######OpenITI# #META# URI: 1412YusufIdris.BiSarahaGhayrMutlaqa.Hindawi74627525 #META# Tags: literature #META# ID: 74627525 #META# Title: بصراحة غير مطلقة #META# AuthorID: 95064085 #META# Author: يوسف إدريس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # بصراحة غير مطلقة‏ # مقدمة‏ # بصراحة غير مطلقة‏ # | بصراحة غير مطلقة # | بصراحة غير مطلقة # تأليف # يوسف إدريس # | مقدمة # مشكلة هذا الكتاب في رأيي أن موضوعاته فيها رأي، وموضوعات كهذه يضعها ~~النقاد دائما وضع مواطن الدرجة الثانية في دولة الأدب والفن، باعتبار ~~أن هناك استحالة في وجود الرأي المباشر مع الفن. لا بد - في رأيهم - ~~لكي يكون الرأي فنيا، أن يستحي ويتخفى تماما، ولا بد أن يظهر في ~~العمل بطريقة غير مباشرة. # والحقيقة أني في بحر عشر سنوات طويلة، وأنا أكتب مادة هذا الكتاب، لم ~~أكن ألقي إلى هذه المشكلة بالا، باعتبار أني أنا الآخر موقن أني أكتب ~~للصحافة، وهي جواز مرور أمثل لأي نوع من أنواع الكتابة، وبالذات ~~النوع القليل الفن. ولكني وأنا أراجع ال (تقريبا 600) انطباع ولمسة ~~ورأي لأختار منها المادة التي تليق بالقدس المسمى بالكتاب، وجدت أن ~~المسألة في حاجة إلى تفكير من جديد. وللوهلة الأولى أحسست أننا نبخس ~~«الرأي» وأهميته بظلم واضح، وبدون تعريفات وتفاصحات كثيرة، فإن أدق ~~مقياس للعمل الفني أو الأدبي هو أثره في «المستقبل»؛ أي القارئ أو ~~القراء. إذا كان العمل يبعث لدى القارئ أو المتفرج إحساسا بالتفاؤل ~~فهو عمل متفائل، رغم كل ما قد يقال عن نهاياته التعسة أو المتشائمة، ~~والعكس صحيح تماما. أما إذا لم يتأثر القارئ بالعمل إطلاقا، فهو ~~قطعا لا يمت إلى الفن بصلة مهما وجد فيه النقاد من رموز ~~وتجريدات. # من هنا نستطيع القول بأن الفن ليس هو الأشكال الفنية المتعارف عليها ~~فقط، وإنما هو كل ما يجعل «المستقبل» ينفعل انفعالا يشبه انفعاله بأي ~~عمل فني؛ آيات الطبيعة، جلسة صادقة صريحة مع أصدقاء، «عمل» قام به ~~أحدهم. # وهذا هو المهم، رأي لا تتحرك له عقولنا فقط، وإنما «ننفعل» له ~~بعواطفنا ووجداننا أيضا. المشكلة إذن ليست مشكلة وجود الرأي في العمل ~~أو عدم وجوده، المشكلة هي في الرأي نفسه، في طريقة تقديمه بحيث يصل إلى ~~طبقات أعمق، ويحرك الوجدان. وبالمناسبة، فإني لا أطيق الحديث عن ~~«العقل» و«العواطف» كشيئين مختلفين ؛ إن ms001 أمخاخنا لا تعمل هكذا أبدا، لا ~~تفصل. إنها كل متكامل، كل ما في الأمر أن العقل يحدد خط وكيفية السير، ~~والعواطف تحدد الاتجاه، بالضبط كالتكتيك والاستراتيجية. ولا يمكن أن ~~يتحرك العقل إلا بدافع من عاطفة ما، ولا يمكن أن ينفعل الشخص بعاطفة ~~إلا والعقل مشترك بكل قواه في الانفعال. # ونعود للرأي. حقيقة هناك آراء تساق بطريقة ميكانيكية كمسائل الحساب ~~والجبر، ولكن بالتأكيد هناك آراء تبلغ من تحريكها لأعماق الإنسان ~~وعواطفه مبلغا ربما يعجز العمل الفني عن الوصول إليه. # لقد وجدت أني - في خضم العمل اليومي أو الأسبوعي في الصحافة - قد ~~وصلت إلى أشياء لا يمكن أن ينتهي الإنسان منها بمجرد انتهائه من قراءة ~~الجريدة، أشياء تكون في مجموعها أحاسيس وأحلام وعثرات وقفزات شاب ~~مغامر، خلال أخصب عشر سنوات من عمر الشباب، من الثلاثين إلى ~~الأربعين. # أشياء أرجو ألا يبدو من الطريقة التي أتحدث بها عنها أني أعتز بها ~~لأنها عملي أنا. # الحقيقة أن هدفي الوحيد من هذا الكتاب هو أن أضع أمام القراء - سواء ~~من جيلنا كانوا أم من أجيال لاحقة أو سابقة - صورة حية لتفاعل إنسان ~~مثلي مع أحداث حياتنا العاصفة في الفترة ما بين 1958، 1968. # وكان من المستحيل أن تتجسد صورة كهذه إلا من خلال أعمال فيها رأي؛ ~~رأيي، الذي قد يكون خاصا، ولكني لا أملك سواه، فالرأي الصادق ليس ~~تفكيرة أو تفنينة تستطيع أن تلفقها من وحي الساعة، رأيك الحقيقي شيء ~~آخر. إن الضمير الذي نجله ونقدسه رأي، ضميرك هو رأيك، أو على وجه ~~الدقة، على أساس آرائك يتحدث ضميرك، أدق أجهزة العدالة في نفسك. # لو كنت أعرف أن مهمة اختيار عدد محدود من اليوميات والانطباعات ~~والحكايات، من بين 600 عمل، ستستغرق كل هذا الوقت والجهد والعذاب، ~~لفضلت ألف مرة أن أكتب كتابا جديدا. فالجهد الأكبر استغرقته دقة ~~الاختيار؛ إذ على أساسه سيتحدد صدق الصورة النهائية من زيفها. # وبرهبة أتمنى أن يجد القراء ما يعوض صبرهم، ليس حتى على الكتاب كله، ~~وإنما أولا على قراءة هذه المقدمة. # القاهرة ms002 ، أغسطس سنة 1968 ~~«ي. إ» # | بصراحة غير مطلقة # (1) صباح الخير # حقيقة بسيطة ولكنها غريبة جدا في الوقت نفسه، قد لا تخطر لك ~~أبدا وأنت تبتسم لمن حولك حين تصحو من النوم، وتقول: صباح الخير! # هذه التحية كانت مشكلتي طوال جزء كبير من الليلة الماضية. أول ما ~~استرعى انتباهي أن تحية الإنجليز لبعضهم البعض في الصباح هي: جود ~~مورننج، ومعناها صباح طيب أو صباح خير. قلت لنفسي: كيف تشابهت تحية ~~الصباح عند الإنجليز في أقصى الشمال وعند العرب؟ نفس الكلمات بنفس ~~المعاني: الصباح والخير. كيف حدث هذا؟ ومن منهم أخذ عن ~~الآخر؟ # غير أن تلك الأسئلة أسلمتني إلى مشكلة أخرى؛ إذ باستعراض تحية ~~الصباح في كل اللغات التي أعرفها وجدتها متشابهة تشابها مذهلا ~~محيرا، فهي بالفرنسية بونجور، وبالإيطالية بونجورنو، وبالألمانية ~~جوتن مورجن، وهكذا ... وكلها معناها أيضا مثلما في العربية: صباح ~~الخير. أليست مشكلة تدعو للحيرة والتأمل؟ # الجنس البشري موزع على رقعة الكرة الأرضية كلها، تفصله عن بعضه ~~البعض محيطات وأنهار وسلاسل جبال ومسافات مترية وزمنية شاسعة. ~~وبسبب هذا الانفصال والتمزق نشأت عدة مجتمعات متفرقة ذات ألوان ~~مختلفة متباينة، وتركيبات نفسية وخلقية مغايرة. لكل مجتمع منها ~~لغته الخاصة وتقاليده وعاداته وحضارته. كيف حدث إذن أن تلك ~~المجتمعات المختلفة حين أرادت أن تبتكر طريقة لتحية بعضها البعض في ~~الصباح والمساء، اختارت نفس الكلمات ونفس المعاني؟ # هل حدث هذا بالصدفة المحضة؟ # مستحيل! فلو كان الأمر بالصدفة، لوجد هذا التشابه بين مجتمعين أو ~~ثلاثة. ولكن التشابه في تحية الصباح موجود لدى كل المجتمعات، ~~المتقدم منها والمتأخر، الأسود منها والأبيض والأحمر. # هل يكون التشابه قد حدث نتيجة للنقل أو التشرب. وتكون التحية ~~مثلا قد تسربت من مصر القديمة إلى اليونان إلى أوربا، ومن بلاد ~~العرب إلى بلاد الفرس؟ # مستحيل أيضا! فالتحية عند الفراعنة كانت صباح الخير أيضا ~~باللغة الفرعونية، وكذلك كانت عند قبائل الهنود الحمر في أمريكا، ~~وبينهما مسافات بحرية ومائية لا يمكن اختراقها في ذلك الوقت، وكل ~~مجتمع منهما قد نشأ مستقلا عن الآخر، لا ms003 يعي حتى بوجود أي مجتمع ~~على الكرة الأرضية سواه. # لماذا إذن لم يحدث اختلاف فينشأ الفراعنة يحيون بعضهم البعض ~~بصباح الخير، وينشأ الهنود الحمر يحيون بعضهم البعض بقولهم: حماك ~~الله مثلا، أو سمعا وطاعة، أو أي شيء آخر غير تلك الكلمات ~~نفسها؟ # الواقع أني لم أفكر في الموضوع طويلا لاهتمامي بجغرافية الجنس ~~البشري أو بدراسة تاريخه، ولكن الذي استرعى انتباهي حقيقة هو أن ~~معنى تشابه التحية عند كل الشعوب والمجتمعات، أن طريقة انفعال ~~الإنسان أو الجنس البشري واحدة، مهما اختلفت الظروف والأحوال. ~~فالشمس حين تطلع على كل هذه المجتمعات المتفرقة المتباينة، ~~المتأخرة والمتقدمة، تولد فيهم جميعا نفس الشعور، وتدفع ~~كلا منهم أن يلتفت للآخر، ويقول: صباح الخير! يقولها بالعربية ~~والإنجليزية والسنسكريتية واللهجات المحلية في أيسلندا وأفريقيا ~~وأستراليا، ولكنه يترجم بها إحساسا واحدا شعر به، إحساسه باليوم ~~الجديد. # وقد يقول قائل: وماذا في ذلك؟ أليس الجنس البشري متشابها في ~~ملامحه، فلكل إنسان أنف وفم وعينان؟ وهذا صحيح. ولكن التشابه هنا ~~ليس تشابها في الملامح الخارجية، ولكنه تشابه في الملامح ~~الداخلية؛ تشابه في التصرف، والتصرف عملية تفكيرية يخيل لكل منا ~~أنها تختلف من شخص إلى آخر، ومن مجتمع إلى آخر. وقد يكون هناك ~~اختلاف، ولكن التشابه الذي أعنيه هو تشابه ما وراء هذه المظاهر ~~الخارجية المختلفة، تشابه الأعماق تشابها أرسخ أقداما من كل هذه ~~الاختلافات القشرية في اللون واللغة والمأكل والملبس؛ تشابها ~~عميقا قد يبدو أحيانا في شكل تصرفات بسيطة جدا تمر أمام أعيننا ~~دون أن نلحظها، مثل تلك التحية التي تواضعت المجتمعات البشرية على ~~استعمالها من تلقاء نفسها، وبوحي من فطرتها الإنسانية فقط؛ تحية ~~الصباح، تلك التي نتمنى فيها لبعضنا البعض - من بلاد الإسكيمو في ~~الشمال إلى جوهانسبرج في الجنوب - صباحا طيبا خيرا نبدأ به ~~يومنا الجديد. # تأملوا معي تلك الحقيقة، فربما أدى بنا التأمل إلى كشف حقائق ~~أخرى لم ندرسها في الكتب عن الإنسان؛ ذلك المجهول. ~~(2) الشيء الآخر # تعودت أن أذهب إلى عملي كل يوم عن طريق شارع قصر العيني ms004 وأعود من ~~نفس الطريق؛ إذ هو أقصر الطرق التي تصل بين بيتي ومكان عملي. وأول ~~الأمر كان المشي في شارع قصر العيني يبهجني؛ إذ كل ما كنت أراه فيه ~~كان جديدا علي، ولكن طول المدة وكثرة التعود أفقداني لذة الإحساس ~~بالشارع ومن فيه، حتى أصبحت أقطعه بلا وعي وبدون أن أفكر إلى أين ~~أو كيف أسير، يكفي أن أضع نفسي في أول الشارع لأجدني أوتوماتيكيا ~~قد وصلت إلى بيتي بطريقة تلقائية لا دخل للإرادة فيها، وكنت أستسهل ~~تلك الطريقة اللاإرادية، ولا أفكر أبدا في تغييرها، وحياتي حين ~~توظفت كان لها أول الأمر طعم جديد. كان المكتب الذي أجلس عليه أحس ~~أنه حقيقة مكتب لامع وأنيق، وأحس حين أعمل عليه أنني حقيقة أعمل ~~وأنتج، ولكن الأيام ... إن العادة لم تلبث أن أفقدتني الإحساس ~~بالمكتب ودقات المنبه التي توقظني، ونظرة زوجتي حين أعود وحين ~~أغيب، والطريقة التي أصفف بها شعري، وفنجان الشاي الذي أشربه في ~~الفراش بعد غفوة الظهر. هذه كلها كان لها مثلما كان لشارع قصر ~~العيني طعم وجدة، غير أنني فقدت الإحساس بطعمها وبجدتها، وأخيرا ~~بها نفسها، وأصبحت لا أزاول حياتي بقدر ما أتحرك أوتوماتيكيا ~~داخلها، وكأنها دائرة من أسمنت وأبواب وأقارب ومكاتب والتزامات ~~أدور فيها مرة كل أربع وعشرين ساعة، أدور كالسجين المحبوس، بل حتى ~~إحساسي بأني مسجون - الإحساس الذي كان يولد في نوعا من ~~الثورة والتمرد والرغبة في التغيير - حتى هذا الإحساس فقدته ولم ~~أعد أثور. # وأمس، فعلت شيئا تافها جدا لم أكن أتصور أن يكون له ذلك ~~الأثر، وأنا خارج من العمل خطر لي خاطر، واحد من تلك الخواطر التي ~~تخطر لنا ونلقيها من وراء ظهورنا ولا نحفل بها، الفرق أني تحمست ~~للخاطر ونفذته، كان لدي وقت فقلت لماذا لا أغير شارع قصر العيني ~~وأحاول أن أعود إلى البيت مرة عن طريق شارع آخر؟ وأخذت شارع ~~الفلكي، ومن أول لحظة وضعت قدمي فيه بدأت حواسي تنتبه، وبدأت آخذ ~~بالي من الشارع، أمشي حقيقة ولا أتوقف، ولكني لا ms005 أترك شيئا يمر من ~~أمامي أو أمر من أمامه دون أن أراه أو ألحظه وأفكر فيه. # ويا للعجب مما رأيت! أشياء جديدة تماما على عيني، الشارع مختلف ~~عن شارع قصر العيني، والبيوت مختلفة، بناؤها مختلف وروحها مختلفة، ~~وكأنما لكل شارع طعم خاص وروح خاصة، والبلكونات حديدها مختلف، وحتى ~~الملابس المنشورة على حبال الغسيل ألوانها بدت جديدة لعيني، وكذلك ~~طريقة نشرها وتفصيلها. وكل شيء كنت أحس به؛ الأصوات، طريقة نداء ~~الباعة، أشكال وأعمار وما يرتديه صبيان الدكاكين، وشلل الطلبة التي ~~تحتل النواصي، واللافتات وطريقة كتابتها وما عليها من أسماء أطباء ~~ومحاسبين وشركات. أسماء مختلفة جديدة لها وقع غريب على العين وطعم ~~جديد على الذهن، وكل اسم جديد، ودكان جديد، وشخص جديد، يثير في ~~نفسي عشرات الخواطر الجديدة، حتى عساكر المرور الذين من كثرة ما ~~اعتدتهم في شارع قصر العيني، كانوا قد أصبحوا لدي مجرد إشارات ~~آدمية بيضاء وسوداء تنظم حركة السيارات، وجدتهم في شارع الفلكي ~~رجالا حقيقيين لهم شوارب ووجوه، ولكل منهم شخصية خاصة مستقلة، ~~وطريقة خاصة في إعطاء الإشارات. # مشيت في شارع الفلكي ... وصحيح أني تعبت قليلا؛ لأن المسافة أطول، ~~ولكني عشت بكياني كله في تلك الدقائق التي قطعته فيها، وكأني طفل ~~يتفرج على دنيا جديدة لم تخطر له على بال. # وحين عدت إلى البيت بدأت أفكر فيه - البيت - وفي مشاكله بطريقة ~~جديدة، وبروح جديدة، وبدأت أحس أني كائن آخر غير الذي غادره في ~~الصباح. # وكم من المشاريع نبتت في رأسي! وكم من الأحلام التي كان يخيل إلي ~~أنها ماتت في نفسي وجدتها تنتفض وتملأ علي خيالي، وأحس أنها قريبة ~~مني لا تكاد تحتمل إلا أن أمد يدي لأقطفها! عاودني الأمل. أحسست ~~وكأني كنت فعلا ميتا وعدت إلى الحياة بطريقة ما، وكأن الموت هو ~~أن نسجن أنفسنا داخل حياة متشابهة واحدة، وكأننا نموت حين نكف عن ~~إدخال الجديد في حياتنا، الموت هو أن ندور في دائرة واحدة مهما ~~كانت تلك الدائرة، حقيقة أحسست وكأني تناولت لتوي جرعة حياة ضخمة، ~~أصبحت ms006 بعدها أكثر قوة وأكثر حرية وتفاؤلا وإنسانية وأقوى إرادة. ~~وكل هذا لأني فقط عدت ذات مرة إلى بيتي من شارع آخر غير الذي ~~تعودته! # ترى ماذا يحدث لو عدت كل يوم إلى بيتي من شارع جديد؟ ولو قرأت كل ~~يوم كتابا جديدا؟ وتعرفت إلى شخص جديد؟ وابتكرت طعاما جديدا؟ ~~ومارست تجربة لم أمارسها أبدا؟ ~~(3) لماذا رغم قسوتها نحب الحياة؟ # لماذا نستيقظ من النوم ملهوفين ونجري على العمل، من العمل نجري ~~إلى البيت، ونتحمل الرؤساء، والخضوع للمطالب والروتين؟ # لماذا نتعب أنفسنا ونعيش، ونتمسك بحياتنا إلى آخر رمق، رغم كل ما ~~قد يكون فيها من ظلم وألم؟ # بالاختصار، لماذا الحياة أصلا؟ لماذا يكلف الشجر نفسه عناء ~~النمو وتكوين الثمار؟ لماذا تدافع أحط الكائنات عن بقائها بكل ~~شراهة وشراسة؟ لماذا يتعب الطير نفسه في وضع البيض ورعاية الأجنة ~~وملء السماء أسرابا وأفرادا؟ # هذه الأسئلة خطرت لي في أثناء كتابة موقف من مواقف قصة أخيرة، ~~وردت فيه على لسان البطل، ولكني لم ألبث أن وجدت نفسي أولى من ~~البطل بمناقشتها، وجدتني أخرج من القصة وينتقل التساؤل إلى لساني ~~أنا، حقيقة ما دامت الحياة آخرتها الموت، ما دام لها نهاية محتمة، ~~فلماذا البداية أصلا؟ وما معنى البداية والحياة والنهاية؟ لا ~~أعتقد أني، أو بطل القصة، وحدنا في ذلك التساؤل، يخيل لي أن كلا ~~منا لا بد أن جاء عليه وقت، أو سيجيء عليه وقت، يجد فيه أسئلة كهذه ~~تملك عليه عقله وتفكيره، ويجد نفسه في النهاية يتساءل مثلنا: لماذا ~~أحيا؟ # الفلاسفة من قديم الزمان طرحوا السؤال وحاولوا الإجابة عليه، ~~بعضهم قال: إن دافعنا الأول للحياة هو التكاثر والتناسل، وبعضهم ~~قال: بل هي غريزة حب البقاء الكامنة في كل كائن حي، وأكثر من إجابة ~~تطوع بها أكثر من فيلسوف، ولا يزال السؤال بغير جواب شاف. وجدت أني ~~أنا الآخر مطالب بالبحث عن جواب، فبرغم كل ما تقرؤه لأرسطو ~~وأفلاطون وكانت وبرجسون ودوهرنج وراسل وإنجلز، لا بد أن تجد نفسك ~~في أحيان مطالبا - لكي تؤمن - أن تبحث ms007 أنت عن الحقيقة. # ولقد حاولت أن أبدأ من البداية، فأقول لنفسي: إن الحياة - ومنها ~~الحياة الإنسانية - نوع من الحركة، وقوانين الحركة تنص على أن من ~~خواص المادة أن تحافظ على حالتها الكائنة عليها، فإذا كانت تتحرك ~~فمن خواصها أن تظل محافظة على حركتها تلك، وإذا كانت ساكنة فمن ~~خواصها أن تظل محافظة على هذا السكون، إلى أن تتدخل قوة خارجة عنها ~~تغير من حريتها أو سكونها. # ممكن أن ننقل الفرض خطوة أخرى، ونقول: إذا كان هذا هو القانون ~~فلا بد أن كل مادة حية من خواصها أن تظل تحتفظ بحالتها الحيوية، ~~حتى تتدخل قوة ترغمها على التخلي عن حالتها تلك، وتدخلها في حالة ~~أخرى، بمعنى أدق، نحن لسنا أحياء لأننا نحب البقاء، العكس هو ~~الصحيح، نحن نحب البقاء لأننا أحياء، ولا يمكن أن نجد كائنا حيا ~~أو مادة حية لا تحب البقاء حية، فهي رغما عنها - بحكم خاصيتها - ~~لا بد أن تكون كذلك، وأيضا لن تجد مادة غير حية إلا وهي في حالة ~~تمسك واحتفاظ بانعدام حياتها، تقاوم أن تدب إليها الحياة مثلما ~~تقاوم الحياة أن يدب السكون إليها. كل شيء في هذا الكون يعمل على ~~أن يظل على حالته، فإذا تغير فلا بد أن يكون التغير رغما عنه لا ~~بإرادته. # الحقيقة الثانية # المادة في كوننا تأخذ حركتها أشكالا عدة، ملايين عديدة من ~~الأشكال، كل شكل منها يختلف عن الآخر، فالعلم قد أثبت أن لا ~~شيء في الكون في حالة سكون تام، ذرات قطعة الرصاص في حركة ~~دائمة مثلها مثل ذرات خلايا الإنسان، كل ما في الأمر أن ذرات ~~الرصاص تتحرك بطريقة أبسط وأبطأ، بينما ذرات الخلايا تتحرك ~~أسرع، وفي مدارات أكثر تعقيدا. # والخلاف بين الرصاص والبخار والعقل هو فقط خلاف في السرعة ~~ودرجة التعقيد، ولأن المادة في حركتها يمكن أن تأخذ عددا لا ~~نهاية له من السرعات ودرجات التعقيد؛ أي بتعبير آخر يمكن أن ~~تأخذ عددا لا نهاية له من أشكال الحركة، لهذا نجد أن كوننا ~~يحفل بعدد لا ms008 نهاية له من أشكال المادة، وجود كل شكل منها على ~~حدة هو في اختلافه عن الأشكال الأخرى، الاختلاف في الشكل يحتم ~~اختلافا في المضمون أيضا، فحركة ذرات الرصاص باختلافها عن ~~حركة ذرات الخلية الحية، تجعل من الرصاص رصاصا ومن الخلية ~~كتلة حية، الاختلاف في الحركة هنا شكل ومضمون في الوقت نفسه، ~~واسم وصفة. الرصاص رصاص؛ لأنه يختلف عن الحديد والإنسان، فإذا ~~فقد اختلافه عن الحديد والإنسان فقد رصاصيته، والخلية حية؛ ~~لأنها تختلف عن الرصاص والحديد، بل حتى عن مكونات نفس الخلية ~~إذا ماتت، فإذا فقدت الخلية اختلافها فقدت حياتها. # الحقيقة الثانية إذن، حسب قوانين الحركة، أن كل شكل من أشكال ~~الوجود يحاول المحافظة على الحالة التي هو عليها بطريقة سلبية، ~~بمجرد البقاء في شكله المختلف فقط، ولكنه يحافظ على اختلافه ~~بطريقة إيجابية، بمحاولة فرض شكل حركته الخاص على أشكال الحركة ~~الأخرى، النار مثلا تحاول أن تحيل كل شيء إلى نار، والثلج ~~يبرد ما حوله، والحيوانات تأكل النباتات لتحولها إلى نسيج ~~حيواني ... وهكذا. # باستطاعتنا إذن أن نتصور الوجود على أنه مادة دائبة الحركة، ~~تأخذ من حركتها أشكالا لا حصر لها، أشكالا متدرجة في درجة ~~سرعتها ودرجة تعقيدها، كل شكل منها يحاول ابتلاع الأشكال ~~الأخرى، وفرض نوع سرعته ودرجة تعقيده عليها. # الحقيقة الثالثة # بدراسة تاريخ حركة المادة نجد أن الحركة في الكون تجنح أكثر ~~وأكثر إلى أن تتعقد، والدليل على هذا أن كتلة الشمس مكونة من ~~جزيئات وذرات، وحتى من إلكترونات طليقة، بينما في الكرة ~~الأرضية تجد هذه الأشكال قد تداخلت وارتبطت وتعقدت أكثر وأكثر، ~~ونتج عنها الماء والتراب والنبات والحيوان والإنسان. # في عملية الصراع من أجل بقاء كل شكل من أشكال الحركة على ~~حاله، لمن النصر؟ المشاهد أن أشكال الحركة المعقدة هي التي ~~تبتلع الأشكال السفلى الأبسط وترفعها إلى درجتها من التعقيد. ~~ولقد ظلت أشكال الحركة المعقدة تزداد تعقيدا حتى وجدت ~~الحياة، وظلت أشكال الحركة الحية الدنيا تتعقد حتى وصلت إلى ~~مراحل النبات الكامل والحيوان والإنسان، والعقل، العقل هنا هو ~~أرقى ms009 أشكال الحياة وأكثرها تعقيدا، ليس هذا فقط، بل إنه شكل ~~الحركة الذي يستطيع - دونا عن بقية أشكالها الأخرى - أن يتحرك ~~حركة من تلقاء نفسه لا تخضع لقوانين الحركة. # وبمعنى آخر، مادة الكون ظلت في حالة حركة تلقائية وصراع بين ~~أشكالها، حتى ظهر العقل الذي بدأ يتحرك ويتصرف في مادة الكون ~~وأشكالها تبعا لإرادته الخاصة وقانونه الخاص، ولكنها إرادة ~~محدودة أيضا، وخاضعة لقوانين الحركة العامة السالفة، فالإنسان ~~يستخدم عقله لابتلاع كافة أشكال الوجود الأخرى، ولإحالتها إلى ~~إنسان، أو تأنيسها على الأقل، هو لا يمكن أن يوقف قوانين حركة ~~المادة أو يلغيها؛ لأنه هو نفسه مجرد شكل راق من أشكال حركة ~~المادة، كل ما في الأمر أنه مرحلة نتجت عن تعقيد حركة المادة، ~~وبحكم خاصيتها تجنح إلى تعقيد حركة المادة أكثر وأكثر. # ولهذا، فكما كان الجليد في العصور الغابرة يحاول أن يثلج ~~الأرض وما عليها، فكذلك الإنسان، ذلك الذي كان في مبدأ أمره ~~مجرد أفراد متناثرين على سطح الأرض يحيون في كهوف، ها هو الآن ~~يملأ وجه الأرض، تكاثر جنسه حتى أصبح ثلاثة آلاف مليون، ومن ~~الأحجار صنع بيوتا، ومن الحديد صنع آلات تتحرك، استأنس ~~الحيوانات واستغل النبات، واستأنس كل ما على ظهر الأرض من مواد ~~وطاقات ليحيلها إلى إنسان، أو أقرب ما يكون إلى إنسان. # والنتيجة؟ # إننا لا نحيا إذن استجابة لنداء حب الحياة، ولكننا نحيل ~~برغمنا، بحكم قانون شكلنا الحي وحركتنا، بحكم أننا مختلفون عن ~~بقية أشكال الوجود اختلافا لا نملك معه إلا أن نستمر نختلف ~~وندافع عن اختلافنا، ليس فقط بمجرد تمسكنا السلبي ببقائنا ~~أحياء، ولكن بالتمسك الإيجابي، بالدخول في صراع مستمر مع غيرنا ~~من أشكال الحياة واللاحياة، والانتصار عليها ورفعها إلى مستوى ~~حركتنا الإنسانية، ولأن قانون الوجود الأساسي أن الشيء الذي لا ~~يغير لا يتغير، وأننا ما لم نغير نحن من أشكالها ونستأنسها، ~~فأشكال الوجود الأخرى حتما سوف تغيرنا وتخضعنا لقانون حركتها. ~~تلغي وجودنا المختلف ... تقتلنا. # لهذا، فمجرد أن نبقى أحياء هو في حد ذاته موت؛ لأنه إلغاء ms010 ~~لخاصيتنا كأحياء؛ إذ خاصية الحي أن يغير كل ما هو غير حي إلى ~~حي، وإلا حوله غير الحي إلى جماد مثله، ونحن نفعل هذا برغمنا ~~وبإرادتنا. # دافعنا للحياة إذن ليس هو الخوف من الموت، أو الرغبة في ~~التناسل، أو المحافظة على النوع، دافعنا أننا فعلا أحياء بغير ~~إرادتنا، حياة من تلقاء نفسها دفعتنا لأن تنشأ لنا إرادة، ~~نستخدمها لكي نتحرك حركة الإنسان الراقية المعقدة، وأن نجعل ~~غيرنا من الكائنات والمركبات - وحتى الأكوان - يتحرك ~~مثلها. # وصحيح أن معظم الناس لا يحيون هكذا، بعضهم يستخدم هذه ~~الإرادة التي تفرد بها في خدمة نفسه فقط، وإحاطتها بما ~~يؤمن وجودها على سطح الأرض، ومع أن في هذا أيضا تحقيقا ~~لبعض إرادة الحياة الكبرى، إلا أنه تحقيق لها على أضيق وأحط ~~نطاق، أما حركة الجنس البشري ككل، فهي تمضي تنتصر وتكسب وتنجح، ~~لا في إحالة كل ما هو حي إلى حي، ولكن أيضا في إحالة أشكال ~~الحياة الإنسانية اسما إلى إنسانية حقيقية، والصراع بين ما هو ~~خير في الإنسان وما هو شر، صراع ليس أبديا كما يعتقد البعض، ~~إنه مرحلة من مراحل تأنيس الحركة الإنسانية داخل المجتمع ~~الإنساني، تمهيدا للتفرغ كلية لتأنيس كل ما ليس ~~إنسانا. # الإجابة عن السؤال: لماذا نحب الحياة رغم قسوتها، ونحتمل ~~شظفها؟ الإجابة أننا نفعل هذا لأن الحياة لا تكون إلا ~~بالانتصار على قسوتها. وتحمل صعاب الحياة ليس ضريبة مفروضة على ~~الإنسان، ولكن صعاب الحياة هي الحياة، وأن نحيا معناه القدرة ~~على التغلب عليها، فالحياة ليست نزهة أو وليمة. إنها معركة، من ~~لا يحاربها ميت، وإن ظلت تحمله الأقدام! ~~(4) الإنسان الآخر الذي يسكنني # أمضيت اليوم بطوله في البيت أحيا كالناس الطيبين الصالحين. وفي ~~المساء ذهبت مع زوجتي في زيارة، وتعشينا في البلد، وحضرنا حفلة، ثم ~~عدنا في منتصف الليل، زوجتي سعيدة تتساءل عن اليهودي الذي لا بد قد ~~مات وجعلني أقضي يوما كاملا معها، وابننا سعيد وإن كان يعبر عن ~~سعادته بطريقته الخاصة، بالصراخ ورفضه خدعة البزازة، وكل شيء في ~~البيت ms011 هادئ وسعيد ومرتب! والقاهرة، والليل، والأنوار، وكل ما في ~~الكون يئوب مسترخيا راضيا إلى السكون الذي طال انتظاره. أما أنا ~~فقد كنت أكاد أنفجر - لا من الغيظ - ولكن من هاتين العينين ~~الدخيلتين اللتين ظلتا تراقباني في سخرية وأنا أقوم بدوري طيلة ~~اليوم، بطريقة جعلتني أخجل من نفسي ولا أستطيع أن أذوق طعما لكل ~~ما رأيت وفعلت، عينان لا أعرف أين أذهب منهما، ومنه، من هذا ~~الإنسان الآخر المخيف الذي يحيا داخلي ويحيل صدري إلى نار دائما ~~موقدة لا تهدأ ولا تخمد، الإنسان الجاد الذي لا يبتسم ولا يعجبه ~~العجب، والذي يرتدي على الدوام ملابس الميدان ولا يستريح أبدا، ~~وليس في حربه المتصلة هدنة، الإنسان الدائم القلق، الدائم التفكير، ~~الخطير المشروعات، الباتر الإرادة، العنيد الذي يضعني كل لحظة أمام ~~أوامر لا قبل لي بها: اذهب حالا وتطوع في جيش التحرير ~~الجزائري، اكتب قصة عن السجن، امتنع عن هذه النظرات الحنونة الخاصة ~~التي تسترقها لابنك، اعتبره مجرد واحد من مئات الملايين من أطفال ~~العالم أنت أبوهم جميعا، اقطع كل صلاتك الخاصة بالحياة، لا تستمتع ~~بهذا الطعام فغيرك جائع، أنت مسئول عن الجوعى في العالم، أنت مسئول ~~عن منكوبي أغادير، مسئول عن الحرية في بلدك وعنها في العالم، أنت ~~لم تخلق لنفسك فلا ترح نفسك، أنت خلقت لغيرك فافن في غيرك وعش ~~كيفما اتفق، فالمهم أن تعمل أعمالا تجلب السعادة لكل الناس، وتبدأ ~~من الآن. قم وانهض! # إنسان يسكنني ويجعلني أنام وأنا واقف، وأفكر وأنا واقف، وإذا ~~وقفت أريد أن أطير، إنسان ألهث ولا أعجبه، وأكتب ولا أعجبه، وأجد ~~نفسي مضغوطا بشدة بينه وبين المجتمع الصغير الذي أحيا فيه، بل ~~أجده يدفعني جانبا أحيانا ويتصرف هو فلا يحفل بإحساس صديق، أو قد ~~يسيء إلى عزيز، وأبادر لأصلح وأتعذب لفشلي في الإصلاح، وأتمزق ~~لإحساسي أني لا أستطيع أن أكون عاديا كما يريدني الناس، وغير ~~عادي كما يريدني هو. # طوال اليوم الذي أمضيته «سعيدا» كالأزواج الصالحين، أمضيه وأنا ~~أكتم قطع الفحم المتقدة في صدري، قضيته ms012 وأنا «أتحمل» السعادة، ~~وأدفع ثمنها الفادح، هذا الإحساس الممض القاتل، الإحساس أني أتواكل ~~عن مهمة عظمى، أني أهملت، أني مقصر، إحساس التلميذ الذي «يزوغ» عن ~~المذاكرة أيام الامتحان، ولكن التلامذة يعرفون امتحانهم ويؤدونه، ~~أما أنا فلا أعرف امتحاني ولا مهمتي. # ومصيبتي أني لست ضيقا بهذا الإنسان، وكل مرادي أن أرضيه. وهو ~~جبار لا يرضى أبدا ولا يهدأ، كالنار التي أقدم لها نفسي لأرضيها ~~فتزداد ضراما واشتعالا، وربما لن ترضى وتخمد النار إلا بانتهائي ~~وموتي. # أتريدون أن تعرفوا رأي هذا الإنسان الأخير فيما أكتبه الآن، إنه ~~يتهمني بالسخافة والأنانية، وبتهمة أكبر: أني أشرك قراء لديهم ~~مشاكلهم الكثيرة في مشكلة تخصني أنا وحدي. # أتريدون أن تعرفوا رأيي؟ إنه نفس رأيه، فاغفروا لي ما كتبته، إني ~~متأكد أنكم ستفعلون، ولكن الكارثة الكبرى أنه هو لن يصفح أو يغفر ~~أو ينسى، سيظل يؤرقني بتأنيبه أياما، وربما سنين، إنه لا يزال إلى ~~الآن يؤنبني على أخطاء ارتكبتها وأنا طفل! ~~(5) وزن الحرية # لم أكن أعرف أن للحرية وزنا، ليس وزنا معنويا، ولكنه وزن ~~مادي ممكن قياسه وحسابه، كنت أقرأ في كتاب ضخم للعالم الروسي ~~الشهير بافلوف، وإذا بي أجد هذه الفقرة الصغيرة البالغة الأهمية، ~~أنقلها هنا كما قرأتها: ~~«مرة خلال سلسلة التجارب التي كنت أقوم بها على فسيولوجية ~~الجهاز الهضمي، حيرني سلوك الكلب الذي كنت أقوم بإجراء ~~التجارب عليه، كنت أنا ومساعدي قد وضعناه في جهاز الإطعام، ~~وربطنا أطرافه الأربعة بطريقة تحد من حركته فقط ولكنها لا ~~تقيده، ولم يقاوم الكلب ونحن نربطه ولا أظهر أي علامة من ~~علامات الضيق بالوضع، ولم نفعل شيئا آخر أكثر من تقديم ~~وجبات الطعام له مرة كل بضع دقائق، وفي مبدأ الأمر ظل ~~الكلب هادئا يأكل برغبة، وإفرازاته طبيعية، ولكنه بمضي ~~الوقت بدأت سلسلة غريبة من الأعراض تظهر عليه، فبدأ ينبح ~~وينفعل لأقل شيء، ويثور ويخربش قاعدة الحامل وبعض قوائمه، ~~وصحب هذا المجهود العضلي المستمر ضيق في التنفس، وخفقان في ~~القلب، وإفراز غزير من الغدد اللعابية، واستمر هذا أسابيع ~~كثيرة ms013 حتى أصيب الكلب بالسقم، وأصبح غير صالح لإجراء ~~تجاربنا عليه، ومع أننا كنا نعتقد أننا على معرفة وثيقة ~~بطبائع الكلاب من كثرة ما أجرينا عليها من تجارب، إلا أن ~~سلوك هذا الحيوان بتلك الطريقة حيرنا تماما ولم نجد له ~~تفسيرا، فلم يكن هناك أي سبب يفسر تصرف الحيوان بتلك ~~الطريقة الشاذة. # وأخيرا خطر لنا أن السبب قد يكون هو السبب البسيط الذي كان من ~~الممكن ألا نفطن إليه لفرط بساطته؛ أي يكون السبب هو الأربطة التي ~~تحد من حركة الحيوان، وبالتالي من حريته، وسمينا هذه الظاهرة ~~انعكاس الحرية ~~(Freedom Reflex) ~~، ~~التي تدل على وجود غريزة الحرية ~~(Freedom ~~Instinct) ~~. ومن الغريب أننا وجدنا كبار ~~العلماء الذين كتبوا عن الغرائز لم يشيروا إلى غريزة الحرية هذه من ~~قريب أو بعيد، فالعلامة «جيمس» مثلا لا يشير إليها ضمن الانعكاسات ~~الخاصة للإنسان «أي ضمن غرائزه». # وبموالاة الدراسة في هذا الاتجاه أمكننا أن ندرس بعض آثار غريزة ~~الحرية هذه، ونعرف أنها من الدقة بحيث إذا وضعنا أي شيء ولو كان ~~بالغ التفاهة في طريق الحيوان - حتى ولو لم تقيد أطرافه - لانعكس ~~هذا على حياة الحيوان نفسه، ولأثر بشكل خطير على وظائفه الحيوية ~~وبقية غرائزه، وأعتقد أننا كلنا نعلم أن هذا الانعكاس الخاص - أو ~~تلك الغريزة - تبلغ عند بعض الحيوانات حد أنه لو قيدت حرية الحيوان ~~بأي طريقة فإنه يمتنع فورا عن الطعام، ولا يلبث أن يذوي ~~ويموت. # الحرية إذن ليست مجرد شعار أو اعتقاد، إنها حقيقة علمية، غريزة ~~مثل التزاوج والبقاء. الكائن الحي حي؛ لأنه يملك حرية حركته، وأي ~~قيد على حريته أو حركته سوف يناضل ضده ويكافح ويضرب بالرصاص حتى ~~يزول أو يهلك دونه، حقيقة علمية ما أجدر أن يتأملها أعداء الحرية ~~وأعداء حركة الشعوب! وما أجدرنا أن نتأملها نحن أيضا، نحن الذين ~~ننادي بالحرية ونؤمن بها!» ~~(6) الحياة # أول أمس # لعلكم قرأتم خبر الحادث الذي وقع على الطريق الزراعي بين ~~القاهرة والإسكندرية، والذي مات فيه أربعة وجرح أربعة عشر. ~~قدر لي أن أرى الحادث ms014 رأي العين، بالصدفة كنا قادمين ~~بالعربة على نفس الطريق، وفي منتصف المسافة بين طنطا وكفر ~~الدوار وجدنا جمعا هائلا من الفلاحين يحيط بعربتين مدشدشتين ~~مقلوبتين، وما كدنا نتوقف لنرى ما هنالك حتى تطوع فلاح شاب من ~~تلقاء نفسه، وقال: أربعة ماتوا والباقيين اتعوروا. # وهبطت تدفعني الرغبة والرهبة والفاجعة وحب الاستطلاع، عربة ~~مقلوبة مكسورة، وعربة مقلوبة مفعوصة، والزجاج مبدور يملأ ~~الطرقات كحبات الأرز الأبيض المبعثرة، وجثث، أربع جثث مغطاة ~~بقش الأرز يبصرك بها الناس الطيبون الواقفون مخافة أن تخطئ ~~وتدهسها، وضابط النقطة يتم محضرا لا أدري لماذا ولا متى بدأه؟ ~~وبرنيطة طفل صغير راقدة على التراب البعيد لا يجرؤ أحد على ~~أخذها أو لمسها، وعربة إسعاف، وسواري، وعربات كثيرة واقفة هبط ~~سائقوها يتأملون المشهد واجمين وكأنهم يتأملون المصير، وتحت ~~الأرجل والعربات دم، دم كثير غزير داكن لونه يأخذ لون أسفلت ~~الطريق، والواقفون جميعا يهمسون لبعضهم البعض، وكأن شيئا ~~كبيرا هائلا لا يزال محلقا في الجو له مخالب وعلى استعداد ~~للانقضاض. # قال أحد الواقفين: سائق هذه العربة مات، وسائق هذه في حالة خطرة، والجرحى ~~نقلوا إلى المستشفى، والقتلى ستحملهم عربة الإسعاف. # جرحى وقتلى ودم وارتباطات وصدقات ومئات الأقارب والعائلات ~~والعمات والخالات، تضيع كلها في ثانية، زمان كان الفارق بين ~~الحياة والموت فارقا شاسعا وكبيرا: مرض مزمن يعجز الأطباء ~~عن علاجه، نزال يستمر أياما طويلة وليالي، أما اليوم فالفارق ~~بين أن تحيا وأن تموت بسيط جدا، مجرد سهو يحدث، طوبة في ~~الطريق، أن يأخذ السائق باله أو لا يأخذه، أن يضغط على البنزين ~~بخفة أو بثقل، ولست أبالغ، فالحادث الذي رأيته - بضحاياه ~~وقتلاه وجرحاه وخسائره - سببه أن كلا السائقين لم ير أحدهما ~~الآخر لثانية واحدة! ولو كان أحدهما قد فعل لما وقع الحادث. ~~التفاتة، سرحة صغيرة ممكن أن تكون قد استغرقت لمحة خاطفة من ~~الوقت، نقلت أربعة - وممكن أن تنقل أكثر - من عالم حي هم فيه ~~أحياء لهم ما لكل الأحياء من قوة وحيوية وآمال وأولاد ومشاريع، ~~إلى جثث تحتها التراب وفوقها قش ms015 الأرز. # عدت إلى مواصلة السفر وفي قلبي انقباض بغيض وتأملات. بالآلة ~~والبنزين والكهرباء والسكك العريضة والذرة دخلنا في عصر ~~السرعة، والفارق بين عصرنا هذا وعصر الدواب أن مسئولية الناس ~~في ذلك العصر كانت مسئولية جزئية، فهم لم يكونوا يستطيعون ~~التحكم تحكما كاملا في دوابهم أو حظهم وظروفهم، إلى درجة ~~أنهم كانوا يريحون أنفسهم ويقولون: خليها على الله. أما في ~~عصرنا هذا فنحن نتحكم تحكما كاملا في كل شيء، ولهذا ~~فمسئوليتنا كاملة عن كل شيء، ولهذا فهي مسئولية كبيرة، وكلما ~~كبرت المسئولية عظم أتفه خطأ ينشأ عنها وأصبح جريمة، جريمة قد ~~تودي بحياة بضعة أشخاص في عربة، وقد تودي بحياة بضعة ملايين في ~~دولة. # وطوال الطريق لم أستطع أبدا أن أنسى أن الفاجعة التي رأيتها ~~كان سببها هفوة ارتكبها إنسان. # وطول الطريق وأنا لا أستطيع أبدا أن أزيح من خاطري الدم ~~الغامق المتجمد، والزجاج المبدور، والجثث المغطاة بقش ~~الأرز. # أمس ... # وفي الساعة الثالثة صباحا كنت في مطار القاهرة، والليل قد ~~رطبت الثالثة حدته وخففت ظلامه، والمطار راقد في قلب الصحراء ~~كالنجفة الكبيرة الموقدة ذات المصابيح المتعددة الألوان، ~~والطائرات جاثمة على أرضه والركاب يصعدون ويهبطون، وبين كل حين ~~وحين يرتفع صوت الميكروفون، يقول: يسر شركة كذا أن تعلن عن ~~رحيل طائرتها إلى بومباي وإلى فيينا وإلى براغ ونيويورك، وأنا ~~أودع صديقا. # وفجأة أحسست برجفة صغيرة تهزني، وبكلمة تحتل ذاكرتي كلها ~~وتبهرها: السفر. # كم من مرة تمنيت فيها أن أمضي عمري مسافرا متنقلا من بلد ~~إلى بلد. ونحن أطفال صغار، أتذكرون؟ حين كنا نفرح بالسفر ونظل ~~طول الليل لا ننام مخافة أن يساهينا الآباء ويسافرون، أتذكرون ~~اليقظة المبكرة والفرحة، والمحطة، والذهول الغريب المستولي على ~~الناس: ذهول السفر؟ وانتظار القطار القادم من مكان بعيد مجهول، ~~ورائحة خشبه وعرباته وهي تختلط برائحة دخانه ورائحة الصباح ~~المبكر مكونة رائحة السفر، نستنشقها بشغف ونهم والقطار يمضي ~~بنا سريعا ينقب الزمن والأفق، ويذهب بنا بعيدا في أغوار ~~العالم الفسيح المجهول. # وآلاف الأشياء تغير طعمها في أفواهنا لما كبرنا، ms016 والسفر وحده ~~لم يتغير طعمه ، ولا تغيرت أبدا تلك الرغبة الملحة في التنقل، ~~الرغبة التي تمنيت معها وأنا واقف يحجزني حديد السور لو يصبح ~~في استطاعة الإنسان أن يسافر متى أراد وكلما أراد، لو اختفت ~~فجأة تلك الحواجز السخيفة بين الدول، اختفت الجوازات ~~والتأشيرات والجمارك والحدود، حدود الدول وحدود الشعوب ~~والأفراد والطبقات، وأصبح العالم كله وطن أي إنسان لمجرد كونه ~~إنسانا، وأصبح الناس في كل مكان أناسه، وأي بلد يحل فيها ~~بلده، وأي لغة لغته، وأي عملة عملته، وأي جار أخاه. # الطائرات كثيرة ومحومة، وقادمة من بلاد بعيدة وذاهبة إلى ~~بلاد بعيدة، والذهول الحبيب يسيطر على القادمين والذاهبين، ~~ونفسي أحس بها تتفتح، وأحاول أن أعثر فيها على أثر لحادثة ~~الطريق الزراعي والخوف من عصر الطائرات والعربات فلا أجد. ~~أجدها قد أصبحت نقطة، قطرة مريرة ذابت تماما في حلاوة تلك ~~الكلمة ذات الرنين الحلو: السفر. ~~(7) العودة ومشاكل العودة # كل عودة إلى مصر لها دائما سحرها الخاص! ما من مرة كانت العودة ~~مماثلة. الطائرة النفاثة تحلق، والمضيفة في الميكروفون الأخنف ~~تقول: بعد دقائق تصل إلى القاهرة، وتنظر من النافذة أسفلك فتجد ~~أنوارا، وتحاول التخمين، هذه طنطا، هذه بنها، القادمة هي القاهرة ~~لا بد، ولكن القادمة لا تكون القاهرة، إن استعجالك للحظة الوصول ~~يكاد يسقطك في طوخ أو في قليوب، ولكنها القاهرة هذه المرة، هذه ~~الساحة الواسعة المضاءة لا تكون - في مصر كلها - إلا القاهرة، ما ~~أحلاك يا قاهرة! ما أجملك من الجو فقط! إنا عائدون مرة أخرى لك، ~~للحمى الغريبة المزمنة، للمعارك المعهودة، للوجوه العجوزة التي ~~كادت لطول بقائها تكتم الأنفاس. إننا عائدون يا قاهرة، فيك كل ما ~~يغري بالبعاد، ولكن فيك ما هو أروع من القرب والبعد والمتعة ~~والسعادة، فيك الحياة. # إنني لا أعرف ماذا فينا نحن المصريين يجذبنا - كاليويو - بشدة ~~وبقوة وباستماتة إلى هذه البقعة من سطح الكرة الأرضية؟ وكأنما قد ~~دفن لنا «عمل» أو شددنا إليها بتعويذة، في قلب لندن في ميدان ريجنت ~~أو بيكاديللي، الأنوار والفتارين والحركة الهائلة ms017 المائجة والمتعة ~~على قفا من يشيل وسحر الحضارة الأوربية الخارق، ولكنك في لحظة ~~تذكرها تومض قاهرتك في مخيلتك فكأنما يومض الحق، كأنما تومض ~~الأحلام الجميلة فيذوب شارع ريجنت وميدانه، تذوب حضارة أوربا، ~~وتتجرد وتقف وكأنك في الصحراء الكبرى، أو في قلب المحيط الأطلنطي ~~قد انتقلت بكل ذرة حياة فيك إلى مصر، ترويها بالدمع إن ~~استطعت. # إنها عزيزة علينا وغالية، وكلما قابلت أجنبيا زار مصر ووقع في ~~حبها أكاد أغار عليها من حبه، إنها تعز على المرء حتى وهو في قلبها ~~هنا، أكاد كل صباح أصحو من النوم لأقبلها، وأقول لها: كيف حالك ~~اليوم يا مصر؟ كيف أصبحت؟ كيف داويت الجرح الذي خلفه التروللي باص؟ ~~وأنت يا نيلنا ماذا دهاك حتى تبتلع أبناءنا بالجملة وكأنك أصبت في ~~عقلك بلوثة نهم وجشع؟ أم تراك في حنين - وقد أقمنا السد ومنعنا ~~فيضانك - إلى عروس النيل نفتدي بها شرك؟ ألا ما كان أحكم أجدادنا ~~حين كانوا يفتدون مئات الأرواح بروح واحدة، وما أسخف مهندسينا ~~وأخصائيينا اليوم حين يقررون أن حوادثك ليست سوى قضاء وقدر، لا ~~علاقة لها بإهمال أو بعطب أو بشيء يدل على تقصير. # المهم، تلوح القاهرة دائما ويتجدد الشجن، ولكن السعادة تتدفق ~~بأعظم وأروع تدفق، والقلب كالموشك على لقاء الحبيبة ينبض، وأقسم أن ~~النبض يسرع، وألهث، بعد ثوان سيلامس العجل أرضك، وحتى لو انفجر ~~العجل ومتنا فسنموت هنا ولن نتمزق على أرض غريبة، ولن نتجمد على ~~الثلج، على الأقل سيتاح لنا بجزء من اللحظة أن نستنشق قبضة هواء ~~اختلطت بترابك ولامسته، جزء حمل معه لا بد أريج أذرتنا، وضربات ~~فئوس عمالنا، ورذاذ سبابنا. # ولكنا دائما وأبدا، وإلى أن يقدر الله، نهبط في سلام، وللفرحة ~~القصوى أحياء، أجزاء عائدة إلى الكل الكبير، أخيرا بعد البرد ~~والمطر والعواصف والثلج والترمومترات القابع زئبقها متجمدا في ~~القاع، تلفح وجوهنا نسمة الحب الدافئ؛ أقصد الهواء، هواءك يا ~~أرضنا، أرض كل هؤلاء الناس العرايا والمثقفين، حتى أرض لصوصك ~~وخفرائك ولومانجيتك، أرضنا كلنا بلا تمييز ولا تحيز ولا استئثار. ms018 ~~أتفهمين؟ # وصحيح أن الإجراءات التي تتخذ فيما بين الطائرة وباب الخروج من ~~المطار إجراءات تكاد تجعل الإنسان يفكر في العودة من حيث أتى، إلا ~~أن الإنسان يحتملها والسلام، خاصة هذه المرة، فلقد صدمت حقيقة ~~بمشهد حوالي عشرين ضابطا وصف ضابط يقفون عند الجوازات، ولقد مررت ~~ورأيت بلادا كثيرة شيوعية ورأسمالية وبين بين، ولم أر في مطار من ~~مطاراتها هذا العدد المرعب من ضباط الشرطة بالملابس الرسمية، بل إن ~~ضباط الجوازات في معظم بلاد العالم يرتدون الملابس المدنية حتى لا ~~يفزعوا - ولا مؤاخذة - القادمين! وإني لأتساءل عن السبب في هذا ~~العدد الكبير وعن تواجدهم هكذا بطريقة تجعل الإنسان يعتقد كأن ~~شيئا، لا سمح الله، قد حدث أو يوشك أن يحدث. # في الليلة الرابعة عشرة ... # في الليلة الرابعة عشرة في بولندا أحسست بالحنين إلى مصر وإلى ~~اللغة العربية، وتجربة غريبة أن توجد في وسط شعب يتحدث لغة لا تفقه ~~فيها حرفا واحدا - واللغة البولندية من أصل سلافي، واللغات ~~السلافية كانت بعيدة عنا تماما، وأعتقد أنها لا تزال - وأن ترى ~~الحياة كاملة تدور حولك وتسير بكلمات ومصطلحات أنت تجهلها تماما. ~~تستمع وتحاول أن تخمن، وتخطئ أخطاء بشعة في التخمين، والحياة سادرة ~~سائرة، أنت وحدك الذي لا تعرفها، تجربة تدفع لتأمل كثير، ولكنها ~~تدفعك أكثر إلى الحنين إلى لغتك وموسيقاك وتكوينك النفسي، وهكذا ~~صممت أن أجد القاهرة، في غرفة الفندق لحسن الحظ هناك جهاز راديو ~~ضخم، وبنظرة إلى حجمه قررت إما أن يستحضر لي الجهاز القاهرة، وإما ~~على الله العوض في الصناعة البولندية، والمشكلة كانت أن أعثر على ~~الصوت العربي العزيز بين أربع موجات قصيرة واثنتين متوسطتين وواحدة ~~طويلة، أعددت نفسي لعملية بحث، كان غير مهم عندي لو استغرقت الليلة ~~بأكملها، ولكم أن تتصوروا مبلغ ذهولي حينما أدرت المفتاح قليلا ~~على أول موجة قصيرة صادفتني، وإذا بي أذنا لأذن هكذا مع صوت من؟ ~~مع أم كلثوم، مع اللغة العربية والقاهرة وموسيقانا وتكويننا النفسي ~~مرة واحدة مفاجئة، ولا غلوشة ولا مطبات صوتية، بل إرسال ثابت ms019 وكأني ~~أسمعها من المنصورة وليس من وارسو، وفي لحظة انقلبت وارسو إلى ~~المنصورة، وشعور الغربة إلى ونس عارم محيط، حتى مستمعي السيدة أم ~~كلثوم الذي يضايقني ترديدهم المتصل للآهات تلو الآهات، وكأنهم كورس ~~إغريقي مفروض، كنت أستعذب منهم الأصوات وأحس كأني بينهم، وأم كلثوم ~~ما أروع «سخوت» و«بلغت بالجود» و«الاشتراكيون أنت إمامهم»، وهي ~~تأتيني من على بعد أكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر، فيها سيال عاطفي ~~يوشك الوصول إلى القمر، وفي حلاوة من حلاوة عسل نحلنا، وشربة ~~«القلة» من مائنا تمخر في عباب نفوسنا، تحمل رائحة «تقليتنا» ~~وأشجاننا وخرافاتنا وحلقات ذكرنا، شكرا لهؤلاء المجهولين الذين ~~أقاموا هذا الإرسال القوي لإذاعتنا، شكرا للمذيع حين قال في ~~النهاية وقد حسبتها باريس أو طنجة، هنا القاهرة. ~~(8) الحر # انفتح أكثر من مليون حنفية، وتدفق الماء يغسل مليون رأس ووجه ~~وقفا، وبدأ أهل القرية يومهم مبلمين متضايقين، بوز كل منهم شبرين، ~~وعلى استعداد تام لخلق مشاجرة حامية إذا وجد الشاي ناقصا سكرا، ~~أو إذا طالبه ابنه بالمصروف، أو إذا لم يجد الهباب الشبشب «اللي ~~قلت مليون مرة لازم يفضل متنيل هنا تحت السرير». # وما كادت آلاف الأبواب تفتح، وتفرغ آلاف البيوت محتوياتها من ~~الأفندية والعمال والطلبة، حتى بدأ الناس يدركون سبب الضيق الذي ~~صاحب يقظتهم؛ إذ كان الصباح أحر صباح عرفوه في حياتهم، صباح بدأت ~~حرارته تصل إلى التاسعة والثلاثين في غمضة عين، صباح لم يستمر أكثر ~~من ربع ساعة، قضاها الموظفون يحتسون القهوة ويرسلون آلاف السعاة ~~إلى آلاف محلات الفول والطعمية والبسكوت استعدادا لبدء العمل، ~~ولكن العمل لم يبدأ ... بدأ الحر. «دي ما حصلتش» قالها مليون جار ~~لجاره وزميل لزميله ومليون أم محمد لأم فيفي، وأعقبتها أو سبقتها ~~مليون لعنة أصابت بئونة، وذلك المنخفض السخيف الذي حدث في الصحراء ~~وكان السبب في تلك الموجة المفاجئة من الحر. # وأصبحت الحرارة 40°، وبدأت الحمى تجتاح القاهرة. عشرة آلاف كف ~~على الأقل ارتفعت وهوت على عشرة آلاف صدغ من أقلام ساخنة جدا، لم ~~ترفع لردها أكثر من خمسة آلاف ms020 كف ربما لنقص في الشجاعة، وربما ~~للحكمة القائلة «بات مضروب ولا تبات ضارب»، وبدأت الأعصاب تلتهب ~~وتتحول إلى أسلاك نحاسية ساخنة، وبدأت آلاف العربات تتأرجح. ~~الدركسيون ملتهب، والبنزين ملتهب، والأسطى محمود محموم، واوعى يابن ~~ال... وطاخ! حادثة، وصفارة، ألف صفارة، وأربعة آلاف جنحة، ومليون ~~خناقة، وأكثر من أربعة ملايين يمين باطلة أقسمها سكان القاهرة، ~~ومليار مرة تقلقلت عظام الآباء والأجداد لتحتمي من اللعنات ~~والدعاوي التي تتساقط عليها بالأكوام. # ووصلت الحرارة 41°، وبدأت النار، الشوارع نار، والبيوت نار، ~~والظل نار، والشمس نار، والأكل نار، والنوم نار، وثمن الثلج نار، ~~والراديو نار، عبد الحليم حافظ يجأر بأعلى صوته: نار يا حبيبي نار، ~~وأجراس تتن تتن حريقة. فين؟ وإذا بالحريق مليون حريقة، وكل حريقة ~~في حاجة لإطفاء. السماء في حاجة لإطفاء، والأرض في حاجة ~~لإطفاء. # والناس والعقول وحتى الماء في حاجة لإطفاء، وتتن تتن ... المطافي ~~تحاول بلا فائدة إطفاء الحرائق، والتنظيم يحاول إطفاء الأرض، ~~والكازوزة ... مليون زجاجة كازوزة تحاول إطفاء الأجواف، والمحاولات ~~كلها تزيد النار اشتعالا، والملجأ الأخير الثلج، التهمته النار ~~وتحول إلى دخان وحشيش، يباع سرقة، ويشترى سرقة، ويتعاطى ~~خلسة. # وبلغت الحرارة 42°، الموت. كل شيء وكائن بدأت تموت أجزاء فيه، ~~الرغبات تموت، والسيدة محشورة بين الرجال في الأوتوبيس كالطعام ~~البايت لا يلتفت إليه أحد، وخناقة تنشب بين بائعي العرقسوس ولكنها ~~لا تصل أبدا إلى حد التماسك، ولسة ح اتخانق يا عم؟ الدنيا حر موت، ~~والخدامة تتأخر وتفتح الست فمها كالعادة لتنصب منه الشتائم، فتفتحه ~~فلا يخرج منه شيء، لسانها يقف كالعصا الجامدة في حلقها ويأبى ~~التحرك. # الحرارة 43، 44، 45°، موت وهلوسة واستسلام كامل للحر. الحديث ~~يتناقص إلى كلمات، ثم إلى أنصاف كلمات، كالأغاني الأخيرة لصباح ~~ونجاح سلام: آه ... أيي... ياه، الملابس تخلع وتلقى قطعة وراء قطعة. ~~المدير العام يلهث محشورا في البانيو، ووكيل الوزارة يهوي على ~~زوجته المسورقة، وامرأة المعلم برعي تقول له: أيوه روح اتهوى عني ~~يا شيخ، ويصبح الناس عرايا تماما في منازلهم، ويظن كل منهم أنه هو ~~الوحيد العاري، ولو قدر للحيطان ms021 أن تختفي لمات الناس من الضحك على ~~بعضهم حين يرون أنفسهم ملايين العرايا في مختلف الأوضاع: الراقد ~~على البلاط، والرافع ساقيه، والممدد على بطنه، وأشكالا لا أول لها ~~ولا آخر من الأجساد، أجساد أحيانا أنصافها العليا لرجال وسيدات، ~~والسفلي أحيانا لأفيال. أجساد دائخة تنتظر غروب الشمس وكأنها ~~تنتظر موعد الإفطار في رمضان، رءوس مدلاة مصدعة وكأنها منفوخة ~~بدخان الأعصاب التي احترقت. # وتغرب الشمس، ومع هذا تزداد الأرض التهابا، وتتفتح ملايين ~~الأبواب وتخرج ملايين الناس هالعة كالدجاج الذي طال حبسه، زاحفة ~~إلى النيل، مستعرضة فيه، طالبة حمايته. # ومع بدء الظلام الحقيقي تبدأ الحرارة تتقهقر رغما عنها كالجيش ~~العنيد، وتبدأ الألسنة تتحرك وتقول: موت، ثم نار، ثم الدنيا لسه ~~حر، ومن جديد تبدأ الخناقات، ثم تنخفض الحرارة درجة فتصبح ~~أحاديث. # وهناك بعد منتصف الليل بكثير، تهب نسمة واحدة فقط، يستقبلها ~~سهران مثلي فيتثاءب مغتبطا وكأنه نجا من موت محقق، ويقول: ياه أما ~~كان يوم! ~~(9) الإنسان حيوان مائي # كيف يحدث هذا؟ # لست أدري كيف يحدث هذا؟ من أسابيع قليلة كانت عملية غسيل ~~الوجه أو الاستحمام بالنسبة إلي عملية تعذيب، كنت أقف أمام ~~الدش وأتردد آلاف المرات وأنا أنظر إلى نقاط المياه الصغيرة ~~التي تتساقط منه، وأحس الخوف منها وكأنها قطرات من ماء النار، ~~وبعد أن أستجمع أطراف شجاعتي وأفتح الحنفية، ينساب الماء في ~~أزيز مخيف، ويتصاعد لانسيابه بخار بارد مثلج، وكأن الماء لا ~~يتبخر ولكنه يتجمد بخارا، وأغمض عيني في النهاية وأنا أسلم ~~نفسي لحزمة الإبر المتدفقة من الدش، كل ثقب فيه تخرج منه إبرة ~~مائية طويلة طولها أمتار. حزمة من الإبر الطويلة تتساقط فوق ~~جسدي في شراهة ووحشية، وتكاد تنغرز فيه وتصل إلى ~~النخاع. # وأي ماء كنت أراه أحس لتوي بالقشعريرة منه وكأني أخافه وأخاف ~~لمسه، حتى النيل كنت إذا رأيت مياهه أحس برهبة طاغية. كتل ضخمة ~~هائلة من الماء الداكن المتكاثف وكأنها غابات وأحراش مائية ~~نامية، تنتظر أن يخطئ إنسان ويمد فيها قدمه أو يده، فتشده ~~وتبتلعه ولا تتركه إلا مخنوقا. ms022 # ومن أيام قليلة حدث شيء عجيب! فتحت الحنفية لأغسل يدي، ودون ~~أن أدري أو أتردد وجدت نفسي أغسل يدي فعلا، ووجدتني لا أختصر ~~الغسيل، أطيل فيه وأترك الماء ينساب على ساعدي حتى يبلغ الكوع. ~~والماء لا يخرج منه بخار يغشو له الجو ولكنه يلمع كسبائك الفضة ~~المجدولة. # وكنت أريد فقط أن أغسل يدي فإذا بي أغسل وجهي ورأسي، وأجعل ~~الماء ينساب في صدري فأستعذب لمسه وكأنه خد الجميل، وأجعله ~~ينساب في فمي وأتذوقه وأجد طعمه حلوا وكأن ثمة سكرا طبيعيا ~~قد أضيف إليه. # والنيل اختفت أحراشه، واختفت كتل مياهه الضخمة الهائلة، وبدت ~~وكأنها قد شفت وخفت حتى تلاشت. ولم يعد في النيل سوى ملايين ~~الأطفال العرايا الحديثي الولادة يلعبون ويداعبون بعضهم البعض، ~~ويتقافزون ويتراقصون، ويكونون دوائر وقوافل وتشكيلات، لا يكاد ~~الإنسان يراها حتى يحس في الحال برغبة لا يستطيع مقاومتها في ~~أن يخلع ملابسه ويقذف بنفسه بين ملايين الموجات الطفلة، ~~يلاعبها ويدعها تلاعبه. # وطوال يومي أي ماء رأيته خارجا من عربة رش، أو لامعا في ~~زجاجة كازوزة، أو حتى مصبوبا من كوز، أي ماء رأيته كنت أحس ~~برغبتي في صبه على نفسي أو شربه أو حتى مجرد تذوقه. وأي ماء ~~رأيته ولمسته كنت أحس بلمسه حبيبا غير غريب، ولكأنه سلام صديق ~~مألوف، صديق طفولة، ربما كأني ألامس نفسي، كأني أصبحت ماء مثل ~~الماء، أو أصبح الماء إنسانا. # إنه الصيف. ~~(10) المفترى عليهم # في صفحة كاملة قرأت لمحمد عودة مقالا عن «تبعات الاشتراكية». ~~وعودة أحد الكتاب القلائل الذين تفرض كتاباتهم على القارئ احتراما ~~خاصا وتقديرا، فمع التحليل البارع تجد الخلق، ومع الموضوعية تجد ~~الحماس، ومع الثقافة تجد التجربة والواقع، ولكن الذي أحزنني ~~ويحزنني دائما هو هذا الهجوم الذي يلقاه المثقفون هذه الأيام، ~~لكأن الثقافة أصبحت تهمة وعلامة من علامات الإخلال بالشرف. والعجيب ~~أن الهجوم يصدر عن مثقفين، لولا الثقافة ما كتبوا وما استطاعوا ~~القراءة والاطلاع على التراث الأجنبي، وأخيرا لولاها ما استطاعوا ~~أن يعرفوا قيمة القلم أو يتخذوه أداة للكتابة، والهجوم ينصب ms023 ~~دائما - ولا أعرف لم - على مثقفي هذا الجيل؛ إذ نفس هؤلاء الذين ~~يهاجمون مثقفي هذه الأيام نجدهم هم المنادين بتكريم الجبرتي وابن ~~سينا وعمر مكرم وعلي يوسف وعبد الله النديم ومختار ولطفي السيد. ~~أما حين يصل الأمر إلى هذا الجيل فإن حالة اشمئزاز مفاجئة تجتاحهم، ~~وتدفع واحدا أحترمه مثل عودة لأن يقول: إن الحل الحقيقي لأزمة ~~المثقفين هو إنتاج مثقفين جدد، مثقفين من قلب الشعب، من أبناء ~~العمال والفلاحين، صادقين مع أنفسهم، صادقين مع مجتمعهم، لم يعانوا ~~تشويه وتضليل الثقافة الاستعمارية وقيم المجتمع الاستعماري. # لماذا أحكام الإعدام؟ # حقيقة أن عودة قبل هذه الفقرة يدعو الثورة لأن تصفح عن مثقفي ~~اليمين واليسار، وتمنحهم فرصة أخرى ليراجعوا أنفسهم ولينضموا ~~إلى القافلة، ولكن المثير هو حكم الإعدام الأخير الذي أصدره ~~عودة على مثقفي هذا الجيل عامة، حتى أصبح الحل الحقيقي استحضار ~~أو استنبات مثقفين جدد، وكلام كهذا ليس ظلما فقط، ولكني لا ~~أستطيع أن أسميه إلا بأنه نوع من الاندفاع المخرف المتحمس، إذ ~~هكذا طبع بعض الناس. في ساعات النكوص عملهم الوحيد أن يلوموا ~~الآخرين ويسقطوا عليهم خوفهم، وساعات الانتصار - مثل ساعتنا ~~تلك - التي قام فيها قائد الثورة بعمل بطولي تاريخي عميق المدى ~~والأثر، يدفعهم الانبهار بالعمل إلى نسيان أشياء كثيرة أو ~~تناسيها، وعلى الأقل إلى نسيان أنفسهم والأرض التي يقفون ~~عليها، ويسارعون بإلقاء كل أوراق الماضي على الآخرين وتحميلهم ~~مسئولية كل فشل سابق، ثم أخيرا يعمدون إلى إلغائهم كلية كما ~~يطالب الزميل. # بيت الداء # والمثقفون هم أسهل الأهداف، هم الحائط الواطي الذي يسارع كل ~~صنديد بالقفز عليه، إن ما قرأته عن المثقفين في بلدي جعلني أحس ~~وكأنهم مصابون بنوع من الطاعون، بعضهم خونة وبعضهم سفلة وبعضهم ~~انتهازيون، وأقل صفة لبعضهم السلبية والعقم، إنني لا أعرف ~~بلدا من بلاد العالم ثار فيه بعضهم على خلاصة خلاصته، على ~~هؤلاء الذين أنفق البلد على إنتاجهم المال والجهد والسنين بمثل ~~ما حدث لدينا، وبالذات هذا الجيل من المثقفين. ولو كانت الثورة ~~قد استجابت لكل ما كتب ms024 وقيل لكان من واجبها أن تقوم في الحال ~~بمذبحة قلعة أخرى ضد المثقفين، وتركهم مشنوقين على عواميد ~~النور في شارع الكورنيش، ولكن الثورة لم تفعل هذا. لقد وقف ~~قائدها جمال عبد الناصر في جامعة الإسكندرية يحاضر أساتذتها ~~ويضع يده كالطبيب الماهر على بيت الداء، ويقول: إن المشكلة لم ~~تكن مشكلة المثقفين، ولكنها مشكلة الطبقات؛ إذ المشكلة هكذا ~~فعلا، فأعداء شعبنا لم يكونوا هم المثقفين، أعداؤه كانوا ~~الاستعمار والرجعية، الاستعمار بظلاله ومفهوماته وعقلياته، ~~والرجعية بكل صورها، ولهذا حاربنا الاستعمار والرجعية، وحين ~~أصبحت الرأسمالية عدوا حاربناها، أما المثقفون، وبالذات ~~مثقفو هذا الجيل، فهم، لكي يستريح عودة، أسلم معه جدلا إنهم حافلون بالعيوب والمتناقضات، ومع هذا فهم الجيل الذي صنع ~~الثورة - هذه الثورة - بكتاباتهم، بخطبهم، بمواقفهم، بالنار ~~المقدسة التي أوقدوها، بمطالباتهم بالجلاء، بتضحياتهم، بالسجون ~~التي دخلوها، بالشهداء الذين سقطوا، بتجاربهم المرة العنيفة مع ~~صدقي والنقراشي وإبراهيم عبد الهادي وفيتز باتريك واللورد ~~كليرن والملك، هم الذين هيئوا الشعب للثورة، وحين جاءت الثورة ~~عكس كل ما قيل التفوا حولها، وكيف بمن مهد للثورة لا يلتف ~~حولها حين تجيء؟ وما حدث بين الثورة وبين قطاعات من المثقفين ~~لم يكن نتيجة لعداء؛ إذ لم تقم الثورة لتحطم المثقفين ~~المخلصين، لقد قامت لتحطم الاستعمار والإقطاع والرجعية، إن ما ~~حدث كان فقط نتيجة لاختلاف في الرأي، اختلاف كان لا بد أن ~~يحدث، فهو التفاعل الحيوي الخلاق الذي استفادت منه الثورة بقدر ~~ما استفاد منه المثقفون، والثورة يكون نجاحها أحيانا ليس فقط ~~بمقدار ما تحققه من مكاسب وما تحرزه من انتصارات، ولكن أيضا ~~بمقدار ما تحدثه في المجتمع من رجة فكرية وجذب وشد واختلاف ~~واتفاق. # ما معنى الثورة البيضاء؟ # وأحد مفاخرنا أن ثورتنا كانت ولا تزال بيضاء، وهي ليست مفخرة ~~فقط، ولكنها في رأيي إحدى دعائم الثورة وركائزها، فثورتنا ~~بيضاء؛ لأنها أبقت على هذا التفاعل الحيوي في حدوده المعقولة، ~~والثورات الأخرى الدموية لجأت إلى الدم لضعفها؛ لأنها قامت ~~تريد أن تفرض الثورة فرضا على شعبها، وليس أن تخلق من مواطنيها ms025 ~~شعبا ثائرا، ولهذا فجريان الدماء على الأرض عقم هذه الأرض ~~وأخمد نهائيا هذا التفاعل الخلاق بين مركز الثورة ومحيطها، ~~وبين القادة والشعب، وبين القادة أنفسهم والشعب نفسه، وقد فعلت ~~ثورتنا هذا، وقويت بهذا الفعل؛ لأنها لم تيأس من طبقات بأكملها ~~كما يدعونا بعضهم إلى اليأس، ولا نفضت يدها من فئات بحالها. إن ~~جمال عبد الناصر قد وضع بخطبته الأخيرة دستورا ثوريا جديدا ~~حين تحدث عن فساد «البعض» ويأسه من «البعض»، ولم يحكم أبدا ~~على طبقة أو فئة ككل، وحمدا لله أن الذين يكتبون عندنا ليسوا ~~هم الذين يحكمون، إذ من يدري إذا؟ ربما كانت الدماء قد سالت ~~أنهارا وبلا سبب، إن أخذ بعضهم الأمور مأخذا «فنيا» ~~«جماليا» بحتا. # ما هي الجريمة؟ # حسنا أيها السادة الذين تحدثتم كثيرا وطويلا عن المثقفين ~~حتى كادت الثقافة تصبح تهمة، وبالذات تهمة هذا الجيل، ما هي ~~الجريمة التي ارتكبها المثقفون؟ أجريمتهم أنهم ثاروا على ~~الاستعمار أيام كان عندنا استعمار؟ أجريمتهم أنهم أصدروا مجلات ~~وصحفا شتمت الملك وهو ملك، وعادت الإنجليز أيام أن كان ~~الإنجليز هم الإنجليز؟ ووقفت بقوة وثبات وإخلاص ضد جميع ~~المحاولات التي بذلت لجر البلاد إلى مناطق النفوذ والأحلاف؟ ~~أجريمتهم أنهم جميعا 99% منهم أيدوا الثورة قلبا وقالبا، ~~ووضعوا أنفسهم في خدمتها في تكويننا كشعب وكأفراد، إلى الحد ~~الذي نبدأ نحس معه أن لنا تاريخا لم تكتبه أجيالنا السابقة ~~فقط، ولكن كتبناه نحن أيضا، ارتكبوها كفئة بأكملها ليدعو ~~الأستاذ محمد عودة الثورة أن تنتظر إلى أن يخرج جيل جديد من ~~المثقفين أبناء الشعب؟ وهؤلاء المثقفون معظمهم من أين ~~جاءوا؟ # إنهم جميعا يكادون يكونون قد جاءوا - ليس فقط من صلب الشعب ~~- ولكن كثيرين منهم جاءوا من أفقر طبقات الشعب، ولا يزالون إلى ~~اليوم مخلصين لمساقط رءوسهم، وتجاربهم وثقافتهم «الاستعمارية» ~~لم تلوثهم كما يدعي عودة، بالعكس، لولا هذا التراث من ~~التجارب، لولا كفاحهم الرهيب من أجل أن يضعوا أنفسهم وثقافتهم ~~في ظل أوضاع معادية خطيرة، لولا صلابة العود التي اكتسبوها، ~~لولا كل هذه العوامل التي لم ms026 «تلوثهم» كما يقول عودة ولكنها ~~«صقلتهم» و«سقتهم» وجعلتهم أبناء مخلصين لهذا الشعب، يعملون من ~~أجله قبل الثورة وبعدها، لولا هذا ما كانوا قد استطاعوا القيام ~~بكل ما قاموا به، إن العمل العظيم لا يلغي أي جهد آخر مهما ~~صغر، ولقد كانت الثورة معجزتنا الكبرى وليلة قدرنا وعملنا ~~الأعظم، ولقد كان جمال عبد الناصر بطل شعبنا الذي ظل يبحث عنه ~~وينتظره أحقابا وأحقابا، ولكن هذا البطل نفسه هو الذي يتولى ~~بنفسه إنصاف هذه الأعمال التي تضاءل بجوار ما فعله، هو الذي ~~وقف في ميدان عابدين يوم 23 يوليو الماضي، يقول: إن نجاح ~~الثورة كان سببه الحاسم التفاف الشعب حولها منذ أول لحظة، ~~والمثقفون كانوا ضمن الشعب الذي التف حولها، وهو نفسه الذي حدد ~~المشكلة في جامعة الإسكندرية، بقوله: إننا نعادي الأوضاع ~~الظالمة والعلاقات الاجتماعية التي تستنزف دماء الشعب وجهوده، ~~ولا نعادي أفرادا وطوائف، جمال عبد الناصر هنا يتكلم بضمير ~~المثقف المخلص الشريف، ويرد عل كل الطعنات التي وجهت إلى ~~المثقفين، ويخاطب بالذات هذا الجيل منهم، الجيل الذي مهد ~~للثورة واحتضنها، ولا يزال مستعدا للتضحية بالأرواح في ~~سبيلها. # الشعارات الرنانة # أما أن يطالب الأستاذ عودة إزاحة هؤلاء جانبا واللجوء إلى ~~جماهير الشعب مباشرة، أو انتظار جيل جديد ينشأ من المثقفين، ~~فهو كلام إنشائي لا معنى له، فالمسألة ليست إطلاق شعارات ~~رنانة! إن القضية أخطر من هذا بكثير، إن إزاحة تراثنا الثقافي ~~الممثل في هذا الجيل، إزاحة خبرتنا المبلورة فيه، صرف النظر عن ~~ثمرات أنفق شعبنا الكثير ليترجمها بدعوى أن اللجوء إلى الأصل ~~معناه الوحيد إضعاف ثورتنا، معناه حرمانها من جنودها وأركان ~~حربها وخبرائها، إننا نقيم المشروعات والمصانع ليعمل الناس ~~ويتثقفوا، فنحن بلد فقير الموارد لا يزال المثقف فيه ثروة لا ~~بد من استغلالها، وليس هذا فقط بل إني لأطالب أن تفتح ثورتنا ~~أذرعها لمثقفينا وأن تثق فيهم وأن تحملهم المسئولية، فإذا كانت ~~هي القلب فهم الشرايين، وإذا كانت هي العقل فهم الأعصاب، ~~والجفوة بينهما لا محل لها ولا معنى، بالعكس، أي خطوة ms027 لن ~~يستفيد منها إلا أعداء الثورة؛ أعداء المثقفين، وبالذات مثقفي ~~هذا الجيل المفترى عليهم. إني لعلى ثقة من أن بعض عيوب التطبيق ~~عندنا مرجعها إلى نبذ المثقفين والنظر إليهم بعين الشك، وكيف ~~يحدث هذا والثورة عندهم كالقلب غالية لا يتوقف لها نبض؟ كيف ~~يحدث هذا وهم الذين دعوا لها وبشروا بها وكانت أقصى آمالهم أن ~~تنجح وتمضي وتستمر؟ بل حتى في خلاف بعضهم معها كان السبب شدة ~~الحرص على نجاحها وانطلاقها، إني لا أستطيع أن أتصور ثورة ~~تحارب الاستعمار العالمي، والاحتكارات والإقطاع في الداخل، ~~ورأس المال المستغل، بلا جيش من المثقفين، بلا خبرة المثقفين، ~~بلا إخلاص المثقفين ومثاليتهم، حتى بلا أخطاء المثقفين، فأوهن ~~الأخطاء دائما هي أخطاء المثقفين، إلا ذلك الخطأ الذي يتردى ~~فيه بعضهم أحيانا ويطالب بإبادة المثقفين وكأنهم جراد أو ~~ناموس أو ذباب ذو طنين، والمصيبة أن هذا يحدث دائما من أحد ~~المثقفين، واللهم احم كل المثقفين من بعض المثقفين. ~~(11) انهزم العدوان وانتصر الروتين # لي مع العدوان الثلاثي الغاشم قصة خاصة، كلما هل علينا نوفمبر من ~~كل عام أتذكرها، ورغم أن معارك الشعب تتخذ ذكراها باستمرار طعما ~~خاصا كلما تقادم بها العهد؛ إذ هي لا تفقد أبدا محتواها ~~العاطفي، كلما استعدناها استعدنا معها أحاسيسنا العارمة بأول شعور ~~بالغزو الأجنبي أحسه جيلنا، فالغزو كنا نقرأ عنه في كتاب التاريخ ~~ونحاول تخيل موقف شعبنا في الإسكندرية وكل مكان، وهو يواجه الأسطول ~~البريطاني ويلتف حول عرابي ليلقي بالغزاة في البحر، أما في عام ~~1956 فقد وقفنا مع شعور الغضب الخلاق المجيد وجها لوجه، وأحسسنا ~~لأول مرة في حياتنا بمعاني كلمات كنا نرددها ترديدا نظريا أجوف ~~مثل: الغزو المسلح، والاستعمار العسكري، والغدر الاستعماري، ~~ومؤامرات الدول الكبرى وخستها، كل هذا عشناه وشعرنا به وخضناه ~~كتجربة موت وحياة، تجربة تعاظم فيها إحساسنا بالخطر، وتعاظم أكثر ~~شعورنا بالرغبة المستميتة للوقوف في وجه هذا الخطر وسحقه، إن كلمات ~~جمال عبد الناصر: سنقاتل ... سنقاتل ... سنقاتل ... ولقد كتب علينا ~~القتال كما كتب علينا الاستشهاد، كلمات مثل تلك لا ms028 يمكن إدراك ~~معناها الحقيقي والشحنة العاطفية التي تصاحبها إلا لمن يقدر له أن ~~يحيا تجربة الغزو التآمري كاملة، تجربة كلما مر عليها الزمن ازدادت ~~أصالة وضربت بجذورها إلى أعماق بعيدة، هنا في داخلنا نحمل جمرة ~~مقدسة من تاريخ هذا الشعب، كلما تعاقبت عليها السنون ازدادت توهجا ~~وقدسية وأصبح لها في أذهاننا مذاق معتق خاص، مذاق الحرية مختلطة ~~بالدم، مذاق الاستقلال مختلطا بمسئولية الحفاظ عليه، مذاق الثورة ~~مختلطة بروحها الدافعة الخلاقة المتوثبة. # ورغم هذه الأحاسيس البالغة القداسة، تبقى لي مع ذكريات المعركة ~~قصة لا أظن إلا أنها - كإحدى نكاتنا الشعبية المشهورة - ضاحكة، ~~فبعد أكثر من عام مر على العدوان، وكنت أثناءه مفتش صحة للحي ~~العريق الدرب الأحمر، فوجئت بالنيابة الإدارية لوزارة الشئون ~~البلدية والقروية - التي كانت تتبعها الصحة - تستدعيني للتحقيق. ~~وذهبت إلى مقر النيابة وأنا أتساءل عن ماهية الجريمة المجهولة التي ~~تستدعي هذا التحقيق، ولم يطل بي التساؤل، فقد واجهني وكيل النيابة ~~بالتهمة، وسألني: لماذا لم أذهب إلى عملي يوم 5 نوفمبر سنة 1956؟ ~~وكانت شهور كثيرة قد مضت وكنت قد نسيت، فسألته بدوري: كيف عرف أني ~~لم أذهب إلى مكتب الصحة يوم 5 نوفمبر المذكور؟ فقال لي: إن أمامه ~~تقريرا من المفتش الفني للإدارة الصحية يفيد بأنه ذهب إلى مكتب ~~الصحة في اليوم المذكور وانتظر من الساعة الثامنة إلى العاشرة ~~صباحا، دون أن أحضر، وأنه مر على المكتب بعد ظهر نفس اليوم فوجد ~~أني لم أذهب إلى هناك، وأنه راجع الدفاتر فوجد أني لم أكن قد طلبت ~~إجازة أو أبلغت بمرضي، فكيف أتغيب يوم 5 نوفمبر بطوله دون ~~إذن؟ # وجعلتني الأسئلة الكثيرة أتذكر، فيوم 5 نوفمبر كان سادس أيام ~~العدوان الثلاثي، وكنت فعلا قد تركت القاهرة بكل ما فيها من عمل ~~ومسئوليات، وذهبت مع الأصدقاء أحمد عباس صالح وكامل زهيري وأحمد ~~مجاهد وسعد زغلول وعادل أمين إلى المطرية، في طريقنا إلى بورسعيد، ~~حيث وجدنا الصديق الفنان حسن فؤاد ينتظر هو الآخر أن يهرب إلى ~~بورسعيد، وكان المسئول عن العملية كلها وعن ms029 جبهة المطرية الضابط ~~«م، أ»، وهو أحد أبطال جيشنا الأحرار، وقصة سفرنا إلى المطرية ~~ومحاولات تهريبنا إلى بورسعيد في حد ذاتها صفحة من صفحات كتاب ~~العدوان ليس هذا مكانها، ولكن المهم أنها حدثت يوم 5 نوفمبر، اليوم ~~الذي استدعتني النيابة الإدارية لتحقق معي سبب تغيبي فيه، والحقيقة ~~أن السؤال روعني، فالبلاد كلها تواجه خطرا داهما، وكانت هناك ~~غارات مستمرة على القاهرة، والمواصلات متوقفة، والكهرباء تسحب في ~~أثناء الغارات، والشعب كله بفلاحيه وموظفيه وعماله قد ترك كل شيء ~~ليتفرغ تماما لمواجهة العدوان ورد الطغاة، كله إلا المفتش «الفني» ~~الذي استيقظ مبكرا جدا واخترق القاهرة المشتعلة والجماهير ~~المحترقة بالحماس والغضب، ولم يأبه لهذا كله وإنما مضى بنشاط غريب ~~إلى مكتب صحة الدرب الأحمر ليجلس هناك من الساعة الثامنة صباحا ~~ليعرف إن كان طبيب المكتب سيحضر في ميعاده، أم سيتأخر ساعة ليتسنى ~~له أن يضع تقريرا عن هذا التأخير؟ بأية عقلية فعل هذا كله؟ وبأي ~~مقدرة خارقة استطاع أن ينفصل نفسيا عن شعبنا كله ليتركه يواجه ~~المعركة ويتفرغ هو لضبط موظف في حالة تأخير أو غياب. # ورفض وكيل النيابة أن يكتب ردي أول الأمر، ولكنه رضخ للأمر ~~الواقع وكتبه؛ إذ قد طالبت في ردي لا بأن يحدث التحقيق معي عن ~~غيابي، ولكن لا بد من التحقيق مع المفتش «الفني» هذا بتهمة أنه كان ~~يؤدي عمله التافه في وقت تتعرض فيه البلاد لأقسى محنة مرت بها. إن ~~أداء العمل الروتيني حينئذ هو الجريمة، وليست الجريمة ترك العمل ~~لإنقاذ الوطن. # ولكن الروتين هو الروتين، والجهاز المنحط هو الجهاز، والروتين مع ~~الإنجليز والاستعمار والعدوان لا يعقل أبدا أن ينقلب ويصبح مع ~~الشعب والوطنية، والشيء الذي يحز في النفس أننا هزمنا العدوان ~~الثلاثي حقيقة وقضينا على الاستعمار، ولكننا لم نستطع أن نقضي على ~~الروتين، ففي قضيتي الخاصة، ورغم الظروف الواضحة، انتصر الروتين، ~~وكانت نتيجة التحقيق بعد انقضاء أكثر من عام على هزيمة العدوان، أن ~~جوزيت بخصم ثلاثة أيام من مرتبي مع الإنذار؛ لأني تغيبت بدون إذن ~~يوم ms030 5 نوفمبر سنة 1956! ~~(12) بصراحة # 1 # انتهت اللجنة التحضيرية من المناقشات العامة ، وقد سمعت كثيرين ~~يقولون إن النقاش داخل اللجنة التحضيرية قد طال وتشعب، وإننا في ~~ثورة لا تحتمل هذا الأخذ والرد. # والحقيقة أنها وجهة نظر بالغة الأهمية، فبعض الإجراءات الثورية ~~تفسد فاعليتها بمحاولة الإعلان عنها أو طرحها للمناقشة قبل ~~التنفيذ، ولكن هناك وجهة نظر أخرى لا تقل أهمية، لكي ندركها لا بد ~~أن نسأل أنفسنا أولا: هل الثورة هي النجاح في سن وتطبيق الإجراءات ~~الثورية، أم الثورة أساسا وقبل أي شيء آخر هي إيمان الناس بحتمية ~~هذه الإجراءات، وإدراكهم لضرورة القيام بها وتبنيهم لها؟ والناس ~~هنا هم أولا طبقات الشعب وفئاته التي قامت من أجلها الثورة، وتسن ~~من أجل مصالحها هذه القوانين. # ذلك هو السؤال، والإجابة عنه - ونحن في صدد بناء الهيكل التنفيذي ~~والتشريعي للثورة - من الأهمية بمكان، فالإجراءات الثورية ضرورة ~~حتمية من ضرورات أي ثورة، وإيمان الناس بهذه الإجراءات وفهمهم ~~وتبينهم لها ضرورة لا تقل أهمية، فهذا الإيمان هو الحماية الأولى ~~والأخيرة للإجراءات، ومن ثم للثورة نفسها. # المشكلة إذن ليست القيام بالإجراءات الثورية، المشكلة الحقيقية ~~هي في إيمان الناس إيمانا لا يتزعزع بها، فالإيمان هو الثورة؛ إذ ~~حين يدرك الفلاح ويؤمن إيمانا عميقا أن الأرض التي يزرعها هي من ~~حقه، ومن حقه وحده تملكها، ووجود هذا الإيمان في قلب الفلاح حتى ~~ولو لم يكن باستطاعته تملك الأرض، هو الثورة. أما منح الخمسة ~~فدادين لفلاح لا يزال يدرك أن الأرض لمالكها وأنها خير هبط عليه من ~~السماء، أو ورقة يانصيب ربحها، فهو عمل حقيقة قد يرفع من مستوى ~~الفلاح ويجعله مالكا، ولكنه أبدا لا يعد ثورة ولكنه من نتائج ~~الثورة، وهذه الكلمات الضخمة الجوفاء التي نسمعها تقال وتطلب ~~«الرحمة» و«العدل» ومنح «الفرص الأخرى» للإقطاعيين والرأسماليين، ~~وكلمات إذا تعمقنا أصلها وجدنا أن سببها راجع إلى أن قائليها - بعد ~~- لم يؤمنوا بالثورة، ويعتقدون مثلا أنها «مصائب» حلت ~~بالرأسماليين والإقطاعيين، أو إجراءات قامت بها «الحكومة». # فليستمر النقاش # النقاش إذن داخل اللجنة التحضيرية وداخل ms031 المؤتمر العام - حتى ~~ولو استمر طويلا - ليس واجبا فقط ولكنه ضرورة حتمية لا بد ~~منها لكي يتبين الناس القوانين الثورية، ولكي تحس جماهير الشعب ~~وتدرك أن التغيير لها ولمصلحتها، وأنه ليس عقابا لأحد على ذنب ~~ارتكبه، ولا محاولة للانتقام من عبود أو فرغلي للوسائل غير ~~القانونية التي لجأ إليها هذا المواطن أو ذاك من «الأغنياء» كي ~~يفروا، ولكنه تغيير اجتماعي جذري في طريقة حياتنا ووسيلة وطرق ~~إنتاجنا، تغيير يمليه العلم والتطور والمصلحة، تغيير ليس هدفه ~~«رفع» مستوى حياة البعض «بمصادرة» أموال البعض الآخر، ولكنه ~~تغيير هدفه أن يكمل تحررنا، وبمثل ما طردنا المستعمر كي نتحرر ~~كشعب، نحطم النظام الاستغلالي الاستعماري كي يتم تحررنا ~~كأفراد. # مثل هذا التغيير قد يتم على الورق بقوانين وإجراءات نصدرها، ~~أما لكي يصبح حقيقة واقعة لها كل قداسة الإيمان فلا بد أن ~~يعقبها تغيير جذري مماثل داخل كل عقل وقلب. لا بد أن يؤمن كل ~~منا إيمانا راسخا به، والإنسان لا يؤمن إلا إذا اقتنع، ~~والاقتناع لا يتأتى إلا بالنقاش، ومن أجل هذا فنحن في حاجة إلى ~~مناقشات كثيرة ومناقشات ... نفس حاجتنا الماسة إلى ~~الإجراءات. # الديمقراطية # وهو موضوع يقودنا في نفس الوقت لمناقشة كلمة كثر استعمالها ~~في الآونة الأخيرة: الديمقراطية. وقف خالد محمد خالد يدافع عن ~~ديمقراطية مثالية، ورد عليه الرئيس بمفهوم علمي للديمقراطية ~~الاشتراكية. والديمقراطية على أي الحالات تعني أن يحكم الشعب ~~نفسه بنفسه، جاءت الثورات الوطنية لتحقق هذا المبدأ، وحين قامت ~~الثورات الاشتراكية وضعته نصب عينيها؛ اسما في حالات، وحقيقة ~~محدودة في حالات أخرى، وكان لا بد لثورتنا هي الأخرى أن تأخذ ~~موقفا ما من الديمقراطية باعتبار أنها الحرية الكاملة للشعب ~~واللاحرية لأعداء الشعب، والوسائل والأشكال الديمقراطية كثيرة ~~ومختلفة، ولكن هناك ركنا هاما من أركان الديمقراطية لا بد ~~منه لأي حكم شعبي، سواء في ديمقراطية سليمة أو حتى في ظل أوضاع ~~ديمقراطية فاسدة، هذا الركن هو مسئولية الحكومة أمام الشعب. ~~فلنتبع في حكم أنفسنا أي طريق نشاء، ولكن لا بد أن يكون لنا في ms032 ~~النهاية وسيلة نستطيع بها أن نحاسب الحكومة، لا بد لنا من جهاز ~~من حقه أن يراقب ويناقش أعمالها ومشاريعها وسياستها وينقذها ~~ويوجهها، لا لمجرد مبدأ المراقبة والمحاسبة والتوجيه، ولكن لكي ~~تتم أساسا عملية الإيمان بكل ما تقوم به الحكومة من إجراءات. ~~فالإيمان كما قلنا لا يتأتى إلا بمناقشة، وإلا بحق في المناقشة ~~وحق في إبداء الرأي. # لقد كشفت مناقشات اللجنة التحضيرية أنه حتى مثقفينا الكبار - ~~بعض أساتذة الجامعات ووكلاء الوزارات مثلا - متخلفون فكريا ~~وثوريا عن قيادتنا ومفهومنا للحكم والثورة، وهو ليس عيبا ~~فاضحا كما يبدو للبعض، إنه في رأيي ظاهرة طبيعية جدا سببها ~~الأول الانفصال الفكري بين القيادة والقاعدة، وحتى إذا نحن ~~ضيعنا وقتا كثيرا مع هؤلاء لنناقشهم ونفهمهم كي يصلوا إلى ~~مستوى القيادة في الإيمان، فهو وقت غير ضائع أبدا، إنه وقت ~~نكسبه ونوفر به أن نبني البناء على غير أساس من التفهم الكامل ~~واليقين، إن الثورة لكي تستمر ماضية ناجحة مكتسحة لا بد أن ~~تمضي بنا كلنا، بفهمنا الكامل لها، باقتناعنا وإيماننا ~~وإرادتنا، فنحن الهدف من قيامها، ونحن أيضا الوسيلة ~~لإقامتها. # فلتوسع القيادة صدرها # إن الخطوات التي حققتها ثورتنا تعثرت ثورات كثيرة وهي تحقق ~~بعضها، ومهمة ثورتنا ليست مهمة تخص الشعب في مصر فقط. إن مصر ~~سواء أرادت أم لم ترد هي حاملة لواء الثورة العربية كلها، ~~وجمال عبد الناصر هو الزعيم الذي أجمعت الشعوب العربية رغم ~~الحديد والنار على مبايعته، إنها تضع فيه كل آمالها، كل ~~مطامحها وأيام مستقبلها، وهي حقيقة لا نقولها خطابة أو إنشاء، ~~إنها واقع ملموس يكفي أن تطوف البلاد العربية لتراه وتحسه ~~وتفخر به، ثورتنا غالية إذن لأنها ثورة العرب، على مصيرها ~~يتوقف مصيرهم، وأعداؤنا يعلمون هذه الحقيقة تمام العلم، ويبنون ~~كل خططهم في المنطقة على أساسها. # ثورتنا هي أعلى حقيقة نمتلكها إذن، وأمضى سلاح عثرنا عليه ~~بعد طول عناء وطول فشل، وجربناه ونجح النجاح الأكيد، من واجبنا ~~إذن أن ندافع عنها إلى آخر رمق ونحفظها، وأولا وقبل كل شيء ~~نهيئ لها أسباب ms033 النجاح، من واجب كل منا أن يساهم بقلبه وعقله ~~ولسانه ، أن يحياها ويربط مصيرها بمصيره، ويجب أن تتهيأ قيادة ~~ثورتنا لهذه المشاركة الجماعية الكبرى، وأن توسع صدرها حتى ~~لآراء كهذه يعرضها أصحابها بشكلها الخام الذي واتته به. يجب أن ~~ندرك أننا ما لم نغير جذريا من الطريق الذي كنا سائرين فيه، ~~فمعنى هذا أننا سنعود لارتكاب نفس الأخطاء، ومحال أن نظل نرتكب ~~نفس الأخطاء، فقد ظل شعبنا، وظلت شعوبنا العربية كلها تنتظر ~~يوم الخلاص على أيدي ثورة تنبثق منها وتندفع بها بقوة إلى ~~الأمام، والثورة جاءتنا وعاشت بيننا زمنا، فأي موقف سلبي منها ~~جريمة. # ليقل كل منا ما عنده، ولتسمع القيادة وتع وتنفذ، ولنكن ~~صادقين مع أنفسنا ومع بعضنا البعض، خاصة ونحن نتحدث عن قمة ~~الصدق، ونحن نتحدث عن الثورة. ~~(13) كلمة الثناء قد تقتل أحيانا # قابلت اليوم الرجل الذي كاد يقتلني مرة بسبب كلمة ثناء عابرة ~~قلتها له، وكانت المقابلة مفاجأة لكلينا، فلم أكن أتوقع أن يعمل عم ~~عفيفي سائق تاكسي بعد إحالته إلى المعاش، وهو لم يكن يتوقع أبدا ~~أن يكون زبونه هذه المرة هو نفس الطبيب، رئيسه السابق في الصحة، ~~ولكنها الصدفة المحضة آثرت أن تجمعنا، وهي التي أعادت إلى ذاكرتي ~~أيام الصحة وأوبئتها ومشاويرها، والعربة الفورد المتهالكة التي ~~كثيرا ما خرجت بها مع عم عفيفي في مأموريات رسمية، وكان للعربة ~~أكثر من سائق، وكانوا يتمتعون جميعا بخاصية البطء الشديد والقلب ~~الميت، ما عدا عم عفيفي المتحمس السريع الذي كان رغم هذا، أكبرهم ~~سنا. # وحدث أن بلغ إعجابي به ذات يوم أن قلت له مادحا إنه أسرع سائق ~~في القاهرة، والحقيقة كان قولا أغبر، فما من مرة ركبت فيها العربة ~~معه بعد هذا إلا وأركبها وأركبني ألف عفريت، حتى لقد كنت أقطع ~~الرحلة وأنا نصف واقف، أكاد لولا الحياء أن أقفز من النافذة أو ~~أستغيث بالمارة، وطبعا كنت لا أسكت، طوال الطريق أستحلفه وأرجوه، ~~وأحيانا أستعمل سلطتي وآمره وأنهره، وعبثا ما كنت أحاول، فقد كان ~~يأخذ كلامي على ms034 محمل آخر، يعتقد أني أطلب منه أن يبطئ؛ لأني أشك في ~~قدرته على القيادة السريعة، ولهذا يندفع بسرعة أكبر ليثبت لي أنه ~~لا يزال هو الشخص الذي قلت عنه يوما إنه أحسن سائق بالقاهرة، ~~والنتيجة أن حدث لي ما كان لا بد أن يحدث يوما، ووجدت نفسي ذات مشوار ~~ملقى على الأرض أمام وابور زلط تحت رحمة عجلاته التي لا ترحم، فقد ~~اصطدمت الفورد به صدمة بلغ من شدتها أن حطمت المقدمة - مقدمة ~~عربتنا طبعا - وفتحت أبوابها قسرا، وألقتني أنا أمام الوابور، ~~وجعلت عم عفيفي يغطس في الدواسة. # الدرس القاسي # حكاية صغيرة كما رأيتم، ولكنها لقنتني درسا لا أزال أعيه؛ ~~إذ دلتني يومها على خطورة الكلمة، وبالذات كلمة الثناء، كلمة ~~ثناء صغيرة قد تقولها حتى وأنت غير مؤمن بها ممكن أن تكهرب ~~شخصا بريئا، وممكن أن تدفعه للنجاح الهائل أحيانا، وأحيانا ~~للسقوط في الهاوية، أو على الأقل أمام وابور زلط، بل غيرت هذه ~~الحادثة من مفهومي للغرور، فقد كنت أعتقد قبلا أن الغرور شيء ~~ينبع من داخل النفس ويجعل صاحبه يؤمن بأنه يملك قدرات هو في ~~الحقيقة لا يملكها، تأكد لي يومها أن الغرور شيء يفد على الشخص ~~من الخارج، من المحيطين به واللاصقين، وأنه ينتج عن سماعه ~~لكلمات الثناء فقط، فالكائن منا يتحرك إلى الأمام تحت تأثير ~~قوتين متضادتين متناقضتين؛ قوة ثقته بنفسه وقوة عدم ثقته بها، ~~قوة إيمانه بما لديه من ملكات وقوة إحساسه بنقص ما لديه من ~~ملكات، قوة رضائه عن نفسه وقوة سخطه عليها، قوة إحساسه أنه ~~يصيب وقوة إحساسه أنه يخطئ. والثناء فقط، كالدفع من ناحية ~~واحدة فقط، يجعل خط حركة الإنسان ينحرف إلى الناحية المضادة، ~~ثم لا يلبث بمواصلة الثناء أن يزداد انحرافا إلى درجة تميل ~~حركته الأمامية لتصبح قوسا، ثم دائرة، ثم دائرة مفرغة يتحرك ~~فيها حول نفسه، ويكف عن قلقه لبلوغ الأحسن وإكمال النقص. ~~الغرور إذن نهاية وتوقف وشلل يصيب الكائن الإنسان، سببه تلك ~~الجرعات السامة من الثناء التي يسقيها له أناس ms035 يهمهم التقرب ~~إليه، جرعات يتناولها الإنسان بلا إحساس بخطورتها في أول ~~الأمر، ولكنها بمضي الوقت تصبح إدمانا، فيسمع المغرور الثناء ~~الواضح الزيف ومع هذا يطلبه، ويفعل المستحيل ليظفر به حتى وهو ~~يراه رياء وتملقا؛ إذ لا يملك إلا أن يتجرعه؛ ربما ليحس أنه ~~يتحرك، ربما ليخدر وعيه عن شعوره الداخلي العميق بأنه واقف في ~~مكانه ومشلول. # لكي يظل الإنسان ماضيا في حركته إلى الأمام لا بد من كلمة ~~أخرى تقال له، كلمة تدفع من الناحية الأخرى، كلمة النقد. ~~فالثناء من ناحية، والنقد من ناحية أخرى هما الطريقة الوحيدة ~~التي لا يعرف البشر سواها للحركة. فالإنسان لا يتحرك وحده، إنه ~~يتحرك في جماعة، وإذا كان دور الفرد بالنسبة للجماعة أمرا ~~معروفا ومشهورا، فدور الجماعة بالنسبة للفرد دور أكثر أهمية؛ ~~فكلماتها وآراؤها وهمساتها وزجرها هي التي تتغذى عليها نفسه، ~~وبالتالي تستمر تحيا وتتفاعل وتتحرك. وأي فرد في أي جماعة إذا ~~وجدت فيه ناحية تستحق الثناء فلا بد ستوجد فيه ناحية تستحق ~~النقد، وإذا وجدت فيه ناحية تستحق النقد فلا بد أن تجد فيه ~~ناحية تستحق الثناء. ~~(14) بصراحة، نحن نستعذب الشكوى # فليتهمني البعض بأني أتجنى وأطلق أحكاما عامة، وآخذ المجموع ~~بذنب أفراد، ولكن الحقيقة أننا شعب كثير الشكوى، بدأت أومن بها ~~وأنا أتصفح اليوم خطابات جاءتني وأنا أجلس مع الزملاء في الجريدة، ~~وأنا أقضي العيد في البلدة، وأنا في الترام والأتوبيس وفي أي مكان. ~~بدأت أومن أننا توصلنا لحل عبقري يعفينا من مسئولية حل مشاكلنا ~~بأنفسنا، هو الشكوى منها والاكتفاء بالشكوى، بل لا مبالغة إذا قلت: ~~إننا أدمناها واستعذبناها وأصبحت متعة أن يئن أحدنا للآخر بأنين ~~أكثر استدرارا للدمع من أنينه. # إني لأتساءل ماذا حدث لنا؟ المفروض أن الشكوى مثلها مثل البكاء ~~علامة عجز كامل، والمفروض أن يحاول كل منا أن يحل المشكلة التي ~~تواجهه بنفسه، فإذا عجز استعان بأقرب الناس إليه، فإذا عجز طلب ~~العون من المعارف والمجتمع، فإذا فشل هذا كله في حل مشكلته كان له ~~أن يشكو من الزمن والحظ ms036 ويتألم، ولكننا نبدأ حل أي مشكلة بالعجز عن ~~حلها بالشكوى منها، فإذا فشلت الشكوى في حلها رحنا نفكر في أنسب ~~شخص ممن نعرفهم لنعهد إليه بمهمة حلها، فإذا لم نجد لجأنا - وأمرنا ~~إلى الله - إلى أنفسنا لحلها، ونفعل هذا كله دون خجل أو حياء، ~~وكأنه ليس عيبا أبدا أن نحمل الآخرين آلامنا ومتاعبنا حتى ونحن ~~ندرك أن لديهم هم أيضا آلامهم ومتاعبهم، عملية تنصل مخجلة من ~~المسئولية، عملية لا يقوم بها إلا العبيد حين كانوا يعتبرون أنفسهم ~~غير مسئولين عن أنفسهم، يعتبرون سيدهم في الماضي، والحكومة أو ~~غيرها في الحاضر، هو المسئول عنهم وعن حل مشاكلهم، فإذا لم نحل لهم ~~المشاكل دون أن يحركوا ساكنا بكوا واشتكوا وطالبوا برفع الظلم. ~~ولماذا لا تتولون أنتم بأنفسكم رفع هذا الظلم؟ لماذا تفعلون ~~كالأطفال وتطلبون من غيركم أن يحقق لكم ما تريدون؟ ولماذا لا ~~تحققون أنتم وبسواعدكم ما تريدون؟ # يقولون لك: حاولنا وفشلنا، طيب، وما فائدة الشكوى إذن؟ نحن نفضفض ~~بها يا أخي، أتريد أن ننفجر؟ أجل، هذا هو بالضبط المطلوب من أي ~~إنسان مسئول عن نفسه، أن يغتاظ فعلا، لا إلى درجة الانفجار، وإنما ~~فقط إلى درجة أن يعمل، بل حتى إلى درجة الإحساس بأن مشكلته لن تحل ~~إلا إذا حلها هو بنفسه. هذا هو الفارق الدقيق الخطير بين الطفل ~~والرجل، بين الشعب المستعمر الذليل والشعب الحر المستقل. إني لأسأل ~~كل من سبق وبكى واشتكى: ماذا فعلت الشكوى؟ وأسأل كل من لا يزال ~~يشكو: أي كائن وهمي تطلب منه أن ينصفك ما دمت أنت لا تنصف نفسك ~~وتنوح كالعجزة والأرامل على حالك؟ لقد تحولنا إلى معارض متنقلة ~~للأنين والشكوى. كل منا ينفرد بالآخر ليشكو همه، ليشحذ منه بعض ~~الرثاء، كل منا يتشبث بالآخرين ويستصرخهم لحل مشكلته، والآخرون ~~يستصرخوننا لحل مشاكلهم، والنتيجة أن يضمنا جميعا قيد الشكوى ~~الذليل ويبقينا في أماكننا. # نحن لا يمكن أن نقف كشعب ما لم نقف كأفراد، ولن نقف كأفراد ما لم ~~يؤمن كل منا أن باستطاعته أن يقف ms037 فعلا، ويمشي، ويخطي العتبة، دون ~~حاجة إلى دادة، ودون حاجة لاستدرار عطف أناس أولى بالعطف. ~~(15) زيارة السيد البدوي # ما كدت أصبح في طنطا حتى فكرت بطريقة غريزية تلقائية في زيارة ~~السيد البدوي، ولم أكن أتوقع أبدا أن أكتشف خلال الزيارة أعجب ~~وأغرب معجزة عرفتها في حياتي، والذي حدث أنني دخلت الضريح وملست ~~على النحاس، وقرأت الفاتحة وأنا أدور حول المقام، تأملت النسوة ~~المتعلقات بحلقات النحاس يستحلفن السيد البدوي في همس مستميت ملح، ~~وطلبة الأزهر والتوجيهية وهم يذاكرون ويصلون صلاة حارة جدا هدفها ~~النجاح لا ريب، وسرحت قليلا مع الضوء الكهربي الأخضر المنبعث من ~~داخل القبة العالية، والسقا الذي يوزع ماء من قربة غريبة الشكل. ~~ولم يستوقف بصري من هذا كله إلا نحاس المقام؛ إذ كان ناعما جدا ~~ومتآكلا بطريقة تدل على أن مئات الملايين من الأيدي لا بد قد ملست ~~عليه وتشنجت ممسكة بحلقاته. # وإلى هنا كدت أغادر المسجد وأنا غير راض تماما عن الصورة التي ~~رأيتها مفضلا ألف مرة أن أحتفظ لنفسي بالصورة التي رسمتها للضريح ~~في خيالي، لولا أني تذكرت أنهم كانوا يقولون لنا، ونحن صغار، أن ~~ضريح السيد البدوي يوجد به حجر مطبوع عليه آثار أقدام النبي عليه ~~السلام، والحقيقة أني كنت - وحتى وأنا صغير - لا آخذ هذا القول ~~مأخذ الجد، وأعتقد أنه مجرد خرافات وتهاويل، ولكني قلت لنفسي أسأل، ~~وسألت وإذا بي أفاجأ مفاجأة كبرى، فقد كان الأمر صحيحا، وفي ركن ~~من الضريح كانت هناك حقيقة كتلة ضخمة من حجر البازلت الأسود حولها حاجز ~~حديدي سميك، ومطبوع عليه آثار قدمين كبيرتين، وقفت مذهولا أرقب ~~الجمع المتكاثر حول الحاجز، جلابيب وبدل وملاءات سود وكل يحاول أن ~~يدخل يده من حديد السور الضيق ويلمس الحجر ويتبرك به، وقفت مذهولا ~~أستعد لأضخم تغيير سيعتري حياتي حين أنبذ كل علم أو منطق وأبدأ ~~أومن بالخوارق والمعجزات، وأي علم ممكن أن يؤمن به وأمام عينيه ~~آثار أقدام مطبوعة في الصخر بقوة مهولة خفية؟ يستطيع أن يمد أصابعه ~~ويلمسها، ويستطيع أن يلتقط ms038 لها صورا ويضع إصبعه في عين كل من ~~يحاول أن ينكر أو يكابر؟ # ولكن، ربما بركة السيد هي التي دفعتني لكي أزاحم وأقترب جدا من ~~السور والحجر وأفحص آثار القدمين المطبوعتين، ولم يحتج الأمر فحصا ~~أو تدقيقا، فمن النظرة الأولى أدركت ألا معجزة هناك ولا يحزنون، ~~فقد كان واضحا أن أثر القدمين مطبوع بفعل فاعل، وأنه محفور في ~~الصخر بإزميل حفار بدائي، واضح أيضا أنه لا يعرف الكثير عن شكل ~~الأقدام وتشريحها. # واعتراني الغضب، فقد أدركت أن هؤلاء الناس الطيبين المتزاحمين، ~~وكل الملايين التي زارت الضريح قبل هذا والذين سيزورونه هم ضحية ~~خدعة ساذجة لا أعرف من تسبب فيها، ولكني أعلم تماما من يسأل عنها، ~~فإدارة الجامع الأحمدي أعتقد أنها موكولة لوزارة الأوقاف، وأعتقد ~~أيضا أنها المسئولة عن هذه المعجزة الزائفة وعن الترويج لها، وعن ~~إحاطتها بذلك السور الحديدي المتين. # وشيء غريب هذا، وزارة الأوقاف التي تطلق آلاف وعاظها في المساجد ~~والقرى ينهون الناس عن الغيبة والنميمة والرجس الذي هو من عمل ~~الشيطان، تستحل لنفسها أن ترتكب كبرى الكبائر وتبني معجزة زائفة ~~ليست من الإسلام في شيء، وتخدع بها ملايين البسطاء والسذج وتوهمهم ~~أنها آثار أقدام الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، وكأنها لا تدعو الناس للإيمان ~~بنبوة محمد # صلى الله عليه وسلم # على أساس أنه صاحب الرسالة المحمدية الخالدة، ~~ولكن لأنه الرجل الذي سار على الحجر فغاص الحجر بأقدامه؟! # وشيء من اثنين: إما أن هذا الحجر معجزة حقيقية، وعلى وزارة ~~الأوقاف حينئذ أن تخرجه، وتجند نفسها لعرض هذه المعجزة على سكان ~~العالم أجمع باعتبار أنها شيء خارق للعادة، ممكن أن تنسخ أي معتقد ~~آخر وتغير تغييرا جذريا في حياتنا وعلومنا ونظرتنا إلى الكون ~~والواقع والمستقبل، وإما أنها معجزة زائفة وفي هذه الحالة فلا بد ~~من محاكمة المسئولين عن هذه الخدعة الكبرى الذين غرروا بملايين ~~القلوب الطيبة، ولا بد من توضيح حقيقة هذه «المعجزة» وإزالة ذلك ~~الحجر من المسجد، ووضعه في متحف الحضارة الإسلامية على اعتبار أنه ~~نموذج بدائي لفن الحفر ms039 على الصخر صنعه فنان مجهول في أحد القرون ~~الهجرية. # وقد يحدث هذا وتزيل الوزارة الحجر، ولكني أشك كثيرا في قدرتها ~~على إزالة «المعجزة» من أذهان الناس، فقد غادرت الجامع الأحمدي ~~وصدري يحفل بأحاسيس كثيرة، أهم ما فيها هو تصوري لكم من ملايين ~~الأيدي واللمسات استلزمها الأمر ليتحول السور الحديدي الذي حول ~~قطعة الحجر، ولتتحول قطعة الحجر نفسها إلى حرير ناعم، تصور جعلني ~~أدرك أن المعجزة الحقيقية ليست هي في آثار الأقدام على الصخر، ~~ولكنها في آثار ملايين الأيدي التي انطبعت على النحاس والحديد ~~وبرته ونعمته، المعجزة الكبرى أيضا، ملايين الناس حين تؤمن فتبري ~~بأيديها النحاس، وحين لا تؤمن فلا يفلح في ردها حديد ولا ~~رصاص. ~~(16) خسارة 80 مليون جنيه # بينما القاهرة تشوي سكانها على أحر نار، كنا نحن في بقعة أخرى من ~~أرض مصر، الحرارة فيها لا تفترق كثيرا عن الحرارة في جهنم، ولأول ~~مرة منذ أن وعيت بالعالم أحس به حارا إلى تلك الدرجة، لأول مرة ~~منذ أن عرفت الهواء أشعر به يهب ناريا لافحا لاسعا بمثل ما كنت ~~أشعر به، كنا في المنيا، وهي أول مرة في حياتي أهبط فيها أرض ~~الصعيد، وتشاء الحكمة أن أختار لهذا الهبوط أو الصعود يوما ضرب ~~الرقم القياسي في درجة لهيبه، فكأنما جاء يوما صعيديا هو الآخر، ~~مغرقا في صعيديته. # وكنت دائما أتلهف على رؤية الصعيد، ليس رؤية عابرة من خلال قطار ~~الأقصر وأسوان، وإنما رؤية حضور واندماج وتأمل، وكنا أربعة في ~~الإستيشن واجن: الدكتور النبوي المهندس وزير الصحة، والدكتور رشوان ~~فهمي نقيب الأطباء، والدكتور حليم جريس أستاذ الجراحة بقصر العيني، ~~وكنت أنا معهم. # ومنذ اللحظة التي غادرنا فيها حدود القاهرة وأنا أتطلع بشغف زائد ~~إلى الأرض والناس والمدن الصغيرة، وكأني في طريقي لرؤية بلاد غريبة ~~لم ترها عين قط، نفس شغفي الذي أحسسته حين زرت أوروبا لأول مرة، إن ~~الصعيد له في أذهاننا معان كثيرة، وقد اكتشفت أنه ليس صعيدا ~~واحدا وإنما «أصعدة» كثيرة، الصعيد الجواني والبراني وبحري أسيوط ~~وقبلي أسيوط ms040 والوسطاني. وكل منها يعتقد أنه الصعيد الذي لا صعيد ~~غيره، على أية حال، ومهما كان اسم البلاد التي كنا نراها، فقد كانت ~~بلادا مصرية، وكانت جميلة رائعة الجمال. # أما المستشفيات التي بدأنا نزورها فكانت في المنيا، وسواء أكانت ~~مجهزة خصيصى للزيارة أم هو حالها الدائم، فقط كانت، والشهادة لله، ~~أنظف مستشفيات رأيتها في مصر بما فيها مستشفيات القاهرة، وكان فيها ~~- ويا للغرابة! - زهور موضوعة في الممرات! وداخل هذه المستشفيات ~~والوحدات الريفية كنا نجد زملاء وأطباء وممرضات وحكيمات في هذا ~~القيظ الحارق، شاعرين بدورهم، مدركين أنهم يحاربون في خط النار ~~الأول ضد المرض، حتى لو كانت الحرب تدور في وحدات ضاربة في بطن ~~الجبل أو راقدة كالحمامة البيضاء على حافة الصحراء. # والسبب في دقة إدارة هذه المستشفيات والوحدات بسيط جدا، ~~فاللواء عبد الفتاح فؤاد منذ عامين ضرب عرض الحائط بكل القوانين ~~المالية السخيفة، وأعطى المستشفيات والوحدات استقلالا ماليا ~~ذاتيا، وحين سألته عن نتيجة التجربة وعن عدد الاختلاسات أو ~~السرقات التي حدثت بعد إطلاق الحرية في التصرف، قال لي: إنها خدعة، ~~لقد أفقدنا الاستعمار وأفقدتنا العقليات الرجعية الثقة في أنفسنا، ~~حتى ظننا أننا مجموعة من اللصوص، في حين أن العكس هو الصحيح ~~تماما، فنحن مجموعة من المواطنين الشرفاء، وإنساننا لديه كل ~~مؤهلات الثقة، ولم يحدث إطلاقا منذ أن منحت المستشفيات حرية ~~التصرف في ميزانيتها حادثة مخلة واحدة، في حين أن النتيجة كانت أن ~~الروح ردت إلى هذه المؤسسات، فأصبحت بدلا من الخوف تعمل، ومن ~~التهرب من المسئولية تتحمل المسئولية، ومن الشكل المظهري تؤدي ~~للمواطنين خدمة حقيقية، إنه عمل شجاع ذلك الذي قام به عبد الفتاح ~~فؤاد، وهو ليس الوحيد في أكثر الأعمال الشجاعة التي وجدتها هناك، ~~وآخرها ذلك الذي قام به المحافظ لمقاومة البلهارسيا. # حقائق رهيبة # والمواطنون لديهم حساسية من ذكر الأمراض، وخاصة ذلك المرض ~~اللعين البلهارسيا. إن القراء في المدن لا يهمهم ذلك المرض ~~كثيرا؛ إذ ما دام الواحد منهم يعتقد أنه سليم فما معنى أن ~~يقرأ عن مرض لا يهمه ms041 أمره؟ ولكن الحقيقة عكس هذا، فالبلهارسيا ~~تهمنا جميعا كمصريين، ويكفي أن نذكر حقيقة بسيطة عنها لكي ~~ندرك أهميتها، فالبلهارسيا مثلا تجعلنا نخسر كل عام ما قيمته ~~ثمانون مليونا من الجنيهات، والمواطنون المصابون بها في ريفنا ~~ينزفون كل عام ما مقداره حوالي اثنين وعشرين مليون لتر من الدم ~~كل عام، وكأنها دماء أربعة ملايين مواطن نفقدهم كل عام، بمعنى ~~آخر، نحن لا يمكن مهما صنعنا وأممنا أن نبني الاشتراكية وأن ~~نضاعف الدخل القومي، ونحن نخسر سنويا 80 مليون جنيه، وشعبنا ~~ينزف اثنين وعشرين مليون لتر من دمائه كل عام. والمشكلة الأكبر ~~أننا بعد تحويل ري الحياض إلى الري الدائم - ذلك الذي سيبدأ ~~منذ هذا العام - ستدخل ديدان البلهارسيا إلى الصعيد الجواني، ~~وسيصاب نتيجة لهذا أقوى عمال لدينا، أولئك الذين بنوا عماراتنا ~~ومدننا، وأولئك الذين يبنون سدنا العالي، ولقد ذكر لي صديق أن ~~السد العالي لو كان يبنى في وجه بحري بعمال من بحري مصابين ~~بالبلهارسيا حتما، لما أمكن بناؤه؛ فالبلهارسيا تفقد الإنسان ~~نصف طاقته وقدرته على الإنتاج، بحيث لا يمكن لعامل حتى لو كان ~~صعيديا من سوهاج أن يحمل نفس القدر من المونة الذي يحمله كل ~~يوم، وأن يصعد به كل تلك السقالات والسلالم. # لهذا فالبلهارسيا ليست مشكلة طبية وليست مشكلة اجتماعية أو ~~إنسانية فقط، ولكنها أساسا مشكلة سياسية اقتصادية من الدرجة ~~الأولى، أهم بكثير في رأيي من المعادلة الصعبة، وأهم من الحديث ~~عن الإسراف، مشكلة وطنية قومية لا بد لها من حل حاسم وجاد ~~وسريع. # ولست أعرف ما السبب، ولكننا تعودنا أن نظل نترك المشاكل ~~تعالج نفسها، لا نحاول أن نبذل لها من تلقاء أنفسنا حلا حتى ~~تلتفت إليها الدولة بكل ثقلها، وصحيح أن الحل النهائي لمشكلة ~~البلهارسيا والأمراض المتوطنة بشكل عام مسألة تحد حضاري ~~وانتقال المجتمع من مرحلة أدنى إلى مرحلة أعلى، ولكن هذا ~~الانتقال نفسه لن يتم إلا بالقضاء الجزئي على عدونا، المرض ~~الأول، البلهارسيا. ولهذا فمن واجبنا كدولة وشعب - وأساسا كما ~~قال مرة الرئيس جمال عبد الناصر ms042 كاتحاد اشتراكي - أن نعلن ~~الحرب على البلهارسيا. إن الصين استطاعت بواسطة حزبها أن تقضي ~~ليس على البلهارسيا، وإنما على الذباب تماما، وفي أكبر دولة ~~في آسيا، فمسألة القضاء على الذباب أو محو الأمية ليست عملا ~~إصلاحيا أو اجتماعيا، إنه عمل سياسي وحضاري من الدرجة ~~الأولى، ولهذا فلو حشد الاتحاد الاشتراكي قوى لجانه حول مشكلة ~~متبلورة - كمشكلة البلهارسيا - لأمكن حتى للوحدة «العقائدية» ~~أن تتم، ربما من خلال مزاولة تجربة حشد المواطنين وتوعيتهم ~~لمنعهم من تلويث الترع والمجاري المائية، فالإنسان كما يقول ~~الدكتور أحمد الجارم، سكرتير جمعية مقاومة البلهارسيا، هو الذي ~~يعدي القواقع؛ أي هو الذي يتولى بنفسه عدوى نفسه وإصابتها، ~~والقضاء على البلهارسيا معناه ببساطة أن نمنع إنساننا من ~~القضاء على نفسه وعلى غيره من المواطنين. # أغرب مؤتمر # في الساعة السابعة مساء والجحيم المضيء بالنهار قد تحول إلى ~~جحيم مظلم، أو بسبيله إلى الإظلام، انعقد في قرية بني عبيد - ~~إحدى قرى محافظة المنيا - مؤتمر شعبي بحضور وزير الصحة ومحافظ ~~المنيا ونقيب الأطباء والدكتور أحمد حافظ موسى أستاذ طب ~~الأمراض المتوطنة ووكيل جمعية مكافحة البلهارسيا، لمناقشة أخطر ~~مشروع تبنته المحافظة والمنطقة الطبية لتطبيقه في خمس قرى ~~لاستئصال البلهارسيا منه، صحيح كانت هناك الهتافات التقليدية ~~مثل أي مؤتمر سياسي، ولكني فرحت أن يحتشد لمناقشة البلهارسيا ~~كل هذا العدد من المواطنين الفلاحين أبناء القرية والقرى ~~المجاورة، وليس هذا غريبا، فقد ذكر لي الدكتور إبراهيم يس عوض ~~أن عدد المترددين على وحدات البلاد بلغ 90 في المائة من ~~المواطنين، وهي نسبة عالية جدا لا يمكن أن تخطر على البال، ~~فالتردد على الوحدات أو المستشفيات من تلقاء النفس ودون قسر أو ~~إرغام مسألة ليست سهلة في ريفنا، ولكن الفلاح يدرك بغريزته أن ~~الدم الذي ينزفه كل يوم مسألة خطيرة لا بد من إيقافها، وهو ~~يرحب بكل جهد يبذل في سبيل علاجه والمحافظة على صحته. إن ~~المشروع يتلخص في علاج المرضى ومنع العدوى، وصحيح أن أحد تلك ~~الإجراءات هو إقامة حمامات سباحة ليعوم فيها أطفال القرية، ~~ولكني ms043 أرى أن هذا الإجراء مضحك إلى حد ما؛ إذ لم أستطع أن أمنع ~~نفسي من الابتسام وأنا أرى حماما تكلف ألفين من الجنيهات في ~~قرية، ولكنها كما ذكر لي الدكتور أحمد حافظ موسى مجرد تجربة، ~~أعتقد شخصيا أنها لن تنجح؛ فالحمام صغير «10 × 4 أمتار»، ~~والأولاد يفضلون الترعة حيث يمكنهم السباحة دون عائق، ثم إننا ~~لن نستطيع خلال العشر أو العشرين سنة القادمة أن نوفر ألفين من ~~الجنيهات لكل قرية لنقيم فيها حماما للسباحة، وأولى بنا أن ~~ننفق نصف هذا المبلغ أو ربعه على عملية توعية المواطنين أنفسهم ~~وجعلهم يتولون بالوعي حراسة مائهم أن يلوثه طفل أو مريض، ~~ولكنها تجربة أعتقد أنه أولى ألا ننتظر نتائجها، وقد آن الأوان ~~لنلتفت بكليتنا إلى دمائنا التي تنزف، وأكبادنا التي تتلف، ~~وبطون مواطنينا التي تنتفخ وأورام السرطان التي تصيبهم. إنني ~~أضع أمامنا كشعب وكاتحاد اشتراكي هدفا محددا وسريعا، أن ~~نقوم بحملة واسعة النطاق ضد البلهارسيا، وأن نتولى القضاء ~~عليها في عام أو عامين، وقد يبدو هذا إسرافا في الخيال، ولكن ~~الحقيقة المذهلة أن البلهارسيا وغيرها من الأمراض الطفيلية هي ~~الأمراض الوحيدة التي يمكننا القضاء عليها تماما بإرادتنا. ~~فقط بمجرد إرادتنا أن نقضي عليها، فكيف نتردد في هذا؟ كيف ~~تعتبر كارثة القطن التي خسرنا فيه 70 مليونا من الجنيهات ~~كارثة ما زلنا نندبها، في حين أننا نخسر كل عام وبتهاوننا أكثر ~~من ثمانين مليون جنيه؟ كل الفرق أننا لا نشعر بها ولا نحزن من ~~أجلها. ~~(17) تعلموا كيف تصبحون عربا # سمعت وقرأت أن كبار مطربينا وملحنينا بدءوا يفكرون في الخروج من ~~النطاق المحلي الضيق - أي النطاق العربي - إلى النطاق العالمي ~~الواسع، وذلك بترجمة أغانيهم العربية وأدائها بلغات أوروبية. # والغريب أن تصدر فكرة كهذه عن أناس مفروض أنهم أكثرنا معرفة ~~بالغناء والموسيقى؛ إذ فاتهم أن الغناء ليس كالأدب أو الأبحاث ~~العلمية أو الحديث اليومي، معان ممكن ترجمتها إلى لغة أخرى. ~~الغناء لغة في حد ذاته، لغة مثلها مثل اللغة المكتوبة مستمدة من ~~تاريخ كل شعب وملايين ms044 العوامل التي أثرت في تكوينه، كل الفرق أن ~~اللغة المكتوبة ترسم على الورق، واللغة المغناة تؤدي بالآلات ~~والحناجر، وكما أن من المستحيل ترجمة حرف الضاد إلى لغة أخرى، ~~فكذلك من المستحيل أن نترجم أي حرف من حروفنا الصوتية إلى أي لغة ~~أخرى، مستحيل كاستحالة ترجمة الجبة والقفطان مثلا إلى ملابس ~~أوروبية، واستحالة أن نترجم اسما ك «بهية» إلى الفرنسية. إذ حتى ~~لو فرضنا جدلا أننا وجدنا الكلمات التي نترجمه بها، فهل الأثر ~~الذي يحدث للفرنسيين لدى سماعه ممكن أن يشبه من قريب أو بعيد الأثر ~~الذي يحدث فينا لدى سماعنا «يا بهية وخبريني ع اللي قتل ~~يس»؟ ~~••• # نحن عرب، والإنجليز إنجليز؛ لأن لنا خصائصنا ولهم خصائصهم، ~~وغناؤنا أحد خصائصنا، ولا يمكن أن نصبح عالميين بترجمة خصائصنا ~~العربية إلى خصائص إنجليزية؛ لأننا بهذه الترجمة نلغي خصائصنا، ~~نلغي كياننا. ولا يمكن أن نصبح عالميين ونحن بلا كيان، تماما ~~كالزنجي الذي يسلخ جلده ويركب لنفسه جلدا أبيض ليصبح عالميا ~~فتكون النتيجة أن يصبح مسلوخا مشوها. الأغنية الهندية لم تصبح ~~عالمية لأنها ترجمت؛ ولكن لأنها ظلت عريقة في هنديتها، والعالم كله ~~يحبها لأنها هندية، ولأنها مؤداة باللغة الأردية، بل الإعجاب يبلغ ~~بها أحيانا حد أن يحفظ الناس كلماتها ويرددوها وهم لا يفهمون ~~معناها. # إذا أردتم أن تصبحوا عالميين فتعلموا كيف تصبحون عربا، ازدادوا ~~محلية وقومية تزدادوا عالمية، كفوا عن الجري وراء الشكل الأوروبي ~~السطحي وغوصوا في أعماقنا نحن أكثر؛ لتعبروا عنا أكثر، لتغنوا ~~آمالنا وأحزاننا وحبنا بعمق أكثر، وبأشكال من صميم كياننا. افعلوا ~~هذا نتول نحن رفعكم أكثر وأكثر حتى يراكم العالم كله. ~~(18) هل الفن حرفة الشواذ؟ # بعض الناس يأخذون الفن بسهولة ويعتبرونه حرفة أخرى مثلا أو ~~نوعا راقيا من التخريف والتهريج، كل ما في الأمر أننا نطلق عليه ~~أسماء براقة مثل الخلق والإبداع، ونحيط الفنان بهالة تعطيه مظهر ~~العلماء والمفكرين، وأنا نفسي يراودني هذا الاعتقاد أحيانا، ولكن ~~بين كل حين وحين يصادفني حادث أو أقابل إنسانا، وإذا بي أرتد ~~بسرعة وأدرك مذهولا أن ms045 الفنان حقيقة إنسان خارق للعادة، وأن الفن ~~حقيقة إبداع عمالقة وخالقين. # من هذا النوع حادثان هامان وقعا لي وبالصدفة كان بطلهما شخصا ~~واحدا، ولحسن الحظ أنه معروف مشهور، الحادث الأول وقع من ثلاث ~~سنوات حين قررت فرقة المسرح القومي أن تمثل لي روايتي «ملك القطن ~~وجمهورية فرحات»، وكان الأستاذ فتوح نشاطي المخرج قد أسند دور ~~فرحات للممثل فاخر فاخر، وكانت أول تجربة لي في المسرح وكنت غير ~~مهتم بها اهتماما جديا أول الأمر، ولكن بمضي الأيام والبروفات ~~بدأت أحيا التجربة بكل كياني، وبدأت أعصابي تدق في انتظار ~~الافتتاح، وتصوروا مبلغ الصدمة التي تصيبني حين أذهب إلى المسرح ~~قبل عرض الرواية بيوم واحد فأعلم أن والد فاخر فاخر قد توفي، والد ~~البطل الذي يحمل الرواية كلها فوق كتفيه، والدور كوميدي وحفظه ~~واستيعابه مسألة لا يمكن أن تستغرق أقل من أسبوعين. # كانت معرفتي بفاخر لا تتعدى حدود علاقة مؤلف الرواية بممثلها، ~~ولكني كنت قد فقدت أبي أنا الآخر من شهور قليلة ولا أزال أحيا ~~بآلام فقده، ولم أبحث عنه لأعزيه، فقد كنت على يقين أنه سافر إلى ~~البلدة ليحضر المأتم ويتلقى العزاء. كل ما فعلته أني ذهبت إلى ~~الأستاذ أحمد حمروش مدير الفرقة وطلبت منه تأجيل عرض الرواية إلى ~~أن تندمل جروح فاخر البطل، ولكني فوجئت به يؤكد لي أن فاخر لم ~~يسافر، وأنه هو شخصيا وزملاءه ألحوا عليه أن يذهب، ولكنه رفض ~~رفضا باتا وأصر على أن يبقى حتى يتم عرض الرواية في موعدها. ولم أصدق حتى وأنا أحادثه بالتليفون، وقلت له لعله لم يحزن لفقد أبيه مثل ~~حزني لفقد أبي، ولكني وراء الكواليس ليلة الافتتاح قابلته، كان ~~صوته مبحوحا وكانت عيناه محتقنتين والسواد يغمره، وعرفت أننا كلنا ~~أمام فقد الآباء والأمهات سواء حتى لو بلغنا السبعين، نحن نحزن ~~عليهم بأمر مما يحزن به الصغار. # وعصف بي الضيق لمحنة الرجل من ناحية، ولمحنتي الخاصة من ناحية ~~أخرى، محنتي التي سأواجهها حالا حين يرتفع الستار الذي يفصلني عن ~~جمهور مترقب متحفز؛ إذ ms046 كانت الليلة التي يدعى إليها النقاد. صحيح ~~طالما قرأت في المجلات أن بعض ممثلينا اجتازوا محنا كهذه وهم على ~~خشبة المسرح، وأضحك بعضهم الجمهور بينما كان يعاني من فقد ابن أو ~~أب، لكني كنت أعتقد أن أشياء كهذه كلام مسل لا يصلح إلا للقراءة في ~~المجلات، فدور فرحات دور صعب، والسيطرة عليه عمل شاق لا يمكن أن ~~يقوم به الممثل إلا وهو بكامل قواه وموهبته ومزاجه. # المفاجأة # اعتقدت أن الرواية «طارت» تماما ولم أعد آبه لأي شيء، فقد ~~فتح الستار وبدأ فاخر يتكلم، وخرج صوته ضعيفا مشحونا ~~بالتأثر والألم، وانهرت على قطعة أكسسوار وأنا ألعن الليلة ~~والمسرح والأنانية التي تدفعني لأن أطلب من إنسان فقد أباه ~~بالأمس أن يضحك لي بروايتي جمهورا خالي الهم والبال، ولكني ~~ما زلت للآن لا أعرف ما حدث بالضبط ولا كيف حدث، فلقد أفقت ~~فوجدت المسرح يضج بالضحك، وما كاد هذا يحدث حتى وجدت فاخرا لم ~~يعد فاخرا الذي كنت أعزيه من هنيهة، كان قد أصبح فاخرا آخر. ~~فرحات الحقيقي كما تخيلته، بل شيئا أكبر من فرحات، في الواقع ~~كان قد أصبح كل شيء في المسرح وفي الصالة ووراء الكواليس وحتى ~~داخل نفسي، لو طاوعت انفعالي ساعتها لبكيت كالأطفال، ولكني ~~تحاملت ومضيت أتفرج وقد نسيت الرواية والموقف، ولم يعد أمامي ~~إلا هذه المعجزة التي حدثت وخلقت من الكائن الحزين هذا الفرحات ~~الذي يعيشني ويبهرني. # أية قوة جبارة استطاع بها فاخر أن يتحول هذا التحول، وينتقل ~~بها من إنسان لإنسان! تساؤل ظل أياما كثيرة يحيرني. # أخيرا قلت لنفسي: لماذا لا يكون السبب هو الفن؟ لماذا لا ~~تكون المعجزة هي في قدرة الفنان الخارقة على الإخلاص لعمله؟ ~~لماذا لا يكون «الفن» هو «قمة الإخلاص» لأي عمل، مهما كان نوع ~~العمل؟ # لا يصدقه العقل # والحادثة الثانية وقعت بالأمس، كلنا لا بد قد قرأ عن مرض ~~فاخر الأخير وإرساله للعلاج في لندن على نفقة الدولة، أنا ~~الآخر قرأت عن هذا ولكني بيني وبين نفسي لم أكن أعتقد أبدا، ~~أن ms047 حالته تستدعي إرساله للندن للعلاج أو عمل عمليات جراحية، ~~فالذبحة الصدرية معروفة، يمرض بها الآلاف في بلادنا، ويعالجهم ~~أطباؤنا ببراعة لا تقل بأي حال عن براعة الأطباء في الخارج، ~~والعلاج معروف حتى لغير الأطباء، بضعة أدوية توسع الشرايين ~~والراحة التامة. # بنفس هذه الروح قابلت فاخرا بالأمس بعد عودته، وكان اللقاء ~~حافلا خاصة حين طلبت منه أن يشرح لي بالدقة والتفصيل كل ما ~~حدث من لحظة أن غادر أرض الوطن، وبطريقته الخاصة في الحديث مضى ~~يذكر لي كل كبيرة وصغيرة، حتى مباني مستشفى «هامر سميث» وصفها، ~~وجودوين عالم الأمراض الباطنية، وكليفلاند الجراح، وحتى ~~التمرينات الرياضية التي أجريت له عقب العملية، لم يفته منها ~~شيء، والحقيقة أن ما رواه لي أزعجني، وحين اطلعت على التقرير ~~الطبي عن حالته انزعجت أكثر، فالعملية التي أجريت له «استئصال العصب السمبتاوي من الجهتين»، عملية خطيرة جدا، خاصة إذا ~~استؤصل العصب من ناحيتي الصدر مرة واحدة بحيث لا ينجو منها إلا ~~اثنان مثلا أو ثلاثة من خمسة، ولم يكن هذا بالضبط هو سبب ~~انزعاجي، السبب أن التقرير ذكر أن العلاج بالأدوية والعقاقير ~~كان يكفي وحده لشفاء المرض، ولكن العملية أجريت تحت إلحاح ~~المريض وإصراره، وبعد أخذ إقرار عليه بأن المستشفى غير مسئولة ~~عن النتيجة. # وقلت لفاخر منفعلا: لماذا لم تكتف بالأدوية والراحة، وعرضت نفسك لهذه ~~العملية الوعرة؟ # فقال: أمال أنا كنت مسافر ليه؟ ما هنا الدكاترة قالوا لازم ~~أستريح، وما قدرتش. # كنت أرقد أسبوع ولا أسبوعين وبعدين أرجع أمثل تاني ~~فأصاب بنكسة. أنا كنت عايز علاج باتر بحيث يشيل حكاية الراحة ~~دي، ويسمح لي بالتمثيل على المسرح. # قلت مذهولا: يعني أصريت على إجراء العملية الخطيرة دي بس علشان يسمح لك ~~بعدها إنك تمثل؟ # قال ببساطة، وكأنه لا يدرك خطورة ما يقول: أيوة! # قلت باستنكار: اسمح لي ده جنون، كان ممكن تموت ببساطة. ~~- اسمع، الأعمار بيد الله. وتفتكر إيه فايدة إني أعيش من غير ~~ما أقدر أقف على خشبة المسرح؟ دانا حتى جيت بسرعة علشان أدخل ~~المسابقة. # ألم ms048 أقل لكم إن الفن هو قمة الإخلاص؟ أتعرفون قمة أخرى ~~للإخلاص لأي عمل، قمة أخرى غير تعريض النفس للموت المعقم. ~~الموت الذي لا يزال هناك جرحان طويلان رهيبان يمتدان بطول ظهره ~~وكأنهما آثار أظافره البشعة، تعرض لهما فقط لكي يصبح باستطاعته ~~أن يمثل؟ أهناك قمة أخرى؟! ~~(19) «الراهب» والمسيح المصري # والأجراس لا تزال تدق احتفالا بأعياد الميلاد، والأماني تداعب ~~الصدور ونحن على أبواب عام جديد، يخرج علينا الدكتور لويس عوض بمسرحيته الأولى «الراهب» فينقلنا بأستاذيته وبراعته إلى عالم غريب ~~جديد تماما؛ لأنه قديم تماما قدما كاملا من اللحظات الأولى ~~التي بدأت أقرأ فيها المسرحية وجدت شعورا فياضا يجتاحني، نفس ~~الشعور الذي راودني حين زرت مقابر الفراعنة في الضفة الغربية ~~للأقصر، ووجدتني بعد بضعة أمتار قطعتها في الدهاليز الرهيبة التي ~~نحتها أجدادنا بعناد وإصرار منقطعي النظير في باطن الجبل وقلب ~~الصخر، وأقاموا داخلها عالما كاملا على أمل أن يصحو الميت ليحيا ~~فيه، بنفس الرهبة والاندهاش والتوجس مضيت أقرأ مسرحية أستاذنا ~~الدكتور لويس، وشيئا فشيئا أحس أني أغوص في بطن التاريخ وأمتزج ~~امتزاجا وجدانيا كاملا مع مصر القديمة التي تحاول أن تجد ذاتها ~~بين مصر الرومانية ومصر المسيحية ومصر الوثنية، تحاول أن تجد مصر ~~المصرية، ست ساعات قضيتها أقرأ مأخوذا «بالجو» أكاد لا أرى من ~~خلاله شيئا، ثم بعد أن بدأت أتبين وأخرج من دوامة الغرق في عشرات ~~الأسماء والمواقع والمواقف والتفصيلات، إلى الدرجة التي لا أستطيع ~~فيها التمييز بين أبو نوفر الراهب البطل ولوشيوس دوميتيوس ~~دوماتيانوس الشهير بآخيل، وروستيكان وأفريكان وديوجين، ~~إلى أن انتهيت وأسدلت آخر ستار، وبعدها وقعت في الحيرة ~~العظمى. # فالراهب عمل مسرحي عملاق ومن صنع أستاذ! بحر متلاطم الأمواج ~~بالأحداث والمواقف والأقوال يرتفع أحيانا إلى ذروات شكسبيرية ~~ويغوص في أحيان إلى رمزيات برخت، في أحيان إبسني عقلاني محض، ~~وفي أحيان وجداني بدني تنيسي، ولكن المشكلة ليست في هذا، المشكلة ~~الحقيقية هي فيما يهدف إليه لويس عوض بهذه الارتدادة الفنية ~~العملاقة، لقد عودنا كتاب المسرح الكبار حين يرتدون إلى التاريخ ms049 ~~أن يفعلوا هذا لكي يناقشوا مثلا مشكلة معاصرة في ثوب تاريخي، أو ~~لكي يفسروا واقعة تاريخية على ضوء جديد، أو لكي يمجدوا بطولة نسيها ~~التاريخ وداستها عجلاته في المسرحيات، وأشهد أني حاولت بكل جهدي أن ~~أعثر في قراءاتي الثانية للمسرحية على رمز كامل محدد فلم أوفق. ~~كلما أمسكت بخيط وقلت إن المؤلف لا بد يقصده تولى المؤلف نفسه ~~إفلات الخيط من يدي وناولني خيطا آخر لا يلبث أن يضيع، وأشهد أنه ~~كان يقدم لي خيوطا كنت أحيانا أرفضها وأرفض تصديقها وأرفض أن ~~تكون وجهة النظر الضيقة تلك صادرة عن أستاذ أومن أن صدره يسعنا ~~جميعا وخلق من أجلنا جميعا، فالكاتب حين يكتب يصبح أكثر إنسانية ~~ورحابة من الكائن الإنساني العادي الذي يحيا بيننا، ولويس عوض في ~~حياته العادية إنسان رحب مثقف مستنير، بل يكاد يكون قديسا. وبعض ~~الخيوط التي رفضتها لا يمكن أن تكون أبدا من صنع قديسين. # وشيء آخر أحب أن أضيفه، ثمة وجهة نظر تبدو في مؤخرة الصورة ~~الشاملة الكاملة لمصر تحت الحكم الروماني، ثمة محاولات تدل على ~~طموح مصر والمصريين إلى السيطرة على الدولة الرومانية كلها، ومن ثم ~~حكم العالم، ثمة محاولات تكاد تشير إلى أن من مصر نبعت المسيحية ~~وسقط شهداؤها، بل يكاد الدكتور لويس عوض يقولها صراحة على لسان ~~«أبا نوفر» الراهب في هذيانه: يا إلهي، لماذا نزلت في بني إسرائيل ~~ولم تنزل في هذا الوادي المقدس؟ محال أن يكون المسيح يهوديا. ~~الله نزل في مصر ... الله نزل في مصر. # وكأن الدكتور «لويس عوض» قد عز عليه هذا، فآثر بعد عشرين قرنا ~~من ميلاد المسيح أن يعيد صياغة التاريخ، ويقدم لنا مسيحا آخر في ~~شخص الراهب «أبا نوفر»، مسيحا مصريا يبشر بالعدل فوق الرحمة، ~~مسيحا يحكم ويسوس، ثم في النهاية يصلب نفسه بالسم؛ لأنه - كالبشر ~~- أخطأ، وكالبطل الدرامي يحب أن يكفر عن خطيئته بالموت؟! # أم أراد أستاذنا الدكتور أن يولي وجهه هذه المرة عبر البحر ~~الأبيض، ويقضي على خرافة الشرق، ويثبت أننا عمود من أعمدة ms050 الحضارة ~~المسيحية الأوربية، بل نحن أصل هذه الحضارة. أو كما يقول ~~الإمبراطور قسطنطين الروماني في المسرحية : لن أعود إليكم حتى ~~أجلس على عرش أبي كونستانس النبيل وأحكم بالحق والعدل من ~~بريطانيا إلى إسبانيا، وأسترد عرش روما الذي اغتصبه السفاح ~~مكسيميان، ثم أطرد العبد دفكانوس من بيزنطة المجيدة عرش أمي ~~القديسة هيلانة المصرية، وبعد أن أوحد العالم تحت صولجان واحد ~~أنقل عاصمة ملكي إلى الإسكندرية وألبس تاج أجدادي الفراعنة. # حيرة شديدة توقعك فيها هذه المسرحية الخطيرة، قد تقبل رموزها وقد ~~ترفضها، ولكنك أبدا تحترم كاتبها وتغتفر له هذه المؤخرة التاريخية ~~الأكاديمية التي لم أجد لها داعيا على الإطلاق، تحترم كاتبها وتحس ~~أن دافعه لكتابة ما كتب مثل رائع، بطله الراهب الذي أخذ مصر ~~عقيدة وإيمانا وجعل من نفسه مسيحها الأحق، دافعه هو حبه الشديد ~~لمصر، حب أقوى من الموت وأقوى من الحياة وأقوى من الفن والفكر. إذ ~~هو حب يدفع الدكتور لويس ويدفعنا لأن تصبح هذه الغايات كلها ~~وسائل لتجسيد ذلك الحب وفرضه والتبشير به. ~~(20) الرجل والمثل # لا شك أن الأدب العربي خسر في العقاد كاتبا عملاقا ساهم في ~~نقل العقلية الأدبية العربية من عصورها المظلمة الوسطى إلى العصر ~~الحديث بعلمه ونوره وإدراكه، كان الأدب العربي قبل العقاد وعميد ~~الأدب العربي الحديث طه حسين يعتمد على اللفظ فأصبح له معنى، ~~وكانت قدرة الكاتب تقاس بمقدار ما حفظه ويستطيع تطبيقه من ألفية ~~ابن مالك، فأصبحت قدرة الكاتب تقاس بما يستطيع العقاد أن يهدم ~~شوقي، ولكنه استطاع أن يهدم الأسس التي تمثل نفس الدور في الشعر ~~فارتطم بشوقي، بآخر أجيال المدرسة الشعرية القديمة، كما ترتطم ~~مدارس الغناء الآن بأم كلثوم، ولم يستطع العقاد أن يهدم شوقي ~~ولكنه استطاع أن يهدم الأسس التي قام عليها شعر شوقي، وهكذا انتقل ~~شعرنا من الكلاسيكية إلى الرومانسية. # وكان العقاد أول كاتب عربي يدرك أن الأدب ليس حرفة، وأن الأديب ~~ليس عمله أن يقرأ كتب الأدب واللغة فقط، إنما الأديب موسوعة علمية ~~أدبية إنسانية متحركة، وهكذا ثقف العقاد ms051 نفسه، بل بالغ في هذا ~~حتى احترف القراءة احترافا، وبذلك ضرب للجيل الذي تلاه مثلا، ~~وأصبحت «الثقافة العامة» هدفا في حد ذاته من أهداف الكتابة ~~والكتاب، وأعترف أني لم أقرأ كل ما كتبه العقاد، ولكن الكتب التي ~~قرأتها أثبتت لي أن العقاد المؤلف كان مشغولا طول الوقت بمحاولة ~~إثبات وجوده في بيئة أدبية لم تكن تعترف له بحق الوجود، كان ~~مشغولا بأن يتفوق على مدعي التفوق، وفي صميم تخصصهم مشغولية ~~منعته أن يبلور عمله واطلاعه وتجاربه في نظرية كاملة متكاملة، أو ~~في رأي يتبناه ويضيف به جديدا ويبشر به. # لقد فجعت بوفاة العقاد مرتين؛ مرة لأنه مات وتهاوت بموته قمة من ~~قممنا الأدبية القليلة، ومرة ثانية لأنه مات دون أن أراه أو ألقاه، ~~ودون أن أعرف العقاد الإنسان بعد أن عرفت العقاد الكاتب، بل ربما ~~هذه المعرفة الأخيرة نفسها هي التي حدت بي إلى تجنب لقائه؛ فقد كان ~~رحمه الله يحمل للجيل الجديد عصا غليظة طالما لوح بها في وجههم. ~~وخطئي الذي لم أدركه سوى الآن أنني كنت مثل غيري أعتقد أنها عصا ~~من سنط وشوك وحديد، في حين أنها لم تكن إلا عصا الجد أو الأب ~~المشفق دائما، الخائف أبدا أن يعهد بتركته إلى أجيال مهما بلغ ~~علمها فهي في نظره جاهلة، ومهما بلغ عمرها فهي في نظره غير مسئولة، ~~ومهما بلغت قدرتها فهي في نظره أقل مما يجب وأضحل مما يجب. # ولقد مات العقاد الرجل، ولكن العقاد المثل لن يموت، سيظل إلى ~~الأبد حيا في الأذهان. العقاد الجريء المؤمن بقلمه وبرأيه، ~~العنيد في الحق، الواثق تماما من دوره وقدرته، سيظل حيا حتى ~~بعصا الأب يلوح بها في الوجوه ويحنق ولا يعترف، حيا يدفع ~~الأجيال المتتالية الجديدة لا أن تحتذي حذوه وتصبح النسخ المكررة ~~منه، وإنما لكي تصبح نفسها، لكي يصبح كل كاتب عقاد نفسه، لكي يبلغ ~~ما بلغ ويعرف ما عرف ويدرس ما درس ويحقق بوجوده ما حقق. ~~(21) الكاتبة البرجوازية التي لا تؤمن بالتعايش السلمي ~~- أجل يا زميلي ms052 العزيز أنا سن هوين، أو الدكتورة إليزابث ~~كورانجا كومير إن شئت الدقة، التي اشتهرت عندكم بمؤلفة قصة «روعة ~~الحب» التي لا أعتبرها أحسن ما كتبت، فليس أشهر ما تكتبه هو دائما ~~أحسن ما تكتبه. وأنا ممن يدعونهم «اليورجينز» # Eurasians # باعتباري مولدة نصفي أوروبي ونصفي صيني، وأنا في الحقيقة لا أعتبر نفسي كاتبة، أنا ~~طبيبة أطفال، أقيم الآن في اتحاد الملايو، وأعتبر هناك واحدة من ~~الجالية الصينية الغنية. # خذ كلامي إذن على اعتبار أني «برجوازية» صينية وكاتبة رومانسية، ~~كما قال عني وفد الصين الشعبية في مؤتمر الكتاب الأفريقي الآسيوي، ~~الذي لم يسمح لي بحضوره إلا بصفة مراقبة، وزيادة في الاحتياط ~~اعتبرت نفسي ولا أزال أعتبرها مجرد سائحة. واسمح لي أن أحتج على ~~الأسئلة التي دأب شبانكم الصحفيون على توجيهها إلي، ما رأيك في ~~سارتر وساجان ومورافيا؟ فلقد دأبت على إجابتهم أني لم أقرأ ~~لهؤلاء ولن أقرأ لهم، فأنتم هنا تهتمون بأوروبا أكثر من اللازم، ~~وتتابعون أخبارها وكأنكم جزء منها. أتعرف ماذا صدمني في القاهرة؟ ~~أوروبيتها الزائدة عن الحد، لم أكن أتوقع هذا أبدا! إنك من القاهرة ~~لا تحس بأفريقيا أو بآسيا، البيوت والأثاث والمأكل والملابس وطريقة ~~الحديث كلها أوروبية. فقط بعد تأمل دام بضعة أيام اكتشفت أنكم من ~~الداخل مختلفون، لا تزال أعماقكم سليمة، وحينئذ عرفت أن الاتجاه إلى ~~أوروبا اتجاه من السطح ليس إلا. إن الحضارة الأوروبية ليست سوى أسلوب ~~واحد من أساليب كثيرة للتحضر والحياة، وأن نترك أسلوبنا الأصيل ~~ونتبنى أساليب الغير تبنيا أعمى شيء يضرنا ويمسخنا. لن نكون ~~أنفسنا إلا إذا حاولنا بجهد ومشقة أن نكون أنفسنا. أنا لم أقرأ ~~لسارتر وساجان ومورافيا، وليس مهما أبدا أن أقرأ لهم. أكثر ~~أهمية أن أقرأ لكتاب من كوريا والجزائر ومصر. ولست أقرأ لهؤلاء فقط ~~كنوع من التحيز الآسيوي الأفريقي، ولكن أيضا لأتعلم أساليب جديدة ~~رائعة أصيلة في التعبير الفني، فمشكلتنا الكبرى أننا غير واثقين ~~بأنفسنا، لا نجد العظمة إلا في كل ما هو أوروبي، وإذا نظرنا إلى ~~أنفسنا لم ننظر ms053 بأعيننا نحن، وإنما استعرنا مناظير أوروبية نرى بها ~~بعضنا البعض. إن حضارتنا عريقة جديدة تضرب بجذورها في بطون ~~التاريخ، ومن واجبنا أن نؤمن أن حاضرنا لا يقل عراقة عن ماضينا، ~~وأن تخلفنا في التكنيك وفقرنا لا يعني أن أرواحنا هي الأخرى ~~وأحاسيسنا وطرقنا في التعبير متخلفة، بعضنا يعتقد أن «العالمية» لا ~~يمكن الوصول إليها إلا بالتتلمذ على حضارة أوروبا واستيعابها جيدا ~~ثم سبقها بعد هذا، وفي رأيي أننا نفعل خيرا من هذا لو كففنا عن ~~دراسة أوروبا والتفتنا إلى أنفسنا نحن، إلى مشاكلنا نحن وقضايانا. ~~وأرجوك ألا تحدثني وكأني مواطنة عالمية، حدثني باعتباري مواطنة في ~~اتحاد الملايو الواقع في جنوب شرقي آسيا، والذي يعاني من مشاكل ~~وقضايا سببها وراعيها الاستعمار الأوروبي. إن مشكلتنا الرئيسية نحن ~~المثقفين في آسيا وأفريقيا أن معظم عقولنا ليست سوى نسخ بالكربون ~~لعدة كتب أوروبية إلى درجة أن بعضهم يعتبر الجهل بالثقافة الأوروبية ~~جريمة كبرى، في حين أن الجريمة الأكبر أن نكون جاهلين بثقافتنا نحن ~~وأنفسنا، لندع أوروبا ومشاكلها تنتظر قليلا، ونشغل أنفسنا بأمورنا ~~ومشاكلنا، الجريمة الكبرى أن يكون المواطنون في آسيا وأفريقيا ~~يعرفون أدق وأحدث أخبار مارلين مونرو، وتفصيل ما حدث في افتتاح ~~مسرحية ساجان الأخيرة، بينما هم لا يعرفون شيئا عن الدكتور ~~أجوستيفو نيتو. أتعرف من هو نيتو هذا؟ إنه قائد الجبهة الوطنية ~~التي تحارب الاستعمار البرتغالي في معركة أنجولا التي لا نسمع ~~عنها سوى أقل القليل، هذه هي مأساتنا. وخذني مثلا، لقد جئت إلى ~~القاهرة أحمل معي مشكلة حادة ملتهبة هي مشكلة الساعة في آسيا ~~بجنوبها وغربها وشمالها وشرقها، مشكلة التعايش السلمي الذي ينادي ~~به الاتحاد السوفييتي. أتوافق عليه؟ أترى أنه من الممكن أن تتعايش ~~دولة عمال وفلاحين مع دولة تعادي العمال والفلاحين؟ هل بالإمكان أن ~~يتعايش الاستغلال مع الاشتراكية، أم لا بد أن يستمر الكفاح ولا ~~يهمنا شيء حتى تتحرر كل المستعمرات وحتى تتحقق الاشتراكية؟ # أرجوك، هذا مجرد رأيي الخاص باعتباري «برجوازية» و«سائحة» وليس ~~لي أي اعتبار آخر، هكذا قرر مؤتمركم. هذا ms054 رأي الصين الشعبية أيضا. ~~هذا صحيح، وأنا لا أخفي تعلقي بالصين الشعبية وبسياستها رغم كل ~~شيء ، رغم كل ما تقوله أنت من أن الوفد الصيني أصر على عدم الاعتراف ~~بي كعضوة في المؤتمر باعتباري برجوازية رومانسية. أنا برجوازية ~~رومانسية ولكني لا أومن بنداء التعايش السلمي بين الظلمة ~~والظالمين، بين إيريان والاستعمار الهولندي وأنجولا والاستعمار ~~البرتغالي والصين الشعبية وشيانج كاي شيك. اشرب قهوتك قبل أن تبرد ~~وقل لي رأيك، أريد أن أعرف رأيك فقد جئت هنا لأعرف آراءكم وأفهمها ~~وأتعلم منكم. اليوم بالذات ذهبت لمقابلة شيخ الأزهر لأني أريد أن ~~أدرس الدين الإسلامي العظيم وأعرف جوهره ومبادئه، فهم عندنا في ~~جنوب شرقي آسيا يستعملونه كسلاح ضد الوطنية والاشتراكية، مع أن ~~دراستي العامة له أقنعتني أن مبادئه تبشر بالعكس وتقف تماما مع ~~حرية الشعوب وحقها في الحياة الكريمة، ولم أعجب حين عرفت أن ~~الرجعية العربية المتعاونة مع الاستعمار في بلادكم تستعمل دينكم ~~العظيم بنفس الطريقة وكأنها خطة استعمارية واحدة، ألم أقل لك إن ~~الاستعمار يرانا كوحدة، ككل، ويستعمل لمحاربتنا نفس الأسلحة، ونحن ~~نترك قضايانا الأساسية ونتعبد في أوروبا ونتنسم أخبارها ~~ونحلم؟ ~~(22) قصة بطلها توفيق الحكيم # أمس كنت أقلب في كتبي، إذا بي أعثر على كتاب «مسرح المجتمع» ~~لتوفيق الحكيم. والكتاب ضخم ومجلد بغلاف فاخر وكان ثمنه أكثر من ~~جنيه، ومع هذا فقد تلقيته كهدية من الأستاذ توفيق الحكيم. فتحت ~~الصفحة التي كتب فيها الإهداء وقرأت كلماته وكدت أضحك. # فالأستاذ «توفيق الحكيم» ليس حريصا فقط على نقوده وكتبه، ولكنه ~~حريص أيضا على كلماته، فهو يهدي كتبه إلى قلة قليلة جدا، وينتقي ~~كلمات الإهداء بعناية شديدة وكأن أحدا سيحاسبه عليها. وهذا الحرص ~~في رأيي أحد خصائص توفيق الحكيم التي لا أملك ولا يملك أحد إلا ~~أن يحبها. وأنا أحب توفيق الحكيم، أحبه كإنسان وكفنان، وأحب ما ~~يكتبه، حتى هذا الذي لا يعجبني أحبه وأحس أنه شيء لا بد منه، أحس ~~أنه الظلال الغامقة التي لا بد منها لكي تتكامل لوحة توفيق الحكيم الرائعة. # بل ms055 حدث مرة أني من كثرة حبي له وإعجابي به فكرت أن أؤلف عنه قصة. ~~ليست قصة تصور مكانته الأدبية، أو تجسده حيا كامل القسمات، ~~ولكنها قصة حب. قصة من القصص التي يحلو لنا أن نؤلفها عن الناس ~~كتعبير غير مباشر عن حبنا لهم. # وحدث فعلا أني كتبت القصة، كتبتها لنفسي بلا أية نية لنشرها أو ~~حتى قراءتها لأحد. ولكني ذات يوم وأنا جالس مع الأستاذ توفيق في ~~ركن هادئ من أركان المجلس الأعلى لرعاية الفنون حكيتها له، وضحك ~~لها كثيرا، وقال: يعني بقى ما لقيتش إلا أنا تعملني البطل. # قال هذا وسكت، ثم ضحك وأردف: إنما تعرف بيني وبينك ما حدش ينفع لها إلا أنا. الناس متصوراني ~~كده وأنا كده فعلا. # وقلت له: أعتقد أنها لا تصلح للنشر. # فقال: أبدا ... ولازمته إيه؟ إنما يعني برضه ... يعني وماله؟ ما تنشرها. ~~اكمن بطلها أنا؟ هو لازم البطل يعني يكون عويس ولا محروس. ما ~~احنا برضه ننفع أبطال، مش كده ولا إيه؟! لا ... إذا كنت عايز ~~انشرها. # كان هذا من شهور مضت، وكل شيء بأوان كما يقولون. وها هي ~~القصة. ~~(23) الكابوس # تصورت أن الأستاذ توفيق الحكيم صحا من نومه في الأسبوع الماضي، ~~وهو يكاد يختنق من كابوس مخيف. كان جالسا كعادته على قهوته ~~المفضلة في الإسكندرية لا به ولا عليه، والدنيا صيف وعصرية، والجو ~~جميل يغري بالسرحان أو على الأقل بتأمل الحسان، وإذا بأحد معارفه ~~يطب عليه فجأة. سلام عليكم. سلام ورحمة الله ... اتفضل. قعد الرجل ~~ودون انتظار لصفقة توفيق الحكيم صفق هو وجاء الجرسون. هات شيشة ~~... جاب شيشة. فرد القادم «اللي» وبالكاد حذف أنفاسها وأشعلها، وإذا ~~بصديق آخر يطب. سلام عليكم. سلام ورحمة الله، وقعد وجاء الجرسون. ~~تشرب إيه؟ قهوة. يدوبك شفط شفطتين وإذا بقادم آخر جاء وسلم وصفق ~~وطلب، ورابع وخامس وسادس وعاشر، والقعدة تكبر وتكبر والأستاذ توفيق ~~يشرق ويغرب ويتحدث بحماسه المعهود عن الأدب والفن ووكلاء النيابة ~~والمجتمع اللغوي وأزمة النقد والنقاد، ورغم حماسه الشديد فأهم ما ~~كان يشغله في ms056 ذلك الوقت هو الكوب الزجاجي الفارغ الذي يضع فيه ~~الجرسون ورق الحساب؛ إذ كان قريبا جدا منه، وكلما تضخم عدد ~~القادمين كان ورق الحساب يتضخم هو الآخر. ودقات قلب توفيق الحكيم ~~تزداد، فهو متأكد طبعا أنه لن يدفع كل الحساب، ولكن وجود هذه ~~الكومة الضخمة من أوراق الحساب قريبة جدا منه خطر على أية حال، ~~أو هو على الأقل وضع غير مريح بالمرة. وعلى هذا فطوال حديثه عن ~~الأدب والفن كان الأستاذ توفيق الحكيم مشغولا بزحزحة الكوب ~~بدفعات خفيفة غير ملحوظة أحيانا، وبنظراته وبعينيه أحيانا أخرى ~~حتى تصبح المسافة بينه وبين الكوب مأمونة. مأمونة بالقدر الذي لا ~~يسمح لأبرد جرسون أن يأتي ويقف على رأسه ساعة الحساب. # ولكن ساعة الحساب جاءت، وجاء الجرسون الخواجة بسمنته، وسترته ~~البيضاء المتسخة، وهليهليته الإجريجية المعهودة، وتناول الأوراق ~~وظل يحسب: كمسة وكمسة أشرة ... ستين ونس ... تسعين ... مية وكمسة. # وطبعا كان الأستاذ توفيق لا يلقي للرجل ولا لحسابه بالا ~~كثيرا، فهو كان قد أخذ واحد قهوة بشلن. فقط كان ينتظر أن يحاول ~~أحد الجالسين دفع الحساب كله فيحتج ويصر على أن يدفع حسابه على ~~الطريقة الإنجليزية. # ولكن أغرب ما في الأمر أن الجرسون انتهى من حساب فاتورته ووقف ~~ينتظر الدفع، دون أن يتحرك واحد من العشرة الجالسين أو يبدو عليه ~~أنه يهم بدفع الحساب. # قال الأستاذ توفيق لنفسه لا بد أنهم متشاغلون، فلأتشاغل أنا ~~الآخر. وفعلا سرح وسهم، وانتابه ذهول فني حاد، وراح يلعب عصاه ذات ~~اليمين وذات اليسار، أن أحدا من حضرات الجالسين يتحرك من رابع ~~المستحيل. بل حدث ما هو أكثر. الجرسون اللعين اختاره دونا عن بقية ~~الجالسين وتسمر أمامه، وأبى أن يتلحلح ومضى يدعي مسح الترابيزة، ~~ويوجه لتوفيق الحكيم نظراته الجرسونية المعروفة التي لا تعني سوى ~~شيء واحد: إيدك بقى ع الحساب. # وأحس الأستاذ «توفيق الحكيم» أنه أمام مؤامرة خبيثة واسعة ~~النطاق، يشترك فيها هؤلاء العشرة الجالسون والجرسون والقدر، وتريد ~~دفعه إلى أن يتحمل هذا الحساب وحده، سواء أراد أم لم يرد. # وانتاب ms057 توفيق الحكيم غيظ شديد. لقد كان مستعدا أن يتحامل على ~~نفسه ويدفع ثمن مشروب آخر، أما أن يتحمل حساب عشرة أناس لا يعرفهم ~~طبوا عليه هكذا فجأة وطلبوا عشرة طلبات، ثمن الواحد منها لا يقل ~~بالبقشيش عن عشرة القروش برزالة ودون أن يعزم هو أن يطلب، وتأتي ~~ساعة الحساب فيبلمون هكذا ويجلسون كالجثث المحنطة، فأمر يفجر الدم ~~من الشرايين. # اغتاظ الأستاذ توفيق جدا، وأحس بالضيق يكتم أنفاسه حتى كاد ~~يبكي كالأطفال، ويقول: والله مانا دافع. # والمصيبة أن المشهد طال وزاد عن حده. الجرسون واقف يتململ ويتمحك ~~ولا يحول أنظاره عنه، والجالسون متشاغلون وكأنهم ليسوا هنا، وهو ~~محرج حرجا شديدا لإحساسه بأنه مطالب وحده بالدفع، ويقينه من أن ~~شيئا كهذا لا يمكن أن يحدث حتى ولو شنقوه، والوضع لا حل له ومع ~~هذا فهو مستمر، وكأن ثمة قوى كونية غامضة قد أوقفت الزمن عند تلك ~~اللحظة الحرجة وأبت عليه أن يتحرك. # وبدأ الأستاذ توفيق يختنق. الغيظ بدأ يضع أيادي حقيقية تلتف حول ~~عنقه وتمضي تضغط وتضغط حتى لقد بدأ جسده يتفصد عرقا، وبدأ يتأزم ~~وينتفض ويحس أنه حالا سيموت، وأخيرا جدا، وبصعوبة شديدة، بدأ ~~يحس وكأن الروح تعود، ووجد نفسه يرى، وكان كل ما رآه ظلاما، وحين ~~أوقد النور وجد نفسه في حجرة نومه حيث لا قعدة ولا جرسون ولا حساب. ~~ولم يصدق أن ما حدث لم يكن إلا حلما مزعجا إلا بعد أن قام وتحرك ~~وأشعل النور وأطفأه مرات ليتأكد. وتأكد حينئذ أن ما حدث كان مجرد ~~كابوس كاد يقضي عليه، وعلى الفور أحس براحة حقيقية تتصاعد من صدره، ~~وانتابه فرح غامر وكأنه أخذ البراءة أو نجا من موت محقق. # وحينئذ فقط استعاذ بالله من الشيطان الرجيم حتى لا يتكرر ~~الكابوس، وقرأ آية الكرسي زيادة في الاحتياط، وغير الجنب الذي ~~كان ينام عليه وأراح رأسه من جديد على المخدة، ثم ابتسم ابتسامة ~~كلها سعادة ونشوة. # وفي براءة الأطفال نام. ~~(24) قابلت سارتر في «الكافتيريا» # 2 # قاعة «الكونزرت هاوس» في فيينا. مؤتمر ms058 وناس قادمون من جميع أنحاء ~~العالم ولجان تجتمع وتتخاصم، وحركة دائبة في القاعة الكبيرة ~~والمسارح الصغرى الملحقة بها. مدخل القاعة مزين بأعلام جميع الدول ~~والشعارات الزرقاء وملابس الرجال والنساء كأنها كرنفال، والوجوه ~~والملامح متحف حي متحرك يعرض صورا للإنسان في كل مكان من قشرة ~~الأرض. # قرأت اسم سارتر ضمن المشتركين في المؤتمر، دخلت أتفرج. طلبت ~~على سبيل المزاح من سكرتيرية المؤتمر أن أقابله وأعطيت اسمي ~~باعتباري كاتبا من مصر. محاولة لم أكن جادا أبدا فيها، ولم ~~أعتقد أنها ستنجح. تركتها وظللت أدور في المدخل والقاعة وأتفرج على ~~الوجوه والأجناس واللغات، وأسمع بشغف صوت المذيعة في إذاعة المؤتمر ~~الداخلية وهو تقول كلما بدأت الكلام: «آختونج. آختونج»، ومعناه ~~«انتباه. انتباه». صوتها قوي وعميق ويحبب الأذن في الألمانية. ~~استغرقني التفرج ومحاولة معرفة ما يدور في المؤتمر حتى نسيت كل شيء ~~عن سارتر والمقابلة، ولكنني فوجئت بصوت المذيعة الألمانية الحلو ~~ينطق مرة اسما خيل إلي أنه اسمي، بل تأكدت. المذيعة الإنجليزية ما ~~لبثت أن قالت: يوسف إدريس يقابل ج. ب. سارتر في ~~الكافيتريا. # شملني اضطراب عظيم وخفت. كنت في السادسة والعشرين، بالكاد نشرت ~~قصة أو قصتين، ما لي أنا ولسارتر العملاق؟ فكرت في التراجع ولكني ~~وجدت نفسي أبحث عن الكافيتريا. وطال بحثي ولم أتصور أبدا أن يكون ~~مكانها تحت خشبة المسرح مباشرة. سألت الجرسون عن «سارتر»، أشار إلى ~~منضدة يحتلها رجلان أحدهما ضخم أحمر الوجه فاخر الثياب جميل ~~التقاطيع، والثاني قصير ربع أحول منظاره من نوع عتيق رخيص. تقدمت ~~من المنضدة وقلبي يدق، خفضت رأسي ومددت يدي بعصبية للرجل المهيب، ~~وقلت: مسييه سارتر؟ حملق في الرجل بهدوء ثم أشار بابتسامة إلى ~~الرجل القصير الجالس بجانبه، وقال بالفرنسية: هذا هو. الواقع بهت ~~وخاب أملي، ولم أعتقد أبدا أن رجلا هذا شأنه لو رأيته في أي مكان ~~آخر لخيل إلي أنه مدرس أحياء في مدرسة أهلية مصرية، هو العظيم ~~سارتر، ولكني سلمت وقدمت نفسي. وقال الرجل كلاما فرنسيا ~~كثيرا لم أفهم منه إلا أنه يقول إنه ms059 سارتر، أما الرجل الجالس معه ~~فهو الكاتب الروسي الكبير إليا آهرنبورج. انقلب اضطرابي إلى فزع، ~~يا لي من أحمق! أطلب مقابلة على سبيل العبث وإذا بي مرة واحدة في ~~حضرة اثنين من عمالقة الفكر العالمي، وأجلس معهما، وألمس أيديهما ~~وأكلمهما، ويعاملانني كزميل لا يفرقه عنهما إلا فارق السن! # وربما الفزع هو الذي دفعني للاستهتار بالموقف كله، ودفعني لخوض ~~مناقشات لا قبل لي بها. كنت أطمن نفسي وأقول: فليكونا عمالقة في كل ~~شيء ولكنك أنت الآخر يا ولد تعرف أشياء لا يعرفانها، على الأقل ~~تعرف الإنجليزية التي لا يعرفها سارتر نفسه، وتعرف العربية التي ~~لا يعرفها آهرنبورج. # أنا مضطر أن أتخطى أشياء كثيرة جدا دارت، وكانت جديرة بالذكر ~~لأصل إلى المناقشة. ويا لها من مناقشة يحسدني عليها أنيس منصور! ~~أنا أناقش سارتر في الوجودية، بينما يقوم إيليا آهرنبورج بدور ~~المترجم! # قلت: أنا للأسف لم أقرأ من أعمالك إلا مسرحيات الحائط: ولا مفر، ~~والأيدي القذرة، ومجموعة قصص قصيرة. # قال بدهشة ونوع من الفرحة: قرأتها؟ قرأتها حقيقة؟ في القاهرة! ~~بأية لغة؟ # قلت: بالعربية والإنجليزية. # قال: جميل جدا، هل تهتمون بها لديكم؟ ... ماذا يقولون عنها؟ ... ~~وما رأيك أنت فيها؟ # قلت لنفسي: حتى سارتر هو الآخر يصنع مثلنا وينتظر بشغف آراء ~~الآخرين في أعماله. # وقلت له: أعمال رائعة كلها، أذهلتني. # قال: وماذا أعجبك فيها؟ # قلت: هل تريد الحقيقة؟ أعجبتني لما فيها من فن وليس لما فيها من ~~رأي. إن فيها فنا مذهلا رائعا هو البطل المجهول المتواضع، الذي ~~يختفي وراء الكواليس ليترك الفلسفة والآراء تقف وحدها أمام ~~المتفرجين وتحظى بالمجد والتصفيق. # إني لأتساءل: ماذا يسعد رجلا عظيما مثلك؟ أن يقرأك الناس ~~ككاتب أم كفيلسوف؟ # ضحك وقال: أعتقد أن الإنسان يسعد لمجرد أن يقرأ الناس إنتاجه ~~سواء أكان فنا أم فلسفة. # قلت: إذن أحيانا يكون النعيم هو رأي الآخرين. # وضحك آهرنبورج أولا، وحين ترجمها أغرق سارتر في الضحك، إذ ~~إن له رأيا وجوديا مشهورا يقول: إن الجحيم هو الآخرون. # وجرأني الضحك، فقلت: الواقع لو كان وجود ms060 الآخرين يخلف ~~التعاسة التي صورتها لقتلنا بعضنا بعضا من زمن بعيد، لا بد هناك ~~أشياء أخرى لم نذكرها هي التي أبقتنا أحياء في مجتمع واحد. # قال: يعجبني أن شابا غريبا مثلك يناقشني بلا حذر أو اصطلاحات ~~فلسفية، بالتأكيد هناك أشياء لم تعرف بعد. # قلت: وقد تغير رأيك إذا عرفت نظرتنا إلى الوجود والإرادة ~~المستقلة. # قال: وقد تغير. ممكن. ممكن جدا. # قلت: لماذا لا نعتبر أي فلسفة إذن مجرد نظرية نتركها تتصارع مع ~~غيرها من النظريات والاكتشافات، بلا تعصب، ودون أن نحاول أن نقيم ~~من أنفسنا محامين لهذه النظرية ومدافعين عنها. فالتعصب لهذه ~~الفلسفة أو تلك ممكن أن يعوق وصولنا إلى الحقيقة. # قال: ولكن الحقيقة لا يمكن الوصول إليها إلا بصراع، والصراع لا ~~يمكن أن يتم إلا بين متعصبين، فاعتناق النظريات والدفاع عنها ~~يقربنا من الحقيقة ولا يبعدنا عنها. # قلت: الصراع بين الوجودية والاشتراكية مثلا، أيقربنا من ~~الحقيقة؟ # قال: طبعا، على شرط ألا يتم الصراع في قلب الشارع. أقصد الصراع ~~بين المفكرين الواسعي الأفق. # قلت: مجرد تساؤل قد يكون سخيفا، ولكني أرجو أن يسمح لي به أعظم ~~كاتب اشتراكي وأعظم كاتب وجودي. الوجودية تعتبر الفرد مسئولا عن ~~اختياره وتصرفاته ومصيره، والاشتراكية تعتبر المجتمع هو المسئول. ~~أليس من المحتمل إذن أن تنشأ في القريب نظرية ثالثة تجمع الوجودية ~~والاشتراكية وتملأ الفجوات وتفسر بدرجة أوضح وتحدد بدرجة أدق حركة ~~الفرد بالنسبة لحركة المجتمع، والعلاقة بين الوجود الفردي والوجود ~~الجماعي؟ # تولى آهرنبروج الترجمة على دفعات كان يعقبها بابتسامات تخيلت ~~أنها ابتسامات استخفاف، ودار بينهما نقاش بالفرنسية، خفيف ضاحك أول ~~الأمر، ثم شابه بعض الجد والتأمل في النهاية. وأخيرا قال ~~آهرنبروج: صديقي سارتر وأنا مبتهجان لرأيك، ولكن لا تنتظر منا أن نفكر ~~فيه جديا. فإلغاء الوجودية إلغاء لسارتر، وإلغاء الاشتراكية ~~إلغاء لي، فهل أنت قادم من القاهرة لتلغي المعارك الطويلة التي ~~خضناها، وتلغي وجودنا كله بجرة قلم؟ # الحديث دار في أحد أيام يناير من سنين، ما زلت أذكره، وما زلت ~~كلما أحسست ببرد يناير تذكرت ms061 فيينا وأدق تفاصيل ذلك اللقاء. ~~(25) كامل الشناوي # 3 # خطر لي خاطر عجيب وأنا جالس تضمني تلك السهرة الجميلة التي ~~يعقدها الأستاذ كامل الشناوي في مكتبه كل مساء. # فالأستاذ كامل على الرغم من قلبه الكبير الذي يسع الفن والفنانين ~~جميعا، وموهبته التي تحيل الشعر إلى شيء ساحر يخطف الأبصار ~~والعقول، حتى عقول أعداء الشعر أنفسهم. # وعلى الرغم من أنه أروع محدث وأكثر الناس ظرفا ولباقة وكياسة، ~~إلا أنه يتمتع بخاصية غريبة قد لا يصدقها أحد، ذلك أنه يخاف من ~~الموت. وكلنا نخاف الموت، ولكن الأستاذ كامل يخاف منه خوفا ~~حقيقيا لا هزل فيه، خوفا يجعله يعامل الموت كما لو كان عدوا ~~شخصيا له من دم ولحم يتربص به لينتهز الفرصة المناسبة وينقض ~~عليه. وقد يرى البعض أن هذه نقيصة، ولكن الواقع أن أستاذنا كامل ~~الشناوي أحالها إلى ميزة كبرى. وإليكم ما يحدث: هو لا يستيقظ في العادة قبل العاشرة، وأول ما يفعله إذا استيقظ ~~أن يقرأ جرائد الصباح، ويقرؤها بالمقلوب بادئا بصفحة الوفيات ~~ليطمئن إلى أن كل شيء على ما يرام، وأن عدوه اللدود الموت لم يختطف ~~أحدا ممن يعرفهم أو له بهم صلة. # ولكن معارف الأستاذ كامل كثيرون جدا، ولهذا فلا بد أن يجد أن ~~أحدهم قد مات أو على الأقل يحتفلون بذكرى أربعينه. في الحال يتولاه ~~انزعاج عظيم، انزعاج يزوده بطاقات نشاط لا حد لها تجعله يغادر ~~الفراش ويرتدي ملابسه على عجل ويترك البيت. ولولا شبح عدوه اللدود، ~~ما كانت قوة في الأرض تستطيع أن تجعله يغادر الفراش المريح. # يهبط الأستاذ كامل من المنزل ويتخفف من إحساسه بالمسئولية تجاه ~~من مات، فيرسل تلغراف عزاء أو باقة زهور ليجنب نفسه مشقة السير في ~~الجنازة. يتخفف لأنه يعتقد أن ذلك الشخص الذي مات راح ضحية بريئة ~~لعدوه هو، ولهذا فهو يعد نفسه مسئولا أمام ضميره عن ضحايا ~~عدوه. # ولا يطمئن الأستاذ كامل إلا حين يرى الناس في الشارع رائحين ~~غادين لا يخطر لهم الموت على بال، ولكن اطمئنانه لا يطول، إذ ms062 ماذا ~~يحدث لو خطر ببال عدوه البغيض أن ينفرد به وسط الشارع وهو وحيد بين ~~أناس لا يعرفهم ولا يعرفونه؟ لا بد إذن من البحث حالا عن الأصدقاء ~~فبينهم يستطيع أن يطمئن على نفسه. وهكذا؛ النائم من أصدقائه يوقظه، ~~المريض يزوره، والبعيد يدق له تليفونا. ولا بد أيضا من العمل، ~~فالإنتاج هو المصل المضاد للموت. والعمل كثير؛ عمل في الجمهورية، ~~وقصائد يلح عبد الوهاب في طلبها، ويوميات، وكتاب بدأه من سنين ولا ~~يريد أن ينتهي. ويبدأ كامل الشناوي يكتب، ويمسك القلم بيده السمينة ~~الحنونة ويملأ الصفحات. يبدأ الكتابة وفي ذهنه الخوف من الموت، ~~ولكنه لا يلبث أن يغرق فيما يكتبه. ولا تخرج الكلمات من قلمه ~~كلمات، بكل شاعريته يملؤها سحرا ومرحا ويودعها روح الحياة وكأنما ~~يتحدى بها خوفه وخوف الناس من الموت. # وحين ينتهي يكون المساء قد حل، فلا يكاد يبدأ يحس بالوحدة ومن ثم ~~بالانزعاج، حتى يبدأ الأصدقاء والمعارف والزملاء يتوافدون على ~~مكتبه، ومن تلك الساعة يتحول مكتب كامل الشناوي إلى تلك المدرسة ~~الفكرية التي تدخلها فارغا وتخرج منها مكهربا كالبطارية التي ~~أعيد شحنها. كامل الشناوي جالس يتحدث ويفكر ويسخر ويناقش، صوته فيه ~~كل قوة الحياة وجسده فيه كل سخائها وعقله في دقة الجهاز الثمين، ~~ويخرج الآراء ويلقي بالمقترحات. # ومن اختلاف الآراء وتشعب الجدل تتضح عشرات الحقائق، وتنبت في ذهن ~~كل كاتب أو فنان ألف فكرة وفكرة، وينسى كامل الشناوي كل شيء إلا ~~أنه يزاول أحب عمل إليه، يتحدث إلى أناس يحبهم ويتحدثون إليه أحب ~~حديث، حديث الفن والسياسة والأدب. # ولكن الليل يمضي ويتسلل الجالسون واحدا وراء الآخر كالمذنبين ~~تتبعهم سخرية كامل الشناوي وعجبه من قدرتهم الخارقة على النوم ~~المبكر، إذ كيف يستطيعون النوم والدنيا مليئة بأجمل شيء فيها، ~~بليلها؟! # ولكن جلسة المناقشات ما تكاد تنتهي حتى تبدأ جلسة الحلقة الضيقة ~~من الأصدقاء، الموسيقى والأضواء الخافتة وصوت عبد الحليم وألمعية ~~عبد الوهاب، والضحكات. ضحكات هو محدثها ولولاه ما كانت، ضحكات يعبر ~~بها عن فرحه بالحياة ونشوته بالوجود مع أحباب، ms063 ضحكات وكأنما يدرأ ~~بها عن نفسه وعن أحبابه وعن الناس جميعا كل ما تبقى عالقا بذهنه ~~من شبح ذلك العدو المبين الذي طارده منذ الصباح. # ويظل الأستاذ كامل محاطا بالأصدقاء الأحباء حتى ينام. وينام ~~وصخبهم وضجيجهم لا يقلقه، بل لولا ضجة أصدقائه ما نام وكأنها ~~الموسيقى الحية التي لا بد منها لينام على وقعها كل مساء. يرشفونها ~~أروع مذاقا من قهوة الصباح، بينما آلاف القلوب والعقول تقرؤه ~~وتحبه وتحب الحياة وتتزود لخوض معركة النهار. يكون الأستاذ كامل ~~يقرأ جرائد الصباح هو الآخر، ويكون أول ما يقرؤه فيها هو صفحة ~~الوفيات. وكالعادة أيضا لا بد أن يكتشف أن أحد أصدقائه أو معارفه ~~أو زملائه القدامى قد مات، ويبدأ شبح العدو ينتصب أمامه، فيتولاه ~~الانزعاج، ويغادر الفراش على عجل. ويسرع ليقذف بنفسه في بحر ~~الأصدقاء والناس والإنتاج، يريد أن يهرب من الموت فيخلق حياة، أروع ~~حياة، تحببه وتحبب معه الأصدقاء والناس في الحياة. ~~(26) قنطرة الذي كفر # ليلة الأمس أمضيتها مع رواية فريدة في أدبنا العربي كله. الرواية ~~كتبها أستاذ له في كل فرع من فروع العلم والمعرفة باع، ولم أكن إلى ~~اليوم أعتقد أن له في الكتابة، ليس هذا الباع الطويل فحسب، ولكن ~~الباع الأصيل. لقد ذهلت وأنا أطالع صفحات الرواية القليلة (107ص) ~~من القطع الصغير. قرأت الرواية كملازم خارجة من المطبعة في جلسة، ~~واحترت قليلا، من يكون هذا الكاتب العملاق الذي كتب هذا العمل؟ فقد ~~دق الباب، وفوجئت بساع يحمل لي حزمة الملازم، وأفتش في الملازم عن ~~اسم للمؤلف فلا أجده. لا أجد إلا مقدمة صغيرة في صفحة واحدة مفادها ~~أن الموضوع عاش مع الكاتب ثلاثين عاما، وأنه لولا نصيحة من ~~الأستاذ محمد عودة ما كان قد أقدم على كتابته. # وحاولت الاتصال بعودة فإذا بعودة في كوبا مع مؤتمر التضامن، وإذا ~~بي وليس أمامي إلا نص من مؤلف مجهول. قرأته فأصبت بالذهول كما قلت، ~~فهذه الرواية القصيرة هي أروع ما كتب في رأيي عن ثورة 19 إذا نحينا ~~جانبا عودة الروح ms064 لأستاذنا توفيق الحكيم، والجزء الخاص بالثورة ~~في ثلاثية كاتبنا الكبير نجيب محفوظ. ولكن المشكلة في هذه ~~الرواية الفريدة أنها لا تتحدث عن ثورة 19 متعمدة عامدة كما حدث في ~~عودة الروح وثلاثية محفوظ. إن الحديث عنها يأتي هكذا تلقائيا ~~من داخل نفوس أبطالها ولا يملى عليهم من خارجها، أو توضع الثورة عن ~~عمد هندسي داخل الرواية. وأبطال الرواية أغرب، فهم سكان «ربع» من ~~الأرباع القائمة في المنطقة المسماة «تحت الربع»، وهم بائع صعيدي ~~سريح (كالشعراء في حيه)، وبنت تخدم في المنازل، وأمها العمياء، ~~ورئيس كناسين في التنظيم، ونجار، وخريج دار علوم لا يجد عملا، وفي ~~الوقت الذي تفور فيه البلاد بالثورة هو مشغول بتدبيج قصيدة لرئيس ~~الوزراء الجديد، يمدحه فيها ويلعن الوفد كي يرسله في بعثة لدراسة ~~الفلسفة في فرنسا. نفس هذا الانتهازي الوصولي ينتهي بأن يصبح من ~~تنظيم الوفد السري، وينتهي كمكافح إرهابي يغتال الإنجليز بالمسدس. ~~وقصة حب، أعظم وأروع ما قرأت من قصص الحب الشعبية بين «سيدة» ذات ~~الثمانية عشر ربيعا، والتي تبدأ بأن تصب الماء ليتوضأ الشيخ عبد السلام قنطرة خريج دار العلوم وتتسبب في توهانه عن الصلاة وعن ~~الله، وبين أحمد ابن النجار الذي مات بالشوطة وظلت سيدة في عقدة ~~ذنبها من أنها «قرفت» منه، حتى انتحرت بثمانين قرصا من الأدوية ~~المنومة حين افترسها نجيب باشا عاصم، نفس رئيس الوزراء الذي كان ~~يدبج له الشيخ قنطرة قصيدته، والذي أرسله بالفعل حين نشرت الأهرام ~~قصيدته في بعثة إلى فرنسا. عالم غريب رهيب عالم الربع هذا. وببراعة ~~أصيلة، براعة - على ما أعتقد - مؤلف الرواية تلك التي تحدث ~~التغييرات الخطيرة في الأدب في معظم الأحيان، يرسم الكاتب صورا ~~غريبة وكأنما لعالم خاص مسحور، وكل هذا بلغة عامة لا تحس للحظة ~~واحدة أنها عامية أو أنها غريبة لا على البيئة ولا على الصور ~~الفنية. أدق وأروع ما يمكن أن يصل إليه قلم فنان. # حيرتني الرواية وقرأتها مرة أخرى غير مصدق، وأخيرا تذكرت أن ~~الأستاذ أحمد طه كان قد حدثني في ms065 التليفون وأخبرني أنه سيرسل لي ~~رواية للدكتور مصطفى مشرفة لأراها وأقرأها قبل أن تنشر، ومنذ بضع ~~سنوات عرفت الدكتور مشرفة وهو شقيق عالمنا الكبير الذي فقدناه ~~الدكتور علي مصطفى مشرفة، عرفته للأسف وقد أصابه نوع من الالتهاب ~~المفصلي الذي جمد مفاصله كلها، حتى مفاصل فقرات رقبته، فأصبح لا ~~يستطيع أن يتحرك أو يتحرك أي جزء من أجزاء جسده، وإنما هو ينام ~~مستلقيا ليل نهار. فإذا عنت له بعض الخواطر أملاها على أحد ~~الأصدقاء أو على زوجة مخلصة من أخلص الزوجات في العالم على ما ~~أعتقد. فهي رغم شبابها قد وهبت نفسها تماما له ولمطالبه، عارفة ~~مقدرة محبة للعبقرية الكامنة في هذا الجسد الذي أجبره المرض على ~~الرقاد. إني أعرف الدكتور مصطفى مشرفة وأعرف أنه من عائلة مشرفة ~~إحدى العائلات الأرستقراطية في دمياط، فكيف يمكن أن يتأتى ~~للدكتور مصطفى أن يكتب عن شعبنا، عن أقل الدرجات في شعبنا، بكل هذا ~~الصدق والروعة والجمال؟ إن هذا لمما يناقض تماما ما ورد في ميثاق ~~المثقفين من أن أصل الأديب ينضح على إنتاجه، باعتبار معظم الكتاب ~~والفنانين من الطبقة الوسطى. وها هو يكتب عن الشعب، عن أقل الدرجات ~~في شعبنا الكادح بما لا يستطيع أن يفعله عامل أو فلاح، حتى لو أوتي ~~ثقافة جوركي وتولستوي. # أما قنطرة الذي كفر فهو لم يكفر أو شيئا من هذا القبيل، وإنما ~~هناك وصلة نابعة من درب الجماميز كان اسمها «قنطرة كفاريللي» وهو ~~اسم عالم صاحب الحملة الفرنسية - على ما أعتقد - فقلبها الناس إلى ~~قنطرة اللي كفر، ثم إلى قنطرة الذي كفر. وحيث إن أحد أبطال الرواية ~~اسمه الشيخ عبد السلام قنطرة فقد جاء الاسم من هنا، وجاء ليضيف ~~بعدا سحيقا إلى الرجل باعتباره قنطرة فعلا، وقنطرة الذي كفر ~~بالثورة ليعود يؤمن بها. # إن هذه الرواية على ما أعتقد ستكون حدث عام 1966 الأدبي، رغم أن ~~كل عتبي على كاتبها أنه تعسف في إنهائها، ربما لإحساسه أن قارئه لن ~~يتابعه، ولو عرف أن القراء كانوا على استعداد لمتابعته ms066 لمئات ~~الصفحات لما وضع لها هذه النهاية الحادة التي جارت على مصير بعض ~~أبطالها، ولكنها ستبقى رغم هذا عملا فريدا لن يتكرر في أدبنا ~~أبدا. ~~(27) نجيب محفوظ ومجاعة النقد # لأني أسهر دائما إلى ساعة متأخرة من الليل، أو في الحقيقة إلى ~~ساعة مبكرة من اليوم التالي، فإني لا أستيقظ مبكرا أبدا، وإنما ~~تأتي يقظتي من التليفون، ذلك الجهاز الذي تتدفق من خلاله الحياة ~~رغما عنك فتجذبك إلى دوامتها حتى من أحلى نومة. ولقد سعدت حقيقة؛ ~~فالمتحدث في ذلك الصباح كان الصديق الكبير الأستاذ نجيب محفوظ، ~~الذي بعد ثوان من المحادثة كانت تجلجل ضحكاته فتكاد سماعة التليفون ~~تشاركنا، من فرط الإغراء، في القهقهات. والظاهر أنها كانت ممتعة ~~حقيقة، فقد استمرت المحادثة ما يقرب من الساعة والنصف، وكان أهم ~~موضوع «جاد» أثاره كاتبنا الكبير عن النقد، وحزن نجيب محفوظ ~~لرؤيته كبار النقاد وقد انصرفوا تقريبا عن مزاولة واجبهم الأسمى، ~~وتركوا المجال لبعض الصبية الذين فهموا أن عظمة النقد تقاس بمقدار ~~ما ينعيه الناقد من فنون، وبرز هذا واضحا من خلال «تقييمهم» ~~للموسم الأدبي الماضي، فتخصص بعضهم في نعي القصة القصيرة، بينما ~~راح الآخر ينعى الشعر الجديد، ولولا بقية باقية من الحياء لنعوا ~~الرواية هي الأخرى والمسرحية. # وأشعرني حديث نجيب بخطورة الوضع، فهو يقول هذا في وقت تنشر فيه ~~مجلة الكاتب دراسة عن أعماله من أعظم الدراسات الأدبية المعاصرة ~~أصالة وجدة يكتبها أحمد عباس صالح، دراسة تكاد تكون هي العلامة ~~الوحيدة الباقية الدالة على أن الحياة في الحركة النقدية لا يزال ~~لها بعض النبض. ولكن نجيب محفوظ لم يكن يقصد شخصه فقط أو ~~الدراسات عنه، وإنما كان يذكر الحقيقة بشكل عام. والحقيقة أن ~~ناقدا كبيرا كالدكتور علي الراعي كف عن الكتابة، بينما أستاذ ~~كبير آخر كالدكتور لويس عوض انصرف إلى التأليف والترجمة، وكف ~~الأهرام الأسبوعي عن متابعة الحركة الأدبية كعهده بالنقد ~~والدراسات، وروز اليوسف وصباح الخير أصبحتا تنشران «آراء» ~~وانطباعات ووجهات نظر، ومعظمها عن الأفلام والمسرحيات، وكأن ~~المسألة قد أصبحت بالأسهل، وبينما اختفى ms067 النقد الإيجابي القائم على ~~الكدح الذهني وإعمال العقل للتقييم والاكتشاف والمقارنة، ازدهر ~~النقد السلبي الذي لا يكلف الناقد أكثر من سهرة يمضيها في مسرح أو ~~أمام شاشة تليفزيون أو سينما، والصفحة الأدبية لجريدة الجمهورية ~~تعتمد على مساهمة الكتاب من خارجها، وبالتالي فإنها لا تقدم مادة ~~نقدية مبنية على أساس من العمد والخطة. الأستاذ محمود أمين ~~العالم في المصور، والأستاذ رجاء النقاش في الكواكب، يكادان ~~يكونان وحدهما القائمين بمهمة متابعة الإنتاج الأدبي بالنقد ~~والتقييم متابعة أسبوعية، لا تتيح لهما فرصة دراسات أعمق، فحركتنا ~~الأدبية قد نضجت في إنتاجها إلى حد أن بدأت تتكون مدارس ومفهومات. ~~بدأت رواية جديدة تظهر، وقصة قصيرة جديدة، ومسرحية جديدة، وأشكال ~~مختلفة في الشعر الجديد، بل لدى الكاتب أو الشاعر الواحد بدأت ~~تتجمع خصائص وتتكاتف لتكون مرحلة أو انتقالا. هناك محصلة قوى ~~بطبيعة الحال، وكلمة ما تريد الحركة الأدبية الحديثة حبا في ~~النهاية أن تقولها. فما هي تلك الهجرة إلى التاريخ في المسرح، حتى ~~رأينا ثلاث مسرحيات متتابعة لثلاثة كتاب مختلفي النزعات تعود ~~القهقرى إلى التاريخ، وتحوم حول فترة تكاد تكون واحدة هي عصر ~~المماليك؟ ما سببها؟ ما أصلها، ومعناها وفصلها؟ وهل هي علامة صحة ~~أم علامة مرض، وما العلاج؟ # نفقد ولا نحظى بجديد # ألف مشكلة ومشكلة ونحن في النقاد نفقد ولا يضاف جديد. فقدنا ~~أستاذنا المرحوم الدكتور مندور، وأستاذنا العقاد، والملتزم ~~الجاد القدير أنور المعداوي، دون أن يضاف للقائمة اسم جديد. ~~بل مع اختفاء الدكتور الراعي اختفى أيضا الدكتور عبد القادر القط، والدكتور رشاد رشدي كف هو الآخر عن النقد، ~~الدكتورة سهير القلماوي تكتفي في أحاديثها الإذاعية تقريبا ~~بكتب التراث، حتى الأستاذ أنيس منصور تحول من نقد الأدب إلى ~~نقد الظواهر الغامضة في الكون. إن الركيزة الأولى لأي «حركة» ~~أدبية هي الناقد الكبير، فبلا ناقد لا يمكن أن توجد حركة، ~~وإنما يتحول الأدب إلى ظاهرة إنتاج فردي، وهو الوضع الذي آلت ~~إليه حركتنا الأدبية التي لم يعد بها إلا منتجون، مصير إنتاجهم ~~محمول على كف عفريت. ms068 قد نفقد أجل الأعمال وتئوب إلى الإهمال ~~والنسيان؛ لأن حظها - مجرد حظها - عاثر، وقد تتسلط الأضواء ~~بحكم الصدف وحدها لترفع عملا لا يستحق الذكر. في الحقيقة أصبح ~~مصير أثمن ما تنتجه قرائحنا في الأدب والفن متوقفا على هوى ~~ومزاج أناس غير مسئولين، يزاولون النقد كهواية، وبالمناسبة بلا ~~أي التزام أو فهم أو أساس. معظمهم أناس لديهم الفرصة للكتابة ~~في المجلات والجرائد وممن لهم حق قول الرأي والتوقيع بالاسم. ~~حياة أي عمل فني أو مصيره أصبح معلقا برأي هؤلاء بطريقة كف ~~الجمهور معها عن تصديق ما يكتب أو الإيمان به، فكثيرا ما تحشد ~~من هذه الأقلام مظاهرة تشيد بفيلم أو مسرحية مثلا وترفعها إلى ~~عنان السماء، ويذهب الناس لرؤيتها فإذا بهم يفاجئون بالعمل لا ~~يمت بصلة إلى ما كتب عنه. وخطورة حملة هذه الأقلام، ولأنهم ~~ليسوا نقادا ولا يحملون في صدورهم المسئولية التاريخية عن ~~الحركة الأدبية والفنية ولا يؤرقهم أي التزام، خطورتهم ألا ~~رقيب عليهم فيما يقولون غير ضمائرهم، وفي أحيان كثيرة لا ترتبط ~~ضمائرهم بوجه الحق وحده، إنما ترتبط بوجه المصلحة أو العلاقة ~~الشخصية. وهكذا أصبح مصير عملك، مصير كتابك مثلا أو مسرحيتك، ~~معلقا بعدد معارفك من حملة هذه الأقلام ومبلغ حاجتهم إليك أو ~~خوفهم منك. وفي الماضي حين كان الكبار جميعهم ينقدون، كانت ~~أحكامهم أحيانا تختلف. هذا صحيح، ولكن مهما بلغ اختلاف وجهات ~~نظرهم فإن عملا جادا كان من المستحيل أن يفلته انتباههم، ~~وكان من المستحيل أيضا أن يسمحوا بمرور عمل رديء، فما بالك ~~بتكريمه وتتويجه؟ # إن حركتنا الفنية والأدبية اليوم تشبه مباراة كرة بلا حكم، ~~بل إن الأدهى والأمر أن اللعيبة قد أصبحوا الحكام، والكتاب ~~المنتجين قد أصبحوا ينقدون، والنقاد بدءوا ينتجون كتبا ~~وأعمالا سينمائية ومسرحية، ويكاد صوت الحق وسط هذه الفوضى ~~كلها أن يضيع. # وليس الحق وحده. لقد ذكر لي نجيب محفوظ أن النقد بالنسبة ~~إليه كان البوصلة له والمرآة. وقد تحمست وأنا أقره على رأيه، ~~فالكاتب حين يكتب قصة أو قصيدة قد يحيط بكنه ما فعله ms069 فيها. ~~ولكن تظل في العمل زوايا وأبعاد لا يمكن أن يدركها من تلقاء ~~نفسه، ولا بد من الناقد الجاد ليدله بالضبط على ما فعل، أين ~~وصل؟ وإلى أي اتجاه هو ذاهب؟ وهل وفق أم كان هيكل عمله ~~«العظمي» ناتئا في بعض أجزائه يتطلب كما أكثر من اللحم ~~والدم ونوعا آخر من العلاج؟ إن الشيء الذي لا يعلمه الناس أن ~~الناقد هو ركيزة الحركة الأدبية الأولى؛ لأنه هو عيون الكاتب ~~وأسماعه، هو الذي يرى له، وبالأمانة المطلقة يخبره. # وهكذا، ومن خلال وجهة نظر الناقد تتحدد للكاتب أحجام عمله ~~وأشكاله وأعماقه، وعلى هدى ما رآه تتضح له العيون الخفية التي ~~لا يدركها سواه، ويغير أو يبدل من خط سيره، أو يطمح في طريق ~~آخر، أو حتى يكف تماما عن الخضوع لمدرسته. باختصار بلا ناقد ~~لا يستطيع الكاتب الجاد أن يواصل عمله. لهذا فالخلق والنقد في ~~الحقيقة عملية واحدة نتيجتها العمل الفني المتكامل. إن الكتابة ~~المتصلة تتصل؛ لأنها محاولة الكاتب المستمرة للاقتراب من ~~الصورة المثلى المرسومة في ذهنه. وإذا كان الكاتب باستطاعته أن ~~يرى الصورة المثلى التي يريد الوصول إليها، فللأسف ليس ~~باستطاعته أن يرى الصورة التي ينفذها فعلا وينتجها. الناقد ~~يراها له، وفي نفس الوقت يراها الناس. إن الناقد «يقرأ» لنا ~~الكاتب، وقد نظن أن باستطاعتنا القراءة بمفردنا، ولكن يكفيك أن ~~تقرأ هاملت شكسبير بمفردك ثم تقرأها بعد أن تكون قد قرأت «نقد» ~~دوفرلسون لها. ستحس أنك كنت كمن لم يقرأها، وكأن دوفر علمنا ~~كيف نقرؤها. # ليست مسألة شخصية # الوضع كما ترى خطير، يستشعر خطره كاتب كنجيب محفوظ. قد يعتقد ~~البعض أنه لم يعد بحاجة إلى النقد أو النقاد، في حين أنه كلما ~~قارب الكاتب من نضجه؛ أي كلما اندفع في تجاربه الفنية إلى ~~أعمق، أحس بالضرورة القصوى للوقوف على كنه ما يفعله، والغريب ~~أني أصبحت كلما أخرجت كتابا يحوي مجموعة قصص وأحسست بحاجتي ~~لنقدها، كان بعض الإجابات من زملائنا النقاد غريبة تدفع ~~للذهول. أكثر من مرة قال لي أكثر من ناقد: ms070 الحقيقة أننا نرى ~~أنك لم تعد بحاجة إلى النقد أو الكتابة عنك، ونحن نفضل في هذه ~~الحالة أن نكتب أو ننقد كاتبا ناشئا جديدا. وأن يهتم النقاد ~~بالكتاب الجدد واجب أكيد، ولكن غير المعقول أن يكون هذا ~~الاهتمام على حساب أن قصصي لم تعد بحاجة إلى النقد، وكأن النقد ~~أصبح يفهم على أنه «دعاية» للكاتب أو لأعماله بحيث توجه لمن هو ~~في حاجة أمس إليها. للأسف يغزو المفهوم الغريب للنقد عقول بعض ~~نقادنا، ويحسون - على الأقل بينهم وبين أنفسهم - أن كتابتهم عن ~~فلان دعاية له. وربما من أجل هذا المفهوم نفسه انكمش النقد ~~وتضاءل عدد النقاد؛ إذ لا بد أن عددا منهم أحس أنه لا يفعل ~~أكثر من «الدعاية» لهذا الأديب أو ذاك، فيصبح الأجدى حينئذ أن ~~ينتج هو ويصبح أديبا مثلا، وأن يكف أصلا عن النقد استخسارا ~~لجهده أن ينفقه في تمجيد الآخرين. # هذا هو أخطر ما يمكن أن يصير إليه مفهوم النقد، أن يصبح ~~عملا شخصيا يرتبط بشخص الكاتب أو الناقد، وأن يفقد معناه ~~الحقيقي الموضوعي. إن الكاتب الحقيقي يدعي إذا هو اعتقد للحظة ~~أنه ينتج ليصنع له اسما رنانا كالطبل. إن الكاتب الحقيقي ~~تزعجه في الواقع الشهرة وإن كان يستمتع بجزئه البشري العادي ~~بها، ولكنه لحظة الجد لا بد أن يحس أنه إنما يكتب لأنه يؤمن ~~برسالة ما، أو بجمال ما، أو بقيمة ما، يهب نفسه للتبشير بها ~~وترويجها. والناقد الحقيقي يتناول أعمال الكتاب لا لأن هذا ~~صديقه أو أنه معجب بذاك، وإنما لأن الكتاب وأعمالهم هم مادته ~~الخام التي من خلالها يدعو لرأيه وفلسفته والقيم الروحية ~~والجمالية والفنية التي يؤمن بها. إنه أيضا يستسلم للضعف ~~البشري، إذا هو أحس أنه يكتب عن فلان أو يروج لأعماله بالكتابة ~~عنه، إن المسألة بعيدة كل البعد عن شخص الكاتب وشخص الناقد، إن ~~الحركة الأدبية والفنية تئول إلى جحيم حين يتحول اهتمام ~~القائمين بها من الأعمال والقيم إلى أشخاصهم وأشخاص غيرهم. إن ~~الذاتية والذاتية الغيرية هي عدوة الفن اللدودة، كما ms071 هي عدوة ~~العلم والثورة وكل عمل إنساني شريف. بهذا المفهوم الضيق يتحول ~~الحقل الفني المليء بالزهور وأنماط الجمال إلى غابة يصطرع فيها ~~وحوش، كل منها ينشد التهام غيره وتضخيم ذاته. لكي يقر النظام ~~وتحرق الغابة وتنقرض الوحوش وتستحيل إلى بلابل مغردة. لا بد أن ~~يستيقظ النقاد الكبار ويحسوا بخطئهم البشع ومسئوليتهم الكبرى ~~عن الكارثة، ومن جديد يطبقون المقاييس الموضوعية. من جديد يبدأ ~~الحق يسود والعدل، من جديد يبدأ الحماس للخلق، للأصالة، للقيم ~~الفنية المهدرة، من جديد يطغى الإحساس بالفن وحده مهما كان شخص ~~منتجه، من جديد يبدأ الجمهور يثق في كلمة النقد المكتومة، ~~ويؤمن بأن الرأي الصادر لم يصدر إلا عن إيمان حقيقي لا يخالطه ~~الهوى أو الشلة أو المصلحة، من جديد ينكمش عدد هواة النقد ~~المخربين ويزداد عدد الجادين البنائين، من جديد يذهب رعب ~~الكتاب وإشفاقهم على مصير أعمالهم، وجريهم بطريقة مخجلة وراء ~~كسب الأقلام المؤيدة، ويصبح كل عملهم مقصورا على الإنتاج، أما ~~ما بعد فهو مسئولية حركة نقدية كبيرة ملتزمة عاقلة، من جديد ~~يبدأ كاتب كبير كنجيب محفوظ «يرى» ما قدمه كي يعرف طريقه إلى ~~تقديم غيره. ~~(28) وداعا، لهيمنجواي # أحسست بفجيعة تكاد تكون شخصية لوفاة هيمنجواي؛ لا لعظمته ~~ككاتب، ولكن لعظمته فوق كل شيء كرجل، وحقيقة مسلم بها، نادرا ما ~~اجتمعت الموهبة العظيمة مع الشخصية العظيمة، فمعظم الكتاب يكتبون ~~عن البطولة والأبطال؛ لأنهم ليسوا أبطالا وليس في حياتهم بطولة، ~~وقليلون منهم يكتبون عن الأبطال؛ لأنهم أنفسهم من الأبطال، ولأن ~~البطولة عندهم أعمال عادية يزاولونها دون إحساس بأمجادها أو ~~خطورتها. هيمنجواي كان من ذلك النوع، ولم تكن بطولته أنه غزا ~~الأقطار أو أقام إمبراطوريات أو انتزع لنفسه تاج اشتغاله بمعركة ~~الإنسان، بطولته كانت أنه عاش الحياة بجرأة بمثل ما يجب أن تعاش به ~~الحياة، وواجهها، بطولته أنه كفرد وكرجل أدرك مشاكل عصره واقتحمها، ~~وظل يقتحمها، ويؤمن بعمق أن عمله كإنسان، كآلة الحياة الكبرى، أن ~~يظل يواجهها ويقتحمها، حتى في أقسى وأقصى صورها ظل يواجهها. # وحين حدثت النتيجة الثانوية لذلك ms072 الهدف وأصبح هيمنجواي كاتبا ~~شهيرا مرموقا، كانت النفس الكامنة فيه أكبر من أن تشغلها متعة ~~الجلوس على عرش المجد والشهرة، وآثر أن يظل لدى نفسه الرجل المقتحم ~~للحياة والمشكلة، ونبذ العرش وحمل البندقية ومضى يحارب بجانب الحق. ~~وحين أدرك أن الحرب بجوار الحق لها نفس بشاعة الحرب بجوار الباطل، ~~سئم حرب الرجال جميعا. وباستطاعتي أن أضيف أنه سئم أيضا عالمهم، ~~ومضى يقتحم عوالم الكائنات الأخرى في أحراشها وحلقات مصارعتها. في ~~أدغالها وبحورها، يؤدي دور الصائد، دور الرجل من قديم الزمان، ~~ويؤديه بكل ما يملك من قدرة وكمال مثلما كان يكتب، فكتابته لم تكن ~~تنبع عن نقص، كانت تصدر عن كمال، وإحساس بالكمال، إن قصصا مشهورة ~~كثيرة لكتاب مشهورين تقرؤها فلا تجد فارقا بين أن يكون كاتبها ~~رجلا أو سيدة أو شابا أو شيخا؛ إذ من الممكن أن يكون أحدهم أو ~~كلهم كتابها. هيمنجواي هو الوحيد الذي تحس إذا قرأت له أنك تقرأ ~~لرجل ناجح خبير، جملته جملة رجل، وحواره حوار رجل، وحبه حب ~~رجال. # وأمثال هيمنجواي، ذلك النوع الذي لا يوجد فاصل بين حياته ~~ومؤلفاته، بين أفعاله وتصرفات أبطاله، أمثال ذلك الرجل تصبح حياتهم ~~في الحقيقة أروع وأعظم أعمالهم الفنية على وجه الإطلاق، فهم لا ~~يحيونها كيفما اتفق، إنهم يؤلفونها قبل أي شيء. وإذا تتبعنا تاريخ ~~حياة هيمنجواي لأدركنا على الفور أنه لم يعش الحياة كما تطفو ~~الخشبة على سطح البحر تحركها الأمواج كيفما تريد، أبدا، لقد كان ~~مزودا بموتور إرادي هائل استطاع به أن يشق البحر، ويخضع ما هو ~~موجود لما يريد ويخطط لحياته وكأنه يخطط أعظم حياة لأعظم بطل. ~~لوجدناه في كل ثانية من عمره الأول يقف، ويصر على أن يقف، لا حيث ~~توجد مصلحته، وإنما كما يقول البطل الآخر كاسترو «حيث يوجد ~~واجبه»، حيث القتال على أشده في إيطاليا، وحيث المعركة من أجل ~~الحرية دائرة في إسبانيا، دائما حيث يقف الرجال. # وكل أعمال هيمنجواي لم تكن إلا المذكرات الشخصية للبطل الذي ~~بإرادته خطط له ورسمه. وكل ما ms073 فيها من أمجاد، أمجاد خلقها ~~هيمنجواي الرجل قبل أن يخلقها هيمنجواي الكاتب، أو على وجه أصح ~~نقلها الكاتب عن تجربة الرجل. # أليس من المضحك بعد هذا أن نتساءل: هل انتحر هيمنجواي أم مات ~~قضاء وقدرا؟ # أرأينا في حياتنا قصة انتهت قضاء وقدرا؟ # أرأينا قصة تنتهي دون أن يتولى كاتبها إنهاءها بنفسه وبإرادته، ~~دون أن يضع لها، وبكل دقة، الخاتمة التي ترتفع بها إلى أقصى درجات ~~الإتقان؟ # وهل هناك شك؟ لقد انتحر هيمنجواي، أقصد بيده أنهى حياته، ~~بإرادته وضع خاتمة أعظم أبطاله، نفسه! وإني لأنحني له احتراما، ~~فما أروع الخاتمة وما أليقها بالبطل! وهل كان معقولا أن يظل رجل ~~مثله حتى يهمد ويشيخ ويصيبه الشلل ويصبح نفاية تتولى الشيخوخة ~~والموت وضع النهاية لها؟ # هل كان معقولا أن الرجل الذي ظل حياته كلها يحارب الموت والضعف، ~~ينتظر حتى ينهيه الضعف والموت؟ إني لأكاد أحس به في أعظم لحظات ~~حياته. اللحظة التي وقف فيها يتأمل ما سبق من حياته وما سيجيء. ~~اللحظة التي تأمل فيها جسدا جاوز الستين، وروحا بدأت تشيخ، ~~وإرادة دب فيها الوهن وبدأت ترضخ للواقع والموجود، اللحظة التي ~~تأمل فيها ما فعله فوجد أنه حارب إلى جوار الحق حتى يئس من نصرة ~~الحق فبدأ يحيا لنفسه، وببطولة الرجل أيضا حتى أشبع نهمه إلى حياة ~~الصائد، اللحظة التي تأمل فيها العالم من حوله وأحس بمشكلاته أكبر ~~وأسخف وأعقد من أن تحلها جهوده وحده، أو جهود أي إنسان بمفرده، أو ~~حتى باستطاعة أي فرد مهما عظم أن يشارك في حلها، تأمل عالما غير ~~عالم 14و36 و39، عالما جديدا مربكا مخيفا، الرأي فيه يختبئ ~~وراء الصاروخ، والمعارك بين دول جبارة القوة. عالم دول لا رأي فيه ~~لأفراد حتى لو كانوا أفرادا عظاما كهيمنجواي، عالما حين خرج ~~أخيرا للبحث عن الحق فيه تاه في البحر ووجد القارب مثقوبا واصطاد ~~السمكة، ولكن التهمتها منه وحوش «القرش» وعاد متعبا، شيخا، ~~ضعيفا، حزينا. إني لأكاد أحس بهيمنجواي وهو في أعظم لحظات ~~حياته وهو يدرك وهنه الشخصي ويستبشعه ms074 ويستنكر أن يعيش مهزوما ~~كجسد، ويدرك كنه العالم من حوله فيجد ألا بقاء فيه إلا أن يرضى من ~~يريد البقاء بنصيب المغلوب، المغلوب على رأيه. فهل يرضى البطل ~~بنصيب المغلوب؟ هل يقبل أن تستمر الحياة لا كانتصار للحياة وإنما ~~كهزيمة لها وضعف؟ وهل يقبل هذا بأي ثمن، ولو كان الغلب على الأمر ~~والرأي؟ هل يقبل الرضوخ للزمن ويقنع من الحياة الماثلة بشيخوخة ~~هادئة، ساذجة لا تحمل الهم؟ أم ينهي القصة هنا، وبالضبط هنا؟ ~~وحسنا وما أروع وأعظم ما فعلت يا هيمنجواي! # وا أسفي عليك أيها العالم، عالمنا، حين يصبح خير ما يفعله الرجل ~~الفرد الواعي بك وبمشاكلك أن يفضل الموت على البقاء حيا فيك. ~~وأسفي أعظم حين تصبح ميتته غير مستنكرة أو ممجوجة، بالعكس شريفة ~~رائعة، ميتة أعظم بكثير من حياة الكثيرين. # إن شجاعة هيمنجواي في إنهاء حياته لا يعادلها في رأيي إلا ~~شجاعته في مزاولتها، أجل، أخيرا، في عالم مطحون بالعدد والمكن ~~والتوتر والحيوانية، ها هو صوت يتصاعد، من أمريكا، وينطق قائلا: ~~أنا بشر، أنا رجل، فقد كان بوسعي أن أظل أعيش ولكني فضلت أن أموت ~~حين رأيت أن حياتي لن تليق بي كبشر وكسيد هذا العالم، كرجل. # أيها الرجل الكبير لقد كانت موتتك مثل موتة الشهداء في الجزائر ~~وفي كل مكان، من أعظم أحداث الإنسان، فأنت بموتك لم تمت وإنما ~~انتصرت على الموت، وعلى الحياة، وعلى عالم الرجال الصغار، اللاأبطال، عالمنا، إني أحسدك! ~~(29) نقاش # قضيت اليوم كله في نقاش مستمر مع يسري، هو يحاول أن يقنعني ~~بالعودة لمزاولة الطب، وأنا أحاول إقناعه بضرورة أن يعود هو ~~للكتابة ومزاولة الأدب. # والغريب أن هذا الموقف ذكرني بموقف متشابه له تماما حدث منذ عشر ~~سنوات حين كنا لا نزال طلبة في الكلية، وكان يسري يحاول إقناعي فيه ~~بضرورة ترك تلك المهنة البغيضة (الطب)، والتفرغ نهائيا لعالم الفن ~~الرحب العريض، وكنت أنا أحاول إقناعه بضرورة مواظبته على الكلية ~~حتى يتخرج ويصبح طبيبا. # وكنت وأنا طالب مثالا للطالب المجد المواظب على حضور العمليات ms075 ~~والمحاضرات والمرور، ولم يكن في إلا عيب واحد صغير، هو حبي للقصص ~~إلى درجة لا تليق بطالب طب «دكتور». بل أكثر من هذا كان الضعف ~~يستبد بي إلى درجة أني أحيانا كنت كل ثلاثة شهور أو أربعة أكتب ~~قصة أخفيها في قاع مكتبي ولا أطلع عليها أحدا، فالطلبة من حولي ~~كلهم مشغولون بتلقي أسرار علم الكهنوت الأكبر، يحيون في مجتمع مغلق ~~عليهم وعلى الجثث والمراجع الضخمة، مجتمع نجومه علي إبراهيم وعبد ~~الله الكاتب ومورو، وليلة القدر عند أي منهم أن يصبح نائب جراحة، ~~وأنا سائر معهم مدفوع بحركتهم في سبيل التسابق والتنافس واستيعاب ~~كل ما يمكن استيعابه من الأسماء اللاتينية المعقدة، والمراهنة على ~~اسم عصب صغير مهمل يرقد في مكان ما من فروة الرأس. # ولكني أحس بطريقة ما أن الجو ليس جوي، والهدف هدفهم هم وأنا أجري ~~إليه فقط؛ لأني أرى كل من حولي يجري إليه. في تلك الأثناء قرأت ذات ~~يوم قصة في مجلة القصة لكاتب اسمه محمد يسري أحمد أذهلتني، واعتبرت ~~أن كاتبها لا بد فلتة؛ إذ لم أكن قد سمعت هذا الاسم من قبل أو قرأت ~~له. وظلت القصة وإعجابي بها يملآن علي نفسي إلى أن حدث وعرفني أحد ~~أصدقائي القليلين من الطلبة في جلسة من جلسات البوفيه المشهورة ~~بزميل كان يجلس مقطب الجبين، عازفا عن الاشتراك في حديث الطلبة ~~التافه، وقال محمد يسري أحمد. ولم أصدق أبدا أنه هو كاتب القصة ~~التي أذهلتني، ولم أستطع أبدا أن أهضم أنه هو الآخر طالب في ~~الكلية، بل في نفس الدفعة، بل في مجموعتي التي تبدأ بحرف الميم ~~وتنتهي بحرب الياء. غير أن عجبي زال حين عرفت أنه على عكسي وعكس ~~طلبة الطب جميعا بينه وبين الكلية نوع من سوء التفاهم وعدم ~~الاستلطاف، فهو لا يأتي إليها في العام إلا مرة أو مرتين ليطمئن ~~على أنها لا تزال موجودة لم تلغ بعد، أما بقية الوقت فهو مشغول ~~بأشياء أخرى. ولم يكن هذا أول طالب بلطجي أقابله في الكلية، ولكن ms076 ~~البلطجية الآخرين كانوا يتركون الكلية للنساء أو الليالي الحمراء ~~والخضراء، أو أشياء أكثر إغراء من الطب. أما أن تترك الكلية لكتابة ~~القصص فهو نوع غريب حقا من البلطجة! # ومنذ ذلك اللقاء لم نفترق. وبعد أن التقينا عدة مرات ووثقت به ~~تماما، صارحته بأني أحيانا أكتب قصصا ولكني أخاف أن أطلع عليها ~~كائنا من كان. وفوجئت حين لم تبد على ملامحه أية علامة من علامات ~~السخرية - بل حدث العكس - وجدته يبتسم لي في ترحيب شديد، بل وجدت ~~نظرته تحفل بإكبار وإجلال لم أكن أتوقعهما، وأصر على استصحابي لكي ~~نقرأ ما كتبته. # وفي وجل شديد، وبقلب يدق، قرأت له آخر قصة كتبتها. وكدت أعتقد ~~أنه مجنون حين وجدته قد أعجب بها، وظل يتحدث معي بضع ساعات ~~عنها. # ولأول مرة أحسست أن كتابة القصة ليست عيبا أو شيئا مخلا ~~بالشرف، وأهم من هذا هو أن الإقناع جاء من طالب طب زميل. وحين ~~غادرني يسري ليلتها أحسست أني أقف على باب عالم جميل غريب مجهول ~~أهون شيء على الإنسان أن يهب عمره لتفقده وتعرف مخابئه وأسراره وكل ~~ما يحتويه. # وليال طويلة قضيناها يقرأ لي ما كتبه وأقرأ له ما كتبته، وشوارع ~~«المدينة النائمة» نجوبها سيرا على الأقدام جوعى مفلسين، نبحث عن ~~الحقيقة ونناقش الفن والخلود وأصل الكون، والفرق بين رومانسية ~~إيليا أبو ماضي ورومانسية ناجي. وكل موضوع نطرقه نتفق فيه بطريقة ~~غريبة إلا موضوع الكلية. أنا أحاول أن أجعله طالبا مواظبا وهو ~~يحاول إقناعي بترك الكلية نهائيا وإلقاء نفسي في بحر الفن الذي ~~لا يغرق فيه إنسان. ولم ينجح في إقناعي ولم أنجح في إقناعه. وجاء ~~الامتحان وتخرجت. وما كاد يمضي على تخرجي بضعة شهور حتى أدركت أن ~~يسري على حق، وأني لم أخلق للطب، وقذفت بنفسي في بحر الفن لأسبح ~~وحيدا؛ فيسري كان قد اقتنع، ولا أدري كيف، أن المواظبة على الكلية ~~والنجاح ليس عيبا ولا شيئا مخلا بالشرف. وهكذا نجح وأصبح ~~طبيبا، وسرعان ما احتواه عالم الطب وما فيه من أسرار ومشاكل، ms077 وترك ~~الكتابة نهائيا. # وافترقنا ... # ومن شهور قليلة جاء يسري من السودان بعد أن زاول الطب حتى شبع، ~~وأقسمت بيني وبين نفسي ألا أدعه يفلت هذه المرة، ولا بد لي من ~~إقناعه بالعودة إلى مجال هو فارسه الأول بلا منازع. ويبدو أنه هو ~~الآخر كان أضمر في نفسه شيئا، فقد وجدت منه إصرارا غريبا على أن ~~أعود لمزاولة الطب. ولكي يتحقق هدفي وهدفه تظاهر كلانا أنه قد ~~اقتنع بوجهة نظر الآخر، وقررنا أن نفتح عيادة معا، يحاول هو أن ~~يجرني بها إلى الطب وأحاول أنا أن أخرجه منها إلى عالم ~~الكتابة. # ولا يزال النقاش بيننا حادا مستعرا، وأخوف ما أخافه أن ينجح ~~يسري في إقناعي وأفشل في إقناعه. # إني لأشفق على عيادتنا المشتركة في عشش الترجمان من الصراع ~~الرهيب الدائر فيها. ~~(30) داخل الصندوق معركة # الكتاب حقيقة صغير في حجمه، ولكني ترددت طويلا وأنا أقلب ~~صفحاته. وكل كتاب في رأيي صندوق مغلق قد تفتحه فتفاجأ بكنز، وقد ~~تضني نفسك فلا تخرج في النهاية إلا بقبضة لآلئ زائفة، ولكني هذه ~~المرة متأكد من صاحب الصندوق، فمحمود أمين العالم قد دخل حياتنا ~~الثقافية والأدبية من أوسع أبوابها، دخل ليحتل المكان المرموق ~~الشاغر، وحياتنا الأدبية الجديدة كانت في حاجة إلى الناقد الجديد ~~الذي يستطيع أن يدرك أبعادها ويفهمها ومنها نفسها يستخرج الجوهر ~~إلى الناس، يحسده ويدافع عنه، كانت في حاجة إلى الناقد الذي ينبع ~~منها ليرعاها، وبأنامله المخلصة المحبة يحدد مواطن القوة فيها، ~~وبقلبه المشفق يلمس مواطن الضعف، وهكذا، وفي أقصر وقت أصبح محمود ~~أمين العالم، هذا الناقد الذي تبوأ مكانه عن جدارة بين رعاة الحركة ~~الأدبية الجديدة التي بشرت بالثورة وتفجرت معها. # وصحيح أن نقاد هذه الحركة كثيرون، بحيث أصبح كل من باستطاعته أن ~~يردد كلمة الحرية أو الاشتراكية أو المضمون التقدمي أو الفن للشعب ~~ناقدا محسوبا عليها، ولكن هؤلاء الجديرين فعلا بكلمة ناقد - تلك التي ترتفع في رأيي إلى مستوى العدل السماوي - قليلون، ~~والموهوبون الذين باستطاعتهم - فوق الإخلاص والصدق - أن يعبروا عن ~~رأيهم ms078 هذا تعبيرا يرتفع إلى مستوى الفن لتصبح أعمالهم النقدية ~~أعمالا فنية تستوحي مادتها من الأعمال الفنية للآخرين، هؤلاء ~~الموهوبون أقل. وداخل هذه الدائرة الضيقة تنوعت اهتمامات رعاة ~~الحركة الأدبية الجديدة، فكان اهتمام الدكتور علي الراعي يتجه أكثر ~~إلى التذوق الفني على مستوى رفيع، وكان اهتمام أحمد عباس صالح ~~مركزا أكثر على الحكم الصارم لتحديد مدى قربها أو بعدها عن الفن ~~بمفهوماته المتطورة الجديدة، في حين وهب رجاء النقاش نفسه للدفاع ~~عما ينتقيه ليعتبره النموذج للشكل والمضمون الجديدين معا وما لا ~~يعجبه فهو أصلا لا يكتب عنه، أما الزميل الكبير أحمد رشدي صالح ~~فهو وإن كان من أعمدة هذه الحركة الجديدة إلا أنه في حكمه عليها ~~فإنه لا يختصها بتحيز ولا يفرق في حكمه بين جديد أو قديم، وإنما ~~يتحمس للجيد في رأيه أنى وجد، بل إنه في أحيان يتحفظ وكأنه ناقد من ~~أجيال الشيوخ، فلا يأتي اعترافه بالجديد إلا بصعوبة. # وبقي لهذه الحركة من رعاتها مثلان بارزان على طرفي نقيض، ~~فالدكتور لويس عوض ليس مجرد ناقد لهذه الحركة أو راع، ولكنه ~~وكأنه عالم أدب، فكما يحفر في القديم ليعثر على رموز تخدم المدرسة ~~الفكرية المتكاملة التي يحاول إنشاءها، فهو أيضا في الجديد مشغول ~~إلى درجة عظمى بالتنقيب عن الرموز الجديدة يفكها ويحللها ويصلها ~~بالقديم ويقيم من هذا كله دعائم مدرسته. # الأستاذ محمود أمين العالم هو الآخر صاحب مدرسة تختلف في رأيي ~~اختلافا جذريا عن مدرسة الدكتور لويس عوض وإن كانت تتفق في ~~الوسيلة، فالعالم أساسا فيلسوف. وفي الحركة الأدبية الجديدة من ~~الأعمال ما يجد فيه صاحب فلسفة واضحة محددة مثله ما لا بد أن يأخذ ~~منه موقفا، إما بالإشادة وإما بالرفض. وميزة العالم أن الفلسفة ~~عنده ليست موضوعا أكاديميا أو معادلات رياضية، ولكنها قضية تكاد ~~تصبح - بل تصبح فعلا - قضية حياة أو موت. وقد أخذ البعض على محمود ~~العالم حماسه وهو يعرض آراءه، ولكنها في الحقيقة ليست حماسة، إنها ~~اهتمام رجل وهب نفسه لرأيه وللدفاع عن وجهة نظره، وفعل هذا ms079 بكل ذرة ~~قدرة لديه. وهذا هو أروع ما في الموضوع. # الخطورة في حامل الشعار # فليست المشكلة في رأيي هي أي رأي تعتنق، فلتعتنق ما شئت من ~~آراء ولكن المهم هو مدى إخلاصك لهذا الرأي ومدى صدقك مع نفسك ~~ومع الآخرين، فحتى لو كنت مخطئا، حتى لو عاديت الاشتراكية ~~مثلا عن إحساس حقيقي وعن إيمان، فعن طريق إيمانك والمجاهرة ~~به، عن طريق الصدق لا بد حتما أن تصل إلى الصواب. إن ~~الصادقين فقط هم الذين يصلون دائما إلى الحقيقة حتى لو فرض ~~وبدءوا من بداية خاطئة. ومحمود العالم مثله مثل الآلاف من ~~مواطنينا المخلصين لم يولدوا بالآراء التي يعتنقونها الآن، ~~وكثيرون منا بدءوا حياتهم الوطنية والعقائدية بالانضمام إلى ~~مصر الفتاة أو الإخوان، ولكن رغبتهم العارمة في الوصول إلى ~~الحقيقة، صدقهم مع الآخرين ومع أنفسهم كان لا بد أن يقودهم ~~حتما إلى الطريق الصواب. المشكلة في رأيي، بل الجريمة هو ما ~~نراه لدى بعض الناس، أولئك الذين - ويا للغرابة - يضعون أنفسهم ~~في مكان الصدارة من الدفاع عن الحرية والعدالة والاشتراكية، ~~أولئك الذين لا تسمعهم إلا مجعجعين بكلمات طاهرة نقية مثل ~~الشعب والتقدم وشرف الكلمة، الواضعين أنفسهم دائما في مكان ~~القضاة يحكمون على خلق الله بالانحراف أو بالعداء للشعب أو ~~الرجعية أو الانتهازية والنكوص والخيانة والتردد، الذين نصبوا ~~من أنفسهم مبشرين بالأخلاق الفاضلة والسلوك السوي وهم في ~~حقيقتهم نماذج بشعة للالتواء والجبن وكل سلوك أعوج. كم من ~~الناس «يلتزمون» بحناجرهم فقط، تقرأ للواحد منهم أو تسمع فيخيل ~~إليك أنه راهب شعبي يتعبد في محراب التضحية والبطولة والكلمة ~~الشريفة، ولكنك تفجع حين تعرف أنه يتخذ من هذه المعاني تجارة ~~رابحة لا تكلفه إلا ترديد هذه الكلمات بمناسبة وبلا ~~مناسبة. # إنه الشيء الذي يدفع حقيقة للاشمئزاز أن ترى تلك النماذج من ~~الكائنات التي لا تحوي في أعماقها ذرة واحدة من ذرات الخير، ~~بله التقدم، وهي تحمل راية الشعب وتجأر باسمه. نماذج، يا لها ~~من نماذج! لقد عددت بنفسي في مقالة لأحدهم كان ينقد فيها بعض ms080 ~~من يعتبرهم شريرين وخبثاء، عددت في فقرة واحدة لا تتعدى ~~السبعين كلمة، اثنتين وعشرين كلمة كلها تدور حول الحقد والبغض ~~والمستنقع والقيح والنتانة والانحطاط والفجر والبشاعة. اثنتين ~~وعشرين كلمة كهذه في فقرة واحدة من مقال يدعو فيها إلى الصفاء ~~والمحبة والخلق السوي! # أعتقد أنه قد آن الأوان أخيرا ألا تظل الشعارات تخطف ~~أبصارنا خاصة وكل الناس والحمد لله قد أصبحوا حملة شعارات ~~براقة خاطفة. المهم أن ندرك جيدا كنه اليد التي ترفع الشعار، ~~والمصدر الذي يردده، إدراك هذا بالغ الأهمية؛ لأن من السهل ~~جدا أن نخدع عن الحقيقة باسم الحقيقة، وعن التقدم وعن شرف ~~الكلمة باسم شرف الكلمة، من السهل ما دمنا نجري وراء الشعار ~~فقط أن يخدعنا حامله، وبنفس الطريقة التي يكذب بها علينا وربما ~~على نفسه، يجرنا إلى مزالق بالغة الخطورة. ولأنه يصدر في دعوته ~~للفضيلة عن حقد ينشر الحقد بيننا دون أن نحس، فالحقد روح تسري ~~ربما من خلال أطيب الألفاظ، وما أكثر ما تسربت روح تشكيك الناس ~~في الآخرين واستعداء البعض على البعض من خلال دعوات صالحة إلى ~~المحبة والتسامح! # ولكنها - والحمد لله أيضا - نماذج قليلة، أصبح أمرها ~~معروفا، حتى ليكاد المواطن البسيط يحددها بالاسم واللقب. وسر ~~إعجابي الشديد ب «محمود أمين العالم»، رغم كل ما قد يكون بيننا ~~من اختلافات، هو أنه النموذج المناقض تماما لهذا النوع الذي ~~ذكرت، إنه الابن الطيب الذي ورث عن هذا الشعب كل تواضعه ~~وبساطته وصدقه الكامل مع نفسه، وحين اعتنق «محمود العالم» ~~رأيه لم يحمله في يده صولجانا يتباهى به على الآخرين ويتهمهم ~~بالتخلف ويشيد بسموه وتقدميته، إنما راح بكل بساطة يعمل من أجل ~~إقناع الآخرين وكسبهم. لم يجعل همه أن يضبط الناس ويسجل عليهم ~~تقاعسهم أو قصورهم، أو ينعى على الضعفاء ضعفهم. لم يحله رأيه ~~إلى قاض أخلاقي يحكم على الآخرين ويندد بهم، وإنما بكل سماحته ~~مضى يبحث في الناس عن مواطن الخير ويحبذها ويمجدها، ويعيش ~~رأيه، فبينه وبين نفسه هو هو بينه وبين الناس، ورأيه في وجهك ms081 ~~هو نفس رأيه في غيبتك، وبلا تجارة بشرف الكلمة هو دائما شريف ~~الكلمة، وبلا صراخ أو ضجيج منفعل واتخاذ لموقف الشهيد المعذب ~~ضحى ولم أسمعه مرة يذكر تضحيته، أو أحسست به واعيا أو مدركا ~~لها وكأنها ما حدثت. ولم تكن هذه صفاته هو وحده، إن شعبنا حافل ~~بالملايين من أمثاله، آخرهم وليس أقلهم هو ذلك العامل في السد ~~العالي الذي لا يقرأ ولا يكتب، ذلك الذي كان بعد أن تنتهي ~~نوبته يظل في مكانه يعمل ولا يطالب أبدا باحتساب أجر عمله ~~الإضافي هذا، ولا سمعه أحد يذكر أنه إنما يضحي من أجل مشروعنا ~~وشعبنا. الخير فينا كثير ولكن المشكلة، الشاذ، هو ذلك النوع ~~من الكائنات الذي آن أوان انقراضه واختفائه كلية من ~~حياتنا. # معارك فكرية ولكن ... # وكتاب محمود العالم «معارك فكرية» صورة مصغرة لشخصه، كل ما ~~في الأمر أنك بعد قراءته تؤمن أن العالم يعتنق رأيه، لا لأنه ~~مع الرايجة أو ليركب موجة الاشتراكية الصاعدة؛ ولكن لأنه وصل ~~إليه بعد رحلة بحث شاقة وعميقة، بعد معاناة جادة ودءوبة ~~لمواطن مثقف أراد أن يعرف الحق والحقيقة، وحين وصل إلى ما آمن ~~أنه الحل الحتمي ليس فقط لمشاكل شعبنا وإنما للعالم والوجود ~~كله، وهب نفسه كلية لهذا الإيمان يدعو له ويناضل في سبيله ~~ويدافع عنه. # والكتاب مذكرة ضليعة أعدها محام قدير مدافعا عن قضية ~~الاشتراكية العلمية، مذكرة تفند في تدفق وقسوة أقوال شهود ~~النفي من براجماتيين ووضعيين منطقيين ووجوديين وغيرهم، وفي نفس ~~الوقت تبشر بتدفق أعظم بكل ما يصلح دليلا للإثبات. وكم كنت ~~أتمنى لو لم يكن الكتاب عددا من المقالات المتفاوتة التواريخ، ~~فقد أدى هذا إلى أن هناك مقالات تحس أن الآراء الواردة بها ~~قديمة والقضايا التي تثيرها قد انتهى الجدل حولها من زمن، في ~~حين أني كنت أطمح من كتاب يكتبه «العالم» اليوم ويتحدث فيه عن ~~الاشتراكية أن يأتي ابن ساعته، ابن أعوامنا هذه وقضايانا. ~~فالجدل حول الاشتراكية لم يعد جدلا حول نفعها أو أهميتها أو ~~تفوقها على كل الفلسفات، ms082 ولا عن حتميتها ووحدانيتها كالوسيلة ~~العلمية الوحيدة لحل متناقضات المجتمع البشري بحاضره ومستقبله. ~~كل هذا لم يعد محل جدل كثير، إنما الجديد اليوم هو القضايا ~~التي أثارتها الاشتراكية نفسها لدى تطبيقها، الجديد هو ~~المشاكل التي أثارتها الاشتراكية العلمية في حلها، الجديد هو ~~القضايا التي كانت تعتبر مسائل مسلما بها، والتي لم تعد الآن ~~كذلك، الجديد مثلا هو مشكلة علاقة الفرد والمجتمع؛ إذ إن ~~التطبيق قد أثبت أنه في بعض الأحيان يطغى الوجود الجماعي على ~~الوجود الفردي إلى درجة تهدد الجماعة نفسها، إلى درجة أصبح شغل ~~المفكرين الاشتراكيين الشاعل هو كيفية تحقيق الوجود الفردي ~~داخل الوجود الجماعي دون أن تتضخم الفردية وتطغى، الجديد هو ~~الديمقراطية الاشتراكية لا كشعار، وإنما كحقائق وتطبيقات، ~~الجديد هو التغيرات التي طرأت على موقف الاشتراكية من ~~الداروينية والفرويدية والنسبية. كل هذا كنت ولا أزال أتوقعه ~~من كتاب يكتبه محمود أمين العالم عن الاشتراكية، ولكن الكتاب ~~ليس بالضبط عن الاشتراكية وإنما هو كما يقول عنوانه معارك ~~فكرية، صحيح أنها معارك فكرية يخوضها مفكر وفيلسوف اشتراكي ضد ~~أفكار وفلسفات غير اشتراكية، ولكن رغم دسامة الدراسات وعمقها، ~~رغم أنها ترسم صورة نابضة لجانب هام من جوانب وجودنا الفكري ~~والسياسي، رغم أن موضوعها معروف وموقف كاتبها واضح سلفا، رغم ~~أنها أول كتاب لمحمود أمين العالم، إلا أنني ومعي آلاف من ~~قراء السياسة والفلسفة والمتتبعين لكل ما يمت إلى قضية حياتنا ~~الاشتراكية لا نزال في حاجة ماسة من كافة كتابنا ومفكرينا ~~وفلاسفتنا الاشتراكيين، ومن محمود العالم بالذات، إلى كتاب عن ~~المعارك الجديدة للاشتراكية، وأهمها معركة الاشتراكية ~~والاشتراكيين مع الاشتراكية نفسها، أو بمعنى أدق مع بعض ~~المفهومات الاشتراكية، وبشكل خاص تلك المفهومات التي يتسرب ~~منها الخطأ أثناء التطبيق، والتي نسيت في ظهور الانحرافات ~~الطغيانية وعلى رأسها - دون ريب - العلاقة التي شغلت بال ~~البشرية منذ أتينا إلى لحظتنا الحاضرة، علاقة الفرد بالجماعة ~~والمجتمع والدولة. # إني وإن كنت أعتقد أن كتاب معارك فكرية هو من أخصب وأدسم ما ~~قرأته في حقل الفكر والفلسفة من إنتاج ms083 القريحة العربية، إلا ~~أنني أتطلع بشغف كبير إلى الكتاب القادم لمحمود أمين العالم عن ~~معارك الاشتراكية مع الاشتراكية، إذا صح أن تسمي هذه القضايا ~~الخطيرة معارك. ~~(31) الثورة الجزائرية «بومدين» # الحقيقة أن شغفي بالثورة الجزائرية لم يفتر يوما منذ أن اندلعت ~~في أول نوفمبر عام 1954، وقد قدر لهذا الشغف أن يتطور لتصبح القضية ~~الجزائرية قطعة من ذات نفسي وجزءا لا يتجزأ من تاريخ حياتي، وأنا ~~أشهد أحداثها في مراحلها المختلفة، وأرى أبطالها وهم ثوار خنادق ~~وغارات، ثم وهم رجالات سياسة ودولة وأزمات! # وكان أول اتصال حقيقي حدث لي مع الثورة الجزائرية وجيش التحرير، ~~هو ذلك اليوم الذي قرر فيه الدكتور عبد القادر حاتم إيفاد بعثة ~~لعمل تحقيق تليفزيوني مصور كامل عن الثورة الجزائرية، وعهد لي بشرف ~~رئاسة هذه البعثة. وكانت مغامرة العمر، فقد أتيح لي آنذاك أن أحيا ~~مع جيش التحرير الوطني الجزائري وهو يقض مضجع فرنسا بهجومه ومعاركه ~~وغاراته، وقضيت الأيام والأسابيع مع قواته داخل الخنادق المحفورة ~~في بطن الجبل، وفوق الربى والغابات أشهد وأساهم وأتصور بعض معاركه ~~الفاصلة، وعبر الخطوط المكهربة، وأخرج من هذا كله بإصابة الركبة ~~اليمنى، وبفيلم عن الثورة عرضه التليفزيون، وكان أول تحقيق يقوم به ~~جهاز للإعلام العربي عن أعظم ثورة عربية مسلحة، فيلم عرض أكثر من ~~مرة، وبيعت منه أكثر من نسخة إلى محطات التليفزيون ~~العالمية. # قصة طويلة مريرة عامرة بالذكريات ... # المهم الذي أريد أن أذكره هنا هي تلك الليلة التي لا أنساها ~~أبدا، والتي كانت أول وآخر مرة أقابل فيها الكولونيل بومدين في ~~مقر قيادته السرية لجيش التحرير. # كان قد تحدد اليوم - بعد انتظار دام أسبوعا قضيناه على أحر من ~~الجمر في مدينة تونس - وفي الخامسة صباحا جاءت عربة «بيجو» فرنسية ~~ذات سائق مسن صامت، حين لم يعلق على أسئلتنا الكثيرة بأكثر من ~~الابتسامات المؤدبة، آثرنا السكوت وأسلمناه أمر مصيرنا. كنا نعرف ~~أننا في طريقنا إلى مقر قيادة جيش التحرير، ذلك هو كل ما نعلمه. ~~ورحت طوال الرحلة الصامتة الطويلة أحاول أن أتخيل المكان ms084 الرهيب ~~الذي تدار منه المعارك، التي تكلف فرنسا ملايين الملايين من ~~الفرنكات ومئات الضحايا. ولم تنته رحلتنا إلا قرب الظهر حين دخلت ~~بنا العربة مدينة تونسية صغيرة نائية قرب الحدود الجزائرية يسمونها ~~جاردماو، في حين أن الاسم العربي لها هو غار الدماء، ولكن هكذا ~~ينطقها الناس هناك جريا على النطق الفرنسي لها، بلدة يقال إنها ~~شهدت معارك مهولة في تاريخها القديم، ولهذا السبب أطلق عليها اسم ~~غار الدماء. # ظلت العربة تجوس خلال شوارع المدينة التي تشبه أحد «المراكز» في ~~ريفنا المصري، وهناك عند نهاية البلدة دخلت بنا بناء يبدو كالمصنع ~~القديم المهجور أو كمدرسة ابتدائية خالية من الطلبة، بناء لا ~~يميزه عن غيره من الأبنية إلا أن ثمة جنديا بملابس جيش التحرير ~~يحرسه من الداخل، أما من الخارج فلا يبدو عليه بالمرة أي لمحة تدل ~~على المهام الخطيرة التي تجري داخله، هذا البناء هو مقر القيادة ~~لجيش التحرير الوطني الجزائري. هناك قابلنا «سي فرحات» ذلك الضابط ~~المتحمس الشاب الصغير ذا المنظار، الذي لا ينام إلا والتومي جن ~~بجوار فراشه، والذي كان يمثل ما يشبه الشئون العامة لجيش التحرير، ~~من تلك اللحظة أصبحت البعثة في عهدة فرحات، «تراه أين هو الآن ~~وماذا صار إليه؟»، وأفهمنا فرحات أننا سنقضي بعض الوقت في القيادة ~~العامة ريثما يدبر أمر رحيلنا إلى الجبهة. وبعد دقائق كنا نغير ~~ملابسنا المدنية بأخرى من ملابس جيش التحرير، وهكذا بعد أقل من نصف ~~ساعة كنا قد قطعنا صلتنا بحياة عريضة بدأناها في القاهرة، ودخلنا ~~في حياة جديدة علينا تماما، أو على الأقل هكذا كنت أحس وأنا محشور ~~داخل بنطلون جندي «صاعقة» وقميصه. أفهمني فرحات أنهما لجندي فرنسي ~~الله وحده يعلم مصيره آنذاك، إذ لم أجد مقاسا يناسبني بين ملابس ~~الجنود الجزائريين الذين يتميزون كسكان الجبال بالقوام الرفيع ~~الصلب. # الإيتاه ماجور # مكثنا ليلة، وفي الليلة التالية أخبرنا فرحات بقرب حلول موعد ~~العشاء، والعشاء كان يحل ساعة غروب الشمس. إننا سنتعشى مع ال # Etat major ~~، وهو الاسم ~~الذي يطلقونه على القيادة ms085 العامة. وحسبت أننا بعد طعام الفلفل ~~الحار المقلي الذي ظللنا نتناوله منذ أن حللنا بجيش التحرير في ~~طريقنا إلى مائدة طعام دسمة. ولشد ما خاب ظني ، فقد قادنا فرحات ~~إلى غرفة عرفت فيما بعد أنها ملحقة بمكتب القائد العام. ذلك ~~المكتب الذي لمحته من خلال الباب الفاصل لا يميزه شيء عن مكتب ~~ناظر مدرسة إلزامية، إلا منضدة كالتي يستعملها الرسامون عليها ~~خرائط. دخلنا، فرحات وعبد الرحمن هندام وعم رجب وأنا (أعضاء ~~البعثة) فوجدنا ثلاثة أو أربعة رجال جالسين إلى طرابيزة من ~~الخشب الكالح لا كراسي حولها، إنما على كل ناحية من نواحيها ~~«دكة» خشبية منخفضة. وقلنا سلام عليكم وردوا السلام وهم ~~يأكلون؛ إذ كانوا فعلا يتناولون الطعام دون انتظار لمقدمنا، ~~وعرفنا حينذاك ألا برتوكولات هناك في جيش التحرير. وجلسنا، ~~وفي الحال جيء لكل منا بطبق من «الكسكس»، وهو الطعام الرسمي ~~والشعبي للجزائريين الحافل بكميات من الفلفل الحراق الهائلة، ~~وكان هو كل العشاء. # ولكن مشكلتي لم تكن الكسكس أو الفلفل أو الطعام، كانت مشكلتي ~~أن أحاول أن أخمن من يكون من بين الثلاثة الموجودين القائد ~~العام؟ كنت أعرف أن قائد جيش التحرير اسمه بومدين، أو ~~الكولونيل بومدين، ولكني لم أكن أعرف صورته. تراه من يكون ~~فيهم؟ تركت مسألة التحديد للحديث، ولكن الحديث الذي دار كان ~~قليلا جدا لم يتعد بضع كلمات ذكرها كل منهم، وعرفت منها ~~أنهم جميعا قد زاروا القاهرة زيارات خاطفة. ولكني من مجرد ~~طريقته في الكلام، من جلسته، من نظراته، خمنت أن القائد العام ~~لا بد أن يكون ذلك الرجل الذي كان يبدو أنه لم يتجاوز الأربعين ~~الجالس أمامي مباشرة. العجيب أن نفس الخاطر كان يدور في عقل ~~زميلي هندام وعم رجب، وأنهما هما الآخران أدركا أنه نفس الشخص ~~الذي خمنته، مع أن الضباط الثلاثة كانوا يرتدون نفس الزي ~~ويتمتعون بنفس الاعتداد والثقة بالنفس. هو ذلك النحيل ذو الشعر ~~الأشقر الأحمر والوجه الرفيع الضامر المشرب بحمرة، كل ما يميزه ~~عن زميليه أنه كان يحادثنا باللغة العربية بلكنة جزائرية ms086 وإنما ~~بطلاقة، ثبت لنا معها أنه خير من يتكلم بالعربية في جيش ~~التحرير كله، بل وبين كل القادة الجزائريين على كثرتهم. أما ~~الضابطان الآخران فقد كان مقدرا لهما أن يلعبا دورا خطيرا ~~بعد هذا، فقد كانا هما نفس الضابطين اللذين قبضت عليهما حكومة ~~بن خدة، وادعت أنهما تسللا إلى داخل التراب الجزائري للتمهيد ~~لزعامة بن بيللا وتقوية قبضة جيش التحرير وبومدين على ولايات ~~الداخل، وصنعت من هذا حجة لإصدار قرار بعزل «الإيتاه ماجور» أو ~~بومدين وأركان حربه. وكانت النتيجة تلك الأزمة التي أطاحت ~~بحكومة بن خدة. # فراز الرجال # أذكر أن بومدين سألنا يومها إن كنا جادين في رغبتنا في ~~الاشتراك في معركة يخوضها الجيش مع القوات الفرنسية عند خطوط ~~شارل أو موريس، وحين أكدنا له عزمنا على هذا أجابنا بأنها ~~مسئولية جيش التحرير أن يحافظ على حياتنا، ولكنا أبدينا ~~استعدادنا بكتابة تعهدات على أنفسنا تخلي جيش التحرير من ~~المسئولية. وتفرس فينا بومدين بنظرة فاحصة عميقة لست أدري أكان ~~بها يختبر شجاعتنا وهو القائد الذي دربت عينه على فرز الرجال ~~وسبر غور طبيعتهم، ولكنها والحق يقال نظرة لم نسترح لها ~~كثيرا؛ إذ كانت خالية من الود، حافلة بالموضوعية. وهكذا ~~بومدين، إنه ليس من ذلك النوع الاجتماعي الودود من الرجال ~~الذي يسخر مواهبه ويستنفد قواه في كسب الأصدقاء والأنصار. إنه ~~دائما موضوعي وجاد وعلاقته بالناس يحددها المبدأ أو القضية ~~ولا تحددها أبدا العاطفة الشخصية، وربما يصلح هذا المفتاح ~~لتفسير كنه ما حدث، فالناس لا يزالون للآن يعجبون كيف «ينقلب» ~~بومدين على «صديقه» بن بيللا! إذ ذلك نوع من التصور العاطفي ~~الشخصي للعلاقة، في حين أن علاقات بومدين بالناس كما قلت ~~أساسها أبدا ليس العاطفة أو النوازع الشخصية. # المهم أني خلال اليومين اللذين قضيناهما في «الإيتاه ماجور» ~~نحيا مع بومدين عن قرب، نأكل أحيانا معا، وكثيرا ما نلتقي ~~ونتبادل الأحاديث الخاطفة. أدركت أن قيادة جيش التحرير ليست ~~سوى الجزء الحاضر أو الظاهر من مهمة كبرى لا تزال مستترة يعد ~~لها هذا الرجل القوي ms087 المتميز نفسه. # المشهد الغريب # وقد قدر لي أن أعود للقاء بومدين بعد أكثر من عام، أيام ~~الاستقلال وأزمته، حين أوفدتني جريدة الجمهورية لموافاة قرائها ~~بأخبار وتفاصيل الأزمة التي نشأت بين بومدين وبن بيللا من ~~ناحية، وحكومة بن خدة وبوضياف وبلقاسم من ناحية أخرى. كان بن ~~بيللا أيامها في القاهرة لا يزال، وكان بومدين قد دخل بقواته ~~من الحدود التونسية الجزائرية والمغربية الجزائرية، واحتل جيش ~~التحرير نصف الجزائر الغربي الذي تعد وهران عاصمته. رحنا ننتقل ~~مع قوات جيش التحرير وهي تزحف من وجدة «قرب المغرب» إلى تلمسان ~~«مسقط رأس بن بيللا»، ثم نتوغل داخل الولاية الرابعة وهران ~~وتيارت. كان الجيش يتحرك وجبهة التحرير الموالية لبن بيللا ~~وبومدين تعقد الاجتماعات الشعبية، وبن بيللا يستدعى ويأخذ ~~مكانه على رأس الموكب الزاحف. وكان بومدين دائما هناك، وهناك ~~دائما جلسته في جانب من منصة الشرف يرقب ما يحدث بعيون متيقظة ~~كعيون الصقر، وتحس أن وراء جبهته العريضة تصميما مستميتا ~~قاهرا على الانتصار. حتى جاء يوم رأيته فيه في مشهد بالكاد ~~صدقته عيني. كانت عائلته قد انضمت إليه، ورأيته يوما في مؤتمر ~~تيارت وفرحات عباس ومحمدي السعيد ومحمد خيضر وبن بيللا يحتلون ~~مقاعد منصة الشرف الأمامية ويخطبون، بينما هو قابع في مؤخرة ~~المؤتمر يرقب ما يحدث بنظراته الملتهبة الحادة، ولكنه كان هذه ~~المرة يحتضن طفلا في الثامنة أو السادسة من عمره، عرفت لشدة ~~الشبه أنه ابنه. وكان يحدث في أحيان قليلة جدا أن يقطع ~~نظراته المتفحصة الحادة ليرمق الطفل بعيون يتدفق منها فجأة ~~حنان غريب لا تكاد تصدقه، وأبوة صافية خالصة من الصعب أن تتصور ~~أن بومدين - ذلك الرجل الحديدي - هو صاحبها. # ولست أعرف لماذا ورغم الازدحام والخطباء والأسماء الضخمة ~~المتصدرة، ورغم أنه الوحيد الذي كان لا يخطب ولا يتكلم ولا ~~يدلي بأية تصريحات بينما الكل أيامها قد تلبستهم حمى الزعامة ~~وعقد المؤتمرات، والبلاد وإن كانت قد ظفرت بالاستقلال إلا أنها ~~لا تزال بلا حكومة، أو هي بحكومة ك «الملك» في بعض الدول، تملك ~~اسما ولكنها ms088 لا تحكم. رغم أن الجزائر أيامها كانت مجرد شعب ~~كبير خرج للتو من سجنه، الدولة فيها لا تزال سديما لم تتحدد ~~معالمه، وجنينا في بطن الغيب لا تعرف ماذا يكون عليه شكله أو ~~كنهه أو مصيره. رغم أن كل شيء كان يغلي ذائبا، لا تستطيع أن ~~تضع يدك على شيء أو شخص صلب له ثقل وكيان فيه، رغم كل هذا فقد ~~كنت لا أستطيع شخصيا أن أحول انتباهي عن بومدين، والابتسامة ~~الجادة التي لا تتغير أو تتطور في ملامحه، معتقدا، بل أكاد ~~أكون مؤمنا إيمانا لا يتزعزع، أنه الرجل الذي يملك في يده ~~مفتاح الموقف، ليس فقط مفتاح الموقف في أزمة ما بعد الاستقلال، ~~ولكن مفتاح الموقف في الجزائر بعدما تستقل، وفي الدولة حين ~~يتجمد كيانها السائل الذائب ويصبح صلبا كهياكل الدول. # كنت دائما على يقين أنه المخرج الحقيقي للرواية، وأن ~~المسألة عنده مسألة وقت وزمن ومجرى طبيعي لا بد أن تجري فيه ~~الأمور. ولكن دائما وأبدا ستحين اللحظة التي سيوقف فيها ~~بإشارة منه الصخب الدائر فوق المسرح، ويتقدم بنفسه هذه المرة ~~ليتولى الزمام. # وهو بالضبط ما كان. ~~(32) أما عن الزنوج في أمريكا # فرق كبير بين أن تقرأ عن قضية كقضية الزنوج في أمريكا وبين أن ~~ترى القضية على الطبيعة، والزنوج الأمريكيون كما رأيتهم بنفسي في ~~شيكاجو بالذات في حالة ثورة وتمرد أكثر بكثير من الثورات التي ~~تجتاح أي بلد مستعمر ليتحرر. لقد شاهدت في يوم أحد مظاهرة قام بها ~~أكثر من مائة ألف زنجي يغنون بصوت منغم رخيم «الحرية ... الحرية»، ~~يغنونها للسماء وللكنيسة ولناطحات السحاب في بلد يعتقد البعض أنه ~~موطن الحرية وراعيها. # ولقد مرت المظاهرة من أمامي واستغرق مرورها أكثر من ساعة، وكنت ~~طوال الوقت أتساءل ممن يطلب الزنوج هذه الحرية؟ أمن الحكومة؟ إنها ~~حكومة البيض، وهي ليست حكومة بيض فقط ولكنها حكومة هؤلاء الذين ~~يعتصرون البيض أنفسهم ويستغلونهم ويحيلونهم إلى عبيد لنظام دقيق ~~رهيب يمثل أذكى ما استطاع الجشع الإنساني أن يقيمه ويشيده وينظمه. ~~أيطلبونها من الكنيسة؟ ms089 ولكن الكنيسة أيضا بيضاء، وصحيح أن هناك ~~عددا كبيرا من رجال الدين يعطفون على قضية الزنوج ويؤيدونها، ~~ولكن المشكلة في هذا النظام الرأسمالي الغريب أنه يسمح حقيقة بحرية ~~المعارضة، بل أحيانا يجد أنها مفيدة لعملية الإنتاج الرأسمالي ~~نفسها، باعتبار أن الفرد يحس بهذه الحرية المزيفة ويستمتع كالطفل ~~الأبله بمجرد وجودها ولو على الورق ولو مع إيقاف التنفيذ، ولكن دع ~~هذه الحرية تهدد وجود النظام، دعها ترق إلى مستوى المعارضة ~~الحقيقية حتى لتوشك الأسس أن تتمايل وتضطرب، إذن فستجد الطبقة ~~الحاكمة قد كشرت عن أنيابها واستعملت الحرس والجيش وكل ما تستطيع ~~أن تصل إليه يداها لقمع هذه المعارضة. وهذا هو بالضبط ما يحدث في ~~الجنوب الأمريكي، بل ما يحدث في فيتنام، فالغازات السامة وقنابل ~~النابالم وقتل الأطفال والنساء وتدمير طاقات مجتمع بأسره لا يمكن ~~أن يكون من سمات أي حرية من حريات العالم حتى الحرية الأمريكية. لا ~~يمكن لدولة تؤمن حقا بالحرية، حرية الفرد وحرية الشعب، أن تفعل ~~ما تفعله أمريكا في فيتنام. لا يمكن لدولة أن تكون بوجهين؛ وجه حر ~~في بلادها، ووجه قاتل للحرية وخانقها في بلاد غيرها. إنما هي ~~الحرية المزيفة داخل أمريكا، تسفر عن وجهها الحقيقي خارج أمريكا. ~~لقد ناقشت كثيرا من المسئولين وغير المسئولين في قضية فيتنام فكان ~~جوابهم شبه المتفق عليه؛ أنهم إنما يدافعون عن «حرية» العالم ~~الغربي ضد الزحف «الشيوعي»، وكنت أقول لهم: أية حرية تلك التي تخنق ~~من أجلها ويمثل بها حرية شعب، أية حرية تشترى بدماء الأطفال ~~وبالسناكي تبقر بطون الحوامل إن هي إلا الفاشية مقنعة. إن الحرية ~~كل لا يتجزأ، فإذا أزهقتها في مكان فأنت على الدوام قاتلها. وهذا ~~هو بالضبط ما وجدته في أمريكا، إن المظاهر البراقة للحرية موجودة، ~~الصحافة تنقد جونسون، وبعضها يعارض الحرب في فيتنام، المثقفون ~~يعادون، وكأنما بالغريزة، الطبقة الحاكمة «وإن كانوا يدافعون عن ~~النظام»، حتى لقد تلقى جونسون عريضة موقعا عليها من ثمانية آلاف ~~أستاذ جامعي يطالبون فيها بإيقاف الحرب في فيتنام. التليفزيون ~~بجوار الإعلانات التي ms090 تثير الفتيان، ويذيع أحيانا ندوات ينقدون ~~فيها سياسة أمريكا الخارجية والداخلية، ولكن المشكلة الحقيقية أن ~~هذا كله يدور والآلة الرأسمالية الرهيبة سادرة في غيها، سادرة في ~~ضرب فيتنام، سادرة في ضرب حركات التحرر في كل مكان. نجد بعض ~~الأمريكيين يشمئزون من مجرد ذكر وكالة المخابرات المركزية ويهزون ~~أكتافهم، وفي نفس الوقت يعتمد الكونجرس لهذه المخابرات مئات ~~الملايين من الدولارات لتنفق في هدم النظم والمجتمعات الأخرى، ~~باسم الحرية أيضا. الفرد حر في أن يلتحق بهذه الشركة أو تلك، ولكن ~~ادخل في صميم العمل تجد ذلك الفرد وقد فقد تماما حريته، إذ لكل ~~فرد يعمل في الشركة ملف سري خاص يدون به ما لا يمكن أن يخطر بباله ~~من المعلومات عن أصدقائه، ألعابه المفضلة، هوايات زوجته. ولكل شركة ~~جهاز تجسس على العاملين فيها يستحل لنفسه أن يضع مكبرات الصوت في ~~حجرات النوم، وأن يفتش البيوت، وأن يتجسس على المحادثات التليفونية ~~كي يحصل على هذه المعلومات، وكل بند من بنوده يتدخل في ترقيته أو ~~حتى في فصله من الشركة. أجل! الحرية في الدستور موجودة، وفي الظاهر ~~تزاول علنا. ولكني آمنت أن المجتمع الرأسمالي لا يمكن أن يسمح ~~بالحرية الحقيقية؛ إذ لو سمح بها لربما رفضه الناس تماما، إنه ~~يسمح بها في حدود، وبالقدر الذي يكسبه المظهر الحر، وليس أكثر من ~~هذا، أبدا ليس أكثر من هذا. # الخدعة الكبرى # ومن هنا بالضبط تنبع المأساة في قضية الزنوج، منذ أكثر من ~~مائتي عام وهؤلاء الزنوج يكافحون لنيل حريتهم معتقدين تماما ~~أنه حسب الدستور لهم الحق كل الحق في أن يكونوا مواطنين مساوين ~~تماما للبيض في الحقوق والواجبات، تضللهم هذه الخدعة الكبرى، ~~بدءوا المسيرة من أجل الكفاح الدستوري لنيل الحقوق. وحقيقة أنه ~~في بعض الولايات - وفي الشمال بالذات - حصل الزنوج على الحقوق ~~الدستورية للمواطن، فهل معنى هذا أنهم أصبحوا مواطنين من ~~الدرجة الأولى؟ لا. فالزنوج في أمريكا لا يزالون - حتى في ~~الولايات التي نالوا حقوقهم فيها - يعاملون بالتحفظ الشديد من ~~جانب البيض مما يجعلهم يكادون يصبحون ms091 مواطنين من الدرجة ~~الثانية، لا يزال هناك الجدار غير المرئي الذي يفصلهم عن ~~البيض، لا يزال هناك التوجس والخوف وعدم الأمان. لا يزال ~~الزنوج يحسون أنهم وإن كانوا قد نالوا بعض الحقوق إلا أن الهوة ~~عميقة، تبدو وكأن لا بعد لها، وقضية الزنوج ليست قضية لون ~~فقط، ولا قضية سيادة أبيض على أسود، ولا قضية أقلية هي عشر ~~الأغلبية البيضاء، ولا قضية مستوى تعليمي أو اقتصادي، إنها ~~أولا وأساسا قضية الحرية في المجتمع الرأسمالي واستحالة ~~التمتع بها، كنت وأنا أتتبع المظاهرة السوداء التي تغني ~~بالحرية للحرية، أراجع في ذاكرتي كل الآراء التي قرأتها عن ~~ضرورة وقرب حل قضية الزنوج وأسخر بها في أعماقي، فقد بدا لي ~~الحل مستحيلا تماما في ظل المجتمع الرأسمالي القائم على ~~التنافس وعلى سيادة الأحسن أو الأذكى أو الأكبر تعليما أو ~~نقودا، إنه مجتمع صراع يكاد يقترب من الحيوانية من أجل ~~البقاء. صراع لا مكان فيه للشفقة أو للعطف أو للإنسانية، صراع ~~إذا استحلت فيه إنسانا ضعت، صراع وإن يكن القانون قد نظمه ~~ووضع عقوبات لكل من يخالفه إلا أن القانون لا يمكن أن ينطبق ~~على ما تزخر به الأعماق، القانون لا يحاسبك عما يدور في رأسك، ~~عن عواطفك، إنه فقط يحاسبك على تصرفاتك، وحتى ليست كل ~~تصرفاتك، ولكن هذا الجزء منها الذي يخالف القانون. وإذا كان ~~جهابذة الثورة الرأسمالية في عصر النهضة قد قالوا: قد أخالفك ~~في الرأي ولكني مستعد أن أضحي بحياتي دفاعا عن حقك في قول ~~رأيك، فلقد كان هذا في القرن التاسع عشر، أيام أن كانت ~~العلاقات الرأسمالية بالنسبة للعلاقات الإقطاعية حلما من ~~أحلام الإنسان. أما الآن وقد نضجت الرأسمالية حتى اقتربت من ~~الشيخوخة فقد تحولت إلى نظام يخاف من نفس قوانينه الأولى، ومن ~~نفس شعاراته، ومنها الحرية؛ إذ لو سادت تماما وحقيقة لانقلب ~~الناس على هذا النظام الذي أصبح يعوق تقدمهم كبشر. ذلك النظام ~~الذي تحول إلى الرشوة، فأصبح همه أن يغرق الكادحين فيه بفيض من ~~البضائع الاستهلاكية والمغريات الصغيرة والتوابل ms092 ليحبب إليهم ~~القيد، ويجعلهم يستمرون في المضي تحت سلطانه. ألا ما أتعس ذلك ~~الإنسان وهو يترنح تحت عبء القيد! ألا ما أبشعه وهو يحاول ~~التملص من انفجاراته العنيفة! لقد قرأت وشاهدت في التليفزيون ~~قصة ذلك الطالب الذي صعد إلى برج جامعة تكساس وصرع 23 شخصا ~~ببندقيته، يخيل إلي أنه كان يريد أن يصرع شيئا أكبر من هذا ~~بكثير، كان يريد أن يصرع ذلك النظام الرهيب المختبئ الذي لا ~~تراه ولا تلمسه، المستخفي بطريقة لا تستطيع معها أن تحدده، ~~النظام الذي يحكم علاقات الناس في أمريكا، النظام الرأسمالي ~~الذي لم يعد يصلح لبشر. # لا بد أن ينتهي # وأنا واقف أشهد المظاهرة كنت أقول لنفسي: لا جدوى أيها ~~الأصدقاء، إنكم تطلبون الحرية من قاتليها ومزهقيها، إنكم ~~تطلبون المستحيل. إن الحل الوحيد لقضيتكم ولكل القضايا المعلقة ~~هو أن ينتهي نظام السادة والعبيد، هو أن تسود الحرية بكل ~~معانيها وأبعادها الحقيقية، هو أن يتغير النظام. في ظل ~~الاشتراكية فقط تحل مشكلة السود والصفر والسمر والبيض. في ظل ~~نظام آخر للحياة وليس ذلك النظام الذي يعلو فيه الإنسان إلا ~~على رقاب الآخرين. في ظل نظام آخر غير هذا النظام، نظام يستطيع ~~أن يرحم ويفهم، نظام إنساني، نظام حتى وإن لم يستطع أن يحقق ~~لأفراده الرفاهية المادية فعلى الأقل يحقق لهم الرفاهية ~~الروحية، الرفاهية الإنسانية، الرفاهية الجديرة بالإنسان، ~~فالإنسان قبل أن يكون حيوانا منتجا أو عاملا ضاحكا هو ~~أولا حيوان يحس ويدرك، ويؤذيه الألم ويؤذيه أن يؤذي الآخرين، ~~وحتى يؤذيه أن يبني مركزه الخاص على حساب الآخرين. لقد أدت ~~الرأسمالية دورها التاريخي وآن لها أن تنتهي، وستنتهي بالقوة ~~والقسوة أو بالتسليم، فلا بد أن تنتهي لينتهي الألم في العالم. ~~إن ألم طفل واحد في فيتنام ليعادل في رأيي ويزيد على كل المتعة، ~~التي يحسها عشرات الملايين من مالكي العربات في أمريكا، وتألم ~~زنجي واحد تنهال عليه عصي الحرس الوطني - وهم البيض العاديون ~~المسلحون - لا يمكن أن يعادله في رأيي كل متع هوليود ولاس ~~فيجاس وديزني لاند. ms093 ~~(33) لحظة 61 # فجأة وجدت مشغوليتي الخاصة تتبخر وأنساها، كان لا بد أن أصل إلى ~~الزيتون في السابعة تماما وكان الموعد هاما جدا، ولكن العربة ~~وقفت، كان هناك نهر بشري هائل يقسم القاهرة قسمين، والمرور ممنوع، ~~لا بأوامر رجال البوليس والمرور ولكن أولا بحكم هذا البحر الزاخر ~~الذي لا سبيل إلى اختراقه. هبطت وضميري يتململ بالموعد المخلف، ~~ولكني من ناحية أخرى كنت أحس بفرحة الإقبال على تجربة مثيرة، طالما ~~تمنيت أن أقف بين الناس العاديين، جماهير الشعب أثناء مرور جمال ~~عبد الناصر لأعرف ماذا يقولون وبماذا يشعرون، كثيرة هي الصور التي ~~نرى بها الرئيس؛ صوره وهو يخطب، صوره في قراراته كرئيس جمهورية، ~~صوره في مواقفه المختلفة وتصريحاته، صورته وصوته في الراديو أو في ~~التليفزيون. كثيرة هي الصور، ولكني كنت أتمنى دائما أن أراه من ~~خلال الناس، من خلال أبناء شعبنا العاديين. # حاولت اختيار أقل الأمكنة ازدحاما لتتاح لي أكبر فرصة للرؤية، ~~ولم أوفق؛ فكل مكان أكثر ازدحاما من الآخر، وهو ليس ازدحاما فقط ~~ولكنه عملية تأنيس هائلة حدثت لكل شيء لأرض الشارع والجدران وأعمدة ~~النور والشرفات والمقاعد وأسطح العربات. كلها استحال سطحها إلى بشر ~~وكأنما زرعت لتوها بنبات بشري سريع التكاثر غطاها ولم يبق ولم يذر، ~~حتى إني وجدت صعوبة في التعرف على المكان وهل هو حقيقة ناصية ~~الساحة ومحمد فريد، صعوبة سببها هذه الأحراش البشرية التي نبتت ~~فجأة وغيرت جغرافية المدينة. # وقفت كالمذهول أتأمل ما حولي، وألهث كالغريق في بحر الناس. أبدا ~~لم أحس بمثل هذا الإحساس، لا للعدد الهائل من الناس ولكن لما كان ~~يعتمل داخلهم، كم من مواكب الحكام شاهدناها، وكم من هتاف وتصفيق، ~~ولكنه هذه المرة شيء مختلف، إن في الناس الواقفين اضطرابا، إنهم ~~لا يستقرون، قلقون يتحركون ويتفاعلون، ويضحك بعضهم ويتحدث البعض ~~الآخر، وفي العيون بريق الترقب. الصف الأول على شط البحر يصبح ~~بالدفع والتسلل الصف الأخير، ليعود يدفع هو الآخر ويتسلل، والشارع ~~المحروس برجال البوليس يتسع ويضيق في موجات متعاقبة، والواقفون ~~حولي بعضهم صعايدة ينطقون ms094 الجيم بالدال، وجدة عجوزة لا تكف عن ~~قولها: هو فين يا خويا ... هو فين؟ وطفل ممتط عنق أبيه وأبوه واقف ~~فوق سقف الأتوبيس لا يكف عن القول: أهه ... أهه، وعمال في فرن يحملون ~~رصص العيش كانوا في طريقهم إلى الدكان فوقفوا وأرغفة الخبز ~~الساخنة بواخها يتصاعد، وشحاذ - أي والله شحاذ - لا يأبه لرائحتها ~~ويزيحها بعيدا عن وجهه وأنفه حتى لا تحول بينه وبين الرؤية، بل ~~وتترى تهديدات الواقفين ببعثرة الخبز أو سرقته أو التهامه لا ~~كجوعى، ولكن فقط لكي يزيلوه من الوجود. وأخيرا بالدفع والجذب ~~والتضييق يتراجع حاملو أقفاص العيش إلى آخر الصف، وسائق الأتوبيس ~~الواقف الطويل الأصلع يقهقه بضحكة عريضة أقسم أني أحسست بها صادرة ~~من قلبه، وأقسم أنه لم يكن لها سبب ظاهر ولا أخرجتها نكتة. ~~والعساكر، أولئك الذين يحمون مجرى النهر من أن تردمه الكتل البشرية ~~يبتسمون، ابتسامات حقيقية، ويقولون للشعب أبو جلاليب: إحنا ~~خدامينكم، إحنا بتوع الشعب. أخيرا عرفت الشوارب الغليظة وأصبحت ~~تنطق - بابتسامة - كلمة الشعب، نطقا يدفع الصعيدي أبو لبدة الواقف ~~بجواري ليقول: ده كلاته من فضل أبو دمال. فيلكزه زميله مصححا: ~~الرئيس دمال ياخينا. # سنراه بأعيننا # وقفت، وبعد أقل من ثانية كانت موجة الانفعالات الموجودة ~~أصلا غمرتني وشملتني، وأنستني الزيتون والحلمية والموعد. ~~وأصبح كل اهتمامي مركزا في وجهي، وكل اهتمامي بوجهي مركزا ~~كالآخرين في أن أعثر على مكان بين العدد اللانهائي من الوجود ~~أستطيع منه أن أرى ... الشغف العارم المكتسح وجدته يشملني، ويصبح ~~همي الأوحد أن أرى جمال عبد الناصر، لا جمال الذي عرفناه، ولكن ~~جمال شعبي، جمال هؤلاء الناس ... جمال الذي قادنا ببراعة منقطعة ~~النظير حتى أرسانا، وأرسى جماهير شعبنا، هذه الجماهير على بر ~~الاشتراكية. إنه من بعيد قادم، وبعد حين سيهل علينا، الرجل ~~الذي نبع منا وبالقوة أقصى المستبدين بنا، وبكل إخلاص الابن ~~البار أعاد الحقوق إلينا ... كاملة يا جمال وغير منقوصة، ها هو ~~بعد قليل سنراه، ابننا وأبونا وأخونا الذي أصبح معجزتنا، بعد ~~قليل سيمر من هنا، من أمامنا، وسنراه بأعيننا، ms095 وكأنما سنرى ~~بأعيننا أحلامنا تتهادى في موكب حقيقي، وكأنما سنرى بأعيننا ~~حقوقنا التي كدنا نيأس من ردها وهي ماضية، نلمسها ونعانقها في ~~شوق ونحييها وترد لنا التحية. # ازدادت الحركة إلى درجة دفعت كل واقف منا أن يتخلى عن تحكمه ~~في وقفته ويترك نفسه على سجيتها، يفعل بها الدفع والجذب ~~والتنافس لالتقاط الرؤية الأولى ما يشاء، وسمعنا من ناحية ~~ميدان المحطة تصفيقات، وعلى الفور تصاعدت من بقعتنا عدة من ~~التصفيق، ثم اتضح أنها «سيرينة» موتوسيكل يمتطيه شاويش من ~~الحرس الجمهوري، ولم يفعل ما حدث إلا أن ألهب الترقب، حتى إن بائع ~~كازوزة حاول أن يرفع صوته مناديا على بضاعته فتولى من حوله ~~إسكاته في الحال، ولو لم يسكت لأغلقوا فمه بالقوة. وقال الطفل ~~الراكب أباه مرة: أهه ... أهه، وتصاعد التصفيق وهتاف الصعايدة: ~~«فليعيش» جمال، ولكنه كان قائد المرور في سيارة مكشوفة، وأطلق ~~سائق الأتوبيس ضحكة أخيرة ثم تلفت بعصبية ناحية أتوبيسه فوجد ~~سطحه فوقه أكثر من خمسين، وما لبث أن اتجه إلى الأتوبيس في غضب ~~ظاهر ودخل في مناقشة غير مجدية مع الراكبين بلا تذاكر خوفا ~~على سطح الأتوبيس، وانتهى النقاش إلى أنه صعد معهم، وبدا كأنه ~~رضي تماما بالواقع حيث أفسحوا له مكانا بينهم. وعادت العجوز ~~التي بدا أنها أم صاحب الدكان الذي نقف أمامه وقد أخرج لها ~~«البنك» وجعلها تثبت أقدامها جيدا فوقه، عادت تتساءل: هو فين ~~ياخويا ... هو فين؟ وسمعنا سيرينة أخرى، وصفق الناس، وحدثت حركة ~~هرج ومرج هائلة، وازدادت نوبات ضيق الشارع واتساعه رغم أيدي ~~رجال البوليس التي تشابكت، ورغم أوامر الضابط، وكل هذا ولم يكن ~~الموكب قد بدأ أو بدرت له بادرة. # لحظة عجز # وكدت أبكي عجزا، فيا للعالم الغريب الذي تفتح لي ووقفت على ~~أبوابه! يا لآلاف المعاني المتزاحمة في خاطري من هؤلاء الناس ~~عن أبي الكبير ... هذا الشعب، وعن ابنه البطل ذلك الزعيم! ما أروع ما ~~قرأته في تلك العيون النهمة إلى الرؤية والتطلع! ما أعمق ~~المعاني التي أحسستها وعرق الاضطراب الجماعي تندى به ms096 الجبهات! ~~والقلوب أسمعها تدق، في قلبي المنفعل وهو يدق، في الترقب، في ~~التطلع، لكأننا لا نصدق أنه سوف يظهر، ذلك الزعيم، لكنه ~~سيجيئنا من السماء رأسا وعلى هيئة خارقة، ذلك الحب الصادق أين ~~نجده بهذه المحيطية المتدفقة الشاملة، الحب النابع من النفس ~~الكبيرة، نفس الشعب الرابض ملايين السنين فوق وادينا، المظلوم ~~لآلاف السنين، والذي عرف كيف يقاوم الظلمة، وما كان أحد يدري ~~أن باستطاعته أن يحب العدل والعادلين، أو إذا أحبهم أن يعبر عن ~~هذا الحب بأقوى مما قاوم به الظلم، وأن يدرك بغريزته أين ~~الزعيم، وأن يعرفه ويشمله ويحيطه ويرعاه حين يتصرف فعلا ~~كزعيم، ويصبح على استعداد ليفقد المئات والآلاف والملايين ~~ليحافظ على حبة عينه، على أغلى ممتلكاته، على قائده. # وأقبل الهدير، هدير راعد يكتسح، هدير لا تخطئه الأذن، عرفه ~~الطفل وسكت، ولم تتساءل العجوز عن معناه، هدير أخرسنا وأسكتنا ~~وأوقف على رءوسنا طير الدهشة والانبهار، هدير مختلط شنج ~~الأيدي في قبضاتها وسكن حركة النبات البشري المتماوج، ومن ~~بعيد، ومن أبعد بعيد، وبأسهل وأسرع مما كان يتصوره أحد، ورغم ~~عشرات الآلاف من الأيدي التي سبقتنا بالارتفاع والتصفيق ورش ~~الملح والتلويح، طالعنا الوجه الأسمر المبتسم، ورأينا ~~أياديه. # وانفلت الزمام ... # وأقسم أن أحدا لم يع ما فعله في تلك اللحظة ولا إن كان قد ~~هتف أو صفق أو لوح، فثمة هدير آخر مروع شملنا واجتاحنا ... هدير نابع هذه المرة منا، هدير حطم الإطار وألغى الرسميات ~~وكسر جسر البحر ومزج الماء بالشاطئ والموكب بالجماهير وعجلات ~~الموتوسيكلات بالأقدام وزغاريد السيرينات بزغاريد السيدات ~~بجئير الرجال بدمدمة الموتورات برعدة الحناجر، لحظة ... أقل من ~~لحظة ومع هذا فصورتها الشاملة ضخمة ضخامة لا حد لها، ضخامة ~~زعيم لوى بيديه عنق التاريخ، لحظة مزجت كل شيء بكل شيء، وتحولت ~~فيها الأجساد إلى أصوات، والآلاف إلى واحد، والواحد بمفرده إلى ~~آلاف، بالآلاف وبالآلاف من آلاف الأفواه، آلاف الأذرع تمتد، ~~وآلاف الأيدي تتكلم وتصدر آلاف الأصوات، والجو مشحون يهتز آلاف ~~الاهتزازات، والأرض والشجر والشرفات والبيوت والأسطح والقضبان ~~استحالت كائنات تنبض ms097 بنبض الجماهير وتهتز، لحظة تداخلت فيها ~~آلاف اللحظات، وفقد فيها كل شيء - بمفرده - قيمته، وأصبحت ~~قيمتها في كلها ككل، في مجموعها كمجموع، في آلاف الانفعالات ~~تنبعث من آلاف الصدور، وكلها في وقت واحد تخاطب جمال، وكأنما ~~كل منها يتصوره له وحده، هذا البطل المنتصر بطله، هو ملكه، لحظة لقاء الزعيم بالجماهير، لحظة تأميم الزعيم، لحظة فرحة ~~الجماهير بالتأميم وفرحة الزعيم بتأميمه، لحظة روعتها في ~~كليتها، في حاضرها المدوي الخاطف، فيما حدث قبلها وبعدها، في ~~سبيلها وفيما سيترتب عليها، في جذورها السحيقة التي تمتد إلى ~~آلاف السنين، وقممها النامية التي ستخرق آلاف السنين، في ~~الأهوال والانتصارات، في الأرض للناس وبالناس، في الوجه الأسمر ~~من ملايين الوجوه السمر، في المناديل البيضاء في الشرفات، في ~~زغاريد الإناث، في عيد الأطفال في الحدث الذي هز الرجال، في ~~الذي تبعثر تماما وسها حامله عنه، في دقات أقدام الطفل القوية ~~القاسية على صدر أبيه لوصول جمال، في العجوز حين عجزت عن ~~الزغرودة فدعت وخرج دعاؤها حبيبا طيبا، يقول: يخليك يا بني ~~لشبابك، ربنا يخليك. في السماء المدمدمة بهدير الطائرات، في ~~الأرض المدمدمة بهتاف صاعد إلى السماء، في مدينة تزأر، في ~~جمهورية تنتفض، في شعب مارد يجد أخيرا جدا، نفسه، روحه، في ~~زعيم! # لحظة ها أنا ذا عاجز عن وصفها، عشتها ورأيت فيها ملايين الرؤى ~~والانفعالات، ولكن أين هي الآن؟ أين اللفحة المقدسة وسحرها؟ ~~اللفحة التي تحيل الحاكم إلى زعيم، والزعيم إلى إنسان يهب عمره ~~كله وما هو أكثر من عمره وحياته ليفتدي اللحظة، ويفتدي ~~الإحساس، ولكي تظل القلوب تنبض له بمثل ما نبضت، وأحلام شعبه ~~تحيط به مثلما أحاطت ... والصدور، آلاف ملايين الصدور تتفتح ~~وتدعوه وترقق من نفسها لتحنو عليه وترعاه مثلما رأيتها ~~تفعل. # لحظة عشتها وكل ما أملك قوله عنها: إني بها أحسست، ربما لأول ~~مرة في حياتي، بشيء حقيقي باهر في حقيقته إلى درجة لا تقبل ~~ترددا أو شكا، بل شيء أقوى من كل حقيقة أو حقيقة عرفتها أو ~~وعيت بها، أقوى من حقيقة ms098 وجودي أو حياتي أو ما أؤمن به، أقوى ~~من المدينة الكاملة التي رحت أسير بلا وعي في طرقاتها، أقوى؛ ~~لأنه أخلد من أي مدينة أو بلدة أو عقيدة ، فهو اللحظة التي تخلق ~~المدن والبلاد والعقائد. ~~(34) تجربة عيد جديد # أردت أن أقضي العيد وأقوم بتجربة فريدة في نوعها. # والعيد كلمة، ومناسبة، وبلسم، كالدواء يعالج الكثير من الجروح ~~والمرارات. # وأنا ممن يؤمنون أن مصر هي القرية، ليست القاهرة ولا الإسكندرية، ~~ولا «البدل» والفساتين والمستحضرات وارد الخارج والداخل، وإنما ~~الشعب، ليس الطيب، فشعبنا ليس طيبا بالمعنى الساذج الدارج السخيف ~~للطيبة، وإنما هي طيبة الذكي أو ذكاء الطيب. # وقريتنا ككل قرية في مصر، ككل إنسان، كانت لها مشكلتها ~~الخاصة. # ومشكلة قريتنا الخاصة أنها مكونة من عائلات، بعضها غني، وبعضها ~~قوي، وبعضها كثير العدد فقير، بعضها صاعد، بعضها بدأ يهبط، الموجات ~~الضخمة التي أحدثتها الثورة في حياتنا بدأت تصل إلى القرية منذ بضع ~~سنين، وتغير كثيرا من الأوضاع، وتجعل من كل قرية صورة مصغرة لبلد ~~بأسره يغلي بالثورة ولا يجد الطريق، فالعائلة التي كانت تحكم ~~قريتنا، وهي ليست عائلة إقطاعية عاتية كما قد يتصور البعض، إلا ~~أنها كان منها العمدة «الملك» وشيخ الخفراء «وزير الداخلية»، ~~وأيضا كان منها معظم المثقفين، وقد جاءت الثورة، ومع مجيئها بدأت ~~طبقات كثيرة ترتفع في السلم الاجتماعي، وبدأ تاجر الأسواق الصغير ~~المتنقل دوما بين الأسواق يصبح له دكان، والفلاح يرسل ابنه إلى ~~المدرسة المجانية، وجيوش من المتعلمين وأنصاف المتعلمين والحرفيين ~~تكون ثقلا جديدا، وتيارا جديدا. وما كادت تحدث أول انتخابات ~~حتى أسقطت العائلة العريقة الحاكمة وبدأ لأول مرة فلاحون وحرفيون ~~وموظفون صغار هم هيئة الاتحاد القومي، ثم الاتحاد ~~الاشتراكي. # ثم تبدأ المشكلة الضخمة حين يحدث الصراع حول من يكون العمدة، وقد ~~أعفي العمدة القديم من منصبه. # باختصار، بدأ صراع رهيب حول من يحكم قريتنا، وإلى من تئول ~~السلطة، هل تئول للطبقات الجديدة التي بدأت توجد على نطاق واسع ~~بتفكير جديد، وبمنطق جديد؟ طبقات معظمها لا ينتمي إلى عائلات، أو ~~تئول ms099 للعائلات، وماذا يكون موقف العائلات من الأوضاع الجديدة؟ هل ~~تتحالف مع بعضها ليبقى لها النفوذ ولتقف في وجه التيار الصاعد؟ هل ~~ينسلخ بعضها ويتزعم التيار ضد العائلات المنافسة ؟ وماذا يكون ~~السلاح في هذا الصراع؟ هل يكون القوة الغاشمة؟ هل تكون المسايسة ~~واللين؟ هل يكون المقالب والمآزق والشكاوات والنكايات؟ عشرات ~~وعشرات من الأسئلة والاحتمالات، غليان غريب مفاجئ اجتاح قريتنا ~~حدثت فيه تحزبات لمبادئ أحيانا ولأشخاص، وانقسامات، ومحالفات، ~~ونقض لمحالفات، وأشكال جديدة من أشكال الصراع كان الناس يعجبون لها ~~ويستغربون ويترحمون على الزمن الغابر حين كان هناك السلام والوئام ~~والخضوع والخنوع، واليوم لم يعد أحد «يحترم» أحدا، أو ينزل عن ~~ركوبته إذا قابله، أو ينتفض واقفا إذا مر عليه، اليوم كل إنسان ~~أصبح يقول للآخر: أنا زيي زيك، أنا مثلك، وفي أحيان: أنا أحسن ~~منك! # ولقد ظللت أراقب ما يحدث وأنا سعيد، فهذه الخلافات التي يتصورها ~~أبناء قريتنا، وهذا الشد والجذب، وهذه الخناقات والاجتماعات ~~والتحزبات، هي الثورة، هي عملية الانصهار الضخمة التي تحدث للمجتمع ~~وترفع من درجة حرارته ليعيد تشكيل نفسه من جديد، وعلى أسس جديدة، ~~لتندحر وتزول قيم كانت سائدة ومستشرية، ولتنمو قيم جديدة، وهكذا، ~~وبامتداد ذلك الوضع الطبيعي الصحي في القرية إلى أكثر بكثير من ~~مداه تحول إلى مرض ووباء، وبدلا من أن يؤدي الاختلاف والتحزب إلى ~~العثور على الحقائق الجديدة والحلول الأحسن استحال إلى مرض اسمه ~~التعصب، وانقسمت القرية إلى معسكرات متعصبة متعاندة متحاربة ~~متشاتمة، تعصب لا هدف له إلا التعصب ذاته، بل تنقلب أهدافه في ~~النهاية إلى أضرار، فأي مشروع مفيد يتبناه أحد الأطراف يسارع الطرف ~~الآخر إلى الوقوف ضده وإفشاله لمجرد أنه صادر عن معسكر مخالف أو ~~معاد. # وهكذا أيضا توقفت حركة النمو الطبيعي في القرية، حركة الدفع ~~الذاتي الذي كان لا بد أن يؤدي بهذا المجتمع الصغير إلى الوصول إلى ~~مرحلة التصنيع مثلا كما حدث لمصر المدينة، وحركة الغليان التي ~~كانت تشمل المجتمع كله خمدت بين الجماهير والقاعدة، وظلت مستمرة ~~بين القيادات: من يحكم القرية؟ لمن ms100 تكون السلطة؟ استمر الغليان ~~واستمرت القاعدة تتفرج عليه زمنا، وتتناقل أخباره باعتباره مصنعا ~~للأحداث في القرية التي نادرا ما تدور فيها أحداث، ولكن بمضي ~~الوقت، وبإدراك الناس أن هذا الصراع شخصي وذاتي محض وهدفه السلطة ~~لا أكثر، بدءوا يضيقون به، ثم بدءوا يثورون عليه ثورة صامتة في ~~أحيان، أو آخذة شكل التعليقات المرة الساخرة في أحيان. # وجاءت انتخابات العمودية لتشهد القرية أعنف صراع في تاريخها، ~~صراع لولا زهد القاعدة الجماهيرية فيه لانقلب إلى معركة دموية ~~رهيبة، صراع جعلني أوقن أننا قد آن الأوان للتخلص من نظام العمودية ~~هذا وذاك «المرض العثماني» كما سماه «فهمي أبو عقل» أحد أعضاء ~~الاتحاد الاشتراكي في قريتنا، ذلك النظام الذي يتيح لفرد واحد أن ~~يكون «عمدة» على مجموعة جماهيرية ضخمة، نظام لا بد من استبداله ~~بحيث تكون القيادة والزعامة للجنة، بحيث تكون القيادة والرئاسة ~~جماعية لا أثر فيها لاستبداد الماضي ونظامه الفردي المطلق. # جاءت انتخابات العمودية لتزيد الطين بلة، وليصل المرض إلى حد ~~اليأس والزهد. # وفي ذلك الوقت جاء العيد والقرية قد تقرر إقامة وحدة صحية فيها، ~~ولكن المحافظة تشترط لإقامتها أن تتبرع القرية بثمانية قراريط ~~لتقام عليها الوحدة، وقد حاولت لجنة الاتحاد الاشتراكي من ناحيتها ~~جمع التبرعات لشراء الأرض اللازمة فقضى التعصب على محاولاتها، فما ~~دام الذي سيقوم بجمع التبرعات من هذا الفريق فلا بد للفريق الآخر ~~أن يعارض ويرفض، وميزانية الوحدة معتمدة، ومبلغ يوازي خمسة آلاف ~~جنيه مودع في البنك في انتظار الأرض، والمرضى في القرية كثيرون في ~~حاجة ماسة ملحة إلى العلاج، والتحزب والتعصب يقف حائلا بين القرية ~~وبين تحقيق هذا المشروع وبين بناء مدرسة، وبين إقامة ناد ومصنع، ~~وبينها وبين أي خطوة إلى التطور والتحضر. # وفي العيد - كمحايد - قررت أن أقوم بتجربة، فبدلا من محاولة ~~إصلاح الحال بين الزعماء والقيادات والأحزاب ألجأ إلى جماهير ~~القرية مباشرة، إلى الفقراء والمحتاجين والعاملين الصغار الذين ~~يكونون الآلاف، وأن أجمع منهم، ومن قروشهم، مبلغ الأربعمائة جنيه ~~اللازمة لشراء الأرض. # وهكذا بعد صلاة العيد قمت أدعو ms101 الناس للتبرع وأشرح لهم حيوية ~~المشروع، والهوة التي تردت فيها القرية بسبب الخلافات، والحقيقة ~~أني مهما تصورت فلم أكن أبدا أتصور أن الاستجابة ستكون بهذا ~~الحماس، فأنا أكتب هذه الكلمة من قريتنا في ثاني أيام العيد وأمامي ~~ترقد أكثر من ثلاثمائة جنيه جمعت في يوم واحد، من قروش الفقراء، ~~وخمسات قروشهم، وأرباع جنيهاتهم، فجأة تحول العيد إلى حمى، إلى ~~حماس ملتهب من أجل إقامة المستشفى، وسرت الروح إلى كل بيت ورجل. ~~وفي ساعات كان المبلغ يتكاثر بطريقة مذهلة، وإلى ساعة متأخرة من ~~الليل كان باب بيتنا يدق، وشخص يدخل، أفقر حلاق في قريتنا، ذلك ~~الذي لم يتجاوز ما جمعه من قص شعور الناس لحلقة العيد أكثر من ~~خمسين قرشا، يدق الباب ومعه ريال، أجل عشرون قرشا كاملة، يريد ~~وبحماس شديد، أن يضيفها إلى قائمة التبرعات، وكان لا يمكن لحماس ~~هائل كهذا إلا أن يظل يزحف حتى يدخل على الأعيان والقيادات ~~والأحزاب منازلها، فإذا بهم هم الآخرون يتسابقون للتبرع، وقد وجدوا ~~التيار الجماهيري يغادرهم ويتركهم في خلافهم ويندفع ناحية عمل من ~~أجل القرية كلها، وليس من أجل من يرأس، ولا من يتزعم. # وما أذهلني أكثر أن هذه الحملة الاستفتائية التبرعية لم تكشف أن ~~الناس يريدون عملا واضحا محددا فقط، وإنما كشفت أيضا أن ~~الخلافات تظل قائمة ما دام ليس هناك عمل، وحيثما وجد العمل زال ~~الخلاف من تلقاء نفسه. ففجأة أيضا، وبعد خمس سنوات من الصراع ~~الدموي الرهيب الذي سقطت فيه قتلى وجرحى وأنفقت فيه آلاف الجنيهات ~~وترسبت آلاف الأحقاد، فجأة وجدت الأطراف المتنازعة تحس، وقد انسحبت ~~الجماهير من تحت راية التعصب إلى راية العمل، تحس أن خلافها لا ~~أساس له ولا معنى، وأنها غير متحمسة إطلاقا للمضي في هذا الخلاف، ~~وأن المرشحين للعمودية، والذين كان قد تقرر إعادة انتخابهم فيما ~~بينهم، على استعداد للتنازل جميعا عن ترشيح أنفسهم وتناسي كل ~~شيء. # وهكذا في يوم واحد جمعت القرية مبلغ المال اللازم لإقامة ~~المستشفى، وانتهى الصراع حول الحكم. # وفي صلاة الجمعة وجدتني ms102 أزف إلى قريتنا أسعد خبر تنتظره، وهو أن ~~جميع قياداتها المتنازعة قد اصطلحت، وأن السلام قد حل في القرية، ~~وآن لها أن تحتفل بالعيد الحقيقي. # إنها تجربة من قريتنا، أهديتها لكل قرية حل أو يحل فيها ~~خلاف. ~~(35) السارق والفزورة # جميل جدا هذا النشاط التثقيفي والترفيهي الذي تحفل به حياتنا، ~~جميل جدا أن يكون لنا ناد للسينما تعرض فيه أروع الأعمال، جميل ~~أن يكون لنا جرائد يومية ومجلات تنشر صورا وأحاديث وقصصا، جميل ~~جدا هذا الجانب من حياتنا، مهم جدا ولازم وضروري، ولكن المشكلة ~~أن حياة الناس والشعوب لا تستقيم أبدا هكذا بساق ثقافية ترفيهية ~~فنية واحدة، لا بد للحياة كي تستقيم من ساقين. الساق الأخرى هي ~~الإنتاج الجدي الدائب الذي نصنع به بلادنا ونقهر به أعداءنا ونبني ~~الغد. ولقد كنا قبل حرب الأيام الستة نعتقد أن هذه الساق الثانية ~~الجادة موجودة ودائبة العمل، كنا نعتقد أننا مهما أسففنا في ~~التهريج أو مهما بالغنا في الترفيه عن أنفسنا، فسيبقى لنا دائما ~~هذا الجانب الجاد ممثلا في محافل علمية جامعية وغير جامعية، وفي ~~قوات مسلحة برجال وعتاد وروح علمية حقيقية، وفي صناعة وطنية تبنى ~~على أسس متينة، تبنى لتعيش مائة عام أو ألفا أو إلى الأبد، ولكن ~~عدوان 5 يونيو أثبت لنا للأسف الشديد أن هذا الجانب العلمي الجاد ~~الخطير غير موجود بالمرة، أو إذا كان موجودا فهو موجود بشكل غير ~~علمي وغير جاد بالمرة، موجود أيضا بشكل سطحي تظاهري ترفيهي مثله ~~مثل ساقنا الفنية الأخرى، وقد كنا ننتظر أن يكون أول حركة لما بعد ~~النكسة هي عملية بناء عاجلة فائقة النشاط، ليس فقط لقواتنا ~~المسلحة، إنما لهذا الجانب الأساسي من جوانب حياتنا كلها، ولكننا ~~اليوم نتلفت لنجد للأسف أن شيئا من هذا لم يحدث، فطاقتنا كلها لا ~~تزال موجهة إلى فنون المسرح والاستعراض والأشكال الفنية الجماهيرية ~~الأولى، لا تزال أهم قضايانا هي حسن الإمام وبين القصرين، ومشكلة ~~الأغنية هي المشكلة الملحة التي لا بد أن نفرد من أجلها الصفحات ~~ويدور النقاش ms103 بانفعال صارخ وبحدة، وكأنها مسألة حياة أو موت، لا ~~نزال كما كنا تماما بدليل أني قرأت بعيني رأسي أن مشكلة الغناء في ~~مصر هي أن بسلامته الأستاذ شفيق جلال مريض بالإنفلوانزا وأنه زعلان ~~لأن أحدا من زملائه والمعجبين به لم يسأل عنه، ولذلك فقد تطوع ~~وأعطى لباب أبو نضارة رقم تليفونه ليسأل عنه الناس ويحدثهم عما ~~فعلته الإنفلوانزا الملعونة به. # لو كان ما حدث في 5 يونيو قد حدث لشعب آخر لترك كل شيء في حياته؛ ~~الثقافة والسينما والحب وأي شيء، ونذر نفسه لعملية إثبات وجوده ~~أولا كإنسان يستحق الحياة على ظهر الأرض أو لا يستحقها بالمرة، إن ~~ما حدث ليس أمرا هينا بالمرة أيها السادة. # هكذا صورونا، ملايين من الغوغاء التي تركب كل شيء وجرت أمام ~~إسرائيل الصغيرة ذات المليونين، وصحيح أن شيئا كهذا لم يحدث ولكن ~~العالم معذور إذا صدق الصورة، وإسرائيل في ستة أيام قد أتت على ~~تجهيزات ثلاث دول عربية قامت بها في بحر عشر سنوات وأكثر. # إن أي شعب في الدنيا ما كان باستطاعته الصبر على ما حدث في 5 ~~يونيو. أي شعب كان لا بد سيهب نفسه وكل ذرة قدرة لديه وطاقة في ~~سبيل محو هذه الصورة المشينة وإثبات أنه ليس شجاعا فقط، وليس أقوى ~~بكثير مما يظن أعداؤه، ولكنه قادر على النصر إذا شاء، قادر ليس فقط ~~على استعادة أرضه وحقه وسلاحه، ولكنه قادر على أن يصنع بأرضه ~~ومعداته ومؤسساته وسلاحه حضارة تشع بالنور وتضيف إلى تراث الحضارة ~~في العالم. # وما دامت الفوازير قد أصبحت جزءا لا يتجزأ من حضارتنا في العصر ~~الراهن، ما دامت قد أصبحت مخزن 13 والسر الذي سنغزو به الحضارات ~~الأخرى ونهزمها مثلما هزمت الحضارة الفرنسية أوروبا الرجعية بمبادئ ~~ثورتها، وغزت إنجلترا العالم بثورتها الصناعية، وأمريكا بالتكنيك، ~~وروسيا باللينينية، ما دمنا سنغزو العالم بفوازيرنا فإليكم فزورة ~~يحتار العقل في حلها ويعجز، الفزورة هي: # كيف استطاعت كوريا الشمالية وتعداد سكانها (10) ملايين ~~نسمة أن توجه هذه اللطمة الرهيبة للمارد الأمريكي العملاق؟ ms104 ~~كيف استطاع بلد صغير هذا شأنه، هذا البلد الفقير الذي يبلغ ~~متوسط دخل الفرد فيه مبلغا أقل بكثير من متوسط دخل الفرد ~~في أي بلد عربي، كيف استطاع بلد كهذا أن يهلك من أعدائه في ~~الحرب الكورية مليونا و93 ألفا ما بين مدني وعسكري وقتيل ~~وجريح بما فيهم 397000 جندي أمريكي، وأن يسقطوا 13000 ~~طائرة ويتلفوا 300 دبابة و550 بارجة حربية؟ وكيف استطاعوا ~~اليوم أن يأسروا باخرة التجسس هذه وأن يمرغوا الأنف ~~الأمريكي المهيب في الوحل؟ # بعض المتسرعين سيقولون إنها تفعل هذا اعتمادا على حلفائها في ~~الصين والاتحاد السوفيتي، ولهؤلاء أقول: إننا أيضا بوسعنا ~~الاعتماد عليهم بل اعتمدنا عليهم. بعض الناس سيقولون ربما الفرد ~~الكوري أشجع من الفرد العربي، ولهؤلاء أقول: إنه حين يأتي الأمر ~~للشعوب فلا يوجد شعب في العالم أشجع من شعب، فقد يوجد أفراد جبناء ~~لدى كل شعب، هذا صحيح! ولكن هناك دائما عددا أكبر من الشجعان ~~بحيث إن مستوى الشجاعة يتساوى لدى كل الشعوب. # ما هو إذن حل هذه الفزورة الغريبة؟ كيف تملك كوريا ذات عشرة ~~الملايين هذه القدرة الخارقة على مواجهة العدوان الأمريكي، بينما ~~لا نملك نحن، ذوي الثمانين مليونا، قدرة ماثلة، ليس على مواجهة ~~العدوان الأمريكي نفسه وإنما على مواجهة ذيل من ذيول العدوان ~~الأمريكي، إسرائيل ذات المليونين؟ # إن حل الفزورة - أيها السادة المستمعون - واضح وبسيط، الحل أن ~~عشرة الملايين هؤلاء لهم قيادة واحدة لا تخاف أمريكا وتربي شعبها ~~على الاستهانة بها. # إن الشعوب لا ذنب لها أبدا، فهي إذا طلب منها البذل تبذل، إذا ~~طلب الموت تموت، إذا طلب الصبر والاحتمال تصبر وتحتمل. المشكلة ~~دائما هي في القيادة، ليس حتى على مستوى الدولة أو الأمة العربية ~~كلها وإنما حتى على مستوى المدينة والقرية والوحدة. إن مشكلتنا هي ~~تلك التي تضعفنا إلى حد العدم، تلك التي تجعل قوتنا تتضاءل إلى حد ~~لا نستطيع معه مواجهة ذيل من ذيول الاستعمار. # ماذا لو قامت الشعوب العربية بالجهد؟ ماذا لو انعقد مؤتمر ~~للقيادات الثقافية والمهنية والعمالية والزراعية ms105 في عالمنا العربي، ~~مؤتمر مسئول يساهم في حمل المسئولية مع الملوك والرؤساء، مؤتمر ~~يجعل القضية ليست فقط مسئولية الملوك والرؤساء، وإنما يجعلها ~~مسئولية الشعب كله بكل فئاته وطوائفه؟ أما أن نبقى جميعا مثقفين ~~وعمالا وكتابا وقادة وحكماء ومفكرين. أن تبقى كل إمكانيات هذا ~~الشعب الفكرية والعقائدية والكفاحية والثورية وهي ضخمة هائلة ~~الضخامة، تبقى كل تلك الإمكانيات ويبقى معها الشعب في مدنه وقراه ~~ومزارعه ومصانعه؟ # إن على القيادات الشعبية في كافة الدول العربية أن تتحرك لكي ~~يتحرك الشعب العربي ويحمل القضية ويوجد كعامل حاسم في الموقف، ~~فالشعب إلى الآن غير موجود، القضية في حاجة إلى كتف كل فرد من ~~أفراد الشعب العربي وإلى ساعده. # إن على الشعب العربي أن يدخل لنخرج من دائرة الركود والاستسلام ~~تلك التي طالت وأصبح السكوت عليها أمرا لا يطاق ولا يحتمل، وخير ~~لنا أن ندخل الشعب العربي بإرادتنا - أي بإرادة رؤسائه وملوكه - ~~خير ألف مرة من أن ننتظر ونسوف حتى يدخل رغما عن هذه الإرادة، ~~فلم يعد أحد يطيق الانتظار. # والله حتى لو اضطررنا للمشي لقناة السويس وغزة والقدس بأيدينا ~~الجرداء وهراواتنا، ولتحصدنا المدافع ما تشاء، خير ألف مرة من أن ~~نظل هكذا واقفين في انتظار «جودو» أو «يانج» الذي لن يحل ~~المشكلة. # فلنتفق، ولنؤمن أن انتظارنا لحل القضية على يد هيئة الأمم أو ~~الدول الكبرى عبث وسخف وضياع للوقت، حل القضية في يدنا وفي ~~هراواتنا إن عز السلاح، وفي ملاييننا الكثيرة المشتتة الجهد، ~~المكدسة في مدننا وقرانا فاغرة الأفواه تائهة، لا تعرف ما ~~العمل. # فلنتحرك بها صوب القضية قبل أن تتحرك من تلقاء نفسها. ~~(36) الأخلاق القديمة خيانة عظمى # قرأت بإمعان تفاصيل قضية امتحانات الثانوية العامة، أصبت بعد ~~قراءتها بدهشة، فالمتهم الأول، ذلك الموظف الكبير في المطبعة ~~السرية، لم يقدم على جريمته بدافع المال أو الرشوة أو المتعة، أقدم ~~عليها بدافع أغرب، بدافع الشهامة ومحاولة مساعدة ابن صديقه، ~~والمتهم الثاني أو الثالث الابن لم يقدم على جريمته هو الآخر ويوصل ~~الأسئلة لابن عمه إلا بدافع غريب ms106 آخر، دافع الحرص على مصلحة ابن ~~عمه. # دوافع غريبة لا شك لارتكاب جريمة، لا تخفف (نظافتها) الظاهرة من ~~بشاعة الجرم، بقدر ما تضاعفها. # وليست هذه أول ولا آخر جريمة ترتكب في بلادنا بسبب هذه الدوافع ~~المجيدة، فالأمثلة كثيرة وتقع تحت سمعنا وبصرنا كل يوم، والشيء ~~الخطير أنها تدل على أن بعضا منا لا يزال يحيا في حدود أسرته ~~ومعارفه وأصدقائه لا يعرف غيرهم، ولا يقيم وزنا لغيرهم، هم ~~الدائرة الوحيدة التي يتحرك داخلها ويحسب لها حسابا، أتتصورون ~~هذا؟ بعد كل معاركنا التي خضناها كشعب، وبعد كل هذه الأحداث ~~الهائلة التي كانت كفيلة بإذابة كل ما بيننا من حدود ذاتية وشخصية ~~ودمجتنا على هيئة أمة واحدة وشعب واحد، بعد كل هذا لا يزال بعض منا ~~لم يحس بأنه قد أصبح فردا في شعب كبير، ولا تزال دائرة أسرته ~~ومعارفه وبلدياته هي شعبه الوحيد الذي ينتمي إليه. الخيانة في نظره ~~أن يخون هذه الدائرة الضيقة، والشهامة أن يقدم على عمل من أجلها ~~حتى لو أودى عمله هذا بمصلحة بقية الشعب. # هؤلاء العائليون لا يزال يحفل بهم مجتمعنا ولم ينقرضوا بعد، ولا ~~تزال علاقتهم بنا كشعب علاقة خوف فقط، وربما لهذا السبب أوصى ~~الموظف ابن صديقه أن يتكتم الأمر حتى لا يفتضح أمره؛ أي تصل أخبار ~~فعلته «الشهمة» إلى أسماع المجتمع الكبير ويعاقبه عليها. # إن الحكم الذي صدر على الجناة في هذه القضية درس من الواجب أن ~~يتدبره كثيرا أولئك العائليون الذين من الممكن أن يكونوا قد ~~ارتكبوا جرائم ضد مجتمعهم الكبير من أجل مجتمعاتهم الصغيرة الضيقة، ~~أو الذين لا يزالون يرتكبون جرائم كتلك، أو ليس لديهم مانع من ~~ارتكابها على الأقل، إنه درس لمن يضع نفسه قبل عائلته، ومعارفه قبل ~~مدينته أو قريته، وبلدته الصغيرة قبل بلاده الكبيرة، آن الأوان لكي ~~يدرك هؤلاء أننا نحيا في وطن قد تحرر وأصبح كله لنا، ولا بد أن يضع ~~كل منا وطنه هذا قبل بلدته، وبلدته قبل عائلته، وعائلته قبل نفسه. ~~وهذا هو الفارق الأساسي ms107 بين ولائنا بالأمس وولائنا اليوم، بيننا ~~كعبيد مستعمرين في الماضي، وأحرار مستقلين في الحاضر، فارق يجب أن ~~يفكر كل منا فيه ويتأمله ويغير مثله في الحياة وفلسفته وأهدافه على ~~هداه، وإلا استيقظ يوما ليجد نفسه مقبوضا عليه بتهمة الخيانة ~~لشعبه ومجتمعه جزاء عمل بطولي قام به نحو أسرته أو نفسه أو الدائرة ~~الضيقة التي يعيش فيها. # وشيء آخر ... # درس ثان خرجت به من قراءتي للقضية، الدرس أن ما يحدث خلف الناس ~~لا بد أن يظهر يوما أمامهم، إن كثيرين منا يقدمون في أحيان على ~~أعمال مخجلة لعل ما يدفعهم أساسا لارتكابها أنهم يعتقدون أن أحدا ~~لن يعرفها وأن أمرها سيبقى سرا لا يصل إليه كائن من كان، ألا ~~يعرف هؤلاء أن العمل الخبيث تفوح رائحته مهما تكتم صاحبه الأمر؟ ~~وأنه إذا كان للإنسان أنف واحد أو عينان فالناس لهم ملايين الأنوف ~~والآذان والعيون مصوبة في كل اتجاه ولا يمكن أن يستغفلهم أو يضحك ~~عليهم أحد؟ هم الذين يضحكون دائما آخر الأمر، ويضحكون كثيرا، ~~يضحكون على الجبناء الذين يطلون وجوههم بأقنعة العفة والطهر بينما ~~هم في الداخل أشد بشاعة من القتلة والمجرمين، لقد أقدم الموظف ~~المحترم على فعلته مثلا وهو ضامن أن الأمر لن يتعدى حدود صديقه ~~وابنه، ولم يكن ليعتقد أبدا أو يحلم أو يتصور أن الأمر سيشيع إلى ~~تلك الدرجة، سذاجة لا شك، ودفن للرءوس في رمال الخفاء التي لا تخفي ~~شيئا، فما يحدث من وراء الظهور لا بد أن يظهر يوما، قد يظل ~~خافيا لفترة، ولكنه لن يظل خافيا إلى الأبد، ولا بد لكل خاف أن ~~يعرف، وقد يعرف ببشاعة أو بطريقة لم تخطر على البال، أو دائما ~~هناك طرق لا تخطر على بال أولئك الذين يتسترون بظهور الناس لارتكاب ~~جرائمهم، أو دائما يفاجئون بالأضواء تنصب عليهم ذات يوم من كل ~~ناحية وهم واقفون، خجلون، محاصرون في ركن، لماذا لا نفكر في طريقة ~~أشرف وأنظف للسلوك؟ لماذا لا يضع كل منا في اعتباره أن يتحمل ~~مسئولية ما يفعله ms108 من وراء الناس؟ إنها ليست شجاعة، ولكنها «ألف باء» ~~تصرف أي كائن يريد أن يكون له شرف أن يسمى بإنسان، تحمل المسئولية، ~~وأولها مسئولية الخطأ. لماذا نظهر للناس محاسننا دائما ونخفي ~~أخطاءنا بجبن؟ لماذا نصر على أن يرى الناس نصف وجهنا فقط ونكابر ~~بسخف لكيلا يروا النصف الآخر؟ إنها ليست قيما جوفاء أطالب بها، ~~ولكنها في الحقيقة مسألة عملية محضة، فالمسئولية - بما فيها ~~مسئولية الخطأ - لا يستطيع أحد أبدا أن يهرب منها، إننا نتحملها ~~سواء أردنا أم لم نرد. الفرق أننا حين نتحملها من تلقاء أنفسنا ~~يصفح الناس عنا وينسون، أما حين نكابر ونوغل في الهرب منها فإنها ~~لا تهرب منا، ودائما يأتي اليوم الذي نجبر فيه على حملها علانية ~~وعلى رءوس الملأ والعار يجللنا. هو نفس الفرق لو كان الموظف الكبير ~~قد تقدم من تلقاء نفسه واعترف للوزارة بخطئه وبما فعله، وطلب أن ~~تتغير الامتحانات، وبينه اليوم ورأسه منكس وظهره إلى الحائط ونظرات ~~الاشمئزاز تحيط به من كل جانب. # إني لأشفق على الكثيرين من نفس المصير. ~~(37) أدب ثقيل الدم # لتوي انتهيت من الاطلاع على بضع مجلات شهرية بعضها من القاهرة ~~والآخر من بيروت. وللمرة الألف أحس ذلك الإحساس الذي يراودني كلما ~~طالعت كثيرا من المقالات التي تنشرها المجلات والجرائد، وسأكون ~~صريحا وأنقل بالضبط ذلك الإحساس، ومهمتي سهلة، فإحساس واحد يشملني ~~طيلة القراءة، إحساس - وليعذرني الزملاء والإخوان - بالتصنع، ~~و... «التأدب»! من أول كلمة أحس وكأن الكاتب قد أدرك أنه بسبيله إلى ~~القيام بعملية غير عادية، وأن عليه أن يسوك فمه مثلا بمسواك، ~~ويتأنق ويجلس جلوس الكاهن الأعظم أمام آلاف المريدين والمتعبدين، ~~محترما في جلسته، محترما في إشاراته وإيماءاته. كلماته لا بد أن ~~يختارها من النوع الجاد الوقور، وأسلوبه لا بد أن يحوي كثيرا من ~~أمثال هذه التعبيرات: وعقيدتي أن الوضع لا يتأتى، أو إذا نظرنا إلى ~~المنهج من زاوية أخرى لألفيناه كذا وكيت. # وبحكم هذا الاحترام الزائد والطقوس، ليس من العجيب أن تجدهم قد ~~أطلقوا اسما ثقيل الدم على ما ms109 يكتبون؛ إذ هم يسمونه «أدب المقال». ~~ورغم احترامي للتسمية ولهذا النوع من «الأدب»، ولكل أنواع الأدب، ~~ولكتاب أي نوع، إلا أني لا أزال إلى الآن لا أفهم ذلك المسمى بأدب ~~المقال. فأنا أعرف مثلا أن الكاتب حين يريد كتابة قصة يصبح هدفه ~~أن يكتب قصة، وحين يريد تأليف قصيدة يقول شعرا، أما المقال فهو لا ~~يلجأ إليه إلا حين تتراكم لديه أفكار غير قصصية وغير شعرية وغير ~~مسرحية، يعني عنده أخبار مثلا، أو معلومات أو وجهة نظر معينة أو ~~حقيقة علمية يريد إيصالها للقارئ، هو حينئذ ينبذ كل الوسائل غير ~~المباشرة ويلجأ إلى الوسيلة الوحيدة المباشرة ... المقال ... بمعنى ~~أدق إذا كان أدب القصة تقاس جودته بما فيه من فن القص، والشعر بما ~~فيه من تعبير شعري، فأدب المقال مقياس جودته ما له من قدرة على ~~الإيصال المباشر والشفافية، والخلو من كل ما قد يعوق الأفكار عن ~~القارئ؛ أي أدب أن تقول «ما يفهم»، وكلما قلته بأبسط وأسرع وأشف ~~طريقة، اقتربت من روح أدب المقال. بعض إخواننا فهموا ولا يزالون ~~يفهمون أدب المقال على أنه نوع «تنقل» فيه أفكارك إلى زملائك ~~وقرائك، ولكنه النوع الذي تتخذ فيه من زملائك وقرائك موقف المعلم ~~والمدرس وتصطنع فيه وقار الأستاذ، كارثة المقالات عندنا أنها دروس، ~~وليتها من أساتذة كبار حقا، معظمها في الحقيقة من تلاميذ يحاولون ~~أن يوهموا القارئ بأستاذيتهم، إيهاما متعجرفا محشوا حشوا ~~بأسماء الكتاب الأوربيين والفلاسفة، مظهرا عضلات الثقافة في ~~مراهقة صبيانية تحس أن الكاتب خلالها يتقيأ محصول قراءاته قبل أن ~~يصل إلى بلعومه وقبل أن يهضمه ويصبح جزءا لا يتجزأ من كيانه ~~ونفسه، إنه محصول ضئيل يعمد إلى إظهاره وتضليل القارئ به، وكل همه ~~أن يثبت أنه عالم ويثبت لقارئيه أنهم جهلة، حريصا في الوقت نفسه ~~على طقوس الكتابة أكثر من حرصه على سبب الكتابة وموضوع الكتابة. ~~والمهم في أسلوبه هو بلاغته وليس مهما أبدا طعمه، والهدف الوحيد ~~أن يخرج القارئ من قراءته وهو يحمل للكاتب كل الاحترام والتقدير ~~حتى لو ms110 خرج من المقال كما دخل. # ولعله لهذا السبب تتشابه كثير من المقالات التي نراها في الجرائد ~~والمجلات تشابها غريبا وكأنما كتبها كاتب واحد، لا تجد فارقا ~~بين مقال كتبه شيخ وآخر كتبته سيدة أو أنشأه شاب، الكلمات مرصوصة ~~بنفس الطريقة، وإظهار الحجج يتم على نفس النسق، والخيط المستعمل ~~واحد، يبدأ بالمقدمة يليها الدخول في الموضوع ثم قرب النهاية تجد ~~الكاتب يلتقط أنفاسه، وجميعا يفعلون هذا بنفس الطريقة، ويقولون: ~~وبعد ... أو أجل ... إلى آخره. # وعبثا تحاول أن تبحث عن ذاتية الكاتب فيما يعرضه من موضوعات. ~~وبالذاتية لا أقصد أن يفرض الكاتب ذاته على الموضوع الذي يتناوله، ~~ولكني أريد أن أحس أنه هو وليس أحد غيره ذلك الذي يعرض أفكاره، ~~أريد أحيانا أن أراه وهو يفكر، وهو يحاول بطريقته الخاصة أن يصل ~~إلى استنتاج، أريد أن أستمتع بالطريقة التي يرتب بها أفكاره وسرعة ~~بديهته في إيجاد الحل. فإذا كانت ميزة الشاعر تتجلى في كونه يعالج ~~الموضوعات ويعبر عنها بالشعر، ولكنه يفعل هذا بطريقته الخاصة، ~~فكذلك كاتب المقال لا بد له هو الآخر أن يبحث عن طريقته الخاصة في ~~تناول الحقائق، فكتابة المقال فن، وكل فن في حاجة إلى موهبة، أو ~~بالميت في حاجة لدراسة، وقد كنت أعجب وأنا طالب حين أقرأ قائمة ~~الشهادات المدونة تحت أسماء كبار الجراحين والعلماء الذين يؤلفون ~~مراجع العلم والطب، وأجد أن كثيرين منهم قد حصلوا فوق شهاداتهم ~~العلمية، وفقط من أجل أن يجيدوا كتابة المرجع. # وفي هذا المجال أيضا لا أزال أيضا أذكر كيف أننا كنا نحضر ~~محاضرات يلقيها المعيدون والمدرسون والأساتذة، وكنا نلاحظ أن ~~أسهلها في الفهم جميعا هي محاضرات الأستاذ، فقد كان يبدو وكأنه ~~طالب أو رجل شارع متحدث عن أعقد المسائل بأبسط أسلوب، وكان أعقدها ~~وأعسرها على الفهم محاضرات بعض المعيدين حين كانوا يحاولون أن ~~يظهروا في ثوب الأساتذة المعلمين، تماما كبعض إخواننا من كتاب ذلك ~~النوع الذي ثقلوا دمه، أدب المقال! ~~(38) لمن تدق الأجراس؟ # كثيرا ما أسأل نفسي: هل فقدت الكتابة وفقد الكتاب ms111 أهميتهم في ~~مجتمعنا؟ نحن لا نحيا حياة الشعوب العادية، لا تمضي حياتنا في ~~سلاسة وتؤدة وإنما نحن نحيا في فترة استثنائية في حياة الأمم، فترة ~~بناء الدار وتصنيعها وكفالة حق العمل والحياة والأمن لأفرادها. ~~فترة يبنى فيها كل شيء أمامنا ونحس البناء وهو أساس، ثم وهو يعلو ~~ثم، وهو يتم ويصبح حقيقة مجسدة لا تقبل الجدل، فترة المجد فيها ~~للبناء والمهندسين والمحاربين والعمال والانتصارات. # في مثل هذا الجو النفسي، وفي الفترة التي امتلكنا لأول مرة كشعب ~~إرادتنا بحيث أصبح من حقنا أن نريد، وفي قدرتنا أن نحقق بين يوم ~~وليلة ما نريد، في فترة لا نحلم فيها وإنما نحن مشغولون إلى أقصى ~~طاقتنا بتحقيق الأحلام، في فترة الكل فيها ثوار، الحكم فيها ثوري، ~~والشعب ثائر، وحتى الأفراد كل منهم غير راض عن نفسه ووضعه يريد ~~تحقيق ذاته وتحسين حاله والمطالبة بكل حقوقه، في هذا المهرجان ~~الثوري الحافل الباني الصاعد المكهرب بالسرعة يريد أن يعوض في ~~اللحظة ما تأخره من سنين. # أين يقف الكاتب من هذا كله؟ وماذا عليه أن يفعل؟ وماذا عليه أن ~~يقول؟ # إنني أكاد أسمع الأصوات الهاتفة المتحمسة وهي ترد على السؤال ~~وتجيب: إن على الكاتب أن يتقدم الموكب ويحمل القلم في يده كما يحمل ~~أخوه المدفع أو «البنسة»، وأن يساهم في معركة البناء القائمة على ~~قدم وساق، إن الإجابة تأتي دائما هكذا بسرعة وحسم وبساطة. على ~~الكاتب أن يحمل قلمه ويخوض المعركة ويصور بطولة البنائين وشجاعة ~~المحاربين وزحف الشعب المقدس. بمعنى أدق على الكاتب أن يقوم بدوره ~~كمهلل ومحفز ومحمس، على الشاعر أن ينشد القصائد قبل المعركة ليثير ~~الدماء في العروق، وعليه بعد المعركة أن يمجد بطولات من خاضوها. ~~وعلى القصصي أن يصور بفنه النموذج الإيجابي البطل كي يحذو ~~المواطنون حذوه. لو هكذا فعل الشاعر والكاتب والفنان لأصبح الفن ~~جزءا لا يتجزأ من معركة البناء، ولأصبح حقائق وانتصارات مجسدة ~~مثله مثل أي مصنع يقام أو أي سلعة نفخر أننا صنعناها بأيدينا. هكذا ~~يجيبك المتحمسون ببساطة، وببساطة أيضا ms112 يعزون تخلف أشكال الفن ~~والكتابة وعدم أخذها المكانة الجديرة بها في حياتنا إلى تخلف ~~الفنانين والكتاب وتقاعسهم عن القيام بهذا الدور. # فهل القضية بهذه البساطة؟ وهل حلها يتم بهذه السهولة؟ بمجرد أن ~~يشد الكتاب والفنانون «حيلهم» ويخلعوا ثياب التواكل والفتور ~~وتعديهم موجة الحماس؟ # الفن ليس نصائح تربوية # الواقع أن القضية أبدا ليست كما يتصور هؤلاء البعض، فالخطأ ~~الأساسي الذي يقعون فيه هو أنهم يتصورون بادئ ذي بدء أن ~~الكتابة - أو الفن - دورها قاصر على تمجيد العمل البشري، وعلى ~~دفع العاملين إلى العمل وحفز هممهم، إنه دور نوع بعينه من ~~أنواع الفن والأدب، دور الأدب المدرسي والتربوي والحواديت التي ~~تقال للأطفال لتحبب إليهم الخير وتبغضهم في الشر. إنه نفس ~~الخطأ الذي يتورط فيه دعاة الفن للفن، والموسيقى من أجل ~~الموسيقى وحدها وليس من أجل ما تحدثه في النفس والناس. # إن الأدب والفن ليسا نصائح تربوية ومدرسية من ناحية، وليسا ~~فنا وأدبا من أجل الفن والأدب فقط، إن الآداب والفنون أهداف ~~كبرى من أهداف الحياة الإنسانية نفسها، مثلها مثل لقمة العيش ~~والرغبة في التناسل وحب الخير وازدراء كل ما هو شر، إن الفن ~~جزء لا يتجزأ من الحياة، ومن أهدافها، لم يوجد مع الإنسان ~~البدائي وحتى الحيوان عبثا، ولا عبثا كل تلك الأهمية ~~والقداسة التي يكنها له الجنس البشري في كل المراحل والعصور. ~~إن الإنسان بغير فن إنسان ناقص، بل بغيره لا يمكن أن يكون ~~إنسانا، وليس في هذا أدنى مبالغة، فلنتصور حياتنا وقد خلت من ~~الموسيقى والأغاني والروايات والقصص والرقص والدموع والضحكات، ~~لنتصورها بغير إذاعة أو مسرح أو سينما أو تليفزيون أو جلسات ~~وتجمعات، إن الخيال نفسه لا يطاوعنا على تصورها. وصحيح أن الفن ~~لا بد أن يدعو لشيء ما، ولا بد أن يحتوي على ترفيه ما، ولكنه ~~أبدا لا يمكن أن يكون فنا إذا اقتصر على الدعاية لشيء ما، ~~حتى لو كان هذا الشيء أقدس المقدسات، أو الترفيه عن الناس حتى ~~لو كان هؤلاء الناس هم جماهير الشعب بأسره، إن ms113 في الفن الحقيقي ~~عناصر أخرى وأشياء تخاطب ما هو أعمق من حياتنا اليومية أو ~~السنوية، وما هو أعمق من إثارة عواطفنا الوقتية من مرح أو شجن ~~أو بكاء، كل ما في الأمر أننا لم نكتشف بعد ماذا تحدثه بالضبط ~~هذه العناصر في نفوسنا، ولماذا نحتاجها كل هذا الاحتياج بحيث ~~لا نستطيع الحياة كبشر بدونها، ونحن لم نكتشفها بعد لأن إنتاج ~~الفن واستهلاكه ليست عملية ساذجة بسيطة كما يسذجها ويبسطها ~~هؤلاء الذين ينعون على الكتاب والفنانين تقاعسهم، وإنما هي ~~عملية معقدة، لغزها من لغز الحياة نفسها وسرها. # بناء في حد ذاته # المشكلة إذن أن الفن ليس جزءا متمما ومجملا لعملية البناء ~~الاقتصادي والاجتماعي التي نقوم بها ويستغرقنا الحماس ~~لإتمامها. المشكلة أن الفن نفسه بناء في حد ذاته، هدف لا يقل ~~خطورة وأهمية عن صناعاتنا الخفيفة أو الثقيلة، بل هو أخطر منها ~~بكثير؛ لأنه إذا كان يمت إلى صناعة ما بصلة فهو يمت إلى صناعة ~~الإنسان، أثمن وأغلى وأرقى ما نمتلكه. # المشكلة أننا نوجه إلى الكتاب والفنانين الدعوة الخاطئة، ~~فبدلا من أن ندعوهم إلى بناء فنوننا وإنتاجها ونطلق حريتهم في ~~إثراء هذا البناء واعتصار أنفسهم لإقامته، بدلا من هذا ندعوهم ~~إلى التخلي عن ذلك الدور المقدس كي يقوموا بتمجيد المصانع ~~والمباني والمشروعات، نفس الخطأ الذي نرتكبه حين نطلب من ~~مهندسينا مثلا أن يتخلوا عن دورهم في تشييد المصانع وإقامة ~~المشروعات الحيوية لنا كي يقيموا مشروعات ومصانع الهدف منها ~~تخليد نهضتنا المسرحية أو الموسيقية أو الأدبية. # ويبدو أننا لا نريد أن نتعلم من التاريخ أو حتى من التاريخ ~~القريب، والتاريخ يحدثنا عن ثورات قامت في بلاد من أجل التصنيع ~~والكفاية والعدل، وبنت هذه الثورات موقفها من الفن والأدب على ~~المفهوم الساذج السطحي الدعائي التربوي للفن والأدب، فكانت ~~النتيجة أنه بعد نجاح تلك الثورات اكتشفت الشعوب أنها أقامت ~~بناءات ضخمة عالية لكل شيء ولكنها نسيت أو أجبرت على تناسي أهم ~~شيء، بنائها الروحي والفني، وهكذا لم تخسر تلك الثورات تراثا ~~فنيا حقيقيا فقط، ولكنها ms114 خسرت - وهذا هو الأهم - التفاعل ~~بين إنسان الثورة وهذا التراث المفقود، بحيث حكم على جيل أو ~~أجيال أن يخرج إلى الوجود كسيح الروح، وهذا ليس خطأ، بل هو في ~~رأي العلم والحياة والثورة جريمة، جريمة تكرر حدوثها للأسف في ~~التاريخ ومنذ أقدم العصور، إن الحضارة التركية استمرت مسيطرة ~~عسكريا وسياسيا على أهم أجزاء العالم ما يقرب من ألف عام، ~~ولكنها كانت حضارة بلا فن، والنتيجة أن التاريخ لا يذكرها حتى ~~كحضارة وإنما يذكرها كفترة سوداء من فترات القهر والطغيان، بل ~~نحن حتى حين نصفي الحضارات لنعرف ماذا يبقى منها للتاريخ نجد ~~أن كل الأشياء تزول وتتلاشى ويلفها العدم إلا ما حققته تلك ~~الحضارات في الفن والأدب والعلم باعتبارها الثمرات الحقيقية ~~التي تستخلصها البشرية من أي تطور أو تمدين أو ازدهار. # هل من المعقول إذن أننا في ثورتنا الحضارية الكبرى هذه نكرر ~~نفس الخطأ الذي حدث، ونستمع إلى فهم بالغ الخطل والشطط لدور ~~الفن والأدب، لنخرج للعالم حضارة كسيحة الروح؟ # إن الصناعات والكهرباء والقوة العسكرية ليست أهدافا بالمرة، ~~إنها ليست سوى وسائل لتأمين إنساننا وتعليمه وتطويره كي تتبدى ~~قدرة هذا الإنسان على الخلق والابتكار، كي يزهر إنساننا ويثمر ~~فنا وأدبا وعلما وثقافة، كي تضيء حياتنا لا من الكهرباء أو ~~الذرة وإنما بالنور الصادر عن عقل إنساننا ووجدانه وقد تحرر ~~واطمأن. # الأولوية للأثر المباشر # إن الخطأ يحدث أحيانا بحسن نية، وبحسن نية يعتقد بعض الناس ~~أننا ما دمنا في ثورة بناء فلا بد أن يكون كل ما يبنى واضحا ~~جليا ظاهرا للعيان له أثره المباشر الملموس، فالمصنع ينشأ ~~اليوم ليعمل فيه العمال غدا، وبعد غد نتسلم منتجاته كتلا ~~وطرودا وأحجاما ملموسة ونستخدمها وتصبح جزءا من حياتنا. ~~ولكن المنشآت الفنية والأدبية أشياء قد لا تكون باهرة الحجم ~~والمظهر ولا هي سريعة المفعول، والذي يروج منها ونحتفل به هو ~~النوع الضخم الواضح الأثر والمفعول، أوبرا مثلا يتكلف إخراجها ~~الشيء الفلاني وفيها غناء ورقص وباليه، أو استعراض يضم ألف ~~راقص وراقصة، أو مسلسلة إذاعية تستغرق ms115 شهرا أو عاما أو ربما ~~أعواما، أو رواية بالغة الضخامة وليس مهما لو كانت فقيرة في ~~الخلق، إن ما نحتفل به هو الضخامة وسرعة المفعول وكل ما نستطيع ~~أن نطلق عليه «انتصار»، ولهذا نحن على استعداد أن نطلق اسم ~~سباح أو لاعب كرة على شاطئ بأكمله أو شارع بينما لا يمكن أن ~~يحظى بهذا الشرف مفكر أو عالم أو فنان ربما تغير بضع صفحات ~~يكتبها من مجرى حياتنا وحياة أولادنا. ذلك أن البناء الفني أو ~~العلمي أو الأدبي لا تحفه في الغالب أكاليل الانتصار، ولا ~~يقيمه صاحبه ليصبح نجما من النجوم أو بطلا من الأبطال، وإنما ~~يقوم به أناس جعلوا من فنهم أو علمهم رسالة وهبوا أنفسهم لها، ~~قدرهم أحد أم لم يقدرهم، وصفوا بالبطولة أو اتهموا بالخيبة ~~والتقاعس. # المقياس الوحيد! # إن بناء حياة فكرية وثقافية وفنية حقيقية تكون الزهرة ~~والثمرة الأصيلة لحياتنا كلها وحضارتنا مهمة بالغة المشقة في ~~حاجة إلى رهبان وقديسين، وأشق ما فيها أنها تتم بمعارضة شديدة ~~من أصحاب الحلول الجاهزة السهلة وبغير تشجيع من أحد، فالدولة ~~لا تشجع إلا ما يعود على جماهير الشعب بالأثر السريع المنتج. ~~والشعب مشغول بالنجوم والأبطال والانتصارات، فما أكثر ما قضى ~~من وقت وهو لا يذوق سوى الهزائم! وقد آن له أن يحيا الانتصارات ~~ويخلقها حتى إن لم توجد، ولهذا فعلى قدر ما أصبحت الرياضة ~~وأبطالها نجوما خوارق يحظون بالدعاية الشعبية والرسمية، على ~~قدر ما أصبح البناء والبناة لقبا ومفخرة ونياشين وميداليات، ~~على قدر ما احتلت كل فئة من فئات المجتمع التي تكرس نفسها ~~للتصنيع والتشييد والانتصارات مكانها في سماء حياتنا، على قدر ~~هذا كله فإن مكانة هؤلاء الذين يبنون حياتنا الفكرية والفنية ~~تأخذ أقل الأوضاع. صحيح أن عدد الكتب والمسرحيات والمؤلفات ~~والفرق التمثيلية ومنابر النشر قد ارتفعت وربما تضاعفت عشرات ~~المرات، ولكني هنا لا أتحدث عن «النهضة» في التطبيق والتنفيذ، ~~ولكني أتحدث عن النهضة الحقيقية في التأليف والخلق والتفكير، ~~وعن خالقي هذه النهضة. أتحدث عن هذه القلة القليلة التي لا ms116 ~~تحظى بتكريم أحد والتي أوشك مجتمعنا أن يهملها إهمالا تاما، ~~هذه القلة التي كانت جديرة بأن تزين بإنتاجها - واحتفالنا ~~بإنتاجها - صدر حياتنا، وتصبح هي النموذج المحتذى. فإن مقياس ~~حضارة أي أمة أو فترة من فترات التاريخ يستدل عليه بمقدار ما ~~كانت تحظى به هذه القلة من رعاية واهتمام، إنه مقياس التحضر ~~الحقيقي والنهضة الحقيقية، وليس هناك أي مقياس آخر. ~~(39) اصرخ وعش ولا تمت # شعور غريب كان يراودني وأنا واقف مثل أبطال الروايات خلف باب ~~مغلق أروح وأجيء، وقلق أجوف رنان لم أحسه من قبل يتزايد ويغمرني. ~~كنت أعرف بالضبط ما يدور في الداخل، منذ لحظات وجيزة وأنا أخوض ~~تجربة الأبوة الأولى لطفل لم أره بعد، وكل معلوماتي عنه كلمتان ~~اثنتان قالتهما ممرضة مسرعة ملهوفة: مبروك ... ولد. # ولكني عرفت في الحال أنه ابن مع إيقاف التنفيذ، فقد انتظرت أن ~~أسمع صراخه، ولكن صرخة واحدة لم تغادر باب الحجرة المغلقة. ورغم كل ~~المطمئنات، وكمادات الابتسامات المرتسمة على وجه الداخل والخارج ~~لتهدئ من روعي وتقنعني أن كل شيء على ما يرام، فقد كنت عالما ~~تماما أن الباب يفصلني عن حدث بالغ الخطورة، أخطر حدث؛ فالجنين ~~بلا شك يعاني من الاختناق، ولا يتنفس، ومصيره دق حتى أصبح معلقا ~~بخيط أوهى من الدقائق الفاصلة بين الرابعة والرابعة وسبع دقائق. ~~إما أن يجتازها إلى حياة عريضة تعد بعشرات السنين، وإما عودة سريعة ~~إلى الظلام الذي خرج منه، الدقائق القليلة التي يتحول فيها الجنين ~~من سمكة تعوم في ماء إلى إنسان يتنفس هواء، التي تفصل بين رحلة ~~طويلة منذ أن كان ذرة رمل حية إلى أن أصبح كاملا له أمعاء ومخ ~~وأعضاء، والرحلة الأطول تنتظره، والتي سيتعلم فيها كيف يتكلم، ~~وسيجرب ويحب وينتصر وينهزم ويشيب شعره ويتزوج ويقف هو الآخر ينتظر ~~مثلي خلف باب مغلق. الدقائق قليلة جدا ومصيره فيها معلق، ~~والإرادة العليا التي سوف تحدده قد تلبست الآن أيدي الطبيب. ~~والطبيب لم أعرفه من قبل وإن كنت قد سمعت عن براعته وحذقه، ولكن ~~الموقف أصعب موقف، ms117 والبراعة لها حدود، والمطلوب براعة تفوق الحدود، ~~براعة من براعة الله تخلق وليدا من الجنين الأزرق الذي لا يتنفس، ~~ورغم وقفتي بالخارج فأكاد أشارك الطبيب شعوره؛ شعور الإنسان بكل ~~محدوديته حين تمنحه الظروف قدرة الله ليصبح بإذنه يستطيع أن يحيا ~~ويصبح خوفه الأكبر أن يموت، حين يصبح إنسانا بمسئولية إله وعواطف ~~بشر، ودقيقة مرت ودقيقتان وأعصابي تحمر وتتوهج ثم تصيبها القشعريرة ~~فتتجمد، لتعود فجأة وتتوهج مع كل فتحة باب، وكل نأمة صوت وكل ~~انبعاثة هرج أو مرج. نفسي تحدثني أن أدخل لأرى، لعل الرؤية تذهب ~~القلق، ولكن مانعا أكبر يمنعني. فأنا عالم تماما بنوع العمل ~~الدقيق الحاسم الساحر الذي يقوم به الدكتور علي في الداخل، كيف ~~أقطع عليه خلوته وهو يعيد الأنفاس إلى جسد يتنفس، وهو يعيد لون ~~الحياة إلى أظافر اختنقت واسودت، كيف أقطع خلوته وهو يقوم بدوره ~~الإلهي! إن مجرد تبادل التحية، مجرد شعوره بدخول غريب، مجرد نظرة ~~تصوب أو إصبع ترتجف قد يفلت لها الزمام، عقارب الساعة تدور، عقرب ~~الدقائق كأنه أصبح عقرب ثوان، وعقرب الثواني كأنه انقلب إلى عقرب ~~كل اختلاجة منه تلدغ. وبعدي عن المعركة الدائرة في جسد الابن الذي ~~لم أره يجعل أعصابي تزداد هوسا في تذبذبها بين التجمد والتوهج. ~~لا يزال الصمت هو الأقوى وهو المسيطر، والوقت المولي هو الأسرع، ~~والإسفكسيا الزرقاء لا بد أنها تتحول الآن إلى إسفكسيا بيضاء لا ~~رجوع فيها ولا منها، لو لم تعد الحياة للجنين فمن المحتم أنها ~~ستفارق أمه أيضا. أية أحلام بنتها، وأي فرحة حملتها وضمتها تسعة ~~أشهر، والملابس التي فصلتها، وقمصانه المفتوحة من الخلف ذات ~~الأكمام التي في حجم الإصبع، خمس دقائق كاملة مرت، دار خلالها ~~العقرب خمس دورات كاملة مرت فوق الأمل، فطحنته وساوته باليأس ~~والأرض واللاأمل، رفة حركة مفاجئة حدثت في الداخل أعقبها أمر باتر ~~سريع من الطبيب، أتراها رفة النجاح التي تسبق الهمود الدائم؟ لا بد ~~أن الموقف يتدهور والأزمة تتيبس، فالأقدام كثرت حركتها ومفتاح ~~أسطوانة الأكسجين وقع على البلاط فأرعد بناء ms118 المستشفى كله، ثم ~~الصمت الهائل مرة أخرى، الصمت الكامل. لا بد أن الأحياء بالداخل ~~كفوا عن التنفس هم الآخرون، أنا لم أعد أسمع، سبع دقائق مرت، ها هي ~~الثامنة القاضية في الطريق، لا بد أني عدت أسمع ، لا بد أنها كحة أو ~~صرخة أو حشرجة أنفاس أو ضجة غريبة المصدر، صرخة، لهثة، صوت أول ~~هواء يدخل إلى الصدر الذي لم يذق للهواء طعما. أجل صرخة، إنها ~~صرخة، صرخات متصلة مبللة بلعاب الاختناق الموشك، أتكون قادمة من ~~مكان آخر؟ أيكون طفلا آخر؟ لا ... بل هو ... لا بد أنه هو ... أقسم أنه ~~هو ... لا ... لا ... لا أريدها ضعيفة هكذا ... أقوى ... مرة أخرى أقوى ... بكل ~~قوتك اصرخ ... يا ولد ... اصرخ يا بني ... تنفس يا أحمق ... بعمق ... تنفس ... ~~افتح صدرك كله وافتح صدري معك وتنفس ... إني معك فتنفس ... أنفاسي ~~معلقة بأنفاسك فتنفس ... واصرخ واملأ الدنيا صراخا ... وتنفس ... بربك ~~لا تكفي أيتها الحياة الصغيرة الجديدة عن الحياة ... لا تتحولي أبدا ~~إلى كتلة ... بكل كيانك انبضي ... وبكل نزقك ارفسي ... ضمي قبضتيك بشدة ~~وتأزمي وقوليها عالية، أعلنيها للدنيا، لكل الأحياء: أنا القادم ~~الجديد ... أنا أخوكم الجديد ... قوليها بصرخة ... قوليها بواء ... واء ... ~~واء! ~~••• # وفقط حين امتد الصراخ حتى أصبح يقينا لا شك فيه، وحين تبينت ~~صوته وقد انتظم واشتد وأصبح يمخر به عباب الدنيا، نافضا عن نفسه ~~الزرقة والإسفكسيا والعدم، حينئذ فقط، فتحت الباب، ورأيته. رجلاه ~~الصغيرتان مضمومتان إلى أعلى في عناد حبيب، وصدره الذي في حجم ~~القبضة منفوخ كصدر الديك، ويداه الدقيقتان تحتضنان الهواء في ~~استماتة غريق في بحر من الهواء. # ورأيت منقذه الدكتور وقد انتهى من دوره المعجز، حبات العرق نابتة ~~بغزارة على جبهته، وأنفاسه هو الآخر تلهث، وملامحه تشع منها فرحة ~~حياة أحيت لتوها حياة. # وما كدت أمد يدي لأصافحه حتى أحسست بشيء يشرح قلبي. إذ يبدو أن ~~التمرجية لم تتمالك نفسها وأطلقت زغرودة، ولأول مرة أحس الزغرودة ~~وكأنها صفارة الحياة تنطلق من القلب لتهز القلب، وتؤذن، وتبشر ~~بالنجاة، وبالحمد لله على السلامة. ~~(40) حين ضاع ms119 الولد # هي لمحة هزار من القدر أو إشارة من القوى المجهولة تقول: نحن ~~هنا، ونحن على الدوام بالمرصاد، ولكنها على أية حال تجربة، وإذا ~~كان بعض الناس يستبيحون لأنفسهم أن ينفقوا الأموال والصفحات ~~والمجهودات في حديث معاد عن الكورة والشواكيش والعناتيل والبناطيل. ~~وإذا كان يحلو لبعض الناس أن يتضاربوا، بل ويقتل بعضهم بعضا في ~~حماس أخرق من أجل هذا اللاعب أو ذاك، فمن حقي هنا أن أروي تجربة قد ~~تبدو ذاتية، ولكن على الأقل فيها إنسانية، إذ - فجأة - تفقدت ابني ~~الصغير على البلاج فلم أجده. كنت جالسا أقرأ الجرائد وألاحظه وهو ~~يلعب، وفجأة لم أره، ودرت بعيني دورة سريعة فلم أعثر له على أثر، ~~لجزء من الثانية دق في رأسي الاحتمال: # أيكون قد فقد؟ ولكني استعنت بكل شيء كي تصرخ أعماقي: غير معقول، ~~لا يمكن أن يكون قد فقد، لا بد أنه عند «الدش»، أو عند بائع ~~«الجيلاتي»، أو في مكان ما حول الشمسية، كنت أجلس متعبا، ملولا، ~~أتطلع في بله نفسي إلى كل ما حولي غير مؤمن بالصيف أو بالراحة، ~~وبكل هؤلاء المتزاحمين في جنون متحضر حول رقعة صغيرة من البحر، ~~يفسدون الجو والبحر والطبيعة ليتحدثوا عن «حلاوة» البحر والجو ~~والطبيعة، وكل ما يعزيني أن الأولاد سعداء وأنهم يختزنون في ~~ذاكرتهم الدقيقة صورا لسعادة موهومة ستظل عالقة بها أبد الدهر، ~~وبها ذكرياتنا نحن أيضا من طفولتنا ليست سوى خدعة! # انتفضت واقفا فجأة، من كل اليأس والحيرة والضياع تبدى لي فجأة ~~هدف واحد محدد: أن أعثر على ابني وأن أراه مرة أخرى، أسرعت إلى كل ~~ناحية من النواحي الأربع، إلى العائلات المتجمعة أتطلع، إلى ~~المستحمين في البحر، اللاعبين الكرة خلف الشماسي، الأشياء والكائنات ~~الكبيرة كنت أنبذها، كل صغير ثابت أو متحرك كنت أنظر إليه، وأصبح ~~علي مهمتان: أن أبحث عن بهاء الصغير، وأن أطمئن زوجتي، وكل دقيقة ~~تمضي دون العثور عليه تقريبا بسرعة من فاجعة أنه حتما وبكل تأكيد ~~قد فقد. خلال الدقائق القليلة القادمة إما أن نعثر عليه وإما ms120 أن ~~يكون قد ضاع، والوقت ثابت جبان يهرب، ويمضي دافعا إيانا لنواجه ~~الحقيقة، إنه شعور لا يمكن أن نحسه ولا يمكن وصفه، شعور الأب أو ~~الأم حين ينقطع فجأة ذلك «الكابل» الإحساسي الذي يربطهما بابنهما، ~~وهو بالتأكيد عند الأم أقوى ألف مرة، إننا عند الولادة نقطع الحبل ~~السري المادي الواصل بين الأم ووليدها، ولكن يبقى مع هذا حبل لا ~~يمكن قطعه، حبل سري وجداني حقيقي، بل أكاد أقول مادي يصل بين الأم ~~وولدها، الحبل انقطع، لا يوجد على الطرف الآخر كائن حي لذيذ صغير ~~اسمه الولد. # أربع أو خمس مرات ذرعنا الشاطئ طولا وعرضا، كل شيء كما هو ~~عليه، البحر هادئ، الأمواج تتهادى وكأن لم يحدث شيء، المصيفون ~~يثرثرون تحت الشماسي ويتمطون، الرمل ممتد، المضارب تضرب الكور، ~~صراخ المرح ينطلق شارخا الجو بين الحين والحين، كل شيء كما هو إلا ~~الفجيعة الداخلية التي لا يحسها أحد سواك، أنت وحدك الذي يمزقك ~~التناقض الصارخ بين خارجك حين تراه عاديا طبيعيا، وداخلك وأنت ~~تحسه ألما له لسع النار، عشر دقائق مضت ولم يظهر الولد، الحقيقة ~~العارية القاسية ... فقد الولد، مستحيل، لا يمكن أن يكون قد ضاع، لا ~~بد أنه في مكان ما هنا أو هناك، لا يمكن أن يكون قد ضاع، فلتستمت ~~باحثا منقبا، ولكن أي بحث؟! إنك في غابة أشجارها ألوف السيقان ~~وأوراقها مايوهات وشماسي. إنه بحر آدمي كبير ابتلع الولد كما تبتلع ~~المياه أي كائن، وهدأ سطحه والتأم وكأنه لم يبتلع شيئا، الأمل ~~الأخير ... البوليس ... لا بد أنه يعرف الطريق للحصول على الأطفال ~~المفقودين، نقطة الشاطئ غير بعيدة، أسرعت إليها، أربعة عساكر ~~جالسون يدخنون فوق أريكة، وواحد ينظر من الشباك، شاويش يجلس على ~~مكتب محرجا وكأنها أول مرة يجلس فيها إليه: الولد ضاع؟ ولا يهمك ... ~~ولا تخف. سألني الشاويش: هل ضاع اليوم أم أمس؟ أمجنون ذلك الرجل؟ ~~وما الذي يجعلني أنتظر إذا كان قد ضاع بالأمس للتبليغ عنه اليوم؟! ~~ضاع منذ نصف ساعة. منذ نصف ساعة فقط؟ هذه بسيطة جدا، ms121 من المحتمل ~~أن يظهر الساعات القليلة القادمة. ولا يهمك، كل يوم يضيع طفل أو ~~طفلان ويظهرون، أحدهم ظهر بعد يوم كامل. لا بد أن الولد مع عائلة ~~مصيفة عثرت عليه وستنتظر بعض الوقت ثم تحضره إلى النقطة . عنوانك، ~~بطاقتك الشخصية. لم أفه بحرف واحد. غادرت النقطة يائسا تماما، ما ~~فائدة البوليس إذن إذا كان الناس هم الذين يعثرون على الآدميين ~~والأشياء المفقودة؟ إذا كان الناس هم البوليس الحقيقي؟ عدت إلى ~~الشاطئ مرة أخرى. لاحظت أن الوقت قد مضى والساعة قد بلغت الثانية ~~والنصف، وأصحاب الشماسي ينصرفون، والشاطئ يبدأ يخلو، هنا الكارثة، ~~فأملي كله هو في وجود الناس على الشاطئ، فأنا أعرف أن الولد بينهم ~~ووجودهم أمل في وجوده، يا رب دع الشمس لا تتحرك، الصراع قوي رهيب ~~شديد، بين تصوري لاحتمال أن يكون قد فقد نهائيا والأمل الضعيف ~~يساورني في ضعفه للعثور عليه. موجات إحساسية تهب وتلهب خيالي بصوره ~~وهو يلعب، وهو يجن جنون الأطفال وهو يغمض عينا ويفتح أخرى إذا ما ~~واجه الشمس، يا رب علق الشمس. الميكروفون، لا بد من عربة ~~بميكروفون. يا أولاد الحلال ولد تايه، ولد لو عرفتم كيف تحملنا في ~~سبيل أن يعيش! كم مرض وعالجناه! كم كاد يهلك وأنقذناه! ولد مهما ~~رأيتم فيه فرأينا فيه أنه ألذ أولاد العالم لأنه ابننا. ولكن الشمس ~~تتحرك إلى الغرب مهددة بالسقوط في البحر، والناس ينصرفون ولم يبق ~~سوى بؤر حياة على الشاطئ، والبحر يبدو مهجورا تعيسا، وكأنما ~~الحياة تختفي نهائيا من فوق سطح الأرض يقتلها يأس كبير أسود يزحف ~~من كل اتجاه، من الماء والسماء والشرق والغرب، مرة أخرى إلى ~~النقطة ... لا، لم يحضر أحد. مرت ساعتان ولم يحضر أحد، لا بد أنه غرق ~~في الماء، في الماء أو في الناس أو في المدينة، إنها كلها أصبحت ~~مجاهل مخيفة، في ثانية ممكن أن تبتلع طفلك أو تبتلعك فلا يظهر له ~~أو لك أثر، بعض شبان البلاج يسخرون من رواحنا ومجيئنا على الشاطئ ~~كمن فقدوا عقولهم، لهم حق؛ ms122 إنهم لم يجربوا بعد هذا الطعم، طعم أن ~~تفقد أحب وأصغر المخلوقات إليك. ترى ماذا يفعل الآن وهو تائه؟ وهو ~~يحس أنه ضائع بلا أب أو أم أو أخ؟ وهو يبكي بكاء العاجز؛ فسنه ثلاث ~~سنوات ونصف ، ليسترد أباه وأمه وحياته؟ # ساعة ألم أبشع أخرى قضيناها، أو قضيتها وحدي، فالأم كانت قد ~~تركتني ومضت، مدفوعة بعوامل فوق حدود العالم والعقل تبحث في منطقة ~~كان من المستحيل أن يوجد فيها لبعدها الشديد عن المنطقة التي فقد ~~فيها، وكنت مشغولا أفتش عن عربة وميكروفون وكل تلك الإجراءات ~~الشكلية التي لا تجدي، وثبت أن الغريزة هي الأقوى والأحكم، فبعد ~~ساعة ظهرت زوجتي وهي تحمل الولد، وقد عثرت عليه مع بعض أولاد ~~الحلال في تلك المنطقة البعيدة. # الآن فقط أحس بمدى الفجيعة التي كانت ترقد وراء عم إبراهيم، وهو ~~ينادي ونحن صغار: يا ولاد الحلال، ولد ضايع ولابس جلبية بيضا. ذلك ~~الذي كنا نسير وراءه ونردد كلماته أطفالا ونحن في منتهى السعادة، ~~وعلى وجوهنا نفس الابتسامة السعيدة التي كانت مرتسمة على وجه ~~الولد، فهو لم يتصور أبدا أنه ضاع، ولم يحس مطلقا بأية ~~فجيعة. ms123