######OpenITI# #META# URI: 1412YusufIdris.Bayda.Hindawi50357186 #META# Tags: novels #META# ID: 50357186 #META# Title: البيضاء #META# AuthorID: 95064085 #META# Author: يوسف إدريس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # البيضاء‏ # خاتمة‏ # مقدمة‏ # البيضاء‏ # خاتمة‏ # | البيضاء # | البيضاء # تأليف # يوسف إدريس # حيرتني هذه القصة. # كتبتها في صيف عام 1955م. # ونشرت بعضها تباعا في جريدة الجمهورية عام 1960م. # وأخيرا قررت نشرها هذا العام، فوإن كان بطلها هو «يحيى» إلا أنها وثيقة حية لفترة ~~خطيرة من فترات الحياة في بلادنا، فترة لا أعتقد أن أحدا تناولها. # إن كانت تقليدية الشكل والطريقة، فالشكل مهما كان لا يتعدى دوره كشكل، والحقيقة تبقى ~~حقيقة رغم أية طريقة تروى بها. # وإني لشديد الاعتزاز بهذا الجزء من عمري وعمر بلادي. # يوسف إدريس # | مقدمة # لقد ظلمت هذه القصة (البيضاء) ظلما كبيرا، وللأسف فإن السبب في ظلمها هو أنها ~~كانت فعلا متقدمة على التفكير السائد بين المثقفين اليساريين آنذاك، وبين تفكيرهم ~~عالميا ومحليا اليوم؛ فقد كتبت في عام 56-58 ونشرت بضع طبعات، وها أنا ذا أعيد ~~نشرها في طبعة خاصة لروايات الهلال الآن، الفرق إذن هو أربعة وثلاثون عاما. # اليوم لم تعد البيضاء اكتشافا مبكرا جدا لأحداث ومفهومات أصبحت هي القاعدة، ~~ولكنها إذا وضعت في منظورها الزمني ممكن أن يعود لها بعض الإنصاف. # هي قصة حب، ليس أي حب، وقصة عصر ليس أي عصر، وقصة سياسة ليست أي سياسة، وقصة أطول ~~عمل أفخر به كتبته، هي درة ثمينة بين إنتاجي أعتز بها. # إني أهدي هذه القصة للماركسيين في العالم العربي اليوم؛ فضربهم باستمرار من قوى الحكم ~~الغاشم حال بيني وبين أن أهتم اهتماما خاصا بنشرها وإذاعتها مخافة أن تكون ضربة أخرى ~~للماركسيين المصلوبين دوما. # وأعتقد أن نشرها الآن ليس أمرا واجبا فقط، ولكن التذكير بأن ثمة أناسا كانوا ~~منذ زمن بعيد يفكرون أسبق من زمنهم قبل خروشوف وقبل البريسترويكا، بالضبط من أيام ~~كان ستالين حيا ويحكم بضراوة، هذا التذكير أصبح الاعتراف به - أخيرا - أمرا ~~واجبا. # وأملي أن يستمتع القارئ بعمل أصبح الآن معتقا كالنبيذ المعتق، أي أصبح أكثر قيمة ~~وأغلى ثمنا؛ فقد دفعت فيه - أنا الكاتب - ثمنا هو أجمل سني عمري، وإلى الآن لم ~~أندم. # يوسف إدريس # | البيضاء # 1 ms001 # لماذا نكذب على أنفسنا ؟ # إن لكل منا قصة حب دفينة وضعها في أغوار نفسه، وكلما مضى عليها الزمن دفعها ~~أكثر وأكثر إلى أعماقه وكأنما يخاف عليها من الظهور. # وسوف أقول لكم كل شيء عن قصة حبي. # ماذا أقول لكم؟ # يخيل لي أن ما من امرأة قابلت رجلا وما من رجل قابل امرأة إلا وسأل كل ~~منهما نفسه: ترى هل يصلح الآخر لي؟ ما من امرأة وما من رجل، وفي كل مراحل العمر، ~~قبل الزواج وبعده، في عنفوان الصبا وذبول الشيخوخة. سؤال يدور في عقول الآباء في نفس ~~الوقت الذي يدور فيه في عقول الأبناء! عملية بحث دائبة مستمرة عن الطرف الآخر في ~~تلك اللعبة الخطرة التي يسمونها الحب. # لست أبالغ ولا أتجنى؛ إذ في أغلب الأحوال يأتي الجواب رفضا ونفيا، وفي أحيان ~~قليلة يظل يتأرجح بين النفي والإثبات، وفي أحيان نادرة - نادرة جدا - يأتي الجواب ~~أن نعم، هذا هو أو تلك هي من أريد. # أنا أيضا حين قابلت «سانتي» قلت هذا، كان ذلك في مطعم «الباريزيانا» الذي لم ~~يغيره الزمن، وكان سبب اللقاء عاديا جدا في نظري، أزاول مثله كل يوم من ~~أيامي عشرات المرات. كان لي، ولا يزال، صديق اسمه صبحي يعمل مندوب دعاية، أو كما ~~تعودنا أن نسميه «بروبا جاندست» لإحدى شركات الأدوية، وكانت له اتصالات واسعة بالأجانب ~~والمصريين، لا بحكم عمله ولكن لأنه هو شخصيا من ذلك الصنف من الناس الذي لا يحيا ~~ولا يتنفس ولا يتحرك إلا إذا تعرف كل يوم بأناس جدد، وعرف أناسا بأناس. قال لي ~~ذات مرة إن هناك فتاتين: إحداهما يونانية والأخرى فرنسية أو من أصل فرنسي، وإنهما ~~تريدان العمل معنا في المجلة وتقديم أية مساعدة يمكنهما تقديمها. ولا أعرف لماذا لم ~~ألق للأمر اهتماما كبيرا أول ما قال لي، ربما لأني لم آخذ كلامه مأخذا جادا، ~~وربما لأنه كان كلما قابلني حدثني عن أشياء يريد تقديمها للمجلة ولا يقدم شيئا ~~بالمرة، ولكني قابلته بعد هذا مرة أو مرتين، وفي كل مرة ms002 يسألني متى يمكن أن يعرفني ~~بالفتاتين، وأدركت حينئذ أن كلامه قد يكون صحيحا على عكس ما تعودنا من كلامه، وربما ~~لو كان قد قال إن الفتاتين «بنات عرب» لما احتفلت بالأمر ذلك الاحتفال؛ إذ لست أدري ~~سر ذلك الضعف الذي نكنه، نحن أولاد العرب، للخواجات، وللنساء منهن بالذات. المهم ~~رحبت بالمهمة وسألته بضعة أسئلة لأتأكد أن ما يقوله حقيقي، ولأحاول أن أكون عنهما ~~فكرة قبل أن ألقاهما، وحددت معه موعدا في «الباريزيانا» يعرفني بالفتاتين فيه، ~~وأظنه كان الثالثة بعد ظهر يوم من أيام الشتاء. # ما زلت أذكر ذلك اليوم كأنه اليوم، كنت أرتدي معطفا رماديا اشتريته - أول ~~معطف في حياتي ارتديته - وكنت مسرعا؛ إذ كان الميعاد قد أزف ومضت بعده دقائق. ومع ~~هذا ورغم نسمات العصر الشتوية والوقت الضيق فقد رحت أسأل نفسي ذلك السؤال: ترى هل ~~تصلح واحدة منهما أو الاثنتان لأحبهما؟ وهل تقع إحداهما في غرامي؟ وهل يكون لي معها ~~قصة؟ وكنت أسأل نفسي تلك الأسئلة مع علمي التام أنها أسئلة لا يصح إلقاؤها أو التفكير ~~فيها؛ فالعمل الذي نقوم به جاد وخطير وليس فيه أي مكان أو فسحة للحب وللغرام. كنا ~~في عنفوان معركة الاستقلال، ومجلتنا تخوض حربا لا هوادة فيها لإعداد الشعب للمعركة، ~~ولا مجال للعاملين فيها للتفكير في غير العمل والكفاح. كل شيء يجري وكأنها الخطة لجيش ~~محكمة، وكل شيء ينفذ وكأننا في خط النار، والمعركة ضد الاستعمار قائمة في كل مكان، ~~في السودان ومصر وسوريا والبلاد العربية وشمال أفريقيا وقبرص وفي كل مكان. ولجماعتنا ~~أنصار وأعضاء في كل قطر من هذه الأقطار، والمجلة تصدر في القاهرة ويتردد صداها في ~~كل عاصمة من عواصم الشرق الأوسط. كنت أعرف هذا كله، ولكني هنا أقول الحقيقة؛ ~~فالحقيقة يصح قولها دائما، بل دائما لا بد من قولها. والحقيقة أننا حين نفكر ~~بيننا وبين أنفسنا لا نفكر فيما يصح وما لا يصح، إننا نفكر فقط فيما نريده، نفكر ~~بكل جرأة، بل أحيانا بوقاحة ولا يهمنا شيء. إننا فقط حين ms003 يأتي دور التنفيذ نبصر ~~العقبات الاجتماعية القائمة، وحينئذ نبدأ نتراجع أو نبدأ نلف وندور حول العقبات ~~كوسيلة للتغلب عليها. بيننا وبين أنفسنا لا نعد العقبات الاجتماعية مقدسات، إننا ~~نعدها عقبات فقط، ولعل هذا هو سر تقديسنا لها أمام الناس. وليس معنى أنني كنت ~~أفكر في كل هذا وأنا في طريقي إلى الموعد أني كنت أفاقا أو وغدا، لأني كنت أفكر ~~في مطامحي الخاصة؛ فالواقع أني كنت أفعل هذا بجزء صغير من نفسي، أما أجزاؤها الأخرى ~~الكبرى فكانت مشغولة تماما بالمجلة وبالواجبات وبالعمل الذي كنت أقوم به في منتهى ~~الجد والنشاط، هذا شيء وذلك شيء آخر مختلف، والإنسان يفعل الشيئين، وربما يفعل الشيئين ~~لأنه إنسان. # دخلت المطعم وأنا أبحث بعيني عن صبحي لأطمئن أولا إلى وجوده (فقد كنت لا أزال ~~معتقدا أن كلامه قد لا يصفى على الربع)، وبالتالي لأطمئن على وجود الفتاتين، وأخيرا ~~لآخذ فكرة عن شكلهما من بعيد؛ إذ كان السؤال لا يزال قلقا في جوفي يريد جوابا: ترى ~~هل تصلح إحداهما لي؟ # ووجدت صبحي فعلا، ولدهشتي وجدت أنه، حقيقة، صادق هذه المرة؛ فقد كانت تجلس إلى ~~جواره فتاتان، إحداهما ضخمة كبيرة، والأخرى صغيرة بيضاء مشرب بياضها بحمرة، ~~واتجهت إلى المنضدة التي يجلسون عليها وسلمت، وتلعثمت وأنا أفعل هذا وصبحي ~~يقدمني إليهما وكأني خجلت مما كنت تركت لنفسي حرية التفكير فيه. وجلست وطلبت قهوة، ~~وفعلت هذا كله دون أن أجرؤ على رفع عيني أو إلقاء نظرة قريبة على الفتاتين. # وبعد أقل من دقيقة قامت الضخمة مستأذنة تاركة أمر تحديد كل شيء لزميلتها التي ~~كانت جالسة تبتسم باستمرار ولا تتكلم. وجلس معنا صبحي هنيهة ثم لم يلبث هو الآخر أن ~~سلم وانصرف. # وبقيت معها. # وأقول بقيت معها لأنني منذ الوهلة الأولى كنت قد تأكدت أنها هي؛ هي التي أردتها ~~دائما دون أن أعثر عليها، هي التي بحثت عنها في كل فتاة أو امرأة قابلتها ولم أجدها، ~~بالضبط هي بكل ما أحب في النساء فيها، وكيف أقول هذا وأفسره؟ أأقول إن ms004 من نظراتي ~~الأولى لها كنت قد قررت أنها لي طال الزمن أو قصر، شاءت الظروف أم لم تشأ، ماذا أقول؟ ~~هل أقول إنني منذ الوهلة الأولى كدت أخمن قصتنا معا، كأن أنوارا كاشفة قد أضاءت ~~كل ما سوف يقبل من أحداث لجزء من الثانية، ثم انطفأت الأنوار؟ # وتحدثنا في العمل، قالت لي إنها هي اليونانية وزميلتها أبوها فرنسي وأمها يونانية، ~~وإنها سمعت عنا من تنظيمها الذي يحارب في قبرص، وتريد أن تفعل شيئا لنصرة القضية ~~التي نحارب من أجلها، والتي هي شخصيا مؤمنة بعدالتها، ولم تجد أنسب من أن تضع نفسها ~~في خدمة مجلتنا. وحيرني حديثها؛ فالواقع أن المجلة لم تكن تشكو من قلة الأيدي ~~العاملة فيها، ثم ماذا تستطيع فتاة يونانية أن تفعل لمجلة تصدر في القاهرة باللغة ~~العربية؟ حيرني حديثها لأنه لم يكن من المعقول أن أقول لها: أنا في غاية الأسف يا ~~سيدتي العزيزة؛ فلا مكان لك في مجلتنا، وعليك أن تذهبي في طريقك ونذهب نحن في طريقنا. ~~ومن غير المعقول أيضا أن أؤكد لها أنها ستعمل معنا لمجرد أنني أصبحت أريد أن تعمل ~~معنا؛ فأنا لم أكن أملك سلطة هذا التأكيد، وإذا أخذت المهمة على عاتقي فقد يضر ~~عملها معنا بصالح المجلة، فأكون بهذا قد ألحقت بمجلتنا خسارة لمجرد نزوة شخصية ~~عنت لي. # حيرني حديثها، وأخيرا قررت أن أحصل منها على ما أستطيع الحصول عليه من معلومات، ~~ثم أناقش الوضع كله مع أحمد شوقي رئيس التحرير. وحتى حديث العمل بحيرته ومشكلته ~~لم يكن له الأهمية الأولى في تلك الجلسة؛ فجزء كبير من اهتمامي كنت أوجهه إليها هي، ~~وكنت أتأملها بطريقة لا تسترعي انتباهها؛ إذ كنت أنظر في وجهها ونحن نتحدث عن ضرورة ~~تنسيق الكفاح بيننا وبين إخواننا اليونانيين، وأرسم على وجهي كل علامات الاهتمام بذلك ~~الحديث والتركيز فيه، وأحتم على ملامحي أن تمثل هذا، ولكني في واقع الأمر أتأملها ~~وأحاول أن أمد عيوني الخاصة إلى نفسها الخاصة؛ لأتأمل تلك التي كنت قد قررت أنها ~~لي. # ومع ms005 هذا فلو طلب أحدهم مني بعد مقابلتي لها أن أصفها لما استطعت، فما جدوى الوصف؟ ~~إنه لشيء مضحك أن نقرأ في قصص الحب أن البطل غرق إلى آذانه في حب البطلة لشعرها ~~الأسود المتهدل، أو عيونها العسلية ذات الرموش الطويلة. هراء وتخريفات؛ فنحن لا نفضل ~~إنسانا على آخر لأن ملامح هذا أجمل من ملامح ذاك، أو نحب فتاة لعيونها الجريئة أو ~~لالتفاتاتها الرشيقة. يخيل إلي أننا نحب الإنسان لشيء لا نستطيع تحديده في ~~الإنسان، واسألوا كل من أحب ماذا أحببت في رفيقك؟ ودعوه يجيب، وحققوا له كل ما ~~يقوله في رفيق آخر، فسوف يظل يقول هناك شيء ناقص لو سألناه عن كنهه لما استطاع ~~الإجابة. وفي كل منا شيء لا نستطيع تحديده هو روحه، هو مجموع أجزائه الظاهرة ~~وأجزائه التي لا تظهر، دمه، شخصيته، ظله، شيء نطلق عليه أسماء كثيرة لنحدده فلا ~~تفعل الأسماء أكثر من أن تؤدي بنا إلى مجهولات أخرى في حاجة إلى تحديد، شيء هو ~~المسيطر الأعلى علينا، هو الذي يحدد إرادتنا وماذا نكره وماذا نحب، وهو أيضا الشيء ~~الذي يحب وكأنه أصلنا، وما أجسادنا وأشكالنا وأنوفنا وعيوننا إلا أعراضه ~~وتجسيداته. # حتى بعد تأملي الذي طال لها لم أكن أستطيع وصفها، ويكفي أن أقول إن كل ما فيها ~~أعجبني، طريقتها في الحديث، ابتسامتها، أسنانها الأمامية حين ينفرج عنها فمها الصغير، ~~لونها، وملامحها الصغيرة الدقيقة، عيناها حين تضحكان، إحساسي بأني موجود داخل عينيها ~~وأنها تراني وتتذكر أشياء من أجلي أنا. ذلك هو أهم ما خرجت به من تلك المقابلة الأولى، ~~أحسست أننا انسجمنا وأننا سنصبح سعداء لو عملنا معا، وأننا قد تقاربنا بطريقة أسرع ~~مما تصورنا، ولكن إحساسي هذا كان مجرد إحساس داخلي لم تظهر منه بادرة واحدة، أو ~~ينبئ عن وجوده بتصرف واحد؛ فقد كان سلوكي الاجتماعي إزاءها لم يتعد أبدا حدود ~~المعرفة البسيطة التي حدثت، لا يتعدى حدود زميلين، واحد من مصر والآخر من اليونان ~~التقيا في معركة مشتركة، وأنهما سيلتقيان مرة أخرى، وأنهما لا يكرهان ms006 أن يلتقيا مرة ~~أخرى . # وخرجت من المطعم وأنا منتش تلك النشوة التي تفجر السعادة في قلوبنا وتجعلنا نحس ~~بها في كل شيء نراه، في عازف الكمان العجوز المتجول، في ضوضاء الشارع الصاخبة، في ~~الوجوه الخارجة لتوها من ازدحام السينما، في أمس وكل ما دار فيه، وفي الغد بكل ~~ما يأتي به، إنسانة حلوة رقيقة وضعتها الظروف أمامي في وسط المعركة الجافة الجادة التي ~~كنا نخوضها، إنسانة أعجبتني ويبدو أنني أعجبتها، فتاة صغيرة في السن لم تتعد ~~العشرين بالغة الحماس والذكاء واسعة الثقافة، إنسانة ممكن أن أحبها أو أتزوجها أو ~~أتجاوب معها ذلك التجاوب الذي نفتقده كثيرا ونحن إليه دائما، ما الضرر أن أحس ~~بكل هذا بيني وبين نفسي، ما دمت أؤدي دوري على أكمل وجه في المجلة وفي الكفاح وفي ~~الحياة؟ # خرجت من المطعم متجدد الحماس، وقضيت بقية النهار راضيا عن نفسي والدنيا وحركة ~~الزمن؛ فقد قضيته سعيدا! # 2 # وكان مفروضا ألا ألتقي بها إلا تلك المرة القادمة التي أقدمها فيها لأحمد شوقي ~~رئيس التحرير؛ حيث تعمل معه أو حيث يوصلها إلى تنظيم السيدات وحيث تنتهي علاقتها ~~المباشرة بي، ولكني لم أجد أبدا ثمة داع قوي يدعوني للعجلة، فلماذا لا يتم هذا في ~~اللقاء الثالث مثلا؟ ولماذا لا أؤجل حديثي عنها مع شوقي بضعة أيام أراها فيها على ~~انفراد مرة أخرى؟ في لحظة قررت أن أبيح لنفسي تلك الخطيئة البريئة على أن تكون ~~الخطيئة الأخيرة. # وفي الميعاد وجدتها جالسة تنتظرني وتبتسم، وجلست ونادت الجرسون وأصرت على أن ~~تعزمني، وضحكنا طويلا ونحن نتجادل حول الموضوع وأنا أقول إنها ما دامت في بلادنا ~~الشرقية فلا بد أن تخضع لتقاليدنا، فترد هي بقولها إن التقاليد تتطور وبعزومتها لي ~~تبدأ عملية التطور. # وطوال الوقت كنت أيضا لا أزال أحيا في تلك النشوة التي تجعل الإنسان لا يرى إلا ما ~~في الأشياء من جمال، أو تجعله يرى كل الأشياء جميلة، وكل ما يفعله حلال، ولا شيء هناك ~~يستحق أن يؤنبه عليه ضميره. # ولكني لست أذكر ms007 بالضبط متى أو لماذا بدأ ينتابني ذلك الشعور، ولكني وأنا في قمة ~~سعادتي معها بدأت أحس وكأني أفقت لثوان قليلة من حلم، فوجدتها زميلة معركة ووجدت ~~أني أرتكب حماقة، لا لأني كنت أخطئ أو لأن ما أفعله أشياء تتنافى مع الزمالة أو ~~المعركة، ولكن لأن الطريق التي كنت أسمح لنفسي بالسير فيه كان طريقا ممكن أن يؤدي إلى ~~الانحراف والضلال، وإن بدا أوله بريئا ليس فيه ما يخجل، وأظنني وجمت أو كنت أضحك ~~وآبت ضحكتي إلى سكوت مفاجئ؛ فقد نظرت إلي بعينيها الواسعتين السوداوين وفيهما ~~حيرة وقلق وقالت: ما بك؟ # قلت: لا شيء. # وأكملت الضحكة. # وحين كنت أغادرها في ذلك اليوم كانت نقط سوداء دقيقة كرءوس الدبابيس تغزو إحساسي ~~الواسع بالنشوة والسعادة. ~~••• # وكان اللقاء الثالث مهما؛ فقد كان اللقاء الذي يجب علينا أن نفترق فيه؛ إذ كنت قد ~~ناقشت موضوعها مع شوقي رئيس التحرير، واقترحت عليه أن باستطاعتنا أن نجعلها تعمل في ~~الترجمة وتشارك في الإشراف على قسم المرأة والطفل، وهز شوقي رأسه بطريقة أدركت معها ~~أنه لا يقيم وزنا كبيرا لاقتراحاتي وإن بدا موافقا عليها كل الموافقة، وأدركت ~~أيضا أنه قد يكون لديه خططه الخاصة للاستفادة بمجهودها ومجهود زميلتها، كل ما قاله لي ~~أن طلب مني أن أحدد لهما موعدا يلتقيان فيه به، وأترك التصرف له. # ولأمر ما لم أكن أعتقد - حتى قبل أن ألقاها - أن لقاءنا هذا سيكون اللقاء الأخير. ~~لماذا؟ لأني كنت متأكدا من هذا، هي التي أكدته لي، لم تؤكد لي بكلامها؛ فكلامنا - ~~كما قلت - لم يكن قد تعدى حدود المعرفة التي تزداد متانتها يوما بعد يوم، ولكنها ~~قطعا لن تتعدى الحدود، معرفة كانت تضطرني لأن أناديها بلقبها وتناديني بلقبي، ~~وأسلم عليها وأمشي بجوارها أو أجلس معها وأنا مؤدب جدا، أعاملها وكأني في حضرة ~~مجتمع كامل يحصي علي حركاتي وسكناتي. # ولكن تلك كانت معاملتنا الظاهرة وحديثنا الظاهر، وأهم من ذلك الحديث وأوقع، أهم من ~~اللسان كان الإحساس، الترمومتر الدقيق الذي لا يخطئ أبدا؛ فقد تقول لك ms008 المرأة نعم، ~~وتحس أنها تقول لا، وحينئذ لا تعاملها أنت على أنها تقول نعم. إنك هكذا وبطريقة ~~تلقائية محضة تعاملها بهذا الإحساس الذي يخامرك تجاهها. # كنت قد أحسست أنها تقترب مني مثلما أقترب منها، وأنها معجبة بي مثلما أنا معجب بها، ~~ولم يكن إحساسي يستند على غير أساس، ولكنه أساس لا يمكن قوله أو حكايته أو التعبير ~~عنه، التصرفات والكلمات الكبيرة الواضحة المحددة المعالم هي فقط التي يمكن أن تحكيها ~~أو تقولها، ولكن كيف تستطيع أن تحكي ما يصاحب تلك التصرفات والكلمات، الأشياء الدقيقة ~~التي لا تظهر إلا لتتلاشى، وإذا تلاشت فلا تستطيع مهما حاولت أن تعيدها إلى الوجود ~~بمسميات أو ألفاظ؟ كلمة أشكرك مثلا كلمة محددة تعبر عن تصرف محدد ممكن ~~التعبير عنه وتصوره، ولكن الطريقة التي تقال بها ... لمعة العين التي قالتها ومقدارها ~~ووجهتها. مكان خروجها وهل جاءت من طرف اللسان أم صدرت عن الأعماق، نوع الصوت الذي ~~تقال به ورنينه ومداه، السرعة التي قيلت بها والوقفات التي جاءت أثناء حروفها، وتسبيلة ~~الجفن التي نتبعها أو قد تسبقها أو قد لا تحدث أبدا، تلك الأشياء الدقيقة التي لا تكفي ~~كل الحواس لاستقبالها، وليس الذكاء وحده هو الذي يترقبها ويدركها. # تلك الأشياء كانت قد أكدت لي أنها هي الأخرى لن تقبل أن تنقطع علاقتنا. # ولهذا كان اللقاء الثالث مهما. # كان مفروضا أن نلتقي في محطة باب اللوق ويقطع كل منا تذكرة مستقلة، ثم نجلس ~~متجاورين في القطار «صدفة»، ونتحدث وكأننا تعرفنا توا ودون أي تدبير. # وحيث لمحتها قادمة في عصر ذلك اليوم أحسست بأن قلبي دق دقة غير عادية، وأن ~~سخونة قصيرة مفاجئة اجتاحتني وكدت أرتجف لما حدث لي، ولكني تحركت إلى شباك التذاكر وفي ~~جسدي نشوة، وأخذت التذكرة وتلكأت حتى رأتني، ثم انتظرت حتى أصبحت على بعد أمتار ~~مني، ثم ركبت القطار، ووجدت أول عربة مزدحمة فغادرتها إلى ثاني عربة وإلى الثالثة ~~والرابعة، عساي أعثر على مقعدين خاليين متجاورين، بلا فائدة. ووقفت في آخر العربة ~~الأخيرة وأدرت وجهي. ms009 كانت قادمة! ومرة أخرى وجدت قلبي يدق والسخونة تغمرني وتتركز في ~~باطن يدي، وسمح لنا ازدحام القطار أن نقف متقابلين ونتحادث، وسمح لنا بأكثر مما كنت ~~أطمع فيه؛ فقد ظللت أتأمل وجهها طوال ساعة لم أرفع عيني عنها، وأدركت كم هو جميل! ولكن ~~جماله لم يكن يعني في انجذابي لها شيئا كثيرا أو قليلا؛ فحتى لو كان أقل جمالا ~~لما اهتزت سرعة انجذابي لها، ولكنه حقيقة كان جميلا جدا، ومعظم اليونانيات - على ~~الأقل معظم اليونانيات المقيمات في مصر - لا يتمتعن بجمال وافر، وما عليك إلا أن ~~تستعرض تلميذات المدرسة اليونانية وهن خارجات، معظمهن عاديات أو كالعاديات، ولكنك حتما ~~ستعثر على واحدة من كل مائة أو ألف، واحدة وكأنها احتكرت جمال المائة أو الألف. كان ~~وجهها صغيرا مستطيلا ليس أكبر من وجه أية تلميذة من تلميذات المدارس ولكنه أبدا ~~ليس وجه تلميذات؛ ففيه جمال السيدات، الجمال الناضج الدقيق الطازج. لون وجهها نفسه ~~يحير العقول؛ فالحمرة فيه حين تختلط بالبياض تصنع لونا مختلفا تماما وكأنه لون ~~جديد لا هو الأحمر أو الأبيض، ولا هو الوردي أو القمحي، لون غريب ممكن أن نسميه لون ~~الحياة لو أمكن أن يكون للحياة لون. وجه حي متفاعل، وعينان سوداوان ذكيتان تريان ~~كل شيء ولا تغفلان عن البادرة حتى لو خطرت البادرة في عقل، عينان لا تكتفيان باستقبال ~~المرئيات ولكنهما دائمتا البحث عن كل ما يرى أو يلمح. وشعر أسود، والشعر الأسود ~~نادر في الأوروبيات، ولكنه كان غزيرا فيها، يجعل وجهها أكثر حمرة وبياضا وحياة، ~~ويجعل عينيها أكثر تأثيرا وأعمق نفاذا. # واعذروني إذا توقفت عند وجهها؛ فمن منا إذا تذكر الوجه الذي لوعه وغير ~~مجرى حياته وأذاقه أحلى ألوان السعادة وأمر الألم، من منا إذا تذكر ذلك الوجه ~~لا يتوقف عنده؟ ومن غيرنا أقدر على تذكره ووصفه وتحديد كل دقيقة من دقائقه؟ ~~وجوه من الجائز جدا أن تكون قد تغيرت وتغضنت أو ملأتها التجاعيد، أو حتى انتهت ~~وصارت ترابا، بل وجوه من المؤكد أنها تغيرت وانطمست معالمها ms010 القديمة، ولكن خيالنا ~~وذاكرتنا هي المكان الوحيد الذي لا تزال فيه تلك الوجوه ثابتة على حالها محتفظة بكل ~~ما كان لجمالها من جمال ولأصحابها من إشراق، من غيرنا أقدر على أن يتذكر تلك ~~الوجوه؟ # وقفنا في القطار متقابلين وتحادثنا، وكنا نتحادث بهمس خافت لا أدري لماذا؟ بل حتى ~~الاحتياطات المبالغ فيها التي اتخذناها لنلتقي لم أكن أعرف لماذا اتخذناها؟ # وكان مفروضا أن ينتهي الحديث قبل المعادي مثلا، فأهبط أنا أو تهبط هي لآخذ أو تأخذ ~~القطار العائد، ولكن المعادي جاءت ولم نكن قد تحدثنا في أي شيء جدي. وحتى بعد المعادي ~~لم نتحدث ذلك الحديث الجدي الذي كان لا يتعدى أن أحدد معها موعدها مع شوقي ~~وينتهي كل شيء، هي أيضا كانت تعلم أن لقائي بها لم يكن له هدف آخر سوى تحديد ذلك ~~الموعد، ولكنها هي أيضا التي مضت تتحدث عن نفسها وعن حبها للموسيقى، وعن أمها ~~المريضة بالأورام الليفية، وكيف يجب أن تجرى لها عملية، وصحتها الضعيفة التي لا ~~تحتمل العملية، حديث غريب لإنسان مفروض أنها لآخر مرة. # وقلت لها: أتعلمين أن هذا هو لقاؤنا الأخير، ومن العجيب أني ما زلت لا أعرف ~~اسمك؟ # والواقع أني لم أرد أن أسألها ذلك السؤال لمجرد رغبتي في معرفة اسمها؛ فالاسم ~~مهم لتعرف صاحبه، فإذا عرفت صاحبه لم تعد للاسم تلك الدرجة القصوى من الأهمية. كنت ~~أسألها ذلك السؤال وأنا أعلم تماما أن من الممنوع منعا باتا أن تقول اسمها الحقيقي؛ ~~فالمجلة وجماعة تحرير المستعمرات نفسها كانت تطارد وتقاوم في كل مكان، وأجهزة البوليس ~~السياسي في ذلك الوقت معبأة لتعقب أفرادها ومعرفتهم والنفاذ إلى داخل الجماعة لتحطيمها ~~وتخريب عملها، وأن يتبادل كل منا اسمه الحقيقي مع كل من هب ودب خطأ قد يصل ~~إلى مرتبة الجريمة. # ولكن لا أدري أي هاتف حدا بي أن أتخذ ذلك السؤال مقياسا أعرف به مدى قربها مني ~~ومدى حرصها على إرضائي، ومعرفة ذلك المدى كان شيئا مهما؛ فمع أن إحساسي وشعوري ~~الداخلي كان يؤكد لي ms011 أنها لن تمانع في لقائي بعد هذه المرة لو طلبت منها أنا ذلك ~~اللقاء، إلا أنني كنت مثل كل الناس لا أثق تماما في مداركي الغريزية تلك ولا أطمئن ~~إليها. وليتنا نثق فيها دائما ونطمئن إليها. # أحببت أن أختبرها وأعرف مدى استعدادها فسألتها، وحين انتهيت من سؤالي وجدتها تبتسم، ~~والابتسامات ليس لها كلها معنى واحد، يخيل إلي أن كل ابتسامة يبتسمها الإنسان في ~~أية لحظة من حياته تختلف دائما عن أية ابتسامة أخرى. وكل ابتسامة لها معنى، وما ~~أكثر المعاني التي أحببتها في ابتسامتها في تلك المرة! كان فيها خليط ناعم جدا من ~~الدلال والتبغدد، وفرحة الأنثى حين تلمح اهتمام الذكر، وثقة المرأة حين تحس أنها ~~عوملت كامرأة، وأخيرا قشرة سطحية من التردد سببها لا بد هو ذلك العرف المتواضع ~~عليه ألا يذكر أحد اسمه الحقيقي لأي إنسان آخر. # ابتسمت تلك الابتسامة الجامعة وقالت: ولكنك تعرف أن هذا ممنوع. # قلت: أعرف؛ ولهذا أترك الأمر لك، أنت حرة وفي استطاعتك ألا تخبريني. # واتسعت ابتسامتها دون أن تبهت معانيها وقالت: هناك حل وسط. # قلت مبتسما أنا الآخر: وما هو يا سيدتي؟ ~~- لا أخبرك أنا به، تخبرني أنت. ~~- كيف؟ ~~- ألا تستطيع أن تخمنه؟ # قلت بفرحة: جدا، لا بد أنه ... انتظري، لا بد أنه لورا. # وبوجه مبتسم وملامح هادئة تحاول إخفاء سرورها حركت رأسها يمينا ويسارا في بطء ~~علامة أني فشلت، وخمنت مرة أخرى وظللت أخمن، كل الأسماء الأجنبية التي أعرفها قلتها، ~~وكلما رأتني أكدح ذهني وأبالغ في تمثيل أني أكدح تزداد ابتسامتها اتساعا وتزداد ~~المعاني التي تحملها وضوحا. # وطال تخميني وأدركت هي أني حائر فعلا وسعيد بحيرتي؛ إذ كنت قد وثقت أنها نجحت في ~~الاختبار، وأن شعوري الداخلي لم يخطئ، وأنها تريدني فعلا أن أعرف اسمها الحقيقي وأن ~~ألقاها، واعترتني قشعريرة فرحة لذيذة، فرحة يقيننا من ثقتنا وفراستنا، خاصة إذا ~~صدقنا في أحب وأهم موضوع يشغلنا. ومضيت أجهد نفسي أكثر وأستعذب ذلك الإجهاد الذي ~~كنت متأكدا أنه لن يطول، وأنها إن عاجلا أم ms012 آجلا ستخف لمساعدتي؛ فالمرأة حين تريدك ~~وتشير إليك من طرف خفي أن تتبعها، وتتوانى أنت وتحتار وترتبك، لا تستطيع أن تصبر ~~طويلا، ولا بد بطريقة أو بأخرى أن تريك الطريق، ولكنها تفعل هذا من طرف خفي ~~أيضا. # وقالت ردا على عديد الأسماء التي ذكرتها: لا لا، إنه مكون من مقطعين مثل ~~اسمك. # ورنت إجابتها في نفسي رنينا حلوا، هي إذن مهتمة باسمي وتعرف أنه من مقطعين، بل ~~حتى لم أقف مرة لأتأمل اسمي، والمرات القليلة التي فعلت فيها هذا كنت أضيق به وأتمنى ~~لو كان لي غيره، ما أكثر ما تمنيت لو كنت قد سميت باسم جميل جذاب مثل أسماء ~~أبناء كبار الموظفين الذين كانوا معنا في ابتدائي وثانوي، الأسماء الجميلة التي كانت ~~شائعة في ذلك الوقت: مجدي وعفت وفاخر وماجد، بل جاء علي وقت كانت منتهى أحلامي في ~~السعادة فيه أن أملك اسما كاملا موسيقيا مثل «رائف شيرين» مثلا أو «جمال كامل». ~~وكم يضايقني من أبي أنه سماني يحيى على اسم ذلك المرشح الوفدي في الانتخابات التي ~~ولدت أيامها، وكانوا يهتفون له ويقولون: «عاش الدكتور يحيى»، وكان حكيمباشي سابقا ~~في عاصمة المديرية، وسماني أبي باسمه عساي أن أصبح مثله. ولم تنسجم يحيى أبدا مع ~~بقية اسمي، وظللت كلما نودي علي وقال أحدهم «يحيى مصطفى طه» أحس بالخجل وكأن ثلاث ~~طوبات قد خرجت من فم الناطق وجرحت آذان المستمعين. # وربما كانت تلك أول مرة أحس بالسعادة لأن اسمي يحيى، ولأنه مكون من مقطعين: ~~«يح ... يى»، ومن قائلة هذا؟ هي. واسمها هو الآخر مكون من مقطعين. يا لها من قرابة! على ~~الأقل خمسمائة مليون من سكان العالم أسماؤهم مكونة من مقطعين، ومع هذا فلمجرد إحساسي ~~أن اسمينا ينتميان إلى هذا الرقم الهائل جعلني أحس بنشوة، وخيط يصلني بها، أي خيط ~~ولو اشترك معنا في القربى خمسمائة مليون، ولم أكن أنا وحدي المنتشي، كنت أنا وهي في ~~لحظة من تلك اللحظات التي يفنى فيها الإنسان في الآخر، وفي تقاطيعه وفي حديثه ~~وابتساماته ms013 ودلاله، في لحظة من اللحظات التي تنسى الدنيا كلها وما فيها، وتنسى من أنت ~~وابن من أنت، وماذا كنت في الماضي وماذا ستصنع للمستقبل، في لحظة من تلك اللحظات التي ~~تخدر فيها جسدك كله بالنشوة ولا يبقى واعيا فيها إلا حواسك التي تستقبل وذلك الجزء ~~الصغير من عقلك الذي يعمل، ونشوان وهو يعمل، يرتب إجابات جميلة وأسئلة أجمل، في ~~اللحظة التي لا يمكنك أن تكذب فيها أو تمكر، والتي لا تفعل فيها إلا أن تتجاوب، تحس ما ~~يريده الطرف الآخر ويحس الطرف الآخر بما تريد، وتجيبه إلى طلبه ويجيبك إلى طلبك، وكل ~~همك أن تطيل ما أمكنك، وأن تجمل كل شيء حولك، وأن تمتص حواسك كل ما يقع أمامها ~~ولها وتختزنه كالكنز النادر في أعماقها، وكأنك تعلم سلفا أن تلك اللحظات لا تدوم، ولا ~~بد أن يأتي وقت يصبح كل ما في استطاعتك أن تفعله فيه أن تقلب أعماق نفسك بين الحين ~~والحين، وتدفئ وحدتك وسنينك والعالم الذي تغير من حولك على لحظات مثلها عشتها يوما ~~ما. # ولم نحس إلا بالكمساري وهو يزاحم الوافدين ويدق على الأرائك ويقول: ~~حلوان. # وفي اللحظة التالية كنا نضحك، وكنا قد اتخذنا قرارا، أن نظل في العربة لا ~~نغادرها حتى يعود القطار نفسه إلى القاهرة. # وبعد دقائق كانت العربة قد خلت تماما من كل ركابها، ولم يبق سوانا، وجاء عامل ~~التنظيف وتمحك، ولكنه كان بعد قليل يحضر لنا مشروبا مثلجا من البوفيه وعلى ~~فمه ابتسامة الموافقة والترحيب. # وحين أصبحنا وحدنا تماما قلت: بطل حزري. # قلتها بالعامية، فاندهشت وسألت بالإنجليزية: يعني ماذا؟ ~~- يعني انتهت كل مقدرتي على التخمين. # ولكني لم ألبث أن هتفت: أتعلمين شيئا؟ ~~- ماذا؟ ~~- لا بد أن اسمك فينوس. # فقالت وهي تعرف إجابتي سلفا: لماذا؟ ~~- لأن لا بد أن اسمك على اسم جدتك، فقطعا أنت من أحفادها، لا بد أن يكون اسمك ~~فينوس، وإذا لم يكن كذلك فلا بد أن يغيروا اسم فينوس ويطلقون عليها اسمك. ~~- مجاملة، المصريون كلهم يجاملون. # قلت: لا بد أنه ms014 أفروديت إذن، ولو أني لا أفضله. # قالت: ولا هذا أيضا. اسمع! # وقالت اسما لم أسمعه، وربما فعلت هذا لتنقذني من حيرتي التي كنت لا أود أن ~~أنقذ منها. وسألتها مرة ومرتين وثلاثا حتى استطعت أن أسمعه منها جيدا وأحفظه، ~~وقلت أخيرا: إكسانتي؟ أو زانتي؟ ~~- إكسانتي، وللسهولة يسمونني سانتي، ألا ترى أنه مكون من مقطعين كاسمك؟ # وسألتها إن كان اسمها يعني شيئا باليونانية؛ ففكرت هنيهة وضمت فمها تلك ~~الضمة التي أحبها منها، الضمة التي تذكرك أن لها فما صغيرا دقيقا كنت قد ~~نسيته لفرط دقته وصغره، الضمة التي تبرز شفتيها وتكرز حمرتها وتصنع لهما عشرات ~~التجعيدات الدقيقة المتقاربة المحتقنة ذات المعنى الجسدي الذي ينسيك حتما ما كنت تريد ~~قوله، ويجفف حلقك ويلهب أنفاسك. وقالت: صعب ترجمته، ولكنه شيء يعني الفتاة ذات اللون ~~الأبيض، أو الفتاة الشقراء، أو على وجه الدقة، الفاتحة. # قلت وأنا أسترد نظراتي: يعني البيضاء؟ ~~- شيء كهذا. ~~- اسم جميل. ~~- وكيف عرفت أنه جميل؟ ~~- لا بد أنه كذلك. ~~- مرة أخرى، الطريقة المصرية للمجاملة. # ضحكت وقلت: تقصدين مجاملة سخيفة. # قالت على الفور: أبدا، مجاملة لذيذة جدا. # قلت: شكرا على الطريقة اليونانية للمجاملة. # وضحكنا وتلفتنا. كان القطار قد غادر حلوان إلى المعادي، غادرها ولم يبق إلا الجبل ~~ومحاجره لنصبح في القاهرة، ودق منبه غريزي في صدري دقات قلق، ولكني تصنعت ~~الهدوء وسكت، وسكتت هي الأخرى ذلك السكوت الذي ينتظر كل طرف فيه أن ينبئ الآخر ~~ويستعد لما يقوله، سكوت أحسست أن كلا منا يجهز فيه كلاما متعمدا يقربه من ~~الآخر. # وقلت لها: إذن، لن نتقابل بعد الآن؟ ~~- أجل، مفروض هذا. ~~- شيء مؤسف. ~~- مؤسف. # ثم برقت عيناها وقالت فجأة كأن وحيا هبط عليها: اسمع. وقالتها بالعربية، و«اسمع» ~~حين ننطقها نحن شيء، وحين نطقتها كانت شيئا آخر، أعذب «اسمع» سمعتها في حياتي. ~~- اسمع، من شهرين كنت قد بدأت أدرس اللغة العربية، وقد انقطعت الدروس الآن، هل ... هل ~~ممكن؟ # وقلت أستحثها دون أن أعرف ما هو ذلك الممكن: ممكن جدا ماذا؟ ~~- هل ممكن أن أعتمد ms015 عليك في إكمالها؟ # وطبعا كانت تعرف أنها تستطيع أن تعتمد علي. # والمشكلة التالية كانت مشكلة عملية محضة، مشكلة المكان؛ فقلت وأنا أحمل كلامي معنى ~~التردد وشكله، الاقتراح الذي لا أحرج كثيرا إذا رفض: هل ممكن أن تأخذي الدروس ~~عندي؟ هل ... هل ممكن؟ ~~- عندك؟ ~~- أجل. ~~- ولكنك مع عائلتك. ~~- أنا أسكن وحدي. ~~- في بنسيون؟ ~~- في شقة. # وانقطعت حلقة أسئلتها وسكنت قليلا، فسألتها: هل يمكنك؟ # وكنت أسألها وقلبي يخفق خوفا من أن ترفض أو تتحجج أو تنتحل أعذارا، ولكن كان ~~شيء ما يؤكد لي أنها لن ترفض، شيء يستحق ثانية تأمل؛ فالإنسان منا ما يكاد يسأل ~~نفسه: ترى هل هذه بغيتي؟ ويراها فعلا بغيته، حتى يبدأ في الاقتراب منها مادا ~~ثقته بنفسه كقرون الاستشعار أمامه، وهي قرون حساسة جدا، إنها لا تمتد أنملة ~~واحدة إلا إذا أحست برضى من الطرف الآخر، وليس للرضى شكل معين، ولا يستطيع ~~الإنسان أن يلمسه متبلورا في شيء محدد، هو ليس حالة تصاحب حركات الطرف الآخر ~~مصاحبة خفيفة. # الطريق دقيق جدا، ذلك الطريق الذي يفصل بين الرجل والمرأة ويصلهما، وكل منهما ~~يسلكه باحتراس شديد. إن الرجل وهو يطلب المرأة كالصبي حين يحاول الإمساك بفراشة، إنه ~~يقترب منها في حذر مبالغ فيه مخافة أن يأتي بحركة غير مقدرة ومحسوبة تجعلها ترف ~~بجناحيها وتطير. # وهكذا كنت وأنا أقترب من سانتي؛ فنحن حين نعثر على بغيتنا يتعاظم خوفنا أن نفقدها، ~~نحن لا نتعلم الحب في المدارس، وكل منا يطلب بغيته وهو جاهل بالطريق إليها، وكل ~~جنس له طبعه وغرائبه، وكل جنس يجهل طبائع الجنس الآخر، وكلنا نفعل هذا بلا خبرة ولا ~~معلم أو مرشد؛ فكل تجربة قائمة بذاتها لا يصلح لها ما يصلح لأخرى. # 3 # وجاءت سانتي إلى الشقة أول يوم. # ولست أعرف إلى الآن كيف استطاعت الوصول إليها؛ فالطريق إلى بيتي في القسم البولاقي من ~~شارع فؤاد كان صعبا، ولكنها جاءت، وقابلتها بترحاب غامر، وكان مجيئها يعني أن ~~علاقتنا تنمو نموا طبيعيا جدا، وكان هذا يطمئنني تماما كالصبي حين يقترب ms016 من ~~الفراشة وهو ضامن أنها باقية على وضعها إلى أن يطبق عليها بأصابعه، ذلك الضمان الذي ~~يجعله ثابت الخطوات ثابت الأعصاب واثقا من نفسه، بحيث تدفعه تلك الثقة إلى نوع من ~~الهدوء لا يجعله يأتي بحركات هيستيرية تطير منه الفراشة. # وتعودت سانتي أن تأتي، وفي كل مرة يزداد اقترابنا، كانت غبطتي لمجيئها تزداد، وغبطتها ~~تزداد أيضا، وبنفس الأهداف، فلا أعرف أنا سر انجذابي نحوها أو هدفه، ولا أعرف أيضا ~~سر موافقتها على هذا، بل وانجذابها هي الأخرى، لم يكن يبدو عليها أنها من ذلك النوع ~~المغامر أو المتساهل! العكس كان صحيحا، كانت تبدو دينامو عمل هائل وطاقة حماس لا ~~تفرغ. ولكنني لا أعرف ما حدث في تلك اللحظة الغريبة التي التقينا فيها أول مرة ~~فأخرجتنا عن مدارينا المفروضين وجعلنا نلتقي بلا عمل، ثم نبدأ نختلق الحجج ~~للالتقاء ولتعدده أبدأ متشحبا أضع هدفا لنفسي وأحيطه بضباب كثير؛ فالخجل جزء من ~~طبيعتنا ونحن لا نستطيع أن نواجه حتى أنفسنا بأهدافنا الحقيقية. # وعلى الرغم من غموضه، فقد كنت أمضي ثابت الخطى في الطريق إليه، وهدفي لم يكن أبدا ~~ذلك الطوفان من العواطف الذي انتهت إليه علاقتنا، كان هدفي واضحا وصريحا، مجرد ~~مغامرة حب سريعة خاطفة. والرجل حين يحدد هدفه من المرأة يدفعها إليه واحدة ~~فواحدة، بنظرة مرة، بضغطة على اليد مرة، باصطناع غضبة، باختلاق غيرة، بلوم، بإهمال ~~أحيانا، وتوريط أحيانا أخرى. وهو لا يفعل هذا بوعي؛ فالإنسان منا آلة معقدة ~~غريبة! ضع لها الهدف واتركها تتصرف، وثق أن كل حركة من حركاتها سيكون مقصودا بها ~~الاقتراب من ذلك الهدف. # وحتى بعد أن تحدد الهدف ظللنا نتحرك تجاه بعضنا البعض بانجذاب متساو. ولكن ~~الأوضاع لا تدوم هكذا أبدا؛ فلا بد في آخر كل أمر أن يقوى أحد الطرفين ويصبح هو ~~القطب الغالب فيقف في مكانه ثابتا واثقا من نفسه، متأكدا أن الآخر سائر نحوه، وأنه ~~قد أصبح في تلك العلاقة المسيطر صاحب اليد العليا والكلمة المسموعة. # كانت سانتي تأتي من أجل أن تتقوى في ms017 العربي كما اتفقنا. وفي أول يوم لمجيئها أحضرت ~~معها كراسة وكتاب مطالعة من كتب الأطفال. وتحدثنا قليلا، وشربنا قهوة، ثم أخذت ~~في إعطائها الدرس، واستمر الدرس حوالي ساعة وتسلينا به كثيرا، أضحكها من نفسي على ~~دوري كمدرس، وتضحكني من نفسها على دورها كتلميذة، وأحاول أن أوضح ما أريد بالكتابة ~~فلا تستطيع قراءة خطي، وتطلب مني أن آخذ أنا درسا في اللغة العربية، إلى أن انتهى ~~الدرس. # وكنا قد اتفقنا على أن أعطيها الدرس مرتين في الأسبوع، السبت والثلاثاء. وسانتي كانت ~~تعمل، لم أكن أعرف ماذا تعمل بالضبط، ولكنها على أية حال كانت تخرج من عملها في ~~الثانية، فاتفقنا على أن يكون لقاؤنا في الثالثة والنصف. كان ميعادا غير مناسب، ولكنه ~~على ما بدا كان الوحيد الذي يهيئ لنا فرصة أكبر لمده وإطالته. # وكنا أيامها في فبراير، في تلك الفترة التي يتقلب فيها الجو بين الدفء والبرودة، ~~وتتقلب فيها الأمزجة كذلك. # وحين جاءت لتأخذ «الدرس» الثاني جاءت ومعها «الواجب» الذي كنت قد أعطيته لها، ولم ~~تنس أيضا الكراسة وكتاب المطالعة. # ولم يستغرق الدرس هذه المرة إلا الوقت الذي «صححت» فيه الواجب، وأعطيتها «عشرة على ~~عشرة» رغم أنف كل ما كان هناك من أخطاء، وكنا نتحدث قليلا ثم نبدأ الدرس، ~~ولكنا تحدثنا كثيرا ولم يبدأ الدرس في ذلك اليوم أبدا. وفي حديثنا لا أذكر أن جدلا ~~نشب بيننا حول أي شيء، كانت أحاديثنا تجاوبا لا غير، نتحدث في السياسة فإذا برأيها هو ~~نفس رأيي، وحتى ما يعن لي من نقد هو نفس ما يعن لها، ونتحدث في الموسيقى ~~فتقول: إنها تحب موزار، ولا أكون قد سمعت من موزار إلا قطعة أو قطعتين فأؤكد لها أني ~~أحبه أنا الآخر ومتعصب له. # ومع أن الدروس انقطعت بعد هذا الدرس الثاني الذي لم يبدأ، إلا أننا اقترحنا أن نزيد ~~عدد الحصص إلى ثلاث مرات في الأسبوع «لنسرع» في البرامج أكثر. ولا أذكر من منا هو ~~الذي اقترح هذا، ولكن الأكيد أن كلينا تحمس للاقتراح ووافق ms018 عليه في الحال. # كنا نقترب كما قلت بانجذاب رائع متساو. # إلى أن كان يوم! # كانت سانتي تأتي في العادة حوالي الثالثة والنصف، وكنت أيامها قد افتتحت عيادة ~~صغيرة، وكان وقتي موزعا توزيعا يكاد يكون كاملا بين العمل كطبيب لورش السكك ~~الحديدية في الصباح والعمل في العيادة ابتداء من السادسة مساء، ثم العمل في المجلة ~~إلى ساعة متأخرة من الليل. ودونا عن بقية ساعات الأيام كلها كانت الساعة الثالثة ~~والنصف من أيام السبت والثلاثاء والخميس (وهي الأيام التي اتفقنا أن تأتي فيها)، قد ~~أصبحت لدي شيئا حبيبا. أصبحت تلك اللقاءات وما نتبادله فيها من حديث واحة جميلة ~~أحن إليها هربا من جفاف حياتي. وأنى لي أن أعرف أني بتلك الواحة كنت أجتاز أسعد ~~أيام العمر؟! فنحن لا نسعد إذا استرحنا دائما، نحن نسعد بساعة الراحة إذا جاءت في ~~وسط يوم كامل أو ربما حياة كاملة من الشقاء، نسعد بها سعادة مبالغا فيها كتلك التي ~~يحسها الضارب في الضارب في الصحراء حين ينتهي إلى واحة يرى في نخيلها القليل ~~وبئر مائها المهدم جنة تضارع جنان الخلد. # وذات يوم دق لي شوقي تليفونا في مكتبي بالورش وقال لي إن البوليس قد صادر المجلة، ~~وإن علي أن أحضر في الحال. وذهبت وكنت متأكدا أني حتما سأستطيع الرجوع إلى البيت ~~قبل حلول موعدي مع سانتي بوقت طويل، ولكن الموضوع تطور، وعرضت المجلة على النيابة ~~وطال التحقيق، وجاءت الثالثة والنصف والرابعة والخامسة دون أن ينتهي وأنا رائح غاد لا ~~أستطيع حتى الاعتذار، والنيران تأكل قلبي وأنا أتخيلها تنتظر على مضض هي الأخرى، ~~ثم وأنا أتخيلها تنصرف ضيقة بي وبقلة ذوقي. # وعدت إلى البيت في التاسعة مساء متعبا منهكا حزينا، غير أني فوجئت بأعجب شيء؛ ~~فقد وجدت النور مضاء في شقتي، والشقة كنت أقطنها وحدي ولها مفتاحان: واحد معي والآخر ~~مع أم الطلبة، وأم الطلبة تعبير لا أدري من أطلقه على أم عمر، فذهب مثلا. والواقع ~~أنه كان لا يخلو من حق؛ فأم عمر أرملة صعيدية خشنة ms019 المظهر والصوت والسواعد، عمرها ~~تاه فيه الحاسبون، ولكنه لا يمكن أن يقل عن الخمسين، ومع هذا فقد كان لها عنفوان رجال ~~الصعيد وأمانتهم. كان أكبر غسيل لا يأخذ من يديها القويتين أكثر من ربع ساعة، وأضخم ~~شقة تنظفها وتمسحها إذا احتاج الأمر تلحسها في دقائق؛ ولهذا فقد كان من الطبيعي ~~جدا أن توزع طاقتها الجهنمية؛ فكانت تعمل في وقت واحد عند أكثر من عشرة من ~~الطلبة الأغراب الذين يسكنون بمفردهم، كل واحد منهم أو كل اثنين في حجرة، بل قيل إن ~~عدد من تعمل لديهم غير معروف؛ فهي تحتفظ به سرا حتى لا يطلع أحد على إيرادها، ~~ذلك الإيراد الذي زعم البعض أنه يكفي لشراء عمارة أو عدة فدادين، وبعد أن تخرجت وسكنت ~~في تلك الشقة في بولاق، وتخيلت أني انتهيت من أم الطلبة وحياتهم وشظفها، فوجئت بها ذات ~~يوم تطرق على الباب كالقدر المحتوم وتعاتبني بشدة على أني هربت منها، وهكذا وضعتني ~~أمام الأمر الواقع، واضطررت أن أعود لاستخدامها. # عدت كما قلت فوجدت الشقة مضاءة، وفتحت باحتراس فوجدت أم الطلبة جالسة على ~~كرسي في الصالة جلسة كادت تميتني من الضحك - فتلك أول مرة كنت أراها فيها جالسة ~~على كرسي - وكانت جلسة غريبة ما في ذلك شك؛ فقد كانت جالسة وكأنها غير مطمئنة ~~أبدا إلى هذا الشيء ذي الأرجل الأربع الذي من المحتمل جدا أن يسقط قاعه، جالسة ~~وكأنها تعاني من أزمة أو من إمساك. وقبل أن أفتح فمي وجدتها تنتصب واقفة وتقول ~~بصراخها الطبيعي: تعملها فينا يا بوي وتسيب المزمازيه إكديه! # ولم تكن «المزمازيه» غير سانتي التي ما كادت تراني حتى هبت واقفة منزعجة تسألني ~~عما حدث، وعن سبب غيابي الطويل. # وردت إلي الروح. # وبينما كنت أحكي لها بكلمات مشتتة مختصرة كل ما حدث، كانت فرحة غامرة تجتاحني؛ إذ ~~أدركت لحظتها أني أستطيع أن أقف في مكاني ثابتا ممتلئا بالاطمئنان والثقة، وأنها ~~سائرة بخطى واسعة في طريقها إلي، ويوم وصولها قريب. # وقد تبدو حادثة بسيطة كهذه شيئا تافها، ولكن ms020 معناها ظل يضطرم في نفسي طوال ليلتها، ~~وأنا راقد في الفراش محموم تلك الحمى النفسية التي لا تعتري الإنسان إلا في ~~لحظات خاطفة من حياته، اللحظات التي يحس فيها بالسعادة شيئا ماديا ملموسا ~~يمور في جسده ويؤججه ويتقلب على دفئه. # وكان اليوم التالي يوما من الأيام التي لا تأتي سانتي فيها، ولكني لم أفاجأ ~~كثيرا حين وجدت الباب يدق في الثالثة والنصف، ووجدتها هي الطارقة، بل لم أفاجأ ~~أيضا حين أصبحت تأتي كل يوم تقريبا، لم أعد أفاجأ أو أضطرب أو أتكلف، بل ~~أصبحت مستمتعا غاية المتعة بذلك الموقف الذي كنت أقفه، الموقف الذي لم يكن علي ~~فيه إلا أن أثبت في مكاني ولا أتحرك، وأنتظر تاركا نفسي على سجيتها وأنا ضامن أن ~~كل تصرف من تصرفاتي حيالها سيكون مقبولا ومحبوبا ومرادا، وأني قد أصبحت ~~السيد. # غير أنه يبدو أن مفاجآت من نوع آخر هي التي كانت تنتظرني؛ إذ بدأت ممرضة المستوصف ~~المجاور لشقتي تغير من كثرة تردد سانتي، قالت لي وأنا صاعد في السلم ذات يوم وهي ~~هابطة عندما حاولت مداعبتها: اوعى كده. # ولم أتراجع، ووقفنا نتحدث وأنا أتحين الفرصة المناسبة وأعود لمداعبتها، ولكنها ~~في النهاية قالت وفي ملامحها اشمئزاز مصطنع: ما تروح أحسن لحتة الخوجاية بتاعتك اللي ~~بتجيلك كل يوم، أنا عارفة بتحبوهم على إيه؟ دي مشيتها حتى زي مشية شيتا. # وأكملت صعود السلم وأنا في كلام البنت التي لا أذكر اسمها، والذي كل ما أذكره ~~عنها أنني ما كدت أعرف أن مستوصفا سيفتح في الشقة التي خلت بجوار شقتي حتى بدأت ~~أفكر في التعزيل فورا، ولكن كسلي ومشقة التعزيل حالتا دون تنفيذ رغبتي، وأصبح كل همي ~~أن أتحايل على نفسي لإقناعها بفوائد وجود مستوصف بجواري، فوائد ليس أقلها وجود ممرضة ~~جميلة فيه، ولكني حين رأيتها خاب أملي؛ فلم تكن أكثر أو أقل من مصرية قصيرة القامة، ~~قمحية، وجهها مشرب بحمرة وبحب شباب، وكانت أحيانا تأتي إلى المستوصف مرتدية ملاءة ~~لف وحينئذ كانت تبدو أحلى وأجمل، وفي أحيان ms021 أخرى كانت تأتي وهي مرتدية «جونلة وجيب» ~~لم يكن من المستبعد أبدا أن تكون هي التي صنعتهما لنفسها. # ولم يكن صعبا أن أعرفها وتعرفني؛ فالطبيب الذي يعمل بالمستوصف كان زميلي، وكنت ~~أحيانا أزوره وأراها في أثناء الزيارات، والأطباء الشبان لهم طريقة خاصة مجربة في ~~التفاهم مع الممرضات والحكيمات، ولهم خبرة في بدء الحديث بالكلام عن السينما والأفلام ~~وإنهائه بقرصة في الخد أو زغدة في الكتف. ودائما ليس لدى الممرضات مانع طالما هن بنات ~~لم يتزوجن بعد، وما دام الطبيب المعاكس شابا لم يتزوج هو الآخر؛ فحلم الواحدة منهن ~~الدائم أن تتزوج من طبيب. # ولا أعرف لماذا كنت أداعبها كلما قابلتها على السلم، كل ما أذكره عنها هو وجهها ~~المنتفخ الأحمر وعيناها الصغيرتان السوداوان، وحب الشباب بالذات في وجهها. حب الشباب ~~كان يقف حائلا بيني وبين استلطافها كلية، والمشغوليات الكثيرة ودوامة العمل كانت تمتص ~~كل طاقاتي بما فيها تلك الطاقة الكامنة فينا التي تدفعنا لمناوشة الجنس الآخر أنى ~~وجدناه. # وإذا كانت مشغولياتي قد حالت بيني وبينها، فيبدو أنها هي التي تفرغت لي وعرفت عني ~~كل ما تريد معرفته من أم الطلبة أم عمر، بل لا بد أنها كانت تراقب زواري مراقبة ~~دقيقة. # يومها أكملت صعود السلم وكلامها عن سانتي يرن في أذني رغما عني ويدفعني إلى ~~التفكير فيه، صحيح كنت قد لاحظت أن سانتي تمشي مسرعة وليس لخطواتها ذات الإيقاع الذي ~~تحرص السيدات والفتيات على تعلمه زيادة في تأنيث أنفسهن؛ ولهذا تبدو مشيتها سريعة ~~متوثبة كمشية الصبي المعفرت، صحيح كنت قد لاحظت هذا، ولكن ما فائدة ملاحظته وإعجابي ~~بها يملأ علي كل نفسي ويلغي من عقلي وجود أية فتاة أو امرأة أخرى مهما بدت أروع ~~وأجمل وأكثر أنوثة؟ كل ما فعله كلام الممرضة أنه جعلني أضع في احتمالي أن سانتي، وإن ~~كنت أراها كاملة، إلا أنه من المحتمل جدا أن تكون لها عيوب. # ليس هذا فقط، بل بدأت أفكر في أمور كنت أتجاهل التفكير فيها إلى تلك اللحظة، منها ~~أشياء قد ms022 يخجل الإنسان عن ذكرها. صدرها مثلا لم يكن بارزا ذلك البروز الذي ينبئ عن ~~أنوثة مكتملة، وطريقة سلامها مثلا، كانت تقبض على اليد بقوة وحماس وليس في تسليمها ~~رقة المرأة. # أقول: بدأت «أفكر» في هذه الأمور مجرد تفكير، تفكير كل ما كان يفعله أن يزيدني ~~ربما إعجابا بها، وربما لهذه الأشياء بالذات تلك التي يخالها الناس العاديون عيوبا، ~~فحتى تلك اللحظة لم أكن قد سمحت لنفسي أن أتوقف وأتساءل عن كنه علاقتي بها، وهل ~~أنا معجب بها؟ وبأي شيء أنا معجب؟ ماذا أريد منها وماذا تريد هي مني؟ كل ما كان ~~يشغلني في تلك الأيام هو انجذابي التلقائي إليها وحرصي على القرب منها والبقاء أطول ~~مدة معها، وكأنها قطعة موسيقية أو أغنية أحبها وأفضل سماعها دون أن أتلمس لهذا ~~التفضيل أسبابا. # ولم لا أقول الحقيقة كلها وأذكر أن كلام الممرضة قد استغرق جزءا أكبر من ~~تفكيري، وأنني في النهاية آثرت، بل وتمنيت، أن يكون صحيحا، وأن تكون لسانتي عيوب ~~ليزداد أملي فيها؟ فمشكلتي الكبرى كانت أنني لم أكن من ذلك الصنف من الشبان الذين في ~~استطاعتهم أن يتيهوا بوسامتهم على الفتيات، كنت أنظر في المرآة وأجعل عيني رغما عني لا ~~ترى الأشياء التي لا أريدها أن تراها في وجهي وملامحي، الأشياء التي لم أكن أحتاج ~~لرؤيتها لأدرك أنها هناك؛ فقد كنت لفرط إدراكي لها أحفظها عن ظهر القلب. # لم أكن وسيما ولا جميلا ولا يعد وجهي حتى من الوجوه المقبولة الشكل. لم يكن به ~~عيب جوهري، كل ما في الأمر أن ملامحي لم تكن منسجمة، لأمر ما كان فمي يبدو للناظر ~~واسعا كفم البحر إذا انفتح، مائلا إلى الناحية اليسرى إذا انغلق. أجل، كنت حقيقة ~~أراه وكأنه ليس فمي وكأنه عاهة مستديمة أصبت بها منذ الصغر، وكأنه جرح عريض ملتئم ~~يقطع وجهي ويميل إلى اليسار، وملامحي الأخرى لم يكن بها عيب، ولكن هذا الفم بوجوده ~~الدائم بينها لا أدري لماذا كان يشوهها. # وأفظع ما في الأمر كان ابتسامتي، وعشرات الآلاف ms023 من المرات وقفت أمام المرآة أبتسم ~~وأحاول أن أصلح الابتسامة وأجملها؛ إذ كنت قد قرأت أن ملامح الإنسان ممكن ~~تغييرها بالتمرين الشاق الطويل. عشرات الآلاف من المرات ابتسمت فيها محاولا أن أجعلها ~~ابتسامة مستقيمة كابتسامات كل الناس، محاولا أن أرفع قليلا ذلك الجزء الساقط منها ~~إلى اليسار بلا فائدة حتى يئست، وتحول يأسي إلى عادة وتحولت العادة إلى نسيان ~~مستمر مستديم لا ينتهي إلا في فترات محددة نادرة. وفي مثل تلك الساعة أو الساعات التي ~~رحت أفكر فيها في كلمات قالتها الممرضة، وربما كانت صادرة عن حقد وموجدة، ساعتها ~~عاد شكل ابتسامتي إلى ذاكرتي، ساعتها تمنيت لو كانت سانتي تمشي حقيقة كشيتا، تمنيت لو ~~نبتت لها فجأة آلاف العيوب. # وبمثل الومضة التي تذكرت بها ملامحي اختفت الذكرى، وبدأت فجأة أنظر للأمور وكأني ~~أصبحت على قدم المساواة مع سانتي، وكأن مشيتها تلغي بشاعة ابتسامتي، وكأننا أصبحنا ~~أندادا، أو على الأقل يجب أن نصبح أندادا. ولكي يحدث هذا، ولكي يثبت هذا، كان علي ~~أن أتوج أهدافي من سانتي بإيقاعها. # وقد يحاول البعض أن يفسر هذا على ضوء علم النفس المضحك ويقول إني كنت معقدا، وإني ~~كنت أعاني من عقدة القبيح الذي يحاول أن يثبت لنفسه أنه وسيم بإيقاع أكبر عدد من ~~النساء، وأي تفسيرات أخرى تقال - وقد تكون صحيحة - ولكن هل تلغي تفسيرات كهذه الحقيقة ~~البسيطة التي تقول إن الرجل بعد أن يقول لنفسه: هذه هي فعلا من أريد، لا بد أن يعود ~~ويقول لنفسه: ما دام الأمر كذلك فعليك بها، أوقعها؟ # 4 # ولم يكن إيقاع سانتي بالأمر السهل. # لم يكن سهلا أبدا أن أتخطى بقفزة واحدة حواجز منيعة تكاد تعادل تلك التي تقوم ~~بين الإنسان وأخته، حواجز الزمالة والعمل المشترك. ولكني كنت أعتمد على الزمن ونمو ~~العلاقة والتأكد بشكل قاطع أنها على الأقل راضية؛ ولهذا حين وجدتها تنتظرني تلك ~~الساعات الطوال وتتلهف على قدومي اعتبرت ذلك الانتظار برهانا أكيدا على اهتمامها ~~الشديد بي وقربها مني. وما يكاد الإنسان يعثر على برهان ms024 أكيد أو أرض صلبة مثل تلك ~~حتى تتوالى الشواهد. وهكذا وجدت في مجيئها كل يوم رغبة، وفي قطعها كل تلك المسافات ~~بين بيتها وبيتي واقتحامها ذلك الحي الشعبي الذي أقطن فيه، واحتمالها لنظرات الممرضة ~~وأصحاب الدكاكين المتراصة على الناصيتين، رأيت في هذه كلها شواهد جديدة تثبت لي على ~~الأقل أن رغبتها في لا تقل عن رغبتي فيها. # وزادني هذا ثقة بنفسي، وبالأرض التي أقف عليها. # ثم إن كلام الممرضة كان قد جعلني أبدأ أتأمل سانتي، وأجد أنها كفتاة وكأنثى تكاد، ~~لولا مبالغتي في تقديرها، أن تكون عادية لا يحق لي أن أستكثرها على نفسي، بل حتى من ~~الممكن أن أعتبر أن لي أنا الآخر مزايا يمكن أن تكون غير عادية، وتضاعف رصيد الثقة في ~~نفسي. # وكان هذا مهما؛ فمجرد سؤالنا لأنفسنا: ترى هل نستطيع؟ مجرد السؤال بداية شك في ~~قدرتنا وثقتنا بأنفسنا، وما لم تتدعم تلك الثقة فلن نستطيع الاقتراب خطوة. وهكذا أصبحت ~~سانتي بكل أحاديثها ووجهها المعبر المسمسم وروحها شيئا آخر ما لم تعد ندا أخافه ~~وأخشاه وأعمل حسابا كبيرا لكل خطوة أخطوها ناحيته. أصبحت فريسة جمدتها في مكاني ~~وما علي سوى أن أمد يدي وأتناولها. # وأنا لا أزعم أني كنت أفكر في هذا وأحلله وأتصرف على أساسه. إننا في أمثال تلك ~~المواقف نسمع ونرى ونحس ونقدر، ثم يهدينا تفكيرنا إلى أنسب التصرفات دون ~~تحليل أو تمحيص. # وقالت لي سانتي يوما في أواخر جلسة لنا: رأيت فرقة الأوبرا الإيطالية؟ ولم أكن قد ~~رأيتها أبدا. وحدثتني كثيرا عنها، وأخبرتني أنها تذهب مساء كل يوم لرؤيتها، وأن لديها ~~«أبونيه» لمؤخر الصالة، ورقم كرسيها الدائم 71. وطبعا أبديت حماسا كبيرا لأن أذهب ~~معها في مساء نفس اليوم، واتفقنا على أن نلتقي هناك، وأن علي أن أحاول العثور على ~~كرسي بجوارها. # وأغرب شيء أني بذلت جهود المستميت للحصول على التذكرة، وحصلت عليها ودخلت وأنا لا ~~أعرف «الأوبرا» التي كانت ستعرض في مساء ذلك اليوم، ولا أدري إن كانت «ريجوليتو» أم ~~«عايدة». ودخلت، ومن بين ms025 مئات الوجوه المزدحمة في مؤخر الصالة لمحت وجهها الأبيض ~~المحمر النحيف الدقيق الملامح، وأهم من هذا لمحتها تبحث بعينيها في لهفة، وكان من ~~المؤكد أنها تبحث عني وقد قرب موعد رفع الستار. وحين رأتني احتلت وجهها كله ~~ابتسامة رضا وفرح، كادت تكون أعذب وأمتع ابتسامة رضاء لمحتها في حياتي. # ولست أدري ما حدث ليلتها. # كانت الأوبرا تموج بالناس والأضواء؛ ومعظم المتفرجين من الإيطاليين المقيمين في مصر؛ ~~واليونانيين والفرنسيين والأجانب بشكل عام. ومعظمهم سيدات، شابات وعجائز، الشابات ~~جميلات وأنيقات، والعجائز يظهرن وكأنهن شابات، وكلهن يبتسمن ويضحكن، ورواد الصالة ~~والبناور يسخرون بنظراتهم من رواد البلكون وأعلى التياترو، فيقابل هؤلاء سخريتهم بسخرية ~~أشد. والجو يملؤه ذلك الأزيز الأنثوي الذي يصدر عن الجماعة إذا كان معظمها من النساء، ~~والرواد جميعا واضح أنهم في ساعة مرح وتفرغ كامل للاستماع والاستمتاع، لا مشاغل ~~لا تفكير في مشاكل. الابتسامات كثيرة تملأ الأركان، والضحكات أسهل من الكلمات، والأرواح ~~شفافة خفيفة يلونها المرح الدافق بألوان زاهية ساحرة. # وقالت لي سانتي همسا: خفت ألا تأتي. # وقلت وأنا مبهور بالجو الذي حولي، قلت شيئا ما، كلاما من الكلام الذي نسد به ~~خانات الحديث؛ إذ كان تفكيري الأكبر موزعا بين تأمل كل تلك الوجوه الشابة الجميلة، ~~وبين الاستعداد لسماع الأوبرا نفسها وهي تجربة جديدة، وبين استعادة لهفة سانتي على ~~مجيئي وإبقائها حاضرة في ذهني لا تغيب. # وحين أقول اللهفة فإني أعنيها؛ إذ يبدو أن من كثرة استعمالنا لبعض الكلمات فقدت تلك ~~الكلمات وقعها ومعناها. اللهفة التي لمحتها ناطقة بها ملامحها، اللهفة النابعة من ~~الأعماق المتجسدة كيانها كله حتى أصابع القدمين، هذه اللهفة ... # ليلة الأوبرا ... # ما فائدة أن أتكلم عنها؟ إن كل ما حدث ليلتها أشياء لو قلتها لبدت ~~عادية جدا، ولكن الأشياء العادية تصبح في أحيان ذات معان غير عادية ~~بالمرة. اللهفة التي قابلتني بها ممكن أن تكون لهفة الصديقة التي دعت صديقا إلى ~~الأوبرا ثم مضى وقت طويل ولم يظهر له أثر، ولكنها لم تكن كذلك، وقد أطيل ويبدو ~~حديثي مملا، ms026 ولكني أود أن أوحي بالفرق، الفرق الدقيق الذي يحس ولا يوصف. ~~إنك تستطيع أن تصافحني عشر مرات، بنفس القوة، بنفس القبضة والضغطة ونفس الترحيب، ولكني ~~أستطيع أن أقول دائما أي تلك المرات كانت أدفأ وأكثر مودة. # ولو كنت قد رأيت أعز الناس لدي يحتل مقعدا في مؤخر الصالة أو في أي مكان من ~~المسرح، لما كنت قد تذكرت الآن أني رأيته؛ فعقلي لم يدر فيه أي شيء خارج سانتي، ~~الفتاة الصغيرة النحيلة التي كانت تجلس على بعد قليل (إذ لم يأت مقعدي بجوارها ~~تماما)، الفتاة التي تعجبني جدا والتي دعتني إلى الأوبرا وتلهفت على قدومي. # في تلك الليلة بدأ إحساسي بملكيتها. # بدأت أحس أن هذه المرأة لي، أو إن لم تكن كذلك فيجب أن تصبح لي وحدي. # وفرق كبير بين أن تكون منجذبا إلى إنسانة أو أن إنسانة معجبة بك، وبين أن تبدأ ~~تفكر فيها على أنها فتاتك وأنثاك. # هو نفس الفرق الذي لم أحس معه بالستار حين ارتفع، ولا الموسيقى حين بدأت تتصاعد ~~وتنتشر في أرجاء الأوبرا كالعطر الصوتي الثمين الذي ينتزع الآهات والأشجان. كل همي كان ~~أن تأتي الاستراحة. كنت أريد أن أحدثها. كنت أريد أن أقول لها رأيي في الليلة والناس ~~والحفلة وفيها. وكنت أريد أن أسمع تعليقاتها على رأيي. وكنت أعرف أنها ستوافقني على كل ~~ما أقول. ولكني كنت متلهفا على سماع تلك الموافقة وهي تخرج من بين شفتيها. # وذهبنا إلى البوفيه وهي تسبقني، وكلانا يحاول أن يجد له طريقا بين الأجساد المتلاطمة ~~المزدحمة. وكنت وأنا أستسمح هذا أن يدعني أمر، وأعتذر لذاك وأبتسم. أحس بنفسي ~~رقيقا دقيقا كوتر الكمان، كلامي موسيقى، وحركاتي أريد أن أحيلها إلى رقصات باليه. ~~إن السعادة أحيانا تخلق من الإنسان شاعرا. ووصلنا إلى البوفيه ووقفنا نرشف أقداح ~~القهوة ونتكلم وأقول لها آرائي وتقول آراءها، وتبتسم كثيرا ونتجاوب بشدة. كان يخيل ~~إلي وهي واقفة أمامي ولا يفصلنا سوى ابتساماتنا والبريق الصادر عنها، ووجهها حلو قد ~~أضفى عليه الليل والأنوار بياضا وحمرة ووسامة، ms027 والروج في شفتيها أنيق رقيق كشفتيها . ~~هي تتحدث، وتقول «نعم» أحيانا، وأحيانا تضم شفتيها تلك الضمة التي تبرزها إلى الأمام ~~وتجعدها تلك التجاعيد التي يجف لها الحلق قائلة «لا». كان يخيل لي كلما أفقت ~~أننا أخيرا التقينا. أجل، أحسست تلك الليلة أنها قد أصبحت فتاتي وأنثاي. نظرات عينيها، ~~البريق المشع المتلهف الذي كان يملأ حدقتيها، النشوة وهي ترجف رموشها، الحياة التي ~~تتذبذب وتتلوى في قسماتها. هي بكل ما فيها، بكل خلاياها وانفعالاتها، بردائها الأسود ~~الأنيق، بغطاء رأسها، بتلك «الطاقية» السوداء الجميلة ذات «الطرة» المدلاة إلى ناحية ~~تلامس أذنها ورقبتها وتداعبها، وهي بكل الهالة الحيوية الساحرة التي تحيطها، هذا كله لا ~~يمكن أن يبدو من امرأة إلا لرجل قد وقع عليه اختيارها. # والمهم أني لم أرها على حالة واحدة أبدا. كان شكلها يتغير على الدوام في نظري، ~~ويبدو لي وجهها في كل دقيقة وجها آخر أجمل وأحلى. حتى بريق عينيها كان يتغير في ~~كل ومضة أو نظرة، وكنت مذهولا أحاول عبثا أن أحتفظ لها بصورة واحدة. ولكن ~~ألوانها تختلط بألوان، وبياضا في احمرار دائم متغير، وسواد ثيابها يشع غموضا ~~حبيبا يلفها ويلف الوقفة واللحظة، ووجهها مرة أراه وجها أعرفه وأحفظه، ومرة ~~أراه وجه ملكة من ملكات التاريخ، وجه إلهة من آلهة اليونان، أو جنية من جنيات ~~الأساطير، وأحيانا وجها جديدا تماما أراه لأول مرة في حياتي. # كان الثابت الدائم هو إحساسي أن تلك الإنسانة التي لا تستقر صورتها في خاطري لحظة، ~~لي، ملك خواطري، أنثاي، كل هذا التغير والتبدل من أجلي أنا. # وكانت تتحدث والضوضاء كثيرة، وكانت ترفع فمها إذا تكلمت ليكون قريبا من أذني ومني، ~~وكنت أسمعها وألتهم كلماتها، وألتهم معها إحساسي بأنها لا تتحدث لي ولكنها تناجيني، ~~إحساسي أنها أصبحت جد قريبة وأصبحت راضية وما علي سوى أن أمد يدي وأقطفها، ~~فأحدثها أنا الآخر وأعصابي قد وترتها إشعاعات جسدية صادرة عن قربها مني، ولولا الناس ~~والمكان لما استطعت المقاومة. # وحين كنا نتجول خلال الاستراحة، قابلت سانتي زوجين يبدو أنهما ms028 كانا على صلة ~~ما بها. لم يكونا عجوزين ولم يكونا شابين، وعرفتني بهما. وقالت الزوجة بعدما تعارفنا ~~بانبهار: أنت طبيب حقيقي؟ # قلت: طبعا. # قالت: لا تؤاخذني، ولكنك تبدو صغير السن جدا على طبيب. # فقلت وقد ملأني كلامها نشوة، أو بالدقة ملأني ذلك الكلام على مسمع من سانتي نشوة ~~حبيبة، قلت: وماذا تقولين لو عرفت أني تخرجت من سنوات ثلاث أيضا؟ # ورمقتني السيدة لحظتها بنظرة ما زلت أذكرها، نظرة أنستني ابتسامتي المعوجة ~~وملامحي غير المنسجمة، تلك النظرة التي تقولها المرأة بعد ما تكون قد تخطت السن وتقول ~~بها للشباب: ليتني أصغر أو ليتك أكبر. # وحين انتهت الرواية هبطنا السلم معا، وعند نهايته ودعتني سانتي. ورحت أحتج أنا ~~وأطلب منها أن أوصلها ولكنها أخبرتني أنها ذاهبة مع زوجها الذي يعزف مع الفرقة ~~الإيطالية كلما حضرت إلى القاهرة. ودهشت قليلا ولكن نظرتها وهي تودعني سلبتني ~~دهشتي وملأتني بالسعادة. كانت نظرات من تودع إنسانا حبيبا لتأخذ طريقها إلى ~~حياتها الخالية من الأشياء الحبيبة. # أقول: دهشت قليلا لأني اعتقدت ربما أول مرة قابلتها فيها، أن من غير المعقول أن ~~تكون علاقتي بسانتي علاقة بسيطة من تلك التي تنشأ بين أي شاب وأية فتاة، والظروف التي ~~أحاطت بتعارفنا لم تكن تكفي لإعطاء صيغة خاصة لتلك العلاقة. كان شعوري الداخلي يؤكد ~~باستمرار أن هناك شيئا ما لا أعرفه عن سانتي، ولكنه مهم جدا بالنسبة لعلاقتنا، وكنت ~~أتوقع باستمرار أن يكون شيئا خارقا للعادة، ولم أتوقع، بل لم يطرأ موضوع كهذا على ~~أحاديثنا، لم أسألها إن كانت متزوجة ولم تسألني. كنت أستنكر هذا السؤال عليها ولها كل ~~مؤهلات الصغيرات وقلبهن الخالي. # دهشت قليلا لأني أخيرا عرفت بشكل قاطع ذلك الشيء الذي توقعته دائما، ~~وعرفته بطريقة بسيطة حتى كدت لا أتبينه. سانتي إذن متزوجة، ولها زوج يعمل عازفا في ~~الفرقة الموسيقية ويوصلها في ذهابها إلى الأوبرا وعودتها. لماذا لم تخبرني قبلا؟ ~~ولماذا فاجأتني الليلة؟ أسئلة لم تدر في عقلي إلا متأخرا جدا، بعد ما عدت من ~~الأوبرا واستهلكت تأملي ms029 لكل ما أحسسته من متع وبدأت أتهيأ للنوم، أسئلة لم آخذها ~~أبدا مأخذا جديا ولا ناقشتها على اعتبار أنها مشكلة بالغة الخطورة قد تلغي علاقتنا ~~مثلا أو تحيلها إلى علاقة من نوع آخر. فلتكن متزوجة أو أرملة؛ فقد عرفت هذا بعد ~~فوات الأوان، وحتى حين عرفته ماذا بيدي أصنعه؟ أنا لا أريد منها شيئا لا ترضاه هي. أنا ~~لا أريد اختلاس حق زوجها، وأنا لا أريد منها أي شيء بالذات. حتى هي نفسها كان واضحا ~~أنها لا تفعل شيئا من وراء ضميرها أو خلقها، فلماذا أجعلها أنا محط الانتظار؟ # ونمت. # وثاني يوم جاءت سانتي. # كانت الساعة قد تعدت الثالثة والنصف، وكانت أم عمر في المطبخ تعد الغداء ~~وتغني بصوت أجش نائح أغنية صعيدية حزينة، وكنت جالسا في حجرة المكتب وحيدا ~~أتثاءب وأسترخي بعد ساعات العمل الشاقة وأستعد لتناول الطعام أو لمجيء سانتي. كفت أم ~~عمر عن الغناء ووضعت كمية من «السبانخ» التي كانت قد انتهت من إعدادها في طبق، وكمية ~~من الأرز في طبق آخر، وأعدت المائدة الصغيرة التي في الصالة، وأخيرا نادت علي ~~وقالت: كل يا بوي بالهنا والشفا، والله طبيخي يا سي يحيى ما يطلع من تحت إيد ~~الخواجات. # وقمت وأنا لا أزال أتثاءب وأعرض على أم عمر أن تتزوجني بالمرة ما دامت تجيد ~~الطهي، وقالت أم عمر: يه يا بوي! يا عيب الشوم! دا أنت اسم الله على مقامك من ~~ولادي. # والغريب أنها كانت تأخذ دائما عروضي للزواج منها مأخذا جادا، حتى لو قلتها وأنا ~~أخرج لساني وأضحك. # وما كدت أبدأ تناول الطعام حتى دق جرس الباب، وفتحت أم عمر وشهقت وقالت: المزمازيه ~~يا بوي. # ودخلت سانتي ضاحكة، ووقفت وقابلتها ضاحكا أنا الآخر، عازما عليها بالغداء، وفوجئت ~~بها تقبل وتوقعني في حيرة عظمى، فلم تكن شقتي مجهزة بأدوات طعام تليق بها أو ~~بأي إنسان آخر سواي. ثم إن الطعام نفسه لم يكن يصلح ليقدم للضيف؛ فهو طعام ~~شاب أعزب يتناول مرتبا لا يزيد على العشرين جنيها إلا ms030 بضعة قروش. قبلت سانتي ~~وجلست تأكل معي وأنا خجل أردد تلك الكلمات التي نقولها لنعتذر بها في لهجة مهذبة ~~عن فقرنا وحاجتنا، اعتذارات هدفها أن نبدد عن أنفسنا فكرة الحاجة والفقر، ولكنها مضت ~~غير عابئة بكلامي تأكل بشهية متفتحة وتثني على طهي أم عمر، الواقفة قريبا منا ~~كالديدبان الحارس، المتلهفة على رأي الخوجاية في طهيها، القائلة بعدما ترجمت لها ذلك ~~الرأي: بالهنا والشفا يا بوي، والله يا سي يحيى البنت دي طيبة وباين عليها العز، إنما ~~مش عارفة خايفة عليك منها ليه يا بوي، ما تزعلشي أهو كلام من كلام خالتك أم عمر الفارغ، ~~بالهنا والشفا يا بوي. # وفي الواقع لم يكن هذا أنسب وقت لكلامها الفارغ؛ فقد كنت غارقا فيما أنا فيه من ~~حرج، وفي عشرات الأسئلة التي مضت تحوم في عقلي عن سانتي وكنهها ومن هي وماذا تعمل وما ~~هي حكاية زواجها ذلك. # وانتهى الطعام. # وجلسنا ندخن السجائر ونحتسي القهوة، وهمي كله أن أراقب سانتي وهي تدخن ~~السيجارة وتأخذ الرشفات، ولا أعرف لماذا ننظر إلى المرأة وهي تدخن تلك النظرة الغريبة ~~التي يختلط فيها الإعجاب والدهشة والاستحسان ببعض الاستنكار أيضا. ما أعرفه أني كنت ~~أتلهى بمراقبتها عن الأسئلة الكثيرة التي تتزاحم على لساني لتنطلق وتجد إجابات شافية ~~مقنعة لها. كانت متناقضات كثيرة غامضة تكتنف سانتي. كانت أحيانا تبدو كأنها غنية غنى ~~فاحشا، وأحيانا تبدو في زي الكادحات. كانت تتحدث بالعربية في انطلاق من يعرفها ~~أحيانا، وأحيانا لا تعرف معنى أبسط الكلمات. كانت تقول إنها تعمل، ولا يبدو عليها ~~أنها تعمل أو أن هناك حاجة تدفعها للعمل. وبالأمس عرفت بشكل قاطع أن لها على الأقل ~~زوجا، ومع هذا فلم تذكره مرة واحدة في حديثها معي ويكاد لا يبدو عليها الزواج، وها أنا ~~ذا أتأكد الآن أن هناك دبلة في يدها اليسرى كأن ما رأيتها قبلا. # أسئلة كنت أمنع انطلاقها، وأمنع حديثنا أن يقترب منها مخافة أن تأتي الإجابة عليها ~~أو على أحد منها بعقبة ضخمة تقف بيننا وأوجدها أنا ms031 بحب استطلاعي الغبي. لماذا ~~أسألها؟ ولماذا أحاول معرفة أي شيء أكثر من أنها هنا معي، جاءت من أجلي وجالسة تتحدث ~~إلي؟ # ولكن الأسئلة التي منعت لساني أن ينطلق بها لم أستطع أن أمنع سانتي من أن تقرأها ~~مرتسمة بكل تفاصيلها فوق ملامحي. لا بد أن هذا ما حدث، ولا بد أنه السبب في ذلك ~~السكوت الذي وجدناه قد خيم على جلستنا، وفي الخجل القليل الذي اعترى سانتي وهي تقطع ~~السكوت وتقول: لعلك لم تدهش حين عرفت أني ... # وتوقفت عن الكلام، ورسمت تساؤلا ضخما على ملامحي، فمضت تقول: إني متزوجة. # قلت وأنا أضحك وكأني أتحدث عن شيء آخر: أبدا! لم أدهش. # ولكن بعد قليل وجدت نفسي أعود للضحك فجأة وأقول: الحقيقة أني دهشت؛ فلم يكن يبدو ~~عليك، إنه شيء لا يستطيع الإنسان تصديقه بسهولة. # قالت: ومع هذا فأنا حقيقة متزوجة. # ولم أجد في نفسي أية رغبة لمواصلة الحديث، ولكني خفت أن يحل الصمت بعد كلامها السابق ~~مباشرة؛ فتخجل ويصيبها الحرج، فمضيت أسألها بلا اهتمام كبير عن زوجها وعمله. وقالت لي ~~أشياء كالتي نقرأ عنها في القصص. قالت إن عائلتيهما موزعتان على مصر وقبرص ~~واليونان، وإنها هي شخصيا ولدت وعاشت في مصر ولم تذهب إلى الوطن الأم إلا مرات ~~قليلة ولفترات لم تتعد الشهور، وإن أباها كان متجنسا بالجنسية المصرية، ولكنه ~~فضل أن تنشأ هي على الجنسية اليونانية، وإنه كان يملك أطيانا كثيرة في الفيوم باعوا ~~معظمها بعد وفاته واشتروا بها مكتبة كبيرة وسط البلد، وزوجها كان معها في المدرسة، ~~وتزوجته رغم معارضة أمها، وإنه تخصص في الهندسة البحرية وقضيا عاما متزوجين، ثم ~~في أثناء احتفالهما بعيد الزواج الأول صارحها بأنه يريد الانضمام إلى حركة التحرير ~~القبرصية، ولكن مشاكل حزبية وتنظيمية حالت بينه وبين الانضمام، وهكذا قنع بالبقاء في ~~مصر على أن يقوم بجمع أكبر كمية من التبرعات ويرسل بها إلى «أيوكا»، ولكنها تخالفه ~~بشدة في الرأي، وترى أن اليونانيين المقيمين في مصر عليهم إذا أرادوا الكفاح أن يساعدوا ~~المصريين؛ فهم الأولى ms032 بالمساعدة والأجدر. # قصة غريبة بدأت أسمعها وأنا غير مصدق، وحين انتهت منها كنت لا أزال غير مصدق ~~أيضا. أكثر من هذا كنت لا أريد أن أشغل نفسي بفحصها وتمحيصها والتأكد منها، ومن ~~يدري قد أصدقها حينئذ، ومن يدري أيضا أي موقف حرج أجد نفسي فيه بعد ~~تصديقها؟ # أخذتها إذن مأخذ الحديث العابر الذي لا يحتاج لأي تعليق، الحديث الذي يقال بغير ~~اهتمام ونسمعه بلا اهتمام أيضا. وحاولت جادا أن أغير من نظرتي لسانتي بعد سماعي ~~ما قالته، حاولت أن أنظر إليها من خلال تلك المعلومات الجديدة منها ففشلت. ظلت في نظري ~~هي هي لم تتغير، الفتاة النحيلة الجميلة التي أجد نفسي منجذبا إليها بقوى أكبر مني ~~ولا أملك إلا طاعتها. # وأحببت أن أغير حينئذ مجرى الحديث، فبدأنا نتكلم عن الأفلام المعروضة، وقالت سانتي ~~إن في سينما ميامي فيلما فرنسيا رائعا. # وكنت أغير مجرى الحديث وكلي خوف أن يكون ما قالته - وإن لم يؤثر في أنا - قد ~~أثر فيها هي وغير من نظرتها لي ومن انجذابها نحوي، فقلت وأنا أضع الخاطر موضع ~~الاختبار وأضع يدي على قلبي مخافة النتيجة: هل تقبلين دعوتي لرؤيته؟ # وفي الحال وبلا أي تردد وجدتها تهز رأسها علامة القبول، وشككت في تلك الموافقة ~~السريعة وعدت أكرر الدعوة وعادت تقبل. واتفقنا، واعتذرت عن عدم إمكانها أن تذهب في ~~حفلات الليل، ولم أسألها لم، واتفقنا على أن يكون الموعد يوم الأحد في الساعة الثالثة ~~أمام سينما ميامي. # وكان بيننا وبين الأحد عدد من الأيام. # وكان ثمة عيد قد أقبل، وكان علي أن أسافر إلى بلدتنا. شيء مقدس أن يعود أبناء ~~القرى الذين استوطنوا المدن إلى قراهم في الأعياد. إنه الشيء التقليدي الخافت الذي ~~ترعرعوا ونشئوا في كنفه. # والواقع أني قد بدأت أشتاق للبلدة ولعائلتي ولآلاف الأشياء التي غادرتها هناك من ~~صغري، ذلك الشوق الذي أعرف أن ساعة واحدة أقضيها في القرية تكفي تماما لإطفائه؛ إذ ~~ما أكاد أهبط من القطار وتطالعني الأشجار التي أعرفها، والنخيل الذي كان قبل أن ms033 أوجد ~~ولا يزال في مكانه من يوم وجدت، والبيوت الرمادية الداكنة التي أعرف عن قاطنيها كل ~~شيء. ما أكاد أعود مرة أخرى إلى ذلك الهدوء الممدود الذي يرقد ريفنا في قاعه، وما تكاد ~~آذاني تستريح من الطنين الذي لا ينقطع في المدينة وأهبط إلى المكان الذي لا ضجة فيه ~~ولا طنين، بل الهدوء الحافل الكبير، هدوء يغري بالهدوء ويثبط الهمم. ما أكاد أطالع كل ~~هذا حتى أبدأ أتناقض مع نفسي؛ فنحن نسير في المدينة بسرعتها القاهرة المجنونة، ولكنا ~~هناك في تلك الأرض الواسعة غير المحدودة نحدو بل نقف في أماكننا لا نسير. وما نكاد ندرك ~~أننا وقفنا وأن سرعتنا هبطت إلى العدم حتى نبدأ نحن إلى الطنين والجري والحركة الهائلة ~~الدائمة التي لا تكف ولا تسكت. # سافرت إلى البلدة إذن، وطالعني كل ما أعرف سلفا أنه سوف يطالعني، ومع هذا فللقائنا ~~بالقرية فرحة كفرحة رؤيتنا لصورنا ونحن أطفال، ولخطنا أيام أن كنا تلامذة في ~~ابتدائي وثانوي. وقوبلت بما تعودت أن أقابل به، جرى أخي الصغير حين رآني من المحطة ~~وعانقني والتف حول ساقي، ثم انفلت وانطلق يعلن الخبر لأبي وأمي وبقية إخوتي، وقبل ~~أن أصل إلى الباب كان يزدحم بمظاهرتهم الحافلة الفرحة الصغيرة، وأنا حائر أعانق من ~~وأسلم على من؟ أكاد أبكي من فرط انفعالي وخجلي وتأثري! ودائما أفتقد أمي في تلك ~~المظاهرة، وأعرف أنها كالعادة غاضبة علي لأي سبب أو للا سبب، وأنها جالسة متناومة أو ~~متمارضة ولا بد لي أن أذهب وأقبل رأسها فتنفر مني، وأعود أقبل يدها فتسحبها بوجه ~~صارم تحاول صاحبته أن تمنع أي بادرة انفعال أن ترتسم عليه. وأفعل هذا كله بحكم الواجب ~~والعرف والتقاليد وبلا أية رغبة حقيقية في فعله؛ فأنا لم أكن حريصا على إرضائها مثلما ~~كانت هي الأخرى غير حريصة على إرضائي. علاقتنا كانت غريبة في بابها منذ صغري ودونا عن ~~بقية إخوتي؛ فلا هي علاقة حب ولا علاقة كره. كنت ابنها الثالث، خلفتني وقد بدأت ~~تضيق بزواجها بأبي، وجئت شبهه، وبكل ms034 عنفوان الفلاحة الفتية ذات الخمسة والعشرين عاما ~~عاملتني وربتني، بكل الخشونة والغلظة والجفاف، وكنت طفلا ساكنا حساسا سرحان، ~~روعتني معاملتها لي إلى حد أنها أربكتني وجعلتني أخاف أخطائي إلى الدرجة التي أتردى ~~دائما فيها. وبالعصا والأقلام والشلاليت كانت تواجه أخطائي، وبالرعب كنت أواجهها، ~~رعبا ملك علي كل طفولتي فلم أجد معه وقتا أو جرأة أسأل فيها نفسي: ترى هل ~~أحبها؟ أسأل نفسي فلم أكن في حاجة لسؤالها عن كنه عواطفها نحوي؛ فعواطف الآخرين ~~نقيسها ونحن أطفال من زاوية واحدة فقط، زاوية حنانهم. الحنان عندنا يعني كل شيء، يعني ~~الحب والخير والطيبة. والغلظة تعني كل شيء، تعني الكره والشر والتوحش. وأنى لي وأنا ~~في تلك السن الصغيرة البعيدة أن أدرك أن حنانها هو الذي كان يدفعها لإمساك العصا وتوجيه ~~الصفعات. # كل الذي حدث أنني نشأت أخاف منها ونشأت تخوفني، وبيننا كل ما بين الخائف ~~والمخوف من توتر وحرج وحساب عسير. وانتقل الوضع نفسه إلى علاقاتي بكل من عرفت غيرها ~~من النساء. أكره الضعيفة وأشمت في القوية حين تضعف، وبيني وبين الضعيفة والقوية والجنس ~~كله صراع لا أعرف متى ينتهي ولماذا أنا سائر فيه؟ ولماذا أنا حائر مشتت بين رغبتي ~~الشديدة فيهن وخوفي الطاغي منهن وعدم اطمئناني إلى أية علاقة قد تنشب بيني وبينهن؟ ~~عدم اطمئنان مرجعه لا بد إلى أني كنت أشك في أحيان كثيرة بعلاقتي بأمي، أشك إن ~~كانت أمي حقيقة؛ فلم أكن أبدا أحس أنها أمي، حتى وأنا أميل عليها لأقبلها حين ~~كبرت وأرى التجاعيد في وجهها والشيب في شعرها كنت أكاد أفيق لنفسي وأقول: ترى أهذه ~~حقيقة أمي؟ # ومن يشك في أول علاقاته بالناس وأقربها - العلاقة الغريزية التي لا تقبل أي تساؤل ~~أو عدم تسليم - له العذر لو تشكك في أية علاقة تنشأ بينه وبين أي إنسان. فإذا كانت ~~الظروف قد دفعته لأن يتساءل: أهذه أمي؟ فمن باب أولى أن يظل يتساءل: أهذا صديقي، أتلك ~~حبيبتي، أهذه زوجتي؟ وقد يقضي حياته كلها يسأل ويمضي عمره دون أن يجد ms035 الجواب، ولكن ~~النتيجة أنه حتما سيظل وحيدا محاطا بالشك في نفسه والشك في الآخرين، بالخوف منهم ~~وتخويفهم، بسور من جهنم الدنيا المريع. # كنت دائما أفتقد أمي في مظاهر الترحيب بي، ودائما أذهب وأصالحها، ودائما تقبل ~~صلحي على مضض، وكنت ما أكاد أصبح في قلب بيتنا، البيت المهدم ذي الطلاء الأبيض المصفر ~~المتهالك، والكلب العجوز والحوش المهمل، ما أكاد أصبح وحولي كل هذا حتى أفيق، وكأننا ~~نحيا في المدينة في حلم طويل لا نفيق منه إلا حين نعود إلى قرانا. وهناك نجد ~~الحقيقة، هناك ندرك أننا فقراء مطحونون نتستر بالحيل لنعيش. إننا في المدينة نحاول أن ~~نبدو كأهل المدينة، ولأننا لسنا منهم لأننا فلاحون، نحاول أن نبزهم ونتفوق عليهم في ~~ملبسهم ومعيشتهم وكأنما لندفع تهمة الفلاحين عنا، حتى إذا عدنا وجدنا حقيقتنا ~~الجرداء. وجدنا أصلنا وأقاربنا وجلابيبهم الرثة المرقعة، وإخوتنا الحفاة، وأمهاتنا ~~وهن يدارين البيضة ويبعنها للصرف على بيوتنا. حين نعود نجد هذا، ونجد نفس المشاكل التي ~~غادرناها لا تزال قائمة ولا تزال بغير حل، ونفس الكلمات والمجاملات التي من كثرة ~~ألفتنا لها مججناها وأدركنا من زمن بعيد أنها لا تعني شيئا على الإطلاق. حين نعود ~~ونجد هذا كله نحس أننا هبطنا من سموات أحلامنا إلى الأرض العارية، الأرض التي تبدو ~~لنا المدينة منها كعالم جميل مفقود أفقنا منه لنبدأ نؤنب أنفسنا ونعجب من ~~تصرفاتنا. كيف كنا نجرؤ على صرف الجنيه بكل تلك البساطة، والجنيه هنا شيء ضخم كبير ~~ممتنع كنجوم السماء. الجنيه هنا حياة كاملة، ثروة وضياعه مصيبة وحادثة قد يظل صاحبها ~~يذكرها حتى الممات. # ما أكاد أصبح في قلب بيتنا حتى أفيق وأحس أنني مجرد آثم يلهو في المدينة وأهله ~~هنا حفاة عراة غلابة طيبون، ينظرون له وكأنه إله، وكأن قوة خفية قد رفعته عنهم ~~وفضلته عليهم، يرون أنه لم يعد منهم، أصبح أفنديا يحجبون عنه - وهم أهله - ~~أسرارهم، ويحاولون إخفاء ما بهم من عيوب، يعاملونه وكأنه لم يعد ابنهم، أخذته المدينة ~~منهم وأصبح ابنها هي. # وحتى حين أفيق ms036 وأندم وأحس بجرمي لا أستطيع أيضا أن أفعل شيئا، وكأنما لعنة حلت ~~بي وغيرتني إلى الأبد. كل ما أحسه أني بين قوم غرباء أتفرج عليهم ويتفتت قلبي من ~~أجلهم، ولكني أدرك أن قد أصبح بيني وبينهم شيء، أصبحت أمت إلى عالم آخر مختلف ~~تماما عن عالمهم ودنيا غير دنياهم، دنيا أحس خجلا شديدا منها وأنا في دنياهم، ~~أحس بالمدينة والحياة فيها كأنهما معصية كبرى ارتكبتها ومواظب على ارتكابها ويبدو ~~أنني لن أتوب، ارتكبتها حين انسقت وراء أهلها أتطبع بطبائعهم وآكل مثلهم وأحيا ~~حياتهم. # ما من مرة كنت أعود فيها إلى بلدتنا إلا وتنتابني أحاسيس كتلك، أحاسيس تخف ~~وطأتها وأتعود عليها عاما بعد عام. وفي تلك المرة أيضا كانت تحفل بها نفسي وأنا جالس ~~وحولي عائلتنا، أستقبل أقربائي وأصدقائي الذين جاءوا يهنئونني بالقدوم، وأنا أعيد ~~على الناس والناس تعيد علي، وحتى وأنا أحاول المحاولات اليائسة الأخيرة للفوز ~~برضاء أمي ودعواتها، ووجهها جامد لا ينفك، أحاول أن أقرأ فيه بادرة حنان واحدة تعزيني ~~عن الحنان الذي افتقدته وأنا صغير فلا أجد، تماما كما ظللت أفعل من سنين وأفشل، ~~ويدفعني الفشل إلى البحث عبثا عن الحنان في إخوتي وأبي، فأجد بعض العزاء ولكنني لا أجد ~~الحنان كله؛ فحنان الأم يبدو أنه كلبنها لا يقوم مقامه بديل، ومن لم يذقه من المؤكد ~~أنه سوف يظل يبحث عن طعمه لدى الناس أجمعين، ومن المؤكد أيضا أنه لن يعثر له على أثر ~~أو بديل. # لم تتعد الأيام التي قضيتها في البلدة يومين أو ثلاثة، وطوال تلك الأيام كانت سانتي ~~تحيا معي باستمرار. كنت أنظر إلى أبي الطيب وإخوتي وأمي والفلاحين أبناء البلدة، وأرى ~~التراب والمرض والفاقة والخراب وأقول لنفسي هناك، في مكان ما من هذه الدنيا جنة صغيرة ~~مخبأة لي، هناك تلك الفتاة الحلوة ذات الإشعاعات، هناك سانتي. # كنت أقارن بين ما أراه حولي وبين تلك الصورة السرية التي خبأتها في نفسي لا يعرفها ~~أحد ولا تصل إليها عين إنسان، فأحس بالدفء، وكأنني أحتفظ برغم كل ms037 ما كنت أراه بكنز ~~خاص بي لا تفتحه إلا كلماتي أنا، كنز ساحر براق يملؤني بالغنى والسعادة ويرسل أنوار ~~أمل في كل ما كنت أراه، وكل ما كنت أراه كان يبدو لي خاليا تماما من الأمل. وكل ~~يوم يمضي وكل ساعة تمر تركز صورتها المخفاة وتلهبها وأحس بها أكثر، وأرى فيها شيئا ~~غامضا رائعا جذابا يهيب بي أن أحيا، ويجعلني أجد للحياة مذاقا وطعما، أجمل طعم ~~ومذاق. # وكان يوم الأحد ثاني أيام العيد. # وثاني أيام العيد في الأرياف شيء مقدس كأول يوم فيه. # وكنت قد قررت وأنا في القطار وذكرياتي عن بلدتنا تحضرني وأشواقي إليها هائجة أن أضرب ~~صفحا عن ذلك الموعد مع سانتي لدخول السينما؛ إذ كان لدي إجازة طويلة، ولم يكن هناك ~~ما أفعله إذا قطعت الإجازة يوم الأحد وعدت إلى القاهرة إلا ذلك الموعد. # كنت قد قررت هذا لأن ليلة الأوبرا كانت قد أضفت علي الطمأنينة ودفعتني لأن أثق ~~بنفسي وأومن أنها تمت لي وأنها آجلا أم عاجلا في طريقها إلي، وأن من الممكن جدا ~~أن أقف في مكاني ولا أتحرك، أو حتى أخلف موعدا وأنا ضامن مائة في المائة أن هذا لن ~~يؤثر في علاقتنا، بل قد يزيد من استمساكها بي. # وكنت قد قررت هذا وأنا في طريقي إلى البلدة، غير أن الأيام التي قضيتها هناك غيرت ~~كل شيء. # كنت كلما رأيت الموت يغمر كل شيء من حولي، وكلما فزعت إلى صورة سانتي في خاطري ~~وتلمستها في خيالي، أزداد إعزازا لها ومبالغة في الحرص عليها، وخوف بارد مجهول أن ~~أفقدها، أودعتها كل بريق الأضواء في المدينة، وكل الحياة الملتهبة العنيفة التي ~~يحياها الناس هناك، كل آيات النشاط البشري والذكاء والجمال أودعتها سانتي، وتبلورت فيها ~~- في تلك المدة القصيرة - كل أماني في حياة عريضة حافلة. وكلما رأيت الموت من حولي ~~فزعت إليها، إلى الحياة كما أتصورها، إلى روح الحياة. وما كدت أطفئ شوقي إلى أهلي ~~وذكرياتي وأصحو على واقع ريفنا العادي الرتيب حتى كنت أحن شوقا إلى ms038 حركة المدينة، ~~وحياتها وأضوائها وأحلامي فيها ، والفتاة الجميلة الرائعة التي كانت تقف معي في الأوبرا ~~بغطاء رأسها الإغريقي ذي «الطرة» وبريق سنيها، وشغفي بها وشغفها بي. # وما كادت تأتي ليلة السبت حتى كنت على أحر من الجمر قد قررت أن أسافر صباح الأحد ~~لأوافي سانتي في الميعاد. # ولم يكن سهلا أن أنهي القرار إلى العائلة، وأصعب منه كان أن أواجه رفضهم البات وأن ~~أكذب كذبا واضحا مفضوحا وأختلق الحجج والمعاذير. # وتحول الرفض تحت وطأة حججي إلى إلحاح، ثم تطرقت بهم طيبتهم الحبيبة إلى رجاء أن ~~أقضي يوما آخر، مجرد يوم آخر. # وأخيرا سمحوا؛ فقد كانوا يعلمون أن رضاءهم أو عدم رضائهم لم تعد تسري على ابن ~~المدينة، وكل يوم يزدادون اقتناعا أنه لم يعد يمت إلى دنياهم. # وكم زحفت ساعات الليل - ليل السبت - بطيئة كئيبة. # وكم كان الشروق رائعا جميلا. # وتحرك القطار. # واعترتني نفس الغصة التي تعتريني كلما غادرت البلدة ... غصة لكل ما اختلقت من ~~أكاذيب، وخجل لأنهم صدقوا أكاذيبي، وشيء كقبضة تجثم على قلبي وتعتصره لإحساسي أني ~~مدين بالكثير لهذه الأرض التي أغادرها ولهؤلاء الناس الذين أفر منهم، ولم أفعل ~~لأجلهم إلا أقل القليل. # وكلما كان القطار يتقدم صوب القاهرة كانت غصتي تهدأ؛ فلم يكن القطار يقطع بي ~~المسافة فقط، كان يقطع بي أيضا مسافة نفسية، ويبعدني بسرعة عن ابن القرية المدين ~~لها، إلى ابن المدينة المذهول بأضوائها الضائع فيها الطامح يوما أن يخضعها ويتحكم ~~فيها. # غير أن القطار كان كلما اقترب من القاهرة ازداد خوفي. # خوفي على سانتي. # ولست أعرف كيف أقول هذا، ولكن الأيام التي قضيتها في بلدتنا أثبتت لي أن سانتي هي ~~الشيء الوحيد غير الحقيقي في حياتي، هي الحلم الوحيد في حياة أحسن، الأمل وسط ~~واقع جاف لا أمل فيه. # وقد كنت على استعداد لأن أبذر واقعي، ولكني لم أكن أبدا على استعداد لأن أفرط ~~في أحلامي، بل في حلمي الوحيد، وجعلتني تلك الأيام التي عدت فيها إلى واقعي البشع ~~أتشبث بسانتي تشبث الغريق. وهكذا ms039 لم أعد ذلك الواثق الثابت المطمئن الذي وضع ~~سانتي في جيبه ولم يعد عليه إلا أن يمد يده ويأخذها. خيل لي أنها - لسبب ما ~~- قد ضاعت هي الأخرى كما ضاعت المدينة الوهم في قرية الواقع الرهيب. # وبدأت أخاف. # أخاف أن تكون قد ذهبت إلى الأبد وألا تأتي في الميعاد. # بدأ هذا كشكوك ليس إلا. # وإدمان التفكير في الشكوك يحيلها إلى حقائق. # وبدأت أوقن أنها لن تأتي. # ويئست. # وهبطت من القطار. # كانت الثالثة إلا ربعا. # وركبت «تاكسي» إلى سينما ميامي. # ووقفت هناك. # وقفة اليائس. # لم يعد لدي أقل أمل في قدومها. # ومضت الدقائق وأنا غير حزين ذلك الحزن الذي تصورت حدوثه، أكاد لا أحفل بمضيها، ~~أكاد أتمنى ألا تأتي لأشقى وأتعذب وأشمت في الجزء الآخر من نفسي، ذلك الجزء ~~المتفائل الذي كان يؤكد لي باستمرار أنها لا بد قادمة ويسخر من مخاوفي ~~وشكوكي. # وأصبحت الساعة الثالثة. # ونشب في نفسي جدل عنيف. آلاف الأشياء تؤكد أنها قادمة. # وآلاف الأشياء تؤكد لي أنها ذهبت من حياتي إلى الأبد ولن تعود. # وأنا فرح لأني سأشقى وأحزن، وحزين لأني قد أفرح، ساخط على نفسي أشد السخط لأني تركت ~~أبي العجوز وإخوتي وكل الناس الذين يحبونني وجئت لمقابلتها، راض عن نفسي لأني نبذت ~~الواجبات الجوفاء وخرقتها وأقدمت على عمل أحقق به رغبة هي من حقي أنا وبجماع نفسي ~~أريدها. # ومضت الدقائق، أتمنى أن تمضي سريعة لتوصلني إلى اليأس وتريحني، ولكن أعود وأرجو أن ~~تبطئ علي قدر ما تستطيع حتى لا ينقطع خيط الأمل. # كان أمام السينما منتظرون آخرون. كان اليأس يخطفهم واحدا إثر الآخر حتى لم يبق ~~سواي. واضطررت لأتلافى الأنظار أن أغدو وأروح أمام باب السينما وعيناي تفتشان شارع ~~سليمان كله بحثا عن فتاة صغيرة سريعة الخطوات وجهها حلو صغير فيه بسمة لا ~~تنطفئ. # أروح وأجيء في خطوات كلها قلق وترقب، وكأني طالب ينتظر نتيجة امتحانه الأخير، تبلغ ~~به ثقته بنفسه أشدها أحيانا، وأحيانا تضعف وتتلاشى إلى الدرجة التي يكاد ~~يمد يده فيها إلى المارة ms040 يستجدي منهم بعض الثقة في نفسه . تلك اللحظات التي تضع فيها ~~آراءك وأحلامك لأيام طويلة موضع الامتحان وتتساءل: ترى هل كنت محقا أم كان ما ~~أحيا فيه وهما كبيرا؟ # واقتربت الساعة من الثالثة والنصف. # وظهرت سانتي. # كانت ترتدي جيب أسود وجاكيت من نفس اللون. # وأروع ما في الأمر كان غطاء الرأس الإغريقي. # نفس الغطاء الذي قلت لها إني أحبه، كانت ترتديه. # 5 # عدت ذلك اليوم إلى بيتي وأنا سعيد، سعيد لا أريد أن أبحث أسباب سعادتي، أريد أن ~~أبقي ما بنفسي مقفلا ومختوما كالخطاب الآتي من حبيب لا أتفحصه أو أستعجل معرفة ما ~~فيه. # وبدأت أفكر. # وكم كنت غبيا أحمق. # لماذا لم أدع الأمور تجري كما تجري؟ # لماذا بدأت أدبر وأرسم الخطط؟ # كان كل شيء يمشي على ما أهواه له، وكنت سعيدا بتلك الأحاسيس التي اجتاحتني كلما ~~قابلتها، وإذا وضعت يدها في يدي أحسست أنها تذوب في يدي، وإذا حدثتني أحسست أنها ~~تعطيني نفسها، بلا أدنى تردد، وبكل إرادتها واختيارها، ذلك البريق الذي كان يشع من ~~عينيها كلما تلاقت عيوننا كان أروع من كلام، بل حتى ما كان يدور بيننا من أحاديث لم ~~تكن مهمة؛ فأحاديثنا في الواقع كانت تتحول إلى موسيقى لا تهم مفرداتها كثيرا، فيتكلم ~~الواحد منا ليخرج أصواتا حنونة منغمة يرد بها على أصوات أخرى صاعدة من حنجرة ~~عزيزة ثانية. # ولكني على أية حال بدأت أفكر، خيل لي أن كلماتي وموسيقاي وضغطاتي لم تعد ~~تكفي. # أحسست أن هناك ما يثقل صدري ولا بد من البوح به. # وليس معنى هذا أن قوى قاهرة تدفعني رغما عني إلى هذا العمل، بل الواقع بدأت أفكر ~~معتقدا أن المسألة أصبحت في يدي، وأن عواطف سانتي تجاهي قد نضجت وأصبحت مستعدة هي ~~الأخرى لتقبل حركتي تلك. # عدت إلى البيت، وأمسكت القلم وبدأت أفكر في خطة صغيرة غير بارعة لأنفذ بها ما ~~أريد، ووجدتني أكتب مشروع قصيدة منثورة بالإنجليزية. # لم أكن أعرف ماذا أريد أن أقول فيها، وهل أكذب وأبالغ أم أتحفظ وألجأ ms041 إلى الإشارة ~~والرمز؟ لم أكن أعتقد أنني أحبها فعلا، وكنت أريد أن أتلافى ذكر أية أحاسيس متبلورة ~~تجاهها. وكتبت بضع شطرات فوجدت أنها فاترة وأني غير متحمس إلى الكتابة واستحضرتها في ~~خيالي لتلهب حماسي أو على وجه الدقة عدت مرة أخرى أحيا في تلك اللحظات التي كنا ~~فيها في السينما. # دخلنا في الظلام وجلسنا، وحين أضاء النور في الاستراحة وجدت سانتي تحاول إخفاء رأسها ~~في ياقة معطفها فقلت: أهناك شيء؟ # فقالت همسا: أخشى أن يرانا أحد. # وتدفقت فرحة مفاجئة في صدري؛ فمعنى كلامها أنها تدرك أنها تفعل شيئا لا يقرها ~~الآخرون عليه، وهذا عين ما أريد؛ فقد كنت أحيانا أسأل نفسي: ألست مغفلا؟ ألا تكون قد ~~قبلت دعوتك للسينما كما يقبلها الصديق من صديقه؟ كلماتها تلك وهمسها وياقة معطفها حين ~~ارتفعت وضعت حدا فاصلا بين الصداقة ودعواتها وبين ما كنا فيه. # وطوال الاستراحة كان كل منا يحاول بشكل تلقائي إخفاء نفسه عن الناس وعن ~~الآخرين، وإذا التقت أعيننا صدفة نخجل ونشيح بأنظارنا، ويعود إلينا القلق والفرح ~~الممزوج بالخوف الذي لا يدعنا نطمئن ولا يدع قلوبنا عن دقها العالي المتواصل. # وأنهيت القصيدة. # لم تكن صدقا كلها ولا كلها محض خيال. في الواقع كانت تعبر بتردد عن إنسان ~~يتردد في التعبير عن نفسه، وكانت مكتوبة على ورقة عادية جدا ومملوءة بالشطب ~~والتعديل. # وجاءت سانتي ثاني يوم، ولا أدري كيف دخلت في الموضوع، وأظنني قلت لها في أواخر الجلسة ~~إن أحد أصدقائي قد كلفني بكتابة قصيدة ليرسلها لفتاة أجنبية يعرفها، وحائر كيف يكشف ~~لها عن ذات نفسه. # وحين قلت هذا ابتسمت ابتسامة بدت عادية، ومع هذا كنت متأكدا أن ابتسامتها تعني ~~أنها تعرف من الذي كتب القصيدة ولمن كتبت. # قلت: أقرؤها عليك؟ # قالت بلهجة لا انفعال فيها: اقرأها. # واستمعت إليها منكسة الرأس مصغية، وحين انتهيت نظرت إليها لأرى وقع القصيدة عليها، ~~ولكن وجهها بقي لا ينفعل، فقلت أستحثها: ما رأيك فيها؟ # قالت: كويسة. # لم تقلها بالعربية، ولكنها قالتها بكلمة إنجليزية لا تعبر عن ms042 استحسان أو عدم ~~استحسان ولا أي إحساس خاص بالمرة. # وقضينا ما تبقى من وقت في حركات لا تستقر، أقف أنا وأتمشى، وتقف هي وتبتسم، وتأخذ ~~كتابا من المكتبة تقرأ عنوانه ثم تضعه وتعود للجلوس، ونبدأ نقاشا حول موضوع ثم ~~ينتهي منا ونقول أشياء كثيرة لا معنى لها، وأحيانا يفلت الزمام ويلمح ~~الواحد منا نظرة ذات معنى في عين الآخر، فلا يجرؤ على مواجهتها. كان واضحا أننا ~~نريد أن نحافظ على وقارنا الاجتماعي. وكنت من ناحيتي أريد أن أثبت لها أن القصيدة فعلا ~~ليست لي، وكانت هي الأخرى تريد أن تؤكد لي أن كلامي صحيح وأني حقيقة لا أعنيها. # ودخنا يومها كثيرا. # وكانت لسانتي طريقة في التدخين تعجبني، كنت أشعل لها الكبريت فتمد فمها الدقيق ~~وفيه السيجارة وتجذب نفسا، ثم تلتفت إلى الناحية الأخرى وتنفثه بينما وجهها يحفل ~~باحتقان وردي مفاجئ يزغلل العينين. ونظل نطفئ السجائر ونشعل غيرها إلى أن تستأذن ~~سانتي وتعلق حقيبتها في كتفها وتمضي. # وأعود إلى أفكار قلقة لا تستقر، وأسئلة كثيرة تريد إجابات أكثر، وكل إجابة تثير ~~أكثر من سؤال، وحقائق تختلط بأوهام، وأوهام تتجسد على هيئة حقائق، وأنا مضطرب سعيد، ~~كل مرادي أن يتوقف العالم عن المسير، وأن أقضي ساعات وساعات أحيا في تلك الدوامة ~~الهادئة التي تدغدغ وعيي وأعصابي. # وكنت أعرف أنها لا بد قادمة في اليوم التالي، وكنت قد اتخذت قرارا أن أمضي خطوة ~~أخرى؛ فقد لاحظتها جيدا وأنا أقرأ القصيدة، ولاحظتها أيضا بعد قراءتها، وممكن أن ~~أقول إني شاهدت ما عدا الاستنكار فلم ألمحه أبدا، وما دام تصرفي ذلك لم يلق ~~استنكارا أو إعراضا فماذا يمنعني أن أخطو خطوة أخرى وأقول لها كل شيء بصراحة؟ # وكانت الساعة العاشرة، وجلست إلى المكتب وبدأت أكتب. ولا أذكر على وجه التحديد ماذا ~~قلت في ذلك الخطاب، ولكني أذكر أني كنت محموما منفعلا، وكأني أقوم بأهم وأخطر عمل في ~~حياتي. كانت الفكرة التي أريد قولها مبهمة غير واضحة المعالم في خيالي. والكلمات أمامي ~~كثيرة لا رابط بينها ms043 ولا ضابط، وتركز همي أول الأمر في الدقة التي يجب علي أن أختار ~~بها الكلمات، وفي جوب اختيار الأساليب الموحية ذات المعنى الظاهر المباشر والمعنى الذي ~~قد يخفى، وكنت أفعل هذا بتعقل وبلا أية عاطفة، غير أن عملية الكتابة نفسها جعلتني ~~أفكر فيها، وبدأ سيال خفي دافئ ينبع من مكان ما من نفسي ويأخذ طريقه إلى قلمي، سيال ~~بدأ هو الذي يختار الكلمات وينظمها، كلمات لدهشتي كانت تخرج دافئة حنونة فيها كل ما ~~أصبح لنفسي من دفء ورقة وحنان، وما لبث السيال الدافئ أن تحول إلى فيضان عارم. ~~ووجدتني أنفجر وأقول كل ما أحسه دون مواربة أو تدخل أو خجل. # سردت عليها تاريخ علاقتنا القصيرة، وقلت لها إني أعرف العقبات كلها والمحرجات، ولكني ~~أصبحت في حيرة بين ما أحسه ناحيتها وما أخفيه عنها. وهي وحدها القادرة على إنقاذي ~~من حيرتي. # وكنت أكتب بالإنجليزية، وحتى في حديثي العادي لم أكن ذا باع طويل فيها، ولكني ~~أعجبت فعلا بالخطاب بعد قراءته، وتخيلتها وهي تسمعه، ورحت أحلم، فمن يدري ربما ~~دوخها الخطاب وأثر فيها إلى درجة تنسى معها كل شيء فتبكي وتصارحني بحبها؟ من ~~يدري ربما سلبها الخطاب إرادتها تماما ونومها ذلك التنويم المغناطيسي الذي أريد، لتصبح ~~طوع يدي أصنع بها ما أشاء؟ أصبح الخطاب هو المعجزة التي ظللت أحلم بمفعولها السحري ~~طوال نوم قصير مضطرب، وفي الصباح وأنا خارج - وقد تجاوزت الساعة التاسعة والنصف - إلى ~~عملي مسرعا خائفا قلقا، ألقي نظرات ضيقة موتورة على أصحاب الدكاكين المتراصة في ~~مدخل المنزل. كنت أؤكد لنفسي مرة أخرى أن حياتي تلك لم تعد تصلح لأحلامي، حياتي ~~بادئة بهذا البيت الذي أسكنه والذي لم أرتح إليه مطلقا من يوم أن انتقلت إليه، كان ~~صاحبه تاجر أخشاب أو سمك لا أعرف، وكان قصيرا له كرش واضحة المعالم كمن ابتلع ~~بطيخة واستقرت إلى الأبد في جوفه، وله عين حولاء صغيرة وعين أخرى أصغر منها بطريقة ~~تدرك معها أن إحداهما لا بد صناعية، ولكنك لا تستطيع أن تحدد أيهما، ms044 والظاهر أن تلك ~~كانت أول مرة يبني فيها بيتا ويدخل طبقة أصحاب العمارات؛ إذ كان قد طبع عقود إيجار ~~خاصة به، وكتب فوق العقد بخط عريض: «عمارات وعقارات فلان»، وكلها عمارة واحدة هي تلك ~~التي ساقني الحظ لسكناها. وفي عقد الإيجار أكثر من مائة شرط لم يرد ذكرها في أي عقد ~~من قبل أو من بعد، وكلها حقوق للطرف الأول صاحب البيت لدى الطرف الثاني أنا، وملحق بها ~~قائمة بالممنوعات، منها مثلا: ممنوع نشر الغسيل إلا بين الساعة الخامسة والسابعة ~~مساء، وخلال المرات القليلة التي قابلتها فيها كان يبدو مسرورا من سكني عنده أنا ~~الطبيب، وكان يحدثني باستمرار عن ابن ضابط له، ويقول عنه الكابتن سعيد، وكيف قد حدد ~~له هو ماهيته الشهرية فوق ماهية الحكومة، وحين تمت العمارة وانتهت وبدت جديدة أنيقة ~~بالقياس إلى عمارات الشارع القديمة المتآكلة كان لا يحضر إليها إلا وقد ارتدى بدلته ~~الكاملة وطربوشه، يحيي أصحاب الدكاكين بترفع، ويحييني باحترام زائد، ويقف معظم ~~الوقت يتفرج على العمارة، وأحيانا ينتقل إلى الرصيف المقابل أو النواحي المجاورة ~~ليتأملها من مختلف الزوايا والأبعاد. # وكان واضحا أن بدلته جديدة أيضا، بل أكثر من هذا أنها أول بدلة يرتديها في حياته؛ ~~فقد كان يحاسب عليها أكثر من اللازم، ويعني بارتدائها وبأكمامها وبخطواته فيها أكثر من ~~اللازم أيضا! وفي تلك الأيام كان يبدو سعيدا جدا كمن حل جميع مشاكله، أغلق ~~«الدكان» الذي كان يخجل منه ابنه الضابط ويمنع العرسان عن بناته، وبنى العمارة، وارتدى ~~البدلة، وأصبح كأي مالك محترم بلا عمل إلا أن يأتي كل شهر ويحصل الإيجار من ~~السكان. # ولكنه لم يستطع أن يمثل دوره الجديد طويلا؛ فبعد فترة بدأ يغير البدلة ويرتدي ~~الملابس التي قضى عمره يرتاح فيها، الجلباب الأبيض والبالطو الأسود، ويجلس على كرسي عند ~~واحد من أصحاب دكاكينه يعنف البواب، ويشكو للجالسين معه من ضيقه بهذا التعطيل ~~الإجباري الذي فرضه عليه أولاده، وحنينه إلى وقفته في الدكان ولذة كسب القرش، تلك اللذة ~~التي لا تعادلها أي ألقاب ms045 أو بدل أو عقود إيجار مطبوعة. # وفي تلك الفترة تصادقنا، وقد لا يصدق أحد ~~هذا، ولكن خجلي منه هو السبب الوحيد الذي كان يدفعني للإقامة في تلك الشقة التي لا ~~تحتمل؛ فالشارع أمامها حافل بالضجة التي تحرق الأعصاب، ضجة عشرات من خطوط الترام ~~والأتوبيس وآلاف عربات الكارو وزعيق الباعة والمارة والكلاكسيات وميكروفونات المآتم ~~وأفراح التي تحدث بالتبادل وعلى الأقل مرة كل يوم، ضجة تبدأ في الرابعة صباحا ولا ~~تنتهي قبل الثالثة من صباح اليوم التالي. ثم إن المالك - سامحه الله - لكي يستفيد ~~أكبر فائدة من المساحة، لم يجعل مدخل البيت على الشارع، ولكنه صنع له ممرا بنى على ~~جانبه دكاكين وقهاوي يحملق فيك أصحابها وروادها ويتفحصونك، ولا عمل لهم إلا النظر إلى ~~سكان البيت «إذ الممر لا يعبره إلا السكان» وإحصاء حركاتهم وسكناتهم، وسلم البيت ~~أدهى من مدخله، حافل بزبائن المستوصف وأقاربهم ومرافقيهم، وحتى الشقة نفسها مع أنها ~~جديدة ولكنها لا تعطي أي إحساس بالسكن أو الاستقرار، شقة لا تصلح إلا لمكتب سمسار أو ~~لمقر نقابة. وإذا كنت فيها وجرؤت على فتح نافذة دخلت لك منها زوبعة ضجة تكاد تقتلعك ~~من مكانك، ودخلت أيضا رائحة الكبدة؛ فالشقة تقع مباشرة فوق محل متخصص في قلي الكبدة ~~والمخ وله مخزن بجوار السلم تماما، مخزن مظلم تلمح من خلال ظلامه كتلا هائلة من ~~الكبدة لا تعرف لضخامتها إلى أي الحيوانات تمت، كتل تلمع في الظلام وتملأ رائحة ~~«زفارتها» البيت كله من الداخل، وتهب رائحة قليها على النوافذ من الخارج، وأفظع ما في ~~الأمر أن المطعم نفسه كانت له يافطة من النيون الأحمر والأخضر والأصفر، وكان صاحب ~~المطعم السني السمين يصر على تركها مضيئة طول الليل، وليتها تضيء فقط، إنها تنطفئ ~~وتضيء أوتوماتيكيا، والنيون له أزيز مزعج، فضلا عن أنواره البشعة الفجة التي تظل ~~تتوالى وتنير الحجرة وتظلمها حتى الفجر. # ومن يوم أن سكنت وأنا أحيا في تلك الدوامة من العيون المستطلعة، والزفارة النيئة ~~والمقلية التي تتتابع رائحتها تتابع أضواء النيون المضيئة، ويلفها جميعا ms046 ذلك ~~البركان من الضجة الذي يهدر في الشارع طوال ثلاث وعشرين ساعة، يتلوها ويسبقها أذان ~~الفجر الذي يذاع بالميكروفون من مسجد سيدي أبي العلا ويحتل الساعة الرابعة ~~والعشرين. # ورغم كل ذلك فقد كنت أحتمل حياتي في ذلك المنزل ولا أفكر تفكيرا جديا في تغييره. ~~شيء ما كان يجذبني إلى هذا كله ويجعل ضيقي به لا يعادله إلا حبي له. لأمر ما كنت ~~أحس أني في هذا البيت أحيا وسط شعبنا بكل عيوبه ومزاياه إلى درجة أني كنت أخجل ~~أحيانا من نفسي لهذا الكره الذي أكنه لأصحاب الدكاكين والقهوة والمطعم وهم ~~يحبونني بحب ويتمنون محادثتي ويبدون استعدادهم لأي خدمة، ولم لا أعترف أني ~~كنت أحيانا أسعد بإقامتي هناك وأستمتع؟ كان منظر الناس المزدحمين طوال النهار في ~~الشارع، المتراكمين أمام الدكاكين وعلى كراسي القهوة والخارجين من جامع أبي العلا ~~والداخلين إليه والمقيمين حلقات الذكر حوله، والسكرانين آخر الليل في الخمارات الكثيرة ~~القريبة وفي «بوظة» بولاق الواقعة غير بعيد من الجامع، كان منظرهم يأسرني ويملؤني ~~بإحساس غامر عجيب. وجوه مصرية رغم شحوبها وفقرها وقبحها لا بد تجدها حافلة بكثير ~~من خفة الدم وسماحة الطبع، وكلامهم مهما بدا مليئا بالمبالغة والمغالطة والجليطة إلا ~~أنك تحس به صادرا عن روح حلوة كالعجمية، لا تشبع منها أبدا مهما خيل إليك أنك ~~شبعت منها. # وعلى أية حال فلم يكن مسكني هو كل المشكلة؛ فقد كنت أنتهي من عملي كطبيب لورش السكك ~~الحديدية في الثانية، وأتغدى، وما أكاد أطبق جفوني حتى أقوم مهرولا إلى العيادة ~~وأظل أعمل فيها إلى التاسعة، ثم أجري إلى المجلة حيث أظل أعمل إلى منتصف الليل، وفي ~~ليال كثيرة يمتد السهر إلى الثانية وربما أكثر، ثم أعود إلى البيت لا لآوي إلى ~~الفراش وأنام، ولكن لأكتب أو لأعيد كتابة موضوعات ومقالات وتحقيقات للمجلة، وهناك ~~قرب الفجر أنام على أن أستيقظ كل يوم في السابعة وإلا حدثت كوارث وأهوال! وكم كنت ~~- ولا أزال - أضيق باليقظة المبكرة، خاصة بعد سهر حافل ممتد، إنها عندي تعادل المرض ms047 ~~أو الموت، وطبعا لم أكن أستيقظ من تلقاء نفسي؛ إذ لولا صوت أم عمر الخشن الآمر، ~~ولولا سواعدها القوية أحيانا، لما صحوت من النوم في أي يوم من الأيام. وإذا صحوت - ~~والمصيبة أني كنت دائما أصحو - يكون أول شيء أفكر فيه أن أبتكر عذرا يعفيني من ~~الذهاب إلى العمل في ذلك اليوم، ويتيح لي نوما هنيئا إلى الظهر وربما إلى العصر، وكنت ~~في الغالب لا أجد عذرا وجيها؛ فإجازاتي العرضية والمرضية والاعتيادية كنت أستهلكها ~~أولا بأول، والأعذار التي قد تخطر وقد لا تخطر على عقل بشر أستنفدها كلها ولا يبقى ~~أمامي إلا أن أسلم أمري إلى الله وأقوم. أقوم إلى عمل كنت أبغضه أشد البغض؛ ~~فلم يكن عملا، كان عملية تعذيب مؤلمة علي أن أتحملها كل يوم. كان عملي الكشف ~~على العمال المرضى ومنحهم الإجازات، ولكن تسعة وتسعين في المائة من العمال الذين كنت ~~أكشف عليهم كانوا أصحاء! والإجازات التي لم أكن أمنحها كانت تؤخذ مني رضيت أم لم ~~أرض. وليتهم عامل أو عشرة أو مائة، مئات العمال يبلغون كل يوم أنهم مرضى ويحولون ~~للكشف، وهم لا يبلغون لأنهم يتمارضون أو لا يريدون العمل، ولكن لسبب آخر مضحك؛ ~~فالعمل كان يبدأ في السابعة تماما، فإذا تأخر العامل ربع ساعة يخصم منه ربع يوم ~~كامل، وإذا تأخر ساعة يخصم منه يوم كامل، ومعظم العمال كانوا يسكنون في أطراف القاهرة ~~حيث المساكن رخيصة، والظاهر أن معظمهم أيضا كانوا كطبيبهم لا يحبون اليقظة المبكرة؛ ~~فكان عدد كبير منهم يصل متأخرا، وحينئذ يجد الواحد منهم نفسه مضطرا لأن يبلغ أنه ~~مريض، فإذا ثبت هذا لا يخصم منه اليوم بسبب التأخير، ولكنه يعتبر إجازة مرضية ~~بأجر. وعلى هذا كان معظم العمال يستهلكون العشرين يوما حقهم في الإجازة المرضية طوال ~~العام، يستهلكونها في التأخير، فإذا مرضوا وانقطعوا عن العمل فعلا خصمت أيام ~~المرض الحقيقي من يوميتهم؛ ولهذا السبب كان المريض منهم يظل يعمل ولا يبلغ عن نفسه، ~~مخافة أن يمنح إجازة مرضية إجبارية تخصم منه. # كنت ms048 أذهب إلى المكتب الطبي كل يوم فأجد أمامه وعلى سلمه ما لا يقل عن الأربعمائة ~~عامل يترقبون ظهوري ترقب الملهوف من اليقظة، وأحيانا يستغيبونني فتخرج منهم ~~كشافة تنتظرني على الناصية وتعرفني بمجرد أن أطل من أول الشارع، فيتسابق أفرادها ~~إلى المكتب الطبي يبشرون الواقفين بقدومي ويخترقون الأجسام المتراصة بالعافية ليصبحوا ~~قريبا من الباب، ويعم الجماعة كلها موجة اضطراب وزق وزعيق وسباب لا تسكت إلا حين ~~أقترب، فترتفع موجة من الترحيب المتحمس لي: وسع يا جدع لسعادة البيه، اتفضل يا بيه، ~~ميت فل. # صباح نادي والنبي. # وأسمع همسات: دا مزاجه باين عليه رايق النهاردة. # ويعقب واحد: بيقولوا عليه صعب قوي، أما نشوف. # وينتهز الفرصة آخر فيقول بصوت عال يصلني: صعب إيه يا أخينا؟ والنبي دكتورنا ده ~~أطيب واحد خلقه ربنا. # ومهما كان الازدحام فلا بد أن يصنع لي أخدود كأخدود موسى في وسط ذلك البحر ~~المتلاطم من العمال، أخدود يكشف لي السلم ويكشف لي الباشتمرجي واقفا ينتظرني عند ~~أوله. والباشتمرجي كان رجلا ضخما له شعر أبيض كله ومسبسب ووجه أحمر يصلح وجه ~~باشا، وكان أصله عاملا من عمال الورشة ثم أصبح تمرجيا لا يدري كيف، ثم ~~باشتمرجي لا يجيد ضرب الحقن بقدر ما يجيد التحدث عن الأصول والميل علي والهمس في ~~أذني، وموضوعه المفضل هو سيرة الدكتور قيصر حكيمباشي السكة الحديد السابق الذي كان ~~يعمل مكاني من عشرين سنة خلت، والذي كان بيك رسمي (العهدة على عم مرسي)، والذي كان يشخط ~~في العامل فينطره خارج الحجرة، والذي كان، زيادة في الهيبة، يجلس إلى مكتبه وعلى يساره ~~سماعة الكشف وعلى يمينه مسدس لا يتردد في رفعه على العامل لو لمح منه زمزقة أو ~~اعتراضا. # ولكن عم مرسي الباشتمرجي كان يعود ويقول لي: والله غلابة يا سعادة البيه، ح يعملوا ~~إيه؟ وراهم بيوت، والنبي وشرف سعادتك ما تكسفني، إديله أسبوع. # يظهر عم مرسي واقفا على السلم عند نهاية الأخدود وهو يتمتم في صوت أجش وقور: ~~وسع يا جدع اتلم كده يا أخينا. # ثم ms049 يبتسم قبل أن أصل إليه ابتسامة واسعة كبيرة تريني طقم أسنانه كاملا، وتريني ~~اللثة الصناعية الشديدة الحمرة، وقبل أن أصل إليه يخف ويمد يده ويقول: صباح ~~الخير يا سعادة البيه. # وأمد يدي فيمسكها بحذر وأدب ويكاد - لولا الخجل - أن يقبلها، والكلمة ~~الثانية يلتفت ويقول للعمال: طابور. # فإذا حدثت حركة كان بها، وإلا أعقبها بقوله: البيه مش ح يشتغل إلا بطابور. # وتدور حركة زق ودفع وتسلل واسعة النطاق. وأخيرا جدا يتكون طابور، طابور ~~غريب يبدأ داخل حجرة الكشف ويخرج من الباب ويتلوى مع الصالة ويهبط السلم الخشبي ~~العتيق وينحرف إلى يمين ثم إلى يسار ويمتد إلى البوفيه، وأحيانا يصل إلى عنبر ~~البرادة ويدخله ويعطل العمل فيه. # وأدخل أنا الحجرة، فيخرج النفر القليل الذي كان قد تسرب إليها محاولا أن يجد له ~~مكانا عند الباب في أول الطابور، ولكن عشرات الأذرع تمتد وتجذبهم ولا تتركهم إلا حين ~~تتسلمهم أذرع خلفية أخرى، وتظل الأذرع تتبادلهم حتى توصلهم إلى السلم ثم إلى ~~الأرض ثم إلى مؤخرة الطابور. # ويوارب عم مرسي الباب بعدما يعجز عن إغلاقه، وأجلس إلى المكتب، مكتب ضخم كبير واسع ~~عمره لا يقل عن الخمسين عاما. وحجرة الكشف نفسها واسعة جدا يبدو المكتب فيها صغيرا ~~قليل القيمة، وفي ركنها لوحة الكشف على النظر، وقد تكفل الزمن بمحو كل علاماتها، وعلى ~~اليمين كنبة جلد قد بقرت الأيام مسندها وأظهرت أحشاءه. # وفي أدب جم يقول لي عم مرسي: قهوة يا بيه، مش كده؟ # ولا ينتظر إجابتي، فيزعق على مرءوسه عم حسين - وهو تومرجي أكبر منه في السن، عجوز ~~جدا نحيف جدا، المفروض أن يقف بجوار الباب ولا يسمح بالدخول إلا لواحد واحد - ~~يزعق ليقول: قهوة ع الريحة للبيه يا حسين. # ويحاول عم حسين أن يهرول لتنفيذ الأمر، ولكن أين يذهب عم حسين وهو لا يكاد يستطيع ~~الوقوف في مكانه؟ قبل أن يتحرك تتحرك ألسنة الواقفين في الطابور، فيقول أقربهم إلى ~~الباب: قهوة ع الريحة للبيه يا جدع. # فيتلقفها الواقف في الصالة، وتسري القهوة في ms050 الطابور حتى تصل إلى القهوجي في البوفيه ~~دون أن يتحرك أحد من مكانه، وفي ثانية تكون القهوة قد أعدت وتظل أيدي الطابور ~~تتناولها محافظة عليها حتى تستقر أمامي، دون أن يتحرك أحد من مكانه أيضا. # وكنت أضيق بانتباه هذه الجماهير الغفيرة من العمال وقد تركز علي وأصبحت محوره؛ ~~فمن طباعي أني لا أطيق مواجهة الجماعة الصغيرة إذا وفدت عليها وقامت لتسلم علي، فما ~~بالك ومئات العيون ترقبني وترقب كل حركة من حركاتي، وكل بادرة تدل على أي تغيير في ~~طبعي ومزاجي؟ والمشكلة أنها عيون غير محايدة، عيون لها مطلب عندي، عيون لكثرتها ~~ولإحساسي أني لست بالنسبة إليها سوى بصمجي في يده أن يحتسب يوما أو يخصمه، كانت تجعلني ~~أحس بالمهانة والاحتقار لها ولنفسي، ولظروف الحياة التي تدفعني إلى هذا الموقف السخيف ~~المحرج. # وتبدأ التمثيلية. # يدخل العامل ويرفع يده بسلام عظيم وتحية زائفة لا يكلف نفسه عناء إخفاء ما ~~فيها من ملق. عندك إيه؟ عندي إسهال. وبعده عندك إيه؟ مغص. # إسهال، مغص، مشوار، ح أطلق مراتي، ابني ضايع وعايز أدور عليه والنبي، خربتي مقسومة ~~نصين من امبارح، أبويا توفى تعيش انت. # وأول ما عينت في تلك الوظيفة وكنت لا أزال حديث التخرج، ولا تزال لجنة الطلبة ~~والعمال التي كانت تقود الكفاح ضد المفاوضات ماثلة في ذهني، والعمال الذين كانوا يأتون ~~إلى الجامعة بعفاريتهم الزرقاء والصفراء ونعقد معهم المؤتمرات ونتفق على الإضرابات، ~~حماسي لهم لا يزال على أشده. لم أكن أتردد، كنت أمنحهم كل ما يريدون من إجازات، ~~وكنت أعتقد أني استوليت على قلوبهم بذلك العمل البطولي. ولكن أبدا، كل ما حدث أنهم ~~كفوا عن رجواتهم وملقهم السافر الساخر، وأصبح الواحد منهم يدخل ويقول: أنا عايز ~~يومين، أنا عايز ثلاثة، دون أن يكلف نفسه عناء الشكوى من مرض، ويطلب هذا وكأنه حقه. ~~فإذا أعطيته ابتسم لي ابتسامة لا تخلو من سخرية، وإذا لم أعطه تلحم وكشر وأقسم ألا ~~يغادر مكانه إلا بالإجازة. ولكن تلك التصرفات لم تفت في عضدي وظللت أمنحهم كل ms051 ما ~~يريدون، إلى أن حدث يوم وكان يوما ممطرا وتأخر أكثر من نصف عمال الورشة، وأبلغوا ~~أنهم مرضى، وكالعادة منحتهم إجازات، وكانت النتيجة أن توقف العمل في الورشة وأبلغت ~~الجهات المسئولة، وجاء مدير القسم الطبي وراجع دفتر الإجازات وروع حين وجد أن أكثر ~~من خمسمائة عامل لديهم إسهال، و200 أنفلونزا، وظل يقلب الدفتر ويقول بصوته الأخنف: إيه ~~ده يا دكتور؟ دا انت عندك كوليرا في الورشة! لما 500 يبقى عندهم إسهال لازم البلد ~~تنقلب. # وخصم مني ثلاثة أيام وأنذرت بالفصل، ولم يتحرك أحد لا من النقابة ولا من ~~العمال لما حدث، وكأن الأمر لم يكن بسببهم. # وهكذا وجدت نفسي مضطرا أن أدقق وأوازن وأمنح البعض وأعيد البعض، وأضيق بالعمل ~~كله، وبنفسي حين أمنح وبها حين أرفض، وبالعمال إذا رضوا وإذا سخطوا، أو على حد تعبير ~~العمال أصبحت المسألة مسألة مزاج. # والأربعة أو الخمسة الذين يدخلون حجرة الكشف في أول الطابور كان يقع عليهم عبء ~~تحديد مزاجي، إذا منحتهم إجازات سرت في الطابور الضخم الملتوي كحيوان من حيوانات ~~ما قبل التاريخ، سرت فيه موجة تفاؤل وفرح، وإذا لم أعطهم سرت همهمة غضب ~~مكتوم وأفلتت الألسن شتائم. # وجربت كل الطرق ولكني انتهيت إلى نتيجة واحدة؛ أن هؤلاء العمال لا يمكن إذا أرادوا ~~شيئا إلا أن ينالوه، سواء كنت راغبا في إعطائه أو مصمما على منعه. كان عنادهم ~~وتصميمهم يغل عنادي وتصميمي، وقراري الحاسم يبريه إلحاحهم القوي المتواصل. كنت لا ~~أكاد أميزهم من بعضهم البعض، نفس الوجوه ونفس النظرات ونفس المنطق، ولم أكن أستطيع أن ~~آخذهم فرادى، إذا عجز منطق الواحد تصدى له آخر، وإذا ما شخطت في واحد دمدم له الآخرون، ~~وأحس دائما أن تفاهما خفيا يسري بينهم كالأسلاك غير المرئية، ويربط أجزاء ذلك ~~الطابور الطويل المتحرك صوبي، الكلمة أقولها في المكتب فإذا بها بعد ثانية قد أصبحت في ~~حوش الورشة وفي العنابر، وأناقش الواحد فيتدخل الآخرون كالعصابة المتفاهمة قبلا والتي ~~وزعت على نفسها الأدوار: واحد يناقش، والثاني يهدد، والثالث يصرخ، والرابع ms052 يستصرخ ~~الحكومة، والخامس يتشنج، والسادس يشتم، والسابع يرجو، والثامن يبتسم في هدوء وبراءة ~~وكأنه تأكد أنك اهتززت بكل ما سمعته وأنك على أهبة القبول، فيقول لك ليكفيك مئونة ~~الحرج: على العموم أنت صاحب الأمر والنهي، اللي تعمله ماشي. # وبتلك الطريقة انتهى عملي كطبيب إلى أن أصبحت مساوما من الدرجة الأولى، العامل يريد ~~خمسة أيام فأساومه لأمنحه ثلاثة، وبعد أن تطلع روحي ويضيق خلقي وأنفاسي لا يقبل الأربعة ~~إلا وهو يشعرني أني ظلمته وجرت عليه، بل أحيانا كانت المساومات والرجوات تظل ~~تلاحقني في الشارع حتى إلى باب شقتي. # وكنت أغادر العمل في الثانية بعد الظهر ورأسي قد أصبح عنابر وشوارع وحارات، وأيدي ~~تلوح وزعيقا ومناكفات وتهديدات ورجوات ومغصا كلويا أيمن وآلاما روماتيزمية ~~بالمفاصل وضعفا عاما، وعفاريت ملطخة بالدوكو والزيت وخبطات كثيرة على المكتب وتشنجات ~~عصبية ورغبة عارمة تراودني أن أنتحر أو أقتل أول إنسان أصادفه. # أعود إلى البيت لأتغدى فأجد ضجة الشارع وغباره وروائح الكبدة المقززة قد سبقتني إليه، ~~وأجد طبيخ أم عمر ينتظرني، خضار ولحمة، ودائما خضار ولحمة والحلو برتقال، وأم عمر كأم ~~قويق واقفة قبالتي تحاسبني على الطعام، وتغالطني علنا في الحساب. # وأتغدى، وتذهب أم عمر، وأقفل النوافذ، وأمنع النور والضجة، ويهدأ البيت قليلا وكذلك ~~الحي، وأبدأ أنا أترقب الأصوات وأتسمعها وأميز، وقلبي يدق دقا خفيفا، ثم أرى شبح ~~خيال يقلل الضوء المنعكس من زجاج الباب، ويدق قلبي دقة واحدة كبيرة ثم يسكت هنيهة، ~~ومع عودة الدق يدق الجرس. # وأسرع ملهوفا وأفتح الباب، وإذا بابتسامة عذبة دائما، حلوة دائما، ووجه نحيف ~~أبيض تحيطه هالة من الشعر الأسود، وكأنه حية دقيقة مرهفة تقول في همس مبتسم جميل: ممكن ~~أدخل؟ # 6 # وفي ذلك اليوم بالذات يدوخني همسها؛ إذ هو اليوم الذي كنت قد قررت أن أكشف لها فيه عن ~~نفسي. # اليوم الذي اضطربت له كما لم أضطرب لأي امتحان دخلته، أو لأي موقف فاصل وقفته في ~~حياتي، الحجرة حجرة المكتب في شقتي ببولاق، والدنيا بين الليل والنهار، والشيش مغلق ~~وكذلك الزجاج، ms053 وجهودي كلها قد بذلتها منذ عودتي من عملي لمنع الضجة ورائحة الكبدة، وخلق ~~جو «شاعري» غير مفتعل، الحجرة فيها مكتب وكنبة «ستوديو» وكرسي أسيوطي ذو مساند، ~~ومكتبة صغيرة وجراموفون. الموبيليا الضرورية لحجرة تستعمل للجلوس والكتابة والنوم ~~أحيانا بلا أناقة أو لمسات. وسانتي جالسة فوق الكرسي الأسيوطي وأنا حائر لا أستقر، ~~والخطاب الذي كتبته لها يكاد يحرق بحرارته درج المكتب، ونحن الاثنان وكأننا نترقب شيئا ~~كالجالسين ينتظران طلب قضيتهما أمام محكمة ما. # وكانت سانتي قد خلعت جاكتتها وبقيت ببلوزة لبني كالقميص، وفي خدودها احمرار وشعرها ~~مشعث، وسحب الدخان تهيم وتتكاثر حولها. # وبدأت الكذب الواضح الذي لم أتعمد إخفاءه وقلت: أتعلمين شيئا؟ (وكانت هذه لازمتي ~~معها.) # قالت بغير حب استطلاع: ماذا؟ # قلت: صديقي الذي حدثتك عنه بالأمس، صديقي الذي كتبت له القصيدة ليعطيها للفتاة ~~الأجنبية التي ... # وانتظرت عساها تبدي اهتماما أزيد، أو تسأل، ولكنها لم تقل شيئا، فمضيت أقول: ~~مشكلة ذلك الصديق أنه واقع في حب فتاة ولا يعرف كيف يعبر لها عن عواطفه، وقد كلفني ~~أن أكتب له خطابا يشرح لها نفسه فيه، أتريدين قراءته؟ ~~- نعم. # قالت هذا وهي تكمل إجابتها بسرب من الابتسامات البريئة العذبة، ثم قالت ~~بخفة طفولية: أين الخطاب؟ ~~- في درج المكتب ... الأسفل. # وكالطفلة المحبة للاستطلاع قامت وفتحت الدرج وقلبت الأوراق ثم تناولت ~~الخطاب، ونظرت إليها وأنا أتتبع حركاتها باهتمام عظيم وكأني أتوقع أن يحدث انفجار ~~ما لدى أية حركة من حركاتها. # وضعت الخطاب بعناية فوق المكتب، ثم أمالت رأسها عليه وبدا عليها أنها ~~تقرؤه. # ولم أستطع الصبر، شيء ما أرقني فقلت لها: إن خطي فظيع لا يستطيع أحد غيري أن ~~يقرأه، هل تسمحين؟ # وببساطة تنازلت عن الخطاب ومقعدها، وعادت تجلس على الكرسي الأسيوطي، وبدأت أقرأ ~~الخطاب بصوت مرتفع، وأسندت رأسها إلى يدها تواجهني وتستمع وعلى فمها ابتسامة لا ~~تغادره، وكأنما توقفت تستمع هي الأخرى. # والواقع لم أكن أقرأ، كنت أحاول أن أخاطبها بالكلمات المكتوبة، وأختلس النظر أحيانا ~~لألمح أثر كلماتي فأجدها لا تزال تصغي ولا تزال تبتسم. ms054 # وانتهيت من القراءة، وحل صمت كامل، ورفعت إليها عيني، ولم تكد نظراتنا تلتقي حتى ~~وجدتني أقول في تهور: لقد كذبت عليك. ~~- ماذا؟ ~~- ليس الخطاب لصديقي، إنه خطاب مني إليك. # وتضاءلت ابتسامتها، وقالت وهي تنكس رأسها: كنت أعرف هذا. # وقامت وأشعلت سيجارة لنفسها بنفسها، ونفثت دخانها إلى الناحية الأخرى. # وأرعد هاتف في نفسي يقول: آه ... لقد بدأ الجد. # وقلت بعصبية وقد كاد صبري ينفد فعلا: ما رأيك يا سانتي؟ # وخرجت «سانتي» من فمي قلقة متهدجة. كان ثمة خوف كبير قد اعتراني. لسبب لا أعرفه ~~بدأ ينتابني إحساس مفاجئ بالخجل وبخيبة الأمل. طوال اليوم السابق وإلى اللحظة التي ~~انتهيت فيها من قراءة الخطاب كان همي الوحيد أن أفرغ ما بنفسي، وكنت واثقا تماما أنها ~~ستستجيب، ولهذا لم أفكر أبدا فيما يمكن أن يحدث بعد قراءة الخطاب. وإذا بي بعد أن ~~انتهيت جالس أرتعش وأترقب كمن وجد نفسه فجأة يقف على حاجز رفيع بين هاويتين لا ~~قرار لهما، كمن وجد نفسه يجابه مسألة لم يعمل لها حسابا قط. # كنت تماما مثل أي طفل يشعر بهاتف يهيب به أن يقذف عربة مارة من أمامه بطوبة وهو ~~ضامن أن العربة لن تتوقف، وأنها ستمضي مارقة كالريح. ولكنه ما كاد يقذفها حتى حدث ما ~~لم يكن في حسبانه بالمرة؛ أن توقفت العربة وهبط منها أصحابها وأحاطوا به، وأصبح عليه أن ~~يواجههم. # أنا الآخر لم أستطع أن أكبح الهاتف الذي كان يهيب بي أن أصرح لها بكل ما أحسه ~~ناحيتها، ولم أراجع نفسي ولا فكرت، لعلني كنت قد بدأت أدرك أني لا بد أن أخطو خطوة ~~إيجابية وقد خيل إلي أني أصبحت مطالبا باتخاذها. # لعلني أردت أن أقدم لها عواطفي في شكل ملموس لا يحتمل شكا أو تأويلا، أردت أن ~~ألعب لعبة الشبان فاعترفت لها بحبي لأنكشها ويصبح في استطاعتها أن تعترف لي بحبها هي ~~الأخرى؛ إذ شعوري الداخلي كان يؤكد لي أنها تكن لي حبا ولكنها لن تصارحني به إلا ~~إذا تأكدت أني أحبها وكنت البادئ. ms055 # لعلني كنت مثل غيري من أبناء جيلنا ظمآن أشد الظمأ إلى الحب الذي أسمع عنه في كل ~~مكان وحياتي خالية تماما منه، وأريد الاستمتاع بنشوة الاعتراف به. # لعل هذا. # ولعلني كنت ضامنا سلفا أن سانتي لن تحاسبني على هذا البوح، ولن يحدث شيء بالمرة، ~~وتمر علاقتنا كالعربة المارقة لا يمكن أن يوقفها أو يخدشها اعتراف كهذا. # ثم إذا بي أواجه ذلك الموقف. # وقد أكون أضعف إنسان جابه امرأة على هذا الوضع. # وقد يكون ما فعلته خطأ وكان الواجب أن أدع العلاقة تنمو حتى يصبح باستطاعتي أن ~~ألمسها ثم أقبلها، فإذا رضيت بقبلتي صارحتها بعواطفي. # ولكن ذلك ما حدث، وكيف كان يمكنني أن أعرف الصواب من الخطأ من غير أن أخوض ~~التجربة؟ # لقد حددت ذلك المساء في بولاق خطوط أعنف مأساة عصرت حياتي عصرا. # كانت واقفة في ركن الحجرة تعبث بشيء ما حين سألتها: هيه، لم تقولي لي رأيك؟ # فقالت وفي عينيها حيرة من لا يعرف كيف يصوغ إجابته: في ماذا؟ ~~- فيما قلته في الخطاب؟ # وحين نسأل سؤالا كهذا نحن لا ننتظر الإجابة. إننا نركز انتباهنا على المسئول لنخمن ~~إجابته قبل أن ينطقها، أو حتى لو نطق غيرها، ولم أستطع التخمين، كل ما استطعت أن أدركه ~~أنها غير مهزوزة أو منفعلة بما حدث. لم يكن مسلكها هو نفس المسلك الذي يتوقع الإنسان ~~حدوثه في حالة كتلك. كانت آخذة الأمر ببساطة تخيب الأمل، وبنفس تلك البساطة قالت: ~~ولكنك تعلم أني متزوجة. # قلت لها في هدوء: أعلم هذا. # فقالت وهي تفتح عينيها في دهشة، وكنت لا تستطيع معرفة دهشتها إلا إذا راقبت عينيها: ~~طيب، وكيف يكون الوضع؟ # وكان هذا أكثر من أن أستطيع احتماله. لقد بدأت بقراءة الخطاب موضوعا ضخما، عواطف ~~جامحة متأججة لا ترحم قدمتها، فكيف ينحرف بنا الحديث هذا الانحراف الغريب، ويأتي ردها ~~يثير مشاكل عملية ليس هذا وقت طرقها أو التفكير في التغلب عليها؟ أنا لم أكن ~~أطلب منها أن أتزوجها لترد بقولها إنها متزوجة، أنا كنت أعبر لها عن ms056 انفعالات ~~بالرغم من عنفها وقوتها إلا أنها رقيقة جدا لا تحتمل تداولا أو تقليبا، أشياء لا ~~تخرج عن الصدر الحي إلا ليتلقفها صدر حي آخر، أشياء تموت لو خرجت من أحدهما وبقيت ~~معلقة في طريقها إلى الآخر. # وقلت: يعني ماذا؟ # فقالت: يعني أنا لا أستطيع أن أبادلك هذا الحب. أنا متزوجة ولا أستطيع أن أحب سوى ~~زوجي. # وأكملت الحديث كلاما فارغا، فقلت وأنا أبتسم ابتسامة صفراء مرتعشة: تزوجيني ~~إذن. # فقالت: ولكني قلت لك إني متزوجة. # فقلت: اتركيه وتزوجيني. # فقالت بعصبية وكأنها مشكلة حقيقية: ولكني أحب زوجي، فكيف أتركه؟ # وطبعا لم أعر إجابتها تلك أي التفات، بل لم أعر الحديث كله أي التفات، تلك ~~الجمل المتعثرة المرتبكة، ذلك اللجاج، ما شأني أنا به؟ كنت طوال الوقت أبحث عن خلجة ~~انفعال، عن نظرة، عن لمحة، عن ابتسامة، عن كلمة، عن تحديق يصاحب كلمة، عن شيء ~~دقيق أستطيع أن أعرف به إن كانت قد أحبتني حقيقة أو على استعداد لحبي. # ورغم كل مجهود الغريق الذي بذلته لأتشبث بقشة انفعال واحدة، خرجت من بحثي منقبض ~~الأصابع في يأس. # لمحت أشياء أخرى بعيدة كل البعد عما أريد. لا مانع لديها مثلا أن أحبها أنا ما ~~شئت، ولا مانع لديها أن أعبر لها بكل وسائل التعبير عن هذا الحب، أما من جهتها فإن ~~وضعها لا يسمح؛ إذ هي متزوجة تحب زوجها. # ممكن أن أكون قد اعتبرت هذا كله مجرد تخمين، ولكن الذي لا شك فيه أنها كانت جادة ~~فعلا كمن تجابه موقفا لم تعمل له حسابا قط، مع أنه كان واضحا أنها تعلم أن موقفا ~~كهذا كان سيعقب حتما تلك القصيدة الإنجليزية التي قرأتها عليها. # وكان التوتر قد خفت حدة وقعه الأولى، فجلست هي إلى المكتب وجلست مكانها على ~~الكرسي الأسيوطي وأغمضت عيني، وأنا أتمنى في قرارة نفسي لو تحدث المعجزة وينقلب المشهد ~~الحقيقي الذي أعيش فيه إلى حلم أفرح باليقظة منه بعد قليل، أو تحدث المعجزة الأكبر ~~وأفاجأ بها تغير موقفها وتمد يدها الدقيقة وتمسك ms057 بيدي مثلا وتقول: لا ~~تصدقني يا يحيى إذا قلت إني لا أحبك، أنا أكذب عليك، أنا مدلهة بك. # أغمضت عيني وتركت نفسي متمنيا أن ينقلب الواقع إلى حلم، أو تنقلب أحلامي إلى واقع، ~~وفتحتهما مرة فوجدتها تبتسم ابتسامة من يتذكر شيئا مضحكا، ثم قالت: هل تعلم ~~شيئا؟ (وكانت أحيانا تستعمل نفس لازمتي.) # قلت مشحونا ببوادر أمل: ماذا؟ # قالت: مرة شاب سوداني كنت أعمل معه قال لي إنه يحبني وأصر على أن يتزوجني. # فقلت بسرعة: متى؟ ~~- قبل أن أتزوج. ~~- وبماذا أجبته؟ ~~- حاولت إفهامه أني لا أحبه، ولكنه لم يقتنع أبدا، وهاج وماج، وقال لي: غير مهم أن ~~تحبيني، نتزوج أولا وبعد هذا يأتي الحب. # وسكت سكوت غير المرتاح لكلامها، ولكنني لم أستطع الصبر على سكوتي. كان من ~~المستحيل أن يمر المشهد الذي دبرت له طويلا هكذا ببساطة وبلا نتيجة، وكأني لم أفتح ~~لها قلبي الذي كنت ضنينا به طوال حياتي أن يفتح. لقد ظللت مرة أحب طالبة ~~زميلتي في الكلية ثلاث سنوات كاملة، وأكلمها وأحادثها وأنا مغلق نفسي على عواطفي ~~بإرادة حديدية. وما أبشع الليالي التي قاسيتها أتلظى وأكاد أجن رغبة في أن أبوح ~~لها بحبي، ولكني كنت أثوب إلى رشدي في الصباح، وتعود الإرادة الحديدية تحبس عواطفي؛ ~~فخوفي الأكبر كان أن أعترف لها بحبي فأجد أنها لا تحبني، وأجد أني قد مرغت كرامتي ~~واعتزازي بنفسي أمام أعين غريبة لا يهمها أمري. وبقيت هكذا إلى أن تخرجنا وتفرقنا ولا ~~يعلم بحبي هذا سواي. # لم أستطع الصبر على سكوتي، فسألتها: يعني ... ألم ... ألم تحبي أبدا؟ أقصد قبل أن ~~تتزوجي. # فقالت: طبعا. # قلت ملهوفا: من؟ ~~- زوجي. # وطمأنتني الإجابة؛ فلم أكن أعتقد أن الزوج ممكن أن يلعب دور الحبيب قبل الزواج أو ~~بعده. لا بد أن تقول هكذا لأنها يجب أن تقول هكذا. # وعدت أسألها: كنت تحبينه فعلا؟ # فقالت وهي تكاد تضحك: طبعا، ولا أزال، وإلا لكنت قد تركته. ~~- تحبينه، أقصد ... يعني حب، غرام؟ ~~- طبعا طبعا، أحبه طبعا. # وأخذت إجابتها على محمل القول الواجب، ms058 وإن كانت طريقتها الأكيدة الحاسمة في صياغة ~~الإجابات بدأت تقلقني ، وقلت ليهدأ قلقي: وكيف تحاببتما؟ # فقالت وهي تغادر الكرسي واقفة: ونحن هكذا (أشارت بيدها كمن يقول ونحن أطفال)، كان ~~أبوه شريك أبي، نلعب سويا. وكنا في المدرسة معا، وتحاببنا من ورائهم، ثم كما ~~ترى تزوجنا. # ومرة أخرى عاودني الاطمئنان؛ فذلك النوع من الحب ممكن أن يعتبر تآلفا أو عشرة أو ~~أي شيء غير الغرام الحاد الذي خفت أن يكون قد حدث بينها وبين زوجها. # قلت وأنا أريد للحديث أن ينقطع: ولماذا رفضت حب الشاب السوداني؟ # فقالت: لأني لم أحبه. كنا أصدقاء فقط. # فقلت: هيه. # وسكت قليلا أتأملها ثم سألتها: وما رأيك؟ # فوقفت أمامي وارتكزت بيد إلى المكتب وقالت وهي مأخوذة قليلا بما تريد قوله: شوف، ~~أنا أعتبرك صديقي العزيز، ولكني لا أستطيع أن أحبك وأحب زوجي في وقت واحد. # فسألتها سؤالا وكأنما أسأل نفسي: وماذا أصنع أنا؟ # قالت: اسمع، أنت وراءك مهام كثيرة، وعملك وبلدك في حاجة إلى جهودك كلها. وأنت ~~تضعني في موقف حرج، إني لا أعرف كيف أتصرف ولا أعرف ماذا يجب علي أن أفعله. أنت ~~تقدر موقفي طبعا. # قلت: المشكلة في الحقيقة ماذا أصنع أنا؟ فأنا الذي يحس. # فابتسمت ابتسامة من يقول لا تسمع كلامي، وقالت: حاول أن تنسى. # وبقدر ما أعجبتني ابتسامتها ضايقني ردها، لا لكلماته وإنما للطريقة التي قالته ~~بها. أيقنت أنها خارج المشكلة تماما، وأنها تنصحني كما تسدي النصح لصديق واقع في ~~مشكلة خاصة به. # واهتزت كرامتي، وقضيت ما تبقى من الوقت في وجوم. # ولم يعد هناك كلام يقال، ظللت طوال الوقت أبتسم لأخفي مشاعري وأطيل التحديق فيها ~~علني ألمح في خواطرها - إن لم يكن في ملامحها - ذلك الشيء الذي أبحث عنه. # لم يعد هناك كلام يقال وظللت صامتا، ومع هذا بقيت سانتي وقتا أطول مما تعودت أن ~~تبقاه. وحين طال صمتي وطالت الجلسة حاولت أن تتذكر نكتا وتحكي مفارقات وتضحك لتبدد ~~الوجوم الذي خيم على الحجرة، غير أن كل هذا لم يحرك في ms059 ساكنا. # وحين غادرتني، قالت ويدها على الباب ويدها الأخرى ممدودة إلي: أصدقاء؟ # وأحسست أن الكلمة خارجة من فم طفلة. # ولكني خجول، وهكذا تمتمت وأنا أداري وجهي في ابتسامة ما: أصدقاء. # وهبطت درجات السلم في بطء وكسل. # 7 # ولم يكن هناك ما أفكر فيه ليلتها، لا لقلة ما كان هناك وإنما لكثرته. عشرات الأشياء ~~كان علي أن أفكر فيها، كل شيء صاحب تعارفنا، كل حادثة صغيرة وقعت في أثنائه، كل ~~كلمة قلناها وكل ابتسامة ابتسمناها كانت قد أصبحت شيئا مستقلا بذاته علي أن أفكر ~~فيه وأخرج منه باحتمالات. ومع ذلك ظللت عمليا بلا تفكير؛ فالاحتمالات حين تتقارب ~~ولا يستطيع الإنسان أن يرجع أحدها على الآخر تعفى من التفكير، ويفلس العقل؛ ~~فعقولنا تنشط فقط إذا كان هناك أمل، وتساوي الاحتمالات لا يدعو لليأس، ولكنه أيضا لا ~~يبقي مكانا للأمل. # وعشرات المرات حاولت أن أرغم نفسي على التفكير وعلى استعادة ما حدث، وفي كل مرة لا ~~أجد لدي ذرة رغبة واحدة في استعادة شيء، وقلت لنفسي في النهاية: ليس عليك سوى أن ~~تنتظر وتترقب ما تفعله لتغلب احتمالا على آخر. # وجاءت سانتي في اليوم التالي مباشرة. # وكنت أعرف أنها ستأتي. لم يكن مجيئها في نظري ليغير من الأمر شيئا، لم يعد مجيئها ~~علامة رفض أو قبول، أصبح عادة. # ولكني قابلتها في تلك المرة بشعور مختلف. طوال الأيام الماضيات كنت أكاد آكلها ~~برغبتي فيها، كنت لا أتحدث إليها أو ألمس يدها أو أحدق في عينيها إلا وأنا أتقلب على ~~جمر الرغبة فيها. وفي تلك المرأة أحسست أن حاجزا شفافا قد أصبح يحول بيني وبينها. ~~خجل شديد، أو أي شيء يشبه الخجل الشديد في مفعوله، كنا قد «تحدثنا» في السر الذي ~~أقفلت عليه نفسي، وبهذا انكشف الغطاء وأصبحت كل حركة مني مفضوحة وأنا أول من يفضحها، ~~وبتلك الفضيحة توقف الزحف التلقائي الذي كان يجذبنا ويقربنا دون حاجة إلى كلام أو ~~مصارحة، أو على الأصح في غيبة الكلام والمصارحة. وشيء آخر، سانتي كانت قد قالت لي ms060 من ~~زمن إنها متزوجة، ولم أعر الأمر ساعتها اهتماما يذكر لدرجة أني لم أتصورها زوجة ~~أبدا، ولم أجد أهمية لهذا التصور؛ فكل ما كنت أحسه تجاهها كان لا يدور إلا بيني وبين ~~نفسي، ويدور رغما عني، وكان من المستحيل أن يؤثر في أية علاقة أخرى لها. فلتكن ~~متزوجة أو أرملة أو حبيبة، ما الحرام في أن أعجب بها ذلك الإعجاب الصامت الذي لا ~~يستطيع أحد أن يلمحه أو يحاسبني عليه؟ ولكن الإعجاب الصامت تكلم أخيرا ونطق، فاضطرت أن ~~تذكرني هي الأخرى بموقفها وتقول لي إنها متزوجة برجل تحبه ولا تستطيع أن تحب اثنين ~~في وقت واحد. ازداد الأمر تعقيدا، لا لأنني عدت إلى رشدي وأدركت أنها متزوجة وأني لا ~~يصح أن أحس ناحيتها بأي انفعال، ولكن لأني أيضا لم آخذ قولها مأخذ الجد؛ فقد شعرت أنها ~~تضع عقبة شكلية محضة أمام علاقتنا؛ إذ كان بوسعها أن تقول لا يمكن أن تحبني، وكان ~~بوسعها أن تعنفني وتزجرني وتقطع علاقتها بي وينتهي الأمر. أما أن تقول إن الزواج هو ~~فقط الذي يمنعها من حبي؛ فمعنى هذا أن المانع مجرد شكل، والشكل ممكن أن يتغير، ممكن ~~أن تترك زوجها وتتزوجني مثلا، وصحيح أن هذا ليس حلا مثاليا، ولكنه ليس أول حل ~~غير مثالي، أو على الأقل ليس الحل الذي لا يفكر فيه إنسان في موقفي متلهف عليها، غير ~~قادر أن يكبت أو يقتل لهفته عليها. إنسان مستعد أن يفتت صخور اليأس ليعثر على قطرة أمل ~~واحدة، ومستعد أن يفتتها حتى ولو كانت القطرة سرابا غير موجود. # ولكنها حتى بذكرها هذا الاعتراض الشكلي كانت قد أثارت في نفسي قيما عميقة ~~مقدسة لا يمكن أن تمحى أو تزول، قيما ليس أقلها احترام ما يخص الغير؛ فقد أدركت ~~أن سانتي التي اعتبرتها منذ ليلة الأوبرا قد أصبحت لي ليست في الواقع لي، ولكنها زوجة ~~رجل آخر لا أعرفه، ولكنه رجل شريف يحارب من أجل قضية كقضيتي تماما، ويلعب فيها ~~دورا ربما أعجز أنا عن القيام به. ms061 وأبالغ حين أقول: إني أدركت؛ فالإدراك لم يكن هو ~~بالضبط ما شعرت به. فلو سألتني رأيي بصراحة لقلت لها إني لا أزال لا أصدق أبدا أنها ~~متزوجة رغم الحقائق والحكايات التي قالتها. ليس إدراكا ولكنه احتمال، مجرد احتمال أن ~~تكون صادقة فعلا، ومجرد الاحتمال له في نفوسنا - نحن الذين تربينا في صرامة الريف ~~وتقاليده - قوة اليقين وحرمته. ذلك الزحف التلقائي الذي كنت أقوم به وأنا أغمض عيني ~~عمدا عن كل حقيقة أخرى خاصة بسانتي سوى أنها معي، تأتي لي، وتبتسم من أجلي، أوقفته هي ~~وتولت بنفسها فتح عيني وتبصيرها بالحقائق. # ولم يفعل هذا أكثر من أن أضاف إلى المشكلة المعقدة أصلا تعقيدات جديدة؛ فقد أصبح ~~واجبا علي أن أعاملها باعتبار أنها زوجة، وأنا مؤمن أنها ليست كذلك، وأنا أشك في ~~إيماني هذا، وأنا حائر في هدفها من تذكيري بوضعها، حائر فيها، وفوق هذا كله وقبل هذا ~~كله مدرك تماما أني لا أستطيع أن أمنع نفسي من طلبها، كما لا أستطيع أن أمنعها من طلب ~~الحياة والوجود. أبدا لم أكن أستطيع حتى ولو تبينت مثل أوديب أنها أمي؛ فشغفي بها كان ~~قد خرج عن إرادتي، أصبح كالنار العنيدة الموقدة في نفسي كلما حاولت أن أخمدها بمانع أو ~~حائل أتت عليه، بل زادتها الحوائل والموانع اشتعالا. # وجاءت سانتي في ذلك اليوم التالي. # ولدهشتي كانت ابتسامة كبيرة تضيء وجهها، وفي حركتها نشاط طازج، وفي ملامحها وكلماتها ~~تعبير غريب لم يكن قد طرق وجهها قبلا، تعبير التي تشجعك على نفسها، وبعد ماذا؟ ~~بعد ليلة واجهتها فيها وانتهت وأنا مكسور الخاطر. # وجلست على الكنبة. # جلست بعد أن خلعت جاكتتها وبقيت ببلوزة بيضاء محبوكة على صدرها وأكتافها، فبدت ~~كالموزة حين تخلع عنها القشرة. # ولفت نظري شيء كان يطل من تحت ذيل «الجيب». # كان ذيل قميص نوم جديد أنيق مشغول! # وما كدت أراه حتى دق قلبي دقا مفاجئا متلاحقا. # إذ في ومضة كنت خمنت شيئا. # أممكن هذا؟ # أممكن أنها ترتدي ذلك القميص من أجلي؟ # أممكن أنها قد ms062 افترضت أنه بعد مصارحتي حتى المكشوفة لها بالحب، لا بد أن يحدث «شيء ~~ما» وأعدت نفسها لهذا «الشيء»؟ # وابتسامتها تلك، أليست ابتسامة الخجل المسبق من ذلك الشيء المقبل؟ # ولكن قلبي هذا بعد أجزاء من الثانية كف عن خفقانه؛ فقد خيل إلي أن الاحتمال ~~بعيد، وأنه مستحيل مستحيل، وأن علي ألا أركب رأسي وأن أستقر وأهدأ. # كان قد حدث حادث بعد ليلة الأمس. كانت خيبة أملي فيما كان قد خوفتني من محاولات أخرى ~~للاقتراب. كانت الفراشة قد أحست بالصبي حين أثار الضجة المقصودة ليشعرها بوجوده ~~وبأنه في الطريق إليها؛ ولهذا كان يجب أن أطمئن تماما قبل أن أخطو خطوتي التالية ~~إليها؛ إذ كان يخيل لي أن الفراشة ستطير في أي لحظة مقبلة ولدى أي حركة. # ومن أجل هذا السبب كنت أرفض كل علامات القبول التي قد أراها، وأحاول أن أفسرها ~~تفسيرات أخرى. كنت قد وطنت نفسي على ألا أقدم إلا إذا رأيت بعيني علامة قبول ~~ضخمة تفرض صدقها ولا تدع مجالا للشك فيها. # وكأني كنت أنتظر أن تبدأ بتقبيلي مثلا، أو تقول لي أحبك. # وكان ذلك بالطبع منها صعب الحدوث، بل مستحيل الحدوث. # وجاءت لحظة انفعال أخرى. # كانت واقفة بجوار «البيك آب»، وكان فيه أسطوانة أظنها «شهر زاد»، وانتهت الأسطوانة ~~فذهبت إلى الجراموفون لأضعها على الوجه الآخر. وحين دارت وتصاعدت الموسيقى وأغلقت ~~الجهاز، ارتكزت بكوعي عليه، وكانت هي الأخرى مرتكزة بكوعها عليه وكانت لصقي تماما، ~~وتحدثنا في شيء ما ورفعت وجهها إلي، وفوق ما كان في وجهها من حمرة وفي عيونها من ~~بريق، فقد كان هناك شيء ما يشبه الدعوة، دعوة من فمها الذي كان قريبا جدا من ~~فمي. # وحدثتني نفسي أن أنقض عليها وأحتضنها وأهوي بفمي على فمها، وترددت لبرهة بين أن ~~أنفذ الخاطر أو أهدأ وأسكت. # ورغم أن ترددي لم يأخذ إلا ومضة خاطفة إلا أن وجهها كان قد عاد إلى وضعه الطبيعي، ~~وأصبح تنفيذ العناق أمرا صعبا. # وأراحتني عودة وجهها؛ إذ أعفتني من التفكير والتردد. # وطالت جلستنا أيضا، ms063 وطوال الوقت كان يحوم حول حديثنا شيء، ومن كلماتها اللاإرادية ~~المتناثرة استطاع شبح احتمال أن يطرق عقلي. بدا لي أنها، وإن كانت لا تستطيع أن ~~«تحبني» لأنها متزوجة، إلا أننا أعز الأصدقاء. وكانت تنطق الأصدقاء بطريقة يفهم منها ~~مجازا أننا من الممكن أن نخوض مغامرة لا حب فيها، ولا داعي للحب فيها. # ونحن لا نشاهد ما نشاهد لفترة ثم نجلس لنفكر على راحتنا فيما شاهدناه، إن ~~عقولنا تعمل دائما ولا تكف عن العمل، والاحتمالات تتوارد على تفكيرنا بنفس السرعة التي ~~نرى بها ما أمامنا، كافة الاحتمالات، ونصدر الأحكام تلو الأحكام على ما نراه، ونغير ~~تفكيرنا، ونستأنف الأحكام. وأحيانا نعود إلى آرائنا السابقة التي نبذناها، ونخرج ~~لكل شيء أسبابا، ولكل سبب حجة، ويحدث هذا كله في وقت واحد. عيوننا ترى، وعقولنا تفكر ~~فيما تراه وفيما لا تراه، وفي أشياء بعيدة جدا عن متناول عيوننا ووعينا. # وعلى هذا؛ ففي نفس الوقت الذي كنت أفكر في احتمال أنها فعلا تدعوني لمغامرة أو ~~نزوة، وأنني من الممكن أن أستجيب وأنفذ حالا، في نفس ذلك الوقت كنت أستنكر منها هذا ~~الموقف؛ إذ كنت أعتبر أن المغامرة معها أمر مخجل، ومع هذا كنت أحيانا أريده. فكيف ~~بها هي الأخرى تريد نفس الأمر المخجل الذي أريده؟ هي التي أحببتها وقدستها، كيف تريد ~~أن تخطئ؟ شكلية محضة أمام علاقتنا؛ إذ كان بوسعها أن تقول لا يمكن أن تحبني مثلما أريد، ~~وأنا الذي ظننتها فوق مستوى الخطأ؟ خاطر مجنون؛ إذ كيف أحرم عليها ما أطلبه أنا ~~منها؟ # ولم تكن هذه هي كل الأشياء التي دارت في عقلي. كنت أنظر لها أحيانا وأقول لنفسي: كيف ~~تجرؤ فتاة كهذه على رفض حبي؟ ماذا تحسب نفسها؟ إنها تمشي كشيتا. ألم أكن مغفلا حين ~~كتبت لها الخطاب وأودعته كل تلك العواطف الجامحة التي لا تستحقها؟ لم أكن أومن بكل ~~ما قلته لها في خطابي. لم أكن أدري هل ما أحسه ناحيتها حب أو رغبة أو نزوة؟ ممكن أن ~~أكون قد كتبت الخطاب لمجرد ms064 رغبتي في كتابة عواطف خاصة لقارئة خاصة، أو يمكن ~~لمجرد إظهار قدرتي على صياغة الجمل والكلمات والتعبير عن الحب. ولكن ماذا حدث بعد ~~قراءة الخطاب؟ لقد تبينت كل كلمة فيه وأصبحت أومن بها وأحسها فعلا. ابتساماتها ~~التي ينفرج عنها فمها الآن فيها دعوة. لماذا أتردد في قبولها؟ لماذا أنا خائف منها؟ ~~يقولون إن الخواجات ليس عيبا عندهم أن يمارس الإنسان معهم علاقات جنسية. من قال هذا ~~الكلام ومتى؟ لا بد أنه فتحي سالم الذي يكتب قصصا في المجلة. أصحيح هذا؟ لماذا لا ~~تقوم إليها وتشبعها لثما وتقبيلا؟ لماذا لا تملك التحرك من مكانك؟ أهذا حب ما ~~تحسه؟ لماذا لا ترغب فيها بنفس الشدة التي كانت تجتاحك في الأوبرا؟ إنها ترتدي تلك ~~«البلوزة» المحبوكة، وقد شمرت أكمامها إلى ما فوق ساعديها. ذراعها بيضاء رقيقة فيها ~~شحوب وعليها شعر أصفر باهت. حذاؤها أنيق جديد غال. أتكون غنية؟ أيكون أبوها خواجة ~~صاحب أطيان، مثل الخواجة صاحب البنك الذي كان يعمل عنده أبوك في المنصورة وفصله عن ~~عمله؟ أبوك كان يعمل كاتبا عند الخواجة الغني جدا الذي فصله في لحظة وشرده. ~~لماذا لا تنتقم لكرامة أبيك فيها؟ لماذا لا تغتصبها فورا وتطرحها تحت أقدامك كما طرحوا ~~أباك تحت أقدامهم؟ كل شيء فيها عادي ما عدا وجهها. ووجهها ذلك الأبيض الأملس المشرب ~~بالحمرة، وعيناها الدائمتا الحركة والإرسال والاستقبال ... والانفعال. أحيانا تتدلل ~~فتقبض شفتيها وتفتح فمها مظهرة أسنانها بطريقة تغري بالتهام فمها وأسنانها. ذكية ~~هي وتقرأ أفكاري بسرعة، حتى نفس الأفكار التي تخطر بعقلي الآن. امرأة! لغز من تلك ~~الألغاز التي لم أستطع حلها في طول حياتي وعرضها. زملاؤك الرجال تستطيع أن تقرأ ~~أفكارهم وتعرف ما يريدون حتى دون حاجة للنظر إليهم. أما النساء! أما هذه المرأة ~~بالذات فأدفع من عمري عشر سنوات لأستطيع أن أعرف للحظة واحدة ماذا تريد مني وماذا ~~تفكر فيه؟ وربما نحن لا نعرف ما يردنه منا لأنهن أنفسهن لا يعرفن ماذا يردن. ~~المرأة تنتظر من الرجل أن يكون هو إرادتها، هو ms065 الذي يريد وهي ترفض أو تقبل أو لا تعرف ~~حتى كيف ترفض أو تقبل فتتورط. المرأة لا تريد إلا شيئا واحدا، أن تكون امرأة. لماذا ~~لا تصنع لتلك المرأة الصغيرة الجالسة أمامك إرادتها؟ لا تأخذ رأيها! لا تنتظر أن تتحرك ~~هي، تحرك أنت، ولكن لا أريد هذه الحركة التي تأتي لي بمغامرة عابرة حتى لو كان هذا ~~هدفها مني، أنا لا أريد مغامرة عابرة. أنا أريد أن تحبني مثلما أحبها، وحتى إذا كان ما ~~أحسه ناحيتها ليس حبا وإنما مزيج من عواطف مختلفة؛ فأنا أريد منها أن تشعر ناحيتي ~~بمثل ما أشعر به ناحيتها. لن أقبل أقل من هذا. لا، يكفي فقط علامة. علامة واحدة أكيدة. ~~إنني أعرف المرأة حين تحب. إنها لا تتصرف كمن يحب، إنها تتصرف كمن يغامر. ترى كيف كانت ~~تحب زوجها قبل زواجها به؟ هل كانت ترتدي له قميص نوم جديدا؟ غير معقول، ترى كيف كان ~~شكلها أيامها؟ وكيف كانت تنتظر وتبتسم وتتحدث؟ كل ملامحها وحركاتها بعيدة عني إلا ~~حركتها بفمها حين تتدلل. إنها الوحيدة القريبة مني، ولكنها لا تفعلها لأجلي، إنها تفعل ~~ذلك لعلمها أني أحبها وتريد أن تتدلل علي. إننا نتدلل فقط ليس على من نحبهم وإنما ~~على من نؤمن أنهم يحبوننا. إن الصداقة التي قالتها كلمة اعتذار لا أكثر ولا أقل. إنها ~~لا تكن لي شيئا أبدا. لماذا تكثر من التدلل؟ هل لأنها اطمأنت إلى حبي؟ ولكن، ~~أبدا، لا تطمئني يا بلهاء، إنه ليس حبا. لقد قلت لك ذلك في الخطاب؛ لأني لم أجد ~~كلمة غيرها تصلح عنوانا لمزيج الانفعالات التي كنت أحسها ناحيتك. لقد قلتها لأنها ~~أسهل كلمة نعبر بها عن أية أحاسيس غير البنوة والأخوة تجاه امرأة. لا شيء هناك اسمه ~~الحب، وأنا لا أحبك، أنا أود فقط أن أعرف إن كنت تحبينني أو تبادلينني لهفتي عليك. ~~تحركي وانطقي وقولي شيئا! أفصحي! هدئي ذلك البركان الذي في جوفي! أنا لا أحبك، أنا ~~حاقد عليك لأنك خيبت أملي، جرحت كرامتي، علمتني ألا ms066 أثق في نفسي ومقدرتي على إيقاع ~~النساء في حبي. أنا كنت دائما أرهب النساء وأبعد عنهن كما أرهب أمي وأبعد عنها، ~~ولكن كنت دائما واثقا أني لو اقتربت من إحداهن لأوقعتها في التو واللحظة برغم شكلي ~~وابتسامتي المعوجة. يا لي الآن من خائب خائب! # وإذا كانت تصرفات الإنسان الخارجة هي انعكاسات متنكرة لخواطره الداخلية الصريحة، ~~فممكن إذن معرفة ما قمت به من تصرفات. كنت حين أرى أنها تود المغامرة أسوق كلمة أو ~~حكاية لأشجعها كي تمضي في الطريق وتطمئن، وكنت حين أتساءل إن كانت تحس ناحيتي مثلما أحس ~~ناحيتها أقول شيئا يستدر العطف علي، وأراقب كلمة العطف التي تقولها وأزنها بدقة ~~لأعرف إن كانت تحوي شيئا آخر غير العطف المجرد. وإذا رأيت انصرافها عن التفكير ~~في، وأنت تستطيع إذا جلست إلى إنسان أن تحدد بالضبط إن كان معك ويفكر فيك أو هو ~~يطرق بخياله ميدانا آخر، كنت إذا رأيت انصرافها عني قلت شيئا شاذا عن نفسي، مثل: ~~أنا أكره الأطفال، ويوما كنت سأخنق ابن جارتنا الطفل؛ لأنه ظل يبكي لفترة طويلة ولم ~~يسكنه زجري. أقول هذا وأرقب تساؤلها وأزنه لكي ألمح فيه شيئا آخر غير مجرد العجب من ~~تصرف شاذ، شيئا آخر يدل على أنها تستعجب؛ لأن ذلك التصرف صدر عني أنا ولم يصدر عن ~~أي إنسان آخر. # وهكذا طيلة الجلسة. # وإذا اتخذنا ما قلته عن التصرفات الخارجية ~~مقياسا، فحين أعود بذاكرتي إلى تصرفاتها هي لا أجد سوى أنها كانت موطنة عزمها على أن ~~الأمر مغامرة لا أكثر ولا أقل، ولكنها كانت لا تريد أن تكون البادئة ولا تريد أن تتحمل ~~مسئولية مفاتحتي، ثم إنها كانت واثقة من «حبي» لها ولكن يبدو أن فكرتها عن الحب كانت ~~مختلفة تماما عن فكرتي عنه، وكانت تعتقد أني أستعمل كلمة الحب لأعني بها رغبة حسية ~~تراودني ناحيتها، ولم تكن تدري في تصورها ذاك أية أشباح مخيفة تقف عقبة في طريق مثل ~~ذلك التفكير لدي. كانت تتصرف وكأني آجلا أم عاجلا سأضمها وأقبلها، ولكنها ms067 لا ~~تريد أن تكون البادئة، تريد أن تستمتع بلذة أن تؤخذ ولو عنوة ولا تعلم أني في موقفي ~~ذاك كنت آخر شخص ممكن أن يأخذها باللين أو بالعنوة. كانت تتصرف وكأنها تستعجل ~~اللحظة التي تؤخذ فيها. # أفقت فوجدت نفسي في المجلة، كنت لا أذهب ~~إليها في العادة إلا في التاسعة أو العاشرة بعد انتهاء عملي في العيادة، ولكني أنهيت ~~العمل في تلك الليلة المبكرة جدا - في الثامنة أو ما حولها - وذهبت إلى المجلة. كان ~~الباب مفتوحا ولا أحد في الصالة أو الحجرات القريبة، وأحسست بالمكان صامتا كئيبا ~~كالبيت القديم المهجور، والمجلة لم تكن هكذا أبدا، كانت على الدوام مزدحمة بالناس ~~داخلين وخارجين ووفود، والمناقشات لا تهدأ فيها لحظة. ولكن الظروف كانت قد تغيرت، وبدأ ~~الخوف يمنع الكثيرين من التردد على المجلة. المترددون القليلون كانوا يزورونها خلسة، ~~وتغير طعم المجلة حتى في أفواهنا نحن الذين نصدرها. # دخلت وجلست على مكتبي. كان في حجرة جانبية قريبة من الباب، ووجدت عليه ورقة فيها ~~بقايا طعمية، لا ريب أن عبده اختار مكتبي ليشرفه بتناول العشاء عليه. عبده فراش ~~المجلة وساعيها ومقرض محرريها والمدعي العام بالسياسة وبواطن الأمور ... ما لبث أن ظهر ~~وفوجئ بوجودي حتى لقد وقف مذهولا في مكانه برهة، ثم انفجر يحييني: أهلا وسهلا يا ~~دكتور، أنت فين؟ داحنا فاكرينك عيان. حمد الله على السلامة. # ولحظتها فقط أدركت أني فعلا لم أتردد على المجلة منذ زمن خيل إلي أنه عام، ~~وإن كان لم يتعد أياما ثلاثة أو أربعة. وفي الحال أيضا راودني سبب لهفتي على ~~المجيء في ذلك المساء، النداء الغامض الذي يهيب بي دائما أن أترك أي شيء وأهب نفسي ~~للمجلة، الإحساس الملح بأني مقصر دائما في حقها علي، كالمدين الذي تنهش صدره ذكرى ~~ديون. # وسألت عبده عن الزملاء وأين ذهبوا، فأخبرني أن أحدا لم يحضر ذلك المساء، حتى ولا في ~~أثناء النهار. ~~- الأستاذ أحمد شوقي بس هو اللي جه الصبح شوية وبعدين نزل. # فتحت أدراج المكتب واستخرجت الأوراق والمواد استعدادا لبدء ms068 العمل. كان هناك مقال ~~بدأت في كتابته ولم أتمه، ومضيت أقرؤه ، وغريب هذا! خيل إلي أن شخصا غيري هو الذي ~~كتبه؛ فقد أحسست أني غريب على كلمات المقال وموضوعه، وكأني أشترك في مظاهرة صاخبة ~~ثم بعدت عنها فجأة، وأصبح لدوي أصواتها من بعيد وقع غريب على نفسي. شيئا ~~فشيئا بدأ الإحساس بالمسئولية والعمل ينمل في جسدي ويعود للحياة. شيئا فشيئا بدأت ~~أحس أني خلال الأسبوعين الماضيين كنت أحيا في حلم طويل استغرق أياما كثيرة، حلم كنت ~~أعيش فيه مع سانتي بلا عمل ولا مسئولية، أو على وجه أدق أعيش فيه وراء ظهر العمل ~~والمسئولية. # وبدأت أكتب. # وجدت المحاولة صعبة، ووجدتني أسطر كلمات لا حياة فيها. وبدأت أشطب وأعيد الكتابة ~~وأكاد أبكي وأنا أوقن أن علاقتي بسانتي قد استغرقت اهتمامي كله، وأني وهبتها كل نفسي، ~~وأني يجب علي أن أعود مرة أخرى ذلك الشاب المخلص المشتعل حماسة الذي لا يشغل تفكيره ~~إلا الدين الذي في عنقه تجاه شعبه وقضيته. # وبدأت أنفعل وأكتب، وصورة سانتي في نفسي تبتعد وتبتعد. أبعدها بإرادتي وكأني ساخط ~~عليها وعلى نفسي وعلى تلك الأيام الطويلة التي قضيتها عبثا، قضيتها واقفا في طريق ~~جانبي ضيق لا يسع إلا عواطفي وأحلامي. # ولو كان هذا هو الذي حدث بالضبط لسار كل شيء كما أردت، ولكني طوال انفعالي وغضبي ~~وسخطي كان هناك، وفي ركن ما من نفسي، شيء أكاد ألمحه وأراه، عينان صغيرتان متقاربتان ~~لامعتان ساخرتان تؤكدان لي أني أضحك على نفسي وأني أفتعل ثورتي عليها، وأن سانتي لم ~~تبتعد من خيالي ولا حدث لها شيء، إنها موجودة وستظل موجودة، أردت هذا أم أبيت. # هاتان العينان اللامعتان الساخرتان هما اللتان جعلتاني - وقد كنت منهمكا في الكتابة ~~- أبدا أصغي لعبده وحديثه عن الزائرة التي جاءت مع الأستاذ شوقي في الصباح. توقفت عن ~~الكتابة وقد أدركت أنها سانتي، ولم يكن غريبا أن تأتي للمجلة مع شوقي؛ فمفروض أنها ~~تعمل معه، ومع هذا رحت أجهد عقلي لأجد طريقة غير مباشرة أسأل بها عبده عن ms069 كل ما أريد ~~دون أن أثير بها حب استطلاعه الذي يثور لأقل هفوة. سألته متى جاءا؟ وأين جلسا؟ وماذا ~~صنع لهما؟ والمدة التي استغرقتها المقابلة؟ وماذا كانت ترتديه؟ ... إلخ، إلخ. # وطبعا لم أكن أشك في شوقي، ولم يكن أحد يستطيع أن يشك فيه؛ فشوقي لم يكن شخصا، كان ~~في الواقع قضية، أو على وجه التحديد كان قضيتنا، لم أحس مرة أن له مزاجا خاصا أو ~~مطلبا خاصا. كان عقله - وبالتالي شخصه - يشبه جهازا دقيقا مضبوطا، عمله أن يفكر ~~في المشاكل ويجد لها حلولا. وعلى ذلك فشوقي هو دائما المشكلة التي يفكر فيها، ~~بطريقة لا بد نعتقد معها أن ليس له وجود خاص أو شخصية مستقلة. كان طويلا أسمر ~~ضخما طيب المظهر، يحمل على الدوام حقيبة تحفل بأوراق وأشياء مختلفة متباينة، بل لا ~~تدهش إذا وجدت فيها بعض ملابسه الداخلية؛ إذ كانت له قدرة عجيبة على العرق، وباستطاعته ~~أن يعرق جردل ماء في الساعة أو حسبما تطلب. كان ذكيا جدا وحساسا وعلميا في ~~إحساسه؛ فلا تستطيع أن تضبطه مرة متلبسا بشطحة من شطحات الفنانين، وكأن مخيلته هي ~~الأخرى تعمل كالجهاز المضبوط الذي لا يخطئ أو يتساهل، وأهم شيء في شوقي أنه يعطيك ~~شعورا بالثقة من أول نظرة. كنت لا أدهش أبدا حين نكون معا في حفلة أو اجتماع أعرفه ~~بشخص ما وأعود بعد دقائق لأجد هذا الشخص قد انتحى به ركنا ومضى يعرض عليه مشكلة ~~خاصة جدا لا يعرضها الإنسان إلا على أخ أو صديق عريق. وشوقي كان متزوجا وله ~~ولدان توأمان، وعمري ما رأيته يتحدث عن مشاكله كزوج أو رب عائلة مع علمي التام بكثرة ~~ما تحفل به حياته مع زوجته من خلافات ومشاكل. # وما كدت أنتهي من أسئلتي حتى سمعت وقع أقدام في الصالة، وغادرني عبده ليرى من ~~القادم. أما أنا فلم أكن في حاجة أبدا لمغادرة مكاني لأعرف من عساه يكون؛ فبمجرد ~~سماعي لتلك الخطوات السريعة المتتالية عرفتها، وتصنعت الانهماك في الكتابة. # ولم أرفع رأسي حتى بعد أن ms070 دخلت الحجرة التي كنت فيها، لم أرفعها إلا حين دق قلبي ، ~~وأنا أسمع هتافا حلوا يتصاعد من الباب: هاللو! # كانت سانتي، وغادرت مكاني وسلمت عليها وأجلستها أمام المكتب، وفعلت كل هذا وأنا ~~مرتبك مشتت بين رغبتي في القيام بدوري كمحرر في المجلة يقابل زميلة أجنبية، وبين ~~الجهود الضخمة التي بذلتها لأكبت انفعالاتي الخاصة. # السؤال الذي كان يحيرني في أثناء هذا كله، لماذا جاءت؟ ولماذا في هذا الوقت ~~بالذات؟ # وكان من الممكن أن أوجه إليها السؤال ببساطة، ولكني لم أشأ هذا، أو في الحقيقة لم ~~أستطعه؛ فمن لحظة أن سمعت وقع أقدامها في الصالة لم أعد نفسي، انتابتني تلك ~~الحمى التي تنتابني كلما وجدت معها أو سمعت مسيرتها أو خطرت لي على بال. حمى سببها ~~عشرات الانفعالات والمتناقضات التي كانت تغمر كياني كله وتبقيني تائها محموما لا أعرف ~~كيف أتصرف، أو ماذا أقول؟ أقهر انفعالات وتقهرني انفعالات، أحاول أن أضبط شعوري فتتبعثر ~~مني أحاسيس وتنفرط وازداد خجلا وارتباكا، ويدفعني الخجل إلى مزيد من الخجل التائه ~~المحموم. # ولم أفق قليلا إلا حين جاء شوقي تسبقه حقيبته التي لا يمشي إلا وهو يطوحها. وسلم ~~علينا، وتكفلت يده الضخمة ذات الأصابع السمينة الطيبة بمحو كل ما خالجني تجاهه. ~~ونظر إلي وإلى سانتي وقال: عارفين بعضكم طبعا؟ # وضحكنا كلنا، وأخذنا الكلمة ببساطة. ولكن خاطرا صفر في عقلي فجأة: ترى ماذا يحدث ~~لو عرف شوقي فعلا ما يدور في رأسي، وما حدث بيني وبين سانتي؟ # ولم أحتمل مجرد التفكير في الخاطر، طردته من وعيي في الحال، ومضيت أرقب بعين مدققة ~~الطريقة التي تتحدث بها سانتي إليه، لم أجد فيها ما يستوقف البصر، وحتى سانتي لم تتحدث ~~طويلا، ما لبثت أن أخرجت من حقيبتها مجلة وبعض الأوراق ناولتها لشوقي ثم ودعتنا ~~ومضت. # وأحسست بارتياح، وغادرت حجرتي وجلست مع شوقي في حجرته نتحدث في مشاكل المجلة. كانت ~~هناك عقبات تحول دون صدور العدد الثاني أهمها النقود، وكان لا بد من حملة جمع ~~تبرعات واسعة، وكان لا بد أن ms071 تبدأ الحملة حالا. وفي حماس أخذت على عاتقي عبء جمع ~~التبرعات عن عشرين شخصا، بعضهم كان يدفع لإيمانه بالمجلة، وبعضهم لخوفه منها، وبعض ~~آخر لمجرد إقناع نفسه أنه يؤدي واجبا ما. # ولم أعد إلى البيت إلا في الرابعة صباحا. # 8 # ظل «عنتر» البيضاوي الجسم الذي تستقر فوق بيضاويته رأس كروية دسمة الملامح، ظل قرابة ~~شهرين كلما رآني يقول: ما تياالله يا دكتور، الراجل ساب العيادة وح يموت، خدها. # يقولها بصوته الهادئ الهائم كغبار الدقيق الناعم، يقولها بلا حماس وهو يمسحني بعينيه ~~الواسعتين العبيطتين، ثم يسبلهما علامة الولاء والتقدير التام لشخصي ~~ومصلحتي. # كل يوم كنت أراه فيه كان يقول لي هذا، وكثيرا ما كنت أراه؛ فبعدما يخف ازدحام العمال ~~في حجرة الكشف، وتنقضي ساعات الأزمة وتئوب أعصابي التي احترقت إلى رماد خامل، أبدأ ~~أتمطى وأسأل عم مرسي الباشتمرجي إذا كان قد بقي أحد بلا كشف؟ فيقول: مافيش. وأعيد ~~السؤال فيقول: ما فيش إلا عنتر وعبلة، و«عبلة» كان عاملا في قسم النجارة اسمه كيرلس، ~~وربما أطلق عليه اسم عبلة؛ لأن اسمه الحقيقي كان معقدا؛ فهو يكتب كيرلس، وينطق ~~كوروللس، وربما أطلقوه عليه لشدة ملازمته لعنتر. وعلى العموم فلم يكن كيرلس أول عامل ~~يطلق عليه اسم مضحك؛ فقد اكتشفت أن كل عامل من عمال الورشة له اسم كهذا يعرف به ~~في الورشة ولا ينادى بسواه، والتسمية تبدأ حين يدخل العامل صبيا فيرتكب خطأ، أو ينطق ~~اسم قطعة عدة نطقا مضحكا، أو أحيانا بلا سبب، فيخلع عليه الأسطى معلمه اللقب، ~~ويظل لاصقا به بعد أن يكبر ويصير أسطى ورئيس عمال. أسماء غاية في الغرابة لا ضابط ~~بينها أو رابط؛ حنتيتة، وإسطبة، وشادية، وبن جوريون، وأبو ورك، وبقبق، وشالوم، ورجل على ~~رجل، والشيخ الشريب، والسبنسة، وأبو زلومة، وابن زليخة، وكانوا يقولون لي إنه سمي ~~هكذا لأنه في أول يوم لاستلامه العمل في الورش وهو لا يزال صبيا جديدا طلب منه ~~الأسطى أن يحضر له شيئا ما فأحضر غيره، فسأل الأسطى بتريقة: أمك اسمها إيه يا ms072 ولد؟ ~~فأجابه بجد: اسمها زليخة ياسطى. وأصبحت نكتة تروى وتضحك عليها الورشة، وتضاف إلى ~~تراث ضخم من المواقف والحوادث والمضحكات التي حدثت من عشرات السنين ووجدت وحورت ~~وأضيف إليها، ولا تزال تكبر وتحيا وترويها الأجيال الماضية للحاضرة والمقبلة. # كان عنتر وعبلة يكونان وحدة غير متناسقة الأوصاف؛ فعنتر كان بيضاويا قصيرا، ~~وعبلة كان عموديا طويلا رفيعا قليل الكلام كثير الابتسام، يكاد لا يفقه من أمور ~~الدنيا إلا أنه صديق عنتر وملازمه الدائم. # ولا أذكر كيف نشأت علاقتي بهما، ولكن يبدو أنهما كانا من ذلك النوع من الناس الذي يحب ~~مجالسة كبار الموظفين ليتحدث لزملائه بعد هذا عن الصداقة الوطيدة التي تربطه بهم، وعن ~~كيف أمضى الليلة الماضية ساهرا مع مهندس الكهرباء، وكيف عزمه دكتور الورش على العشاء. ~~ومع أن عنتر كان عاملا في قسم الخراطة أو الميكانيكا لا أذكر، وكان أبوه أيضا عاملا ~~في نفس الورش، وجده كذلك، إلا أنه كان يمتلك بيتا من بابه. بيت هاكع كئيب من البيوت ~~المكدسة المتزاحمة في المنطقة الكائنة خلف شركة النور، وكان قد أجر الدور الأرضي الذي ~~يتكون من شقة واحدة مظلمة ذات حجرتين إلى طبيب اسمه عطوة كان يعمل في الحكومة ثم ~~أجبر على الاستقالة لسوء أخلاقه، ولم يكن الدكتورة عطوة طبيبا فقط، كان مدمن أفيون ~~أيضا، ومدمن جلسات مع الحانوتية وأصحاب الدكاكين جيرانه في العيادة، وإذا رأيته لا ~~يمكن أن يخطر ببالك أنه طبيب؛ فقد كان نحيفا طويلا ذا قتب، له ملامح تصلح لفتوة من ~~الفتوات الذين يستأجرهم أصحاب السينمات الشعبية لكبح جماح رواد الدرجة الثالثة. وهو ~~دائم الكحة دائم العطس والتمخط والبصق، ولا يحلو له البصق إلا أمامك على الأرض. إذا ~~تكلم خرج صوته متحشرجا مبحوحا، ولا ينطق كلمة إلا ويتبعها بسباب قذر ولو كان ~~يتحدث عن أبيه. # والعيادة على هذه الصورة لم تكن تأتي بإيراد يذكر، وكان طبيعيا أن تتراكم الديون ~~على الدكتور عطوة ويتراكم الإيجار حتى اضطر أخيرا للتنازل لعنتر صاحب البيت عن العيادة ~~مقابل الإيجار المتأخر، وأصبح عنتر ms073 بين يوم وليلة مالكا لعيادة لا يدري ماذا يصنع ~~بها. كان أول الأمر يذهب ويجلس فيها ويستقبل أصدقاءه وهو سعيد بالجلوس على مكتب الدكتور ~~عطوة الكالح، وإذا قابله أحد أصدقائه أو معارفه قال له: ما تخلينا نشوفك. ~~- أشوفك ازاي؟ ~~- تعالى لي العيادة يا أخي. # وتندمج بيضاويته بالسعادة حتى يكاد يتحول إلى كرة. # غير أنه بعد وقت تبين أنه الخاسر، وأن عليه أن يبيعها. وهكذا بدأ «يشتغل» علي ~~لأشتريها، ولكنه كان يخاف إن أنا عرفت قصة الإيجار المتأخر والخسارة أن أرفض الشراء، ~~فادعى لي أن الدكتور عطوة فوضه في بيعها، وأنه يريد خدمتي فقط، وكل يوم يراني فيه ~~يقول: ما تياالله يا دكتور، الراجل ساب العيادة وح يموت، خدها بقى. # وفي البداية لم أكن أنصت لكلامه أو أعيره اهتماما؛ فلم يكن في نيتي أبدا أن أفتح ~~عيادة، كنت أريد إكمال دراستي العليا في الكلية، وكل عام كنت أقول لنفسي سألتحق هذه ~~المرة بالدبلوم. ويأتي أول أكتوبر ويذهب تاركني أحلم مرة أخرى بالحصول على الدبلوم، ~~ثم جاء الوقت الذي صرفت النظر فيه عن أي أمجاد طبية وشهادات واستسلمت للأمر ~~الواقع، ولوظيفة طبيب الورش وغمها ونكدها. والحقيقة لم يكن استسلامي استسلاما كاملا، ~~وكانت أحيانا تنتابني لحظات أقرر فيها أن أغير مجرى حياتي تغييرا جذريا وأسلك ~~طريقا آخر. # أحيانا أفكر في العمل كطبيب باخرة، وأحيانا أفكر في السفر إلى السودان أو ~~الكويت، وأحيانا أتمنى لو تركت المهنة نهائيا والتحقت بكلية الآداب. ما من يوم كان ~~يمر علي إلا وتنتابني أفكار كتلك. لا بد أن هناك حياة أخرى أروع من حياتي تلك، لا ~~بد أني لو أخذت قرارا حاسما وغيرت عملي سيحدث لحياتي تغيير ضخم وتتفتح الآفاق ~~أمامي. وأسخف ما فينا أننا دائما نفكر بطريقة ونحيا بطريقة أخرى، ونثور على طريقة ~~حياتنا ومع ذلك نظل نحياها وبنفس الطريقة. أسخف ما فينا هو ركوننا إلى العادة، العادة ~~المملة الرتيبة التي تترسب كبرادة الحديد في مادتنا الحية فتحيل سيولتها المشبعة ~~بالحركة والنشاط إلى جمود وتبلد وسكون. والعادة ms074 تلك هي التي كانت تتولى القضاء على ~~خططي ومشاريعي، أصحو من نومي فإذا بي أرتدي ملابسي بسرعة وقلبي يدق خوفا من التأخير، ~~كالمنوم آخذ طريقي الورش وقد نسيت كل شيء عن الأحلام الهائلة التي راودتني جزءا كبيرا ~~من الليل. # وفي لحظة كتلك قررت أن أسمع كلام عنتر وأنا أقنع نفسي بأني بهذا قد أغير ~~حياتي. # وحدث واشتريت العيادة، وكل ما دفعته ثمنا لها وإيجارا لشهر كامل خمسة عشر جنيها، ~~أخذها عنتر وعدها مرارا أمامي وهو «يستشوي» المبلغ علنا أمامي، وإن كان بينه وبين ~~نفسه يعتقد أنه ضحك علي. # وبمساعدة زملاء عنتر من العمال أصلحناها ودهناها بالزيت، واشتريت لها بعض الأثاث، ~~وطمس خطاط الورشة اسم الدكتور «عطوة البرادعي» وكتب اسمي على اليافطة التي كان لا يقل ~~طولها عن سبعة أمتار، وحين ذهبت إلى العيادة ووجدت اليافطة مركونة إلى الحائط والخطاط ~~يضيف إليها لمساته الأخيرة، وبعض الصبية والمارة من الرجال والنساء واقفون غير بعيد ~~يراقبون ويتهامسون، أحسست بخجل شديد، وكنت في أوائل معرفتي بسانتي. ولأمر ما تصورتها ~~وقد جاءت في تلك اللحظة ووقفت تتفرج هي الأخرى على اسمي (يحيى مصطفى طه) وهو يمتد مسافة ~~سبعة أمتار وتحته عشرات الألقاب التي لا معنى لها: طبيب امتياز بقصر العيني، وبين ~~قوسين سابقا. حكيمباشي مستشفى الأمراض المتوطنة بوزارة الصحة، وبين قوسين سابقا. ~~والمضحك في مسألة الحكيمباشي هذه أن الحكاية كلها أني بعد أن قضيت سنة امتياز اشتغلت في ~~مستشفى بلهارسيا وأنكلستوما متنقل، ولأني كنت هناك الطبيب الوحيد فليس هناك مانع أن ~~أعطي نفسي الحق في أن أكون حكيمباشي على نفسي خاصة وكل زملائنا الأطباء كانوا يفعلون ~~هذا. تصورت سانتي ترى هذا وترى الثلاث الطوبات التي تكون اسمي وقد أصبحت ثلاث دبشات ~~كبيرة، وأروح في غيابات خجل لا قرار لها. # وأخيرا بدأت العمل في العيادة، والزيت لا يزال طريا، ورائحته تملأ الحجرتين ~~الضيقتين والصالة الصغيرة، وأنا حائر كيف أعامل الزبائن. أجرب نفسي أمام المرآة التي ~~خلفها الدكتور عطوة وأتحدث وأبتسم. وأفعل هذا وكأني لم أتعود الكشف ms075 على أحد أو ~~استقباله، مع أني كنت قد عملت في الحكومة سنوات وقابلت آلاف المرضى. ولكن الزملاء ~~الأطباء كانوا قد علمونا أنه إذا كان المريض في مستشفيات الحكومة عبدا، فهو في ~~العيادة السيد المدلل، وعلى الطبيب الذي يريد أن يكسب الأجر والزبائن ويقتني العربات ~~ويبني العمارات أن يتعلم كيف يعامل المرضى في عيادته معاملة هدفها كسب قلوبهم، كخطوة ~~أولى لكسب ما في جيوبهم. والابتسامة الأولى التي يرتديها الطبيب كما يرتدي معطفه ~~الأبيض، ويعلقها على ملامحه كما يعلق السماعة ليقابل بها الزبائن مهمة؛ فلا بد أن ~~تكون حاوية لأشياء كثيرة؛ الأدب وطيبة القلب وكبرياء المهنة وتواضع العلماء. # أجرب نفسي أمام المرآة وأجدها ابتسامة عسيرة، وألعن نفسي لهذا الزيف. أشك في ~~التومرجي الذي كان يتولى إعطاء الحقن (ومعظم إيراد العيادة كان يأتي من الحقن التي يحضر ~~المرضى لأخذها وقد وصفها لهم الأطباء الكبار والمشهورون). وأفعل هذا كله وفي ظني أن ~~العيادة حين تعمل وأبدأ أشفي المرضى والجرحى وأداويهم سيتغير كل شيء، وستتغير نظرتي إلى ~~العالم، وقطعا سيتغير طعم حياتي في فمي. # وشيئا فشيئا بدأت أعمل، وبدأ الزبائن يقبلون متعثرين، وبعضهم كان يسأل عن ~~الدكتور عطوة، وحين يعرف أنه ترك العيادة يصاب بخيبة أمل شديدة ويلح في طلب ~~عنوانه الجديد. وأعجب أنا كيف استطاع عطوة بكحته وبصقاته وأفيونه أن يحظى بثقة مريض ~~يتكلم عنه كما لو كان يتكلم عن أبو قراط أو جالينوس! ولكني بدأت أعمل، وبدأ الأجزجي ~~صاحب الصيدلية المجاورة يتحدث عني، ويختلف الناس في القهوة القريبة على مدى شطارتي وخفة ~~يدي ووزن دمي وأخلاقي. # ولم يتغير طعم حياتي بالعيادة. كل ما حدث أن أضيف إلى وجوهها المتعدة وجه آخر، ~~وجه جديد له مشاكله وأحزانه وأفراحه ووقته المحدد الذي لا يحتمل أي تأجيل. أعود إلى ~~البيت في الظهر وعقلي صفحة مضطربة مظلمة، وألهف الطعام الماسخ بسرعة خاطفة استعدادا ~~للنوم أو لمجيء سانتي، فإذا نمت استيقظت في الخامسة والنصف محمر العينين، في رأسي نوم ~~كثير لم يشف غليله بعد. وأرتشف الشاي الذي لا ms076 بد منه في جرعات كبيرة خاطفة ~~لاسعة، ثم أجري إلى العيادة . كانت في الدور الأرضي، وجدرانها والجدران المؤدية إليها ~~حافلة بالرطوبة والرشح، والمنزل لا يشجع أحدا على الدخول، واليافطة الضخمة كبيرة ~~كيافطة الأوكازيونات، وأناس كثيرون أحييهم وأنا في الطريق، وعنتر لا بد أن ينتظرني كل ~~يوم عند قمة الشارع وبجواره عبلة، طويلا رفيعا غامق السمرة كبندقية ذات ماسورة واحدة ~~معلقة في كتف عنتر، وبكل هليهليته يجري عنتر بجواري وأنا مندفع في طريقي إلى العيادة، ~~ويقرصني في يدي وهو يشير إلى الناس: ده فلان، وكأني أعرفه، وده قريب شيخ الحارة، والرجل ~~ده ينفعنا قوي، وشايف حاطط رجل على رجل ده؟ ده الناس بتسمع كلامه لما يجيلك ابقى ~~اتوصى في الكشف، أيوه اسمع كلامي بس! # وأسمع كلامه وأهز رأسي وأنا لا أدري أهو ينصحني لنفسي أم ليضمن إيجاره. # وندخل العيادة معا، ونادرا ما كنا نجد فيها منتظرين، ويجلس معي في حجرة الكشف، ~~ولا بد أن يجد موضوعا ما يحدثني فيه. وأحب المواضيع إليه كان حديثه عن خلافاته مع ~~أخواته البنات حول الميراث وحول هذا البيت بالذات، ثم يقطع حديثه فجأة ويقول: ما ~~تياالله نزور الأجزجي. # ونزور الأجزجي، ونسلم على الحانوتي، ونشرب قهوة عند المعلم «سمبو» صاحب القهوة ~~المقابلة، وأجد نفسي فجأة قد بدأت أحيا - بفتح العيادة - وسط مجموعة كبيرة حافلة من ~~الناس لا أعرفهم ولا خبرة لي في معاملتهم أو استجلاب رضائهم، وعنتر لا يصلح أبدا ~~كدليل ألجأ إليه عند الحاجة؛ فلم يكن يستطيع أن ينفي شيئا أو يؤكد شيئا له، أقول له: ~~أمين صندوق النقابة حرامي. فيقول: أيوه، ما فيش مانع، دا طول عمره بيسرق، بس ما بيسرقشي ~~كتير، دا حتى باينه ما بيسرقشي خالص. # وكنت أحيانا أضيق بعنتر وملازمته الدائمة لي وملحقه كيرلس أو عبلة هذا. الزبائن كان ~~هو الذي يجلبهم، وهو الذي يقابلهم ويوصي عليهم، والبيت ملكه وصاحب الأجزخانة صديقه، ~~وحتى التومرجي هو الذي أحضره واتفق معه، وهو الذي يتولى محاسبته ومراقبته. كنت أضيق ~~به في تلك اللحظات التي ms077 أتلفت فيها فأجد نفسي في عيادتي وأدرك أنها عيادتي، وأنني ~~أعالج فيها وأشفي وأحقق بها حلما قديما صاحبني منذ دخلت كلية الطب، ويملؤني الإدراك ~~بفرحة كفرحة الطفل حين ينفرد أخيرا بلعبة محببة خاصة. ساعتها أبدأ التفكير في ~~المشاريع للعيادة، وأحلم بمستشفى كبير وحجرة عمليات ضخمة، واكتشاف علاج ناجح ~~للسرطان، والحصول على جائزة نوبل. # ولا أستطيع أن أضع حدا فاصلا لما حدث. فجأة بدأت أحس أني لم أعد شديد الحماس ~~للعيادة ومشاكلها ومشاريعي لها، ولم تعد لمواعيدها تلك القدسية التي أخاف أن أخدشها، ~~وليست العيادة فقط، المجلة هي الأخرى ندر ذهابي إليها، حتى إن شوقي اضطر أن يسحب مني ~~باب بريد القراء ويعهد به إلى فتحي سالم، ولم أغضب أو أنفعل، ولو حدث هذا في أي وقت ~~آخر لثرت ثورة عارمة. وعملي في الورشة أصبحت أزاوله بغثيان، والدراسات العليا التي ~~التحقت بها، وهواية الكرة، وزيارات أهلي وأصدقائي بدأت أحس أن كل شيء آخر في حياتي ~~أصبح مجرد مضايقة لا غنى عنها، ومشاكل علي أن أتخلص منها لأتفرغ لسانتي. # لا أستطيع أن أضع حدا فاصلا لما حدث؛ فقد وجدت نفسي ذات يوم أعدي كوبري أبو ~~العلا وأجوب الشوارع الواقعة في الزمالك بحثا عن شقة أو حجرة أو أي مكان في ذلك الحي ~~الهادئ المهيب يصلح سكنا لي. # ولم أختر الزمالك لأسباب تتعلق بالأرستقراطية والرغبة في السكن في حي راق، اخترتها ~~لأني كنت قد وصلت إلى درجة أصبح فيها الهدوء بالنسبة لي هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن ~~يحول بيني وبين الجنون. # وأقرب مكان هادئ لعملي في بولاق كان الزمالك، وراعيت أن أبحث في الشوارع الضيقة ~~والبيوت المحتملة الإيجار. وعدت من بحثي أول يوم وأنا يائس تماما من العثور على ~~بغيتي؛ فمرتبي كان بالضبط ستة وعشرين جنيها، وأقل شقة رأيتها كانت بمبلغ ~~وقدره. # ولاحظ عنتر وجومي في ذلك اليوم، وحين أخبرته بالمشكلة قال: ولا تزعل، بكرة نسكنك في ~~الزمالك. # وانطلق من فوره يتبعه عبلة. # ولم تكد تمضي بضع ساعات حتى كنت أوقع العقد ms078 مع وكيل صاحب البيت، ولولا هذا ما صدقت ~~عنتر أبدا حين جاءني ليلتها وقال: خلاص لقينا الطلب. # وتبدت لي بذلك خاصية أخرى لم أكن أعرفها عن عنتر؛ فقد كان يعرف عددا هائلا من ~~الناس موزعين في جميع أنحاء القاهرة وحتى في الأقاليم، الواحد منهم تجده عاملا في ~~الترسانة مثلا وله ورشة صغيرة يعمل فيها بعد الظهر، أو تجده صاحب محل عجلات ويتاجر في ~~العربات المستعملة، أو «كيسير» في مخزن أدوية وسمسار عقارات. أفراد متناثرون في كل حي ~~وشارع، ولكنهم يكونون مجتمعا متعاونا شعاره: نفعني وأنفعك، ويعرفون بعضهم ~~بالاسم والعنوان. وأطلب من أحدهم أي شيء يحضره لك في الحال، أو إن لم يستطع فعلى الأقل ~~يدلك على من يحضره. # وبتلك الطريقة وجد لي عنتر شقة، شقة كاملة، وفي شارع من شوارع الزمالك المهمة، ~~وبثمانية جنيهات فقط. # وكان لقاء مؤثرا الذي تم بيني وبين صاحب البيت. قلت للبواب العجوز الذي كان يختفي ~~بالأيام ثم يظهر فجأة، قلت له: إني سأعزل. ولم يبد عليه أنه فهم أو اهتم بما ~~قلت، ولكني بعد ساعة وجدت صاحب البيت قد جاء بنفسه معفر الملابس، معطفه الأسود كاد ~~يصبح رمادي اللون، وحتى طربوشه لم يسلم من الغبار، وعاتبني بتأثر شديد قائلا: ~~إنه بذل المستحيل لراحتي، ورفض أن يؤجر دكانا لتاجر سمك مخصوص من أجلي. ودمعت عيناه ~~وكادت عدوى التأثر تنتقل إلي لولا أني غيرت الموضوع وسألت عن أحواله، ولم أتمالك ~~نفسي وأشرفت على الضحك وهو يخبرني بصوت لا يزال يحفل بالتأثر أنه ضرب عرض الحائط ~~برأي أولاده وفتح الدكان مرة أخرى ومشغول فيه إلى شوشته، ولولا معزتي لما غادره في ~~ساعة كتلك. # وانتقلت إلى بيت الزمالك الجديد. كانت الشقة في آخر طابق، والبيت مكون من خمسة ~~أدوار، ورغم زمالكيته فلم يكن فيه مصعد، والسلم طويل ومتعب ولكن الشقة كانت لطيفة ~~خفيفة الدم مكونة من حجرتين وصالة صغيرة وممر طويل لا يعرف سبب طوله، يؤدي إلى مطبخ ~~واسع أهم ما فيه طرابيزة رخامية كبيرة مثبتة في الحائط. والضوء ms079 كان يملأ الشقة كلها ~~حتى الحمام، والهدوء جميل تحس به مستتبا حولك في الشقة وفي البيت والحي حتى لتخاف ~~عليه أن ينقطع أو ينتهي. # وكان عيب الشقة الوحيد - وربما كان سبب إيجارها المخفض - أن نوافذها تقع في ناحية ~~خلفية، وتطل على ظهر العمارة المقابلة وسلم خدمها. ومن أول نظرة عرفت أن لا فائدة ~~ترجى من نوافذي؛ فقد رأيت المشهد الذي لن يتغير، الخدم الصاعدين والهابطين، وصبيان ~~البقالين وبائعي اللبن وكل هؤلاء الذين لا تستقبلهم إلا أبواب المطابخ. # وحين وضع العفش في الشقة بدت أنيقة؛ إذ كنت قد استغنيت عن معظم ما كان لي في ~~شقة بولاق، وهبطت إلى أحد المحلات التي تبيع أثاث المزادات، وبالسبعة والأربعين جنيها ~~فرق العلاوة التي ظللت أنتظر صرفها نصف عام وأضع لاستغلالها الخطط، اشتريت حجرة مكتب ~~أنيقة لها كرسيان ضخمان مريحان وسجادة وصورة وفازات وستائر. # وكنت قد خرجت من شقة بولاق في الصباح وعهدت إلى عنتر وعبلة بمهمة التعزيل الذي لا ~~أكره شيئا قدر ما أكرهه، وعهدت إليهما أيضا بمهمة صعبة: محاسبة أم عمر وإبلاغها ~~أسفي لاضطراري للاستغناء عن خدماتها. وعدت من الورش إلى البيت الجديد مباشرة، ووجدت ~~كل شيء قد نفذ كما أردت تماما، وأهم شيء أني لم أعثر لأم عمر على أثر، وكان خوفي ~~الأكبر أن أذهب إلى الشقة الجديدة فيطالعني وجهها أو يلسع أذني نباحها. # وقضيت وقتا طويلا أجمل الصالة وحجرة المكتب، وأختار أنسب الأمكنة لقطع الأثاث ~~القليلة، وأخرج من الشقة وأغلق الباب ثم أعود وأفتحها وأدخل لأرى وقعها على العين ~~الغريبة، وأجرب الجلوس على الكرسيين وأسدل الستار الرقيق على النافذة ليختفي المشهد ~~الخلفي، وأمتحن كل شيء بنفسي لكي أطمئن، وكنت وأنا أفعل هذا كله لا أنظر بعيني ولكن ~~أنظر بعينها هي، وأرتب كل شيء لكي يبدو لها هي أجمل ما يكون؛ إذ كان الأوان قد آن ~~لأعترف بالسبب الحقيقي في انتقالي من بولاق إلى الزمالك، والهدوء حجة قلتها لنفسي أول ~~الأمر، ولكن وراء هذا كانت تكمن رغبتي في إعفاء سانتي من ms080 مشقة اقتحام المظاهرة ~~البولاقية الدائمة للمجيء إلي، وأهم من هذا رغبتي في أن أجمل المكان الذي نلتقي ~~فيه، وإن استطعت أجمل حياتي كلها من أجلها. ولم أكن أفعل هذا بهدف أن أظهر لها في ~~مظهر غني أو لائق، ولم أكن أفعله للضحك عليها أو تجميل صورتي في خاطرها، بل لم أكن ~~أفعله بإرادة مني أو من أجل سبب محدد واضح، وكنت أفعله بلا وعي ودون أن أحس أني ~~أفعله. # ماذا أقول؟ # يخيل إلي أننا حين نتحرك وحين نعمل وحين نعمل وحين نأكل وحين نصر على أخذ ~~إجازتنا السنوية، وحين نقرأ كتابا أو نشاهد فيلما أو نسترخي ونحلم، يخيل إلي ~~أننا نفعل هذا كله لكي نبحث عن شيء وراء هذا كله، شيء لا نجده في الطعام فنبحث عنه في ~~الكتب، ولا نجده في الكتب فنبحث عنه في الصداقة والعمل، ولا نجده في العمل فنبحث عنه في ~~الأحلام، شيء نؤمن أنه موجود ولكننا لا نعرف ما هو وكيف نجده، ولهذا تستمر عملية بحثنا ~~عن هذا الشيء المجهول، ويستمر أملنا في العثور عليه، وبالاختصار نستمر نحيا. ويحدث في ~~أحيان قليلة أن يعثر الواحد منا على هواية مثلا، على قضية يؤمن بها، على زوجة، ~~وإذا به يدرك أنها الشيء الذي كان يبحث عنه طوال حياته، وقد يدرك بعد فترة أنه خدع ~~وأنه لا يزال عليه أن يبحث ويكد، ولكنه ما إن يعثر على شيء كهذا حتى يصبح محور حياته ~~وهدفها الأول. # أنا الآخر كنت قد بدأت أدرك أن سانتي قد تبلورت فيها كل أهدافي في الحياة، وقد أسخر ~~الآن من نفسي، ولكني أيامها بدأت أومن حقيقة أن سانتي أكبر حتى من أن تكون عماد حياتي ~~وهدفها الأول. إنها أروع وأسمى وأعظم من أن تصبح فقط مجرد هذا الهدف ولو كان الهدف ~~هدف حياتي كل ما أمتلك. # وأصبح كل شيء معدا لاستقبالها، الحي الهادئ، والشقة، ومكان جلستنا، والبنطلون ~~والقميص اللذين كنت في العادة أقابلها بهما، وفنجالي القهوة الجديدين، وحتى المفرش ~~الصغير المشغول الذي زينت به ms081 مائدة الوسط الصغيرة المنخفضة. # وكنت قد أعطيتها العنوان. # وكما توقعت تماما دق جرس الباب في الثالثة، أول جرس باب يدق. # وذهبت وفتحت الباب. كانت تقف بعيدة قليلا عن الفتحة مرتكزة إلى الحائط بطرف كتفها، ~~وفي وجهها شحوب قليل من الإجهاد الذي يصاحب صعود السلم العالي، وعلى شفتها العليا ~~نقاط عرق صغيرة. وكانت تلهث، أول مرة كنت أراها تلهث، وبدا لي لهثها جميلا رشيقا وكأن ~~صدرها «أكورديون» يعزف لحنا رشيقا. # وحين رأتني ابتسمت، وتنحيت عن وقفتي في الباب وأنا أرحب بها، وما لبثت هي أن ~~انسلت وسبقتني إلى حجرة المكتب، وحين كنت أتبعها إلى الحجرة شعرت بقلبي يدق دقة واحدة ~~كطلقة مدفع، ثم يتوقف دقه ليعود متتابعا مضطربا عاليا. كان قلبي يفضح تفكيري، ~~وكان معنى دقه ذاك أني مقبل على أمر خطير. # والواقع أني كنت فعلا مقبلا على أمر خطير. # كنت بعد مناقشات طويلة مع نفسي، وتفكير استغرق مني مئات الساعات، تفكير كان يشغل ~~كل وقتي في العيادة والورش والطريق منهما إلى بيتي، تفكير منعني حتى أن أتبين عملية ~~التعزيل التي قمت بها، تفكير وبخت فيه نفسي كثيرا؛ إذ وجدت أن الإيحاء بالحب عن طريق ~~الخطابات وقصائد الشعر المنثور بالإنجليزية عبث أطفال وأشياء لا يلجأ إليها إلا ~~المراهقون الحمقى، وأنا لم أكن مراهقا. كنت في الخامسة والعشرين، وأتحمل من المسئوليات ~~ما يعجز عنه رجال في الأربعين والخمسين. وكنت قد وضعت نفسي في موقفها ورأيت أني لو كنت ~~مكانها لما فكرت أبدا في حب شاب يلمح لي بعواطفه على تلك الصورة. قلت لنفسي: الحب ~~بالنسبة للمرأة يعد أكبر حدث في حياتها، وحين يحدث يصبح هو كل الحياة، ولا يمكن أن ~~تهب المرأة حياتها صدفة لإنسان ضعيف. ومن يجعل الخطابات وسيلته للاعتراف بالحب إنسان ~~خواف ضعيف لا يمكن أن يملأ عين امرأة يستولي على نفسها أو حتى انتباهها. # كنت قد صممت على نبذ كل تلك الوسائل الملتوية، وعلى أن أعترف لها بصراحة ومواجهتها ~~بكل شيء، وأن أتقبل النتائج بشجاعة مهما كانت. واعترافات كهذه ms082 لا تتم إلا في جو ~~معين، وفي حالة معينة، حالة يتقارب فيها الطرفان تقاربا شديدا، حالة تخرج فيها ~~كلمات الحب في جو أليف يلفها ويحتضنها ويعطيها طعم الحب. # ولهذا دق قلبي. # فمثل هذا الجو لا يأتي إلا بعد عناق طويل مثلا، أو قبلة أو تجاوب أكيد مشترك. # وجلست صامتا، صمت من يتحين الفرصة ويعد العدة للانقضاض. وجلست على طرف ~~الكرسي ذي المساند ووجهها قد استرد حمرته، وملامحها قد استردت نشاطها وحيويتها. # وقدمت لها سيجارة، وجلسنا ندخن في صمت، وأمامنا جهاز أوتوماتيكي لصنع القهوة كان ~~أول وآخر هدية أتلقاها من أخي الأكبر، وكان ثالثنا كلما جلست مع سانتي: ندخن، ~~بخار القهوة يتصاعد في أزيز رقيق، وسحب الدخان تتكاثف ثم تنقشع، والضوء في الحجرة ~~قليل، والزمالك من حولنا واحة سكون مستتب، وعلى وجهي ابتسامة معوجة لا تطاوعني كلما ~~حاولت أن أجعلها ابتسامة حبيب اختلت وكادت تصبح ابتسامة أبله. # وبدأت حديثا متعمدا عن الشقة الجديدة، وقالت إنني بانتقالي قد وفرت عليها المسافة ~~والزمن. ولم أحاول أن أسألها لماذا، وكأني كنت قد عاهدت نفسي على ألا أسألها عن شيء لم ~~تتطوع هي بقوله، فلم أحاول أبدا أن أعرف كنه عملها هي الغنية التي كان واضحا أنها ~~ليست في حاجة للعمل ولا أين تسكن ومع من وكيف تحيا؟ # وقامت من تلقاء نفسها تتفرج على الشقة، وقمت مضطرا وراءها. كنت طوال الوقت أفكر ~~في الخطوة التالية والطريق إلى الخطوة التالية، وكل ذرة في كياني تتأهب للحظة التي ظللت ~~أتحفز لها طيلة الأيام الماضية. # وعدنا إلى جلستنا، وبدأنا حديثا ما في السياسة، ولاحظت أنها تسرح قليلا، ربما ~~كانت متعبة، ولكني كنت أفسر سرحانها لمصلحتي. قلت لها وأنا أريد فقط أن أواصل الحديث ~~كي لا يحل الصمت، وعدوي المرعب من ذلك اليوم كان هو الصمت، أي صمت. ~~- يحيرني شيء فيك. # فقالت وهي تحاول أن تخمن ما يحيرني: ماذا؟ # قلت: فتاة حلوة مثلك، ماذا يدفعها لعمل شاق معنا؟ # قالت وهي تضحك: تقصد أن تؤنبني لأني أحشر نفسي في قضيتكم؟ ms083 # وحاولت أن أحتج، ولكنها مضت تقول: اسمع! إنه شيء من الصعب تفسيره، وأنا شخصيا ~~كثيرا ما أسأل نفسي هذا السؤال ولم أجد له أية إجابة محددة. أنا أجنبية حقيقة، وحتى ~~الفترة التي عشتها هنا كنت فيها أجنبية، أحيا في مجتمع أجنبي كامل. ولكن العطف أبدا ~~لم يكن هو الذي دفعني للاهتمام بشعبكم وقضيته، وربما هي أنانية مني. ولكني أسعد بهذا ~~العمل جدا، ولو حرمت منه أعتقد أني سأحزن كثيرا، بل ربما لا أستطيع البقاء هنا. ~~هنالك أناس هكذا لا يستريحون إلا إذا أتعبوا أنفسهم، يبدو أنني من هذا الصنف. # وشاركتها ضحكتها القصيرة المنخفضة، وفعلت هذا استعدادا لسؤالها ذلك السؤال الذي أردت ~~دائما أن أعرف إجابتها الحقيقية عليه: هل تحبين بلادنا وشعبنا حقيقة يا سانتي كحبك ~~مثلا لليونانيين؟ # وصمتت قليلا قبل أن تجيب. وجدت صمتها يقلقني وكأني كنت أسألها عن حبها لي. وبقلق ~~أعظم مضيت أترقب إجابتها. قالت: حتى لو قلت لك إني أحبها أكثر من اليونان فلا ~~تصدقني. ~~- ولكنك ولدت فيها وقضيت عمرك كله هنا. ~~- ولو! اسمع، إني مستعدة أن أموت من أجلكم، ولكن كل عائلة تغادر بلادها وتهاجر تصبح ~~كالمركب الذي يرفع علم بلاده دائما وفي أي مكان. وأنا ولدت من عائلة يونانية، أي ~~عشت طوال عمري على أرض بلادي، ولكن صدقني حين أقول لك إني على استعداد لأن أفعل أي شيء ~~- حتى الموت نفسه - من أجلكم. # وجدتها قد بدأت تنفعل فقلت وأنا أضحك وأنهي الموقف: على العموم يكفينا منك ~~هذا. # وخفضت رأسها في شرود. # وكنت من لحظة أن جاءت أقول لنفسي: هه، الآن. # ثم أعدل في اللحظة التالية. # ووجدت جسدي يقشعر فجأة، واعتقدت أن اللحظة قد حانت فقلت لها: فلنسمع ~~رحمانينوف. # ومضت مستسلمة إلى «البيك آب»، وفتحته وانحنت تضع الأسطوانة، فقمت من جلستي خلف ~~المكتب، وفي خطوات متعثرة مترددة وصلت إلى «البيك آب»، وفي تلك اللحظة كانت قد أغلقته ~~وارتكزت عليه، وتصاعدت أنغام البيانو تعلن بداية الكونشرتو الثاني. # قلت لها: سانتي. # فنظرت إلي باستغراب قليل وقالت في ابتسامة ms084 مذهولة أو ذهول مبتسم: ما الأمر ~~يا يحيى؟ آه، ما الأمر ؟ # وارتجفت يدي وأنا أحملها فوق طاقتها لترتفع ثم تستقر فوق كتفها، وظلت ترتجف حتى ~~بعد أن استقرت فوق الكتف النحيف. لم أكن قد رتبت لهذه اللحظة ما أقوله، كنت قد تركت كل ~~شيء للظروف والصدفة، ولهذا قلت بعد تردد: ما رأيك؟ # فقالت بنفس الدهشة: في ماذا؟ # فقلت وأنا أضحك لأحيل الموضوع إلى نكتة، حتى إذا فشل المشهد لا أصاب بخيبة أمل ~~كبيرة: فيما قلته في ذلك الخطاب، أتذكرينه؟ # وكانت تضحك، وقالت وهي تتخلص برشاقة وبلا إحراج من يدي المستقرة فوق كتفها: ألا زلت ~~تذكره؟ لقد نسيت أنا كل شيء. # وكنت أعرف أنها لم تنس أي شيء، ولكن ماذا أقول؟ قلت: ولكني أنا لم أنس ~~شيئا. ~~- يح ... يى. # قالتها وهي تميل برأسها قليلا تستنكر وتلوم. # وتتابعت دقات قلبي عنيفة مدوية، وقلت وأنا أمسكها بكلتا يدي: ولن أنسى شيئا أبدا، ~~أبدا. # وجذبتها ناحيتي. # وارتدت إلى الخلف بلين أول الأمر تريد أن تواصل خطتها في التخلص مني بلا إحراج، ~~ولكني لم أذعن لمقاومتها اللطيفة وجذبتها أكثر، فقاومت أكثر. # وتبخر كل حدس وتخمين. # كنت أظن أني لو استطعت أن أتغلب على خجلي ومقاومتها مرة وعانقتها، فسينتهي كل شيء ~~وستخضع للأمر الواقع. # واندفعت أضمها بشدة، ووجدت مقاومتها تشتد هي الأخرى وتعنف. # وأحسست بالمرارة تملأ نفسي، لا لأنها قاومت بشدة ولكن لأن تلك المقاومة وبتلك الدرجة ~~كانت تعني أنها في واد وأنا في واد آخر مختلف تماما. لو كانت تحس بمثل ما أحس به ~~لما قاومتني هكذا، وأنا كنت أقول لنفسي إن ما ينقصها لإظهار عواطفها هو لحظة مناسبة ~~تحين، وها هي اللحظة تأتي فلا أجد سوى المقاومة. # حدث كل شيء بسرعة، وبسرعة أيضا انتهى المشهد. وكنا لا نزال على وقفتنا بجوار ~~«البيك آب»، وكلانا يواجه الآخر ويتحداه، وشعرها مشعث منكوش، واحمرار وجهها يضج ~~بالانفعال والاستنكار. وأنا أنظر إليها نظرات تحفل بالمقت والكراهية وخيبة الأمل، ~~وأكثر من هذا فيضان عارم من الخجل، خجل منها وخجل ms085 من نفسي، خجل كان له وقع كاو مؤلم ~~أكاد أصرخ معه وأستغيث. # وقفنا يواجه كلانا الآخر. في وجهها شيء أشبه بالشر المستطير، وفي وجهي ابتسامة باهتة ~~سخيفة كافحت لكي أحتفظ بها حتى تمنع انبثاق كل ما في جوفي من نوايا مستطيرة هي ~~الأخرى. وكل هذا وأنغام رحمانينوف الرقيقة الحالمة لا تزال تتصاعد من «البيك آب» ولا ~~نزال مضطرين لسماعها، والجو ملبد حافل مشحون لا مكان فيه لرحمانينوف. # ظلت سانتي واقفة جامدة للحظات تحدق في ولا تتكلم، وتحديقها يستفزني لدرجة ~~أفكر معها في معاودة الكرة، وخطر شرير يهيب بي أنها تحدق هكذا من أجل أن أعيد ~~الكرة، وجبن غريب يشلني عن أن أفكر مجرد تفكير في المحاولة. # وتحركت فجأة وبحثت عن حقيبتها بسرعة. # وتابعتها بلا مبالاة أول الأمر، ولكن صمتها الذي طال أقلقني، فقلت لها: تريدين طبعا ~~أن أعتذر لك؟ # ولم يهمني ما غمغمت به، ولكن كان يحيرني ويخيفني هذا الاستنكار الضخم الذي كان يشع من ~~ملامحها. وكان عقلي مشحونا بافتراضات كثيرة وارتباك أكثر، وهاتف طاغ يهيب بي أن ~~آخذ مقاومتها تلك على أنها مقاومة الأنثى الطبيعية جدا، ولكني أرى وجهها وفيه ذلك ~~الشر الأصفر المستطير فأتردد، وأحس أني مرة أخرى أمام ذلك اللغز الأبدي، المرأة، ذلك ~~الكائن المجهول العقل الذي لا نعرف مهما خمنا ماذا يدور فيه وماذا يريد وماذا يرضيه ~~وماذا يسخطه! المرأة، الحياة وسرها معا، اللغز الحبيب المقيت. # وكانت حركتها هستيرية عصبية. ورغم كل ما كانت فيه من اضطراب واستنكار فقد وقفت أمام ~~مرآة الصالة وأصلحت شعرها. # ولم أدعها تغادر الشقة وحدها. # هبطت معها. # وركبنا «تاكسيا». # وقالت بعد صمت غامض محير طويل: لن أسكت عما فعلت. # وكانت قد انتابتني حالة رثاء للنفس أكاد أبكي معها، لا لما حدث ولكن لأني برغم ما ~~فعلته لم أجد عندها صدى ولم تستجب. # وقلت لها وموجة اللامبالاة التامة تعود: أنا لا يهمني شيء بالمرة؛ لقد فعلت ما فعلت ~~مدفوعا بعواطفي نحوك، وأنا مستعد أن أتحمل نتيجة اندفاعي. # قالت: لو كنت أتصور أنك ms086 قد تفعل شيئا كهذا لاختلف الأمر، ولكني كنت أعاملك على ~~مستوى آخر. # قلت لها بضيق: أرجوك، ليس هناك داع للتأنيب، إذا أردت حتى إقامة دعوى علي ~~أقيميها، لست نادما ولا آسفا. # كنا لا نزال نحيا في اللحظة التي أعقبت محاولتي، ولا يزال جو التوتر والتأثر ~~سائدا. # وحين كان التاكسي يقترب بنا من بيتها في كوبري القبة قلت لها: معنى هذا أني لن ~~أراك. # والتفتت إلي مأخوذة كمن مستها صاعقة وقالت: تراني؟ # وأمرت التاكسي بالوقوف قبل منزلها، ودون أن تنظر إلي هبطت بسرعة ثم غادرته ~~ورأسها مرتفع في كبرياء مصنوعة. # وتذكرت وأنا أراها تمضي بسرعة في الطريق الجانبي المظلم الذي اختارته لوقوف التاكسي، ~~تذكرت أنها - كما قالت فتاة المستوصف - تمشي كشيتا. # ولوى السائق رقبته في خيبة أمل وكأنه يشاركني المأساة وقال: هيه يا بيه، ~~نرجع؟ # فقلت: أيوه، بآخر سرعة. # ولم يكن ورائي شيء أفعله بالمرة، ولم يكن هناك داع للسرعة، ولكني كنت أحس بجمرة ~~خبيثة تنهش قفص صدري من الداخل وأنا لا أقوى على منعها أو تخفيف حدتها. جمرة نقمة على ~~نفسي، وإحساس صارخ زاعق بالهزيمة، الهزيمة في أصوات قطارات آخر اليوم المبحوحة في ~~الطريق الطويل الخالي، في الضيق المجنون الذي تحفل به روحي والذي يصفر في عقلي ويهيب بي ~~أن أخنق أحدا أو يخنقني أحد أو إن لم أجد أخنق نفسي، أقبض عليها بيدين من حديد وأظل ~~أضغط حتى يحتبس إلى الأبد كل ما في صدري من غيظ، أشد سوادا من الظلام الحالك الهائل ~~الرابض فوق صدر القاهرة. # وصلت إلى البيت، وصعدت في السلالم الطويلة بلا روح، ولم يضايقني أني فتشت في جيبي ~~لأعثر على المفتاح قبل الوصول إلى باب الشقة فلم أجده. فلأكن قد تركت الباب مفتوحا، أو ~~فلتكن قد ضاعت المفاتيح وفقدت، ماذا يمكن أن يحدث أسخف وأسوأ مما حدث؟ ووجدت الشقة ~~مغلقة، ولحظتها فقط بدأت أحس بالضيق، كل همي كان أن أعثر على مكان أستطيع أن أتمدد ~~فيه وأستريح. حاولت فتح الباب بالقوة، ولكن لدهشتي الهائلة وجدت ms087 يدا تفتحه من الداخل، ~~ولم يكن هناك وقت لأفترض أو أخمن أو أخاف. # فقد فتح الباب وأطل منه وجه، وجه ويا للغرابة! وازدادت دهشتي اتساعا، وجه أخي ~~الصغير فقد كان في التوجيهية في مدرسة إقليمنا، فماذا جاء به وكيف جاء؟ أسئلة لم تمنعني ~~أن أرد على هتافه الفرح حين رآني بعناق طويل، وللحظة خاطفة أحسست أني لست وحيدا ~~منبوذا في هذا العالم، وعلى الأقل لي أخ كهذا يحبني حبا مطلقا بريئا من كل قيد ~~وبلا مقابل، أخ لي، لا لست وحدي. وكدت - أنا الكبير - أنهار على كتفه الصغيرة باكيا ~~منتحبا وكأني الابن الضال عثر فجأة على عائلته. # وعرفت أنه جاء في رحلة مدرسية، وأنه سأل على العيادة حتى وجدها، وهناك دله عنتر ~~على البيت الجديد. أية جهود شاقة بذلها هذا الفتى الذي لا يعرف إلا شارعا أو شارعين في ~~القاهرة ليصل إلي، إلى أخيه؟! وأية أحلام بناها على ذلك اللقاء؟ وأي قلق عظيم سببته ~~له؟ جاء فوجد الشقة مفتوحة ومظلمة؛ فعداد النور كان لم يركب بعد، وكيف جلس قرابة ~~الساعتين ينتظرني خائفا خوفا مضاعفا أن يتضح آخر الأمر أن الشقة ليست شقتي ويعامل ~~كما يعامل اللصوص؟ وكيف هداه تفكيره لشراء شمع أوقده، وزاده شكا في الشقة إذ كان ~~أثاثها قد تغير معظمه، ولولا السرير السفري ذي القاع الهابط الذي يعرفه جيدا لما ~~استطاع البقاء في الشقة لحظة. # وكم لعنت نفسي وأنبتها للشعور الحقير الذي راودني بعد انتهاء أخي من حكاية ما ~~صادفه لكي يلقاني. لم أكن أريد رؤية أحد في تلك الليلة أو الحديث مع أحد ولو كان أحب ~~الناس لدي. لم يعد في نفسي قريب أو بعيد. سانتي كانت في ناحية والعالم كله في ناحية ~~أخرى، وكل طاقتي على الحب والاهتمام كانت موجهة إليها، وكل الناس غيرها سيان. لم يبق ~~في قلبي أية عواطف قليلة أو كثيرة أحيط بها ذلك الأخ الآتي وفي ذهنه سهرة جميلة لا بد ~~سيهيئها له أخوه الكبير الموظف الطبيب. # كنت مغلقا عيني أحاول أن ms088 أطرد أي شيء آخر من رأسي، أفكر فيما يمكنني عمله ~~لإسعاد هذا الضيف الشقيق أو على الأقل إشعاره بحبي له واعتزازي به، وعقلي يتمرد على هذا ~~وذاك فلا يستطيع طرد أي شيء، ولا يستطيع ادعاء حب أحد. كنت هكذا حين تبينت أنه قد وقف ~~أمامي حائرا محرجا تتلعثم الكلمات في فمه وهو يحاول أن يختلق عذرا ليذهب ويبيت مع ~~بقية الطلبة في أحد فنادق وسط البلد، وعرفت أنه فهمني كما تعود أن يفهمني، وأدرك أنه ~~اختار وقتا غير مناسب لمجيئه، وأنه ليس غاضبا مني ولا ثائرا علي، وأن كل ما يريده ~~هو راحتي. # كلمات متلعثمة جعلتني أزداد حقدا على حقدي وأتساءل عن كنه تلك النفس التي ~~تسيرني وتتحكم في، ولماذا هي جاحدة ناكرة للجميل؟ ولماذا لا تقصر حبها على من ~~يحبونها فعلا وبالذات أولئك الذين لا عمل لهم في الحياة إلا حبها؟ # واعتبرته كبيرا وفاهما، واعتذرت له ووعدته أن أشرح له كل شيء يوما ما، وطلبت منه ~~أن يحضر في الغد، وأكد لي أنه سيفعل، ولكني عرفت أنه يكذب وأنه لن يأتي. # أحسست بالارتياح فعلا بعد ذهابه، وكأن مشكلتي كلها كانت في وجوده، وبنفس السرعة التي ~~يدور بها ضوء الفنار كنت قد جمعت أحاسيسي التي شتتها وجود أخي، وكنت قد عدت إلى ~~حالتي الأولى التي تركتني عليها سانتي. # وثبت الشمعات الخمس التي تركها أخي في طبق شاي ووضعتها أمامي مشتعلة كلها على ~~الكتب، وثبت رأسي بين كفي وهامت عيناي في ضوئها الموحش المهتز، وفي عقلي ألف ~~خطة. # ولكني آثرت أن أتصرف بحكمة وتعقل وأفكر. # وحاولت التفكير فلم أستطع. وجدت نفسي لا أزال أسير حالة اللامبالاة التامة، حالة أحس ~~معها أنني لا أريد الحياة، وغير مهم أن أحيا، وأي شيء له عندي نفس أهمية أي شيء آخر، ~~حالة تفقد فيها الأشياء أبعادها ومعانيها ولا يصبح فارق ضخم بين أن أكون مسجونا أو ~~طليقا، ولا بين حبي لإنسان أو كرهي له. لم أكن أدري لماذا حدث كل ما حدث؟ ولا ماذا ~~يمكن ms089 أن يحدث بعد كل ما حدث؟ أحاول التفكير أحيانا لا لكي أجد حلا، ولكن لمجرد أن ~~أستخرج نفسي من حالة اللامبالاة هذه، فأقول: إن الخطأ كان خطئي؛ فصحيح أنه بالمحاولة ~~التي تمت بعد الظهر قمت بعمل لم أكن أتوقع أن أجرؤ على القيام به، ولكن الخطأ أني ~~كنت حملا أرتدي جلد ذئب. ولو فعلت ما فعلت وكلي ثقة بنفسي ورجولتي لما فشلت، ~~الكارثة أني حاولت وأنا ضعيف، وأنا فاقد الثقة تماما في نفسي، وأنا ضامن أن النهاية ~~ستكون هكذا وأني سأفشل، ومن يحاول فقط ليفشل فلا بد أن يفشل. وأحيانا ألقي اللوم ~~عليها فأقول إنها هي التي خدعتني، وإنها هي التي ألقت لي بألف طعم، فلما ابتلعتها ~~غدرت بي واستنكرت وادعت الذهول، ورغم هذا فقد كنت أحاول أن أبحث في نفسي عن ذرة حقد ~~واحدة عليها فلا أجد. كل ما أجده خواطر تحاول أن تتلمس الأعذار لكل ما فعلته وتحملني ~~أنا الأخطاء بالعشرات. # وكدت أعود لخنق نفسي بالدموع. # لماذا أنا تعس هكذا؟ يقولون إن الحب يسعد الناس، وأنا لم أحب مرة إلا وشقيت، ~~وكأني لا أحب إلا لأشقى، لماذا الحب من أصله؟! أو إذا كان لا بد فلماذا أختار طريق ~~العذاب والألم؟ # أية قوة مجنونة داخلي تدفعني دائما لتمزيق نفسي؟! # 9 # وفي الصباح لم أذهب إلى المكتب. أبلغتهم أني مريض وطلبت إجازة يوما ورقدت في الفراش ~~أدخن وأفكر وأتحسر. # في الحقيقة كنت أحس فعلا بأعراض مرض لا يمت إلى الأمراض الجسمية أو النفسية، مرض ~~ثالث يصيب أفكارنا ونحس معه أن أجسامنا صحيحة حقيقة، وكذلك حالتنا النفسية، ولكن عقولنا ~~لا تعمل كما يجب، بل لا تريد أن تعمل بالمرة، ولا تستطيع حتى أن تنجز الأعمال ~~الروتينية. # كنت ممددا أشعل السيجارة من السيجارة أكاد لا أصدق أن سانتي التي كانت هنا بالأمس ~~أقرب ما تكون إلي، قد أصبحت الآن أبعد ما تكون عني. # ودق الباب. # وقمت وفتحت، كان شوقي. # وقلت لنفسي: لا بد أنها ذهبت وقصت عليه كل شيء. # وحتى هذا الاحتمال ms090 الخطير لم يستطع أن يحرك عقلي الهامد الخامد؛ فقد تصورته وأنا ~~فاقد الحماس، ولم أجد لدي الرغبة حتى في إطالة تصوره. # غير أني وإن كنت لم أتحمس للخاطر، إلا أني تحمست لقدوم شوقي؛ فقد سرني أنه ظل يحتفظ ~~بالعنوان الذي أعطيته له، وأنه جاء، وجاء في اللحظة التي كنت قد بدأت أحتاج فيها لصديق ~~لمجرد وجود صديق، وصداقتي لشوقي كانت متينة عميقة الجذور، أعمق من كل رباط فكري أو ~~ثوري جمعنا حتى إنها - أي تلك الصداقة - كانت تعتبر تهمة وانحرافا في نظر جماعة تحرير ~~المستعمرات. أيام الإضرابات التي كنا نقلب فيها الأوتوبيسات وعربات الترام ونحرقها ~~أمام كلية الطب، خطر لي مرة أن أدخن سيجارة تاريخية وذلك بأن أشعلها من أوتوبيس كنا ~~قد انتهينا لتونا من إحراقه، ورغم صراخ الطلبة وتحذيرهم بأن العربة ستنفجر فقد ذهبت ~~وأشعلت السيجارة، وحين عدت وقد حققت أمنيتي وجدت طالبا واقفا عند باب الكلية قد أخرج ~~من جيبه سيجارة «فرط»، وذهب هو الآخر وأشعلها من العربة، وأعجبني منه أن نفس النزوة ~~انتابته ولم يتردد في تنفيذها، وتعارفنا وتحادثنا ووقفنا ندخن. # ومن يومها صرنا أصدقاء برغم أنه كان في كلية الهندسة وكنت أنا في الطب، وصداقة غريبة ~~تلك التي جمعتنا؛ فقد كنا لا نلتقي إلا بمظاهرة أو بإضراب أو في مؤتمر، وما لبثنا أن ~~اكتشفنا ميلنا نحن الاثنين إلى الصحافة، بل دفعنا هذا الميل لأن نشتغل ونحن طلبة في ~~جريدة «النداء» ثم نتركها وقد أدركنا أن المجال الحقيقي لطاقتنا هو الكتابة والأدب ~~والفن، ومنذ أيامها لم نفترق، انضممنا لجماعة تحرير المستعمرات معا، ودخلنا معتقل 48 ~~معا، وعملنا في القنال معا، وتخرجنا في سنوات متقاربة وضمتنا المجلة بعد ~~التخرج. # دخل شوقي من الباب، ولم يكن يبتسم حين يجيء ولا يهش لك إذا قابلك، ولكنك أنت الذي كنت ~~دائما تبتسم له إذا جاء، وتهش له إذا قابلك، ومهما تكن حالتك كنت تحب أن تراه، إذا كنت ~~في مأساة أردته، وإذا كنت في فرح يسعدك أن يشاركك. # وقفت أراقبه وأحصي ms091 عليه حركاته لأعرف إن كانت سانتي قد أخبرته. # ولم يفعل شوقي أكثر من أنه تجول في الشقة الجديدة وألقى عليها نظرة ما، ثم قال ~~وهو يهز رأسه: الزمالك؟ # وفهمت قصده فقلت: أيوه، بداية التحول إلى الأرستقراطية. # وجلسنا في حجرة الكتب، تمددت على الكرسي ذي المساند وجلس هو على كرسي المكتب، وأخرج ~~من حافظته أوراقا كثيرة ومضى يكتب ويحدثني، كان في استطاعته دائما أن يكتب وهو ~~يتحدث. # وكل كلمة من حديثه وزنتها، محاولا أن أجد لها معنى آخر غير ما يقصده دون جدوى، كان ~~حديثه هو حديثه المعتاد، وطريقته هي هي لم تتغير. # وأدركت حينئذ أن الموضوع لا يزال إلى الآن بعيدا عن متناول تفكيره، ويا لغبائي! كيف ~~كان بإمكانها أن تخبره، ولم تكن هناك فرصة للقائه أو الحديث معه؟ # وكأن هذا لم يرضني، فوجدتني أدفعه دفعا رقيقا لينا لأن نخوض في سيرة سانتي، ~~ووجدتني أفعل بطريقة خفية تكاد تخفى علي أنا نفسي. # وقلت له: الظاهر أن سانتي متزوجة. # فقال وهو يكتب، وأطراف شعره الخشن، وذرات الدخان الخارجة من فمه، وأظافره الكبيرة ~~المدببة منهمكة في عملية الكتابة: آه! # وقلت في سري: لا بد أنها حدثته عن نفسها. # وعدت أسأله وأغالط عن عمد: الظاهر أنها غير سعيدة في زواجها. # وتوقف عن الكتابة لحظة ورفع لي منظاره الذي كان لا يضعه إلا وهو يكتب، وقال بعينين ~~متسائلتين: عرفت منين؟ # قلت: ساعات بتزورني ونتكلم. # قال وهو يعود للكتابة: أنت دايما كده تتوهم أشياء لا وجود لها، دي لها قصة غرام ~~مشهورة بجوزها. # وأحسست بكلامه يتدبب ويتحول إلى آلات دقيقة باترة تقطع كل ما تبقى من أملي، أتلك ~~هي الإنسانة التي اخترتها لأحبها؟ # ولكني لم أكن أفكر في هذا، كل ما كان يشغلني في تلك الحالة هو من أين عرف شوقي هذه ~~المعلومات التي يدلي إلي بها في ثقة المتأكد من كلامه؟ وسألته، فقال إن لها قصة ~~غرام معروفة، وحكايتها وحكاية زوجها الذي تركها ليحارب في قبرص يرددها الناس باعتبارها ~~قصة بطولة غير عادية، ولست ms092 أدري لماذا شعرت من الطريقة التي أجابني بها أنه لم يعرف ~~القصة من أفواه الناس، ولكنه عرفها منها هي. # هما إذن لا يتحدثان في العمل فقط. # ورغما عني وجدتني أفكر في الحديث الذي دار بيني وبين فراش المجلة عن مقابلاتها ~~لشوقي، وعن تفاصيل حضورها والملابس التي ترتديها وأوقات الاجتماعات. # ولكني حين رحت أنظر إلى شوقي لم أجد خلجة واحدة من خلجاته تنطق بأن هناك أي شيء ~~غير عادي يدور خلف جبهته ذات العرق النافر. # ومن جديد عدت إلى حالة اللامبالاة التامة، حتى وأنا أودعه وأقول له كالعادة: أشوفك ~~امتى؟ شعرت - ربما للمرة الأولى - أني أقولها له بطريقة روتينية محضة. # وأغلقت الباب، وعدت أسترخي في الفراش وأدخن وأفكر في قصة الغرام التي تزوجت بها ~~سانتي، ألهذا تستنكر حبي؟ ألهذا قاومتني بوحشية؟ # ومرة أخرى وجدتني غير مهتم بسانتي نفسها، ماذا يهمني إن كانت تحب ما دامت لا تحبني ~~أنا؟ # ولم يعد أمامي إلا أن أقوم بتلك العملية البادية الاستحالة. # أن أنسى سانتي. # وتصور عملية تبدأ تفكر فيها وأنت متأكد تماما أنك لن تستطيعها، وأنك غير قادر ~~عليها، وحتما ستفشل فيها، عملية تبدؤها وأنت يائس من نجاحها، بل حتى وأنت لا تتمنى ~~لها في أعماقك النجاح؛ أن أنسى سانتي. # أجل، يجب أن أدرب نفسي، ومن لحظتي تلك أمتنع عن كل تفكير فيها؛ فأي تفكير فيها ~~يجسدها حية أمامي بدمها ولحمها، وفي كل مرة أراها يشتد تمسكي بها. إني أملك إرادتي ~~ويجب أن أستعمل إرادتي تلك، يجب أن أنهي هذا الاسترخاء الذي طال وأتصرف كرجل ~~وكحازم. # وقمت منتفضا من الفراش وصنعت لنفسي قدحا من الشاي، وجلست على المكتب. # كانت الساعة تقترب من الرابعة، وضجة قليلة تصلني من سلم الخدم، وأبواب المطابخ ~~تفتح وتغلق، ودوي حركة المرور في شارع الزمالك الرئيسي يحوم كوطواط غير محدد ~~الملامح فوق المنازل والبيوت، والشاي أبنوسي اللون وبخاره يتصاعد في أمن وسلام، ~~والسيجارة في فمي والقلم في يدي، وكل شيء معد للكتابة لإنهاء ما تأخر علي من ~~مواضيع مهمة للمجلة. ms093 # ولكن الورقة ظلت بيضاء أمامي، أحاول أن أقنع نفسي أنها لن تظل بيضاء ، وأني حتما ~~سأكتب فأملؤها بالرسوم أحيانا، وأحيانا أكتب اسمي واسم سانتي، ثم أعود وأشطبه ~~وأرسم دوائر متداخلة، وفجأة أحس بدفعة حماس قوية فأمسك القلم في وضع أستعد لأكتب، ~~ولكن بعد سطر واحد أدرك أنها دفعة حماس زائف، وأن يدي قد توقفت من تلقاء نفسها، وأنني ~~ضيق إلى درجة البشاعة بما أكتبه؛ فأشطب السطر وأعود أحيط جبهتي بيدي وأكاد أصرخ: حتى ~~الكتابة لا أستطيعها. # وفجأة سمعت جرس الباب يدق. # أرهفت أذني ولكني لم أسمع صوتا، غير أني كنت متأكدا أني سمعت الجرس يدق، فقمت، وقبل ~~أن أصل إلى الباب بأمتار كنت قد لمحت خلف زجاجه شبحا، هي، أقسم كانت هي، رأسها ~~الصغير، خيالها النحيف كان مرتسما على زجاج الباب، حتى ابتسامتها أقسم أني رأيت ظلها ~~على الزجاج. # وفتحت. # كانت واقفة متكئة برأسها على ضلفة الباب وجسدها بارز إلى الأمام، وعيناها غارقتان في ~~رمادية هالات، وابتسامة متعبة ولكنها حقيقة تطل من وجهها في تردد. # وخرج صوتها متعبا هو الآخر، ولكنه صوت الواثقة أن كلامها لن يرد: ممكن ~~أدخل؟ # كلماتها الإنجليزية خرجت في تدلل حبيب ممدود، حتى كدت لا أغادر فتحة الباب وأبقيها ~~مستندة إلى ضلفته هكذا، لتقول لي مرة أخرى وبنفس الطريقة: ممكن أدخل؟ # وأغرب شيء أنها حين رأتني جامدا أحدق فيها هكذا قالتها، وتنحيت جانبا وقد بدأت ~~أبتسم وأحس أن شيئا خطيرا كان ينقصني وعاد، روحي ربما أو ما هو أكثر من روحي. # ودخلت تمشي بطريقتها المتعبة المتدللة، وأنا واقف أراقبها وهي تأخذ طريقها إلى ~~الحجرة، أراقب ظهرها وهو يتمايل تعبا وتدللا، وأراقب إحساسها بأني أراقبها وبأني ~~أتفرج على مشيتها وأني قادم وراءها حالا ولو كانت سائرة إلى آخر الدنيا. # وجلست هي إلى المكتب هذه المرة بعد أن طوحت حقيبتها وبلوفرها بإهمال على الكرسي، ~~وارتكزت بكوعها إلى سطح المكتب الزجاجي وأضاءت مصباحه، وأضيء وجهها بالنور المنعكس من ~~المصباح، وحفلت ابتسامتها بنشاط وعيناها بلمعة لم تكن موجودة لحظة أن ms094 فتحت لها الباب، ~~وقالت وهي تبتسم في مزيج من المودة والاهتمام واللهفة: ازيك ؟ هه. ازيك؟ # قالتها بالعربية، وخرجت الكلمات جميلة، أجمل ما فيها لكنتها الأجنبية، وأروع شيء أن ~~السؤال كان موجها لي أنا، أنا الذي ظننت بالأمس أن كل شيء قد انتهى. # وأجبتها مبتسما، وظللنا نتبادل الابتسامات دون حاجة لأي حديث. كان يكفي أن أنظر لها ~~وأبتسم فأجد ابتسامتي قد انتقلت إلى ملامحها، وتبتسم هي لأجدني تلقائيا - وكأن ~~أعصابها صارت عضلات - قد ابتسمت. # قلت لها وأنا لم أفكر بعد في سبب مجيئها، وما زلت لم أهضم بعد فرحتي به: لم ~~تشكني لشوقي إذن؟ # وابتسمت، واحمر وجهها، ثم ضحكت فجأة، وضحكت أنا الآخر. # وكان علي في تلك الحالة أن أضرب بأي اعتبار آخر عرض الحائط، وأن أقوم وأجتذبها ~~من مقعدها وأعانقها وأقبلها وأحس بها بين ذراعي وأمرغ أنفي في رائحة شعرها، وأغمغم ~~لها بكلمات غير مفهومة ولكنها أبلغ من أي كلام. # ولكني كنت آخر إنسان في الدنيا باستطاعته أن يقوم بذلك العمل. # كنت لم أفق بعد من اللسعة المفاجئة التي كورت إرادتي وأعصابي، لم أكن أريد أن تتكرر ~~المهزلة، بالاختصار كنت غبيا أو فضلت أن أتصرف بغباء وسلبية، وقد جربت الجرأة ~~والإيجابية، فلم أنل منها سوى الألم المروع، بل بما هو أبشع من الألم، بالخجل ~~المهين. # كنت مدركا تماما أن معنى مجيئها أنها قد أصبحت راضية، وأنها صفحت عن كل ما فات، ~~ومستعدة أن تصفح عن أي شيء آت. # ولكن رأسي كان يدور به مئات الخواطر. كنت بالأمس قد يئست تماما منها! لو كان قد تبقى ~~لي بعض الأمل لتضخم هذا البعض وقادني إليها، ولكني كنت قد يئست تماما، والأهم من هذا ~~كان حديث شوقي عن غرامها بزوجها وقصة ذلك الغرام، بالاختصار كنت قد بدأت أحس أنها قد ~~أصبحت شبه محرمة علي، وإن كان إحساسي هذا لم يرتفع إلى مرتبة الإدراك. # كانت أمامي في استطاعتي أن أمد يدي وأخطفها، ولكن لم أكن أستطيع، وعاجز حتى أن ~~أقنع نفسي بأني أستطيع. كانت ms095 الحقيقة المذهلة الغريبة التي لم أكن أتوقعها أبدا ~~قد حدثت، كانت قد جاءت ، وليس سهلا أن ينزلق الإنسان من أقصى اليأس إلى أقصى الأمل دون ~~أن يتمزق أو على الأقل يصل إلى مرحلة كالتي كنت فيها، مرحلة الشلل التام. أطبقت مرة ~~على الفراشة فانتفضت مذعورة مستنكرة وطارت، وها هي ذي الآن قد عادت وحطت في مكان ~~قريب، أقرب مما أتصور، بيني وبينها سطح المكتب اللامع فقط، فهل أنا مجنون حتى أعاود ~~المحاولة مرة أخرى؟ # كان لا بد أن أتصرف بطريقة ما، لا بد أن أفعل شيئا أرد به على مجيئها، ونظرت ~~إليها نظرة تعمدت أن أحملها كل ما استطعته من مكر وقلت: بالأمس قلت لك إني آسف ~~لما فعلته، ولكن أتعلمين شيئا؟ # فرمشت بعينيها متسائلة تساؤلا لا معنى له؛ فقد كانت تعلم ما أريد قوله. فاستطردت: ~~لست آسفا لأي شيء حدث. # وقالت وهي تزغر لي بألفة كالأم حين تنهر ابنها: يح ... يى. # زغرة تغري بتكرار المعصية، ونهر يغري بتكرار الخطأ. ومن جديد عاودتني تلك اللحظات ~~القصار التي نادرا ما كانت تعاودني، اللحظات التي أحس فيها بحبي لها دافئا حلوا ~~حنونا غير مختلط بإحساس بالذنب أو بتأنيب الضمير، اللحظات التي أتمنى لو تدوم أبدا، ~~وأبدا لا تدوم. اللحظات التي أحس فيها أيضا أنها متيمة بي، وأن كل ما أقوله أو ~~أفعله محبوب، وكل ما يقال لي أحبه، لحظات السعادة. # وإمعانا قلت: ألم تخافي؟ # فقالت: مم؟ # قلت: من أن تعودي إلى وكر الذئب بأقدامك. # فقالت بلهجة جادة نوعا: وهل أنت ذئب حقيقة؟ # وتمنيت لحظتها أن أتحول فعلا إلى ذئب وأنقض عليها، وآكلها بأسناني حبا كما ~~تفعل الذئاب، ولكني قلت: ألم تقولي أنت هذا؟ # فقالت وهي تموء: أوه، لم أكن أعني. # وفي إجابتها لمحت قليلا من خيبة الأمل التي بدأت تأخذ طريقها إلى حديثها ولهجتها. ~~وكم ضج في صدري ألف هاتف قوي يهيب بي أن أنقض، وأن اللحظة التي انتظرتها دهورا قد ~~حانت، ولكن أقسم أني لم أكن أعرف ماذا كان يمنعني، فقط ms096 كنت أناضل ما يمنعني، وأقاومه ~~وأفشل في مقاومتي فلا أجد ما أفعله إلا أن ألعن تلك القوى الخفية التي تربطني في مكاني ~~من المقعد وتقيدني بقيود فولاذية لا ترى. # وبينما كانت سانتي تأخذ طريقها خارجة وأنا واقف على الباب أودعها، كنت أعاني من ~~حالة نشوة غريبة، ليست النشوة القصوى، ولكنها حالة ما قبل النشوة القصوى، إحساسك بأنه ~~ربما غدا، ربما بعد غد سيقع الشيء، على الأقل أصبح لدي حد أدنى من الثقة بنفسي، ~~على الأقل ضامن أنها ستأتي غدا، لم تقل هذا صراحة ولكني لمحته، الآن أستطيع أن ألتقط ~~أنفاسي وأفكر وأتريث. والمؤلم أني لم أكن أستطيع أن أصدق أني سأصل إلى حالة النشوة ~~القصوى هذه، لا أعرف لم؟ ربما لأني لم أكن أريد في قرارة نفسي أن أصل إليها ~~أبدا. # كل ما حدث أني بدأت - كما يقولون - أفيق لنفسي قليلا، بدأت أستعيد ذاكرتي ووعيي ~~بعملي وبما علي من واجبات. وجاء شوقي وتحدثنا، والواقع لم يكن حديثا، كان تأنيبا ~~على طريقة شوقي المؤدبة الموجعة الحاسمة. وكان موقفي من المجلة يتدهور من سيئ إلى أسوأ ~~حتى إني لم أكن قد حضرت طبع عددين متتاليين، وكان حضورنا جميعا واجبا مقدسا؛ فقد ~~كنا نكمل تحرير المجلة و«نوضبها» صفحات في يوم واحد، وفي حجرة صغيرة كالزنزانة ~~كانت تجود علينا بها الجريدة الكبيرة التي كنا نطبع المجلة في دارها، ولم نكن ~~كثيرين، وعدد الذين كانوا يفهمون منا في تلك العملية كان محدودا جدا لا يتعدانا ~~أنا وشوقي واثنين آخرين من الزملاء. وأعجب شيء أن الدار التي نطبع فيها كانت خصما ~~لدودا لنا ولاتجاهنا؛ ولهذا كان صاحب الدار لا يسمح بدوران الماكينة وبدء الطبع إلا ~~بعد أن ندفع تكاليف العدد كلها، وتكاليف العدد كانت هي مشكلتنا الرئيسية التي نظل ~~طوال الأسبوع نئن تحت وطأتها ونحاول تدبير أمرها، وغالبا ما كنا نفشل، وتأتي نهاية ~~الأسبوع ويأتي يوم الطبع ونحن ما زلنا لم نجمع ثمن العدد بعد. وصاحب الدار أوامره ~~صريحة ومشددة، والمواد قد انتهى جمعها وتوضيبها، والمسألة ms097 كلها متوقفة على جنيه أو ~~اثنين، نجري هنا وهناك كالمسعورين يكاد يذهب بعقولنا إدراكنا أن جهودنا الضخمة الكبيرة ~~التي بذلناها طوال أيام وليال موشكة على الضياع من أجل هذا المبلغ التافه. # ولهذا فيوم الطبع كان هو يومنا الأكبر الذي نحشد له قوانا كلها، ونظل واضعين أيدينا ~~على قلوبنا خوفا من صاحب الدار تارة وخوفا من مصادرة العدد تارة أخرى، حتى تأتي ~~الساعة الثانية أو الثالثة من صباح يوم الصدور، وغالبا ما كانت تأتي ونحن قد توصلنا ~~بوسائل لا يكاد يصدقها العقل لدفع ثمن العدد والحصول على أمر الطبع، حينئذ نخرج ~~ملوثين بحبر «البروفات»، جوعى، كادت تنفد سجائرنا، ولكن الشيء الأهم أننا نخرج وقد ~~تأبطنا الأربع «كرتونات» التي قد تبلورت فيها وتجمعت جهود وكفاح العشرات من الناس ~~لعشرات دستات من الساعات. # وكانت المطبعة تبعد من مكان جمع الحروف مسافة ليست بالقليلة كنا نقطعها سيرا على ~~أقدامنا، نفتح صدورنا لنسمات الفجر، وكل منا تحت إبطه «كرتونة» يضمها إلى صدره ~~ويتحسس حروفها البارزة كما يتحمس الكنز الثمين، ويتخيل أثرها حين تصدر في الغد وقد ~~أصبح الحرف منها ألوفا وتحولت آلاف حروفها إلى ملايين الأصابع والأيدي والقبضات التي ~~تهز الشعب وتوقظه وتدفعه للحركة، نحس بهذا كله ونحن في طريقنا إلى المطبعة كالجيش ~~الصغير الذي برغم كل ما هو فيه من إرهاق وتمزق وإجهاد؛ إلا أنه قد خرج ظافرا من ~~معركته الأسبوعية الفاصلة، ذلك الظفر الذي لم نكن نطمئن إلى أنه قد أصبح حقيقة واقعة ~~إلا حين تدمدم المطبعة وتدور أسطواناتها الضخمة وتقذف بأول دفعة من أعداد المجلة، ~~فنتناولها بشغف جشع، ونلوث بياضها الطازج بما في أيدينا من بقايا الحبر، ونطبع ~~عناوينها الحمراء والسوداء الطازجة اللزجة على أكتافنا وأيدينا، ونقرأ العدد من أوله ~~لآخره وكأنما نرى كلماته ومقالاته لأول مرة بعيون نهمة تكاد من فرط ما قاست لا تصدق ~~أبدا أنها نجحت، وأن كل ما خطر لها من أفكار وآراء قد أصبح كلمات ثابتة خالدة لا ~~تزول. # كان تأنيب شوقي مؤدبا موجعا حاسما، ولم أكن ms098 أستطيع الرد عليه، لا لإحساسي بالذنب ~~لأن إهمالي كان بسبب مشغوليتي بسانتي ، ولكن لأسباب أكثر عمقا وتأصلا في نفسي، ~~أسباب كانت لا تزال حتى ذلك الوقت مبهمة غامضة لم تجد لها بعد جسدا من الكلمات ~~أستطيع معه أن أعبر عنها وأقولها. آثرت الصمت إذن، وآثرت أن أسمع وأهز رأسي هزة ~~المعترف بتقصيره، وأن أعد شوقي في النهاية بأن كل شيء سيعود على ما يرام. # غير أن شوقي لم يقتنع بهزات رأسي وأخذ يسألني إن كنت أعاني من مشكلة ما هي السبب ~~فيما أنا فيه، وهكذا كان الحال دائما مع شوقي وأمثاله من المسئولين عن المجلة وعن ~~الجماعة؛ فالإنسان في نظرهم لا يمكن أن يقصر أو يتخاذل إلا إذا كانت في حياته ~~«مشكلة»، وحتى إذا اعترض على رأي أو قرار لا يناقش اعتراضه هذا مناقشة موضوعية، ~~ولكن لا بد أنه يفعل هذا لأنه يعاني من مشكلة ما عائلية أو شخصية. كان لا يمكنهم ~~أبدا أن يتصوروا أن الإنسان قد يعارض الشيء لأنه خطأ لمجرد أنه خطأ. # وأصر شوقي كعادته على أن سبب الارتباك الذي يسود حياتي أني لم أتزوج، وأنني بالزواج ~~سأحل مشاكلي الشخصية كلها. # وكعادتي أيضا هززت أكتافي لرأيه؛ فلم أكن قد فكرت في الزواج كحل للفراغ العميق ~~الذي يملأ نفسي. لم أكن أستطيع أن أتصور أن شيئا ممكن أن يملأ هذا الفراغ إلا إنسانة ~~خارقة للعادة، إنسانة لم أكن قد حددت ملامحها تماما، ولكنني واثق أنها موجودة وأنني ~~حتما سألقاها يوما، حتى سانتي - وهذا هو العجيب - لم أكن أعتقد أنها تلك الإنسانة ~~التي أتصورها، وأبدا لم أفكر فيها كزوجة للحظة واحدة. # ولكن المهم أنها أصبحت عندي أهم من أية إنسانة كنت أحلم بها، بل كان يخيل إلي ~~أنني حتى لو وجدت الإنسانة التي أحلم بها ووضعت سانتي بجوارها فقطعا سأختار سانتي، لا ~~لأن فيها كل ما كنت أحلم به من النساء، ولكن لأنها - وهي الحقيقة المكونة من لحم ودم ~~- أصبحت في نظري أروع من كل من حلمت بهن من ms099 النساء، حتى اقترابها مني في الحقيقة ~~والواقع كان لا يفعل شيئا أكثر من أن يغور بها في خيالها ويبعدها ويجعلها أصعب ما تكون ~~منالا. # ونفض شوقي رماد سيجارته بسبابته كثيرا كعادته، وقال بوجه جاد، ووجهه كان دائما ~~جادا، ذلك النوع السمح اللطيف من الجد: يا بني مش ح يحل مشاكلك إلا الجواز. # ولا أعرف لماذا انفجرت ضاحكا وأنا أراه يقول هذا. وحين اكتشفت السبب الذي جعلني أضحك ~~واندفعت إلى مزيد من الضحك الأجوف العالي، أدرك هو الآخر بذكائه السبب، وقال وقد انقلب ~~وجهه الجاد إلى ابتسامة صريحة صافية: صحيح الجواز ما حلش مشاكلي أنا، وإنما ... إنما ~~يمكن يحل مشاكلك أنت. # والحقيقة أن شوقي فوق صداقتنا المتينة كان يعجبني جدا، وكنت شديد الحماس لشخصه ~~وآرائه، وأعتبر كلامه وتصرفاته عيون الحكمة، ولكن الشيء الذي لم أكن أستطيع أن أغفره ~~له هو كيف استطاع رغم كل عبقريته تلك أن يتزوج تلك الزيجة التي كنا نلمس جميعا مبلغ ~~خطئها وبشاعتها. # طالت جلستي مع شوقي وجرنا الحديث إلى موضوع الساعة، موقفنا من عبد المعطي النبوي ~~رئيس تحرير المجلة السابق الذي حل شوقي محله بعد أن حكم عليه بالسجن، وقبل أن نختلف ~~ويرتفع صوتنا ككل مرة نطرق فيها هذا الموضوع، قال شوقي وهو يخبط جبهته بيده: اسمع، أنا ~~نسيت حاجة. # ثم أخذ يكلم نفسه وكأنما ليذكر: أيوه، أنا كنت جاي أقول لك إيه ... إيه؟ آه، افتكرت، ~~أبلغك تكليف من مجلس التحرير، أيوه، اسمع يا سيدي. # قال شوقي: إن المجلة لديها مشروع لترجمة مقتطفات منها إلى اللغة الفرنسية بشكل دوري ~~في باريس وشمال أفريقيا، وإنهم بحثوا فلم يجدوا إلا فتاة من أصل فرنسي هي التي يبلغ ~~إتقانها للفرنسية درجة تؤهلها لهذا العمل، كل ما في الأمر أن لغتها العربية في حاجة ~~لتقويم وتدعيم. # وسكت شوقي فقلت: وما علاقتي أنا بهذا؟ # قال: علاقتك أنك مكلف بتقويتها في اللغة العربية. # وكادت ضحكة عريضة تنفجر من صدري، وظللت أخنقها حتى استحالت إلى ابتسامة باهتة صبغت ~~ملامحي، وقلت لأداري انفعالي: ومتى ms100 بإذن الله يبدأ هذا التكليف؟ ~~- أنت حر، من الغد يمكنك أن تبدأ ، وعلى العموم أنا أخذت لك موعدا منها الليلة، فروح ~~قابلها واتفق معاها. # قلت: الليلة امتى؟ ~~- الساعة ثمانية. # وهمست لنفسي من وراء إرادتي ووعيي وإدراكي: أتكون هي دوائي؟ # وكدت أدعو كالأرامل وأقول: يا رب! # وقبيل الثامنة هبطنا من البيت. وعند باب حديقة الأندلس وجدناها واقفة تنتظرنا. كانت ~~من بعيد تبدو طويلة نوعا ما، تكاد تعادلني طولا، وكان قوامها مفصلا ~~وممتلئا. # وحين اقتربنا خيل إلي أني رأيتها من قبل ~~واحترت أين، وفقط بينما كنت أسلم عليها تذكرت، إنها الفتاة الكبيرة التي كانت مع ~~سانتي في «الباريزيانا» يوم التقيت بهما أول مرة! وسلمت عليها بحرارة طبعا، ومكث ~~معنا شوقي ريثما عرفنا ببعضنا وابتكر لنا من عنده أسماء مستعارة ثم انصرف، وبقينا ~~وحدنا، أو على وجه أصح تمشينا وحدنا بحذاء النيل. ومن الدقيقة الأولى رأيتها تضرب ~~صفحا عن قناع السرية الواجب وضعه، وتسألني عن مهنتي وأين أسكن، وهل أنا أعزب أم متزوج، ~~وتخلط هذا كله بالحديث عن الجو والفرق بين باريس والقاهرة. وبعد خمس دقائق كانت تحدثني ~~بدورها عن حياتها الخاصة وعائلتها، وعن أبيها الشديد القاسي الذي يمنعها من الخروج، وعن ~~أخيها الأصغر المعفرت، وأمها «الرجعية» التي تمزق الكتب الثورية كلما عثرت عليها ~~مخبأة في طيات مخدتها. # كانت طويلة، وجسمها له قوام الرياضيات، وشعرها أصفر، ووجهها أحمر، وتقاطيعها منسجمة، ~~وجريئة تطرق أي موضوع بلا تحفظ، وتعاملك وكأنك صديقها الحميم. ولكنك تحس أن تصرفاتها ~~الجريئة التي توحي بثقتها الكاملة بنفسها، سببها بلا ريب هو ضعف ثقتها بنفسها. # وكنت أنا سائر بجوارها أسترق النظر إليها وأختار أجزاء من حديثها أنصت لها باهتمام ~~وأتأملها، وعقلي يقارن خفية بينها وبين سانتي، وحين لا تجدي المقارنة أروح - بوعي هذه ~~المرة - أفتش فيها وفي قوامها وشخصيتها عن شيء يغنيني عن سانتي. # ولم يكن فشلي في العثور على شيء من هذا هو المشكلة. المشكلة أنني لم أحس لحظة واحدة ~~أنها فتاة، أو أنها حتى تمت إلى جنس المرأة التي ms101 جاءت منه سانتي. وحديثها إلي كان ~~كفيلا بصبغها في نظري بصبغة الأنثى ، أو على الأقل كان من الممكن أن ينم عن شخصية ~~متميزة لها مجالها الخاص ودنياها وآراؤها الخاصة، ولكن حديثها لم يفعل شيئا أكثر من ~~أنه زاد تعميم صورتها في خاطري؛ فالمواضيع التي كانت تطرقها كانت إما مواضيع خاصة بها ~~لا أستطيع أن أتحدث فيها، وإما مواضيع عامة تدلي فيها برأي عام مما تعود الناس قوله ~~بحيث لا تجد لديك أي حافز يدفعك لمناقشته أو الاعتراض عليه. الفيلم الذي تعرضه سينما ~~«كايرو» رائع، ماذا تقول؟ تجد نفسك تقول بلا حماس: فعلا، إنه رائع. أو تأتي سيرة ~~الازدحام فتقطع كلامها لتسألني فجأة: أنا أكره الازدحام، ألا تكرهه؟ ومن منا لا ~~يكره الازدحام؟ # ورغم هذا فقد كنت في عجب من نفسي؛ فهذه الفتاة كجسم وكقامة وملامح كانت قطعا ~~أجمل من سانتي، وعلى رأي فتاة المستوصف «خوجاية» هي الأخرى ولا تمشي كشيتا، فكيف بي لا ~~أجد في نفسي ذرة واحدة من الإعجاب بها، أو حتى مجرد الاعتراف بوجودها أو ~~بأنوثتها؟ # كنا قد قطعنا جسر النيل من كوبري الخديوي إسماعيل حتى كدنا نصل إلى الجيزة، ~~وتحدثنا في كل شيء قد يخطر على البال، ولم يخطر على بالها أبدا أن تبدأ حديث العمل. ~~وكان ممكنا أن نصل إلى أسوان دون أن يبدأ الحديث لولا أني استدرت وعدنا أدراجا ~~ماشيين على شاطئ النيل الآخر، ووجدت نفسي مضطرا لأن أبدأ أنا أحدثها عن مهمتي ~~تجاهها. وتطرق بنا الموضوع إلى الترجمة عامة، وهل الأكثر فائدة أن يكون المترجم ~~متقنا للغة التي يترجم إليها أم اللغة التي يترجم منها. وطبعا أدلت برأيها في ~~الموضوع، وكالعادة جاء رأيها مدعما للاعتقاد الشائع أن المترجم يجب أن يكون على دراية ~~ضخمة باللغة التي يترجم إليها، ولا أعرف لم وجدت نفسي أصر على الرأي المضاد وأتحمس ~~للدفاع عنه. ولدهشتي الشديدة وجدتها بعد قليل تقتنع وتغير رأيها وتوافقني على ~~رأيي. # ولم نكن قد تحدثنا في تنظيم عملي معها أو وصلنا إلى قرار بشأن ms102 مواعيد الدروس أو ~~مكانها. وكنا قد وصلنا في سيرنا إلى الزمالك، وكنت قد قدتها بلا وعي حتى أصبحنا ~~قريبين جدا من بيتي، وحين واجهناه وقفت على الرصيف المقابل، وقلت: هنا أقطن. # فقالت: أين؟ # قلت: في الدور الخامس. # فقالت: أنت مثلي تحب السكن في الأدوار العليا. # ولم أجد ما أعلق به. # ولكني كنت راغبا في توثيق صلتي بها؛ إذ من يدري ربما إذا تألفت معها تنقطع شيئا ~~فشيئا تلك القيود التي تربطني بسانتي، وأعود مرة أخرى حرا طليقا كما كنت؟ فقلت: ألا ~~تأتين؟ # وخفت أن أكون قد قلت شيئا أحرجها، فأضفت: لا بد أن تزوريني يوما، هه؟ # فقالت بكل بساطة: طبعا، ألن آخذ الدروس عندك؟ # ولمحت في عينيها حماسا لكي نبدأ بسرعة، تكاد تقول: لماذا لا نبدأ الآن؟ مع أن الساعة ~~كانت قد تجاوزت العاشرة مساء. # ولكنها قالت: هل يمكن أن نبدأ غدا، يناسبك غدا؟ # قلت: مناسب جدا. # وسلمت عليها، سلمت محاذرا، وسلمت هي بقبضة ضخمة لا تريد صاحبتها أن تظهر ضخامتها ~~فتلامس قبضتي برقة وسرعة. # وشعرت وأنا أصعد السلم برأسي كالمرجيحة الدائرية، تصعد فيها قواديس وتهبط أخرى، ~~وأبتسم وأنا أنظر إلى مصيري مع هذه القادمة الجديدة، وأفكر بعمق حين تهبط القادمة ~~تصعد سانتي موردة الخدين مبتسمة غامضة، لا أدري معها ماذا يكون المصير. # ومرة أخرى وجدت نفسي جالسا إلى المكتب، وعلى الكرسي المقابل فتاة أجنبية، وبيننا ~~كتاب المطالعة الأولية وجريدة يومية. # ومرة أخرى وجدت نفسي أصغي إلى الحلق الذي ركب أجنبيا وهو يجاهد لينطق الحاء والخاء ~~والصاد ويتعذب ليحتوي الضاد. # وكانت المسرحية في نظري غريبة ومريرة في الوقت نفسه. # فلم أكن مع الفتاة الجالسة أمامي تدعي الاهتمام بالدروس، كنت مع سانتي، كل حرف كانت ~~تنطقه كان يذكرني بسانتي وبطريقة نطقها لها وحركة فمها وهي تقوله، كل سيجارة كانت ~~تدخنها كانت تذكرني بدفعات الدخان وهي تخرج من فم سانتي الصغير الدقيق في كرة صغيرة ~~زرقاء لا تلبث أن تتمدد وتكبر وتتبدد في النهاية ببطء وعلى مهل. # ويبدو أن القادمة الجديدة بدأت ms103 تحس بما يدور في نفسي؛ فلم يفتني أن ألاحظ إحساسها ~~بأني لست تماما معها، ولم يفتني أن ألاحظ أيضا رغبتها الشديدة أن أكون معها، ~~ومحاولاتها المستمرة لكي يتحقق هذا. وأغرب شيء أني كنت كلما لمحت هذا ازددت بعدا عنها ~~وقربا من سانتي، وكلما أحسست بها أكثر، خفت عليها أكثر وأكثر. # وكان الدرس يقترب من نهايته، وبدأت أدرك أني قد وقعت في مشكلة؛ فعملي ووقتي لا يسمحان ~~لي بمقابلتها ومقابلة سانتي في يوم واحد، والمكان واحد هو بيتي؟ # كان لا بد أن أكذب عليها، وقلت لها إن ترددها على البيت خطر، وإننا يجب أن نلتقي ~~بعد اليوم في مكان آخر. # وصعقت الفتاة وراحت تقدح ذهنها لتفكر في حل للمشكلة. # ويبدو أنها يئست من إيجاد حل لها؛ فقد لمحت اليأس مرتسما بوضوح على ملامحها، ~~وملامحها كانت بالمناسبة كالإناء الزجاجي الشفاف، لا تستطيع أبدا أن تحول بين ~~انفعالاتها وبين محدثها. # وإمعانا أعدت عليها الكذبة وطالبتها بأن تحاول العثور على مكان آخر، ولم يكن طلبي ~~هذا يخلو من مكر؛ إذ كنت قد أدركت من خلال ملامحها الشفافة أنها تريد مقابلتي بأي ثمن، ~~وكنت سعيدا طبعا بهذا الحماس، وكنت أريد أن أسعد أكثر وأن أجعلها تفعل المستحيل ~~لتلقاني وتكدح ذهنها من أجل ذلك اللقاء. # وقالت أخيرا: آه! لقد تذكرت الآن، ولكني لست متأكدة. أقابلك في الخارج غدا ثم ~~أقول لك. # وقبل أن تخرج، تنحنحت نحنحة أنثوية بدت فيها كالرجال وقالت: هناك أمر. ~~- أجل. ~~- أعتقد طبعا أنه لا يجب أن أعرف اسمك الحقيقي. # وأشرت بيدي علامة التهوين من شأن هذا الأمر، وقلت لها: لا عليك، اسمي يحيى. # فقالت: الدكتور يحيى! ~~- إذا أردت هذا. # وسكتت وهمت بأن تقضم أظافرها ولكنها عدلت، وتنحنحت مرة أخرى وامتقع وجهها ~~وقالت: ألا تريد أن تعرف اسمي الحقيقي؟ إذا أردت ممكن أقول ... # وخجلت؛ فقد كان من الواجب أن أكون البادئ، وقلت بحماس مصطنع: طبعا طبعا، ~~باردون. ~~- اسمي لورا. ~~- هاللو لورا. # قلتها مازحا لأغطي موقفي وأمد لها يدي، فقالت ووجهها محمر: هاللو يهيا. ms104 ~~- إلى الغد إذن. # وهبطت السلالم تكاد تتعثر في خجل لم أكن أعرف مصدره. # وثاني يوم وأنا آخذ طريقي إلى باب حديقة الأندلس لأقابل لورا، كنت أعاني من تناقض ~~داخلي بشع. كان مفروضا أن تأتي سانتي في نفس اليوم ونفس الميعاد وتجدني أنتظرها في ~~البيت، وبشعور الأب العربي أيام الجاهلية وهو حامل ابنته في طريقه لدفنها حية خشية ~~الفقر، أرغمت نفسي على أن أخرج للقاء لورا وأترك سانتي تأتي ولا تجدني. # وفي الساعة السادسة تماما كنت أمام باب الحديقة، وقبل أن أنتظر أو أتلفت أو أحاول ~~التفتيش في عشرات الوجوه القادمة والمقبلة شعرت بيد توضع على كتفي. من ملمس ~~أصابعها عرفت أنها لورا، وأنها حضرت قبل الميعاد، وأنها ظلت تنتظرني حتى جئت. # وكانت أنيقة في ذلك اليوم بهذا الإيشارب الأحمر الذي كانت تلفه حول عنقها. # وعبرنا الكوبري ونحن نتبادل حديثا تافها، وظللنا سائرين في شارع «الخديوي ~~إسماعيل» (وكان اسم التحرير لا يزال جديدا) حتى وصلنا ميدان الأزهر. ومن الميدان بدأت ~~لورا تقودني خلال شوارع جانبية غريبة لم أكن قد رأيتها قبلا؛ فالعمارات التي فيها ~~عمارات مبنية كلها على الطراز الإيطالي أو الفرنسي ومتشابهة، وتحس أن القاطنين فيها ~~كلهم أجانب وكأنها حي كامل من روما أو أثينا نقل بقدرة قادر ووضع في قلب ~~القاهرة. # وقلت لها: وجدت المكان؟ # وابتسمت لي ابتسامة من تقول: وهل في هذا شك؟ # ونظرت لها وهي تبتسم، ولاحظت - رغم قلة الضوء - أن في وجهها نمشا خفيفا، وأن ~~عينيها عسليتان في لون شعرها تماما. # وأمسكت يدها ووضعتها في ألفة بين جنبي وذراعي، ووضعت يدي الأخرى في جيب بنطلوني، ~~وتركت لي يدها تماما، ومشينا. # وكانت تمشي بسرعة وعجلة وحماس مضطرب كحماس صبيان المدارس الثانوية، ولاحظت فعلا أن ~~في تصرفاتها كلها آثارا من تصرفات صبيان المدارس الثانوية. # والواقع أن إمساكي بذراعها لم يأت صدفة. كنت أريد أن أجهز نفسي وأبدأ أحس أنها ~~امرأة. كنت أريد أن أداوي نفسي لا بالتي كانت هي الداء، ولكن بصورة أخرى شديدة الشبه ~~بالتي كانت هي ms105 الداء، بسانتي؛ فسانتي من لحظة أن عرفتها كانت بالنسبة إلي امرأة ~~ومشكلة ؛ ولهذا ظلت علاقتي بها معقدة حافلة بالالتواء والمتناقضات. امرأة وزميلة ~~ومتزوجة وتحب زوجها، ولا أكاد أعرف حتى إن كانت تعيرني اهتماما يذكر أم إن اهتمامها ~~بي ما هو إلا صدى لاهتمامي بها. # ولو لم أكن أومن ببعض المبادئ والأخلاق لهان الأمر، ولاقتحمت سانتي بنفس الجرأة التي ~~يقتحم بها الرجل العادي امرأة عادية. ولو كنت كامل الإيمان كامل الأخلاق لضربت ~~صفحا عن هذه العلاقة من أولها، ولاستطعت الانتصار على «ضعفي»، ولما جاءت المرأة أو ~~المشكلة، كنت أسمح لنفسي إذن بالمضي في الطريق مع سانتي، وأنا لست راضيا عن نفسي ذلك ~~الرضاء الذي يجعلني أنطلق معها كل الانطلاق. # ولست ساخطا على نفسي ذلك السخط الكفيل بأن أقطع معه علاقتي بها، وحلمي في أثناء هذا ~~الطريق كان أن أعثر على بديل لسانتي، على فتاة أخرى أحبها بلا مشكلة، وأسعد معها بلا ~~تأنيب ضمير. # وحين وضعت الظروف لورا في طريقي، لورا الأجنبية هي الأخرى، الخالية من أية ارتباطات، ~~البادية الرغبة في، قلت: هذا هو الحل العبقري لمشكلتي. وكل ما كان ينقص هذا الحل أن ~~أبدأ أنا أحس ناحيتها بإعجاب أو حتى برغبات، وعن وعي كنت أفعل هذا، وعن إدراك كامل ~~لما أريده احتضنت ذراعها محاولا أن أحس بها أكثر وأقترب منها أكثر وأكثر. ولست أدري ~~لم ظللت أحس طوال الوقت أن التي تحضنها ذراعي ذراع، مجرد ذراع، لا أستطيع لو أغمضت ~~عيني أن أحدد جنسها أو أعرف إن كانت ذراع فتى أو فتاة، مجرد ذراع. # ولم أيأس، وحاولت أن ألمح رغبتها في عسى أن تفلح في إثارة رغبتي أنا. ولكني عجبت؛ ~~فلم تكن مضطربة ذلك الاضطراب الذي توقعته، ولم أعرف إلا بعد مدة من علاقتي بها أن ~~اضطرابها لا يظهر إلا على هيئة حماس وتهور وحديث لاهث سريع عن مواضيع طرقتها ~~قبلا، عن أمها الرجعية وأبيها القاسي. # ولم أيأس أيضا. مضيت أتصور المكان الذي نحن في الطريق إليه، محاولا أن أجد في ms106 ~~اختياره والعثور عليه آثار رغبتها الخفية في، محاولا أن أخمن كيف لفتاة مثلها أن ~~تجد مكانا يصلح لي ولها فقط، ولجلسة طويلة، ترى هل تكون شقة صاحبة لها؟ وأنى لفتاة ~~يبدو أنها تعمل في إحدى الشركات أن تكون لها صديقة تملك شقة بمفردها؟! بل تصورت أنها ~~ذاهبة إلى بيتهم في غيبة أمها وأبيها. # ولم يتح لي أن أطيل في تخميناتي؛ فقد انحرفت إلى شارع جانبي مسدود، وحيت ~~بوابا أسود كان جالسا مع زميل له، واخترقنا مدخلا طويلا خافت الضوء وكأن النور ~~يأتيه من تحت الأرض، وعند باب شقة في الدور الأول توقفت وأخرجت مفتاحا من حقيبتها ~~فتحت به الشقة ودخلت وراءها. # كان المكان مظلما، وما إن دخلت وخطوت أول خطوتين حتى اصطدمت بها، وهمست متألمة ~~معتذرة، وهمست أنا الآخر بكلام. وكان اضطرابي لمكان أدخله أول مرة واصطدامي بها وبحة ~~همستها، كانت هذه كلها كفيلة بأن تدفعني للتفكير فيها كامرأة، ولكني وجدت أن لهفتي على ~~معرفة المكان واكتشافه كانت أكبر من رغبتي في الاصطدام بها مرة أخرى إذا طال الظلام، ~~ويبدو أنها أحست بهذا هي الأخرى؛ فقد أضاءت النور بسرعة وقالت بعصبية قليلة: هو ناد ~~كما ترى. # وفعلا كانت هناك طرابيزة بنج بنج، وبضعة كراسي، وخيمة رحلات مكومة في ركن، وبيك ~~آب، ولم أجد لدي كمية كافية من حب الاستطلاع تدفعني لسؤالها عن كنه ذلك النادي، ~~واكتفيت بأن أخمن أنه لا بد أحد النوادي الكثيرة التي يقيمها موظفو الشركات ~~الأجنبية من الشباب. # وفي ركن من الصالة الكبيرة معد كصالون جلسنا، وما زلت لسبب لا أعرفه أذكر هذه ~~الجلسة بالذات. أنا على «فوتيل» ضخم غارق فيه، وهي على «فوتيل» ضخم آخر بجواري، وأنا ~~واضع ساقا فوق ساق، وهي جالسة متحفزة كالتلميذات، وكلانا يتحدث. وطبعا لا أذكر ما ~~قلنا بالحرف، ولكني أذكر جيدا أننا لم نتحدث بحرف من اللغة العربية أو الدرس. كان ~~حديثنا من ذلك النوع الذي يتبادله الاثنان ليغطيا حديثا صامتا آخر هربا من ذلك ~~الحديث الصامت. # وأحسست بشفقة عليها. جالسة ms107 كالتمثال الضخم الجميل، وقد أعدت للقائنا عدته وحلمت ~~به، وحين أصبحت أمامي ، ها هي ذي رغبتها يضج بها جسدها كله ولكنها تتجمد حين تصل إلى ~~لسانها وملامحها، شفقة تدفع إلى عقلي في أحيان خاطرا مجنونا، لماذا لا أتصرف معها ~~التصرف الطبيعي جدا في حالة كهذه؟ وعلى الرغم من جرأة الخاطر فقد كان يفد إلى ~~عقلي هادئا بسيطا وكأنه يفد إلى عقل إنسان يتفرج على الموقف وليس صاحبه. وبنفس ~~الهدوء والبساطة كنت أستسخفه وأنبذه بلا تفكير أو تردد، وأتكلم بحكمة وروية. لقد فقدت ~~إيماني لحظتها بالحكمة والحكماء؛ ففي نفس الوقت الذي كنت أتصرف فيه كثوري شريف عاقل ~~متزن، يجد في كل ما تحسه لورا مجرد مشكلة ويحاول أن يناقشها ويجد الحلول المناسبة ~~لها، كنت أدرك أن حكمتي وتعقلي سببهما انعدام رغبتي فيها، سببهما أن غرائزي كلها ~~عقيمة تجاهها، وكنت أقول لنفسي: لا بد أن الحكماء العقلاء أناس بلا غرائز، والناس ~~العاديون بشر لهم غرائز، فلا بد أن الحكماء ليسوا بشرا، وحكمتهم لا فائدة منها؛ ~~فالحكمة موجودة منذ أن وجد الإنسان، ومنذ أن وجد وهو لا يتبعها، ومنذ أن وجد ~~والمسافة بينه وبين المثل العليا يصورها له حكماؤه هي هي لم تتغير، وكيف تتغير والذين ~~يطلقون الحكمة أناس بلا غرائز ولا رغبات ولا نزوات؟ أناس ليسوا بشرا، يطلقونها ~~ليتبعها أناس ذوو غرائز ورغبات ونزوات، بشر عاديون. # وكيف يمكن أن يتبع البشر أي نصيحة غير بشرية؟ ألكي يصبح نبيا وملاكا؟ ألكي يصعد ~~إلى السماء؟ وما العمل إذا كان عمله هو البقاء على الأرض واستثمارها وتلطيخ نفسه ~~بترابها وطينها وزرع ورودها؟ # ألسنا في حاجة لأنبياء من البشر يحملون بيمينهم حسنات الإنسان وبيسارهم سيئاته؟ ~~أنبياء غير معصومين، حكماء من المخطئين، لا يقف الواحد منهم فوق ربوة عالية ويرسل لنا ~~حكمته العليا السامية، ولكن يحيا معنا ويعرف قوتنا وضعفنا، وله عيوبنا ونقائصنا، ولا ~~يفخر بكماله وسموه بقدر ما يفخر بما فيه من عيوب وبقدرته على معرفتها. ألسنا في حاجة ~~لحكماء جدد يفهموننا، حكماء لا يأخذون منا ms108 موقف القاضي بقدر ما يأخذون موقف المحامي ~~الشريف المدافع عن جنسنا بكل أخطائه وعيوبه ومحاسنه؟ # أنا لم أقابل حكماء كثيرين في حياتي، ولكني رأيت بعضهم. وأغرب شيء أنهم كانوا دائما ~~أناسا سذجا لا خبرة لهم بالحياة، ولا يعرفون عن البشر إلا أنهم كائنات عليا سامية، ~~وإن لم تكن كذلك فيجب أن تكون كذلك. وأنا لم أقابل في حياتي مجرمين كثيرين، ولكني قابلت ~~بعضهم، قابلت قتلة ولصوصا وتجار مخدرات ونساء ليل، وكان الواحد منهم أو الواحدة منهن ~~أكثر فهما للحياة والأحياء من كل من قابلت من فلاسفة وحكماء؛ فهؤلاء العصاة ~~يحبون الحياة ويرون الناس رأي العين، ويحتكون بهم احتكاك الرجل بالرجل والإنسان ~~بالإنسان، أما هؤلاء الفلاسفة والحكماء فقد وجدتهم لا يرون إلا ما في رءوسهم، وإذا ~~حدث وقابل أحدهم إنسانا لا يراه، ولكنه يرى ما يتخيله هو عنه. # إنها مشكلة! فإذا كانت البشرية قد عانت الأمرين من العصاة أنبياء الرذيلة، فهي قد ~~عانت - وربما بدرجة أكبر - من أنبياء الفضيلة، وإذا كانت جريمة الأولين أنهم يبشرون ~~بحيوانية الإنسان، فجريمة الآخرين لا تقل عنها بشاعة؛ إذ هم يبشرون بما هو أسخف من ~~الحيوان، بالإنسان السامي الكامل، باللاإنسان. وإذا كانت حكمة الأولين مدمرة؛ لأنها ~~قريبة إلى الغرائز سهلة التنفيذ، فحكمة الآخرين لا تقل عنها دمارا؛ لأنها خيالية ~~مستحيلة التنفيذ، تترك الإنسان حائرا تائها عاجزا ناقما على نفسه، وكلتا الحكمتين ~~مدمر؛ لأنه ما من شيء يغل الإنسان ويوقفه ويجعله يدور حول نفسه قدر إحساسه بالذنب. ~~وكلتا الحكمتين تولدان إحساسا عظيما بالذنب، الأولى لأنه نفذها، والثانية لأنه ~~يفشل في تنفيذها. # وطوال جلستي مع لورا كنت نبيا من أنبياء الفضيلة. أسمعها تتحدث عن مضايقات أبيها ~~وأمها لها، فأقول: يجب عليك أن تفعلي كذا وكيت. وأراها تتحرق رغبة في أن أنهي جلستي ~~المستريحة وأبدأ معها حديثا آخر، فأزجرها بيني وبين نفسي وأؤنبها على تلك الرغبة غير ~~المشروعة بين زميلين، وأزداد تأنيبا لها بأن أحدثها حديثا طويلا عن كفاحنا ~~ونجاحاتنا، ووجوب مضاعفة الجهود وقيادة الشعب في معركة حريته الفاصلة. ms109 # وكانت تستمع لكلامي وتهز رأسها علامة الموافقة السريعة المتحمسة على كل كلمة ~~أقولها، وتبتلع ريقها في خجل كالمؤمنة التي انساقت وراء أهوائها حين يذكرها أحدهم ~~بوجود الله. # وفجأة أحس بوضعها ومشكلتها والرغبة التي تؤرقها، ويغلبني شعوري كإنسان فأغافل نفسي ~~وأحاول أن أنظر إليها كفتاة ذات قامة فارعة وسيقان كأنها من صنع مثال، ~~ولحظتها فقط أدرك مدى خطورة حالتي وموقفي، لحظتها أدرك أني أحب سانتي، أحبها حبا ~~هائلا يملأ علي كل نفسي ولا يدع مجالا حتى لنظرة غير محبة للاستطلاع ألقيها على ~~فتاة جميلة كلورا، وأنا معها وحيدا في مكان مغلق خال. # ومضى وقت، وشعرت أن الموقف قد تجمد، ولم يعد هناك جديد يضاف، فقمت ~~وانصرفنا. # وفي اليوم التالي جاءت سانتي، قابلتها بابتسامة اعتذار ضخمة، وسبقتها وقلت إني آسف ~~أنها جاءت بالأمس ولم تجدني. # فقالت: لا يهم. # قالتها وواضح عليها أنها غير مهتمة، ولم أستطع رغم كل محاولاتي أن أعرف إن كان عدم ~~اهتمامها هذا تمثيلا، أم إنه عدم اهتمام حقيقي. وقالت لي إن هناك حفلة موسيقية في قاعة ~~«أيوارت» لعازف البيانو المشهور جورج تملي، وأرتني تذكرتين، وقالت بابتسامة وبلا ~~اهتمام كبير: أتأتي؟ # وكأنما خافت أن أرفض، فلم تلبث أن قالت وقد استعادت طريقتها المتحمسة الماكرة ~~المملوءة بالروعة: معي تذكرة زيادة كما ترى. # وقلت وأنا أركز انتباهي كله على فمها حين ضيقته وشكلته ليبدو ماكرا متحمسا: ~~تعلمين طبعا أني لن أرفض. # وفي المساء كنت واقفا أمام أيوارت أنتظرها وأحاول أن ألعب مع نفسي لعبة القط والفأر، ~~أحيانا أقول سأقف في مكان لا تراني فيه حين تجيء لأدعها تنتظرني إذا جاءت، وأحيانا ~~أسحب الفكرة. أحيانا أهيم في الوجوه الداخلة المقبلة في عربات وتاكسيات وأنتقي أجمل ~~قادمة وأقول لنفسي: هيه، لو خيرت بينها وبين سانتي، فمن ذي تختار؟ # وأبتسم في سخرية؛ فمجرد المبدأ لا تقره نفسي، والليلة ليلة شتاء، والمعاطف الصوف ~~والقفازات وازدحام المدخل. والناس حين تتفرج على الناس، وأنا واقف بينهم، أسعد منهم ~~جميعا. أستعذب انتظاري وأتطلع بعيون واثقة تجاه الميدان، عيون ms110 متأكدة أنه بعد لحظة ~~أو لحظات ستبدو لها تلك الكائنة الحلوة الدقيقة ، وستملأ حدقتيها ولن تعود ترى ~~سواها. # وفجأة وجدت يدا توضع على كتفي، يدا أعرف أصابعها الضخمة تماما، يد لورا، والتفت ~~وتصنعت الدهشة والفرحة؛ «إذ في الحقيقة كان قد ضايقني ظهورها المفاجئ هذا»، وبطريقتها ~~الصارخة المهرجة سألتني: أين كنت؟ ولماذا أنا واقف سارح؟ وهل أنا أنتظر أحدا؟ ولم ~~تنتظر لتسمع إجابتي على أي من أسئلتها، إنما بنفس الاندفاع والحماس قالت: هل ممكن أن ~~أقف معك؟ # ورحبت بوقوفها طبعا، وسألتها بدوري أين كانت وحدها؟ وأجابتني بسرب من الإشارات ~~والتحيات تبادلتها مع شلة كبيرة من أصدقائها البنات والشبان، شلة من تلك الشلل التي ~~تذهب إلى الرحلات معا وترقص معا وتقضي السبت والأحد معا، ويقولون لبعضهم البعض: هاي ~~بوي، هاي جيرل. # وفجأة أيضا ظهرت سانتي وأقبلت علينا، وتبادلنا السلام، وقالت لورا باندهاش عظيم: هل ~~تعرف ...؟ # وأدركت أنها سترتكب خطأ لو قالت اسمها، فأحرجت وتلجلجت، وقلت لأنقذها: ~~طبعا. # ودخلنا القاعة. # وكما توقعت تماما تركت لورا شلتها وجاءت وجلست معنا. # وجلست أنا وكأني هارون الرشيد عن يميني سانتي وعن يساري لورا، وأصابع جورج تملي ~~المعجزة تشيع في أنحاء الصالة الواسعة أقوى وأرق ألحان جادت بها قريحة بشرية، أنغام ~~كونسرتو البيانو رقم 3 لبيتهوفن. # والحقيقة لم يكن هذا هو السبب في النشوة الغامرة التي أحسست بها تملأ صدري وتشيع ~~وتنفذ إلى كل خلية من خلايا جسدي، والسبب كان أعجب؛ فحين قابلت لورا ورأيت إعجابها بي ~~ورغبتها في واضحة كل الوضوح، تمنيت أن نلتقي معا بسانتي لترى هذا الإعجاب الشديد، ~~ولترى بنفسها أني لست وقفا عليها، وأن مصيري ليس معلقا بكلمة منها، وها نحن قد ~~التقينا، وها هي لورا عن يساري وسانتي عن يميني. # وعن عمد رحت أهتم بلورا وأهمس لها وأداعبها وأوجه معظم حديثي إليها، وأقف ~~قريبا منها في الاستراحة، وأحمل لها بيدي «شوب» البيرة الذي آثرت أن تتناوله، ولكني ~~كنت أفعل هذا وعيوني على سانتي. وخاب أملي؛ فلم ألمح غيرة واحدة على ملامحها، وكأنها ms111 ~~واثقة من نفسها، أو على الأقل واثقة مني وتدرك أني إنما أتصنع هذا كله وأدعيه. ~~وضايقني هذا، وأحسست أن بذور الثقة التي كانت قد بدأت تنمو في نفسي بدأت أمام عيني تذبل ~~وتموت. # أملي كله كان أن أراها تغير ولو مرة واحدة، فأثبت وأثق في نفسي وأتصرف بطريقة متزنة ~~وعاقلة، بطريقة تحظى بإعجابها. كنت أحس أني أنا الذي أتحرك إلى ناحيتها باستمرار، ~~وأنها واقفة في مكانها لا تتزحزح. وأملي كان أن تخطو خطوة واحدة فقط لأستطيع أنا أن أقف ~~في مكاني ألتقط أنفاسي وألم شتات نفسي. # ولم يحدث شيء من هذا في الحفلة، ولا حتى حين انتهت، وتعمدت أن أرافق لورا لأوصلها ~~تاركا سانتي لتعود وحدها. # حدث هذا فقط ثاني أو ثالث يوم، كانت سانتي قد عرفت في الحفلة أنني أعطي لورا دروسا ~~في العربي وأننا نتقابل، وتعمدت أنا أن أخبرها أننا نلتقي في البيت، بيتي، وحين قلت هذا ~~لمحت - أو خيل لي أني لمحت - شبح بريق سريع خاطف يعبر عيني سانتي ويكاد لا ~~يرى. # ولا أعرف ماذا كان في ذلك البريق لأستشف منه أنها اهتمت بالخبر اهتماما خاصا، ~~وأنها حتما ستقوم بعمل ما خطر لها لحظتها فقط، وقد تبين بعد هذا أني كنت على حق. لا ~~بد أن الحب شيء عجيب، لكأنه يضع صلة مادية حية بين الاثنين فيجعل كلا منهما يكاد ~~يتبين ما يفكر فيه زميله ويعرفه، ربما قبل أن تصل تلك المعرفة إلى عقل صاحبها. # وقبل أن نقترب على باب القاعة قالت لي سانتي كعادتنا كلما افترقنا: أراك غدا. وكنت ~~باستمرار أرد قائلا: طبعا. ولكني هذه المرة تعمدت أن أتصنع التفكير ثم أقول: ~~آه، هناك شيء، غدا سأكون مع لورا. # فقالت سانتي: آه، لقد نسيت. # وقالتها بلا اهتمام، ولكني كنت قد لمحت هذا البريق الخاطف الذي لا يكاد يرى يعبر ~~عينيها للمرة الثانية، ولم يكن هناك داع لقولي هذا؛ فأنا لم أكن ألتقي بلورا في البيت، ~~كنت أحتفظ به لسانتي، وكنت أتعمد الالتقاء بلورا خارجه حتى لا ms112 تتعود عليه ويصبح في ~~استطاعتها أن تطرقه في أي وقت تشاء، وأكون بهذا قد أفسدت أهم متعة من متع ~~حياتي. # قابلت لورا في ثاني يوم كالعادة عند حديقة الأندلس، ولكن بدلا من أن نذهب إلى النادي ~~قلت لها: لماذا لا نذهب إلى البيت؟ وكان باستطاعتها حينئذ أن تذكرني بأنني أنا نفسي ~~الذي رفضت البيت في أول الأمر، ولكن شغفها بما قلت لم يدع مجالا لتذكرني بشيء، أو ~~لعلها خافت إن هي ذكرتني أن أعدل عن الفكرة. # أما لماذا اقترحت أنا أن نذهب إلى البيت، فالسبب في هذا لا يمت إلى العقل بأية صلة؛ ~~فقد كنت أحس بطريقة ما أن سانتي ستحضر إلى البيت متذرعة بأية حجة، وفي هذه الحالة ~~يستحسن أن تأتي لتجدني مع لورا، ولنر ما يحدث لها حينئذ، وهل يا ترى ستظل على ثباتها ~~وبرودها؟ # كان شيء كهذا مستحيل الوقوع؛ لأني لم أكن أعتقد أبدا أن سانتي قد اهتمت بحكاية دروس ~~لورا، وحتى لو كانت قد اهتمت، فهل يبلغ بها الاهتمام حد أن تكلف نفسها الحضور في ~~الليل إلى بيتي لتطمئن على أن جلستي مع لورا مجرد جلسة درس عربي؟ خاصة وأني قلت لها ~~إني لن ألقاها لأني سأكون مشغولا مع لورا؟ # قطعت مع لورا شارع الجزيرة إلى الزمالك، وأصبحنا قريبين جدا من البيت حتى لم يبق ~~بيننا وبينه إلا بيتان أو ثلاثة. # وفجأة سمعت من يقول: يحيى. وغمرتني فرحة طاغية؛ فليس في العالم كله إلا لسان واحد ~~يستطيع أن ينطق اسمي بكل تلك العذوبة حتى أكاد لا أصدق أنه اسمي. كانت سانتي. والتفت ~~فوجدتها واقفة أمام مدخل البيت المقابل لبيتي ومعها راقية زوجة شوقي، ولم أفهم شيئا ~~بادئ الأمر، ومع هذا كنت فرحا إلى درجة لا أريد معها أن أفهم شيئا. # وتبادل أربعتنا التحية، ووقفت أنظر إلى البيت المقابل وراقية زوجة شوقي ولورا، ومدخل ~~دكان البقالة الوحيد في الشارع وقد ازدحم بعدد من الناس، والعربات المارة، والبلكونات ~~المهيبة الساكنة، ولا أنظر إلى سانتي. ومع هذا فلم أكن ms113 أرى شيئا أو كائنا غيرها، ولم ~~أهتم حتى بسماع ما تقول. كنت قد اكتفيت بإحساسي أنها قد جاءت كما توقعت، ورغم أن أول ~~كلمة قالتها كانت: هل رأيت شوقي؟ وحين سألتها: لم؟ قالت بطريقتها المستعجلة المتحمسة ~~إنه لم يعد إلى البيت منذ الصباح، وإن راقية كانت تبحث عنه وقابلتها صدفة، وإنهما ~~رأتا أن تسألاني عنه؛ ولهذا جاءتا وصعدتا إلى الشقة، ولكنها كانت مغلقة ولا أحد بها، ~~فوقفتا في ذلك المكان تنتظران قدومي. # كانت سانتي هي التي تتحدث، وكلامها يغلفه الحماس والرغبة في إخفاء شيء وتبرير ~~موقف، حتى لو كان موقفا من الصعب تبريره. لماذا تنتظراني أمام البيت؟ ومن أدراهما أني ~~قد أجيء؟ مع أن وقوفهما في الشارع ليس بالأمر المستحب؛ فالشارع من الشوارع الصغيرة ~~القليلة الحركة الذي يعتبر وقوف سيدتين أو فتاتين فيه في الليل على هذه الصورة مسألة ~~تدعو إلى النظرات المريبة والتعليقات والمعاكسات، قلت هذا لسانتي فأجابتني: ولكني كنت ~~عارفة أنك ستأتي في الثامنة. # قلت: وكيف عرفت؟ # قالت بنفس حماسها: أنت قلت لي، ألم تقل إنك ستقابل لورا في الثامنة؟ # ومرة أخرى أحسست بجسدي مقشعر بالنشوة، لا لأنها قالت ما قالته، ولكن لأني أنا نفسي ~~كنت قد نسيت أني أخبرتها بأني سأقابل لورا في الثامنة، ومعنى أن أكون قد نسيت أنا شيئا ~~قلته لها وأنها هي تذكره، أنها مهتمة بكلامي أكثر من اهتمامي أنا به، ثم أن يكون هذا ~~الكلام متعلقا بلورا وتذكره هي وأنساه أنا معناه أن البريق الذي لمحته في عينيها ~~كان بريقا حقيقيا ولم تخدعني عيناي فيه. # ولم أتصرف وكأني صدقت حرفا واحدا مما قالته سانتي؛ فقد كان عملي مثلا أن أتطوع ~~وأنضم إليهما ونبحث جميعا عن شوقي، ولكني اعتقدت أنها إحدى غيبات شوقي الكثيرة، وأن ~~راقية كانت فقط تحاول أن تعرف مكانه، ولولا اهتمام سانتي بالبحث عنده لما كلفت نفسي ~~عناء الحضور. وعلى هذا ابتسمت في خجل ودعوتهما للصعود معي دعوة مجاملة، ولكنهما قالتا ~~إنهما تؤثران معاودة البحث عن شوقي. # في تلك الأثناء كانت ms114 لورا قد سبقتني لدخول البيت «وكأنها خافت أن أعدل»، بل كانت قد ~~صعدت السلم ووقفت على رأسه تنتظرني أن أوافيها، وحمدت الله أني كنت قد انتقلت إلى ~~الزمالك؛ فلو حدث هذا المشهد في بولاق لتجمع الشارع علينا. وكيف لا يتجمعون حول شاب ~~أعزب معه ثلاث فتيات: اثنتان أجنبيتان، وواحدة مصرية، وحديث مرتبك مختلف يدور بينهن ~~وبينه؟ # ومع هذا فقد تصرفت بخجل شديد وكأني لا أزال في بولاق، وكان كل همي أن أنهي الموقف ~~بسرعة مع أن سانتي كانت قد بدأت تطرق مواضيع أخرى بحديثها، وراقية كانت قد بدأت تبتعد ~~عنا مستعجلة، ولورا واقفة في أعلى السلم تنتظر. # وانتهى المشهد كما أردت. # مضت سانتي وراقية، وبدأت أنا أصعد السلم ككل مرة ثلاث أو أربع درجات في وثبة ~~واحدة، كنت لا أزال خجلا مرتبكا وسعيدا فرحا أفكر باستمتاع كبير فيما حدث، وكيف ~~أنها لم تخط ناحيتي خطوة واحدة فقط، ولكنها مشت شوطا بعيدا، شوطا كلفها مجيئا ~~بالليل وانتظارا أمام البيت واختلاق حجج. # غير أني في منتصف السلم توقفت؛ فقد خطر لي خاطر استبشعته إلى درجة دفعتني للتوقف ~~عن الصعود فعلا، لماذا لا تكون قد جاءت حقيقة للبحث عن شوقي، وأكون أنا قد فهمت ~~الموضوع وفسرته كما حلا لي، وأكون أكبر عبيط على سطح الأرض؟ # جفف الخاطر بقدومه الناعق المفاجئ ريقي، وجفف أيضا سعادتي ونشوتي تلك التي كنت قد ~~بدأت أحسها. # ووجمت، وحتى لم أحفل بالاعتذار للورا عن تركي لها واقفة كل تلك المدة على ~~السلم، وفتحت الباب، وتقدمتني لورا بكل ألفة وكأن البيت بيتها، وكأنها دخلته آلاف ~~المرات. تقدمت وأشعلت النور في حجرة المكتب، وخلعت حذاءها وتربعت على الكرسي ~~الأسيوطي واضطجعت بظهرها إلى الوراء لتستريح في جلستها. فعلت هذا كله ببساطة، وقبل أن ~~أجلس أنا أو أفكر حتى في الجلوس. وشغلني التفرج على تصرفات لورا الرياضية هذه عن ~~الخواطر المتداخلة المرتبكة التي كانت قد تجمعت في رأسي وكدت أضحك، بل أغراني تصرفها ~~هذا على أن أفعل أنا الآخر كالرياضيين، فخلعت «الجاكتة» وألقيتها ms115 بإهمال الأسبورتسمن ~~جانبا، وتمددت على الكنبة بطولي، وأنا أشكو بأنفاس لاهثة من طول السلم. # وما كاد هذا يحدث حتى وقع شيء لم أتوقع حدوثه أبدا؛ فقد دق جرس الباب، وذهبت لأفتح ~~وإذا بها سانتي، وإذا بها تدخل محرجة مرتبكة قائلة: نسيت أن أخبرك بشيء. وقبل أن ~~تخبرني ما هو ذلك الشيء كانت قد أكملت سيرها إلى حجرة المكتب. # ورفعت لورا رأسها وتلاقت أنظارهما بلا ضجة اصطدام أو استنكار. وكنت قد وصلت إلى ~~الحجرة، ووجدت سانتي واقفة في وسطها، ووجهها شاحب قليلا وعيونها زائغة، تنظر أكثر ما ~~تنظر إلى الأرض، والحرج لا يزال واضحا جدا في ملامحها. # ولم تكن قد قالت بعد ذلك الشيء الذي نسيت أن تخبرني به. # ومرة واحدة اندفعت إلى نفسي تلك النشوة التي كانت خواطري قد حبستها. أبدا، من أجلي ~~أنا جاءت، ومن أجلي ها هي ذي تعرض نفسها للحرج، يا سلام! أجمل من شعور البدو في عام ~~مجدب حين تضن السماء بالمطر، وتتطرف عيونهم وهم يترقبون الغيث ويبتهلون لمجيئه، ويقضون ~~أيامهم ولياليهم وهم يحلمون بذلك الرذاذ الخفيف الذي يسبق هطول المطر. أجمل من هذا كان ~~استقبالي لرذاذ الغيرة وسانتي تجود به في النهاية، غيرتها علي، لأول مرة أحسها، ~~ولأول مرة لا تستطيع إخفاءها، ما أطول ما انتظرت! وما أعذبه من رذاذ! # وكالبدو رحت أفتح فمي وعيني ونفسي وكل مسامي لأتلقاه، وكم استعذبت حرجها، أعذب وأجمل ~~حرج، حرج جعلني أنسى حتى أن أسألها عن ذلك الشيء الذي نسيته. وهي أيضا كان يبدو أن ~~ارتباكها أكبر من أن يسمح لها باختراع كذبة أو أنساها الكذبة التي كانت قد أعدتها. ~~كانت واقفة تنظر في اضطراب تائه إلى كل شيء في الحجرة دون أن يستقر نظرها على شيء ~~بعينه، وقالت فجأة: آه، مبروك! قالتها وهي تشير إلى صورة منقولة عن لوحة لسيزان، ~~وكانت عندي من زمن، وكان كسلي يمنعني من عمل برواز لها وتعليقها، ولكني حين شرعت في ~~تجميل الحجرة التي أقابلها فيها كنت كل يوم أضيف لها جديدا، وهكذا ms116 علقت اللوحة ~~المهملة. # وأدركت أن حرجها هو الذي دفعها لتهنئتي على هذا العمل الذي لا يستحق التهنئة، وغمغمت ~~بكلام مدغوم؛ فقد كنت محرجا أنا الآخر. ماذا أقول؟ وماذا يجب علي أن أفعل؟ وهل ~~أحاول إخراجها من حرجها؟ وكيف أصنع هذا وأية محاولة مني لمساعدتها قد تزيدها ~~حرجا؟ # والظاهر أنه لم يكن أمامها أي حل آخر؛ فقد وجدتها تستدير خارجة وهي تردد اعتذارات ~~مبتورة لأنها عطلتنا، مع أنه كان واضحا لها ولنا أنها لم تعطلنا في شيء. # وحين أصبحت معها في الصالة شبه المظلمة، قالت بنبرة مغايرة منخفضة، وكأن ما تقوله ~~هو الشيء الذي كانت نسيت أن تقوله: سأراك غدا، هه؟ # وكان مفروضا أن أراها في الغد دون أن تنسى، ودون أن تكلف نفسها مشقة صعود خمسة ~~أدوار ومائة درجة، وقلت لها: طبعا. وسلمت علي. ولأول مرة مددت لها يدا ثابتة قوية ~~لا تهتز، ولأول مرة منذ أن عرفتها أسلم عليها وأنا أحس أني أسلم على امرأة، وأني ~~رجل، لا أعرف ماذا تريد؟ وعدت سكران حقيقة بالنشوة إلى لورا. # وظللت معها فترة طويلة تتحدث وأرد عليها، وأنا إطلاقا لست معها إنما في كون أثيري ~~آخر لا أفقه شيئا مما يدور بيني وبينها، إلى أن وعيت مرة، وكأنما قد آن لي أن أعود ~~من ملكوتي فأجدها تسألني: أنت طبيب أليس كذلك؟ # وكانت لا تسأل بلهجة السؤال، ولكن بصيغة التقرير، ومن بقايا النشوة فاجأني الغم؛ فحتى ~~لو كنت في حالة عادية فأنا لا أضيق بشيء قدر ضيقي بأن يسألني كائن من كان في وقت ~~غير مناسب عن أحدث علاج للأنفلونزا، أو ما الحكمة في أخذ بعض الأدوية قبل الأكل ~~وبعضها بعده؟ # وعلى هذا ظللت ساكنا، وسمعتها تكمل: كنت أريد أن أسألك. # وسكتت سكوت المحرجة، ثم استطردت: أنت تعلم، نحن لا نأخذ تلك الأشياء في المدارس، ~~ولكني كنت أريد أن أعرف حقيقة المسائل الخاصة بالحمل والولادة و... # وفتحت عيني وواجهتها. لم يكن وجهها أحمر من الخجل، ولو كانت قد سألتني في جو ~~مناقشة حامية ms117 لكانت قد تكلمت بصراحة أكثر وما همها. # واعتدلت وقلبي يخفق؛ فمهما بلغ تبلد إحساسي تجاهها فللتبلد حدود. وجرأتها كانت ~~قد استثارتني فعلا؛ فقد فاجأتني بسؤالها ونحن وحدنا، وهي فتاة، وأنثى جميلة على أية ~~حال، ثم إني حين كنت في النادي معها كنت مشغولا عنها بسانتي وتأرجحي بين الشك ~~واليقين في حقيقة شعورها نحوي، أما في لحظتنا تلك، فقد كنت واثقا أني استحوذت على ~~سانتي وأني وصلت معها إلى مرحلة اليقين، أو على الأقل إلى الدرجة التي أستطيع أن أستريح ~~من التفكير فيها قليلا، وتصل بي ثقتي بنفسي ورجولتي إلى درجة أستطيع أن آخذ منها ~~إجازة دقائق أتفرغ فيها لهذه الفتاة لورا التي لم يعد ينقصها إلا أن تنقض علي ~~وتغتصبني. # وقلت لها وأنا لا أكاد أصدق: تريدين أن تعرفي ... # قالت بحماس: أجل، أجل. # قلت بكل استمتاع: كل شيء؟ # قالت (ولعلها أرادت أن تستمتع بالسؤال هي الأخرى): ماذا تقصد؟ # قلت: أقصد كل شيء عما يحدث قبل الحمل والولادة ... # قالت ببراءة علمية، لم أكن أشك لحظة واحدة في أنها مصطنعة، وإن عجز إدراكي عن ~~تبين هذا: أجل. # قلت: حسن جدا! # وقمت إلى المكتبة وأخرجت كتاب التشريح، وجاءت وجلست بجواري على الكنبة، وبالاستعانة ~~بما في الكتاب من رسوم توضيحية وفوتوغرافية مضيت أشرح لها وهي تهز رأسها علامة ~~الفهم والإدراك، وأحاول أنا أن ألمح أثر كلامي على وجهها فلا أجد له أي أثر، ولكني ~~لاحظت أنها كفت عن هز رأسها، وأن وجهها قرب النهاية قد بدأ يتجمد ويبهت لونه قليلا، ~~وذراعها القريبة من ذراعي أحسست بها قد أصبحت باردة برودة طلب الخطيئة. # وبلغ ضيقي بنفسي حدا أوقف لساني عن الكلام؛ فقد اكتشفت فجأة أني أقف مما يحدث موقف ~~متفرج عابث، وأني قد بعثت الرعب الأبيض الخائف في جسد الفتاة، وأنها تحيا الموقف بكل ~~عصب من أعصابها وخلية من خلاياها، وأنا - باعث هذا وفاعله - لا أحس بأي ~~انفعال. # تضايقت جدا لأني أفقت لنفسي فوجدتني أعبث بلورا مسكينة أوقعها سوء حظها في حجرة ~~محب مشغول بغيرها ms118 تماما، لا مكان لها عنده إلا لإجراء تجاربه النفسية المريضة ~~عليها. # وبكلمات قصيرة متلعثمة أنهيت الشرح بسرعة، وأحست هي أني تغيرت، وحاولت أن تتغير هي ~~الأخرى، ولكن ملامحها وانفعالاتها لم تطاوعها، وظلت تعاني من حالة التجمد المضطرب. ~~وتألمت؛ فقد أدركت أني بتغيري السريع آذيت شعورها وجرحتها، فأمسكت بيدها وضغطت عليها ~~مبتسما وكأنما لأسهل عليها الأمر أو أواسيها. # وتضاعف ألمي حين وجدت أنها لم تتقبل ضغطاتي تقبلا عاديا، وأن يدها ذابت تماما ~~في يدي وعينيها ذابتا في عيني، ولعنت نفسي آلاف المرات، وحاولت أن أغير نظرتي وأشيع ~~البرودة والجد في يدي وأصابعي، غير أن الحنان المؤنث لم يكف عن التدفق من عينيها. ~~وقلت لا بد مما ليس منه، وعلي أن أرغم نفسي على مجاراتها، ولكن عبثا ما ~~حاولته. شيء ما داخل نفسي، أهم ما في نفسي، روحها ومركزها ونواتها، البذرة التي يتجمع ~~فيها كل ما هو شخصيتي وعواطفي وأحلامي ورجولتي، هذا الشيء كلما حاولت كان يغوص كحيوان ~~القواقع إلى قاع داخلي ليس له قرار، وكلما استجمعت قواي وركزت جهودي لأمنعه عن الغوص ~~يزداد انكماشا ويغوص أكثر ويبتعد عن متناول يدي بسرعة مذهلة. وهناك دائما عينا سانتي ~~ضاحكتان، ساخرتان بي، غيورتان حبيبتان جدا، تزغللان ولا أرى سواهما، حواسي كلها ~~معها، وروحي في بريق عينيها، ولم يبق لي، لم يبق للورا الجالسة تصطك أسنانها فعلا ~~من البرد الخفي الذي يسبق الدفء الكامل، لم يبق لي معها إلا رأس غائم مضطرب، وأفكار ~~خجلى تحتمي بغيوم رأسي. ورغم هذا ترى لورا وترثي لها وترثي لي، وتكاد تحترق بحثا عن ~~مهرب أو خلاص من ذلك الموقف. # وأحسست أن أفكاري هي الأخرى قد تلاشت وهجرتني، فسكت وظلت أسنان لورا تصطك برهة ~~اصطكاكا خفيفا كالأزير المتصل، ثم توقفت وبدأت تسترد نفسها قليلا. وفجأة وجدتها ~~تتكلم عن الفتى الأول في حياتها، وكيف طلب منها ذات يوم أن تعطيه نفسها. وبحب ~~استطلاع سألتها إن كانت قد فعلت. وبنفس براءتها العلمية أجابتني أنها رضيت بعدما ~~استطاع إقناعها أن لا ضرر هناك ms119 من المحاولة، وأصبحت في غاية الحرج! وسألتني إن كانت لي ~~فتاة فقلت لها : طبعا، واحترت بماذا أجيبها لو سألتني أكثر عنها، وهل أحكي لها عن تلك ~~الفتاة التي لم أكن أعرف إلا اسمها الأول، وظللت على علاقة بها لسنوات ثلاث تزورني ~~بانتظام كل يوم ثلاثاء وتأتي دائما في منتصف الليل وتذهب في الفجر، ولا أعرف ماذا ~~تعمل ولا أين تقيم، وهي أيضا لا تعرف غير اسمي الأول، وكيف تقابلنا ذات ليلة في مكان ~~نسيته واستصحبتها في نفس الليلة إلى الشقة، ومن ليلتها ظلت تتردد بانتظام لا يختل، ~~ترفض النقود والهدايا، وكلما حاولت سؤالها عن نفسها ابتسمت لي ابتسامتها ذات اللمعة، ~~ابتسامة مستكينة خاضعة غير طموحة. # وكيف انقطعت فجأة، وكيف حز انقطاعها في نفسي، وكيف لم أنسها تماما حتى عرفت ~~سانتي. # وهمت لورا أن تسألني سؤالا، ولكنها أمسكت سؤالها في آخر لحظة، ومع هذا استطعت أن ~~أتبين السؤال، وكأنها كانت تريدني أن أذكر لها ماذا أفعل مع فتاتي تلك. أمسكت لسانها ~~ونكست رأسها وأحسست أنها تعاني من ذبحة شعورية ذليلة مفاجئة. # ولا أدري لم وجدت نفسي أنفجر في ضحكة لا مناسبة لها بالمرة، وحين رفعت رأسها ~~ووجدتها تبتسم من خلال ذلتها تحولت الضحكة إلى نوبة تشنج ضاحك لم أستطع ~~إيقافها. # وأغرب شيء أني وجدتها هي الأخرى قد تخلت فجأة من كل ما تكظمه وتحس به، ومضت ~~تقهقه، ولاحظت أنها تقهقه كالرجال؛ فدفعني هذا إلى عاصفة ضحك أخرى اقتلعتني من فوق ~~الكنبة ومددتني على الأرض. # 10 # وحين استيقظت في الصباح، وقبل أن أسترد حواسي وأفتح عيني في تلك اللحظات التي ~~نستعرض فيها بسرعة خاطفة ما حدث لنا في اليوم السابق، قبل أن أفتح عيني كان أول ما ~~خطر لي هذا السؤال: أليس من المحتمل، ورغم كل شيء، أن تكون سانتي قد جاءت بالأمس لتبحث ~~عن شوقي؟ # ولكني بعد ثوان من التدبر، كنت أبتسم في هيام مغمض جميل. # وأفطرت جيدا، لأول مرة منذ شهور، ولأول مرة أيضا وجدتني آخذ الطريق إلى عملي في ms120 ~~السابعة والنصف مع جيوش الطلبة والموظفين والكادحين. وفي الثامنة تماما كنت جالسا إلى ~~مكتبي في الورش، واكتشفت أشياء غريبة؛ فلم يكن أحد من موظفي المكتب قد حضر بعد، لم ~~يكن هناك إلا التومرجي العجوز، ولم يكن أحد من العمال المرضى أو المتمارضين قد حضر ~~أيضا، كنت قد عودتهم أن آتي متأخرا في التاسعة والنصف أو العاشرة، وما دام الرئيس ~~يحضر هكذا فلماذا يأتون هم مبكرين؟ وبدلا من أن أثور وجدتني أعذرهم وألقي اللوم على ~~نفسي وأعاهدها أن كل شيء سيصير إلى ما يرام، وكل الارتباك الذي ساد حياتي سيزول حالا. ~~كنت كالناقه من مرض، الفرح بشفائه وعودته إلى دنيا الأحياء. # وكل من جاء في ذلك اليوم من العمال منحته ما يريد من إجازات، ودفعت لفراش المكتب ~~شلنا ثمن فنجان القهوة، تقبله الرجل بتجاعيد مندهشة ألغيت من صدغيه وملأت ~~جبهته. # وقابلت عنتر وعبلة بترحاب حين جاءا بعد انتهاء العمل يستخفي كل منهما في الآخر ~~ويقدم رجلا ويؤخر الثانية؛ إذ كنت قد دأبت في الأيام الأخيرة على استقبالهما بلا ~~اهتمام وعلى الضرب بمشوراتهما عن العمل في العيادة عرض الحائط. وانعكست حالتي على ~~وجهيهما فورا، وبدأت ضحكاتنا نحن الثلاثة تجلجل في أنحاء المكتب وكأننا في غرزة، ~~واستمعت لمشاكل عنتر مع أخواته البنات بآذان عاطفة متفتحة. كان لا يكاد يطرق سيرة ~~خلافه مع شقيقاته حتى أسد أذني وأروح أستمع إليه بتوهاني وسرحاني. واكتشفت أعجب وأغرب ~~حقيقة؛ فقد عرفت أنه رغم هذه الخناقة المستعرة بين عنتر وأخواته حول ميراثهم من أبيهم، ~~فأبوهم كان لم يمت بعد، كل ما في الأمر أنه كان شبه مقعد في فراشه وقد بلغ من ~~العمر أرذله، وكان يحب عنتر لأنه ولده الوحيد، ففضله على بناته وكتب له البيت الذي ~~فيه العيادة، وثارت البنات على الوضع وأقمن دعوى، وأقام عنتر أخرى، وطعون وحجوزات ~~ودفوعات فرعية وقصة طويلة ظللت أستمع لها وأنا مشوق لتفاصيلها، وكأنها قضيتي الخاصة، ~~وبلغ بي حب الاستطلاع درجة أن طلبت من عنتر أن يريني أباه هذا، خاصة وقد ms121 حكى لي أن ~~أباه كان سائق قاطرة السلطان حسين الخاص، وأن جده كان السائق الخاص للخديو إسماعيل ~~أيضا. ~~- أمال إيه يا بيه؟ وشرفك عندي أنا متربي في قصر القبة، اوعى ألاقي روحي بلعب الحجلة ~~هناك. # وأقول له ساخرا: مع ولاد السلطان يا عنتر؟ # فيقول: لا، الكذب على الله حرام. كان فيه ولاد تانيين، إنما ولاد السلطان حد كان ~~يستجري يشوفهم. # والحديث يدور بيننا ونحن في طريقنا إلى حي الفرنساوي القريب من العدوية؛ حيث يقيم عم ~~مبروك والد عنتر، حي مزدحم متلاحم بالبيوت، شوارعه حواري، وحواريه شقوق ضيقة متعرجة، ~~والشوارع والحواري ممتلئة إلى حافتها بمظاهرات دائمة من الخلق الذين لا تعرف من أين ~~يأتون وإلى أين هم ذاهبون. وفي بيت من داخل بيت، ومن سلم مبني بالأحجار إلى ~~كومة تراب عالية يقولون إنها كانت بيتا في يوم من الأيام وحين سقط لم يحفل أحد ~~برفع أنقاضه، إلى شارع مقام فوق دور أول كامل؛ وصلنا حجرة عم مبروك الذي لم ~~يتعظ بقصة الملك لير وكرر مأساته وأورث ابنه وبناته كل عقاره وممتلكاته وهو لا يزال ~~حيا يرزق، فكانت النتيجة أن غضبت عليه بناته؛ لأنه اختص عنتر بنصيب الأسد، وتقززت ~~منه زوجة عنتر حين جاء ليقيم مع ابنه، فاضطر الأخير مرغما لاستئجار هذه الحجرة له، ~~الحجرة التي يقول عنها: والله بدفع فيها خمسين قرش بقطعهم من أكل العيال. # وبطريقة لا رهبة فيها ولا احترام مضى عنتر يزعق في أذن أبيه، ويخبره أنه أحضر له ~~دكتورا ليفحصه، ويعتدل الأب في نومته ويجلس القرفصاء على المرتبة السمراء المتسخة، ~~جلسة قرد عجوز، له نحافة القرد وشكله المضحك، وابتسامته التي لا تنتهي لو كان للقرد ~~ابتسامات. # ومن أول لحظة أدركت أن العجوز دمه خفيف؛ فبرغم تبرم عنتر به كان أول ما قاله إنه ~~ليلة الأمس فقط أحس بدبيب الرجولة يعود إلى جسده وبظهره يسخن، وأن عليه أن يعد ~~العدة لزواجه في القريب العاجل. # وسألته عن ذكرياته مع السلطان، وترجم عنتر سؤالي إلى زعيق راح يصبه في أذنه ms122 وهو يغمز ~~لي بعينه ويسخر من ثقل سمع أبيه. وضحك العجوز ضحكته ذات الكحة القصيرة وقال: ما بتدومش، ~~عمره ما ركب القطر إلا برجله اليمين. ومرة نسي وركب برجله الشمال فخلاني وقفت القطر في ~~السكة ونزل وركب برجله اليمين، ودايما كان مكشر ما يكلمشي إلا تركي. # وانخرط في ضحك متقطع قصير. # وقال عنتر وكأنما يعتذر: الراجل ده شاف عز كتير، كان بيلعب بالفلوس لعب، وما كانش ~~يمشي إلا مع لا مؤاخذه ستات خواجات وأروام. # ولا أعرف لماذا ضحكت وقد تذكرت لومضة نفسي، ولماذا تضايقت من الحجرة والزيارة كلها ~~فجأة ولم أهدأ إلا حين وجدت نفسي هناك أعبر كوبري أبو العلا في الطريق إلى بيتي، أرقب ~~حركة المرور فوق الكوبري ويتسع بصري ليشمل النيل كله، وسانتي مطمئنة في صدري كالفرحة ~~الدافئة مصونة والدنيا من حولي كلها ونس وسلام. # وحين جاءت الثالثة والنصف - موعد حضورها - كان وجهي حليقا ناعما، وبخار الحمام لا ~~يزال يضمخ جسدي وملابسي كلها انتقيتها بعناية. # وكنت جالسا أدخن راضي النفس وأنتظر. # ولاح شبحها خلف زجاج الباب. وقبل أن أفتح قلت لنفسي: إنها لا بد قادمة هذه المرة ~~وقد تغير فيها شيء. ولم يخب ظني فقد كانت ترتدي التايير الأنيق الأسود الذي دخلت به ~~السينما معي، وبلوزة بيضاء ناصعة البيضاء، وكانت تضع تواليت كاملا. ومع أني كنت ~~أفضلها بلا مساحيق وأحب فقط «روج» شفتيها، إلا أني أحسست بفرحة مضطربة خفية ~~لرؤيتها كاملة الأناقة. # وفي تلك المرة كنت أنا الضاحك الباسم الطليق، وكانت هي قليلة الحركة كثيرة السرحان ~~وكأن شيئا يحيرها وتريد إخفاء حيرتها. وابتساماتها كانت على الدوام تتتابع مشرقة ~~متحمسة منطلقة تتابع الصواريخ الملونة في ليالي الاحتفالات، في تلك المرة ابتساماتها ~~كانت ممدودة رخوة كابتسامات الأنثى في حضرة رجل. # وكنت كلما رأيتها منكمشة، وكلما وجدت نفسي منطلقا منفوشا مقهقها كالديك الرومي أحس ~~بشفقة حب طاغية عليها، وأكاد آخذها بين ضلوعي وأطبق عليها نفسي وأحميها حتى من ذلك ~~الإحساس الذي يدعوها للانكماش. # وقلت لها وأنا أعني حقيقة ما أقول: أتعلمين ms123 شيئا؟ # قالت بنبرة حافلة بشحن المغلوب على أمره: ماذا؟ # قلت: بودي لو أستطيع فعلا أن أصغرك بطريقة ما وأحملك معي هنا في جيب صدري، ~~وتصبحين معي أنى ذهبت. # وابتسمت في امتداد وقالت: تصغرني أكثر من هذا. # وضحكت فقد لمحت في إجابتها ذلك النوع الذي أعرفه جيدا من اهتزاز الثقة بالنفس، ~~وكأنها خائفة أن أرى في صغر حجمها قبحا تريد أن تتأكد أني لا أراه كذلك، ولم تكن هذه ~~عادتها، كانت دائما تتكلم وتتحدث وكأنها واثقة من نفسها جدا، أو واثقة على ~~الأقل تلك الثقة التي تجعلنا نفقد الإحساس بأنفسنا وبما قد يكون فينا من عيوب. # ولأول مرة أحس أني - وأنا جالس معها - لست على عجل من أمري، ولست قلقا ذلك القلق ~~المدمر الذي أحسب فيه كل حركة من حركاتي، وأعد لكل كلمة ما بعدها من كلام. ~~لأول مرة أحس أني فعلا جالس على كرسي وأنها جالسة أمامي، وأن الوقت أمامنا فسيح ممتد، ~~وأنها أبدا لن تطير، وباستطاعتي أن أقترب منها وأبتعد وأنا واثق تماما أنها طوال ~~الوقت هناك في متناول يدي. # ولأول مرة رحت أمتص وجودها على مهل وأتملى في تقاطيعها التي ما كنت أبدا أستطيع أن ~~أحدق فيها، كنت دائما لا أراها، إذا التقت عيني بعينها خفضت عيني، وإذا واجهتها ~~وحدثتها يتشتت بصري حين يقترب من ملامحها. أعرف أنها موجودة، وأن هذا وجهها، وأعجز عن ~~النظر إليها عجزنا عن رؤية قرص الشمس في منتصف النهار. وكم حاولت مرارا أن أتغلب على ~~خجل نظري، وأرغم عيني على رؤيتها فلا أستطيع ولا تقوى عيناي على الصمود، وكأن كهارب ~~خفية تصدر عن ملامحها وتحيطها بمجال محرم لا تملك عيني اختراقه. كنت أعرفها بإحساسي ~~أكثر مما كنت أعرفها ببصري، حتى صوتها كنت وأنا أسمعه يصيب سمعي نفس الخجل، وأدرك ~~بإحساسي فقط أنه صوتها، لم أكن أراها وأسمعها وأعرفها بعيوني وآذاني وحواسي، كنت أفعل ~~هذا بأجزاء من عقله أكثر بدائية وعمقا، نفس الأجزاء التي كان يستقبل بها الكائن ~~الحي المؤثرات من حوله قبل أن ms124 تخلق له العيون والآذان؛ ولهذا كنت أراها وكأنها شيء لا ~~يمكن تحديده، إنسانة لا أراها بقدر ما أرى نفسي وهي تنجذب إليها، إنسانة لا أستطيع ~~بالدقة أن أحدد أين أنتهي أنا وأين تبدأ هي. # هذه المرة رأيتها رأي العين، وتأملت تفاصيلها ببصر لا يشتته الخجل، ورحت أشاهد ~~كل ما فاتني منها، رحت أرى لون عينيها وتسريحة شعرها وأذنها البالغة الصغر، وأفعل ~~هذا وأنا أزداد إحساسا أنها أروع من كل ما خمنته عنها، وأنها وهي أمامي كائنا حيا ~~منفصلا من دم ولحم وجمال وأعصاب، أكثر قربا مني والتصاقا بروحي من تلك الإنسانة التي ~~لم أكن أعرف أين أنتهي أنا وأين تبدأ هي. # وسألت نفسي: هل أحاول الآن؟ وجاءتني الإجابة على غير استعجال: ولم الآن؟ أمامي ~~الليلة كلها وغدا وبعد غد وعشر سنوات مقبلة، فيم العجلة وتلك هي اللحظات التي عملت ~~الكثير من أجلها وترقبتها مئات الأعوام؟ هذا هو النصر، لماذا لا أرشفه ثانية ثانية، ~~وأتلذذ بها قطرة قطرة، ككوب الماء المثلج بعد ظمأ متوحش مغتال؟ # وسألتني عن لورا، سألت بطريقة تعمدت أن تكون عادية جدا، ولأول مرة أراها تبذل ~~جهدا غير عادي لتكون عادية في سؤالها عن شيء. وشعرت لتعمدها وسؤالها بفرحة ~~صبيانية رحت أكتمها في نفسي وأمنع انبثاقها، وأحس بها تسري في كياني كله وتسكرني، ~~وأنتشي إلى درجة لا أحاول معها حتى أن أتقن تمثيلي وأن أقول عن لورا أشياء تبعث ~~غيرتها، وحين ضبطتني مرة وأنا أتحدث عنها هكذا، وتلاقت نظراتنا، غمزت لها وضحكت، ~~فضحكت هي الأخرى وتضرج وجهها باحمرار قرمزي كنت أراه لأول مرة، لا شك أنه لون ~~خجلها، خجلها الذي أمضني انتظاره ودوخني التلهف عليه. # ووجدتها تتحدث بلا مناسبة عن شوقي، وعن طرقه الفكهة المرحة في تناول الناس ~~والحوادث، وعن النوادر التي حدثت لها معه. # والعجيب أني تضايقت قليلا، مع أني كنت شبه متأكد أن ما تحكيه إما أنها تقوله ~~ببساطة وببراءة، أو هو مجرد رد مباشر على حديثي عن لورا. # وافترقنا حين هبطت من التاكسي الذي كنت ms125 قد أصررت على استصحابها فيه إلى قرب بيتها، ~~وحين سلمت عليها مودعا كانت يدها طرية في يدي، وكنت أنا الذي أشد على قبضتها ~~بقوة، وأنا متأكد أنها قبل أن تختفي عند الناصية ستستدير لتراني. # وعاد بي التاكسي وحدي، وقال لي السائق: هيه، على فين يا أستاذ؟ ~~- والواقع لم أكن أدري إلى أين، تماما مثل ليلة افترقنا ذلك الفراق المؤلم ~~المرير. # 11 # وفي المساء قررت أن أخرج وأتفسح، وأدخل السينما، وأقص شعري، وأرى القاهرة في الليل، ~~وأقابل أصحابي، وأفعل كل تلك الأشياء التي ما حفلت بالقيام بها طيلة الأسبوعين ~~الماضيين، وكأني كنت غائبا عن الوعي بالدنيا. ~~••• # ولا بد أن حياتنا سلسلة متشابكة من ملايين الصدف الصغيرة التي قد يغير وقوع إحداها ~~قبل الأخرى بثوان أو بعدها بثوان مجرى حياتنا كله. # وإذا لم يكن الأمر كذلك، فأية صدفة تلك التي دفعتني حين عدت إلى البيت بعد توصيل ~~سانتي إلى أن أجلس على المكتب بدلا من أن أستريح فوق كرسي بعيد أو كنبة؟ وأية صدفة ~~دفعتني لأن أخرج القلم من جيبي وأبدأ أعبث به في الورقة الفاضية أمامي وأكتب حرف ~~«ن» دون غيره من الحروف الأبجدية، أكتبه أكثر من مرة ثم أكمله وأجعله «نصر»؟ ثم ~~أضع القلم وأسبح في جلستي الماضية مع سانتي، وتعود عيناي من لا نهائيتهما لأرى الورقة ~~وما عليها، وأرى كلمة نصر وأتذكر كلمة نصر التي كانت تطبعها دعاية الحلفاء أيام الحرب ~~وتلصقها على الجدران وتملأ بها كل مكان، وأتذكر صورة تشرشل وهو يرسم بأصبعه علامة ~~النصر، ثم يخطر لي سيف النصر وله بعض سمنة تشرشل وأتبين أني لم أره من مدة، وأحس ~~بأني مشتاق إليه بالذات، مع أني كنت أيامها زاهدا في مقابلة كل من أعرفهم من ~~أصدقاء؟ ثم أعود إلى هيامي وسرحاني وأنسى كل شيء عن أحمد سيف النصر ورغبتي في رؤيته، ~~ثم أتبين أن السينما قد حان ميعادها وأن علي مغادرة المنزل في الحال. # وأركب أتوبيس 7 (وكان أيامها يمر بالزمالك في طريقه إلى العتبة)، وتأتي وقفتي ms126 قريبا ~~من السائق، وتسترعي انتباهي نمرة الأتوبيس وقد انزلق عنها الحاجز الذي يحجبها عن داخل ~~العربة ، وبدت اللمبة الكهربائية الصغيرة التي تضيء الرقم. وأدرك أن شكل رقم 7 لا ~~يتغير إذا نظرنا إليه من الخلف، وتعلق هذه المشكلة بتفكيري، وأتذكر الدرس الإنجليزي ~~الذي أخذناه في رابعة ابتدائي عن أصل الأرقام، وكيف أن الرومان أخذوه عن العرب، وأتذكر ~~أنه في هذا الدرس بالذات قال لنا معوض أفندي مدرس الإنجليزي إن هناك كلمات إنجليزية ~~أصلها عربي وانتقلت إلى أوروبا أثناء الحروب الصليبية، كلمات مثل «درب» # Durb # بمعنى اضرب، التقطتها الآذان الأوروبية من أفواه ~~فرسان العرب وهم يهاجمون ويقولون اضرب. وتنقلني طريقته في الشرح إلى القرون الوسطى ~~والعرب وهم يطردون الغزاة، والناصر صلاح الدين، وبالذات الناصر صلاح الدين، وكيف تصورته ~~لحظتها في ضخامة معوض أفندي، ولكن بلا منظاره الكابي الأسود أو عينيه الضعيفتين. وفجأة ~~وجدتني أترك القرون الوسطى ورابعة ابتدائي وأعود إلى الورقة التي كنت أعبث فيها، وكلمة ~~نصر التي كتبتها، وأحمد سيف النصر. # ويحدث هذا كله وأنا أغادر الأوتوبيس عند شارع سليمان، وأخترق الممر الجانبي في طريقي ~~إلى السينما، وألقي نظرة على دكانة السجائر التي في الممر وألمح التليفون فأجد نفسي ~~بلا تفكير أتوقف وأتناول السماعة وأطلب نمرة أحمد سيف النصر، ولو وجدت الخط مشغولا ~~لمضيت في طريقي إلى السينما ببساطة، ولكني وجدته «بالصدفة» ليس مشغولا، وبالصدفة أيضا ~~كان سيف النصر هناك وهو الذي رد علي، وبصدفة ثالثة كان خاليا ليس وراءه عمل، ~~وهكذا وجدتني أتواعد معه على اللقاء، ونختار أين؛ فقد كنا نفضل إذا التقينا أن ~~نجلس في مكان هادئ يسمح لنا بحديث متصل لا تزعجنا أثناءه ضجة، وأخيرا يقع اختياره ~~على بار سيسيل. # وأعدل عن مشروع السينما وأذهب إلى البار وأجلس أنتظره، ويغيب أحمد وتتجاوز الساعة ~~الميعاد الذي كنا قد اتفقنا عليه بربع ساعة، وأقرر القيام وقد فرغ حماسي للقائه أو ~~انتظاره، ولكني أكتشف أني بالصدفة كنت قد ناديت على ماسح أحذية وأنه لا يزال ينظف ~~الحذاء ولا بد من ms127 البقاء في مكاني حتى ينتهي، ولو كان الرجل قد انتهى من الحذاء قبل هذا ~~بثوان أو لو لم أكن قد طلبت منه أن ينظفه أصلا لكنت قد قمت ولما قابلت سيف النصر، ~~ولما ترتبت على مقابلتي له تلك الأحداث الهائلة الخطيرة. # ولكن الذي حدث أنه بعد دقيقة واحدة من قراري أن أغادر البار، كان سيف النصر قد ~~جاء. # دخل ممتلئا، رأسه الدسم محني إلى الأمام، ويده اليمنى مرفوعة قليلا وتتقدمه ~~كالعادة، ونظراته تائهة فيه أمامه مشتتة لا تستقر على شيء بذاته كنظرات المجانين. وكان ~~اللقاء صاخبا ضاحكا عكر هدوء البار الدائم إلى حين. # ثم بدأنا نتحدث ذلك الحديث الذي يعقب اللقاء، آخر الأخبار وما جد على كل ~~منا من جديد، وانتهى ذلك الحديث السريع وكنا قد انتهينا من جرد محتويات البار من ~~رجال وأثاث على حد سواء، وتبادلنا الأحكام الخاطفة التي أصدرناها بشأن كل منهم. ~~وحلت فترة الصمت التي لا بد أن تحل لنهضم فيها ما فات وننتقل منها إلى آفاقنا ~~الأخرى. # في تلك اللحظة فقط أدركت بهدوء وبلا استنكار لماذا طاردتني صورة أحمد سيف النصر في ~~ذلك المساء، ولماذا أردت لقاءه. # كان هو الحكيم المبشر والنبي الإنسان الذي اخترته ليحاكمني، ولأعرف منه أين أقف ~~وإلى أين أسير. # كنت قد وصلت إلى تلك المرحلة من مراحل عواطفنا، المرحلة التي لا بد أن نفضفض فيها ~~ونقص، ولم يكن الأمر بالنسبة إلي سهلا؛ فأنا لا أستطيع أن أقص علاقتي بسانتي ~~على أحد، وكل المحيطين بي من أصدقاء وزملاء لا أستطيع أن أحكي لهم شيئا، أما الناس ~~العاديون فكيف لهم أن يفهموا قصتي ووقائعها، وهي أشياء لا يمكن فهمها إلا لمن احتك ~~بهذا النوع من العمل، وإلا لمن يعرف خطورته ويقدر موقفي؟ وسيف النصر كان الحل، كان ~~جراحا بأحد مستشفيات القاهرة، وكان يسبقني بعدة أعوام في التخرج، وكان قد اشترك ~~في الحركة الثورية التي سرت في بلادنا عقب الحرب العالمية الثانية، ثم ابتعد عنها ~~لأسباب لا أعرفها، وحين جمعتنا ظروف عملنا كأطباء في ms128 مستشفى واحد كان هو أحد نجوم ~~الجراحة الشبان فيه، وكنت أنا لا أزال حديث التخرج، ومع هذا فقد كنت أنظر إلى سيف النصر ~~باحتقار على اعتبار أنه أحد «الفارين» من الحركة الوطنية. وكان هو ينظر إلي بإشفاق ~~كبير على اعتبار أني لا أزال من المتحمسين الذين يحول حماسهم بينهم وبين أن يروا ~~الحقيقة. غير أن علاقة العمل والاحتكاك اليومي أزالا الكثير من شعورينا المتبادلين، ~~وأصبحت شديد الإعجاب بقدرته العلمية الخارقة وبشخصيته وآرائه. كان لطيفا غريبا ينظر ~~إلى الأمور أحيانا من زوايا قل أن تخطر على البال، وينسى نفسه في أحيان كثيرة وهو ~~يحكي أو وهو يلقي درسا عن أحد الأورام فيسكب على نفسه فنجال القهوة، أو يسهو عن إلقاء ~~نهاية سيجارته فتظل تحترق حتى تلسع أصابعه أو تنطفئ من تلقاء نفسها وتظل مطفأة إلى أن ~~ينتبه ويلقيها. # وعلى مر الأيام بدأت علاقة أعمق تنشأ بيننا، وبدأ هو يكتب بعض مقالات للمجلة، ~~وبدأت أنا الآخر أسلم بكثير من آرائه وانتقاداته عن نشاط الجماعة، وبدأنا نشعر أننا ~~متفقان في نقط كثيرة وأننا متجاوبان. # وقلت له: اسمع يا أحمد، أنا عايز أحكي لك مشكلة خاصة بي ودقيقة جدا، فهل أنت ~~مستعد لسماعها؟ # قال: وليه لأ؟ قوي. # وحكيت له ما استطعت من القصة؛ فلم يكن في مقدرتي ولا في مقدرة أحد أن يحكي له ما ~~حدث بالضبط. هناك دائما أشياء لا يمكن حكايتها ولا يمكن التعبير عنها، وقد تكون أهم ~~من الوقائع الكثيرة التي تحكى والتي يبنى الحكم على أساسها. # وحين انتهيت قال سيف النصر: طيب وإيه المشكلة؟ # وتضايقت وأحسست أني أخرجت جزءا عزيزا من نفسي ووضعته أمام أنظار غريبة حتى لو ~~كانت أنظار صديق. شعرت أني فعلت شيئا ما كان يجب علي أن أفعله، وفي نفس اللحظة أدركت ~~باعثا آخر حدا بي إلى لقاء أحمد سيف النصر وتجهيز هذا المشهد كله، كنت أريد منه أن ~~يفتيني، كنت أريد من شخص محايد مثله أن يعرف من مجرد ذكر الوقائع إن كانت سانتي ~~تحبني أم ms129 لا. وإذا كانت تحبني فماذا يجب علي أن أفعل؟ وإذا لم تكن كذلك فكيف أتصرف؟ ~~وعلى الرغم من صلتي الوثيقة بأحمد، فقد كنت محرجا جدا أن أسأله ذلك السؤال؛ فقد يبدو ~~له سخيفا، بل من المحتم أنه سيبدو في غاية السخف. وتصوروا هذا الشيء الذي كنت أحس أن ~~حياتي كلها معلقة به، كان من الممكن أن يبدو شيئا سخيفا في أعين بعض الناس. # ولكن في ليونة وبلباقة قدت الحديث إلى هذه النقطة، وقلت له في النهاية: هل تعتقد ~~أنها تحبني فعلا؟ # كان سيف النصر على وضعه، يمسك بقدح البيرة الفارغ وكأنه يهم بالشرب منه، وابتسامته ~~غير محددة المكان تائهة في وجهه، وعيناه تنظران إلي بطيبة من خلف منظاره الرخيص الذي ~~لم يغيره من أيام التلمذة، حتى بعد أن أصبح جراحا كبيرا بالمستشفى. # وقال: ونعرف ليه؟ فلنفرض أنها تحبك. # قلت: ينحل المشكل، أتزوجها. # قال: ولكنها متزوجة. # قلت: تتطلق. # قال: فلنفرض أنها تحب زوجها. # قلت: إذا كانت تحبني فمعنى هذا أنها لا تحب زوجها. إن الزواج لا يقوم بغير الحب، فإذا ~~انتهى الحب انتهى الزواج. # قال: مش ضروري. # قلت باستنكار: إزاي؟ # قال: ده كلام الناس اللي بيكتبوا روايات ويألفوا عن الحب. خلاص مفيش حب مفيش زواج، ~~وكأن الحكاية معادلة جبرية، مين قال كده؟ الحب شيء فعلا والزواج شيء ثان، حتى اللي ~~بيحبوا بعض ومجوزين بيحبوا بعض مش كحبيبين ولكن كزوجين. الحب مسألة عاطفية والزواج ~~مسألة اجتماعية، حاجة بيخش فيها المجتمع طرف ثالث. وما دام دخل المجتمع بيتغير نوع ~~العلاقة، وبيتساوى فيها اللي اجوز عن حب واللي اجوز كده، بتصبح عشرة وعادة ~~ومسئولية وثقة وكله قدام الناس، فين العلاقة دي وفين الحب اللي زي حبك كده؟ # وغضبت في سري؛ فقد أحسست أنه يهين أعز ما في نفسي، واستطرد هو يقول: أنت عارفها؟ ~~شفتها وهي صاحية من النوم؟ شفت أخلاقها؟ اتخانقت معاها مرة واصطلحتوا تاني؟ مين دي؟ دي ~~بالنسبة لك وهم. # ولم أستطع صبرا. اندفعت أقول له إن كل ما يتحدث عنه أشياء ثانوية ms130 تأتي في ~~المرتبة التالية بعد أن يكون أساس العلاقة قد وجد؛ أي بعد الحب. # وابتسم وقال: وإيش عرفك ؟ دا يمكن الواحد ما بيحبش الثاني إلا بعد ما يشوف منه الحاجات ~~الثانوية دي اللي بتقول عليها ثانوية، دا يمكن هي دي الإنسان، هي دي الشخص نفسه، هي دي ~~اللي بتنحب. # وسكت، وسكت أفكر في كلامه. كنت أحس لسبب ما أنه على خطأ، ولكني لم أعرف كيف أرد ~~عليه، ووجدت ملامحه تتخذ طابعا جادا نوعا، ويضع كوب البيرة الذي كان قد نسيه فارغا ~~معلقا في يده ويقول: اسمع يا يحيى! أنت أناني جدا. تصور! إنسانة كويسة تتمتع ~~بسمعة طيبة جدا في الجو اللي بتعمل فيه، ومتزوجة وتحب زوجها وسعيدة، تيجي أنت وتظل ~~تتحايل حتى تجعلها تحبك وتترك زوجها وتفضح نفسها وتتزوجك. ألا تعرف معنى هذا؟ معناه أنك ~~تقضي عليها، معناه أنك تحطم حياتها ومستقبلها. لا أنت ولا هي عايشين وحدكم في ~~الدنيا، أنتم في مجتمع. وأنت مضطر، سواء أردت أم لم ترد، لمراعاة القيم السائدة فيه. ~~والزواج قيمة كبيرة جدا، والزوجة التي تحطم هذه القيمة من أجل إعجاب عابر بشاب ~~أو برجل مهما كانت صادقة ومهما كانت بتتحب من المجتمع مش ممكن يغفر لها العمل ده، ~~وبيعاقبها عقاب جماعي، وبتمتد ألسنته حتى إلى حياتها الجديدة وتفضل تهدم فيها لغاية ما ~~في يوم تلاقي نفسها في الشارع أو على الرصيف. # وأيضا لم أجد في نفسي أي ميل لمجاوبته ونقاشه؛ فالرأي الذي كان يقوله كنت أعرفه ~~تمام المعرفة؛ إذ هو رأي الناس جميعا في مشكلة كتلك، رأيهم أن ما أفعله خطأ. # وليس هذا بجديد علي؛ فحين أحسست ببوادر الانتصار على سانتي والاستحواذ عليها، بدأت ~~أحس بشيء خفي صغير يهيب بي أن ما أفعله خطأ، وأردت أن يشجعني سيف النصر عليه إذ كنت ~~أعرف عنه أنه يحكم على الأمور حكم عالم لا يهمه إبداء الآراء المتعارف عليها أو ~~التقاليد إذا تعارضت مع منطقه العلمي. ولكن ها هو ذا يبدو من ردوده الأولى أنه يقول ~~كلاما ms131 مخالفا تماما لما كنت أعتقد أنه سيقوله. # وقال مواصلا كلامه: لا، لا، لا يا يحيى. ده عيب، خطأ ، سيبك منها. # قلت وأنا غير مهتم اهتماما جديا بمناقشته، ولكني أقول لنفسي لعل وعسى: ده كلام كان ~~ينفع الأول، ولكن أوانه فات. # قال سيف النصر: ما فاتش ولا حاجة. الحكاية في إيدك. # قلت: إزاي؟ # قال: اقطع علاقتك بيها نهائيا. # وضحكت في رثاء لسذاجته العلمية. # فقال: لأ، صحيح، بكلمك جد. لازم تقطع علاقتك بيها. # وضحك ضحكة قصيرة من ضحكاته التي تشبه النحنحة وقال: أحسن، مش كده؟ أحسن تقطع علاقتك ~~بيها. # قلت: فلنفرض أني بحبها وما أقدرش؟ ~~- إذا كنت بتحبها، واخد بالك؟ إذا كنت يعني ... اقطع علاقتك بيها عشان خاطرها هي، دي ~~زميلتك وسيدة، وتصور حتى إذا تطلقت واجوزتها الناس ح تفضل زفاكم على طول. يبقى ~~استفدت إيه؟ المجتمع لا يرحم في عقابه أبدا، وما فيش فيه نقض أو إبرام. بكره تحب ~~غيرها، ثم يا أخي اللي بيحب لازم يراعي شعور اللي بيحبها. # وتنحنح ضاحكا وقال: والا أنت أناني؟ # الكلام كله طيب ولطيف، ومعقول حتى ولو لم أكن أتوقعه من سيف النصر، ولكن كلام سيف ~~النصر ليس ككلام الناس، قد يشبه إلى حد كبير ما يقوله كل الناس ولكن الفرق أنه ~~يؤمن به، وتحس أنت هذا، تحس ولو لم تستطع كلماته نفسها أن تعبر عنه. # وفي الحقيقة لم أكن أتوقع أن ألقي بالا كثيرا إلى «نصيحة» أحمد سيف النصر هذه، ~~بل كان يخيل إلي أنه هو نفسه يعرف أنني لن ألقي إليها بالا. # وفعلا لم يستمر نقاشنا في الموضوع طويلا، أخذنا نتحدث كعادتنا في الأحوال والسياسة ~~والأدب والطب والنساء عامة ثم افترقنا. ومن الجائز جدا أن يكون سيف النصر قد نسي ~~كل شيء عن الموضوع بعدما غادرني، ومن الجائز جدا أنه لم يكن يؤمن إيمانا كاملا ~~بما قاله، ولكني حين أصبحت وحدي في الفراش بدأت أفكر. وكل ليلة كنت أفكر، بل لم ~~يكن لي عمل طوال الوقت إلا التفكير في سانتي. ولكني هذه المرة ms132 كنت أفكر فيها من ~~زاوية أخرى؛ فقد تصورت أن ما يحدث بيننا سرا قد عرفه كل الناس بطريقة ما، ترى هل ~~أستطيع حينئذ مواجهتهم بشجاعة؟ تصورت أن هذا الغرام المستعر قد عرفه أحمد شوقي وفتحي ~~وكل الأصدقاء والزملاء، ترى بأي عين ينظرون إلي؟ ألن يقولوا عني إني إنسان فاسد ~~منحل استغل فرص العمل لتحقيق مآربه الشخصية، وجر معه في فضائحه فتاة لم يدفعها ~~للانضمام إلى كفاحنا إلا حماسها لقضيتنا وشعبنا؟ ثم ماذا يكون موقفها هي؟ وكيف ~~أواجههم حينئذ وأواجهها؟ # الأهم من هذا كله كان العمل الثوري المشترك، كان إحساسي المستمر المتوقد الذي لا ~~ينطفئ بضرورة أن أصنع دائما عملا من أجل المبادئ التي أومن بها. قال لي صديق صاحب ~~عزبة ذات يوم: أنت تحيرني، شاب مثلك يحتل مركزا اجتماعيا يحسده عليه الآخرون، ~~لماذا يهب نفسه لهذا النوع من العمل ويعرض نفسه للسجن والتشريد؟ # وفي تلك الليلة قبل أن أنام طرحت أنا على نفسي هذا السؤال، وقلت: الشعب، القضية، ~~المبادئ والمثل، وعشرات الشعارات التي كنا نتداولها بكثرة وحماس، وضعتها للإجابة ~~على السؤال، ولكن هذا كله لم يشف غليلي. كنت أحس على الدوام أنها إجابات ناقصة؛ إذ ~~إنها لا يمكن أن تعبر أبدا عن السبب الذي من أجله أضحي راضيا. كنت أحس على الدوام ~~بشيء عميق جدا في نفسي، شيء لا أستطيع إدراك كنهه. المبادئ أومن بها بعقلي، ~~الوطنية تعلمتها، الشعب عرفته حين قرأت المقالات والكتب التي تتحدث عن قداسة قضيته، ~~ولكن الدافع الذي يدفعني لبذل نفسي من أجل الآخرين دافع يكاد يكون غريزيا كغريزة ~~الدفاع عن النفس مثلا أو الابن أو العائلة. كنت إذا قرأت تصريحا لأحد رؤساء الوزارات ~~وأدركت أنه يضلل أو يكذب أستشيط غضبا، غضبا حقيقيا، وكأنه أهانني شخصيا، بل لو ~~أنه كان أهانني شخصيا لما أحسست بغضب كهذا. فلماذا كنت أغضب؟ وما هو ذلك الشيء ~~الكامن في نفسي والذي كان يهيب بي دائما أنني قصرت اليوم وأنني لم أؤد واجبي؟ واجب ~~أحسه من تلقاء نفسي، لا أحد يفرضه ms133 علي، ولا أحد يحاسبني عليه، هل كان أصدقائي وزملائي ~~في المجلة يحسون بمثل ما أحس به؟ والحب الذي أحببته لسانتي؟ ألم يكن من وراء نفسي، ~~ومن وراء الإحساس المتقد بالواجب؟ كلما أردت أن أخطو تجاهها خطوة كنت أحس أني ~~ارتكبت خطأ ما، وكنت أصهين معتقدا أني أنا وحدي الذي أحس بهذا الخطأ، وبهذا فيمكنني ~~أن أتجاوز عنه؛ لأن القوة التي تدفعني تجاه سانتي أكبر من القوة التي تدفعني تجاه ~~الواجب الشخصي. # ولكن سيف النصر بكلامه اللطيف الطيب العادي قد كشف لي أن خطئي الشخصي أصبح خطأ ~~عاما، اتفق الناس على أنه خطأ. بكلامه وضح لي أن المسألة لم تعد بيني وبين نفسي، ~~ولكنها أصبحت ظاهرة وواضحة بحيث يراها الجميع. وبهذا يجعلني أفيق قليلا ويجعل ذلك ~~الجزء الذي كان يؤنبني دائما يسقط ويكبر ويصبح على قدم المساواة مع جزئي الآخر الذي ~~يندفع تجاه سانتي. # وما أسهل القرارات في أمثال هذه الأحوال! ما كدت أكتشف أني تراخيت في أداء الواجب، ~~وأنني تركت لأهوائي الشخصية العنان، حتى قلت لنفسي: أجل، لا بد أن أقطع علاقتي ~~بها. # وليتني أيضا لم أتخذ هذا القرار. كانت علاقتنا تنمو نموا متوازيا متطورا تزدهر ~~بلا كلام أو سلام أو تلميح، وفجأة قررت أن أصارحها بحبي فكانت تلك العاصفة. وما كادت ~~العاصفة تهدأ وتعود علاقتنا تنمو نموها الطبيعي حتى ها أنا ذا أقرر أني لا بد أن ~~أقطع علاقتي بها. # وغمغمت وأنا أستعد للنوم والساعة جاوزت الرابعة: أجل، لا بد! أما كيف ومتى؟ فقد ~~تركت التفكير في كل هذا للصباح. # وجاء الصباح، واستيقظت بقلب بارد كأنه بات طول الليل محفوظا في ثلاجة. كنت حزينا ~~قبل أن أنام، ويبدو أن عواطفنا لا تنام معنا، إنها تظل مستيقظة في أعماقنا تجتر آخر ~~إحساس مارسناه وتعمل على مهل وبهدوء فنصحو على طعم الإحساس البائت في فمنا. # ولمجرد أني كنت قد قررت هذا في الليل، كان الصباح لا معنى له بالمرة. بدا لي ~~كل شيء باردا كئيبا، الحجرة والفراش وصوت الخادم الذي كان ms134 يعمل في الصباح في البيت ~~وبعد الظهر في العيادة وهو يسألني ماذا أفطر؟ وكنت جوعان، ولكني حين رحت أستعرض ما ~~يمكنني تناوله وجدت أني لا أريد أي طعام في العالم. كل الأطعمة سواء، وكلها لا أريدها ~~الآن. # وقمت وجلست إلى المكتب وقرأت الجرائد، وبدا لي كل ما فيها من أخبار وكأنه يتحدث عن ~~عالم آخر لا أمت إليه ولا يهمني أمره. # كان مفروضا أن تحضر سانتي بعد ظهر ذلك اليوم كالعادة، وكان مفروضا أن أنهي في تلك ~~المقابلة كل ما بيننا، أو على الأقل إن لم أستطع هذا مباشرة فعلي أن أغادر البيت ~~حتى لا تجدني هناك حين تجيء، وكنا لا نزال في الصباح وباق على مجيئها ساعات ~~وساعات. وكان من الممكن أن يظل الصراع قائما في نفسي إلى ما قبل مجيئها بساعة مثلا ~~أو بساعتين، ولكن الذي حدث أني كنت قد أدركت - منذ ساعات الصباح الأولى - أنني لا ~~يمكنني بأية حال من الأحوال، ليس فقط أن أقطع علاقتي بها، ولكن لا يمكنني حتى أن ~~أتهرب من مقابلتها في ذلك اليوم. بدا لي شيء كهذا مستحيلا كل الاستحالة. # وببساطة خطر لي ذلك الخاطر: ما دمت لا تستطيع قطع علاقتك الحالية، فلماذا لا أفعل ~~معها شيئا يقطع علاقتنا؟ لماذا لا أحاول أن أنالها؟ وأنالها فعلا؛ ففي تلك الحالة ~~سأحس أني انتصرت وأني استحوذت عليها تماما، ويمكنني حينئذ أن أقطع علاقتي بها. أما ~~قبل هذا فمستحيل مستحيل. # حسن إذن! علي أن أهيئ نفسي لكي أنالها. أما ماذا بعد تهيئة نفسي فأمر أتركه ~~للظروف وللمقابلة الهامة التي ستحدث قبل انتهاء اليوم. # وإلى أن تحين المقابلة رحت أتصور نفسي وأنا أحقق حلمي بنوالها. وأغرب شيء أني لم ~~أستطع هذا أبدا. كنت أتصورني جالسا معها مثلا أتحدث إليها، أضحك معها، أقترب ~~منها، أقبلها ... أما أن أتصور نفسي نائما معها في فراش واحد فذلك أمر لم ~~أستطعه. وحين تكرر هذا في خيالي بدأت أفطن إلى الحقيقة الغريبة المذهلة التي لم أكن ~~قد فطنت بعد إليها. حتى ms135 في الخيال لا أستطيع أن أتصور نفسي في وضع جسدي معها. كيف ~~هذا؟ كنت أثور على نفسي وأعاندها وأروح مرة أخرى أتصورها وأبدأ بالكلام معها لكي ~~أنتهي بالفراش، ويمضي كل شيء على ما يرام حتى نصل إلى الفراش، وحينئذ يجمح بي ~~عقلي بالقوة ويأبى المضي وكأنني سأتصور نفسي نائما مع إحدى المحرمات علي، مع أمي ~~مثلا أو أختي أو عمتي. # وازداد عجبي، وقلت لعل حالتي النفسية هي السبب. ولكنني حين جربت نساء أخريات، حين ~~جربت الحيلة مع لورا أو جارتنا أو أي إنسانة أخرى كان الخيال يمضي بي إلى حيث أشاء ~~دون تردد أو جموح. بل كنت أجد لذة في تتبع خيالي، لذة غريبة، لذة الخلسة. ولكن حين ~~كنت أقترب من سانتي وأتصورها معي كان كياني كله يتغير، فتختفي الرغبة العارمة من ~~جسدي وتهدأ حواسي الفائرة، وإذا أمعنت في الخيال توقف بي الخيال نفسه وأبى أن ~~يمضي. # والذي روعني أن كل هذا كان حقيقة صماء لا مبالغة فيها ولا تهويل، ولا حيلة لك ~~معها. # وحين أجهدت نفسي مرات ومرات وفشلت، رفضت - حتى بيني وبين نفسي - أن ألقي اهتماما ~~كبيرا للأمر، وقلت لعل هذا يحدث لأنها الوحيدة التي أحبها، ولعلني لهذا لا أجرؤ عليها، ~~أو ربما لأني لم أتعود أن أنظر إلى سانتي نظرة جنسية. كنت دائما مشغولا بإخضاعها ~~هي، بإخضاع روحها، ما هو أقوى من الجسد فيها، شخصيتها، ولم أنظر لها أبدا على أنها ~~امرأة عادية، مجرد امرأة عادية لها جسد وصدر وشفاه. # لم ألق إلى الموضوع أهمية كبيرة حقيقة، ولكني في نفس الوقت كنت قد صممت على ~~أن أعود نفسي على النظر إليها كامرأة عادية، أعود نفسي على أن أنظر إليها ~~كرجل، وأن يبدأ هذا في المقابلة القادمة حالا، ولنر ما يكون. # وجاءت سانتي. # وارتبكت كثيرا وأنا أستقبلها، وأنا حائر بين طريقتي التي اعتدت أن أنظر إليها بها ~~وبين هذا القرار الذي اتخذته. غير أن قراري الجديد لم يدم طويلا، سرعان ما نسيته في ~~غمرة انفعالي بوجودها. وكنت أحيانا ms136 أتنبه إليه وأحاول أن أنفذه فيحدث لإرادتي ~~وعقلي ما حدث لخيالي، وأدهش وأعجب وأغضب، ولكني لا أستطيع إزاء الأمر شيئا. # ولاحظت شيئا على سانتي لم يكن موجودا، نوعا من الاستكانة أو شيئا يشبه هذا. كانت ~~فيما مضى تأتي متفتحة نشطة يشع بريق الدنيا كله من جسدها وعينيها، فإذا بها في ~~المرة الماضية وهذه المرة قد انتاب حركاتها بعض الكسل الأنثوي، وحالتها العامة فيها ~~استكانة من نوع وافد غريب. # لاحظت هذا ولكني لم أكن متأكدا منه، ولو كنت متأكدا لتغير الوضع تماما. ولكن ~~أنى لإنسان يحب أن يتأكد؟ إننا نرى الشيء حينئذ ولا نصدقه، أو نصدق أشياء لا ~~نراها أبدا. وما نتخيله قد يكون لدينا أقرب إلى الحقيقة مما نلمسه، وما نلمسه قد ~~نعتبره محض خيال. لم لا تكون هذه الاستكانة التي أحسها فيها مجرد إرهاق، خاصة وقد ~~مضت تحدثني عن أمها المريضة، وكيف أنها لا بد لها من إجراء عملية جراحية في الرحم؟ ~~وسمعت منها الحديث، ولكني للحظة واحدة لم أصدقه. لم أكن أتصور - أو على الأقل لم ~~أكن أريد أن أتصور - أن سانتي إنسانة مثلنا لها أم ولها متاعب وأنها ابنة، وأنها ~~كانت في المدرسة مثلا، وأنها تذهب إلى الحمام مثلما نذهب. # كان من الممكن أن تحدثني عن أشياء كهذه ساعات طويلة وساعات، ولكن كان لا يمكن أن ~~يعلق بذهني شيء منها. وفجأة قلت لسانتي: أتذكرين؟ # قالت: ماذا؟ # قلت: ذلك اليوم؟ # كنت قد فطنت إلى أنني يجب أن أبدأ خطتي، وكان لا بد أن أدور وألف لأصل إلى ما ~~أريد، ولكني كنت أفعل هذا بجبن شديد، خائف خوف الموت أن أخطئ، ولو مجرد خطأ ~~بسيط. # وأشاحت سانتي بوجهها حتى لا تلتقي عينانا، وقالت: أوه، أنت خبيث. # وأغمضت كل عيوني الداخلية وآذاني وكأنني أهم بإلقاء نفسي في بحر غريق. # ووجدتني أقول وأنا واقف مستندا بظهري إلى المكتب وهي أمامي على الكنبة: صحيح يا ~~سانتي، ماذا يمكن أن يحدث لو لم أكن نادما على ما فعلت؟ أنا ... هذا شيء يحدث بالرغم ms137 ~~عني، صدقيني إنه يحدث بالرغم عني. أنا لا أعرف ماذا يدفعني إليك؟ قوى أكبر منك يا ~~سانتي، انظري إلي! أنا لا أضحك، أنا أقول الحقيقة، انظري إلي. # كنت قد أمسكتها من كتفيها واقتربت بوجهي من وجهها. وكالأعمى الأصم كنت أريد أن ~~أقبلها. # وأحسست بذراعيها تقاومان يدي، وأحسست بمقاومتها تنتقل إلى جسدها كله، وحاولت دفعي بلا ~~إحراج وهي تردد: يحيى، يحيى، يحيى أنا لن آتي إلى هنا مرة أخرى، هذه آخر مرة. # ولو لم أكن أحبها لأخذت هذا الكلام على أنه شيء ضروري من الواجب أن يقال في أمثال ~~هذه الأحوال، تلك هي عادة المرأة في كل زمان ومكان، أن تقاوم. ولكني كنت أحبها، وكل ~~كلمة منها كانت شيئا مقدسا بالنسبة إلي، وكل كلمة منها كنت آخذها جدا لا هزل ~~فيها. # وتركتها حينئذ وأنا ناقم ساخط يائس، أستدير وأضرب كفي بقبضتي وأعض على شفتي وأتمنى ~~أن أموت. # وكانت هي قد وقفت وأخذت تصلح شعرها بالرغم من أني لم أكن قد مسست شعرها أو غيرت ~~نظامه. ولمحت أنها تستعد لمغادرة الشقة. # وقلت لها وأنا أغمغم: أرجوك، لا تغادريني، أرجوك. وحين رأيت أنها لم تدفعني قلت: فقط ~~دعيني أشم رائحة شعرك، إني أحبها جدا. # وحقيقة إني كنت أحب رائحة شعرها، وأجمل من رائحة شعرها كان إحساسي أني أشمه وأنها ~~تسمح لي بهذا. # ظللت أمرغ أنفي بين خصلات شعرها الأسود اللامع، وأحدق بعيني في رأسها وأنا أعب من ~~رائحته، وأرى جلدة رأسها البيضاء من خلال جذور الشعر الأسود فأقشعر وكأني أراها ~~عارية. # وقالت لي بفمها البعيد عني: أنت تفعل كما يفعل أي ذئب يا يحيى، أنت ذئب. # وانتفض قلبي لدى قولها هذا، وبقوة حاولت أن أديرها ناحيتي لأقبلها، وكأني وجدت في ~~كلامها ما يشجعني، ولكنها قاومتني بعنف وابتعدت. وبسرعة وجدتها قد جمعت أشياءها وأصبحت ~~على باب الشقة، وقد فتحت الباب ووقفت على عتبته تقول: يحيى، أنا ذاهبة. # انطلقت في أثرها قائلا: سانتي. # فمضت إلى السلم بسرعة قائلة: أنا ذاهبة. # وناديت عليها مرة أخرى، ولكنها ms138 كانت تهبط الدرجات. # وفي الحقيقة لم أتمن كثيرا أن تعود، فيكفي ما حدث اليوم، وحتى لو عادت فإن اضطرابي ~~سيزيد الأمر تعقيدا. # وجلست على الكنبة في المكان الذي كانت جالسة فيه، وأشعلت سيجارة وابتسمت؛ فلأمر ما ~~لم أحس بالندم هذه المرة ولا بمرارة الفشل. # واعتبرت ما حدث جولة، مجرد جولة في تلك المعركة الرهيبة الدائرة بيني وبين نفسي، ~~وبيني وبين سانتي. # 12 # كان ميعاد الاجتماع في السابعة والنصف، ولم أكن أول الحاضرين. جئت متأخرا واختلقت ~~عذرا واهيا، وسلمت وأنا منكس الرأس، ثم جلست وأنا لا أزال مرتبكا. وخيل ~~إلي أن زمنا طويلا قد مضى قبل أن أفيق وأحس أني حقيقة في الاجتماع الأسبوعي للمجلة. ~~كان أحمد شوقي يرأس الاجتماع وكان جالسا مستغرقا كالعادة في الأجندة والمواد، وعلبة ~~سجائره الأمريكية بجواره يسحب منها السيجارة بين الحين والحين، وتعجبني جدا أصابعه ~~وهي تتحرك من تلقاء نفسها وتتسلل إلى فتحة العلبة بينما هو مشغول بالنقاش لتسحب ~~السيجارة وتضعها في فمه. # كان هناك فتحي سالم الذي طالما تمنيت أن أكون مثله؛ فقد كان شابا وسيم الملامح ذا ~~عينين خضراوين طويلة الرموش لا تجرؤ على التحديق فيهما طويلا، وكان أصغر مني بعامين، ~~وكان طبيبا أيضا، ولكن أيامها كان لا يزال طبيب امتياز، ومع هذا فقليلون هم الذين ~~كانوا يعرفون أنه طبيب؛ إذ كان يكتب قصصا للمجلة ويوقع باسمه المجرد من اللقب. ~~وقصصه كانت محبوبة ورائجة وينظر إليها النقاد باعتبارها فاتحة مدرسة جديدة، والكل ~~مجمع على أنه فنان. وكان قليل الكلام كثير الابتسام، وكانت تحيرني ابتسامته التي ~~يوجهها لي؛ فقد كنت ألمح فيها تعبيرا ما، لعله الترفع، لعله السخرية مني ومن الباب ~~الأسبوعي الذي كنت أنفرد بكتابته في المجلة، لعله رثاء لابتسامتي المعوجة، لعله مزيج من ~~هذا كله. ولكن الذي لا شك فيه أنني لم أكن أستريح أبدا لابتساماته ولا حتى للحديث معه. ~~ثم كان هناك محمد حلمي عطوة القصير القامة الدسم الملامح، الذي تحس وكأنه قطعة دهن ~~كبيرة تشكلت على هيئة إنسان، يحرص دائما على ms139 أن يحذف عطوة من اسمه كلما وقع مقالا ~~أو تحقيقا في المجلة، وقليلا ما كان يسمح له بالتوقيع؛ فقد كان حديث الالتحاق ~~بالمجلة، ومع هذا كنت إذا انفردت به صارحك بآرائه في المجلة وكتابها، وفي الحركة ~~الفنية والأدبية بشكل عام، ولن تجد كتابا واحدا يعجبه أو عملا واحدا يكن له أقل ~~تقدير. # وكانت هناك أيضا سانتي ولورا ومحرران آخران وجودهم مثل عدم وجودهم. وأدهشني وجود ~~لورا؛ إذ لم تكن قد حضرت معنا اجتماعات تحرير قبل هذا، ولكني علمت فيما بعد أنها - ~~حين عرفت أني سأحضر الاجتماع - رجت شوقي أن يسمح لها بالحضور، فقبل على مضض. ولم يكن ~~قد مضى على مقابلتي العاصفة لسانتي في بيتي وخروجها غاضبة أكثر من ساعة. # وحين بدأت أصغي كان محمد حلمي عطوة هو الذي يتكلم، وكانت طريقته في الكلام في ~~الاجتماعات تضحكني؛ فقد كان يتوجه بكلامه أول الأمر إلينا نحن المجتمعين، ويكسب ~~صوته طابعا خطيرا تظن معه أنه سوف ينهي كلامه بنتائج تاريخية لا بد ستغير من ~~مصير الشعوب والبشرية عامة. ويبدأ يتكلم فتظن أنه يعارض ما يقوله شوقي أو ينقده، ولكنك ~~لا تلبث بعد حين أن تتبين أنه ما تكلم إلا ليؤيد ما قاله شوقي تمام التأييد ويحاول ~~تبريره، وافتعال حيثيات سخيفة له. وفي الفترة الأخيرة لم أكن راضيا أبدا عن كلام ~~شوقي. كان اتجاه المجلة قد بدأ يميع، وسياستها قد بدأت تتخذ طابعا غامضا غير مفهوم، ~~ولم أكن أعرف ماذا يسخطني بالضبط. # ولم يطل إصغائي. سرعان ما أدركت أن الاجتماع خطير؛ فقد كان يدور حول خطاب وصلنا ~~من البارودي رئيس التحرير السابق، والذي كانت حكومة ذلك الوقت قد اعتقلته ووضعته في ~~السجن. والواقع أن البارودي لم يكن رئيس تحرير مجلتنا السابق فقط، كان الجميع ينظرون ~~إليه باعتبار أنه واحد من أخطر الشخصيات في البلد، وإن كانت شهرته لم تتعد نطاقا ~~ضيقا من هؤلاء الذين يعملون تحت الأرض. حتى أنا كان بالنسبة إلي شخصا أكاد أرفعه ~~إلى مرتبة التقديس. كانت آراؤه في نظري هي ms140 دائما أسلم الآراء، وذكاؤه أحد ذكاء، ~~وكان يخيل إلي في أحيان أنه معجزة وأن أية معضلة لا يمكن أن تستعصي على مخه. ~~وأعصابه كانت من حديد؛ لم أره مرة ثائرا، ولم أضبطه مرة مرتكبا خطأ ما، حتى كدت ~~أومن إيمانا تاما بأنه لا يمكن أن يخطئ. في أحلك الظروف تجده رابط الجأش! إذا ~~كنا في الاجتماع مثلا وجاءنا نبأ خطير، نبأ يزلزل كيان إنسان، كان يناقشه، ويناقشه ~~في هدوء قاتل، وحتى لا يغفل أثناء النقاش عن أشياء صغيرة جدا مثل «أعتقد أننا ~~جعنا، نأكل أولا ثم نكمل النقاش»، أو يفاجئ الواحد منا وهو هارب ومطلوب ~~القبض عليه بهدية صغيرة في عيد ميلاده أو باحتفال. # هكذا كنت أراه قبل أن يسجن حين كنت أعمل معه. والحقيقة أني كنت أحس بفخر لا حد ~~له وأنا أعمل معه. وإذا كلفني بعمل ما أكاد أطير فرحا وأنا أبذل كل ما في طاقتي من ~~جهد لتنفيذه. ومع أني كنت وثيق الصلة به وكثيرا ما بتنا معا في بيتي أو في بيته ~~ورأيته بالفانلة والسروال، ورأيته وهو مريض وعالجته، وانتشيت وهو يمتثل لأوامري كطبيب، ~~كأي مريض، مع هذا كله إلا أنني كان بيني وبينه نوع من الاحترام الغريب الذي لا يمكن ~~وصفه، حتى إني لم أجرؤ مرة على مناداته باسمه مجردا، وإنما كنت أقول له يا أستاذ ~~بارودي، ولا أذكر أني حدقت في وجهه مرة بعيون لا ترمش أو واجهته مواجهة الند ~~للند. # حقيقة كانت أحيانا تبدر منه آراء لا يهضمها عقلي، ولكني كنت إذا ناقشته يقنعني بل ~~يفحمني، ومع هذا أبقى غير مقتنع تماما بما يقول. كان يتكلم عن الفلاحين مثلا ويدافع ~~عنهم، ولكني كنت أعتقد أنه يدافع عنهم دون أن يعرفهم، وكان يتكلم عن «مصر»، ولكني كنت ~~أحس أن «مصر» التي يتكلم عنها غير مصر التي أعرفها، وكان يتكلم عن «الثورة»، ولكني أحس ~~من أعماقي أن الثورة التي يتكلم عنها غريبة تماما عن نفسي وكأنها ثورة أجنبية، أو ~~ثورة لا يمكن تحقيقها إلا في ms141 الكتب، وحتى الكتب التي كان يحملها كان معظمها كتبا ~~فرنسية، والأشعار التي يحفظها كان معظمها لبيرون وشيلي ولافونتين وبول إيلوار وعشرات ~~غيرهم، ويردد أمامي بعض مقاطع من شعرهم ويدعوني لأتأمل جمالها، وأتأملها فلا أحس أنها ~~جميلة، أو أحس أنها جميلة جمالا لا أستطيع إدراكه. # لأمر ما كنت أحس أن البارودي مصري دما ولحما، أعرفه وأعرف أباه الشيخ المتخرج من ~~الأزهر، وأعرف بيتهم في المغربلين، ومع هذا فعقله أحس به عقل خواجة، حتى وهو يتكلم ~~الفرنسية أحيانا كنت أحس أنه يغير الطريقة العادية التي يتكلم بها العربية ويكسب ~~صوته وتعابير وجهه إجلالا ما ويتأمل كلماتها بتقدير عظيم وهو ينطقها. # ولأني كنت أكاد أقدسه كما قلت، فقد بدأت أشك في كنه هذه الأحاسيس التي كنت أشعر ~~بها ناحيته وناحية آرائه، بل بدأت أعتقد أنني لا بد مخطئ في أحاسيسي تلك، وأنني أشعر ~~هكذا لأنني كما يقولون أحيانا «فلح» أو متعصب لقوميتي وشعبي أكثر من اللازم، وأن علي ~~أن أساير العلم والحضارة والتقدم وإلغاء كافة الفروق بين الشعوب والخبرات ~~والثورات. # بل ذهبت في هذا الاعتقاد بعيدا، وبدأت أستعذب الفرنسية والنطق بها وأشعار إيلوار ~~وموسيقى سترافنسكي، وأقرأ كثيرا من تلك الكتب التي طالما استنكرت من البارودي ~~قراءتها. # والواقع أنه لأمر محير ولكنه كان الحقيقة، كنت بطبيعتي - ولا أدري لماذا - أعشق كل ~~ما هو أوروبي وخاصة الأوروبيات، كنت إذا ذهبت مثلا إلى الإسماعيلية أو بورسعيد، ورأيت ~~الذوق الأوروبي يصبغ المدينتين، ويصبغ منطقة القنال، البيوت ذات الطابق الواحد، والأسقف ~~المائلة الحمراء والمدافئ والمداخن، والنظافة والسكون والنظام، النظام الذي نكاد نكرهه ~~نحن ينقلب بين أيديهم إلى فن، فن النظام، الطعام بنظام، والحرب بنظام، والحب بنظام. كنت ~~إذا رأيت هذا كله أحس بشجن، برغبة خفية ملحة أن أصبح ونصبح جميعا مثل ذلك ~~الكائن الأبيض المعقد ذي الوجه الأحمر، غير أني - وهذا هو العجيب - لم أتمن قط أن ~~أكون أوروبيا، كنت أتمنى في أحلامي أن يصبح لي مثل قدرتهم العجيبة على الإبداع ~~والنظافة والنظام، ولكن لي أنا، وأنا ابن ms142 عرب هكذا، دون أن أكون مستعدا إلى تغيير ~~شعرة واحدة مني، بل كنت أحيانا أفيق لنفسي وأنا في المظاهرات التي كنا نقيمها ضد ~~الاحتلال البريطاني وأنا أهتف «تسقط إنجلترا»، كنت أحيانا أفيق لنفسي فأجدني أهتف ~~بصدق حقيقي، بل وبغل وكراهية شديدين تكاد تقترب درجتهما من درجة إعجابي الشديد ~~بهم، وبما رأيتهم قد صنعوه أو يصنعونه في الإسماعيلية أو الإسكندرية أو بورسعيد. # أما في عملنا الثوري، فقد كنت شيئا آخر، كنت لا أطيق كل ما يمت إلى ~~الأساليب الأوروبية بصلة، كنت هكذا بطريقة غريزية تلقائية، حتى الاشتراكية الأوروبية ~~بنظامها وثورتها، # 1 # كنت أحس دائما أنها غريبة عني بقدر قرب النظرية مني، أحس أنها أسلوب ~~ثوري خواجاتي، وأننا في حاجة لطرق أخرى من صنعنا نحن، أما ماهية تلك الطرق فلم ~~أكن أعلم عنها شيئا، ولكني كنت متأكدا أنني أستطيع التعرف عليها حالا لو وجدت ~~أو لو عثر عليها أحد. # وبنفس هذا الشعور المركب المتناقض اندمجت في الحركة الثورية، وكل ما حدث أن ~~اندماجي هذا كبت اعتراضاتي وشعوري بالغربة، بل انقلب هذا الكبت إلى نوع من الموافقة ~~والتأييد حتى جاء علي الوقت الذي أصبحت أرى فيه أن الأوروبية في كل شيء - حتى في ~~الثورة - هي المثل الأعلى. # اندمجت وأصبحت واحدا من الحركة التي تتلمس طريقها في الظلام الكامل، وليس هناك ما ~~يهديها إلا شعاع أبيض واحد قادم عبر البحر. # وفي تلك الظروف عرفت البارودي. كنت في بيت شوقي أزوره ووجدت عنده شخصا طويل القامة ~~رفيعا يبدو أكبر من سنه بكثير، وعجبت لأن شوقي لم يقدمني إليه ولم يقدمه لي، ~~وخجلت أنا أن أسأله، وتكلمنا ولم يتكلم ذلك الشخص الغريب الطويل، وكنت أتحدث عن ~~مظاهرة قدناها نحن طلبة الطب، وفرقها البوليس. وانتهت زيارتي لشوقي، وحين كنت آخذ ~~طريقي إلى الخارج سألني ذلك الضيف الرفيع إن كان من الممكن أن يقابلني مرة أخرى. ~~ورحبت بالمقابلة، واتفقنا على ميعاد. وفي الميعاد ذهبت ولم أكن أعرف ماذا يريد مني ~~ذلك الشاب العجوز الطويل، ولكن كان لدي إحساس ms143 مبهم أنه منهم، من هؤلاء الناس ~~السريين الذين يدبرون للثورة وهم مختفون، وكنت أعرف أنه سيكون لي معه شأن، وأي شأن، ~~وأن لقاءنا هذا لن يكون الأخير. # وفعلا لم يكن لقاؤنا هو الأخير، كان مجرد اللقاء الأول، ومن يومها بدأت شيئا ~~فشيئا أدخل إلى ذلك العالم الغريب، عالم الأبطال الخفيين، عالم ظللت فيه إلى أن ~~بدأنا نخرج للناس ونصدر المجلة وأصبح من محرريها. عالم كنت أندفع فيه بكل طاقتي ~~وحماسي وقدرتي على العمل والتضحية والمثابرة. # والزمن كان قد أفلح في تعليمي أشياء كثيرة؛ فلم يعد ذلك العالم ظلاما مثلما كان. ~~تعلمت أن أرى من خلال ظلماته، وأن أتلمس الأشياء، وأتعرف الخطأ من الصواب، وكنت ~~مستعدا لأن أفعل أي شيء في سبيل إنقاذ بلدنا، ومدرك تماما ألا سبيل لإنقاذه إلا ~~بواسطة ذلك العالم الصغير، وتلك المجموعة القليلة العدد الخطيرة الشأن من ~~الناس. # كان يبهجني أن أسمع عن بطولتهم، ويبهرني أن أراهم يفكرون ويعملون وينظمون؛ فقد كنت ~~أعلم أن كل هذا من أجل بلدنا، ومن أجل الشعب، الشعب الذي لا أعرف متى أدمنت حبه أو ~~لماذا أدمنته، والبلد الذي نشأت أحس به كأمي الكبيرة التي لا تموت، ولا تهرم ولا تنتهي. ~~حبي له لم يكن حبا بتعقل كحبنا للرجل الأب، كان حبا بلا حدود كحبنا للمرأة ~~الأم. # وظل البارودي يقودنا ويرأس تحرير المجلة، نجمع تكاليفها من التبرعات، ونرتب حروفها، ~~ونحمل رصاصها، ونشترك في توزيع نسخها، ونجتمع بعد سهر أسبوع أو أكثر حول طبق فول أو ~~عدة سندويتشات جبنة نتخاطفها ونحن نضحك، ونحن نختلف ونتناقش ونعمل ونقترح، وفي داخلنا ~~قوة يخيل إلينا أنها كفيلة بسحق أقوى الأعداء، قوة إيماننا بما نفعله وإيماننا ~~بأن ما نفعله حق. # وفي يوم جاءنا من يقول: البارودي اتمسك. # ولم يكن البارودي هو وحده الذي قبض عليه، كانت الحملة ممتدة وواسعة، حتى إننا - ~~الجزء الذي بقي من المحررين - لم نصدق أننا أفلتنا من الحملة، وظللنا كل يوم نتوقع ~~أن تمد يدها الغادرة وتشملنا. ولكن مهما كان الوضع فقد كان ms144 علينا أن ندبر أمر ~~المجلة بعد البارودي. وتولى أحمد شوقي رياسة التحرير، وازددنا نشاطا وحماسا، غير أن ~~الظروف ظلت تسير من سيئ إلى أسوأ، والمجلة أصبحت مشبوهة يخاف الناس تداولها، والعقبات ~~تتكاثر، وضربات حكومة ذلك الوقت تنهال علينا، وبعض المترددين كفوا عن دفع الاشتراكات ~~والهبات. وما لبث عملنا نفسه أن عانى من كل تلك العوامل فبدأ يتأثر، وبدأ ينقلب في ~~أحيان إلى روتين، وبدأنا نثور. # والحقيقة أن ثورتنا لم يكن سببها تلك العقبات، كان سببها راجعا أساسا إلى أمور ~~أدركناها، بعد دخول البارودي السجن، شيئا فشيئا بدأنا ندرك أن عملنا يضيق؛ لأن أساس ~~عملنا نفسه كان في حاجة إلى تعديل جذري. # ولا أعرف كيف حدث هذا بالنسبة لبقية الزملاء في المجلة، ولكني أذكر أني بدأت أحس ~~بالتناقض داخل نفسي أنا. كانت خواطري القديمة، وعدم هضمي لكل تلك الأساليب الأوروبية في ~~العمل الثوري نفسها قد بدأت تعود إلى تفكيري، بل بدأ يخطر لي أحيانا أن كل ذلك ~~العالم السري الذي عشت فيه وقضيت أهم سنوات عمري أخوضه، لا يمكن أن يؤدي بنا إلى ~~ثورة حقيقية ننقذ بها بلدنا. # وكنت أكافح ما استطعت لأحتفظ بخواطري تلك لنفسي، غير أني أحيانا كنت أصارح شوقي بها. ~~كان لا يدهش ولا يستنكر. كان في مبدأ الأمر يحاول إقناعي بصلاحية أشياء، ويوافقني على ~~عدم صلاحية أخرى، ولكني كنت أجده في أيام وكأنما طفح به الكيل، وكأنه هو الآخر قد أدرك ~~ما أدركته، وأحدثه حينئذ عن ضرورة التغيير الجذري فيصغي لحديثي ويطول صمته. # وكنت طوال الوقت أحاول أن أطرد خاطرا مخيفا يحوم حولي، خاطر مخيف حقيقة؛ فقد كنت ~~أحيانا أتساءل: أليس من المحتمل جدا أن يكون البارودي قد قادنا طوال تلك الأعوام في ~~الطريق الخاطئ، الطريق الذي يؤدي إلى أوروبا، ولكنه لا يمكن أن يؤدي إلى بحري أو ~~الصعيد؟ # وأعترف أني كنت أخاف أن يكون الخاطر صحيحا؛ إذ معناه أني ضيعت أخطر فترة من حياتي في ~~طريق خاطئ، ومعناه أيضا أن هذا الشخص الذي أكاد أقدسه - البارودي ms145 - ممكن أن يكون ~~عبقريا وخطيرا ومعجزة، ولكن حسابه أفلت هذه المرة، وإذا استمررنا وراءه ضاع ~~وضعنا. # وعلى الرغم من أنني أنا وشوقي وكل من كانت تحدثه نفسه بأشياء كهذه من الزملاء ~~كنا نؤجل حكمنا النهائي على تلك الخواطر المخيفة، إلا أن هذه الخواطر كان لها ~~انعكاسها في عملنا. فبدأ حماسنا للعمل يفتر، وبدأنا نغير تغييرات لا إرادية في سياسة ~~المجلة واتجاهاتها، ونبحث فيها بعض مشكلات بلادنا بالطريقة المحلية وباللغة التي ~~يفهمها شعبنا. وبدأنا نردد شعارات أقرب إلى طبيعتنا وروحنا من الشعارات «العالمية» ~~التقليدية المحفوظة. # وفي تلك الظروف عرفت سانتي. # عرفتها واليأس قد وصل بي إلى مرحلة كنت أكاد أقرر كل يوم فيها أن أقطع صلتي ~~بالمجلة وبالمجموعة كلها، وأن أبدأ في البحث عن طريق آخر أكون مقتنعا به وبصحته ~~ومؤمنا بفائدته. # وكل يوم كنت أؤجل القرار، لا بحكم العادة والكسل فقط، ولكن لأني كنت - رغم إيماني ~~المطلق بخطأ هذا الطريق - أخاف أحيانا أن أكون أنا المخطئ، وبصراحة ليس هذا كل شيء؛ ~~فقد قضيت سنوات طويلة أكافح جنبا إلى جنب مع تلك المجموعة من الناس، وفوق رباط العمل ~~تآلفنا كأشخاص وكأصدقاء، حتى لم يعد لي أصدقاء آخرون، أصبحوا هم كل أصحابي وأقربائي ~~ومعارفي، هم شلتي التي أسهر معها والتي لا أرتاح إلا لمناقشاتها، شلة أفقدتني الإحساس ~~بطعم الناس العاديين، بل جعلتني أمج هذا الطعم وأمج الحديث العادي الذي قد أجبر عليه ~~حين يأتي لزيارتي قريب أو أوجد في حضرة أطباء أو موظفين، وأصبح الانفصال الكامل أمرا ~~صعبا أو أهم من هذا، لم أكن أجد أمامي طريقا آخر لأسلكه وأحقق به كل ما يجيش في ~~صدري وأرد به على تلك الهواتف الخفية التي تهيب بي أن أعمل دائما عملا من أجل بلادي ~~وأناسي. وعلى هذا كنت أقول لنفسي: عمل خير من لا عمل، وحتى العمل في طريق مشكوك في ~~صحته خير من لا عمل بالمرة، وأؤجل القرار. # وحين عرفت سانتي فرحت، ولعل جزءا كبيرا من فرحتي كان راجعا إلى أنها جعلتني أؤجل ms146 ~~ذلك القرار إلى الأبد، وجعلتني أعود لمحبة طريق كدت أكرهه رغما عني، جعلتني أعود ~~أتمنى أن تحدث المعجزة وأن ننجح فعلا في تغيير كل ما كنا نراه غير قابل ~~للتغيير. # وهكذا بدأت في الاجتماعات أناقش وأجادل وأنفعل، وكنت قبلا قد دفعني اليأس إلى ~~حضورها ساكنا ساكتا مطرق الرأس. كنت آتي إلى الاجتماع وأنا أكاد أنفجر بالثورة وأنفجر ~~بها فعلا ويصغي إلي شوقي حتى أنتهي من كلامي ثم يبدأ يفند أقوالي. والعجيب أنه ~~كان ينجح بلباقة في تنفيذها كلها وفي إقناعي أن كل شيء على ما يرام وأن سياسة ~~المجلة هي أسلم سياسة ممكن اتباعها، وأنه إذا كان هناك عيب فالعيب يكمن في أنا، ~~والأعجب من هذا أني كنت دائما أقتنع. بل يحدث أحيانا أن أقر بخطئي وأعترف صراحة ~~أني مقصر وأتعهد بإصلاح ذات نفسي. ولكني كنت أخرج من الاجتماع وأنا في أعماقي أكثر ~~إيمانا بآرائي قبل دخولي إليه، معاهدا نفسي أن يكون هذا آخر اجتماع أحضره. وكالعادة ~~لا يكون، وكالعادة آتي للاجتماع التالي وكلي ثورة وأغادره بتصميم فاشل آخر وعهد ~~آخر. # 13 # موضوع الاجتماع كما قلت كان هذا الخطاب الذي جاءنا من البارودي في سجنه، ومن ملامح ~~الزملاء كان واضحا أن الخطاب خطير وأنه مفاجأة لم نكن نتوقعها. والمجلة رغم كل القيود ~~كانت تصل البارودي وبانتظام وهو في السجن، ويبدو أنه أدرك من أعدادها الأخيرة كنه ~~التغييرات التي بدأنا ندخلها على سياسة المجلة بقصد تعريبها وتمصيرها. والخطاب في ~~الواقع لم يكن يناقش هذه التغييرات، كان يناقش المبدأ، مبدأ أن نجري - نحن الذين ~~بقينا بالخارج - أي تغيير يمس سياسة المجلة، ويصر على أن أمثال هذه التغييرات مسألة ~~من اختصاص «القيادة» حتى لو كانت القيادة بعيدة عن أرض المعركة ومقطوعة الصلة بالمجلة ~~والكفاح، مشكلة كادت تضحكني؛ إذ هل من المعقول أن نمنع، نحن الذين نخوض المعركة، من ~~قيادة أنفسنا ويعطى هذا الحق للقيادة القديمة، سواء كانت داخل السجن أو في المنفى؟ وهل ~~من المعقول أن نظل ننتظر التوجيه من قائد مسجون أو ms147 منقطع الصلة بنا ولا يدري من ~~أمرنا أو أمر المعركة التي نخوضها شيئا، ولا نتحرك إلا إذا جاءنا الأمر منه؟ وكل هذا ~~لكيلا يصبح من حقنا أن نقود أنفسنا، ولكي تظل القيادة هي القيادة؟ وجها لا يعقل، ~~وجها كنت أعرف حقيقته وأعرف أنه موجود، ولكن لم يخطر ببالي مطلقا أن أراه مجسدا ~~أمامي على تلك الصورة وفي خطاب من البارودي. # كان عطوة هو أول من طلب الكلمة للتعقيب على الخطاب، ودائما كان هو أول من يطلب ~~الكلمة. وبدأ كلامه بطريقة ظننت معها أن معجزة قد حدثت وأنه سيندد بما جاء في الخطاب، ~~ولكني وجدته يلف ويلف ويعود يتكلم عن خبرة القيادة وضرورة احترامها وتقديسها، وأن ~~هناك مشاكل أعلى من مستوى تفكيرنا ولا يملك البت فيها إلا أمثال البارودي، ولم ~~يكتف بهذا، بل أكسب ملامحه في النهاية كل ما يملكه من جد وخطورة، وخاطبنا بجفون ~~مسبلة ودون أن ينظر إلينا قائلا: يا زملاء، في نهاية الكلمة بتاعتي عندي اقتراح أرجو ~~أنكم تقبلوه، أقترح أننا نبعث لقائدنا البارودي خطاب شكر وتأييد. # ثم فتح عينيه وأدار فينا نظرات سريعة خجلة وقال: بس، دا كل اللي أنا عايز ~~أقوله. # وسادت فترة صمت، طلب مني شوقي بعدها أن أتكلم، وكان في نيتي أن أبدأ كلامي في خفوت، ~~وأن أتحدث على مهل وبرزانة كما يفعل محترفو الاجتماعات وهواة الكلام، ولكني ما إن ~~بدأت حتى وجدت الضيق يكاد يكتم أنفاسي، ضيقا ماديا حقيقيا أحسست أن لا منفذ لي ~~منه إلا بالانفجار، وانفجرت وتكلمت بحدة وانفعال وقلت رأيي بصراحة، رأيي في سياسة ~~شوقي المترددة، ورأيي في تذبذب المجلة، وفي خطاب البارودي والتعفن الذي سادنا، وسببه ~~الوحيد أننا لا نتصرف في أنفسنا بأنفسنا، وكيف أننا من المستحيل أن نستمر على هذا ~~الوضع، وكيف لا بد من اتخاذ خطوة إيجابية نحصل بها على حقنا في قيادة أنفسنا، ونحيل ~~بها هذا الكلام الميت الذي ننشره على الناس إلى شعلة نار وحماس، خطوة نخرج بها من ~~الدائرة القاتلة المغلقة التي احتوتنا وامتصت ms148 كل ثورتنا وأحالتنا إلى كائنات بيزنطية ~~لا عمل لها إلا أن تجتمع وتناقش وتنفض لتعود إلى النقاش. # وقال شوقي: انتهيت يا زميل يحيى؟ # قالها بتكشيرة رسمية جعلتني أضيق به هو الآخر، ولم أكن قد انتهيت ولا قلت ربع ما ~~عندي، ولكني أجبته: أيوه. # وتنحنح شوقي وأخذ يتكلم. ومشكلة شوقي في نظري ~~أنه كان يناقش معي بطريقة، ويتكلم في الاجتماعات بطريقة. بيني وبينه كان يوافقني ~~بإيمان على ما أقوله، وفي الاجتماعات يلبس - عن إيمان أيضا - رداء المسئول ويتكلم ~~كالمحافظين، ولا أعرف أي الشخصين هو، وأحتار دائما بأي شيء يؤمن أو إن كان يؤمن بشيء ~~على الإطلاق. تنحنح وقال: كلامك ده كلام فوضويين، واحنا ناس ميزتنا الحقيقية إننا ثوار ~~منظمون. بعض الناس زيك بيعتقدوا إن الثورة فوضى، إنما الحقيقة الثورة نظام بل هي قمة ~~النظام، وأي خروج على النظام هو عمل ضد الثورة على خط مستقيم. والنظام يعطي البارودي ~~الحق أنه يقودنا، فإذا احنا خرجنا عن النظام وأخذنا قرارا بفصله وعزله من رئاسة ~~التحرير كده، ولمجرد أنه بيرى أن القيادة من حقه، يبقى بنخرب، نبقى فوضويين، يبقى هو ~~راخر ياخد قرار بفصلنا ونقعد نلطش في بعض ونحطم العمل والمجلة، دي تبقى ثورة ~~أطفال. # وكانت أصابعه قد أوصلت السيجارة إلى فمه فأشعلها، وقد عاد إليه هدوءه وأكمل: عايز ~~تغير الشيء غير من داخله، وبنفس قوانينه، إنما كل واحد يعمل قوانين على كيفه عشان ~~يغير بيها اللي يغيره، ح تنقلب المسألة فوضى. # ولم أكن أسمع هذا الكلام للمرة الأولى، كنت دائما أسمعه ودائما أعرف نتيجته ودائما ~~أضيق به، وقاطعته قائلا: يوهوه! مهوده مش معقول، إحنا عايزين تغييرات جذرية، ودي مش ~~ممكن تحصل من داخل الشيء أبدا. علشان الشيء يتغير تغيير جذري لازم قوة خارجية هي ~~اللي تغيره. وإذا كان قانون المجلة بيدي للبارودي الحق أنه يفضل رئيس تحرير حتى لو خرج ~~برة البلد، يبقى هذا القانون لا يمكن يغير نفسه، لازم التغيير يتم بقانون آخر، إحنا ~~اللي نضعه. القوانين دي مش نازلة من السماء ms149 ولا وضعها أنبياء، وضعها بشر ويغيرها ~~بشر. # ولم يفعل كلامي أكثر من أنه زاد انفعالي، وفجأة وفي غمرة ذلك الانفعال التقى بصري ~~بسانتي، كانت جالسة قبالتي ترقبني بعينين اتسعت حدقاتهما في مزيج غريب من الحماس ~~والاستنكار. # ولكن نظرتها لم تكن هي الشيء الذي أثار انتباهي. رقبتها كانت هي ذلك الشيء، أو ~~على وجه الدقة جيدها؛ إذ هناك فوق هذا الجيد بقعة حمراء أنا السبب فيها، أحدثتها ~~محاولتي منذ ساعات أن أقبلها عنوة. # وتوقفت عن حديثي الغاضب برهة، ثم لم أدر كيف أنهيته بسرعة ولا حتى ماذا كانت ~~إجابة شوقي عليه. كنت من لحظة أن لمحت البقعة الحمراء في جلدها قد بدأت أهوي في بئر ~~خجل عميقة؛ أتحدث عن الثورة والقوانين والشعب بكل هذا الحماس، وأوزع الاتهامات ~~والتقصير يمينا ويسارا، وأنا ما فعلت شيئا يذكر طوال أسابيع إلا التعلق بسانتي ~~والغرق في مشكلتي معها. # ظللت غائبا عن الوعي الكامل بالاجتماع وبما دار فيه، أخجل وأصنع من خجلي أصابع ~~حديدية أحاول أن أخنق نفسي بها إلى أن بدأ يطرق مسامعي حوار يدور بين شوقي وسانتي. ~~كانت - ولا أعرف لماذا أدهشني هذا؟ - تهاجم رأي البارودي وكلام شوقي عنه، وتدافع هي ~~الأخرى عن حقنا في قيادة أنفسنا. وكان شوقي يرد عليها، وتدرج رده كالعادة إلى ~~الحديث عنها هي، ولم يكن حديثا، كان تأنيبا لبقا ومريرا في الوقت نفسه؛ إذ لم تكن ~~قد أنجزت شيئا مما عهد إليها به، وكانت تتملص وتحاول أن تعتذر بمشغولياتها ~~العائلية، وشوقي يحاول تذكيرها بحالها منذ مدة لا تزيد عن الشهر، وكيف كانت مثلا ~~رائعا في إنجاز كل ما يكلفها به وفي إنجازه بحذق وبراعة. # كان شوقي يسألها: ماذا حدث لك؟ لم تكوني هكذا. # قلت لنفسي: أجب عنها يا سيدي الذئب، أجب أنت السبب. لماذا لا تواجه الموقف بشجاعة ~~الرجال وتعترف؟ لماذا تصمت؟ لماذا تجبن هنا وتستذئب هناك؟ # أجب. # ولم أجب. عدت مرة أخرى أهوي في بئر الخجل ولا أريد أن أخرج منها. # وانتهى الاجتماع. # وكنت أول الخارجين. وكنت تقريبا ms150 مغمض العينين لا أريد أن أرى أحدا أو يراني أحد. ~~كل ما أريده أن أسرع إلى البيت بأقصى ما أستطيع، وهناك أغلق على نفسي باب حجرتي وأطمئن ~~إلى أن أحدا لا يراني أو يراقبني، وأستخرج على مهل كل ما في أعماقي وأتأمله، وأجد ~~حلا للمأساة. # خلال الأسابيع التي مضت كانت سانتي هي كل شيء في الحياة بالنسبة إلي، حتى لم أعد ~~نفسي، أصبحت مجرد شخص يحبها. في الاجتماع أحسست أني أعود قليلا إلى وعيي وأني أدرك ~~أن حبي لها ليس هو كل شيء. في الاجتماع كان شوقي وفتحي سالم وعطوة وكلهم يبدون لي ~~بيضا ناصعي البياض شرفاء، ثوارا حقيقيين ليس لديهم ما يثقل ضمائرهم، وكنت أحس بنفسي ~~وكأني ميكروب له كل قذارة الميكروب ودناسته. ولم أكن أريد لنفسي هذا، ولم أكن أريد لها ~~أن تفقد كبرياءها وتتلوث، ولم أكن أريد أن ألوث سانتي معي. # ومع هذا. # وبينما كنت أنهال على نفسي بصفعات مكتومة. # بينما نفسي كلها في جنازة خجل قائمة، كان جزء صغير من نفسي يكاد يرقص فرحا، جزء ~~أحاول إسكاته فلا يسكت، أحاول سحقه فلا يموت، أبصق عليه فيزداد مرحا وفجورا، ويفعل ~~هذا لأن معنى أنها أهملت في عملها طوال تلك المدة أنها كانت مشغولة بشيء آخر، مشغولة ~~بي. كانت سانتي طوال تلك المدة مشغولة بي، بي أنا. ولم أكن أكذب في كلا الانفعالين، كان ~~أغلب نفسي في جنازة حقيقية أقطر لها مرارة وألما، وذلك الجزء الصغير في مرح حقيقي ~~يكاد يهزني طربا، وكلا الانفعالين لا يستطيع التغلب على الآخر أو محوه، وصراعهما ~~وتنافرهما يمزقني ويدميني. # وماذا كان يمكن أن يحدث لو أغلقت على نفسي سبعة أبواب، وابتعدت عن العالم كله بمن ~~فيه؟ أقصى قرار كان ممكنا أن أصل إليه كان أن أقطع علاقتي بها. سخف ما بعده سخف. من ~~أول يوم عرفتها فيه وأحسست أني منجذب إليها، وأنا في كل ساعة بل في كل دقيقة آخذ قرارا ~~بأن أقطع علاقتي بها، كانت كلها محاولات جادة لقطع علاقتي بها. ms151 وربما نحب أحيانا لأننا ~~نريد أن نمنع أنفسنا من أن نحب، ويكون حبنا بها سلسلة متصلة من محاولاتنا لكي نمنع ~~أنفسنا من أن نحب. # القرار ليس جديدا بالمرة، ولكن تنفيذه تنفيذا حقيقيا أصبح واجبا لا بد منه حتى ~~لكي أعيش؛ فلم يعد بإمكاني أن أعيش هكذا. # حسن إذن! كيف يمكن أن أنفذه؟ بأن أنالها فتخف حدة عواطفي ويمكنني حينئذ أن أقطع ~~علاقتي بها؟ هذا أيضا ليس جديدا بالمرة؛ فقد سبق وقررته، وسبق ولم أستطع تنفيذه. ~~وهذا اليوم بالذات حاولت، واليوم أيضا فشلت. # المشكلة أني كنت أعرف أنه مهما طال بي التفكير وتفرع وتشعب، فقد كنت متأكدا سلفا ~~أنني لا يمكن أن أصل إلى طريقة أستطيع أن أقطع معها علاقتي بسانتي بإرادتي. تماما ~~مثلما لو قضيت مئات السنين أفكر فلا يمكن أن أصل إلى طريقة أستطيع بها أن أقتل نفسي ~~بإرادتي؛ فعلاقتي بها بالرغم من كل خجلي وتأنيب ضميري وسخطي، لم تعد مجرد علاقة، ~~أصبحت حياتي هي علاقتي بها. # لم يعد أملي إلا أن أحاول ذلك الحل، وأحاوله وأنا عاجز وحزين. لم يكن حلا جديدا، ~~ولكني تصورت في ضباب ما قبل النوم نجاحه، وتصورت فعلا أني سأظفر بها ثم أتركها. ~~وقبل النوم أيضا حاولت أن أتخيلني معها، ولكني أحسست بخيالي يجمح ويأبى أن يمضي بي ~~خطوة واحدة، ودسست رأسي بين كوعي وألصقتها بالمخدة ونمت. # وعجبت حين استيقظت؛ فقد أدركت أني نمت مبكرا حوالي التاسعة أو العاشرة، ~~وها أنا ذا أستيقظ والدنيا لم تصبح نهارا بعد. # ولم أندم على يقظتي التي جاءت في غير أوانها، في الواقع سررت. الضغط الهائل الذي ~~كان يسحق أعصابي قد زال، والتوتر الذي ساد نفسي كان قد خف وتلاشى، وأصبحت المسائل في ~~نظري أبسط. ولأننا كنا لا نزال في الليل، فخواطري كانت لا تزال دافئة ممكن أن أعيد ~~صياغتها كما أحب، وممكن أن أصنع بها ما أشاء من خطط وأشكلها كما أريد. # وكان السؤال الذي واجهني حين أوقدت النور الصغير وأحسست بدفء اللحاف وبخدر النوم لا ~~يزال ms152 يسري في أطرافي، كان السؤال هو: ماذا أفعل لأظفر به؟ كان الاجتماع والخجل وتأنيب ~~الضمير قد زايلتني كلها نهائيا، أو على الأقل أصبح همي الأول أن أفكر في حل ~~للمشكلة وبعدها المجال فسيح للخجل وتأنيب الضمير. # وكما جاءني الخاطر أول مرة فكرت أن أعبر لها عما يجيش في نفسي؛ فقد جاءني نفس ~~الخاطر مرة أخرى وعلى نفس الصورة، لماذا لا أكتب لها خطابا أسطر فيه كل ما أعجز عن ~~قوله أمامها؟ وما أكثر ما كنت أعجز عن قوله أمامها! # وأحسست فقط بالخاطر حين واتاني، أما إحساسي الثاني فلم أشعر به إلا وأنا جالس على ~~المكتب وإلا وأنا أكتب. # والواقع أني كنت أجد لذة في الكتابة إليها لا تقل عن لذتي في رؤيتها ومحادثتها. كان ~~إحساسي أني أكتب «إليها» يملؤني بالنشوة، وإحساسي أنها ستقرأ كلامي، ستقرأ كل كلمة، ~~وتتوقف لدى كل تعبير، كان إحساسي هذا يدفعني إلى الإتيان بكلمات وأفكار أنتقي ~~كلا منها بدقة وشغف وحب وكأنما أنتقي هدية يسعدني أن أقدمها لها. وأعبر عن ~~نفسي بأرفع صدق أملكه - على الأقل - لأريها ذاتي الحقيقية التي لا تظهر إلا ~~بكلماتي. # والموضوع كان شائكا، والاقتراب منه في حاجة إلى براعة عظمى، والذي أعجبني في نفسي ~~أنني لم أتوقف لأشحن قلمي بالبراعة أو لأفكر فيما يجب قوله. وجدت الكلمات تنساب من ~~قلبي وتقترب من الموضوع بأبرع مما كنت أتصوره. وكانت المشكلة التي حاولت أن أجسدها ~~لها هي موقفها الغريب مني. كنت أعلم أن ما سأقوله سيحرجها، ولكني لم أتردد في قوله؛ ~~فقد كان هدفي واضحا وكنت أريد أن أصل إلى النتيجة بسرعة. # قلت لها إنها أنانية؛ فهي تراني أحترق ولا تكلف نفسها مشقة إيقاف هذا الاحتراق. ~~قلت لها إنها تسخر مني؛ لأنها لا تعارض في أن أحدثها عن الحب وأصف لها كيف أتعذب وكيف ~~أهفو إلى كلمة أو نظرة منها، لا تعارض في سماعي وأنا أحدثها عن الحب من بعيد ~~لبعيد، ولكن إذا حاولت مزاولة هذا الحب والاقتراب منها تتراجع إلى الخلف مذعورة وتتهمني ms153 ~~بأني بدائي وذئب. وكأنها لا تريد من حبي لها إلا أن يداعب آذانها ويسعدها، أو يجعلها ~~تحس بأنها محبوبة مرغوبة، أما أن يمس هذا الحب شعرة واحدة منها فتلك هي الجريمة ~~البشعة في نظرها. # بدأت الكتابة باحثا عن طريقة للاقتراب مما أريد، ولكني حين عثرت على الوتر الذي ~~بدا لي منطلقا ومعقولا رحت أداعبه وأعزف عليه وأعمقه حتى آمنت أنا به، وتحمست له، ~~ودفعني الحماس إلى أن أظل أكتب وأكتب حتى ملأت ما يقرب من العشر صفحات. # وحين انتهيت كان نور الشمس قد بدأ يملأ الدنيا، والمدينة قد بدأت تدمدم فيها الحركة ~~وتصحو. وحتى لم أقرأ الخطاب، جمعت أوراقه ودبستها ووضعتها في مكان من درج المكتب ~~ثم ذهبت إلى الفراش ونمت. # وطوال اليوم التالي كنت مستريحا نوعا ما، كان كل شيء في هائما نائما، يترقب ~~لقائي القادم معها وما سوف يدور فيه، ولم أفكر فيما يمكن أن يحدث بعد أن تجيء، تركت ~~التفكير والتنبؤات جانبا، وكنت أحيانا أقول لنفسي: لماذا لا آخذ الأمر مأخذا ~~طبيعيا جدا، إنها مهما كانت فهي امرأة، وأنا مهما كنت فأنا شاب، وما يحدث بيننا ~~حدث مثله لملايين من قبلنا وسيحدث لملايين من بعدنا، فلماذا أعقد الأمور وأحملها ~~فوق ما تحتمل؟ # ولكني كنت موقنا أني أكذب على نفسي؛ فقد كنت آخر من يعتبر أن ما يدور بيني وبينها ~~شيء عادي. كنت في قرارة نفسي مؤمنا أن ما يحدث لي لم يحدث لإنسان من قبل، وكأنني أول ~~واحد شعر بعواطف كهذه تجاه إنسانة مثلها، وسانتي في يقيني كانت لا يمكن أن تكون مجرد ~~فتاة أو امرأة عادية، كانت تكاد تقترب في نظري من ظاهرة شاذة، كائن خارق للعادة، كائن ~~أحس ناحيته بأحاسيس لم أحسها قبلا تجاه أية أنثى أو تجاه أي إنسان آخر. # ورغم حالتي فالعمل يومها لم يكن سهلا بالمرة؛ فمنذ أسابيع قليلة كانت إدارة الورش ~~قد أصدرت قرارا باعتبار يوم الجمعة راحة أسبوعية إجبارية للعمال بدون أجر، ولا أعرف ~~ما حدث بين العمال نتيجة لهذا ms154 القرار، ولكن ما عرفته بعد هذا أنهم - أو على الأقل عدد ~~كبير منهم - بدأ يبحث عن حل، حتى ولو عن طريق باب خلفي؛ فالظروف لم تكن تسمح بحلول عن ~~طريق الأبواب الأمامية ومواجهة الإدارة بصراحة وإجماع. واكتشف العمال - ولا أدري كيف - ~~أنهم إذا بلغ الواحد منهم أنه مريض يوم الخميس مثلا وأعطي الخميس والجمعة إجازة ~~مرضية، فإن يوم الجمعة يحتسب بأجر، وغير مهم حينئذ أن اليومين سيخصمان من إجازته ~~المرضية؛ فأهم لدى العامل الذي يدبر حياته يوما بيوم أن يفرط في رصيد من الإجازات ~~المرضية، على أن يأتي ليقبض في نهاية الشهر أو الأسبوع فيجد يوميته تنقص كل سبعة أيام ~~يوما. # وأول شيء فكر فيه العمال في بحثهم عن هذا الباب الخلفي هو الطبيب، وقدرته على منحهم ~~أو عدم منحهم إجازات. وهكذا فوجئت في أول أسبوع بمائة زيادة قد أبلغوا أنهم مرضى يوم ~~الخميس، وكان إشكالا! وفي الأسبوع التالي تنبهت إدارة الورش لهذا الباب فأصدرت قرارا ~~بأن يوم الجمعة لا يحتسب إجازة مرضية إلا إذا وقع بين يومين من الإجازة المرضية، ~~وعلى هذا فالعامل لكي يحتسب له يوم الجمعة بأجر، عليه أن يأخذ الخميس والجمعة والسبت ~~إجازة مرضية، ومع أن هذا حل غير عملي إطلاقا، لكي يحتسب العامل لنفسه الأربع جمعات ~~التي في الشهر عليه أن يفقد اثني عشر يوما من إجازته السنوية التي لا تتعدى العشرين ~~يوما؛ أي إن إجازة العام المرضية كلها لا تكفي لكي تحتسب له أيام الجمعة في شهرين ~~اثنين، مع هذا إلا أني وجدت العدد يتضاعف في ثاني أسبوع. وفي ذلك الأسبوع الثالث، حاول ~~بعض العمال أن يتلافوا ازدحام يوم الخميس وما قد يحدث فيه، فأبلغوا بمرضهم ليوم ~~الأربعاء، وقضيت يوما طويلا مزدحما أحاول أن أفهم فيه العمال بخطأ ما يرتكبونه في ~~حق أنفسهم، وأحاول أن أفهم فيه أعضاء النقابة أن يتحركوا وأن يفعلوا شيئا غير ~~اللجوء إلى هذا الحل الخلفي. ولم أجد أية فائدة في الكلام مع العمال، أو مع أعضاء ~~النقابة ورئيسها السني ms155 النحيف، وأمين صندوقها الحاج الذي لا يفقه من أمور الدنيا شيئا، ~~وأدركت حينئذ حرج الموقف الذي سأقفه في الغد، الخميس، وفي كل خميس؛ فقد كنت أريد أن ~~أقف الموقف الصحيح كمكافح يؤمن بالشعب، حتى ولو جاء هذا الموقف على حساب وظيفتي، وكان ~~لا بد أن أستشير شوقي في الموضوع. # وهكذا في عودتي إلى البيت، مررت على المجلة، كان شوقي هناك، وجلست وطلبت قهوة ودخنت، ~~وراقبت شوقي طويلا وهو يكتب، ثم طرحت المشكلة، وكنت أعتمد اعتمادا كليا على رأي ~~شوقي؛ فمفروض أنه أنضج مني سياسيا، وأكثر خبرة بالموضوع، وفوق هذا وذاك فقد كان يعمل ~~مهندسا في فترة من حياته قبل أن يستقيل وينضم إلى نقابة الصحفيين ويصبح رئيس تحرير ~~مجلتنا. وكان رأي شوقي واضحا محددا صريحا؛ إذ رأى أنه لا يجب علي أبدا أن أساعد ~~العمال على الهروب من مواجهة المشكلة بمنحهم تلك الإجازات، وأن أجبرهم برفضي على مواجهة ~~الإدارة وأخذ حقهم المغتصب. ورغم أني أفهمته بوضوح أن الظروف لا تسمح أبدا بتلك ~~المواجهة العلنية إلا أنه أصر على رأيه، واعتبر رأيه مجرد رأي، ولكنه أمر لي علي ~~أن أنفذه. # وربما لو كان شوقي قد تخيل ما سوف يحدث في الغد نتيجة لمشورته هذه لتردد قليلا ~~مثلا وهو يقولها لي، أو لطلب مني أن يؤجل رأيه حتى يدرس المسألة، ولكنه أبدا لم ~~يفعل هذا ببساطة وحسم أفهمني أن المسألة مسألة مبدأ. # وعدت إلى البيت، وما كدت أضع قدمي فيه وأدرك أن الساعة تقترب من الثانية، وأنه لم ~~يبق على الثالثة والنصف - ميعاد سانتي - إلا تسعون دقيقة، حتى بدأت أنسى شيئا فشيئا ~~مشاكل العمل والورشة والعمال، وبدأت تعود إلي من جديد حالة التوهان الهائم، وبدأت ~~أهيئ نفسي لاستقبالها. # وحين جاءت الثالثة والنصف ومرت، ومرت وراءها الرابعة والخامسة ولم تأت سانتي، لم أحس ~~بخيبة أمل كبيرة؛ فشيء ما لا بد كان سيحدث نتيجة لما دار بيني وبينها بالأمس، ~~ونتيجة للاجتماع الذي أعقب ما دار، أقل ما يمكن أن يحدث أن تمتنع عن الحضور ms156 ثاني يوم. ~~لا بد أنها هي الأخرى متأثرة ولها ألف عذر، بل الحقيقة سررت لأنها لم تأت، ~~وتصرفت حسبما اعتقدت أنها ستتصرف؛ إذ معنى هذا أنها تتصرف بطبيعتها معي، لا تدعي ~~شيئا ولا تجبر نفسها على فعل شيء. # وكعادة لحظات السرور القليلة التي نادرا ما كنت أسعد بها، لم تكن لحظة سرور خالصة؛ ~~فقد شابها في الحال بعض الخوف، الخوف الذي أعرف أنني ما إن أبدأ أحس به يتكاثر بسرعة ~~مذهلة إلى أن يخنق سروري ويمحوه. وخوفي هذه المرة بدأ باحتمال صغير، احتمال ألا تأتي ~~في اليوم التالي. لماذا لا تكون هي الأخرى قد قررت أن تقطع علاقتها بي، تماما مثلما ~~قررت أنا؟ كل الفرق بيننا أنها قررت ونفذت، وبدأت التنفيذ في الحال. # سموها لعب عيال ومراهقين، ولكن ركنا رئيسيا من أركان العلاقات بين المحبين ليس ~~في مزاولة الحب فقط، ولكن في أي الطرفين يقطع علاقته بالطرف الآخر أولا، وإذا كان ~~الحب مزيجا من مزاولة العلاقة والخوف من قطعها، أو على وجه الدقة الخوف من أن يقطعها ~~الطرف الآخر قبل أن نقطعها نحن. إننا في هذه الحالة نصاب بغصة مزمنة لا نبرأ منها. ~~والمهجور لا ينسى هاجره أبدا. # وخوفي هذه المرة لم يكن أن أهجر، فحتى إذا كانت ستهجرني فالسبب لن يكون لأنها كرهتني، ~~السبب في هذه الحالة خارج عن إرادتها تماما. # ورغم هذا فقد كنت خائفا ألا تجيء فيفسد تدبيري؛ إذ في هذه الحالة لن أنجح في قطع ~~صلتي أنا بها؛ فالمهم ليس أن تنقطع صلتنا، أو تقطع هي صلتها بي، المهم أن أقطع أنا صلتي ~~بها. أنانية ما في ذلك شك، ولكن الحب نفسه، أليس هو الرغبة في الاستحواذ على إنسان ~~آخر؟ أليس هو قمة الأنانية؟ وقد يبدو أني سمحت لنفسي بالإطالة والتبحر في أشياء ~~سخيف أن يتبحر الإنسان فيها. ولكني لا أعتقد أن كل من مر بتجربة حب - وكل ~~منا لا بد قد مر - سيعتبر هذا تبحرا سخيفا. إنها تبدو لحظتها لنا وكأنها كل ~~الحياة، وكأنها أهم ms157 من الحياة. لقد ظللت أفكر في تلك التفاصيل التافهة، ولم أفق ~~منها طوال اليوم كله وجزءا كبيرا من الليل، حتى نمت . وكنت أحس طوال الوقت أني ~~أفكر في أهم شيء في دنياي، وأن هذا العمل هو أهم ما يمكنني مزاولته، بل حتى اليوم ~~التالي لم أنقطع عن التفكير على هذا النحو، ولم أكن ضيقا بتفكيري ولا حزينا، بالعكس ~~كنت أحس أني كلما أوغلت في التفكير أحسست بشجن خفي، شجن رائع حبيب، وتوهان ورغبة ~~ممدودة في بكاء طويل، وأمنية دفينة في سعادة كبرى، وتصور غير واضح لآمال، ويأس غير ~~مر يعصف بالآمال. حالة لم أكن أريد أن أفيق منها ولا أن تنتهي أو تتبدل، حالة استنفدت ~~فيها إحساسي بأني مظلوم مرة وإحساسي بأني ظالم مرة أخرى، غالب مرة ومغلوب في المرة ~~التالية، مرة أحس أني أحب ومرة أحس أني محبوب، مرة أحس أني شرير ومرة أحس أني ضحية شرير ~~خبيث، مرة أحس أني كل شيء ومرة أحس أني لا شيء، مرة أنا ضيق بنفسي أشد الضيق، ومرة أنا ~~سعيد بنفسي أقصى سعادة. # وأنا مستسلم لهذه الموجات لا أريد أن يكون لي إرادة في ضبطها أو تكييفها، كالمدمن حين ~~يستسلم سعيدا لمفعول العقار، ويشل بنفسه إرادته ليترك لإرادة العقار أن تحدد ~~سعادته ونشوته، أنا أيضا كنت تاركا هذه الحالة تقرر أفراحي وأشجاني، سعيد بأني ~~مستسلم لها، لا إرادة لي في فرحي أو حزني، ولا في سعادتي أو شقائي. # ولم أكن أعرف أبدا أن تلك هي آخر حالة تصلح لمواجهة الموقف الذي كان علي أن ~~أواجهه صباح اليوم التالي، ولا حتى بعد الظهر حين جاءت سانتي. # أجل! في الصباح حين ذهبت وبي من الهيام ما بي إلى الورشة، فوجدت المكتب الطبي غارقا ~~في وسط بحر زاخر الأمواج من العمال، عشرات ومئات وربما آلاف، جاءوا كلهم يطلبون الخميس ~~والجمعة والسبت إجازة، ومدير الورشة في مكتبه حائر ساكت يترقب، ومعظم العمل في ~~الأقسام قد توقف، وآلاف من عيون العمال تترقب، والقسم الطبي يترقب، وحتى الباشتمرجي ms158 ~~بوجهه الوردي السمين يترقب، وكلهم يترقبون ما سوف أفعله، وليس في ذهني فكرة مما يمكن ~~أن أفعله. # ولمقدمي تحرك العمال يفسحون لي الطريق، تحركوا في بطء وتكاسل ووجوه لا تتوقع ~~خيرا ولا تبشر بخير، كانوا على الأقل قد حسبوها بينهم وبين أنفسهم قبل حضوري وأدركوا ~~أن عددهم كبير، أكبر مما يجب بكثير، أكثر من نصف عمال الورشة، وعرفوا أنه وإن كان الحل ~~في يدي إلا أنه صعب حتى لو كنت في أحسن أحوالي؛ فمعنى أن يمنحوا كلهم إجازات أن ~~يتعطل العمل في الورشة تماما ويقف، ولكن لأنهم كانوا كثيرين جدا فقد كانوا ~~متأكدين أنهم بكثرتهم سيحلون المشكلة، وعلى أي وجه. # ووصلت إلى مكتبي بعد جهاد، وحاول الباشتمرجي أن يخرج العمال المنتظرين في الحجرة ~~يكادون يملئونها ويغلق الباب كعادته كل يوم فلم يستطع، لا لأن العمال فضلوا الخروج ~~ولكن لأنهم لم يستطيعوا؛ إذ كانت جميع ممرات المكتب وحجراته وما حوله تعج بغيرهم من ~~المنتظرين، ووقف عم مرسي في النهاية مشبكا يديه أمام كرشه في عجز واستسلام ينتظر ~~أوامري. # والمشكلة أني كنت لا أعرف بالضبط ماذا يجب علي أن أفعل، من لحظة أن وضعت قدمي في ~~الورشة ورأيت هذا العدد الهائل، وأنا أحاول أن أعثر على شيء محدد أستطيع أن أفعله أو ~~آمر بفعله بلا فائدة. ضجة العمال في الخارج تصلني كهدير محيط عميق، وهمسات العمال ~~الواقفين في الحجرة تتلاصق أجسادهم وتتدافع أحتار في تفسيرها وفهم معناها، وأكثر ما ~~يضايقني عيونهم المنصبة كلها علي ترقب أي انفعال تفلته ملامحي، أو أية رمشة ~~يرمشها جفني. وأحسست أن وجودهم وأنفاسهم ونظراتهم وحفيف أنفاسهم وهمساتهم يشلني تماما ~~ويبقيني عاجزا عن الحركة أو التصرف. وكان أول ما قلته: أخلوا الحجرة. وكأني كنت ~~أتمنى أن تفشل عملية الإخلاء فأجد عذرا وجيها لكيلا أتصرف، أو يخلوها فعلا ~~فأستطيع أن أجمع نفسي وأحدد ما أريد وأتصرف على ضوء ما أحدده؛ فمستحيل أن ~~«يفكر» الإنسان وهو في حضرة جمهور يراقب عملية تفكيره، بل هو حتى لا يستطيع أن ~~يتنفس بانتظام ms159 إذا وجد في حضرته جمهورا يراقب عملية التنفس. # ألقيت الأمر لعم مرسي بهدوء حاسم، وسكت أنتظر التنفيذ، وأنا فاتح عيني مغمض بصري ~~لا أرى أحدا ولا أسمع شيئا، ولا أعبأ أبدا للأيدي التي تشوح والأصوات التي بدأت ~~تعلو وتحتج. # واستغرق إخلاء الحجرة ربع ساعة بأسرها. # ثم أمرت بإغلاق الباب. # واستغرق إغلاق الباب مجرد دفع المتزاحمين في فتحته عدة سنتيمترات إلى الوراء ~~وإغلاقه، استغرق عشر دقائق. # ورفعت سماعة التليفون وطلبت من العامل إيصالي بمدير الورش، وكنت أعرف سلفا أن العامل ~~سيستمع للمحادثة ثم ينقلها إلى العمال كلمة كلمة؛ فهو عامل مثلهم، والتومرجي ~~الواقف على الباب عامل، وكاتب القسم الطبي عامل، وأنت وحدك في وسط هذه الكتلة العمالية ~~المتصلة المتداخلة التي لا تخفى عليها خافية. وحياني المدير بفتور وسألني عن الصحة ~~والمزاج، ومن أول كلمة شعرت أنه يعتبر نفسه خارج المشكلة تماما؛ إذ كان يشغل وظيفة ~~كبيرة في الوزارة ثم غضبوا عليه وجاءوا به مديرا للورش، وأن يتعطل العمل في الورشة ~~شيء لا يهمه بالمرة طالما هو ليس مسئولا عن التعطيل، قال ببراءة: إحنا ما نقدرش نعمل ~~حاجة يا دكتور، أي عامل يحب يبلغ أنه عيان نديله أرنيك، وحضرتك تشوف إذا كان عيان تديله ~~إجازة، ما كانشي ترجعه الشغل. ~~- بس إذا رجع الشغل يبقى متمارض وبيعاقب وبيتخصم منه أيام، ودي تنفع في عامل واحد أو ~~اثنين، أنا أعمل إيه في ألفين أو ثلاثة آلاف؟ ~~- والله يا دكتور أنا آسف، ما أقدرش أعمل حاجة. # وقبل أن تنتهي المحادثة أحسست أنها قد أذيعت بالنص في السويتش، وأن أخبارها وصلت إلى ~~المتجمهرين في الخارج؛ فقد بدأت أسمع قهقهات. # وقلت لعامل التليفون: إديني مدير القسم الطبي. # وشرحت لرئيسي المشكلة، فقال بحسم: اللي عيان اديله أجازة، واللي مش عيان ~~ما تديلوش. # قلت: كلهم مش عيانين. # قال: خلاص ما تدلهمش. # قلت: افرض ... # وسكت؛ إذ كنت أريد أن أسأله عما يجب أن أفعله لو حاولوا الاعتداء علي أو قاموا ~~بعمل عنيف، ولكني لم أشأ أن يسمع العامل والعمال شيئا ms160 كهذا. ~~- افرض إيه يا دكتور؟ ~~- افرض أني حاولت أن أكشف عليهم وخد كل واحد منهم ثلاث دقائق كشف، يبقوا عايزين 150 ~~ساعة يعني عايزين أسبوع، فأعمل إيه؟ ~~- اكشف على اللي تقدر عليه والباقي أجله. # وأدركت ألا فائدة ترجى من مناقشته، فانتهت المكالمة وقد وصلت إلى قرار؛ فلا أحد يريد ~~أن يواجه المشكلة ويحلها، ولا أحد يريد أن يتحمل مسئوليتها، وقد كان من الممكن أن أتهرب ~~أنا الآخر من حلها، فأنسل من المكتب بأية حجة وأذهب إلى القسم وآخذ إجازة وأفعل ~~مثلما فعل المدير وزميله الآخر. # ولكن كيف أصنع مثلهما وأنا ناقم أشد النقمة على موقفهما ومحتقره؟ وكيف يمكن أن أفر ~~من مواجهة موقف لا بد أن يواجهه واحد، سواء أنا أو غيري، فلماذا لا أواجهه أنا؟ ~~هناك أناس وسيلتهم في الحياة أن يتفادوا الاصطدام، ويبدو أني كنت من صنف يرحب ~~به. # قلت لنفسي: إن شوقي على حق. هؤلاء العمال الواقفون في الخارج يتلمظون ويضعونني بين ~~موقفين: إما أن أوافقهم على كذبهم وادعائهم فيتركونني بسلام، وإما أن أرفض ~~فيعتبرونني عدوهم الأول، هم في الواقع يحجمون عن مواجهة عدوهم الأول، لا يستطيعون ~~الاصطدام به فيتشطرون علي، فكيف أسهل لهم عملية خداع أنفسهم؟ ألكيلا أواجههم؟ ~~ألخوفي من مواجهتهم؟! أأعيب عليهم أنهم يخدعون أنفسهم وأخدع أنا نفسي وأكتب ألف «إسهال» ~~وألف «نزلة»، بينما لا إسهال هناك ولا مغص ولا نزلة؟ # قلت لعم مرسي في هدوء: دخلهم. # ودب النشاط في جسده المستقيم العجوز في الحال، واستعاد صوته وجعجعته، وتخبطت ضلف ~~الباب مدوية في الحائط تحت الطابور الهائل. وعلى حافة المكتب وقف عامل يرتدي بدلة ~~وفانلة برقبة ينظر لي باتهام ووقاحة وشرر الرذالة يقدح من وجهه الشرس وشعره الأكرت ~~المستفز، وهدير المحيط في الخارج كان قد اندفع إلى الحجرة في سيل مكتسح يجمع الصفافير ~~والزعيق وسب الدين، وبهمسة خفية من همسات عم مرسي التي لا ترى ولا تضبط أفهمني ~~أن هذا الذي يتقدم الطابور هو سكرتير النقابة. # وتكون للمشهد الدائر أمام بصري عمق آخر لم يكن ms161 موجودا؛ أخيرا ظهر سكرتير ~~النقابة وأطل يتقدم طابور العمال «الناخبين» في هجوم ساحق على طبيب الورش يريه ~~العين الحمراء، أو يلقي الرعب في قلبه وينتزع منه الإجازات بالقوة ويوزعها على العمال ~~في حركة جماهيرية مسرحية يذكرها له العمال أياما وشهورا وربما سنوات. # وكنا في زمن تصنع فيه النقابات وتفرض ويتاجر بسكرتيريتها وأمانة ~~صناديقها، وكنت قد جئت بعد أجيال من الأطباء الذين عودهم العمال وعودوا العمال أن ~~تؤخذ الإجازات بالتسعيرة، اليومين بريال والثلاثة بخمسين قرشا والأسبوع بجنيه. # وكان كل شيء بيسر وسهولة، كل ما في الأمر أن الطبيب تحول في نظرهم من معالج وإنسان ~~حكيم إلى قابض إجباري للريالات ومانح للإجازات ومخلص من الزنقات. فإذا جاء على آخر ~~الزمن طبيب يريد أن يقوم بمهمة الطبيب فمعناها أنه مجنون، وإذا استمر جنونه هذا فمعناه ~~أنه في حاجة إلى درس يلقى عليه ويعيده إلى الصواب ويفهمه مركزه. ومن أولى بإلقاء ~~الدرس من سكرتير النقابة؟ هذا الرجل الشرس الواقف أمامي الذي يرتعد رعبا أمام المدير ~~ويشرب السجائر «الكرافن»، وتسهل له الإدارة مهمة انتخابه كل عام في مقابل أن يسهل ~~للإدارة مهمتها، ما أحوجه الآن إلى حائط منخفض يقفز عليه ويري العمال براعته في ~~الدفاع عنهم واقتحام المخاطر من أجلهم، ويغطي بهذا العمل «البطولي» كل مخازيه وراء ~~الستار. # قلت له بصوت طغى على كل الضجة وأسكتها: مالك؟ # قلتها بحقد حقيقي وجدته ينفجر في نفسي كما ينفجر الدمل، حقد على الأوضاع التي تجعل ~~من أمثاله زعماء للعمال وسكرتيرين، الأوضاع التي تجعل من الأطباء لصوصا ومرتشين، ~~والقرارات التي تصدر وتجبر الناس على التحايل والكذب وطرق الأبواب الخلفية، وتخلق ~~من الأبرياء أعداء وهميين. # قال بفظاظة: عيان. # كان السكون قد عم الحجرة وخارجها، سكون ملتهب فائر كسكون الظهيرة، سكون جمهور غير ~~محايد، ولكن كلمة «عيان» حتى مع أنها قيلت بفظاظة وأعلم سلفا كذبها، إلا أنها ردتني ~~إلى عملي فورا وجعلتني أسقط من وعيي أي اعتبار آخر سوى أن الذي أمامي عامل ~~مبلغ بمرضه، وأني مجرد طبيب للورش، بل أكثر ms162 من هذا جعلتني الكلمة أصمم أن أواجه ~~الموقف كله كطبيب عليه ألا يغضب أو يواجه التحدي بالتحدي أو يعادي من أمامه حتى لو ~~عاداه من أمامه. # وعادت إلى صوتي طبيعته وبساطته وقلت: عندك إيه؟ # وانقلبت فظاظته إلى غطرسة وقال: أمال أنا جايلك ليه؟ أمال دكتور إيه؟ أنت اللي تعرف ~~أنا عندي إيه مش أنا. # قلت وكأني لم أر شكله ولم أسمع لهجته: يعني بتشتكي من إيه؟ # قال بغطرسة أكثر: أهو كل جسمي تاعبني. ~~- يعني ما فيش حاجة معينة تاعباك؟ ~~- قلتلك كل جسمي تاعبني. ~~- طيب نشوفك. # قلتها وأنا أشير لعم مرسي أن يخلي منضدة الكشف من الواقفين عليها والجالسين، ثم ~~أشرت له أن يذهب ويخلع ملابسه ويرقد. # ولمحت الغيظ يغلي داخله؛ إذ لم أعطه بكلامي أو بتصرفاتي حجة ولو واهية يستطيع ~~أن يقيم معها المشهد الذي استعد له، بل لم أعطه الفرصة حتى ليعصي أمري، وذهب ليرقد على ~~المنضدة، وبإخلاص حقيقي لعملي كشفت عليه، ولم أجد به - كما توقعت - أي مرض أو شبه ~~مرض. # وعدت إلى المكتب، وحتى قبل أن يكمل إدخال قميصه في بنطلونه عاد إلى وقفته المستهترة ~~المتحدية أمامي. # قلت: هات الأورنيك. # فقال: ح تعمل به إيه؟ # قلت له ببساطة وحسم: ح أقول فيه إنك ترجع شغلك. # قال وكأنه يقهقه: أرجع شغلي ازاي؟ # قلت له: لأنك ما عندكش حاجة. # فقال: أنت كذاب. # وعم سكون هائل، وأحسست بدم يتفجر في صدري ويصعد إلى رأسي ويعمي عيني، وحين ~~عدت للرؤية كانت الحجرة قد تسرب إليها أضعاف أضعاف الموجودين فيها، والكلمة لا ~~تزال ترن في أذني وآذانهم جميعا، والتحدي سافر على وجه سكرتير النقابة، وجسدي وأجساد ~~الحاضرين ترتعد ارتعاد التربص للحركة التالية لتندفع تقتل أو تخمد، واللمحة الخاطفة ~~التي قرأت فيها وجوه العمال كانت قد أنبأتني أنهم استكثروا الكلمة، ولكن أي رد مني ~~سيقلبهم إلى وحوش، والكلمة أيضا كانت قد أزهقت روح الطبيب في، ولم أعد سوى رجل ~~يواجه جمهورا على استعداد للانقضاض عليه لدى أية بادرة، وهانت علي حياتي وعمري ~~وآمالي. ms163 وفي اللحظة التي قررت أن ألكمه فيها وجدت صفعتين متتاليتين سريعتين ~~توجهان إليه، والتفت، كان الغضب قد أحال وجه عم مرسي العجوز الأحمر إلى كتلة لحم ~~بيضاء غير محددة الملامح، لا يميزها غير بريق أهوج صادر من العينين، واستغربت كيف ~~تحول صوته الهامس الناعم المؤدب إلى ذلك الرعد المتحشرج الذي قال به: اخرس قليل ~~الأدب، إزاي تشتم الدكتور؟ # وثانية سكون واحدة أعقبت هذا، ثانية خيل إلي فيها أن كل من بالحجرة كف عن ~~التنفس وقد أخذته مفاجأة ويترقب مفاجأة تالية. والسكرتير المصفوع يقف مذهولا يحدق ~~في عم مرسي، والعمال المتزاحمون من حوله واقفون مذهولون هم الآخرون وكأن كلا منهم ~~نالته صفعة، وحتى أنا نفسي كنت في حاجة لبرهة أتبين فيها حقيقة ما حدث وأعد ~~نفسي لما سيحدث، ثانية سكون واحدة تفتحت بعدها أبواب الأقفاص غير المرئية، وخرجت من ~~الصدور نمور غاضبة تترقب اللحظة المناسبة لتنقض. # وفي جزء من الثانية التالية كانت الحجرة قد امتلأت بأعنف حركة شهدتها، حتى لقد ~~بدأت أرضيتها المصنوعة من كمرات حديد تتذبذب وتتلوى، ولو كنت أنا الذي صفعته لاختلف ~~الوضع، ولكن عمهم مرسي العجوز المهيب هو الذي صفعه. ألف واحد منهم لا يرضى أن ترد ~~له الصفعة، وعشرة أحاطوا السكرتير وكتفوه وحالوا بينه وبين عم مرسي، والحاضرون جميعا ~~في ارتعاش واهتزاز، يدفع الغضب صفوفهم البعيدة فتتدافع وتدفع من أمامها، وتتكون ~~للجمع الحاشد موجات غضب تظل في مد وجزر حتى تصل إلى البقعة التي أقف فيها أنا وعم ~~مرسي، ولا يوقفها عن اكتساحنا وتمزيقنا إربا إلا ذلك الحاجز الرقيق من الهيبة الذي كان ~~لا يزال يحيط بي وبه، هو بحكم السن، وأنا بحكم المهنة والتعود، حاجز قد تكفي يد ~~طويلة تمتد أو كلمة نابية توجه وتسمع، لكي يتهلهل وينمحي ونبقى عرايا من الحصانة ~~تحت رحمة أكف غليظة وسواعد لا ترحم. # كان الموقف جديدا علي تماما، لم أواجهه من قبل ولا تعلمت كيف أواجهه، وحتى ~~الخبير المجرب يتردد في مواجهته، لم أكن خائفا ولا مترددا بل كنت مندهشا ms164 ~~مستغربا، ماذا فعلت لهؤلاء الناس لكي يعادوني على تلك الصورة؟ إني لا أذكر أني آذيت ~~أحدهم أو قدمت إليهم إساءة، كل ما قدمته كان تحزبا لهم واستعدادا دائما لمساعدتهم. ~~وبينما الحركة في الحجرة قد عنفت وازدادت حتى لكأن محتوياتها الآدمية قد بدأت تغلي ~~وتفور، كان صفاء مفاجئ قد سيطر على تفكيري وعقلي، صفاء غريب كصفاء ما قبل الموت، صفاء ~~جعلني أدرك الأمر؛ فلست في نظرهم سوى جزء لا يتجزأ من الإدارة ومن الخصم والفصل ~~والقرارات التعسفية. أنا رمز كالأتوبيسات التي كنا نحرقها حين نتظاهر ونحن طلبة، ما ~~كان هناك عداء بيننا وبين شركة الأتوبيسات، ولكن كنا نحرق فيها الظلم والحكومات ~~الخائنة وأعداء الشعب. وليس بيني وبين هؤلاء العمال عداء، ولكنهم قد يقتلونني ويقتلون ~~في شخصي الظلم والظالمين. # وعلى حين بغتة سمعت شيئا لم أتبينه أول الأمر، ولكني حالا تبينته، كان هتافات ضدي، ~~عدة أصوات تقول: يسقط طبيب الورش. ورعدا هائلا أعنف وأبشع وأقوى رعد يردد ويقول: يسقط ~~طبيب الورش. وتكهرب شيء في نفسي وكأنما صعقته الشحنة الهائلة التي ولدها الرعد، ~~لحظتها عرفت لماذا يقشعر الملوك والحكام من الهتافات والمظاهرات، من هذا الصوت العريض ~~المكتسح الذي يتصاعد من حنجرة خرافية مكونة من آلاف الحناجر، الصوت الذي يهدر به ~~فم واسع، أوسع فم، فم الجماهير حين تفتحه ويصبح لها فك في السماء وفك في الأرض، ~~وتهدد بابتلاع كل ما بين الأرض والسماء. # هم يقشعرون لأن هتاف الجماهير ليس مجرد تعبير عن سخط ولا عن ضيق من حاكم أو شخص. ~~إنه حكم، حكم باتر ساحق لا راد له، يصل إلى الملوك حتى في مخادعها وإلى الحكام ولو ~~كانوا في أبراج محصنة، فيرتعد له الملك ويقشعر له الحاكم؛ إذ لحظتها يتبدد على الفور ~~كلام المداهنين والمتملقين ويدرك كل منهم أن حكما قد صدر عليه، وأنه قد أدين، وأنه ~~لأول مرة يسمع الحقيقة، يسمعها من فم هادر عريض لا يعرف سوى قول الحقيقة، لحظتها ~~يدرك - مهما اعتقد بينه وبين نفسه أنه بريء - أن حكما أبديا ms165 قد صدر عليه، حكما لفرط ~~قوته وصلابته وصراحته يجعله يشك حتى في براءة نفسه، فيبدأ يسألها وفرائصه ترتعد: ألا ~~يمكن أن أكون قد أجرمت؟ # لحظة قصيرة جدا، أقصر من أن تقاس أو تحسب، ولكنها جعلتني أحس وكأني في يوم ~~الحساب، وكأني بين يدي الجلالة العليا، وكأن الهتاف الذي سمعته نار مقدسة تعرضت لها ~~وأصبح عليها أن تظهر بكل ما فيها وأن تبدو على حقيقتها، لحظة جعلت جدرانا كنت قد ~~أقمتها لنفسي وعشت أتحرك بها تتهاوى وتنهار، ولم يعد أمامي إلا أن أرى ما كنت ~~أتجاهله وأتعامى عنه؛ إذ لست في الواقع والحقيقة سوى جزء من ذلك الجهاز الضخم الكبير ~~الذي يسير هؤلاء العمال ويتحكم في مصائرهم. كنت وأنا أقول لنفسي: أبدا أنا شيء آخر، ~~أنا لي رأي آخر، أنا لي موقف آخر، أنا مع العمال؛ ألم أكن أضحك على نفسي حينئذ؟ فها ~~أنا ذا في ساعة الجد أختار جانب الجهاز الذي أنتمي إليه وأدافع عنه بدفاعي عن نفسي ~~ووظيفتي. # تصاعد هتاف بسقوطي مرة أخرى، وكان آخر هتاف؛ إذ تكلفت أصوات كثيرة بإخماده، ~~وانطلقت ألسنة لا أعرف أصحابها، وربما لن أعرفهم، تندد بالهاتفين وتنصفني، وتقول إني ~~كنت دائما في صفهم، والسبب في موقفي اليوم راجع فقط إلى كبر العدد. # وكان الموقف قد نضج لتدخلي، فقلت بأعلى صوتي: اسمعوا! # وخرجت الكلمة آمرة حامية سكتت لها الضجة في الداخل والخارج، وجعلت الآذان تصغي ولو ~~بدافع حب الاستطلاع. # وبدأت أتكلم. لم أشعر بما قلته بالضبط، ولكني كنت غاضبا أشد الغضب من موقفهم ~~وطريقتهم. كان باستطاعتي أن أجنب نفسي مشقة مواجهتهم بمفردي وأستعين بفرقة بوليس ~~النظام، ولكني آثرت أن أعاملهم كرجال ووثقت فيهم وأمنت لهم، وكانت النتيجة أنهم يريدون ~~أن يستغلوا كثرتهم ويأخذوا الإجازات بالذراع وبالعنف، وأية إجازات يريدون أخذها؟ ثلاثة ~~آلاف عامل يريدون مني أن أمنحهم جميعا ثلاثة أيام إجازة مرضية. من يظنوني؟ رئيس ~~الحكومة! إن كلا منهم لا ينظر إلي إلا من زاويته الضيقة، يريد أن تحتسب له الجمعة، ~~ومعنى أن أوافقه على ms166 رغبته أن أوافقهم جميعا على رغباتهم، فهل هذا في قدرتي؟ إن معناه ~~ببساطة أن أفصل من وظيفتي وأقدم للمحاكمة بعدة تهم، وحتى لو حدث هذا فلن ~~تحل مشكلتهم أيضا؛ لأنهم في الجمعة التالية سيواجهون بطبيب جديد آخر، وحتى لو ~~غامر هو أيضا بمستقبله ووظيفته فإجازاتهم المرضية لن تكفي إلا لاحتساب أيام الجمع في ~~أقل من شهرين، فماذا يفعلون في بقية العام؟ # وأنهيت كلامي قائلا: أنا مستعد أعطي كل واحد فيكم ثلاثة أيام ويتحسب له يوم الجمعة، ~~وأترفد أنا وأتحبس. أنا مستعد، فهل أنتم مستعدون؟ # هل يقبل الواحد فيكم أن يأخذ أجرة يوم مقابل أنه يرفدني أنا ويحبسني؟ # ألقيت السؤال وسكت أنتظر الإجابة. # وكانت الإجابة ضجة عظمى تصاعدت؛ فكل منهم مضى يجيب على السؤال بفهمه الخاص ~~وطريقته الخاصة. ومن مئات الإجابات الصاخبة أدركت أنهم يفهمون ويقدرون، ولا يرضون ~~أبدا بفصلي وسجني. ولكن المشكلة أنهم أيضا لا يزالون يريدون الإجازات، بل أكثر من ~~هذا، وجدت فجوة تحدث بين المتزاحمين أمامي ويبرز منها سكرتير النقابة ويقف وقفة ~~مستهترة ويقول: إذا كنت صادق في كلامك ده مالكش دعوة، إدينا الإجازات واحنا ~~نحميك. # وضغطت غيظي تحت أسناني وقلت: اسمع، أنا عاملتك كصنايعي فرديت علي رد بلطجية، وبعدين ~~عاملتك كعيان فرديت علي رد فتوات، وإذا كنت فاكر إنك لما تحتمي في زملائك وتتهجم ~~علي تبقى جدعنة فتبقي غلطان، الجدعنة مش إن الواحد ينتهز فرصة أنه قوي ويقل أدبه، ~~الجدعنة إنه لما يحس بنفسه قوي بزملائه يبقى مؤدب. تصرفك ده مش تصرف عمال، ده ~~تصرف ح سيب زملاءك دول إنهم يحاسبوك عليه ويعاقبوك، أما أنك تقول إنك مستعد تحميني ~~فتبقى أنت الكذاب؛ لأن بدل ما تحميني أنا كنت احمي نفسك وزملاءك وواجه اللي أصدر القرار ~~وخليه يغيره ويعدله. # وطبعا لم يدعني أنطق جملة ما كاملة، ظل يقاطعني ويتحرش بي حتى أجبره العمال على ~~السكوت، وحين انتهيت كان وجهه قد بدأ يشحب وبدأ يعد خطة التراجع، وما لبث أن ~~طبقها في الحال وراح يصرخ في زعيق عال متواصل: ms167 أمال بس ح نعمل إيه؟ نكفر؟ مهي دي مش ~~عيشة دي! والله الواحد يقتل له حد ويروح فيه، ح نلقاها منين وألا منين؟ # وآب صراخه إلى السكوت. لم يلبث أن قطعه عامل من الواقفين قريبا من الباب حيث قال: ~~معلهش بقى يا دكتر، إدينا إجازة المرة دي وبعدين تفرج. # ولم أتمالك نفسي وضحكت، وما لبثت ضحكات أخرى أن تفجرت في الحجرة حتى عمتها واهتزت ~~لها جدرانها. # ولكن المشكلة - رغم الضحكات - كانت لا تزال باقية بغير حل. # والأهم من هذا أني كنت موقنا أنه لا بد أن تحل على وجه ما قبل أن ينتهي ~~اليوم، أما ما هو ذلك الوجه فذلك هو السؤال. # 14 # وكنت موقنا أيضا أني بعد ساعات سأكون في حجرة مكتبي جالسا فوق ذلك المقعد بالذات، ~~وقد انتهى اليوم وانتهت المشكلة، جالسا أسترخي وأحاول أن أنسى كل ما حدث، ورغم ~~محاولاتي يظل ما حدث يفرض نفسه علي ويأبى أن يغادر وعيي. # المحادثة الثانية التي دارت بيني وبين مدير الورش وصوته الدافئ الكسول الممتد وهو ~~يقول لي يا دك...تو...ر، واحتداده فجأة حين أنذرته بأنه ما لم يتدخل فورا ويحل المشكلة ~~فسأتصل بالوزير. ومهزلة الاتصال بالوزير؛ إذ كيف لموظف صغير أن يتصل بالوزير مباشرة ~~مهما بلغت خطورة السبب، ثم الإحالة لوكيل الوزارة، وأخيرا اقتناع الوكيل وإيفاده ~~مدير مكتبه، ومجيء مدير المكتب مستصحبا قائد فرقة بوليس ب أو ج لا أعرف، ضابط بوليس ~~سمين ملظلظ على كتفه وصدره إشارات حمراء وخضراء وتيجان ونجوم، سكتت لها ضجة العمال، ~~وجعلت سكرتير النقابة يخاطبه ويقول: يا سعادة الباشا، ثم الاتفاق الذي تم في ~~النهاية، أن يعود العمال إلى عملهم في ذلك اليوم بلا إجازات وبدون أن يوقع على ~~أحدهم خصم أو جزاء، وسكرتير النقابة وهو يزف للعمال الخبر وكأنه يزف إليهم البشرى، وكأن ~~أيام الجمع قد ووفق على احتسابها، مع أن عودة العمال إلى عملهم كان ممكنا أن تتم ~~بلا وزير أو قائد فرقة، ولكن السكرتير راح يؤكد للعمال أنه لولا جهوده وكلامه «اللاذع» ms168 ~~لمدير مكتب وكيل الوزارة؛ لكان من المؤكد أن الوزارة ستصدر قرارا بفصل جميع ~~العمال. # زعيق وخناق وأيمان مغلظة وأعصاب مشدودة قطعت ولم ينته المشهد الحافل إلا في ~~الثانية والنصف، وما أكاد أبتعد عن الشارع الذي تستقر في نهايته الورش وأصبح بعيدا ~~عن كل ما يمت إليها بصلة، حتى أحس وكأني أوشك على السقوط إعياء وتعبا. لم أكن قد ~~أغمضت عيني وآلاف الوجوه تسبح في خيالي، وجه سكرتير النقابة، الصفيق الذي لا أدري لم ~~بدأت أحس بشفقة عليه، ووجه قائد الفرقة الدسم المستريح، ووجه مدير المكتب الرفيع الجاد ~~الذي لا يني عن ترديد: كده لا يا شيخ، ووجه عم مرسي، ووجه العامل الذي كان متشبثا ~~بحديد النافذة لم يبرحه طيلة ما حدث، وجوه تسبح في خيالي، ووجوه، وآذاني فيها صرخات ~~وطنين وهمسات. وهناك من أبعد مكان في شرق خيالي بدأ وجه ما يظهر ويتضح ويتكامل ~~ويقترب، كان وجه سانتي، حيا ومبتسما ورائعا، بدأ مجرد وجه بين آلاف الوجوه، وأخذ ~~نوره يزداد حتى بدأت الوجوه التي حوله تظلم، وظلامها يبهت ويبهت إلى أن أصبحت ~~نفسي سماء ليلية صافية ليس فيها مضيء غير وجه سانتي. وما كنت قد قررته والخطاب الذي ~~كتبته، والنية التي بيتها وعزمت على تنفيذها بعد زمن لن يزيد عن الساعة وبعد كل ما ~~رأيت. # وحين دق الباب في الثالثة والنصف من ذلك اليوم، دبت حياة عنيفة في جسدي، واستعدت ~~أقوى إرادة أمتلكها في حياتي، لقد جاءت. # وحتى قبل أن أفتح الباب، في تلك الأجزاء من الثواني التي كانت لا تزال واقفة فيها ~~بالخارج وأنا في الداخل وزجاج الباب يفصلنا، في تلك الأجزاء من الثواني أحسست بدفقة ~~انفعال ساخنة تنسكب في دمي وتسري في كياني كله. فرحة ونشوة وأمل كبير في سعادة ~~حقيقية، وأهم شيء: يقين، يقين لا شك فيه أنها تريدني مثلما أريدها، وأن لديها هي الأخرى ~~دوافع خاصة لي جعلتها تأتي. # وفتحت الباب وأنا أحاول أن أخفي سخونة انفعالي، وكل ما فعلته المحاولة أنها جعلتني ~~أرتبك، بل وجعلتني ms169 يخيل لي أنها هي الأخرى مرتبكة. # ودخلت. # كنا في يوم من أيام فبراير، ولكنه لم يكن كسائر أيام الشهر، كانت حرارته تكاد ~~تقترب من حرارة أيام الصيف، وكأنه يذكرنا بقرب مجيئه. وكانت سانتي تحمل جاكتتها على ~~نفس اليد التي تمسك بها حقيبتها، وكانت ترتدي بلوزة سماوية على هيئة قميص و«جيب» ~~رمادي. وكانت حرارة الجو قد وردت جسمها كله - وخدودها بالأخص - حتى بدت عيونها شديدة ~~السواد، وكذلك بدا شعرها. # دخلت بخطوات سريعة نشطة ذكرتني بخفتها في أيامنا الأولى. ولأمر ما أحسست ~~بإحساس طاغ حين تجاوزتني وأولتني ظهرها وهي تأخذ طريقها إلى حجرة المكتب، أحسست أني ~~أحبها حبا عارما مجنونا. إحساس نادر ما كان يخالجني، بل لم أحسه بمثل تلك القوة ~~إلا في هذه المرة التي أولتني ظهرها فيها. ربما كانت حين تواجهني يشغلني عنها محاولاتي ~~لتبين ملامحها وانفعالاتها وكل خلجة من خلجاتها. أما وأنا أراها من ظهرها فأنا أحس ~~بها ككل، ليس نفس الكل الذي أحس به حين أتذكرها مثلا، ولكنه «كل» أراه فعلا وأحس ~~تجاهه بأضعاف أضعاف الانفعالات التي أحس بها إذا تخيلته، تلك اللحظة التي أراها فيها ~~وكأنها خيال حقيقي. # شعور طاغ جرفني كالفيضان وجعلني أوقن أنني مستعد أن أفعل أي شيء لإسعادها، مستعد أن ~~أقف ضد العالم كله من أجلها، مستعد أن أموت أكثر من مرة لأمنعها أن تصاب بالضيق ~~لحظة. # ولم أكن أفكر وأنا أحس، كنت أدرك هذا بلا وعي. كانت أبشع جريمة في نظري أن ~~أمسها - مجرد مس - بكلمة أو حتى بإشارة. لحظة أتمنى فيها أن أشف وأشف حتى أتلاشى ~~إذا كان مجرد وجودي لا يريحها، ترى ماذا يحدث لو اطلعت على ما كنت قد أعددته لها في ~~نفسي؟ # دخلت الحجرة وألقت بجاكتتها وحقيبة يدها جانبا، وألقت بنفسها على الكرسي الأسيوطي، ~~ثم ما لبثت أن مدت ذراعيها في استرخاء من يستريح بعد طول عناء، وأمالت رأسها ~~قليلا، وراحت تنظر إلي بوجنتين شديدتي الاحمرار وتبتسم، وترمقني بنظرات لا أدرك ~~كنهها، ولكنها مطمئنة لذيذة يتمنى الإنسان لو ظلت ms170 تنظر إليه بها سنين وسنين. # وكنت أراقبها أنا الآخر وأنا واقف قبالتها، مرتبك، أبتسم وأنا خجل من نفسي، وأنا ~~غير مستريح أبدا أو مطمئن إلى الأفكار التي تدور في خاطري، ووجدت نفسي أذهب إلى المطبخ ~~وأنا أزعق وأقول لها إني سأصنع لنا كوبين من القهوة. وفي المطبخ أيضا كنت مرتبكا ~~مترددا أحاول التفكير ولا أجرؤ عليه، وأحاول أن أطرد أي تردد جانبا وأغمض عيني ~~وأسير قدما في الخطة التي كنت قد وضعتها. وعدت بالقهوة وجلسنا نحتسيها. وقبل أن يفرغ ~~القدح قلت لها: أريد أن تقرئي شيئا. # نظرت إلي بمكرها اللذيذ وقالت: خطاب؟ # قلت: أظن هذا، أتحبين أن أقرأه عليك؟ # قالت بمرح صبياني: لا لا لا، أرجوك، أحب أن أقرأه أنا. # ولكن لأمر ما، ربما لأني أحب أن يبدو الأمر على أنه حديث موجه مني إليها، كنت ~~أريد أن أقرأ أنا الخطاب، فقلت: ولكن خطي كما تعلمين. ~~- معلش، دعني أنا أقرؤه. ~~- على رسلك. # قلت هذا وأنا أبحث بحث المرتبك الشديد الارتباك في أدراج المكتب عن الخطاب الذي ~~خيل إلي أن فوهة سحرية قد ابتلعته، ولكني أخيرا وجدته وأعطيته لها. تأملت حجمه ~~قليلا وهي تبتسم وأنا أقشعر من الخجل وكأني بسبيلي لإطلاعها على ملابسي الداخلية، ~~وتركت مكانها وجلست على المكتب ووضعت الخطاب أمامها وراحت تقرؤه، وقلت لها: الخط يعني ~~... # ولكنها قاطعتني وهي تضع أصبعها على فمها تحذرني من الكلام وكأنما تحذرني من قطع ~~لذة كبرى، وأحسست بارتباك أكثر حتى لقد غادرت الحجرة نهائيا ورحت أدور في الشقة ~~أحاول بطريقة ما أن أداري خجلي من نفسي ومنها. وكل ما كنت أتمناه لحظتها أن ينتهي ~~الموقف على أية صورة وأن ينتهي بأسرع ما يمكن. وكنت في عجب من نفسي لهذا الخجل، ~~ولهذا الاشمئزاز الذي أشعر به حيال ما يدور في عقلي في تلك اللحظة. بالأمس فقط كنت ~~متحمسا شديد الحماس لما أقوم به الآن، بالأمس كان كل شيء يبدو لي منطقيا ومعقولا، ~~وكنت أمام نفسي على حق إلى درجة أن كتبت هذا الخطاب لها، ms171 ولحظتها ماذا حدث؟ ولماذا ~~تغيرت المقاييس؟ ولماذا فقدت حماسي لهدفي وخطتي ولكل شيء؟ ولماذا أريد للموقف أن ينتهي ~~بأقصى سرعة وكأنه موقف مخجل؟ # وكانت احتمالات الدنيا كلها تدور داخل صدري والوساوس تنهش أعماقي. ترى ماذا يكون بعد ~~قراءتها الخطاب؟ ماذا تظن؟ ماذا تفعل؟ على أي محمل ستأخذ كلامي؟ لم أنتظر حتى أن تنتهي ~~من القراءة لأعرف النتيجة، تسللت عائدا إلى حجرة المكتب دون أن أحدث صوتا لأحاول ~~أن أعرف انفعالاتها وهي تقرأ الخطاب. # وحين أصبحت قامتي الطويلة تسد فتحة الباب تجمدت في مكاني كالمأخوذ؛ فقد فوجئت بمشهد ~~لم أكن قد أعددت نفسي له أبدا ولا حسبت له حسابا، كانت سانتي تبكي، لم تكن تشهق أو ~~تنهنه، كانت عيونها محمرة شديدة الاحمرار وبياضها محتقن والدمع يتساقط من عيونها دون ~~أن تحاول مسحه أو ترفع نظرها عن سطور الخطاب. # ودارت بي الدنيا. # كانت هذه أول مرة أرى فيها سانتي تبكي، بل لم أكن أتصور مطلقا أنها مثلها مثل سائر ~~البشر يمكن أن تبكي، وأعجب من هذا أنها تبكي في موقف لم أكن أتخيل أبدا أنه ممكن أن ~~يدفعها للبكاء، والمذهل أنها لا تبكي بقصد أن تريني أو تري أحدا، ولكنها تبكي بلا ~~وعي، ولا يمنعها انفعالها وبكاؤها أن تكف عن قراءة الخطاب. # ولم أصدق ما أراه برغم تأكدي من حدوثه، خيل إلي أنها تعد عدتها لتمثيل ~~دور غضب آخر، أو أن هذا البكاء ليس حقيقيا بصورة ما. # ووجدت نفسي أتقدم منها في وجل، وأتحدث بصوت مسموع لتنتبه إلى وجودي، بل حاولت ~~أن أضحك ولكني أنهيت المحاولة في الحال؛ فقد بدا ضحكي سخيفا لا مكان له ولا معنى، ~~ووصلت إلى المكتب وانحنيت أواجهها وأحدق فيها، كان احمرار عينيها احمرارا حقيقيا، ~~ودموعها دموعا حقيقية. ومع أني كنت قد أصبحت قريبا جدا منها إلا أنها أيضا لم ~~ترفع عينيها عن سطور الخطاب، ولا أتت بأية بادرة تدل على أنها أحست باقترابي أو ~~وجودي. # وإحساس غريب تملكني لحظتها حتى لقد دفع إلى ملامحي بابتسامة خفيفة باهتة ms172 لا تكاد ~~تلحظها العين؛ فحين مضت فترة صدمتني الحقيقة وبدأت أنفعل وأحس. كان أول ما أحسست به ~~لمحة اغتباط عابر ؛ فالمعنى الواضح لبكائها أنها قد تأثرت بكلامي تأثرا دفعها إلى ~~البكاء. # وأنت إذا تكلمت وأبكيت شخصا ما بكلامك فهو دليل على أنه يحبك ما في ذلك شك، إن ~~كلامنا لا يبكي من يكرهنا مهما أسرفنا فيه وقسونا، كلامنا يبكي فقط من يهتم بنا، ~~من يحبنا. # ولكن اغتباطي لم يطل؛ فلم ألبث أن أحسست بشفقة طاغية جارفة تتملكني. لا لم تكن ~~شفقة، إن الشفقة نحسها فقط تجاه من هم أضعف منا، أما هذا الإحساس تجاه ند لنا ~~أو تجاه من نعتبره أعلى منا فلا أعرف ماذا أسميه؟ ولكني أحسسته، وأحسست معه أني وغد ~~لأني جعلتها تبكي، مع أن غبطتي لأني أنا الذي أبكيتها كانت لم تزايلني بعد. وهكذا ~~دخت في هذا المزيج الغريب المسكر من الفرحة والشفقة والفروسية والندم والرغبة في ~~القيام بأي عمل عاجل يمنعها من الاسترسال في البكاء، والرغبة في عدم الإتيان بأي عمل من ~~شأنه أن يوقفها عن البكاء؛ فقد كنت آسف له وأستعذبه، وأدوخ ألما حين أرى تساقط دموعها ~~الحقيقية قطرة متبلورة وراءها قطرة متبلورة على صفحات الخطاب تذيب حبره وتبلل ورقه ~~وتصنع دوائر شفافة متناثرة على صفحاته، وأحس في نفس الوقت بسعادة محرمة خفية لعجزي ~~عن إيقاف هذه الدموع. # وكان لا بد أن أصنع شيئا، ورحت أردد: سانتي، سانتي، ما هذا؟ # ولم يأتني جواب على تساؤلي، ظلت سادرة في قراءتها وبكائها فاستدرت وعانقتها ~~محاولا أن أمنعها عن متابعة القراءة، ولكنها لم تستسلم لمحاولتي ومضت تقرأ وتبكي. ~~ويأسا من المحاولة - التي كنت أتمنى لها الفشل في قرارة نفسي - رحت أضمها وأمرغ وجهي ~~وأنفي في شعرها وأقبل عنقها وآخذها كلها بين ذراعي، وهي جالسة على الكرسي، جسدها في ~~حالة استرخاء تام، ولأول مرة أحس بها مستسلمة استسلاما كاملا لي ولذراعي ولقبلاتي ~~... # وحتى وأنا في قمة نشوتي لم أستطع أن أمنع السؤال الملح من أن يطرق بالي ويوالي ~~طرقاته، ms173 ماذا أبكاها؟ # ورغما عني انتقل السؤال من عقلي إلى لساني ورحت أقول: لماذا تبكين يا سانتي؟ لماذا ~~تبكين ... لماذا؟ # ولم ترد في الحال، ظلت تقرأ البقية من الخطاب وهي تائهة، وحين انتهت منه رفعت ~~رأسها وقالت: أنت قاس يا يحيى، أنت قاس جدا. # قلت لها وقد فرحت لأنها نطقت: لماذا يا سانتي؟ # قالت وهي لا تزال تبكي: خطابك هذا، أنت قاس جدا. # فقلت لها وأنا لا أزال أضمها وأقبل عنقها من الخلف: ولكنه حقيقي، أليس ~~كذلك؟ ~~- لست أدري، ولكنك قسوت علي، أنا لست كما ذكرت، أنا لا أعبث بك، أنا لم أعبث بك ~~أبدا، أنا لا أريد التفرج عليك وأنت تتعذب، أنا لست هكذا أبدا أبدا، أنا لست ~~هكذا. # وبعنف وبكل إرادتي رحت أحاول أن أمنع قلبي من أن يدق ذلك الدق الجنوني الذي كان يدق ~~به، لا لكلماتها ولكن لأنني في تلك اللحظات بدأت أتبين حقيقة غريبة ينكشف عنها ~~الموقف، كانت سانتي تمر بالحالة التي أعرفها جيدا في النساء، الحالة التي تحس فيها ~~بالمرأة جسدا وشخصية وروحا قد بدأت تفقد صلابتها الطبيعية وتلين بين يديك حتى ليمكنك ~~أن تفعل بها ما تشاء. # ولم يكن قلبي يدق من الفرح، ولا من الإحساس بالانتصار العظيم الذي عملت من أجله ~~طويلا، ولم أكن أعرف لحظتها لماذا يدق، ربما من الخوف، ربما من رهبة الإقدام على عمل ~~هائل مروع. # وبدأ ريقي يجف وينضب. # ورحت أردد من خلال حنجرة جافة ولسان جاف: لماذا يا سانتي؟ لماذا؟ لماذا أردد ~~الكلمات فقط وأنا أفهم معناها ولا أعيها، بل حتى المناقشة الصغيرة التي نشبت بعد هذا لم ~~أكن أعنيها، ولا كنت أفكر فيها، لا لأني كنت مشغولا بالتفكير في شيء آخر؛ إذ ~~الواقع لم أكن أفكر في أي شيء بعينه، ولا حتى في سانتي. قلت لها: ولكن كلامي حقيقي، ~~أليس كذلك؟ أنت فعلا تتفرجين على حبي لك ولا تريدين أن تتبيني أني أتعذب، ولا حتى أني ~~أحبك فعلا حبا حقيقيا مجنونا، انظري إلي! انظري إلي! افتحي عينيك ms174 الجميلتين ~~وانظري إلي! تبينيني ولو مرة واحدة. # قالت ودموعها تتساقط بسرعة أكثر: أنت قاس يا يحيى، أنت قاس. ~~- لا يا حبيبتي، لست قاسيا، أنا أحبك يا سانتي، أنا أحبك، هل تعرفين هذا؟ أنا ~~أحبك. # كنت أود في تلك اللحظة - حتى وأنا لا أفكر - أن أقول كلاما جميلا، حوارا من ~~النوع الذكي المنمق الجميل الذي نقرؤه في الكتب ونراه في الروايات، ولكني لم أكن أجد ~~شيئا أقوله سوى أن أردد: أحبك يا سانتي، أحبك. # وأخذتها تحت إبطي فطاوعتني ووقفت معي، وقبلتها في عنقها وأنا أرتجف؛ إذ كنت قد بدأت ~~أرتجف، وأنا خجل أريد أن أداري ارتجافي عنها، وكلما حاولت هذا ازدادت حدة رجفتي ومشيت ~~وأنا أدفعها أمامي برفق ولين، حتى صرنا أمام الكنبة، وجلست وجذبتها معي فجلست بجواري، ~~ولم تجلس كما تعودت أن تجلس، خلعت حذاءها وألصقت ركبتيها بصدرها وأنا بجوارها وذراعي ~~ملتف حولها وأحتويها ولا أزال أرتجف، اللحظة التي انتظرتها سنين طويلة وسنين، آلاف ~~السنين، خيل إلي أني حتى قبل أن أولد كنت أنتظرها، ها هي ذي قد جاءت، ها هي ذي ~~سانتي أمامي، ساكنة مستسلمة كالعجينة، أستطيع أن أفعل بها ما أشاء. # وقبلتها في فمها، ولأول مرة أحسست بنشوة عارمة حين وجدتها لا تشيح بفمها عن فمي ~~وأنها تسلمني فمها، ولكني لم أحس أنها قبلتني، فقبلتها مرة أخرى وأخرى. # وازدادت بكاء وقالت: لا تفعلها يا يحيى، أرجوك لا تفعلها. # ودق قلبي بعنف جديد أشد، وبدأت أسناني من الارتجاف تصطك، إنها تطلب مني أن أدعها، ~~مستسلمة وتطلب مني أن أدعها وتبكي، أحتويها بذراعي وهي مستسلمة إلى صدري وتطلب مني ألا ~~أفعلها وتبكي. # قلت: لماذا يا سانتي؟ # قالت: لأنني لا أريد. # ما زالت كل دقيقة من دقائق المشهد حاضرة محفورة في ذاكرتي لا تنمحي: سانتي منكمشة على ~~نفسها في ركن الكنبة، وأنا بجوارها أحتضنها بذراع، وبيدي الأخرى أرفع وجهها وأقربه من ~~فمي ووجهي، والشمس تغرب، والحجرة غير مضاءة، والمكتب والكراسي والستارة الرقيقة المسدلة ~~على النافذة، والدنيا كلها تمر بلحظة سكون لا ms175 أعرف سببه، ربما كانت كلها واجمة تنتظر ~~نتيجة ما يدور، ودوي ما حدث في الورش في الصباح ووجوه العمال الراسخة في ذاكرتي تنتظر ~~أيضا وتترقب، بل كان واضحا أن سانتي هي الأخرى تنتظر النتيجة، وتنتظر مني أن أفعل ~~شيئا، أو لا أفعل شيئا بالمرة. # وفيما تلا هذا من أحداث، ربما لو لم تحدث بالطريقة التي حدثت بها لما كان ما كان، ~~ربما لو تقدم حدث عن حدث أو استبدلت كلمة بكلمة لتغير المشهد، ولتغير مصيري ~~ومصير سانتي، ولخطت لنا الحياة مصيرا آخر. أحداث صغيرة قد تبدو تافهة كل ~~التفاهة، ولكنها في أوقات، في وقت كهذا كانت مهمة عظيمة الأهمية إلى درجة قد لا ~~يصدقها العقل، بل لم أصدقها أنا نفسي حين رحت أستعرض ما حدث فيما تلا هذا من أيام، ~~وأعوام. # للحظة خاطفة ألقيت نظرة على نفسي وعلى أعماقي فروعت للنتيجة. لم أجد لدي أية ~~رغبة في سانتي، بل لم أستطع أن أفكر فيها لثانية واحدة - وكمجرد تفكير - وهي أمامي ~~امرأة مستسلمة تبكي، وكأنها امرأة حرن بي تفكيري كما كان يحرن خيالي. وكم قضيت الساعات ~~الطويلة أفكر في الأحداث القليلة التي احتواها المشهد، وأحاول تحليلها وتعليلها، ~~ووصلت إلى نتائج ولكنها أبدا لم تستطع أن تشفي غليلي، لم أستطع أن أعثر على سبب ~~وجيه يفسر لي كل ما حدث. أحيانا كنت أقول إن السبب هو أن سانتي - حتى تلك اللحظة - ~~لم تكن قد قامت بأي تصرف يدل على رغبتها في، وكان السؤال إذن لا يزال يلح: هل ~~تريدني مثلما أريدها؟ هل تحبني سانتي؟ ذلك هو السؤال، تلك هي المأساة التي كانت ~~تشلني. # بل حتى حالة الاستسلام التي كانت فيها، لم أحدثها أنا الرجل فيها، لم يحدثها ~~كلامي أو ضغطاتي ولا قبلاتي، كتابتي هي التي أحدثتها. ولم أكن أريد أن تستسلم لي ~~ككاتب، ولا أن تحبني كمحرر في المجلة وصاحب قلم وأسلوب. كنت أريد أن تحبني أنا، أنا ~~الرجل، أنا الجسد والشكل والروح. # كل ما كنت أريده تلك اللحظة هو نفس ما ms176 أردته دائما، أن أبيع حياتي من أجل أن أظفر ~~بلمحة منها تدل على أنها تريدني هي الأخرى، طيلة علاقتي بها كنت في انتظار هذا، وفي ~~تلك اللحظة كنت أيضا لا أزال أنتظر. والموقف يستدعي أن أتصرف بإيجابية وأنالها، فكيف ~~أنالها وأنا أنتظرها؟ وكيف أتحرك وأنا أنتظر منها أن تتحرك أولا لأريدها وأرغب ~~فيها. كان مستحيلا علي أن أتحرك ما لم تتحرك هي، ما لم تعاملني كامرأة تحبني ~~لأعاملها كرجل يحبها. # واللحظة رهيبة وفاصلة، حقيقة فاصلة؛ فإحساس مبهم غامض وكأنه الحاسة السادسة، قارئة ~~المستقبل، ومدركة البعد الآتي في أي وضع حاضر، كانت تهيب بي أن تلك اللحظة سوف يكون ~~لها أعمق الأثر في علاقتنا، سوف تحدد مصير العلاقة. كنت أدرك أن العلاقات تبدأ ~~بمناورات مزدحمة من جانب المرأة والرجل على حد سواء، ويظل الاثنان يحاوران بعضهما حتى ~~ينضج ما بينهما، فإذا جاءت ولم يتم لا تلبث العلاقة أن تفتر وتبرد ثم تنهار. ترى لو ~~لم يتم ذلك الاتحاد بيننا في هذه اللحظة وانتهى المشهد على غير تلك النهاية، فهل أغفر ~~لنفسي هذا؟ وهل إن غفرت أنا ستغفر لي هي الأخرى وتسامح؟ # وحتى إذا كنت قد تغلبت على كل قيودي الداخلية، فكيف ستواجهني هي بعدما يحدث شيء ~~كهذا بيننا؟ كيف ستجلس في اجتماعاتنا، كيف تستعيد نفسها وتتكلم وتعمل وكيف أجلس معها، ~~وبأي عين نناقش حينئذ نشاطنا وثورتنا؟ وكيف أستطيع أن أحمل على سياسة المجلة وأطالب ~~بالقيادة لنا وأتهمها بما تستحقه؟ كيف أدعي الشرف بعد هذا والبراءة؟ وكيف أعود نظيفا ~~كالبلور مثلما أريد؟ # ولا أكذب على نفسي وأقول إن أفكاري الأخيرة تلك كانت حوائل رئيسية في نظري، ولكنها ~~هي الأخرى كانت تعمل، ولقائي مع أحمد سيف النصر وكلماته، وكلمته بالذات: والله أنت ~~أناني! ووجه العامل المتشبث بحديد النافذة لا يبرحه، تلك الأشياء المتباعدة التي كانت ~~تبدو لي قليلة الأهمية كانت تدق فوق رأسي بعنف، وأحيانا أتفه الأشياء هو الذي يدق فوق ~~رءوسنا ويأخذ الأهمية الكبرى في لحظات كتلك. # وفجأة أنتبه لأجد نفسي أفكر ms177 في شيء غريب، وكأني مذهول من استسلام سانتي لي، وكأني ~~لم أكن أتوقع أبدا أن تستسلم وتصنع كما تصنع أية امرأة أخرى، إلى درجة أني أكاد ~~أنهرها بنظراتي وأنهاها وأستنكر أن يكون ما تصنعه لحظتها أن يثبت في النهاية أنها ~~امرأة ككل النساء. كنت أشك وأومن، وأظن أنها لا يمكن أن تفعل هذا أبدا، وأنظر إلى ~~الواقع فيكاد الواقع ينطق ويكذبني، بل أحد الدوافع الرئيسية التي كانت تدفعني للمضي في ~~المشهد إلى نهايته هو أن أتبين بدرجة لا تقبل الشك إن كانت ستسلم حقيقة في ~~النهاية كغيرها أو أنها لن تفعل. # وفجأة أيضا أضيق بكل شيء، بها وبنفسي وبعلاقتنا وبالدنيا كلها، وأكاد أنفجر في سانتي ~~سبا ولعنا؛ فلم أكن أريد بخطابي لها إلا مجرد افتتاح الحديث ليدور بيني وبينها، ~~حديث تنضج فيه لحظتنا ونتجاوب خلاله، وينتهي إلى هذه النهاية نفسها. كنت أريد أن أؤقت ~~أنا المسألة ولا يكون الموضوع كله مفاجأة لي، فإذا بتأثرها بالخطاب يصل إلى درجة ~~يصبح معها أي حديث بعده سخيفا سخفا لا حد له، وإذا بما رتبته ينقلب رأسا على عقب، ~~وإذا بي واقف عاجز لا أكاد أعرف ما يجب علي أن أفعله. # وبدأت أختنق. # والكلمة تستعمل أحيانا للتهويل، ولكني حقيقة بدأت أحس بأشياء تتصاعد من داخلي، ~~وتلتف حول عنقي، وبدأت أحس بروحي ترف في صدري وأنني حالا قد لا أستطيع التنفس. # لم يكن قد مضى منذ جلست معها على الكنبة أكثر من دقيقة أو دقيقتين، في أثنائها دارت ~~كل تلك الاحتمالات والافتراضات والتصورات في عقلي، وكانت لا تزال تدور حتى كدت أحس ~~بعقلي يجأر كموتور عربة تصعد مرتفعا وهي تحمل فوق طاقتها. وكانت سانتي لا تزال على ~~جلستها ودموعها قد بدأت تسيل في وهن، ولأنها كانت ترتكز برأسها على ذراعي فدموعها كانت ~~قد صنعت خطين لامعين فوق وجهها المحتقن. لأول مرة كنت أرى دموعا حقيقة تصنع بسيلها ~~خطين لامعين كلما قاربا الجفاف بللتهما دموع جديدة. وبدأت لي مسكينة ضعيفة واهنة لا ~~حول لها ولا قوة، ms178 هي سبب الدوامة التي تجتاح عقلي وحياتي ولا أستطيع لومها، وكل ما ~~أحسه أني أريد حمايتها حتى من نظرة لوم تفلت مني، ولا أريد منها أكثر من أن تسمح لي ~~بأن أحميها. # ولا أعرف كيف جاء هذا الخاطر اللعين إلى تفكيري، ربما كان عقلي قد وجد فيه مخرجا ~~للأزمة العنيفة، وربما لم أكن قد لاحظت علامة واحدة أحسست منها أنها تحبني مثلما ~~أحبها، مع أني كنت أقول لنفسي إنها ربما تدخر إحساسها كله لتعبر لي عنه بعدما ينتهي ~~المشهد إلى نهايته الطبيعية؛ أي بعد أن أصل معها إلى مرحلة الاتحاد الكامل. هناك فوق ~~قمة تلك المرحلة وبعد أن نجتازها ممكن أن تأخذ رأسي بين راحتيها وتقص علي قصة ~~أحاسيسها ناحيتي بصراحة ودون أن تخفي شيئا؛ فالمرأة أحيانا تدخر اعترافاتها لنهاية ~~الشوط وبعد أن تكون قد اطمأنت إلى أنها الكاسبة. ولكني كنت أستبعد أن تكون سانتي من هذا ~~الصنف من النساء، بل لم أكن أريدها أن تكونه. لماذا تضن علي بعواطفها وأنا لم أضن ~~عليها بعواطفي؟ ولكن دموعها، لماذا تبكي هذا البكاء المتصل المرير وكأنها في جنازة أو ~~مساقة للذبح؟ لماذا لا أحس أنها في حالة هيام عاطفي مثلما أنا هائم؟ لماذا تقابل ~~انفعالي العظيم بذلك الانكماش المطلق؟ لماذا هي غير منفعلة مثلما أنا منفعل؟ مرة أخرى ~~لا أعرف كيف واتاني هذا الخاطر، ولكني وجدته ينصب أمامي ويصفر في عقلي صفيرا طويلا ~~كئيبا يورث الوحشة ويهز الكيان. # لماذا لا تكون المسألة كلها مجرد أحاسيس عارمة من جانبي أنا وحدي؟ لماذا لا ~~تكون قصة الحب التي تخيلتها مجرد خيالات دارت في عقلي أنا فقط؟ # جفلت للخاطر وكأني قد اصطدمت صدمة مفاجئة مروعة بحاجز صلب قاس، بل أحسست حقيقة ~~بأني أشم في أنفي رائحة كالتي تحدث حين يصوب لنا أحدهم لكمة هائلة في الأنف، ووجمت. ~~ولكن وجومي لم يستمر إلا للحظات خاطفات، بعدها استعدت نفسي تماما، بل جمعت كل نفسي ~~وكل كياني وكل شغفي بها وخوفي عليها ورغبتي فيها، وهززتها برفق بين ذراعي ms179 وأنا أقول ~~لها في همس ملح: إذن أنت حقيقة لا تريدين يا سانتي؟ # وتململ جفناها، وبشريط ضيق من عينيها واجهتني وقالت في كلمات نطقتها وكأنها ~~تذرفها حتى كان لها نفس دفء الدموع: أكنت تظن أنت غير هذا؟ # فقلت وصفارة الخاطر لا يزال صداها في رأسي: كنت ... كنت ... أجل كنت أظن هذا. # وكنت أتوقع أن تتكلم، ولكنها سكتت، فعدت أسألها وأستحثها: صحيح يا سانتي ... لم ~~تريديني، وكنت فقط تتحملينني؟ # وقالت: أجل، أجل. # ودفعت رأسي بعنف من صدرها وأنا أقول: يا للفظاعة! # وتنبهت سانتي تماما، وأمسكت بيدها وجذبت رأسي بحماس لكي أواجهها وقالت: مالك يا ~~يحيى، مالك؟ # فقلت لها وأنا بالكاد أركب الكلمات وأصنع منها جملا وأكملها بتعبيرات وجهي وتقلصات ~~يدي وأصابعي: تصوري! كنت فقط تتحملينني، لم تكوني تريدينني وكنت أنا أثقل عليك بسخفي ~~وبعواطفي، وأنت طيلة الوقت تتحملينني. هذا مريع حقيقة، سيئ جدا. # وبصوت متناه في الخفوت أنهيت كلامي بسؤالها: صحيح يا سانتي، صحيح لم تكوني راغبة في ~~أي شيء مما بيننا فقط تتحملينني؟ ~~- أجل، أجل يا يحيى كنت أتحملك، هل كنت تعتقد شيئا غير هذا؟ # وكمحاولة يائسة أثبت بها لنفسي أن كلامها غير صحيح ضممتها وقبلتها، فعادت تقول ~~بلهجتها الدامعة السابقة: أرجوك يا يحيى، لا تفعلها أرجوك. # ورغما عني أحسست أني لم أعد أحتمل، ووجدت نفسي أنتفض واقفا وأغادر الحجرة إلى ~~الصالة كمن أصيب بلوثة، وعند باب الحمام توقفت ورحت أشهق محاولا أن أبكي، لم أكن ~~أعرف لماذا قمت وغادرتها، ولا لماذا أحاول أن أرغم نفسي على البكاء، ولا السبب في هذا ~~الضعف الشديد الذي شعرت به يمتص كل قواي وإرادتي وكأني إنسان آخر غير الذي كنته في ~~الصباح، إنسان آخر غير الرجل الناضج القوي الذي وقف وحده يواجه آلاف الرجال وتحيطه ~~نمور غضبهم. أين هذا منه الآن وهو يواجه هذه الفتاة التي لا حول لها ولا قوة بأضعف ~~ضعف وأسخف موقف؟ # ولكن كنت في حالة غريبة لا أستطيع أن أوجه لنفسي سؤالا أو أجيب عليه، وأي شيء لم ~~يهمني ms180 ولا حتى رأيها في وفي تصرفاتي أصبح يهمني، كنت أحس أني لا أستطيع أن أفعل إلا ~~ما أفعله، إلا أن أتفرج على ما أفعله، وكأنما ركبتني إرادة أخرى أصبحت هي التي ~~تسيرني. # ولم تمض سوى لحظات قليلة جاءت بعدها سانتي ورائي وأمسكتني من كتفي ومضت تهزني ~~وتقول: ماذا حدث يا يحيى؟ ماذا حدث؟ ماذا جرى لك؟ فقلت لها وأنا أستدير وأواجهها وأحاول ~~أن أبتسم: لا شيء لا شيء، نوبة، معلش! لم يحدث شيء أرجوك انسي ما حدث. # وكنت أقول هذا وأنا أراقبها؛ فحالتها كانت مختلفة تماما عن الحالة التي كانت عليها ~~منذ برهة فوق الكنبة، وكأنما أفاقت تماما، وكأنما كانت مندمجة في دور ثم انتهت ~~منه فانتهى تقمصها له. صوتها استرد حماسه وتدفقه، وملامحها استردت حيويتها، ~~وابتسامتها أصبحت حائرة بين الاستنكار الخفيف والشفقة الخفيفة، وليس فيها أي حب ~~استطلاع أو دهشة وكأنها كانت تعرف أني سأفعل هذا. # والمضحك أنني رغم أي اعتبار آخر كنت في تلك اللحظة بالذات أقول لنفسي: لو دموعها ~~التي كانت تسيل كانت حقيقية، لو كانت منفعلة انفعالا حقيقيا أوصلها لدرجة البكاء، ~~لما كانت قد استطاعت أن تسترد شعورها ونفسها بمثل تلك السرعة. لو كانت تحبني حقيقة ~~لظلت سادرة في انفعالها السابق ولظلت تبكي. المحب الصادق لا يكون انفعاله انعكاسا ~~لانفعال حبيبه، ولكنه يتصرف بوحي من نفسه ولا يملك إلا التصرف بما يمليه عليه ~~شعوره هو. انفعاله يكون أقوى منه، وأقوى من إرادته، أما التحكم في الانفعالات ~~وتغييرها حسب الحاجة وضبطها فأمر لا يستطيعه المحب. # أكثر من فتاة تحب رأيتها، وباستطاعة الإنسان أن يلتقطها من بين الآلاف، إنها تبدو ~~كمن يعاني من جنون الإيمان بفكرة ثابتة، ولكنها ليست فكرة، شخص تؤمن به وتحبه ويشغلها ~~عن العالم كله حتى ليصبح لها شكل المهاويس وتصرفاتهم. # وكانت سانتي أمامي في أتم قواها وتحكمها بنفسها. # وقلت لها: سامحيني، لقد أزعجتك، لم أكن أقصد هذا، ولكنه حدث برغمي، أرجوك ~~انسيه. # ولم يكن لدي ما أقوله غير هذا؛ فقد شعرت أني لو حاولت ms181 التوضيح، لو حاولت التحدث ~~عما أحسه وأشعر به، لكنت وكأني أكشف عن عواطفي لغريب أو على الأقل لمحايد. # وسكت، حتى الكلمات القليلة التي تلتها بعد هذا كانت مجرد صدى لصدمتي، ما فائدة ~~الكلام؟ لو أردت الكلام حقيقة لخنقتها أو انتحرت وأشعلت النار في البيت، في جوفي ~~بركان انفعال يذيب الصلب. وحين عدنا من أمام الحمام وجلسنا مرة أخرى في الحجرة ~~جلست صامتا لا أكترث، وحتى سانتي لم تتكلم كثيرا، حاولت أن تطرق موضوعات وقالت: نسمع ~~موسيقى. وأدرنا أسطوانة أو اثنتين وتبادلنا الابتسامات، وأخيرا جمعت سانتي أشياءها في ~~تكاسل وارتدت الجاكيت وقالت: أنا ذاهبة، هه أنا ذاهبة. # ابتسمت وقلت وأنا مخفض رأسي: أوكي. # وبطريقة روتينية محضة قالت: أراك غدا. # قلت: طبعا طبعا. # قلت هذا وأنا أسير وراءها إلى الباب، وكانت تسير أمامي وأنا أراها من ظهرها، هذه ~~المرة كنت أحس بضيق منها يكاد يعادل إحساسي بالحب لها حين دخلت. وكانت تمشي إلى الباب ~~لا تتلفت ولكن مشيتها يبدو منها أنها تتوقع حدوث شيء. وفتحت الباب وأبطأت في فتحه ~~متوقعة، واستدارت وهي تقف على العتبة وابتسمت وقالت: باي. قالتها وهي أيضا متوقعة، ~~ثم راحت تهبط السلالم، سلمة سلمة وعلى مهل، وحين أغلقت الباب كنت أسمع أصداء ~~أقدامها آتية من بعيد، وكل صدى كان يحمل في طياته توقعا، وكأني سأفتح الباب ~~وأنادي عليها، ولم أفتح أي باب، تمددت على الكنبة وأمرت نفسي ألا أفكر، ولم تكن نفسي ~~في حاجة إلى أي أمر، من تلقاء نفسها كانت لا تريد شيئا بالمرة. # ولا حتى مراجعة ما حدث. # وأغمضت عيني وأغمضتها بعنف وكأني أخاف أن تنفتحا رغما عني وتريا ... # كم من الزمن مضى وأنا على هذه الحال؟ كل ما أذكره أني سمعت - وكان هذا قد حدث مباشرة ~~بعد خروج سانتي - أن الباب يدق، ولم أتعب نفسي بمحاولة تخمين إن كانت هي الطارقة، ~~قمت إلى الباب وفتحته، ولم أفتح الباب مرة واحدة، ثلاث مرات فتحته. في المرة الأولى كان ~~شوقي وقد حضر ليعرف نتيجة ما حدث في ms182 الورش في ذلك اليوم، وغمغمت له بأن كل شيء على ما ~~يرام، وأني نفذت نصيحته ولم أمنحهم إجازات رغم أنهم كادوا يمزقونني تمزيقا، وعبثا ~~حاول أن يعرف مني التفاصيل؛ فقد كنت باردا ضجرا لا أريد الحديث. ولم تضايق شوقي ~~لهجتي أو طريقتي، كان واضحا أنه سعيد بالنتيجة؛ فقد تخللت حديثه كلمات كثيرة عن ~~نفوذنا وسط العمال ووجوب تدعيمه وما حدث يعتبر بداية لتوسيع أكثر، وأشياء أخرى ~~كثيرة لم أحفل بتبينها. # والطارق الثاني كان آخر إنسان أتوقعه أن يطرق بابي، كان سكرتير النقابة، أنيقا ~~جدا يرتدي بدلة كحلية ورباط عنق أحمر ومنديل صدر من نفس اللون، واعتذاراته ~~كانت أول ما واجهني حين فتحت الباب، اعتذارات أكثر سماجة من تصرفاته في الصباح؛ فقد ~~كانت تنزلق من فوق لسانه انزلاقا دون إيمان حقيقي بها. ولم يلبث سبب زيارته أن اتضح؛ ~~فقد بدأ يعرض علي عرضا غريبا ويبرره بقوله إنه كان نظاما متبعا مع جميع الأطباء ~~الذين عملوا قبلي في الورش، والعرض كان أن تدفع لي النقابة ماهية شهرية (لا يطلع ~~عليها غيري وغيره!) لكي أتساهل مع العمال وأمنحهم إجازات. وأعجب شيء أني كدت من فرط ~~حقدي على نفسي وعليه وعلى الدنيا الخانقة المقبضة التي تركتني فيها سانتي، كدت أقبل ~~العرض، ولكني رفضته بوقاحة وأمرته بمغادرة البيت في الحال. وظن أني أستشوي العرض ~~فأعاده بمبلغ أكبر، بخمسة عشر جنيها في الشهر. وفكرت فجأة في قتله، ومن درج المكتب ~~أخرجت مشرطا جراحيا كنت أستعمله لبري الأقلام. ودهش وظن أني أهزل معه، ولكنه ما إن ~~رأى وقفتي ونظرتي والمشرط المشرع في يدي حتى خاف خوفا كاد يدفعني لطعنه، ولو كان قد ~~بقي في الحجرة لحظة لفعلتها، ولكنه جرى ناحية الباب كالأطفال وهو يصيح: دا أنت باينك ~~مجنون صحيح. # وما كدت أتمدد على الكنبة وأغمض عيني وألتقط أنفاسي وأعود إلى حالة السكون التي ~~كنت عليها قبل أن يبددها شوقي والسكرتير، حتى دق الباب مرة ثالثة، وقمت وفي اعتقادي ~~أنه السكرتير قد عاد ومعه البوليس أو عاد ومعه ms183 رفاقه، ولكن الطارق كان لورا، ولم أسأل ~~نفسي لماذا جاءت ولا ماذا تريد. انتباهي كله انصب على أمر غريب؛ فبشرتها كانت تلمع ~~لمعانا غير عادي، وكأنها خارجة لتوها من الحمام. # وأحسست أني لست بكامل قواي العقلية وأنا أرفع صوتي أكثر مما يجب وأقول لها: ~~هاللو. # ورفعت حاجبين خفيفين أصفرين في دهشة وقالت: حسبتك نائما. وقلت وأنا أمد يدي ~~وأتناول يدها، قلت وكأنني لا أخاطبها وإنما أخاطب جمعا حاشدا، أخاطب يوما عاصفا ~~مزدحما جرت فيه أحداث هائلة كثيرة تستغرق عاما: أبدا أنا لست نائما، أنا مستيقظ، ~~مستيقظ جدا، أنا أنتظرك، لي يوم بطوله وأنا أنتظرك. كنت أقول هذا وقد أغلقت الباب ~~ووضعت يدها تحت إبطي وسحبتها ورائي وهي تسير بتردد وخوف قليل وقالت: تنتظرني! ~~لماذا؟ # قلت: أتذكرين يا لورا الدرس الذي أعطيتك إياه هنا؟ # قالت ببراءة حقيقية: درس العربي؟ # قلت: لا، الدرس الآخر، درس وظائف الأعضاء. # قالت: أوه. # قلت: لقد كان درسا نظريا يا عزيزتي. # وكنت أكلمها وظهري لا يزال إليها وواجهتها مكملا: أما الآن فموعد الدرس ~~العملي. # وبوغتت وظهرت الدهشة واضحة أكثر من اللازم على ملامحها، وقالت بروح مسحوبة: ماذا ~~تعني؟ # قلت: أعني ... # وجذبتها من يدها واحتضنتها بشدة وقبلتها. # فقالت وهي تحاول أن تتملص: لا لا، أرجوك. # ولكني لم آبه لاعتراضاتها وأخذتها بين ذراعي وأنا محموم. # وحاولت لومضة أن أتصورها سانتي، ولكني كدت في هذه الومضة أن أهمد وأدوخ، وعدت أكثر ~~عنفا، وشيئا فشيئا بدأت أعي أن لورا تتكلم، وحين أنصت كانت تقول: أنت تحبني؟ أليس ~~كذلك؟ أنا أحبك جدا جدا جدا. أحبك لدرجة لا تستطيع أن تتصورها، وكنت أكتم عنك ~~ولا أريد البوح. أرجوك، أستحلفك، قل لي، قلها لي، هل تحبني أنت؟ إني مستعدة أن أموت ~~لأعرف إن كنت تحبني، أرجوك أجبني، إنك تفعل كالمحبين فلا بد أنك تحبني، أجبني ~~أرجوك. # وفجأة وجدت نفسي أبكي بكاء حقيقيا، بكاء كان يهزني ويهزها معي وقد أصبحنا كتلة ~~واحدة، بكاء يهز الحجرة كلها، بكاء كنت أحس أنه يتصاعد من كل جسدي وروحي ms184 وضياعي وحتى ~~من أطراف أصابعي، أبكي وأبكي، والمسكينة لورا تلحس دموعي بقبلاتها ولسانها وتمسك رأسي ~~في حنان، وتغوص بأصابعها في شعري وتضمني إليها بشدة وتقول: لا حاجة بك للكلام، يكفيني ~~هذا يا حبيبي، أنا أعبدك، أنا التي كنت أعتقد أنك لا تحبني، يا حبيبي الصغير يا رجلي، ~~أحب رجولتك أحبها، كفى بكاء يا حبيبي كفى، لا بد أني أحلم؛ فأنا أحس أني أسعد فتاة ~~في العالم، لا أستطيع أن أصدق أنك أنت وأنني أنا، ولكنك أنت أنت وأنا أنا، ما أروع ~~هذا يا حبيبي، ما أروع هذا! # 15 # خيل إلي أن أياما كثيرة قد مضت وليالي، ولكن الساعة لم تكن قد تجاوزت منتصف ~~الليل إلا بدقائق، وكانت لورا أول من غادر حجرة النوم، وجلست أنا في حجرة المكتب ~~أتفرج وحدي على الكرنفال الحادث؛ فمن لحظة أن غادرت لورا الحجرة امتلأت الشقة بضجيج ~~عظيم متباين الأسباب. كانت في حالة نشوة كبرى ترقص وتغني، حتى وهي في الحمام تأخذ ~~دشا كان صوت غنائها يصلني عاليا واضحا وكأنها تستحم معي في حجرة المكتب، وحين خرجت ~~من الحمام خرجت صاخبة وزاعقة في أغرب لباس، جسدها كله يكاد يكون عاريا، وقد لفت ~~فوطة الحمام حول رأسها في عمامة ضخمة، خارجة لا تمشي ولكنها ترقص الفالس وتضحك، ~~وأسألها عما يضحكها فتأخذني من يدي وهي لا تزال مندمجة في الفالس وتجري بي وأتبعها، ~~وفي الحمام تريني صرصارا انسلخ من جلده البني وأصبح عاريا أبيض، وتضحك وتقول إنه لا ~~بد أن يستعد لاستعمال الحمام، وتصفر بفمها كما يفعل الشبان، وتتحدث في وقت واحد عن ~~فائدة الاستحمام بالماء البارد في الشتاء، وأنواع الصراصير وشقيقها الصغير العفريت الذي ~~يتجسس أحيانا عليها. # وتنتقل فجأة إلى الحديث عن الشقة وتقترح تعديلات ضخمة في نظامها، ولا تكتفي ~~بالاقتراح بل في الحال تشرع في التنفيذ فتنقل المكتب من مكانه وتجعلني أعدها بشرفي ~~أن أشتري بوتاجازا؛ لأنها لا تطيق البوابير، ثم تتوقف مرة واحدة عن كلامها وضجيجها ~~وصفيرها وتقول: أتعلم أن ما يلزمك هو حمام، ms185 بالضبط الحمام هو ما يلزمك، ~~تعال. # وفعلا أمسكتني بكلتا يديها، وحاولت التملص فجذبتني بقوة شاب وأدخلتني الحمام ~~وشرعت تخلع عني ملابسي بالعافية، وأحاول مقاومتها فلا تفعل المقاومة أكثر من أن تزيدها ~~إصرارا كإصرار الأطفال حين يعثرون آخر الأمر على لعبة سمجة يلعبونها، وكانت لا تزال ~~سادرة في خلع ملابسي تضحك وتقهقه لاحتجاجي ومقاومتي حين صرخت فيها بأعلى صوتي مطالبا ~~منها أن تخرس وتسكت وتدعني. # واستغربت أنا نفسي للدهشة الشديدة التي اعترتها وأسكتتها تماما، وأسكتت معها الشقة ~~والحمام وخرير الماء من الحنفية. # ولو ظلت ساكنة لما حدث شيء ولكنها شرعت تبكي. لم تبك ولكن ملامح وجهها بدأت تتقلص ~~وترتفع في أمكنة وتنخفض في أخرى، وفمها يتسع وحاجباها يرتفعان من الناحية الملاصقة ~~لأنفها فقط، وعيناها تغلقهما الجفون المنضمة، وبدت لي بشعة بشاعة قد تثير في النفس ~~أي شيء إلا الشفقة، ووجدتني أقول لها بكل عنف وقسوة: اسمعي، أنا لا أحبك ولا أي شيء، ~~لا بد أن تعلمي هذا وتتصرفي على أساسه. # وتهدلت عمامتها الضخمة في تلك اللحظة بالذات، وسقطت فوطة الحمام على كتفها وبقي ~~جزء منها صغير عالقا بشعرها المبلل المنكوش، وكذلك تهدلت ملامحها فقبر مشروع البكاء ~~إلى الأبد وحل محله استغراب بريء حزين وقالت: ولماذا إذن ... # ولم أدعها تكمل، قلت لها وأنا أعود لارتداء جاكتة البيجاما التي كانت قد خلعتها عني: ~~هذا لا يدل على شيء. # وتركتها واقفة في الحمام وعدت إلى حجرة المكتب، وما يشغلني ليس هو لورا ولا ما ~~قلته لها، ما يشغلني هو المفارقة العجيبة التي كشف لي كلامي للورا ~~عنها. آه لو تقف مني سانتي حتى نفس هذا الموقف الخشن ~~الذي وقفته أنا من لورا! آه لو تنهرني مرة واحدة وبقسوة وتفهمني بشكل قاطع أنها لا ~~تحبني! لو تفعل لأراحتني؛ فمشكلتي معها أني لا أعرف حقيقة شعورها، ومشكلتها معي أنها لا ~~تريد أن تعرفني. # جلست في حجرة المكتب وسمعت بكاء صادرا من الحمام ولم آبه له بالمرة. كنت في ~~حالة غثيان واشمئزاز، وكم نتحول في حالات إلى ms186 كتل صخر قاس لا أثر للآدمية فيها، ~~جلست على مضض ومنتهى أملي أن تغادر لورا الشقة بأسرع ما يمكن لأعود إلى وحدتي، إلى ~~نفسي، إلى مأساتي. # وليلتها لم تغادر لورا الشقة، بعد أن ارتدت ملابسها وتهيأت للخروج، فجأة وأنا أكاد ~~أتنفس الصعداء قالت لي إنها تذكرت أن والديها لن يناما الليلة في منزلهم، بل سيبيتان ~~عند عمتها في مصر الجديدة. وكان معنى كلامها واضحا جدا، وكان إحساس بالشفقة والندم ~~لما قلته لها بدأ يخالجني، فعرضت عليها أن تبقى، ولم توافق أو تلح، مضت تخلع ملابسها في ~~صمت وتستعد لقضاء الليلة عندي. # وعلى عكس ما توقعت لم يكن ما قلته لها قد أغضبها كثيرا؛ فما كدت أبتسم لها مرة حتى ~~عادت إلى طبيعتها في الحال، وظللت طوال الليل تحيطني بذراعيها وتهدهد علي، وكانت ~~رقيقة في حنانها كأم، وكنت مذهولا كيف نسيت ما قلته لها بهذه السرعة وتناسته؟ لو كنت ~~في مكانها لما أريتها وجهي بعد ما حدث، ولكن يبدو أن للنساء طابعا آخر. إنهن لا ~~يتعاملن بالكلمات الجوفاء التي يتعامل بها الرجال، إنهن يعتبرنها مجرد كلمات قد لا ~~تعني شيئا بالمرة في معظم الأحيان، نفس الكلمات الجوفاء التي يقتل الرجال بعضهم بعضا ~~من أجلها. # وتركت للورا الحرية في أن تقبلني وتحدثني وتناجيني كما تشاء؛ فلم أكن معها، كنت مع ~~سانتي لا أفكر في أي شيء بذاته مما حدث لي معها ولا فيها هي نفسها، ولكني كنت ~~معها. # وفي الصباح وطوال اليوم التالي، يوم الجمعة، كنت قد تركت كل شيء جانبا وأصبح ما ~~يسيطر على عقلي هو ماذا ستفعل حين تأتي في ذلك اليوم. كنت متأكدا أنها لا بد قادمة، ~~وكنت خائفا جدا أن تكون الشفقة هي مبعث قدومها، أو على الأقل حب الاستطلاع، بل ~~الواقع كنت خائفا جدا أن تكون قادمة لأي سبب كان إلا رغبتها في المجيء. بطريقة لا ~~أعرفها ولا أدريها وجدت نفسي وكأن شيئا لم يحدث بالأمس، بل وكأن شيئا لم يحدث بيني ~~وبينها بالمرة، وأصبح كل همي ms187 هو ذلك اللقاء الآتي وكأنه أول لقاء لي معها. # وكنت مستغرقا في هذا إلى درجة لم أشعر معها بما قالته لورا ، ولا بالطريقة التي ~~غادرت بها الشقة، كل ما أذكره أنها أشركتني للحظات طويلة - وأنا ضيق النفس فاتر الإحساس ~~- في الكذبة التي يجب عليها أن تخترعها إذا حدث ووجدت أن والديها لم يبيتا في مصر ~~الجديدة وعدلا عن الذهاب إلى عمتها ماتيلدا وقضيا الليلة في بيتهم، لا بد سيقلقان ~~حينئذ قلقا عظيما، ومن المحتمل أن يقدما على ما لا تحمد عقباه. # وقلت لها لأتخلص منها: فكري أنت من ناحيتك، ودعيني أنا أفكر في كذبة ~~مناسبة. # وهكذا شغلتها عني، ورحت مرة أخرى أحوم - غير مقاطع - حول سانتي وحول مجيئها المقبل، ~~وأفقت مرة فلم أجد لورا بالشقة. # وأحسست براحة عظمى، واسترخيت وسعدت بوحدتي مع نفسي في الحجرة وكأنها كانت مكتظة ~~بازدحام هائل ونجحت في التخلص منه. # وفي الوقت المحدد تماما، في صبا العصر، تلقفت أذني الدقة الطويلة نوعا، والأخرى ~~التالية القصيرة التي تشبه النقطة في إشارات موريس. # ومع أني كنت متأكدا أنها ستجيء وواثق من هذا ثقتي أن العصر سيعقب الظهر حتما، إلا ~~أنني فرحت للدقات وكأني كنت فاقد الأمل في مجيئها، وكأنها معجزة أن يعقب العصر ~~الظهر. # وفتحت الباب وأنا في حالة غير عادية، ذائب في مزيج من الفرحة والحساسية الزائدة ~~لأدق انفعالاتها وخوالجها، كأن في عقلي ألف سؤال ينتظر الإجابة، وكلها أسئلة عما حدث ~~بالأمس، رأيها في وفي كل كلمة قلتها وكل تصرف قمت به. وكنت أعلم أني لا أستطيع أن ~~أسألها عن شيء، وعلي أن ألتقط الإجابة من بسمة أو طريقة نطق كلمة، وربما من ~~تسهيمة. # ودخلت سانتي وهي تحاول أن تكون عادية: إزيك؟ كويس جدا. الكلمتان العربيتان ~~اللتان كنا نتبادلهما دائما، وهذه المرة زادت عليهما بالعربية أيضا وهي تبتسم ~~وعيونها تلمع: إيه أخبارك؟ فقلت بالفصحى: لم يجد جديد. وأردفت بالإنجليزية: ماذا يمكن ~~أن يكون قد حدث منذ الأمس؟ لم يحدث شيء. # وجلست وهي تنظر ناحيتي بهدوء متعمد، وفي ms188 كل مرة كانت تخرج علبة سجائرها كنت ~~أشعر بلذة متجددة؛ فحين تعارفنا كانت تدخن سجائر أمريكية وحتى كانت لا تدخنها ~~بكثرة ، ولكنها أخرجت علبتها - نفس ماركة سجائري - وكأنها تريني علامة من علامات ~~تأثرها بي وانفعالها، ولم تكن السجائر هي العلامة الوحيدة، ~~من كثرة ما تكلمنا معا وتناقشنا كنا قد تبادلنا ~~بلا وعي كثيرا من خصائصنا، أردد بلا وعي أنا تعبير «ده موش كلام» (الذي كثيرا ما ~~كانت تستعمله) أردد أول الأمر في تقليد ساخر للهجتها، ولكني لا ألبث أن أستعمله ~~في حديثي العادي ويصبح جزءا من لغتي، وهي أيضا كثيرا ما ضبطتها تتعمد عوج ابتسامتها ~~لكي تشبه ابتسامتي، ثم أصبح الاعوجاج جزءا من ابتسامتها. # أخرجت سانتي هذه المرة علبة سجائرها وتناولت سيجارة وقدمت لي واحدة، وشددت في ~~عزومتها حتى أخذتها. ومن دخانها، والطريقة التي نفثت بها دخان سيجارتها، ودقات أصابعها ~~على مسند الكرسي، والابتسامة الصغيرة البارزة من فمها، أدركت أنها هي الأخرى جاءت وفي ~~عقلها ألف سؤال، وحب استطلاعها لمعرفة ما يدور في نفسي يكاد يعادل حب استطلاعي ~~لمعرفة ما يدور في نفسها. # وكان مفروضا أن يسعدني هذا الاستنتاج وأكتفي به، وأجلس هادئا مطمئنا وأترك الحديث ~~يقود نفسه بلا خطة أو تعمد؛ فأروع النتائج تأتي أحيانا لمن لا ينتظرها، ولكني لم أهدأ ~~وأسعد إلا للحظة قصيرة جدا، القلق الناري المدمر الذي كان يجتاحني كلما رأيتها أو ~~حتى فكرت فيها، ذلك القلق كيف كان باستطاعتي أن أهرب منه؟ # قلت لنفسي: ها هي ذي قد جاءت بأقدامها كما يقولون، لم تغضب ولم تستنكر، بل وأكثر من ~~هذا جاءت متسائلة محبة للاستطلاع، أعتبر إذن أن ما حدث بالأمس كان تجربة فاشلة، وأبدأ ~~معها الآن فورا تجربة ناجحة. # وكان ممكنا أن ينتفض عقلي علي ويثور، ويتصور ما يحلو لي من أوهام وأوضاع، أما ~~أن أنفذ هذا فشيء مستحيل تماما. سانتي كانت أمامي، على بعد خطوة واحدة مني، ~~أستطيع أن أشل مقاومتها كلها بأصبعين اثنتين من أصابعي وأنالها عنوة، ثم أنفض يدي ~~منها كما أريد، ms189 ولكنني لم أكن أستطيع، أبدا لم أكن أستطيع، كنت متأكدا أنها لو غضبت ~~حتى من فعلتي فستصفح عني بعد هذا وتغفر لي، بل من الممكن أن تذكرني بها بعدئذ وتضحك ~~وأضحك معها. كنت متأكدا ألا بروتوكولات في الحب، فإذا ما وجدت في مكان واحد مع ~~شخص تحبه، وتعتقد أنه يحبك، فأسلم تصرف هو أي تصرف طالما أن الحب دافعه. # كنت مؤمنا بهذا ومتأكدا منه، ولكن ما فائدة الإيمان به والقيود التي تغلني في مكاني ~~وتربطني إلى مقعدي أقوى ألف مرة من كل الحقائق التي ~~أومن بها وأعرفها؟ ما فائدة إيماني وأنا كلما أدركت أن نوالها أمر سهل لا يكلفني إلا ~~فك قيودي أحسست بالقيود تتضاعف وتضيق، وكلما وجدت سانتي قريبة مني راضية ومستعدة لأن ~~ترضى أحسست بها تبعد عني وتبعد حتى لتصبح أبعد من أن أنالها ببصري أو حتى ~~بخيالي. # ظلت سانتي تجذب أنفاسا من سيجارتها حتى تكونت لها بقية طويلة متماسكة من الدخان ~~المحترق، وقمت من مكاني وقدمت لها الطفاية. وبينما هي تدق على السيجارة بأصبعها ~~السبابة وعيناها تنظران إلى السيجارة من خلف جفون تكاد تكون مغلقة، عاودني مرة أخرى ~~ذلك الخاطر، لقد جاءت يدفعها حب الاستطلاع لمعرفة أثر ما حدث بالأمس، والموقف بيننا ~~قد سكن وهمد، ولا بد من عمل أقوم أنا به لأبدد ذلك الجو. وأكثر ما كان يضايقني هو ~~هذا الإحساس الملح بضرورة أن أقوم بعمل، كلما وجدت معها في مكان يبدأ القلق ينهش ~~صدري وأحس أنني أنا الذي يجب عليه أن يتحدث، وأنا الذي يجب عليه أن يقطع الصمت إذا حل ~~الصمت، وأنا الذي يبدد الوجوم إذا حل وجوم، وعلي في هذه المرة أيضا أن أرد على ~~حب استطلاعها، علي أن أفسر موقفي وأوضحه، إنها تنتظر مني وتتوقع، فكيف أخيب أملها ~~في؟ # وتلاقت نظراتنا لقاء سريعا خاطفا، وابتسمت هي ابتسامة سريعة هي الأخرى خاطفة، وما ~~لبثت أن خفضت عينيها وركزتهما على السيجارة التي بين أصابعها، وفجأة عادت تنظر إلي ~~وتبتسم. حين التقت نظراتنا للمرة الثانية ms190 قالت وكأنما تذكرت شيئا: أراك لم تكتب لي ~~خطابا آخر. # وانتهزت الفرصة وقلت لها في مكر: ومن أين لك أن تعرفي ؟ ربما أكون قد كتبت. # قلتها على سبيل المزاح، ولكني تذكرت أني حقيقة قد سجلت خواطري عما دار بالأمس على ~~شكل خطاب موجه مني إليها، وفعلت هذا وأنا لا أحس أني أسجل شيئا أو أوجه لها ~~خطابا، وكأنما فعلته في غيبة وعيي، ثم نسيته. # ويبدو أن تذكري لهذا الأمر جعل بريقا ما يشع من ملامحي؛ فقد وجدتها تعود تقول: ~~صحيح، ألم تكتب خطابا؟ # وسرني شغفها هذا، وقلت: لست أذكر تماما، ولكن ... هيه، دعينا نرى. # وقمت إلى المكتب وبحثت طويلا حتى عثرت على الأوراق مهوشة غير مرتبة، وما كادت تراها ~~وتدرك أن هناك حقيقة خطابا حتى هبت واقفة وقالت بفرح طفولي: دعني أقرأه، دعني ~~أقرأه. # فرح لم أكن أشهده في عينيها حين تلقاني أو تتحدث إلي، فرح غريب، وكأنه فرح ~~للقاء حبيب وليس لقراءة خطاب، ومع هذا أصررت على أن أقرأه أنا لها؛ فقد كان مكتوبا ~~بطريقة لا يمكن لأحد أن يحل ألغازها سواي. # ووافقت سانتي على مضض وكأنما حرمت من متعة خفية خاصة وجلست على الكرسي أمامي، ~~وأشعلت سيجارة أخرى قدمتها لها حرصا مني على أن يكون مزاجها وهي تستمع في حالة ~~اعتدال تام. # ومضيت أقرأ، ولم أكد أنتهي من الفقرة الأولى حتى كنت قد بدأت أصغي رغما عني لصوت ~~غريب محايد يصدر من نفسي، ويدلي بوجهة نظر في المشهد لم تخطر لي على بال؛ فأنا شاب ~~في الخامسة والعشرين من عمره، مطلع ومجرب وتحمل من المسئوليات ما يعجز عنه ~~أحيانا رجال أكبر منه سنا وتجربة واطلاعا. شاب يحب هذه المرأة الصغيرة ~~المتزوجة، والاثنان يجمعهما معترك ثوري واحد، وبينهما كل ما يستطيع الإنسان أن يتصوره ~~من حرج وارتباك، وقد جاءت بعد حادثة فشل ضخمة، ومعنى مجيئها أنها لا تخاف من أن تخوض ~~التجربة مرة أخرى، لا تخاف حتى لو نجحت ونالها ذلك الشاب، ومع هذا فكل ما يستطيعه شاب ~~كهذا ms191 هو أن يجلسها أمامه ويقرأ لها خطابا كتبه في الليلة الماضية! # كان من المحتمل أن تكون هذه أيضا وجهة نظر أي مشاهد يدخل علينا فجأة ويرانا ~~ونحن على هذا الوضع، وجهة النظر التي كنت كلما فكرت فيها أزداد ارتباكا فوق ارتباكي، ~~وكيف لا أرتبك وأنا أومن بأن ما أفعله شيء وأن ما يجب علي عمله شيء آخر؟ # وكيف لا أتعثر وأسخط على نفسي وأنا أرى أن الطريقة التي أتبعها هي آخر طريقة تصلح ~~أن يتبعها محب، ومع هذا فلا أستطيع سلوك غيرها أو الخروج عنها؟ # ولكني بتوالي سطور الخطاب وصفحاته بدأ الصوت في داخلي يخفت، وبدأت أنسى ويقل ارتباكي ~~وأحيا شيئا فشيئا فيما كتبته وما كنت أقرؤه. كان الخطاب طويلا أكثر من عشرين صفحة، ~~ومكتوبا بخط محموم رديء، وكنت لا أملك نفسي في أجزاء منه فأكاد أقشعر، أجزاء كانت تنفذ ~~مباشرة إلى إحساسي حتى بغير أن أعي معانيها وعيا كاملا، أجزاء أحس أنها ليست كتابة ~~ولا مجرد خواطر سجلتها، ولكنها قطع صغيرة حية استخرجتها بطريقة ما من أغوار جسدي، ~~قطع حية تتشابك أمامي وتنبض وأحس فيها دفء الحياة، وأكاد أرى فيها صراخي وعذابي ~~وتمزقي وقد تحول إلى أنين طويل حتى لا يموت. كنت كمن يتفرج على نفس أخرى غير ~~نفسه، نفس أخرى تحب بقوة وقسوة وظمأ وحشي، وتحاول أن تجد قطرة حب تمتصها فلا تجد، ~~فتئن وتعوي وتتلوى. كنت وكأني قد أصبحت شخصين: شخصا يعذب وشخصا يتفرج ويستغرب، ~~والأعجب من هذا أن كليهما يحب سانتي، وأني بكليهما أحاول أن أظفر بها. # ونص الخطاب غير مهم؛ فوأنا أكتبه وأنا أقرؤه وأنا أرقب سانتي وهي تسمعني، لم يكن ~~يدور في ذهني غير شيء واحد فقط، هو أن أحاول أن أعرف إن كانت قد أحبتني هي الأخرى مثلما ~~أحببتها أو لا. كان كل همي وهم خططي، وحتى الهدف الحقيقي من وراء محاولاتي أن أنالها، ~~لم يكن الهدف أن أجعلها تحبني ولكن أن أعرف إن كانت قد أحبتني فعلا. لم يكن مهما ~~عندي حتى ms192 لو تأكدت أنها حتما ستحبني غدا مثلا، كل همي كان أن أعرف إن كانت قد ~~أحبتني في نفس الوقت الذي كنت أحبها فيه أم لا. # توقفت هنيهة عن القراءة، ثم بلعت الغصة التي تكونت في حلقي ومضيت أقرأ، ومن تلك ~~اللحظة بدأت أقرأ بنصف انتباه؛ فنصف انتباهي الآخر كان مركزا تركيزا غير ملحوظ على ~~ملامحها، فإذا كنت في المشهد السابق لم أجد لديها علامة واحدة من علامات إرادتها لي، ~~فقد بقي سؤال: لماذا تواظب على مجيئها إذن؟ ولماذا جاءت في هذا اليوم بالذات؟ وكان هناك ~~جوابان لهذا السؤال: إما أنها جاءت لتتفرج على إنسان يحبها وتحس بأنها مرتبطة به ~~بشكل ما لأنه يحبها، وإما أنها جاءت بدافع من نفسها وعواطفها. مضيت أراقب ملامحها ~~لأعرف إن كانت تتفرج أم هي تحيا المشهد ومنفعلة به وبكلمات الخطاب. # أما الانفعال فقد كان هناك حقيقة انفعال، أما سبب الانفعال فتلك هي المشكلة. ~~ترى أهو انفعال متفرجة أو انفعال محبة؟ إن المتفرج أيضا ينفعل وخاصة إذا كان ~~يتفرج على من يحبه، بل أحيانا يتطلب الموقف من المتفرج أن يمثل دور الحبيب ليرضي هذا ~~الذي يعذب نفسه في حبه. # وانتهيت من قراءة الخطاب ولم أكن قد انتهيت من تحديد نوع الانفعال. # ولم تعقب سانتي في الحال، مضت تعبث بأظافرها. وحتى في أثناء ذلك الصمت القصير كنت ~~أحاول أن أخمن أية كلمات سوف تقولها. # ولكنها بعد قليل قالت وهي تائهة، وكأنما لا تزال تحيا في الجو الذي خلقته كلمات ~~الخطاب: يحيى، هل كنت تقول الحقيقة وأنت تكتب هذا الخطاب؟ # ولم أجب على سؤالها. كنت أريد أن أعرف الدافع الذي حدا بها إلى هذا السؤال، ولما ~~لم أستطع قلت: إن ما في هذا الخطاب لا يصور إلا جزءا واحدا مما أشعر به. إني عاجز، ~~أنا عاجز، أنا عاجز، وقلمي عاجز، وقدرتي على التجسيد عاجزة. # وسكتت وهي تنظر إلي، ثم قالت بضحكتها المعهودة وقد عاد البريق إلى عينيها ~~وكأنما أفاقت: أعطني الخطاب. # وناولتها إياه ببساطة، فطبقته بعناية ووضعته في ms193 حقيبة يدها وهي تقول: لقد أصبح ~~عندي مجموعة رائعة من خطاباتك. # قلت: تحتفظين بها؟ # فقالت ببراءة: طبعا، أنا أحتفظ بها كالكنز . # قلت وأهدافي ماكرة: وزوجك، ماذا يفعل لو رآها حين يحضر؟ # قالت: اطمئن، إني أخبئها في الجزء الخاص بي من دولابنا. وافرض أنه عثر عليها، فماذا ~~في هذا؟ ~~- ماذا في هذا؟ كيف؟ ~~- إنها ليست خطابات مني، إنها خطابات إلي. # وارتبكت وأنا لا أعرف إن كان يجب علي أن أحزن أم أفرح أم أسخط لهذا الذي ~~قالته. # وقلت لنفسي في النهاية: ها هي ذي تسمع خطاباتي وتحتفظ بها، وتغفر لي تهجمي عليها ~~ومحاولاتي معها، ألا يكفيك هذا؟ # وفي الثانية التالية كنت ثائرا على نفسي فقلت لها فجأة: بصراحة أريد أن أسألك ~~سؤالا، أجيبيني عليه أرجوك، أجيبيني بالحقيقة. # قالت وهي تبتسم وكأنها تعرف ما هو ذلك السؤال: اسأل. ~~- هل تحبينني يا سانتي؟ # ولم يهمني البسمة التي أفلتت منها؛ فقد كنت أنتظر إجابتها على نار، وبيني وبين نفسي ~~لم أكن أنتظر منها الكثير، بل أن تقول إنها تحبني. كنت أسأل السؤال ولا أريد أن أعرف ~~سوى كيف تجيبني عليه. # قالت وهي تسدل جفنيها على عينيها: ولكنك تعرف إجابتي. # قلت: ولكن افرضي أني غير مقتنع بإجاباتك السابقة. أريد جوابا محددا ~~وصريحا. # قالت وهي تضحك: إذن أنت أعز أصدقائي. # ولم أشأ أن أقول إني أسأل عن الحب لا عن الصداقة. # سكت محرجا، ولكني أدركت أني قد بلغت في حرجي إلى آخر حد، فلماذا لا أسألها عن ~~كل ما يدور بخلدي. قلت: ولماذا تأتين إذن يا سانتي؟ ولماذا جئت اليوم؟ # وهنا قامت قومة المفزوع، وقالت: يحيى ... يحيى، هل أنت تفسر مجيئي هذا ~~التفسير؟ # وطبعا أجبت بكل حروف النفي التي أعرفها وقد رأيت انزعاجها لسؤالي، وقلت على سبيل ~~الكلام، مجرد الكلام: أنا فقط كنت أسأل، مجرد سؤال. # ومن جديد عاد الصمت المشبع يخيم على جلستنا، صمت كنت أخافه وأخشاه وأكافحه بكل ما ~~أستطيع من قوة؛ فقد كنت أخاف أن ينهي جلستنا فتقوم، وأخاف أن أقول كلمة لأقطعه ms194 فتجرحها ~~الكلمة ويتعكر الجو، وأخاف إن سكت أن تغير هي موضوع الحديث. أخاف أن أتكلم وأخاف أن ~~أسكت، وأخاف إن تكلمت هي وأخاف إن سكتت. # ولكن صمتنا هذا سرعان ما قطعه دق الباب. # وتضايقت، وقمت لأفتح وأنا أحاول أن أخمن من يكون الطارق في مثل تلك الساعة، خاصة ~~وبيتي الجديد لم يكن قد عرفه نفر كثير من أصدقائي ومعارفي. # قمت لأفتح فإذا بها لورا، وما كدت أجذب ضلفة الباب حتى دخلت وكأنها تهوي إلى بئر، ~~شاحبة اللون مغمضة العينين، وكأن الأشباح كانت تطاردها. # ولم تترك لي وقتا أو فرصة لإيقافها أو الاعتذار إليها أو الحيلولة بينها وبين ~~الدخول؛ فقد كان من غير اللائق أبدا أن تجد سانتي عندي في مثل تلك الساعة، ولم أكن ~~أريد أيضا أن أقطع حديثي مع سانتي. # وهي على الباب بدأت تتحدث وتقول بصوت لاهث متقطع لا ينقطع: حدثت مصيبة، تصور! ~~والداي لم يبيتا لدى عمتي في مصر الجديدة، لم يجداها، وعادا إلى المنزل ليلة الأمس، ~~وطبعا لم يجداني، ولما لم أعد أبلغا البوليس، يا لغباوتهما! أبلغا البوليس، وحين ~~عدت في الصباح يا لهول ما حدث بي بي بي بي ... # كانت تتكلم وهي تواجهني وتتشنج بيديها وكتفيها علامة المصيبة الكبرى. ولكنها بلفتة ~~واحدة كانت قد رأت سانتي في حجرة المكتب، فتصنعت (أو دهشت حقيقة) هذه الدهشة العظمى ~~وقالت بترحيب مبالغ فيه: أووه ... هاللو. # وطبعا حدث السلام المليء بالحرج والارتباك، وتلاقت العيون بنظرات صريحة ونظرات لا ~~تمت إلى الصراحة أو البراءة بصلة. # وما لبثت الحجرة أن احتوتنا نحن الثلاثة، سانتي التي أحبها، ولورا التي تحبني. سانتي ~~التي أريدها ولورا التي تريدني. سانتي التي لا أعرف ماذا يدور في عقلها، ولورا التي كان ~~يلفحني لهيب الغيرة البدائية الذي تشعه نظراتها. أنا أراقب كل همسة من حركات سانتي ~~وأقوالها، ولورا تراقب كل همسة من حركاتي أو حركات سانتي، وأنا الحائر المتسائل بحق ~~عمره وحياته لأعرف ما هو رأي سانتي في هذا كله. # بل لكي أعرفه تعمدت أن أنكش لورا، ms195 والواقع لا أستطيع أن أحدد أنني كنت السبب أم أن ~~لورا تعمدت أن تثبت ملكيتها لي أمام سانتي وبالمرة تغيظها حين جرى الحديث إلى قصة ~~والديها ومصر الجديدة، ولمحت لورا بما يفهم منه أنها قضت ليلة الأمس، وليلة الأمس ~~بالذات عندي، وأنها لهذا وقعت في ورطة وتطلب مني إنقاذها. # وبمثل ما يغفر الحب إساءة للحبيب، بمثل ما نكره أي شيء من اللاحبيب. قد كرهت لورا ~~وورطتها ووالديها والساعة التي عرفتها فيها ودللتها على بيتي، خاصة وكل ما حدث لسانتي ~~حين أدركت الورطة وما تعنيه أنها هزت رأسها في جمود وتخابث، وهمهمت همهمات لم أعرف إن ~~كانت همهمات غيرة أم همهمات اشمئزاز. # ولم أنقذ لورا ولا حتى أبديت أي استعداد لإنقاذها، ولم أتبين أية غيرة جدية في عيني ~~سانتي. وحرصت لورا على أن تنتحل المعاذير لتبقى، وجاء وقت انصرافهما، وقامت لورا ~~فلحقتها سانتي ومضيا معا، وأغلقت الباب وعدت إلى الحجرة. # عدت وأنا أقول لنفسي: لماذا لا تترك هذا كله وتثوب إلى رشدك؟ لماذا لا تضرب عرض ~~الحائط بسانتي ولورا والمجلة وكل هذا العمل الذي لا طائل من ورائه؟ لماذا لا تقوم بأي ~~عمل آخر ترضى عنه أنت وتحس أنه أكثر جدية وفاعلية؟ لماذا تغرق نفسك إلى أذنك في تلك ~~الدوامة التي تختنق فيها بإرادتك بكل إرادتك، لماذا؟ # 16 # والإجابة على ثورتي لم تأتني لحظتها. كانت الإجابة تأتي أحيانا في شكل خوف شديد ~~من الفشل، وكأني غامرت بكل حياتي على علاقتي بسانتي، وكأنها إن لم تحبني أو إن لم تكن ~~تحبني فمعنى هذا ألا فائدة مني ومن رجولتي بل من وجودي نفسه، وكنت شديد الثقة بنفسي ~~أومن إيمانا كاملا بأن لا بد لي أن أنجح مثلما لا بد لي أن أعيش أو أتنفس. إذا ~~لم تكن الحياة نجاحا فلا كانت الحياة. حتى وأنا أخوض أية تجربة فاشلة لا بد أن أنجح ~~فيها، وإذا لم يكن بد من الفشل فليكن الفشل بإرادتي أنا. أما أن أفشل رغما عني، ~~أما أن تهزمني الحياة أو ms196 تهزمني سانتي، فما فائدة حياتي وأنا مهزوم؟ شاب قوي ممتلئ ~~بالثقة في العالم وفي نفسه يكتسح الدنيا بناظريه ويقول الحياة هي النجاح والفشل هو ~~الموت. سني خمسة وعشرون عاما، ومعركتي الجدية مع العالم لم تكد تبدأ، بالكاد بدأت ~~أحس أني أخوضها حين عرفت سانتي. وحبي لها لم يكن في الواقع حبا خالصا لها، كان ~~أيضا وقبل كل شيء حبا لحياتي أنا نفسها وتعلقا بحياتي أنا نفسها، وإصرارا على أن ~~أحيا وأن أنجح. # حتى وأنا أعلم أن الإصرار والعناد قد يصلح في أي شيء إلا في الحب، كنت مصرا أيضا ~~على نجاحي في هذا الميدان الذي لا يصلح له الإصرار، مصرا على نجاحي وكأن النجاح عمري؛ ~~فالموت عندي كان أهون من الفشل. أعظم فشل يصيبني كان في نظري فشلي مع سانتي. # ولم يمض سوى يومين، وجاء الأحد، وجاء الصباح وظهرت الأهرام والمصري والأخبار ~~والإثنين ولم تظهر مجلتنا، لأول مرة منذ شهور كان يحدث هذا. وأنا ذاهب في الصباح إلى ~~الورش كنت أتطلع وأسأل فلا أجدها معلقة فوق الأكشاك، ويهز الباعة رءوسهم نفيا ~~وأسفا، وبالكاد مكثت في المكتب ساعة، وحوالي العاشرة كنت في بيت شوقي أتعاون أنا ~~وزوجته على إعادة الحياة إلى جسده النائم؛ فلم يكن نومه نوما، كان وفاة مؤكدة تحدث ~~له بين الثالثة والرابعة من صباح كل يوم ولا تعود إليه الروح إلا هناك قرب الظهر أو ~~أحيانا بعده، وأكثر من ساعة لا بد أن يمضيها في مواء ورفس وتحديق أجوف في السقف ~~والوجوه التي حوله قبل أن يعود الوعي إلى رأسه، وكان أول سؤال وجهته له عن المجلة، ~~وأجابني بمواء وإشاحة وكأني أطلب منه أن يعيد على مسامعي قصة أبو زيد وقد رواها ألف ~~مرة، ولم أهدأ إلا حين عرفت منه بالضبط ما حدث، ولم يكن قد حدث شيء كثير، كانت موارد ~~المجلة قد نضبت والخوف قد تولى إنقاص عدد القراء إلى درجة لم يكن مستغربا أن ~~تتوقف معها عن الصدور يوما ما، وجاء ذلك الأحد ومنعهم صاحب المطبعة ms197 من دخولها ~~وانتشروا في القاهرة كلها ليجمعوا الثمن، ولكنهم عادوا بوفاض خال، ومتى حدث هذا كله؟ ~~في الوقت الذي كنت جالسا فيه بين سانتي ولورا. # وقلت لشوقي: وبعد؟ # قال وقد بدأ يستيقظ ويفرك عينيه ويتثاءب: تفرج. ~~- امتى؟ ~~- الأسبوع الجاي لازم تفرج. # وضحكت في تهكم، وسألني عما يضحكني، فقلت: إن الفلاحين في بلدنا المؤمنين بالله ~~والمتوكلين عليه توكلا تاما يدبرون مستقبلهم بنفس هذه الكلمة: تفرج، فما فائدة ~~أن نكون ثوارا إذن وعلماء ثورة؟ # وكانت راقية زوجته قد أحضرت لنا الشاي في كوبين، كل كوب منهما شكل، وجلست تستمع ~~لحديثنا برهة وتحاول المشاركة فيه ولو بهز الرأس. # ولكن يبدو أنها وجدته يدور في نفس الدائرة فقامت إلى المطبخ. # وفتح شوقي فمه فتحة واسعة حتى خفت أن يتمزق صدغه، وتثاءب في صوت كصوت صفارات ~~البواخر وقال: فتحي اتمسك. # وتثاءب مرة أخرى. # وأعدت عليه السؤال فعاد يؤكد لي أن فتحي سالم قبض عليه من يومين، ولأمر ما لم ~~أستطع أن أتخيل فتحي سالم مقبوضا عليه، كاتب القصة المرهف، وعينيه الخضراوين ~~الواسعتين وطريقته في نطق المصطلحات الطبية حين يناقشني ويريد أن يشعرني بالرابطة ~~الخاصة التي تربطني به؛ إذ كان مثلي يكتب ويعمل في المجلة، وكان طبيبا هو الآخر، وإن ~~كنت قد تخرجت قبله بعامين. لم أستطع أبدا أن أصدق أو أتصور أنه اعتقل أو قبض ~~عليه. كان خجولا رقيقا طيبا، ذكاؤه حاد رفيع كذكاء الأنثى، وفكاهاته كثيرة ~~ناعمة تكاد تذوب قبل أن تلتقطها الآذان، وها هم قد أمسكوه، وكان السؤال هو: لماذا فتحي ~~سالم بالذات، وهناك من هم أخطر منه وأكثر فائدة؟ # وقال شوقي وهو يكاد يتركني ويعود للنوم: أنت عايزهم يفكروا زيك؟ مفيش منطق عندهم، ~~كله زي بعضه، إحنا متصورينهم أذكى مما هم بكثير. # ولم أوافقه أبدا على كلامه؛ فهم فعلا أذكياء وأقوياء، وبعضهم يحس أنه بما يفعله ~~إنما يهب نفسه لأشرف عمل. ولكننا في معركة دامية معهم، والمعركة دائرة في خندق ~~سفلي لا يحس به أحد من السائرين في الشارع أو راكبي الترام ms198 أو من يملئون المتنزهات ~~والقهاوي والسينمات. مجموعة صغيرة من الناس تحيا في حماس ملتهب، اجتماعات وقرارات ~~وأوراق صغيرة شفافة، ورونيوهات ومواعيد محكمة بدقة ولها مواعيد احتياطية وأسماء غير ~~حقيقية، وأحقاد وخلافات وتناحر واتهامات وبطولات. مجموعة لا تراها العين العادية ولا ~~تلقاها، ولكنك تسمع بها وترن أسماؤها في أذنك رنينا غريبا، مجموعة لا تراها إلا عيون ~~مجموعة أخرى، وظيفتها أن ترى الشرارة قبل أن تصبح نارا، وتخمد النار لو اشتعلت ~~النار. خندق سفلي، والناس تغدو فوقه وتروح، والمعركة لا حس لها ولا صوت. خطى تترسم ~~خطى، وإشاعات تضلل إشاعات، وذكاء يقدح ذكاء، وخيانات للجانبين ومن الجانبين. عالم ~~سفلي يموج بأصوات عالية غير مسموعة، وحركة دائبة غير ملحوظة، وبراكين غير مرئية ~~تتفجر وتهدد ويعود غيرها يتفجر، وبين الحين والحين يختفي واحد ويجيء الخبر ثاني يوم: ~~«اتمسك.» أو يجيء الخبر ثالث يوم: «أفلت وساب.» # وعقب كل خبر كهذا تتبلبل الخواطر وترتفع الأسماء وتهوي كالأسعار، حتى ليلتبس الأمر ~~على الرائي في الظلام، وهو لا يلحظ فارقا كبيرا بين الخائن والشريف وبين الانتهازي ~~وصاحب المبدأ، ويعشش الشك حتى ليشك الواحد أحيانا في نفسه؛ فالظلام يضاعف الشك، والشك ~~يقطر في العيون ظلاما. وكنت أعتقد أن التصرفات المهتزة التي تصادفني سببها مجرد ~~شك أكثر من اللازم في الناس، الشك الذي يورث الرعب، ولم أكن قد آمنت بعد أن الشك ~~المركب إذا طال بقاؤه في النفس يأكلها ويهرؤها كماء النار، وأن نفوسنا كأكبادنا ممكن ~~أن تصاب بالتضخم والتليف وتفقد إحساسها الإنساني وطيبتها ونكهتها، وتمرض وتموت، ويظل ~~صاحبها يحيا بلا نفس، وما أبشع أن يحيا الإنسان بلا نفس عملها الأساسي أن تتذوق طعم ~~الحياة، وتحبب صاحبها في كل ما هو حي وتحبب كل الأحياء فيه. # ونفس هذا الظلام كان يحدث أثرا مختلفا تماما عند بعض آخر. كنت تلقاهم قبل أن ~~يطئوا بأقدامهم أعتاب ذلك العالم شبانا مستهترين أو تافهين ومنطوين، كل ما يشغلهم ~~حفلة سينما أو بنت حلوة أو أحلام يقظة، وإذا بهم لا تكاد تمضي شهور حتى يحيلهم ms199 ذلك ~~العالم الخافت الضوء البارق بشهب الاتهامات إلى رجال أقوياء، تنبت لهم شجاعة لا أعرف ~~من أين، ويصح لهم حكمة غريبة على سنواتهم الغضة، وتحس أنهم إذا قالوا فعلوا، ولا يقولون ~~إلا ما يفعلون، وتحس بفخر أنكم من شعب واحد، وأن جهودكم كلها ذاهبة إلى هذا ~~الشعب. # وبنفس هذه الروح كنت أنظر إلى شوقي وقد ارتدى ملابسه وفي نيته أن يخرج معي لنبدأ ~~جولة إصدار العدد القادم من المجلة. # كان من الواجب ألا يغادر البيت، أو يغادره متخفيا إلى مكان آمن؛ فمعنى القبض على ~~فتحي سالم أنه هو الآخر مقبوض عليه لا محالة، فماذا يكون فتحي كاتب القصة بجوار شوقي ~~رئيس التحرير المسئول؟ ولكنه سخر من مخاوفي وقال إن الطريقة الوحيدة لكيلا أعتقل ~~أن تزول الظروف التي يعتقل الناس فيها، ولكي تزول الظروف لا بد أن نصدر المجلة، ~~ولكي نصدر المجلة لا بد أن نعمل، والعمل هو الطريقة الوحيدة للمحافظة على سلامته. ~~فلكي يحافظ على سلامته لا بد أن يخرج. # ثم التفت إلي وابتسم وكأنه يصالحني وقال: وعلى العموم أنت عندك حق في حاجة ~~واحدة، إني لازم أعزل م البيت ده النهاردة. # وجاءت زوجته وكأنما كهربتها الكلمة، هي التي يعذبها التعزيل. ونشبت خناقة، ولم ~~تدم طويلا، فضضتها بأخذ شوقي والخروج به. # وحين أصبحنا في الشارع، وأصبح القبض على فتحي سالم مجرد خبر يأخذ طريقه ليسكن في ~~هدوء الذاكرة، وشوقي بجواري كالعملاق، ومحفظته البنية الغامقة تحت إبطه، دفعت سانتي ~~أثقال ما كنت أفكر فيه وأستعيده وخطرت لي، وساءلت نفسي إن كنت أحبها حقيقة وأنا ~~أحيا في هذا الجو الملبد المشحون الذي يصبح الحب فيه شيئا مخلا يعاب ويستنكر. ~~ساءلت نفسي ولم أحتج للإجابة، كنت كمن يضيق أحيانا ويرفع بصره ويتساءل: أين السماء؟ ~~والسماء كبيرة ضخمة هائلة ممتدة من أفق لا بداية له ولا نهاية إلى أفق لا نهاية له ~~ولا بداية. # نعم، كنت وأنا ماش بجوار شوقي أحبها، وأنا أحيا تحت الأرض أراها، وفوق الأرض ~~أراها، وأراها وأنا أريد أن أراها، ms200 وأراها وأنا لا أريد أن أراها، هي شوقي ومحفظته ~~والمكان الذي كنا ذاهبين إليه والمجلة وفتحي سالم وخوفي وشجاعتي، ولولا أني مدرك ~~ومؤمن أني سأراها اليوم ما كنت قد صحوت من النوم أو ذهبت للورش أو ضحكت أو حزنت أو ~~احتملت وجودي على ظهر الدنيا لحظة واحدة، ولجزء على ألف من الثانية. # أحاول أن أتخيل العالم بغيرها، أو أتصور نفسي حيا من غير أن أراها، فأحس ~~كالواقف فوق ناطحة سحاب حين يلقي بنظره مرة واحدة إلى الأرض يحس وكأنما هي التي تخلو ~~به وتسقط من أعلى في سرعة مذهلة لتستقر على بعد سحيق، وليصبح بينه وبينها هوة ~~تورث الغثيان والدوار. ودوار وغثيان هو ما يحدث لي كلما حاولت أن أتصورني بغيرها، أو ~~أتصور العالم بغير أن تكون فيه وأن ألقاها، بل لا أستطيع التصور أكثر من ذلك ~~الجزء، وكما يرتد البصر عن الأرض السحيقة أرتد أنا عن التصور؛ لتعود الروح تسري في، ~~ويعود إلى العالم الجمال الذي يحببني فيه. # وأظل في تلك الدوامة، أرى شوقي بحافظته أو يكلمني فأتذكر عملي الثوري، فإذا ما ~~تذكرت قصوري فيه، والقصور يذكرني بسانتي، وتأنيب الضمير الذي يصاحب تصورها يذكرني ~~بتقصيري، وتقصيري يذكرني بها. # ظللت إلى أن وصلنا إلى المجلة، وهناك وجدنا مفاجأة في انتظارنا لم نكن قد أعددنا لها ~~أنفسنا. # كان الباب مغلقا ومشمعا ومختوما، وما كدنا نقف هنيهة حتى جاء عسكري معين على ما ~~يبدو لحراسة الباب، وحين وجدنا نحوم حوله جاء مصوبا إلينا نظراته الشاكة الحادة، ~~وبسؤال أو سؤالين كنا قد استطعنا تضليله إلى حد ما وهبطنا في السلالم على عجل. ~~وحين رآنا عم حسن بائع السجائر نتستر بالمارة لنغادر الحي كله بسلام خرج من دكانه ~~ونادى علينا، وكدنا نتجاهل النداء لاعتقادنا أنه يريد «الحساب»، ولكنه انزوى في ركن ~~معنا يفهمنا أن البوليس جاء في منتصف ليلة الأمس وفتش المجلة، وهبط ومعه دوسيهات ~~وأوراق كثيرة، وترك عسكري ومخبرين، الجدع اللي واقف هناك دهه مدخل إيده في فتحة ~~الجلابية واحد منهم، والتاني راح ms201 باينه يتغدى. # وفقط حين ابتعدنا كثيرا حتى أصبحنا قريبا من ميدان الإسعاف بدأت أشعر بحقيقة ما ~~حدث، والتفت شوقي، وكانت في وجهه نظرة جادة عميقة قليلا ما كنت أراها، وقلت له: أنت ~~عارف الرد يكون إيه؟ # وكل ما فعله أن ألقى علي نظرة جانبية، قلت: إن المجلة تطلع بكرة. # وأنا نفسي عجبت لكلامي؛ فليلة الأمس بالذات كانت أقصى أماني أن أترك سانتي والمجلة ~~وهذا العمل الذي لم أعد أومن إيمانا عميقا بجديته، فكيف يعاودني الإيمان بهذه ~~السرعة وبتلك الدفقة المفاجئة من الحماس؟ # قال شوقي: تفتكر نقدر؟ # قلت: مش أفتكر، د لازم تطلع بكرة، ونقول فيها برضه إننا نأسف لأن المجلة لم تصدر ~~بالأمس لأسباب «فنية». # ولاحت بسمة خفيفة سريعة في حدقتي شوقي وهو يقول: ونخلي المانشيت: أيها الشعب ~~تحرك. # وحسبته يهزل، ولكنه كان جادا، وبدأنا نضع الخطة والبحث عن الزملاء المحررين ~~وتجميعهم، والبحث عن مطبعة جديدة غير مطروقة وإكمال كتابة المواد أثناء جمع المواد ~~الموجودة ثم الطبع. # وأعجب ما حدث لنا يومها أننا حين ذهبنا إلى مطبعة الدار الصحفية التي كنا نطبع ~~فيها وعرف صاحب الدار بوجودنا، فجأة رأيناه يقبل ناحيتنا. كان علينا بعض الديون، ولكن ~~الابتسامة الغريبة التي كان قادما بها لم تكن ابتسامة مطالب بدين. سلم علينا وما ~~لبث أن وضع إحدى يديه على كتفي والأخرى على كتف شوقي وقال: ماجيتوش تطبعوا امبارح ~~ليه؟ # اكتفينا بأن نظرنا له كمن نقول: أنت أدرى بالسبب. # وأدار فينا بصره والسيجارة في فمه لا ينزعها، يخرج دخانها من نارها ومن فمه، وكان ~~ضخما طويلا كالعمالقة لا تستطيع أبدا أن تقسم مهما قال: إنه في صفك. أدار فينا بصره ~~ثم قال: أنا عارف كل حاجة، وأنا تحت أمركم. # قلنا: تحت أمرنا ازاي. # قال: أنا والمطبعة وجرائد الدار ومجلاتها تحت أمركم، وابقوا هاتوا تمن العدد في الوقت ~~اللي يريحكم. # وكدنا نضرب كفا بكف دهشة وذهولا؛ فلم نكن نتوقع أبدا تصرفا كهذا من أحد عمد ~~«الرجعية» كما كنا نسميه، وخفنا أن يكون الموضوع كله فخا ms202 منصوبا، وتريثنا ~~وترددنا وتحججنا، ولكن تبين لنا أن لا فخ هناك ولا مصيدة، وأنه حقيقة يعني ما يقول، ~~بل أكثر من هذا وقف بنفسه أكثر من ساعة واضعا السيجارة مطفأة ومشتعلة في فمه يراقب ~~عملية الجمع والتوضيب، وقد أصدر أمره بإخلاء حجرة المصححين لنا لنكمل العدد ~~كتابة. # وجلست أنا وشوقي وعطوة الذي كان قد جاء أصفر الوجه يرتعش بالانفعال. جلسنا نناقش ~~أولا هذا الموقف الغريب لصاحب الدار. # وقال شوقي: وماله؟ احنا بيحصل تناقض بين الرجعية والحكومة، ممكن يحصل، ولازم نستفيد ~~منه. # وكنت أسمع كلامه وأنظر من خلال الزجاج الذي يكون جزءا من جدار الحجرة إلى صاحب ~~الدار ووقفته المهيبة في وسط المطبعة، والحركة الدائبة السريعة لإتمام جمع العدد ~~وتوضيبه وطبعه وأكاد لا أصدق ما يحدث، ولا أصدق أيضا ما يقوله شوقي ويفسر به ما ~~يحدث. هذا الرجل الواقف كان يمثل الدعامة الأولى للحكومة التي كانت قائمة في ذلك ~~الوقت، ومع ذلك فهو نفسه وضع كل إمكانياته تحت تصرفنا لنهاجم تلك الحكومة، ويحدث هذا ~~منه فجأة وفي وقت أغلقت فيه مجلتنا وكاد نشاطنا يتوقف. # ومع هذا، وصدقنا أم لم نصدق، فقد كان علينا أن نعمل؛ فمجرد تصورنا أن المجلة في ~~الغد سوف تغمر السوق وينادي عليها الباعة كما كانوا ينادون، مجرد تصورنا هذا كان ~~يلهينا فننكب على العمل كالمجانين غير مبالين ماذا يمكن أن يحدث غدا أو حتى بعد ~~ساعة. # وأفتح عيني أحيانا فألمح وجه سانتي، وألمحه مشرقا ومبتسما وراضيا عما أقوم به ~~فيلتهب حماسي أكثر، وأحس أني مستعد أن أموت إنهاكا وعملا وتعبا لأرى وجهها مشرقا ~~ومبتسما، ولأراني راضيا عن نفسي غير خجل - لأول مرة منذ عرفتها - من علاقتي ~~بها. # وفتحت عيني مرة فلمحت وجهها أيضا، ولكني لمحته من خلف الزجاج، وحسبتني قد بدأت أخرف ~~ولكنها حقيقة كانت هي. ظللت أتابع وجهها وعينيها وهي تستعرض الموجودين بالحجرة حتى رأت ~~شوقي، وحينئذ استدارت ودخلت واتجهت إليه فورا، وأخرجت من حقيبة يدها ظرف جواب خاص ~~بالبريد الجوي وأعطته له، وتبادلت معه حديثا ms203 خافتا قصيرا ثم استدارت لتنصرف، وفقط ~~وهي تستدير لمحتني، وبأسرع ابتسامة حيتني ومضت كسندريللا، كما جاءت. # ولكن اضطرابي ودق قلبي والرجفة التي أصابتني واهتز لها كل ما كنت أفكر فيه لم ~~تكف إلا بعد مضيها بكثير. وعبثا حاولت التغلب على انفعالي والتوهان المفاجئ الذي ~~اعتراني لأنجز ما في يدي والوقت أمامنا ضيق ومشحون. بأية قوى سحرية تؤثر علي هذه ~~المرأة الصغيرة وتحدث في هذا كله؟ بأية قوة غيبية تفرز في دمي كل تلك الكمية من ~~«الأدرينالين» الذي يجعل قلبي يدق هكذا وينبت العرق من جبهتي وتتهدج له أنفاسي؟ ولماذا ~~هي وحدها دونا عن العالم كله؟ # وحتى حين عدت للعمل بعد هذا لم أكن قد رجعت إلى حالتي قبل مجيئها، وكل مرة كنت أرى ~~فيها سانتي كنت لا أعود أبدا إلى حالتي قبل رؤيتها، وكان كل مرة كنت أراها فيه كانت ~~تحدث في تغييرات ما، وتترك بصمات ما، قد تبدو خفيفة وباهتة ولكنها موجودة لا تزول ~~ولا تمحى، وتظل موجودة إلى أن أراها مرة أخرى فيتراكم فوق التغييرات ~~تغييرات. # ولم أشأ أن أسأل شوقي عن سبب مجيء سانتي وماذا قالته وقدمته، مع أني كنت أتحرق ~~شوقا لمعرفة كل كلمة قالتها وحتى الطريقة التي قالتها بها. وأعفاني شوقي من مهمة ~~السؤال حين جاء إلى المكتب الذي أعمل عليه ليناقشني في اختيار عنوان. ولمحت ظرف البريد ~~الجوي بارزا قليلا من جيبه ومفتوحا، ومن خلال الفتحة المتناهية الضيق لمحت الحافة ~~الجانبية لبضعة جنيهات. وضبطني شوقي وأنا أحدق فقال وهو يبتسم: نجدة جاءت آخر ~~لحظة. ~~- من مين؟ # قلتها رغما عني، وتوقعت أن يزوغ شوقي من الجواب، ولكنه قال: من إسكندرية. ~~- من مصريين؟ ~~- لأ، من خواجات. # مرحى لخواجات إسكندرية الذين يبلغ حماسهم لقضيتنا هذه الدرجة. ~~- بس مش خطر إنها تيجي هنا. ~~- توصيل الفلوس أهم من الخطر، بنت كويسة. # وهززت رأسي أوافقه وأتأمل وجهه لعلي ألمح شيئا آخر. # ولم تلبث حمى العمل أن قطعت الحديث واجتاحتنا. # وفي الرابعة صباحا ونحن في باب الحديد نطمئن على شحن الأعداد ms204 المخصصة للأقاليم، ~~كنا ننتهز فرصة الظلام البارد والأنوار القليلة وتختلي جماعة صغيرة في ركن ونفرد ~~المجلة بين أيدينا ونتأمل أقوى وأعنف عدد أصدرناه، وفي أحلك ظروف، وأيضا لا نكاد ~~نصدق أننا فعلنا هذا، وأن الفكرة التي عنت لي ونحن سائرون في الشارع بعد ظهر أمس قد ~~أصبحت حقيقة، وأن العدد فعلا يتوجه مانشيت مكتوب بخط أحمر وبحروف ضخمة غليظة ~~يبعث مرآها في أجسادنا قشعريرة انفعال ورهبة وحماس: أيها الشعب تحرك! # 17 # وعدت مرة أخرى إلى المواعيد والاتصالات والاجتماعات، لا يهمني كثيرا نهاية الطريق ~~الذي أسير فيه بقدر ما يهمني أنني عدت أسير، ومع نفس الناس، أتغاضى عن العيوب ولا ~~أفكر في الفرق بين الحق واللاحق فيما نفعله، وأحس أحيانا أني أغالط نفسي، ~~وعودتي للعمل تقدم لي في كل ساعة شواهد جديدة على أني كنت في تساؤلي وشكوكي على حق. ~~وأتجاهل إحساسي هذا، كالمدخن الذي يعرف أكثر من غيره أضرار التدخين ولا يملك إلا أن ~~يستمر يدخن، وكأن فترة ضيقي بالعمل واستنكاري لهذا الطريق «الخوجاتي» في التفكير وفي ~~الثورة كان مجرد امتناع مؤقت عن التدخين عدت بعدها إليه، إلى نفس ما ضقت به، ~~نهما، حرمانا، أريد أن أعوض كل ما فات. # وحقيقة صغيرة أخرى كان لها دور في عودتي؛ فأن أمتنع أنا عن التدخين شيء، أما أن ~~تمنعني أنت بالقوة الغاشمة عنه فمسألة أخرى، وإغلاق المجلة والقبض على فتحي سالم ~~واستمرار عمليات القبض والاعتقال. هذا المنع بالقوة والإرغام فيه امتهان لقدرتنا على ~~الإرادة والاختيار، وأي امتهان للتفكير والإرادة لا يمكن إلا أن يقابل بالتحدي ويفرض ~~للإرادة. إنك لا يمكن أن تحرم النملة، أصغر الكائنات، من إرادتها، كما لا يمكنك أن ~~تمنعها من روح الحياة التي تدفعها للحركة والتناسل والبحث عن الطعام، فكيف باستطاعتك أن ~~تمنع الإنسان، أعظم الكائنات وأقواها، من روح حياته، من إرادته، إنك مهما فعلت وخيل ~~إليك أنك انتصرت، فأقصى ما يمكن أن تكون قد فعلته هو أن تكون قد أجبرت الكائن الحي ~~الإنسان على أن يسلك طريقا قد ms205 لا يحب هو سلوكه، ولكنه يفعل هذا فقط ليثبت إرادته ~~ووجوده، لكيلا يحس أن إرادة أخرى قد سيطرت عليه؛ فالموت عنده أهون من إحساس ~~كهذا. # إلى أن فوجئت في يوم بأعجب خبر! ولا أذكر من قاله لي، هل هو شوقي؟ هل هو عطوة؟ هل ~~سمعته همسات تتردد على ألسنة بعض الصحفيين؟ # كان البارودي قد أفرج عنه. # أية مفاجأة مذهلة؟ # مفاجأة دفعتني لأن أصغي رغما عني إلى الهمسات التي راحت تدور على ألسنة بعض الأفراد ~~في ذلك العالم الخافت الأضواء، ولم تكن هذه أول همسات أسمعها عن البارودي؛ فمنذ عرفته ~~واسمه يقرن على الدوام بقائمة طويلة من الألقاب والتهم: الانتهازي، عميل الرجعية، ~~الخائن، الذي يعمل لحساب أقلام المخابرات الاستعمارية ... إلخ، إلخ. # وكانت اتهامات كهذه تتساقط كأوراق المهملات قبل أن تصل إلى أذني؛ إذ كنت أعزو معظمها ~~إلى حقد شخصي على البارودي باعتباره أذكى العاملين تحت الأرض وأكثرهم قدرة على ~~استعمال عقله ووعيه، بل كنت آخذها على أنها نوع من التقدير المعكوس، ولكن بعد ذلك ~~الصراع غير المنظور الذي دار بيني وبينه حول رئاسة التحرير، وإصراره بطريقة غير معقولة ~~على أن يظل هو الرئيس، وبعد ردنا عليه ورده علينا بدأ تقديري له يقل؛ فأن نضبط ~~العبقري في موقف لا يقفه إلا الأغبياء أو غير المخلصين مسألة لا تدفعك للاعتقاد بأنه ~~«أخطأ» كما يخطئ غيره من الناس، ولكنها تفسر على أنه يفعل هذا عن عمد، وأن وراء ~~«خطئه» الظاهر هدفا ذكيا خبيثا. وهكذا لم تتساقط الهمسات التي رحت أسمعها تعليقا ~~على خبر إطلاق سراحه في ذلك الوقت بالذات تساقط الأورق المهملة، بدأت أصغي لها ~~وأفكر فيها. همسات منها أن البارودي خارج من السجن لأن وزير الداخلية في ذلك الوقت ~~ساومه، ومنها أنه أخرج ليكون أداة في يد الوزارة تستعملها للقضاء على التيار ~~الثوري الجديد الذي أصبح يسيطر على المجلة بعده، وعشرات غيرها من الاحتمالات ~~والتأويلات. وكنت أستمع إليها غير مستغرب؛ فلدى اعتقال أي فرد من أفراد ذلك العالم أو ~~الإفراج عنه دائما ما ms206 كانت تصاحب أيا من العمليتين إشاعات وأقاويل واتهامات يثبت ~~في معظم الأحيان بطلانها، وفي أحيان قليلة جدا تثبت صحتها، ولكن أحدا لا ~~يسلم منها. # وحين كنت في المطبعة أصحح العمود الأسبوعي، ودق التليفون وقالوا لي إن شوقي يطلبني؛ ~~كان الخبر لا يزال طازجا وما زلت أقلبه على وجوهه، وأهم من هذا أني كنت في شوق ~~شديد للقاء البارودي مهما تكن الحالة التي خرج عليها. كان خبر الإفراج قد دفعني دفعا ~~لمراجعة تلك الفترات الباهرة من حياتي التي عملت معه فيها، وعلاقتنا الطويلة الغريبة ~~التي بدأت ذات مساء في منزل شوقي، والأيام التي كنت أحمل عنه فيها كل ما معه من ~~أوراق سرية خطيرة وأمشي بجواره أو بعيدا عنه، حتى إذا دهمه البوليس في الطريق لم ~~يجد معه شيئا، وأفعل هذا غير مكترث أبدا لخطورة ما أفعله؛ كنت مستعدا أيامها أن ~~أفقد رأسي إذا طلب مني هذا. وحتى فترة خلافنا والصراع الذي نشب بيننا وبينه بدت لي ~~باهتة شديدة البهوت وكأنها لم تحدث أبدا؛ فقد كنت حقيقة أعارضه وأختلف معه ولكني ~~أفعل هذا بروح غير المتأكد تماما من صحة رأيه، وحتى لو كنت متأكدا من صحة رأيي ~~فلو كنت قد خيرت بين رأيي الصحيح ورأيه الخطأ لاخترت رأيه؛ لاعتقادي أن خطأه قد ~~يكون وراءه حكمة تخفى علي. # أمسكت بالسماعة وأنا على يقين أن شوقي سيخبرني عن شيء خاص بالبارودي، وفعلا ~~أخبرني شوقي أن أملي قد أصبح قاب قوسين أو أدنى من التحقيق، وأنه سيقيم احتفالا صغيرا ~~بمناسبة خروج البارودي من السجن، وأن علي أن أذهب إلى المنزل الجديد الذي انتقل إليه ~~في الساعة الثامنة، وقلت له: والبارودي سيكون هناك؟ # قال: طبعا طبعا. # وفي ذلك المساء، في السابعة والنصف كنت آخذ طريقي إلى بيت شوقي الذي اختاره في تلك ~~البقعة شبه المهجورة الكائنة في نهاية حدائق شبرا. # وبصعوبة وصلت؛ فقد كان علي ألا أسأل، والشوارع في تلك البقعة لا تزال جديدة لم ~~تركب لها اللافتات بعد، بل أسماؤها لا تزال محل خلاف، ms207 والسكان معظمهم لا يعرفون ~~بعضهم بعضا. # وطرقت الباب تلك الطرقة التي كنا متعارفين عليها، وفتحت راقية زوجة شوقي وهي ~~كعادتها تضحك، وما كاد الباب يفتح حتى فوجئت بضجة لم أكن أتوقعها، ضحكات خافتة ~~وأصوات أناس يتحدثون كلهم في وقت واحد، وصراخ بنت شوقي ذات الستة الأعوام. وحين دخلت لم ~~أستطع أن أحدق في الموجودين أو التعرف عليهم، انتابني كالعادة ذلك الوجل الذي ~~ينتابني حين أواجه جماعة، ومع هذا كنت قد لمحت البارودي، كان جالسا في ركن يتحدث ~~بصوته المنخفض وابتسامته الطفلة، وملامحه هي هي التي أعرفها لم تتغير وإن كان وزنه قد ~~زاد قليلا ووجهه امتلأ امتلاءة المفرج عنهم بعد سجن طويل. # وأحسست بكل حبي له يتجمع في الصيحة التي أطلقتها: حمد الله ع السلامة. # وتوجهت إليه وفي غمرة الانفعال الدافق عانقته وقبلته وحملته من فوق الأرض، وهو ~~يبتسم ويقول: ازيك يا يحيى، ازيك يا راجل؟ # وكان جو الحفل قد انقطع بمجيئي، ولكن الجميع سرعان ما عادوا إلى ما كانوا فيه، وكل ~~الحاضرين كنت أعرفهم، والحقل متواضع جدا، عماده بضع زجاجات بيرة وطعام قليل أعدته ~~راقية، وأحاديث كثيرة نصفها ضاحك، والبارودي الذي كان نجم أية مناسبة كتلك، هو الذي ~~يعزم ويتحرك وينكت ويخلق الجو الصاخب المرح بطريقة لا يمكن أن تعتقد معها أنه هو نفس ~~البارودي الزعيم الخطير، هذه المرة كان جالسا صامتا يزوغ من أسئلتنا عما حدث له في ~~السجن، وأحيانا يتطوع برواية أشياء صغيرة غريبة عن الطعام أو المهازل التي كانت ~~تقع في أثناء الذهاب إلى الحمام. # وما كادت تمضي بضع دقائق حتى كانت كل وساوسي قد زالت، وحتى كنت مرة أخرى أحس أني في ~~حضرة البارودي الذي عرفته دائما والذي لم يغير منه السجن جزءا واحدا من تفصيلاته، ~~وحتى كنت أحس بسعادة حقيقية مبعثها إحساسي بالعودة إلى الحياة وسط مجموعة مترابطة ~~قوية أكن لها أقوى الحب ويملؤني وجودي بينها بالفخر، ما أروع الانتماء! كل ما يحدث أنه ~~في أحيان - كأصوات الطلقات البعيدة - يدهمني شعور مربك، ترى ماذا ms208 يحدث لو عرف هؤلاء ~~جميعا قصة علاقتي بسانتي؟ أي خزي يصيبني حينئذ وأي عار؟! وكلما حدث هذا كان رد ~~الفعل عندي يقوى، وأحس أني كنت في كابوس طويل علي أن أستيقظ منه، وفي الحال يجب أن ~~أخرج سانتي من حياتي تماما وأعود كما كنت نقيا مستقيما كحد السيف. # وفي لحظة حماس مددت يدي في جيبي وعددت ما فيها من نقود، وجدته مبلغا أكثر ~~قليلا من الثلاثة جنيهات، فقمت وانتحيت بالبارودي ركنا وقلت له هامسا: أنا ما قدرتش ~~أجيب هدية، إنما الهدايا بيننا ممكن تأخذ شكل القرض، خذ دول. # ومددت له يدي مقبضة بالجنيهات الثلاثة، فقال وهو يبتسم بلا خجل: متشكر جدا، إيه ~~الكرم ده! # ومد يده، واستغربت؛ فقد ظل يمدها في اتجاهات كثيرة دون أن تقابل يدي، فقلت له: خد ~~يا أخي ... مالك؟ # فقال وأغرب شيء ما قاله: إيدك فين؟ # قلت وأنا أضحك: مش شايف إيدي؟ اوعى تكون عميت في السجن. ~~- الظاهر كده. # وسدرت في ضحكي ومررت يدي أمام عينيه لأهوشه فلم يرمش له جفن. # ومن فمه هو عرفت الحقيقة الغريبة التي لم أكن مستعدا أبدا لتصديقها، علمت أن ~~البارودي أصيب بالعمى داخل السجن؛ ولهذا أفرجوا عنه. # والساعات التي قضيتها في الحفلة بعد هذا مرت وأنا مصدوم حائر، لا أكاد أصدق أن ~~عيني البارودي المفتوحتين أمامي كالفناجيل لا تريان، وأنه حقيقة أعمى، وأن كل هذا حدث ~~له داخل السجن، والأهم من ذلك أنه وشوقي وكل الحاضرين غير حزانى ذلك الحزن الشديد الذي ~~كنت أحسه أنا، وأنهم يضحكون. # ولم أفق من الصدمة إلا بعد أن استعدت معلوماتي الطبية، وقلت له ممكن أن يكون أصيب ~~بنوع من العمى النفسي، وأن من السهل علاجه، وناقشت البارودي في هذا الاحتمال، ولكنه ~~أخبرني أن طبيب العيون في السجن يعتقد أن عماه عضوي، ولولا هذا ما أفرجوا عنه، وأضاف ~~أنه حتما سيعرض نفسه على أخصائيين كبار في العيون، ولكنه يائس، وأغرب ما في الأمر أنه ~~كان يناقش المسألة بهدوء وبلا اهتمام كبير خاص وكأنه يتحدث عن ms209 مشكلة كليشيه ناقص في ~~أثناء الطبع. # واعترتني نوبة تأنيب ضمير أشد. البارودي الذي شككت يوما في الطريق الذي يقودنا خلاله ~~كان في السجن وأصيب بالعمى وتحمل ما لا يطيقه إنسان، في وقت كنت ألعب فيه أنا وأفقد ~~حماسي للعمل وأعارض وأتهم وأنا طليق. # في تلك الليلة لم أعد وحدي من منزل شوقي، كان معي البارودي وقد شددت عليه حتى قبل ~~أن يقيم معي في شقتي إلى أن ندبر له مسكنا خاصا، وعرضي هذا كان أبسط شيء يمكنني أن ~~أصنعه وأكفر به عن كل ما اعتراني من شك، وكل ما لم أتداركه من تقصير، وكنت سعيدا لا ~~للفرصة التي أتيحت لي لأكفر، ولكن لأنه قبل الإقامة معي، وطوال علاقتنا لم أكن أراه ~~إلا في أثناء العمل، أو لشيء خاص بالعمل، وأمنيتي الكبرى أن يطول نقاشي معه مرة أو ~~يتاح لي أن أجلس معه جلسة لا تقطعها ارتباطاته الكثيرة ومواعيده، أية سعادة إذن أن ~~يقيم معي وأقضي بجواره ما أشاء من أوقات! # وطوال اليوم التالي، وأنا أقوده إلى دورة المياه، وأنا أقرأ له وأكتب ما يمليه علي، ~~وأنا أطعمه ونحن نأكل، وأسرح له شعره حين يغتسل، كنت أفعل هذا بحماس التائب، بحماس ~~الضال حين يعود إلى حظيرة الإيمان، وبحب ممزوج بشفقة غريبة بدأت تتسرب إلى نفسي، ~~الشفقة على البارودي الذي لم أكن أتصور أبدا أن يأتي عليه يوم يصبح فيه محل شفقة ~~أحد، وبالذات محل شفقتي أنا. # ولكن اليوم ما كاد يقترب من نهايته حتى بدأت أدرك فداحة الموقف الذي وضعت نفسي فيه، ~~في الرابعة والنصف دق جرس الباب، وكنت أعرف أنها سانتي. # وبدأت أفيق. # أو بالأحرى بدأت مرة أخرى أروح في الغيبوبة التي اعترتني منذ عرفتها، غيبوبة علاقتي ~~بها، تلك الغيبوبة التي قطعها لفترة وجيزة خروج البارودي، الغيبوبة التي أصبح فيها ~~مجرد كائن لا يربطه بالحياة إلا تلك الساعات القليلة التي يقضيها يتحدث فيها معها ~~أو يتخيلها حين تغيب ويحلم بها، وكان لا بد أن أفتح الباب. # واستأذنت منها أن تنتظر ms210 لحظة. # ولم أتردد، قلت للبارودي: إن قريبة لي قد جاءت تزورني، واستصحبته إلى الغرفة ~~التالية وهو مستسلم لا يضايقني منه إلا ابتسامة عادية جدا لم تبرح فمه، وهو ~~يستند إلى ذراعي في طريقه إلى حجرة النوم الداخلية. # وجلست مع سانتي ولم تكن الجلسة ممتعة لكلينا. كانت قلقة وكنت قلقا، ويبدو أنها أدركت ~~أنني أعاني من حرج ما، فقالت على الفور: هل عندك أحد؟ # وترددت هنيهة بين أن أكذب أو أقول الحقيقة، وأخيرا قلت: عندي البارودي، هل ~~تعرفينه؟ # ولمحت اصفرارا مفاجئا خفيفا يلون وجهها لومضة، وقالت بصوت شابه بعض التغيير ~~وكأنما لونه الاصفرار: سمعت عنه كثيرا، ولكني لم أقابله. # وبأسرع مما خمنت وجدت اللهفة تعود تنتابها، والشغف يكاد يفقدها سيطرتها على نفسها ~~وهي تقول: كيف هو؟ يقولون: إنه رفيع وذكي جدا، هل هو عبقري صحيح؟ هل ممكن أن ~~أراه؟ # قلت لها وأنا أريد أن أخيب أملها عن عمد: طبعا غير ممكن. # ويبدو أن كلماتي ولهجتي فعلت فعلها؛ فلم يلبث حماسها أن برد وذهبت اللهفة عنها، وقالت ~~بعد فترة صمت وهي تفتعل عدم الاهتمام: سمعت أنه خرج أعمى من السجن، هل صحيح؟ # كان السؤال بسيطا وطبيعيا، ولكني لم أكن أستطيع الإجابة عليه؛ فمنذ عرفت الخبر ~~وهاتف قوي داخلي يلح علي ويؤكد لي أن البارودي لا يمكن أن يكون قد فقد بصره حقيقة ~~داخل السجن، أما لماذا يفعل هذا ويدعي العمى فسؤال لم أكن أجرؤ على مواجهته ومحاولة ~~الإجابة عليه؛ إذ معناه أن أكفر بالبارودي وبكل الطريق الذي سلكته ردحا طويلا من ~~الزمن وعدت أسلكه بحماس أشد، ولم أكن أريد أن أكفر به وبالطريق، ولكني في نفس الوقت ~~لم أكن أريد أن أخدع نفسي وأخالف ضميري. # فقلت لها وأنا أبتسم: يقولون هذا. # قالت: وأنت؟ ألم تره؟ هل هو أعمى فعلا؟ هل فقد بصره؟ # قلت بضيق قليل: يبدو هذا. # قالت بالاستنكار: يبدو؟ ألا تعرف أنت؟ # قلت: نحن بانتظار تقرير أحد الأساتذة. # وحاولت أن أغير الموضوع، وكانت المحاولة صعبة؛ فلم يكن عندي موضوع حقيقي جديد ms211 ~~أستبدل به الحديث، الوضع بيني وبينها كان قد وصل إلى حد معين، ذاك الحد الذي يصبح ~~فيه الكلام نوعا من السفسطة والتفاهة. كان مفروضا بعد المشهد الذي حدث بيننا إما أن ~~تنتهي علاقتنا عند هذا الحد ونفترق، أو أمضي معها إلى آخر الشوط فتستمر علاقتنا إنما ~~على مستوى آخر غير المستوى الذي كانت فيه، ولكن علاقتنا لم تنقطع، وأيضا لم تنتقل ~~إلى هذا المستوى، وظللنا في فترة الترقب والانتظار التي تتبع أي هجوم فاشل. علاقات ~~الحب هي الأخرى تنمو كما ينمو الكائن الحي ولا بد أن تستمر تنمو، وكل مرحلة من مراحل ~~نموها لها خصائصها، والحديث يصلح لعلاقات الصداقة أو المعرفة الجديدة، أما وقد وصل ~~الموقف بيننا إلى تلك المرحلة الحرجة، أنا أصارحها بحبي وهي تقف موقفا مائعا لا تريد ~~أن تقبله ولا تريد أن ترفضه، فأي حديث يصلح لهذا الموقف؟ لا بد أولا من حسم الأمر ~~والانتهاء من هذه النقطة لنصعد بعلاقتنا درجة أخرى، ونتبادل أحاديث من نوع ~~آخر. # وهكذا كان الحال بيني وبينها هذه المرة، نظرات أصوبها إليها وأحاول أن أقول بها ~~كل ما لا يستطيعه لساني، وتهويمات حول حبي لها من بعيد أحاول بها أن أدفعها بتؤدة ~~ورقة لأن تتكلم هي عن علاقتنا، ولكنها تدرك بالغريزة كنه نظراتي وتهويماتي، ولا ~~تفعل شيئا أكثر من أن تبتسم بملامحها الشديدة الدقة الشديدة البياض. ابتسامات محيرة، ~~ابتسامات مراقبة، لا تريدني أن أعتقد أنها تشجعني أو تثبطني، ولكنها تترك لي حرية أن ~~أبدأ ثم أتراجع، وأتقدم ثم أتأخر، وأرتبك وأتلعثم، وأحيانا أفلح في نطق بضع ~~جمل متكاملة لها معنى. # وغيرت هي الحديث مرة وسألتني: هل رأيت شوقي أخيرا؟ # وكنت قد رأيته طبعا؛ فعملي معه يحتم علي أن أراه عدة مرات في اليوم، ولكني قلت: ~~كويس، ولو أني لم أره من مدة. # لا أعرف لم كذبت، ولا أعرف أيضا لم رحت أتحدث عن شوقي متعمدا أن أشيد ~~بمواهبه وشخصيته وحبي له. # ولكني كنت في أثناء حديثي عنه أفكر بطريقة أخرى، لماذا تسألني ms212 عن شوقي، ربما لتخلق ~~موضوعا للحديث، وربما لأنها لا تراه، وربما لأنها مشتاقة إليه. # وعند هذه النقطة الأخيرة بدأت ملامحي تتجمد. # وبدأت أنظر لها نظرات الزعل الخافت المستطلعة التي تريد أن تسأل ببراءة ودون أن ~~توجه إليها تهمة السؤال. # ولم أجد في ملامحها شيئا، كل ما وجدته تعب. كانت ملامحها تبدو تعبة وكأنها لا ~~تجد شيئا ينشطها. # وكان علي لكي أنشطها وأستثيرها أن أبدأ معها محاولة جديدة، ولكني سررت؛ فوجود ~~البارودي في الحجرة المجاورة كان عذرا وجيها أقنع به نفسي بعبث المحاولة. # وحين آن الأوان وتهيأت لمغادرة الشقة، حرصت على أن أسألها متى ستجيء، ولم أكن في ~~العادة أسألها، وحين أجابتني: غدا طبعا؛ استعدت إجابتها وقلت وأنا أشد عليها: لا ~~بد أن تأتي. # وابتسمت وفتحت الباب وخرجت. # وجاء البارودي إلى حجرة المكتب وهو يستند إلى حائط الصالة ويتعرف على الباب ~~والمقعد، ولم أشأ أن أساعده ورحت أراقبه وهو يتحسس طريقه وكأنما لأدرك من طريقته في ~~تلمس الأشياء هل هو أعمى فعلا أم يمثل دور أعمى. # وجلسنا نتحدث وأنا أحملق فيه بعيني، وعيناه مفتوحتان إلى آخرهما تحملقان في، وأبتسم ~~فجأة لأرى إن كانت ملامحه ستتبدل تحت وقع ابتسامتي ويكون معنى هذا أنه يراني، ولكن ~~ملامحه لا تتبدل، ومع هذا أبقى غير مصدق أبدا أن عينيه هاتين لا تريان ... عيني ذلك ~~الذكي الداهية الذي ما رأيت في حياتي أذكى ولا أبرع ولا أخطر منه. # قال لي، وكانت له طريقته التي لا يبذل فيها أي جهد لاستخراج أية معلومات يريدها مني، ~~قال: هيه ... وازاي قريبتك؟ # وضحك. # ما فائدة أن أكذب وهو حالا سيعرف؟ فقلت: دي صديقة أجنبية. # قال: وجاية ليه؟ # قلت: باساعدها في إتقان اللغة العربية. ~~- هيه ... # همهم هكذا وهو يهز رأسه وملامحه هزة كنت أعرف ما تعنيه جيدا، وقال كأنما يحدث ~~نفسه: أيتها اللغة العربية، كم من الجرائم ترتكب باسمك؟ # وضحكت على مضض لأجعل ما قاله يأخذ شكل النكتة، وضحك هو الآخر، ولكني كنت متأكدا ~~تماما أنه يتكلم جادا ويعني ما يقول، ms213 وقطع مرة كلامه الجاد الهازل وقال لي بلهجة ~~مغايرة: إذا كنت عايز رأيي، بيتهيألي أن أحسن بلاش حكاية العربي دي. # قلت باستغراب واستنكار ودهشة، والدهشة وحدها كانت مفتعلة: ليه؟ إشمعنى؟ # قال: دي لخبطة دي، بيتك مطروق، وأنت معروف، وناس كتير بييجوا هنا، دي لخبطة ~~دي. # وسكت. # وسكت أنا الآخر؛ فقد كان من المستحيل علي أن أقتنع أنها لا يمكن أن تجيء، ~~فليفعلوا أي شيء، ولكن لا بد أن تجيء سانتي كل يوم كما تعودت أن تجيء. # وبدأ إحساسي بالضيق من البارودي ووجوده معي في المنزل يزداد إلى درجة بدأت أفكر ~~معها في وجوب التخلص منه والعودة إلى الحرية الوحيدة التي لا أريد سواها، حريتي في أن ~~أقابل سانتي في مكان آمن خال. # ولم يكن التخلص من البارودي بالأمر السهل؛ فقد كنت أريد أن أفعل هذا دون أن يشعر أو ~~يحس أني دبرت هذا الأمر أو أن لي فيه يدا، ونوبة صغيرة من تأنيب الضمير راودتني؛ فقد ~~كنت أعرف ألا مكان لإقامته، لا مال لديه، ولكن أي شيء في الدنيا كان لا يمكن أن يحول ~~بيني وبين لقائها. # وكتبت خطابا لوالدتي وأختي أدعوهما للقدوم إلى القاهرة للتفرج على المعرض، وحين ~~كنت ألقي الخطابات في صندوق البريد تنبهت إلى حقيقة ما أفعله. البارودي الذي كنت على ~~استعداد دائم للتضحية بروحي وبكل ما أملك من أجله، ها أنا ذا أدبر عن عمد وإصرار ~~طرده من البيت وهو خارج من السجن مفلسا أعمى. وأدهى من هذا أني لا أتردد فيما أفعله ~~ولا أستطيع التردد وكأني أتصرف رغم إرادتي، ولا أقول رغم إرادتي مجازا ولكنها ~~الحقيقة؛ فقد كنت لا أملك منع نفسي من عمل ما أقوم به، كالميت من الظمأ حين يضحي ~~بأعز الناس لديه - بابنه حتى - في سبيل أن يبلل شفتيه بجرعة ماء، وكأنه قد تولد بينه ~~وبين الماء انجذاب أخطر من أي قوى طبيعية، انجذاب يصل إلى درجة الجنون والتوهج، ~~نفس الدرجة التي تحدث الشرارة الكهربائية بين قطبين. أية إرادة تستطيع أن تمنع ms214 حدوث ~~أي شيء وقد وصل الأمر درجة التوهج؟ # بعد أن ألقيت الخطاب في الصندوق لم أحس إلا بنوبة صغيرة أخرى من تأنيب الضمير ، ~~ونوبات تأنيب الضمير كلما قمت بعمل أشك في صحته كانت تطول عندي وتطول. وكمن يتبين ~~الشيء وهو على الحافة الكائنة بين اليقظة والمنام، أدركت بذهول قليل أني قطعا لم ~~أعد نفس الشخص. إن علاقتي بسانتي غيرتني، لم أعد أنا، يحيى لم يعد يحيى، أصبح ~~يحيى الذي يريد سانتي وبلا إرادة لسانتي لا يكون يحيى، لا أكون أنا، لا أكون حيا، لا ~~أستطيع أن أحيا إذا لم أردها. # وخفت. # أحسست بأخطر ما يمكن أن يحس به إنسان، أحسست بأن حياتي ووجودي كله يعتمد على شخص ~~آخر، أو على رغبتي في هذا الشخص الآخر، تصور حين تحس أن حياتك أنت تعتمد على ~~استجابة شخص آخر لك، وكأنكما جنينان يعتمدان في حياتهما على حبل سري واحد! ~~ماذا يحدث لو أراد الشخص الآخر أن يستقل بوجوده؟ ماذا يحدث لو لم يستجب هذا الشخص الآخر ~~لرغبتك ونفر منك؟ ألا يكون هذا يقطع حبل حياتك نفسها؟ يقتلك؟ # أحسست بالخطر، بل بأغرب خطر تعرضت له حياتي منذ وعيت. خطر أخطر ما فيه أن شعورك ~~به يزيد الأمر خطورة؛ لأنه يزيد من ارتباكك ويزيد من عدم ثقتك بنفسك وذوبان شخصيتك، ~~ويزيد من خوفك على علاقتك بهذا الشخص الآخر، وبهذا يزيد من احتمال أن تنقطع علاقتكما؛ ~~فأحيانا لا تنقطع علاقتنا بالآخرين إلا لخوفنا من أن تنقطع. # روعني بأني أدركت أخيرا أن علي أن أواجه ذلك الأمر الذي كنت دائما أريد أن ~~أتجاهله. أدركت أني خائف خوف الموت أن تنقطع علاقتي بسانتي، وأني في سبيل هذا مستعد ~~أن أفعل أي شيء، والمصيبة أني قد أفعل أي شيء وكل شيء، ومع هذا تنقطع علاقتي بسانتي؛ ~~لأن علاقتي بها لم تكن تتوقف على بطولات أو تضحيات أقوم بها، ولكنها كانت تتوقف ~~عليها هي وعلى مزاجها ورأيها. والرأي والمزاج أشياء لا يمكن لشخص غير صاحبها أن ~~يتحكم فيها، بل حتى ms215 صاحبها نفسه أحيانا لا يستطيع أن يتحكم فيها. أليس من المعقول إذن ~~أن يتولاني الرعب حين أحس بأن حياتي، بل ما هو أكبر وأغلى من حياتي، بالعالم نفسه ~~بالنسبة إلي، كل ذلك متوقف على مزاج سانتي، بل حتى لا يتوقف على مزاجها وإرادتها ~~وإنما على قوى وعوامل غامضة لا يمكن التنبؤ بحكمها أو بما يؤدي إليه؟ # ألقيت الخطاب في الصندوق وعدت إلى البيت، وطوال الطريق كنت أصمم وأقسم وألح على ~~نفسي وأشتمها وألعنها وأطلب من إرادتي كلها أن تتجمع، ومن كياني كله أن ينتفض، ومن ~~ماضي وذكرياتي وكل شيء يخصني في هذا العالم أن يأتي لنجدتي ويساعدني لأستطيع أن أتخلص ~~من علاقتي بها، أو على الأقل لأقاوم علاقتي بها، أقاومها وكأني أقاوم طاعونا أبيض ~~غير مرئي يتقمص روحي. # وكالعادة وكما كان يحدث دائما، أحسست مثلما كنت أحس في كل مرة أدرك فيها شيئا كهذا ~~أني قوي قوى لا حد لها، وأني أستطيع أن أقاوم أي سانتي فأمحو صفحتها من نفسي مهما ~~كانت صفحتها، وأتحرر - أجل - أتحرر، وأعيش - أجل - أعيش؛ فكيف أكون حيا إذا كانت ~~إرادتي في أن أحيا ملغاة، وإرادة شخص آخر - ولتكن سانتي - هي التي تقرر مصير ~~حياتي؟ # والمشكلة الكبرى أنني كنت أنا الذي صنعت بنفسي كل هذا، وصنعته بإرادتي. قيدت نفسي ~~إليها بإرادتي، وبإرادتي أريد أن أكسر قيودي؛ فمن أين آتي بإرادة لي تلغي إرادتي؟ وكيف ~~أحطم بنفسي بنيانا لا تملك نفسي إلا أن تبنيه وتستمر تبنيه؟ # فلأثر إذن ما شاءت لي الثورة، ولأحس بنفسي قويا، وبإرادة جديدة تنبعث في نفسي؛ ~~فأنا خير من يعرف أن هذه كلها إن هي إلا انفعالات وقتية لا يمكن أبدا أن تصمد ~~لتجربة. # بنفس هذه الروح وصلت البيت، وبنفسها أيضا بدأت نقاشا جادا مع البارودي، واختلفنا ~~اختلافا جذريا هذه المرة، اختلافا أدركت معه أننا لو مددنا خطوط تفكيرنا إلى آخرها ~~لوجدناه يؤمن بطبقية التفكير مع أنه يطالب بإلغاء الطبقية في المجتمعات. كان الخلاف حول ~~سياسة المجلة. # وكان من رأيه أننا يجب ألا ms216 نخضع للنزوات الوقتية للجماهير، ولكن علينا أن «نقود» ~~الجماهير إلى الأهداف التي نؤمن بها. والحقيقة أني كنت قد بدأت في الفترة الأخيرة، ~~وخاصة بعد عملي في الورش واحتكاكي المباشر بالعمال، بدأت لا أومن كثيرا بخدعة «قيادة» ~~الجماهير هذه لتحقيق الأهداف التي نؤمن نحن بها. كل من هب ودب يدعي أنه يقود ~~الجماهير لمصلحتها التي أدرك بفطنته وبعد نظره كنهها، والمنادون بهذا في كل الدول ~~والبلاد يتنافسون في الأهداف المثالية التي يريدون أن يقودوا الجماهير إليها، عوالم ~~أفضل، مجتمعات بلا مشاكل، ديموقراطية كاملة، دنيا بأزرار، كلها أهداف جميلة ورائعة ~~جدا، والكل يعمل لمصلحة الجماهير وباسم الجماهير، ولا أحد يتفضل ويسأل هذه الجماهير ~~عن كنه ما تريده هي، كلهم يعتبرون الشعب مجرد طفل قاصر لا يعرف مصلحته، ويعينون ~~أنفسهم أوصياء عليه بالزلفى وبالقوة، حتى ليصبح الخارج على إرادتهم خارجا على إرادة ~~الشعب، والمعارض خائنا لمصالح الشعب. # ذلك رأي، ولكن هناك رأيا آخر لا يقر مبدأ الوصاية على الناس باعتبارهم ~~قاصرين؛ إذ حتى الجاهل منهم أكثر فهما لظروفه ومصالحه ممن يزعم لنفسه أنه أفهم ~~منهم وأوعى، رأي يرى أن «التقدم» ليس هو في جر الناس جرا لتحقيق أهداف نضعها نحن ~~لهم، ولكن التقدم الحقيقي هو أن نهيئ للناس فرصا أكبر وأوسع لكي يحددوا أهم ~~أهدافهم ويسيروا نحوها بالسرعة التي يرونها تتناسب ومقدرتهم، بأن نرفع العقبات من ~~طريقهم، بأن تصبح لديهم مجالات أوسع للاختيار والتفضيل. # التقدم ليس هو أن نفرض على حقل من الزهور أن ينتج لنا كمية معينة من الرحيق في ~~كمية محددة من الوقت، التقدم هو أن نهيئ الفرصة لكل زهرة في الحقل كي تتفتح، كي ~~تصبح أولا زهرة، فإذا ما تفتحت كل الزهور ربما حصلنا على رحيق أكبر وأكثر ~~تنوعا، ربما حصلنا على أنواع منه لم تخطر لنا ولا كان باستطاعتنا أن نحددها قبل أن ~~توجد. # شيء جميل أن تعي الأزهار أنها منتجة للرحيق، ولكنه خطير في نفس الوقت؛ فإنتاج الرحيق ~~وظيفة واحدة من وظائف الأزهار، فإذا كرست الأزهار نفسها من ms217 خلال هذا الوعي الواحد ~~الضيق لكي تصبح مجرد آلات صماء لا عمل لها إلا إنتاج الرحيق، فأقل ما يحدث هو أن ~~تتوقف بقية وظائفها الأخرى، يتوقف تطورها، يتوقف تكوين الثمار والبذور، وبهذا ~~تتحول من مجرد أزهار، مجرد حلقة في سلسلة متصلة الحلقات من عمليات النشوء ~~والتحول والارتقاء، إلى عامل معطل، يصبح الوعي المحدد الناقص في النهاية ~~سلاحا يصيب الأزهار نفسها أول ما يصيب. # باحتداد النقاش بدأت أتبين أن خلافي مع البارودي خلاف أساسي، هو يرى أن وعي ~~الإنسان بنفسه يجب أن يكون هو القيمة العليا، وأنا أرى أن الإنسان نفسه بوعيه وبلا وعيه ~~وبصوابه وخطئه هو القيمة العليا، المشكلة في نظره هي الغاية والمبادئ بصرف النظر عن ~~الوسيلة لتحقيقها، والمشكلة في نظري هي الناس الذين سيحققون هذه المبادئ أو يحققون ~~غيرها، هو يرى أن نسخر الناس لتحقيق الأهداف التي رسمناها لهم، وأنا أرى أن نسخر ~~أنفسنا لتحقيق أهداف ناس مهما بدت ساذجة في نظرنا وقصيرة المدى. هو يرى أن الناس ~~أقل وعيا منا، وأنا أرى أن وعينا مهما بلغ ليس أكثر من قطرة في محيط وعي الناس ~~باعتبارهم جسد الحياة وعصبها الأكبر. # هو يقول: قيادتنا للمجلة لا تعجبكم، وتريدون أنتم أن تتولوا أمرها، أنتم بهذا ~~تتجاهلون أننا أكثر منكم خبرة وثقافة ووعيا. # وأنا أقول: معنى هذا أنكم ممكن أن تظلوا ترأسون التحرير إلى الأبد؛ لأنه لا يمكن ~~أبدا أن ينشأ جيل يصبح أكثر منكم خبرة وثقافة ووعيا؛ لأنكم دائما ستظلون ~~السابقين. # فيقول: وما الضرر في هذا؟ # فأصرخ: الضرر أنكم بهذا تنصبون أنفسكم قادة أبديين لنا. الضرر أنكم تدعون احتكار ~~الوعي واحتكار الخبرة والثقافة، وتطلبون من الناس أن يسلموا بولايتكم الأبدية هذه، ~~بلا نقاش أو جدال. # فيقول: الضرورة التاريخية تحتم هذا. # فأقول: الضرورة التاريخية؟ خاتم الملك الذي باستطاعة أي منا أن يضعه في أصبعه ~~ليعطي نفسه الحق في الجلوس على العرش، فإذا حاول أحد أن يسأله أو يناقشه اتهمه بالوقوف ~~في وجه حقه المقدس، في وجه الضرورة التاريخية. أنت مثلا غبت ms218 في السجن سنوات جرت ~~فيها أحداث وتبدلت أحوال، ومع هذا تصر على أنك أوعى بما حدث منا، ونحن الذين عشنا ~~هذه السنوات ومشاكلها ، فإذا جرؤنا على معارضتك أصبحنا متمردين على القيادة نعترض طريق ~~التطور والتاريخ. القيادة في نظرك هي إرادة التاريخ، هي وارثة الحق الإلهي في حكم ~~الناس، هي المنزهة عن الخطأ. # قل لي بربك: لو أخطأت هذه القيادة مثلا، أو لو خانت وتواطأت مع الأعداء، أو انحرفت ~~عن الطريق، فمن يبصرها، ومن يحاسبها، ومن يقول لها لا؟ وهي التي باستطاعتها ومن ~~حقها أن تفصل وتدمغ وتتهم أي خارج عليها، وبهذا تضمن لنفسها بقاء أبديا لا ~~يعكره معارض أو محاسب. # وضاق البارودي بالنقاش، وقال: اسمع، نحن نتناقش على أساس خاطئ؛ فليس مفروضا أن تخون ~~القيادة؛ لأنها حينئذ إنما تخون نفسها، وأيضا ليس المفروض أن تخطئ، فإذا أخطأت فعليها ~~هي أن تكتشف الخطأ وتصلحه. هي العقل المفكر إذا أردت أن تقول هذا، وعلى العموم أنا ~~غير موافق أبدا على الروح التي تناقشني بها، والتي لا تتحدث فيها بالاحترام الواجب ~~عن قادتك وقيادتك. # وأصبحت بإجابته هذه أكثر ضيقا، بل بدأ شيء باهت يتسرب إلى نفسي ويوسوس لي أن ~~البارودي ليس فقط مخطئا في رأيه، ولكنه يخطئ عن عمد، ولأهداف خفية. وما العمى ~~والإفراج وادعاء المسكنة والإفلاس إلا أجزاء متكاملة لخطة واحدة. # وكنوبة الغروب التي يطلقها نفير البحرية، وبحزن مندى بالعتب والغضب والاستنكار، ~~وجدت الخاطر يعود ليطرق عقلي. أيمكن أن يكون البارودي قد أفرج عنه في هذا الوقت ~~بالذات، وقد كدنا نضع أيدينا على المجلة وسياستها ليحول بيننا وبين ما نريد، وليعود ~~التيار المتهافت القديم يسيطر على المجلة من جديد؟ # وفتحت فمي أسأله سؤالا، ولكنه قال: أرجوك، أسمعنا موسيقى أفيد. # ورحبت بالاقتراح الذي أعفاني من مهمة السؤال، ومن تلكؤ الخاطر أطول من اللازم في ~~عقلي. # ولم تفعل الموسيقى أكثر من أنها مضت كنار المدفأة الهادئة أو كحرارة أفران الخمائر ~~راحت تسوي أفكاري على مهل وتنضجها وتساعد على تفاعلها. أشياء كثيرة أصبحت تشغل بالي، ms219 ~~أشياء ليست متعلقة بالمجلة وسياستها فقط، ولكنها عموميات تبدو المجلة جزءا صغيرا من ~~أجزائها. # هذا النقاش الذي دار مع البارودي أنا نفسي كنت أعجب له، لم أكن قبلا أفكر هكذا، بل ~~قبلا لم أكن «أفكر» أبدا. كنت أحيا كالسهم المطيع المندفع، ولكني أردت أم لم أرد، ~~ها أنا ذا قد وصلت إلى مرحلة بدأت أفكر فيها، لم أعد أهضم إقدامي على عمل ما لم ~~أكن مؤمنا تماما بصحته، وأمثالي لا يرحب بهم أمثال البارودي كثيرا. إنهم متعبون، ~~أو كما درجوا على تسميتهم «مثقفون ليبراليون»، يفكرون لأنفسهم بأنفسهم، وهم يريدون ~~جنودا وعساكر لينفذوا فقط ما يفكرون هم فيه، ويريدون جيشا هم وحدهم أصحاب الحق في ~~أن يفكروا له، وما على البقية إلا السمع والطاعة، يريدون «جسدا» لهذا «العقل ~~المفكر». # وحتى حين أمرت نفسي بالتنازل عن كل آرائها وأفكارها وعدت، كنت أخدع نفسي؛ فمن ~~تعود أن يفكر لا يمكنه أبدا إلا أن يظل يفكر، بل ما أكثر ما تمنيت أن أناقش ~~البارودي مرة مثلا فيقنعني بخطئي وأعود كما كنت. ولكن نقاشي معه كان يزيدني اقتناعا ~~بصوابي وبضرورة أن أستمر في طريقي، ورغم هذا أظل أتمنى أن يثبت في النهاية أني أنا ~~المخطئ وأنهم كانوا على صواب، أتمنى أن يثبت أن خطأهم صواب وأن صوابي خطأ، وأن ينجحوا ~~هم وأفشل أنا؛ ليكون هذا عزائي عن عدم قدرتي على عصب عيني وعقلي والمضي معهم في طريق ~~واحد. # ونفس الموقف تجاه سانتي؛ فأنا أعذرها في موقفها مني وأعذر نفسي في موقفي منها. أنا ~~حائر معها وهي حائرة معي، أريد استئصالها من نفسي لأريحها وأريح نفسي فلا أستطيع، وأتعب ~~وأتعبها معي. ثائر على ضعفي تجاهها ثورة عظمى، وثائر على قوتي التي تقف عاجزة أمام ~~هذا الضعف ثورة أعظم. أحبها بضعفي وأريد قتل هذا الحب بقوتي فلا تستطيع هي أن تمد ~~يد العون لتغلب ضعفي على قوتي أو تغلب قوتي على ضعفي. # وها أنا ذا كالتاجر الذي لم يعد يعرف مكسبه من خسارته، كلما خلا إلى نفسه ms220 أو كلما ~~عزلته الموسيقى أو الوحدة أو الحياة عن واقعه وعما حوله؛ أخرج دفاتره القديمة وأوراقه ~~ومضى يعد ويحسب، ويخرج من عده وحسابه كما يخرج كل مرة دون أن يصل إلى نتيجة أو ~~قرار. # 18 # قبل أن أغادر البيت إلى عملي في الصباح، كان شوقي قد جاء ليستصحب البارودي لحضور ~~اجتماع على مستوى عال، وحين أصبحت وحيدا أو بعد عني البارودي بمناقشاته وملاحظاته ~~بدأت أفكر في التراجع، وفي أن أكتب خطابا آخر لأمي وأختي أطلب فيه عدم الحضور ليظل ~~هو معي، لا للأسباب التي أنبت نفسي عليها في اليوم السابق فقط، ولكن لأني من طريقته ~~في نقاشه معي عن سانتي أدركت أنه لم يأخذ كلامي عنها ببراءة، وأن من المستحسن أن أنفي ~~له ما قد يتصوره من ظنون وأن يبقى معي في البيت ليرى بنفسه أن تردد سانتي علي ليس ~~فيه ما يدعو إلى الشك. # كنت قد قررت هذا، وفقط ظللت أنتظر إلى أن تتجمع جرأتي وأستطيع أن أنفذ ~~القرار. # ولكني فوجئت بقرار آخر غير إرادتي، لم يكن لي على بال. # فقد عاد البارودي في الظهر مع شوقي، وتناولنا الغداء معا، ومكث شوقي بعد الغداء ~~قليلا ثم مضى. # وبينما نحن نتأهب لنومة القيلولة قال البارودي وهو يخلع ملابسه: على فكرة، سانتي دي ~~بلاش تيجي هنا. # واستغربت لكلامه؛ فقد كنت أظن أن الموضوع لم يأخذ من انتباهه كل هذا القدر، وقد ~~تأكدت أنه أخذ مجيئها على المحمل الذي لم أكن أريده أن يأخذه عليه، وأحسست بالضيق ~~وعدت مرة أخرى أشرح له أن ما تجيء من أجله لا يتعدى السبب الذي ذكرته له، ودارت ~~المحاورة التي ذكرتني بالكثير من المحاورات التي كانت تدور بيني وبينه حين يكون الحق ~~بجانبه في الظاهر وأكون أنا عاجزا عن إنطاق حقي فيفحمني، وأحاول الصمود ويعود فيفحمني؛ ~~فأزداد استمساكا بموقفي. # وقال وكأنما يريد أن ينهي النقاش: على العموم ده مش أمر مني، ده مجرد رأي بقوله لك ~~وأنت حر. # وكان معنى هذا أن كلامه أمر غير رسمي. ms221 وأدركت أني كنت على حق في الحيلة التي لجأت ~~إليها للتخلص منه. # ومضى يومان طويلان لم أر فيهما سانتي؛ إذ كان لا يمكن أن أراها والبارودي موجود. ~~لورا هي التي جاءت أكثر من مرة، ولم يزحزحها عن الدخول وجود البارودي ولا تعليقاته ~~الساخرة على بيتي الذي أصبح مدرسة وأصبح في حاجة إلى ناظر. # وخلال اليومين كنت أنتظر مجيء العائلة بصبر نافد، وأخيرا وفي صباح اليوم الثالث ~~جاءوا. وكانت المقابلة الصاخبة وضجة الترحيب المعتادة. وفوجئوا بوجود البارودي في ~~البيت، ولكن البارودي لم يفاجأ بمجيئهم، بل لم يبد عليه أية بادرة تدل على أن في ~~نيته مغادرة البيت، وكان من الطبيعي جدا أن يحيا معنا وفي وجود أخواتي ~~البنات. # غير أنه قال لي حين انفردت به: أظن مفروض أني أمشي؟ # ولم تعجبني الطريقة التي سألني بها؛ فقد كان واضحا أنها طريقة من يتوقع أن تجيبه ~~بقولك مثلا: لا، لا داعي أبدا لهذا. # وفي إجابتي له حاولت أن أحوم حول الموضوع وأفهمه بطريقة غير مباشرة أن للقاطنين في ~~الأرياف تقاليد، وأننا لسنا متحررين إلى هذه الدرجة. # وفهم البارودي أن عليه أن يغادر البيت. # وحين جاء شوقي بعد الظهر ناقشنا المشكلة، وقررنا أن ينتقل ليقيم مع عطوة في بيته، ~~وخرجا سويا وشيعتهما إلى الباب وأنا أحس بارتياح عميق؛ فرغم كل ما فعلته ودبرته ~~كان يخيل إلي في أحيان أن مغادرة البارودي للبيت مسألة مستحيلة، وإذا حدثت فلا ~~بد أن تتم بمعجزة. # وعدت إلى العائلة الصغيرة، أمي وأختي الكبرى محاسن وأخي صفوت وعواطف الصغرى، ~~وتحدثنا، وتأملوني كعادتهم، وتأملوا صحتي وشقتي، وما استحدثته فيها من تغيير، وفرجتهم ~~على المعرض، وأدخلتهم السينما وتعشينا، وكنت أفعل هذا كله من وراء نفسي؛ إذ كنت أفتش ~~عن ذرة رغبة واحدة تدفعني لكي أفعل ما فعلت دون جدوى. كنت طوال الوقت معهم وطوال ~~الوقت أتمنى لو انتهت زيارتهم فورا لكي يصبح في استطاعتي أن أقابل سانتي. # وحين عن لهم أن يقضوا يوما آخر بدأت تصرفاتي معهم يشوبها نوع من الجفوة كانت ms222 ~~تصدر مني رغما عني، وأؤنب لها نفسي كثيرا، ولكني لا أملك منعها ولا التحكم فيها. ~~ويبدو أنهم أحسوها أخيرا؛ ففي اليوم الثالث وجدتهم يوقظونني في الفجر، وحين صحوت ~~وجدتهم جمعوا حوائجهم وارتدوا ثيابهم وإن كان النوم لا يزال يملأ عيون الصغيرة عواطف. ~~كانوا قد تهيئوا للعودة ولم يبق إلا أن يسلموا علي. وقلت كلاما فاترا سخيفا ~~كثيرا عن ضرورة بقائهم أياما أخرى، وأن هذا لا يصح، وأقسمت عشرات الأيمانات آمرهم بها ~~أن يلغوا مشروع السفر و... و... إلخ هذه الأقوال الجوفاء التي نرددها في لحظات كتلك ولا ~~نعني بها شيئا؛ فقد كنت في قرارة نفسي أتمنى ألا يتراجعوا وأن يظلوا ماضين في مشروع ~~السفر إلى نهايته. # ولم يتراجعوا، سلموا علي وهبطوا في السلالم شبه المظلمة وهبطت معهم لأوصلهم إلى ~~التاكسي وأنا أؤنب نفسي تأنيبا حادا مريرا؛ إذ لا أجد لدي أدنى رغبة أو إرادة ~~تدفعني لتوصيلهم للمحطة. # وحين ركبوا العربة، ومضت ولم أعد أرى منهم سوى أيد خارجة من النوافذ تلوح ووجوه ~~تطل علي من خلال الزجاج الخلفي وتلمع عيونهم ببريق الوداع الخافت، أحسست أني أريد أن ~~أبكي، وأني مجرم عاق، وأني أستحق كل ما يحدث لي من عذابات ومشاكل. # وعدت إلى البيت وضميري والدموع لا ترحمني، ضميري يكاد يخنقني والدموع تحتبس في حلقي ~~وتطبق علي، أما في قلبي فقد كنت أحس بفرحة كبرى؛ إذ في ذلك اليوم بالذات، اليوم ~~الذي يبدأ بنفس ذلك الصباح المبكر الجميل، سأرى سانتي وألقاها وتجلس معي، وحتما سأعود ~~أحدق في عينيها المشعتين بأروع ما في الدنيا، بروحها. # ولم أكن أعلم من أين جاءني ذلك الشعور بأني سألقاها؛ فلم يكن بيننا موعد، ولم تكن ~~لدي طريقة للاتصال بها، حتى عملها لم أكن أعرفه، كل ما يربطني بها هو رغبتها في أن ~~تأتي إلي. # عدت إلى الفراش أحاول أن أعود إلى النوم، ولكني لم أستطع، كانت الساعة تقترب من ~~السادسة صباحا، ولكي أقابلها في كامل قواي العقلية والنفسية بعد الظهر، فلا بد أن ~~أكون قد نمت ms223 نوما عميقا، وأنا قد أويت إلى الفراش متأخرا في الثالثة أو الرابعة، ~~ولم أنم سوى ساعتين. عبثا حاولت أن أرغم نفسي على النوم، ووجدت نفسي أعود وأرتدي ~~ملابسي وأغادر البيت وآخذ طريقي إلى النيل. # كانت الشوارع خالية أو تكاد، وأنوار مصابيحها مطفأة، والأتوبيسات قليلة ونادرة ونورها ~~مضيء، والسكون مطبق لا تقطعه سوى قلقلة من هنا أو هناك لعربة كارو قادمة حاملة ~~الخضار إلى المدينة النائمة، والنسمات طازجة لم يستنشقها أحد بعد، نسمات يوم جديد، ~~يوم تخلصت فيه من كل ما كان يعوق لقائي لها، ويوم أنا حر فيه لأراها. يا إلهي! حريتي ~~تضاءلت؛ فلم أعد أريدها لأسافر أو أكتب أو أتكلم، أريدها فقط من أجل أن ألقاها، وأنا ~~الذي اعتبرت في لحظة ما أن حبي لها يقيدني، وسخطت على هذا القيد وأردت تحطيمه وتحرير ~~نفسي، أين أنا الآن؟ ها هي ذي سعادتي الكبرى أن أصبح حرا في تقييد نفسي بها. لا ~~بد أننا كائنات معقدة جدا، أكثر تعقيدا من كل تلك النفوس المبسطة المسطحة التي ~~نراها ونقرأ عنها في الروايات والكتب؛ فهناك نلتقي بالعواطف والانفعالات وقد ~~استخرجت ونقيت وصنعت منها كتل ضخمة ظاهرة للعيان، وما أبعد هذا عن نفوسنا ~~وهي دائرة في تلك الحياة! ما أبعد هذا عنها وهي حس في اللحظة الواحدة بعشرات العواطف ~~وتتجاذبها عشرات النوازع، وتصدق وتخدع وتمر وتشف وكل ذلك في لحظة، الحب! ها أنا ذا وأنا ~~سائر على شاطئ النيل أتنفس بعمق، وأحب الصبح الباكر والنهر الدافق الممتد وطقطقة ~~العجلات في عربات الكارو من بعيد، ونداءات باعة الفول، وصوصوة العصافير، أجد الكون كله ~~مملوءا بكلمة ضخمة، كلمة حروفها كل الكائنات والأشياء، كلمة «أحبها» وليست كلمة ~~صافية، إنها كلمة معقدة مركبة كالكلمة حين نكتبها ونعيد الكتابة فوقها، كلمات بعضها ~~فوق بعض، كلمات مثل: أنا سعيد بحبي لها، لا بد من قطع علاقتي بها الآن، ليس قليلا أن ~~أهب عمري كله لكي أحبها، لا يجب علي أن أراها، أنا مشتاق إليها، أنا أحبها لأني أحس ~~أنها لا ms224 تحبني، أنا أحبها لأنها تحبني، كلمات بعضها فوق بعض تكاد من تعقيد تركيبها أن ~~تطمس، ولكنها تكون بتعقيدها تلك الحقيقة الكبرى التي تجعلني سعيدا بالصباح الباكر، ~~سعيدا بأني حي أعيش هذه اللحظات، سعيدا لأنه في مكان ما من تلك المدينة الكبيرة لي ~~فتاة اسمها سانتي، إنسانة دقيقة صغيرة هائلة، في مكان ما من تلك المدينة الكبيرة لي ~~حبيبة. # ظللت أمشي حتى تعدت الساعة الثامنة وأشرقت الشمس، أشاهد كل شيء وأحس به جميلا من غير ~~أن أراه؛ إذ في الواقع لم أكن أرى شيئا بذاته أو لذاته. كانت سانتي هي أجمل ما كنت ~~أراه في أي شيء، كلما أحسست بالجمال في الماء أو الشمس أحسست بها، وكلما أحسست بها رأيت ~~الجمال فيما أنظر إليه ولو كنت أحدق لحظتها في أقبح الأشياء. # 19 # ورغم كل تلك التفصيلات فلا أستطيع أن أجزم إن كانت قد جاءت في ذلك اليوم أم لم تجيء؛ ~~فمنذ ذلك الوقت وصور الأحداث في ذاكرتي أبقى أثرا من مواعيد حدوثها، ومع هذا فهي ليست ~~أحداثا كثيرة أو عظيمة الأهمية، إنها بسيطة إلى درجة لا يستطيع معها الإنسان العادي ~~أن يصدق أنها كانت وقائع مأساة كاملة؛ فقد تعودنا أن تراق في المآسي الدماء وتزلزل ~~الزلازل وتنفجر البراكين. # كل ما حدث أني بدأت خلال مقابلاتي التالية لها أحس شيئا لم يكن موجودا، كانت ~~مقابلاتنا السابقة تتم بلهفة، لهفة من جانبها ولهفة من جانبي، وطوال المقابلة أظل أتلهف ~~على أية كلمة تخرج من فمها وتظل هي تترقب كل كلمة تخرج من فمي، أما أنا فقد ظللت على ~~لهفتي، بل كادت لهفتي تتحول إلى نوع من السعار أو الجنون وإن كثرت محاولاتي لإخفائها، ~~أما هي فقد قل ترقبها لكلماتي أو انعدم كمن يظل ينتظر حدوث حادث، فلما طالت المدة ~~ولم يحدث بدأ ييأس، وبدأ ينتابه شعور من اللامبالاة تجاه حدوثه، وأصبح سيان لديه أحدث ~~أم لم يحدث، حتى مواضيع الحديث خيل إلي أننا استنفدناها كلها حتى لم يعد ثمة ~~موضوع جديد نطرقه، أو ms225 أي جديد نطرقه يبدو قديما معادا لا جدة فيه، ولست أذكر متى بدأ ~~هذا يحدث، ولكنني أذكر أن سيرة شوقي جاءت مرة فلمحت بريق اهتمام خافت في عينيها، ~~وحرارة ما قد شملت صوتها وهي تسألني عنه وعن أخباره، ولاحظت مرة أنها اشترت علبة سجائر ~~أمريكية وكان شوقي يدخن سجائر أمريكية. # وبدأت أشك. # أنا أعرف أن شوقي من نوع لا يأبه للنساء كثيرا ولا يهتم بعلاقته بهن أو باستلفات ~~أنظارهن. لم ألحظه مرة أنيقا، ولم أضبطه مرة متلبسا بفرق ولو صغير بينه حين يتحدث ~~لرجل وبينه حين يتحدث لسيدة. كان على النقيض مني في تلك الناحية، ولكن من يصلح لصرف ~~أنظار سانتي عني إلا إنسان على النقيض مني تماما؟ إنسان لا يبدو عليه أنه مهتم بها، ~~إنسان غير محب للاستطلاع أو الاستلفات، إنسان يمضي في عمله كالسيف، إنسان كهذا لا يصلح ~~سوى لتتعلق به واحدة كسانتي. # وبدأت أحداث كثيرة تقع وكأنما وقعت كلها في وقت واحد. مرة دون أن أتوقع وجدتها ~~تدق بابي وفتحت لها وجلسنا نتحدث، ولم يطل حديثنا ولم تطل فرحتي لمجيئها؛ فقد دق ~~الباب وإذا بالقادم شوقي، وكالشرارة لمع في ذهني خاطر، آه ... حتما تواعدا على اللقاء ~~عندي! وجلس شوقي وجلسنا، وبدأنا نتحدث. # رحت أراقب نظراتها والطريقة التي تكلمه بها، والآن وأنا أكتب هذا قد أقول لنفسي إن ~~البريق الملتهب الذي كنت ألمحه في عينيها وملامحها وهي تكلمه ممكن أن يكون بريقا ~~صوره لي شكي الملتهب، ولكني ساعتها كنت متأكدا تماما من البريق الذي كان يشع منها ~~كلما خاطبتني في أوائل علاقتنا. وفي تلك الليلة جاء البارودي يصحبه عطوة ورآنا جالسين، ~~ومضى يعلق تعليقاته الخبيثة المغطاة، وكان لا بد أن أعتذر عن مجيئها أمامه بعدما ~~أخبرني بأن مجيئها عندي أمر غير مستحب. وأخيرا انتقل من التلميح إلى الكلام المكشوف، ~~وقال إن وجودنا معا في مكان واحد وبلا سبب ضروري مهزلة، وإن على سانتي أن تذهب. ~~ولعنته في سري آلاف المرات وأنا أتساءل عن كنه هذا العفريت الذي يركبه ms226 كلما رأى سانتي ~~عندي، ولكنها قامت لتنزل. وطلبت من شوقي أن تكلمه قبل أن تنزل على حدة، وخرج لها شوقي ~~ووقفت معه في الصالة قريبا من الباب، وجلست أنا والبارودي في حجرة المكتب يأتي همسهما ~~إلينا، ولا نتكلم نحن أو إذا تكلمنا أقول أنا كلمة فارغة تافهة أداري بها النار ~~المتأججة في جوفي، أو يعلق البارودي تعليقا خبيثا مغطى. # وبدأ البارودي يضيق بصوت مسموع وينادي على شوقي، وسانتي تستمهله لتكمل الحديث معه، ~~وأخيرا ذهبت وانضم شوقي إلينا، ورحنا أنا والبارودي نصب عليه نظرات كاوية لاذعة ~~وهو يقابلها بابتسامات محرجة كمن ارتكب ذنبا لا يعرف على وجه التحديد كنهه. # وكل هذا يحدث وعلاقة لورا بي تزداد، أو في الحقيقة مطارداتها تزداد، تأتي كلما حلا ~~لها المجيء. أعبس لها فلا ينفع فيها تكشير، وأعتذر فلا ينفع اعتذار، وفي فترات يأسي ~~وضعفي أصمم على أن أسلي نفسي بها علها تفلح في إطفاء الحريق، وأواعدها مثلا على أن ~~نلتقي في الجزيرة، ونلتقي ونتمشى، وأضع يدي حول خصرها وأضحك معها، بينما مرارة قاتلة ~~تتصاعد من جوفي؛ لأني طوال الوقت أفكر في سانتي وخيبتي معها. ونلتقي مرة لنذهب إلى ~~المعرض، وأفاجأ حين نقابل سانتي فوق الكوبري وتحيينا ونحييها. وأفرح جدا لأنها ~~رأتني ذاهبا مع لورا إلى المعرض، وأصاب بأشد خيبات الأمل لأني لم أجد في عينيها ~~اهتماما يذكر، وأقول لنفسي لا بد أنها بعد أن نبتعد عنها ستستدير، وأظل أتلفت ~~لألمح استدارتها فلا أجدها تستدير أو حتى تتمهل. # وتأتي سانتي لي ذات يوم صدفة، فأحس بأن زيارتها جاءت هكذا، كأنما قد تعودت على ~~زيارة مكان وانقطعت عنه مدة وتحس أحيانا بضرورة زيارته بحكم العادة، أو بحكم انقطاع ~~العادة. تأتي وأعمل لها قهوة مثل أيام زمان، ونجلس نتحدث، ويخيل إلي أن كل شيء ~~سيعود حتما إلى ما كان عليه، وستعود سانتي إلى حوزتي (وكأنها كانت في حوزتي)، ولأستثير ~~اهتمامها أقول لها إني كتبت لها خطابا، ويسعدني بريق الاهتمام الصادق الذي بدر من ~~عينيها، وبمحاولاتها الصبيانية لتفتيش أدراج ms227 مكتبي بحثا عن الخطاب، وطبعا كان لا يمكن ~~أن تعثر عليه؛ فلم أكن قد كتبته أصلا، ولا كان في نيتي كتابته، ولكني أعاهدها أني ~~سأقرؤه لها إذا جاءت في الغد، وقد آليت على نفسي أن أكتبه لها خلال الليل، وأجلس على ~~المكتب بعدما ذهبت أحاول كتابة الخطاب ولا أستطيع، وكأن قوة غيبية قاهرة تمسك الكلمات ~~في صدري وتحبسها ولا تستطيع إرادتي كلها بجماعها أن تخرجها، وأخيرا جدا قرب الفجر ~~أكتب بضع صفحات لا حرارة فيها، كلها مرارة، وكلها ألم وسخرية، سخرية المتكبر العاجز ~~الذي لا يريد أن يعترف بعجزه وتفاهته وضعفه. # وكما توقعت جاءت في الغد، جاءت لا كما تعودت أن تجيء؛ إذ كنت أحس قبلا أنها آتية ~~هدفها الوحيد هو الجلوس معي ورؤيتي، تلك المرة أحسست أن مجيئها عندي محطة لا أكثر، مهمة ~~تريد إنهاءها، وازداد ارتباكي. بعد مدة بدأت تتململ وتسأل عن الخطاب، وبدأت أبتسم ~~وأحاول التخابث وأحاول أن أجرها لأحاديث زمان، أو على وجه أدق أحاول أن أجعل ~~لحديثنا طعم الحديث أيام زمان، ولكن بدا وكأن الخطاب هو الشيء الوحيد الذي ~~يشغلها. # وأخيرا أخرج الخطاب وأقرؤه لها، فتظل تنصت وتنصت، لا تبتسم ولا تنفعل، وحين أنتهي ~~تقول بلهجة جادة قليلا: سآخذه، أليس كذلك؟ أين هذا من اندفاعها الصبياني الحبيب وهي ~~تستولي على الخطابات السابقة عنوة وتضعها في حقيبة يدها؟ # وبعد الخطاب لم تجد موضوعا للحديث، قالت لي بعد صمت: ألم تر شوقي؟ لم يعد إذن ~~بيننا ما يقال إلا أن يكون شوقي موضوعه. # كنت أتألم وأسكت، أبتلع الألم وأزداد ارتباكا ولا أجد ما أقول، وأحيانا كنت أتطلع ~~لها وأراها، وأرى أنها هي نفسها سانتي القديمة، ولكن وكأن شيئا فيها كان يمت إلي ~~ثم لم يعد يمت إلي، إحساس ربما بأني أنا قد أصبحت غريبا عنها مع أنها باقية ~~قريبة جدا إلي. # بعدما أظلمت الدنيا بكثير قامت لتعود. قلت لها: أوصلك؟ ويبدو أن لم يكن لديها ما ~~تفعله؛ فقد وافقت، وكانت موافقتها مجرد استسلام لرغبتي وإحساسي. # وفجأة ونحن ms228 في طريقنا إلى الباب وقفت أمامها في الصالة، وحدقت فيها طويلا. # وقالت لي بنفس طريقتها الآسرة في نطق اسمي: يحيى، ماذا حدث؟ # قلت: سانتي. # وأحسست أني أريد أن أنكفئ على الأرض وأظل أبكي حتى أختنق. # قلت: بودي لو تعرفي كم أحبك؟ # قلتها بطريقة تمثيلية هازلة، مع أني كنت أتألم لمجرد أني مضطر لأن أسخر من هذه ~~الكلمات نفسها. # وسكتت وابتسمت ابتسامة لم أعرف كيف أفسرها. # وبدلا من أن أبكي جذبتها إلي بعنف فقاومت، فأمسكتها بكل قواي ولم تتملص، ربما من ~~شدة الألم. كانت الصالة نصف مظلمة لا يضيئها سوى النور الآتي من لمبة المكتب في الحجرة. ~~الشيء الوحيد المضيء في الشقة كلها، وبين ذراعي كانت سانتي صغيرة دقيقة، لو ضغطت عليها ~~قليلا لتكسرت قطعا، ولكني كنت أقبلها عددا لا نهاية له من القبلات، ومن يرانا ~~هكذا يظننا حبيبين قد أوصلهما الغرام إلى الذروة، وما كان أبعدني عنها وأبعدها عني لا ~~لأنها كانت تقاوم؛ فالحبيبة قد تقاوم، ولكن لأن مقاومتها كانت مقاومة إنسانة غريبة ~~غير منفعلة، ولماذا ألومها؟ هذه الرغبة التي نشبت في صدري فجأة لأحتضنها لم تكن رغبة ~~في عمل شيء كهذا بقدر ما كانت رغبة في الاحتفاظ بها وإمساكها عن أن تنزلق. كنت قد ~~بدأت أحس أنها تنزلق بعيدا عني، تنزلق بطريقة لا يمكن إيقافها، وأنا واقف أشاهد هذا ~~الانزلاق ولا أستطيع منعه. # ولكني فوجئت، هكذا كما تحدث المعجزة كما ينشق القمر أو تغيب الشمس في أثناء النهار، ~~فوجئت حين شبت سانتي على أطراف أصابعها وقبلتني قبلة سريعة خاطفة وهي تقول: من ~~تظنني؟ هل أنا قطعة خشب لا تحس؟ # ومن هول فرحتي لم تشلني المفاجأة أو توقف تفكيري، ولم يعد مهما عندي إن كانت قد ~~قبلتني لأن حماستي أعدتها أو لأن الموقف أثارها أو لمجرد عطف انتابها. المهم ~~أنها قبلتني قبلة لا طعم لها ولا عاطفة فيها، ولكنها قبلة منها. # واحتضنتها بشدة وقد دبت في جسدي رغبة عارمة مشبوبة، وبدأت تبكي وتقول: كنت أعتقد ~~أني لن أتأثر، ولكنك هوستني ms229 بحبك لي، أخذتني من حياتي ومن نفسي، وأنا أحب حياتي وأحب ~~زوجي وأنت صديق، صديق فقط، ولكنك أعز صديق، لا شيء غير هذا، لماذا أنت مصر على أن أحبك، ~~لماذا؟ # وظلت تتكلم ولا تتوقف، ولكني أنا كنت قد توقفت عن سماع ما لا يحلو لي، كنت فقط ~~أسمع ما أريد، ثم أصبحت لا أسمع وحمى الموقف قد أصابتني بالصمم. # والعجيب أني لم أحس أبدا بشيء يشبه فرحة النصر، أما هي فقد قالت: لو كنت مكانك ~~لخجلت من نفسي. # وآذتني كلماتها وكأنها لعنات، وقلت وصدري قد امتلأ فجأة بالحقد عليها: لو كنت مكاني؟ ~~إنك أبدا لم تحملي نفسك مشقة الانتقال إلى مكاني. # قالت في شبه صراخ: وكيف أنتقل إلى مكانك وأنا لا أحبك، ألا تفهم هذا؟ ~~- أنت من صنف ينكر على نفسه ما يريد. ~~- أنا لست هكذا، أنت لا تعرفني ولا تفهمني ولا أريدك حتى أن تعرفني أو تفهمني، أنا ~~مخطئة، أنا المخطئة. # قالت هذا وهي تدق الأرض بقدميها، وتعمدت أن أكف عن الإنصات إليها، ولم يعلق ~~بأذني إلا سؤالها الملح الذي كانت تبدأ منه الكلام ثم تعود إليه: لماذا أنت مصر ~~على أن أحبك؟ لماذا؟ # وربما لأن تساؤلها ذلك كان أقرب كلماتها إلى مأساتي، فكرت أن أجيبها عليه أكثر من ~~مرة، ولكني لم أكن أعرف ماذا أقول لها، ولا كيف أطلعها على جزء من نفسي لم يره أحد ~~مطلقا، وكان لا يمكن لأحد أن يراه، حتى أنا أيامها لم أكن أراه، ولكني كنت أحسه. جزء ~~عميق خفي ولكنه يكاد يكون روح حياتي ومفتاح شخصيتي، إحساس ربما يوجد لدى الناس جميعا ~~دون أن يعرفوه، ولكني كنت أحسه، ومتأكد أنه لدي، إحساس بثقة لا حد لها بالنفس تجاه ~~الحياة، الإحساس الذي يلون قمة صبانا وفجر رجولتنا، الإحساس بألا مستحيل علينا تحت ~~الشمس، كل ما نريده نستطيعه، وكل ما نريد أن نحلم به نحلم به، وكل ما نحلم به ففي ~~استطاعتنا أن نحققه، إحساس عدم الخبرة كمن لا يعرف المصارعة ولكنه يؤمن أنه ms230 في استطاعته ~~أن يصرع أي إنسان لو نازله، إحساسنا بالثقة في أنفسنا، الإحساس الذي يغادرنا حين نحتك ~~بالحياة ونتبين من احتكاكنا بها كنه قوتنا وقصور قدرتنا عن تحقيق أحلامنا، وحتى ~~قصورنا عن أن نحلم. وكنت كغيري أعتقد أني إذا أردت أن أنال أية امرأة فلا بد أن ~~أنالها، وإذا أردت أن تحبني أي فتاة فلا بد أن تحبني، مهما كانت عيوبي، ومهما كانت ~~الظروف التي ألقاها فيها والطريقة التي أعاملها بها، سواء كانت زوجة أم محبة، عجوزا أم ~~صبية، مليونيرة أم فقيرة؛ فقد كانت لدي ثقة تامة أني أستطيع أن أجعلها تحبني. بل أكثر ~~من هذا كلما كانت الظروف أصعب، فتنني الوضع وسلطت عليه إرادتي وكياني لأنتصر، وأزداد ~~ثقة بنفسي وأزداد ثقة بثقتي بنفسي. # وربما أردت سانتي كل تلك الإرادة لاعتقادي أنها منيعة فعلا وبعيدة جدا، وصعبة ~~المنال إلى أقصى حد، ولإيماني أن ظروفي أسوأ ظروف ممكن أن يظفر فيها شاب بفتاة ~~مثلها. # في الصالة نصف المظلمة، وأمامي سانتي أقصر مني، أحاول أن أنتهز الفرصة لأقبلها، ومع ~~أني كنت قد حققت هدفي القديم منها ونلتها، إلا أنها لم تكن قد أحبتني كما أردت، وها هي ~~ذي لا تزال مصرة على أنها لا تحبني ولن تحبني، فلأدعها إذن تتحدث كما يحلو لها وتصر ~~كما يحلو لها؛ ففي نفس ذلك الوقت كنت أبتسم ابتسامة شيطانية ذات بريق أقوى من البريق ~~الصادر من عيني؛ فقد أدركت لأول مرة أنها ليست قصة حب أخرى تلك التي أواجهها، ولكنها ~~تجربة حياتي. حقيقة كنت أحس أن صفارة البدء قد انطلقت وأني أنزل الحلبة لأبدأ أول صراع ~~ينشب بين الواقع وبين ما أريد. # ويبدو أن إدراكي لكنه اللحظة التي أواجهها قد جعل البريق الصادر من عيني ينقلب إلى ~~شيء مخيف؛ فقد أحسست برعشة تجتاح ذراع سانتي وأنا قابض عليها بيدي، أقربها مني ~~وأبعدها وهي تتحاشى النظر إلى عيني، ومع هذا أحس بها تنزلق من قبضتي كالزئبق انزلاقا ~~مستمرا منتظما من المستحيل أن يتوقف أو تفلح قبضتي في ms231 منعه، ورعشة من نوع آخر هي ~~التي انتابتني. # ولم أفق إلا حين وجدت سانتي تفلت مني فجأة، وتفتح باب الشقة وتختفي في لمح البصر ~~داخل حلزونية السلم، وأسرعت خلفها، ووقفت على أعلى درجة منفعلا إلى أقصى حد ~~وقلت: سانتي! # ولم تجب. # ومرة ثانية ناديتها: سانتي. # وأيضا لم تجب. # ومرة ثالثة قلتها، وخرج صوتي متهدجا يملؤه التأثر كمن ينادي على رفيقة الصعود إلى ~~جبل حين تتركه فوق القمة وتهبط وحدها السفح، وهي عاجزة عن إيقاف نفسها عن الهبوط، وهو ~~مقيد في مكانه لا يستطيع إلا أن يبقى فوق القمة ويناديها لتعاود الصعود، وهو مؤمن أشد ~~الإيمان أنها لن تكف عن الهبوط، ومؤمن أشد الإيمان أيضا بأنه سينجح بطريقة ما، وحتى ~~بدون طريقة، بمجرد وجوده، بمجرد كيانه، بمجرد ثقته التي لا حد لها في نفسه، سينجح ~~في إرجاعها إلى القمة، قمة حبها له. # مؤمن أن إرجاعها هذا أمر مستحيل، ولكنه أيضا مؤمن أن من المستحيل أن يقهره المستحيل ~~أكثر من هذا، مؤمن على أنه قادر على قهر المستحيل. # بعد أقل من عشر دقائق كنت إنسانا آخر قد رش وجهه بالماء على عجل، وارتدى البدلة، ~~ومضى يقطع طرقات الزمالك كمن فقد صوابه، ويتشعبط على طرف السلم في أول أوتوبيس ~~قادم ليقطع الثلاث المحطات التي تفصل بينه في الزمالك وبين شارع بولاق الجديد، كان لي ~~يومان لم أذهب فيهما إلى العيادة. # أدركت هذا فجأة بعد آخر نداء أطلقته وراء سانتي، وكمن يتخبط من النقيض إلى النقيض، ~~وكمن يستخرج نفسه من الضياع الكامل ليلقي بها في أي طريق آخر لمجرد أنه يؤدي إلى ~~شيء واضح محدد يمكن عمله، وجدتني لم أعد أفكر إلا في ضرورة الذهاب فورا إلى ~~العيادة وبأي ثمن. وكان شارع بولاق الجديد مزدحما كعادته طوال الليل والنهار، مزدحما ~~بأناس أحس أني غريب بينهم، خجلا منهم ومن نفسي خجلا لا أعرف سببه وكأني خيبت ~~آمالهم في شيء، وما كدت أقطع بضعة أمتار حتى فاجأتني صيحة: شوف الراجل يا خويا، نستناه ~~امبارح ما يجيش ms232 وأول ما يجيش، حمد الله ع السلامة. # وعرفت أنه عنتر حتى قبل أن ألتفت، ولأول مرة وجدته وحيدا من غير عبلة، وسألته عنه ~~وهو بالكاد يحاول أن يلاحق خطوي الواسع، فأشاح بيده وقال: الولية مراته أصلها بتولد ~~النهاردة، راح يشوف لها فرختين، أصل خايف لحماته تدبح فراخ من اللي مربينهم فوق السطح، ~~أصلهم بيبيضوا، خسارة. # واستغربت لكلامه؛ فقد بدا وكأنما يأتيني من عالم آخر، من دنيا مارست فيها الحياة ~~يوما ثم أصبحت في دنيا ثانية، أيهما الحقيقي يا ترى، ما أحيا فيه أو ما أسمع عنه؟ ~~الناس تحيا وتتزوج ونساؤنا تلد، والدجاج يبيض بغير مشاكل، وحتى إذا وجدت المشاكل ~~فالحل جاهز لا يحتمل إلا مجرد التنقيب، أين هذا من مشاكلي أنا؟ عنتر وعبلة وهؤلاء ~~الناس الذين يزحمون الشارع بإسراعهم وصخبهم يضيقون بالحياة مثلما أضيق أنا بها، ولكنهم ~~يحبونها أيضا، يحبونها ويضيقون بها، أما أنا ما أتعسني! أنا لا أريد أن أحياها إلا ~~كما أريد، هم يغيرون تفاصيل الحياة لتروق لهم، وأنا أريد أن أغيرها كلها جملة ~~وتفصيلا لتروق لي. أريد أن أفعل المستحيل ولا أرضى بأقل من المستحيل. # إما حياة كاملة كما أريدها أو لا حياة، لماذا لا أحيا مثلهم؟ لماذا ليس باستطاعتي ~~أن أساوم؟ لماذا خلقت هكذا؟ # لم أتوقف لألتقط أنفاسي أو أجمع شتات أفكاري إلا حين وضعت قدمي على باب العيادة، ~~ونظرة واحدة ألقيتها على الصالة أذهلتني وأوقفتني في مكاني لا أجرؤ على الدخول. كانت ~~الصالة مزدحمة إلى آخرها بالمرضى المنتظرين، ازدحاما لم تشهد العيادة الصغيرة مثله، ~~ازدحاما بلغ من شدته أن بعضهم كان قد فضل أن ينتظر بالخارج وحين ظهرت جاء يتبعني ~~ويملأ المدخل. والنظرة الثانية ألقيتها على عنتر، كان قصيرا سعيدا متهدلا كعادته، ~~ولكن كان على وجهه ابتسامة من يخفي في جعبته شيئا. # وقلت له همسا: إيه دول؟ # قال: عيانين، أمال ... مش قلت لك يا دكتور ح تفرج، ده بعضهم مستني هنا، علي الحرام، ~~من أول امبارح، خش خش. # ودخلت، كنت قد حضرت وفي ظني أن ms233 العيادة ستتيح لي مكانا جديدا أستخرج فيه أفكاري ~~على مهل وأعيد النظر فيها، ولكن شد ما خاب أملي: # الازدحام والضجة التي قابلتها بنفسي أول الأمر فرضت بعد قليل نفسها علي، وأعنف ~~الأفكار وأحدها قد يذيبها من العقل تماما وجودك في حضرة إنسان. إنه وهو الكائن الحي ~~المتحدث أشد مفعولا من أعمق الأفكار. فما بالك وهم عشرات من الكائنات الإنسانية الحية ~~التي جلست تحكي قصتها مع المرض، وتطلب بأمل وإلحاح علاجك ورأيك. ذهب فجأة كل ما ~~كان يشغل بالي. # ولم يعد رأسي سوى مكان التقاء وتفاعل بين الداخل إلى حجرة الكشف أو الخارج منها ~~وبين كل ما درسته ووعته ذاكرتي من معلومات، وفي خضم فرحتي بالعدد الكبير من الناس ~~الذي أصبحت محل ثقته وملجأه لم يدهشني كثيرا أني وجدت بعضهم لا يعاني من أي مرض ~~بالمرة، وعزوت هذا للوهم أو لذيوع صيتي في الحي ورغبتهم في عرض أنفسهم علي. # ولم يحتج الأمر وقتا طويلا لتظهر آثار واضحة لهذا الإقبال غير المتوقع؛ فقد ~~زارني صاحب الأجزخانة المجاورة ليلتها، وبدأ حديثه بعتاب طويل لأني أمر عليه ولا ~~ألقي السلام ولم أزره ولو مرة، وأنهاه باستعداده لأية خدمة ولأي تخفيض، فقط ما علي ~~إلا أن آمره. وكذلك جاء أناس أفندية وأولاد بلد من الحي لا أعرفهم كان عنتر يقدمهم ~~لي ويضخم في أسمائهم ويعدد مناصبهم ونفوذهم، وكانوا هم يحبونني ويشيدون بي وبمهارتي ~~التي «طبقت شهرتها الآفاق»، وكنت أخجل أنا وأتواضع وكأن شهرتي كطبيب قد طبقت ~~الآفاق حقيقة، وكان عنتر في خير حالاته، يضحك ووجهه السمين يلمع بالعرق والاحمرار ~~والانفعال. ولم تنته العيادة إلا في منتصف الليل، وكان الإيراد يسمح لي بأخذ تاكسي لو ~~أردت، ولكني آثرت أن أقطع المسافة بين بولاق والزمالك سيرا على الأقدام، كنت في حاجة ~~لدقائق أخلو فيها لنفسي بعد هذا الازدحام، حاجة ملحة لم يكن يمنعها إلا العمل ~~المستمر، وكنت أريد أن أفكر في الخلاء في الخارج، بعيدا عن البيت وفراشي وحجرتي، ~~وكأني كنت آمل أن يتغير طعم أفكاري إذا ms234 غيرت المكان، ومن يدري؟ ربما وجدت أيضا ما ~~أبحث عنه وما شيبني البحث عنه. # وعدت إلى البيت ماشيا أفكر كما أردت، ليس هذا فقط بل انقضت بضعة أيام - ثلاثة أو ~~أربعة لا أذكر - وأنا أيضا أفكر، لم تكن سانتي قد جاءت خلال تلك المدة أو سمعت عنها ~~شيئا، وكنت لا أزال في نفس الحالة، بل تقريبا أعيش في نفس اللحظة التي غادرتني فيها ~~وأنا أنادي عليها وهي لا تجيب. وكلما كنت أغرق في التفكير كان اضطرابي يزداد، ولم يكن ~~هذا لتخلخل أصاب ثقتي بنفسي، ولكن لأني في الحقيقة لم أكن أعرف ماذا يجب علي أن أفعل ~~تجاه هذا المستحيل الذي قررت أن أقهره وأنتصر عليه. # في كل ثانية من تلك الأيام القليلة كنت إذا رفعت الغطاء عن عقلي وجدته يسأل نفسه: ~~ماذا يجب علي أن أفعل؟ يسأل وفي نفس الثانية يرفض كل ما يقترحه على نفسه من إجابات ~~وحلول. كنت أحس أني عاجز عن التصرف تجاه هذا الموقف الجديد علي، لو كنت قد قررت أن ~~أخترع صاروخا يوصلني إلى القمر مثلا باعتبار أن هذا شيء مستحيل على شخص مثلي لكان ~~الطريق واضحا، ولكان علي أن أبدأ فورا في دراسة كافة الحقائق المتعلقة بالموضوع. ~~أما وهدفي كان أن أحتفظ بسانتي وأجعلها تحبني على الرغم من إدراكي أن هذا شيء مستحيل، ~~فلم يكن أمامي ثمة طريق ممكن أن أتبعه، هل «أتقل» عليها؟ وكيف أتقل عليها وهي بعيدة ~~عني؟ هل إذا جاءتني أتجاهلها وأقابلها مقابلة عادية جدا وأمثل أمامها دور ~~الزاهد فيها المشغول بغيرها؟ ولكن ربما دفعها هذا لأن تزهدني هي أكثر وأكثر. هل أقبل ~~عليها وأركع أمامها؟ ولكن سلوكا كهذا لا يمكن أن يدفع امرأة في الدنيا للحب؟ هل أكتب ~~لها؟ ولكني كتبت وكتبت، وقلت كل ما يمكن كتابته، وتكلمت معها وتكلمت حتى قلت كل ما ~~يمكن قوله، لدرجة أني ذات مرة قلت لها: أعتقد أني تحدثت كثيرا. فابتسمت وقالت بقليل ~~من الجرأة: يبدو أنك تتحدث أكثر من اللازم فعلا. بل ما ms235 زلت أذكر ضمة شفتيها وهي تنطق ~~«أكثر» بالإنجليزية. هل أقدم على عمل آخر؟ ولكنها ضاقت بما فعلته بطريقة أزعجتني ~~وأخجلتني. وحتى ما فعلته كان سببه ذلك الأثر الخاطف لقبلتها، كان شدة انفعال مني لا ~~أكثر؛ إذ إني أبدا لا أستطيع اغتصاب قبلة منها عن عمد وإصرار. ثبت لي هذا وأعرف أكثر ~~أن الذي يغتصب هو من لا يحب، أما من يحب إنسانة ما فهو لا يستطيع أن ينالها رغم ~~نفسها أبدا. # في كل ثانية كان السؤال يدور بإلحاح في عقلي، وفي كل ثانية أطرح عشرات الإجابات ~~وأرفضها وأحس بالعجز والتعب فأروح أحلم، أحلم أني استطعت أن أجعلها تحبني بطريقة ما، ~~وأحلم بسعادتي حين يحدث هذا، أحلم بالمستحيل، أو يدفعني العجز إلى الشك فأقول لنفسي: ~~لماذا لا تكون في هذه اللحظة بالذات التي تفكر أنت فيها مع شوقي مندمجة في حديث ~~ساحر معه؟ لماذا لا تكون واهما وعلاقتكما قد انتهت من نفسها إلى الأبد وهي الآن تبحث ~~عن علاقة أخرى وشخص آخر؟ # وهكذا أجد نفسي بلا وعي أبحث عن شوقي وأتعمد أن أقضي معه أكبر وقت ممكن. ولكن لم ~~يكن باستطاعتي أن أبقى معه طول الوقت. كانت أعماله كثيرة، وخروج البارودي قد أشاع موجة ~~نشاط غامرة في المجلة وفينا بشكل عام، لا لأنه حمسنا، ولكن ربما لمقاومة آثار ~~خروجه، وللحيلولة بينه وبين أن يعود رئيسا مرة أخرى للتحرير، ولكنا كنا نكبت ~~رغبتنا الخفية هذه في أنفسنا ولا نعارض عودته جهرا، وهو أيضا لم يكن يبدي رغبته في ~~العودة عيانا بيانا، بالعكس كان يصرح دائما بأن مرض عينيه سيعوقه، وأنه في حاجة ~~لإجازة طويلة يعالج فيها بصره، وفي نفس الوقت تزداد حركته وتتضاعف، ويخرج من اجتماع ~~ليدخل في اجتماع، ويناقش ويتدخل في كل كبيرة وصغيرة، ويقترح فإذا لقيت اقتراحاته ~~معارضة يحاول شيئا فشيئا أن يفرضها، ولم يكن ينافسني في البحث عن شوقي والالتصاق به ~~والبقاء معه ليل نهار إلا هو. بدا أنه من أول وهلة لمس بذكائه الخارق أن شوقي هو رأس ms236 ~~الرمح في التيار الثائر الجديد، وأنه قائده، وأن هناك إجماعا على أن يبقى في منصبه ~~كرئيس للتحرير حتى بعد خروجه هو، رئيس التحرير الأصلي، ولو كان شوقي ضعيفا أو أقل ~~كفاءة لسحقه، ولكن أحمد شوقي اسم وكفء ومحل ثقة الجميع، وفوق هذا وذاك تلميذ البارودي ~~وصديقه. الطريقة المثلى إذن أن يحيطه ويأخذه تحت جناحه، حتى إذا ما ابتلعه وأعاد صياغة ~~تفكيره أصبح تحطيم بقية هذا التيار الصاعد مهمة سهلة. أفكار كهذه كانت كثيرا ما تخطر ~~لي وأنا محموم أبحث عن شوقي، وأجد البارودي هو الآخر لا يقل عني شغفا في البحث عنه. ~~أنا أريده من أجل سانتي، وهو يريده من أجل رئاسة التحرير. وكثيرا ما كان يختفي شوقي ~~وأسأل عنه في المطبعة فلا أجده، وأسأل عنه في بيته فلا أجده، وأكاد أقسم لنفسي حينئذ ~~وأقول لا بد أنه معها. ويؤلمني تفكيري على هذا النحو، لا لخوفي أن يكون معها، ولكن لأني ~~لم أكن أعتقد أن سيأتي يوم أنظر فيه لأحمد شوقي - الصديق وزميل المعركة ورفيق السلاح - ~~تلك النظرة المغرقة في بعدها عن نوع علاقتي بسانتي وحبي لها إلى هذا الدرك؟ إلى هذا ~~السرداب المظلم المتعفن الذي أنسى فيه نفسي وقيمي ولا أعود أحكم على أعز الأشياء ~~وأقدسها إلا من خلال علاقتي بها؟ # عذاب ما كنت أحسه، أبشع أنواع العذاب. إذا سألت نفسي ماذا أفعل عذبني السؤال، وإذا ~~أجبت عذبتني الإجابة، وإذا حلمت تعذبت، وإذا شككت أقاسي أمر الهوان. # كل قوتي وكل طاقتي وإرادتي وقدراتي كنت أجمعها وأحشدها وأحيا بها المشكلة محاولا ~~أن أجد المخرج، وأفظع شيء أن تجمع قواك كلها لتفعل بها لا شيء، كياني كله يزأر، وكل ~~خلية في تعوي وتصرخ، وأعتصر نفسي كلها وأفكر، وأخرج من هذا كله بلا شيء، حتى قارب ~~تفكيري في نهاية تلك الأيام القليلة أن يصبح لونا غريبا من التفكير، مجرد تفكير ~~متصل طويل لغير ما هدف أو فكرة، تفكير على الفاضي، تحس في لحظات أنه على الفاضي ~~وأنك لا تطحن به فكرة محددة، ms237 وإنما تفري به عقلك، ومع هذا لا تستطيع أن توقفه أو ~~تكف عنه. # وبمثل ما توقفت توقفت الحياة من حولي، العمل لا أذهب إليه، والطعام بالكاد أتناوله، ~~وحتى الكتابة في المجلة كدت أتوقف عنها. # 20 # وبكل هدوء وبلا ضجة استغراب أو احتجاج، وكأن الدلائل كلها كانت أو تشير إلى احتمال ~~وقوعه، تقبلت ما حدث في اليوم التالي لذلك الاجتماع العاصف. كنت قد نمت على أمل أن ~~أفكر في الغد، وجاء الغد بمشاغل العمل التي تتولى غسل المخ بكل ما فيه من خيالات ~~وحقائق. وبعد الظهر جاءني شوقي، جادا قليلا على غير العادة، وفي ختام حديثه معي ~~أبلغني بطريقة عابرة أن مجلس التحرير قد أصدر قرارا يقضي بمنع سانتي من المجيء إلى ~~بيتي، وكذلك يأمرني بعدم الاتصال بها. اصطنعت الدهشة الغاضبة وأنا أحاول أن أجادل في ~~أسباب القرار وجدواه، وأخذت أردد ألفاظا جوفاء كثيرة لا معنى لها لا لرغبة حقيقية ~~في الجدل وإنما لكي يبدو موقفي طبيعيا، غير أن شوقي قال بملامح غائمة: ولماذا ~~تحتج والمسألة لا تعدو أن تكون إجراء وقائيا هدفه حمايتك وحمايتها؟ # قلت له وكأني أحدث نفسي: إذا كان الهدف الأمان فهم أحرار في اتخاذه، أما لو كان ~~الهدف شيئا آخر ... # وأكملت بقية الجملة تحديقا في ملامح شوقي لعلي ألمح الأسباب الحقيقية التي دعتهم ~~لإصدار القرار، تراهم عرفوا، تراهم خمنوا، وإلى أي مدى بلغت بهم المعرفة أو ~~التخمين؟ كنت أدرك أن البارودي وراء القرار لا شك، وأدرك أكثر أن الأسباب التي دعته كي ~~يوقفني وجها لوجه أمام هذا الإجراء «الرسمي» أسباب لا تمت إلى البراءة بصلة، ~~ولكني لم أجد في ملامح شوقي أية علامات تدل على انفعال حقيقي، لا غضب ولا لوم ولا ~~برود، ترى أهو قناع يغطي به وجهه وخواطره؟ أم إني أبالغ وأتصور وأجري وراء مبالغاتي ~~وتصوراتي؟ # وعجبت! لم أعجب منه، ولكن عجبت من نفسي، طوال علاقتي الخفية بسانتي كان أخوف ما ~~أخافه أن يعرف شوقي أو البارودي أو أي من الآخرين ما يدور بيني وبينها. ms238 وهذا القرار ~~يدل بشكل قاطع على أنهم حتى إذا لم يكونوا قد عرفوا، فثمة رائحة لا بد قد تسربت ~~وكشفت عن وجود موضوع. فلماذا لا أحس بالخجل الشديد الذي كنت أتصور أني لا بد سأشنق ~~نفسي لأتلافاه؟ أغرب من هذا، لماذا أحس بالراحة وكأن عبئا قد انزاح عن كاهلي، وغيري هو ~~الذي تولى مهمة إزاحته؟ لا أظن أني لحظتها عرفت الإجابة على وجه الدقة، وحتى إلى ~~الآن، ولكن يخيل إلي أن ما من شيء نفعله من وراء ظهور الآخرين ونخاف خوف الموت ~~أن يعرفوه، إلا ونحن نتمنى في نفس الوقت لو يحدث ما يجعلهم يعرفونه ويعاملوننا على ~~أساسه. # أحسست بنوع حرام من الراحة، ولكني لم أستمتع به؛ ففي الحال تذكرت سانتي ولم يلبث ~~قلقي عليها أن اكتسح أمامه كل شعور آخر، فإذا كان كشف الأمر سيريحني فهو حتما ~~سيسبب لها المتاعب، سألت شوقي إن كانوا قد أبلغوها القرار فأجابني أنهم لم يفعلوا بعد، ~~وأنه هو شخصيا مكلف بإبلاغها إياه. # ورغما عني وجدت نفسي - بغضب حقيقي هذه المرة - أحذره بكل ما أملك من قدرة ~~على التأكيد والتهديد من مغبة أن تلمح سانتي من كلامه أو طريقة إبلاغه أية بادرة ~~تدل على محمل آخر للقرار. وبغير انفعال أو تأثر طمأنني شوقي، ومن لهجته ازداد ~~يقيني؛ إذ لم يبد عليه أنه دهش لانزعاجي أو تهديدي وكأنه كان يتوقع أن أنزعج ~~وأهدد. لا بد أنهم فعلا أصدروا القرار بهدف مبيت آخر، ولأسباب أكثر ~~استخفاء من قصة الأمن التي ما عدت أصدقها. # ولم يمكث شوقي طويلا؛ فمنذ أن جاء لم يكن باديا عليه أية رغبة من إطالة الحديث أو ~~الزيارة، وكأنما قد جاء خصيصا ليبلغني بطريقة مخففة مهذبة ذلك القرار. # وللحظة واحدة، وأنا أشد على يد شوقي مودعا، عشت في أمنية بدت عريضة كالحلم ~~العريض، خاطفة كبارقة الأمل، أن تكون النهاية في هذا القرار، أن يكون الخاتمة للمأساة ~~المعقدة التي عذبتني وللمرض الطويل، أجل المرض الذي أخذت في تلمس الشفاء منه، ~~ولعلي لهذا استرحت لأنهم ms239 عرفوا؛ فقد كنت دائما أتخيل النهاية حين يعرف الموضوع ~~وتصبح العلاقة أمرا علنيا مشينا، بعدها قطعا سأثوب إلى نفسي وتهبط حوافزي كلها ~~وتخمد النيران. # ولكنها لحظة واحدة؛ ففي اللحظة التالية مباشرة بعد اختفاء شوقي كانت ابتسامة غريبة ~~تعلو وجهي؛ إذ الخاطر الذي تملكني كان شيطانيا غريبا، النقيض تماما للخاطر الأول؛ ~~فما كادت الصدمة وكل ما خلفه القرار في نفسي من انفعالات تتلاشى حتى وجدتني سعيدا ~~بالقرار سعادة خفية حقيقية؛ فمنذ اليوم الذي بدأ فيه البارودي يلاحظ تردد سانتي ~~ويشير إشارات مبهمة ساخرة إلى هذا المجيء، ومنذ بدأت راقية وشوقي والأصدقاء يرونها ~~ويصبح مجيئها أمرا علنيا يعرفه الجميع، بدأت أشياء تحدث في نفسي وتجعلني لا أعود ~~أرضى أو أعجب بتلك العلاقة التي أصبحت علنية. فحتى لو بقي ما يدور بيني وبينها سرا لا ~~يعرفه أحد، فمجرد أن يرانا الناس معا، مجرد أن أوجد معها في مكان يحتوي أحدا ~~غيرنا، مجرد إحساسي أن طرفا ثالثا قد أصبح له وجود في علاقتنا مهما بلغت تفاهة هذا ~~الوجود، كفيل بأن يفقدني الحماس للعلاقة التي أردت لها دائما وعملت أن تظل خفية ~~متناهية الخفاء، تكاد الروعة كلها تتجسد في سريتها. والآن وبعد ذلك القرار، فأية ~~علاقة مقبلة بيني وبينها لن تكون إلا في الخفاء، لن تكون إلا كما أردتها دائما خفية ~~وسرية ومتكتمة ورائعة الروعة كلها من أجل ذلك كله. # كم جاء حكيما وجميلا وفي وقته ذلك القرار. ~~••• # وضاعت أيامي. # ولم أعد أستطيع الصبر. لقد نفذت هي القرار وكفت عن زياراتي واختفت تماما من ~~الوجود. ظلت تتفرج مستمتعة بمشاهدتي أحبها وبقراءة خطاباتي، ثم جد الجد، اختفت. وكان ~~هذا كله كفيلا بأن أكرهها وأنساها. # ولكن المشكلة أني كنت قد وصلت إلى مرحلة اليأس الكامل، يأسي من أن أشفى منها، ~~نسيت مشاريعي وخططي، نسيت قراري بأن أستحوذ عليها وأهجرها، حتى لم أعد أذكر أني صممت ~~ذات يوم على الكف عن التعلق بها. كان حنيني لأراها - مجرد أن أراها - قد أصبح ~~أقوى من كل شيء، أقوى من غضبي ms240 وضياعي، كان مرضا، كان جنونا، كان شيئا أعتى من المرض ~~والجنون. # وليال طويلة قضيتها على مقعد متنزه أمام منزلها، أصادق حراس الليل وأسليهم على أمل ~~أن أراها وهي هابطة من منزلها إلى عملها في الصباح، وفي أحيان كثيرة لا أراها، وفي ~~أحيان قليلة جدا - نادرة - أراها، وأرتجف ارتجافا حقيقيا أمام أعين أصدقائي من ~~الحراس، لمجرد ظهور شبحها الحبيب في فتحة الباب. # العيادة أغلقتها وبعتها، وقد عرفت أنها ستستخدم بابا خلفيا للرشوة والإجازات، ~~وعملي أخذت منه إجازة، وسكرتير النقابة قد أصبح سكرتيرا للجنة «حركة التحرير». كيف ~~أنساها وأعود أحيا؟ # كيف وأنا قد عرفت عن يقين أنها لم تعد تأبه لي فقط، ولكنها أنشأت مع شوقي علاقة ~~وطيدة، وأن زوجته تهدد بالطلاق، وأنني رغم هذا كله لم أكف عن حبها ولن أكف، وأني ~~قطعا وبالتأكيد هالك، وقد بدأت أتناول الحبوب المهدئة وأنام بالمنومات وأستيقظ ~~بالمنبهات، وعقلي كله أراه رأي العين ينفصل شيئا فشيئا عن واقع الحياة، ويتصاعد ~~متصوفا في عبادتها، وكأنها تجردت هي الأخرى ووصلت إلى معنى الله. # | خاتمة # بعد أسابيع قليلة فوجئت في الثانية من صباح ذات يوم بطرق خفيف متلصص على بابي. ~~من أول طرقة أدركت أن ساعة السجن حانت، ودخل الضابط مؤدبا أبيض الشعر يكاد يذوب رقة. ~~فتش البيت واستغرق في تفتيشه ست ساعات، وفي الصباح اقتادني إلى القسم ومنه إلى ~~السجن. # وفي السجن بدأت حياة جديدة. # وفي السجن وافاني شوقي بعد أسابيع من الهرب، وعلمت أن سانتي غادرت البلاد، وأن لورا ~~اعتقلت هي الأخرى وأنها بجوارنا في سجن الحريم. وكم هفت نفسي لأراها، إنها البقية ~~الباقية من سانتي وأيام سانتي. # أما البارودي فقد ظل أعمى يقود. # وحين أفرج عني بعد عامين. # كانت سانتي قد أصبحت صورة وكلمات، وكانت أيامي المشحونة معها قد بردت وتقلصت واستكانت في ~~زاوية من نفسي، ربما لتعود إلى الوجود بشكل آخر. # ولو أن أحدا قد لوح لي أن سانتي ممكن أن تتحول ذات يوم إلى ذكرى، مجرد ذكرى، ~~لخنقته احتجاجا وغضبا. # ولكن أحدا لم ms241 يقلها، حتى أنا لم أقلها لنفسي، إنما بلا قول أو ضجيج تكفل الزمن ~~بكل شيء، وفي صمت وبلا مؤثرات. # الزمن القاتل. # نهاية الأشياء ... # القاهرة في صيف 1955 ~~(انتهت) ms242