######OpenITI# #META# URI: 1412YusufIdris.CazfMunfarid.Hindawi71470597 #META# Tags: politics #META# ID: 71470597 #META# Title: عزف منفرد: دراسات ومقالات #META# AuthorID: 95064085 #META# Author: يوسف إدريس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # حديث‏ # لقاء حافل مع دورنمات‏ # دورنمات في مصر‏ # افتح الحنفية ينزل كوكايين‏ # المساحة الحرجة‏ # ضحك الجنازات‏ # مهزلة دورنماتية‏ # الأب الغائب‏ # ملعبة التليفزيون‏ # وهوى النجم‏ # جولة في عقول القراء‏ # أسرع يا بني وصور‏ ~~«إيزيس» بين الحكيم ومطاوع‏ # لكي نعيش الحاضر لا بد أن نعرف المستقبل‏ # حتما سأكتب قصتها‏ # حديث‏ # لقاء حافل مع دورنمات‏ # دورنمات في مصر‏ # افتح الحنفية ينزل كوكايين‏ # المساحة الحرجة‏ # ضحك الجنازات‏ # مهزلة دورنماتية‏ # الأب الغائب‏ # ملعبة التليفزيون‏ # وهوى النجم‏ # جولة في عقول القراء‏ # أسرع يا بني وصور‏ ~~«إيزيس» بين الحكيم ومطاوع‏ # لكي نعيش الحاضر لا بد أن نعرف المستقبل‏ # حتما سأكتب قصتها‏ # | عزف منفرد # | عزف منفرد # | دراسات ومقالات # تأليف # يوسف إدريس # | حديث # تهمة لا أنفيها # قالت الشائعات: إن فترة المرض حولت فناننا الكبير إلى متصوف يرى الله في داخله، ثم ~~جاءت كتاباتك الأخيرة شبه مؤكدة لهذه الشائعات. # فماذا عن رد هذه «التهمة»؟! # ضحك وهو يقول: هذه تهمة لا أنفيها، وشرف لا أدعيه؛ فالذي لا يرى الله في داخله، ليس هو ~~فقط غير متصوف، أو غير مؤمن، ولكنه غير إنسان بالمرة، ولست من أولئك الذين يحبون أن ~~يتحدثوا عما يؤمنون به؛ فأنا في داخلي معمل إيمان لا يتوقف عن البحث والتنقيب، ~~والتجريب والرفض، والعدول والقبول، معملي هذا غير ملتزم بإصدار نشرة دورية عن «أحدث» ~~ما وصل إليه! # وأعتقد أن «الشائعات» صيغت بهذه الطريقة كي أبدو في نظر الناس كأني لم أكن مؤمنا ~~بالله، ثم آمنت به أخيرا بعد المرض، لكن كيف وضعت «حيثيات» قضية خطيرة كهذه وأنا نفسي ~~لا أعرف عنها شيئا؟! # بيني وبينك، أنا لا أستطيع أن أضع إجابة محددة لهذا السؤال، لا في الماضي، ولا في ~~الحاضر، ولا في المستقبل؛ أنا لا أكاد أعرف من أنا! أعرف الله، سبحانه، أو أعرفه ~~للآخرين؟! كل ما أستطيع قوله في هذا المضمار هو أني أكون، في معظم الأحيان، صادق ~~الإيمان بالكلمة حين أكتبها، وبالفعل حين أفعله. # ترى، هل أجبتك؟! # فلنستبعد حكاية الزعامة # شغلت بتأمل طريقته في الكلام؛ هو أحد فنانينا ms01 الكبار الذين بمقدورهم أن يسيطروا على ~~الكلمة المنطوقة، أكثرهم تتجلى عظمة مواهبهم عندما يمسكون بالقلم، لكنهم عندما يتكلمون ~~فلا فرق بينهم وبين سائر الناس. # يوسف إدريس يتكلم بنفس البراعة التي يكتب بها، رأيته مرة في بيت رجاء النقاش «يحكي» ~~لمن حوله عن مشكلة ما صادفت أحد معارفه؛ طريقة «الحكي» عنده تأخذ شكلا دراميا دون ~~أن يقصد، كان يقدم في الحكاية أشياء ويؤخر تفاصيل، ثم يكشف عنها شيئا فشيئا، والذين ~~يجلسون حوله يحبسون الأنفاس، وكلما توغل في «الحكي» ظهرت مفاجآت جديدة ومشوقات، كل ~~هذه بطريقة عادية جدا وبلا جهد، والسؤال الخالد: «وماذا بعد؟» واضح على وجوه ~~الجالسين. # إذن، قلت لنفسي لحظتئذ: أنت أمام قصاص بالسليقة؛ من غير المعقول أن يعقد لواء ~~الزعامة في فن القصة القصيرة في عالمنا العربي لإنسان ما، ما لم يكن هذا الإنسان قد ولد ~~ليكون قصاصا. # دكتور يوسف، اتفق النقاد، وبما يشبه الإجماع، على زعامتك للقصة العربية القصيرة، ~~إلا أن الناقد الكبير جبرا إبراهيم جبرا يقول إن قصصك مبنية على «رؤية روائية»؛ بحيث ~~تبدو القصة وكأنها «رواية مكثفة»؛ ومن ثم فهو يعتبرك روائيا لا كاتبا للقصة القصيرة، ~~وهل ثمة «دفاع»؟! # رفع كفه إلى أعلى وقال بلهجة المحتج: # أولا: # فلنستبعد حكاية «الزعامة» هذه، ويكفينا ما يغص به عالمنا العربي من ~~زعامات! # ثم أراح يده على المائدة وعاد إلى صوته الطبيعي. # ثانيا: # أنا أوافق الأستاذ الكبير جبرا إبراهيم جبرا على مسألة «الرؤية»؛ ~~فالرؤية الروائية لا تختلف عن الرؤية القصصية القصيرة إلا إذا اختلف ~~الإنسان الطويل عن الإنسان القصير، كلاهما إنسان؛ ولهذا فأنا أضحك ~~عندما يقال: هذا كاتب روائي، وهذا كاتب أقصوصة، كلاهما كاتب روائي وكاتب ~~أقصوصة، كأن في هذا نوعا من التعريف مع أنه في رأيي نوع من اللاتعريف، ~~المهم في الموضوع كله هو «الرؤية»، سواء كان الشكل الفني هو القصة ~~القصيرة أو الرواية، وعلى كل حال فإن القصة، بنوعيها، قد انفصلت ~~تماما في عصرنا الحديث عن جدتها وأمها؛ أعني عن الملحمة والحدوتة، ~~صارت نوعا آخر جديدا له وظيفة ms02 أرقى بكثير من «طريق الندامة»، و«سكة ~~السلامة»، والموعظة الحسنة، لكن هذا موضوع يطول شرحه، هو في حاجة إلى ~~بحث؛ ربما كتاب. # ماهية القصة # قلت مرة إن القصة فن دقيق جدا وخطير جدا، ومتقدم جدا حتى على العقلية السائدة ~~في العالم اليوم، والبشرية حتى الآن لم تكتشف «ماهية» القصة! # هل نطمع في شيء من التوضيح؟ # نظر قليلا إلى سفينة بعيدة بدت لنا تصعد وتهبط في خط الأفق قبل أن يقول: الفن ~~باعتباره نوعا من التكوين البيولوجي للإنسان، لم يكتشف دوره تماما بعد، وأعتقد أنه ~~لن يكتشف إلا إذا اكتشفت كل أسرار الحياة. # ولنتأمل الحقيقة البسيطة التي تقول إن النبات يحزن ويفرح ويستجيب للموسيقى وللحنان، ~~ما دام هذا يحدث لأبسط أشكال الحياة؛ للنبات، فكيف الحال بالإنسان؟! ألا تعتقد أن ~~الفن يتخذ أبعادا أعمق ملايين المرات عند ذلك المخلوق الذي هو أرقى ما وصل إليه تطور ~~الكائنات؟! # القصة، بالنسبة للفن، هي سلم التطور كله، هي تقريبا، أول فن يستجيب له الطفل، ~~ثم تظل معه في رحلة الحياة يستجيب لها في كل مراحل عمره، حتى وهو في قمة نضجه. # هذا النوع من الفن الذي يعمل على كافة هذه المستويات، لا بد طبعا أن يتضمن كافة ~~الفنون الأخرى؛ اللغة، والموسيقى، وإيقاع الحياة، وتوهج الخيال، وتغيير المكونات ~~الداخلية الدقيقة في الإنسان، جمالية كانت أو فكرية. # القصة تحتل - في الفن - المقامات الموسيقية السبعة؛ ومن هنا فهي فن دقيق وخطير لم ~~تكتشفه البشرية بعد. # وظيفتي مساعدة الآخرين # هذا يقودنا إلى سؤال هام أدخلت نفسك فيه دون أن تدري، كنت تقول إنك أكثر ميلا إلى ~~العزف على العاطفة البشرية، وأقل حماسا للعقلانية المحضة على أساس أن التأثير على ~~الوجدان يحدث أثرا أعمق من التأثير على العقل، لكنك في الفترة الأخيرة أوليت المقال ~~عناية خاصة بحيث جعلته أشبه بالدراسة المركزة؛ الأمر الذي شكل - في رأيي - خطرا على ~~إنتاجك الفني من ناحية، ويناقض قولك الأول من ناحية، فما قولك؟ # ما إن انتهيت من السؤال حتى رأيته يتجهم ويصمت صمتا تاما ؛ من ms03 ميزات فناننا الكبير ~~أن ما في داخله يتضح على وجهه في التو واللحظة، بعد فترة ليست بالقصيرة خرج عن ~~صمته: سؤالك هذا ليس هو الأول، تلقيت رسائل كثيرة تطالبني بالكف عن كتابة المقال، كيلا ~~أهدر موهبتي القصصية والمسرحية، لكن هناك عدة قضايا في هذا الشأن؛ القضية الأولى هي: ~~أن الكتابة ليست فقط شكلا فنيا، والكاتب في عصرنا الحديث هو المنبه لقومه، المقلق، الموحي، هو الذي إذا نام الناس صحا، وإذا صحوا نام، إذا انحرفوا يمينا اتجه ~~يسارا، وإذا سدروا في يساريتهم توسط أو أيمن؛ إنه الضابط للحركة، البوصلة، العازف ~~على الناي إذا كان للحكمة ناي. # القضية الثانية هي: أنني لا أكتب بناء على تحديد دقيق لوظيفتي في الحياة؛ فلست أعرف ~~لي وظيفة غير محاولة مساعدة الآخرين ليساعدوني، وحين أرى عقل أمتي هو الغائب، فلا أفكر ~~لثانية واحدة في أي شيء سوى أن أعتبر نفسي مجندا، تماما كالمجند إجباريا في القوات ~~المسلحة للدفاع عن الوطن العقل، أو العقل الوطن، يجب أن تعرف أن ثمة هجوما رهيبا - ~~وبأشعة ليزر - على الأمة العربية، لا أعني الأرض العربية فقط، وإنما أعني العقلانية ~~العربية. # عندما يكون عقل أمتي في خطر، فلتذهب جميع الأشكال الفنية - القصصية والروائية ~~والمسرحية - إلى الجحيم، إن الكتابة ليست هزلا، وإذا كنا قد ذللناها وأسميناها أدبا ~~أو فنونا جميلة، فأعتقد أننا فعلنا هذا عن تخلف شديد في إدراك، ليس فقط ماهية الفن ~~ودوره في الحياة، بل ماهية الحياة ذاتها وقيمتها، الكتابة عمل خطير؛ إنها العقل ~~والوجدان والروح تنسكب على الورق، وقد أدرك أعداؤنا هذا من زمن طويل، وتمكنوا من ~~هزيمتنا فنيا وفكريا، وسهل عليهم بعد ذلك أن يهزمونا عسكريا، الهزيمة كانت ~~إنسانيا أولا؛ لأن الإنسان هو الذي يقاتل وليس سلاحه، الجزء المقاتل في الإنسان هو ~~إرادته، والكلمة الصادقة هي إرادة الإنسان، عندما أقول «الكلمة» فإنما أعنيها بمعناها ~~الواسع الشامل لكافة ما يحرك النبضة في الكائن الحي. # إني أعتبر نفسي مجندا للدفاع عن عقلي وكياني أولا؛ لكي أدافع بهما عن عقل بني وطني، ms04 ~~وحين يصل الأمر إلى مرحلة الالتحام بالسلاح الأبيض وأنعزل أنا فوق السطح لأكتب قصة ~~أسلي بها المحاربين، أعتقد أن المسألة تصل عندئذ إلى درجة الخيانة. أما عن المؤرخين، ~~فإنهم أحرار إذا اعتبروا ما أفعله هو العبث بعينه؛ لأنني - كما يقولون - أهدر موهبتي ~~القصصية والمسرحية فيما يسمونه كتابة المقالات، ومن يدري، ربما لن يبقى مني - إذا بقي ~~شيء - إلا ما يقال إني أهدره؟! # الحرام، والحلال # أثناء حديثه كانت عيناه تتوهجان، ترسلان ذلك البريق الذي لا تجده إلا عند أولئك ~~الذين وصفوهم بأنهم ملئوا الدنيا وشغلوا الناس، ربما هو يمتاز عن الكثيرين منهم بأن ~~الكلمة عنده مقرونة بالفعل في أكثر الأحيان؛ وربما لهذا السبب تجده يركز على الجانب ~~الإيجابي في الضحية الإنسانية، وفي أغلب أعماله الفنية، وقلت لنفسي، وأنا أرى توتره، لا ~~بد من سؤال جديد - وبأقصى سرعة - لنخرج عن جو السؤال السابق: سمعتك مرة في إحدى الندوات تقول: إن مشكلة «الخطيئة» مشكلة أجنبية غريبة علينا، ومع ~~ذلك نعالجها في أعمالنا الفنية، بينما المشكلة التي نقابلها في مجتمعنا هي «الحرام»، ~~والفارق دقيق بين الخطيئة والحرام، ولكنه أساس، ثم دارت مناقشة جانبية في الندوة نسيت ~~بعدها أن تقول لنا عن هذا الفارق، ألا تعتقد أنها فرصة الآن لتكمل ما بدأته؟! ~~- الخطيئة، بشكلها المسيحي، تتضمن أن الإنسان كائن خاطئ بطبعه، وقد جاء الإسلام ليغير ~~هذا المعنى، ثم طورت المدارس الإسلامية هذا التغيير إلى فكرة «الحرام»، ومعناها أنه ~~ليس هناك خطيئة أبدية، ولكن هناك أفعالا حلالا وأفعالا حراما، وهذا الفهم أكثر ~~عدلا بالنسبة للإنسان وأكثر تحريرا لإرادته. # لكن أغرب ما في الأمر أن الديانة المسيحية - وفقا لتعاليم السيد المسيح، عليه السلام، ~~ترفع هذه الخطيئة عن كاهل الإنسان باعتبار أن السيد المسيح قد حمل عن البشر خطاياهم ~~كلها، بينما ارتدت المذاهب الأوروبية المسيحية إلى فكرة أن الإنسان كائن خاطئ أساسا ~~لتستطيع أن تحكم قبضتها على الناس. # الشخصية العربية # ما دمنا قد تحدثنا عن «البشر» بصفة عامة في مفهومين مختلفين، فما قولك في سؤال عن ~~«الإنسان العربي» ms05 وحده؟ ~~- أي سؤال؟ ~~- في كتابك القيم «اكتشاف قارة» حللت الشخصية الألمانية والشخصية اليابانية؛ قلت إن ~~الأولى تتحكم فيها عقدة التفوق بينما مركب النقص هو الذي يتحكم في الثانية، ترى، ما ~~أهم مزايا وعيوب الشخصية العربية في رأيك؟ # وقف ودار حول المائدة واقترب من جهاز تليفون الكازينو، رفع السماعة وأدار القرص لمرة ~~واحدة، ثم أعاد السماعة إلى مكانها وجاء ليجلس بجواري، أشعل لنفسه سيجارة، وقال بصوت ~~هادئ: سأغادر الإسكندرية إلى الزقازيق غدا، إن كنت ستسافر إلى القاهرة غدا، تعال ~~معي. ~~- شكرا، سأقضي بضعة أيام بالإسكندرية، لكنك قلت لي إنك ستقضي هنا عشرة أيام. ~~- مللت، لا بد من السفر إلى الزقازيق، ومنها إلى الريف. # هذا هو السر إذن؛ كثرة الأسفار هي التي مكنته من التحرك في عالم متسع، من يراجع ~~أعماله الفنية يدهش لتنوع هذا العالم وثرائه، إنه يكتب عن القرية بنفس القوة التي يكتب ~~بها عن المدينة، أحيانا تجد أحداثه تدور في «العزبة» الصغيرة، وكأنه ولد فيها، ~~وأحيانا تجده يتحرك في مدينة أوروبية، وكأنه من أهلها، وقطع علي أفكاري بقوله: ~~الشخصية العربية تختلف عن الشخصيتين الألمانية واليابانية؛ هي شخصية - كما يسمونها في ~~علم النفس - الاكتئابية المرحة؛ تتردد باستمرار بين المرح والاكتئاب، نحن لا نحتمل ~~الحزن طويلا، ولا نحتمل المرح طويلا، في حالة حزن إذا مرحنا، وفي حالة مرح إذا ~~حزنا. # أهم عيوب الشخصية العربية هو التعقل، نادرا ما تصاب بالجنون، تكتئب حقا حين تسوء ~~الظروف، لكنها لا تجن، لا تجد عندنا أحدا ينتحر مثلا. # هذا العيب نفسه هو الميزة؛ نحن شعب عاقل جدا؛ لأنه متوازن، وهذا هو السبب الذي ~~جعلنا نعيش كل هذه الآلاف من السنين - وتحت أسوأ الظروف - دون أن نفقد شخصيتنا، دون أن ~~ننتحر. ~~- ما رأيك في أن نعود إلى الأدب؛ كي يكون ختامها مسكا؟ ~~- موافق. ~~- ما الذي ينقص أدبنا ليصبح أدبا عالميا؟ ~~- هذا السؤال أجاب عليه زميلي وصديقي الأستاذ الطيب صالح إجابة جميلة أوافقه عليها ~~تماما؛ العالم ليس هو العالم الكبير الذي يشمل البشرية كلها، بل هو الذي ms06 يبدأ صغيرا ~~ثم يتسع، والمفروض في الأديب أن يخاطب العالم الصغير، عالمه، فإذا نجح في مخاطبة ~~عالمه فإنه يكون بمثابة من نجح في مخاطبة العالم كله. # وأقول لك شيئا: إن أهم ما في الأمر هو الصدق؛ هل نحن صادقون حقا في مخاطبة ~~عالمنا؟! إن صدقنا سنصل إليه، وإذن، علينا أن نحاول الوصول إليه أولا، ثم نفكر بعد ~~ذلك في الوصول إلى العالم الكبير. # | لقاء حافل مع دورنمات # حين كنت طالب علم أقرأ المراجع الطبية، وأقرأ أحيانا كتبا لأساتذة الأدب في القرن ~~التاسع عشر كانت صورة أولئك الأساتذة - سواء في العلم أو الأدب - تأخذ عندي طابعا مبالغا ~~فيه تماما؛ كنت أتصور أن ذلك الرجل العظيم الذي باستطاعته أن يكتب هذا المرجع أو يحيط به، ~~بل أحيانا يكتشف ويخترع تلك المعلومات لا يمكن أن يكون مثلنا أبدا، وكنت لا أفعل هذا عن ~~تصور رومانسي لإنسان خرافي أو من عالم آخر كتب أو ألف، ولكن الكاتب أو العالم يعطينا فيما ~~يكتبه خير ما عنده، أو بالأصح، معجزته الخاصة التي وصل إليها وحده، وقياسا على هذا نتصور ~~نحن أن كل شيء فيه - مثل إنتاجه - معجزة هو الآخر ومن مجموع تلك المعجزات التي تكون شخصه ~~يتبدى لنا في صورة أسطورية تماما، بل إني لأذكر أني بعد أن أصبحت كاتبا وصدر كتابي ~~الأول «أرخص ليالي» كنت مدعوا إلى حفل في إحدى السفارات، ووجدت ضمن المدعوين الدكتور طه ~~حسين يصطحبه سكرتيره الأستاذ فريد شحاتة، وكنت أعرف أن الدكتور طه حسين قد قرأ كتابي وأعجب ~~به تماما، وأنه أوصى المرحوم الأستاذ سامي داود أن يخبرني أنه يريد أن يراني، وها هو ذا طه ~~حسين أمامي لا تفصلني عنه إلا بضع خطوات، وما علي إلا أن أذهب إليه وأسلم عليه وأقول له ~~اسمي، فلا حرج إذن ولا إحراج، ولا داعي للوجل، والرجل هو الذي يطلب لقائي، ومع هذا لم أستطع ~~أن أخطو خطوة واحدة تجاه الأستاذ العميد الذي قرأت له «الأيام» و«المعذبون في الأرض» ~~و«أديب»، والذي كنت أضعه هو ms07 والأستاذ توفيق الحكيم في برج فني خاص أقول لنفسي إنني أبدا لن ~~أستطيع بلوغه، وهكذا مضت الحفلة وغادرها طه حسين ولم أقابله إلا بعدها بعام حين اصطحبني ~~المرحوم سامي داود بما يشبه الإرغام للقائه في فيلته بالزمالك في ذلك الحين. # تذكرت كل هذا، وأنا في طريقي للقاء فردريك دورنمات أعظم كاتب مسرحي معاصر - في رأيي ~~المتواضع - ذلك أني حين دعتني «البروجيلتسيا» وترجمتها: «من أجل سويسرا»، وهي الهيئة التي ~~تشرف وتشجع وترعى الأدب والفن السويسريين، وكان رفيقي في الرحلة أستاذنا الدكتور لويس عوض، ~~جعلوا لنا برنامجين مختلفين؛ فالدكتور لويس آثر أن يزور المتاحف والمكتبات والأماكن ~~التاريخية، وأن يعتكف بعيدا عن الخلق يتأمل كل ما قرأ عنه في تاريخ سويسرا وأماكنها ~~المشهورة حتى الصخرة التي كتب الشاعر الإنجليزي بايرون قصيدة مشهورة بجوارها، بينما كان ~~اهتمامي الأول أن أتعرف على الناس؛ كتابا وفنانين، ومسرحيين من مختلف أنحاء سويسرا. # وهكذا افترقنا. # وفي حفل عشاء صغير أقامه الكاتب السويسري أدولف موشك وزوجته الكاتبة لزوجتي ولي، وحضره ~~عدد آخر من الكتاب، أسرني ذلك الجو الأسري البسيط الذي يحيا فيه الكاتبان: زوجة وزوج، ولم ~~يخل الأمر من مداعبات أطلقتها عن التناقض الكامن بطبيعته بين الحياة زوجا وزوجة وبين ~~الزمالة في العمل، فكلاهما كاتب ناجح، وحين انتهينا من العشاء ورحنا نتحدث جاءت سيرة ~~«دورنمات»، وهنا وجدت حناجر الكتاب والكاتبات المجلجلة بدا وكأنها ازدردت لقمة كبيرة أوقفت ~~الكلمات في الحلوق، وحين استؤنف الحديث استؤنف على هيئة كلمات متناثرة عن دورنمات، فمن ~~قائل: لقد ماتت زوجته التي كان يعبدها وتزوج بأخرى وهو عجوز هكذا! ومن قائل: إن وزنه قد زاد ~~كثيرا وإنه قليل الحركة جدا. ومن قائل: إنه يعاني من السكر ... أخبار محزنة على طول الخط، ~~خاصة وقد كنت أتمنى أن ألقاه في هذه الرحلة إلى سويسرا، ولم أجد بدا من أن أبوح بأمنيتي ~~تلك لهم، وجاءت الكلمات تترى تقول: إن دورنمات لا يقابل أحدا، إنه «سوبر ستار» الآن، ولا ~~يقابل أحدا، كثيرون من مراسلي الصحف ووكالات الأنباء يحاولون لقاءه، ms08 ولكنه باستمرار يرفض، ~~لقد أصبح مغرورا تماما، ويوشك غروره أن يقتله في بيته المنعزل في نيوشاتل وابتسمت في سري، ~~لكأننا في القاهرة أو في أية عاصمة عربية أخرى؛ لا رحنا ولا جينا! إن آراء الكتاب في بعضهم ~~البعض، وإن اتخذت طابع «الموضوعية» حين تقال علنا، إلا أنه حين يصبح الأمر مسألة نميمة ~~وآراء تقال في دائرة مغلقة، فإن كل مستور من الآراء يظهر أو بالأصح كل مستور من الغيرة أو ~~الحقد يطفو على السطح وينطق به اللسان، ودورنمات كاتب موهوب جدا بالنسبة لبلد أوروبي صغير ~~كسويسرا لم يعرف عنه إنتاج عباقرة الكتابة أو الموسيقى أو التصوير، وقد أخذ دورنمات طريقه ~~إلى العالمية بسرعة شديدة، فهو يكتب بالألمانية، ومن السهل ترجمته، فقد كتب أول مسرحية له ~~اسمها: «الأعمى والشهاب» عام 1948، وبعد عشر سنوات بالضبط كانت مسرحيته الثانية «زواج مستر ~~مسيسبي» تقدم في برودواي في نيويورك عام 58، ناهيك عن مسرحيته المشهورة جدا «زيارة السيد ~~العجوز» التي كتبها عام 56 (وعمره وقتها 35 عاما)، وقدمت أيضا في نيويورك، وفي كل عواصم ~~الدنيا تقريبا، وترجمت إلى العربية، وقدمت هنا عدة مرات، كان آخرها الصيف الماضي، وإنتاج ~~دورنمات في المسرح 18 مسرحية، فقد كتب أيضا «علماء الطبيعة»، وقدمت في مصر من ترجمة الصديق ~~الكبير أنيس منصور، الذي زاره، وكتب عنه في الستينيات، و«روميلوس العظيم» عن آخر أباطرة الدولة ~~الرومانية، و«هرقل ينظف إصطبل أوجياس»، و«فرانك الخامس»، و«آخر حرب الشتاء في التبت»، و«هكذا كتبت»، ~~وأيضا اقتبس مسرحيات لشكسبير وجوته وغيرهما؛ تسع مسرحيات للآن، كتبها دورنمات، ولكنه أصبح ~~بها أستاذ مسرح النصف الثاني من القرن العشرين؛ ذلك أن هذا الرجل يتمتع بموهبة القدرة على ~~خلق الأسطورة الحديثة التي يحرك بها الواقع الآسن ويجعل منه فنا عظيما (وسنأتي إلى هذه ~~النقطة في الحوار معه). # ودورنمات كروائي يأتي من الدرجة الثانية من موهبته ككاتب مسرح، وقد كتب عدة روايات؛ منها: ~~«القاضي والمحكوم عليه» عام 55، و«الشك» 53، و«الإغريقي يبحث عن الإغريقية» 55، و«اللعبة الخطرة» ~~56، و «الالتماس» 58. # أجل ما بهرني في دورنمات ككاتب مسرح ms09 هو قدرته على اختراع حدوتة مسرحية معاصرة، بينما ~~العادة جرت في معظم كتاب المسرح أن يلجئوا إلى الميتولوجيا الإغريقية مثل «أوديب» و«بيجماليون» ~~و«إلكترا» و«الذباب»، يعيدون كتابتها برؤية حديثة ومبتكرة، أما أن «تخترع» أسطورة حديثة تماما، ~~منتزعة من صميم عصرها ومتناقضاته، فتلك لا بد موهبة من نوع فذ تماما. # ومن هنا يختلف دورنمات عن معاصريه من كتاب المسرح العالميين مثل آرثر ميللر وتينيسي ~~ويليامز وبيكيت ويونسكو وموروجيك وغيرهم. # إن لكل شيخ طريقته، هذا صحيح، ولكن هذا الشيخ نسيج وحده. ~~••• # لم يفعل الحديث الذي دار بعد العشاء، إلا أن ثبط همتي تماما في لقاء دورنمات، مع أني لم ~~أكن مشغوفا جدا بلقائه، فقد علمتني التجربة أن «سماعك بالمعيدي خير من أن تراه»، ثم إن ~~خجلي الريفي الذي لم يزاولني أبدا فعل فعله فخفت أن أطلب من السيدة «زايفل» المسئولة عن ~~زياراتنا موعدا مع دورنمات فتعتذر، ولو بلباقة، كدأبها مع كل من يطلب من الكتاب الذين ~~يزورون سويسرا - هكذا قال لي الكتاب والكاتبات في حفلة العشاء. # صرفت النظر كما قلت، ولكن أثناء زيارتنا - زوجتي وأنا - لمنطقة سان مورتيز ولقائنا بممثل ~~البروهيلفسيا هناك الذي اتضح أنه من الشعب الرومانشي الذي يقطن في منطقة جبال الألب، والذي ~~له لغة خاصة وأدب خاص وحركة فنية ثقافية خاصة، والذي لا يتجاوز عدده المليون، وبعد جولة في ~~قمم جبال الألب اصطحبنا المسئول لزيارة صديقة له وصديق يعيشان في واد صغير يقع بين جبلين ~~بالقرب من سان مورتيز، والوادي صغير جدا والأرض والبيوت فيه غالية الثمن تماما، فلا يقل ~~ثمن البيت فيه عن مليون فرنك سويسري، مع أنه لا يتعدى أي بيت من بيوت الفلاحين الذين كانوا ~~يقطنون ذلك الوادي من زمن غير بعيد. # دخلنا المنزل، فهو بيت مثل بيوت الفلاحين في قرانا مصنوع من الخشب ومزود بفرن للتدفئة ~~ولإعداد الطعام، كل ما في الأمر أن الأسرة لا تنام فوق سطح الفرن كعادتنا في الأرياف، ~~ولكنها تنام في الحجرة التي تقع أعلى الفرن مباشرة، والتي تتكفل حرارة الفرن بتدفئتها ms10 طوال ~~الليل والنهار، وعلى كوب الشاي الذي أعدته ربة البيت ورحنا نرتشفه بنهم بعد الجولة الحافلة ~~في المناطق الجبلية الوعرة ذات الهواء البارد تماما، عرفها المسئول بنا، وعرفنا بها، وذكر ~~لنا أن أخاها يعتبر من أهم الناشرين في اللغة الألمانية بسويسرا، وهنا، وفي التو، قرنت بين ~~الناشر وبين الكاتب، وسألتها إن كان قد نشر شيئا لدورنمات؟ فقالت: أجل. قلت: إذن، تعرفين ~~دورنمات؟! ~~- بالتأكيد. ~~- أأستطيع أن أعرف منك رقم تليفونه؟ ~~- ها هو ذا، ولكن، لماذا؟ # وهنا ذكرت لها رغبتي في لقائه والحديث الذي ثبط همتي، إلى آخر القصة. # ولمحت التردد على وجهها مخافة أن أطلب منها أن تحدد لي موعدا معه، فقلت لها على ~~الفور: لا عليك، يا سيدتي، أنا لن أكلفك بالاتصال به، سأقوم أنا بهذا، وأجرب حظي. # وحين عدنا إلى الفندق في سان مورتيز، أخرجت الرقم وطلبته، ورد علي صوت رجل يتحدث ~~بالألماني، فسألته بالإنجليزية: مستر فريدريك دورنمات؟ ~~- يا، يا (نعم بالألمانية). ~~- (مواصلا بالإنجليزية) أنا اسمي فلان، وأنا كاتب مسرحي مصري، وأود لقاءك ليس لحديث صحفي، ~~ولكن لحوار حول قضايا مسرحية تشغلني وتشغل كتاب المسرح المصري والعربي، أفهمتني يا مستر ~~دورنمات؟ ~~- متى أستطيع أن ألقاك؟ # قال كلاما بالألمانية فناولت السماعة لمرافقنا الرومانيشي مندوب البروهيلفسيا، وظل يقول: ~~يا، يا، يا. # وأخيرا نحى السماعة جانبا وأغلق فوهتها، وقال بالإنجليزية طبعا: إن مستر دورنمات يرحب بلقائك يوم الثلاثاء القادم، في منزله بنيو ~~شاتل، وهو يترك لك حرية اللقاء على الغداء 12 ظهرا، أو على مشروب بعد الظهر في الثالثة، فما ~~رأيك؟ ~~- الثالثة يوم الثلاثاء، إذن. # وقد كان. # وكان عجبي شديدا أن تم الأمر بهذه السهولة! ~~••• # قامت مدام زويفل المسئولة عنا بترتيب كل شيء: آلة تسجيل، كاميرا، ومترجم يجيد الألمانية ~~والإنجليزية واللغة العربية، حتى كان عليه أن يلقانا في محطة نيوشاتل للقطارات في الساعة ~~الثانية بعد الظهر. # ومن أعظم الأشياء الموجودة في سويسرا شبكة السكك الحديدية التي تحملك إلى أي بقعة من ~~سويسرا رغم وعورة جبالها وكثرتها وتعدد أنواعها، نوع لصعود الجبال، ونوع ms11 للسهول، ونوع دولي ~~يحملك إلى أي مكان في أوروبا، والأهم من هذا دقتها الشديدة، وقد كان علينا مرة أن نغادر سان ~~مورتيز ونغير القطار الذاهب إلى لوشيانو في محطة ما لا أذكر اسمها، وكنا وحدنا، وسألت مدام ~~زويفل عبر التليفون، كيف سأعرف المحطة؟ قالت: انظر في ساعتك؛ حين تصبح السابعة وثلاث دقائق ~~استعد للنزول؛ فالقطار يصل إلى المحطة في السابعة وأربع دقائق. وفعلا، في السابعة وأربع ~~دقائق كنا نهبط من القطار على رصيف المحطة التي فشلت في تذكر اسمها، لكأنه نوع من التعرف ~~على المكان بالزمان، إن صناعة الساعات لم تنشأ في سويسرا عبثا، وأنا شخصيا لدي ساعة ~~سويسرية دقيقة لا أحتاج إليها كثيرا في مصرنا الغالية، لم أحتجها تماما إلا هناك؛ فخطأ في ~~نصف دقيقة قد يكلفك قطارا هاما يفوتك، أو موعدا لقيام طائرة. # في الثانية تماما كان المترجم هناك، بالضبط في بوفيه الدرجة الأولى واقفا على الباب، ~~ودون أن نتبادل كلمة كنا قد تعارفنا. # كان المطر قد بدأ يتساقط، وما إن خرجنا من باب المحطة حتى أصبح سيولا، وكان العثور على ~~تاكسي في هذا الجو مسألة صعبة تماما، ووجدنا أن خير طريقة هي أن ننتظر مسافرا قادما ~~بتاكسي لنأخذه، وأفلحت الطريقة، وسألنا السائق عن العنوان، فأكد أنه يعرفه، وسار بنا في ~~شوارع خلت من المارة تقريبا، إلى أن أصبحنا نسير في شارع مواز لبحيرة نيوشاتل، وبدأ السائق ~~يعد أرقام البيوت، وبدأ يبرطم، فكل الأرقام موجودة إلا رقم منزل دورنمات، المطر والبرد ~~والشارع المتعرج كالجبل الملاصق له لا تلمح فيه أثرا لإنسان أو لحياة، وتصورت أن السائق ~~سرعان ما يزهق وينفض يده ويعود بنا إلى المحطة حيث كنا، ولكن يبدو أن الرجل أخذها مسألة ~~تحد، فمضى يطرق الأبواب؛ بعضها يفتح له ويجيب بالتأسف، وبعضها يهز رأسه علامة اللاعلم، ويروح ~~السائق ويجيء في الشارع المتعرج الطويل، وأخيرا جدا يطرق بابا نلمح من خلفه رأسا يهتز ~~بالمعرفة، ويعود السائق متهللا وكأنه أرشميدس، يقول: وجدتها وجدتها! وبعد دقائق نكون أخيرا ~~أمام باب ms12 دورنمات. # فتحت لنا الباب سيدة شابة حسبتها أول الأمر زوجة دورنمات الجديدة، ولكن اتضح فيما بعد أنها ~~«شغالة» البيت، ومن ممر ضيق نفذنا إلى حجرة واسعة منخفضة بضع درجات، وكان دورنمات جالسا ~~إلى مكتبه، قام وتقدم ناحيتنا مرحبا، ومسلما. # الرجل في تمام صحته، قصير القامة، في الخامسة والستين يبدو نشط الحركة، ليس سمينا أو ~~زائد الوزن كما قالوا، ولا يمشي على عكاز كما زعموا، أشيب الشعر يضع منظارا، على وجهه آيات ~~ترحيب صادقة، ترحيب متواضع أشد ما يكون التواضع. # ولم يكن دورنمات أول كاتب ملأت شهرته الآفاق أقابله، فمن قبله لقيت سارتر وإيليا أهرنبورج ~~في النمسا، وآرثر ميللر وجون إيدابك وسول بيللو من أمريكا، وكل منهم كنت أحس لديه بكم ما ~~من الشعور المغتربة للذات وبالذات، إلا هذا الرجل الذي بدا لي شيخا صغيرا طيبا، فيه من ~~ملامح الطفولة أكثر مما فيه من ملامح الشيوخ. # كان حائط بأكمله من حجرته مصنوعا من الزجاج ويطل من عل على بحيرة نيوشاتل والجبل المنحدر ~~إليها، مكان عمل جميل جدا لفنان رسام وكاتب معا. # رحت أتأمل الرجل، هذا هو دورنمات إذن، الذي خلبت أفكاره لبي وجعلتني أتساءل عن كنه ذلك ~~الكاتب المسرحي الذي «يخترع» تلك الأفكار. ~~- أستاذ دورنمات، أنا شديد الإعجاب بمسرحك لسبب قد يخالفني فيه الكثير من نقادك، فنقادك ~~يشيدون بك لأنك أحللت الصدفة محل القدر الإغريقي القديم، وجعلت التفكير العقلاني في أحيان ~~كثيرة موجات من العبثية واللامفهومية، وفي مثل هذا الجو غير المعقول لا يمكن وجود الأبطال، ~~ويقولون: إنك حطمت النظرة المنمقة المرئية للعالم المتمدين بما أدخلته عليها من النظرة ~~النسبية للحقائق، وفي مكان البناء السليم المتكامل والقوانين الأخلاقية المطلقة، في مكان ~~هذا حلت بيروقراطية المجتمع الحديث لتضع رؤية عينية للكون؛ حيث يستحيل فيها الإنسان ومأساته ~~إلى سخرة (فارس) اجتماعية، نقادك يقدرونك لهذا، ولكني معجب بك لسبب آخر تماما. # أجاب دورنمات بابتسامة ماكرة: أي سبب؟ # قلت: لأنك كمسرحي، خالق لما أسميه الأسطورة الحديثة، فالواقع كما هو، أنت تعرف وأنا أعرف ~~لا يصلح ms13 بذاته كمادة مسرحية، لا بد من حيلة مسرحية يلجأ إليها كاتب المسرح ليجعل هذا الواقع ~~إما أن ينقلب رأسا على عقب، وإما أن يعتدل إذا كان مقلوبا؛ لنستطيع أن نراه في ضوء جديد ~~تماما وبرؤية جديدة تماما، فمثلا في مسرحية «زيارة السيدة العجوز» أنت تريد أن تتحدث عما ~~يحدثه العامل المادي في النفوس البشرية، وكيف يتسلط عليها ويغيرها، غيرك كان يلجأ لعرض هذا ~~الموضوع في قالب درامي مهما بلغت درجة إتقانه فسوف يكون مباشرا، أنت اخترعت قصة السيدة ~~التي غادرت القرية منبوذة من حبيبها، والتي عادت إليها بعد أن أصبحت غنية جدا ورصدت مليون ~~دولار لمن يقتل لها حبيبها السابق، هذه «الاختراعة» المسرحية جعلتنا نرى الموضوع بطريقة ~~مسرحية مثلى، وجعلتنا نراه وكأننا لم نره من قبل مع أننا نراه كل يوم. أردت لقاءك إذن، ~~ومناقشتك؛ لأننا في العالم العربي نعاني ككتاب مسرح (وأنا منهم) لخلق هذه الاختراعات ~~المسرحية المصرية والعربية الحديثة لنرى واقعنا وواقع العالم اليوم على ضوئها. # قال: إنه لشيء غريب، ولكننا في خلقنا للأسطورة الحديثة، كما تسميها نجد أنفسنا في النهاية ~~وقد عدنا إلى أساطير الأقدمين، إلى الميثولوجيا الإغريقية مثلا، إن النظرة الكونية الشاملة ~~الكاملة كانت منذ خمسين عاما مضت لا يمكن الوصول إليها على وجه الدقة، ولكننا الآن نستطيع ~~أن نقول: إننا نقف على أرضية نظرة كونية ثابتة، نحن لدينا اليوم فكرة شبه يقينية عن ماهية ~~المادة. # قلت: إنني سعيد بسماع هذا، فأنا أحتاج وأنا أكتب مسرحياتي إلى أن أقف على أرضية كونية ~~ثابتة، وحين كنت أكتب مسرحية لي اسمها «الفرافير» احتجت أن أعثر على قانون واحد يشمل كل ~~مادة الكون من أصغر ذراتها وإلكتروناتها إلى أكبر مجراتها. # قال: وهل وصلت إليه؟ # قلت: وصلت إلى ما تفضلت وأسميته أنت: «شبه اليقين» فبإمعان التفكير وصلت إلى أن المادة في ~~حالة نبض مستمر، تتجاذب مكوناتها، من مكونات الذرة، إلى مكونات المجرة، وتظل تتجاذب إلى أن ~~تصل إلى ما أسميته المسافة الحرجة لتبدأ قوى التجاذب تتحول فجأة إلى قوى تنافر ms14 منفجر هائل، ~~وهذا القانون يشمل حتى العلاقات البشرية من تقارب وحب ثم تنافر وتباعد، ومن العلاقات داخل ~~المجتمعات، وبين الدول، وهكذا. # قال: وماذا دفعك للبحث عن ذلك القانون الجديد؟! أولم تكفك القوانين الحالية لتفسير السلوك ~~البشري؟! # قلت: إن القوانين الحالية لعلم الطبيعة والكيمياء والبيولوجي والأنثروبولوجي لم تكن ~~لتسعفني لتفسير العلاقة بين السيد والفرفور (وهنا تكفل المترجم بتلخيص مسرحية الفرافير التي ~~يعرفها ودرسها، وقد سعدت بهذا؛ لأنني هنا أمام كاتب قد قرأت معظم وأهم أعماله، بينما هو ~~بالكاد لا يعرف إلا أني مجرد كاتب مسرحي مصري، فكان ضروريا أن يعرف شيئا عن ~~إنتاجي). # قال: أنا لا أستطيع أن أناقشك في تصورك عن هذا القانون الكوني الواحد، ولكني شخصيا أومن ~~بقانون واحد آخر هو قانون الصدفة، إن العالم الذي نحيا فيه بما يحتويه من بشر ليس له قدر ~~محتوم يسير إليه وينتهي بنهايته؛ ولهذا نحن لا يمكن أن نتنبأ بما سيحدث لهذا العالم غدا؛ ~~لأن العالم يسير بطريق الصدفة العشوائية، ولا يمكن التنبؤ على وجه الدقة بما سوف يحدث؛ ~~فالأمر متروك لقانون الصدفة المحضة. # قلت: هل تعتقد يا أستاذ دورنمات أن المسألة مجرد صدفة، حتى لو كانت قانونا؟ # قال: نعم، أنا أعتقد أن الحتمية - حتى التاريخية منها - قد استبدلت بالاحتمالية، بمعنى أن ~~هناك «احتمال» أن يحدث هذا الشيء أو ذاك. # قلت: ألا يمكن أن تكون الاحتمالية طريقا للحتمية، أو بالأصح، هل من الممكن أن تؤدي ~~الاحتمالية إلى الحتمية؟ سألت المترجم: هل سؤالي مفهوم؟ قال المترجم: لا. # قلت: بمعنى آخر: الاحتمالية مهما كثرت فلها حدود، فهل يمكن أن تؤدي الاحتمالية في النهاية ~~إلى الحتمية؟ # سألته هذا السؤال وفي خلفية تفكيري ما يقوله النقاد عنه من أنه نظرا لما أصابه من إحباط ~~نتيجة لانعدام العدالة الكونية، وثبوت أن الفلسفات كلها غير يقينية، أصبح يؤمن أن البطولة ~~في العالم انحصرت في تمرد الفرد المعزول ضد النبوءة الميئوس منها؛ وعلى هذا الأساس بنى ~~عملا من أعماله الفذة التي سنتحدث عنها فيما بعد وهو «التيه». # قال: لنعد ms15 إلى قانونك الذي تصورته عن الكون (قانون النبض الكوني أو التجاذب للتنافر) أنا ~~آخذ هذا القانون مأخذا علميا جادا، أو بالأصح افتراضا علميا جادا، فمن المعروف أن ~~الكون الآن في حالة تمدد (حسب نظرية أينشتين) أو ما نسميه مرحلة التنافر، فهل هناك قوة ~~داخلية فيه تستطيع أن تبدأ مرحلة التجاذب؟ # أسعدني أنه عاد ليناقشني في افتراضي ويأخذه ذلك المأخذ الجاد. # قلت: إنه لا يتحدد - حسب افتراضي - من تلقاء نفسه، إنه يتحدد؛ لأنه بالضرورة ينجذب أو ~~تنجذب أطرافه إلى أكوان بعيدة أخرى، بمعنى أن المادة الكونية كلها - من الذرات إلى المجرات ~~- تتجاذب بنفس السرعة، بل وتقطع في انجذابها نفس النسبية من المسافة - إلى أن تصل إلى ~~النقطة الحرجة فتنفجر متنافرة ثم تعود لتتجاذب، وهكذا. # فالقوة أو القانون الأساسي ليس شيئا من خارج الكون، ولكنه كامن داخله، التجاذب ~~للتنافر. # قال: إنه احتمال وارد، بل هو في الحقيقة تفسيرنا نحن الكتاب، أو افتراضاتنا عما يجري داخل ~~الكون ومادته، إن فكرة الكون نفسها هي تصورنا نحن عن الكون، إن فكرة جاليليو عن الكون كانت ~~صحيحة في عصرها تماما، ولكنه لم يكن يملك الأدوات أو الأجهزة التي تمكنه من إثباتها ~~عمليا والتأكد من صحتها، وصحة أن المادة تدور في حلقات وحول نفسها، ونحن الآن عائدون إلى ~~تصورات أخرى عن الكون، وما الفن إلا تجسيد لتصورنا نحن عن هذا التصور. # قلت: لو أخذنا دورنمات حين بدأ يرسم ويكتب في أوائل بداياته أعوام 43، 44، 45، وأخذنا ~~تصوره للكون، هل تغير هذا التصور؟ # قال: أنا كنت أدرس الفلسفة، وكان اكتشافي للفيلسوف نقطة تحول في حياتي، فقد كان صاحب ~~نظرية التلقي وصاحب نظرية التفرقة بين التفكير والوجود، وصاحب الرأي القائل بأن الإنسان ~~يفكر في الكون مستعينا بالمفردات البشرية التي يراها ويحيا بها، وليس بالموجودات الحقيقية ~~في الكون، بمعنى آخر هو لا يرى ولا يدرك حقيقة الكون، ولكنه «يتصوره» على هيئة أشياء يراها ~~من حوله، وهكذا وصل إلى أن التفكير الرياضي والحسابي هو أنقى أنواع التفكير في الكون، فهي ~~مجردات وأرقام (والأرقام ms16 أيضا مجردات) لا تحتك بالحقيقة من قريب أو بعيد، إن حقائق الطبيعة ~~لا يمكن تجسيدها إلا الرموز الرياضية والرياضة فقط، وهذا في حد ذاته يحدد تلك الحقائق ~~الكونية تحديدا كبيرا. # وواصل دورنمات قائلا: إن الحرية الحقيقية هي في إدراك محدودية القدرة البشرية على فهم ~~الكون. # قلت: نعم، فلقد جعلت الصراع في مسرحيتي بين رغبة الإنسان العارمة في التحرر من النظام ~~الكوني (السيد) وبين قدرته المحدودة على الفكاك من أسر هذا النظام نفسه؛ إذ لو فك منه ~~تماما لفقد صفته البشرية ونظام وجوده. # قال: ولكن النظام ليس خارج الإنسان، إنه داخل الإنسان نفسه. # قلت: ولكن كنت أتحدث عن الوجود الإنساني في هيئة جماعة بشرية، فالإنسان لا يحيا بمفرده، ~~ولا يوجد مكون من مكونات الكون بمفرده أبدا، حتى الذرات توجد في مجتمعات، ولا بد من نظام ~~يحكم وجودها الجماعي. # قال: أنت تقول: إن الإنسان لا يمكن أن يعيش خارج نظامه الإنساني، وإن النظام لا يمكن أن ~~يعيش خارج الإنسان، فكيف عالجت هذه المعادلة المستحيلة؟ # قلت: بالصراع حول من يكون السيد: النظام، أو الإنسان. وضحكنا، طويلا، وكثيرا. # | دورنمات في مصر # قبل أن نستأنف هذا الحوار مع دورنمات، والذي سيقول فيه آراء عن الإسلام، وعن إسرائيل، وعن ~~المسرح، والفلسفة، والفن، وحتى عن نفسه، قبل هذا أحب أن أقول للقراء خبرا، أن دورنمات سيزور ~~القاهرة في نوفمبر القادم، فبعد الحوار الحافل الذي دار بيننا قلت له: هل تحب أن تزور ~~القاهرة؟ # وجدته يتردد. # فقلت: إنها ليست دعوة رسمية، إنها دعوة شخصية مني أنا، أو بالأصح هي دعوة من مجلس إدارة ~~جمعية كتاب ونقاد ومخرجي المسرح التي أتشرف بكوني مسئولا عنها ونائبا لرئيسها شيخ كتابنا ~~المسرحيين توفيق الحكيم، إنني باسم هؤلاء المسرحيين أدعوك لزيارة القاهرة، قلت له هذا رغم ~~علمي أنه يكره السفر، ليس فقط إلى خارج سويسرا، وإنما حتى إلى خارج نيوشاتل التي يقيم فيها، ~~وله سنون لم يسافر أبدا إلى الخارج، ولكني قلته اعتمادا على نوع من الفراسة الداخلية، ~~ألتقط وأحس بها الناس أو ms17 بما في الناس بطريقة ما زلت لا أعرفها، تماما مثلما جاءتني فكرة ~~زيارته وأنا عند أخت ذلك الناشر في أحد وديان جبال الألب. # وها أنا ذا لا أفاجأ - وإن كان مفروضا أن أفاجأ - حين قال: إني أتمنى زيارة القاهرة، فعلا، ~~وكذلك زوجتي. الجديدة طبعا؛ فزوجته السابقة التي عاش معها أكثر من ستة وثلاثين عاما، ~~والتي رسمها بأكثر من طريقة، والتي كانت معبودته، كما يقولون، وتوقعوا أن يموت أو على الأقل ~~يتوقف عن نشاطه الفني تماما بعد أن ماتت، الذي حدث أنه تزوج بعدها من شابة ألمانية تعمل ~~مخرجة في شبكة التليفزيون التي تغطي منطقة أوروبا الناطقة بالألمانية، ألمانيا والنمسا ~~والجزء الألماني من سويسرا وبعض أجزاء يوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا. # قلت: سيكون رائعا لو صحبتك زوجتك، وأرجو أن نستطيع أن ندبر لها برنامجا خاصا باعتبار ~~أنك ستكون مشغولا ببرامج أخرى. # قال: لا حاجة بك لأي تدبير؛ فهي تعشق مصر، وطالما صرحت لي بأنها تريد أن تصنع فيلما عن ~~مصر، وأعتقد أنها ستفعل ذلك إذا ذهبنا. # وجهت له هذه الدعوة حتى لو كنت سأدفع تكاليفها كلها من جيبي المتواضع الخاص، فنحن في ~~مصر منذ زيارة سارتر للقاهرة بدعوة من مؤسسة الأهرام، ومنذ زيارة جارودي بدعوة من الأهرام ~~أيضا، لم نحاول أن ندعو كاتبا أو مفكرا عالميا لزيارة مصرنا التي يحبها العالم بقدر ما ~~نضيق نحن - أحيانا - بها! # وحتى قلت لنفسي: لو وجدت المبلغ المطلوب كبيرا فسأحاول أن أقنع الأستاذ إبراهيم نافع بأن ~~يقدم لي قرضا أو عونا أو تدفعه النخوة ليقول: بل الأهرام هو الذي سيتكفل بنفقات ~~الزيارة. # ولكني حين عدت إلى القاهرة - وطبعا لأسباب لا يجهلها القارئ - لم أشأ أن أعرض أمر هذه ~~الزيارة على وزارة الثقافة، خاصة وهي مشغولة بالماضي تماما وترميمه، قابلت الدكتور ممدوح ~~البلتاجي صدفة في افتتاح معرض الكتب الفرنسية التي كتبت عن مصر والعرب والمسلمين منذ العصور ~~الوسطى إلى العصر الحاضر - موضوع سأعود إلى الحديث عنه فيما بعد، إن شاء الله - وزارات ~~الثقافة والعلاقات الثقافية في البلاد الأخرى مشغولة ms18 تماما بإقامة علاقات ثقافية وثيقة بين ~~بلادها وبين غيرها من البلدان، وبالذات بلدان العالم النامي، وفي مقدمتها بطبيعة الحال، ~~قائدة هذا العالم الثقافي مصر. # لا يكاد يمر شهر إلا وثمة معرض أو فرقة موسيقية أو فرقة مسرح أو رقص قادمة من الهند أو ~~كوريا، وبالذات من فرنسا، إن الفرنسيين يقومون بنشاط ثقافي هائل في القاهرة: معهد آثار، ~~معهد لغة، ترجمة كتب مصرية إلى اللغة الفرنسية، معارض، دعوات للكتاب لزيارتها والاحتكاك ~~ثقافيا وفنيا بها، مهرجانات أفلام، مؤتمرات كان آخرها مؤتمرا للعلاقات المصرية ~~الفرنسية، مؤتمرا حافلا، كان على رأس المشتركين فيه المفكر الفرنسي العظيم مكسيم ~~ردونسون، ذلك أن العلاقات الثقافية لم تعد في عالم اليوم ترفا أو دعاية، إنها هي الروابط ~~الحقيقية التي تجذب الشعوب إلى حضارات الشعوب؛ وبالتالي إلى فهمها والتعاطف مع سياستها ~~وخطواتها إلى التقدم، ومثل الفرنسيين هناك معهد جوته بنشاطه الهائل، ومعهد ليوناردو دافنشي ~~الإيطالي، والمعهد البريطاني ينفق بسخاء على تعليم المصريين اللغة الإنجليزية والثقافة ~~الإنجليزية، ناهيك عن النشاط الثقافي الذي تقوم به السفارة الأمريكية والجامعة الأمريكية، ~~وكان تنافس هائل قائم بينهما لخلب لب المصريين ثقافيا وفنيا، وهذا هو في رأيي التنافس ~~الوحيد المفيد لنا تماما، وقد كان مفروضا أن تقوم مصر - أقصد الوزارات والإدارات الثقافية ~~الكثيرة المبعثرة بين وزارة الثقافة وإدارة العلاقات الثقافية بها، وإدارة العلاقات ~~الثقافية بوزارة الخارجية، والأخرى التي بوزارة التربية والتعليم أو التعليم العالي، لا ~~أعرف، كان مفروضا أن توجد هذه كلها في مؤسسة ثقافية واحدة للعلاقات الخارجية وللثقافة ~~الداخلية أيضا، كهيئة «البروهيلفسيا» السويسرية أو غيرها، ولكن تقول «لمين»؟! المهم، قابلت ~~الدكتور ممدوح البلتاجي وذكرت له - عرضا - عزمي على دعوة دورنمات وقبوله الدعوة فوجدته ~~بحماس منقطع النظير يصر على أن تقوم هيئة الاستعلامات باستضافة الرجل الكبير، وبمشاورات مع ~~السيد صفوت الشريف وزير الإعلام تم الاتفاق على برنامج كامل للزيارة، وحتى حين ذكرت الفيلم ~~الذي تريد زوجة دورنمات عمله عن مصر لعرضه في الشبكة الألمانية الأوروبية قال: إن إمكانيات ~~الاستعلامات كلها ستسخر من أجل نجاح العمل. ms19 # وهكذا أرسلت هيئة الاستعلامات دعوة رسمية - عن طريق السفارة السويسرية في القاهرة - إلى ~~دورنمات بها برنامج مفصل واتفاق مع الثقافة الجماهيرية على عرض مسرحية لدورنمات مما سبق ~~عرضه له في القاهرة، ولست أدري لم الثقافة الجماهيرية؟! ولماذا لا يكون المسرح القومي الأب ~~هو الذي يقدمها؟! وتحدد للزيارة بالاتفاق مع دورنمات نوفمبر القادم، إن شاء الله. # هذا هو الخبر. # ونعود الآن إلى ما كنا فيه الأسبوع الماضي ونتذكر الحوار حتى نحيط بالموضوع. # قال: إن الحرية الحقيقية هي في إدراك محدودية القدرة البشرية على فهم الكون. # قلت: بالضبط، ففي مفهومي أن الصراع الحقيقي هو بين رغبة الإنسان العارمة في التحرر من أي نظام «بما فيه النظام الكوني نفسه» وبين قدرته المحدودة على ~~الفكاك من أسر هذا النظام؛ إذ لو فك منه تماما لفقد صفته البشرية ونظام وجوده ~~كإنسان. # قال: ولكن النظام في رأيي ليس خارج الإنسان، إنه داخل الإنسان نفسه. # قلت: ولكني هنا أتحدث عن الإنسان ليس كفرد، وإنما كمجموعة إنسانية كمجتمع، فالإنسان لا ~~يحيا بمفرده، ولا يوجد مكون من مكونات الكون بمفرده أبدا، حتى الذرات توجد في مجتمعات، ولا ~~بد من نظام يحكم وجودها الجماعي، فالأصل في وجود أي شيء هو وجوده الجماعي. # قال: أنت تقول إن الإنسان لا يمكن أن يعيش خارج نظامه الإنساني، وإن النظام لا يمكن أن ~~يعيش خارج الإنسان، فكيف عالجت هذه المعادلة المستحيلة؟! # قلت: بالصراع حول من يكون السيد؛ النظام أو الإنسان، وضحك وضحكت، ولكني أردفت: إنني أعتبر ~~أن الإنسان إنسان بقدر تمرده على نظام وجوده وبقدر قوة تمرده تكون قوته كإنسان، صحيح أنه ~~تمرد ميئوس منه، إلا أن الاستسلام الكامل للنظام، لأي نظام موجود، هو الاستكانة، والسكون هو ~~الموت. # قال (وكأنما يغير مجرى الحديث): رغم أن أرسطو يقول إن الإنسان كائن سياسي، إلا أنني أعتقد ~~أن الإنسان كائن «ذكري - أنثوي» وأنا أرى أنك لم تتحدث عن الرجل والمرأة باعتبارهما النظام ~~الأساسي للمجتمع البشري. # قلت: لو كان الرجل والمرأة وحدهما على سطح الكرة الأرضية لأصبح هذا ms20 هو النظام الإنساني، ~~ولكنهما لم يوجدا هكذا بمفردهما إلا في قصة آدم وحواء، هما موجودان باستمرار داخل مجتمعات ~~مثلهما مثل أدق الكائنات. # قال: ولكن هذا كما قلت لك مجرد تصورنا نحن لوجود المادة في هذه المرحلة من إدراكنا ~~العلمي؛ ولهذا فأنا أفضل النظرة الفلسفية لأنها تقوم على افتراض منطق للوجود، وهي في نفس ~~الوقت ليست حقيقة علمية، إنها خيال علمي واسع مثلها مثل الروايات والمسرحيات، مجرد افتراضات، ~~وليست حقيقة علمية ممكنا إثباتها بالميكروسكوب أو التليسكوب. # قلت: أمعنى هذا أنك لا تعتقد أن هناك حقيقة موضوعية، حقيقة، موجودة خارجنا؟ # قال: هناك حقيقة - هذا لا شك فيه - ولكننا لا ندرك إلا أجزاء من تلك الحقيقة، أي تلك ~~الأجزاء ندركها؟ هذا هو السؤال: بل إنه مهما كان تفكيرنا حتى لو كان تفكيرا عبثيا فنحن ~~بالضرورة نمسك بجزء ولو ضئيلا من الحقيقة، بالضبط كما لو كنا نمسك ببطارية كشافة نجول بها ~~في أنحاء غرفة مظلمة فلا نرى في المرة الواحدة إلا أجزاء من محتويات الغرفة. # قلت: أو كما يقولون عن النملة حين لا يمكنها أبدا أن ترى الفيل كله، إنها ترى نتوءات ~~وأشياء بارزة وهضبات، إنما لا يمكن أن تدرك - أو حتى تتخيل إذا كان باستطاعتها أن تتخيل - ~~أن هذه كلها تشكل كائنا هائل الحجم حيا اسمه الفيل. # ولهذا دعني أسألك يا أستاذ دورنمات سؤالا سوف يبدو كأسئلة اللقاءات الصحفية: ألا تعتقد ~~أن الإنسان، كتلك النملة كما قلنا، تكتسب كل يوم بتكنولوجيتها واكتشافاتها وإدراكاتها ~~المتقدمة قدرات أكثر بكثير من حجمها الصغير؛ بحيث إنه من الممكن لهذه النملة أن تكبر تماما ~~ويكبر خيالها وتكبر عيونها حتى تصل إلى درجة تستطيع أن ترى الفيل فيلا فعلا؟! # قال: ممكن أن تكبر النملة فعلا وتكبر حواسها كما قلت، ولكن الفيل أيضا لن يظل كما هو، ~~إنه هو الآخر لن يظل نفس الفيل، سيظل يكبر ويكبر. # قلت في سري وله أيضا: هكذا يجيب الأستاذ المسرحي دورنمات. وأضفت لنفسي: لا بد أن جزءا ~~كبيرا من موهبة الكاتب المسرحي أن يعرف ms21 كيف يسأل السؤال الصحيح ويعرف أيضا كيف يجيب - حتى ~~على نفسه - الإجابة الصحيحة. # ولكني كنت قد بدأت أتبين شيئا من ملامح ذلك الكاتب الداخلية، فهو قد درس الفلسفة وعشقها، ~~وأنا قد درست العلم وعشقته، وصحيح أن الاثنين طريقان للحقيقة مختلفان تماما لا يتفقان إلا ~~على النهاية الواحدة، ولكني - هكذا قلت لنفسي - أفضل طريق العلم، ومن قبيل حب الاستطلاع ~~حاولت بجدية خطيرة أن أدرس الفلسفة، فلم يقنعني أيهما بالمرة، أجل، بدأت أتعرف على الكاتب ~~الداخلي فيه، ومن لمعات عينيه بدأت أنا الآخر ألمح علامات تعرفه علي. # قلت: كما قلت لك يا أستاذ دورنمات لقد قرأت بعض آراء النقاد عن مسرحك، ولكني أنا شخصيا ~~أعتقد أن أحدا منهم لم يكتشف خاصيتك الأصيلة، وهي قدرتك عن طريقتك في اختراع الفانتازيا ~~والأسطورة العصرية لاختراق عالمنا الحالي بطريقة تعريه تماما، فهل أنت معي في هذا؟ وهل ~~نستطيع أن نسمي مسرحك الفانتازيا «الخيالية» الحديثة؟ # قال: إن الفانتازيا جزء لا يتجزأ من التركيب «العقلاني» للإنسان، إن الخيال في معظمه ~~منطقي أيضا، إن الرياضة هي المعادل المتخيل الموجود الممنطق، ومع هذا فالرياضة أيضا ~~فانتازيا لأنها تخيل للأشياء على هيئة أرقام أو رموز، إنك في الكتابة تحتاج إلى اكتشاف ~~الرؤية المتخيلة الأولية سواء أكانت رؤية عظمى أو غير عظمى، ولكنها رؤية جديدة مختلفة، بعد ~~هذا الكشف الأول تصبح عملية الكتابة للمسرح وكأنها لعبة شطرنج محسوبة خطواتها، ففي مسرحية ~~مثل «أوديب» نجد الرؤية العظمى تهبط عليه على هيئة نبوءة من آلهة الأوليمب، تقول له إنه سيقتل ~~أباه ويتزوج أمه مثلا، ويريد أوديب أن يتجنب هذه النبوءة أو الرؤيا فيتجنبها بواسطة خطوات ~~منطقية محسوبة مسرحيا أو تراجيديا، كما تحب أن تسميها، ثم نجد أننا قد وصلنا مع أوديب ~~إلى نقطة لا تخضع للحساب، لماذا يذهب إلى تلك المدينة «طيبة» التي فيها أمه وأبوه على وجه ~~التحديد، هذه المسألة تحدث صدفة؛ إذ هنا لا بد أن يعمل قانون الصدفة. # قلت: ولماذا لا تسميه قانون القدر أو الحتم؟! # قال: لأنه كان من الممكن ms22 ببساطة أن يذهب إلى مدينة أخرى، حتى لو أجريت عليه قوانين ~~الحتمية كما تسميها، كان من الممكن أن يختار أقرب مدينة أو أجمل مدينة أو أشهر مدينة، أما ~~أن يختار «طيبة» بالذات فهذا أمر لا يمكن أن تحكمه إلا الصدفة، والصدفة وحدها. # قلت: إنه أمر في رأيي لم يحكمه قانون الصدفة، ولكن حكمته إرادة المؤلف المسرحي الإغريقي ~~الذي كتب «أوديب» الأولى. # قال: إن هذا الكاتب أيضا لم يكن يحكم نفسه وهو «يؤلف» هذه الصدفة. # قلت: إذن، أنت معي أن هناك قوة أو دافعا أكبر من الصدفة هو الذي جعله يختار هذا ~~الاختيار. # قال: ولكنه اختيار يفرضه العمل الفني المسرحي. # قلت: ولكن الفن المسرحي ليس في حد ذاته قوة تستطيع أن تفرض قوانينها أو مسارها. # قال: في الحقيقة أننا نحن الكتاب لا نعرف القوانين التي تحكم خلقنا للشخصيات ~~والأحداث. # قلت: والمصادفات؟ # قال: والمصادفات. # قلت: ماذا عنك أنت؟ ألم تحاول أن تتعرف على طريقتك التي بواسطتها تختار الأشخاص والأحداث ~~والمصادفات؟! # قال: سأقول لك شيئا عن مسرحيتي «علماء الطبيعة» (وهي مسرحية في مفهومها العام جدا تقول ~~إن بعض علماء الطبيعة الألمان ادعوا الجنون ولجئوا إلى مصحة أمراض عقلية خوفا من أن ننتزع ~~منهم المعلومات عن القنبلة الذرية ويستعملها هتلر في إبادة الجنس غير الآري كله) استطرد ~~قائلا: إن العلماء الأمريكان وصلوا مثلا إلى اكتشاف القنبلة الذرية لأنهم كانوا يعتقدون ~~أن العلماء الألمان سيسبقونهم إلى اكتشافها، هكذا كان أينشتين الذي كان قد هاجر إلى أمريكا ~~وأبو القنبلة الذرية أوبنهيمر وغيرهما، وصحيح كان هناك تجمع كبير من علماء الطبيعة النووية ~~الألمان في ألمانيا، ولكنهم لم يكن في نيتهم أن ينتجوا قنبلة ذرية أبدا، وإن هتلر لم يكن ~~يحفل كثيرا بجهود العلماء في الحرب، وكان يسميهم: «اليهود البيض»؛ لأنهم كانوا في معظمهم من ~~تلاميذ وأتباع أينشتين اليهودي. # في مسرحيتي «علماء الطبيعة» يلجأ أحد أبطالها لمصحة الأمراض العقلية لأنه يعرف خطورة ~~المعلومات التي اكتشفها ووصل إليها، وماذا يمكن أن يصنع بها هتلر وعصابته النازية، لقد تجنب ~~ما ms23 أراد تجنبه باللجوء إلى ادعاء الجنون ودخول المصحة، ولكنه في المصحة يقع بين يدي طبيبة ~~المصحة المتحمسة للنظام بنفس الطريقة التي يقع فيها أوديب «بالصدفة» في يد أمه «طيبة» وهذا ~~هو ما يمكن أن نسميه ب «القدر» الذي لا يمكن للإنسان أن يتجنبه. # قلت: يسعدني هذا الحديث تماما يا أستاذ دورنمات، فقد كنت أرى إنتاجك وأنا أقرؤه وأشاهده، ~~مجرد نصوص مسرحية رائعة أرى واجهتها الخارجية فقط، أما الآن فأنا أرى دورنمات الكاتب، ~~دورنمات الداخلي وهو يعمل، وكيف يبدع فكرته، أراه حتى وهو يحرك أبطاله بطريقة ميكانيكية ~~رياضية محسوبة مقدما كلعبة الشطرنج، ولكن لتسمح لي يا مستر دورنمات أن أختلف معك فالأبطال ~~ليسوا أشياء تخضع تماما لقوانين الرياضة والحساب، إني أعتقد أنك تقلل من قيمة أبطالك بهذا ~~الحديث، إني أراهم كائنات حية نابضة، أكثر حياة ربما من البشر العاديين، وهذا هو بالضبط ~~المسرح، إننا لا نسمي الشخصية المسرحية «بطلا» عبثا، إنه بطل لأنه من المحتم قطعا أن ~~يكون غير عادي حتى لو كان رجل شارع، أو على الأقل تكون عاديته غير عادية تماما. # قال: هذا طبيعي جدا، إن الأبطال المسرحيين مجرد نظريات على الورق تتحول إلى كائنات حية ~~على المسرح، وهذا عمل كاتب المسرح. # قلت: أم عمل المخرج؟ # قال بما يشبه الاستنكار: أرجوك لا تذكرني بالنجوم والمخرجين، إن تدهور المسرح الألماني ~~الحالي سببه ارتفاع تكاليف الإنتاج المسرحي من ناحية، ومن ناحية أهم هؤلاء المخرجين النجوم ~~فكل مخرج منهم يريد أن يكون هو «نجم» العرض المسرحي، وأن يحسب الجمهور رغم عدم ظهوره أنه ~~هو النجم، وهذا بالطبع لا يحدث إلى على حساب المسرحية والممثلين. # إني أقصد أن أقول: إن النص المسرحي يبدو كالنظرية على الورق، ولكن الكاتب المسرحي الحقيقي ~~هو الذي يكتب بتصور أنه هو الذي سيخرج المسرحية، وهكذا ينبض النص بالحياة على المسرح. # قلت: بمناسبة «النبض بالحياة» لاحظ يا أستاذ دورنمات أن العلاقة بين الرجل والمرأة في ~~مسرحك لا تحتل أهمية كبيرة في مؤلفاتك رغم ما ذكرته لي آنفا من أن ms24 الرجل والمرأة هما أساس ~~النظام البشري. # قال: ذلك لأن الموضوعات (التيمات) التي أتعامل معها لا تحتل فيها قضية العلاقة بين الرجل ~~والمرأة مكانا هاما، ولكن هناك أعمالا لي تحتل فيها هذه العلاقة مكانا بارزا، ولكني ~~(وكأنما بعد تفكير) معك أن العلاقة بين المرأة والرجل ليست في المحل الأول من ~~اهتماماتي. # قلت: لماذا؟ # قال: لأنها ليست موضوعي الرئيسي؛ أنا لا أعاني من مشكلة في علاقتي كرجل بالمرأة، لقد ~~تزوجت لمدة 36 عاما، وماتت زوجتي الأولى، وتزوجت مرة أخرى. # قلت: سمعت عن قصة حبك العظيمة تلك. # قال: أي قصة حب؟ الأولى أو الثانية؟ # ووقعت في حيرة فقد ذكر لي الكتاب السويسريون، سامحهم الله، أنه كان يكاد يعيد ويكتب من أجل ~~زوجته الأولى، أما الثانية فلم يأت لها ذكر بالمرة إلا أنها أصغر منه عمرا كثيرا، وها هو ~~الرجل يؤكد أن القصة الثانية احتلت مكانة قصة استغرقت ستة وثلاثين عاما في بحر عامين أو ~~أقل. # قلت: تقول يا أستاذ دورنمات أنك لا تهتم بعلاقة المرأة بالرجل لأنك رجل سعيد في حبك وفي ~~زواجك، أمعنى هذا ألا نكتب إلا عن المواضيع التي لا تسعدنا؟! # قال: وهل كتب كاتب عن علاقة حب سعيدة؟! إننا لا نكتب عن العلاقة بين الرجل والمرأة إلا إذا ~~كانت مأساة، وأنا لا أخترع مآسي لا أحسها، وليست علاقة الرجل بالمرأة مشكلتي. # قلت: إذن، ما هي مشكلتك يا أستاذ دورنمات؟ # قال: مشكلتي أننا نعيش في عالم جميل جدا، أو بالأصح ممكن أن يكون جميلا جدا، ولكنه ~~في حقيقته قبيح جدا جدا. # قلت (وأنا أتلفت وأرى المنظر من حجرة مكتبه ومرسمه لوحة عبقرية تطل على بحيرة، كأنها من ~~بحيرات الجنة، والبيت والمدينة والجبل وكل شيء جميل جدا): أنا لا أرى عالمك هذا قبيحا ~~أبدا يا أستاذ دورنمات، فكيف تحس قبح العالم الخارجي وأنت هنا في كل هذا الجمال؟! # قال (ضاحكا): في الحقيقة أنا كنت أتحدث عن قبح الأفكار السائدة في عالمنا، إن دنيانا ~~الحاضرة هي مصحة كبرى للأمراض العقلية في نظري، إن ms25 مسرحيتي الجديدة (مثلها مثل «علماء ~~الطبيعة») تدور أيضا في مصحة أمراض عقلية؛ حيث يقوم كل مريض عقلي بتقمص شخصية تاريخية ما ~~داخل المصحة؛ فأحدهم يعيش كنابليون ويتصرف ويفكر مثله، وهناك مريضة تتوهم أنها جان دارك، ~~وتندمج إلى درجة أن تحس أنها مثل «جوديت» التي ورد ذكرها في الأساطير، وتحاول أن تعالج ~~نابليون من تقمصه بالنوم معه كما فعلت جوديت، وهناك مريضان يتقمصان شخصية ماركس، أحدهما ~~ماركس كما يحب أن يراه الروس، والآخر ماركس فوضوي، وهناك ماركس ثالث لا يظهر أبدا وهو ~~الوحيد الذي قرأ «رأس المال» في «المراكسة» الثلاثة! # قلت: لقد حاولت قراءة رأس المال عدة مرات، ولكني كنت أتوقف فاشلا. # قال: حتى لنين نفسه لم يقرأه كله، بل أعتقد أن ماركس نفسه لم يكتبه كله، ولكن «إنجلز» ~~ساعده في كتابته، ومن المضحك أنهم قد وجدوا أخيرا خطابا أرسله الناشر الذي كان قد تعاقد ~~مع ماركس على نشر كتاب «رأس المال» وتأخر ماركس في تسلم أصول الكتاب وخطاب ينذره فيه الناشر ~~بأنه إذا لم ينته من الكتاب في بحر شهر فسيعهد إلى غيره بكتابته. # قلت: وتصور لو كان أحد غير ماركس كتب «رأس المال»! كان الأمر يصبح مسرحية لدورنمات أليس ~~كذلك؟! ولكن معنى هذا أنك درست الماركسية يا أستاذ دورنمات؟ # قال: لقد قرأت كثيرا لماركس. # قلت: ودخلت مصحة نفسية (وضحكت). # قال: ولماذا تضحك؟! فعلا دخلتها، توجد مصحة أمراض نفسية قريبة جدا من هنا ومديرها ~~صديقي، وكثيرا ما أذهب إلى هناك، وهي مصحة قديمة يرجع تاريخها إلى الوقت الذي كانت فيه هذه ~~المنقطة تتبع بروسيا، ولقد دخلها كثير من الكتاب الأوروبيين المشهورين مثل «هيرمان هسه» ~~و«كونراد ماير» و«لوبيدس»، ومن المضحك أن بيتر بروك (المخرج الإنجليزي المشهور أو بالأصح ~~أشهر مخرج في تاريخ المسرح الإنجليزي) حين ذهبت معه لنتفقد المصحة تمهيدا لإخراج مسرحية ~~«علماء الطبيعة» على المسرح، كانت مساعدة مديرة المصحة لها «قتب» وكانت عالمة طبيعة، وحين ~~قدمتها إلى بيتر بروك قائلا: هذه هي عالمة الطبيعة، كادت تجن من الفرحة؛ لأنها ظنت ms26 أنها ~~ستمثل الدور في المسرحية. ~~••• # لاحظ دورنمات أني كثير التطلع - وهو يتحدث إلى المترجم بالألمانية - إلى اللوحات التي ~~تكاد تملأ جدران المرسم، وكم كان بودي أن أتحدث عن دورنمات الرسام! فهو لا يقل موهبة عن ~~دورنمات المسرحي أو القصصي، غير أنه بدلا من اختراع الأسطورة الحديثة في المسرح تموج ~~رسوماته بالأساطير المستوحاة من التوراة والإنجيل، فقد كان أبوه قسيسا بروتستنتيا، وأمه ~~مدرسة في مدارس الأحد التي تتبع الكنيسة، وطفولته مليئة بهذه الميتولوجيا التوراتية إلى ~~درجة التشبع، واللوحة الموجودة هنا، هي واحدة من أكثر من مائتي لوحة صدرت في كتاب عن ~~دورنمات الرسام، كتاب غالي التكاليف تماما إلى درجة أنه لم يطبع منه إلا مائتان وخمسون ~~نسخة فقط في العالم كله، وكان كريما فأهداني في نهاية الزيارة النسخة رقم 59 من هذا الكتاب ~~المرقوم. # لاحظ كثرة تطلعي، فقطعنا الحوار، وقام يريني بعض لوحاته، ويريني كيف يرسم، فمكتبه واسع ~~جدا، منخفض بحيث يصلح للكتابة وللرسم، وعلى جانبه الأيمن دائما ورقة بيضاء (35 × 25سم) ~~معدة لكي يبدأ فجأة، ربما في وسط كتابته، يرسم، ويتأمل ما رسمه ويمزقه ويعود فيرسم. # ليت المساحة وصبر القارئ يسمحان بحديث أطول عن هذا الفنان الغني الغريب، ولكن مرة أخرى ~~أقول: «ما باليد حيلة!» ~~••• # عدنا للجلوس وشرب الشاي والنسكافيه، وقلت لنفسي: آن الأوان لمحاكمة الأستاذ ~~دورنمات. # قلت: هل ممكن أن أسألك بعض الأسئلة المحرجة؟ (لمحت الترحيب الكامل في ملامحه) ماذا فعلت ~~أنت ككاتب من العالم الأول لعالمنا الثالث؟ كيف ترانا أنت أيها المواطن في العالم ~~الأول؟ # قال: أنا حقيقة مواطن في دولة أوروبية، ولكني دائم التتبع لما يحدث في عالمكم، أنا أعرف ~~الكثير عن أمريكا اللاتينية وأفريقيا والشرق الأوسط، حين كنت في أمريكا صدمت تماما بما ~~رأيته في مستوطنات الهنود الحمر، ولدرجات الفقر غير الإنساني التي يعيشها الهندي الأمريكي ~~هناك، وقد جعلتني تلك التجربة أغير كثيرا من أفكاري حول التقدم، ومفهوم الحضارة، ودور أوروبا ~~وأمريكا، أنا لم أقرأ كثيرا في تاريخ الشعوب الإسلامية والإسلام، ولكنني شديد الإعجاب ~~بالحضارة الإسلامية ms27 في العصور الوسيطة، وما استحدثه العرب والمسلمون من اكتشافات في علوم ~~كالرياضة والفلسفة، إلى درجة أن كثيرين من الأكاديميين الأوروبيين كانوا يعرفون العربية ~~ويدرسونها ويتعلمون منها منطق أرسطو وفيثاغورس وأفلاطون دون أن يلموا بالإغريقية نفسها، ~~ولقد كان الإمبراطور الألماني فردريك الثاني شديد الاهتمام بالدارسين للغة العربية ~~والمستشرقين، وكثير من التراث الإغريقي وصل إلى أوروبا عن طريق ترجمته من اللغة العربية، ~~وليس الإغريقية، أجل، في ذلك الوقت (حوالي القرن الحادي عشر الميلادي) كانت النصوص ~~الإغريقية تقرأ في أوروبا في ترجماتها العربية وليس الإغريقية. # قلت: إنني سعيد أن أسمع هذا منك. # قال: إنني أعرف أن أوروبا أحدثت امتدادات حضارية وثقافية داخل عالمكم والعالم أجمع، ولكني ~~أعرف أن تأثير الفكر الإسلامي والعربي كان قويا على أوروبا أيضا إلى درجة أن أثر في ~~تفكير الفيلسوف العظيم سبينوزا نفسه، ذلك الذي وصل إلى أن الله (في كل الأديان) مبدأ واحد ~~موجود في كل زمان ومكان، لقد تأثرت بتفكير سبينوزا تماما؛ فقد كان يهوديا، ولكنه ترك ~~اليهودية وحوكم من أجل هذا، ولكنه لم يصبح مسيحيا أيضا، ونبذ العالم وعاش في قرية هولندية، ~~وعمل كصانع نظارات ليأكل عيشه بعرق جبينه (إذ كان هذا هو المبدأ الذي وصل إليه)، بل إنه ~~استغل قدرته العلمية واستطاع أن يحسب كم نظارة عليه أن يصنعها في اليوم لتكفي عيشه ويتبقى ~~جزء يكفي لجنازته حين يموت. # قلت (ضاحكا من حكاية الحساب الدقيق للنقود هذا، خاصة السويسريين منذ قديم الزمان): لقد ~~كان سويسريا تماما في هذا! # قال: ولكن المسألة بالنسبة إليه كانت أكبر من مجرد القدرة على الحساب والتدبير، كان هذا ~~يعني لديه حرية الإنسان من كل قيد حتى قيد الوظيفة وأكل العيش، قد تستغرب، ولكني أعتقد أن ~~هذا النوع من التفكير الذي وصل إليه سبينوزا كان هو الذي أدى في النهاية إلى ظهور أينشتين ~~والنسبية، لقد بنى أينشتين نظريته «النسبية» مستفيدا من نظرية الكم التي اكتشفها ماكس ~~بلانك ونيل بوهر، ونظرية الكم تعتمد على قانون الاحتمالات، أو قانون الصدفة، وكان أينشتين ~~يعارض ms28 هذا تماما، باعتبار أنه يلغي فكرة الخالق الأول: الله. # قلت: اسمح لي؛ أنا لم أدرس نظرية الكم أو النسبية دراسة أكاديمية، ولكني على الأقل أعرف ~~أن نظرية الكم تؤكد أن مكونات الذرة، وعلى رأسها الإلكترون، تدور في مسارات «حتمية» لا تتغير ~~إلا بفعل قوى «حتمية» من خارج الذرة، أو حتى لو افترضنا من داخلها، فأي دخل للصدفة ~~هنا؟! # قال: إذا كانت تزعجك كلمة الصدفة، فسمها الاحتمالات. # قلت: أعتقد أننا لم نتفق حول هذه النقطة، فأنت تفكر كعالم رياضي فيلسوف، يعجبك سبينوزا ~~و«كانت» والفلاسفة الرياضيون، أنا أفكر بمنطق آخر تماما، منطق بيولوجي حيوي، أبسطه أن أقول ~~لك إن وجود موهبة مثل موهبة دورنمات يكسر حتما قانون الاحتمالات أو الصدفة، إذن هو يخضع ~~بالضرورة لعوامل، أو لقوانين أعمق بكثير من قوانين الاحتمالات، قوانين حين تكتشفها البشرية ~~ستنظر إلى قانون الصدفة وقانون الاحتمالات كما ننظر نحن الآن إلى جدول الضرب بالمقارنة إلى ~~إمكانيات الحاسب الإلكتروني غير المعقولة، فلندع هذا الموضوع جانبا إذن، فنحن على رمال ~~شاطئ المحيط العلمي، مجرد رمال الشاطئ، وأمامنا الأبعد والأرحب والأعمق بكثير جدا مما ~~عرفنا أو سنعرف. # قال: إذن، عم سوف نتحدث؟ عن التصوف مثلا؟ # قلت: ولماذا لا نتحدث عن إسرائيل وزيارتك لها وكتابك عنها؟! # قال: فعلا، هذا موضوع أريد أن أتحدث فيه، إنك لم تقرأ كتابي عن إسرائيل، ولو كنت قد قرأته ~~لعرفت أن أملي خاب تماما في إسرائيل بعد زيارتها، لقد تغيرت إسرائيل كثيرا، كنت أظن في ~~مبدأ الأمر حين قامت إسرائيل أنها ستصبح دولة أذكياء قد حملوا معهم الحضارة الأوروبية ~~وسيتولون نشرها في الشرق، ولم أكن أتصور أن يتحول هؤلاء القوم الذين عانوا من الاضطهاد إلى ~~دولة كالمؤسسة العسكرية أو ما يمكن أن نسميه «إيران اليهودية»؛ دولة عسكرية تحتل وتبيد ~~وتقتل! والخطأ القاتل الذي وقعت فيه إسرائيل كان نتيجة لانتصاراتها السهلة على بلاد عربية ~~كانت خارجة لتوها من تحت وطأة الاستعمار، إن إسرائيل تقول: إنها دولة ديمقراطية ، ومن المعروف ~~أن الديمقراطية هي التمثيل الصحيح لفئات الشعب، ms29 فهل الفلسطينيون المقيمون في إسرائيل ممثلون ~~في الحكومة والكنيست الإسرائيلي بنفس النسبة (تقريبا 1 : ‏2‏)؟! # إنني أعتقد أن هناك مكانا للدولتين الإسرائيلية والفلسطينية، وكان يمكن للدولتين أن ~~تقيما معا تجربة جديدة في بابها، دولة علمانية واحدة، فيها العرب وفيها اليهود. # قلت: أتعرف يا أستاذ درونمات أن هذا هو بالضبط المطلب الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية ~~التي تسميها الحكومة الإسرائيلية منظمة إرهابية لا بد من إبادتها؟! # قال: هذا ناتج من خوف إسرائيل من المنظمة، إن الجانبين أصبحا الآن يخافان بعضهما إلى درجة ~~استحالة قيام دولة واحدة تحتويهما. # قلت: ومن المسئول في رأيك عن هذا الخوف المتبادل؟ # قال: لقد كان العرب واليهود يحيون معا منذ نهاية القرن الماضي في سلام وتعاون حتى أيام ~~الاحتلال التركي المسلم، وكان منطق اليهود في إيجاد دولة إسرائيلية أن إسرائيل كانت أرضهم ~~أيام الاحتلال الروماني، وأنهم حاربوا الرومان ثلاث حروب كبرى، وحين حاقت بهم الهزيمة تفرقوا ~~في العالم شتاتا. # قلت: ولكن العرب أيضا حاربوا الرومان في العصر الإسلامي الأول، حاربوهم بضراوة، وحرروا ~~ما يسمى الآن بالشام (سوريا وفلسطين والأردن). # قال: ولكن، هل كانت هناك دولة عربية في فلسطين أيام الاحتلال الروماني؟ # قلت: ليس بالمعنى العصري لكلمة دولة، ولكن القبائل الإسلامية كانت هناك. # قال: اعذرني؛ فأنا أتحدث هنا من موقعي ككاتب، ليس طرفا في صراع، ولا أستطيع أن أرفض ~~تماما حق اليهود في إقامة دولة إسرائيل، ولكني أومن تماما بحق الفلسطينيين أيضا في إقامة ~~دولتهم ووطنهم. # وهنا قام دورنمات وأحضر نسخة من الكتاب الذي كتبه عن المشكلة الإسرائيلية العربية، وأخذ ~~يطلعني على فقرات منه لا تتعدى المعاني السابقة، واستغربت في الحقيقة، فمعنى هذا أن الرجل ~~كان قد استعد أيضا للقائي مثلما استعددت له، فهو قد علم الصفحات بأوراق صغيرة، وخطط ~~بالأحمر تحت الفقرات المذكورة ليسهل له الرجوع إليها أثناء نقاشنا، وكأنه كان متأكدا أننا ~~لا بد أن نتطرق إلى هذا الموضوع وموقفه منه، وكم كان باستطاعتي أن أتشنج أو ألقي عليه ~~محاضرة طويلة عن تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، ولكني قدرت، ms30 إذا كان الرجل يحمل هذا القدر ~~من التفتح لمعرفة الحقيقة وإدراكها، فإن خير ما يمكن عمله أن أدعوه لزيارة القاهرة ومقابلة ~~منطقنا، أولئك الذين يتولون شرح القضية لنا نحن، في حين أن مهمتهم أن يشرحوا وجهة النظر لمن ~~هم في حاجة ماسة وحقيقية لها، حسني النية، هؤلاء الذين خدعتهم آلة الدعاية الإسرائيلية التي ~~لم تقابلها أبدا ردود عربية معقولة ومقبولة وعادلة وصادقة في حين أنها فعلا وفي الحقيقة ~~كذلك. # هو قادم إذن في نوفمبر، وكسب كاتب عالمي مسموع الكلمة أهم كثيرا جدا من عقد مؤتمر لا ~~يحضره إلا المتعاطفون معنا والمؤيدون، وتنفق عليهم الآلاف، وفي أحيان كثيرة لا تظفر من ~~ورائهم إلا خبرا سهلا في صفحة داخلية من جريدة أوروبية، هي في معظم الأحيان معادية، لقاء ~~حافل، مع كاتب حافل، وما أذهلني فيه هو تعاطفه معنا، ذلك الذي لا نعرفه، ولم نحفل بأن ~~نعرفه. # وإلى اللقاء، دورنمات الكبير في نوفمبر القادم، إذا شاء المولى، وهو على كل شيء ~~قدير. # | افتح الحنفية ينزل كوكايين # أنا شخصيا مذهول ومندهش من هذه الخاصية (القطيعة) التي يتمتع بها إعلامنا الموقر، أن ~~يعقد الرئيس اجتماعا مع كبار المسئولين يناقش فيه كثيرا من مشاكل مصر العليا، ومن ضمنها ~~وقوع كثير من المصريين ضحايا المخدرات، شيء جديد علينا - أو بالأصح على أجيالنا عموما - ~~مثل الهيروين والكوكايين شما، وأما أن يتحول هذا التوجيه إلى «حمى» تسري في أنحاء المجتمع ~~كله، صحافة وإذاعة وتليفزيون، وأحاديث دينية، حتى «حديث الروح» يتحدث عن الكوكايين، و«خمسة ~~لصحتك»، و«لحظة من فضلك» و«حديث الصباح»، و«سهرة المساء» و«مساء السهرة»، كوكايين، وهيروين، الموت ~~القادم للزحف، نهاية العمر، التأثير المروع على القدرة الجنسية، والعصبية والنفسية، ~~الإدمان، الجنون لا علاج من إدمان الكوكايين، فالمريض إذا خرج يعود، وإذا تعود انتهى. # حمى مخيفة أمامي ومن خلفي وعلى جانبي، وفي السيارة، والأتوبيس، ومع راكب التاكسي، وجلسات ~~العائلات إن جلست، ونميمة الزائرات والزائرين كلما جاءوا (تنمو) حمى رهيبة وطوفان، حتى إني تصورت أني ~~لو فتحت الحنفية لنزل منها وابل من الكوكايين ms31 والهيروين، وإذا فتحت النافذة ستهب علي عاصفة ~~من دخان الحشيش، وإذا أكلت «محشي» في عزومة سأجده محشوا بالأفيون وجوزة ~~الطيب! # ما هذا يا إخواني؟! # لقد هالني الأمر حقا، وظننت أننا أصبنا بضرر لا نجاة منه، ولي ولدان شابان في عمر ~~الزهور، يرودان النوادي والجلسات، ولاحظت في المدة الأخيرة أني دائم النظر في عيونهما لأرى ~~فيها أي احمرار طارئ حتى ابنتي الصغيرة سألتني: ما هو هذا الكوكايين يا بابا؟! # قلت لها: إنها مادة مخدرة. # قالت: أعرف هذا، ولكن شكلها إيه؟ طعمها إيه؟ لونها إيه؟ # قلت: والله يا بنتي، أنا ما رأيتها في حياتي. # قالت: كيف وأنت قد ردست الطب والعقاقير ولا بد أنهم أروها لك؟! # قلت لها: الحقيقة أنه كان مفروضا أن أراها، ولكن قسم العقاقير كله وقسم المادة الطبية ~~(الماتيرياميديكا) لم يكن به، بل في مصر كلها أي كوكايين أيامها (في الخمسينيات) ولا أي ~~هيروين، هم أرونا فقط قطعة حشيش وقطعة أفيون وكانت كلتاهما موضوعة في برطمان مشمع بالشمع ~~الأحمر، وعليه خاتم الأستاذ رئيس القسم (الدكتور شريف)، ولما سألنا عن السر في هذا الخاتم ~~وعن ضرورة أن نتعرف على المادة ونلمسها ونشمها باعتبارنا من الممكن أن نمتحن فيها، قالوا: ~~لقد كنا نفعل هذا منذ بضع سنوات، ولكنا كنا نلاحظ تناقص عهدة الحشيش بالذات، عقب كل فصل ~~عملي، فأصر مساعد المعمل (حتى لا يروح في داهية إذا خلصت عهدته) أن نضعها هكذا بحيث لا ~~يلمسها أي طالب، ولما جادلنا وقلنا: وماذا نعمل إذا جاءت لنا في الامتحان الشفوي ولم نستطع ~~أن نتعرف عليها؟ قال لنا الدكتور شريف: اطمئنوا، إننا لا نأتي بها أبدا في الامتحانات، ~~اعتبروها خارج المقرر، ونحن نريكم إياها فقط لتتعرفوا عليها - من بعيد لبعيد - ولأغراض الطب ~~الشرعي فيما بعد حين تدرسونه، وليس لأغراض اللمس والشم والتعرف كما هي العادة مع جميع ~~العقاقير الأخرى. # هذه الحملة الإعلامية الرهيبة أحدثت للأسف الشديد، أثرا عكسيا تماما حتى إن حب ~~استطلاع الكاتب جعله يتساءل هو الآخر، ما هي بالضبط مادة الكوكايين؟ وكيف ms32 تستخلص؟ وما هو ~~طعمها ولونها؟ وللأسف حين سألت بعض شبان أحد النوادي الكبرى في عاصمتنا كانت معلوماتهم عن ~~«الأبيض» أي الكوكايين، «والأسمر» أي الهيروين وافرة تماما، وأيضا عن كيفية التعاطي، ~~وأنواع التعاطي بالشم أو بالشد أو بالحقن في الوريد، وحين تساءلت عن هذه «الشيشات» الصغيرة ~~التي تشبه «البيبة» تطوع واحد منهم طويل الباع وقال لي: إنها تستعمل لاستنشاق ما سماه ~~«القاعدة الأساسية»، وهي أقوى أنواع الكوكايين. # أرأيتم ماذا يصنع الإعلام المغلوط؟! # حتى لو كان عن مادة ضارة أو قاتلة؟ # إنه يثير لدى الشباب حب الاستطلاع الشديد لمعرفة هذا الشيء السري الغامض الذي يتحدث ~~الجميع عنه، وهي إحدى طبائع البشر التي لا يمكنه الخلاص منها، وأذكر وأنا طالب في كلية الطب ~~أنه حدثت موجة دعائية واسعة ضد الشيوعية (أيام حكم صدقي)، وحدثت اعتقالات، وكنا جميعنا نحن ~~الشباب والكبار نتحدث عن الشيوعية، ولم يكن أحد قد قرأ عنها أو لها شيئا، وهكذا بدأ حب ~~استطلاعنا يجأر لكي نعرف، وما كان الشاب منا يكاد يجد كتابا يتحدث عن الشيوعية أو ~~الاشتراكية أو يقابل إنسانا معروفا عنه أنه شيوعي أو اشتراكي إلا ويحس أنه عثر على كنز، ~~ويبدأ ينهال عليه بالأسئلة وطبعا لم يعتنق الجميع الشيوعية، ولكن نسبة كبيرة صعدت من حب ~~الاستطلاع إلى الدراسة إلى «الإدمان». # وهذا هو، بالضبط، ما فعلناه بحكاية الجماعات الإسلامية، أخذنا نحاربها ونتحدث عنها، ونحن لا ~~نعرف عنها شيئا، والشباب بحكم طبيعته شديد الشغف لمعرفة شيء عنها، وهكذا ما كان هذا الشباب ~~يكاد يلتقي بشاب ملتح في مسجد حتى يتسمر أمامه واقفا سائلا طالبا المعرفة التي غالبا ما ~~كانت تنتهي بالانضمام. # ولكني في زيارتي لذلك النادي الكبير، واجتماعي بأكثر من عشرة شبان فيه أحببت أن أعرف ~~الحقيقة المجردة بعيدا عن تهاويل الإعلام. # فسألتهم: هل تعرفون شبابا يتعاطون هذه المواد في النادي؟ # فكانت الإجابة: نعم. # ولكني عدت أسأل واحدا منهم بالذات كان يبدو اجتماعيا كثير المعارف والاختلاط : إني ~~أسألك عن شلتك أنت بالذات، كم شابا تعرفه معرفة شخصية دقيقة في ms33 هذا النادي ويتعاطى ~~المخدرات؟ # قال: حوالي عشرين. # قلت: كم واحدا منهم يتعاطى الكوكايين؟ # قال: إلى الآن لا أحد؛ لأن الكوكايين غال جدا، ولكن بعضهم يتعاطى الهيروين. # قلت: كم واحدا؟ # قال: حوالي اثنين أو ثلاثة. # قلت: أنا أريد العدد بالضبط؟ # قال: قبل حملة مكافحة المخدرات الأخيرة كانوا اثنين، بعد الحملة أصبحوا ثلاثة. # وهنا أتوقف وقفة تأمل معكم. # فليس الأمر مخدرات هذه المرة. # وليس الأمر أمر جهات أجنبية تتولى «تسميم» عقول الشباب. # ولكنه أمر خطير جدا، أمر طريقتنا في علاج مشاكلنا. # ولقد كنت منذ بضعة أشهر أستاذا زائرا في جامعة لوس أنجيلوس، ومدينة لوس أنجيلوس تعتبر ~~أكبر مدينة أمريكية مستهلكة للكوكايين والهيروين بالذات، باعتبارها لصيقة بالحدود المكسيكية ~~الأمريكية التي تعتبر أهم وكر لاستيراد وتخزين الكوكايين لأمريكا بواسطة تجار المافيا ~~وعصاباتها. # والأمر في مجال الشباب، والشابات بالذات، ليس أمرا واحدا من كل عشرين أو اثنين، إنه أمر ~~يصل إلى 50٪ من سيدات وبنات لوس أنجيلوس الباحثات عن النجومية والشهرة في هوليود اللاتي ~~غالبا ما يصبن بالإحباط وينتهين إلى مخدر ما، يحتاج نقودا، والنقود تحتاج أجسادا تباع ~~ورقيقا أبيض ومصائب كثيرة، لا أول لها ولا آخر. # بمعنى أن كارثة المخدرات في لوس أنجيلوس لا تقاس أبدا بما يحدث هنا في القاهرة أو غيرها، ~~إنها كارثة قومية بالفعل. # فكيف عالجوا، ويعالجون هذه الكارثة؟ # لاحظت من طول ما شاهدت التليفزيون بمحطاته الكثيرة هناك أن لا أحد يتحدث عن «ضرر» المخدر ~~أبدا، أو يصور الانحدار المخيف الذي يحدث للشخصية إذا تعودت عليه؛ لأن تصوير هذا الانحدار ~~نفسه يخلق في المشاهد الصحيح الرغبة في تجربة هذا الانحدار، ففي داخل النفس البشرية قوة ~~بانية ترغب في الحياة وتحبها، وقوة هادمة ضائقة بالحياة وتحبذ التخلص منها، وقد لاحظ ~~العلماء أن عدد المدخنين في العالم، وبالذات من الشباب قد كثر بشكل مذهل بعد أن أرغمت ~~الحكومات شركات السجائر على وضع شعار «التدخين ضار جدا بالصحة»، فهذا الشعار يداعب وتر ~~الضيق من الحياة والرغبة في التخلص منها، خاصة لو كان هذا التخلص ليس ms34 بالشكل العنيف مثل ~~قطع شريان اليد، أو الموت شنقا بكرافتة. # فهذه القوة الهادمة للحياة تغريها أي مادة تهدم الحياة وتنجذب إليها، وكأنها النداهة ~~التي تنادي على بحارة السفن في الأساطير فيندفعون ناحيتها لتتحطم سفنهم على صخور الجزائر ~~ويموتون غرقا، إنه نداء خفي غامض يتسرب إلى النفس في عذوبة ورقة، وكأنه نداء الشيطان ~~المتنكر على هيئة أجمل فاتنة. # ونحن بدعايتنا الضخمة «ضد» الشيء المهلك، «نحبب» دون أن ندري هذا الشيء المهلك للشباب ~~الغض الأغر، وحتى بالقليل نثير فيه حب الاستطلاع كما سألتني الطفلة البريئة عن ماهية شكل ~~وطعم وحكاية الكوكايين. # إني معتقد أننا بإعلامنا المحموم هذا ضد تلك السموم قد أثرنا ملايين من هذه الأسئلة في ~~عقول الشباب والأطفال وحتى الكبار. # وهذا ما لم يفعله الإعلام الأمريكي. # الإعلام الأمريكي أو المجتمع هناك، فعل شيئا آخر. # أولا: بنى مصحات كثيرة خاصة، ليس لمرضى الأمراض العقلية والنفسية ومعهم مدمنو العقاقير ~~(وعلى فكرة كلمة «مدمن» لم تعد تستعمل في القاموس الطبي الحديث، إنما حلت مكانها كلمات مثل ~~«إساءة استخدام العقار» أو التعود على استخدام العقار الضار)؛ إذ هذا هو بالضبط التعريف ~~العلمي الدقيق فإن كلمة «المدمن» مثلها مثل كلمة المجنون، لم تعد تعني شيئا، فلم يعد هناك ~~أناس اسمهم مجانين، إنما أصبحت أمراضا محددة، تسمى بأسماء محددة، ولها علامات محددة. # المهم بنوا المصحات أو تبرع بها أغنياؤهم، الممثل الأمريكي الذي دائما ما أنسى اسمه ~~(وبالطبع ليس روك هدسون) ذلك الذي مات ابنه من جراء تناول جرعة زائدة من الهيروين، تبرع ~~ببناء مصحة دفع فيها مليوني دولار وجمع الباقي من الأغنياء والأصدقاء، مصحات أهلية، ومصحات ~~حكومية ومصحات تأمين صحي، السرية فيها مكفولة، والعلاج لا يستغرق كثيرا، وأثناء العلاج هناك ~~رعاية اجتماعية للمريض وأسرته. # وهكذا كل ما بقي على الإعلام ليفعله، وهو يفعله، أن تخرج المذيعة على الجمهور وتقول: إذا ~~كانت عندك مشكلة عقاقير (لاحظوا كلمة «مشكلة») فاتصل بتليفون رقم كذا، تصلك سيارة ، ودع الباقي ~~لنا، لا مناظر تحشيش، أو شم الكوكايين أو هيرويين، ولا شيش، ms35 ولا أنابيب، ولا هذا الكلام الخطير ~~الفارغ الذي ملأنا به عقول الشباب البريء طوال الأيام السابقة. # ذلك أنهم هناك يعتبرون من يتعود استعمال هذه العقاقير إنسانا مريضا لم تلده أمه مدمنا، ~~وإنما هناك ظروف اجتماعية واقتصادية، وفي مجتمعاتنا سياسة دفعت الحائر التائه، هو هكذا، ~~لأنه لا يعرف له هدفا في الحياة، ولا يريد أحد أن يساعده على إيجاد هدف له في الحياة، وفي ~~مجتمع كمجتمعنا العمل فيه قليل جدا، والفراغ واسع وممتد جدا من السهل تماما أن ينزلق ~~المرء إلى فكرة أن يكون له هدف صناعي، يستيقظ من أجل تناوله، ويكسب كيفما كان مصدر النقود ~~ليشتريه، ويشقى ويعمل أقل وقت ممكن لينفرد بالعقار هدفه ومحبوبه، ويعطي له نفسه تماما طوال ~~ما تبقى من ساعات النهار والليل، وكأنه وجد بغيته، وكأنه وجد له الهدف التائه، وكأنه كان ~~ضالا فهدي. # ولا أستطيع أن أنهي هذه الكلمة تلك التي تتصدى لمعالجتنا الخاطئة لإحدى مشاكلنا الطارئة، ~~دون أن أذكر مقالا قرأته لأستاذ ورئيس قسم الأمراض العصبية والنفسية في إحدى كليات الطب ~~بمناسبة الخمر المسمومة؛ يقول هذا العلامة الذي مهمته أن يدرس العلاج لطلبته كيف يعالجون من ~~يعاقرون الخمر باعتبارهم مرضى: إن هذا السم هو الانتقام من هؤلاء الذين يشربون الخمر، ويدعو ~~الله في النهاية أن يميت كل من يشرب الخمر، مسمومة أم غير مسمومة! # تصوروا هذا رأي أستاذ ورئيس قسم؛ بمعنى أنه لو ذهب له مريض يشرب الخمر مفروض أن يعامله ~~كمريض وينتشله من عثرته، إنما حسبما كتب ورأى سيعالجه بأن يدس له السم في كأس خمر فيميته ~~ويريح الدنيا من عاص كبير! # إن الحد الذي أقامه الله، سبحانه وتعالى، لمتعاطي الخمر هو أن يجلد، ولكن هذا الأستاذ - ~~ولا أدري كيف مرت هذه القصة على مجلس جامعة القاهرة الموقر! - يعالج متعاطي الخمر بقتله أي ~~بارتكاب معصية أكبر، أكبر معصية، قتل النفس! # وكأن هذا هو الإسلام! # إنه الجهل بالإسلام، والجهل بالعلم، والجهل بالمرض، والجهل بمعالجة الأمراض الاجتماعية ~~والصحية والنفسية التي تصيب الخلق لأسباب كثيرة لا ms36 يعلمها سوى الله. # | المساحة الحرجة # ظللت لا أعرف لماذا كنت من صغري أحب التجمعات البشرية، كحبي للأشخاص الأفراد، وأعشق وجودي ~~بينها وإحساسي بها، في الأفراح والموالد والأعياد، وحتى في المآتم والجنازات والقهاوي، أحب ~~أن أكون واحدا من كل كبير حلو الروح، المرح فيه بحر أو بحيرة مقدسة كبيرة، ينعم الجميع ~~بالاستحمام فيها؛ إذ هو مرح «عام» وليس مرحا فرديا خاصا محدود الأثر. # ظللت لا أعرف لماذا كنت، إلى عهد قريب، أحب تلك التجمعات، والآن أصبحت أضيق بها، إلى أن ~~وجدت الإجابة في مهرجان جرش. # والحقيقة أني كنت قد سمعت عن المهرجان كثيرا، وقرأت الكثير مما كتب عنه، ولكني لا أعرف ~~لماذا أيضا أصبحت أشك في كل مدح مبالغ فيه على صفحات جرائدنا العربية، أشم دائما رائحة ~~شيء ما وراءه، ولم أكن أتصور أنه سيقدر لي أن أرى المهرجان رأي العين، ولكن، هذا ما حدث، ~~فلقد تلقيت دعوة ملحة خاصة من الأستاذ محمد الخطيب وزير الإعلام والثقافة الأردني لحضور ~~المهرجان، وكنت قد زرت الأردن في العام الماضي، زيارة خاطفة لحضور المؤتمر الوطني ~~الفلسطيني، وكانت تلك أول مرة أرى فيها هذا البلد العربي، ورغم أننا كنا مقيمين في منطقة ~~الفنادق في عمان محاطين بالأسلاك الشائكة والحرس المدجج حتى داخل الفنادق؛ تحوطا من أية ~~محاولات إرهابية، رغم هذا، إلا أن اللمحة الخاطفة التي رمقت بها الأردن جعلتني ألبي الدعوة، ~~فأنا أريد، مما رأيته، وشاهدته أن أعرف عن هذا البلد الشقيق أكثر وأكثر؛ إذ في الحقيقة تلك ~~اللمحة كانت قد بهرتني تماما؛ إذ لم أكن أتصور الأردن هكذا أبدا، أو بالأصح ما صارت إليه ~~الأردن. # المهم. # كانت المفاجأة الكبرى بالنسبة لي حين قابلنا وزير الثقافة والإعلام الأردني في المطار أن ~~أجده هو بنفسه، الصديق محمد الخطيب، رفيق أيام الرعب في الجزائر، حين ذهبت مع مجموعة مع ~~الصحفيين المصريين لتغطية أخبار الخلاف الخطير الذي نشأ بين مجموعة «بن خدة» ومجموعة «بن بيللا » ~~عشية حصول الجزائر على استقلالها، كان الأستاذ محمد الخطيب معنا، مندوبا عن وكالة ms37 أنباء ~~الشرق الأوسط المصرية التي كان يعمل بها آنذاك، ومعا، وبصحبة الزملاء حمدي فؤاد من الأهرام ~~وفوميل لبيب عن دار الهلال، ومحمد العزبي عن الجمهورية ورشاد أدهم عن صوت العرب (بطل الساحة ~~في ذلك الوقت) حوالي عام 1962، عشنا أياما من الهول والإفلاس والخطورة لا تنسى؛ ذلك ~~أننا وصلنا بلدا لا دولة فيه وليس فيه حكومة ولا شرطة، ولا قانون بالمرة؛ إذ كان الصراع ~~حول من يحكم وكيف يحكم، قد ترك البلد فارغا تماما وكان الفرنسيون الذين كانوا يمسكون بكل ~~شيء، قد فعلوا، مثلما فعل مرشدو القناة بعد تأميمها، وتركوا الجزائر كلهم فجأة وعادوا إلى ~~فرنسا، حتى إن التليفونات نفسها كانت لا تجد من يحصل ثمن مكالماتها، وأذكر أني كنت أفتح ~~الخط على جريدة الجمهورية وأملي صفحة كاملة من الجريدة حديثا كان أو تحليلا قد يستغرق ~~إملاؤه ساعتين دون أن أجد من يحاسبني، وكذلك كان يفعل الزملاء! # وكم من نوادر وحكايات حدثت خلال الأربعين يوما التي أمضيناها هناك، تقريبا بلا أي نقود ~~معنا؛ إذ كانت التحويلات أيضا مشلولة، ولولا أننا كنا نأكل مع سفيرنا علي خشبة - واحد من ~~أعظم سفرائنا في الخارج - ذلك الذي كان ذاهبا في مهمة قتالية، مصحوبا ب «بودي جاردز»، ~~لولا أننا كنا نأكل عنده ومعه ويقرضنا مصروف جيب، لهلكنا جوعا، وقد تقطعت بنا كل سبل ~~الاتصال بمصر. # فوجئت بالوزير محمد الخطيب هو نفسه محمد الخطيب زميلنا في رحلة الهول، وفوجئت به يذكرني ~~بأشياء حدثت في تلك الرحلة لا يتسع المجال لذكرها هنا، رغم مدلولاتها الخطيرة؛ إذ كانت تلك ~~هي المرة الأولى والأخيرة التي أزاول فيها عملا صحفيا حقيقيا، وكما يقولون «أغطي» ~~أخبارا وأحداثا، وأدخل في منافسات ومسابقات. # وفرحت للمفاجأة حقا، فما كنت أبدا أتوقعها، ثلاثة وعشرون عاما جعلت من المراسل الشاب ~~لوكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية، رئيسا لوكالة أنباء الأردن «بترا» ثم وزيرا، يا له من مشوار! # والغريب في الأمر أن الوزير اعترف لي بكل أمانة أنه تسلم وزارة الإعلام والثقافة والسياحة ~~حديثا - حين كنت في أمريكا ms38 - على أثر استقالة الوزيرة ذات الموقف - السيدة ليلى شرف، وأنها ~~هي، ولجنة المهرجان العليا التي ترأسها الملكة - التي قامت بتنظيم كل كبيرة وصغيرة من شئون ~~المهرجان وبرامجه. # وهكذا وجدت نفسي «مضطرا» لمشاهدة المهرجان؛ ذلك أني في الحقيقة كنت ذاهبا لرؤية الأردن ~~نفسها، وليس لحضور أفراح ومهرجانات، ولكني أشكر الظروف التي «اضطرتني» لحضور المهرجان، ~~وأشكر الوزير الصديق على دعوتي، فبعد حفلة الافتتاح الرسمية التي قام بها جلالة الملك حسين ~~والملكة نور، والتي استغربت فيها؛ لأن الملك والملكة قد وقفا أكثر من ثلاثة أرباع الساعة ~~والوفود والفرق المشتركة في المهرجان تمر أمامهما، وهكذا اضطر المدعوون - وأنا بالطبع منهم ~~- إلى الوقوف على أقدامهم طوال ذلك الوقت، إن الملك يريد أن يحيي الفن والفنانين تحية ~~احترام عميق لماهية الفن والثقافة حتى - وبالذات - لو كانت ثقافة شعبية أو تلقائية، أعجبتني ~~اللفتة تماما. # وبدأت ليالي المهرجان. # وفجأة وجدت الطفل الذي في يستيقظ و«يتفرج» و«يشارك»، الطفل الذي كان يسهر في ليالي ~~المولد ويساهم في حلقات الذكر، وينبهر بمن يبتلعون النار ويدخلون السيوف في بطونهم، الطفل ~~الذي كان يتصور الغوازي وهن يرقصن ويغنين كائنات خرافية، كأنهن جان ولسن بشرا، اللف ~~والفرجة والضحكة والخفقة والأنوار، حتى ولو كانت بكلوبات، تخلب الألباب! الطفل في مولد ~~الحسين والسيدة والشيخ الشبراوي، الطفل في التيفولي في الدانمارك حتى لو كان قد أصبح في ~~الثلاثين وهو يركب القطارات المندفعة والصواريخ المنطلقة في دائرة إلى عنان السماء، الطفل ~~ولو كان في الأربعين والخمسين في «ديزني لاند» يخلع عنه فجأة كل الأقنعة الناضجة المجعدة ~~الكئيبة، ويرتد نقيا كالبللور، صافيا كجدول حياة خالية رقراقة، الطفل ~~الذي يحب الجموع كما يحب الوجوه الجميلة والقدود الجميلة، الطفل الذي يحب أن يسمع، بل ~~ويشارك ولو بصوت خافت، في الأغاني والموسيقى. # وجدت هذا الطفل ينفض عن نفسه الملابس الشتوية الكبيرة الثقيلة وينزع عنه كل أغطيته ويكاد ~~مع الفرحة يطير ومع الدقة يرقص، ومع كل شيء وكل حدث يتوقف ويستمتع ويحب، ذلك الطفل الذي كان ~~قد خيل إلي أنه انتهى من زمن ms39 ومات؛ لأنه كبر ونضج وتضخم عقله بطريقة ابتلعت بها كل ~~تلقائيته، واندفاعه، وفرحته المستمرة بالحياة، وجدته يعود. # ولكن العقل أيضا، وجدته، ويا للدهشة! مع التلقائية والفرجة والطفولة يستيقظ! بل، ولأول ~~مرة، يجد «متعة» في التفكير والتأمل. # وجاءت الفكرة هادرة كالمياه المندفعة من السد العالي. # إننا في مصر لا بد أن نصنع شيئا يعيد لنا حبنا للحياة. # إنني أمر في قاهرتنا الحبيبة في الشارع أو في السيارة فأجد ملامحنا منقبضة حتى ملامح ~~الشبان والفتيات قاسية تعاني من الضيق. # ذلك أننا وكأنما استيقظنا ذات صباح فوجدنا أنفسنا قد وضعنا في مأزق حياة ووجود لا أعتقد ~~أن شعبا قبلنا، ولا شعبا بعدنا سيوضع فيه؛ ذلك أننا استيقظنا لنجد أننا تضاعفنا في فترة ~~لا تزيد عن الربع قرن أربع مرات في بلاد ورقعة زراعية ومأهولة لا تتسع إلا بالكثير لاثني ~~عشر مليون إنسان، أصبح فيها الآن ربما أكثر من خمسين مليونا من السكان. # هذه المرة ليست المشكلة مشكلة فقر وغنى، مشكلة طبقية أو سياسية، ولكنها مشكلة لم تخطر ~~لآدم سميث مفكر الرأسمالية أو كارل ماركس مفكر الاشتراكية على بال، مشكلة وجود بشري مكثف ~~تكثيفا هائلا؛ بحيث يجعل من نفس ذلك الوجود جحيما بشريا لا يطاق، إن الإنسان إنسان ~~لأنه «نوع»، والنبات والحشرات هكذا لأنها «كم»، والإنسان أبدا لا يستطيع أن يحيا، بل أن ~~يسعد ويزاول كل وظائفه العليا كإنسان إلا وهو يحيا كنوع إنساني، والنوع الإنساني أحد ~~متطلباته ليس الطعام فقط أو الأوكسيجين، ولكن «المساحة»، أو بالأدق الحد الأدنى من المساحة ~~اللازمة لحركة وتنفس ووجود الكائن البشري الحي، وأعتقد أن علماء الجغرافيا البشرية والعلوم ~~الاجتماعية لا بد يدركون أن هناك «مساحة حرجة» لازمة لوجود كل إنسان على حدة ليتكون مجتمع ~~ما، فإذا تضخم العدد بحيث تجاوز هذه المساحة الحرجة، ووصل إلى مرحلة من التلاصق والتكثف غير ~~بشرية بالمرة، لا بد أن تحدث لهذا الكائن البشري تغيرات وأمزجة واتجاهات وتطرفات وأنواع من ~~الخبل والهوس والجنون الخفي على المستوى الفردي والجماعي، لم يعرفها الناس من قبل. ms40 # وذلك هو المأزق البشري الخطير الذي نحن عليه الآن. # لأمر ما عن للعقلية الجماعية المصرية أن تتكاثر وتتكثف، دفاعا مغلوطا عن النفس ربما، ~~سرطانا جماعيا ربما، جشعا لحياة لا متعة فيها إلا الطعام والجنس ربما، لا أعرف، والغريب ~~أن أحدا من علمائنا لا يعرف أيضا، بل لم تحاول جامعاتنا أن تدرس هذه الظاهرة، وما عدا ذلك ~~الكتاب العظيم الذي كتبه الدكتور جمال حمدان والذي اصطحبت جزأه الرابع الخاص بالسكان في مصر ~~معي في رحلة سابقة، وهي دراسة رغم تفردها وعبقريتها إلا أن جمال حمدان يقف أيضا، وهو ~~العالم الفذ الكبير، يتساءل حائرا عن سر هذا الانفجار البشري المصري. # أما السر فنتركه لبحث علمائنا، إن أتاح لهم ازدحامهم هم الآخرين أن يبحثوا، أما نتائج هذا ~~الانفجار وما يفعله فينا وبنا فتلك أمور لا بد أن نعي بها تماما، وإلا هلكنا، أجل، أقولها ~~بملء صوتي: هلكنا، فكثير، بل أقول: معظم ما نشكو منه، مرجعه إلى هذا التضخم السرطاني ~~الهائل في عدد السكان والأفواه، ولولا أننا شعب عريق الحضارة، تشكل المادة الحضارية جزءا ~~أساسيا من تكوين أبسط فلاحيه وأمييه، لكانت قد حدثت لنا أهوال وأهوال، إن معظم الدعاوي ~~والغوغائية السطحية والسلوك الغريب في مدرجات الكرة وحفلات الغناء، والشارع والنادي، ووسائل ~~المواصلات، كلها راجعة إلى «التلاصق» الجسدي الذي تعدى المسافة الحرجة واعتدى على التفرد ~~البشري الواجب ليكون الإنسان أو الإنسانة بشرا سويا، وفي مثل ذلك الجو غير العاقل وغير ~~البشري فأي دعوى حتى لو كانت ضدنا ستجد الاستجابة، فالناس من فرط ازدحامها أصبحت تكره بعضها ~~لله في لله، وتكره وجودها معا، وقد ضاق ذلك الوجود إلى حد الاختناق، تتوق إلى مكان أو فرصة ~~تزاول فيه تفردها وإنسانيتها ونوعيتها البشرية فلا تجد. # أقول نترك دراسة الظاهرة أسبابها وملامحها، وماذا يمكن أن تفعله لنخرج من هذا المأزق ~~الخطير تماما، للعلماء وللمتخصصين ونعود للمهرجان. # هنا الازدحام أيضا موجود، هذا حقيقي، ولكنه ازدحام إنساني وليس تكدسا بشريا، والأولاد ~~والأطفال والجدات والرجال والشباب والشابات خمسة عشر ألفا أو يزيدون ms41 كل ليلة، تزدحم بهم ~~ساحة تقل كثيرا عن ساحة ملعب كرة، ولكن أحدا لا يصطدم بأحد، وشابا لا يعاكس أبدا فتاة، ~~والأطفال أطفال فعلا وليسوا شياطين صغارا، والعروض كثيرة ومتنوعة، من أربعين دولة وحوالي ~~مائة وأربعين عرضا من ليالي المهرجان العشرين، وما أروع لحظة اللقاء بين الفن والناس وبين الناس والفن! ما أروع لحظة التفرج والتمسرح التي أصررت ~~عليها في نظريتي المسرحية! هنا النفس جزء من الفرجة، والممثلون والموسيقيون والراقصون جزء من ~~الجمهور، والجميع في حالة عظيمة من النشوة، هنا الجميع أطفال إلى درجة البراءة المحضة وكبار ~~إلى درجة التصرف المتحضر غير المندفع أو المجنون، هنا الجميع في ساعة واحدة، ومزدحمون ولكن ~~بقي لكل منهم الحد الأدنى من المسافة، والمساحة الواجبة أن تتوافر للإنسان طفلا كان أو ~~شيخا ليتنفس ويحيا ويتحرك، ويحب، وينفعل، وينبهر، المزمار الصعيدي والطبلة بجوار الفرقة ~~القومية للفنون الشعبية بجوار الفرقة الأمريكية والباليه الإنجليزي وفرقة الرقص الروسي، ~~والأنوار ساطعة والتلال المحيطة والوادي تحفل بالنور، النور الصادر من كل عينين متطلعتين، ~~هنا الحياة تبدو جميلة جدا جديرة بأن تحيا، والبشر يبدون جميلين جدا جديرين بالحياة ~~وبالفن وبالحب وبالحرية وبالاستقلال وبكل ما يجعل الإنسان إنسانا، بل وحتى سوبرمان. # والسبب! # أن عدد الناس هنا إذا قورنوا بمساحة الأرض المأهولة معقول تماما، هنا الشارع عريض فسيح ~~جديد، وليس حارة أصبحت تتكدس بالبشر والعربات والخناقات، هنا أطلق سراح الإنسان ليتحرك، فنحن ~~في القاهرة سجناء شوارعنا وبيوتنا ونوادينا ووسائل مواصلاتنا وانتقالاتنا، سجناء فعلا لا ~~قولا، سجناء لأننا لا نستطيع الحركة كما نريد فنتكدس وندبها فولا وطعمية وبلا حركة نتخن ~~ونتخن ولا رياضة فردية ولا جماعية ولا مكان للسير أو التمشي، بشر، بشر، بشر، طوفان من ~~البشر، ضللت مرة طريقي ودخلت حيا لا أعرفه كدت أصاب بالذعر من العدد المخيف من الناس ~~المزدحمين في شارع واحد من حي واحد من مدينة واحدة من مدننا، يا إلهي! ماذا حدث؟! وماذا نفعل؟! ~~فنحن بهذه الطريقة وبهذا الكم لا نحيا، ولا نفرح، ولا نبتهج، ولا نحتفل ولا ms42 نقيم مهرجانات ~~إنسانية حلوة، ولا نفعل إلا أن نستلقي أمام التليفزيون مستسلمين لمتعة سلبية تماما، نتفرج ~~على إلكترونيات ترسم صورا وقصصا، بينما الحياة الحقة هي ما «يزاولها» الإنسان وليس ما ~~«يتفرج» عليها، وكأن ازدحامنا وصل إلى درجة التوقف أن نحيا، بل حتى أن نوجد، فوجودك دائما ~~مجروح ومقتحم بوجود لصيق آخر لا تملك له دفعا. # محروسة أنت يا مصر! هذا صحيح. # ولكن شعبك يخنقك ويختنق بك، وحتى دعاواه مهما تسربلت بثوب من العلم أو الدين فهي دعاوى ~~اختناق بشري وازدحام وجود، وما هكذا تكون الدعاوى أو توجد، فالدعاوى يطلقها البشر للبشر، ~~فإذا كان الطالقون يحيون في علبة سردين والمستقبلون يكتظون وكأنما في علبة تونة، فإنها ~~دعاوى اختناق يرسلونها لمختنقين. # إني متأكد أن مصر ستجتاز تلك الأزمة، لا أعرف كيف، ولكني أعرف أن هذا الشعب المجيد قد مر ~~بأزمات وجود طاحنة، مجاعات أكل فيها ما لا يؤكل، حتى بعضه أكل بعضه، وولاة كانوا في أحيان ~~جزارين، واحتلالات متعاقبة لم ير مثلها شعب. # أعرف أننا سنجتاز هذه الأزمة بكل تأكيد، ولكني أصبحت في شك أن يتم هذا الاجتياز في ~~أعمارنا نحن، أو عمري على الأقل، وليس هذا تشاؤما، إنه عين التفاؤل، فحتى السرطان الخلوي ~~نفسه قد أصبح يشفى ويمكن علاجه، فما بالك بما هو أخف؟! أخف لأن في أيدينا شفاءه، ولو كنت من ~~حكومتنا لعقدت فورا مؤتمرا عاجلا أجمع له أعظم العلماء والمفكرين والمتخصصين ويكون له ~~موضوع واحد فقط: كيف نحل مشاكل ازدحامنا الوجودي ووجودنا المزدحم بطريقة تعيد لكل مواطن منا ~~إنسانيته؟ # حتى نعود نفرح ونبتهج ونقيم أحلى المهرجانات. # | ضحك الجنازات # قرأت الحديث الذي أجراه ابننا الصحفي الشاب بهاء صلاح جاهين في الأهرام مع الأستاذ العميد ~~الدكتور لويس عوض، كان أهم محتويات الحديث أن الدكتور لويس عوض ينعى في رثاء جليل حركة ~~الكبار في الأدب العربي، وعلى رأسهم أستاذنا الكبير توفيق الحكيم، وعمنا المبدع نجيب محفوظ، ~~وشيخ طريقتنا القصيرة يحيى حقي، وكاتب هذه السطور، كذلك لم يسلم كبار نقادنا - ضمنا من ~~النعي ms43 - الناقدين الكبيرين الدكتور عبد القادر القط والدكتور علي الراعي. # وقال الدكتور لويس عوض فيما قال: إنه جيل - يقصد هؤلاء جميعا الذين ذكرتهم - قد انتهى ~~بحلول النكسة أو الهزيمة عام 67، ولم يعد لديه شيء يقوله أو يبدعه، وإنه هو شخصيا قد مل ~~الكتابة والكلام وفرغت جعبته، والحقيقة أني كنت قبلها بليلة قد فرغت من قراءة كتاب الصديق ~~الموهوب أحمد رجب «كلام فارغ»، وهو كتاب من أعظم ما قرأت خلال الأعوام الماضية لا لأنه يحتوي ~~على كنوز معرفة غالية، ولا لأن حكمة الكون كله قد تلخصت فيه، ولكن لأن أحمد رجب نموذج فريد ~~في الكتابة الساخرة، وإذا كان الكاتب الذائع الصيت «أرت بوكوالد» قد ابتدع طريقة أمريكية ~~فريدة في السخرية، خاصة من الرؤساء الأمريكيين وزوجاتهم - أثناء حكمهم بالطبع - محتويا في ~~جعبته جده الروحي مارك توين، وحتى شارلي شابلن كمؤلف، إلا أنها طريقة أمريكية فيها سخرية ذكية ~~ذكاء العواجيز الخبثاء، أما صديقنا أحمد رجب فهو ساخر مصري أصيل، روحه من روح عبد الله ~~النديم وأسلوبه فيه رشاقة الكاتب العبقري الساخر المرحوم محمد عفيفي، فيه نكتة محمود ~~السعدني الفاقعة في مصريتها وطول لسانها، فيه لمسة صلاح جاهين الكاريكاتيرية وتلامذته من ~~رمسيس إلى الليثي إلى محمد حاكم، غير أن ميزة أحمد رجب الكبرى هي في نهايات نصف كلمة التي ~~يكتبها، إنه دائما يجهز لك قنبلة مسيلة لدموع الضحك في آخر كل فقرة يكتبها، وهي قنبلة لا ~~تقتل ولا تجرح ولكنها تدفعك حتى للتأمل، وكأن فيها كل الحكمة. كنت في الليلة التي قبلها قد ~~انتهيت من قراءة الكتاب، واستنفدت كل طاقتي من الضحك بيني وبين نفسي أولا، وبصوت عال يكاد ~~يوقظ من في البيت، وحين طويت الكتاب ووضعته جانبا، قلت لنفسي: ها أنا ذا قد ضحكت بما يكفيني ~~شهرا بأكمله. # ولم أكن أتصور أني في اليوم التالي مباشرة، سأضحك وأنا أقرأ حديث الدكتور لويس عوض كما ~~لم أضحك في حياتي. # وأنا أعرف صديقا لديه عادة غريبة هي أنه ما إن يدخل سرادقا للعزاء، حتى لو كان ms44 الميت ~~أعز أقربائه، حتى تنتابه موجات ضحك عاصفة؛ ولهذا لا يذهب للعزاء أبدا إلا وهو يتلفع بكوفية ~~يلفها حول نصف وجهه الأسفل، حتى لا تحدث مأساة من جراء ضحكه على هذه الصورة. # أنا أيضا وجدت نفسي في هذا الموقف لدى قراءتي الجنازة التي أقامها الدكتور لويس عوض، ~~لجيلنا، ولنفسه، فقد وجدت نفسي أنفجر وأضحك وأضحك حتى كدت أختنق. # والدكتور لويس عوض ليس أستاذي فقط، ولكنه صديق عمري؛ عرفته منذ عام 1953 ولا أزال أحبه ~~وأوده وأحتفل به وبكل ما يقول وكأن اثنين وثلاثين عاما لم تمر على معرفتي به، ولكن هناك ~~شيئا، لا بد - لكي أكون صادقا مع نفسي - أن اعترف له أمام القراء بشيء؛ ذلك أني في مبدأ ~~الأمر كنت آخذ الآراء المتطرفة التي تبدأ تتدفق من قريحته بعد أن «يسخن» تفكيره، كنت آخذها ~~مأخذ الجد وأحتد عليه ويحتد علي، وننخرط في خناقة فكرية ما أنزل الله بها من سلطان، ولكني ~~جربت مرة ألا أنفعل، بل أكثر من هذا أن «أتفرج» على آرائه وألا أندمج في الرد عليها، وكانت ~~النتيجة أني بدأت بدل أن أغضب أن أبتسم بل أضحك، بل أحيانا أضحك كثيرا وأحيل الموقف كله ~~إلى موقف كوميدي صارخ. # وبالطبع هذا لا يحدث في كل الأحوال ففي الغالب آخذ حديث الدكتور لويس عوض مأخذا جادا ~~عميقا - حين يكون الأمر كذلك - أما حين يتطرف ففي الحال أقلبها ضحكا. # ولقد أضحكني الحديث. # وبدأت الضحك بقوله «جيلنا» مسبغا علي شرف الانتماء إلى جيل توفيق الحكيم (87 سنة)، ونجيب ~~محفوظ (74 سنة)، وزكي نجيب محمود (فوق السبعين)، والدكتور حسين فوزي (88)، وكلهم، أطال الله في ~~أعمارهم جميعا، في سموق أشجار الكافور على شط نيل الجيزة، جذورهم ضاربة في تربة مصر منذ ~~العشرينيات حين بدءوا الكتابة حين كنت أنا لا أزال في عالم الغيب؛ حيث ولدت عام 27، وبدأت ~~الكتابة عام 50، بينما هم عمالقة كبار، بالكاد أصلح تلميذا لهم، أضحكني هذا الشرف الذي ~~أسبغه علي الدكتور لويس، مثلما كان صديقي الأستاذ محمد عودة أسبغه علي، ms45 نفس الشرف، ويقول: ~~إن أبي، رحمه الله، قد قيدني في شهادة الميلاد بعد مجيئي بعشر سنوات حتى يتجنب أن أدخل ~~«القرعة» في سن صغيرة. # ثم حين أوغلت في المقال - الجنازة - انتابتني تلك الموجة الأخرى من ضحك الجنازات؛ فالدكتور ~~لويس يبدأ بإصدار حكم باتر لا نقض فيه ولا إبرام، إنه انتهى منذ حاقت النكسة بمصر، وكذلك ~~انتهى معه ما سماه جيلنا واحدا واحدا بمن فيهم العبد لله. # ضحكت لأنه منذ عام انتهاء الدكتور لويس عوض عام النكسة عام 67 والدكتور لويس قد أبدع ~~وأنتج أهم ملفاته على الإطلاق: كتابه المحيط عن اللغة العربية، ذلك العمل الخلاق الذي سيبقى ~~ما بقيت اللغة العربية، كتابه عن: أعمدة الناصرية السبعة، كتابه عن جمال الدين الأفغاني، ~~وذلك الذي أثار من الضجة وكتب عنه عدد من المقالات، ورغم أن معظمها كان نقدا متحيزا يعادل ~~ما كتب عن كل الكتب التي طبعت ونشرت في تلك الحقبة، ثم على أثر خلاف حول النشر في الأهرام، ~~فجأة استقال من الأهرام، واتخذ له مكتبا في شارع الهرم راح يقوم فيه بصناعة ثقيلة للحركة ~~الثقافية، ولا يزال بكل همة، ينشط ويعمل. # بمعنى أن ما أنتجه لويس عوض بعدما انتهى - حسبما يقول - يعادل إن لم يتفوق كثيرا على ~~إنتاجه قبل أن ينتهي وقبل النكسة! فلماذا هذا المعزى الكبير لينصبه لنفسه ولنا؟! # وإذا أخذنا بقية الجيل فسنجد أن ما أنتجه الدكتور زكي نجيب محمود خلال السبعينيات فقط ~~يعتبر في رأيي أهم كتبه على الإطلاق، أما الأستاذ نجيب محفوظ فله كل عام رواية، وأحيانا ~~روايتان، وتعتبر رواية الحرافيش أو ملحمة الحرافيش - في رأيي - عملا يرقى فوق مستوى العالمية، ~~ويكفي أن يكتب كاتب في حياته عملا واحدا كملحمة الحرافيش ليخلد أبد الدهر، ودي سيرفانتس ~~لم ينتج إلا رواية واحدة عظيمة هي «دون كيشوت»، ودانتي أنتج «الجحيم» وأنشأ بها فن الرواية ~~الإيطالية ولغتها، وكذلك جوته في «فاوست»، ونجيب محفوظ لم يتوقف وإنتاجه من ناحية الحجم ~~والانتظام أكثر بكثير من إنتاج أي من تولستوي ودستوفسكي. # فلماذا هذا ms46 الحكم بالإعدام يا أستاذ؟! # أما إذا تركنا جيل الكبار هؤلاء وجئنا إلى الجيل الحائر - جيلي - فإنتاجه أيضا لم يتوقف، ~~فكتابة المقالة اكتسبت خصائص القصة، وكتابة القصة حفلت ببعض سخونة المقالة، وربما يكون ما ~~أكتبه في الأهرام نوعا جديدا من «الأوتشرك» على رأي أستاذنا المرحوم الدكتور مندور، ورغم ~~ذلك أيضا لم أكف عن كتابة القصة فقد أصدرت منذ «بيت من لحم»، مجموعتين من القصص: «أنا سلطان ~~قانون الوجود»، و«اعقلها وتوكل»، ورغم المأساة التي تحياها الحركة المسرحية كتبت ما أعده في ~~رأيي أهم مسرحية كتبتها على الإطلاق، وهي مسرحية «البهلوان»، تلك التي لم تر النور؛ للتسوس ~~الذي حدث لمسرح القطاعين الخاص والعام على حد سواء والقائمين عليه. # إذن، هذا الجيل الذي حكمت عليه بالفناء رغم أنه في السن التي يجب أن يؤدي فيها إلى ~~الشيخوخة الجميلة والتأمل الأعمق للحياة ولا يزال ينتج ويبدع ويناضل ويخوض المعارك كأي كادح ~~شاب. # ولو كنت مثلي يا دكتور تتلقى إنتاج الشبان الجدد، كل عام، شبان جدد موهوبون خلاقون يكتبون ~~ويصرفون على ما يكتبون لكي يطبعوه ويوزعوه بأنفسهم وهو إنتاج عالي المستوى تماما، أي قصة ~~منه حتى لو كانت لمبتدئ تفوق ما كان يكتبه الأوائل في العشرينيات، في عز ازدهار فن القصة ~~القصيرة آنذاك. # إذن، موضوعيا، لا يوجد ما يستدعي حكما بالإعدام، ولا إقامة جنازة؛ فالحركة الإبداعية تمشي ~~ببطء، هذا صحيح، وليس لها توهج الستينيات هذا صحيح، ولكن الحركة الإبداعية غير منفصلة أبدا ~~عن حركة الإنتاج في المجتمع ككل، فالخلق نوع من الإنتاج، ومجتمعنا بعهد انفتاحه «الملوث» كاد ~~يئد حركة الإنتاج في المجتمع ككل، وإذا كان هذا لم يحدث، وإذا كانت هناك حركة عارمة تريد ~~إعادة الإنتاج إلى سابق عهده، فلا بد أن يصاحبها حركة أشد فاعلية لإعادة الإنسان المنتج إلى ~~سابق عهده، وهذا هو دور الفن والأدب والثقافة، فنحن نحيا في حالة مجاعة ثقافية، وأحوج ما نكون ~~إلى أن نبقي على أفران الفن القليلة التي لا تزال تقدم لنا رغيف الثقافة والإبداع، وكلمة ~~منك أيها الناقد ms47 المعلم، كانت كفيلة باستنهاض الهمم وفتح أبواب إنتاج مغلقة ورعاية حركة تسبح ~~ضد تيار بشع يريد أن نظل نحيا في ظل التبعية البضائعية والثقافية. # وبعد أن طال ضحكي مع حديث الدكتور لويس عوض بدأت دموع تتجمع في أركان عيني؛ ذلك أني أدركت ~~المشكلة وعرفت أن الدكتور لويس عوض يعاني من حالة من حالات اكتئابه، وما أكثرها! فالرجل يحس ~~أنه يعيش في مجتمع يظلمه ويضطهده، وهذا ليس شعور شخص ولكنه حقيقة موضوعية؛ فالدكتور لويس ~~عوض هو الوحيد الباقي من العمالقة الذي لم ينل جائزة الأدب التقديرية فقط، ولكنه حتى لم ~~يرشح لها، ولو كنت من بعض من نالوا هذه الجائزة عن غير حق وعن غير جدارة إلا علو الصوت ~~واحتلال المقاعد والمنابر والوجود ولو بالقوة في الصورة كما يقولون، لو كنت واحدا من هؤلاء ~~لرفضت أن أنال جائزة الأدب بينما لويس عوض ذلك الذي لا يقل دوره عن دور مندور وطه حسين ~~والعقاد في النقد لم ينلها وغير مرشح لها. # وأنا شخصيا لا أعترف ولا أعتبر أن جائزة الدولة في الأدب تعني شيئا بالمرة؛ فهي لا تصنع ~~كاتبا، وعدم نوالها لا يهبط بكاتب، ولم أعرها التفاتا منذ أن أنشئت إلى الآن، ولن أعيرها، ~~ولكن الأمر بالنسبة للدكتور لويس عوض مسألة مختلفة، فإن الجامعات لا ترشحه لأن الجامعيين لا ~~يكنون له حبا كثيرا، والمجلس الأعلى للثقافة أغلب أعضائه كتاب لم يكتب عنهم لويس عوض ~~شيئا ذا بال؛ ولذلك فهم يعادونه بل ويتمنون زواله، أما هو نفسه فهو لا يمكن بكبرياء مصري ~~جميل أن يطلب لنفسه جائزة أو حتى يتطلع إليها. # الأمر إذن أمرنا نحن، نحن وزارة الثقافة ووزيرها، نحن المسئولين في هذه الدولة، نحن الكتاب ~~الذين تعلمنا من لويس عوض وسوف نتعلم عليه، كيف نسكت على أمر كهذا؟! وكيف نبقي ماردا مثله ~~يعاني من حالة اكتئاب قصوى يتمنى معها لو حطم وتحطم معه المعبد! أفقدنا الإحساس بالآخرين ~~إلى هذه الدرجة ؟! أم إن العملة الرديئة هي التي سادت الحركة الثقافية تماما؟! وهي التي ms48 أصبح ~~بيدها تقدير كل شيء وكل كاتب وكل مبدع وإنشاء كتاب كخيالات المقاتة وسلب المكانة والروح ~~من كتاب عظام أحياء، وكأنهم بالقضاء على المبدعين الحقيقيين سوف يحتلون هم مكانتهم دون ~~منافس أو منازع، فلنظهر لهذا الرجل العظيم الذي يحيا بيننا بعضا من التقدير وبعضا من الحب ~~فهو منا ونحن منه، حتى مع أولئك الذين يختلفون معه في الرأي لا ضير عليهم من حبه ووده، وإلا ~~لما قال الأقدمون: إن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية. # أم كان الأقدمون أحكم منا وأنضج وأكبر نفوسا وأرحب صدورا؟! # | مهزلة دورنماتية # تلقيت من السفير السويسري خطاب شكر موجها إلى الأستاذ إبراهيم نافع رئيس مجلس إدارة ~~الأهرام ورئيس التحرير، وفيه يشكر الأهرام على المأدبة الحافلة واللقاء التاريخي الذي ~~استضاف فيه الأهرام الكاتب الكبير فردريتش دورنمات والعائلة المسرحية المصرية على غداء كما ~~يقول الخطاب «غداء ملكيا». # والحق أني وأنا جالس بين درونمات وزوجته المخرجة الألمانية شارلوت وأمامنا الحركة ~~المسرحية الصوتية من كتاب ونقاد ومديري فرق ونجمات ونجوم لم أملك نفسي من الإحساس بالسعادة؛ ~~ذلك أن هذا الحدث؛ حدث أن تجتمع العائلة المسرحية كلها لتحتفل بأكبر كاتب مسرحي أوروبي معاصر ~~في زيارته للقاهرة، مسألة ليست من قبيل البذخ كما تفضل بعض صغار الصحفيين وذكروا، ولا هي من ~~قبيل الأبهة الكاذبة، ولكنها هي بالضبط ما نعنيه بكلمة «الثقافة»، فالثقافة ليست كتبا ~~يكتبها أناس ليقرأها أناس، الثقافة بالأساس إحساس قوي يربط المهتمين بمصير يربطهم في مختلف ~~أنحاء العالم بفكرة إنسانية واحدة. # ولقد كنت في سويسرا قد قضيت ساعات مع دورنمات نتحدث في شتى المواضيع ونشرت بعض الحديث على ~~صفحات الأهرام، ولا أذكر إن كنت قد كتبت في تلك الأحاديث أني قد دعوته لزيارة القاهرة أم لم ~~أذكر، فالواقع أني كنت قد وجهت الدعوة فأجابني بطريقته التي تبدو غير متحمسة أنه قد قبلها، ~~وأنها من المنتظر أن تتم في نوفمبر خاصة، وأن زوجته المخرجة في الشبكة التليفزيونية ~~الألمانية الأوروبية تريد أن تصور فيلما عن مصر القديمة والحديثة. # لم أكن ms49 متأكدا أن الدعوة ستتم، ولكني حين عدت إلى القاهرة اتصل بي مستر أرزمان القائم ~~بالأعمال السويسري، كان السفير غير موجود، وذكر لي أنه تلقى خطابا من دورنمات يؤكد فيه على ~~أنه سيحضر إلى القاهرة في نوفمبر. # وهنا وقعت في حيص بيص، فعلاقتي بالسيد وزير الثقافة السابق كان مجالها محكمة باب الخلق، ~~ولست في سعة من الرزق تسمح لي باستضافة دورنمات على نفقتي الخاصة، ولا أستطيع الاقتراب من ~~مؤسسة المسرح أو حتى الثقافة الجماهيرية لتبني تلك الدعوة، فماذا يا رب أفعل؟! # بعد بضعة أيام كنت في المركز الثقافي الفرنسي في زيارة لمعرض الكتاب أو بالضبط الكتب التي ~~ألفت بالفرنسية عن مصر والبلاد العربية والإسلامية، وهالني عدد الكتب التي تبدأ من كتاب «وصف ~~مصر» إلى الآن. # وفي المركز وجدتني وجها لوجه أمام الدكتور ممدوح البلتاجي رئيس هيئة الاستعلامات، وخطر لي ~~أن أحدثه بالمشكلة التي أوقعت نفسي فيها، فإذا بالرجل وبحماس زائد يقول لي: لا مشكلة، ولا ~~شيء من هذا القبيل؛ ستتولى هيئة الاستعلامات دعوة الكاتب الكبير واستضافته وعمل كل شيء من ~~أجل أن يأخذ هذا الكاتب العالمي فكرة حقيقية عن بلادنا، ولكن قلت له: إن هذا عمل وزارة ~~الثقافة، وأنت تعرف الوضع. # قال: من قال هذا؟! إنه من صميم عمل هيئة الاستعلامات فعندنا إعلام داخلي للمصريين وإعلام ~~خارجي نتولى به دعوة كبار الكتاب والصحفيين، وهناك ميزانية وبرامج لهذا كله، وأن يأتي كاتب ~~كدورنمات لمصر حدث عالمي لا يمكن أن نتركه يمر، فإني متأكد أنه إما أن يكتب كتابا أو سلسلة ~~مقالات أو حتى مسرحية عن مصر؛ فمصر بالنسبة للعقلية الإبداعية الأوروبية تشكل مهبط وحي لا ~~يمكن أن تمر عليه قريحة خلاقة دون أن يؤثر فيها بطريقة ما، وبعد أسبوع واحد كان الدكتور ~~ممدوح البلتاجي قد نظم برنامجا متقنا للرحلة والإقامة، وأرسل باسم الهيئة دعوة لدورنمات ~~وزوجته، وكان القائم بالأعمال السويسري عندي في مكتبي يناقش معي تفاصيل الندوات التي سيعقدها ~~دورنمات في القاهرة واحدة في الجامعة، والأخرى في لقاء مع العائلة الثقافية في ms50 الأهرام، ~~والثالثة ندوة مفتوحة في فندق شيراتون الجزيرة حيث يقيم، والرابعة في معهد جوته الألماني، ~~كان هذا الكلام في يوليو من هذا العام وكنت قد وعدت دورنمات أن نقدم له عملا من أعماله ~~التي ترجمت وقدمت على مسارح القاهرة «أربعة أعمال»، وهكذا اتصلت بالمسئولين في هيئة المسرح ~~لتحضير عمل يعرض أمامه باللغة العربية، واخترت المخرج الفنان سمير العصفوري ليقدم هذا العمل ~~باعتباره أول من أخرج مسرحية لدورنمات في مصر، واختار سمير أن يقدم مسرحية «الشهاب» لقصرها ~~من ناحية ولمحدودية ممثليها من ناحية أخرى. # وفي نفس الوقت فاتحت الأستاذ إبراهيم نافع في حفل غداء نقيمه على شرف الرجل في الأهرام ~~عندنا، وقد أسعدني حقا أن قال لي: إن ل إمكانيات الأهرام تحت تصرفك. # هكذا ترتب كل شيء. # وبدأت الشهور تتوالى، أغسطس ثم سبتمبر ثم أكتوبر، وكان وزير الثقافة قد تغير وجاء الصديق ~~الكبير الدكتور أحمد هيكل وزيرا جديدا ومتحمسا. # وذهبت للقائه وأعدت عليه قصة دورنمات والمسرحية التي يجب أن تقدم فذكر لي أن الدكتور سمير ~~سرحان اتفق مع سمير العصفوري على كل شيء، وأن بروفات المسرحية قائمة على قدم وساق. # وبعد أسبوع اتصل بي الأستاذ سمير العصفوري وقال لي إنه رأى أن عرض «الشهاب» غير ممكن وأنه ~~اختار مخرجا من تلاميذه ليقدم عرضا يستغرق ساعة يستعرض فيه مقطعا عرضيا لكل أعمال ~~دورنمات. # الحقيقة دهشت، فدورنمات كتب ما لا يقل عن الثلاثين عملا، وكيف ستضع هذا المقطع العرضي ~~لكل تلك الأعمال، ولكن لثقتي في قدرة سمير العصفوري قلت: أنت المسئول، وأنت وما تراه. # وقبل وصول دورنمات بأسبوع لعب الفأر في عبي، فاتصلت بالدكتور سمير سرحان أطمئن على العرض، ~~فإذا به يذكر أن سمير العصفوري قد ذهب ليحضر مهرجان قرطاج في تونس، وأن العرض لن ~~يقدم. # وأحسست بجانب كبير من كارثتنا المسرحية يتبدى على أبشع صورة، كارثة كانت قد بلغت دورنمات ~~نفسه وهو لا يزال في سويسرا، فقد كانت أول كلماته لي حين قابلته في المطار أن قال إنه حزين؛ ~~لأن العرض المسرحي ms51 ألغي؛ فقد كنت فعلا أريد أن أتفرج على دورنمات بالعربية. # وغرقت في خجل لما آلت إليه أمورنا المسرحية والثقافية، وغرقت في خجل أكثر حين عرفت أن ~~أحدا لم يحاسب على ما حدث، ولا وجه لوما لأحد، ومرت المسائل وكأنها لعب عيال، نأتي بكاتب ~~عالمي من النادر أن يغادر بلده أو يحضر عروضه في البلاد الأخرى ونعده بتقديم عمل مسرحي له، ~~ثم إذا بنا في آخر لحظة وبكل استهتار هكذا نقول له: «معلهش! تتعوض، المرة الجاية إن شاء ~~الله!» # لقد كانت الزيارة ناجحة تماما من الناحية الثقافية والاجتماعية، فاشلة تماما من الناحية ~~المسرحية والمناقشة المسرحية، وربما كان الخطأ خطئي؛ إذ اعتمدت على أن لدينا مسئولين عن هذا ~~كله، وعملهم أن يضعوا هذا ولا أقوم أنا أو غيري بكل العمل، لقد حرصت على أن أحضر أقل عدد من ~~الندوات والحوارات التي أجراها دورنمات مع التليفريونيين ومع الجامعيين ومع المثقفين لأني ~~اعتقدت أنني بدعوتي دورنمات للقاهرة وتلبيته للدعوة يصبح من عدم اللياقة أن أحشر نفسي في كل ~~كبيرة وصغيرة. # عذرا، أيها الكاتب العظيم! # وقلبي معك يا دكتور هيكل، في وزارة اختلط فيها كل شيء بكل شيء، ولم يعد فيها مسئول واحد ~~تستطيع أن تطمئن إلى كلامه أو إلى وعده. # | الأب الغائب # منذ مدة، وحين بدأنا نقرأ عن الحوادث الغريبة التي بدأت تحدث في مجتمعنا وتجمعاتنا، أب ~~يقتل ابنه، أم تقتل ابنها وزوجها بالتعاون مع ابنتها، ابن مثقف يقتل أباه وأمه رميا ~~بالرصاص بزعم الإشفاق عليهما من الحياة السيئة التي تنتظرهما وتنتظره. # وقد كان من السهل على كل منا أن يمسك بكل حادث على حدة، ويحلله ويصل في تحليلاته إلى ما ~~شاء له الله. # فمن قائل: إنها تقاليد الغرب «الملعونة» التي أخذت تتسرب إلى مجتمعاتنا عبر المسلسلات ~~وشاشات التليفزيون والسينما! ومن قائل: إنها الدخول في العصر الصناعي وضريبته المفروضة ~~علينا، شئنا أم أبينا، ضريبة التقدم! ومن قائل: إنها حالات - والحمد لله - فردية نتيجة ظروف ~~كل أسرة على حدة وكل تربية على حدة. # وكنت على ms52 مهل، كأنما يجتر الجمل ما اختزنه داخل معدته من مواد، أحاول أن أهضم هذه الأفكار ~~كلها محاولا أن أعثر لها على جواب، أو أدرك إذا كان أحد الأجوبة السابقة هو الجواب ~~الشافي. # ولكني لم أستطع. # فلم يستطع أي من الأجوبة السابقة أن يشفي غليلي؛ ذلك أنه إذا كان الأمر أمر تربية فردية ~~في ذلك البيت أو ذاك، فكثرة توالي الأحداث والبشاعة التي كانت تتم بها واللارحمة واللاهوادة ~~وما يقرب من حالة فقدان الانتماء إلى الجنس البشري كل هذا يربطه خيط «عام»، خيط لا تستطيع ~~إدراكه للوهلة الأولى، ولا تستطيع إدراكه حتى بعد إعمال طويل للفكر والتأمل كما ذكرت، شيء ~~خطير عميق دقيق لم نستطع أن نصل إليه كمفكرين أو أنثربولوجيين أو علماء نفس. # إلى أن بدأت أعرف هذه القصص والحوادث على حقيقتها، وأستفهم وأغرق في الاستفهام، لأدرك ~~أخيرا، وأخيرا جدا، بدأت خيوط فجر المشكلة تتبدى، فقد اكتشفت أن هناك في تلك العائلات ~~عاملا مشتركا واحدا لا يتغير فيها جميعا؛ ذلك هو الأب، أو بالأصح غياب الأب، أو على وجه ~~أكثر دقة دور الأب في ارتكاب تلك الجرائم. # اكتشفت هذا رغم أن كل تلك الحوادث لم يكن الأب فيها هو قاتل الابن أو الأم أو البنت، بل ~~كان طوال الوقت هو المقتول أو المذبوح أو المدحرج رأسه أسفل السرير، بينما الزوجة والعشيق ~~نائمان ملء الجفون فوقه! # وهنا بدأت أتأمل المشكلة من زاوية جديدة تماما، بل أحسست أني قد وضعت يدي على قلب ~~المشكلة، الأب المصري أو العربي بشكل عام. # فقد لاحظت أن كل هذه الجرائم كان الابن فيها أو كانت الزوجة بعيدة عن زوجها، فهو إما يعمل ~~في إحدى البلاد العربية، غائب له سنين، يلهث ليوفر للعائلة أكلها وملبسها ومنزلها، وهو إما ~~في مصر مثلا، ولكنه يعمل في الصحراء أو الوادي الجديد، أو على العموم بعيدا عن مقر ~~الأسرة، فهذا الشاب الذي أطلق عشرين طلقة على والديه كانت أمه مذيعة تعمل في قطر، وكان أبوه ~~هناك، ونشأ الصبي وأصبح شابا، وهما ms53 بعيدان عنه تماما، ولم يعودا إليه إلا بعد أن كبر ~~ودخل كلية الطب. # وانتهت تماما تلك الفترة التي يحتاج فيها الابن إلى أمه وأبيه؛ فترة التكوين النفسي ~~الأولى، فترة مثلها مثل لبن الأم لا سبيل إلى تعويضها حتى بحنان العالم كله أو نقوده تتدفق ~~من جيب الشاب بعدما جاوز مرحلة الحضانة النفسية التي تشكل تكوينه الداخلي ونوازعه. # وهذه المرأة التي كان زوجها يعمل في السعودية، وقد ترك لها ستة أطفال معلقين في رقبتها ~~واستغاثت به أكثر من مرة لتلحقه هناك، ويعيشوا جميعا معا، ولكنه رد عليها بقول: إن تكاليف ~~المعيشة مرتفعة جدا، وإنهم إذا جاءوا وعاشوا معه فلن يوفر مليما واحدا، وكانت النتيجة ~~أنه صحيح بنى لها منزلا ست شقق وكتبه باسمها، ولكنها هي بنفسها كانت قد ضاعت وتعرفت بسائق ~~تاكسي الذي استولى عليها وعلى ابنتها وعلى أولادها أيضا، وبالذات على ابنتها الشابة التي ~~عاونتها في قتل أخيها مع العشيق السائق ودفنوه وذهبوا جميعا إلى السينما بعد هذا! # وحين عاد الزوج قابلوه بجرعة «الأتيفان» مذابة في الشاي وخدروه وذبحوه هو الآخر. # هكذا سوف تجد خلف كل مأساة من تلك المآسي «غياب» الأب هو السبب القوي المباشر. # وهو ليس أبا واحدا، هناك أكثر من مليوني أب مصري يعملون في الخارج وفي الدول العربية ~~تاركين عائلاتهم في مصر، ولا يتركونها لفترة عام أو حتى بضعة أعوام، ولكن بالسنين الطويلة ~~يفعلون! # قال لي أب من هؤلاء: لقد تركت ابنتي وهي تلميذة في المرحلة الابتدائية وحين عدت كانت قد ~~أصبحت طالبة في الجامعة، وكنا نجلس معا أنا وهي فلا نكاد نجد موضوعا نتحدث فيه. # تقطعت الخيوط تماما، وبالذات تلك الخيوط التي تربط الابنة بالأب أو الابن بالأب، لم يعد ~~يربط يننا إلا تلك الهدايا التي يتوقعونها بشغف غير زائد مبدين دائما نقدا للألوان ~~وللأنواع التي اختارها. # تصوروا! # مليونا أب؛ أي مليونا أسرة، إذا كان متوسط تعداد كل أسرة خمسة، يكون المجموع عشرة ملايين ~~معظمهم من الأطفال والصبية والمراهقات والزوجات المحرومات من أزواجهن لفترات طويلة ms54 قد تتعدى ~~العام! # كان محتما في ظل وضع كهذا أن «تنفك» الأسرة تماما، فصحيح أن الأب لا يلعب الدور الأكبر ~~في تربية الأطفال بالذات، وإنما الأم هي التي تقوم بهذا الدور، ولكن للأب دورا آخر أعمق ~~أهمية بكثير؛ إذ هو ليس مجرد ساق ثانية تمشي عليها الأسرة مع الساق الأولى: الأم، إنه ~~العمود الفقري الذي يصلب حيل العائلة ويجعل منها كلا متماسكا، هو الرمز للكيان الواحد؛ ~~ولذلك فالأطفال يسمون باسمه ويفخرون بالانتساب إليه؛ من هذا؟ هذا ابن فلان. بل إنه في ~~مجتمعاتنا العربية إذا نسب الابن أو الابنة إلى الأم اعتبر هذا من قبيل السباب، وأيضا لهذا ~~كله يعتبر الأب أكثر درجة في الأهمية. # إن الأب هو «البطل» في نظر أبنائه وبناته وزوجته، اختر أي طفل فقيرا كان أو غنيا، ~~راضيا عن أبيه أو ساخطا واسأله: من يختار من بين كل الناس «بطلا» يتبعه ويطيعه، وستجده ~~يختار بالفطرة بطله: أباه، وفي ظل قيادته تحل كل المشكلات، وتنسجم كل المتناقضات ويخرس ~~بحسمه كل الأصوات. # الأم تطعم، «ماما» تحن وتعطف، لكن الأب هو الذي يصنع المثل الأعلى ويقلده الابن دون أن ~~يعرف أو يدري، ويرى فيه رمزا لرجولته المقبلة، وترى فيه البنت نموذجا لما تحب أن يكون ~~عليه عريسها ومن تحبه، أما الزوجة فحاجتها للأب لا تقل عن حاجة أولادها، بل حاجتها إلى الأب ~~ملحة، حتى لو كان مريضا أو عجوزا أو بلا عمل؛ ومن هنا جاء المثل: «ضل راجل ولا ضل حيطة»، أو ~~ذلك الذي تقوله الزوجة إذا مات زوجها: «يا سبعي!» # فعلا، الأب هو السبع، وهو الأسد، وهو القادر، وهو العمود. # وإذا كانت الظروف الاقتصادية قد أجبرت كثيرا من الآباء - ملايين الآباء - على ترك ~~عائلاتهم والسفر بلاد الله لخلق الله بحثا عن لقمة العيش، فإن ظروف بقية العالم العربي ~~الغني فعلت بالأب ربما أكثر بكثير مما فعله الفقر ببعض الآباء؛ فالمال إغراء قوي على مزيد ~~من الربح والغنى ، وقد انشغل الأب العربي الغني بتنمية ثروته وبالأسفار من أجل أعماله ~~المترامية، ms55 شغله المال عن الأسرة، بل استعاض بالمال عن الأسرة، وأصبحت أسرته الحقيقية هي ~~ودائعه في البنوك التي يطمئن على سعر فائدتها كل صباح، وقبل أن يتلفظ بكلمة مع أفراد أسرته ~~الحقيقيين انشغل بأسعار الأسهم والمستندات عن أقرب الناس إليه، وهو صحيح لم يغب في بلاد ~~أخرى ليعمل، لكنه حاضر في بلده بين أهله وأسرته، ولكنه ذلك الحاضر الغائب، وما أبشع الأب ~~حين يكون حاضرا غائبا! فعلى الأقل في حالة الغيبة حجته معه كما يقولون، أما وهو حاضر وفي ~~الوقت نفسه غائب فإن الوضع النفسي لأولاده وزوجته يكون أقسى وأمر. ~~••• # وليس هذا الوضع مقصورا على مصر أو على بلادنا العربية، إنه وضع العالم الرأسمالي، حتى ~~الاشتراكي كله، فكثير من الأسر الأمريكية تعاني من هروب الأب عقب الطفل الأول أو الثاني، ~~وحالات الطلاق والانفصال الجسدي أو الفعلي ما أكثرها! لقد كنت في لوس أنجيلوس وأتيح لي ~~الاختلاط بكثير من الأسر الأمريكية، والمضحك أني لم أجد بينها رجلا تزوج لمرة واحدة أو ~~زوجة تزوجت رجلا واحدا، هناك حركة تبادل مواقع قائمة على قدم وساق بين الأزواج والزوجات، ~~والمطلقات والأرامل. # حركة يدفع ثمنها، أول من يدفع: الأولاد، فتقريبا ينشأ الأولاد بلا أسرة. # فالزوجة مشغولة بالاستمتاع بزوجيتها، والأب مشغول بعمله، والأولاد متروكون للحاضنة أو ~~المربية وللمدارس ولجالسات الأطفال في أحيان، وهي كلها أشياء لا تعوض مثقال ذرة ربع معشار ~~الأبوة والأمومة الحقيقية، ومن أجل هذا يهرب الأطفال مبكرا من أسرهم في الثانية عشرة أو ~~الرابعة عشرة وربما أقل بكثير. # يهربون لأنهم يريدون «أسرة» وإذا كانت أسرهم الحقيقية قد نبذتهم فإنهم يلجئون إلى تكوين ~~«أسرة» أو «عصابات» من الأولاد والبنات يكونون آباء وأمهات لبعضهم البعض. # ومن أجل هذا السبب وحده تكثر التقاليع ويتبوأ شاب معتوه مثل «مانسون» الذي قتل شارون تيت ~~وآخرين، يتبوأ مكانة الأب ويسيطر سيطرة سيئة على الشبان والفتيات كأنه أصبح المعبود الأول، ~~ولنفس هذا السبب أيضا وبطريقة أخرى يهرب أولادنا في عالمنا العربي والإسلامي (الغني ~~والفقير على حد سواء) ويذهبون وينضمون إلى الجماعات ms56 الدينية، حتى يصبح «الأمير» هو الأب أو ~~رمز الأب أو صورة الأب، وكلمته هي العليا، ومن ناحية أخرى يهربون إلى شلل المخدرات ~~والجلسات والطرق المشبوهة التي تصبح بمثابة عائلاتهم، أو بالأصح تعويضا عن عائلاتهم ~~الحقيقية. ~~••• # وليس الأب الفعلي هو المشكلة في عالمنا العربي، ولكن رئيس الدولة والدولة هما بمثابة ~~الأب، والرئيس في العمل يقوم مقام الأب، حتى الأم أحيانا تقوم بدور الأب، ولكن هذا كله لا ~~يغني أبدا عن الأب الحقيقي، إنما هي تعويضات وإسقاطات ومحاولات دائبة من شبابنا وشاباتنا ~~للبحث عن هذا الشبح المفقود: الأب. # وإذا كان معظمنا ساخطين على الحكومات ورؤساء الحكومات وشيوخ القبائل «والعمد»، والكبار ~~بشكل عام، فليس السبب كامنا في هؤلاء بحد ذاتهم، إنما السبب أننا نبحث فيهم عن آبائنا ~~المفقودين، بحنانهم ورحمتهم، برأيهم السديد وحكمتهم، بهذا الشعور النبيل الجميل الذي يدفعك ~~حين تحس بالمعزة والمحبة والمودة والإكبار لإنسان ما أن تقول له: «ياه! دانت زي أبويا!» # بالحب، بالحنان، بالحسم ساعة الحسم، بهدهدة الحنان حين نحتاج إلى الحنان، وتكشيرة العبوس ~~المحب حين نحتاج إلى حب عبوس نبحث فيهم عن آبائنا المفقودين هؤلاء، فلا نجدهم فنزداد سخطا ~~عليهم، بينما سخطنا الأكبر ينصب على آبائنا الحقيقيين الذين تركونا بذورا بلا سيقان، وسيقانا بلا ~~أوراق، وأوراقا وسيقانا وبذورا بلا ثمر، فكيف يعود لنا أبونا الغائب؟! # كيف؟! # ذلك هو السؤال. # | ملعبة التليفزيون # أعجبتني الحكاية التي قصها علينا الأديب عبد الله الطوخي وهو يروي لنا كيف كان جالسا ~~مع عائلته وفي منزله، ثم فجأة سمع ضجة شديدة وصراخا وعويلا في الشقة المجاورة فأسرع ودق ~~على باب جاره لتفتح له ابنته الباب، ويجد الرجل صاحب الشقة، وهو ضخم الجثة فارع الطول ينهال ~~بقطعة حديد على جهاز التليفزيون في بيته يحطمه ويفتته قطعا قطعا أمام زوجته وأبنائه ~~وبناته دون مراعاة لاستعطافاتهم ورجواتهم وهم يقولون: «والنبي يا بابا، بلاش تكسره بلاش!» فيرد عليهم بصوت عال كالرعد قائلا: «أنا مش بابا! هذا هو بابا!» (قاصدا جهاز التليفزيون) منهالا عليه بشدة أكثر تحطيما ~~وتكسيرا، حتى فتته ms57 تماما. # أعجبتني القصة؛ لا لأن إنسانا وجد في نفسه الشجاعة على أن ينهال على جهاز تليفزيون، مصري ~~أو عربي، تحطيما وتكسيرا رغم فداحة ثمنه، ولا لأن غيرة ما قد شبت بين أب حقيقي تزوج وخلف ~~وأنجب أولادا وبنات لا ليعيشوا في التبات والنبات ويستمتع بهم وبصحبتهم، وإنما ليتسلمهم أب ~~آخر خلقته التكنولوجيا، ليتولى قيادتهم وتربيتهم ويمتص كل أوقاتهم التي كان مفروضا أن ~~يقضوها مع آبائهم وأمهاتهم. # أعجبتني القصة لسبب قد لا يخطر على البال؛ لأنها في حقيقة أمرها قصة مواجهة صريحة وواضحة ~~وعنيفة بين العصر الذي نحيا فيه والعصر الذي تربى عليه آباء هذه الأيام وأمهات هذا ~~العصر. # منذ فجر البشرية كان الأب هو أول مدرسة يدخلها طفله ليتعلم منه القيم والسلوك والأخلاق، ~~وربما الحرفة والثقافة والمعرفة والإدراك. # وكان لكل قبيلة من القبائل تراثها الشفوي المرئي الذي تحكيه الجدة لأبنائها وأحفادها، ~~ليحكوه بدورهم لأولادهم وأحفادهم. # ثم بظهور المسرح ثم الكتاب ثم الجريدة، بدأت آباء أخرى تشارك الأب الحقيقي في صياغة شخصية ~~وسلوك ومدارك ابنه، وحين جاءت السينما بعد هذا عمقت تلك المشاركة إلى حد كبير، ولكنها كانت ~~مشاركة أقرب إلى التعليم التخيلي منها إلى الأب أو المدرس أو المربي الحقيقي؛ ولهذا سميناها ~~نحن العرب «الخيالة»، أما الكارثة الكبرى الحقيقية، أما الانقلاب العظيم الداهم، فقد جاء مع ~~عصر التليفزيون؛ ذلك أنه لم يأت ليكون بعيدا عن متناول الأسرة أو محيطها، وإنما جاء ليحتل ~~صميم المركز في قلب الأسرة، وهو مركز ثابت غير متحرك، وغير صامت، مركز دائم التحدث والجذب، ~~دائم الوجود، عميق التأثير إلى أبعد حد، حتى إن أطفالنا أصبحوا يحفظون كلمات الإعلانات ~~وأغانيها أكثر بكثير مما يحفظون آيات من القرآن الكريم، أو ملخص قصة من قصص الأطفال ~~المتداولة. # جاء ساحقا ماحقا فاصلا تماما بين عصرين؛ عصر ما قبل التليفزيون وعصر ما بعد ~~التليفزيون، عصر أطفال ما قبل التليفزيون، وعصر الجيل الذي رباه التليفزيون. # وجاء دكتاتوريا طاغيا أيضا، انكمش بجواره الأب الحقيقي في ركن لا يملك حتى أن يتكلم ~~أو يقاطع ms58 ما يدور فيه، فما أسرع ما ترتفع ألسنة أطفاله وأزواجه طالبة منه أن يسكت؛ لأن ~~التليفزيون يتكلم! أو حتى يقطع عليهم ما يتابعونه ولو بخبر خطير يهم الأسرة جميعا وقد يغير ~~مصير العائلة كلها. # جاء ليكون المتحدث الأول والكل له مصغون، والنموذج الأول للتصرف وللكلام وللفعل، والكل له ~~مقلدون، وحتى النموذج الأول للتسريحات والتجملات، وطريقة النطق، والكل لا يفعلون سوى ~~تقليده. # وتليفزيون من، ذلك الذي جاء؟ # ليس تليفزيونا عربيا، لا صناعة، ولا اسما، ولا حتى محتوى؛ إذ جاء أحدث ما تفتق عنه ~~العقل الغربي من علم الإلكترونيات و«الترانزيستورات» «علم تحويل الصوت والصورة إلى كهرباء ~~وبالعكس»، وجاء مزودا بمساعد لا يقل عنه خطورة وبأسا؛ هو «الفيديو كاسيت»، يجمع كل ما ~~افتقدته العائلة من إرسال التليفزيون العادي، ويضيف إليه أفلاما وقصصا وألعابا، وكل ما قد ~~يخطر ولا يخطر على البال. # وهنا وجدنا أنفسنا نحن آباء هذا العصر وأمهاته نواجه عملاقا ولا جن ألف ليلة بكل ما لديه ~~من «شبيك لبيك، أنا بين إيديك، والعالم كله بين يديك، والحب بكله وبكافة أشكاله رهن إشارتك!» ~~والتقاليع تقاليعه، لا ينتهي أبدا لها حال. # مفاجأة كبرى، لم يكن يتوقعها العالم الأول نفسه، فما بالك ونحن حين جاء كنا لا نزال نحيا ~~ربما في العالم الرابع أو الخامس؟! # وأنا أذكر أول مرة رأيت فيها التليفزيون وجها لوجه، وكان في معرض في القاهرة في عام 58، ~~وما زلت أذكر تلك الدهشة المروعة التي أصابتني، حين رأيت صورتي «وقد كانت هناك كاميرا ~~تليفزيونية مسلطة على المشاهدين لجهاز الاستقبال»، رأيت صورتي بالأبيض والأسود مرتسمة على ~~تلك الشاشة الصغيرة الساحرة، يومها أخذت الأمر أخذ مثقف متحضر، وقلت إن التقدم البشري ليس ~~له أبدا من حدود، وإني إنما أشاهد معجزة كبرى لهذا التقدم؛ أي إنني روعت للتقدم التكنولوجي ~~الإلكتروني الذي أنتج هذا الجهاز. # وفي ذلك الوقت لم أفكر أبدا فيما يمكن أن يحتويه هذا الجهاز بعد هذا وينقله من ~~مواد . # وما هي إلا بضعة شهور حتى أصبح هناك إرسال تليفزيوني، لا في مصر ms59 فقط، ولكن في معظم البلاد ~~العربية، وحتى تدفق على المشاهد العربي طوفان من إنتاج أوروبي أو إنتاج عربي يحاول أن يقلد ~~ويمشي على خطى الإنتاج الأوروبي بطريقة لا بد للإنسان معها - بطول المشاهدة ومداومتها نظرا ~~لروعتها وخبرتها - أن يحدث له غسيل مخ إجباري؛ بحيث تمحى من عقله مفهومات كثيرة ورثها أو ~~تعلمها، وتحل أشياء جديدة تحمل المكونات النفسية والاجتماعية والسياسية لمجتمعات مختلفة عن ~~مجتمعنا تمام الاختلاف. # حتى كاد الأمر في النهاية ينتهي إلى أن ينمحي تماما من ذاكرتنا كل ما توارثناه من ~~مفهومات وتعاليم وأحاديث أمهات وجدات ونصائح آباء وكبار، ونولي وجوهنا وعقولنا مفتوحة على ~~مصراعيها لتلتهم بلهفة ذلك الطوفان القادم. # وفجأة أيضا، دون أن ندري، نلمح على أبنائنا وبناتنا الأكثر استعدادا للتقبل، والأقل ~~استيعابا للتراث، تصرفات لا تبدو غريبة كثيرا عن التصرفات التي نراها معروضة في ~~تليفزيوناتنا، ولكنها تبدو غريبة، تماما إذا ما قورنت بما درجنا عليه نحن من أخلاق وقيم ~~وتصرفات. # وكان مفروضا حينذاك أن تنشأ معركة بيننا - نحن الآباء - وبين ذلك الوافد المكتسح، وأعتقد ~~أن معارك فردية وعائلية كثيرة قد نشبت متفرقة هنا وهناك، ولكنها كانت دائما معارك خاسرة، ~~كنا نحن الذين نخسرها؛ ذلك أن التليفزيون كان قد ربح المعركة، تماما، وأخذ أولادنا ~~وأجيالنا الجديدة إلى صفه وأصبحنا نحن مجرد قلة «متخلفة» عن الركب، «متحجرة» أمام التحضر ~~والتأمرك والتأورب، تعيش في عصر غير العصر، وتحاول جر أجيال جرارة بأكملها إلى هذا العصر ~~الغابر. # وكان لا بد بالطبع يبلغ اليأس ببعض الآباء - مثل أخينا الذي اندار على الجهاز يدكه دكا ~~- أن يحاول حل المشكلة بتحطيم الآلة، وهو ليس فقط اليأس وأغبى أنواع الحلول، ولكنه يدل ~~تماما على أن هذا النوع من الآباء قد تخلف عن العصر فعلا، وواجب عليه أن يحطم السيارة هي ~~الأخرى والطائرة، وأن يعود القهقرى يركب الناقة وينتقل بالحمار. ~~••• # فما هو الحل يا ترى إذا لم يكن تحطيم كل تلك الأجهزة المتقدمة من تليفزيون وسيارة ~~وكمبيوتر، وفيديو ... إلخ؟! # الحل بسيط للغاية، يا سادتنا الآباء والمربين ms60 والحريصين على التراث والتقاليد. # فالتليفزيون في ذاته كجهاز قمة من قمم الهندسة البشرية، وآلة إعجاز تكنولوجي ولا عيب فيه ~~بالمرة. # المشكلة هي فقط «محتوى» هذا الجهاز وما يبثه. # وبلادنا العربية قد اشترت من أوروبا واليابان وأمريكا ملايين من أجهزة التليفزيون ~~والفيديو، ولكن كان عليها إرسال بعثات «بشرية» لدراسة المواد التي يمكن لهذا الجهاز أن ~~يبثها، وأثر هذه المواد على عقول كل الأجيال من الأطفال إلى الشيوخ، وأثره بالذات على ~~مجتمعات لم تمر حتى بفترة الراديو أو المسرح أو السينما، وإنما فجأة من حديث الجدات ~~وحواديتهم انتقلت إلى عصر البث التليفزيوني وحلقات دالاس ومونت كارلو شو. # كان علينا أن ننتقي ونحضر «كادرا» من فتيان موهوبين، يدرسون ما فعله صناع البرامج ~~الممتازة في التليفزيونات الأخرى، وبالذات التليفزيون البريطاني والتليفزيونات الأوروبية، ثم ~~يتعلمون كيف يقدمون المقابل العربي الصالح والشاحذ والمنبه للعقل العربي، بكافة مكوناته ~~وأجياله، و«يكتبون» النصوص، لا أقول ذات القيم الأخلاقية الرفيعة كما يقول عتاة المتفيقهين، ~~ولكن تلك التي تستلهم قيمنا وتراثنا وحاضرنا وتصنع منها «فنا» تليفزيونيا حين نشاهده ~~يدفعنا إلى كل ما هو أرفع وأمتع وأنفع. # إني في كل مرة أذهب إلى بريطانيا، ودائما أوقت ميعاد وصولي يوم السبت؛ لأستريح في عطلة ~~الأسبوع ثم أبدأ في قضاء مصالحي يوم الإثنين بداية الأسبوع، كنت ما أكاد أجلس في حجرتي في ~~الفندق وأفتح الجهاز حتى أكاد أتسمر بجانبه لا أريد أن أتحرك؛ ذلك في كل برنامج «أتعلم منه» ~~شيئا ممتعا جديدا، و«أعرف» منه تسلية عظمى، ما لم أكن أبدا أعرفه، و«أرى» أشياء كنت ~~أسمع عنها وطالما حلمت برؤيتها رأي العين، حتى إنني كنت لا أغلق التليفزيون حين يتحول ~~الإرسال إلى ما يسمونه جامعة الهواء، حيث تدرس مواد الرياضة البحتة والطبيعة والكيمياء ~~والذرة والفلك، بكل ما تحمل من صعوبة وتعقيدات بطريقة تليفزيونية مرسومة ومسهلة بحيث يمكن ~~لأي كائن - فما بالك بمن لديه الحد الأدنى من المعرفة - أن يتابعها ويستوعبها ويستمتع بما ~~أضيف إليه من معارف ممتعة لا تحققها له أي «ديناستي» أو «دالاس» أو ms61 رجل أو امرأة «لستة ~~بلايين دولار»، أقسم أني رغم شغفي الشديد بالخروج كنت لا أغادر الغرفة خلال كل عطلة نهاية ~~الأسبوع لأني لم أكن بصراحة أستطيع قطع متعة المشاهدة الممتعة المفيدة. ~~••• # نحن إذن قد استوردنا آلات وبرامج مصكوكة، ولم نفعل الشيء الذي يجب أن نكون قد قمنا بفعله ~~قبل استيراد تلك المعدات والأدوات والبرامج، ألا وهو أن نكتشف مادتنا التليفزيونية نحن، ~~نفننها، ونقدمها ونطورها، ونتعلم كيف نفننها أكثر ونطورها أكثر وأكثر. # وأحسب أننا قد «استوينا» من برامجنا المستوردة، وآن الأوان لننتج نحن برامجنا، وهي ليست ~~برامج استعراضية أو ترفيهية أو مكلفة، إنها أبسط من هذا بكثير، إنها برامج حية وبسيطة ~~ويشترك فيها المواطنون جميعا يناقشون مشاكلهم، «تقريبا ربع برامج التليفزيون البريطاني ~~مخصصة لمشاكل المدارس والتلامذة وأولياء الأمور والمدرسين وأوجه التقصير، من كل حي أو بلد ~~على حدة، بل أحيانا من كل مدرسة»، مناقشة أي قضية عامة يختلف أو يتفق فيها المجتمع مع وجهة ~~النظر الرسمية أو غير الرسمية، باختصار حولوا التليفزيون هناك إلى مجلس شعبي، ولمصلحة الشعب، ~~ومهرجان شعبي، وأداة شعبية لمناقشة الشعب، بأفراد من الشعب ولمصلحة الشعب، وبهذا وصلوا إلى ما ~~يمكن تسميته بكل أمانة الديمقراطية التليفزيونية، حتى أصبحت الديمقراطية البرلمانية بجوارها ~~وكأنها مجالس سفسطائية، فالقوة الحقيقية والقرارات الحقيقية، وحتى الانتخابات الحقيقية وحلول ~~المشاكل الحقيقية تأتي من التليفزيون ومن الشعب الذي أحال التليفزيون من لعبة إلى جهاز جاد ~~يجمعه في بوتقة واحدة، ويضع السائل والمسئول والحاكم والمحكوم في حيز واحد وأمام أعين جمهور ~~واع فاحص علمه التليفزيون كيف يعي وكيف يفرق بين الزيف والحقيقة، ومباشرة ومن التو واللحظة ~~يحكم، ويكون حكمه في معظم الأحوال عادلا وصادقا ونابعا من قلب الحقيقة والشعب. # فمتى نحيل - نحن العرب - تلك الألعاب التليفزيونية إلى وسائل حضارية جادة تسوس حياتنا ~~وتقومها وتدفعها إلى الأرفع والأحسن؟! أم سنظل كالأطفال في أوروبا، نستعمل التليفزيون ~~والفيديو وسائل ألعاب وتضييع وقت ومراهقات فكرية وعاطفية وجسدية، وحلقات درامية ما أنزل الله ~~بها من سلطان؟! بل الحقيقة أنه أنزل بها كثيرا ms62 من اللعنات التي للأسف تصيب أبناءنا البرآء ~~وقلوبهم الخضراء الغضة، وعقولهم التي ستنتهي في الغالب إلى أن تصبح لا شرقية ولا غربية ولا ~~أي شيئية. # وحتى لا تكون النهاية أن يقوم كل رب أسرة بأن ينهال تحطيما على جهاز عظيم نحيا في عصره ~~هو جهاز التليفزيون. # فمتى يحدث هذا؟! # بالله عليكم، وأرجوكم؛ متى؟! # | وهوى النجم # أبلغ «مقالة» رثاء قرأتها عن حسن فؤاد كانت رسما كاريكاتوريا لرسام شاب من تلامذة حسن ~~فؤاد في زميلتنا «صباح الخير»، كانت صورة لحسن فؤاد واقفا عاليا، وكأنما ينظر من الملأ ~~الأعلى وعلى فمه ابتسامته الغريبة تلك الساخرة الراقية المشاركة المتفائلة التي تحمل أقل ~~القليل من المرارة، كان حسن فؤاد ينظر من عليائه ويقول لزملائه وأصدقائه وتلامذته وأبنائه ~~الذين أقاموا له أروع جنازة على صفحات العدد الخاص من «صباح الخير»، ويقول ردا على البكاء ~~والنحيب: «جرى إيه يا جماعة؟! مانا لسه معاكم آهه!» الحق أني حين قرأت في الإسكندرية خبر ~~وفاته أصبت بما يشبه «التولة»، وفقط حين قرأت العدد ووصلت إلى هذا الرسم، بكيت؛ فحسن فؤاد ~~صديق العمر، عرفته وأنا طالب طب وقد كان خريجا حديثا من الفنون، وذات يوم جاءني صديقاي ~~محمد يسري أحمد وصلاح حافظ وقالا لي: «سنقابل اليوم فنانا عبقريا.» وإلى غرفة على «سطوح» ~~بيت في المنيرة ذهبنا، وهناك وجدت شابا تحس للوهلة الأولى أنه أكبر من سنه وأكبر منا ~~جميعا، لاهث الأنفاس، فقد كان يعاني من نوبات ربو حادة تنتابه، شامخ الأنف دائما، وكأنما ~~ليلتقط أعلى طبقات هواء الحجرة، وكان يتحدث، وتحدث، وخرج كلامه غريبا على سمعي، أنا الذي ~~كنت لا أزال أتهجى أحرف الفن الأولى والأدب، كلام غريب، رؤية جديدة تماما لفن جديد وعالم ~~جديد! ببساطة شديدة يتحدث، وببساطة أشد يقلب كل مفهوماتنا الرومانسية عن الفن والناس رأسا ~~على عقب! وخرجنا من عنده بعد الفجر، ومنذ ليلتها بدأت علاقة من أخصب وأغنى وأروع ما مر ~~بحياتي من علاقاتي؛ ذلك أن حسن فؤاد لم يكن فنانا من ذلك النوع الذي ينكب على ms63 أعمال فنية ~~محضة يزاولها، كأن يرسم أو ينحت أو يكتب، إنه كان أولا وأساسا صانع فنانين، كان المصانع ~~التي تنتج المصانع؛ ولهذا فإن من «خلقهم» حسن من الفنانين، ومن «طورهم»، ومن فتح أمامهم ~~أبواب مفهومات جديدة للفن وللحياة، هؤلاء يشكلون العصب الرئيس للحركة الفنية والأدبية ~~المصرية الحالية، والتي قامت منذ الخمسينيات، ولا تزال تقوم بدورها الرائد إلى الآن. # طوال الأيام التي مضت منذ اختفائه المفاجئ وصورة حسن فؤاد بشكله المتميز وبذكائه الخلاق ~~لا تفارقني، في صحوي أو منامي، وكأن غيابه قد جعله أكثر حضورا، وأنصع ضوءا، وأقلب في ~~الصحافة المصرية، فأجد نوره يشع في كل مجالاتها وعلى لسان أقلام من اتجاهاتها كافة؛ ذلك أن ~~«حسن» على كثرة من عرف، لم يعاد أبدا حتى أشد معارضيه في الرأي أو الاتجاه، كان أكبر من أن ~~يكره، فقد كان يؤمن أن المخالفين في الرأي ليسوا شياطين أو حقراء، ولكنهم بشر ومفهومات، ممكن ~~بتغيير مفهوماتهم أن يتغيروا، بل حتى أن يتخلوا عن عيوبهم أو يكفروا عن جرائمهم، لم يكن ~~يكره أبدا، حتى أعداءه، غاب عنا حسن إذن، غاب الجسد الإنساني السمح الفنان الخلاق، ولكنه ~~فعلا، وكما قال الرسم، لا يزال موجودا فينا كلنا، حتى في جيلنا كله والأجيال التي تلته، ~~ربما - دون أن يعرفوا - هو موجود فيهم، وسحره باق لأن الفنانين الذين خلقهم ووجههم باقون ~~يتوارثون رؤاه يبكونه، ولكن الأعظم والأجل أن يستوحوا فنه وشخصه وخصاله وأفكاره، خاصة وقد ~~تحول من بشر على الأرض إلى نجم في السماء هوى إلى أعلى، وأصبح ضوءه أشد وأخلد وأقوى! # وداعا حسن! # وإلى أن نلقاك! # | جولة في عقول القراء # جولة خطيرة وأنا ما زلت لم أنته بعد من قراءة كل الخطابات رغم انتهائي من مئات كثيرة منها، ~~جولة خطيرة داخل العقل المصري، وفي أحيان كثيرة العربي، وجدتني غارقا فيها، جاءت الخطابات ~~ردا على محاورتي التي بدأتها مع الأستاذ خالد محمد خالد حول مفهومه الأخير عن الحكم ~~الإسلامي وتطبيق الشريعة، والتي أجابني عنها، وتدخل الدكتور فرج فودة مشكورا، ثم ms64 أخيرا ~~الأستاذ الكبير الدكتور فؤاد زكريا، وها هو الأهرام يعقد أكثر من ندوة تضم نخبة ممتازة من ~~علماء المسلمين ومفكريهم وأخيارهم. # جولة خطيرة؛ لأنني لأول مرة أتلقى هذا العدد الرهيب من الخطابات حول موضوع واحد وتجيئني ~~خطابات من مختلف قطاعات الشعب؛ بدءا من كبار رجال القضاء والسياسيين والقادة، إلى تلامذة ~~المدارس الثانوية، وحتى الإعدادية، إلى العمال والحرفيين وبعض الفلاحين والمزارعين، وكم كان ~~بودي - ولا يزال هذا قصدي - أن أهدي تلك الرسائل إلى قادة الأحزاب السياسية، وبالذات إلى ~~مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام والجامعات؛ لأنها بمثابة كشف بالأشعة على ~~الوجدان والعقل المصريين وأخذ فكرة مهمة عن محتوياته ومكوناته؛ تلك التي لا يتاح لنا رؤيتها ~~في معظم الأحيان، ولندع الموضوع جانبا فسنأتي له حالا، ونتعرف أولا على شكل تلك ~~الخطابات، فقد لاحظت ارتقاء غريبا في أسلوب الحوار، سواء معي أو ضدي، ومنطقا هادئا في ~~أحيان، مشتعل الجذوة في أحيان أخرى، ولكن دائما هناك «منطق» ما وأساس حوار، وهذا شيء مفرح ~~حقا، فقد كانت المعارضة للرأي تتخذ شكل السباب والاتهامات في معظم الأحيان، أما هذه المرة ~~فشيء غريب ألا أجد خطاب سباب واحدا، ليس هذا فقط، بل إن الجميع، حتى من يعارضون، يفترضون ~~حسن النية في الكاتب وصدقه في الإيمان بما يقول، وأقصى تأنيب يرد هو دعوة الله، سبحانه، ~~«لهدايته». # نحن فعلا - مهما نقدنا أنفسنا - شعب متحضر حقا؛ ولهذا فإني أعتقد أن كل الدعاوى ~~الداعية إلى التطرف دعاوى تزرع أو تستزرع في أرض مصر، ولكنها دائما وأبدا تبقى بلا جذور؛ ~~فإن طبيعة شعبنا تكره من أعماق قلبها التعصب الأعمى المقيت، فما بالك بالعنف المتعصب أو ~~التعصب العنيف؟! إنها موجات، تثور ربما لأسباب لا علاقة لها البتة بالقضية أو العقيدة أو ~~الدين، ولكن سرعان ما يئوب الشعب أو طائفته إلى الحكمة، وتغلب عليه طبيعته المتحضرة، ليس ~~عبثا إذن أننا أقدم أو من أقدم الشعوب الموجودة على سطح الأرض ، والقدم هنا هو العراقة ~~البشرية، وتراكم الخبرات والمعارف والثقافات، بحيث تترسب طبقات التحضر بعضها فوق بعض، ms65 وتؤدي ~~في النهاية إلى إنساننا اليوم؛ ذلك الإنسان الذي ما ذهبت إلى بلد أوروبي أو غير أوروبي ~~وسألت الشخص أو الأشخاص الذين زاروا مصر عن أحسن ما أعجبهم فيها، ولدهشتي كنت أسمع كلمة ~~الأهرام أو أبي الهول أو المتحف أو أسوان الجميلة، ولكن الإجماع على أن الشعب المصري ودماثة ~~طبعه وحلو معشره، ورغبته المستمرة في محاولة مساعدة الغير، والشهامة في معاملة الغريب، ~~الإجماع على أن الشعب المصري هو أجمل ما في مصر، وحتى حين حاولت مرة أن أختبر حماس كاتب ~~سويسري زار القاهرة ومكث فيها شهرا وقلت له: إن النظافة في القاهرة سيئة، كما لا بد أن ~~لاحظت. أجابني إجابة غريبة قائلا: إن القذارة في القاهرة موجودة في الشارع والحارة، ولكن ~~الشوارع هنا (يقصد سويسرا) نظيفة جدا كما ترى، في حين أن القذارة موجودة داخل العقول، أما ~~شعبكم فعقوله من الداخل أنظف بكثير من أية سويسرا. # وأستطيع أن أقسم تلك الخطابات تقسيما رئيسيا وأقول: إن أكثر من ستين في المائة منها ~~تصور أني ضد تطبيق الشرع الإلهي، وأخذ يسوق حججه «لإقناعي» على هذا الأساس، بالتفصيل ~~والتحديد، وأحيانا في خطابات من خمسين صفحة! # أما الذي دهشت له حقا فهو أن هناك نسبة كبيرة جدا فهمت تماما ما أعنيه فيما ذهبت ~~إليه وراحت بدورها تسوق حججها للدلالة على رأيها، وكأن كلا منهم يكتب مقالة أو يتصور أن ~~خطابه سينشر، وكم كان بودي أن أفعل مع هؤلاء وهؤلاء، ولكن العملية مستحيلة تماما، فالكم ~~هائل والاستحالة مؤكدة، أجل، أدهشني أن عددا كبيرا جدا من الناس أفرج هذا الحوار الذي ~~دار بين الأستاذ خالد محمد خالد وبيني، قد أفرج عن آرائهم التي كانوا يحبسونها إما خوفا، ~~وإما ترددا ولا مبالاة، وإما عدم إدراك لخطورة المشكلة وأبعادها، هؤلاء أسعدهم كسر هذا ~~«التابو» أو المحرم الذي كان يحول بين الإنسان وبين مناقشة - مجرد مناقشة - قضية تتعلق ليس ~~فقط بمجتمعه الحاضر وحياته ، بل به هو شخصيا وبعائلته وأولاده ومستقبل بلادنا القادم كله، ~~كيف يمكن لقضية كهذه أن توضع ms66 موضع التحريم، بحيث يعتبر أي متصد لها كافرا أو ملحدا أو ~~زنديقا، وكأن بعض الناس قد أقاموا من أنفسهم أوصياء على المصريين يفكرون لهم ويشرعون ~~ويفرضون الرأي بالقوة أو بالكثرة غير عابئين مطلقا بأن هناك مواطنين آخرين مخلصين مثلهم ~~تماما، ومؤمنين مثلهم تماما، ولهم نفس الحق في قول الرأي أو مناقشة الرأي إذا قيل، بل ~~مناقشة حق هؤلاء الناس في «فرض» الرأي، واتهام من يعارضه بالخروج من جنة الدين وسماحة ~~الإسلام. # وبالمناسبة أقول: إن هذا التطرف في فرض الوصاية والتعصب على المسلمين يقابله في الناحية ~~الأخرى تعصب من بعض المتطرفين الأقباط، وهذا وإن بدا طبيعيا، إلا أنه في النهاية لا يقل ~~سوءا عن التطرف في الناحية الإسلامية. # أما الذي لفت نظري حقا فهو أن معظم الخطابات التي شابها التشنج والعصبية جاءت من بعض ~~المصريين الذي يعملون في دولة بترولية عربية وبعض مواطني تلك الدولة، وهذا شيء في نظري لا ~~غرابة فيه بالمرة؛ فإن الطريقة التي يطبق بها الإسلام وينادى بتطبيقه في تلك الدولة طريقة ~~متشنجة متعصبة لا تأخذ من الإسلام سوى قشرته الظاهرية من لباس أو قناع وتترك روحه ورسالته ~~الإنسانية الحضارية الكبرى جانبا؛ لأن الإسلام لو طبق تطبيقا حقيقيا سليما لتقوضت ~~أنظمة كثيرة ترفع راية القشرة الإسلامية وتتجاهل جوهره العظيم. # ومن أمثلة تلك الخطابات عدد منها يسائلني باستنكار كبير: كيف أجادل في تطبيق شريعة الله؟! ~~وأنادي بتطبيق تلك القوانين الوضعية التي يضعها البشر؟! # وهذا هو لب الموضوع، فإن أحدا لا ينادي أبدا بعدم تطبيق الشريعة الإلهية الإسلامية، إنه ~~يكون مجنونا لو فعل؛ فالشرائع السماوية كلها وعلى رأسها الإسلام فوق أنها أمر الله - سبحانه ~~وتعالى - إلا أنها لم تأت إلا لتقيم العدل الاجتماعي بالمساواة التامة بين البشر؛ من هو ~~المجنون الذي يعترض على شريعة الله؟! معاذ الله! إنما المشكلة أيها الإخوان العاملون هناك أن ~~الشريعة حقا وصدقا شريعة الله، ولكن من يطبق تلك الشريعة ؟ مرة أخرى أتساءل: من سيطبق أو ~~يطبق تلك الشريعة؟! أليسوا هم البشر؟! أليس هم أناسا مثلي ms67 ومثلك حتى لو كانوا من فطاحل ~~الفقهاء؟! إذن، الشريعة شريعة الله، ولكن التطبيق يبقى دائما وأبدا من صنع البشر ومن ~~أفعالهم ومن آرائهم، وبهذا لا يكون للمطبق نفس قداسة الشريعة، فالشريعة سماوية والمطبق بشر، ~~عرضة لأخطاء البشر وأهواء البشر. # ودعونا نأخذ مثلا طازجا وأخيرا؛ الأستاذ الكبير خالد محمد خالد، وهو من هو ممن لا نشك لحظة ~~في صدق دعواه واجتهاداته، يقول: إن تطبيق الشريعة لا بد يحتوي على أن تكون الأمة مصدر ~~السلطات، وأن المسلمين يختارون ممثليهم وحاكميهم بالانتخاب الحر المباشر، وأن الحقوق ~~الديمقراطية الكاملة مشروعة وواجبة للمواطن المسلم وغير المسلم، مثل حق إبداء الرأي وحرية ~~العقيدة إلى آخر ما يعطي ما يسمى بالحقوق الديمقراطية للمواطنين كافة في العالم المتحضر ~~الآن، ويجيء شيخنا الكبير الأستاذ عمر التلمساني ليعطي تفسيرا مختلفا تماما لتطبيق ~~الشريعة، باعتبار أن فكرة الديمقراطية نفسها فكرة غير إسلامية، وارجعوا إلى مقاله في جريدة ~~«الشعب» المنشور حول هذا الموضوع لتجدوا أنه لا يتناقض فقط مع آراء الأستاذ خالد محمد خالد، ~~ولكنه يكاد يعارضها تماما جملة وتفصيلا، ثم نقرأ للأستاذ الدكتور عمر عبد الرحمن كتابا ~~يقول شيئا ثالثا مختلفا تماما مع الأستاذين الجليلين، وعماد هذا القول أن الأمة ليست ~~مصدر السلطات، ولكن الله - سبحانه وتعالى - هو مصدر السلطات، بمعنى أن القرآن الكريم هو مصدر ~~السلطات، ولكن الدكتور عمر لم يخبرنا عمن سيفسر لنا ما ورد في القرآن الكريم من أحكام، حتى ~~لو كان هو المفسر، أليس هو بشرا؟! أليس هو مواطنا مصريا؟! أليس هو واحدا من شعب كبير له ~~نفس الحق أن يختار من يحكمه وأن يلزم الحاكم بالشورى ويحاسبه؟! أم إن الحاكم سيكتسب - في رأي ~~الدكتور عمر عبد الرحمن - سلطات إلهية بحيث لا يمكن محاسبته، وهو الأمر الذي لم يزعمه أبدا ~~خلفاء النبي # صلى الله عليه وسلم # الذين قالوا وهم أحباء النبي وأصدقاؤه وخلفاؤه والأعمدة التي قام ~~عليها الإسلام نفسه: إن رأيتم فينا اعوجاجا فقوموناه. إذن، هم لم يأتوا باسم حق إلهي أن ~~يحكموا المسلمين، وإنما جاءوا نتيجة ms68 ترشيح من الأمة أو من أمير المؤمنين الأسبق، ولم يصبحوا ~~خلفاء وأمراء للمؤمنين إلا ببيعة (أو انتخاب حر مباشر) قام به كل مسلم في المدينة ~~آنذاك. ~~••• # من هذا الاختلاف ترون أيها الإخوة أن القضية ليست شريعة الله، فهذا أمر لا خلاف عليه، ~~إنما القضية هي التفسير البشري، والتطبيق البشري لتلك الشريعة السمحاء، واختلاف البشر لأنهم ~~بشر ولكونهم بشرا في اجتهاداتهم لتطبيق تلك الشريعة. # وهذا هو عين ما تساءلت عنه في مقالي الأول للأستاذ خالد محمد خالد: «شريعة من ~~نطبقها؟» # لم يكن تساؤلا حول المبدأ الإلهي الذي لا نقاش فيه، وإنما عن الاجتهادات والأهواء ~~البشرية في تطبيق تلك الشريعة، فجعفر نميري «طبق» الشريعة، وأرغم السودانيين أو بعضهم على ~~الأقل بأن يبايعوه «إماما» لمسلمي السودان مدى الحياة، وفرح كثير من الدعاة المصريين أن ~~نميري قد هداه الله وطبق شريعته، ولكن تقويض حكم نميري لم يوقفه هذا التمسح والتسربل ~~بالدين؛ ذلك أن الدين ليس تكأة للطغاة والحاكمين يتسترون وراءه ويعيثون بعد هذا في الأرض ~~فسادا، الدين العقيدة هو أسمى ما يفعله الناس بحياتهم، ولا يمكن أن يكون وسيلة طاغ أو ~~ديكتاتور. # في سياحتي تلك داخل عقول كثير من القراء أدركت واكتشفت أن ثمة غسل مخ خطيرا قد حدث ويحدث ~~للإنسان المصري والعربي، وأن هذا الغسل قد قام به بعض الدعاة الذين تربعوا على عرش وسائل ~~الإعلام، ورغم استنكارهم للحضارة الغربية ومساوئها فإن نفس وسائل تلك الحضارة، وعلى رأسها ~~التليفزيون هي التي اتخذوها وسيلة لغسل مخ المواطنين الطيبين البسطاء الذين يعبدون الله عن ~~حب، وليس عن رهبة، وعن رغبة في طاعته وليس خوفا من داعية أو تنظيم. # إن التليفزيون في عصرنا الحاضر أصبح هو صانع عقل المواطن وتفكيره، فالخطابات التي جاءتني ~~كان معظمها يردد كالببغاء ما ألقي في عقله من مفهومات من خلال التليفزيون، والغريب أن ~~تليفزيوننا مثله مثل بقية التليفزيونات العربية لا يتيح الفرصة للرأي الآخر، أو حتى ~~للمناقشة أو حتى الاستفسار، إنه يجعل الناس تجلس هكذا كالمسلوبة العقل والإرادة تستمع لما ~~يلقى ms69 عليها ويحفظ لها (بتشديد الفاء) وكأنهم أطفال في كتاب، وهكذا يتعود المواطن على أن ~~يستقبل فقط ويردد فقط ويكف عن التفكير تماما انتظارا للداعية أن يفكر له وأن يعطيه ~~الأوامر، إنها مأساة حقيقية صنعتها وسائل الإعلام والنقود المنصبة على الألسنة والأقلام، ~~والهدف في النهاية، أقولها لكم وأهتف بها: تقويض مصر؛ مصر الإيمان، ومصر العقل، مصر العلم، ~~ومصر الثقافة؛ ليتيح لهذه الدولة أو تلك أن تحتل مكانتها في قيادتها العالم العربي ~~والإسلامي، ولكن عبثا ما يحاولون فالزبد سيذهب جفاء، وما ينفع سيبقى - إن شاء الله - في ~~الأرض، أرض مصر العامرة، يا تابعي وزارات الإعلام في بعض الدول التي تهب رياحها الشرقية تحمل ~~لنا التخلف والجمود، وتريد أن ترجع بنا القهقرى عسانا نتأخر وتتقدم هي، فلننتبه إلى ما يراد ~~بنا، وللأسف على أيدي بعض المصريين. مرة أخرى أكتفي بالإشارة هنا، فالمسألة قد زادت على ~~حدها، وتدخل تلك الدولة للعبث بالإنسان المسلم المصري والعقل المصري قد زاد على حده، ولا بد ~~معه من وقفة صريحة واضحة نضع فيها النقط فوق الحروف، ونخرج النقود من الجيوب ونتفحصها لنعرف ~~في أي بلد صكت. # إننا مسلمون أبا عن جد، مسلمون بالبلاد، ومسلمون بالاختيار، ولا نريد العبث بإيماننا هذا، ~~ونرفض هذا العبث وندينه، والمسألة في حاجة إلى صرامة مطلقة نعالج بها هذا الخطر القادم من ~~الشرق. # ويا إذاعتنا، ويا تليفزيوننا، ويا صحافتنا، انتبهوا حتى لا تكونوا شركاء - ولو بالجهل - ~~بما يراد بنا ولنا. # | أسرع يا بني وصور # بعيدا عن القضايا التي أصبح الحديث فيها «محلك سر»، بعيدا عن المناوشات الدائرة بين ~~الحكومة والمعارضة، وبين الأقلام الصحفية والحكم، بعيدا عن الحديث عن الديمقراطية وعن ~~السلفية والخلافات الطاحنة حول قضايا ما أنزل الله بها من سلطان، بعيدا عن «الحديث» عن ~~الوفد الفلسطيني الأردني واحتمال قبول أمريكا ورفض إسرائيل، وتحسن العلاقات وسوء العلاقات، ~~بعيدا عن الغلاء الذي يكوي القلوب والجيوب، والتسعيرة التي تظهر وتختفي كعفاريت الظهر، ~~والخرفان المذبوحة على عتبة وزارة «التعليم»، والحمد لله أنها ليست على عتبة وزارة البحث ms70 ~~العلمي والتكنولوجيا، بعيدا عن أزمة المسرح وأزمة الإبداع وأزمة الأخلاق، وقضية سميرة ~~مليان. # بعيدا عن هذا كله. # لا أعيش قرير العين رائق البال، أنام نوم مستريح الضمير، فالواقع أني لا أنام إلا ~~لماما. # ليس لأني قلق البال ولا مؤرق الضمير، والحمد لله. # ولكن لأن نفق أكتوبر تحت رأسي مباشرة! # منذ ثلاثة أشهر والدق شغال طوال الأربع والعشرين ساعة وبمختلف أنواع الدرجات والنغمات، ~~فهناك دق متتال كطلقات المترليوز، يقوم به حفار الأسفلت الصغير ذو الضجيج العالي، وهناك دق ~~المدفعية الثقيلة من غارسات الخوازيق الخرسانية، ودق المطارق والمعاول، وأكوام الرمل والزلط، ~~وهي تنحدر في شلالات، ضجة تعمي العيون والآذان، ناهيك عن ضجيج الأوامر وصخب العمال والأنوار ~~الملتهبة الضوء التي تخترق الشيش وتخرق الستائر وتفتح بالقوة أجفان العيون. # الحقيقة كانت الضجة في أول قدومها مفاجأة أقلقت مضاجع بضع مئات من سكان شارع النيل الذين ~~شاء لهم الحظ أن يجاوروا ويطلوا على النفق المزمع إقامته. # كانت من المفاجأة والصخب، بحيث كنا لا ننام ليلا أو نهارا، وكأننا في حرب ذات غارات ~~متصلة، وما دامت حربا فلتكن الهجرة، وهاجرنا إلى الإسكندرية، وصحيح أن شارعنا هناك لم يكن ~~به نفق ولا حرب، فقد كان دائم الضجة، ضجة غير معلومة المصدر، ومن الصباح إلى الصباح وكأنها ~~ضجة الجان الذي يقولون إنه يسكن أرض المعمورة. # ثم عدنا أخيرا متمنين أن تكون الأعمال الإنشائية الثقيلة في النفق قد انتهت، ولكن لا شيء ~~كان قد تغير، اللهم إلا اختلاف النغمات وبروز بضع آلات جديدة في أوركسترا الضجة ~~اللاهارموني. # وكنت منذ بدأ العمل قد أغلقت جميع النوافذ والمنافذ التي تطل على موقع العمل دون فائدة، ~~فكل شيء كان يصل واضحا تماما وكأن الحفر في الشقة. # وأول ليلة بعد العودة حاولت النوم بلا أي اعتبار للضجة، فقد أصبحت الضجة ملازمة لصحونا ~~ومنامنا بطريقة لا أعرف ماذا يحدث لنا ولنومنا إن - فجأة - سكتت الضجات كلها. # إلى الساعة الثالثة صباحا لم أستطع النوم، وما دام لا فائدة من النوم فلتكن اليقظة ولتكن ~~القراءة، ولكن ms71 الضجة أوقفت عمل خلايا الاستيعاب هي الأخرى فأغلقت الكتاب، وقمت أتجول في ~~الشقة شبه المظلمة التي تبدو متوهجة الضوء من فرط ما يصلها من ضجيج نهاري الطبيعة جحيمي ~~الوقع. # ثم كان ما ليس منه بد، وفتحت نافذة مطلة على موقع العمل في النفق، فوجدت بصري يتوه، ~~والأمكنة والأضواء والآلات تتخاطفه وتتسابق لتكون أول ما يقع عليه البصر. # نهار كامل موجود في قلب الليل البهيم، رجال رائحون غادون يبدون من العلو الذي كنت أنظر ~~منه كائنات صغيرة دقيقة ككائنات «جوليفر» في جزيرة المغامرات التي سافر إليها، آلات هائلة ~~الضخامة حتى إن إحداها كان يبلغ ارتفاعها سبعة طوابق من عمارتنا، وحين فتحت النافذة وجدتها ~~أمامي مباشرة أكاد أمد يدي فألمسها. # كان ذلك منذ حوالي أسبوع، وكان النفق قد تم تبطين جانبيه بالخرسانة المسلحة، وجار العمل في ~~حفر مجرى النفق وإزالة الأكوام الهائلة من التراب والطين؛ إذ كان تكتيك العمل على ما بدا لي ~~هو عمل سقف خرساني على قواعد خرسانية مدكوكة، ثم إزالة ما تحت السقف من أتربة وطين لإيجاد ~~مجرى النفق بطول آلاف الأمتار، كانت أكوام التراب الطيني من الضخامة بحيث تكون جبالا ~~وتلالا لا يستطيع العمال تسلقها، وكان إذا أراد عامل أو ملاحظ أو مهندس أن ينتقل من حيث ~~الأرض التي تحفر إلى قمة التل يدلي له سائق جهاز الحفر الكبير ذي اليد التي لها أصابع خمس ~~تغترف بها التربة وتملأ عربة ضخمة في عشر قبضات من قبضاتها العملاقة، كان سائق الجهاز يدلي ~~اليد إلى العامل أو المهندس حيث هو في القاع ثم «يغرفه» ويصعد به أكثر من عشرة أمتار ليصبح ~~في القمة فينسل من القبضة وكأنه بطلة فيلم «كينج كونج» حين كانت تتسلل من بين أصابع يده ~~وكأنها في حجم الدودة. # لم أفطن إلى أن النهار قد طلع إلا حين واجهتني الشمس الحمراء وهي تشرق، وكأنها جهاز إضاءة ~~أحمر جديد أضافه العاملون في النفق فجأة. # كنت قد أمضيت ثلاث ساعات لم تتسرب إلي فيها لحظة ملل واحدة، وقد امتصني ms72 ما يدور أمامي ~~تماما، ليس الجهد الهائل فقط، ولا الآلات العملاقة، ولا هذا التفاهم الغريب القائم بين ~~العامل والآلة، ولا بين العمال والملاحظ، ولا بين هؤلاء كلهم والمهندس أو المهندسين، كل ~~يعرف عمله وكل يتحرك إليه وبه، ولا كلام ولا قهقهات، ولا أجيب لك شاي، ولا توقف لشرب سيجارة ~~أو نفس بوري، عمل دءوب تقوم به تلك الكائنات الدقيقة على وقع هدير آلات لا تتوقف وكأنها ~~موسيقى الجيش النحاسية تلهب الحماس في ذلك الجيش الدقيق المحارب، وبعدها لم أنم، وصرت إذا ~~عدت من عملي أنام بضع ساعات بالنهار لأسهر معظم الليل واقفا عند فتحة النافذة، لا أتفرج ~~فقط ولا أنتشي، وإنما أتأمل وأتفلسف وتروح بي الأفكار وتجيء، كم قال الآخرون، وحتى أنا نفسي ~~قلت: إننا شعب يميل إلى الكسل، وإننا بلا إرادة، وإن هدفنا أن نأكل ونحشي البطون ونتزغزغ ~~بالمسرحيات والأفلام ونفرفش! ما أراه هنا شعب آخر، ذلك الجانب الأكبر العظيم من الشعب ~~المصري الذين حين يحدد له الهدف يخلق الوسيلة، وحين يضع الهدف أمامه وتصبح الوسيلة في يده ~~ينطلق بأقصى ما يستطيع الكائن البشري أن ينطلق. # حسن جدا أن الرئيس حسني مبارك أصر على تحديد يوم 6 أكتوبر موعدا لافتتاح النفق فقد ~~ألهب هذا التحديد ظهور العاملين، وجعل الشركة المنفذة وهي على ما أعتقد - لأنه من مكاني لا ~~أستطيع أن ألمح لافتة الشركة القائمة بالإنشاء والتنفيذ - شركة المقاولين العرب، جعل ~~الشركة وجعل عثمان أحمد عثمان يستعيد أمجاده التي حققها في السد العالي ولافتاته المشهورة، ~~باق من الزمن مائة يوم وتسعة وتسعون يوما ... إلى آخره، ويتركه من كتابة الكتب وبالذات ذلك ~~الكتاب اللقيط «أنا والعهد البائد» ويعود إلى عمله الأصلي ينشئ المشروعات ويقبل التحدي ~~وينجز. # لقد قرأت بحثا للدكتور عبد الكريم درويش رئيس أكاديمية الشرطة عن مشكلة الإدارة في مصر، ~~وقد وضع الدكتور عبد الكريم يده على بيت الداء في الوجود المصري، وهو أن تخلف الإدارة بل ~~وأحيانا انعدامها وراء الكثير، بل كل مشاكلنا الاقتصادية، أعطني إدارة جيدة أعطك إنتاجا ms73 ~~وإنجازا، هذا هو السر وراء نجاح كثير من شركات المقاولات المصرية مثل شركات عثمان أحمد ~~عثمان والعبد وحسن علام ومنتصر. # وحسن أن التأميم قد أشرك أصحاب هذه الشركات في إدارتها وإلا كانت قد انتهت كشركات منجزة ~~منتجة. ~~••• # بالأمس، وفي ظرف أيام لا تزيد عن الأربعة فتحت النافذة لأجد - ويا لدهشتي! - أن كومة من ~~التراب الطيني الهائلة قد أزيلت تماما وسويت الأرض بتدرج محسوب بالملليمتر، بل وسفلتت ~~وبلطت بالأسمنت المسلح، ثم بدءوا، ولست أدري، لماذا يضعون أسياخا من الحديد فوق الأرضية ~~المسلحة، في أربعة أيام فقط صار الشارع نفقا حقا ومسقوفا. # أيقظت ابني بهاء خريج معهد السينما هذا العام وطلبت منه أن يبقى معي في النافذة بعض الوقت ~~ليتفرج، وبرما بإيقاظه من نومه، بعد يوم هائل في عمله لإتمام مشروع تخرجه وقف متأففا بعض ~~الوقت ثم أعجبته الآلة ذات الأصابع الخمس العملاقة وما تفعله، ثم اندمج في المشهد ~~كله. # قلت له: لماذا لا تأخذ كاميرتك وتنزل إلى الشارع وتصور ما يدور وتصنع «الكلوزات» للعمال ~~الصعايدة الأبطال وترينا المهندسين في لحظة عمل، وليس كما تراهم في أدوار أنيقة في سينما لا ~~علاقة لها بالواقع؟! لماذا لا ترصد التقدم المذهل الذي يحدث للعمل كل يوم وتسجله ~~بالفيديو؟! # قال بعد تفكير: «صحيح فكرة، بس دي حتى ما تنفعش فيلم تسجيلي.» # قلت له: «يا ابني، دعك من الأفلام والأنواع والأوهام، إنه صحيح لن يكون فيلما تسجيليا، ~~ولكنه سيكون له عندي وعند الكثيرين أهمية لا تقدر بمال.» # قلت: كلما انتابتني فترة يأس من أحوالنا، كلما بدأت ثقتي في الإنسان المصري تهتز، كلما ~~أحسست بالروح تصل الحلقوم، كلما هاجمني الشعور بأن لا فائدة وأن مصر حالة ميئوس منها، كلما ~~سخطت على نفسي والآخرين، كلما بدأ إيماني بمصريتي يتزعزع، كلما حدث لي شيء من هذا، سأدير ~~ذلك الشريط وأعود أديره وأستعيد معه ثقتي بمصر القيمة ومصر الإنسان. # أسرع يا ابني، واحمل كاميرتك، وصور . # فما أشد حاجتنا اليوم أن نرى أنفسنا في لحظة عمل! وحقيقة فنحن لا نراها الآن ms74 إلا في لحظات ~~كلام وكتابة وكلام ومؤتمرات وخطب ولجان، أسرع يا بني، وصور! # | «إيزيس» بين الحكيم ومطاوع # «إيزيس» آخر مسرحية كتبها أستاذنا توفيق، منهيا بها عهده «الأوروبي»، فحين ذهب توفيق ~~الحكيم إلى باريس وشاهد المسرح هناك، بهرته فكرة استعانة كتاب المسرح المحدثين بالأساطير ~~الإغريقية القديمة، حتى إن مأساة أوديب كتبها ثلاثة أو أربعة كتاب محدثين، فقال لنفسه: ~~لماذا - ونحن أيضا لدينا أساطيرنا - لا نستعين بها في خلق مسرح «عربي»؟! وهكذا استعان بالله ~~وكتب مسرحية «أهل الكهف»، والحق أن المسرحية في أول ظهورها أحدثت دويا شديدا، ليس فقط في ~~الأوساط المسرحية، ولكن - وهذا هو المهم - في الأوساط الأدبية نفسها، تلك التي كانت تعتبر ~~المسرح نوعا من «الهلس» و«التهريج» لا يدخل تحت باب الأدب، حتى لو كان الممثل هو العملاق ~~جورج أبيض، أو السيدة روز اليوسف، وحتى لو كانت الرواية من أمهات المسرح الأوروبي. # احتفلت الأوساط الأدبية بهذا الحدث الكبير حتى إن الشيخ مصطفى عبد الرازق - لاحظوا! الشيخ ~~مصطفى عبد الرازق - تلقفها بترحاب هائل وأثنى على مؤلفها ثناء عاطرا، مع أن الرواية ~~مأخوذة من النص القرآني الذي كان لا يستطيع أحد أن يجرؤ على المساس بحرفيته، وأهل الكهف، في ~~سورة الكهف، ليس فيها «بريسكا»، ولا فيها إمبراطور روماني، ولا كل تلك الأشياء التي خلقها ~~توفيق الحكيم تخليقا. # بعد إيزيس نفض يده من فكرة الأساطير القديمة هذه، ونتيجة لظهور «عودة الروح»، ويوميات ~~نائب في الأرياف، بدأ الحكيم يغوص شيئا فشيئا إلى قلب المجتمع المصري، يستخلص منه مأساته ~~أو ملهاته الحديثة، وكانت مجموعة «مسرح المجتمع» خير تجسيد لهذا. # كانت الدنيا قد تطورت، وكان جيل آخر من كتاب المسرح قد ظهر، فتبنى بعضهم قضايا طبقية، ~~وبالذات قضايا الطبقة الوسطى وأزماتها ومشاكلها وملهاة وجودها وتعاسته، وكان صاحب هذا ~~الاتجاه نعمان عاشور بروايتيه: «المغناطيس» و«الناس التي تحت». # ثم جذبني المسرح بقواه المغناطيسية الخارقة، وكنت قد كتبت مسرحية من فصل واحد اسمها «ملك ~~القطن»، وأحلت قصة «جمهورية فرحات» إلى مسرحية، ولم أكن إلى لحظتها أتصور أنهما يمكن أن ms75 ~~تمثلا على خشبة المسرح، فذهبت بهما إلى الصديق الأستاذ أحمد حمروش، وكان آنذاك مشرفا على ~~المسرح القومي، ومشرفا على سلسلة كتب للجميع، وطلبت منه أن ينشر المسرحيتين في كتاب ~~للجميع، فإذا به بعد يومين يتصل بي ويقول لي: «نشر إيه ده اللي انت جاي تقول عليه؟! هذه ~~مسرحيات لا بد أن تمثل.» # وهكذا أدرجت المسرحيتان في خطة المسرح، وفعلا جسدتا، أخرج الأولى الأستاذ الكبير نبيل ~~الألفي، والثانية المعلم الأستاذ المرحوم فتوح نشاطي، وأشهد، أن ليلة افتتاح العرض كانت من ~~أعنف وأخصب التجارب التي مررت بها في حياتي إلى درجة أن وقفنا أحمد حمروش وأنا نبكي في ~~نهاية «ملك القطن»، والمرحوم شفيق نور الدين يخبط «الأرض» التي تمثلها خشبة المسرح ويقول عن ~~القطن: «أسيبه يتحرق ازاي يا ناس؟! دا تعبي! دا شقاي! دا عمري وعرقي وعيالي!» كنا نرى هذا ~~المشهد كل ليلة وكل ليلة يبكينا المشهد. # وقيل يومها إنني استطعت لأول مرة أن أجعل من الفلاح المصري بطلا مسرحيا، كما استطعت ~~بعدها أن أجعل من فلاحة «الترحيلة» في «الحرام» شخصية تراجيدية ترتفع إلى مرتبة ~~التقديس. # المهم أنني بعد هاتين المسرحيتين، ونظرا للنقد الذي وجه إليهما باعتبارهما مسرحيتين من ~~فصل واحد، وأني قادر على كتابة مسرحية طويلة، كتبت مسرحية «اللحظة الحرجة» من ثلاثة فصول، ~~وكانت المسرحية أيضا صدمة، فقد خاف بطلها في اللحظة التي كان يجب أن يؤدي فيها واجبه وأن ~~يدافع عن أبيه الراكع يصلي في سلام، بينما الجندي البريطاني يشهر عليه السلاح، قيل لي ~~أيامها كيف تجعل من الرعديد بطلا؟! ولكن الدكتور لويس عوض كان له رأي آخر فقد كتب مقالا ~~رائعا في جريدة «الشعب» يقول عن المسرحية إنها دراسة في الخوف، خوف الغازي ممن يغزو أرضه ~~وخوف الذي غزيت أرضه من الغازي. # ولكن بعد مسرحية «اللحظة الحرجة» توقفت لأنني أدركت أني إنما أكتب على النسق الأوروبي ولا ~~أفعل سوى تقليد راسين وموليير وأحيانا فيدو. # وأصبح هدفي - مثلما عثرت أو اكتشفت القصة المصرية العربية القصيرة مضمونا وشكلا وطريقة ~~- أن أكتشف ms76 مسرحنا المصري العربي المتميز داخل حياتنا. # وكتبت سلسلة مقالات في مجلة «الكتاب» عام 1963 بعنوان: «نحو مسرح مصري عربي»، مبشرا بمسرح ~~يستوحي الواقع المسرحي الحي الذي يعيشه شعبنا من «ذكر» و«زار» وربابة شاعر، وسامر، وجلوس ~~على المقاهي، وحتى الجنازات والمعازي، مظاهر لظواهر مسرحية، من الواجب أن نستكشفها ونحيلها ~~إلى دراما عصرية حديثة تعبر عن ذاتنا المسرحية الخاصة، وبهذا بدلا من أن نعيش عالة على ~~التراث المسرحي الأوروبي، نشرت المسرح العالمي بمسرحنا الخاص، وعارضني معظم النقاد في هذا ~~الاتجاه، وقالوا: لا يوجد شكل مسرحي عربي أو مصري، وإنما الموجود شكل عالمي، ضع منه ما شئت ~~من مضمون مصري يصبح مصريا، ولما كنت أومن أن الشكل لا ينفصل عن المضمون في العمل الفني، ~~فقد كتبت «الفرافير» كنموذج لهذا النوع من المسرح، وكان نجاحها الجماهيري يدل على أني أسير ~~في الطريق الصحيح. # وهكذا حدث للمسرح المصري زلزال آخر، ومن الطريف هنا أن أذكر أني عرضت «الفرافير» على جميع ~~مخرجي مصر فكانت إجاباتهم: «هذا ليس مسرحا.» الوحيد الذي أدرك ما في داخلها من جواهر مسرحية ~~شعبية ومصرية وعربية كان هو كرم مطاوع، وكان لا يزال قادما من بعثته في إيطاليا، وليس ~~المهم القدوم من البعثة، المهم أن هذا الشاب مخرج موهوب قل أن ترزق مصر بمثله، إن ~~باستطاعته أن يخرج الجريدة اليومية لو يشاء، باستطاعته أن يصنع ما يشاء. # ولكن فيه عيبا واحدا خطيرا؛ إنه يدرك هذا، ويدرك أنه كمخرج يفهم في المسرح أكثر بكثير ~~من الذين يكتبون للمسرح (في حين أن المؤلف هو الأصل، وهو الذي لا بد أن يفهم في الإخراج ~~والتمثيل أولا). # المهم أننا بدأنا العمل في «الفرافير»، وبعد خروج العمل إلى الجمهور بدأت المشاحنات بيننا ~~حول ما كان يجب أن يكون عليه إخراج «الفرافير»، وقد انتهت تلك المشاحنات إلى أن عرف كل منا ~~قدر الآخر، وبدأت المودة. # المضحك أن نصابا مغربيا ادعى بعد عشر سنوات من هذا أنه هو صاحب فكرة المسرح العربي ~~وخالقه، واسم هذا النصاب هو الطيب الصديقي، ms77 ولا يزال ينصب على العالم العربي بهذا كله، ولم ~~يتصد له أحد ويذكره بأن ما يدعيه نصب، بل نحن هنا في مصر نردد هذا كالببغاوات وكأننا لا ~~نعرف التاريخ أو نسيناه! ~~••• # نعود إلى «إيزيس» الحكيم و«إيزيس» مطاوع. # أقول إن «إيزيس» الحكيم كانت آخر مسرحية يكتبها متأثرا بما رآه من إحياء الأساطير في ~~باريس؛ إذ بعدها تحول إلى المسرح الاجتماعي، ثم إلى ما أسماه شكلنا المسرحي أو بناءنا ~~المسرحي (بعد ظهور «الفرافير» والضجة التي قامت حول المسرح المصري) وكتب على هذا الأساس ~~مسرحية «الصفقة»، ثم جاءت موجة اللامعقول فكتب مسرحية «يا طالع الشجرة»، ثم جاءت موجة مسرح ~~المقاومة على يد الشرقاوي فكتب مسرحية عن المخابرات. # المهم أن توفيق الحكيم رجل يؤثر (فهو الذي جعلنا نعشق المسرح)، وأيضا يتأثر بتلامذته ~~ومحبيه، ولكنه يخفي هذا كله في جعبته ولا ينطق عنه حرفا، أما الحكيم الرجل إذا كان بخيلا ~~فالحكيم الكاتب أبخل من البخل! وإنه، وعمري، ما ضبطته يمتدح عملا حتى لمعاصريه إن لم يكن ~~لتلاميذه، هو يمتدحهم إذا كان الأمر بينه وبينهم، أما كتابة وأما علنا فلا، والآن جاء كرم ~~مطاوع ليقدم «إيزيس» عام 85. # وليقدمها على مسرح جديد تماما، المسرح القومي بعد تجديده. # ودعونا من الخناقات التي حدثت حول تقديم «مجنون ليلى» كافتتاح، أو حول تقديم «إيزيس»، فهذه ~~خناقات أصبحت في ذمة التاريخ. # دعونا ندخل المسرح القومي هذه الليلة لنشاهد افتتاح «إيزيس» 85 في حضور رئيس ~~الجمهورية. # وأبدأ فأقول إني رغم أن الموعد يذكر السادسة والربع كميعاد لبدء العرض، إلا أنني ومنذ ~~الساعة الخامسة، وأنا أطوف بكل شارع يؤدي إلى ميدان العتبة حيث المسرح القومي، ولدهشتي وجدت ~~قوات المرور والأمن المركزي قد «احتلت» منطقة وسط البلد بأسرها، وكأن ثمة مؤامرة من سكان ~~القاهرة لمحاصرة الرئيس واحتجازه، إنني لم أر هذا في بلد من بلاد العالم أبدا، أن تحتل ~~قوات الجيش «الأمن المركزي» والبوليس كل شوارع وسط المدينة من الساعة الرابعة إلى التاسعة، ~~وكل هذا لأن موكب الرئيس سيمر أو أن ضيفا هاما سيعبر، ms78 إن هذا منتهى عدم الثقة في ~~المواطنين، ومنتهى إظهار العضلات للأمن المركزي والشرطة؛ فالرئيس في العادة يقابل بالترحاب ~~حتى من الجماهير المتجمعة في الشوارع تهتف باسمه، فما بالهم وهم يعاملون الجمهور وكأنه ~~سيتلقى موكب الرئيس بالحجارة أو بالرصاص، نحن شعب أكثر رقيا من كل الأجهزة القائمة على ~~حراسة الرئاسة وغير الرئاسة، وفي الحقيقة نحن الذين نحرس الرئيس، أو بعض الرؤساء، وليس ~~حراسه الخصوصيين أو العموميين، ولقد صرع المرحوم الرئيس السادات وهو في قلب حراسته الخاصة ~~محاطا بكم هائل من القوات المسلحة والطائرات المحلقة. # لي رجاء إلى السيد وزير الداخلية أن يغير من هذا النظام الذي يربك حياة الناس ويعطل ~~مصالحهم ويزيد السخط في نفوسهم، فالرئيس المحبوب تحرسه قلوب الشعب، وما تفعل قوات الأمن ~~والشرطة إلا أن تحول بين هذا الحب وبين أن يصل إلى قلب الرئيس. # وصلت إلى مسرح الأزبكية، وفحصتني كل الأجهزة الإلكترونية التي طلعتني براءة والحمد لله، ~~وكنت قد نسيت تذكرة الدخول، وحمدا لله أن ضباط رئاسة الجمهورية بدا وجهي مألوفا لديهم ~~وإلا لما كنت حضرت العرض الذي أنا مدعو إليه. # دخلت المسرح، ساحة المسرح الخارجية أصبحت في منتهى الجمال والتنسيق، دلفت إلى الصالة ~~فصدمني المشهد، زخارف كثيرة مذهبة وكأننا في مسرح مدينة بترولية، خشبة المسرح وضعها سقيم، ~~المسافة بين الخشبة والمقاعد بعيدة أكثر من اللازم، ومغطاة بطبقات كثيفة من سجاجيد المآتم، ~~وحتى ليست موضوعة بترتيب وتنميق، وإنما هي موضوعة «كلشنكان» بحيث تعتلي حافة الواحدة ~~الحافة الأخرى في مشهد لا يبعث أبدا على الاحترام. # المسرح نقص ما لا يقل عن المائة كرسي وأصبح في حجم مسرح الجيب. # خرجت إلى الصالة ثم إلى الخارج لأشاهد هذا الذي أنفقوا عليه ملايين الجنيهات، فإذا بي أجد ~~زخرفة إسلامية لا علاقة لها بالزخرفة الإسلامية الحقيقية التي كنا نصنعها منذ أيام أحمد بن ~~طولون، مساحات رهيبة فارغة تملأ الجدران الخارجية، وليس بداخلها ما ينم على أن هذا مسرح أو ~~مسجد أو معبد يهودي، أين صرفت تلك النقود كلها، وما رأيته لا يمكن أن ms79 يتكلف أكثر من مليون ~~جنيه؟! أريد من السيد رئيس الوزراء والسيد وزير الثقافة أن يشكلا لجنة من كبار أساتذة ~~الهندسة المضموني الذمة يقدرون حجم الإصلاحات، وكم النقود المنصرف ويحاسب المختلسون؛ فإني ~~واثق أن هذه العملية قد اختلس منها ما لا يقل عن الثلاثة ملايين جنيه. ~~••• # ثم بدأ العرض المسرحي، وفي ذهني سؤال: ترى ماذا سيفعل كرم مطاوع «بإيزيس» الحكيم؟ و«إيزيس» ~~الحكيم كانت أسطورة «محترمة» لقصة إيزيس وأزوريس وحورس وتيفون، واغتصاب الملك من أوزوريس ~~وقتله ثم إصرار حورس؛ أسطورة بسيطة بساطة الأقاصيص الفرعونية القديمة مثل الفلاح الفصيح ~~وكتاب الموتى ومسرحيات الكهنة. # طبعا من المستحيل أن يخرج كرم مطاوع إيزيس الحكيم بنفس بساطتها، إذن، أين دوره هو كمخرج؟! ~~وهكذا أخرج كرم مطاوع النص عن بساطته أولا، وعن الحكيم ثانيا، وبهذا فهي في الحقيقة «إيزيس» ~~مطاوع، وحتى لو كان عدل فيها - كما يقول الرواة - توفيق الحكيم فهو قد فعل هذا بتنويم ~~مغناطيسي إخراجي من كرم مطاوع. # وهكذا من الأسطورة البسيطة خلق كرم «أوبريت» ملأها بالرقص والغناء المصري والشامي والزار ~~ومجاميع لا حصر لها، كان على المسرح أحيانا ما يزيد على السبعين ممثلا وممثلة، وإذا عرفت ~~أن المسرح لم «يكنس» منذ إنشائه وكنت تجلس مثلي في الصف الأول، لأدركت مدى ما دخل صدري من ~~غبار وتراب سببه دبدبة هذه العشرات من الراقصين والراقصات فوق الخشبة المليئة بالتراب ~~وتصاعد هذا التراب على هيئة سحب خانقة تملأ الصالة الصغيرة إلى حد الحلقوم، أما كان هناك ~~عاقل واحد يفكر قبل العرض في كنس الخشبة ورشها لتصبح مكانا جديرا بالعرض لتلك العشرات من ~~المجاميع؟! # باختصار شديد ذهبت أتفرج على توفيق الحكيم فاستولى على عقلي كرم مطاوع بكثرة المجاميع ~~والأغاني والراقصات، وكأنه أدخل إلى خشبة المسرح فرقة من الأمن المركزي لتحافظ هي الأخرى ~~على حياة الرئيس وكبار المدعوين. # أجل، أحالها كرم مطاوع إلى أوبرا، ولو كان كرم مطاوع في ظروف نفسية أصلح، ولو كان لم يشغل ~~وقته، رغما عنه في خناقات ما أنزل الله بها من سلطان حول المسرح ms80 الذي تعرض فيه مسرحيته، ~~ولو أضاف قليلا، بل لا بد أن أقول كثيرا، من الشاعرية، لا للديكور أو للرقصات، وإنما ~~للمواقف الإنسانية العميقة التي تحفل بها الأسطورة، مثل مشهد لقاء إيزيس بابنها حورس بعد ~~غيبة خمسة عشر عاما، ولو جعل حورس يتحدث عن أبيه المقتول حديث ابن قتل أبوه ولم يره، ولم ~~ير استيلاء تيفون على الحكم، ولو توقف قليلا عند مشكلة الحكم، ومن يحكم من، وهل الحكم ~~للقوة أو للعدل، و... و... كثير من المشاهد التي كانت في حاجة إلى كتابة درامية حديثة، ومراجعة ~~متأنية لكل جملة من جمل الحوار. # لو كان قد فعل هذا لكانت «إيزيس» أروع عمل إخراجي تم على المسرح المصري، ولكن هكذا شاءت ~~العجلة، وإصلاح المسرح، والخناقات والظروف النفسية الضاربة أطنابها في هيئة المسرح بشكل ~~عام، وفي وزارة الثقافة بشكل خاص. # ورغم هذا «فإيزيس» عرض مسرحي - رغم كل شيء - استمتعت به أنا وغيري غاية المتعة، استمتاع ~~المستيقظ لتوه بعد غفوة إغماء طويلة، لقد عاد المسرح، لقد عاد! ها هو يتثاءب ويتمطى ولكن ~~الحياة دبت فيه دبيب أرجل الكومبارس والراقصين، عادت الروح ترفرف في سقف مسرح الأزبكية ~~العتيق، عدنا نذهب إلى المسرح. # أما أن يحضر الرئيس مبارك هذا الافتتاح، فتلك لفتة لا أظنها تخفى على أحد، لقد أراد بها ~~فيما أظن أن يطيب خاطر الفنانين الذين انهالت عليهم الصحافة بالهيروين والكوكايين ~~والانحلال، وأراد أن يقول أنا مع الفن الجاد (أي مع القطاع العام)، وأنا مع العمل الجاد حتى ~~لو تكلف «350 ألف جنيه». # وهذا في حد ذاته انتصار كبير للعائلة الثقافية المسرحية، شكرا يا ريس، وشكرا أنك اصطحبت ~~السيدة حرمك، فلي أكثر من خمسين عاما أعيش على الأرض المصرية وأحضر مسرحيات واحتفالات لم ~~أشهد خلالها رئيس جمهورية جادا يحترم حضور المرأة ويصطحب زوجته لتحضر معه، وفي نفس اللوج، ~~عرضا مسرحيا، إن هذا ما يسمونه التحضر الحقيقي، أما المخجل حقا فهو أن عدد المدعوات ~~كان قليلا جدا، مع أن حدثا كهذا يعتبر في البلاد المتحضرة عيدا اجتماعيا ms81 وفنيا ~~خطيرا تستعد له المهتمات بالفن - وما أكثرهن في مصر! - استعدادهن لحفل زفاف عزيز. ~~••• # ولا أستطيع أن أنهي كلمتي قبل أن أقبل صلاح جاهين على أغنيته التي أرشحه معها لأن يبدأ ~~كتابة أوبريتات من تأليفه. # كذلك لا أستطيع أن أنهي كلمتي قبل أن أشيد بسهير المرشدي إشادة خاصة، فقد نضجت الممثلة ~~الشابة نضوجا جعلها تشرخ قلبي بإحساسها بعد أن كانت تشرخه بصوتها العالي، الآن هي تؤدي من ~~الداخل، والداخل يصل مباشرة إلى الداخل، ويعتصره، هنيئا لك بدور العمر هذا يا سهير، وأرجو ~~أن يكون بداية، مجرد بداية لمرحلة تجعلنا نغلي بالغضب وبالرضا، بالسخط والإشفاق، بالدموع ~~والضحكات، وأنت تهمسين، فقط تهمسين. # مبروك يا أستاذة سميحة أيوب لافتتاح مسرحك. # مبروك يا كرم مطاوع بإيزيسك الصاخبة. # مبروك يا سهير المرشدي على سهيرك الجديدة. # | لكي نعيش الحاضر لا بد أن نعرف المستقبل # منذ عام أو أكثر كتبت سلسلة مقالات، أحاول أن أشخص فيها سر «عدم خلو البال المصري»، وكان ~~الاستنتاج الأكبر الذي وصلت إليه أن كثيرا من الارتباكات السائدة في حياتنا، على المستوى ~~العام وعلى المستوى الفردي، على مستوى الحكومة، وعلى مستوى المعارضة، يكمن في تخوفنا أو ~~بالأصح عدم تأكدنا من المستقبل، وقلت في تلك المقالات إن الإنسان كما أنه كائن له تاريخ ~~وواع بتاريخه هذا، فإن إحدى خصائصه المهمة الخطيرة أنه كائن يعي أيضا أن له مستقبلا، بل ~~إنه ليعيش الحاضر، ويعود يستوحي التاريخ ويذاكره خدمة للمستقبل، لتحديد ذلك المستقبل ونوعه ~~ودوره فيه، بل حتى إنه لا يعيش الحاضر، لكل ما قد يبدو أنه مجرد وجود في الحاضر، إلا من أجل التمكين لمستقبله. # بمعنى أنه لا يمكن لأمة أن ترتب حياتها على أساس وجودها اليوم فقط، وإنما كلها في الغالب ~~تعمل لدنياها وكأنها ستعيش أبدا، بينما هي تعمل وكأنها ستموت غدا، لآخرتها فقط وليس ~~لدنياها. # ولقد أسعدني أنني لم أكن وحدي الذي فكرت وأفكر في هذا كله، ففي حديث الأستاذ محمد حسنين ~~هيكل لجريدة أخبار اليوم ذكر ما أسماه المشروع القومي العام، بمعنى ms82 أننا صحيح لدينا تعدد ~~أحزاب وحريات ديمقراطية لا بأس بها، ولكن الأمم لا تقوم بهذا، وإنما تقوم الأمم؛ حكومة ~~ومعارضة وأحزابا ومستقلين وجماهير عادية بهدف قومي عام تسعى لتحقيقه، ويشكل بالنسبة ~~لتفكيرها على المستوى الفردي والجماعي ما أسميته ب «المستقبل» والسعي لتصور وتأكيد العمل من ~~أجل هذا المستقبل، إذا اتفقنا جميعا على تصور واحد، وإن يكن مختلفا في جزئياته وتكتيكاته ~~وطرق الوصول إليه، إذا اتفقنا على ما يمكن أن نصنعه بمستقبلنا «العام» وتبينت لنا خطوطه ولو ~~العريضة جدا - لأمكن لكل منا كفرد، ولكل حزب كحزب، ولكل جهاز كدولة، أن يطمئن إلى أنه ~~يسير في طريق معروف سلفا إلى أين يؤدي، ونهايته أيضا تكاد تكون معروفة. # وربما من أجل افتقارنا إلى هذا التصور العام لمستقبلنا، يرتبك حاضرنا ويشتد بنا الارتباك، ~~ولا نستطيع أن نفرق بين ما هو تكتيكي وما هو استراتيجي، بين ما هو ملح، وما يمكن تأجيله، ~~سؤال مشروع تماما، فنحن مثلا كنا نعرف أن علينا ديونا، متى نسددها؟ وكيف؟ وهل يأتي اليوم ~~الذي نتوقف فيه عن الاقتراض وعن الاعتماد على المعونات؟ أو أنه لن يأتي أبدا؟! # مشكلة الديون هذه جزئية واحدة من جزئيات رؤيتنا الشاملة إلى المستقبل أو بالتعبير الهيكلي ~~المشروع القومي العام. # ذلك لأنه توجد جزئيات أخرى كثيرة جدا، فجانب المشاريع الكبرى والطرق والكباري والخدمات ~~هي كلها موجهة لخدمة المصريين الذين يحيون اليوم أو على الأكثر في الغد القريب، ولكن مصر ~~كدولة ستحيا ربما للآلاف من السنين المقبلة، فلنتواضع ولنقل على الأقل للمائة عام المقبلة، ~~فهل ما نقوم به من خدمات الآن، وهي جليلة ما في ذلك شك، كاف لكي نرى من خلاله مستقبل مصر، ~~أي مستقبل أولادنا وأحفادنا وكيف يكون؟ # إنني هنا أؤكد أن كل مشاريع الخدمات في مصر - مهما بلغت ضخامتها - لا يمكن أن تطمئن ~~المواطن أو الحزب أو الجهاز على مستقبلنا، فهي مشاريع لخدمة الحاضر، ونحن لا يمكن أن نبني ~~الحاضر على أسس سليمة إلا إذا كنا نرى المستقبل بوضوح تام، أو على الأقل بشبه ms83 وضوح. # ونفعل هذا رغم أن كل الأحداث، خاصة الأخيرة منها، تهيب بنا أن قد آن الأوان ليجتمع شمل ~~المصريين حول رؤيا للمستقبل وكيف يكون؛ إذ بدون هذا سوف نظل نتخبط، ونحيا يوما بيوم، ~~و«طقة» «بطقة»، وتظل أفعالنا ليست مبنية على خطة كبرى ننفذها على خطوات، وإنما مجرد ردود ~~أفعال، إما أن نحاول اتهام الآخرين بأنهم وراءها، وإما أن نحاول تجاهلها، وإما أن نتشاغل في ~~مشكلة فرعية تصبح وكأنها مشكلة الساعة، ونفعل هذا حكومة ومعارضة. # ولأضرب مثلا. # في الأسبوعين الماضيين ناقش مجلس الشعب استجوابا قدمه الأستاذ يس سراج الدين عن «هبوط» ~~مستوى برامج التليفزيون، وعن حكاية القناة الثالثة، وعن غياب المعارضة عن الشاشة الصغيرة ~~وميكرفون الإذاعة. # ولسوء الحظ قدم الاستجواب والمعركة مستمرة بين المعارضة والشارع المصري من جهة وبين ~~مصداقية بعض الأجهزة الحكومية والإعلامية من جهة أخرى، وكان حريا بدلا من أن نظل لمدة ~~يومين كاملين نستمع إلى آراء ما أنزل الله بها من سلطان حول القناة الثالثة وماهية المواد ~~التي تقدم فيها، وحول وصول نجوم المعارضة إلى الشاشة الصغيرة أو حتى الكبيرة، كان حريا أن ~~يتحول مجلس الشعب إلى قاعة لا حزب أغلبية فيها ولا معارضة، وإنما إلى مؤتمر وطني كبير يناقش ~~فيه فلسفة إعلامنا بالدرجة الأولى. # فوزارة الإعلام منذ أن تولاها المرحوم صلاح سالم في أول الثورة إلى أن تولاها الوزير صفوت ~~الشريف ومر عليها الدكتور عبد القادر حاتم والمرحوم جمال العطيفي والأستاذ فائق والأستاذ ~~محمد حسن الزيات، جميعا وإلى الآن ينفذون فلسفة إعلامية واحدة، تلك التي تمنح أو تمنع ~~الأخبار حسب ما تراه الدولة ومصلحتها، وحسب ما يشتمون من اتجاهات رئيس الدولة، ابتداء من ~~الرئيس جمال عبد الناصر إلى الرئيس حسني مبارك. # حدثت تغيرات كثيرة في الأربعة والثلاثين عاما الماضية، ولكن بقيت فلسفة الإعلام المصري ~~كما هي لم تتغير؛ لا لعيب في هذا الوزير أو ذاك، ولا لأن هذا أكثر تبحرا في العلوم ~~الإعلامية من ذاك، وإنما لأن التوجيه واحد والتوجه واحد. # وكان حريا بنا، وبالذات منذ أن ms84 تولى الرئيس مبارك الحكم، وأصبح تعدد الأحزاب واقعا ~~ملموسا، وأصبحت صحف المعارضة تنشر كل ما يعن لها وما لا تستطيع حتى أن تغذيه المحطات ~~الأجنبية، كان حريا بنا أن نبدأ نفكر في فلسفة جديدة للإعلام القومي (أو الحكومي إن شئت)، ~~فلسفة جديدة؛ لأن الخبر الذي لا تنشره «الصحف القومية» تنشره صحف المعارضة بأعرض بنط ويحتل ~~مساحة من اهتمام الرأي العام أكثر بكثير مما لو كانت الصحف القومية قد نشرته بكل الحقيقة ~~والموضوعية؛ ذلك لأن الرأي العام يتصور أن مجرد عدم نشره في الجريدة القومية معناه أن وراء ~~هذا «التعتيم» الإعلامي ما وراءه، وأن الحقيقة أدهى وأمر، في حين أن من الممكن ألا يكون هذا ~~هو الوضع. # ولكنها «الفلسفة» التي تعتبر أن نشر أي خبر فيه مساس بأي جهاز من أجهزة الدولة خطيئة ~~كبرى، تلك الفلسفة التي تؤدي بالدولة نفسها إلى أن تركب رأسها ولا تستجيب لضغط الجماهير ~~و«تغير» أو توقف الموظف المتهم أو تأمر بتكوين لجنة لتقصي الحقائق في قضايا أصبحت محل شك ~~عام، وكأنها تتصرف باستمرار على أنها حكومة متهمة وعلى أن الاتهام حقيقي، ومن واجبها أن ~~تتستر عليه، في حين أن حكومة كالحكومة المصرية مترامية الأطراف، فيها الفاسد وفيها الشريف ~~النظيف، فيها المرتشي وفيها الذي يترفع عن أي هوى، ومن المحال أن يكون كل موظفيها أو كل ~~أجهزتها يقوم عليها ملائكة لا يخطئون ولا يقترفون أي إثم! # كان مفروضا أن تتحول قاعة مجلس الشعب، لا إلى مبارزة «راديفير» بين المعارضة والحكومة، ~~ولكن إلى مؤتمر قومي عام، يناقش بهدوء شديد وبكلمات معدة، وبمعلومات «فلسفة» الإعلام التي ~~تسيطر عليه الدولة، سواء أكان إذاعة أم صحافة أم تليفزيونا تجاه أوضاعنا الجديدة في ظل ~~التعدد الحزبي والإعلامي، فالخطأ ليس خطأ الشريف أو رئيسة التليفزيون أو رئيس الإذاعة، ~~الخطأ خطأ الفلسفة التي قام بها وعليها الجهاز، والذي تغيرت العصور وتراكمت الطبقات ~~الجيولوجية بعضها فوق بعض من حكم اشتراكي شامل إلى منابر، إلى حزبية وتعدد، من مصر كلها ~~قطاع عام، إلى مصر قد أصبح ms85 قطاعها الخاص هو الغالب، من مصر لا تستورد، وإنما تنتج من الإبرة ~~إلى الصاروخ، إلى مصر تستورد الإبر والمسامير وتستعير من أمريكا الصواريخ، أيمكن أن يحدث ~~هذا كله ويظل الإعلام هو الإعلام، وتظل فلسفته هي نفس الفلسفة؟! # مستحيل! # ولا يزال الأمر أيضا مستحيلا. # فلا بد من تغيير فلسفة إعلامنا لتتلاءم مع أوضاعنا الجديدة، ويصبح الوزير أو المسئول الذي ~~يخرج على تلك الفلسفة هو المخطئ وهو الواجب محاسبته، أما الآن فالحساب لا بد أن يكون ~~للفلسفة التي يحكم على أساسها الوزير، والتقاليد التي جرت عليها أجهزة الإعلام منذ قيام ~~الوزارة الأولى إلى الآن. # هذه الفلسفة الإعلامية الجديدة لا يمكن أن تشكل هي الأخرى وتتبلور إلا في ظل رؤيا واضحة ~~للمستقبل أو هدف عظيم نحلم به للمستقبل أو للمشروع القومي العام؛ إذ إن تحديد ذلك الهدف، ~~وتحديد إلى أين نحن سائرون سيحدد لنا بالضرورة والتأكيد كيف نسير الآن وكيف نمضي، ليس فقط ~~في أجهزة إعلامنا، ولكن في قطاعنا العام، في تسليحنا، في ديوننا وكيف نسددها، أو كيف نشترك ~~مع الآخرين المديونين ونكون - على غرار دول عدم الانحياز - ما أسميته في مفكرة سابقة منظمة ~~الدول المديونة أو اختصارا «م. د. م». # أخذنا مثلا من الإعلام، والآن نأخذ مثلا آخر، ويا له من مثال عجيب! فبعيدا عن الأمثلة ~~الحساسة الأخرى التي تساقطت فوق رءوسنا طوال الأشهر الثلاثة الماضية، لنأخذ مثلا قريبا ~~جدا، حكاية الصيادلة والصيدليات، كانت مصلحة الضرائب تحاسب الصيادلة بخصم 2٪ من ثمن ~~الدواء من المنبع، والمنبع كان كله - إلا فيما ندر - شركات قطاع عام تنتج الأدوية وشركات ~~استثمار مشتركة، وكانت جميع تلك الشركات تورد ما تحصل عليه من ضرائب إلى وزارة ~~الخزانة. # ظل هذا يحدث منذ سنة 1971 إلى هذا العام، حين قرر فجأة الدكتور صلاح حامد إلغاء هذا ~~النظام، واتباع نظام مأموري الضرائب الذين يذهبون لكل صيدلية ويفتشون على مبيعاتها ويقدرون ~~جزافا بالطبع، فليس معقولا أن يرابط في كل أجزخانة مأمور ضرائب ليل نهار لحصر ما تبيعه ~~الصيدلية من أدوية، وما ينتج ms86 عن هذا البيع من أرباح، يعني أولا هو نظام غير قابل للتنفيذ ~~العملي إلا لو عينا مائة ألف مأمور ضرائب خصيصا للأجزخانات، وثانيا ليس من المعقول أن يظل ~~نظام ساريا لمدة خمسة عشر عاما ثم يعن لوزير المالية أن يصدر قرارا يغير به النظام فجأة ~~فيربك الدنيا كلها، وأول من يربك هم الصيادلة، وإذا بالصيادلة المرتبكين بهذه الكارثة التي ~~تتهددهم بالتقدير الجزافي، يجتمعون ويقررون العمل ثماني ساعات فقط في اليوم، وإغلاق ~~الصيدليات من الساعة السادسة مساء، بينما عيادات الأطباء تبدأ عملها في السادسة مساء، ~~وكل مريض يخرج من عند الطبيب بروشتة يريد صرفها فإذا بالأجزخانات كلها مغلقة، والمفتوح فقط ~~هو الأجزخانات الليلية، وهي الأخرى فارغة تقريبا من كل الأدوية الهامة التي يحتاجها المريض ~~خاصة في الحالات الحادة. # وفي مدينة كالقاهرة مقدارها عشرة ملايين نسمة لا تفتح فيها ليلا إلا أقل من سبع أجزخانات ~~متباعدة تباعد الزهرة عن المشتري. # أبعد هذا ارتباك في التخطيط والتنفيذ؟! # ألا يدل هذا على أن الوزراء مشغولو البال بطريقة لا تتيح لهم التفكير العلمي لحل ~~المشاكل؟! # أنا أفهم أن يعتقد وزير المالية أن التقديرات الحالية للضرائب على الأدوية غير كافية، ~~وأنه لا بد من رفعها، وهذا حقه، ولكن الذي ليس من حقه أبدا هو أن يصدر قرارا من جانبه ~~وحده بهذا النظام، كان لا بد من دراسة الموضوع من جميع نواحيه والاتفاق مع نقابة الصيادلة ~~وإيجاد حل عادل للمشكلة. # أما هذه القرارات غير المدروسة فقد أدت إلى مأساة لم يكن ضحيتها الوزير ولا الصيدلي، ولكن ~~كان ضحيتها آلاف المرضى المساكين الذين يجوبون القاهرة من أقصاها إلى أقصاها بحثا عن دواء ~~ربو ناقص أو دواء مسكن لمغص مروع وأغلبهم من الفقراء الذين لا يملكون ما يستطيعون أن يدخلوا ~~به مستشفى من مستشفيات الانفتاح وقضاء ليلة تكلفه فوق المائة جنيه من أجل الحصول على ~~الدواء، أما مسألة صيدليات المستشفيات العامة الحكومية فقلبي مع الصديق الكبير الدكتور حلمي ~~الحديدي الذي وجد نفسه - وهو المسئول عن صحة الشعب ودوائه - بين ms87 مطرقة الدكتور صلاح حامد ~~وسندان إخواننا الصيادلة الذين فاجأتهم مطرقته، ولم يكن أمامهم من خيار إلا بأن يستغيثوا ~~بالرأي العام، ويا لها من استغاثة ضحيتها هم المرضى المساكين! # موضوع الضرائب هذا سواء على الصيادلة أو الأطباء أو المحامين أو غيرهم، ذلك الموضوع الذي ~~يصرخ منه الجميع ما عدا تجار المخدرات الذين يربحون الملايين. # مواضيع خطيرة جدا كهذه تتعلق بصحة المواطنين ومدى الترابط القومي بين فئات الشعب، ومدى ~~رضا الشعب عن حكومته، حكومة تتخذ فيها القرارات هكذا عشوائية، كالقرارات الاقتصادية، مع ~~أنها كلها لا بد أن تدخل في صميم رؤيا الحاضر على ضوء المستقبل، ورؤيا المستقبل على ضوء ~~الحاضر، والتجهيز للحاضر والمستقبل بدراسات سريعة عاجلة تأخذ في الاعتبار كافة الأطراف ~~وتتبين كافة المحاذير. # وإذا كانت القرارات الاقتصادية العشوائية قد أضرت ببعض تجار العملة وبعض ملاك الدولار، ~~فالقرارات الضريبية العشوائية تضر ملايين المواطنين الفقراء الذين يئنون حتى مطلع ~~الصباح. # إني أرجو من السيد وزير الصحة أن يسارع فورا إلى التوسط بين نقابة الصيادلة ووزير ~~المالية لإنهاء هذا الوضع الذي تجأر منه الجماهير، لقد رأيت بعيني أكثر من مائة وخمسين ~~مريضا أمام صيدلية الإسعاف وحدها وبعضهم في حالة من الإعياء لا يمكن أن يتحمل الإنسان أن ~~يرى حيوانا يعاني منها. # أرجو أن يفصل هذا ويفض المشكلة، فالموضوع أخطر بكثير مما يتصور الجالسون على كراسي ~~الوزراء، والشعب قد بلغ به التعب الزبى فلا تتركوا له حتى حق الدواء! # غير أن الحديث عن المستقبل لم ينته بعد، فهو موضوع حياتنا اليوم وغدا، حياتنا أو ~~موتنا. # | حتما سأكتب قصتها # أريد أن أكتب قصة؛ قصتها، حديثة جدا وقريبة جدا، فقد وقعت أحداثها خلال أيام قليلة ~~مضت، عرفناها وشاهدناها وأثقلت قلوبنا جميعا بهم من الصعب أن يزول. # قصة حديثة لأني كففت عن قراءة القصص التي تبدأ بكانت الرياح تزوم، والقمر محاقا، والدنيا ~~بين صيف وشتاء، كففت عن قراءة قصص تحدثني عن إنسان يشكو الظلم أو الوحدة أو انعدام ~~الهدف. # كففت عن قراءة قصص الخيال الطفولية، وكأنما تكتب من ms88 أطفال ليقرأها أطفال، كففت؛ لأن ما ~~يدور بنا وأمامنا ونعيشه أصبح أكثر فاعلية بكثير من أي خيال، ومن أي رعب مصطنع، ومن أية ~~كوارث قرأنا عنها في التاريخ. # ماذا يكون شعر الخنساء، أو تكون تراجيديا «أوديب» أو «هاملت» الذي يتأرجح بين أن يكون أو ~~لا يكون؟! كل ما كتبته البشرية بخيالها وتجاربها لا يقارن بما يحدث أمامنا في واقعنا الآن، ~~بل وعلى الساحة من حولنا، وفي العالم. # فهي قصة أبطالها رؤساء دول، وفتيان عرب، وقنابل وطائرات مخطوفة، وسفن مأسورة، وبنات ~~شجعان، ورجال حبسوا فماتوا مخنوقين بجبنهم، قصص بطولات، وعبث أخرق مجنون، ورجال تعصف ~~الأوضاع بأفئدتهم وعقولهم، ورؤساء عرب عناتيل محتمون في جحورهم المحروسة بالدبابات ومحاطون ~~بالمرتزقة، وهم بكل إجرام وجبن يصدرون الأوامر بالاغتيال والاقتتال، قصة دولة عنصرية قامت ~~على المذابح وبالمذابح، وتعيش بالترويع، ودولة كبرى في مساحتها وثروتها، صغرى إلى أدنى حدود ~~الصغار في سلوكها وقيمها، قصة عالم عربي جاءته أعظم رسالات من السماء فأصبح بها ذات يوم ~~أعظم الشعوب، ثم تفجر له من باطن الأرض شيطان أسود يحاول أن ينهش رسالته العظيمة ويلتهم ~~إنسانيته، ولا يبقي له سوى نفس مريضة أمارة بالسوء والجشع واجتثاث الضمير. # أريد أن أكتب قصة، قصتها. # ولكنها ليست قصة مجردة حدثت من فراغ وفي فراغ. # إنها قصة حدثت ودارت في قلب وخلفية الجحيم الذي نحياه. # وأبطالها كلهم وكأنما يساقون إلى مصيرهم وحتفهم بقدر لا يستطيعون منعه أو دفعه أو حتى ~~تحويل مساره. ~~••• # ثلاثة فتية عرب. # أحدهم ولد - حيث يقول - في قرية يحتسي فيها أبوه زيت الزيتون كل صباح ليكتسب الصحة ~~والقدرة وطول العمر والبقاء، ومات هو - الفتى - مجندلا في طائرة مصرية، كان ينوي أن يقتل - ~~وقتل - كل ركابها الذين لا ذنب لهم ولا حول إلا أنهم ركاب طائرة مصرية. # وزميلاه اللذان قابلاه في أثينا، لأول مرة يلتقي الثلاثة، عربا كنا ونبقى عربا، لا يعرف ~~بعضهم البعض، بل حتى لا يعرفون مهمتهم، وإنما بكل براءة وسذاجة وضياع تلقوا الأمر من قائد ~~خسيس؛ لكي ينقذوا فلسطين والقضية، ms89 لكي تكونوا أبطالا خذوا هذه المسدسات والقنابل واخطفوا ~~طائرة العدو المصري اللدود ونفذوا التعليمات. # لم يتوقف أحدهما ليناقش ما علاقة إنقاذ فلسطين بقتل ركاب مدنيين أبرياء؟! وهل الطائرة ~~المصرية التي تقل فلاحين مصريين وركابا أجانب هي طائرة معادية مثل التي تخرق حاجز الصوت ~~فوق بيروت كل يوم، وتدك البقاع دكا دكا، وتمسح قرى ومدن الجنوب اللبناني بلا أي ذرة ~~رحمة أو هوادة. # أبدا، لم يتوقف أحدهما ليناقش نفسه أو قائده، فهو شاب عربي يريد الخلاص، وقد أقنعوه ~~أن الخلاص في اقتناع قيادته، وثقته في تلك القيادة لا حد لها. # فإذا كان قد تشكك أو تردد فإنهم كانوا يقولون له: وهل كان الفلسطينيون في دير ياسين وكفر ~~قاسم وصبرا وشتيلة من العسكريين أم كانوا من الأطفال والنساء المبقورات البطون البارزات ~~الأشلاء والأجنة؟! # إننا نحارب إرهابا بإرهاب، وأعداؤنا إرهابيون سابقون، وهكذا يجب أن نكون لنهزمهم، ~~وننتصر، ونسترد الأرض والعرض، غافلين عن الحقيقة التي يرددها دهاة الصهيونية أنفسهم من أن ~~أخطر شيء على الإنسان أن يتبنى منطق عدوه، وما دام منطق عدوه هو الإبادة والذبح والإرهاب، ~~فهكذا لا بد أن نرد ناسين أن العدو هو الذي يريد بالضبط هذا، فكيانه قائم على الإرهاب ويموت ~~الكيان لو توقف الإرهاب، ولكي يرهب عليه أن يعتمد على بعض الحوادث الإرهابية التي نقوم بها ~~نحوه؛ ولهذا فمن مصلحته القصوى أن يستمر إرهابنا الصغير نحوه ليسدر في إرهابه الكبير هو، ~~ولكن ...! # ولكن تلك طائرة مصرية وركابها معظمهم عرب ... و...! # فيجيب القائد الحكيم الخطير: إن مصر تقود القضية للسلام، والسلام ضدنا، السلام على طريقة ~~عرفات ومبارك وحسين وصدام و242، 338، إنه نفس الطريق إلى الكامب، وإلى الخيانة فاذبحوا ~~الركاب ذبحا، فنحن نريد قطع هذا الطريق، فلو نجحوا لضاعت القضية، ضاعت القضية! أترضون ~~هذا؟! # وبالطبع لا يرضون، وأمرك يا سيدي، هات البنادق والقنابل، وإلى اللقاء المرتقب في أثينا. ~~البطل المجهول الثاني، يوناني أرزقي، عرضوا عليه كذا ألفا لقاء أن يحمل لفافة من طائرة ~~عربية إلى طائرة عربية أخرى رابضة بجوارها تماما. ms90 # يوناني كادح، ماذا يهمه هو، أن تنتقل لفافة مهما كانت محتوياتها، من عربي إلى عربي، أو ~~حتى من يهودي الموساد إلى عربي طالما سيقبض مبلغا من المال يضمن له العيش المريح لعدة ~~سنين؟! ولو علم أن بالطائرة ثلاثة عشر يونانيا سيدفعون بأرواحهم وبأطفالهم ثمن هذه السنوات ~~المريحة، ربما كان قد تردد، ولكن مثلما الحب يعمي ويصم، فالمال أيضا يعمي، خاصة الضمائر، ~~ويصمها. # وهكذا ترتحل الطائرة، حاملة في جعبتها كل متناقضات العالم العربي والعالم عامة، عربا ~~وإسرائيليين وأمريكان، ويونانيين، وحتى فلبينيين وخادمات فلبينيات، لتكمل المأساة. # وهكذا تتحول القضية العربية والفلسطينية من مقالات يدبجها إخواننا الكتاب والمفكرون ~~العرب، مقالات تستهلك مئات الملايين من الكلمات، وآلاف التحليلات والتصورات، ومئات الخطب ~~والتصريحات، تتحول وتصبح كائنات حية، نفذت كل هذه المجاري من الكتابات والتصورات إلى ~~كياناتها الداخلية، وأصبحت الخطب بشرا، وأصبح الاستنكار قنبلة ومسدسا، وأصبحت القضية من ~~كفاح رهيب في سبيل الحق والعدل والحرية إلى أبشع قيم مما قد يحفل بها قلب بشر، ألا وهي أن ~~نأخذ الشخص البريء بذنب المسيء، وأن يواجه الأعزل ويقتل بالسلاح في وجهه وأمام عينيه، لا ~~يصبح في قلب أي إنسان ذرة من بطولة أو شهامة أو إنسانية، إنما هي الكراهية العمياء في أحط ~~صورها، إنما هي الكائن البشري حين يتحول إلى الإجرام وسيلة لحل قضية مقدسة. # في غمضة عين كانت الطائرة مخطوفة. # وكان الأبطال المغاوير الثلاثة قد سيطروا على الموقف تماما وألقوا أبشع أنواع الرعب في ~~قلوب الركاب، وحتى في قلب موظفي الأمن، فما بالك بقائد الطائرة الذي يحس بالمسئولية الأكبر ~~والأضخم. # أمن السهل على أي إنسان أن يجلس إلى هذا المكتب، بعيدا عن المكان والأزمان، مستريح ~~الخاطر إلى أنه في أمان تام، ويتحدث عن هذا الذي حدث داخل الطائرة؟! مستحيل! # إن أي رفة جناح لطائرة عادية، أو أي مطب هوائي تصادفه يسقط قلوب ركابها جميعا، مهما بلغت ~~شجاعتهم، فما بالك والأمر أمر اختطاف، أمر حيوانات بشرية عمياء، في أيديها أسلحة فتاكة، ~~استولت على الركاب والطائرة والمصير، والمصير والطائرة ms91 والركاب معلقون بين السماء والأرض؟! # إن البشر لا يتصرفون بنفس الطريقة في كل المواقف، فالموقف المباغت خاصة لو كان يتهدد ~~صميم حياة الشخص يجعله يتصرف بطريقة لا علاقة لها بتصرفاته العادية أو حتى صفاته، فالشجاع ~~قد ينقلب جبانا، والخائف يتحول إلى جبان أخرق، ومن الإنسان العادي قد يولد بطل، ومن ~~المفروض أنه بطل يتمخض الأمر عن فأر صغير مذعور. # وهكذا، فهناك فارق هائل بين الصورة - ونحن نستعيدها الآن، بعيدا تماما عن حدوثها - وبين ~~الصورة لحظة حدوثها. # فجأة، شل تفكير الجميع، الوحيدون الذين أصبحوا يفكرون هم السفاحون الذين اعتلوا الطائرة ~~وسيطروا عليها، بل أعتقد أن هؤلاء الآخرين كانوا يعانون في داخلهم رعبا قاتلا. # وهنا، وفي مثل هذا الجو، تتجلى بطولة رجل الأمن المصري: مدحت، فأمامه ثلاث قنابل يدوية مصوبة ~~إليه وإلى الركاب، وثلاث فوهات مسدسات، ومع هذا قرر أن يؤدي واجبه، وما دام واجبه أن يقاوم ~~الإرهاب، فليضرب وليتظاهر بإخراج جواز سفره، ويخرج مسدسا معدا، يردي به قائد العملية ~~بثلاث طلقات مفاجئة مصوبة بعناية. # ولكن زملاءه كان لهم تصرف آخر، فقد آثروا الاستسلام وألقوا بمسدساتهم أرضا، هكذا دفعتهم ~~حلاوة الروح والرغبة في النجاة بالنفس، أليس من سخرية القدر، وحكمة المولى أن الذي تصرف ~~بشجاعة وأدى واجبه هو الذي يعيش الآن، بينما هلك زميلاه اللذان آثرا السلامة والاستسلام؟! ~~إنها ليست سخرية أقدار، إنها قانون الحياة، فالبقاء دائما للأشجع، والحرص على الحياة هو ~~بالشجاعة وليس باستهزاء واستكانة، وأكل العيش بالجبن يطيل العمر، كان خالد بن الوليد، رضي ~~الله عنه، أشجع فرسان العرب؛ ولهذا لم يمت أبدا في حرب فقد كان يدخلها فيهزم عدوه ويعيش، ~~ويموت العدو. # أما قائد الطائرة فأعتقد أن مسئوليته كبرى عن الفاجعة التي حدثت ففي حالة كتلك هو مسئول ~~فيها عن مائة إنسان، كان عليه حتى لو كان أشجع الشجعان أن يطيع أمر هؤلاء المجرمين تماما، ~~فإذا أنت قررت أن تقوم بمهمة كالتي كلفوا بها، ووضعت رأسك على كفك، ونويت، إذا حانت اللحظة ~~أن تفجر الطائرة وأنت فيها، فمن أبسط ms92 مبادئ الذكاء أن تطيع إنسانا كهذا طاعة عمياء؛ لأنه ~~يكون في حالة نفسية مستعدا فيها لكي يقامر بأي شيء وبكل شيء. # ولهذا كان قرار الكابتن أن يراوغ ويفرغ بنزين الطائرة ويفرغ إطاراتها من الهواء، كان في ~~رأيي قرارا خاطئا؛ لأنه عرض حياة الركاب للخطر أكثر، فمعنى هذا أنه حدد قدرة التهوية ~~وقدرة الطيران، أي كسح نفسه وطائرته وأرقدها فوق مطار فاليتا لا حول لها ولا قوة. # وقد فسر هو هذا بقوله إنه كان خائفا أن يرغمه المختطفون على التوجه إلى ليبيا حيث يفجرون ~~الطائرة، وهو تفسير قاصر؛ فليس من المعقول - إذا كان المتهم هو ليبيا - أن تقبل تفجير طائرة ~~على أرضها، فمن باب أولى أن يفجرها المختطفون في مالطة، إذا كان في نيتهم التفجير، العكس هو ~~الصحيح، لقد كان من مصلحته ومصلحة الركاب والطائرة أن يتوجهوا جميعا إلى طرابلس حيث تصبح ~~المسئولية مسئولية ليبيا بدلا مما هو حادث الآن من أن الدوائر الإعلامية العالمية تحمل مصر ~~المسئولية عن مأساة الطائرة. # ومن رأيي أن الكابتن أصيب بحالة من الارتباك أدت إلى هذا التفكير الخطأ، وأنا من مجلسي ~~فوق مكتبي هذا لا ألومه، ولست أعرف كيف كنت ولا كيف كان غيري يتصرف إن وضع في هذا ~~الموقف! # الخطأ الأكبر الثاني الذي ارتكبه الكابتن هو مطالبته التدخل بقوات من خارج الطائرة تنقذ ~~الموقف، وإلحاحه في هذا بطريقة تدل على أنه كان يعاني شبه انهيار لا منقذ له منه إلا بقوة ~~خارجية، مع أنه يعلم تماما أن أي تدخل خارجي سيكون على حساب ركابه وعلى حسابه هو شخصيا، ~~وقد تبع هذا الخطأ، وكنتيجة له، سلسلة من الأخطاء، ففي سبيل التحريض على التدخل بالغ ~~القائد في صورة الوضع داخل الطائرة بحيث إن المعلومات التي ذكرها دفعت القيادة العسكرية في ~~مصر إلى سوء تقدير الموقف، وكان القرار بالتدخل. # وهناك طرق علمية للتدخل، منها إدخال الغازات المخدرة، ومحاصرة الطائرة إلى درجة إنهاك ~~مختطفيها حتى لو كانوا يقتلون أحد الركاب بين الحين والحين، أما الهجوم بفرقة صاعقة، ما ms93 ~~أشجع أبطالها هم الآخرون وهم يواجهون خطرا لا يعرفون كنهه! ولكنهم خضر العود والتجربة ~~والإعداد بحيث هجموا على الطائرة وكأنهم قوة أمن مركزي في طريقها إلى فض مظاهرة بالتفجير ~~وقنابل الدخان، والاقتحام بالقوة وحدها، واقتحام قلعة محصنة، يسيطر عليها مسلحون سوف يكون ~~ضحيته بلا أدنى شك الرهائن الأبرياء. # وبقيت بعد هذه القصة التي أريد أن أكتبها: قصة شادية؛ كبيرة المضيفات؛ تلك التي أطلقوا سراحها لتبلغ رسالة إلى المطار ثم تعود إلى الطائرة، وأريد أن أسأل كم ~~امرأة أو فتاة، لا في مصر والبلاد العربية وحدها، ولكن في العالم كله، تقبل، أن تنفذ بجلدها ~~من حصار الخاطفين والاحتمال شبه الأكيد للموت والقتل، تقبل، بعد أن تصل إلى مبنى المطار في ~~سلام أن تقرر وبمطلق إرادتها، بقرار لا رجعة فيه أن تعود إلى حيث الرعب والموت؟! # إنه موقف يفوق في رأيي بطولة الفتيات والرجال الذين يقبلون أن يلغموا أنفسهم ليفجروا ~~معسكرات وقوات العدو؛ ذلك أن هؤلاء الفتيات والرجال مناضلون تربوا تربية ثورية نضالية بحيث ~~يعتبر عمل كهذا من قبيل المهمات القتالية الثورية. # أما شادية، فلم تكن مقاتلة، ولم تكن ثورية، ولم تكن منضمة إلى حزب أو حركة، ولم تكن ~~فدائية، كانت فتاة عادية جدا، تعمل مضيفة، وقد جاء علينا حين من الدهر كنا نعتبر أن ~~الفتاة التي تقبل العمل كمضيفة، فتاة تهوى السفر والمغامرات الشخصية، وها هي واحدة ممن كنا ~~نعتقد فيهن هذا تتبدى لها في لحظة الواجب شخصية الفتاة والمرأة المصرية التي في لحظات الخطر ~~تصبح أكثر تماسكا حتى من الرجل، وتقبل التحدي، وتعود بقدميها إلى حيث ينتظرها الموت ~~المحقق، وقد فعلت، بمنتهى البساطة، ودون تردد، دون ارتعاشة لجفن، أو دمعة تسيل، دون أن ~~يتداعى إلى ذهنها موقف بناتنا في أفلامنا السينمائية ومسرحياتنا اللاتي يرتعشن من رؤية ~~صرصار، ... و... «يفقعن» بالصوت لدى شكهن في وجود لص. # ها هي فتاة مصرية عربية حقيقية، عروس تستعد للزفاف، ناضجة وليست مراهقة في السادسة عشرة ~~أو العشرين؛ إذ هي في الثالثة والثلاثين، تقبل بمطلق إرادتها ms94 أن تذهب إلى الجحيم القابع على ~~أرض المطار دون وجل أو تردد. # لماذا فعلت هذا؟! # إنه الإحساس بالواجب، وبكلمة الشرف، وبالوعد الذي قطعته وخجلها أن تنقضه، نفس هذه ~~الأحاسيس التي هربت من بعض موظفي الأمن في لحظة الجد، فاستحالوا إلى أداة لمساعدة الخاطفين، ~~وجر الجرحى، وإلقائهم من الطائرة، يا لعار بعض الرجال! # ويا لشجاعة بعض النساء! # فالشجاعة ليست رجلا وامرأة، الشجاعة إنسان، رجل أو امرأة، يحس بواجبه، ولا يتردد في فعله. # سأكتب قصتها وليتني أملك ساعتها شجاعتها؛ لأؤدي واجبي ككاتب تجاه فتاة ضربت مدينتها ~~السويس فأبت أن تغادر وهي بعد لا تزال صبية وأدت واجبها تجاه الوطن إلى آخر لحظة في حياتها، ~~وإن هي إلا مثل واحد أضربه لمن لا يزالون يعتبرون المرأة حرمة وعورة وخطيئة وعيبا، من ~~المحتم أن تحتجز كالعار في الحرملكات والمنازل، وتقوم حولها الأسوار؛ لأنها «بطبيعتها!» ~~ميالة للتبذل والتبرج وإشاعة الفتنة في عالم الرجال. ماذا تقولون عن هذه المرأة التي أشاعت ~~«البطولة» في عالم رجالي معظمه تصرف برعونة وتخاذل وجبن؟! # من بين أزيز الرصاص وقنابل دخان الحرائق واستغاثات البشر واختناقات الأطفال والجثث ~~المكومة، الجثة فوق جثة، وحياة بأكملها وأسرها فوق حياة، ومأساة فوق مأساة، تتبدى لنا ~~القضية العربية في صورتها الحقيقية تماما، فهي لم تعد قضية نظرية ومطالبات استقلال أو وطن، ~~وإنما نجح أعداؤنا بالخارج وأعوانهم في الداخل في أن يقلبوها سرطانا داخليا يتمدد في ~~داخل كل مواطن عربي على حدة، يقلبوها حربا على أنفسنا من أنفسنا، وإهدارا لكل قيمة عليا ~~في شبابنا، فلم يعد الفلسطيني فلسطينيا والعربي عربيا، ولكنه أصبح فلسطيني أبي نضال أبي ~~عمار، وعربيا مشرقيا وعربيا مغربيا، ومصريا منبوذا ومخابرات وحرب مخابرات جبانة ~~ورعديدة وطعنا في الظلام، وجهنم أقامها العرب من أجل العرب وبالذات من أجل المصريين، من ~~أجل «ثورة مصر» أي ثورة لمصر تقتل المصريين والعرب وتبيد الفلسطينيين؟! أي ثورة عربية أو ~~حركة أمل أو دروز أو شيعة تحولت إلى عصابات وقطاع الطرق، بأخس الوسائل تتقاتل وتنسف وتبيد ~~بلا أي عقل أو ms95 صواب أو تمييز! # وإذا لم تصدقوا فشاهدوا معي صورة الجثث مرة أخرى وصور حطام الطائرة، وصور الهول الذي قام ~~به العرب، خرب العدو في الداخل والخارج نفوسهم، شاهدوا ذلك الحطام من الصلب والبشر ~~والأشلاء. # شاهدوا أم شادية بملابسها البيضاء في المطار وهي تقول أنا أم البطلة، وشاهدوا مدحت في ~~مرقده بالمستشفى راقدا رقدة أسد نهشته مجموعة فئران مذعورة قامت بأحط عمل جبان في التاريخ. # شاهدوا كل ذلك لتدركوا ما آلت إليه القضية. # ولتدركوا أيضا أنه، رغم كل شيء، ورغم المأساة، ففينا بطلات من النساء وأبطال من الرجال، ~~بل وفينا القدرة الكاملة على أن نحارب وننتصر، أما الإرهاب فلا، فالإرهاب بضاعة إسرائيل ~~وعدتها، والحرب الشجاعة وجها لوجه هي عدتنا. # شاهدوا حطام القضية، وتذكروا جيدا ذلك الحطام. # وهنيئا لك يا إسرائيل! وهنيئا لك يا مستر ريجان الذي بدأت القرصنة وتؤمن بها! # وهنيئا لك يا «أبو» كذا و«أبو» كذا وابن كذا وابن كذا! # أما أنت يا مصر. # أما أنتم أيها الفلسطينيون الأحرار. # أما أنتم أيها الأبرياء الذين راحوا ضحية لا حول لها. # فلكم العزاء. # فالله، سبحانه وتعالى، يمهل ولا يهمل. # وما حادث مصرع 250 جنديا أمريكيا يحرسون إسرائيل في سينا ببعيد، اللهم لا شماتة! ~~ولكن أيها الناس، هناك عدالة إلهية على الأرض، أقسم أن هناك عدالة إلهية على الأرض مع ~~عدالة السماء! ms96