######OpenITI# #META# URI: 1412YusufIdris.Cayb.Hindawi13647930 #META# Tags: novels #META# ID: 13647930 #META# Title: العيب #META# AuthorID: 95064085 #META# Author: يوسف إدريس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # العيب‏ # العيب‏ # | العيب # | العيب # تأليف # يوسف إدريس # | العيب # ثلاث مرات في تاريخ المصلحة ازدحمت مثل هذا الازدحام ... يوم توفي سعد زغلول ونعاه الناعي، ~~ويوم طرد الملك، واليوم الذي عينت فيه سناء؛ ففي ذلك اليوم تم تعيين خمس من زميلاتها ~~الناجحات في المسابقة، وفي نفسه أيضا انقلب المستحيل حقيقة وانقلبت المصلحة سوقا أرخص ما ~~فيها الكلام، بل لا شيء فيها غير الكلام، المصلحة من يوم إنشائها والعاملون فيها رجال في ~~رجال، الرجال هم الذين أنشئوها ووضعوا لها اللوائح والقوانين، وهم الذين تولوا طوال تاريخها ~~التنفيذ، وهم الذين بنوها طوبة طوبة ورسموا التقاليد، رجال، كلهم رجال! حين يشيخ منهم جيل ~~ويودع العمل يحل محله جيل جديد، شبان صغار بآراء جديدة ودم جديد، ولكنهم مع ذلك أيضا ~~رجال، ربما لهذا لم يصدق أحد البتة تلك الإشاعة التي سردت ذات يوم، وقالت إن النية قد ~~اتجهت إلى تعيين «بنات»! كيف يصدقها أحد والمصلحة من يومها - ككل مصلحة - وكر رجالي لا تسمع ~~فيه إلا أصواتهم وشكاياتهم، ولا تشم فيه سوى روائحهم ووقع خطواتهم ... طالعين هابطين، دارسين ~~لأسرار العمل العظمى والكادر وأمزجة الرؤساء؟ # ولم تكن استحالة التصور تحيزا ضد المرأة، ولكنها استحالة أن يعتقد أحدهم أو يهضم أن ~~تستطيع فتاة أو سيدة ما في الوجود أن تجد لها مكانا داخل هذه المؤسسة الرجالية الخالصة ... ~~تماما كما لا تستطيع أن تتصور أن توجد فتاة أو سيدة في جناح الملابس الداخلية الخاصة ~~بالرجال مثلا، فهنا مكان رجالي مزدحم - لا بحكم اللوائح - ولكن بحكم الكتلة ونوع الكتلة ~~وكتلة الكتلة، تماما كما لا تستطيع أن تتصور وجود لوزة سوداء مع لوز القطن الأبيض، أو وجود ~~رجل - أي رجل - في مكان خاص بالسيدات مهما كان السبب في تجمعهن، حتى ولو كان سببا لا ~~يمت إلى الجنسين بصلة. # لهذا فالإشاعات حين سرت قبل بضعة شهور عن اتجاه النية لتعيين بعض الفتيات في المصلحة، لم ~~تقابل بأي تعليق على الإطلاق، وأي تعليق بإمكانك أن تدلي به لو قالوا مثلا إن النية ~~متجهة لتعيين ms01 أطفال للتدريس في مدارس روضة الأطفال! # والضجة التي لم تحدث إلا حين ذهبوا إلى عملهم ذات يوم كالمعتاد لا بهم ولا عليهم، فوجدوا ~~في أكثر من حجرة من حجرات المصلحة فتيات، وأكثر من هذا وجدوا قرارات بسرعة قد كتبت على ~~الآلة الكاتبة في أقسام المستخدمين، ومكاتب جديدة - وخطان تحت جديدة هذه - أعدت وجلست ~~عليها الفتيات. # ولا يهمنا ما حدث في الحجرات الأخرى، يكفي جدا أن نختار مكتب التصاريح الذي قدر أن ~~تعمل به «سناء» من بين الخمس فتيات اللاتي عين كدفعة أولى، وخطان تحت أولى ~~هذه. # يومها وبعدما بقيت في الردهة فترة تسأل عن محيي أفندي الذي قيل لها أن تذهب إليه بالورقة ~~التي معها، وفي الطرقة الطويلة نسيت اسمه، ووقفت حائرة تسأل الساعي الجالس فوق كرسي واضعا ~~ساقا على ساق، ومن تحت شاربه الكث غير المشذب تخرج كميات هائلة من الدخان أكثر بكثير من ~~التي يجذبها تباعا من السيجارة النحيفة التي لا تكاد تظهر بين أصابعه ... تسأله عن محيي ~~أفندي والساعي يحتسي القهوة من الكوب الزجاجي الرفيع باستمتاع، ويؤكد لها أن لا أحد في ~~قسمهم له هذا الاسم، وبعدها تحايلت على التذكر بأن طلبت منه في لباقة - وابتسامة لجأت إلى ~~أنوثتها كي تجعلها ساحرة - أن يعدد لها أسماء الموظفين، وتفعل الابتسامة فعلها ويكر الساعي ~~الأسماء، وبهذا وحده تعثر كالغريقة على اسم محيي أفندي، وبعد قليل تعثر عليه شخصيا، ~~ويدخلها الساعي وهو لا يعلم من تكون، بل وكاد يفقد عقله وظل أكثر من ربع ساعة يضرب كفا ~~بكف - لا تدري لماذا - حين عرف أنها موظفة جديدة عينت في المكتب، ولا يصدق ... ولا يصدق ~~حتى وهو يقطع احتساءه للقهوة ويحمل لها على كاهله من المخزن مكتبا جديدا أنيقا ويضعه ~~كيفما اتفق في حجرة الموظفين ذات الأربعة مكاتب، ويعاني الأمرين وهو يضعه وكل منهم ~~يشير عليه أن يضعه في مكان، والمشير والمشار إليه لا يزالان غير مصدقين أو مقتنعين أو ~~مؤمنين بأن ما يدور، أمامهما وأمام الآخرين، حدث حقيقي سيظل موجودا غدا ms02 مثلا وبعد غد ~~وإلى وقت القيام بالإجازة السنوية، حتى حين استقرت سناء على مكتبها الذي جاء وضعه في أسوأ ~~مكان في الحجرة، فالحجرة لها أربعة أركان، وكل موظف فيها قد اختار له ركنا تشبث به واحتمى، ~~واحتله احتلالا أبديا، وكل ما يميز ركن الباشكاتب رئيس الثلاثة، أن مكتبه أكبر قليلا ~~ومتقدم قليلا بحيث يواجه الداخل إلى الحجرة. المكتب الجديد وضعوه هكذا بجوار الباب مباشرة ~~ودون أن يتنازل أيهم ويزحزح مكتبه، حتى بدا وضعه نشازا، وبدا وكأنه متطفل على الحجرة؛ ~~فللحجرة أربعة أركان، وفيها أربعة مكاتب قائمة وثابتة ومشغولة، ما حاجتها إلى موظف أو موظفة ~~جديدة أو ركن خامس؟! ولم تكن هذه كل سيئات الوضع الجديد للمكتب، فبوجوده بجوار الباب ~~يعرض الجالس عليه - أقصد الجالسة - للخبط كلما فتح الباب، حتى حين حاولت سناء ~~جهدها أن تعدل من الوضع بحيث يتلقى مكتبها أقل الخبط باءت جهودها بالفشل. # كل هذه تفاصيل صغيرة وغير مهمة، فالمهم أن الساعة ما كادت تشرف على التاسعة حتى كانت ~~سناء قد استقرت تماما على كرسيها، ووضعت يديها أمامها فوق المكتب كعادتها إذا جلست إلى ~~ترابيزة لجنة الامتحان قبل توزيع الأسئلة، كانت تنتظر ما سوف يعهد إليها به من عمل، فهي لم ~~تنم ليلة الأمس إلا نادرا، وقضت الساعات الطويلة تحلم بما سوف يحدث في الغد بتفاصيله ~~الصغيرة حتى: كانت تحلم بدخولها المكتب، برئيسها، بالطريقة التي تقابل بها زملاءها، ثم ~~أخيرا بالعمل، لم تكن تعرف بالضبط ماذا ستعمل، ولكن أحلامها ظلت تدور في غموض مثير حول هذه ~~النقطة بالذات، ويدق قلبها بالانفعال وكأنها ستزف إلى العمل مثلا ... إلى ذلك الشيء ~~الغامض المحير الذي له رائحة الرجال ولملامحه جديتهم وصرامتهم. مهما كان فهي تريده، وها هي ~~ذي تحلم وتتلوى وتحتضن المخدة مفكرة فيه محاولة أن تتخيل نوعه ووقعه وأهميته، وتصرفاتها ~~إزاءه. # وحين جاء الصباح أخيرا وتم كل شيء تقريبا كما تخيلت، لا تزال برغم وجودها فوق كرسي ~~وأمام مكتب وفي حضرة رئيس وزملاء، تحلم وتتصور وتبتلع ريقها مرارا في انتظار ms03 ما ستكشف عنه ~~اللحظات القليلة الخطيرة المقبلة. ~~••• # اللحظات القليلة المقبلة لم تتكشف عن شيء ذي بال بالنسبة لسناء، الحقيقة تكشفت عن أشياء ~~بالنسبة لزملائها الموظفين! إذ في ذلك اليوم ورغم مضي ساعة على بدء العمل لم يبدأ العمل، ~~وإن وجد كل منهم نفسه مشغولا بترتيب أوراق، والتحدث إلى الرئيس الباشكاتب في مسائل تتعلق ~~بالعمل، مستعملا في حديثه اصطلاحات وتعبيرات تكنيكية خاصة، مدسوسة من عمد، ولكن أحدا منهم ~~- حتى الباشكاتب نفسه - لم يكن قد فكر لثانية واحدة في العمل، وفي الفترات التي كانوا يكفون ~~فيها عن التفكير في العمل - وهي ليست قليلة بالمناسبة خلال اليوم الواحد - كانوا في العادة ~~يتحدثون عبر المكاتب ويتناقشون، في تلك الساعة لم يعملوا، ووجدوا أنفسهم غير قادرين لسبب ~~ما على التحدث عبر المكاتب كما اعتادوا، لا لوجود سناء أو لخجلهم منها ولا لأي سبب معلوم، ~~كل ما في الأمر أن أمنية كل منهم كانت قد تركزت دون أن يشعر حول أن يتاح لهم أن ينفردوا ~~بأنفسهم قليلا ليعودوا أربعة مثل ما كانوا حتى يصبح باستطاعتهم التفكير أو الحديث، وأيضا ~~لم يكن يعرف أي منهم بالضبط ما يريد قوله، أشياء كثيرة يحس بها، ولكنه لم يكن يعرف بالضبط ~~ما هي أو كيف يعبر عنها، وحتى تلك اللحظة لم يكن أي منهم قد ألقى نظرة متطلعة أو متعمقة إلى ~~زميلتهم الجديدة، ولا حتى رأى إن كان شكلها يعجبه، أو حاول معرفة اسمها أو ماذا ستقوم به من ~~عمل، كان يؤجل هذا كله إلى أن يعود نفسه أولا ... أن يمسك بزمام كيانه ليستطيع أن يتكلم أو ~~يرى أو يسمع أو يعرف، كل شيء ظل يؤجله إلى أن تغادر القادمة الجديدة الحجرة، ولو حتى ~~للحظة. # ولكن سناء لم تغادر الحجرة، بل وكانت هي الأخرى لا تستطيع أن ترى أو تسمع أو تحس بما ~~حولها، وإن كانت لا تزال جالسة ويداها فوق المكتب وعقلها في حالة سكون تام في انتظار أن ~~يقول أحد له تحرك ليتحرك. خيالها فقط هو الذي كان ms04 يتحرك ... وحتى لم يكن يذهب بعيدا، كان ~~يتحرك «محلك سر»، يترقب أن يعرف أخيرا هذا الشيء المجهول الذي تعبت سناء وأتعبت أهلها معها ~~وتعلمت ونجحت ليتاح لها أن تأتي إلى هذا المكان وتعرفه. # وفقط حين انتقل عقرب دقائق الساعة المثبتة فوق رأس الباشكاتب إلى علامة النصف بعد الثانية ~~«فالساعة كانت ثمة خمس ساعات فرق بينها وبين التوقيت المحلي للقاهرة»، حين تحرك العقرب ~~ليشير إلى التاسعة والنصف ولم تتحرك سناء أو تغادر الحجرة، بدأ الأربعة يتململون ولم يعد ~~باستطاعتهم الصبر، واستأذن أحمد وخرج، وما لبث شفيق أن تبعه والتقى الاثنان على الباب، وقبل ~~أن يحدث أي شيء آخر وجدا نفسيهما يقهقهان ويتصافحان بعنف، وكأن أحدهما قد انتهى لفوره من ~~إلقاء نكتة أعجبت الآخر، وجعلته يتطوح ويتلوى «ويدق» على كف زميله مرة ومرات. # قال أحمد: شفت يا عم؟ # وضحك شفيق وهو يأخذه من ذراعه ويبتعد عن الحجرة حتى لا تتسرب ضحكاتهما إلى الداخل، ولم ~~يذهبا بعيدا فقرب البوفيه وجدا إسماعيل وصفوت و«أبو» النجا من قلم المراجعة في حالة مؤتمر ~~ضاحك، دخل عليهم أحمد بقامته الرفيعة الطويلة وصديريه الذي يتهدل من ناحية ويبدو في هذه ~~الناحية بالذات أوسع من صدره وقميصه، وطوق صفوت وإسماعيل بذراعيه قائلا: شفتوا اللي ~~حصل؟ ~~- دا احنا لسه نا نتكلم. ~~- كفك على كده. # وتصاعدت من الخمسة قهقهة غطت على كل الضجة الصادرة من البوفيه ... قهقهة انزعجت لها لا ~~بد أبنية المصلحة العالية الوقورة، وما لبثت الطرقة والصالة وحجرة الموظفين في قسم ~~الأرشيف - الوحيدة التي بقيت على حالها رجالية محضة - أن امتلأت بموظفي المصلحة وكأنهم في ~~حالة فسحة أو إضراب ... جماعات متفرقة وشلل وأقسام بأكملها على هيئة مؤتمر، وحتى حجرات ~~الرؤساء ذات السجاجيد كنت تجد بعضهم قد سعى إلى الآخر وطلب القهوة وجلس وبدأ الحديث. # في تلك الساعات الأولى من اليوم الأول لم تكن الآراء محددة، بل لم تكن هناك آراء على ~~الإطلاق! ضحكات وقهقهات كنت تجد تريقة، لا على الموظفات الجديدات ولكن على أنفسهم، أو على ~~وجه أصح على ms05 الضعفاء منهم، وبالذات تلك النماذج الغلبانة التي ليس باستطاعتها التريقة أو ~~قول النكات، أحدهم يقترح على عم فرج موظف الخزنة أن يذهب ويبحث لنفسه عن عمل آخر، إذ هم في ~~الطريق إلى فصله من عمله بسبب شكله القبيح وتعيين موظفة خزنة من طراز مارلين مونرو، والنكات ~~تنهال على الحاج إبراهيم الفراش ذي اللحية: بكره الست تبعتك تشتري خضار يا حاج ... واللا ترضع ~~النونو، ومين عارف يمكن تقصدك مرة ترجع الكورسيه! وذلك الذي يقترح على متعهد البوفيه أن ~~يفتح فاترينة للروج والريميل! إلى آخر ما استطاعت عقول الموظفين ابتكاره من أبواب القافية ~~والتنكيت. # وفي طواف أحمد وشفيق بالمصلحة، والمصلحة كلها كانت في حالة طواف ببعضها البعض، التقيا ~~بالباشكاتب وسلما عليه بحرارة وكأنهما يقابلانه بعد سفر، وهو الآخر أخذهما بالأحضان وكأنه ~~نجا لتوه من حادث، وقال له أحمد: هيه ... إيه رأيك؟ ~~- قالوا اللي يعيش يا ما يشوف ... وياما لسه حنشوف! # واكتشف الثلاثة بعد برهة أن «الجندي» ليس موجودا في طرقات المصلحة ولا ردهاتها، وأنه لا ~~بد قد عسكر في الحجرة لم يبرحها، وزمانه في تلك اللحظة هو و«الست» وحدهما، وأن يترك ~~الجندي مع سيدة بمفردها في حجرة تقابل عندهم أن يترك المراهق مع سيجارة، أو المراهقة مع ~~تليفون، وضع معناه كارثة محققة. ~~••• # وليس لهذا الأمر وحده عادوا جميعا إلى الحجرة، كانوا بعدما شبعوا ضحكا وتهليلا وأفرغوا ~~كل ما عندهم من نكات، قد اكتشفوا أن أحدا منهم أو من غيرهم ممن كتب عليهم أن يرزءوا ~~بفتاة من الفتيات الخمس لم يكن قد رأى «الست» أو تفرج عليها، اكتشفوا أن انفعالهم كان لمجرد ~~الخبر المؤكد الذي ليس إشاعة أو نية أو اتجاها، ولكن حقيقة واقعة أصبح لها مكاتب، وصدرت من ~~أجلها قرارات، أليس من الواجب أن يروا كنه تلك الحقيقة ويتأملوها؟ # وصح ما توقعوه، فما إن فتح أحمد الباب وتراجع ليدخل الباشكاتب أولا، حتى تناهى إلى ~~سمعهم صوت محمد الجندي الأخنف قليلا يقول: يعني لسه ما تشرفناش باسم حضرتك. # ولأول مرة يتعالى في حجرتهم ms06 صوت حريمي يقول: سناء. # يقولها في خجل متلعثم سريع لا يليق بزميلة، هنا تلكأ الباشكاتب في الدخول وبقي الباب ~~مفتوحا، وجاءهم صوت محمد الجندي مرة أخرى يقول بطريقة ليست غريبة عليهم. ~~- تشرفنا ... أهلا وسهلا ... ثناء وأنت صحيح ثناء. ~~- أنا اسمي سناء ... سناء بالسين. # وإلى هنا لم تحتمل الأعصاب، وهجم الثلاثة داخلين في كتلة مندفعة ذات ثلاثة أحجام مختلفة ~~ما لبثت أن انقسمت وتمكتبت، وصوبت ستة أزواج من العيون التقت كالأنوار الكاشفة النهارية ~~على وجه محمد الجندي، وكأنما لتضبطه وتصب عليه ستين زوجا من اللعنات ... لعنات الباشكاتب ~~معروفة بترفعها واحتقارها لأساليب الجندي، ولعنات أحمد الطويل فيها قرف من لزاجة الجندي ~~المعهودة، ولعنات شفيق لم تكن في حقيقتها لعنات، كانت مجرد تأنيب دقيق كإمضائه لا تتبينه ~~بسهولة كتأشيراته، كآرائه في الناس والحياة. # وفعل كل هذا فعله في الجندي، فما لبث أن اختفى وجهه عن الأنظار اللاهثة الكاشفة وانكفأ ~~يكتب، أو على الأصح يحرك القلم على هيئة كتابة. # ولكن الأنظار ظلت مسلطة عليه، وكأنما لتتأكد من صدق توبته، ثم ما لبثت في أزمنة متفاوتة، ~~وبسرعات متفاوتة، وتردد وأدب وقلة أدب وقوة أبصار متفاوتة أيضا، أن استدارت إلى «الست» ~~تتفحصها وتحلل ملابسها إلى عواملها الأولية وأثمانها، ووجهها إلى أنف وعيون ونوع بودرة ~~وطريقة تصفيف شعر، وحذائها الواضح من تحت المكتب لتحدد إلى أي الطبقات الاجتماعية ~~تنتمي. # والظاهر أنهم اندمجوا في الاستطلاع والتحليل إلى درجة لم يشعروا فيها بعيون محمد الجندي، ~~وهي تنضم إلى وليمة العيون بلا حرج أو تكليف، وبطريقته الدنيئة اللزجة الخاصة. # وغير مهم الزمن الذي استغرقته عملية الفحص، فهم وإن كانت مشاربهم وشخصياتهم وأهواؤهم ~~مختلفة متباعدة إلا أنهم جميعا - بمن فيهم الجندي - خرجوا برأي واحد ... الواضح أن الزميلة ~~العزيزة جميلة التقاطيع، مسمسمة، سمراء قليلا، ومن كل أدوات الزينة لا تستعمل سوى الروج، ~~ليس غامقا كالسمراوات حين يضعنه، ولكنه روج مؤدب هو الآخر ليس هدفه أن يبرز جمال الشفاه، ~~إنما هدفه فقط أن يدل على وجودها ويحددها، وكان واضحا أنها ليست مؤدبة فقط، ms07 ولكن أدبها من ~~النوع الذي لا يمكن التحول عنه، فهي لا تستعمله؛ لأنها مع رجال مثلا أو تخاف على سمعتها، ~~ولكنه أدب حقيقي نابع من طبعها. # غير أن الجندي لم يفته أن يلاحظ أنها قد طلت قدميها بالمانيكير، وقد أسعده اكتشافه هذا ~~سعادة لا توصف، فهو في نظراته لجنس النساء عامة كان دائما يحاول أن يجد فيهن أو في ~~شخصياتهن ما يسميه هو بعلامة «الرضاء الموارب»، وسناء كان من الواضح أنها من النوع المحصن ~~المغلق الحصين، ما عدا هذا الطلاء الذي لا يكاد يرى في أصابع قدميها. # لعل وعسى يصلح علامة للرضاء الموارب، من يدري؟ لعل وعسى. ~~••• # وفي حوالي الحادية عشرة بدأت تحدث في المصلحة - وعلى نطاق أضيق - حركة تجوال أخرى وتطواف ~~هدفها تكوين فكرة ما عن الموظفات الجديدات، واثنان من موظفي الحجرة هما اللذان خرجا هذه ~~المرة ... كان أولهما محمد الجندي الذي اتجه فورا إلى إدارة التفتيش، حيث قد سمع عرضا من ~~الساعي أن الموظفة التي عينت هناك مثل «المهلبية»، فعلا وجدها كذلك وبطريقة تسيل اللعاب، ~~فقد كانت تبتسم على الفاضي والمليان ولكل من هب ودب، وتحادث كل راغب في الحديث، وكل ~~شوية وشوية تمد أصابعها بسرعة لتطمئن على «القصة» وتفرد شعراتها أو تجذبها إلى أسفل ~~لتعيدها إلى فوق جبهتها، ولكنه أيضا لم يتوقف كثيرا في إدارة التفتيش؛ فقد كان عليه أن ~~يطوف بالمكاتب الثلاثة الباقية، لتكون فكرته عن الزميلات الجديدات كاملة ومبنية على أساس من ~~المشاهدة الشخصية التي لا تقبل الجدل. # وأكثر من «جندي» كنت تجدهم كذلك، وأكثر من جماعة تكونت أعضاؤها من السعداء التي عينت ~~في أقسامهم فتيات يتبادلون الرأي حولهن ويقارنون بينهن ويختلفون حول أيهن تتوج ملكة الجمال ~~على الخمس؟ وأيهن أكثر أناقة؟ ومن ملكة السيقان؟ ولم يخل الأمر من جماعات مشتركة من سعداء ~~الحظ وتعسائه، أولئك الذين ظلت مكاتبهم رجالية خشنة في تلك الجماعات، وبعد أن كان أعضاؤها ~~ينتهون من التحسر أو التفاخر كان يبدأ حديث ما عن المستقبل، وبالذات عن مستقبل الفتيات ! ~~وعند هذه ms08 النقطة كانت تتفق آراء الجميع على أنها مسألة أيام فهن قد نجحن حقيقة في اقتحام ~~ذلك المعقل الرجالي، واغتصاب مكاتب بقرارات، ولكن المشكلة ليست في الاقتحام ... المشكلة في ~~الصمود في العمل نفسه، فمما لا شك فيه ولا نقض أنهن لن يستطعن بأي حال أن يمارسن العمل، ~~لا لصعوبته، ولكن لاحتياجه إلى عقلية الرجل وتصرفه وشخصيته ... وهكذا كان أكثر المتفائلين ~~تفاؤلا لا يعطيهن سوى شهر واحد مهلة، بعده ستضطر المصلحة حتما لأن تطلب نقلهن إلى أعمال ~~أخرى في الوزارة، أو حتى خارج الوزارة كلية ... والدلائل كانت تشير إلى أن شيئا من هذا وشيك ~~الحدوث، فالمصلحة لتلك اللحظة حائرة لا تعرف ماذا تعهد إليهن به، والفتيات لا يزلن جالسات ~~لا يفعلن إلا الانتظار، بينما موظفة التفتيش نادمة على أنها لم تحضر معها الإبر والتريكو؛ ~~إذ كان باستطاعتها خلال السبع الساعات التي قضتها جالسة تنش الذباب أن تنتهي بسهولة من ~~البلوفر الذي بدأته. # يومها، ذلك اليوم الأول، عادت سناء إلى البيت بإحساس تلميذة أولى ابتدائي حين تعود بعد ~~أول يوم دراسي في حياتها، وكل ما داعب خيالها من أحلام حول الدراسة قد تبخر في أثناء ~~جلستها الطويلة على المقعد بلا حصص ولا كتب جديدة ولا مسائل حساب. # ولكن ذلك كان في اليوم الأول فقط، فما كاد يمضي يوم آخر إلا وسناء قد وجدت نفسها غارقة في ~~العمل، ضائعة مشتتة، وكأنها تقرأ أسئلة امتحان جاءت كلها خارج المقرر، لقد ظل الباشكاتب ~~يشرح لها ما يجب عليها عمله أكثر من ساعة، ويسألها بعد نهاية كل شرح إن كانت قد فهمت فتهز ~~رأسها بالإيجاب، ولكنها حين يعهد إليها بالموضوع على سبيل التجربة تجد كل ما قاله يطير من ~~عقلها ويتشتت، وتجد نفسها عاجزة عن تنفيذ ما طلبه أو فهمه. تحدق في يأس قاتل ناحية أحمد ~~وشفيق وحتى محمد الجندي، وتجدهم جميعا منكبين يعملون بسرعة وببساطة، فتكاد تبكي وهي تحس ~~بهم عباقرة مشتعلي الذكاء، وبنفسها غبية حمقاء لا يمكن أبدا أن يأتي عليها يوم يصبح لها ~~فيه ms09 نفس قدرتهم الخارقة تلك. # والغريب أنها بعد بضعة أسابيع حين أدركت أن كل المعميات التي كان مطلوبا منها أن تنجزها، ~~لم تكن تتعدى تحرير التصريح وتتبعه حتى يختم بخاتم المصلحة، كانت تضحك على نفسها ولخمتها! ~~ولكنه شيء لم يحدث إلا بعد بضعة أسابيع، أما في تلك الأيام الأولى فحدث ولا حرج عن العرق، ~~والمنديل الصغير وهو ينتقل في سرعة واضطراب كمنديل الحاوي المبتدئ من باطن إحدى اليدين إلى ~~الجبهة، والخجل المشل للقلب المعشي للبصر، والدموع ... الدموع الداخلية غير المرئية التي لا ~~تني عن سكبها في المصلحة، والدموع الظاهرة التي تنفجر بإرادتها في البيت، حالة ليتها كانت ~~تملك معها القدرة على الرثاء لنفسها، فالعكس هو الصحيح، إذ كانت لا تكف عن لوم نفسها رغم كل ~~هدهدات الأم ومحاولاتها للتخفيف والتبرير، رغم كل ابتسامات زملائها في الحجرة والعمل ونظرات ~~الإشفاق التي يغمرونها بها حتى لا تتعثر فيها وتكاد تنزلق، رغم صبر الباشكاتب وطول باله ~~واحتماله لها وهي تكرر الخطأ نفسه مرة، وتحاول بعناد أن تتلافاه فتجد نفسها تكرره مرة أخرى، ~~وأية أخطاء! أخطاء تصل إلى أنها وهي خريجة التجارة تجد نفسها أحيانا عاجزة عن تحويل المبلغ ~~المرقوم أمامها إلى مبلغ مكتوب، وتشك وتخاف ألف مرة قبل أن تضع العلامة العشرية. # ولكنها الأيام الأولى - كأية أيام أولى - كان يجب أن تمر وتحمل معها كل الذكريات المحرجة ~~الأليمة، ومواقف الاعتذار، وعشرات المرات التي يئست فيها تماما وفقدت الأمل ... كان يجب أن ~~تمر لكي تصل سناء إلى المرحلة التي أصبحت تجتازها بنجاح، مراحل الفهم الأولى والإحاطة ~~بالثغرات والمزالق تلك التي تشبه مرحلة الانطلاق في تعلم ركوب الدراجات، المرحلة التي يصبح ~~في مقدرة المرء فيها أن يبدل ويسير دون أن تسقط به الدراجة بعد بضعة أمتار. # ونفس الشيء حدث لكل ما هو خارج العمل وعلى هوامشه فزملاؤها في الحجرة الذين كانوا يبدون ~~لها - رغم كل ما بينهم من اختلافات - متشابهين إلى درجة لا تملك التفرقة بينهم، كانت قد ~~استطاعت أن تحفظ أسماءهم، وحتى نوع العمل الذي ms10 يؤديه كل منهم ... وأكثر من هذا بعض خصاله، ~~ولقد اطمأنت لهم جميعا، وفي وجودهم لم يكن جهاز رادارها الأنثوي ينقل إليها أية نوايا ~~ذكرية خافية، جميعا ما عدا الجندي فقد كان الجهاز الكامن في أعماقها يدق كلما حاول أن ~~يقترب منها أكثر من اللازم ... كلما فضل ألا يتنحى جانبا ليفسح لها طريق الخروج ... كلما ~~اتكأ بمرفقه على مكتبها وهو يحادثها حديث عمل في الظاهر، بينما عيونه التي يتأرجح لونها بين ~~الصفرة والخضرة تجوب سطح المكتب ويديها، وتتأمل عقل أصابعها وخاتمها وجلد رقبتها وكل ~~ملليمتر مربع من شفتيها، في فحص وقح خرب الذمة، لا يرده عن تصور أي شيء قد يخطر بباله وازع ~~أو خجل، ولكنها لم تكن دقات خوف ... على وجه أخص خوف أنثى من ذكر، أو فتاة من رجل يطاردها ... ~~كانت دقات اشمئزاز واستنكار، فلا أحد ممن تضمهم الحجرة كان قد راق أو استوقف عينيها، خاصة ~~الجندي، فلا شكله كان عجبها، ولا طريقته في معاملتها ولا علاقته بزملائه، ولا أي رأي قاله ~~أو كلمة خرجت من فمه، حتى عادته في تدخين سجائره نفرت منها، فقد كان يبتلع النفس ثم يفتح ~~فمه ويترك الدخان يخرج منه وحده دون أن ينفثه أو يبذل جهدا في إخراجه، فكان يبدو وكأن ~~الدخان الخارج من فمه مجرد رائحة منفرة خارجة على هيئة دخان، كأن في بطنه عقب سيجارة تركه ~~أحدهم لينطفئ وحده ويخنق أنفاس المحيطين برائحة شياطه، وهي لا تدري لماذا حرص كل من ~~زميليه الآخرين أن يخبرها - خلسة - عن حياة الجندي ~~الزوجية الخاصة، وكيف أن له زوجتين والثالثة تقاضى منها ثمن الطلاق ... وكم استبشع عقلها الذي ~~كان لا يزال بناتيا حالما في آرائه كل ما سمعت، وكم أصبح الجندي في رأيها بشعا إلى درجة ~~تتقزز فيها من مجرد أن تراه يقطع عمله ويتحدث أو يضحك، أو يروي نكتة لا يقهقه لها أحد، كم ~~تمنت في لحظاتها لو كانت رجلا لتلكمه بشدة وتعلمه الأدب، وكم تضايقت بينها وبين نفسها من ~~سكوت زميليه والباشكاتب عنه ms11 واحتمالهم لسخافاته، كم ضايقها ذلك وأرق من جلستها إلى المكتب ... ~~تلك التي جاءت لسوء الحظ في مواجهته، والتي حتمت عليها أن تمتنع نهائيا عن النظر أمامها ~~طول النهار وحتى لو استوجب الوضع أن تنظر إلى الأمام. # مضايقات طالما تمنت لو كان أبوها الحنون لا يزال حيا لتشكو إليه منها، فأمها رغم كل ~~حدبها لا تفهم، ولا تستطيع، هي التي قضت حياتها ربة البيت ورهينة المطبخ، أن تدرك تلك ~~الأنواع الجديدة من المشاكل. # عمها، أو بالتحديد عمها «حسن أفندي» ابن عم والدها الذي كان يبسط على عائلتهم الصغيرة ظل ~~الرجل وحمايته، ويأتي بانتظام دقيق لزيارتهم كل أسبوع مرة، كان يدرك تلك المشاكل، كان هو ~~نفسه موظفا في الدرجة الخامسة، وقد وصلها خلال خمسة وعشرين عاما بادئا من التاسعة، كان ~~يسألها ويبدو فاهما حين تحدثه عن تفاصيل كل شيء، وأكثر فهما حين تحدثه عن علاقاتها بمن ~~معها من الموظفين، حتى مشكلة الجندي واستثقالها لظله وكل وجوده كان يفهمها، ويقول لها ~~معلقا - ولا يخلو تعليقه من حكمة أو خبرة - أن مضايقات العمل جزء لا يتجزأ من العمل، لا ~~تحاولي حلها بعواطفك فالعواطف لا تحل شيئا، حليها كمشاكل العمل بعقلك فالعقل وحده هو ~~القادر على حلها ... العمل ومضايقاته مثل مسائل الحساب لا يمكن للعواطف مهما بلغت حرارتها ~~أن تحلها، الحل بالعقل، بإعمال العقل، بالتفكير وتبريد الانفعالات والتدبير ... أنا مثلا كنت ~~... # ويحكي لها ... ولكن يبدو كل ما يحكيه بسيطا جدا بالمقارنة إلى ما هي فيه، إذ يبدو وكأنها ~~مشاكل خلقت وفصلت خصيصا من أجلها ولإغاظتها، ولإحاطتها بجو لا تستطيع التخلص منه ... ~~جو من الارتباك والاضطراب وعدم القدرة على الإتيان بأي حل. # ولكن الأمر لم يكن يخلو أيضا من سعادات: جمهور المكتب المتردد عليها حين يرجوها ويمتثل ~~لكلماتها، حين يقف الرجل العريض أمامها باحترام بالغ وينحني بسرعة ورضوخ قائلا بأدب جم: ~~أيوه يا افندم! تسعد هي في سرها وتضحك وتحس بنشوة السلطة والأهمية، ويضيع معها شعورها بأنها ~~مبتدئة وأنها منذ دقائق كانت تقف وستقف أمام الباشكاتب ms12 ومدير الإدارة موقف تلميذة الإعدادي ~~أمام الناظرة، هؤلاء المترددون جميعا لا يعرفون عنها أبدا ذلك الموقف، والدليل بسيط ... ها ~~هم يعاملونها وكأن لها كل خبرة الباشكاتب وأهميته وأقدميته. # ويا لسعادتها يوم اكتشفت خطأ في الاستمارة التي حررها الجندي الأقدم منها بسنين، وذهبت ~~في حماس بالغ تلفت نظر الباشكاتب إلى الخطأ مدعية التواضع وقلة الاهتمام باكتشافها ~~الهائل، صحيح أنها دهشت لأن الباشكاتب لم يشنق يومها الجندي ولا حتى عنفه، ولكن ذلك لم ~~يثبط من الإحساس الغامر بالتفوق الذي صاحبها طول اليوم. # وهناك حين مضت الشهور الثلاثة الأولى وأصبح من حقها أن تقبض ماهيتها المجمدة، وذهبت إلى ~~الصراف في اليوم الأول من الشهر، وبدلا من إجابة النفي التي تعودها أومأ لها بغير حماس ~~كثير إلى اسمها في القائمة، ورأته بعينها وتأكدت منه، وحين فك رزمة الأوراق من فئة الخمسة ~~جنيهات وجعلها توقع باسمها الكامل ومضى يعد، ثم يكمل لها المبلغ من رزمة الجنيهات وأرباعها ~~... هناك حين غادرت الخزينة وفي حقيبتها أول ثلاث ماهيات، وحين غادرت المصلحة، ثم وهي تعبر ~~الشارع وترى الناس وتدخل البيت بصرخة فرح بناتية قائلة إنها جوعى مدبرة أن تفاجئ أمها ~~بالنقود رزمة واحدة ... هناك وأمها تفرح وتهم أن تزغرد وتقبل الماهية وتقبلها، وتمسك النقود ~~بيدها وتدعو لها ... هناك وهما تجلسان بعد الغداء تتحدثان فيما يجب عمله بالنقود وتدبران أمور ~~العيش على أساسها، بينما أخوها الطالب الأصغر يقطع المذاكرة ويطل عليهما بين الحين والحين ~~متلصصا، وبطريقة تحس سناء معها أن جلستها مع أمها جلسة كبار، وحديثها حديث كبار ... حديث ~~وجلسة ومواضيع تعيد لذاكرة سناء صور باهتة عن أبيها المرحوم حين كان يقبض وتراه آتيا يومها ~~كالمنتصر، له حق رفع الصوت على أمها وفرض الرأي ... صورا عن الأيام الماضية والكلمات الغامضة ~~التي كانت ترن في مخيلتها الطفلة رنين الخطوة الغريبة على أرض خام لم تطأها قدم بشر ... أكل ~~العيش وعرق الجبين والماهية، ماهيتي يا ست أم سناء ... عمرك لن تدركي كيف أشقى لأحصل عليها، ~~كيف أحرق دمي لأتقاضاها ، الماهية يا ms13 أم سناء والفلوس ... كلمات كانت سناء الطفلة تدرك بطريقة ~~ما ما تعنيه، ولكنها أبدا لم تشعر بمعناها الحقيقي، بأنها ليست مجرد كلمات، إلا هناك حين ~~اشتغلت هي وتحملت الفشل والضيق، وعرقت وخجلت وغلا دمها غضبا وتجمد خجلا، لتقبض آخر الأمر ~~... ليتحول هذا كله إلى نقود، تبدو لها على كثرتها مثلما كانت تبدو لأبيها قليلة، كل قرش منها ~~لا يقدر تعبها في الحصول عليه بمال. ~~••• # الذين راهنوا خسروا الرهان، والذين كانوا لا يصدقون اضطروا للتسليم، وأسابيع كثيرة مضت ~~و«البنات» قد ثبتت أقدامهن في العمل ومكاتبهن التي كانت موضوعة على هوامش الحجرات - وضع ~~الشيء المؤقت - زحفت زحفا غير منظور وابتعدت عن الأبواب، واستطاعت بطريقة ما أن تخلق لها ~~أركانا ثابتة حصينة تكاد تجعل من الحجرة ذات الأربعة أركان حجرة بخمسة، وقد أضيف إليها ~~ركن جديد لا يقل أهمية وخلودا عن الأركان الأربعة الأصيلة، وكأنما باستطاعتك دائما أن ~~تحيل المثلث إلى مربع، والمربع إلى مسدس له أصالة المربع، وكأن لا ثابت هناك ولا خالد، ~~والغباء فقط لمن يتصور الثبات والخلود ... # والزمن مع سناء وزميلاتها باستمرار، وكل يوم يمضي يضيف جديدا ويزيدها فهما ووعيا، ~~وبغير أن تبذل مجهودا كبيرا كانت قد استطاعت أن تعرف عن قسمهم وعن زملائها فيه كل ما تريد ~~معرفته، ثم بدأت معلوماتها تتعدى نطاق الحجرة وأصبحت تعرف على وجه الدقة كنه التركيب ~~الخارجي للمصلحة، وكذلك وإلى درجة ما استطاعت بتبادل الرأي مع زميلاتها، وبالنصيحة الخالصة ~~لوجه الله التي كان يتفضل بها بين الحين والحين زميل، أن تتبين فيما يشبه الصباح المضبب ~~كنه التركيب الداخلي للمصلحة، ومن بيده النقل والانتداب والعلاوة، ومن الذي يقرر البدل ~~والأوفرتايم، ومن باستطاعته الدس لدى المدير، وبين التركيبين وبين العالمين، استطاعت ~~أيضا أن تدرك أن ثمة شخصا واحدا يقف، وحول شخصه وموقفه تلتف علامة استفهام كبرى لم تعرف ~~كيف تفسرها أو تحلها، فموظفو المصلحة بمن فيهم الكبار، كانوا ينضوون بشكل أو بآخر تحت أي من ~~التركيبين، هناك المدير ونوابه مديرو الإدارات والمفتشون إلى آخر قائمة الوظائف ms14 والألقاب، ~~هؤلاء مع ما بينهم من صراع وتنازع اختصاصات يكونون الهيكل الخارجي للمصلحة. أما التيار ~~الحقيقي الجاري في قلب المصلحة يحرك الأمور ويوجهها فقد كان يقوم على أناس قد تجد بينهم ~~سكرتير المدير مثلا، أو موظفا في الدرجة السابعة في قسم المستخدمين، وآخر عجوزا في مكتب ~~المراقب العام قربت إحالته على المعاش، مع كل ابتساماتهم المؤدبة، مع كل محافظاتهم على ~~الشكل الخارجي وأداء عملهم في حدود وظائفهم لا يتعدونها، إلا أن نفوذهم بالغ الخطورة، ~~تحد أحدهم وانتظر ما يحدث لك. وبين الوجهين يقف هذا الشخص - الجندي - لا يعمل طول ~~اليوم بمليم، ودائم الغياب والتأخير وكثير الأخطاء، يخرج من الواقعة، حتى إذا بلغت الواقعة ~~المدير، خروج الشعرة من العجين دون أن يمسه مجرد لفت النظر، أو على الأقل هذا هو ما خرجت به ~~سناء بعد تجربتها الخطيرة معه؛ فلم يكد يمضي على وجودها في المصلحة أسبوع ويذهب طعم الضيافة ~~عنها، حتى بدأت مطاردته لها، ولم تكن سناء في الحقيقة تتصور - رغم كل ما ذكره لها عمها - أن ~~تبلغ الوقاحة حد أن يبدأ زميل لها في العمل يغازلها مغازلات علنية سمجة فاضحة، تدخل في ~~الصباح وما تكاد تلقي على زملائها التحية حتى يرفع هو الدوسيه ليحجب وجهه عن الباقين، ~~وينسكب اصفرار عينيه ملقيا سائلا رخيصا وزلفى كما ينسكب صفار البيضة، ويقول بهمس لا يقل ~~زيتية عن نظراته: صباح الخير يا حلو ... يا مدوخني إنت يا حلو ... والنبي أنا دايخ وحاقع ... دانا ~~خلاص وقعت. # ولا تعرف ماذا كان يلجم لسانها، أكثر من هذا يلجم حواسها كلها وعقلها عن أن تثور أو تنفجر ~~صائحة غاضبة، أهو الخجل؟ ربما كان هذا صحيحا في المرات الأولى، أو هو الاشمئزاز؟ ربما كان ~~في الشهر الأول، أهو الغثيان الذي كان يطفح من أعماقها حتى ليعميها أن ترى أو تسمع؟ أم هو ~~كل ذلك معا؟ جائز، ولكن الواقع أنها كانت تسكت، وللإنصاف أيضا كان يتبدى على ملامحها ~~الساكتة كل ما لم تكن تنطق به أو تقول ، ولكن الوضع أصبح ms15 لا يطاق حين تعدى صاحبنا حدود ~~الغزل ودخل في عروض الزواج، أجل عروض الزواج! خلف الدوسيه سالت كلماته: هو أنا لا سمح الله ~~نيتي وحشة؟ ... أنا هدفي شريف ... أنا راجل بتاع سنة الله ورسوله ... ومستعد من دلوقتي وبالشروط ~~التي تطلبيها ... أصلي بصراحة دايب ... وواقع ... ومش لاقي اللي يسمي علي ... ~~••• # حين أصبح الأمر وكأنه كل مشكلتها ... أمر لا تستطيع عرضه على عمها أو مصارحة أمها أو إحدى ~~زميلاتها به، فكرت سناء لفرط ما وجدت نفسها محاصرة ومخنوقة أن تترك العمل وتستقيل، ولكن ~~فكرة أخرى عنت لها ... # لماذا تيأس هكذا من أول عقبة؟ # ولماذا تسلم بالهزيمة أمام إنسان تشمئز منه وتحتقره؟ لماذا لا توقفه عند حده؟ لماذا لا ~~تتصرف التصرف اللائق بوضعها وقد أصبحت موظفة وتشكوه؟ # وليلة بطولها قضتها إلى الثانية عشرة تكتب وتمزق وتفشل وتبكي وينتابها الغيظ، وأخيرا بدا ~~وكأنها استقرت على الصيغة المناسبة للشكوى، وفي الصباح لم تذهب بالعريضة إلى الباشكاتب ~~رئيسهم وإنما مباشرة إلى مدير الإدارة، دقت على الباب ودخلت وحيته وقدمت له «البوستة» ~~ليوقعها وكانت قد وضعت الشكوى في آخرها، وحين انتهى المدير من التأشير على بقية الخطابات ~~ورأت خطها يطل من العريضة والمدير يهم بتوقيعها هي الأخرى اقتربت منه، وترددت، ورجته أن ~~يقرأها فهي شكوى منها، وخيل إليها بعد دهشة الرجل الأولى أنه قد أخذ وقتا أكثر من ~~اللازم في قراءتها، وأن قهقهته حين انتهى كانت سخرية منها، واشتدت سمرة وجهها فجأة ووجدت ~~نفسها تبكي، حينئذ فقط كف المدير عن الضحك واتخذت ملامحه طابعا أبويا مصطنعا وإن ~~حاول أن يطليه بطبقة حزم حادة، وسمح لنفسه أن يهدهد على كتفها مؤكدا لها أنه لا بد أن ~~يوقف الجندي عند حده، غير أن هذا لم يمنعه أن يعود للابتسام وهو يطلب منها أن تحاول في ~~المرات القادمة أن تتعلم أساليب الشكاوى الرسمية، إذ ليس فيها محل لعبارات كثيرة جاءت ~~بشكواها من أمثال «كلام تحمر له خدود العذارى»، و«موظفة مثلي ذات أصل وحسب»، ثم بلهجة شبه ~~حادة هذه المرة أفهمها ms16 ألا توقع الشكاوى الرسمية أو المكاتبات بتعبير مثل «المخلصة» سناء ~~عبد الله، فللرسميات لغتها الأخرى. # ورغم كل هذا الدرس الجانبي فقد عاد المدير يؤكد لها أنه سيوقف الجندي عند حده، ~~تأكيدا دفعها لأن تعود إلى الحجرة وفي نظراتها رضاء سافر، وحين جلست كان في جلستها تماسك ~~من أن له في النهاية أن ينتصر ويستريح، وهي التي ابتسمت هذه المرة ابتسامة حقيقية حين لم ~~تكد تمضي دقيقة حتى جاء ساعي مدير الإدارة يستدعي الجندي، وبعد أكثر من ربع ساعة عاد مصفر ~~الوجه بطريقة جعلت لجلده لون عينيه وأكسبته بشاعة، ولكنه يضحك أو على الأقل كان فكه الأسفل ~~قد تهاوى في سقطة مهددة ضاحكة ... ومن خلف الدوسيه جاءتها كلماته: بتشكيني؟ ... هو أنا من بتوع ~~الكلام ده؟ ... طيب ... بكره نشوف. # وقبل أن ينتهي كانت هي في انفعال حقيقي غاضب قد شرعت تكتب شكوى عاجلة أخرى تثبت فيها ما ~~قاله، وتجري حاملة إياها إلى المدير الذي ما كاد يعرف محتواها حتى استدعى الجندي وقد تملكته ~~شياطين الرئاسة والإحساس المضاعف بالهيبة المخدوشة، وجاء الجندي ويا لدناءته! يا للاستنكار ~~الكاذب الهائل الذي قابل به شكواها! وقسمه وتأكيده لقسمه وأيمان الطلاق التي توالت من فمه، ~~وهو يؤكد أن شيئا مما قالته لم يحدث، وأنها تتبلى عليه، وأنها هي التي تتمحك فيه وتناوشه ~~على أمل أن تتزوج منه، وأنه مظلوم ... أي والله مظلوم لا يدري ما يفعل في هذه البلاوي التي ~~تتساقط من حيث لا يعلم فوق رأسه: يا بيه عيب ... أنا راجل متجوز وعندي تسع عيال ... ما تخليها ~~تشوف حد تاني تتلقح عليه، يا سعادة البيه ده أنا ... أنا ... # وبلغ الاشمئزاز بسناء حدا جعلها تتمنى أن ينتهي هذا المشهد بسرعة وعلى أي وجه، حتى لو ~~جاءت النهاية ضدها وفصلوها من المصلحة أو أرسلوها إلى السجن. إنها لم تر أبدا في حياتها ~~منذ وعت أناسا كهذا الجندي يكذبون عيني عينك بلا خجل أو حياء أو ارتباك، مجرمين في كذبهم ~~إلى حد ممكن فعلا أن يقلب الباطل حقا والحق ms17 باطلا. # ولكن الأمر لم ينته تلك النهاية ... فالمدير حتى لم يكلف نفسه عناء النظر إلى سناء أو ~~سؤالها عما لديها من أقوال، ظل طوال الوقت يحدق بنظرة غير مفهومة إلى الجندي، وهو يقسم ~~ويتفتف ويرفع عقيرته بالخطب والأقوال - على الأقل لم تفهمها سناء - وحين انتهى أمره بصوت ~~حاسم خفيض ألا يتعرض مرة أخرى لها أو يحادثها حتى في العمل ... لهجة حيرت سناء، فقد كان ~~واضحا أن المدير يدرك خطأه ويعلم سفالته، ولكن لهجته في أمره لم تكن تتناسب أبدا مع هذا ~~الإدراك، والأغرب من هذا أن يمتثل الجندي ويتعهد أن يقوم بكل ما يريده المدير أن يقوم ~~به. # ولقد نفذ الجندي تعهده، ولكن التنفيذ لم يدم إلا ليوم واحد، أو على وجه الدقة بقية ذلك ~~اليوم الذي بدأته سناء بشكواها، في اليوم التالي مباشرة صبحها بنظراته، وبعده بيوم - بأقل ~~من يوم - عادت ابتساماته، وما لبث أن أردفها بتعليقاته الهامسة التي كان يلقيها ثم يعود ~~ليبتلعها ويخفيها، وأخيرا وجدته سناء يوما يرفع الدوسيه، وفي الحال قررت أن تذهب إلى ~~المدير وتشكوه، ولكنها ترددت فماذا فعل بشكواها الأولى لتلجأ إليه ثانية؟ ثم أليس من ~~المحتمل أن تبدو في نظر المدير بكثرة لجوئها إلى الشكوى طفلة أو تلميذة؟ بل أليس من الممكن ~~أن يصدق أنها بشكواها الكثيرة تناوش الجندي كما ادعى؟ لقد جربت عمها ونصيحته وجربت ~~المدير، فلماذا لا تجرب نفسها؟ لماذا لا تواجه الجندي، أو على وجه أصح لماذا لا تكف عن ~~مواجهته والاهتمام بأمره وبكلامه؟ لماذا حتى تشمئز منه وتحتقره؟ إن انفعالها به هو اعتراف ~~بوجوده، لماذا لا تهبط في احتقارها له درجة أخرى، وتلغيه كلية من تفكيرها ووعيها؟ ~~••• # وهو بالضبط ما فعلته سناء وهو بالضبط ما كاد يقتل الجندي ويدفعه إلى الجنون، إنها هي ~~نفسها لم تكن تعتقد أن باستطاعتها أن تتجاهل وجود إنسان على مبعدة منها إلى تلك الدرجة، فما ~~بالك برجل يزاملها ثماني ساعات كل يوم، ومكتبه يكاد يلمس مكتبها؟ ولكن يا لقدرة النساء ~~الكامنة فيهن على التجاهل! ms18 لكأنما أصبحت الحجرة في نظرها بمكاتب أربعة لا خامس لها بالمرة، ~~لكأنما مات الجندي أو ما ولد قط. ويا للروعة التي سار بها كل شيء وعلى أتم ما تريده من ~~مرام! إلى ذلك اليوم ... ليت ذلك اليوم لم يأت قط، ليتها قطعت لسانها بيدها قبل أن يزلف ~~وتخبر روحية زميلتها بالمشكلة! ولكنه درس تعلمته وستوصي أحفاد أحفادها بتفاديه، المشكلة ~~عادية وبسيطة ومن النوع الذي تقرأ عنه في الجرائد ويرد أحيانا في السينما، وتلوكه صباح ~~مساء تمثيليات الإذاعة: مشكلة المصاريف التي لم تدفع وحلول موعد دفعها، وتوقف حضور ~~الامتحان على هذا الدفع، والمصاريف مصاريف أخيها، القسط الثاني وقدره عشرة جنيهات، كان ~~اشتغالها قد اقتطع من المعاش الذي كانوا يتقاضونه قيمة نصيبها فيه، وكان تراكم مطالبها قبل ~~تسلم العمل وبعده قد أثر في ميزانيتهم الصغيرة وأنهكها حتى أصبحت أعجز من أن تسدد القسط ~~الثاني، أمر لولا اشتغال سناء ما كان يمكن أن يحدث، فالنقود كانت توزن ... تزنها مدبرة بيتهم ~~ومدبرة حياتهم - أمها - وتوزعها بالمليم، ولم يحدث يوما أي ارتباك، ولقد ظلت سناء تعاني ~~من ضغط الموقف الذي لم ينقلب إلى مشكلة إلا بعد أن طرقت الأبواب جميعا، فلم تلن أو ~~تستجب حتى عمها الناصح الأمين ما أكثر ما سهل عليهم المأمورية لدى عرضها أمامه، وما أكثر ما ~~تحجج حين تأزم الوضع واقترب موعد الامتحان. # في تلك الآونة الخانقة وفي ساعة ضعف، عرضت سناء المشكلة على روحية عرضا لا طائل من ورائه ~~إلا لمجرد الشكوى والتفريج عن النفس، ومن تلك اللحظة أصبحت الكلمة الدائمة على لسان روحية: ~~هيه، عملتم إيه في مصاريف أسامة؟ ورغم أن استجابة سناء الدائمة كانت هز كتفيها علامة ~~اللاحل، إلا أن ضيقها كان يتعاظم في كل مرة تسألها وكل مرة تصمم أن تصارحها بما يعتمل في ~~صدرها لمجرد السؤال، ولكنها تعود وتلتمس لها العذر وتسكت، غير أنها لا يمكن أبدا أن تعذرها ~~لما فعلته ذلك الصباح حين جاءت لتمر عليها بالمكتب، وجلست وتحدثت قليلا، ورحب بها الجندي ~~ترحيبا ملحا ms19 مبالغا فيه، وطلب على حسابه مشروبات وألح وأقسم، وانشغل عن كل شيء إلا ~~حديثه إليها وبطريقة لم تجد معه روحية فرصة تتبادل فيها كلمة واحدة مع سناء، وأول كلمة ~~تبادلتها معها كانت حين سألتها كالعادة: هيه عملتم إيه في مصاريف أخوكي؟ # صمتت سناء كالمصعوقة لا تجيب، بينما وجد فيها الجندي فرصة فتحت له فيها أبواب السماء ~~وأبواب الحديث، وبكل ما يمكنه اصطناعه من نخوة سأل: ما هي المشكلة؟ وببساطة وبرغم نارية ~~النظرات الخارجية من عيني سناء مضت روحية تحكي بكل براءة مقصودة، حكاية القسط الثاني ~~والحرمان، يا عيني، من الامتحان. # وربما كانت تلك أول كلمات تقال في الحجرة وتشير إلى حقيقة ما عن حياة سناء الخاصة التي ~~عمدت منذ تسلمها العمل إلى إخفائها بنفس الطريقة التي تخفي بها ذيل «الكومبليزون» تحت ~~الفستان، أو «ركبتها» التي أحكمت إخفاءها عن العيون النهمة بأن سدت فتحة المكتب الأمامية ~~بقطعة من الورق المقوى، حقيقة ألقتها روحية بسذاجة أو بخبث، ولكنها جعلت سناء تذوب خجلا ~~وتتمنى لو اختفت بكلها خلف ورق المكتب المقوى، حقيقة قيلت وارتفع لها رأس الجندي من طيات ~~الورق وطقطقت لها أذناه في تنصت مشدود متحفز هائل، وما كاد يفطن إلى المقصود حتى هم بأن ~~يلقي بنفسه في الحديث كعادته، ولكنه للوهلة الثانية انداحت في وجهه ابتسامة صفراوية ما، ~~وخنس وسكت. # لقد قضى أياما تعسة طويلة يبحث في أثنائها عن نقطة ضعف ولا يجد، أيكون ما قالته روحية هو ~~النقطة التي فاتته؟ وحتى إذا لم يكن كذلك فهو لا يدري لماذا أحس بتغيير أو باقتراب تغيير، ~~كالليل حين يلونه الفجر، كاليأس الكامل حين تسقط في قلبه قطرة، مجرد قطرة واحدة، من طعم ~~مخالف اسمه الأمل، كان كل مناه أن يعرف عنها شيئا واحدا تحرص على إخفائه والباقي في رأيه ~~بسيط، ولم يكن أبدا يتصور أن تهديه الأقدار بهذا الشيء غير العادي الذي عرفه ... إن حكمته ~~الخالدة المشهورة عنه أن الفلوس يا حبيبي # is the master key ~~... هي كل شيء ... مفتاح السعادة، ومفتاح ms20 الدنيا، وبالذات مفتاح قلب كل امرأة على سطح الأرض ... ~~حتى لو كانت المرأة سناء. # ورد الفعل الساحق الذي حدث، والذي لم تكن سناء تعتقد أبدا أن باستطاعتها أن تنساه أو ~~تشفى منه - لدهشتها الشديدة - كان مفعوله بعد ساعات قد زال أو كاد، وكانت قد عادت تتمالك ~~نفسها وتنظر إلى ما حدث وتطمئن النفس بقولها ... وربما فاتت الكلمة دون أن يسمعها أحد، ~~والجندي بالذات يدعي أن سمعه ثقيل، ثم هو لم يتدخل ولم يعلق، خاصة وليس من عادته أن يفلت ~~فرصة كهذه دون تدخل أو تعليق. # ولكنها كانت واهمة، فلو قد أتيح لها أن تنظر - مجرد أن تصوب واحدة من تلك النظرات ~~النافذة التي تقتحم صدور الناس وكيانهم وتظهر كالأشعة السينية ما تخفيه - نظرة كانت غير ~~قادرة عليها بالمرة، لا بالنسبة للجندي ولا بالنسبة لأي رجل ربما لمجرد كونه رجلا ... لو ~~أتيح لها أن تلقي نظرة لوجدت الجندي في حالة ما بعد النشوة، حالة قل أن يوجد عليها ~~إنسان إذ هي إحدى البقية من أحاسيس الحيوان الذي تفصله عنا ملايين من السنين ... حالة الإحساس ~~بالفريسة رهن الإشارة وعلى مدى انقضاضه، حالة السعادة البدائية الجامحة التي تدعو القط وبه ~~من الجوع أن يصبر على صرخاته ويتجاهلها ليستمتع بما هو أكثر إمتاعا من إشباع أية غريزة ~~بمفردها، ليستمتع بنفسه والفأر قد أصبح حبيس إرادته ونظراته، يرى ارتباكه الأعظم، ورهبته ~~ورغبته العارمة في النجاة، وتحفزه الهائل للهرب، وعجزه الهائل عن الفرار، الحالة التي تشبع ~~في بعض الناس غريزة الغرائز وتنتشي بها حيوانية الإنسان ... # أجل ... من أين آكلك يا سناء؟ ~~••• # كان العمل قد أصبح أمره بالنسبة لسناء وزميلاتها عادة سهلة، ولكن المشكلة لم تكن أبدا في ~~العمل ولا في كتابة بضعة سطور وتنفيذ بعض تأشيرات، المشكلة كانت فيما هو خارج نطاق العمل في ~~المصلحة، في الموظفين، في الأسرار التي لم تتوقف عن التشكيك يوما واحدا، لا يكاد يوم يمضي ~~حين يكون قد انتهى باكتشاف أمر من أمور المصلحة جديد عليهن كل الجدة، لاكتشافه فرحة العثور ms21 ~~على السر المنيع، والأسرار تبدو كثيرة وكأن لا نهاية لها، وكأن أسفل البناء الضخم الذي أنفق ~~الرجال عشرات السنين في إقامته سراديب خفية، حفروها وجعلوا لها أبوابا محصنة سرية لا يمكن ~~أن يفطن لها غريب، ولا تفتح إلا على كلمات سر معينة تقال ... عشرات السنين من العمل الدائب ~~لبناء الهيكل من الخارج والدنيا الخفية من الداخل، والعمليتان ماضيتان معا، وكل ارتفاع في ~~البنيان تقابله وعورة في الممرات وفي السراديب السرية، والسرية جدا، السرية جدا ~~جدا. # هذا العالم الخفي لم يكن ليكشف عن نفسه هكذا ببساطة للموظف الجديد، فما بالك والجديد ~~موظفة وأنثى، والأسرار أسرار تتكشف ببطء شديد وبالقطارة، ولا تتكشف من تلقاء نفسها ... لا ~~بد من بذل جهود وعقد صداقات وشحذ ذكاء. # وهكذا كان لا بد - طال الوقت أم قصر - أن تدرك سناء أن ثمة عملية أخرى يقوم بها المكتب ~~الذي تعمل فيه ... استخراج التراخيص، ذلك هو العمل الرسمي للمكتب، أهون العملين وأقلهما شأنا ~~واهتماما وأبطؤهما سرعة إنجاز، بل هو في الواقع لم يكن أكثر من مجرد لافتة رسمية معلقة ~~لتدل الزبائن على المكان الذي باستطاعتهم أن يتوجهوا إليه لنهو العمل الثاني، العمل الحقيقي ~~الدائب ... بيع التراخيص، بيعها بأثمان لم تحددها المصلحة ولا الوزارة وإنما حددتها تقاليد ~~ورثها الموظفون جيلا عن جيل وباشكاتبا عن باشكاتب، أسعار تخضع لكل ما يطرأ على حياتنا ~~من تغيير، ارتفعت في أثناء الحرب مع ارتفاع الأسعار، وكلما زاد الغلاء ازداد ارتفاعها، ~~والشيء نفسه ينطبق على نسبة التوزيع ... الباشكاتب 30 في المائة، بقية الموظفين من مرءوسيه 30 ~~في المائة، والأربعون في المائة الباقية تذهب إلى رأس كبير في المصلحة، ويقال إن معظمها ~~يذهب إلى رءوس مماثلة في الوزارة نفسها، عملية تجري مجرى اللوائح والقوانين تتم سرا معظم ~~الأحيان، وبحرص شديد من الزبون وبجرأة غريبة من الموظفين، والطريق إليها معروف، والواسطة ~~خفاجي ذلك الساعي ذو الشارب الكث وسحب الدخان الغزيرة، الواقف على باب المكتب «ليفنط» ~~الزبائن و«يوزع» غير المرغوب فيهم، ويفتح الباب «للسالكين». # ورغم كل ذكائها لم ms22 تكن سناء قد أدركت طبعا، ولا كان لها أن تدرك، ذلك الاجتماع الخفي ~~الذي تم بين الباشكاتب وزملائها يوم تعيينها، ولا ما دار فيه من نقاش، وكيف كان رأي ~~الباشكاتب أكبرهم نصيبا وأكثرهم خوفا أن يتوقف العمل الثاني في ذلك اليوم إلى أن يجسوا ~~نبض هذه القادمة الخام الجديدة، وكيف كان من رأي الجندي أن يستمر العمل وكأن شيئا لم يحدث، ~~فلا يمكن لبنت مثلها لا تزال مغلقة العينين كالقطط المولودة أن تستنتج أمورا لا يستطيع ~~الجن الأحمر نفسه إدراكها إلا إذا اشترك فيها، ولم يكن غريبا أن ينتصر رأي الجندي، ففي ذلك ~~العمل الثاني كان هو الذي يقبض، وهو الذي يتولى التوزيع، وأهم من ذلك كان هو الصلة الوحيدة ~~بين المكتب وبين الرءوس الكبيرة يخصم لها النسبة ويتولى إيصالها، ويحتفظ وحده بأسمائها لا ~~يعرفها سواه، ومن هنا كان نفوذه لا في المكتب وحده ولكن في الوزارة كلها، ذلك النفوذ الذي ~~استطاع به أن يمنع نفسه من النقل أو حتى الترقية أو ترك المكتب بأية وسيلة لخمسة عشر عاما ~~متواصلة قضاها ينظم ذلك العمل ويشرف عليه. # صحيح أن انشغاله بأمر سناء قد جعل اضطرابا ما يحدث للعمل ولكنه ظل يواصله، وصحيح أنه ~~تساءل مرة أو مرتين - ونادرا جدا ما كان يسأل نفسه عن أمر - ماذا يحدث لو عرفت سناء ما ~~يقوم به، هي التي يبدو أنها نقية مثالية كالقماش الأبيض، بالتأكيد يمرضها بل يحتمل أن ~~يقتلها معرفة أشياء كهذه؟ ولكنها أيضا مجرد تساؤلات متباعدة تدق دقا خافتا جدا على ~~إحساس جامد متصلب ولا تتوقف عنده طويلا. # في ذلك اليوم وقد جاءت سناء متحفزة لقرار التجاهل التام، أحست حين دخلت الحجرة أنها ~~تدخل على جو مريب، كان زبون بادي الثراء والأناقة من زبائن المكتب يجلس أمام الباشكاتب، ~~وثمة كوكاكولا قد انتهى من شربها وقهوة في الطريق إليه، وحديث كان يبدو أن دخولها السبب ~~الوحيد في قطعه، لم تلق بالا كثيرا أول الأمر إذ كانت لا تزال تحيا وتتشبث بقرارها ~~الخاص، ولكن ms23 الصمت ... الصمت الذي تتخلله كلمات مقتضبة أشد ريبة من الصمت نفسه، والوجوه، ~~الوجوه المستديرة عنها والموجهة بارتباك إليها والمندسة في الأوراق، والاستغاثات الملحة ~~بالسؤال عن صحتها ومزاجها وكيف تبدو الدنيا في الخارج، بجماع هذا كله، أو في الحقيقة ~~بالفراغ الكامن بين هذا كله، استطاعت أن تخمن مخلوعة القلب شبه مرتجفة أن هناك شيئا آخر ~~غير العمل يحدث في المكتب، ويحدث باتفاق الجميع وباشتراك الجميع، وأن الجميع يبذلون جهدهم ~~كي يغلقوا عينيها عن أن ترى وحواسها عن أن تشم وتسمع. # وكان طبيعيا أن يفوتها وهي فيما هي فيه من وجل وارتباك أن تدرك أن بعض العيون ~~الثماني التي تزاملها قد استوقفتها حالتها، وكفتها لمحة لتتأكد - العيون - أنها، سناء، قد ~~عرفت. # وتلاقت العيون حينئذ تسترق التشاور، وبدا أن ومضاتها ما لبثت أن اتفقت على رأي لم يكن قد ~~بقي على تنفيذه إلا اجتماع عاجل يعقد وطريقة تختار. # وفي المقهى - في المساء - وتحت ظليلة من دخان الحشيش ورشفات أكواب الشاي، استقر الرأي على ~~أنها ما دامت قد عرفت أو خمنت فلا بد من إشراكها، وتطوع الجندي وأخذ على عاتقه مهمة جر ~~رجلها وتوظيفها - وأمره إلى الله - في العمل الثاني على شرط أن يكون هذا مقابل أبخس نسبة ~~ممكنة، ورغم أن الآخرين لم يبدوا حماسا للفكرة ... فكرة أن يكون الجندي بالذات هو رسولهم ~~إليها، إلا أنه أصر وأقسم لهم وأكد وتمسك بطريقة لم يجدوا معها بدا من الرضوخ، كان ~~بينه وبين نفسه، وقد سدت في وجهه كل الأبواب الأخرى، يطمح أن يتقرب إليها من هذا الباب، ~~وأن يجرب معها هذا المفتاح السحري، وقد وضع في اعتباره ما تعانيه هي وأسرتها من أزمة وحاجة ~~إلى المصاريف. # من هنا وبهذا السلاح قرر أن يأكلها. ~~••• # كانت خطة الجندي رغم عبطه الظاهر ماكرة خبيثة، فقد ظل يرتب الأمر بحيث خلت الحجرة إلا ~~منه ومن نفس «الزبون» البادي الثراء، بينما وقف خفاجي على الباب يمنع الدخول بحجة أن هناك ~~لجنة، وإن كانت شياطين الشغف تستبد به أحيانا حتى ليكاد ms24 ينحني ليختلس النظر أو يلصق أذنه ~~بالباب علها تلتقط كلمة، جلس الزبون محرجا أول الأمر يرد على تحيات الجندي المتعاقبة بجهد ~~وتكلف، وبين الحين والحين ينظر ناحية سناء ويعود ينظر إليه متسائلا متشككا، وتركه ~~الجندي في حيرته وظل يراقب سناء من طرف خفي إلى أن لمحها تترك انهماكها المتعمد فيما أمامها ~~من عمل، وتبدأ من طرف خفي أيضا تدرك وجود الزبون أمام الجندي، وتدرك وهذا هو المهم ارتباكه ~~وحيرته، بمعنى أوضح تدرك أن هناك أمرا يتحرج الزبون من الخوض فيه أمامها، وأن الجندي لا ~~يريد إنقاذه من هذه الحيرة، كان مفروضا حينئذ أن تعاودها إحدى نوبات الاشمئزاز الحادة ~~التي تنتابها كلما بدر من الجندي ما يبعث على الاشمئزاز، فتنتفض في الحال واقفة وتغادر ~~الحجرة، ولكنها هذه المرة وجدت نفسها واقعة تحت تأثير ما هو أقوى من الاشمئزاز ... حب استطلاع ~~الأنثى، أقوى أنواع حب الاستطلاع، القادر وحده على أن يكبت - إذا استبد بها - كل رغباتها ~~وما يدور بأعماقها من انفعالات، وجدت نفسها تريد بأي ثمن أن تعرف إن كان ما قدرته صحيحا أم ~~هو من قبيل التخمينات ... أم لعل سبب بقائها هو الارتباك العنيف الذي اجتاحها وفصد العرق من ~~كل جسدها وسمرها في مكانها، وكأنها بسبيلها إلى حضور أمر مخجل مجهول لا تعلم مدى بشاعته، ~~أعيب عيب، لعل هذا هو ما دفعها إلى ابتلاع اشمئزازها والبقاء، بل ما هو أكثر من البقاء، ~~ادعاء الانهماك الشديد في العمل، كي تترك أمامهم المجال واسعا رحبا حتى يتسنى لها أن تسمع ~~وترى رأي العين. # كل ما حدث أنها حين لاح عليها وكأنها ترفع رأسها مفيقة، لم يضع الجندي الفرصة الذهبية ~~فرفع صوته يقول للزبون المرتبك المحرج: خد راحتك قوي يا عبادة بيه ... الآنسة سناء زميلتنا ~~ومنا وعلينا، خد راحتك قوي قوي ... دي مش غريبة ... دي معانا. # ورغم أن المقطع الأخير رن في أذنها رنينا مزعجا غريبا، إلا أنها لم تشأ أن تنكص ~~وقررت أن تظل منهمكة، وعادت مرة أخرى إلى الدفتر الكبير الذي كانت ms25 تسجل فيه، أو على وجه ~~أصح تدعي التسجيل. # وكأنما انزاح عن كاهل الزبون عبء من جديد، فقد أخرج علبة سجائره وقدم للجندي واحدة، بل ~~عزم عليه بالعلبة كلها، ثم قال: ما دام المسألة كده يبقى نتكلم بصراحة ... والصراحة أنتم لازم ~~تتوصوا بنا شوية ... أنا ما أقدرش أدفع خمسين جنيه عالتصريح. # وبينما كان قلب سناء يدق أكثر من خمسين دقة متقاربة متتالية كأنها دقة واحدة تفتت إلى ~~دقات، ومضى الجندي يقول: ما دام صراحة بصراحة، نتكلم احنا كمان بصراحة ... يا عبادة بيه أنت ~~نسيت أن الخمسين اللي بناخدهم بتكسب من وراهم سعادتك ألف وأكثر. ~~- بيتهيأ لك، لو تعرف اللي فيها ما تقولشي كده ... أنت فاكر إن الحكاية تصريح وبس؟ مش عارف ~~في المراقبة لازم برضه على الأقل خمسين وخمسين زيهم واللا ميه في الجمرك؟ ما أنت عارف كل ~~حاجة ... إيه الداعي تخليني أتكلم. ~~- ما أنت كمان يا عبادة بيه ما فيش داعي أقول لك ... أنت بتقول عليهم خمسين إنما أحلف لك ~~بإيه الواحد منا ما بينوبه خمسة يمكن واللا ستة. ~~- بينوبك خمسة! أمال الباقي بيروح فين؟ ~~- يا سعادة البيه احنا هنا في المكتب أربعة غير الباشكاتب، شوف كل واحد ينوبه كام، ولازم ~~يروح للناس اللي في المصلحة كام، وبتوع الوزارة كام، إن كان علي أنا أحلف لك بإيه إني ~~يمكن ما باطلع بحاجة، وشرفي ورحمة أمي أنا مجرد واسطة خير. # ولسبب ما بدا أن «عبادة بيه» الزبون لم يهمه من كل إجابة الجندي إلا نقطة واحدة رسمت ~~الدهشة على ملامحه أول الأمر، ثم جعلته يلقي على سناء نظرة خاطفة ويطمئن إلى انهماكها في ~~العمل قبل أن يميل على الجندي عبر المكتب ليهمس له بصوت ملؤه الدهشة وغير قليل من ~~الاستنكار: ودي رخره بتاخد معاكم؟ # ورفع الجندي صوته عن عمد وهو يكاد يقهقه قائلا: أمال يا بيه، هو يصح نبقى زملاء في مكتب ~~واحد وحاجة زي دي ما نقاسمش بعض فيها؟ ده أنا إن مكانش لي خير في زميلي ما يصحش واحد ms26 زي ~~سعادتك يعبرني أو يثق في، أمال يا سعادة البيه ... كلنا بناخد أنا وزملائي الثلاثة كلنا ~~والباشكاتب. # وكان يقول الجملة الأخيرة وهو يدور بصوته العالي في كل اتجاه، وكأنما ليشهد السقف ~~والجدران والمكاتب الخالية على ما يقول، بينما يسدد بصره الذي لا يطرف إلى سناء. ~~••• # فجأة اكتشفت سناء أنها غارقة إلى قمة رأسها في هوة كأنما حفرت داخلها في لمح البصر، ومضت ~~بسرعة مجنونة تتسع وتعمق وتحتويها، كانت لأول مرة في حياتها تواجه بموقف حاد عاجل يتطلب ~~منها تصرفا حادا عاجلا، وهي لا قدرة لديها على القيام بأي تصرف، أو حتى النطق، مجرد ~~النطق بكلمة، لم تكن تتصور أبدا أنها ستنقلب هكذا - دون أن تحس - من متفرجة محبة للاستطلاع ~~على موقف، إلى مشتركة لقمة رأسها فيه وأن يكون الجندي العبيط في نظرها هو فاعل هذا ومدبره، ~~كيف استطاع ساذج مثله أن يقلب الحديث الدائر بينه وبين «الزبون»، الحديث المفروض أنها تجهله ~~تماما وأن يتم خلف ظهرها ودون علمها، إلى حديث عام يرفع فيه صوته ويسمعها وكأنه في ندوة، ~~وكأنها الطرف الثالث في «الصفقة» ... بل كاد لولا بقية من حياء أن يطلب منها أن تساهم برأيها ~~فيما تجري عليه المساومة. # بقية من حياء تثبت أنها لم تكن موجودة أصلا، إذ ما لبثت بعد وقفة التقط فيها أنفاسه ومن ~~السيجارة أشعل سيجارة، وبينما «الزبون» يهم بفتح فمه للرد إذا بالجندي يشير إليه مقاطعا ~~مصوبا نظراته إلى حيث سناء رافعا صوته بحيث خرجت كلماته واضحة مفهومة لا تقبل اللمس: ~~والله إيه رأيك يا آنسة سناء؟ أنا بذمتك وشرفك ببالغ؟ مش يدوب الواحد منا بيتلايمله من ~~الخمسين اللي بناخدهم ع التصريح يدوبك على ورقة بخمسة؟! كده ولا لأ يا سناء؟ كده ولا ~~لأ؟ # حشدت سناء نفسها بكل قواها لترد بكل ما تملك من قدرة على الغضب، بكل ما استدعته إلى ~~وعيها من ألفاظ السباب، بكل طاقتها على الانفعال، بوجهها الأسمر الذي من احتقانه كاد يسود، ~~بعينيها اللتين جحظتا إلى أمام، بالارتجافة الشاملة التي اكتسحتها ms27 وأرعشت حتى المكتب الذي ~~تستند إليه، ولكن كلمة ما لم تخرج من فمها. # ضغطت بكوعيها على حافة المكتب، واعتصرت صدرها، وتقبضت عضلات زورها وحلقها في محاولة ثانية ~~للنطق بلا جدوى، ليس لأنها لم تكن تجد ما تقوله، ربما لتزاحم ما تريد قوله، ربما الازدحام ~~الخانق من ألفاظ السباب التي تحفظها والتي سمعتها وتحرجت طوال حياتها عن ذكرها، وأرادت ~~لحظتها بمثل ما لم ترد به أي شيء خلال عمرها كله أن تقولها وتنطقها وترددها مثنى وثلاث ~~ورباع. # وكادت تجن! وهذا الضغط الهائل المحتشد داخلها يأبى أن ينطلق أو يجد له منفذا لكأنه ~~كابوس خانق لا يحدث لها في حلم، وإنما في واقع يجري أمامها، وكلما مضت ثانية تضاعف إحساسها ~~بالرغبة العارمة في الانفجار، وتضاعف إحساسها بالقوى القاهرة الخفية التي تبقيها رغما ~~عنها غير منفجرة، حتى صراخ الاستغاثة الذي يصدر من النائم، لم تكن تستطيعه، كل ما استطاعته ~~أنها - من حلاوة الروح - وقفت فجأة كالملسوعة، وضمت قبضتين غريبتين كأنهما ليستا لها، وخبطت ~~بهما سطح المكتب خبطة، وكأنما تقصد بها أن تحطم القبضتين وليس أن تدق المكتب. # وطوال هذا المشهد الذي برغم طوله اللانهائي الذي أحسته له، لم يكن قد استغرق بضع ثوان، في ~~أثنائه كان الجندي منذ أن ألقى السؤال سائقا العبط على الهبالة يراقبها، راقب كل حركاتها ~~غير الإرادية الأولى وهو لا يفهم، ثم وهو يشك، ثم وهو يخاف خوفا لا يعرف سببه، وسرعان ما ~~تحول خوفه إلى رعب حين وجدها تفتح فمها عدة مرات دون أن يصدر عنه شيء أو صوت، ثم تحاول ~~محاولات مستمرة مستميتة أن تبتلع ريقها بطريقة تبدو معها وكأن غصصا أخطبوطية خفية كثيرة ~~تتزاحم وتسد حلقها حتى لتكاد تمنعها عن أخذ النفس أو إخراجه. # وما لبث أن تولاه الذهول حين وجد الخناق الخبيث يزايلها مرة واحدة وتبكي، بكاء غير عادي ~~بالمرة، فهو لم يبدأ كالبكاء على هيئة انفعال يتطور إلى بكاء، بدأ فجأة دافقا غزيرا وتحت ~~ضغط كالإناء المملوء إذا أصابه ثقب. # وجم الجندي وداخ وتاه ms28 وحاول أن يفعل شيئا، وعلى أقل القليل أن يتكلم، ولم يعجز، ولكنه ~~وجد نفسه يوأوئ ويهوهو ويقول كلمات على هيئة حروف قاصدا أن تكون حروف استفهام، يحاول أن ~~يعرف بها ما الخبر وماذا ألم بها؟ # أما عبادة بك «الزبون» فقد جاء انزعاجه على هيئة حركات مضى يجمع بها أوراقه ويضعها، ثم ~~يعود يخرجها من حقيبته الفاخرة وقد بدا أنه يستعد لمغادرة الحجرة. # وبنفس الغزارة الأولى رغم كل محاولاتها لإيقاف الدموع، مضت سناء تبكي بكاء بدا وكأن لا ~~قوة هناك تقدر على إيقافه ... بكاء تحس له بأضعاف أضعاف سخطها على نفسها حين عجزت عن الرد ~~والنطق، فقد كان البكاء أسخف تصرف ممكن أن تقوم به لحظتها، وكلما أدركت هذا وثارت عليه ~~واستجمعت قواها لإيقافه، أحست بتصميمها وإرادتها تذوب وتتلاشى، ووجدت نفسها تمضي باكية ~~سادرة في تصرف تحنق عليه حنقا لا تجد له ردا إلا بكاء آخر، لقد أحست أنها أهينت إهانة ~~واضحة متعمدة مدبرة، إهانة بلغت بشاعتها حدا أخرسها وأعجزها تماما، وحين ذهب العجز ~~والشلل وأوشكت أن تنطق وتنفجر، ها هي ذي لا تفعل إلا أن تبكي وتذرف الدموع كأي طفلة، كأي ~~حمقاء معتوهة، تبكي؟ أيكون هذا موقفها من أخطر وأسفل إهانة وجهت لها في حياتها، بل حتى ~~في خيالها لم يكن في حدود التصور المحض بإمكانه أن يحلم بشيء كهذا، فما بالك والإهانة لم ~~تحدث في الخيال، وهي واقعة حقيقية لم تفرغ دقائق الزمن من تسجيلها بعد، والإهانة لم تكن فقط ~~لأنها حضرت واقعة كهذه أو شاهدتها، أو حتى لمحاولات محمد الجندي إشراكها ولو بطريق غير ~~مباشر فيها، الإهانة الحقيقية أنه لا بد قد وضع في اعتباره وهو يرسم خطته احتمالا شبه ~~أكيد أنها من الممكن أن توافق، الإهانة الحقيقية هو ظنه شيئا كهذا فيها، وليست إهانة ~~لشرفها فقط وكرامتها، وإنما الإهانة العميقة هي أن هذا كله وجه إليها من رجل، الإهانة ~~الأعمق والأخطر أنها فتاة أنثى، وأن رجلا هو الذي ظن فيها هذا الظن، ربما لو كانت شابا ~~وعوملت ms29 بتلك الطريقة لما جرحت هذا الجرح العميق، لاعتبرت أن ما حدث سبة أو تهمة عادية ~~وجهت إليها ولردتها مضاعفة، ولكنها أنثى تحس بعمق أن الإهانة التي وجهت إلى شرفها هي في ~~الحقيقة إهانة لأنوثتها، لشرفها كأنثى، وليس لشرفها ككاتبة أو كفتاة تعمل، إهانة ليس ردها ~~الصفع والركل وكيل أقبح الألفاظ، فمهينها رجل ... الرجل لا يهمه أن يسب أو يشتم أو تصفعه ~~سيدة، بل حتى إذا همه وأهانه فهي إهانة لا توجه لشرفه، قد توجه إلى شخصه أو مكانته، ~~ولكنها أبدا لا تخدش شرفه ولا تجرحه هذا الجرح الغائر ~~الدامي، ماذا تفعل وهي تحس بشرفها الأنثوي مهانا ومجروحا، وهي عاجزة حتى عن الرد كرجل ~~أهانه رجل؟ عن السب حتى أو الصفع؟ أهناك ما يقتل من الغيظ أكثر من أن تجد نفسها في موقف ~~المعتدى على شرفها، الحرة في رد الاعتداء والعاجزة في نفس الوقت عن رده؟ بكاؤها الشيء ~~الوحيد الذي أفلت منها يكاد يعميها غيظا وسخطا! فرد الإهانة التي تلحق بالشرف، ردها بمجرد ~~البكاء إهانة في حد ذاته إهانة صادرة منها هي، وأي مأساة أن ترد عدوان غيرك وإهانته لك بأن ~~تتولى أنت الآخر إهانة نفسك أمامه، أي عار! # أخيرا جدا استطاعت سناء أن توقف سيال الدموع، أوقفته بيدها وأصابعها وقد أعياها البحث ~~عن منديلها الصغير، وكأنما تآمر هو الآخر ليزيد من سوء وضعها ومهانتها، ولم تكن تتصور أن ~~باستطاعة إنسان أن يكون صفيقا إلى حد أنه - بعد ما فعل ما فعل - يتقدم منها وقد أدرك ~~حيرتها وبحثها اليائس مقدما منديله، وربما كانت هذه الحركة منه هي القشة التي قصمت ظهر ~~غصصها الحانقة المكتومة، وقد وجدت نفسها تقذفه بالمنديل وبما أمامها من دفاتر وأوراق ~~وأقلام، هادرة متشنجة صارخة: لو كنت راجل ماكنتش عملت كده، إنما أنت حيوان ... كلب ... قذر ... يا ~~حقير ... يا ... ورحمة بابا لأوديك في ستين داهية يا مجرم. # وحتى وهي تقولها منحورة مغيظة شبه مجنونة، لم تحس أنها تشتم أو ترد إهانة، كل ما في الأمر ~~أنها نطقت وانحلت ms30 العقدة ، منفعلة لا لسبب إلا أن البكاء حين هدرت بالكلمات توقف. # ثم وجدت نفسها منساقة باندفاع كلماتها، لا تقوى على البقاء في الحجرة فغادرتها مسرعة ~~هوجاء، حتى بدا وكأن خروجها ذاك أكبر وأعمق وأحط كلمة أطلقتها جعبتها. # وبخطوات عمياء متعثرة انطلقت في الصالة، غير حافلة بالأصوات التي كانت تصدر طول الوقت عن ~~الجندي ومحاولاته للاقتراب منها واللحاق بها، ولا بالنداء المستغيث الذي كان آخر ما سمعته ~~منه ... # وبقلب واجف مخلوع، ووجه فاقد العينين هارب الدماء كأنه في طريقه إلى الموت، أسرع الجندي ~~خلفها. # ولم تعد عيناه إلى محجريهما والدماء إلى وجناته، ولا نبتت تحت إبطيه قطرات عرق السلامة، ~~إلا حين تأكد تماما أنها لم تذهب بعيدا، وبعيني رأسه شاهدها وهي تتجه إلى ذلك الجزء من ~~دورة المياه الذي خصص للموظفات، وتدخله وتغلق وراءها الباب. ~~••• # وبينما كلف خفاجة بمراقبة الدورة، كان اجتماع صاخب عاجل ينعقد في الحجرة وينهي فيه ~~الجندي لزملائه - مستسلما - قصة فشله الذريع مع سناء، والكارثة التي تنتظرهم فيما لو نفذت ~~وعيدها والدلائل كلها تشير إلى أنها حتما ستنفذ ذلك الوعيد. # وما كاد ينتهي حتى تطايرت الاقتراحات من كل صوب ... اقتراحات بالمبادرة بالتبليغ عنها قبل ~~أن تبلغ عنهم وإلباسها التهمة ... اقتراح بكتابة شكوى تمس أخلاقها ... اقتراح بتهديدها والضغط ~~عليها ... وعشرات أخرى من الاقتراحات لم تتوقف إلا حين انفتح الباب فجأة وأطل منه رأس خفاجة ~~ليهمس لهم أنها قادمة. # وعلى عجل هيئ المسرح لاستقبالها واتخذ كل موظف مكانه ودوره، وبينما تصنع البعض ~~الانهماك جلس آخر يعبث بمفاتيح الآلة الكاتبة، بينما الباشكاتب لم يطاوعه سنه على التمثيل ~~فوق مكانه كما كان، كل ما استطاعه أن أمسك بمظروف راح يستخرج محتوياته ببطء ويفحصها بعيدا ~~عن أعين الزملاء ... بعيدا عن الركن الخامس. # ودخلت سناء وقد أصلحت ما أفسدته الدموع من وجهها وعينيها وإن بقيتا منتفختين قليلا ~~يلونهما الاحمرار، ودون أن تنطق بكلمة توجهت إلى مكتبها وراحت تجمع الأوراق وتضعها في ~~الأدراج وتغلقها علامة الاستعداد لمغادرة العمل، والساعة لم تكن تجاوزت الثانية عشرة إلا ms31 ~~بقليل ، وسألها الباشكاتب بطريقة عادية جدا إلى أين هي ذاهبة؟ وأجابت بطريقة حاولت هي ~~الأخرى أن تجعلها عادية قائلة إنها متعبة طالبة منه الإذن بالمرواح، ورغم دهشة الموظفين ~~المكتومة أذن لها الباشكاتب متمنيا لها بلهجة أبوية سرعة الشفاء ... فقط طلب منها أن تكتب ~~ورقة صغيرة؛ إذ هكذا ينص الروتين، وبينما مضت سناء بيد مضطربة وأفكار مشتتة تحاول كتابة ~~الورقة وتمزق المحاولة، غادر الباشكاتب مكتبه وذهب إلى مكتبها، وبروح الأب أيضا أعفاها من ~~التفكير وأملى عليها الصيغة، وحين وقفت أخذ منها الورقة وأعاد قراءتها، ولاحظ أنها نسيت ~~كتابة التاريخ فكتبه، وبينما هي تتلفت في حركة غريزية قبل مغادرة الحجرة سألها الباشكاتب: ~~إنتي صحيح تعبانة يا سناء؟ # وحين هزت رأسها مجيبة وقد عاودتها الرغبة السخيفة في البكاء، قال الباشكاتب: لا يا سناء، ~~إنتي مش تعبانة ... إنتي زعلانة، فيه إيه؟ # وبينما مضت تصر على أنها متعبة فقط ومضى هو يصر وبروح الأب أيضا على أن هناك مشكلة، ~~وعلى أننا كلنا زملاؤه، وكلنا لا بد أن نحمل هم بعضنا إذا ألم بالبعض منا هم، ظلت ~~المحاورة دائرة وقتا غير قليل حتى بدا على سناء الإعياء، وحتى بدا أنها في المرة القادمة ~~لن تحفل بالإجابة وستترك الحجرة، حينئذ قال لها الباشكاتب: إنتي زعلانة م اللي عمله الجندي ~~أفندي، شوفي يا بنتي ... # وكان قرار سناء بينها وبين نفسها أنها لن تسمع ولن تسمح لنفسها أن يثار الموضوع أو تكون ~~طرفا في إثارته، ولكنها لا تعرف بالضبط ماذا أبقاها، وماذا في لهجة الباشكاتب رد لها بعض ~~الاعتبار، ربما وضعه لها في موضع القاضي في الوقت الذي وضع نفسه وزملاءها فيه موضع ~~المتهمين، ومنصب القضاء لا يرفض مهما بلغت وضاعة التهمة. # وحين بدأت سناء تقبل الدور وتستمع وتعي ما يقول، أحست مرة أخرى بتلك الدوامة تجتاح ~~عقلها ووعيها وكل كيانها ... ذلك الكيان الذي صنعته حياة قوامها اثنان وعشرون عاما من الخبرة ~~والتعليم والمعاناة. ما إن بدأت تنصت إليه لم تكن أشياء غريبة على أذنيها فقط، ولكنها معان ~~عاصفة ms32 مهولة كانت تهب من فم الرجل الطيب وتكاد تقتلع كل ما صنعته لنفسها من كيان، وكأنها ~~كانت طوال حياتها لا تعيش ولا ترى الدنيا أو تحيا فيها، لكأن حياتها بكل ما كان فيها من ~~صعوبات وقلاقل كانت لا حياة بجوار ما راحت تسمعه وتعيه، أو لكأن حياتها هي الحياة وما يقال ~~لها إن هو إلا وصف لا يعقل لحياة شاذة منحرفة لا تمت بصلة إلى عالم الأحياء. # سألها صفوت أفندي الباشكاتب أول ما سألها عن رأيها فيه، أهو سيئ؟ أفي ملامحه أو تصرفاته ~~معها ما يوحي بالجريمة والإجرام؟ أجابت سناء بالنفي، فالباشكاتب قد بدا لها طوال عملها معه ~~وخوفه من الله والحساب والميزان لا يقل عن خوف عالم متبحر في الدين، ما الذي يدفع رجلا هذا ~~شأنه إذن إلى أن يكون شريكا في عمل قذر تأباه النفوس؟ ~~- الدنيا يا سناء يا بنتي، العيشة ... أنا ماهيتي كلها بعد الخصومات 19 جنيها و230 مليما ~~ومصاريف بيتي في الشهر ما تقلش عن 50 أو ستين، عندي ولدان في الجامعة، وبنتان وولد في ~~الثانوية، وبنت في المعهد، وعيلين صغيرين في ابتدائي، ولي أخت مطلقة وقاعدة معايا هي ~~وولادها ثلاثة، منهم واحد طلعناه من المدارس وبيشتغل في مصنع، ساكن في بيت الناس بيحسدونا ~~عليه، ومع كده إيجاره ثمانية جنيه ونص، بند الأدوية بس بياخد منا بالميت خمسة جنيه في الشهر ~~غير الدكاترة، لو في مكاني تعملي إيه يا بنتي؟ ~~- أعمل أي حاجة إلا كده، أعلم ولادي بفلوس حرام؟ أطلعهم من المدارس أحسن وأشغلهم. # قهقه الباشكاتب بسخرية مريرة ربما لسذاجة الاقتراح: لو رضيت أنا أمهم ح ترضى؟ ولو رضيت ~~أنا وأمهم ح يرضوا هم؟ ولو اشتغلوا حتى ح يشتغلوا إيه؟ ح يكسبوا إيه؟ ~~- بس دي جريمة يا عم شكري ... سرقة، دانت راجل طيب، دا كأنك بتمد إيدك في جيب واحد لا ~~مؤاخذة يعني ... وبتنشل منه فلوس، إزاي ترضى تعمل كده؟ ~~- يا بنتي الأخلاق الكويسة حاجة، وأكل العيش حاجة تانية. ~~- أكل العيش حتى بالسرقة؟ ~~- يا بنتي إنتي ms33 لسه صغيرة ع البر ما شيلتيش هم المسئولية، لما تكوني مسئولة عن جيش زي ~~اللي أنا مسئول عنه، وكل يوم لازم تسدي 20 بق مفتوحين لك، مش ح تسميها سرقة أبدا، أنا ~~باسرق مين؟ ~~- المواطنين. ~~- دول أغنيا ... وأنا ما بخدش غصب عنهم هم اللي بيدفعوا من نفسهم. ~~- يبقى الحكومة. ~~- الحكومة خسرانة إيه؟ هو أنا بختلس من أموالها؟ حق الحكومة محفوظ ما حدش بيقدر يمد إيده ~~عليه. ~~- يعني رأيك ما فيهاش حاجة أبدا أنك تعمل كده؟ ~~- معاك إن فيها حاجات كتير ... فيها وفيها وفيها ... إنما حطي نفسك في موقفي تعملي ~~إيه؟ ~~- أنا شخصيا لا يمكن ... لما أموت أنا وأهلي م الجوع ما أقدرش أمد إيدي على حاجة ~~حرام. ~~- إنت ما تقدريش ... إحنا غصب عنا لازم نقدر ولازم نمد إيدينا فإيه رأيك فينا؟ ح تتصرفي ~~معانا زي ما قلتي للجندي؟ ~~- أنا قلت له كده عشان هو ... هو مش محتاج زيك وأخلاقه وحشة و... # وهم الجندي أن يعترض وقد احتقن وجهه بالغضب، ولكن الباشكاتب أشار إليه أن يسكت ومضى ~~يقول: بس إحنا معاه. ~~- يبقى انتو أحرار. ~~- أحرار إزاي؟ مش فاهم. ~~- يعني انتو في سكتكم وأنا في سكتي ... أنا ماليش دعوة بيكم، إنتم كبار ومسئولين عن نفسكم ~~قدام ربنا وقدام الناس. ~~- وليه ما تكونيش ويانا؟ ~~- أنا؟ والله لما يتقطع دراعي. ~~- وليه يا بنتي التزمت ده؟ احنا عارفين برضه وعارفين أزمتك وعارفين أخوكي عايز على الأقل ~~عشرة جنيه عشان يمتحن، وادي إنت شايفة أهه ... يعني مش ح تكوني متمسكة بالأخلاق الكريمة ~~والدين والذمة أكثر من واحد زيي، ما تخلينا سوى سوى تفكي أزمتك ونفك أزمتنا وأهي ~~ماشية. ~~- يا عم شكري أفندي ... أرجوك ... أي كلام بالشكل ده بينرفزني وح يخليني أتهور، انتو في ~~طريقكم وأنا في طريقي. ~~- وهو كذلك، بس على شرط ... ما حدش منا يتدخل في طريق التاني. ~~- عني أنا ... خدها مني كلمة شرف. ~~- وعننا احنا ... أعدك بشرفي، الفاتحة على كده. # ورد الجميع قائلين: الفاتحة. # وتململت سناء قليلا، واستغربت، ماذا حدث للدنيا؟ أيقرءون الفاتحة لتكريس ms34 اتفاق شائن ~~كهذا؟ ماذا حدث للناس؟ # ولكنها، تحت إلحاح العيون المنتظرة، هزت كتفيها ومضت تتمتم بالفاتحة، وحين وصلت إلى ~~منتصفها تقريبا خيل إليها أنها أخطأت في التلاوة، فأعادت القراءة من جديد، وكالخاطر ~~العابر تذكرت أنها لم تقرأ الفاتحة من زمن بعيد منذ أن كانت طفلة تصلي، وتذكرت أيضا إلحاح ~~أمها عليها بالصلاة وتأجيلها التنفيذ دائما، ماذا تقول أمها إذن وهي تسمع هؤلاء يقرءون ~~الفاتحة صحيحة سليمة، ويقرءونها في اليوم مرات ويصلون ويحجون ويسمون الرشوة أكل عيش، ترى ~~ماذا تقول؟ # ولكن الحادث على أية حال لم يمر ببساطة ولا مر الاتفاق، فلقد ظلت سناء محط الشكوك ~~لفترة، وكلماتها وكل حركة من حركاتها ظلت محل دراسة وافية ونقاش، والجميع يميلون إلى افتراض ~~أنها تخدعهم أو في الطريق إلى خداعهم، والباشكاتب وحده يقف في صفها ويؤكد أنها لن تفعل، وأن ~~عهد البنت وكلمتها على عكس ما يقال، كلمة واحدة متى قالتها لا تتراجع عنها، ومن ناحية أخرى ~~لم يعد الأمر يزاول بالبساطة الأولى ... مجرد علمهم أن سناء زميلتهم الموجودة معهم في ~~مكتب واحد تعرف وتسكت، ولكنها لا تشاركهم «اللعبة»، مجرد علمهم هذا أحاطهم بجو من عدم ~~ارتياح غامض، كانت مزاولتهم لأعمال المكتب الثاني كجماعة قد أضفت على العمل نوعا من ~~القانونية، ومحا عنهم كل أثر للإحساس بالذنب، سناء بوجودها واشمئزازها ونظراتها جعلت ~~إحساسا جديدا يبدأ يزحف ... إحساسا بخرق القانون، بارتكاب معصية! وقد تجسد هذا على هيئة ~~ضيق شديد بسناء ووجودها ورغبة ملحة في التخلص منها، حتى الجندي دفعته تلك الأحاسيس ~~المتضاربة إلى الكف عن الإحساس بها كفتاة، فلم يعد أبدأ يختلس النظر إلى شفتيها ويزدرد ريقه ~~كلما توقف بصره عند شفتها السفلى، وهو الذي كان لا يتصور أو يقبل أن يحاول أحد إبعاد سناء ~~عن المكتب وحرمانهم منها بدأ يتمنى في أحيان لو ذهبت ... وبدأت رغبته في وجودها تتعادل ككفة ~~الميزان مع رغبته في ذهابها. # إن المذنب لا يحسد البريء، إنه يكرهه، ويحس به كأنه ضميره، وكأن الضمير هو الجزء البريء ~~في قلب ms35 المذنب، وسناء ذلك الجزء، ذلك الركن الخامس البريء في المكتب كانت قد أصبحت كالضمير ~~المقيم الذي لا يتحرك، والذي لا تخفى عليه خافية، والذي يقابل كل ما يدور أمامه بالصمت ~~والسكون، ليتها كانت تتكلم أو تنصح أو حتى تشتم، ليتها تفعل أي شيء إلا أن تسكت، والكارثة ~~أنها ضمير مؤنث، إن الرجل لا يخجله كثيرا أن يرتكب الخطأ أو الحماقة أمام زميله الرجل، أي ~~رجل ... ولكنه يخجل ببشاعة أمام الأنثى، أي أنثى. # وكان طبيعيا جدا في مثل ذلك الجو أن تحدث ارتباكات في مزاولة العملية، فمحاولات كل ~~منهم للتخفي واستدراج الزبون بأقل ما يمكن من الضجة وبسرعة لا تثير الانتباه، وبالذات ~~انتباه سناء، هذه المحاولات كانت غالبا ما تفشل، وكثيرا ما تصدر عن الزبون كلمة أو إشارة ~~تفضح فيفقد الموظف أعصابه ويعدل عن الصفقة نهائيا بين عجب الزبون ودهشته، ويصر على أن ~~يأخذ القانون مجراه، وفي إصراره ذاك يرفع صوته ويعظ ويحاضر، ويكاد يشهد الجدران والمكاتب ~~والأثاث على ما يقول، ثم بدأت تحدث منافسات، وبدا كأن كلا منهم يريد أن يبدو أكثر من ~~الآخر غيرة على القانون، وفي مقابل هذا بدأت تحدث اتفاقات خاصة وبينما الواحد منهم يرفض في ~~العلن ويصر على الرفض إذا به يتفق سرا مع الزبون ويتقاضى الثمن وحده، بعيدا عن أعين ~~الزملاء، بعيدا عن الركن الخامس. ~~••• ~~- خفاجة! إنت يا هباب إنت ياللي اسمك خفاجة. ~~- يا فتاح يا عليم ... نعم يا محمد أفندي؟ ~~- شيل القهوة دي. ~~- ليه؟ مالها يا محمد أفندي؟ ~~- زفت ... قطران ... قرف شيلها لحسن وديني أرميها في وشك. # هكذا انفجر محمد الجندي في الرجل، وبعد أن وجه إليه الأوصاف الثلاثة الأول مضى يدور ~~بأبصاره ماسحا الحجرة بناظريه، هادرا في كل وجه من أوجه الزملاء يواجهه: دا لا قهوة نافعة ~~ولا طيب نافع، والناس بقت عايزة الضرب بالجزم، عايزين كرباج من بتوع زمان يسوقهم، أصل احنا ~~كده ولاد (...) مانجيش بالذوق أبدا، إن ما كانش الواحد ياخد على دماغه ما ينفعش، شيل القهوة ~~يا حلوف ... شيلها بقولك. ms36 # ويبدو أن صوته الصارخ الزاعق وصل إلى الحجرات الأخرى، إذ ما لبثت رءوس ما أن بدت تطل، ~~ولا تستغرق وقتا كبيرا لتكشف أنها نوبة أخرى من نوبات محمد الجندي، فتتراجع منسحبة خائفة ~~أن يصيبها من شتائمه رذاذ. # ولم يكن أحد يجهل السر، فإيراد المكتب الثاني قد بدأ ينخفض انخفاضا ملحوظا، وعيون ~~الرجال الكبار في المصلحة والوزارة قد بدأت تحمر وتتلمظ وتلمح، وأحيانا تجهر بالاتهامات ~~والشكوك، غير مستعدة أن تصدق أن السبب ممكن أن يرجع أبدا إلى وجود الموظفة الجديدة كما ~~يدعي الجندي، غير ملقية بالا أو اهتماما إلى محاولة الجندي «سبك» الدور ومطالباته ~~المستمرة بنقلها أو التخلص منها، منهية مقابلاتها معه بهزات رءوس مهددة تهديدا يعلم الجندي ~~خطورته، بحيث تلقي كل اهتزازة رأس الرعب في أعماقه. # غير أنها نوبات مهما طالت لا بد أن تنتهي، ويعود الجندي يجلس إلى مكتبه، ويعود الهدوء ~~يسود الحجرة، ولكن أي هدوء؟ والعمل بشقيه تقريبا توقف، وخلف الهدوء الظاهري يكمن تحفز، ~~وتحت جلود الوجوه الطبيعية جلد أصفر شاحب شحوب الخطر وترقبه ... شحوب الحالة «ج»، حتى سناء ~~مصدر الخطر كانت هي الأخرى قد بدأت تستشعر أن ثمة أمرا محيرا غريبا يحدث، لا من وراء ~~ظهرها ولكن أمام عينيها وإن كانت لا تراه ولا تستطيع تحديده، ها هم جالسون مثلا يرفرف ~~عليهم سقف واحد وتضمهم جدران أربعة، ولكن أية حواجز هائلة قائمة تحول بينهم، أو بالتحديد ~~بينها هي وبينهم! لأول مرة تحس بعمق أنها لا تفهم هؤلاء الرجال وأنها بينهم كالطفل الغريب ~~اليتيم التائه في مدينة لا يعرفها، لأول مرة تحس أنهم يكونون عالما ثانيا تجهله، ~~وتخافه، وتحس به معقدا تعقيدا بالغ الوعورة مجرد تأمله يخيف، نفس خوفها الذي لا تجد له ~~تفسيرا كلما اعترت محمد الجندي إحدى نوبات زعيقه وهياجه وشتائمه ... محمد الجندي الذي ~~طالما استثار اشمئزازها الصارخ، والذي طالما ألقت عليه نظرات احتقار لو أحسها لصعقه ~~الإحساس، ما لها حين يبدأ يشخط ويهدر حتى لو كان يخاطب خفاجة أو الحظ أو الصباح المقيت، ~~تتوالى دقات ms37 قلبها وتخاف خوفا يدفعها لتأمل محمد الجندي تأمل المذعور؟ تأملا لا يحمل ~~كرها أو اشمئزازا ... تأملا لا ترى معه ملامحه سائلة صفراوية لزجة، وإنما تراها غاضبة، ~~وكأنما تجمدت سيولتها فجأة وتحولت صفرتها حمرة - حمرة الغضب - ولزاجتها صلابة، وعيونه ~~الخضراء الشاحبة توقد فيها نار جهنمية وكأنما يوقدها الشيطان، حتى إذا ما استدار ومستها ~~لمحة من وجهه الغاضب خافت واقشعرت وأصبحت كل أمانيها أن يهدأ ويذهب عنه الغضب ليعود ذلك ~~الكائن الذي لا يخيف. # وأيضا لم يكن خوفها مجرد خوف بسيط، على الأقل ليس مجرد الخوف من زميلها الغاضب، فقد كانت ~~تحس بغضب الجندي يكشف لها ويحمل معه علامات من ذلك العالم الآخر، عالم الرجال الذين تحس بهم ~~أكثر جرأة وأعنف انفعالا ولغضبهم قدرة كبيرة على التحطيم والتخريب، لكأنما كلب رجالي خشن ~~الصوت حاد الناب سيخي النظرات قد انطلق من مربطه في أعماق الرجل فجأة إلى كلماته وتصرفاته ~~وملامحه ومضى ينبح ويهدر ويهدد ... ينشب أنيابه المسنونة في كل ما يعترض طريقه. # خوف مركب أبشع ما فيه أن سناء في الحقيقة، في ذلك الجزء الخفي من الحقيقة الذي لا يطلع ~~عليه أحد سواها وأحيانا تخجل حتى أن تطلع نفسها عليه، لم يكن خوفها الأكبر بسبب احتمال أن ~~يفقد الجندي وهو غاضب صوابه وينشب فيها أظافره وأنيابه، وإنما لاحتمال أغرب لا يكاد العقل ~~يصدقه، أن يفقد صوابه ويتعرى أمامها كرجل مثلا، أو أن ينقض عليها وقد انطلق فيه الرجل ~~الكلب من عقاله ويغتصبها هكذا فجأة، وقبل أن يتمكن أحد من الدفاع عنها، بل حتى قبل أن تتمكن ~~هي من الدفاع عن نفسها. # أيام لا تستطيع حصرها، لا لكثرتها أو لقلتها، ولكن لأنها كانت مجرد يوم واحد متصل طويل، ~~تذهب فيه إلى العمل متمنية أن يكون كل شيء قد تغير، والوضع كالكابوس مر وانتهى، وبهذه الروح ~~تدخل المصلحة في خفة وتحيي خفاجة بابتسامة واسعة وتعرف أنها مبكرة أكثر من اللازم وأن أحدا ~~من زملائها لم يحضر بعد، فتجلس تنتظر التغير الذي تتمناه وتترقبه، محاولة أن ms38 تستشفه من ~~طريقتهم في قول : صباح الخير، ومن الثامنة والنصف يبدءون في الحضور، ومن أول الباشكاتب إلى ~~محمد الجندي آخر القادمين تخرج التحية فاترة لا روح فيها ولا طعم، هذا إذا لم يتشاغل بعضهم ~~عن قولها أصلا، لا تغيير! وكأنها هي التي أذنبت وكأنهم ليسوا هم المخطئين، وتمضي الساعات ~~بطيئة ساكنة تكاد تكون كالقوارب في بحر لا هواء فيه ... لا تتحرك، وهي تعاني من شعور غير ~~المرغوب فيه الحساس للكلمة، أي كلمة حين تقال وأي كلام لا يقال، قلقة تغادر مكتبها كل خمس ~~دقائق مرة تجوب المصلحة وتزور الزميلات، وتدهش حين يحادثها الموظفون الآخرون حديث الند ~~للند البريء إلى البريء ولكنها تعلم أنه حديث إلى حين ... ففي الحجرة مشكلتها، وعبث ذلك الحل ~~الذي تحاول العثور عليه لدى الآخرين، كانت قد اشتهرت في المصلحة ب «البنت القنزوحة بتاعت ~~التراخيص» صفة كانت تحنق عليها علنا وتعجب بها سرا، وتعمل على أن تظل محتفظة بها، ~~ورغم إحساسها أن كثرة التجوال في الحجرات والمكاتب والحديث إلى من هب ودب يذهب عنها ~~المكانة الخاصة التي تحتلها، إلا أنها كانت لا تملك منع نفسها من الحديث والتجوال لتعود ~~منهكة بعد رحلاتها المتعاقبة إلى الحجرة، وكأنما بإرادتها تعود تسجن نفسها بين الوجوه ~~الأربعة التي تبدو لها أسمك من الجدران، سجن وإن كان يضايقها إلا أنها تأبى في أعماقها أن ~~تتخلص منه ... فبمثل رعبها من غضب الجندي وزهقها من الزمن الساكن المتوقف ورغبتها المتأججة أن ~~تعرف ما يدور في أعماق سجانيها الأربعة ... بمثل هذا وأكثر منه كانت مستعدة لأن تحتمل الضيق ~~الخانق إلى أقصى مدى، فقط لكي تعرف ماذا سيحدث بعد هذا أو ماذا يمكن أن يحدث؟ شغف كالشغف ~~العارم لمعرفة نهاية قصة بدأت فجأة وسرعان ما ركدت أحداثها وتوقفت، ولكن لا بد أن هناك ~~نهاية لها، لا بد. ~~••• # وربما لهذا السبب تضخم إحساسها بيوم الأحد وتضاعف ترقبها له، هي التي لم تعره أول الأمر ~~عناية ما، وحين ذكر الخبر أمامها ودعيت لم تحفل لا بالخبر ولا بالدعوة، ms39 ولا خطر لها احتمال ~~أن تفكر في الذهاب، فما أهمية أن يكون ليسرية زميلتهن المعينة مساعدة لأمين المحفوظات عيد ~~ميلاد يحل يوم الأحد، وتهتم به اهتماما يدفعها إلى التفكير في حفلة وإلى دعوتهن؟ ما أهمية ~~شيء كهذا؟ # اليومان التاليان كشفا عن أهمية غير عادية للحفلة كانت ستضمهن جميعا هن الخمس، ولأول مرة ~~سيجمعهن مكان مغلق خارج العمل وبعيدا عن أسماع المصلحة والموظفين، وسناء كانت قد بدأت تؤمن ~~أنها وحدها ليست ندا للموقف، وصحيح أنها كما وعدت لن تتحدث في موضوعها بالذات، ولكن ربما ~~تحدثت أخرى، وربما تناقشن جميعا، ربما صدرت عن إحداهن كلمة قد تضيء كفنار النجاة لها ~~الطريق. # وكادت تندم على حضورها وعلى كل الآمال التي علقتها، فبعدما انقضت ساعة في بهجة مصطنعة، ~~وكأنها تقليد غير متقن لماركة بهجة حقيقية لا بد موجودة في مكان ما على سطح الأرض، وضحك ~~في فشله التام للتعبير عن المرح تكاد تضحك عليه، آن لهن أن ينفردن بأنفسهن وقد ذهبت ~~القريبات والصديقات اللدودات كلهن ما عدا واحدة داعرة القهقهة والنظرات أصرت على البقاء، ~~وحين بدأن يتحدثن عن المصلحة والعمل حديثا تافها أول الأمر يتناول وجهة نظر كل منهن في ~~هدوء هذا الموظف أو ذاك، وفلان ده يا ختي عليه، عليه حتة طابع حسن يجنن. # بدأت الصديقة أو القريبة - لا أحد يعرف - تعلق من عندها هي الأخرى تعليقات داعرة كأنها ~~صادرة عن امرأة كشفت عن نفسها كل حجاب، متسائلة بشغف المحرومة عن إحساسهن «الجسدي» بزملائهن ~~الموظفين، مبدية اشمئزازها من خيبتهن وكسوفهن الذي لا يليق بموظفات مثلهن يقبضن كالرجال ~~الماهية في «آخر الشهر»، وكأنها لا ترى في العمل سوى طريق مختصر إلى الرجل أو «الذكر» في ~~الرجل، منطق بدا لهن، حتى لبهيجة صاحبة «القصة» والضحكة واللبانة مثيرا للغثيان. والغريب ~~أن تشترك بهيجة بالذات معهن في الشعور، فقبل بضعة أسابيع كانت يكاد يكون لها في العمل نفس ~~الرأي، بل لم لا نقول إنه السبب الحقيقي لبحثها عن العمل وتفتيشها عن الوظيفة ... كأنما ~~كانت تفتش عن حظيرة ms40 للرجال هم موجودون فيها بمختلف الأنواع والأشكال والأحجام بحيث تصبح كل ~~مشكلتها أن تختار؟ ماذا حدث حتى أصبحت مشكلتها بعد بضعة أسابيع من الوجود بالحظيرة، ومن ~~الاحتكاك بالرجل في مجال الوظيفة، وبعد موعد أو اثنين خرجت فيهما بلا حماس كبير مع زميلين ~~لها ... ماذا حدث وأنساها هدفها الأساسي، وفقد الرجل طعمه القارص الأول وبدأت تجد له في نفسها ~~مذاقا جديدا لا يلدغ، ولا يجعل جسدها يقشعر، ولا يصيبها بأي إحساس يمت إلى الجنس أو ~~الجسد بصلة؟ وأصبح كل ما يعنيها في الحظيرة أن تعرف من هو الرئيس من المرءوس ومن صاحب ~~المستقبل، إذ هناك في مؤخرة عقلها المغامرات قد تغيرت بقدرة قادر إلى مشاريع، كانت مشاريع - ~~لدهشتها - زواج ... زوج تختاره بعقلها المجرد عن الهوى وبوعيها المجرد عن الشعور، بل في أقل ~~من شهر تطورت مشاريعها تطورا آخر وأصبح همها لا أن تسعى «للترقي» عن طريق اختيار الزوج ~~الأرقى في الوظيفة والمستقبل، وإنما للترقي عن طريق أن تترقى هي وتحتل الوظيفة التي يتنافس ~~على خطبة صاحبها المتنافسون، ولا بأس هنا من استعمال كل الطرق وأي الطرق على الوظيفة ~~الأحسن، بالعمل المتواصل لكسب رضاء الرؤساء، بالشكولاتة أو البونبون أو بأنوثتها حتى، أي ~~تطور أصابها هي التي ذهبت تفتش عن الرجال في العمل «لإشباع» أنوثتها، فانتهت في أقل من ~~شهرين إلى التفتيش عن العمل ونتائج العمل في الرجال، حتى لو اضطرها الأمر «لاستعمال» ~~أنوثتها وجعلها وسيلة للوصول، في ذلك الميدان الجديد الذي اكتشفت في حظيرة الرجال ~~وجوده؟ # وحتى فيما وصلت إليه كانت تعليقات السيدة الجالسة واضعة فخذا فوق فخذ تتحدث عن كل ما هو ~~«عيب» بانطلاق زائد، وكأنما هي العالم المتبحر يطرق موضوعه المفضل ... السيدة الغريبة ~~التي استنكرت حين سألتها إن كانت تشتغل - مجرد السؤال - باعتبار أن العمل «عيب» لا يليق ~~بالسيدة الفاضلة أن تترك بيتها لأجل أن تزاوله ... السيدة التي تفخر بأنها «ربة بيت» وتلتقط ~~مواقف العيب لتخوض فيها وتتوسع، معتقدة أنهن ما دمن يرتكبن العيب الأكبر ويعملن فلن يمانعن ~~قطعا في ms41 مزاولة العيوب الصغرى مثل الحديث عن العيب والنكات والقفشات العيب. # كلمات كانت وجوه البنات تخضر لها كإشارات المرور وتصفر وتحمر، ويشعرن لدى سماعها أن ~~مسافات شاسعة الطول قد حملتهن بعيدا عن عالم «حريمي» آخر قائم وعتيد، وكن إلى أسابيع قليلة ~~مضت من رعاياه وعبيده ... عالم المرأة فيه في نظر الرجل، وبصراحة قد تجرح في نظر نفس المرأة ~~أيضا عيب متجسد يرتدي الفساتين ويتجمل بالمساحيق، وكل رغبة لها أو مطلب تحمل في ثناياها ~~وصمة عيب أبدية ... خلقت عيبا وستظل إلى يوم مماتها عيبا، تلك هي الحقيقة الوحيدة الراسخة ~~في عالم الحريم والرجال الذي كن يحيين فيه، وكل ما عداها من حقائق لا يفعل أكثر من أن يؤكد ~~تلك الحقيقة الكبرى ويعمقها، من أسابيع قليلة مضت خرجن من عالم العيب هذا إلى عالم اللاعيب ~~اللاخطأ، عالم اللارذيلة، عالم الرجال، خرجن من عالم كل ما فيه ومن فيه حرام إلى عالم كل ~~ما فيه ومن فيه حلال، ولا تستغرق وقتا كبيرا لتكشف أنها نوبة في الأرض المحايدة، في ~~العمل، حيث لا تسري قوانين البيت والمجتمع، حيث لا تسري قوانين الأخلاق، حيث القانون الوحيد ~~المطاع هو قانون العمل، حيث الخطيئة الكبرى لمن لا يعمل. بضعة أسابيع أتاحت لهن أن يرين ~~الرجال ويرين أنفسهن - لأول مرة - متجردين ومتجردات عن العيب واللاعيب، عن الحرام والحلال، ~~بدأن بعدها يقتنعن أن للحياة قوانين أخرى وأحكاما تختلف عن الأحكام الأزلية اختلافا ~~شاسعا كبيرا، كبر المسافة الكائنة بينهن وبين السيدة الجالسة واضعة فخذا فوق فخذ تتحدث ~~بفخر الأسيرة بآسرها، والعبدة بسيدها ومحور حياتها، عن العيب. # ويبدو أن السيدة قد أخذت وقتا طويلا تضحك فيه ببحبحة وتسخسخ فيه بإرادتها لدى ذكر ~~الرجال وعالم الرجال، قبل أن تدرك أن الأخريات لا يشاركنها، وبمعنى أصح يتفرجن عليها تفرج ~~المشمئز. # ودون أن تخجل أو تؤنب نفسها قالت: ده انتو الظاهر جد أوي، دانا مش بتاعت كلام من ده، أنا ~~ست بتاعت حظ وفرفشة وانتو باينكم خام أوي أوي، لا، اسمحيلي يا ختي يا يسرية ms42 أصلي أنا ما ~~استحملش الجد أبدا، بيعمل لي ارتكاريا يا حبيبتي وأنا مش ناقصة هرش، عن إذنكم. # وكأنما انزاح عن صدورهن هم ثقيل أو كانت السيدة رجلا يخجلن من الحديث أمامه، ~~والتشبيه ليس من عندي، لقد جاء على لسان سناء وهي تشيع المرأة وتكاد تسمعها الكلمات ... تشبيه ~~ضحكن له، وما لبثت «نور» خريجة التجارة أيضا وكاتبة الآلة في السكرتارية أن علقت عليه ~~قائلة: أهو احنا دلوقتي لا احنا ستات على ناحية ولا رجاله على ناحية، زي ما نكون عملنا جنس ~~تالت. # فقالت سناء: ما هو لازم يحصل كده! ما احنا ستات إنما بنقوم بعمل رجاله، زي الرجاله لما ~~بيقوموا بشغل الستات ... زي الترزي اللي بنفصل عنده وزي الأسطى إبراهيم الكوافير ... مش تلاقوهم ~~برضه ستاتي شوية ... نواعمي كده؟ # ثم أضافت ضاحكة: زي احنا ما ابتدينا نخشن شوية. # ولكن مجرى الحديث تغير فجأة، مالت نور على يسرية وقالت لها شيئا، رفعت يسرية بعده صوتها ~~في شبه صرخة: يا نهار أبيض، وعندنا كمان! ~~- إيه هو اللي عندكم؟ # ورسمت نور بإبهامها وسبابتها مصطلح «الفلوس» وقالت سناء: في السكرتارية كمان؟ أنا كنت ~~فاكرة عندنا بس. # وهكذا، وبانزلاقة فجائية وجدت سناء أنها وزميلاتها قد أصبحت فجأة في قلب المشكلة. # ولا تدري لماذا أحست بكل تلك الفرحة الطاغية التي اجتاحتها لمجرد علمها أن قسم ~~التراخيص ليس هو الوحيد الذي يقوم بالعمل الآخر الثاني. # وشهدت الغرفة الصغيرة التي كانت مسرحا للاحتفال المتواضع أكثر من خبطة على كف، وارتعاشات ~~يد علامة البراءة والاستنكار، بينما الصدور تتهيأ وكأنها مقبلة على سباق لتقص كل منهن ~~على الأخريات أغرب وأعجب واقعة رأتها في حياتها. # وبعد قصة من نور وأخرى من نجاة بدأن يدركن أن قصصهن متشابهة إلى حد بعيد، وأن لا غرابة ~~إلا في أنها حدثت لكل منهن على انفراد، وإلا في أنها صادرة عن جنس غريم آخر. # هنا كففن عن الحكي وإصدار آهات الدهشة والاستنكار، وبدأت تظهر على الواحدة منهن إذا تحدثت ~~علامات دالة على تفكير، فالحديث كان قد اتخذ وجهة ms43 نادرا ما يتخذها حديث النساء عن الرجال، ~~إذ هو لم يكن يدور عنهم كرجال، وإنما عنهم كأكلة عيش، وعن الوجه الآخر لعالمهم، عالم ~~المسئولية وأكل العيش ... العالم الذي أقاموه واحتكروه واحتفظوا بمفاتيح أسراره، العالم الذي ~~تكفل بصبهم في قوالبهم وتكوين أمزجتهم وصنع هياكل شخصياتهم وقيمهم، قالت نجاة: عندنا محمد ~~أفندي راجل زي أولية الله تمام، حاجج مرتين وطول النهار السبحة في أيده وطول النهار يكلمنا ~~عن اللي يصح واللي ما يصحش، والمصيبة أنه مش بيدعي، ده جد تلقيه كريم وعنده نخوة وشرف ونبل، ~~آخر شرف ونبل! وأعرف لك بعد كل ده قال إنه بياخد على كل استمارة جنيه، معتبرها عيب وكل ~~حاجة، إنما يقول لك على رأيه: هادي نقرة يا ولد عمي وهادي نقرة. ~~- ونروح بعيد ليه؟ رئيس الإدارة بتاعتكم يا سناء راجل بيلعب بوكر بدينه، وقال إيه قبل ما ~~يلمس الورق لازم يقرأ الفاتحة. # وتدخلت نور صاحبة الحفلة: طيب أنا بعيني بقى شفت الحكاية دي، الراجل اللي ساكن تحتنا ده ~~موظف في شركة، لو كنتم هنا امبارح كنتو سمعتوا الصراخ جايب من آخر الشارع وكل يوم والتاني ~~مولد بالشكل ده، وعلشان إيه ده كله؟ حضرته بينزل ضرب في ابنه لما بيجي متأخر من بره، ومتأخر ~~دي عنده يعني بعد الساعة عشرة، كويس كده؟ إيه رأيكم لينا واحد قريبنا بيشتغل معاه لما سمع ~~الحكاية دي مات م الضحك، وقال: مش معقول ده، أي حد تاني معقول، إنما الراجل ده بالذات ... ده ~~معروف عنه زي الشمس إنه بيورد الستات لكل الموظفين الكبار في الشركة. ~~- ومستغربة ليه؟ هادي نقرة يا ولد عمي وهادي نقرة. # وارتفعت ضحكاتهن عالية، وما لبثت سناء أن قالت مواصلة نغمة السخرية: الظاهر الرجالة دول ~~عندهم لكل مبدأ دوسيه ... الشرف في بيته غير الشرف في عمله، والحرام في الليل غير الحرام في ~~النهار، والفضيلة ما تمنعش الرذيلة، كله موجود مع بعض في حالة تعايش سلمي. # ثم اعتدلت جادة لتكمل آراءها «الفلسفية» بقصة حقيقية عن رئيسها عم صفوت أفندي، الرجل ms44 الذي ~~هدهد عليها كالأب وحاول أن يقنعها باقتسام الرشوة، والذي لا تخلو جملة من جمله من حديث شريف ~~أو آية قرآنية. ~~- من يومين كان صفوت أفندي يحكي لي كيف اكتشف مرة أن مع ابنه الصغير إصبع طباشير ملون، ~~سأله عن مصدره فتلجلج، وحقق معه فعرف أنه أخذه من صندوق الطباشير في حجرة الرسم دون علم ~~المدرس ... وكيف ظل ساعة يشرح له خطأه ويوضح له الجريمة التي ارتكبها، وكيف أمره في ~~النهاية أن يذهب في الغد إلى المدرس ويعترف له بما حدث، ويرد الأصبع، وكيف لم يفعل الولد، ~~وكيف ضربه وأخذه من يده في الصباح وذهب معه إلى المدرس، وجعله يعترف للمدرس أمامه بما فعله ~~ويطلب الصفح والمغفرة، قصة من فم عم صفوت أفندي حكاها عرضا ودون أن يكون له من وراء ~~حكايتها هدف، وعم صفوت أفندي هذا لا يجد عيبا أبدا في الحصول بطريقة غير شريفة بالمرة على ~~نقود تشتري آلاف أصابع الطباشير؟ # وأنهت سناء قصتها قائلة أنها لا تزال إلى الآن حائرة مع صفوت أفندي لا تعرف كيف تحكم عليه ~~... إذ ما الحكم على نفس الشخصية والمنطق والعقل حين تنهى عن الشيء بحرارة وصدق حقيقيين في ~~نطاق، وبحرارة وصدق ترتكبه في نطاق آخر؟ كيف تحكم عليه؟ # وبدأ الحديث يتعثر وقد استغرقتهن جميعا تأملات، وبدأ الحديث يأخذ شكل الأحكام ... أحكام ~~تدين الرجال وتشمئز من عالمهم المنقسم على نفسه، وذواتهم التي تحيا بمائة وجه ومنطق، وأحكام ~~أخرى تصدر وتحاول أن تجد العذر وتغلفها صاحبتها بكلمة عطف، والجميع يسيطر عليهم الشعور بأن ~~هؤلاء الرجال وإن كانوا أكثر منهن خبرة وقدرة، إلا أنهن ها هن يكتشفن أنهن أكثر منهن قذارة ~~أيضا، وأنهن بعالمهن قد يكن أكثر تخلفا وضيق أفق، إلا أنهن أيضا أكثر نظافة. ~~- المسألة مس مسألة قذارة ونظافة يا جماعة. ~~- أمال المسألة إيه يا نجاة؟ # استدرن إليها متسائلات، إذ كن بدأن يعين أن نجاة دأبت منذ بدء الجلسة على الدفاع بعطف ~~ولباقة عن عالم الرجال المزعوم ذاك. # ورمقتها نور بنظرة ماكرة مستكشفة ms45 قائلة: سيبيكي إنتي تلقيهم غمزوكي بحاجة. # قالتها نور شبه هازلة، وبهزل أيضا ضحكن عليها، نجاة وحدها هي التي أخذتها - لدهشتهن - ~~جدا، وما إن راحت تدافع عن نفسها وتستنكر وتبالغ في إبداء علامات النفي والاستنكار حتى ~~بدأن يخمن شبه مروعات أنها تكذب، وأن عالم الرجال والأخلاق وأكل العيش من الواضح أنه قد نجح ~~في ابتلاع واحدة منهن، على الأقل واحدة. # خسارة يا نجاة. ~~••• # كان المفروض أن نتتبع سناء بعد خروجها من الحفلة وهي محملة بمزيج متباين من الانفعالات، ~~إذ كانت رغم كل شيء قد سعدت بالحفلة واجتماعها بزميلاتها وكسر الروتين الذي يخطط حياتها ~~تخطيطا صارما غير مسموح لها أن تخرج عليه فتاة من المدرسة للبيت، ومن البيت للمدرسة، وحين ~~انتهت أيام الدراسة وجاءت أيام الوظيفة استمرت الحلقة المفرغة أيضا مع استبدال المدرسة ~~بالمصلة، وكل ما تسمح به ظروفها من ترفيه أن تدخل السينما مرة كل أسبوع أو أسبوعين مستصحبة ~~أخاها الصغير أو إحدى قريباتها، وحياتها العاطفية لم تزد كالعادة عن غرام صامت مع ابن ~~الجيران أيام أن كانوا يسكنون شبرا، ثم تلك المغامرة الفاشلة الأخرى أيام المعهد ... أيام أن ~~كانت صديقتها الصدوقة كوثر تحب، وكانت تستصحبها معها للقاء حبيبها الطالب في كلية الطب ~~البيطري، حين وجد الحبيب أن خير حل للانفراد بكوثر أن يأتي معه بصديقه عمر الطالب بكلية دار ~~العلوم، الذي يشبه - رغم أنه من ميت غمر - مشهور السينما مارلون براندو، أو على الأقل هكذا ~~كانت تصر العزيزة كوثر، ويشبهه أو لا يشبهه فقد أحبت فيه خجله الشديد إلى درجة أنهما ~~قضيا ثلاثة أشهر يلتقيان ويقطعان شوارع القاهرة الجانبية سيرا دون أن يلمس يدها، بل حتى ~~دون أن يذكر كلمة واحدة تدل على شعوره ناحيتها، ورغم هذا فالصخرة التي تحطم عليها حبهما ~~كانت الحب، ليس ممارسة ولكن كنقاش، إذ ظل هذا الخجول الطالب بدار العلوم شبيه مارلون براندو ~~الذي لم يجد في نفسه الشجاعة يوما لأن يزحزح حدود النصف متر الذي كان قائما كحد أدنى ~~لأي مسافة بينهما، ظل يناقشها ms46 ليقنعها «بحب الجسد» باعتباره النوع المثالي للحب، بينما ظلت ~~تصر هي على «حب الروح» وتتمسك به، وانتهى النقاش وقد انقطع كل ما بينهما من علاقات كانت ~~بينهما. # وهناك تلك الحادثة الغريبة التي جرت لها مع زوج خالتها الشاب حين جاء لزيارتهم فوجدها ~~وحيدة في البيت، ودون أن تدري وجدت القرصات والضغطات والكلمات الهامسة التي كان يخصها بها ~~كلما أتيحت له الفرصة في أثناء زيارة عائلية أو من تحت طرابيزة سفرة ... وتأخذها هي على ~~محمل يمكن التغاضي عن براءته لزوج الخالة، حين وجدت هذه فجأة تتحول من علامات مبهمة قابلة ~~للشك وغفران الشك إلى واقع فاجر سافر، وهي فيه بين ذراعيه القويتين اللتين أطبقتا عليها ~~غدرا، ولكن لا المفاجأة ولا الإطباقة ولا السرعة التي حدثت بها الحادثة كانت السبب في ~~رعبها، الرعب الذي اجتاحها وشل إرادتها وجعلها تناضله مناضلة النائم في كابوس لا يخرج عن ~~حلقه صوت ولا يملك رفع أصبع ... هذا الرعب كان لسبب أكبر وأخطر، إنه زوج خالتها المحرم عليها، ~~والمحرمة هي كأمه كأخته كخالته، الرعب أن يسجل رجل لنفسه - أي رجل - مهما كان سيئ السمعة ~~والأخلاق مثله، أن يفكر مجرد تفكير في الشيء الذي لم يفكر فيه لحظتها، وإنما كان ~~يفعله. # وصحيح أن ما حدث، وبالطريقة المجنونة الشاذة التي حدث بها لم يكن قد أفقدها - عدا الإهانة ~~- شيئا يذكر، إلا أن الحادث كان أبشع وأضخم حدث مر بها إلى تلك السن في حياتها، لقد ظنت ~~أنها أبدا لن تعود سناء التي كانتها، وإن تلك العاصفة الآثمة الهوجاء سوف تجعلها تكفن ~~نفسها إلى آخر الزمن في ثياب حداد تام. # ولكن، وهذا هو الغريب، لم تتوقف الحياة بسناء كما كانت تظن عند هذا الحدث، ولا تكونت ~~لها، مثلما يحلو لبعض الكتاب والخبراء المزعومين في النفس البشرية، عقدة، فلا هي خافت من ~~الرجال ودفعها الخوف إلى الانطواء ونبذ الدنيا ومتعها والتقوقع، ولا هي أصيبت بالعقدة ~~الأخرى واندفعت تحت تأثير هذا الاتصال العيب المحرم في طريق الانحلال ونبذ القيم، لا شيء من ms47 ~~هذا قد حدث، فهناك عامل نسيته سناء يومها وينساه بعض الكتاب وخبراء علم النفس في معظم ~~الأحيان ... الزمن! ليس الزمن المجرد ولكن الزمن والإنسان، والأيام وهي تقبل بيضاء وتغادرنا ~~ماضيا ممتلئا بالأحداث والذكريات، ونستقبلها في مرحلة ونغادرها وقد أضيف إلينا الزمن ~~وتكون من خليطنا - منا ومنه - مزيج حي كائن جديد آخر غير الذي خاض التجربة. # الحدث الهائل كان حدثا هائلا بالأمس لأننا كنا نحياه ونواجهه، أما وقد مر بنا فقد ~~أصبحنا جزءا من تاريخه كما أصبح هو جزءا منا، نتوءا هنا أو أثرا لجرح هناك ... أثرا لا ~~يختلف عن بقية كياننا وجسدنا إلا في اختلاف لونه وبروز سطحه، والألم الذي يصدر عنه إذا نحن ~~بوعي لمسناه. # أو قد يحول إلى شيء آخر بوظيفة أخرى، مثلما حدث لسناء، فرغم نوبات الضيق الشديد ~~والاستنكار والتقزز التي كانت تنتابها كلما رأت زوج خالتها أو جاءت سيرته - وأحيانا بغير ~~أن تراه أو تأتي سيرته - رغم هذا فلن تستطيع أن تنكر على نفسها أن شيئا فيها قد استجاب ~~ووافق وارتعش لتلك التجربة الأولى التي صممت أن تكون الأخيرة، والتي في أحيان قليلة جدا، ~~خاصة في ليالي الصيف، كانت تجد نفسها رغما عنها تفكر فيها وبطريقة تزعجها للغاية، إذ تفكر ~~وكأنها تتمنى أن تعود التجربة بشرط أن يتغير البطل، وبشرط أساسي ثان ... أن يحدث كل شيء كما ~~حدث في المرة الأولى، بغير إرادة منها ... هكذا ... عنوة واغتصابا. # وكذلك لم تكن تجارب سناء قد توقفت عند هذه التجربة الغريبة اليتيمة، ولا ظلت طويلا ~~مثلها مثل يوم عرض الرشوة من محمد الجندي «أبشع وأضخم» حدث في حياتها، تلك الفتاة السمراء ~~المسمسمة التقاطيع الجذابة المؤدبة، ظلت تجرب باستخفاء كثير ومن بعيد لبعيد وبتورط أحيانا ~~وبفضائح محدودة الانتشار في أحيان، ولكنها دائما في وسط الحياة - ودائما داخلها يحفل ~~بالنوازع والعواطف والأحياء - دائما هناك مرشح للزواج من قبل الأهل ومرشح للحب من قبلها، ~~فإذا فشل المرشح والمشروع بعد أيام تبدو في الأفق رائحة آخر وآخرين، ونيران تنهش صدرها ~~للعريس اللقطة إذا ms48 طار، والعشق الصامت طالما أرق لياليها، وأقربها ذلك الإعجاب الخفي الذي ~~تكنه لزميلها في المكتب أحمد الطويل ... الإعجاب الذي لا يفصح عن نفسه إلا بأمنية أن تحدث ~~معجزة لتنقل مكتبه مكان محمد الجندي في مواجهتها. # ورأسها الصغير رغم شعرها الناعم الغزير مليء بالأحلام أيضا باقتناء الملابس الفاخرة ~~الأنيقة، بحياة الثروة والغنى، بالطموح، أحلام تتغير هي الأخرى وتتجدد ... إذ بينما كانت تحلم ~~في العام الماضي بجوانتي من الجلد الفاخر المبطن بالفرو، في هذا العام هي تحلم بأن تبلغ في ~~وظيفتها شأوا ومرتبا تستطيع أن تدفع منه أقساط عربة نصر 1100 وتسوقها وحدها وتفسح أمها ~~وتذهلها بها، وكل هذا رائع وجميل وليس أسهل من ملء الصفحات به، فسناء وحياتها ونقاط حياتها ~~إذا تقاس بالحياة، تكون إذا أردنا ذكرها بالتفصيل ملايين الأشياء وملايينها، حتى لو نحن ~~فقط تتبعنا سناء من لحظة أن غادرت حفلة بهيجة زميلتها، عن عمد سنغفل أشياء كثيرة؛ حتى لا ~~نفقد في غمارها ذلك الخط الواهي الدقيق الذي يحدد لنا مجال حركتنا خلال القطعة الصغيرة من ~~بحر الحياة الزاخر التي اخترناها. # وآجلا أم عاجلا كنا سنصل إلى يوم الأحد التالي الذي ذهبت فيه سناء إلى المكتب وقد قضت ~~ليلة من أتعس لياليها، يوم لن تنساه أبدا، فقد كان الأحد وغده الاثنين يوم امتحان أخيها، ~~ذلك الذي عليه فيه قبل أن يدخل الامتحان أن يدفع المصاريف ويأخذ الإيصال، وبدون هذا الإيصال ~~لا دخول ولا امتحان. # لم تكن أول الحاضرين كعادتها في الفترة الأخيرة ... وصلت فوجدتهم جميعا جالسين إلى مكاتبهم ~~بنفس أنهكها التفكير ودبل خضرتها، حيتهم وجلست وقد عقدت العزم على أن تنتهز أي فرصة تلوح ~~لتروي لهم كل شيء، ولتطلب منهم - هكذا ودون خجل أو تردد - أن يجدوا لها حلا، يومها كانت ~~مستعدة أن تقتل أو تسرق أو تصنع أي شيء في سبيل أن تحصل لأخيها على قيمة القسط، فليلة ~~الأمس بكى ... لأول مرة تراه منذ أن كبر يبكي كما كان يفعل وهو طفل، كانت تتناقش مع أمها في ~~كيفية الحصول ms49 على النقود، وطرقا بنقاشهما كل الأبواب والاحتمالات دون جدوى، حتى بات واضحا ~~أن النقود لن تأتيهم إلا إذا فتح الله سبحانه سقف حجرتهم وأسقط لهم من خلاله قيمة القسط، ~~وكان النقاش قد استغرقهما إلى درجة نسيا معها أن أسامة موجود بجوارهما، ولم يفطنا لوجوده ~~إلا حين سمعتا بكاءه والتفتتا لتجدا دموعه تلمع بكثرة فوق وجهه، وخيبة الأمل مرتسمة بصورة ~~واضحة تنطقها رغم طفولتها الخرساء ملامحه، مس مرآه هكذا شعور سناء مسا سريعا حاسما ~~داميا كقطع المشرط، ولحظتها صدر عن كل ذرة من كيانها قسم تلقائي مفاجئ غير منطوق ودون أن ~~تعي أو تريد، قسم أنها لا بد واجدة حلا ... لا بد صانعة المستحيل وما هو أكثر منه كي ~~لا يذرف أسامة دمعة أخرى، أو ترتسم على وجهه هذه الصورة الخرساء لخيبة الأمل. # وأصبحت الساعة العاشرة دون أن تحين الفرصة، ودون أمل حتى أن تحين فرصة، وأمل سناء قد أصبح ~~مركزا كله في هذه الساعات القليلة التي ستقضيها بالمصلحة، إذ ما لم تنجح في الوصول إلى ~~حل قبل الساعة الثانية فقد انتهى كل شيء، حقيقة لمحت من كثرة المرات التي ضبطت فيها عيون ~~زملائها وهي تحدق ناحيتها، أنهم لا بد أدركوا أنها في حالة غير عادية، ولكن أحدا منهم ~~لم يتعد في اهتمامه بحالتها أكثر من مجرد النظر، أليس فيهم رجل أوتي ذرة من نخوة يستطيع ~~أن يلقي إليها سؤالا ... مجرد سؤال؟ هل أصابهم العمى والعته؟ # كان الزمن على عكس عادته يمضي بسرعة خارقة، فما أسرع ما أصبحت الساعة العاشرة والنصف، مضت ~~ألف وثمانمائة ثانية دون أن يجد جديد. # ولكن في تلك اللحظة بالذات جد جديد ... فتح الباب ودخلت نور، بنت حلال حقيقة يا نور، ~~جئتني في وقتك! حيتهم نور واتجهت إلى سناء تحييها التحية الخاصة، وتنتظر سناء أن يتحرك محمد ~~الجندي الكلب ويصنع مظاهرته المعتادة، أو حتى حين تريثت وردت تحية نور بطريقة مهمومة مكروبة ~~أن تسألها نور عما بها بلا جدوى، لكأنما هناك مؤامرة أو لكأن الجميع يعرفون المأزق ms50 ~~ويتركونها عن عمد تختنق وحدها به ، انتظرت سناء السؤال المعتاد من نور عما فعلوه لحل ~~مشكلة مصاريف أخيها؟ ولم يأت السؤال، كل حديث نور انصب على مباراة الأمس بين الزمالك ~~والأهلي، وكيف أنها لو كانت رجلا لنزلت إلى الملعب وضربت الجناح الأيمن للزمالك - ذلك الذي ~~ضيع المباراة على فريقه - علقة ساخنة، ومن المباراة استطردت تتحدث بلا مناسبة عن ~~تليفزيونهم الجديد الذي حل موعد تسلمه اليوم، وكيف أنها ستخرج مبكرة، وقد عهدت إليها ~~الأسرة بمهمة إحضاره و... وبدأت نور في تشطيب الحديث والتحرك حركات القلق فوق مقعدها علامة ~~التهيؤ للرحيل، دون أن يبدو عليها أنها تذكرت أو في سبيلها لتذكر السؤال، أكثر من هذا غادرت ~~المقعد فعلا وقالت: أسيبك بقى ... باي! # وكاد الأمل الذي علقته سناء على مقدمها أن يخبو تماما وينطفئ، بل خبا فعلا وانطفأ، ~~حينئذ لم تستطع الصبر، وانطلقت الكلمات مستغيثة من فمها: اسمعي يا نور. # والتفتت نور، وأشارت لها سناء أن تعاود الجلوس وقد بدا واضحا أن ثمة شيئا هاما تريد ~~إخبارها به، وحتى حين فعلت ذلك كادت نور تعتذر محتجة بأوراق عاجلة عليها أن تعرضها حالا، ~~غير أن سناء كانت قد قررت ألا تتراجع، وهكذا ظلت تلح حتى عادت نور تجلس جلوسا على مضض، ~~وكانت سناء تتوقع من كثرة ما دأبت نور على سؤالها واهتمامها بالمشكلة أن تفزع، أو على الأقل ~~تندهش، حين تندفع وتروي لها الموقف الفاصل الرهيب الذي صار إليه الوضع، ثم إنها حرصت على أن ~~تروي الموقف بكل تفاصيله بصوت عال كأصوات الخطباء لا يصل فقط إلى آذان زملائها، ولكن ~~يخترقها اختراقا وينتزعها من أي عمل، ولقد روعت سناء للنتيجة، فقد استمعت نور باهتمام ~~مصطنع ... حتى وسناء تتوقف عند دموع أسامة وتسهب في وصف وقعها على نفسها لاحظت أن نور رغم ~~اهتمامها الظاهر سرحانة، بل حتى حين جابت الحجرة وأركانها الأربعة بطرف خفي من عينيها لم ~~تر واحدا ترك عمله واعتدل، أو ترك اعتداله وانتبه، أو حاول بسؤال أو استفسار أن يصبح ~~طرفا ثالثا ms51 في الحديث. ~~- والنبي زعلتيني يا سنسن ... وانتي عارفه وحياة ماما أنا لو كان معايا القسط ما كنت ~~اتأخرت، إنما ضروي حتلاقي حل إن شاء الله، عن إذنك بقى لحسن المفتش زمانه مشي وتبقى وقعتي ~~سوده. # وقبل أن تنطق سناء كانت نور قد اخترقت الحجرة جريا وخرجت من الباب. # والتفتت سناء إلى الزملاء فوجدتهم ولا كأنهم هنا، ولا كأن أحدا سمع أو رأى. # وتسمرت في كرسيها وقد دهمها الشعور الضاغط القاهر الذي لا بد ساور كلا منا في لحظة ~~من حياته ... الشعور بأنها وهي وسط الدنيا المزدحمة بالناس والأصدقاء والأقارب والمعارف وحيدة ~~منبوذة كأنها مريض مصاب بالجذام أو خاطئة يتبرأ الكل منها ... الشعور الذي يجعلنا نرثي ~~لأنفسنا رثاء يدفعنا - حتى أقوى الأقوياء منا - للبكاء. # ولكن شعور سناء كان واضحا مكشوف الوجه صاعقا إلى درجة حرمتها حتى من نعمة البكاء، بل ~~دفعها إلى القيام بعمل لم تكن تتصور ولو في الأحلام أن تقوم به، إذ وجدت نفسها بعد قليل ~~تذهب إلى صفوت أفندي وتلح عليه أن يفرغ لها قليلا، ثم تحكي له المشكلة وتسأله إن كان لديه ~~حل، وكالقاضي الذي لا أثر للعواطف في كلماته يفهمها الرجل أنه لا يملك لها أي حل، وحتى ~~السلفة على ماهيتها يلزمها إجراءات تستغرق يومين على الأقل، وسكت بينهما الحديث باستغراق ~~متعمد آخر من جانبه في العمل تاركا إياها واقفة غير قادرة حتى أن تقرر ما إذا كان ~~باستطاعتها أن تعود إلى مكتبها وتجلس. # كل ما استطاعت أن تفعله أخيرا وهي في وقفتها تلك، هو أن تجوب الحجرة بنظرات مستغيثة ~~مسلوبة الروح كانت تدرك أنها الأخيرة، وأنها للتأكد ليس إلا، نظرات مضت تصوبها إلى الجدران ~~والدواليب والمكاتب والوجوه المتعمدة الانكباب على الأوراق، وهي تدق بإلحاح هستيري مجنون ... ~~النجدة! النجدة! # ومن كل اتجاه كانت نظراتها تعود بغير أن تعلق بها بادرة استجابة واحدة، وكان رد الوجوه ~~على استغاثتها تماما مثل رد الجيران ... الصمت المطبق التام. ~~••• # ولأن المعجزة الإلهية لم تحدث ولا فتح السقف في الليل وتساقطت منه ms52 نقود، فقد جاء الصباح ~~التالي، وليس في البيت سوى الجنيه الذي كان موجودا ليلة الأمس. # وجاءت الساعة السابعة لتجد سناء قد استصحبت أسامة إلى المدرسة حاملة كل مالية الأسرة، ذلك ~~الجنيه، مؤملة أملا سخيفا أن تتنازل المدرسة مثلا في آخر لحظة عن شرط دفع المصاريف، أو ~~أن تستكتبها تعهدا أو أي احتمال آخر يعادل في غرابته وبعده عن الواقع حكاية السقف الذي ~~يفتح وتسقط منه النقود. # وأتعس ساعة قضتها سناء وهي ترى التلاميذ جميعا يتهيئون لدخول الامتحان، ويحيون أسامة، ~~وأسامة يخجل من رد التحية، ثم وهي ترى بضعة تلاميذ آخرين قد استصحبوا كأسامة أولياء أمورهم، ~~الذين تجمعوا حول الصراف الذي كان قد وضع لنفسه تختة وكرسيا كالمحصل قريبا من مكان ~~اللجنة، ثم وهي تكتشف أنهم جميعا سددوا وأخذوا الإيصالات وقبلوا آباءهم علامة الفرحة، ~~وأن أسامة هو الوحيد الذي لن يدفع، وهو الوحيد الذي حين دق الجرس بقي واقفا بجوارها ~~يراقب زملاءه الداخلين إلى العنابر والفصول ويبكي، ويمنعها بكاؤه من البكاء، ثم تفاجأ به ~~ينطلق من جوارها راكضا بأقصى قوته مخترقا باب المدرسة إلى الشارع إلى حيث لم تعد ~~تعلم. # وبقيت هي وأمها على نار حامية حتى عاد لهما مطأطئ الرأس ذليلا قرب الظهر ... ودون أن ينطق ~~حرفا خلع ملابسه وارتدى البيجاما ونام. # وبالضبط بعد ثلاثة أيام كان الجرح قد التأم، وأصبح يؤلم فقط حين تتحسسه سناء أو يتعرض ~~رغما عنها للمس، ونحن في الحياة لا ننسى ولا تلتئم جروحنا بالاستشفاء أو تغيير الجو أو ~~بالمفاجأة السارة حين تقبل ... نحن ننسى الجرح بجروح أخرى طازجة نصاب بها وتستحوذ على ~~اهتمامنا، وسناء في اليوم التالي وجدت مشكلة تنتظرها وتهددها في وظيفتها وعملها، مشكلة ~~اليوم الذي تغيبته دون إذن ودون حق في إجازة عرضية أو اعتيادية، والحق الوحيد الباقي ... الحق ~~في إجازة مرضية كان يلزم للتمتع به شهادة من طبيب تكلفها على الأقل خمسين قرشا، أو بالدقة ~~سبعة وثلاثين قرشا ونصفا، فقد اقتضى الأمر نزهة لأسامة وأكلا لحلويات وسهرة في سينما، ~~وتصوروا أن ms53 هذه الشهادة ذات الخمسين قرشا كادت تكلف سناء وظيفتها، لولا ما طلت به وجهها من ~~وقاحة وجرأة وألحت على زميلاتها في المصلحة رغم اعتذارهن وتحججهن بآخر الشهر، حتى جمعت منهن ~~ثمن الشهادة خلال يومين من السؤال الدائب المتصل! # وهكذا ما كادت تنجح في دفع هذا البلاء ويحتسب اليوم من إجازتها المرضية وتتنفس الصعداء، ~~حتى أدركت أنها في خضم ما حدث نسيت اليوم المؤلم تماما وأصبحت أقل حساسية لذكره، بل الحق ~~أفاقت لتجد نوعا من عدم المبالاة قد أصبح يصبغ تفكيرها وآراءها وتصرفاتها، وكانت اللحظة ~~الصاعقة التي عانت فيها من الشعور بأنها مبعدة منبوذة قد جعلتها هي الأخرى تبدأ تنبذ الناس ~~في تفكيرها وتصرفاتها ... لم يعد مهما أن تحظى برضائهم عنها، وبين يوم وليلة ملأها الشعور ~~بأنها لا تملك في هذه الدنيا، ولا يجب عليها أن تراعي سوى نفسها، شعور لم يك عميقا ~~خافيا ... لقد ظهر حتى لزميلاتها وزملائها ولاحظوه واتخذوه مادة لتعليقاتهم. # وكل هذا شيء قد يستطيع العقل هضمه وقبوله، أما الذي لا يمكن أن يستوعب العقل وقوعه فهو ما ~~حدث في ذلك اليوم الثالث حين فوجئت سناء بمحمد الجندي - وقد خفت في الآونة الأخيرة نوبات ~~هياجه وثوراته - ينظر لها نظرات باسمة لا تصدر على هيئة شعاعات مبتسمة وإنما كأنها تسيل من ~~عينيه لتختلط صفراويتها ولزاجتها بملامحه الشاحبة المفرطحة التكوين، نظرات ذكرتها بأيام ~~العمل الأولى وبمحمد الجندي حين كان يتراءى لها أثقل دم خلق الله أجمعين، وأكثرهم استثارة ~~للاشمئزاز والغثيان، ولكنها، وهذا هو الغريب، لم تجدها هذه المرة كذلك، لا لأن محمد الجندي ~~كان قد تغير في نظرها أو تبدل، ولكن لأنها هي نفسها كانت قد تغيرت، إلى أين وكيف؟ لم تكن ~~تدري، كل ما تعرفه أنها لم تشمئز من نظرات محمد الجندي لها، وربما هذا ما شجعه إلى أن يرفع ~~الدوسيه بعد قليل ويبدأ يهمس لها من خلفه: ازيك يا حلو ... والنبي شفايفك دول مجننيني ووحشيني ~~... وحشيني موت حتى وأنا جنبهم طول النهار وحشيني. # لا بد أن هذا الرجل ms54 مصاب بخلل في قواه العقلية، ذلك ما فكرت فيه سناء، لكنه لم يكن ~~حكمها النهائي، فلسبب ما حين اختلطت صورته الحاضرة مع صورته وهو ثائر غاضب يهدر الرجل الكلب ~~الذي فيه وينبح ويرعبها، ما لبث حكمها الأول أن أصيب بهزة تبعثرت على أثرها كلماته وحروفه ~~وتطايرت، وبقي الأمر في حاجة إلى رأي جديد وحكم جديد، لا تعرف بعد كيف تصوغه أو حتى تحدد ~~قبل صياغتها معالمه ... لقد أخذ هذا الرجل من تفكيرها ما لم يأخذه أي إنسان عرفته ... تفكير ~~حقيقة كان معظمه اشمئزازا واجترارا للاشمئزاز، ولكنه تفكير فيه والسلام، ورغم كل هذا لم ~~تستطع إلى الآن أن تخرج من تفكيرها بنتيجة. # كل الفرق أن سناء لم تجزع ولم تجفل هذه المرة من كلماته، ولم ترغم أذنيها وعينيها على صمم ~~وعمى إجباريين حتى تنفي لنفسها نفيا باتا أنها سمعت أصلا أو رأت، هذه المرة لم تطرف ~~عيناها ومضت تحدق فيه غير هيابة أو خجلة، وأغرب ما لاحظته - الشيء الذي كاد يفقدها الوعي - ~~أنه كان لا يكذب، وأن في نظراته ونبراته صدقا قد يستبشعه العقل ويأبى رصده، ولكنه موجود، ~~وقد تخطئ سناء في حكمها على عشرات الأشياء، ولكنها أبدا لا يمكن أن تخطئ رنة الصدق وهو ~~يقول: حتى وأنا قاعد جنبك ودين النبي وحشاني. # ولنفرض جدلا أنها أخطأت الحكم، فأي تفسير آخر تستطيع أن تفسر به آخر شيء كان باستطاعة ~~محمد الجندي أن يفعله حين واجهته بنظرتها المحدقة الفاحصة، فإذا به حين أكمل الجملة وحاول ~~أن يبدأ غيرها يتلجلج وتفشل محاولته؟ ثم لا يلبث تحت وقع نظراتها أن يرتبك ولا يقوى على ~~مواجهتها ويخفض عينيه، ثم بحركة غريزية، وزيادة في حجب نظراتها عنه يلصق الدوسيه بوجهه ~~ويخفيه. # كادت سناء من أعماقها تنفجر ضاحكة، محمد الجندي يخجل؟ وممن؟ منها؟ بل فقط من نظراتها؟ لا ~~بد أن شيئا خطيرا مهولا قد حدث للدنيا. # ولكنها كتمت الرغبة في الضحك وإن كانت قد حلت محلها رغبة في الكلام ... في كلام تقوله ~~لمحمد الجندي، وأيضا لم تتكلم ms55 مؤثرة أن تفعل حين تلوح الفرصة . # ولاحت الفرصة قرب الظهر حين خلا المكتب إلا منه ومنها، فجأة وجدت نفسها تقول للجندي: إنت ~~إيه حكايتك بقى يا سي محمد يا جندي؟ # حملق فيها بعينين اتسعتا فجأة، فلم يكن يتوقع أبدا أن تحادثه وأن تكون البادئة، ~~وبالكاد استطاع عقله أن يستوعب السؤال، وحين بدأ يجيب كان عليه أن ينظر ~~إليها - ولأنه كان لا بد له حينئذ ألا يظهر ارتباكه ~~وخجله - فقد استمر يواجهها بعينيه، ولكنه في الحقيقة لم يكن يراها ... كان فقط يواجهها ~~بعينين عطل الخجل وظيفتهما، قال: حكايتي إيه؟ مش عارفة حكايتي؟ طبعا إيه يهمك إنت مني ومن ~~حكايتي؟ ~~- لا ... أنا عارفاها كويس واشتكيتك مرة واتنين عشانها، وعملت البدع عشان تبطلها وكنت ~~بطلتها وخلاص، إيه اللي رجعك تاني تبص وتقول الكلام السخيف بتاعك ده؟ ~~- إذا كان ع التبطيل أنا من ناحيتي ما بطلتش ولا يوم ولا ساعة ولا ثانية، أما سكوتي المدة ~~اللي فاتت فده كان عشان حضرتك أهنتي كرامتي، وأنا قولي في اللي قاله مالك في الخمر، إنما ~~كرامتي دي أهم حاجة في الدنيا! # وضمت سناء نفسها وتماسكت بقوة، فضحكة واحدة كانت كفيلة بأن يفلت منها الموقف إلى ~~الأبد. # واستمر الجندي يقول: أنا يمكن تشوفيني كده، إنما أنا والله إنسان حساس، الشعرة إذا مست ~~كرامتي أتكهرب، وإنتي يا آنسة سناء أهنتيني أكثر من مرة، إنما كله كوم ويوم ما شتمتيني كوم، ~~يومها قررت إني ألغيكي من حياتي ولو أنتحر وفضلت كابت نفسي وساكت، لغاية النهاردة بقى ~~ماقدرتش، أنا ... أنا ... ~~- وإنت فاكر أنك كنت يومها تستاهل الشتيمة بس؟ إنت فاكر إنت أهنتني يومها إزاي؟ ~~- أنا؟! لا حول ولا قوة إلا بالله، أنا كان قصدي مصلحتك، كان قصدي أخدمك، ولولا كده عمري ~~ما كنت فتحت الموضوع ده قدامك. ~~- بقى رأيك إنها خدمة؟ ~~- أكبر خدمة ... ونروح بعيد ليه؟ ولو وافقت كانت حصلت حكاية أخوكي دي؟ ~~- معنى كده إنك كنت سامع. ~~- أيوه كنت سامع وعارف. ~~- طيب يا أخي بدل كلامك السخيف اللي بتقوله من ms56 وراء الدوسيه كنت سلفني القسط. ~~- آه ... جينا للكلام المهم، عندك حق، إنما تعرفي أنا بشرفي ما كان يومها معايا إلا ييجي ~~خمسين قرش ... إنما ده مش السبب، كنت أقدر أستلفهملك حالا، كنت أقدر على الأقل أقول لك ~~كلمتين حلوين يواسوكي، إنما تعرفي عملت كأني مش سامع ولا داري ليه؟ # سكتت سناء ولم تشأ أن تسأل ليه، غير أن الجندي عاد يلح ويقول: قوليلي ليه؟ # وتشبثت بسكوتها أيضا وإن كان حب استطلاع كبير كان ينهش قلبها وأصر الجندي على سؤاله: ~~ما تقوليلي ليه ... مش عايزه تعرفي سبب ما يخطرلكيش على بال؟ # هنا تغلب حب الاستطلاع ووجدت سناء نفسها تقول: أيوه يا سيدي ... ليه؟ # وطفح البشر من ملامح الجندي وكأن مجرد موافقتها على سؤاله كانت أضخم نصر سجله خلال ~~حياته، ومضى يقول: قولتيلي ليه ... السبب يا ستي إنك بصراحة كنتي عايشة في أوهام لسه خارجة م ~~المدرسة ولا تفهمي حاجة من الدنيا بتاعتنا دي اللي مطلعة عنينا واللي مطلعين عنيها، كنتي ح ~~تعرفيها إزاي إلا بكده؟ إلا إنك تتزنقي زي ما انزنقنا وما لقيناش اللي يسمي علينا، قلت: ~~سيبها يا واد عشان تعرف أن الفلوس هي ال # master key # واللا ~~أنا غلطان؟ # اندفعت سناء تقول: إنت مش غلطان، إنت فسدان، كلكم كنتم في يوم من الأيام بني آدمين، ~~وبعدين لقيتم حد علمكم الكلام ده وفسدكم، وخلاص دلوقتي كل همكم إنكم تفسدوا الناس وتحللوا ~~الفساد في نظركم، عشان يغلطوا ويتورطوا ويبقوا زيكم وما يصبحش فيه حد أحسن من حد، إنت لازم ~~تعرف نفسك كويس، إنت صحيح لابس بدلة واسمك السيد محمد أفندي الجندي وليك مكتب ومحترم، إنما ~~إنت زيك زي أي نشال في الشارع أو أي حرامي غسيل، سبتني عشان أتزنق، ولو كل واحد اتزنق فك ~~زنقته بالسرقة أو بالقتل كان زمان الدنيا بقت كلها حرامية وقتالين، إنما ده ما بيحصلش لأن ~~الناس دايما بتساعد المزنوق، عمرهم ما يسيبوه يقف لوحده، ولما يسيبوه عشان يدوق الزنقة ~~يبقوا هما الغلطانين، هم المجرمين، بالضبط، حكمهم ms57 حكم اللي بيحرض على الفساد، إنت كنت مش ~~عايزني أدوق الزنقة، إنت بتكدب على نفسك، إنت كنت عايز تحرضني عشان أمشي في الطريق الغلط، ~~إنما ده بعدك! أنا نضيفة وح أفضل طول عمري إن شا الله الدنيا كلها تتوسخ، نضيفة. # وأول ما اندهش لهذا «الخطاب» الحار المتدفق كانت سناء نفسها، فكأنما هو درس وعته وحفظته ~~عن ظهر قلب، أما ما ظل يحيرها فهو تساؤلها عن كنه هذه الخطبة ... ترى هل هي تعبر عن رأيها ~~الحقيقي، أم مبعثها أنها تريد أن تحقر الجندي لموقفه منها، أم هو كلام تتمنى أن يكون رأيها ~~الحقيقي؟ # أما الجندي فقد ذهل! طوال عمره ومنذ أن كف أبوه عن ضربه وعقابه وصب الأوامر والنصائح ~~كالزيت المغلي فوق رأسه، منذ أن مات كأنما عاهد نفسه بعدها ألا يستمع لنصيحة أحد سواء أكان ~~مخطئا أم مصيبا وسواء أكانت النصيحة من عاقل أم أحمق، بل لقد جعل شعاره بوعي منه وبغير ~~وعي أن يخالف كل ما يقال له من نصائح، وهوايته الكبرى أن يعصي القوانين، إن القانون يظل ~~عدوه اللدود إلى أن ينجح في خرقه، والتعليمات تظل شيئا لا يطاق إلى أن ينجح في العثور على ~~وسيلة يستطيع أن يتحايل بها عليها، وليست فقط القوانين واللوائح المكتوبة، أكثر من هذا ~~وأبعد كل ما يأخذ شكل القانون، إذا تصادف ووجد الرخام القيشاني في أي دورة مياه يدخلها ~~لامعا نظيفا أنيقا لا يستريح إلا إذا أخرج قلمه الكوبيا وخطط وشخبط حتى يشوه من المنظر، ~~إذا جلس على مقعد عربة الأتوبيس سرعان ما يخرج سلسلة مفاتيحه وبها المطواة الصغيرة ذات ~~السلاح الحاد الذي يفتحه ويعمله في جلد الكرسي وفي تخف شديد يقطعه حتى يطل القطن، ويعمله في ~~بوية الجوانب حتى يظهر معدنها، وإذا أردته أن يكرهم كره العمى فانصحه نصيحة أو انقده ~~نقدا. # وحين بدأت سناء تتكلم، ولم تكن أولى كلماتها توحي أنها ستمضي هكذا ترص ذلك الخطاب الطويل ~~... حين بدأت بدأ معها ضيقه الشديد وتذمره، ولكنه ربما لأنه وجد نفسه للمرة ms58 الأولى في حياته ~~في موقف لا يستطيع فيه أن يرفض الاستماع، فالمتحدثة كانت سناء والحديث كله أول حديث جاد ~~يدور بينهما ويتطور إلى أن يصبح نقاشا عليه فيه أن ينصت جيدا ويعي ليمكنه أن يرد، ربما ~~لهذا - وحين طال أمد إنصاته وإصغائه، بلا عداء يكنه للمتكلمة - أكثر من هذا بحب أو ~~بعاطفة قريبة جدا من الحب. # حين حدث هذا كله وجد الجندي نفسه في محنة لم يستعد لها، فحقيقة وللمرة الأولى يجعله كلام ~~شخص آخر يبدأ يشك في صحة رأيه، وطريقته وموقفه من الحياة تلك التي لم يتطرق إليه الشك فيها ~~يوما؛ على الدوام إذا كان هناك خطأ فهو حتما وقطعا وبلا جدال خطأ الآخرين. # حادث لا يمكن أن يقع أو يحدث، مستحيل! شيء مفروغ منه لا يحتمل جدلا أو نقاشا. # ولكنه مجرد شك انتابه، للإنصاف أشباح شك أجل الحكم لها أو عليها إلى ساعة يخلو فيها لنفسه ~~ويفكر بعمق فيها، أما في تلك اللحظة فالحديث لا يزال متصلا، وسناء انتهت من كلماتها ~~وتنتظر إجابته، فقد وجد نفسه بابتسامة غير محدودة المعنى أو الهدف يقول: كلامك كله جايز يا ~~ست سناء، وكل اللي يهمني إنك تبقي إنتي وتفضلي حلوة ونضيفة وفوق الناس كلها، ويمكن عندك حق، ~~إيش جاب لجاب؟ إنتي في السما فوق واحنا في الأرض، يمكن تحت الأرض كمان، إحنا ناس حرامية حلل ~~... مين عارف، ما يمكن إحنا كده صحيح وما حناش عارفين؟ # كان يريد إجابة يمجد فيها من سناء ويتملقها، ولكنه لا يدري كيف انقلبت إلى كلمات ذليلة ... ~~ذليلة وبلهجة ذليلة مست وترا في قلب سناء كاد يطفر الدمع من عينيها، وبنفس القوة التي ~~خافته بها حين كان يثور وجدت نفسها، وكأن الآية انقلبت وكأنها العملاقة الضخمة وهو الدودة ~~الزاحفة، وجدت نفسها ترثي له دون إرادتها، وعملت الكلمات واللهجة التي كان واضحا أنها ~~صادقة وأن قائلها يعنيها حقيقة، عملها في الحال واحمر وجه سناء تأثرا وحرجا ولم تدر ماذا ~~تفعل ولا ماذا تقول؟ حرجا وارتباكا لا يدانيهما إلا ms59 حرجها وارتباكها يوم أحست أن محمد ~~الجندي أهانها أكبر وأخطر وأول إهانة من نوعها وجهت لها في حياتها. # كل ما استطاعت أن تفعله أنها غمغمت معتذرة، ثم غادرت الحجرة بسرعة قاصدة التواليت لتنهي ~~الموقف ... بالضبط نفس ما فعلته يومها. # وبينما كانت تصلح «فورمة» شعرها بيدها، بينما عقلها تائه تتجاذبه انفعالات متضاربة خفية، ~~كان مركز الخطر الغريزي في نفسها يتخذ قرارا بلا حيثيات أو أسباب أو دوافع، ولكنها كانت ~~مصممة عليه بقوة: أن تنهي كل انشغال في نفسها بالجندي سواء أكان ثقل دمه أو قبح ملامحه أو ~~فساد أخلاقه أو ذلته، وفي الحال. # وحين عادت إلى البيت لتجد المناقشة التي تكررت كثيرا في الأيام الأخيرة، بين أمها وهي ~~تحاول أن تغري أسامة بتناول الطعام، وأسامة وهو يرفض ويلح في الرفض ... المناقشات التي لم تكن ~~تنتهي إلا بتدخل سناء واحتضانها لأسامة وعبثها بشعره وتغيير المنطق الذي تحثه به، حتى يرضى ~~أسامة في النهاية أن يبتلع بضع لقم أخرى إكراما لخاطر أخته، حدث نفس الشيء في ذلك اليوم، ~~ولكنها وذراعها تضم أسامة ويدها تعبث بشعره فطنت إلى خاطر لم يطرق عقلا قبلا ... إن ما يحدث ~~لأسامة والاضطراب الخطير الذي اجتاح حياته بعد حرمانه من الامتحان إن هو إلا ثمن ~~«لنظافتها»، ثمن لم تدفعه هي، ولكن تحمله وسحق به هذا الصبي الذي لا ذنب له، إنه كالنبات ~~النامي لا بد له من الحصول على الماء والغذاء وإلا هلك، ولا بد لأهله أن يوفروا له هذا ~~وبأي ثمن وبأي وسيلة، فهو كالنبات لا يهمه سوى مطلبه من الغذاء، لا يهمه أبدا نوع المصدر، ~~ترى هل يغفر لها الآن أو حين يكبر - وهي المسئولة عنه وعن عائلتها الصغيرة - أنها جعلته ~~يقاسي من ضربة معطلة قاصمة فقط لتظل في نظر نفسها وفي نظر الناس محترمة نظيفة؟ إنها تعرف ~~آباء وأمهات يحللون الحرام ليوفروا لأولادهم الغذاء والكساء، وربما محمد الجندي في كل ~~قذارته لا يفعل أكثر من أن يوفر للجيش الجرار الذي أوجده على سطح الأرض حاجته، بمعنى ms60 آخر هو ~~يضحي بذاته ويلوثها لينقذ أولاده، أيهما إذن أكثر نظافة؟ # لقد أمضت ساعات الصباح تعطي الجندي دروسا في النظافة والصواب والخطأ، لماذا لا تواجه ~~نفسها الآن كما واجهته وتعترف بالمعنى الحقيقي لما فعلته؟ أليس معناه الحقيقي أنها كانت ~~أنانية إلى درجة دفعتها للتمسك بذاتها وقيمها حتى ولو أدى الأمر إلى تشريد أخيها الصغير ~~وابنها وحبيبها الوحيد؟ وأليس معناه الحقيقي أيضا أن محمد الجندي أقل منها أنانية، بل هو ~~ملاك إذا قيس بها، مسيح ضحى بذاته ولوثها ومرمطها من أجل أن ينشأ أبناؤه الذين يحبهم نظافا ~~صالحين؟ # أفكار تطرق عقلها لأول مرة وتقلب تفكيرها رأسا على عقب، وتجعلها تغوص وتغوص في التأمل ~~على هدي هذه الخواطر، إننا حلقة واحدة من سلسلة طويلة نصل فيها بين آبائنا وجدودنا وبين ~~أبنائنا وأحفادنا، ونفعل هذا برغمنا لأنه وضع لم نستشر فيه، فقد خلقنا بما ورثناه عن ~~آبائنا وأجدادنا من علامات، وبما سنورثه لأبنائنا وأحفادنا، من أجل هذا نحن لا نملك أن نفكر ~~في أنفسنا كأنفسنا فقط، وإنما علينا أن نفكر فيها باعتبارها جزءا من سلسلة، وهمزة الوصل ~~بين جيل مضى وجيل مقبل بحيث نعي أن القرار الذي نتخذه لا يخصنا وحدنا ولكن سيؤثر أعمق ~~التأثير في حلقات السلسلة من بعدنا، وأولئك الذين يفكرون في أنفسهم ك «أحرار» ك «أنا موجود» ~~ك «أنا الكون» ك «أنا البداية والنهاية» أناس مخرفون يتجاهلون ألف باء الوجود الإنساني، ~~بمعنى أدق يقطعون بهذا النوع من التفكير أنفسهم من سلسلة البشر، يصبحون كالسيقان والأذرع ~~المبتورة عمرها محدد بعمر خلاياها، في حين أنهم وهم أعضاء ومكونات في السلسلة البشرية عمرهم ~~يبدأ قبل مولدهم بملايين السنين هي عمر البشرية قبل وجودهم، وعمرهم يظل ممتدا بعد موتهم ~~بملايين السنين هي عمر البشرية من بعدهم، من المهم جدا إذن حين نتحدث عن أنفسنا وقيمنا ~~والحرام والحلال والعيب واللاعيب بالنسبة إلينا أن نضع في اعتبارنا أنها ستكون كذلك أيضا ~~بالنسبة لأبنائنا ومن بعدهم بالنسبة لأحفادنا. ~~••• # لكي أكون صادقا أحب أن أقول هنا إن أفكارا ms61 كهذه وبمثل هذا الوضوح والتجريد لم تخطر ~~لسناء ، هي فقط أحست رغم طول جلوسها للتفكير أنها كان يجب عليها أن تراعي أخاها أسامة وتضعه ~~في اعتبارها وهي تحدد ما يجب عليها سلوكه، وربما الفارق بينها وبين محمد الجندي أن الأخير ~~وضع أولاده وزوجاته في اعتباره، وربما لهذا تلوث هو بينما بقيت هي في نظافة الصيني ~~والكريستال. # أردت فقط بإيراد تلك الأفكار أن أتعمق قليلا في الحيرة التي تملكتها وفي الإحساس العام ~~الذي سيطر عليها وخلخل من إيمانها الراسخ في الصباح، آنذاك كانت تؤمن أنها على حق لا شك ~~فيه، ومحمد الجندي على باطل لا شك فيه أيضا، الآن وفي المساء بعد أن احتضنت أسامة وشعرت ~~بجسده الصغير الدافئ كتلة حية مجسدة وملموسة، بدأ الشك يتسرب إلى إيمانها ذاك، ولم تعد ~~واثقة كل الثقة أنها الأحسن والأنظف والأكثر شرفا وسموا. # والشك، هذا الشعاع الخفي الذي لا يمكن - إذا تسلط - أن تصمد له أقوى الحقائق وأكثرها ~~صلابة ورسوخا، ذلك الشك الذي بدأ على هيئة تساؤل خطر لسناء بعد ظهر ذلك اليوم، لم يلبث ~~بمضي بضعة أيام أن اجتاح كل آراء سناء ومعتقداتها وحقائقها الصلبة الراسخة، إلى درجة أنها ~~في ساعات كانت تفقد القدرة تماما على التمييز بين الخطأ والصواب، ففي كل صواب أكيد تفكر ~~فيه كانت تجد خطأ واحتمالات خطأ، وفي كل خطأ كانت لا تعدم أن تجد صوابا، تبلبلت تماما، ~~وكأنما بفعل فاعل انفكت كل مكونات حياتها وشخصيتها إلى آلاف الأشياء الصغيرة والمواقف ~~الصغيرة والقضايا الصغيرة، والعيب أصبح بقدرتها أن تحلله إلى عشرات الأشياء التي تجد فيها ~~العيب، وعشرات الأشياء التي تجد فيها اللاعيب، وفي الحرام أجزاء كثيرة من الحلال، وفي ~~الحلال مناطق بأسرها حرام. # وضع ما كان باستطاعتها أن تواجهه لفترة طويلة، فالعقل فيه لا يحتمل وقد ينقصم في أية لحظة ~~لثقل ما يحمله، وهي مثلها مثل كل الناس تواجه في كل لحظة ودقيقة بموقف يتطلب منها أن ~~تختار فيه جانبا، فأي جانب تختار وميزانها نفسه مفكك تماما، الكفة في ms62 ناحية والأوزان ~~متناثرة هنا وهناك، والمؤشر يعطي القراءات على مزاجه؟ # في تلك اللحظة كانت تلجأ مستنجدة إلى أمها لا لتسألها النصح والمشورة، وإنما وهي الخبيرة ~~العليمة بها كانت كلما ووجهت بموقف سألت نفسها ترى ماذا كانت تفعله أمي لو وجدت في ~~مكاني؟ وقياسا على تصرفها تتصرف تصرفات كانت أشياء في نفسها تضيق بها، ولكنها لم تملك ~~سواها. # في تلك الأيام أيضا كان واضحا أن الحظ خدمها حين جعل محمد الجندي يتصرف كما لو كان ~~يحافظ بدقة على الوعد الذي قطعه على نفسه، كانت تحس أنها فرصة من السماء أتيحت لها كي ~~تستطيع أن تجمع شتات نفسها المبعثرة وتعود كاملة متكاملة كالعهد بها مرة أخرى. حادثة أخيرة ~~وقعت، ولكنها حمدت الله أيضا على أنها مرت بها بسرعة خاطفة ودون أن توقعها في مأزق يحتاج ~~إلى إعمال فكر وقيم: كانت قد خرجت إلى التواليت لإصلاح ما أفسده اليوم والعمل من زينتها ~~استعدادا لمغادرة المصلحة والسير في الطريق، وحين عادت من زينتها استعدادا لمغادرة ~~المصلحة والسير في الطريق، وحين عادت وهمت أن تغلق الدوسيه وجدت ورقة صغيرة استرعت ~~انتباهها بلونها الوردي ... ورقة صغيرة في حجم علبة السجائر وعليها هذه الكلمات: أنا متأكد أن ~~حبي لك حب يائس من طرف واحد لا أمل عندي فيه، ولا أطمع ولا أطلب من الله أي شيء منك، ولكنك ~~تسببت لي من أول لحظة رأيتك فيها في ارتباك شديد حدث لي في حياتي وقاربت أن أنتحر لأجله، ~~صدقيني قبل أن تضيع الفرصة وتتحملي الذنب ... لهذا كل ما أرجوه منك أن تقبلي أن أقابلك ~~بالخارج في أحد الكازينوهات المطلة على النيل لأفضفض لك عن نفسي، فأنا أشعر بالراحة ~~التامة حين أتكلم معك حتى وإن لم تتكلمي أنت، أرجوك وحياة أخوكي العزيز ألا ترفضي رجائي ~~الأول والأخير، ولن أضايقك أبدا بعد هذا، وأتسبب لك في شيء، عبدك ... محمد الجندي. # قرأت الورقة بلا اضطراب أو تردد، وقبل أن تنتهي منها كانت وكأن شيئا لم يحدث لها أو ~~تفككت للحظة أجزاء عقلها ms63 وموازينه، إذ قررت القرار في الحال، وغادرت مكتبها في حضور الجميع ~~وذهبت إلى مكتب الجندي ومالت عليه وقالت بهمس حاسم لا راد له: اسمع يا محمد أفندي! إنت يا ~~إما عاوز تودي نفسك في داهية ... وأنا بانذرك أهه، دي آخر مرة أسمح لك فيها أنك تفكر في ~~بالشكل ده، واعمل حسابك المسألة دي مش بالعافية، دانت لما تتسخط قدامي قرد ولا تموت نفسك ~~مليون مرة ولا ح يهمني، أنا لا حبيتك ولا بحبك ولا باقبلك، وإذا كنت جدع صحيح نفذ كلامك ~~وانتحر، وده آخر كلام لك. # وبمنتهى الهدوء عادت إلى مكتبها - وكأن شيئا لم يحدث - وأدخلت الأوراق المهمة في الدرج ~~وأغلقت عليها، وعلقت حقيبتها في كتفها وغادرت الحجرة. # ولم تراجع نفسها لما قالته أبدا ولا صدرت من ضميرها كلمة تأنيب، فإذا كان ثمة شخص في ~~العالم كله هي متأكدة من رأيها فيه وموقفها منه فهو الجندي، وهو الكلام الذي قالته له والذي ~~عبرت فيه بصراحة كاملة عن رأيها فيه وفي «عواطفه». # يومان مضيا على هذه الحادثة أو ثلاثة، لا تذكر، ولكن المؤكد أنها أيام قليلة جدا مضت، ~~وكاد اليوم نفسه يمضي ... يوم كانت سعيدة فيه بلا شك ... إذ كان الزملاء الأربعة غائبين، سليمان ~~لمرضه، وأحمد الطويل لانتدابه للعمل لمدة يومين خارج المصلحة وصفوت أفندي منذ العاشرة ذهب ~~إلى مراقبة المستخدمين في لجنة لم تحفل سناء بمعرفة اسمها ونوع عملها، وخرج معه محمد الجندي ~~الذي لم تلتق عيناه بعينيها منذ الورقة الوردية على أن ينجز شيئا ما ويعود، وقد خرج وهي ~~منقبضة النفس لفكرة عودته وقضائهما بقية اليوم وحيدين في مكتب خال، غير أنه لفرحتها لم ~~يلبث أن أرسل خفاجة الساعي ليدخل أوراقه في أدراجه ويحمل له علبة سجائره ومفاتيحه وولاعته، ~~علامة أكيدة أنه قرر «التزويغ». # جلست سناء تنعم بوقت تمنته كثيرا، إذ طالما حلمت بأن تحدث معجزة تضعها في صفوف كبار ~~الموظفين، الذين لهم الحق في حجرات خاصة وتليفونات خاصة، ولم يك لديها عمل عاجل يذكر، ~~ولولا خجلها من فكرة ms64 أن تنتهز الفرصة وتزوغ هي الأخرى ما ترددت في تنفيذها، وبينما هي تفكر ~~في طريقة توفق بين خوفها من الموقف المخجل أمام صفوت أفندي في الغد، وبين رغبتها في مغادرة ~~العمل ودخول إحدى حفلات الصباح السينمائية ... بينما هي في هذا وجدت الباب يدق والداخل عبادة ~~«بك»، صبح وسلم وسأل عن الجندي، فأخبرته بما حدث وعن صفوت أفندي وأحمد الطويل وسليمان، ~~وبالتفصيل أجابته عن سبب غيبة كل منهم على حدة، بدا عليه الهم والقلق حينئذ وبرطم بما ~~معناه أن اليوم الخميس والغد إجازة والتصريح إذا لم يستخرج اليوم كلفه مبالغ طائلة، أخيرا ~~واجهها بالسؤال الذي كان باديا أنه يفكر فيه مذ دخل الحجرة ووجدها خالية إلا منها، فسألها ~~إن كان باستطاعتها أن تستخرج له التصريح؟ ودون تفكير أجابته بأنها لا تستطيع، فليس لديها ~~تصاريح فاضية، وحتى لو كان لديها فهي لم تزاول العملية إلا بحضور زملائها والباشكاتب، ثم إن ~~الأختام مقفول عليها في درج الأخير. # وكانت تعتقد أنها سدت كل الأبواب بطريقة لن يملك معها الرجل إلا الاستئذان منها ومغادرة ~~الحجرة، ولكن بدا أن هذا آخر شيء ممكن أن يفكر فيه، وأنه من الصنف المثابر العنيد الذي ~~لا ييأس أبدا، قال لها: أما عن التصاريح الفاضية فأمرها بسيط. # بكل بساطة صفق، ودخل خفاجة فطلب منه تصريحين أو ثلاثة فاضية، وتلكأ خفاجة فأشار له عبادة ~~بك إشارة ذات معنى طالبا منه أن يذهب ويشتريها، حتى إن كانت تباع فهو مستعد أن يدفع في كل ~~منها جنيها. # وفي أقل من دقيقة عاد خفاجة بالتصاريح، فأخذها الرجل وتأملها ثم بسطها على المكتب أمام ~~سناء، واستدار إلى خفاجة قائلا: فيه حاجة تانية يا خفاجة عشان تاخد الورقة بخمسة حتة ~~واحدة. ~~- تحت أمرك يا عبادة بك من غير أي حاجة، والله يكفينا ظرف سعادتك. ~~- الأختام يا خفاجة وإمضاء الباشكاتب. ~~- أجيب لسعادتك الباشكاتب بنفسه هوا. # وهذه المرة استغرق إحضار الباشكاتب «بنفسه» خمس دقائق كاملة. # جاء الرجل وقد قطع اجتماع اللجنة لاهثا، وبسرعة أنهى مهمته فقد وقع التصاريح ms65 على بياض ~~وختمها، وطلب من سناء أن تملأها وبعد أن تنتهي تذهب إلى مدير الإدارة وتحصل على توقيعه ~~الكريم، كذلك أخرج لها دفتر القيد لتقييدها. # أما بالنسبة لعبادة بك فقد طلب منه أن يمر يوم السبت «ليسلم» على محمد الجندي، مؤكدا أنه ~~يجازف بإعطائه التصريح قبل السلام على الجندي، ولكنه يفعل هذا اعتمادا على ثقته الكبيرة ~~فيه، وأكد له عبادة أنه حتما سيفعل، وطمأنه بقوله إنه رجل في أيديهم ومن العبث أن يحاول ~~اللعب بذيله معهم. # وعلى عجل أيضا غادر الباشكاتب الحجرة، وظل خفاجة واقفا بضع لحظات وكأنما يؤكد دوره ~~ووجوده، ثم حين أحس أن وجوده نفسه غير مرغوب فيه من الزبون استأذن خارجا طالبا من سناء أن ~~تدق الجرس فقط إذا لزمها شيء. # وهكذا وجدت سناء نفسها وقد فتحت على مصاريعها جميع الأبواب التي سدتها، ولم يعد أمامها ~~إلا أن تملأ خانات التصريح أو تفتعل حجة ما وترفض. # وطاوعها عقلها أخيرا على افتعال حجة، وقالت إنها غير خبيرة في ملء التصاريح، وإن من ~~المحتمل جدا أن تخطئ فيبطل مفعول التصريح، وأنه لهذا السبب يستحسن أن ينتظر «الأستاذ» ~~عبادة ليوم السبت ليملأها الجندي الخبير بها. # هنا تغيرت لهجة عبادة تماما، وبعد مقدمات طويلة دقت قرون الاستشعار في نفسها معلنة أنه ~~اقترب جدا من المنطقة الخطيرة التي كانت تحدثها نفسها منذ اللحظة التي رأته فيها أنه ~~سيتقرب منها ويحاول، وبالتحديد لم تصغ بوعي إلا حين بدأ يقول: أنا فاهم إزاي واحدة ذكية ~~مدردحة زي حضرتك قاعدة ساكتة وهي شايفة ناس أغبى منها كتير، وأقل منها كتير، وهم عمالين ~~يبلعوا في بطونهم اللي ما بتتمليش؟ دلوقتي حدش شايفنا؟ حدش سامعنا؟ إنتي عندك أمر من رئيسك ~~إنك تملي التصاريح، هو المسئول وهو اللي قالك وما عليكي إلا التنفيذ، فيها حاجة دي؟ ما ~~فيهاش حاجة أبدا، أنا ليكي علي أسكت خفاجة والباشكاتب سكوت أبدي، ولا هم ح يعرفوا إنك ~~خدتي ولا الجندي ولا حد ح يعرف، ودي فيها مصلحة متبادلة، بدل أنا ما أدفع ms66 100 جنيه تتوزع ~~على سبعة ولا عشرة، ادفع سبعين ... الباشكاتب وخفاجة عشرين، وإنتي لوحدك خمسين، ودول تصريحين ~~يعني إنتي لوحدك ح تطلعي بميه، ميت جنيه قد ماهيتك سبع تشهر ح تاخديهم من غير ما تتحملي أي ~~مسئولية، لمجرد إنك تكتبيهم، وكل المطلوب منك إنك تكتمي على الحكاية وما تقوليش للجندي ولا ~~لحد، أظن اللي يرفض حاجة زي كده اسمحيلي بقى يبقى ما يستاهلش المكتب اللي قاعد عليه. # وكأنما استمرارا للحديث مد عبادة بك يده وفتح درج مكتبها فتحة ضيقة وأخرج من جيبه رزمة ~~أوراق من ذات الخمسة جنيهات مثبتة معا «بأستك» البنك، رزمة منتفخة مغرية كالصفحات المتراصة ~~لكتاب ثمين، وقد يكون ألف خاطر وخاطر قد دار في عقل سناء، وقد يكون الأمر وكأن خاطرا ~~واحدا لم يدر فالدوران السريع يبدو كالثبات المقيم ... والألف خاطر حين تدور في جزء من ~~الثانية لا تترك في العقل أو التصرف أثرا وتبدو وكأن خاطرا لم يدر. # كل ما حدث أن القلم في يدها كف عن الكتابة وألقت نظرة عابرة سريعة على الرزمة في قاع ~~الدرجة، ثم عادت تحدق في خانات التصريح وقد شل عقلها تماما، ولم يبق متحركا فيها وفيه ~~غير تساؤل واحد ظل يدق باستمرار في إلحاح عنيد، كجرس الباب حين يدقه صاحب دين لحوح. # كان التساؤل هو ... ماذا يحدث لو أخذتها؟ تساؤل هكذا يلقى ويعود يلقى دون أن تنتظر إجابة ~~عليه، ماذا يحدث لو أخذتها؟ ماذا يحدث؟ ماذا يحدث؟ # كل ما كانت تريده هو مهلة خاطفة تستطيع بطريقة ما أن توقف هذا التساؤل المتواصل المزعج ~~وتفكر فيها، ولكن بدا وكأن عقلها نفسه لا يريد هذه المهلة ولا يريد أن يفكر، ويريدها أن ~~تتصرف بوحي من غرائزها البدائية الأولى ... الغرائز التي تنجذب إلى الدفء والنور وتهرب من ~~الظلام والبرد، التي تطمع وتستنكر على الآخرين الطمع ... الغرائز التي تنجذب إلى الأشياء ~~وتنفر من الأشياء لا بحسب قيمها العليا ومعانيها العميقة وإنما بحسب قيمها الظاهرة المحسوسة ~~ومعانيها التي تتلخص في معنيين اثنين: أهذا الشيء يضر ms67 جسدي حتى أهرب منه، أم يفيده حتى أحصل ~~عليه ؟ # وبحكم هذه الغرائز لو كان لص قد دخل الحجرة في ذلك الوقت لاستماتت سناء دفاعا عن الرزمة، ~~بحكمها كانت قد أصبحت ملكها وبحكمها أيضا قد أصبحت المشكلة لا أن تأخذها أو لا تأخذها، ~~وإنما هي كيف تدافع عنها وتمنعها من التسرب من حوزتها. # وحتى حين كف التساؤل الملح عن التردد وأصبح بإمكانها أن تستعمل عقلها، لم تشأ بإراداتها ~~هذه المرة أن تستعمله، وبسرعة كانت قد كونت لنفسها رأيا يخرج بها من اللحظة المتوقعة، إذ ~~قالت آخذها أولا وبعد هذا أمامي المتسع من الوقت للتفكير، بحيث إذا وصلت في تفكيري إلى أن ~~من الخطأ أخذها فمن الممكن حينئذ أن أردها لصاحبها مهما رفض وأبى. # وهكذا لم يطل توقف القلم، وسرعان ما استأنف تسديد الخانات وهي مصرة ومقتنعة ومتصرفة على ~~أساس أن شيئا ما لم يحدث، وأنها لم تر أو تسمع أو تلاحظ أمرا غير عادي. # ولعل عبادة بك بحكم خبرته الطويلة كان يقرأ تفكيرها كالكتاب المفتوح، فلم تكن هذه أول مرة ~~يتولى فيها إفساد ذمة موظف، ولن تكون الأخيرة، إذ بصرف النظر عن أنها بعض عمله فقد تربت ~~لديه هواية قوامها ذلك الجزء من العمل، هواية ككل الهوايات الشاذة كانت مزاولتها تشيع في ~~جسده العريض القصير المترهل نوعا من اللذة الشيطانية الوحشية دونها بكثير لذة إفساد الفتاة ~~البكر، أو الكسب الضخم الحرام في البوكر والباكاراه، وكان يفخر أن موظفا كبيرا أو صغيرا، ~~مديرا أو وزيرا لم يصمد أمامه أبدا، وأنه يتحدى أن يصمد أحد أمامه، ولذته الكبرى كانت ~~تبدأ تلوح إذا آنس من هذا الموظف أو ذاك مقاومة، أو وجده عنيدا مصرا، أو لاح وكأنه من ~~أصحاب المبادئ، حينئذ تنشط كل مراكز الإبداع والتفكير في عقل عبادة بك، وكلما زادت ~~الصعوبات في وجهه استبشر بها ووطن نفسه على النشوة العظمى يوم النصر ... إذ هو متأكد دائما ~~من النصر، والفرق في نظره هو فارق زمني محض، وحتى كلما طال الزمن طال استعذابه للتجربة ms68 ~~والهواية ... وكانت طريقته أن يتفحص في اللقاء الأول الشخص ليصدر حكمه المبدئي عليه، وهو فخور ~~بأحكامه تلك يتباهى بأن واحدا منها لم يخب، وبهذا الحكم يخمن نقطة الضعف في الموظف أهو ~~المال أم النساء أم الترقية أم التهديد؟ ثم يجمع بنفسه وبالاستعانة باثنين من موظفي مكتبه ~~ما يمكنه جمعه من معلومات ليستطيع على هداها أن يحدد «الكم» بعد أن حدد الكيف، والكم هنا لا ~~يقل أهمية عن الكيف، إذ هو لا يعتمد أبدا على مركز الموظف أو أصله أو منصبه، كم من وزراء ~~بكل هيلمانهم اشتراهم بعشوة أو بباقة زهور معينة استوردها من هولندا، وكم من موظفين صغار ~~كلفه شراؤهم آلافا، والنساء رتب، ولبابهم طلبات خاصة وتوصيات، والتهديد سلاح نادرا ما ~~يلجأ إليه فهو يحب أن يكون أولا محل ثقة الموظف ... ثقة مطلقة لا تشوبها شائبة، فهو الذي ~~سيودع عنده ذمته ولا بد أن تكون ثقة الناس فيه تصل إلى حد يستخدمونه كبنك مضمون لإيداع ~~الذمم. وكذلك عاين سناء في أول لقاء، ومن معاينته استنكف طريقة محمد الجندي المكشوفة الخشنة ~~التي لا ذوق فيها ولا فن، ومع هذا تظاهر باندماجه فيها فقط ليسبر غور هذه الإنسانة الجديدة ~~التي لا يعلم عنها شيئا، وقد علمته الأيام والتجارب أن النساء أصعب في بيع ذممهن بعشرات ~~ومئات المرات من الرجال، بل المرة الوحيدة التي فشل فيها وخاب كانت أمام إحدى الموظفات ~~الكبيرات، كثيرا ما استعمل سلاح الحب إذ هو يعرف أن نقطة الضعف الوحيدة الخطيرة في أية ~~امرأة هي الحب، ولديه لهذا عشرات من الشبان المدربين القادرين على إيقاع أشرف نساء الدنيا، ~~تماما مثلما لديه عدد من الجميلات من كل جنس وملة قادرات على إيقاع أشرف رجال الأرض، ~~والغريب أن معظم هؤلاء وأولئك هواة لا يتقاضون، إذا تقاضوا، إلا ما تكلف المغامرة من ~~مصاريف. # ومما حدث يومها حيره أمر سناء ورأى أنه مقبل على مغامرة صعبة مثيرة، وغادر المصلحة يومها ~~وهو يحاول أن يصدر حكمه المبدئي مفاضلا بين طريق الحب وطريق المال، وثمة ms69 شيء يؤكد له أن ~~الطريقين لا يصلحان، وأنه لا بد أن يبتكر طريقا جديدا لهذا الجيل الجديد الذي دخل ~~الحكومة حاملا معه قيما جديدة وعقليات وأفكارا ليس من السهل التغلب عليها. # وكان بعد تفكير طويل ودراسة قد انتهى إلى حل سببه استحالة مواجهة ذلك النوع الجديد ~~بالمساومة على الشراء سافرة، ووجوب اللجوء إلى أسلوب غير مباشر ينتهي إلى توريط، وأحد ~~الاقتراحات التي فكر فيها أن يفتتح ناديا ثقافيا يضم إليه سناء ومثيلاتها وعضوات من ~~صديقاته يستطعن بالاحتكاك والدعوات وغسل المخ والتلقين أن يفككن شخصيات هؤلاء الفتيات ~~المتماسكة المترابطة ككتلة واحدة تضم قيمهن جميعا ... وكلها قيم متحدة واحدة، الحرام فيها ~~حرام تحت مختلف الظروف والأحوال والحلال أيضا واحد، والعيب في العمل مثله مثل العيب في ~~الشرف، وما يعيب في البيت يعيب أيضا في المصلحة، كتلة مترابطة واحدة فرق كبير بينها وبين ~~قيم الرجال الموزعة على أدراج ودوسيهات، بحيث يحيا الرجل صادقا بأكثر من مقياس وأكثر من ~~شرف وأكثر من حلال أو حرام، ويستدعي - إذا اضطرته الحاجة - المقياس الذي يناسبها ... إذا ~~اكتشف أن ابنه يدس لأخيه عند أمه عاقبه بشدة، وإذا ضبط نفسه وهو يدس لزميله عند الرئيس برر ~~وشرح وأفاض في الشرح ليخرج نفسه منها كالشعرة من العجين، أبدا ليس مثل الرجل الذي ~~باستطاعته أن يفقد إحدى قيمه دون أن يؤثر هذا على غيرها من القيم ... باستطاعته أن يكون زئر ~~نساء، لكنه في نفس الوقت تجده صادقا وشجاعا وأمينا، بل ربما تجده أيضا شاعرا، ومن هنا ~~تنشأ الصعوبة، ومن هنا تعلم عبادة بك ألا يطبق على النساء - على عكس ما يفعله بالرجال - ~~قاعدة واحدة، إذ قد ثبت له أن كل فتاة أو سيدة حالمة بمفردها لا تنجح معها القواعد، وحتى ~~وهو يفكر في مشروع النادي كان غير واثق أبدا أن سناء بالذات ممكن أن يدب إلى نفسها من هذا ~~الطريق. # كانت المسألة في رأسه مجرد مشاريع ودراسات لمشاريع، وكان مقدرا أن الأمر سيستغرق وقتا ~~وأنه وطن نفسه على هذا، ومع أن ms70 مجيئه اليوم كان بمشورة الجندي ونصيحته كما سنعرف، إلا أنه ~~جاء ولا فكرة لديه عن خطوة ما يمكن أن يخطوها تجاه سناء، ماذا حدث إذن حتى جعله يقدم على ~~هذا التصرف الذي كان كفيلا لو لم يكن متأكدا تماما من نجاحه، بإيداعه السجن بلا إبطاء؟ ~~الحقيقة أنه هو نفسه لم يكن حتى تلك اللحظة يملك إجابة شافية، ولكنه مجرد شبح عن له وصوب ~~تجاهه، وكان هو أول من فوجئ بالإصابة المباشرة، أما الشبح فقد كان في كلمات سناء الأولى ~~تلك التي أخبرته بها عن سبب تغيب الآخرين، وليس في الكلمات الأولى بالضبط ربما قبلها بقليل، ~~إذ كان يتوقع بعد الذي حدث في آخر مرة كان بها في المكتب أن تلقاه سناء مواصلة نفس الموقف ~~منه، تلقاه باشمئزاز واضح أو خفي، ولكنه كان لا بد أن يكون موجودا، غياب هذا العنصر ~~دفعه للتساؤل والشك، وجاءت الكلمات الأولى لا تحمل ضغينة واضحة أو خفية، إحساسه صحيح إذن! ~~وحتى اعتراضاتها والعقبات التي أقامتها أحس أنها لم تقمها في وجهه هو بقدر ما أقامتها ~~لنفسها ... لتمنع نفسها، كانت إذن تريد أن تتكفل ظروف خارجة عن إرادتها بالرفض، طيب! وحين ~~نرفع هذه الظروف الخارجة ونترك إرادتها عارية بلا دروع هي والموقف وحدهما، ماذا يحدث؟ حدث ~~الشيء الذي توقع بالضبط أن يحدث، وقفت إرادتها لا تملك الحركة إلى الأمام أو الخلف عاجزة عن ~~التقدم وعاجزة في الوقت نفسه عن التراجع، واحتاج الوضع حينئذ لدفعة تحركها إلى الأمام قبل ~~أن يفيق الوعي، قبل أن تستجمع نفسها المشتتة وتتخذ قرارا لا بد كان سيؤدي إلى التقهقر ~~الحاسم المفاجئ، وجاءت هذه الدفعة حين أمرها صفوت أفندي رئيسها بكتابة التصاريح، حينئذ ~~وبخطى وئيدة بدأت تتحرك إلى الأمام، ولكنها تتحرك في اتجاه أداء الواجب فقط وملء الخانات، ~~ولكن من قال إن هذا الاتجاه ليس هو نفسه اتجاه بيع الذمة؟ وهل حدث لعبادة بك في كل تاريخه ~~الحافل وثرائه، هل حدث أن تحرك موظف أو موظفة وتقدم واضعا بيع ذمته كهدف؟ على ms71 الإطلاق لم ~~يحدث شيء من هذا، إنه دائما يتحرك موهما نفسه مؤكدا ومقسما ومؤمنا إيمانا لا يتزعزع ~~أنه إذ يتحرك فإنما ليؤدي واجبه فقط ... لينجز عمله، عسكري المرور الذي يقبل القروش العشرة ~~حتى لا يحرر لك محضرا يوهم نفسه، بأدلة يصنعها أو يصطنعها، أنك فعلا لا تستحق المحضر، ~~وإنه بإلغائه إنما يؤدي واجبه الذي يمليه عليه ضميره، وما العشرة القروش سوى مبلغ تطوعت ~~أنت بدفعه سذاجة منك وعبطا، إذ كان هو على أي الحالات لا ينوي تحرير محضر، كذلك الوزير ~~الذي يقبل دعوتك وهو عالم أنك في حاجة غدا لتوقيعه، يقبلها وهو قد انتوى نية خالصة مخلصة ~~أنه، وإن كان قد قبل، إلا أنه لن يوافق غدا ويوقع إلا إذا كنت فعلا قد استوفيت شروط ~~الموافقة، وحين يأتي الغد وتعرض أوراقك مع أوراق الآخرين ويجد أنك مثلهم مستوفيا للشروط أو ~~معظمها، يؤكد لنفسه أن اختياره لك دونا عن الباقين لن يخلو من حكمة، إذ هو يعرفك حق ~~المعرفة ويعرف أنك لن تخدع الحكومة ولن تسف أموالها، بينما هو لا يعرف الآخرين ولا يضمنهم، ~~حينئذ ولأجل مصلحة الدولة والحكومة، بدافع هذه المصلحة العليا وحدها يؤشر على ورقك ~~بالموافقة وعلى الآخرين بالحفظ، مؤمنا أشد الإيمان أنه بهذا العمل قد أدى أكبر الخدمات ~~وأجلها للبلاد وللوطن. # لمح الرجل سناء إذن وهي تشرع في الكتابة وعلى سيمائها ما يؤكد لنفسها أنها تؤدي الواجب ~~الحلال الزلال الذي لا غبار عليه، علامة يعرفها جيدا إذ الخبرة قد علمته أن الشخص حين ~~يبدأ في إقناع نفسه أن ما يفعله أمر لا غبار عليه، يكون فعلا وحقيقة قد بدأ يدافع عن الشيء ~~الذي عليه غبار ... مؤكدا لنفسه أن لا غبار عليه البتة. حينئذ عليك أن تضرب بسرعة ضربتك ~~القاضية التي تطبب كفة الميزان إلى الأبد، فليس من المصلحة بقاء الشخص طويلا في تلك ~~المرحلة الحرجة التي «يحاول» «إقناع» نفسه فيها، إذ قد يحدث حينئذ - والأمر لا يزال ~~نظريا محضا وهو لا يزال على البر - أن يتملكه خوف مفاجئ ms72 أو يتذكر حادثا أو موقفا أو ~~شخصا كان يعتبره المثل الأعلى ويغير رأيه، وصعب بل أحيانا من المستحيل إذا «حرن» الشخص في ~~تلك المنطقة أن تستخرجه منها أو تستطيع جره، لا بد حينئذ أن تشل حرجه بوضعه أمام الأمر ~~الواقع و«تلبيسه» التهمة، ولكنها أيضا عملية في حاجة لحذق كبير، إذا زاولها الغشيم فمن ~~المحتمل أن يفعلها بطريقة تفزع الشخص وتجعله يفر بجلده هاربا، أما في يد الخبير فلا خوف ~~عليه، إذ كل المطلوب منه هنا أن يثمن الشخص بسرعة وحسم، يضاعف الثمن أو يجعله ثلاثة ~~أضعاف بحيث «يغرق» الشخص فيه، بحيث ينتفي من عقله كل تفكير آخر ولا تبقى سوى الرزمة المهولة ~~التي لم يتوقع أبدا أنها بهذه الكثرة والضخامة، والتثمين هنا لا يعني قيمة ما يستحقه الشخص ~~ولكنه يعني على وجه الدقة قيمة ما يطمع هو في الحصول عليه؛ أي بمعنى آخر قيمة ثمنه في نظر ~~نفسه، وعليك أنت أن تثمنه بأغلى ... أغلى بكثير مما توقع أو يستحق، ولا تخش الخسارة أو بعثرة ~~نقودك فأنت لا تشتري إمضاء لمرة ... أنت تشتري شخصا بأكمله ووظيفة ونفوذا إلى زمن لا نهاية ~~له؛ ولهذا فأي ثمن تحدده مهما بدا لك غاليا ومبالغا فيه فهو - لو كنت من العارفين ~~العالمين كعبادة بك - رخيص جد رخيص، سوف يرتد إليك أضعافا وأضعافا مضاعفة. # بحكم الخبرة عرف أن خير ما يفعله أن يسكت هو الآخر ويدعي مثلها أن شيئا لم يحدث، وحين ~~انتهت وتهيأت لمغادرة الحجرة للحصول على توقيع مدير الإدارة كفاها هو مئونة التعب، ونادى ~~على خفاجة يكلفه بالمهمة، ولم ينتظر أن يعود، آثر أن يتابعه، بل الحقيقة آثر أن يغادر ~~الحجرة وقد أدرك أن خير ما يفعله هو أن يتركها فورا ليقطع عليها آخر مراحل التردد من ~~ناحية، ومن ناحية أخرى لتنفرد بنفسها إذ هي لا بد في شوق شديد لهذا الانفراد. # وبحرارة واحترام كبيرين سلم عليها وخرج، وحين عاد خفاجة بعد قليل وحاول أن ينتهز فرصة ~~وحدتها ليفتح أبوابا للحديث ولم يجد منها ms73 تشجيعا يذكر، سألها إن كانت في حاجة لشيء من ~~البوفيه تشربه؟ وحين أجابت بالنفي وهي تتفرس في ملامحه علها تلمح بارقة تدل على أنه أدرك أو ~~يدرك شيئا يتعلق بالرزمة الضخمة التي لا تزال في درج المكتب ... ولم تلمح بارقة تدل على شيء، ~~كان واضحا فقط أنه قبض هو الآخر، والنقود التي قبضها تعميه عن رؤية أي شيء آخر، وأدركت سر ~~تلكئه حين قال لها في النهاية: أظن عبادة بك وصى حضرتك إنك ما تجيبيش سيرة لحد. # وابتسمت بافتعال، وأجابت بما يؤكد أنه وصاها وأنها ستعمل بالوصية، كل ما هنالك أنها ~~تساءلت ببراءة عن السبب الذي يدفعه لهذا التكتم، وأجابها خفاجة بأنها لا تزال حسنة النية لا ~~تعرف بعد أحوال المصلحة الخفية، وأن عبادة بك إنما يفعل هذا ليخفف عن كاهله ولو لمرة ~~«الضرائب» الباهظة التي يدفعها للكل إذا عرف الكل. # وطمأنت هذه المحاورة سناء، وطمأنت كذلك خفاجة حتى أصبح وجوده في الحجرة غير ذي ~~موضوع. # غادرها حينذاك وهو يدعو - بلا مناسبة - لسناء بأن يصلح الله أحوالها ويزرقها بعريس ابن ~~حلال، وأغلق الباب وراءه. # أخيرا، ها هي ذي وحدها كما تمنت، ها هو الوقت أمامها ممتد متسع باستطاعتها أن تناقش فيه ~~كل المشاكل والقضايا. # واستعجبت حين حاولت أن تجد شيئا يتعلق بالنقود، أي شيء يمكنها أن تفكر فيه بدون جدوى، ~~بقي عقلها بلا تفكير، وبلا قلق أو إرهاق، بلا سعادة أو اكتئاب، بلا شيء على الإطلاق، بقي ~~هكذا وقتا ما لا تدري كم طوله، وحين بدأ يعمل بدأ يفكر بطريقة لم تخطر لها على بال، من ~~أدراها أن النقود ليست فخا نصب لها ... نصبه الجندي وزملاؤه من أجل الإيقاع بها وفصلها ~~وسجنها كي يخلو لهم الجو؟ # الحقيقة كان الخاطر مفاجئا ولاسعا إلى درجة قفزت معها سناء واقفة ودون أن تتردد لثانية ~~واحدة أمسكت النقود كما قرأت في الروايات بمنديلها، ثم وكأنها فكرت طويلا في المخبأ السري، ~~إذ في لمح البصر كانت قد مدت يدها أسفل الدرج الأوسط لمكتب محمد الجندي، ms74 وهناك وجدت قطعة ~~خشب بارزة كالرف وضعت فوقها النقود، وعادت إلى مكانها لاهثة. # حتى إن ضبطوها فسيحمل هو التهمة ويقع في الحفرة التي أراد لها أن تقع فيها. # وانتظرت ساعة وساعتين أن تأتي النيابة والبوليس دون أن يأتي أحد أو تبدو بادرة خطر، وإلى ~~أن وصلت إلى البيت في ذلك اليوم كانت قد ضبطت أكثر من عشرين مرة، وراحت في داهية أكثر من ~~مائة مرة، وأمسكها سائق التاكس المتخفي عشرات المرات. # ووصلت إلى البيت برغبة واحدة ... أن تنام، ودون أن تلحظ أمها استخرجت الرزمة من الحقيبة ~~ووضعتها تحت المخدة ونامت. # وأيقظتها الأم ساعة العشاء حاسبة أنها مريضة! وبالكاد ازدردت بعض اللقم، وهي في أثناء ~~الطعام وقبله وبعده تحاول أن تعثر على هاتف واحد من آلاف الهواتف التي اعتقدت أنها لا بد ~~مستيقظة لديها ذات ساعة، صارخة فيها أن تعيد الرزمة الحرام إلى صاحبها دون جدوى. # بدلا من الهواتف كان ثمة إحساس طاغ أن المسألة قد حدثت وانتهت وأن المهم ليس النقود ... ~~المهم هو الخطوات التي سبقت وأعقبت النقود، خطوات مهما فعلت وارتفعت ودقت رأسها بالسقف ~~وهبطت لا يمكنها التراجع عنها. # حسنا جدا! فليكن ما حدث ولتكف نفسها مئونة التفكير. # ومر صباح الجمعة وظهرها وعصرها وهي لا تريد لليوم أن ينتهي ولا تريد العودة للمصلحة ~~أبدا، ولكن الليل ما كاد يجيء حتى بدأ حب استطلاع غير حب استطلاعها العادي ... رغبة خبيثة ~~ماكرة في الاستطلاع تطغى عليها وتتمنى معها أن ينقضي الليل بسرعة لترى ما حدث أو ما يمكن أن ~~يحدث في المصلحة. # ورغم أنها لم تتوقع أبدا أن تجد ما وجدته، إلا أنها لدهشتها لم تستغرب حدوثه، في الواقع ~~منذ يوم الامتحان وهي لم تعد تستغرب حدوث شيء ... أي شيء. # وجدت سر صفقة الخميس قد تسربت إلى الزملاء الأعزاء ... من الباشكاتب، من خفاجة، أو من عبادة ~~نفسه ... تفصيل لا يهمها في قليل أو كثير، والغريب أنها بعد برهة وجدت نفسها غير ساخطة، أكثر ~~من هذا سعيدة بهذا التسرب، لكأن حائطا سميكا ms75 كان يفصلها عن سليمان وأحمد والباشكاتب ~~والجندي قد تهدم من أساسه، ولم يسخر منها أحد ولم يحاول أحد أن يعايرها، بالعكس أقبل الجميع ~~عليها وكأنها نجحت في امتحان وانتقلت إلى خانتهم، أو لكأنها الأخت المريضة التي عوفيت ~~وشفيت وانضمت إلى العائلة، التحفظ زال والحرص في المعاملة اختفى والحجرة تحولت إلى مكان ~~عذب خفيف الروح يغري بالإقامة ويمحو الأشجان. # الشيء الغريب الذي لحظته بعد قليل أن الجندي رغم ~~اشتراكه في موجة المرح العامة، في أعماق نفسه كان يبدو مكتئبا حزينا، وقد أحست أن الحالة ~~سببها هو حرمانه من نصيبه في صفقة الخميس، ولكنها حين علمت أن أنصبتهم جميعا وصلتهم وكأنهم ~~كانوا حاضرين. خبر في حد ذاته أخذ سناء على غرة وجعلها تفطن إلى أن الهدف من حكاية إخفاء ~~الأمر عن محمد الجندي والآخرين هو مجرد خدعة من عبادة بك قصد بها أن يبث الطمأنينة في نفسها ~~حتى تلتف حولها «الخية»، إذن دبر الرجل كل ذلك بهدف إيقاعها، ومن المحتمل أنه أشرك معه ~~الجندي والباشكاتب في التدبير، وحتى إذا كان هذا هو ما حدث فأية أهمية الآن وهي لم تأخذ ~~النقود لبراعة التدبير؟ لقد أخذتها لأسباب لا تدريها ... وحتى قبل أن تأخذها بزمن طويل، من ~~لحظة دق عبادة الباب ودخل وربما قبلها بكثير، فما علينا من هذا كله، المهم لماذا هذا ~~الاكتئاب الذي يطفو من أعماق الجندي ويطغى على ملامحه؟ # سألته وألحت ولم يستطع الصمود، أخبرها أنها كادت منذ ذلك اليوم الذي ألقت عليه فيه ~~خطابها الطويل أن تنجح في تغيير مجرى حياته كله وفي إنقاذه، هو الجندي الذي قضى أكثر من ~~ثلاثين عاما يعيث في الدنيا فسادا ويؤذي نفسه ولا يستريح حتى يتأذى الآخرون، وأنه من ~~يومها أصبحت له المثل والبطلة، ومن شدة ثقته بها تحدى عبادة أن يوقعها، وما كان غيابه ~~بالأمس إلا لإعطائه الفرصة كاملة ... وكان واثقا تماما من فشل عبادة ونجاحها، أما وقد نجح ~~الرجل، أما وقد حدث ما حدث فهو لا يدري لماذا أحس ولا يزال يحس ms76 بالحزن والاكتئاب؟ ~~- ولا يهمك. # قالتها له سناء ككلمة عابرة اختارتها بنت لحظتها لتعبر بها عن حقيقة رأيها في تلك الساعة، ~~ولم تكن تدري أنها ستصبح بعد هذا كلمتها المفضلة، وأنها ستظل ترددها مئات المرات وآلافها ~~كلما حاول أحد لومها أو لمحت بوادر تدل على أنها في الطريق إلى لوم نفسها. # وكأن محمد الجندي كان ينتظر هذه الكلمة ليذهب عنه اكتئاب ضاق به ... اكتئاب حديث العهد ~~بنفسه غير أصيل، اقتلعته الكلمة وأعادته في لمحة إلى الجندي كما كان وكما هو كائن وكما من ~~المحتمل أن يظل يكون. # وساد الانسجام التام الحجرة، وأرسل خفاجة في طلب مشروبات وعلب سجائر فاخرة، وعزم أحدهم ~~على سناء بسيجارة فرفضت بغير شدة وحين أعاد العزومة قبلتها، وأشعلتها ومضت تجرب باضطراب ~~المبتدئة كيف تمسكها وتجذب أنفاسها وتتفادى الكحة. # وبلا ورقة أو مقدمات، وقبيل انتهاء اليوم بدقائق ذهب الجندي لمكتبها وانحنى بجذعه كله حتى ~~أصبح وجهه يكاد يلمس وجهها، ولو كان يعلم أن سناء حين ستراه عن قرب هكذا ستتمسك برأيها ~~الأزلي فيه لما اقترب منها كل هذا الاقتراب، المهم أنه بكلمات متلجلجة متقطعة لم تحتمل سناء ~~أن تظل تنتظره وهو يلوكها ويتلكأ في نطقها أكثر من هذا فسألته: ولا يهمك ... بس قول في أي ~~كازينو عايز؟ ~~- إيه رأيك في ... والله بيتهيألي أحسن من التاني ده. ~~- يا أخي فلقتني ... كازينو الحمام ... ح تلاقيني بكره الساعة ستة هناك. # نطقت الجملة وسكتت هنيهة، وفي أثنائها اقشعر جسدها لدى صورته حين مرت بخيالها وهو يهدر ~~هدير الكلب «الرجل» ووجدت نفسها تقول: ولا إيه رأيك؟ ما بلاش الكازينوهات لحسن حد ~~يشوفنا. # وفتح محمد الجندي فاه مدهوشا مروعا مذهولا، معتقدا لا بد أنها أصيبت بمرض أو ~~مستها لوثة، إذ لم يكن باستطاعته أن يتخيل أو يصدق أنها حقيقة تعني ما تقول. ~~(تمت) ms77