######OpenITI# #META# URI: 1412YusufIdris.Batal.Hindawi42073585 #META# Tags: novels #META# ID: 42073585 #META# Title: البطل #META# AuthorID: 95064085 #META# Author: يوسف إدريس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الوشم الأخير1‏ # صح ..‏ # ه... هي لعبة؟!‏ # البطل‏ # الجرح‏ # الوشم الأخير1‏ # صح ..‏ # ه... هي لعبة؟!‏ # البطل‏ # الجرح‏ # | البطل # | البطل # تأليف # يوسف إدريس # | الوشم الأخير1 # طريق المعاهدة. الطريق الموصل إلى التل الكبير وفايد والإسماعيلية، ~~هو نفس الطريق إلى بلدنا. ولم تكن تلك أول مرة أقطعه فيها. كنت أيام ~~الحرب وما بعدها كلما ذهبت أو عدت أتأمل ما حولي وأجتر الذكريات، من ~~يوم أن وضع الإنجليز أقدامهم في بلادنا ونحن نقول: لا .. قلناها مسلحة، ~~وقلناها مقاطعة وقلناها ثائرة، وأيضا والعربة تقطع بي الطريق كنت ~~أقول: لا.. هذه الوجوه الحمر والعيون الزرق والشعور الصفراء لا تمت ~~إلى صحرائنا أبدا. إنها شيء غريب نشاز، إنهم أغراب، إنهم معتدون .. كنت ~~أشاهد العساكر يروحون ويجيئون داخل الأسوار كالمعتقلين، والعرق ~~يكسوهم، والنظرات المريضة تطل من عيونهم، وكنت أقول: إنهم يخطرون في ~~أرضنا، هذه صحراؤنا، وهؤلاء الناس الملونون يأتون من بلاد بعيدة يحرسون ~~أرضنا، يحرسونها منا! وكنت أغلي وأقول: لا. # طريق المعاهدة هو نفس الطريق إلى بلدنا، هو نفس الطريق الذي كنا ~~نقطعه ونحن طلبة، ونحن في اللجنة الوطنية، ونحن نتستر بالليل والظلام ~~ونأتي من القاهرة، ونزود الكتائب بأدوات العلاج والإسعاف، هو نفس ذلك ~~الطريق الذي كنت أقطعه يوم الإثنين الماضي، وقد كدت أنسى، ونحن في ~~القاهرة كثيرا ما ننسى. وتمر علينا أوقات لا نذكر فيها الاحتلال ~~والإنجليز. وكنت لا أنسى، إذ كنت دائما مرغما على تذكر كل شيء. ويكفي ~~أن ترى معسكرات الإنجليز في منطقة القنال مرة لكيلا تنساها أبدا. ~~المنطقة صحراء قفر لا تنبت فيها حتى الحشائش؛ ومع هذا يدهشك ازدحامها. ~~فليس فيها موضع واحد خال من سلك شائك أو ثكنة أو مخزن أو صهريج مياه. ~~كلها مبنية بطريقة غريبة لا عهد للمصريين بها، تحس إذا ما رأيتها أن ~~ساحرا جبارا لا بد قد نقلها من مكان لا نعرفه ووضعها فوق أرضنا. ~~منطقة لا تجد المصريين فيها إلا حفاة عراة يطلبون الخبز ولو من يد ~~الإنجليز، ولا تجد الإنجليز إلا سادة، يدبون فوق الصحراء، ويدافعون عن ~~الإمبراطورية، ms01 وكل هذا يحدث فوق بقعة من أرضنا .. من أرضنا. # كنت ما أكاد أرى المعسكرات ومن فيها، حتى أحس أننا نلهو ونعبث، ~~وأننا نسينا في القاهرة أس البلاء، وأن هنا يكمن الداء، وأن هذا الجيش ~~العارم من الميكروبات الكاكية المدمرة هو مشكلتنا وهؤلاء أعداؤنا، ~~وصانعو أزمتنا، وقاتلو شهدائنا، وألا حياة لنا، ولا طعام، ما لم نجتث ~~هذا الداء ونطرد الغاصبين. # كنت أقول لنفسي هذا والحقد يملؤني، وأكاد أنفجر وأنا أراهم داخل ~~المعسكرات مطمئنين، باردي الأعصاب، يتصرفون وكأنهم ليسوا في بلاد ~~أعداء، بل وكأنها أرضهم ونحن غزاتها. # ومهما كان غيظي وغيظ الآخرين، فقد كنا أفرادا، وكنا متفرقين، وكنا ~~مشغولين بأزمات داخلية تطحننا، ولعل هذا كان السر في هدوء بال ~~الإنجليز. # ويوم الإثنين الماضي والعربة تمضي بنا على طريق المعاهدة، الطريق ~~الذي أنشئ تنفيذا لمعاهدة 36 ليسهل «جلاء» قوات الاحتلال، فاستعمله ~~الإنجليز أثناء الحرب ليسهل «دخول» قوات جديدة، والعربة تمضي بنا ~~كالريح، فالطريق ممهد وجميل، صنع خصوصا لجلاء جيوش، فما بالك بعربة ~~أومنيبوس، وترعة الإسماعيلية تتلوى كخيط طويل من الصبر، كطول بال ~~المصريين، والحدائق على جانبيها، موز ومنجة، وبساتين بركات، وسجن أبي ~~زعبل، ومحطة إذاعة لها عواميد هوائية طويلة طويلة تصل إلى عنان السماء ~~لتذيع: نورا يا نورا يا نورا يا وردة حلوة في بنورة، والإنسان ما إن ~~يتسلمه طريق المعاهدة حتى يحن إلى الصحراء ويحلم بالبحر الأصفر الهائل، ~~وما يكاد يرى الرمال حتى يفاجأ بما فوقها من معسكرات فيركبه ~~الغم. # أما المفاجأة هذه المرة فهي أني لمحت، في نفس المكان الذي اعتدت رؤية ~~العساكر الإنجليز فيه، عسكريا مصريا أسمر، سمرته جميلة، كالعسل ~~النحل حين يقطف في الشتاء .. # وقلت في نفسي هذا شيء جديد. # وتوالت المعسكرات. وتوالى ظهور العساكر المصريين، يرتدون نفس الرداء ~~الإنجليزي، ولكن وجوههم سمراء، وضحكاتهم أعلى، ولا يلهثون من حرارة ~~الشمس. # الأرض التي نمر عليها ملغمة بالتاريخ، في كل خطوة حادث جلل، على مرمى ~~البصر دارت معركة التل الكبير، من نفس هذا الطريق عبر الجيش المصري سنة ~~1882، هنا خان خنفس ms02 بك، في تلك البقعة وقف زعيم الشعب عرابي يتسلم ~~هدايا الأهالي من الرز والطيور والسلاح. # هذه الأرض، لم يكن مصرحا لنا بالمرور فيها، كانت أقدام الإنجليز فقط ~~هي صاحبة الحق في وطئها، لها أن تمضي عليها وتدوس تاريخنا، وأيامنا، ~~ومفاخر قومنا، هذه الأكوام من الرمال قد تكون أجداث أجدادنا الذين ~~ماتوا وهم يقولون: اللهم انصرنا على القوم الكافرين. وهم يقولون: ~~الخديوي خائن. وهم يقولون نريد الدستور، نريد البرلمان. ماتوا وعرابي ~~يقول: باسم أهالي الديار المصرية جئنا نطلب حقنا وحريتنا. هذه الأرض ~~صارت معسكرات، وامتلأت بزجاجات الويسكي الفارغة، وأقام عليها أعداؤنا ~~دورات مياههم وحظائر كلابهم. # والعربة لا تكف عن المضي سريعة كأسراب الأحداث، لا تتوقف كالزمن، ~~والعساكر المصريون يظهرون، فجأة، في المعسكرات، ويتولون هم حراسة أرضنا ~~ورمالنا وتاريخنا. # وتوقفت العربة في الإسماعيلية. # وللتاريخ هو الآخر وقفة في الإسماعيلية. # هذه البلدة النظيفة ذات البيوت المنخفضة. غريبة تلك البلدة، إنها ليست ~~من مصر .. إنها معسكر مدني، أقيم للترفيه عن قوات الاحتلال، وموظفي ~~القناة. فيلات رائعات يكسو اللبلاب جدرانها، ويتسلق حتى يغلفها، وشوارع ~~لا تراب فيها .. ولا ذباب، وهدوء مأخوذ من هدوء بحيرة التمساح، وخواجات ~~متمصرون، ومصريون كالخواجات، ولغة .. كملابس مجاذيب الحسين، من كل لسان ~~كلمة، ومن كل بلد لكنة، حاول موظفو القناة الفرنسيون أن يجعلوا منها ~~ضاحية من ضواحي باريس، ثم جاء الإنجليز، وحاولوا جعلها من ضواحي لندن، ~~وكان هناك دائما مصريون، ولهذا بقيت مصرية، المصريون فيها أفقر الناس ~~ولكنهم يدركون أنهم أصحابها، والأجانب أغنى الناس، ولكنهم يعلمون ~~تماما أن مقامهم مهما طال موقوت. # وفي الإسماعيلية رأينا الأعاجيب. # البلدة كانت تعتمد في حياتها أساسا على ما تنفقه القوات البريطانية ~~فيها، ومع هذا كان أهلها أعنف من حارب تلك القوات. # والبلدة هز الجلاء اقتصادها، ومع هذا، فأهلها أسعد المصريين بالجلاء، ~~إن الوطنية لا تباع أو تشترى، إنها ليست شيئا يراد، إنها في دم كل منا ~~وأعصابه، إنها أغلى من كل دمائنا وأعصابنا، إنها أقوى من لقمة العيش. ~~هؤلاء الناس المتناثرون كسالى يغزلون من تثاؤبهم ms03 حبال ملل طويلة، ~~ويصنعون من البطالة نكتا وتفانين، هم أنفسهم الذين كان يرتعش من ذكرهم ~~أرسكين. # وعلى ربوة عالية، تتحدى بعلوها الإسماعيلية ومن فيها، رأيت نصبا ~~هائلا، وسألت عما يعنيه، قالوا إنه نصب الشهداء. وقفت أقرأ ما كتب: ~~هذه القطعة من الأرض قدمها الشعب المصري لهؤلاء الذين ماتوا دفاعا عن ~~الشرف من قوات المملكة المتحدة. # أما هؤلاء الذين ماتوا «دفاعا عن الشرف» فهم قتلى معركة التل الكبير ~~وقتلى الحرب العالمية الأولى والثانية. # ولا يذكر الشعب المصري أنه قدم يوما هذه الأرض ليقام عليها نصب ~~كهذا، ولا يعلم الشعب المصري أن من ماتوا كانوا يدافعون حقيقة عن ~~الشرف. # أما الذي يدهش حقا، فهو أنك لا تجد لا في الإسماعيلية، ولا في أي ~~مكان نصبا واحدا يخلد ذكرى الشهداء الذين سقطوا في معركة التل الكبير ~~ولا في غيرها، الشهداء الذين ماتوا وهم يدافعون عن الشرف والحق، وكأننا ~~نعترف مع الإنجليز أننا حين قاومنا كنا متمردين عصاة، لا نستحق تكريما ~~ولا تخليدا. # وكل ما يقع عليه بصرك في الإسماعيلية يذكرك بتاريخ ناصع قريب، هذا ~~مبنى القيادة الإنجليزية في الشرق الأوسط، هذه العمارة كان يحتلها ~~البوليس الحربي، هذا هو الميدان الذي صوبت منه الطلقات إلى جنازة ~~الشهداء. # وهذه الشرفة قتلت منها الممرضة الأمريكية، وتلك المحافظة وهذا هو ~~سورها المشهود خلف هذا السور الأبيض الفقير المنخفض ظل عساكر بلوكات ~~النظام يحاربون إلى آخر رمق وآخر طلقة في تلك المسافة التي لا تتعدى ~~الخمسين مترا استشهد أكثر من خمسين عسكريا مصريا في ريعان الشباب. ~~هنا دارت معركة المحافظة، وعلى هذا التراب الذي لم يتغير لفظ الشهداء ~~آخر الأنفاس، إن التراب لا يزال كما هو، أما السور فقد أعيد بناؤه لأن ~~الدبابات البريطانية اكتسحت السور القديم حين داهمت مبنى المحافظة لتتم ~~المجزرة، داست فوق جثث العساكر الشهداء، فالتصقت جثث ببعضها، وتفتتت ~~جثث حتى إنهم كانوا يجدون العناء في انتزاع الجثة من الجثة، والشهيد من ~~الشهيد. # وسمعنا في الإسماعيلية بقايا قصص البطولة، القصص التي كانت أخبارا ~~فمضت تلف ms04 وتدور حتى أصبحت حواديت وملاحم كملحمة أدهم الشرقاوي. # وفي الإسماعيلية أيضا عرفنا آخر خبر: سيغادر بورسعيد الليلة آخر ~~فوج من العساكر الإنجليز. # وانطلقت العربة ووجهتها بورسعيد. وكانت الساعة العاشرة مساء، ~~والطريق مظلم، طريق معبد لامع تتهادى إليه أنوار السفن التي تعبر قنال السويس. # 2 # قنال السويس! # إن كل شيء هنا ينطق بأمجاد شعبنا وكل شيء يهتف بما لاقاه من ظلم هذه ~~القناة، إن بلدنا وحدها مات منها عشرة وهم يحفرونها، هذه القناة الضخمة ~~العريضة، هذا البحر المذهب الواصل بين بحرين حفره أجدادنا من مائة سنة، ~~حفروه بكريكاتهم وفئوسهم وعظامهم واستطاعوا أن ينتزعوا ملايين الملايين ~~من الأمتار المكعبة في غمضة شهور وكأنهم مردة أو جان. حفروا، وماتوا، ~~واستهلكهم الكدح .. ولم يقبضوا شيئا. ذهب المال إلى الشركة، وذهب المجد ~~إلى دليسبس، وذهبت الأسهم إلى إنجلترا وفرنسا، وبقيت القناة ممتدة ~~واسعة زرقاء وتذكرنا أننا صانعوها ومنشئوها، وأن ماءها من دمنا، ودمنا ~~تمخر عبابه السفن، ويغل في العام ملايين الجنيهات. # ووصلنا بورسعيد قبل منتصف الليل. # كانت البلدة نائمة أو تكاد، عمال الميناء فقط ساهرون، لا يزالون ~~يتناولون عشاءهم الرخيص وطابورهم واقف أمام الباب ينتظر الإذن بالدخول، ~~ووجدنا صيادا شيخا مسيناه بالخير وسألناه: الإنجليز ح يمشوا منين يا عم؟ ... ~~- أهم طول النهار ماشيين. ~~- هم مشيوا خلاص وآخر دفعة ح تمشي الليلة. تعرفشي منين؟ ~~- هم خلاص ماشيين؟! ~~- ماشيين. ~~- بلا رجعة؟! ~~- بلا رجعة. ~~- الليلة؟! ~~- الليلة. ~~- في داهية. ~~- تعرفشي ماشيين منين؟ ~~- يمشوا من أي حتة .. الله يخرب بيتهم. # وتركنا الصياد الشيخ، وسألنا شيالا شابا وقال: من باب النافي. ~~وذهبنا إلى باب النافي، ودخلنا، وركبنا لنشا، وبعد قليل ونحن في البحر ~~.. قال البحار: هذا مبنى النافي. # ورأينا شيئين: باخرة سوداء كالحة راسية عند المبنى، وديدبانا ~~واقفا. وغادرنا القارب إلى الرصيف، وقال الديدبان: إلى أين؟ .. قالها ~~بإنجليزية ممطوطة وكان شابا لا يتجاوز العشرين، ومعه مدفع ستن، وكان ~~هادئا، وعبيطا، وضيقا بنوبته في الحراسة، وكان أول إنجليزي نراه في ~~منطقة القناة. # وكان في المبنى أربعة عساكر آخرون وضابط .. كانوا هم آخر ms05 قوات ~~الاحتلال، والباخرة السوداء واقفة اسمها إيفان جيب، تنتظر أن تحين ~~اللحظة ليصعد العساكر وترحل، آخر رحيل. # كان الليل داكن السحنة، وكانت الأنوار لا تدع سحنته على حال، أنوار ~~موزعة في المينا صفراء وبيضاء وحمراء تزخرف الليل وكأنه سبورة سوداء ~~محلاة بطباشير مشع ملون. وكان البحر هو الآخر يأخذ لونه من لون الليل ~~إذا ما اسود اسود، وإذا ما حفل بالأضواء حفلت صفحته بالأضواء. وكان ~~الديدبان بكل مدفعه صغيرا جدا، وبناء النافي ضخما، أنواره مشتعلة ~~كلها، وفيه صمت كصمت القبور. # كان المكان بأجمعه يشبه قلعة مهجورة، ~~وكأننا ضارب الطبلة حين هبط القلعة الخاوية في رواية الفرق ~~الأجنبية. # وحادثنا العساكر .. فلاحين إنجليزا وأبناء فلاحين وعمالا، كل ما ~~يعرفونه أنهم ذاهبون إلى قبرص، وأنهم راحلون عن بورسعيد، وأن مصر ~~جميلة وأهلها ظراف، وكشف واحد عن ساعديه ليرينا رحلته عبر الدنيا وكان ~~على كل يد من يديه أكثر من وشم. هذا رسمه في هامبورج بألمانيا وآخر في ~~الهند وثالث في سنغافورة والرابع في مصر. # ورأيت في الوشم علامات، وكان العسكري الشاب يعلم بها انحسار الشمس عن ~~الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. # وكان المساكين يعلمون أنهم آخر من سيرحل عن بورسعيد ولكنهم كانوا لا ~~يدركون معنى أنهم آخر الراحلين. # كانوا يداعبون بعضهم بعضا ويكتبون أسماءهم على حائط الكشك ويستعجلون ~~اللحظة التي ترحل فيها الباخرة إلى قبرص وكانوا يقولون قبرص ومن عيونهم ~~يطل الأسى، وتطل أمنية: أن يكون الرحيل إلى إنجلترا، فالغيبة طالت ~~والحنين إلى الوطن غريزة. # وجاء الضابط عصبيا ومنفعلا، وفي أعماقه ترقد أرستقراطية إنجليزية ~~ابتلى بها العالم من قديم الزمان. لماذا جئتم وكيف جئتم وماذا تريدون؟ ~~وحين حاولنا إفهامه استنكر أن نقتحم على حامية بورسعيد معسكرها في مبنى ~~النافي. # وأحسست بشيء يغلي في صدري حين نطق كلمة «الحامية». # الحامية! # لقد كنا محتلين إذن! هؤلاء العساكر السذج، وهذا الضابط المتكبر كانوا ~~حامية بورسعيد! بورسعيد، هذه المدينة المصرية التي كنا نردد دائما ~~أنها مصرية كانت محتلة، وكان لها حامية! # حين نطق الرجل بالكلمة انبثقت ms06 في ذهني معان كثيرة كانت مختفية وكان ~~الاختفاء قد طال عليها. جيش الاحتلال، والحامية، والإنجليز والوطن ~~المستعمر المحتل، كانت معاني مؤلمة أفظع ما فيها أننا كنا نسيناها. ~~وكان أعداؤنا فقط هم الذين لم ينسوا. كنت ذاهبا لمشاهدة رحيل آخر فوج ~~وكأني ذاهب إلى نزهة، وكان الأمر جزءا من الرحلة، وإذا بضابط متعجرف ~~يذكرني في آخر لحظة من لحظات الاحتلال، أننا كنا محتلين. # وحانت الساعة. # ومضى العساكر والضباط إلى الباخرة. # الهدوء مخيم، ومبنى النافي كبير صامت مشتعل بالأضواء، والسماء سوداء ~~في لون الماء، والماء في لون السماء، والأنوار وحيدة متباعدة باردة، ~~والبحر يوشوش ويدوي، والباخرة واقفة كالحوت الميت الطافي، والقبعات ~~الحمر تروح وتجيء فوقها، والعساكر والضباط هادئون، سائرون إلى الباخرة ~~في دقات أحذية رتيبة وظهورهم محملة، والبنادق في أيديهم، ولا أحد يشهد، ~~ولا صوت يرتفع، ولا طلقة تدوي، ولا هزة تعتري الكون وتزلزل الأرض ~~والسماء، والاحتلال ينتهي بهذه الخطوات الرتيبة التي تتلصص في سكون ~~الليل، ينتهي ببساطة كما لو كان جيش الاحتلال رحلة مدرسية جاءت في ~~إجازة وقضت في مصر ثمانين عاما، وها هم أعضاء الرحلة راجعون، والجو ~~هادئ وجميل، والباخرة تنتظر، ولا تبقى سوى مناديل بيضاء تهفهف ليكمل ~~المشهد، ويسدل الستار. # ولكم أحسست بالمرارة. # ما أردت أبدا أن يكون هكذا رحيل الأعداء. # كنت أود بعمري أن تودعهم رصاصات، وتهفهف فوقهم قنابل، وينتظرهم خضم ~~البحر، إنهم أعداؤنا، استعمرونا وأذلونا وأذاقونا المر، وقتلونا ~~ونهبونا وسلبونا وها هم يرحلون. # ليت رحيلهم كان بمعركة وانسحابهم تم بهجوم. # أعداؤنا يرحلون، بعد ثمانين عاما، ترى كيف صبرنا هذه ~~الثمانين؟ # ولماذا تأخر الرحيل؟ # أعداؤنا ذاهبون إلى قبرص. ترى هل تنزلق شمس الإمبراطورية عن قبرص؟ ~~ترى عن قريب؟ ترى هل يضيف العسكري الإنجليزي إلى صدره - وقد ازدحم ~~ساعداه - وشما آخر يدقه في نيقوسيا، ويكون الوشم الأخير؟ # أعداؤنا يرحلون، فلتتبعهم الهزيمة أنى يرحلون. # بورسعيد يونيو 1956 # | صح .. # كان واضحا أن الصبي لا يمت إلى جاردن سيتي أبدا! # فصبي حاف مثله، جلبابه قديم متآكل، ورأسه محلوق بالماكينة، ومضلع، ~~وفيه نتوءات ms07 كحبة البطاطس، ووجهه رمادي أصفر، وفيه «قوب» ... صبي مثل هذا ~~لا يمكن أن يمت أبدا إلى جاردن سيتي، حي القصور والفيلات ~~والسفارات. # أما كيف وصل إلى شوارع جاردن سيتي، فيبدو أنه أفاق فوجد نفسه هناك، ~~أو أنه ضل الطريق، والغريب أنه لم يكن حزينا ولا مبتئسا أو خائفا .. ~~كان في الحقيقة يبدو منتعشا طروبا. # كانت الدنيا في ساعتها الأولى، والشمس تلون الأرض وحسب ولا ~~تلهبها، والبنايات غارقة في صمت أرستقراطي مهيب، وكل ما يسمع من أصوات ~~إنما كان يأتي من العصافير والبوابين الضخام السود، الطيبين الجالسين ~~على الأرائك يحرسون القصور، ويرتدون الجلاليب البيضاء الواسعة ~~والعمامات المضحكة الكبيرة. # كل ما في الجو كان يوحي بالبشر ويبعث على النشاط، والولد يمضي على ~~غير هدى في الشوارع المشمسة الواسعة، وينظر في شغف إلى البنايات ~~والأشجار والنحاس الكثير اللامع، ويصفر، ويدندن أحيانا ويتوقف، ثم ~~يستأنف المشي بطريقة المقص فيمد كلا من قدميه مكان الأخرى، ويسير ~~أحيانا بعرض الشارع، وأحيانا يرفع قدمه ويمسكها بيده من الخلف، ويحجل ~~على قدم واحدة، ولسانه يلوك فمه من الداخل، فيصنع ضوضاء مكتومة كنقيق ~~الضفادع، ويجري إلى الأمام وإلى الخلف، ويحتل وجهه كله تعبير خالي ~~البال المستمتع بكل ما يراه ويفعله، بلا شيء وراءه يفسد المتعة .. لا ~~عمل، ولا أب، ولا أسطى! # وتعثر فجأة في شيء، ووجعته قدمه، وانحنى فوجد أن ما تعثر فيه كان ~~قطعة حجر بيضاء، فرماها بغيظ على الأرض، ولم يكتف بهذا، بل دفعها ~~بقدمه، وطار الحجر إلى الأمام مسافة ثم توقف، وحين وصل إليه ضربه بقدمه ~~ضربة قوية أخرى، فطار الحجر واعتلى الرصيف، وحين وصل إلى مكان الحجر، ~~انحنى والتقطه وحدق فيه مليا؛ ليتأكد أنه ليس شيئا ذا قيمة، ~~واستأنف المشي وهو يقذفه إلى أعلى ويلتقطه. وبعد قليل غير الحركة ~~فأمسك الحجر في قبضته ومد سبابته لتلامس الحائط الذي كان يمشي بجواره، ~~وظل هكذا فترة، ويبدو أن أصبعه آلمته؛ فقد استبدلها بالحجر وتلفت مرة ~~فوجد أن الحجر يصنع باحتكاكه مع الحائط خطا أبيض .. وأعجبته اللعبة ~~فاستأنف ms08 المشي وهو يمر بالحجر على الحائط ، فيرسم خطا أبيض يبدو ~~واضحا فوق الجدران الأنيقة الملونة، ورسم خطا على طول سراية آل ~~سليمان، ثم مده إلى أن وصل عمارة الفكهاني، ثم فيلا سمعان، وعبر ~~الشارع واستأنف حك الحجر بسور حديقة السفارة الأمريكية. # وكأنما أعجبه سور السفارة حين وجده طويلا لا ينتهي، فمضى يجري فيجري ~~الخط بجواره، ويتوقف فيتوقف، ويحرك يده إلى أعلى وأسفل، فيتموج الخط ~~ويتعرج، ويسرع ويبطئ، فتتسع التعرجات وتضيق. # وقبل أن ينتهي السور كان قد انتهى شغفه بالخط فتوقف، وحرك يده بسرعة ~~وعصبية فوق الحائط، فرسم الحجر خطا عصبيا متداخلا فيه نزق وغضب، ~~ورفع يده عن السور ولعق فمه من الداخل، فصدر عنه نقيق الضفادع، وهز ~~رأسه هزات كمن يراود نفسه، وهز جسده أيضا، ثم التصق بالحائط واختار ~~بقعة ليس فيها خدوش، وتخير حافة بعينها من الحجر وأمسكه بحرص في يده، ~~ثم انكب على الحائط وراح يعمل. وحين انتهى كان قد كتب كلمة: «محمد»، ~~وحدق فيها، وتراجع إلى الوراء ولعق فمه وتأملها، كانت حروفها عجفاء ~~ركيكة، وعقد يديه خلف رقبته وثنى جسده وركز انتباهه على «ميم» محمد، ~~وكأنما أعجبته رأسها المستلقية إلى الوراء في عظمة؛ فقد عاد إلى الحائط ~~بسرعة واندفاع، وكتب «ميما» أخرى، وضم شفتيه ونفخ أشداقه ونظر إليها، ~~ويبدو أنها لم تعجبه فانكب على الحائط من جديد وكتب «ميما» ثانية ~~جاءت أسفل الأولى بقليل، وقريبة منها حتى إنها اشتبكت مع ذيلها، وتراجع ~~إلى الوراء ونظر إليها، وكأنما هي أيضا لم تعجبه، فقد رمى الحجر من ~~يده، واستأنف المشي وهو يمط شفتيه ويلوي بوزه. # وفجأة استدار إلى الخلف بسرعة ونظر إلى الميمين من بعيد، ثم أقبل ~~عليهما بلهفة، وبحث عن الحجر بعينيه حتى وجده، ومن جديد انكب على ~~السور، ورسم خطا رأسيا بجوار الميمين، والتصق بالسور أكثر، وظل مدة ~~طويلة يعمل وعرقه يسيل، ويده الصغيرة العصبية قد تشنجت أصابعها ~~كالكماشة على الحجر، ولما انتهى كان قد كتب: «أممنا - الشعب - ~~القنال.» # وتراجع إلى الوراء وراح ينظر إلى ما صنعه ms09 وهو يلهث منفعلا. وكأنما ~~لم تعجبه الجملة فقد هز رأسه بشدة، والتصق بالحائط من جديد، وراح يعمل ~~وهو يغمض عينا ويفتح الأخرى، ولما انتهى كان قد كتب نفس الجملة مرة ~~أخرى ودون أن يتراجع إلى الوراء كثيرا، حدق في الخط برهة قصيرة ويبدو ~~أنه لم يعجبه أيضا، ووجد اللام طويلة وشرطة النون غير واضحة، والقاف ~~مغلقة، والحروف كلها مائلة كالنخل حين تعبث به الرياح، يبدو هذا لأنه ~~راح ينفخ في يده الممسكة بالحجر، لينفض عنها ذرات الغبار، ثم تخير ~~حافة من حواف الحجر لم يستعملها، والتصق بالحائط من جديد، وراح يعمل ~~ويعرق، ويغمض عينا ويفتح الأخرى. # وحين انتهى فرك يده بشدة، كمن أتعبته الكتابة. وتراجع إلى الوراء ~~ونظر إلى الجملة الأخيرة مليا، ثم علت وجهه ابتسامة رضاء، فعض شفته ~~السفلى وأخرج من فمه نقيقا، ثم عاد إلى الحائط ورسم علامة «صح» أسفل ~~الجملة الثالثة، وجعل للعلامة ذيلا مرحا طويلا؛ علامة الرضا ~~الكامل. # وظل برهة يحدق في الجملة؛ كأنما ليتأكد أنها محفورة على حائط السور، ~~بطريقة ليس من السهل محوها، وأنها ستظل هكذا فترة طويلة، وسيعرف كل من ~~يقرؤها - بطريقة ما - أنه كاتبها. ظل برهة يحدق في الجملة، ثم ارتعش ~~نصفه الأعلى كله، وأخرج من حلقه صوتا كصوت «العرسة»، ورفع قدمه ~~اليسرى وأمسكها بيده من الخلف، وانطلق يحجل بقدم واحدة، ويمضي في ~~الشارع المشمس الواسع. # | ه... هي لعبة؟! # الردح، كالزغاريد، فن مصري أصيل. وكما أن الزغاريد لا تجيدها كل ~~النساء، فكذلك الردح، هناك متخصصات فيه، يحفظن عددا لا نهاية له من ~~الشتائم والأوصاف، بعضها عادي، وبعضها فيه تشبيهات واستعارات وكنايات، ~~وبعضها أدب خالص. ولا يكفي الحفظ بل لا بد أن يكون في استطاعة الواحدة ~~منهن أن تلضم الكلمة في الكلمة بلا تردد أو توقف، وتصنع من الشتائم ~~سيالا متدفقا لا ينقطع، فإذا انقطع وقع المحال. ولا بد للشتمة ~~المستعملة من وقع وموسيقى ولا بد أن يكون للصوت المستعمل مقام معين، ~~يرتفع في الأماكن المهمة إلى «السوبرانو» وينخفض عند بعض الكلمات ~~الماسة ms10 إلى «الألتو» فمع أن المسألة شتيمة في شتيمة، إلا أنه هناك على ~~كل حال شتائم لا تصح، ونحن شعب مؤدب وخجول بطبعه. ثم لا بد للرداحة ~~من موهبة فطرية تستطيع بها أن تخرج أرفع الأصوات وأعلاها بأقل مجهود، ~~حتى لا تستنفد طاقتها وحتى تستطيع الصمود؛ فالردح مسابقة والفائزة هي من ~~يعلو صوتها ويظل عاليا إلى النهاية. # والفنون كالغذاء لا بد من مزاولتها على الدوام، وكان طبيعيا إذن ~~ألا ينقطع الردح عن الحارة ليلا أو نهارا، ولا يعرف عطلة أو ~~راحة. # وفي ذلك اليوم وشعبان عائد من عمله بعد الظهر بقليل، والدنيا تسبح في ~~أشباه السكون، في ذلك اليوم ما كاد يضع قدمه في أول الحارة حتى دق ~~قلبه، فقد سمع ردحا عالي الوطيس يواتيه من آخرها. دق قلبه لأنه خاف أن ~~تكون الخناقة مع امرأته، وامرأته غلبانة من الأرياف، وإذا كانت الخناقة ~~معها فعوضه على الله، فهي مبتدئة لا تستطيع أن تجاري بطلات المدينة، ~~صحيح أنها بدأت في الآونة الأخيرة تتعلم، ولكنها لا تزال «تطبش» كما ~~يفعل الرجال حين يتعلمون السباحة على كبر. كل ما تستطيع أن تفعله هو أن ~~تقف في النافذة، وتوارب الشيش، وتحاول الرد على غريمتها، وتخرج ردودها ~~بعد جهد، فهي ريفية خجول لا تستطيع أن تحشو فمها بكلمة فارغة مثلما ~~تحشو نساء المدينة أفواههن، ولذلك فمهما قالت، فكلماتها تتساقط كأوراق ~~الخريف أمام التيار اللافح الذي يهب عليها من فم غريمتها. # وصدق ظن شعبان، فالخناقة فعلا كانت مع امرأته، وكانت واقفة لا حول ~~لها ولا قوة كما توقع، وامرأة إبراهيم أفندي قد وقفت في بلكونتهم ~~وصوتها يجيب التائهين، والناس تتفرج بكل قحة، وهي لا تترك شاردة ولا ~~واردة إلا قالتها. # وقف الرجل يتسمع عله يعثر للخناقة على سبب، أو يرى إلى أي حد وصل ~~النزاع، ولكنه ما كاد يتوقف حتى فار الدم في رأسه، كانت المسألة قد ~~وصلته هو شخصيا وأتت على رجولته ثم تعدته إلى أبيه وأمه وذقون أجداده ~~أجمعين. # ودق الباب كثيرا قبل أن تفتح ms11 فهيمة امرأته. وامرأته سمعها ثقيل، ~~وبابهم أصم، ولهذا طال دقه. ثم انفتح الباب وما إن رأته فهيمة حتى شهقت ~~وبكت وأمطرت في الحال دمعا. وكاد يرفع يده ويرنها قلما وهو حانق على ~~خيبتها وقلة محصولها من طول اللسان، ولكنه تردد، فلا بد للخناقة من ~~سبب، ولا بد أن يعرف السبب. # وزعق زعيقا هائلا يسأل عن السبب. واعتدلت امرأته واختفت دموعها ~~فجأة كما بدأت وقالت: ابنك انقتل. وأشارت إلى الكنبة. وسقط قلب شعبان على الأرض أمامه وكاد ~~يسقط هو مغشيا عليه لولا أنه حدق في الكنبة. كان ابنه جالسا ~~القرفصاء فوقها ورأسه معصوب بمنديل، وعلى المنديل بقعة دم كبيرة، وفي ~~وجهه خرابيش وفي عينيه نظرة فأر وقع في المصيدة، ولم يكن مقتولا على ~~أية حال. # وما كاد الولد يرى أباه ينظر ناحيته حتى تولاه رعب هائل وبكى بصوت ~~عال وقال: أنا مالي .. هه؟ .. هو اللي ضربني الأول .. هه؟ # وملأ شعبان صدره بالهواء بقوة محاولا كتم غيظه، ولو لم يخرج الهواء ~~في الحال ويتنهد لانفجر. القضية كانت قد بدأت تتجسد أمام عينيه فلا بد ~~أن واحدا من أولاد إبراهيم أفندي هو الذي ضربه، وإبراهيم أفندي له ~~ثمانية أولاد، لا بد أن الضارب هو الولد الرفيع مثل عود القصب الذي ~~يجري طول النهار ببنطلون أصفر قصير، وسيقان جافة. وهو لن يستحمل منه ~~خبطة ولا لكمة ولكن هل يمد يده على طفل؟ ثم كيف لم يغلبه ابنه الخائب ~~مثل أمه. ابنه صحيح أصغر منه في السن وأدق منه في العود ولكن كيف يغلب ~~أي ابن في الدنيا ابنه؟ وكيف يجرحه ويبطحه؟ # وتقدم شعبان، كان لا بد من رؤية الجرح قبل كل شيء، وما إن رآه الولد ~~يقترب حتى انكمش إلى طرف الكنبة، ولم يوقفه عن انكماشه إلا انتهاؤها، ~~وغمغم شعبان وهو يسبه ويلعن أباه ويهدئ من روعه ويطمئنه إلى أنه فقط ~~يود رؤية الإصابة. وامتثل الولد بعد تهديد. وظل يرتعش وأبوه يفك ~~المنديل، وصرخ وهو يجذبه ولم تكن الإصابة قاتلة ولا ربع قاتلة، كانت ms12 ~~جرحا صغيرا، نصفه في الجبهة ونصفه في الشعر، والدم الذي حوله كثير ~~والبن أكثر، بن يكفي لصنع ثلاث كنكات من القهوة وتبقى منه بعدها ~~تلقيمة. # ومع أن شعبان أحس بالجرح يمتد من جبهة ابنه إلى قلبه إلا أن وجهه لم ~~يتغير، وغيظه كان لا يزال كما هو. وأعاد رباط الجرح، وزغر لابنه وقال ~~وهو يجلده بملامحه: وما ضربتوش ليه يا ..؟ # وبكى الولد وهو يقسم بالقرآن الشريف أنه أشبعه ضربا ولكما وعضا. ~~ولكنه خانه وضربه بزلطة فجرحه. # وبدأت العاصفة. فهيمة تريد إبلاغ البوليس وعمل محضر وقتل ابن إبراهيم ~~أفندي، وإن لم يفعله، فستأخذ هدومها وعليه أن يوصلها إلى باب الحديد لتركب القطار وتعود ~~إلى البلد حيث للولد أخوال يستطيعون حمايته والانتقام له. وشعبان ساخط ~~على ابنه المغلوب المضروب. ويهدده بعلقة نصفها الموت حالما يطيب. علقة ~~تصنع منه رجلا يعرف كيف يذود عن نفسه ويجرح بدلا من أن يأتيه ~~مجروحا. ولا يترك لابنه فرصة للنجاة من العلقة إلا بأن يذهب في الحال ~~ويجرح ابن ابراهيم أفندي جرحا يمتد من أنفه إلى قفاه. # وتمضي ساعة. # وتهدأ العاصفة. ويستعيذ الزوج من الشيطان ومن ساعة الغضب. ويجد أن ~~الناس للناس والطيب أحسن، وأنه لا بد أن يشتكي الولد لأبيه وهو يعرف أن ~~إبراهيم أفندي رجل جد. لن يرضيه ما فعله ابنه. فإذا أدبه كان بها. وإلا ~~فهناك ألف طريقة لتأديبه. وترفض الزوجة هذا الحل بدعوى أنها جرحت هي ~~الأخرى .. جرحتها طويلة اللسان زوجة «سي» إبراهيم وفضحتها ولا بد من سن ~~بسن وعين بعين والبادي أظلم. ويطمئنها الزوج ويعدها بأن حقها سيأتيها ~~به كاملا غير منقوص وأن مقامها محفوظ وظفرها عنده بمليون واحدة كامرأة ~~إبراهيم أفندي. # ويظل جو البيت مشحونا. وشعبان يخلع بنطلون الشغل وقميصه ويرتدي ~~الجلباب ويريح يديه من نوبة السواقة التي بدأت في الخامسة وانتهت حين ~~تصلب ظهره، وتورمت كفاه وزغللت عيناه. ويسأل عما طبخته الزوجة وهببته. ~~ولا يجدها طبخت ولا هببت. ويلعن العيشة التي لا راحة فيها أبدا. الشغل ~~أومنيبوس والبيت عربة كارو. ms13 وفي كل عودة لا بد أن يجد مصيبة. وكم مصيبة ~~يتحملها العمر، والواحد له عمر واحد! # بعد قليل كان شعبان يمسك ابنه المرتجف المرتعش من يده ويدق باب ~~إبراهيم أفندي. # دق مرة فسكتت الأصوات التي كان يسمعها في الداخل. وعاد يدق. فماتت ~~الأصوات. وانطلق حينئذ يدق بلا توقف. # وفتح الباب أخيرا. فتح فجأة. وفجأة أيضا وجد الأسطى شعبان نفسه ~~أمام صالة وفي نهايتها كومة بشرية هائلة. كان الوقت وقت غداء .. ~~والعائلة كلها جالسة تتناوله. والمائدة صغيرة ضيقة لا تتسع لهذا العدد ~~الهائل من أفراد العائلة. # كانت هناك الست شفاعات الزوجة. تخينة ومحنية على المائدة ككيس القطن ~~المتني. وكانت هناك الحاجة تبارك والدة إبراهيم أفندي عجوز جدا ~~وناحلة وشعرها مصبوغ بالحناء ولونه أصفر وأحمر وأبيض. ثم كان هناك ~~ثمانية أطفال بدوا من كثرتهم وتجمعهم اثني عشر أو يزيدون، وكلهم باسم ~~الله ما شاء الله، وبلا ضغينة أو حسد، أولاد إبراهيم أفندي، وفي الركن ~~وفي مساحة لا تتعدى ورقة البوستة، كان يجلس رجل رفيع، لونه أصفر باهت ~~ووجناته بارزة كالشرفات، كان هو بلا ريب إبراهيم أفندي، عميد العائلة ~~والمسئول عن إنتاج هذا العدد الضخم من الكائنات الحية، والمسئول كذلك ~~عن بقائها. وكان الجميع في معركة لا رحمة فيها ولا هوادة، فالطعام ~~قليل، والمائدة ضيقة، والرغيف مهما كبر لا يحتوي إلا على عدد محدود من ~~اللقم، والصراع دائر من أجل البقاء، أو نتش حتة أو الاعتداء على لقمة ~~أو الحصول على غموس. صراع رهيب شمل العائلة كلها وشمل كذلك قططها. ~~فالعائلة - من العز - تحيا معها أربع قطط، لها جيش من الأولاد، والقطط ~~وأولادها لا بد أن تأكل، ولا بد لها من خوض صراع أمر وأدهى لتجد فرجة ~~بين ساقين، أو ثقبا بين جسدين؛ لينالها من الوجبة على الأقل لحسة أو ~~عظمة. # وكان كل شيء يدور في صمت شامل. ولا تسمع إلا أصوات الملاعق واحتكاك ~~الأسنان بالأسنان وجعجعة المضغ، واللكزات التي يصوبها الأخ إلى أخيه ~~والجار البشر إلى الجار القطة. # وما كاد الباب يفتح ms14 ويبدو الأسطى شعبان واقفا على عتبته حتى حدث هرج ~~ومرج كثير. وقام إبراهيم أفندي يعزم، وتضايقت الست شفاعات من هذا القادم ~~في وقت الغداء وأحس الأسطى شعبان بالخجل، وتبودلت عبارات مجاملة كثيرة ~~وحلفت عشرات الأيمانات والأقسام، وتزحزحت مقاعد وماء ولد، وصرخت ~~قطة. # وأخيرا جلس الأسطى على الكنبة، وهدأت الأصوات ثم التأم شمل الكومة ~~البشرية مرة أخرى، وعاد السكون الذي لا تقطعه سوى أصوات الأشداق ~~والأسنان وهي تمضغ اللقم وتمزقها، مضافا إليها أصوات ترحيبات كان ~~يرددها إبراهيم أفندي وفمه ممتلئ بالخبز، وعقله ممتلئ ~~بالتخمينات. # وكان واضحا أن عاصفة ستهب بعد قليل، وانتهز كل فرصة الهدوء الذي ~~يسبقها وراح يعبئ نفسه ويستعد. # الأسطى شعبان جالس ومكسوف يرتب ما سوف يقوله وينتقيه، ويجرب بينه ~~وبين نفسه كيف يقوله، وإبراهيم أفندي يدرك أن أحد أولاده لا بد هو ~~الجاني وهو السبب في الدم الذي جف على منديل ابن شعبان، ولا بد أن ~~امرأته كالعادة تولت علاج الأمر بطريقتها الفاسدة وأخفت عنه الحكاية ~~ككل مرة، وتركته ليواجه المصيبة وحده، ومع هذا كان عليه أن يدفع أول ~~الأمر ببراءة أولاده أجمعين، ويتحدث عن طيبتهم ويأتي بالبراهين على ~~أنهم أولاد حلال مسالمون، فإن أفلتت البراءة كان عليه أن يتصيد الحجج ~~ويقيم المعاذير، ويعد آخر الأمر بالعقاب الباتر. # والست شفاعات نسيت تماما أنها لم تترك أبا لهذا الرجل الجالس ~~أمامها إلا ولعنته وطوقته بأبشع التهم منذ وقت قليل، واندفعت ترحب به، ~~وفي نفس الوقت تعد ما سوف تقوله دفاعا عن ابنها، ثم ما سوف تقوله ~~دفاعا عن نفسها أمام زوجها إن هو سألها كيف أخفت ما حدث، ولم تنس ~~بطبيعة الحال أن تحسب حساب الضرورة القصوى وتعد نفسها لخناقة، وتعد ~~لشعبان سربا طيبا من الشتائم يليق بوداعه. والأولاد قلوبهم كانت تدق؛ ~~فالجاني لا بد منهم، وكل منهم فرح أنه ليس الجاني وأنه سيشهد لتوه ~~محاكمة رائعة يلذ له حضورها كشاهد رؤية فقط وليس كمتهم. # غير أن أمل الأولاد خاب، فبعد قليل جلجل صوت أبيهم يأمرهم بالانسحاب، ~~ويأمر زوجته ms15 بإزالة بقايا الطعام. # وجلجلة صوت أبيهم وإن كانت لا تحدث إلا نادرا، ولا تحدث إلا في حضرة ~~أغراب إلا أنها أحيانا تخيف ويحسن طاعتها. ورفعت بقايا الطعام. ولم ~~يكن قد تبقى سوى الصحون والملاعق، وللإنصاف بقيت أيضا حبات أرز قليلة ~~دخلت في شقوق المائدة ولم تستطع أصابع الأطفال ولا حتى أظافر القطط أن ~~تصل إليها. # وكان في نية إبراهيم أفندي أن يجلجل صوته مرة ثالثة، ويأمر زوجته ~~بتركه مع الأسطى شعبان على انفراد لولا أنه شك في احتمال طاعته، فآثر ~~السلامة، والاحتفاظ بكيانه سليما أمام الضيف، ولا تجرحه كلمة ولا زغرة ~~ولا تعليق. # وهكذا وليبعدها، أمرها بلهجة رقيقة لطيفة، لا يقولها إلا زوج غارق في ~~سعادة زوجية دائمة، أن تعد القهوة. وأصابته نظرة جانبية مدببة كطرف ~~الإبرة أفهمته أن ليس لديهم بن. # وحينئذ افتعل إبراهيم أفندي ضحكة ما، وقال للأسطى شعبان وهو يخبطه ~~فوق ركبته: والا تشرب شاي أحسن .. أنا عارف .. أنت تحب الشاي .. كل الأسطوات ~~يحبوا الشاي .. خليه تقيل يا أم نعيمة. # وبينما كان الشاي يعد، كانت أم نعيمة لا تتركهما على انفراد أبدا، ~~وكأن في الأمر مؤامرة، فهي غادية رائحة تنقل كرسيا من مكان إلى مكان، ~~أو تسأل إبراهيم أفندي إن كان يريد شيئا وويله إن كان قد أراد ~~شيئا. # وأخيرا آن الأوان وقال إبراهيم أفندي: خير؟ # ولم يقل شعبان حرفا. أشار لابنه وسكت. # وقال إبراهيم أفندي وقد ارتسم أسى أكثر من اللازم على وجهه وكأنه ~~فوجئ برؤية رأس الولد المجروح: خير؟ ما له؟ ما لك يا بابا؟ ما لك؟! # فقال شعبان: ابنك عوره. ~~- ابني مين؟! # قالها إبراهيم أفندي باستنكار ثم أضاف: إنت متأكد .. يعني واحد من الأولاد اللي كانوا هنا دول هو اللي ~~ضربه؟! ~~- أيوه. ~~- يا ولد، يا ولد انت وهوه! # قالها إبراهيم أفندي في شموخ وشهامة. # وجاء الأولاد يتدارون بعضهم في بعض. وكش فيهم الأب: اقف عدل يا ولد .. اقف عدل .. شيل إيدك من على كتف اخوك يا قليل ~~الأدب. # ووقف الأولاد، وجاءت وقفتهم أقرب ما ms16 تكون إلى الطابور، كانوا ثمانية ~~وكانوا يصنعون مع الأرض مثلثا أصغرهم طوله أشبار وأكبرهم أطول من ~~الوالد نفسه بقليل. # وحدق فيهم إبراهيم أفندي وهو يتفحصهم ليحزر من الجاني. ويحس بنوع من ~~الثقة لأنه رئيس هذا الطابور كله يستطيع أن يحركه كيف يشاء. وقال لابن ~~شعبان: مين، مين فيهم اللي ضربك يا بابا؟ # وأشار الولد إلى فؤاد الذي يقف في الوسط وقال: ده. # وهنا ضاع زمام الموقف وهاج كل شيء، وارتفع صوت شعبان يحكي ويعنف وقد ~~ذهب عنه خجله وحرجه، ويطالب أن يضرب الجاني علقة .. الآن .. أمام عينيه، ~~وإلا كان ما كان. # ورد عليه إبراهيم أفندي بصوت لا يقل عنه علوا، ~~واشتركت أم نعيمة بلسانها ويديها ورموشها وعينيها، وتناثر الأولاد في ~~الصالة بعضهم يردد كلمات الأب، وبعضهم يعزز حركات الأم، وبعضهم يقلد ~~الأسطى شعبان ويسخر من كلماته، وفي تلك الأثناء هاجت القطط وانطلقت ~~تموء دون أن يزجرها أحد .. وسقطت أشياء في الحمام وقرقعت قباقيب على ~~البلاط ورفع صاحب القهوة المجاورة مذياعه على الآخر، وأذن المغرب، ~~وبدأت صيحات اللبن الزبادي. # وآب كل شيء فجأة إلى هدوء، حين ارتفع صوت إبراهيم أفندي يقول: ولزومه إيه كتر الكلام .. نحقق .. واللي عليه الحق ينضرب ~~بالجزمة. ~~••• # وهكذا بدأ التحقيق. # وبدأ الخلاف، فمن من الولدين يحكي أولا؟ # واستقر الرأي أخيرا على أن يبدءوا برواية المجني عليه المجروح، وبدأ ~~ابن شعبان يتكلم، وما إن فتح فمه حتى صمت الجميع وترقبوا، وعم السكون، ~~وحينئذ تلجلج ولم يستطع إخراج الكلمات إلا بعد أن نظر إلى أبيه، وكش ~~فيه أبوه، فانطلق يقول: كنا .. كنا بنلعب .. وبعدين قسمنا قسمنا نفسينا. أنا كنت بدا .. بدافع ~~ودهه (وأشار إلى فؤاد دون أن ينظر إليه) وده كان الأسطول .. جه جه يزقني ~~ماقدرشي علي. # واندفع فؤاد الرفيع يقاطعه: أنا ما اقدرتش عليك؟ مش احنا قايلين مفيش طوب .. ضربتني بالطوبة ~~ليه؟ # وهب فيه أبوه يقول: اخرس. فخرس فؤاد وخرس ابن شعبان أيضا وعم ~~سكون. # وتنحنح شعبان وقال لابنه: يا ولد احكي كويس، كنتم بتلعبوا ~~إيه؟ # ورفع إبراهيم ms17 أفندي جذعه ورأسه وذراعيه محتجا على سؤال الأسطى ~~شعبان، طالبا أن يترك الولد ليروي ما حدث دون أي تدخل أو ~~مساعدة. # وقال شعبان وأمره إلى الله: يا خوانا دانا عايز بس نعرفوا إيه الموضوع. # ومضى الولد يقول: جه يزقني ماقدرش علي .. فراح جايب زلطة وحدفني بيها جت ف... ف... ف... # وبدأ الولد ينهنه لولا أن هب فيه أبوه: اكتم يا بن ال«...» إنت بنت؟! ~~اكتم إوعى تتنفس. # وفعلت كلمات الأب فعل السحر. # ورفع الابن وجهه لأول مرة، وحدق في الموجودين بجرأة، وأشار إلى فؤاد ~~وقال: علشان ما .. ماقدرتش علي .. رحت جبت زلطة يا جبان. # وهب فيه الجميع أن يخرس، فلم يخرس، ومضى كالوحش الصغير يهبهب ~~ويعوي: عامللي أسطول .. والله لما تكون انت مليون أسطول .. علشان ماقدرتش ~~علي .. حد حد كان قالك العب! حد حد قالك اعمل أسطول لما انت ~~جبان؟! # وهنا جاءت زغدة «كده وكده» من أبيه فسكت، وعم السكون. # وكان لا بد أن يعم السكون، فإن أحدا لم يكن قد فهم شيئا، ثم إن ما ~~تبادله الولدان زاد الأمر تعقيدا، وأصبح هم كل والد أن يعرف كنه تلك ~~الخناقة بعد أن كان همه أن يعد نفسه للدفاع عن ابنه. # وكان واضحا أنهما لن يستطيعا أن يستخلصا السبب من المتخاصمين، والمجني عليه متحفز، ~~والجاني ينكر، والحقيقة ضائعة بين التحفز والإنكار. # وكان لا بد من التدخل للعثور على الحقيقة، وإبراهيم أفندي الذي لم ~~يرض بتدخل شعبان، بدأ هو الذي يتدخل ويسأل على اعتبار أنه والد الجاني ~~فلن يحابي المجني عليه. # وأطال إبراهيم أفندي رقبته ومد رأسه وقال، كأي وكيل نيابة مدرب، ~~موجها السؤال إلى ابن شعبان: اسمع يا شاطر .. قل لي كنتو بتلعبوا إيه؟ # فأجاب ابنه بسرعة: كنا بنلعب لعبة الكنال. # وأسكت ابنه بلعنة، وعاد يوجه السؤال للمجني عليه فقال الأخير: كنا .. كنا بنلعب .. لعبة الكنال. # وسأله إبراهيم أفندي بعقل حائر فعلا: لعبة الكنال دي إيه .. كورة؟ # فأجاب الولد: لأ لأ .. لعبة الكنال ..قسمنا قسمنا نفسينا. # وهز إبراهيم أفندي رأسه وعاد ms18 يسأل: يا بني إيه بس لعبة الكنال دي؟ # فقال الولد بفروغ بال الصغير: مانا مانا بقول لك أهه .. قسمنا قسمنا نفسينا .. إحنا إحنا الجيش ~~المصري وهم أسطول الإنجليز وحطينا حطينا خط كده وقلنا قلنا ده ~~الكنال. # وفي نزق الأطفال، ترك الولد مكانه بجوار أبيه وقد ذهب عنه تحفظه ~~وخوفه تماما، ومضى وسط الصالة يمثل: حطينا خط كده .. يعني يعني الكنال .. والجيش المصري يقف هنا .. وأسطول ~~الإنجليز يجي يجي من هنا .. وإذا عدوا الخط يبقى اتغلبنا وياخدوا ~~الكنال. # وهنا غمز إبراهيم أفندي بعينه لشعبان عله يضحك، ولكن شعبان لم يضحك، ~~كان وجهه لا يزال جادا ولا يزال يريد أن يطمئن إن كان ابنه محقوقا ~~ليضربه أو صاحب حق ليشهد ضرب خصمه، أما الست شفاعات فكانت ساكتة ترقب ~~الولد اللمض في اشمئناط واحتقار، والأولاد كانوا مشغولين بالتفكير في ~~لعبة الكنال، يقلبون الأمر على وجهه ليروا إلى أي الفرق ينضمون إذا ~~لعبوها، وأحس ابن شعبان بالجو فيه هدوء مريب، فسكت، ولكن أباه استحثه ~~وزغده وقال: هيه .. قول. # فأجاب الولد بفرحة وكأنه أخذ إذنا باللعب في الحارة إلى ساعة ~~متأخرة: أنا أنا كنت في الجيش المصري .. على اليمة دي .. فأم سحلول جه يهجم ~~علي. # وقاطعه إبراهيم أفندي بلهجته الممدودة: أم سحلول مين؟ # فقال الولد على الفور: ده .. فؤاد. # ثم استدرك: أصل احنا مسميينه أم سحلول. # ونظر إبراهيم أفندي إلى ابنه شزرا واستدار إلى ابن شعبان ~~وقال: اسمه فؤاد .. أم سحلول إيه دي. # وعاد ابن شعبان يحكي: وبعدين إذا إذا واحد. # والتفت إبراهيم أفندي فجأة إلى ابنه وهو يغلي: بقى كده يا وله يسموك أم ~~سحلول! اتفرجي على ابنك يا ست هانم .. اتفرجي يا ست أم سح ... # وكاد يقولها ولكنه أنقذ لسانه في آخر لحظة والتفت لابن شعبان ~~وقال: كمل .. كمل يا خويا .. كمل يا أم أربعة وأربعين إنت راخر. # وانطلق الولد: وبعدين إذا واحد من الأسطول قدر يعدي الخط تبقى فرقتنا اتغلبت. أنا ~~كنت مع بندق وخشبة وحسام، وخشبة وحسام اتغلبوا، فاتلمت فرقة أم ms19 سحلول ~~كلها علي. # وقاطعه إبراهيم أفندي : قلنا ميت مرة فؤاد .. قلنا فؤاد .. ده ~~دي.. # وتكلم شعبان: معلش يا إبراهيم أفندي .. عيال .. خليه براحته علشان يعرف يحكي ~~كويس. # وزأر إبراهيم أفندي بصوت منخفض وعينين جاحظتين: يحكي يحكي إنما أم سحلول إيه؟ قلنا اسمه فؤاد .. هي قصة؟ .. ده دي. # وهنا أشار فؤاد الرفيع إشارة خفية بيده لابن شعبان معناها: طيب .. والله لأوريك. # ولكن ابن شعبان لم يتوقف ومضى يقول: فضلت أنا وده .. هو إكمنه أطول مني حب يديني هدر قمت أما شكيته مقص راح نازل على سنانه فالولاد ضحكوا عليه وفضلوا يضحكوا ويقولوا: إيدن ~~أهه .. إيدن إهه .. العبيط أهه .. العبيط أهه .. فهو اتغاظ ومسك زلطة وراح ~~خابطني في رأسي. # واندفع فؤاد يقول: أبدا والله .. إنت ستين كداب في أصل وشك .. والله يا بابا ما ضربته ~~.. هو اللي وقع .. أنا مالي .. أنا ماضربتوش .. إحنا اتفقنا إن إذا غلبنا ~~منهم اتنين يسلموا .. هو ما رضيش يسلم وقعد يزق فينا وإحنا نزق فيه فراح ~~واقع على الأرض اتعور. # وكان إبراهيم أفندي يحاول إسكات ابنه طوال الوقت، ومع هذا فقد تغاضى ~~عنه حتى عثر في كلامه على حجة وحينئذ أسكته ومط رقبته وسأل ابن ~~شعبان: إنتوا اتفقتوا صحيح إن إذا اتنين اتغلبوا تسلموا؟ # وانتظر الجميع الجواب بفارغ الصبر، كان كل من بالحجرة قد نسي من ~~الجاني ومن المجني عليه واستحوذت اللعبة على تفكيره، الأولاد كفوا عن ~~الدوشة، وأم نعيمة يدها في خصرها وأذنها متجهة إلى مصدر الصوت ~~والمتاعب، وشعبان مائل إلى الأمام يراقب ابنه في حماس، والجدة كفت عن ~~المواء، والقطط هي الأخرى كفت عن الأنين واختفت بين طيات ملابس ~~الجالسين. # وقال إبراهيم أفندي وهو ماض كوكيل النيابة في دوره يستدرج ~~الولد: إنتو اتفقتوا صحيح يا حبيبي؟ # وتلجلج ابن شعبان ونظر إلى أبيه يستشف ما وراء نظرته ثم قال: إحنا إحنا أيوه اتفقنا .. بس بس. # وتنفس إبراهيم أفندي لأول مرة بارتياح وعوج رأسه وقال وهو يكيل ~~السؤال القاضي: طيب .. ليه بقى سيادتك ما سلمتش زي ما ms20 اتفقتوا؟ # وواجهه ابن شعبان في دهشة واستغراب وقال: أسلم ازاي؟! # فعوج إبراهيم أفندي رأسه إلى الناحية الأخرى وقال: زي ما اتفقتوا .. ليه بقى يا سيدي ما سملتش؟ # فقال الولد على الفور: ما هو .. ما هو إذا سلمت يبقى اتغلبنا. # وأغلق ابراهيم أفندي عينه اليمنى وقال: تتغلبوا، تتغلبوا. # وزاد الاستنكار في وجه الولد وقال في دهشة: إذا اتغلبنا يكسبوا هم. # وأجاب إبراهيم أفندي وهو يغلق العين الأخرى: يكسبوا يكسبوا .. ليه ما سلمتش؟ # وقال الولد بفروغ بال: مهم كانوا أخدوا الكنال. # فقال إبراهيم أفندي وهو يمط شفتيه: ياخدوه ياخدوه. # واندفع الولد بغضب حقيقي يقول: ياخدوه ازاي؟ ه... هي لعبة؟! ه... هي لعبة؟! # وكذلك اندفع أبوه يقول: وده اسمه كلام يا أبو فؤاد! # وكادت تحدث بوادر ضجة، لولا أن إبراهيم أفندي صرخ: هوس .. هوس .. يا اخوانا إيه اللي جرى؟ دي لعبة بيلعبوها .. قول يا بني ~~ما سلمتش ليه؟ قول. # فقال الولد: أسلم ازاي؟! # وقال أبوه: يسلم ازاي؟ # وقالت أم نعيمة: زي الناس يا دلعدي. # واندفع فؤاد النحيل يقول: شفت يا بابا .. هو اللي قلبها جد .. إحنا كنا بنلعب .. هو اللي قلبها ~~جد .. قلنا له سلم، قام شتمنا وقعد يضرب فينا عشان ما نعديش الخط .. والله ~~هو اللي وقعني وقعد يضرب في .. وعضني .. ثلاث عضات أهم .. دا كان زي ~~المسروع .. دا مكانش بيلعب. دا قلبها جد .. وكل ده عشان مش عايز يتغلب .. ~~وأنا مالي؟ هو اللي وقع .. ولما وقع اتعور .. أنا مالي؟ والله ما لمسته .. ~~دا يدوب قربت عليه نزل في ضرب. # وانخرط الولد في البكاء. # وهنا استعاد إبراهيم أفندي الشخطة التي شخطها شعبان في ابنه وشخط ~~شخطة أعلى منها وقال: اخرس .. انت بتعيط زي النسوان .. عمى في عينك. # وصرخت فيه زوجته: جرى إيه يا إبراهيم سرعت الواد .. هو قد الشخطة دي؟ وإيه حكاية ~~النسوان دي رخرة؟ ما تقعد معووج يا إبراهيم وتتكلم عدل .. اتكلم عدل يا إبراهيم. # وقرأ إبراهيم أفندي في الجملة الأخيرة إنذارا خفيا، وفعل الإنذار ~~فعله في الحال. # وهكذا ضاع زمام ms21 الموقف واختلطت الأصوات، صوت الأسطى شعبان تخين ~~وتصاحبه حشرجة كحشرجة الكلاكس حين يعلق، وصوت إبراهيم أفندي رفيع أخنف ~~كأنما يصدر عن طاقة واحدة من طاقتي أنفه، وصوت أم نعيمة حياني نواعمي ~~طويل متين كحبال الكتان، وصوت الجدة أم إبراهيم أفندي كصوت ابنها ~~تماما وكأنها جد. وكلمات شعبان فيها احتجاج صارخ، وكلمات إبراهيم فيها ~~دعوة للسلام والمحبة وما يصحش يعملها الصغار ويقع فيها الكبار، وكلمات ~~شفاعات عزف منفرد لزمارة كمساري ترام، وكلمات تقال، وكلمات لا تقال ولم ~~يسلم الأمر حتما من بضع دعوات خرجت من فم الجدة واستقرت على رأس ~~العدو، أي عدو. # وآب كل شيء إلى هدوء .. حين قال الأسطى شعبان: زي بعضه .. إحنا ما لنا بركة إلا بعض .. نصطلح نصطلح. # وقبل الجاني رأس المجني عليه .. وقبل المجني عليه رأس الجاني ~~وتبودلت بعض نكات تناسب المقام .. وتفضلت الست أم نعيمة وضحكت على نكتة، ~~وتفرق الأولاد وقد انتهت الرواية، وجاء الشاي وشرب الأسطى شعبان، وشرب ~~إبراهيم أفندي على حس الضيف وتكلم الرجلان في السياسة وقال إبراهيم ~~أفندي: إن الله معنا وسينصرنا على القوم الكافرين .. وقال شعبان عن ~~الإنجليز: دول عضمهم دايب من شرب الخمر .. يدوبك تزق الواحد يقع. # وأخيرا آن الأوان، وأخذت الجلسة حقها، واستأذن شعبان وعزم إبراهيم ~~أفندي عليه بالعشاء. عزومة مراكبية ولكن الأسطى أصر ومضى آخذا ابنه في ~~يده. # وقبل أن يهبط شعبان السلالم سمع أصواتا تأتيه من الداخل وتلكأ ~~قليلا فعرف صوت إبراهيم أفندي الأخنف وهو يقول: تحرم يا كلب تلعب مع العيال؟ # وسمع شعبان صرخة مبالغا فيها ثم صوت الولد وهو يقول: أحرم يا بابا. # وعاد إبراهيم أفندي يقول: تحرم تلعب لعبة الكنال ومش عارف إيه؟ # وصرخ الولد وقال: أحرم يا بابا. ~~- تحرم يعملوك أم سحلول يا خايب؟ ~~- أحرم والنبي. ~~- تحرم تعمللي إيدن وكلام فارغ من ده؟ ~~- أحرم يا بابا أحرم، والنبي حرمت. # ولعلع صوت أم نعيمة: خلاص حرم يا إبراهيم .. خلاص .. ما عدشي حيعمله. قطيعة تقطع إيدل ~~وشورته واللي جابوه .. قول تبت يا واد قول تبت. ms22 ~~••• # وقبل أن يضع شعبان قدمه على أول درجة من درجات السلم التفت إلى ابنه ~~وملس على رأسه وعلى المنديل الذي يخفي جرحه وقال: وله .. إوعى تكون سلمت في الآخر يا واد. # ونظر الولد إلى وجه أبيه المرتفع وأمسك يده الغليظة الضخمة بكلتا ~~يديه ثم ألصقهما بوجهه الصغير، وضمها إليه وتعلق بها، وابتسم ولم ~~يجب. # سبتمبر 1956 # | البطل # في ذلك اليوم، مضت ساعات الصباح الأولى، دون أن يجد جديد؛ فالمكتب ~~هو المكتب، والحجرة هي الحجرة، والأوراق تملأ الأركان والأدراج، ~~وتطل من الدواليب، وفناجين القهوة رائحة غادية، والسجائر تستخرج ~~خلسة؛ حتى لا يعزم أحد على أحد. وخمسة موظفين في حجرة، والوجوه كالعادة ~~مقطبة؛ مقطبة وهي تتصفح الجرائد وتغلقها، ومقطبة وهي تحدق في ~~السقف، وعابسة وهي تطلب الشاي وتلعن طعمه، ومغمومة وهي تنحني على ~~الأوراق وتعبث بها، وتقضي العمر تدقق وتؤجل وتكتب. # لم يجد جديد في ذلك الصباح، مع أن الحرب قامت، والطائرات بدأت ~~تغير، وكل شيء .. كل إنسان يخوض تجربة الحياة والموت، والعالم لا ينام، ~~صاحيا يرقب الشرق وهو يدمدم ويتحرر، والمكتب هو المكتب، والحجرة هي ~~الحجرة، وصبحي جاد هو الذي على يميني، والغازي أبو بكر على ~~يساري. # غير أنه قبل الظهر بقليل، جاءني الساعي وقال: تليفون. # وتليفون من أجلي كان يعني شيئا من اثنين: إما عبد الخالق فاضي في ~~مكتبه في وزارة الشئون ويريد أن يصبح علي، وإما كارثة حدثت في بيتنا ~~ورأت العائلة أن تتصل بي على عجل، وفي كل مرة يطلبني التليفون أقول: ~~كارثة، وفي كل مرة أجد المتحدث هو عبد الخالق. # وهذه المرة أيضا قلت: عبد الخالق؟ صباح الخير. # وإذا بصوت غريب يقول: لأ، أنا أحمد. ~~- أحمد مين؟ # قلتها وأنا أخمن من عساه يكون، فالأحمدات الذين أعرفهم لا يتجاوزون ~~ثلاثة، وإذا به يقول: أنا أحمد عمر. # ولم يكن هذا الأحمد من بين الثلاثة، فرن اسمه في أذني رنين الاسم ~~الغريب، الذي لم تتعود على سماعه، وخجلت أن أستقصي أكثر؛ فلا بد أنه ~~يعرفني ويتوقع مني أني لا بد ms23 أعرفه. ورحت أسأله كما يحدث في أمثال هذه ~~الأحوال عن الصحة والمزاج والعائلة؛ حتى أظفر من ردوده بخيط يقودني إلى ~~معرفته، دون أن أحرجه أو أحرج نفسي! # ورغم أنه مضى يجاوبني بنفس الكلمات، التي تعود الناس قولها ردا ~~على أسئلة كأسئلتي، إلا أني دهشت؛ فصوته كان مملوءا بالانفعال يكاد ~~يلهث، وكان يستعجل السؤال والإجابة، كأنما هناك شيء يؤرقه ويود الإفضاء ~~به إلي، وسمعت منه كلمات عن «مصر الجديدة» و«كتيبتنا» و«المعسكر» ~~ولكني لم أفهم. وسألني مرة إن كنت حقا أذكره، ومع ذلك لم أعرفه إلا ~~حين سألني عن أخي محمد وصحته؛ إذ أيقنت أنه لا بد أحمد عمر، ابن جارنا ~~عم عمر .. أحمد صديق أخي الأصغر الحميم. # واندفعت أرحب به وأحييه، وقد بدت صورته أمامي واضحة كل الوضوح، فرغم ~~أن عم عمر كهل نحيف، إلا أن ابنه أحمد هذا شاب ضخم، وإذا عرف الإنسان ~~أن سنه عشرون عاما فقد بدا له صخما جدا؛ فجسده عريض شاهق، وذقنه ~~خصيب غزير شعره أسود متين كذقون الرجال الكبار، ومع هذا فقد كان من ذلك ~~الصنف من الشبان، الذين يخجلون من مواجهة محدثهم، فلا ينظرون في وجهه ~~أبدا، وتجده إذا تكلم يتعثر في كلماته؛ فلا تخرج من فمه جملة كاملة، ~~وأحيانا يقول الكلمة ويظنها نكتة وينفجر ضاحكا، وحين يدرك أن أحدا ~~لا يشاركه الضحك، يصطبغ وجهه بلون الدم، ورغم كل شيء فالناس لا بد أن ~~تقول بعدما يذهب: والله باين عليه ابن حلال .. طيب. # وكانت صلتي به محدودة، وكل ما أعرفه عنه أنه كان في مدرسة التجارة ~~المتوسطة، أو الصنايع لست أدري، وأخذ الدبلوم أو لم يأخذه، ثم دخل ~~الجيش حسب قانون التجنيد الإجباري. # وأغرب شيء أنك تحس دائما أنه ملآن، ولديه آلاف الأشياء التي يود ~~قولها، غير أنه نادرا ما يفصح عن نفسه. وإذا تكلم فلا يقول شيئا من ~~عنده، إنما يعبث بكلمات غيره، فتقول له مثلا: إزيك انت؟ فيرد عليك ~~ويقول: الزاكته! ويضحك ويخجل، ويحمر وجهه، كان لا يخاطبني إلا ~~«بحضرتك»؛ على اعتبار ms24 أني الأخ الأكبر لصديقه، وأحيانا كانت تفلت من ~~لسانه كلمة تستحق التأمل، وإذا تأملها الإنسان أدرك أنه ليس بسيطا كما ~~يبدو، وأن له أعماقا. # وكان إذا جاء لزيارتنا وفتح له الباب، خفض رأسه، وسأل عن أخي، ~~فإذا كان موجودا، دلف إلى حيث يكون مطرق الرأس، لا يرفع بصره ولا ~~يتلفت. وكنت أحيانا ألقاه فأحادثه وأحس به شهما خدوما؛ لو قلت له: ~~ارم نفسك في البحر مثلا، لذهب ورمى نفسه في البحر فعلا، ثم عاد إليك ~~في ثاني يوم مبتل الملابس، يقطر الماء من شعره، ويقطر الخجل من وجهه ~~ويتهته ويقول: أما المية كانت ساقعة بشكل! # يقولها قاصدا بها أن يلومك ويؤنبك، وهذا كل ما في استطاعة أحمد أن ~~يؤنب به أحدا! # ولم نكن أصدقاء بالمعنى المفهوم؛ كنت أراه كل ستة أشهر أو كل سنة، ~~وكنت لا أراه على حالة واحدة أبدا؛ ففي كل مرة لا بد أن يكون قد حدث ~~له أو حدث فيه تغيير؛ فهو في لقاء طالب، وفي آخر متخرج، وفي ثالث ساخط ~~يبحث عن عمل، ومرة أراه صغيرا لم تنبت له لحية، وأفاجأ به في المرة ~~التالية وقد فرعني طولا! جاء مرة لزيارتنا بملابس الجيش، وفوجئنا به ~~حقا، وأذكر أننا يومها سلخناه عبثا وتريقة، نقول له: يا دفعة، ونضحك ~~على شعره القصير، الذي قصه كما تقضي التعليمات، ونسأله: لم ربى شاربه ~~هكذا؟ فيقول: ح اعمل إيه؟ ما دام مفيش تعليمات تحدد طول الشنب، أربيه ~~كده إياك يعوض عن شعري! # ويمضي يحدثنا بطريقته المتلعثمة، ويسخر من نفسه ومن زملائه، ومن ~~«اليمك» والطوابير المبكرة والبروجي والنظافة، والشاويش الذي يدربهم، ~~ولسانه الذي لا يكاد يرى متعلما من أمثال أحمد حتى ينهال عليه، ~~والتكدير والتزويغ، وتصاريح الأربع والعشرين ساعة، وكيف «يبلف» الضابط ~~حتى يأخذها، ويضحك، بجسده الضخم كله ومن قلبه، ثم يكف عن سخريته وضحكه ~~فجأة، ويتنحنح ليشعرنا أنه ينوي قول شيء جاد، يتنحنح ويقول: إنما صحتي ~~كويسة! # وأذكر أنه في زيارة أخرى، قال لي: إنه أخذ النمرة النهائية في ~~التنشين، ms25 وسألته وأنا أسخر من العبقرية التي هبطت عليه فجأة عن السر في ~~نبوغه، فمضى يشرح لي نظريته؛ فقد وجد أنهم يعلمون النيشان في الجيش على ~~علامات ثابتة، ثم يمتحنونهم على علامات متحركة؛ ولهذا فمن أول لحظة كان ~~ينشن على العلامة الثابتة كأنها ستتحرك فجأة، وبهذه الطريقة كان يضرب ~~بسرعة ويصيب، وبلغ به الحماس مداه، وبلغت بي السخرية مداها، وهو يؤكد ~~لي أن الطريقة التي يعلمون بها الجيش غير مجدية، وأن أهم شيء في الدنيا ~~هو أن يتعود الإنسان أن ينشن على هدف متحرك. # هذا كله أمر معقول. # أما غير المعقول فهو ما حدث؛ فلماذا يكلمني أحمد في التليفون؟ # صحيح أني فوجئت به، ولكني أقول الحق فرحت، وأحسست أني افتقدته ~~طويلا؛ فهناك أناس يفتقدهم المرء .. يفتقد القيم .. الشرف في ذهن الواحد ~~منا مرتبط بإنسان، والإخلاص بإنسان آخر، والحنان والمحبة بثالث، وأحمد ~~عمر هذا كان يرتبط في ذهني - ولست أدري لماذا - بشيء يمس من قريب أو ~~بعيد روح شعبنا .. الشعب الضخم الخجول، الذي لا يسعده شيء مثلما يسعده ~~أن يسخر من نفسه وأخطائه. # ولم أسأله لماذا هو في مصر الجديدة؛ فقد خمنت أن كتيبته، لا بد ~~معسكرة هناك، تحمي شمال القاهرة؛ إذ كان الجيش يستعد للدفاع عن ~~العاصمة. أما الشيء الذي حيرني فعلا، فقد كان لهجته اللهجة المتدفقة ~~المملوءة بالانفعال، وصوته المحشو بضحكات موفورة الصحة، لا كحة فيها ~~ولا بلغم. # وعجبت. # وسألته كيف يكلمني، وهل عندهم في المعسكر تليفون؟ # وأجابني: إحنا معسكرين قريب من هنا، وجنبي بقال. ياه! داحنا شفنا ~~العجب؛ دي حرب بجد والله العظيم! والطيارات والمدافع؛ تك تم، تك تم .. ~~تصور حضرتك ما غيرتش الشراب بقالي ست أيام لما بقى شربات! # سامع الطيارات؟ # وكنت حقيقة أسمع ضجة خافتة بعيدة، وكنت أعرف أن طائرات العدو، تركز ~~ضرباتها على تلك المنطقة «مصر الجديدة» ليل نهار! # وانتابني شيء يشبه الخزي، وأنا أدرك أن أحمد في الميدان، وأنا في ~~المكتب، وسلك طويل يفصل بين القتال الرهيب الدائر هناك، والمصلحة التي ~~أنا فيها وروتينها ودرجاتها ms26 وعلاواتها. # واندفعت أبثه كل حماسي وسخطي، وأشجعه. # وقلت له وأنا أدرك أنه لا يريد مني خدمة: كلنا معاك، عايز حاجة؟ أي ~~خدمة؟ قول. محمد بيسلم عليك. # ولدهشتي أجابني: مش عايز حاجة أبدا، سلم لي عليه كثير، على فكرة أنا ~~معايا مدفع أهه، أضرب لك طلقة؟ # ولعلمي أنه خجول ومن الصعب عليه أن يطلب مني شيئا إن كان يريد، عدت ~~ألح وأسأله عما يريد، وإذا به ينفي بشدة أنه في حاجة إلى شيء، وسألته ~~إن كان يريد من عائلته ملابس فقال: سلم لي عليهم. ~~- بس؟ ~~- بس. ~~- مش عايز فلوس، هدوم، أي حاجة؟ ~~- أبدا أبدا. # وازداد عجبي، ومضى وهو يقول: اسكت! مش امبارح الله يخرب بيوتهم ضربوا ~~المعسكر بتاعنا؟! # وكان يقولها ببساطة دفعتني لأن أسأله بنفس البساطة: وعملت إيه؟ ~~مت؟ # وضج التليفون بضحكته وقال: أبدا، خمناهم؛ قبل ما يضربوا المعسكر ~~سيبناه، وعلى فكرة حصلت حاجة هايلة دلوقت. # وإذا كان لبعض الناس كلمات مختارة، ف «هايلة» كانت كلمة أحمد عمر ~~المفضلة، كل شيء يحكي عنه لا بد أنه هايل! وعدت ألح وأستدرجه، وأنا ~~متأكد أنه لا بد قد طلبني لأنه يريد شيئا، ولكنه قهقه وقال: أبدا، ~~عاوز حضرتك كويس. كويسة دي؟ بس على فكرة حصلت حاجة هايلة خالص. ~~- إيه؟ حصل إيه؟ # فقال: مش وقعت طيارة؟ # فقلت: إيه؟ طيارة ورق؟ # فقال: لأ، بجد، طيارة فرنساوي، كانت فايتة قدامنا، قلت للقائد: أضرب ~~يا فندم؟ رحت ضارب؛ قام جناحها انكسر ومالت ووطت، فالقائد زعق وقال لي: ~~خلص عليها يا أحمد، خلص عليها! خلصت عليها وتصور .. تصور وقعت. # واستمر يضحك ويقول: سلم لي على محمد، لما ييجي قول له: إن أحمد وقع ~~طيارة .. أنا عارف إن هو مش ح يصدق زي عوايده، إنما والله العظيم وقعتها ~~أهه .. محروقة في الرملة هناك، أضرب لك طلقة؟ # وأخذت أضحك أنا الآخر؛ فأيامها كانت مودة أن يقول كل واحد إنه أسقط ~~طائرة، فما بالك وأحمد يخبرني بنفس اللهجة، التي كان يعلق بها أحيانا ~~على أشكال بنات الجيران، يخبرني أنه أسقط طائرة! ms27 # وحتى وأنا أرى صورته في الجرائد في اليوم التالي أكذب نظري، وأعود ~~أتمعن في صورته، وأسمع صبحي جاد وهو يحدق في الصفحة ويقول: أما ولد! ~~دا شارب من لبن أمه صحيح! ده باين عليه زي الوحش يهد الدنيا، شوف بيبص ~~ازاي؟ الواحد سنه 53 سنة وما يعرفش يوقع ناموسة! وده يوقع طيارة ~~بحالها! ويوقعها لوحده! # حتى وأنا أسمع هذا كله وأراه، كنت أتأمل أحمد الذي في خيالي، ولا ~~أكاد أصدق. # لحظة أن كنت أكلمه، كان كل همي أن أعرف الخدمة التي يريدها لأستطيع ~~القيام بها، وأحس أني بهذا أساهم بنصيب ما في المعركة، فقلت: أمال ... # وترددت، فقد خجلت، ولكني استطردت: أمال بتكلمني ليه؟ # وما كادت الجملة تغادر فمي، حتى أدركت أني قلت شيئا سخيفا. # وأسرعت أتكلم وأمسح أثرها من الحديث، كما يمسح الإنسان كلمة كتبها ~~خطأ، أسرعت أقول: قول يا أحمد عايز إيه؟ صحيح عايز إيه؟ أنا أخوك مفيش ~~داعي للكسوف، قول لي عايز إيه؟ # وسمعت صمتا في التليفون، وأدركت مدى الخجل الذي كان يعتريه، وطرقت ~~أذني كلمة: أصل .. وأعقبها صمت قصير، أدركت أن أحمد لا بد يعض شفته ~~السفلى خجلا؛ فتلك كانت عادته، وخمنت أنه سينطلق بعدها كالمدفع ~~ويتكلم؛ فكلما كان خجله يجعله يتعثر في أول الحديث، فكذلك كان يجعله ~~ينطلق بسرعة في آخره، قال: إنت عارف؟ إدوني ساعة أجازة بعد الحكاية دي، ~~وأنا معرفشي نمرة إلا نمرة حضرتك، قلت أكلم حضرتك، دي حاجة هايلة أوي، ~~مش كده؟ تصور طيارة تقع، أنا أوقعها، أنا أوقعها؟ أنا مش مصدق، بيتهيأ ~~لي إنها وقعت من نفسها، ولا يمكن حد تاني وقعها! سلم لي على محمد ~~كتير. # ثم تلجلج كمن لا يعرف كيف ينهي الحديث، وسمعت نحنحة خفيفة، فعرفت ~~حينئذ أنه ينوي أن يدخل في الجد .. وجاءني صوته: إنما صحتي كويسة، أنا ~~متشكر قوي قوي قوي. # وكانت آخر مراحل خجله أن يضحك، وكأنه لا يطمئن إلى الغلافين ~~السابقين، فيلف كلامه بغلاف ضاحك ثالث. # وحين وضعت السماعة كنت لا أزال غير مصدق، أن ms28 أحمد طلبني فقط من أجل ~~أن يخبرني بهذا «الشيء الهايل». وكانت السماعة لا تزال تضحك .. ضحكة ~~دسمة موفورة الصحة. # 3 نوفمبر 1956 # | الجرح # فاجأنا الريس حين طلب منا أن ننتظر. قالها بلهجته البحراوية وكان ~~كلامه من لحظة أن عرفناه قليلا، وكان من نوع لا يرحب بالجدل ومع أن كل ~~شيء كان على أتم استعداد إلا أننا سكتنا كلنا ونحن متأكدون أن لا بد ~~هناك ضرورة لهذا الانتظار غير أن حلمي لم يسكت. عوج وجهه. وأسبل جفنيه ~~وقال للريس: إحنا مستعجلين ولزومه إيه الانتظار؟ # يبدو أن كلامه تبدد. ولم يصل إلى آذان الرجل. فقد كان مشغولا بشيء ~~ما يعدل من وضعه في (القلع)، وأحرج حلمي حين لم يتلق ردا على سؤاله ~~فعاد يقول: مستنيين إيه يا ريس؟ # ونطق الرجل كلمة، ولم نتبينها. فقد كان يمسك مسلة بشفتيه بينما يداه ~~مشغولتان، والتفتنا جميعا نحوه، فرفع المسلة وقال: واحدة ست. ولا بد ~~أن دهشة كبيرة انتابتنا، فقد تململنا. ونطق أكثر من واحد مرددين: إيه؟ ~~ست؟ واحتج حلمي مخفيا غبطته قائلا: ست إيه، وده وقته؟ إنت مش فاهم ~~ولا إيه يا ريس؟ # وأجاب الريس والمسلة بين أسنانه هذه المرة. تقلب الزاي جيما. وتعطب ~~الكلمات: لاجم ناكدها معانا. # وانهالت الأسئلة والاحتجاجات. وانتظر حتى فرغنا وقال: أنا حالف بالطلاق لازم آخدها. # وارتفعت أصوات احتجاجنا أكثر. فأكمل: دي ساقت علي الدنيا. وباتت مع مراتي عشان تضمن تيجي لغاية ما ~~حلفت لها يمين الطلاق. # وأتبع كلامه بابتسامة يرضينا بها. كانت له سنة من بلاتين براق، ~~وكان وجهه نحاسيا أسمر. ورموشه صفراء طويلة. واللاسة التي تعمم بها ~~من حرير. وفانلته زرقاء من الصوف تنتهي بياقة مسدودة تحيط برقبته. ~~وأكمام طويلة. وله سروال. ~~- هه .. أنام أنا بقى. # قال حلمي هذا وتمدد. وأحدث تمدده انكماشات في الأرجل وثنيات هنا ~~وهناك، وأصوات احتجاجات كان مبعثها أننا نعرف أنه لا يريد النوم بقدر ~~ما يريد أن يرينا سخطه على الوقت الضائع. # وركز الريس عليه انتباهه لحظة. ثم ابتسم وقال: اسم الكريم إيه؟ # فقال ms29 حلمي وهو يزفر: زفت. # وعاد الريس يسأله: ودستورك منين؟ # واعتدل حلمي وقال: منين إيه يعني؟ اشمعنى يا ريس؟ # فقال الريس وهو يجذب حبلا: بسأل. # وقال أحدنا: مصيبة تقيلة. # وأجاب آخر: ح تعطلنا .. ويمكن تودينا في داهية. # ولعب ثالث بيده في الماء ونثر قطرات على الباقين وقال: ودي عايزة ~~تروح ليه؟ # ونظر صاحب الصوت إلى الريس وأعاد نفس السؤال. # ولم يرد الريس. وكنا كلنا نتوقع هذا. كان لا يجيب إلا على ما يحلو له ~~الإجابة عليه. وأحيانا يكتفي بالتحديق في سائله وهز رأسه. # كان ثمة هدوء على الشاطئ. هدوء متكاتف ثقيل. والهدوء حين يتكاتف ~~ويستتب يصبح شيئا مروعا، وكانت الدنيا «ليل»، والبلد ساكنة هامدة ~~بجوارنا. بيوتها أشد سوادا من الظلام. بيوت قديمة متراصة، حيطانها لا ~~تحتمل البرد، وطوابقها متآكلة متساندة كجماعة من خفر الليل ~~العواجيز. # وتجاهنا شارع واسع جدا لا يسمح ضيق البلدة باتساعه، وتلمع فيه برك ~~ماء، وتتجمع على حوافه أكوام من قشر الأرز الذي تنفثه ماسورة طويلة ~~تمتد عبر الشارع وتنتهي من مضرب الأرز، أعلى بناء في البلدة، والبناء ~~الوحيد الصاحي؛ إذا كان يعمل رغم إطفاء الأنوار والأوامر. وتتصاعد دقات ~~وابوره لب دب. لب دب .. لب دب. موحشة كئيبة في البلدة المظلمة، كأنها ~~القلب لا يزال يدق في جثة ماتت وشبعت موتا. # وكان قاربنا واقفا على حافة البحيرة وظهر البلد إليه. وكنا إذا ~~التفتنا إلى البحيرة ضاعت أبصارنا بين البحيرة الراكدة المظلمة في ~~السماء، والسماء التي استقرت بنجومها في قاع البحيرة، وكان قلع المركب ~~مطويا، نرى بدايته القريبة منا، ولا نرى نهايته المذابة في الظلام. ~~وكنا أربعة، والقارب صغير، وحلمي مضطجع، والريس جالس القرفصاء مستندا ~~إلى الصاري، والريح نائمة، ودق الوابور يصل إلينا بانتظام يضايقنا ~~انتظامه، وأنفاسنا تتقارب وتتباعد، والأحداث كثيرة، وغريبة، ومتتابعة، ~~وكلها تحدث في يوم واحد، ونتنفس بعمق فتمتلئ أنوفنا برائحة الزفارة. كل ~~ما في البلدة يضج بها. الأرض والبيوت ورغبات الناس والقوارب .. فالبلدة ~~أهلها صيادون، والسمك صناعتهم، وفي كل مكان تجد آثاره، والقارب يهتز ~~اهتزازات خفيفة، ms30 يجذبه موج صغير إلى الداخل، ثم يدفعه الموج الكبير ~~ليصفع به الشاطئ، والريس كوعه فوق ركبته، ويد من يديه ممدودة إلى ~~آخرها، واليد الأخرى فوق الدفة ورموشه الطويلة مسبلة، وفمه نصف مفتوح، ~~ويكاد شخيره يتصاعد. # واهتز القارب، وتحرك واحد، وخرجت في الظلام علبة سجائر، وتناولناها ~~كلنا، وأخذ الريس سيجارة .. وضعها بين أصبعي يده الممدودة ورفض أن ~~يشعلها. # ومضى الدخان يتصاعد من أنوفنا وأفواهنا في صمت، والبقعة التي نحن ~~فيها أصبحت صفحة سوداء. فيها لطع بيضاء، تحدد هيكل القارب، وولعة أربعة ~~سجائر تتوهج، وفوانيس النجوم الصغيرة تتأرجح، وناب الريس البلاتيني ~~يبرق. # وقال حلمي فجأة: دا مش كلام، ما نرجع أحسن. # قال هذا وهو ينتفض بشدة ويقوم. ومال القارب حتى كاد ينقلب، وارتطمت ~~جبهته ارتطاما عنيفا بالصاري حتى إنه صرخ، وما كاد القارب يعتدل حتى ~~كانت يده تتحسس جبهته، وحتى كان يقول: أنا اجرحت يا جماعة، والله ~~اجرحت، ياه، ده فيه دم، إدوني منديل. # وحدثت ضجة، وتناثرت الشتائم من فم حلمي، وكثرت التعليقات، ثم خمد ~~الكلام، وانقطع، ودلفنا إلى سكون لا يعكره إلا صرير الصراصير المتصل ~~الدائم. # ورفع الريس رأسه، وحدق إلى بعيد، وتمايل القارب حين اندفعنا كلنا ~~لنحدق. # كانت ثلاث كتل سوداء تتحرك مسرعة في اتجاهنا. كتلة قصيرة صغيرة في ~~المقدمة، والكتلتان اللتان وراءها تحاولان اللحاق بها، وتخوضان برك ~~الماء دون جدوى. # ولم يكن القارب قد تحرك، أو حتى كان في نيتنا أن نتحرك، ومع ذلك كانت ~~من في المقدمة لا تكف عن الصياح: إوع تمشي .. إوع تمشي يا خويا .. أهه .. أنا جيت. # وفي غمضة عين كانت قد وصلت وألقت بنفسها إلى القارب، ولولا أننا قمنا ~~جميعا وتلقفناها بأيدينا لكانت قد هوت إلى الماء، ومددنا إليها أيادي ~~كثيرة تساعدها، وأمسكت بأيدينا في قوة وتحفز، وعصبية، وكانت أصابعها ~~حادة صلبة ذات تجاعيد، والقبضة قبضة أم. # وأفسحنا لها مكانا، ولكنها لم تجلس .. ظلت تتلفت في قلق ولهفة، ولا ~~تستكين، وتود أن تقول أي شيء وتسأل عن كل شيء، وحين وصلت الكتلتان قالت ~~بسرعة ms31 وحسم: روحوا انتم بقى. # قالتها كمن يود رفع الهلب الذي يربطه بالشاطئ لينطلق. وتكلمت ~~المرأتان .. في وقت واحد .. وكلام كثير. واحدة طويلة وعجوز. وكلامها ~~أيضا طويل وعجوز .. والثانية فتاة، لا بد أنها جميلة فصوتها كانت فيه ~~رنة من اعتادت الثقة في نفسها وجمالها .. وكانتا لا بد «أخت وبنت أخت» ~~وكان رد الخالة واحدا حاسما لا يتغير: روحوا انتم بقى. # ولم ندر لإصغائنا للحوار سببا. وعقولنا بدت لنا كالصفحة البيضاء ~~التي لم يخط فيها حرف .. وما نسمعه كأنه أول كلام عربي نسمعه. # وأفاق واحد وغمز لجاره: مصيبة وجت لنا على الآخر. # وقال له جاره: ح تخاف دلوقت وتبهدل الدنيا. # وقالت الخالة مرة: روحوا انتم بقى. # وخرجت الجملة دون أن يسبقها أو يعقبها رد من الشاطئ. # كنا قد ~~ابتعدنا. # وبدت البحيرة لا نهاية لاتساعها، وأصبحنا بالقارب والريس والصاري ~~نقطة تافهة في الوجود غير المحدود. وتلك هي البحيرة فقط، فما بالك ونحن ~~من لحظة أن غادرنا القاهرة وطريق طويل يسلمنا إلى طريق أطول. والأرض ~~الخضراء على الجانبين، أرض واسعة لا حد لاتساعها، أوسع من أي شيء ~~رأيناه، أوسع من السماء، السماء تضيق بسطح الأرض فتنحني السماء وتصنع ~~خط الأفق، والأرض لا ينهيها خط ولا أفق. فبعد كل أفق تجد آفاقا ~~أوسع. # والقرى كثيرة لا حصر لها، بين كل قرية وقرية قرية. وفي كل قرية مئات ~~البيوت، وكل بيت يعج بعشرات الناس، وكل هؤلاء مصريون، كلهم مصريون، لا ~~يمكن أن يموتوا كلهم أبدا. ونترك إقليما وندخل إقليما والأرض لا ~~تنتهي والناس لا ينتهون. أناس متشابهون، وجوه لها لون أرضنا السمراء، ~~وذقون وشوارب كشوش الأذرة، ونفس السحنات، وكأنهم رجل واحد مصنوع من ~~ملايين الرجال. ويقولون إن سيدنا نوحا كان طوله ألف ذراع، ترى كم طول ~~هذا العملاق الذي لم نعثر له على بداية، وظلت السيارات والقطارات تقطع ~~بنا الأميال والأميال ولا نعثر على نهاية. حتى حين وصلنا المطرية، ~~وانتهت الأرض وبدأت البحيرة، لم ينته العملاق، بل تحول إلى يد ضخمة. يد ~~ذات عشرات الآلاف من ms32 الأصابع، يطلقها في ماء البحيرة فتمتلك البحيرة، ~~وتعتصر من مياهها خير ما فيها، وكما يحدث لليد إذا امتدت إلى الماء ~~وطال امتدادها، فالناس تصفر شعورهم، وتبهت بشراتهم، ويصبح لعيونهم ~~زرقة الماء. ويتغير شكل الجسد ولا ينتهي العملاق. # كنا قد ابتعدنا. # وكل شيء أصبح مستقرا ما عدا الريس. كان دائب الحركة، لا يهدأ. ~~المذراة في يده يغرسها في قاع البحيرة ثم يدفعها بصدره، وأرجله تمرق من ~~وراء ظهورنا، وتدور حول القارب، وأصابع أقدامه تتشبث بالحافة في حنكة ~~ودراية وكأنها قد تحولت إلى مخالب صقر وحركته تبهرنا، وكأنه يقوم ~~بمعجزة، يميل ليدفع القارب أكثر حتى لنعتبره ساقطا في الماء، وإذا به ~~يرتد، والمذراة قد انتزعها وكأن ألف حبل خفي تصل بينه وبين الصاري، ~~وتحميه من السقوط. # ولم تكن الراكبة الجديدة إنسانة، كانت كتلة قلق حية جعلتنا نحس أن ~~روحا جديدة حلت بيننا وفينا. عيناها تنظران إلينا ولا تتفحصاننا، ~~وأيديها على ركبها، وأيديها على يد الحافة، وأيديها تضرع لإله غير ~~منظور، ورأسها يدور، ولا يستقر، وينثني فجأة إلى الشاطئ ثم يرتد ويعود ~~يدور. وما كاد الريس يفرد القلع حتى التفتت إليه وقالت: مش على طول يا خويا. # وقال الرجل بلكنته البحراوية والمذراة لا تزال تحت إبطه: إيواه .. ربنا يسهل. # وردت الخالة: إن شاء الله .. إن شاء الله إلهي يخليك. # والتفتت إلى الجالس بجوارها وسألته: وانتوا كمان؟ # فأجاب حلمي ويده تتسلل دون وعي وتتحسس مكان الجرح في جبهته: واحنا كمان .. # وعادت تسأل الريس: ونوصل إمتى ..؟ # فقال حلمي: حد عارف. # وأعادت السؤال وابتهلت، فقال الريس: يا أمي ربنا يعدلها. # واستمرت: يعني بعد ساعة؟ .. إلهي يخليك لشبابك .. بعد ساعة؟ # ولما لم يجب الريس، التفتت إلى حلمي وسألته: بعد ساعة يا بني .. إلهي يخليك .. بعد ساعة والا أكتر؟ # وهنا زعق الريس وقال: دا شيء بتاع ربنا يا ستي. واللي منه لا بد عنه. هو مافيش ~~صبر؟ # والصبر هي الكلمة التي كان يبحث عنها كل منا ليسمي الرائحة التي ~~أشاعتها الخالة من لحظة أن جاءت. كانت ترتدي كمعظم ms33 الخالات ثوبا أسود ~~وطرحة سوداء. ولا يظهر من جسدها غير وجهها فقط، وثيابها كانت تبدو ~~وكأنها لم تخلعها منذ أيام كما لو كانت أردية ميدان. وأشاع قدومها تلك ~~الرائحة .. رائحة العواجيز التي لا يعرف أحد إن كان سببها هو رائحة ~~الصناديق التي تحفظ فيها الثياب، أو هي رائحة نسيج الملابس نفسه. المهم ~~أنها تذكرك لا بد بجدتك، وبالماضي، ومع أنها ليست عطرة، إلا أنك لا بد ~~تحس بالألفة تجاهها، ولا تتأفف. # ولم تكف الخالة عن الكلام منذ أن جاءت، ولم نكن نتكلم والريس هو ~~الآخر ساكت. كانت قد مضت ساعات ونحن نترقب، كل ما يهمنا هو اللحظة ~~التالية وما يحدث فيها. والكلام لا يدور في جو الترقب. ولا يدور ساعة ~~الضيق. وكل شيء قد حدث على حين بغتة، كنا في بيوتنا وأعمالنا وقال كل ~~منا للآخر: تروح؟ وقال كل منا للآخر: ياللا. وإذا بنا في الطريق وكأن ~~لا ينقصنا سوى الاحتكاك لنشتعل. وأصبح أهم شيء لدينا أن نرى ونسمع ~~ونجهز أنفسنا للمشهد القادم والكلمة التالية .. ووصلنا المطرية في ~~الضحى، وانتظرنا إلى أن يحل المساء لنعبر البحيرة إلى هناك، وقضينا ~~اليوم بطوله نعيش في بلدة الإنسان والسمك .. والحياة تمضي من حولنا، كما ~~اعتادت أن تمضي طوال آلاف من الأعوام .. الرجال ذوو الشعر الأصفر ~~والبشرة الفاتحة والأفواه المفتوحة على الدوام كأفواه البلطي، يتزوجون ~~البنات والبنات شقراوات، أجسادهن لها تناسق (المز) ورشاقة الطوبار، ~~وطعمهن أشهى من السمك الطازج إذا شوي في الفرن وأضيف إليه الفلفل ~~والملح والتوم وعصير الليمون، ولهذا فكل يوم زواج. والأطفال كل يوم ~~يولدون. والأسماك هي الأخرى تتوالد، وتتكفل البحيرة بصغار الأطفال ~~وصغار السمك. صغار الأطفال طول النهار في الماء يألفون الماء المالح ~~ويألف الماء المالح أجسادهم، ولا أحد ينهرهم، ولا يخاف عليهم أب؛ ~~فالبحيرة للصيادين غول مستأنس. # ويكبر الطفل فيكبر حب استطلاعه ويترك الشاطئ ويتعلم العوم، وصغار ~~السمك أيضا تتعلم العوم. ويصبح طول الطفل مترا وطول السمك قراريط .. ~~ويذوق الطفل طعم السمك، ويذوق السمك طعم الطعم، فلا ينسى الطفل ms34 حلاوة ~~السمك، ولا ينسى السمك حلاوة الطعم. ويمسك الطفل بصنارة ويخرج سمكة، ~~وتهزه الفرحة فقد هزم العالم المجهول الكائن وراء السطح البراق. ويهزمه ~~مرة ذلك العالم المجهول. ويعود خاوي الوفاض. ويفهم الطفل أن الصنارة ~~نصفها في يده يخضع لإرادته، ونصفها الآخر يعتمد على رغبات مجهولة في ~~العالم المجهول. # ويسمع أباه يقول: الحظ. ويردد الكلمة لا يعرفها. ثم يرددها وهو ~~يعرفها ويؤمن بها. يؤمن بقانون آخر يحكم العالم المجهول. قانون لا يخضع ~~لقانون .. ولا يستسلم الإنسان حتى لو كان خصمه قانونا لا يخضع لقانون. ~~ويبدأ الصراع الرهيب بين الصياد الصغير والبحر المجهول. ولا بد من ~~أشياء تؤنس وحشة الإنسان في ذلك الصراع. لا بد من علامات تشاؤم وتفاؤل، ~~لا بد من موال؛ لا بد من حدوتة؛ لا بد من أمل طويل لا ينقطع؛ لا بد من ~~الصبر. # الصبر. # رائحة الصبر كنا نستنشقها ونتمثلها، والقارب قد اندفع وابتعد عن ~~الشاطئ وأصبحنا في قلب البحيرة، وشعاعات خفيفة متباعدة تنتشر في الأفق ~~وتبشر بطلوع القمر، وهدهدة، أصوات هدهدة هي كل ما يسمع والقارب يرفعه ~~الموج الصغير ثم يرقده بحنان على سطح الماء، والموجات تهتز والنجوم ~~تهتز، والريس عند المؤخرة يهتز، ويد على الدفة ويد ممسكة بحبل القلع ~~توجهه ليعترض الريح، والريح شفافة خفيفة، والدنيا برد، والبرد يكاد يتحول ~~إلى إبر، إبر طويلة ثاقبة، تخرق أجسادنا حتى تصل إلى النخاع، والخالة ~~جالسة لا منكمشة على نفسها ولا منطوية، وكأنها نعسانة أو ميتة. # وقال لها حلمي: بردانة يا خالة؟ # فأجابت: آ .. باقي كتير. ييجي ساعة يا خويا. # ونطق الريس: انوي المشيئة يا شيخة .. قولي إن شاء الله. # فقالت الخالة على الفور: إن شاء الله يا خويا إن شاء الله بإذن الله ~~بعد ساعة؟ # وكادت موجة الحديث تنتشر لولا أن الريس أسكتنا. فالهدوء مخيم، ~~والكلام ينقله سطح الماء المستوي إلى مسافات بعيدة والبحر له ~~آذان. # ورحنا نهمس. قالت الخالة: إنتم كمان رايحين؟ # فقال حلمي: إيوه. # وسألتنا كلنا: ورايحين ليه؟ إنتم من هناك؟ ~~- لا. ~~- ليكو قرايب أمال؟ ~~- أبدا. ms35 # وقال الريس وهو يبتسم: ما قلت لك دول فداوية يا ست. # وتململنا، وهممنا أن ننطق. ولكن الخالة تمعنت فينا وسألتنا: إنتو صحيح فدائية يا بني؟ # فقلنا: أمال ح نكون إيه يا خالة. # وتركت الحديث ووضعت يدها برفق على كتف حلمي وقالت: ما تحطش إيدك ع الجرح يا ضنايا لحسن وحش. # وأنزل حلمي يده بعد تردد واختطف سيجارة من واحد منا وسألها: وانتي رايحة ليه يا ست؟ # ولم تجب. ولمحنا دموعا تهطل على الفور من عينيها دون بكاء ~~واستغربنا، وأعاد حلمي السؤال فقالت: رايحة أشوف ابني. # ولم تنطق «ابني» حروفا كانت دموعها أكثر من الحروف وهي تنطقها. ~~- ابنك ما له؟ # وأجابت: ابني يا خويا هناك. ~~- بيعمل إيه؟ ~~- مجروح .. مجروح يا ضنايا وما شفتوش بقالي شهر. # واندفعت تبكي. وشل بكاؤها ألسنتنا. ولكن حلمي ألح: مجروح ازاي؟ # ومضت تتكلم وتبكي وتبكي وتتكلم: جتله رصاصتين في رجليه .. إلهي ينتقم منهم البعدا. ~~- ليه؟ ~~- كان بيحارب في الهوجة ساعة ما نزلوا. ~~- كان بيحارب؟! # قلناها كلنا مبهورين. وكأننا نردد أمنية غالية، وكأننا نطلق دعوة. ~~ولم تكن أمنيتنا وحدنا. كل من قابلناه كان يرددها. وقليلون هم من أتيحت ~~لهم الفرصة. فالمعركة كانت حادة وباترة، نشبت فجأة، وانتهت فجأة، ولم ~~تستمر سوى أسبوع، وكأنها طعنة خنجر، حتى أصبح في نظرنا البطل هو من كان ~~هناك والمقدس هو من اشترك فيها، أصبح كل من اشترك فيها يحف به في ~~نفوسنا نوع من التقديس وكأنه أسطورة، وكأنه كائن غير موجود، فإذا ~~بالخالة ابنها قد حارب وجرح. وقلنا لها: وزعلانة ليه؟ ابنك بطل. ~~- عايزة أشوفه. ~~- دي إصابته بسيطة وما لك نازلة بكا عليه يا ستي؟ ~~- بقا لي زمان ما شفتوش .. مشتاقاله وجيت مرة المطرية قبل كده. وركبت ~~القارب ووصلنا هناك .. والإنجليز حاشونا ثلاثة أيام وكان الرصاص زي ~~الناموس فوق رءوسنا. وبعدين رجعونا .. ودي تاني مرة .. ح نوصل امتى يا ~~أخويا .. إلهي يخليك. عايزة أشوفه. مش قربنا؟ # وتناهى السؤال إلى وعينا غريبا مدويا. وانطلقت عيوننا تستكشف ~~البحيرة. وفقدنا الأبصار في المسطح اللانهائي من ms36 الماء. وغابات الحشائش ~~المتناثرة، والسماء ذات الضوء الشاحب ، والقمر المكسور الذي بدأ يزحف ~~صوب الأفق. ولا شيء سوى هذا. لا شيء سوى الماء الكثير الآسن. الماء ~~الأسير الباقي بعد الصراع، صراع النيل والبحر الكبير، والنيل الهائل ~~الذي أنشب أظافره في البحر وأسر الكثير من مائه وحاصره. وصنع البحيرة، ~~لا شيء سوى سكون غامض مثير مليء بأسرار وألغاز، سكون الأسى ومعسكرات ~~الاعتقال، وسكون مرعب مخيف، سكون البحيرة التي عبدها القدماء. # ولم نكن بعد قد عرفنا الكثير عن ابن الخالة. كنا نود أن نعرف كل شيء ~~عنه من لون شعره إلى طريقته في المشي. # قالت: أبدا يا بني .. لما الضرب حصل قال لي لازم تسافري. # قلت ما أسافرش، قال لازم. قلت له يا بني أنا ماليش إلا أنت، وربنا هو ~~حيلتي من دنيتي. أسيبك ازاي. قال لازم وركبني المركب. ورحت مصر. يقطعني ~~أنا اللي ما استنيت وياه. يقطعني اللي سبته. ~~- وحارب؟! ~~- وحارب وجاتله رصاصتين في رجله. ~~- وعرفتو ازاي؟ ~~- هو في المشتشفى وبعت لنا جواب في الصليب الأحمر يا خويا وقال ~~الخدمة زي الزفت ومفيش أكل ولا شرب يا بني يا حبيبي .. مين يجيب له يشرب ~~إذا عطش؟ مين يسقيه؟ مين يسأل عنه؟ # واعتدلنا جميعا. # كان الأمر يتأرجح في نفوسنا بين الشك واليقين، كن نعتقد أنها لا بد ~~أم قد لسعها الشوق إلى ابنها المحجوز هناك وصممت على رؤيته. وقصص ~~البطولة مودة «موضة»، كل قاطن هناك لا بد اشترك، وكل قاطن بطل، وكل ~~واحد قتل من الأعداء مئات. وتبادر إلينا أن الخالة هي الأخرى تود تضخيم ~~الأمر واختلاق المستحيل لتصل. ولكنا اعتدلنا. فغير الأم لا يستطيع أن ~~يمثل أبدا دور الأم. وأم غير المجروح لا تستطيع أن تمثل أبدا دور أم ~~ابنها مجروح، وكانت في جلستها التي لم تغيرها، والتي يخيل للإنسان إذا ~~رآها أنها واقفة، وواقفة على أطراف أصابعها وليست جالسة، وعيونها وهي ~~تنظر إلى بعيد ولا تطرف ولا تمل الرؤية والنظر وكأنها تتشوف إلى حبيب، ~~وكلماتها، والطريقة التي تنطق بها كلماتها، ms37 ودموعها التي تغرق الكلمات ~~وتغص الحلق. كانت بلا ذرة شك مجروحة وأم مجروح. اعتدلنا ونحن نحس بقشعريرة انهيار، وكأننا ونحن ننظر إليها نعبد الخالق أو نصلي للشرف. # وقال حلمي: خالة. ~~- نعم يا خويا. ~~- إنتي زعلانة إنه حارب؟ ~~- أنا يا بني زعلانة إنه مجروح ودلوقت لوحده. # وقهقه حلمي كمن يود أن يغير طعم الحديث، وسألها في سخرية غير ~~لاذعة: طيب .. افرضي يا خالة إنك كنت وياه ساعتها كنت ح تخليه ~~يحارب؟ # وانحدرت دموع كثيرة من عينيها، وقالت في لهجة روتينية: أيوه كنت أخليه. # وزام حلمي غير مصدق، فتابعت إجابتها بإخلاص هذه المرة: كنت أخليه أخليه .. إنما لازم كنت أحارب وياه .. رجلي على ~~رجله. # وقال حلمي مستخفا: تشيلي البندقية؟ ~~- أشيلها. # وتدخل واحد وقال: طب شيل إنت إيدك من ع الجرح يا حدق. # وتنبه حلمي إلى أن يده كانت قد عادت إلى مكانها فوق الجرح دون وعي ~~منه، فأنزلها، وتوقف برهة، ثم تابع استخفافه ليداري خجله: وتضربي نار يا خالة؟ ~~- أضرب .. ما اضربشي ليه. أهم بيقولوا إن الستات كانت بتضرب. # وتابع حلمي استخفافه: طيب افرضي إنه اتعور وانتي بتحاربي معاه، تعملي إيه؟ # وبكت ولم تجب، وأسكتنا حلمي. ولكنه فعل هذا للحظة ثم عاد ~~يسألها: يا ستي الحكاية بسيطة، وهو في المستشفى. زمانه طاب. وما لك ملهوفة ~~عليه قوي كده ليه، هو انتي لوحدك؟ ما كل واحد اتعور له أم زيك كده، ما ~~كنت تستني لما يخرجوا الإنجليز وتروحي في أمان بدال ما تعرضي نفسك ~~للموت كده. إنت لازم ترجعي وتستني. # فأجابته بلهجة هادئة ولكنها حاسمة: ما أقدرشي أستنى. ~~- ليه؟ ~~- عايزة أشوفه. زمانه لوحده. عايزة أشوفه بعد اللي حصل. دا كان في ~~الحرب يا بني. إلهي ما يحرق قلب أمك عليك. # وضحكنا لذكر أمه. ومع هذا لم يملك كل منا بينه وبين نفسه إلا أن ~~يتذكر أمه، ثم ينفيها على عجل من ذاكرته. # وحلت لحظة صمت. # الريح بدأت تنتعش. ونور السماء قد خفف كثيرا من ظلام البحيرة، ~~والقلع منفوخ، وفم الريس مفتوح، وعيونه لا ms38 تغفو، والجو مملوء بالصرير ~~المتصل الذي لا ينضب ولا ينقطع. # وسألها حلمي بصوت شاعري ممدود يقارب لهجتها: هو كبير يا خالة؟ # فقالت دون أن تنظر إليه. وعيناها هائمتان. معلقتان فوق نجمة بعيدة في ~~قاع البحيرة: أهو اسم النبي حارسه ييجي قدك كده. ~~- ومجوز؟ ~~- خطباله. # وارتفع صوت حلمي في هزار مفاجئ: وزعلانه قوي كده ليه؟ تلقاه كان طول النهار نازل فيكي ~~شتيمة. ~~- أبدا والنبي يا اخويا .. دا لسانه مفيش أنضف منه. ~~- وكان بيشتغل إيه يا خالة؟ ~~- عندنا دكانتنا يا خويا .. أمال هو قعد ليه .. قال لي ما اسبش الدكانة ~~للإنجليز ينهبوها أبدا. ~~- وكان بيحب مصر يا خالة؟ ~~- مصر مين يا خويا؟ ~~- مصر بلدنا. ~~- هو حد يا ضنايا يكره بلده .. إلهي يخليك. # وصنعت الدموع خطين رفيعين لامعين على وجنتيها واندفع حلمي يقول في ~~حماس مفاجئ: يا ستي ابنك راجل واتعور في معركة رجالة. اتعور وهو بيدافع عن ~~بلدنا وشرفنا، بكرة يكتبوا اسمه في الجرانين وينشروا صوره، فأجابت وهي ~~تهز رأسها: بس عايزة أشوفه. عايزة أشوف إيه اللي جرا له .. إلهي يخليك يا ريس. ~~لسه كتير؟ # ولم يجب الريس. # وهز حلمي رأسه في يأس، ثم تنبه فجأة، وقال بالإنجليزي كأنه عثر على ~~كنز كبير: أتعرفون لماذا هي مصرة على رؤية ابنها؟ # وقال له واحد بالعربي: ليه؟ # فقال: إنها تدرك بغريزتها أنه لا بد قد تغير بعد المعركة، تريد أن تتبين ~~ما حدث له من تغيير وكيف أمكن لابنها الذي ربته ورأته طفلا. كيف أمكنه ~~أن يحمل السلاح ويحارب. وتريد فوق هذا أن تطمئن إلى أنه لا يزال ابنها ~~حتى بعد أن حارب كالرجال وحمل السلاح. # وضرب واحد يد حلمي التي كانت قد تسللت مرة أخرى إلى جبهته وقال ~~بالإنجليزية أيضا: يا مغفل أهم شيء هو القوة الرهيبة التي تجذب الأم إلى ابنها، القوة ~~التي لا يقف أمامها حائل. # ولم يظفر التعليقان بتعليق. كل ما حدث أن الخالة ظلت تنظر إليهما ~~وهما يتكلمان، ثم التفتت إلينا وسألتنا: أمال انتم رايحين ليه يا اخويا؟ # فأجابها ms39 حلمي: مش قلنا لك يا ست فدائية. مش مصدقة ولا إيه؟ # وكدنا نضحك لولا أن سمعنا الريس يقول: اسمعوا. فسكتنا برهة .. وعاد ~~يقول: سامعين! # وأصخنا أسماعنا، ومن بعد سحيق تلقفنا صوت هدير غريب على السكون ~~المستتب. # وقال الريس: دا لنش. # فقال حلمي على الفور: لأ .. دي طيارة. ~~- بقول لك لنش. ~~- أقطع دراعي إن ما كانت طيارة. # وخيل إلينا أننا ظللنا ساعة ننتظر النتيجة. وكان الريس يتكلم: الإنجليز عملوا استعدادات جامدة. طيارة أم مروحة رايحة جاية على ~~البحيرة. تشوف القوارب وتعرف إذا كان فيه صيادين ولا لأ. وبعدين قبل ~~الشط بشوية لازم تقف وإلا تضرب بالنار وبعدين قارب ييجي يفتش. إنما دا ~~صوت لنش ما فيش كلام. # وظل الصوت يهدر من بعيد ويقترب حتى رأينا في الضوء الشاحب نقطة فاتحة ~~تتحرك وكانت تتحرك في نفس اتجاهنا. # وقال الريس بنبرة فيها انتصار قليل: مش قلت لكم. دا لنش. وجاي من ناحية المنزلة كمان. عارفنشي رايح ~~فين؟ # وابتسم حتى توهج نابه وأردف: على هناك برضك. # وسأله حلمي بسخرية: إيش عرفك؟ # فأجاب: إيش عرفني؟! أنا عارف قوي .. وما تزعلش تلاقي فيه ناس مثلكو ~~برضك. # وتغيرت لهجة حلمي واهتز طربا وقال: كده .. طيب تيجي ننادي عليهم يا جماعة؟ # وانهالت الأصوات تعترض. وقال الريس: خليهم يا محترم في حالهم واحنا في حالنا. خلي كل حي في سكته. ~~وكان اللنش أسرع منا، فسبقنا، وأوغل في التقدم حتى تبدد وقال الريس وهو ~~يضرب ركبته المثنية بيده: يا خويا إيه الحكاية. دا المركب بطلت صيد. أنا واحد م الناس ليلة ~~امبارح، وليلة أول، وكل ليلة عمال أحول في ناس زيكو كده، صفوف ورا صفوف ~~عمالة تروح على هناك. هو هناك إيه؟ مولد؟ # وقاطعته الخالة قائلة لحلمي: يا حبيبي شيل إيدك من على الجرح .. عمال تحسس عليه ليه، شيل إيدك يا ~~خويا. # وجمدت يد حلمي وكأنما ضبط متلبسا .. ثم أنزل يده وهو يداري ابتسامة ~~خجل ويتمتم: لأ .. دانا أصلي بس حاسس إني سخن. # وما لبث أن انثنى إلى جاره قائلا: ms40 والنبي تحط إيدك تشوفني سخن ولا لأ .. يا أخي شوف. # ولم يترك الجار إلا بعد أن أطاعه ووضع يده فوق جبهته. # وكنا قد دخلنا منطقة خالية من جزر الحشائش، والريح بدأت تقوى حتى إن ~~الريس ربط حبل القلع في مؤخرة القارب، وأمسك بالدفة فقط، ولكنه ظل مقطب ~~الملامح، عابس القسمات صامتا لا ينطق وكأن أمرا كبيرا يحيره، أو ~~حزنا مفاجئا داهمه. وكان جالسا وظهره إلينا، وظل على هذا الوضع لا ~~يغيره، وكنا قد تعبنا من التفكير والكلام وحتى من مجرد التحديق في ~~السماء والماء، فسكتنا، وماتت الحركة على ظهر القارب تماما حتى لم نعد ~~ندري أهو واقف أو يتحرك، وهل نحن نائمون أم مستيقظون. # وانثنى الريس ناحيتنا فجأة حتى تهدلت اللاسة التي كان يتعمم بها من ~~عنف الحركة، وقال: قولولي يا سيادنا. # وقبل أن نسأل ماذا يريد أو نتحرك قال بنبرات حاسمة وكأنما يتخذ ~~قرارا خطيرا: انتو مش فدائية؟ # ولا ندري لماذا دقت قلوبنا بعنف، وكأنما كنا نسرق وباغتنا الريس. ~~وظللنا وقتا طويلا صامتين، صمتا حائرا مضطربا، صمت العاجزين وكان ~~حلمي أول من تكلم وقال: أمال احنا إيه؟ بنلعب؟ # وحدق الريس فينا مرة أخرى وقال: علي الطلاق بالتلاتة إنتم ما انتم فداوية. # وقال حلمي ساخرا مرتبكا: أما حكاية .. أمال رايحين نعمل إيه يا بلدينا؟ # فأشار الريس بكفه وقال: ما هو ده اللي محيرني. رايحين تعملوا إيه. رايحين ليه. هو أنا عيل .. ~~دانا أفهمها وهي طايرة. والناس بتبان. الواحد ياما شاف فداوية وضباط ~~وجن أحمر. إنما اللي محيرني انتو رايحين ليه؟ # واستمر حلمي ساخرا مرتبكا: طيب رايحين ليه؟ # فأجاب الرجل: إنت بتسألني أنا .. اسألوا نفوسكم! # ولم نكن، حتى تلك اللحظة، قد سألنا أنفسنا أبدا أو ناقشناها ولم يكن ~~أحد قد سألنا. كل من علم أننا ذاهبون كان يتمنى لنا حظا سعيدا ولا ~~يستغرب. بل إن كل من قابلناه أو رأيناه كان يتمنى أن يأتي معنا. وكنا ~~نأخذ الأمنية على أنها شيء طبيعي لا غرابة فيه، كمن يقول: نفسي آكل، أو ~~نفسي ms41 أشرب. # طوال صمتنا كانت الخالة ساكتة؛ ولكنها لما رأت الصمت طال ~~قالت: يه .. أمال يا خويا رايحين ليه؟ # وتكلمنا كلنا في وقت واحد: إنتي صدقتي الريس؟ إحنا فدائيين صحيح. ~~- أهو رايحين كده .. نتفرج. ~~- أصل يا ستي فيه مقاومة شعبية هناك .. و... ~~- لينا قرايب يا خالة بس من بعيد رايحين نطمن عليهم. # ولم يدخل ما قاله كل منا في عقله؛ ولا في عقول الآخرين؛ ولا حتى في ~~عقل الخالة. # ومضت تحقق مع حلمي وتسأل وتدقق عن الأسباب التي تدعونا للذهاب وحلمي ~~يحاور ويداور؛ والريس يبتسم ابتسامة من فقس الفولة ونحن ساكتون. # أحيانا يفيق الإنسان فيجد نفسه متجها إلى مكان معين، هكذا، بلا وعي ~~أو تفكير. وقد جعلنا سؤال الريس نفيق. وحين أفقنا كان كل شيء أمامنا له ~~سبب. الخالة ذاهبة لترى ابنها. والقارب يتحرك لأن الريح تدفعه. وحلمي ~~جرحت جبهته لأنه ارتطم بالصاري. أما نحن فلماذا نحن ذاهبون؟ # رغما عنا رحنا نسأل أنفسنا لأول مرة. # ولم نجد جوابا معقولا أو مقبولا. كل ما وجدناه كان إحساسا كبيرا ~~لا يترك لنا مجالا للتفكير أو السؤال. إحساسا أن شيئا هائلا مؤلما ~~لا بد قد حدث هناك، وأننا يجب أن نكون بالقرب مما حدث. # ولكن حقيقة، لماذا نحن ذاهبون؟ # وما تلك القوى الخفية التي تدفعنا وتحبب إلينا الذهاب؟! # وانتهى نقاش الخالة مع حلمي حين ارتفع صوتها وكله غضب: بقى تموتوا أرواحكو كدب في نصب. لا انتو فدائية ولا حرس ولا حاجة ~~ورايحين تموتوا أرواحكو. انتو مالكوش أمهات؟ والنبي يا ريس اعمل معروف ~~رجعهم. رجعهم اعمل معروف تكسب ثواب ما تخليهمش يهوبوا على البر. إلهي ~~ما تحرق قلب أم على ولدها يا رب. # قال الريس: ما تتعبيش نفسك يا أمي .. اللي عقله في راسه يعرف خلاصه لازم في ~~نيتهم حاجة. خليهم يا ستي كل حي في سكته. # وكان يقول الجزء الأخير وهو يقف ويتمغط ويتثاءب، ولكنه كف عن تثاؤبه ~~وقال بإرهاب كثير: بصوا. # واتجهنا كلنا إلى حيث أشار، وهناك، عند نهاية الأفق، وفي ضوء الفجر ms42 ~~المشبع بالبرودة، كانت توجد غمامة كثيفة داكنة فيها أضواء قليلة صفراء ~~معطوبة تكاد تذبل. # وقال الريس: أهه .. خلاص .. وصلنا. # وتركت الخالة ما كانت تهمس به لحلمي وقالت بفرحة منفجرة: والنبي؟! والنبي يا اخويا. إلهي يخليك لشبابك، إلهي يسعدك. # وفي الحال انتفضت على وجناتنا عروق. وفي الحال مضت تدق، شيئا كدق ~~الحرب، ورحنا ننظر وقد تركزت أرواحنا في أبصارنا وامتلأت صدورنا بدفء ~~مفاجئ. ورغم احتجاجات الريس وصرخاته وتمايلات القارب وقفنا جميعا، ~~وتكاتفنا لنتساند ونتأمل الغمامة الرمادية البعيدة ذات الأضواء. كانت ~~رهيبة كئيبة كناموسية غامقة مسدلة على مجروح. مستحيل أن تكون ناموسية ~~مسدلة على مجروح. لا بد هناك أناس مصريون. لا يمكن أن يكونوا قد ماتوا ~~كلهم أبدا .. أبدا. # انفعالات تفور وتنسكب، والرمادية تختفي لتأخذ مكانها سمرة، أرض سمراء ~~أوسع من السماء. والغمام ينقشع ويبدو وجه الشمس، أجمل شمس، على ضوئها ~~تبدو ملايين السحنات التي رأيناها طوال الطريق وكأنها وجه عملاق كبير ~~مصنوع من ملايين الوجوه، وعلى رأسه مليون طاقية، ومليون عمامة ولاسة ~~وكوفية. والعدو أيضا هناك، وراء الغمام، عدو بشع كثير ونحن - القادمين ~~- قبضة. لماذا لا يأتي كل الناس؟ لماذا لا يتحرك العملاق كله وينقض حتى ~~يتحرك العملاق؟ # وأقوى من أي انفعال وأعظم كان شغفنا الخارق أن تنتهي المسافة، ونصل ~~إلى هناك، ونزيح لفافات الغمام لنرى ما تخفيه. # وفطنا بعد وقت إلى أن الريس يتكلم ويقول: لغاية هنا وما اقدرشي أتنقل ولا خطوة. الشط مليان مدافع ودواهي. إنتم ~~بقى تتوكلوا على الله من الناحيادي. البحيرة مش غريقة. دي لحد الركبة ~~بس. تخوضوا من هنا على طول حتطلعوا جنب التربة. الصراحة كويسة وبذمتي ~~وديني لو كنت أقدر أوديكو هناك كنت وديتكو إنما العين بصيرة واليد زي ~~ما انتوا عارفين .. اتوكلوا على الله. # ووقفنا برهة. تلك البرهة التي تسبق العمل الخطير. الشاطئ أمامنا هادئ ~~هدوءا مريبا كهدوء البركان قبل اندلاعه. والغمام كثيف يحجب كل شيء .. ~~والخط الممتد لا بد كله فوهات بنادق ومدافع. والسماء كأنها تدوي بأزيز ~~العشرات من قاذفات القنابل. بل سمعنا ms43 بآذاننا طلقات الرصاص .. بعيدة ~~ولها أنين. # وقفنا برهة وترددنا. تلك هي اللحظة الحاسمة. اللحظة التي ادخرها كل ~~منا ليختبر نفسه وشجاعته. هناك حيث كنا نعيش لم يكن أحد يستطيع أن يميز ~~بين الجبان وبين الشجاع. فكلاهما متاح له أن يعيش. حتى الشخص نفسه لا ~~يستطيع أن يدرك معدنه. في لحظة كتلك يعرف الإنسان نفسه. واللحظة حادة ~~وفاصلة، وقلوبنا تدق. والريس طوى القلع. وأرجلنا مثبتة على حافة ~~القارب. وعيوننا ترقب الشاطئ. وأجسادنا متقاربة. ونظرات مختلسة يصوبها ~~الواحد إلى نفسه والواحد إلى جاره. والبرد قد اشتد فجأة ولم نعد ندري ~~أهو صادر من البحيرة، أم من أعماقنا، والسماء تبهت وتبهت. وطيور النورس ~~تنقض على سطح الماء ثم تعود وترتفع وفي منقارها سمكة. وتكاكي وتتقاتل. ~~والصوت الذي تحدثه هو الوحيد الذي يسمع. # وقطعت اللحظة تمتمة الريس: أما ولية غريبة. طب تقول كتر خيرك. # ثم ارتفع صوته أكثر: مش من هنا يا ست .. خدي يمينك شوية لحسن الحتة اللي قدامك ~~غريقة. # وأدركنا أن الخالة غادرتنا ومضت دون أن تفتح فمها بكلمة. وكادت تصبح ~~على مرمى البصر، تخوض الماء، وتتمايل، وتتوقف برهات، ولكنها لا تتلفت، ~~ولا تكف. # وارتفعت أصواتنا: استني يا خالة. استني شوية. # وفوجئنا بها تقف وتستدير إلينا وتقول: لأ .. روحوا روحوا انتم بقى .. مع السلامة .. والنبي ينوبك ثواب ما ~~تسيبهم يا ريس .. روحوا انتم بقى. # واستدارت على عجل. وأسرعت كالملهوفة الخائفة أن يفوتها قطار. # وأخذ سواد ثيابها يختلط بالضباب والشحوب ويقترب من رمادية ~~الشاطئ. # ومرة أخرى دوت في آذاننا طلقات الرصاص البعيدة التي تصدر من مكان ~~غامض. # ورغم كل ما كان يدور في رءوسنا من خواطر واحتمالات، فنحن لم ندر ~~لماذا أسقطناها كلها فجأة. وركزنا انتباهنا وكأننا أطفال سذج على يد ~~حلمي التي كانت قد عادت تتحسس مكان الجرح. وخبط الريس بكفه على خشبة ~~الصاري وقال: هيه يا سيادنا. # وقال حلمي: أحسن طريقة نستنى لما النهار يطلع. # وسمعنا طرطشة الماء، وأيقنا أن واحدا لا بد قد هبط. # وقال حلمي بعصبية: أهم شيء إن ms44 إحنا ما نندفعش. قليل من العقل. # وطرطش الماء مرة أخرى وهبط واحد ثان. وقال حلمي بعصبية: هو أنا بكلم مجانين. ما تفهموا أنا بقول إيه. # وهبط الثالث. # وضرب حلمي الهواء بيده وقال: هي شطارة يعني .. طب هه. # ثم هبط. # وواحدا وراء الآخر رحنا نخوض في الماء وقد انتظمنا صفا متباعد ~~الوحدات، وكأننا أصابع عملاق كبير تتحرك في اتجاه الشاطئ، وقد أصبح كل ~~ما يهمنا أن ننتزع أرجلنا من الماء والطين وندفعها لتفرق الماء والطين، ~~والبحيرة تشخشخ حولنا، والنورس ينقض ويستغيث، والماء يتغير لونه وترتسم ~~على سطحه الدوائر، والجو يزخر بشعشعة ما قبل الشروق، والنجوم قد اختفت ~~من السماء ومن البحيرة. ولم يعد هناك سوى نجمة الفجر، وقوى قاهرة ~~تدفعنا إلى ستار الغمام المسدل لنتحسس الجرح الكبير. # يناير 1957 ms45