسى ~~طفلا جميلا جدا يبتسم بسعادة الابن المدرك أنه في أحضان أمه ms19 ، وفي ~~كنف رعايتها وحنانها، وكانت مريم أيضا تبتسم، شبح ابتسامة يعبر وجهها ~~وشفتيها، وكأنها تدرك أن صورة ما ستؤخذ لها، وتريد أن تضمن الصورة ~~ابتسامة أم سعيدة بابنها حقا. # وحين التفت أحادث حنونة أحسست على الفور أني أريد أن أرتد طفلا، ~~أرتكن إلى حضن حنونة وتسعد بي مثل سعادة العدرة مريم بمسيحها، ولكني، ~~في ذلك اليوم، وأنا أطلب منها أن تكون عذرائي وأن أكون مسيحها، لم أكن ~~أفعل ذلك وفي ذهني أن أتحول إلى طفل صغير تحتضنه أمه. هناك، وراء سؤالي ~~وطلبي كانت ترقد رغبة قوية قديمة عارمة، أن أحتضن أنا حنونة. آخذها بين ~~ذراعي، وأطبق عليها، ليس بعنف وقوة، فأنا أعرف أنها رقيقة هشة، إنما ~~بحنان ورفق ورقة أريد أن أطبق عليها، أريد بيدي إذا أطبقت وبحضني إذا ~~احتواها أن أحتويها تماما، وأصغرها وأدخلها بطريقة ما في صدري فتلك ~~هي الوسيلة الوحيدة في رأيي لإسكات هذا الإحساس المستمر برغبتي في ~~الاقتراب منها والالتصاق الدائم بها. # كنت أريد أن أقترب منها الاقتراب الأكبر، اقترابا أكبر بكثير مما ~~كنا نفعله مع البنات ونحن نلعب لعبة الزواج في المخازن القديمة. # حدقت في حنونة طويلا. كانت تلك أول مرة أراها تحدق في على ~~هذا النحو الغريب. كثيرا ما كنت أسأل نفسي عن رأيها في أو إحساسها ~~نحوي؛ ففي معاملتها لي لم أكن أحس بذلك الشيء الخاص الذي تنفرد به ~~العلاقات الخاصة، كنت أحس بنفسي وكأني في نظرها لست سوى صبي في الرابعة ~~عشرة، مجرد صبي آخر في عينها ذات الستة عشر ربيعا، حقيقة تربطها به ~~علاقة ورفاقة وتآلف واتفاق، ولكن لا شيء أكثر من هذا في تحديقها هذه ~~المرة، أحسست فجأة باللمعة في عينيها تأخذ ذلك الطابع الذي طالما هفوت ~~إليه؛ طابع الإحساس بالخصوصية، أحسست أنها نظرة موجهة لي أنا، وأنها ~~تقول بها كلاما كثيرا تخجل أن تقوله العين نفسها، ولا تفصح عنه سوى ~~النظرة، بل هو كلام لا يمكن - أو كان لا يمكن في نظري - أن تقوله عين، ~~وبالذات عينها، كلام لم ms20 أملك معه إلا أن أقترب منها. كثيرا ما كان ~~أحدنا يلتصق بالآخر ونحن سائران ويتأبط ذراعه، ولكن تلك أول مرة نقترب ~~فيها إلى هذه الدرجة. ولم أكن، كائنة ما دارت أحلامي وأمنياتي، أتصور ~~أن يحدث ما حدث، وأن فجأة تضمني حنونة إلى صدرها، بقوة مرتعشة مستعجلة ~~مفاجئة، وتطبع على جبيني قبلة سريعة، لا بد احمر لها وجهي كثيرا. ~~ورفعت رأسي وأصبح وجهي يقابل وجهها. كنا انثنينا نلهث، وجاءت المفاجأة ~~الرائعة الثانية؛ فقد وجدتها تنحني، وأنا الأقصر قليلا، وتقبلني في ~~شفتي، قبلة سريعة أيضا، عظيمة الاضطراب والارتجاف حتى لقد أحسست ~~بموجات الارتعاش التي تجعد شفتيها تنطبع على شفتي، قبلة سريعة كأنها ~~البرق، ولكنها البرق، ولكنها شملتني بكهرباء نعناعية المذاق تفتحت لها ~~كل مسام روحي وانتعش قلبي وكأنه طائر ربيع بكر في اليقظة، قبلة خلفتني ~~إلى أعظم اضطراب شعرت به في حياتي إلى تلك اللحظة، فوكأنني فجأة قد ~~أدركت، بالقبلة أن حنونة بنت، فيها من ذلك الشيء الذي يميز جنس النساء، ~~والذي يجعلهن يرتدين تلك الألوان والأثواب ويتضمخن بالعطور، ويصلصلن ~~بالغوايش والخواتم والعقود، فيها من ذلك الذي يبرز الصدور ويجعل ~~الجلد في نعومة الحرير وللصوت ذلك النغم الرقيق في مقابل صوت الرجل ~~الخشن كجسده الشوكي كذقنه، الداكن كوجهه وشعر صدره. حنونة إذن أنثى. ~~اضطرابي كان سببه أني أبدا لم أتصور هذا قبلا أو أحلم به. حنونة في ~~نظري كانت كالعدرة كالآلهة، كالمتسببة العظمى في كل خلجة سعادة يحفل ~~بها الكون، الله جل جلاله، الله سبحانه، وليغفر لي الذنب أنثى. لجزء ~~من جزء الثانية عاودني الشعور وأنا لا أزال أستجيب لاحتضانها بيدي تلتف ~~حولها وتضمها، أحس أني أضم عذرية الكون الأزلية، عاودني الشعور ولم ~~يزايلني. سقط في قاع عقلي ولم يبرحه وظل كالأماني العميقة حبيسة تقديس ~~العرف والمعقول والتقاليد أمنية أن تذوب الذات الصغرى في الذات الأعظم، ~~أن تحب الله إلى الفناء، أن يتم الاتصال الخالد بينك وبين السر الكوني ~~الأعظم. # وحتى لو كنت قد نجحت في تصور حنونة أنثى وفي إنزالها من ms21 الملكوت إلى ~~الأرض جسما من لحم وعظم، فقد كان من المحال أن أقرن هذا التصور بنفسي، ~~من المحال أن أتصور علاقة لي تقوم مع حنونة الأنثى حتى لأفعل معها ~~مثلما أفعل مع سائر البنات، حاولت كالمجنون أعيد القداسة إلى مكانها، ~~أستعيد إحساسي أنها الأعظم، وأن ما تشعه في الكون من جمال ورشاقة ~~وتفوق يجعلها فوق مستوى البشر، يرفعها للسماء، حاولت جاهدا أن أعيد ~~الشعور ليحول بين الشاب الصغير الذي انتفض داخلي فجأة مستجيبا لنداء ~~الأنثى الذي تولدت عنه حنونة فجأة أيضا، ولكني كنت أحاول المستحيل، ~~فكل قداسات الدنيا من المحال أن تباعد بين القوتين الأعظم للحياة إذا ~~وجدتا، الرجل والمرأة؛ إذ ثالثهما هو القانون الشيطاني الذي لا يمكن ~~عصيانه. وقبلتها أنا، مرتجفا، مضطربا مثلها، إنما قد استجمعت ما ~~في من رجولة بكر، ولتكن حتى ما تكون، أرضية تكون أو سماوية، قديسة ~~أو فتاة عادية، فأنا محبوب وأنا محب والبادي كانت هي، وعلي أنا أن ~~أنعم مستحما عريان في ذلك البحر المفاجئ الغريب الذي تفتح لي فجأة ~~من بين شفتيها. يا لقلبها يدق وقد رقدت على الكنبة وأذني فوق قلبها، ~~دقا كونيا يكاد يزلزل الأرض والسماء فقد كان يزلزلني، يا لوجهها ~~أجد فيه الأرض مرة وكل ما فيها من جمال، والسماء مرة وكل ما فيها من ~~قداسة، علوية ترابية، تحمر وتصفر تكتئب وتكسوها ابتسامة العذراء، تموج ~~كسطح البحر الرهيب الذي تفجر، دون أن تنطق، دون كلمة يتلوى جسدها ~~ويتكلم، عذراء كانت وعذريا كنت، وكلانا لا يعرف، ويريد أن يعرف وهو ~~يحاول أن يعرف، والغمامات التي كانت تحجب عيوننا عن أن ترى، وأن ترى ~~أول ما ترى أنفسنا، تنزاح والحمى ليست حمى الغيبوبة ولكنها حمى ~~التعرف المجنون والاستحواذ والمتعة والاكتشاف، حمى السر الكوني ~~إذن، أخيرا انكشف، حماك وأنت واقف ترقب ليلة القدر إذا انفتح باب ~~السماء أمامك حقا واكتشفت من خلاله سر السماء، أو إذا انشقت أمامك ~~المرأة فجأة عن مكنونها الأعظم لك، ولك وحدك. # كلما تذكرت أني كنت لو حاولت تخيلها ms22 بنتا وأنثى أحس أني على وشك ~~القيام بمعصية تزلزل الأرض والسماء كما لو كنت على وشك ارتكاب الإثم ~~الأعظم، أعظم إثم يرتكبه بشر، كنت كلما تصورت هذا وأحسست بحرماني ~~السابق يطغى أضمها وأعتصرها وألوكها، حية دافئة، أنثى، أمرغ نفسي فيها ~~وفي حرماني منها وفي قداستها وفي الإثم الأعظم وبشريتها، والزمن الطويل ~~الذي انقضى أعبدها، كنت أعبدها، وها أنا ذا أنا العابد أنالها وعلى ~~نحو محال أن تتطرق إليه أشد الأحلام تخريفا وبعدا عن ~~التصديق. # وماذا أقول؟ أأقول إن القداسة التي كانت تحيط بها وتصبغ صوتها وحتى ~~إشارات يدها كانت إشعاعات الأنثى فيها، إشعاعات المرأة مقدسة ومشرقة، ~~إشعاعات النوع والأنوثة كلها مركزة كضوء العدسة في حنونة، حنانها، ~~مسيحيتها، جمالها، نظراتها، عبادتي لها، كلها أنوثة وأنثى، ولقد مرت ~~سنين وسنين، وعرفت نساء ونساء، ولكني، لأنها كانت هي الأنثى في ذلك ~~اليوم، لم أشعر منذ يومها أني الرجل، ذلك الرجل، إلى الآن. # وكأنما الماء في الهدار بهدوء شديد بطؤت حركته، وضحلت حفرته، وآب إلى ~~سكون. # وكأنما البحر الذي انبثق من بين شفتيها بطول الدنيا وعرضها، آب سطحه ~~إلى زجاج. # وبالكاد حاولنا الاعتدال، وهي خجلى ولكنها ليست نادمة، وأنا خجلان، ~~حين لمع شعاع عند الباب على حين بغتة، شعاع أدركت في الحال كنهه وأنه ~~صادر عن زجاج نظارة معوض أفندي أو الباش أسطى أبيها، الطويل الرفيع ذي ~~العينين المتعبتين دائما، واللتين لا بد تجد عند كل زاوية منهما، وفي ~~أي ساعة من ساعات اليوم، نقطة بيضاء من العماص أو الالتهاب لا ~~أعرف. # كنت خجلان ولكني كنت كالمؤمن الذي للمرة الأولى في حياة إيمانه يتصل ~~الاتصال اليقيني المادي بخالقه، وتتم المعجزة، ويتحول عنده الإيمان إلى ~~رسالة ويقين مستعد أن يفقد حياته نفسها وبكل بساطة في سبيلها، وهكذا ~~حين انسحبت حنونة من الحجرة هاربة كالقطة، ودق قلبي الصبي دقة قلب ~~الصبي يضبط، أوقفت دقه بعناد المؤمن المهووس الممتلئ إيمانا، ليس بما ~~فعله منذ لحظات بالذات، وإنما بحنونة، وكل ما يتصل بحنونة، وعلى رأسه ~~أن تستمر علاقته ms23 بها، قامت الدنيا أو قعدت، ضربه معوض أفندي أو تشاجر ~~مع أبيه، ردحت أمها لأمي أو خنقتني الأم، سحب أبي بندقيته القديمة من ~~دولابها وأطلق النار على عائلة معوض كلها أو علي أنا منفردا، ~~فليحدث، وإنما كما يصلي العابد لإلهه، كما يتصل الشعاع بأمه الشمس، كما ~~لا يمكن أن تخلو النجوم من الليل، فصلتي بحنونة أكبر من كل هذه ~~الحتميات، باقية وستبقى، إلى أن أموت أو نموت معا، وربما حتى بعد ~~الموت تبقى. # ولكن يبدو أني رغم هذا الإحساس الداخلي المروع، كان وجهي من الخارج، ~~وأمام مشهد معوض أفندي المنتصب طويلا ورفيعا، ينخطف، وينسحب كل ما في ~~جسدي من دم ويسيل مغرقا أرض الحجرة. بقيت واقفا جامد العينين مخفضهما ~~أنتظر العقاب. كنت رغم هذا أدرك أنه جاء بعد النهاية، وأنه لا يمكن أن ~~يخمن حقيقة ما حدث، ولكني بإصرار كنت أنتظر العقاب. وليته عاقبني، ليته ~~ضربني أو سبني، ليته حتى اشتكى لأبي وليت أبي قتلني، فكل ما فعله أنه ~~بعد سكوت طويل قال: أنا كنت فاكرك جدع مؤدب يا محمد. # كلمة من الكلمات التي تلصق ~~بالذهن مدى العمر لا تمحى. كثيرا ما ترد إلى أذنيك، وتجدها فجأة قد ~~انبثقت من غياب الماضي واستحضرت نفسها، حتى على شفتيك تنطق نفسها ~~فترددها، وتشملك رعدة خجل من نفسك وكأنها الرعدة الأولى التي أصابتك ~~حين سمعتها أول مرة، وكلما تذكرتها، تذكرتها كاملة. نفس النغمة ~~والطريقة التي قيلت بها، ولا أدري بالضبط إن كانت قد مرت شهور أو أعوام ~~على ما حدث؛ إذ كل ما تلا ذلك كانت أياما كئيبة ممتدة الطول لا نهاية ~~لها وبلا هدف. آلاف المرات ألف حول البيت علي ألمحها. كنت أعرف أن ~~القضاء قد حل وأن الأمر البات الصريح قد صدر لها من أمها وأبيها معا، ~~ألا تراني، أن أموت تماما من وجودي. وكنت في مرات، مرات قليلة جدا، ~~مرة كل ألف مرة، أراها، أراها من بعيد وأتطلع إليها مكتفيا بنظرة ~~البعد وكأنني الإنسي يتطلع إلى نجوم السماء، ويحز الهوى ms24 القدسي في نفسي ~~أحيانا حتى ليدفعني دفعا أن أقترب، وأظل أقترب حتى لأصبح على مرمى ~~البصر منها، وأناديها، بهمس خفي مرة، بصوت عال مرة، وأشير لها، بيد ~~ترتعش، بيد أحيانا مهووسة متوترة، بذراع تقفز مع الجسد في الهواء ~~وكأنما تريد أن تمسك بخط البصر الكامن بين عينيها المستقيمتين وبين ~~الأفق. ولكنها لم يحدث أبدا أن رمش لها جفن الإدراك، إدراك وجودي، ~~واقفة أبدا في قلب مربع النافذة الأصفر الذي تقطع صفرته عمدان الحديد، ~~عارفة بوجودي، هكذا أحس وأكاد أقسم ولكني أعرف أنها لا تدركه أو تأبى ~~إدراكه، لا بد أنها قطعت على نفسها عهدا أمام أبويها، وعهود حنونة، ~~كحنونة، مقدسة، ومحال أن تحنث بالعهد المقدس. أذوب وجدا وأنا أتذكر، ~~أتذكرها من لحظة عرفتها إلى لحظة المعرفة الأعظم، أتذكر كل حركة صدرت ~~عنها، كل كلمة عرفتها، إلى لحظة المعرفة الأعظم، أتذكر كل حركة صدرت ~~عنها، كل كلمة، كل نظرة ذات معنى ارتسمت ذات مرة على ملامحها، أتذكرها ~~وأذوب وجدا وشوقا وأقتل نفسي ندما. أكان لا بد أن أصل إلى المستوى ~~الأعظم ألم يكن القرب مجرد القرب، أهون ألف مرة من التلاشي التام إلى ~~حد القطيعة. كنت كالبطل في قصة ألف ليلة وليلة ذلك الذي تركوه في القصر ~~ذي الأبواب السبعة وأمروه ألا يفتح الباب السابع للحجرة السابعة، وعاش ~~في القصر ينعم ويستمتع، ولكنه لم يستطع أن يقاوم المتعة الأكبر، أن ~~يفتح الباب السابع، وفتحه، ورأى ما لم تره عين ولم يخطر على قلب بشر، ~~ولكنه في النهاية وجد نفسه هناك خارج القصر في النقطة السحرية التي ~~فتح له باب القصر منها، كأننا عاديا قد عاد إلى الدنيا العادية، ~~ووجد هناك ستة يرتدون السواد ويجلسون في بكاء متصل، إنهم أولئك الذين ~~سبقوه إلى الندم، وانضم مالك الحزين بملابسه السود ليصبح سابعهم، أكان ~~لا بد من الباب السابع والمتعة الأعظم؟ كمالك الحزين أبكي، وبالندم ~~أحيا، والعالم كئيب، والأيام من فرط طولها عجوز رمادية شائخة، والليالي ~~بلا منتصف أو فجر أو صباح، والعمر بلا ms25 زمن، إلى أن جاء الخريف، وسرت ~~الإشاعة ولا أصدق أنا، وتحدد اليوم، والشخص، وحلت الليلة، وانتثرت ~~الكلوبات في المستعمرة، وتركزت في المربع الأوسط الواسع، الأضواء تكسر ~~الظلام باهرة، والشموع كثيرة لا حصر لها، حتى رائحة الشموع نفسها كانت ~~على البعد تشم، وابن عمها جاء من الصعيد ليتزوجها، وهم يزفونها ~~إليه، ونفس القسيس الذي يزورهم بين الحين والحين قد حضر من كنيسة ~~البندر، والكل يغني ويردد وراء القسيس: كير ... يا ... ليسون، ارحم يا رب، ~~يا رب ارحم، وحنونة في ثيابها البيضاء الناصعة، وعقد الفل، والطرحة، ~~وقد حملا وجهها بأكثر مما يحتمل من ألوان وأصباغ، ولكن بقيت لها نظرة ~~العينين غير مصبوغة، وإنما هي زائغة مروعة تائهة، تتحرك مدفوعة بالأيدي ~~الكثيرة التي تتجاذبها، تتحرك كالمنومة مغناطيسيا كمن تؤدي دورا، ~~وثمة ابتسامة شاحبة خائفة لا تغادر وجهها، وإلى جوارها أفندي ربما لم ~~تره في حياتها إلا الليلة، ضخم الجثة، أسود الشارب كثيفه، يرتدي ~~«بالطو» أسود وشعره لامع شديد اللمعة بما فيه من بريانتين، العريس ~~منتفخ الأوداج وكأنه لتوه قد ربح صفقة، يمضغ ويتملظ ويضحك من أعماق ~~صدره وأحيانا دون أن يريد، وحنونة إلى جواره كالحمامة المسوقة ~~الوديعة، تتجاذبها الأيدي وتدفعها، وتبتسم في شحوب وعيناها هائمتان ~~تبحثان عن شيء بين نجوم السماء وكأنها العدرة فقد منها مسيحها، ~~والعذراء راضخة، صابرة، وحيدة، تفتش السماء بعينيها بحثا عن الخلاص، ~~من يدري ربما كانت تفتش عني وأنا قابع فوق السطح أتألم وأندم وأرقب، ~~والكل يردد: كير يا ليسون، كير يا ليسون. # | البراءة1 # ابتسامة الجنرال والزورق والدعوة. الابتسامة غير بعيدة على مرمى ~~البصر، والدعوة قائمة ومستمرة ومتجددة، كرياح خافتة دائمة الهبوب. ~~الزورق تتلاعب به المياه، تعلو به موجة، تنخفض به موجة، بإغراء كبير ~~يتلاعب، الابتسامة غير واسعة، وكأنما بالإرادة محددة الحجم، مضبوط ~~ارتفاع شفتها العليا. مقاس تأثيرها بدقة زائدة. الجنرال سمين أكثر مما ~~يبدو في صوره بالصحف، واقف يتمشى، راض عن الدنيا تماما. صلعته ~~الأمامية تلمع بحبيبات عرق تحت ضوء الشمس. الشمس حارة لكنها غير لاسعة، ~~في الحقيقة ms26 مبتسمة . تلف الجو كله بروح الإغراء والدعوة. عصا الجنرال ~~تحت إبطه ولكن ثيابه مدنية، وقميصه صيفي بنصف كم. البقعة السوداء التي ~~تحجب عينه من فرط الرضا المبتسم والوجه المكتنز قد اختفت أو كادت. في ~~الحقيقة لا ألحظها. لا أرى أظافر، أو رءوس حراب أو خناجر غدر. الجمهور ~~على المرسى الخشبي القديم، متدلي الرءوس من فوق الحاجز، يتطلع ساكتا ~~سكوت الدهشة، سكوت حب الاستطلاع، سكوت يوم الدين، ولكنه سكوت عظيم. ~~الجنرال لأمر ما، لخاطر ما، ضحكة فقط فتحت فمه، أسنانه تبدو قديمة ~~منفرجة، متسخة قليلا، ولكنها بلا أنياب، بلا أنياب. # ابتسامة الجنرال والزورق والدعوة، وعبرت. كيف؟ لا أعرف. على ماء ~~كالحرير، أو حرير من الماء، عبرت، بالنزوة، بالتلقائية بالرغبة، عبرت. ~~هببت. كما تهب النسمة في الاتجاه المضاد، هببت. أصبحت هناك. اهتزت ~~أهداب العين الواحدة في ترحاب وقور. الابتسامة أضيف إليها طعم ~~الاكتفاء. عصا الضباط العظام تراخت تحت إبط لم يعد مشدود العضلات. لم ~~تمتد يده تصافحني. في وجهه تعبير من لا يريد إحراجي، من يعرف أني لن ~~أصافحه. أنا فقط أريد أن أرى، مجرد أن أرى وأتفرج عن كثب أشاهد، ~~والرؤية ليس لها دنس. نظيف أنا مثل «بفتة المحلة» البيضاء. كيف أصافح ~~وأيديهم ملأى بالحيات والثعابين والعقارب؟ أنا متأكد أنني لو مددت يدي، ~~وصافحت، لالتصقت باليد التصاق الأبد، ولا أعود أستطيع الانفصال. للفرجة ~~جئت، وعلى الضفة الأخرى كنت أتفرج. والآن، عن قرب أفعل. فماذا يضير؟ ~~ماذا يضير؟ # أتجول، وفوق الشاطئ الرملي أقدامي تتحرك، خفيف الوزن كأني هبطت فوق ~~القمر، هبطت فوق الوجه الآخر للقمر. الشمس تماما غير مباشرة. نورها ~~يأتي، ضعيفا واهنا، كنور الغسق، من كل اتجاه يأتي، وإلى كل اتجاه ~~يمضي، فلا يبقى إلا أثر الغسق. # كل شيء على الشاطئ هنا. المدن صغيرها وكبيرها هنا. البلاجات، ~~المواخير، وحتى مصانع الأسلحة السرية هنا. لا أحتاج إلا لخطوة واحدة، ~~فيتغير الزمن، ويتغير المكان. الجنرال أشعر به من بعيد يراقبني. كان من ~~واجبه مصاحبتي. ولكنه تأدبا أراد لي أن أكون بمطلق حريتي. وأن ms27 أفعل ~~ما يحلو لي. لا تتأثر إرادتي حتى بمجرد قربه أو وجوده. ولكن عيني ~~الخلفية تحس به يحرك رأسه أنى أتحرك. ابتسامته لا تتغير، أم غير ~~مكترث بالمرة. عصاه تحت إبطه، رأسها كالبوصلة يتحرك، يتعقبني، يحرك ~~الأشياء أمامي، الزمان والمكان والمشهد. رأس العصا ليس مندمجا في غلظة ~~أو وضوح إنما هو، كوجه الجنرال، ينسكب انسكابا متسقا مع بقية ~~الجسم. # من الغمام الغسقي برز وجه ~~سيدة. أمامي منحنية قليلا وقفت. جيدا لم أتبين الملامح. هل كان لها ~~رأس حقا؟! إنها بالتأكيد سيدة. تكلمت عاما، ربما عامين، ولكني لا ~~أريد أن أسمع، أخرجت من حقيبة يدها، التي تشبه حقائب الدبلوماسيين، ~~أصبع روج. لفت قاعدته، فانبثق من فتحته بدلا من الروج ماركات ألمانية ~~حقيقية. آلاف الأوراق. كل ورقة بألف مارك. لفته مرة أخرى انبثقت ~~دولارات، ليرات، دينارات، ورقات بعشرات الجنيهات. أشحت. أغلقت الأصبع. ~~قدمته بلطف زائد. أشحت. الجهد عجيب. ولكني أشحت. تفرجت وأشحت. بعيني ~~الخلفية أحسست بأثر شعاعي كومضة البرق. ومن عصا الجنرال صدر. اختفت ~~ومجرد خطوة أخرى، وجدتها تنتظرني. ليست فقط بملامح أنثوية واضحة، ~~ولكنها بالملامح الأنثوية التي أريدها. الوجه طويل ينتهي بذقن يتوسطها ~~طابع الحسن، عميقا كالسرة. الشعر طويل ومتهدل ومفروق وكأنما منذ أن ~~نما. من الوسط يتهدل، ويغطي الأذنين، ويغمر الأكتاف والصدر. الشفتان ~~قطعا لشابة في السابعة عشرة. شفاه جربت لا بد القبل، ولكنها لم تمتهن ~~بعد، بأغلى القبل. العيون واسعة، ومليئة بالغريزة المشعة، والرموش ~~طويلة تكاد تبين كل رمش منها نافر وحده كسلك الشمسية. رموش برية، ~~بركانية، كأنما فجرتها بغزارة طبيعية أم بدائية. قبل أن تكلمني سمعتها، ~~كالسائح المغامر قررت أن أسمعها، وأيضا أصافحها. أعرف تماما أن يدي ~~إذا لامست يدها، فمحال أن أستردها. # كالسائح رحت أسمع. وكالرجل ~~الذي بدأ يدمدم فيه البرق رحت أرى. آذاني بدأت تنجذب بقوة. والبركان في ~~نفسي بدأت دمدمته تقل، وتهدد بأن تهدأ. ثاقب كلامها. عقلها يبهرني، ~~يبلغني يغرقني في فيض من رؤى الحياة. أتأملها فأشعر كأني ما عشت ~~الدنيا أو مارستها. مدمر منطقها. ms28 مخي أراه رأي العين نسيج عنكبوت تعبره ~~آلاف من ذرات الكلمات الذكيات، وعيي يزداد إلى درجة جاوزت حد الخطر. ~~كنت واثقا أني في اللحظة الفاصلة أستطيع أن أكون السيد والغالب. ~~والمهدم بضربة كل ما شيدته في عقلي من أوهام. ولكن رعبي أنها أصبحت ~~أصلب من الحقائق، وأدرك أني حالا، وبعد ثانية، ومهما هويت، فلن أهدم ~~شيئا. # وفجأة، من الأعماق البعيدة، انتفض صوت النذير، وخطوت غضبا خطوت، ~~مقررا بلا رجعة أن أعود. لقد جئت أتفرج. فجأة أيضا ظهر الجنرال. ~~أمامي وقف. الابتسامة هذه المرة ابتسامة اعتذار واضح. مد يده. بالأدق، ~~حرك يده حركة تصلح أن تكون مشروع مصافحة. لا يا جنرال حتى أنت لا ~~أصافحك، بذكاء شديد أدرك، بذكاء أشد تحولت همة اليد إلى حركة لبقة ~~داعية أن أتقدم. رحت أجمع نفسي، وألتقط أنفاسي، وأرفع القدم وأبدأ ~~أتحرك. # طابور طويل، قادم من بعيد، من ~~أبعد، وكأنما يبدأ أوله عند الأمس، وقبل الأمس، ومئات السنين. طابور ~~عليه مسحة الحزن الذليل. بنات وسيدات، مسنات وصبايا في الثالثة عشرة، ~~بيض وحمر، وسمر وصفر، شاحبات. أمامي تتردد الواحدة، بانكسار تنتظر. ~~بانكسار ترفع الرأس. بأهداب منكسرة تنتظر الريا. بعيون فيها الحزن ~~الرقيق تتمنى. الأسى أنثوي ويضفي على المرأة أنوثة. وليس أكثر أنوثة من ~~الحزن إلا الصبايا الحزانى. الأسى لا يستثير الشفقة. إنه يستثير ~~الفحولة. اختر ما تشاء. أمامك المائدة حافلة. أمامك. خبرة المدربات ~~أمامك. خجل ربات البيوت أمامك. الأرامل الفتيات أمامك. الفقيرات ~~الجميلات أمامك. يكفي أن تلمس الواحدة فتذوب أمامك. تغوص في مياهها ~~الأنثوية. وتسبح فيها، وتعبث كيف تشاء، وأنى تشاء، يا للغلالات ~~السوداء الرقيقة، حتى الرخيصة منها، وهي تنزاح وتتمزق عن اللحم الأبيض! ~~اللحم الشهي الشاحب الأبيض. يا للوجه المتكسر أسى وهو يموء نشوة ~~وإحساسا بالرجل. يا للدوائر الثديية البنية ذات السيقان الوسيطة ~~المبتورة، وهي تثور وتتمرد على تهدلها الحزين. يا لعواء يأتي من شعر ~~تحت الإبط، ذي العرق اللؤلؤي المنسال الخاص، كل نقطة منثالة منه تحمل ~~كل رائحة الأنثى وغريزتها. يا للحزن حين يستحيل ms29 بتأثيرك تهتكا وفجرا، ~~وأمامك الطابور. اختر ما تشاء، بأصبعك أشر، مجرد أن تشير. بإرادتك ~~جرب، مجرد أن تختار. برغبتك، حتى بمجرد انبثاق الرغبة في أعماقك ~~الباطنة، جرب. والجنرال هناك، لا أعرف له مكانا على وجه التحديد، ~~وكأنما هو يختار دائما أن يكون حيث لا أراه. هناك هو بالتأكيد، ~~بنظراته يطبطب على كتفي مشجعا داعيا مباركا، حتى لو اخترت ابنة ~~العاشرة سيبارك الاختيار. اللمس، مجرد اللمس أصبح مغريا إلى حد مستحيل ~~المقاومة. ولكني خائف خوف الموت أو المس. أعرف ومتأكد أنه بمجرد اللمسة ~~سيصبح الطابور كله لي، والطابور طويل طويل، والنساء كثيرات، متباينات، ~~حتى بكل أساهن الجنسي الخاص. أصابعي تأكلني. الرجل في يعوي وأنا ~~كالصخر الثابت أتفرج. والفرجة ليست دنسا، وقلبي نظيف كبفتة «المحلة» ~~البيضاء. الرغبة في صدري مكممة الأفواه، مكتفة الأرجل والسيقان. ~~مخنوقة تماما لا تملك أن تعبر عن نفسها أبدا. أخاف حتى مجرد أن ~~أعبر عن نفسي؛ فبمجرد التعبير سأبدأ أنهار. الطابور يختلط. الألوان ~~تفرز الألوان. النسوة الكثيرات يستحلن إلى غابة. الألوان زاهية زاعفة، ~~كبالونات الأعياد تنهمر. الثوب يختصر إلى الميني جيب والميكرو جيب ~~واللاجيب، السيقان أصبحت مصنوعة ومضبوطة على أدق مقاييس الجمال. الساق ~~منها أنثى كاملة. مصنوعات فليكن. وليكن الإنتاج «ماس برودكشن». ~~الباروكات أجمل من الشعر الأصيل ألف مرة ومرة. العيون الصناعية أحلى ~~وأروع من الطبيعية مليون مرة. وحسبما وكيفما تريد. يابانية ضيقة، ~~وصينية معوجة، وأميركية واسعة، وعربية سوداء، وإنكليزية زرقاء، وخضراء ~~وبنفسجية. المصنوعات يرقصن. بنطلوناتهن محزقة. البلوجنز يفتك بالنظر، ~~تقشعر له العين، وتنتصب له الرموش قبل أن يقشعر الجسد. الرقصة أمامي ~~تحدث، الوسط يتلوى، بكل التواءة وسط تقول خذني. السيقان تتشنج ممدودة ~~تجأر، مكنونة تستجير. الأكتاف تهتز، تضيق، تتسع، تنادي، تقبل، تدبر ~~كي تقبل أكثر. الشفة السفلى تتدلى، تسترخي تنقبض. الفم يضيق ضيقا ~~داعرا مجنونا. أنا يا عم أتفرج. أموت رغبة، تقتلني الرغبة، ولكني لن ~~أفعل إلا أن أتفرج. لقد جئت فقط كي أرى وأتفرج. يا جنرال أعرف أنك خلفي ~~وأنك تراقبني وأن برأس عصاك إشعاعا، يخضع ms30 الأشياء لكل ما أتمنى ~~وأرغب، ولكني سأظل أتفرج. # بل لم يعد في طاقتي البشرية، أن أبقى، وأن أتفرج. # الزورق وقهري للابتسامة والدعوة على وجه الجنرال تودعني، مشفقة ~~لغبائي، ساخرة. هزة الرأس أسفا، بعيوني الخلفية أراها مودعة. الزورق ~~يتحرك. أحس الآن بحركته، وبالزمن بدأت أشعر. أنا ألهث، مستريح الضمير ~~ألهث كمن نجح في امتحان شديد القسوة. ومستريح الضمير. لم ألمس. لم ~~أتدنس. طول الوقت أتفرج. بقيت نظيفا كبفتة «المحلة» البيضاء، كضمائر ~~الناس الكثيرين المتزاحمين، على شاطئ، فوق المرسى، أتفرج. أعناق مدلاة ~~فوق الحاجز وسكون. سكون حب الاستطلاع، سكون الفرحة، سكون يوم الدين، ~~ولكن إلى نفس السكون العظيم أعود. # ولكن شيئا جديدا، لم أتوقعه أبدا، لمحته، هناك، وغير بعيد عن ~~مكان المتزاحمين فوق المرسى القديم، لمحته. ابني، حافي القدمين في ~~جلباب النوم، واقفا، شعره مشعث، ملامحه فيها جمود المستيقظ لتوه من ~~غفوة، وكان ناحيتي ينظر. إلي ينظر مرة وإلى المتفرجين المدلاة ~~أعناقهم مرة، شاحب الوجه، رفيعا، نحيف الساعد، ولكن في ثبات ينظر. ~~دهشت، جعلتني الدهشة الأولى أحبه أكثر. إنه ابني، دمي أنا ولحمي، قطعة ~~مني قد انفصلت، وأصبحت كائنا مستقلا فاتصلت بي أكثر، كائنا له وجهه ~~الخاص، ورأسه الخاص، وساعده النحيل الخاص. # وصل الزورق، يهدر. لامس الخشب القديم ولكني لم أغادره. النظرة ~~الكامنة في عيني ولدي ثبتتني في مكاني. لا ذرة بنوة واحدة ألحظها في ~~النظرة. ماذا حدث؟ تحرك ساعده. امتدت يده إلى فتحة الجلباب. خرجت اليد ~~قابضة على شيء معدني أسود. كان مسدسا. حسبته لعبة أطفال. ولكنه كان ~~مسدسا رجاليا كبيرا. ماسورته بطول الساعد الناحل. مسدس حقيقي له ~~فوهة. والفوهة تتحرك، لتصبح دائرتها السوداء موجهة إلى صدري مباشرة. ~~بالضبط إلى مكان القلب من الصدر. تعلقت نظرتي مستغيثة بكل ما لي فيه. ~~لم تجب استغاثتي بادرة. الوجه قاض، والنظرة جلاد، والفم يتمتم بالحكم. ~~لا، أنا لم ألمس يا بني شيئا. يا مجنون، كنت مثل هؤلاء جميعا أتفرج. ~~ارجع، لا تكن مجنونا. ما الجريمة أن أقف وأتفرج؟ قلبي نظيف كبفتة ~~المحلة البيضاء، كقلوب ms31 هؤلاء الناس، ولم أفعل إلا التفرج. ارجع، أرجوك، ~~أستحلفك. اعقل، فكر. ما الجريمة يا أحمق أن أتفرج؟ # التمتمة تكف. الشفاه تنطبق في إصرار. الدوي، ارتعاشة اليد، الرصاصة ~~في كتفي، الدمعة ألمحها تترقرق في عينه. الرصاصة الثانية كالكتلة تدك ~~صدري، دويها لا أزل أسمعه. الثالثة لا أعود أسمعها. # | لحظة قمر # فجأة، رأيت القمر. # وليست هناك خدعة ما في التعبير؛ فصحيح أن الإنسان أبدا لا يرى ~~القمر فجأة، فالقمر لا يظهر فجأة، والشمس لا تشرق فجأة؛ إذ المفاجأة ~~دائما في العمل غير المنتظر، وغياب القمر وشروق الشمس أعمال لا مفاجأة ~~فيها ولا جديد. ولكنك بالتأكيد ستحس بصدمتي وأنا أرى القمر فجأة في ~~شريحة من شرائح القاهرة، شريحة تسمح لك برؤية السماء، رأيت القمر ~~عجيبا جدا. # الشريحة السماوية التي تبدى منها كانت مسافة بين عمارتين عاليتين ~~من عمائر القاهرة، عاليتين إلى درجة تكاد تحجب عنك رؤية السماء كلها. ~~ولولا المسافة الكائنة بينهما ما سمحت لهذه الفرجة السماوية أن تظهر. ~~وقد كان حريا بظهورها ألا يثير أدنى دهشة أو ابتئاس لولا أن تلك ~~الشريحة السماوية كانت تحوي، في هذا الوقت بالذات القمر، القمر في ~~محاقه الأخير، القمر حين يبدو الجزء المضيء منه مخنوقا بعض الشيء. من ~~لون البدر يتناول تدريجيا فاقدا لمعة فضيته، ثم بياضه مكتسبا بعض ~~الصفرة، بعض العتمة، حين يكاد نوره يصبح وكأنه نور قادم من عمود نور ~~البلدية، أو هو بالضبط كما بدا لي من خلال فرجة السماء هذه القائمة بين ~~عمارتين، شققهما العليا مفجرة الأضواء والضجيج، بدا لي وكأنه النور ~~القادم من شقة ثالثة مفروشة ومؤجرة للسياح ومن الباطن، حتى لو كان هذا ~~الباطن على تلك الدرجة الشاهقة من العلو، فالمهم أن نور القمر المخنوق ~~اختلط بأنوار الكهرباء الباذلة جهدها كي تلعلع وتبرق ومع ذلك فهي ~~بالكاد تصل إلى مستوى نور القمر المخنوق هذا. # فجأة، رأيت القمر. # ويبدو أيضا أن المفاجأة كانت كاملة وكان من المستغرب تماما في ظروف ~~القاهرة تلك، ظروف الخروج من المعركة والاستعداد الكامل المطلق لأي ~~معركة ms32 مقبلة ، أن يكون هناك قمر. # ربما نحن نسيناه تماما. نسينا الكون الأكبر المحيط بنا، ضعنا تماما ~~في اختناقاتنا اليومية الصغيرة المستمرة المتكثرة التي نغرق فيها ~~وتغرقنا، ومع هذا فمفروض ونحن غرقى هكذا أن نفكر في إنقاذ أنفسنا؛ بل ~~ونقوم بهذا الإنقاذ فعلا، ويخيل لنا أن كل شيء قد انتهى إلى لا شيء ~~مرة، ومرة أخرى أدهى يخيل إلينا كما لو كان أي شيء قد استحال إلى كل ~~شيء. وما بين اللاشيء وكل شيء رحنا نرقص، رقصا لا ضابط له ولا نغم، ~~نحن فيه على وجه الدقة كرة «بنج بونج» مضروبة مضروبة، لكي تقتحم أرض ~~الخصم، لكي تدافع مضروبة، من اليمين التي نزاولها بمنتهى عدم الدهشة ~~وبمنتهى الجدية والخطورة، رقصة التفتت والتحلل إلى اللاشيئية لتصبح ~~الكل شيئية. أنستنا هذه الرقصة المحمومة، ليس فقط أننا نرقص أو أننا ~~أحياء، ولكن يبدو وكأنها أنستنا أيضا أننا جزء من كون هائل الضخامة ~~كبير، عوالم أخرى، شموس وأفلاك ومجرات، حركة تاريخ ضاربة إلى أسحق ~~بعد من الماضي وواضح أيضا إلى أسحق بعد في المستقبل. # أجل، نسينا هذا كله. كل مراكز عقولنا محملة فوق طاقتها بأكوام من ~~الأرقام والحسابات والديون والمطالب والاحتمالات وخراب البيوتات، ~~المركز الواحد أمامه طابور أفكار برمته ولا طابور الجمعية. # نسينا القمر. # وفجأة، رأيت القمر. # مخنوقا لا يهم، محمر الضوء كالحه لا يهم، شقة مفروشة بتليفون ~~وحمامين وأنوار والعة مولعة ومجهزة إلى حد الصاجات لإحياء ليالي ألف ~~ليلة بعشرات من الشهرزادات المنتظرات فقط تليفون، وإذا الكل على واحدة ~~ونص انضبط، مع كل واحد، يتخلخل تماما ويتفكك مع كل نص في ومضة يعود ~~إلى الانضباط. شقة مفروشة باهرة الأضواء بين عمارتين لزوم السادة ~~السياح، ما عليك فقط إلا أن تشير، مجرد تشير، أو تفكر، مجرد تفكر، ~~وإذا بجميع ما تحلم به يتحقق حتى لو الشقة في القمر، ولو القمر بين ~~عمارتين تتلألأ شققهما بأنوار. # فجأة، رأيت القمر. # إذن فأنت القمر. تراك أين كنت أيها العربيد؟ ماذا ضيعك منا أو ~~بالأصح ماذا ضيعنا منك؟ أخيرا ms33 هللت ، وظهرت، ورأيناك؟! # صحيح لم تكن مفاجأة، ولكنها كانت في حد ذاتها حدثا. # لا أعرف ماذا حدث لي بالضبط حين رأيت ذلك المخنوق بالوهج القمري، ~~ولكن الشيء المؤكد هو أنني أحسست بارتياح طاغ. # القيامة إذن لم تكن قد قامت. # والطريق الذي قطعناه طويل، هذا صحيح. # متعبين، مثخنين بالجراح والأنواء، نحن. # ولكن ... # ها هو القمر. # ها هو وجهه يذكرك بإنسانيتك، بأنك أنت مهما كنت، ومهما كانت أوضاعك ~~فأنت هو الإنسان، أنت العظيم وسط هذا الكون الهائل الفراغ ~~والظلام. # ذلك أن هذا النظام نفسه يؤكد أنك سيد هذا الكون، أنك الوحيد بين ~~مكوناته القادر أن تتحرك بإرادتك المستقلة وبحريتك في أي اتجاه تختاره، ~~إنك السيد، وكل ما تفعله عظمة الكون كلما عن لها أن تؤكد نفسها فإنها ~~في نفس الوقت تؤكد عظمتك، أنت عظمة السيد. # فجأة، رأيت القمر. # لا أعرف لماذا كانت بعض الديانات القبلية في أمريكا الجنوبية ~~وأفريقيا تخصص أياما محددة من العام تجتمع فيها القبيلة كلها ومن ~~كافة الأنحاء، في مكان محدد عند هضبة جبلية، هناك حيث يعسكر أهل ~~القبيلة، ويقضون الوقت في تأمل صامت للشمس وهي تشرق وتميل ثم تغيب، ~~والقمر وهو يعتلي قبة السماء ويتغير شكله وطبيعة نوره لا أعرف، ولكن ~~الدارسين لهذه العبادات والقبائل يؤكدون على أن الغرض من هذا كان عمل ~~نوع من الاتصال بين الإنسان والكون، بحيث يبقى للإنسان ذلك الاتصال ~~الكوني الروحي الذي يزوده بزاد يكفيه حتى حلول العام القادم. # لا أحد يعرف إذن ماذا يعنيه هذا الاتصال بين الإنسان والكون، أو ~~بالضبط ماذا يحدث للنفس البشرية إذا أجبرت على الابتعاد عن الظواهر ~~الكونية أو إذا عاشت واختلطت بتلك الظواهر. لا أحد بالضبط يعرف ماذا ~~يحدث للإنسان ولكن الذي لا شك فيه أن الإنسان «الكوني» أقوى بكثير من ~~الإنسان من بلا بعد كوني، فالإنسان ذو البعد الكوني إنسان أقرب إلى ~~حقيقته الإنسانية وطبعه البشري، أقرب إلى فطرته وأصالته، أقرب إلى ~~تفرده وتسيده من ذلك الذي غشي عليه فلم يعد يرى أمسه من غده، أو ms34 ~~ليله من نهاره. # فجأة، رأيت القمر. # رفرفت في صدري أجنحة عصفور زقزق في قلبي كالزغرودة وهفهف بجناحيه ~~مرحبا، وكأن الأمر عيد يهش له. # وبدا كما لو كنت أستعيد حياتي كلها في شريط سريع أمام القمر أو ~~بالضبط أمام لحظة القمر. # لا أعرف، ولكن، لأمر ما، كل شيء يأخذ حجمه الطبيعي، بل بدأت أنا ~~نفسي آخذ عند نفسي حجمها الطبيعي، أو ذلك الذي أبدو فيه أكبر من كل ~~مشاكلي. تلك الصورة التقليدية التي يبدو فيها الإنسان، ومهما كان ~~التحدي القابع أمامه، منتصرا، أو على وجهه علامات الانتصار ~~الأكيد. # فجأة، رأيت القمر. # في فجوة سماوية بين عمارتين، شقة مفروشة، كون هائل فارغ ومظلم ومنظم، ~~عصفور يزقزق في قلبي طربا. # لحظة ... # وفجأة أيضا، ضاع القمر. # سدت السماء أدوار العمارات العالية. # أصبح لا معنى أن تنظر للسماء؛ إذ لا سماء هناك. # عليك، لكي تخطو، فقط لكي تخطو، أن تنظر إلى الأرض. # وإلى الأرض تظل تنظر، حتى لا تسقط، تنظر حتى لا تسقط، فما أكثر الحفر ~~في شوارعنا هذه الأيام. # فجأة، رأيت القمر. # ولحظة واحدة عشتها معه. # وفجأة، ضاع القمر بين عمارتين، وضاع بصري بحثا عن موطن قدم. # ولكن قلبي لا يزال يرفرف بالسعادة؛ إذ يكفي أني بعيني رأيت القمر ~~الذي لا أراه. # | حوار خاص # لا بد أنه الإحساس الكامل بالسيادة. السيارة موتور قوي يئن أزيز ~~الاتصال واللاخلل. عجلة القيادة في يدي كالريشة. بحركة أصبع أقود. ~~بحركة قدم أندفع. أنا السيد، على الأقل سيد الكون كله إلا موتور حركة. ~~الكهرباء موتور، الذرة موتور، البنزين موتور ... # أنا الإرادة. أنا العاقل الكامل وسط أكوام وأحراش من اللاعقل ~~واللاوعي واللاإرادة ... # الطريق وسط الصحراء قاحل وأسود ولامع. الوحشة تزيدني إحساسا ~~بالتفرد. كأني الكامل وحدي في هذه الدنيا. والدنيا طريق أسود طويل ليس ~~فيه سوى الأفق. بعد كل أفق أفق. الدنيا أنا وأنا الدنيا. سعيد. منذ ~~بضعة أشهر نجوت من موت محقق. قال لي الطبيب: حظك نار. لا بد أنك تملك ~~في جسدك قدرات غير عادية. ما أحلى الثقة بالجسد! ms35 إنها كالثقة في عربة ~~خارجة لتوها من «الأجنس». القوة، نعبدها حتى في أجسامنا، بالذات في ~~أجسامنا. زهو أني انتصرت. كان الموت فوق القلب تماما، لكن القلب طرد ~~الموت؛ بل لمحت الحسد في وجه الطبيب وهو يقول: أتعرف أن قلبك بعد المرض ~~أقوى وأكثر صحة مما كان قبل الأزمة؟! هذا النوع من الأزمات أعرفه. أخرج ~~من الأزمة لأدخل في أخرى، لأعود أخرج منها أقوى. إرادتي شحذتها ~~الأزمات، تعال إذن يا إلهي العظيم نتحادث. ما أروع الحديث معك في هذا ~~المكان القحل، في طريق صحراوي لا ناقة فيه ولا نبتة. إنها قصة طويلة ~~طويلة لي معك. واسمح لي ألا أخاطبك بألقاب التعظيم؛ فقد استعملها الناس ~~كثيرا في مخاطبة الطغاة والحكام حتى أصبحت غير جديرة بك. تلك ~~الأزمة الخاطفة التي مرت بي لم أرك؛ فأنت لا ترى لست بالخارج. أنت ~~هنا فينا أقرب إلينا من حبل الوريد. # أنا الذات الصغرى بنت الذات الكبرى. أنا المخلوق وأنت الخالق والبرزخ ~~والكائن بيننا ما لا نهاية في الصغر وما لا نهاية في الكبر؛ لأنه برزخ ~~بابك وبرزخ قدرتي. أنا يا إلهي لا أحب أن أعبدك عبادة هؤلاء الذين ~~يتذللون لك؛ فلقد خلقتنا في أعظم تكوين وأن ننذل حتى لك معناه أننا نحد ~~من قدرتك؛ فمخلوقك لا بد أن يتيه ولا يحني الهامة، وإذا كنا نسجد لك في ~~الصلاة فإنما لنرتفع بقيمنا وابتهالاتنا إلى مكانك. وقد لا يكون هذا ~~رأي الجميع ولكني أعبدك عبادتي الخاصة بطريقتي أنا. ولست المسئول عن ~~هذا يا إلهي؛ فأنت الذي خلقتني هكذا، متمردا لا يقبل الضيم، رافضا لا ~~يقبل المساوية، طامحا للكمال في كل شيء حتى يصبح كل شيء قريبا من ~~كمالك. أنا هكذا لم أخلق نفسي ولكنك من ملايين الملايين من الذرات ~~والجزئيات والوراثات والتأثيرات والخواص اخترتني لأكون هكذا وتكون لي ~~شخصيتي تلك. ~~••• # كانت العربة تنطلق بسرعة مائة وعشرين كيلومترا، وكان الصمت - إلا من ~~أزيز الهواء والموتور - كاملا. صمت الصحراء الأصفر. صمت الكون حين ~~تتوقف حركة الخارج وكأنه مات. وخفت، أحسست ms36 أن المضي في أفكار كهذه ~~سيخرجني بعد حين عن إطار الجاذبية وأنطلق في الفضاء حتى أهلك تماما في ~~قلب الشمس. ولكنك هكذا خلقتني. حتى لو عرفت أني هالك في قلب الشمس لن ~~أتوقف. لا أكتمك - إلهي - أني ظللت وأنا في المستشفى أتفكر في مسألة ~~الله والإنسان والعمر. أنا أعرف علميا أن الذي يحدد العمر هو الطاقة ~~الحيوية المنبثة في القلب وفي كل أنحاء الجسد، فأنا مررت بالأزمة إذن ~~لأن الطاقة الحيوية عندي كانت الأقوى. ولكن المشكلة أن هذه الطاقة ~~يعوقها عامل صغير، مثل قشرة الموز يتزحلق فوقها قدم العملاق فينطرح ~~أرضا، فلماذا خفت رحلة الأزمة من قشرة الموز؟ الصدفة! جائز. ولكن ~~الصدف لا تتكرر إلا كل عشرات الملايين من المرات. وثلاث مرات تكررت ~~الأزمة، واحدة في الرقبة، وواحدة في الوريد، وواحدة في القلب. أنا إذن ~~حالة في كل ألف مليون مرة. هكذا العلم يقول. علمنا القاصر الآن عن ~~إيجاد علاج لأزمة البرد. ولكنه حد علمي وحد تفكيري. أما ما هو خارج ~~هذا فلا بد أن الله يحبني وقد اختارني لأعيش حتى ولو كان الاختيار مرة ~~من ألف مليون مرة. أنت إذن تحبني أيها الإله، تحبني لأني هكذا. ربما ~~أيضا لأني أقف وقفة المحب أتساءل دون أن يرتجف قلبي من الهلع القاصر ~~ودون أن تصطك أسناني وإنما بثقة المحب للمحبوب وبحريته أسأل. وبنفس هذه ~~الثقة أقود السيارة، منطلقا بهذه السرعة، سيدا، سعيدا، حرا، أزاول ~~الإنسان الحر الذي في كلمة، أزاوله حتى في مواجهة الخالق يا ذا الخالق. ~~أيها الضارب بعيدا في أغوار الكون حتى ينتهي النور، وأبدا لا ينتهي ~~النور لأنك لا تنتهي. الضارب بعيدا في أغوار الماضي وآفاق المستقبل ~~حتى ينتهي الزمن، وأبدا لا ينتهي الزمن لأنك أبدا لا تنتهي، لأنك ~~أبدا لا تبدأ، لأنك أبدا لا تغيب أبدا لا تحضر، أبدا لا تعرف لأنك ~~العارف، ولا تنسى لأنك الذاكرة، ولا تخلق لأن كل شيء من خلقك لأنك أنت ~~كل شيء، أنت شعلة في كل شيء، وميض التغيير المستمر إلى ms37 الأفضل والأفضل ~~والأفضل، تجسد الطاقة مادة، والمادة حياة، والحياة عقلا والعقل ~~إنسانا أسمى وأسمى وأسمى، إله أصغر. # ومع هذا فإني أسأل: أهذا هو مجرد شعور الفالت من خطر، مجرد تجسيد ~~لهواجس تربينا في ظلالها وحواديت سردت علينا ونحن صغار وعلماء عجزوا ~~عن التفسير فقالوا: الله. # أأنت حقا هناك يا إلهي؟ ~~••• # وصمتت أفكاري عن أن تمضي. دق قلبي كأني دخلت بالقدم في حرم مقدس. ~~تخطيت عتبة الممكن والمباح. حملتني السيارة فوق الطريق، وفوق الصحراء، ~~وقائدها أنا اخترقت عنان السماء أتلفت حولي أتساءل عن «الحق». ثانية ~~واحدة مضت لا أكثر، أقل من ثانية ربما، وحدة الزمن الممكن أن يحسها ~~ويدركها الإنسان وبدأت أحس التغيير. أصبحت عجلة القيادة في يدي أسهل ~~وأخف كثيرا عما كانت، لكأنها تتحرك من تلقاء نفسها، وكأن سيطرتي ~~الروحانية أصبحت هي التي تخضع لها العجلة دون حاجة إلى توجيه من ~~يدي. # ثم مروعا اكتشفت أن المسألة ليست شدة سيطرة من إرادتي على عجلة ~~القيادة، إنما الحقيقة الباردة المجردة أن عجلة القيادة نفسها انفلتت ~~من سيطرتي عليها. وبخبرني مع العربات وحوادثها أدركت السبب، أن إطار ~~العجلة الخلفية قد انفجر ببطء لم أسمعه وأن العربة نتيجة لهذا ارتفعت ~~عجلاتها الأمامية وأصبحت غير خاضعة مطلقا لتوجيه «الدركسيون». هي التي ~~تتوجه كيفما يحلو لها، وفي أي اتجاه تشاء. وأنت هنا لا تستطيع أن ~~«تفرمل» لأن مجرد لمس الفرامل يخل بتوازن العربة مع هذه السرعة العالية ~~ويقلبها فورا. # صفر الخاطر في رأسي: # ماذا لو كان بعنف ورعب واختلال مضى قلبي يدق؟ نظرة إلى أسرتي التي ~~تحتل العربة معي زادتني رعبا، ولداي من الخلف وزوجتي بجواري وابنتي ~~الصغيرة وبراءة الدنيا في عينيها ستموت بعد ثوان؛ فكل شيء وكل خطر قد ~~تكون بسرعة. الطريق الذي كان خاويا وامتلأ فجأة بعربات جيش لتعليم ~~السواقة قادمة في الاتجاه المضاد، وأي خلل في اتجاه العجل الأمامي ~~للعربة سيجعلنا نرطم الارتطامة القاتلة المهلكة في واحدة من العربات ~~الكثيرة. أكثر من ثلاثين عربة، واحدة وراء الأخرى. # تحول السيد في إلى أكثر ms38 كائنات الدنيا تواضعا وذعرا. تحت رحمة ~~من أنا الآن؟ عجلات الكاوتش تسير كيفما تشاء، أي بروز في الأسفلت أو ~~حجر، بل حتى لو لم يكن هناك شيء بالمرة فاتجاه الريح، ميل جانب أكثر من ~~جانب، عوامل ميكانيكية لا تعد ولا تحصى، ألف مليون عامل وعامل قد ~~يؤدي أي منها لأن تدفع عربتي تجاه أي عربة قادمة أو تجاه الصحراء ~~وتتم الكارثة. # بينما الأولاد يضحكون وزوجتي مع الصغيرة تمرح والقيامة ستقوم بعد ~~ومضة، وجدت نفسي أهتف: يا ستار يا رب، يا ستار يا رب. # أي قوة أخرى في هذا الكون الواسع كان ممكنا أن تنقذني؟! والكارثة ~~ليست في، الكارثة في هؤلاء الأبرياء، ضحية اللعبة، الضاحكون، السعداء ~~سعادة من يعبرون عن السعادة. حتى ردا على هتافي: يا ستار يا رب؛ ~~ضحكوا وأغرقوا في الضحك فلم يكن أمامهم ما يستحق أن أناديه. كل شيء في ~~نظرهم كان على ما يرام والدنيا جميلة والحياة ممتدة إلى أقصى ~~مدى. # اليأس المطلق حل، لا فائدة. لا أملك أن أصنع شيئا. المصير بيده، ~~هو وحده القادر. العربة، الصدفة، الواحد في الألف مليون، تحت رحمته. لا ~~أملك إلا أن أيأس وأجلس وأصرخ على زوجتي وهي تضحك أن تتشبث بالابنة ~~وتحسبني أهزل فلا خطر أمامها هناك وتبالغ في تركها حرة تعبث. والعربات ~~قادمة، واحدة وراء الأخرى كل منها الموت متحركا ومقبلا، والصحراء ~~على يميني مجرد انحرافة بسيطة تدخل العجلات في بحر الرمال. # الأمل كله، أن يحدث الأمر القاهر المعجز أن تظل العربة تسير غير ~~منحرفة يمينا أو يسارا وتظل وتبطئ حتى توقف من تلقاء نفسها، وإلى أن ~~يحدث هذا، فالموت في كل ومضة وقت. فقدت الجاذبية الأرضية وفي طريقي أنا ~~إلى قلب الشمس. ~~••• # وقفت بجوار العربة. أخيرا ثبت كل شيء. قلبي هاجع وكأنه هو الآخر ~~توقف. حلقي جاف. السكون هائل الضخامة كأنه الكون. الأزيز متصل دائم. ~~نملة رأيتها تناضل تحمل شيئا بين ذرات الرمل القليلة فوق حافة الطريق. ~~مروع ومذهول ورأسي ذائب في السكون، نظرت إلى السماء إلى الأرض ms39 إلى ~~مثبت الدقة في قلبي وبالحلق الجاف سألت هامسا: أهكذا يجيب ~~الإله! # | سيف يد # حين استقر على الآن: بدأت الرعشة، ارتعاش الجسد غير مهم، الشفاه لن ~~يستعملها، الأسنان لو حتى اصطكت سيكتم الصوت. المهم يده، أصابعه، ~~قبضته، إنها ترتعش كما لم يحدث لها أو له في حياته، ليس ارتعاشا فقط، ~~لكأنه الشلل الرعاش، فهو بالضبط وساعة قرر ليس في بدنه ذرة قوة. لو ~~دفعه طفل حتى لسقط. فليكن القرار تم. فليكن تم. ما فائدته والتنفيذ هو ~~القرار. لحظة التنفيذ هي الفيصل بين من كان ومن يريد أن يكون. قط ~~لم يفعلها. قط لم يفكر في فعلها. وإنما عاش يرفضها، ينبذها، يشمئز ~~منها. الآن قد أصبح تماما بجواره. الرعشة تفضي إلى ما لا نهاية. اصفر ~~وجهه لا بد. القرار يملأ ملامحه. واضح، محدد، صارم، لم يبق له إلا ~~التنفيذ، والرعشة تلغي كل شيء. الدهشة تأتيه من العين الأخرى، دهشة ~~تكبرها وتجسمها عدسات النظارة. لو تراجع ضاع. فلتكن المرة الأولى، ~~ما أكثر ما نفعل أشياء نبدؤها لأول مرة دون أن يصيبنا كل هذا الرعب. ~~فليضع العمر كله في الذراع. ولكن الذراع ثقيل ككتلة مسلح، العمر ~~أثقله، وعليه، رغم الرعاشة، أن يدفعه إلى أعلى، مرتفعا به إلى أقصى ما ~~يستطيع، ليفعلها لمرة واحدة في عمره، وليضع العمر كله في ~~الذراع. # ارتفاعه حاجب، لمحة نكوص ضاع التردد فجأة، فجأة أظلمت الأشياء، ~~تلاشت، تمازجت وتداخلت وأصبح مع الأشياء كائنا كتلة لا يعرف أين هو ~~منها أو أين هي منه. رعد أرعد. برق توهج. المؤكد أن اليد، قوية، مدوية، ~~هبطت. الرعشة تحولت، حالما هوت، إلى ثقل صاعق. لأول مرة في حياته تصطدم ~~كفه بصدغ رجل. ذلك الرجل. حتى وهو طفل لا يذكر أنه صفع أحدا أو صفعه ~~أحد. الدوي استمر ومستمر. الارتعاش امتلأت به الآذان إلى درجة الصمم. ~~فتح عينيه. الرجل بدا أبعد، وجهه أصفر بكثير عما يجب، أثر أصابعه على ~~الصدغ السمين كالمرسومة بمداد أبيض، عيناه غاصتا فجأة للداخل، غاصتا ~~أكثر بكثير مما تسمح به ms40 الملامح ، قامته الطويلة بدأت تقصر، وماضية في ~~القصر، هوسة فرح اندلعت. عفريت جني في داخل مخه عربد، قبل أي شيء آخر ~~كان نفس ذراعه تلقائيا وإلى أعلى بكثير قد ارتفع. قامته هي الأخرى ~~بدت أطول، أضخم، ولا لمحة لأي ارتعاش. # بكتلة ثقة مباغتة فاجأته هو أولا أهوى. راعى أن تجيء أكثر إحكاما، ~~أن تصل هدفها وعيونه مفتوحة تستمتع وهي ترى أين وكيف تصيب. مؤلمة ~~تماما جاءت. مؤلمة له. فكأن أصابعه ارتطمت بكتلة من حديد. غورت أصابعه ~~في العظم. أظافره مزقت الجلد. تلوى الألم. مكتوما صدر عنه الصوت. ~~مكتوما أيضا صدر عن الرجل شيء، ليس كلاما، ليس استغاثة، مجرد صوت، ~~ذعر على هيئة صوت، ذعر شخص صادر عن حنجرة أصابها نفس الذعر. امتلأ ~~بدنه بالثقة، بلغت روحه عنان السماء. كور قبضته، ثنى ذراعه، سيكيلها ~~له في فكه. مذعورا سبقه الرجل، من كتفه دفعه، تطوع ذراعه، جاءت اللكمة ~~في العين تماما. أحس بظهر أصابعه طراوة كرة العين. ماذا لو كانت ~~انفجرت. السجن معناها. فليكن، ليكن حتى الشنق. حتى الشنق هو مستعد له. ~~سيقتله. لن تحول بينه وبين قتله قوة. مهما جاع الأولاد فسيظل حمادة على ~~الأقل فخورا به. جرى الجبان والتف حول المكتب. يريد أن يهرب. فليهرب، ~~وليحاول شنكلته. ولكن الرجل زاغ وفتح باب الدولاب وجعل منه ساترا ~~اختبأ خلفه. من الدولاب سحب أيضا المسطرة الكبيرة. كالسيف شرعها. ~~الشتائم من فمه بدأت تنهال، وكل مرة تزداد شتائمه سفالة وإيلاما. رفع ~~القدم، تراجع للخلف، استعان بالسيد البدوي وبالقوة كلها ركل الضلفة، ~~توالت الآهات. آهات، شتائم آهات، آهات شتائم، عويل من السباب. خذ، ركلة ~~أخرى، أعنف أقوى أشد إيلاما. عشر سنين يا مجرم، عشر سنين أشكو لطوب ~~الأرض وأتحمل. تكرهني وأكرهك. تمقتني ولا أطيق حتى طريقة تفصيلك ~~لبدلك. وكلانا في حجرة واحدة. الوجه في الوجه، والكره يملأ الأعماق، ~~وعلى الملامح العليا تطفح البسمات والمجاملات. ولا مرة تبادلنا غيرها. ~~عشر سنين وأنا أشتمك للناس جميعا وأشكوك. وتشتمني أنت لبعض الناس ~~للمسكين بمقابر الناس وتشكو مني. ms41 وعمري ما واجهتك بشيء أقصى من تحديقة ~~وعيد أخرس، إذا أجبتني بمثلها، أسحب تحديقتي فورا وأعود أغلي وأبسم ~~وأصمت. أحيانا، للكارثة، من فمي بدل الشتائم تنطلق كلمات الملق. بخبثك ~~تعرفها وتدركها وتعلقها أمامي تريني فيها نفسي وأنا متلبس بالخضوع لك ~~ومسح الجوخ والرياء. وترضى، وتبسم، بل وتتقمص الدور إلى حد أن تتصدق ~~علي أنت الآخر في النهاية بكلمة نصف نفاق؛ إذ تمتدح بنصفها شيئا ~~تعرف وأعرف ويعرف الناس جميعا أني لا أتمتع به. ناعم أنت وذكي، ~~ودائما على حق، ودائما بالقانون تخرج على القانون، وتستطيع دائما أن ~~تحيل ظلمك عدلا وقاعدة، وتحيل حقي وعدلي إلى خروج على العرف والقانون. ~~حتى لو لم أخطئ، تستدرجني حتى أخطئ. فإذا بادرت بالتصحيح، أطلت لي ~~الحبل لاستدراجي لأخطئ أكبر وأكثر. تكرهني مثلما أكرهك ولكنك أقدر على ~~كتم الحب والكره والحقيقة، واليوم قررتها، قررت، من حمادة وليس من أبي ~~أو خالي أتعلم، ويا جبان لن تنفعك المسطرة. أبدا لن تنفعك. # ناحيته اندفع. كالقط الآدمي قفز. هوت المسطرة بحدها الرفيع على أم ~~رأسه. تخدر الجلد مكانها وانفلق العظم لأن السائل الذي يخترق جذور شعره ~~لا بد هو الدم. بيسراه قبض على المسطرة. أمسكها. استمات الآخر. لواها. ~~انكسرت. أمسك بالجزء المكسور كالخنجر وصرخ هامدا وهو يغرسها في كتفه. ~~تمزق القميص وانبثق الدم الأحمر. حمرته فاقعة وكان دم الغضب. دم قليل ~~ولكنه لون صدر القميص كله. مرآه الأحمر متغلغل في الأبيض أثاره. كانا ~~قد اقتربا حتى التصقا. فليأخذها إذن. بجانب الرأس كما سمع من حمادة، ~~صوبها. «روسية» اصطدمت بفكه. سمع بأذنه اصطكاك العظم بالعظم. أسنانه هو ~~أطبقت على لسانه وعورته، وتملح ريقه بطعم الدم. عشر سنوات ولا عشاء يمر ~~دون واقعة يحكيها للزوجة عنه وأمام الأولاد الصغار، حتى كبروا، وهو لا ~~يزال يحكي، كبروا. بالعقل توصيه. لأكل العيش تنبهه، تهدئه، تدلك غضبه، ~~تتركه يمارس عليها الشخط والزجر ويتنفس. هنا فقط يتنفس. تنفس ذليل يعرف ~~ولكنه بدلا من انفجار المخ يفعل. حمادة السبب. أنت السبب يا حمادة. ~~الواقعة بسيطة ms42 وكل يوم تجري. خناقة عيال. هكذا يسمونها. خناقة لا يطيق ~~فيها ابنه ضاربا أو مضروبا. ولقد جاء هذه المرة ضاربا، وجاءت ~~بالمضروب أمه. وكان لا بد من عقاب عاجل. وفر حمادة واختفى حتى جاء ~~الليل وعاد ليجده ساهرا ينتظره. قبل أن يرفع عليه «الحذاء» طالبه بأن ~~يمنحه الفرصة. هكذا العدل. ألم يعلمه أن هكذا العدل. أحرج. اترك ~~الجزمة. استمع لمجرد الشك فقرار ضربه كان لن يتغير حتى لو الحق معه. ~~وإيمانه الراسخ أن الضارب والمضروب حيوانان بهيمان لا يستحقان قلب ~~الإنسان. هكذا سمع أباه يقولها مرة وسمع خاله كثيرا ما يضمنها حكمه ~~وأمثاله: أنا أكرهه فضربته. ولماذا الكره؟ لأنه لئيم خبيث يشيع عني لدى ~~الأولاد أنني لص. لماذا لم تشكه؟ لمن؟ لأهله؟ وهل يعاقب الأهل ابنهم ~~من أجل أولاد الغير؟ من يعاقب الابن المخطئ إذن؟ أنا. أنت؟! أجل أنا. ~~وكيف إن شاء الله؟ ناولته سيف يدي فلكزني فضربته بالبونية وفي نافوخه ~~فعضني، وحاولت إمساكه فطلع يجري فشنكلته بمقص، وقع، بركت فوقه ولم ~~أتركه إلا بعد أن قال: أنا كذاب. # مد يده إلى الحذاء وقد جاء وقت العقاب، ليست هذه طريقة لمعاملة ~~اللئيم، ولا مواجهة من نكره. # أمال كنت عايزني أعمل إيه يا أبي؟ # اشتمه مثلما شتمك. # ولكنه لا يشتمني أمامي. جبان ماذا أفعل؟! # وهل يكون الرد بسيف اليد واللكمة. # وقذفه بالحذاء. أصابه في ساقه وجعله يعرج حتى بلغ الفراش. ولكنه هو ~~لم ينم. أبدا لم ينم. سيف اليد والمقص والبواني كانت تتماوج في سقف ~~عيونه المغمضة وتتداخل وفجأة وبين الحين والحين يندلق في سماء العين ~~المعصمة ماء وذلك الوجه السمين المربرب الناضج أبدا بالعرق. # أصبح بينهما المكتب مرة أخرى، نفس المكتب الذي كان دائما بينهما في ~~الصباح هما على طرفيه ممتلئان بابتسامات الزيف وفي العمل يفصل بين ~~المقالب التي يدبرها لمرءوسه، والعرائض والشكاوى المجهولة التي يدبرها ~~لرئيسه. والآن هو موجود ولكنه لا يحول بينهما، بعده انطلقت صفعة يده ~~كلها بوجهه، بأصبع واحدة فقط صفعه، فالآخر كان قد استدار وامتلكه وإلى ms43 ~~صدغه وجه صفعة قوية مليئة متمكنة. أبرقت الدنيا في عينه وصفرت أذنه. ~~أيكون هو الآخر كان ينتهز الفرص لينفجر. هذه «بونية» تصيب أذنه، من ~~المؤكد خرقت الطبلة. يا ندل تأخذني على خوانة! هكذا سمعه. خذ وخذ وخذ ~~وخذ. لم تعد علقة نوى أن يعطيها ويفض يده منه ومنها، أصبحت معركة تكاد ~~تتعادل، الآن فقط يتأكد أن الآخر ليس جبانا بالدرجة التي كان يتصورها. ~~ذعره الأول أصبح واضحا أنه ذعر المفاجأة ليس إلا، الآن هو يطلب ~~العراك. وعليه عقد العزم. ما تصوره هكذا أبدا، طول عمره يراه فأرا ~~رعديدا لا يحتمل الصمود لمجرد سباب وإن كان يبدو في قوة الأسد. ولو! ~~حتما سيأكلها. فأر أو أسد سيخرج منها بعاهة مستديمة على الأقل. بجماع ~~قوته لكمه. انثنى الآخر وتأوه. وتلذذ. بركبته رفعها كالطلقة شلفطت وجهه ~~وأسالت الدم من أنفه. اعتدل. طار صوابه واعتدل. عيونه يشع منها بريق ~~الشر والجريمة. كالثور الهائج أقبل، إلى اليمين زاغ منه. ولكن لان ~~ذراعه أول ناله وبضربة من قدمه هوى على الأرض كالكتلة. المقص أصابني ~~أنا يا حمادة. فلم أكن الأسرع. الركلات تنهال كالمطر، الجبان، بالحذاء. ~~يسددها لوجهه، فقد العقل، فقد الإحساس بالضرب والألم. همه أصبح أن ~~يغلب، لو مات حتى قد غلب أو غالب لما همه. المهم أن يخرج من الصراع ~~غالبا، ولو ممزقا إربا يخرج، أمسك بالقدم، الضربة إلى صدره، بشدة ~~أمسكها بيديه وبقوة عظمى ثناها. سقط الآخر يتلوى، يتأوه، اندفع يرقد ~~وبيديه يحيط رقبته السميكة عازما أن يكتم للأبد أنفاسه. اختنق الوجه ~~بالاحمرار وبحلاوة الروح دفع أصبعه السبابة في عينه. لنكن مجرمين ~~أصبحنا. إما قاتل أنت أو مقتول. الرعب أمده بقوة أعظم. تخلص من الأصبع. ~~رعب آخر جعله بانتفاض يديه بعيدا حتى ليرتطم رأسه بحامل الخزنة بل ~~وتسقط على قدمه. تماسكا ظلا يتضاربان، حتى لاحت فرصة وأمسك لحم كتفه ~~بأسنانه. بأنيابه، بكل ما يملك من حقد وغيظ، وجنون وفتوة أنشب فكيه في ~~لحمه. أحس بطعم اللحم نفسه من خلال حرف البدلة، صراخ آخر مكتوم ms44 لم يعد ~~يعادله إلا ضرباته. ضربات وحش لا يرحم، عينه يحس بها أغلقت تماما ولم ~~يعد يرى بها، أنفه تورم وبالتأكيد تدشدش، دم الآخر سال، وبدأ يصرخ ~~وبدأ هو الآخر يصرخ، الضرب اشتد وعنف وتشعب أهو يضرب أم يضرب، أهو ~~المهزوم أم المنتصر، كل ما أصبح يحسه أنه متعب وأن التعب يتكاثر عليه ~~حتى لم يعد يقوى على أخذ النفس. أصبح همه كله أن يتنفس لم يعد يتنفس. ~~الهواء لا يدخل صدره. غير قادر أن يحرك الضلوع ليدخل الهواء. على الأرض ~~تمدد بغير حراك، سكون، وهناك حين استطاع بطلوع الروح أن يعود يلتقط ~~النفس، بدأ يدرك أن الآخر أيضا لا يضرب، وبنظرة لمحه مكوما أسفل ~~ركبته، مغمض العينين، بدأ بالكاد يلهث بالنفس. كتلتان من الأنسجة ~~المبعثرة والملابس الممزقة وبقع الدم ممددتان على الأرض في مكتب ليس به ~~سواهما بعد ظهر ذلك اليوم. # من مكانه راح يرمق الآخر. عشر سنوات وهو بغير الحقد لا يرمقه. من ~~مكانه راح ينظر إليه ويتأمل. إنه لأول مرة يرى قاع رأسه ويدرك أن الشعر ~~في منطقة قمة الرأس خفيف تماما، بل يكاد يكون بلا شعر. # ووجد نفسه يتمتم: من كان يتصور هذا. بعد عامين على الأكثر سيكون ~~الصلع قد شمل رأسه كله. مسكين. # | حكاية مصرية جدا # تلك اللحظات القليلة، غريب يلتقي بغريب، وكل منهما يلعن الحظ ~~بطريقته، ويتلاءم أو يتصارح، بطريقته أيضا. # ذلك السائق الطيب. سمين وملظلظ وأب لثلاثة طلبة في الجامعة، ويجيد ~~رواية الحديث والنكتة. # قال: كنت سائرا قريبا من شيراتون، وفجأة في تقاطع شارعين، وجدت ~~شحاذا مقطوع الساقين يعترض بجسده «أو بالأصح بالباقي من جسده» طريق ~~العربة. وقفت. وفوجئت بذلك الإنسان، وبقدرة هائلة كقدرة القرود ~~والزواحف، يقفز من حيث كان أمام العربة إلى حيث الباب المجاور لي ويفتح ~~الأكرة وينزلق بجسده إلى جواري وهو يلهث ويقول: اطلع يا اسطى. # أطلع ازاي؟ قلت له. معقول أن أعطيك حسنة، أما أن أوصلك حسنة فهو ما ~~لم يسمع به أحد! قال: يا اسطى أنا عايز أروح ms45 شبرا الخيمة أو شبرا ~~المظلات، من فضلك وصلني. أنا زبون ولست شحاذا اطلع بسرعة ~~أرجوك. # ترددت قليلا ولكن إلحاحه الشديد، ثم قبضة النقود التي أخرجها نصف ~~إخراجة من جيبه أقنعاني أن أطلع. وطلعت. سرت على كورنيش النيل أتأمل ~~الزبون، ملابسه مقطعة، جسده قذر، شاب لا يزال ولكن شعره منكوش بطريقة ~~تضيف إلى عمره عشر سنين. ولعب الفأر في عبي مرة أخرى فأوقفت السيارة ~~وقلت له: أنت إيه حكايتك بالضبط. مش ماشي إلا لما تقول لي. # قال: تشرب كوكاكولا؟ # ونادى على بائع الكاكولا، ودفع له في الزجاجتين عشرة قروش بسخاء ~~وشربناها. قال: اسمع يا سيدي، أنا شحات. # قلت في سري: هذا يبدو واضحا. # قال: وأنا أريد أن آخذ تاكسي مخصوص لأهرب من العسكري. # سألته: قصدك شرطة مكافحة التشرد. # قال: لأ، عسكري المرور. # قلت: وما علاقتك بعسكري المرور وأنت شحات؟ # قال: علاقة عمل. # قلت في سري: أي عمل هذا الذي يربط بينك وبين عسكري المرور؟ # قال: أيوه، علاقة عمل. # وأخبرني بالقصة، قال: من يوم أن قطعت ساقاي في حادث مترو بدأ ربنا ~~يفتحها علي، وبدأ الناس كلما رأوني زاحفا على الأرض من تلقاء أنفسهم ~~يعطونني، وبدأت أطلع في اليوم بخمسين ستين قرشا، وأقول نعمة. ولكني ~~بدأت أفهم وأوعى وأعرف أنني أمتلك رأس مال. ساقاي المقطوعتان رأس مال ~~لا بأس به أبدا لا بد أن أشغله. وهكذا بدأت أتقن انتقاء الأماكن، ~~وأعرف طباع السكان والمارة في كل حي من أحياء القاهرة. الغريب أن الذين ~~كانوا «يعطفون» دائما علي هم: إما الفقراء جدا أو الأغنياء جدا. ~~أما متوسطو الحال من أمثالك فالظاهر أن الرحمة صعبة الوصول إلى قلوبهم ~~تماما. ولكني أيضا بطول المزاولة اكتشفت أن الذين يعيشون في مصر ~~تتيبس الرحمة في قلوبهم بعد قليل من كثرة ما يرون، أما القادمون الجدد ~~فهم الذين لا تزال قلوبهم، وجيوبهم أيضا، عامرة بالمال ~~والرحمة. # وهكذا كان لا بد أن أعثر أخيرا على ذلك الركن القريب من الفندق ~~الكبير الذي ركبت معك من جواره. مكان وشغلانة لوكس. ms46 الركن إشارة. تقف ~~العربات عند النور الأحمر، في سرعة أكون قد مسحت ركاب العربات الواقفة ~~وسائقيها قبل أن يضيء النور الأخضر وينطلق المرور، ولكني اكتشفت أن ~~الإشارة لا تستمر طويلا بحيث لم أكن أتمكن من تكملة مسح العربات كلها. ~~وهكذا في يوم ذهبت إلى العسكري الواقف عند الإشارة ولم يأخذ الأمر سوى ~~كلمتين اتفقت معه بعدهما أن يطيل من فتح النور الأحمر حتى «أمسح» ~~العربات كلها وحين أعطيه أنا «إشارة» من رأسي أن كله تمام يفتح هو ~~«الإشارة». # يا ابن الإيه! هكذا قلت له. وقلت لنفسي أهذا هو السبب إذن في غياب ~~تلك الإشارة وربما غيرها من الإشارات؟ # ووجدتني أسأله: وكنت تعطي العسكري؟ # قال: طبعا، خمسين ستين قرشا كل يوم. ~~- أمال أنت بتطلع بكام؟ ~~- مش كله، اثنين تلاتة، ممكن أكثر شوية خمسة ستة في يوم المرور ~~زحمة. ~~- طب والنهاردة مالك هربان ليه؟ إيه اللي حصل؟ ~~- النهاردة يوم موسم كل سنة وأنت طيب. والشغل كان على ودنه، وقلت ~~أهرب قبل ما ييجي العسكري يشاركني فيه. # ولكن (هكذا قال الأسطى) تفكرت في الموضوع وقلت له: طب ما هو العسكري ~~بكره ح يقفشك يا حدق. # ونظر لي بابتسامته الشابة الحدقة المصرية الساخرة وقال: لا، بكره فيه ~~عسكري تاني باتفاق تاني. ده كان آخر يوم للعسكري ده في الحتة ~~دي. # قال الأسطى: كنا قد وصلنا المكان، عندك يا اسطى وقفت. كان الحساب 43 ~~قرشا. أعطاني خمسين قرشا، سبعة قروش بأكملها بقشيش وقال لي: لو تبقى ~~كل يوم تعدي على الإشارة دي الساعة عشرة كده وتوصلني ح أديك خمسين ~~قرش. # | عن الرجل والنملة # بعيون فاغرة فاها رحنا نراقب الباب وهو بالعصبية الشديدة يفتح ~~والكتلة البشرية تدفع من خلاله لا نتبينها إلا حين فقط تستقر في ركن ~~الزنزانة الفارغ. حتى السباب المعتاد الذي كان لا بد يصاحب الفتح ~~والإغلاق والتكويم، من فرط الدهشة، لم نتبينه؛ إذ قد حل الصمت لا نجرؤ ~~على قطعه مخافة أن يجد جديد وأن يكون وراء البداية ما وراءها. # يتغامق الظلام في ms47 العادة بعد التمام. الخامسة بالضبط موعده. النزلاء ~~صامتون لمقدمه إذ المفروض أن يحل الصمت ليتمكن حراس الليل من التغيير ~~مع حراس النهار ويتمكن شاويش النهار من تسليم شاويش الليل، صمت يهيئ ~~للصراخ أن يتعالى إذا حدث الخطأ وأفلت نزيل من الإحصاء وارتبك العدد. ~~الباشاويش هو المخطئ ولكن الشتائم تنهمر فوق رأس النزلاء، وثمة جري، ~~وصوت الكوالين الحديد يزأر وأبواب أخرى تنهمد حتى لتكاد تدك الحائط ~~الحجري، وأخيرا، يجري الأزيز النهائي لمفصلات باب العنبر الكبير، ~~وتخفت الأصوات مع الأقدام مبتعدة، ويحل الصمت. ويستمر، للتأكد أنهم ~~جميعا ذهبوا، وأن النهار المتعب انتهى. وكأنما فجأة، تنفجر من الصدور ~~الزعقات والقهقهات والشتائم مكونة مولد المغربية المعتاد. # السكوت في النهار طوال النهار أحد الأوامر المتعارف عليها الصارمة، ~~الألسن تتيبس في الأفواه لقلة ما تتحرك، الحناجر مخشوشنة من فرط ~~السكوت، فقط حين تذهب قوة النهار ويترك العنبر في حراسة ثلاثة حراس ~~ليل عواجيز في الغالب، قريبي الإحالة إلى المعاش، فقط حين يطمئن الجميع ~~إلى ذهاب الجميع يفرج كل نزيل عن لسانه ويبعث الحياة في شفتيه وفمه ~~وصدره، ويزعق، ويشتم، بكل ما يملك من قدرة وقوة يصرخ ويشتم وكأنما ~~ينتقم من السكوت وأوامر الشلل ويزاول الغريزة التي طال حبسها، غريزة أن ~~يشتم ويشتم، فمن فرط ما يتلقى النزيل من شتائم طول النهار وهو عنها ~~ساكت وبالأمر متسامح تتكون له فعلا غريزة الشتم تنهال بها كل زنزانة ~~على الأخرى ويتبارى في مزاولتها الجميع، بفن وخلق وابتكار، لأسماء الأم ~~وجسدها يختلق ألف تعبير وتعبير. # في أحيان قليلة جدا يحدث، أن فجأة، يدور المفتاح في قفل الباب ~~الكبير ويفتح العنبر، وهنا، وفي لمحة خاطفة واحدة يتسمر كل شيء في ~~مكانه ويحل أعمق وأغرب صمت، صمت الترقب الرهيب لما عساه يكون السبب في ~~فتح الباب. # وتتعدد الأسباب وتكثر، وذات مرة تجد السبب باب زنزانتك نفسه وهو ~~لروعك يفتح وكتلة بشرية ما، تنزلق، ليعود الباب ينغلق. قبل أن تسأل ~~أنت القادم أو يفتح هو من تلقاء نفسه فما للكلام تنهمر مئات الأسئلة ms48 ~~من قريب ومن بعيد ومن أقصى الدور الثالث نفسه تتساءل عن حكاية هذا الذي ~~دخل، فلا تدخل بعد التمام إلا حكاية مهولة، لا بد في الحال أن تعرف، ~~وهكذا إن لم تبادر وتجيب، حتى قبل أن تعرف أنت ما هي الإجابة، تنهمر ~~عليك أنت الشتائم هذه المرة وتؤرق عظام أمك وأبيك وأعضائهما أحياء ~~كانوا أم أمواتا. قفص حياة رهيبة يتولى فيها أناس حبس أناس وخنق أناس ~~وضرب أناس وحشدهم وتكديسهم هكذا في علب محبوكة من الزنازين ~~والحجرات. ~~- ما بك يا عم؟ خير! # سمعت أنا وحمزة البسيوني، زميلي في الزنزانة الذي تصادف أن اسمه يشبه ~~اسم قائد السجن الحربي حيث تتم كل ألوان التعذيب، تشابه كان يجعله ~~وبالتالي يجعلني هدفا لتعليقات ونخزات وتعذيب لا حد لها. ~~- مالك يا عم مالك؟ # قالها حمزة هذه المرة، بأمل أن يجيب القادم. ومكوما في الركن لا ~~يتحرك كان لا يزال. الأسئلة تترى تخترق باب الزنزانة المصنوع من قضبان ~~متوازية من حديد، لا إجابة، والنتيجة سيول من الشتائم تلعنني وتلعن ~~حمزة. ما أغرب قدرة الإنسان على تعذيب نفسه وتعذيب الآخرين إذا وقع ~~عليه عذاب لا يملك منعه. معذبون يعذبون معذبين. ما أبأسه من محبس ~~داخل محبس وعذاب في لب عذاب! # لا رد ولا تحرك ولا كان باديا عليه أن سيرد. أيكون ما نسمعه منه ~~ليس تنفسا عميقا إن هو إلا نشيج وبكاء، بكاء الصامتين لا حول ولا ~~قوة، وجدت أنفسنا نقترب من الرجل نحيط به مشفقين. أيدينا تطبطب عليه ~~ونستخرج كنزنا الثمين، الشمعة الوحيدة التي نملكها وندخرها للحظات ~~الحاجة القصوى، أشعلناها، بضوئها الذي بدا باهرا، مددت يدي ورفعتها من ~~الكتف إلى الرأس أعدله وأرى الوجه. # كدنا نموت أنا وحمزة رعبا فكلانا طبيب ونعرف ماذا تعنيه تلك الصفرة ~~المتكاثرة المتشاحبة التي لونت الوجه. الحدقات الواسعة المفتوحة وهي ~~تمعن النظر في الفراغ وفي اللاشيء. ما لم ننبهه مات. انهلنا عليه ~~بالأسئلة نستفسر إن كان قد ضرب وأين ضرب وفي أي مكان من جسده يؤلمه ~~أكثر. قسنا النبض وعددنا ms49 مرات التنفس . الصدمة فعلا واضحة ولكن لا أدري ~~أي إصابة في الجسد، لا جرح، لا خدش، لا بطن، منفوخ، لا شيء. # وتنفيذا للمعاهدة المعقودة مع الحارس الليلي ساومناه على كوب ~~القهوة. أصر على عشر سجائر ونحن لا نملك إلا علبة. وافقناه على مضض ~~كثير. أخيرا أصبح في يد الرجل كوب قهوة معجز المذاق في تلك اللحظة، ~~وسيجارة «وينجز» بأكملها، وعلى ضوء الشمعة دماء قليلة بدأت تسري في ~~الوجه الخراب، همهمة، تمتمة، تنهدات الكل يختلط بالكل والكلمات ~~بالأصوات والإشارات ورفض أن يفصح. # نلح بكل ما نملك من طاقة إلحاح، والرفض البادي على هيئة صمت هو وحده ~~الجواب. تشاورنا أنا وحمزة، نتركه؟ نخفف الوطأة عنه؟ نترك كل شيء ~~للصباح؟ ولكن حب الاستطلاع فينا لا يمكننا نحن أنفسنا مقاومته، ~~والإلحاح، إلحاحنا وإلحاح بقية الحجرات والزنازين كلما احتمى الرجل ~~بصمته، وتداخلت رغبته في الإفضاء كما يتداخل حيوان القواقع إلى عمق ~~القوقع كلما شعر بلمسة الأصبع. وبكل نعومة رحنا نداعبه، ثم، فجأة، ~~تركناه. # تركناه. # حتى كاد يغلبنا النوم. وكل الألسنة المطالبة في الخارج قد ~~سكنت. ~~- هل سأموت؟ # رفع الرأس فجأة بالسؤال وكأنما إجابة متأخرة جدا عن قولنا له: نحن ~~أطباء، لا تخف. فضفض حتى تستريح، ولا تخف، فنحن نريد مصلحتك، نحن ~~أطباء. ~~- هل سأموت؟ # ودون أن نتفق، لم نجب. رحنا فقط ننظر إليه ولا نجيب فما كنا نريد ~~تطمينه حتى لا يئوب إلى سكوته وفي نفس الوقت لم نكن نريد إزعاجه حتى لا ~~يتمسك بموقفه. # فجأة وجدت حمزة ينفجر فيه غاضبا مؤنبا إياه على هذا الموقف الطفولي ~~الذي لا معنى له بالمرة. معتقل سياسي. ألست كذلك؟ كان واضحا من ثيابه ~~المدنية أنه ليس مسجونا. إذن لماذا هذا التثبت بالصمت؟! أخائف هو على ~~نفسه؟! وماذا يمكن أن يحدث له أسوأ من هذا الذي حدث والذي جاءوا به إلى ~~هنا بسببه وعلى تلك الحال القريبة من صدمة الموت. # فعلا، يعني ح يكون جرى لك إيه؟ # بعمق تنفس وتنهد وقال ببطء ونظراته تعود تنغمس في الفراغ: أوحش ~~شيء ms50 على ظهر الأرض. # وكدنا نبتسم في رثاء، ماذا يمكن أن يكون قد حدث؟ # عاد يقول: أوحش شيء على الأرض. حدث لي ما لم يحدث لبشر. ومرة أخرى ~~استخففنا بكلامه، وكدنا نقهقه. سبعة عشر شهرا ونحن في هذه الزنزانة ~~معا. سجن مصر محطة يتوقف القادمون من السجن الحربي في طريقهم لطره ~~وأبو زعبل والواحات، والقادمون من تلك الليمانات في طريقهم للمستشفى أو ~~للإفراج أو لعذاب آخر في السجن الحربي. وارد وصادر وحركة دائبة جعلتنا ~~نصادف كل ما يمكن أن يخطر على البال من تهم ومتهمين ومعتقلين وأسباب ~~اعتقال، وتعذيب، ومعذبين. النفخ والضرب وكي نصف البطن الأسفل وهتك ~~الأعراض وكل شيء، ولم تبق وسيلة لم نعرفها أو يأتي لها ذكر. وكل منهم، ~~مثل هذا القادم، يعتقد أنه الوحيد الذي حدث له هذا أو مارسوا معه ~~ذاك. # ماذا يمكن أن يكون قد وقع له؟ ~~- أوحش شيء على ظهر الأرض. ~~- ماذا مثلا؟ ~~- أوحش شيء على ظهر الأرض: # نمت مع نملة. # وانفجرنا ضاحكين. # قطعا هو لا يبدو مختل العقل وإن كان واضحا أنه في طريقه لاختلال ~~عقله. وبوجه جاد صارم يحمل كل ما في هذا العالم من ندم يقولها. نام مع ~~نملة. وانفجرنا ضاحكين. # وإلى الصباح التالي ظللنا نضحك. ونتذكر ملامحه وهو ينطقها فتصاب ~~معداتنا بالمغص من فرط ما ننحني ونضحك. # وعلى رأي كليلة ودمنة، قلنا له في الصباح التالي، وكان تقريبا لا ~~يزال على نفس جلسته وقرفصته وانكماشه على نفسه: وكيف كان ذلك يا ~~أستاذ؟ # لم يكن تبدو عليه سيما المعتقلين السياسيين. معظمهم كانوا مثقفين، ~~حليقي اللحية والشارب، خريجي أو طلبة جامعات. هذا كان له شارب، أصفر ~~وغزير ومتهدل على شفته العليا يكاد يلامس السفلى. وجهه خشن لا بد من ~~كثرة مزاولته عمله خارج المكاتب والمنازل في الخارج حيث الريح والتراب ~~ولفح الشمس. في الحقيقة لم نفاجأ حين قال لنا إنه عمدة. حين تستخرجها ~~من الحالة التي كان عليها، والسكينة التي آلت إليها ملامحه وقوامه، ~~وتفرده، وتوقفه، وقصيرة سيرته الأولى ويتبدى لك على حقيقته، ms51 تجد أنه ~~حقا وصدقا لا بد كان واحدا من أولئك العمد من طراز: اخرس يا ولد. ~~شهم كريم، يذبح للضيف خروفا إذا رأى، ويسافر إلى آخر الدنيا تلبية ~~لنداء مستغيث. عمدة ومعتقل سياسي. جديدة جدا هذه المرة. والنكتة أن ~~يكون شيوعيا مثلا ومن منظمة «ح.م» المغالية في شيوعيتها واتهامها ~~لكل الشيوعيين الآخرين أنهم عملاء للبوليس السياسي. الأقرب للمعقول أن ~~يكون واحدا من أعضاء الهيئة الوفدية، فليس هناك عمد في تنظيم الإخوان ~~المسلمين، ولكن، لا تعجب أبدا إذا اتضح في النهاية، أنه ماركسي يؤمن ~~بالمادية التاريخية، وربما قد قرأ رأس المال واللينينية. # في الليلة التالية ساءت حالته وارتفعت درجة حرارته وأصبح نبضه 140، ~~وبدا وارم الوجه مختنق السحنة وكأنه سينفجر بعد قليل، انهلنا عليه ~~بالأسئلة لنعرف منه ذلك الذي وصفه بأنه أوحش ما في الدنيا. # وتكلم ... # متقطع الأنفاس. # أخرج من صديريه البلدي الداخلي علبة سجائر «كرافن أ» عشرين سيجارة ~~كاملة، وعزم علينا، ولم نصدق أنفسنا ونحن ننفث دخان الكرافن وبكل ما ~~نملك وما أصبح لنا من طول بال نصبر على كلماته التي تخرج بعد عناء، ~~ولهاثه بين الكلمات. # تكلم ... # بدأها من منتصفها، أو من حيث بدأ يهتم هو بها، لا نعرف. قال: هذا ~~الوغد، يونس بحري. قتلني. بالأمس فعلا قتلني، وسأموت، ولكني لن أموت ~~قبل أن أغرس أسناني في زوره وأقضم حنجرته ابن الأنيتة هذا. # جالسين وفي أمان الله وبعد يوم شاق من تكسير البازلت وحمله في ~~المقاطف والسير به نصف كيلو، من السابعة والصخر فوق أكتافنا والرمل في ~~عيوننا وأفواهنا وأقدامنا العارية ينغرس فيها الشوك والزلط والمسامير، ~~وجلسنا آخر النهار، قبل طابور العودة نستريح. وكانوا ثلاثة ضباط أحدهم ~~هذا الخسيس يونس بحري. ناداني. منذ أن رآني ورأيته وأنا أشفق عليه وعلى ~~نفسي أن يناديني. ناداني. تلكأت ولكني قلت أقصر الشر وألبي نداءه. ذهب. ~~وقفت. تركني واقفا واشتبك في حديث فاتر مع زميله. قلت: أفندم. رمقني ~~بنظرة، ثم عاد إلى حديثه الفاتر. اللهم طولك يا روح. قلت، وعزمت أن ~~أؤجل أي اشتباك ms52 فجسمي مهدود ولن يحتمل أي ضرب. والبداية واضح أنها ~~ستنتهي بضرب. اقصر الشر يا ولد. واصبر. # هناك، بعد ربع ساعة أو أكثر. التفت ناحيتي وقال: روح هات نملة من ~~هناك. وأشار إلى كومة تراب قريبة. # صحا مخي من غفوة الوقوف وخيل إلي أني لم أسمع جيدا وسألته: ~~أجيب ماذا؟ # هب في صائحا: نملة، ألا تعرف النملة يا بن ال...؟ # سكت. # مرة أخرى: تعرف النملة واللا لأ؟ # قلت بتسليم: أعرفها. # قال وهو يلتفت إلى زميله: روح هات نملة. # طول الله روحي وذهبت إلى حيث أشار، وتفرست في كومة التراب مليا حتى ~~وقعت عيني على نملة حمراء كبيرة نسميها في بلادنا حرامي النمل. انقضضت ~~عليها بقبضتي ودون أن أفعصها أمسكتها في قبضتي وعدت بها. # ووقفت أمامه وقلت: أهه النملة يا أفندم. ~~- وريني. # فتحت يدي كان رآها، قال: ولازم تجيبها حمراء هي رخره يا بن ال «...» ~~الشيوعية. # عضضت على شفتي السفلى، لا بد أنها جرحت. وسكت، بنظرة من أسفل إلى ~~أعلى رمقني وقال: دي إيه؟ # قلت ببراءة ما بعدها براءة: نملة يا بيه. # قال ... # خيل إلي أني حقيقة لم أسمع؛ فقد كان الطلب الذي طلبه غريبا ~~جدا وغير معقول بالمرة، سألته: أفندم. # قال: اخلع هدومك! ~~- نعم؟! # أشار لحامل الكرباج وزميله حامل الشومة. # رفعت يدي مسلما قائلا: حاضر يا بيه، أخلع هدومي. ولكني ترددت، نظرت ~~حولي بركن عين، طابورنا المنكود الحظ قابعا كصفين من طابور ذباب الكدح ~~والزق والزجر. في دائرة واسعة رهيبة يلتف حوله سور من عساكر يحملون ~~الأسلحة الأتوماتيكية بكافة ألوانها، قريبا منه تناثرت فرقة الضرب ~~تحمل الهراوات والكرابيج والنبابيت والأحزمة والقضبان الحديدية. أنا ~~واقف وحدي ويونس بحري مقع على كرسيه أمامي. ولا مفر. # استنهضني بشخطه ولما كنت كما قلت قد قررت أن أؤجل الاشتباك فقد مددت ~~يدي الأخرى وبدأت خلع جلبابي، وخلعت الصديري، عاريا كما ولدتني أمي ~~أمامه. ~~- قلعت هدومك! ~~- زي ما أنت شايف يا بيه. ~~- طيب «...» النملة اللي في إيدك دي. # خيل إلي أني حقيقة لم أسمع، وكيف أسمع، وما ms53 طلبه لا يمكن أن يمر ~~إلا من عقل مجنون، حتى المجنون نفسه يخجل أن يطلبه. ~~- نعم؟! # الكرباج مرفوع فوق رأسي والنبوت يهيأ للانقضاض ويونس بحري تجمدت ~~نظراته النارية على هيئة الأمر الذي أمره، والدنيا، وسور العساكر حاملي ~~المدافع، والطابور، والبازلت والجبل والصخر والطريق، وكل شيء سكت وصمت ~~وتآمر يستحثني أن ألبي. # انتفض الفلاح الخبيث الذي في يقلب الموقف الجاد الرهيب وقلت فجأة: ~~بس دي دكر يا بيه! # لم يضحك، ولا أحد من القريبين أو البعيدين ضحك، بكل صرامة قال: روح ~~هات واحدة نتاية. # وكالذي نومه المنوم المغناطيسي استدرت وقصدت كومة «التراب» وعسعست ~~بيدي. طبعا كان أول ما خطر لي أن أبحث عن نملة أنثى، ولكني كدت أضحك ~~من نفسي لأني انسقت وراء المشهد فعلا وأخذته جدا، وسألت نفسي: كيف ~~أعثر على الأنثى، وما الفرق بين النملة الذكر والنملة الأنثى، بل هل ~~توجد نملة أنثى ونملة ذكر. المقصود عدت إليه ووقفت أمامه وفتحت قبضتي ~~على نفس النملة وقلت: ها هي نملة أنثى. # قال: يالله ... ~~- يالله ماذا؟ # سألته. قال: تاني ... اسمع ... # وفوجئنا بجعجعة أوامر تقرقع، واقترب سور العساكر حتى أطبق على طابور ~~المعتقلين، واستقر أفراد فرقة الضرب فانتصبت واقفة مشرعة أسلحتها ~~الفاتكة الرهيبة، وهوى الكرباج من خلفي وسمعت صفيره وهو يشرخ الهواء ~~كالسكين القاطع مغورا في جلدي ولكن يونس بحري تلافاه، في آخر لحظة ~~وأمسك باليد المهوية وقال بصوت مخيف صوبه إلى كل أذن تسمع: اسمع، ~~أنا لا أريد ضربك، فأنا أعرف أنك من النوع الحميري الذي لن يؤثر فيه أي ~~ضرب أو تعذيب ولكني سأضرب تلامذة ابتدائي هؤلاء. # أشار. # والحراس يعرفون إلى من يشير؛ فقد كان ثمة خمسة صبيان صغار لا يتجاوز ~~أيهم السادسة عشرة، معنا في الطابور، إذا ضربوا يصرخون بل يصوصون ~~كالكتاكيت المذعورة وتغور صرخاتهم في لحمنا الحي بحيث يصبح أهون لأي ~~منا أن يقطع بالسواطير ضربا ولا يسمع صرخة الواحد منهم. # جزعت والحق يقال، وسقط قلبي في قدمي مخافة أن ينفذ الوعد. يا عم ~~يا يونس ما كنا ms54 قاعدين في أمان الله، ماذا دار في عقلك النجس ليقلب ~~سلامنا هذا إلى لحظة الرعب هذه حتى ليبدأ الجو يحفل برائحة الدم واللحم ~~المفروم. # تطويل الروح لم يعد يجدي. ماذا تريد يا أيها القومندان؟ ~~- يا لله. # ولأنني ضامن أني سأكون على حق في تساؤلي رفعت صوتي مستغيثا مستعينا ~~بالله من هذا الهول الذي لا أعرفه: إزاي بس يا بيه أنا في عرضك! ~~إزاي؟! ~~- زي الناس. هكذا قالها. ~~- زي الناس إزاي؟! ~~- زي الناس يا ابن ال... ويا بن ال... ماذا تفعل الناس؟ ~~- ولكنها تفعلها مع الناس والإناث الكبار، وهذه نملة! ~~- ولو. اعتبرها ناس، اعتبرها إناث. ~~- حاضر. # قافزا الفلاح الخبيث إلى نجدتي مرة أخرى قلت: حاضر يا بيه. # وعملت أني فعلا أزاول ما أمرني به، وأنا، زيادة في الاندماج، قد ~~رسمت على وجهي ابتسامة سادة. استيقظت منها على صوت نبوت يشرخ، يشرخ ~~الهواء. ويشرخ ظهرا من ظهور «التلامذة» إلى جواري. التفت على ~~الصرخة، أهذه صاعدة من عظام الأقدام لكائن حي إنسان صغير يتألم؟! انفجر ~~قلبي وتدفق منه الدم الفائر غصة ولوعة. ~~- لا تمثل يا بن الكلب، اندمج. أتضحك علي؟ اندمج. أنت خالع الآن ~~ملابسك وهذه أنثى، نملة مش نملة لا يهم. هذه أنثى. اندمج. وسأراقب وجهك ~~وملامحك، وأقسم برحمة أمي إن لم أرك تفعل ما قلته سأشرح تلاميذك ~~وأنت وكلكم معه. وأنت تعرف وكلكم تعرفونني. # وكان واضحا من وجهه المسمر بالجديري القديم أنه لا يهزل، حاولت أن ~~أجد فرجة احتمال أو عشر احتمال للتهاون فلم أجده، هذا إنسان مجنون وقد ~~تقمصته حساسية المجانين للحقيقة، ولن يصدق غيرها ولن أستطيع أبدا ~~خداعه وعلي أن أفعلها. حاولت. ولكني في منتصف المسافة استدركت وطلبت ~~منه العذر. # وجمعت نفسي وبأقصى ما أستطيع من قدرة على أمر النفس أمرتها. أحسست أن ~~شهبا كشهب الجنون تتراءى لعيني، ومن فرط الانضغاط بدأ العقل في مخي ~~يطقطق. مجنون أمر، وأمر مجنون، ولا بد أن أستجيب، ومجنونا لا بد، لكي ~~أستجيب، أن أصبح. أنا فعلا رجل ضخم، وهذه نملة، وبكل كياني ms55 علي أن ~~أصغر نفسي وأستحيل من إنسان إلى حشرة، وعلي التخيل أني ذكر نملة، ~~تستثيرني أنثاي أنثى النملة، وأنام معها. وكلما فشلت، كلما توقفت، كلما ~~غام وعيي بالمشهد وباستحالة التحول. وأحسست التهديد يحوم كغربان البين ~~حول التلامذة الصغار وحول الطابور أتصاغر وأتصاغر ويكسوني العرق وتطقطق ~~عظامي وتتدشدش دون أن تصبح كفي في حجم ساق النملة، وساق النملة لا يكاد ~~يرى ولا بد أن أهوى بوعيي وبإرادتي على كفي وكتفي ولحمي وعظمي ورأسي ~~وبطني وساقي وعنقي وأدق وأصغر كي أستحيل ذكر نملة، أفرز هرموناته، ~~وأجعلها بالقوة القاهرة تستجيب لهرمونات أنثاي القادمة، مستسلمة، في ~~يدي. هكذا، رأيتها، بألف عين دقيقة لي تكونت، قد استجابت، وكفت عن ~~الحركة، ووقفت واضطجعت. لو كانوا قد عذبوني وقطعت الجبل كله، لو ربطوني ~~إلى ذيل حصان جرى بي القطر كله من أقصاه إلى أقصاه، ألف جلدة، لو ~~فعلوا ما هو أكثر وأكثر لما أحسست بربع معشار ما مر علي من عذاب حتى ~~أفلت الزمام ولم أعد أستطيع الكف وجسدي يمضي يتصاغر ليصبح نملة ويستمر ~~نملة ويعيش ويحب ويزاول الحب نملة. وعند لحظة النهاية فقدت ~~الوعي. # قالوا لي إنهم حملوني حملا إلى الليمان. # وإنهم خافوا من صراخي أثناء الليل واستجار الزملاء من عضي وتمزيقي ~~لملابسهم وملابسي، وحملوني إلى مستشفى سجن مصر، ومن هناك إلى هنا. وهمس ~~لي التومرجي الأسمر العجوز وأنا في الطريق إليكم أنهم يفكرون في ~~الإفراج الصحي عني. ولو، ما الفائدة، وقد نمت مع النملة واعترفت، وكان ~~الذي كان؟ # ولأن لا أبشع في السجن للمنتظرين المحاكمة من كلمة اعتراف، فقد وقفنا ~~على أطراف تحفزنا أنا وحمزة ونحن نسأله بماذا اعترف ولماذا ~~اعترف. # قال وهو يشيح بيده: وأنا وسط العذاب، في منتصف المسافة بين كوني ~~بشرا وكوني ذكر نمل انكسرت إرادتي ولم أحتمل، وقلت كل ما عندي بأمل ~~أن يتوقف أمر يونس بحري وأن يكف العذاب، ورغم الاعتراف لم يوقف المجرم ~~الأمر، وحتى ولو كان أوقفه فأنا نفسي كنت غير قادر لحظتها أن أوقف عذاب ~~التحول، إرادة ms56 أن أكون بشرا أفلتت وصارت لي إرادة نملة لا تقوى أبدا ~~على كتمان. ~~••• # ورغم إعادته إلى المستشفى فقد سمعنا أن حرارته ظلت 41 طول الليل ورغم ~~جسده المتين الضخم، في الصباح التالي مات. ms57