######OpenITI# #META# URI: 1412YusufIdris.ArkhasLayali.Hindawi17394169 #META# Tags: novels #META# ID: 17394169 #META# Title: أرخص ليالي #META# AuthorID: 95064085 #META# Author: يوسف إدريس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أرخص ليالي‏ # نظرة‏ # الشهادة‏ # على أسيوط‏ # أبو سيد‏ # ع الماشي‏ # الهجانة‏ # الحادث‏ # رهان‏ # 5 ساعات‏ # الأمنية‏ # أم الدنيا‏ # المرجيحة‏ # المأتم‏ # حصة‏ # مشوار‏ # بصرة‏ # المكنة‏ # شغلانة‏ # مظلوم‏ # في الليل‏ # أرخص ليالي‏ # نظرة‏ # الشهادة‏ # على أسيوط‏ # أبو سيد‏ # ع الماشي‏ # الهجانة‏ # الحادث‏ # رهان‏ # 5 ساعات‏ # الأمنية‏ # أم الدنيا‏ # المرجيحة‏ # المأتم‏ # حصة‏ # مشوار‏ # بصرة‏ # المكنة‏ # شغلانة‏ # مظلوم‏ # في الليل‏ # | أرخص ليالي # | أرخص ليالي # تأليف # يوسف إدريس # | أرخص ليالي # بعد صلاة العشاء كانت خراطيم من الشتائم تتدفق بغزارة من فم عبد الكريم، فتصيب آباء ~~القرية وأمهاتها، وتأخذ في طريقها الطنطاوي وأجداده. # والحكاية أن عبد الكريم ما كان يخطف الأربع ركعات حتى تسلل من الجامع، ومضى في ~~الزقاق الضيق، وقد لف يده وراء ظهره، وجعلها تطبق على شقيقتها في ضيق وتبرم، ~~وأحنى صدره في تزمت شديد، وكأن أكتافه تنوء بحمل «البشت» الثقيل الذي غزله بيده من ~~صوف النعجة. # ولم يكتف بهذا، بل طوى رقبته في عناد وراح يشمشم بأنفه المقوس الطويل الذي كله ~~حفر سوداء صغيرة، ويزوم، وقد أطبق فمه، فانكمش جلد وجهه النحاسي الأصفر، ووازت أطراف ~~شاربه قمم حواجبه التي كانت ما تزال مبللة بماء الوضوء. # والذي بلبل كيانه، أنه ما إن دخل إلى الزقاق، حتى ضاعت منه ساقاه الغليظتان ~~المنفوختان، ولم يعد يعرف موضع قدميه الكبيرتين المفلطحتين اللتين تشقق أسفلهما، ~~حتى يكاد الشق يبلع المسمار، فلا يبين له رأس. # ارتبك الرجل رغم القسوة التي ضم بها نفسه؛ لأن الزقاق كان يمتلئ بصغار كالفتافيت ~~يلعبون ويصرخون، ويتسربون بين رجليه، ويسرح واحد من بعيد وينطحه، ويشد آخر «البشت» ~~من ورائه، ويصيبه شقي بصفيحة في أصبع قدمه الكبير النافرة عن بقية أصابعه. # ولم يستطع إزاء هذا كله إلا أن يسلط عليهم لسانه، فيخرب البيوت فوق رءوس ~~آبائهم وأجدادهم، ويلعن الداية التي شدت رجل الواحد منهم، والبذرة الحرام التي ~~أنبتته. # ويرتعش عبد الكريم بالحنق، وهو يسب ويمخض ويبصق على البلد الخائب الذي أصبح ~~كله صغار في صغار، ويتساءل، و«بشته» يهتز، عن معمل التفريخ الذي يأتي منه من ms001 هم أكثر ~~من شعر رأسه، ويزدرد غيظه وهو يطمئن نفسه أن الغد كفيل بهم، وأن الجوع لا محالة ~~قاتلهم، و«الكوريرة» سرعان ما تجيء فتطيح بنصفهم. # وتشهد عبد الكريم وهو يشعر براحة حقيقية حين خلف النحل وراءه في الزقاق، وأصبح ~~يشرف على الواسعة التي تحيط بالبركة في وسط البلد. # وانبسط الظلام الكثير أمامه؛ حيث تعشش البيوت المنخفضة الداكنة، وترقد أمامها أكوام ~~السباخ كالقبور التي طال عليها الإهمال، ولا شيء بقي يدل على الأحياء المكدسين تحت السقوف ~~إلا مصابيح متناثرة في الدائرة المظلمة الواسعة، وكأنها عيون جنيات رابضات يقدح منها ~~الشرر، ويأتي نورها الأحمر الداكن متبخترا من بعيد؛ ليغرق في سواد البركة. # وتشتت بصر عبد الكريم في الظلام الفاضي، ودار برأسه هنا وهناك، ورائحة الماء الصدئ في ~~المستنقع تتلوى مع تقوس خياشيمه. وفي الحال شعر بالضيق يكتم فتحات أنفه، فشدد من ~~قبضة يده، وزاد انحناؤه، وكاد يرمي «بالبشت» على حافة البركة. # وكان ما ضايقه وكتم أنفاسه شخير الأرانب أهل بلده، وهو يمتد مع انتشار الظلام، ولحظتها ~~كان ما يلهلب سخطه أكثر هو طنطاوي الخفير، وكوب الشاي «الزردة» التي عزم عليه بها في حبكة ~~المغرب، والتي لولا دناوته، وجريان ريقه عليها، ما ذاقها. # وتمشى عبد الكريم في الواسعة وأذنه لا تسمع حسا ولا حركة، ولا حتى صيحة فرخة، وكأنه ~~وسط جبانة، وليس في رحاب بلدة فيها ما فيها من خلق الله. # وحين بلغ منتصف الواسعة توقف، وكانت لوقفته حكمة، فهو إذا أطاع ساقيه ومشى، أصبح بعد ~~خطوات قليلة في قلب بيته، وإذا أغلق دونه باب الدار، كان عليه أن يخمد أنفاسه وينام. ~~وهذه اللحظة لم تكن في عينيه قمحة واحدة من النوم، بل كان مخه أروق من ماء «الطرمبة»، ~~وأصفى من العسل الأبيض، ولا يهمه السهر، ولو لهلال رمضان. # وكل هذا بسبب دناوته، وسواد الشاي في الكوب، وأفعوانية طنطاوي، وبسمته الزرقاء، ودعوته ~~التي لم يفكر في رفضها. # ليس هناك نوم؟ طيب. # ورجال البلدة الخناشير قد انكفئوا يغطون من زمان، وتركوا الليل لصغارهم الملاعين ms002 ، ~~فماذا يفعل عبد الكريم؟ # يسهر؟ وأين يسهر؟ # صحيح؟! أين يسهر؟ # هل يلعب «الاستغماية» مع الأولاد؟ # أو تزفه البنات وهن يقلن: يا ابو الريش انشالله تعيش؟ صحيح أين يسهر؟ وهو أنظف من ~~الصيني بعد غسيله، وليس معه قرش صاغ واحد، حتى يذهب إلى «غرزة» أبو الإسعاد، ويطلب القهوة ~~على البيشة، ويتبعها بكرسي الدخان، ويجلس ما شاء بعد ذلك على ريحة القهوة والكرسي، يراقب ~~حريفة «الكوتشينة» من صبيان المحامين، ويستمع إلى ما لا يفهمه في الراديو، ويضحك ملء قلبه ~~مع السباعي، ويلكز أبا خليل وهو يقهقه، ثم ينتقل إلى مجلس المعلم عمار مع تجار البهائم، ~~وقد يشارك في الحديث عن سوقها التي ركدت ونامت. # ليس معه قرش! جازاك الله يا طنطاوي! # وهو لا يستطيع أن يخطف رجله إلى الشيخ عبد المجيد؛ حيث يجده متربعا والمدفأة أمامه، ~~والكنكة النحاسية تغلي وتوشوش على مهل، والشيحي جالس بجواره، يقص بكل ما في صوته من رنين، ~~ما حدث في الليالي التي شاب لها شعره، والأيام التي انقضت وأخذت معها بضاعته من عقول ~~الناس القدامى الفارغة الطيبة، وجعلته يتوب عن النصب والسرقة، وقلع الزرع على أيدي ~~النماردة من سكان هذا الجيل. # لا يستطيع أن يتنحنح ويطرق باب الشيخ عبد المجيد؛ لأنه أول الأمس فقط، دفع الرجل من فوق ~~مدار الساقية، فأوقعه في الحوض، وأضحك عليه الشارد والوارد، لما دب الخلاف بينهما على ~~مصاريف إصلاح الساقية، ومن ساعتها ولسان الشيخ لا يلافظ لسانه. # كان الشيطان ساعتها شاطرا، ولكن طنطاوي بدعوته أشطر، الله يخرب بيتك يا طنطاوي. # وماذا عليه لو سحب عصاته «المشمش» ذات الكعب الحديد، ومر على سمعان، وانطلقا إلى عزبة ~~البلابسة، فهناك سامر، وليلة حنة، وغوازي، وشخلعة، وعود، وهات إيدك ... # وإنما من أين يا عبد الكريم «النقطة»؟ ثم المساء قد دخل، ويجوز أن سمعان ذهب يصالح ~~امرأته من خالها والطريق خائنة، والدنيا كحل. # يا ناس، لماذا هو الخائب الساهر وحده؟ وطنطاوي لا شك قد استنظف مصطبة رقد عليها في ~~«دركه»، وراح في النوم، نامت عليه البعيد أثقل ms003 حائط. # وماذا يحدث لو عاد إلى بيته هكذا كالناس الطيبين، ولكز امرأته فأيقظها، وجعلها تنير ~~المصباح، وتمسح زجاجته، وتشعل الموقد، وتسخن له رغيفا، وتحضر الفلفل الباقي من ~~الغداء، وحبذا لو كان قد بقي شيء من الفطيرة التي غمزتها بها أمها في الصباح، وآه لو ~~صنعت له بعدها كوزا من الحلبة، وجلس كسلطان زمانه يرقع الثلاثة مقاطف التي بليت ~~مقاعدها، ويصنع لها آذانا وقد تملصت آذانها. # ماذا يحدث بالله إذا كان هذا؟ # هل تنتقل المحطة من مكانها؟ # وهل يعمل العمدة ليلة لوجه الله؟ # وهل تنطبق السماء على جرن القمح؟ # أبدا، لن يحدث شيء من هذا. # ولكنه أعرف الناس بامرأته، وأعرف من شمهورش برقدتها كزكيبة الذرة المفروطة، وقد تبعثر ~~حولها الصغار الستة كالكلاب الهافتة، ولن تصحو حتى لو نفخ إسرافيل في نفيره، وإذا ~~تفتحت ليلة القدر وقامت، فماذا تفعل؟ # أهو يحاول الضحك على نفسه؟ # وهل الذي يزمر يغطي ذقنه؟ # المصباح بالعربي ليس فيه «جاز» إلا ما يملأ نصفه، والمرأة في حاجة إليه كله لتعجن وتخبز ~~طول الليلة الآتية إذا عاش أحد، ثم الأولاد لا ريب قد جاعوا ساعة المغرب، وأكلوا الفلفل ~~بآخر رغيف في «المشنة». # وهل تبقى فطيرة الصبح لتنتظر سهرته؟ وعليه أن يطمئن نفسه، فلك الحمد، ليس في داره حلبة ~~ولا سكر، ولا يحزنون. # ولن يستطيع طول عمره أن يحظى بكوب مثل التي لحسها لحسا عند طنطاوي. # الله يجحم روحك يا طنطاوي يا ابن زبيدة. ~~••• # ولو أن أحدا عن له أن يقضي حاجته في الواسعة، ورأى عبد الكريم في وقفته، مزروعا ~~كزوال المقاتة أمام وجه البركة الداكن، لظن في التو أن الرجل مسه شيطان أو لبسته ~~شيخة. # وعبد الكريم معذور، فالحيرة التي كان فيها أوسع منه، والمسألة أنه رجل على نياته، لا يقرأ ~~الليل ولا يكتبه، والجيب خال، والليلة شتاء، والشاي يكوي رأسه، وجهلة السهر من أمثاله قد ~~غيبهم النوم من سنة مضت في سابع أرض. # طالت من أجل ذلك حيرة الرجل، وطال وقوفه، وأخيرا فعلها وقر قراره. # وقطع الباقي من ms004 الواسعة في استسلام، وقد رأى أن يقضي ليلته كما اعتاد قضاء البارد من ~~لياليه. # وأخيرا استقر في وسط داره، وقد أغلق الباب بالضبة وراءه، وتخطى أولاده وهو يزحف في ~~الظلام على قبوة الفرن حيث يتناثرون، ومصمص بشفتيه وهو يئن منهم ومن الظلام، ويعتب بينه ~~وبين نفسه على الذي رزقه بستة بطون تأكل الطوب. # وكان يعرف طريقه، فطالما علمته ليالي البرد الطريق، وعثر آخر الأمر على امرأته، ولم ~~يزغدها، وإنما أخذ يطقطق لها أصابع يديها، ويدعك قدميها اللتين عليهما التراب بالقنطار، ~~ويزغزغها في خشونة بعثت اليقظة المقشعرة في جسدها. # وصحت المرأة على آخر لعنة أصابت طنطاوي في ليلته، وسألته في غير لهفة وفمها يملؤه ~~التثاؤب عما جناه الرجل، حتى يسبه في عز الليل. # فقال وهو ينضو ثيابه، ويستعد لما سيكون: هه، الله يخرب بيت اللي كان السبب. ~~••• # بعد شهور كانت النساء كالعادة يبشرنه بولد جديد، وكان هو يعزي نفسه على السابع ~~الذي جاء في آخر الزمان، والذي لن يملأ طوب الأرض بطنه هو الآخر. # وبعد شهور وسنوات كان عبد الكريم لا يزال يتعثر في جيش النمل من الصغار الذين يزحمون ~~طريقه في ذهابه وأوبته، وكان لا يزال يتساءل كل ليلة أيضا، ويداه خلف ظهره، وأنفه يشمشم ~~حوله عن الفتحة التي في الأرض أو السماء، والتي منها يجيئون. # | نظرة # كان غريبا أن تسأل طفلة صغيرة مثلها إنسانا كبيرا مثلي لا تعرفه في بساطة وبراءة أن ~~يعدل من وضع ما تحمله، وكان ما تحمله معقدا حقا؛ ففوق رأسها تستقر «صينية بطاطس ~~بالفرن»، وفوق هذه الصينية الصغيرة يستوي حوض واسع من الصاج مفروش بالفطائر المخبوزة، وكان ~~الحوض قد انزلق رغم قبضتها الدقيقة التي استماتت عليه حتى أصبح ما تحمله كله مهددا ~~بالسقوط. # ولم تطل دهشتي وأنا أحدق في الطفلة الصغيرة الحيرى، وأسرعت لإنقاذ الحمل، وتلمست ~~سبلا كثيرة وأنا أسوي الصينية، فيميل الحوض، وأعدل من وضع الصاج فتميل الصينية، ثم أضبطهما ~~معا، فيميل رأسها هي، ولكنني نجحت أخيرا في تثبيت الحمل، وزيادة في الاطمئنان، نصحتها ms005 ~~أن تعود إلى الفرن، وكان قريبا؛ حيث تترك الصاج وتعود فتأخذه. # ولست أدري ما دار في رأسها، فما كنت أرى لها رأسا، وقد حجبه الحمل، كل ما حدث أنها ~~انتظرت قليلا لتتأكد من قبضتها، ثم مضت وهي تغمغم بكلام كثير لم تلتقط أذني منه إلا كلمة ~~«ستي». # ولم أحول عيني عنها، وهي تخترق الشارع العريض المزدحم بالسيارات، ولا عن ثوبها ~~القديم الواسع المهلهل الذي يشبه قطعة القماش التي ينظف بها الفرن، أو حتى عن رجليها ~~اللتين كانتا تطلان من ذيله الممزق كمسمارين رفيعين. # وراقبتها في عجب وهي تنشب قدميها العاريتين كمخالب الكتكوت في الأرض، وتهتز وهي ~~تتحرك، ثم تنظر هنا وهناك بالفتحات الصغيرة الداكنة السوداء في وجهها، وتخطو خطوات ثابتة ~~قليلة، وقد تتمايل بعض الشيء، ولكنها سرعان ما تستأنف المضي. # راقبتها طويلا، حتى امتصتني كل دقيقة من حركاتها، فقد كنت أتوقع في كل ثانية أن ~~تحدث الكارثة. # وأخيرا استطاعت الخادمة الطفلة أن تخترق الشارع المزدحم في بطء كحكمة الكبار. # واستأنفت سيرها على الجانب الآخر، وقبل أن تختفي شاهدتها تتوقف ولا تتحرك. # وكادت عربة تدهمني وأنا أسرع لإنقاذها، وحين وصلت كان كل شيء على ما يرام، والحوض ~~والصينية في أتم اعتدال، أما هي فكانت واقفة في ثبات تتفرج، ووجهها المنكمش الأسمر يتابع ~~كرة من المطاط يتقاذفها أطفال في مثل حجمها، وأكبر منها، وهم يهللون ويصرخون ~~ويضحكون. # ولم تلحظني، ولم تتوقف كثيرا، فمن جديد راحت مخالبها الدقيقة تمضي بها، وقبل أن ~~تنحرف، استدارت على مهل، واستدار الحمل معها، وألقت على الكرة والأطفال نظرة ~~طويلة. # ثم ابتلعتها الحارة. # | الشهادة # ما كدت أضع قدمي في قطار حلوان، حتى استرعى انتباهي رجل جالس في آخر العربة، منهمك في ~~مطالعة جريدة. # وتوقفت لحظة، وفي ثانية واحدة كان كل شيء أعرفه عن الرجل قد بدأ يبرق في ذاكرتي ~~كالأنوار الخافتة البعيدة، وأمسك وعيي بخيول واهية تربطني بجزء قديم من حياتي، وراح ~~يجذبها برفق، وفي كل جذبة كنت أستعيد يوما وأياما وسنوات غير قليلة قضيتها في مدرسة ~~دمياط ms006 الثانوية، وأستعيد معها أحلام صباي، وسحرية دمياط تتقاذفها وتلهو بها، وأماني ~~مراهقتي وهي تدفعني وحيدا، غريبا، في عالم البلدة الذي يكسوه ضباب شاعري يلف الناس ~~والوحدة والسكون. # وتراجعت بي الأيام إلى مبنى المدرسة الكبير، وحوشها الواسع، وأطفال وشبان صغار يلهون فيه ~~بطرابيشهم التي فقدت معظم خيوط أزرارها، وتثنت جدرانها، وتعود الأيام إلى الفصل الضيق، ~~ومقعدي في أول الفصل، والحفني أفندي مصطفى مدرس الكيمياء يكاد يحتل كل ما بقي في الفصل من ~~فراغ، بكرشه الضخم، ورقبته الغامضة المختفية وراء شحم كثير ينسدل من تحت فكه، ووجهه ~~السمين ذي التجاعيد الغليظة، وسترته التي حال لونها، والتي كانت أصغر بكثير من جسده، ~~وسرواله الذي يحشو فيه ساقيه المنتفختين حشوا فيبدو كشراب طويل، وكلماته البطيئة التي ~~تفصلها فترات حزق طويلة وهو يشرح، حتى إذا ما أخذه الحماس، واستطرد مسرعا في شرحه تتلاحق ~~أنفاسه لاهثة، ويمد يده يخرج منديله المنكوش يمسح به العرق الذي يقطر من حواف ~~تجاعيده. # ومع أن تلاميذ الفصل كان لهم هدوء أهل دمياط، إلا أنهم ما كانوا يستطيعون أن يتمالكوا ~~أنفسهم في حضرة الحفني أفندي، وكان المخضرمون الجالسون في أواخر المقاعد هم أحسن من ~~يقلدونه، وأول من يضحكون عليه إذا أدار ظهره، والبادئين برش الحبر من ريشهم على سرواله ~~حين يمر بين التخت، وهم الذين يلصقون له ذيول الورق الملون في سترته إذا ما هم بمغادرة ~~الفصل، وما كان يكتشف ما حدث له عادة إلا في الحصة الثانية حين يدخل، وفي وجهه صرامة ~~عسكرية، وعلى خدوده احمرار فاقع، وفمه لا ينطق بحرف، وإنما يزغر لنا كلنا، ونحن واجمون ~~صامتون، ويختار أي تلميذ، وغالبا ما يكون من الجالسين في الصفوف الأمامية، ويلعن أباه، ~~ثم يهدأ الحفني أفندي. # ومع ذلك كان يعاملنا كالرجال الكبار، وكثيرا ما كان يقطع الدرس، ويحدثنا عن متاعبه؛ ~~فقد كان يقيم وحيدا في لوكاندة، وكانت عائلته في مصر، فيكلمنا عن الجزار الذي خدعه، ~~وباع له رطل اللحم ثلاثة أرباعه عظام، وخادم اللوكاندة الذي أكل من الباقي قطعتين كبيرتين ~~حين ms007 أرسله يشوي اللحمة، وكيف أصبح ذات مرة، فوجد حافظته قد اختفت، وفيها اثنان من ~~الجنيهات. # ويحدثنا عن ابنه الذي يغوي البنات في مصر، والذي رسب ثلاث مرات في السنة الواحدة من ~~أجل هوايته، وعن امرأته التي تأبى أن تسكن دمياط، والتي يرسل لها في أول كل شهر معظم ~~ماهيته. # كنا نسمع منه هذا، ونضحك في بعض الأحيان، ونتظاهر بالحزن في بعضها، وهو لا يشاركنا في ~~كليهما، وإنما كان وجهه يحفل بالاشمئزاز والاشمئناط كمن يعاني من مغص دائم. # وما كان الرجل يلقى تقديرا من أحد؛ فتلاميذه يعبثون به، وزملاؤه يسخرون منه، والناظر ~~يتجهم في وجهه ويلذعه كلما رآه بالنقد، والمفتشون يكتبون عنه أزفت التقارير، بل لا ~~يتورعون عن تجريحه أمامنا في الفصل. # وكنت من المجتهدين الجالسين في أول الصفوف، الذين تهدد اللعنة في أي وقت ~~آباءهم. # وكنت أكره «الشرز» الواحد الذي يرتديه صيف شتاء، حتى كان يخيل إلي أن زغبه الخشن ~~ينغرز في جسدي أنا، وكنت أكره رباط عنقه الذي يلقيه على ناحية نائية من ياقته، وأكره ~~أصابعه الملفوفة القصيرة، وهو يهرش بها كرشه المنبعج، وأكره أسنانه الصفراء بغير دخان، ~~ومنديله المتكرمش المتسخ حين يخرجه من جيبه ويدعك به أسنانه في وسط المعادلة التي يشرحها، ~~ثم يعيد المنديل، ويستأنف الدرس، وكأن شيئا لم يحدث. # مع أني كنت أكره كل هذا منه، إلا أنني كنت أحبه، فوراء جسده التخين القصير، ومشيته ~~المتطوحة، وصراحته، ونظرته الممغوصة، وطربوشه الملقى إلى الخلف في قلة اكتراث، كان وراء ~~هذه طيبة كنا نتحسسها بقلوبنا الصغيرة، فنحبه، ولكن حبي له ما كان يمنعني من ~~المشاركة في الضحك عليه، ولا من سترته، وقد أغرتني ذات يوم فعلقت له فيها ذيلا. # ولا أنسى يوم دخل علينا الفصل، وترنحنا ونحن نقف ~~له، وتناول من تحت إبطه أوراق إجاباتنا في امتحان الفترة، وسكتنا فقد كان كل ما يمت إلى ~~سيرة أي امتحان كفيلا بإشاعة الرهبة فينا، وأفسح له سكوتنا واديا متراميا راح يندد ~~فيه بخيبة تلاميذه، وقلة نفعهم. # وبعد أن التقط أنفاسه ms008 الكثيرة اللاهثة التي تعقب حماسه، أشار إلي، وأشاد بإجابتي، ~~وأخرج ورقتي وتلاها كنموذج للإجابة، وأقول الحق سرت في بدني فرحة عظمى أعادت إلي ذكرى ~~اليوم الجليل في حياتي، يوم رأيت نمرتي بين الأرقام الناجحة في امتحان الابتدائية. # ولقبني بعدها زعيم الكيمياء، وسقت أنا فيها رغبة في الاحتفاظ باللقب، مضيت أذاكر ~~كالآلة حتى انتقل الحفني أفندي إلى مدرسة أخرى. # وكان وداعنا له حافلا. # كان كل ما تذكرته مجرد قبضة واحدة سريعة من ذكرياتي، مرت بخاطري، فأشعلت النار في ~~رماد حياة بأسرها، عشتها، ونسيتها، وأصبح بيني وبينها ما يزيد على عشر سنين. # وما إن انتهى الوهج الذي خلفته القبضة، حتى كنت قد عبرت ممر العربة، ووجدت نفسي أقف ~~في آخرها أمام الرجل الذي في يده الجريدة. # وجلست على المقعد المقابل، وسألته في كثير من التهتهة إن كان يذكرني. # ونظر إلي الرجل بنفس نظرته المشمئزة الممغوصة، ولم يقل شيئا، فاستطردت ألحم الكلام ~~في الكلام، وأدخل الثالثة فصل أول في المعادلات وقانون الغازات، وأنبوبة الاختبار التي ~~انفجرت ذات مرة، والرفاعي، والدغيدي، وأحمد مسلم من شطار الفصل. # وبعد كثير بان على الرجل أنه تذكرني، أو بالأحرى تذكر صبيا صغيرا يشبهني كان من ~~تلاميذه. ولم يظهر عليه أنه سر لهذه الذكرى فلا ريب أنه استعاد أذيال الورق الملون، ~~وتأنيب الناظر، وعبث الجميع به. # ولكني انطلقت أحدثه عن الأيام التي مضت، والسنين التي لم تغير في مظهره، ولم ~~تضف إلى علامات العمر فيه علامات جديدة، وحدثته عن الكلمات الصغيرة السريعة التي كان ~~يغمرني بها، والتي أصبحت علامات بيضاء دفعتني قويا في طريق الحياة، وعن التقدير الذي ~~أختزنه له من زمن. # وتعجب قليلا، وبعد أن كان واضحا أنه يضن بالكلام، بدأ يحدثني حديث الإنسان عن ~~المدارس التي تنقل فيها، وعن الوزارة التي تضن عليه بالدرجة، وعن زملائه الذين أصبحوا ~~نظارا، وهو لا يزال مدرسا، وعن امرأته التي طلقها، ونفقتها التي تستغرق مرتبه، وابنه ~~الذي ترك المدارس، وذهب يمثل في السينما. # وسألته عن طلبة هذه الأيام وأنا أضحك، فلم ms009 يجبني، وإنما أخرج منديله العتيد من جيبه، ~~ودعك أسنانه، ثم بصق من النافذة. # وذكرته بحكاية زعيم الكيمياء، فابتسم لأول مرة، وأخذ ينصت باهتمام حين قصصت عليه ~~كيف دخلت مسابقة الكيمياء وكنت الأول، وكيف التحقت بكلية الطب وتخرجت، ولي سنين وأنا ~~طبيب. # وحين وصلت إلى هذا الحد، انفجر في ضحكة طويلة اهتزت لها كل أرجاء جسده، وزغدني في ~~كتفي وهو يقول: يا شيخ اتلهي، اتلهي! # وحتى حين أطلعته على بطاقتي الشخصية وأنا أقول له: كل ده بفضلك. # بان عليه حرج كبير، وضرب كفا بكف، وهو يقول: في المدة القصيرة دي، تبقى دكتور! ~~دكتور! # فقلت مرة أخرى: كل ده بفضلك. # وكنت أقولها في حماس الصبي الذي كان في دمياط، وفي رهبة الفتى أمام أستاذه، وفي تلعثم ~~المبتدئ حين يقابل الفنان الذي وصل. # وطول المدة التي أمضاها في مدرستنا ما رأيت الحفني أفندي سعيدا أبدا؛ ولذلك تفرست في ~~ملامحه، وقد بان فيها تعبير بدائي عن سعادة تطرق وجهه ربما لأول مرة. # وأخذ يفرك كفيه، ويطبطب على فخذه، ثم يروح بالجريدة عن وجهه الذي احتلته ابتسامة ~~واسعة بانت لها أسنانه، وقد اسود صفارها القديم. # وبين الفينة والأخرى يردد: والله عال، أهو واحد من دمياط نفع، والله عال، واحد ~~نفع. # وأقول له إننا كلنا نفعنا، ولكنه لم يكن معي، وإنما كان يستغرقه شعور قوي يشيع فيه ~~أحاسيس لا عهد له بها. # وجاءت المعادي، وكاد ينسى أنها محطته، وشد على يدي بحرارة وهو يشكرني بأنصاف كلمات، ~~ولا أدري على أي شيء كان يشكرني، وودعته حتى باب العربة، وابتعد القطار بي، وهو يلوح ~~بيده، وفرحة كبيرة تقلقل خطواته، والابتسامة تتموج في وجهه، وسعادة غامرة تطفح من ~~عينيه. # كان كالطفل الذي نجح لتوه في الشهادة الابتدائية. # | على أسيوط # - يا سيدي، والنبي يا سيدي، يا ناس، يا ناس، حرام عليكم، دانا جي من أسيوط، جي ماشي يا ~~ناس، على رجلي، وبقالي هنا سبوع، سبع ليالي بايت، نايم على الرصيف قدام المستشفى، دانا ~~مريض، مريض يا عالم، غلبان يا هوه ms010 ، ورجلي ما عدت طايق ريحتها، المدة ضربت في وركي، دا ~~حرام، والنبي دا حرام، واللي خلق النبي دا ما يخلصوش. # وقبل أن تمتد أذرع «التومرجية» القوية تنتزعه، وتعيده من حيث جاء، تململ الطبيب في ~~كرسيه، وقطع الحديث الدائر بينه وبين الحكيمة، واستدار إلى المناكف الجديد. # وعبر الطبيب على الوجه الصدئ الذي أمامه، والذي كله شعرات وفجوات وغضون، عبر في سرعة ~~وفي ملل، فالمترددون على المستشفى كلهم ملبدو الوجوه بغيوم الحاجة والمرض، ولكن الطبيب توقف ~~قليلا، متفرجا، عند ملاءة السرير القديمة التي اسود لونها الأصفر الباهت، وامتلأت ~~بالبقع والخروق، والتي عمم الرجل بها رأسه، وتدلى طرفها بجانب وجهه كذيل ملطخ ~~بالوحل لكلب عجوز. # ورمق الطبيب في قليل جدا من الدهشة رجله الملفوفة في عدد كثير من الخرق والأشرطة ~~والجوارب القديمة من مختلف الألوان والأحجام، وقد كست رجله من قمة أظافرها إلى مفرق ~~فخذيه، فضخمت الرجل وكبرتها، حتى أصبحت كصبي مستقل صغير يرتكز عليه الرجل في ناحية، ~~ويستند في الناحية الأخرى إلى فرع شجرة غليظ ملتو غير مشذب. # انتهى الطبيب من استعراضه في لمح البصر، واستقرت عينه على الشيء الذي يهمه من كل هذا، ~~على ورقة المستشفى البالية المتسخة، وقد استماتت قبضة الرجل عليها. وفي الحال شد منه ~~الورقة، وقلبها في اشمئزاز، ثم انفرجت أساريره فجأة، وزأر في الرجل: يا بني آدم، أنا مش ~~محولك من أسبوع لعيادة الجراحة، إيه اللي جابك هنا تاني؟ هنا يا مغفل حاجة اسمها الاستقبال ~~بس، فاهم؟ # وقفز «التومرجي» يشاطر في الزئير ويقول: دا مكتوب له، يحول في عربة كمان، أما ناس ~~ما بتختشيش. # وكاد الرجل أن يبتسم لولا أن وجهه خانه، فبدأ يغمغم: يا خيه يا سعادة البيه، ما الجراحة ~~حولت لباطنية، وباطنية حولت لسرية، وسرية حولت لجدية، وآديني رجعت تاني، وبقالي أسبوع ~~يا سعادة البيه بارقد على الرصيف، وآخ... # ورد الطبيب بسرعة وغضب: طاب، وحاعملك إيه؟ وأنا مالي يا أخي؟ أنا ملزوم؟ أنا ملجأ؟ أنا ~~لوكاندة؟ اسمع، مش عايز دوشة، أنا حاحولك الجراحة تاني في ms011 عربية برضه، إنما وشرفي لو شفت ~~وشك بعد كده ... # ورفع الرجل يده الفارغة، وأمال جسده حتى كاد يلمس المنضدة التي يجلس إليها الطبيب، ~~واندفع يقول ولا شيء يوقفه: لا لا لا، والنبي يا بيه، أنا مش عايز علاج واصل، والنبي يا بيه ~~دانا ... # وانفجر الطبيب كالبركان: أمال عايز إيه؟! # وكان انفجاره هو إشارة البدء لأيدي «التومرجية» لكي تلتف في جبروت حول الرجل، وتقتلعه ~~من الغرفة، فناضل بكل ما يملك ضعفه من قوة يحاول تخليص نفسه، وقال في وهن ومسكنة: والنبي ~~يا بيه، والنبي وحياة والدك، مش عايز الجراحة، حولني على بلدي، حولني على سيوط. # | أبو سيد # الدنيا كلها سكون، والصوت الوحيد الذي يتسرب إلى الحجرة كان ينبعث من «وابور الجاز» وهو ~~يون في ضعف مستمر واهن، وكأنه نواح طفل عنيد مسلول، ولا يقطع ألون الشاحب البعيد إلا ~~زحف «الكوز» على أرض الحمام، ثم صوته وهو يبتلع الماء ويصبه بعد ذلك في ضوضاء ~~مكتومة. # واستمر الوابور يزن، والكوز يحف ويبتلع وينصب ماؤه، وصفيحة الماء تقرقع، استمرت ~~الأصوات كلها تتضارب وتحلق كالوطاويط في سماء الحجرة، حتى جاد الوابور بآخر أنفاسه، ~~وانطفأ، وعاد المكان إلى سكون الدنيا الثقيل. # ومضى وقت طويل قبل أن يفتح باب الحمام، ويسمع رمضان نقيق «القبقاب» على البلاط وهو ~~يقترب، ويعلو وهو يقترب، حتى دلفت امرأته إلى الحجرة، وأحس بنفسها الذي ليس غريبا عليه ~~يملأ الجو. # وظل «القبقاب» رائحا غاديا، وضوء المصباح ينتقل من مكان إلى مكان، وهمهمة حزينة خافتة ~~تنحدر، وتعلو من فم امرأته مع اقتراب الضوء وابتعاده، ظل هذا يدور ورمضان مغلق عينيه، ~~ومصر على إغلاقهما، ولم ينتفض ويفتحهما إلا على قطرات من الماء البارد تلسع ~~وجهه. # وجمده قليلا مشهد امرأته، وقد وقفت منكوشة ~~الرأس، والمشط الخشبي في يدها، تدكه بين غزارة شعرها الأكرت، ثم تشده بكل ما تستطيع ~~ليحرث طريقه بين الجذور والسيقان، وقد زمت وجهها السمين الخمري اللامع، وارتسمت دقائق ~~التجاعيد حول أنفها السهل الفاطس، وبان النور من عينيها اللتين ضيقتهما في فروغ بال، ~~بينما ms012 رذاذ الماء تدفعه جذبة المشط، فيتساقط هنا وهناك، وعلى ثوبها الشيت النظيف ذي ~~الورود الكبيرة الباهتة. # وانتهى جمود رمضان، ثم عاد إلى نومته، وقال في شيء من التحدي وهو يغلق عينيه: مش ~~تحاسبي يا وليه، قزازة اللمبة حطق من الميه، وردت المرأة بكلام مضغوم لم يفسره، ولم ~~يهتم به، فقد عاد يتنفس بعمق، ويكن رجله، ثم يفردها، ويشخر بمطلق إرادته، ثم قرر أن ~~ينام. # وحين كان يجذب اللحاف فوق أكتافه، وارب عينيه، ~~وألقى نظرة أخيرة على زوجته التي كانت يدها تمتد إلى المصباح تمسيه، وشعرها قد تم ~~نظامه، وازدادت لمعته، ووجهها قد ابيض، حتى كادت تختفي تجاعيده في تلك الابتسامة ~~الكبيرة الرائعة التي احتلت وسطه. # وارتعش رمضان، وأسرع يصفق عينيه في عنف؛ فقد كان يعرف من زمان سر هذه الابتسامة، ~~فاليوم يوم الخميس، والليلة ليلة الجمعة. # وأحس الرجل بالسرير ذي الأعمدة الرفيعة يهتز، ويزيق، ثم بامرأته تستوي على السرير، ~~وتدخل تحت الغطاء، وعبقت في الدنيا التي يصنع اللحاف سماءها رائحة المرأة مختلطة برائحة ~~ثوبها الشيت، ورائحة الصابون الرخيص الذي دعكت به جسدها. # وكح رمضان، وكان لا يريد أن يكح، وطال سعاله. وقالت امرأته ووجهها إلى الناحية ~~الأخرى في صوت حنون ذليل: مالك يا سي رمضان؟ # ثم سكتت قليلا قبل أن تقول في همس خافت مليء بالإثم: اوعى سيد يكون صاحي. ~~- ولما لم يرد، تنهدت في حرقة تصاعدت من كبدة قلبها، واهتزت أعمدة السرير وهي ~~تستدير لتكمل آهتها، حتى أصبح وجهها يتدفأ بكثير من الحرارة والخشونة المنبعثة من ~~رمضان. # وكان الرجل ساعتها يلهث، ولفح أنفاسه يحملها بعيدا إلى حيث لا يراهما أحد، ثم يلوكها ~~في نشوة ويدغدغ ضلوعها في حنان، ومدت يدها وملست على جبهته اللزجة بالعرق، ثم أرسلت ~~أصابعها تتحسس رقبته الغليظة النافرة العروق، وقالت في صوت خنفته، وأطالت فيه حتى ~~غدا كمواء قطة جائعة: اسم الله عليك يا خويا، اسم النبي حارسك يا ضنايا، وكح رمضان، ~~وكان لا يريد أن يكح، وزام من خلال فمه المطبق، ثم اهتز السرير ms013 وهو يستدير ليعطيها ~~ظهره. # وما كانت هذه أول ليلة يستدير فيها، ولا كانت هذه أول مرة يكح فيها ويزوم ويعبس، وهو لا ~~يذكر كم شهرا مضت، وهل بدأت المسألة عقب أيام العيد الصغير أم قبله، وهناك ضباب كثيف بينه ~~وبين البداية، فما فكر في الأمر أبدا ولا اعتبر ما حدث - يوم حدث - بداية لأية نهاية، ~~تماما كما لم يتبين جاره سي أحمد الكمساري في شركة الأوتوبيس أن السخونة التي أصابت ~~ابنته، ممكن أن تكون البداية لنهاية يعزيه فيها الناس على البنت. # والناس على هذه الحال، وكذلك رد ما أصابه في تلك الليلة إلى نوبة البرد التي ألمت به، ~~ومرت أيام. وراح البرد من جسده، وحين استيقظ ذات صباح، ووجد العافية قد ردت إليه، ~~قرر أن يفعلها في نفس المساء. # وانشرح خاطره لقراره ومضى إلى الميدان يردد في انتعاش مطلع الموال الوحيد الذي ~~يعرفه، وتسلم صرة الميدان كما تركها، ووقفت العربات لإشارته كما اعتادت أن تقف، ويده قوية ~~في قفازها الأبيض القديم كما كانت طول عمرها، وبدلته بزرائرها الصفراء اللامعة محبوكة ~~عليه، تبرز أكتافه، وتضيق فوق كرشه فتكوره وتجعله كالبطيخة أمامه، وقبعته يلمع فوقها ~~الدهان الذي لا يفلح في إخفاء كل ما فيها من قذارة وبلى، وقلمه الثابت الثقيل في يده ~~يلتقط نمرة العربة في سرعة الواثق من يومه وأمسه وغده يدونها بخطه الواضح الذي كان ~~يفخر بجماله، كانت الدنيا هي الدنيا، الدنيا التي هنا والتي هو ملكها، كانت لا تزال بخير، ~~ولا يزال يتربع على عرشها، ويحكمها بصفارته، ويعز من يشاء، ويذل من شاء فقط متى لوح ~~بقفازه. # وحين كان يكتب أول مخالفة كان عقله سارحا في الليلة التي سينفض فيها عن نفسه خمول المرض ~~الذي لازمه أسبوعا، ولكن أمور اليوم شغلته، وعيونه الزائغة هنا وهناك تنقر المخالف من ~~تحت حافة القبعة، هذه العيون ألهته عن الخاطر، ولم يتنبه له إلا هناك، حين كان يجاهد في ~~خلع حذائه الميري الثقيل، وقد ألقى بجسده المنهوك على «الكنبة»، وامرأته تلقي إليه ~~بتحيتها ms014 الوادعة، ثم تتربع على الأرض وتقول في حماس أطفأت العادة جدته: عنك ~~أنت. # وطوقت يدها اللينة قليلا سمانة رجله، بينما مقدمة حذائه أصبحت مدفونة بين أثدائها، ~~وحينئذ نقر الخاطر فوق رأسه. # ولم يعتبر ما جاء في باله عملا صبيانيا، فراح يزغزغ المرأة بحذائه الثقيل العريض، وهي ~~تضحك، وتنهره، وتدفعه، وتميل إلى الوراء، ثم على جانبها، حتى تكاد تلمس الأرض، وتشدد من ~~قبضتها على عضلات رجله، وترخي القبضة في بطء، وهو قد استمرأ اللعبة، وانتشى وهو يعب من ~~صوت امرأته التي كانت تمطه، وترفعه، ثم تحيله همسا، ونصفها يضحك، ونصفها يتدلل، وكلها ~~تريد وترغب. ~~••• # في ضباب البداية يذكر رمضان هذه الليلة ولا ينساها، فقد حاول في كل دقيقة منها وسالت ~~عليه بحور العرق، وقد أصم شعوره عن العالم، وأصبح هو وامرأته والفراش كل دنياه ~~وتفكيره. # وأزاحته المرأة مرات ومرات، ولعن أباها آلاف المرات، والمعركة تدور وتدور لا تهبط إلا ~~حين يتململ الصبي، حتى يكاد يستيقظ، وتبدأ حين يعود إلى غطيطه، ويعود اللعاب يسيل من جانب ~~فمه. # وهجعت المحاولات قرب الفجر، ونامت المرأة، ولم ينم رمضان. # وليلتها مضت، وليلة أخرى جاءت، وصراع جديد نشب، وثقة رمضان في نفسه ورجولته تستميت وهي ~~تدافع عن نفسها، والواقع وما يحدث يسلب هذه الثقة كل ما تملك. # وأخيرا سلم رمضان بعد ليال، وقال لنفسه في صباح يوم بصوت لا يدري أكان مسموعا أم ~~غير مسموع: لا حول ولا قوة إلا بالله، والله ضعت يا رمضان واللي كان كان. # ولم تكن أول مرة يتحاشى فيها امرأته وهي تقدم له الفطار، وإنما كان يود أن يزيحها ~~في هذا اليوم من أمامه، ثم يسرح ويخبط رأسه في الحائط عله ينفلق، كان شيء غريب يدور فيه، ~~فبالقوة والعافية والعرق والليالي الطويلة كان عليه أن يصدق أنه لم يعد رجلا. وكان ~~هو يأبى أن يصدق، ويكابر هذه الحقيقة، وهو مكسوف خجل كما لو كانوا يزفونه في البلد فوق ~~الحمارة، وهو عاري الجسد وعلى رأسه كومة طين. # ويعود من جديد يقول وكأنه ms015 يتلو آية الكرسي ليطرد جنية من الجان: والله ضعت يا رمضان، ~~واللي كان كان. # ويصمت، ثم يقطع لقمة كبيرة من الرغيف ولا يأكلها ويقوم، وينظر من النافذة، ثم يكح ويبصق ~~بصقة كبيرة على العشش التي فوق السطوح أمامه، ويعود إلى جلسته أمام الطبلية، ويسرح في صمت ~~طويل آخر، وهو يحدق في الطعام، ويمضغ صمته حتى يشبع فيرتدي البدلة، وكأنه يخلع كل ~~ملابسه، ثم يتسلل من البيت كحرامي النحاس، وجسده هارب منه، وأطرافه لا يعثر عليها. # وحين يقف وسط الميدان، والعربات تزدحم حوله، والأرض والسماء تتحرك، وهو وحده الواقف ~~الهامد الضائع، حينئذ يشعر بتفاهة هذه المملكة التي له، ويضايقه القفاز الأبيض، ويحس ~~بالقبعة وكأنها حجر الطاحونة يكتم أنفاسه، ويومها لا يقيد محضرا واحدا، وماله هو والمحاضر ~~والمخالفات، فليدع من يخطئ يخطئ، ومن يتحطم يتحطم، ومن يقتل يقتل. وهل هو الذي ينظم الكون؟ ~~لعن الله العربات وأصحاب العربات، والمرور، وكل ما يمت إلى خلية النحل التي يلسعه دويها ~~وصرخاتها. # ولأول مرة في حياته كره بيته، ووجه امرأته النحس، ولم يعد توا إليهما. # وفي خطوات لا يهمه وقعها، ولا أين تقع راح يدق الشارع بحذائه الثقيل، وقد كفأ القبعة فوق ~~جبهته، وامتلأت أخاديد وجهه بالاشمئزاز واليأس، وفك حزامه العريض، وتمنى أن ترحمه ~~عربة نقل وتأكله. ووصل أخيرا إلى باب الإنسان الذي لا يصادق في المدينة إنسانا سواه، ~~وطرق الباب - ونادرا ما كان يطرقه - ولم يفاجأ طنطاوي، وإنما رحب به وسأله عن الصحة، ~~وكالمعتاد عن البلد والقرايب والنسايب، والذي مات، والذي عاش، ومن تزوج، ولكنه فوجئ فعلا ~~حين قطع رمضان أسئلته، وقال في جد: اسمع يا واد يا طنطاوي، عايزين تعميرة. # ولم يكن رمضان يشرب الحشيش كثيرا، ولكنه شرب هذه المرة حتى إن طنطاوي لم يأتمن الطريق ~~عليه، فأصر على مرافقته، ولم يرفض رمضان، ولم يقبل، ولم يرد على أسئلة صاحبه عن السر ~~الذي يكمن وراء سكوته. # وفي الطريق سرح رمضان بعيدا، وأوغل في الزمان والمكان، حتى وصل سكينة جارتهم في بيتهم ~~القديم على ms016 الترعة، ثم السنوات القليلة التي أعقبت بلوغه، وكان رمضان يتوقف عن السير، ولا ~~يدري لماذا، ثم تجذبه ذراع طنطاوي فيمشي، ويسرح، ثم يتوقف، حتى خطر له خاطر قاله في ~~انبهار: يكونشي يا ولاد الحشيش ينفع؟! # وانفجر ضاحكا، وقد كف عن المشي، وغمغم الطنطاوي وهو يهز رأسه في رثاء: الجدع انسطل ~~والنبي. # وهم رمضان أن ينطق، وكادت الكلمة تغادر فمه، ولكنه لحق نفسه، وابتلع الكلمة، وابتلع ~~معها ريقه الجاف. وحين جره الطنطاوي من يده عاد حذاؤه يقرع الطريق مرة أخرى. ~~••• # ولم ينفع الحشيش، أبدا. # وعاش رمضان بعد لياليها صامتا، لا يتحدث إلا حين يمد إنسان يده، فيستخرج من جوفه ~~كلاما كالعصارة الفاسدة لا نكهة له ولا معنى، وإنما هو مزيج من الضجر والتبرم يعكره ~~سخط غامق بليد، وامرأته تتكلم، وتكثر من الكلام، وهو لا يتحرك. وعمله في الميدان أصبح ~~علقما يشربه في بطء الساعات التي يقضيها نصف واقف، وتحيته التي طالما انتفض بها لرؤسائه في ~~مرورهم تضاءلت ووهنت، وأصبح ينتزعها من جسده كما ينتزع الناب الفاسد. وأصبح يتخبط في ~~حبل طويل من الأكاذيب التي يقصها على الطبيب، فيمنحه اليوم أو اليومين إجازة يقضيها ~~حيث لا يقضيها. # وعمره ما عاد لبيته إلا ويده مشغولة بشيء، ولو بربطة فجل، فصار يعود ويده خاوية تتأرجح ~~بجانبه، وكأنها ليست من جسده. # وفي ذات عودة، سلم على حماته، وكانت قد حضرت لتوها، وتندى جبين امرأته لبروده وعدم ~~مبالاته، وأكلت النيران قلبها وحديثه لأمها لا يخرج عن: إزيك، سلامات، ثم صمت طويل من ~~صمته البارد، تعقبه سلامات أخرى، حتى ضاقت الضيفة فلم تكد تلهف صلاة العشاء، حتى ~~تمددت على السرير، وهي تئز بآهاتها، وتشكو من مفاصلها. # ولم تمض ساعة حتى كان ممددا بجانب ابنه وامرأته على الحصيرة تحت أقدام الفراش. # وأيقظته حماته حين عثرت به لما قامت تتوضأ قبل الفجر، وحين كانت تخطئ كعادتها وهي تقرأ ~~الفاتحة بصوتها الخشن، كان يسأل نفسه بعدم اكتراث، ترى ما الذي جاء بها؟ # وكان الجواب ينتظره في المساء حين تنحنحت الحاجة ms017 بعد العشاء، وقد تربعت على الأرض، وأسندت ~~ظهرها إلى الحائط، وانتهت من إحاطة نفسها ورقبتها وصدرها بالمحرمة الكبيرة البيضاء، وبدأت ~~تقول بصوتها المبحوح: بقى يا بني ما خبيش عليك. # والحق أنها أخفت عنه الخطاب الذي أرسلته لها ابنتها من ورائه، وإنما راحت تسوق له ~~القصة في حنكة العجائز. وكام صمته هو الذي شجعها على أخذها دور أمه وأخته، ثم ناصحته ~~حين قالت: وكل عقدة وليها يا ابني حلال، ألف حلال. # عقدة ماذا؟ وحلال إيه؟ وماذا جاء بك؟ ومالك أنت وما أضناك يا ابنة المركوب؟ وبدأت ~~اللعنات التي تنهال من داخله إلى داخله تصنع بصابيص النار التي ألهبت ثورته، فحتى هذه ~~اللحظة لم يكن قد أدخل امرأته في المسألة، ولم يعترض وجودها وشعورها ورأيها طريقه، وهو ~~يترنح في الخرابة وحده، إنه ليس وحده، ومن يدري كم معه الآن؟ # وشبت الثورة في حريق هائل قلب الطبلية، وأطفأ المصباح، وسمع الجيران طقطقة حطبها ~~حين علا صوته في زئير مرتفع: علي الطلاق ما انتي نايمة في بيتي. # وباتت الحاجة وابنتها عند الجيران وقبل الشروق كان القطار يحمل الأم وحدها إلى ~~البلد، ولو كان للبنت مكان في دار أخيها لحملها هي الأخرى. # كان رمضان في نفس الوقت يتسرب من الحارة، وهو يتلفت حوله حتى لا يراه أحد، وحين قابله أبو ~~سلطان وصبح عليه غمغم بتحية قصيرة، ورأسه منكس، وأقدامه تسعى في عجلة حتى يتوارى عن ~~الأنظار. وكذلك فعل مع عبد الرازق بائع الجرائد، والحاج محمد الفوال، وكل الوجوه التي ~~يعرفها والتي لا يعرفها. كانت أقل حركة فيها سره، والكلمة الواحدة فيها إشارة واضحة، ~~والضحكة فيها سخرية منصبة عليه، كل الناس يعرفون حتى الواقف بجانبه، المتعلق معه في عامود ~~الترام، حين زغر له بعينه والترام يميل، كان يعرف هو الآخر. # ومضى إلى صرة الميدان كالريح وهو يتمنى أن يشف ويشف حتى لا يراه أحد. # وبدأ العمل. # ومن لحظتها بدأ يحس أنه واقف في الوسط كالواجهة الزجاجية يتطفل عليه كل غاد ورائح. ~~ويحاول كل محدق وناظر أن ms018 ينكش سره الباتع، وخيل إليه وهو يحاول ضم ضفتي ~~نفسه ليحكم إغلاقها أن الناس يضعون عيونهم وأنوفهم بين ضفتيها، حتى تبقى مكشوفة ~~مفتوحة. ودعاه فشله إلى صب جام غضبه على الناس، وقضى اليوم بطوله يدون المخالفات، ~~ويهدر بأوقح الألفاظ، ويزور مركز البوليس جانيا ومجنيا عليه، وكان يومه حافلا. ~~••• # وتلقف الميدان من ساعتها رجلا كئيبا غريبا، لا يفك وجهه الأسمر الجاف إلا ~~ليعقده، ولا يتكسر صمته بكلمة تائهة عابرة إلا ليعود إليه الصمت يلون سمرته، ~~ويرتعش له شاربه الذي نماه وشوشه، حتى غدا كحزمة متنافرة من عشب شيطاني. # وميدانه تحول ميدان رعب، وهو أصبح «بعبع» السائقين تخفق قلوبهم، وهم يمرون أمامه - ~~وما أقل ما يمرون - ويتندرون بينهم وبين أنفسهم على الجاويش الأسمر أبي شوارب، وخشونته ~~وسلاطة لسانه، وحقده المرير على كل امرأة سولت لها نفسها أن تقود عربة، أو حتى تعبر ~~الميدان. # ثم امرأته. # آه من امرأته! # لقد أضناه التفكير فيها، ماذا كانت تفعل يا ترى حين عاد مرة إلى البيت ولم يجدها، قالت ~~له يومها: إنها كانت عند أم حميدة، أم حميدة، أم حميدة الصعيدية، وأخوها مهني، الولد الذي ~~يلبس السكروتة المكوية التي تظهر أفخاذه، ويعقص الطاقية، ماذا كانت تفعل عند أم ~~حميدة؟ # ويوم أن ضبطها تطل من الشباك بلا منديل، بنت الكلب، وبلا منديل! # وهكذا اعتاد التأخر في العودة بعد أن أدمن على باب طنطاوي، وعاد مرة في شيخوخة الليل، ~~وارتدى جلبابه الأبيض، وأحكم طاقيته الصوف فوق رأسه، وفرش جسده المنهك المخدر فوق ~~السرير، وأصوات اليوم تطن في أذنه، وحديث طنطاوي ينبثق في مخيلته، ثم يختفي. # وتبين بعد أن خف الطنين وغاب طنطاوي أن امرأته لا زالت مستيقظة، ليس هذا فقط، بل ~~إنها تنهنه بنحيب مبتل، وكان رمضان ليلتها قد بلغ به الأمر منتهاه، ووصل إلى حافة ~~مقاومته، فظل بكاء المرأة يتساقط على الحاجز الجامد الذي وضعه بينهما فيلعقه، والحاجز ~~يرق، حتى لم يعد يفصله عنها إلا اللحاف، وظل ينصت لبكائها، وهو لا يملك إلا الصمت، حتى ~~انهار، وقال ms019 وكل جزء من جسده ينشج بغير دموع: بس قوليلي يا نعيمة، أعمل إيه؟ # ولم ترد، وإنما كانت تحملها شهقة وتضعها شهقة، وقد انخرطت في بكاء عال. # وهزها رمضان في حنان ذليل، وعاد يسألها. وما كان ينتظر منها شيئا، وإنما ألحف في سؤالها ~~ليغلب عجزه ويشرك إنسانا على الأقل في حل لغزه. ~~••• # وبدأ البحث عما يفعله الناس، وبدأ السؤال، وفتح رمضان الكتاب، والتمس حل عقاله عند ~~أصحاب الحل والربط، وزار أسياد البلد كلهم، وأطعمته نعيمة الحمام والمنجة من توفيرها، ~~ومص زعازيع القصب، وترنح على دفة الطار في الزار، واستيقظ مع الفجر مرات ليرمي العمل في ~~البحر، وسوت له امرأته الفطير مختلطا بدمائها، وتجرع من العطار كل ما عند ~~العطار. # وفي كل مرة كان يعود وكأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا. # ثم عرف رمضان الطريق إلى المستشفى السري، وتعرف في طابور المرضى على رفاقه، وآنسته ~~الصحبة بقدر ما امتلأ الكيس الذي خيطته له نعيمة بزجاجات الدواء، وفرغ الكيس وامتلأ، ~~وانغرزت الإبر في عروقه وفي عضلاته، ودخل المستشفى وخرج. # وجاءت حماته ومعها بعض النقود، وراحت النقود كما راحت غيرها، ولم تفرغ مشورات الحماة ~~ونصائحها ولا آراء الأهل وأطراف الأهل. # واستمر رمضان يفتش عن رجولته في كثير من اليأس، سائلا كل من يلقاه، جاريا وراء كل ~~مشير، متتبعا كل أصبع، وحديثه أثناء ذلك لا يدور إلا عن البحث الذي وهب له نفسه. والحديث ~~يدور في صلاة الجمعة، وعلى القهوة، وفي سوق السمك، وعلى محطة الترام، ومع تومرجي المستشفى، ~~وحتى مع حضرة الضابط، كل هذا والحال مثل الحال. ~~••• # كان الحديث يدور بين رمضان ونعيمة فوق السطح والشمس تدفئهما في ذلك اليوم من أيام ~~الشتاء، وكأحاديث الضحى الدافئ كان الكلام يشرق ويغرب في كسل هادئ، والوقت يمضي، ورمضان في ~~يوم راحته لا يسأل ولا يسأل، ونعيمة قد اشترت «سردين» الغداء من الصباح، وتمددت في ~~استسلام فاتر، ودار الحديث ودار، وكانت لهجة رمضان أرق ما يكون، فلعله فكر كثيرا في ~~امرأته، وأنب نفسه كثيرا حين فكر ms020 ، فاختار هذا اليوم بالذات، وهذه الساعة نفسها ليقول ~~كل ما يثقل ضميره. # واقترب مما يريد، وطأطأ كلامه وكأن حديث الضحى لا زال يدور وهو يقول: اسمعي ~~يا نعيمة. ~~- خير. # وتردد رمضان، ثم أسلمه تردده إلى سكون راح يخلص نفسه من حرجه، ويتملص منه ليقول: مش، ~~مش أحسن أخلص ذمتي من الله و... # وحين نظرت إليه في كسل وبشائر ضحكة تكاد تهب منها لحديثه المتعثر، استمر هو يتهته: أحسن، ~~أحسن، أطلقك يا نعيمة. # واعتدلت المرأة حتى واجهته، ودبت على صدرها، وقد اربدت ملامحها، وبان فيها عتب ~~كثير: يا عيب الشوم يا رمضان، إيه الكلام ده؟ دانت أبويا وخويا وتاج راسي، دانت في عيني من ~~جوه، هو أنا أسوى الأرض اللي بتمشي عليها، دانا خدامتك يا حبيبي، بقى ده كلام، مقصوصي شاب، ~~وشعرك ابيض، ونعمل زي العيال، دا دا يصح يا ابو سيد. # ولم يسكتها إلا موجة البكاء التي أوقفت لسانها، وسحبت المنديل من فوق رأسها، وضمدت ~~به دموعها حين قامت هالعة تهبط السلم، وهي تتعثر على درجاته. # وتركت وراءها رمضان يتحسس تجاعيد وجهه، ويملس على رأسه التي كادت تخلو من الشعر، ويمر ~~بيده على بطنه المتكور، ويشد شعر رجله الكث الذي ابيض أكثره، وينظر إلى ابنه ~~سيد. # وتأمل الصبي وكأنه يراه لأول مرة منذ سنوات! # كان سيد يرقد أمامه، وقد غطى رأسه بكراسة الحساب، وظل الرجل يلتهم الولد بعينيه ~~ويتوه، ثم يعود إليه غير مصدق. # لا حول ولا قوة ... # أيكون قد نسي سيد في زحمة البحث عن رجولته؟ # أيكون قد نسى حتى أن له ابنا؟ # أبو سيد ينسى سيد، ولا يذكر من الدنيا إلا نفسه! # كيف حدث هذا؟ كيف؟ ~~- سيد، يا سيد، تعال يا سيد، اقعد هنا جنبي، أيوه كده، يا ابني يا حبيبي، باسم الله ما ~~شاء الله، وكبرت يا سيد، بقيت طولي، خليني أبوسك يا سيد، هه، وكمان مرة، يا ابني أنت كنت ~~فين، وأنا فين، وكبرت يا سيد، وحتبقى راجل، وأجوزك يا سيد، سيد حجوزك واحدة حلوة، حلوة ms021 ، لأ ~~أربعة، أربعة حلوين عشان خاطرك، وتبقى راجلهم، فاهم فاهم يعني إيه راجلهم يا سيد؟ معلهش ~~بكرة حتفهم وتخلف، سامع يا سيد حتخلف، وأشيل خلفتك يا سيد بإيدي دي، فاهم يا سيد. # | ع الماشي # كان ما ضايق الأستاذ وهو عائد من الإسكندرية في الأوتوبيس الصحراوي أن جاره في العربة عرف ~~أنه محام، وكان لا يخاف في الدنيا شيئا أو يعبس لشيء قدر خوفه وعبوسه إذا حدث في مكان ~~ما، وعرف الناس أنه محام؛ فهو يعلم تماما أن الأسئلة حينئذ تنهال عليه، وتنهال معها ~~الاستفسارات، ولا يهم أن يكون هو متضايقا أم غير متضايق، مستريحا أم غير مستريح، فهم لا ~~يفرقون بينه كإنسان، وبينه كمحام، إنما يرونه دائما وفي كل وقت محاميا. # جلس الأستاذ في العربة، وهو يستعيذ بالله خائفا أن يبدأ الجار حديثه؛ ولهذا راح ينظر ~~من النافذة، وقد ترك أفكاره ترعى على مهلها في الصحراء الجدبة الممتدة، وتمرح فيها من ~~أقصاها إلى أقصاها. # ولم ينفع هذا؛ إذ سرعان ما أحس بلكزة خفيفة أعادت أفكاره من انطلاقها، وسمع جاره ~~يقول: دي فرصة سعيدة يا أستاذ والله. # فقال الأستاذ وهو يزوم: مرسي. # وأقبلت فترة صمت كان قلب الأستاذ فيها كالريشة في مهب الريح، فقد كان يعلم أن جاره ~~سوف يتحوقل بفمه، ويتبسمل بعد قليل، ثم يفتح باب الكلام ويا ويله لو فتح الباب. # ولم يخب ظن الأستاذ؛ إذ ما أسرع ما قال الجار: ألا من فضلك يا أستاذ؟ # فقال المحامي في اشمئناط: نعم. ~~- حضرتك بقى مدني والا جنائي والا مخدرات؟ # فرد المحامي على البديهة، وكأنه محام: كل حاجة، كله كله. # ومن تجاربه السابقة مع أمثال ذلك الجار كان الأستاذ يعرف أن المتحدث يسكت هنا، وتبدأ ~~فترة صمت أخرى. # وفعلا أغلق الرجل فمه المبتسم قليلا، ثم فتحه قائلا: أهلا وسهلا، تشرفنا. # واستطرد بعد هنيهة: حضرتك لازم تعرف بقى الأستاذ «...» المحامي. # وتردد الأستاذ قليلا، ثم استخار الله وقال: لا والله، متأسف معرفوش. # واستنكر الجار: متعرفوش إزاي، دا أشهر من نار على علم! # فقال ms022 الأستاذ بفروغ بال: أهو اللي حصل، قسمتي كده! والله وديني وما أعبد ما أعرفه. ~~- دا راجل جبار، ناصح تمام، ياما دوخ قضاة ومحاكم. ~~- يا سلام؟! بقى كده؟! # وسكت الجار ولم يرد، وخاف الأستاذ من هذه السكتة، فقد كان يعرف ما وراءها إذ بعد قليل ~~قال الجار: يعني المدني حضرتك تفهم فيه برضه؟ ~~- طبعا، طبعا، أمال إيه. # قال الأستاذ هذا ولم يسأل عن السبب مخافة أن يحدث ما لا تحمد عقباه. # ولكن الجار تفوه بلهجة من لا يهمه الأمر: دا بس أصل فيه حكاية كده. # وأطبق الأستاذ فمه لا يود فتحه، وكأنه ليس هنا. # ولم يثبط هذا من همة الرجل، فسرعان ما أردف: حكاية كده غلبوا فيها المحامين، هو مش ~~حضرتك بتدافع في المدني برضه، أصل أنا خايف أضايق حضرتك. # وأصر المحامي على صمته ولم يرد. # ومع هذا تنحنح الجار وقال: الحكاية غلبوا فيها كتير، اوعى تكون حضرتك مضايق والا حاجة، ~~شوف يا سيدي، بقى أصل في سنة 1925 كان لي بيت وارثه عن أبويا، وكان فيه ورثه تانيين. # وبدأ الجار يروي القصة بحذافيرها من يوم أن كانت إلى يومنا هذا، ويشرح ما مرت به، ~~والجلسات، والنقض، ونقض النقض، والأستاذ قد انشوى واستوى وهو يصغي، ومضطر أن ~~يصغي. # وكانت العربة في هذه الأثناء قد وصلت «الرست هاوس»، فنزل المحامي والرجل وراءه، وأكمل ~~القصة وهما يتناولان القهوة، وينفضان ما عليهما من أكوام التراب، ودفع المحامي الحساب ~~والجار مستمر في الرواية. وفي الطريق إلى العربة كان الرجل قد انتهى، أو كاد، فسأل بلهجة ~~لا تخلو من حداقة: وإيه رأي سيادتك بقى؟! # ولا بد للأستاذ أن يكون له رأي، أمال أستاذ إزاي؟! # وقال المحامي رأيه، وحينئذ مط الجار ابتسامته على آخرها، وقال: طيب لو سمحت بقى ولو ~~فيها مضايقة بس تكتب لي مذكرة، الكلمتين اللي قلتهم سيادتك دلوقتي كفاية قوي، أصل الحكاية ~~عقدة وصعبة، دوخت المحاميين، والنبي أنا خايف أكون بضايقك، طب بزمتك؟ وحياة والدك مانتاش ~~مضايق؟ لا لا، متتعبشي نفسك يا أستاذ، القلم ms023 أهه وآدي الورقة يا سيدي، متشكرين قوي، ~~متشكرين خالص، عاجزين عن الشكر، يا سلام، دي فرصة سعيدة، بيقولوا رب صدفة خير من ألف ميعاد، ~~بقى حضرتك ما تعرفش الأستاذ «...» ياه، دنيا، دا كان أعز أصحابي. # وكتب الأستاذ المذكرة وهو يفور ويمور وينفخ. # واعتزم أن يترك المقعد الذي كان يجلس فيه، وأن يبحث له عن آخر بعيد كل البعيد عن هذا ~~الجار، حتى لو اضطره الأمر أن يتخلف عن العربة. # وأفلح الأستاذ في اغتصاب مكان، وظل قلبه مع هذا في مهب الريح مخافة أن يكون الجار ~~الجديد أحد المتحدثين الذين سواء عرفوه أم لم يعرفوه، فأسئلتهم لا تهدأ ولا تنتهي، ولكن ~~الجار كان رجلا طيبا صموتا ما فتح فمه، ولا حتى ألقى ناحيته بنظرة، ولو على سبيل ~~المجاز. # ورغم أن الدنيا كانت قيظا، والعربة أصبحت كالفرن الذي ليس له مدخنة، والغبار من كثرته ~~صار له لسع الناموس، وأزيز الذباب، والمقاعد عليها بحور عرق في وسطها ناس، رغم هذا فقد ~~استراح الأستاذ لصمت الجار الراحة كلها، وأحس بقلبه ينعنشه ثلج بارد. # وراحت العربة تئن وهي تقطع الطريق الملتوي الطويل، وشعر الأستاذ بعد قليل أنه يود ~~معرفة الساعة التي ستصل العربة فيها، وكان ممكنا أن يسأل جاره ببساطة، ولكنه لم يشأ هذا ~~حتى لا ينبش الجار فيفتح فمه، ولا يقفله أبدا. # ولكن في مطب من المطبات الكثيرة مال الأستاذ على الجار، فكاد يوقعه وكلمة من هنا، ~~واعتذارات من هناك تعرفا، واتضح للأستاذ أن جاره دكتور، واكتفى الأستاذ بالذي كان فأغلق ~~باب الحديث، وأحكم الإغلاق. # وانتهت المطبات، وسارت العربة كالريح، والأستاذ صامت، وجاره صامت أيضا، ولكن بعد وقت ~~تذكر المحامي شيئا، ونسي قراره فابتسم وقال لجاره: الا حضرتك بقى دكتور في الطب، والا ~~في ... # وحين وصلت العربة إلى القاهرة، وغادرها الركاب كان الأستاذ لا زال يقول للطبيب: لا لأ، ~~متتعبشي نفسك، بلاش روشتة، آدي القلم والورقة، اسند هنا على ضهر العربية، بس والنبي عايز ~~دوا يقضي عليه، دا مغلبني قوي الصداع ده، زي ما ms024 قلت لحضرتك، من سنة 36، والروشتات أهيه، ~~اوعى أكون ضايقتك يا دكتور والنبي؟ متشكرين، متشكرين قوي، بقى حضرتك بتشتغل في إسكندرية، ~~يا سلام عالصدف السعيدة، يا سلام! # | الهجانة # قال البعض: إن السبب هو نصف فدان القطن الذي اقتلعت شجيراته في الليل من أرض ~~البرنس. # وقال آخرون: إنه النقب الذي حدث في اصطبل الإبعادية المجاورة. # ورد بعض ثالث، وكاد يقسم أن السبب هو الحريق الذي اجتاح الساقيتين القبليتين في وقت ~~واحد. # يختلف الناس دائما أبدا على السبب، ولكنهم يذكرون تماما عصر الجمعة الذي جاءوا فيه، ~~وتمشت مع مجيئهم الهمهمات تزحف في القرية، وتقول: الهجانة وصلوا. # كان الرجال يزومون بها، ثم تتشعب أصواتهم مملوءة بالخوف والتشاؤم تارة، وتارة تحفل بغبطة ~~ساهمة، فإن جديدا سيحدث في القرية، وما أقل ما يحدث في القرية من جديد. # وكان الصغار يتلقون الكلمة من أفواه آبائهم، وترتعش أجسادهم بالخوف من الغرباء الذين ~~لم يسمعوا عنهم أو يروهم، ثم تنبسط وجوههم بالفرح؛ لأنهم سيرونهم. # وأصبح لا حديث للنساء إلا عن العبيد الطوال السمر ذوي الأرجل الرفيعة الجافة والكرابيج ~~المسقية بالزيت. # ولم يرهم أحد حين دخلوا القرية، ولا حين تسربوا إلى دوار العمدة، وكأنهم وصلوه من جوف ~~الأرض، ولكنهم ما إن استقروا في الدوار، حتى حفل الشارع الذي بجواره بأناس يتبصصون على ~~القادمين، ويتسمعون ما يجد من الأخبار، وحينئذ تميل الرءوس على الرءوس، وتجري الإشاعات ~~رائحة غادية مخترقة البلدة من أقصاها إلى أقصاها. # ومن غير أن يلف مناد أو ينبه خفير، سرت الأوامر تحملها آذان إلى أفواه، وأفواه ~~إلى آذان. # وعرف الناس في غمضة عين أن الويل لمن يخطي عتبة داره بعد المغرب، وعليهم إرجاع المواشي ~~قبل حجة الشمس، وعليهم بعد هذا ألا يوقدوا نارا، أو يشعلوا مصابيح، ثم ليتعشوا ويصلوا ~~ويناموا في الظلام، والويل لمن لا يعجبه الحال. # وكما يعم الصمت ساعة الإفطار في رمضان، سكتت الألسن فجأة في الحلوق على أثر هذه ~~الأنباء، واهتزت الرءوس تجتر الأوامر السريعة المتلاحقة على مهل وفي وجوم. # وشعر كل واحد أن الأمر ms025 أكثر من أن يفكر فيه وحده، فتقارب الجيران مذهولين في حلقات، ~~وامتلأت القهوة الوحيدة بالناس، وقد أصبحت مصدر التخمينات. # وعلى قدر ما أذهلهم ما سمعوه، فقد استنكروه وأبوا تصديقه. ~~••• # ولم يستطيع مخبول أن يتصور أن القرية كلها قد نامت من المغرب، والليل انقضى دون أن يسمع ~~للعشاء أو للفجر آذان، لم يتصور مخبول حدوث هذا. # ولم ينتظر واحد منهم أن ينصت له آخر، فراحوا كلهم يتكلمون في انفعال واضح، وقد علت ~~الأصوات، واهتزت الأيدي، وكلما ارتفع الجدال وازدحمت القهوة كثرت آذان النساء والبنات ~~الملتصقة بالنوافذ، تلتقط ما استطاعت التقاطه، ثم تطير به إلى المتحفظات القاعدات أمام ~~الأبواب يتبادلن الآهات والحسرات. # وكان من المستحيل أن تستمر الحال على هذا المنوال، فشيئا شيئا كلت الأصوات، وهدأت ~~المحاورات، ولف الحاضرون أيديهم حول كوبات الشاي والقرفة، فقد كان هذا آخر عهدهم ~~بالقهوة التي ستغلق أبوابها بعد اليوم، ويبحث محمد أبو حسين صاحبها لنفسه عن عمل ثان، ~~هكذا قالت الأوامر. # وسرعان ما بددت الجماعة الوجوم الذي أدى إليه النقاش، واستطاع جمعة أن يرفع صوته ~~الأخنف، حتى يسمع الموجودين ما كان يود قوله من زمن: والنبي لماشي في نص الليل، واللي ~~يقابلني حتف في وشه. # ورد عليه حامد الصعيدي الذي يعمل الطعمية أيام السوق بصوته اللزج قائلا: يا شيخ اتلهي، ~~دانت لو دقت كرباج ... # وضحك الجمع، واستمروا يضحكون، وشعبان مقاول الأنفار يدق بيده على صدره ويقول: بذمة محمد ~~أنا آكل عشرة من الكتربنت السود دول. # وساهاه عبد الفتاح الخفير، وهو في حموة كلامه، ودلق بعض الماء في قفاه، وانتفض شعبان ~~ملسوعا خائفا، ولعلعت القهقهات. # وقال الخفير بعد أن شبع ضحكا: إنتو عارفين إيه يا ولاد؟ دول بنادقهم هندي من أم حداشر ~~طلقة، مش زي الممغوصة بنادقنا الأرمنتوه. # وأخذ بعد هذا يشرح، في لهجة العالم، الفرق بين الهندي والأرمنتوه، وعدد قليل يسمع، بينما ~~الباقي قد تفرق يتهامس، ويتحدث في شئون العيش. # وساعتها كان نفر من الأعيان جالسين يستنشقون الهواء في الخلاء على مقاعد محطة القطار ~~ومعهم العمدة، ms026 وتلقفوا الأنباء باهتمام قليل، وأنصتوا إلى العمدة وأشداقه تضخم ~~الكلمات، ثم تفرطها على دفعات، وهو يقول إن البلد تلفت، والخلق باظت، والذمم خربت، والناس ~~تخاف ولا تخجل، ولا يصلحها إلا الكرابيج الغريبة. # وكان الأعيان يموءون وهم يوافقونه على كل ما يقول، بل تمنى واحد منهم لو كان الود وده ~~ليبقى الهجانة تسوق الناس أمامهم كالنعاج أعواما وأعواما. ~~••• # وأصفر العصر. # وكانت البلد قد أفرغت ما لديها من كلام، وعرفت كل الأخبار والشائعات، ورويت من السخرية ~~بنفسها ومن إخافة بعضها بعضا. # وحين رأى الناس خيالاتهم تطول وتمتد، تذكروا المغرب وما ينتظرهم فيه. # وتحرك المصدقون والمكذبون والمتفكهون في كل اتجاه، حتى أصبحت القرية كعش النمل، ~~وأسرعت النسوة إلى الغيطان يستعجلن الأزواج، ويروين ما حدث. # وازدحمت الأطباق والأذرع الملحة أمام الدكاكين، وتصاعدت أدخنة كثيرة من المواقد ~~والأفران، وقد تكهربت تنجز الطعام والخبز. # وفي النهاية قطعت الأرجل من الشوارع، وتجمع الناس في استغراب وسخرية حول الطبالي ~~يحاولون ابتلاع العشاء، والشمس ما زالت طالعة. # وراح الآباء والأمهات يعدون الأولاد، ويرون من الغائب، ويوصونهم ويخيفونهم من ~~الشياطين السود، ومن مغادرة الدور. # واختفت الشمس وراء نخيل الحوشة وحدها، ودون أن يراها أحد، فقبل المغرب كانت الأبواب قد ~~أغلقت كلها، والناس رابضين في الدور وفوق السطوح. # ولم ينم الناس. وكيف ينامون؟! وانطلقوا يتحدثون داخل المنادر والقاعات، غير مقتنعين ~~بالذي حدث ولا مقيمين له أي اعتبار. # وجاء قطار الثامنة يتهادى، وسمع الناس صفيره، فانقطعت الأحاديث واستعدت الآذان كلها ~~لسماع ما يجري للعائدين من البندر في القطار، الذين بلا شك لم يعلموا بما جد، ولم يهيئوا ~~أنفسهم له. # وارتجت قلوب كثيرة، وبكت نساء، ونهنهت عجائز، والآذان تشرخها الصرخات التي عمت ~~القرية، وتلسعها أصوات الاستجارة والهرولة والركض. # وأعقب الضجة سكون أغرق الليل والظلمة والناس، ما كان يقطعه إلا دبيب الأحذية الميري ~~الثقيلة، وهي تحف بالأرض بين الحين والحين، والصوت الرفيع ذو اللكنة البربرية الغريبة ~~يقول وكأنه مطواة تقطع: مللي هناك؟ # ولا يرد عليه أحد، وقد ينبح كلب بعيد، ثم يعود الصمت الغامق. ms027 # وبات الناس ليلة طويلة أكثرها خوف ويقظة، والقرية قد لفها جو خطير محير. # وأدرك الناس في حسرة حينئذ أن المسألة جد لا هزل فيها، وأن الذي يقع ستزهق روحه، ~~وتسلخ الكرابيج جتته. ~~••• # وطلع الصبح. # وتفتحت الأبواب، وانطلق الخلق كالدجاج الذي ضايقته زحمة القفص، وكانوا حين يتبادلون ~~تحية الصباح يقولونها بقلوب متورمة، وأرواح خجلة، كانوا كالذي فقد شيئا، ولكنه لا يدري ~~كنه ما فقد. # وتناقل الناس وهم يتفرقون وراء رغيف الخبز ما حدث للعائدين من البندر، وكانوا يتناقلونه ~~في فتور خافت، وحين علموا أنهم ربطوا بحبل، وقضوا الليلة في الدوار بعد علقة نصفها الموت، ~~كانوا يهزون رءوسهم ولا يقولون شيئا، أو ينطق الواحد بكلمة لا معنى لها، ثم ~~يسكت. # وبدأ يوم طويل كغيره من الأيام، ومضى النهار في تلكؤ يخنق الأنفاس، وحين عاد الرجال في ~~الظهر وما بعد الظهر منهكين مشتتين التقت الجماعات فوق المصاطب، وأمام الدور، وقد أغلقت ~~القهوة. وكان كلامهم كثيرا لا روح فيه ولا فائدة كثرثرة النساء، وكل منهم يغرق في ~~رواية تفاصيل ما سمعه من دبيب أثناء الليل، ويقص نفس الحكاية عما حدث بعد قطار ~~الثامنة. # وحين مج الناس الكلام والعودة إليه، تحول الحديث الدائر على مصطبة المعلم عمر إلى ~~ناحية أخرى؛ لما عن لعبد الغني الجمل أن يطيل لسانه. وعبد الغني هو المنقذ دائما من ~~الحديث الممجوج؛ فهو لا يعدم نكتة يرنها على الحاضرين، فينسوا كل شيء، وتستغرقهم فكاهات ~~عبد الغني، وكان هو نفسه فكاهة، بقامته القصيرة التي تطاولها قامات الصغار، ورأسه التي مثل ~~حبة البطاطس، وطاقيته الصوف المنطبقة بحذافيرها على جبهته، والتي حولها المنديل المحلاوي ~~القديم ملفوفا ومربوطا بعقدة خبير، حتى لا يبين شعره، وما كان له شعر. فتحت طاقيته ~~كانت قرعته حمراء راشحة، وكان الناس إذا لم تسعف النكتة عبد الغني يجدون في رأسه المتنفس، ~~ويجذب الجريء منهم طاقيته، فتفج الحمرة من رأسه، وتنهال عليها البصقات. # غير أن ما حدث وجد فيه عبد الغني ثروة ما بعدها ثروة، فراح يقلد الأوسطى عبد الخالق ~~الحلاق ms028 السمين الطويل ذا الشوارب، وهو ممسك بحقيبته الخشبية التي فيها العدة في يده، ~~ورافعا باليد الأخرى ذيله، والكرابيج تنهال عليه، ولا يستطيع الجري، أو حتى التحرك، وإنما ~~يقول في تهتهة عاتبة مختنقة بالبكاء: ما يصحش يا افندي، يا افندي ما يصحش. # وينفلت عبد الغني في براعة إلى عمك دعدور بائع السردين الذي نظره شيش بيش، والذي يصر ~~دائما على التحدث بالمنطق والحجج والقانون، وعلى فلسفة كل ما يدور في البلد من حادثات، ~~وعبد الغني كان حين يغمز دعدور لا يخلو فؤاده من بعض الحقد، فقد كان الناس يضحكون لفلسفة ~~دعدور الساذجة أكثر من ضحكهم لنكات عبد الغني المفتعلة، التي يدافع بها عن نور رأسه. # وعلى غرة وجم الجالسون والواقفون وكفوا عما هم فيه حين همس الشحات في صوت آمر: هس ~~يا جدع، أهم جم. # وما انتهى حتى كان الثلاثة يمرون من أمامهم، وكانت هذه أول مرة تقع عليهم الأبصار في وضح ~~النهار، وسن كل واحد عينيه محاولا أن يلتهمهم بنظراته. كان فيهم واحد طويل رفيع ~~ملفوف كعامود التليفون يبدو أبو عوف الجمال طفلا إذا وقف بجواره، وكان الثاني أقصر منه ~~إنما له شلاضيم أعوذ بالله منها يبرز بينها ضب من الأسنان اللامعة البياض، وكأنها أصابع ~~المذراة، وكان ثالثهم مبططا مربعا وعيناه يقدح منهما الشرر، وكانت وجوههم في سواد الهباب، ~~وحلكة ليالي آخر الشهر، ويقطع سوادها تشريطات، وعلى كتف كل منهم بندقية، وفي يده كرباج ~~طويل تلتف حوله أسلاك نحاسية صفراء تنتهي بعقد غليظة، العقدة منها تطلع بقطعة ~~لحم. # ومروا بلا سلام أو كلام، وكأنهم فائتون على جبانة، وما كاد دعدور يفتح فمه يعلق على ~~الموقف بعدما ابتعدوا حتى أقفله ثانية، وأحكم الإقفال. فقد عاد الثلاثة وفي عيونهم شر ~~مستطير، ودون سابق إنذار ارتفعت الكرابيج مرة واحدة، ثم دوت، بينما لكنتهم تقول في حقد: ~~على بيتك، يا بنت الكلب. # وكان الشاطر هو الذي أخذ ثوبه في أسنانه، وقال: أخلو لي الطريق. وفي غمضة عين لم يكن في ~~الشارع كله إنس واحد، ms029 وجرى الثلاثة وراء الناس كالنحل الفائع، وكانت وقعة الذي يقابلهم ~~أسود من شعر رأسه. # ويومها نامت البلد من العصر. ~~••• # ومر يومان وثلاثة وخمسة، ولا حديث للناس خلال الساعات التي يستطيعون فيها الحديث إلا عن ~~الهجانة وما فعلوه. فالليلة دخلوا على الحاج مصطفى وهو يتعشى، وقلبوا الطبلية وضربوه، ثم ~~تسلقوا السطح وراء الحاجة فألهبوها وهي تجأر بالصراخ. # وفي الغد تتناقل الألسن ما حدث لعبد الحميد وامرأته حين أشرفت على الوضع، وخرج غصبا عنه ~~يحضر أم مخيمر الداية، وكيف ظلوا يضربونه حتى قال: أني مرة. # وليلتها بات في الدوار ووضعت امرأته وحدها، واستمرت تنزف إلى أن جاءتها الإسعاف في ~~الصباح. # والا يوم قابلوا شيخ البلد وجف ريقه، ووقف لسانه وهو يردد: أنا الشيخ، أنا الشيخ، أنا ~~الشيخ. # يقولها ويرددها حتى والكرابيج تنهال عليه والهجانة تقول: شيكه إيه يا هراميه، خش ~~بيتك. # وكل حديث من الأحاديث كان يزيد انكماش الواحد في جلده، فأصبح لا هم لكل إنسان إلا ~~أن ينهي ما في يده حتى يلزم داره، أما الذين كانوا يعملون في البندر ويجيئون في القطار، ~~فقد استغنى أكثرهم عن عمله، وداروا في القرية بلا عمل، والباقي فضل ألف مرة أن يبيت على ~~أي وجه في البندر، ولو على الرصيف. # وفي يوم السوق كانت قصة تحكى، ويعقبها استنكار كثير. فقد ضربوا ليلتها مرسي أبو ~~إسماعين. وصحيح أن مرسي لم يكن يملك قيراطا واحدا، وليس في حوزته فدان إيجار، إنما كان ~~ولدا ولا كل الأولاد، كان ابن ليل قتل وسرق ونهب، وفي صدره العريض الراسخ ترقد قصص تشيب ~~لهولها الولدان، ومع هذا ففي البلد كان يعيش في حاله، وأدبه في معاملة الناس مضرب الأمثال، ~~كان يعود المريض ويعزي في الميت، ويساعد الضعيف، وينتقم للمظلوم، ويقف لكل صغير وكبير، ~~وكانت البلد تفخر به إذا جاء مجال الفخر بين أبطال البلاد، ويروون عنه كيف لوى سيخ الحديد ~~وكسر المسمار، ورفع كيس القطن وحده على الجمل. وعلى حسه كان الناس يتركون محاريثهم ~~ومواشيهم في الحقول، وبعد هذا كله ms030 تضربه الهجانة! وتطلق عليه النار إرهابا حين حاول ~~المقاومة! ثم تدك صدره بعد ذلك بدبشك البنادق وكعوب الأحذية! # واضطر الناس في النهاية أن يصدقوا حين كانوا يقاربون السوق، ويمرون بالمركز، ويشاهدون أبو ~~إسماعين قابضا على حديد النافذة كالأسد الجريح. # وعادوا يومها من السوق، وكل يقول لنفسه: ابعد عن الشر وغني له. ~~••• # وكما تتهادى مياه الترعة لا يقلقها إلا موجات خانعة لا تكاد تشب حتى تموت، عاش الناس وقد ~~رضوا بما كان وسلموا بما حدث، وما قد بقي في قلوبهم من استنكاف زال وانمحى، ولم يعد بها ~~إلا تسليم ذليل، حتى العمدة الذي كانت كل بادرة تصل إليه، فيسمعها، ويجعل أذنا من طين، ~~وأخرى من عجين، قابلوه ذات ليلة، فقال لهم إنه العمدة، فردوا عليه: ولو، خش بيتك. # ودخل بيته، وأغلق الباب بالضبة والمفتاح دون أن يقول ثلث الثلاثة كام. # وبلغت الحكاية الناس، وضحكوا في سرهم على العمدة، وتشفوا فيه، وعرفوا أنه غلبان مثلهم ~~ولا حول له ولا قوة، وأنه لم يعد الحاكم الناهي في البلد. # وتطلع الناس إلى الحكام السود الجدد، وبدءوا يتعرفون أسماءهم، ويخلطون بين حسن الطويل ~~وجاسر القصير، وسلطان الذي له عيون الذئب، ومضوا يتحسسون أخبارهم، ويعدون عليهم كل ~~ساكنة وواردة، ويعرفون يوما بيوم من عند من سيأكلون؟ ومن أي بيت من بيوت الأعيان سيحمل ~~لهم عبد الفتاح الخفير الصينية الحافلة فوق رأسه. # وكان الصغار سباقين إلى تتبع ما يدور في غرفة الهجانة، فكانوا يدسون أنظارهم خلال ~~نوافذها، ثم يزهقون من التطلع، فيجرون وراء بعضهم وهم يقلدون أصوات العساكر ومشيتهم، ~~ويستعيضون عن الاستغماية أثناء الليل بالجري بالأطواق أثناء النهار، ويلحفون على آبائهم ~~حتى يشتروا لهم كرابيج مثل التي مع الهجانة، وحين لا يجدون في إلحاحهم أملا يصنعونها هم من ~~ذيول البهائم التي يذبحها أبو أحمد الجزار، وكذلك من أجزاء أخرى، وبدلا من الزجر الذي ~~كانوا يلقونه من الآباء في أول الأمر، تساهل الآباء، بل تعدى الأمر حدود التساهل، ~~وتدخلت سيرة الكرابيج فيما كان يدور بين الرجال من أحاديث، ms031 وكانت المجادلات لا تنتهي حول ~~صنعها وحول البلاد التي تصنعها، وهل هي مصر أم السودان؟ # وكان الطلبة والتلامذة الذين يقضون إجازتهم بالبلدة يسمعون الأحاديث، ويسخرون من الجهل ~~الذي يسودها، ويتفضل واحد منهم، ويصلح ما أفسده الجهل، ويتطرق الكلام إلى الهجانة أنفسهم، ~~ويصغى الناس في شيء من الإكبار إلى الأفندية، وهم يسخرون بالحكام السود، ويتفكهون عليهم، ~~ثم ينقلبون بجرأتهم على البلدة الجبانة التي تتمسح في أحذية عساكر ثلاثة، لا يساوي الواحد ~~منهم مليما أحمر. # وكان الناس يعرفون سر سخط التلاميذ، فقد منعت الأوامر الجديدة طوابيرهم التي كانت ~~تجوب القرية رائحة غادية، وكذلك سهراتهم إلى نصف الليل على الميزانية الحجر، وجريهم وراء ~~بعضهم في دروب البلدة النائمة، وتربصهم بالبنات. # وكان الناس يسمعون الكلام ويسكتون، فالمتاعب لا تنقصهم، ولكن كان بعضهم لا يسكت، ~~فالبدراوي محترف كتابة العرائض والبلاغات مضى عليه أسبوع، وله كل يوم عريضة، وكل صبح بلاغ، ~~يفند فيها ما صنعه العساكر بالبلد، ولكنه حين عرف أن الهجانة قد علمت بأمره، نفض يده من ~~الكتابة، واندفع يتقرب إليهم ويتلطف معهم، ويرجع بنسبه إلى دنقلة حيث جاءوا، ويتطوع ~~بإبلاغهم سرا ما يحدث وراء ظهورهم، ولم ينفعه كل هذا حين قابلته الهجانة، التي لا تعرف ~~عربي، ذات ليلة، وقد اطمأن إلى صداقتهم، فجعلوه يعض الأرض وهو يستعرض تربة ~~أجدادهم. # وكانت البلد حين يسلمها يوم كئيب إلى آخر أشد منه كآبة يزداد شعورها بأنها كانت في نعمة، ~~وزالت، وأن الخراب قد حل، ويكاد محمد أبو حسين صاحب القهوة يخبط رأسه في الحائط على رزقه ~~المقطوع، وتجار الكيف معه ساخطون، والخفراء يصرون على أسنانهم، ويكتمون وهم في أعماقهم ~~يتمنون مصيبة عاجلة تطيح بالهجانة، وقد أصبحوا هم وشيخهم وعمدتهم دلاديل، وصار لزاما عليهم ~~أن يقضوا الليل بطوله ساهرين، والدكاكين وقفت حالها، والعاملون بالبندر لا يجدون الخبز، ولا ~~صلاة ولا عبادة أو سهر، وإنما ضرب وإهانة ومسخرة، وكأنما البلد بأناسها عزبة أبيهم، ~~والحكايات تترى عن ركنتهم في زقاق مبروكة، ومبروكة تاجرة البيض العازبة كانت الركنة في ~~زقاقها حدثا ms032 تتلاعب له الحواجب، وتغمز العيون. # والناس في صبرهم كالجمال، تشهد وتسمع وتقاسي حتى تحين اللحظة. # وقد حانت. ~~••• # كان مرسي أبو إسماعين قد مضت أيام على خروجه من الحجز، ولكنه لم يمكث في البلد إلا يوما ~~واحدا، ثم غادرها إلى حيث لا يعرف أحد. ويومها كان الناس يتدبرون في ملل ماذا يطبخون ليلة ~~النصف من شعبان، وفوجئ الذين خلفهم النهار في البيوت بالهجانة، وهي تجري هنا وهناك هالعة. ~~وما أثار جريانهم الخوف بقدر ما أثار الاستغراب، فما كانوا يرتدون بدلهم أو أحذيتهم ~~الثقيلة، وليس في أيديهم كرابيج، وإنما حفاة عراة، وقد نكشت شعورهم السوداء الغامقة. # وحسب الناس أن شيئا خطيرا قد حدث، أو أن حريقا شب، فلم يتمالكوا أنفسهم، وجرى البعض ~~وراءهم. غير أن الخبر عرف في النهاية، واتضح أن عبد السلام النجار هو الذي وقف لهم على رأس ~~الشارع، والورداني هو الذي أحضر السلمين وربطهما معا، ثم صنع منهما قنطرة وصلت حائط الدوار ~~بحائط بيت أبو حسين، وبقية الرجال كانوا على السطح، وكان مع عبد المجيد سكينة طويلة بحدين، ~~ومع الورداني بلطة، ومع صالح بندقية ميزر، وكان مع أبو حمد شمروخة الذي ما رفعه مرة إلا ~~وكسر به رأس. # والمهم أن مرسي أبو إسماعين الشارب من لبن أمه هو الذي تسلل وحده إلى الغرفة التي ينام ~~فيها الهجانة في النهار، وخرج حاملا بنادقهم. # وقص الرواة وشهود العيان ما جرى بعد هذا، وكيف تذلل الطغاة إلى العمدة، وكادوا ~~يقبلون مداسه، وكيف بكى جاسر وهو يستعطف الرجل ويرجوه أن يعثر لهم على البنادق حتى لا ~~يروحوا في ألف داهية. واختلفت الروايات في رد العمدة، ولكنها اتفقت على أن الرجل استعبط ~~عليهم وأفهمهم أن الأمر قد خرج من يده، مع أنه يعرف، وكل الناس يعرفون من هم أولاد الحلال ~~الذين فعلوها. # ويسكت الرواة، فالبقية قد شاهدها كل الناس، حين انقلب المركز والنيابة، وجاء ضباط من ~~المديرية، وارتبكت الدنيا، ولم يتوقف التليفون عن الرنين. # وانتهى اليوم وقد سيق الهجانة محروسين. # وحين أقبل الليل كان ms033 عشرة من أهل البلد قد غيبهم المركز، والمباحث تقص الأثر وراء أبو ~~إسماعين، والقهوة لا تزال مغلقة، والناس تتساءل في قلق عما يحدث غدا، وهل يجيء هجانة ~~آخرون، أم يكتفي الحكام بالذي مضى؟ # ورغم هذا فقد أوقد الناس المصابيح، ورأوا النور في الليل وقد اشتاقوا إلى النور، وأذن ~~المغرب والعشاء، وامتلأ الجامع بالمصلين، وانطلقت الضحكات لأتفه الأسباب، وبلا أسباب، ولعب ~~الطلبة والتلامذة الكرة في ضوء القمر، وانتشرت مواكب الصغار تجوب القرية مهللة فرحانة، ~~وأحدهم يهتف بأغنية خارجة عن الهجانة والباقون يردون، حتى الصبايا لم يخجلن، فرحن ~~يرددنها هن الأخريات، وتتوقف المواكب عند السامر الذي أحياه عبد الغني، وقد تحزم بمنديله، ~~وكشف رأسه عن عمد فبانت حمرتها، وهو يرقص، وعمك دعدور يطبل له على طشت النحاس، والشارع قد ~~ازدحم بالضاحكين المصفقين وهم يردون على عبد الغني ويقولون: # أهي ليلة يا جميل. # أهي ليلة والسلام. # | الحادث # ذات عام كان عبد النبي أفندي والست حرمه في مصر، وكانت الدنيا صيفا، وعبد النبي أفندي ~~يمشي بجوار امرأته بجسده الذي هو طويل حقا، ولكنه ذلك النوع من الطول الذي لا يبدو له ~~عرض، فلا سمنة تبرزه، ولا أكتاف ممشوقة تنسيك رفعه، وإنما شيئان هاكعان مضمومان تتعلق ~~عليهما سترته كأنها معلقة على شماعة، ومع أنه كان يرتدي بدلة، إلا أنك كنت تستطيع أن تدرك ~~للتو أنه لم يعتد ارتداءها، فقد كان يخطر فيها وكأنه لا يزال يخطر في الجبة والقفطان، ~~ويمد يده وكأنها لا زالت طليقة في الكم الواسع الهفهاف. وكنت تستطيع أن تقسم أن نار ~~المكوى لم تلسع بدلته منذ أن وجدت، وكذلك لا تقدر أن تخمن متى وجدت، ومع ذلك فالمحافظة ~~على الملابس كانت في دم عبد النبي أفندي؛ ولهذا كان يضع منديله النص نص الأبيض بين رقبته ~~وبين ياقة سترته حتى يمنع عنها العرق الذي ينضحه قفاه الأسمر، وكذلك كان يفعل في طربوشه، ~~والغريب بعد هذا أن ياقة السترة، وحافة الطربوش كانتا دائما من أمتع الأمكنة التي يحلو ~~للعرق والتراب البقاء فيها واستعمارها. ms034 # وبالقياس إلى وجه عبد النبي أفندي الذي قدمت سحنته حتى اسودت، وتناثرت تجاعيده في طيبة ~~قبيحة، ولكنها طيبة والسلام، بالقياس إلى وجهه، كان وجه امرأته الماشية بجواره حلوا أبيض ~~فيه احمرار، ليس هذا فقط، بل إنها كانت ترتدي ثوبها الحرير الأحمر الذي دخلت به، وفوقه ~~الفستان الشفاف الأسود، وكانت تضع فوق شعرها الطويل البري قبعة ذات ريشة، كان عبد النبي ~~أفندي قد اشتراها لها أيام «مودة» القبعات، ولم تنس الست تفاحة أن تسدل فوق وجهها ~~البيشة الكحلية التي تثنت أطرافها ولمعت أجزاء منها، وتلاصقت من كثرة ما وضعتها على ~~وجوه أطفالها حين كان يصيبهم الرمد. # وكان عبد النبي أفندي وهو يهم بخطوة ليلاحق امرأته، كان في لحظة من تلك اللحظات التي ~~يحس الإنسان فيها أن الدنيا عال، وكل شيء جميل، ولم تكن هذه السعادة لأنه في مصر، فقد ~~زارها مرات قبل هذه المرة ليسعى حتى لا تنقله الوزارة من المدرسة الإلزامية التي هو ~~مدرس فيها، زارها قبل الآن مرات، وعرف العتبة وكوبري عباس والمعرض وشارع المبتديان الذي ~~فيه بيت حافظ أفندي وترام 4 الذي يروح السيدة. # لم يكن سعيدا إذن لأنه في مصر، ولكنه كان عامرا بالنشوة؛ لأن تفاحة معه هذه المرة، ~~هادئة بجواره كالحمل الرضيع، لا تعايره كعادتها بكبره وصغرها، ولا تركب رأسها وتمتطي ~~لسانها، وتسخر منه ومن علمه، ومن «حتة» المدرس الذي لا طلع ولا نزل، وإنما هي صامتة ~~مدهوشة ذاهلة، وهو يفرجها على مصر، ويريها، ولو مرة واحدة في حياته أنه يعرف أكثر منها، ~~وله نفع أكثر من نفعها في بعض الأحيان. # وكان هذا ثاني يوم لهما في القاهرة، وكذلك آخر يوم، كان عبد النبي أفندي قد أتى بها في ~~طراوة العصر؛ ليريها البحر، وكانت هي في ذهولها لاهية عن كل شيء إلا عن نساء مصر، ولحمهن ~~المكشوف، وعيونهن التي تحدق في قحة وفجور ناحية الرجال دون أدنى خجل أو كسوف، وكانت إذا مرت ~~بها واحدة لا تستطيع أن تكتم ما في نفسها، فتبعث وراءها بسلسلة طويلة ms035 من الشتائم ~~واللعنات. # وحين انتهى عبد النبي أفندي بها إلى مكان على الشاطئ توقف، ومضغ ملء فمه فرحا قبل أن ~~يقول: شايفة يا تفاحة، أهو دا النيل اللي بيقولوا عنه. # وردت تفاحة وقد فاجأها البحر، فتاهت في ملكوته ونسيت عيون النساء: ياه، يا خرابي يا عبد ~~النبي! # ولهثت قبل أن تستطرد: دا والنبي يبلع طوره زي بحر مويس. # وانتظر عبد النبي أفندي متلذذا وامرأته تهضم انبهارها، وقلبه يرفرف بالفرحة وهو فخور ~~بالنيل الذي أدهش تفاحة - وما كان شيء يدهشها - وكأن ذلك البحر نيله، القاهرة بحالها إحدى ~~ضياعه. # وقبل أن تستيقظ تفاحة من غفوة الدهشة التي انتابتها، عسعس عبد النبي أفندي بلا وعي في ~~جيبه، فعثر على حبة حمص كانت باقية، فألقى بها بلا وعي أيضا في فمه، وخلع طربوشه نهائيا، ~~وأمسكه في يده، فبان شعره الخفيف المنكوش الذي لا يفلح في إخفاء صلعته، وقال بصوته الفرحان، ~~وهو يحاول نفخ كرشه المتواضع، ويمد الكلمات، ويجد السعادة في مطها والركون عند أواخرها: ~~وادي يا ستي، قصر إسماعين باشا. # وابتلع عبد النبي أفندي ريقه، وأخذ يحرك حافة الطربوش بين أصابعه وكأنها مسبحة، ومصمص ما ~~تبقى من الحمصة في ضرسه الوحيد الذي نخره السوس، واستعد للشرح، وفعلا بدأ يتكلم، ولكن ~~تفاحة كانت قد رأت لحظتها الكوبري العريض الذي تمر عليه عربات بأكملها، ثم يسع الناس بعد ~~ذلك أيضا. ولم تنتظر ما يقوله، وإنما انطلقت كالمشدوهة ناحية الكوبري، ولحقها عبد النبي ~~أفندي وهو يداري سخطه غير يائس، ولم يتوقف لتسأله، وإنما انطلق من نفسه يروي لها قصة ~~الكوبري، ويشير إلى الأسدين الرابضين، والتمثال الذي في نهايته، ويمسح رذاذ كلامه ~~بالمنديل، ثم يعود يضعه حول ياقة سترته، ويدق بعصاه - وكانت له عصا - على الأسفلت ~~ليريها متانته، وتنحني، فينحني معها على الحاجز، ويستمر يتكلم وهو يريها الماء الذي يمور ~~ويفور ويتموج. # وأخيرا نطقت تفاحة، سألته: اللا يا عبده، صحيح البحر ده مالوش قرار؟ # وأجاب عبد النبي أفندي أنه بالتأكيد له قرار، فلم تصدقه، بل وتاهت عن نفسها ms036 وعنه وخيل ~~إليها وعيناها تتابعان الموج في شغف أن الكوبري يتحرك بها ويتراجع، وعادت تحدق في ~~الكوبري وقصر النيل، واطمأنت إلى أن كل شيء ثابت في مكانه لا يسير، وتعجبت أكثر، ثم تاهت ~~مع الماء مرة أخرى. # وفجأة، جأرت بكلمة سمعها عبد النبي أفندي صرخة، فارتاع، ووقف ينظر إليها ضائع العقل، ~~واستمرت هي تصرخ وتقول: الحق، حوش يا جدع. # ولم تسعفها الكلمات، فلكمت كمية الدهن القليلة التي تصنع جنب عبد النبي أفندي، وقد تشنج ~~فمها وتصلبت أطرافها، وودت من صميمها أن ينفذ لها عبد النبي ما تريده قبل أن ~~يرتد إليها رمشها. # وكان هذا ما يضايق عبد النبي فيها فما أكثر ما كانت تدفعه وتصيح فيه، وتشده، طالبة ~~منه أن يفعل شيئا دون أن تقول ما هو ذلك الشيء، ويقف عبد النبي لحظتئذ حائرا نافذ البال، ~~وكأنه أعمى يريد أن يلضم إبرة. ~~- يا شيخ اتحرك، الله، الحق يا عبد النبي، يا ستار يا رب، يا رب استر، استر يا رب. # ودبت على صدرها وابيض وجهها وكاد يصفر. # وعلى قدر ما استطاع اتجه عبد النبي ببصره إلى حيث كانت تنظر، فما وجد شيئا غير ما توقع ~~أن يجد، ولكن إلحاح زوجته وقرصاتها ودفعها، جعلته يكذب نفسه، وتتقارب أجفانه، ويتلاصق ~~حاجباه العريضان الخفيفان صانعين تجعيدة مفرطحة فوق أنفه، محاولا أن يجد ذلك الشيء الذي ~~أرعب تفاحة فأرعبته. # وكان صبر الزوجة قد نفد فنطقت أخيرا وقد عذبها فهمه الحميري. ~~- حوش يا راجل، الولد! فين إيه؟! ياباي عليك، أهه يا أعمى! # وحدق عبد النبي أفندي مستغربا في الماء، وهناك في وسط النيل رأى الحادث. # كان العصر قد بدأ يشحب وينتهي، وكانت الشمس الذاهبة التي في السماء والشمس الغارقة ~~المدفونة في الماء، كانت شعاعاتها تصطدم على سطح الموج الصغير المتراقص، فتتفتت الشعاعات ~~إلى ملايين من ذرات ماس تتناثر في كل اتجاه، وفي وسط هذا البريق العائم كان هناك قارب أبيض ~~صغير يكاد يبلغ حجمه حجم القوارب التي يصنعها العابث بالورق، وكان في القارب طفل، طفل ms037 دقيق ~~يرتدي بذلة البحارة البيضاء، وكان الهواء يداعب شعره الأصفر في عنف رقيق، وكأنه ما يهب ~~إلا ليداعب شعره، وكان الصغير جالسا في أتم الهدوء، وفي اتزان الكبير المالئ يده من قوته، ~~وذراعاه الصغيرتان البضتان تمسكان بالمجاديف في ثقة، وتعملان بلا هوادة. # وكان ممكنا أن تمر ساعة بأكملها قبل أن يقتنع عبد النبي أفندي، ويسلم بحقيقة ما ~~يراه، ولكن المسألة لم تأخذ وقتا طويلا، فبعد أن حملق من هنا، ثم أحكم وضع الطربوش، وأدلى ~~رأسه على قدر ما استطاع، وحملق من هناك، وثنى رقبته مرة إلى اليمين ومرات إلى اليسار، بعد ~~هذا كله أغلق عينيه، وقال بصوت فيه تأنيب: جرى إيه يا شيخة؟ طربتيني! # وانتفضت امرأته تقول وغيظها يشتد: جرى إيه إيه؟! مانتاش شايف؟! حوش يا راجل. ~~- بس لو تطولي بالك، لازم أبوه وأمه هنا واللا هنا، أمال! لازم، الله! هي لعبة؟ واللامش ~~معقول يا سيدنا لفندي؟ # وسيدنا لفندي الذي توجه عبد النبي إليه بالخطاب لم يكن واحدا، وإنما كان كثيرين، وكان ~~بعضهم قد وقف يتفرج على تفاحة وعبد النبي، وقد أعجبه مرآهما، ثم مضى بعد أن أشبع ~~فضوله. # وكان البعض قد رأى الطفل فعلا فاسترعى الطفل انتباه الجزء الأكبر من تفكيره، ثم لما علا ~~صوت تفاحة واشتد حماسها بدأ يوزع انتباهه بين الطفل وبين المرأة ذات الزي الغريب، وما ~~تقوله والرجل الذي معها. # وكان بعض ثالث قد أخذ الأمر على محمل الهزل، فمضى يلعق بلسانه ثوب تفاحة وبيشتها، وطربوش ~~عبد النبي أفندي وحذاءه، دون اكتراث لما يحدث داخل النيل، ولم يعدم الأمر أن يكون هناك ~~أفندي واحد عاقل راح يتطلع إلى الطفل، ويتابع القارب بناظريه، وقد امتصه المشهد كله، ولم ~~يتبين أحد أن كان يحدث نفسه، أو يرد على عبد النبي أفندي حين قال: يا سلام! أما ناس ~~صحيح! # وأسرع عبد النبي أفندي يلحم الحديث حتى لا ينقطع: دا لازم خواجة، مش معقول ده ابن ~~عرب. # وردت أصوات تقول: أيوه دا لازم ابن جنيه. # وعقبت أصوات أخرى: أيوه يا ms038 سيدي، الفرنجة اللي على أصلها بأه! أما تفاحة فقد كان همها ~~طول الوقت مركزا في إنقاذ الولد، فقد كانت متأكدة أنه حالا سيغرق في ذلك البحر الواسع ~~الذي لا قرار له. # ولذلك، وحين لم يسعفها عبد النبي استدارت تقول في إلحاح عصبي، ولم تكن تدري لمن تقول: ~~الله! حوشوا يا جماعة، هو مافيش خير؟! والنبي لو كنت راجل ... # وكانت الجماعة في شغل عنها بالدوامات الصغيرة من النقاش التي أخذت تلف وتدور حول ~~القارب، والطفل، وأبويه وأحيانا حول لون شعره، والملابس التي يرتديها. ولمح الأفندي ابن ~~الحلال الواقف تفاحة في عصبيتها وذعرها، فرمقها بنظرة فيها سخرية متنكرة في ابتسامة رثاء، ~~وقال على مهله: يا ست متخافيش، دا الولد بيتفسح. # وأسعد الرأي الجديد عبد النبي أفندي الذي كان واقفا لا رأي له ولا حول، فانضم إليه في ~~التو، وقال مجيبا على دهشة امرأته واستنكارها: أيوه، أمال، بيتفسح. # وردت تفاحة على عجل وهي لا تصدق: يا لهوي، وأهله سايبينه كده؟ # وفي هذه اللحظة تهلل وجه الأفندي ابن الحلال، وقد اشتد إعجابه بما يجري، وقال وهو ~~يبتسم في تؤدة ويشير إلى الشاطئ الآخر: أهم، أهم. # وأقلعت العيون كلها صوب الشاطئ الثاني حتى التقت بشبحين بعيدين ممدودين يرتديان أبيض في ~~أبيض، وفوق رأس أحدهما «إيشارب» أخضر وهما يلوحان بأيديهما، والطفل يلوح لهما هو ~~الآخر بذراعه القصيرة في نشاط وغبطة. # وقال عبد النبي أفندي في جذل أبوي: دول لازم يا عيني أبوه وأمه. # وتحدته تفاحة وهي لا تصدق قائلة: بقى يعني هم سايبينه صحيح يتفسح؟! # فرد عبد النبي أفندي، وقد أفاق من جذله وأصبح من رأيها: أمال إيه؟ مجانين! فرنجة كدب ~~ضلال. # وكانت تفاحة تغلي، فليكن الولد في فسحة أو في مصيبة، ولكن أي أب مجنون هذا؟ وأية أم ~~ملحوسة؟ وكيف يجلس هذا الشحط ممددا جسده على الحشيش، بينما ابنه يكاد الماء يطبق عليه؟ ~~وكيف تحتمل هذه المرأة أن تلوح بيدها للولد هكذا في رقاعة؟ ألا تستحق بالذمة قطع هذه ~~اليد؟ # أهذه مصر؟ وآباء مصر وأمهاتها؟ ms039 ~~- تفوه علادي بلد. # قالتها تفاحة وهي تبصق في حقد وشدة محاولة دفع البصقة، حتى تصل إلى الشاطئ الآخر، ولكن ~~الريح الطيب تكفل بردها كاملة غير منقوصة إلى وجه عبد النبي أفندي، وفوجئ المسكين، ~~وبهت، ولكنه سرعان ما تناول منديله يمسحها، واهتز جسده كله وهو يقهقه ويمزح مع امرأته ~~قائلا: اخصي عليكي هبلة ما تختشيش، كدهه؟ # واستدارت تفاحة دون اكتراث لما حدث ومشت وهي تتمتم: قال إيه؟! قال بيتفسح! والنبي لو كان ~~عيل من عيالي كنت دبحته، أنهي مغفل يأمن على كبده؟ # وأسرع وراءها عبد النبي أفندي محاولا أن يهدئ من ثائرتها، ولكن غضبها لم ينفثئ وظلت ~~ما تبقى من النهار وبوزها شبرين. # وعند رجوعها إلى اللوكاندة في سيدنا الحسين وعبد النبي أفندي جالس يراجع الكشف الذي كتبه ~~بالأشياء الواجب شراؤها من مصر قبلما يجيئون، وتفاحة تصلي على النبي مرات لتستطيع أن تتذكر ~~شيئا راح عن بالها أن تمليه، وحين يئست من تذكره، قطعت يأسها قائلة: أما عجيبة، صحيح ~~اللي يمشي يشوف أكتر. # واستخلص عبد النبي أفندي نفسه، وألقى نظرة على ركاب الترام قبل أن يقول وهو لا يزال ~~سارحا بما في الكشف: يشوف إيه؟! # وأيضا لم ترد عليه، وإنما مضت تحدث نفسها وتقطع الكلمات: قال بيتفسح قال! يخي ~~يلعن ... # وفي آخر قطار وهما عائدان إلى البلد مدفونان في زحمته، جاءت جلسة تفاحة بجانب عجوز كانت ~~نازلة في قليوب. # ولم يكن مستحيلا أن يبدأ الحديث، وغادرت الولية القطار في قليوب وهي الأخرى لا تصدق ما ~~روته جارتها عن الطفل، وسنه التي لا تزيد عن الأربع سنين، والقارب والبحر. # ولما وصلا البلدة والليل قد تأخر، وعلمت أن الأولاد قد انتهزوا فرصة غيابها، واستحموا كما ~~كانوا يريدون في الترعة، لم تستطع الانتظار فأيقظتهم واحدا وراء الآخر، ولهلبت كلا منهم ~~بعلقة. # ومع الصباح توافدت النساء يسألنها عن مصر وعن الفاتحة التي أوصينها بقراءتها في ~~السيدة، وعما طلبنه منها، ووعدت بإحضاره، ولم تذكر تفاحة من كل زيارتها إلا حكاية المفعوص ~~الذي طوله شبر، والذي كانت ms040 أحيانا تقول إنه غرق أمام عينيها، وأحيانا أخرى لا يطاوعها ~~قلبها، فتروى أن مراكبيا أنقذه، وعلى أي الحالين كانت تلعن أباه، وتسب أمه. # ولم يبرح الولد مخيلتها أسابيع طوالا. # أما عبد النبي أفندي فمع أنه كان ينسى كل ما يمر به من حادثات مهما كنت الحادثات إلا ~~أن هذه الواقعة بالذات كثيرا ما كانت تراوده، وحينئذ كان يتذكر جمال الولد، وصفرة شعره، ~~وثباته، واطمئنانه، وثقته، ويده الصغيرة البضة وهي تدفع المجداف، وفي الحال كانت ترتسم ~~أمامه صورة ابنه الكبير محمد، الداخل باسم الله ما شاء الله على عامه العاشر، ويده الخشنة ~~الماسكة طول النهار بلقمة العيش المغموسة في العسل الأسود، والعسل يتساقط منها على الأرض ~~وفوق جلبابه، وداخل صدره، والذي يضع رأسه خجلا بين فخذيه إذا أقبل ضيف، وما إن يبدأه أحد ~~بالكلام - أي كلام - حتى يتراجع خائفا، قائلا بصوت كمواء القطط: ياما، ياما ~~تفاحة. # كانت ترتسم أمامه صورة ابنه فيخطط الدوائر على الدرج الذي أمامه بقطعة الطباشير التي في ~~يده، ويمصمص ضرسه المثقوب بصوت مسموع، ثم يتنهد وهو ينساب في حلم يقظان جميل، فيرى محمدا ~~راكبا ذات يوم قاربا وحده عابرا النيل في ملابس بيضاء نظيفة، وقد استوى شعره ولمع، ~~واحمر وجهه وابيض، وهو غير خائف من الماء، ولا مقيم وزنا للبحر العريض. # | رهان # كان يومها من أيام الصيف الحلال، والطريق الزراعي الطويل ليس فيه ذبابة ولا غراب، والدنيا ~~ظهر، والحر يكتم أنفاس السكون، ويكفن صغار النسمات، ويجعل من «غرزة» الشرقاوي جنة وحيدة على ~~جانب الطريق الذي يتلوى بالقيظ والنار. # وكان في «الغرزة» ساعتها أربعة من زبائنها الدائمين، الذين تسرب موسم القطن إلى ~~محافظهم، فجعلها تمتلئ بالبرايز والقروش والخمسات. وكانوا يتحدثون بكلام فاتر ممدود، ~~وفيما عدا هذا كان صالح بائع التين الشوكي يتربع بجانب قفصه، وقد مال فوقه، وغرق في صمت ~~حزين وهو ينش الذباب عن تينه، وأحيانا عن وجهه. والشرقاوي صاحب المكان استغرقه الصراع مع ~~النوم وأمامه «وابور» الجاز مطفيا، ولا يصغي إلى فرج، عامل رش الطريق، المتربع ms041 بجوار ~~عامود من الأعمدة التي تحمل سقف الغرزة، والذي كان يطلب في إلحاح تتخلله فترات صبر ~~طويلة أن يأذن له الشرقاوي فيشرب على «الجوزة» كرسيا من الدخان. # ودخل القادم الغريب. # كان أعرابيا طويلا ناشف العود، يرتدي قميصا من البفتة القديمة يكشف عن ساقيه اللتين ~~التصق جلدهما بالعظام، وحول وسطه حزام عريض من الصوف يشد ظهره، وفوق رأسه شال في لون ~~التراب، وعقال باهت تقطعت خيوطه، والعرق قد صنع فوق وجهه المدبب بحورا وأنهارا، ~~وعيناه يكاد الدم يسيل منهما. # ورد الجالسون سلامه، ووضع من فوق كتفه خروفا صغيرا كان يلهث، وحين سأل عن الماء أشار ~~الشرقاوي إلى الزير المدفون في الأرض، وشرب الرجل كل ما كان في قاع الزير، ثم أخذ مكانه فوق ~~المصطبة، وقد انتقل الماء في سرعة من بطنه إلى وجهه. # ولم تكن الألسنة تستطيع احتمال الغفوة وفي حضرتها غريب، وسرعان ما دار الحديث، وعرف ~~الجالسون من أين هو قادم وإلى أين هو ذاهب، وما لبث الاستخفاف أن انزلق إلى الألسنة حين ~~أدركوا أن الرجل لا ناقة له ولا جمال، ولا نقود معه ولا حشيش. # وفي الوقت الذي كان الملل قد بدأ يتسرب إليهم، كان صالح قد بدأ ينشط، ويكف عن نش ~~الذباب، ويساهم في الحديث بنصير وافر، ويتغزل في التين وطراوته التي تنزل على القلب ~~فتحييه. # وأصبح صالح وحده هو الذي يتكلم، ولعاب الباقين يتحرك لكلامه. # واستفتح واحد منه بخمسة «كيزان» واستكثر الباقون الخمسة عليه، وأهمل هو استكثارهم، وأعلن ~~أنه يستطيع التهام القفص كله. # وضحك الموجودون، وسألوا «شيخ العرب» عن رأيه وهم يضحكون، وتوقفوا حين قال العربي في ~~صوته المؤدب الخافت: أنا آكل ميه. # واستكثروا الرقم، بل لم يتصورا أبدا أن الثور نفسه يستطيع أن يأكل مثل هذا العدد. # وحاوروه وداوروه وهم يسخرون، ولكنه أصر على الرقم، وقدم الخروف الصغير ضمانا ~~لكلمته. # وأخرج واحد محفظته وقد قبل الرهان، واستعد لدفع ثمن المائة إذا أكلها الرجل. # وكاد صالح يطير من الفرح وهو يقشر، والعربي يأكل، والباقون في نفس واحد ms042 ~~يعدون. # وتحرك فرج من جلسته، ونسي كرسي الدخان، وانضم إلى صالح يقشر معه. # وكان الاثنان لا يلاحقان فم الرجل، وهو يتاوي «الكيزان» واحدا وراء الآخر في سهولة ~~وسرعة، وكأنه يقذفها في بئر لا قرار لها. # وحملق الشرقاوي في الرجل وقد غادره النوم إلى غير رجعة، وراح يهمس وهو يعد مع زبائنه ~~ومع صالح وفرج. # وعند الأربعين فك الرجل حزامه. # وحوالي الستين طلب الرجل ماء، فأسرع الشرقاوي يجري ويملأ الكوب من الترعة. # وفي التسعين طلب الرجل ماء للمرة الثانية، دفعه في جوفه، ثم تكرع طويلا، وفي بطء ~~وثقة أتى على المائة، وأكل بعدها كوزا آخر من أجل الحاضرين. # وما إن انتهى حتى ألقى نظرة على وجوه الموجودين التي كلها صمت ودهشة، وانتظر برهة يلتقط ~~أنفاسه، ثم حمل الخروف، وفي هدوء ألقى عليهم السلام ومضى. # وقبل أن يختفي عن الأنظار أسرعت العيون كلها تحدق في بطنه، ثم بدأت الجماعة تستعيد ~~ألسنتها. # وقال الشرقاوي وهو يهز رأسه: إن الرجل من عرب الغرب، ولا بد أنه عزم على التين، وحضر ~~الجن قبل أن يأكله. قال ذلك وتلفت يمنة ويسرة، ثم سمى وهو يبصق في عبه. # وقال صالح: إن في بطنه دودا كان يبتلع التين أولا بأول. # وتنحنح فرج وقال: إن العرب كالجمال لهم معدتان. # وأكد رجل من الذين انتفخت محافظهم إن العربي سينفجر بعد قليل ويموت، وأنهم لا ريب ~~سيعثرون عليه بعد يوم أو يومين طافيا فوق ماء الترعة، أو مكوما تحت الكوبري. # وكثرت الأقاويل، وبعدت التخمينات والتفسيرات، وكادت تنشب معركة. # أما الرجل فقد مشى في الطريق، وبدايات المغص تلوي أحشاءه وكل ما يهمه أنه تغذى، ~~وسكتت عنه ولو هنيهة مسامير الجوع، وليكن بعد ذلك ما يكون. # | 5 ساعات # كنت أجلس على المقعد ذي المسند العالي، وأمامي المكتب المتهالك، وقد ملأه الأطباء الذين ~~عملوا قبلي بأسمائهم التي حفروها عليه، والحجرة قديمة قدم القصر العيني، وكل شيء فيها قد ~~رأيته مرات ومرات حتى ارتويت. كل شيء حتى بقايا القطن والشاش والدماء الجافة المتناثرة ~~فوق الأرض، ms043 والترمومتر المكسور الذي وارته الممرضة لتوها في ركن الغرفة، كل شيء حتى ~~الأنات الصادرة من الكمساري الراقد هناك، وقد انتهيت من إعطائه حقنة لم تستطع بعد أن ~~تخدر المارد الجبار الذي كان يعتصر كليته. # وفجأة دق جرس الإسعاف. # دق في قصر مرتفع مبتور. # ولهذا الدق عند كل الناس معنى، معنى يحمل في طياته رهبة تشرخ قلوبهم، ورعشة تنتفض ~~لها أعصابهم، فإنه يعني إنسانا يموت أو سيموت. أما عند الأطباء فإنه يحمل في طياته ~~عملا، ويبعث في تفكيرهم بالخيط وقد لضم في الإبرة، والجلد وقد تعقم، ورائحة المخدر ~~وقد تصاعدت مختلطة برائحة صبغة اليود، وحشرجة إنسان يتعذب. # ودق الجرس مرة ثانية. # وتوقفت، وتوقف التومرجي عن سرحانه، واستدار ليلقي ببقية سيجارته خلسة، ثم عاد ~~ينظر إلي من جديد، وقد زال الحرج الكثير الذي شعر به طيلة أنفاسه المختلسة. # وسادت فترة صمت كنا نتسمع خلالها عويل عجلات «الترولي» وهو ينساب قادما إلينا عبر ~~الممر الطويل. # ودلف رجل الإسعاف إلى حجرة الاستقبال، وقال وهو يكاد يلهث: حالة ضرب نار يا بيه! واحد ~~ظابط اغتالوه في الروضة! ضرب نار! ضابط! اغتيال! # لم أعد نفسي حينئذ لصبغة اليود وماسك الإبر والخيط، فقد اختفى من شخصيتي تماما عامل ~~الحياة، وطفحت تلك الكلمات القلائل فوق ذهني يدفعها بركان يختزنه شعوري عن الاغتيال ~~والظلام وضرب النار. # وقبل أن أستعيد نفسي، انساب «الترولي» إلى الحجرة في نفس اللحظة التي مزقت فيها سكون ~~المستشفى كله صرخة مدوية طويلة صادرة من الأدوار العليا. # وغادرت المقعد في لهفة وانكببت على الجريح أراه وأرى النار التي أتت عليه. # والحق أنني لم أر ما حدست رؤيته؛ فقد كان الرجل يرقد في ثقة، وقد أسبل عينيه ~~وشبك ذراعيه فوق صدره وزم شفتيه، واسترعتني ملامحه، كانت فيها مصرية، مصرية من ذلك ~~النوع الذي يوقظ فيك مصريتك، ويجعلك تعشقها من جديد. وكان أسمر، تلك السمرة التي إذا ما ~~تمعنت فيها وجدت في صفائها تاريخ شعاعات الشمس المجيدة التي صنعت الحضارة على جانبي ~~النيل، وكان شاربه الأسود الكث يلون ms044 تلك السمرة، وتستشف منه رجولة، رجولة تبعث ~~القشعريرة في الرجال، وكان جسده صلبا شاهقا، وعنقه ممتلئة غليظة، كان يضج بالحياة ~~والفتوة. ومع هذا يقولون مضروب بالنار. # وقفت أحدق فيه ولا أتحرك، ولم أعد إلى نفسي إلا حين هم بالكلام؛ إذ ملت عليه ~~ألتقط الكلمات، وإذا بي أقول في صوت مستنكر هامس: إيه؟! قتلوك؟! # ومضى في نفس صوته المملوء المنخفض الرنان يقول: قتلوني في الضلمة، ضربوني بالنار، هنا ~~في ضهري. # وسألته، وأنا ملسوع دهش: مين، مين هم؟! # فقال وهو مسترسل بنفس صوته الذي كان يجذبني إليه بقوة وعنف: المجرمين ورئيسهم، العصابة ~~كلهم، أولاد الكلب. # ثم توقف لحظة، وحدق بعينيه السوداوين الواسعتين، وكأنه يخترق سقف الحجرة إلى ما ~~وراءها من سماء: كده يا فاروق، تقتلني؟! # وتلقف الواقفون كلماته، وسرت الهمهمة من داخل الحجرة إلى الخارج، إلى الشارع، إلى ~~البلد كله، إلى التاريخ. # وأحسست بنفسي أنفعل وكأن نارا قد شبت في، كنا أيامها تحت حكم فاروق، وكانت هناك ~~أحكام عرفية، وكان الظلام والسخط يخيم على مصر، ويعشش في قلوب الناس. # وكان لا يحمل إلي إلا ضحايا العربات وعجلاتها، وصرعى الترام، وعتاة المتشاجرين، ~~وكان ذلك أول جريح أراه مضروبا بالرصاص. # ولم أعد أتمالك نفسي. # تناسيت أني طبيب، وتناسيت ما علي من واجب، ولم أعد أفكر إلا كمصري يختنق بالظلم، ~~ثم يرى الظالم صرع أخاه. # وغمغم الرجل المسجى أمامي. # وعدت أنظر إليه وأدقق النظر. # كان وجهه يصفر ويصفر، وكانت تقاطيعه المفتولة تتراخى تحت وابل من نقط العرق ~~الصغيرة، وهي تتجمع فوق جبهته، وعلى وجنتيه كقطرات الندى تتجمع على زهرة تذبل، ~~وتلمست جسده فوجدته باردا، لم تكن برودة الثلج، إنما كانت برودة ممر طويل في نهايته ~~الفناء والضياع. # وقفزت إلى ذهني في قوة الانفجار تلك الكلمة التي طالما استبشعتها: صدمة! # نطقت بها غير شاعر أني أنطق، ومددت يدي أتحسس ذراعه مرة أخرى لأرى نبضه، وصدرت من ~~بين شفتيه التي كانت قد ازرقت تماما أنة طويلة عميقة تعوي وتتلوى، وجمدت يدي في ~~مكانها. ~~- آخ، آه، دراعي، دراعي ms045 مخلوع. # والتقط بضع أنفاس لاهثة. # وكنت أعرف الألم الذي لا يطيقه بشر حين تتحرك الذراع المخلوعة، إنه الألم الذي يصدم، ~~ويقتل، ويميت. ومع هذا فقد كان علي أن أرى الإصابة، وكان علي أن أديره، وأوقفت ~~شعوري، وأوقف الرجال الموجودون أنفاسهم ورنات آهاته وآلامه، تخرسنا جميعا. # واستقر بصري على أربع دوائر سوداء، وحولها ظلام الجلد المحترق. وكنت أعرف ما يؤدي ~~إليه السواد والظلام، فقد كان يؤدي إلى ثلاث قطع محمية من الرصاص استقرت داخل الصدر، ~~وقطعة نفذت واخترقت الرئة، وسال من منفذها الدم. # وقلت وكأنني أستنجد بشيء غامض، ولكنه قادر: الإسعاف السريع. # كان في هذه الكلمات، إذا احتاج الأمر أن أقولها، ما يرد لهفتي دائما ولهفة المريض في ~~بعض الأحيان، وهرج التومرجية والممرضات في كليهما. كان فيها معنى النجدة، كانت تصور لي ظلام ~~الريف الواسع المفتوح، وإنسانا يستغيث في لهفة راجفة، فإذا بلهفته ترد إليه، ورجفته ~~يعقبها طمأنينة، حين يسمع من بعيد ومن أغوار الظلام، ذلك الصوت المغيث، تردده فتحات ~~الفضاء: جايلك يا واد، جايلك. ~~••• # وعلى نفس السرير الذي مات عليه عبد العليم الطالب الصغير الذي أصيب بخبطة هوجاء في رأسه ~~أثناء المظاهرات، والذي مات عليه صديق ابن العربجي الذي مرت فوق صدره عربة أبيه فتهشمت ~~ضلوعه، والذي مات عليه شعبان وصالح وعبد اللطيف ومحمد، على نفس هذا السرير رقد عبد القادر ~~الجريح وحوله أسطوانات الأكسيجين، وأجهزة نقل الدم، وأوعية الماء الساخن، وطلاء الحجرة ~~الأبيض الناصع، وأزيز غلاية الماء، وحفيف البخار المتصاعد، ومجموعة من الأطباء، وممرضة، ~~وصمت ترعشه أنات عبد القادر. # وما كادت آخر قطرة من أول لتر من الدم تأخذ طريقها إلى قلبه، حتى اختفت قليلا تلك ~~الصفرة التي علت وجهه، وخفتت حركات عينيه، حتى تركزت حدقتاه علي، وظل يحدجني ~~ببصره طويلا كالذي يتحفز لفعل شيء دون أن ينطق بحرف. وعجبت لهذا التحديق، ثم زاد عجبي ~~وأخذت دوائر صغيرة من القلق تنداح في صدري. # وفي اللحظة التي بدأ الخوف يأخذ طريقه إلي تحركت شفتاه، وتغيرت ملامحه، ثم استقرت ~~تقاطيعه على ms046 ابتسامة كانت أجمل ما رأته عيناي ليلتها. # ولست أدري ما ارتسم على وجهي لحظتها، فقد أحسست بفرحة غامرة دق لها قلبي. # وطالت ابتساماتنا، وامتدت، حتى قلت له وكأنني أقولها متأخرا جدا: إزيك؟ إزيك ~~دلوقت؟ # ونطق بهمسة لاهثة: أحسن، أحسن كثير. # وشيئا فشيئا بدأت ابتسامته تتلاشى وراء غيوم، ثم اختفت، وأظلمت ملامحه، وتقاربت ~~تقاطيعه، وانطلقت من سواد عينيه أشعة تبرق، فقلت وأنا قلق: مالك؟! فيه حاجة؟! # وتوترت أنفاسه اللاهثة، واندفع يقول كالذي يخنقه كابوس: أيوه، علي، علي، الندل، يجرني ~~للضلمة. وأنا صاحبه، صاحبه، الخاين، بس لو أروق له، وأروق لهم. # وتعبت تقاطيعه، وخفت البريق، وأصبح سواد عينيه أكثر سوادا، وتلألأت فجأة تلك القطرات ~~الصغيرة الشريرة من العرق على جبهته وعلى وجنتيه. # ولعل الابتسام هو ما كان يحاول فعله فلا تطاوعه قسماته حين قال في صوت خافت غير ~~مهتز: ميه، عاوز أشرب، عطشان. # وكانت يدي أسبق من يد الممرضة أمدها إليه بقطعة القطن، وقد بللتها بالماء لأمسح بها ~~شفتيه ولسانه. وطاوعته القسمات في النهاية، فابتسم وهو يقول: متشكر، متشكر يا دكتور، ~~كمان، كمان، عطشان، يا ناس، عاوز أشرب. # وكانت يدي أسبق من يد الممرضة؛ لتمنع عنه الماء هذه المرة. # وسمعت نقرا على الباب، وحين فتحته وجدت الممر الطويل يضيق بالناس والهمسات والتوجس، ~~واندفعت العيون نحوي، ولمحت في كل العيون تساؤلا، ورجاء، رجاء في أمل. # ودخل كاتب الاستقبال، صامتا على غير عادته، لا تستقر نظراته كالذي يبحث عن شيء، ونسي ~~ما يبحث عنه. واتجه إلى الركن الذي وضعنا فيه أشياء عبد القادر، بذلة في ظهرها ثقوب، وقميص ~~أبيض لا تهتم لبياضه بقدر ما تقشعر للدائرة الحمراء البشعة على صدره الأيمن، وعلبة فيها ~~ثلاث سجائر، ومنديلان، وقطعة حلوى، وحافظة نقود فيها فوق ما فيها من أوراق صورة قديمة ~~تثنت حوافها لطفل صغير. # وتلكأ الكاتب قليلا بعد أن انتهى من مهمته، ودار ببصر ذاهل في أرجاء المكان، واستقرت ~~عينه بعد تردد على عبد القادر، ثم غادر الحجرة تاركا خلفه أصداء همهماته ~~المكتومة. # وأغلقت الباب. ~~••• # وكان ms047 الوقت قد تأخر ، والمصابون الذين يتطلبونني قد انتهوا أو كادوا، والليل قد عم ~~أرجاء المستشفى، والظلام في الخارج واسع واسع لا حدود له، والنور في الداخل ساطع يلمع له ~~كل شيء، والغلاية تزن، والممرضة تتثاءب، والتومرجي واقف قد ألصق ساقيه بحافة السرير، ~~والهواء أصبح لزجا ثقيلا. # وأحسست أول الأمر أن أشياء كثيرة حولي تلهث. # ثم شعرت بالحجرة كلها تزفر، وكأنها رئة محموم. # والتفت حول قلبي أصابع رفيعة غامضة، وشددت قبضتها. # ووجدت نفسي أقف، وأتمشى في الحجرة، ورفعت «كوبس» الغلاية، وأعدت رباط «محلول ~~الملح»، وما كان في حاجة إلى رباط. # ومع هذا بقيت الحجرة كلها تلهث كرئة المحموم. # وعلى حين بغتة عرفت ما حدث. # ووقفت أرقب صدر عبد القادر الصاعد الهابط، وأتمعن فيه وهو يجاهد ليستخلص الهواء، ~~فتتقبض كل جارحة من جسده، ويصبح وجهه كالقمر المخنوق، ثم يناضل ويتألم وهو يناضل، ~~حتى يدفع القليل الذي استخلص، ويستعد للأقل الآتي. # كان يتنفس، وكأنما حجر ضخم يجثم فوق صدره، ولا يستطيع منه فكاكا. # واحتار السبب في رأسي قبل أن يجد الجواب. # وأملت نفسي قليلا أرى الجانب الأيمن. # ورأيت الدم، الدم لا كما اعتدت رؤيته يلون جرحا أو يخضب رأسا، وإنما الدم المندفع في ~~نافورة حمراء، وقد أغرق الملاءات، وشبعت منه المرتبة، ومضى يتساقط عبر حديد السرير الأبيض ~~نقطة وراءها نقطة، وسربا وراءه أسراب. # لقد بدأ النزيف. # وبحثنا جميعا عن كل ما استطعناه من قطن وشاش نكتم به الدم المتصاعد الوهاج. # واحمر القطن الأبيض وامتلأ. واعتصرناه، ثم وضعناه فعاد يمتلئ ويتسرب منه الدم بإصرار ~~وعمد إلى أرض الحجرة. # وأفلحنا أن نسد الثقب المتربص تحت الثدي الأيمن كالعدو المبين، وألصقنا عليه المشمع ~~طبقة فوقها طبقة، ولم أثق في المشمع، فوضعت يدي فوقه أكتم بها النزيف. # ووقع بصري على يدي، فوجدتها كلها دم جف، وآخر لم يجف. # ولم يكن هذا أول دم أراه، كانت رائحة الدم تملأ أنفي دائما منذ أن عملت في ~~الاستقبال، الرائحة التي لها دفئه، الدفء الخانق القابض، والتي تلمح خلالها زفارة كعفن ms048 ~~الموت، الرائحة التي تذكرك بالمذبوحين والمبقورين، ومن في صدورهم سل. # ولكن في تلك الليلة، كنت كلما رأيت دم الجريح المغتال يجف فوق يدي، وينكمش حين يجف، ~~كلما أوغلت في تأملي للجريح الذي لا بد كان رجلا ككل الرجال، نمى من طمي وادينا، ومضغ ~~قمحنا، وارتدى قطننا، وصنعت أذرتنا خلاياه. # وكلما أوغلت في تأملي، كلما همت أستعيد ما فات، وأرى الأجداد والآباء، والشهداء الذين ~~لهم أسماء فوق الرخام، والشهداء الذين بلا أسماء ولا رخام، وأرى الناس ونفسي، وكل من له ~~عرق، وكل من له خال، وكل أولئك القانعين بالألم. # أهيم، ثم أعود إلى يدي التي فوق صدر الجريح، إلى الأصابع التي تحاول عبثا أن تمنع موتا ~~جديدا، وأي موت؟ # عدت مرة لأجد اللاصق الذي وضعته قد انتزعه الدم الساخن المتصاعد، والنافورة قد ~~بدأت. # وضغطت يدي، وأجلت بصري أراقب بقايا الزجاجة الخامسة من الدم، وهي تسيل من الجهاز إلى ~~شرايين الجريح، وتدفعها الشرايين إلى الثقب الذي ما كانت يدي تستطيع أن تفلح في سده، ~~وينتهي الدم إلى خيط النقط الغليظ، وهي تتساقط على أرض الحجرة الصلبة. # وفرغ كل ما في المستشفى من دماء صالحة. # ولم يفرغ الدم المنبثق. # وكنت وزميل جاء يساعدني تتقابل نظراتنا، ثم تتباعد لتغيب عقولنا. # وكان لا بد من دم آخر. # وانتهت دورة الزميل على مستشفيات القاهرة كلها، وقد عاد بلتر واحد، آخر لتر من الدم في ~~البلد، وآخر ما نتعلق به، وقد يئسنا من الأمل. # وكنا قد يئسنا. # فصدره الصاعد الهابط كان قد بدأ يخرخش، والفقاقيع التي تكونت في كرات حول فمه، وسمرته ~~أخذت مكانها رمادية لا تمت إلى الأحياء. # وكثيرا ما رأيت أناسا، ورأيت جرحى، ورأيت جرحى يموتون، ولكن كان صعبا علي أن أصدق ~~أن عبد القادر سيموت. كان قد أقبل في أول الليل فما أحسست أن في صدره رصاصا، وقضيت ~~بجواره ساعات، خمس ساعات. أسمع حديثه اللاهث، وأرى فتوته تنكمش وتنكمش، والعملاق الذي كان ~~يضمر ويضمر، وجسده الذي كان قد ابتلع الجروح فما ظهر لها أثر، ms049 أصبح كل ما فيه الجروح، ~~وكنت أكثر الوقت معه وحيدا، وكان هو خائفا من الموت، وكنت خائفا عليه، وكان كلانا عنده ~~أمل. كنت أستمد أملي من الزجاجات والمورفين وحمام الكهرباء، وكان يستخلص أمله من أملي، ~~ويناضل وهو يستخلصه كما يقاتل وهو يستمد الهواء. # وكان يقول لي في أول الليل: يا دكتور، وكنت أقول له يا كابتن، ثم ناداني باسمي، وناديته ~~باسمه. وكان الوقت يمضي، في بطء ثقيل، وكانت الأحداث كثيرة تكاد تستغرق عمرا بأكمله، ~~وكنت أحس طوال العمر الثقيل أنه مضروب في ظهره، وأنه مغتال، وأنه مظلوم؛ لأننا كلنا ~~مظلومون. # وما كنت وحدي الذي حدث له هذا. # كنت والممرضة والتومرجي قد ألف بيننا ذلك العمر، وهدتنا الخمس ساعات، وصاحبنا عبد ~~القادر في رحلته، فعزت علينا الصحبة، وأصبحنا كالأسرة الواحدة ذات الجرح الواحد. # وكان اليأس هو أمض ما نستطيع ابتلاعه. # وكان اللتر الأخير الذي جاء به الزميل أهم حدث في ليلتنا. # ورحنا نعالج وضعه وإحكامه بحرص، ونكل في البحث عن وريد نضع فيه الإبرة، وقد اختفت كل ~~الأوردة، فلا تومرجي أو حكيم، إنما مجموعة من البشر تكافح من أجل إنسان، إنسان قد أصبح ~~عزيزا عليها. # وسرى الدم الجديد. # وتقاربنا حول الفراش نرقب النتيجة، ونخفي وجلنا ونحن نرقب رجلنا، وهو يئن بلا فم، ~~ويتلوى ويرفع ساقه ويدفعها، وتنقبض أيديه وتنبسط بقوة، وجسده يصارع النزيف ~~الداخلي. # وهدأ الجسد بعد هنيهة، واستمر الأنين الخافت المتواصل؛ الأنين الذي يثير فيك كامن ~~أشجانك، فتذكر كل ما مر بحياتك من أحزان، وتبكي على كل من مات. # وحدسنا أن الأزمة قد مرت، والدم الأخير قد أفلح. # ولكن كان الهدوء الذي ساد جسده لا يطمئن، وكانت الخرخشة التي في صدره تزداد، حتى أصبحت ~~كأصوات المنشار، وهو يغور في الخشب. # وكانت الساعة تبتعد عن الثالثة. # وفجأة توقفت أنفاسه، واشرأبت أعناقنا، ولكنه عاد يفتح شفتيه؛ ليبصق ملء فمه، دما ~~أحمر، نفس الدم الذي كان منذ هنيهة في الزجاجة. # واحمر القطن من جديد وهو ينضح الدم. # وتباعدت أجفانه التي كانت مسدلة من ms050 أمد بعيد، وسقط الضوء على عينيه، وهما تحدقان في ~~لا شيء، وتحدقان في ضعف، وكأنهما لا تريان شيئا، تباعدت أجفانه، وانساب من حلقه صوت لا ~~يكاد يسمع، وهمس: ميه، عطشان. # وبللت فمه بالماء، بل أقول الحق جعلته يرتشف ما شاء من كوب الماء المثلج الذي أحضرته ~~له. # وفتح فمه بعدها مرة، ومرة، ومرات ليبصق الدم. # وأصبح الجرح الذي في جانبه أوسع من فمه، وما يجئ منه أغزر. # ثم راح في غيبوبة. # ورحنا في صمت. # وتلفت حولي لأجد الحجرة قد وقف ما فيها من هواء، ومصابيح النور حولها دوائر لها ألوان، ~~والجدران تردد حشرجة أنفاس تتباعد وتطول، والوقت أبطأ من بطئه حتى لكأن بين الثانية ~~والثانية عام، وزميلي يكاد يقف على أطراف أصابعه، وقد أمسك بالسرير وسمر عينيه على زجاجة ~~الدم، والممرضة راحت عيناها تعدو بين الفم الذي أصبح كالجرح، والجرح الذي أصبح كالفم، ~~والتومرجي قد أمسك بمفتاح أسطوانة الأكسجين واستمات عليه. # كنا جميعا نتحفز ونستعد، كنا نحس بشيء غامض مخيف يحوم حولنا. وكانت قلوبنا ~~وسواعدنا وعقولنا متشابكة متلاحمة تحاصر رجلنا، وتمنع عنه الحائم المخيف. # وتباعدت الثواني، وضاقت الحجرة، حتى ما عدنا نستطيع التنفس. # واندفعنا نحوه كما نقذف بأنفسنا في خضم البحر لانتشال غريق، وتصببنا مياها ونحن ~~ندفع الهواء إلى رئتيه، ونخترق صدره بإبرة طويلة، حتى تصل إلى قلبه، فيحركه العقار، وننفخ ~~في الزجاجة ليذهب الدم جميعه مرة واحدة إلى عروقه، ونفتح أسطوانة الأكسيجين على آخرها؛ ~~ليعلو صدره. # وحاربنا عدوا قويا لا نراه. # كنا نكز على أسناننا، ونبذل طاقاتنا كلها، ونحس أننا نستطيع دك الجبل، وهز ~~السماء وأرجاف الأرض. # ولكن الحقيقة كانت تلاحقنا. # وخفنا أن نصدق، ورحنا نراوغها ونسابق بعضنا بعضا في المراوغة والهروب، ونسرع في اعتصار ~~أنفسنا، وضم قوانا، ويزداد إيماننا بخداع الحقيقة. # وجاءنا من الركن نحيب الممرضة المكتوم. # واقشعرت أجسادنا من النحيب، وانتفضنا نبذل ما في وسعنا من جرأة اليائس ومقدرته. # وعلا نحيبها، فأصبح كدوي الطبول. # ودفع التومرجي أسطوانة الأكسيجين جانبا، وارتمى فوق عبد القادر وهو ينهنه ويبكي، ويقتلع ms051 ~~النفوس ببكائه الرجالي الخشن ويقول: آه يا حبيبي يا خويا. # وأفقت على قول زميلي، والدموع تغص حلقه: البقية في حياتك. # وتسربت إلى نفسي من خلال كلماته تلك اللحظة التي نعرفها جميعا، والتي نحس فيها أننا ~~أوهن من الضعف، وأتفه من العجز، وأننا مضيعون، تلك اللحظة التي لا نملك معها إلا البكاء، ~~فيحملنا البكاء إلى بكاء. # وجال بخاطري أن أعانق زميلي وأضم ما في صدري إلى ما في صدره، وأخفي ما أحس به من ~~خجل إزاء فشلنا أمام الموت، أخفيه فيما يحس به من خجل. # ولم أفعل، وبقينا بلا زمن، راجين، نتأمل الرجل المسجى، وتحز الخسارة في قلوبنا، وأعيننا ~~ثابتة في مكانها لا تغادر وجهه الوديع الذي كان يلمع بالعرق، آخر عرق، وملامحه التي ~~استراحت في هدوء دائم. # وحين واريناه تحت الغطاء كان الشك في موته لا زال يملأ منا النفوس. # | الأمنية # كان «البرعي» يتساءل في غبطة وحيرة عن الوجه المليح الذي طالعه في ذلك الصباح، فما كان ~~يعتقد أبدا أن اللحظة التي داخ، وهو ينتظرها قد تأتي هكذا فجأة، وبمثل السهولة التي جاءت ~~بها. # ومع أن «أوضة» التليفون كانت خالية تماما، ودوار العمدة ليس به إنس، والخفير ذهب يفطر ~~وأوصاه بالحجرة خيرا، مع هذا كله، خاف أن يراه أحد، فأطل برأسه من الباب، ونظر هنا ~~وهناك، فلم يجد إلا قوافل الأوز والبط، وهي تروح وتنقنق وتجيء في الشارع الضيق، وديكين ~~نافرين يتعاركان، وكلب ابن عمه الأجرب راقد يتصيد الذباب على مهل مطمئن. # ووارب البرعي الباب، ولف حول المائدة الكبيرة الوحيدة بالحجرة، وقد تشقق سطحها ~~وامتلأ بدوائر الحبر السوداء، ولم يتردد وهو يجلس على الكرسي المتهالك الذي سقط معظم ~~خيزران قاعه، وضايقته الجلسة حتى اضطرته أن يعقص ظهره إلى الوراء كثيرا، وأن يمد ~~رجليه الحافيتين تحت المائدة. # وذكرته جلسته التي لم تخل من عظمة بالشيخ عبد المعطي عامل «التلافون» وهو قاعد على ~~الكرسي، وقد وضع رجلا فوق الأخرى، وخلع العمامة عن صلعته التي لها نعومة الخيار، وأسندها ~~إلى دفتر الأحوال القديم ms052 الذي صنع له جلدا من ورق اللحمة الأصفر. # ولم يسترسل البرعي في سرحانه، فالأمنية كانت تلهبه، وصندوق «التلافون» المثبت في الحائط ~~أمامه كان يجذبه بمغناطيس لا يستطيع مقاومته. وهز البرعي رأسه في غبطة فلا شيء الآن ~~يحول بينه وبين رغبته، ولا أحد موجود في الدنيا كلها إلا هو و«التلافون». # وتمطى في دلال وهو يقف، واقترب من الصندوق، وتملى فيه برهة، ودقق في سلكه الفيراني ~~الطويل، وهو ينتهي في الزجاجتين المملوءتين بشيء غريب. # ومد البرعي يده في قليل من الوجل، ونقر على الصندوق. وكاد يضحك وهو يتوقع أن يرد ~~واحد من داخله، ويقول: مين؟ وابتسم وهو يرجع إلى أيام بلاهته وصغره حين كان يسميه ~~«اللفلفون»، ويعتقد أن داخله بني آدم صغير وضعته الحكومة ليكلم الناس. # ولم يضيع وقتا أكثر من هذا في السخرية بنفسه، وإنما مضى يملس على الصندوق الناعم، ~~ويتحسس البوق الذي يبرز من مقدمته كما تبرز شفاتير حسن العبد، وتصل أصابعه إلى الأجراس ~~الموضوعة كأجراس العجلات، فينقر عليها بأظافره، وتنحدر يده إلى السماعة المعلقة بجانب ~~الصندوق، فيلف قبضته حولها، ويمر بيده فوق الحبل الذي يتدلى منها، ويمل هذا، ~~فيرتد إلى الناحية الأخرى، ويلعب بيد التلافون الحريرية السوداء، ويكاد يديرها. # وقبل أن يفعل شيئا آخر، اتجه إلى الباب، واطمأن من جديد إلى خلو الطريق، وعاد إلى ~~التلافون، وأمسك السماعة بقوة، ثم رفعها قليلا قليلا في حرص شديد. واستغرب حين وجدها ~~ثقيلة كرطل الحديد، وكلما ثقلت يده بها، دق قلبه، وسال العرق من يده، ونسي ~~الابتسامة التي لا يدري متى علقها فوق وجهه. # وأصبحت السماعة أخيرا في حوزة قبضته بعيدة عن الصندوق، فقلبها على ظهرها وبطنها أمام ~~عينيه، وأعجبه الثقب الذي في أسفلها، ووضعها تحت طاقتي أنفه وشمها، فلمح فيها رائحة ~~عرق الشيخ عبد المعطي التي يعرفها جيدا، وتعرفها معه كل بلدهم ميت غنيم. # ثم، ثم وضع السماعة فوق أذنه، حتى التحمت بها، وحملق في الحائط الذي تساقط طلاؤه، وهو ~~يسمع هديرا عجيبا كدوي وابور الحرث البعيد، وبعد أن زالت صدمته ms053 الأولى تسربت إلى أذنه ~~من وسط الهدير أصوات كنقيق الضفادع، فكز على أسنانه، ونقل السماعة بسرعة إلى أذنه ~~الثانية، وكتم أنفاسه حتى لا يفوته شيء. # وانتشى. # فقد استطاع بعد جهد أن يميز صوتا يقول: أيوه يا سيدي، وأصوات كثيرة أخرى ترد عليه، ~~ثم تبعد كلها، وتختلط، ولا يربطها في رأسه إلا دوي وابور الحرث الذي بدأ يدير رأسه، ولا ~~ينعشه إلا صوت رفيع ممدود يقول بين الحين والحين: ألووه، يا أخينا ألوووه. # وتبين بعد عناء كبير، وبعد أن تلاحقت أنفاسه، وابتلع ريقه مرات أن نقيقا يقول من ~~بعيد جدا: يا مركز، فيرد عليه آخر له بحة كحشرجة أم سليمان. # وما اهتم البرعي بمسألة في حياته قدر اهتمامه بمعرفة كل ما يقولون، فأمسك السماعة ~~بكلتا يديه وضمها بشدة إلى أذنه. # وكاد يقهقه وكأن الأصوات تزغزغه، وأحس أنه سعيد، وأنه يستطيع عمل أي شيء، وأنه هو ~~الآخر ممكن أن يمط صوته، ويطيل عنقه، ويقول: يا مركز. # وقالها فعلا في سره، ثم همس بها بينه وبين نفسه، وكأنها الفاتحة يقرؤها. # وحين اطمأن إلى أن حادثا لم يحدث بعد همسه، اجتاحته نوبة عاتية من الجرأة السعيدة، ~~وزعق وقال: طب هه، يا مركز، يا واد يا مركز. # وكما تقرع طبلة السحور، وجد أذنه يخرقها صوت أجوف عال تبين بعد وقت أنه يقول: أيوه ~~يا ميت غنيم. # وشعر أنه وقع، وأصبح قلبه في أطراف أقدامه، وسقطت طاقيته فلم يعبأ بها. # ومأمأ وفأفأ وأذنه قد ماتت على السماعة التي تطبل كل لحظة وتقول: أيوه يا ميت ~~غنيم. # وأصبح لا شيء في عقله، ولا شيء على لسانه إلا أن يردد مرة أخرى: يا مركز. # فيجيئه الجواب غاضبا: أيوه يا جدع. ~~- يا مركز. ~~- أيوه يا محروقة يا ميت غنيم. ~~- يلعن، يلعن أبوك يا مركز. # قالها، ورمى السماعة بقوة وهو يحس بكل ارتياح. # ثم اندفع إلى الخارج كالريح. # | أم الدنيا # كان مطعم الدرجة الثالثة في آخر عشاء يسوده جو غريب، ومع أن الضوء كان قويا باهرا، ~~ودقائقه تتساقط في عدد ms054 لا نهاية له على كل شيء فتبدو وجوه الجرسونات الحليقة الناعمة، ~~والمفارش البيضاء والملاعق، والأكواب الزجاجية النظيفة، تبدو كلها لامعة أنيقة، وكأنها طليت ~~بماء النور. # مع هذا إلا أن المسافرين كان حديثهم همسا خافتا، يدور معظمه حول الوصول إلى الإسكندرية ~~في الصباح الباكر، ثم نهاية الرحلة بعد الظهر في بيروت، وكان بعض الحديث يدور حول البحر ~~ودواره وصرعاه في اليومين السابقين الراقدين، لا يستطيعون التحرك أو حتى العشاء. # وأثناء الهمسات والابتسامات كان من المسافرين يجولون بأبصارهم في أرجائه، ويودعون كل ~~شيء بأعينهم ويودعون بعضهم بعضا، وقد أحسوا بلذعة؛ إذ سيتركون وجوها قد اعتادوا عليها ~~وألفوها، بل بدا الجرسونات أكثر رقة، والناس ينادون بعضا منهم بأسمائهم وقد عرفوها، ~~ويتبادلون معهم فكاهات سريعة، وهم يوزعون الطعام. # وكان المسافرون أنفسهم خليطا متنافرا، بعضهم سائحون، وبعضهم أجانب عائدون، ولبنانيون، ~~وأروام. # ثم كان هناك بعض مصريين، سبعة من المصريين الذين جمعتهم الرحلة، ولا شيء سواها. # وصحيح أن الرسام العائد من إيطاليا، والذي كان جالسا في ركنه المعهود يمضغ الطعام على ~~مهل تائه لم يكن يبدو عليه أنه مصري، إلا أنه كان كذلك، بل من حي الحسينية بالتحديد. وكان ~~في آخر عشاء أيضا لا زال منطويا على نفسه، ولا زال ~~يحدق في الفتاة التي خلبت لبه، وجعلته يمضي الأيام الأربعة التي استغرقتها الرحلة ~~يلتهمها بنظراته، ويراها، كما رآها أول مرة، أجمل فتاة في الوجود، فلم تقع عينه أبدا على ~~شبيه ولو من بعيد لذلك الجمال، جمال الجهاز الدقيق، الرائع الدقة، الجمال الذي ليس فيه وجه ~~كالقمر، وعينان مثل عيون المها، وشفتان كحبات الكريز، وصدر بارز، وسيقان ملفوفة، وإنما ~~ذلك الجمال الذي لا تنبع الروعة من أجزائه مهما بلغت من سحر، إنما هو كاللحن الموسيقي ~~الفريد، يحس الإنسان بما فيه من عبقرية إذا استمع إليه كله، واستوعبه كله وعاش ~~فيه. # هكذا رآها أول مرة. # وهكذا أحس بها، ثمينة في دقائقها، حتى ليخاف على ملامحها من نظراته، رائعة في كلها، حتى ~~لتروي ظمأ البشر أجمعين إلى الجمال. # وثيابها ms055 كانت بسيطة ، بل كان الجمال في بساطتها، بنطلون واسع وبلوزة، وحول عنقها إيشارب ~~بنفسجي عقدته في إهمال بسيط مثير، كان يعبث به الهواء فيتطاير، ويبهت لونه، ويتلاشى ~~وكأنه يستحيل إلى عطر وبنفسج. # ولم يكن أول ما وضع قدمه في الباخرة يحلم برؤيتها، بل ما كان يفكر حتى في دخول المطعم ولا ~~العشاء، كان يومها مثل بقية المسافرين يحس بالانتقال المفاجئ من المدن والجبال والشاطئ ~~إلى البحر والطبيعة الجديدة التي احتوته؛ ولهذا كان يشعر بقلق غامض يمور في صدره، ويدفعه ~~للبحث عن شيء لا يدري كنهه، فراح يجوب الباخرة، ويقف ولا يدري لماذا يقف، ثم يسير ولا ~~يدري أين يسير، ويتفرج على كل شيء، حتى على الفرشة التي ينظف بها البحار ظهر الباخرة، ~~ويفكر في كل شيء، حتى في شيال محطة نابولي الذي لا ريب قد استغفله، ويتلكأ ليسمع حديث ~~البحارة الإيطاليين، وتعجبه نغمة دقات العشاء، وهي تخفت وتعلو وتبتعد، ويذهب هكذا ~~وبلا إرادة إلى المطعم، وهناك يراها، وحينئذ يدرك كنه ما ظل يبحث عنه، ويحس بالقلق ~~الغامض يهدأ، ويصبح كالراحة الأبدية في صدره. # ولم ير شيئا سواها طيلة الأيام الأربعة، وقنع بالتحديق فيها من بعيد لبعيد، وهو يحس ~~بها إحدى معجزات الكون، وينتشي برؤيتها، كما ينتشي برؤية السحاب المضيء، وأنوار القرى ~~المبعثرة على جانبي مضيق مسينا، وهي تبرق في الليل كنجوم الأرض، والبحر العميق الذي لا ~~يهجع. # لم يحاول حتى أن يعرف اسمها، ولا من أين جاءت أو مع من تقيم. ورآها ترقص «الدبكة» مع ~~اللبنانيين، وسمعها تتحدث بالفرنسية مرة، والإنجليزية مرة أخرى، وأحب إنجليزيتها ~~تماما مثلما أحب الفرنسية، وهي تنساب في رقة من بين شفتيها. # وظل يعبدها هكذا بنظراته إلى آخر عشاء. # وبينما الرسام في هذا، كان هناك مدرس مصري آخر عائد من البعثة مشغولا كالعادة بمزاولة ~~هوايته في التعرف إلى الناس ومحادثتهم، وفي ذلك الوقت كان يتحدث باهتمام مع جار جديد له ~~تعرف عليه قبل العشاء بدقائق، وكان سعيدا جدا بالفرصة التي انتظرها طويلا؛ فالرجل قد ~~أتعبه وحيره ms056 أمره، وهو يراه لا يغير ملابس الكشافة التي ركب بها الباخرة، ولا يكل ~~عن التجول فوق ظهر المركب برأسه قليلة الشعر، ووجهه الأحمر الشديد الحمرة، والشعر الأصفر ~~القليل الذي حول ركبتيه المكشوفتين، والكتاب الأزرق الذي لا يتركه من يده. # حيره الرجل طويلا، حتى أتيحت له الفرصة في آخر عشاء، فعرف أنه سائح ألماني في طريقه ~~إلى مصر، وأن الكتاب الذي في يده هو عن آثارها. # وكان بيترو هو أسهل من تعرف إليه من الناس؛ إذ بعد أن وضع حقائبه في الكابينة، وصعد ~~إلى البوفيه، وتلفت فلم يجد إلا وجوها متعبة، عجوزا ممسكة بمجلة، وفوق عينيها نظارة، ~~ورجلان سمينان مالت رأساهما، وراحا يتهامسان، وراهبة شديدة البياض ساهمة تحدق. # وعانس كان يبدو أنها إنجليزية جالسة ترمق الموجودين باشمئناط، ولا شيء غير هؤلاء سوى ~~المقاعد التي تنزلق وتتخبط كلما تمايلت الباخرة فوق صدر الموج الصاعد الهابط. # ولم يجد حينئذ ما يغريه، فاتجه إلى البوفيه، وابتسم لبيترو الجرسون الواقف يعد ~~القهوة، وكأنهما صديقان قديمان، وقال له هاشا باشا بالإيطالية: بونا سيرا. # فقال بيترو: بونا سيرا سنيور. # وهكذا انتهى كل ما يعرفه من الإيطالية، وبدأ يستعين بالإنجليزية التي ذهب إلى إنجلترا ~~يتخصص في تدريسها، وعاد يعد الماجستيراه، ولاحظ أن بيترو يجاهد بأدبه الكسول ليلم ~~أطراف إنجليزيته، ويجيب على أسئلته الكثيرة. # ومع هذا طال حديثه مع بيترو. # وعجب المدرس لذلك الإنسان الذي له بيت وزوجة وأولاد في فينيسيا، والذي لا صديق له سوى ~~البحر، وقد عمل فيه ثلاثين عاما، وأصبح لا يطيق ساعة واحدة يقضيها في البر، حتى ولو قضاها ~~في بيته وبين أولاده. # وعلى مائدة العشاء لم يكلفه الأمر أكثر من ابتسامات أربعة أصبح بعدها يعرف كل شيء عن ~~الأربعة الجالسين بجانبه إلى مائدة العشاء. # وكان الأمس فقط هو أكثر أيامه ازدحاما، فقد عرف فيه أكثر من ثلاثين مواطنا لبنانيا ~~عائدين من المهجر. # وكان أغرب من عرفه حقا هو اليوناني العجيب الذي ليس في رأسه شعرة واحدة سوداء، والذي ~~لم يصدقه أبدا وهو يروي كيف ms057 ذهب إلى العراق شابا قبل الحرب الأولى ليعمل في حقول البترول ~~هناك، وكيف ظل يعمل ويكدح، حتى انتهت الحرب الثانية. ولما أحس بالكبر وأراد أن يستريح ~~باع كل ما يمتلكه، وعاد إلى اليونان هو وزوجته. # والذي أضحكه بحق أن اليوناني العجوز قال إنه لم ~~يحتمل البقاء في اليونان، ولم يرتح إلى معاشرة مواطنيه، وقد مات أصدقاؤه وتفرق معارفه، ~~وأنه أحس فعلا بالغربة في بلده، وامرأته ضاقت بلداتها اليونانيات، وكانت تبكي دائما ~~حين يتهمنها بأن الصحراء قد خشنت طباعها وغيرتها؛ ولهذا قرر بعد شهور قليلة قضاها ~~في اليونان أن يعود إلى العراق هو وزوجته، فقد اشتاق إلى الماء هناك، وإلى البيت الذي على ~~نهر الفرات، والذي طالما حلم به. # ويقهقه المدرس كلما تذكر العجوز، وهو يتنهد، ويقول بلكنته العراقية الأجنبية: وين أنت ~~شيخ جابر؟ وين أنت جافري؟ وين كلكم؟ كلكم؟ # وبينما المدرس في آخر عشاء منهمكا في حديثه مع الجار الجديد الذي تعرف به، ومنهمكا في ~~مناقشة ما يحتويه الكتاب الأزرق عن مصر، ويتحمس وهو يعطي للسائح نمرة تليفونه، ويعرض عليه ~~مرافقته طوال فترة إقامته. # بينما هو في هذا، كان أربعة مصريين آخرين يحتلون المائدة التي بجواره، وكانت العين لا ~~تفلت مصريتهم، وحول المائدة طربوش وجلباب، ووجوه سمراء وأفواه فيها طعام، وضحكات، ~~وقبضات تدق، وظهور مائلة إلى الوراء كثيرا، ومائلة معها المقاعد، ونكت تترى، و«قافية» قد ~~انهالت على الجرسون الطلياني، وهيصة، وكلام. # وكان الأربعة خدم أمير مصري قضوا معه الشتاء في نيس، ثم أرسلهم يسبقونه إلى مصر. # وكان الأوسطى شرف الطباخ مرحا على غير عادته، وكان يرتدي نفس جلبابه الإفرنجي الذي له ~~جيب ساعة على الصدر، والذي فيه ساعة لها «كتينة» غليظة، وعلى رأسه كانت طاقيته البفتة، ~~وذيلها محبوك على جبهته. وكان جالسا على راحته بجسده الضخم الذي في ضخامته طيبة وعنقه ~~الغليظ السمين، ووجهه المنتفخ الأشداق الوديع القسمات، وشاربه الكث الذي تناثرت فيه شعرات ~~بيضاء قليلة، وكان الأوسطى يرف بعينه إلى المرأة الرومية البدينة، ويقشعر جسده، فيخفي ~~القشعريرة بضحكة عالية ms058 تتردد بين أشداقه. # ومنذ حادثة البوفيه والمرأة تكهربه كلما رآها، فهو قد ركب الباخرة بعد أن قضى في بلاد ~~الناس شهورا طويلة عانى في أثنائها ما عانى من الحنين إلى امرأته فردوس وسروالها البمبي ~~المشغول بالدانتلا، والذي يصل إلى الركبة، وكان أحيانا يضعف، ولكنه كان لا يطيق أبدا أن ~~يرتكب الفحشاء، ولو بالنظر، وحين احتوته الباخرة كان لا يزال عند تصميمه الأكيد، ولكن تلك ~~المرأة ذات الأرداف، أعوذ بالله، هل سلطها الشيطان عليه؟ لقد كان جالسا في أمان الله في ~~البوفيه يومها يلعب «الولد يقش» مع عوض أفندي، ومن حيث لا يدري ولا يعلم وجدها واقفة بجواره ~~تبتسم، وحدث أن مالت الباخرة، فجعلت المرأة تكاد تلتصق به، أو على وجه التحديد جعلت ردفها ~~الأيمن يلطشه في جانبه، ومن ساعتها وكلما رآها وقف شعر رأسه، بل وقف شعر جسده كله. # وكان عوض أفندي كالعادة جالسا بجواره، وعينه لا تفارق الطبق الذي أمامه، وطربوشه محكم ~~الوضع على رأسه، ووجهه الأسمر هادئ لا اضطراب فيه، ولا يلمع منه في الضوء إلا مكان ~~العصفورتين اللتين كانتا مرسومتين على جانبي وجنته، ثم أزالهما بماء النار، وبقي مكانهما ~~لأبيض يلمع، وكان عوض أفندي هو المختص بقهوة الأمير وتقديمها، وهو الذي عليه انتقاء البن ~~وتذوقه وضبط السكر. # وكان ابن حلال لا يعرف لفا ولا دورانا، وقد قضى أيام الرحلة كلها يقرأ في المصحف الذي ~~يحمله معه دائما، حتى كاد يختم الربعة، وكان هناك شيء خطير يشغله ويربكه ويسد نفسه؛ ~~فهو كان يصلي على ملاءة السرير، وظل يصلي عليها طوال الرحلة وما أدراه أن الملاءة طاهرة ~~والناس الذين في الباخرة لا يعرفون طهارة أو يحزنون؟ # والأدهى من هذا أنه لا يجد أحدا على الباخرة يفتيه، وكل من عليها فسقة لا ~~يصلون. # أما الأوسطى حامد الجالس ووجهه في الحائط المقابل، فقد كان سائق الأمير الخاص، وكان لهذا ~~أتعسهم جميعا. وكانت العربة الجديدة سبب تعاسته؛ فقد اشتراها الأمير من أوروبا، وكان على ~~حامد أن يتولى شحنها على نفس الباخرة، وقد ms059 فعل هذا على أتم ما يرام، ولكنها أصيبت بخدش ~~واضح. # ولم يفكر حامد أثناء المجيء كله إلا في ذلك الخدش، وكيف يداويه، وهل يفلح في إخفائه عن ~~عين الأمير الذي شغف بالعربة وجن بها، خاصة وهو الآن لا ريب قد وصل مصر من زمن، وينتظرها ~~على أحر من الجمر، ولم يفكر إلا في هذا، ولم ير إلا وجه الأمير الغاضب وعقله الصغير، ~~ولسانه وهو يرطن بالتركية ويرفده. # وعلى عكسه، كانت الدنيا لا تسع سعد الله السفرجي، وقد اشترى بكل ماهيته بدلة، أول بدلة ~~في حياته، ولم يلبسها من ساعة أن اشتراها، وإنما تركها في صندوقها الكرتون الكبير، وكل ~~ليلة كان يفتح الصندوق، ويخرج السترة ويتلمسها، وأحيانا يرتديها ويخطر بها أمام ~~المرآة، ثم يخلعها ويطويها ويعيدها إلى مكانها في الصندوق، وقضى الرحلة كلها وهو سعيد ~~بملمسها الدافئ، وبجيبها الداخلي الصغير الذي توضع فيه الفكة، ولا يستطيع أن يتخيل ~~بالمرة أنه سيرتديها يوما ويصبح أفنديا. # أما السابع، فقد كان ينزوي في آخر عشاء في ركنه المعهود لا يعجبه ضجيج مواطنيه، ~~وتشمئز له نفسه، وتنتابه موجات الضيق، وهو يشاهد مواطنه الآخر المدرس الذي لا يمل ~~الاحتكاك بالناس ولا التظرف إليهم. وكان السابع عائدا من البعثة كالمدرس والرسام بعد أن ~~أخذ الدكتوراه في قانون من القوانين، وكان مفروضا أن يعود في الدرجة الثانية، ولكنه آثر أن ~~يحصل على الفرق، ويعود في الثالثة، وكانت مشاغله أكثر من أن تسعها الثانية والثالثة ~~معا، أربعة وثلاثون طردا معه، فيها هدايا وتحف وأشياء عانى في نقلها العذاب الأليم، ~~ومن قبل أن تبدأ الرحلة وهو مهموم يدبر كل تصرفاته يوم الوصول، وكم يأخذون في الجمرك، ~~أو هل يعدونه يا ترى تاجرا. # وكان على العشاء الأخير يحدج مواطنيه، ويحسدهم على قلوبهم الخالية وضحكاتهم التي لا هم ~~فيها. ~~••• # وانتهى العشاء. # وتسلل المسافرون إلى الشرفة التي أمام المطعم. # واستند بعضهم إلى الحاجز، ومشي البعض متلكئا، وجلس آخرون. # وكانت الدنيا رائعة. # ظلام ليس أجمل من النجوم تملؤه، ونجوم ليس أجمل من الظلام يحيطها، ms060 وهدير البحر يتدفق إلى ~~الآذان وكأنه آت من حناجر ملايين معذبة تعيش في أماكن مجهولة وراء الليل، واهتزازات موتور ~~الباخرة التي يرتج لها كل شيء لا تنقطع، والطلاء الأبيض الذي يلون حتى الحبال، والأضواء ~~الكثيرة التي تحيل الباخرة إلى نجفة كبيرة عائمة في الظلام. # وتوقف الرسام لا يتحرك، وقد بلغت به النشوة حد السكون والاستسلام، وأحس بخياله ~~يمضي على وقع دقات المحرك واهتزازاته، ويجتاز ذلك الحاجز الرقيق الذي يفصل بين حياته ~~وأحلامه، فيعيش وكأنه يحلم، ويحلم وكأن أحلامه حياة. # وصحا على قبلة عبرت بأحلامه، فدق الحاجز بيده كما لو كان يثور، وأخذ طريقه إلى ~~الفراش وهو ساخط على نفسه وضعفه واكتفائه بمشاهدة الفتاة، وكأنها طبيعة صامتة، لا حياة فيها ~~ولا حياة فيه. ولما احتواه الفراش لم ينم، ولكنه راح يتقلب ويثور ويؤكد لنفسه ما ~~استقر عليه عزمه، وكان قد قرر أن يبقى في الباخرة حتى تنجلي الزحمة، ثم يذهب إلى ~~الفتاة ويحدثها، ويطلب منها بلباقة في آخر الحديث أن تقضي معه بضع ساعات في الإسكندرية، ~~حتى يحين ميعاد إقلاع الباخرة. # ونام أخيرا وهو يرقب المحادثة التي سوف تدور، وينتقي كلماتها، بل ويجرب نفسه حين ~~ينطقها. # والتهم المدرس عشاءه كالموهوم، ومضى حالا إلى فراشه، فقد عرف من أحد جيرانه أن وكيل ~~وزارة المعارف مسافر في الدرجة الأولى على نفس الباخرة، وكان عليه أن يتعرف به؛ إذ من ~~يدري؟ ربما؟! ربما أقنعه بكفاءته؟! وجائز جدا أن يقتنع، وجائز أن يعينه ناظر مدرسة ~~أو على الأقل مدرسا أول في القاهرة، وفكر ثانية واحدة في الغد، وكيف سيجد المنيرة؟ لا بد ~~أن أحداثا كثيرة قد وقعت. لا بد أن البواب العجوز قد مات، وصبي موقف التاكسي قد أصبح ~~سائقا. وما لبث أن عاد إلى الوكيل، وظل يفكر ويرتب الأمر بكل دقة حتى أصبحت كل خطوة ~~كاملة العدة في عقله، وأحس بعقله المتعب يرتاح وتثاءب. # وفي نفس الوقت كان الأوسطى شرف راقدا في الفراش، ونار موقدة تحت ظهره، ويده تعبث بشاربه، ~~وتزن ابتسامة المرأة الرومية ms061 البدينة التي لوحته بها على العشاء، ويديرها على كل وجه، وقال ~~وهو ينفث زفيره بحرقة: آه لو الواحد يقنيها. # وقطع عوض أفندي صلاته وسلم وسأله عما يقول. # ولم يجبه الأوسطى شرف فلحظتها كان بالتحديد في ليلة الدخلة، والباب موصد عليه وعلى ذات ~~الأرداف، ثم وجد نفسه يستعيذ بالله من فكرة كانت تحوم حوله وتلح ولا ينفع فيها نش، وكان ~~آخر ما رأته عيناه ازدحام الناس الشديد، وتدافعهم والمرأة أمامه، وداهمه النوم قبل أن ~~يطرد الفكرة أو يستعيذ بالله. # واستأنف عوض أفندي صلاته وهو يقضي فروض الأيام التي مضت، وقد أدرك أخيرا أن الملاءة ~~التي اعتاد الصلاة عليها غير كاملة الطهر. # ولما انتهى وقبل أن يطفئ النور جاء حامد، وكان قد ذهب للمرة المائة يرى الخدش، ووجد أنه ~~أخطر مما كان يحسب، وأن رفته لا جدال فيه ولا شك. # وسأله عوض أفندي عن الساعة، فأجابه حامد وهو يتسلق سرير الأوسطى شرف ليصل إلى فراشه، ~~وعاد عوض أفندي يسأله ويكذب ساعته، وبعد إصرار ومناوشات أدرك عوض أفندي مرعوبا أنه نسي ~~تقديم ساعته، فظلت دائرة بتوقيت أوروبا، ومعنى هذا أن كل ما فات من صلاته باطل. # وفيما كان حامد يريح جسده المنهك برقت في ذهنه فكرة جهنمية، فماذا يحدث لو طلى ~~الخدش بورنيش حذائه ليداريه؟ وبعد أن يمر أول يوم يصلحه على حسابه؟ وهل إذا فاتت على ~~الأمير تفوت على الوكيل؟ كل شيء محتمل، ولكن ليس لديه خيار. وحين جاء النوم كانت البطالة ~~وأيامها السود تجذبه من ناحية، والأمل يداعبه من ناحية أخرى، ولكن على أي الحالين كان ~~طلاء الخدش أول ما يجب عليه في الصباح. # وأطفأ عوض أفندي النور والحزن يأكل قلبه على الفروض الضائعة، وحين كان يقرأ آية الكرسي ~~ويلف يده حول رأسه كان قد صمم على أن يقضي الفروض كلها قبل مغادرة الباخرة، فيصلي ~~الفجر، وينوي بعده للقضاء. ونام وهو يتمتم: إن شاء الله. # وفي ذلك الوقت كان دكتور القانون يبحث عن طرد ~~ناقص، ووجده أخيرا تحت الفوطة، وابتسم للطرحة ms062 السوداء والفستان الحرير التي يحتويها الطرد، ~~والتي أحضرها لأمه، ورأى نفسه دون أن يدري في قريتهم، والناس يقولون يا دكتور، ويسألونه ~~عن أوروبا، والتهاني، وبابهم الكبير المفتوح، وأمه تحاول من فرحتها أن تزغرد وهو يخجل ~~ويمنعها. # وعاد إلى نفسه وراح يحسب كل دقيقة من ساعات الصبح، ويحدد أين يقف وعدد الشيالين، ~~ويوصي نفسه بالمحاسبة على طرد البللور، ويخمن المبلغ الذي سيسكت به موظف الجمرك، ~~وتعب عقله ونام. ومع هذا كانت تتصاعد منه بين الحين والحين غمغمات تدور كلها حول ~~الطرود. # وكان سعد الله السفرجي آخر من أوى إلى كابينته، فليلتها ذهب كما تعود إلى بيترو، ~~وعب من خمره التي بلا ضرائب أو جمارك حتى ارتوى وفضفض كل ما عنده من إنجليزية وعربية ~~وسريانية، واستمر يبحث عن الممر المؤدي إلى الكابينة، حتى عثر عليه الخادم السهران ~~فقاده إليها، وما إن دخل حتى تهاوى جالسا على الأرض، وأتعبه الجلوس فتمدد لا يلوي على ~~شيء، وعثرت يده حين فردها على صندوقه الكرتون، وفي داخل الصندوق ملست أصابعه على صوف ~~البدلة الخشن، ورفت بذهنه المدووش ومضات، النادي النوبي، أبو عفان، الواقفة تحت المصباح ~~في ميدان سليمان، والواحد مبسوط، البدلة. # ولدى ذكرها راق مخه تماما، وأقسم أنه لن ينزل من الباخرة إلا وقد ارتداها، ووضع يده ~~في جيب بنطلونه، بنطلونه. ~~••• # واستيقظ السبعة. # وكان الواحد منهم حين يفتح عينيه، ويرى الضوء منتشرا على غير العادة، يتولاه خوف ~~داهم، وكأنه تلميذ صحا بعد فوات الامتحان، ولا تكاد دقيقة واحدة تمضي عليه إلا ويكون ~~مندفعا إلى ظهر الباخرة كالسهم، وهو لا يدري ما الذي يدفعه؟ # حتى عوض أفندي الذي كان أول من صحا، لما ذهب ليتوضأ، أحس بشيء كالهاتف يأمره، فترك ~~الوضوء وأسرع إلى فوق. # وكان دكتور القانون هو الوحيد الذي وقف على باب الكابينة يحرس الطرود، ويروح ويغدو وثمة ~~قلق ينهش خطواته. # وكان الصاعد إلى الظهر يذهله السكون المستتب، فالباخرة تنساب بنعومة فوق البحر الذي هدأت ~~أمواجه، والدنيا فيها سكون الصبح المبكر، والناس كثيرون متشبثون بالحاجز، ويفتشون ms063 ~~بأنظارهم الأفق، ولا يجدون شيئا، ومع هذا يزدادون تشبثا، وتصطبغ ملامحهم بترقب عظيم ~~كالذي يتوقع أنباء هامة، أو يتطلع إلى معجزة. # وكانت طيور النورس هي الوحيدة التي تحدث ضجيجا صغيرا مفاجئا حين تنقض على سطح الماء ~~وترتطم به. # وأظلم الأفق قليلا، ثم أشرق على خط رمادي طويل. # وسرت همهمة، هي، مش هي، دي سحابة، لسه بعيد. # وأطلقت الباخرة صفارة لها ضجيج مبحوح مرتعش. # وأبطأت من سيرها، وانخفض أزيز المحرك. # وصفت زرقة السماء، حتى أصبح لا يعادلها إلا زرقة البحر. # ومن بين الزرقتين أهل موكب الشمس، وظهرت طلائعها، ثم بدأ القرص الأحمر الكبير والهيبة ~~تحيطه يتقدم في بطء وجلال. # ومضت الباخرة في حرص هادئ كالحبيبة حين تتسلل إلى لقاء الحبيب، والناس فوقها يرقبون ~~تعاقب الألوان والمشاهد، وكأنهم يتابعون أحداثا مثيرة على شاشة عرضها السموات ~~والأرض. # ومن حيث لا يتوقع أحد ارتفع صوت نسائي له رخامة الصبح المبكر يقول: ماريا، فرانشسكا، ~~لينا، سيلفانا. # وتعالى صخب أربع بنات صغيرات كأنهن جئن في بطن واحدة، واستطرد الصوت الرخيم يقول: ~~كويستا، إيجيتو، ماريا، كويستا، الساندريا. # وتحولت العيون إلى مكان الصوت؛ حيث كانت تقف أم إيطالية على صندوق قديم حائرة موزعة ~~بين بناتها اللائي حملت واحدة منهن، والباقيات يصرخن ويجذبنها من ثوبها، ويقرصنها، وبين ~~رغبتها في رؤية الخط الذي عند نهاية الأفق، وهو يتحول إلى أرض. # وأيقظت ضجة الصغيرات الناس من ترقبهم وانبهارهم. # وخبط الأوسطى شرف حامد على كتفه، ثم ضمه وهو يهتز ويقول: واد يا حمادة، ولا يا حمادة، ~~وصلنا يا واد. # وسكت قليلا، ولما تبين أن التي على مرمى البصر أرض حقيقية انتابته الخفة: والنبي ~~هيه، بلدنا أهه، يا سلام يا جدعان. # وكان سعد الله يقول لعوض أفندي: وصلنا يا عم عوض؟! ~~- وصلنا يا أبو السعود. ~~- ودي مصر يا عم عوض؟! ~~- والنبي مصر يا خويا. ~~- وعشنا وشفناها؟ ~~- وشفناها. ~~- أم الدنيا؟! ~~- أم الدنيا؟! ~~- ووصلنا؟ # وتلفت عوض أفندي إلى الواقفين غير مصدق، وأحس بنفسه يستعيد عنفوان شبابه، وكل ما فيه ~~مرح، وهو يسمع الأفواه تردد مصر، ms064 إيجيبت ، إيجيتو، ليجيبت، الساندريا، كايرو، ~~ألكس. # وغير بعيد كان يدور بين المدرس والرسام أول حوار لهما على الباخرة، وهما واقفان كتفا ~~إلى كتف وعيونهما عند الشاطئ البعيد: يا أخي ليها وحشة. ~~- ياه، الواحد نفسه في قرص طعمية سخن. ~~- الله، دي فعلا ليها، الله، الواحد قلبه بيدق. ~~- بقى هي دي اللي الواحد سابها قرفان. ~~- بزمتك مش شامم الريحة؟ ~~- شوف الراجل ومراته لازقين في بعض وعمالين يبصوا إزاي؟ ~~- صحيح! ريحة! والنبي مصر لها ريحة، بزمتك مش شامم. ~~- يا ترى أخبارك إيه يا مصر؟ ومين مات ومين عاش؟ # وعاد المدرس بأنظاره إلى الناس، ورأى الراهبة واقفة متجهة إلى حيث تتجه العيون ووجهها ~~أبيض قد كسته حمرة طارئة، وشفتاها تتمتمان بشيء وكأنها تستقبل المذبح. # ورأى كذلك اليوناني العجوز الذاهب إلى العراق، فقال له بصوت لا ضابط له: أم الدنيا أهه ~~يا خواجة. # وابتسم العجوز وقال: لا خبيبي، لا، أنا واحد أمي هناك، عند الفرات، وضحك المدرس أطول ~~وأعمق ضحكة جرؤ عليها من أربع سنين. # ولم يعد يحتمل الدكتور وهو يسمع المولد المنصوب على ظهر الباخرة، ولا يرى شيئا، وما كاد ~~يلمح أحد البحارة حتى أوصاه بالطرود على عجل، ثم طار إلى الظهر. # ودوت صفارة الباخرة طويلة ممدودة هذه المرة. # وأقبل لنش بخاري فيه بحار، وفيه عساكر وضباط، وحين كان اللنش يدور حول نفسه ليرسو خلع ~~قائد اللنش طربوشه ولوح به قائلا بترحيب طيب، لا ادعاء فيه: حمد الله عالسلامة ~~يا جماعة، حمد الله عالسلامة. # واندفع الأوسطى شرف يقول بصوت كالرعد: الله يسلمك، ميت فل عليك. # وسكت يستجمع أنفاسه، ثم انفجر بكل ما يملك. ~~- تحيا مصر يا جدعان، والنبي تحيا مصر، الله، هو احنا لنا غيرها يا اخوانا، والنبي لولا ~~بركتها ما نساوي بصلة، الله دي بلدنا! دي بلدنا يا رجالة والا إيه؟! # وتهدج صوته حتى ظن الناس أنه يبكي. # وأصبحت الإسكندرية تملأ الأفق، وبدت كبيرة لا تحدها الرؤيا، وبدت الباخرة إلى جوارها ~~كالسردينة الميتة الطافية. # وبعد هذا نسي السبعة أنفسهم، ولم يعوا وهم يختمون ms065 الجوازات ، ويحضرون الأمتعة، ويتعاونون ~~على حمل طرود الدكتور وقد انتابتهم خفة الأطفال في يوم العيد. # وعلا الضجيج حتى أصبح الصارخ لا يسمع نفسه. # ولاح الرصيف. # | المرجيحة # لم تكن الضجة التي يثيرها الصغار تهم عبد اللطيف في ذلك اليوم، لا هي ولا غيرها من ~~مهام الحياة أو توافهها، فقد كان يوم العيد، العيد الكبير، اليوم الذي أنتظره شهرين كاملين، ~~وهو يحسب له ويعد ويختلف مع امرأته في العد والحساب، حتى جاء. # وخيل لعبد اللطيف - وقد طال انتظاره - أن اليوم سيأتي فجأة، كبيرا، واسعا، ~~عريضا، ولكنه عندما جاء لم يكن كذلك أبدا، أشرق فجره، ثم نما صبحه، وكبر ضحاه في بساطة ~~وبلا تهليل، تماما كما يدفع هو بيده «المرجيحة» لترتد إليه بعد ذلك متبخترة متمايلة، ~~فيها ما فيها من الأطفال، وقد اندس بينهم بعض الكبار، كان اليوم في بساطة قدومه كالزمن ~~وهو يدفع «مرجيحة» الحياة بيده القوية، فتذهب أيامنا وتجيء ليالينا هكذا في يسر وبلا ~~ضوضاء، وإنما نحن الذين نصخب، ونحن الذين نصرخ، ثم نحن الذين نلعن الزمن بعد ذلك، ونسخط على ~~الأيام. # وقف عبد اللطيف يدفع المرجيحة بيده، ويمد يده الأخرى يتحسس الملاليم التي تتلاصق في ~~جيبه، ويفركها بأصابعه ويرنها في راحته، ويحس بنشوة كتلك التي يحسها حين يعب أول نفس من ~~الجوزة في الصباح، فلم يكن يرى فيها ملاليم، ولم يكن يرى فيها أنها لا تساوي ورقة صغيرة من ~~ذات العشرة قروش، وإنما كان يرى في ملمسها غير الناعم حلما بأكمله ظل يعيش فيه شهرين ~~طويلين كئيبين. # ولا يتركه إحساسه بجيبه وقد امتلأ، إلا حين يسلمه إلى ذكريات أيامه، أيام كان يكسب ملء ~~جيوبه قروشا وعشرات، ثم لا تذهب بعيدا، فقد كان يضيعها على كيفه ومزاجه، ولا يندم، فهو ~~صاحب كار متين وهو أحد أفراد عائلة النجارين، العائلة التي عن لجدها أن ينفض يده من ~~الزراعة، وقد زهق منها، فتعلم النجارة بعد عناء وأورث أولاده وأحفاده الحرفة، حتى حذقوها ~~واحتكروها، ثم تفرقوا وتناثروا في أرجاء البلدة وما جاورها من البلاد. ms066 # وعبد اللطيف لا يكدب على نفسه، فليست النجارة في القرية في حاجة إلى فن وحذق بقدر ما ~~هي في حاجة إلى قوة وساعد، ولم يكن عبد اللطيف يملك كليهما، كان مريضا، تسربت ~~البلهارسيا إلى مثانته حتى أفقدته القدرة على التحكم في نفسه، وتناثر مرضه حوله، وتهامس ~~الناس به، وتهامسوا معه باللقب الجديد الذي أطلقوه عليه «الطاجن» المشروخ. ولم يلبث هو ~~أيضا أن اعترف بينه وبين نفسه أنه مشروخ، وأنه مريض، وأنه لن يكون أبدا كجودة ذي الساعد ~~الممتلئ الغليظ الذي تنفر عضلات يده عندما يمسك بالقدم كأنها جذع نخلة «حياني»، ولم يكون ~~كأبي خليل الذي يوقف الساقية الحديد وحده، وهو يضحك فتردد الساقية الجوفاء رعدات ~~ضحكه. # إنه ضعيف مسلوب القوة، وكان يرقب - من خلال وهنه وعجزه - نصيبه من سنويات القرية وهو ~~يصغر ويصغر. كان يرقبه في مرارة معتلة وحقد ضعيف واهن، فالناس ما عادوا يأتمنون قوته على ~~سواقيهم ومحاريثهم وفئوسهم، وإنما يلجئون لغيره من أفراد العائلة القوية، ويلجئونه معهم ~~إلى أن يترك بدوره صناعة المحاريث وإصلاح السواقي إلى عمل الطبالي الصغيرة ومفاتيح الأبواب ~~الخشبية، وإلى أن يسعى إليه الناس حين يلم بهم عرس، حتى يركب الدولاب أو ينصب ~~السرير. # وكان نتاج هذه جميعها والحمد لله يكفي أن ينعم عبد اللطيف وامرأته وابنه وابنته بالرطل ~~والنصف من اللحم كل يوم ثلاثاء، ويكفي أن يشتري حصيرة يرقدون عليها كل سنة، وأن يضيف إلى ~~سقف وسط الدار المكشوف قطعة خشبية جديدة كل ستة أشهر، ولكنه لم يكن يكفي أن يسد مطالب ~~الأفواه اللاصقة برقبته، فلا هو يقفل فم امرأته على قطعة لبان ولا يطبق فم ابنته على فص ~~برتقال، ولا يكفي ابنه. لعنة الله على ابنه، هذا القزم الذي ظن يوم بشرته به الحاجة ~~صباح أنه سيكون قوته المسلوبة وجذع النخلة الذي ينقصه، فإذا به ينشأ هكذا أصفر عليلا ~~معوج الجذع والساق. ~~- كده يا محمد ماشوفش فيك يوم راجي. # كانت هذه الكلمات على لسانه طول اليوم، كان يتوقع من ابنه الكثير، ولا يرحم ms067 ابنه حين لا ~~يستطيع إلا أقل القليل، إنه لم يعلمه كيف يمسك الكماشة ليقتلع بها المسمار إلا بعد أن ~~أصابه بأربعة جروح لا زالت بيضاء في رأسه، وبعد أن قذف به في الترعة مرتين، ومع ذلك فلم ~~يستطع أن يمسك بها أبدا على الأصول! # كان عبد اللطيف يجتر كل هذا، ثم يكز على أسنانه، ويطلب من امرأته في جفوة أن تحضر ~~له العدة والجوزة، ويرتشف في نهم من كوب الشاي الأسود، ويعب الدخان الكثيف الأزرق من ~~الكرسي، ويشد الحزام الصوف إلى وسطه، ثم يفك حصره مرة أو مرات، ويستنزل اللعنات على أجداد ~~ابنه، ثم يبصق في يده، ويمسك القدوم، ويعمل على مهل، وفي اشمئزاز ضعيف مقهور. # يعمل على مهل وامرأته الحلوة تختلس النظرات إليه من تحت أهدابها الطويلة، وقد ربطت ~~رأسها بالقمطة الحمراء وسبسبت شعرها الأسود المجعد اللامع، حتى يبين طرفه من القمطة، ~~ومدت رجلها البيضاء الممتلئة فبان قدمها النظيف الذي قضت وقتا طويلا في حكه ~~بالحجر. # تختلس النظرات إليه وهو لا يدري أهذا الذي في وجهها ابتسام أم هو براعم ضحكة ستنفجر بعد ~~حين. وعندما يكل ساعد عبد اللطيف - وما أقرب ما يكل - ينظر لها بعين فيها حمرة خابية، ~~وفيها حيرة، وبوجه تائه مشحون ويكاد يقول: آه يا نبوية يا قتلاني. # والحق أنها كانت تقتله، وكانت تدفعه تحت جنح الظلام إلى الفص الأسود يغتصبه من تاجر ~~الأفيون، وهو يقول له في غيظ: بكرة يا أخي أديلك. # كانت تقتله؛ لأنه كان يأكل ويستحلب لعاب شهيته وهو يمضغ حتى يستطيع أن يجرع كوب الشاي، ~~وكان يقبض على الكوب بيده وتترنم أذنه بالنغم الذي يصدره وهو يحتسي السائل الأسود اللزج، ~~ليتبعه بأنفاس الدخان. # وكان يأكل ويشرب الشاي، ويذيب الفص، ويلتهم الدخان؛ ليقضي الليل بطوله ويده تعبث بشعر ~~امرأته الأسود المسبسب، بينما قمطتها قد انحلت، وتاهت في المخدة. # ولم تكن المشكلة تنتهي بانقضاء الليل، ولا بمضي الليالي، وإنما كان يراود عبد اللطيف ~~السؤال الحائر: ترى هل نبوية قانعة بما يقدمه لها؟ # وإذا راجع ms068 أخماسه وأسداسه واقتنع أو استطاع بوسيلة ما أن يضحك على نفسه ويقتنع، فإنه ~~يسأل نفسه مرة أخرى وفي سؤاله شك مرتجف: وحكاية الطاجن المشروخ هذا، ترى هل وصلتها هي ~~الأخرى؟ وهل إن كانت وصلتها قد أسقطته من عينها؟ تلك أسئلة كانت تدور بخلده، وإنما كان ~~يتهيها بعينيه الحائرتين ترمقان نبوية في شك وفي لهفة وهما تقولان مرة أخرى: آه ~~يا نبوية يا قتلاني. ~~••• # اليوم يوم العيد. # وعبد اللطيف قد اطمأن على نفسه بعد أن اختطف نظرة إلى هندامه في مرآة الدولاب القديم ~~الذي دخل به، ورأى شاربه الرفيع متهدلا حول فمه كما يحب أن يراه، ورأى وجهه الأصفر ~~النحيل قد اجتز منه الأوسطى عبد السميع شعيرات ذقنه، فبدا ناعما رغم ما به من حفر ~~قديمة، بل بدأت خيوط من حمرة باهتة صنعتها الموسى تتبعثر في وجهه كما يحمر شفق يوم ~~مغبر حين يظهر القمر. # اليوم يوم العيد، اليوم الذي تناسى عبد اللطيف ضعفه، وتناسى وعاءه المشروخ، وتناسى زحمة ~~الحياة بين النجارين التي دفعته إلى نصب المرجيحة في العيد، وأن يقف بجوارها هكذا حليق ~~الذقن مرتديا ثوبه الأبيض الجديد الذي اشتراه من ثلاث سنوات، واحتفظ به للمناسبات. تناسى ~~هذا كله، ولم يعد يذكر إلا الملاليم التي تعمر جيبه، وإلا المرجيحة التي نصبها ~~جودة، ثم لم يكسب من ورائها شيئا. كان جودة عملاقا قويا؛ ولهذا لم يفز بنصيب من ثروة ~~الصغار، فقد كانوا يخافونه، ولا يطمئنون أبدا إلى يده الضخمة حين تدفع المرجيحة، فتقذف ~~بها إلى كبد السماء؛ ولهذا كانوا يستريحون لعبد اللطيف، ولعبته القديمة، ويده النحيلة التي ~~لن تعلقهم أبدا بين الأرض والسماء. # وأسعد هذا عبد اللطيف، أسعده أن يرى نفسه قد انتصر ولو ساعات قليلة كل عام، أسعده أن ~~يتجمع الأطفال حوله، وأن يتعلقوا بجلبابه، وأن يصرخوا منادين: والنبي يا عم عبد اللطيف، ~~وأن يحجزوا أماكنهم قبل حلول دورهم بأدوار، وأن يشخط هو فرحا ويصرخ منتشيا. وكان أول ما ~~فكر فيه حين سرت النسوة في جثته أن يغني، يغني بأعلى ms069 صوته حتى يصل غناؤه إلى أسماع ~~جودة، يغني ويرد الصغار عليه، ويحمسهم هو ويطيل في أشواطهم حتى يرفعوا عقيرتهم ~~أكثر وأكثر لينفجر جودة. # وكان الأطفال دائما مع المنتصر، وكذلك كانوا يتجمعون حول عبد اللطيف وحول قطع الأخشاب ~~الأربع التي تمسك بمرجيحته العتيقة. # وكان هذا التجمع الكثير من أطفال معظمهم يشاهد العيد، ويحضر إلى المراجيح لأول مرة في ~~حياته. كان هذا السبب في الصرخة المدوية التي انبثقت من راكبي المرجيحة، وفي الصدمة القوية ~~التي سبقت الصرخة، وفي سالم ابن العمدة، وقد تكوم على الأرض لا حراك به، والدم يندفع في ~~غزارة من جرح عميق في رأسه بعد أن صرعه مقدم المرجيحة، وهو واقف يشاهد هبوطها ~~وصعودها في سذاجة وبلاهة. ~~- مات، مات يا ولاد، ابن العمدة مات، يا خرابك يا عبد اللطيف. # وكان يكفي لخراب عبد اللطيف أن يشتم ابن العمدة، أو لا يقف إجلالا للعمدة. فما بالك ~~وقد جرح سالم جرحا لم يقتله، وإنما سالت له دماؤه في كثرة. # وحين جروه إلى المركز وسألوه كثيرا قبل أن يلقوا به في الحجز المظلم، كان هو قد شبع ~~من كل إحساس، حتى استوى فوق غيبوبة من شعوره فلم يعد يهمه أن ذبحوه أو خنقوه. وماذا ~~يأخذون منه هو الراقد فوق بلاط السجن، وقد ساب على نفسه، واصفر جلده وراح في دنيا غير ~~دنيانا؟! # ولم يمكث عبد اللطيف في السجن كثيرا؛ لأنه مات، ويحكون أنه قال قبل أن يذهب: البركة فيك ~~يا محمد، يا ابني. # ولم تحل البركة بمحمد، وإنما حل به المرض وامتلأ بطنه بالماء، وأطلق عليه رفاقه ~~لقب محمد الزير، وكان ثقل بطنه يضطره إلى الرقاد أياما كثيرة في دارهم، تاركا ~~الطبالي والمحاريث والفئوس تتكوم وراء الباب، حتى يأتي أصحابها، وقد يئسوا من إصلاحها، ~~فيأخذوها بعد أن يتبادلوا الألقاب مع أمه نبوية. وجاء اليوم الذي خلا فيه كل ما وراء ~~الباب. # وكان محمد في خلال رقداته الكثيرة الطويلة يتساءل في عجب وفي دهاء مريض: من أين ~~يأكلون؟ # ولم تكن إجابة السؤال تهمه ms070 أو تهم أخته أو أمه، ولكن أهل القرية وعائلة النجارين ~~خاصة كانوا يهتمون، وكانوا يقضون الليالي الطوال في مناقشة المصدر الذي يبقيهم أحياء، ~~وفي المناقشات تدلف طاقية المعلم أحمد الوبر و«لاسته» الحريرية، وحذاؤه «الأجلسيه» ~~اللامع. # والمعلم نمر كبير، نمر يحمل في جيبه علبة فيها الحشيش مقطعا وملفوفا في ورق شفاف، ~~وفيها الأفيون يرقد في أبنوسية العنبر، ويحمل بجانب العلبة محفظة تمتلئ دائما بالأوراق ~~الخضراء، وفوق العلبة والمحفظة أكتافه العريضة، ومن أعلى أكتافه تبرز رأسه التي تعرف ~~من أين تفتح الأبواب. # وكان عبد اللطيف قبل موته قد ارتكب هفوة صغيرة، فقد مات وعليه لأحمد حساب. وكان المعلم ~~يعرف كيف يحيل الحساب الصغير بدراية وخفة وفهلوة إلى قبضة رقيقة متلصصة يطرق بها باب ~~المرحوم، فتفتح له نبوية وفوق فمها ابتسامة. # وكان محمد في رقدته فوق الفرن يتساءل في مكر أيضا، بينه وبين نفسه، عن قمطة أمه ~~الحمراء النظيفة، وعينيها اللتين كثيرا ما زارهما الكحل، وخدودها الملتهبة، وكعوبها التي ~~يقفز منها الدم. كل هذا ولم يمض على وفاة أبيه شهران، يتساءل محمد، ثم لا يهتم ~~بالإجابة، فقد كان ينظر إلى بطنه العالي، وقد أخفى الدنيا عن عينيه ولم يعد يربطه بالوجود ~~إلا يد أمه البضة، وهي تحمل له كوب الشاب العلقم، وتقول في رفق ونعومة: خد يا اخويا، ~~خليك تخف. # ولم يتحمل يوما كل هذا. # كانت أمه قد فرغت من الخبيز وأرقدته فوق الفرن الملتهب، حتى تصبب عرقا وحمت عظامه، ~~فقال لها بصوت جعله أضعف ما يستطيع: ألا يا أما المعلم أحمد بييجي كتير ليه؟ # واحمرت خدود أمه، وابتسمت، ثم تضاحكت وقالت له وقد بانت أسنانها البيضاء الحلوة: ~~يعني ما انتاش عارف ليه؟ # فقال في سذاجة حقيقية: لا والنبي. # فغمزت بعينها، وقالت هامسة وهي تشير إلى الغرفة: أصله بيتكلم على أختك. # وبردت عظام محمد، وذهب العرق عنه، وانزاح عن خاطره هم كثير. وصدق هذا، بل لم يجد ~~مانعا لديه أن ينام أحمد في بيتهم، بل يكاد يقيم في النهاية معهم حين قرأ فاتحة ms071 ~~أخته. # وكان محمد ينام كثيرا فليس له عمل إلا النوم، وكان لا يشعر بالحياة، وهي تمضي إلا حين ~~يخف الظلام، فيعرف أن النهار قد حل، وانتشرت معه ذرات الغبار التي تثيرها أخته حين ~~تكنس أرض الدار، ولا يشعر بحياة من حوله إلا حين تسقيه أمه الشاي، أو تحضر له أخته ~~الغذاء، أو يغمزه المعلم أحمد بقرش الحلاوة الطحينية. # ومع هذا، فمن خلال الطاقة الضيقة المعتمة التي يطل منها على الحياة، لم يفته أن ~~يراعي التنافس الذي استوى على أقدامه بين أمه وأخته في جلي الكعوب، وتسريح الشعر، وقرص ~~الخدود حتى تحمر. ولم يفته أيضا أن أمه وأخته أصبحتا وكأن لا هم لهما إلا إرضاؤه ~~والتنافس على تلبية إشاراته ورغائبه. وكان المعلم أكثر منهما. # وفي يوم تناول فيه محمد إفطاره من اللبن الرائب، ثم تقيأه ولم يكف عن القيء إلا ~~الظهر حين غاب عن الوعي. # وزار البيت في هذا اليوم عدد كبير من الناس، وانعقدت مجالس وفضت مجالس، ودار الشاي ~~مرات ومرات، وأخرج المعلم في كل مرة علبته من جيبه ليحلي أقداح القهوة، وكان آخر المجالس ~~ذلك الذي دارت فيه الجوزة، وانتشت الأكواب، واستمر إلى ما بعد منتصف الليل. # واستقر الرأي بعد هذا كله على ذهاب محمد إلى طبيب البندر في الصباح. # ومن الفجر دارت نبوية تقرع الأبواب لتستعير حمارا يوصل ابنها، وقرعت الأبواب مرات كثيرة ~~دون جدوى. وما كان للحمار أن يأتي إلا من خلال المعلم ومن تحت أهداب علبته، وقد ~~جاء. # ورآه الطبيب، وبعد كلمة من هنا وجنيه من هناك، حجز محمد في مستشفى المركز. # وغاب محمد بعد هذا عن وعي الناس والقرية، وشيئا فشيئا عن وعي المعلم وأمه ثم ~~أخته. ~~••• # كانت الأحاديث على ظهور الأفران أو فوق المصاطب تبدأ بأمشير وما فعله في الأرض والناس، ~~والسكر الذي تأخر صرفه، وتقاوي القمح الفاسدة، ثم تنتهي بفاتحة البنت التي قرأها ~~المعلم. # وكان يعقبها أو يسبقها قصة شعر أمها المسبسب، وشبشبها العالي واللبانة التي تطرقع في ~~فمها، ثم حداقة المعلم وفهلوته ms072 . # وقد يتحد الناس ويأتلفون حول أي شيء، ولكنهم ينقسمون دائما ويختلفون على من يقع عليها ~~الاختيار، وهل يتزوج المعلم البنت أو أمها. # وتستمر الإشاعات رائحة غادية، تعيد قصة المرجيحة التي كان ينصبها عبد اللطيف كل عيد، ~~ويظل المعلم هو الآخر يروح ويجيء بينهما فلا يستقر عند البنت أو حتى عند أمها. # | المأتم # وقف أبو المتولي على باب الجامع، وشمس الضحا تنصب على وجهه «الأشعل» فتعذبه، ويتوهج ~~لها شعر رأسه الناصع البياض كشعر الأرانب، وتزداد كذلك حمرة أجفانه الخالية من الرموش، ~~المضمومة بإحكام حتى تمنع الضوء من التسرب إلى مقلتيه. # وقف يحاور الشمس وتحاوره، ولم يستطع أن يرى ما أمامه إلا بعد أن مد رقبته، وأدخل رأسه ~~في ظل الجامع، بينما بقي جسده خارج الباب، وحينئذ راح يطوف بعينيه الصغيرتين ~~الضعيفتين داخل الجامع، حتى عثر على بغيته جالسا يغالب النوم بجوار عامود، فنادى بصوته ~~الأخنف الهادئ: يا شيخ محمد. # وكانت همهمة الناس الكثيرين الذي يحفل بهم الجامع لا تفنى حين تغادر أفواههم، ولا ~~تتبدد، وإنما تبقى، وتنتشر كالنحل في كل اتجاه، وتظل تتخبط بين جدران المسجد الوقورة ~~العالية الملساء، فتصنع بتخبطها رنينا عريضا أجوف يدوي به المكان. # ولم ينفع صوته الأخنف الهادئ، فقد ضاع نداؤه في هالة الرنين، ورفع صوته أكثر وكافح ~~ليرفعه، حتى احمر وجهه، وأصبح كعرف الديك. # وأخيرا سمع الجالس بجوار العامود، فأدار رأسه كمن كان يتوقع النداء، وأسرع بعينيه إلى ~~الباب، ثم لم أجزاءه وأسرع بنفسه. # وأحس أبو المتولي بالراحة حين سمعه الراجل، فذلك كان يعني انتهاء مهمة عينيه الشاقة، ~~فأغلقهما ولم يبق إلا شعاعا رفيعا كافيا لأن يتحسس به ما حوله. ~~- غبت ليه يا مبروك؟ # ولم يرد أبو المتولي أن يضيع الوقت في سلام أو كلام مع الشيخ محمد، ووضع اللفافة ~~التي كان يحملها فوق يديه على المصطبة البارزة من باب الجامع، وكان في اللفافة رضيع ميت ~~ملفوف بجرام أجرب باهت، وقال: صلي يا شيخ محمد. # وتلكأ الشيخ قليلا، وتغمز وتلمز بعينيه اللتين يغطي مقلتيهما سحاب أزرق ms073 ، وحرك ~~رقبته وبص إلى اليسار، ثم استدار إلى اليمين، وابتسم ابتسامة كلها مكر ساذج، وهم أن ~~يقول شيئا، ولكن أبو المتولي الحانوتي كان فارغ البال، ناشف الريق، فشدد الضغط على ~~أجفانه، ورفع وجهه إلى فوق، وكأنما يتحدى الشمس والشيخ محمد معا، وقال: يوهوه، بس صلي ~~الأول. # وأكمل غضبته بخبطة على جلبابه، ثم استدار وبحركة لا إرادية ثبت كفا فوق عمامته من أمام، ~~وكفا أخرى من الخلف، وجذب العمامة بقوة ليحبكها ربما للمرة العاشرة منذ الصباح. # ولم يتحرك من مكانه إلا بعد أن نوى الشيخ، وبعد هذا مضى يراقب الخناقات الصغيرة ~~الناشبة بين البائعين والمشترين - وما كان أكثرهم - حول الجامع وأمامه، ثم أتعبته الشمس ~~فاتجه بعينيه إلى الظل؛ حيث كانت حلقة ذكر قائمة على قدم وساق، وكانت الحلقة ~~تضم جمعا قليلا متنافرا من الناس، وعلى رأسهم شيخ مجذوب له «شرف» أحمر، وقد علق ~~في كتفه «مخلاية» لا يعلم ما فيها إلا الله، وكان الشيخ يمسك بمجلس الذكر على دقات ~~مسبحته فوق عصاته المصنوعة من ماسورة حديدية، وأثناء هذا ينشد ويوشح، وكان صوته أقبح ~~من وجهه. # ولما جاء بائع العرقسوس، ورنت صاجاته وصيحاته، تذكر أبو المتولي ريقه الجاف، ولم ~~يستطع أن يقاوم إغراء الضباب المثلج الذي يحيط بزجاج الإناء، والذي ترد رؤيته الروح، ~~فمد يده بنصف قرش للرجل، وأزاح الرغاوي المتجمعة على سطح الكوب بنفخة واحدة من زفيره، ثم ~~سمى ومضى يجرع، وأعجبته «الشوية» فمد يده اليمنى من خلال فتحة جلبابه، وهو يشرب، ~~وانتزع من جيب الصديري تعريفة أحمر، وأعطاه للبائع، وتلاعبت حنجرته التي لا تكاد تظهر من ~~رقبته، وهو يتاوي الكوب الثاني. # وتكرع، وحفل جسده بالعرق. # ورمق بائع جميز بربع عين، ولم يعجبه الجميز، فرجع إلى الباب ليجد أن الشيخ محمد قد ~~انتهى من الركعتين. ~~- السلام عليكم ورحمة الله. # قالها الشيخ محمد، وهو يحملق ناحية الحانوتي، وقالها بصوت مرتفع منغم، وكأنما يوبخ ~~أبا المتولي ويؤنبه، ثم انخفض صوته حتى أصبح حوقلة وهمسا، وانخرط في ختم ~~الصلاة. # وألقى عليه الحانوتي نظرة فيها ms074 شك وعدم اطمئنان وسأله: بقى ودينك يا شيخ، الواد على ~~القبلة مظبوط؟ # ورفع الشيخ محمد صوته بختام الصلاة، وكأنما يرد عليه: اللهم صل وسلم وبارك. # ولم يجز هذا على الحانوتي، فعاد يقول: بقى بذمتك أنت على وضوئك يا شيخ محمد؟ ~~- على سيدنا محمد وعلى ... يا أخي هو مافيش إسلام، وعلى آله وصحبه وسلم. # وهمهم أبو المتولي بكلام لم يفهمه هو نفسه، ثم مد يده وحمل اللفافة فوقها، وكان الشيخ ~~قد أنهى الختام على عجل، فقال وهو يمسح وجهه بكفيه ويقبلهما: يبقوا كام بقى يا عم ~~متولي؟ # وتوقف الحانوتي وقد عاوده ملله، وازدادت عصبيته وكأنه يحمل فوق يديه أرطالا من ~~حديد، وصمت لحظة صمت اليائس؛ فقد عمل كل ما في وسعه ليتجنب الخوض في مثل ذلك الكلام، ~~ولكن ما باليد حيلة، وببطء قال: بدهه يا شيخ محمد، يبقوا سبعة. ~~- سبعة؟! سبعة إيه؟! وحياة الست مسكه وأم هاشم وأولية الله تمانية يا مبروك. ~~- سبعة يا شيخ محمد والله العظيم سبعة. ~~- دانت صاحب عيال يا عم متولي، وحياة سيدي، الله، أدحنا فيها، الواد اللي جبته من الحنفي ~~الصبح، واحد، والبنت بنت عمك. ~~- اسمع يا شيخ محمد، علي الطلاق سبعة. ~~- أ ... أ ... أ ... لا حول ولا قوة إلا بالله، مش يا مبروك. ~~- علي الطلاق سبعة. ~~- أف، أنت وذمتك يا شيخ، الله وكيلك. ~~- وصلك كام يا شيخ محمد؟ ~~- حتة بعشرة يا مبروك. # وانتظر الحانوتي حتى يحسب الحسبة، ثم قال: يبقى باقيلك من حساب السبعة أربعة ساغ. ~~- بس ... بس ... يعني ... ~~- بس إيه؟ ~~- بس وأنت سيد العارفين يا عم متولي، النهاردة رطل القوطة بكذا، والبامية بكيت، ولا ليالي ~~ولا مياتم، والحالة كرب، والولية امبارح اشتريت لها سبرين. ~~- طماطم إيه! وهباب إيه! يا شيخ اصطبح وقول يا فتاح، الصيف أهو طالع، والنزلة جايه ومش ~~حتلحق تحوش عن قفاك، خليها على الله، خد. # وتردد الشيخ محمد، وهو يكن يده، ثم يفردها، ولكنه توكل على الله، وتناول ما في ~~قبضة الحانوتي وتحسس الشلن الورق، وأدخل رقبته في الجبة القديمة، وفرفط ms075 غمزاته ~~ولمزاته، وفركه بين أصابعه، وطبقه، وكاد يرده، ولكنه سحب ناعما، وحدق من خلال الضباب ~~الذي أمام عينيه، وقال: طب هات ساغ كمان يا مبروك. # ولم يسمعه أحد، فأبو المتولي كان قد اختفى باللفافة في زحمة الناس. # | حصة # الفكرة شيء إنساني عجيب، فهي دائما تتطلب عملا وجهدا، وأحيانا تخطر للإنسان فكرة، ~~فيظل يستضعفها ويهملها وهو كاره ما وراءها من عمل حتى يقتلها، وأحيانا تخطر له فكرة ~~فيها جدة، وفيها روعة ولذة، فتقلب هدوءه رأسا على عقب، وتنفخ فيه أطنانا من ~~النشاط. # وإسماعيل بيه الماحي واتته فكرة، وكان لا يدري من أين جاءته، ولا أي وحي هبط عليه بها، ~~وكل الذي يدريه أنه كان ممددا في فراشه في الحجرة الزرقاء البحرية من «الفيللا» أو ~~على الأقل هكذا وجد نفسه حين استيقظ، وهو لم يستيقظ مرة واحدة كخلق الله إنما استيقظ ~~مرات، وكان في كل مرة يراود نفسه: هل يصحو أم ينام كما كان؟ وإذا صحا فماذا يفعل، وماذا ~~وراءه؟ # وفي هذا اليوم لم يكن وراءه شيء أهم من النوم، ومن أجل هذا كانت استشاراته لنفسه لا ~~تستغرق وقتا طويلا يعود بعدها لتستضيفه الملائكة. # واستيقظ مرة، وساءل نفسه كالعادة، ثم قرر أن ينام، ولكن قراره كان خيالا على وهم؛ ~~فإن جسده كان قد تشبع ولم يعد فيه مكان لذرة نوم واحدة. # ولم يكن هناك حل إلا أن يتناوم، ويقنع نفسه بأنه في أحلى نعاس، وهو في أتم يقظة، ~~وجازت الحيلة على جسده وفوتها على نفسه، إنما عيناه لم تحتملا أجفانهما المضمومة طويلا، ~~فسرعان ما أزاحتا الأجفان وخرجتا إلى النور. # وسلم لعينيه المفتوحتين، وجابهته حينئذ مشكلة عويصة، فهو لم يكن يعرف الوقت، وساعته ~~التي على «الكومودينو» بجانبه واقفة لا حراك بها، والضوء في ذلك الريف اللعين لا يعتمد ~~عليه، فشعاعات الشمس قاسية فظة تنفذ من أسمك «شيش»، وتجعل السادسة تبدو كأنها الثانية بعد ~~الظهر. # وتلوى في الفراش قليلا وتثاءب، وماء، وشد على جسده ملاءة السرير الزرقاء الرقيقة ~~وأرخاها، وعرى ساقه فأحس بنسمة من ms076 البرودة تغطيها، وعرى حينئذ الثانية. # وما كاد يستريح إلى البرودة التي تلامس أطرافه حتى جذب الملاءة، فقد سمع أزيز ذبابة، ~~ثم رآها، وجاءت وراءها واحدة ثانية. # وخلقت له الذبابتان مشكلة أعقد، فمن أين يجيء الذباب؟ وكيف يقتحم الناموسية؟ أيكون فيها ~~ثقب؟ أتكون قد بليت؟ أم تكون الذبابتان قد قضيتا معه الليلة داخل الناموسية؟ وما يدريه ~~أنهما اثنتان فقط؟ ألا يجوز أن ثالثتهما قد حومت حول فمه وهو نائم؟ # وانقبض لهذه الخطرة، وانصرف عن المشكلة كلها إلى الوقت الذي لا يعرفه، كان عليه ليعلم ~~الساعة أن ينادي على عبده، وفي النداء مشقة، وقد لا يسمعه أحد أو قد ترد الست تلومه ~~على كسله، أو قد يضطر للنهوض من الفراش، وإذا نهض كان عليه أن يغتال الذبابتين بالمرة، وهذه ~~مشقة أخرى. # من أجل هذا انصرف عن مشكلة الوقت أيضا، وقنع بالتحديق في أرجاء الحجرة، وكان الظلام ~~المضيء المنتشر فيها يشع غموضا أعجبه، ويصنع من زرقة حيطانها ضفافا لبحيرة هادئة، ~~وراح يسبح في البحيرة على زوارق من أحلامه. # وفجأة واتته الفكرة. # وفي التو اعتدل، ثم جلس على الفراش، وأزاح الملاءات الرقيقة الهفهافة، وخرج من ~~الناموسية، وأصبح على السجادة، وغادر الحجرة وهو يقبض ذراعيه وينفضهما بقوة. # وكانت الست هي أول من رآه، وقبل أن تفتح فمها، سألها بلهفة: الساعة كام؟ ~~- حداشر ونص يا سيدي. ~~- ياه. # وتركها قبل أن تفتح له فاها مرة أخرى، وأسرع إلى الحمام. ولم يمكث به سوى بضع دقائق ~~وخرج، وكان عبده يتلكأ في الممر منتظرا أن يسأله عما إذا كان يحب الفطار في الفراش ~~أو على السفرة، وفوجئ عبده بالبيه وهو يأمره بصوت عاجل أن يحضر القبعة، وأسرع عبده ~~يتلكأ ويحضرها، وسمعت الست الأمر فجاء صوتها من بعيد وهي في الصالة الثانية: على ~~فين؟ # واحتار البيه قليلا، ثم قرر أن يقول: آه، مفيش نازل تحت. # فردت عليه مستنكرة: دلوقت ... ليه؟ فيه إيه؟ من غير فطار؟ وبالبيجامة؟ ~~- ماليش نفس. ~~- طيب، خد الشاي بس. ~~- لا، أنا راجع أفطر. # وتناول القبعة من عبده ms077 وهو على أول درجة في السلم، ثم نزل مهرولا وزعقات الست تتبعه وهو ~~يرد عليها، وكلاهما لا يهتم بما يقوله الآخر. # ولمحه عم عبد الله الجنايني وهو يخطو أولى خطواته داخل الجنينة، فجاء مهرولا بجسده ~~القصير المنحني ووقف وبينه وبين البيه بعد غير قليل، وابتسم، وتجعد شعر ذقنه النابت ~~الأبيض، وأطلت سنتاه الوحيدتان، المهددتان في كل لحظة بالانهيار، أطلتا من سعة ~~فمه، وانطلق صوته يقول بارتعاشة فيها زمن طويل: الجنينة نورت يا سعادة البيه، داحنا من ~~زمان. # ورد عليه إسماعيل بك والنوم لا زال يهدج من صوته: اسمع أنت عزقت حوض الياسمين بتاع ~~إمبارح؟ # وابتسم عم عبد الله بسنتيه الأماميتين قائلا: أمال يا بيه. ~~- طيب وريهولي. # ومشى إسماعيل بك فوق «المشاية» كلها، بينما اكتفى عم عبد الله بالقناة التي بجوارها، ~~فراح يخوض في قاعها المبتل، ويبتسم بين الحين والحين ويقول: من هنا يا بيه، اتفضل، ~~الناحيادي، لا مؤاخذة. # ووصلا أخيرا حوض الياسمين، وتفحصه البيه بعيني صقر، ونصف وجهه تظلله القبعة ~~والنصف الآخر تلسعه الشمس، ودار حول الحوض وعم عبد الله يراقبه ببسمة طيبة فخورة كلها ~~ثقة، وكأنه فنان يباهي بما صنع، وضاعت ابتسامته حين توقف البيه عند ركن الحوض، ~~وتملى في أرضه، ثم أشار إلى ناحية منه قائلا في اتهام: دي، هنا، ده عزيق ~~يا راجل! # واقترب عم عبد الله، وحدق هو الآخر بنظره الذي على قده، ثم قال: آه، دي ريشة الحوض ~~يا سعادة البيه، ما تتعزقش. ~~- مين قالك؟ مين علمك؟ إيش عرفك؟ # وسكت عم عبد الله وهو لا يدري بماذا يجيب، وتدلى فكه على قدر ما سمحت به عضلاته ~~المستهلكة وهو يسمع البيه يقول للمرة الثانية: أيوه، هات فاس. ~~- العفو يا بيه، داحنا ... ~~- يالله. ~~- إنما ... دا تعب على سعاد ... ~~- تعب إيه راجل انته! دي رياضة، يالله روح. # وانطلقت من إسماعيل بيه كلمة «روح» كما تنطلق البندقية وفي أعقابها انطلق عم عبد ~~الله. # والبيه بينه وبين نفسه لم يكن في حاجة لأن يكهرب الرجل هكذا ليستطيع تحقيق الفكرة التي ms078 ~~واتته، وكان ممكنا أن يطلب الفأس ببساطة ويعزق، ولكنه فعل ما فعل من قبيل التسلية، فمزاجه ~~يومها كان رائقا، وإذا لم يتسل على عم عبد الله فعلى من غيره يتسلى؟ # وعاد عم عبد الله يجري وفي يده الفأس، وقبل أن يتناولها البيه تردد الرجل لحظة، ثم ~~تهته قائلا: عن ... عن إذن سعادتك. # ولم ينتظر الإذن، واندفع يجري، وعاد وقد غسل يد الفأس وأزال ما علق بها من طين خشن ~~جاف. # والتقط البيه الفأس في رشاقة كما يلتقط عصا «البلياردو»، وقد أحس بخفة تكاد تطير به، ~~وشعر بالريف، والصباح، وجو العزبة، تعيده في سرعة سحرية من السابعة والثلاثين حيث هو إلى ~~السابعة عشرة، بل تكاد تصل به إلى السابعة. # وزرر سروال «البيجامة»، ثم رفع الفأس. وكانت - ككل الفئوس التي في عزبته - جافية فظة ~~لها حد عريض ورأس غليظ. وأنزل البيه الفأس فنزلت على طول حافتها فلم تغر في الأرض ~~قليلا أو كثيرا. # وحاول عم عبد الله أن يتنحنح فلم يستطع، وقنع بأن يقول في صوت يريد كتمه وابتسامة ~~كبيرة تطل منها سنتاه الطيبتان: مش كده لا مؤاخذة يا بيه، لا مؤاخذة اعوجها ~~شوية. # وجاءه الرد من بين ساقي البيه وقد انحنى وظهره إليه: اسكت أنت، أنت مالك. # وارتقعت الفأس، وهوت وقد اعوجت إلى ناحية. وغورت في الأرض هذه المرة. وسر البيه، ~~وتحمس، ورفعها بسرعة وأنزلها، وأخذه الحماس. # ووقف عم عبد الله يتفرج غير مرتاح، فقد كانت هذه أول مرة يرى فيها البيه منحنيا، ويرى ~~فيها سترة «بيجامته» وقد تهدلت، وتهدل ما تحتها، فبان جلده أبيض كاللبن الحليب. ولم ~~يطل حرجه فسرعان ما انفرج فمه، وهز رأسه وتوقف لبرهة، ثم عاد يبتسم ويكاد يضحك ~~ويهز رأسه من جديد. # وتنبه عم عبد الله بعد مدة أن وقفته خلف البيه فيها شيء من قلة الذوق فتحرك ~~ليواجهه. وأدرك وهو يدور أن البيه ولو أنه لم يخبط إلا بالكثير عشرين خبطة، قد تعب، فالفأس ~~كانت تغيب حتى يقتلعها من الأرض، وتغيب حتى يقتلعها من الهواء ms079 . ولم يعجب عم عبد الله ~~أبدا حين أصبح أمام البيه، فألفى وجهه قد صار قطعة من الدم، والعرق يسيل بحورا فوق ~~حمرته، ورأسه لا يقل دما وبحورا عن وجهه، والقبعة كان قد ضاق بها فرماها، وأنفاسه تلهث ~~وهي تسابق بعضها البعض. # وضيق عم عبد الله جفونه الأربعة، وانكمشت التجاعيد في وجهه فاتسعت زميلاتها عند ~~جبهته، واتخذت سيماه طابع الجد. وتقدم خطوتين فأصبح أمام البيه تماما، وقال وهو ينحني ~~ويمد يده ناحية الفأس: عنك يا سعادة البيه، عنك، ودا كلام. # وتسمر في مكانه حين جاءه جواب البيه كالرعد: اوعى، امشي. # ولم يكن لديه وقت ليمشي فيه أو يختفي، وكذلك ما كان لديه وقت يستغرب فيه من لهجته؛ ~~فقد رفع البيه الفأس وهو ينتزع النفس بكل قواه، ثم تعلقت الفأس فوق رأسه لا تريد أن ~~تهبط، وشيئا فشيئا تراخت يده، وقذف بالفأس إلى ناحية، وجلس مرة واحدة. # ولم يستطع الصبر على جلسته، فمدد جسده غير حافل بخشونة الأرض وما فيها من قلاقل ~~وطوب، وعثرت أصابعه الممتدة في كل اتجاه على شجيرة ياسمين نابتة، فاقتلعها وهو يجاهد ليملأ ~~رئتيه بالهواء. # وكان عم عبد الله في ذهول تام، فالذي حدث كان كثيرا عليه أن يواجهه، أو يصنع شيئا حين ~~يواجهه. وكان لا يمكن أن يصدق أن العشرين خبطة التي خبطها البيه ممكن أن تفعل مثل هذا في ~~بني آدم. # وذهل أكثر حين لهث البيه ونفس يحييه ونفس يميته. ~~- آه، ياه ... هنا ... قلبي. # وتحرك عم عبد الله في شبه يقظة متمتما: كفا الله الشر يا سعادة البيه، خير، خير إنشا ~~الله. # واقترب حتى أصبح بجواره تماما، وانحنى وأمسك يد البيه في وجل، واستمر يتمتم ويقول: ~~خير، خير إنشا الله. # وكانت طراوة اليد التي يقلبها ويشد عليها غريبة على يده، وجزع عم عبد الله حين ~~رأى ما أحدثته الفأس فيها من فقاقيع انفجر بعضها واختلط سائلها الأبيض. # وأسبل البيه جفونه، وقال في ضعف لاهث: اندهلي، اندهلي، الست ... ح ... حالا. # واندفعت ساقا عم عبد الله تلفان على ms080 بعضهما وتجريان. ولم يكن جري عم عبد الله ~~سريعا، فالرجل قد شاب وتلخلخ وجاوز السبعين من زمان. # ولما رجع لم تكن معه الست وحدها، بل جاءت معها الست الصغيرة، وعبده، وأم حياة الطباخة ~~وكاتب الأنفار. وكانوا كلهم يهرولون، وعم عبد الله يحاول أن يريهم الطريق. ووجدوا البيه ~~مطروحا لا حول له ولا قوة، وعيناه مغمضتان، ويده على قلبه والعرق يغطيه. # وكانت أصواتهم عالية مختلطة تسأل عما حدث وتخمن، وأحس بهم البيه ففتح عينيه، وضغط ~~برفق على قلبه، وأزاح وجهه إلى الناحية الأخرى، وكان لا يزال يلهث حين قال: آه، ذبحة، ذبحة ~~صدرية يا نعمت، خلاص. # وبهتت الست، وبدأت ذرات العرق تخترق الكريم الذي فوق وجهها، واقشعرت شفتاها وهي ~~تقول محاولة دون جدوى أن تبتسم: اخص عليك يا سمسم، ذبحة إيه يا شيخ! # ورد عليها بصوت ضعيف كليل: وحياتك ذبحة، آه، قلبي، جنبي، دراعي، دراعي منمل. # وأجابت الست في لهفة: دي لازم يا شيخ ذبحة كدابة. # وكانت الست الصغيرة تقول في نفس الوقت: ما تقولشي كده يا بابا، دانت تعبان بس، دي لازم ~~الشمس، دي ضربة شمس. # وقال البيه في تبرم خافت: أبدا يا ناس، أبدا، بزي الشمال، الحقوني، هاتو دكتور، ~~بسرعة، الحقوني. # وأسرعت الست الصغيرة إلى الفيللا، بينما أشارت الست الكبيرة إلى الباقين، وتعاونوا في ~~حمله دون أن تتحرك له شعرة، وابتعد الموكب في بطء، وكان يتوقف قليلا، ثم يعود إلى المضي، ~~وكان صوت البيه يضعف قائلا: قلبي، الحقوا ... خلاص. # وكان صوت الست يرتفع قائلا: وطي صوتك، اسكت، الله، اسكت. # أما عبده وكاتب الأنفار وأم حياة، فكانوا واجمين وكأن على رءوسهم الأسى. # وخلف الموكب وراءه عم عبد الله والذهول لا يزال مستحوذا عليه، والخواطر تذهب به إلى ~~اليمين، ثم تسرع به إلى أقصى اليسار، ثم تصطدم وتتبعثر لتتركه حائرا، تائها لا مخرج ~~له. # ولم يمنعه ذهوله من الجلوس. # ولم تمنعه حيرته من أن يخرج علبة الدخان الصفيح من جيب «صيديريه» ويلف سيجارة، ~~ويقدح زناده ويشعلها. # ويبدو أن شدات الدخان راق ms081 لها باله، وأزاحت عن كاهله ذهولا وهما، فقد عادت إليه ~~ابتسامته طائعة مختارة. # وبعد أن رمى البقية الباقية من سيجارته، قام وتمشى إلى «السراية»، ولم يبرح نافذة ~~«السلملك»، حتى غادر الطبيب المنزل، واطمأن إلى أن الحكاية جاءت سليمة، وأنه لا ذبحة ~~هناك ولا ضربة شمس. # وعاد من فوره إلى حوض الياسمين، وشمر عن ساعديه، ووضع ذيل قميصه في فتحة «الصديري»، ~~وبصق في يده وأمسك بالفأس. وقال بصوته الراجف وهو يرفعها: هه، قال بهوات قال، أمال إحنا ~~ما بتخدناش الدبحة ليه؟ دا كان زمان الواحد ادبح، وشبع دبح. # وهوى بالفأس في ضربة قوية مزقت الأرض. # | مشوار # كانت «مصر» إذا جاءت سيرتها في حديث عابر يرتج على الشبراوي، ويرى أنه غير عائش، ~~ويتحسر على ساعة واحدة يقضيها في القبيسي أو عند المعلم أحمد في الترجمان، ويجتر ~~شوقه إلى حفلة من حفلات النهار في السينما الأهلي، ويرتد عقله بسرعة إلى الأيام الخوالي ~~التي قضاها في الجيش؛ حيث كان يذرع مصر من مشرقها إلى مغربها كل أسبوع. # وغالبا ما كان ينهي الشبراوي لهفته وحسرته وشوقه بأمنية ليس كثيرا على الله أن ~~يحققها، فيهيئ له ظرفا مناسبا، وقرشين حتى يشد الرحال إليها، ويستعيد يوما من ~~أيامه. # وأصبحت الجملة التي يعرفه بها زملاؤه من كثرة ترديده لها: أبيع عمري على ساعة فيكي ~~يا مصر. # ولكنه لم يضطر إلى بيع عمره، فقد أتى الفرج من حيث لا يدري، ومن باب لم يعمل له حسابا ~~قط. فهو جالس في المركز جلسته منذ أربع سنوات، وإذا بجماعة حافلة تدخل، وبعد سؤال وضجيج ~~اتضح أنها امرأة مجنونة من كفر جمعة ومعها أهلها وأقارب الأهل والجيران، وملأ الصراخ ~~المكان، فالتمت الناس وضاق المركز. # ودق قلب الشبراوي في أمل بين ضلوعه، فلا مناص من إرسال المرأة إلى مستشفى الأمراض ~~العقلية في مصر مع «مخصوص»، ومن غيره ينفع أجدع مخصوص؟ # ولم تكن ثمة حاجة إلى وساطات أو شفاعات للمعاون. فقد تنصل كل العساكر من المهمة ومن ~~مسئوليتها. وحين تقدم هو إلى المعاون طائعا ms082 مختارا انتهى الأمر. # وفي الحال أرسل الواد عنتر صبي البوفيه إلى امرأته يخبرها بسفره، وبأن تجهز له لقمة ~~في منديل، وترسل الخمسين قرشا الصحيحة بأمارة ما هي موضوعة في كيس المخدة. # ومضى نصف ساعة. # وأصبح كل شيء جاهزا، وخطاب مفتش الصحة معدا، واستمارات السفر مكتوبة، وليس باقيا ~~إلا أن يضع رجله في القطار ليكون بعد ساعات في قلب مصر. # ولم يكن هينا أن يصدق الشبراوي أن ما حدث كان حقيقة، وأن الأمر انتهى هكذا بسهولة ~~ونعومة، وأنه صحيح سيرى مصر مرة أخرى، ويتفسح فيها، ويركب الترام، ويقابل الإخوان ~~والأصحاب، ويتعشى نيفة عند المعلم حنفي. # لم يكن ذلك هينا، ولكنه مضى بخطوات تضطرب بفرحة لا يصدقها إلى المحطة، ومعه ما ~~يزيد على المائة نفر، وكلهم يوصونه بزبيدة وبأن يكون صبورا معها. # وغمزه أبوها بريال، وأعطاه زوجها بريزة، وهز الشبراوي رأسه كثيرا، وابتسم باستمرار، ~~وهو يؤكد لهم أنها في عينيه، وأن يطمئنوا عليها، ويعتبروه أخاها من أمها وأبيها. # وكان الموكب وهو يخترق البلدة يسترعي انتباه الناس ويجدون الشبراوي على رأسه، فيسأله ~~الذين يعرفونه أين هو ذاهب، وكان يجيب في تواضع: لحد هنا. # فيعود السائل يتمحك: لحد فين. # فيجيب الشبراوي وهو يزيد من قلة اهتمامه. ~~- كده لحد مصر. # وكثيرا ما كان يأتيه الجواب: هنيالك يا عم. # وتنمل السعادة في أحشاء الشبراوي. # وبعد انتظار كثير جاء قطار الدلتا، وركب هو وزبيدة، وجلست هادئة ساكنة، وتحرك القطار في ~~أمان الله. # وتحسس الشبراوي الأوراق للمرة الثالثة، وقد وضعها بعناية في جيبه الداخلي، ولما رأى أن ~~لا متاعب هناك، وأن الحال مثل القشطة، فك حزامه البوليسي العريض، واستراح، وكاد ينسى ~~زبيدة. # وانتهى قطار الدلتا من ركناته وسرحاته ومحطاته التي لا تفرغ، ثم دخل المنصورة كالدودة ~~السوداء الطويلة، وعبر الشبراوي الكوبري، وزبيدة في يده، وهو لا يني عن ترديد: بركاتك ~~يا سيدة زينب. # وسأل عن قطار مصر فوجده رابضا ينتظره، وركب وأجلس زبيدة بجوار النافذة. وجاء بائع ~~الليمون فشرب منه كوبتين في نفس واحد، ومد الثالثة إلى زبيدة ms083 ، ولكنها دفعتها في تبرم ~~وحنق، وهدهد عليها وهو يتبع الكوبة زميلتيها. # وتحرك القطار والناس فيه آمنون مطمئنون، وزبيدة تنظر من الشباك كالطفلة الصغيرة وعلى فمها ~~ابتسامة نيئة، والشبراوي تطقطق له السعادة أصابعه. # وقبل السنبلاوين استدارت زبيدة فجأة، ثم دبت على صدرها في عنف، وقالت وهي تنظر إليه في ~~اتهام غريب: يا لهوي. # ونزل الشبراوي مهرولا من جنات سعادته، ورد عليها في انفعال: مالك يا اختي، مالك ~~يا زبيدة؟! # ولم تجبه، وإنما وضعت كفها تحت أنفها، وبأقصى قوتها أطلقت زغرودة خالية من كل ~~هم. # وأعقبتها بسرب طويل من الزغاريد. # والتفت الركاب إليها، وصمتت العربة كلها في دهشة عظمى. # وتخلخل الشبراوي وداخ قليلا فلم ينطق بحرف. # وبعد أن حاول ابتلاع ريقه، فلم يجد له ريقا طبطب على زبيدة، ومعلشي يا اختي، حقك علي، ~~طولي بالك، اعملي معروف، بلاش فضايح، وكلمتين من كلماته الهادئة وسكتت زبيدة. # ولكن الركاب لم يسكتوا، بل انطلقت ألسنتهم تعلق همسا على ما حدث، ثم ارتفعت ~~الأصوات. كل هذا والعيون لا تتحول عنه أو عنها. # وسمع بأذنه واحدة تقول: دي لازم مراته يا ضنايا. # ورنت ضحكة في آخر العربة، وتنحنح الرجل الجالس أمامه وهو يفيق من غفوته، ووقف طفلان فوق ~~المقاعد يتفرجان. # وعرق الشبراوي حتى نفذ العرق إلى بدلته الصفراء ومد يده، ولم المنديل الذي كان قد ~~فرده ليغير ريقه، ثم عقده كما كان. # وسأله جار لم يعجبه الحال: هي الست مالها يا شاويش؟ # وقال الشبراوي وقد استرد لسانه وإن لم يسترد مفاصله: أبدا، ولا حاجة. # وسكت قليلا، ثم أضاف: أصلها. # وضم أصابع يمناه، ثم حركها في دائرة بجوار رأسه، وهز الرجل جسده كله يؤمن ~~على ما قال الشبراوي، وكأنه قد اكتشف شيئا عويصا. # ولم يكن الشبراوي قد كف عن تحريك يده حين استدارت إليه زبيدة، وتكلمت بأعلى صوتها ~~ومعالمها مدببة مشحوذة: ولا حاجة إزاي، إزاي يا جدع ولا حاجة؟! # ونظر الشبراوي إليها في جزع حقيقي، وهي تقترب بخلقتها من وجهه، وتراجع برأسه حتى ألصقها ~~بخشب العربة واضعا المنديل ms084 بما فيه بينه وبينها. # ولكنها أنهت اقترابها منه فجأة، وانتصبت واقفة، ثم فتشت سقف العربة بعينين زائغتين ~~وزعقت بكل ما تستطيع: ولا حاجة إزاي، يسقط عمدة بلدنا إبراهيم أبو شعلان، يسقط عمدة بلدنا، ~~يعيش جلالة الملك، يعيش جلالة الملك الريس محمد بيه أبو بطة. # وطقت زغرودة فائرة. # ووقفت العربة على رجل، وطار النوم من عيون النائمين، وأخذ الرجل الجالس أمامه المقطف ~~من تحت المقعد، ثم مضى مسرعا. وفي ثانية أصبح لزبيدة والشبراوي نصف العربة، بينما انزوى ~~كل الركاب في النصف الآخر متوجسين شرا. # وغادر العربة نفر قليل من المسافرين، بينما أبقى حب الاستطلاع معظمهم. # وأصبحت بدلة الشبراوي كالمغسولة بعرقه، ومد يده يرغم زبيدة على الجلوس وينهي ~~الموقف، ولكنها خبطته على يده، وتأودت وهي تزغرد وتقول: يسقط عمدة بلدنا، يعيش جلالة ~~الملك الريس أبو بطة. # وانطلقت ضحكات بائعي الكازوزة والفول السوداني، وجرت وراءها ضحكات المسافرين، ولم يجد ~~الشبراوي مانعا من ضحكه هو الآخر، ولكنه لم يضحك طويلا، فقد فوجئ بالمسألة تنقلب جدا ~~لا هزل فيه، وروعه من زبيدة أنها مدت يدها، ورفعت ذيل ثوبها تريد أن تخلعه، وكانت ~~ترتدي ثوبها فقط، وهجم عليها يوقفها، ودفعته وهي تزغرد، وقامت معركة. # ولو أنه تغلب عليها آخر الأمر فأقعدها بالقوة وربطها بكوفية تبرع بها واحد من ~~المسافرين، مع هذا إلا أنها كانت قد فعلت شيئا أفقده صوابه، فقد قذفت بطربوشه من نافذة ~~القطار، الطربوش الذي ظل فوق رأسه من يوم أن دخل الخدمة، وبقيت فروته عارية بيضاء إلا من ~~شعره القليل القصير. # ولم تهدأ زبيدة حتى بعد أن فعلت هذا، وظلت تطلق الزغاريد، وفي كل مرة: يسقط العمدة ~~ويعيش الريس. # وقرابة بلبيس كان الهدوء قد أخذ طريقه إلى عقلها، وسكتت حتى بدأ بعض الجريئين من ~~الركاب يعودون إلى أماكنهم، وكان الشبراوي يمنع نفسه منعا عن قذفها من القطار، فقد كان ~~يغلي على طربوشه الذي ضاع أمام عينيه. # واستمر يغلي حتى دخل القطار محطة مصر. # وانتظر الشبراوي حتى نزل كل الناس، ثم شدها بعنف، ولف ms085 ذراعه حول ذراعها وجعلها ~~لاصقة بها كالكماشة، ولكنها لم تكن في حاجة إلى كل هذه الشدة، فإنها كانت تمشي معه كالحرير ~~المطاوع. # وبهره ميدان المحطة، ولكن الظروف لم تكن متاحة أمام الذكريات لتشغل باله. # وعلى الفور ركب الترام وهي معه أعقل ما تكون، ونزل في العتبة، وخرم على شارع الأزهر، ~~واشترى طربوشا بالريال، وهو يلعن زبيدة وأباها وفلوسه الحرام. # ولم يسترح إلى الطربوش الجديد فوق رأسه، وأحس أنه ثقيل كقطعة الدبش. # وعقد العزم على أن يجعل زبيدة تغور من وجهه أولا، ويتخلص من مسئوليتها، ثم بعد ذلك ~~تكون مصر كلها له وهو لها، واستراح لهذا القرار، وركب الترام والناس فيه فوق بعضهم، ~~وغرق يراجع ما فات من متاعبه وما سيجيء، ولكنه صحا في نصف الطريق يطمئن على زبيدة، ~~فوجدها لاصقة بأفندي من الراكبين وفكها قد تدلى في بلاهة راضية، والأفندي منسجم غاية ~~ما يكون الانسجام، ومتشاغل بقراءة جريدة يحملها. وزغدها الشبراوي وهو يشدها بعيدا، ~~وانقلب الرضا الذي على وجهها غضبا، وزغردت وسقط العمدة، وعاش الريس أبو بطة. # وأوقف الكمساري الترام بلا محطة، وأنزل الشبراوي وهو يشبعه لوما وتريقة وتقريعا على ~~ركوبه ومعه واحدة لها هذه الخطورة. # ووجد الشبراوي أنه من المستحسن أن يأخذها كعابي إلى المحافظة، ومشت زبيدة على يمينه وقد ~~صممت ألا تكف عن زغردتها، والتأم شارع محمد علي كله وراءهما وبجوارهما، وكلما كثر ~~الناس علا صوت زبيدة، بينما راح الشبراوي في غيبوبة ووجهه لا يرتفع عن الأرض. # ورأى العسكري الواقف أمام باب المحافظة هذا الجمع مقبلا، وفيه زغاريد وأصوات فتوقع ~~حدثا مثيرا، ووقف الشبراوي يسأله عن طبيب المحافظة، وعرف العسكري الحكاية بخبرته ورثى ~~له، فالساعة كانت قد جاوزت السادسة ولا أحد هناك. # وسأله الشبراوي بلهفة: طيب وبعدين؟ ~~- فقال العسكري بكل هدوء: تعال بكرة. ~~- بكرة؟ بكرة إزاي؟ ~~- بكرة الصبح. # ثم أعقب العسكري جوابه بشخطة فرقت الناس وفي جعبتهم أكثر من نادرة. # وتوسل إليه الشبراوي وهو يسأل إن كان ممكنا تركها إلى الصباح في المحافظة. # وحدجه العسكري بعينيه دون أن ms086 يتكلم، وفهم الشبراوي فسحب زبيدة ومضى. ومن هذه اللحظة بدأ ~~يطرق عقله طرف المشكلة، وبدأ يفكر كيف يبيت ومعه هذه الداهية، ولكنه كان متعبا ~~مهدودا، وله ساعات لم يدخل جوفه طعام. # ودخل أقرب قهوة في باب الخلق؛ حيث جلس وأجلسها بجانبه وكتفه في كتفها. ولم يعبأ أبدا ~~بتحديق الجالسين فيه وفيها ولا بما يقولون. وطلب شايا وتعميرة، وشربهما، وأحس بالخدر ~~يتمشى لذيذا في جسده، وأفاق من خدره على شيء حدث داخله، فجعله يتململ ويرتد إلى أقصى ~~الخلف، ثم يتلوى إلى أقصى الأمام. وقدر أنه لن يستطيع الاحتمال وعليه أن يبحث في التو ~~عن المكان الذي يقضي حوائج الناس، وسأل الجرسون وعلى وجهه ألم. وأشار الرجل إلى مكان لا ~~يبعد كثيرا. # ولكن ... زبيدة. # وتلفت حوله، ولم يكن صعبا أن يبدأ حديثا سريعا مع جاره الذي كان يرتدي بالطو ~~وجلبابا بلديا، وعرف منه أنه مخبر في المحافظة. واضطر الشبراوي أن يقص الحكاية من ~~طقطق إلى سلام عليكم، وأن يختمها راجيا المخبر أن يأخذ باله من زبيدة، حتى يعمل مثل الناس ~~ويعود، وما كاد الرجل يقبل بغير ترحيب، حتى اندفع الشبراوي وكأنه طلقة. # وحين عاد كانت القهوة قد انقلبت إلى مولد تحييه زبيدة. # وجرها الشبراوي في غلظة بعد أن ألحف في الاعتذار للمخبر، ومشى وهو لا يدري أين يذهب، ~~وكان الوقت يمضي والشمس غابت، والأضواء القوية تزغلل عينيه محاولة تذكيره بالذي مضى، ولكنه ~~كان في عالم آخر. # وظل يبحث في ذاكرته حتى عثر على قريب له من بعيد، طالب في الزراعة في الجامعة، وعثر ~~أيضا في ذاكرته على مكان بيته. # وتاه في الجيزة ساعات، فقد كان يعرف البيت في النهار فقط. # وأخيرا استدل عليه، ودق الباب، وفتح قريبه، وسلم عليه بحرارة، وأنت فين يا أخي، ~~والله زمان، وإزاي الجماعة. # وقبل أن يدخل في الموضوع زغردت زبيدة بحماس، وكانت ما فتحت فمها طول الوقت. # ونظر إليها الشبراوي، وتمنى لو كان معه سكين ليذبحها. # ولم يدخل في الموضوع أبدا، إنما انسحب في سكون وهو يروي ms087 لقريبه نتفا متفرقة من ~~الحكاية. # وحين احتواه الشارع قال لزبيدة وهو يضغط على ذراعها يريد كسرها: # واستمر يهدد ويتوعد وهي ماشية بجواره كالأوزة لا تلوي وزي ما تيجي. # واستمر يهدد ويتوعد وهي ماشية بجواره كالأوة لا تلوي على شيء. # وذكره المؤبد الذي يريد الرواح إليه بالقسم، ووجد أنه حقا أصلح مكان يأويها ويأويه في ~~تلك الليلة السوداء. # والأوتوبيس، وفي خطوتين كان أمام الشاويش النبطشي في قسم السيدة. # والحكاية أعادها، وقد تمرن عليها وحبكها. # وهز الشاويش رأسه في بطء وهو يقول: دي مسئولية يا حبيبي، وأنت سيد العارفين. # ورد الشبراوي وغيظه يحترق: طب حطنا في الحجز. # وفي بطء قال الشاويش: برضه مسئولية. # وحين غادر القسم كان يلعن كل ما يمت إلى المسئولية والسائلين بصلة، ويكاد يضرب نفسه ~~وهو يلومها على هذه المسئولية التي اندب فيها كالرطل. # وحين كان يسترد أنفاسه لاحت له فكرة اللوكاندة، ولكنه نبذها في الحال فهما اثنان، ~~وزبيدة حرمة، وخطرة، والحسبة فيها بالراحة خمسون، ستون قرشا، والحكاية على الله. # ولم يبتعد الشبراوي كثيرا، فقد تربع أمام جامع السيدة وجذبها، حتى تهاوت بجانبه، ~~والحياء يمنعه من البكاء، فلم يكن يعتقد أن إنسانا آخر في العالم له مثل تعاسته، وبؤسه. ~~وكان مجاذيب الست حولهما كالنمل، وحين زغردت زبيدة ضاع صوتها في تمتمة الشيوخ وبسملتهم ~~وزقزقة النساء ودوامات الذكر. # وسر الشبراوي لهذا وانبسط، فلم يعد فيما تفعله زبيدة غرابة أو شذوذا. وفي الواقع ~~كان هو الغريب الشاذ بين هذا الجمع، وكان هو التعس الوحيد كذلك. وتمنى أن يفقد عقله حتى ~~ينجذب ويسعد ويستريح مثلهم. # ورغما عنه بدأ يخرج من نفسه ومن آلامه وغيظه ويرمق ما يدور حوله. وكان ما يدور مسليا، ~~فلا أحد يسأل الآخر ماذا يفعل أو ينهاه عن فعله، وانصرف الشبراوي بكليته إلى الشيخ الذي ~~بجواره، والذي كان ممددا مسترخيا في موازاة الحائط، وقد أسند رأسه إلى ساعده، وراح يرقب ~~الناس الغادين الرائحين بلا أدنى مبالاة، وفي وجهه اكتفاء واستمتاع، وكأنه ملك العصر ~~والأوان، وكان بين الحين والحين يخفض ms088 رأسه، ثم يرفعها بعد مدة، ويحدق في الشبراوي ويقول ~~في صوت ممدود عميق ساخر: وحد الله. # فيوحد الشبراوي في سره. # ثم يغيب الشيخ ليعود ينظر إليه نظراته التائهة الطويلة. # ومر واحد من فوق الرصيف، ورمى بعقب سيجارة، وجاءت في متناول الشيخ، وفي اتزان ~~واطمئنان وثبات مد الشيخ يده والتقطها، وشد منها نفسا عميقا، وأخرج دخانا كثيرا ~~من جوفه وهو ناعم ملتذ، وأطل بنظرة سعيدة على الشبراوي وحلقات الدخان تلهو في بطء حول ~~وجهه وقال بكل ثبات: وحد الله. # ولم يتمالك الشبراوي نفسه، وضحك، وتمنى أن يرقد مثل رقدة الشيخ، وأن يكون خالي الهم ~~والمسئولية مثله. وحين مرت المسئولية على لسان وعيه التفت ناحية زبيدة، فوجدها ~~تتثاءب. # وكاد يرقص من الفرحة. # ولم يطل بها التثاؤب وشيئا فشيئا مضى جسدها يثقل ويستكين، ثم راحت في النوم. # ولأول مرة تملى الشبراوي في وجهها، لم تكن حلوة، ولكنها كانت بيضاء، وكانت صغيرة ~~وأقدامها فيها طين وجروح وخلخال غليظ. وكانت في نومتها لا تفترق عن العاقلين. # ولاحظ الشبراوي أن ثوبها مشقوق وفخذها بائن منه، وخفض من بصره وهو يلم الثوب ~~ويغطيها. # ثم انخرط في تخريف لا يعرف له أول من آخر مع الشيخ حتى نام. # وحين تقدم الليل، وسكنت الدنيا، وتكوم محاسيب الست يغطون بجوار الحائط كالقرود التي ~~أنهكها يوم مشحون بالرقص والنط، كان هو يتساءل عما أزال الغضب منه فلا يجيبه إلا الشخير ~~الذي كاد يقلق السيدة في مقامها. # وصمم أن يسهر الليل بطوله ولم يكن هذا سهلا، فالنهار قد هده، والسفر أخذ منه ولم ~~تبق لديه عافية بعد أن امتصت المشغولية وطول التفكير عافيته. # وطال عليه الليل وهو نصف نائم يرنو إلى ساعة الميدان، ويستعجل الوقت الذي يتهادى في بطء ~~ثقيل الدم. # وما جاءت السابعة حتى كان في المحافظة ينتظر الطبيب وينش الناس من حولهما كما ينش الذباب ~~وزغاريد زبيدة تلعلع بلا انقطاع. وأخيرا جاء الطبيب، وبعد كثير كان هو وزبيدة أمامه، ~~وقلب الرجل الأوراق، ثم قال وهو يؤشر عليها: خدها القصر العيني ms089 عشان تتحط تحت ~~الملاحظة. # وأخذها الشبراوي مستسلما وخرج، ومن ترام إلى ترام وصل القصر العيني، وسأل واحدا فلم ~~يجبه، ونظر آخر إلى زبيدة ثم مضى، ودلته تمرجية عجوز على الاستقبال. # واستمع الطبيب إلى زبيدة وهي تهتف بسقوط العمدة وحياة الريس، وضحك كثيرا وهو يسألها ~~فتجيبه وتهلوس وهي تجيب، وكان حين يضحك يرتاح الشبراوي أيما ارتياح، ويطمئن. ولكن الطبيب ~~اتخذ في النهاية طابع الجد وأخبره أن لا مكان لها في قسم الملاحظة، وكتب هذا على ~~الأوراق. # وسأله الشبراوي وروحه تحت لسانه: وأعمل إيه؟ ~~- روح المحافظة تاني. ~~- تاني!! ~~- أيوه تاني. # وكان وهو خارج يحمل الدنيا فوق قرنه، وفعلا راودته نفسه أن يقتل زبيدة ويقتل الأطباء ~~كلهم، ثم يعمل مجنونا وينتهي، ولكن الأمر لم يتعد حدود المراودة البريئة. # وعاد إلى المحافظة وهو يلهث، وقرأ الطبيب ما كتب الطبيب وقلب الأوراق مرة أخرى، ثم ~~فاجأ الشبراوي بسؤاله إن كان قد أحضر أحدا من أقاربها، وأحس الشبراوي بغصة وهو ينفي ~~أنه أتى بأحد. # وأخبره الطبيب أن هذا ضروري لملء استمارة المستشفى، وأن عليه العودة ببساطة من حيث ~~جاء. # وبهت الشبراوي واصفر وهو يقول: أرجع الدقهلية بيها؟! ~~- أيوه. # وضربها الشبراوي في عقله فوجد أن هذا أحسن حل، ولكنه تنبه إلى أمر ذي بال، فقال للطبيب: ~~مش ممكن يا بيه، دانا معايا استمارة رجوع واحدة بس بتعتي. ~~- يا ابني لازم حد من قرايبها. ~~- أنا في عرضك يا بيه. ~~- يا ابني دي مسئولية ما أقدرش أتحملها. # وكانت مرارة الشبراوي قد انفجرت من هذه المسئولية. وقبل أن تتولاه ثورة يحطم معها ~~كل ما أمامه قطعت زبيدة الحديث بزغرودة رطبة، وفي أقل من لمح البصر خلعت ثوبها المهلهل، ~~ثم اندفعت خارجة فجأة، وجرت في حوش المحافظة والكل مذهول قد عقدت الدهشة أيديه ~~وأرجله. # وكان الشبراوي هو أول من جرى وراءها بكل ما يملك من قوة. وحلق الناس والمساجين والعساكر ~~عليها، وأفلح الشبراوي في الإمساك بها فتملصت منه، وهي تهتف بسقوط العمدة، وعضته، وصرخ ~~الشبراوي، ثم هوى على وجهها بكفه وسال ms090 الدم من فهمها وأسنانها. وأعيدت إلى غرفة الحكيم ~~وهي تهتف وتتمرد وتزغرد. # وجاء قميص الكتاف وتعاون أربعة على إدخالها فيه. # وتدحرجت زبيدة على الأرض وهي تحاول التخلص، والدم يسيل فيلون أسنانها ووجها وشفتيها، ~~واللعاب يصنع الزبد حول فمها. # وحرر الطبيب الاستمارة على عجل، ووقف الشبراوي مبهوتا يرقبها، وينتفض بدنه مما تفعله ~~في نفسها. # وذهل وهو يكتشف بعدما وضعت زبيدة في قميص الكتاف أنها مجنونة، وأنها لا تفقه مما تقول ~~حرفا، وليس لها ذنب فيما قاساه، ثم إنها لم تأكل وما شربت وهي معه، ولا حتى حين كانت في ~~البلد. # وشعر بشفقة غريبة تدب في نفسه وهو يراها تتدحرج، وتخبط رأسها في الأرض ~~وتتلوى. # وقال له الطبيب: خلاص. # وانتهت بذلك مهمة الشبراوي ومسئوليته. # وكان يخيل إليه أنه سيحيا ليلة لوجه الله إذا انتهت مهمته، وتخلص من زبيدة ~~ومصائبها، ولكنه تلقى الخبر وكأن غيره هو الذي يعنيه الخبر. # وجاءت العربة وأركبوا زبيدة فيها، وهي تزغرد وتهتف بحياة جلالة الريس، والناس كلهم ~~يضحكون. # وتحرك الشبراوي كالمطعون ورجا السائق أن ينتظر دقيقة، ثم جرى واشترى رغيفا من الفينو ~~وحلاوة طحينية، وأعطاها للعسكري الذي يرافقها وهو يقول له في رجاء حار: والنبي توكلها ~~وتخلي بالك منها، اعمل معروف وحياة اللي ماتولك تتوصا بها. # ومضت العربة. # وتسلل الشبراوي من المحافظة إلى المحطة مباشرة، وقد شبعت نفسه من مصر ومن الدنيا، ~~وبين الآونة والأخرى كان يلمح كفه التي ضرب بها زبيدة، فيقشعر جسده بخجل لم ~~يحسه في حياته. # | بصرة # - آه، أهو جه. ~~- ليلتك سودة يا مليم. ~~- أما حتبقى حتة ملعبة. ~~- دي حتبقى مدعكة. ~~- شد حيلك يا حمودة وهات لنا أجله. ~~- أهو دلوقت تحلى الفرجة يا ولاد. # ومضى الجالسون في القهوة يتقاذفون التعليقات، وهم يتسمعون إلى الضحكات العالية التي ~~تترى من الخارج، وقرقعة الصفائح الفارغة، ودبيب الأقدام الثقيلة التي تجري، وكأنها أقدام ~~فيل. # وظهر «مليم» السقا في النهاية، مقهقها صاخبا لاعنا أبا الدنيا ومن تهمه الدنيا ~~كعادته. ووضع صفيحتي «الجاز» الفارغتين والعصا التي فيها الخطاطيف فوقهما، وضحكت عيناه ms091 ~~لكل الموجودين في سخرية خالية من الهم، ثم انتحى كرسيا نائيا جلس عليه، ووضع ساقا ~~فوق ساق، وصفق بيديه كأحسن زبون، فتعالت الضحكات لجلسته وتصفيقه. # وجاء نبقة «الجرسون» يلبي الطلب في احترام مصطنع، وزغده المليم وهو يأمر بواحد شاي ~~بالحليب وكرسي دخان. # وعوى فيه وهو يقول: خلي بالك مالكرسي، فاهم. # ومضى نبقة عنه سريعا وهو يغني في صوت روتيني ممدود: صل عالنبي، تكساب. # وكأن جلسة مليم قد حلت عقد الألسنة كلها فانهالت عليه لاذعة متفكهة، بادئة بقدميه ~~الكبيرتين العريضتين على قصر، وقد جمعتا كل ما استطاع حفاؤهما جمعه من طين، وصاعدة إلى ~~ساقيه العاريتين الوارمتين بالعضلات وكأنهما فخذا كندوز، ثم قميصه الذي كان هو كل ~~ملابسه، وقد تحزم عليه بقطعة بالية من شبكة صيد، فجعل له «عبا» تدلى له القميص فوق ~~ركبتيه الخشنتين المشققتين، ولا تهدأ الألسن حتى تتمرغ فوق صدره الموشوم عليه فتاة ~~تمسك بيديها سيفا، وتختنق تحت غزارة شعر صدره الكثيف الشائخ. وتمتد اللذعات إلى وجهه ~~واصفة إياه بالرغيف المحروق، وقعر الحلة الأسود، ثم تصل إلى صلعته التي كانت الشيء الوحيد ~~الأبيض الماسخ فيه. # كل هذا ومليم جالس لا تخدش النكات جارحة فيه، وإنما هو حكم عدل بينها، يستعذب ~~الحلوة ويستملحها، ويفرق بين السخيف والجديد فيها، ولا يسب صاحب البائخة، ولا يمدح قائل ~~الجديدة، إنما يضحك فقط إذا أعجبته النكتة، وكانت ضحكاته من نوع فريد، كانت فيها طبول ~~ودفوف وقرقعة صفائح، ثم ذيل طويل رفيع يختمها به. # ولما بدأ ضحك الجالسين يهمد، وقلت نكاتهم وقدمت، لجأ مليم إلى الحيلة التي يلجأ إليها ~~دائما ليضحكهم، فوضع قروشا في حلقه، حتى وصلت زوره، ولا يدري أحد كيف كانت تصل إلى ~~زوره، ثم دق على رقبته فشخشخت القروش، وضحك، ولم يملك الناس حينئذ أنفسهم. # وهدأت أخيرا العاصفة التي أثارها مليم بدخوله، وكان المغرب قد حل، وبدأت العربات ~~المارة في الشارع تضيء مصابيحها، وكان نبقة قد رش ما أمام القهوة بالماء، وفتح الراديو ~~على آخره ليجتذب الزبائن، وأشعل الكلوب وعلقه، واستوت شالية ms092 النار في الخارج فأدخلها ~~وكلها بصابيص متوهجة، ووضعها بجوار «النصبة»، وغطى نارها بالرماد لتعيش وتكفى السهرة. ~~وكان المعلم قد اتخذ مكانه أمام البنك، وطلب فنجال القهوة السادة، وأمر نبقة بتغيير ماء ~~«الجوزة» ليستطيع أن يشرب كرسي المغرب. # وكان حمودة جالسا بجوار المعلم، وقد أمال جسده قليلا في تحفز، فمنذ الصباح والكل ~~يتحدث عن اللعبة التي ستقوم الليلة بينه وبين مليم، والكل يستعد ويتنبأ. # وقال له المعلم وهو يمد الغابة إليه، فتناولها، وجذب نفسا قصيرا، وأخرج الدخان، ثم ~~أراح ظهره على ظهر الكرسي محاولا بجهد أن يلد واحدة من ابتساماته، وكان يستعمل ابتساماته ~~دائما لإخفاء ما به من تعب، وهو في الحقيقة كان يتعب، ومع أنه كان رجلا طويلا عريضا، ~~إلا أنه كان يعمل صبيا لموقف العربات. وكان ينغرز اليوم بطوله في الشارع، والشمس في نافوخ ~~رأسه العالي المهدل الشعر، وعينه الحولاء التي فيها بياض كثير زائغة هنا وهناك علها ~~تلمح راكبا، وحنجرته الراقدة كالقبوة لصق عنقه تهتز وتتعالى وهو يجأر قائلا: اللي رايح ~~شبين، شبين والكفر. بتلاتة ساغ لشبين. # وكان يقضي اليوم هكذا ينادي على الناس ويشحن العربات، ويتشاجر مع السائقين على «الفية»، ~~ويسب الركاب والموقف والعفاريت الزرق، ثم يخرج آخر النهار بصوت ما عادت البحة تؤثر ~~فيه، وبجاكتته التي كانت قميصا من مخلفات الجيش وقد ارتداها فوق جلبابه الذي كان له لون ~~ذات يوم، وبجيب القميص الذي على صدره، وقد عمر بالقليل من النقود. يخرج آخر النهار بهذا ~~كله إلى القهوة، وقد يخرج إلى المركز، وقد يسافر في عربة ليشحن دور الفجر في شبين، وقد ~~لا يخرج بشيء على الإطلاق. # سأل المعلم حمودة عن الحال، وسكت حمودة قبل أن يقول إنها مثل اللبن، وحاول المعلم أن يقيس ~~ما في سكتته من طول ليعرف ما في جيبه من نقود، ولما اطمأن المعلم قال وهو «يخمن» الكرسي: ~~الواد مليم بيتحنجل. # وابتسم حمودة، وحدق في المعلم بعينه الحولاء، وقال في اشمئزاز: دابن «...» هو مش حيسكت ~~إلا أما أدبوا عشرتين. # وجاء الدور على ms093 المعلم ليبتسم، فتبين سنته الأمامية المطلية بالبلاتين، ونفض ما علق ~~في بلغته من تراب وهو يقول: حلو، آدي الجمل وآدي الجمال. # وكانت أسماع الجالسين حول المعلم قد اجتذبها الحديث، وأصاخت، فاستعذبت الحديث، وعلا صوت ~~حمودة، وترددت صيحته بين جنبات القهوة، وكأنه ينادي على الركاب قائلا: والنبي لما يكون ~~ابن جنية، دانا أكله، دانا مضيع عليها شبابي. # وتلفت الجالسون يبحثون دو وعي عن مليم فلم يجدوه، وارتفعت همساتهم تتساءل، وأراحهم ~~المليم حين أقبل بعد قليل، وقد ملا دور الماء للقهوة، وتحولت الأنظار إليه وهو يتمخطر ~~تحت عبء الصفيحتين الممتلئتين وواحدة تجذبه بثقلها والأخرى تدفعه، ورجلاه تنتفخ عضلاتهما ~~وهما تأخذان طريقهما بين الصفيحتين في حنكة وخبرة وقوة. # وقهقه مليم لما رأى نفسه محطا للأنظار، ورقص بالصفائح. # وأعجب نبقة رقصه فاتخذ البوفيه طبلة وراح ينقر، وساح المليم رقصا، وقد ترك العصا ترتكز ~~وحدها على مؤخرة عنقه، بينما يده قد ارتفعت إلى فوق، والأخرى قد وضعها في وسطه. # وابتسم المعلم، وانفرجت أسارير حمودة، وانهالت اللعنات والألسنة تهري مليم، ثم سكتت ~~الضجة قليلا حين علا صوت المعلم: اسمع يا واد يا مليم، فيكشي عشرتين بأربعة صاغ. # ورد مليم وهو لا يزال يرقص: أربعة ساغ، أربع برايز، أربع وقات، أربعة النينو كوانينو، كله ~~ماشي يا معلم، ما يهمكش، ملعون أبو الدنيا، ملعون أبو ...، ملعون أبويا، هأوو. # وتوالت الأحداث مسرعة. # فحالا أعدت أحسن منضدة أمام حمودة، وكانت هي الوحيدة التي لها سطح من الأبلكاش الناعم ~~لولا بعض الحفر السوداء التي صنعتها بقايا السجائر والبصابيص فيه. وتولى الجالسون أمر ~~الصفيحتين فأنزلوهما، وأفرغوهما في الزير الراقد بجانب النصبة. وتولى آخرون دفع المليم ~~وهو يتدلل ويصدر كل الأصوات التي تجيء على خاطره من فمه ومن أنفه على حد سواء، والكل ~~يعرف أنه في لحظته تلك أسعد خلق الله؛ لأنه سيلعب وما أدراك ما هو المليم حين يلعب؟ # وما إن استوى مليم في مكانه، حتى تلفت حوله، ثم دق المنضدة بجمع يده وهو يقول ~~كالأسد: أجدع كوتشينة يا وله. # وعاد نبقة ms094 مسرعا بالكوتشينة الوحيدة الجديدة في القهوة، وما كانت جديدة، بل كان المعلم ~~يحضرها من نادي الموظفين؛ حيث يلعبون بها البوكر ليلة أو ساعة من ليلة ويتركونها جديدة أو ~~تكاد ليشتريها المعلم وأمثال المعلم. # وألقى نبقة الدستة بدراية، فجاءت كما أرادها وسط المنضدة تماما. وسرعان ما امتدت إليها ~~يد المليم، فأخرجها من العلبة، وقبلها وهو يلعن أباها ويقهقه، ثم بلل إبهاميه بالكثير ~~من لعابه وعدها بطريقته الغريبة السريعة والأنظار كلها بين أصابعه، ثم فنطها وجعل ~~وسطها في طرفيها، ثم جعل طرفيها في وسطها ووضعها وهو يدق المنضدة في قوة ويقول لحمودة ~~في تحد: اقطع. # وكان حمودة ينظر إلى حركاته في اشمئزاز ظاهر وليس بينه وبين صفعه إلا قراريط معدودة، وقبل ~~أن يرد على تحديه وقف نبقة كالزوال ووضع يده فوق «الكرت» قائلا: عايزين إيه؟ # وطلب حمودة شيشة، وطلب المليم كازوزة بالثلج، ولم يتحرك نبقة إنما قال: كمان طلبين ~~تانيين، دي الكوتشينة الجديدة يا عالم. # وحدق فيه الاثنان دون أن ينطقا بحرف، واستدارت نظراتهما إلى المعلم تستنجده، ولكنه ~~هز رأسه مؤمنا على كل كلمة قالها صبيه، وفي استسلام طلب كل منهما مشروبا ~~آخر. # وأيضا لم يتحرك نبقة، إنما قال في لهجة حاسمة: ايدكو عالتأمين. # وفي تهور أخرج مليم قرشين من ظرف جواب قديم كان يضع فيه كل ما يملكه من نقود، وكان ~~يدسه دائما بين طيات حزامه. # وفي بطء وامتعاض استخرج حمود شلنا ورقا من جيب قميصه ورماه بقلة اكتراث على ~~الطرابيزة. # وفرق مليم. # وبدأ اللعب. ~~••• # بدأ اللعب في هالة من الصمت الجاد لفت اللاعبين، ثم اتسعت حتى قتلت كل الهمهمات ~~التي كانت تنبعث ممن حولهما. ولم يكن هؤلاء كثيرين، كانت نفس الوجوه التي يسيل عرقها كل ~~مساء، ويلمع تحت سطع الكلوب، وهي تحملق في الأوراق التي على الطرابيزة، والتي في أيدي ~~اللاعبين، كان الجالس على يمين مليم، والواضع كتفه فوق كتفه، حتى ليكاد ينحيه عن كرسيه، ~~كان عبد الودود، وهو رجل لا هشة له ولا نشة، له ثلاثة قراريط يزرعها فجلا ms095 وطماطم، ~~ومزاجه الذي يؤرقه أن يجلس في القهوة يراقب اللاعبين، ويزجر هذا في لطف وضعف؛ لأنه ~~يغالط، ويناصر صاحب الحق إن كان هناك صاحب حق. وكان الجالس بجانبه محمد صانع الحصر، وكان ~~كعادته يلوك في فمه متلذذا حبة نعناع، فهو لا يدخن، ولا يحشش، ولا يشرب الجوزة إلا ~~معزوما، ومع ذلك فقد كان حريفا كبيرا، ولكنه تاب عن لعبها حين أقسم من عام مضى بالطلاق ~~ألا يلعبها، ولم يحنث في قسمه، واكتفى أن يجلس جلسته تلك إذا ما انتصب المجال، ويهتف في ~~فرح للعبة الحلوة، ويمصمص حبة النعناع لكل لعبة تفلت. # وكان مصيلحي يجلس بجوار محمد ويزاحمه، محاولا أن يجد له منفذا إلى المنضدة، ومصيلحي ~~كان تلميذا في المدارس، صغيرا إذا ما قورن بالكبار الجالسين حوله، ولكن ذلك لم يمنعه أن ~~يكون أكثرهم نقودا في بعض الأحيان، ولم يحل بينه وبين أن ينازل واحدا منهم في كثير ~~من الأحيان، وكأنه كان يجد في الكوتشينة والقهوة سحرا خاصا يجذبه بعيدا عن أصدقائه ~~ولداته من التلاميذ أمثاله، فكنت لا تراه إلا جالسا في القهوة بجلبابه النظيف، لاعبا ~~إن كان هناك مجال للعبه، أو متفرجا متحمسا إن عز المجال. # ثم كان هناك الشافعي وأبو الخير وعبد ربه، وهم أنظف الموجودين من كل ما يمت إلى ~~المعاملة بصلة. كان لا عمل لهم في القرية فموسم العمل قد انتهى، فكانوا يأتون كل يوم إلى ~~البندر علهم يجدون عملا، وكانوا لا يجدونه، فتلمهم قهوة المعلم بلدياتهم، وكثيرا ما ~~كان يزجرهم، وغالبا ما كان يتركهم حين كان يجد لأكتافهم البلوطية وأذرعهم البرية عملا ~~عنده، وكفاهم ثمنا أن يجلسوا على القهوة. # وكانوا هم الآخرون يزاحمون ويبحلقون، وتعلموا الكوتشينة من كثرة ما زاحموا وبحلقوا، ~~وكان حلمهم الأكبر أن تفضى دستة قديمة تآكلت أوراقها وتمزقت، حتى ينتحي بها أبو الخير ~~وعبد ربه جانبا ويلعبا، ويعد لهم الشافعي الأبناط، فمع أنه كان أضعفهم بنية، إلا ~~أنه كان الوحيد الذي يستطيع أن يعد حتى يصل المائة. # وانتهت العشرة الأولى. # ومع أن الأولى ms096 ليست دائما بذات قيمة، وكل واحد يحاول فيها أن يختبر حظه، ويتعرف ~~مهاوي زميله، ويريح التوتر الذي في أعصابه، والذي يسبق اللعبة، مع هذا إلا أن المليم حمرق، ~~وأصر على أنه هو الغالب. # وسواء كان غالبا أو مغلوبا، فقد كان له إصرار عجيب على أنه الغالب، حتى يلومه ~~الموجودون كلهم، ويقنعوه بأنه المغلوب. وكان يوافق حينئذ على مضض كأنه مظلوم ~~مهضوم. # وهكذا لعب مليم، فمع أنه كان حريفا لا بأس به، ويجيد «الدق» والاستدراج والتفنيط، إلا ~~أنه كان يعتمد أكثر ما يعتمد على الضجة التي يصنعها، والإهانة التي لا يني عن توجيهها ~~لخصمه، ومع هذا فقد كان الكل يعجبون لخارق عاداته، كان يكفي أن يضع أوراقه بين سبابته ~~وإبهامه ليعرف كم زوجا ناقصا على أخذ الورق، وكان ماهرا في دس الأولاد والعشرة الطيبة ~~والورق الثمين لتكون من نصيبه. وكان يفعل هذا ويخفيه بزعيقه وغلبته، وهزة وسطه، وملايين ~~الصلاة على النبي، ووحدوه، التي يجأر بها بين كل لحظة وأخرى. # ويا سلام لو جاءته بصرة، كان يقف نصف وقوف ويزغرد، أو إن كان متحمسا يستعجل فيصرخ، ثم ~~يدب الورقة بكل ما يملك من قوة على الطرابيزة قائلا: بصرة، شاهدين. # وغالبا ما كان هذا يدفع الغضب إلى زميله، ويشوش تفكيره، فلا يستطيع أن يحسب ما فات من ~~أوراق أو أن يخمن ما سيجيء، وحينئذ يضطرب ويلقي له بأي ورقة، فإذا بها بصرة ~~ثانية. # وكان حمودة أتعس خصم لمليم؛ فهو ليس صاحب كلام كثير، وإذا تكلم خرج كلامه سريعا ~~موجزا كأنه طلقات مدفع سريع، وما أقرب ما يغضب، فيمط وجهه حتى يصبح طويلا كاللبانة ~~الممدودة، وتتنافر عيناه، ثم تتوالى الطلقات من فمه، ويثور. كان هذا حمودة على طبيعته، أما ~~حين كان يلعب مع مليم فكان حينئذ لا يتكلم، ويكسو وجهه قناع متحفظ جامد؛ فقد كان يرى ~~أنه بلعبه مع مليم إنما ينزل عن مستواه، فهو ابن عيلة، ومليم هذا لا يعرف أحد كيف جاء إلى ~~البلد، ولا من أين جاء، فقد أصبحوا يوما ووجدوه ms097 بينهم، ولا زال كما كان يوم جاء صائعا ~~هلفوتا، يملأ صفائح الماء للمحلات من حنفية المجلس البلدي، كل صفيحة بمليم، وينام حيثما ~~اتفق، في القهوة حينا، وفي الخرابة التي وراءها حيث يقوم السوق حينا آخر. صحيح أنه يقول ~~إنه من الغربية، ويهدد كل يوم بترك البلدة والذهاب إلى أهله في بلاد العز، ولكنه لم ينفذ ~~تهديده أبدا. # ثم إن حمودة متزوج وله بنتان، أما هذا فلا زوجة له ولا ولد، وإنما هو يلف تارة مع عفيفة ~~السبارسية، وأخرى مع أم الشحات العجوزة صاحبة الغرزة. # وحمودة كان يرى نفسه متعلما، فقد قضى عاما في المدرسة الإلزامية، أما مليم فأين ~~تعلم؟ إنه أمي جاهل لا يجيد إلا الرقص والدق على عنقه حتى يشخشخ. # من أجل هذا كان حمودة يعامله بحرص، وإذا ضايقه مليم بصراخه وجعجعته كان يلقي عليه نظرة ~~بجانب وجهه الذي فيه عينه، ويكز على شفته، ثم يسكت. # وعلى هذا اشتد الخلاف على العشرة، وكان المتفرجون يقولون إن حمودة هو الغالب، وكانوا ~~يقولونها في قسوة ليست غريبة عليهم، فهم يخذلون المغلوب مهما كان المغلوب، ويشيع فيهم ~~سرور وحشي وهم ينهشون كل ما يبذله الخاسر من محاولات يائسة للنيل من انتصار زميله. ~~واستسلم مليم في النهاية بقحة غاضبة وهو يزأر ويموء غير موافق، وطالب أن يولوا الحساب ~~واحدا له ذمة. واقترح الجالسون «الأستاذ» مصيلحي، ووافق اللاعبان، وكل منهما يمدحه ~~بكلمة. وانتشى مصيلحي وقد أسعده أن يرتضوه حكما وأمينا. # ودار اللعب. # كان مليم يمسك الأوراق متقاربة، ويكاد يلصقها في صدره، ولا يفتحها إلا بحساب. وكان ~~يراقب حمودة في دقة وحذر وهو يفرق، ويفتش الورق في كل مرة «يقش» فيها حمودة، ولا يطمئن ~~إلا إذا رأى الولد بعينه. # وكان لا يكتفي بتفنيط حمودة، فيمسك الدستة، ويكاد يمزقها تفنيطا لولا زغرات المعلم ~~التي توقف كل شيء عند حده. # وعلى النقيض، كان حمودة يمسك أوراقه مفرودة مبعثرة في غير اعتناء، فيعطي مليما الفرصة ~~لكي يعرف أوراقه بنظراته المختلسة المتلصصة. وكان لا يجاري مليما في شكوكه وظنونه ms098 ~~السوداء، إنما كان مخه هو الذي يعمل فقط، فهو يحسب كم ثمانية تبقت، وهل انتهت السبعات ~~أم بقيت الكومي، وساعات كان يغلبه طبعه، فإذا بدا أن العشرة سيخسرها كان يتصنع الغباء، ~~ويبدأ في العد من جديد، ويناكف ويغالط، ولكن بغير ضجة أو ضوضاء. # وكسب مليم العشرة الثانية. # وتنهد الجالسون في ارتياح، فمعنى هذا أن تستمر اللعبة. # وسكت حمودة فلم ينطق بحرف، ولم يهدأ مليم، فقام ورقص هنيهة وهو يزعق بملء صوته ثم ~~جلس. # وعلى ذلك أصبح كل منهم مغلوبا في عشرة، وبدءوا يلعبون عشرة أخرى؛ ليتخلص أي منهم ~~من غلبه، ويصبح الثاني مغلوبا في العشرتين. # وهكذا بدأ التطبيق. # ومعه بدأ الحماس، حماس المتفرجين، فالتطبيق يكون عادة أحمى من العشرات الأولى، ففيه ~~سينجلي من يتحمل الحساب وحده. # وكذلك بدأ حماس اللاعبين، وإن كان يشوبه بعض الاطمئنان، فعلى فرض أن أحدهما خسر العشرة، ~~فله أن يلعب عشرتين «فرق»، ولا يستطيع الجالس أمامه أن يقوم إلا إذا غلبه مرتين ~~متتاليتين. # وهكذا، فالأمل ممدود، واللعبة بدأت تزهو، والليل طويل، ولا شيء يعدل ما هم فيه من ~~لذة محمومة. # ودور في الثاني في الثالث راحت العشرة، وأصبح اللعب كله عند مليم، ولم يحزن، ولم ~~يثر، وكذلك لم يضحك أو يرقص، بل اندفع على الفور يقول بصوت هادئ وفي عينيه ألف عفريت: ~~الفرق. # وابتسم حمودة ابتسامة صفراء، وهو يقول بصوت فيه نخوة وعدل: أديك فرق زي مانتا عايز، ~~أصول لعب، واللا إيه يا إخوانه ما تقولوا. # ويزوم الإخوان، وتتمشى بينهم موجة أمل وفرح، وتصبح الموجة عاصفة حين يقول مليم، وهو ~~يطلب المشروبات على الفرق: أنا مش عايز حاجة، شوف الرجالة يشربوا إيه يا نبقة. # ولا يتخلف حمودة، بل يسرع قائلا: هات لي كرسي دخان، وهات للأستاذ حاجة، والمعلم ~~تعميرة. # ويتهلل الجالسون المتفرجون وقد حانت لحظتهم، ويطلبون وينتقون ويوصون، ويعرفون أن ~~فائدة الفرجة قد هلت. # ويبدأ اللعب في عشرتي الفرق. # ولهذا تنظف المنضدة، ويزيح حمودة عبد الودود الراقد فوق كتفه، وتتخلخل الكراسي ~~وتتباعد، ويتقارب بعضها، ويسود غير ms099 قليل من الهرج والمرج. # ويغمز المعلم لنبقة، ويأتي نبقة كالزوال، ويمد يده، ويلعب أصابعه دون أن ينطق ~~حرفا. # ويدق مليم على زوره وهو يضحك ورقبته تشخشخ، ثم يخرج من فمه أربعة قروش. # ويبدأ اللعب وقد قل الضحك، وزاد التربص، واشتدت رقابة مليم على أصابع حمودة، بينما ~~الأخير قد أدرك أن مليما يرى ورقه، فحاول أن يحتفظ به مضموما مخفيا، وسرعان ما سها عن ~~محاولاته، فعادت أوراقه إلى ما كانت عليه. ~~••• # كان الراديو قد انتهى، وعزف السلام ومضت بعد هذا ساعة، وكان نبقة قد أتى بالمقاعد من ~~الخارج ورصها صفوفا بجوار الحائط، ثم لم ضلف الباب الأربعة، وأغلق ثلاثا منها. وكان ~~الكلوب ما زال يوش ويهمس، وإن كان نوره قد ضعف، وكان مليم وحمودة جالسين جلستهما، والورق ~~مفروشا أمامهما، والمتفرجون قد تسرب النوم إليهم فقاموا، ولم يبق إلا الأستاذ ماسك ~~الحساب. وعند البنك كان المعلم يحاسب نبقة، وكانت هناك خمسة قروش ناقصة، وكان الصبي رابضا ~~على الأرض عند قدمي المعلم، مسندا ظهره إلى الحائط، محاولا أن يلم في رأسه كل ~~الطلبات «الشكك» التي أخرجها، وأن يجد بينها الخمسة قروش. وكان المعلم مريحا رأسه على ~~البنك ووجهه إلى نبقة، ويكاد يغرز الماشة التي أمامه في عينيه، منتظرا نتيجة محاولاته على ~~جمر خبيث. # والذي حدث أن نبقة لم يتذكر، وإنما فوجئ هو والمعلم بصوت مليم يوقظ القهوة من سكوتها، ~~ويهتف كأنما زال عنه الطاعون: راحت. ~~- راحت إيه يا حلوف؟! # وقبل أن يتحرك المعلم كانت المنضدة قد قلبت، وبعثرت الكوتشينة على الأرض، وكانت يدا حمودة ~~حول رقبة مليم ضاغطة عليها. # ولم يتحرك المعلم، وإنما حدق كالصقر، وقال: بس يا بهيم أنت وهوه. # وفي نفس واحد، وفي كلمات ملتهبة متلاحقة، قص كل منهما قصة تختلف عن الأخرى تماما، ~~ولم ينس كل واحد منهما أن يستشهد بالأستاذ. # ولم يقل المعلم شيئا إنما ظلت عيناه محدقتين في ثبات مريع. وسكت الاثنان، ثم ~~انحنيا يجمعان الأوراق المبعثرة ويعيدان المنضدة والكراسي إلى حيثما كانت، وفي هدوء ساكت ~~جلس مليم ms100 ، وقد أقر بغلبه، وكان معنى هذا أن اللعب قسم، ومعناه أيضا أن هناك «تطبيقا» ~~على كل اللعب، وأن هناك فرقا بعد التطبيق. # وأخيرا غض المعلم من بصره، وقال ولهجته ونظراته وبهتان ابتسامته تعني جميعها عكس ما ~~يقول: ما كل واحد يشيل النص، وننتهي يا سيادنا. # وهب الاثنان في نفس واحد يرفضان. كان عند كل منهما الأمل أن يخرج من اللعب سليما، ~~وأن يقضي السهرة، ويسقي المشاهدين وأصحابه على جيب الآخر، ثم يتندر بانتصاره أمام ~~الرواد أسبوعا أو أسبوعين. # وقال المعلم وقد انفثأ غضبه وكأنه يسلم بالقضاء والقدر: على كيفكو، أنا معاكو ~~يا سيادنا لآخر الطريق، أما نشوف. # ثم أكمل وكأنه كان ناسيا: بس إيدكو عالتأمين. # وأخرج مليم كل ما معه، وأحصاه فوجده ينقص عن التأمين نصف قرش، واحتار قليلا، ثم أخرج ~~علبة سجائره من عبه، وأخذ منها السيجارتين الباقيتين وأكمل بهما التأمين. # أما حمودة فلم يكن قد بقي معه شيء، فأخرج من جيبه مطواة لها سلاح طويل، وناولها للمعلم. ~~وأخذها الرجل وتفحصها، وفتحها وقفلها وعين حمودة تبرق وهي ترقبه، بينما مليم هاجع ~~ساكن. # وقال المعلم وهو يهز المطواة في يده: ما تكفيش. ~~- ودين النبي أنا شاريها من طنطا بخمستاشر ساغ يا راجل حرام. # وقال المعلم مرة أخرى: ما تكفيش. # وخلع حمودة قميصه، واكتفى المعلم. # كان نور الكلوب قد شحب كثيرا، وكان «الأستاذ» ليس، واستأنفا اللعب. # في عينيه ذرة نوم، وحماسه لم يفتر، لا للعب، فما كان هناك لعب، إنما للعمى الذي ~~أصاب اللاعبين، فأصبح كل منهما يسرق سرقات ساذجة مكشوفة، ومع ذلك لا يراها زميله، وكل ~~منهما يرمى البصرة، ولا يلحظها الآخر أو يشعر بها. وكان «الأستاذ» عن كل هذا ساكتا لا ~~يفتح فمه. # وانتهى المعلم من حساب نبقة، وخصم القروش الخمسة من يوميته، وانتحى ركنا وجلس يلتهم ~~العشاء الذي أحضرته له امرأته من المغرب بعد ما عزم بفتور على الجالسين. وبعد أن غسل ~~يديه جلس ينتظر نهاية اللعبة، ويسمع ما يدور. # كان حمودة إذا سبق يشم نفسه ويقول: العب ms101 يا ابو صفايح يا نتن، والنبي ما انا مخليك ~~تعرف وشك من أفاك، والنبي لمتوبك عن مسكها. # وكان مليم إذا اجتاز حمودة بأبناط قليلة يصرخ، ويزغزغ نفسه، ويقلد الديكة والمعيز ~~والحمير، ولا يرد إلا بقوله: كله ماشي، كله عال، صل على سيدك، أهي دي تاكل دي، ودي تروح ~~مع دي. يا سلام يا ابو الملاليم، والنبي حقيتك تبقى نص ريال، بصرة. # يقولها ملء فمه، وملء قوته، ولا يسكت إلا حين يناوله المعلم كلمتين كاللكمات. # ولما قاربت العشرة على الانتهاء جاء الرجل بنفسه، وجلس يشهد ويراقب ويحكم. # وخسر مليم فأمسك بالمنضدة في قسوة واربدت ملامحه، وقال: إزاي، إزاي، احسبوا تاني، مش ~~معقول، احسب يا سي أستاذ. # غير أن شهادة المعلم الواثقة الخافتة المطمئنة جعلت غير المعقول معقولا، وبانت الهزيمة ~~على مليم حين قال بصوت غليظ: العب الفرق يا ابن ... # وكان الفرق يعني تأمينا جديدا، وقال مليم للمعلم بصوت منخفض متوهما أن حمودة لا ~~يسمعه: خلي التأمين بأجرة الشهر الجاي. # وهز المعلم رأسه قائلا: ما ينفعش، هو حد عاش. # وكأنما أهان رده مليما، فقال بكبرياء ضعيفة مجروحة: يكفيك الصفايح يا معلم، ~~خدهم. ~~- الاثنين بستة ساغ. # وبحلق فيه مليم ولم يقل شيئا، ولكنه مد يده يفرق. ولكي يخلص المعلم ذمته من ~~الله أخرج من جيبه ثلاثة قروش هي كل ما تبقى بعد التأمين، ووضعها أمام مليم. # وأشار المعلم لنبقة حتى يحضر الطلبات، ولكنه توقف في منتصف إشارته، وقد تذكر شيئا ~~فقال وهو يبتسم: إيه رأيكو يا ولاد، فيه سمك ورز، تاخدوا الفرق منه. # ووافقا في التو فقد كانا جائعين، وقد أصابهما غثيان من كثرة ما عبا من قهوة وشاي ~~ودخان. # وأحضر نبقة بقايا عشاء المعلم. # وفي دقائق اختفت البقايا. # ومن جديد فنط حمودة الكوتشينة. # وبعد أن ألقى بتعليماته لنبقة، وهمس له أن لا يدعهما يلعبان إلا عشرتين فقط، خرج وقفل ~~الباب وراءه. ~~••• # قبل شروق الشمس، كان المعلم يأخذ طريقه إلى القهوة وهو يتمتم بختام صلاة الصبح، ويده ~~ترفع ثوبه من خلفه، ويده الأخرى ms102 تحرك مسبحته الكهرمان في رزانة وخشوع. # وحين فتح الباب بمفتاحه كانت القهوة يسودها ظلام تخرقه خيوط من ضوء ما قبل الشروق التي ~~تنفذ من الثقوب الكثيرة في نافذتيها، وفي حائطها نفسه. وكان هواؤها ثقيلا فيه دخان، وله ~~رائحة، وكان الكلوب مطفيا، والأرض عليها أكوام من تفل الشاي، وقشر السوداني، وورق المعسل ~~الفارغ، وفيها برك صغيرة من ماء أسود حالك. # وكان نبقة راقدا يشخر على كنبة طويلة، وقد تعرت ساقاه، وتعلقت إحداها في ~~الهواء. # وعلى المنضدة الأبلكاش، كان هناك مليم وحمودة، وقد ألصقا رأسيهما ليستطيعا رؤية الأوراق ~~على ضوء اللمبة «أم ساروخ» ولهيبها يتلاعب وينفث هبابه فيسود وجهيهما، ويلتهم ما شاء ~~من شعر حمودة النافر في كل اتجاه. وكان الأستاذ هناك أيضا، وقد ربع يديه، ووضع فوقهما ~~رأسه، مائلا إلى اليمين ليلمح أوراق حمودة، ثم مرتدا إلى اليسار ليرى ما عند ~~مليم. # ويبدو أن أحدا لم يحس بمقدمه، أو إن كانوا قد شعروا فإنهم لم يبالوا بالقادم، ولا بمن ~~يكون، ولكنهم أفاقوا تماما على صوت المعلم، وقد عادت هامته إلى الارتفاع، وجحظت عيناه على ~~آخرهما في غضب واستنكار ودهشة: يا فتاح يا عليم، هو أنا حقلبها قمار، هو انتو موظفين ~~يا ولاد الكلب يا جعانين، واد يا مليم، واد يا حمودة، فز أنت وهوه عمى في عينك منك له، أصل ~~العيب مش عليكو، العيب على الصايع دهه. # وشد المعلم نبقة من رجله المعلقة في الهواء فرماه على الأرض، وصحا الولد شاهقا ~~هالعا، ولكنه لم يمهله فانهال عليه بكفه ومسبحته وبلغته وقدميه. # وهنا فقط تحرك الثلاثة الذين كانوا واجمين مسمرين على مفاجأتهم الأولى، وكأنهم ضبطوا ~~متلبسين، ولا أمل لهم في نجاة. كان أولهم الأستاذ الذي انسل كالنسمة مغادرا القهوة، ~~وتبعه مليم وحمودة، وكل منهما يجر نفسه جرا وعيناه مطفأتان محمرتان فيهما تعب مريض، ~~وقد تجمعت نقط بيضاء جافة على أركانهما، ووجهه ممتقع أصفر يختلط فيه الإنهاك بهباب ~~المصباح. وليس في رأسيهما إلا طوابير من العشرات الطيبة والأولاد ومئات البصرات. وامرأة ~~حمودة وبناته ms103 وصفائح مليم والغربية بلده. # ومضيا على غير هدى في الضوء الرمادي الباهت. # | المكنة # كانت إدارة «مكنة» الطحين مثل كسوف القمر ووهج البرق، إحدى الطلاسم التي لا يفهمها ~~أحد، ومع هذا فالناس كانوا ينتظرون إدارتها بصبر فارغ، ويحسبون ليوم الطحين ألف حساب، ~~ويحمدون الله أن هيأ لهم مكنة قريبة من البلدة. # ولم يكن أحد يدري متى بنيت ولا كيف أحضرت عدتها مع أن الشيخ الهادي العجوز يزعم أنه ~~رأى بعينه «الونش» الذي حملها، ولكن الجيل الحديث لا يطرق باله هذا الزعم، ولا يصدقه ~~فمن يومه وهو يراها هكذا قائمة ثابتة كالجميزة الطاعنة، ترسل دقاتها مثل القلب النابض ~~بنغم منتظم رتيب. # وكان الناس حين يمرون فوق السكة الضيقة المؤدية إلى الطريق الزراعي، ويرون باب المكنة ~~مفتوحا، وشبح الأوسطى محمد يروح ويجيء داخلها يدركون من فورهم أنها سرعان ما تدور، ~~فيلقي كل مستعجل نظرة خاطفة إلى الباب، ويتلكأ من ليس وراءه عمل، وقد يجلس البعض ~~فوق كومة السباخ القريبة. يحدث هذا من بعيد لبعيد، ولا يجرؤ أحد على الاقتراب، حتى ~~الأولاد الذين كان الطفل منهم مستعدا أن يتنازل عن الرغيف الذي في يده، أو الجلباب الذي ~~يرتديه على اللحم ليستطيع مشاهدة ما يدور في الغرفة المظلمة المصنوعة من الصلج، حتى هؤلاء ~~الصغار كانوا غير راغبين في المجازفة بأعمارهم والاقتراب، فالكل يعلم أن الأوسطى محمد ~~هناك، وأنه الآن في أتعس حالاته، ولو وضع إنسان عود كبريت على طاقة أنفه في هذا الوقت ~~لاشتغل العود. # والذي يرى الأوسطى محمد في غيظه وسخطه وحنقه يعجب حين يشاهده يدخل المكنة في الصباح، ~~يربت على العدة القديمة المهروشة المتآكلة بيده، ويطمئن إلى سلامتها، وإلى أن ذرات ~~الدقيق الناعم لم تتسرب من حجرة الطحين، ولم تفسد خضرة دهانها الذي لم يبلى. ويدور ~~الأوسطى محمد حولها، ويفرغ وعاء الزيت، ويعمر الوابور ثم يشعله، ويضعه في مكانه من ~~العدة حتى تسخن «طاستها»، ولا يتوقف أثناء هذا عن دق أشياء بداخلها، وتلمس أشياء، وتجربة ~~مسالك ومقابض، حتى يرى بينه وبين نفسه أن ms104 الوقت قد حان، فيضع رجله في «الحدافة» الكبيرة ~~الضخمة، ويستند بذراعيه القويتين إلى الحائط، ثم يستعين بالسيد البدوي، ويدفع ~~العجلة. # وقد تقوم «المكنة» في ساعة، وقد لا تقوم، فيسب لها الأخضرين. وقد تعمل مرة، ويتصاعد ~~صوتها الحبيب إلى نفسه من المدخنة الحديدية، ولكنه لا يلبث أن يتلاحق وقعه، ويهبط حتى ~~يموت ليعود إلى إشعال الوابور، وتسخين الطاسة. # ونادرا ما كانت تقوم قبل العصر بعد أن يكون الأوسطى قد هدهد عليها وهو حانق، واستعطفها ~~وهو يكاد ينفجر، وتحايل عليها، وداعت «البستم» ونغمش «الشنابر» بأصابعه. # وحين يتم قيامها كان الأوسطى ينتظر قليلا ليطمئن أنها لن تفعلها معه وتقف، وأن العادم ~~تمام، و«البوبينات» شغالة بالمضبوط. # وكان حينئذ ينفض يده منها، ويمسحها بقطعة «الاصطبة» وهو يقول بكل الحقد الرءوف الذي في ~~قلبه عليها: الله يلعن أبو أصحابك. # وكان وهو يستدير لا يستطيع إخفاء شبح ابتسامة راضية يداريها عن المكنة وهو يخرج. وكان ~~يغادر الباب المظلم وعليه غبرة وزيت وشحم، وهو لا يني عن مسح الجاز والعرق الذي في وجهه ~~وذراعيه وصدره بقطعة «الاصطبة»، ثم يضعها في حرص بجوار الحائط الصاج. ويمشي إلى الخليج ~~القريب حيث يغمر كل ما هو بائن من جسده بالتراب، ويظل يدعكه حتى يتحول إلى طين أسود ~~يغسله، فينداح الزيت والجاز على سطح الماء في حلقات. # ويعود بعد هذا إلى جلسته المختارة تحت شجرة الخروع بجوار حائط المكنة، وفي مواجهة بابها، ~~وتكون الأدوات جاهزة، فيتربع ويشعل النار في الاصطبة من الولاعة النحاس التي صنعها ~~بنفسه. ويغلي الماء في الكوز الذي له يد طويلة من السلك المبروم، ويظل يغلي الشاي حتى ~~يستوي ويخرط مرات. # ولا يستطيع إنسان أن يحدثه قبل أن يرتشف في بطء حكيم، وفي خبرة الكييف القطرات الأول ~~من الشاي ذي الكيان الأسود. # وكان الناس يقولون إن في شايه رائحة الجاز، وأنه يلقط من الزيت الذي لا تخلو منه يده، ~~ولكن كل من شاركه مرة كان يؤكد أن الجاز - إن كان هناك جاز - يضفي على الشاي نكهة ذات ~~مزاج لذيذ، ms105 ويجعل مذاق العنبر. # وكان الأوسطى محمد لا يتحدث كثيرا، وإذا تكلم فإنما لينفض متاعبه، ويروي كيف حرنت طلمبة ~~الماء، أو كيف انزلق السير عن الطارة، أو كيف ضبط ذات مرة امرأة من حاملات المقاطف تحاول ~~دخول غرفة العدة، وهم ببعثرة ما تحمله لولا تدخل الناس. # وكان إذا انحرف الحديث وخرج عن المكنة، ينطق بكلمة أو كلمتين، وكان كلامه في المليان ~~فهو لا يعجبه الحال المائع، ولا الثرثرة التي لا فائدة منها. # وكان مستمعوه القليلون - وهم دائما قليلون - ينظرون إلى وجهه الذي احترق الجزء الأسفل ~~منه، وبقي الجلد مكانه سميكا لا ينبت فيه شعر ذقنه التي كثيرا ما يتركها تنبت ~~وتترعرع، ولا تفلت العيون شاربه الذي لا هو بالكثيف أو الخفيف، وإنما منفوشة نهاياته ~~ومتفرقة، ذائبة في لحيته النامية. # كان مستمعوه ينظرون إليه، ثم يهزون رءوسهم بين موافقين وقانعين بالسكوت، فإنهم يعرفون ~~أن لا نتيجة من وراء جداله، وأنه إذا قال شيئا لا يتحول عنه ولو أعطوه مال ~~قارون. # ولم تكن لهجته تتغير حتى حين يكلم الحج طه. والحج كان يستأجر المكنة من صاحبها الذي ~~له في البندر بيوت وماكينات، ولم يكن الحج أول مستأجر ولا صاحبها أول صاحب. ففي خلال ~~أعوام كثيرة تقلبت من يد إلى يد، وانتقلت من بائع إلى مشتر، ورهنت مرات وفك الرهن، ~~والأوسطى محمد يتنقل معها، ويلف، وليس بينه وبين مستأجرها كلام أو سلام، فالحج جالس ~~في غرفة الطحين يزن المقاطف والأجولة على «الطبلية»، ويحاول مغالطة الزبائن في كيلة أو نصف ~~كيلة، ويحاول الزبائن الجور عليه، واستعطافه واستجداءه إذا لم ينفع الجور أو ~~يجدي. # والأوسطى محمد ليس له داع بما يحدث، فالعدة هي كل دنياه. لم يكن له زوجة، فقد ماتت من ~~أمد طويل بعد أن خلفت له شحاتة، وما تزوج بعدها أو فكر في الزواج، وإنما علم ~~شحاتة، وكان يطمع أن يرثه في صنعته، ولكن الولد خاب وفسد، وبعد أن رأى الويل في تعليمه ~~أصول الكار ذهب، واشتغل صبيا على عربة نقل في البندر ، وكثيرا ms106 ما كان يبيت هناك فلا ~~يراه أبوه أو يسمع عنه. # ولم يكن الأوسطى محمد ساخطا على ابنه أو غاضبا منه، وكان إذا جاءت سيرته أو حكى واحد ~~أنه رآه، يصمت وتتعمق ملامحه، ثم يقول: خليه يشوف اللي شفته. # وأهل البلد كلهم كانوا يعرفون الأوسطى، ويسلمون عليه ويحيونه، إلا أنه لم يكن يعرف ~~منهم، مع طول إقامته بينهم، إلا القليلين. ولم يكن يسهر إذا عن له السهر إلا مع عائلة ~~الهواشمة التي تصنع الأقفاص، فكان يضمهم سطح منزلهم، ويجلسون بين أكوام الحطب، وتدور ~~كراسي الدخان الحاف، ثم يتركهم الأوسطى ويذهب لينام في بيته ذي الغرفة الواحدة التي لها ~~طاقة صغيرة عالية، وكان قد استأجر البيت يوم جاء بخمسة قروش في الشهر من نعسة أم هاشم. ~~وماتت نعسة وتركت له بنتها التي تذهب إليه كلما قرصت الحاجة زوجها، وعلى كل ثدي من ~~أثدائها ذباب وطفل معلق، تطالبه بالقرشين. # وكان يدفع لها على مضض، ووجهه معقود، فأجره كان ضئيلا، ومع هذا فما طالب بزيادة ~~أبدا، فقد كان يضن بكرامته أن تخدش إذا رفض الحج طلبه، وكان قانعا بالمكنة، واضعا ~~فيها كل همه، حتى قطعة الأرض الفضاء الصغيرة التي أمامها ظل يرشها ويرويها ويزرعها ~~حتى أصبحت جنة، وحجرة المكنة كانت كالعروسة، وكان يضن بدنياه المحدودة أن يرشقها واحد ~~بنظرة، أو يستحل لنفسه التطلع إليها أو الجلوس فيها. # وكان الناس يعزون انطواءه على نفسه ومكنته إلى أنه مصاب بداء الكبر؛ ولهذا فأنفه دائما ~~في السماء، بل كان يذهب الذاهبون إلى أنه مريض بالسل، وأنه السبب في اعتداده وفي وجهه ~~الذي لا ينفك. # وذات يوم حدث شيء لم يتوقعه أحد. # فقد فاجأ الأوسطى محمد ابن الحج طه داخل غرفة العدة، وهو يحاول أن يلمس الحدافة الضخمة ~~الدائرة، ورأى الأوسطى أن السير يكاد يلهف ثوبه ويقطعه، فعلق الولد من أذنه وهو يفركها في ~~غيظ بين أصابعه، ثم سحبه إلى الخارج كالعنزة العاصية. # وذهب الولد باكيا منتحبا إلى أبيه، وفار دم الرجل، وجاء مسرعا إلى حيث كان يجلس ms107 ~~الأوسطى تحت الخروعة يصنع الشاي. وقال له بوجه أصفر عليه قطرات صغيرة من العرق، وبعينين ~~زائغتين، وشفاه مرتجفة: يا أوسطى محمد، شوفلك شغلة تانية. # ولم يتحرك الأوسطى أو يثور، وإنما ظل ممسكا بالكوز، رافعا بصره إلى الحج، ~~محدقا فيه، ثم قال بعد برهة وبعد أن جاهد ليبتسم حتى اعوج شاربه: بس كده، ~~حاضر. # وشرب شايه على مهله، ثم قام وأوقف المكنة، ولم أشياءه، ومضى. # خرج الأوسطى محمد من هنا، وبدأ الناس يتقاطرون على الحج طه الذي كان لا يزال يرتعش، ~~ويحاولون إرجاعه عن قراره. واستمرت المحاولات دون فائدة، ودون أن يلين قلب الرجل أو ~~يتحرك له ضمير. وانقلب الناس إلى الأوسطى محمد يلحون عليه أن يستسمح الحج، ولكنه كان ~~يرد عليهم وهو ساهم في تصميم أكيد: والنبي لما أحلق فردة من شنبي وأسيب فردة. # ويئس الناس الطيبون من محاولاتهم، فتركوا ما يحدث يحدث، وأمرهم إلى الله. # وتناقش أهل البلدة كثيرا فيما كان، وانتشرت الأقاويل تلوم الحج وتؤنبه، وتقول ~~إنه لو لف الأرض سبع مرات فلن يجد أحدا مثل الأوسطى محمد. وكان الأوسطى يسمع الكلام ~~ويبتسم فهو أدرى منهم بقيمته، فما كان إنسان يعرف مثله أسرار المكنة، فقد رباها على ~~يده، وعرف متى تعصي وكيف تلين، وما هي الدفعة التي تديرها، والضغطة التي تلف حدافتها، ~~ثم الغمزة التي توقفها. كان يعرفها أكثر من نفسه، ويعرف مزاجها وضعفها مثلما يعرف مزاجه ~~وضعفه. وكان واثقا أن الحج سيأتيه حالا وهو صاغر، ويسوق عليه الناس كي يرجع. # في ذلك اليوم وقفت المكنة طول النهار، وفي اليوم التالي رجع الحج من البندر، وفي ~~جعبته أوسطى آخر قضى ساعات كثيرة يلهث ويعرق ويستريح، وحين غابت الشمس ضرب الجنيه الذي ~~أخذه بعد مساومة في جيبه، وانصرف دون أن يتكتك للمكنة صوت. # وطالت السهرة على سطح الهواشمة، وامتد الحديث عن خيبة الأوسطى الجديد. # ولم ييأس الحج، فغاب عن البلدة قليلا، ثم عاد ومعه ثلاثة من الأسطوات. وهلكت امرأته ~~وهي تعد لهم الطعام والشاي كل يوم وهم يتخبطون ويختلفون. ms108 # وكلما طال تخبطهم كان الأوسطى محمد يسعد غاية ما تكون السعادة، حتى إنه ما كان ينتهي ~~ضحكه، وحتى أصبح الناس يأنسون إليه فيكلمهم، ويهزر معهم، ويلكزهم أحيانا. # وكان انفراج وجهه بعد طول تكشير وتقطيب بالنسبة إليهم فاكهة في غير أوانها، فذهب ما ~~كانوا يشعرون به من رهبة تجاهه، وأحسوا أنه إنسان مثلهم من دم ولحم، وأنه ليس مريضا أو ~~متكبرا، وإنما طبعه حلو، ودعابته رائقة. # ومع أن الناس وحشهم صوت المكنة، وانقطع عنهم دقها القوي المكتوم، ولم يعد هناك طحين ~~أو بياض أرز، وفرغ الفضاء الذي حولها من الحمير والجمال، وانتهى زعيق الرجال أمامها ~~وزحمة النساء، وراح الناس يقترضون من بعضهم الدقيق، مع كل هذا إلا أنهم كانوا مع الأوسطى ~~محمد، وكانوا على أتم استعداد لقضاء أيام كثيرة دون أرز أو طحين. # وكانوا يسخرون بالحج وبالأسطوات الذين يأتي بهم، ويتنبئون معه بفشلهم وبأنهم سيرجعون ~~كما جاءوا ووجوههم مثل قفاهم. # وأثناء هذا لم يقطع الناس الطيبون محاولاتهم الملحة للصلح، ولكن الحج أبى إلا أن ~~ينفذ كلمته، ولو صار فيها ضرب نار. وحين زهق ركب القطار إلى مصر، وعاد في ذات اليوم، ومعه ~~أوسطى يرتدي عفريتة زرقاء. # وتهامس الناس وهم ينظرون إلى صغر سنه، وذقنه الملساء، وبشرته التي ليس فيها خشونة، ~~ثم تنبئوا له بالفشل الذي لحق بسابقيه. # وكان الأوسطى محمد ساعتها جالسا على جسر الترعة يتحدث إلى الناس، ويتحدث الناس ~~إليه، ويشرق الحديث ويغرب ولا محور له إلا الأوسطى الذي جاء من مصر، والذي يرتدي ~~عفريتة آخر الزمان. # وكان الأوسطى محمد يؤكد للحاضرين أن هذا الصبي لو حاول إدارتها فستنفضه وتلقيه في ~~الخليج. # وكان يتحدث في ثقة وإيمان كما لو كان يتكلم عن نفسه. # وعلى حين فجأة انبعثت تكتكة عنيفة، ثم انقطعت. ~~••• # وانتهى الحديث في التو، وصمت الموجودون وكأن ألسنتهم ربطت إلى أوتاد. وتحولت ~~الأنظار كلها إلى الأوسطى محمد الذي كان صامتا، وفي صمته دهشة غير قليلة، وفي أعماقه ~~يغلي قلق استحوذ عليه، ولم يغب عن الأنظار. ورغم أن ثقته في ms109 نفسه وفي المكنة كانت لا ~~حد لها إلا أن الفأر بدأ يلعب في عبه، فقام دون أن ينطق بحرف أو يسأله الحاضرون أين هو ~~ذاهب. وتمشى على الجسر واضعا يديه خلف ظهره، ورأسه مائلة على صدره، وعقله يتأرجح بين ~~الشك واليقين. # وقادته قدماه غصبا عنه إلى المكنة، وجلس على حافة المصلى القريبة وعيناه مصوبتان ~~إلى بابها، وأذنه تتسمع دوي الوابور وهو يسخنها، وثمة ابتسامة واثقة غير مصدقة حائرة ~~على شفتيه. # واتسعت ابتسامته وهو يشاهد الأوسطى الصغير يستعين بالحج على إدارة الحدافة، ولكن البسمة ~~غاضت تماما من وجهه حين رأى البستم المعلون يلف ويدور ولا يقف، والحدافة قد انطلقت ~~من نفسها كالمجنونة، وقد أخفت السرعة هيكلها وابتلعته، بينما المدخنة اندفعت تنفث ~~حلقات الدخان في نظام لا تشوبه شائبة. # ولم يحتمل الأوسطى محمد، ففز من جلسته واقفا وهو يكذب ما يراه وما يسمعه، وشيء ~~لاسع ينهش صدره، وهو يلمح الأوسطى الصبي يغادر الحجرة وعلى سيماه بشر كثير، والناس ~~يتجمعون حوله، ويسلمون عليه، ويرحبون به، ويدخل بعضهم يتفرج على المكنة الدائرة، ~~ويهنئ الحج ويشد على يده. # وقف الأوسطى محمد وحيدا مزروعا في مكانه، والناس رائحة غادية من أمامه لا يلحظونه ولا ~~يلحظهم. وقبل أن يغادر مكانه انتزع من صدره تنهدة حارقة طويلة، وغمغم باشمئزاز، وكأنه ~~الزوج يضبط امرأته متلبسة بخيانته: الله يلعن أبو صحابك. # ثم بصق ملء فمه. # | شغلانة # كان عبده في حاجة إلى قرشين. # ولم تكن هذه أول مرة يحتاج فيها عبده، فقد أمضى عمره باحثا عن القرشين. # كان في الأصل طباخا، تعلم على يد الحاج فايد الشامي، وأتقن الصنعة، حتى إن طبق ~~«الدمعة» كان حين يخرج من يده محبوكا محوجا يحظى بإعجاب المعلم نفسه. # ولكن الحال لا تدوم على وتيرة واحدة، وهكذا اشتغل عبده صبيا في الورشة التي بجوار ~~المطعم، ثم طرده صاحب الورشة، فعمل بوابا فترة من الزمن، وأشرف وحده على عمارة من عشرة ~~طوابق، ثم أسلمه عوده الفارع وساعده القوي إلى عربات النقل، فأصبح شيالا حتى أصيب ~~بالفتق . # وعبده ms110 كان له صوت، وصوته لم يكن جميلا، ولكنه كان قويا طازجا، وحين كان يبيع الخيار ~~والشمام والعنب كان يلفت الشارع كله إلى بضاعته بنداء واحد. # وقد عمل عبده ذات مرة سمسارا، وكان يجوب الأزقة ليل نهار بحثا عن حجرة خالية، وكان ~~يجدها، ويجد معها العشرة قروش، ثم استطاع أن ينفذ إلى كهنوت السماسرة، فيقبض القروش العشرة ~~بلباقة من الزبون، ولا يجوب الأزقة أو يجد الحجرة. # وعبده في شغل القهاوي عجب، وكان أيام عزه يقف في أرضية القهوة وحده ليلة العيد، فلا ~~يؤخر طلبا أو يكسر كوبا. # وكانت له زوجة، يسكن وإياها حجرة وحولهما الجيران. ورغم المعارك الصغيرة التي كانت تنشب ~~بين نسائهم وامرأته، فقد كانوا على العموم أناسا طيبين، يواسونه ويقرضونه إذا لم يعمل ~~ويدعون له، وأحيانا يقترضون منه إذا وجد العمل، والدنيا ماضية به وبهم تبيع لهم العيش ~~بالميزان، وتنقص كل يوم في الميزان، وإنما هي الدنيا والسلام. # كان عبده في حاجة إلى قرشين. # وهذه المرة كانت حاجته قد طالت، ولم يكن هناك أمل في نهايتها، ومعارفه القدامى حفيت ~~قدماه، وهو يلف عليهم ويدور، ويعود من لفه ودورانه بنفس وجهه المقطب العابس، ويديه ~~الخاويتين، ويدق الباب فتفتح امرأته فلا يحييها، ولا تحييه، وينام على الحصيرة، ويسد ~~أذنيه عن لغط نفيسة ودوشتها وهي تجره جرا إلى الذي يحدث كل يوم، وإلى تهديد صاحب ~~البيت، وأنصاف الأرغفة الحاف وأرباعها التي يتصدق بها الجيران، والعيد القادم، وأقة الخوخ ~~التي نفسها فيها، وتتوحم عليها، وابنته التي ماتت، وابنه الذي في الطريق والخوخة التي ~~سيولد بها. # وطالت هذه المرة على غير عادتها، وعلا صوت نفيسة حتى لم يعد يحتمله، وأصبح لا يطيق ~~النظر إلى وجوه جيرانه ورءوسهم المهتزة الآسفة على شبابه وقلة بخته، أو تمنياتهم التي لا ~~يمضغها تحت أسنانه أو يستر بها جسد نفيسة. # وفي يوم وعبده عائد، قالت له نفيسة إن طلبة قد أرسل له. # وأحس عبده بفرحة فإن أي سؤال في مثل حاله يعني الأمل، وليكن أملا كاذبا إلا أنه ~~أحسن ms111 من لا شيء على أية حال. # وفي التو ذهب إلى طلبة، وكان سيد القاطنين في البيت بلا جدال، فقد كان يعمل تمورجيا ~~في المستشفى، وكان كذلك أحدث القاطنين. # ورحب به طلبة، وابتسم عبده لترحيبه في خجل، وما كاد طلبة يسأل عن الحال حتى قص عبده ~~الحكاية، وكان عبده يشعر بالراحة وهو يقصها ويتحدث عن أيام مجده وذكرياته، كان إذا أحس ~~بالنظرات تقشعر وهي تعبر جلبابه المهلهل لا يستريح حتى يتكلم عن حرفة، وعن الناس الذين ~~عرفهم وعمل معهم، وكأنه يداري خروق جلبابه، وحين يتكلم عما فات كان صوته يمتلئ ونفسه ~~تكبر ويشعر بأنه كان رجلا، ثم يخفت حديثه وتتبرم لهجته، ويسخط على الدنيا والزمان ~~والناس، ويتشوق إلى الخير الذي ضاع، ويشمئز من الشر الذي ملأ القلوب، ثم كانت كلماته ~~تصغر، وصوته يضعف وابتسامة خجلة تأخذ طريقها إلى وجهه، وهو يتحدث إلى جليسه عما صار إليه، ~~ويسأله بعد أن يفرغ كل الضعف الذي في صوته، وتنتهي كل الاستكانة التي يهمس بها، يسأله ~~إن كان يعرف له الطريق إلى عمل. # واستمع طلبة، وقاطعه كثيرا وهو يستمع، ثم أخبره في النهاية بأن هناك عملا ~~ينتظره. # ورجع عبده، وكأن ليلة القدر قد فتحت له. # وحدث نفيسة كثيرا عن طلبة وترحيبه وطيبته، وأمرها أن تذهب في الغد بعدما ترجع من عند ~~الطلبة الذين تغسل لهم إلى امرأته وتساعدها، وتسليها. # ومن الفجر كان عبده مستيقظا، وقبل شروق الشمس كان هو وطلبة أمام قسم نقل الدم في ~~المستشفى، وانتظر وجاء أناس مثله وانتظروا، وفتح الباب في العاشرة، ودخلوا، وأخذ عبده ~~بالمكان الذي كله سكون وصمت. ونفذت إلى أنفه رائحة كالفنيك تملأ الجو، وجعلت معدته تطفو ~~حتى تصل إلى حلقه، وأوقفوهم طابورا وسألوه وهو كالذاهل، واستجوبوه وعرفوا اسم أمه وأبيه، ~~وكيف مات خاله وعمه، وطالبوه بصورة، وبحث عبده فلم يجد إلا صورته الملصقة على تحقيق ~~الشخصية الذي يحمله دائما خوفا من الطوارئ والعساكر. # ودفعوا إبرة في وريده، وأخذوا منه ملء زجاجة من الدم الأحمر. وقالوا له: بعد ~~أسبوع. ms112 # وخلال الأسبوع كان عبده لا يزال في حاجة إلى القرشين، ولا يزال غاديا رائحا يبحث، ~~وأنصاف الأرغفة وأرباعها كادت تفرغ، بل فرغت. وفي الميعاد تماما كان أمام القسم، وفي ~~العاشرة فتح الباب، وقالوا للذي قبله في الطابور: لا. # وحين تصلب الرجل في مكانه أزاحوه وهم يقولون: دمك فاسد. # وخفق قلب عبده. # ولكنه كف عن الخفقان حين قالوا له: أيوه. # ولما تثاقل في مكانه أزاحوه وهم يقولون: حناخد منك النهاردة. # وكاد عبده يركب رأسه، ويمضي في الطابور مهللا مقهقها كما كان يفعل في عز شبابه، ~~ولكنه كان جائعا، ففرح على مضض وانتظر. # وبعد قليل نادوا عليه، وأدخلوا ذراعه في ثقب لا يسع إلا ذراعه، وخاف عبده، ولكنه اطمأن ~~حين وجد على يمينه واحدا وعلى شماله آخر. وأحس بذراعه كلها يغمرها شيء بارد، وكأنها ~~وضعت في لوح من الثلج. واندست فيها بعد برهة مسلة، وتأوه، ثم لم يعد شيء يضنيه ~~فسكت، وأتاح له سكوته أن يتفرج على المكان، وأن يرفع رأسه ويشب ويختلس النظرات خلال ~~الزجاج الفاصل، فيلمح فتيات كالورد يرحن ويجئن في صمت وليس لهن ضب امرأته، ولا ثوبها ~~الأسود، وأدرك عبده بعد برهة أنهم ليسوا كلهم فتيات، وإنما بينهن بعض الرجال، ولكن وجوههم ~~هي الأخرى كانت بيضاء كالقطن المندوف ولامعة كالحرير. وراح عبده يحسد ذراعه والرجال الذين ~~في الداخل، ويتمنى أن تطول ذراعه وتطول حتى تصل أصابعه إلى قناع واحدة من الفتيات ~~فيشده، ويقرص وجهها الحلو. # واستمر عبده يشب ويتأمل الوجوه المقنعة، ويخلط بين الرجال والفتيات، حتى بدأ الزجاج ~~الفاصل يضيء وينطفئ أمام عينيه، والوجوه الحلوة تغطيها الأقنعة، ثم تنحسر عنها. # وأحس أنه تعب. # وشعر بذراعه تبرد، ثم شعر بها تسخن وتبرد. # وسأل الذي عن يمينه: هم حياخدوا قد إيه؟ # وأجاب الآخر وهو يغمغم وكأنما ينوي ليتوضأ: أنا عارف! بيقولوا نص لتر. # وانتهى الحديث. # ودقوا على ذراعه وهم يقولون: خلاص. # ومشى عبده وهو غير ثابت وسأل عن القرشين، وقالوا له: انتظر. # وانتظر. # ودفعوا له جنيها وفوقه ثلاثون قرشا، وخصموا الدمغة، ms113 وكانوا كراما فأفطروه. # وقبل أن يرجع إلى البيت مر على الجزار فأخذ رطل اللحمة، وفات على الخضري فاشترى ~~البطاطس، ودق باب الحجرة وهو يبتسم. # وحين فتحت نفيسة ووجدته محملا ردت تحيته، وحملت عنه ما في يده وقد انتابتها خفة، ~~وكادت - لولا الحياء - تقول إنها تحبه وتموت فيه. # وطبخت نفيسة، وشاعت رائحة «التقلية» في الحجرة، وتسربت إلى أرجاء البيت، وشمشم الجيران، ~~وابتسم بعضهم، وتحسر آخرون وهم واجمون. # وأكل عبد اللطيف حتى ملأ بطنه، ثم تهور واشتري بطيخة. # وفي الليل لم يسمع لامرأته زعيق، ولا نصبت الزفة، وإنما دار بينهم همس كحديث ~~الحبايب. # وانتهى الأسبوع، وقبل أن ينتهي كان عبده قد صرف كل ما أخذ. # وفي الميعاد ذهب إلى المستشفى، ومد ذراعه، وأخذوا منه ما أخذوا، وأعطوه ما أعطوه، ولم ~~ينسوا فأطعموه. # وارتاح عبده إلى العمل الجديد، فليس فيه إمارة معلم أو شخطة أوسطى ولا تمحيكة عسكري، ~~وليس عليه إلا أن يذهب كل أسبوع إلى هذا المكان النظيف الذي كله أبيض في أبيض، ويعطيهم ~~نصف لتر من دمه، ويناولونه الثمن، وتدبر امرأته عيشهم بما يأخذه، ويكون جسده قد دبر ~~الدم، حتى إذا ما انتهى الأسبوع يعود ليعطيهم الدم ويناولونه النقود. # كان عمله «ألسطة»، وحساده كثيرين. # وكانت حال امرأته معه على كف عفريت، فحين يقبل وفي يده ما في يده تبسم له، وتكاد ~~تزغرد، وحين ينام طيلة الأسبوع لا تدعه ينام، وإنما تحدثه عن رجليه الرفيعتين، ووجهه ~~الذي يصفر، وتقص عليه في كلمات مبتورة عابرة، ما تقوله نساء «الحتة» عنه، وكيف عايرتها ~~حميدة حين تشاجرت معها بزوجها الذي يبيع دمه. وأحيانا كانت تهدهد عليه وتشفق، وكأنها ~~أمه، وتغطيه في الليل وتثقل في الغطاء ولا تجعله يتحرك من مكانه أثناء النهار، وإنما دائما ~~بين يديه تلبي كل إشاراته، وكأنه طفل مريض. # وكان عبده يلمس هذا، ويشعر بالمرارة وهو يلمسه، ولكن ماذا يهم. # صحيح أنه كلما أخذوا منه الدم يدوخ وينام بجوار حائط المستشفى حتى العصر. # وصحيح أن الناس تتكلم، وكلام الناس كثير، ولكن المهم ms114 أن وابورهم والع، وإيجارهم مدفوع، ~~والذي لا يعجبه هذا فليشرب من أوسع بحر. # غير أن عبده ذهب يوما إلى المستشفى، ولم يجلسوه أمام الثقب، وإنما نادوا عليه، وقالوا ~~له: لا. ~~- ليه؟ ~~- أنيميا. ~~- أنمية إيه؟ ~~- فقر دم. ~~- وماله؟ ~~- ما ينفعشي. ~~- وبعدين؟ ~~- لما تقوى. ~~- أنا قوي أهه، أهد الحيطة. ~~- هبوط في القلب. ~~- مالكوش دعوة. ~~- تموت. ~~- أنا راضي. ~~- صحتك، الإنسانية. ~~- ودي إنسانية يا جدعان؟! ~~- مش ممكن. ~~- يعني مافيش فايدة؟ ~~- ولا عايدة. # وفي هذا اليوم نسوا فلم يطعموه. # ومن جديد أصبح عبده في حاجة إلى قرشين. # | مظلوم # كان لنا صاحب اسمه عبد المجيد، وكنا لا نذكره إلا ونذكر الحشيش، فهو من رواده ~~الأول القلائل، وله فيه صولات وجولات، وله معه تاريخ حافل طويل. # وكنا لا نراه إلا «مسطولا» ونكون واثقين حينئذ أن في جيبه بقية. # ومرت علينا أيام كان لا حديث لنا فيها إلا عن عبد المجيد ونوادره. كانت كل كلمة من ~~كلماته نكتة، وكل رد من ردوده قفشة، وكان لا يجيء ذكره إلا ويحكي كل منا عشرات مما حدث ~~له مع عبد المجيد، وعشرات مما حدث لعبد المجيد. # وكان عبد المجيد يعمل طبيبا في مستشفى كبير، والناس يعتقدون أن الطبيب لا بد أن يكون ~~قصيرا، سمينا له كرش وعنق غليظ، وعلى عينيه نظارات، وفوق ملامحه بسمات طيبات. # ولكن عبد المجيد كان على عكس هذا، فهو طويل رفيع، نحيف، شاحب الوجنات. # ولا أريد الاسترسال في الحديث عن عبد المجيد، فالحديث عنه طويل، وسيرته كسيرة الحيات ~~إذا وجدت لها بداية فلن تستطيع العثور لها أبدا على نهاية. # المهم أنه في ليلة كان عليه نوبتجية الاستقبال، وكان لا بد أن يسهر الليلة كلها ~~استعدادا لما تتمخض عنه المدينة من أحداث. وكان لا يمكن أن تمر مناسبة كهذه دون أن ~~يستعد لها، ويبالغ في الاستعداد. ودخن عبد المجيد حتى أصبحت عيونه ليست حمراء تماما، ~~ولا هي بيضاء، إنما لها وردية البين بين. وجلس على مكتبه في حجرة الاستقبال، وبدأت أسراب ~~الموجوعين والممغوصين تفد إليه صارخة. # وفي أعقاب ms115 هذه الأسراب جاءته إحدى المعضلات؛ إذ دخل ضابط ومعه اثنان من العساكر يحرسان ~~رجلا قصيرا محنيا ذا خدود غائرة. ووضع الضابط أوراقا كثيرة على مكتب الطبيب، وقص ~~عليه الحكاية بالاختصار، وقال له إنهم هاجموا «غرزة» ففر كل من فيها، واستطاعوا إمساك ~~هذا الرجل، وحين فتشوه عثروا معه على قطعة حشيش، وفيما هم مشغولون بمتابعة الهاربين ~~غافلهم وابتلعها، وإنه حاضر إليه ليعمل للرجل غسيلا للمعدة، ويستخرج ما فيها من ~~حشيش. # وأعجبت المعضلة صاحبنا عبد المجيد، وقد وجد فيها لذة ولحلها جدة تختلف كل الاختلاف ~~عما جرت به الليلة من أولها الطويل. # ونظر إلى الرجل الواقف والحديد في يديه، وسأله بلهجة خبير، وبحنكة ناب أزرق: أنت يا واد ~~بلعتها واللا رميتها. # وأجاب الرجل في ذلة ذليلة، وضعف ضعيف، وبراءة دونها براءة الأطفال: أنا يا بيه؟! بلعت ~~إيه؟! والله معرف حتى شكله والنبي مظلوم! يا ناس مظلوم! # ونظر له عبد المجيد وقد كبر في عينه وابتسم وكأنما يقول له: لا والله جدع يا واد! ~~يحميك! # ولم يكفه التشجيع الصامت، فأصر على أن يفك الحديد من يديه. وبعد مناقشة قصيرة ~~اقتنع الضابط ذو الوجه الأحمر والشارب الأصفر والعيون الزرق. # والمفروض أن الطبيب هو الذي يقوم بعملية غسيل المعدة، ولكنها ليست عملية أو شيئا من هذا ~~القبيل، إنما هي إجراء يستطيع أن يقوم به أي ممرض؛ ولذلك أمر الطبيب عبد السلام أن ~~يعد الغسيل. وذهب الرجل وفي صحبته العسكريان إلى الحجرة الأخرى، وبقي الضابط والطبيب ~~وحدهما في المكتب. # وكان من المستحيل أن يظلا ساكتين، وبدأ الحديث بالفتاة المرسومة على مجلة كانت في يد ~~الطبيب، ثم تشعب الحديث واكتشف الاثنان أنهما كانا ذات عام في مدرسة ثانوية واحدة، ~~وأنهما يموتان في أغاني أم كلثوم، وأن الضابط يسكن في العباسية، ولعبد المجيد شلة أصدقاء ~~فيها، وأن الاثنين لم يأخذا بعد إجازتهما الاعتيادية، فالرؤساء يحتجون بزحمة العمل. وقبل ~~أن تمضي سلسلة الاكتشافات إلى نهايتها، قال الضابط: يا أخي حاجة تعكنن بصحيح! داحنا كنا ~~قاعدين حتة قعدة في روف ms116 واحد نعرفه في مصر الجديدة، والليلادي كان لنا صاحب لسه جاي معمر من ~~فلسطين، وحليت القعدة وأم كلثوم كانت بتغني هلت ليالي القمر، ولسه يدوبك بنبتدي، والواحد ~~بدأ يتنعنش ويحس انه صح تمام إلا والمخبر جايني ومعاه أمر التفتيش، أعمل إيه؟ رحت قاطع ~~القعدة وقايم معاه، الله يلعن أبو دي عيشة، بذمتك مش حاجة تعكنن؟! # ووافقه الطبيب أن هذا شيء يعكنن، وافقه وهو ينظر إلى عيني الضابط الجميلتين، وقد غرقت ~~حبتاهما الزرقاوان في بحيرة، ليست حمراء تماما، ولا هي بيضاء، إنما لها وردية البين ~~بين. # وقبل أن يوافقه أكثر، ويحكي له فصلا مماثلا حدث له في إحدى ليالي سلطنته، دخل عليه عبد ~~السلام التومرجي قائلا بفرح وتهليل، وكأنه اكتشف أمريكا: الحتة أهه يا بيه، الراجل نزلها، ~~دي تطلع قرشين. # فرد الأومباشي: قرشين إيه؟ أقطع دراعي إن ما زادت عن ربع وقية خروبتين. # وهز العسكري رأسه هزة خبير، وقال: لأ، وحتة حلوة، باين عليها غبارة يا بوي. # وعلى عجل غادر الطبيب والضابط المكتب، والتفوا كلهم حول الرجل القصير الراقد فوق ~~المنضدة العالية يستخرج كل ما في جوفه من خير ومن شر. وشخط الطبيب في عبد السلام يأمره ~~بوضع القطعة مع بقية الغسيل في حرز ويختمه بالشمع، وتلألأت عين الضابط الوردية بالفرح، ~~وقد ثبتت الجريمة، وأصبح جسدها في حرز حصين. واقتيد الرجل في النهاية. وقد أعيد الحديد ~~إلى يديه ومشى بين حراسه يقول في صوته الضعيف الثائر: مظلوم يا ناس، والله مظلوم. # | في الليل # كانوا قد تجمعوا كما اعتادوا التجمع كل ليلة، وكان الملل قد بدأ يتسرب إليهم، ~~وأملهم في ظهوره راح يتأرجح. # وجاء واحد وقال إنه رآه عند الجامع. # وتهلل الجالسون والواجمون. # كان بعضهم قد مدد رجليه في إعياء وملل، وكان آخرون قد تربعوا، والباقون قد أراحوا ~~ظهورهم على الجدار ليريحوا ما فيها من ألم ممض، وكانت أجسادهم كلها ليس فيها موضع ~~لتعب آخر، وقد أتوا بعد العشاء كالأشباح الناحلة السمراء قد اختلط في وجوهها العرق ~~بالرماد، وطالت لحاها، واحمرت منها ms117 العيون. # وجاء قادمون جدد. # وتبادلوا تحية المساء مع الجالسين، تبادلوها في فتور، وكان الواحد منهم ما يكاد يجلس حتى ~~تزحف ذرات التعب الذي لاقاه طول النهار كجيوش النمل آخذة طريقها إلى رأسه، فيتخدر جسده ~~لزحفها، ويسكر، ويحس بالراحة تتصاعد من جوفه فتلطف جفاف حلقه، وكأنها حبات ~~نعناع. # وقال واحد وهو يناجي نفسه أكثر مما يخاطب الآخرين: يا سلام، الدنيا ضلمة يا ولاد، ~~والعتمة حلوة. # وما كان الليل جميلا لما فيه من سكون أو نجوم، وإنما كان جميلا؛ لأن ليس فيه عمل، ولأن ~~فيه راحة وجلوسا، ولأنهم يستطيعون فيه الحديث، ويحسون إذا جلسوا واستراحوا، وتحدثوا ~~أنهم بشر مثل سائر البشر. # ومع أن الليل كان هناك، وكانوا جالسين مرتاحين إلا أنهم ملوا ما راحت أفواههم تلوكه من ~~تافه الأخبار، وسرعان ما مات الكلام على أفواههم وتجمد. # وتبادلوا نظرات متثائبة، في تثاؤبها تساؤل، وفي تساؤلها قلق غامض. # ومرة أخرى راحت أسئلتهم تترى عنه. # وقبل أن يعودوا ويملوا السؤال، جاءهم الصوت الرطب الواضح المخارج، الحلو، المملوء ~~بالرنين، يقول: مساء الخير يا رجالة. ~~••• # وتحركت ألسنتهم، وقد طال سكوتها: مسا الخير يا عوف، ليلتنا ندا يا عبده، أنت فين ~~يا أخي، يا ميت ندامة على اللي حب ولا طلشي. # وبينما الجماعة قد علتها ضجة الترحيب به، لم يتمالك بعض منها نفسه، وهو يرى ~~الابتسامة الحائرة التي تود الظهور على وجه عوف فيمنعها أدبه، لم يتمالك نفسه وهو ~~يقارن وجهه الجاد بالهزل الذي قاله، والذي سوف يقوله، فانطلق يضحك. # ولم ينتظر عوف أن يهدأ الهيجان، وإنما انسل في رقة وأدب، وركع في سرعة على ركبتيه ~~قبلما يقوم له أحد، ومد يده في خجل مؤدب وسلم عليهم واحدا واحدا بحرارة، وهو يقسم ~~ألا يتعبوا أنفسهم ويقوموا، واندفع الذين لم يضحكهم أدبه، فضحكوا على حرارة سلامه ~~وغلظ قسمه. # وأخيرا جلس، بينما تنحى أناس، واعتدل آخرون، وامتدت أذرع تصلح أوضاع الجالسين، ~~وتوسع الحلقة. # وتلاقت العيون والأسئلة كلها عليه، وقد تربع ووضع قبضتيه متلاصقتين في حجره كما ~~اعتاد أن يفعل ، ولمعت ms118 بشرته السمراء والابتسامة ما زالت تتردد قبل ظهورها على ~~ملامحه. # كانوا يودون سؤاله مثلا إن كان قد وجد عملا. وآخر عمل كان يقوم به عوف كان مع تجار ~~البهائم؛ إذ كان عليه أن يوصل بضاعتهم من المواشي إلى الأسواق قبل الفجر، وحين ينفض ~~السوق يعود بما بقي دون بيع، وما جد بالشراء، وكان لا يعود قبل حلول الظلام. وانتهى ~~موسم التجارة، ووقفت سوق البهائم، وأصبح عوف مرة أخرى بلا عمل. # وكانوا يودون سؤاله أيضا أين كان طيلة ما بعد العشاء؛ إذ لا ريب أنهم كانوا لا ~~يعرفون كيلة إلا ذرة، وما جرته عليه من مصائب، ولا ما أجبرته عليه من سؤال وهمس ~~وإلحاف. # وما استمر السكون الذي صنعه قدوم عوف طويلا؛ إذ سرعان ما رفع رأسه، وحدق فيهم جميعا ~~دون أن ينطق حرفا، وأدار رقبته، وشمشم بطاقتي أنفه، وتابع الموجودون حركاته وهم ~~صامتون يخمنون ويستعدون. وظل عوف برهة يحاور عيونهم ويلاعبها، ثم جعل ابتسامته ~~تضحك ضحكتها القصيرة الخاطفة، وأتبعها بقوله، وكأنه يستنكر: واللا هاو آريو ~~يا رجاله! # وانفجر الجمع ضاحكا. # ولم تتحمل الصدور ما فيها من ضحكات، فسعلت، وضحكت، ثم سعلت. واستلقى بعضهم على ظهره ~~ليضحك أكثر، وانثنى البعض حتى لاصق وجهه الأرض وهو يضرب بيده على فخذه، وقد تشنج ~~ضاحكا. # لم يكن ما قاله عوف يستحق كل هذا الانفجار، بل ما كان قوله غريبا على أسماعهم، ~~ولكنهم كان يكفي أن يروه أو يسمعوه، أو حتى تأتي سيرته، لتنساب منهم الضحكات. كان هو ~~التميمة القادرة دائما على فتح أفواههم، وقد سمرها طول النهار. # ولم تكد الموجة الأولى تنحسر، ويبدأ الضحك يتحول إلى همس ضاحك، حتى قال عوف بصوته ~~الذي فيه بحة رنانة يذوبون فيها: كيلة الدرة يا ولاد! # ودون أن يعرفوا ما هي الحكاية قهقهوا بكل ما يملكون من صدور. # واستطرد عوف والقهقهات تترى من حوله: أنا سايب الولية من غير عشا يا جدعان! # ولعلعت الضحكات، ووضع البعض أيديهم على بطونهم، حتى لا تتمزق، بينما تعبت بطون ~~الآخرين. # ولما لم ms119 يجز عليهم ما في وجهه من جد ولا ما في ابتسامته المؤدبة من تردد، ولا ما ~~في ملامحه من حزن وتأثر، هز رأسه في يأس، ووسع ابتسامته على قدر ما استطاع، ~~وتلفت حوله وهو يدير رقبته في استسلام، وعلى يمينه كان هناك جالس قد استحوذ عليه النعاس ~~رغم كل تلك الضجة، وراح يفقر، ورأسه تهوي على صدره، ثم تنتفض عائدة إلى مكانها فوق ~~رقبته. # ومضى عوف يتأمل الرأس الصاعدة الهابطة عن يمينه وقد ران عليه تفكير عميق، وكأنه أمام ~~معضلة لا حل لها. وكان الجالسون ينظرون إليه، ثم إلى النائم، ولا يستطيعون بعد هذا أن ~~يملكوا زمام أنفسهم فيضحكون. وبدا على عوف أنه قد وجد الحل، فقرب فمه من أذن ~~النائم، ثم قال بأعلى صوته، وكأنه يهش على جدي كبير: سك، سكك دبحه! # وثارت عاصفة ضحك عاتية، واستيقظ النائم على ثورتها نصف مذهول، واسترد وعيه وهو يضحك، ~~ثم أسرف في الضحك حتى قهقه، ولما رأى العاصفة مستمرة قام، وخلع طاقيته الصوف ورماها، ~~وداس عليها بقدمه الغليظة، ثم سب أبا الدنيا وقعد وهو يبتسم في سذاجة وذهول. # ونسي عوف نفسه وسوق الماشية والكيلة وما بعد العشاء، وقد أعجبه ما أشاعه فيهم من ضحك ~~وحياة، بل إنه أحس بشيء غير قليل من الفخر والتيه، وهو يرى كلماته تتلاعب بعقولهم، ~~فتحركها أنى تشاء. # ونسي الحاضرون أنفسهم هم الآخرون، ونسوا حياتهم. # وما كان يأتيهم النسيان إلا بعد عناء. # وبدءوا يضحكون ضحكا حقيقيا. # وأيضا ما كان يأتيهم الضحك إلا بشق الأنفس. # كانوا يضحكون أول الأمر وهم فقط يقلدون من يضحكون. # ثم يحسون أن ما هم فيه يستحق الضحك فعلا فيضحكون. # ثم يرون أن ما أمامهم فرصة ينعمون فيها بضحك لا ثمن له، وهم ما اعتادوا أمثال تلك الفرص، ~~فيضحكون لحاضرهم ويختزنون ضحكات أخرى للمستقبل. # ثم كانوا يتذكرون ما قاسوه في النهار، وما سوف يبذلونه في الغد المقبل، فيتشبثون بما ~~هم فيه من ساعة أنس، ويضحكون ويغصبون على أنفسهم، ويضحكون أكثر وأكثر. # ولا يدوم هذا إلى ms120 الأبد. # فسرعان ما يمسح عجوز منهم الدمعة الضاحكة عن عينه، ويقول بصوت فيه رنة ندم، وكأنه ~~اقترف إثما: اللهم اجعله خير يا ولاد. ~~••• # وفي لحظة من لحظات السكوت نادى واحد وطلب شايا لعوف. # وأحس الموجودون كلهم أنهم غفلوا عن شيء خطير، وأنهم أخطئوا في حق الرجل، وقد منعهم ~~الهرج من القيام بالواجب؛ ولذلك راحوا يتنافسون، وكل منهم يصر أن شاي عوف سيكون على ~~حسابه. وعوف قد جلس جلسته المتربعة المؤدبة الخجلة يتمتم من بين شفتيه الوادعتين: خلي ~~عنكو يا رجالة، خلي عنكو. # ولكن الرجال لم يخلوا عنهم، بل وطلب كل منهم لنفسه طلبا، وكأنهم يجلسون في أحسن ~~قهوة، والمكان ما كان حتى غرزة، وإنما هو فضاء صغير تحده البيوت الداكنة المنخفضة، وفي ~~وسطه حفرة، فيها نار، وعلى النار براد كبير، رأى صاحبه أن يجلس، ويضحك، وأيضا يعمل، فكان ~~يصنع لهم القهوة والشاي، ويرص لهم الكراسي. # وسرعان ما وزعت الأكواب على الذي معه، والذي ليس معه، فما كان لحظتها مهما من ~~الذي يدفع، وقد أصبح ما في جيب كل منهم ليس هو محط تفكيره وبؤرة اهتمامه، ولكن أصبح ~~ما في الجيب آخر ما يفكر فيه، وإخراجه أسهل، والندم الذي يعقبه أقل وأوهى. # وراحت أفواههم التي عليها بقايا ضحكات وابتسامات ترتشف ما في الأكواب، وأحسوا لأصوات ~~رشفاتهم، وحشرجة شفطهم ترنيمة رائقة تتصاعد في جوف الليل الساكن الساجي، وكان القدح ~~الذي في يد عوف مجمع أنظارهم؛ فقد كان ممسكا إياه بطريقته الرشيقة، ويرتشف منه بفمه الذي ~~ضيقه ودقق من فتحته، بينما لمعت سمرة وجهه بعرق خفيف أشاعه دفء الشاي. # وأخذ واحد منهم رشفة ذات نغم طويل، ثم مصمص حلقه، وقال: إزاي الحال؟ # ولم ينتظر ليرد عوف، وإنما مضى يسأله: إزاي الحال دلوقتي؟ # سأله وهو يبتسم، وفي تؤدة واتزان قبل عوف باطن يده، ثم قبل ظهرها ونظر إليه ~~بعينيه التائهتين السارحتين، وقد ضيق المثلث الضاحك الذي فيه شاربه، وقال: عال، نحمده، ~~أنضف من الصيني بعد غسيله، والأشيا معدن. # وسخسخ الحاضرون ضاحكين، وتساقط بعض ما ms121 في الأكواب على أيديهم فلسعها، وتساقط على أثوابهم ~~فما سألوا فيها، بينما اصطدمت الضحكات الخارجة من أفواههم بالرشفات الداخلة، فاحتقنت ~~الوجوه، وشاعت فيها حمرة غريبة على ما كان فيها من شحوب، ولم يرحمهم عوف، وإنما استطرد: ~~هو طول ما أنت فيها يا أبو وش يملا كنكة إحنا حنشوف طيب؟! # وانهال عليه بلسانه. # وكان المضحوك عليه أول الضاحكين، فما تأثر أو اربد، بل أسعده في الحقيقة أن يتخذه ~~عوف هدفا للذعاته. وما كان أحد يستطيع أن يزعل من عوف أو يتأثر من كلامه، كانوا كلهم قد ~~أجمعوا على حبه رغم أنه كان أفقر رجل في القرية، ورغم أن حياتهم كانت جدباء صعبة لا ~~يستطيع الحب أن يجد له مكانا فيها، ولا يستطيعون العيش إلا إذا كرهوا وحقدوا وتخاطفوا. ~~كانوا ككل من في القرية يودون الحياة، ولا حياة هناك إلا بالصراع، ولا بقاء إلا ~~للأقوى. # وفور فيهم ما احتسوه من قهوة وشاي نشاطا، وتلمظ عوف ووجهه يلمع، وبحث فيهم بعينيه ~~التائهتين، ثم توقفت ابتسامته وقتا غير قليل على واحد منهم، وأشار إليه بطرف ~~ابتسامته، وقد ضيق إحدى عينيه، وقال في أدبه وخجله: إلا معاكشي حتة ألف يا عوبد؟ # ولم يملك الرجل يده فامتدت للتو في جيبه، وأخرج علبة صغيرة غمس فيها عود كبريت ~~وقدمه لعوف، وعليه سنة أفيون، وحين كان يرجع العلبة إلى جيبه، وقد عاد ينظر كما كان ينظر ~~إلى الرجال حوله، لمح في عيونهم رغبات، ومرة أخرى لم يستطع أن يملك يده، فاستمر عود ~~الكبريت رائحا غاديا بين العلبة وبين ألسنتهم، وقد أخرجوها من أفواههم ومدوها على قدر ~~ما يستطيعون. # وعلى رشفات الشاي مصمصها عوف والألسن حوله تتحرك في الأفواه المقفلة فتنبعج لحركتها ~~الأشداق. وفي جرعات أخرى من الشاي ابتلعوا ما أذابوه، وبدأ الانسجام. # وأحسوا جميعا بريقهم يجف وحلوقهم تطلب الكثير من الدخان. ودارت الجوزة التي لا شيء ~~عليها، وراح الرجال يعتصرون صدورهم ويجذبون الأنفاس، وتزدحم عروق رقابهم النحيلة بما في ~~أجسادهم من دم قليل، وهم يجذبون ويجذبون، والجوزة تكركر ms122 وتجأر كعربة نقل ينوء محركها ~~بما فوقها من أحمال، وغامت الجلسة بسحابات الدخان الرمادي الرخيص، وهي تنعقد وتنفض فوق ~~الرءوس. # وقال عوف وكلماته تصنعها دفعات الدخان التي ينفثها: عارفين الحرب قامت ليه ~~يا رجالة؟ # وانتبهت العقول كلها، وصمت القليلون المتحدثون، فقد كانوا يتوقعون هذا السؤال أو مثله ~~من زمن، ويأملون وقد طال بهم الانتظار أن يتحفهم عوف بحكاية. # ولم يجب عوف مرة واحدة، إنما بكلماته التي كان ينتقيها بخبرة وروية، ثم يقطعها ~~وينغمها ويمثلها، وبملامح وجهه التي يملك زمامها كلها، ويستطيع أن يقول بها ما ~~شاء دون حاجة إلى كلام، وبحنجرته التي تخرج منها الأصوات لها بحة الناي الحزين الذي ~~يضحك حزنه، بهذا كله بدأ عوف في رواية القصة، فتنحنح ثم قال: إنتو عارفين جدكو عامر ~~يا ولاد؟ # وضحكوا قبل أن يقول حرفا آخر؛ إذ ما كادوا يتصورون الجد عامر العجوز الذي ترك وراءه ~~التسعين، وبدأ يتطلع إلى المائة، والذي قضى حياته كلها لا يعرف إلا الزرع والصلاة، ~~والذي كانوا أول الأمر يجعلون من كلامه حكما يرددونها في المناسبات، لا لشيء إلا لأنه ~~عجوز وشعره أبيض كله. ما كادوا يتصورون الجد عامر، وعوف يردد نفس حكمه بنفس كلماته، ~~فيدركون مدى سخفها، وكثرة ما فيها وما في حكم الكبار كلهم من تخريف. # ما كادوا يتصورون هذا حتى ضحكوا وأغرقوا في ~~الضحك، واستمر عوف يقول وهو يغالب ابتسامته: كان مرة جدكو عامر هو وأبوكو اسماعين ~~قاعدين يشمسوا في ضهر الزريبة، وانتو عارفين الاتنين ولله الحمد خبراء من الدرجة الأولى في ~~الفقر وقلة البخت، وبعدين السياسة حزقت أبوكو اسماعين قوي، قام قال: إلا بذمتك يا جد مخيمر، ~~وحياة الله يرحمها دنيا وآخرة جدتي أم عاشة، وحق من أماتها يا شيخ، عارفشي الحرب قامت ليه؟ ~~قام جدكو عامر هرش ضهره في الحيطة وقاله: بقى يا ابن أم خرزة ما نتاش عارف ليه؟ # قال له: والله أهو أنا عارف كل زقاق في السياسة إلا المدعوقة دي. # قام جدكو عامر اتنهد، وقالوا إيه: أما عقلك فارغ ms123 صحيح، دا يا واد الحكاية بسيطة قوي، ~~الألمان قالوا للإنجليز طياييركو ما تمشيش مع طياييرنا في سكة واحدة، الإنجليز قالوا رأسنا ~~وألف سيف، وهب راحت قايمة. # وما كانت تلك أول مرة يرويها، ومع هذا فقد ضحكوا لها، وأسرفوا في الضحك، فالحكاية من فمه ~~كانت لها لذة، وروايته لها وتمثيله إياها كانت تضفي عليها رونقا جديدا. # وانتهت القصة ولم تنته القهقهات التي انبعثت وراءها، والتي كانت تتصاعد حية مليئة ~~بالحياة والرغبة فيها، تتصاعد من أعماق القرية الراقدة كبقعة سوداء كبيرة من الصمت ~~القتيل. # وأعادت ضحكاتهم الكثيرة كل ما جار عليه الزمن من إنسانيتهم وانتشوا وهم يحسون أنهم ~~مثل الأفندية تماما، لهم قعدة ومجلس، وتحكى من أجل إيناسهم القصص. # وتعالت الأصوات تطلب من عوف المزيد، وقد هضموا كل ما فات. # وتمنع عوف أول الأمر ككل فنان، ثم انطلق يحكي عن أبيه وكيف كان لا عمل له إلا ~~الصيد بالسنارة، وكيف كانوا يتعشون كل يوم سمكا. # ويحكي عن لسان أبيه وطوله، خاصة ساعة الطبلية، وما كان يتبادله هو وأبوه من قفشات حتى ~~ينقلب عشاؤهم آخر الأمر إلى سامر يتجمع له الناس، ويتسمعون من وراء الباب، ثم يذهبون ~~بعيدا ويضحكون. # والمرة التي طلعت لأبيه في السنارة فردة حذاء، والمرة التي رأي فيها الجنية وكاد ~~يتزوجها. # ولا تفرغ قصص عوف. # وكانوا يحبون كلهم حكاية ذهابه إلى المولد وهو صغير، والثلاث ورقات والملحمة الكبيرة ~~التي قامت ليلتها، واستوعبت كل ما في المولد من شماريخ وخيزرانات وحلاوة ورجال. # ولا يستكن لسان عوف. # كان يسخر من كل شيء، من الناس، ومن نفسه، ومن الحياة التي يحيونها. # كان قد لف مصر من أولها إلى آخرها، ودخل السينما، وشاهد المتاحف وقام بأنواع لا أول لها ~~ولا آخر من الأعمال، وعاش في القاهرة، وعرف مخابئ الإسكندرية أيام الغارات، وتعلم هاو ~~آريو من الجيش الإنجليزي حين كان فيه، وكان يدور دورته ويعود إلى القرية: ~~«ألاقي أبوك الحجعلي لسه بيقول للفحلة، عاه يا بنت الأنيتة، وخالتك أم بركة لسه بتدور على ~~فرن خابز ms124 تشحت منه رغيف، والعمدة لسه متنك على قرماية الخشب، وأبوك مخيمر واقف جنبه لابس ~~حتة العباية اللي ما تساويش ثلاثة ابيض، ودي بنت مين اللي فايته يا مخيمر؟ يقوله دي بنت ~~فلان يا عمدة اللي اجوزها علان، واللي طلقها تلتان، حاجة تفلق اللي ما ينفلقش، الدنيا ~~تنشال وتنهبد وبلدنا ولا هي هنا، يا رب لا اعتراض ولا مانع، إنما أدنته شايف.» # وحين كانوا يسمعونه يشرق ويغرب ويقول كل ما عنده كانوا يهزون رءوسهم ويضحكون وهم ~~يوافقون، ويحسون بفرحة وهم يوافقون، ويزدادون بكل حكاية من عوف إيمانا بأن حياتهم لا ~~جديد فيها، ولا طريف، حتى الموت ما كان فيه جديد، وإنما كان عودة حزينة لحزن قديم، الناس ~~تولد وتكبر، ثم تموت، والبقرة تدور في الساقية مغماة لا تدري أين تسير، وعيون الساقية تغترف ~~الماء من باطن الأرض، وتمتلئ به، ثم تصبه العيون ليعود إلى الأرض وباطنها، لا جديد في ~~حياتهم ولا طريف. ~~••• # وفجأة سكت عوف عن كلامه، وسكت الناس لسكوته، وتحولوا ينظرون حيث ذهبت عيناه، ومن بعيد ~~أقبل شبح أسود طويل عرفوا فيه امرأته وكلها سواد في سواد، حتى وجهها قد غطته، زيادة في ~~الحياء، بشاشها الأسود الذي لا يخلو من ثقوب. # وكانت تمسك بمفتاح ضبة بابهم الخشبية وتتلاعب به. # ومن بعيد أيضا جاء صوتها رفيعا كقوامها، طويلا كطولها: عبد الرحمان. # وأرتج على عوف ومأمأ برأسه، ثم خفضها وهو ينحني حتى أصبحت بين فخذيه، وقال في همس ~~مملوء بالخوف الذي يضحك: ولاد، أنا مش هنا. # وسمعوها تغمغم بكلام لم يسمعوه، ثم نادت بعد برهة بصوت يائس وقد نفد صبرها: يه، شوفوا ~~الراجل يا خواتي وأنا لفيت عليه البلد حتة حتة، عبد الرحمان. # وأفلح البعض في كتم ضحكاته، ولم يفلح آخرون، ولعلها لمحته وهو منحن وقد قارب الأرض، ~~فإنها صرخت قائلة: وطي كمان وطي، مانتاش مكسوف والنبي عليك، سايب الدار على الحميد المجيد، ~~وجاي تنصب السامر بتاع كل ليلة، عبد الرحمان. # ولم يجد عوف بدا من الظهور فاعتدل شيئا فشيئا، وهو يقول ms125 لمن حوله هامسا: أهي قلبت ~~بغم يا رجالة. # ورفع صوته جادا لا أثر للهزل فيه، وقال: روحي يا بت. # وتعالت الضحكات لجده وإمارته. # وردت المرأة وقد عيل صبرها: والنبي يا شيخ؟! اسم الله عليك وعلى حواليك! مش تلايمها ~~شوية، فين يا راجل حق كيلة الدرة اللي انت قايللي دقيقة واحدة وحاجيبه؟ # وبنفس الصوت الجاد قال عوف بعصبية أكثر وقد تذكر كل شيء: روحي يا بت اختشي. # وضحكوا كما لم يضحكوا في ليلتهم، بل في أعمارهم كلها. # وأغاظت ضحكاتهم المرأة، فقالت وهي تكاد تصرخ: والله مانا منقولة إلا أما تجيب حق الكيلة، ~~دا صاحبتها قاعدالي في الدار م المغرب، سامع والا لأ. # وأجاب عوف بصوت عال: لا مش سامع. # فقالت وهي مغيظة: عنك ما سمعت، هه، وآدي قعدة. # وحاولوا مرة أخرى أن يتأدبوا ويكتموا الضحكات، والمرأة تنتقي لنفسها مجلسا فوق كومة ~~سباخ عالية. ورفع عوف رأسه ونظر إليها وهي ممتطية الربوة كأم قويق، وسكت برهة، ثم قال ~~بصوت نصفه ضاحك، ونصفه جاد: # روحي يا بت يا ام وش زي وش السلندر. # ومع أنهم ما كانوا يعرفون ما هو السلندر، إلا أنهم انثنوا وتمايلوا مقهقهين، وعيونهم قد ~~شدت إلى عوف الجالس لا يعرفون إن كان هو جادا في كلامه أم هازلا. # ولم تسكت المرأة، وإنما قالت على الفور: والنبي ماني مروحة يا ابو راس أنعم من البريزة ~~الماسحة. # واستمرت الضحكات تترى بلا انقطاع. # وقال عوف وهو يزيد النصف الضاحك من صوته: والنبي ان ما روحتي لقايم فاتح بطنك، ومطلع منه ~~طعم. # وما عاد الحاضرون يتمالكون أنفسهم، ولا يعرفون إن كانوا يضحكون أو لا يضحكون. # وبينما هذا يحدث كان بعضهم يفكر فيه من ناحية أخرى، وتمنى أكثر من جالس أن يمد ~~يده إلى محفظته الكالحة ويستخرجها، ثم يسقط في يد عوف ثمن الكيلة. ولكن كانت أمانيهم ~~بصيرة، وأيديهم قصيرة، جد قصيرة. # وكان عوف هو الآخر يضحك بقلب، ويحلم بقلب آخر أن تمتد يد في حجره وتدفئ أصابعه ~~بالثلاثين قرشا التي داخ عليها من ms126 المغرب. وبقيت أصابعه باردة في حجره. # وشخط عوف في المرأة قائلا: علي الطلاق إن ما روحتي ... # وعلى الفور نزلت المرأة، واستدارت عائدة بشبحها الأسود الطويل. # وقال عوف وقد سره ما أحدثته الشخطة، واستعاد لسانه الحاد: شايفين يا ولاد، والنبي ~~رجل مراتي اليمين بتنفس. # واختلطت القهقهات بالأصوات، وسمعوا ضحكة تفلت من المرأة المبتعدة رغما عنها. # وكانوا قد تعبوا وما عادوا يستطيعون الضحك فسكتوا. وسكت الليل، وسكت كل شيء وأصبح لا ~~صوت هناك إلا نقيق الضفادع، وتنهدات البعض والماء وهو يغلي في البراد ويفور. # حتى عوف كان قد أرخى رأسه على صدره، وكأنه يفكر. # واستمر الصمت زمنا لم يقطعه إلا عوف حين رفع رأسه، وقال وهو يستغرب منهم السكوت، ~~ويحدق فيهم: والله هاو يا رجالة. # وانفجروا يضحكون، واستمرت الضحكات تنفجر، وهي لا تريد أن تنتهي، وكان يبدو أنها لن ~~تنتهي لولا أنهم سمعوا همهمة لم يألفوها، وحمل إليهم الظلام جعجعة شيخ الخفراء ~~المعهودة، ونبراته القاطعة الحادة: واد انت وهوه، إنتو عاملينها غرزة يا ولاد الكلب. قوم ~~قامك عفريت منك له. # وكان أول من تسلل لا يلوي على شيء هو خالي الوفاض منهم، أما الذي في حافظته قرش أو ~~يتدفأ جنبه بورقة، فقد تكاسل قليلا وهو يقوم، ولما وقف تثاءب كثيرا وتمطى، ثم مضى في ~~خطوات وئيدة وهو يلقي بالسلام إلى من حوله، ويشدد على عوف باللقاء في ليلة ثانية، ~~وكلهم يحسون أن الليلة قد انتهت، وما كان يريد لها أحد أن تنتهي. # واستوقف شيخ الخفراء عوف، وقال له بعد أن اطمأن إلى ذهابهم جميعا: واد يا عوف، ~~إزيك؟ # وفهم عوف ما يريد، فقال له وكأنه يؤدي فرضا عليه: هاو آريو يا شيخ الغفر. # وقهقه الرجل، وظل يقهقه ويتلوى وعوف يأخذ طريقه إلى داره. # ومضى الليل. ~~••• # وقبل شروق الشمس الجديدة كانوا جميعا يأخذون طريقهم إلى النهار، وكانوا يأخذون طريقهم ~~إليه، ووجوههم باسمة وأطياف من الليلة التي مضت تلوح لهم، وتظل عالقة بخاطرهم ~~تخفف ما في نهارهم من حدة. # وكان عوف يتسلل هو الآخر ms127 كالعصفور المبتل، مؤدبا وخجولا؛ ليستأنف همسه وسؤاله ~~عن ثمن الكيلة. ms128