######OpenITI# #META# URI: 1412YusufIdris.CatbCalaNazar.Hindawi58031462 #META# Tags: literature #META# ID: 58031462 #META# Title: العتب على النظر #META# AuthorID: 95064085 #META# Author: يوسف إدريس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # العتب على النظر‏ # أمه‏ # الخروج‏ # الختان‏ # الرجل والنملة‏ # أبو الرجال‏ # العتب على النظر‏ # أمه‏ # الخروج‏ # الختان‏ # الرجل والنملة‏ # أبو الرجال‏ # | العتب على النظر # | العتب على النظر # تأليف # يوسف إدريس # | العتب على النظر # من كام يوم جاءني حسن: ~~- قل لي يا دكتور. ~~- أقول لك يا حسن. ~~- هو فيه للحمير نضارات؟ # ضحكت. # فلا بد حسن يريدني أضحك. ~~- لأ، جد! # لا بد يريدني لا أضحك. # سكت، وإليه نظرت. ~~- ما تقول لي يا دكتور. ~~- أقول لك يا حسن. ~~- مش للحمير نضارات زي البني آدمين؟ # كل كذا عام، # لك يا حسن سؤال. ~~- لا يا حسن الحمير ما لهاش نضارات. ~~- طب والعمل؟ # وحماري لازم له نضارة. ~~- إيش عرفك؟ ~~- بقى يضبش، # ويدخل على مراتي، # يفتكرها الزكيبة. # هي تخينة زي الزكيبة # إن جيت للحق، # صحيح تخينة، # إنما مش زكيبة. ~~- يمكن بيغلط، وكل حمار له غلطة. ~~- بس ده غلطه كتر، # وبدأ يحرن، # ويتوه عن الدار، # ومرات يخبط راسه في الحيط. ~~- عشان حمار يا حسن. ~~- لا، عشان بقت عينيه شيش بيش يا دكتور. ~~- وديته لحد يشوفه؟ # شافه البيطار. ~~- وقال لك عايز نضارة؟ ~~- قال بيعه، دا شرك، بيعه. ~~- بيعه. ~~- ما يجبش تمنه. # والحمير الجديدة سوقها نار. ~~- والحل؟ ~~- عايز له نضارة يا بيه. ~~- أنت اتهبلت؟ # نضارة إيه لحمار يا حمار؟ ~~- قول اللي تقوله، # إنما أنا في عرضك. # غيتني. ~~- إزاي؟ ~~- اتوسط لي في نضارة. ~~- والنضارة بوسايط؟ ~~- كله بوسايط النهارده. ~~- إلا النضارة، # مش عايزة واسطة. ~~- أمال عايزة إيه؟ ~~- عايزة كشف. ~~- والكشف فين؟ ~~- عند بتاع النضارات. ~~- يبقى خلاص، فرجت. # أنا وقعت م السما يا بيه، # وأنت استلقيتني. # ست كيلات فول، # واعمل له نضارة. # أني حالي واقف، # ومن يوم ما وغوش، # أني سنقرت. ~~••• # وقعدت أضحك. # أفتكر حمار حسن # لبس نضارة، # أموت على نفسي م الضحك، # لدرجة قلت: لا بد، # وبكل طريقة يا حسن، # أعمل لحمارك نضارة. ~~••• # لعم ناجي خدت بعضي ورحت، # وعملنا اجتماع، # ومن حيث المبدأ وافق، # وفضل التنفيذ، # والتنفيذ عايز كشف، # والكشف عايز علامات. # وأنهي حمار ده # اللي # ح يعرف فتحة العلامة منين؟ # منين ح ms01 تعرف الفتحة يا حمار؟ ~~••• # وانضم حسن أبو علي لينا. # وعلى أعلى مستوى قعدنا نضبش. # وجانا الحل من حسن. # حل مالوش مثيل. # يا ابن الإيه يا حسن! # أما حتة حل! ~~••• # سهم حسن وقال: يا بيه ويا عم ناجي، # الحل عند الحمار. ~~- إزاي يا حسن، إزاي؟ # فتح حسن بقه وبص لكمه الشمال، # وانكسف. # هو بينكسف كده. # وقال: # الحل حمارة الصاوي جاري، # كان ساعة ما بيشوفها، # ينهق عليها، # ولما نظره ضعف، # ما بقاش ينهق # إلا لما يقرب عليها قوي، # وكل يوم والتاني # ما كانش يزر ودانه # إلا لما يدوبك # بوزه ينشه ديلها. ~~••• # وبعد مفاوضات، # والصاوي خايف على حمارته، # ولولا إن عم ناجي # كبرت في دماغه، # ما كانش حصل # وتم وجرى الترتيب. # نوقف حمارة الصاوي على بعد قصبة، # وحمار حسن على باب الدكان، # وأنا أمسك شنبر الكشف، # وناجي يغير العدسات؛ # بحيث لما يحط العدسة المظبوطة # نعرف أنها هي من نهيق الحمار، # ما دام كل ما كان يشوفها ينهق، # فضروري لما يشوفها ح ينهق، # ونعرف العدسة المظبوطة. ~~- وعدسات عينينا تنفع لعينين الحمار؟ ~~- تنفع ونص. # قالها عم ناجي، وفتح الصندوق، # وصبيه طرد العيال، ووقف زنهار، # وحددنا مكان الحمارة، # ومكان الحمار، # ودورنا الحمارة، # وخلينا راس الحمار # على خط مستقيم، # يصل بين نقطتين؛ # ديل الحمارة، # ومناخير الحمار، # وثبتنا الشنبر بدوبارة وحوالين الودان # ربطناه، واشتغل يا عم ناجي، # وثبت الهدف يا عم صاوي، # وانهج يا حسن وكأنك حاضر، # أول عملة في التاريخ # يعملها إنسي في حمار. ~~••• # زيادة في الاحتياط ثبت أنا الشنبر، # وزيادة في الاحتياط مات حسن على صندوق العدسات، # وبسمل عم ناجي، وكلنا وياه، # وحط أول عدسة، # واستعدل بوز الحمار، # نفخ الحمار وعطس وهز كده وكده راسه، # وكأن شيء ما كان. # تاني عدسة، # خاف الحمار، واتاخد وغمض عينيه، # وبدأ يرفص، # سهل علينا ناجي وقال: أصلها عدسة بتكبر، # ولازم شاف الحمارة بغل قدامه. # التالتة مسكنا لها جامد، # ورمش الحمار عشر رمشات، وابتدا يبحلق، # وزر ودانه، # وبان عليه علامات جد وخطورة، # ولحقه عم ناجي بعدسة على العين الثانية، # حمحم الحمار ms02 ونفخ صدره، # وزفر بصدر محروق، # وراح مطلقها، # تنهيقة مفاجئة خدتنا على خوانة، # وكأن قنبلة انفجرت، # تنهيقة وأتبعها بالتانية، # ورفع للسما راسه، # وتشعبطنا نمسك العدسة والشنبر، # وغارة نهيق هاجت، # ومعاها ضحكنا هاص، # ينهق ونضحك، # وحسن م الفرحة طاير، # وحمارة الصاوي للنهيق # نخت، ووسعت فتحة البرجل، # وابتدا يفلفص، # وحسن يصرخ: أهو شاف. ~~- إيش عرفك؟ # شاور. # شيء خرافي غريب يجعلك # تؤمن أن الجسد حيوان ساعة اللزوم يظهر، # لا عقل له ولا فيه ولا أدب يعرف، # حيوان حماري أسود غليظ بشفاتير، # زي مارد كان في الجسم متخبي، # ثانية ادلدل من القمقم، # مارد طويل تخين يجعلك تتمنى تبقى حمار مثله، # خرجته من جحره زي الكمين الحي يستنفر. # شيء لا بد معه تتأمل، # وتنكسف له، # كأنك الغلطان، # وارتبكنا إحنا الكل خايفين نبص # ليكون عيب، # ومش قادرين نشيل عينينا؛ # لأن البصر من مكمنه بينشد، # ومن غير أمر ولا خطة الظاهرة # عمالة وشغالة والحمار ينهق، # والوحيد الباصص بعيون الفرح والفخر، # حسن أبو علي صاحب الحمار. ~~- يعمر بيتك يا دكتور! # تسلم إيدك يا عم ناجي. # أنا طالب القرب يا صاوي، # وحمارتك أهه، موافقة. # والجمهور على الجوانب انتابته حالة، # وكأنه بريمة اندكت في برقع الحيا للآخر، # وحمحمة ورا حمحمة سخن الحمار والزمان، # دا جنن الجدعان، # وهب، قطعت رجليه القيود، # واندفع خطوة، # خطوة واحدة بس؛ لأن العدسات نطت، # والشنبر طار، # وهديت تماما وفي الحال، وحين كف البصر، حركة # الحيوان، # وعاد أليف مستأنس. # ارتخت ودناه، # ودلدل بوزه، # وصرخ حسن: # في عرضك يا عم ناجي! # الحقني يا دكتور! # الفرحة ما تمت، # والدنيا بقت هس. # لكن حماسنا كان لسه، # ومرة تانية ثبتنا الشنبر، # وجاب ناجي عدسات أضبط. # والنهيق عاد، # وفي السما لعلع، # وما عرفناش اللي حصل إيه. # في نطة جامدة كان عند الحمارة، # ودماغه زقت عمك الصاوي، # وقدام عينينا ظاهرة كونية، # وعفاريت الجسد في عز الضهر اتجننت، # ولا عاد حمارة من حمار ولا ذكر من أنثى. # الحياة الحمارة بغشوميتها وغبائها أصبحت أرقى، # والقانون اللي عمل أنثى وذكر أصبح مرعبا، # وهو يطلق عقال طاقة الالتحام ms03 ، # ولا الرعب النووي له الجميع انشل. # الطبيعة بصراحة وبلا خجل وعيني عينك # تتكلم بأعلى صوت، تصرخ، تجأر، # تضع في أجسادنا الزلازل، وداخلنا تفجر البراكين، # لحظة اختلال كون، # ولا انتظامه، # منتهى عقله، # ولا منتهى جنانه. # لحظة لا قيمة فيها إلا قيمتك كذكر الطبيعة أو # كأنثاها، # ولتذهب العقول والضوابط للأطفال والعاجزين، # يلعبون ويعزون بها الأنفس، # لحظة الفيض. # الأجساد ثائرة وفائرة تدفق رحيقها، # بكل بدائية تفجرات الشمس، # ومد القمر، # ووحشية الإعصار. ~~••• # واختفى الكل ولم يعد سوى ثلاثة: # حمار حسن، وحمارة الصاوي، وقامة قصيرة تشب # وتريد. # مطاولة الموقف واللحظة، قامة أبو علي وقد فقد، # للحظة، وعيه الكامل وملامحه، وقد أصبحت تنطق # بالسرياني، وتزمجر بأزيز يرعب حسن ويرعبنا. ~~••• # ولا تتصور ظاهرة مهولة كهذه، # تنتهي كما انتهت، فجأة، ويحل السكون عاتيا # شاملا وكأنه العودة إلى القبر. ~~••• # ودعونا من خناقة حسن والصاوي. # فالصاوي أنشب أظافره في حسن بدعوى أن الاتفاق كان على الكشف من بعيد ~~لبعيد فقط، ولم يكن الوثب أبدا داخلا في اعتباره. وحسن يرد بغرور أن ~~على الصاوي أن يحمد الله، فحمارته من فرط قبحها بائرة السوق، وفي جوفها ~~الآن نطفة حمار حصاوي منياوي، لا يقل أجرها عن جنيه. # وكأنهما بالاشتباك الذي دار والعمامات التي تهدلت والصراخ والجئير ~~يعيدون للكون نشازه بعد انسجامه، وضجته التي لا معنى لها بعد فحيح ~~الضجيج الخالق. # أما حسن، فقد أصبح قتيل النضارة، تلك النضارة بالذات، فلم يعد مهما ~~لديه أن يرى بها حماره الطريق، الأهم، الكسب. كان يأتي بنضارة الوثب ~~تلك، الوثبة بجنيه، سعر محدد، منها خمسة وعشرون قرشا بدل نظر، أو ~~بالأصح بدل نضارة. # أما عم ناجي فقد تطوع بتصنيع شنبر خاص لحمار حسن، بل وأحضر له عدسات ~~أكبر، وأصبح حمار حسن ونظارته من معالم القرية، وبالذات نقطة جذب ~~السياحة الداخلية لأهالي القرى المجاورة. # وعاث الحمار في أرض القرية بنظارته فسادا، فلم يترك أنثى على حالها، ~~بل أحيانا كان يناوش حتى ذكور الحمير. # وأشاعوا أن حسن أرسل حماره لكتاب الشيخ حسنين، وأنه تعلم القراءة ~~بسهولة تامة، إذ على ms04 رأي عم ناجي: أنا مركب له نضارة تقرا ~~لوحدها. # بل وفعلا، وقد رأيت هذا بنفسي، كان الحمار كثيرا ما يرى وهو يحدق ~~في مانشتات الصحف الحمراء، وإن بعضها كان يعجبه فيلعقه بلسانه، والآخر ~~كان لا يعجبه، فيمضغ الصحيفة وعنوانها، ثم لا يلبث أن يبصقها، وينهق ~~بشدة علامة الضيق الشديد. # وربما لهذا صمم حسن على منعه من الاطلاع على أي جريدة أو مجلة، فقد ~~لاحظ أن القراءة بنظارة الوثب تقلل كثيرا من قدرة دابته، ويخسر بعدها ~~بضعة جنيهات من جراء «سدة النفس» التي تحدث لحماره، عقب كل جريدة ~~يقرؤها ويمضغها ويبصقها، وجاهلا سيصير الحمار، وماذا يهم؟! الأدب أو ~~قلته فضلوه على العلم. ~~••• # ومن يومين جاءني حسن، # وسألته عن الحال، قال: لبن. # وعن النضارة، قال: حديد، # وعن الحمار، قال: عقبال أملتك، # ثم ابتسم، مخفضا فتحة فمه إلى أسفل، راشقا # عينه في كمه الأيسر، طريقته في الخجل، ثم # بتنهيدة من أعماقه قال: ألا قول لي يا دكتور. ~~- أقول لك يا حسن. ~~- ما دام نضارات البني آدمين بتنفع الحمير، يا ترى # نضارات الحمير تنفع للبني آدمين؟ ~~- ليه يا حسن؟ # سألت. # قال: أصلي عايز أتوكل على الله، واعمل نضارة. # إليه نظرت، # ورفضت أن أضحك، # فماذا بالله عليكم يضحك في السؤال؟ # بالله عليكم، ماذا في هذا رغم ذاك، يضحك؟ # | أمه # في ليلة شتاء وجدها. # ثالث شجرة قبل النفق وجدها. # واحدة من أشجار «أم الشعور» القائمة على جسر النيل عند نهاية شارع ~~قصر العيني. # كان قد طفش. # مرة أخرى طفش. # جرب عربات القطار القديمة المركونة صدئة على القضبان لا تستعمل، ~~وتحمل «العلق» التي كثيرا ما كان الخفراء يوقظونه بها، حتى هجر ~~السكك الحديدية، وجرب أسفل عربات النقل في «الدراسة» والفجوات الكائنة ~~في سور «فم الخليج» والمقابر والخرائب وحظائر المواشي في «المدبح»، ~~وأشياء، وأماكن كثيرة جربها، وكان البشر دائما يطاردونه كما يطارد ~~الكلب المسعور أو الأجرب. # كان طفش. # منذ أن طرده زوج أمه وهو يطفش. # كان يحب أمه، وكانت أمه تحبه، وأبدا لم ير أباه، إلى أن جاء ms05 ذلك ~~الرجل، وبدأت أمه تبدو ضعيفة لا حول لها ولا قوة أمامه. سكران يأتي ~~هائجا، ومسطولا مرة، يأتي ويفرغ هياجه وسطله في أعماق أمه المسجاة ~~تتلوى، يأتيه صوت أنينها ولهاثها، وقد أحاله وأحالها الزوج الجديد إلى ~~سائل أنثوي ذائب من لحم طيع وقلب بدأ بالتدريج يلين، وعنه يتحول ~~ويبتعد. # هكذا أحس وظل يحس. كل يوم قلب أمه عنه يتباعد، وناحية الرجل ونزواته ~~العارمة يقترب، ويتشكل، ويستجيب، ويتميع، حتى صحا يوما فوجد الرجل قد ~~أخذ أمه تماما مثلما أخذ الموت أباه. وحين أثمر الزواج الجديد طفلا ~~انتفخ له بطن أمه، أدرك أن الشعرة التي كانت تربطه بذلك البيت «الحجرة» ~~قد انقطعت، وأجبره الرجل على ترك المدرسة والعمل كصبي نجار. واستغاث ~~بالأم مستنجدا، ولم يفاجأ أبدا وهي تصيح فيه صارخة طالبة منه أن يخرس ~~حتى لا يوقظ الرضيع. ومالها النجارة؟! على الأقل تعلمك، يا بن الكلب، ~~حرفة. ابن الكلب يا أمي، أصبح أبي هو الكلب. دامع العينين قبل، ولكن ~~النجار كان قاسيا، وكان هو كثير السرحان والتوهان، وبالشاكوش أحيانا، ~~وأحيانا بفردة القبقاب ومعه أقبح الشتائم كان يضربه. # وطفش. # صاحب أولادا من جامعي الأعقاب والمتسولين، وعمل صبيا في محلات، ~~وأرغموه على أن يدفع ثمن مبيته لدى أيهم من لحمه وكرامة الرجل الطفل ~~الذي كبرته الأيام بسرعة، يدفع الشيء الكثير. # ومرة أخرى طفش. # من كل طفشان كان يطفش، من الأعور الذي حاول أن يعلمه النشل طفش، من ~~الأعمى الذي حاول أن يجعله يسحبه، ويشحذا معا، طفش، فكثيرا ما كان ~~يدفعه من ظهره بعضوه البارز أبدا. من المرأة التي أخذته ليلة وفي ~~حضنها أدخلته روع وطفش. والمشكلة لم تكن طفشان النهار، فمن أكوام ~~القمامة تعود أن يجد دائما في الأكوام ما يأكله، لا، لم يكن يفعل ~~كالكلاب الضالة والقطط. كان يعرف كيف يفتش وينتقي، ودائما ما كان يعثر ~~على شيء طازج، أو بالقليل غير حامض، في بحر النيل يغسله وينظفه، حتى قطع ~~الخبز كان يغسلها وينظفها ويدعها للشمس تجففها وتسخنها استعدادا ~~لمأدبة قادمة حافلة. # المشكلة ms06 في الليل والمأوى. # وفي ليلة شتاء وجدها. # الشجرة جذعها من جذور، ولهذا يسمونها «أم الشعور»، فجذورها في ~~الهواء، تلتحم معا، وتجف ملتحمة، وتصنع جذعا وساقا، تتولى عشرات ~~السنين تضخيمه وتكبيره ليتحمل عبء الشجرة المهول. ولأن ساقها جذور ~~متلاصقة؛ فهي لا تكون جذعا مستديرا مصمتا، ولكن يظل في الجذع فجوات ~~هي تلك المسافات التي كانت تفصل الجذور، فجوات كبيرة وصغيرة، مفتوحة من ~~الناحيتين مرة، ومغلقة أحيانا صانعة عشا مسقوفا ذا فتحة ~~واحدة. # ذات ليلة، وهو سائر بائس، ولكن غير باك، فحين يصبح البؤس هو القاعدة ~~اليومية الليلية التي لا تتغير لا يعود الإنسان يبكي بؤسا، فالبكاء ~~يجيء أملا في حل أو استدرارا لأمل، أو رجاء إلى الذي خلقنا أن يهدينا ~~للحل أو بالحل، ويريحنا ولو ساعة من ألم مستمر أضاع منا حتى الإحساس ~~بالألم. # كان الليل قد بدأ يمطر، ثم بغزارة راحت السماء تصب سيولا تفرغ ~~الشوارع من الناس، والدنيا من الونس، وتخلق في النفس شعورا قويا ~~بالخوف، ورغبة عارمة في البكاء. # ولجأ إلى الشجرة يحتمي من السيول التي بللته، حتى وصلت لنخاع عظمه. ~~وعلى الضوء القليل القادم من عامود نور ساطع الضوء، رأى الفتحة واقترب، ~~وبعينيه راح يتفحصها واستغرب حين وجد لها عمقا وكأنها كهف. وللكهف من ~~الداخل بروزات وتجعيدات، وكأنه فم عجوز يحفل ببقايا أسنان ~~معوجة. # دخل. # وكأنه إلى سرداب سعادة دخل، فمجرد إحساسه أن قذائف الأمطار وسياخها ~~المائية قد كفت عن الدق فوق رأسه، واختراق أسماله، وأنه قد أصبح في ~~مأمن، مجرد إحساسه بهذا سعد، فرحة كبرى غمرته، وكأنه الصعلوك قد أهدته ~~السماء قصرا من عجب. واستمرأ الشعور حتى أنساه كل ما لاقاه في حياته ~~من طرد وطفشان وصفعات وإهانات وعمر مديد مليء بالألم، لم يوقظه من ~~شعوره ذاك إلا خاطر عن له، أن يكون في مخبئه هذا زملاء من ثعابين أو ~~حيات أو فئران، أو أي مما يعض أو يلدغ. # وإمعانا في إرعابه كان البرق قد بدأ، وعلى ضوء البرق إذا برق والنور ~~القادم من العامود الصامد ms07 ، شبرا شبرا راح يتفحص أرض الكهف النباتي ~~وجدرانه، ولم يعثر إلا على جزء من هيكل عظمي لكلب لا بد وأنه مات من ~~زمن، حين رماه بعيدا، وبخرقة عثر عليها أيضا في الكهف نظف أرضه، ~~وأخيرا قرفص وجلس، أحس أنه أسعد إنسان على ظهر الأرض، أسعد من أي ملك ~~أو غني أو الفرماوي نفسه صاحب كل عربات الكارو والخضر. # ومن فرط سعادته راح يقاوم الخدر الذي بدأ يدب في جسده ويقوده إذا ~~استسلم إلى نوم ما ذاقه في عمره أبدا. إنه هنا ليس في ملك أحد كي ~~يطارده أحد، وليس قريبا من مخزن أو دكان ليأخذوه بالشبهة، ولا عسكري ~~يستطيع أن يراه، ولا إنس ولا جن أو بشر. راح يقاوم حتى يستمتع بشيء ~~حرم منه على الدوام منذ كان لهم بيت، وكان له أب، وكانت له أم حنون ~~يجد في حضنها الأمان والدفء والحماية من كل شرور البشر. # يقاوم الخدر المؤدي حتما إلى النوم، بإرادته يقاوم ومعه البرد ~~الشديد يساعده، وكلما أحس بالدنيا خارج الكهف ترعد وتبرق والمطر بإلحاح ~~ينهمر، وأحس بنفسه محميا بالشجرة العجوز وحضنها عن هذا كله، كلما أحس ~~بشعور الناجي من غرق، المحمي في قلعة حصينة، حولها وحوش الدنيا كلها ~~تعوي وتتلمظ، وهو يخرج لها لسانه اطمئنانا وتأكدا أن أنيابها تماما ~~بعيدة عنه، وأن زئيرها زئير العاجز أن يناله، وأن الدنيا أمان مبطنة ~~بالقطيفة، وقطيفتها الزغبية النباتية أصبحت تحنو عليه، ويسري إليه منها ~~دفء لا يعرف مصدره. # وصحا. # في الضحى صحا. # المطر كان قد كف، ولكن ضجة الشارع والترام بدت كما لو كانت قد مضى ~~على بدئها عشر ساعات. ظل يحدق طويلا من خلال فتحة الشجرة إلى المارة ~~والعربات، ويجتر نصف نائم عمره كله حتى يتذكر اللحظة التي دلف فيها إلى ~~مثواه الجديد ذاك، وعمره كله كوم وليلة الأمس وحدها كومة أخرى، وثمة ~~فاصل حاد باتر بينهما. # وبأيد واهنة وأذرع متراخية كسولة راح يتحسس الجدار الداخلي للفجوة، ~~كأنما يقلب بين أصابعه محتويات كنز عثر عليه أخيرا، وأصبح ملكه ms08 وفي ~~حوزته. # وأحس أنه جوعان جوعا لم يحدث له في حياته أبدا. # ولكن كان عليه أن يغسل وجهه أولا، والنيل بجواره، يا له من قصر ~~فاخر، حتى الماء يجاوره، والأمكنة وافرة لقضاء حاجته. # وكأن أيضا، حين انحلت مشكلة مأواه ومنامه، تفتحت أبواب الرزق في ~~وجهه، فما كاد يخطو بضع خطوات في الشارع، حتى طلبت منه سيدة هبطت لتوها ~~من الأوتوبيس أن يحمل عنها حقيبتها، ورغم ثقل الحقيبة، فقد أحس بها في ~~خفة الريشة، ورغم أنه أوصلها لفم الخليج فقط فقد أعطته عشرة قروش ~~بأكملها، ولأول مرة في حياته يفطر فولا وطعمية وبصلا، ويشرب شايا، ~~ويدخن سيجارة من أولها لآخرها. # وسرح في شوارع المدينة، وكان رزقه واسعا في ذلك اليوم، فحين جاء ~~الليل كان في جيبه ما يكفيه لدخول سينما الروضة ويعشيه، ويبقى معه ~~أيضا «ريالا» يبدأ به يوم غده. # وأحس وهو عائد من السينما بعد أن شاهد فيلمين أنه في طريقه إلى مكان ~~أصبح عزيزا عليه تماما. أعز عليه من أي بيت أو مكان سكنه. شيء واحد ~~كان يخنقه إذا فكر فيه، أن يعود ليجد المكان مشغولا بقاطن آخر اكتشفه، ~~ولكنه كان دائما فاتحا فاه، فارغا، ينتظره، ولولا أنه خاف على نفسه ~~أن يجن لاندفع يحتضن جدرانه من الداخل، ويغني لعبد الحليم حافظ، ويصرخ ~~في المارة جميعا: لقد أصبح لي مأوى، بل إن سعادته القصوى كانت أنه قد ~~أصبح له شيء يخصه، مكان ينتمي إليه، وكأنما عثر على عائلة لا أب فيها ~~يموت، ولا زوج أم يقطع جسده، وينهش كرامته. أصبح له هو، التائه في بحر ~~الحياة، مأوى. # ولكن الليلة كانت باردة، وظل مغلق الجفنين والنوم مستعص عليه، وماذا ~~يهمه حتى لو قضى الليل بطوله ساهرا، في الصباح أيضا سيكون المكان ~~ملكا خالصا له لا ينازعه فيه أحد، ولا يوقظه، إذا نام، من نومه أحد، ~~مكانه، بيته. # ولكن البرد ازداد حتى بدأ يرتعش. سيقضي نصف يومه التالي يبحث له عن ~~خرق أو أجولة قديمة تغطيه؛ فالبرد أصبح لا يطاق، مهما ms09 قرفص، وحشر نفسه، ~~وألصقها بالجدار الداخلي للشجرة. بل حين راح يحك جسده في الجدار ~~النباتي الناعم بالمقارنة إلى الجدار الخارجي الخشن، لم يواته الدفء ~~أبدا. # أحس قرب الفجر شيئا فشيئا أن ثمة دفئا ما قد بدأ يشمله، أيكون ~~دفء الحمى؟ أيكون قد أمرضه البرد، وأصبح في طريقه إلى عطس وكحة ومرض ~~إذا داهمه فحتما سيقضي عليه؟ وتحسس جبهته، وقارن حرارة يديه بحرارة ~~جسده، لا، لم تكن هناك حمى، ولكنه يحس بالدفء ملموسا لا يعرف مصدره، ~~فقط حين - بحكم العادة - ملس على جدار الشجرة الداخلي، أحس أن الحرارة ~~تنبعث منه. وخاف، حتى كادت الرعشة، رعشة الرعب من هذا الدفء الغريب ~~المجهول، تعاوده. # ولا بد أنه خرف أو بدأ يخرف، فقد لمعت في ذهنه الطفولي فكرة، أن ~~الشجرة العجوز قد بدأت تدفئه، وتفعل مثلما تفعل أية أم حين ينكمش ابنها ~~في حضنها، وتحس أنه بردان، فتدفئه! وتخريف أو لا تخريف، أعجبه الخاطر ~~تماما، واستراح حتى كفت أسنانه عن اصطكاكها، وأطرافه عن الرعشة، ووضع ~~رقبته تحت ذقنه، ثم دفن رقبته بين ساقيه، وكأنه يتخذ وضع الوليد في بطن ~~أمه. # ونام. # وكما انتمى إلى الشجرة تماما، وأصبحت ملجأه وملاذه من العالم ~~الخارجي الشرير، حتى أصبح يأوي إليها في عز النهار هربا من القيظ حين ~~جاء الربيع وجاء معه الحر، فوجئ ذات يوم، وكأن الشجرة كانت ضائعة هي ~~الأخرى، وبلا قريب مثله، وبدا كما لو كانت فجوتها تتحور لتأخذ شكل ~~جسده، بل فوجئ ذات يوم بعرق داخلي منها يبرز، ويمتد إلى الخارج من ~~فتحتها ويواليه بالطبطبة وبالسقيا، حتى لفي أسابيع قليلة يكبر، ويكاد ~~يملأ فتحة الفجوة، ويصنع لها بابا يكاد يخفي الفتحة، بحيث لم يعد يعرف ~~مكانها سواه. # ودون أن يدرك هو ما يحدث، وبالطبع دون أن تدرك الشجرة، بدأت علاقة ~~أكبر من مجرد الانتماء والحنان المتبادل، والبرودة تغمره بها صيفا، ~~والدفء تغطيه به شتاء. # أحبها أكثر مما أحب أمه، لقد كانت الحضن والبيت والظليلة والعائلة، ~~وكل ما يمت إليه في الدنيا. # ولا يدري كم ms10 من الزمن مضى، عام أو عشرة أعوام، فالزمن كان قد توقف به ~~عند اللحظة التي اكتشف فيها أم الشعور، تلك التي دبت الحياة في كل ~~أنحائها تماما، واخضر كل مكان متخشب فيها، ورغم أنه كان قد وفق إلى ~~«صنعة»، وأصبح صبيا في محل «دوكو»، ويكسب، إلا أنه لم يستطع أن ينتزع ~~نفسه منها، ومن جوفها «الحضن». # ولكن شيئا فشيئا بدأ يحس أن الفجوة تضيق عليه، إذ كان دون أن يلحظ ~~قد كبر، وكبرت معه سيقانه وأذرعه، حتى جاء اليوم الذي لم يعد يقدر أن ~~يحشر نفسه داخلها. # وهكذا الدنيا، فقد كان عليه ذات يوم أن يجمع حوائجه التي خبأها في ~~ثنايات فجوتها، ويودع الخن الذي أصبح من الداخل أخضر كله، ويذهب ~~ليقاسم زميله في المحل وصديقه الحجرة فوق السطح التي كان يقطنها ~~الصديق وحده. # وليال طويلة قضاها لا يعرف كيف ينام على فراش، وهو الذي تعود على ~~حضنها الحي، وعلى وضعه الجنيني المريح داخلها. # ولكن الأيام تمضي، ويتعود الرقاد فوق فراش، ويقارب سن البلوغ، ويبلغ، ~~ويلهيه العمل الشاق طوال النهار، والسهر الطويل مع الصحاب والشلة حتى ~~نسيها، بل نسي الشارع كله، وقد انتقل بعمله وسكناه إلى شبرا. # وذات يوم أرسله الأسطى في مشوار لفم الخليج. # وفجأة وجد نفسه يقفز من الأوتوبيس عند نهاية قصر العيني، ويسرع ~~إليها، ووقف مشدوها يرقبها. # كانت أوراقها الخضراء كلها قد جفت، وأعضاؤها الجديدة والقديمة تخشبت، ~~وبابها النباتي اندثر. # كما لو كانت قد ماتت. # وأحس بغصة ما قبل البكاء. # وبكى # أمه. # | الخروج # تشنجت الرغبة في الساق أن ترفس، أمر أقوى من الرغبة صدر، الحركة ~~والخوف من الحركة، التجمد الذي يسري ساعة الضياع. لا؛ ليس أعمى، هو ~~يرى، ولكن ما يراه ظلام، متى كان أعمى تماما؟ ومتى بدأ «يرى» ظلاما؟ ~~هناك فرق، يرى ظلاما، ولكنه يرى، يراه المؤكد أن رأسه تصله رؤيا ~~الظلام. # مذهل ما حدث، لحظة أن يتكامل الوعي بالموقف، يضيع الموقف. # يضيع المفتاح والحل، ويضيع هو. # من أين جاء الموقف؟ بل هو نفسه من أين ms11 جاء؟ ومن هو؟ لم يكن يسأل، ~~ولكن السؤال هناك، بل كل ما هناك أسئلة. # ولا جواب. لا جواب. # تكاثر الأسود في الظلام. # من فرط التراكم بدأ يحس بالظلام ثقيلا، وأثقل، أثقل. # إنه يختنق. # الصدر يرتفع وينخفض، الهواء يمر بحلقه، ولكنه يختنق. # تشنجت رغبة أخرى في ساقه، أن يرفس. # حتى والأمر الناهي موجود، رفس. # ومرة ثانية رفس. # فالأولى لم تذهب بعيدا. # ارتطمت بالمستحيل. ~~••• # عقب العشاء، والعائلة كلها هناك، وكل فرد فيها قد انتحى ركنا من ~~حجرة القعاد يلتهم البطيخ، تكرع هو، وبينما كان شيء يرقرق في صدره، ~~ويقول: أنا أسعد مخلوق على سطح الأرض، كان فمه يتمتم: الحمد لله، ألف ~~حمد لك، ألف حمد. # بعد ثمان وأربعين ساعة كان كل شيء قد انتهى. # وحيدا كان جالسا في نفس الحجرة، يحرك كتفيه لما فوق جذعه ويجأر بلا ~~صوت: لماذا يا رب؟ لماذا؟ باكيا ولا يذكر بالضبط ما حدث، وكأنه قد مضى ~~عليه عام. # ولكن البداية يذكرها تماما، لحظة دق الباب. فتح ابنه الأكبر، بلا ~~وعي، أصاخت الأسرة للحوار الذي دار وطال، وبدأت ابنته تتسلل، ثم زوجته، ~~ثم أخيرا هو. وحين وصل لم يكن ابنه هناك. # وارتفعت الأصوات، وارتفعت الأوامر. اذهب، اذهبي، هاتي الملابس حالا. # في القسم كان النور معتما، والنظر. ما هذا؟ بالتأكيد ليس حلما ولا ~~كابوسا، ولكن الولد في الحديد، من القسم إلى النيابة. # السيارة باسمه، ولكنها سيارته، بضائع مسروقة في حقيبة العربة. # بضائع من؟ أودعها عندي صديقي ليبيعها، الصديق يأتي نافر العود، ~~مؤكدا أن شيئا من هذا لم يحدث. المبيت في قسم البوليس. الولد يكاد ~~يبكي من الغيظ، ولكن شيئا ما في طريقته لا يعجبه. المحامي، أكبر ~~محام، خمسمائة جنيه فورا. دفعها صهره. # مفتخر الملابس ذهب المحامي في الصباح، مفتخر الملابس خرج. # استمرار أربعة أيام. في نفس حجرة القعاد تصرخ زوجته: # لو كنت ربيته. طالع لك. طالع لأخواله. طالع لعيلتكم. أخوك حرامي. ~~اخرسي. اخرس انت. لم يكن قلما، ولكن يده هوت بنصف غضب. قلمها كان ~~غاضبا وحادا ومليئا بالكره، مليئا ms12 بالكره لم يؤلمه القلم، وإنما ~~كشف له الكره عن وجه غريب لم يره من قبل، وجه امرأة عاشت معه خمسة ~~وعشرين عاما تكرهه. غلالة رقيقة، كجلدها الدهني، كانت تستر الكره، ~~تحيله أحيانا إلى ضحكة سعادة وربنا يخليك. تكرمش الجلد كارها، نافثا ~~حقدا معقدا أسود. # رفع يده، يصفع. تعلق الابن الثاني والبنت في الذراع. دفعهما. اندفعت ~~البنت، ودفعه الولد دفعة غليظة أسقطته فوق الأرض. # قام هاجما كنمر مفترس، ماذا حدث؟ هل ضربه الولد لكمة أداخته؟ هل هي ~~لكمة منه، وصفعة منها، وعرقلة من الابنة؟ # أنت طالق، اخرجي من بيتي أنت وأولادك أولاد الحرام. # اخرس. # قالها الولد. # اخرج أنت يا كلب. # قالتها الزوجة. # بلاش قلة أدب. # قالتها البنت. # في عملية جمع الملابس، سيحرقهم جميعا، خائف على نفسه أن يتوقف قلبه ~~عن الدق ويموت قبل أن يحرقهم، مرارات الدنيا كلها تتجمع في حلقه، فأحد ~~لا يأتي ويرجو أن يبقى، لا أحد. # في حجرة الفندق الرخيص فرت من عينه دمعة، لحقتها دموع. # من يهن يسهل الهوان عليه، ما لجرح بميت إيلام. لن يهون أبدا، لن ~~يهون، والواجب سيؤديه كاملا، سيخرج الولد من السجن أولا، ثم يتفرغ ~~للأفعى وأولادها. على باب القسم كان ينتظره صهره، قبل أن يقول أهلا ~~كان وجهه يطالب بالمبلغ. حسابه في البنك يسمح تماما بالمبلغ، ولكن ~~النقود باسمها. الصهر لا يفهم. بوجه صارم يطلب موعدا. بعد غد. بعد غد ~~وإلا ... لا داعي ل... إلا. بعد غد يعني بعد غد. # قال له رئيسه: تأخرت، هذه ليست وكالة. لم لسانك. هذه قلة أدب. خد. ~~آه يا كلب. خد. وما لم يستطع أن يفعله في حجرة القعاد فعله هنا في ~~المكتب الفاخر، وعلى صوت الاستغاثات جاء السعاة والموظفون، وتحقيق طويل ~~طويل، وإيقاف فوري عن العمل. # في حجرة الفندق المكتومة قال: على الأقل ما أزال حيا، لم أمت ~~بعد. ~~••• # لم يعد ذاك البياض الناصع أبيض، اغبر البياض، واحتقنت جزئياته، ~~وتعقدت وانبثقت شبكة عروقه كالعنكبوت الأحمر جرى فيها دم. في كل ثانية ~~يتوالى التغيير، ويتعقد أكثر ms13 . انتفاخ بدأ ينبض. انبعاجات. نتوءات. أشياء ~~كالغضاريف، مكونات مجمعة مبعثرة لا معنى لوجودها معا بالمرة، تكبر ~~وتتقارب وتكبر وتتباعد حوافها وتتداخل، ثم فجأة وكأنما قد أضيف إليها ~~عنصر هام فعال ناقص يصبح لكل شيء معنى. معنى واحد ينتظم الكائن الجديد ~~كله، معنى واحد يعطي معنى لكل ذرة وجزيء وجزء. وتنتظم الأجزاء ~~والجزيئات والكل حركة واحدة، ذات معنى محدد واحد، الحياة أنا، أنا ~~أحيا. # الذرات تأمر الذرات، العضو يأمر العضو، الأمر الأكبر صادر من ~~أعلى. ~~••• # في الصباح رد تحيته شاويش الحجز بقرف. ابنك فقأ عين مسجون مرحل. برز ~~له من باب الحجز وجه رفيع أصفر، ابنك مظلوم. المجرم حاول الاعتداء عليه ~~بالقوة، ولو كنت مكانه لفقأت العينين. أين الولد؟ أمام الضابط. يا حضرة ~~الضابط، كلمة. ولا كلمة. س سؤال: هل هتك عرضك فعلا؟ أرني نفسك. يغلي ~~الولد بالغضب يثور، يضربه الضابط. # يثور الأب. يضربه العساكر، وخارج القسم يلقونه. # يعود مغلوبا يسأل. المسجون أخذته الإسعاف إلى المستشفى. # أمام قسم العيون ينتظر ممنوعا من الدخول. بالرشوة يدخل. # يا دكتور. العين انفجرت، خيطناها، وهو وحظه. # لو ضربت سنستأصل عينه الأخرى. أعمى هو قد أصبح. إلى أين يذهب؟ جريا ~~إلى المحامي المفتخر. المحامي مستريح تماما يقول: المحضر. المسألة في ~~يد الضابط. وفي يد الضابط يدس خمس ورقات بمائة جنيه، فيدفعه الضابط ~~كمن أصيب بلدغة. يفتح محضرا بمحاولة رشوة والشهود اثنان من أمناء ~~الشرطة. الظلام الكامل حل. شعاع ضوء. المحامي جاء وتوسط. الظروف، حرام. ~~راعيها يا سعادة الضابط. كله منها. حين كان يغضب منها، أو تغضب منه ~~كانت الدنيا تظلم. ليصلحها الآن وفورا. التاكسي حين يركبه يجده ذاهبا ~~إلى شبرا، يهبط في منتصف الطريق يتطلع، لا يعرف أين هو، الحي غريب، ~~وبيته يبدو في آخر الدنيا، في آخر الدنيا. # وحين يصل يجده مغلقا، ولا أحد في الشقة. على البسطة يجلس. أراد أن ~~يبكي، كان قد وصل إلى ما وراء البكاء. انتظر. عاما كاملا بدا انتظاره، ~~جاءت ومعها الابنة. ما إن رأته حتى خلعت فردة الحذاء، شرر ms14 عينيها يصب ~~اللا تفاهم المطلق. فتح فمه. هبت عاصفة من فمها. أطل الجيران. اندفع ~~إلى الشارع يجري. قابله صهره. الخمسمائة جنيه. وصل أمانة يستحق الدفع ~~اليوم. الدفع أو الحبس. # في حجرة الفندق أصبح التنفس صعبا. # لا، ليس الآن، أرجوك أيها الموت ليس وأنا مهزوم ومسحوق. # انتظر حتى أعود إلى السباق وأسترد الجميع، الزوجة والأسرة والأبناء. ~~وبالذات هذا المحبوس في جريمتين، ليس الآن. # دق الباب. دخل أخوه. استراح تنفسه. لم تعد المسألة إذن سرا، استراح ~~تنفسه أكثر حين بدأ الأخ يؤكد له أنه لم يخطئ، وأنه كان بالضبط سيفعل ~~مثلما فعل، ولكن؛ آه من لكن حين تخرج بعد نهاية المواساة. ولكنك كان من ~~الممكن أن تفعل وتفعل. وكأن كان له خيار فيما يفعل وفيما لا يفعل. ساعة ~~القضاء يعمى البصر. ويعمى الفعل. فهو أبدا لم يفعل. إنه مسير فيما لا ~~يفعل. دفعة إثر دفعة، وكأنه كتلة لا وزن لإرادتها. النهاية، معاك فلوس؟ ~~وتنحنح، وآه من الأخ حين يتنحنح، وينخنخ، وفي النهاية يستأذن. # وجاءت أمه وخالته، أمه تنحو عليه باللائمة، وخالته تطبطب. # أهذه آخر تربيتي فيك. بكرة كله يتعدل. متفائلة يا خالة كعادتك ~~تفاؤلا دائما لا معنى له بالمرة. مع السلامة يا ناس. اتركوني وأطفئوا ~~النور. # وفي الظلام أحس أن الظلام يتكاثر، وأنه يجثم على صدره، ولأول مرة كان ~~يرى الظلام رأي العين، وتشنجت الرغبة في ساقه أن يرفس. ~~••• # وكان مفروضا أن يؤكد له انبثاق الرغبة أنه لا يزال حيا، وكان ~~مفروضا أن يدفعه الإحساس بالحياة أن يفرح، ولكنه لم يفرح. # فمن زمن طويل والإحساس عنده بالحياة لم يعد مرادفا للإحساس بالسعادة ~~أو الفرحة. منذ زمن بعيد جدا حدث هذا، بعد أن ذاق كل أوليات الأشياء، ~~أول بدلة، أول نجاح، أول جنيه، أول نظرة حب، أول ليلة مع امرأة، أول ~~ليلة مع امرأته، أول ترقية، أول أمل. منذ زمن سحيق لم يعد هناك أمل، ~~كله تكرار للأول، حتى الإحساس بالحياة لم يكن يحمل إلا مزيدا من ~~الإحساس بالمسئولية، الحياة أصبحت مهام، كلما ms15 أحس بها عليه أن يربط ~~نفسه بالتزام وبسرعة أكثر، لتحقيق هدف، ولا نهاية لتحقيق الأهداف، ~~فوراء كل هدف هدف، ووراء كل هدف هدف. # ذات مرة كان أقصى أحلام حياته أن يكون إيراده الشهري الثابت مائة ~~وخمسين جنيها، حين أصبح يصرف مثلها في اليوم الواحد أصبح الهدف خمسة ~~آلاف وعشرة، وكلها ثابت أيضا. أن يخلف ولدا، أصبحوا ثلاثة وبنتا. أن ~~يتعلموا ويتخرجوا، تخرجوا وأصبح الهدف جديدا. أن يعملوا، وهدف أبعد. ~~أن يتزوجوا، وأبعد وأبعد. أن يكون له أحفاد، أعز الولد ولد الولد. وهي، ~~أقصى أمله كان أن تنظر ناحيته عن عمد. حين نظرت أصبح أن يكلمها، حين ~~كلمها، يقبلها، والزواج كان مستحيلا. تحقق. أن يلعب بذيله، ويستمر، ~~لعب. أن يلعب أكثر، لعب أكثر. يحافظ على «السعادة الزوجية»، حافظ وجرب ~~السعادة والتعاسة، والخناق والصلح، وتهديد بالطلاق، والطلاق، والندم، ~~والعودة، والصلح، وشهر العسل الثاني والثالث والرابع حدث ويحدث، كل ما ~~في الأمر أنه أصبح مكلفا أكثر. # كان مفروضا أن يدفعه الإحساس بالحياة أن يسعد. مثلما سعد أول مرة. ~~أن يشفى، يشفى من ذلك المرض العضال، التهاب المفاصل الذي أرقده، وجعل ~~حلم حياته أن يتمكن من السير، مجرد السير، مرة أخرى دون مساعدة أو شماتة ~~من أحد. عاد يسير، ويمشي، ويجري أحيانا، ويلهث، ولم يحس أبدا أنه ~~سعيد، حتى وهو يتذكر كيف كان كسيحا وأعرج ومكبلا، يقبل يده ظاهرا ~~وباطنا أن الحمد لله، ولكن هذا الإحساس العميق الشامل الصامت بالنشوة، ~~أنه سعيد حقا وصدقا، لم يحدث، وإن حدث فلثوان معدودة بالضبط ~~كالإحساس أنه الآن، حين نقولها، قد مضت ومضة، ومرت ثانية، صحيح ليس ~~مثلها مثل أية ثانية أخرى، ولكن الغريب أنها لها نفس طولها، ثانية أخرى ~~مضت. # عريضا، واسعا، شاملا، كان إحساسه بالحب والألفة والتواصل مع كل ~~باقي الكون. في النهار يحب الشروق حين تبدأ الشمس بغمزة جفن في الأفق، ~~تشرق. والنهار رائع بوضوحه، وإشعاعاته، وتحقق كل شيء فيه، كل أحلام ~~الليل تتحقق، إذا لم يكن صباحا، فعلى الغداء، فإذا صعبت لا يأتي عليها ms16 ~~بعد الظهر، وما أروع العصر حين يجيء كالذهب الرقيق السائل يسدل فوق كل ~~شيء، وقد تحقق، كل أمنية وقد حققت النهار، وتحقق النهار بها، والآن جاء ~~وقت أن تغلف بالعصر الملون الشفاف، وتصبح هدية ذلك اليوم. الليل جميل، ~~نجومه هناك تبرق بفرحة الوجود مع غيرها معا وتتلألأ، تزف القمر ~~وتتلألأ وتبرق. كل شيء حلو ويستحق المحبة. الإحساس برجولته المبكرة، ~~يحب شكله في المرآة، يطيل التأمل فيه ويحبه، الكلية التي اختارها وحقق ~~اختياره، والمهنة، ومكان التعيين، ولحظة تسلم العمل، كل شيء حتى ~~بصعوباته، يسعد. حب واسع، شامل لا نهائي الامتداد، يشمل كل شيء، وكل ~~إنسان، يحب القرية بيت بيت وإنسان إنسان، والمركز، واسم محافظتهم، ~~ومصر، والدنيا. يحب الدنيا، والعالم. حين تذكر أمامه أو يذكر كلمة ~~البشرية، يحس بالجنس البشري، جسد دافئ بالحياة. هادئ، صاخب، متدفق. ~~يسبح فيه ويشربه ويغوص في أعماقه، ويطفو فرحا عابثا، مندفعا فوق ~~سطحه. # وإذا بذاك الإحساس كالبحر حين يتحول إلى بحيرة، والبحيرة إلى فوهة. ~~تنكمش غلالة الحب وترق، وتتحول إلى بقعة، بالكاد عائلته، بالكاد ~~وبالكاد عائلته الأصغر. فابنه الأوسط قد اخشوشن تماما، ونمت له ذقن ~~وأغزرت، وبدأ حتى يصيبه، كخاله بعض الصلع. ابنه الأكبر اتخلع بعواطفه ~~تماما، وأصبح على وشك أن يقيم له بيتا آخر ويتزوج. تكاد العلاقة تصبح ~~رسمية. لم يعد يستطيع أن يلعنه إذا غاظه أو حتى يعلي عليه صوتا. حب، ~~هذا حقيقي، له ولأخويه، ولكنه حب المتأكد أنهم مستقلون، وقادرون، بل ~~وأصبحوا أندادا يكاد لولا الحياء يقول لأيهم: يا سيد. # البنت الحلوة الطفلة ذهبت أيام اللعب معها والضحك والقبلات والأحضان ~~التي وكأنما كان يحضن بها الدنيا، أو بالأصح السعادة كلها الكائنة في ~~الدنيا، حضنه، شيئا فشيئا قد أصبح يملؤه جسد يتضخم حتى صار جسد أنثى، ~~لا تتفتح كل مسامها حين يضمها، وإنما يتكور وينكمش ويستقل ويتحدد جسدا، ~~ثم في النهاية تصبح امرأة أخرى. # وزوجته الغرام، الغرام حين يطول يصبح عادة غرام، وقصة الحب حين لا ~~تنتهي كما بدأت، فجأة يصبح لها خرير مستمر واثق ms17 موثوق به لا يحمل ~~مفاجأة أو نكسة. ومن التكرار تتشكل زمالة اثنين أصبحا فرقة لا يتباريان ~~وإنما معا يلعبان مع الحياة اللعبة. واللعبة طويلة مهما طالت لا بد ~~أن تنتهي كالدائرة المفرغة، مشكلة لا حل لها إلا بحلها. # بالكاد لم يعد قادرا إلا على حب الأسرة. # بل في الواقع ذكرياته عن الأسرة. فالطفل الذي يحبه، طفلا كان، إذ هو ~~الآن رجل كان ذات يوم ابنه، والزوجة كانت غراما، والحب كان حبا، ~~حبا لذاته، اليوم أصبح تعلقا شديدا، أصبح أنانية، وكأنما هو الحب ~~للنفس يتخذ أبعادا أخرى. # كل شيء استحال وتغير. كان يستطيع أن يواجه الدنيا بجيب ليس به سوى ~~قروش، الآن يرعبه لو نقص الحساب رقما أو خانة. كان حين يهدد أن يترك ~~البيت كان يفعل هذا بإحساس من هو على يقين مطلق أنه يستطيع، من جديد، ~~وفي التو، أن يبدأ حياة أخرى. الآن يرعبه مجرد أن يبتعد عن الدار أو أن ~~يبعد أنملة عن الخط الذي فرضته عليه حركته مع الدنيا. الدنيا التي ~~تلخصت في خيمة صغيرة مركزها حجرة القعاد في بيتهم، وأقصى أطرافها رحلة ~~لأكل العيش، ولجلب ما عند محيط الدائرة والخيمة إلى مركزها. مركز ~~الدائرة المفرغة والخيمة المفرغة إلا منه ومنها. # ينكمش، يضيق، يتغير، الطعم يتغير، ما يمتع لا يمتع، ما يشبع لا يعود ~~يشبع، والحياة يتغير لها الهدف. من وحده مسئول عن الإبحار إلى فنار ~~يتحقق، إلى فنار بعد فنار. إذ به يصبح مسئولا عن صياغة حياة «سوية» ~~للأولاد الثلاثة والابنة. من أجل أن يصوغ هذه الحيوات لا بد أن يعيد ~~صياغة حياته هو؛ لكي تصبح مثلا يحتذى. بجماع قواه يمسك بزمام كل منهم، ~~وبالزمام العام لا يريد أن يفلت، وشيئا فشيئا لا يعود يعرف أهو ~~السجان للخندق الذي يريد أن يمر كل شيء فيه حتى يستقيم ويعتدل، أهو ~~السجان أم في الحقيقة السجين؟ حريته تضيق إلا عن الأفق المحدد بصرامة، ~~إذا أرخى العنان فلت الجميع. إذا شدد تماما ينفلت الزمام. بأي قوى ~~قاهرة يمنع القبضة ms18 أن تكون أضعف، حتى يستغرقه الأمر كله، ويتلخص العمر ~~في خطو دءوب نحو ماذا، نحو أن تنتهي المهمة، أن «يتحرر» وأبدا لا ~~تنتهي المهام، فانتهاء المهمة لا يفعل إلا أن يكشف مهمة أبعد. والعائلة ~~التي كان أفرادها طوع بنانه تشتد فيها السيقان وتقوى وتخشن، بصعوبة ~~يستطيع أن يغير إرادة أو رغبة، الشجيرات أصبحت كل منها شجرة، رفعت ~~الخيمة المحكمة التي كانت تضمها، رفعتها فوق قممها، فبدت في النهاية ~~كالعلم الممزق، كبروا عليه، وصغر عليهم، ولم يعد في النهاية إلا صرافا ~~عليه باستمرار أن يملأ الخزانة، وويله إذا يوما فرغت، فسبب وجوده ~~والمبرر الوحيد للخضوع له يكون قد تبدد. كم أشرفت هيمنته الباقية أن ~~تتهاوى، وكم تغابى وأحنى رأسه للعواصف كي تمر ليبقى كل شيء وكأنه على ~~حاله لم يتغير، وكأن العائلة متماسكة، هو الأب القوي، وهي الأم المثلى، ~~وهم الأولاد الطيبون الناجحون باسم الله ما شاء الله. # ولكن، كان محتما، ولا مهرب منه، يوم تتطور فيه مشادة، أو يحدث حادث، ~~أو يشتبك مع ولد، أو يحدث لأيهم مشكلة، أو يدق الباب ويدور حوار يطول ~~وينتهي إلى تهمة، وتتمزق الأقنعة. # وفي الصباح كانت الغرفة أضيق وأثاثها أكبر، وكان النور هناك، ولكنه ~~يوضح كم الدنيا ظلام، وكم الهواء قليل، وكم هو يقل وسادر في إقلاله، ~~وكم هو يختنق، ويحس أن كل ما كان يجري لم يعد يجري، كل ما كان يتفتق عن ~~العقل من حيل ومن حلول، لم يعد يحل أو يربط. أطبق الواقع الرهيب ولم ~~يعد يقدر أن ينبس، وتشنجت الرغبة في ساقه أن يرفس. رفس. ارتطمت الساق ~~بالمستحيل، مستحيل أن يخرج، العمر فات، والواقع أكبر من كل الطموحات ~~والإرادات. وما يهمس له بالتمرد ما هو إلا شيطان شاطر، عليه أن يطرده ~~ويستكين إلى حياته، فلم يعد في العمر قدر ما مضى منه، وبيته وأولاده ~~ومشاكله هي عمره الذي فات، ولا بد أن تكون عمره القادم أيضا. # أنا غلطان. # سيل من الصراخ والعويل مختلط باللغط. # غلطان. # عيون تحدجه بالاتهام والتعذيب وتسوق ms19 له شتائم جارحة، يراها وينزف ~~لها، ويبتلعها. # غلطان، غلطان يا ناس، غلطان، أنا المسئول عن عبث الولد وسجنه، مسئول ~~عن إخراجه وتزويجه، مسئول عن الدورق الذي كسر، والتليفزيون الذي لا ~~يعمل، مسئول عن عدم تطبيق الشريعة الإسلامية، والتعذيب في السجون، ~~والحربين العالميتين: الأولى والثانية، وإذا اشتعلت الثالثة أكون أنا ~~المسئول، غلطان. # وحين سكت آخر صوت في البيت وآخر احتجاج، وكأن شيئا ما كان تشنجت ~~الرغبة في ساقه، بحدة، أن يرفس. # ولم يستطع. # كانت آلام المفاصل الحاد قد عادت تشل ركبته. # أخرج الولد من السجن، وقيدت القضية جنحة، واستعاد عقد الشقة وأصلح ~~التليفزيون، واصطلحوا مع الجيران، وبدأت الزوجة تتحدث عمن ترشحه لخطبة ~~الابنة، وتقطع الحديث بضرورة شراء جهاز تكييف فهي لا تنام من فرط حرارة ~~الجو وصوت جهاز الجيران. # وحين ناموا جميعا، وبقي هو ساهرا، لم ينم إلا بعد أن خبط رأسه في ~~الحائط عدة مرات. ~~••• # في منطقة معزولة من شط النيل عند القناطر الخيرية، جلس وقد مدد ساقيه ~~الحافيتين في الماء. الجو حار، ولكن النباتات الشيطانية تلتهم حرارته، ~~ويصدر عنها وعن ماء النيل رائحة كرائحة ما قبل نشأة الحياة. الصنارة ~~تغمز، غمزا ثقيلا، دفقة فرحة غامرة تنداح في صدره، قلبه أخيرا ينبض ~~ذلك النبض المدوي العالي، كنبض أول قبلة. أخرج السمكة بلطية فتية وزنها ~~لا أقل من كيلو ستتكفل بمصاريف اليوم، وما تبقى من النهار، ويفيض ما ~~يكفي علبة الدخان، ويبيت الليل عند الخفير في عشته وهدية لابنته ~~السمراء المليئة بحيوية البلطي ودفء ماء النيل في الصيف. # وكشبح يطفو من الماضي داعب ذاكرته ما قرأه في جريدة تركها صاحبها في ~~الحدائق، ورأى فيها صورته، صورة بطاقته الشخصية العجوز الجامدة ~~الملامح: خرج ولم يعد، رجل في الخمسين أسمر الملامح حليق اللحية ~~والشارب أبيض الشعر، يرتدي جلبابا مقلما وشبشب زنوبة، من يجده يتصل ~~بهذا التليفون أو بالعنوان ... خرج ولم يعد. خرج ولن يعود أبدا، والحياة ~~لا بد قد سارت من بعده أفضل بكثير مما كانت تسير به. # أبدا لن يعود. ~~••• # لم تعد ms20 الساق حين ترفس تجدي، تشنجت الرغبة هذه المرة في الرقبة، ~~بجماع رقبته دق بمنقاره على الجدار الأصم، رن المنقار مرتطما بالجدار. ~~بآخر ما تبقى في قمة البيضة من هواء امتلأت حوصلته فسدد منقاره ودق. ~~انتهى الهواء، وانهال برأسه المدبب على الجدار مختنقا، دقا مستميتا ~~يدق، آخر دق. # لا يعرف لماذا يدق، وإلى أين هو صائر، ولكنه مختنق يدق ويدق. لا يعرف ~~إلا أن حياته كلها تلخصت في أن يدق ويدق! # وفجأة ... # انهارت قطعة دقيقة، وأخرج المنقار منها، ورغما عنه تنفس، هواء ~~كثيرا يدخل الحوصلة، ويزيده نشاطا ينهال به على الفتحة يوسعها، فيخرج ~~رأسه، ويحطم ما تبقى من الجدار فيخرج جسده الكتكوتي المرتعش. # النور باهر يغلق عينيه. # الهواء كثير، وفسيح، ودنيا واسعة واسعة أوسع من كل قدرته على الرؤية. # وانتفض يسقط ما علق بجسده، وانطلق في مرح لا نهائي يجري. # لماذا أصر على الدق والدق حتى كسر الجدار؟ وهو لم يكن يعرف أنه جدار، ~~وأن خارجه كل ذلك النور والاتساع، أهي قوة مجهولة داخله كانت تعرف؟ أم ~~هو الضيق بالاختناق دفعه أن ينقر وينقر ليموت نقرا وضيقا؟ # لا الكتكوت يعرف. # ولا هو قد عرف. # فالإحساس الطاغي الوحيد لكليهما أنه الآن في عالم آخر، فسيح ~~جدا. # | الختان # بعد سلسلة من الميراث والتوريث، والقطع والبيع والموت والميلاد، آبت ~~الجميزة العجوز إلى ساق ضخمة سميكة قصيرة، تنتهي إلى فرعين اثنين ~~ورثهما الشقيقان محمد الهادي الكبير، والهادي محمد الصغير. ونحن كنا ~~أبناء محمد الهادي الكبير، وبمثل ما قسمت الجميزة بين الأخوين، قسم ~~البيت الكبير أيضا، ولكن الجميزة العجوز كانت أروع ما في طفولتنا ~~كلها. أروع من ليالي القمر، وصيد السمك، ونزهات الحقل، ومشاهد الصراع ~~الحافل بين زوجة عمنا وأمنا. كانت شيئا خرافيا، نسأل عنه الآباء ~~والجدات وعواجيز القرية فلا يدرون أهي نبتت «شيطاني» أم أن جد جد جدنا ~~الأكبر الهادي الأول هو الذي زرعها؟ كانت مثار دهشتنا، مختلفة تماما ~~عن أي كافورة أو نخلة، خشنة وقد حفر الزمن بأظافره وأنيابه في ساقها ~~الغليظة السميكة، فصنع ms21 معه بروزات وشقوقا، وحفائر، وجروحا غائرات، ~~وندوبا، ومسامير حدادي مدفونة صدئة. مشهد رائع، وكأنما الزمن الذي ~~عاشته، والتطورات التي حدثت لعائلتنا قد تجسدت مكتوبة ومحفورة على ساق ~~الجميزة. # المهم أننا ونحن في تلك السن بدأنا نلاحظ أن فرعنا نحن، الذي ورثه ~~أبي، دائما شاحب الأوراق، ذابل الأفرع، قليل الثمار حين وقت الثمر، ~~فقير الأغصان لا يصلح أبدا لإخفاء صغير منا حين نلعب الاستغماية مع ~~أقاربنا، وبالذات أولاد عمنا الهادي، ونتخذ من الجميزة بفرعيها ~~الهائلين الضخمين مكانا للاستخفاء. كنا نتبارى في الوصول إلى فرع عمنا ~~لتسترنا أوراقه العريضة شديدة الاخضرار، وأغصانه شديدة الكثافة، وثماره ~~التي كنا ننتهز فرصة الاختفاء، وننهال عليها التهاما. ثمار كثيرة، ~~منفوخة بالطزاجة كالكرة الحمراء الحلوة. # الشجرة هي الشجرة والساق هي الساق الأزلية، والفرعان لهما نفس الحجم ~~الهائل، ولكن شتان بين فرعنا الهزيل رغم ضخامته، وفرع عمنا الهائج ~~بالأوراق والأغصان والثمر. نساء العائلة يقلن: إن المسائل أقدار، وإن ~~عمنا الهادي هكذا «مبخت»، محاصيل أرضه دائما أوفر، ولبن جاموسه أكثر، ~~وعنزته دائما تلد اثنين، بينما أبونا محمد الهادي يعزو الأمر إلى أن ~~أباه «جدنا» كان يؤثر عليه عمنا، ولهذا وصى له بالفرع الأحسن. ورغم ~~حبنا لأبينا فبيننا وبين أنفسنا كنا لا نصدقه؛ فالفرعان متماثلان ~~تماما في الطول والحجم والارتفاع، بل إننا لنسمع أنه هو كان المفضل ~~لدى جدنا وليس أخاه. ويقول لنا القائلون إنهم لم يسمعوا في حياتهم عن ~~فرع في جميزة واحدة، أو أي شجرة، أخصب من فرع، فالشجرة الأم أبدا لا ~~تظلم أحدا من فروعها، فشريعة الكون كله العدل، والظلم شيء لا يعرفه ~~إلا الإنسان وحده، وبفعل الإنسان. # وكنت أنا أكثر الأولاد حيرة للأمر. حيرة كانت تدفعني لتأمل الجميزة ~~طويلا وكثيرا، بل كانت تدفعني لمراقبة أبي وعمي كلما صعد أحدهما إلى ~~فرعه يشذبه، أو «يختن» ثماره، أو يقتلع غصنا كسرته الريح أو يد طفل ~~شقي. أبي كان رجلا طيبا حقا، كان كما يقولون لا يؤذي نملة، يصلي ~~ويصوم ويعاملنا بسماحة، وعمري ما رأيته غاضبا، أو يقدح الشرر ms22 من ~~عينيه، ولكنه كان يميل إلى الوحدة، ولا يعرف جلسة الأصحاب، وما رأيته ~~أبدا يهزل، أو سمعته يقهقه، أو يسهر، أو حتى يدخن. لا أقول على عكسه، ~~وإنما عمي الهادي كان غير هاد بالمرة، كان صاخب الوجود دائما، معظم ~~الأحيان مكشرا، ولكنه إذا ضحك زلزل الأرض بضحكه، غير أنه نادرا ما ~~كان يفعل، فلم يكن يضحكه غير الشديد القوي الشدة. # كل ما في الأمر أن الموقف كان يختلف حين يصعد أي منهما إلى الجميزة؛ ~~فأبي لم يكن يحب الشجر؛ كان يظن أنه بظله الذي يلقيه على أرضنا ~~المزروعة قمحا أو قطنا، يضعف الزرع ويمرضه. وكان لا يصعد إلى فرعنا ~~إلا مضطرا، بل نادرا ما كان يلحظ وجود الجميزة أو يدرك أن موعد ~~التختين قد حل إلا بعد أن يرى أخاه قد بدأ «يختن». وتختين الجميز هو ~~تحضيره لعملية اللقاح ونضج الثمرة، حين يقارب حجم الثمرة حجم الليمونة ~~الخضراء الكبيرة، لا بد أن تشق بسكين حاد شقا يفتح داخلها ويعرضها ~~للهواء. وحين كبرت عرفت أن هذا الشق يسمح للهواء بالدخول، والهواء يحمل ~~حبوب اللقاح، وبهذا تتم عملية التلقيح وتبدأ الثمرة، كالأنثى التي ~~حملت، تنتفخ، ويبدأ لونها الأخضر كلون وجنات العذارى، يحمر ويندمل ~~الجرح، ويستحيل إلى شق أسود تجمد الدم الأخضر على شفتيه، والذي نتج عن ~~عملية التختين، في الوقت الذي تستحيل فيه الثمرة إلى فاكهة ناضجة، ~~يقطفها القاطف، أو تسقط من تلقاء ذاتها، وحين يأكلها ويأكل معها البذور ~~إنسان أو حيوان أو جمل؛ ينشر البذور في الآفاق ويتكاثر النوع، ومن جديد ~~تعاد قصة الجميزة الشجرة. # كان أبي يقوم بعملية الختان كلها في يوم واحد، وبصبر نافد، فإذا ~~ضايقته ورقة عريضة اقتلعها، وكان لا يهمه أن يكون السكين حاميا، أو ~~حتى الجرح نافذا، حتى كان يخيل إلي أن الثمرات العذراوات تتألم. ولأنه ~~يقوم بالعملية في يوم واحد، فلم يكن يهمه عمر الثمرة، أو إن كان قد آن ~~أوان تختينها، طفلة أو كبيرة هو يشق استدارتها، وفي أي مكان يتراءى ~~له، وينتهي من ms23 العملية، ويهبط من فوق فرعنا، وقد حفل وجهه بالعرق، ~~ويلهث وكأنما كان يؤدي فريضة واجبة حمدا لله أن انتهى منها. عمي ~~بالعكس، يجيء من البيت غاضبا لأمر أو لآخر، يشرب سيجارته حتى ينفث ~~غضبه، ثم يخلع جلبابه، ويقف تحت فرعه، وشيئا فشيئا تبدأ ابتسامة ما، ~~باهتة، لا تلبث أن تتعانق وتتسع، وعلى مهل يصعد الجذع المشترك، ثم يدلف ~~إلى فرعه كالعريس يدلف إلى غرفة عروسه. يمتحن الفرع بأوراقه وأغصانه، ~~وكأنما يطمئن على كل جزء منه، يلوي شفتيه ضيقا إذا لمح اصفرارا أو ~~ذبولا، ويتهلل وجهه فرحا حين يلمح جنين غصن قد «بزبز»، ومن جيب ~~«الصديري» يخرج مطواة قرن غزال سنها في اليوم السابق على حجر ~~الطاحونة، ومهما ضربت الشمس يافوخي وأنا أتفرج فلا أتزحزح، وأنا أرى ~~عمي الكشر صاحب المزاج المتغير دوما وقد حفل وجهه بسعادة نادرا ما ~~أراها يحفل بها وجهه، بإصبعين يمسك الثمرة الخضراء، برقة يمتحنها حتى ~~إذا أدرك أنها للختان حانت، في سرعة الساحر يمر بسيف مطواته على مكانها ~~ختانها المضبوط، ثم يرنو إلى الجرح الباهر العميق الذي أحدثه في ومضة، ~~ويتأمل أعماق الثمرة الشاحبة الاحمرار والاصفرار، وربما يتفكر لهنيهة ~~في لونها حين يتأنث ويحمر ويتغير، وفي شكلها وحلاوتها حين تنضج، ~~ويتركها لغيرها وكأنه يترك مائدة سعادة حافلة إلى مائدة حافلة ثانية ~~قادمة. # ويظل أياما وأياما «يختن»، وكلما اعتلى الشجرة ثم هبط عنها، وارتكن ~~بجذعه إلى جذعها، كنت من بعيد أرقب شفتيه، وهي بشيء كالأغنية تترنم، ~~ومزهوا يمشي إلى الترعة، حيث يغسل يديه ومطواته، ويصعد مرة أخرى إلى ~~المصلى المفروش بقش الأرز، لا ليصلي، وإنما لينام وملء وجهه تلك ~~الابتسامة الغامضة التي لا أدري لها سببا. وأتساءل وأنا من بعيد ~~أرقبه: أهذا هو عمنا «الهادي» الذي يرعبنا دائما حضوره وبتكشيرته ~~يجعلنا، دون أن يأمر أو يكشر، عن لعبنا أو صراخنا نتوقف. # ولكن الغريب أن فرع عمنا مات من تلقاء نفسه، بينما فرعنا إلى الآن لا ~~يزال حيا. صحيح لم يعد يثمر ما يؤكل، فلم يعد أبي يقوى ms24 على طلوع ~~الجميزة، وأولاده أصبحوا موظفين في البندر، ولكني ما زلت أذكر كيف مات ~~فرع العم. شيئا فشيئا بدأنا وقد كبرنا نلحظ أن كثيرا من أغصانه ~~تذبل والأوراق العريضة في الأفرع الحية تضمر، ثم يموت الغصن، وقد ماتت ~~أوراقه، ثم إذا بالفرع كله يئوب إلى جفاف رغم أن ابنه طالب الزراعة فعل ~~المستحيل، ورجع إلى مراجع، وناقش الأساتذة، ولكن الفرع يظل سادرا في ~~ضموره وجفافه رغم استماتة ابن عمي في علاجه، ذلك أنه كان يعتبره شيئا ~~من رائحة أبيه، عمنا الهادي، ذلك الذي كان قد مات. مات في ذلك العام ~~الذي بلغ فيه فرعه منتهى ازدهاره، وثمره، حتى لقد شبعنا جميعا من ~~ثمره، وباع عمنا منه عشرة أقفاص، حلاوة الثمرة منها تسكر. # في نهاية ذلك العام بالضبط مات عمي، وحين جاء العام التالي وجاء ~~الربيع لم يحدث ما كان دائما يحدث، فلا الأغصان ازدهرت كما تعودت أن ~~تفعل، ولا ثقل فرع عمي المرحوم بالثمر، وإنما الذبول والجفاف وتوقف ~~الحياة، وفي العام الثالث مات الفرع مع أن الجميز عمره طويل جدا، ~~وبالكاد لا يموت شجره. والحق أن منظره وهو جاف هكذا ميتا قد تحنطت ~~أوراقه التي كانت ذات يوم ملعلعة الخضرة، كان يصيبنا باللوعة، ويصيب ~~أبانا بالتعصب، وهو - الذي لم يبك عمي كثيرا حين مات - كان حين يرى ~~الفرع يتمتم لا حول ولا قوة إلا بالله، وتحمر عيناه، وتهدد دموعه ~~بالانبثاق. # وكانت مناحة من أولاده ومنا يوم قرروا بيع الفرع خشبا، ووقفنا ~~جميعا نرى المنشار الضخم الغليظ وهو يقطع الفرع بكل حمله من أغصان ~~ميتة. # وبقي فرعنا لم يمت، ضامر الأوراق، ضامر الثمر، حتى بعناه لأولاد عمنا ~~الذين احترفوا مهنة الزراعة. # وفوجئنا ذات صيف أن فرعنا الواهن شبه الميت ذاك قد دبت الحياة في ~~أوراقه وفروعه وثماره، وزالت دهشتنا حين وجدنا ابن عمنا محمد الذي سمي ~~على اسم أبي، ولكنه ورث خصال أبيه، وقد كادت أوراق الجميزة تحجبه عنا، ~~ولكن عيني أبدا لم يفتهما أن تلاحظا أنه كان تماما مثل أبيه ms25 قد خلع ~~جلبابه «وشمر» سرواله الطويل، وحفل وجهه بسعادة، وهو برقة يمسك الثمرة ~~الخضراء، ويعرف من أين بالضبط يختنها. وفي لمحة البرق وسرعة الساحر يمر ~~بسيف مطواته قرن الغزال على مكان ختانها المضبوط، ثم يرنو إلى الجرح ~~الباهر العميق الذي أحدثه، ويتأمل أعضاء تأنيثها الداخلية الحافلة ~~بعذرية وبشحوب كشحوب البنات. # أبدا لم يفتني منظره، وفرعنا يستجيب له ويخضر ويمتد، ويمتلئ بعد هذا ~~بالثمر الأحمر الناضج. # شجرة الجميز. # | الرجل والنملة # بعيون فاغرة، رحنا نراقب الباب وهو بالعصبية الشديدة يفتح، والكتلة ~~البشرية تدفع من خلاله لا نتبينها إلا حين فقط تستقر في ركن الزنزانة ~~الفارغ، حتى السباب المعتاد الذي كان لا بد يصاحب الفتح والإغلاق ~~والتكويم، من فرط الدهشة لم نتبينه، إذ قد حل الصمت لا تجرؤ على قطعه ~~مخافة أن يجد جديد، وأن يكون وراء البداية ما وراءها. # يتعانق الظلام في العادة بعد التمام، الخامسة تماما موعده، النزلاء ~~صامتون لمقدمه، إذ المفروض أن يحل الصمت ليتمكن حراس الليل من التغيير ~~مع حراس النهار، ويتمكن شاويش النهار من تسليم شاويش الليل، صمت يهيئ ~~للصراخ أن يتعالى إذا حدث خطأ، وأفلت نزيل من الإحصاء وارتبك العدد. ~~الباشاويش هو المخطئ، ولكن الشتائم تنهمر فوق رأس النزلاء وثمة جري، ~~وصوت الكوالين الحديد يزأر وأبواب أخرى تنهد، حتى لتكاد تهد الحائط ~~الحجري، وأخيرا، يجري الزئير النهائي لمفصلات باب العنبر الكبير، ~~وتخفت الأصوات مع الأقدام مبتعدة، ويحل الصمت، ويستمر للتأكد أنهم ~~جميعا ذهبوا، وأن النهار المتعب انتهى، ثم وكأنما فجأة، تنفجر من ~~الصدور الزعقات والقهقهات والشتائم مكونة مولد المغربية ~~المعتاد. # السكوت في العنبر طوال النهار أحد الأوامر الصارمة، الألسنة تتيبس في ~~الأفواه لقلة ما تتحرك، الحناجر مخشوشنة من فرط السكوت، فقط حين تذهب ~~قوة النهار، ويترك العنبر في حراسة ثلاثة حراس ليل عواجيز في الغالب، ~~وقريبي الإحالة إلى المعاش، فقط حين يطمئن الجميع إلى ذهاب الجميع يفرج ~~كل نزيل عن لسانه، ويبعث الحياة في شفتيه وفمه وصدره ويزعق ويشتم بكل ~~ما يملك من قدرة وقوة، يصرخ ويشتم ms26 وينتقم من السكوت وأوامر الشلل، ~~ويزاول الغريزة التي طال حبسها، غريزة أن يشتم، فمن فرط ما يتلقى ~~النزيل من شتائم طوال النهار، وهو عنها ساكت، وبالأمر متسامح، تتكون له ~~فعلا غريزة الشتم تنهال بها كل زنزانة على زنزانة، ويتبارى في ~~مزاولتها الجميع. # في أحيان قليلة جدا يحدث أن فجأة يدور المفتاح في قفل الباب ~~الكبير، ويفتح العنبر، وهنا وفي لمحة خاطفة واحدة يتسمر كل شيء في ~~مكانه، ويحل أعمق وأغرب صمت، صمت الترقب الرهيب لما عساه يكون السبب ~~في فتح الباب، وتتعدد الأسباب وتكثر، وذات مرة تجد السبب باب زنزانتك ~~وهو لروعك يفتح، وكتلة بشرية ما تدلق ليعود الباب فيغلق، قبل أن تسأل ~~أنت القادم أو يفتح هو من تلقاء نفسه فمه للكلام تنهمر مئات الأسئلة من ~~قريب، ومن بعيد، ومن أقصى الدور الثالث نفسه تتساءل عن حكاية هذا الذي ~~دخل، فلا تدخل بعد التمام إلا حكاية مهولة، لا بد في الحال أن تعرف، ~~وهكذا إن لم تبادر وتجيب، حتى قبل أن تعرف أنت ما هي الإجابة، تنهمر ~~عليك أنت الشتائم هذه المرة، وتؤرق عظام أمك وأبيك أحياء كانوا أم ~~أمواتا. حياة رهيبة يتولى فيها أناس حبس أناس، وخنق أناس، وضرب أناس، ~~وحشدهم وتكديسهم هكذا في علب محبوكة من الزنازين والحجرات. ~~- ما بك يا عم ... خير ... # سمعت أنا وحمزة زميلي في الزنزانة، الذي تصادف أن اسمه يشبه اسم قائد ~~السجن الحربي، حيث تتم كل ألوان التعذيب، تشابها كان يجعله وبالتالي ~~يجعلني هدفا لتعليقات ووخزات تعذيب لا حد لها. ~~- ما لك يا عم مالك؟ # قالها حمزة هذه المرة بأمل أن يجيب القادم، ومكوما في الركن لا ~~يتحرك كان لا يزال. الأسئلة تترى تخترق باب الزنزانة المصنوع من قضبان ~~متوازية من حديد، لا إجابة، والنتيجة سيول من الشتائم تلعنني وتلعن ~~حمزة، ما أغرب قدرة الإنسان على تعذيب نفسه وتعذيب الآخرين إذا وقع ~~عليه عذاب لا يملك منعه، معذبون يعذبون معذبين. ما أبأسه من محبس داخل ~~محبس، وعذاب في قلب عذاب. # لا رد ms27 ولا تحرك ولا يبدو عليه أنه سيرد، أيكون ما نسمعه منه ليس ~~تنفسا عميقا إنما هو نشيج وبكاء، بكاء الصامتين بلا حول ولا قوة. ~~وجدنا أنفسنا نقترب من الرجل نحيط به مشفقين، أيدينا تطبطب عليه، ~~وتستخرج كنزنا الثمين، الشمعة الوحيدة التي نملكها وندخرها للحظات ~~الحاجة القصوى، أشعلناها بضوئها الذي بدا باهرا، مددت يدي ورفعتها من ~~الكتف إلى الرأس أعدله وأرى الوجه. # كدنا نموت أنا وحمزة رعبا، فكلانا طبيب، ونعرف ماذا تعنيه تلك ~~الصفرة المتكاثرة المتشاحبة التي لونت الوجه، الحدقات الواسعة ~~المفتوحة، وهي تمعن النظر في الفراغ وفي اللاشيء ما لم ننبهه، مات. ~~انهلنا عليه بالأسئلة نستفسر إن كان قد ضرب وأي مكان من جسده يؤلمه ~~أكثر. قسنا النبض وعددنا مرات التنفس، الصدمة فعلا واضحة، ولكن لا أثر ~~لأي إصابة في الجسد، لا جرح، لا خدش، لا بطن منفوخ، لا شيء. تنفيذا ~~للمعاهدة المعقودة مع الحارس الليلي ساومناه على كوب القهوة أصر على ~~عشر سجائر ونحن لا نملك إلا علبة، وافقناه على مضض كثير. أخيرا أصبح ~~في يد الرجل كوب قهوة معجز المذاق في تلك اللحظة، وسيجارة «وينجز» ~~بأكملها، وعلى ضوء الشمعة دماء قليلة بدأت تسري في الوجه الخراب، ~~وهمهمة تمتمة، تنهدات، الكل يختلط بالكل والكلمات بالأصوات ~~والإشارات. # ورفض أن يفصح. # نلح عليه بكل ما نملك من طاقة إلحاح، والرفض البادي على هيئة صمت هو ~~وحده الجواب. تشاورنا أنا وحمزة، نتركه؟ نخفف الوطء عنه؟ نترك كل شيء ~~للصباح؟ ولكن حب الاستطلاع فينا لا يمكننا نحن أنفسنا مقاومته، ~~والإلحاح، إلحاحنا وإلحاح بقية الحجرات والزنازين كلما زاد احتمى الرجل ~~بصمته، وتداخلت رغبته في الإفضاء كما يتداخل حيوان القواقع إلى عمق ~~القوقع كلما شعر بلمسة الإصبع. # تركناه، حتى كاد يغلبنا النوم، وكانت الألسنة المطالبة في الخارج قد ~~سكنت. ~~- هل سأموت؟ # رفع الرأس فجأة بالسؤال، وكأنها إجابة متأخرة جدا عن قولنا له: نحن ~~أطباء، لا تخف، فضفض حتى تستريح، ولا تخف، فنحن نريد مصلحتك، نحن ~~أطباء. ~~- هل سأموت؟ # ودون أن نتفق، لم نجب، رحنا فقط ms28 ننظر إليه ولا نجيب. # لم نكن نريد إزعاجه، حتى لا يتمسك بموقفه. # فجأة وجدت حمزة ينفجر فيه غاضبا مؤنبا إياه على هذا الموقف الطفولي ~~الذي لا معنى له بالمرة. معتقل سياسي، ألست كذلك؟ كان واضحا من ثيابه ~~المدنية أنه ليس مسجونا. إذن لماذا هذا التشبث بالصمت؟ أخائف هو على ~~نفسه، وماذا يمكن أن يحدث له أسوأ من هذا الذي حدث والذي جاءوا به إلى ~~هنا بسببه وعلى تلك الحال القريبة من صدمة الموت؟! # فعلا ... يعني ح يكون جرى لك إيه؟ # للحق تنفس وتنهد، وقال ببطء ونظراته تعود تنغمس في الفراغ: أوحش شيء على ظهر الأرض. وكدنا نبتسم في رثاء، ماذا يمكن أن يكون؟ # وعاد يقول: أوحش شيء على ظهر الأرض، حدث لي ما لم يحدث لبشر. # ومرة أخرى استخففنا بكلامه وكدنا نقهقه، سبعة عشر شهرا ونحن في هذه ~~الزنزانة معا. كان سجن مصر محطة يتوقف فيها القادمون من السجن الحربي ~~في طريقهم لطرة وأبو زعبل والواحات، والقادمون من تلك الليمانات في ~~طريقهم للمستشفى أو للإفراج أو لعذاب آخر في السجن الحربي. وارد وصادر ~~وحركة دائبة جعلتنا نصادف كل ما يمكن أن يخطر على البال من تهم ومتهمين ~~ومعتقلين وأسباب اعتقال، وتعذيب، ومعذبين. النفخ والضرب وكي نصف البطن ~~الأسفل وكل شيء، ولم تبق وسيلة لم نعرفها أو بات لها ذكر. وكل متهم - ~~مثل هذا القادم - يعتقد أنه الوحيد الذي حدث له هذا أو مارسوا معه ~~ذاك. # ماذا يمكن أن يكون قد وقع له؟ ~~- أوحش شيء على ظهر الأرض. ~~- ماذا فعلوا؟ ~~- نمت مع نملة. ~~- وانفجرنا ضاحكين. # طبعا لا يبدو مختل العقل، وإن كان واضحا أنه في طريقه لاختلال ~~عقله، وبوجه جاد صارم يحمل كل ما في هذا العالم من ندم يقولها: نام ~~مع نملة. # وانفجرنا ضاحكين. # وإلى الصباح التالي ظللنا نضحك ونتذكر ملامحه، وهو ينطقها فتصاب ~~معداتنا بالمغص من فرط ما ننثني ونضحك. وعلى رأي كليلة ودمنة قلنا له ~~في الصباح التالي - وكان تقريبا لا يزال على نفس جلسته وقرفصته ~~وانكماشه على ms29 نفسه - وكيف كان ذلك يا أستاذ؟ # ولم يكن تبدو عليه سيماء المعتقلين السياسيين. معظمهم كانوا مثقفين، ~~حليقي اللحية والشارب، خريجي أو طلبة جامعات. هذا كان له شارب، أصفر ~~وغزير ومتهدل على شفته العليا يكاد يلامس السفلى. وجهه خشن لا بد من ~~كثرة مزاولته عمله خارج المكاتب والمنازل، حيث الريح والتراب ولفح ~~الشمس. في الحقيقة لم نفاجأ حين قال لنا إنه عمدة. حين تستخرجه من ~~الحالة التي كان عليها، والسكينة التي آلت إليها ملامحه وقوامه، ~~وتفرده، وتوقفه وتعيده سيرته الأولى، ويتبدى لك على حقيقته تجد أنه ~~حقا مصدقا لا بد أنه كان واحدا من أولئك العمد من طراز: اخرس يا ~~ولد. شهم، كريم، يذبح لضيف خروفا، ويسافر إلى آخر الدنيا تلبية لنداء ~~مستغيث. عمدة ومعتقل سياسي. جديدة جدا هذه المرة، والنكتة أن يكون ~~عمدة متهما بالعمل السياسي. # في الليلة التالية ساءت حاله وارتفعت درجة حرارته، وأصبح نبضه 140، ~~وبدا وارم الوجه مختنق السحنة، وكأنما سينفجر بعد قليل، لم يكن هناك بد ~~من أن يفضفض ذلك العمدة المعتقل عن نفسه، وإلا حدث له فعلا ذلك الذي ~~وصفه بأنه أوحش ما في الدنيا ومات. # وتكلم. # متقطع الأنفاس. # أخرج من صديريه البلدي الداخلي علبة سجائر «كرافن» عشرين سيجارة ~~كاملة، وعزم علينا، ولم نصدق أنفسنا، ونحن ننفث دخان الكرافن، وبكل ما ~~نملك وما أصبح لنا من طول بال نصبر على كلماته التي تخرج بعد عناء، ~~ولهاثه بين الكلمات. # تكلم. # بدأها من منتصفها، أو من حيث بدأ يهتم هو بها، لا نعرف. قال: هذا ~~الوغد، يونس بحري، قتلني بالأمس، فعلا قتلني، سأموت، ولكن لن أموت قبل ~~أن أغرس أسناني في زوره، وأقضم حنجرته. # جالسين وفي أمان الله، وبعد يوم شاق من تكسير البازلت، وحمله في ~~المقاطف والسير به نصف كيلو، والصخر فوق أكتافنا والرمل في عيوننا ~~وأفواهنا وأقدامنا العارية ينغرس فيها الشوك والزلط والمسامير، وجلسنا ~~آخر النهار، قبل طابور العودة نستريح، وكانوا ثلاثة ضباط أحدهم هذا ~~الخسيس يونس بحري. ناداني، منذ أن رآني ورأيته وأنا أشفق عليه ms30 وعلى ~~نفسي أن يناديني. ناداني. تلكأت، ولكني قلت أقصر الشر وألبي نداءه. ~~ذهبت. وقفت. تركني واقفا واشتبك في حديث فاتر مع زميله. قلت: أفندم. ~~رمقني بنظرة، ثم عاد إلى حديثه الفاتر. اللهم طولك يا روح قلت، وعزمت ~~أن أؤجل أي اشتباك، فجسمي مهدود، ولن أحتمل أي ضرب. والبداية واضح أنها ~~ستنتهي بضرب. أقصر الشر يا ولد، واصبر. # هناك، بعد ربع ساعة أو أكثر. التفت ناحيتي، وقال: روح هات نملة من ~~هناك. وأشار إلى كومة تراب قريبة. # صحا مخي من غفوة الوقوف وخيل إلي أني لم أسمع جيدا، سألته: أجيب ~~ماذا؟ هب في صائحا: نملة، ألا تعرف النمل يا بن ال...؟ # سكت. # هب مرة أخرى: تعرف النملة والا لأ؟ # قلت بتسليم: أعرفها. # قال وهو يلتفت إلى زميله: روح هات نملة. # طول الله روحي وذهبت إلى حيث أشار، وتفرست في كومة التراب مليا حتى ~~وقعت عيني على نملة كبيرة نسميها في بلادنا حرامي الحلة. انقضضت عليها ~~بقبضتي وعدت بها ووقفت أمامه، وقلت: أهه النملة يا أفندم. ~~- وريني. # فتحت يدي رآها، قال: ولازم تجيبها بالشكل ده يا بن ال... عضضت على ~~شفتي السفلى وسكت. # بنظرة من أسفل إلى أعلى رمقني وقال: دي إيه؟ # وقلت ببراءة ما بعدها براءة: نملة يا بيه. # قال: ... # خيل إلي أني حقيقة لم أسمع، فقد كان الطلب الذي طلبه غريبا جدا ~~وغير معقول بالمرة، سألته: أفندم؟ # قال: اخلع هدومك. # أشار لحامل الكرباج وزميله حامل الشومة، رفعت يدي مسلما قائلا: حاضر ~~يا بيه، أخلع هدومي. # ولكني ترددت، نظرت حولي بركن عين، طابورنا المنكود الحظ قابع كصفين ~~من طابور ذباب أنهكه الكدح والزق والزجر. في دائرة واسعة رهيبة يلتف ~~حوله سور من عساكر يحملون الأسلحة الأوتوماتيكية بكافة ألوانها ~~وأنواعها، قريبا منه تناثرت فرقة الضرب تحمل الهراوات والكرابيج ~~والنبابيت والأحزمة والقبضات الحديدية. أنا واقف وحدي ويونس بحري قابع ~~على كرسيه أمامي، ولا مفر. # استنهضني بشخطة، ولما كنت كما قلت قد قررت أن أؤجل الاشتباك فقد مددت ~~يدي الأخرى، وبدأت أخلع جلبابي، وخلعت ms31 الصديري، ولا أطيل، فقد وجدت ~~نفسي بعد برهة خالعا كل ملابسي واقفا عاريا كما ولدتني أمي ~~أمامه. ~~- خلعت هدومك؟ ~~- زي مانت شايف يا بيه؟ ~~- طيب (...) النملة اللي في أيدك. خيل إلي أني حقيقة لم أسمع، وكيف ~~أسمع، وما طلبه لا يمكن أن يمر إلا من عقل مجنون، حتى المجنون نفسه ~~يخجل أن يطلبه. ~~- نعم! # الكرباج مرفوع فوق رأسي والنبوت يتهيأ للانقضاض، ويونس بحري تجمدت ~~نظراته النارية على هيئة الأمر الذي أمره، والدنيا، وسور العساكر، ~~والطابور والبازلت والجبل والصخر والطريق، وكل شيء سكت وصمت وكأنه ~~يستحثني أن ألبي. # انتفض الفلاح الخبيث الذي في يقلب الموقف الجاد الرهيب، وقلت فجأة: ~~- بس دي ذكر يا بيه. # لم يضحك، ولا أحد من القريبين أو البعيدين ضحك، بكل صرامة قال: روح ~~هات واحدة نتاية. # وكالذي نومه المنوم المغناطيسي استدرت وقصدت كومة التراب، وعسست ~~بيدي. طبعا كان أول ما خطر لي أن أبحث عن نملة أنثى، ولكن كدت أضحك من ~~نفسي؛ لأني انسقت وراء المشهد فعلا وأخذته جدا، وسألت نفسي: كيف ~~أعثر على الأنثى؟ ما الفرق بين النملة الذكر والنملة الأنثى؟ بل هل ~~توجد نملة أنثى ونملة ذكر؟ المقصود عدت إليه ووقفت أمامه، وفتحت قبضتي ~~على نفس النملة، وقلت: ها هي نملة أنثى. # قال: يالله! ~~- يالله ماذا؟ ~~- تاني، اسمع. # وفوجئنا بجعجعة أوامر تفرقع، واقترب سور العساكر، حتى أطبق على طابور ~~المعتقلين، واستقر أفراد فرقة الضرب، فانتصبت واقفة مشرعة أسلحتها ~~الفاتكة الرهيبة، وهوى الكرباج من خلفي وسمعت صفيره، وهو يشرخ الهواء ~~ليستقر كالسكين القاطع غائرا في جلدي، ولكن يونس بحري تلافاه في آخر ~~لحظة، وأمسك باليد المهوية، وقال: بصوت مخيف صوبه إلى كل أذن تسمع: ~~اسمع، أنا لا أريد ضربك؛ فأنا أعرف أنك من النوع الحميري الذي لن يؤثر ~~فيه أي ضرب أو تعذيب، ولكني سأضرب تلامذة ابتدائي هؤلاء، وأشار. # والحراس يعرفون إلى من يشير. فقد كان بيننا خمسة صبيان صغار لا ~~يتجاوز أيهم السادسة عشرة، معنا في الطابور، إذا ضربوا يصرخون، بل ~~يصوصوون كالكتاكيت المذعورة، وتغور ms32 صرخاتهم في لحمنا الحي، بحيث أصبح ~~أهون لأينا أن يقطع بالسواطير ضربا، ولا يسمع صرخة الواحد منهم. # جزعت والحق يقال، وسقط قلبي في قدمي مخافة أن ينفذ الوعد. يا عم يونس ~~ما كنا قاعدين في أمان الله، ماذا دار في عقلك النجس ليقلب سلامنا هذا ~~إلى لحظة الرعب هذه، حتى ليبدأ الجو يحفل برائحة الدم واللحم ~~المفروم. # تطويل الروح لم يعد يجدي، ماذا تريد يا أيها القومندان؟ ~~- يالله! # ولأنني ضامن أني سأكون على حق في تساؤلي رفعت صوتي مستغيثا، ~~مستعيذا بالله من هذا الهول الذي لا أعرفه: إزاي بس يا بيه؟ أنا في ~~عرضك، إزاي؟ ~~- زي الناس. هكذا قالها. ~~- زي الناس إزاي؟ ~~- زي الناس يا بن ال... ويا بن ال... ويا بن ال... ماذا تفعل ~~الناس؟ ~~- ولكنها تفعلها مع الناس والإناث، وهذه نملة. ~~- ولو، اعتبرها ناس، اعتبرنا إناث. ~~- حاضر. # قافزا الفلاح الخبيث إلى نجدتي مرة أخرى قلت: حاضر يا بيه. # وعملت أني فعلا أزاول ما أمرني به، وأنا، زيادة في الاندماج، قد ~~رسمت على وجهي ابتسامة سعادة، استيقظت منها على صوت نبوت يشرخ الهواء، ~~ويشرخ ظهرا من ظهور «التلامذة» إلى جواري. التفت على الصرخة، أهة ~~صاعدة من عظام الأقدام لكائن حي إنسان صغير يتألم. انفجر قلبي وتدفق ~~منه الدم الغائر غصة ولوعة. ~~- لا تمثل يا بن الكلب، اندمج، أتضحك علي، اندمج، أنت خالع الآن ~~ملابسك وهذه أنثى، نملة مش نملة لا يهم. هذه أنثى، اندمج وسأراقب وجهك ~~وملامحك، وأقسم برحمة أمي إن لم أرك تفعل ما قلته سأشرح تلاميذك وأنت ~~وكلهم معهم، وأنت تعرف، وكلكم تعرفونني. # وكان واضحا من وجهه المسمر المحفر بالجديري القديم أنه لا يهزل، ~~حاولت أن أجد فرجة احتمال أو عشر احتمال للتهاون فلم أجد. هذا إنسان ~~مجنون، وقد تقمصته حساسية المجانين للحقيقة، ولن يصدق غيرها، ولن ~~أستطيع أبدا خداعه، وعلي أن أفعلها. حاولت، ولكني في منتصف المسافة ~~استدركت وطلبت منه العذر. وجمعت نفسي وبأقصى ما أستطيع من قدرة على أمر ~~النفس أمرتها، أحسست أن شهبا كشهب ms33 الجنون تتراءى لعيني، ومن فرط ~~الانضغاط بدأ العقل في مخي يطقطق. مجنون أمر، وأمر مجنون، ولا بد أن ~~أستجيب، ومجنونا لا بد، لكي أستجيب، أن أصبح. أنا فعلا رجل ضخم، وهذه ~~نملة، وبكل كياني علي أن أصغر نفسي، وأستحيل من إنسان إلى حشرة، إلى ~~نملة، إلى ذكر نمل، تستثيرني أنثاي النملة. # وكلما فشلت، كلما توقفت، كلما غام وعيي بالمشهد وباستحالة التحول، ~~وأحسست التهديد يحوم كغربان البين حول التلامذة الصغار وحول الطابور، ~~أتصاغر وأتصاغر، ويكسوني العرق، وتطقطق عظامي وتتدشدش، ولا بد من أن ~~تصبح كفي في حجم ساق النملة، وساق النملة لا يكاد يرى، ولا بد أن أهوي ~~بوعي وبإرادتي على كفي وكتفي ولحمي وعظمي، ورأسي وبطني، وساقي وعنقي، ~~وأدق وأصغر كي أستحيل ذكر نملة، أفرز هرموناته، وأجعلها بالقوة القاهرة ~~تستجيب لهرمونات أنثاي القابعة، مستسلمة في يدي، هكذا رأيتها بألف عين ~~دقيقة لي تكونت، قد استجابت، وكفت عن الحركة، ووقفت واضطجعت. # لو كانوا عذبوني وقطعت الجبل كله، لو ربطوني لذيل حصان جرى بي القطر ~~كله من أقصاه إلى أقصاه، لو ربطوني في عروسة جلد وجلدوني ألف جلدة، لو ~~فعلوا ما هو أكثر وأكثر لما أحسست بربع معشار ما مر علي. ولم أعد ~~أستطيع الكف، وجسدي يمضي يتصاغر ليصبح نملة، ويستمر نملة، ويعيش ويحب ~~ويزاول الحب مع نملة. وعند لحظة النهاية فقدت الوعي. # قالوا لي إنهم حملوني حملا إلى الليمان، وإنهم خافوا من صراخي أثناء ~~الليل، واستجار الزملاء من عضي، وتمزيقي لملابسهم وملابسي، وحملوني إلى ~~مستشفى سجن مصر، ومن هناك إلى هنا. وهمس لي التومرجي الأسمر العجوز، ~~وأنا في طريقي إليكم أنهم يفكرون في الإفراج الصحي عنه. ولو، ما ~~الفائدة؟ وقد نمت مع النملة واعترفت، وكان الذي كان. # ولأنه لا أبشع من السجن والمنتظرين المحاكمة من كلمة اعتراف، فقد ~~وقفنا على أطراف تحفزنا أنا وحمزة، ونحن نسأله: بماذا اعترف؟ ولماذا ~~اعترف؟ # قال وهو يشيح بيده: وأنا وسط العذاب، في منتصف الساعة بين كوني نملة ~~وكوني ذكر نملة انكسرت إرادتي ولم أحتمل، وقلت ms34 كل ما عندي بأمل أن ~~يتوقف أمر يونس بحري، وأن يكف العذاب، ورغم الاعتراف لم يوقف المجرم ~~الأمر، وحتى لو كان أوقفه فأنا نفسي كنت غير قادر لحظتها أن أوقف عذاب ~~التحول، إرادة أن أكون بشرا أفلتت وصارت لي إرادة نملة لا تقوى أبدا ~~على الكتمان. ~~••• # ورغم إعادته إلى المستشفى فقد سمعنا أن حرارته ظلت 41 طوال الليل، ~~ورغم جسده المتين الضخم، في الصباح التالي مات. # | أبو الرجال # 1 # نصف نائم، نصف مستيقظ، تأمل جلده. أدرك، كأنما فجأة، أنه لم ير عن ~~عمد جلده مذ كان في أوائل مراهقته، ومذ كان الشعر، شعره نصف أصفر، نصف ~~أسود، متناثرا، خفيفا، يكسو نعومة جلده. يذكر أنه فرح، وكان باستمرار ~~يفرح كلما أمعن النظر إلى الجلد ووجد الشعر النابت يزدحم ويتكاثر ~~ويغمق، حتى أصبح كله أسود. # فتح عينيه تماما، فقد أدرك وكأنما كان ينظر إلى جلد إنسان ~~آخر. # أدرك أنه بالقطع ليس جلده، أو إن كان؛ فإن شيئا حدث له. # كان الشعر خفيفا وكأن شعر ذراعيه وصدره قد بدأ يصاب بالصلع. # وكشف عن ساقيه وبطنه. خفيف جدا كان الشعر، لكأنه عاد إلى سن ~~الرابعة عشرة. # سكت تماما عن التفكير والتأمل، وإن كانت ذاكرته لم تسكت. بوابل من ~~نخزات صغيرة بدأت تنهال عليه، وينحيها، وتنهال. قام إلى المرآة، حدق ~~مليا في وجهه. اللحية كما هي، أو تبدو كما هي، فتلك النخزات تبدو ~~يقينية. # أغمض عينيه كما يرغم نصف النائم نفسه إذا أحس أنه في كابوس ليختفي ~~الكابوس أو يرحل. رغما عنه فتح العينين، وفي مزيج من الحيرة والضباب، ~~ضباب أملس ينزلق ويتوالى والأشياء تمتزج وتتباعد وتقترب؛ لتصبح واضحة ~~تماما. صورة الرجل يراها واضحة تماما، إذ تلك هي صورته التي يعرف ~~نفسه عليها تنزلق، يمر فوقها الضباب كأنه السحاب يخفي وجه القمر، ولا ~~يبقى سوى ضوء لمجرى لا يستطيع به أن يميز شيئا. نعومة، أجل، نعومة ~~أنثوية مرعبة كأنها نعومة حية رقطاء تبتسم قبل أن تطبق فاها في عضة سم ~~كعضة الموت. شيء داخله يرتخي ms35 وينفتح، يأمره أن ينقبض، وباستخفاف يعصي ~~وينفتح، ومعها يحس أنه يهوي في بئر أو من فوق جبل. يشهق طاردا كل شيء ~~كالغريق يدفع الماء برأسه ليلتقط النفس ورغما عنه يعود يهوي، ولكنه لا ~~يختنق، ولا يحس أنه سيموت، ولا أن شيئا محددا واضحا سيحدث. كل ما ~~يحدث أملس. كل ما يتشبث به ينزلق، الضباب ونور الفجر الشاحب والإحساس ~~بالانزلاق واللايقين. # ماذا يحدث لي؟ بالضبط ماذا حدث لي؟ وكيف حدث؟ ومتى حدث؟ ولماذا يحدث ~~ما يحدث؟ في الخمسين أنا، أنا رجل في الخمسين، بالضبط واحد وخمسون ~~وثلاثة شهور. عندي أولاد؟ عنده أولاد أجل. وزوجة؟ يسائل نفسه، ويتحدث ~~عنها وكأنها إنسان آخر، فمن فرط ما أصبح فيه من شك قرر أن ينظر إلى ~~نفسه، وكأنه إنسان آخر. رجل آخر، نعم هو رجل، أو ... أو ... أو ماذا؟ إنه ~~ليس رجلا فقط، إنه أبو رجال أيضا. إنك يا سلطان زعيم، زعيم عصابة، ~~ولكنها عصابة من العصاة المتمردين قتالي القتلة وسفاكي دماء وأولاد ~~ليل، تنظر إلى الواحد فيهم فتحس أنه أمام عينيك، يتلاشى الرجل فيه ~~والإنسان، ويتحول إلى أرنب يبول على نفسه. بنفسك رأيت البلل مرة يغرق ~~ثياب أبو شنب. # اكتشف، وكأنما فجأة أيضا، أنه لا يزال بملابسه الداخلية، تجول ~~بعينيه في أنحاء جسده، اشمأز لنتوءات تكونت لا يعرف متى. استنكر جسده ~~شبه العاري، أحس به غريبا عنه، لا يمت إليه، تحسس شاربه. أدرك أنه ~~حلقه، وأنه يتحسسه بحكم العادة، لا وجود للشنب، ازدادت غربة جسده عنه، ~~وغربته عن جسده. # قام، بثورة قام، أو كأنما يقوم ليصنع ثورة. لا، لن يرتدي البدلة، ~~سيرتدي جلبابه البلدي الصوفي الخشن ذلك الذي يحلو له ارتداؤه حين يركب ~~الكارتة المفتوحة، ويسوقها بنفسه، ويعبر بها شوارع البندر، حيث يتأكد ~~أن العيون الناعسة من خلف النوافذ، وأحيانا من الشرفات، تراقبه، وتشهق ~~لرجولته، وجلبابه، وكارتته، وتاريخه المرعب المجيد، وغناه، ~~وسمعته. # أرجل رجل في المحافظة، بل في مصر. في الدنيا كلها يا ولد، رجل وأب ~~لرجال، ولد ولا كل الأولاد، وسعيدة محسودة تلك ms36 التي يضمها بذراعيه زوجة ~~كانت أو عشيقة. # جلبابه ارتداه، امتدت يده وهو لا يزال ينظر إلى مرآة الحمام يتناول ~~زجاجة الكولونيا. عدل، ابتسم في شبه ثقة، ركن شفته العليا فعلا ارتجف، ~~وكأنما الابتسامة تخونه. ~~- يا ولد. # زعق. # تلك الزعقة التي كانت دائما ترج البيت، وترج القلوب، حتى قلوب ~~أولاده الكبار. زعقة لا يوجهها لأحد بالذات، وإنما يوجهها للولد، أي ~~ولد، للرجل، أي رجل، للمطلق من الرجال، ما عداه. # لم يظهر للتو أحد، لا ولد ولا رجل، زعق بصوت أعلى انتهى فجأة، ~~وكأنما توقفت الآلة التي تصدره أو انكسرت. الأصح أنها أسكتت، هو أسكتها ~~فقد جاءه الصوت مشروخا، بالضبط مسلوخا، رفيعا. ليس صوته، وقد يكون ~~صادرا عن حنجرته التي بدا في المرآة وكأن بروزها انكمش، ولكنها ليست ~~حنجرته، فالصوت ليس صوته. صوت يسمعه لأول مرة، غريبا عليه غرابة ~~جسده. # ودق قلبه دقة زائدة. # تلك الدقة التي كانت لا تحدث له إلا لحظة القتل، لحظة إطلاق ~~النار. # ظهر الولد. سبه دون أن يعرف من يكون، وبكل ما يملك من نفس صرخ: نادي «الثور» يا حمار. # 2 # جلس على المقعد في الفراندة. المقعد المخصص دائما لجلوسه، حتى ~~لو غاب عاما. جلس ينتظر «الثور»، ينتظر وهو يتلمظ غيظا، لماذا؟ ~~لم يكن يدري. لماذا اختار «الثور» ليراه في تلك اللحظة؟ أيضا لم ~~يكن يدري. الثور، الثور، لماذا «الثور»؟ ألتلك الأقاويل التي كانت ~~تتناثر عنه وعن مغامراته؟ ألأنه يعرف عنه أن النساء يسقطن من تلقاء ~~أنفسهن لدى انفراده بإحداهن؟ ألانه أصغر سنا وأكثر حمقا وفعلا ~~أنضر شبابا بكثير؟ ولكنه كما يسميه، ثور، مثله مثل «الديب» و«أبو ~~فصادة» و«غراب البين» و«الجحش» و«التنبل»، واحد منهم، أقصى ما يمن ~~به عليه أن يعطيه لقبا، وأقصى ما يعاقب به أحدهم أن يناديه باسمه ~~الحقيقي، فهو يظل يرجو ويلح ويكاد يبكي، أحيانا يبكي مر البكاء ~~طالبا منه أن يمن عليه بلقب. وحين يضيق به وبإلحاحه يقول له: طيب، ~~امش يا خروف، أو ... شي يا حمار، وينقض «الخروف» أو «الحمار» على يده ms37 ~~يقبلها وفي عينيه دموع الامتنان، ويغادر المجلس سعيدا ضاحكا لا ~~تسعه الدنيا. # جاء «الثور»، سمع صوته يسأل خافتا عنه، وجه بصره بكليته إلى باب ~~الفراندة ليرصد دخوله. في فتحة الباب ظهر «الثور» مهمل الثياب ~~كعادته. كان دائما يحسده على قدرته أن يهمل ثيابه وشعره، ومع هذا ~~يظل على جاذبيته القصوى ووسامته. هم أن يبتسم له، ولكنه عدل، ~~وأظلمت ملامحه. كان يرتدي القميص والبنطلون، بنطلونه الضيق الأثير ~~لديه، لا بد جاء على عجل فهم دائما يرتدون بدلهم الكاملة ليلقوه. ~~حيا ووقف حائرا، رمقه من أعلاه إلى أسفله، بدأ وجه «الثور» يصفر، ~~وملامحه تنبئ عن مراجعة مكهربة لكل ما فعله مذ آخر مرة رآه فيها، ~~وعن احتمالات خطئه أو جريمته التي ربما يكون قد اقترفها. وفر عليه ~~المراجعة، وأشار له أن يجلس، وعلى كرسي بعيد جلس، وقد بدأ يسترد ~~أنفاسه، ولكنه كان لا يزال ينتظر، وكأنه ينتظر البراءة أو حكم ~~الإعدام. رآه يتململ من طول انتظاره، أسعده هذا التململ ونظراته ~~تنصب عليه متفحصة ثاقبة، ضبط نفسه يتوقف أكثر من اللازم عند ملامحه ~~الفتية الشابة. تلوت نفسه وكأنما أصابته غصة أو اندك خنجر في فم ~~معدته. كلما استرق البصر إليه وأحس بمغناطيس قوي يشد عينيه إليه، ~~وأشياء في داخله تنهار وتتكسر والضباب يغطي على وعيه، ومن بين طيات ~~الضباب ترتسم رؤى مفزعة، عريان جسده تماما، وأملس، كتلة لحم بلا ~~إرادة تنتظر أمرا خشنا، يصنع إرادتها. # 3 # فجأة أحس بتمرد داخلي يتجمع بسرعة كما تتخلق بوادر الإعصار ~~المهول في لحظات، فثمة لين جوفي هائل كان يعوي داخله كلما وقع نظره ~~على «الثور»، وحتى وهو يشيح بنظره عنه، رؤى غريبة يحس معها أنه لا ~~ينظر إليه نظرة رجل لرجل، وأن في داخله تتلظى أحلام يقظة تدور حول ~~موقف ما، مكان مظلم مهجور، تلامس يحدث، تحسس محموم ترتجف به يداه ~~ويرتعش له جسده كله، وهو ينقض على الشاب، ويعتصر عضلات ذراعيه ~~النافرة وانتفاخة عضلات ساقه، والرغبة فيه تتعاظم، وتقوي داخله ~~رغبات تتكشف بجرأة وبجنون عن نداء ms38 مولول قد تحولت إليه ذكورته، ولا ~~يعود يقاوم، بل تتحول بقايا المقاومة إلى إعصار نداء أن افعلها، ~~ومجنونة تصرخ كل خلية فيه رافضة متمردة في إعصار استنكار يكاد معه ~~يتحول إلى قاتل، يقتل ما راوده من أحاسيس، ويقتل «الثور»، يقبض ~~بأصابعه الغليظة على عنقه، ولا يتركه إلا جثة، أو خرقة جثة، ماتت، ~~أخمد أنفاسها، وحبذا لو استطاع أن يفعل الشيء نفسه بعنقه هو ويقتل ~~الحلم والرغبة والنداء المجنون الذي يفرض نفسه عليه بقوى، وكأنما ~~بفعل قوى كونية، لا سبيل إلى عصيانها أو مقاومتها. # ويهم بأن يهدر صوته، عاليا مهيبا هصورا طالبا من «الثور» أن ~~يذهب عنه، بل حبذا لو جعل الطرد يأخذ شكل الضرب والركل ~~والشلاليت. # ولكن لا شيء يصدر عنه، حتى ولا صوت، وكأنما تتعادل القوة الطاردة ~~مع القوة الجاذبة، ويؤجل قرار طرده، وفي نفس الوقت يكبح جماح عودة ~~دمدمة الرغبات الملعونة تستيقظ في جسده وخياله وتجعله يعود يحلم، ~~بالظلمة، والفحيح، والمفاجأة، والضمة المحمومة الراغبة. # ويدرك الجالسون حوله أنه غاص في فكر خاص لم يعد يشعر معه بأي شيء ~~حوله، ويبدءون يتسللون من «الفراندة» واحدا وراء الآخر حريصين ~~تماما ألا يخدشوا قداسة استغراقه. كلهم يذهبون ما عدا «الثور»؛ إذ ~~رغم أنه أحس بمثل ما أحسوا به، إلا أن هاتفا غامضا موسوسا كأنه ~~صوت الشيطان أهاب ويهيب به أن يظل هناك، وأن موجات من «عمه» ~~«سلطان»، وإشعاعات وترددات، تأتيه وترجو منه أن يبقى، أجل ترجو ~~منه، هو الذي لا يرجو من أحد شيئا، وإنما دائما يأمر حتى لو أراد ~~الرجاء. # 4 # ماذا يفعل بالله؟ # أهو قد جن؟ # أم في طريقه الأكيد للجنون؟ # أيذهب إلى طبيب من هؤلاء الذين أصبحوا المودة في هذه الأيام، ~~الذين يزعمون القدرة على تحليل النفس، وسبر الرغبات، وحتى تفسير ~~الأحلام؟ # ولكن ماذا يدريه أن ما يحدث له مرض، أو أنه حقيقة تحدث له، وأي ~~عار يجلبه على نفسه إذا هو ذهب حتى إلى طبيب في العاصمة الكبيرة لا ~~يعرف أصله ولا فصله، لا يعرف من يكون ms39 ومدى عزوته، فحتى الطبيب مهما ~~كان غريبا وجاهلا بصولجانه وهيلمانه، فإنه من رابع المستحيلات أن ~~ينطق أو يشكو، وبلسانه يعترف أن بوادر رغبات غريبة تأخذ شكل ~~النوبات، التي كانت متباعدة أول الأمر، ثم تقاربت وكثرت، حتى أصبحت ~~حياته وأفكاره لا تكاد تدور حول شيء آخر سواها. # أبدا لا يستطيع، ولو شنقوه، أن - بإرادته - يقدم على عمل كهذا، ~~فليفعلها إذن، ويكون هو طبيب نفسه، فهو وحده الأعلم بحاله، ولن يجد ~~مخلوقا في هذا العالم كله يستطيع أن يكشف أمامه كل مكنونات نفسه، ~~ويعاصر معه ويرى بعينيه كل ما انطبع في عقله مذ بدأ يعي بأنه ابن ~~فلان وأمه فلانة، واسمه سلطان، وفقرهم مدقع، وعائلته وإن كانت ~~شديدة الكبرياء بالذات أبوه، ذلك الذي كانت القرية تمتلئ مجالسها ~~إذا جاءت سيرته بالسخرية منه، ومن فقره «الدكر» وأنفه الذي يرنو ~~دائما إلى السماء. كان يرى أباه ينتحي ركنا من فسحة بيتهم، ~~ويخرج من جيبه عشرات من أعقاب السجائر التي التقطها خلسة ~~بخيزرانته التي ركب لها في نهايتها مسمارا رفيعا، بحيث يستطيع ~~وهو في قمة تفاخره بعم أو جد أو قريب، أن يغافل محدثه إذا التقطت ~~عينه عقب سيجارة، وفي انفعالة محسوبة، يرفع خيزرانته وكأنما يدق ~~بها على الأرض مؤكدا أو مقسما، ثم ينزلها بالضبط فوق «العقب» ~~لتندك فيه، وتظل لاصقة به حتى يخلو المكان أو تنصرف عنه العيون، ~~وحينذاك وبخفة يد ماهرة ينتزعها ويضيفها إلى مثيلاتها في جيبه. ~~ومن محصول اليوم يملأ صندوقا معدنيا قديما ورثه عن أبيه الذي ~~كان يملؤه «بالمضغة»، وكانت «مضغته» وما يضفيه لها من محوجات ~~مشهورة في بلدتهم شهرة «غليون» البك ابن العمدة المتعلم في بلاد ~~بره، الجالس إذا جاء زائرا للقرية بين كل حين وحين في دوار أبيه، ~~يحشو غليونه بالتبغ، ويشعله من ولاعة خاصة كانت مثار عجب أهل ~~القرية، إذ كانت شعلة نارها تنطلق أفقية من جانبها، وليست مثل ~~غيرها من الولاعات. أبوه ذلك السامق في قوامه، النحيل الكثيف ~~الشارب، والذي كان لا يمتلك للخروج إلا جلبابا واحدا، ms40 هكذا يعرف ~~الجميع، ولكنه دائما وأبدا أبيض نظيفا ناصعا تجيد أمه غسله ~~بالزهرة يوما بعد يوم، وتنشره ليجف في المساء، ويرتديه في الصباح، ~~حتى ليبدو وكأنه يمتلك عشرات الجلاليب الجديدة الناصعة ~~البياض. # فقر وكبرياء، من جيش المدقعين الذين لا يمت أحدهم بصلة إلى عين ~~من الأعيان، أو عائلة من كبار العوائل، أمثاله قابلون لحياة الجدب ~~تلك، لا يهمهم تهرؤ ثوب أو دفاع عن كبرياء، يقبلون حتى أن توزع ~~عليهم الزكاة في الأعياد، ويلهجون بالدعاء والثناء إذا وزعت عليهم ~~لحوم في مناسبة أو «موسم» أو احتفال ... «أبو سلطان» منهم هذا صحيح، ~~بل ربما أشد فقرا من بعضهم، ولكنه نسيج وحده في اعتزازه بنفسه، ~~يمشي إذا مشى وكأنه العمدة، وإذا تحدث فعل وكأن كلامه فقط هو ~~الحكمة. يوما واحدا كل أسبوع، يوم السوق، حيث يودعه أصحاب الحمير ~~القادمون من القرى المجاورة حميرهم ليضمها الفضاء الصغير المجاور ~~لسور السوق، فضاء يستأجره «أبو سلطان» من صاحب الأرض المجاورة، ~~وكأنه «جاراج» الركوبات، لا ينتهي اليوم إلا وقد امتلأ جيبه بقروش، ~~وأحيانا بملاليم، تبدو كثيرة العدد والحجم، ولكنها في الحقيقة لا ~~تكفي لقوته وقوت امرأته وعياله طوال أسبوع. سلطان أكبرهم، وثلاثة ~~أولاد أخر، وأربع بنات، وأم شارفت الستين، وتدهش، ويدهش الناس، كيف ~~بمثل ذلك الدخل يعيش كل هؤلاء البشر، وتمتلئ كل تلك ~~الأفواه؟! # وسلطان ذكي باهر الذكاء، في المدرسة الإلزامية نابغة، ومع ~~الأولاد أكثرهم شقاوة وأقواهم شخصية، ودائما هو القائد والمستشار ~~الأعلى لعصابة كبيرة تتبعه، وتأتمر بأمره، مع أن بعضهم أكبر منه ~~سنا، وبالطبع أكثر من عائلته غنى ونفوذا، بل الحقيقة المجردة ~~كان أفقرهم، وأبأسهم ثيابا، فقد كان يظل يرتدي الجلبات حتى لا ~~يتغير لونه فقط أو يذهب تماما، بل حتى يقصر عليه وخلال عامين هما ~~عمر الجلباب يكون قد ضاق وقصر، حتى لا يكاد يصل إلى ركبتيه. وكم ~~عير بفقر أبيه «الدكر»، وكم اشتبك وتخانق وجرح وضرب ممن هم أكبر ~~إذا تطاول أحد على حالهم أو على أبيه بالذات وعلى وجه التحديد حين ~~يقولون عنه: ms41 عريان المؤخرة ويحب الفشخرة. # وفي مداعبات الصبية، أو على وجه التحديد تلك الفترة من العمر ~~التي لا بد يبدأ الصبية يلامسون بعضهم بعضا، ويستجيب بعضهم بلذة ~~أن يكون السالب، والآخرون بلذة الموجب، أو بالاثنين معا، كان ~~سلطان شديد الحساسية أنه لا يرضخ، بل حتى من فرط حساسيته ورغبته في ~~رجولة سريعة مبكرة كان لا يسمح أبدا لأحد أن يلامسه، وبالتالي ~~يرفض تماما أن يلامس هو أحدا. رجل صغير، ورث كبرياء أبيه، أو قل ~~ماض قدما في تقليد أبيه وتشبهه به، ذلك الأب الذي كان يعتبره أكثر ~~الرجال رجولة وأعظمهم مقاما، بل لم يحس أبدا، ولم يراوده مطلقا ~~خاطر أن أباه رجل فقير، ففي مثل عمره لا يوجد فقراء وأغنياء، إنما ~~فقط يوجد رجال رجال، ورجال أنصاف رجال، أو لا رجال بالمرة، والفارق ~~الوحيد بين الناس هو ذلك الفارق بين الرجال الرجال والرجال أشباه ~~الرجال. # من أين يجيئه إذن هذا الذي بدأ يزحف على نفسه زحف السحاب الأسود ~~الذي يهدد بإحالة النهار ليلا، وينذر بغياب الشمس واقتراب يوم ~~القيامة؟ # طول عمره هكذا، زعيم وشهم وشجاع وجدع، وبجوار الإلزامية ~~والابتدائية كان يعمل شهور الصيف كلها، ومعظم شهور الشتاء كي لا ~~يوفر نفقات تعليمه فقط، وإنما أيضا ليساهم مع أبيه في ملء الأفواه ~~الكثيرة المفتوحة جوعا طول الوقت، والتي عمرها ما امتلأت شبعا. ~~وهو في تعليمه وفي علمه كانت تؤجج روحه فكرة وحيدة لم تتزعزع ~~أبدا، أن يرد الاعتبار لفقر أبيه وعائلته وتواضع نشأته وأصله. كان ~~جلباب أبيه الناصع النظيف مجرد ستار يخفي حقيقة شديدة المرارة، إذ ~~لم يكن بداخل هذا الجلباب الستار شيء ذو قيمة، وكان على «سلطان» أن ~~يملأ هذا الفراغ المخيف الذي يخفيه الجلباب، أن يجعل لكرامة أبيه ~~وأنفه التي في السماء رصيدا يستحق معه فعلا أن يكون أنفه في ~~السماء، وأن تتغطى مؤخرته العريانة، ليكون حرا أن يتفشخر إذا ~~أراد فشخرة المغطاة مؤخراتهم بالحسب والنسب، والأفدنة والأموال ~~والقيمة والامتلاء. # 5 # حتى أصبح «سلطان» زعيما فعلا. # قصة طويلة مليئة بإرادة ms42 الفلاح الرهيبة التي يحفر بها ترعا ~~للنيل بإبرة، ويحمل بها صخور الجبل حتى يصنع بها هرما يكون أعجوبة ~~الدنيا. الفلاح الذي يزحف إلى القاهرة حافي القدمين ماشيا على ~~ساقيه الرفيعتين، صاعدا مع النهر، حتى يفرغ صبر النهر من فرط ~~طوله، ويتشعب إلى فرعين أو حتى عدة فروع صانعا من نقطة التفرع ~~عاصمة العالم القديم، ومولد النور تشعله البشرية لأول مرة لترى به ~~العالم ويراها العالم، زاحفا حتى يصل إلى أم الدنيا، أو يصنع من ~~نقطة التفرع أما للدنيا. # بالإرادة الدءوبة النحيلة البالغة الصلابة زحف «سلطان»، يجر ~~وراءه عائلة مات عائلها، يجرها كما يشد المراكبي «اللبان»، جاذبا ~~المركب بحبل طويل ليجرها عكس اتجاه الريح القادمة من الشمال. أجل ~~شادا «اللبان»، لبانه، ولبان عائلته، بل لبان كل هؤلاء الفقراء ~~ذوي الأنفة كانوا أو ذوي المسكنة، مستجيبا للمحرك الداخلي الذي لم ~~يهدأ داخله أبدا، ولا لان، محرك أن يملأ جلباب أبيه، بحيث حتى لو ~~خلع الجلباب لكشف عن مستور غنى عظيم مشرف. # قضى سنة الجامعة الأولى ومسكنه ومأواه وملاذه بيت، بالأصح عشة، ~~تقع عند الطرف القصي لسور الجامعة، فيها اصطنع المسكن والمقام، ~~فيها نام على حصير هو كل ما استطاعت عائلته أن تزوده به، عامل بناء ~~في حي «بين السرايات» وما حوله في الجزء الأكبر من النهار، حامل ~~قصعة أسمنت تقطم وحدها الظهر، ولكنه معها كان يحمل مسئولية أن ~~يتعلم، وأن ينبغ، وأن ينجح بحيث يحظى بالاثنى عشر جنيها شهريا ~~مكافأة النابغين، كان يحيا منها بستة ويرسل لأهله ستة، عليهم ~~وبعائد إخوته الأصغر من أعمال أصغر أن يدبروا وجودهم بها. # ومع ذلك ينجح بتفوق، ويكون من أوائل الدفعة. # وليس هذا هو المهم. # فمن أول لحظة وضع قدمه في الجامعة، وبدأ يتفتح وعيه إلى أنه ليس ~~وحده الذي يشد «اللبان»، وليس وحده الذي لا يمتلك أبوه غير جلبابه ~~يرتديه على اللحم الحي، جلباب في العادة على عكس جلباب أبيه، فلا ~~هو أبيض ناصع، ولا هو خال من «رقعة». مذ أدرك هذا وبنهم راح ~~يقرأ ms43 ويسمع ويطيل القراءة والسمع، ويتفتح له الوعي، ولا يفعل تفتح ~~وعيه إلا إدراكه بأن الأمر في حاجة إلى التغيير، وأن من ينادون ~~بالتغيير أبناء مدن، وحتى لو كانوا أبناء فلاحين أو عمال، فإن فرن ~~الإرادة المتوهج داخلهم وقدرتهم وطاقتهم على العمل لإحداث ذلك ~~التغيير أقل بكثير مما يجب، وأنه يستطيع أن يفعل الأكثر، ويقدم ~~الأكثر، ويحقق الأكثر. # وعضوا في الاتحاد صار، وأوتادا للثقة به أخذت تندق، وخيمة ~~هيمنته تتسع، واسمه وجرائد حيطانه، وخطبه واعتقالاته تصبح حديث ~~الكلية، ثم حديث الجامعة، بل وأيضا حديث المدينة، المدينة ~~الجامعية التي حاولت إدارة الجامعة رشوته بإلحاقه بها، قبل الرشوة ~~لعلمه أنها لن تلين قناته، وإنما بها ومن خلالها سيجد له قاعدة ~~انطلاق أشمل وأعم. # 6 # أحس الثور أن «عمه» سلطان لا بد قد راح في سبات عميق، فأنفاسه ~~منتظمة وعيناه مغلقتان، وسكوته طال وطال، حتى إنه لم يعد يتلقى ~~موجات ترد إليه عبر المسافة الكائنة بين مجلس السلطان في كرسيه ~~العظيم وبين مجلسه هو، على حافة المقعد العريان متحفزا لأي إشارة ~~أو بادرة احتياج من الرجل الكبير. # وهنا بدأ يتململ في مجلسه على طرف الكرسي، تململا لا حركة تصدر ~~عنه، ثم تململا حرك فيه قدميه، ثم بدا وكأن الأمر لم يعد خافيا، ~~وأن عمه السلطان نام نومة السلطان، وبهدوء شديد وقف وقفة من يستعد ~~للانسحاب، وحين تأكد أن حركته تلك مرت هي الأخرى دون أن يشعر بها ~~السلطان، بدأ يزحف بقدمين خفيفتين، وكأنما مبطنتان بفروة فهد، خطوة، ~~ثم الثانية، ثم تسمر في مكانه فقد صدرت عن سلطانه زجرة سؤال آمر: رايح فين؟ # زجرة سؤال أعادته فورا إلى جلسة حافة المقعد، يكاد يتمسح كقط ~~يود أن يؤكد ألفته وانضباطه وطاعته. ~~- أنا ما نمتش. # تردد «الثور» يقول: أنا ظنيت ... ~~- اقعد. ~~- أنا تحت أمرك إن شاء الله للصبح. # يقعد؟ يقعد لماذا؟ # سؤال دار في عقل كل منهما. # وإذا كان السؤال قد دار بقليل من الدهشة عند «الثور»، فالدهشة ~~الأكبر كانت لدى «سلطان»، لماذا حقيقة يأمره أن يعود ms44 للجلوس، ويؤكد ~~أنه مستيقظ، وأنه يريد استمرار وجوده مع أن الوقت قد تأخر، والجميع ~~حتى داخل البيت الذي يجلسون في بلكونته نيام؟ # كانت الرعشة قد عادت له من جديد، آمرة، مدلهمة، لا يملك لها ~~دفعا، وأيضا لا يملك لها تحقيقا. # حائرا ومرتبكا ارتباك مبتدئين، خجلا من نفسه خجلا أبشع من ~~خجله من أي غريب، يكاد يبكي غيظا مما هو فيه، ومن وضع كان من ~~المحال أن يتصور حدوثه، ولا يملك حياله أي تصرف. حتى لو كان سيثور ~~ثورة المجنون حينذاك، ثورة الرجل، أبو الرجال، الزعيم الذي يحاول ~~فأر، وإن كان اسمه «الثور» أن يعتدي عليه، على رجولته. وعاد الصمت ~~الذي كان يبدو وكأنه الحل الوحيد للإشكال، يفرض نفسه. وعاد «سلطان» ~~لا ليستعرض حياته ليعثر على بداية الكارثة أو مبعثها، وإنما عاد ~~يقلب ماضيه، قريبا وبعيدا ليعثر على سبب لهذا الذي حدث، بل ~~ليتأكد أن شيئا فعلا قد حدث له، أو أن واقعة ما كانت هناك ~~موجودة، ووجدت ولكنه نسيها وطمرتها الحياة الحافلة التي عاشها، ~~بينما هي طول الوقت كالسوسة، كالسرطان الخبيث البطيء تعمل عملها ~~حتى أوصلته إلى الآن، حيث لا يستطيع مطلقا أن يتصور أنه بكل جلالة ~~قدره خاضع، أو يكاد يكون خاضعا لفكرة الرغبة العارمة الطاغية التي ~~يستميت - دون فائدة - في مقاومتها، فكرة أن يستسلم أمام ذلك الشاب ~~المرعوب خوفا منه ومن فحولته ومن هيلمانه، حتى لقد وفدت إليه فيما ~~وفد أفكار أن «الثور» يتصور العكس، ويرتعش خوفا من أن يطلب منه ~~عمه السلطان ما يطلبه الأقوى من الأضعف، فطلبات السلطان أوامر ~~مقدسة، تنفيذها لا مهرب منه، ولا إمكان للهرب. أمر مقدس لو طلبه ~~السلطان لكان عليه - ويا للكارثة - أن يخضع لنزوته حتى لو كلفه ذلك ~~الخضوع رجولته وكبرياءه، وكل ما بناه لنفسه من شخصية وسمعة وصلت به ~~حد الشهرة أنه وحده الثور الطلوق الذي يغار منه كل الرجال، وتحلم ~~به كل محرومة أو غير محرومة من جنس النساء. # احتمالات، كل احتمال منها كارثة أبشع من الأخرى، حتى بدأ ms45 جسد ~~«الثور» يرتعش فعلا، ارتعاشات حقيقية، يكاد معها يرتمي بجسده تحت ~~أقدام السلطان، ويستجير به أن يرحمه، أو أن يفض الصمت المخيف ~~المليء كالأحراش بالأفاعي والوحوش، ويقولها له صريحة، ويفعلها أو ~~لا يفعلها، وينتهي الأمر، وينتهي الصمت، وينتهي ذلك الموقف الذي ~~أصبح امتداده أشد عذابا من أي شيء آخر، أشد عذابا من أي إحساس ~~بالمهانة، حتى لو تحققت المهانة. # 7 # من العشة عند طرف سور الجامعة، إلى المدينة الجامعية، إلى ~~العمار، من المعير بأبيه عاري المؤخرة غاوي الفشخرة، إلى المشاد ~~بأصله الفلاحي المتين، وعصاميته، وأبوته التي رفعت لمرتبة الأصالة ~~والعراقة الشعبية والنموذج الأعلى لما يجب أن يكون عليه الزعيم، ~~قادما من قلب الشعب لا بد يجيء، سليل أب كادح، إذ أصبح النبل ~~والعراقة صفات من يكون سليل شجرة بؤس أبا عن جد. # من «قصعة» الأسمنت تقطم الظهر في النهار والمراجع ينقلها نقلا، ~~وهي بآلاف الصفحات من كتب زملائه التي كان يستعيرها منهم، من ~~القصعة قاطمة الظهر، والنقل عن المراجع مضيع البصر مخدر الأصابع ~~مقوس الجسد بالآلام المبرحة التي تئن لها عظام الظهر. # من الصبي النكرة المصفر الوجه بالأنيميا ونقص الغذاء، إلى الحاصل ~~على درجتين؛ واحدة في الاقتصاد، والأخرى في التاريخ، مفخرة ~~الجامعة، ثم بقية الجامعات، مفخرة جيله، وكل ما تلاه من أجيال، بل ~~مفخرة من مفاخر مصر ووثبتها التي نقلتها من مجرد دولة محتلة في ~~عالم قبيح قديم إلى دولة قائدة تحرر وزعيمة شعوب ومفجرة انتفاضات ~~وثورات، حتى أصبح سلطان سلطانا فعلا. # وكان أول زعيم شباب يقابله الرئيس الزعيم، ويصافحه، بل ويمنحه ~~وساما وتصبح له حظوة، وجاه، وصاحب مدرسة واتجاه، حوله ومعه جيش ~~صغير تابع من النوابغ والمعجبين وتابعي التابعين. # وهذا كله يحدث دون أن يشعر سلطان أن جلباب أبيه النظيف الخالي قد ~~امتلأ برصيد حي من المضمون والجاه والنفوذ. # ولهذا كان ماضيا لا يزال كالمهر الأصيل لا يتعب ولا يكل، يجري ~~بلهاث ثابت، لا من أجل هدف محدد وضعه لنفسه، ويريد الوصول إليه، ~~فلم يكن من ذلك النوع من ms46 أصحاب الأهداف الخاصة التي يضعونها نصب ~~أعينهم للوصول إليها وتحقيقها، ولكن مضيه كان لا يخضع لأي تفسير ~~عقلي أو نفسي، إنما هو مضي، وكأنما من أجل المضي ذاته، فلا هو وضع ~~نصب عينيه أن يكون زعيما أو محبوبا أو صاحب سلطة ونفوذ، لا المال ~~كان هدفه، ولا الطموح السياسي كان محركه، بل ولا التاريخ أو مكانة ~~في التاريخ يطمع فيها ويسعى لها. كان حقا وصدقا لا يعرف لماذا ~~هو ماض هكذا؟ يحقق، وتنهال عليه الألقاب والصفات والثناء دون أن ~~يسعى لها أو يقيم وزنا، إنما هي نتائج ثانوية لا تشغل باله ~~مطلقا، وتأتي كنتيجة حتمية لدأبه وإصراره ومبادئه التي انغمس ~~تماما في التبشير بها، والعمل من أجل تحقيقها وسيادتها. مجتمعه لا ~~بد أن يكون عادلا لا يمتلئ بمظلومين لا ذنب لهم، مظلومون لا يمتلك ~~الواحد منهم إلا جلبابا، بينما آخرون تمتلئ دواليبهم وحجراتهم ~~بطوابير الملابس المعلقة فوق مشاجبها، وكأن غرف نومهم وملابسهم ~~أجنحة بأكملها من أجنحة بنزايون أو صيدناوي أو الصالون الأخضر. ~~أبوه عمره ما انتقل من مكان إلى مكان بواسطة قطار، أو وسيلة من ~~وسائل المواصلات، إنما هو السير الكعابي المستمر مهما بعدت ~~المسافة، الصدق، الحقيقة، النظافة، التضحية، الجهد من أجل الآخرين، ~~وليس أبدا من أجل احتكار الثروة والتكويش على النفوذ. الزعيم سيد ~~القوم لا بد يكون سيدا؛ لأنه خادمهم. وذو مكانة بينهم؛ لأنه ~~أكثرهم عملا وجهدا من أجلهم، مبادئ بيضاء ناصعة كجلباب أبيه، ~~كانت قبله مجرد ستار، مجرد رداء ليس في داخله أي مضمون، كان مضيه ~~في الكفاح الدائب أن يملأ تلك الثياب الناصعات مضامين حقيقية، وأن ~~يحول الستائر الخارجية الناصعة البياض لتخفي القذارة والقبح إلى ~~ستائر تحوي وتحمي كل ثمين وغال من الحقائق والمضامين. # الرجل ليس بكثافة شاربه وشدة طغيانه، ولكن الرجل رجل؛ لأنه شهم ~~وكريم وشجاع ومضح ومغيث للملهوف، وواقف بجوار المظلوم، مع الضعيف ~~حتى يقوى، وضد القوي حتى يعدل ويعتدل، وتصبح قوته في خدمة العدل ~~والحق. والمرأة امرأة لا بحسبها ودلالها وأنوثتها، وإنما بعملها ~~الأعظم ms47 في أن تكون الأم الأعظم لبشرية أرقى، فالأمومة كالرجولة ~~ليست صفة، ولكنها قيم، درجات عليا من السلوك البشري العاطفي ~~والعقلي وحتى الجسدي، بها تفرد الإنسان وعلى هديها وصل إلى قمة في ~~التطور جعلته أسمى حي في الوجود. # الأم. # وغير سلطان اليد التي كان يرتكز عليها، لا لأن التعب من ~~الارتكازة الأولى قد جعله يغيرها، وإنما لأنه وكأنما فجأة قد وصل ~~عند النقطة التي خيل إليه فيها أنه قد عثر على أول الخيط، على ~~السبب والمتسبب، على أمه. # 8 # الفلاحة السمراء ذات «طابع الحسن» الغائر في منتصف ذقنها الموشوم ~~وشمة الصعيدية البدوية، وكأنه ختم تختم به الفتاة علامة أنها ~~العذراء الكاملة المنتمية إلى قبيلة ليس لها اسم محدد، ولكنها ~~قبيلة النساء الساميات جمالا وشكلا في نفس الوقت، قبيلة المرأة ~~جسدا مخلوقا ذلك الخلق الأنثوي الخاص المثير، ولكنها أيضا علامة ~~أنها إنسانة فيها كل نبل المرأة الفلاحة أو الصعيدية وأنفتها، كل ~~صلابتها عندما يجد الجد، ونعومتها تتحد مع خشونة الرجل لتكون ذلك ~~المزاج المصري القح الذي ينتج أطفالا لهم قيم الرجال ومسئوليات ~~الرجال بما فيها حتى الأخذ بالثأر، كل الفقراء بلا استثناء يكنون ~~حبا للأم ليس كمثله حب آخر، وكل الأمهات الفقيرات يحببن أولادهن، ~~صبيانا وبنات، حبا ليس التدليل والإفساد بكثرة التدليل هو ~~منتهاه، ولكنه الحب المسوى على نار الحياة القاسية كالبتاو، لا ~~يصنعه وينضجه الوقود الصناعي، ولا أفران المازوت، وإنما هو مسوى ~~على حرارة شمس طبيعية، لافحة ولكنها غير صناعية، نفس القانون الذي ~~ينضج الخبز هو القانون الذي ينضج العواطف، هي العلاقة الحارة ~~الحميمة بين الأم والولد، حب صاف منقى؛ لأن هدفه الأعلى إنتاج ~~رجل، وليس إظهار الحب تدليلا لطفل، حب الأم فيه واثقة من حب الابن ~~لها، ولهذا فهي لا تستجدي حبه، أو لا تخاف من كرهه، تريده لنفسه ~~رجلا ولا تريده لنفسها لعبة أو «عروسة» تهزها وتلهو بها. # هكذا يراها، بعين نضجه، الآن. # ولكن الطفل فيه رغم حبه الشديد لها كان يكره ما تصوره أنه قسوتها ~~وخشونتها، بل وأحيانا ms48 عقابه ضربا مبرحا أو شكوى مرة لأبيه، أبوه ~~أبدا لم يضربه أو يعاقبه مطلقا عقابا بدنيا، كانت كلمة: يا ~~ولد، يقولها غير عالية أو شاخطة، ولكنها خارجة من عمق رجالي مرعب، ~~كالسكين المسنونة تندب في قلب الجسد، في صمت. كلمة كان يخشاها ~~ويرعبه مجيؤها أكثر من كل زعيق أمه وصراخها وضربها له «بالقنو» ~~الذي تكنس به الدار، والذي ليس سوى سباطة البلح بعدما اقتطعت من ~~النخلة، وذهب عنها بلحها وجفت وتغير لونها، وأصبحت أداة النظافة في ~~البيت، وأيضا أداة التأديب غير المؤذي. # تدليل، لم تدلله. # خشونة مرضية كارهة أبدا لم يتعرض لها. # شك في رجولته المبكرة أو لفظة سباب تجرح تلك الرجولة، على عكس ما ~~كانت تفعل أم عيد جارتهم التي كثيرا ما كان يسمع صوتها في عز ~~الليالي ملعلعا يتهم ابنها بأنه عاد متأخرا؛ لأنه لا بد كان مع ~~الأولاد في حقول الأذرة، وصراخ وكلمات كانت تجعل سلطان يغلي دمه هو ~~بالغضب حنقا على تلك المرأة وإشفاقا على صديقه ابنها. بل حتى ذلك ~~الابن، رغم كثرة ما وجهته له أمه من طعن في رجولته، رغم لونه ~~الأبيض الفاتح، وشعره المائل للصفرة إذ كانت أمه من الدقهلية، لم ~~ينشأ ولم يحدث أبدا أن تحققت نبوءة أمه من أنه سيصير كذا حين ~~يكبر، مثله مثل «شاهين» الطحان. وشاهين الطحان هذا كان ظاهرة من ~~الظواهر الكثيرة التي تختص بها بعض قرى الأرياف سواء في بحري أو في ~~الصعيد. رجل بالمظهر والشكل له لحية وشارب، وإنما محلوقتان، ولكنه ~~فيما عدا هذا أنثوي في كل شيء آخر، في طريقة كلامه، في مشيته، في ~~التصاقه الدائم بالمجتمع النسائي في القرية، وحتى في عمله، فقد كان ~~يتاجر في الزبدة والسمن والقشدة، ويغوي شباب القرية المراهق بما هو ~~على استعداد لدفعه من نقود، وله سمسار من صعاليك الشباب كان هو ~~الذي يجلبهم له مقابل عطاياه، معروف ومشهور ومحل استنكار كثير من ~~المتزمتين وأهل الورع والتقوى، ولكنه عند الناس العاديين، بحكم طول ~~المدة واشتهار خصاله، أصبح يؤخذ مأخذ ms49 الظواهر العادية التي لم تعد ~~محل استنكار، وإنما أصبحت فقط محل سخرية البعض، ومثلا تضربه ~~الأمهات لأولادهن إذا أحببن أن يخيفوهم من الميوعة أو إطالة الشعر ~~أو «عوج الطاقية». # أبدا ما جرحت أمه رجولته، بالعكس كانت دائما محل افتخار به، كل ~~ما يذكره هو ذلك اليوم المشهود الذي دخلت أمه «زريبة» البهائم ذات ~~ظهر صيفي كان الكل فيه نعسان أو هاجعا هجوع القيلولة، هو فقط كان ~~منفردا في الزريبة بحمارة عمه الذي جاء يزورهم من النجع المجاور. ~~ولا يزال يذكر تصرف أمه الذي يعترف الآن أنه كان قمة في الحنكة، أو ~~كأنها طبيبة أمراض نفسية، إذ حين فتحت باب الزريبة ووجدته على تلك ~~الصورة، ورأت الذعر الخجول، وقد جحظ من كل ملامحه، وأسال فجأة غزير ~~عرقه قالت وهي تستدير راجعة بأسرع مما دخلت قائلة له من خلف ظهرها: ~~كيف تركب حمارة عمك من غير «بردعة» يا جحش؟ # وهكذا أبرأته هي حتى أمام نفسه، حتى لا يحس مطلقا بأي حرج. أما ~~حين ضبطته خلف كومة الحطب فوق السطوح مع الأرملة سعدية العمشة التي ~~كانت تجلب لهم الماء. يومها انهالت عليه ضربا بالقنو، ولكنه أحس، ~~وهذا هو ما استغرب له، أنه ليس ضرب غضب، بل يكاد يكون ضرب أداء ~~واجب، بل إنه أحس أن في ثنايا شتائمها وتأنيبها نبرة تكاد تكون ~~نبرة فخر بما رأت واكتشفت، كل ما في الأمر أن غضبها كان يبدو ~~منصبا على اختياره للأرملة الكبيرة القبيحة، وليس لأي سبب ~~آخر. # 9 # من بعيد بدأت تترى نوبات سعال الشيخ أبو المعاطي، يذيعها ~~ميكروفون المسجد إيذانا بتسليك زوره استعدادا لتسابيح الفجر ~~وأذانه. كانت الدنيا لا تزال حالكة الظلمة، وكان النوم قد بدأ ~~يتسرب إلى «الثور» فقد بدأت رأسه تسقط فجأة، فيفيق مذعورا، ويعيد ~~رفعها بسرعة، وكأنه ينفي عن نفسه تهمة أنه قصر في يقظته، وأن النوم ~~غلبه في حضرة السلطان اليقظان. وكأنما كان أذان الفجر، بعد الليل ~~الطويل المستعيد لشريط الحياة إيذانا باختلاط الماضي بالحاضر في ~~ذهن سلطان وذاكرته، أحداث ms50 صغيرة تقفز فجأة إلى وعيه قفز براغيث ~~ليالي الشتاء لا يملك الإمساك بها، وإذا أمسكها أفلتت، ثم نوبات ~~مناطق شاسعة بأسرها ضاعت من الذاكرة، أو أضاعها هو بإرادته، فلم ~~تتبع حياته آراءه ومبادئه بدقة كاملة أو انضباط، كثيرا ما كانت ~~تحدث الهوة بين الفعل والمبدأ، بين ما يأمله وما يستطيعه، بين ~~الدأب الجليل المستمر، ثم نفض اليد فجأة، وكأن لا فائدة، وكأن ما ~~يحاول تحقيقه أضغاث أحلام أو أحلام أطفال. مثل ذلك اليوم. # أجل، أجل، ذلك اليوم. # ظهرا كان الوقت؟ منتصف الليل؟ أبدا لا يذكر، المؤكد أن كان ~~هناك وقت، وكان هناك رجل، وكانت هناك استغاثة، طلب ملح، رجاء مليء ~~بالعشم والاستغاثة. استغاثة يدرك صاحبها أنه لم يتوجه بها إلى ~~الإنسان الخطأ، إذ إن شهامته مضرب الأمثال. أنا وقعت من السماء، ~~وأنت تلقيتني. قرار، نعم نعم يذكر جيدا أن كان لا بد له من قرار ~~يتخذه. لا شيء عنده أسهل أيامها من اتخاذ قراره، في ومضة وفي لا ~~وقت يكون حسبها وحسمها. الكل ينتظر ومتأكد أن الكلمة ستخرج من فمه، ~~كما تعودت أن تخرج، جريئة مليئة بعين الحكمة، والحكمة عنده لم تكن ~~التصرف الوقور المتزن، وإنما أحيانا أكثر القرارات جنونا وخروجا ~~عن المألوف إذا كان الأمر والواجب يتطلب ذلك. # مؤيدوه جاءوا، عشرات، مئات، كثيرون وكأنهم آلاف، كأن قدراتهم ~~جميعا على الوصول إلى قرار قد أوقفت، أوقفوها أو توقفت، إذ يعرفون ~~أن هذا ليس عملهم أو دورهم، ولكنه دوره الذي لا يستطيع سواه أن ~~يقوم به بمثل ذلك الحزم والحسم وأصح الصحيح. # كان العدوان قد حدث، أمام الملأ، ثم وكأن من قاموا به مجانين، ~~فقد كان الكل يعلم أن رده سيكون الصفعة في جبروت عنفوانها، والركلة ~~والإهانة ترد عشرات أضعاف ما حدثت به. # كيف حدث ما حدث؟ # كيف وجد الرجل فيه ينكمش، والخوف وإجراء الحسابات داخله يتكاثر، ~~وطال سكوته أو طال تردده إلى أن بدأت الهمسات تترى، وسحابة شك ~~كثيفة تحجب وجه الشمس ووجه القوم ووجهه، وبدلا من زعقته المشهورة: ~~اضرب ms51 يا ولد، اضربي يا بنت، نحيلا خرج صوته وكأنه صوته حين كان ~~صبيا لم يراهق أو يخشوشن صوته، كأنه صوت عيل، أو رجل آثر أن يكون ~~قراره قرارا عياليا، وصوته ينطق به وكأنه صوت خنثى: أنا رأيي ~~أننا نفوتها عليهم المرة دي ونرضخ، ونختار نحن بعد هذا وقت ~~المواجهة ومكانها، مع أن الجميع وهو على رأسهم يعلم أن هذه، هذه ~~الساعة من الظهيرة بالذات، وقد تذكرها الآن تماما، هي أنسب وقت، ~~والاحتشاد للمواجهة لحظتها هو أقوى احتشاد، وأن معنى التأجيل ليس ~~تفويت الفرصة، أو تأجيل المعركة، ولكنه على بلاطة الخوف والتراجع ~~والهرب. # وساعة طويلة ظل يحدثهم عن أهمية الوقت المناسب والمكان المناسب، ~~واحتمال الهزيمة المؤكدة إذا لم يتم هذا بدقة. # وانصرف بعضهم وهو لا يزال يتكلم، مع أن شيئا كهذا أبدا ما حدث، ~~ولا أحد كان يتصور حدوثه، فالحديث تام الوضوح أنه تبرير في تبرير، ~~وأنه في داخله خائف يرتعش، وأنه هذه المرة ليس بسلطان، وإنما هو ~~إلى بهلوان السلطان ومضحكه أقرب. # حتى الأنداد وقفوا مذهولين يسمعون ما لم يخطر على قلب أيهم أو ~~أحد، فقد كانت هجمتهم هجمة يائسين ظهورهم إلى الحائط، وموتا بموت ~~فعلوها وهم مدركون تماما أن الهزيمة المنكرة هي ما ينتظرهم، هزيمة ~~وهم يتصورونها، ويرونها واقعا وحقيقة، لم تكن بمرارة أية هزيمة ~~أخرى تجاه أي خصم آخر، فالهزيمة أمام سلطان ليست ذلك العيب المخزي ~~الذي يتحدث به الناس ليالي وأياما، إنما تكاد تكون نوعا من ~~الشرف، يكفي المهزوم فخرا أن الذي هزمه هو سلطان، وأن جرأته وصلت ~~حد أن يقف أمامه ندا، فلو هزم - ومن المعروف أنه بالتأكيد مهزوم ~~- فيكفيه فخرا أن هازمه هو من لا يجرؤ أحد على منازلته. # زعيم صار، صاحب الرأي والكلمة المسموعة والقرار. حين جاء وقت ~~الجد والقرار يتحداه في عقر داره وعقر مذهبه تحول إلى صعلوك من ~~البشر، فولى الأدبار، وإن حاول أن يبدو قراره قرار حكمة وروية، ~~وهرولته الداخلية يفعلها بتؤدة ووقار الملك يستعرض في خطو الأباطرة ~~العظام حرس الشرف، ms52 ولو كان قد أطلق العنان لما كان يحسه حقيقة ويود ~~حقيقة فعله، لوضع ثوبه في أسنانه، وانطلق يجري جري الأرنب المذعور. ~~كيف يتمطى الجبل ويلد في النهاية فأرا؟ أم أن الفأر فيه كان هناك ~~طوال الوقت؟ إنما كان ينفش نفسه ويضخم صوته، وغلظة جسده وحديثه ~~ليخفي نفسه وحقيقته. # أيام وليال وبضع سنين ظل يحلل ويفتش خبايا نفسه، وبخبث يستدرج ~~محدثيه وندماءه ليعرف لماذا في رأيهم فعل ما فعل، لماذا خاف ~~وارتعش وولى الأدبار، وفي معظم الأحيان كان يسكت بكل ما يملك من ~~قوة الرغبة في السؤال والإجابة عن التساؤل إذ يكاد يواجه بما يشبه ~~مر الحقيقة العلقم، أنه أبدا لم يكن ذلك الجبار الذي صنعوا حوله ~~الهالة، ولا ذلك الشجاع الذي ترتعش لمرآه النفوس، إن الخارج فقط هو ~~ما يظهره هكذا، أما الداخل فكأنه كان طوال الوقت أجوف فارغا، مجرد ~~طفل أعجبته صورة أبيه ورجولة أبيه وشجاعة أبيه، فمضى يقلدها أو ~~يحاول، وأنه رغم الجهد الجبار العظيم لم يتعد أبدا طور المحاكاة ~~والتقليد، وأنه مجرد كذبة، الكارثة العظمى أنه صدقها، ومن شدة ~~إيمانه بها صدقه الآخرون. ساعة اللظى من ذلك اليوم الصيفي الحار ~~ماذا حدث؟ وكأن لظاها أذاب هيكل الأسد، وكأنه كان مصنوعا من شمع ~~أو صلصال، وكأن جلبابه قد فرغ من المضمون ومنه وتبدى الفأر حين ~~خاف حقا؛ لأنه لأول مرة ووجه في حياته بناس اعتقد أنهم لا يخافون ~~منه، وفعلا ممكن أن يفعلوها ويضربوه، ذاب مظهره الرهيب وتبدى ~~الأسد على حقيقته فأرا مذعورا، ولا شيء غير فأر مذعور. # 10 # ولكن المسألة لم تتم هكذا ببساطة كالمعادلات، تردد في قرار أو ~~حتى قرار خاطئ، أو فلنصل بالأمر إلى نهايته ونقول لحظة خوف حين ~~جاءت ومرت، فإذا بها تتركه نتفا ومزقا. # إذا كان الليل قد مر عليه مرور وابورات الزلط فإنه في الصباح كان ~~ذلك الرجل الآخر، بالأدق ذلك الأصل، الأسد، إعصار الترنح الهزيل ~~مضى، واستعاد القوام واعتدل. أنا أنا، ما كنته وما سوف أبقى عليه، ~~مجرد خطأ في الحسابات ms53 جرى، ولكن الله سلم. # هكذا قال، وظل من ساعتها يقولها لنفسه. # ولكن الناس بدأت تقول أشياء أخرى تماما. # لا تقولها نطقا أو كتابة أو حتى همسات إشاعة، وإنما تقولها ~~بعينيها، بتبادل نظراتها، بالعيون التي لا تطرف أو ترتعش مطرقة ~~كلما واجهت عينيه، إلى عيون الند للند أصبحت أقرب، بل ربما عيون ~~القاضي إلى من يحويه القفص، وقد أدانه ولم يبق سوى النطق بالحكم. ~~وكان كلما أدرك بذكائه هذا أحس أنه يتعرى تماما، والفأر الذي في ~~أعماقه يرفع رأسه، ويجعله يتردد ويتلجلج، وينتهي إلى لا قرار، أو ~~يؤجلها بأي حجة إلى وقت مناسب، ولا يجيء الوقت المناسب أبدا، ~~وهكذا حين وجد أن منصبه يحتم عليه في كل وقت أن يأخذ قرارا، قرر ~~أن يخرج عن المنصب، بل وعن القانون نفسه، وأن يذهب إلى عزوته ~~وبلده، ويكون عصابة رجال، ويصبح أبا رجال، ومن خلال درع العصابة ~~يخيف الناس، فيبدو كما لو أن قراره اللاقرار، قرار. # الحادثة التي جرت كانت وكأنما خبأها له القدر في اللوح المحفوظ، ~~مارا هو في عصرية عيد يمشي ساقيه وينفرد بنفسه بعد كثرة ما ~~استقبل من زوار ومهنئين بالعيد، عادته السنوية التي لا تتغير حين ~~يقضي أيام العيد الثلاثة في قريته يذكر ويتذكر، ويرى الزمن يغور ~~بآثاره في الوجوه، ويستمتع بالأنوف الشامخة التي لم تكن تحفل به أو ~~بأبيه، وقد أصبحت تدين بالولاء المطلق، وتتدلى كالأغصان المرتخية ~~فيما يشبه الذلة والمسكنة طالبة منه رضا أو نظرة إدراك وتعرف، ~~سائرا في العصرية يطوف بالحقول المحيطة بالقرية، حيث كانت مرتع ~~طفولته ومكمن ذكرياته، لمحه يقود «النورج» وهو جالس على أريكته ~~الخشبية التي لم تتغير من أيام الفراعنة، يقرأ في كتيب نصف مطوي، ~~أصفر الأوراق باهتها. كان الطريق يؤدي بالضرورة إلى الجرن الذي فيه ~~الولد والنورج والقمح المصنوع دائرة واسعة يدرس. ويمهل كلما اقترب ~~من الشاب الفلاح الجالس بالسروال والصديري المتآكل الوجه المهلهل ~~في يوم العيد هذا يدرس القمح والكل في إجازة، ويقرأ من الكتاب ~~الدفتر مع أن الفلاحين معظمهم أمي، ms54 بمهل يتقدم حتى أصبح ما بينه ~~وبين الولد أقل من مرمى طوبة دون أن يحس الولد بوجوده، أو إن كان ~~قد أحس لم يعط لهذا الوجود أهمية تستحق أن ينتفض هابطا من النورج ~~قادما مهرولا مقبلا الأيادي منحنيا إلى الأرض أمام عمه ~~«السلطان» كما تعود أن يفعل الناس جميعا من أكبر كبير إلى أصغر ~~صغير، ولكن البهائم ظلت تسير وعجلات النورج المسنونة تعوي وتئن ~~والشاب جالس كأنما لا يدري بما حوله، وسلطان واقف مذهول مما يحدث، ~~إذ هو لأول مرة يحدث. ~~- وله! # شخطته التي يعرف الجميع بصماتها انطلقت، وجعلت الكتاب يكاد يهوي ~~من يد الشاب، وهو يحدق ناحيته، يحدق فقط، دون أن يفعل شيئا آخر. ~~أخيرا بعد لأي يقول: يلزم خدمة؟ ~~- خدمة في عينك قليل الأدب ما اتربتش، أنت اسمك إيه يا ولد، ابن ~~مين يا بن الكلب؟ ~~- يا فندي ما تغلطش فيه لحسن أغلط فيك، أنا مش خدام عندك. # وعلى الزعقة والشخطة والوقفة، كان نفر من المارين قد هرولوا إلى ~~حيث الجرن، وكان أكثر من رجل منهم قد اندفع إلى الشاب يجره من فوق ~~النورج، ويتطوع بزغده ولكمه، وهو يقول له: مش عارف عمك السلطان يا ~~حمار يا بن الحمار. # فعلا كان واضحا أنه لا يعرفه ولم يسبق أن رآه، ولكنه ما أن ~~ذكر اسمه حتى اصفر وجه الولد، وأحس أنه وقع في محظور سبحان المنجي ~~منه. # وارتد الرجال إلى السلطان يعتذرون، وكأنهم هم الذين أخطئوا، ~~ويشبعون الولد سبابا ولكما طالبين منه أن يذهب ويقبل يد عمه ~~السلطان ويستصفحه، ولكن السلطان أشار لهم أن لا داعي، فقط أعاد ~~سؤاله: أنت ابن مين يا ولد؟ ~~- أنا أحمد بن محمد الطحان يا سعادة الباشا. ~~- الطحان؟! بتقول الطحان؟! # وكأنما انفرجت أسارير الدنيا كلها إذ بدأ الباشا السلطان يقهقه، ~~والجميع يقهقهون، والولد حائر يحملق فيهم، ولا يفهم شيئا بالمرة، ~~فمن الواضح أنه كان لا يعرف عن حكاية عمه شاهين الطحان المخنث ~~شيئا. ~~- وريني بتقرا في إيه يا بن الطحان. # وحالا كان الكتيب ينتزع ms55 من يد الولد أحمد، ويقدم إلى السلطان في ~~اعتذار واضح عن قدمه وتهرؤ صفحاته. باشمئزاز قلب السلطان ~~الصفحات إلى أن وصل إلى الغلاف المتهالك المصنوع من ورق اللحمة ~~ووجد مكتوبا عليه: موال أدهم الشرقاوي. # وعاد السلطان يقهقه حتى ليكاد يستلقي على قفاه من الضحك والكلمات ~~تختلط بالقهقهة: بقي يبقى عمك شاهين الطحان، وأنت بتقرا أدهم ~~الشرقاوي، وانفض الجمع والحادث، ولكن غيظا ما كان لم ينفرج بعد من ~~نفس السلطان، فأرسل يستدعيه في جلسة المغربية، تلك التي يتبهرج لها ~~دوار الضيافة بالأنوار، وقد أصبحت مصابيح كهربائية باهرة الضوء، ~~وقد ارتدى جلبابا أسود من لون جلده وهات يا تريقة من سلطان ~~والجالسين عليه وعلى عمه، حتى لقد وصل الحد أن قال له السلطان: عمك ~~كان معاك زي الباقيين يا ولد؟ كان بياخدك في الدرة برضه؟ وهنا ~~انطلق الولد مغادرا المجلس في عنفوان كلب قطع سلسلته، والضحكات ~~تشيعه لا تزال. # وربما لهذا السبب عاد إلى سلطان بعض الغيظ الذي كاد ينتهي من ~~نفسه. # كان اليوم التالي يوم جمعة، وبينما السلطان في حاشيته خارجين من ~~المسجد لمحوا أحمد الطحان قادما من الحقل موحل السيقان بالطين ~~يحمل تحت إبطه ربطة برسيم. ~~- وضلالي وما بتصليش كمان، يبقى لازم عمك خدك لفة. # وانفرطت دموع حقيقية من عيون الولد وهو يقول: يا فندي ما يصحش ~~الكلام ده. ~~- إيه، ما يصحش؟ إنت لسه شفت حاجة، والله لنخليك تعملها في عمك ~~عيني عينك الليلة دي. # وهنا حدث شيء لم يكن أحد يتوقعه أبدا. # فجأة، ألقى الولد بحزمة البرسيم جانبا، وقفز على السلطان، ~~واضعا ساقه خلف ساقيه، فتهاوى السلطان على الأرض كالشجرة الفارهة، ~~وانقض الولد عليه وفي يمناه «الشرشرة» التي «يحشون» بها البرسيم، ~~وفي عينيه نار من قرر أن يذبح الرجل ليقتله فورا. # اندفع أكثر من رجل ناحية الراقد والراقد فوقه، فإذا بالولد يزأر: ~~والله اللي حيخطي ناحيتي لجازر رقبة ال... دهه. # وتجمد الكل في مكانه، فالتفت إلى السلطان وطرف الشرشرة مغروز في ~~أيمن عنقه، ما هي إلا جرة واحدة حتى ms56 يذبحه ذبح الشاة، والنار لا ~~تزال تتلظى من عينيه، وقال: مش حاسيبك إلا لما تقول أني مرة، ~~قول. # تعالت أصوات الاحتجاجات من خلف الولد وأمامه، وقد أصبح هو ~~والسلطان وسط حلقة لا نهاية لها، ولكن الولد صرخ كالوحش الجريح: ~~اللي عنده كلمة يوفرها ووالله والله إن ما قالها حالا لدابحه. ~~انطق ... قول أني مرة. # ولم ير السلطان مخلوقا في عينيه عزم الجريمة كما رأى وجه ~~الولد، ولم يحس هو برعب فوق طاقة البشر مثلما أحس وسن الشرشرة قد ~~بدأ يقطع والدم يتفجر. # كان صعبا تماما أن يقولها، أو يتلفظ بها، ولكن الموت أمامه ويا ~~روح ما بعدك روح، حاول أن يستجمع رجولته ويشخط أو يزأر أو حتى ~~يسكت، ولو جزت الشرشرة رقبته، ولكن إرادته التي كانت قد تفتت منذ ~~موقفه المتردد الأول، وتتابع تردداته، أبت أن تتجمع أو تقاوم أو ~~حتى تأخذ قرارا بالمقاومة. وأشد ما أذهله أنه لم يقلها بتسليم أو ~~خضوع للأمر الواقع، ولكنه قالها وكأنه يتنفس الصعداء راحة: أنا ~~مرة. # وتهدجت صدور الجماعة الملتفة، وكأن السماء انطبقت على الأرض، أو ~~كأن الأسد قد تحول أمام أعينهم إلى لبؤة، تهدج وأصوات همهمت قطعها ~~أحمد الطحان بجبروت المنتصر قائلا: تفوه عليك. # وبصق الطحان في وجه السلطان، ثم بقفزة كان قد أصبح خارج الدائرة ~~شاهرا شرشرته، مثيرا الرعب، وكان قد ولى الأدبار، بحيث حين أفاق ~~الجميع لم يجدوا له أثرا، لا في بيته، ولا في بيت عمه، ولا في ~~الحقول، ولا في الأرض، ولا في السماء. # 11 # وصحيح أن الشرشرة لم تجز رقبة السلطان، ولكنها كانت قد فصلت ~~كبرياءه تماما عن جسده. وغادر القرية ولم يعد لها أبدا، حتى ~~والموكب وقد صغر كثيرا يودعه، كانت جماعته تقول أشياء لا تقولها ~~نطقا، أو حتى همسة إشاعة، وإنما تقولها بيديها، بتبادل نظراتها ~~بالعيون التي لا تطرف أو ترتعش مطرقة كلما واجهت عينيه، إنها عيون ~~الند للند، وكلمات الوداع الهشة التي ما كانت تقال إلا جبرا ~~للخاطر. # الموت كان أرحم لهؤلاء الذين يفعلون ms57 مثله ويتصدون للزعامة ~~والسطوة، يصبح الخيار بين الموت وهتك العرض، إذا كان لا بد من ~~خيار، فالموت ولا شيء سواه يكون الخيار. # يأتيها من تلك الزاوية أو هذه، لم يجز شعر رأسه، ويصير أسدا ~~أقرع له رأس اللبؤة، وإنما لم يعد ثمة ضرورة للكبرياء، أو حتى ~~الكرامة، سيد الرجال قالها، وأعلن أنه امرأة، حتى لو كان إعلانه ~~إنقاذا للحياة، فهو إعلان قد تم وحدث، غيره يموتون فعلا من أجل ~~مواقف أقل، غيره ممن لا يزعمون أنهم أسياد رجال أو أصحاب سطوة أو ~~زعماء، أناس عاديون يقتل الواحد فيهم أو يقتل بسبب أقل، يقتل ~~أو يقتل ولا ينطقها. # تحييه - ذلك الإنسان - كلمة، وتميته كلمة، وإرادته هي الأخرى ~~تصلبها كلمة وترخيها كلمة، ولا تتراخى الإرادة مرة، إنما إذا هي ~~بدأت الطريق إلى التراخي لا تتوقف، فكل تراخ يقود إلى تراخ أكبر، ~~حتى لتضيق نفسه مرة ويجد أنه يقول: لا بد أني لست بذلك الرجل الذي كنته، لا بد كان في داخلي طحان كشف عنه ذلك الولد بفعلته، ثم فعلا ~~ما العيب أن يكون الإنسان طحانا؟ # وفعلا يحس، حتى بجسده قد بدأ يتغير، حريص ألا يكشفه أمام أولاده ~~الشباب الكبار، حتى لاحظ أن شعر ساقيه وصدره قد بدأ يقل، وينمحي ~~تماما من أجزاء، ويحس كلما نظر إليه شاب وأطال النظر، أنه يرى فيه ~~ما يخجل، فيخجل خجلا ليس مثلما كان يخجل حين كان السلطان، ولكنه ~~خجل الخجلان من نفسه فعلا، الخائف على نفسه من الآخرين فعلا، ~~الموشك أن يخفي كل قطعة من لحمه أو عضلاته كأنما ستفضح خجله، أو ~~تفضح أنه لم يعد أبدا ذلك الرجل الذي كانه. # 12 # كان الشيخ أبو المعاطي قد انتهى من أذانه، وبدت الدنيا أكثر ~~ظلاما مما كانت قبل أن يحين أذان الفجر، ظلام يغري بانطلاق ~~الهواجس والمكنونات، ولم تكن تلك المرة الأولى التي يجلس مع ~~«الثور» أو يستبقيه إلى قرب الفجر وما بعد الفجر، حتى لقد بدأ ~~الولد يتساءل عما يريده منه عمه السلطان، ووصل به الأمر ms58 أن افترض ~~أنه لو طلب منه مطلب الرجال من النساء، فماذا يفعل؟ لم يكن يدري ~~بالانهيارات الداخلية التي حدثت لسلطان إلى درجة أن مطلبا كهذا ~~كان مستحيلا أن يرد على خاطره، ولكن أنى له أن يعرف أن الأمر قد ~~بلغ بالسلطان إلى منتهاه، وأن تلك اللقاءات الليلية بكثرتها قد ~~فعلت فعلها، وجعلت شيئا غريبا يرتبط في ذهن سلطان بها. كلام ~~رجالة، كلام رجالة. راجل لراجل، راجل لراجل. الرجل يربط لرجولته من ~~لسانه، هكذا كان الكل يعلم، ولكن هو وحده الذي بدأ يعرف أن الرجل ~~أيضا ممكن أن يفك من رجولته بكلمة، ينحل العقد الذي شب وهو يربط ~~نفسه به وبرجولته. ولماذا لا يقترب من الولد «الثور»، والدنيا ~~ظلام، ولا أحد يرى أحدا، حتى هو نفسه لا يرى ولا يريد أن يرى ~~نفسه، وهو يقترب ويقترب، والولد قد وطن نفسه على الاستجابة، فما ~~باليد حيلة، وإذا بالطلب عكس ما وطن نفسه. مذهولا لما حدث ويحدث. ~~فرحان أنه نجا، وإن كان بطريقة أخرى قد وقع، غير مهم، فالمهم أنه ~~قد وصل إلى حالة يستوي معها هذا أو ذاك. # وتم كل شيء والعرق اللزج الفائح برائحة كبرياء يتحطم، وعزة نفس ~~تتمزق، وهوان يستسيغه ويستمتع به، روائح لا تفعل باختلاطها إلا أن ~~تثير الغثيان، ولكنها لم تثر أبدا غثيانه. ~~••• # كل الأسرار يخفيها ظلام ليلة، حتى إذا تعددت الليالي قل ظلامها ~~وكثرت شفافيتها وبدأ ينكشف ما كان يخفيه ظلامها، وبدأت الإشاعات، ~~باهتة تتوالى على أسماع الناس، مستهجنة أول الأمر، وكأنما هي تجديف ~~في حق ولي من أولياء الله، ثم بالإلحاح، تتعودها الأسماع، ثم تصبح ~~شهرته كمثل شهرة شاهين الطحان، الذي كان قد مات، وقيل إن أحمد ابن ~~أخيه هو الذي استدرجه إلى القناطر وأغرقه، غير أن صوته العالي ~~الشاخط المرعب، وإن كانت قد انتابته ليونة، نفس الليونة التي ~~انتابت جلده وعضلاته، إلا أنه كان لا يزال على عادته يشخط: يا ولد. ~~ويستجيب الناس لشخطة الزعيم، ولكن في أكمامهم يخرجون له لسانهم، أو ~~يكتمون ضحكة صاخبة ms59 عالية تريد أن تنفجر من صدورهم ذات مرة وتنهي ~~المهزلة. # ولكن أبدا، ذلك الأدب المنافق الذي يتحلى به الناس، كان دائما ~~يحول بينهم وبين أن يجأروا أو يضحكوا أو ينفجروا بالحقيقة. # نفس ذلك الأدب المنافق الذي جعله يستمرئ خضوعهم، ولا يعود يبالي ~~أن يقولوا عنه ما يقولون، يخفون أو يكتمون أو يظهرون، فكما أسقط ~~عنه ذات مرة برقع الرجولة، أسقط عنه بنفسه برقع الحياء. # ونصف نائم، نصف مستيقظ، نصف مخدور، أو سكران، يتأمل جلده وكأنما ~~بفخر، حين يوغل الليل، وهو في الفراندة أو في اللوكاندة، وأمامه ~~فتحي «الثور» أو إبراهيم «الجحش» أو سعيد «البغل» أو صبري «الكلب». ~~فلا يزال هو السلطان، لا يزال هو الأسد. ms60