######OpenITI# #META# URI: 1412YusufIdris.CanCamd.Hindawi13709692 #META# Tags: literature #META# ID: 13709692 #META# Title: عن عمد … اسمع تسمع‎ #META# AuthorID: 95064085 #META# Author: يوسف إدريس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # من طفل في الخمسين‏ # لماذا لا نزال نكتب؟!‏ # الكاتب عمله أن ينقد‏ # ليس كلاما في السياسة‏ # الانفتاح إلى الداخل أيضا‏ # الخطة الجهنمية الجديدة1‏ # عن عمد اسمع فتسمع‏ # المستقبل والعنبر‏ # حيرة الكاتب‏ # الخناقة على الطريقة المصرية‏ # التصرف المصري أمام الخطر‏ # أرقام فلكية‏ # تعالوا إلى كلمة سواء‏ # تحية لهم، وعزاء لنا‏ # ليلة العيد‏ # اختراع جميل جدا‏ # حوار عن المرأة‏ # للموظفين فقط‏ # لمن اخترعت كلمة «الدمث»؟‏ # الإسكان تحول من أزمة إلى مأساة خلقية‏ # المهم: أي سينما؟‏ # رماديات‏ # وعن السينما أيضا‏ # ما دمنا نتكلم عن الفن‏ # الجد واللعب‏ # للشعب الآخر‏ # الفرق بين «الجدية» و«ثقل الدم»‏ # موضة‏ # جمهورية حسن الإمام‏ # الخبر المزعج‏ # الذكاء الجميل‏ # الذكاء المصري‏ # الطفل الذي يلعب والطريق السريع‏ # قبل أن تنهار عمارة بيومي‏ # كاتب بلاد الغنى والضياع‏ # حوار مع زوج مارلين مونرو‏ # عن كامل الشناوي‏ # من طفل في الخمسين‏ # لماذا لا نزال نكتب؟!‏ # الكاتب عمله أن ينقد‏ # ليس كلاما في السياسة‏ # الانفتاح إلى الداخل أيضا‏ # الخطة الجهنمية الجديدة1‏ # عن عمد اسمع فتسمع‏ # المستقبل والعنبر‏ # حيرة الكاتب‏ # الخناقة على الطريقة المصرية‏ # التصرف المصري أمام الخطر‏ # أرقام فلكية‏ # تعالوا إلى كلمة سواء‏ # تحية لهم، وعزاء لنا‏ # ليلة العيد‏ # اختراع جميل جدا‏ # حوار عن المرأة‏ # للموظفين فقط‏ # لمن اخترعت كلمة «الدمث»؟‏ # الإسكان تحول من أزمة إلى مأساة خلقية‏ # المهم: أي سينما؟‏ # رماديات‏ # وعن السينما أيضا‏ # ما دمنا نتكلم عن الفن‏ # الجد واللعب‏ # للشعب الآخر‏ # الفرق بين «الجدية» و«ثقل الدم»‏ # موضة‏ # جمهورية حسن الإمام‏ # الخبر المزعج‏ # الذكاء الجميل‏ # الذكاء المصري‏ # الطفل الذي يلعب والطريق السريع‏ # قبل أن تنهار عمارة بيومي‏ # كاتب بلاد الغنى والضياع‏ # حوار مع زوج مارلين مونرو‏ # عن كامل الشناوي‏ # | عن عمد ... اسمع تسمع # | عن عمد ... اسمع تسمع # تأليف # يوسف إدريس # | من طفل في الخمسين # عمري ما احتفلت أو حفلت بعيد ميلادي. كنت أعرف وقته دائما، 19 مايو، ولكني في أحيان ~~كثيرة، ومن فرط عدم اهتمامي؛ كنت في أحيان أنساه تماما ولا أتذكره إلا على كلمة تهنئة من ~~صديق، أو بوكيه ورد من صديقة. ms001 وكنت كثيرا ما أتشاجر مع صديقي الكبير فنان الحياة الأعظم ~~كامل الشناوي على ذلك الاكتئاب والتشاؤم الغريب الذي يقابل به يوم ميلاده حين يقترب. وحين ~~«فعلها» مرة وكتب في حالة كتلك قصيدته المشهورة «جئت يا يوم مولدي ... جئت أيها الشقي» إلى أن ~~يقول «ليتك يوما بلا غد»، أي ليت الحياة تنتهي بك ولا تبدأ؛ تشاجرت معه، لا لما حفلت به ~~القصيدة من تشاؤم مهول، ولا لأنه زاد الطين بلة فأعطاها للمطرب العاطفي الكبير الحافل ~~صوته بالحزن، وكأنه يحيل الموسيقى والكلمات ليس إلى شعر مهموس ولكن إلى خيط دمع طويل ~~مدرار. لم أتخانق مع كامل الشناوي لهذا، وإنما كنت أتخانق معه لاهتمامه هذا الاهتمام ~~الكبير بيوم ميلاده، حتى لو كان ذلك الاهتمام الحزين المتشائم الموتور، بل أخانق فيه هذا ~~التناقض الغريب، ذلك الرجل الذي يعشق الحياة إلى حد الوله والعبادة حتى ليضن على نفسه ~~أن ينام وينقص كوبه الليلي الذي يتجرعه بمتعة زائدة قطرة. ذلك الموله بالحياة، كيف ~~يلعن اليوم الذي أصبح فيه ذلك الكائن الحي؟! اليوم الذي وجد فيه على ظهر أرض كان يرتعب ~~رعبا دونه رعب الأطفال من مغادرتها؟! # ولا أذكر بماذا كان يجيبني، ولكن ما أذكره أنه لا يرد أبدا بشيء مقنع أو يستطيع ~~إقناعي؛ ذلك لأن ما كان يعتريه كان إحساسا، مجرد إحساس لا منطق فيه أو له. ولم يكن وحده ~~صاحب إحساس كهذا؛ معظم الناس، بل أكاد أقول كل الناس، تنتابهم حالة غريبة من الأمر كلما ~~اقترب يوم مولدهم أو ليلة رأس السنة مثلا، وأبدا ليس حزنا على عام انقضى أو تخوفا ~~من عام سيجيء. ربما السبب الأعمق هو أن هناك زمانين لكل منا: ذلك الزمان العام الذي ~~تسير على وقعه أحداث العالم وأحداث اليوم، والذي من أجله نحمل الساعات ونحرص على ضبطها (وإن ~~كان حقا في منطقتنا العربية نحرص على وجاهتها). ذلك الزمن العام هو العداد العام الذي ما ~~دام يعد السنين والأيام للناس كلها علنا وأمام بعضهم البعض وفي ونس من بعضهم لبعض وفي ms002 ~~إحساس شامل أن الساعة إذا مضت فهي ساعة موزعة على أربعة آلاف مليون من البشر، وأن العام ~~كذلك موزع علينا جميعا بالقسطاس، بحيث لا ينال الواحد فينا من العام بأكمله إذا مضى إلا ~~فتفوتة إحساس، مجرد همسة زمن. وهناك - وهذا هو الأهم - ذلك الزمن الخاص، عدادك الخاص أنت، ~~الذي صحيح كثيرا ما «تفكر» فيه، ولكنك نادرا تماما ما «تنظر» فيه، فأنت حين تنظر فيه من ~~المحتم عليك أن توغل بنظراتك إلى أعمق أعماقك، إلى حبك الخفي الغويط، ودائما ما تدرك ~~وتتيقن أن الجزء الذي يغوص منك في بئر الزمن المطلق، العدم، قد ازداد، وأن جزأك الباقي ~~فوق سطح الحياة قد نقص، والنقص غير موزع على أربعة آلاف مليون بشري، بل ولا على أربعة ~~حتى، النقص منك أنت ويخصك كله؛ ولهذا يرتدع البعض، وعند عمر معين يتجنبون النظر ~~تماما إلى ساعاتهم أو زمنهم الخاص، إلا أن يرغمهم قدوم رأس العام مرة أو حلول عيد الميلاد ~~مرة بالقوة الغاشمة، يلوي أعناقهم لتنظر إلى الداخل، إلى الغاطس والطافي من وجودهم، إلى ما ~~ذهب وما تبقى أو مفروض أن يتبقى. هذه الساعة التي لا ننظر فيها إلا كل عام مرة، أو بالضبط ~~هذه النظرة السنوية هي التي كنت أتحاشاها دائما؛ ذلك أن حساباتي في مسألة العمر مختلفة ~~قليلا عن حسابات معظم الناس؛ فأنا أحسب السنين بحسب ما حققته وليس بعدد ما عشته، وأنزعج من ~~فكرة العمر أيضا، لا بمقياسها الزمني ولكن بمقياسها التحقيقي. وهكذا كنت لا أحفل أبدا ~~بالسنين في شبابي وصباي؛ ذلك أني كنت أنظر إلى الأهداف، وكان العمر يبدو طويلا وممتدا ~~بالقياس إلى الأهداف التي كانت تبدو كعناقيد العنب في متناول الوثبة. بل أذكر أني وأنا في ~~السادسة عشرة والسابعة عشرة كنت أستعجل الزمن، كنت أحلم في منامي ويقظتي أنني أصل بالواحدة ~~والعشرين، ويا سلام، فمنتهى سعادتي أن أجد نفسي فجأة في السادسة والثلاثين، أما الاثنان ~~والأربعون فقد كان لها في نفسي سحرها الغامر الذي لا يقاوم. كنت ألهو بلعبة الأيام كما ms003 ~~يلهو الطفل بألاعيبه؛ إذ موقفي الجدي كان مع الأهداف التي كان معظمها ليس خاصا، ~~وبالتأكيد ليست أحلاما أو أعمالا أحققها ككاتب. مصر الغنية المثقفة المصنعة، والعرب وقد ~~أحالوا بترولهم حضارة كالإسلام، والاشتراكية في العالم وقد سادتها الديمقراطية تماما، ~~والديمقراطية في الدنيا وقد سادتها الاشتراكية، ومن مجاميع الحضارات التي تنمو مع العالم ~~النامي يصبح الكون مائة زهرة فعلا قد تفتحت وسخرت لخدمة وإمتاع إنسان هذا العصر الذي ~~أحيا فيه، لعب عيال، كنت أظنها سنوات. أقصى ما أعطيه لها عشرون عاما يحدث فيه هذا كله، ~~بحيث حين أكون في الخمسين أبدأ أعيش إذ أعيش في إجازة أتعلم فيها الموسيقى وأعزفها - ذلك ~~كان حلم حياتي - وأشتغل بعض الوقت وبمزاجي جراحا. # أما أهم ما أوجه له جهدي فهو دراسة الطبيعة النووية التي كان حلم صباي أن أدرسها. ~~وبالمرة أكتب، إلى بشرية ذهب عنها الظلم ولم تعد فيها الكتابة أنات من السخرة الحديثة ~~ولا شكايات من القهر. ليست كتابة مرضى يحاولون علاج زملاء مرضى هم الآخرون، ولكن كتابة ~~أصحاء لقوم أصحاء انتهت شكاواهم، وانتهى الأدب كوسيلة لإيصال رسالة سياسية أو اجتماعية، ~~وانفتح على الروح البشرية مباشرة يستكشفها ويضيئها ويرويها، كتابة ما بعد اختفاء الجوع ~~والمرض والظلم والحرب والجريمة، وآلاف الأسطر والكلمات يمكن أن أسوقها عما كنت أحلم به، ~~ومتأكد تماما أنه سيتحقق آنذاك. # ولكن ها أنا ذا أفاجأ أن اليوم هو 19 مايو، وأن عمري أصبح فعلا خمسين، وأن مسائل قياس ~~العمر بالأهداف قد استغرقتني تماما، قليل تحقق، هذا صحيح، ولكن كثيرا قد تحقق لي ~~أسوأ، وزمان ونحن أطفال حين كانوا يقولون عن فلان: ياه! دا راجل عمره خمسين سنة يا شيخ! ~~كنا نضعه نحن الأطفال تحت بند «الكهنة» البشرية؛ فخمسون عاما كانت كمية كبيرة جدا من ~~السنين في الماضي؛ ذلك الماضي الذي كان يجري يومه بهدوء وانسياب وراحة بال، وكأنك ممتط ~~«كارتة» ساعة العصاري على الكورنيش. الخمسون عاما اليوم تمضي في ومضة، في ومضة ملهوفة ~~عصبية قلقة تقضيها مروعا من ألف اعتبار، وكأنك تعبر ms004 ميدان التحرير عن غير طريق المشاة ~~ومشدود من العربات القادمة التي تفاجئك من كل اتجاه، وإن كنت في عربة خائف أن تقتل، وإن كنت ~~من المشاة خائف أن تقتل، وإن كنت على دراجة خائف من الماشي ومن الراكب ومن الأتوبيس ومن ~~كل شيء يتحرك أمامك أو خلفك أو على جانبيك، والخوف يطيل اللحظة ولكنه يقصر العمر، ~~وهكذا في ومضة تستيقظ على الخمسين. # ولأنها غريبة وراودتني فيها عن الناس وعن الحياة وعن نفسي أفكار لم تخطر على قلبي، وربما ~~على قلب بشر، فقد غامرت وجعلتها البداية لعودتي للانتظام في كتابة المفكرة. أفكار، منها ~~مثلا فكرة أن الناس تكبر بالعكس أو على الأقل بعض الناس، فأنا من هؤلاء الذين قضوا طفولة ~~جادة تماما لم يعرف المرح طريقه إليها؛ رجل رهيب في ثوب طفل، كل ما أعتقد أني أريده ~~أحرمه على نفسي بل وأنظر له وكأنه خطيئة أرتكبها تجاه الآخرين، همي الأكبر كله أن أصنع ~~مثلما يصنع الكبار لأكون كبيرا، وألا تبدو من طفولتي بارقة نزق واحدة تشف عن «الولد ~~الصغير» المرتدي جاكتة أبيه أو معطفه، فالطفولة كانت في طفولتنا «عيبا»، ولا تزال لغتنا ~~حافلة «ده شغل عيال.» و«أنت عيل.» «هو لعب عيال؟» الطفولة واللعب، الانطلاق وحق ارتكاب ~~الخطأ، المطالب والهدايا واللعب؛ كل هذه كانت «تهما» نموت حنينا إليها في أعماقنا، ~~ولكننا نموت خوفا أيضا أن نطلبها أو نصرح بها وإلا أصبحنا «عيالا» وكأن كلمة «طفل أو ~~عيل» مرادفة لكلمة «امرأة» حين تذكر على محمل التأنيث والإهانة. # وكان الصبا أيضا جادا؛ إذ قام «الواجب» فيه محل معطف الرجل. من طبقات مطحونة، علينا ~~أن نأخذ من المدينة كل علمها، وكل وسائل تقدمها، لنطفو فوق سطح الحياة، ولا نطفو وحدنا، ~~وإنما في الغالب ينفق والد الواحد فينا فيكون عليه هو الكبير أن يصبح حاملا فوق كاهله ربما ~~نصف دستة أو أكثر من الإخوة والأخوات، وبهذا يحكم عليه أن يعوم ويظل يطفو ... ضاعت الطفولة في ~~إرهابنا أن نتصرف كالأطفال. # وضاع الصبا في صعود الجبال الوعرة إلى ms005 الطريق الأكثر إنسانية وراحة. # وجاء الشباب لندرك أن المشكلة ليست مشكلة كل منا بمفرده، وإنما هي مشكلة بلد، بل ~~منطقة، بل عالم بأكمله علينا أن نغيره، نحلم بتغييره ونحقق الحلم ونواجه حكومات تلو ~~حكومات، وعقوبات تلو عقوبات، وسجونا ومعتقلات، ويضيع الشباب في مقاومة الشر ومحاولة ~~استنبات ما أمكن من خير، ثم يطل عليك عامك الخمسون وهو يخرج لك لسانه، فجيشك شرد معظمه ~~وتشتت، وجيلك كرش واصلع وشاب، وأمانيك أصبحت لا تصلح إلا كعناوين لمواضيع إنشائية أو ~~شعارا من شعارات تنظيمات الشباب الرسمية. ~~••• # وليس ما ذكرته مرارة ولا ندما؛ فقد كان لا يمكن أن يحدث إلا ما حدث، فإننا ومن أجل وفي ~~سبيل هذا كله، ومن الأفعال وردود الأفعال، من الزق والدفع والجذب، من الأمل والإحباط، ~~من جماع ذلك كله وأنت تناضل موجة أعتى منك بكثير وأطول قامة، وبحرا كالغول فاغرا فاه، من ~~هذا كله صنعت دون أن تدرك «نتيجة»؛ نتيجة حياة هي هذا الشيء الذي تجلس اليوم تتأمله ~~وتحس بكل ذرة منه حفنة من دمك، وكل واقعة فيه كومة من لحمك وعمرك، ولكنك أيضا تحس ~~بروعة لأن هذا كله كان اختيارك وباختيارك صرفا، وأنها حياة لم تفرض عليك، ولكنك أنت الذي ~~فرضت حياتك تلك على الحياة ... # بل المضحك الذي أكتشفه الآن فقط أنني نجحت في تربية نفسي حقا ... فإذا كانوا قد ربونا ~~على أن نكون رجالا ونحن أطفال، ومسئولين ونحن صبية، وشهداء ونحن شباب، أي نعكس وضع الأمور ~~جميعا، ونستلب من كل فترة الممتع من محتواها؛ فقد كان علي وعلى كثيرين مثلي أن يقوموا ~~لأنفسهم بالثورة التربوية؛ تلك التي لا تقسم الإنسان إلى مراحل هرمية ينبذ أي منها بكل ~~ما فيها من ألم أو متعة بعد انتهائها. ولكن أن يعيش كل مراحل العمر معا وفي كل آن، في كل ~~جزء من يومه يطلق الطفل المحروم، وفي لحظة تنبت له أحلام الصبا، شابا ينزق ويتصرف إذا ~~عن له أن يفعل، شيخا في السبعين أو الثمانين يتأمل، مراهقا وكأنها اللحظة الأولى التي ms006 ~~تنبت فيها أول مجموعة من شعر الشوارب، حكيما وكأنه وصل إلى لحظة الاستغناء المطلق عن متع ~~الدنيا كلها والحكم عليها وعلى نفسه وعلى الناس بموضوعية، تكاد تقترب من موضوعية ~~القديس. # وكان هذا - وإليكم أعترف - أصعب جزء من المهمة، مهمة أن تحيا، ليس كما أريد لك، ولكن كما ~~اخترت أنت وكما قررت - فكأنها اللحظة التي عليك أن تخضع فيها عالما بأكمله لمشيئتك ~~البشرية المحدودة، والنصر الحقيقي، والحياة الحقة، والفوز الأعظم - أن تفعلها. # فهل استطعت؟ هل أيكم استطاع؟ # ها أنا ذا جالس إلى مكتبي في يوم عمري ما خططت فيه حرفا في حياتي، ذلك العيد الميلاد ~~الذي لا يأتي في العمر إلا مرة واحدة، وليته يأتي ليقسمها إنما هو يأتي ساخرا في العادة ~~مخرجا لك لسانه، مبتعثا فيك أشد الشك في كل ما فعلت وحققت، وفي نفس اللحظة، وكأنما ~~ليغيظك أكثر، مبتعثا في نفسك أيضا كل ما تتوهم أنه كان معجزات، وحققت، ولكنه على ~~الحالين ساخر، وإمعانا في سخريته مشفق ... # ولكن، ها أنا ذا، ولأول مرة، لا أجلس أمامه كالمذنب الذي يتلقى التأنيب أو يحاول ~~الدفاع، ها أنا ذا جالس وقد عرفت - واليوم فقط - سر اللعبة؛ لعبة الأيام. إننا أبدا لا ~~نحياها مراحل تنتهي لنقلب صفحاتها تماما ولا نعود نرجع إليها، ولكن نحياها، كل المراحل ~~معا، فلا خلاص لنا من متاعب المسئولية، إلا أن نحظى بوقت من اليوم نحياه أطفالا غير ~~مسئولين، ولا خلاص لنا من الخمسين إلا بأن نحيا معه جنبا إلى جنب العشرين والعشرة ~~والثلاثين، ولا خلاص لنا من رعب النظر في زمننا الخاص كل عام مرة إلا بأن نتعود النظر ~~إليه يوما بيوم بل وحتى ساعة بساعة لنسرق نحن من زمننا زمنه، نسرق خوفنا منه، نحيل ~~أرقامه إلى الصفر، إلى ما لا نهاية. # وهكذا أحس اليوم وقد قضيت الصباح ألعب مع ابنتي (4 سنوات) أني زاولت فيها طفولة تساوي ~~طفولة عام من أسعد الأعوام. وهكذا أحس، وأنا أكتب لكم هذا أيضا، طفلا في الخمسين، لا ~~يخوفه الزمن ولا الرقم، ms007 لا يخوفه حتى كل ما ضاع وفات؛ إذ ما ضاع شيء وفات إلا أوجد ~~مكانه شيئا يستحق أن يبقى، ولا يخيفه ما هو آت، مهما كان ما هو آت فهاته هات؛ إذ هل ~~سيكون أشد سوءا أو أكثر روعة مما جاء وفات. وإذا كبرتنا أيها الزمن، فسنصغر لك، وإذا ~~صغرتنا سنكبر عليك؛ فقد ساهيناك ووصلنا زمننا الخاص بالزمن العام. # وحرمتنا متع الصبا والشباب والطفولة، وستحرمنا - أنا متأكد - متع الشيخوخة، فسنخرج لك ~~نحن لساننا ونعيشها كلها معا، وإذا خذلنا الحاضر سنضمهم معا جميعا الماضي والحاضر ~~والمستقبل وبهم نواجهك ونوجد ... # اصنع ما شئت بسنينك؛ فالسن لا تزال عندنا ليس العمر وإنما الهدف، وستظل أهدافنا أقوى من ~~تعدادك، وإلا لما وصل إنسان إلى ما وصل إليه الآن. # وليكن اليوم وقفة مع الخمسين في المائة من العمر والأهداف والإصرار، وقفة بعدها يمكن ~~فعلا أن تبدأ الحياة الحقة. # | لماذا لا نزال نكتب؟! # قال لي: بعد إذنك، لمن تكتب ما كتبت؟ وبالأصح: ما فائدة ما تكتب؟ إن القراء ينفعلون ~~قليلا أو كثيرا، هذا صحيح، بعض المسئولين يقرءون كلاما، مجرد كلام. ما أكثر ما تنشر ~~الصحف ونسمع ونرى من كلام وكلام وكلام! صحيح أن كل كلام ليس مثل أي كلام، ولكن مهما كانت ~~الكلمات ومهما بلغ مفعولها، أتعتقد أنها يمكن أن تغير الواقع؟ يمكن أن تحل أزمتي أو ~~أزمتك؟ يمكن أن تجعل النقود تنسال إلى جيبي الخاوي أو تشتري لي الطعام؟ ما فائدة يا سيدي أن ~~تكتب؟ وما فائدة أن تقرأ؟ # نظرت إلى محدثي مرة ثانية. موظف، واحد من مئات الآلاف من شعبنا الموظف، خريج جامعة ~~يبدو، ولكن الزمن والوظيفة من الواضح أنهما تكفلا به؛ فأحالاه إلى ذلك الجسد السمين ~~والقميص الكالح والبنطلون الأكلح. نظرت إليه، ولم آخذ كلماته ببساطة أبدا، رحت بعمق شديد ~~أفكر فيما قال. ولم تكن هذه أول مرة أفعل، وإنما خلف وعيي، ودون أن أشعر، وقبل أن أكتب ~~وأنا أكتب وأنا أقرأ ما أكتبه ويكتبه غيري، يلح السؤال، نفس سؤال الموظف القارئ، رحت ms008 ~~بعمق أفكر ، والتفكير يقودني إلى السؤال تلو السؤال حتى أصل في النهاية إلى ذلك اللغز: ~~كيف يتغير الواقع؟ ومن الذي يغيره؟ أهي الظروف؟ أهو الإنسان؟ أم بالصدف المحضة ينتقل ~~الكائن من حال إلى حال؟! # في الحقيقة ما أزعجني في السؤال هو أيضا هذا الكم من الاكتئاب الذي يحتويه. إن ~~للاكتئاب النفسي الفردي أعراضا معروفة في علم النفس، منها التشاؤم وفقدان الهمة والإحساس ~~المحض أن كل شيء مثل أي شيء، وأن كله كلام في كلام، وكله لا فائدة فيه، حتى الشهية للطعام ~~والشراب والجنس والحب وأي متعة في الحياة تفتقد طعمها، ويصبح الإنسان يعيش وكأنه يؤدي ~~دورا، يؤديه مجرد أداء واجب سخيف ثقيل في رواية ممجوجة لا معنى لها بالمرة اسمها ~~الحياة. # ولكننا هنا لسنا أمام حالة اكتئاب فردي هذه أعراضها فقط، نحن أمام ما هو أكبر بكثير، ~~أمام حالة اكتئاب جماعية. وأنا لا أعرف إن كانت هناك حالة في الطب النفسي أو علم الاجتماع ~~كهذه الحالة، ولكن ما أعرفه بالتأكيد هو أننا مصابون تماما بها، هذه الحالة تتخذ شكل ~~الفوضى الشاملة الناتجة عن فقدان الإرادات الفردية المحددة للواجب والحق، فوضى في السرور، ~~فوضى في العمل، فقدان البعد الزمني في تقدير الحاضر والماضي والمستقبل حتى ليصبح المجتمع ~~كله وكأنه يحيا الدقيقة لدقيقتها فقط، لا دقيقة ستأتي بعدها. وإذا تحددت الحياة في اللحظة ~~الراهنة تصبح هي كل الحياة، وليمت الإنسان بعدها فادفع و«زق» واخبط بالكتف والذراع ~~ودس على أي قيمة، وملعون أبو أي مجتمع وأي شعار؛ فأنا ميت أو سأموت في اللحظة ~~التالية. # أنا هنا لا أقدم بحثا «أكاديميا» عن حالتنا، ولا أزعم أني أكتشف شعبا جديدا، ولكني ~~فقط أسجل بعض الأحاسيس والانطباعات التي كثيرا ما تنتابني حين أمشي في شارع طلعت حرب أو ~~26 يوليو، أو أقابل الجماهير الخارجة من مباراة كرة قدم، وأتمعن في وجوه الناس؛ فأجد ~~وكأنهم ليسوا بأناس بالمرة، أجسام معظمها تخين من فرط فقدان الإرادة ولهيب الطموح، سائرة، ~~هائمة، كما يقولون بالضبط «لا تلوي على شيء.» لا ms009 هدف لها ، حتى الفرجة على الفتارين ليست ~~الهدف ولا التمشي في الشارع ولا أي هدف بالمرة، إنما هو التحرك الراكد في اللاشارع ~~واللاشيء، والسير إلى اللاهدف، والتطلع إلى اللارؤيا، وسماع اللاصوت. وثمة بخار خانق ~~يتصاعد من الأجساد وتنفثه نوافذ البيوت ومداخن العربات وعيون القطط الضالة والكلاب؛ بخار ~~كثيف غير مرئي يتجمع وينعقد كسحابات الفجر فوق الرءوس، وتستنشقه الصدور؛ لتعود فتنفثه ~~وقد تحمل بضجر أكثر وضيق أكثر وأكثر، وكأنما السؤال الرهيب المعلق في الفضاء، يدق ~~بمقامع من حديد ويلح ويقول: وبعد! أما لهذا نهاية؟ # وبالطبع، فإن لهذا كله، ولأي شيء في الوجود نهاية. ولكن النهاية هنا صعبة تماما؛ لأن على ~~المفقود في اللانهائية - الذي هو نحن - أن يجدها، بل وأن يضعها، وأن يقوم بها. # ولهذا فنحن يا سيدي الموظف القارئ نكتب. # ولهذا أيضا فأنت لا تزال تقرأ. # والواقع أني شخصيا فعلا لم أختر شكلا «من مفكرة فلان» عبثا. لقد اخترتها بعد تفكير ~~وإمعان شديدين، فقد كان الشيء الذي يلح علي هو: كيف أدعو مسدود النفس إلى تذوق طعم ~~كلمة ونفسه تعاف الكلام كله، بحلوه ومره. قصص؟! أي قصة أقرأ وأنا في قلب مأساة لا يتفتق ~~عنها ذهن أعتى قصاص أو تراجيدي. شعر؟! وما فائدة الشعر ومائتا قتيل يسقطون يوميا في ~~بيروت ببنادق عربية، والحرة في بلاد أخرى تبيع جسدها من أجل أن تطعم الأولاد والزوج. ~~رواية؟! مسرحية؟! كيف تهز أعماقا أصبح دوي القنابل الذرية نفسها لا يهزها، بحيث لو ~~مسحت اليوم مدينة مصرية أو عربية بأكملها من الوجود لما ارتفع لها حاجب دهشة أو ~~استغرابا. # هكذا جاء شكل «المفكرة»، مجرد دعوة، دعوة بحذر شديد أقدمها، ذلك أني ما زلت أومن أننا ~~نحن الذين سنغير هذا كله، وحيث إن الله سبحانه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ~~فنحن الذين علينا أن نغير الواقع ونغير أنفسنا وهنا يأتي دور الكلمة. # فأول كلمة نزلت على نبينا الكريم كانت كلمة: اقرأ. # والسيد المسيح هو القائل: في البدء كان الكلمة. # فالكلام يا سيدي الموظف ms010 القارئ أبدا ليس أي كلام. # وليس كل الكلام مثل كل الكلام. هناك دائما أبدا ما أسميه أنا: الكلمة- الفعل، أي الكلمة ~~التي ليست بديلا عن الفعل وليست مجرد تفاصح وإظهار للقدرة على القراءة والكتابة، ولكنها ~~الكلمة التي تصدر عن قلب عاناها ويعانيها ويحياها وتحياه بحيث إنه فعلا ومن الممكن أن يموت ~~في سبيلها. الكلمة الصدق، الكلمة الصدق الفعل، الكلمة التي تغير لأنها تصدر عن متغير، لأنها ~~تصدر عن قرن استشعار اجتماعي خلقه الله ليكون لقومه الموقظ والمنبه والنذير والمبشر ~~والمهدهد والراعي، والحاكم، المستيقظ إذا ناموا، النائم فقط حين يستيقظون؛ تلك الكلمة ~~وحدها هي التي تشفي اكتئابنا الفردي والجماعي، ففي داخلها كيمياء. الصدق المغير والمحول، في ~~داخلها شحن الطاقة الذرية، وإشعاع الحقيقة المعدية، في داخلها يكمن السر. # أعرفت الآن يا سيدي الكاتب الموظف لماذا لا نزال نكتب؟! # ولماذا لا تزال أنت تقرأ؟! # | الكاتب عمله أن ينقد # العودة للكتابة كالعودة لحمل السلاح، لها رهبة، فلست أعود باختياري، والفن ليس مزاجا ~~ووحيا ومهنة وتخصصا كما يحلو للبعض أن يقول، وألف مرة رثيت لأولئك الأصدقاء والزملاء ~~الذين كانوا ينعون علي أني أضيع وقتي في العمل «الإداري»، بينما المفروض ألا أفعل شيئا ~~في هذه الحياة إلا الجلوس إلى المكتب وكتابة القصص والمسرحيات، أرثى لهم لأنهم يحيلون بهذا ~~الكاتب إلى حرفي، بالضبط إلى ساعاتي جالس طوال النهار إلى مكتب هو الآخر، كل الفرق أنه ~~بدلا من تصليح الساعات، «يصنع» القصص والمسرحيات. ومن قال إن الكاتب هكذا؟ # من قال إن القصص تستجلب من تخصص وجلسة إلى مكتب وتحديق في الفراغ؟ من قال إن الفن صنعة ~~وحرفة ووظيفة؟ # إن الفن، كالعواطف، خاصية، وبمثل ما لا يمكنك إطلاقا أن تحترف البكاء أو الضحك، فكذلك لا ~~يمكن ومن غير المعقول أن تحترف الإبكاء أو الإضحاك أو تحريك العواطف. إني معهم أن هناك ~~أناسا يفضلون أخذ الكتابة والفن على هذا النحو، تماما كما أن هناك «ندابات» متخصصات ~~في الإبكاء و«بلياتشوهات» متخصصة في الإضحاك. # ولكن في رأيي، وفي رأي العلم على ما أعتقد ms011 ، أن الكتابة إفراز حتمي لحياة فنية. # أنت تحيا وتكتب، ولست أبدا تحيا لتكتب. # ومن قال إن شغل المنصب الإداري هو «ترك» للكتابة؛ إن الكتابة لا يتركها الإنسان مطلقا، ~~إنها معه اينما كان وسار، صار، عمل، إنها خاصيته. أما أن يعمل أو يكافح أو يسجن أو يسافر ~~أو يعشق، فتلك أشياء لا بد له منها كي يعيش ويوجد، على الكاتب أن يوجد أولا، أن يوجد ~~كمواطن مثله مثل غيره من المواطنين، أن يكون له موقف، أن يكون له عمل، أن يزاول حياته ~~الروحية والجسدية كاملة، وبعد هذا إذا كتب كان بها، وإذا استطاعت هذه المشاغل الأساسية أن ~~تمنعه عن الكتابة فمعنى هذا أن الكتابة ليست أصيلة فيه، فلا شيء يستطيع أن يحول بين الكاتب ~~الأصيل والكتابة سوى الموت. وحين أقول الكتابة، فإنما أعني الحياة ككاتب عليه ليس فقط أن ~~يكتب وإنما أن يقرأ أيضا ويعرف ويقود. # أولئك الإخوان والأصدقاء الذين سخروا من فكرة أن أعمل أو بمعنى أشمل أن يعمل الكتاب ~~والفنانون مثل الصديق الدكتور لويس عوض، الذي أصر مرة على أن يأتي لمكتبي «ليتفرج» على ~~يوسف إدريس - على حد تعبيره - وهو يقوم بعمل إداري، إنما كانوا جميعا كالأب المشفق على ~~ابنه دائما أن يفعل أي شيء آخر سوى أن يستذكر دروسه مخافة أن يرسب في الامتحان أو يكف عن ~~الكتابة. الكاتب في رأيهم معناه قلم وورقة، مثلما أن التلميذ معناه مكتب وجلسة وكتاب، وأي ~~عمل خارج عن هذا هو عبث لا طائل من ورائه. لا يا سادة، الكتابة ليست قلما وورقة، الكتابة ~~حياة كاملة، وموقف من الحياة، وصراع مرير وعمل، وعرق، ومعايشة للحياة والدنيا، لا كمتفرج ~~وإنما كمشارك لمواطنيه في معركة انتزاع القرش من فم الكفاح اليومي الشاق. الكتابة عندي وأصر ~~على كلمة «عندي»؛ فلكل «شيخ طريقته»، أن أعيش الحياة، بكل ذرة من كياني وقدرتي، أعيشها ~~كساكن يدفع الإيجار، ويستخرج بطاقة التموين ويلعب عشرة طاولة، ويسافر ليلتحق بجيش التحرير ~~الجزائري، ويزاول عملا يوميا مثله مثل أي رب أسرة، ومن عصارة ms012 هذا كله تتفتح له سبل ~~الخيال أو الحقيقة. ويكتب. # حرية الكاتب أن يكتب = حرية أن يرسم حياته # كل المشكلة أني ممن يؤمنون بحتمية المسئولية الفردية في إنجاح أي تنظيم أو مؤسسة أو ~~قطاع، وفي مقابل هذا لا بد من منح حرية التصرف ثم المحاسبة. حرية من ناحية ~~ومسئولية من ناحية أخرى. ولقد قضيت في وزارة الثقافة أكثر من سبعة شهور، خرجت منها ~~بنتيجة كان من المستحيل علي أن أحظى بها لو كنت قد استمعت لآراء الآباء اللويس عوضين ~~المتصورين الكاتب تصور الوالد للتلميذ. # وسيأتي اليوم حتما ذلك الذي أكتب عن هذه التجربة فيه ومستعد ساعتها أن أحاسب ~~ككاتب. # فليترك لنا حرية أن نعمل أو لا نعمل، نتفرغ أو لا نتفرغ، ولنحاسب في النهاية على ما ~~نكتبه، وليس مهما أبدا أن تحاسبني على الطريقة، الحساب في الكتابة مثلها مثل أي عمل ~~آخر، بالنتيجة. فلو أني أصغيت لنصح الأصدقاء، وبالذات نصح هؤلاء الأصدقاء الذين يعملون ~~فعلا ثم يوصونك بألا تعمل، لما أمكنني أن أمضي هذه الشهور السبعة رابضا في قلب ~~ذلك «الليفياثان» الهائل المسمى بالحكومة، متأملا له من الداخل تأمل بطل دستوفسكي ~~لأحشاء الحوت الداخلية حين ابتلعه الحوت، ولما أمكنني أن أرى هذه الآلة الجهنمية ~~المسماة بالروتين، وهي، ببطء سلحفائي أميري شديد، تعمل وتلتهم وتهضم، حتى الثورات ~~تهضمها، كيف كان باستطاعتي أن أحظى بهذا كله، وهي أشياء لا تجدها في كتاب ولا يمكن أن ~~تخطر على ذهن بشر. # مهمتنا تكسير المجاديف # ونحن في بلد الناس فيه شديدو الاهتمام بالآخرين. تسأل إنسانا في الشارع عن منزل ما، ~~فيتجمع عشرة في ثانية ليسألوك ويلحوا عليك: عايز إيه؟ عايز مين؟ وعايزه ليه؟ وكأن ~~- من كثرة الفراغ - لا عمل لنا إلا البحلقة والتأمل وتمزيق الحجب عن حياة الآخرين، ونحن ~~في بلد كل منا ولي أمر الآخر وناصحه وضيف «برنامج رسالة» مستمر له، حتى أصبح الواحد ~~بحكم العادة لا يجرؤ أن ينفذ فكرة عنت له، حتى في أشد المسائل خصوصية كالزواج أو ~~أحيانا بل بالذات في الطلاق ms013 إلا بعد أن يستشير عشرة وربما عشرين من أقرباء وأصدقاء ~~ومعارف، وتكون النتيجة في الغالب أن يكسروا مجاديفك حتما، وبدلا من أن تغامر مرة ~~فتظفر بغنيمة أو بمعرفة أو بالميت بتجربة فشل مفيدة، تهبط عزيمتك وتتحول إلى كائن لا ~~يعرف أن يفعل إلا ما تواضع على فعله الآخرون واتفقوا عليه، إلا أن تفعل أسلم الأفعال ~~وأكثرها أمنا ودعة؛ أي لا شيء بالمرة. تكون النتيجة، أن يموت فيك أهم ما يميز الكائن ~~الحي الإنسان، روح المغامرة والتحرر، روح التطلع، روح السعي وراء ما يصوره الخيال لتحيا ~~وأنت تحيل أحلامك إلى واقع. وتلك هي الحياة، إما أن تحيا الحياة كما مضغها الآخرون ~~ولاكوها وعجنوها وخبزوها، إما أن تحيا حياة خارجة كالجثة الهامدة من تحت النصائح ~~والإرشادات والمواعظ، فهي حياة الموت أحسن منها وأرحم، على الأقل باعتبار الموت ~~تجربة فذة جديدة. # أتمنى لو أن كل من خطرت له فكرة واقتنع بها أن ينفذها في الحال دون أن يراعي، وماذا ~~سيحدث يعني لو ثبت أنها كانت خاطئة؟ هل ستنقلب الدنيا؟ هل ستقوم القيامة؟ أبدا والله، ~~فإنه على أسوأ الفروض لو فشلت ستكون قد ظفرت بتجربة فاشلة عظيمة؛ لأن التجربة الفاشلة ~~هي المقدمة الطبيعية للتجربة الناجحة؛ إذ الفشل نجاح ~~مؤجل. تخيلوا واحلموا ونفذوا ولا يهمكم ماذا ~~سيقول فلان أو علان، فليذهب قولهم إلى الجحيم، فأنت لو سمعت كلام الآخرين لن تتحرك، ~~أما لو تحركت ونجحت فستتحول نفس أقوال الآخرين إلى قصائد مديح تدبج لك. وأنا مثلا، ~~لو خرجت من عملي القصير في الحكومة بقصة مثيرة أو بمسرحية جيدة، لكان أولئك الذين ~~نصحوني بعدم قبول العمل «الإداري» هم أول المشيدين بها وبي وبحذقي في اختيار التجربة ~~التي دفعتني لكتابتها. # باختصار شديد، كتابا وقراء ناصحين ومنتصحين، أقول لكم رأيي بصراحة: لقد حللت ~~النصائح التي تزجى للآخرين، فوجدت أن 90٪ منها على الأقل تبدأ بحرف النفي هكذا: لا تعمل ~~هذا أو ذاك، حتى أصبح طالب النصيحة يتقي من يحس بغريزته أنه سينصحه بألا يفعل ~~ليسأله النصيحة، كي لا يكون ms014 هو المسئول - بينه وبين نفسه - عن نكوصه أو رفضه ~~للعمل. # لا بد من وقفة زاعقة # وهنا لا بد لنا من وقفة زاعقة حاسمة، هنا لا بد أن ندق جرسا أو نطلق مدفعا ~~أو نصنع ضجيجا هائلا؛ إذ قد وصلنا إلى أس البلاء وعلة العلل، ألا وهي عدم الرغبة ~~أو القدرة على تحمل المسئولية، وكما تؤدي كل الطرق إلى روما مثلما قالها المرحوم ~~الدوتشي موسوليني، فإن كل أمراضنا وعللنا ومخازينا الاجتماعية تقود إلى هذه الحقيقة ~~التي أصبحت في حاجة إلى ثورة خاصة بها تقتلعها من جذورها اقتلاعا. أجل، نريد ثورة ~~تقوم لتطالب بمطلب واحد فقط، ألا وهو أن نتعلم كيف نتحمل المسئولية ونتحملها ~~بشجاعة، ومهما كان الثمن. فلقد تدربنا على التهرب من المسئولية كبيرنا وصغيرنا، حتى ~~أصبحنا عباقرة في هذا المجال. # قد تسمع من المصري أي شيء، مثل: أنا جدع ... أنا حر ... أنا متأسف ... أنا لي رأي، ولكنك ~~أبدا ولكي نكون دقيقين الدقة العلمية الواجبة، أندر الناس أن تسمع: أنا المسئول عن ~~كذا أو كيت. وخاصة إذا كانت هذه المسئولية تتضمن مسئولية عن خطأ ما، بل بالذات حين ~~تكون المسئولية متضمنة ذلك الخطأ. # في حياتي الصحفية التي ليست بالقصيرة، وفي حياتي كمواطن، تلقيت كما تلقى غيري آلاف ~~الشكاوى، وبدون أي مجهود أو تعب تلاحظ في تلك الشكاوى أن الدنيا كلها قد أخطأت ما عدا ~~صاحب الشكوى؛ الغلبان المظلوم الذي قاسى وكابد من كل هذا الظلم الفادح، بمعنى أنه غير ~~مسئول إطلاقا عما حدث له، بل إنه حين يلجأ لرفع هذا الظلم الذي حاق به يلجأ إليك وإلى ~~العشرات غيرك (فالشكاوى عادة تكون إلى أكثر من جهة ومطبوعة على ورق كربون إن لم يكن ~~بالبالوظة أو بالرونيو أو أحيانا بالمطبعة) كي يرفع هذا الظلم عنه. بمعنى آخر هو لا ~~يريد أن يكون مسئولا أيضا عن رفع الظلم عن نفسه، وإنما يريد أن يلقي عليك وعلى ~~الآخرين مسئولية رفع الظلم. في الحب، في الصداقة، في كل شيء يريد كل منا أن يتنصل ~~من ms015 مسئوليته الشخصية عن عمل ليلقيها على غيره. والاستعمار هو المسئول حين عرفنا كلمة ~~الاستعمار، التكنوقراطية أو البرجوازية أو الرأسمالية أو الإقطاعية، كل هؤلاء هم ~~المسئولون عن أنهم تخطوني في الترقية. أما أن يكون هذا التخطي مسئوليتي الخاصة ~~باعتبار أني مهمل أو مقصر أو مشاكس فهو ما لا يمكن أن يخطر على بالي مطلقا. # من المسئول عن النكسة؟ # لهذا فكما نحيا مجتمعا متلاصقا متقاربا له ألف نوع ونوع من القرابة، فنحن نعيش ~~معا ونخطئ معا، ولكننا أبدا لا يحاسب بعضنا البعض، أو إذا فعلنا نجد المسئولية ~~تتقاذفها الألسن كالكرة تخلصا منها، بل لا نرضى حتى أن تكون المسئولية مسئوليتنا ~~جميعا، إنما جماعتنا كطوائفنا وهيئاتنا، لا بد أن تقذف بالمسئولية خارجا تماما ~~لتحملها لكائن أو قوة غريبة عنا. # لا نتهرب جبنا # والغريب أننا لا نتهرب من المسئولية جبنا، مع أن المقياس الوحيد للشجاعة هو ~~القدرة على تحمل المسئولية، إنما نحن نتهرب منها لأننا منذ أكثر من سبعة آلاف عام ~~اكتشفنا للعالم الخير والشر. وفرقنا بينهما تفريقا عميقا بشعا، وباعدنا بينهما بحيث ~~أصبح أحدهما الجنة والآخر النار، أحدهما الكمال المطلق والآخر الفساد المطبق، وبحيث ~~أصبح الخطأ صنوا للشر، أي أننا بالغنا كثيرا في تجسيد بشاعة الشرير أو المخطئ ~~مبالغة أصبح معها الاعتراف بالخطأ مسئولية أكبر بكثير من أن يتحملها الكائن الإنساني ~~الفرد، ويبقى حيا ويظل مواطنا مثل غيره من المواطنين. وللأسف لم يكن في التراث ~~الفرعوني حديث كثير عن العفو، إنما الشر وصمة أبدية تلحق بروح فاعله وتظل معه في ~~الحياة الأخرى. الخطأ عندنا إذن بهذه الآلاف المؤلفة من السنوات المتراكمة أصبح شيئا ~~أبشع آلاف المرات من خطيئة المسيحيين وحرام المسلمين، ولست أدري ماذا كان يمكن أن يصبح ~~عليه وضع الشعب المصري لو لم يجئ المسيح ومحمد وتدخل في قاموس المصريين ألفاظ العفو ~~والمغفرة والسماح والتوبة. # استمرارا للصراحة أقول # أحس أني وإن كنت لم أبعد عن الهدف الذي حددته لكلمتي، إلا أني طرقت موضوعات، أو ~~بالأصح رءوس موضوعات كثيرة، كل منها بحاجة إلى ms016 وقفة وتأمل طويلين. فالهدف كان أن أوضح ~~أن لجوئي إلى العمل الإداري وتركي الصحافة لم يكن جريمة أو خطأ بشعا كما تفضل عشرات ~~من الزملاء والأصدقاء وصوروه لي، وكان السؤال دائما يلح ويبقى: لماذا؟ لماذا أترك ~~الكتابة للصحافة وأزاول عملا مهما كان ما أفعله فيه فهو بالتأكيد أقل فاعلية من ~~الكتابة؟ وهنا لا بد أن أعترف أن هذا صحيح، وأن الكتابة للصحافة فعلا أهم وأبقى، ~~ولكني - استمرارا لموجة الصراحة وفتح القلب على مصراعيه - أقول إني تركتها مضطرا، ~~فقد كان ذلك قبل النكسة، وكنت قد تلفت ذات صباح، وكل صباح تحدث لي صاعقة فكرية أحس ~~معها بكل كياني وأفعالي وأحلامي وأخطائي وميزاتي تتفاعل فجأة وتحدث شرارة كهربية ضخمة ~~تنير لي الطريق، فألمح النفس على حقيقتها. وعلى هدي هذه الشرارة وجدت أني أبت ~~بالكتابة في الصحافة إلى زقاق مسدود، فلم يعد أمامي موضوع لليوميات إلا نقد لمحافظة أو ~~تريقة على روتين أو مجاملة لكاتب زميل على كتاب أخرجه أو مسرحية كتبها أو نقد لفيلم لا ~~يستاهل النقد. وأفعل هذا لا عن فقر في الموضوع، وإنما عن عجز، فأهم ما يشغل بالي وبال ~~الناس أن قضايانا الأساسية، مشاكلنا الجذرية، بعيدة عن متناول القلم، لا لأن هناك ~~حجرا على حرية الكاتب، فالكاتب حقا وصدقا كان حرا أن يكتب ما يشاء بشرط أن ~~يتحمل مسئولية ما يكتب، ولكن المشكلة أني كنت أحس أن الكتابة نفسها أصبحت غير مجدية ~~بالمرة. # كان الموقف في رأيي مخيفا، والمخيف فيه أننا كنا قد حققنا لبلادنا أوضاعا ~~وإنجازات كانت تبدو منذ سنوات قليلة جدا كالأحلام؛ كنا قد أجلينا المستعمرين ~~عن بلادنا بلا أي قيد أو شرط، ورفضنا الأحلاف والتبعية، وخلقنا مع غيرنا كتلة عالمية ~~ضخمة واتجاها فكريا تقدميا رائعا اسمه الحياد الإيجابي. وكنا قد واجهنا قوى ~~الاستعمار العالمي بالنجاح، بل وأصبناه بضربات قاصمة وفي الصميم مثل تأميم القناة ~~والمساعدة في تحرير الجزائر وتونس ومراكش واليمن والجنوب العربي المحتل ولبلادنا ~~العربية، أصبحت القومية والوحدة حقيقة تكاد بين لحظة ~~وأخرى أن تقع ms017 ، وفي الداخل كنا قد حققنا ثورة صناعية ضخمة ووضعنا أقدامنا على ~~أعتاب عصر آلي حقيقي كان سيغير من وجه الحياة في مصر في سنوات قلائل تغييرا جذريا ~~ينقلها من عصر إلى عصر. كان كل شيء ضخما رائعا عظيما، كالمعجزة، وكل هذا تحقق في ~~سنوات قليلة وبأقل الخسائر. # ولكن ... # | ليس كلاما في السياسة # في 16 سبتمبر 1970 بدأ يحدث شيء في الساحة العربية لا أعتقد أنه قد حدث قبلا في تاريخها ~~أو سيحدث من بعد. في ذلك اليوم من شهر «أيلول» قرر الملك حسين أن يذبح خمسة وعشرين ألف ~~فلسطيني «من رعاياه»! # والقرار دبر له في عناية بالغة، وربما ترك الملك حسين مزايدات واستفزازات بعض منظمات ~~المقاومة الفلسطينية تعمل عملها في تهيئة الجو كي ينقسم رعاياه إلى أردنيين وفلسطينيين ~~أعداء، وكي يحين الوقت ليبدأ المذبحة. # إن الوصف التفصيلي لهذه الجريمة المروعة لم أقرأه في صحف عربية، بل في الصحف الأجنبية ~~التي كان لها مراسلون في عمان شاهدوا ورأوا بأعينهم ما جرى. هؤلاء الشهود «المحايدون» قرر ~~أكثرهم أن البشاعة والوحشية التي تم بها هذا العمل لم تحدث في تاريخ البشرية إلا مرتين، مرة ~~على يد تيمور لنك عندما أراد فتح العاصمة «هيرات» القائمة على الحدود بين الهند وإيران، ~~فانتقى قرية صغيرة بجوار العاصمة وذبح جميع سكانها نساء وأطفالا ورجالا وشيوخا، ثم ~~أرسل رجلا من أعيانها إلى العاصمة بعد أن فقأ عينيه ليكون الراوي الوحيد الباقي على قيد ~~الحياة؛ يقص على سكان العاصمة ما شهده بعينيه حتى يستسلموا. # ولكن المروع لم يكن فقط ما يدور في عمان وإربد، المروع الأكثر هو ما حدث في الساحة ~~العربية، ولا أقول الساحة العربية الرسمية؛ فقد دعا القائد الخالد إلى ~~عقد اجتماع قمة على عجل لإيقاف المذبحة، المروع هو ما ~~كان يحدث على الساحة الشعبية العربية، فلقد وقفنا جميعا من «المحيط الهادر» إلى «الخليج ~~الثائر» نسمع الأخبار وبعضنا يشيح على أثرها بيده وكأن لا فائدة، وبعضنا سادر في حياته وكأن ~~شيئا لم يكن، والبعض القليل المتحمس تائه ms018 مروع حائر لا يدري ماذا يفعل. ولن أغالي إذا ~~قلت إننا جميعا عشنا أياما طويلة بضمائر مرهقة قد أثقلها الإحساس بالعجز. # بعد عامين فقط، وأيضا في 16 سبتمبر (أيلول الأسود) بدأ جيش «الدفاع» الإسرائيلي بنفسه ~~مذبحة أخرى لتصفية بقايا الشعب الفلسطيني في سوريا ولبنان، أذاعت الخبر وكالات الأنباء، ~~وبنفسها راحت إسرائيل تجاهر ودون أدنى خجل بهجومها على سوريا والأردن وتصدر البلاغ تلو ~~البلاغ عن عمليات «التمشيط» التي تقوم بها قوات «الدفاع الإسرائيلية» وتتولى فيها قصف ~~مخيمات اللاجئين بالقنابل والنابالم للقضاء على «الإرهابيين» أنى وأين كانوا. وأي طفل ~~فلسطيني إرهابي في نظر إسرائيل، وأي امرأة «إرهابية» باعتبارها ستلد «إرهابيا»، وأي شيخ ~~إرهابي لأنه لا بد أب أو جد لإرهابي. # إنما المحير حقا هو موقفنا نحن العرب، وأيضا من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر، ~~تجاه هذا الذي يحدث. ولا أقول أيضا كقيادات سياسية أو كحكومات، وإنما كشعوب عربية، إن لم ~~تكن قد ذاقت نفس طعم المذابح مثلما حدث لنا هنا في مصر أيام غارة مصنع أبي زعبل ومذبحة ~~الأطفال في مدرسة بحر البقر، إن لم تكن قد ذاقت فهي لا بد يوما ما ذائقة نفس ~~الطعم. # ماذا فعلنا؟ # على رأي كاريكاتير صلاح جاهين المشهور، كان ناس كثيرون في القاهرة، وفي ذلك اليوم ~~بالذات مشغولين بحدث ضخم هائل أهم، حفل المطربة صباح في نادي الجزيرة وحكاية بيع ~~فستانها. وأعتقد أنهم لا بد في مراكش كانوا يسمعون وإلى الرابعة صباحا مثلنا حفل ~~موشحات أندلسية أو تسجيلا معادا لاحتفالات ميلاد الملك، واليمن الجنوبية كانت مشغولة ~~بالشمالية والعكس بالعكس، والعراق بإيران. والأردن كان يعقد الندوات لمناقشة مشروع ~~الملك حسين لحل الأزمة. وهكذا استشهد من الجيش اللبناني 41 ضابطا وجنديا ومن قوات ~~الفدائيين 61 فدائيا وعدد لا يحصى من أطفال المخيمات ونسائها في سوريا ~~ولبنان. # دعوة سريعة وممن؟ # جاءت الدعوة سريعة وبالتليفون. كان مقرها أمانة النقابات المهنية بالاتحاد الاشتراكي، ~~وحضرها الأمين العام، وكان أعضاء الاجتماع هم أعضاء مكاتب النقابات المهنية في مصر، ~~وكانت نقابة المحامين قد طلبت ms019 من أمانة المهنيين أن تدعو لاجتماع لمناقشة هذا العدوان ~~الإسرائيلي الحادث في وضح النهار ودون أدنى مواراة أو خجل. # والحقيقة لم أتوقع أن يكون الاجتماع من النوع الذي تسوده هذه الروح؛ روح ديمقراطية ~~لا تخضع لأي قيد على رأي ممكن أن يعن لصاحبه. وتحدث عدد وافر من الحضور، وكنت قادما ~~في التو من بيروت بعد حضوري المؤتمر الأول لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، وكنت ~~قد تركت لبنان وأثار جريمة العدوان بادية لكل عيان، ونقلت لزملائي المجتمعين ما رأيته ~~وما لمسته من غياب يكاد يكون تاما للرأي الشعبي العربي. # لقد استثمرنا أحلى السنوات من عمر ثورتنا في الوطن العربي، وسقط منا الشهداء تلو ~~الشهداء دفاعا عن هذه الأمة من أقصى جنوبها إلى أقصى الشمال، وخسرنا الكثير، بل كدنا ~~نصبح الخاسرين الوحيدين في معركة تعرف هذه الأمة على ذاتها وكيانها ورسالتها. جاء ~~عبد الناصر إلى مصر مصرية ولا شيء أكثر من هذا، وغادرها وقد آمنت مصر برسالته وأدركت ~~ولأول مرة منذ زمان طويل أنها عربية وأنها جزء من أمة عريضة ومترامية من المحال أن ~~تحيا بغير هذه الأمة، ومن المحال أن تحيا هذه الأمة أو تكون بغيرها. إنها غنية برجالها ~~وإمكانياتها، وحتى بصراعاتها غنية، تكاد تصبح بمواردها الطبيعية أغنى أمة على سطح ~~الأرض، وتنفرد مع قليل غيرها من الأمم بلغة واحدة، ومزاج نفسي يكاد يكون واحدا، ~~ودين في أغلبه واحد. ولقد سرت بعد هزيمة 67 بالذات نغمة في مصر راحت تروج للعودة ~~للتقوقع على النفس ولعق ما أصابنا من جراح، ولكن فات أصحاب هذا التيار أن صعوبة التحقيق ~~لا تعني بالضرورة أن المبدأ خاطئ أو قاصر، إنها تعني فقط أن العقبات كثيرة وأن المسائل ~~لا تتحقق هكذا بين يوم وليلة، وأنه إذا كان القدر قد ألقى بحكم الموقع والتاريخ والحجم ~~على مصر أن تقود نضال هذه الأمة، فالتصدي لهذه العملية التاريخية شيء مكلف ومحفوف ~~بالمصاعب والمخاطر، فالتصدي أبدا إذا انهزمنا مرة أو طعنا بالانفصال مرة أن ننفض يدنا ~~ونيئس. إننا تصدينا لرسالة يلزم ms020 لتحقيقها عشرات السنين ومئات المحاولات، وجريمة حقيقية ~~أن نكسر بأنفسنا إرادة الطموح فينا، وعند أول عقبة نعود للتقوقع والانكفاء للعق ~~الجراح. # إن الصدمة التي حدثت لنا بهزيمة 67 لم أكن شخصيا ولا أعتقد أن أحدا كان باستطاعته ~~أن يتنبه إلى أنها ستغور في أنفسنا بعيدا إلى هذا العمق. لقد ضخمنا العدو إلى ما هو ~~أكثر بكثير من حجمه، وقللنا من أنفسنا إلى ما هو أقل بكثير من حجمنا. # إنني لا أفهم كثيرا في تعبير «الحرب النفسية»، ولكنني متأكد أن آثارها إن كان بعضها ~~بفعل دعايات العدو وأجهزته، فإن معظمها بفعلنا وبأيدينا. وصديقا لصديق وجارا لجار ~~وسيدة لأخرى نتولى جميعا وبالحديث اليومي الذي لا يتغير ولا يشذ تحطيم أي بارقة أمل ~~فينا أو بصيص نور. ربما ليبرر كل منا لنفسه تقاعسه واستسلامه المطلق لسقوطه الخاص ~~والشعور بالهزيمة الذي يعفيه من مسئولية الأمل؛ فالأمل لا ينبت إلا في صدور الأحرار، ~~والعجز إحساس عبيد ومبرر لكل التصرفات الخسيسة التي يمكن أن يقوم بها إنسان فقد تاج ~~الإنسان، وتاج الإنسان كرامته. # لا لم نمت، ولا انتهينا في 67، ولا في غير 67 سننتهي. # كل ما في الأمر أننا في حاجة إلى صدمة، ولتكن كهربائية، أو من أي نوع كان، ~~لنفيق. # الوفد يتشكل # وأعود إلى اجتماع النقابات المهنية الذي ذكرته. # تحدث الكثيرون حديثا نافعا في أحيان، مضحكا في أحيان، ولكن القلوب والعقول مفتوحة، ~~وفي صراحة تسكب المحتويات. # وصدر عن الاجتماع بيان هام وقرارات. # وكان أحد هذه القرارات إيفاد عدد مختار من أعضاء المؤتمر للتوجه إلى سوريا ولبنان ~~والاتصال بالمسئولين هناك وبقيادات المقاومة لنشاركها الموقف من ناحية، ومن ناحية أخرى ~~نتدارس معها ماذا يمكن أن نفعله. # وشرفني المجتمعون واختاروني عن نقابة الصحفيين ضمن هذا الوفد. وفي الحق لم أجد في ~~نفسي حماسا كبيرا للعودة - بعد يومين فقط من المجيء - إلى بيروت دمشق. إن الزيارة ~~الواحدة لبيروت تحدث لي في العادة نوعا من الحمى يلزمني دائما بعض الوقت كي ألم ~~شتات نفسي وأعود كما أنا. # كان الوفد مكونا ms021 من الأستاذ مصطفى البرادعي نقيب المحامين، ومن الدكتور ~~عبد الرازق عبد الفتاح سكرتير عام نقابة المهندسين، ومن الأستاذ يوسف كامل عبد العزيز ~~عضو مجلس نقابة المحامين، والأستاذ أحمد يحيى سكرتير عام النقابة، والدكتور ~~المعتز بالله مبارك سكرتير عام نقابة الأطباء. # وصلنا بيروت، وقررنا أن نبدأ مهمتنا بعقد مؤتمر صحفي نظمه لنا الزميل الأستاذ طه ~~نقيب الصحافة اللبنانية في نقابة الصحافة هناك، ولم أكن أتصور أننا وفقط في هذا المؤتمر ~~الصحفي الأول نفسه سنكتشف حقيقة المهمة التي جئنا من أجلها. الغريب أننا لم نتفق على ~~شيء، كل ما اتفقنا عليه كان أن ننتخب الأستاذ البرادعي رئيسا للوفد. ولكن بقيت ~~المشكلة؛ ماذا نفعل؟ هل نكتفي بكلمات المجاملة التقليدية نحملها إلى إخواننا أعضاء ~~المقاومة والشعب اللبناني الشقيق؟ هل نحمل لهم تحيات وتمنيات زملائنا النقابيين في مصر ~~والذين يمثلون نصف مليون متعلم ومثقف؟ هل نقول قلوبنا معكم وسحقا لما يرتكبه ~~الأعداء؟ # السلاح المجهول # بالضبط لماذا لا يكون هناك عمل شعبي شامل وسريع وعلى مستوى الأمة العربية كلها من ~~المحيط إلى الخليج؟ # عمل ليس مهما حجمه أو لونه، ولكن المهم فيه ~~أن يكون شاملا وفي وقت واحد، فليس مطلوبا من العمل - وبالذات في مراحله الأولى - أن ~~ينزل بأمريكا أو بإسرائيل أضرارا بقدر ما هو مطلوب منه أن يكشف لأنفسنا عن أنفسنا، ~~وبإرادتنا نصنع إرادتنا، إنها ليست كلمات إنشاء أو تراكيب أدبية، إنها حقائق علمية. ~~إن السبب الرئيسي لروح الهزيمة واللامبالاة التي استشرت عقب 67 أننا بعد أن كنا أمة ~~تكاد تكون - ولو بالروح - واحدة قبل الحرب، انقسمنا إلى أمم كثيرة وشيع بعدها، بل حدث ~~ما هو أكثر، وأصبح كل فرد منا أمة بمفردها، أي استحال المائة مليون عربي في الحقيقة ~~إلى عربي واحد هو أنا أو أنت فقط، أنا وحدي المهزوم واليائس وفاقد الإرادة، وحدي أتفرج ~~ووحدي أحمل المأساة. # والهزيمة الحقيقية أن ننفرط إلى أفراد لا مبالين. ماذا أصبح يجمع الشعب العربي في كل ~~مكان؟ لا شيء، حتى الأماني المشتركة لا تجمعه، لا الكلمة أصبحت ms022 واحدة ولا الهدف واحدا ~~ولا واحدة في أي شيء . # المطلوب من العمل الشعبي شيء واحد فقط في أول خطوة؛ أن نشترك جميعا في عمل، حتى لو ~~كنا قد تفرقنا مبادئ وشيعا، فليجمعنا العمل الواحد، أبسط الأعمال، ولو حتى نتفق أن ~~نصمت جميعا ولمدة دقيقة واحدة غدا في التاسعة صباحا. # قد يبدو للبعض أن الاقتراح ساذج وبسيط، ولكن أخطر ما فيه أنه ساذج، إذ أن نتيجته ~~مروعة. # إن جزءا كبيرا من اليأس الذي عم شعوبنا سببه أننا في تفكيرنا لمواجهة الغزو ~~الصهيوني الاستعماري كنا دائما نتصور أننا لا بد أن نتصدى له بواجهتنا الرسمية ~~فقط، بما فيها من قيادات وجيوش وحكومات، وحتى ليس كل القيادات والجيوش والحكومات، بعضا ~~فقط سميناه دول المواجهة، وعلى جيوش هذه الدول أو بالضبط على بعضها فقط ألقينا عبء ~~«العمل». # ولقد بدأت تتضح لنا الآن أبعاد القضية. والحديث عن قومية المعركة ليس إلا إدراكا ~~واحدا من إدراكات ذلك البعد؛ فقد كنا نظن أننا نواجه إسرائيل فإذا بنا نكتشف أننا ~~نواجه يهود العالم مجتمعين. وقد كنا نظن أننا نواجه حروبا صغيرة فإذا بنا نكتشف ~~أننا نواجه خطة خبيثة وماكرة ومدبرة بعناية - ومنذ نصف قرن من الزمان على الأقل - ~~وأن إسرائيل واليهودية العالمية ليست وحدها عدونا إنما وراءها رأس الرمح في القوى ~~الاستعمارية العالمية؛ أمريكا وأفلاكها. وراءها رأي عام عالمي استطاعوا خداعه ~~وتلفيقه - وأيضا من زمن طويل - شيئا فشيئا بدا يتضح لنا أن المواجهة أكبر من أي قطر ~~عربي بمفرده، وحتى أكبر من قومية المعركة لو اجتمعت لها الحكومات العربية كلها، إنما لا ~~بد لها أيضا من شعبية المعركة، من اشتراك كل مواطن عربي في المعركة ولو بعمل صغير، ~~ولو بقرش واحد يمول به كل أسبوع معركة حياته أو موته. # وأبدا لم تستعمله # وشعبية المعركة ليست لعبا بالكلمات، إنها السلاح السري الخطير الذي يملكه العرب ولم ~~يستعملوه إلى الآن. إن الذي يخيف إسرائيل وأمريكا، وكل الدوائر المتآمرة علينا ~~والمتربصة بنا، أن يحدث وعلى امتداد الوطن العربي كله توقف الخمس ms023 الدقائق أو نصف الساعة ~~وفي وقت واحد جامع شامل يلم شتات عامل البناء في طنجة والوزير في حكومة اتحاد إمارات ~~الخليج وخفير المخزن في اللاذقية والرعاة في اليمن الجنوبية والسودان. # ذلك أننا لو فعلنا هذا لأدخلنا إلى المعركة السلاح الرهيب الذي لم نستعمله أبدا، ~~سلاح الكم الهائل من البشر الذي نمتلكه، سلاح المائة مليون إنسان. إن إسرائيل تخاف من ~~سلاح المائة مليون إذا حشد؛ لأنها مهما فعلت لن تستطيع التفوق لا هي ولا أمريكا معها ~~في هذا المجال. إن إدخال الشعب طرفا في المعركة الرهيبة الذي إذا دخل المعركة لن يخرج ~~منها أبدا إلا منتصرا، وأن الأمر قد يبدأ برفع الذراع علامة المشاركة، ولكنه لا بد ~~أن ينتهي حتما بالسيطرة الكاملة على كل المصالح الأمريكية في المنطقة، وعلى خنق ~~إسرائيل ولو حتى بأجسادنا نفسها مجتمعة ومتلاصقة وزاحفة لاسترداد هذا الجزء من ~~أرضنا. # إن إشراك الشعب العربي كله في المعركة يضع أمريكا وإسرائيل أمام أمرين لا ثالث لهما: ~~إما إبادة هذا الشعب لإبادة إرادته، وإما التسليم له بما يريد. ولأننا لم نعد في ~~عصر تستطيع فيه حتى ولو دولة معربدة مغرورة مسلحة مثل أمريكا أن تبيد مائة مليون مهما ~~رغبت في هذا الأمر وحلمت به، فلن يبقى لها إلا التسليم. # بالضبط، لماذا لا يكون هناك عمل شعبي شامل وسريع وعلى مستوى الأمة العربية كلها من ~~المحيط إلى الخليج؟ # هكذا تبلورت مهمتنا الشعبية في مؤتمرنا الصحفي الأول، أصبحت هدفا واضحا نتحرك ~~تجاهه، ونتصل بالنقابات وبالقيادات وبالسياسيين على أساسه. # والحق أني لم أتصور أن رد الفعل سيكون بهذه الضخامة؛ خرجت الصحف اللبنانية جميعها في ~~اليوم التالي وهي تتحدث عن «المبادرة الشعبية المصرية». # ولكن الأمر لم يسلم من المضحكات، فعقب إعلان مهمتنا اتصل بي صديق يمني وسألني ~~بالتدقيق عن هذا «الوفد» المصري الشعبي، وبعده جاءني أكثر من صحفي وسياسي من المقيمين ~~في لبنان وبروح من الشك راحوا يستجوبونني عن هذا «التحرك» وعن علاقته بنوايا مصر ~~والقيادة السياسية في مصر. إلى هذه الدرجة فقدنا الثقة ms024 في أنفسنا. إن أي تفكير أو ~~مبادرة لا بد أنه موحى به من جهة أو وراءه نية ما. أصبحت البراءة في عالمنا العربي ~~أبشع التهم، إذ إنك لن تجد للبراءة سببا أو مبعثا واضحا يريح بعض النفوس ويلون ~~العمل. وهكذا تظل التهمة على البراءة مسلطة ومشرعة. # ولكن الصدى الأهم كان هو الصدى الشعبي الذي أردناه؛ بدأت الأفكار تتفجر والحماس ~~للفكرة لدى القيادات النقابية في لبنان وسوريا يطغى. صحيح! لماذا يقف الشعب مكتوف ~~الأيدي معزولا عن المعركة؟ لماذا يترك الأمر كله لجامعة الدول العربية تتصرف فيه ~~وتحله؟ وأين الجامعة «الشعبية» العربية، جامعة الإرادة الشعبية والعمل الشعبي؟ # أيكون هذا هو السلاح؟ # أن نتحرك كشعب هائل وأن نعوض بحركاتنا تلك ما ينقصنا؟ # أن نبدأ الحركة بخطوة بسيطة واحدة، وأن نختار وبسرعة لجان اتصال من النقابات ~~والهيئات والقيادات الشعبية والاتحادات العمالية والفلاحية والطلابية والنسائية ~~والشبابية العربية كي نقوم بعمل واحد وسريع نرفع به الرأس ونواجه العدو؟ # إني أطرح الفكرة على قيادتنا السياسية وعلى اتحادنا الاشتراكي وعلى تنظيماتنا ~~العمالية والنقابية. # بإلحاح أطرحها. # ملحوظة: هذه المقالة أعتقد أنها في عام 1980 كوميدية تماما، ولكني آثرت أن أثبتها، ~~فمن يدري ماذا يكون الحال؟ # | الانفتاح إلى الداخل أيضا # كانت السينما هي حدث الأسبوع الماضي دون شك، حدث ولا أقول حديثا؛ فالحديث عن السينما في ~~صحفنا ومجلاتنا لا ينقطع، بل هو - إذا أضيفت الإذاعة والتليفزيون - يكاد يكون المادة ~~الطاغية على كل حديث. بل جاء علي وقت أحسست فيه شخصيا أن الهدف الثقافي العام لمجتمعنا ~~أصبح مقرره الوحيد هو مادة السينما والتمثيل والإخراج والماكياج والديكور والمونتاج، لدرجة ~~أني كنت أتابع برنامجا هاما جدا لا بد أن تتابعوه؛ إذ لا أعتقد أن أحدا يلتفت ~~إليه التفاتا ملحوظا. وهو برنامج «الغلط فين» الذي يذاع يوم الجمعة. وأنا لا أتابعه لأنه ~~برنامج طريف فقط، وإنما لأنه ترمومتر خطير جدا للمستوى الثقافي العام، لا للشعب قاطبة، ~~وإنما للمتعلمين من هذا الشعب طلبة وطالبات، معاهد وجامعات، ومراكز بحوث وإحصاءات. المهم ~~أن الخطأ يحدث في كل ms025 شيء وأي شيء إلا في الأشياء المتعلقة بالفن. لا خطأ في اسم ممثل أو ~~ممثلة أو فيلم، لا خطأ في أي تعبير سينمائي أو مسرحية. تقريبا هي والأمثال الشعبية تكاد ~~تكون المادة الثقافية التي يشترك، لا أقول الشعب كله، ولكن حتى المتعلمون في معرفة أدق ~~تفاصيلها. و«الغلط فين!» والمسئول عن هذا من وفين؟ والسبب ماذا؟ وفيه أشياء ليست موضوعنا ~~الآن. فموضوعنا وإن كان السينما إلا أنه ليس السينما، عناوين أفلام وأسماء نجوم ومواصفات ~~تمثيل وإخراج. كان الحديث عن السينما حديثا عنها كصناعة، هذا شيء بلا شك رائع وجميل، بل ~~الأروع أنه حديث عنها باعتبار أنها مقدمة أو عينة ل «سياسة» الانفتاح الاقتصادي. كانت ~~المسألة إذن قضية وطنية سياسية من الدرجة الأولى، أو هكذا كان يجب تناولها. لكن ضايقني ~~تماما أولئك الذين أخذوا الموضوع مأخذا شخصيا وصنعوا من قضية هامة وخطيرة مظاهرة سباب ~~ضد وزير الثقافة عبد المنعم الصاوي. بالضبط كما ضايقني تماما موقف ~~مجلس الشعب من الأمر بحيث خرجت علينا الجرائد بمنشتات ~~تقول: مجلس الشعب يناصر عبد المنعم الصاوي في موقفه من السينما، وكأن المسألة كانت خناقة ~~بين عبد المنعم الصاوي من ناحية وبين آخرين. # أنا شخصيا حين عرفت أن الموضوع مهما نشرته الجرائد يتعلق بمستقبل السينما في مصر، ~~وباعتبار السينما وسيلة الثقافة الأولى لشعبنا، وباعتباري أمت بدرجة ما إلى هذه ~~الثقافة، ذهبت فعلا إلى مجلس الشعب لأحضر الاجتماع الذي عقدته لجنة الثقافة والفنون ~~بالمجلس، والحقيقة ذهبت غير مدعو، ذهبت وفي ذهني أني فقط سأستمع إلى ما سوف يثار من ~~مناقشات خاصة بالسينما، وليس في ذهني مطلقا أنها مناقشات خاصة بقضية خاصة، بل بواقعة ~~اتهام خاص. # مستمعا ذهبت، ومستمعا أصغيت إلى البيان الذي أدلى به الوزير عبد المنعم الصاوي، فإذا به ~~بيان يرد فيه على ما دار في اجتماع أعضاء غرفة صناعة السينما حول واقعة بعينها، وهي اعتزام ~~هيئة السينما تكوين شركة بينها وبين مستثمر مشترك (سعودي أمريكي)، شركة ضخمة برأسمال قدره ~~160 مليون جنيه سيكون لهيئة السينما فيها 51٪ من ms026 الأسهم، وسيقوم المستثمر السعودي بدفع 49٪ ~~من رأس المال. أما كيف ستقوم الهيئة بدفع هذه ال 51٪ من الأسهم وهي تشكو من العجز في ~~ميزانيتها وعدم قدرتها على الصرف على دور عرضها واستديوهاتها، فسيتم هذا بأن تبيع الهيئة ~~للمستثمر أو بمعنى أدق للشركة الجديدة المزمع تكوينها أربع دور عرض هي ميامي وديانا ~~ومتربول وفريال في الإسكندرية واستديو الأهرام في الجيزة، قدرت أثمانها بأربعة ملايين من ~~الجنيهات في مقابل أربعة ملايين أخرى من المال السائل يقوم المستثمر بدفعها. وبهذا تبدأ ~~الشركة عملها بثمانية ملايين جنيه على أن يتم استكمال رأس المال الباقي (160 مليونا) ~~باستغلال هذه الأماكن الاستراتيجية في إقامة دور عرض واستصدار قانون جديد يبيح إقامة ~~عمارات فوق دور العرض (إذ القانون الحالي يحرم إقامة مبان فوق دور العروض السينمائية ~~والمسرحية) ومن الربح الضخم الناتج عن إقامة هذه العمائر يتم استكمال رأس مال الشركة وتبدأ ~~في إقامة دور عرض سينمائية (400) في بقية أنحاء القطر المصري. # وهنا قامت قيامة أكثر من جهة، أولها غرفة صناعة السينما (أي اتحاد المنتجين السينمائيين ~~المصريين)؛ إذ إن هذه الشركة الممولة لن تقوم فقط بإنشاء دور العرض، وإنما سيكون لها الحق ~~في إنتاج وتمويل الأفلام السينمائية والتليفزيونية. وحيث إن رأسمال أكبر منتج في الغرفة لا ~~يتعدى نصف المليون جنيه، فكيف ستواجه هذه الأسماك ذلك الحوت الهائل الذي من المحتم أنه ~~سيبتلع الجميع؟ # ومن الجميل في قيامة غرفة صناعة السينما أنها ربما لأول مرة تذكرت أنها صناعة وطنية ~~خطيرة، أنها تملك التحكم في توجيه الفكر لا في مصر وحدها ولكن في العالم العربي كله، وأن ~~المنتجين هم أصحاب المسئولية الأولى في المحافظة على الفكر الوطني الإبداعي. وهذا الأمر ~~طبعا نكتة، فتسعون في المائة من إنتاج هؤلاء السادة لا فكر فيه على الإطلاق، أو إذا كان ~~فيه فكر مناهض ورجعي وشلل لطاقات الإنسان المصري والعربي على القوة والإبداع، وأظن أن ~~الصراخ الذي يأتينا دويه من المصريين المقيمين في البلاد العربية خير دليل أن أكثر المنتجين ~~غير قوامين بالمرة على أمر ms027 الفكر المصري أو العربي، وأنهم بالدرجة الأولى تجار وطنيون، ~~هذا صحيح ، ولكن يتاجرون في مادة خطرة هي القصة والبطل والممثل في السينما العربية، وفقط ~~أدركوا مدى خطورة ما تصنعه أيديهم حين جاء منافس أكبر، من المحتم أنه لن يكون أكثر حرصا ~~على الفكر العربي منهم، ولكن المؤكد أنه سيكون أسخى وأغنى في تصنيع بضاعة وتغليفها ~~وتسويقها. ومع هذا فهم أيضا رأسماليون وطنيون إن اعتبرناهم تجار سينما، بمعنى أنهم ~~بالتأكيد يتجاوبون في النهاية مع النقد ويراعون الحرمات بعض الشيء، وأناس «على قدنا» ~~نستطيع أن نؤثر فيهم ويؤثروا فينا، ولكن الشركات الكبرى في هوليود ونيويورك وأوروبا تصل ~~بثرائها ونفوذها إلى أنها تصبح فوق أي نقد، بل هي التي «تصنع» النقد، وهي التي «تفكر» ~~للناس، وهي التي «تخلق» نمط الحياة والسلوك وتجعل من الجواسيس ورجال المخابرات «أبطالا» ~~يصبح المثل الأعلى لكل شاب أن يحذو حذوهم. وإذا كنا نحن في القاهرة نشكو من «النماذج» ~~السيئة التي يقدمها كثير من منتجينا السينمائيون، ونحاول قدر الطاقة أن نستبدلها بنماذج ~~أخرى للإنسان أروع وأقوى، فهناك تبلغ الشركات بقدرتها الفائقة على إخفاء السم في ~~منتجاتها حدودا تصل إلى نخاع المتفرج دون أن يملك الناقد مهما نقد أن يحول بينه وبين ~~الاستسلام الكامل المطلق لما يرى. هناك «المؤسسة» هي الأقدر والأبشع والأذكى والأخبث ~~والأكثر قدرة على التلون والتنكر، بحيث تضع أنت الناقد نفسه وربما وأنت لا تدري تجد ~~نفسك تصفق لعمل كان عملك أنت نفسك، ويسخر من قدرتك على الاكتشاف أنت نفسك. ~~••• # حسن جدا، قامت غرفت السينما - المشكورة - بدورها الهام في التخوف التام من هذا القادم ~~الصناعي الجديد، على هيئة الدفاع التام عن «الفكر» الوطني، والإشفاق على المواطن المصري من ~~السم الزعاف الذي من الممكن أن تنفثه صناعة قتالة كصناعة السينما أو بالأصح صناعة العقول؛ ~~قامت مشكورة بالرفض (9 ضد واحد) ثم قامت مشكورة بالتخوف، ثم قامت مشكورة بالموافقة ~~(10 ضد لا شيء)، خافت على الفكر المصري وصرخت: احذروا الذئب القادم، ثم هكذا وبأية قدرة ~~لا أعرف اكتشفت أن ms028 المسألة لا ذئب فيها، أو أننا كلنا ذئاب وأولاد ذئاب أو مصيرنا أن نصبح ~~كذلك، وأن كل شيء تمام وشكرا يا سيادة الوزير على اهتمامك بصناعة السينما، والسلام عليكم ~~ورحمة الله. هكذا قالت الغرفة، ثم من بعدها اللجنة، ثم جاء المجلس الأعلى؛ مجلس الشعب ~~ليضع إمضاءه، وليصبح كل شيء تمام التمام. فهل كل شيء تمام التمام؟ ~~••• # إن السيناريو كما رأيته وعايشته ضعيف جدا، ولو استحال إلى فيلم فسيسقط سقوطا بشعا ~~ويكون كارثة على منتجيه. وكما تفعل وزارة الثقافة نفسها - رحمة بالمنتجين - فتراجع ~~السيناريو وهو لا يزال حبرا على ورق، وتجيزه أو ترفضه أو تعدله قبل أن يصرف المنتج عليه دم ~~قلبه ثم تصادره الرقابة، فكذلك نريد أن نفعل بموضوع السينما. # وقبل أن يغلق ملف الموافقة ليفتح ملف التنفيذ، فهناك أشياء هامة جدا لا بد من ~~قولها. # فأولا أنا ضد كل ما قيل تجريحا في شخص الوزير ونقيب الصحفيين السابق، والكاتب الذي ~~تابعته وتابعه معي الآلاف منذ أن كان يكتب في «المصري» ويحيا حياة الكفاف في لندن ليتعرف ~~على أوروبا في بلادها ويثقف نفسه بنفسه وطنيا صادق الوطنية. # إن سياسة الانفتاح أساسها الفكر والاقتصاد وحتى السياسة، إننا أخذنا بها لتقوية الاقتصاد ~~المصري بحيث نغري المستثمر الأجنبي بأرباح من عندنا أكثر مما يجده في أي بلد آخر أو مشابه، ~~بمعنى أنها سياسة لتدعيم الاقتصاد وليست سياسة «التعليم» (أقصد جعله عالميا). الاقتصاد ~~المصري بعدما مصرناه، ومعنى أننا مصرناه أننا امتلكنا أصوله، والانفتاح جئنا به ليجعل ~~هذه الأصول تعمل بأقصى طاقتها ويربح منها الأجنبي بأكثر مما يربح من أي بلد آخر. ولكن ~~أبدا ليس على حساب «بيع» الأصول، كما كان الخديوي إسماعيل يفعل، يبيع سندات قناة السويس ~~وغيرها ليسدد ديون مصر، وكانت النتيجة صندوق الدين واحتلال مصر نفسها بعد هذا. وأعتقد أن ~~القائمين على سياسة الانفتاح والقائمين على أمر هيئة الاستثمار يعرفون هذا جيدا، ولديهم ~~بالفعل مشروعات جاهزة ووافرة الأرباح لمن يشاء أن يربح، ولكن لا أعتقد أبدا أن مشروعا ~~كهذا توافق عليه هيئة ms029 الاستثمار؛ لسبب بسيط هو أنه لا استثمار فيه بالمرة. فنحن كأفراد ~~مصريين نستطيع أن نقوم بمشاريع كهذه بمنتهى البساطة. ولنأخذ مثلا بسيطا، أن سينما ميامي ~~والمسرح المجاور لها مساحتها أربعة آلاف متر مربع في قلب القاهرة التجارية، لو بعناها حتى ~~كأرض فضاء للمواطنين المصريين العاديين وتواضعنا جدا وجعلنا المتر هناك بخمسمائة جنيه، ~~لكان ثمنها اثنين مليون جنيه ثمن أرض فضاء فقط، ولو أنشأنا شركة مساهمة مصرية لبناء عمارة ~~فوق هذه الأرض نجعل من بدرومها ودورها الأول أربع دور عرض فوقها عشرون دورا كل دور يحتوي ~~على الأقل على عشر شقق أو ربما عشرين، لوجدنا في أيدينا في ظرف لا يزيد عن عامين المائة ~~والستين مليون جنيه رأس مال الشركة المفروض أنها ستنتج وتطور وتبني صناعة السينما في مصر. ~~إن لدينا في مصر مكاتب وشركات وأشخاصا يستطيعون أن يدفعوا فورا ما يزيد على المائة ~~مليون جنيه ليحظى كل منهم بشقة في شارع طلعت حرب في قلب العاصمة، فلماذا نشرك الغريب في ~~شيء نستطيعه نحن بكل بساطة ويعود علينا ربحه كله، ونمول بهذا الربح دور عرض تدر ربحا ~~رهيبا علينا، ونمصر بها صناعة السينما فعلا؛ تلك التي سيتحكم فيها الموزع اللبناني الذي ~~يرفع من يشاء ويخفض من يشاء، وهو بحق إمبراطور الصناعة، وعلى بابه يقف جميع نجومنا ~~ومنتجينا وغرفة سينمتنا بجلالة قدرها؟ إن 600 دار عرض كفيلة بتمويل الصناعة السينمائية ~~المصرية تمويلا ذاتيا، بحث لا تخضع لذوق، أو يفرض عليها مواصفات تجعل المصريين في ~~الخارج والداخل يلعنون أنفسهم من أجلها. # وكل هذا من بناء دار سينما واحدة. # فما بالك بديانا وفريال في الإسكندرية، وأربعة أفدنة في قلب شارع الهرم اسمها ستوديو ~~الهرم، وكل هذا لأن «المستثمر» سيدفع مقدما اثنين مليون جنيه؟ إن المثل العربي يقول: «ما ~~يحتاجه المنزل يحرم على الجامع.» معناه بالعربي الفصيح أن ما تستطيع أن تفعله أنت وحدك ~~وبمنتهى البساطة وتعود فائدته لك يصبح من الجريمة أن تعهد به إلى آخر. # إذا كانت هيئة السينما في حاجة لتطوير نفسها ms030 لتصل إلى ما لم تصل إليه هوليود، فعليها فقط ~~أن تطرح عملية بناء ميامي على المواطنين في مصر، السهم ذو العشرة جنيهات يصبح بعد خمس سنوات ~~ثمنه مائة جنيه. فلتطرح الهيئة الفكرة والأسهم ولتر كيف ستمطر عليها السماء ذهبا وبدون ~~حاجة إلى مستثمر وبدون حاجة إلى مليم واحد من الخارج. # أما الانفتاح، فلنتركه لمشاريع تحتاج إلى الخبرة والتكنولوجيا، تحتاج إلى ما ينقصنا وما ~~لا نستطيعه، ولتربح من ورائه ما تشاء، فحلال عليها ما دامت في النهاية ستئول إلينا. ~~••• # إنها مجرد فكرة، ولكني متأكد - رغم أني لست اقتصاديا - من صحتها، فالاقتصاد أولا ~~تفكير معقول، أما غير المعقول فهو ما يحدث الآن تحت شعار الانفتاح وباسمه. إن الانفتاح هو ~~من أشد حاجاتنا القومية ومن ضرورات حياتنا، وقد تجاوب معه شعبنا ومع واضعه ومخططه الرئيس ~~السادات تجاوبا فاق كل تقدير؛ ذلك أن الشعب فهمه كما فهم القائد على هذا النحو القومي ~~الوطني العظيم. وليس بالضرورة أن يكون الانفتاح بالخارج فقط وإلى الخارج، فهناك انفتاح قد ~~يكون أكبر، ذلك هو الانفتاح إلى الداخل، واستخراج المدخرات القومية وتوظيفها؛ إذ لو فعلنا ~~هذا، ولو بدأنا بأن نعرف كيف نستغل نحن بلادنا ومصادرنا لانهالت علينا المشاريع من الخارج. ~~ذلك أن رأس المال لا يستخدم نفسه لتقديم الصدقات، إنما هو يلهث وراء من يعرف كيف يفكر ~~ويربح، وكيف بذكائه يستطيع أن ينتج ويدر معه وعليه الأرباح. إن رأس المال الأجنبي لا يقدم ~~نفسه إلا للناجح، أما إذا قدمه للغبي أو الفاشل فلا بد أن يفعل هذا ليسرقه. # وأنا لا أعتقد أبدا أننا أغبياء أو فاشلون. # | الخطة الجهنمية الجديدة1 # من جولة في شرقنا العربي عدت ... من عشرة أيام عدت، وقد كان مفروضا أن أكتب انطباعاتي ~~فور عودتي، ولكني لم أشأ هذا، فقد كانت تشغلني مشكلة أهم من الكتابة بكثير؛ مشكلة أننا رغم ~~كوننا أمة عربية واحدة تكون لها - مع اختلافات غير أساسية - نفس الشخصية، بل والملامح ~~الجسدية في أحيان. رغم هذا إلا أننا منذ وعينا حتى بكياننا هذا الواحد ms031 لا نفهم بعضنا، ~~واحتراسا أقول إلا فيما ندر. أما قانوننا العام السائد فهو أننا أبدا لا نفهم! لغتنا ~~عربية ومشتركة ولساننا واحد، والأفكار الشائعة في عالمنا العربي تكاد تكون نفس الأفكار، إلا ~~أن اللغة واللسان وأدياننا الواحدة وأفكارنا العامة المطروحة كلها معلقة هناك في سمائنا ~~الواحدة كالسحابة، بعيدة دائما عن أرض الواقع، بعيدة عن الإنسان. # ومن أعسر بلادنا العربية قدرا على عدم الفهم، هي قلب هذه الأمة، مصر، يحبونها ويحبون ~~شعبها، والقاهرة حلم المسافر إذا أراد السفر، ولكننا بالمرة غير مفهومين. # ولا أعتقد أن السبب في عدم الفهم هذا راجع إلى الشعوب العربية الأخرى، بل هو راجع في ~~الأصل وفي الأساس إلى كل شعب على حدة. وهكذا فأعتقد أننا في مصر المسئولون الأول عن أنه ~~لا المشرق العربي ولا المغرب العربي ولا أي مكان يفهمنا، بل أحيانا يخيل لي أننا ~~أنفسنا لا نفهم أنفسنا حق الفهم. # هكذا قضيت الأيام العشرة الماضية أفكر في تلك المشكلة المحيرة. # ذلك أنها - في رأيي - ليست مشكلة سوء فهم، أو سوء علاقات ناتجة عن سوء فهم، ولكنها تشكل ~~الآن قضية الحياة أو الموت، ليس فقط لنا كمصريين وإنما كمصريين وعراقيين وفلسطينيين ~~ولبنانيين وسعوديين وليبيين ومغاربة وجزائريين وسودانيين ... إلخ. # وسأقول حالا لماذا هي قضية حياة أو موت. # وبالذات أقولها لهذا النفر القليل من مفكرينا ومثقفينا وبعض قياداتنا الشعبية التي أصبحت ~~تنادي بالعودة إلى المصرية بمعناها المحلي القديم، و«سيبونا» من هؤلاء «العرب» الذين ~~«ودونا في داهية» ... إلى آخر هذه النغمة. # هؤلاء الناس يجدون آذانا صاغية كثيرة، خاصة والمثل واضح أمامنا وصريح. دخنا نحن في ~~صراع مرير طويل من أجل القومية العربية، وخضنا ضد إسرائيل أربع حروب، ومات منا مئات ~~الآلاف، وأنفقنا عشرات الآلاف من ملايين الجنيهات، وتهدمت مدننا، بينما النتيجة أن بلاد ~~البترول العربية استفادت حتى من حرب أكتوبر المجيدة وتضاعف سعر بترولها، أي دخلها من عام ~~1952 إلى الآن ربما أكثر من عشر مرات، بينما الدخل عندنا نحن كان ينخفض، وأزمات المأكل ~~والملبس والمواصلات تشتد. # ولكي ms032 أكون صادقا لا بد أن أقول إن هذا المثل ليس افتراء على الوقع، بالعكس هو مائة ~~بالمائة صحيح. بفضل هذه المعارك الذهبية المتصلة أعتقد أن العالم العربي الآن انقسم إلى ~~دول غنية ودول فقيرة، دول تزداد غنى ودول تزداد فقرا. # ولكن المغالطة في المثل واضحة أيضا، فنحن لم نحارب أصلا للدفاع عن موارد البترول ~~وحراسته، إنها كانت حروبا موجهة ضدنا نحن، ضد مصر بالذات، ضد قائدة هذه الأمة الروحية ~~والثقافية والحضارية، ضد القمة النامية المخيفة في المنطقة. # ولم تكن مجرد حروب عسكرية وسياسية وتآمرية، ولكنها كانت وبالأساس حروبا ثقافية ~~واقتصادية. إن كل خبراء البترول في العالم يجمعون على أن في الصحراء المصرية الغربية ~~والشرقية حقول بترول هائلة الضخامة، فجيولوجيا من المستحيل أن يمتد عرق البترول من ~~الجزائر إلى ليبيا وبالضبط يتوقف عند حدودنا المصرية، ويستمر توقفه حتى حدود مصر الشرقية ~~ليبدأ في البحر الأحمر والسعودية إلى العراق وإيران. لا يمكن علميا هذا إلا إذا كانت ~~الجيولوجيا قد تآمرت مع الاحتكارات البترولية من قديم الأزل. الصحيح أو الأكثر صحة أن تكون ~~الاحتكارات البترولية هي التي تآمرت ضد الجيولوجيا المصرية بالذات. # التاريخ يعيد نفسه # والمؤامرة قديمة وقد أصبحت معروفة. منذ أيام الاحتلال البريطاني وفكرة البحث عن ~~البترول في مصر أو اكتشافه فكرة مرفوضة تماما؛ فالإنجليز لم يحتلوا مصر عبثا، ولم ~~يستخلصوها من قبضة نابليون ومن أنياب الإمبراطورية العثمانية عبثا أيضا، بل ولا حتى ~~لموقعها الجغرافي أو قنال السويس أو هذا كله. # الإنجليز واحتكارات البترول أدركت من زمن بعيد أن المنطقة العربية - أو ما اصطلحوا ~~تضليلا على تسميته بالشرق الأوسط - يرقد تحت أرضه أعظم كنز عرفته البشرية في كل ~~تاريخها ما مضى وما سيأتي، واكتشفوا أيضا أنه بينما يرقد تحت الأرض هذا الكنز الخرافي ~~الذي يساوي في قيمته كل صناعة أوروبا وزراعتها ومناجمها، تحيا فوق هذه الأرض شعوب كانت ~~متخلفة تعيش في القرن السادس عشر. # وبعد الحرب كانت أوروبا هي الهدف الثانوي لأمريكا القوية المنتصرة الغنية، أما ~~هدفها الأساسي فقد كان هو انتزاع ms033 هذا الكنز المهول من أنياب الاستعمار القديم. بريطانيا ~~كانت وسيلتها للاحتلال الجيوش، والقوة عندها في الأساطيل والسيطرة على المضايق ~~والتجارة. اكتشف الأمريكان أن العصر الجديد القادم هو عصر البترول، وعلى هذا يجب اقتلاع ~~النفوذ البريطاني والفرنسي من المنطقة، وبالتأميم مرة ثم بالتدويل مرة، ثم ~~باحتكار التوزيع، ثم بالانقلابات والاضطرابات، نجحت أمريكا أخيرا في إعادة ~~الفرنسيين إلى فرنسا والإنجليز إلى جزيرتهم، وتقريبا «ملكت» أمريكا أهم مصادر البترول ~~في كل العالم العربي. # ولكن هذا وحده لم يكن يكفي. # فإذا كان المنافسون الأوروبيون قد ذهبوا، فالمنطقة قد تطورت بسرعة وتهدد بتطور أسرع، ~~وكان نجاح ثورة 23 يوليو واكتساب حق تأميم الممتلكات الأجنبية لحساب شعوب المنطقة؛ كان ~~هذا تهديدا أخطر بكثير من تهديد المنافسين السابقين. # وكان على أمريكا أن تؤكد وجودها وتؤمنه تأمينا مباشرا بإقامة دولة ترسانة تقوم ~~بدور رجل البوليس المهاب. # وتأمينا غير مباشر بضرب مصدر الخطر الأكبر: مصر. # وأمريكا تعرف تماما أن مصر ليست ثلث العالم العربي، ولكنها الثلث الذي يملك من ~~الإمكانيات المادية والبشرية والثقافية والحضارية ما يمكن أن يقود العرب ليس فقط لتأميم ~~بترولهم ولكن حتى ليحتكروا هم إنتاجه ويحتكروا نقله وتوزيعه؛ ويعود إلى الشرق العربي ~~ذلك المركز الخطير الذي كان يشغله في عالم الأمس؛ دولة حضارية كبرى تتحكم حتى في ~~الحضارة الأوروبية بشقيها، بل وفي أمريكا نفسها. # ثم بدأ الضرب الساخن # وحين يكتب تاريخ ثورة 23 يوليو الحقيقي، والمحاولات المذهلة التي بذلت ضدها، سيدركون ~~إلى أي مدى لعبت هذه الثورة دورا أصيلا وبطوليا. # ولما فشلت هذه المحاولات، أصبحت إسرائيل فتى أمريكا المدلل، وانهالت عليها ~~المساعدات والخبرات. # إذ كانت الخطة هي سحق الثورة المصرية والجيش المصري سحقا لا تقوم بعده لمصر الثورة ~~أو مصر القائدة قائمة. # ومن ناحية أخرى بدأت خطة موازية لعزل مصر عن العالم العربي وإغراق عبد الناصر في ~~خلافات عربية تحول بينه وبين أن يتفرغ لبناء مصر الجيش والصناعة والتفوق، ونجحت الخطتان ~~نجاحا باهرا. # تقطعت تقريبا كل علاقات مصر العربية. # وجاءت حرب 67 التي انتهت في أقل ms034 من يوم، فقد كانت في حقيقتها حربا لاغتيال عبد ~~الناصر شخصيا، وقد كان. وعبد الناصر لم يمت عام 1970؛ لقد مات لحظة ما عرف أن كل ~~طيرانه ضاع وجيشه تفكك. وجيش مصر يعني رأي مصر، فلا رأي لبلد لا جيش له. وقد كان ~~مطلوبا من الحرب ليس فقط أن تقتل عبد الناصر كمدا، وإنما أن تعريه من البطولة ~~الأسطورية التي تكونت لديه عند الشعب العربي قاطبة وحتى عند غيره من الشعوب. # ولكن الحسابات والخطط ولعبة الأمم والكمبيوتر نسيت شيئا واحدا؛ أن عبد الناصر ~~ورفاقه قاموا بتنفيذ ثورة 23 يوليو، ولكن الثورة كانت ثورة الشعب، وأن عبد الناصر لم ~~يكن يحارب لأنه طاغية، ولكنه كان يحارب لأنه زعيم مصري في قلبه كل ما في قلب أي ~~مصر، والشعوب لا تستسلم. # وقامت الشعوب كلها في مصر وفي كل مكان ترفض ما حدث، وتثبت الثورة. ولقد ظن ~~الاستعمار أن المشكلة انحلت بوفاة عبد الناصر، وأن مصر هدأت وانهدمت وأمامها عشرات ~~السنين لترفع القامة وتعتدل. # وجاء السادات # ونفس القصة تكررت مع الرئيس أنور السادات: # ونفس المفاجأة حدثت حين رأوا أن هذا الرجل الذي يبدو بسيطا لا يملؤه الاعتداد الزائد ~~بالنفس أو الغرور ولا يحلم بإمبراطوريات، رأوه هكذا فجأة يأمر الجيش المصري بعبور ~~القناة واستعادة سيناء، وفي ساعات بشعبه والجيش ينجح ويصنع ما لم يصنعه حاكم مصري، ~~يهاجم ويسحق ويطرد الأعداء كما فعل أحمس وتحتمس. # لقد نسوا أن عبد الناصر فعل ما فعل لأنه كان تلميذا للحركة الوطنية المصرية وابنا ~~لهذا الشعب، ونسوا أيضا أن السادات حين جاء وضرب مركز القوة الإسرائيلية لم يكن أيضا ~~مجرد قائد، كان تلميذا لمصر الوطنية وابنا بارا شديد الإحساس بشعبه شديد الثقة في ~~قدراته. # وهكذا كان لا بد أن يوقف عند حد؛ وجندت أمريكا كل قواها العسكرية والتكنولوجية ~~والبشرية لتنقذ إسرائيل. # ووجدت أمريكا أنها لا بد أن تغير سياستها في الشرق الأوسط. # وتحركت قوى كثيرة في المنطقة تحاول أن تعطي هذا التحول أكثر من حجمه، وتحركت ~~قوى كثيرة محاولة عزل ms035 مصر عن المنطقة حتى لا تعود أبدا إلى سابق حضورها ~~وقيادتها. # يأكل شعب؟ معقول، يرتدي ثيابا غير بالية؟ معقول ، أما أن ينتج فكرا ويشع وعيا ~~ويقود الحضارة العربية المترامية الأطراف، فهذا هو بالضبط غير المسموح به. # فلتزدهر الأفكار الجديدة التقدمية في بيروت، أما أن يعود إلى مصر فكرها المتقدم ~~الذي خلقت به نفوذها الحضاري والسياسي، فهذا مستحيل. # حتى الصحافة المصرية ... لتبق في حالة مونولوج داخلي محدود بحدود مصر ولا يتعداها، ~~وليبق حجمها دائما أقل من حجم صحف بيروت. ففي بيروت تستطيع أي دولة أن تصدر صحيفة ~~تنطق بأفكارها هي، أما في مصر فقد فشلت كل التجارب لخلق صحافة غير ناطقة باسم شعبها ~~ومثقفيه، ولتكل لمصر الاتهامات الاستسلامية لتنهار مكانتها القيادية، ليشتت كل ~~مثقفيها وأذكيائها في أركان المعمورة؛ فثروة مصر الحقيقية كانت في خبراتها وذكائها؛ ~~ولهذا لا بد أن تستنزف طاقتها الخلاقة حتى لا تعود قادرة على الخلق أو الطموح. ~~وأمامنا الواقع واضحا لا لبس فيه! في كل أسبوع يصدر في بيروت بالذات كتاب هائل ~~الأهمية، مترجما كان أو مؤلفا، أروني كتابا مصريا هاما صدر خلال العام الماضي ~~بأكمله. # لتقتل الثقافة المصرية قتلا وئيدا بطيئا، وليخنق الكتاب المعروفون فيها خنقا ~~بحبال من حرير، لتستمر صحافتنا في انكماشها، ولتستمر الأزمات المعيشية قائمة؛ فالمطلوب ~~أن تظل مصر محنية الظهر أمام عالم عربي وإن كان قد ظل يكن لها الاحترام الكبير، إلا ~~أنه في النهاية سينفض يده منها ومن الأمل فيها، وكأننا قد أصبحنا رجل العالم العربي ~~المريض، بل لتشدد النعرات الإقليمية لدى كل قطر، وليصبح لكل قطر قاهرته الأعظم، الأعظم ~~بكثير مما آلت إليه قاهرتنا. # إن الرجل لا يموت إلا حين يضعف قلبه ويعجز عن جعل جسده ذلك الكائن الحي الواحد ~~المتحد. # ولقد جربوا ضرب القلب - مصر من الخارج. # فكان الجسد العربي يزداد التصاقا به وفناء. # الخطة الجهنمية هي أن يجعل الجسم نفسه يتمرد على القلب، الجسم الذي كبر واغتنى ~~وامتلأ بالمثقفين والدارسين، كيف يمكن أن تكون ثقافته هي ثقافة القاهرة. # وإذا هبط ms036 القلب، ذلك القلب المتجانس الكبير، فالإجهاز على الأطراف يصبح مسألة ~~مفروغا منها. # خناقة النشالين # إنني أعتقد أن الاحتكارات الأجنبية كانت تغذي الصراع العربي-الإسرائيلي باستمرار حتى ~~لا يكف لحظة، وحتى يتيح لها نشل ذلك الكنز الأعظم، بينما الرأي العام العربي كله ~~مشغول بقضية إسرائيل. إنه نفس تكتيك النشالين حين يفتعلون خناقة مع راكب الأتوبيس ~~ليسرقوا حافظة نقوده. # ولو استطعنا نحن كعرب، ليس فقط أن نحارب إسرائيل، وإنما أيضا نفشل مؤامرات التفريق ~~بيننا ونتعلم، وبما نملكه من علم وثورة وثروة ستنتهي القضية العربية- الإسرائيلية؛ فهي ~~كاللص الذي يعيث في البيت فسادا لأن الخناقة بين أفراده قائمة على قدم وساق. وحين نكف ~~عن الزعيق والسباب ومحاولات قلب بعضنا البعض، ونتجه فقط بوجوهنا إلى ذلك اللص، فإنه لن ~~يستطيع البقاء بيننا لحظة، إما أن يقفز من النافذة في الحال أو يموت رعبا. # ولكن كيف تنتهي الخلافات؟ # إن النوايا الحسنة لا تنهيها، ولا مجرد الإحساس بقوميتنا وعروبتنا ينهيها؛ فهناك ~~مولد نشيط لها لا يتوقف. إننا نظن أن بعض الخلافات بين الحكام العرب تأتي اعتباطا، ~~ولكن هذا التصور ساذج للغاية، فلا شيء في هذا الشرق العربي كله يحدث اعتباطا أبدا؛ ~~كلها خطط مدروسة وموضوع لها البدائل، ولكن المسألة الآن مركزة في مصر. # إنهم يريدون القضاء على مصر الملهمة والحضارة والقائدة. إن الرأي العام العربي تقوده ~~عواصم أخرى بعد أن أسكتنا نحن خلال زمن طويل مفكرينا، وجعلنا من صحفنا مونولوجات ~~محفوظة لا تثير عند القارئ المصري أو العربي أي ضرورة أو إحساس بالتفكير. # حتى السياسة المصرية لا نشرحها لأنفسنا ولا للعالم، وكأننا نعتبر أنها يكفي أن تكون ~~سياستنا ليتبناها الناس دون نقاش. # الانفتاح الاقتصادي يفسر على أنه عملية تصفية للثورة. # اهتمام مصر بحل مشاكلها الداخلية يفسر على أنه تمهيد لحل مصري-إسرائيلي ~~منفرد. # وأعود إلى هؤلاء الذين يريدوننا أن ننغلق على أنفسنا ويكفينا عروبة، فإن هذه دعوة ضد ~~مصر أولا! إنها مثل العالم الذي يقضي عشرين عاما ليكتشف الدواء، ثم في لحظة ~~اكتشافه يكفر بالدواء والعلم معا. # إن هذا ms037 الدور البطولي الذي لعبته مصر وأخرجت به الاستعمار الإنجليزي والفرنسي، ودخلت ~~حربا دفاعا عن سوريا ضد حشود مزعومة على حدودها، هؤلاء الشهداء الذين ماتوا، هذا ~~العدد المخيف من المصريين الذين يعلمون العرب ويعالجونهم ويخططون لهم وينشئون ~~دولهم التي لم تنشأ بعد؛ هذا كله استثمار بشري مادي ومعنوي، هذا كله الضريبة التي ~~يدفعها الأب في أعظم سني شبابه، الضريبة التي دفعتها مصر طوال ربع قرن أو تزيد، وحين آن ~~أوان عائدها حين يكبر أبناؤه ويبدءون يردون له ما فعل ينفض يده منهم قائلا: لستم مني ~~ولست منكم. إنه عبث وهراء ودعوة تقتلنا قتلا؛ فمصر بنفسها في حاجة الآن للعرب مثلما ~~كان العرب في وقت ما في حاجة إليها، في حاجة لرءوس الأموال، في حاجة إلى توظيف أبنائها ~~واستغلال ذكائهم، في حاجة إلى سوق لبضائعها، في حاجة أن تجعل من حلم ثورة 23 و15 مايو ~~حقيقة. # ورقة أكتوبر # إن ورقة أكتوبر مكتوبة لنا نحن المصريين، وأنا معها على طول الخط. فهي أحلامي في مصر ~~العظمى، وأن سياسة الرئيس السادات العربية تلقى استحسانا كبيرا من معظم الحكومات ~~العربية؛ فقد كبرت الحكومات العربية، بل ينبغي أن يكون انفتاحا على العالم العربي أجمع ~~ولا نقاطع أي دولة عربية، فما من كاتب أو مسئول تناقشت معه إلا وكان مقتنعا أن ~~الاستعمار يريد أن يعيد اللعبة القديمة في إقامة المحاور العربية. # إن اللعب في المنطقة قائم على قدم وساق، والهدف إحالة مصر إلى دولة عربية من الدرجة ~~الثانية، بينما مصر لا تزال هي مصر، هي كعبة الأمة. وليس ضروريا في هذه المرحلة ~~بالذات أن يكون الانسجام السياسي على أشده، فليكن لكل حاكم أو حكومة رأيه أو موقفه، ~~وإنما الذي لا يجب أن يحدث أبدا هو أن تبدأ السياسة بقطع العلاقات الاقتصادية بين ~~الدول العربية مثلما كان خطؤنا الأكبر أيام فكرة القومية العربية؛ لنضع سياسة اقتصادية ~~ثابتة، لنعط فيها ونأخذ. # إننا كما نريد أن ننفتح على العالم أجمع، على أمريكا وعلى روسيا وعلى أفريقيا حتى، ~~مهما اختلفت نظم ms038 الحكم في تلك البلاد ومهما كان رأينا فيها، من باب أولى أن ننفتح على ~~إخوتنا وأشقائنا وكلهم وبلا استثناء. إنها بلاد تغيرت ونشطت ودبت الدماء في عروقها، ~~ولكنها دائما وأبدا تنظر لنا باحترام، ودائما وأبدا تعتقد أن القضاء على مصر هو ~~قضاء مؤجل عليها، وتريدنا أن نقف على أرجلنا ليس فقط لأننا قلبها وروحها، ولكن حتى ~~لمصلحتها الذاتية، ودفاعا عن نفسها هي. # عشرون عاما ونحن نكافح عربيا، حتى ولو بطريقة خاطئة أحيانا. أعتقد أنه آن الأوان ~~لنجني ثمار هذا الكفاح، ولتفشل المؤامرة التي تعد ومنذ الآن لإحلال الصراع ~~العربي-العربي، مكان الصراع العربي-الإسرائيلي، وهذه في رأيي خطة أذكى وأكثر ~~تطورا. # والخلافات «الأيديولوجية» هي رأس الرمح في إبقاء هذه الشعوب بعيدا عن التفكير في ~~أنها تملك هذا الكنز فعلا، بينما شعوبها لا تزال من أفقر شعوب الأرض. # أهي صدفة؟ # إننا في حاجة إلى ورقة أكتوبر أخرى نخاطب بها الرأي العام العربي ولا ندافع عن أنفسنا ~~أو سياستنا، وإنما نشرح وجهة نظرنا، تلك التي لا يزال البعض لا يفهمها تماما. # وإذا كانت ورقة أكتوبر قد جاءت لتعيد للطموح المصري بعض ما فقده، فنحن في حاجة أمس ~~إلى خطوات أخرى إيجابية، في حاجة إلى وجوه ثورية حقيقية تخاطب ثوار المنطقة الذين ~~أصبحوا هم القوة الفعالة، في حاجة لنعيد للفكر المصري وللكاتب المصري وللصحيفة المصرية ~~دورها الذي يتعاونون على خنقه. لسنا فقط في حاجة لانفتاح اقتصادي تحضر إلينا فيه ~~الرساميل، ولكننا في حاجة لانفتاح معاكس نصدر فيه ثروتنا الحقيقية، مصر العلم ~~والحضارة والقيادة والأفكار. ولا يمكن أن ننحصر هنا فقط في حل مشاكلنا العاجلة؛ فهي ~~حتما لن نستطيع أن نحلها بالانغلاق عليها؛ إن حلها الأوحد هو بالانفتاح على عالم عربي ~~لم يفت بعد الأوان لدورنا فيه، كل العالم العربي وكل الدول العربية وليس بعضها ~~المنتقى فقط. ولو فات دورنا وتمت الخطة الجهنمية فسنكون نحن وليس المشرق أو المغرب أول ~~الضحايا. # ومرة أخرى أعود وأقول إني كتبت هذا عام 1974. # | عن عمد اسمع فتسمع # ذاهب أنا لزيارة ms039 مكتبة مدبولي في ميدان طلعت حرب، ولكني قبل الباب بقليل توقفت؛ إذ ~~كنت لحظتها أحدق ناحية التمثال ... بالضبط أحدق في وجهه، فركت عيني بضع مرات وعدت ~~أنظر، فعلا كانت شفتا التمثال لا أقول تتحرك، ولكنها بالتأكيد تتململ كالسجين الذي فرضوا ~~عليه الصمت عشرين عاما أو أكثر، تناضل وتتزامم وتكاد بعض ومضة تتفتح على آخرها وتطلق صيحة ~~استغاثة تصم آذان الكون وتوقف الحركة الدائبة حولها في الميدان، وتخرس الأرجل المنطلقة في ~~تباطؤ سريع أو سرعة طائشة إلى حيث - حتى صاحبها - لا يعلم أحد. صرخة تأكدت أنها لو حدثت ~~وانفلتت لأجبرت قاهرة سعد الدين مأمون ذات الملايين الثمانية أن تفعلها مرة وتخرس وتصمت ~~وتسمع. # هب أنه خيال كاتب أو مزيج من واقع أشد غرابة من خيال أي كاتب، هب أنها أمنية، هب أنها ~~معجزة لا بد إذا ظل الحال على هذا المنوال أن تحدث، أو ربما يحدث ما هو أشد منها هولا ~~وإرعابا. # أحسست بالشفقة تجمدني في مكاني، نسيت اسم الكتاب الذي كنت ذاهبا لشرائه، حتى نسيت إلى ~~أي مكان كنت ذاهبا، واستغرقني التمثال بقامته القصيرة وجسده الذي بدا في نظري يرتعش ~~تململا وغضبا، الجسد الممتلئ الواهن رغم امتلائه. ~~- مالك يا باشا؟ ما بك؟ # التمثال موضوع بحيث لا يمكنك أن تراه وجها لوجه إلا إذا وقفت في منتصف الجزء الأول من ~~شارع قصر النيل ومرت فوقك على الأقل مائة وخمسون عربة ملاكي وأجرة ونصف نقل، لا بد إذا ~~أردت أن تراه بزاوية وأن يراك بنصف وجه. # ارتفع الحاجب النحاسي الصدئ حتى تجعد الجزء المقابل لي من الجبهة، ارتفع دهشة إذ لا بد ~~أن ما حدث كان شيئا في رأيه خارقا للعادة. له في هذا المكان خمسة عشر عاما أو تزيد، ~~الملايين جاءت الميدان واخترقته ودارت حوله، الملايين تلكأت أمام جروبي وأمام البوتيك ~~وأمام بائع الجرائد، الملايين هرأت الأرصفة الأربعة الدائرة وربما لم يعن لواحد منها أن ~~يرفع رأسه ليرى طلعت حرب أو يتمعن في ملامحه، أما أن يسأله ما به، فلا بد ms040 في رأي ~~الباشا النحاسي أن شيئا حدث للكون وخرق ناموسه، وكأن واحدا من ملايين التماثيل النحاسية ~~والبرونزية والخشبية والجميزية، تماثيل أبلاكاشية وكرتونية وعرائس مولد وعرائس ماريونيت ~~وعرائس القشطة وعرائس كالسيد قشطة، لا بد أن اهتز ناموس الكون وخرق قانونه واحد من هذه ~~التماثيل المارة ودبت فيه الروح وفتح عينيه ورأى، رأى الباشا التمثال وعرفه، وأدرك أنه ~~مأزوم إلى درجة تقارب الانفجار. # بلا شك كانت دهشة التمثال لسؤالي إياه عن حاله أكبر بكثير من دهشتي أنا حين سألته، فنطقت ~~ملامحه وارتفع من الدهشة حاجبه؛ دهشة شديدة دفعت به ليس فقط أن تتجعد جبهته، وإنما أن ~~يستدير بوجهه ليواجهني، أجل يستدير بوجهه ويواجهني. حركة رآها مئات الناس الذين يحفل بهم ~~الميدان معي، ولكني أكاد أقسم أن أحدا منهم لم يرها شيئا غريبا ولم يجد فيها ما يبعث على ~~الدهشة؛ ومعذور ألف مرة؛ يندهش على إيه وللا إيه وللا إيه؟ المستشار الذي يقطن في المنزل ~~المجاور لبيتنا رأى العفاريت، وبهدوء أعصاب تام استدعى البوليس، وأيضا لم يندهش ضابط ~~البوليس وبكل روتينية كتب بيد غير مرتعشة في المحضر: وحيث إننا شاهدنا بأنفسنا الأرواح ~~الشريرة وهي تفتح الأبواب عنوة، وترفع الأطباق في الهواء وتقذفها إلى الأرض حيث تنكسر ~~وتتناثر شظاياها، فقد رأينا أن نرسل في طلب شيخ من مشايخ الجن المدرب على ترويضها. وجاء ~~من مصر القديمة وأنهى المهمة، وهجعت حركة الجن في الشقة تماما، وقيد الحادث ضد كائنات ~~مجهولة، حيث إن الشيخ لم يستطع أن يتعرف على أحد من الجن باعتبارهم ليسوا من ذوي السوابق، ~~وقفل المحضر ... إلخ ... إلخ. يندهش على إيه واللا إيه واللا إيه؟ البنت المفعوصة التي كانوا ~~يسمونها نعسة الحولة جاءت بالأمس تزور الحتة في «حتة» مرسيدس تمساح لونها أحمر، وأصبح اسمها ~~دوسة، وشعرها ذهبيا، وتدير أمكنة بلغت من تعدادها أن اتخذت لها في أحدها مكتبا بسكرتيرة ~~وتايبريتر. أماكن يرتادها أناس من غير حاجة إلى جن يرفعون بالنقود كاساتهم وتطير رءوسهم ~~نفسها في الهواء، بموافقة ضابط آداب دون محاضر إلا محاضر ms041 لا يوقع عليها متهم، محاضر أنس ~~يقبض فيها بدل إغلاق العين إياها! يندهش من ماذا؟ وكم الدهشة أصبح أكبر بكثير من كم ~~اللادهشة مثلما أصبحت القذارة أكبر بكثير من طاقاتنا وطاقة البلدية والمحافظة وربما جيوش ~~الحلفاء في الحرب العالمية على النظافة. يندهش على إيه واللا إيه وفي كل بلاد الدنيا ~~يخترعون التليفون والعربة والقطار والأتوبيس لتكون وسائل اتصال أسرع، ونحن أبدا لا نندهش ~~حين تتحول عندنا فقط إلى وسائل انفصال دقيق، وكأنها اخترعت لتعزلنا أو لتعطلنا أو لتضيع ~~وقتنا وأرواحنا. # المهم أبدا لم يندهش أحد، وطلعت حرب - التمثال - يستدير برأسه الهائل ويواجهني، وقد ~~كسيت ملامحه بمزيج غريب من الدهشة ولا أقول الرعب والحيرة والغيظ، ثم أخيرا شيء ~~وكأنه عودة الروح التائهة في صحراء بشرية يصرخ وينادي لخمسة عشر عاما بلا أمل في جواب، ~~وأخيرا ها هو ذا يتلقى الأمل في رد، أمل حقيقي، بدليل أن شفتيه راحتا تتحركان بكلام، ضاع ~~طبعا وسط الضجيج الهائل الذي تصنعه صفافير وزعقات وميكروفونات أربعين ضابط مرور وعسكريا ~~وأمين شرطة واقفين لينظموا المرور، في أضبط مكان «بحكم جغرافيته» لانسياب المرور. تحركت ~~شفتاه، أصخت بسمعي، وضعت يدي مفرودة خلف أذني لتلتقط ما يريد قوله، اشرأبت أطراف ~~أصابعي، سددت الأذن الأخرى بلا فائدة، وكان علي أن أعدي الميدان وأندفع إلى حيث قاعدة ~~التمثال. محاورة سريعة كالطلقات دارت بيني وبين أمين الشرطة: ~~- ممنوع يا افندم! امش على الرصيف. ~~- بس أنا رايح لطلعت باشا. ~~- من ع الرصيف أرجوك. ~~- بس هو في الميدان. ~~- شاور له واتقابلوا بره بعيد عن الميدان من فضلك. إذا عديت غرامة خمسين قرش. ~~- بقول لك عايز طلعت باشا ده (وأشرت للتمثال). ~~- يا افندم مافيش وقت، عايز طلعت باشا، سليمان باشا. أي باشا أي بيه أي حد ع الرصيف من ~~فضلك وإلا الغرامة. ~~- اتفضل. # ودفعت الغرامة، وانشغل هو في تحرير إيصال لم أحفل به. ورأسا اتجهت لصرة الميدان، وعلى ~~رصيف الصرة وقفت، وبأشد الزعيق من ناحيته (فقد كان صوته الطبيعي منخفضا وكان قليل الكلام)، ~~وبأقصى ما أستطيع ms042 من رفع صوتي دون أن ألفت أنظار ضابط المرور الجالس فوق موتوسيكله ذي الصوت ~~المزعج، تكلمنا . ~~- مالكم يا بني؟ ~~- مالنا؟ أقول لك إيه واللا إيه واللا إيه يا جدنا الباشا؟ زي مانت شايف. ~~- أنا مش شايف حاجة أبدا من كتر الزحمة. ~~- ولا احنا وحياتك. ~~- ومين اللي قال لكم حطوني هنا. ~~- شلنا سليمان باشا الفرنساوي وحطيناك. ~~- كيف تشيلون بطل مثله كان أول من نقل الجيش المصري من القرون الوسطى إلى العصر الحديث، ~~وتحطوني أنا؛ أنا الذي لم أصنع شيئا؟ ~~- أبدا يا باشا. هذا تواضع! أنت الذي خلقت الصناعة المصرية الوطنية، أنت سعد زغلول ~~الحقيقي؛ فاستقلالنا ظل نظريا إلى أن أنشأت أنت بنك مصر وشركاته، أول انتفاضة للاقتصاد ~~المصري التي صنعت منا فعلا دولة، ولولاها الآن لكنا مجرد جزر مايوركا. أنت الذي ~~... ~~- لا أنا ولا أنت يا بني. دعنا من دوري؛ فأنا محكوم علي بالسجن داخل هذا الميدان ووجهي ~~إلى حائط الهيلتون الذي بنوه، لا أحد يسأل عني أو يستفيد بي أو يرجع إلي أو إلى آرائي. ~~قلقي على أولادي زاد؛ أكاد أبكي. ~~- اطمئن يا باشا؛ أولادك جميعا على خير ما يرام، أقل ما فيهم رئيس مجلس إدارة بنك أو ~~وزير أو حتى مليونير لحسابه الخاص! ~~- هؤلاء تلاميذي، ولكني أتكلم عن أولادي. ~~- ما أعرفه يا باشا أنك لم يكن لك ذرية. ~~- أتكلم عن بنك مصر وشركاته! لماذا لم تعودوا تفهمون بسرعة؟ ~~- لأن الخبز الذي نأكله يا باشا فيه مكونات العلف أضعاف أضعاف ما فيه مكونات ~~العيش! ~~- معلش مجرد أزمة ستمر. رأينا ما هو أبشع منها في الثلاثينيات. سأسألك الآن عن أولادي ~~واحدا واحدا، كيف حال البنك؟ ~~- البنك عال والحمد لله؛ الودائع كثيرة، والموظفون بالآلاف، والأفرع في كل مركز، والأشيا ~~معدن. ~~- طيب كانت هناك ابنة لي أعزها كثيرا، ومت وهي صغيرة، إنما كانت ناجحة تماما، وكانت ~~تنتج في العام أكثر من ثلاثين فيلما. ماذا حدث لها؟ ~~- تقصد شركة مصر للتمثيل والسينما؟ رحمها الله. ~~- ماتت؟! ~~- ليتها ماتت، إنما هي بالحياة ماتت. سينما استوديو مصر ms043 أعتقد أنها مغلقة للتحسينات من ~~أكثر عشر سنوات، وللآن لا تمت تحسينات ولا فتحت أبوابها للجمهور مع أنها تحتل قلب ~~القاهرة! استوديو مصر الذي ينتج ثلاثين فيلما وعدد موظفيه لا يتجاوز الثلاثين، أصبح فيه ~~الآن ألف موظف وعامل ولا ينتج فيلما واحدا! وأخيرا أجروه لشركة تليفزيون! # كادت الدموع تنساب من عينيه، لمحت فعلا وجنتيه تلمعان بدمع اختلط بصدأ النحاس الأزرق. ~~وفجأة سأل: وشركة مصر للطيران؟ ~~- اعلم يا باشا لقد كنت فعلا إنسانا عظيما تقدمي الفكر، لم تكتف بالدعوة لتمصير ~~الاقتصاد المصري في وقت كان الخواجات فيه كالقوتين العظميين في العالم الآن؛ فتوات ~~الاقتصاد ممكن أن يفترسوا أي منافس ويمسحوه من على وجه الأرض. نزلت بنظريتك الاقتصادية ~~الوطنية إلى أرض الواقع الرهيب، ومن قروش المصريين الفقراء أنشأت بنكا، ولم تكتف بأن ~~يقوم البنك بتمويل شركات مضمونة الربح كما فعلت بإنشاء شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة ~~الكبرى، بل أيضا قفزت بأجور عمالها، وأول من أنشأت للعمال في مصر مساكن، فقد كانت نظريتك ~~أن الأجر العالي والحياة المضمونة هي الدافع الحقيقي لزيادة أي إنتاج. لم تكتف بإنشاء ~~شركات مضمونة في الربح، بل ومضمونة السوق بتصنيع أعظم خامة قطنية في العالم وطرحها غزلا ~~أو نسيجا بحيث لا يستطيع أي إنسان في العالم منافستها، ولكنك أنشأت ورعيت ومولت شركات ~~كانت تعتبر في رأي كثير من اقتصاديي ذلك الزمان - بل وربما هذا الزمان - أنواعا من التخريف ~~والسفه. أنشأت - والطيران يكاد يكون معروفا وربما حتى غير معترف به كوسيلة للسفر ~~والانتقال - أنشأت أول شركة طيران في أفريقيا كلها، والمضحك أنها في ذلك الزمن البعيد كانت ~~لا تغطي مصروفاتها فقط، ولكنها كانت تربح ربحا كبيرا. بل أكثر من هذا «جنونا» أقصد رؤيا ~~عميقة ضاربة في ضباب المستقبل تدرك كنهه، أنشأت شركة مصر للتمثيل والسينما في الثلاثينيات، ~~أي لم تكن قد مضت ثلاثة أعوام فقط على اختراع السينما الناطقة. # وكأنها مصر الآن تنشئ مصنعا لصناعة العقول الإلكترونية أو ما هو أحدث، إنشاء واستنباط ~~وتشغيل أشعة الليزر. ولو عشت لمصر ms044 يا باشا لكانت لدينا من المحتم مصانع لإنتاج الطاقة ~~النووية وليس مجرد استيراد مصانع لإنتاجها. # بل إنك أيها الاقتصادي الخارق الذكاء قد أدركت في هذا الزمن السحيق أن لا اقتصاد حديثا ~~بغير صناعة حديثة، ولا صناعة حديثة بغير إنسان حديث؛ إنسان حديث بمعنى أنه ليس مثقفا تلك ~~الثقافة العامة العالمية، ولكنه مثقف الوجدان ثقافة وطنية فنية نابعة من صميم أحاسيسه ~~الأصيلة وقيمه وإنسانياته. وهكذا كنت أول اقتصادي ينشئ جنبا إلى جنب مصنع القطن ومصنع ~~الغزل ومصنع الفن «السينما»، ومسرحا هو مسرح الأزبكية اليتيم الذي كان شرطك لإنشائه أن ~~يقدم فقط الإنتاج المسرحي الوطني المصري الرفيع. # أما المضحك حقا يا باشا، المضحك إلى حد البكاء أننا وبعد أن سرنا على منوالك في ثورتي ~~23 يوليو و15 مايو ومصرنا البنوك والشركات وأممنا الصناعة وبدأت تصبح لدينا بعض ~~الصناعات المتقدمة التي نستهلك نحن معظمها ونصدر بعضها، وحتى جئنا بالانفتاح وسياسته ~~مقصودا به أن يكون دعما للصناعة الوطنية بحيث ننفتح لنستورد من كافة أقطار الأرض أدوات ~~إنتاج وعقليات حديثة تدير إنتاجنا الوطني الحديث. فهم قطاعنا الزاخر الخاص أنه انفتاح ~~لأجل أن يغتني بعض الناس، ومن أجل أن نغرق أسواقنا بالبضائع الاستهلاكية الأجنبية حتى لو ~~كانت أقل جودة من بضاعتنا المحلية. جئنا بالمنسوجات - تصور يا باشا - لتنافس «اللينوه» ~~وال «جيل»، جئنا بالموكيت ومن أغلى مصادره لينافس مصانع السجاد الرائعة في دمنهور، قتلنا ~~ذلك الذي بدأ على يديك جنينا سرعان - وبقوة صاروخية - ما نما وجاءت الحرب العالمية ~~الثانية ليشب عن الطوق، وجاءت 23 يوليو ليصبح قاب قوسين أو أدنى من النضج، وفتحنا ~~النوافذ له بثورة 15 مايو كي يتنفس ويطل على العالم، فإذا ببعضنا يستورد الغازات الخانقة ~~والسائلة والسفن أب لتحيله إلى جثة. # المضحك؛ المضحك إلى حد البكاء يا باشا، أن الشركة التي أسستها وسميتها «شركة بيع ~~المصنوعات المصرية» لتتخصص في عرض وتسويق منتجاتنا المصرية في مصر أولا ثم في بلادنا ~~العربية والأفريقية ثم في العالم؛ هذه الشركة هي الآن شركة لبيع المصنوعات المستوردة، ~~كل ما ms045 فيها مستورد، تنافس تجار الشواربي وأصحاب البوتيكات في استيراد ورق الحائط ~~الإنجليزي والسجاد البلجيكي والمصنوعات الفرنسية والإيطالية واليابانية؛ أصبت باختناق ~~وأنا أرى فترينتها وفترينة عمر أفندي وصيدناوي! حتى أيام الخواجات كانوا يفضلون أولا ~~عرض البضاعة المصرية لأن المصريين أيامها كانوا فخورين بصناعتهم الوليدة وبمصريتهم الوليدة. ~~أما الطبقة النجسة التي في يدها النقود الآن، فهي بقدر ما تجعجع بذكر «نحن مصريون» ~~ومصر أولا وأخيرا إذا ذكرت الثقافة أو المعرفة أو تشغيل العقل، تصاب بالأرتيكاريا ~~إذا اضطرت لشراء مصري أو لاستعماله. تصور يا باشا أنا أشعل سيجارتي المستوردة بعود كبريت ~~مستورد، بينما صناعة الكبريت في مصر منشأة منذ عام 1830، وبينما لدى شركة النيل كبريت قيمته ~~مليون جنيه احترق في مخازن الشركة لأننا نعطي بإجرام شديد تصاريح لاستيراد كبريت أجنبي ~~ثمنه خمسة أو سبعة أضعاف الكبريت المصري. # وأنا أفهم أن يصيب النزق بعض الأفراد أو التجار، أما أن يصيب النزق العمود الفقري ~~لصناعتنا وتجارتنا الوطنية، أما أن تتحول شركة بيع المصنوعات المصرية إلى بوتيك للبضائع ~~الأجنبية، فهنا لا يصبح النزق نزقا وإنما يصبح خيانة. لقد كافحت مصر مئات السنين لكي ~~تستعيد استقلالها السياسي؛ ولهذا فهي تحكم بالإعدام على أي إنسان يحاول إخضاعها أو سرقة هذا ~~الاستقلال. ولقد كافحت مصر بك يا باشا ومن قبلك ومن بعدك، وكافحت طويلا من أجل أن تكون لنا ~~صناعتنا وتجارتنا، فإذا انتهينا إلى أننا أصبحنا نستورد اللبن الزبادي! تصور يا ~~باشا! # لا يمكن أن تكون الإصابة في عقولنا قد وصلت إلى حد ارتكاب الجريمة مع سبق الإصرار ~~والترصد، ولا يمكن أن تكون القوة الوطنية الاقتصادية المسيطرة قد وصلت إلى هذا الحد من ~~المداراة على الجريمة لتكريس ما يفعله المجرمون، بل - وهذا هو الأدهى - إخضاع القطاع ~~الصناعي والتجاري العام للذين يعدون لقتل صناعتنا وتجارتنا وإنسانيتنا أخيرا بهدف ربح ~~حقير مهما قيل عنه وقيل في تبريره. ~~••• # دوت الصرخة أعلى من أي أصوات قنابل وانفجارات سمعتها، وصلت عنان السماء، أيها المصريون، ~~يا أصحاب مصر، هل متم؟ ألا تعرفون هذا كله؟ لماذا ms046 أنتم ساكتون؟ يا من علمتكم وطنية ~~الاقتصاد واقتصاد الوطنية، يا من مت أحلم بجيش يحمي إنساننا واقتصادنا واستقلالنا، أين ~~ذهبتم ؟ أأضاعتكم المناصب والتوكيلات؟ أمات عندكم الضمير؟ يا مصر، أين ضميرك الاقتصادي؟ ~~أين؟! استمع إليها واستمع، ولا أحد يلتفت، لا أحد هنا؛ لكأننا في الربع الخالي مع أننا في ~~قلب العاصمة، وتماما بجوار الصارخ المتحدث. ~~••• # ولا يزال طلعت حرب إلى هذه اللحظة يجأر ويصرخ، عيونه تقدح النار والكلمات من شفتيه ~~كالرصاص تنهمر وتتدفق، ولكن المشكلة هل من يسمع؟ هل يتوقف أحد ليسمع؟ حاول أنت. مر في ~~الميدان وقف، وتطلع إلى ملامح الرجل ووجهه، وكالرعد حتما سيأتيك صوته. المشكلة فقط ~~أن - عن عمد - تذهب، وأن - عن عمد - تتوقف، وأن - عن عمد - تحاول أن تسمع وتفهم ما ~~تسمع فستسمع. # | المستقبل والعنبر # حين وقفت واسع العينين أحملق، لا في الشاب أو الفراش أو العنبر، وإنما في الكلمات ~~المتدفقة من هذا الفم الذي فقد بعضا من أسنانه الأمامية، السمرة المختلطة بحب الشباب ~~وحبات العرق والشحوب، الكلمات التي تروي كيف فقد قدمه. القدم لم تكن أمامي على الفراش، ~~أمامي على ملاءة السرير كانت الساق سمراء جدا ورفيعة وتنتهي إلى لا شيء، وكان الجرح ~~ملتئما تماما وكل شيء على ما يرام وكأن عصا ساحر خبيث مجنون مرت على القدم فاختفت ~~ولم يعد لها أثر. ازدحمت خواطري بآلاف الأفكار وعشرات السنين والمعارك، أحسست أني ومن ~~أعمق أعماق النفس بدأت أنفعل انفعالا حقيقيا صادقا لا يمليه واجب المشاركة، ولا سمعة 6 ~~أكتوبر المجيد. أنفعل أمام عظمة الإنسان المصري، أكاد أخر ساجدا، ألثم نهاية الساق، ~~أغسلها بدموعي؛ دموع تعسرت على عيني يوم مات أبي تملأ الآن جوانحي، تفور كالبركان في مآق ~~تريد أن تنفجر، دموع حبستها طويلا وكثيرا، دموع كنت أختزنها لليوم الأعظم، ولم يكن اليوم ~~الأعظم في نظري يوم معركة ننتصر فيها أو قنال نعبره، وإنما يوم ألتقي بالإنسان المصري ~~الأعظم الذي يجعلني أحس - دون أن يدري ودون أن أدري - أني إلى جواره ضئيل وأنه أعظم من ~~الأرض ومن ms047 التراب، وأني لأول مرة في حياتي أحس أني على استعداد أن أموت أنا من أجله هو، ~~بنفس البساطة التي تتدفق بها الكلمات من فمه أموت؛ فكلماته على عكس ما توقعت لم تكن ~~تتحدث عن إصابته هو ولا قدمه، إنما كانت تتحدث عن قائد الكتيبة والدبابة؛ عن شجاعته ~~وقدرته، عن اقتحاماته، عن كيف أصيب إصابة و«الحمد لله» بسيطة، وأخباره كويسة، وقريب ~~الخروج. # كنت وجلا غير شديد الحماس قد ذهبت إلى القصر العيني. إن زيارات الجرحى وجهود السيدات ~~والنجوم في هذا المجال قد أصبحت المادة الرئيسية لأخبار الناس، وأنا يزعجني الأشياء ~~المقدسة حين تصبح مادة الحديث العام، وأوثر أن تبقى بعض المقدسات كالحرمات تعلن عن نفسها في ~~صمت ونقف أمامها في خشوع، وكان أخوف ما أخافه أن أذهب فأجد البطولات قد تحولت إلى أحاديث، ~~ولا أحظى بلحظة صدق. # القصر العيني، يا له من قصر! لي أعوام كثيرة كثيرة لم أدخله. القصر العيني الجديد ~~قديما قد شاخ وعجز، وامتلأت حيطانه بالبثور والنتوءات والشقوق، هنا قضيت صدر الشباب ~~طبيبا، أسرع عبر الممرات في البالطو الأبيض الهفهاف، وأملأ الدنيا بابتسامة مستقبل عريض ~~كنت أعرف تماما أنه أكيد. مستقبل انتهى بعد عام وبعض عام حين لم يعد لي في الطب مستقبل. ~~دخلت العنبر، كانت الدنيا مغرقة في المساء والضوء ليس قويا، وعلى الجانبين الأسرة، فوق ~~كل سرير جريح، فوق كل سرير قصة كبرى، حتما فوق كل سرير قصة كبرى؛ فكل منهم كان له ~~عالم، جاء من أم وله أب وربما زوجة وأولاد. قصة التحام كل منهم كأفراد جاءوا من جميع ~~عوالمهم وبقاعهم مع الأم الكبرى مصر. كيف حدث الالتحام؟ كيف أحالوا اللقاء جحيما ينصب ~~فوق رءوس الأعداء؟ كيف خرجوا؟ كيف نجوا؟ كيف هم الآن؟ ومن أين أبدأ؟ وقفت أبعد الستار ~~وأقربه، أمسح الرجال بعيني وفي نفسي خشوع. إن للجماعة رهبة وخشوعا، فما بالك وهؤلاء ~~ليسوا مجرد جماعة، ولكنها جماعة مقاتلين جرحى! إن للجروح هي الأخرى وللسيقان والأذرع ~~والأطراف الموضوعة في الجبس والتي بترت أو تنتظر البتر ms048 رهبة. في خشوع وقفت محتارا بأيهم ~~أبدأ أو ماذا أقول؟ ماذا تعني حمدا لله على السلامة حين تقال؟ وهل تقال الكلمة العادية ~~كهذه في الموقف غير العادي كذاك؟ من أنا هنا ولماذا جئت وماذا أفعل أمام هؤلاء الذين أدين ~~لهم أني حي سليم، وأن عائلتي في البيت مطمئنة سليمة لم تمس؟ ساعدني يا رب؛ فاللحظة ~~حرجة، وأنا خجول أني لم أكن معهم، وأني غيرهم لم أدفع ضريبة دم ولا نلت في حياتي هذا ~~الشرف. # في وجل رحت أخطو تجاه الجريح الأول، بالكاد خرجت من فمي كلمات تتعثر؛ لم أسمعها أنا ~~أو يسمعها أحد. فجأة وجدت نفسي غارقا في فيض الحماس المصري؛ في حرارة رحب بي الشاب ~~الراقد، أنساني القصر الجديد ومن أنا، وأذهب الخشوع والوجل. هذا الصدر المصري الحبيب ينفتح ~~على مصراعيه لي ولأي غريب؛ فينسي الغريب غربته، ويجد نفسه في ثانية قد دخل الصدر وأصبح ~~قريبا من القلب. # ومن القلب إلى القلب مضى الحديث يدور، وما هكذا أي شعب آخر؛ ولهذا ننفرد ونسمو نحن ~~المصريين. وليس عيبا أبدا أننا نفتح الصدور على مصاريعها حين نلتقي؛ فهذا هو الشيء الجدير ~~بالإنسان - إذا كان إنسانا حقا - أن يفعله. # الذي أذهلني أن أحدا منهم لم يبدأ الحديث بنفسه أو بإصابته، كان الحديث دائما يبدأ ~~بالمعركة الكبرى كيف دارت وماذا حدث، ثم ما حققته الوحدة أو الكتيبة وما قامت به من دور، ~~ثم، وبناء على سؤالي فقط، يدور الحديث عن كيف أصيب. حديث قصير جدا لا يأخذ أكثر من ~~لحظة: «انضربت الدبابة بالصاروخ وأفقت فلم أجد أصابعي. في عودتنا طارت فوقنا الهليوكوبتر ~~وسقطت قنبلة وقمت لأواصل السير ولكني سقطت. كانت ذراعي وساقي والقميص والبنطلون قد ~~تمزقت واختلطت الدماء بالقماش وبالرمل. في عودتنا بعد نجاح المهمة أحسست بكتلة عريضة ~~كأنها حائط رصاص ترتطم ببطني وكانت الإصابة، لولا ماشيست هذا (جندي من القوات الخاصة وقف ~~بجوارنا - هكذا يسمونه) لكنت مت. وجدني في عودته راقدا، حاول أن يحملني، طلبت منه أن ~~يذهب وحده؛ فغير معقول أن ms049 يحملني مسافة طولها أكثر من عشرة كيلومترات، ولكنه حملني ~~بالقوة.» ماشيست يرد بالمرح المصري الأصيل: لو كنت أعرف أنك طويل اللسان هكذا لتركتك ~~تلعق رمال سيناء بلسانك. # العنبر. وجدته، وكلما انتقلت من فراش إلى فراش يتسع ويتسع، ويطول ويطول، وسقفه يعلو ~~ويعلو، وكأنما يريد أن يشمل مصر. وأي مصر! # مصر هؤلاء الفلاحين وأبناء الفلاحين والعمال وأبناء العمال، خريجي الصنايع وأصحاب ~~المؤهلات، شباب المدينة، وشباب القرى، مصر التي طالما نظر لها العالم على أنها مسكينة ملأى ~~بالمساكين والفقراء. نعم، بفضل التسلط الاستعماري ظللنا لأمد طويل مساكين وفقراء، وللآن ~~لم نزل فقراء، ولكنا لم نعد مساكين. فالبطولة الحقة أن الذين قهروا عدونا الشرس، الذين ~~دكوا الحصون وعبروا المياه وسحقوا الدبابات والطائرات ومحوا أسطورة إسرائيل؛ البطولة أنهم ~~ليسوا عمالقة من بلاد مجهولة ولا كائنات خرافية هبطت من السماء، البطولة أنهم أبناؤنا؛ ~~هؤلاء أبناء أرضنا ومدننا وقرانا. أناس من دم ولحم وشحوب لم ينحدروا من صلب بروسيين، ولم ~~يكونوا كالإنجليز قراصنة بحار، ولا كان آباؤهم مقاتلين. البطولة الهائلة الحقة أنهم هكذ، ~~بالتلقاء البسيط، بالبطولة حين تزاول كعمل يومي لا فخر فيه ولا ادعاء، بالمعجزات حين ~~تتحقق على أيدي البسطاء، البطولة الحقة أن هؤلاء هم الذين سيروي عنهم التاريخ إلى أبد ~~الآبدين. # حين انتهى الشاب سائق الدبابة من الحديث عن القائد وبطولته، سألته كيف حدثت الإصابة ~~وأزالت قدمه: أبدا. أنا مقعدي في مقدمة الدبابة، أثناء معركة الدبابات جاء صاروخ أصاب ~~المقدمة وأخذ قدمي، ولم تكن تلك المرة الأولى التي تصاب فيها الدبابة؛ أصيبت مرتين ~~وأصلحناها، ولولا أنهم انتزعوني من مقعدي وأن الصاروخ أصاب بدال البنزين لأصلحتها بنفسي ~~وواصلت القتال. # سعيدا كان يتكلم، سعيدا إلى درجة النشوة، كانت الحرب وذكراها تمثل له قمة النشوة، ~~فأخيرا ها هو ذا يلاقي عدوا متجسدا أمامه لأول مرة وينشب فيه أظفاره ويعلو به الصدام ~~إلى قمة النشوة. # أقسم إنها كما صنعت مصر الحاضر ستصنع مصر المستقبل. # وكما زلزلت وجود العدو الإسرائيلي وهدت قواه، ستصنع لنا البقاء والوجود. # | حيرة الكاتب # ما ms050 كان أضناه من شعور! شعورك أن أبناء بلدك وقومك يقومون بالبطولات، يموتون، ينتصرون، ~~يعبرون، يقاتلون الشيطان العدو، وأنت وفقط بأذنك تتابع أنباء ما يفعلون. قتال؟ أنت غير ~~مقاتل وغير قادر على القتال. حضور للمعركة؟ والمعركة قد خططت ليحضرها ويعيشها المقاتلون فقط ~~بلا شهود عيان أو حتى شهود عدسات تصوير. # ماذا تفعل وأنت تحارب باللاسلكي، وحتى ليس كمرسل، وإنما كمستقبل سالب لا حول لك ولا قوة؟ ~~ماذا تفعل وأنت لم تشهد ولم تعش ولم تر أعظم لحظات شعبك، لحظات أبدا لن يكررها الزمن. ~~فالجيش جيشك الرائع قد عبر القنال إلى الأبد، واجتاح إلى الأبد بارليف، ومنذ الآن وإلى آلاف ~~السنين لن يكون هناك ذلك العبور الرائع الآخر، أو ذاك الاجتياح العظيم؟ ماذا تفعل إذا كنت ~~مثلي قد قضيت صباك وطفولتك وشبابك تحلم بساعة الاشتباك المروع، ثم تجيء اللحظة ويدور ~~الاشتباك وأنت غائب، ليتك غائب، ولكنك الغائب الحاضر، المقاتل العاجز أصواتا وأمواجا، ~~الشهيد الحي الجريح مع كل مجروح بغير دماء، المنتصر مع المنتصرين بمجرد آهة إعجاب، ولوعة ~~فرح. ماذا تفعل؟ # تكتب؟! # وما قيمة، وما معنى، وماذا يمكن للكاتب لو جند له جبريل نفسه أن يفعل؟ في عنابر ~~الجرحى، في الطرقات، حتى في المسرح القومي، كنت أصادف بعض من حملوا على أذرعهم أو أعينهم أو ~~سيقانهم أوسمة 6 أكتوبر، وكانوا جميعا يقولون: لماذا لا تكتب؟ أنت بعد لم تكتب. نحن ننتظر ~~أن تكتب. لقد عشت تكتب فلماذا والآن نحيا التاريخ المهول لا تكتب؟ وأجلس أمام أوراقي وفي ~~يدي قلمي أريد أن أكتب، لا بد أن أكتب بالقلم، أقاتل مثلما قاتلوا بالمدفع، على الورق ~~أعبر وأجتاح مثلما عبروا الماء والرمال. اندفعوا، أفعل مثلما فعلوا. غير معقول ألا أفعل ~~مثلما فعلوا، غير معقول أن تكون الكلمة أقل وقعا من الطلقة، ولا الجمل أقل فاعلية من ~~الغارة. العجز أحسه، العجز يشملني، عكس الإرادة العظمى التي بها انطلقوا يتسرب وهني ~~كالعدو، يحيل الحمى التي تجتاحني إلى كلمات؛ مجرد كلمات مثل غيرها من الكلمات، والشعور ~~الهائل بالرغبة في ms051 التضحية وبذل الذات إلى شطرات، كأغان لها شطرات تنشدها حناجر مطربين، ~~وراء الميكروفون يغنون، وشعراء خلف المناضد المنبسطة يشعرون. أي موقف صعب يا إلهي! أيها ~~الإله أعاني وكيف المخرج؟ # إن للكلمة دورا، هذا صحيح. ولكن دورها يأتي عادة قبل المعارك، قبل «الفعل» فهي «فعل» ما ~~قبل الفعل. إن دورها أن تجسد الأماني حقيقة، دورها أن تقرب المستحيل، دورها أن تحرض، ~~أن تتغنى بالعمل المقبل، أن تجعله محط الآمال والرجاء. كانت التقاليد عندنا في جيوشنا ~~القديمة أن يخاطب القائد جنده قبل المعركة، وقد ذهبت بعض هذه الخطب من فرط ما فيها من بلاغة ~~وصدق، مذهب القطع الفنية النادرة والأمثال. للكلمة دور في إعداد الشعوب لمعارك المقاومة ~~ونفض الغاصب. للكلمة دور في إذكاء روح المقاومة حتى بعد بدء المقاومة. ولكن ماذا يمكن أن ~~يكون للكلمة من دور، والعمل العظيم كله قد تم ويتم؟ إن أي تمجيد للتضحية، بعد عمل ~~التضحية، شيء لا بد يدعو للإضحاك، أي تمجيد لروح القتال والقتال قد نشب وانتهى. شيء يأتي ~~بعد أوانه كالفاكهة بعد الأوان لا لون لها ولا طعم ولا اشتياق. وأيضا لا بد أن للكلمة ~~دورا أثناء المعارك والقتال، أقصد لا بد للكاتب من دور. ولكن هذا الدور لا يمكن أن ~~يؤدى بالسماع أو بالراوية. إن الإنسان الكاتب لا يمكن أن ينفعل إلا إذا أحس، وهو لا ~~يحس إلا إذا عاش التجربة نفسها، لا يمكن أن يحس بالخطر المروي إحساسه بالخطر يحيط به ~~هو، لا يمكن أن يشيد بلحظة فداء إلا وقد ذاقها نفسه. ولقد كان الملوك والولاة يصطحبون ~~الشعراء إلى معاركهم، بأنفسهم يعيشون ويعايشون ويشهدون؛ ليتولوا بعد ذلك الإنشاء والإنشاد ~~والرواية. أما أن أجلس إلى جوار بطل أو جريح يروي لي قصة دوره أو دور زملائه، فقد يبهرني ~~الحديث هذا صحيح، وقد أتتبعه بشغف زائد، ولكني أفعل هذا بإحساس الشاهد أو ربما بإحساس ~~القارئ الذي يلتهم القصة الرائعة ذلك الالتهام السلبي الممتع. ولنتصور أن يحاول بعض ~~الكتاب كتابة قصص مستوحاة من قصص قرءوها أو ms052 سمعوها، لنتصور كم ستبدو مثل هذه القصة شاحبة ~~شحوب الرواية الثانية المنقولة أو المقروءة أو المبنية على أساس مقروء! # إن التسجيل الحقيقي، أو بمعنى أدق التسجيل الدرامي الفني لأحداث 6 أكتوبر كان لا يمكن أن ~~يأتي إلا لإنسان عاش المعركة، مقاتلا كان بالبندقية، أو مقاتلا كان بالقلم أو الكاميرا. ~~وفي كل جيوش العالم وحتى أساطيله يوجد سلاح للتصوير السينمائي والتسجيلي. فأي معركة يخوضها ~~هذا الجيش - أو حتى مناورة - هي جزء لا يتجزأ من تاريخ الجيش، وبالتالي الشعب وتراثه، وهي ~~ملك لمن خاضوها وحضروها مثلما هي ملك لبقية الشعب الذي لم يحضر، بل ملك لأجياله القادمة ~~ومستقبله الطويل. # وهكذا رحت أقرأ الأخبار المحمومة المتحمسة عن الزيارات للجبهة بغير نيران، وعن نوايا ~~الكتاب العظيمة في تسجيل وكتابة بطولات 6 أكتوبر أو حتى إضافة فصول عنها إلى قصصهم ~~وأقلامهم، وأنا مذهول حائر لهذه القدرة الهائلة على عمل أي شيء، وكأن الكتابة والفن مجرد ~~كلام في كلام، وكأن الكتابة عن المعارك مسائل يمكن أن تحس وتستعمل كالمراهم من الظاهر. ~~في الحرب العالمية الأولى وفي الحرب الثانية، في حروب المقاومة في إسبانيا وفيتنام، في أي ~~حرب قامت أو تقوم، كان الكتاب هناك في المعركة في أعمق أعماقها وداخلها، بأنفسهم، ~~بوجدانهم، بكل خلجة إحساس من أحاسيسهم، بكل أحاسيسهم، بكل ما يملكون من قدرة على الانفعال ~~والشعور. موجودون ليس كمتفرجين حتى أو كمشاهدين، وإنما كمشاركين أساسيين في المعركة، سلاحهم ~~الكلمة الطلقة، والانفعال المتفجر. موجودون قرونا للاستشعار المقدس يملكها الشعب وبها ~~يحس وبها ينفعل وبها أيضا يكون هو نفسه كجماهير عريضة واسعة قد خاض المعركة وعاشها ~~وتنفسها. ولم أدهش أبدا وأنا أقرأ في اتحادات الكتاب وتجمعاتها في موسكو ولندن وباريس ~~قوائم بعشرات، بل أحيانا بمئات، من الشعراء والكتاب والصحفيين ومصوري السينما استشهدوا ~~وهم يؤدون واجبهم الفني الأعظم ضمن كتائب جيوشهم وقواتهم. # إن الكلمة، إن الفن، لا يمكن أن يكون له دور «الكومبارس»، وخاصة حين يجيء تمثيله بعد ~~انتهاء الرواية، يبدو أن نظرتنا للفن وللثقافة عامة في حاجة إلى ms053 تغيير شامل عميق تعيد له ~~مكانته القيادية والريادية، وتحترم دوره سواء في معارك جيوشنا أو في معارك سلامنا وحضارتنا. ~~فحرب الحرب، أو حرب السلام هي أولا وأساسا ملك للشعب كله، لأجياله الحاضرة والقادمة، ~~وحتى من مات من أجياله. إنها حياته، يحياها بالحرب حينا وبالسلام. ونحن لسنا كائنات من ~~حديد أو حجر، نحن بشر، وحين خلق الله البشر خلق لهم الفن ليكونوا بشرا، ولتكون لحياتهم ~~قيمة أسمى ومعنى أكبر من مجرد ملء البطون بالطعام وملء الأرض بالنسل. # أما من تغيير حقيقي يعيد لكلمتنا دورها، ولفننا قيادته، وللثقافة والفكر أهميتها ~~القصوى لشعب بالفن عاش، وبالفن خلد وجوده وحضارته؟ # | الخناقة على الطريقة المصرية # لا شك أن المصريين أعقل شعوب الأرض قاطبة، ولقد حيرني هذا الأمر طويلا وكثيرا، وخاصة ~~حين كنت أسافر وأختلط بكثير من شعوب الدنيا، ثم وأنا أدري - وحتى دون أن أدري - أبدا ~~أقارن بيننا وبينهم؛ فأجد لكل شخصية من شخصيات الشعوب نوعا من جنونها الخاص أو غرابتها أو ~~شذوذها، ثم أعود للقاهرة، وبعيون جديدة أحاول أن أعثر لشعبنا أو لشخصيته على هفوة غرابة ~~أو بادرة جنون من أي نوع، دون جدوى. # وحين أقول إننا أعقل شعوب الأرض، لا أعني بالطبع أننا كذلك لأننا أكثرها حكمة أو علما ~~أو تأدبا، في الحقيقة أعني أننا أكثره تعقلا. والفرق بين الحكمة والتعقل هو أن ~~الحكمة تأتي بعد إعمال عميق للتفكير، ومقارنة بين الاحتمالات الكثيرة والحلول، ثم ~~اختيار قائم على تفضيل الأحسن بالنسبة للشخص أو للشعب. أما نحن هنا، فنحن نتعقل أولا ~~وبادئ ذي بدء، بمعنى أننا بالتلقاء والسليقة نختار أقرب الحلول للسلامة وحفظ الذات والإفلات ~~من الموقف، ولو كان هذا على حساب النتيجة في المدى الطويل. # قارن مثلا بين خناقة إنجليزية وخناقة مصرية. تبدأ الخناقة الإنجليزية بخلاف بين صديقين ~~أو عدوين هادئة، ثم تتصاعد إلى مستوياتها الدرامية العليا، ويحدث كل هذا دون ضجة أو ~~زعيق، بل بكلمات تتصاعد في حدة معناها وليس في طريقة إلقائها حتى يبلغ الأمر حتمية أو ~~ضرورة الالتحام، وهنا تجد ms054 الاثنين قد انتحيا ركنا أو خرجا من المشرب، وفي منتهى الهدوء ~~المجنون بدآ يصفيان الحساب جسديا متصارعين أو متلاكمين أو متلاحمين، يكيل كل منهما ~~للآخر ضربات هائلة في الصميم، ينالها الآخر ولا يتوجع لها إنما بكل العنف يتحين الفرصة ~~وينقض على الآخر بضربة أقسى وأوجع. المارة لا يقفون ولا يتفرجون؛ فهم يعرفون أن ما ~~يدور مجرد عملية جسدية لتصفية حساب «أيديولوجي» بين اثنين من الناس لا شأن لهم بهما، بل من ~~المستحسن أن تتم هذه التصفية دون شهود عيان، إذ حين يوجد شهود العيان تتعرق عملية التصفية ~~ويتحول المتعاركان إلى «ممثلين» يضعان الجمهور في حسابها ويستشهدانه، وفي هذا نوع من ~~«التظاهر» أي الخداع لا يليق بقضية لا تخص أحدا بقدر ما تخص طرفيها، وبقدر ما تخص ما يكيله ~~أحدهما للآخر من لكمات. # وهذا في الخناقة الإنجليزية الأنجلوساكسونية، يصفي الخناق عضويا بعدما عجز الخناق ~~«الأيديولوجي» عن أن يصفيها نفسيا وتناقشيا. # وهذا - في عرف المصريين - نوع من الجنون المقيت، فالخناقات حين تنشب بين خصمين، وتتركز ~~فيهما فقط ويصفيانها معا، تعتبر نوعا من الجنون أو من الشذوذ. فالخناقة عند المصريين ~~ليست نوعا من الدراما الشخصية، ولكنها - إن آجلا أو عاجلا - لا بد أن تتحول إلى ~~مسرحية، أي إلى محاكمة، أي إلى قضية يصبح فيها الجمهور عاملا رئيسيا ومؤثرا، كالقاضي ~~سواء بسواء. ويصبح فيها التأثير في الجمهور - أي في ذلك المحترم القاضي - مسألة ذات أهمية ~~بالغة. ومن أجل هذا تنشأ الخناقات في مصر ليس لينتصر طرف على آخر، وإنما تنشأ الخناقات ~~بهدف مسرحي محض، أي تنشأ الخناقات درامية منذ البداية، عاقلة جدا ومتزنة منذ ~~البداية، وبهدف - منذ البداية - محدد وواضح، ألا وهو: أي طرف يملك ناصية الحق؟ وأي طرف ~~أحق من الطرف الآخر بأصوات «المحلفين»؟ وهكذا وهكذا. وبهذه الطريقة تنشأ الخناقة المصرية، ~~لا بهدف أن ينتصر الطرف الأقوى على الطرف الأضعف، وإنما بهدف أن «يحكم» الجمهور ويحدد من ~~هو الطرف الأقوى ومن هو الأضعف؟ من صاحب الحق ومن الكذاب؟ من هو الماكر الخبيث ومن ms055 هو ~~صاحب القضية الغلبان؟ ومن أجل هذا تبدأ الخناقات المصرية جماهيرية منذ لحظة الصفر، درامية ~~منذ بدأ التمثيل. كل طرف فيها يوجه خطابه - ليس بالكلمات مباشرة لتهد كيان العدو ~~وتجعله يركع - وإنما بخطابات صاخبة عالية موجهة إلى الجمهور وإلى الإنسانية كي تقنع ~~الجميع أن الطرف المتشرف بالحديث هو الطرف المظلوم المفترى عليه الغلبان، وأن الطرف ~~الآخر هو المخطئ الظالم المستحق أن يوقع عليه العقاب. لا يتساءل المصري المتخانق: من سيوقع ~~هذا العقاب؟ إن وجد الإنصاف، وإنما المهم أن يثبت للعالم أنه مظلوم وأنه يستحق الإنصاف، ~~وأنه لولا التعقل لارتكب القتل والضرب والجنايات. لهذا فلا أعتقد أني بحاجة إلى وصف خناقة ~~مصرية؛ فالعرض دائما وأبدا مستمر، والجمهور موجود يشهد ويتدخل ويمنع أن ينتصر أحد على ~~أحد، يمنع القوة أن تكون هي الحكم، وصراع القوى أن يكون هو السبيل. إنه يتفرج على ~~الخصمين ويستمع للحجج، وبمنتهى التعقل يتفحص، وفي الغالب يصدر حكمه. والأعجب أن ~~الحكم لا يأتي أبدا ضد أي منهما، إنما يملك جمهورنا طاقة التعقل الكافية بمنح كل ~~منهما قدرا من الحق وقدرا من الباطل، ذلك القدر الكفيل بأن يحل الصلح محل الخصام، ~~والوئام محل الصراع، فإذا كان ثمة مظلوم في الموقف فإن الله سبحانه كفيل به وبإنصافه في ~~الدار الأخرى، وإذا كان ثمة خطأ في الحكم ارتكبه القضاة للجمهور فإن يوم العدالة آت لا ريب ~~فيه. # وهذه مجرد مقارنة، مجرد مثل؛ إذ تبقى الحقيقة التي لا شك فيها أننا أعقل أهل الأرض ~~جميعا # ولعل هذا هو سبب أن خناقاتنا السياسية والعسكرية على المستوى الوطني أو القومي أو العالمي ~~تسير على نفس الوتيرة وعلى نفس النسق. # كل ما في الأمر أن الجمهور القاضي في العالم ليس أبدا جمهورا محايدا، بل ولا هو ~~كالجمهور المصري يتفحص القضية إحقاقا للحق والعدل، إنه جمهور يؤمن بالحقيقة القائلة إن ~~الغالب دائما هو صاحب الحق، أو صاحب الحق هو دائما صاحب القوة. # كم من مرات خاطبنا فيها ضمير العالم وكأن للعالم ضميرا، والعالم له عيون، أما ms056 ضميره ~~فهو مع صاحب الحق فقط حين يناضل صاحب الحق من أجل حقه، أما حين يتقاعس ويترك لهذا الجمهور ~~القاضي وضميره أن يحصل على حقه فإنه لا يمتلك له إلا السخرية والصفير. # العالم لم يصبح معنا إلا بعد حرب أكتوبر. # ولن يصبح معنا إلا إذا شاهدنا دائما نناضل نضال المستميت لكي نحصل على حقوقنا، ونضال ~~صاحب الحق والحصول على حقه هو الوسيلة الدائمة المثلى لإيقاظ «ضمير» العالم، فهو دائما ~~نائم إلى أن توقظه ليست قسوة الظلم، وإنما قوة المظلوم في سحق ظالمه. # | التصرف المصري أمام الخطر # كما توضع العينة تحت الميكروسكوب لفحصها، وضعت نفسي تماما في مكان سائق العربة التي ~~اصطدمت بالقطار عند بنها؛ ذلك الحادث المروع الذي نتج عنه مقتل ثمانية عشر شخصا غير عشرات ~~الجرحى والمصابين، بينما نجا سائق العربة واختفى في حقل الذرة القريب حتى قبض عليه ~~البوليس. # أوقفت الزمن، تلك الثواني القليلة التي سبقت الحادث مباشرة، ثم رحت أمرره على ~~مهل شديد في محاولة جادة مخلصة لمعرفة ما دار في عقل السائق بالضبط، وجعله - رغم أن ~~أجراس المزلقان كانت تدق والنور الأحمر موقد علامة أن قطارا سيمر حالا - يقتحم ~~الإشارة اقتحاما ليصطدم بالقطار! بالضبط ماذا حدث؟ وليس من أجل هذا السائق أو هذا الحادث ~~بالذات أريد أن أعرف الجواب، إنما من أجلنا كلنا، ومن أجل الحوادث الأكيدة المماثلة ~~المقبلة، من أجل أن نعرف أنفسنا ونعرف كيف ولماذا نتصرف أمام الخطأ أو الخطر؟ أو بالأصح ما ~~هو الموقف المصري من الخطر؟ # هذا سائق مدرب ما في ذلك شك؛ فرخصة قيادة سيارة نقل لا تمنح إلا بصعوبة شديدة ~~وبامتحان عسير وبعد فترة طويلة من العمل كسائق. ها هو ذا قادم على الطريق، وأمامه ومن ~~بعيد كان يرى شريط السكة الحديد وهو يتقاطع مع الطريق الزراعي الذي يسلكه، بل حتى كان ~~ممكنا لو هو يقظ بدرجة كافية أن يرى القطار قادما في الأفق من بعيد، ولكن لنكن عادلين ~~ولنصل معه إلى اللحظة التي وصل فيها إلى «المزلقان» ووجد الأجراس ms057 تدق والنور الأحمر ~~يطفأ ويوقد علامة القطار القادم؛ الطبيعي تماما أن يوقف العربة حينذاك وينتظر مرور ~~القطار، ثم يتأكد أن ليس هناك قطار آخر قادم، ثم يعبر. هكذا يفعل الناس في أي مكان ~~وزمان، وللإنصاف نقول إنه فكر في الوقوف أول الأمر ولكنه لم يفعل، و«ظن» أن القطار ليس ~~وشيك القدوم، بدليل أنه لا يراه؛ فضغط على البنزين واقتحم الإشارة. إن العربة تعلم الناس ~~السرعة، هذا صحيح؛ فهي اختراع ولدته الحاجة إلى السرعة. وكل سائق في العالم يريد أن تنتهي ~~رحلته بأسرع ما يمكن حتى ولو لم يكن وراءه عمل ملح عند نهايتها؛ هذه كلها أحاسيس إنسانية ~~نشعر بها جميعا، ومن المؤكد أن صراعا صغيرا نشب في عقل السائق بين أن يوقف العربة كما ~~تقضي القواعد وحكم الأمر الواقع، وبين أن يقتحم الإشارة رغم احتمال أن يصطدم بالقطار. ~~احتمال واه، هذا صحيح، ولكنه موجود. ومن المؤكد أن الصراع حسم بسرعة لمصلحة مواصلة ~~السير؛ هو عارف بالخطر إذن ولكنه ينحي معرفته جانبا ويمر! من أين جاءته الثقة أن ~~الخطر لن يدهمه؟ على أي شيء اعتمد أنه سينجو؟ لا يستطع هو نفسه لو سألته أن يجيبك، وأيضا ~~لا نستطيع نحن؛ فكل منا قد واجه موقفا كهذا مرة، ولا بد أن كلا منا ولو لمرة ~~واحدة قد تصرف برعونة كما فعل السائق واقتحم الخطر، معتمدا على أن شيئا ما أو قوة ما ~~ستحميه وتنقذه! هذا الاعتماد اليقيني الغريب الذي يزودنا بثقة لا حد لها، ويشبه تأكيد ~~أننا حتما سننجو، هو المسئول الأول عن كل الكوارث التي تحيق بنا. فنحن نرى الخطر ماثلا ~~أمامنا واحتمالاته قوية، ومع ذلك نتعامى عنه ونلغيه من وعينا ونغمض أعيننا عن أن ترى ~~الخطر، وكأننا بمجرد التعامي عنه نلغيه من الحقيقة. والواقع، كل العالم المتقدم يدرس ~~الوضع من جميع نواحيه، فإذا اشتم رائحة خطر ما فإنه أبدا لا يخاطر أو يغامر أو يتعامى ~~عنه، ولكنه يحسب حسابه تماما ويأخذ حذره ويتفاداه، إلا نحن، ابتداء من القرارات الكبرى ~~كقرار حشد ms058 الجيش في سيناء عام 1967 إلى أصغر قرار كقرار ذلك السائق أن يعبر شريط السكة ~~الحديد اعتمادا على إحساس قدري أن شيئا لن يحدث، وأنه من غير المعقول أن يؤدي الأمر إلى ~~صدام مع القطار. مع أن غير المعقول هذا هو الأقرب إلى العقل وإلى الاحتمال، وهو الذي يحدث ~~غالبا وتكون نتيجته نكسة 67 أو حادث التصادم عند بنها. # إن النبي محمدا عليه السلام يقول لصاحب الناقة: «اعقلها وتوكل.» أي اربطها أولا ~~كي تتأكد أنها لن تتحرك ثم بعد هذا توكل على الله في أمر بقائها. # بمعنى آخر، مفروض أننا إزاء الخطر ندرك أبعاده ونحذر منه ونتخذ كافة الاحتياطات ~~اللازمة لحمايتنا أولا، ثم نسلم أمرنا لله بعد ذلك، ولكننا في أغلب الأحيان لا ~~نفعل هكذا، إنما «بفهلوة» غريبة، باعتماد على ثقة مجهولة أن شيئا لن يمسنا، نعرض ~~أنفسنا للخطر، ونستغرب بعد هذا إذا أصبنا وكأن تلك القوى المجهولة قد غدرت بنا وخانتنا. ~~إنه في رأيي نوع من الهروب من مواجهة الواقع نفسه باعتبار أن الخطر جزء لا يتجزأ من ~~الواقع. نحن نعيش نحلم بواقع من صنعنا، وحتى لو واجهنا الخطر فنحن نتعامى عن كل ما حولنا ~~من واقع. # وكم من آلام نتحملها نتيجة هذا الموقف، وكم من نصائح! ولكن الغريب أننا - بعد - لم ~~نتعلم أن نرى الواقع، وأن نرى ما فيه - إن كان فيه - من مخاطر، ونحتاط لها، وأبدا لا ~~نتعامى عنها معتمدين على قوى خرافية مجهولة ستحمينا وتنقذنا. # | أرقام فلكية # كنا نتحدث عن الثانوية العامة، فهذا موسمها، وكان شريكي في الحديث الصديق الدكتور أحمد ~~سامح همام «أول دفعتنا في كلية الطب وأستاذ جراحة الأوعية الدموية بقصر العيني». والحقيقة ~~فوجئت حين ذكر لي أن على أيام جده (وجده كان من عائلة طيبة بالمنيا) كان النجاح في ~~البكالوريا (ثانوية زمان) يعني أن يذهب عساكر البوليس ويأخذوا الناجح بالقوة إلى المديرية، ~~ثم يرحل إلى القاهرة تمهيدا لإرساله في بعثة إلى الخارج فورا ليكمل دراسته ~~الجامعية؛ إذ لم تكن هناك جامعة في مصر. ms059 ذلك أن عدد الناجحين في بكالوريا ذلك الوقت لم يكن ~~يتجاوز عدد أصابع اليدين، وربما أقل؛ ولهذا كانت الحكومة ما تكاد تظهر النتيجة حتى تبادر ~~«بالقبض» على الناجحين لإرسالهم فورا في بعثات إلى الخارج. وكان الشاطر هو الذي يستطيع ~~بالوساطات أو بالشفاعات أو بالرشوة أن يفلت من قبضة الحكومة فيفرج عنه ولا يرسل في بعثة، ~~أو يكمل تعليمه الجامعي، أما سيئ الحظ الذي لا حول له ولا قوة ولا وساطة له، فهو الذي ~~يرسل رغما عنه إلى أوروبا ويعود حاملا الليسانس أو ربما الدكتوراه! # وأذكر مرة أني قرأت في باب «الأهرام من 70 سنة» أن عدد الناجحين في الشهادة الابتدائية ~~آنذاك كان خمسين طالبا في كل أنحاء القطر المصري. # واليوم نجد أن عدد المتقدمين للثانوية العامة حوالي 182 ألف طالب، ينجح منهم ما لا يقل ~~عن المائة ألف وأكثر. في الثانوية العامة ينجح فقط مائة ألف، وعدد المتقدمين للشهادة ~~الابتدائية قد يناهز المليون، أي أننا في خمسة وسبعين عاما تضاعف عدد تلامذتنا مائتي ألف ~~مرة. ترى ماذا سيحدث في عام 2000 مثلا؟ # من خمسة وسبعين عاما لم تكن المجتمعات تعرف التخطيط وتتنبأ بما ستصير عليه الزيادات، ~~أما اليوم فنحن نحيا في عصر التخطيط، فإذا لم نكن قد خططنا في الماضي لهذه الزيادات ~~الفلكية في أعداد التلاميذ، فهل في نيتنا حقيقة أن نخطط للحاضر وللمستقبل، وخاصة إذا ~~عرفنا أن هذه الأعداد أقل بكثير مما يجب أن تكون عليه؛ إذ إن نسبة الأمية عندنا زادت حتى ~~أصبحت 70٪ وهو رقم مخيف في حد ذاته، ولا يدل على تخطيط إلى الأمام وإنما يدل على ~~تراجع إلى الخلف؛ فقد كانت النسبة أقل من هذا بكثير قبل عشر سنوات مثلا؟ # أعتقد أن مشاكل التعليم وما يحتاجه من إعداد وسائل للتربية، ومدرسين مؤهلين، ومدارس ~~مناسبة، لا يكفي لحله نشاط أو اجتماعات المجلس القومي للتعليم. أعتقد أن الأمر بحاجة إلى ~~مؤتمر جاد كبير يبحث ويناقش ويحدد كيف نعلم أولادنا اليوم وكيف سنعلمهم غدا ~~وبعد غد؛ مؤتمر يستمع إلى ms060 آراء الأطفال والتلاميذ؛ مؤتمر جامع شامل. أعتقد أن هذا قد ~~أصبح واجبا ملحا وعاجلا؛ فإني أرى أن طريقتنا في مواجهة هذه الأرقام الفلكية من زيادات ~~الطلبة لم تتعد كثيرا طريقتنا في مواجهتها أيام كان عدد الناجحين في الثانوية العامة لا ~~يتجاوز عدد أصابع اليدين. # | تعالوا إلى كلمة سواء # يخيل إلي - والله أعلم - أنه سبحانه حباني بقدر أكبر قليلا من الحساسية الشعبية، ~~أو بالضبط إدراك كنه وطبيعة وحقيقة ما يريده شعبنا المصري، والرأي المصري. فالمزاج المصري ~~ليس هو ما تسمعه من الناس في العلن مثلا أو في جلسات المقاهي، أو حتى في القعدات الخاصة. ~~الرأي المصري الحقيقي شيء غويط جدا، من الصعب تماما الوصول إليه، من المستحيل تقريبا ~~الإمساك به. شيء دفين دفين وكأنه من أسرار الحياة أو الخلود، بل لعله فعلا كذلك، وربما هو ~~الذي أبقى شعبنا حيا ومتماسكا لسبعة آلاف عام أو تزيد؛ قدرته الخارقة على إخفاء ما يريد، ~~حتى يحقق ما يريد. # فأحيانا يقتل التحقيق أو يضيعه مجرد إعلان النية أو إمكان الوصول إليها، تجدهم يصفقون ~~تصفيقا راعدا للمطربة أو الراقصة أو اللاعب أو الكاتب، فإذا انتحيت بأيهم جانبا ~~وسألته عن رأيه الحقيقي لأبدى وفي الحال رأيا مخالفا تماما. شيء غريب! نحن نستطيع أن ~~نفهم أن ينافق البعض شخصا أو يتحمسوا له مجاملة، أما هذا فماذا أسميه؟ نفاق للنفس ~~مثلا أو الوصول بالموقف الساخر من الحياة إلى الحد الذي يجعل لك تجاه الشيء الواحد ~~موقفين، أحدهما هو الحقيقي الدفين، والآخر هو المزور الذي تبديه أمام الناس، ولكن ~~المضحك أنك تبديه أمام نفسك أيضا. # المهم، شيء ما يجعلني أعتقد أن شعبنا بعد لم يندمج في مسألة الأحزاب هذه. أجزاء منه ~~اندمجت هذا صحيح، أولئك الباحثون عن مستقبل أو حاضر سياسي، أولئك الطامحون للوصول إلى ~~المناصب القيادية، وباختصار من لعبتهم السياسية. أما جماهير الشعب بشكل عريض، وحتى ~~بمثقفيه ومتعلميه، فكما قلت لم تندمج بعد في الحكاية، لا تزال ترقب وترصد وتتفرج. # والموقف على أية حال ليس غريبا على مصر والمصريين؛ ms061 فهو له جذوره التاريخية منذ أن كانت ~~في مصر أحزاب، بل حتى قبل أن تكون في مصر أحزاب. ولكل بلد ظروفه التاريخية الخاصة التي نشأت ~~في ظلها أحزابه. وأعتقد أن النموذج المثالي لنشأة ونمو الأحزاب كان في إنجلترا؛ فإنجلترا ~~كانت بلدا يحكمه ملك يتوارث العرش عن أبيه وأجداده، وتأخذ الأسرة المالكة فيه شيئا من ~~القداسة وكأنها تستمد قوتها من حق إلهي في الحكم «نفس فكرة الفراعنة حتى عن الملكية ~~أو الملك». إلى أن بدأ يتكون من خارج الأسرة المالكة إقطاعيون كبار يدينون بالولاء للملك، ~~هذا صحيح، ولكنهم مجرد أناس «من الشعب» لا يمكن أن يتساووا مع أصحاب الدم الأزرق أو الحق ~~الإلهي. إلى أن بدأ يحدث الصدام بين كرومويل «قائد البرلمان» والملك، ثم الحرب الأهلية ~~لتثبيت حق الشعب ودفاعا عن الماجناكارتا «أو العهد الأعظم» وقتل الملك في هذه الحرب ~~وتولى كرومويل وأتباعه حكم إنجلترا باسم الدستور هذه المرة، أي باسم الشعب. ولكن لأن ~~أوروبا في ذلك الحين كانت في عصر ازدهار الملكية والإمبراطوريات؛ فقد تكاتفت الملوك وخاصة ~~بعد وفاة كرومويل وأعادت الملكية إلى إنجلترا. # ولكن هذه «الثورة» كان لها أثرها في الحياة الاجتماعية والاقتصادية للناس؛ إذ قفزت ~~بالتاريخ خطوات، وتحول الإقطاع في إنجلترا إلى الرأسمالية تحولا سلميا، واستبعد ~~«شكل» الحكم فأصبح الملك رمزا للأمة كلها أو للدولة، يملك ولا يحكم، بينما بدأ الرأسماليون ~~الذين سموا أنفسهم بالمحافظين يحكمون ويحاسبهم البرلمان. وفي نفس الوقت، بدأت تتكون ~~نقابات العمال دفاعا عن حقوقهم تجاه خصومهم الرأسماليين، وبدأت النقابات تتجمع تحت راية ~~حزب العمال، وأصبحوا يدخلون الانتخابات ويفوزون، ولكن لأن الطبيعة الإنجليزية محافظة في ~~صميمها فلم يكن حزب العمال يقوم بتغييرات جذرية في المجتمع لتحيله إلى مجتمع اشتراكي ~~مثلا، بقي المحافظون والعمال يتبادلون الحكم تحت ظل الرأسمالية الإنجليزية لنظام الملكية ~~كرمز للدولة. # هذه إحدى الطرق لنشأة الأحزاب، في مصر مثلا حدث الآتي: حين جاء الاحتلال البريطاني إلى ~~مصر، وبعد أن استولى على البلاد عسكريا واقتصاديا؛ بقي أمر الاستيلاء عليها سياسيا. ~~وسياسيا كانت مصر جزءا ms062 من الإمبراطورية العثمانية؛ ولهذا ظهر في مصر اتجاهان: اتجاه ~~ينادي بالعودة للإمبراطورية العثمانية وطرد الإنجليز، واتجاه ينادي بالتعاون مع الإنجليز ~~لبتر مصر من النفوذ العثماني؛ لتصبح «مصر للمصريين» أولا، تمهيدا للكفاح لإخراج ~~الإنجليز لتصبح مصر للمصريين حقيقة. وكان الممثل الخالد للاتجاه الأول هو مصطفى كامل، ثم ~~من بعده محمد فريد، بينما كان الاتجاه الثاني يمثله الشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني ~~والشاب سعد زغلول. بمعنى أن نشأة الأحزاب في مصر كانت نشأة سياسية وليست تعبيرا عن أوضاع ~~اقتصادية، وحتى نشأ المارد الأكبر حزب الوفد كانت نشأته سياسية أيضا؛ فقد قام ليقود الشعب ~~بكل فئاته وطوائفه في ثورة ضد الإنجليز وغير مرتبطة باتجاهات الحزب الوطني نحو الارتباط ~~بالتبعية العثمانية؛ ثورة «ضدهم جميعا» الهدف منها تخليص مصر من النفوذ التركي ومن الوجود ~~الإنجليزي ومن الامتيازات الأجنبية، ثورة اشترك فيها الإقطاعيون والرأسماليون والطبقة ~~المتوسطة والمسلمون والأقباط، جنبا إلى جنب تحت راية واحدة وهدف واحد هو الاستقلال ~~التام؛ أي الوجود المستقل لمصر حرة غير مرتبطة أو مقيدة. # ولقد لعب حزب الوفد دوره بنجاح منقطع النظير حتى حقق جزءا كبيرا من الاستقلال السياسي، ~~ومن إلغاء للامتيازات الأجنبية، ومن إيجاد لكيان مصري لأول مرة منذ عصور بالغة ~~القدم. # وطبعا هذه الثورة السياسية صاحبتها ثورة اقتصادية، وبدأ الاقتصاد المصري يبنى، وأيضا ~~على نظام شبه شعبي؛ فلم تكن هناك رأسمالية مصرية تستطيع وحدها أن تبني اقتصادا، ولكن كان ~~هناك إقطاع خلقه الخديو والإنجليز ليستطيعوا به حكم مصر. # وكان مفروضا أن يستمر التطور الطبيعي، فيبنى اقتصاد رأسمالي وطني، ويتكون حزب ~~الرأسمالية الوطنية، وحزب مقابل للعمال، وحزب للإقطاعيين، وحزب مقابل للفلاحين. # غير أن هذا التطور الطبيعي لم يحدث نظرا لوجود القضية الوطنية والمؤامرات الكثيرة لضرب ~~الحركة الوطنية وتفتيتها، ليس فقط وحدة العمال والفلاحين من ناحية والإقطاع والرأسمالية من ~~ناحية أخرى، ولكن تفتيت حتى الطبقة الإقطاعية والرأسمالية، فما بالك بأحزاب العمال ~~والفلاحين؟ # وكان أحد عناصر اللعبة إدخال حكاية الصراع الطبقي قبل الأوان، فلقد منع تماما قيام ~~أحزاب للعمال، وطبعا تماما تماما ms063 للفلاحين. واستغلت الإقطاعية والرأسمالية المصرية ~~التي كان من المفروض أن تكون على رأس الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال، استقطبت وفتتت ~~تارة باسم الهيئة السعدية وتارة الأحرار الدستوريين وتارة باسم حزب الشعب وتارة بدكتاتورية ~~الإقطاع المتعاون تماما مع الإنجليز «محمد محمود وشركاه». # أدرك الإنجليز بذكائهم الاستعماري الخارق أن بقاءهم في مصر مرهون بضرب القوى الوطنية ~~بعضها في بعض، ووضع الإسفين الأعظم بين ملك وطني في ذلك الحين وحزب الأغلبية الأكبر ~~«الوفد»، ثم بين الوفد وبقية الأحزاب المتقلبة عليه، ثم بين الطبقات الشعبية، وصارت ~~المسألة «عكة» استغرقت من مصر قرابة الثلاثين عاما من الصراع الرهيب «حول» السلطة، مع ~~أنه كان من المفروض أن يتم خلال هذه الأعوام الثلاثين الصراع الرهيب «ضد» الاحتلال، وليس من ~~أجل من يحكم ومن له الحق في الحكم. # وقامت ثورة 52. # ولأعتبر من عندي أن ثورة 52 بقضها وقضيضها وعلى بعضها حزب ثوري جديد أفرزته الطبقة ~~المتوسطة لينهي هذا الصراع السخيف حول أحقية من يحكم من، ويقود الشعب كله «أحيانا رغم ~~أنفه» ضد الاستعمار الرابض في قلب مصر من ناحية، والمؤامرات المحاكة دائما ضد مصر، وكان ~~مفروضا في هذا الحزب الجديد أن يحول جهد المصريين من العراك إلى وحدة البنائين. فيبني ~~الاقتصاد المصري ويدعمه تماما، وينتقل بالزراعة إلى القرن العشرين، وبواسطة ثورة ثقافية ~~وحضارية شاملة لنقل المجتمع المصري الفلاحي والعمالي بالذات إلى الحد الأدنى اللازم لوجود ~~الإنسان على سطح الأرض في هذا القرن. # ولكن الاستعمار الخبيث كان يرقب كل شيء ويعد لكل شيء عدته، فما كاد يرى هذا «الحزب» ~~الجديد وقد بدا أنه قد وحد الأمة حول أهداف قليلة ولكنها خطيرة، وسيصنع بها لو تمت ~~معجزات. ما كاد يرى هذا حتى أطلق سهمه المضاد وجر مصر إلى حرب مع إسرائيل، وإلى تشتيت ~~لجهودها في الكونجو وقضية المغرب والجزائر ونيجيريا واليمن والوحدة ومهزلتها، أي أنه نجح في ~~تحويل كم الطاقة الهائلة الرابض ينتظر الانفجار لينقل مصر من عصر إلى عصر، نجح في تحويل ~~دفته إلى الخارج حتى لم يبق للحزب ليقف ms064 في الداخل إلا أقل القليل. # والثورات أيضا حظوظ، ولست أعرف لماذا كان من حظ ثورتنا أن يكون على رأسها قائد لا يؤمن ~~بالتنظيمات الجماهيرية، فحتى حزب الثورة لم يتكون! في حين كانت هناك عشرات الفرص لخلق حزب ~~ثوري جماهيري ديمقراطي اشتراكي عربي وحدوي يصبح أقوى أداة في يد الثورة المصرية، ليس فقط ~~لتغيير مصر وإنما لتغيير العالم العربي ثم العربي الأفريقي الآسيوي من حولها. # حظنا كده. # حظنا أن حزب الثورة الحقيقي كان هو «دولة المخابرات»، فهم وحدهم الذين كانوا محل ثقة ~~الثورة، وهم وحدهم الذين كان يختار من بينهم من يعهد إليهم بأخطر المهام، حتى من بينهم لا ~~بد كان يختار معظم الوزراء والمحافظين ورؤساء مجالس الإدارات. # وهكذا تمخض هذا الحزب الذي جاء ليكنس أرض مصر من أحزاب أنهكها طول الصراع حول الحكم، ~~وجاء ليقود الطبقة المتوسطة ومن حولها بقية الطبقات، تمخض هذا الحزب عن «شلة» تحكم مصر ~~وتقرر شئون وتمنع مزاولة السياسة إلا على أفرادها ومن يثقون فيهم. # قرأت مرة مقالا ظريفا كتبه أحد المعلقين الأمريكيين الذين عاشوا في مصر فترة. فقال عن ~~تركيب مصر السياسي في عصر الثورة إنها جاءت بقاموس ومصطلحات جديدة إلى دنيا السياسة في ~~العالم. والغريب أن الرجل استقى معلوماته من صفحة الوفيات في جريدة الأهرام، فداخل كل نعي ~~كان يعرف قرابة فلان الوزير لفلان رئيس مجلس إدارة كذا لفلان قائد سلاح كذا لفلان السفير في ~~كذا، وهكذا. المصطلحات الجديدة التي أدخلها ذلك الحزب الغريب الجديد كانت مصطلحات تبدو ~~مضحكة لأول وهلة، ولكنها كانت فعلا الحقيقة المرة، فهناك «الشلة»، وهناك «الدفعة»، وهناك ~~«القرابة القريبة والبعيدة». # في كل مجال من مجالات حياتنا كان يحكمها إما شلة أو ممثل الدفعة أو قريب لهذا أو ذاك ~~من القائمين على الحكم. # والخارطة السياسية لمصر تقول إنه منذ زمن بعيد جدا، منذ أول انتخابات أجرتها الثورة، ~~منذ تعقيم مصر سياسيا واعتبار أي ماض سياسي للشخص حتى لو كان وطنيا ونظيفا وشريفا ~~لا يحسب له، وإنما يحسب عليه، منذ أول انتخابات ms065 جرت فإنها لم تجر على أسس سياسية إنما ~~على أسس شخصية ذاتية أخلاقية محضة. # يعني نحن ننتخب الرجل الطيب، ليس مهما أن يكون فاهما في السياسة أو غير فاهم، ليس ~~مهما أن يكون واعيا بحيث يدرك ما يصلح لبلادنا وما لا يصلح، المهم أن يكون «طيبا ~~والسلام». # وبهذا قضينا على السياسة ولم ننتخب لمجالس شعبنا قادة سياسيين، إنما انتخبنا في معظم ~~الأحوال رجالا طيبين أو قادرين على إنجاح أنفسهم بالمال أو بالنفوذ أو حتى ~~بالتهديد. # ذلك لأن الثورة لم تسمح لنفسها أن تكون حزبا له مبادئ محددة واضحة تدقق جدا في ~~اختيار أعضائه لأنها ثورة تحكم، وما أكثر الانتهازيين الذين يريدون الانضمام لأي تنظيم ~~تصنعه ثورة تحكم. لم تسمح لنفسها أن تنشئ ذلك الحزب، وطبيعي جدا أنها لم تسمح لأي قوى ~~غيرها بأن تنشئ أي أحزاب أخرى. # لهذا فالموقف الآن أحسن قليلا. # واضح أن ثورة 15 مايو على أقل تقدير قد قررت أن تنشئ لنفسها حزب مصر العربي الاشتراكي، ~~وأن تسمح لأقسام أخرى من الرأي العام أن تنشئ أحزابا قد تختلف قليلا أو كثيرا مع حزب ~~مصر. # أقول إن الموقف أحسن، ولكنه ليس بالضرورة الموقف المثالي. # ولكن المشكلة أني أرى الموضوع من زاوية أخرى تماما. # فالأحزاب ليست زينة، والديمقراطية ليست أيضا زينة، الأحزاب كما قلنا تقوم لسد احتياجات ~~سياسية أو اقتصادية حادة وملحة؛ إذن هي ضرورة وليست ترفا. # فالسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان أولا هو: ما هي الضرورة الحادة الملحة في مصر ~~الآن؟ # الإجابة بسيطة، فهناك ضرورتان حادتان: القضية الوطنية، والمشكلة الاقتصادية. # القضية الوطنية تستلزم «الوحدة» حتى في البلاد العريقة في حزبيتها، مثل إنجلترا وفرنسا، ~~حين قامت فيهما جبهة من الأحزاب لمواجهة الحرب العالمية الثانية. # والمشكلة الاقتصادية أيضا تحبذ ضرورة الوحدة، وكما نشهد الآن في إيطاليا يتعاون الحزب ~~الديمقراطي المسيحي مع الحزب الشيوعي من أجل إنقاذ الاقتصاد الإيطالي من الانهيار ~~التام. # نحن إذن لسنا في مرحلة التحزب، نحن في حالة تستلزم الوحدة قبل أي شيء آخر. # ولكنها ليست الوحدة الديماجوجية ms066 التي كثيرا ما نادينا بها وقرأناها شعارات رنانة ~~وخطبا عصماء، من تحالف لقوى الشعب العامل، إلى آخره. # الوحدة بمعناها الحقيقي، أي الوحدة بين قيادات الطبقات والهيئات والفئات وأصحاب ~~الرأي . # الوحدة التي أساسها تنافس الجميع في البحث عن «حل» سواء لمشكلتنا الوطنية أو ~~الاقتصادية. # وقد يرى البعض أن هذا يتعارض مع فكرة الديمقراطية الحزبية وحرية تكوين الأحزاب، والعكس هو ~~الصحيح؛ فمصر، منذ أن نالت استقلالها وحتى قبل أن تناله، في حاجة ماسة إلى أن يمثل كل فئة ~~فيها أو طبقة قيادة ينضم بعضها مع البعض، وتكون تكتلا وطنيا قويا ما دام الوضع ~~يحتم التكتل الوطني لكي تمر الأزمة، وبعد أن تمر يصبح أمامنا الوقت الطويل لكي نعود ~~نتفرق ونختلف ونتخانق إلى ما شاء الله. # أجل، نحن في حاجة إلى أحزاب حقيقية تقود - وبالذات شبابنا - قيادة حقيقية بدلا من تركهم ~~نهبا للهوس، وأكاد أقول لهم حق؛ فأين القيادة الشابة الحقيقية التي من الممكن أن تستقطب ~~هذا الشباب المخلص في بحثه عن حل لمصر ومشكلاتها؟ # ليست مشكلتي الآن أن يقوم حزب وفد تحت اسم جديد أو لا يقوم، أن يتكتل المستقلون ويكونوا ~~حزبا أو لا يتكتلون، مشكلتي مثل غيري أننا لا نريد أن نرقص على السلم. فحزب مصر والحزبان ~~الآخران تكونوا بطريقة غريبة، أعلن تكوينها أولا ثم بدءوا البحث عن أعضاء يصلحون ~~لها، ثم بعد استكمال الأعضاء بدأنا نبحث لها عن برامج وأهداف. # ولهذا أنا لا أعتبر أن حزب 15 مايو أو 23 يوليو الحقيقي قد تكون بعد وأن مصر لا تزال ~~في حاجة ماسة لقيادة هذا الحزب. # في حاجة ماسة إلى «الوحدة» في الهدف والوسيلة. # وكل ما حدث منذ ظهور فكرة تكوين الأحزاب إلى الآن هو خناقات بين حزب التجمع وحزب مصر وحزب ~~الأحرار، وخطوة واحدة لم نتقدم بعد في طريق حل المشاكل، ليس كما تحل الآن وإنما بناء ~~على برنامج سياسي اقتصادي حزبي لحزب مصر ما دام هو الذي يحكم. ما زلنا نقيم المشروعات كيفما ~~اتفق أيضا، وبالمرة ليس هناك برنامج ms067 علمي حزبي مدروس ومتفق عليه ويتبناه ويدافع عنه جميع ~~أعضاء الحزب ويشرحونه للناس ويبشرون به، ما زالت حياتنا الحكومية التنفيذية في واد وحياتنا ~~الحزبية السياسية في واد آخر وحياتنا التشريعية البرلمانية في واد ثالث. # وأنا لا يهمني الأحزاب الناشئة التي تنشأ؛ فأن تصل هذه الأحزاب إلى الحكم مسألة مستبعدة ~~تماما خلال الأعوام الخمسة الحاسمة المقبلة على أقل تقدير. # لذلك فنحن في أمس الحاجة - وما دام حزب مصر هو الذي يحكم - أن يترجم هذا الحزب إلى ~~برنامج عمل وأهداف. # بل أكاد أقول: فلننس الطريقة التي تكون بها حزب مصر. # ولنعد نؤلفه على أسس حقيقية جديدة. # لندع إلى جمعية تأسيسية كثير من أعضائها من داخل حزب مصر هذا صحيح، ولكنها تضم كل ~~مفكر أو قادر على التفكير والقيادة في كافة مجالات حياتنا، بل وحتى لو كان عضوا في حزب ~~آخر. # ولتنته هذه الجمعية التأسيسية إلى برنامج عمل واضح وصريح يمثل آمال مصر وحلولها ~~لمشاكلها خلال السنوات العشر القادمة على الأقل. # وبناء على هذا البرنامج فينتخب من بين أعضاء الهيئة التأسيسية لجنة قيد، تنظر في طلب ~~الراغبين في الانضمام على أساس ارتباطهم أو قدراتهم على تنفيذ هذا البرنامج المتفق عليه، ~~وعلى أساس قدرتهم السياسية أولا وليس على أساس طيبتهم أو رفقهم في معاملة ومجاملة ~~الآخرين. # حتى إذا أحكمنا إنشاء هذا الحزب الذي سيمثل العمود الفقري السياسي لبلادنا، تتكون أحزاب ~~أخرى على نفس هذا النسق، قد تختلف برامجها عن برامج حزب مصر، قد تختلف أفكارها، قد تختلف ~~تكويناتها الاجتماعية والفكرية، ولكنها حتما ستمثل قيادة لمجموعة من الناس موجودة في ~~مجتمعاتنا وقائمة. # وعلى أساس تحالف - أو تصارع - بين حزب مصر وهذه الأحزاب، تصارع ليس هدفه التنابذ أو حب ~~الظهور وإنما هدفه الوصول إلى الحقيقة التي قد تكون تماما غير رأي حزب مصر أو غيره من ~~الأحزاب. # باختصار: نحن، في مشكلتنا، وبالذات خلال السنوات الخمس القادمة في حاجة إلى كلمة سواء ~~بيننا، لسنا في حاجة إلى إجماع صوري، نحن في حاجة لنقاش واختلاف يؤدي بنا في ms068 الحقيقة إلى ~~كلمة سواء؛ فالصراع القائم الآن صراع من ورق وعلى ورق، بينما مشاكلنا حقيقية وعاجلة وفي ~~حاجة إلى قيادة فعالة لرؤيتها حبذا لو كانت شابة ونشطة وواعية سياسيا. # | تحية لهم ، وعزاء لنا # غريب جدا هذا الإحساس، لم أشأ أن أحضر العملية؛ فالمصاب صديق والمعالج صديق، وبعدي ~~عن الجراحة قد أنشأ بيني وبينها نوعا من الجفوة حتى أصبحت وكأني ما زاولتها يوما. # ولكني فوجئت بالدكتور أحمد البنهاوي يستدعيني لحجرة العمليات لأرى بعيني مدى ~~الإصابة. # الدكتور أحمد البنهاوي ذلك الذي لم يتغير شكله كثيرا منذ أن قابلته لأول مرة على ~~«ترابيزة» الغداء في مدرسة الزقازيق الثانوية، أصبح الآن عميدا لكلية طب جامعة عين شمس. ~~الحقيقة حين علمت الخبر لم أستعجب وإن كنت قد دهشت أن يقع اختيار مجلس الكلية المكون من ~~فطاحل الأساتذة على أستاذ جراحة المخ هذا الذي يبدو وكأنه في الثلاثين، عميدا للكلية. بل ~~أكاد أكون قد فرحت، فمن الفرح أن تجد واحدا من دفعتك وصديقا لك قد احتل مركزا علميا ~~خطيرا كعميد لكلية طب راسخة مثل عين شمس. # ناداني الدكتور البنهاوي لأرى إصابة الرأس التي يعالجها، كان الصديق المصاب قد انهال عليه ~~بعض الصعايدة بنبابيتهم على رأسه فكسرت الجمجمة، وحدث نزيف رهيب داخل العظم، بحيث أصيب ~~المريض بشلل وأخذت حالته تتدهور حتى أوشك أن يسلم الروح. لم يكن هناك وقت لعمل أشعة أو ~~لمعرفة بالضبط مكان الإصابة والشريان أو الوريد الذي ينزف. كانت أمامنا - كما قال الدكتور ~~البنهاوي - نصف ساعة فقط، إذا لم تعمل العملية فيها مات ذلك الإنسان العزيز. ولم يكن ~~بالمستشفى الذي كان يرقد فيه المصاب آلات جراحية تصلح لجراحة المخ (مع أنه مستشفى دار الشفا ~~الكبير)! وهكذا ودون انتظار لعربة الإسعاف حملنا المريض في عربة عادية وبأقصى سرعة إلى ~~مستشفى الجمهورية. # والآن هو يريني الجرح، كان شيئا مهولا خارقا للعادة؛ كان عمق الجرح لا يقل عن عشرة ~~سنتيمترات داخل الجمجمة، أمامي كان يدخل الشفاط فيه لعمق عشرة سنتيمترات ولا يأتي لآخره. ~~وكان كم هائل من ms069 النزيف قد تكون خارج «الأم الجافية» هذا صحيح، ولكنه كان يضغط بشدة ~~ويكاد يخنق المخ بكل وظائفه. # المهم أنه بحذق ليس غريبا على البنهاوي تم شفط النزيف والورم الدموي، وبعد يوم واحد ~~كان المريض قد شفي من الشلل النصفي وجلس، ثم تحرك، ثم عاد طبيعيا تماما، وكأن ~~شيئا لم يكن. # أذكر هذا كله لسبب غريب، فقبل أقل من 15 عاما كانت هذه الإصابة تعتبر قاتلة؛ إذ لم يكن ~~الإنسان قد جرؤ بعد على ولوج ذلك الصندوق الرهيب المغلق؛ صندوق المخ. الآن هي لا تعالج فقط ~~ولكن المريض بعدها يعود عاديا تماما كما رأينا. # الحقيقة أنه بعد العملية جلست وحيدا في غرفة ملابس الأطباء يكاد الدم يطفر من عيني. هذه ~~مهنة واضحة سريعة الفائدة سريعة المفعول. هذا هو إنسان كان مشرفا على الموت تماما وإذا ~~به الآن وبمبضع الجراح قد عاد إلى حالته سليما معافى. # والآن تلك الكتابة التي أزاولها، ترى هل باستطاعتها أن تعطي نتيجة مرضية لصاحبها ~~تماما كما رأيت النتيجة الآن، أم هي أحيانا كالأذان في مالطة تتساءل دوما عنه وترى هل ~~يسمعه أحد؟ أقول هذا الكلام لأن المضحك أن الصديق أحمد البنهاوي حاول منذ بضع سنوات أن يكتب ~~القصص وقد كتب فعلا أشياء جميلة، ولكن من حسن حظ مرضاه ومن حسن حظ الطب أنها لم تطلع في ~~رأسه ويتخذها هواية دائمة أو حرفة. # أيها المنعمون بالنتائج الحية الملموسة لأعمالكم، وخاصة إذا كانت النتيجة هي إعادة ~~الحياة إلى جسد دخل فعلا منطقة الموت، تحية لكم وعزاء لنا. # | ليلة العيد # إلى الساعة الحادية عشرة من مساء يوم الاثنين 12 سبتمبر، وثمة 40 مليون مصري ومائة مليون ~~عربي أو أقل أو أكثر ينتظرون إشارة من مجلس القضاء في المملكة العربية السعودية أو دار ~~الإفتاء في القاهرة، بحلول أو عدم حلول عيد الفطر المبارك في اليوم التالي. الجيران يسألون ~~بعضهم بعضا إن كانوا قد سمعوا، التليفونات تتساءل، دور الصحف ليس لديها أي أخبار، والكل في ~~حالة قلق غريب غير معقول، هل يحضرون ms070 السحور؟ هل يستعدون غدا للعيد؟ هل يسافرون؟ هل ~~ينامون على عمل في اليوم التالي أو على إجازة؟ مئات «الهلات» التي تنتظر «الهلال». # وهذه ليست المرة الأولى التي يكتب فيها هذا الكلام، وهذه ليست المرة الأولى التي تخوض ~~فيها الصحف في الموضوع أو يدور النقاش حول الأخذ بمبدأ الرؤية العينية لهلال شوال أو هلال ~~رمضان أو مبدأ الحساب الفلكي، ولكن أريد أن أقول كلاما أرجو أن يكون بسيطا جديدا. فيوم ~~الأحد الماضي قرأت في صحفنا أن مجلس القضاء في السعودية أصدر بيانا ناشد فيه المواطنين أن ~~يبلغوا المجلس فورا إذا «رأى» أحدهم هلال شوال، أخذا بالمبدأ القائل بضرورة ثبوت الرؤية ~~بالعين المجردة. ولقد ثبت لنا الآن علميا أن العين ليست «مجردة» وأنها مكونة من عدسة ~~وقرنية وسائل وشبكية ... إلى آخر مكونات العين، وأن كثيرين من الناس يستعملون النظارات ~~لتصحيح قوة عدسة العين، فهل تعتبر العين التي تستعمل النظارة مثلا عينا «مجردة» أم هي عين ~~تستعمل العلم الحديث وقوانين الضوء والعدسات لتصحيح ما فيها من خطأ؟ # أعتقد أن مجلس القضاء إذا جاءه شاهد أو شاهدان يقولان إنهما رأيا هلال رمضان أو شوال رؤية ~~العين وكانا يرتديان نظارات، سيأخذ بالقطع بكلامهما ويعتبر رؤيتهما للهلال شرعية. # وإذا كان المجلس قد أصدر بيانا يناشد فيه «أي» مواطن رأى الهلال أن يبلغه بهذه الرؤية، ~~ألا تنطبق هذه المناشدة على «علماء الفلك» المسلمين الذين قد يرون الهلال من «نظارات» أقوى ~~كثيرا من النظارات العادية وأقدر وأدق؟ # إن علم الفلك وحساب مدارات النجوم والأقمار ليس علما «وثنيا» ولا هو بعلم «كافر»، ~~وإنما هو علم إسلامي نبغ فيه علماء المسلمين وأخذته عنهم أوروبا المسيحية. وإذا كنا نحن ~~نستعمل ونعتمد على الموجات السلكية واللاسلكية «وهي اختراع أوروبي مسيحي» في توصيل «الرؤية» ~~وخبرها إلى كافة المسلمين سواء في بقاع العالم المختلفة، فكيف نستحل هذه الوسيلة «غير ~~الواردة في الشرع» ونحرم الوسيلة التي ابتكرها علماؤنا المسلمون لمعرفة وحساب ظهور ~~الهلال؟ # والمسألة فقط ليست مسألة فقهية أو شرعية من اختصاص القضاة والفقهاء. لقد ms071 أصبحت بداية ~~رمضان المعظم وحلول عيد الفطر مسألة «تنظم» حياة مئات الملايين من المسلمين في كافة بقاع ~~الأرض، أصبحت مسألة اجتماعية اقتصادية فوق كونها دينية؛ ونتيجة لهذا الارتباك يفقد ~~المسلمون مئات بل آلاف الملايين من ساعات العمل والإنتاج. والمسلمون في كافة أنحاء الأرض ~~معظمهم فقراء وفي حاجة إلى جهد جبار خارق للإنجاز والإنتاج، ويكفي أن نضرب مثلا على ما ~~حدث يوم الاثنين والثلاثاء 12 و13 سبتمبر، فأعتقد أنهما فقدا تماما كيومي عمل مثمر ~~للمسلمين كافة، وضاعت على المسلمين لا أقل من ألف مليون ساعة عمل. والسؤال هو: أين الحرام ~~وأين الحلال في هذا؟ أن نضيع أموال المسلمين وحياتهم على هذه الصورة ليزدادوا فوق فقرهم ~~فقرا، أم نبحث عن وسيلة موحدة يتفق عليها جميع المسلمين لتحديد يوم صومهم ويوم ~~إفطارهم؟ # | اختراع جميل جدا # شعب غريب. أتأمل الكلمات التي طالما تبارى الكتاب والمستكتبون وأصحاب الحديث والمستحدثون ~~يصفون بها شعبنا، وأهز رأسي: الشعب العظيم، الشعب الطيب، الشعب المتحضر، الشعب العريق ~~... # ومنذ الثورة الفرنسية وظهور الماركسية أصحبت كلمة ~~الشعب «دوجما»، أي شيء غير قابل للنقاش وكأنه المعبود الجديد. كل قائد ثورة أو منشئ حكم ~~يتبارى في تمجيده ويذكر أنه «الشعب المعلم»، «الشعب الملهم»، له وحده أركع أو أخضع، ومنه ~~أستقي الدروس وعليه أتتلمذ. ولقد حاولت في لحظة تأمل أن أضع يدي على المدلول المادي الحقيقي ~~لكلمة «الشعب» هذه، وبالذات في وقتنا الحاضر. ذلك أن المسائل تطورت خصوصا في بلاد العالم ~~الثالث إلى درجة خطيرة، فباسم الشعب يشنق هذا وباسم الشعب يؤله آخر. وإذا كانت السيدة ~~التي قالت وهي تساق إلى «الجيلوتين» لكي يفصل رأسها عن جسدها أيام الثورة الفرنسية، ~~قالت: أيتها الحرية، كم من الجرائم ترتكب باسمك! حتى ذهبت مثلا. ولكن «الحرية» كلمة ~~محددة معروفة لها معنى، عدوها ظاهر للعيان إن اجترأ وظهر، ونصيرها من الممكن معرفته حتى ~~ولو لم يعلن عن نفسه، ولكن المشكلة الحقيقية أن كلمة الشعب ليست أبدا بهذا التحديد أو ~~الوضوح. إنها موجودة والشعب أي نعم موجود، ولكن الكارثة أن ms072 كل أو تقريبا كل فرد من أفراد ~~هذا الشعب يستطيع أن يتحدث باسم الشعب، كل إنسان باستطاعته أن يقول إن شعبنا يريد كذا أو ~~كيت، وكل حاكم باستطاعته أن يؤكد أنه إنما يتخذ هذا الإجراء أو ذاك «باسم الشعب» أو باسم ~~الأمة أو باسم الأمن القومي. كلمات كبرى ذات رنين خفاق يبعث الرهبة في القلوب، فتصور أنك ~~تأخذ أجزاء كبرى ذات رنين خفاق لمليون أو لمئات ~~الملايين من البشر، إما يحقق لهم رغبة أو تضرب دفاعا عنهم قوة. مسألة تجعلك تتصور وكأنه ~~الشعب بملايينه قد اجتمع في معبد هائل الضخامة هائل الارتفاع مدوي الرنين، ومن الصوت ~~الحقيقي النابع من إرادة كل فرد على حدة تتجمع كقطرات الصوت سحب الرنين المتصاعد يرعد ويبرق ~~وتهتز لها جدران الكون نفسه إن كان للكون جدران. # المسألة في أصلها إذن شيء رهيب لا يكاد العقل أو الخيال يتصوره أو يحيط به. ولكن ~~المشكلة كما قلت إنها في دول العالم الثالث مثلنا قد تحولت إلى شيء أبسط من البساطة، من ~~أبسط الأشياء على أي حاكم في آسيا أو أفريقيا أو حتى أوروبا أن يقول باسم شعبنا العظيم ~~وتاريخه وتراثه وتقاليده الخالدة، لا أقول يعلن الحرب أو يقر دستورا وإنما يرحب بزيارة ~~رئيس وزراء أو أحيانا وزير. # ويبدو أن هذه المشكلة لم تخطر ببالي وحدي. يبدو أنها منذ زمن وهي تطرق أدمغة أناس كثيرين ~~من دول أكثر تقدما، ولهذا ابتكروا من أجلها حكاية معاهد قياس الرأي أو الاستفتاء مثل ~~معهد جالوب أو غيره وهو لدى أي عمل يقوم به رئيس أمريكي أو شخصية ذات أهمية عامة، لدى كل ~~حركة منه أو لدى كل خطوة أو أزمة، يضعون استفتاء عاجلا ليتعرفوا على مدى شعبية الرجل أو ~~حظوته أو اتجاهات الرأي العام. ولكن هذا في رأيي مجرد تعرف سلبي «لاتجاه» الرأي العام لا ~~يمكن أن يصل إلى تغطية كاملة لرأي الشعب، ولا إلى كشف عميق لما يريده الناس فعلا ~~ويتمنونه. إنهم يختارون «عينات» من قطاعات مختلفة من الجمهور من ms073 مختلف المهن والأعمار ~~والبيئات، وهذه قد تعطي فكرة شاحبة جدا عن ماهية أو اتجاه الرأي في هذا الموضوع أو ذاك، ~~ولكنها أبدا لا تمثل الحقيقة الكاملة. بل إن الأرقام التي تذيعها أمثال هذه المعاهد نفسها ~~أرقام يشكك البعض فيها رغم الضمانات الرهيبة التي تحاط بها إجراءاتها، ويعتبرون أنها أيضا ~~مثل الإذاعة والتليفزيون في كل وأي بلد مهما بلغت ديمقراطيته «موجهة»، بعضها موجه بحذق ~~ومهارة وخبث دفين من الصعب تماما اكتشافه، وبعضها موجه بطريقة عبيطة تماما أو واضحة ~~كل الوضوح لا يمكن أن تخفى على أحد. ~~••• # ماذا جعل هذه الأفكار كلها ترد إلى ذهني؟ ربما السبب أني طول اليوم أفكر في كلمة الشعب ~~والشعوب هذه، وأتأمل ليس فقط كم من الجرائم ترتكب باسمها، ولكن المهم كم من التزويرات ~~تحدث باسمها. هذه الأوضاع في بلادنا العربية كلها، في منطقة الشرق الأوسط، لا بل في العالم ~~كله، أهي تعبر حقا عن إرادات شعوب المنطقة أو العالم؟ ألسنا كشعوب عالم مساكين إلى ~~درجة لا يتصورها عقل؛ بغير إرادتنا نحارب، ومسلوبي الإرادة نسالم؟ الحرب العالمية ~~الأولى مثلا بأي حق تقوم؟ ومن يذكر الآن السبب الإنساني الملح لقيامها؛ ذلك الذي أضاع ~~عشرات الملايين من أرواح البشر؟ الحرب العالمية الثانية، وما بين الحربين وما بعد ~~الحربين، سبعون مليون إنسان قتلوا قتلا، ودائما وأبدا باسم الشعب وباسم الشعوب. حتى ~~حين تدخل المبادئ حقل الوجود البشري؛ تلك المبادئ التي في العادة تقوم لخلق إنسان أكثر ~~سموا وأقل وحشية وتأخرا، فتتحول على أيدي الحكام الذين «باسم الشعب والمبدأ» ~~يحكمون، إلى مذابح وإلى دم كثير يسيل، وأرواح آدمية لا عدد لها تهدر، لكي - ويا ~~للمهزلة! - يصبح الإنسان أكثر سموا وأقل وحشية. ~~••• # وتصوروا الكارثة! شعوب منطقتنا كلها تريد السلام والأمن والاستقرار. لا مواطن واحد فيها ~~يريد الحرب إلا من يعاني منهم حقيقة من لوثة عقلية. وحكوماته، باسم تلك الشعوب الطيبة ~~المسالمة تدفع الأمور دفعا إلى هوة الحرب، بالرفض أو بالقبول أو بالتعنت. وتحت أسماء ~~كثيرة براقة خادعة، مجرمة في حقيقتها، مجرمة إجراما ms074 يأنف منه الوحش ذاته، تهيئ المسرح ~~للمجزرة. # الأشد بعثا على الأسى، بل على الضحك البالغ قمة الأسى، أن إسرائيل هي المتعنتة ~~لأنها - ويا للهول! على رأي يوسف وهبي - أكبر من العرب لكي تحظى بالأمن وكي «تفرض » السلام، ~~وكأنك تريد أن تعيش في قرية في الصعيد أو في حلب، وطريقتك لكي تحيا في سلام مع أهل تلك ~~القرية أن تذبح من أهلها عددا يخيف الآخرين ويجعلهم يرهبونك، وبهذا تحصل على «الأمن» ~~و«السلام». # ترسانة الأسلحة ضمان «للأمن». # الحرب والقتل هو الطريق «للسلام». # وكل هذا «باسم الشعب» اليهودي أو الإسرائيلي. # إن رئيس وزراء أي دولة للأسف لا يقتل في أي حرب يخوضها بلده ولا يجرح. # إنما الذي يقتل هو الشباب البريء من هنا أو هناك. # ورؤساء الوزارات ورؤساء الدول يبقون منعمين مترفين، الحرب عندهم إذن لا تعني سوى ~~كلمة. # إنما الحرب عند الشعب هي إزهاق روح، روحي أو روحك أو أرواحنا. # وباسمنا دائما تزهق أرواحنا، باسم الشعب. # اختراع جميل والله حكاية «أمن» الشعب، و«مستقبل» الشعب، و«المصلحة العليا» للشعب. # اختراع جميل جدا. # له بالضبط نفس جمال العصابة التي تحيط بعين الجنرال ديان. # اختراع جميل؛ لأنه يخفي قبحا لا يستطيع البصر أن يتحمله. # | حوار عن المرأة # ولكن الغريب حقا أنه في كافة الخطابات والمكالمات التي علقت على ما كتبت، لم يصلني ~~من «المرأة»، تلك التي كتبت أدافع عن حقها في الكرامة وعن حماية آدميتها، لم يصلني إلا ~~خطاب واحد من سيدة أو فتاة - لا أعرف - تتهمني فيه أن دعوتي إلى إنسانية نسائنا دعوة ~~رجعية وإن لبست ثوبا تقدميا. وفي الحق أن هذه ليست المرة الأولى التي أتعرض فيها ~~لنقد؛ فقد ذكرت مرة شيئا عن ثقافة المرأة فانهالت علي أقلام كاتباتنا العزيزات. والحق ~~أني أحسست أني في حاجة لتوضيح موقفي بالضبط من المرأة بشكل عام، ومن نسائنا بشكل خاص. ~~وهبط الموضوع الذي كنت قد تحاورت فيه مع الدكتورة سناء السعيد (وهي مراسلة ال «بي بي سي» ~~في القاهرة) كالمنقذ، وهذا هو نص الحوار كما نشرته الدكتورة ms075 وكما أذيع: ~~- المرأة موضوعي، أعتبر المرأة بالفعل رسالتي في الحياة. وهذا ليس نفاقا للمرأة وإنما ~~حبا في الحياة. إن مقياس إنسانية أي إنسان هو مدى ما يقدمه للحياة، وبالنسبة لي ~~فالمعادل للحياة هو المرأة؛ ولهذا أعتبر كل ما يفعله الرجل بمفرده بعيدا عن المرأة هو ~~بالضبط ممارسة بعيدة كل البعد عن الحياة. ~~- هل أنت راض عما وصلت إليه المرأة اليوم؟ ~~- بشكل عام، أعتقد أن المرأة في العالم الآن، ولا تزال إلى حد كبير مهضومة الحق ولم ~~تتبوأ بعد مكانها الصحيح. ليتنا نعود إلى المجتمع الأموي؛ فربما يكون هذا هو الرقي ~~بعينه. إن الأشكال التي نستنكرها في تصرفات المرأة هنا وهناك راجعة إلى «تحديد إقامتها» ~~داخل مجتمعاتنا؛ فهذه تصرفات عصبية انفعالية للتخلص من موقف العبودية الذي فرض عليها ~~سواء في المجتمعات المتقدمة أو المتخلفة. إنني ما زلت أطلب للمرأة حق الوجود الأسمى في أي ~~مجتمع تحيا فيه؛ لأنه بغير ذلك سنظل متخلفين عن «الحياة» نفسها، أو الحياة كما يجب أن ~~تكون مهما تطورت واجهات الرقي المادية والاستهلاكية. ~~- وما كم الحرية الذي تنادي به للمرأة؟ ~~- ستظل المرأة تتصرف بلا مسئولية ما دمنا نحن نعطيها الحرية بالقطارة. إن الحرية هي ~~الأكسجين الذي يساعد الأشكال الضعيفة من الحياة أن تقوى ويهلك الطفيليات الضارة. الحرية ~~هي الإكسير، وبجرعات أكبر من الحرية وبالتالي من المسئولية نعطيها للمرأة نقضي على ~~المساوئ. والحرية ليست التسيب كما قد يعتقد البعض. إن الحرية هي التصرف الصادق مع ~~النفس، والإرادة الحرة غير الملوية الذراع. ~~- ما الشيء الذي ينفرك من المرأة؟ ~~- ينفرني كمبدأ، سواء في المرأة أو الرجل، عملية الانتقال. نحن في عصر تستطيعين أن ~~تطلقي عليه عصر الاقتراب من الصدق. كلما كان الإنسان صادقا ويوصل صدقه للآخرين اقترب من ~~العصر، وكلما اصطنع تخلف أو ارتد أو فسد. ~~- معنى ذلك أن عنصر التلقائية هو الذي يجذبك إلى المرأة؟ ~~- لأن التلقائية مرادفة للصدق. أتمنى اللحظة أن ترتفع فيها كل المحاذير الذاتية من ~~تصرفاتها وتبدأ تتصرف بتلقائية الصادق مع نفسه. لو أننا جميعا استطعنا ms076 أن نرفع هذه ~~الأقنعة وتصرفنا بتلقائية وعدم تخطيط خبيث للعلاقات بين الناس، لوصلنا إلى مرحلة بشرية ~~أوقع وأحسن. ~~- فكرة المرأة الغامضة ... شعورك حيالها؟ ~~- قد تكون غامضة نتيجة عمق لا تفتعله، وإنما الغير هو الذي يشعر به ويحسه ويدرك أن ~~وراءه عمقا حقيقيا. وقد تكون غامضة عن افتعال واصطناع شخصية، وهذا نوع يثير الضحك ~~والرثاء. ~~- ورد فعلك تجاه الغموض غير المفتعل؟ ~~- أحاول اكتشاف كنهه، تماما كما أحاول اكتشاف كنه الحياة. غموض المرأة في أحيان هو ~~من غموض الحياة نفسها؛ ولهذا فالحياة لا تفتعل الغموض؛ هي غامضة رغم أنفها. ولذلك عندما ~~أنادي بالتلقائية لا أنادي بالبساطة، التلقائية هنا لإسقاط كل الأشياء التي تعوق العملية ~~الحية. والعملية الحية في حد ذاتها عملية غامضة جدا ومثيرة جدا وممتعة تماما. ~~فإنها عندما أطالب بنزع الأسوار المصطنعة التي تمنع الإنسان من السلوك المضبوط، أو تمنع ~~الرجل والمرأة من الاقتراب بعضهما من البعض اقترابا صحيا حقيقيا، فإنما أدعو إلى ~~اقتراب أعمق وأمتع. ~~- ما هي في رأيك المشكلة التي ما زالت تسيطر على المرأة في مجتمعنا؟ ~~- الرجل! ومن أجل هذا فالمرأة تفقد الكثير جدا من طاقتها ومواهبها وقدراتها في التفكير ~~الزائد في الرجل، ربما تصبح امرأة حقا إذا ما بدأت تهتم بأشياء أخرى بجانب الرجل، ~~اهتمامات الحياة العريضة الشاملة وليست لعبة البينج بونج القائمة بينها وبين ذلك المسكين ~~الرجل. ربما كلما بعدت المرأة عن التفكير في الرجل وبعد الرجل عن التفكير في المرأة ~~اقتربا أكثر وتلاحما ليصبح منهما هما الاثنين ذلك الإنسان الواحد الكامل. فالمرأة «نصف» ~~إنسان، والرجل «نصف» إنسان، والإنسان الحقيقي رجل وامرأة معا. # انتهى الحوار، أو أرجو ألا يكون قد بدأ. # | للموظفين فقط # علامة بدت واضحة كل الوضوح الآن، وهي سوء معاملة موظفي الدولة المتصلين بمصالح الجمهور ~~للجمهور، وكأنهم ينتقمون منهم. وأنا أعلم تماما ما يعانيه الموظف من نقص في الدخل ومن ~~مصاريف أولاد ومن ظروف معيشة ومن مليون مشكلة، ولكن ما ذنبي أنا زميله المواطن لينتقم مني ~~ويفرغ في أزمته. # أقول هذا لأني من بين ms077 أكوام الخطابات التي وجدتها تنتظرني لدى عودتي، قرأت هذا الخطاب ~~الذي حز في نفسي إلى درجة أفسد علي فيها الحياة إلى الآن، فقد تصورت نفسي في موقف صاحب ~~الخطاب، وظل الألم يعتصرني ويلح علي، وأنا إذ أنشره لا أفعل هذا لأقلق راحة أحد، إنما ~~لأرى إلى أي مدى وصلنا في تعذيب أنفسنا. ~~(1) # في 3 / 1 / 1977 أخطرت تلغرافيا بوفاة نجلي محمد فريد، وكان يعمل خبيرا ~~اجتماعيا في المملكة العربية السعودية، وأن جثمانه سيصل إلى مطار القاهرة يوم 5 / 1 / 1977. ~~(2) # توجهت إلى المطار في صباح هذا اليوم، ولكن الطائرة وصلت الساعة 12:30 صباح ~~يوم 6 / 1 بعد انتظار أكثر من 18 ساعة. ~~(3) # وكانت الحكومة السعودية قد تكرمت وأرسلت مرافقا يصاحب الجثمان وزوجة ابني ~~وأولاده مشكورة. ~~(4) # استعلمت من إدارة المطار عن كيفية استلام الجثمان فطلبوا مني الانتظار حوالي ~~الساعة، ثم التوجه إلى المخزن لاستلامه، توجهت أنا والمرافق إلى المخزن ~~ولا أذكر رقمه بالتحديد، واستعلمت عنه فأخبروني أنه في المخزن الآخر الذي يبعد ~~عن هذا المخزن بأكثر من 3 كيلومترات، وفعلا توجهت إليه واستعلمت منه، وبعد ~~فترة قالوا لي إنها موجودة في المخزن الأول، وتأكيدا لذلك فتحوا المخزن ~~فشاهدت فيه تلالا من الصناديق والحقائب ولم أجد فيه صندوق الجثمان. وعدت ~~أدراجي إلى المخزن الأول، فأبلغني أمين المخزن أنه سيبحث عن الجثمان، وطلب من ~~المرافق (السعودي من فضلك) عدة أوراق قدمها له، وأخيرا طلب مني طابع دمغة ~~(بمناسبة مقالك عن الدمغة) توقيع 25 مليما لأضعه على إيصال الاستلام. وكانت ~~الساعة 3 صباحا، فأفهمته بأنه لا يوجد معي طوابع دمغة، وعرضت عليه أن يأخذ ~~ثمنها فرفض وأفهمني أنه يوجد مكتب بريد بالبدروم يمكن شراؤها منه. فأفهمته ~~بأنني متقدم في السن ولا يمكنني البحث في هذا المكتب، ورجوته أن يرسل أحد ~~عمال المخزن لشرائها رفقا بوالد مات ابنه ويبحث عن جثمانه، وأخرجنا ورقة من ~~ذات ال 25 قرشا ليعطيها له ليشتريها ويعيد الباقي، فاعتبر سيادته ذلك إهانة ~~له. أغلق المكتب على نفسه، فتركت المكتب وذهبت للبحث ms078 عن مكتب البريد فوجدته ~~مغلقا، وعلمت أنه يفتح 6 صباحا؛ فانتظرت على الباب أنا والمرافق (السعودي من ~~فضلك) حتى فتح في الساعة 7 صباحا واشتريت الدمغة وذهبت إلى أمين المخزن ~~وقدمتها له، وظننت أن الأمر قد انتهى. وإذا بسيادته يطلب مني أن أختار أحد ~~العمال من عمال المخزن لإحضار الجثمان لأنه لا يزال في الطائرة ولم يصل المخزن؛ ~~وهنا لم أتمكن من ضبط أعصابي وصحت: لماذا أختار العامل الآن؟! ولماذا لم تقل ~~لي هذا عند طلبك إحضار الدمغة؟ وسقطت في غيبوبة، ولما أفقت بعد ساعة تقريبا ~~علمت من المرافق (السعودي من فضلك) أنه اختار أحد العمال وأعطاه جنيها أتعاب ~~إحضار الجثمان. وحضرت عربة نقل الموتى ودار السائق بين المكاتب المتعددة ~~طورا للاطلاع على رخصة القيادة، ومكتب آخر للاطلاع على رخصة السيارة، وثالث ~~لأخذ تعهد عليه. وأخيرا تسلمت هذا الجثمان - ابني حبيبي - وكانت الساعة ~~12:20، أي بعد أكثر من 32 ساعة من الإجراءات. # حسن حسني عبد الحليم # 2 شارع قنطرة غمرة، ميدان الظاهر ~~••• # عذرا لسردي هذه الفاجعة التي لا يمكن أن تحدث إلا عندنا، إني لا أطلب تحقيقا في ~~الموضوع؛ فهو قد حدث ويحدث وسيحدث وآلاف غيره. ولكني أريدها مرآة تعكس لسادتنا الموظفين ما ~~يقومون به أحيانا بوعي أو بدون وعي انتقاما من ظروف أو أزمات، أو هكذا، زهقا وضيق حال، ~~نحن منكم وأنتم منا، فلماذا يعذب بعضنا البعض؟ لماذا؟ # | لمن اخترعت كلمة «الدمث»؟ # هناك أناس يموتون فتحزن عليهم لأنهم خسارة وطنية أو قومية، وهناك آخرون تحزن عليهم لأنهم ~~كانوا يمثلون لك أهمية خاصة، وذهابهم سيضيرك أو يضرك، وهناك أناس تحزن عليهم شفقة أو ~~إشفاقا لما سيجري لعائلاتهم من بعدهم، وهناك أناس لأنهم أصدقاؤك أو بعض معارفك أو عتبا ~~على الموت أنه اختطفهم قبل الأوان أو غيلة. غير أنه في النادر جدا ما تحزن لوفاة إنسان، ~~لا لأنه كان صديقا عزيزا فقط، ولا زميل عمل فقط، ولا كفؤا فقط، وإنما فوق هذا كله قد ~~تجمعت فيه وتركزت خصال هي في النهاية ms079 التي تجعل من الإنسان إنسانا، ومن العنصر البشري ~~عنصرا ساميا، أسمى ما في الكون الذي يجعله رغم كل موبقاته جديرا حقا بلقب ~~إنسان. # وأنا حزين على صديقي محمود عبد العزيز محمود حزنا هز أعماقي هزا، ولم يحدث لي من ~~زمن طويل ربما منذ أن مات أبي من عشرين عاما؛ ذلك لأنه ليس حزنا «عقليا»، ولكنه نابع ~~من وجدان كان يرى في محمود عبد العزيز الإنسان، ليس الإنسان الكامل، فلا كامل سوى الله، ~~ولكن الإنسان الأكمل منا جميعا نحن الأحياء. # ثمانية عشر عاما عملتها معه، أحيانا باتصال عمل مباشر، وأحيانا بحكم الوجود في مؤسسة ~~واحدة سواء أكانت «الجمهورية» أم «الأهرام». بل ومن الصدف الغريبة أن تكون علاقتي به خلال ~~العامين الأخيرين علاقة عمل كاملة. وماذا أقول لك عن علاقات العمل وضرورة أن يحدث فيها ~~غضب واختلاف وأحيانا صدام ومقاطعة؟ وباختصار: عمري ما رأيت مشرفا على عمل يومي إلا وهو ~~يتمتع بقدر كبير من الكره، إما من مرءوسيه المباشرين أو زملائه أو رؤسائه. هذا إنسان ~~نادر؛ ذلك أنه ليس معي فقط وإنما مع الجميع، وأقولها بلا أي مجاملة ولا حتى مجاملة صديق مات ~~شهيد الواجب والمهنة، وإنما أقولها كحقيقة لا يستطيع أن ينكرها حتى أشد الناس كرها له، لو ~~حدثت المعجزة ووجدت فعلا من يكرهه. نسمة إنسان وسط جحيم القيظ البشري الذي نعيش فيه، كلما ~~تراكمت متاعب الدنيا والعمل أحس على الفور أني في حاجة لابتسامته، وفي حاجة للحديث معه، ~~وأنا أعرف أني لا أتحدث مع إنسان خالي البال أو لا يعاني من مشاكل، بالعكس أتحدث مع إنسان ~~تحاصره الهموم وتكاد تخنقه المشاكل، ومع هذا فهو ابتسامة حانية لغيره، تقدير مرهف ودقيق ~~لظروف الآخر قبل ظروفه. دمث، و«دمث» كلمة طالما استعملناها لنقر بحقيقة أو للتمني أو ~~للمجاملة. أعتقد أنه لو لم توجد كلمة دمث في اللغة العربية لأوجدها محمود كاملة وبكل ~~أبعادها بتصرفاته ومواقفه وأفعاله، لاخترعها بمجرد شخصيته اختراعا. # آخر مرة رأيته فيها كان يوم الأحد في استراحة الرئيس بالمعمورة أثناء اللقاء ms080 مع الكتاب ~~ورجال الإعلام ونحن نتصافح. بابتسامته الودودة المصرية شد على يدي وقال: موعدنا غدا ~~الاثنين لتسلمني مفكرة الجمعة كما اتفقنا. وقلت: خلاص يا محمود. قال: لا! أريد، أرجوك أن ~~تحدد الموعد بالساعة والدقيقة وليس اليوم فقط. قلت: لا، إني متنازل لك عن تحديد ~~الساعة، حددها أنت. قال: لقاؤنا إذن إن شاء الله سيكون في الثانية عشرة بالدقيقة ~~والثانية. موافق؟ # ولكنه سبحانه شاء أن يتم اللقاء حقا، إنما بطريقة أخرى. ففي الثانية عشرة تماما ~~وبالدقيقة والثانية كنت ألتقي بمحمود، كل ما في الأمر أن روحه كانت قد صعدت إلى السموات ~~العلى، وجسده كان محمولا على أعناق الرجال. لقاء وأي لقاء! مضبوطا في مواعيده وعهوده كما ~~كان دائما، وكما هي عادتي أنا غير مضبوط في مواعيدي. ولكني هذه المرة كنت مضبوطا تماما، ~~بل جئت قبل الموعد بساعة، فقد كنت أعرف أنه آخر لقاء. # عزاء لنا جميعا نحن العاملين في أشق المهن وأكثرها متاعب، ومعظمها متاعب فيها ومن ~~أبنائها لأبنائها، عزاء لنا في أجمل زهرة «أقسم إن هذا رأي حقيقي وأبدا ليس مجاملة لمحمود ~~لأنه ذهب» كانت تعبق في صمت في صحافتنا، والمؤسف أنها كانت تعبق لنا فقط، المؤسف أن جمالها ~~ورائحتها لم تكن تصل بطريق مباشر إلى القراء والجمهور وإلا لبكوا عليه بحرقة ومن قلوبهم ~~وأكبادهم مثلما فعلنا نحن الذين عرفناه، وكانت معرفته تمثل لكل منا نسمة رقيقة ~~عليلة في جحيم العلاقات الصحفية الخماسينية اللافحة التي تحيط بنا. # وإلى جنة الخلد أيها الشهيد، فقد مات لأنه كان يريد أن يسرع ليلحق بالعدد، وفي وقت ~~مبكر حتى يقدمه للقارئ كاملا عامرا في اليوم التالي؛ إذ هو الجندي المجهول وراء ~~«الأهرام» تصلك حافلة وأنت المستريح في فراشك لا تزال، أو خلف مكتبك تشرب قهوتك منسجما ~~مرتاحا. مات والموت حق، والموت مصيرنا جميعا، ولكن أحيانا يكون للموت لدغة كقرصة ~~«الكوبرا» صاعقة، وسامة، وبشعة الألم. # إلى اللقاء إذن يا محمود في يوم لن يحدده أحد منا، ولكن إلهنا العظيم هو الذي ~~سيتولى تحديده، لقاء لا ms081 فراق بعده؛ إذ أعتقد أن من متع الجنة أن يجمعك الله بكل من ~~أحببت في دنياك، والجحيم أن يكتب عليك أن تكون مع من تكرهه حتى ولو كان في الجنة. # | الإسكان تحول من أزمة إلى مأساة خلقية # مثلي مثل آلاف وملايين المصريين، تابعت خلال الأسبوعين الماضيين كل ما كتب عن قانون ~~الإسكان الجديد وما دار من نقاش؛ كل ما هو ضد القانون، وكل ما هو معه، كل من سماه قانون ~~إعانة أصحاب البيوت، وكل من جعله المنقذ الوحيد لأزمة الإسكان الرهيبة التي نحيا في ظلها، ~~ولا أدري أهي الصدف المحضة أم لأن الحال عام ومزمن وكالآلام الروماتزمية لا يكف عن ~~النقح والطنين؛ فقد تصادف أن وصلني في وقت واحد ثلاثة خطابات، اثنان منها من رجلين ~~والثالث من مواطنة سمت نفسها الآنسة السيدة. # أحد الخطابات كان في ست عشرة صفحة، وكان كأنه نابع من عمق آلام عمرها ألف عام، فقد ~~كان من زوج يعرض علي مأساة بلغ حرجي منها أن احترت أن أموت فيها على نفسي من الضحك ~~غيظا أو أغتاظ منها إلى حد الانفجار. ومشكلة هذا المواطن أنه تزوج من عشر سنوات، وظل ~~زواجه موفقا لمدة ست سنوات أنجب فيها ولدا وبنتا. والقصة طويلة، أختصرها بقولي إن زوجته ~~كرهته وبدأت على حد تعبيره «تلعب بذيلها.» وأخيرا بعد أن ضاقت به السبل استجمع رجولته ~~وقرر مواجهتها وفعلا وفي غرفة النوم المغلقة (حتى لا يسمع الأولاد) واجهها. ودهش هو بل ~~روع لأنها لم تحاول أن تصرخ أو تتشنج أو تدافع أو تتهمه أو تصنع شيئا من كل هذا؛ ~~لأنها ببساطة شديدة قالت: ما قلته ليس دقيقا؛ فهذه المعلومات عائمة، أنا عندي معلومات ~~وتفاصيل أكثر مما قلته بكثير، أنا بصراحة أصنع كذا وكذا، وفي نيتي أن أصنع كذا وكذا؛ لأنني ~~كرهتك بكل نفسي. ماذا تريد؟ # أسهب في شرح ما جرى له لدى سماعه ما قالت، وفكر أن يهجم عليها ويظل يضغط بيديه حول ~~رقبتها حتى يقتلها. ولكنه كما يقول منعته أسباب كثيرة، آخرها ms082 - ولكنه في رأيي أولها - أنه ~~لا يملك الحيوانية الكافية لقتل فرخة، فما بالك بزوجته التي ~~مهما كانت فهي إنسانة وليست فرخة. «إيه رأيك بقى؟ إن كنت ~~راجل صحيح زي كل الرجالة طلقني.» وفعلا كما يقول رمى عليها يمين الطلاق. وخرج إلى الصالة ~~ليدخن سيجارة ويفكر فيما يصنعه بعد هذا. غير أنه فوجئ لدى أول خطوة يريد أن يخطوها ~~بمشكلة لا يمكن أن تخطر على البال، إنه لا يستطيع أن يطردها من البيت؛ فالشقة في الحكم ~~القضائي تعتبر مكانا للزوجة ولأولادها، وأن عليه هو أن يذهب. ولكنه لا يملك مكانا يذهب ~~إليه، فهو لا يستطيع أن يقيم مع شقيقه أو شقيقته أو في بيت العائلة في قرية تبعد عن العاصمة ~~300 كيلومتر، بينما عمله في العاصمة! يطردها ويهددها بالقتل؟! ويبدو أن الزوجة أو ~~المطلقة كانت مستعدة لكل شيء، وقد ذكرت له أن الشقة بحكم القانون شقتها وأن الأولاد ~~أيضا بحكم القانون تحت ولايتها، وأنها قالت إنها لا تملك مكانا تلجأ إليه، لا نقود خلوا ~~لشقة ولا قريبة تسمح لها بالإقامة مع أولادها الاثنين معها. وأنا هنا قاعدة لا يستطيع أن ~~يخرجني إنس ولا بوليس ولا جان. خرج إلى القهوة واستشار، وعاد وبات في الصالة، وفي العمل ~~أيضا، وبسرعة تامة، وبقيت المشكلة رابضة بلا حل، بلا أمل في أي حل. # في الحقيقة بقي حل واحد فقط، أن يرجعها لعصمته، وذلك بأن يقوم بواجبه الزوجي فيصبح ~~الطلاق كأنه ما كان. ولكنها رفضت هي بتاتا هذا الحل، وتماما مجرد أن يلمسها؛ فهي لا تقبل ~~حتى رؤياه، فما بالك أن يقضي ليلة حب معها؟ وهي متمسكة بالطلاق الذي وقع ولا ذرة أمل أن ~~تغير موقفها. ~~- وأنا راخر متمسك. ~~- طيب شوف لك بقى حتى تتهوى فيها. ~~- ما ليش إلا هنا. ~~- والله تقعد هنا تمشي من هنا أنا ح أعمل اللي على كيفي، وإذا ما كنش عاجبك الباب يفوت ~~الجمل. # وهكذا بدأت المأساة التي كتب لي القارئ ست عشرة صفحة يستعرضها. فهما لا يستطيعان أن ~~يقولا للناس ms083 إنهما مطلقان، وفي نفس الوقت ليسا زوجين على الأقل بينهما وبين أنفسهما. وهو ~~يسمع، ويشاهد المفتاح يفتح الباب في الثالثة والرابعة صباحا، وأحيانا بعد أيام قد تمتد ~~إلى أسبوع. وهو مضطر إما أن يرتكب جريمة ويقتلها، وهذا حل قلنا وقال هو إنه ليس ~~باستطاعته، ولا يبقى له إلا أن يسكت. # ثم طرأت على رأسه فكرة، طب ما راخر يعمل اللي هو عايزه. وفعلا كأنهما في بيتين ~~منفصلين، بدأت النساء الغريبات يدخلن ويخرجن، وبالتالي بدأت هي تحضر الرجال الأغراب. بل ~~وبدأ ما هو أتعس وأبشع؛ بدأ الولد والبنت بعد الأسئلة التي لا تجد جوابا، أو يجاب ~~عليها بغموض لا يشفي غليلا. بدأ الولد والبنت يعرفان كل شيء، وبالطبع ينهاران من الداخل ~~تماما. ثم ... ثم بقية الخطاب الطويل ألم، ألم! أبشع أنواع الألم! والسبب «أزمة ~~المساكن» والخلوات! هذا خطاب. # الخطاب الثاني يكاد يكون من دفعة من خريجي الجامعة - وليس من مجرد فرد - لم يستطيعوا ~~لأسباب اقتصادية والتزامات عائلية أن يتزوجوا أيام كان الخلو مائة ومائتي جنيه، وحين ~~بدأوا يفكرون في الزواج كان قد ارتفع إما إلى التمليك بالآلاف وإما إلى الخلو أيضا ~~بالآلاف. وصل بعضهم إلى الأربعين والواحد والأربعين والخمسة والأربعين، والعمر ينزلق، ولا ~~مال يتكون ليكون خلوا أو تمليكا، ولا زوجة ترضى ما دام الزوج جامعيا بأقل من السكن ~~في الشقة، يعني ذبالة عمرهم بدأت تذوي، وحنينهم إلى الخلفة وتكوين عائلة تؤويهم ليل نهار ~~يتعاظم، وهم كأبطال الإغريق الذين حلت عليهم «لعنة السكن» لا يزالون يسكنون كل اثنين في ~~حجرة، وأحيانا كل ثلاثة، بالضبط كما كانوا أيام التلمذة. ويسألني القارئ في النهاية ماذا ~~يفعل؟ وماذا أستطيع أن أفعل لمساعدته ومساعدة أمثاله، وكأنني هرقل القادر على أن يقاوم لعنة ~~آلهة الأوليمب أو شيطانة المساكن؟ # أما الخطاب الثالث القادم من الآنسة السيدة أو السيدة الآنسة فمشكلة أعجب، والبنت من ~~المنيرة من أسرة متواضعة تسكن هي وأمها وأبوها في حجرة، والولد أبوه مزارع باليومية في ~~إحدى محافظات بحري. والاثنان أتاح لهما التعليم بالمجان فرصة ms084 أن يكملا ويدخلا الجامعة، ~~وليس أن يتخرجا في وقت واحد فقط بل أيضا خلال السنوات الأربع يتعارفان ويتحابان. وحيث ~~لا مكان لأي شيء آخر، فهو يسكن لدى خاله في نصف حجرة يشاركه فيها ابن خاله، وهي كما قلنا ~~مع أبيها وأمها في حجرة على السطوح؛ بيت من بيوت المنيرة حيث لا مكان لأي شيء آخر، حتى ~~ظلا خمس سنوات لا يتلامسان إلا بالأيدي وبالقبلات المختلسة في الأورمان، أو على ظلام ~~ضفاف النيل أحيانا. وهما مخطوبان في بنصر كل منهما دبلة، ولكن في القاهرة مأساة تمنع أي ~~انتقال للدبلة من اليد اليمنى إلى اليد اليسرى أبدا. حتى الكتاب كتباه، بل ومن مرتبها ~~المتواضع ومرتبه بدآ في شراء أشياء للبيت. الحلم الذي لا سبيل إلى تحقيقه إلا بأن يعود ~~فلاحا يزرع الأرض مع أبيه، وترضى هي أن تتنازل عن العمل وتعود تتعلم كيف تشتغل «نفرة» ~~باليومية في قرية حبيبها. وحيث إن هذا مستحيل، والالتقاء تحت سقف واحد مستحيل أيضا، وحيث ~~إننا بشر ومكتوب حتى كتابنا، ضج جسداهما بالوضع وحدث ما حدث في ركن من سطوح البيت الذي تحتل ~~حجرة أبيها وأمها قطعة منه، واستحلياها، فتكرر الحدوث ما دام «الجو ربيع» وصيف. ولكن ~~الكارثة لم تكن هنا، الكارثة حين جاء الشتاء وهما شابان يطفح جسداهما بالشباب وبالرغبة ~~الحلال، واستحال الحدوث على السطوح واستحال حتى أن يكون في حجرة أبيها وأمها؛ ذلك أن الأب ~~مرض بالشلل النصفي ورقد في الحجرة ليل نهار، وأنت لا تستطيع أن تتوقف عن الطعام وقد تعودت ~~أن تعيش بأكل الطعام. ولم يكن هناك من حل آخر. وبالإقناع والتلامة وبكل سلاح رضي الأب ~~ورضيت الأم أن يشاركهما الشابان الحجرة أثناء الليل. وضعا ستارة من القماش تقسم الحجرة ~~قسمين، وبدأت المأساة من أول ليلة؛ بعد أن اطمأنا إلى استغراق الأب والأم في النوم بدآ ~~يستيقظان. ولكن الشاب ريفي خجول، ولساعات مضى يتصبب عرقا ويحاول أن يلغي وجود النائم ~~في نصف الحجرة الآخر، غير أنه لا يستطيع أبدا، لا ليلتها ولا ليالي ms085 كثيرة تلتها. ولا طب ~~ولا أطباء نفعا؛ فالمشكلة ليست طبية، إنها «مرض سكني» محض علاجه «الانفراد». وتستغيث بي ~~السيدة الآنسة لأتوسط لها لدى المحافظ؛ فقد بدأت تحس أن عواطف عريسها الزوج بدأت تفتر ~~وتهدد بأن تنقطع، وهو كما تقول: «حياتها» إن تركها ستنتحر، وهي لا تقول هذا تهديدا، ~~ولكنها بدت لي من خلال سطورها الطويلة الدقيقة أنها فعلا ستفعلها لو الشاب تركها. ~~••• # لم تعد المسألة إذن مسألة إسكان. لقد تحولت من أزمة إلى مأساة اجتماعية أخلاقية ~~تماما، وتدهورت إنسانيا إلى مراحل أحط من حيوانية الحيوان. # أيها السادة الذين تناقشون في مجلس الشعب مشاكل قوانين الإسكان، نحن نواجه وضعا لا ~~تستطيع الحكومة بإمكانياتها الحالية حله، هذه حقيقة أنا متأكد منها. ومتأكد أيضا أن ~~الملاك أو من يسمون القطاع الخاص هم وحدهم القادرون على زرع عمارات ومساكن مهما بولغ ~~في تقدير أرباحهم منها، فهي في رأيي المتواضع أهون ألف مرة من أجيال تتهرأ وقيم تغوص ~~وتنمحي وأطفال حتما فاسدون أو سيفسدون. أي حل في هذه الحالة حلال، وأقولها وأنا ~~الاشتراكي المؤمن تماما أن الاستغلال هو شيء من أسوأ الخصال البشرية، أقولها مثلما فعل عمر ~~رضي الله عنه حين أمر بإيقاف إقامة الحد أيام الأزمة، أي أوقف ركنا من أركان الإسلام. أقول ~~فليربحوا وليستغلوا؛ فلا بديل إلا أن نتحول بواسطة الأزمة الحالية إلى حيوانات في ~~زرائب كافرة بكل قيمة، مستعدة لأن ترتشي وتسرق وتفعل ما فعله مالك. ما دامت إنسانيتها ~~مهددة على هذا النحو في أخص خصائصها: سقف يؤويها. لقد قدم المهندس حسن محمد حسن وزير ~~الإسكان حلا يغري به القطاع الخاص على الإسراع في مساعدة الحكومة لسند مجتمع يتقوض؛ ~~فأرجوكم وافقوا الرجل وساعدوه على أن يصنع شيئا يكون فيه حل عملي للمشكلة؛ فما أقرؤه ~~من بريد وما أسمعه وألمسه من قصص، شيء يختل له أي عقل لأي إنسان لديه ذرة عقل. إنه شيء لا ~~يمكن احتماله. وإلى الجحيم بأي مكسب قد يكسبه صاحب المسكن؛ فالمطلوب أن يكثر العرض ليقل ~~الطلب، وبطبيعة الأشياء ms086 ما دمنا سنغريهم فسيبنون أكثر ويزاد العرض، وحتما سنصل إلى وضع ~~تعتدل فيه كفة الميزان. دعوكم من الألفاظ الجوفاء، فالناس تتعفن نفوسها من الداخل، أجيال ~~بأكملها تضيع، ولا يمكن أن نسمح للعفن أن يصيب أعماق - بالذات - شبابنا وشباتنا وأجيالنا ~~الكثيرة التي كبرت في الأزمة وتقاسي بأعنف القسوة منها. ولا يمكن أن نسمح لنفوس هؤلاء أن ~~يصيبها العفن حتى لو جاء القانون ليعطي بعض المكاسب لأصحاب العمارات الموجودة المؤجرة ~~مفروشة لتطرح للإيجار، والتي ستبنى لنحل المشكلة قبل أن تحللنا تماما. فنحن في منتصف ~~الطريق، وإذا اعتمدنا على الحكومة أن تبني أرخص وأقل ربحا فسنكسب قليلا من النقود هذا ~~صحيح، ولكننا سنخسر جيلا، هذا إذا كان في استطاعة الحكومة أن تفعل، فما رأيك وهي لا ~~تستطيع؟ إني ها هنا أناشد كل من باستطاعته أن يبني بيتا أو عمارة أن يفعل، ولا أقول ~~فلنكف عن بناء دور العبادة، ولكن العبادة تبدأ بمسلك، والمسلك يبدأ بمسكن، وما فائدة أن ~~تعبد الله في بيته الفاخر بينما الخطيئة كالنار مستشرية في بيوتنا، داخلها وخارجها، والسبب ~~أزمة المساكن؟ لا أعرف بلدا في العالم يمر به على نفس الدرجة الذي نمر به نحن، يمر به ~~أناس صامتون، فمعظم من يتحدثون ويتحذلقون على صفحات الجرائد والمجلات والإعلام لهم سقف ~~يظلهم ويتيح لهم أن يكون لهم رأي أو موقف. المعذبون، المحروقون المكويون غضبا وحنقا ~~الذين لا يكتبون ولا يكابرون، لا يملكون إلا أن يموتوا بغيظهم هم الذين يعانون بوحشية ~~يعانون، وكل مناقشة وكل تأجيل يزيد من بشاعة ما يحتملون؛ فقرروا، وفروا شيئا، أي ~~شيء. # | المهم: أي سينما؟ # أثار الموضوع الذي كتبته عن كرامة المرأة وإنسانيتها التي يحاول إهدارها ردود فعل ~~كثيرة، وخاصة عند أصدقائنا السينمائيين الذين اعتبروا أني «أهاجم» السينما المصرية ~~«الناجحة». ورأيي أن يعود هؤلاء السادة لقراءة ما كتبت، بل رأيي أن يقف منتج ومخرج وكاتب ~~كل فيلم «ناجح» على أبواب السينما التي يعرض فيها فيلمه، ويتلقى من الجمهور رأيه فيما ~~شاهده مباشرة، وأرجو أن يخرجوا بعد هذه التجربة ms087 أحياء. بالعكس إن ما حاولته هو إنقاذ حقيقي ~~لصناعة السينما في مصر. قد بدأت بلاد عربية كثيرة تمنع دخول الأفلام المصرية، خوفا على ~~أخلاقيات شعبها وأجيالها الجديدة. واستمرار الحال على هذا المنوال هو التهديد الحقيقي ~~لصناعة السينما، أما مطالبتي ومطالبة غيري بإنتاج أعظم وأكبر وأكثر متعة، بحيث يحمل ~~للمتفرج ترفيها حقيقيا يرفع من إنسانيته ولا يخرج بعده وهو خجل من نفسه ومن بلده ومن ~~سينمائييه، وكأنه ارتكب بما شاهد خطيئة في حق نفسه لا تغتفر. ذلك هو المطلوب. إن كل الناس ~~مع السينما وأنا منهم، ولكن معظم الإنتاج السينمائي عندنا ليس سينما، وليس فنا، ولا ~~صناعة، ولكن له اسما آخر من المستحسن أن يوضع عليه كما يحدث في البلاد الغربية ~~«المنحلة من فضلك» حينما نقول إن هذا فيلم جنسي لا يراه إلا الكبار، وهذا فيلم يراه ~~الجميع، وهذا فيلم لا يعرض إلا في النوادي الخاصة. أما أن يدس لي ما أسميته بالماء ~~الكاوي الذي يذيب القيم - أبسط القيم حتى الصداقة - في إطار سينما للجميع؛ فهذا هو ما لا ~~يمكن أن يقبله أحد. # إنها ليست دعوة إلى التزمت وأن ترتدي أفلامنا الحجاب ... أبدا، وإنما هي دعوة إلى الصدق ~~والصراحة والحرية في معالجة أمور حياتنا، حينئذ سيقبل الجمهور إقبالا لا تحظى به الأفلام ~~الجبانة المفتعلة. انفتحوا على حياتنا وعلى ما فينا من مرح حقيقي، على بطولاتنا وعلى ~~أخطائنا وافعلوا هذا بشجاعة، وهذا هو الإنقاذ الوحيد، مرة أخرى أقول الوحيد. # | رماديات # تلفت حولي أقرأ الوجوه. لم يكن بها أثر لحزن ما، كان كل وجه يرى ويسمع ويصغي إليك بل ~~ويحادثك، ولكنك تحس أنه مجرد قناع، وأن الوجه الحقيقي غارق في بحر خاص لا قرار له؛ غريب ~~هذا! لقد تغيرنا، لا أقصد كمجتمع وإنما كأفراد وكتصرفات أفراد. أذكر منذ عشر سنوات أو أكثر ~~قليلا أن أشرف زميل لنا على الموت في المستشفى، وما كاد الخبر يعرف حتى غصت طرقات ~~المستشفى والحجرات المجاورة لحجرته بعشرات - ولا أقول بمئات - من الزملاء والكتاب ~~والفنانين والفنانات. جزعهم جزع ms088 حقيقي نابع من القلب، وفجيعتهم حين مات فجيعة ~~حقيقية. # ثم ها نحن الآن! يموت أعز الناس فلا يستغرق الحزن عليه دقائق. حتى أقرب المقربين ~~يحزنون، هذا صحيح، ولكن طاقتهم على الحزن محدودة سرعان ما تستنفد ليعود كل منهم يغوص في ~~خضم حياته ومشاكله. حتى الفرح! لم نعد نفرح فرحا كالبحر الهائج عارما صادقا صادرا عن ~~القلب بلا أي مانع أو حاجز. نفرح! هذا صحيح، ولكنه ذلك الفرح المحدود الضئيل الذي نحاول ~~تضخيمه بإحالته إلى قهقهة، ولكنها قهقهة تخرج عالية صاخبة إنما بغير روح. حتى ضحكات ~~الجمهور في مسارح القطاع الخاص، ضحكات عالية ولكنها مغتصبة، مشنجة، حنجرية، وكأنما ~~يجاملون بها الممثلين على المسرح. أيكون قد مضى بنا زمن البراءة والفطرة، وأن الحياة قد ~~تعقدت وتشابكت. كثرت بحيث لم يعد هناك مكان لعاطفة ما، مفرطة بحيث لم يعد للأسود الفاقع أو ~~الأبيض الناصع وجود في حياتنا، إنما هو الرمادي يصبغ كل شيء. برمادية نتلقى بزوغ الشمس في ~~الصباح، برمادية نحتسي كوب الشاي، بعيون رمادية نبدأ العمل، نحب ونتزوج ونجوع بلا مبالغة ~~أو تفريط، إنما برمادية باهتة نفعل. أين عواطفنا ~~الجامحة؟ أين الطموح العظيم؟ أين الإقدام النهم على الحياة؟ أين الحب وحتى آخر قطرة دم؟ أين ~~الشجاعة والأريحية والشهامة؟ أين الصديق؟ # يخيل لي أننا قد أصبحنا نعيش بعواطف أخرى، باشتباكات مصالح، بقيم مختلفة تماما، ~~بكم من العواطف ما أشد ضآلته. # كل الدلائل تشير إلى أننا اجتزنا أشد المصاعب وعبرنا أكبر العقبات، وأننا في طريقنا إلى ~~الأحسن، ولكننا بشر. وأعتقد أن المحن الروحية التي خاضها إنساننا المصري خلال الأعوام ~~القليلة الماضية، محن تشيب لهولها الولدان، محن كانت كفيلة بخنق كل نبضة حياة في أي ~~منا، وبطولتنا أننا صمدنا واجتزناها. وها نحن الآن على الجانب الآخر، ولكننا شيوخ ~~وصلنا، حتى أطفالنا شابت منهم الرءوس. # وأملي أن أعيش حتى يسترد كل شيء طعمه الخاص، حتى يعود للفرح فرحه، وللحزن روعته، وللقلب ~~دقه، وللعواطف تدفقها، أسنعود من جديد نضحك ونبكي ونجوع ونحب، ونفعل هذا بكل ذرة في ms089 ~~كياننا؟ # إنني لا أملك سوى الرجاء. # | وعن السينما أيضا # ونعود إلى السينما وصناعتها وماء نارها الكاوي. ممكن أن يقوم قطاع خاص في السينما هذا ~~صحيح، ولكنه لا يمكن أن يقوم على شكل دكاكين البقالة الصغيرة التي انتشرت في حقل الإنتاج ~~السينمائي هذه الأيام. ثمانون فيلما في العام! ليه؟ هوليود بجلالة قدرها لا تنتج هذا ~~العدد، مفروض أن يكون مقابل هذه الأفلام الثمانين ثمانمائة ألف عربة، وخمسمائة ألف آلة ~~وأوتوبيس، وأكوام من الإنتاج الصناعي والزراعي الحقيقي لا حصر لها. فما بالك إذا كانت ~~ثمانون فيلما فيها على الأقل سبعون، يضيع الفيلم الواحد منها كل أثر لأي كتاب أو ثقافة ~~أو تعليم أو ضمير، أفلام تجأر بالشكوى والأنين، أفلام لا بطولة فيها ولا مثل واحد يحتذى ~~أو يرفع من قيمة الإنسان وقدره، أفلام إما بطلها جبان يضحك بجبنه أو صديق يخدع صديقه أو ~~فتاة يطاردها ذئاب البشر وهي مسكينة غلبانة مجني عليها يا عيني. وما هذا الكلام الفارغ؟ ~~إن الفن هو ضابط الإيقاع للمجتمع، وإذا كان الهلس يسود أفلامنا فمن المحتم أن يمتد إلى ~~حياتنا يحيلها هلسا في هلس، ولا مبالاة في لا مبالاة، يقتل الطموح ويقتل القيم. إنني أتلقى ~~خطابات كثيرة من القراء المصريين الذين يعملون في بلادنا العربية، كيف تندى جباههم خجلا ~~وهم يرون مصر ونساءها وكيف تصور في أفلامنا. كتب قارئ يقول: أحس بكرامتي وإنسانيتي ~~تنزف، وأن شرفي كمصري مستباح، وبالذات لأبناء البلد الذي أعمل فيه. حرام عليكم. # وأنا أقول «لبتوع» السينما عندنا: ليس حراما عليكم فقط، ولكن أقول لكم بصراحة: أنتم ~~تقدمون لشعبنا سما زعافا في سبيل الربح، ولا بد أن نقيم عليكم وصاية شعبية ~~أولا؛ فقد ثبت أن الرقابة الرسمية لا يمكن وحدها أن تقف أمام هذا الاكتساح الهلسي ~~الرهيب، وإذا نحن تركنا إنساننا وإنسانتنا لهذا الهلس فالعوض على الله فينا كشعب وحتى كأمة ~~عربية؛ لأننا نصنع لهذه الأمة سينمتها وحلقاتها. أنتم تريدون الربح والجمهور، ولكم حق في ~~هذا، ولكن الربح على طريقة دكاكين البقالة ربح صغير، ms090 وهو الذي يدفعكم إلى الهلس كوسيلة ~~لجذب المتفرج، والحل ليس مزيدا من الهلس، الحل هو الاندماج معا في شركات كبرى تحترم ~~نفسها وتحترم ما تقدمه لمتفرجها وتربح أكثر حين تنفق على أفلامها أكثر. # وإذا لم يحدث هذا الاندماج فإنني - أنا الذي ضد تدخل الدولة في الفن - أطلب من الدولة أن ~~تصدر قانونا عاجلا لتنظيم صناعة السينما بحيث لا يسمح لأي من هب ودب أن يقدم أي ~~قصة وأي كلام وهات يا أفلام. إذا كنا لا نسمح للطبيب أن يعالج مريضا إلا بعد دراسة لا ~~تقل عن العشرين عاما، فكيف نسمح لجاهل أن «يعلم» شعبا كبيرا قيمه ومبادئه و«يربي» ~~أجياله؟ والكلمة هنا لا تنطبق على المنتجين فقط، وإنما - وهذا هو الأهم - على كتاب ~~السيناريو والحوار والمخرجين. وأطالب في نفس الوقت أن تتكون من النوادي الثقافية واتحاد ~~الأدباء ونقابة الصحفيين ونقابة السينمائيين جمعية «حماية المتفرج» فالمسألة أخطر بكثير من ~~أن نتركها لعبث بعض العابثين باسم حماية صناعة السينما، فلتذهب السينما إلى الجحيم إذا كانت ~~تريد أن تذهبنا إلى الجحيم. # | ما دمنا نتكلم عن الفن # على كثرة ما نناقش الفن والفنانين والكتابة والكتاب على صفحات جرائدنا ومجلاتنا ووسائل ~~إعلامنا المختلفة، إلى درجة غريبة في أحيان؛ إذ أليس من الغريب أن تشاهد أو تسمع برنامجا ~~بأكمله أو ربما سهرة تناقش عملا فنيا مثل أغنية أو رقصة، وتناقش مسائل «الوحي» وتفاصيل ~~عملية «الإبداع»؟ ذلك أن مشاكل كهذه تعتبر مشاكل خاصة جدا لا يمكن أن يناقشها المجتمع ~~إلا إذا كان قد فرغ من مناقشة معظم مشاكله الحقيقية العامة، حينئذ باستطاعته أن يتفرغ ~~لمناقشة مهنة كالهندسة، ويتتبع تفاصيل خلق وإقامة عمارة مثلا. # المهم # على كثرة ما نناقش مسائل الفن والكتابة، فنحن أحيانا نغفل عن أبسط مبادئ الفن ~~والكتابة. وأولها في رأيي التفريق بين الفنان والحرفي، وبين الكتابة و«حرفة» الكتابة. ~~فنحن مثلا حين نتداول كلمة «موهوب» أو كلمة «فنان»، نعني بها ذلك الإنسان الذي أوتي ~~قدرة فريدة على مزاولة الرسم مثلا أو التلاعب بالكلمات كشاعر. نعتبر الموهبة إذن ms091 شدة ~~حذق في صنعة الرسم أو صنعة الكتابة أو صنعة التمثيل. ويصبح «الفنان» حينئذ إنسانا ~~مساويا تماما لأي حرفي آخر حاذق في صنعته. # ولنأخذ القصة مثلا. # عاملناها كحرفة، وعاملنا القصاص أو اعتبرناه إنسانا يحذق «فن» القص، وجعلنا ~~اختلاف القصاصين بعضهم عن البعض يقاس «بمهارة» كل منهم في كتابة القصة أو ~~حبكها. # ولا شك أن الفنون جميعا بدأت كصنعة أو كحرفة يتقنها بعض الناس، كما يتقن آخرون ~~«قص الأثر» أو صناعة القلل. وظل الناس يعجبون بصنعة الفن لمرحلة طويلة جدا من الوقت، ~~ويفرقون بين الرسام أو النحات والآخر بمقدار كفاءته أو حذقه في الرسم أو النحت أو ~~الكتابة. # ولكن العصر الحديث حمل لنا ثورة في مفهومنا للفن وللفنان، فالفنان لم يعد مجرد ذلك ~~الحاذق في نحت الحجر أو الرسم بالفرشاة، أصبح الفنان هو الشخص الموهوب، ليس الموهوب في ~~صنعة التلوين أو الكلام وإنما الموهوب برؤيته. أي أنه موهوب لأنه «يرى» فيما نراه أشياء ~~«لا نراها»، أشياء نعبرها أو نراها ولا نفهم مدلولها ومعناها. الفنان هو ذلك الإنسان ~~القادر على أن يكتشف لنا أو يعيد اكتشاف العالم من وجهة نظره. بمعنى آخر الفن لم يعد ~~حذقا وصنعة، وإنما أصبح «رؤية» مختلفة إلى الواقع. فصحيح أن لنا عينين وأننا نرى، ~~ولكننا في حقيقة الأمر رؤيتنا محدودة جدا، محدودة بقدرتنا الخاصة على الرؤية، محدودة ~~بمعلوماتنا عما نراه، محدودة حتى بما نريد رؤيته. # فنحن نعيش في الواقع ونرى، ولكن أبصارنا محدودة بقدرة أعيننا على إدراك ما نراه. ~~الفنان هو الإنسان القادر على أن يرى ربما أبعد، ربما جانبا آخر لا نراه، ربما نظرة ~~جديدة إلى النفس والآخرين. إن الإنسان في الكون الهائل يشبه الطفل يوضع في حجرة مظلمة ~~لا يعرف ما فيها إلا بمقدار ما يلمس أو يتذوق أو يرى. ولأن الأصل هو الظلام، فالقدرة ~~على الرؤية محدودة جدا. الفنان هو بمثابة شمعة تضيء وترينا أشياء ما كنا ~~نراها، أو بمعنى آخر قوة بصرية وإدراكية جديدة تضاف إلى قدراتنا السابقة؛ فنحن مثلا ~~نمر بالعربجية كل ms092 يوم، ولكننا لا ندرك أنهم بشر وأن لهم أحاسيسهم البشرية البالغة الرقة ~~إلا حين نقرأ مثلا قصة العربجي الذي مات ابنه واضطر إلى العمل في نفس اليوم، وهو يحاول ~~أن يحدث ركاب العربة عن ابنه وعن إحساسه بفقده ولا أحد يأبه، وهكذا في آخر النهار ~~يجد نفسه يتحدث إلى حصانه عن ابنه الذي فقده. بقصة كهذه جعلنا تشيكوف «نرى» إنسانية ~~ذلك الرجل، بحيث ما من مرة نرى فيها عربجيا إلا ونراه مضافا إليه رؤية تشيكوف ~~له. # الفن كان صنعة حاذقين في الصنعة فعلا. ولكن الفن في عصرنا الحاضر له مفهوم مختلف ~~تماما، إذ لم يعد صنعة، أصبح رؤية، أو وجهة نظر. # وقديما كان يقسم الناس الأعمال الفنية إلى فنون تشكيلية، وهذه بدورها يقسمونها إلى ~~نحت ورسم وزخرفة إلى آخره، وأدب وهذا بدوره يقسم إلى رواية ومسرحية وقصة طويلة وقصة ~~قصيرة ومقال. بل وأضيف إليها أنواع أخرى: التمثيل والإخراج المسرحي والسينمائي ~~والرقص والموسيقى ... إلى آخره. ذلك النوع من التقسيمات «المهنية» للفنانين لم يعد ~~مهما؛ إذ أصبح المهم في عصرنا نوعا أو خبرة، أو صدق الرؤية التي يراها الفنان سواء ~~الرؤية البصرية أو السمعية. # هنا ارتفع دور الفنان من إنسان يصنع الأعاجيب والطرائف ليستدر إعجاب الآخرين به ~~وبعمله، استحال إلى ما يشبه الرسول أو قرن الاستشعار الاجتماعي الفائق الحساسية. أصبح ~~هو ذلك الملاح أو «الناضورجي» الذي يعتلي الصارية و«يرى» الآفاق لركاب السفينة وينقل ~~لهم هذه الرؤية بصدق ودقة. على وجه أكثر تحديدا تحول الفنان من كائن طريف وظريف ~~ومجنون بعض الشيء وعبقري في روايات أخرى، تحول من «أعجوبة» إلى وظيفة اجتماعية لا يمكن ~~أن يستغني عنها مجتمع، إذ هو قد أصبح «عين» المجتمع الذي ترى له وتنقل إلى ملايين ~~خلاياه كنه ما تراه من خطر أو أحلام أو من نظرات جديدة تماما أو إرادة أو ~~ثورة. # طبعا لم يتحول كل الفنانين إلى هذا النوع، ولا تزال الأغلبية العظمى من الفن ~~والفنانين والنقاد والجماهير ترى في الفن نوعا من الصنعة البالغة الإتقان والروعة، ms093 ~~ويأخذ الفنان مكانته على قدر حذقه فيها. بل إن البشرية ستأخذ بعض الوقت لكي تبدأ تقدير ~~الفنان ليس على أساس قدرته وبراعته فقط، وإنما على أساس نوع وحجم وصدق رؤيته. حينذاك ~~سيقل كثيرا عدد من يمكن أن نطلق عليهم فنانين؛ ذلك أنهم سيصبحون أصحاب الرؤية الجديدة ~~فقط. # ويصبح الحكم على فنية العمل الفني ليس بمقدار ما فيه من جمال مطلق أو حلاوة، وإنما ~~بمقدار ما يحدثه في المتلقي من أثر؛ فنحن إذا لم «ننفعل» بالرؤية التي ينقلها لنا صاحب ~~الرؤية فمعنى هذا أنها خرجت عن دائرة الفن تماما. أي لا بد أن تكون هذه الرؤية ~~مؤثرة في الناس وتجعلهم ينفعلون إلى درجة تبنيها، وإلا لسقطت كعمل فني أو كأي شيء ~~آخر. # وقد يعترض البعض ويقول إن الرؤية هي دور المفكر وليست دور الفنان، ولكن العصر ~~الحديث أيضا يحسم الموقف؛ إذ لم يعد لأي عمل فني قيمة إلا بمقدار ما يحمل من فكر أو ~~أفق أو وجهة نظر. ومشكلتنا أننا بعد لم ندرك هذا وبالذات على مستوى الإخراج السينمائي ~~وكتابة القصص، وحسبنا أن القصة الجديدة «طريقة» جديدة في كتابة القصة، في حين أنها في ~~الحقيقة وسيلة صاحبها وحده لرواية وجهة نظره. إنها شيء خاص يصاحب الرؤية لا تقبل النقل ~~أو التقليد، وأنه في عصرنا هذا تتولى وجهة النظر الجديدة خلق الطريقة التي تصل بها إلى ~~المتلقي، بمعنى أن الطريقة غير منفصلة أبدا عن وجهة النظر. وأيضا بمعنى أن أي وجهة ~~نظر جديدة لا بد أن تأخذ طريقها إلى الجماهير بطريقة جديدة خاصة بها. انتهت مرحلة ~~المدارس الكلاسيكية والتعبيرية والتجريدية إلى آخره، وبدأت في البشرية مرحلة وجهة ~~النظر، مرحلة الفنان المفكر خالق الرؤية وخالق الطريقة لإيصال الرؤية، ونغادر شيئا ~~فشيئا عصر الفنان «الصنايعي» الذي كل عمله أن يحذق فن القص أو فن الرسم أو فن ~~الإخراج. ~~••• # أعتقد أن ما تقدم كاف لكي ندرك لماذا لا ننفعل بمعظم قصصنا السينمائية والمسرحية ~~الرائجة؛ ذلك لأنها لا تزال في مرحلة الحرفة ومحاولة «العمل الجميل» ولم ms094 تدخل بعد عصر ~~فن وجهة النظر أو فن الرؤية. # وتلك أيضا الإجابة على الذين يسألون دائما: أين القصص الجديدة؟ أو أين المسرحية؟ إن ~~الكاتب ليس «معمل» كتابة كما رأينا، وكذلك الجمهور ليس فاغرا فاه طول الوقت على ~~استعداد لتلقي القصة أو الرواية. إن أي كتابة تحمل وجهة نظر جديدة هي «عمل فني»، بشرط ~~أن تؤثر في الآخرين وينفعلوا بها؛ فالكتابة ليست مجرد رص كلمات وحروف، إنها وجهة نظر. ~~على الكاتب أو الفنان أن يكون صادقا تماما في رؤيته وحساسا جدا عند إيصال وجهة ~~نظره إلى الآخرين، بحيث يختار أنسب وأسرع الطرق لإيصالها. بهذا تكمل دائرة العمل الفني، ~~وتكمل دائرة الرؤية. # المهم إذن أن تتصل الدائرة، أن يكون هناك ذلك المركز الحساس المتنبه بالمسمى ~~بالفنان، وأن يصلنا ما يحسه بأي طريقة تجعلنا نشعر وننفعل. # إذ إن نفس هذه الطريقة ستكون «الشكل» المناسب للرؤية، وبالتالي لعمله الفني. فقد يقول ~~قائل: وماذا لو كان في إمكان الفنان «الرؤية»، ولكنه لا يستطيع نقل رؤيته إلى الآخرين ~~على هيئة عمل فني؟ والرد على هذا بسيط؛ فكل قادر على «الرؤية» المختلفة أو الجديدة ~~أو الخاصة هو بالتأكيد فنان، ولا يمكن لغير الفنان أو المفكر أو المكتشف أن يرى «رؤية» ~~كهذه، وما دام قد رآها - ذلك الفنان - فهو قادر على نقلها وأيضا بطريقة فنية إلينا، ~~أي الطريقة التي ننفعل بها وتؤثر فينا. بمعادلة أبسط: كل صاحب رؤية فنان، وليس كل ~~فنان «أو حرفي» هو صاحب رؤية. # | الجد واللعب # جاءني ابني (10 سنوات) وقال لي وفي وجهه جد خطير: بابا، أنا مش عايز أروح المدرسة. # قلت له: ولكنك لا تذهب إلى المدرسة فعلا؛ فأنت الآن في إجازة. # قال: لا، مش عايز أروح خالص. ~~- يعني مش عايز تتعلم؟ ~~- أيوه! ~~- أمال عايز تعمل إيه؟ ~~- عايز أبقى لعيب كورة. # أخذت كلامه أول الأمر على أنه «كلام عيال»، أو رغبة من الرغبات التي تستبد بنا في أحيان ~~وتجعلنا نكره الدراسة والتعليم كره العمى. ولكني وأنا ماض في مناقشته، اكتشفت أنه قد ~~فكر ms095 في المسألة طويلا، ورأى أنه حتى لو طلع الأول في الدراسة والأول في الجامعة بعد ~~التخرج، فلن يكون له ربع أو عشر حظ صالح سليم أو شحتة الإسماعيلي. # نظرت إلى الولد وسرحت ... ما من شك أن مرحلة الطفولة هي مرحلة اللعب والنزق والبراءة ~~واللامسئولية. إنها فترة الاستمتاع الأول بأنك كائن وحي وسط مجتمع كائن وحي، هي ~~الفترة التي تزودنا بأجمل ذكريات العمر وأمتع لحظات السعادة، هي الفترة التي تذكرني ~~بالخطاب الذي ألقاه نهرو مؤسس الهند الحديثة، ذلك الذي يحب الأطفال إلى درجة غير معقولة. ~~كان نهرو يلقاهم بترحاب، وفي إحدى خطبه قال لهم: أرجو أن تأخذوا وقتا طويلا جدا لكي ~~تكبروا. هذا الشاعر السياسي قد أدرك بسليقته أن الطفولة هي أجمل مراحل العمر، كل ما في ~~الأمر أننا لا ندرك جمالها إلا متأخرين كثيرا، حين نكون قد غادرناها إلى الأبد وأصبحنا ~~«كبارا». # والتسلح بالتعليم واجب صحيح، ولكننا بالطريقة التي نعلم بها أطفالنا نخنق الطفولة فيهم ~~خنقا! فمن سن الرابعة أو الخامسة تتسلمهم المدرسة ويتسلمهم «الواجب» وما لا بد من عمله؛ ~~حفظ الكلمات، تعلم الكتابة والحساب، وتعلم اللغات والجغرافيا والإنشا، ندخل الطفل ~~بالقهر في العجلة الجهنمية التي تلتهم عمرنا التهاما ولا تتركنا إلا حطاما، عجلة الحياة ~~المسئولة بعلومها، بعملها، بالواجبات، بالخضوع الأعمى للناموس الاجتماعي. عجلة لا بد ~~منها على أية حال ولكن ثمنها فادح. ثمن أغلاه قطعا سنوات الطفولة حين نقدمها مبكرا ~~جدا قربانا للعلم وللمعرفة. # رحت أنظر إلى الولد غير مندهش كثيرا لما قاله. كم تمنيت لحظتها لو استطاعت البشرية بكل ~~عبقريتها أن تبتكر طريقة لتعلم الطفل من خلال اللعب، وليس كما هو حادث الآن من إحلال ~~التعليم محل اللعب، فاللعب هو «عمل» الأطفال العظيم، ولا يمكن أن يوجد رجل سوي لم يكن في ~~طفولته «لاعبا عظيما». # كان أمامي مهمة شاقة؛ كيف أقنع ابن السنوات العشر بضرورة وحتمية المدرسة والدروس ~~والمذاكرة والاجتهاد التي عليه أن يفضلها على متعته القصوى التي يحظى بها من لعب الكرة؟ ~~وبالتأكيد لم أكن وحدي في ms096 هذه التجربة، بل هي تجربة كل أب وكل أم؛ تجربة علينا أن نقنع فيها ~~هذه الكائنات الطازجة البريئة بضرورة وحتمية أن يتحملوا عبء حياة درسنا فيها وضيعنا ~~طفولتنا، واجتهدنا وضيعنا صبانا، وكافحنا وضيعنا شبابنا، وفي مقابل هذا العمر الطويل ~~المفقود ماذا أخذنا؟ # ومهما يكن ما ناله كل منا، أيساوي لحظة سعادة حقيقية مثل سعادة الطفل حين يلعب الكرة ~~ويحرز هدفا؟ # ألم يكن موقفي - وأنا أحاول إقناع الولد بأمر أنا لست شديد الاقتناع به - مضحكا؟ # | للشعب الآخر # مضى العيد وكل عام وأنتم طيبون. أكلنا اللحم؛ لحم الضحية. والضحية كانت أيام سيدنا ~~إبراهيم عليه السلام، كانت هي الخروف الذي أرسله الله سبحانه فدية لسيدنا إسماعيل. ولكن - ~~كما تعرفون تماما - ضحية العيد الكبير أصبحت أنا وأنت وسعر اللحمة الكاوي! المربون ~~والجزارون يذبحوننا نحن. كل ما في الأمر أننا لا نعلق في خطاف أمام الدكان، فنحن ~~«الدجاجة» التي تبيض الذهب، ولا بد أن نبقى أحياء لنبقى نأكل وندفع ونصبح «ضحايا» معظم ~~أيام السنة. # ومع هذا، فكل سنة وأنتم طيبون. # ولكن لا أريد أن «أعيد» عليكم أنتم أبناء مدينتنا وبلادنا، فنحن هنا، مهما ضاق بنا ~~هنا، ونحن معا، وإن كنا قد ضقنا معا، ونحن وإن كنا نحس بالغربة إلا أنها غربة الضيق ~~بالمقام، أما الغربة الحقة فهي غربة المحن إلى المقام، الخارج متسترا ذات مرة بظلمة ~~الليل أو مقترضا ثمن التذكرة، الذي سدت في وجهه السبل أحيانا، وأحيانا قطع عليه ~~الطريق قطاع الطرق. أولئك الذين انطلقوا شعاعات نابضة من أرضنا وترابنا، وتفرقوا في ~~أنحاء الأرض وتبعثروا، هم شعب الله غير المختار من أستراليا إلى كندا، ومن المكسيك إلى هونج ~~كونج. هذا الشعب المغترب الآخر؛ المدرس في أقصى كوبيك، المهندس في الكويت، المدرسة في ~~الجزائر، والممرضة في دبلن، وعامل اللحام في الربع الخالي، يا أولاد وبنات مصر في كل ~~مكان من سطح الأرض، كل عام ونحن جميعا طيبون. والله يجازي اللي كان السبب. # | الفرق بين «الجدية» و«ثقل الدم» # أخشى أن يؤدي النقد المنهال على مواد أجهزة ms097 الإعلام - وبالذات التليفزيون - إلى نتيجة ~~عكسية تماما. إن النقد الذي يقال ويكتب ينصب معظمه على «تفاهة» التمثيليات وسطحيتها، ~~وسخافة بعض مقدمات البرامج، وإقحام رقص هز البطن ومواد التحلل الخلقي بمناسبة وبدون ~~مناسبة. وقد بدأنا نلمح آثارا لهذا النقد. وكارثة حقيقية هي ما حدث؛ فقد بدأت معظم البرامج ~~تتحول إلى برامج وعظ وإرشاد باعتبار أن هذه هي «الجدية» المطلوبة والعودة إلى القيم ~~الروحية. وأعتقد أن المسئولين عن التليفزيون أخطئوا تماما ما يقصد بنقد البرامج التافهة ~~و«الهايفة». فليس الوعظ والإرشاد هو الرد على التفاهة والسطحية. إن النفس البشرية تضيق ~~بالوعظ المباشر تماما وتكرهه ربما أكثر مما تكره التفاهة؛ فليس أبغض للإنسان من أن يجلس ~~أمامه في التليفزيون إنسان آخر منتفخ الكرش والأشداق يتلمظ بالكلمات ويأمره أمر اليقين ~~كيف يتصرف وماذا يجب عليه أن يفعل في كذا أو كيت. حتى الأطفال يضيقون بالنصح المباشر. والرد ~~دائما هو إغلاق الجهاز أو تحمل الكلمات الغليظة على مضض، وربما توطين النفس على العمل ~~بعكسها تماما. # أجل، مهما أخطأ المسئولون عن التليفزيون في فهم كلمة «الجدية» و«التمسك بالقيم الروحية ~~والأصيلة لشعبنا وأمتنا»، وفهموا أن الجدية تعني التجهم والصرامة والوعظ المباشر ~~والإرشاد، في حين لا علاقة مطلقا بين الجدية والصرامة، فالجدية تعني احترام عقل المتفرج ~~وعواطفه ومعاملته باعتبار أنه ليس كائنا عبيطا أو ساذجا، أو طفلا من السهل أن «تضحك» ~~عليه أو تخدعه، الجدية تعني معاملة المتفرج باعتبار أنه عاقل وعميق وناضج، ولهذا لا يمكن أن ~~تنفذ إليه أو تصله إلا من خلال احترامك لعقله واحترامك لشعوره وقيمه. والجدية أيضا ليست ~~ضد المتعة أو الاستمتاع، فإذا كنا ساخطين على «السطحية» و«الهيافة»، فلسنا ساخطين إلا ~~لأنهما أقل إمتاعا ونحن ننشد المتعة الأكبر والأعمق. وإن ~~محمد رضا مثلا حين يظهر في دور ابن البلد العبيط لا أعتقد أنه يضحك أولاد البلد أنفسهم، ~~إنهم لا يضحكون من محمد رضا بقدر ما يضحكون عليه، فابن البلد ليس عبيطا، وفي حياته الكثير ~~مما يضحك، ولكنه ليس نتيجة عبطه إنما نتيجة المضحكات من مشاكل. ms098 إن ابن البلد يملك كل فكر ~~جحا وسخريته وذكائه، وهو يضحك «على» الآخرين، وبالذات على هؤلاء الذين يحاولون تصويره على ~~هذه الدرجة من السذاجة وحسن النية. # إن الجدية هي الاستمتاع بعمق. إن الممثلة الجادة قد تمتعني بحديثها أو بآرائها الفلسفية ~~والفنية، بل إن مقدمات البرامج ليس مهما أبدا شكلهن أو بروكاتهن. والغريب أن ~~تليفزيونا متقدما جدا كالتليفزيون البريطاني لا توجد به مقدمات برامج أو نشرات ~~أخبار على الإطلاق «رغم وفرة الجميلات البريطانيات»؛ ذلك لأنه حين تأتي المسألة لتقديم ~~برنامج - أي مخاطبة المتفرج من خلال عقل ذكي ناضج - فليس مهما أبدا حينئذ «شكل» ~~المتحدث بقدر ما هو مهم طريقة ونوع وأهمية حديثه. # إن الجدية التي نطالب بها هي أولا وأخيرا، وبجانب هجر السطحية والتفاهة، الغوص إلى ~~المواضيع الأساسية في حياتنا. والمضحك أن برامج التليفزيون مهما تطورت فإنها ستظل دائما ~~وأبدا هامشية؛ لأننا لا نستطيع أن نناقش داخل جهاز عريض كالتليفزيون أي مشكلة هامة في ~~حياتنا. إنك لا تستطيع أن تناقش من خلاله أية مشكلة أخلاقية أو اجتماعية خطيرة أو تربوية أو ~~جنسية، وطبعا لا يمكنك مناقشة أي مشكلة سياسية أو نقد أي جهاز من أجهزة الدولة. حقيقة في ~~الوقت الذي لا نخجل فيه من عرض تفاصيل جسم المرأة في بدلة الرقص، نخاف أن نعرض لأي تفصيل من ~~تفاصيل النفس الداخلية المصرية. وما دمنا متبعين سياسة النفاق العام هذه، والحرص على عدم ~~إغضاب أحد أو جهة أو مسئول، فستظل جميع المشاكل التي نطرحها غير أساسية وغير هادفة وسطحية، ~~وسنلجأ دائما إما إلى النفاق وإما إلى الوعظ السخيف والإرشاد المباشر. # وتريدون الجدية في برامج التليفزيون - للنظر إليه أولا بالمكبر - إنه جهاز ناضج ~~يخاطب شعبا ناضجا، وليس صندوق دنيا يخاطب مجموعة أطفال ويعرض أي شيء إلا أهم الأشياء في ~~حياتنا، ويناقش أي شيء إلا ما يستحق فعلا أن يناقش وأن يطرح على الرأي العام. # تريدون الجدية، أحيلوا جهاز التليفزيون من جهاز تدليك وتخدير إلى جهاز إيقاظ وتوعية، ~~جهاز عرض حقيقي لكل ما هو حقيقي ms099 في حياتنا؛ فبهذا - وبهذا وحده - تتحول البرامج إلى ~~برامج جادة فعلا؛ لأنها ستتحول إلى برامج «ممتعة» فعلا. # | موضة # بالشرف، إننا فعلا قوم غرباء. # خذ مثلا أزمة المواصلات. لقد قالت لي مرة سائحة ألمانية إنها لم تر في حياتها أبشع أو ~~أفظع من منظر المصريين وهم محشورون في الأتوبيسات والقطارات بهذا الكم وبهذا التلاحم الذي ~~ربما نحن قد اعتدنا عليه ولم يعد يدهشنا. ولكن إذا رأته العين الغريبة لأول وهلة فإنها لا ~~بد تصاب بالرعب، وهذا بالضبط ما حدث للسائحة الألمانية. # إننا نفكر في حل مشكلة المواصلات تفكيرات غريبة فعلا، فنحن ندرس إمكان حلها عن طريق ~~مترو الأنفاق مثلما فعلت لندن وغيرها، وغير مدركين أن مترو لندن استغرق بناؤه واستكماله ~~حوالي نصف قرن من الزمان، وتكلف أيام كان الكيلومتر الواحد يتكلف عدة آلاف من الجنيهات؛ ~~تكلف مليارات، فما العمل الآن والكيلو لا يقل الآن تكلفة عن خمسة ملايين جنيه؟ # أو نفكر في حلها بالمونوريل الذي قد لا يعادل في تكلفته هذا المبلغ الباهظ، ولكن ~~المشكلة أنه غير صالح إلا لخط «دوغري» مثله مثل مترو حلوان. غرباء لأننا لم نفكر في ~~أبسط وأهم وأكثر الوسائل عملية لحل أزمة المواصلات. فنحن دائما نفكر بالمرادفات ~~الضخمة للحلول، المونوريل والمترو والقطار والعربات والتاكسيات ... في حين أن أوروبا التي ~~تصنع هذه الوسائل، وسيلتها المحلية الأولى هي الدراجة. # أوروبا للسفر البعيد تستعمل الطائرة أو الباخرة أو القطار، للويك إند أو للانتقال بين ~~المدن تستعمل العربات، أما للتنقل داخل المدينة فقد يستعملون الأوتوبيسات أو التاكسيات، ~~ولكن الوسيلة الشعبية الأولى هي الدراجات. # بلد مثلا من أغنى بلاد أوروبا مثل هولندا، الدراجة هي الوسيلة رقم واحد للاستعمال، بل إن ~~الشوارع هناك مقسمة إلى ثلاثة شوارع؛ رصيف للمشاة، وشارع واسع لمرور العربات، وبينهما شارع ~~مخصص للدراجات. # اليابان التي تعتبر ثاني بلاد العالم في صناعة السيارات، وللنكتة هي أيضا بلاد ~~المونوريل، الدراجة هي الوسيلة الأولى لانتقال الفرد بها بدلا من الانتظار والتكدس ~~والاختناق، ها هي ذي الدراجة، تلك التي استعاض بها الإنسان ms100 منذ قرن عن ساقيه الطبيعيتين، ~~ميعادها تحت أمرك، خط سيرها تحت أمرك، توقفها أو تحركها أو تتلكأ بها أو تسرع وفق ~~أمرك أيضا، والمهم هنا أن سعرها - وخاصة إذا استوردناها أو صنعناها بكميات هائلة - سيكون ~~تحت أمرك مهما كان دخلك بسيطا أو متواضعا. # حين قلت هذا لبعض الرجال والسيدات اعترضت السيدات بشدة، أبى خيالهن أن يتصورن أنفسهن ~~راكبات دراجات في الشارع، انبرى رجل وقال: بل الجو؛ إن جونا حار ولا يمكن احتمال ركوب ~~الدراجة فيه. ولو قدر لهؤلاء جميعا أن يذهبوا إلى بلاد جحيمية الجو مثل تايلاند أو ~~سنغافورة، وهو يرى الناس جميعا يركبون الدراجات، ولو قدر للسيدة أن تقارن بين أن تتحمل ~~اختناق نفسها وجسدها في أتوبيس سرديني الرائحة، سرديني المحتوى، أعتقد أن الدراجة وخاصة نصف ~~الموتور يعتبر ركوبها جنة بالقياس إلى غيرها من المواصلات. # أما حكاية الجو هذه فهي تجرنا إلى لب المشكلة، فالماكسي جيب مثلا أو البنطلون ~~المحزق، ليست أنسب الأزياء في جو مثل جونا، ولكن السيدات يتحملنه ويتحملن ما هو ~~أكثر منه فقط لأنه موضة. وكل ما ينقص الدراجة لتصبح الوسيلة الحاسمة السريعة لحل أزمة ~~المواصلات التي بلغت الحلقوم أن تصبح موضة، وأن تركبها ميرفت أمين. # | جمهورية حسن الإمام # لن أستغرب إذا صحوت ذات يوم أو بالضبط ذات ليلة فوجدت أن نساء مصر والبلاد العربية قد ~~تحولن جميعا إلى عوالم أو راقصات؛ ذلك أنه بينما مثقفو مصر الغلابة مشغولون بقضية اليمين ~~والوسط واليسار، فالثقافة الحقيقية التي تنصب في عقول وقلوب أغلبية الشعب المصري ليست سوى ~~ثقافة «هز الوسط»؛ بحيث أصبح المثل الأعلى للمرأة عند البنت المصرية ليست هدى شعراوي أو مي ~~أو صفية زغلول أو حتى فاتن حمامة، المثل الأعلى أصبح الراقصة - أو العالمة بمعنى ~~أدق. # وإذا اعتقد أحد أني أبالغ فليرني فيلما أو مسرحية كتبت عن نموذج طيب حي أو ميت ~~للمرأة المصرية، أمام هذا الزحف الهائل من الملاحم «البطولية» التي أغرقت وتغرق السوق ~~تمجيدا وتخليدا للعوالم والراقصات من شفيقة القبطية إلى زوبة الكلوباتية إلى ms101 أخيرا بمبة ~~كشر. # ما هي البطولات العظيمة التي قامت بها شفيقة أو زوبة أو بمبة وأمثالهن، ليستحققن هذا ~~التكريم، ليدخلن التاريخ من أوسع أبوابه - السينما - تجسيدا حيا لمعاناة ومأساة ومهزلة ~~المرأة المصرية في كل تاريخها الطويل؟ # إنني لم أستغرب كثيرا حين رحت أستمع لفتاة عراقية صغيرة تحب الأفلام المصرية عن ~~تصورها للقاهرة الحافلة بالكباريهات والراقصات والعوالم، ودقة معلوماتها عن تفاصيل ~~التفاصيل في قصة إدمان شفيقة القبطية للهيروين. # ما هذا أيها السادة، أو بالأصح، أيها السيد الأستاذ حسن الإمام؟ # لقد ذكرت - على ما أعتقد في حديث تليفزيوني أو صحفي لا أذكر - أنك عشت فترة في شارع محمد ~~علي، وأنك تأثرت تأثرا كبيرا بحياة العوالم والراقصات، وكنت تقول هذا تفسيرا لانجذابك ~~الشديد لصناعة أفلام بطلاتها عالمات. ولكن ما ذنبنا نحن الشعب المصري والعربي، ما ذنبنا أن ~~يستحيل حب حسن الإمام للراقصات والعوالم إلى المادة الرئيسية للوجبة الثقافية المحدودة ~~التي يتناولها المواطن المصري من السينما؟ فالسينما بالنسبة لجماهير الشعب العريضة ليست ~~مجرد «فرجة» فقط، ولكنها تكاد تكون وسيلة الثقافة الوحيدة لهذه الجماهير. إن أكثر الكتب ~~رواجا وتوزيعا، وأكثر الصحف والمجلات انتشارا ليست سوى قطرة ضئيلة إذا قيست بجمهور ~~السينما والتليفزيون الذي يعد بالملايين. الملايين التي لا تقرأ ولا تعرف القراءة ولا ~~تستعيد قيمها وفهمها للحياة إلا من خلال ما تراه عيونها في السينما أو في ~~التليفزيون. # والمرأة المصرية المكتسحة البطلة في هاتين الوسيلتين، أو بالأصح في الأفلام المصرية، هي ~~المعلمة أو العالمة أو الراقصة. # لقد ظللت أنظر لهذه القضية بلا قلق كثير، ولكني فزعت حقا حين كنت في الأسبوع الماضي ~~مدعوا لحضور «كتب كتاب»، وبعد انتهاء الإجراءات التقليدية جاءت راقصة، وأيضا ليس هذا ~~هو المهم، وإنما على دقات الطبلة نفسها دخلت إلى الساحة فتاة صغيرة لا تتعدى السادسة من ~~عمرها تشارك الراقصة في الرقص، تحمس الحاضرون للأمر باعتباره طرفة من الطرائف ولكن الأمر ما ~~لبث أن تحول إلى حدث وواقعة بهرت الجميع؛ فقد أخذت الطفلة تتلوى وتؤدي بجسدها حركات ~~مقتبسة طبعا مما تشاهده ms102 من رقص، ولكنها مؤداة بطريقة جنسية مثيرة للغاية، والبنت ~~الصغيرة لا تعي طبعا ما تفعله بنفسها وبجسمها. # ها هي ذي الثقافة الرقصية التي تتعلمها بناتنا الصغيرات وفتياتنا، بحيث حين يكبرن ~~قليلا ويصبحن من جماهير السينما، يجدن البطلة «عالمة» والتجارة في هذا الجسد الذي منذ ~~الصغر وهو يتلوى تلويات جسدية فاقعة، مسألة لا تدعو للدهشة أو للانزعاج، بالعكس تصبح ~~مثلا أعلى ومطلبا. # وبهذا يتحول مجتمع كهذا إلى مدرسة كبيرة لتخريج الجواري والعالمات والمومسات. فماذا يمنع ~~هذا والمحيط كله والجو كله والبيئة كلها تدعو لهذا وتحرص عليه؟ # وهكذا يتم للأستاذ حسن الإمام حلمه، وتتحول مصر جميعا إلى شارع محمد علي، ولا ~~تعليق! # | الخبر المزعج # كدت لا أصدق عيني وأنا أقرأ الخبر! فصحيح أنا لا أعرف أعضاء اللجنة، ولكني أعرف ~~الدكتور عبد العزيز كامل؛ ذلك الرجل الفاضل العاقل المؤمن الواسع الأفق. وليس معقولا أن ~~يشترك الدكتور عبد العزيز كامل في أمر كهذا أو يسمح به. الخبر يتعلق بميثاق العمل ~~الإسلامي وتطبيقه؛ فقد اجتمع مؤتمر الجمعيات والهيئات الإسلامية برئاسة الدكتور عبد العزيز ~~كامل نائب رئيس الوزراء للشئون الدينية ووزير الأوقاف، وأقر بعض خطوط ميثاق العمل ~~الإسلامي. # وفكرة الميثاق نفسها وفكرة العمل به شيء رائع حقا، فما أحوجنا إلى ميثاق عمل وشرف ~~إسلامي يقود نشاط الجمعيات والهيئات الدينية نبراسا ينير لها الطريق! وكنت أفهم أن يكون ~~الهدف من هذا الميثاق الإسلامي هدفا إسلاميا حضاريا حقيقيا، وذلك بالعودة إلى المنبع ~~الأصيل للدعوة الإسلامية الحقة وتنقيتها من الشوائب الكثيرة التي لحقت بالعقيدة وألصقت ~~بها زورا وبهتانا، وخاصة في عصور الهزيمة والضحالة الثقافية والتخلف. أفهم أن يكون ~~ميثاق كهذا دعوة عميقة خالصة لتجديد إيمان هذه الأمة، والخروج بالدعوة الإسلامية من ~~حفائر العصور الوسطى إلى واقع العصر ووجدان الإنسان المصري الذي يعيش في الثلث الأخير من ~~القرن العشرين. # أما أن أكتشف أن هذا الميثاق ليس سوى دعوة إلى خلق هيئة أو مجلس أعلى يهيمن ويراقب ~~ويوجه - ليس الجمعيات الدينية فقط - ولكن كل وسائل الإعلام والثقافة والصحف والمجلات ~~والمطبوعات إلى ms103 درجة أن يقرر مؤتمر الجمعيات الدينية سالف الذكر في توصيته الأخيرة بأن ~~يكون للأزهر إشراف مباشر على كل المطبوعات والكتب التي تصدرها مختلف الهيئات والأجهزة ~~والأشخاص (ضمانا لسلامة مضمونها وحاجة الناس إليها) كما جاء في نص القرار! # هنا نجد أنفسنا لا نواجه ميثاق عمل إسلامي ينهض بالأمة عقيدة وسلوكا، ولكنا أمام (محكمة ~~تفتيش) جديدة، ممكن باسم الإسلام والدين والعقيدة أن تصادر أي شيء بدعوى أنه يتعارض مع ~~تعاليم الدين، ممكن أن تصادر حرية التفكير نفسها وحرية التعبير وتفرض دكتاتوريتها في فهم ~~الدين. فالأزهر الشريف ليس شيئا معنويا! الأزهر وعلماؤه بشر مثل البشر، بشر ليسوا أبدا ~~فوق مستوى الخطأ، بل حتى لو أصابوا في كل قرار أو أمر فإن رأي كل منهم محدود بوجهة نظره ~~فيما يمس الدين أو لا يمسه. إننا نسمي عصرنا هذا عصر الانفتاح، وليس مجرد انفتاح ~~اقتصادي لإغراء رأس المال العربي أو الأجنبي على المجيء والقدوم. الانفتاح أولا يكون ~~بانفتاح العقل المصري على مختلف حقائق العصر ووقائعه، يكون بإزالة الحواجز والموانع التي ~~كانت تحول بين الإنسان المصري وبين استعمال عقله وذكائه ذلك الذي سلحه بهما الله سبحانه ~~ليستعملهما في ترقية حياته ووجوده واستقامة سلوكه وصفاء إيمانه. # إن الإسلام دين قوي، دين لا يخاف العقل؛ لأنه دين العقل، ولا يخاف العلم؛ لأنه دين ~~العلم، ولا يخاف التطور وفتح الآفاق؛ لأنه دين الحرية، ومتى استعبدتم الناس وقد ولدتهم ~~أمهاتهم أحرارا؟ # | الذكاء الجميل # الذي يزور لندن - خاصة في السنوات الأخيرة - لا بد سيلحظ ولأول وهلة أن الأجيال ~~الجديدة، وبالذات من الفتيات، جميلات بطريقة غير معقولة: إجماع على الجمال. وحاولت مرات ~~كثيرة وعن عمد أن أعثر على فتاة إنجليزية قبيحة، أو حتى «مش ولا بد» دون جدوى. ولقد ~~أدهشتني الظاهرة فعلا؛ فصحيح أن الصحة والحضارة ترفعان مستوى جمال الشعب بشكل عام، ولكن ~~الشعب البريطاني ليس أكثر شعوب أوروبا ارتفاعا في مستوى المعيشة. ربما الأصح هو العكس؛ ~~بريطانيا الآن تكاد تكون أفقر بلاد أوروبا. # الحقيقة ظل السؤال يحيرني طويلا: لماذا هذا الارتفاع ms104 الغريب في مستوى الجمال في ~~بريطانيا؟ وليس الجمال هنا جمال الوجه فقط أو الملامح، إنما الجمال بشكله العام، جمال الجسد ~~والقوام والشعر. صحيح أن الأناقة درجتها أقل، ذوق الفرنسية أو الإيطالية في اختيار ملابسها ~~أرفع بكثير، إنما العجيب أن تكون فتيات لندن هؤلاء أجمل من فتيات روما أو باريس بشكل عام! ~~ظل السؤال يحيرني حتى تولت سيدة مصرية ذكية وواسعة الإدراك تفسير الأمر لي. قالت: لا ~~تعتقد أن هناك فارقا كبيرا في الجمال الطبيعي الذي يهبه الله للناس وللمجتمعات في كل ~~مكان، الفارق الكبير هو من صنع البنت الإنجليزية نفسها، إنه جمال مصنوع ما تراه، ولا أقصد ~~بكلمة مصنوع أنه مصطنع؛ فنادرا جدا ما كنت أجد فتاة مثلا تستعمل المساحيق أو وسائل ~~التجميل الفاقعة لإضفاء ألوان صناعية على خدودها أو جفونها، إنما هو جمال مصنوع بمعنى أن ~~كل بنت من الأجيال الجديدة بالذات قد بلغت من الذكاء حدا جعلها لا تحاول تغيير أمر جمالها ~~أو قبحها الواقع، إنما هي تنظر إلى نفسها وملامحها وجسمها نظرة واقعية، موضوعية، ~~بحتة. # ولأن الله لم يخلق في القبيح مثلا أو القبيحة كل شيء قبيحا، إنما تجد لا بد لدى كل ~~إنسان أو إنسانة ميزة جمالية من نوع ما. قد تكون ملامح الوجه غير جميلة ولكن الأنف مثلا ~~أو الشفتين أو العينين فيهما ذلك الجمال الخاص. وهنا يبدأ ذكاء فتيات الجيل الجديد يعمل؛ ~~فهي لا تحاول أبدا أن تطمس ملامحها الخاصة لتكتسب ملامح جمال عامة كما كان يحدث إلى عهد ~~قريب. كل امرأة تريد أن تكون لملامحها نفس الملامح التقليدية في الجمال، العيون الواسعة ~~والرموش الطويلة والخدان البارزان الأحمران والشفاه المكتنزة. كل تلك المقاييس العامة في ~~الجمال لم تعد هي هدف الحياة الحديثة. أدركت الفتاة ووعت حقيقة أن الجمال شيء خاص ~~جدا وليس ظاهرة عامة متعارفا على مقاييسها ونسبها، وأن كل إنسان، كل فتاة باستطاعتها ~~أن تكون جميلة، ليس بتقليد جمال الأخريات، وإنما بتفردها عن الأخريات، بإبراز سماتها ~~الجمالية الخاصة، حتى الأنف الكبير ذلك الذي ms105 كاد يكون في الماضي كارثة جمالية لصاحبته، من ~~الممكن أن يصبح ميزة لصاحبته، ميزة تنفرد بها عن سواها. وإنما لا بد لكي يحدث هذا أن ~~تسخر الفتاة ملامحها لإبراز هذا الجمال الخاص. فمثلا هذه «الفورمة» من التسريحات وإن ~~كانت «موضة» إلا أنها لا تناسب وجهها المكتنز، وهذا الوجه لو صفف له الشعر هكذا وبطريقة ~~تلائم الملامح أو تجعل الوجه يبدو أقل اكتنازا، إذن لتغيرت ملامح الوجه كله واتخذت طابعا ~~أو سمة أجمل. # لم يعد «الميك أب» إذن صنعة تتولاها الماشطة القديمة أو الحديثة على السواء، أصبح عملية ~~ذكاء لاستغلال عناصر الجمال الطبيعي الموجود في كل كائن بشري، أصبح عملية تخصيص وتفرد ~~وليس عملية تعميم مقاييس جمالية معينة اصطلح الذوق العام عليها. # إن الفن نفسه بشكل عام ليس إلا محاولة عظيمة للإنسان لخلق أو فرض أو تصوير واقع ~~أجمل، أو جمال من صنع الإنسان يحفز ويحرك غريزة الإنسان المركبة فيه، والتي تستجيب ~~دائما لكل ما هو جميل، سواء أكان من صنع الطبيعة أم صنع الإنسان. # الجمال اللندني إذن، ذلك الذي يبهرك للوهلة الأولى، ليس مكونا من قطيع هائل من ~~النساء الجميلات بالوراثة، إنما أجمل ما في الإنسان عقله وذكاؤه. # | الذكاء المصري # ليسمح لي الدكتور عبد العزيز حجازي بعد خطابه الشامل في مجلس الأمة؛ أسأله عن نقطة ~~حيرتني. فهو في فقرة يتحدث عن ضرورة تصدير ما يسمى بالرأسمال البشري، أي ضرورة تصدير ~~القوى العاملة بعد إعدادها فنيا وتعليميا إعدادا كافيا. وفي نفس الفقرة - وهذا هو ~~الغريب - يتحدث عن ضرورة استخدام الخبراء المصريين في كافة المجالات وإغرائهم بالمرتبات ~~والإمكانيات وإتاحة الفرص لعملهم هنا. أليس في هاتين النقطتين تعارض حاد؟ فإذا كان عندنا ~~فائض بشري قابل للتصدير (ما أروع الإنسان المصري وهو يصبح فائضا بشريا!) فما الداعي ~~لاستيراد هذا الفائض بعد تصديره وبسعر أعلى بكثير من سعر «السوق المحلية»؟ أم أن الخبرات ~~التي يتحدث عنها الدكتور حجازي والتي يقترح التوسع في تصديرها هي الخبرات المتوافرة في سوق ~~العمل المحلية، والتي لها نظائر مماثلة هنا؟ ms106 والخبرات المصرية التي يقترح استيرادها هي ~~خبرات ناقصة ولا غنى عنها. فإذا كانت ناقصة ولا غنى عنها فعلا، فكيف تمت عملية التصدير ~~إذن وبموافقة الحكومة؟ # في الحقيقة منذ أن سمعت من الدكتور عبد العزيز حجازي حديثه لأول مرة عن ضرورة تصدير فائض ~~الخبرة البشرية إلى الخارج - وبالذات إلى البلاد العربية - وأنا أفكر في الموضوع تفكيرا ~~خطيرا؛ فصحيح أننا نجني - كما ذكر السيد رئيس الوزراء - ما يقرب من المائة مليون جنيه عملة ~~صعبة تدخل مصر عن طريق هؤلاء العاملين بالخارج، ولكن السؤال يظل: ترى كم يخسر الإنتاج ~~المصري في المدى الطويل نتيجة هذا النزيف «الذكائي» المستمر؟ فالواضح أن معظم ما نصدره ~~للخارج من خبرات هم أكفأ وأنشط العناصر؛ تلك التي تضيق بالمعوقات وما يسمى بالاختناقات ~~(ولا ريب أن هذا اسم طريف) في مصر، فيهجون - ولا أقول يهاجرون - إلى الخارج، أي أنهم ~~مرغمون على الهجرة وليس عن طواعية يفعلون؛ والنتيجة بالطبع هي أن يكثر الغباء في السوق ~~المحلية ويقل الذكاء. وحيث إن الإنتاج أولا وأخيرا هو بشر، فلا بد أن إنتاج ~~الأغبياء أقل كما وأقل قيمة؛ ولهذا فبينما قد نكسب كل عام 100 مليون جنيه لا بد أننا ~~نخسر في المدى الطويل آلافا من الملايين من الجنيهات التي كان يمكن أن نحصل عليها هنا ~~بتشغيل هؤلاء الأذكياء المصريين. # إن مشكلة العاملين في مصر لا يمكن في رأيي أن تحل بتصدير فائض العمالة، بل تحل ~~بالسؤال البسيط: لماذا يوجد عندنا فائض عمالة، بينما بقية بلاد خلق الله تعاني من نقص ~~العمالة؟ والجواب في رأيي ليس هو أننا فقراء أو ضعفاء الإمكانيات، الجواب هو أن نظام ~~التشغيل عندنا نظام فاسد، والدليل على فساده مثلا أننا نصدر الأذكياء منا ونستورد ~~الكمبيوتر والعقول الإلكترونية التي لا تقوم إلا بجزء على ألف مما يستطيع أي إنسان ذكي ~~ومتعلم أن يقوم به. نظام التشغيل في الحكومة سيئ، وفي القطاع العام أكثر سوءا، وفي القطاع ~~الخاص هباب. لا نحن اقتبسنا النظام الاشتراكي بأكمله وبنظام تشغيله وتوكلنا على الله، ولا ms107 ~~اقتبسنا النظام الرأسمالي بأكمله وتوكلنا على الله، وإنما حاولنا أن نخلق نظاما يتراقص على ~~الحافة بين الرأسمالية والاشتراكية؛ فلم نجن من أي منهما إلا مفاسد كل منهما. مفروض ~~أن أي نظام مجتمع ناجح يفرح بعدد خريجيه من الجامعة والمدارس المتوسطة؛ فهم «قوى إنتاج» ~~جديدة تضاف إلى قواه الموجودة أصلا وتزيد من طاقته على الإنتاج، أما غير المعقول فعلا ~~فهو أن يصبح الخريجون الجدد «عبئا» على الإنتاج. إن الإنسان كما يقولون هو أثمن رأسمال، هو ~~أثمن من الآلة على الأقل لأنه خالق الآلة وصانعها ومشغلها، ولكن تحت ظروف التشغيل التي ~~تمر بها بلادنا أصبح الإنسان - سواء كان رجلا أو امرأة - هو أرخص السلع المعروضة جميعا، ~~وما لم نغير فورا وجذريا من طريقة أو نظام التشغيل عندنا، فسيظل الإنسان الرأسمالي هذا ~~يتناقص باستمرار، وسيظل الغباء المصري يطرد الذكاء المصري إلى خارج الحدود، ومن فقر نحن ~~فيه ننتقل إلى فقر أكثر. # | الطفل الذي يلعب والطريق السريع # منذ بضعة أسابيع قرأت خبرا في جرائدنا لا يزال التفكير فيه يزعجني إلى هذه اللحظة. ~~الخبر يتعلق بمصرع طفلين شقيقين على الطريق الزراعي بين القاهرة والإسكندرية. ولا شك أن ~~مصرع طفلين شقيقين في حادث مسألة يهتز لها أي إنسان، وبالذات لو كنت مثلي أبا ~~لطفلين. ولكن ألمي الشديد للحادث هو الذي دفعني لتأمله! وأكثر من مرة أعدت قراءة الحادثة ~~كما روتها الصحف، ودعونا نتأمل ما كتب. يقول الخبر - نقلا عن الجرائد - بينما كان الطفلان ~~الشقيقان فلان وفلان «يلعبان» على «الطريق الزراعي» «السريع» في «رعاية» أمهما، فوجئا ~~بعربة قادمة بسرعة «مجنونة» بلغت «المائة» كيلومتر في الساعة دهمتهما وأدت إلى ~~مصرعهما. # الخبر أسوقه منقولا عن الصحف، ولكن الأقواس من عندي، ولقد وضعتها في محاولة لمعرفة ~~العقلية التي صاغت الخبر، وبالتالي عقليتنا نحن في النظر إلى أمور العصر. الطرق الزراعية ~~السريعة هي بمثابة الشرايين الملحة لحياة اقتصادية تنشأ في هذا العصر، إنها ليست «موضة»، ~~إنها احتياج رئيسي من احتياجات أي اقتصاد. وكذلك العربة، إن الإنسان لم يخترع العربة إلا ~~لحاجته ms108 إلى «السرعة»؛ إذ السرعة تعني استغلال الزمن، واستغلال الزمن يعني نقودا. وفي طموح ~~الإنسان من أجل أن يخرج من فقر القرون الوسطى إلى غنى القرن الحديث كان لا بد له أن يخرج ~~من سرعة القرون الوسطى «الحمار والحصان» إلى سرعة العصر الحديث «السيارة والطائرة». # الطرق الزراعية السريعة إذن لم تنشأ إلا لتسير عليها العربات بسرعات «مجنونة» فعلا. إن ~~سرعة مائة كيلومتر تعتبر بطيئة بالقياس إلى السرعات التي أنشئت من أجلها الطرق السريعة ~~واخترعت من أجلها العربات الحديثة. # أما آخر ما فكر فيه العصر فهو أن ينشئ الطرق السريعة لكي يلعب عليها الأطفال، وخاصة ~~إذا كان اللعب «في رعاية أمهم!» # حسن جدا! لقد صرع طفلان في عمر الزهور! وقد يقول البعض إن المسئول هو السائق ~~«المجنون» الذي كان يسير بسرعة «مجنونة» على الطريق السريع «المجنون». ولكنا لو استبدلنا ~~بكلمة المجنون كلمة العصر في الجملة السابقة لاستقامت الجملة تماما مع منطق الواقع، ~~ولوجدنا المسئول لا بد أن يكون إنسانا آخر، ربما هو المحافظ أو الحكم المحلي الذي لم ~~يفكر في إنشاء أماكن يلهو فيها أبناء الريف مثلما يلعب زملاؤهم أبناء أعضاء النوادي في ~~المدينة، أو ربما هي الأم التي حرمها الفقر من التعليم ومن إدراك طبيعة وخطورة السرعة في ~~هذا العصر، وربما هو هذا الانقسام الخطير الذي نحيا فيه، شعب نام، في بداية استعانته ~~بوسائل التحضر من الممكن أن نفقد عددا من الضحايا من هذا السبيل. ولكن المشكلة في رأيي ~~أعمق من هذا بكثير. # ولم أدرك مدى عمقها إلا حين عدت وجمعتني الجلسات بمختلف الفئات والطبقات وسنوات العمر. ~~والظاهرة التي حيرتني حقا هي أن الحديث مع الشبان والفتيان كان يقودهم دائما إلى سؤال ~~هو: هل تؤمن بالأرواح؟ وما رأيك في الظواهر الخارقة التي يتحدثون عنها والتي تدل على وجود ~~الأرواح؟ # بل أكثر من هذا أذكر أني قرأت مرة خبرا عن ظهور «عفاريت» في شقة بشبرا تقذف السكان ~~بالطوب، واستدعاء البوليس والنيابة للتحقيق في الأمر، وكيف أن العفاريت بلغ من جرأتها - بل ~~صفاقتها ms109 - أن قذفت وكيل النيابة نفسه بالحجارة وأنه أثبت هذا في المحضر. # ورغم أني قرأت بعد بضعة أيام تكذيبا للخبر، إلا أنني لم أعلق على التكذيب أهمية، فهو ~~لا شك قد صدر عن عقلية لا يزال بها بعض الحكمة، ولكن المشكلة هي في الغالبية التي آمنت ~~وتؤمن بما جاء في الخبر. # وفي اللحظة هذه تتزاحم في رأسي آلاف الأفكار والخواطر والانطباعات، وأنا لا أريد الحديث ~~في هذه اللحظة عن أوروبا ولا عن الحضارة؛ فمشكلتي الأولى ليس ما أتحدث به، ولكن إلى من ~~أتحدث. # لكي أعرف إلى من أتحدث لا بد أن أعود إلى موقفنا من الحضارة الأوروبية، حيث وقفنا ~~منها بعد ثورة 23 يوليو موقف العداء؛ لأن أوروبا كدول وحكومات ونظام رأسمالي بشع كانت ~~قد وقفت منا موقف العداء؛ العداء الواضح الصريح الذي تركز في عدوان 56، ثم كشف عن ~~أنيابه في فخ 67. وقد فعلنا هذا كضرورة حتمية من ضرورات الدفاع عن النفس. # أجل، لقد وجدنا أنفسنا - ومنذ ظهور إسرائيل كقوة عدوانية على المسرح العربي في حادثة ~~الإغارة على غزة عام 54 - في حالة دفاع قصوى عن النفس. # وأيضا لأني أقتصر في حديثي على الجانب الفكري والحضاري، لن أتطرق إلى ما قمنا به في ~~المجالات الأخرى من جيش وصناعة وإجراءات ثورية بكل ما حفلت به من تجارب وأخطاء، وما حفلت ~~به من طليعية واقتحام لطريق لم يسبقنا له أحد، وكان بمثابة الريادة لعالم ثالث يتطلع مثلنا ~~إلى الدفاع عن النفس وحيز من الوجود تحت الشمس. # وفي حياة كل أمة تأتي فترة لا بد أن تنغلق فيها هذه الأمة على ذاتها؛ كي تنضج شخصيتها ~~القومية ويتضح تفردها وتعرف من هي وماذا لديها. هكذا فعلت روسيا بعد ثورة 17، وهكذا فعلت ~~الصين بعد نجاح ثورتها. ولكن مجرد الانغلاق على الذات لا يكفي؛ إذ المهم هو ماذا نفعل ~~بأنفسنا بعد الانغلاق على ذواتنا؟ ما موقفنا من ثقافتنا الوطنية؟ ما موقفنا من طرق ~~تعليمنا؟ # باختصار: أي الأفكار تسود بعد قفل الأبواب؟ # وإذا راجعنا ما حدث خلال عشرين ms110 عاما من عمر الثورة المصرية الفتية، فإننا سنجد أشياء ~~كثيرة لا بد أن نعيد فيها النظر. # ذلك أن هناك قانونا أساسيا من قوانين الوجود والبقاء: ما لم تتقدم إلى الأمام فإنك لا ~~تتوقف، إنك دائما تعود إلى الخلف. # ولقد كانت ثورتنا تحمل في مكوناتها أهدافا تقدمية رائعة. # ومن يراجع الخريطة السياسية للشرق الأوسط يجد أن الثورة حين قامت في 23 يوليو كانت ليبيا ~~وتونس والجزائر ومراكش في الغرب محتلة، وكانت الكويت وإمارات الخليج واليمن والعراق ~~والسعودية والسودان إما محتلة أو خاضعة لنفوذ أجنبي تماما، بل إن مصر نفسها كانت تحتلها ~~القوات البريطانية. # الأهداف السياسية العظيمة التي حققتها ثورة يوليو، والثورة الاجتماعية التي قامت لأجلها ~~وتحقق جزء كبير منها، هذه كلها حقائق تخطف الأبصار. # ولقد كان من الواجب والمحتم لكي تكتمل الثورة أن يتحقق لها الركن الثالث المهم؛ أن ~~تتحقق أيضا الثورة الثقافية. # كان واجبنا بعد أن عادينا الحضارة الغربية كل هذا العداء وقاطعناها وانغلقنا على ~~أنفسنا، أن ننغلق لكي نحقق ثورة ثقافية حقيقية بحيث ننقل الأفكار السائدة في مجتمعنا من ~~حيث كانت: أقلية مثقفة تتطلع بلهفة شديدة إلى تقليد أوروبا، وأغلبية تحيا لا تزال على ~~أفكار العصور الوسطى، إلى حيث تقف ثورتنا سياسيا واجتماعيا، إلى حيث القرن ~~العشرون. # إن الثورة لا تقبل التجزئة أبدا، ولا يمكن أن يكون الثوري ثوريا في فكره ومحافظا في ~~تصرفه ورجعيا في بيته؛ إذ معنى هذا أنه إما أنه لا يؤمن بالثورة أصلا وإما أنه ~~ثائر محدود الأفق. إن الثورة كالفن كائن هش رقيق، ما أسهل - إن تركته هكذا معرضا ~~لعوامل الموات والتعرية - أن يموت! وما لم تتلبس الثورة جسدا من التنظيم وقوة ثقافية غير ~~محدودة، فإنها لا يمكن أن تستحيل من جذوة صغيرة إلى نار مقدسة تعيد خلق الشعب وصياغته ~~فكريا وحضاريا. # بمعنى آخر: إن الشعوب في سيرها المستمر الحتمي تميل بطبعها إلى المحافظة على الموروث ~~والمكتسب، وما اعتادت عليه وألفته. والثورة ليست إلا تغييرا جذريا مفاجئا وشاملا في ~~هذا السير الدءوب البطيء، فإذا ms111 تركت الثورة بلا رعاية ثورية فمعنى هذا أن تبتلعها بعد حين ~~الأفكار السائدة بل والرجعية، وأن تنتقل بالمجتمع اقتصاديا وسياسيا خطوات إلى الأمام ~~بينما أفكار الشعب ومبادئه ومعتقداته لم تتغير. # هكذا وجدنا أناسا يلبسون صوفا وحريرا مستوردا، وكرافتات سولكا، وعربات على آخر موديل، ~~يرددون: «لا أفكار مستوردة.» بمعنى آخر هم يأخذون من أوروبا كل ما يمتعهم شخصيا من ~~وسائل العيش، أما الأفكار الجديدة فإنهم يخافون منها. # وجدنا أناسا يجعلون من الإسلام وسيلتنا كعرب إلى الثورة والتحضر؛ الإسلام ذلك الدين ~~الذي جاء ثورة تقدم مفجرا لطاقات العرب والمسلمين الخلاقة، طليعيا يقود تيار الحضارة ~~والتحضر. إن القرآن الكريم في كثير من سوره وآياته أوامر عسكرية وثورية يومية تهدي المسلمين ~~في حربهم ضد العدو، وجدناهم لا يسمحون إلا برواج كل ما يمكن تفسيره تفسيرا رجعيا ~~ومحافظا وتقليديا. # كان مجتمعنا قد انتقل خطوات كبيرة جدا في مجالات التصنيع والتعليم والخدمات بحيث ~~استطاع أبناء الفلاحين والعمال أن يدخلوا المدارس والجامعات، وينشأ جيل منهم يريد أن يحيا ~~وأن يثور وأن يوجد وأن يتعلم أكثر وأحسن. # هذا الجيل ماذا كانت رسالتنا إليه؟ ماذا تكتب له الصحف؟ ماذا يسمع في الراديو ويرى في ~~التليفزيون والسينما؟ # إني لا أستغرب بعد هذا كله أن نجد بعض الصحف والناس أحيانا تناقش مشكلة: هل هناك أرواح ~~وعفاريت وظواهر خارقة تتدخل في حياة الناس؟ # إني لا أريد أن أنقد موقفنا مثلما يفعل البعض لمجرد النقد، إني في الحقيقة أصدر في كلامي ~~من نقطة بدء، هي نفس نقطة البدء التي صدرت عنها ثورتنا؛ الدفاع عن أنفسنا. # ولا أقول الدفاع لمجرد أن إسرائيل اعتدت علينا واحتلت أراضينا. # أما الخطر الأكبر فهو فينا نحن وفي طريقتنا التي نواجه بها العدو، كياننا ليس فقط في ~~السلاح الذي نواجه به العدو، ولكن في السلاح الإيماني والعقائدي، في الروح التي نواجه بها ~~العدو. # الروح وليس الأرواح بالمعنى الذي أصبح شائعا الآن ومتداولا. # كيف نواجه؟ وبماذا نواجه العدو؟ هذه هي المشكلة. # إن العدو الإسرائيلي ليس سوى التحدي الأصغر الذي يواجهنا. ms112 # إنما التحدي الأكبر هو هذه الحضارة الصناعية الأوروبية الأمريكية اليابانية الهائلة التي ~~تقف لنا بالمرصاد. # إن ما شاهدته في أوروبا الغربية وأمريكا واليابان من مصانع ومراكز بحوث واكتشافات وغنى ~~... # وما رأيته في المعسكر الاشتراكي من ثورة في التفكير والتكنولوجيا والتحضر بعد التخلص من ~~كل ما خلف العصر الستاليني من جمود وتحفظ ... # إننا لسنا وحدنا في هذه المشكلة وإنما معنا كل دول العالم الثالث التي ثارت؛ فحاصرت ~~الرأسمالية العالمية ثورتها وضربتها، بل نكاد ننفرد دون دول العالم الثالث بأننا لا نزال ~~واقفين لم نركع ولم نستسلم ولم نكف عن قول لا. # والمحنة التي تمر بنا ليست من صنعنا وحدنا. إنها طريقة الغرب لضربنا في الصميم، إنها ~~محاولة رهيبة لترويضنا؛ لترويض هذا الشعب المخيف الثائر الذي ظل يهدر بالثورة من 1882 إلى ~~الآن، جيلا وراء جيل، وكبوة وراءها كبوة، ولكنه ماض في طريقه لا يرضخ ولا يكف برغم كل ~~النكبات. # لقد ثرنا قبل كمبوديا وفيتنام، ثرنا حتى قبل روسيا والصين وكوريا والهند، كنا روادا ~~للثورات. # ورغم بعض الخيانات فتاريخنا الكفاحي ناصع البياض. # ولقد كانت ثورة 23 يوليو بكل ما حملناها من أماني وأحلام، بكل ما آزرناها به من قوة ~~وعزم وإصرار؛ محاولتنا الثانية الكبرى خلال نصف قرن واحد للخروج من زنازين العبودية إلى ~~وديان الأحرار. # لقد خلقت الرأسمالية عقولها المفكرة وإنسانها المستقل الذكي، ولقد فعلت هذا بما يمكن ~~أن نسميه ثورتها الثقافية الحضارية. إن النظام البرلماني الليبرالي الإنجليزي مثلا ليس من ~~قبيل الأناقة الحضارية والوجاهة، إنه نظام نابع أساسا من احتياجات الرأسمالية الإنجليزية، ~~ووسيلة ذكية لإشعار العامل المستغل بأنه حر، وبأن له رأيا، وبأن رأيه محترم؛ وذلك ~~للظفر منه بأقصى مجهود خلاق يخدم في النهاية مصالح السادة الرأسماليين. # ولقد خلقت الثورة الاشتراكية إنسانها الجديد؛ ذلك المؤمن بأن مصالحه الشخصية مرتبطة ~~ارتباطا لا ينفصم بمصلحة مجتمعه ككل، وأن الخير حين يعود يعود على الجميع، والخسارة حين ~~تحل تحل بالجميع. حققت الاشتراكية بالثورة الثقافية الاشتراكية وجودا حقيقيا لإنسان ~~جديد هو الذي يخترع الآن ويبتكر ms113 ويعمل، ونقل وينقل دولا مثل بلغاريا والمجر وبولندا - ولا ~~أقول الاتحاد السوفييتي والصين - من عصر المحراث إلى عصر الكمبيوتر في المزرعة ~~التعاونية. # ونحن، حقيقة، قد أنجزنا الكثير في مجال إنشاء الصناعات وبناء القوات المسلحة والخدمات ~~والتعليم. # ولكن ... # هل غيرنا عقل هذا الإنسان الذي يبني ويصنع ويقوم بهذا كله؟ # هل سلحناه بالوعي وعيون العصر والقدرة على فهم ما حدث له وما يمكن أن يحدث؟ # هل قمنا بالركن الثالث الخطير لأي ثورة؟ هل قمنا فعلا بثورة ثقافية مصرية نقلت أفكارنا ~~من حيث كنا إلى حيث يجب أن نكون؟ # إن المدفع لا يحارب وحده، الذي يحارب هو الإنسان. # والميكروسكوب لا يكتشف وحده، وراء الميكروسكوب عين العالم، ووراء العين عقل علمي. # والشعب لا يكون شعبا إذا لم يجمعه على الأقل هدف واحد أو نقطة واحدة يؤمن بها ويلتف ~~حولها ويموت ويضحي من أجلها. # إننا إما أن نستمر في التحوصل على أنفسنا والتقوقع والانغلاق، ونفعل مثلما فعل ~~العلماء الملتفون بالشيخ الشرقاوي لدى قدوم جيش نابليون حين كانت مشكلتهم في مواجهة هذا ~~الجيش هي إعراب كلمة «بونابرته» وكيف تكتب في الخطاب الذي يوجهونه له؟ # وإما أن ننفتح انفتاحا كليا على العالم ونترك وعي غيرنا هو الذي يسود ويتحكم، ~~والحضارة تدخل بلادنا من الغرب والشرق والشمال والجنوب «سداح مداح». باختصار نستسلم ونغيب ~~نحن عن الوعي بشرقه وغربه، ونترك الأفكار والثقافة. # وإما ... # وإما أن نختار الطريق الوحيد الجدير بالأحياء. # | قبل أن تنهار عمارة بيومي # كان في نيتي أن أناقش هذا الأسبوع «حكاية» التعليم في مصر بعد أن أصبحت فعلا حكاية ~~لها العجب كل العجب، ولكني فوجئت في بريد الصباح بخطاب من الإسكندرية، أعرف الخطوط الرجالي ~~من الحريمي على الفور؛ ذلك أن عضلات أصابع الأنثى بكينونتها الدقيقة تجعل خط المرأة عامة ~~مختلفا عن خط الرجل، أقول عرفت أن الخط خط أنثى رغم أن الإمضاء كان لقارئ، بمعنى أنه ~~تنكر داخل تنكر. والخطاب يدل على أن صاحبته متعلمة فعلا وقارئة ومطلعة. ناقشتني ~~في بعض ما أكتبه، ولكنها باحت في النهاية ms114 بالسر الذي دعاها لكتابة الخطاب؛ ذلك أنها ومجموعة ~~من أصدقائها وصديقاتها اختلفوا كثيرا حول ديانتي؛ بعضهم يقول إني مسلم وبعضهم يؤكد أني ~~مسيحي، وتطلب وتستحلفني في نهاية الخطاب أن أجيب على هذا السؤال «المهم جدا» في المفكرة ~~ليعرف القراء جميعا. # أمسكت بالخطاب بعد قراءته وأنا حائر فعلا. لقد كنت جهزت نفسي عقليا ووجدانيا ~~لمعالجة قضية من أخطر قضايا مجتمعنا، وإذا بهذا الخطاب القادم لا يعنيه أبدا ما أبديه من ~~آراء، وإنما مشكلته الكبرى هي هذا السؤال الذي ليس أول سؤال، ولكن الأسئلة الأخرى على الأقل ~~كانت تلقى علي شفويا. أما أن يجشم قارئ أو قارئة نفسه عناء الجلوس إلى مكتب ~~وتدبيج خطاب طويل عريض يسأل تحريريا هذه المرة عن كنه ديانتي، فتلك مسألة أخرى في حاجة ~~إلى وقفة، بل إن هذا التساؤل السطحي بدأ يتشابك في عقلي ويتعانق إلى أن وجدت نفسي في قلب ~~مشكلة التعليم دون أن أدري. سأفعل كما تفعل أجاثا كريستي ~~وسأبقي الإجابة إلى النهاية، عسى هؤلاء الذين وصل بهم الوضع التعليمي والثقافي إلى هذا ~~الحد يتابعون معي ومع غيرهم من القراء «حكاية» التعليم في مصر. ~~••• # الحكاية أصلها ثابت وفرعها في السماء. إن التعليم هو: تلميذ يريد المعرفة، وأستاذ لديه ~~المعرفة، ومكان يجمعهما ومع الآخرين ليصبحا في النهاية مدرسة أو جامعة أو دراسات عليا ~~دقيقة التخصص. # إلى أن تخرجت أنا في الجامعة في الخمسينات وربما بعدها بقليل، لم تكن هناك مشكلة تعليم في ~~مصر. كانت هناك بالطبع مشاكل للتعليم، ولكن لم تكن هناك «مشكلة» تربية وتعليم عويصة ورهيبة، ~~وكالأمراض الخبيثة وصلت إلى داء الحلقة المفرغة التي ربما استغرقت أجيالا لحلها أو ~~الخروج منها. # كان حجم وزارة التربية والتعليم مساويا لعدد القادرين على التعليم، أو بالضبط مجتمع ال ~~5٪ كما أطلقت عليه ثورة يوليو. # وجاءت ثورة يوليو، ومصر الاقتصاد الأجنبي، ثم ما لبث أن أمم هو الاقتصاد المصري ~~بالمرة، واندفعت إلى الطبقة المتوسطة كميات هائلة من رصيد المعدمين حتى وصلنا بعد قرارات ~~التأميم في يوليو وبعد أن بدأ فعل ms115 الثورة عمله في رج المجتمع المصري رجا عنيفا، إلى أن ~~وصل عدد القادرين على التعليم إلى عشرة أضعاف. # المكون الثاني للمعادلة «المدرس»، وتمشيا مع سياسة تصدير التعليم والمدرس المصري إلى ~~كل أشقائنا العرب نقص عدده بدرجة كبيرة، ليس هذا فقط، وإنما أن مستواه «الكيفي» قد قل ~~بدرجة خطيرة. # المكون الثالث للمعادلة «المدرسة»، صحيح أنشئت مدارس كثيرة، أنشئت جامعات أكثر - ست ~~جامعات - ولكن هل الاتساع الأفقي هذا كان متناسبا مع الأعداد الأكبر من الطلبة؟ أي هل وصل ~~عدد المدارس إلى عشرة أضعاف ما كانت عليه قبل الثورة؟ قبل الثورة كانت هناك جامعتان ونصف ~~«النصف هو بداية تكوين جامعة عين شمس»، مفروض أن يكون عدد جامعاتنا الآن خمسا وعشرين ~~جامعة، ولكنها «كلها على بعضها» الآن تسع جامعات. # وليس هذا هو المهم، المهم أن عدد التلاميذ له أن يتضاعف ويتكاثر إن شاء له الهوى، ولكن لا ~~بد ليكون التعليم تعليما - أو على الأقل للوصول إلى الحد الأدنى من التعليم - أن تقابل ~~هذه الزيادة بزيادة كيفية وكمية لعدد المدرسين والأساتذة. وما حدث كان العكس تماما، ~~فالمدارس الابتدائية عندنا تشكو من نقص هائل في عدد المدرسين المثقفين تربويا، بل نحن ~~نعهد بالتعليم الابتدائي إلى أقل المدرسين تعليما وكفاءة. ~~••• # والنتيجة هي ما نراه الآن؛ وضع يكاد يشبه لوحات الرسم العبثية، أعداد رهيبة من خريجي ~~جامعات لا معنى لتعليمهم الجامعي بالمرة حيث يعهد إليهم بأعمال بعيدة كل البعد عما درسوه، ~~نقص شديد في العمالة اليدوية والحرفية، ولا أقول التكنولوجية والصناعية. تصوروا رغم ~~تعدادنا الهائل هذا نشكو عجزا رهيبا في عدد السمكرية والكوائين والنجارين وبالذات ~~نجارو البناء ونجارو الباب والشباك. # إن المثل الذي يقول إن الشيء إذا زد عن حده انقلب إلى ضده لا ينطبق على شيء بقدر ما ينطبق ~~على التعليم في مصر؛ فبدلا من أن تأتي الثورة بعقول وأناس أكفاء يضعون في الخمسينات ~~سياسة طويلة المدى لمصر الثورة التي تريد أن تتطور بسرعة قصوى، ولا بد لكي تحقق أهدافها ~~الستة التي قامت من أجلها أن يكون ms116 التعليم - والتعليم على أرقى مستوى - هو وسيلتها للوصول ~~إلى ذلك. جاءت بضابط شاب انتهز فرصة ركوع بعض أساتذة الجامعة وبعض المسئولين عن التعليم ~~لرغباته وتخبطاته، لا أقول وضع سياسة، وإنما جعل من كلمة طه حسين «التعليم ضروري كالماء ~~والهواء ولكافة فئات الشعب» أصبح ليس المهم عنده هو نوع التعليم وضرورة أن يكون كالماء ~~والهواء فعلا؛ الماء النقي والهواء النقي، وليس التجهيل وحتمية أن يؤدي إلى ماء ملوث ~~وهواء خانق سام. لم تضع الثورة إذن «سياسة» للتعليم، لم تحاول أن تفهم ما تحدثه هي في ~~المجتمع من دفع بأعداد هائلة إلى فئة القادرين وضرورة أن تعد لهذه الأعداد وما يتلوها ~~الفرصة لتعليم ولعلاج ولرعاية، المفروض في الثورات كلها أن يكون الهدف من قيامها أولا ~~وأخيرا الإنسان والأخذ بيده ورفع مستواه حضاريا وفكريا وثقافيا ... ~~••• # وليس المهم الآن أن ننعي أو نحاسب على ما فات. # المهم هو الوضع الصارخ الآن وكيف نعالجه. # لم أر وزيرا أجمع الناس على ذكره بالخير مثل الدكتور مصطفى كمال حلمي المسئول الأول ~~الآن عن التعليم بكافة مراحله ومستوياته. # ولكن ليت المشكلة هي مشكلة وزير عبقري أو وزير عادي، المشكلة أكبر من أي وزير، بل أكاد ~~أقول أكبر من أي مجلس وزراء بأسره. # إن أثمن ما في مصر هو الإنسان في مصر. وصحيح أن أثمن شيء في مصر «الإنسان» قد أصبح أرخص ~~شيء في مصر من ناحية سعره «وتصوروا مثلا أنني حسبتها فوجدت أن شقتي - نظرا لموقعها - ~~لو أجرتها مفروشة لكان دخلها خمسة أضعاف مرتبي في الأهرام!» فما بالك بموظف عادي أو عامل ~~عادي؟! # الأزمة التي تجتازها مصر أزمة خطيرة، بل تكاد تكون أخطر الأزمات؛ إذ هي ليست أزمة حرب أو ~~سلام، وليست أزمة اختناقات اقتصادية أو اجتماعية، إنها أزمة الإنسان المصري. # وثلاثة أرباع أزمة الإنسان المصري هي غرقه الخانق في مشاكله الخاصة، وسوء توظيف طاقته ~~الإنتاجية، وتعليمه قسرا ووضعه في وظيفته قسرا. لا أحد يختار مساره، لا أحد يختار وظيفته ~~أو حرفته، إنما هي أشياء تحدث لنا ولا ms117 خيار لنا فيها، وهكذا فما دام الإنسان قد فقد سيطرته ~~على مصيره، كيف تطلب منه أن ينتج؟ كيف ينتج شيئا لا يريده؟ أو يصنع أعمالا لا أهمية لها ~~بالمرة عنده؟ المسألة إذن خطيرة وليست مسألة تعليم وتعلم، إنها في الحقيقة مسألة أن يكون ~~الإنسان المصري أو لا يكون. إنها أخطر مشاكل مصر على الإطلاق في رأيي وليس علاجها أبدا ~~لجانا تنعقد في المجالس القومية المتخصصة. # إنها في حاجة إلى أن نعقد من أجلها مؤتمرا يضم خلاصة العقول في مصر، ولا أقول خلاصة ~~الأساتذة في المدارس والجامعات، ولكن أؤكد مرة أخرى على خلاصة العقول في مصر وفي كل ~~المجالات لدراسة أولا: إلى أين نحن ذاهبون بالإنسان المصري؟ أو إلى أين يذهب بنا هذا ~~الذي أصبح عليه الإنسان المصري؟ # ولأن الثقافة والمستويات الثقافية - سواء في حدها الأقصى أو في حدها الأدنى - هي القلب ~~الذي تنبض به أي سياسة للتعليم وأي الاتجاهات ومدى الأعماق التي ينبغي أن تصل إليها. # الثقافة التي - للأسف - عادتها عناصر كثيرة من عناصر الثورة حتى اعتبر المثقف المصري ~~ذات يوم وكأنه عميل للفكر الأجنبي، وبالتالي لدولة أجنبية. والتي كان من نتيجتها الوصول ~~إلى درجة الخزعبلات حتى في فهم ديننا العظيم الحنيف. # ذلك الذي يصل بجامعية خريجة جامعة، مثل الفاضلة القارئة وأصحابها وصاحباتنا الذين لم يعد ~~يهمهم من فلان الذي هو أنا إلا دينه. # أنا مسلم يا سيدتي وموحد بالله، ومؤمن أشد الإيمان بكافة الأديان السماوية وعلى رأسها ~~المسيحية واليهودية. # أقولها وأنا فخور، هذا حقيقي، ولكني لا أستطيع أن أمنع نفسي من الحزن والأسى؛ فوراء ~~السؤال تكمن مشكلة بالغة الضخامة والفجيعة، مشكلة الثقافة في مصر التي أساسها تعليم انعدام ~~وفي سبيله للعدم، ولو كانت مشاكل الإنسان من تربية وتعليم وصحة وخلافها تنهار مثل انهيار ~~عمارة بيومي لانهارت عمارته من زمن. # فلنعقد فورا ذلك المؤتمر. # فلم تعد تكفي أعمدة الخشب التي نصلب بها البنيان. # العمارة توشك أن تنهار. # | كاتب بلاد الغنى والضياع # كنت قد وصلت في نقاش مع آرثر ميللر إلى ms118 نقطة دقيقة وحرجة في حياة كل كاتب. إن الكاتب ~~أو الفنان - في نواح كثيرة منه - ظاهرة فردية متمردة. وفي أمريكا يسمون الحكومة ~~والشركات الكبرى والكوربوريشنز، يسمونها «المؤسسة»، أو ذلك الأسمنت المسلح المبنية فوقه ~~«الدولة» برجالها الكبار وشيوخها وأجهزتها وأنظمتها. والمؤسسة كانت شيئا مرفوضا تماما من ~~الشباب بالذات، وكانوا يسمون من يعمل بها أو من «تحتويه» بأنه «خان» المبادئ، أية مبادئ؟ ~~لا أحد يعرف بالضبط؛ فاليساريون قليلون جدا، والشيوعيون أقل، ولكن «التمرد» كثير، ~~وما حركة الهيبز والبيتلز، وإلى حد ما حركة التحرر النسائية - حتى التحرر من الرجل ~~والاستغناء عنه بالمرة جنسيا أيضا - كل هذا كان يمثل ظاهرة التمرد ضد المؤسسة، تلك التي ~~بلغت أشدها في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، والآن آبت إلى نوع من الهدوء ربما سببه ~~انفجار بركان تمردي زنجي آخر. الآن زنوج أمريكا لم يعودوا هم هؤلاء الوادعون المستنجدون ~~بالله وبالدعوات وبمارتن لوثر كنج والمسيحية في طيبتها وتسامحها ليردوا على قسوة البيض ~~والكلوكس كلان والاحتقار الكامن لدى الرجل الأبيض. الآن عنفا بعنف أشد يردون، بل ~~أحيانا بإجرام رهيب يردون. # ولكن التمرد ضد «المؤسسة» - وإن كان قد آب إلى نوع من الاعتدال - لا يزال قائما موجودا، ~~وآرثر ميللر نشأ في ظل هذا التمرد، وكانت مسرحياته الأولى مسرحيات تمرد كبير، هو تمرد ~~«الرجل العادي» ضد «المؤسسة»، وما تؤدي إليه المؤسسة الاجتماعية السياسية من مآس حتى على ~~المستوى الفردي. فماذا حدث لهذا «الذئب العجوز» الآن؟ تهادن؟ هل تولت المؤسسة - بما ~~أفاضته عليه من مجد ومال وشهرة وقامة هائلة الطول في مجتمعه - عملية «تطويعه» أو على الأقل ~~«تهجينه»؟ # وعدت إلى النقاش. ~~- مستر ميللر، تقول إن هناك حرية أكثر الآن في أمريكا، ولكن نفوذ المؤسسات - بالطبع يقصد ~~«المؤسسة» - يتعاظم هو الآخر؛ وهذه هي المشكلة، أليس كذلك؟ # ميللر: بالضبط هذه هي المشكلة؛ إن من الصعب تماما على المواطن الآن أن يكون مستقلا ~~تماما عن هذه المؤسسات مثلما كان باستطاعته أن يفعل في السنين التي مضت. الآن هم يتحكمون ~~أكثر، ولكن في أوجه كثيرة قد تحرر ms119 أكثر. # قاطعته قائلا وقد بدأت أحس أنه صار ديبلوماسيا. ~~- بصراحة بالنسبة لعنصر الالتزام، أعتقد أنك لا تزال ملتزما، على الأقل بالنسبة للبشرية ~~ككل، أو أنك لا تزال ملتزما بقضايا الشعب الأمريكي؟ # ميللر: نعم. ~~- ولكنك تقول: إن الأعداء في الماضي كانوا واضحين جدا، أما الآن فمن الصعب ~~تحديدهم. # ميللر: إن عندنا موجة من اليأس في الغرب. إن الكتابة لا معنى لها ولا فائدة، وكأن ليس ~~هناك فائدة أو أمل. وأعتقد شخصيا أن هذا صحيح إلى حد ما، ولكني لا أستطيع قبوله؛ ولهذا ~~فلا بد لي أن أفحص الإنسان لأجد أين تكمن قدرته على المقاومة - المقاومة الحيوية - وهذه ~~معجزة. إن الجنس البشري لا يزال يصر على أن يعيش، وغزل هذه المعجزة ومعرفتها مسألة ~~هامة. ~~- لكي نعود إلى قضية المسرح، عندي إحساس أن المسرح في العالم يموت الآن، فهذه الآلات التي ~~ذكرتها تلتهم المسرح من دراما وصورة وموسيقى، ولكنها في نفس الوقت تلتهم المسرح كروح ~~وكجمهور حاضر وما أسميه أنا بلغتي تقتل «التمسرح». # ميللر: هذه زوجي إنجي، هذا يوسف إدريس، وهذا أدونيس. اجلسي يا إنجي. # إنجي: أنا فقط أردت أن أعرف. # ميللر: لماذا لا تجلسين؟ إنجي قضت وقتا طويلا في الشرق الأوسط. إنها تعمل كمصورة ~~صحفية. ~~- يسعدني جدا أن أدعوك ومستر ميللر لزيارة مصر. # إنجي: أنا مستعدة للذهاب فورا. # ميللر: كي نعود إلى النقطة التي أثرتها، فإني أقول لك إني حين بدأت الكتابة للمسرح لم ~~يكن هناك مسرح خارج نيويورك، وكان بالضبط مسرح بردواي المحترف التجاري، وكانت هناك روايات ~~أكثر مما هو موجود الآن. وهكذا كان على الكاتب المبتدئ أن يبتدئ محترفا مباشرة. الآن هناك ~~مسارح في كل مكان ولكن عدد المسرحيات أقل، غير أن هناك أماكن كثيرة لعرضها. هناك مسرحيات ~~محترفين أقل، ولكن هناك مسارح هواة كثيرة في شيكاجو ولوس أنجلوس وسانت لويس. ~~- إني أتكلم عن المسرح في العالم في الحقيقة، فهناك عدد أقل من كتاب المسرح. # كان المسرح هو وسيلة التعبير في العشرينيات والثلاثينيات، ولكن هذه الآلات الجهنمية كما ~~ذكرت قد ms120 استنفدت مواهب مسرحية «وتلفزتها» أو «سنمتها»، في الماضي كان هناك المسرح ~~فقط. # ميللر: هذا هو الحادث فعلا. ولكن بالنسبة لي شخصيا فإن استمراري كمسرحي راجع إلى ~~أني أحب المسرح بالدرجة الأولى، ولكن بالإضافة لهذا فإنه في النهاية أبسط وسائل التعبير. لا ~~يوجد ماكينات؛ هناك الكاتب، والممثل، والجمهور، وهذا كل شيء. أعتقد أن هذا شيء لا بد من ~~المحافظة عليه وهو مناسب جدا لمجتمعات الطلبة والهواة الذين لا يملكون نقودا لشراء آلات ~~أو استديوهات. إن خبرتي أن المسرح حين يحتوي موضوعا هاما يجذب جمهورا كبيرا ~~جدا. ~~- هذا يقودنا إلى مشكلة المسرح الطليعي والتجريبي. أتعتقد أن هذه التجارب الجديدة تقتل ~~روح المسرح الحقيقي أم تنشطه؟ # ميللر: الاثنان! أنا أكره أن أعطيك إجابة بسيطة، ولكن لا توجد إجابة بسيطة. أنا أعتقد ~~أن الدراما العظيمة جاءت في الأجواء الديمقراطية العظمى في حياة الحضارة مثل الإغريق ~~القديمة وعصر إليزابيث في إنجلترا؛ كان المسرح آنذاك لجميع الناس ولم يكن للمثقفين ~~والمتعلمين فقط، لم يكن للأغنياء والبورجوازيين فقط، كان هناك الفلاح واللورد وكل الناس. ~~والمسرح الطليعي مشكلته أنه يبدأ بفكرة لا تخاطب إلا «الخلاصة» فقط. وهذا شيء يسيء لفن ~~المسرح. السبب أن الكاتب الفنان لا يصارع كثيرا ليجعل فكرته المجردة تلك ومشاعره ~~المعقدة بسيطة إلى درجة يفهمها الناس أجمعون. إن أعظم مشاهد شكسبير في حقيقتها بسيطة إلى ~~درجة غريبة. إنها تعالج مشكلة إنسان هجر الآخر، أو إنسان يريد أن ينتقم من الآخر، أو شخص ~~طموح، شخص خائف، شخص سعيد. في النهاية موقف بسيط جدا والناس بسطاء. وحين تصل بالطليعة ~~إلى المراحل المجردة في السلوك الإنساني تختل ولا يستطيع أحد أن يتعرف على الشخصية أو ~~الموقف بسهولة، ويصبح حينئذ الموقف المسرحي لغزا قد يكون مثيرا لهؤلاء الشغوفين بحل ~~الألغاز، ولكنه ليس مثيرا بالنسبة إلى الجمهور البسيط العام. إن دور الفنان ليس أن ~~يعقد الأشياء المعقدة، وهذا صعب، ولكنه يأخذ جهدا خارقا وموهبة فذة وإيمانا ~~كبيرا أيضا بصراع الفنان مع نفسه لتجسيد القيم والأفكار المجردة وتحويلها إلى الحقائق ~~الإنسانية ms121 البسيطة. ~~- ولكنك كنت طليعيا بطريقتك الخاصة، فكيف تفسر موقفك الآن من الطليعة؟ # ميللر: أعتقد أن الطليعة هي أن تفهم هذه «الكارثة» الكبرى، الطليعية. ~~- وما رأيك في التكنيك المسرحي الذي استخدمته في مسرحيتك الجديدة «سقف الباب»؟ هل تعمدت ~~تكنيكا خاصا أم أنك تركت نفسك لسجيتها؟ # ميللر: إن التكنيك بالنسبة إلي لا يأتي من المسرح أو النقاد، ولكنه يأتي من طبيعة ~~«الجنة السرية» التي تحاول الوصول إليها في هذه المسرحية أو تلك؛ ولهذا فمسرحياتي مختلفة ~~الشكل والتكنيك؛ لأن «الجنة السرية» في كل منها مختلفة. المسرحية الجديدة مثلا «سقف ~~الباب» مختلفة؛ فقد كنت أحاول فيها أن أعثر على هذا الصوت الخفي للجنة السرية الخاصة بها، ~~وهذا يتطلب منك أحيانا أن تكون تجريديا تماما، وأحيانا أخرى يتطلب منك أن تكون ~~واقعيا جدا. ولماذا لا؟ خلال مائة عام من الآن إذا كان المسرح لا يزال قائما ~~وموجودا، فإنهم حين يمثلون مسرحية فإنهم سيفعلون هذا لأنها «ستتحدث» إليهم، حتى في ذلك ~~العصر القادم البعيد. إن بعض مسرحياتي عمرها 25 سنة، وهذا ربع قرن، أي زمن طويل، ومع هذا ~~فهي لا تزال تمثل، ربما الناس قد نسوا تماما أن «وفاة بائع متجول» قد كتبت بطريقة ~~جديدة، ولكنهم فيما أعتقد يقدمونها لأنها لا تزال تقول لهم شيئا. إنها لم تخترع جديدا، ~~فلست إديسون أو جراهام بل، ولكنها اخترعت شيئا فيما أعتقد. ~~- ربما لما حوته من موضوع جديد فيما أعتقد. # ميللر: ولكن التكنيك أيضا كان جديدا. ألست معي؟ ~~- لماذا درج الكتاب الشبان على إهمال الالتزام تماما هنا؟ ماذا حدث؟ # ميللر: لأن كل ما كانوا ملتزمين به قد «انفجر». # كل ما كانوا ملتزمين به قد دخلته المساومة بطريقة أو بأخرى. أنا أعتقد أن هذا ليس ~~التزاما أو عدم التزام. أعتقد أنه عدم فهم حقيقي لدورهم ككتاب. ~~- إذن يا عزيزي مستر ميللر، أنت توقع نفسك في تناقض الآن. # ميللر: ربما، على العموم الرؤية لا تبدو واضحة تماما. في الأدب الأمريكي الإنجليزي هناك ~~انفصال بين الحياة السياسية والاقتصادية والفنية، وكأن لا شيء ms122 يمت إلى الآخر؛ ولهذا حين ~~يعالج الكتاب موقفا سياسيا فهم يشكون في أنه لا يقول الحقيقة، مع أن الناس طول الوقت ~~غارقون لآذانهم في السياسة والاقتصاد. ~~- ألا تعتقد أن هذا سببه أن الكتاب أنفسهم لم يقوموا بدورهم كما يجب؟ أي لم يعمقوا إحساس ~~الناس بما فيه الكفاية إلى درجة أن يدركوا صلتهم بالأوضاع السياسية والاقتصادية والعلمية ~~والتربوية؟ لم يقوموا بدور القيادة كما ينبغي؛ ولهذا لم يتجاوب الناس معهم بما فيه ~~الكفاية. # ميللر: هذا يعتمد على أين تربى الكاتب. حين كنت ناشئا كانت هناك أزمة أمريكية اقتصادية ~~كبرى، وكان السؤال هو: هل تصبح أمريكا فاشية أم اشتراكية أم بين بين؟ وكان لا بد من ~~الاختيار فورا. ولكن الآن هذا التحديد لم يعد قاطعا. لقد سار النظام بدون حاجة إلى ~~اختبارات راديكالية. عندنا نسبة بطالة 15٪ هذا صحيح، ولكنهم هادئون. ~~- ألا تعتقد أنه لا تزال هناك مأساة أمريكية في حياة الولايات المتحدة الآن؟ # ميللر: بالطبع. ~~- ما هي؟ # ميللر: الضياع. ضياع الوقت، ضياع الناس، ضياع الحياة في القلق، ضياع العقاقير، ضياع ~~القدرة ... هذه مأساة. وأحيانا تجد أفرادا يدركون هذا، مدمنو العقاقير يدركون هذا ولكنهم ~~لا يستطيعون شيئا. ~~- أتعتقد أن هذا نتيجة لدراما شخصية أو هو نتيجة لأوضاع عامة؟ # ميللر: أعتقد أن هذا سببه أنه لا توجد أهداف عليا موحدة للمجتمع الأمريكي. هناك مثلا ~~إحساس أنهم ضد الحرب وضد الكوارث الاقتصادية، ولكنهم ليسوا «مع» أهداف عليا محددة. # وكنت أريد أن أسأله كيف ولماذا تزوجته مارلين مونرو؟ ولكن زوجته كانت موجودة، وكان اليوم ~~عيد ميلادها، ولم أشأ أو نشأ أن نكون قليلي الذوق. كل ما في الأمر أنني أحسست أن مارلين ~~اختارت هذا الرجل بالذات لأنه يعطي الإحساس الغريب بالأب أو بالأخ الأكبر الفرح المثقف الذي ~~يمكن الاعتماد عليه والثقة به، وأنه رجل. ولقد كانت مارلين مونرو امرأة حقا. # | حوار مع زوج مارلين مونرو # وليعذرني القارئ لهذا العنوان؛ فمارلين مونرو أكثر شهرة بكثير من زوجها عميد المسرح ~~الأمريكي المعاصر آرثر ميللر! وكنت وأنا سائر معه في ms123 الشارع الخامس بنيويورك، وهو طويل - ~~أطول مما يجب - وجهه ظاهر لأي عيان، وبالكاد يتعرف عليه أناس قلائل تماما، ودائما بعد ~~أن نمضي أقارن (بيني وبين نفسي) وأقول: لو كنت سائرا مع مارلين مونرو، ألم يكن الشارع كله ~~قد وقف تماما عن حركته؟ هكذا الكتاب المساكين، دائما يعملون من وراء الستار - بل أحيانا ~~ستائر كثيفة - ودائما أسماؤهم أشهر من أشخاصهم، وأدوارهم لا تعرف قيمتها الحقيقية إلا ~~بعدما يرحلون عن هذا العالم إلى الأبد. # وأنا لا أحب في العادة لقاء الكتاب الأجانب أو المشهورين حين أسافر؛ ذلك أني أعلم تماما ~~أن الفنانين الأصلاء غالبا ما يكونون منطوين على أنفسهم، لا يحبون أن يفتحوا ذواتهم ~~لأغراب، وأكثر ما يضايقهم أنهم ما يكادون يلقون أحدا إلا وينهال عليهم بأسئلة واستجوابات ~~يتعلمون من أجلها ابتسامات المجاملة التقليدية، وتدفعهم شدة أدبهم أحيانا - معظمهم ~~مؤدبون - إلى أن يضغطوا على أعصابهم كي يجيبوا وأمرهم إلى الله. صحيح أني قابلت الكثير ~~منهم، ومن الكبار أيضا، سارتر (ذلك الذي لم أرد أن أراه أبدا في القاهرة حين جاء) قابلته ~~بالصدفة المحضة في مطعم شبه شعبي في باريس، وقبل هذا قابلته أيضا في فيينا في مؤتمر ~~للسلام، وقابلت معه هناك إيليا أهرنبرج، وسيمون دي بوفوار، قابلت بالصدفة أيضا، أوسبورن ~~وبنتر في إنجلترا، وإيفنشنكو وسيمونوف وناجيبين «الذي كتب مقدمة لبعض كتبي التي ترجمت إلى ~~الروسية.» قابلت كثيرين ربما لا أذكرهم الآن في إيطاليا واليونان وتركيا، ولكن المهم رغم ~~رغبتي الشديدة أحيانا في اللقاء، إلا أني أبدا - وللسبب الذي ذكرته - لم أسع أبدا للقاء ~~حتى كتابنا المصريين الكبار لم أشأ أن ألقاهم إلا بعد أن أكتب وأنشر؛ فالمهم هو «كارت» ~~الزيارة الحقيقي؛ الإنتاج. أما شخصية الكاتب فربما لا تكون هي خير ما عنده. وربما لأجل ~~هذا أيضا كنت أتحاشى لقاء الكتاب في أوروبا وأمريكا، فأنا أعرف إنتاجهم ولكنهم هم لا ~~يعلمون إلا القليل جدا عنا وعما نكتب؛ ولهذا فسوف يكون الحوار دائما من جانب واحد، ~~وهذا أمر يدفعني دائما إلى الخجل. # ولكنها الصدف، ms124 وأحيانا المؤتمرات، وشكرا للندوة التي عقدها نادي القلم الدولي في ~~نيويورك والتي دعيت لحضورها منذ بضعة أشهر، وكان يرأسها آرثر ميللر ويديرها الروائي ~~الأمريكي - أو أهم روائي أمريكي معاصر - جون إبدايك. شكرا للندوة فقد أتاحت لي - دون سعي - ~~أن أقابل عددا من الأسماء التي كنت أقرأ لها ولا أعرفها، وفي نفس الوقت أتاحت لها أن تعرف ~~شيئا عن الأدب العربي لم تكن تعرفه. # وفي الحقيقة كان لقائي بميللر عاصفا، هكذا شاءت الظروف. فقد ألقى ميللر في كلمة الافتتاح ~~خطابا قصيرا كاد يملؤني بالغضب؛ فقد كان تساؤلا غريبا عن أهمية ودور الكلمة في عالمنا ~~المعاصر كاد ينتهي فيها إلى أن الكلمة لم يعد لها دور، أو إذا كان لها دور فهو ثانوي ~~تماما وبلا أي فاعلية. وبالصدف المحضة كنت قبل سفري قد كتبت في هذا الباب مفكرة بعنوان: ~~لماذا لا نزال نكتب؟ كانت انطباعا كله إيمان بأنه لم يعد حقيقي في هذا العالم إلا الكلمة ~~الصادقة الطيبة، الكلمة التي تغير لأنها تصدر عن متغير، التي تؤثر لأنها تصدر عن ~~متأثر، التي تميت وتحيي لأنها صادرة عن إنسان يأخذ قضية قولها وكتابتها مسألة حياة أو ~~موت. # كنت قد أعددت كلمة في الافتتاح، ولكن حين جاء دوري نحيت الكلمة جانبا، ورددت من وحي ~~اللحظة على ميللر، ولا أدري لماذا تحمس الحاضرون كثيرا لما قلته؟ حتى إن الجرائد في ~~اليوم التالي نشرت المسألة وكأنها مشكلة. كل ما في الأمر أن الظروف كانت تخبئ لي مفاجأة، ~~فقد كان مفروضا أن نتناول الغداء - بعد الافتتاح - في ناد لا أذكر اسمه الآن. وجاءت جلستي ~~بالصدفة بين آرثر ميللر والروائي جون إبدايك. وتحدثت مع إبدايك إذ كان قد زار القاهرة وكتب ~~عنها قصة حاولت أن أناقشه فيها؛ فبدا عليه بعض الانزعاج، وقال لي إنها قصة «غريبة»، وهو ~~استعمال مخفف لما تحويه القصة من تصوير لجو خاص شاذ لم أكن أعرف أن له وجودا في ~~قاهرتنا العزيزة. وتدخل ميللر في الحديث مبديا رغبة قديمة لديه أن يرى القاهرة، وهكذا ms125 ~~نشأ حوار ثلاثي عن الموضوع الذي أثير في الصباح عن دور الكلمة. ودعاني ميللر لزيارته في ~~مزرعته التي تبعد عن نيويورك ثلاث أو أربع ساعات، ولكنه كان كريما في اليوم التالي ودق لي ~~تليفونا يطلب فيه أن يكون اللقاء في مكتب ناشره في نيويورك حتى لا يكبدني مشقة الانتقال ~~إلى بيته البعيد . كان شاعرنا العربي أدونيس حاضرا فاتفقنا أن نذهب معا. # وكما قلت قبلا فإن حماسي للفكرة لم يكن كبيرا؛ ذلك أني لا أومن بإجراء هذه الأحاديث ~~الكتابية أو الصحفية، وخاصة إذا كانت من جانب واحد. إني أقرأ الكاتب وأحاسبه على ما يقوله ~~هو إنتاجا ومن تلقاء نفسه، وليس بناء على إلحاح أو سؤال. ولكن ثمة حب استطلاع كان يدفعني ~~لهذا اللقاء، أو بالأصح، حب استطلاعين أحدهما كبير ولكنه غير مهم وهو مناقشة المشكلة ~~المسرحية في العالم الآن، والآخر صغير ولكنه هام بالنسبة لي كرجل وهو أن أعرف آرثر ميللر من ~~قرب، وأعرف بالذات كيف اختارته مارلين مونرو - رمز الجنس في القرن العشرين - لتتزوجه، تلك ~~التي صاحبت دون جوانات، ورؤساء جمهوريات، وسناتورات، ماذا أغراها في هذا الكاتب المسرحي، ~~حتى لو كان ميللر، لتختاره وتعاشره؟ مشكلات المسرح أعرفها ولي رأي فيها، ولا أعتقد أن رأي ~~ميللر سيغير من رأيي كثيرا. ولكن هذا الاختيار محير لي تماما؛ حيرني حين قرأت ~~عنه، وحيرني وأنا أتابع حياتهما معا، ثم انفصالهما، ثم هذه المسرحية التي كتبها ~~ميللر عن تلك العلاقة وأسماها «بعد السقوط». ~~••• # يقع المكتب - مكتب الناشر أو بمعنى أصح الوكيل (حبذا لو أصبح لنا في بلادنا العربية وكلاء ~~يتولون عن الكتاب والفنانين كل المهام التي لا يجيدها أبدا أي كاتب أو فنان، ومهمة الطبع ~~والنشر والاتفاق والمطالبة بالحقوق) يقع المكتب في الدور الخمسين ربما من عمارة هائلة ~~الارتفاع في قلب نيويورك. # وفي غرفة اجتماعات تقليدية، كراسي عالية الظهور، حيانا ميللر وحاول أن يستعمل فرنسيته ~~مع أدونيس الذي لا يتكلم الإنجليزية، وسألنا عن إنجليزيتي وأين تعلمتها، واستغرب تماما ~~أن أكون قد أجدتها على أيدي مدرسين ms126 مصريين. وشكرا لجهاز التسجيل الذي سجل المحاورة وإلا ~~لكانت قد ضاعت من الذاكرة تماما. وبما أن المسألة كانت لقاء حوار، فقد وجدت أن علي أن ~~آخذ صفة السائل، وها أنا ذا أورد نص الحوار: # أنا: اعذرني يا مستر ميللر، ولكن ظاهرة الكتابة للمسرح تحيرني دائما، أنا أعرف أن من ~~يحب المسرح يحب بالدرجة الأولى أن «يمثل» ويتقمص، أو على وجه أصح «يظهر» على خشبة ~~المسرح. ولكن هذا الكاتب أو ذاك لماذا يجب أن يكتب للمسرح وهو دائما خلف ستار أو داخل ~~«كمبوشته» الخاصة؟ بمعنى آخر أن تكتشف نفسك ككاتب شيء، أما أن تكتشف أنك تريد الكتابة ~~للمسرح فتلك قضية أخرى. متى حدث لك هذا وكيف؟ # بصوته العريض الأجش، وبقامته المنتصبة فوق الكرسي ذي المسند العالي، وبطريقته التي تشبه ~~طريقة الفلاحين الصرحاء الأقوياء، قال ميللر: أستطيع أن أخبرك كيف حدث هذا. كنت طالبا في ~~جامعة متشجان في سنة 1930 أو 35، أي منذ مائة عام (قالها دون أن يضحك وضحكنا نحن) كانت ~~لدينا إجازة لمدة أسبوع، وفي ذلك الوقت تكون الجامعة كلها في إجازة. وكنت في السنة الأولى ~~في الجامعة، ولكني قبل الالتحاق بها كنت قد اشتغلت كعامل في نيويورك، ثم كسائق تراكتور، ~~وأيضا في مصنع صغير، وكجرسون في مطعم؛ فقد كان علي أن أوفر النقود التي تمكنني من ~~دخول الجامعة. وحين جاءت الإجازة قررت لسبب مادي محض أن أجرب كتابة مسرحية؛ ذلك أن ~~جامعة متشجان كانت تعقد في ذلك الوقت مسابقة سنوية في القصة القصيرة والمسرحية ويعطون ~~للفائز مبلغا من المال، في تلك الأيام كانت أمريكا تمر بأزمة اقتصادية شديدة وكان ~~الحصول على النقود أمرا صعبا للغاية. ~~- ولكن لماذا اخترت الدخول في مسابقة المسرحية بالذات؟ # ميللر: لا أستطيع الآن أن أحدد بالضبط، ولكن ربما اعتقدت أنها الأسهل في نظري، مع أنه ~~لم تكن لدي أي فكرة عن كتابة المسرحية. ربما اخترتها اختيارا غريزيا؛ فلم أكن قد دخلت ~~المسرح أكثر من ثلاث مرات في حياتي كلها، ولم أكن قد عرفت أو قابلت ms127 ممثلا أو أحدا ممن ~~يعملون بالمسرح، بل حتى لم أكن أعرف ما هو طول الزمن الذي تستغرقه أي مسرحية «!» ولكن لأنه ~~كان أمام مسكن الطلاب في الجامعة شخص يقوم بصنع الملابس لمسرح الجامعة ومسرحياته، فلقد ظللت ~~أكتب لمدة يومين أو ثلاثة ثم ذهبت إليه لأسأله: ما هو الوقت الذي تستغرقه أي مسرحية، ~~قال لي: حوالي ساعتين. وهكذا عدت إلى حجرتي وأحضرت ساعة ورحت أقرأ ما كتبته فوجدته ~~تقريبا حوالي ساعتين. وهكذا قدمت المسرحية في المسابقة، ولم أحصل على جائزة الجامعة عنها ~~فقط، ولكني حصلت على أكثر من خمس جوائز أخرى أيضا. ~~- للنقود أيضا. # ميللر: وأيضا للمتعة؛ فقد كانت الكتابة أيامها شيئا عظيما، وممتعة مثل الذهاب إلى صالة ~~الجمنزيوم. ~~- هل طبعتها بعد هذا؟ # ميللر: لا، ولكن أعجبتني المسألة فرحت أكتب كل عام مسرحية. ~~- وهل مثلت بعض المسرحيات؟ # ميللر: أجل. في متشجان. ~~- وكيف كان إحساسك بكلماتك وهي تخرج من أفواه الممثلين تحمل معانيك وجملك؟ # ميللر: كان انفعالي هائلا، فقد أعجبتني الطريقة؛ طريقة أن أكتب الخطبة. ~~- الخطبة؟ # ميللر: أجل. إن الكتابة للمسرح هي فن كتابة الخطب الرنانة الجوفاء، وإنها الفن المخطوب؛ ~~فالكتابة للمسرح هي أساسا فن شفوي للأذن وليس للعين. ~~- ولكنهم الآن يحاولون أن يجعلوها فنا للعين أيضا. # ميللر: ولكن هذا خطأ. ~~- سنأتي لهذا بعد برهة. # ميللر: معك حق؛ هو فن للعين أيضا ولكنه أساسا للأذن. إن شكسبير هو الموسيقي، يمكنك أن ~~تقرأ الموسيقى ولكن الأروع دائما أن تسمعها. ~~- أتسمح لي أن نقفز قفزة صغيرة؟ كتاب المسرح دائما محبون للاستطلاع فيما يختص بتجارب ~~الآخرين في كتابة المسرح. دعنا نأخذ مسرحيتك «وفاة بائع متجول»، بالطبع إن مسرحيتك الأولى ~~«كل أولادي» تتبع حقبة زمنية لاحقة، ولكن في «وفاة بائع متجول» تغيير في الشكل المسرحي. هل ~~أحسست بحاجتك الملحة إلى هذا التغيير في الشكل؟ # ميللر: بالطبع وبوعي أيضا. ~~- لماذا؟ # ميللر: لأن لي غريزة الاهتمام بالماضي، وكنت أريد أن أجعل الماضي حيا في نفس اللحظة ~~التي نحيا فيها الحاضر. مشكلة تداخل الزمن كما تعرف، لكي أحيل كل ms128 شيء يقع في نفس الوقت بحيث ~~يصبح الجمهور بالتدريج يدرك أحداث أربعين عاما مضت في نفس الوقت الذي يدرك فيه الأحداث ~~التي تقع أمامه مباشرة. وهكذا اكتشفت تلك الطريقة لكي أحل هذا الإشكال الزمني، أني حينما ~~أرى الرجال الكبار أراهم أيضا حين كانوا أطفالا. وحين أرى الأطفال أحاول أن أراهم أيضا ~~وفي نفس الوقت حتى يصبحوا كبارا. إن التاريخ مهم جدا؛ تاريخ البلاد، تاريخ ~~الإنسان. ~~- نعم، ولكني أعتقد أن هذا راجع إلى الفلسفة الجدلية التي كنت ترى بها الإنسان. # ميللر: تستطيع أن تقول هذا أيضا؛ فأنت لا تستطيع أبدا أن تفهم أمريكا مثلا إلا إذا ~~عرفت تاريخها، وهكذا بالنسبة لي أو لك أو لأي إنسان. إن المجتمع الحاضر هو في الحقيقة ~~التعبير الآتي عن تاريخ هذا المجتمع؛ لا يمكن أن تعرف ما يحدث الآن إلا إذا عرفت ما حدث ~~منذ عشر سنوات مثلا أو عشرين سنة. # وليس ما حاولت عمله جديدا على أية حال. لقد حاول أبسن أن يفعل نفس الشيء، وشكسبير حاول. ~~ولكن هناك طرقا متعددة للوصول إلى الهدف. لقد حاولت أنا أن أجعله يحدث أمامك وليس أن ~~أرويه أو «أتكلم» عنه، كله فعل درامي أمامك «الآن». ~~- ولكني أعتقد أن هذا لا بد أن يستتبعه أداء مسرحي خاص؛ فالممثلون دائما يؤدون ~~الدور كما هو حادث «الآن» وليس بما لهذه الأدوار من تاريخ حي واقع. # ميللر: إنه مثل عزف لسترافسكي؛ تكون هنا وهناك في نفس الوقت، كل الآلات تعزف في نفس ~~الوقت. إن تركيز الممثل لا بد أن يكون فائقا جدا. وبمناسبة الأوركسترا أتعرف أن ~~حلمي الأكبر كان أن أصبح مغنيا؟ إني أملك صوتا جميلا جدا كما ترى «ولسوء الحظ لم ~~أكن أرى.» ~~- ولماذا هجرت الغناء إلى الكتابة؟ # ميللر: كان الغناء يتطلب عملا كثيرا جدا، وأيضا كان لدينا مغنون كثيرون، وكانوا - ~~وهذا اعتراف - أحسن مني. ~~- مستر ميللر، أتعرف أن حسا كوميديا تخبئه دائما في تراجيدياتك مثل «كل أولادي» ~~و«وفاة البائع المتجول»، ولكنه بدأ يظهر أخيرا في إنتاجك. # ميللر: هذا صحيح! ms129 أتعرف أن أول شيء كتبته في حياتي كان قطعة ساخرة كتبتها في سن الخامسة ~~عشرة؟ كنت في ذلك الوقت أقيم مع والدي وكنت في المدرسة الثانوية. لم يكن التليفزيون هناك ~~بعد وكانت وسيلة التسلية الأولى هي الراديو. وفي إذاعات تلك الأيام كان هناك معلق سياسي ~~إخباري تجوب تعليقاته العالم كله بأزمانه وبلاده المختلفة، وكان كل الناس يصغون إليه ~~باهتمام بالغ؛ فقد كان يتحدث بطريقة خطابية جادة ترغمك على الإصغاء باحترام، ولكني أنا ~~كنت أراه عبيطا تماما، وكان يجعلني أحس أني أود كلما سمعته أن أنفجر ضاحكا. في نيويورك ~~في تلك الأيام كانت هناك الأزمة الاقتصادية الطاحنة كما ذكرت لك، وكان في برامج الراديو ~~ركن للهواة كل أسبوع يحدث فيه تنافس بين الهواة من عازفين ومغنين وكتاب برامج، وكان الفائز ~~يربح بضعة دولارات. ولقد دفعتني الحاجة أن أجرب حظي؛ فكتبت قطعة أسخر فيها من هذا المعلق. ~~وذهبت إلى المسئولين عن البرنامج وأعطيتهم القطعة، فأخذوها وقالوا لي سنتصل بك. ولكني لم ~~أسمع عنهم أبدا. غير أني ذات ليلة بعد شهرين أو ثلاثة فتحت الراديو ففوجئت بممثل كوميدي ~~مشهور جدا في ذلك الوقت يؤدي شيئا، وفجأة أدركت أن الكلمات كلماتي وأنها هي نفسها ~~القطعة التي أخذوها مني في ركن الهواة؛ لقد سرقوها. # وهكذا كان أول لقاء لي مع الحركة الفنية في نيويورك. إنهم سرقوني، وربما لا ~~يزالون. ~~- دعنا نقفز قفزة أكبر هذه المرة يا مستر ميللر. لقد بدأت ككاتب ملتزم تماما في «كلهم ~~أولادي» و«وفاة بائع متجول»، فما هو موقفك الآن؟ ألا تزال ملتزما؟ وما هو بالضبط كنه ~~التزامك الآن. وقبل من؟ أم هل عدلت عنه؟ # ميللر: بالطبع الآن المسائل تبدو أكثر تعقيدا مما كانت تبدو في تلك الأيام. المجتمع الآن ~~معقد جدا، والمشكلة الأساسية هي أن تجد بعض الأمل وبعض الرمز للأمل. في شبابي كان ~~هناك خطر النازية والفاشية، وكان هذا يجسد الشر في رمز واضح وصريح، الآن من الصعب أن ترمز ~~للشر برمز واحد. وهكذا من الصعب أن نقول في جملة ms130 واحدة ما هي المشكلة الآن؛ فالمشاكل ~~كثيرة جدا. إن بلادنا الآن «أمريكا» تجتاز مرحلة تطور هائل وتتغير بسرعة شديدة. # ملحوظة: أحسست أن الفلاح العجوز ذا الصحة الجيدة تماما يحاول أن يزوغ من الإجابة ~~الصريحة الواضحة، وحاولت بحسن نية شديد أن أتتبعه. ~~- تتطور إلى ماذا يا مستر ميللر؟ # ميللر: لا أحد يستطيع الجزم إلى أين، وأي إنسان يزعم لنفسه أنه يستطيع فهو ساذج جدا. ~~أنت لا تستطيع الجزم إلى أين. أحيانا تستطيع أن تقول: إننا نسير إلى اليمين بشدة، وأحيانا ~~أخرى أشعر أننا أصبحنا أكثر حرية من أي فترة أخرى من فترات تاريخنا. حقيقة عندنا الآن كم ~~كبير من الحرية. ~~- أتعتقد حقا أن هناك الآن حرية فعلا في أمريكا؟ # ميللر: بالتأكيد نعم. هناك حرية أكثر من الماضي. وفي نفس الوقت «الكاتب المسرحي يلعب ~~الآن.» فإن المؤسسات الهائلة والمال الكثير نفوذهما أيضا يتعاظم. ~~- حسن جدا. كما في الدراما، لقد حددنا الآن طرفي الصراع، الحرية أكثر ونفوذ المؤسسات ~~أعظم، فما هي محصلة القوى في رأيك؟ وإلى أين تتجه الريح ويتجه المستقبل؟ هل إلى مزيد من ~~نفوذ المؤسسات أم مزيد من الحرية للمواطن؟ # ميللر: هذه هي المشكلة، بالضبط كما حددتها هذه هي المشكلة. إن من الصعب تماما على ~~المواطن الآن أن يكون مستقلا تماما عن هذه المؤسسات مثلما كان باستطاعته أن يفعل في ~~السنين الماضية. المحلات الصغيرة تغلق، أصحابها يتحولون إلى عمال وموظفين في المؤسسات. ~~الاستقلال حلم صعب المنال. ولكن في نفس الوقت فإن موقف الناس في أوجه كثيرة قد تحرر عن ذي ~~قبل؛ إنهم لا يطيعون الآن بسرعة ولا يخضعون بسهولة ويميلون إلى التشكك في مصدر الأقوال ~~والأفعال، باختصار لا يصدقون الآن كل شيء يقال لهم بسهولة. # بصعوبة ونعومة كان ميللر يقود الحديث إلى خارج منطقة المواجهة والاحتكاك. ولكني كنت لا ~~أزال مصرا أن أعرف رأي هذا الكاتب العملاق «قيمة وجسدا» في بلده وموقفه منه اليوم. ~~والموقف بالنسبة لي صعب، فاللعبة بالحوار أصبحت أسخن، ونحن أصبحنا أكثر اندماجا، ثم لا ~~ننسى أن ميللر ms131 ذلك الذي كان من أوائل من قرأت له من المسرحيين، ومن بعد ستة آلاف كيلو، ~~كنت أتحمس له وأتخيله، ناهيك عن موضوع مارلين مونرو. # | عن كامل الشناوي # حين صدر ديوان «لا تكذبي» اتصل بي صديق العمر المرحوم كامل الشناوي وأخبرني أن لي نسخة ~~عنده عليها إهداؤه، ورجاني أن أمر عليه؛ لنشرب القهوة ونتحدث وآخذ الديوان. ونحن أحيانا ~~نتصرف بغرابة لا نعرف مصدرها؛ فديوان «لا تكذبي» لم يكن مجرد ديوان، ولكنه كان ثمرة لجهود ~~متصلة طويلة بذلها كل أصدقاء كامل الشناوي ليحملوه على جمع شعره لتضمه دفتا كتاب. وكنت ~~شخصيا شديد الحماس للفكرة، ما من مرة قابلت كامل الشناوي فيها إلا وذكرته بها، وما من ~~مرة أوصلته إلى بيته قرب الفجر أو قرب الصباح إلا وطلبت منه - كرجاء أخير - أن يفكر ~~جديا في إصدار الديوان، ولم يكن يوافقني في بعض الأحيان إلا تخلصا من إلحاحي؛ فقد كان ~~يعارض دائما فكرة أن يصدر كتابا أو يكون له كتاب، رغم أنه في حياته الأدبية والصحفية كتب ~~أشعارا ومقالات وأحاديث وخواطر لو جمعت لكسب الأدب العربي أربعة أو خمسة كتب هي من خير ~~ما كتب في النثر أو الشعر العربي. # كان يعارض لأنه كان - من فرط تواضعه أو طموحه - يعتقد أن أعماله غير جديرة بوضعها في ~~كتاب؛ فالكتاب في رأيه لم يكن مجرد أن تصدر كتابا مثلما يفعل مئات محترفي وهواة إصدار ~~الكتب. الكتاب في رأيه كان شيئا مقدسا يذكرك بالكتب التي غيرت من مجرى التاريخ وصنعت ~~تقدم الإنسان. الكتاب عنده كان مرادفا للرسالة الكبرى، للاختراع الخطير، أو لاكتشاف قانون ~~من قوانين العلم أو الحضارة. # باختصار كان يرى أن الكتاب هو الشيء الذي لا يمكن أن تظل نفس الشخص بعد قراءته، إنما لا ~~بد باستيعابه أن تتغير وتؤمن بشيء لم تكن مؤمنا به أو تكفر بشيء كنت شديد التعلق به ~~والإيمان. وكان يسأل: أتعتقد أن مجموعة أشعاري لو صدرت يمكن ~~أن تكون ذلك الكتاب؟ وكنت أعارضه بقولي إن طموحه هذا ~~شيء جميل ولكنه ضد ms132 المنطق وضد الحياة، فالحياة أبدا لا تتطور بالطفرة، إنما التطور يأتي ~~بالتدريج الشديد، وحتى أصحاب الاكتشافات العلمية لا تأتي اكتشافاتهم أو قوانينهم طفرة. إن ~~العالم مجرد إنسان فذ في طابور طويل ساهم كل منتظم فيه بإضافة صغيرة تمهد الطريق لمن ~~يتلوه كي يضيف هو الآخر إضافة أخرى صغيرة، وهكذا، وبتراكم هذه الإضافات ينشأ القانون ~~وتتغير النظرة ويتطور الإنسان. وليس المطلوب من أي كتاب إلا أن يغير ليس إيمانك أو رأيك ~~كله، وإنما جزءا صغيرا من الرأي أو الإيمان، تكفي أحيانا نقطة واحدة تتغير في وجهة نظرك ~~ليكون الكتاب قد أدى رسالته على الوجه الأكمل. ونشر أشعاره أو إنتاجه النثري في كتاب أو ~~في كتب لا يزعم أحد أنه سيغير بين يوم وليلة من مفهوم الناس كلية، وإنما يكفي أن يتيح ~~لهم فرصة تذوق شعره أو استيعاب آرائه ومعايشة فلسفته، فكامل الشناوي كان إنسانا متكاملا، ~~وظاهرة وإن كانت متعددة الجوانب إلا أن كل جانب يضيف إلى الآخر بحيث نجد أنفسنا في النهاية ~~ليس أمام شخص وإنما في الحقيقة أمام موقف شناوي أصيل من الحياة. لا لم تكن له فلسفة عمر ~~الخيام وإن حفلت بها روحه، ولم يكن له تشاؤم المعري وإن استعارها بعض الأحيان، ولا وجوديا ~~يعيش اللحظة بلحظتها ولا مركسيا يؤمن بحتمية التطور إلى الأعلى والأحسن، كان مزيجا ~~غريبا من هذا كله، بحيث حين تقرؤه تحس أنه أكثر المتشائمين تفاؤلا وأشد الخياميين ~~والمعريين زهدا في الحياة، الواقف من حتمية التطور إلى الأرقى والأحسن موقف الشاك ~~المتشائم، ذلك المؤمن بالحياة إلى درجة اليأس الكامل منها. # نعود إلى «لا تكذبي»، فبرغم حماسي للديوان ولحصولي عليه في النهاية وبموافقته، إلا أني لم ~~أذهب في اليوم التالي لآخذه كما اتفقنا. لا، ولا في اليوم الذي بعده، وظلت النسخة المهداة ~~إلي والموضوعة في ظرف مكتوب عليه اسمي بخط يده حتى فوجئت بابن أخيه الشاب فاروق الذي كان ~~يقطن معه في أعوامه الأخيرة يحمل لي المظروف بعد شهر من الوفاة وقد وجده بين أوراقه. ولكم ~~أن ms133 تتصوروا مبلغ فجيعتي وأنا أقرأ اسمي بخطه، ثم وأنا أفتح المظروف وأجد كلماته ~~الرقيقة الحنونة الأنيقة موجهة إلي تحمل - إلى جانب ما كان يسبغه علينا دائما من ألقاب ~~عطف وتشجيع - ذلك التعبير الذي احترت في تفسيره «إلى الواهب الموهوب.» لكم أن تتصوروا ~~مبلغ إحساسي به ويده الأبوية الأخوية الحبيبة تمتد من وراء القبر وعالم النهاية وتحمل إلي ~~إهداءه كالتحية الحية الطازجة، وتحمل سؤال الطفل الكبير أمام الوجود الأصم المارد. # قدر واثق الخطى # سحقت هامتي خطاه # دمعتي ذاب جفنها # بسمتي ما لها شفاه # صحوة الموت ما أرى # أم أرى غفوة الحياة # سؤال وكأنه به يقرأ من كتاب مفتوح، ويعرف أنه في أيام صدور ديوانه كانت حقيقة صحوة ~~الموت، وصدقا كانت غفوة الحياة، ولكنها الغفوة التي لا صحوة منها. # في ذكراه التي اقتربت ها أنا ذا أعود إلى مطالعة ديوانه، إلى ذلك الجزء الذي بقي وسيبقى ~~حيا من كامل الشناوي، أعود وثمة خاطر قوي يلح علي ولا يهيب بي وحدي وإنما بكل ~~الكامليين الشناويين، وما أكثرهم! أن نتيح الحياة لأكبر قدر من كامل الشناوي، ألا نجعله ~~يموت مرتين، ميتة ربه مرة وميتتنا نحن مرة أخرى، نتكاسل عن جمع أعماله، ومعظمها يتشرف ~~باحتوائه أي كتاب، ونصدرها لنجعله يعيش مرتين، مرة فينا، وفي كل منا جزء حي وخالد من ~~كامل الشناوي، ومرة في كتبه كي نقرأها وتحياها الأجيال الحاضرة والقادمة. إن لكامل الشناوي ~~في رقاب أصدقائه ديونا لا تعد، وألف يد بيضاء له لا بد أنها تؤرق مئات الضمائر، فلنصنع ~~شيئا ليس لضمائرنا كي تستريح، ولا حتى لكامل الشناوي كي يخلد، وإنما للأدب العربي نفسه، ~~للتاريخ الذي سيحاسبنا - لو ضيعنا آثاره - حسابا عسيرا. ms134