######OpenITI# #META# URI: 1412YusufIdris.HadithatSharaf.Hindawi60953696 #META# Tags: novels #META# ID: 60953696 #META# Title: حادثة شرف #META# AuthorID: 95064085 #META# Author: يوسف إدريس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # محطة‏ # شيخوخة بدون جنون‏ # طبلية من السماء‏ # اليد الكبيرة‏ # تحويد العروسة‏ # حادثة شرف‏ # سره الباتع‏ # محطة‏ # شيخوخة بدون جنون‏ # طبلية من السماء‏ # اليد الكبيرة‏ # تحويد العروسة‏ # حادثة شرف‏ # سره الباتع‏ # | حادثة شرف # | حادثة شرف # تأليف # يوسف إدريس # | محطة # في المحطة الأولى صعد الشاب، واحد من شبان هذه الأيام، القميص «نص كم» ومفتوح مع ~~أننا لا نزال في الشتاء، وشعرات الصدر القليلة بارزة من فتحته، والبلوفر مخلوع ومربوط من ~~أكمامه حول العنق، والسلسلة إياها تارة ملفوفة حول ساعده، وأخرى دائرة بين ~~أصابعه، ونوت المحاضرات راقدة في إهمال تحت إبطه. # وفي المحطة التالية صعدت الفتاة، واحدة من بنات هذه الأيام، نحيفة، قمحية، حتى ~~ابتسامتها قمحية، شعرها ذيل حصان، وصدرها لم يبلغ بعد حب الرمان، ولكن ~~«السوتيان» تكفل بإنضاج حب الرمان، وكانت تمسك في يدها مندوب العائلة؛ أخاها ~~الصغير، الموفد - لا بد - لحراسة الحمل النحيف من قطعان الذئاب. # وأتوبيساتنا مزدحمة، ودائما مزدحمة، حتى ليخيل لي أننا لا نعتبر ازدحامها مشكلة، ~~ولكننا نعده مفخرة قومية كالأهرام وأبي الهول، سنظل نحتفظ بها إلى أبد الدهر. # وكان الأوتوبيس مزدحما، ومزدحما بالرجال الكبار، كلهم يرتدون السترات الغامقة، ~~وأربطة العنق الوقورة، الجالسون جالسون في أدب واتزان، والواقفون واقفون، رغم تلاصقهم ~~وازدحامهم، في جد وحزم، حتى حين كان الأوتوبيس يهوي بالواحد منهم ويجعله يتأرجح كالدائخ ~~ذات اليمين وذات اليسار، كان يفعل هذا في جد ووقار أيضا، وبوجه صارم الملامح ~~والقسمات. # والسيد الجالس بجواري كان هو الآخر من هذا الصنف الوقور الحازم، بل كان واضحا أنه ~~أكثر الركاب جدا ووقارا؛ إذ كان هو الوحيد الذي يرتدي بالطو فوق بدلته، مع أن ~~الصباح كان جميلا مشرقا يغري الإنسان بالمشي عاريا تحت أشعة الشمس. # وحين صعد الشاب، صعد مبتسما، ولكن أحدا من الرجال الكبار لم يعبأ به أو ~~بابتسامته. # وحين صعدت الفتاة، صعدت مبتسمة، ورمقها الرجال الكبار ذوو السترات بنظرات سيئة النية، ~~ولكنهم اطمأنوا حين وجدوا أنها في أعمار بناتهم أو دون ذلك، وأنها لا تصلح ~~للفراش، بل لا «يليق» أن ترى ms001 مع أحدهم في الشارع؛ ولهذا سرعان ما صرفوا النظر عنها وعن ~~ابتسامتها! # ولكن جاري أعلن رأيه بصراحة، فقد شعرت به يتململ داخل البالطو حين صعدت الفتاة، ~~وما لبث أن عقد ملامحه وقال في شبه غمغمة مستنكرة: «ودي إيه اللي يخليها تركب في ~~الزحمة دي كمان؟! قلة أدب!» # وكدت أنا الآخر أصرف النظر عنها، لولا أن حدث شيء؛ نفس الشيء الذي يحدث كلما صعد ~~إلى عربة الأوتوبيس راكب جديد، فقد تقلقلت صدور، واصطدمت بطون، واستعملت الأكتاف ~~للمرور، وتبودلت كلمات الاعتذار بالإنجليزية والفرنسية والعربية والبلدية، وحدثت حركة ~~تنقلات وترقيات بين أصحاب الأمكنة، وحاول كل منهم أن ينتهز الفرصة ويحتل المكان ~~الذي طال حلمه به. # وكان من نتيجة تلك الحركة، أن جاءت وقفة الشاب الصغير بجوار الفتاة الصغيرة، وجاءت ~~وقفتهما بجوار المقعد الذي أحتله أنا والسيد جاري. # ورمق كل منهما الآخر بنظرة سريعة لا هدف لها ولا معنى، لم تغير من الابتسامة ~~التي صعد بها كل منهما، بل لم يلحظها أحد من ركاب العربة. # وكنت قد عانيت الأمرين من السيد جاري، فمنذ أن جلس بجواري وهو لم يكف أبدا عن ~~الحركة، ولا عن التعليق، ولا عن إعطاء الأوامر الخاصة للسائق حين تدخل العربة في مأزق، ~~أوامر يقولها بينه وبين نفسه: «اطلع يا جدع»، «خد يمينك»، «سواق نيلة.» # وأنا لا أحب أن يناديني أحد بكلمة: «السيد»، لست أدري لماذا، تصور اسمك مقرونا ~~بلقب «السيد»، حتما ستحس أن شيئا فيك قد تغير أو تجمد، أو أنك أحلت مثلا ~~إلى الاستيداع، ولكن هناك أناس تحس أن لقب: «السيد فلان» يناسبهم جدا، وكان ~~جاري من هذا الصنف، لا تملك حين ترى طربوشه وتكشيرته ومعطفه والشعر الأبيض في ذقنه التي ~~تحلق يوما بعد يوم إلا أن تقول له: يا سيد، وإن لم تقلها له غضب، ولهذا فهو الذي ~~يبدؤك باللقب حتى لا تنسى أن تعيده إليه إذا حادثته. # كان واضحا أنه يحب الأصول، والأصول أن لا يأخذ الناس على بعضهم بسهولة، ومع هذا فمنذ أن ~~جلس بجواري وهو ms002 لا يعاملني بالأصول أبدا؛ فقد احتل وحده أكثر من ثلثي المقعد، ومع ~~هذا ظل كوعه مغروزا في جنبي يكاد يخرج حجابي الحاجز، وكان قد قرأ من جريدتي أضعاف ما ~~قرأته منها، وحين قررت حلا للإشكال أن أعطيها له ألقى عليها نظرة سريعة ثم ~~طواها وردها لي، وما كدت أفتحها حتى وجدت وجهه يتسلل من فوق كتفي ويعاود ~~القراءة، ولعله لمح فيها دواء مقويا «للأعصاب»، ثم إن عينه لم تغفل عني لحظة، حدق ~~في وجهي مرات، ربما ليرى إن كنت أحمل شبه إحدى العائلات التي يعرفها، وحين أخرجت محفظتي ~~لأدفع، جرد كل محتوياتها بنظراته الجانبية، واشمأنط حين وجدها شبه خالية، حتى حذائي لم ~~يسلم من تحديقاته، ربما ليعرف إن كان نعله جديدا أم مجددا أو ليدرك نوع جوربي وحالته ~~الداخلية، ومن كثرة خجلي أدخلت قدمي تحت المقعد لأريحه وأريح نفسي. # ولم ينقذني من نظراته إلا مجيء الشاب الصغير والفتاة الصغيرة؛ فقد تركني وتحول ~~إليهما. # ولأنني كنت بعيدا عن النافذة، لم يعد أمامي لكي أقطع الوقت إلا أن أنظر في وجوه ~~الركاب، ولم تفلح هذه التسلية لقطع أي وقت، فقد كفتني نظرة واحدة إلى الوجوه لكي ~~أدرك أنها نسخ متفاوتة الإتقان من جاري العزيز، وهكذا لم يعد أمامي إلا أن ~~أراقب الشاب الصغير والفتاة الصغيرة. # وبدأت أجد في مراقبتهما تسلية عظمى. # فقد لمحت ابتسامة الشاب الطبيعية يرتجف سطحها قليلا قليلا، ويتغير شكلها، ~~ويصبح لها معنى خاص مضى يمسح به وجه الفتاة وشعرها وجسدها وحتى ملابس أخيها ~~الصغير. # المسألة فيها إعجاب إذن. # وكان إعجابا، مجرد إعجاب، غير موجه إلى الفتاة بعينها، ولكن إعجاب أي شاب صغير بأي ~~فتاة صغيرة. # ولكن الأمور بدأت تتطور. # فقد اتسعت ابتسامته حتى شملت وجهه كله، وبدأت السلسلة تضطرب في يده، وأصابعه ~~تتجاذبها بلا وعي وفي عصبية. # وقلت في نفسي: عظيم! إنه يريد أن يكلمها. # وأن ينظر الشاب إلى فتاة مسألة سهلة، وأن يبتسم لها مسألة أسهل، أما أن يكلمها، فتلك ~~هي المشكلة، المشكلة التي شغلت جيلنا كله أيام ms003 أن كنا طلبة في الكليات وشبانا ~~حديثي التخرج، كنت لا تجد شابا منا إلا ولديه مشكلة من هذا النوع، وكل يوم ~~ينتحي بك صديق من أصدقائك ركنا ويسوق مقدمات طويلة، ويدعي أول الأمر أن المشكلة ~~خاصة بشاب آخر، ثم ينفجر في النهاية قائلا: أحبها يا أخي، وأعبدها، وهي جميلة، وأراها ~~كل يوم، وتراني، وأجلس بجوارها في المدرج أو في الأوتوبيس وأبتسم لها كثيرا، وأحيانا ~~يخيل إلي أنها تبتسم لي، فدبرني، ماذا أصنع؟! # وتجد أن الحل في غاية السهولة، فتقول: كلمها يا أخي، كلمها، ولا بد أن يضحك ~~مستشيرك ضحكة هستيرية مغتصبة ويقول: «وجبت إيه من عندك؟! ما انا عارف، إنما ازاي؟ إزاي ~~اكلمها؟!» # ولا تظن أن مستشيرك هذا قد فتح صدره لك وحدك باعتبارك صديقه الحميم، فلست ~~إلا واحدا من عشرات وربما مئات، حدثهم، وكاشفهم، وخبط رأسه في الحائط أمامهم ~~وهو يقول: «المشكلة كيف أكلمها؟!» وتظل المشكلة معلقة شهورا طويلة وربما سنين، أحد ~~زملائنا ظل يحب زميلة له خمس سنوات بأكملها، دون أن يجرؤ على مخاطبتها، وحين جمع شجاعة ~~الدنيا وذهب يحادثها، ألقى على مسامعها الجمل الخمس التي كان قد جهزها، ثم ~~استأذن منها وغادرها في الحال، حتى قبل أن تفتح هي فمها وترد. # ونفس الوضع لدى الفتيات، ولكنهن لا يملأن الدنيا عويلا وصراخا كما يفعل ~~الشبان، هن يصمتن على نار، والمشكلة تحيرهن، وصدورهن العذراء تحترق احتراقا داخليا ~~لا تطفئه دموع، ولا تنهدات، وتؤججه الأغاني والروايات، وكل جنس يريد الآخر، ويراه، ~~ويلمحه، وليس بينه وبين الآخر مسافة، ومع هذا فهناك حائط زجاجي سميك لا يدري أحد من ~~أقامه ولا يجرؤ أحد على كسره. # ولكن جيلنا أفاق، فوجدنا إخوتنا الصغار، وأطفال جيراننا، وأولاد المعارف، قد ~~استطالت أجسامهم فجأة، واخضرت شواربهم، وكشفوا الصدور والسواعد، وبدأت أصواتهم ~~تتغير، وبدأت إذا حاولت أن تمنع الواحد منهم عن مناقشتك قال لك: «إزاي؟! أنا مش ~~عيل، أنا راجل زيي زيك!» # وكان الشاب لا يزال يبتسم في غموض وحيرة، ويحرك رأسه ليأخذ وجهه أوضاعا مختلفة، ~~وينظر إلى ms004 قدميه مرة، ثم يسرح فجأة ويتأمل سقف العربة، ويمسك بعامود الأوتوبيس، ويقبض ~~عليه بشدة لكي تبدو عضلات ذراعه المنتفخة ثم يرمق بقية الركاب، ويتململ محرجا، ويعود ~~ينظر إلى الفتاة، تلك النظرات الخاصة. # وابتسمت، كان الشاب الصغير واقعا في نفس المشكلة التي لم نجد لها حلا، ترى هل لم ~~يجدوا لها هم الآخرون حلا؟ ارتباك الشاب واضح، وأتحداه إن كان يستطيع أن ينجح فيما ~~فشلنا فيه! # كان لا يزال يحاصرها بنظراته ورغباته الخرساء، ويحاول أن تلتقي أعينهما ~~ليكلمها بعينيه، وكانت الفتاة واقفة بجواره تماما، ولكنها لم تكن تنظر إليه، كانت ~~عيناها مركزتين على رأس أخيها الصغير، ومع هذا كانت تبتسم بطريقة ما، ابتسامة تحس معها ~~أن الفتاة وإن كانت لا ترى نظرات الشاب الموجهة إليها وتدعي أنها لا تحفل بوجوده، ~~ومع ذلك تحس من الطريقة التي تبتسم بها أنها تدرك وجوده، وتشعر أنه يحاصرها ~~بنظراته، وأنه حائر مرتبك متردد، وكأن لها ألف عين غير مرئية، تنقل لها بطريقة خفية ~~كل ما يحدث عن كثب منها. # وبدأت أنفعل، وكأني أشاهد مباراة للأشبال. # وبدأ قلبي يدق، ويتمنى أن يبقى كل شيء على ما هو عليه، وأن يبقى الشاب مرتبكا ~~مترددا، وأن تبقى الفتاة صامدة كالقلعة الحصينة، حتى ولو لم تكف عن ابتساماتها التي ~~لم يكن لها أي مكان في أوتوبيس مزدحم كهذا. # واكتشفت أنني لست وحدي الذي يشهد الصراع، فقد التقت نظراتي المتلصصة بنظرات ~~السيد جاري وهي تؤدي نفس المهمة، وطبعا كان اللقاء مخجلا لكلينا، وعقد جاري ~~ملامحه حتى أصبحت أكثر جدية وخطورة، وادعى أنه ينظر أمامه، نظرات دوغري لا يمكن أن ~~يلومه عليها أحد، ولم يمنعه هذا طبعا من أن يحرك عينيه في محجريهما خلسة ليشهد ما ~~يدور هناك، وكذلك لم يمنعني خجلي من أن أجعل نظراتي تسترق الخطى هي الأخرى في دوريات ~~استطلاعية متقاربة، كنا فقط نتحاشى أن تلتقي أنظارنا، وإذا التقت - لسوء الحظ - ~~طلى كل منا وجهه بقشرة سطحية مبتسمة، وادعى أنه فقط ينظر ببراءة إلى وجه الرجل ~~الأفطس الواقف ms005 قريبا من الشاب والفتاة سابحا في ملكوت من صنعه. # ظللت أنا وجاري نلعب لعبة «الاستغماية» هذه حتى حدث شيء. # فقد وقف الأوتوبيس ثم تحرك. # وكعادة الأوتوبيس إذا وقف ثم تحرك حدثت الاصطدامات التي لا بد منها بين كل جار ~~وجار، والتقت الوجوه مبتسمة ومعتذرة. # وكذلك التقى وجه الشاب بوجه الفتاة، وابتسم الشاب معتذرا. # وقبلت الفتاة اعتذاره باسمة. # وأعتقد أن قلوبنا نحن الأربعة قد دقت بعنف. # وازدادت حركة الشاب، حتى حذاؤه، كان يتحرك بتردد وعصبية، وكأنما يحاول أن يجد له ~~مكانا بين الأحذية الضخمة الكثيرة المتراكمة حوله، ولم تكف عضلات وجهه عن التغير، ~~تنقبض وتنبسط وترتجف، وأحيانا يبتسم فجأة بلا سبب، ثم يلتفت إلى الفتاة وكأنه يهم ~~بعمل شيء، ولكنه سرعان ما يرتد وبه بعض الشحوب. # والفتاة كانت قد أمسكت بيد أخيها الصغير، بعد أن كان هو الذي يمسك بيدها، وراحت ~~تضغط عليها ضغطات منتظمة، بينما وجهها قد اتخذ زاوية معينة لا يحيد عنها. # أما جاري فقد راح يتأفف من الحر، ولكن يبدو أنه أحس بأن الأمور سوف تتطور ~~حالا، فقد ترك خجله مني جانبا، واستدار بوجهه كلية إلى حيث يقفان، ولم يرفع عينيه منذ ~~تلك اللحظة عنهما أبدا. # وعلى حين بغتة، استدار الشاب مرة، وحمل وجهه ظرفا كثيرا، وأعاد اعتذاره إلى الفتاة عن ~~الصدمة السابقة في همس خافت، بدا لي كأنه نجوى. # ولم ترد الفتاة هذه المرة، ولكنها خفضت رأسها واحمر وجهها. # وازداد اضطرابي. # وازداد أكثر حين عن لأحد الركاب الواقفين، وكان سمينا ذا كرش عظيم، أن يغير من ~~وقفته، فتحرك حتى أصبح جسده الضخم يحول بيننا وبينهما، وكان اضطراب جاري أفظع، ~~ورحنا نحن الاثنين نصوب للرجل وكرشه نظرات نارية ملتهبة تكاد تخرقه أو تذيبه لكي نستطيع ~~العودة إلى متابعة المشهد. # ويبدو أن الرجل أحس من نظراتنا أننا نتهمه بتهمة أبشع من مجرد التستر، فقد وقف ~~محرجا مرتبكا لا يدري ماذا يفعل ليرضينا، وسرعان ما خف الجار إلى نجدته فقال ~~له بصوت جاد آمر: «ما تتفضل حضرتك تخش جوه، فيه ms006 وسع جوه، اتفضل جوه، ~~مضايق نفسك ومضايق الناس ليه؟! ما دام فيه وسع نضيق على نفسنا ليه؟!» # وتحرك الرجل وهو يشكر للجار نصيحته. # وعدنا إلى مسرح الأحداث، وعاد وجه جاري يحفل بالاستمتاع والنشوة. # وخفت أن أكون قد عدت متأخرا كثيرا، ولكن حمدا لله، كل ما كان قد حدث أن ~~الفتاة قد رفعت رأسها، وأن الشاب كان قد مد ذراعه الأيسر ليمسك عامود الأوتوبيس، ~~فأصبح ذراعه لصق شعرها. # ولمحت فمه يرتجف، لا بد أنه يجرب كلمات ما قبل أن ينطقها، وأحسست بالارتياح، ~~هكذا كنا نفعل، ولكننا كنا حين نوجد في حضرة الفتاة تتسمر الكلمات على أفواهنا ولا ~~ننطق. # ولكن الشاب هز نفسه، وقال في همس ملح: «أنا شفت حضرتك في الجامعة، في الآداب؟ ~~مش كده؟!» # وما كاد ينتهي من آخر كلماته حتى كان وجهها في حالة غضب كامل، وحتى كانت قد استدارت ~~إلى الناحية الأخرى في اشمئزاز ظاهر، بينما راحت يدها تتابع ضغطها على يد الأخ ~~الأصغر، والمسكين يحاول أن يخلص يده من يدها بلا فائدة. # وصحيح أني لم أسترح إلى الطريقة التي غضبت بها؛ فقد غضبت بسرعة غير عادية، ~~وكأنها كانت تتوقع أن تحدث محاولة كهذه، ثم لماذا تلك الضغطات العصبية على يد مندوب ~~العائلة؟ # ومع هذا رحت أرمق الشاب الصغير في شماتة، وتوقعت أن وجهه لا بد أن يحفل ~~حالا بالبياض والعرق؛ ففي أمثال هذه المناسبات كانت صدمتنا تمتد إلى أسبوع، وربما ~~أكثر. # ولكني لم أجد في وجهه شحوبا ما، ولم أجد نقطة عرق باردة واحدة، وجدت ابتسامته ~~لا تزال كما هي، وكل شيء فيه كما هو، وكأنه هو الآخر كان يتوقع هذه الغضبة الأولى، ~~وقلت لنفسي: لا بد أنه من الصنف البارد «التلم»، ولكني أدركت أني ظلمته، فلم يكن ~~يبدو عليه برود أو تلامة، كان شابا عاديا جدا، لا تحس به جريئا ولا خائفا، ولا ~~واسع الحيلة أو قليل الدهاء. # وفي أيامنا كنت تقتلنا ولا نستطيع أن نكرر المحاولة، وكنا لا نعمل شيئا طوال أيام ~~كثيرة إلا أن ms007 نستعيد دقائق ما حدث في المحاولة الأولى، ونهوي إلى آبار خجل لا قرار ~~لها، ونظل نؤنب أنفسنا، ونلعن من أشار علينا، ونسب الدنيا والحظ وأحيانا نفكر في ~~الانتحار. # أما الشاب الصغير فقد اقترب مرة أخرى منها وهمس في إلحاح جديد: «الله! مش المدموازيل في ~~الآداب؟!» # ولم تتحرك شعرة واحدة فيها، وكأنها لم تسمع. # وبدأت أتفاءل. # ولو كنت مكانه لهبطت من الأوتوبيس في الحال، ولظللت أهيم على وجهي في الشوارع حتى ~~أنسى مرارة الفشل، ولكنه، قبل أن يختفي صدى الجملة الثانية، كان قد اقترب بوجهه من ~~وجهها للمرة الثالثة، اقترب كثيرا، وهمس في عصبية: «حضرتك رايحة هناك؟» # وظل رأسها ثابتا في مكانه، ووجهها ثابتا على وضعه، ونظراتها مركزة على رأس الأخ ~~الأصغر، شفتاها فقط اشتد ضغطها عليهما حتى برزتا إلى أمام في شبه احتقار، وصحيح أني ~~كنت أتوقع من فتاة غضبت في أول محاولة أن تصنع شيئا أكثر من هذا في ثالث محاولة، ~~ولكن من الطريقة التي ضغطت بها شفتيها أحسست أن صبرها قد فرغ، وأن الويل له لو ~~حاول مرة أخرى. # وحاول، اقترب منها كثيرا، وكادت السلسلة تنقطع في أصابعه وهو يهمس بسرعة وفروغ صبر: ~~«لازم رايحة البيت؟» # وكتمت أنفاسي في انتظار النتيجة. # وبدا أنه فشل في هذه المرة الأخيرة أيضا، لولا ... لولا ذيل الحصان اللعين، فقد لمحته ~~يهتز، خيل لي أول الأمر أنه يهتز اهتزازا طبيعيا، ولكن أبدا، كان اهتزازه عن ~~عمد، وعن سبق إصرار، وكانت تقول به: «أيوه.» # وفي الحال، وقبل أن تغير رأيها، قال بسرعة وانتصار: «في الجيزة! مش كده؟!» # وقالت هذه المرة بلسانها، وقد انتقل الخجل من وجهها إلى ابتساماتها: «أيوه.» # وكدت أوجه لكمة إلى رأس مندوب العائلة الذي كان واقفا يتفرج على الشارع من خلال ~~النافذة في بلاهة منقطعة النظير. # ولكني لم ألبث أنا الآخر أن رحت أتطلع مثله، وقد تركت جاري العزيز مستغرقا في ~~المشهد الذي يدور أمامه دون أن ينبس بحرف، ووجهه لا يزال يحفل بالنشوة والمتعة! # وحين عدت من رحلة يأسي، كانت ms008 الأمور قد تطورت بسرعة، وكان الشاب يحادثها بصوت ~~الواثق من نفسه، بصوت الرجل الظافر حين يهتك حجب الخجل عن أنثاه في إصرار. # وكانت قد تركت يد الأخ الأصغر وراحت يدها اليسرى تقضم أظافر اليمنى وتعبث بها، ~~بينما الأخ يحاول أن يجذب يدها ليعود يمسكها بلا فائدة، وكان ذيل حصانها يهتز ~~باستمرار، اهتزازات أفقية، ورأسية، وبيضاوية، ودائرية، وأحيانا يرتعش، فقط يرتعش، شعراته ~~المنضمة إلى بعضها في حزمة ترتعش، وتتباعد قليلا، ثم تعود إلى الانضمام. # ولم أعد كثير الحماس لسماع ما يدور بينهما، جاري كان هو المتحمس، وكان من فرط ~~حماسه قد مد رقبته على آخرها حتى كادت تصبح له أذن عند فم الفتى وأخرى عند فم ~~الفتاة. # وحين عدت كان الشاب يتحرك كمن يستعد للنزول، فقال لها وكل عضلة في وجهه وذراعيه ~~تنتفض وتشجعها: «خلاص!» # واهتز ذيل الحصان اهتزازات رأسية كثيرة متلاحقة. # وعاد وهو يقول: «أوعي تنسي النمرة.» # واهتز ذيل الحصان اهتزازات أفقية تنفي بها. ~~- «طب كام؟!» # وواجهته بعيون مرتعشة وقالت: «مش 899؟!» # ثم سكتت وخجلت وأطرقت، وبسرعة عادت تقول: «899592.» # وتهلل وجهه فرحا، وكاد يعانقها قائلا: «برافو! إيه ده؟! دا انتي داهية! ح تكلميني ~~إمتى؟!» ~~- «يمكن بكره.» ~~- «لأ، النهارده.» ~~- «أما اشوف.» ~~- «النهارده!» ~~- «طب، النهارده.» # وخيل إلي أنه يكاد - لولا الناس - يقبلها، بل لم أستبعد أن يفعلها، فقد كان ~~واضحا أنهما لا يحسان كثيرا بكل ما حولهما. # وقال الشاب هامسا: «بس حاسبي، أخويا صوته شبهي تمام، إوعي تغلطي فيه! ابقي اتأكدي ~~إني أنا اللي برد.» ~~- «أتأكد إزاي؟» ~~- «لما أقول أنا أحمد ردي.» ~~- «اسمك أحمد؟» ~~- «أيوه، وانتي؟!» # وأطرقت، وارتفع ذيل الحصان في الهواء كثيرا، وكأنها ترفع راية الخجل، وغمغمت باسم ~~لا يمكن أن يسمعه أحد، ولكن الولد لقطه وسمعه، عرفت هذا حين قال: «اسمك حلو ~~قوي!» # ثم أردف بجرأة: «زيك.» # وسحب جاري رقبته الممتدة بسرعة وكأنما لسعته ولعة سيجارة، أو كأنما أحس أن الشاب ~~يغازله هو، غير أنه لم يلبث أن أعاد رأسه إلى وضعه في الحال؛ حتى لا تفوته ~~كلمة. # وكان الأوتوبيس يستعد ms009 للوقوف في محطة الجامعة، وكان الشاب هو الآخر يستعد للنزول، ~~وقبل أن يأخذ طريقه إلى الباب همس: «لولا المحاضرة مهمة، كنت وصلتك! خلاص؟» ~~- «خلاص.» ~~- «النهارده؟» ~~- «النهارده.» ~~- «فاكرة النمرة؟» ~~- «مش ح انساها.» ~~- «طب كام؟» # وخجلت من نفسي وأنا أحاول أن أنافس الفتاة وأجهد ذاكرتي لأتذكر الرقم، ولكني ~~فشلت. # وقالت الفتاة بسرعة وكأنها جهاز تسجيل: «مش 899592؟!» # وقال الشاب في انبهار: «برافو، أنا ح اقعد طول النهار جنب التليفون، أوريفوار»، وتدفقت ~~الدماء إلى وجنتيها ترد. # وهبط الشاب، وبشعاع واحد من عينيها ودعته، واطمأنت على جمال مشيته، ثم عادت ~~يدها تتسرب في وهن وهيام وتسمح ليد الأخ الأصغر أن تقبض عليها وتفعل بها ما ~~تشاء. # ولست أدري كيف أدركت وهي في قمة حالتها هذه أن محطتها هي التالية، فقد وجدتها بعد ~~قليل تجذب يد أخيها، وتأخذ طريقها إلى الباب. # وما كاد جسدها النحيل يختفي في الكتلة البشرية المتزاحمة قرب الباب حتى أفاق جاري من ~~نشوته في الحال، وما لبث أن ارتفع صوته، وراح يضرب كفا بكف، وينظر إلى بقية الركاب، ~~وكأنما يستنجد بهم ويشهدهم ويقول في غضب حقيقي: «أما كلام فارغ صحيح وقلة أدب! البلد ~~خلاص باظت! انفلت عيارهم! إيه ده؟! لازم يوقفوا في كل أوتوبيس عسكري من بوليس الآداب! ~~لازم يقاوموهم زي ما بيقاوموا النشالين، دي مسخرة دي! دانا شايفه بعيني بيمد إيده ~~عليها، مش كده يا أستاذ؟! والله، لولانا كان مد إيده عليها وهي ساكتة، دا إجرام ده! ما فيش ~~بوظان بعد كده! دانا سامعه بودني بيديها نمرة تليفونه، بودني! كده واللا لأ يا ~~محترم؟! كده واللا لأ؟! وكل ده في محطة واحدة، دا لازم القيامة ح تقوم! والله، يمكن قامت ~~فعلا! لازم القيامة قامت!» # | شيخوخة بدون جنون # في صباح كهذا مات عم محمد. # والذي ضايقني أن كل الناس كانوا يأخذون خبر موته على أنه مسألة مفروغ منها، مسألة لا ~~تحتمل بكاء ولا تأثرا، أو حتى مصمصة شفاه. # يومها بدأت العمل بالتصديق على شهادات الميلاد، وكل يوم كنت أبدأ عملي بالتوقيع على ms010 ~~هذه الشهادات حتى يصبح المولود من هؤلاء مواطنا رسميا معترفا به من الدولة، والواقع ~~أن عملي كمفتش صحة طالما ذكرني بسيدنا رضوان، فإذا كان عمله هو حراسة الآخرة، فلا أحد ~~يدخل فيها إلا بإذنه ولا أحد يغادرها إلا بتصريح منه، فأنا الآخر أحرس الدنيا، لا ~~يدخل فيها أحد ولا يقيد وارد ومولود إلا بإمضائي، ولا يعتبر الواحد قد خرج من ~~الدنيا ومات إلا إذا وافقت أنا على هذا. # كنت أبدأ باعتماد الشهادات، ثم يقف سرب طويل من الأمهات أمامي لأكشف على أذرع ~~أطفالهن وأرى إن كان التطعيم قد نجح أم لا، نفس الأطفال الذين كانوا من فترة لا تتجاوز ~~سنهم الأربعين يوما مجرد شهادات ميلاد، الآن أصبح لهم عمر، وبدأت لهم مشاكل. # والحق أني كنت، رغم مضايقات العمل الكثيرة، أحس بنشوة وأنا أزاول عملية «المناظرة» ~~تلك، الأطفال كلهم صغار وفي عمر واحد كأنهم باقة من أزهار الفل الصغيرة السن أشمها كل ~~صباح، كلهم صغار، وكلهم حلوين، وصراخهم مهما علا فهو رقيق لا يؤذي السمع، وأيديهم ~~بضة صغيرة، وأظافرهم دقيقة تحب أن تقبلها، ورفساتهم فيها كل نزق الحياة وروعتها، ~~والأمهات، أمهاتهم، كلهن أيضا حديثات الزواج وصغيرات، وكلهن فرحات بأطفالهن، ~~مبالغات في الحرص عليهم، ولفهم في سبع لفائف، قادمات - لا بد ~~- من الصباح الباكر إلى مكتب الصحة وقد تجمعن ~~وارتدين أحسن ما لديهن، وخططن حواجبهن وتكحلن، ووجوههن صابحة تلمع ~~بالنظافة، وكلامهن صاف لا ضغائن ولا نقار ولا خناق، ولكنه أنثوي عذب، فيه كل ~~دلع المصريات المؤدب الذي لا يزيد عن الحد، وفيه كل خجلهن. # يقف الطابور أمامي، وعلى ذراع كل أم صغيرة طفل صغير، ولا يستقيم الطابور أبدا، ~~فكل واحدة تنخلع منه لتختلس النظر إلى ملابس الأخرى، أو لتقارن بين ابنها - اسم الله عليه ~~- وحجمه وسمنته، وابن التي أمامها أو خلفها، مقارنة لا تحمل سوى حب الاستطلاع، ووالله، ~~ليس فيها حسد، ومع هذا فكل واحدة تحاول إخفاء ابنها عن الأخرى مخافة العين، فتزيد من عدد ~~اللفائف، وتحيط عنقه الأبيض بالأحجبة وأسنان الذئاب ms011 ، ولا بد أنها حين تعود إلى البيت ~~ترقيه وتبخره، وحين تصل الواحدة أمامي ترتبك وهي تحاول أن تستخرج اليد الدقيقة من ~~الكم الدقيق، وكم هو جميل ذلك الكم! ويبدو أن كل شيء صغير جميل، ترتبك وهي تستخرج ~~الذراع، ذراع طولها طول الإصبع، ولكنها مشاكسة، وقبضتها مضمومة في إصرار، وكأنما ~~تتوعد الدنيا وتتحداها، ويرتفع الصراخ، صراخ هذه المرة غاضب أحمق، وحمقه حبيب، وكم ~~كان يؤلمني الجرح الحديث من التطعيم! الجرح البشع السخيف الذي يشوه البشرة الناعمة ~~البضة. # وينتهي الطابور، وتنتهي المناظرة، ويخف ازدحام المكتب، وتختفي أصوات النساء بكل ~~ألوانها ولهجاتها ونبراتها لتبدأ ضجة أخرى تعلو وتعلو، ضجة ليس فيها أنوثة النساء ولا ~~رجولة الرجال، ضجة الفتيان الصغار والفتيات، الذين كانوا من سنين قليلة مجرد أطفال على ~~أذرع أمهاتهم في طابور المناظرة، ولكنهم قادمون على أرجلهم هذه المرة وبأنفسهم؛ إذ هم ~~التلامذة الذين يريدون شهادات من المكتب لتقبلهم المدارس، والعمال الصغار والعاملات ~~الذين جاءوا لإقرار أن سنهم تزيد عن الاثني عشر عاما لينطبق عليهم قانون تشغيل ~~الأحداث، وبهذا يمكنهم أن يبدءوا معركة أكل العيش بعرق الجبين، وطابور هؤلاء لا ضجة فيه ~~ولا صخب، فهم يقفون صامتين، مستغربين، عيونهم تحدق في الناس والأشياء بدهشة وذهول، وفي ~~صدورهم خشوع الداخل إلى عالم ثان مجهول. # وقبل أن ينتهي طابورهم تكون ثمة ضجة أخرى قد بدأت تتجمع في الخارج، ضجة فيها ~~زعيق وعصبية، وأيمانات مغلظة، وكلمات مكتومة تتناثر عن الظلم والعدل والإنسانية والحكومة ~~والوقت الضائع، ضجة الرجال، ضجة لا تهدأ حتى بعد أن يوقفهم التومرجي طابورا، وتنكمش ~~قبضته الواسعة على النفحات الضئيلة التي يجود بها البعض، ويهز رأسه مئات المرات وهو ~~يؤكد لهم أن كله بالدور، وأنهم حتما سيأخذون الإجازات التي يريدونها وسينجحون بإذن الله ~~في الكشف الطبي، وأن الدكتور خالد طيب وابن حلال، ومزاجه اليوم عال العال، وعلى العين ~~والرأس أعمارهم ستقدر وحاجاتهم ستنقضي، بس شوية صبر، والصبر يا إخواننا من ~~الإيمان. # ويدخل طابور الرجال، طابور عمره ما وقف طابورا، طابور لا تلمح فيه سوى ms012 وجوه رجال قلقة ~~تملؤها عجلة السباق المجنون للاستحواذ على الرغيف وانتزاعه من أفواه الآخرين، وجوه ~~خربشتها الحياة وخشنتها وجرحتها، والجراح لا تزال يقطر منها الدم. # وحين تبلغ الساعة العاشرة أنتهي من عالم الأطفال والفتيان والكبار لأدخل في عالم آخر، ~~عالم الموتى، وللأموات هم الآخرين عالمهم ومشاكلهم، والميت لا ينتهي أمره أبدا ~~بموته، فقد يثير بوفاته أضعاف أضعاف المشاكل التي أثارها بحياته، فإذا كان عقاب أهل ~~المولود إذا هربوه إلى الدنيا بلا تصريح أو شهادة ميلاد هو الغرامة جنيه، فعقاب أهل ~~المتوفى إذا هربوه من الدنيا ودفنوه بلا تصريح هو الحبس والسجن، وإذا كانت الحكومة لا ~~يهمها كيف يعيش الإنسان طالما هو حي، فهي توليه العناية القصوى إذا مات، والقانون ~~لا يسأل أبدا كيف عاش، ولكنه يصرخ بأعلى صوته: كيف مات؟ # وإذا كان المعروف أن بعض الظن إثم، فالمشرع يرى أن كل الظن فضيلة عظمى؛ فأي إنسان ~~يموت لا بد أنه مات مقتولا ما لم يثبت عكس ذلك، وأنا الذي كان يقع على عاتقي إثبات ذلك ~~العكس، فعلي أن أكشف على كل متوفى وأعاينه وأفحصه وأشمشم وأرتاب، حتى إذا ما اطمأن ~~قلبي خمنت السبب التقريبي لوفاته، وقيدت ذلك في الشهادة، وفي لحظتها فقط يصبح من حق ~~الميت أن يدفن ويتوكل على الله إلى العالم الآخر. # في الساعة العاشرة كنت أبدأ عملي مع الموت، وأول من كنت أراهم في هذا العالم هم صبيان ~~الحانوتية حين يدخلون ويتجمهرون أمام المكتب، وكان عم محمد أحد هؤلاء الصبيان، وأول الأمر ~~لم أكن أستطيع تمييزه من بينهم؛ فقد كانوا جميعا متشابهين، وإذا كان الصبيان في العادة لا ~~يمكن أن تتعدى أعمارهم مرحلة الصبا، فأولئك كانوا أغرب صبيان؛ إذ إن أصغرهم لا بد قد ~~تجاوز الخامسة والستين من زمن طويل، كلهم عواجيز، وكبرهم ليس من ذلك النوع الصحيح السليم، ~~مثل الموظفين المحالين إلى المعاش مثلا أو المتقاعدين، الذين تجدهم قد ابيضت شعورهم ~~حقيقة، وتجد وجوههم فيها تجاعيد وظهورهم قد أصابها الاعوجاج، ولكنك تحس إذا نظرت إلى ~~الواحد ms013 منهم أنه رجل كبير في السن ليس إلا، هناك نوع من الكبر يمسخ الكائن الحي، ويحيله ~~إلى هيكل هش مرتجف، هذا الوجه الإنساني المتناسق التقاطيع، المرتب القسمات يستحيل إلى ~~زبيبة، مجرد زبيبة جافة مكرمشة لا يمكن أن تقول أبدا إنها كانت حبة عنب حمراء مملوءة ~~بالدم والحياة في يوم من الأيام. # كان صبيان الحانوتية كلهم من هذا الطراز، الطويل فيهم قد زاده الكبر رفعا وطولا، ~~والقصير قد زاده العمر الطويل قصرا. # ودائما وجوههم ضامرة، غلبانة، جلدها خشن مجعد، وذقونها بيضاء نابتة، ونظراتها كليلة، ~~والعين الواحدة لا بد مصابة بأكثر من داء، ولهم ملابس «شغل»؛ جلاليب قديمة ممزقة قد تختلف ~~أنواعها وألوانها ولكنها قصيرة كجلاليب التلامذة لا تتعدى الركبة، ولهم غطاء رأس واحد، ~~فلكل منهم عمامة عبارة عن خرقة، أي خرقة، ملتفة حول طاقية، أي طاقية، أو حتى يتعمم بها ~~على اللحم. # كنت ما أكاد أراهم حتى يخالجني الضحك؛ فقد كانوا يبدون بأعمارهم تلك وعاهاتهم وملابسهم ~~وعمائمهم ككائنات غريبة عن عالمنا هبطت لتوها من كوكب آخر كل ما فيه شائخ ~~وعجوز. # وكان عمل هؤلاء «الصبيان» يبدأ من اللحظة التي تطلع فيها روح الميت، تماما كالملائكة؛ ~~فإذا كان الملائكة يتولون حمل الروح إلى السماء «كعابي» أو على مراكب الشمس، فصبيان ~~الحانوتية يتكفلون بالجثة حتى يغيبوها في باطن الأرض، وقد يبدو للبعض أن عمل ~~الحانوتية أسهل، ولكنه في الواقع أصعب مائة مرة من الصعود بالروح إلى السماء! ويبدو للبعض ~~أنه عمل بغيض، والواقع أنه ليس بغيضا ولا يحزنون، إنه مجرد عمل كغيره من الأعمال، وإذا كنا ~~نعمل فقط من أجل أن نأكل، فكل عمل بغيض، وكل عمل شغل، وكل شغل كار، وكل كار له أصول. # والأصول أن معلم الحانوت الكبير هو الذي يجلس في الدكان يتلقى بلاغات الوفاة، ويقابل ~~الزبائن، ويقبض العربون، وفي أحوال نادرة يتولى بنفسه غسل الكرام. # أما الصبيان فهم الذين - حين يتم الاتفاق - يذهبون جريا في جري، إلى بيت المتوفى، ~~ويتولون معاينته وخلع ملابسه، ثم يجري الواحد منهم إلى مكتب ms014 الصحة قبل فوات الميعاد، ~~ثم يعود جريا في جري مستصحبا الطبيب، ثم يجري إلى الحانوت، وإلى الدكان أو العطار، ~~وبأذرعه النحيلة يحمل الميت إلى المغسلة ويلبسه الكفن، ويسخن الماء ويدلقه، ويضع ~~الميت في النعش، وقد يساهم بقسط كبير في حمل المتوفى إلى الجامع والمدافن، والنعش له ~~ذراع خشبية طويلة غير ممسوحة أو مهذبة تستقر فوق عظمة الطوق العجوزة التي لا يغطيها لحم ~~فتكاد تقطعها، والنعش ثقيل، والمسافة دائما طويلة، وما أفظع الصيف، والمصيبة الكبرى لو كان ~~الميت من أصحاب الأوزان الثقيلة. # في الساعة العاشرة يدخل علي صبيان الحانوتية ويتجمهرون أمامي وتمتد أذرعهم الجافة ~~العجوزة ببلاغات الوفاة، وكل منهم ينافس الآخر في إغرائي، وكل منهم يحاول أن أذهب ~~معه أولا لأكشف على متوفاه وأصرح له بالدفن لينجز عمله قبل فوات النهار. # وكنت ما أكاد أراهم حتى تنتابني آلاف المشاعر والرغبات، أقواها جميعا رغبتي في أن أضحك، ~~ولم أكن أدري بالضبط لماذا يراودني الضحك، ولكن شيئا ما في تركيب صبيان الحانوتية ~~هؤلاء كنت لا أكاد أراه حتى أضحك، لا من الصبيان، ولا من تزاحمهم، ولكن من الحياة ~~نفسها، ذلك الشيء الرائع الجميل الذي نتشبث به بكل ما نملك من قوة، تلك الحياة أحيانا ~~تضحك، وكنت لا أكتفي بالضحك بل كان لساني يتحرك، أحيانا يسخر، وأحيانا يتفلسف، ~~وأحيانا يقول شيئا تافها لا معنى له، وفي أغلب الأحوال كنت أقول «للصبي» الذي اكتسح ~~زملاءه في سباق الأيدي وأصبح أمامي مباشرة: «وانت، ان شاء الله، ح نكتب شهادة وفاتك انت ~~إمتى؟!» # وكان الصبي الشيخ حينئذ يضحك، وضحكهم ليس كضحكنا، فالواحد منهم ينظر إلى الأرض، ويمط ~~رأسه، ويعض على نواجذه، وتتسع عيناه قليلا، ثم تخرج: «هه، هه»، تخرج من حنجرة جافة ~~شائخة لم تعد تقوى حتى على الضحك. # كانوا في العادة يضحكون كلما سألتهم ذلك السؤال، غير أني قلت لأحدهم شيئا كهذا مرة ~~فلم يضحك، واستغربت؛ فالعادة قد جرت أن يضحك الجميع لكلامي سواء أرادوا أم لم يريدوا؛ ~~إذ كل منهم كان يحاول إرضائي، استغربت وأمعنت ms015 النظر في «الصبي»، ولم أجده يختلف عن ~~بقية زملائه في قليل أو كثير، فقد كانوا جميعا متشابهين، كما يتشابه الأطفال حديثو الولادة ~~في طابور المناظرة، وكأنما يبدأ الناس متشابهين، وينتهون متشابهين، كل ما استطعت أن ~~ألحظه من فرق أن عينيه الاثنتين كانت عليهما غشاوة رمادية داكنة كسحب الشتاء، وقلت له: ~~«مالك؟!» # كان لا بد أن في الأمر شيئا، فقال ووجهه إلى الأرض: «يا ريت الواحد مات بدالها!» ~~- «بدال مين؟» ~~- «مش بنتي تعيش أنت!» ~~- «ماتت؟!» ~~- «أيوه، امبارح، هب فيها الوابور وماتت في المستشفى.» # ولم أصدقه، فقد قال هذا دون أن يتغير الانفعال الذي لا يبرح وجهه، وسألت «معلمه» ~~لأتأكد، ومعلمه لم يكن رئيسه فقط، ولكنه يرأس ثلاثة صبيان شيوخ آخرين من صبيان حانوته، ولم ~~يكن رجلا ضخما له شوارب كعادة «المعلمين»، كان شابا في الثلاثين، حليق اللحية والشارب، ~~لونه برونزي قاتم، وملامحه شديدة الخطورة، ومع هذا كان فهلويا مضاحكا ورث الحانوت حين ~~مات أبوه بعد أن لف ودار، وتجمعت له كل حداقة اللف والدوران، ومن حركاته وطريقة ابتسامته ~~تحس أنه ولد لا تفوت عليه الواحدة، وإذا فاتت فبخطره فقط ورضاه، ورغم صغر سنه فقد كان ~~يرتدي الزي التقليدي للمعلمين الكبار: طربوشا وجيها فاقع الحمرة، وجلبابا من الصوف تحته ~~قفطان من الحرير يبدو قيطانه الأسود من فتحة الجلباب، وحذاء أسود أنيقا، وفي يده سبحة ~~كهرمان. # سألته فأكد لي أن ما قاله الرجل صحيح، وأن بنته ماتت حقيقة في المستشفى، وقد أصبح ~~بموتها وحيدا مقطوعا من شجرة. # وصعب على عم محمد جدا وهو واقف وقفته المنحنية المائلة، وكأنما تجذبه إلى الأرض قوة ~~عاتية تستعجل اللحظة التي تواريه داخلها، واقف لا يبكي، ولا يدمع ولا يهز رأسه ولا ~~ينهار. # وقلت له: «معلهش يا عم محمد! البقية في حياتك.» # وتنبهت وأنا أقول له هذا إلى أني أخمن فقط أن اسمه عم محمد وأنني لا أعرف اسمه ~~الحقيقي، ولا أعرف إن كان محمدا أو عليا أو سمعان، كنت أناديهم جميعا بيا عم محمد، ~~وكانوا من فرط ms016 تواضعهم وأدبهم يردون، وكأن لم يعد مهما لدى الواحد منهم أن يمتلك ~~اسما، وضغم عم محمد الكلمات وهو يرد ويقول: «يا ريت الواحد كان مات بدالها!» # ونحن كثيرا ما نسمع تعبيرا كهذا يردده الناس في مناسبات كهذه، ولكننا نأخذه على محمل ~~التأثر الشديد لا غير، ولكن طريقة عم محمد في قوله كانت لا تقبل الشك، وكان واضحا ~~تماما أنه يعني ما يقول. # ومن يومها بدأت أهتم بالرجل، بل بدأت أهتم بكل عم المحمدات من أمثاله، وعرفت ~~السر في كبر السن الذي يبدو شرطا أساسيا من شروط العمل كصبي حانوت، فمعظمهم كانوا ~~فراشين في مدارس، أو سعاة في مصالح، أو عساكر بوليس، أو خدمة سايرة، ثم أحيلوا إلى ~~المعاش والاستيداع بعد أن بلغوا السن، وقضوا السنوات التي أعقبت الإحالة يزاولون ~~أعمالا أخرى، ثم حين تنهد قواهم تماما ويبلغون من العمر أرذله، ولا يعودون يصلحون ~~لأي عمل آخر، لا يصبح أمامهم مجال لكي يأكلوا العيش إلا العمل كصبيان حانوتية، هذا إذا ~~ساعدهم الحظ وكان هناك محل خال؛ إذ هي صنعة لا تتطلب قوة كبيرة، وأجرها ضئيل لا ~~يرضى به أحد، لا يرضى به إلا عجوز على شفا الموت ضعفا وجوعا. # ومع هذا، ومع درجات العمر التي بلغوها، وفي تلك السن التي لا يستطيع العجوز فيها أن يفعل ~~شيئا إلا أن يستلقي فوق فراشه وينتظر الموت، مع هذا فما أكثر ما كانوا يتعبون ~~ويشقون! # وعشرات الرحلات قطعتها مع عم محمد. # وقبل أن تبدأ الرحلة لا بد أن تحدث المسرحية التي تتكرر كل أسبوع، فعم محمد مستعجل ~~ويريد أن ينتهي من أخذ تصريح الدفن بسرعة ليتفرغ لغيره من المشاكل، وليرضي المعلم ~~ويريه، كأي صبي، شطارته، ولهذا فهو لا يريد أن أكشف على المتوفى لأن معنى ~~الكشف أن أذهب إلى بيته، والرحلة تستغرق وقتا طويلا، هو يريدني أن أمضي له التصريح ونحن ~~في المكتب، ولكن الأوامر هي الأوامر، وعلي أن أكشف على المتوفى قبل التصريح، ويتحمس ~~عم محمد جدا وهو يقسم بأغلظ الأيمان أن الوفاة ms017 طبيعية، وألا جناية هناك ولا شبهة، ~~وأنه بنفسه قد خلع ملابس المتوفى وفحصه وجذب شعره وحملق في عينيه وتحسس عظامه، ~~وأنه لا يريد سوى راحتي فقط، وأهز له رأسي علامة الرفض، فيهز رأسه علامة اليأس، ~~ويجري أمامي ويقول: «على كيفك يا بيه! اتفضل!» ونمشي قليلا، ثم يتوقف عم محمد ويعود ~~يقول: «والله يا بيه، دا راجل كبير في السن، وما فيه إلا شيخوخة بدون جنون.» # و«شيخوخة بدون جنون» تعبير اصطلح على إطلاقه على سبب الوفاة حين يكون المتوفى كبير ~~السن وليست هناك علامات مرضية أخرى تصلح سببا للوفاة، وتضاف كلمة: «بدون جنون» لأسباب ~~قانونية تتعلق بميراث المتوفى والمشاكل التي تنشب بين الورثة حوله، هذا، إذا كان قد ~~خلف ثروة فعلا وعقارا. # وهذا الاصطلاح قد شاع وانتشر بين أطباء الصحة وموظفي المكاتب والحانوتية لدرجة أنه لم يكن ~~من المستغرب أن يقترحها عم محمد كسبب للوفاة! # يتوقف عم محمد ويحاول محاولته الأخيرة تلك، ولا يجد لها صدى عندي فيعود يجري ويسبقني ~~ليريني الطريق إلى بيت المتوفى، والمنطقة آهلة بالسكان والبيوت والذباب، وكل شيء قد ~~يخطر على البال، الناس أكثر من البيوت، والبيوت أكثر من الفضاء، والذباب بمعدل مليون ~~ذبابة لكل قاطن، والأشياء مكدسة مزدحمة، وكأنما كومها فوق بعضها مستعجل لا وقت ~~لديه. # وعم محمد رجلاه رفيعتان مقوستان، وعرقه يسيل، وحجمه ضئيل أصغر من قرد عجوز، يكافح ~~ليلاحق خطوي، ويكافح ويكافح ليصبح أمامي، ويزيح الناس حتى يدبر لي مكانا محترما ~~أمر فيه، ويصنع من نفسه عسكري مرور ويوقف عربات الكارو، ويأمر باعة الخضار بالكف عن ~~تشويحات الأيدي والزعيق حتى يمر «البيه»، ويلهث، ويحدثني، ويسليني، ويلعن الخلق والزحمة ~~ومن يخالفون أوامره ولا يفسحون الطريق، ويقول: إن الخير زال، وأيام زمان كان الموتى ~~على قفا من يشيل، وكانت الأشيا معدن، ويلهث، وأسأله وقد بدأت أنا الآخر ألهث، عن ~~المتوفى وبيته، وهل لا يزال بعيدا فيقول: «خطوتين بس»، وأخطو عشرات الآلاف من الخطوات، ~~ولا يظهر بيت ولا ميت، وموكبنا الصغير يدلف من شارع إلى زقاق ، ومن ms018 زقاق إلى خندق وحارة، ~~أسوأ موكب، ما إن يرانا الناس حتى ترتفع الهمسات: «يا فتاح يا عليم! على الصبح! يا ترى مين ~~مات النهارده؟!» # وعم محمد يجري أمامي ومن خلفي وعلى جانبي، خائف خوف الموت أن أزهد وأزهق فأؤجل الكشف إلى ~~ما بعد الظهر أو الغد، وتكون الكارثة. # وأخيرا جدا نصل إلى بيت المتوفى، وقبل أن نصله يستميت عم محمد وهو يأخذ ثوبه في ~~أسنانه ويضاعف من جريه ليسبقني ويوسع السكة. # وما أكاد أضع قدمي على الباب حتى تدوي عدة أصوات ينخلع لها قلبي، ثم يرتفع تعديد: ~~«جالك الحكيم يا ضنايا!» وكأن القادم هو عزرائيل! ولكن عم محمد لا يأخذ باله من هذا، يرتفع ~~صوته صارخا على ضعفه: «وسعي يا بنت انتي وهيه! اتفضل يا بيه، ياللا بلاش لكاعة! يا ~~خويا النسوان الكتيرة دي بتيجي من أنهي داهية؟! اتفضل يا بيه.» # وتتسلل أكوام السواد والملاءات التي كانت تملأ حجرة البيت، تتسلل إلى اليمين وإلى ~~اليسار تنقب في وجه الحكيم وتتأمله وتعلق. # ولا بد أن تأتي اللحظة التي تخلو فيها حجرة المتوفى، ولا يبقى معه سوى القريب القريب ~~وعم محمد وأنا. # فيندفع عم محمد وهو لا يزال يلهث من المشوار والجري ويكشف عن الميت غطاءه، ويقول وكأنه ~~يريد أن يثبت لي براءته وأنه كان على حق في أن الوفاة طبيعية: «أهه يا بيه، زي ~~الفل أهه، والله، ما فيه جنس حاجة، أدي صدره أهه، وأدي بطنه، وأدي بقه أهه، نضيف زي الصيني ~~بعد غسيله، وأدي شعره أهه.» # ويجذب عم محمد شعر الميت ليريني أنه لم يمت مسموما، وإلا لتساقط الشعر في يده، ~~يجذب الشعر بقوة وعصبية فهو يريد أن يخلص، والظهر اقترب، ويقول له أهل المتوفى: «حاسب!» ~~فيقول: «حاضر، أحاسب غصب عن عين أبويا أحاسب! وأدي الرجلين يا سعادة البيه.» # ويرفع ساقي الميت ويقول: «والله، ما في إلا شيخوخة بدون جنون، وأدي ضهره.» # ويحاول عم محمد أن يقلب الميت لأرى ظهره، ويستعين بالسيدة والحسين وكل الأولياء، ولكنه لا ~~يستطيع، فيكش فيه ms019 المعلم ويهب قائلا: «إوع يا شيخ! جك تربة تلمك.» # ولكن عم محمد لا يتنحى، بل يظل في مكانه يساعد معلمه في قلب الميت ولو برفع ساق أو عدل ~~يد. # وحين ينتهي الكشف ونخرج تبقى أنظار عم محمد معلقة بملامحي وكأنه ينتظر نتيجة امتحان، ~~ولا يتنفس الصعداء إلا حين أمضي التصريح فيأخذه وكأنه نعمة هبطت لتوها من ~~السماء، ويعض على نواجذه وتتسع عيناه وكأنه يبتسم ويقول: «مش برضه شيخوخة بدون جنون ~~يا بيه؟! مش قلتلك؟! أنا كنت بس عامل على تعبك.» # ثم تنطلق سيقانه المقوسة الرفيعة تجري وتسبقني إلى المكتب. # ومرة لمحت في عين عم محمد دمعة؛ دمعة صغيرة دقيقة وكأنها آخر دمعة في حصالة عينيه، ~~وكانت على أثر قلم سريع خاطف ناله من المعلم، كان قد ارتكب خطأ ما؛ إذ حين ذهبت لأكشف ~~على متوفى لم يكن قد خلع عنه كل ملابسه، وقبل أن ألوم المعلم على هذا الإهمال أو ~~أؤنبه، كان هو قد هوى بكفه على صدغ عم محمد في صفعة سريعة خاطفة وكأنما ليقرر ~~بها أن الذنب ذنب صبيه، ويريني أن العقاب قد أنزل ولم يعد هناك داع لكلمة لوم ~~واحدة مني، وتولاني غضب جامح، أما عم محمد فالعجيب أنه لم يثر، ولم يحتج، ولم ~~يترك الغرفة، بل وقف ويده مثبتة فوق مكان الصفعة، وعلى وجهه إحساس بالذنب، تماما كما ~~يفعل أي صبي صغير حين يخطئ ويعاقبه المعلم. # وذهبت إلى المكتب مرة فوجدت حشدا كبيرا من العم محمدات، وكانوا يبدون إذا وقفوا ~~معا وسط ما يحفل به المكتب من نساء صغيرات وأطفال ورجال، يبدون كقبضة من قش الأرز في وسط ~~باقة من الزهور، وكانوا إذا وقفوا معا لا يتحدثون كما تفعل جماعات الناس، بل يقفون ~~ساكتين صامتين وكأنهم من طول ما تكلموا في أعمارهم الطويلة قد ملوا الكلام. # واستغربت؛ إذ لم أتعود وجودهم في جماعات كبيرة كتلك، وما إن رآني المعلم الشاب حتى ~~أقبل هاشا باشا متهلل الوجه مصبحا بالفل والياسمين والقشطة ومقبلا الأيادي، ولم ~~يسلم الأمر من ms020 ضحكة عريضة جوفاء رددها، ثم بدا عليه تأثر مفاجئ وضم قبضته على بطنه ~~وقال: «اسكت يا شيخ!» ~~- «إيه؟!» ~~- «مش الراجل مات!» ~~- «راجل مين؟» # قلتها وأنا أكاد أضحك، فقد كان من عادة المعلم أن يحدثني عن أشياء لا أعرفها وكأني ~~أعرفها، ولكنه قال: «الصبي بتاعنا.» ~~- «عم محمد؟!» ~~- «تعيش انت.» # وفي الحال اتخذت سيماه طابع العمل وقال: «بس والنبي يا دكتور، عايزين تخلص لنا تصريح ~~الدفن بتاعه بسرعة، إنت عارف، الدنيا صيف، وده راجل عضمة كبيرة.» # وضحكت، فلم أصدق أن عم محمد مات حقيقة، فقد كان معي بالأمس يجري أمامي وخلفي وعلى ~~جانبي، ثم لما تصورته ميتا ضحكت، لا لأني لم أحزن، ولكن لأن هناك نوبات من الحزن ~~تأتي على هيئة ضحكات، ثم إن معلمه كان يستعجل تصريح دفنه بنفس الطريقة التي يستعجل بها ~~تصاريح الزبائن! # وقال المعلم وهو يستحثني: «هيه يا بيه! قلت إيه؟» # فقلت: «بقى الراجل يعملها ويموت؟!» # فقال المعلم: «أيوه، ولولا ربنا بعت لنا صبي غيره كانت بقت وقعة النهارده!» ~~- «صبي غيره؟!» ~~- «أهه، تعال يا جندي.» # وجاء جندي، عجوز آخر طاعن في السن، ولكنه لم يكن قد ارتدى الزي الرسمي بعد، فعلى ~~رأسه كان ثمة طربوش قديم قد انهار وتكوم في كتلة لا شكل لها ولا معنى. # وقال المعلم: «امضي لنا التصريح بقى يا بيه.» # فقلت له: «لا، أنا لازم أروح أشوفه.» # فعاد يقول: «يا بيه، هو غريب؟! ما أنت عارفه! أنا بس عامل على تعبك، هو أنا ح أضحك عليك؟! ~~دا راجل مسن، صرح لنا من هنا وخلاص، شيخوخة بدون جنون، والله، ما في غيرها.» # وتطوع أكثر من صبي من صبيان الحانوتية والواقفين بالرجاء والإلحاف ومساندة المعلم، ~~كانوا زملاء الفقيد قد جاءوا بلا ريب تدفعهم الرغبة لعمل شيء للزميل الراحل. # غير أني أصررت على الذهاب ولو لألقي على عم محمد نظرة الوداع، فللرفقة حق، ولقد كان ~~رفيق الطريق. # وبعد قليل غادرنا المكتب للكشف على عم محمد. # وكان موكبا رهيبا، كنت في المقدمة وبجواري المعلم وقد رفع ذيل جلبابه ms021 بيد وراح ~~يحدثني بيده الأخرى وبأصابعه وهزات رأسه عن «خرجة» عم محمد، وكيف سيخرجه هو على ~~نفقته مع أن الوقت غير ملائم والدنيا على كف عفريت. # وخلفنا كانت جمهرة العم محمدات. # وكان الموكب رهيبا إلى الدرجة التي توقف الحركة في الشارع وتدفع الناس إلى التساؤل عن ~~الميت الهائل الذي يتطلب الكشف عليه هذا العدد العديد من الحانوتية وصبيانهم. # وكان البيت الذي يقطن فيه عم محمد بعيدا عند سفح الجبل، وعبارة عن حوش واسع، في وسطه ~~كومة هائلة من الزبالة وحولها حجرات أكثرها منهار، ومع هذا فلكل حجرة سكان وقاطنون. # ولم يثر مقدمنا ضجة ولا صراخا ولا صخبا، كان كل شيء هادئا وكأن لم يمت ~~أحد، كل ما حدث أن بعض الكلاب هبهبت فصرخ فيها المعلم وأبعدها. # وكانت الحجرة مظلمة لا يضيئها غير النور الداخل من الباب، وكان عم محمد راقدا بجوار ~~الحائط ومغطى بأوراق جرائد ألمانية قديمة لا يدري أحد كيف جاءت إلى هذا المكان. # وزعق المعلم في «الصبي» الجديد: «اكشف يا جدع.» # وانحنى الصبي الشيخ بسرعة، وأزاح الجرائد ويده تهتز وترتعش، وبدا عم محمد ممددا ~~وميتا ووجهه إلى الحائط كالتلميذ المذنب، كان ممددا بنفس ملابس الشغل وجسمه الصغير يكاد ~~يتكور على نفسه وقدماه اللتان طالما لفتا الدنيا جريا في جري، كانتا مسكينتين ~~وعليهما حذاء سميك من الطين الجاف والتراب. # وقال المعلم: «أهه، ما فيش حاجة بتاتا، اقلب يا جدع، اقلبه على ضهره وريه ~~للبيه.» # ومد الصبي العجوز يديه وحاول قلب الجثة ففشل وحينئذ رأيت وكأن عم محمد ينبري له ~~من ميتته وينتفض مستديرا بطريقته الخفيفة النشطة: «أوعى يا جدع، جك تربة تلمك! أنا هه، ~~اتفضل يا بيه، أنا اللي أقلب نفسي، بس كان لزومه إيه تعبك يا بيه؟! أنا هه؛ نضيف زي الفل، ~~ما فياش صنف حاجة، آدي يا سيدي، رجليه أهه.» # ومد عم محمد رجليه، فبدتا كجريدتين رفيعتين من جرائد النخل وقد نزع عنهما ~~السعف. ~~- «وآدي جسمي أهه.» # وخلع ملابسه بسرعة، ووقف في وسط الحجرة عاريا كما ولدته ms022 أمه، وبدا جسده جافا ~~ناشفا، ليس فيه درهم واحد من اللحم، ويبدو أن الإنسان كالنبات؛ يولد بذرة ويظل ينمو ~~وتخضر أوراقه، ثم يزدهر في شبابه وتنفتح وروده، ثم ينضج وتتكون له الثمار في ~~الرجولة، وبعد ما يخلف ويؤدي رسالته في الحياة ويصبح عجوزا يحدث له ما يحدث للنبات بعد ~~قطف ثماره فيجف، وتبرز عظامه، ويتناقص لحمه حتى ينتهي إلى شيء كعود القطن الجاف بعد جمعه، ~~ومضى عم محمد يقول وهو يستدير ليستعرض جسده: «مش قلتلك يا بيه! عضمة كبيرة، وآدي دراعه ~~أهه.» # وحاول عم محمد جذب ذراعه فلم يستطع؛ إذ يبدو أن الروماتيزم الذي كان يشكو لي منه دائما ~~قد جففها تماما وجمدها، فتركها عم محمد يائسا وانتقل إلى رأسه: «وآدي الراس.» # رأس قد صغر الكبر حجمه حتى استحال إلى جمجمة كروية صغيرة، فكها الأسفل يلتوي إلى ~~أعلى، والأعلى يلتوي إلى أسفل، وملامحها كلها تكاد تنشفط داخل الفم. ~~- «وآدي الشعر أهه.» # وجذب عم محمد بكلتا يديه الشعرات القليلة المتبقية في رأسه. ~~- «وآدي رجليه أهه.» # ومد أقداما شاحبة جدا، وكأنها ماتت من عشرات السنين. # ويبدو أن المجهود الذي بذله في عرض نفسه قد أنهكه، فقد قال وهو يعود إلى رقدته، ~~ويعود إلى مواجهة الحائط: «كنت ريحت نفسك يا بيه، ما قلتلك، والله، ما في إلا شيخوخة ~~بدون جنون.» # وعدت إلى نفسي على قول المعلم: «هه، قلت إيه؟» # فقلت له: «غسل.» # وفي الحال بدأت حركة هائلة في الحجرة، وخلع المعلم جلبابه الصوف، ووقف كالقبطان تصدر منه ~~الأوامر. # وبعد قليل كان عم محمد قد استقر في النعش، وكان النعش محمولا على أكتاف الزملاء ~~«التربية»، وكانوا يتمايلون به وهم يغادرون البيت بلا صوت واحد يدوي ويودع عم ~~محمد، أو صرخة. # وما كاد المعلم يطمئن إلى أن كل شيء قد انتهى، وأنه قد قام بواجبه وأخرج صبيه على ~~خير ما يرام، حتى فوجئت به يتراجع ويجلس على قرافيصه بجوار الحائط، ويخفي رأسه بين ~~ركبتيه، ويخرج صوته خشنا مكتوما يتخلله البكاء: «يا ولداه! يا عم محمد!» ms023 # وبعد أن ذهبت نوبة بكائه، رفع رأسه وقال بعينين محمرتين وقد تذكر الرسميات: «مش ~~مضيت له التصريح يا دكتور؟» # وهززت رأسي، فعاد يقول: «مش برضه ...؟» # فقلت: «أيوه، شيخوخة.» # ومسح دموعا تكونت في عينيه وهو يقول: «بدون جنون؟» # فأجبته: «أيوه، بدون جنون.» # | طبلية من السماء # أن ترى إنسانا يجري في شارع من شوارع منية النصر، فذلك حادث، فالناس هناك نادرا ما ~~يجرون، ولماذا يجرون وليس في القرية ما يستحق الجري؟! المواعيد لا تحسب بالدقائق ~~والثواني، والقطارات تتحرك في بطء الشمس، قطار إذا طلعت، وآخر حين تتوسط السماء، ~~ومع مغيبها يفوت واحد، ولا ضجيج هناك يثير الأعصاب ويدفع إلى التهور والسرعة، كل شيء ~~بطيء، هادئ عاقل، وكل شيء قانع مستمتع ببطئه وهدوئه ذاك، والسرعة غير مطلوبة أبدا، والعجلة ~~من الشيطان. # أن ترى واحدا يجري في منية النصر، فذلك حادث، وكأنه صوت السيرينة في عربة بوليس النجدة، ~~فلا بد أن وراء جريه أمرا مثيرا، وما أجمل أن يحدث في البلدة الهادئة البطيئة أمر ~~مثير! # وفي يوم الجمعة ذاك، لم يكن واحد فقط هو الذي يجري في منية النصر، الواقع أنه كانت هناك ~~حركة جري واسعة النطاق، ولم يكن أحد يعرف السبب، فالشوارع والأزقة تسبح في هدوئها ~~الأبدي، وينتابها ذلك الركود الذي يستتب في العادة بعد صلاة الجمعة حيث ترش أرضها بماء ~~الغسيل المختلط بالرغوة والزهرة ورائحة الصابون الرخيص، وحيث النسوة في الداخل مشغولات ~~بإعداد الغداء والرجال في الخارج يتسكعون ويتصعلكون إلى أن ينتهي إعداد الغداء، وإذا بهذا ~~الهدوء كله يتعكر بسيقان ضخمة غليظة تجري وتهز البيوت، ويمر الجاري بجماعة جالسة أمام ~~بيت فلا ينسى وهو يجري أن يلقي السلام، ويرد الجالسون سلامه ويحاولون سؤاله عن سبب ~~الجري، ولكنه يكون قد نفذ، حينئذ يقفون ويحاولون معرفة السبب، وطبعا لا يستطيعون، ~~وحينئذ يدفعهم حب الاستطلاع إلى المشي، ثم يقترح ~~أحدهم الإسراع فيسرعون ويجدون أنفسهم آخر الأمر يجرون، ولا ينسون أن يلقوا السلام على ~~جماعات الجالسين، فتقف الجماعات ولا تلبث أن تجد نفسها تجري هي الأخرى. ms024 # غير أنه مهما غمض السبب، فلا بد في النهاية أن يعرف، ولا بد أن يتجمع الناس في مكان ~~الحادث بعد قليل؛ فالبلدة صغيرة، وألف من يدلك، وقبل أن تلهث تكون قد قطعتها طولا ~~وعرضا. # وهكذا لم يمض وقت طويل حتى كان قد تجمع عند الجرن عدد كبير من الناس، كل من في ~~استطاعته الجري كان قد وصل، ولم يبق مبعثرا في الطريق غير كبار السن والعواجيز الذين ~~آثروا التمشي حتى يبدوا كبارا في السن، وحتى يبدو ثمة فرق بينهم وبين الشبان ~~الصغار والعيال، ولكنهم كانوا أيضا يسرعون وفي نيتهم أن يصلوا قبل فوات الأوان، وقبل ~~أن يصبح الحادث خبرا. # ومنية النصر كغيرها من بلاد الله الواسعة تتشاءم من يوم الجمعة، وأي حادث يقع فيه لا بد ~~أنه كارثة أكيدة، ليس هذا فقط، بل إنهم، مبالغة في التشاؤم، لا يجرءون على القيام بأي عمل ~~في هذا اليوم بالذات، مخافة أن يصيبه الفشل، وعلى هذا تؤجل الأعمال كلها إلى يوم السبت، ~~وإذا سألت: لماذا هذا التشاؤم؟ قالوا لك: لأن في يوم الجمعة ساعة نحس. ولكن الظاهر أن ~~السبب الحقيقي ليس هذا، والظاهر أن ساعة النحس هذه حجة ليس إلا، ووسيلة يستطيع بها ~~الفلاحون أن يؤجلوا عمل الجمعة إلى السبت، وبهذا يصبح يوم الجمعة راحة، ولكن الراحة كلمة ~~بشعة عند الفلاحين، الراحة إهانة لخشونتهم وقدرتهم الخارقة على العمل التي لا تكل، الراحة ~~لا يحتاجها إلا أبناء المدن فقط ذوو اللحوم الطرية الذين يعملون في الظل، ومع هذا يلهثون، ~~الراحة الأسبوعية بدعة إذن، إلا أن يكون يوم الجمعة شؤما وفيه ساعة نحس، وحينئذ فقط من ~~الجائز أن تؤجل الأعمال لتتم في يوم السبت. # ولهذا كان الناس يتوقعون أن يكون سبب حركة الجري هذه مصيبة كبرى حلت بأحد، ولكنهم ~~حين يصلون إلى الجرن لا يجدون بهيمة فطسى ولا حريقا قائما، ولا رجلا يذبح رجلا. # كانوا يجدون الشيخ عليا واقفا في وسط الجرن، وهو في حالة غضب شديد وقد خلع جلبابه ~~وعمامته وأمسك بعصاه وراح يهزها ms025 بعنف، وحين يسألون عن الحكاية، يقول لهم السابقون: «الشيخ ~~ح يكفر»، وكان الناس حينئذ يضحكون، فلا ريب أن تلك نادرة أخرى من نوادر الشيخ علي الذي كان ~~هو نفسه نادرة، فرأسه كبير كرأس الحمار، وعيناه واسعتان مستديرتان كعيون أم قويق، وله في ~~ركن كل عين جلطة دم، وصوته إذا تكلم يخرج مبحوحا مكتوما كصوت الوابور إذا انكتم نفسه ~~وشحر، ولم تكن له ابتسامة، فقد كان لا يبتسم أبدا، إذا انبسط - ونادرا ما ينبسط - قهقه، ~~وإذا لم ينبسط كشر، وكلمة واحدة لا تعجبه يتعكر دمه حتى يستحيل إلى مازوت وينقض على ~~قائلها، قد ينقض عليه بيده ذات الأصابع الغليظة كالصوامع، أو قد ينقض عليه بعصاه، وعصاه ~~كان لها عقفة، وكانت من خيزران غليظ، وكان لها كعب من حديد، وكان يحبها ويعزها ~~ويسميها الحكمدار. # أرسله أبوه ليتعلم في الأزهر، وهناك أخطأ شيخه مرة وقال له: «إنت بغل!» فما كان من ~~الشيخ إلا أن رد عليه وقال: «إنت ستين بغل!» ولما رفدوه وعاد إلى منية النصر عمل ~~خطيبا للمسجد وإماما، ونسي ذات يوم وصلى الجمعة ثلاث ركعات، ولما حاول المصلون ~~وراءه تنبيهه لعن آباءهم جميعا وطلق من يومها الإمامة والجامع، ولأجل خاطرهم طلق ~~الصلاة، وتعلم الكوتشينة وظل يلعبها حتى باع كل ما يملكه، وحينئذ حلف بالطلاق أن ~~يبطلها، وكان محمد أفندي المدرس بالمدرسة الابتدائية في البندر فاتحا دكان بقالة في ~~البلدة، عرض على الشيخ علي أن يقف في الدكان ساعات الصباح فقبل، ولكنه لم يعمل إلا ~~ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع كان محمد أفندي واقفا أمام الدكان يتصبب حلاوة طحينية، فقد ~~اكتشف الشيخ علي أن محمد أفندي يضع قطعة حديد في الميزان ليطب، وقال له الشيخ علي: «إنت ~~حرامي!» وما كاد محمد أفندي يقول: «لايمها يا شيخ علي، واسكت، وخليك تاكل عيش»، حتى ~~قذفه الشيخ علي بكتلة الحلاوة الطحينية، ومن يومها لم يجرؤ أحد على أن يعهد للشيخ علي ~~بعمل، وحتى لو كان قد جرؤ، فالشيخ علي نفسه لم يكن متحمسا لأي عمل. ms026 # وكان هذا الشيخ علي قبيحا، ضيق الصدر، لا عمل له، ومع هذا لم يكن في البلدة من ~~يكرهه، كان الجميع يحبونه ويعشقونه ويتداولون نوادره، وألذ ساعة هي تلك التي يجلسون ~~فيها حوله يستفزونه ليغضب، وغضبه كان يضحكهم، كان إذا غضب، واربدت ملامحه، ~~وانكتم صوته، كان الواحد منهم لا يتمالك نفسه ويموت من الضحك؟ ويظلون يستفزونه ويظل هو ~~يغضب، ويضحكون حتى ينفض المجلس، وعلى كل لسان كلمة: «الله يجازيك، يا شيخ علي!» ويتركونه ~~وحيدا ليصب جام غضبه على «أبو احمد»، فقد كان يسمي الفقر «أبو احمد»، وكان يعتبره ~~عدوه الوحيد اللدود، ويتحدث عنه كما لو كان آدميا موجودا له اسم ولحم ودم، وكانت ~~مجالسه تبدأ حين يسأله أحدهم: «أبو احمد عمل فيك إيه يا شيخ علي النهارده؟» # وكان الشيخ علي يغضب حينئذ غضبا حقيقيا؛ ذلك لأنه لم يكن يحب أن يحدثه أحد عن ~~فقره، إذا تحدث هو كان به، أما أن يتحدث الناس عن فقره فذلك شيء يدفع إلى الغضب! فالشيخ ~~علي كان خجولا جدا رغم قسوة ملامحه وكلامه، وكان يفضل أن يبقى أياما بلا دخان على ~~أن يطلب من أحدهم أن يلف له سيجارة، وكان يحمل معه على الدوام إبرة وفتلة لرتق جلبابه إذا ~~تمزق، وإذا اتسخ ذهب بعيدا عن البلدة وغسل ثيابه وظل عاريا حتى تجف؛ ولذلك كانت ~~عمامته الوحيدة أنظف عمامة في البلدة. # كان حريا إذن بأهل منية النصر أن يضحكوا من هذه النادرة الجديدة، ولكن الضحكات كانت ~~تموت في الحال! والألسن تتراجع خائفة إلى الحلوق، وكأنما لدغتها عقارب! فكلمة الكفر كلمة ~~بشعة، والبلدة مثل غيرها من البلاد تحيا في أمان الله، فيها كل ما تحفل به سائر البلاد، ~~الناس الطيبون الذين لا يعرفون إلا أعمالهم وبيوتهم، واللصوص الصغار الذين يسرقون كيزان ~~الذرة، والكبار الذين ينقبون الزرائب ويسحبون البهائم من أنوفها بالخطاطيف، والتجار ~~الذين يتاجرون بالمئات، وتجار القروش، والنساء الملعبات غير المعروفات، وأولئك ~~المعروفات على نطاق البلدة كلها، والصادقون والكاذبون والخفراء، والمرضى والعوانس ~~والصالحون، فيها كل ما تحفل ms027 به سائر البلاد، ولكن الجميع تجدهم في الجامع إذا أذن ~~المؤذن للصلاة، ولا تجد واحدا منهم فاطرا في رمضان، وثمة قوانين مرعية تنظم حياة ~~الكل ويسمونها الأصول، فلا يتعدى اللص على لص، ولا أحد يعير أحدا بصنعته، ولا ~~يجسر واحد على تحدي الشعور العام، وإذا بالشيخ علي يقف ويخاطب الله هكذا بلا إحم ~~ولا دستور! # كانوا يضحكون قليلا، ولكنهم ما يكادون يسمعون ما يقوله حتى يتولاهم وجوم. # كان رأسه عاريا، وشعره القصير يلمع بالعرق وبالشيب، والعصا الحكمدار في يمينه وعيناه ~~تنفثان حمما، وفي وجهه غضب أحمق شديد، وكان يقول موجها كلامه إلى السماء: «إنت ~~عايز مني إيه؟! تقدر تقول لي، إنت عايز مني إيه؟! الأزهر، وسبته عشان خاطر شوية المشايخ ~~اللي عاملين أوصيا ع الدين، ومراتي، وطلقتها، والدار، وبعتها، وأبو احمد، وسلطته علي ~~دونا عن بقية الناس! هو ما فيش في الدنيا دي كلها إلا اني؟! ما تنزل غضبك يا رب على ~~تشرشل ولا زنهاور! مش قادر إلا علي اني؟! عايز مني ~~إيه دلوقت؟! المرات اللي فاتت كنت بتجوعني يوم وباستحمل، واقول: «يا واد، كأننا في ~~رمضان! واهو يوم وينفض»، المرة دي بقالي ماكلتش من أول امبارح العصر، وسجاير ممعييش سجاير ~~بقالي أسبوع، ومزاج حد الله ما دقته بقالي عشرة ايام، وأنت بتقول فيه في الجنة عسل نحل ~~وفواكه وأنهار لبن، ما بتدنيش منهم ليه؟! مستني اما اموت م الجوع علشان أروح الجنة وآكل ~~من خيرك؟! لا، يا سيدي، يفتح الله! احييني النهارده، وأبقى بعد كده وديني مطرح ما ~~توديني! يا أخي، ما تبعد عني أبو احمد ده، ما تبعته أمريكا، هو كان انكتب علي؟! أنت ~~بتعذبني ليه؟! آني ما حلتيش إلا الجلابية دي، والحكمدار، عايز مني إيه؟! ~~يا تغديني دلوقتي حالا، يا تاخدني حداك على طول، ح اتغديني والا لأ؟!» # كان الشيخ علي يقول هذا بانفعال رهيب، حتى لقد تكوم الزبد فوق فمه، وطماه العرق، ~~وامتلأ صوته بحقد فاض عن حده، وأهل منية النصر واقفون وقلوبهم تكاد تسقط من ms028 الرعب، كانوا ~~خائفين أن يسوق الشيخ علي فيها ويكفر، ولم يكن هذا فقط مبعث خوفهم، فالكلمات التي يقولها ~~الشيخ علي خطيرة، قد تغضب الله - سبحانه وتعالى - وقد تحل ببلدهم من جراء ذلك نقمة ~~تأتي على الأخضر واليابس، كان كلام الشيخ علي يهدد البلدة الآمنة كلها، وكان لا بد من ~~إسكاته، وعلى هذا بدأ العقلاء يطلقون من بعيد كلمات طيبات يرجون فيها من الشيخ علي ~~أن يعود إليه رشده ويسكت، وترك الشيخ علي السماء قليلا، والتفت إليهم: «أسكت ليه؟! يا ~~بلد دون، أسكت لما اموت م الجوع؟! أسكت ليه؟! خايفين على بيوتكم ونسوانكم وزرعكم، اللي ~~حداه حاجة يخاف عليها، إنما انا مش خايف على حاجة، إن كان زعلان مني ياخدني، إنما وديني ~~وما أعبد، إن جه حد ياخدني إن شالله يكون عزرائين لمدشدش على رأسه الحكمدار، وديني، ماني ~~ساكت إلا اما يبعت لي مائدة من السما حالا! أنا مش أقل من مريم! هي مهما كانت حرمة، ~~إنما انا راجل، وهي ماكنتشي فقيرة، إنما انا أبو احمد طلع ديني! وديني وما أعبد، ماني ~~ساكت إلا أما يبعت لي حالا مائدة!» # والتفت الشيخ علي إلى السماء وقال: «هه! ح تبعتها حالا دلوقتي، والا ما أخلي ولا أبقي ~~حدا إلا ما أقوله؟! مائدة حالا! جوز فراخ، وطبق عسل نحل، ورصة عيش ساخن، على شرط عيش ~~ساخن! واوع تنسى السلطة! وديني، لعادد لغاية عشرة، وان ما نزلت المائدة ماني مخلي ولا ~~مبقي.» # ومضى الشيخ علي يعد، وقلوب منية النصر تعد معه مقدما، والأعصاب قد بدأت تتوتر، وأصبح ~~لا بد من عمل شيء لإيقاف الشيخ علي عند حده، واقترح أحدهم أن يلتف جماعة من شباب ~~البلدة الأقوياء حوله ويوقعوه أرضا، ويكمموا فاه، ويعطوه علقة لا ينساها، غير أن نظرة ~~واحدة ألقاها الشيخ علي من عينيه المشتعلتين بالغضب المجنون أذابت الاقتراح، فمن المستحيل ~~أن ينالوا الشيخ علي قبل أن يخبط هو خبطة أو خبطتين برأس الحكمدار، وكل شاب قد قدر أن ~~الخبطة ستكون من نصيبه، والذي يهدد ms029 بدشدشة رأس عزرائين كفيل بدشدشة رأس الواحد منهم؛ وعلى ~~هذا ذاب الاقتراح. # وقال له أحدهم في فروغ بال: «ما انت طول عمرك جعان يا راجل! اشمعنى النهارده؟!» # وأصابته نظرة نارية من الشيخ علي، وأجابه: «المرة دي، يا عبد الجواد يا معصفر، الحكاية ~~طالت!» # وزعق فيه آخر: «طب يا أخي، لما انت جعان مش تقول لنا واحنا نوكلك بدل الكلام الفارغ ~~اللي انت قاعد تقوله ده؟!» # وهب فيه الشيخ علي: «أني أطلب منكم؟! أني أشحت منكم يا بلد جعانة؟! دا انتو جعانين أكتر ~~مني! أقوم أشحت منكم؟! أني جاي اطلب منه هو، واذا ما أدانيش ح اقدر اعرف شغلي.» # وقال له عبد الجواد: «ما كنت تشتغل يا أخي وتاكل، يخفى وجهك!» # وهنا بلغ الغضب بالشيخ علي منتهاه، وتزربن وراح يهتز ويصرخ، ووزع كلامه بين الجمع ~~المحتشد عن بعد وبين السماء: «وانت مالك يا عبد الجواد يابن ست ابوها؟! مانيش مشتغل! مش ~~عايز اشتغل! ما بعرفش اشتغل! مش لاقي شغل! هو شغلكو ده شغل؟! يا عالم بقر! دا شغلكو ده شغل ~~حمير! واني مش حمار، أني ما أقدرش يتقطم وسطي طول النهار، ما اقدرشي اتعلق في الغيط زي ~~البهيمة يا بهايم، يلعن أبوكو كلكو! مانيش مشتغل! والنبي لو حكمت اموت م الجوع ما اشتغل ~~شغلكوا أبدا.» # وكان غضبه شديدا إلى الدرجة التي جعلت الناس تضحك بالرغم منها، وبرغم الموقف الرهيب الذي ~~كانوا فيه. # وانتفض الشيخ علي انتفاضة عظيمة وقال: «هه! ح أعد لغاية عشرة والنبي إن ما بعت لي مائدة ~~لكافر وعامل ما لا يعمل.» # وكان واضحا أن الشيخ علي حقيقة لن يتراجع، وأنه ينوي أن يلبخ، ويحدث حينئذ ما لا ~~تحمد عقباه. # وبدأ الشيخ علي يعد، وبدأت نقاط العرق تنبت على الجباه، وأصبح حر الظهر لا يطاق، حتى ~~إن بعضهم تهامس أن النقمة لا بد قد بدأت تحل، وأن ذلك الحر الفظيع إن هو إلا مقدمة ~~للحريق الهائل الذي سوف ينشب، ويأتي على كل القمح الواقف والمحصود. # وأخطأ أحدهم مرة وقال: ms030 «ما تشوفولوا لقمة يا ولاد، يمكن يهبط.» # ويبدو أن الكلمة وصلت إلى أذن الشيخ علي مع أنه كان يعد بصوت عال مرتفع، فقد استدار إلى ~~الجمع قائلا: «لقمة إيه يا بلد غجر؟! لقمة من عيشكو المعفن وجبنتكم القديمة اللي كلها ~~دود؟! وده أكل؟! وديني، مانى ساكت إلا اما تنزل لي المائدة لغاية هنا هه، وعليها جوز ~~فراخ.» # وسرت همهمة كثيرة في الجمع، وقالت ولية من الواقفات: «أني طابخة شوية بامية حلوين، يا ~~خويا، أجيب لك صحن؟» # وصرخ فيها الشيخ علي: «إخرسي يا مرة! بامية إيه يا بلد كلها قرون؟! دا عقولكو بقت كلها ~~بامية! وريحة بلدكو زي ريحة البامية الحامضة!» # وقال أبو سرحان: «حدانا سمك صابح يا شيخ علي، شاريينه لسه من احمد الصياد.» # وزأر فيه الشيخ علي: «سمك إيه بتاعكو ده؟! اللي قد العقلة يا بلد «صير»! هو ده سمك؟! ~~وديني، إن ما بعت جوز فراخ والطلبات اللي قلت لك عليها لشاتم وزي ما يحصل يحصل!» # وأصبح الوضع لا يحتمل، إما السكوت وضياع البلدة ومن فيها، وإما إسكات الشيخ علي ~~بأي طريقة، وانطلقت مائة حنجرة تعزم عليه بالغداء، وانطلق صوته مائة مرة يرفض، ويصر على ~~الرفض ويقول: «ماني قاعد على اللضى يا بلد! بقى لي تلات ايام ما حدش عزم علي بلقمة! ~~حليت العزومة دلوقتي؟! وديني، مانى ساكت إلا اما تيجي المائدة من عند ربنا!» # واستدارت الرءوس تسأل عمن طبخ في هذا اليوم؛ إذ إن كل الناس لا يطبخون كل يوم، وأن ~~يكون لدى أحدهم «زفر» أو فراخ يعد حادثا جللا، وأخيرا وجدوا عند عبد الرحمن رطل ~~لحمة «بتلو» مسلوقا بحاله، فأحضروه على طبلية، وأحضروا معه فجلا، وجوزين عيش مرحرح، ومخ ~~بصل، وقالوا للشيخ علي: «يقضيك ده؟» # وتردد بصر الشيخ علي بين السماء والطبلية، وكلما نظر إلى السماء قدحت عيناه شررا، ~~وكلما نظر إلى الطبلية احتقن وجهه غضبا، والجمع يغمره السكون، وأخيرا نطق الشيخ علي ~~وقال: «بقى أني عايز مائدة يا بلد غجر، تجبولي طبلية؟! وفين علبة السجاير ؟» # وأعطاه ms031 أحدهم صندوق دخانه. # ومد يده وتناول قطعة كبيرة من اللحم، وقبل أن يتاويها في فمه قال: «وحتة المرة ~~فين؟!» # فقالوا له: «حقة! إلا دي!» # وهاج الشيخ علي وقال: «طب هه!» وترك الطعام، وخلع جلبابه وعمامته وراح يهز عصاه ويهدد ~~بالكفر من جديد، ولم يسكت إلا بعد أن أحضروا مندور تاجر المر، وبلبع له فصا، وقال له: ~~«خد! خد يا شيخ، مش خسارة فيك! أصلنا ما حدناش نظر! وماكناش عارفين إنك بتنكسف تطلب، ~~الناس تقعد وياك وتنبسط، وبعدين تدلدل ودانها وتمشي وتسيبك! وإحنا لازم نشوف راحتك يا شيخ، ~~هي بلدنا من غيرك أنت وابو احمد تسوى بصلة؟! أنت تضحكنا وإحنا نأكلك! إيه رأيك في ~~كده؟!» # وغضب الشيخ علي غضبا شديدا، وطار وراء مندور وهو في قمة الغيظ ومضى يهز الحكمدار وهو ~~يكاد يهوي بها على رأسه ويقول: «أنا أضحكوا؟! هو أني مضحكة يا مندور يا ابن البلغة؟! امش، ~~داهية تلعنك وتلعن أبوك!» # وكان مندور يجري أمامه وهو يضحك، وكان الناس يتفرجون على المطاردة وهم يضحكون، وحتى ~~حين طار الشيخ علي وراءهم جميعا وهو يسبهم ويلعنهم كانوا لا يزالون يضحكون. # ولا يزال الشيخ علي يحيا في منية النصر، ولا تزال له في كل يوم نادرة، ولا يزال سريع ~~الغضب، ولا يزال الناس يضحكون من غضبه، غير أنهم من يومها عرفوا له، فما يكادون يرونه ~~واقفا وسط الجرن وقد خلع جلبابه وعمامته وأمسك بالحكمدار في يده وراح يهزها في وجه السماء، ~~حتى يدركوا أنهم نسوا أمره وتركوا «أبو احمد» ينفرد به أكثر من اللازم، وحينئذ، وقبل أن ~~تتسرب من فمه كلمة كفر واحدة، تكون الطبلية قد جاءته، وعليها ما يطلبه، وأحيانا يرضى ~~بما قسم الله، وأمره إلى الله. # | اليد الكبيرة # هبطت من القطار في العصر، ودائما أصل بلدنا في العصر، والمحطة على ناحية من السكة ~~الحديد، وبلدنا على ناحية، والشمس صفراء، في صفرتها هدوء وسكون ومرض، وبلدنا أيضا تقبع ~~صفراء ببيوتها المصنوعة من الطين، وأشجارها، حتى قمم النخيل كانت تظللها صفرة. # ورمقني نفر ms032 من دائمي الجلوس على كنبة المحطة؛ إذ هي مكان صالح للجلوس الفارغ، لا أحد ~~يطرد الجالس ولا يطلب منه الثمن، رمقني ذلك النفر بنظرة، لا بد أن كان فيها رثاء، ومشيت ~~والقطار لا يزال واقفا برأسه الأسود البشع السواد، والأصوات الخشنة القبيحة التي لا تكف عن ~~الصدور منه، والعين الواسعة المدورة الحمراء التي تنفتح في داخله بين الحين والحين وتنفث ~~جحيما؛ جحيما أحمر، الرأس الذي طالما أخافنا ونحن صغار بأفظع مما كان يخيفنا رأس أم ~~الغول، هذه المرة، عبرت القضيب الحديدي من أمامه وأنا لا أحفل بشيء ولا أخاف الموت. # وكنت حين أصبح على المشاية الضيقة التي توصل إلى داخل البلدة وإلى دارنا، أحس ~~إحساسا غريبا بأني أخيرا عدت، ودائما كنت أصادف في طريقي ثلاثة أو أربعة من أهل ~~بلدنا منتشرين في تلك البقعة، وأقول لهم: سلام عليكم، ويجيبونني ويرحبون بي، وهم ~~يرمقونني، ويرون ما أحدثته السنون في من تغيير، وأرى ما أحدثته السنون فيهم من تغيير، ~~رأيتهم وأنا طفل، ورأوني وهم شباب، واليوم لم أعد طفلا ولم يعودوا شبابا، الزمن! الزمن ~~الغادر الذي لا أمان له لا يكف عن المضي، ونحن لا نكف عن الكبر، ولا نكف عن ~~الاقتراب من النهاية، ونحن لا نحس بالزمن إلا إذا رأيناه، ونحن نرى ما أحدثه الزمن في ~~الآخرين فنتوقع أننا لا بد أننا نحن الآخرين كبرنا. # وقريتنا دائما هادئة، لا صوت، لا زعيق، لا شجار، لا شيء، هواء يداعب ما على الأسطح من ~~حطب، وقوافل الإوز ساكنة لا تكاكي، وكل شيء من الطين، والأرض فوقها تراب، وفي السماء دخان ~~المواقد، والناس يتحركون في صمت ووجوم وبلا حماس، كمن يدرك ألا داعي للعجلة مطلقا، ~~ولا فائدة في الحركة، الناس صامتون، كأنما ينتظرون يوم القيامة ليتكلموا، أو ينتظرون ~~الموت. # وأعرف أني إذا وضعت قدمي على المشاية فسأرى بيوتا، على عتباتها نسوة، وتعودت من ~~صغري أن أغض طرفي حين أمر، وتعودن أن يتهامسن بعد مروري، يحدقن في وأنا ~~قادم ثم يتهامسن. # والمشاية قطعتها عشرات الآلاف ms033 من المرات، إلى الابتدائية ببنطلون قصير، وتعلمت ~~فيها ركوب العجلة، وجريت فرحا بنجاحي في الامتحان، وتزحلقت أيام المطر، ولعبت ~~فيها مع الأولاد بالليل، وفي آخرها بيتنا له سور، وباب من الصاج، وأمامه مباشرة باب ~~جارتنا بديعة، وهي دائما أمام الباب، أطفالها حولها وهم صغار، والنسوة حولها لما ~~كبر الأطفال، ودائما تصنع شيئا، تدعك النحاس، أو تنسف الغلة، أو تسأل عن فرحة ضائعة، ~~ومن لحظة أن تراني هالا من أول المشاية، تلمحني، وتفرح ثم تنهمك فيما تصنعه، فهي ~~تريدني أن أقول لها: «العواف»، تريدني، فقد كنت من سنين طويلة طفلا، أعطش إذا لعبت ~~وجريت وأذهب لأشرب من عندها خوفا أن تضربني أمي إذا ذهبت لبيتنا ورأت ما أنا فيه من ~~إجهاد، وكانت خالتي بديعة تسقيني وتحميني وتخبيني عندها إذا غضبت، وتحوش عني إذا ~~ضربت، ولكني كبرت، وتعلمت، وأصبحت أفنديا طويلا له بدلة، ترى، ألا زلت ~~أذكرها؟ ذاك بلا ريب ما كان يدور في خاطرها كلما رأتني مقبلا من مصر ومعي الشنطة، ~~والسنون قد جففت عودها، وكرمشت جلدها، ولكنها أبقت لها ابتسامتها الوديعة ~~ذات الطيبة. # وقلت لها: «العواف، يا خالة بديعة.» # ورفعت رأسها، ولمحت الفرحة الدافقة في عينها، واضطراب يدها وهي تجلي الحلة ~~بالتراب، وكادت تبتسم، ولكنها عادت ورددت في صوت حنون راث رقيق، وهزني الصوت، فلم ~~تكن خالتي بديعة كذلك، كانت ما تكاد ترد علي عافيتي حتى تترك ما في يدها، وتقوم هالعة، ~~وتفتح بابنا وتكاد تزغرد وتقول: «أهو جه! أهو جه!» # وتحدث حينئذ ضجة هائلة في بيتنا، فهم لم يروني من ستة أشهر أو سنة، ودائما في ~~شوق إلي، وكنت قد تخرجت صغيرا، ومن يوم أن تخرجت لا أراهم إلا لماما، وكانوا ~~يحبونني. # يفتح بابنا، ويخرج أكثر من واحد من إخوتي حافين، وبجلاليبهم، وأحيانا بالفانلة ~~والسروال، ويتعلق كل منهم في جزء من رقبتي، وفرحتهم بأخيهم الكبير لا توصف، فرحة ~~تنفجر على ألسنتهم صياحا وتهليلا، ولا يقولون سوى: «هيه! هيه! هيه!» # وأعانقهم بكل قلبي وأذرعي، هم أخوتي، وأنا أحبهم، والمدينة التي ms034 أعيش فيها مليئة ~~بالصراع، وحياتي هناك مقبضة، أدافع فيها عن الوجود؛ وجودي، ووجود غيري، وأقف أمام قوات ~~هائلة، وقلبي وحيد، والناس لا أكرههم، وأرثي لهم، وأصدقائي كثيرون، ولكن مثل هذا الحب ~~لا أتذوقه إلا هنا، حب لا مقابل له ولا حدود، حب ملموس محسوس، لا يخفيه أحد ~~ولا يضن به أحد. # أعانقهم وأبذل الجهود لأتخلص من أذرعهم الصغيرة الطفلة حتى أرى أبي، فأنا دائما ~~مشتاق له، أنا ابنه الكبير، وحبيبه الكبير أيضا، وكان وضعي يحتم علي أن أبدو كالرجال ~~تماما، وكنت أفعل، ولكني كنت دائما أحن إلى أبي، إلى طفولتي، إلى أن أنفض عني ~~ثياب الرجال وأعود طفلا، أو كالطفل، حتى أبدو ابنا، وحتى أحس أني ابن، وكنت أحب ~~أبي، أدخل من الباب فأجده قد أفاق مما كان يفعله على عجل، واقفا يرتدي جلبابه، ورأسه ~~عار، وصدره مفتوح وهو حائر فرحان، يبحث هنا وهناك عن شيء يضعه في قدميه ليستطيع أن ~~يسرع ويقابلني، فقد كان هو الآخر يحبني، يحبني أكثر من أي شيء آخر في الوجود، ويقف ~~على باب دارنا الكبيرة ويفتح يديه الاثنتين ويقول: «أهلا أهلا، اخص عليك يا ~~شيخ!» # وأندفع إلى حضنه ويندفع إلى حضني، وكم حضنته وكم احتضنني، وطول عمري كنت أريد أن ~~أظل أحتضنه، كنت وأنا صغير لا أطول إلا ساقه فأحتضنها، ثم كبرت حتى أصبح في ~~استطاعتي أن ألف يدي حول وسطه، وكم كان يملؤني هذا بالغبطة! ثم كبرت حتى أصبحت ~~طوله وها أنا ذا أصبح أطول منه، وأحبه أكثر مما أحببته، وأنا لا أكاد أتعدى ساقه، ~~أحتضنه وأقبله بلهفة، وألمح جلد رقبته وقد حفل بالتجعيدات، أحب تجعيداته، ~~وشعر صدره، وقد ابيض وأطل من فتحة الفانلة، ولون بشرته الداخلية الفاتح، ووجهه الأسمر، ~~وأنفه الهادئ الطيب، وعينيه الحافلتين بالخير والحب، وأقبله أكثر، ويقبلني والدموع ~~تكاد تأخذ طريقها إلى عينيه، وهو يقول: «اخص عليك يا شيخ! وحشتنا خالص!» # وفي تلك اللحظات أصمت، وأحس بالروح تعود إلي، أنا مضيع في المدينة الكبيرة، وحيد، ~~وهنا أبي، هنا بيتنا ، هنا ms035 أنا إنسان له أب ويعرف أصله وفصله، والأرض التي شب ~~عليها. # أبي لا يريد أن ينهي العناق، وإخوتي من حولي، يتخاطفون مني الحقيبة ويتشبثون ~~بملابسي، ويعانقون بعضهم بعضا، وأمي أعرف أنها لا بد في تلك اللحظة متناومة، تنتظر ~~مني أن أذهب إليها، وأنادي فلا ترد علي، وكأنها في أحلى نعاس، فأذهب إلى الفراش، ~~وأمسك يدها، وأميل بجسمي كله وأقبل اليد البيضاء الخشنة، وحينئذ تفتح أمي عينيها ~~وكأنها تستيقظ، وتقول في حزن: «الله يسلمك»، ولا أملك نفسي فأضمها وأقبلها في ~~جبهتها، فلا تملك نفسها هي الأخرى وتقبلني في وجنتي، وصوتها ممدود شاك حزين، وتلك ~~طريقتها في بث أشواقها إلي؛ إذ هي لا تظهر حبها أبدا. # ونجلس حول فراشها، وكل أخ من إخوتي يزاحم الآخر ليجلس بجواري أو فوق رجلي، وأبي ~~يبتعد عني ليوفر لهم المكان، ولو كان الود وده لزاحم وما تركني، وأمي تشكو من ~~الزكام والروماتيزم ورأسها الذي يكاد يطير، وأبي فرحان فرحا لا يوصف، يخفيه بصمته ~~وتهيئة وسائل الراحة لي، فيضع وراء ظهري مسندا، أو يجعلني أقوم من مكاني لأجلس في مكان ~~آخر أكثر راحة، وهو من فرط فرحته قد نسى أن يرتدي في قدميه مداسا، وأقدامه كبيرة، كنت ~~شغوفا وأنا صغير أن أمسح وجهي في بطنها، وألعب في إصبعها الكبير وأنا فخور بكبره، ~~وكبرها. # نجلس، عائلة تواجه الحياة، ولكنها في ساعة صفو، ساعة تتبخر فيها الأحزان والمتاعب ~~ولا يبقي سوى الحب والشوق، والكلمات الصغيرة المبعثرة والضحكات، ضحكات صافية، والعائلة ~~صغيرة، والحياة كبيرة، والطريق شاق، ولكن لها هي الأخرى ساعتها، ساعة كتلك، اللمبة الغاز ~~مشتعلة والحجرة حجرة أرياف، والسرير له ناموسية، والكنبة تضيق بنا، وفي الصيف لنا جلسة في ~~الفضاء أمام الباب، وأبي سعيد، جالس بيننا كالإله! كلنا نحبه، ونذوب في حديثه، ما أجمله ~~حين يتحدث! في الحال نصمت كلنا ونترقب، ويبدأ حديثه بابتسامة تظل طوال الحديث، ~~وحنجرته رنينها حلو، وصوته ملآن، وطريقته في الكلام تأسرنا وتخلب ألبابنا، يكون قد ذهب إلى ~~المحكمة مثلا وأدى الشهادة، ويقص هذا علينا، ms036 ونحب قصته فهو يبدأ من اللحظة التي نريده ~~جميعا أن يبدأ منها، ويقص علينا التفاصيل المثيرة الدقيقة ويسرح بنا، ويدخل في حكاية أخرى، ~~ولا نحس أن حكاية بدأت وأخرى قد انتهت، إنما نحس أننا سعداء، وأننا نحب أبانا ~~ونعبده. ~~••• # لم تقم خالتي بديعة وتترك ما في يدها وتعلن قدومي في هذه المرة، بل ردت تحيتي، ~~وخفضت رأسها، وانهمكت تجلي الحلة، وتركتها واتجهت إلى دارنا، كان باب الحوش ~~مفتوحا، والباب من الصاج والهواء يتلاعب به فتزيق مفاصله، ووراء الباب فرخة منكمشة على ~~نفسها، وطفل يتبول، ودخلت، الهدوء هو الهدوء، ولكن بيتنا ليس هو البيت! فهذا أوسع وأكثر ~~ارتفاعا، وفيه فراغ كبير، خطوت إلى الداخل بضع خطوات، الفناء هو الفناء «الطلمبة» موجودة، ~~وحرفها من الحجر، والماء يتسرب من الحوض ويصنع قنوات، والأشجار متفرقة كعادتها، والنخلة ~~قد نمت وقتلت ما حولها من نخيل صغير، وأصبحت أطول من الحائط، وشجرة العنب ماتت لا ~~ريب من كثرة الماء، وبرج الحمام في آخر الفناء، أبيض وفيه خرابيش، وأوضة الفرن بابها مهبب ~~أسود، والظلام يشع من داخلها، والأرض عليها عفش ومهملة، والفناء كبير. # ووجدت باب البيت مفتوحا هو الآخر، ولا أحد على الباب، ولا أحد في الداخل، ولا أحد ~~ينتظرني، وكل شيء مهمل، والدنيا شتاء، واصفرار الشمس قد ازداد، والنخلة الصغيرة طول ظلها ~~يمتد بطول منزلنا. # ودخلت البيت، الصالة الكبيرة أكبر مما رأيتها آخر مرة، والسقف مرتفع، وعروق السقف ~~أكثر بروزا، والكنبة بياضتها متسخة، ومساندها نائمة والحجرات مقفولة، ولا صوت! # الحمام واقف على قمة الباب المؤدي إلى السلم، يهدل هديلا ممدودا قبيحا، ~~وكلبنا نائم على فروة الصلاة، وعصافير غير مرئية تصفر، وشعاع شمسي قد اخترق بئر السلم، ~~وسقط على أرض الصالة فصنع دائرة صغيرة من الضوء الأصفر، وتعلقت بالشعاع ملايين ~~الذرات. # وأحسست أن بيتنا قد خرب. # وعدت إلى الخارج، ثم إلى الشارع، وما رأتني خالتي بديعة حتى قالت: «عايز حاجة؟» # قلت: «هم فين؟» # قالت: «طلعوا على الجبانة.» # قلت: «وسايبين البيت فاضي؟!» # قالت: «ما أنا هه.» # ورأيت نفسي ms037 أمشي. # كان صدري فارغا موحشا كئيبا، والدنيا من حولي لا تجذب انتباهي، ما قيمة أي شيء، ما ~~قيمة أن أقول للناس: «سلام عليكم»، فيردون السلام وتفضل، أنهم أحياء، وأنا حي، ولكن ما ~~حدث قد حدث. # وتهت! بدت لي بلدتنا التي أعرف كل ركن من أركانها بلدة أخرى، كنت أمر في هذه ~~الشوارع والحواري دائما وأنا لا أحس لها وجودا، وأنا آلفها وكأنها بيتنا، واليوم وأنا ~~أمشي فيها، كنت أراها لأول مرة، وكنت أعرف أناس بلدنا وألفتهم من طول معرفتهم، ولكني ~~كنت أمر بهم وأراهم فأحس أنهم رجال، وأنهم أغراب، وأنهم متعبون، شيء لا بد قد حدث، فأنا ~~أحس الآن ببلدنا وأناسها، وكنت قبلا آلفهم، شيء ما لا بد قد حدث. # تهت، فخلال السنين التي كنت بعيدا عنها، كبرت بلدنا واتسعت وأنشئت بيوت ~~جديدة، وكنت قبلا أعرف طريق الجبانة، فبجوارها كانت توجد وسعاية يقام فيها العيد، ~~العيد؟! ترى لماذا لم يعد هناك عيد؟! لماذا لم نعد نحس به؟! يأتي ويمضي كأي يوم من ~~الأيام! أين اليقظة المبكرة؟! والكعكة والعيدية، وثياب الناس الجديدة الزاهية، والمراجيح، ~~والمشبك، والحلاوة الطحينية، و«القرد أبو فلة» الذي كان يفرقع ونخيف به جداتنا؟! # تهت، ولكني وصلت، وأصبحت خارج البلدة، ولم أجد الوسعاية، كانت قد تراكمت فيها بيوت ~~أخرى مصنوعة من الطين، وكانت الجبانة هناك، تطل قبورها من بين البيوت. # وكم كنا مغفلين! # فها هي القبور أمامي وحولي، وقبور فقيرة مهدمة لا شيء يرعب فيها ولا يخيف، ترى ما ~~سبب الفزع الذي كنا نحسه ونحن صغار حين نلمح الجبانة من بعيد؟! ترى أين قبر جدتي وأين ~~قبر عمي وخالي؟ إن القبور مهدمة كلها ومبعثرة لا تكاد تفرق بين أحدها والآخر، وكل ما ~~يميزها جريدة عند أولها وجريدة عند آخرها، جريدة جافة قديمة قد تآكلت أوراقها ~~واستحالت إلى نسل. # جبت المكان بناظري، فلم أجد أحدا، لا ريب ~~أنهم كانوا قد غادروا الجبانة وعادوا إلى البيت، ولم أجد عناء كبيرا في العثور على ~~القبر، فقد كنت لا أزال أذكر أنه قرب ms038 شجرة الكافور، وها هي شجرة الكافور، لا بد أن هذا هو ~~القبر، ووقفت أمامه، كان الأسمنت لا يزال أخضر، ولم يكن البناء جيدا، وأثر «المحارة» ~~واضح، ومن الأمام لافتة مركبة كتب عليها: المرحوم ... وقرأت اسم أبي، وعدت أنظر حولي، ~~القبور مهدمة، وأشجار الكافور طويلة وحيدة جرداء، والشمس خنقها العصر الضيق، ~~والغربان تتناحر عن بعد، وسوادها كثير. # أبي هنا إذن، تحت هذا القبر، كل هذه الكمية من الحجارة والتراب والأسمنت فوقه، وهو الذي ~~كان لا يحتمل إغلاق نافذة الحجرة ساعة! أبي هنا نائم! وملفوف بالكفن التيل المخطط وفوقه ~~الكفن الأبيض، وحوله كل تلك الوحشة، وعيونه مغلقة، أبي هنا! لا يمكن أن يكون راقدا، فقد ~~كان لا يحتمل الرقاد الطويل، لا بد أنه جالس، أجل، إنه جالس، جالس القرفصاء وكأنه يقرأ ~~التحيات، وقدمه الكبيرة متنية تحته وإصبعه السبابة تتحرك، وعيناه إلى أسفل، وكأنه يصلي، ها ~~هو قد ختم الصلاة. # وقلت: «سلام عليكم.» # ولم يرد، فقط نظر إلي، بعينيه الواسعتين، ورأيت رقرقة الفرحة في عينيه، ولكنه لم ~~يرد، وكان حزينا، ويتمتم بختام الصلاة. # قلت له: «أنا هنا يا أبي، أنا حبيبك وقد عدت، لماذا لا تقول: «أهلا، أهلا»؟!» # لماذا لا تقول: «اخص عليك»؟! # وقلب كفيه حتى أصبح باطنها إلى أعلى، ورفع وجهه إلى السماء ودعا بشيء، ثم مسح بيديه ~~على وجهه، وتطلع إلي، كان حزينا، ومتعبا، ولم يتكلم. # فقلت: «ألا تعرف أني أحبك؟!» # وأغمض عينيه، وشدد من غلق أجفانه وكأنما يقول: «نعم، نعم.» # قلت: «وحبي لك لا يقدر؟!» # وفتح عينيه وفيهما لمعة حزن. # فقلت: «وأنت أحب إنسان إلينا جميعا؟!» # فعاد يغلق عينيه في ألم. # فقلت صارخا: «إذن، لماذا تفعلها وتموت؟!» # وفتح عينيه في دهشة، وحدجني بنظرته القاسية الثابتة، تلك النظرة التي كان يطالعني بها ~~كلما ارتكبت خطأ عظيما، وكنت أخاف من نظرته تلك وأنا صغير، وأخافتني لحظتها كما لم ~~أخف في حياتي، وخفضت صوتي حتى استحال إلى همس، وقلت: «وحياة النبي الذي كنت تحبه، لماذا ~~مت؟! لماذا تركتنا؟!» # وكان أبي أسمر ، وله تجاعيد، ms039 تجاعيد كبيرة طيبة، وكنا نحبها، وطالما لثمناها، ولم ~~يتغير منظره في أعيننا طوال السنين، كنا نكبر، ونتفرق، ونعود لنجده أسمر ذا تجاعيد ~~كبيرة طيبة. # وأردت أن أقبله في تلك اللحظة، فقد أحسست فجأة أنني مشتاق إليه، وحياتي قضيتها ~~مشتاقا إليه، وكلما عدت من غيبتي ورأيته أقسم لنفسي أني لا بد سآخذ إجازة لأقضيها ~~معه فقط، ولأشبع منه، فقد كنت أخاف أن يموت قبل أن أشبع منه، أردت أن أقبله، واندفعت ~~ناحيته لأفعل، ولكنه رفع يده من فوق ركبته كمن لا يود أن يقاطع وهو يصلي، ~~وتوقفت وقلت: «كيف تموت قبل أن أشبع منك؟!» # ولمحت دمعة صغيرة رقيقة كرأس الدبوس تفر من عينه، وتذكرت لحظتها فقط ساعة أن وضعوا ~~النعش بجوار الحفرة، ثم فردوا ملاءة كبيرة فوقها، وأزاحوا غطاء النعش، وبالراحة حملوه، وقد ~~أصبح صغيرا في الكفن الأبيض، ووسطه قد سقط بين أيدي الرجال، ويده اليمنى حين انزلقت ~~وأطلت من الكفن، كانت هي يده بلا ريب، نفس اليد الحبيبة الضخمة ذات الشعر، والكف، التي ~~طالما ملست على رءوسنا وباركتنا، اليد التي كنا نقبلها، ونتأملها ونحن ~~نقبلها، اليد التي طالما لعبنا في أصابعها الكبيرة، وأحببنا لونها وخطوطها ~~وضخامتها. # وعدت أقول له: «لماذا لم تقل لنا إنك ستموت؟!» وانتظرت أن يجيب فلم يفعل، فنظرت إليه ~~فوجدته لا يزال على جلسته ولكن عينيه مغمضتان، ووجهه أصفر شديد الشحوب لا يتحرك، وجدته ~~كشجرتنا المقطوعة حين هوت على طولها في الفناء، ومضى على قطعها أيام، واصفرت ~~أوراقها وذبلت وتعرت الأغصان. # وعدت إلى بيتنا. # لا يزال برج الحمام في آخر الفناء أبيض وفيه خرابيش، وأوضة الفرن بابها مهبب أسود وظلام ~~بشع داخلها، والأرض عليها عفش كثير، والبيت واسع جدا، وخاو، ليس فيه إلا المغرب، ~~والصمت، والهواء الساكن الذي لا يريم. # وفي نفس الحجرة التي كنا نجتمع فيها أصبحنا وحدنا وجلسنا، أخوتي يرتدون ملابسهم ~~الكاملة، وتكشيرة الحزن تبدو غريبة على وجوههم الصغيرة الشابة، وأمي متعصبة بمنديل، وفي ~~أنفها وفمها وعينها ألم واحمرار ودموع. # جلسنا صامتين، واجمين ، ومصباح الغاز ms040 نوره أحمر كئيب، وعلى الجدران ظلال رءوسنا، ظلال ~~واجمة داكنة، كقلوبنا، تبهت وتغمق كلما كبرت ذبالة المصباح وصغرت، جلسنا ساكتين ~~وكأننا ننتظر شيئا ما، ننتظر أن يدق الباب، ونذهب جميعا لنفتح لأنه قد عاد، ضاحكا، ~~دافعا طربوشه إلى الوراء كما تعود أن يفعل، فاتحا ذراعيه وصدره ليسعنا جميعا بكل ~~مشاكلنا ومتاعبنا الصغيرة، أو هو في الحمام لا بد، وحالا سيخرج، ويتنحنح، ويكح، كحته ~~التي حفظناها وألفناها، كحته التي لا نتصور بيتنا إلا بها، أو هو في الفناء حتما، ~~يحادث جارنا، ويصلنا صوته من بعيد، وما أجمل صوته حين كان يصلنا من بعيد، ونعرف أن ~~هذا صوت أبينا! نعرفه من ألف صوت، ونحبه دون آلاف الأصوات، ونفرح به؛ فمعناه أن أبانا ~~قريب، وأنه قادم، وأننا سنكون بعد قليل حوله، وفي حضنه، وعلى مقربة من عينيه وحديثه وشعر ~~صدره. # ولكن شيئا مما انتظرناه لم يحدث، لا دق الباب، ولا سمعنا صوتا، وأفظع ما في الأمر أننا ~~كنا متأكدين أن الباب لن يدق وأننا لن نسمع أصواتا. # والمصباح يكاد نوره يختنق، وغازه يفرغ، وظلالنا تبهت على الجدران وتتداعى، وإحساس غريب ~~بدأت أحس به، وأدرك أنني كنت أعانيه ولا أعرفه، إحساس أكاد أتذوقه بطرف لساني وأحس ~~بقبضته حول صدري، إحساس بأنني حزين، حزين! # وتطلعت في وجوه أخوتي، وجوه مطرقة صامتة ذاهلة، وتطلعوا إلي. # وفجأة، وكأنما لسعنا خاطر واحد، انفجرنا كلنا نبكي، فقد أحسسنا لحظتها فقط أن ~~أبانا حقيقة مات، وأنه انتهى من حياتنا إلى الأبد، ولم يعد لنا أب، ما أبشع هذا! لم يعد ~~لنا أب! # | تحويد العروسة # كون الشراقوة - بلدياتي - كرماء، مسألة لا نقض فيها ولا إبرام، أما أن يبلغ هذا ~~الكرم حد التهور، وحد «تحويد» العروسة، فتلك مسألة أخرى كما يقولون، بل هي في الواقع ~~عادة غريبة لم يبطل استعمالها في مديرية الشرقية إلا من سنتين تقريبا. # فمن المعروف أن البنت الريفية حين تتزوج في بلد غير بلدها، يخرج أهلها في يوم ~~الدخلة عن بكرة أبيهم لإيصالها إلى بلد العريس ، ونظرا لأن ms041 الأمن - أيام زمان طبعا - ~~لم يكن مستتبا في تلك المناطق الواسعة الشاسعة، فقد جرت العادة أن يخرج مع العروسة ~~عدد كبير من أهل بلدها أثناء الطريق، مكونين بموكبهم قافلة طويلة جدا، على رأسها ~~جمل العروسة الذي يقوده العريس في العادة، أو من ينوب عن العريس. # إلى هنا والأمر عادي يحدث مثله في كل مديريات القطر، أما الذي كان لا يحدث إلا ~~في الشرقية وحدها، فهو أن موكب العروسة كان حين يمر ببلد من البلاد أو بعزبة من ~~العزب، يخرج أهل البلدة أو العزبة بأعيانها وشيوخها وشبابها ليعزموا العروسة وبلدياتها، ~~ولكي يثبتوا جدية العزومة كانوا يذبحون الذبيحة فعلا، ويعلقون رأسها فوق نبوت ~~أحدهم، وينتظرون حتى يقترب الموكب وحينئذ يتقدمون منه، ويضعونه أمام الأمر الواقع ~~قائلين، تفضلوا، عشاكم جاهز، والذبيحة ذبحت، ومبيتكم الليلة عندنا! # وطبعا كان أهل العروسة يرفضون بشدة، فالليلة ليلة الدخلة ولا وقت للعزائم أو مزاولة ~~الكرم الشديد، ولكن العازمين لا يرضيهم هذا، معتبرين أن الرفض إهانة خطيرة موجهة إلى ~~قدرتهم على استضافة العروسة وأهلها، ويشدد أهل البلدة في دعوتهم، ويشدد أهل العروسة في ~~رفضهم، ويزداد كل طرف إصرارا، ويصل الأمر في النهاية إلى حد التشاتم والتماسك ~~بالأيدي، ثم لا تلبث النبابيت أن ترتفع وتقوم خناقة كبيرة، قد تسفر عن قتلى وجرحى، ولكنها ~~لا بد أن تنتهي إلى أحد أمرين: إما انتصار أهل العروسة ومواصلة طريقهم إلى بلد العريس، ~~وإما انتصار أهل البلدة واقتياد الموكب المهزوم واستضافته بالقوة! # وفي أغلب الأحيان كان أهل العروسة ينتصرون؛ إذ الحمية كانت تأخذهم والمسألة بالنسبة ~~إليهم مسألة كرامة وشرف ممكن الدفاع عنهما إلى حد الموت، أما بالنسبة إلى أهل البلدة ~~فنادرا ما كانوا ينتصرون؛ إذ المسألة بالنسبة إليهم مجرد إظهار لشدة كرمهم، وتلك قضية قد ~~لا تدفع الإنسان إلى التفريط في نفسه وإزهاق روحه. # ظلت هذه العادة جارية قرونا طويلة وقرونا، حتى قضي عليها من وقت قريب، وسبب ~~زوالها أن إحدى بنات قرية كفر عزب كتب كتابها على واحد من بلدة أخرى بعيدة، وفي ms042 ~~يوم الدخلة خرج أهل القرية عن بكرة أبيهم ليوصلوا العروس كالعادة. # وفي الطريق فوجئوا بعملاق أسود يخرج عليهم ومعه ثلة من أتباعه وقد رفع نبوتا ~~أطول من النخلة فوق رأسه ووقف في وسط الطريق دون أن ينبس ببنت شفة، وما كاد أفراد ~~الموكب يلمحون الرجل حتى بدأ اضطراب شديد يجتاح صفهم الطويل؛ ذلك لأن أهالي كفر ~~العزب كان بينهم وبين الشجاعة عدم استلطاف قديم، كانت البلدة مكونة من عائلات كبيرة ثم ~~تفتتت، فتتها الفقر وقلة الأرض، وتحولت إلى كفر مزدحم بآلاف الأنفس المتناحرة ~~التي يأكل بعضها البعض، ولا يبالي، كان أهل الكفر كلهم صغارا في صغار، الملاك لا ~~يمتلك الواحد فيهم أكثر من بضعة قراريط، كل أمله في الحياة أن يجعلها فدانا بأكمله، ~~والتجار - إذا صحت التسمية - مجرد باعة سريحة يلفون البقج والأخراج على أكتافهم ~~يوم السوق، وفي البلد أكثر من خمسين دكان بقالة لا يزيد ثمن البضاعة في أي منها على ~~الخمسة جنيهات. # وهناك عشرات يحترفون صناعة القهوة والشاي، ورأس مال الواحد فيهم ليس أكثر من براد شاي ~~وعشة آيلة للسقوط يسكنها القهوجي، والفقهاء ومقرئ القرآن ومن يصنعون الطعمية ويقفون ~~بها على أبواب الجوامع بعد الصلاة والقفاصون، والقصاصون وصغار اللصوص والحرامية، كل ~~هؤلاء متوفرون بالمئات والعشرات، والحمد لله، إذا خلا منصب خفير تقدم له أكثر من مائة ~~وبذلوا الوساطات والشفاعات، والذي يعمل منهم خولي دودة في موسم نقاوة القطن لا بد أن ~~أمه دعت له، ومع هذا الضيق الشديد في الرزق، بل ممكن أن يكون من أجل هذا الضيق ~~الشديد في الرزق فشكاوى بعضهم من بعض لا تنتهي، والبلاغات التي تدعي الشروع في القتل ~~والسرقة بالإكراه وهتك العرض تنهال على المركز من كفر العزب باستمرار، والجدع هناك طبعا هو ~~من يكسب القرش الأزيد بلا أي اعتبار للطريقة التي جاء بها القرش، الرجل إذا نخنخ ووفر ~~المليم شاطر، وشيخ الحصة إذا أخذ شلنا أو نص فرنك ليمضي على العرضحال شاطر، حتى العمدة ~~أشطر شاطر لأنه من التجارة في القطن «ثاني ms043 جمعة» اسما، والمسروق من الحقول فعلا، قد ~~حاز نصاب العمودية. # وعلى هذا لم يكن غريبا إذا ذكرت لأحد من أهل كفر العزب شيئا عن الجدعنة أو الشجاعة أن ~~يلوي رقبته ويقول لك: «ودي تسوى كام دي يوم السوق يا حبيبي؟!» # بل هم في الواقع لم يكلفوا خواطرهم، ولم يخرج المئات منهم لتوصيل العروسة في ذلك اليوم ~~إلا وكل منهم يطمع في عشاء الفرح الفاخر ذي البطاطس وأكوام اللحم المسلوق المغطاة ~~بالأرغفة المخبوزة الطازجة، ولا تحسب الحلويات والفرجة المجانية، ثم من يدري، ألا يحتمل ~~أن تفتح لأحدهم ليلة القدر ويظفر بسيجارة مكنة؟! # ممكن إذن، أن نتصور الاضطراب الشديد الذي اجتاح موكب العزابوة لدى ظهور المارد الأسود، ~~وكيف علت همهمتهم وتقطع طابورهم الطويل وانخلعت الأفئدة وارتفعت الرءوس تستكشف ~~وتحاول أن تجد مخرجا وتتساءل: «مين يتكلم يا ولاد مين؟» ذلك لأنه لم يكن للموكب زعيم ~~أو رئيس، فالعزابوة يكرهون الزعامة؛ لأن كلا منهم يريد أن يكون هو الزعيم، ولكن ~~الزعامة هنا محفوفة بالمخاطر؛ ولهذا لا بد أن يتساءلوا ويتصايحوا: «مين يتكلم يا ولاد ~~مين؟» # ورشح بعضهم الشيخ رجب أبو شمعة؛ لا لأنه كان يمتلك ثلاثة أفدنة بأكملها اشتراها سهما ~~سهما ودبق ثمنها من حرمان نفسه وأولاده من لبن الجاموسة وبيعه، ولكن لأنه كان أكثرهم حكمة ~~واعتدالا؛ أي أكثرهم خوفا، ورجل كهذا تحمد زعامته في موقف تعتبر الجرأة فيه نوعا ~~من الحمق وقلة الأدب. # ولم يقبل الشيخ رجب إلا بعد إلحاح، بل كاد يصنع عين الحكمة ويعود وحده إلى ~~البلد، ولكن تحت وابل من الدعوات والألقاب والتضرعات قبل، وزعق في الموكب مخاطبا إياه ~~من أوله إلى آخره طالبا السكوت التام، وحين تم له ما أراد لكز حمارته القصيرة ذات ~~اللون البني الذي هو أقرب إلى لون فئران الغيط منه إلى لون الحمير، وتقدم ممتطيا صهوتها، ~~غير أنه ما كاد يقترب من المارد الأسود وثلته حتى ترجل عنها احتراما، وتقدم منهم ~~قائلا بلهجة معجونة بملق العزابوة الأصيل: «دستوركم يا سيادنا، سلامو عليكم.» # ورفع إليه العملاق ms044 الأسود عينين يطق منهما الشرر وقال: «لا سلام، ولا كلام! حودوا على ~~طول.» # وبلهجة أكثر ملقا قال الشيخ رجب مدعيا البراءة التامة: «على فين يا سيادنا؟» ~~- «أنتم ضيوفنا الليلة.» ~~- «ضيوف مين؟!» ~~- «ضيوف السنديك بك، احنا بتوعه، وأني عنبر راجله.» # وحاول الشيخ رجب أن يتملص ويتخلص سائلا الرجل عن رأس الذبيحة التي جرت العادة أن ~~تكون معلقة فوق نبوته، مدعيا أن عدم وجودها يعطيهم الحق في رفض الدعوة، ولكن ~~الرجل أفهمه بطريقة لا تقبل النقاش أو الجدل أن الذبيحة ذبحت فعلا، وأنهم لا بد أن ~~يعودوا الليلة مهما فعلوا، وسواء بالقوة أو بالتي هي أحسن، ويبدو أن كلامه هذا أثار بعض ~~شبان العزابوة، ولم تعجبهم طريقة الشيخ رجب وأحبوا أن يظهروا شجاعتهم على الأقل ~~أمام نساء بلدهم الموجودات في الموكب، فزمجروا وتصايحوا، ورفعوا عصيهم الخيزران ~~استعدادا للمعركة، ولكن الشيخ رجب رفع لهم يدا حاسمة غاضبة، ولعن أباءهم جميعا ~~علامة الزعامة، وأسكتهم، فقد كان يعرف حصة أهل بلده من الشجاعة، ويعلم نتيجة أية خناقة ~~قد تنشب مع العزابوة؛ إذ ما تكاد الخناقة تبدو حتى يخبط العزباوي من هؤلاء خبطتين، فقد ~~ليثبت وجوده ويقيد اسمه في سجل المتشاجرين، ولكن ما يكاد الضرب الحقيقي يشتعل ~~وتصبح الحكاية جدا حتى يطلق ساقيه للريح، وعلى هذا قال للرجل الأسود: «مختصر ~~الكلام: أنت عايز إيه يا عم؟» ~~- «تحودوا بالتي هي أحسن.» # فقال الشيخ رجب وهو يلكز حمارته: «بس كده؟! حاضر، احنا ضيوفك الليلة يا سيدي، ولا تزعل! ~~حود يا وله أنت وهو.» # ورفع عنبر العملاق الأسود حاجبيه علامة الدهشة، وكأنما فجع بهذا التسليم المطلق ~~بلا قيد ولا شرط، وهو الذي كان يحلم بخناقة يتسلى ويفخر برواية تفاصيلها أياما كثيرة، ~~ولا بد أنه عجب من هؤلاء القوم الذين لا يقيمون للكرامة وزنا، ولكنه على أية حال أمسك ~~بمقود جمل العروسة، ومضى ميمما وجهه شطر العزبة ووراءه ما لا يقل عن خمسمائة ~~من أهالي كفر العزب ما بين راكب وراجل، وواضع ثوبه في أسنانه، وحامل بلغته تحت إبطه، أو ms045 ~~مفضل أن يمشي بجوار دابته عملا بالمثل العزباوي المشهور: «هين نفسك ولا تهين ~~بهيمتك.» # وأهل الموكب الضخم على عزبة السنديك، وخرج البيه بشخصه يتفرج على فرح «الفلاحين» هذا، ~~وإذا بالموكب - لدهشته الشديدة - يقف لدى سور حديقته ولا يتزحزح، والأغرب من هذا أن عنبر ~~خادمه كان يقود الموكب. # وقال عنبر للشيخ رجب: «استنوا أنتم هنا، وأوعوا حد يتحرك.» # وتحرك هو، داخلا على سيده دخول طارق بن زياد، بعد فتح الأندلس، قائلا بصوت القائد ~~الظافر: «حودنا العروسة، يا سيدي البيك.» # ونظر إليه البيك نظره إلى مخبول، ولم يفهم، وأخيرا بدا عليه أنه تذكر وأن ~~أباه كان قد حدثه عن شيء كهذا، ولكن تلك المسائل كانت في الزمان الغابر، في أيامه ~~الأولى، وأيام أبيه وجده الأكبر، أيام العز، الأيام التي يسمع أنه كان لديهم فيها ألف ~~وخمسمائة فدان وأربعة آلاف رأس من الغنم، أين هو الآن من تلك الأيام؟! الأرض راحت، والعز ~~راح، ومنزل الضيوف تهدم، والمحصول يرهن لعدة بنوك قبل جمعه وحصاده، ولم يبق من مظاهر ~~المجد القديم إلا عنبر، آخر ما تبقى من عبيد العائلة، أيام أن كان للعائلة عبيد، ~~وإذا بعنبر الأحمق هذا يحضر له ذلك الجيش من أهالي كفر العزب يستضيفهم، جيش جائع متهالك ~~كل واحد فيه لا بد قد أجاع نفسه لعشوة الفرح حتى غارت وجنتاه! # وهكذا نزل البيه شتما وسبا ولعنا في خادمه وعنبر مذهول مدهوش من تصرف سيده، ~~فطالما حود عرائس له ولأبيه، وطالما فرحوا به وبانتصاراته وجازوه عليها خير الجزاء، ~~وإذا بجزائه هذه المرة علقة! الظاهر أن الأسياد فسدوا هم الآخرون كما فسد الزمان، وراحت ~~السيادة مع العصر الذي ولى، وإلا فكيف يخاف البيك من تحويد العروسة؟! وكيف لا ~~يفخر؟! # وظل البيه يضيق الخناق على خادمه حتى خيره بين أحد أمرين: إما صرف هؤلاء ~~الناس كما أحضرهم وإما قتله رميا بالرصاص، ولم يجد عنبر بدا من اختيار الأولى، وعاد ~~وقد تغيرت سحنته، وخبا الشرر في عينيه، وتدلدلت ملامحه وهو الذي سحب هذه المرة ~~ناعما للشيخ ms046 رجب ولف كلامه في ملق كثير، محاولا أن يعتذر، ملقيا الذنب على ~~نفسه، ومقسما بالله العظيم ثلاثا أن سيده لم يكن له علم بما حدث. # ولكن سيده مين، اعتدل الشيخ رجب فوق حمارته وانجعص إلى الوراء كما يفعل الأبطال المغاوير، ~~واسترد الخمسمائة من أهل كفر العزب أنفاسهم الهاربة ووقفوا وراءه - ربما لأول مرة في ~~حياتهم - وقفة رجل واحد يؤيدونه ويحبذونه مصرين على أنهم ضيوف السنديك بيك تلك ~~الليلة، ما في ذلك كلام أو سلام، وأن كرامتهم لا يمكن أن تسمح بأن يهانوا على تلك ~~الصورة، هي الحكاية إيه؟ لعب عيال؟! # وانقطع نفس عنبر وهو يجري رائحا عاديا بين الشيخ رجب وبين البيك، حاملا رأي كل ~~منهما إلى الآخر، مخفيا رأي كل منهما في الآخر، آملا أن تنجح المفاوضات، ولكن ~~المفاوضات لم تنجح، ولما تأكد للبيك أنه ما لم يستضفهم فسيفضحونه في طول البلاد ~~وعرضها وسيضحكون عليه طوب الأرض، قبل الضيافة، وأمره إلى الله، وقضى ليلته حائرا ~~واقفا على أقدامه باحثا عن ألحفة وأطباق وطعام يسد به مئات الأفواه المفتوحة ~~الجائعة. # وكان أول شيء فعله في الصباح أن استغنى عن خدمات عنبر إلى الأبد، مفضلا أن يتنازل عن ~~آخر مظاهر العز، ولا الحوجة للدواهي التي تأتي بها تلك المظاهر. # أما العزابوة فبعد أن شربوا قهوة الصباح ورشفوها بمزاج وأشعلوا السجائر أربعة ~~وعشرين قيراطا، توكلوا على الله وامتطوا ركائبهم واستأنفوا طريقهم إلى بلد العريس، ~~ودعواتهم تنهال على الشيخ رجب وحكمته، ومن كان منهم يشك في زعامته آمن وسلم وأصبح له ~~أخلص المخلصين، وزيادة في التكريم أخروا جمل العروسة وأصروا على أن يجعلوا الشيخ رجب ~~وحمارته على رأس موكبهم. # وما كاد الموكب يبتعد عن عزبة السنديك قليلا والضحكات والقرقعات الصاعدة من البطون ~~الممتلئة ببلاش تتصاعد منه، حتى برز لهم عند الكوبري المتحرك جماعة من أهل الروضة، «اقف ~~عندك يا جدع أنت وهو!» وقفوا، وتقدم الشيخ رجب مصطنعا نفس البراءة، يسأل، وما كادت ~~كلمة: «حودوا» تفلت من فم أكبرهم سنا حتى كان الشيخ رجب ms047 قد حود حمارته ناحية البلدة ~~فعلا ويده تشير لبقية الركب أن يتبعوه. # ووقعت الروضة في حيص بيص؛ إذ كان عليها لأول مرة أن تستضيف خمسمائة، هي التي لا ~~يتعدى أهلها المائتين، وقد حاولوا الاعتذار بقولهم إنهم لم يكونوا على استعداد، ولكن ~~الشيخ رجب كفاهم مئونة الخجل قائلا: «الموجود يا جماعة يسد.» ~~••• # وهكذا ظل ركب العزابوة وعلى رأسه الشيخ رجب أبو شمعة تودعه بلدة لتستقبله بلدة ~~أو عزبة أخرى، حتى ولو كان الذي يعترض الطريق رجلا واحدا، وحتى لو كان قد قال كلمته على ~~سبيل المجاملة والترحيب لا أكثر ولا أقل. # ولم يصل الركب إلى بلدة العريس إلا بعد سبعة أيام قضاها العزابوة يأكلون ويشربون ~~ويدخنون ويطعمون ركائبهم شعيرا وبرسيما وفولا. # ومن أيامها اضطر الشراقوة إلى تخفيف حدة كرمهم فتابوا عن تحويد العرائس وحرموا ~~اعتراض مواكبها. # | حادثة شرف # أعتقد أنهم لا يزالون يسمون الحب هناك: «العيب»، ولا بد أنهم لا يزالون أيضا ~~يتحرجون عن ذكره علانية، ويتغامزون به، وإنما تلمحه في النظرات التائهة الحيرى، وفي ~~وجنات البنات حين تحمر وتخضر وتنسدل عليها الأجفان. # والعزبة، كأي عزبة، لم تكن كبيرة، بضع عشرات من البيوت المبنية بحيث تكون ظهورها إلى ~~الخارج، وأبواب الدور تفتح كلها على حوش داخلي واسع، حيث الساحة الصغيرة التي يقيمون ~~فيها الأفراح، ويعلقون العجول المريضة إذا ذبحت لتباع بالأقة وبالكوم، والأحداث في ~~العزبة قليلة ومعروفة، النهار يبدأ قبل مشرق الشمس وينتهي بعد مغيبها، والمكان المفضل هو ~~عتبة البوابة الكبيرة؛ حيث الهواء البحري، وحيث يستحب النوم ساعة القيالة ولعب ~~«السيجة»، الأحداث قليلة ومعروفة، بل تكاد تعرفها حتى قبل أن تقع، وتعرف أن هذه البنت ~~المفعوصة التي تلعب الحجلة ستكبر بعد عدد من السنين، وسيصفو لونها الملبد، ثم يخرطها خراط ~~البنات، وتتزوج، بالتأكيد واحدا من هؤلاء الصبية الذين يرتدون الجلاليب الممزقة على ~~اللحم، ويستحمون في الترعة، وينطون كالقرود المسلسلة من فوق الكوبري. # غير أنه، أحيانا، تقع حوادث لا تكون معروفة، ولا يمكن التنبؤ بوقوعها، مثل ذلك اليوم ~~الذي ترددت فيه الصرخات ms048 في الغيط، الصرخات الغامضة الغريبة التي ينشق عنها فضاء ~~الريف الواسع أحيانا، فتدوي بطريقة مفاجئة ومرعبة ومستغيثة دون أن تعرف مصدرها، ~~ولكنك لا بد تدرك منها أن شيئا مهولا قد وقع، ولا بد حينئذ أن تفيق فتجد نفسك ~~تجري لتنجد أو على الأقل لتعرف الخبر. # غير أنه في تلك المرة لم يكن هناك ما يستدعي النجدة أو المساعدة، بل أكثر من هذا كان ~~العائدون إلى العزبة يجدون حرجا كثيرا حين تسألهم النساء عما حدث. # ماذا يقولون؟ أيقولون: إنهم وجدوا فاطمة في الدرة مع غريب؟! # ماذا يقولون وفاطمة ليست غريبة وغريب ليس غريبا؟! فاطمة أخت فرج، وغريب ابن عبدون، ~~والحكاية ليست تائهة؛ فالعزبة صغيرة، والناس فيها عائلة واحدة، ولا يعرفون بعضهم البعض ~~معرفة دقيقة فقط، ولكن كل واحد يعرف عن الآخر أدق دقائقه وأخص أموره، حتى النقود ~~القليلة التي قد يكتنزها أحدهم، يعرفون مكانها بالضبط وعددها والطريقة التي يمكن أن تسرق ~~بها، ولكن أحدا لا يسرق من أحد، هم إذا سرقوا يسرقون من محصول العزبة، وحتى هذه مجرد سرقات ~~صغيرة لا تتعدى ملء عب قطن أو حجر كيزان دره، أو يساهي أحدهم خفير الزراعة وينضح ~~مصرف أرز ويأخذ سمكه له وحده دون أن يورد نصفه للناظر كما جرت العادة. # وفاطمة معروفة، وكل شيء عنها معروف، ولم تكن أبدا ذات سيرة خبيثة أو سلوك معوج، كل ما في ~~الأمر أنها حلوة، أو على وجه أصح كانت أحلى بنت في العزبة، وليس هذا هو الوجه الصحيح ~~للمسألة أيضا، فإذا كانت الحلاوة تقاس في الأرياف بالبياض، ففاطمة كانت سمراء، ~~المسألة لها وجه آخر خاص بفاطمة وحدها، فلم يكن في استطاعة أحد في العزبة أن يعرف ~~ماذا في هذه البنت بالذات دونا عن بقية البنات، خدودها صحيح كانت حمراء سمراء شديدة ~~الاحمرار تظن معه أنها لا بد تفطر كل يوم بعسل نحل وتتعشى بفراخ وحمام، ولكنك تدهش إذا ~~عرفت أنه احمرار قد صنع من صحون المش والفلفل المخلل وعروق البصل والفجل والسمك الصغير ~~المحروق في ms049 الفرن، وعيونها كانت سوداء، غامقة السواد، ذلك السواد اللامع الذي لا تراه إلا ~~مشعا ومضيئا ودائم الحركة لا يستقر، العيون التي لا تحتمل أن تنظر إليها أو تنظر إليك ~~لحظة، وحتى إذا قلنا إن شعرها كان أسود ناعما، وثوبها الحبر الواسع الذي ترتديه لا يفلح في ~~إخفاء بروز صدرها ورفع وسطها وامتلاء ساقها، حتى إذا قلنا هذا قتلنا فاطمة قتلا، ~~فآخر ما كان مهما فيها هو جسدها، أهم من هذا كله كانت أنوثتها، أنوثة حية نابضة دائمة ~~التفجر والتدفق، أنوثة لا تدري من أين تنبع وأين تكمن، ابتسامتها ابتسامة أنثى، لفتتها ~~إلى الخلف لفتة أنثى، الطريقة التي تخبط بها على كتف زميلتها، إطراقها وهي تدعو أحد ~~المارة ليساعدها في رفع بلاص الماء على رأسها، طريقة قضمها للقمة وإمساكها للرغيف، ~~القلة في يدها، الماء حين ينسكب في فمها نصف المفتوح، الزاوية التي تميل بها البلاص، ~~قرطتها الخضراء الكرومبية الوحيدة حين تتعصب بها معوجة قليلا إلى اليمين، مبينة بعض ~~شعرها المسبسب الأسود، غمازتاها حين تظهران فجأة وتختفيان فجأة وتحددان أجمل ابتسامة ~~يفتر عنها ثغر، ضحكتها وكيف تبدأ ثم بقاياها حين تنتهي، صوتها المصنوع من أنثوية ~~سائلة وكيف تخرجه بمقدار، وكيف تحيله أحيانا إلى قطرات، كل قطرة كلمة أو نبرة، نبرة ~~أنثوية مصفاة، تكفي وحدها لتروي ظمأ عشرات الرجال. # وكانت فاطمة تثير الرجال أو على وجه الدقة تثير الرجولة في الرجال، وكأنما ~~خلقت لتثير الرجولة في الرجال، حتى الأطفال كانت تثير الرجولة الكامنة فيهم، فكانوا ~~إذا رأوها قادمة من بعيد أحسوا برغبة مفاجئة في تعرية أنفسهم أمامها، وكثيرا ما كان ~~بعضهم يقدم على تنفيذ الرغبة، فيرفع ذيل جلبابه ويتعمد المبالغة في رفعه، ولا ~~يفلح ضرب أو زجر في نهيهم عن إتيان هذا الأمر، فهم أنفسهم لا يدرون لماذا يعرون أنفسهم ~~إذا رأوها. # لذلك ما كان أشد محنة فرج! كان فرج أخاها، وكان مزارعا وحدانيا فقيرا لا يملك سوى ~~بقرته، ولا يعطيه الناظر إلا ثلاث فدادين ليزرعها، ومحاولاته كل عام ليزيد حصته نصف ~~فدان ms050 كانت تبوء بالفشل الذريع، ومع هذا فقد كان فرج رجلا في عز نعنعة رجولته، يأكل في ~~الطقة ثلاثة أرغفة إن وجدت، ويأتي على قلة الماء في نفس واحد، وسمانة رجله في حجم ~~الفخذ، وكان حائرا منغص العيش، والسبب أخته، فقد كانت تحيا معه ومع امرأته، وامرأته ~~ذات الأنف الفاطس والوجه الأصفر كانت طيبة، وإن لم تكن طيبتها تمنعها أحيانا من لفت ~~نظر فرج إلى صدر أخته الذي تدعي أنها تتعمد هزه حين تمشي، أو إلى الكحل الذي لا ~~يفارق عينيها، واللبان الذي توصي عليه كل ذاهب إلى السوق، ولم يكن فرج في حاجة إلى ~~لفت النظر؛ إذ هو يرى ويسمع ويفور دمه كلما رأى أو سمع، ولم يكن يستطيع تأنيب فاطمة ~~على شيء، كانت ترتدي نفس ما ترتديه البنات، وتتكحل كما يفعلن وتمضغ اللبان كما ~~يمضغن، ولم يلمحها أحد في موقف مريب، ولا ضبطت مرة متلبسة بخطأ، وحتى حين ~~ادعت زوجته أن السبب في احمرار وجنتيها أنها تحكمها بالورق الأحمر الذي تصنع منه ~~صناديق الدخان الفرط بلل عمامته يومها بلعابه وظل يدعك وجنتي فاطمة حتى كاد ~~يدميهما، ولم تحمر العمامة ولا حدث لها شيء، ولم يفعل شيئا يومها أكثر من أن صوب ~~إليها نظراته المحمومة المملوءة بالشك وراح يعنفها ويزجرها، وفاطمة لا تعرف سببا ~~لنظراته تلك، فهي تعرف العيب تماما، وطالما حدثها فرج عنه وعنفها، وهي لا تفعل ~~العيب، وليس في نيتها أن تفعله، بل هي تفضل الموت على فعله، كل ما في الأمر أنها كانت ~~تحس بالناس يدللونها ويحبونها، فكانت تفعل كما يفعل أي محبوب، تتصرف بحرية ~~وبساطة وبلا تعقيد، إذا أرادت أن تبتسم ابتسمت وإذا ابتسمت كان هذا عن رغبة حقيقية في ~~الابتسام، وإذا أرادت أن تضحك ضحكت، وخرج ضحكها بريئا نابعا من القلب، وكانت تعرف ~~أن الناس يحبون جمالها فكانت تحرص على هذا الجمال، فلا تخرج من عتبة دارهم بوجه ~~غير مغسول أو بشعر مشعث منكوش، وإذا اشتغلت في الغيط لبست الجوارب التي تقترضها من أم جورج ms051 ~~زوجة الناظر، والتي تصنعها على هيئة قفازات تقي بها يديها من الأفرع وحز الشوك والأغصان، ~~وإذا تكلمت حرصت على أن يخرج كلامها جميلا ليس فيه كلمة نابية أو تعبير قبيح، ~~والناس جميعا أحبابها وأصحابها، كلهم يحبونها، وهي تحبهم كلهم، ويدللونها ~~وتتدلل عليهم، ويريدونها غير عابسة فلا تعبس، ويريدونها ضاحكة فتضحك، وكل أملها أن ~~يضحكوا لضحكها ويسعدوا بابتسامتها ودلالها، فلماذا يعنفها أخوها ويزجرها، ولماذا هذه ~~النظرات المشبعة بالسم منه؟! # والحقيقة أن فرج لم يكن يدري لماذا، كل ما في الأمر أنه مسئول عن أخته وأنوثتها ~~الصارخة، وكل عين تمتد إلى أخته إنما تغور في لحمه هو وتدميه، وكل أمله أن تتزوج ~~فاطمة، وتنزاح بمسئوليتها بعيدا عنه، بل بعيدا عن العزبة كلها، ولكن فاطمة لم تكن ~~تتزوج، فخطابها قليلون، بل تكاد تكون بلا خطاب، فمن هو المجنون الذي يجرؤ على ~~امتلاك كل تلك الأنوثة وحده؟! وإذا تزوج ماذا يفعل بها؟! والناس في العزبة وما جاورها لا ~~يتزوجون ليستمتعوا بالجمال ويقيموا حوله الأسوار؛ إذ هم أولا لا يحيون لكي ~~يستمتعوا بالحياة، هم يحيون فقط لكي يبقوا أحياء، ويتزوجون لكي تعمل الزوجة وتنجب ~~أولادا يعملون؛ ولهذا ففاطمة باقية بلا خطاب. # والعزبة مليئة بالرجال والشباب، وفاطمة كأي بنت فيها تعمل كالرجال تماما، وتسرح إلى ~~الغيط، وتروح مع الأذان، وهي - دونا عن كل النساء والبنات - تثير الزوابع أينما ~~حلت، ولهذا فإن قلب فرج مملوء بالخوف، وخوفه يجعله يضحك؛ إذ هو الذي يملأ العزبة ~~برجولته الفارعة وطيبته ضحكا، وهو الذي يملؤها حياة، يبرطع وراء الرجال ويهزر معهم رغما ~~عنهم ويعلمهم التنازل عن وقارهم الكاذب والنزول له في «الباط»، ويسابق الشبان في العوم، ~~ويخطف القفف من فوق رءوس النساء، حتى أكثرهن تحفظا، ويجري ويضحك، ولا تشكو النساء، وفي ~~الأفراح يلبس جلبابه الأبيض، ويلف على رأسه الحزام السكروتة ويحلق شعره وذقنه بالمكنة ~~الزيرو ويرقص للعريس، وينقط للعروسة وللناظر، وللخولي وأهل العزبة، ينقط بالفلوس التي باع ~~بها قطنا سرقه من المخزن أو جوالا اختلسه وهو في طريقه إلى الشحن، ويصرف، ms052 ويفنجر، ~~ويملأ العزبة صخبا وضجيجا، والكل رجالا ونساء وشبابا يحبونه ويعزونه، وتعتمل أشياء ~~داخل صدورهم وأشياء، فأخته تكاد تثير طوب الأرض فتنة وأنوثة، والرغبات في صدورهم تكاد ~~تتفجر، وفرج يأسرهم بطيبته وصداقته وضحكه، فإذا مرت فاطمة خفضوا البصر، وإذا لم يحتمل ~~أحدهم وتأوه لكزه جاره. # ولذلك ظلت فاطمة كالفاكهة الناضجة المحرمة، لا يقربها أحد، ولا أحد يدع الآخر ~~يقترب منها، والقلوب تذوب حسرة، وأعصاب الرجال وحتى العواجيز ترتجف رغبة كلما مرت، ~~ولكن فرج دائما هناك، لا بد يتردد في أذنك صدى ضحكة عريضة تأتيك من بعيد وتذكرك أنه ~~هناك، وأنه عيب، وتعود حينئذ إلى صوابك، فتذهب لتخطف العصر، أو تتمشى لتشرب شايا عند ~~الدكان. # واليوم ضبطوها في الدرة مع غريب. # والحقيقة أنها لم تضبط يومها فقط، ما أكثر ما ضبطت فاطمة! في الدرة، ووراء إسطبل ~~الوسية، وتحت ماكينة الدراس مع رجال، ولكنه ضبط مع إيقاف التنفيذ، فالأيام كانت تثبت ~~أنها شائعات، مجرد شائعات كان لا بد أن تنطلق وراء فاطمة إذا مرت كما تنطلق الحسرات، ~~وسكان العزبة لم يكونوا أشرارا، ولا حاقدين، كانوا في الواقع أناسا طيبين، يحرص كل ~~منهم على الآخر مثل حرصه على نفسه، حتى إوزهم كان طيبا لا خبث فيه، تخرج جماعاته من كل ~~بيت في الصباح مكاكية مزغردة، وتتجمع قريبا من الجرن، وتأخذ طريقها إلى الترعة في قافلة ~~ضخمة، ويظل الإوز يلعب ويستحم ويعلم أولاده العوم حتى تئوب الشمس إلى المغيب فتأخذ مئات ~~الإوزات طريقها إلى العزبة، تدخل من البوابة، ويتوجه كل إوز إلى بيته من تلقاء نفسه، وحتى ~~لو أخطأت إوزة غريرة طريقها، وذهبت مع إوز الجارة فما أسرع ما تجد بابك تطرقه الجارة ~~ومعها الإوزة الضالة، حتى قبل أن تكتشف أنت أنها ضلت وضاعت. # وأمام فاطمة، أهل العزبة رعايا جمالها، مدلهون بحبها، إذا كان الفرح حظيت باهتمام ~~يفوق ما تحظى به العروسة، ولعل هذا كان السبب في خوفهم الشديد على فاطمة، كانوا خائفين ~~عليها من العيب وكأنهم لا يصدقون أن أنثى جميلة مثلها ممكن ms053 أن توجد ولا ترتكب العيب، بل ~~إنهم من كثرة خوفهم عليها، حددوا الشخص الذي يمكنه أن يرتكب العيب مع فاطمة، حددوا ~~غريب بالذات، وغريب كان ابن عبدون، وعبدون مع أنه كبير في السن إلا أن أحدا لا يقول ~~له: يا عم، فقد كان رجلا عصبي المزاج يدمن «المضغة» والقهوة السادة، وكلمة والثانية ~~وتجده طابقا في خناقك، حتى الناظر كان يخاف منه ومن خلقه الضيق ويتجنب إثارته، ~~وعمره ما قال لأحد كلمة حلوة، ولكن شطارته كلها تظهر إذا حلت بالعزبة كارثة ما، حينئذ ~~يقف كغراب البين على الترعة وقد أمسك بذيل جلبابه من الخلف ويمضي يشتم ويسب ويبصق مضغته ~~ويشبع أهل العزبة لوما وتأنيبا وكأنهم هم المسئولون عن وقوع الكارثة، غير أنهم كانوا لا ~~يقيمون لعصبيته وسبابه وزنا، فقد كانوا يعرفون أنه من الداخل أبيض، فقط طبعه هو الذي ~~يغلب. # أما ابنه غريب فرجال العزبة كانوا لا يرتاحون إليه، وكذلك نساؤها، فقد كان ولدا قليل ~~الأدب، فارغ العين، يربي قصة من شعره ويظهرها مسبسبة من طاقيته الصوف البيضاء، وسبب ~~ضيق الناس به أنه كان يغوي النساء، والأدهى من هذا أنه كان ينجح في الإيقاع بهن، وفي هذا ~~لم يكن يحترم جارا ولا زوجة خال، كان أسمر فاتح السمرة، وبالرغم من قبح خلقة أبيه كان ~~وسيما، لا تمل العين رؤية ملامحه، وله طريقة لذيذة في نطق الكلام، مع أنه كان قليل ~~الكلام، كان صوته يخرج غليظا بريئا فرحان، وكأنما هو مراهق حديث البلوغ، ولم يكن يبدو ~~أهبل كمعظم شباب الأرياف، كان ولدا حدقا معتدا بنفسه، سريع الفهم، فهلويا نظيف ~~الجلباب، يعمل كالمكنة طول النهار، ويغني المواويل، وعنده عدة شاي، ويعزم ويشدد في ~~العزومة، فإذا جاء الليل لا يحتمل المبيت في دارهم ويؤثر النوم فوق كومة تبن الوسية ~~العالية حيث يدفن نفسه، ويظل يتلمس أفخاذه وصدره ويحكي لأصدقائه الذين يبيتون معه، يحكي ~~لهم عن أمور النساء التي هم أجهل الجهال بها، والذي هو فيها صاحب الباع الطويل، وكان جريئا ~~لا يخجل وعينه فارغة، ms054 أول ما ينظر إلى المرأة يبدأ بالنظر إلى سيقانها، ونظراته كانت ~~تربك، ففيها لمعة سخرية دائمة، أو لعلها ضحكة لم تنطلق، كانت نظراته هكذا رغما عنه، ~~وليس له يد فيها، ولكن المرأة كانت تحس إذا نظر إليها هكذا أنه يفهم ما يدور بخلدها، ~~فإذا كان ما يدور بخلدها عيبا، وهذا هو الحال في معظم الأحيان، ارتبكت وخيل إليها ~~أنه عراها، وتحاول حينئذ أن تغطي نفسها فترتبك أكثر، ومن كثرة ارتباكها تقع، ~~ويكسبه وقوعها اعتدادا أكثر، فتزداد لمعة الجرأة الساخرة في عينيه ويزداد عدد من ~~يقعن له. # ولا بد أن غريب كان فيه شيء غريب، شيء لم يكن يوجد في بقية الرجال، لعله ذكورة زائدة، ~~أو لعله شيء آخر، فقد كان يكفي أن ترى المرأة من نساء العزبة قفاه أو «دكة» سرواله وهو ~~يعمل حتى تشهق وكأنها رأت رجلا عاريا، ولم يكن يبالي في وسائله، كل الطرق إلى ~~المرأة كانت عنده حلالا، في الفرح يحشر نفسه بينهن فيجمدهن أمامه، وفي ماكينة الطحين ~~كل شطارته أن يحمل القفف للنساء ويدق لهن القادوس، حتى المريضة لم يكن يعتقها، ولولا ~~خوفه من بندقية أبو جورج الناظر لحاول في الليل زيارة الست أم جورج، وكان الناس إذا ~~اشتكوا لعبدون أبيه ثار في وجوههم ولخبط خلقته وقال لهم بفظاظة: «حداكم إياه، أني متبري ~~منه! اعملوا فيه اللي تقدروا تعملوه.» # وكانوا في العادة لا يستطيعون أن يفعلوا شيئا، فغريب وإن كان قصير القامة إلا أنه كان ~~قويا كفحل الوسية يستطيع أن يرفع ترس الساقية الحديد بيد واحدة ويقطم رقبة الرجل باليد ~~الأخرى، كل هذا وعيناه تلمعان نفس لمعتهما الساخرة. # كان هو أكثر الذكور ذكورة، وكانت فاطمة أكثر الإناث أنوثة، ولهذا كان من الطبيعي جدا ~~أن تقرن الشائعات بينهما، ومع هذا، ما كان أبعد ما بينهما! ففاطمة كانت تتجنبه ~~لشهرته بقلة الأدب وفراغ العين، وكان هو يخافها عن بعد، فهو وإن كان ندا لخادمة ~~الناظر أو شفيعة الأرملة أم العيال، ففاطمة ليست واحدة منهن، أنها فاطمة ، كل النساء ms055 كوم ~~وهي كوم! # كان أحيانا يزعم للشبان الغارقين حوله في التبن أنها تحبه وترسل له المراسيل، ولكنه ~~كان أول الساخطين على نفسه من أجل مزاعمه تلك، كان يعمل في الغيط كالرهوان ويكتسح ~~النساء بنظراته وذكورته فتخر له النساء، وزينة بنات العزبة في الأفراح والأسواق، ولكن ~~أمام فاطمة كان عاجزا كل العجز، وفاطمة من ناحية خائفة كل الخوف، حتى إذا قال لها: ~~«العواف» ودق قلبه آلاف الدقات وهو يقولها، كان ردها يأتي مضغوما لا عافية فيه، هي ~~خائفة منه خوفها من العيب، وهو خائف منها خوفه من العجز، والعزبة سادرة في إقرانه بها ~~وإقرانها به، وفرج سادر في ضحكه وذر صداقته في العيون، وسادر في اكتساب محبة غريب حيث ~~يكمن خوفه الأكبر، وكل هذا يجري من تحت إلى تحت، أما في الظاهر فالناس لبعضها والعزبة ~~صغيرة، والناس فيها عائلة واحدة كبيرة، وبيت عبدون ثالث بيت إلى يمين بيت فرج، وحتى حوادث ~~ضياع الإوز قليلة. # ولكنهم كانوا جميعا يتوقعون دائما أن يحدث شيء ما، شيء لا بد أن يحدث، مثل أن ~~يستيقظوا في منتصف ليلة على طلقة، أو تأتيهم من الغيطان صرخة تقول: ظبطوها في الدرة مع ~~غريب. ~~••• # وقد حدث! # والغريب أن أحدا لم يفاجأ بما حدث ولم يستنكره، كلهم أخذوا الأمر على أنه شيء ~~مسلم به، إن كان بالأمس لم يحدث فها هو اليوم قد حدث، حتى أطفال العزبة - وللأطفال ~~مجتمعهم هم الآخرين وإشاعاتهم وآراؤهم الصغيرة في الناس الكبار - حتى هؤلاء أحسوا أن ~~فاطمة قد ارتكبت أخيرا ذلك الشيء المحرم الذي طالما حذرهم منه الآباء والأمهات، ~~ارتكبت العيب. # وعلى هذا حين وجدوا فرج قادما من الغيط من بعيد، ورأوا عمامته مخلوعة ورأسه عاريا، ~~لأول مرة، وصديريه مفتوحا وسرواله ملطخا ببقع الطين، بينما وجهه مصفر وشاربه يرتجف ~~وعيناه في لون الدم، حين رأوه قادما من بعيد هكذا، انزووا في ظل حائط الإسطبل وهم ~~يكادون يحسون بفطرتهم هول الكارثة التي حاقت به، وحين دلف من بوابة العزبة ساروا ~~وراءه عن بعد يتابعونه صامتين، ms056 حتى وجدوه يدخل داره وينهر ابنه الذي كان يخبط على ~~صفيحة قديمة صدئة، ثم وهو يطلب من امرأته في صوت خطير لا يكاد يسمع أن تأتيه بالجوزة، ثم ~~وهو يتناولها ويعب من دخانها عبا، وينفث من صدره سحبا كثيفة لا تصدر إلا عن ~~الفرن المبلل الأحطاب. # وحين بدأ بعض الرجال يتسللون إلى الدار تشجع الأطفال وتسللوا هم الآخرين، ولكنهم ~~وقفوا قريبا من العتبة يرمقون ما يدور في الداخل خائفين، ولم يكن يدور في الداخل شيء يخيف، ~~كان فرج جالسا أصفر لا يتكلم، يرص كراسي الدخان ويشرب، وكان الرجال حوله ساكتين لا ~~يعرفون ماذا يقولون، وحتى إذا تململ أحدهم وأهاب به ضميره أن يقول شيئا يخفف به من ~~حدة الهول، فإن فرج كان يمد له غابة الجوزة ليشرب ويسكت، فالموقف ليس في حاجة إلى ~~كلام، فأخيرا جاء اليوم الذي توقعه فرج وظل طول عمره يتوقعه، أخيرا حدث الشيء الذي ~~كثيرا ما فكر فيه وغلى الدم في عروقه وهو يفكر فيه، كان كلما رأى جسد أخته يتلوى ~~في الثوب الأسود الواسع المهلهل، أو كلما رأى قطعة من جسدها ظاهرة من ثقب الثوب، كلما ~~رآها تضحك أو تتكلم أو حتى تأكل، كان يحس بصدره يضيق فجأة ويختنق فيصوب إليها نظرات ~~كالمسامير المحمية، أو يضحك ضحكه الواسع العريض الذي لا بد تلمح فيه خوفه الرهيب من شيء ~~لا بد أن يحدث، بل كثيرا ما حسبها بينه وبين نفسه، ترى ماذا يفعل لو حدث لا قدر الله أن ~~...؟! # وكان شعره يقف كلما حسبها، ويعود وينظر إلى فاطمة نظرات تغور بها في سابع الأرض، وها هو ~~الحادث قد حدث، وأصبح عليه الآن أن يأخذ موقف الرجل الأخ، عليه الآن أن يقتلها ويقتل ~~غريب، يقتل فاطمة أخته التي حملها وهو يعدي بها المصارف حين كانت صغيرة والتي قالت له ~~أمه وهي تموت: «وصيتك فاطمة يا فرج!» ويقتل غريب، الكلب الذي طالما آواه وسقاه على حسابه ~~واحتضنه، والذي طالما توقع أن يخونه، وقد خانه. # أجل، الموقف ليس في ms057 حاجة إلى كلام، إنه في حاجة إلى دم، كل ما في الأمر أنه لا بد من ~~التثبت حتى لا تلتف خطيتهما حول رقبته، إنه قادم على إضاعتهما وإضاعة نفسه ~~وامرأته وأولاده، فلا بد أولا أن يتأكد، فليعب الدخان وليسكت ولينتظر قبل أن يمسك ~~السكين، والقرار بارد لا رحمة فيه ولا أمل، ففرج من أهل العزب، وأهل العزب متهمون ~~أنهم متساهلون في أخلاقهم عن أهل القرى، ولكنه سيريهم أن أهل العزب لهم هم ~~الآخرين أصول، وأنهم أعدى أعداء العيب! # أما فاطمة فسرعان ما أهلت من بعيد على العزبة وحولها سرب من نسائها وبناتها في ~~أثوابهن القديمة السوداء، ورقعهن الملتفة حول رءوسهن، مكونات كتلة غامقة من السواد لها ~~عشرات الأذرع والرءوس، تتحرك صوب العزبة في تصميم خطير، وتثير سحابة واطئة من ~~الغبار. # وجرى الأطفال يستقبلون الموكب، كانت فاطمة في الوسط وكان وجهها أبيض، لأول مرة انقلبت ~~سمرتها الجميلة إلى بياض شاحب، ولم تكن تبدو فاتنة كعادتها، وكانت تعقد رأسها بشالها ~~الأسود كالحزانى، وملامحها لا تتحرك وكأنما هي ميتة أو حالا ستموت. # وحدثت ضجة لدى اقتراب الموكب من العزبة، وراحت النسوة يتناقشن في أصوات رفيعة ~~حادة كما يتناقش الرجال، والبعض يشير بتحويدها على بيت الخولي، بينما الأخريات ~~يتحدثن عن الأصول، وعن أن مكانها الطبيعي هو بيت أخيها، وحدث الشد والجذب ~~والصراع وأخيرا أدخلنها في بيت الخولي القائم في ركن العزبة، وبقي الأطفال في الخارج ~~ينتظرون. # أما غريب فقد قالوا إنه طفش واختفى في المزارع، وأنه قد لا يعود. # ولم يكن أحد في العزبة يدري ما يحدث بالضبط، كان جو العزبة قد تعكر فجأة، ولم ~~يعد أحد يرى في جوها العكر شيئا، الرجال جميعا كانوا صامتين، والنساء دعواتهن ~~كانت تنهال على غريب ابتداء من: «يجيله ويحط عليه» إلى طلبهن الملح من الله أن ~~يختصه بداء لا يبرأ منه، ولكن، حتى دعوات النساء الرفيعة هذه لم تستطع أن تحرك قليلا ~~أو كثيرا من الوجوم الثقيل الذي حط على العزبة وكل من فيها، الوجوم الذي جعل ms058 حتى ~~كلابها تكف عن النباح. # وفي بيت الخولي كانت الحلقة مستحكمة حول فاطمة، والنساء ينهلن عليها بالأسئلة، وطبعا ~~قبل أن يسألنها كن واثقات أنهن لن يصدقن شيئا مما تقول. # قالت إنها كانت ذاهبة تحمل الفطار إلى أخيها فرج في الغيط، وحين مرت على القناية ~~الكائنة في حقول الذرة خرج لها غريب على حين بغتة وحاول أن يمسك يدها ويجذبها ~~فقاومت وصرخت، وتسكت فاطمة عن حديثها التائه، وتستحثها النسوة على المضي، ~~فتقول إن الناس جاءوا على صراخها وهرب غريب، ولكنهن لا يقتنعن ويطلبن المزيد فتقول: ~~لا مزيد، فيهززن رءوسهن محاولات أن يترجمن حكاية اليد الممسوكة هذه بكل ما يتسع له ~~خيالهن، بينما حمى لا ترحم قد ركبت كل واحدة فيهن لتعرف ما قد جرى وتتأكد، ~~وكلما سكتت فاطمة، وكلما شحب وجهها وبهت، ازدادت حدة الحمى واشتدت، حتى ~~الرجال الجالسون حول فرج بعيدا عن فاطمة وحلقتها كأنما أصيبوا هم الآخرين بنوع خفي من ~~تلك الحمى، تلمحه في كلمة طيبة خارجة من فم طيب تقول: «صبركم بالله يا جماعة! ما يمكن ~~ما فيش حاجة حصلت.» # وشيئا فشيئا بدأ الشيء الذي حاول الجميع كتمانه قدر طاقتهم يظهر، وكان سهم ~~الله قد نفذ، الأذهان كلها كانت معبأة ومهيأة ومتوقعة كلها أن يحدث ما حدث، إذا ~~انفرد رجل أي رجل بفاطمة فعليه العوض فيها! فما بالك والذي انفرد بها غريب؟! من يعمل هنا ~~حسابا لفاطمة أو لرأيها والمقاومة التي قد تبديها؟ إذا انفردت بغريب انتهى كل شيء، ~~والمهم الآن هو التأكد من أن كل شيء حقيقة قد انتهى، حتى فرج، كان وهو يقرأ ما يعتمل في ~~ضمائر الناس الخفية كان هو الآخر يريد أن يعرف النتيجة، لا ليعرفها، ولكن ليتأكد ~~أن فاطمة حقيقة لم تعد أخته، وأنه أصبح حرا يستطيع أن يفعل بها ما يشاء. # والنساء - ويا لغرابة هذا! - أكثر جرأة في هذه الأمور من الرجال؛ ولذلك ما أسرع ما قالوها ~~لأنفسهن ولزوجة فرج التي كانت قد تركت الدار وذهبت تعدد على فاطمة وتبكي ، ولعمتها! ~~وحين ms059 قالوا لفاطمة نفسها غضب وجهها وبهت بشدة وارتجفت فتحات أنفها وصدرت عن عينيها ~~دمعات قليلة، أقل من محتويات الليمونة إذا عصرتها وهي خضراء، وصرخت فيهن أن شيئا ~~مثل هذا لا يمكن أن يحدث، وأنه والمصحف الشريف، لم يلمسها، فقلن لها: ما دام خايفة من ~~الكشف يبقى لازم حصل حاجة، ومرة واحدة امتلأت خدود فاطمة بدفقة دم ولم تستطع النطق، هي ~~التي كانت تظن نفسها، ويؤكد لها الناس أنها لا تعرف معنى الخجل. # ولو أن هذا حدث في قرية لحاول الأهل أن يتستروا على ابنتهم، ولكن الأمر يحدث في ~~عزبة، الكل يعرف كل شيء عن الكل، ولا داعي للإخفاء، وهكذا أصبح هم العزبة من صغيرها ~~لكبيرها أن تعرف إن كانت فاطمة قد جرى لها ما لا بد أن كان سيجري لها، وداخت فاطمة حتى ~~إنهم رشوا على وجهها ماء وشمموها بصلة، داخت من هول المسألة، ومن إحساسها بأنها ~~متهمة بأعيب عيب، وأن جميع أهل العزبة يناقشون أعز خصوصياتها، هي الأنثى الملكة ~~الحلوة، يناقشونه عيانا بيانا وعلى مرأى ومسمع من أخيها وأهلها، وكل هؤلاء الذين كانوا ~~يحبونها وتحبهم، ويدللونها وتتدلل عليهم. # وطلبت من حلقة النساء أن يرحمنها. # وسكتن جميعا ورحن يرقبنها بعيون ذابلة كان قد غادرها الشك وامتلأت بيقين، ~~كالعيون، ذابل وحزين. # وحينئذ قالت فاطمة بوجه جامد متحجر بينما دفقة الدم التي تصاعدت إلى وجهها تنسحب ~~وتسقط إلى أقدامها، قالت: أنا مستعدة. # وفي تلك اللحظة كان فرج قد داخ من كثرة شرب المعسل على الريق، وكان رأسه منكسا ~~ويده تسند جبهته، ولولا أنه رجل لحسب الناس أنه أرملة تبكي وتنتحب. # ولم يكن في العزبة من يفهم في هذه الأمور إلا صابحة الماشطة، وهي لم تكن ماشطة ~~محترفة، كانت تمتلك ماكينة خياطة قديمة تدار باليد، وكانت تخيط أثواب النساء والرجال على ~~حد سواء، وكانت متقدمة في السن، ولكنها تبدو صغيرة ووجهها أبيض، وشكلها طيب ~~حنون كشكل أي أم، ولكنها حين تتكلم يفضح صوتها ما تخفيه ملامحها، فتحس أنها ~~امرأة مجربة عركت الحياة بنسائها ms060 ورجالها على حد سواء، وحينئذ لا تطمئن ~~إليها. # وحين أبدت فاطمة استعدادها كان مفروضا أن يبعثن في طلب صابحة الماشطة، ولكنهن ~~ترددن، فهن يردن معرفة الحقيقة، وصحيح أن صابحة تفهم في هذه الأمور وستعرف ~~حتما كل شيء، ولكنها قد لا تقول الحقيقة؛ إذ هي متهمة في نظر الرجال والنساء وحتى ~~الأطفال، فهي صحيح الخياطة الوحيدة في العزبة، وهي التي تفصل للجميع أثوابهم، إلا أن ~~مسألة وجودك في منزلها، حتى ولو رآك الناس وأنت تقيس الجلباب، مسألة لا يستريح لها كل ~~من يراك؛ إذ من المعروف أن صابحة ليس لديها مانع من أن تصنع من نفسها وبيتها ستارا ~~قد يلتقي وراءه الرجل بالمرأة؛ حيث هناك سبب وجيه لوجود كليهما معا، ولكن أحدا لم ~~ير بعينه شيئا، وقد يكون هذا صحيحا، وقد يكون مجرد إشاعات باطلة، ولكن الثابت أن ~~صابحة فيها شك، وممكن أن تعرف ولا تقول، وممكن أن تقول خلاف ما تعرف. # وقالت امرأة فرج: «ما فيش إلا الست أم جورج.» # ووافقت النساء في الحال، فأم جورج هي الست الوحيدة في العزبة، وهي أيضا الوحيدة ~~المتعلمة التي تجيد القراءة والكتابة، ثم إنها من البندر، ولا بد أن أهل البنادر ~~يعرفون كل ما لا يعرف فيه أهل العزب والقرى والفلاحين. # وتدافع الأطفال حول الموكب ووراءه حين خرج من بيت الخولي في طريقه إلى بيت الناظر، ومضى ~~الموكب يتعثر في حزنه وحماسه في طرقات العزبة المليئة بأكوام الأتربة وقش الأرز، ~~والدنيا نهار، والشمس قريبة من الأرض منكسة، وفاطمة في الوسط لا يزال وجهها متحجرا، ~~وعيونها مفتوحة كعيون العميان وقلبها غائص تحت أقدامها، كلما خطت خطوة أحست أنها ~~تطؤه، وتطأ معه كل خجلها العذرى، وكل أحاسيسها الحلوة أيام كانت طفلة، وأيام ~~كبرت، وأيام كانت تغني في الأفراح، وتحلم بأن يكون لها فرح وزفة وجلوة وليلة حنة حيث ~~يترقب الجميع خروجها ترقبهم للملكة، واليوم هم يترقبون خروجها، مئات العيون تنظر ~~لها، وتحملق فيها، مئات، لا، بل آلاف، الدنيا كلها عيون مفتوحة كالفناجيل لا تنظر ~~إليها ms061 وإنما تنظر إلى أخص خصائصها، بلا حياء وبوحشية وتخترقه، وتهتك شرفها، ويسيل ~~دمها، ويقطر لدى كل خطوة تخطوها ولدى كل حجر تتعثر فيه، وهي حافية عارية ذليلة لا يرحمها ~~أحد. # وحاولت صاحبتها حكمت أن تجذب الشاش فوق وجهها وتغطيه، ولكن فاطمة أزاحت الشاش ~~كاشفة وجهها، ما فائدة إخفاء الوجه وجسدها كله عريان؟! # والموكب الحزين المتحمس ذو عشرات الأذرع والرءوس يمضي ووراءه ذيل من الأطفال والكلاب ~~الجائعة، يمضي ويثير سحب غبار، ويشتت قوافل الإوز البيضاء، ويطير العصافير والحمام ~~آخذا طريقه إلى بيت الناظر. ~~••• # في ذلك الوقت كان عم ضرغام خفير الجرن يجعجع ولا أحد يستمع إليه، فالناس قد ~~تعودوا على جعجعته، كان هو الصعيدي الوحيد في العزبة، ومن يوم أن جاء وهو يخفر الجرن، ~~وتعدى السبعين وهو لا يزال يخفره، رأسه ضخم أسود، وملامحه غليظة دائمة التكشير، ~~وشاربه الأبيض طويل غزير كشوارب الكلاب، وشعر رأسه أكرت أبيض، وعرقه يسيل على الدوام ~~بطريقة تجعل وجهه الأسود دائم اللمعان وكأنما يعرق زيتا، وكان لا يتكلم إلا جعجعة لا ~~يفهمها أحد وكأنه هبهبة كلب، ولا يجعجع إلا إذا اقترب أحد من الجرن، حتى ولو ~~بحسن نية، وقد عاش في العزبة ثلاثين عاما لا يعرف أحدا ولا يأخذ على أحد، الكل يعرف ~~اسمه وهو لا يعرف أي اسم، كل ما هنالك إذا كان الواحد منهم بعيدا عن الجرن فليس له دعوة ~~به، أما إذا اقترب أحد جعجع له حتى يبتعد. # ولم تنقطع جعجعة عم ضرغام، فقد كان يجعجع لغريب، كان غريب قد عاد من هروبه واختبأ في ~~«حلة» الذرة في الجرن ليرقب عن كثب ما يدور في العزبة ويتنسم أخبار فعلته ~~الشنعاء، ووجهه الأسمر قد أسود، وطاقيته قد كبسها فوق رأسه بطريقة لا تظهر معها ~~«قصته»، وهو خائف جاد نادم متوجس وكأنما قد أفاق لنفسه بعد غفوة سنين، وأدرك ~~أن قلة أدبه وفراغ عينه وغوايته للنساء كانت عيبا ما بعده عيب، ولمح فاطمة وموكبها ~~وهو في طريقه إلى بيت الناظر، وازداد وجهه سوادا ، وبالغ في ms062 إخفاء نفسه داخل كومة الذرة ~~الحطب وكف عن النظر. # كان من فرط خوفه من فاطمة وبعدها في نظره قد ازدادت رغبته فيها، وكلما ازدادت ~~رغبته ازداد بعدها عنه واستحالة وصوله إليها، ولم يكن يريد بها شرا، ولم يكن يريد ~~منها قليلا أو كثيرا، كل مناه كان أن يقول لها العواف مرة، فترد عليه بلهجة يحس معها ~~أنها ترد عليه، عليه هو غريب، ولكنها لم تكن تفعل، وكان يعزي نفسه بإيقاع نساء أكثر، ومع ~~هذا يزداد رغبة في أن ينال من فاطمة كلمة أو نظرة أو حتى لفتة تلقيها إليه عبر الكتف ~~أو من تحت ثقل المقطف، ولم تكن تلك أول مرة ينتظرها فيها غريب وهي في طريقها إلى غيط ~~أخيها حاملة المشنة وفيها الإفطار، تخب في ثوبها الأسود، والمشنة عايقة على رأسها وكأنها ~~برنيطة، وريحها الحلو يهب على الغيط والشجر والخضرة والترع، فيكاد يملأ الجو بعطر كعطر ~~النسيم يوم شم النسيم، لم تكن تلك أول مرة ينتظرها فيها ويراها وهي لا تراه وهو خائف أن ~~تراه، ولكنها كانت المرة الأولى التي يتمنى أن تراه فيها، المرة الأولى التي يتمنى أن ~~يلتقي بها وكأن الأمر صدفة، ويفعل معها ذلك العيب الذي أرقه وأقض مضجعه فوق تبن ~~الوسية، عيب أن تقول لبنت ليست أختك أو أمك: «ازيك يا فاطمة»، فترد عليك بخجل لا ترد به أمك ~~أو أختك. # ولكنها ما كادت تراه خارجا من الذرة حتى تجمدت في مكانها وكأنها رأته عاريا، كما ~~ولدته أمه، وكأنها رأت العيب يخرج لها من الذرة، العيب الذي كواها فرج بنظراته ~~محذرا إياها منه، وإذا بالمشنة تسقط منها، وإذا بها تصرخ بأعلى صوتها، وإذا بالدنيا ~~تنقلب، وإذا به يطلق لساقيه الريح ويهيم على وجهه في الغيطان. ~~••• # وعلى عكس ما توقعت العزبة، رسمت الست أم جورج علامة الصليب على صدرها، وأبدت ~~أسفها البالغ، ورحبت بأن تفعل ما في وسعها لكشف الحقيقة مقسمة بالمسيح الحي، ~~أن تجعل زوجها يحبس غريب في النقطة، ويسلط عليه الظابط ليربطه في ذيل ms063 الحصان ويعلقه على ~~عامود التليفون، كانت الست أم جورج معروفة بصلاحها وتقواها وأدبها حتى إن أحدا لم يكن ~~يعرف اسمها الحقيقي، وكانت ترغم زوجها أبو جورج الناظر على أن يصحبها للكنيسة في ~~البندر القريب صباح كل أحد رغم تذمره من هذا العمل وهو الذي يقضي مساء كل سبت يعب كاسات ~~العرقي عند بنايوتي البقال في القرية المجاورة الذي أحال بقالته إلى خمارة، وأم جورج ~~قصيرة بيضاء شاحبة البياض شعرها مفلفل بالشيب وفي منتصف ذقنها ثلاث نقط موشومة، وكانت تعرف ~~فاطمة، وتسمع عنها، وكانت معجبة بجمالها، بل كثيرا ما كانت ترسل في طلبها لتأتي كي ~~تساعدها في عمل صواني البسكويت الذي يفطر به أبو جورج ولا يرضي بسواه، بل أحيانا كانت ~~ترسل لها فقط كي تجاذبها أطراف الحديث، وتأخذ من فمها الحلو كل أخبار العزبة ~~النسوية، وهي المحرم عليها أن تختلط بنساء العزبة، ولولا فارق السن لأصبحت صديقتها ~~الصدوقة. # وأفظع خجل هو ذلك الذي أحسته فاطمة وهي تدلف إلى بيت الناظر لا مطلوبة ولا مرغوبة، ~~وإنما شرفها معروض على الست أم جورج، الست التي كانت بالأمس فقط تقبلها في شفتيها ~~بطريقة غريبة وتقول لها إنه لولا الدين لخطبتها لأخيها الذي يعمل صرافا في ~~البحيرة. # تسمرت فاطمة في مكانها على العتبة، ولكنهن دفعنها دفعا لا مجاملة فيه حتى سقط الشاش ~~من فوق رأسها، وتولت أم جورج طرد جورج من البيت وإغلاق الباب الخارجي وباب الحجرة ~~الداخلي وشيش النوافذ وزجاجها، وكانت مقاومة فاطمة مقاومة الخجل الفطري، ولكنهن ~~تكاثرن عليها وأرقدنها على السرير بالضغط والجذب وتولت إحداهن تقييد يديها، ~~وأمسكت امرأتان كل بساق من ساقيها، وامتدت أيد كثيرة، أيد معروقة جافة، حتى ~~بقايا الملوخية التي عليها جافة، وامتدت عشرات العيون الصادقة في بحثها عن الشرف ~~والمحافظة عليه، امتدت كلها، انغرزت وقلبت وتفحصت حتى وهي لا تدري علام تبحث ~~وأم جورج قد تولاها ارتباك عظيم، وكأنها المكشوف عليها لا الكاشفة، تنهر النسوة بلا ~~فائدة، وتطمئن فاطمة بلا فائدة أيضا، والشد والجذب والصرخات المكتومة تدور في ms064 صمت وفي ~~همس مروع، وسكون الترقب قد خيم على الحجرة، وامتد منها إلى البيت وإلى الخارج وإلى ~~العزبة وإلى الكون كله فصمت، صمت حتى وصل الصمت إلى رءوس الرجال حول فرج، وإلى ~~المتناثرين قريبا من الدوار، وعند المكنة وفي الغيط، الذين كانوا يتابعون كل شيء ~~يدور داخل منزل الناظر حتى دون أن يروه. # كل شيء هدأ وسكت ما عدا جعجعة عم ضرغام التي لم يكن يحفل بها إلا واحد فقط، عبدون ~~أبو غريب، الذي كان قد أخذ طريقه إلى الجرن وقد رفع ذيل جلبابه من الخلف آملا أن يتحدث ~~إلى عم ضرغام لينفس عن نفسه ويلعن فاطمة وابنه وأهل العزبة لكائن من حتى لو كان عم ~~ضرغام. # وفجأة انطلقت زغرودة من الحجرة الداخلية، ترددت على أثرها الزغاريد في المنزل، ثم في ~~الخارج والألسنة تردد: «سليمة، إن شاء الله، سليمة والشرف منصان.» # ولحظتها فقط، رفع فرج رأسه المنكس، ولأول مرة كان يجري فيها الدم، ولأول مرة نطق وقال: ~~«هاتوها.» # وبعد لحظات، ومع أن عم ضرغام كان قد كف عن جعجعته إلا أنه ما كاد يكف حتى كانت ~~العزبة تشهد أعظم جعجعة قامت فيها، عند بئر الساقية القديمة العميق الذي يزيد عمقه عن ~~أطوال ثلاثة رجال يقفون فوق رءوس بعضهم، عند البئر كان عبدون يمسك ابنه غريب من ~~زمارة رقبته ويحاول بكل قوته العجوزة أن يجذبه ليدفعه ويغرقه في البئر، ~~بينما عشرات الرجال يمنعونه ويحاولون تهدئة خواطره، وكان عبدون كلما جذب ابنه ووجد ~~نفسه عاجزا عن تحريكه من مكانه ازداد هياجه وغضبه وانصبت اللعنات من فمه كالحمم، وكل ~~من كان يرى عبدون في موقفه ذاك كان لا بد أن يؤمن أنه حقيقة يريد إغراق غريب في البئر، ~~وأنه جاد في تنفيذ ما يريد، ولكن كان هناك شيء ما، لعله في طريقة زعيقه، لعله في نوع ~~الكلمات التي كان ينتقيها ليشتم بها ابنه، كان هناك شيء ما لا بد تلمحه وتحس معه أنه في ~~أعماق نفسه غير خجل من ابنه، بل أكثر من ms065 هذا، ممكن أن يكون فخورا أن ابنه هو الذكر وأنه ~~هو المتهم بالفتك. # أما في بيت فرج فقد كانت هناك مذبحة، كان فرج يضرب فاطمة بالتقصيرة التي يصحن بها ~~البن، وكانت فاطمة تصرخ، وزوجته تصرخ خوفا عليه أن يقتلها، ونساء الجيران يصرخن، ~~والرجال كثيرون داخل البيت وخارجه يحاولون منعه بلا فائدة، وفرج كالوحش الهائج يريد حقيقة ~~أن يخلص على أخته. # ولكن، ربما في ضبط قوة الضربات التي ينهال بها على فاطمة وربما في البريق الذي يملأ عينيه ~~والذي لم يكن بريق غضب خاص أو فرحة خاصة، كنت تلمح شيئا، فصحيح أن فاطمة لم تخطئ ~~وشرفه منصان، ولكنه لا بد أن يقوم بعمل ضخم كبير قاس يرد به على آلاف الخواطر التي ~~لا بد قد دارت في الرءوس وعلى كلام الناس، وكلام الناس كثير. # وطبعا لم يغرق عبدون ابنه، ولم يقتل فرج أخته، مالت الشمس للمغيب كما تعودت أن ~~تميل، وعاد السارحون في الغيطان يسحبون البهائم ويحملون عشاءها فوق الحمير، وبدأت الأدخنة ~~ترتفع من أسطح البيوت الطين وشقوقها، وهبت روائح التقلية والزيت المقدوح تفتح الأنفس ~~للعشاء، وصلى الرجال المغرب، وانتهى صعود النساء وهبوطهن إلى السطوح، وفرغن من تبييت ~~الدجاج وعلف البهائم، وما كاد العشاء يؤذن حتى كان الهدوء الهائل الخالد قد خيم على ~~العزبة من جديد، وحتى كان كل ما يتعلق بما حدث قد نوقش وأعيد نقاشه حتى فرغت ~~الجعاب، وثقلت الرءوس، وبدأت ذبالات المصابيح تخفت وتتوارى، وبدأ النوم يزحف مع الظلام، ~~وبدأت الأجساد تتمدد تعبة لا حراك بها. # وحين أصبحت فاطمة وحدها، حين نام الجميع وبقيت هي محطمة مستيقظة بدأت تبكي، لم ~~تكن تريد، ولكن الدموع بدأت تسيل رغما عنها صانعة قناتين لامعتين يصلان ما بين ~~عينيها وأرض «البحراية» التي كان فرج قد حكم عليها أن تنام فيها بلا حصيرة أو غطاء، ثم ~~بدأت تنشج، وبدأ جسمها يهتز، بل بدأ قفص الفراخ الموضوع بجوارها يهتز ويهز الفرن ~~والبيت والعزبة كلها ويكاد يوقظ النائمين، كانت تبكي بكاء من يتألم ألما لا ms066 ~~قبل له به، بكاء الذي جرح جرحا عميقا وجاء الليل عليه فبدأ يحس بالألم، الألم ~~الكاوي الذي لا يرحم. ~~••• # وحاول أولاد الحلال فيما تلا هذا من أيام أن يقنعوا فرج بقبول غريب عريسا لأخته، ~~ولكن فرج رفض رفضا مانعا باتا ملأهم باليأس، أما غريب، فقد كف حديثه عن فاطمة ~~تماما، بل كف من يومها حديثه عن كل النساء، وحلق قصته، وأصبح يصلي، ولكنه ~~كان يضبط أحيانا وهو يحوم حول العزبة، ويتوقف عند النافذة المفتوحة على بيت ~~فرج. # أما فاطمة فقد حبسها فرج في البيت ومنع خروجها وشغلها رغم حاجته الشديدة إلى ~~يوميتها، ولم يقلق فاطمة هذا في شيء، كانت عازفة عن الدنيا لا تريد الخروج، والحيوية ~~المتدفقة التي كانت تبرق في عينيها وخدودها ولفتاتها كأنها نضبت فجأة، ولم يبق لها ~~أثر، وتحولت إلى حيوان بليد كخروف الضحية، لا تبتسم وتكاد لا تتحرك، وكانت إذا ~~تحدثت خرج حديثها ذليلا قد فقد كبرياءه وحلاوته والأنوثة التي تقطر منه. # ولكن هذا لم يدم طويلا، فلم تبق فاطمة حبيسة البيت إلى الأبد، ولم تطل صلاة ~~غريب، ولا استغنى فرج عن برطعته وضحكه؛ إذ بعد أسواق كثيرة وأسواق، كان كل ما حدث ~~قد وضعه أهل العزبة في خزينة النسيان وأغلقوا عليه بالضبة والمفتاح، وكان أولاد الحلال قد ~~تكفلوا بمصالحة عبدون وابنه على فرج، فأصبحوا يتحادثون ويتبادلون العمل ويتزاملون ~~كالعادة، وربى غريب قصته وعاد يحدث أصحابه عن النساء فوق تبن الوسية، ولم يكن ~~حديثه يخلو من مرارة، إذ كانت فاطمة قد عادت إلى الخروج، جميلة كما كانت، معووجة المنديل ~~رافعة ذيل الثوب، تخطر إذا مشت، وتدوخ إذا تلفتت، وتعافي كل من يلقاها، إلا هو، ~~لا عن عمد، ولكن كأنها لا تراه، وكأنما قد محي من الوجود. # عادت فاطمة تنظر وتتحدث وتبتسم وتطير العقول وكل شيء فيها لم يتغير، ولكن الناس ~~كانوا يعجبون، فلا بد أن فاطمة قد اكتسبت شيئا جديدا لم يكن لها، أو أنها لا بد ~~فقدت شيئا أصيلا كان لها، الشيء الذي كان يلون ms067 وقفتها ومشيتها وضحكتها، الشيء الذي ~~يجعلها تبدو ملكا للجميع تحب الجميع ويحبها الجميع، الشيء الذي يكسبها شفافية ونقاء ~~والذي كان يجعلك تحس إذا ابتسمت أنها حقيقة تبتسم وإذا غضبت أنها حقيقة غاضبة، كانت قد ~~فقدت براءتها، وأصبحت تستطيع أن تنظر دون أن تنظر، وتضحك دون أن تريد، وتريد الشيء ~~وتخفي رغبتها فيه. # بل أصبحت تستطيع إذا ما لمحها فرج خارجة ذات يوم من دار صابحة الماشطة وأخذها إلى ~~بيته وأغلق عليها باب القاعة، وأمسكها من ضفائرها، وشدد عليها، وسألها عم كانت ~~تفعله عند صابحة؟ # أصبحت تستطيع إذا ما حدث أن تقول: «كنت بقيس التوب، أوع كده!» # وتجذب نفسها وضفائرها من قبضته بعنف غريب، وتقف في الركن تعيد النظام إلى شعرها ~~وتواجهه، بعيون مشرعة، حلوة، لا تنخفض، ولا تخجل. # | سره الباتع # 1 # لم تكن علاقتي بالسلطان تتعدى مجرد نظرة غير محبة للاستطلاع ألقيها ~~عليه كلما مررت به في ذهابي وإيابي، نظرة سريعة كأنما لأطمئن بها فقط على وجوده ~~هناك، فقد كان علامة رئيسية من علامات البلد، مثله مثل محطة السكة الحديد، وسراية آل ~~ناصف، والبقعة المسكونة التي قتل فيها سيد إبراهيم. # ولكني ذات يوم اضطررت أن أشغل نفسي بالسلطان، فقد فزت يومها بأول نجاح في حياتي ~~ونقلت من السنة الأولى الابتدائية، وفرحتي بالنجاح يومها كانت أكبر من كل فرحة ~~أحسست بها لأي نجاح حدث لي بعد هذا، فرحة تمنيت معها أن أعود من المدرسة إلى بيتنا ~~على جناح طائر، لأزف الخبر إلى جدي الأكبر، والد جدي، وكان عجوزا جدا، له ظهر شديد ~~الانحناء، وتجاعيد كثيرة لطيفة تغطي وجهه ورقبته وصدره وكل جسمه، تجاعيد تبدو من ~~كثرتها وتناسقها وكأنه ولد بها. # وما كاد جدي يسمع الخبر حتى قال لي في صوته الجاد: «أوف النذر حالا.» # وكنت قد نسيت حكاية هذا النذر تماما، فقد حدث خلال العام أن انتابتني حالة يأس ~~وأنا أذاكر، واعتراني شبه يقين أنني مهما فعلت فلن أنجح أبدا، وكدت أبكي ~~ساعتها، ولكني ذهبت إلى جدي، وصنعت له قهوة زائدة ms068 السكر كما يحبها وحملتها له خلسة ~~(إذ كان يحب القهوة، وكان جدي الأصغر، ابنه، يمنعه عن شربها، فكان بيننا شبه اتفاق، ~~أن أسرق له البن والسكر، وننتحي مكانا قصيا نصنع القهوة فيه، في مقابل أن يحدثني ~~هو بعد أن يزن رأسه عن زمان وأيام زمان الحلوة)، يومها حملت له الفنجال، وانتظرت ~~إلى أن شربه كله شفطة شفطة، ولحس كل البن المترسب في القاع، ثم سألته إن كان ~~يعتقد أني سأنجح، والشيء الغريب أني كنت متأكدا أن جدي الأكبر هذا لا يعرف ما هي ~~المدارس، ولا ما هو النجاح، ومع هذا فحين قال لي لحظتها إنني سأنجح بإذن الله، أحسست ~~أنني لا بد سأنجح، وكدت أطير فرحا، غير أنه اشترط لنجاحي يومها أن أنذر للسلطان حامد ~~نصف دستة شمع أوقدها في ضريحه. # ولم يتركني إلا بعد أن نذرت النذر أمامه، وأعدته مرارا حتى أطمأن إلى أنني لم ~~أخطئ في قوله. # ولم تكن مشكلة أن أحصل على ثمن الشمع؛ فقد كنت ناجحا، وطلبات الناجح، خاصة في يوم ~~نجاحه، لا تلقى معارضة تذكر. # ولم أغفر لنفسي أن الشيطان يومها راودني حين ذهبت إلى الدكان، وفي الحقيقة ~~لم يكن هو الشيطان، كان «البرطمان» الذي يحتوي كمية هائلة من «الكراملة» ويرقد على جانب ~~البنك هو الذي راودني. # وقسمت العرب عربين كما يقولون، واشتريت بنصف ما معي ثلاث شمعات وبالنصف الآخر ~~«كراملة». # وبينما كنت آخذا طريقي إلى حافة «الجبانة» حيث مقام السلطان كنت لا أزال أؤنب ~~نفسي، بل أحيانا كنت أتصور أن السلطان حامد سينتقم للثلاث شمعات التي اغتصبتها ~~من نذره بأن يزورني في المنام مثلا، أو يصيبني بداء الصفرة. # ولست أدري أكان هذا هو السبب في اضطرابي أم شيء آخر كان السبب، فقد بدأت أحس ~~باضطراب شديد حين أشرفت على الجبانة ورأيت مقام السلطان حامد من بعيد، وشيء غريب ~~هذا، فآلاف المرات رأيت مقام السلطان حامد من بعيد، دون أن أحفل به، حتى لون الضريح ~~لم أكن أعرفه، ولا كان يهمني من السلطان في قليل ms069 أو كثير، ولكني مع هذا كنت ~~مضطربا، حتى فكرت أكثر من مرة في أن أولي الأدبار وأطلق ساقي للريح عائدا إلى ~~بيتنا، خاصة وأن مسألة النذر هذه لم تكن قد دخلت إلى عقلي، وأنا متأكد أن السلطان ~~هذا ليس له أي علاقة بنجاحي، وأنه لم يساعدني في الإنجليزي ولا غششني في مسألة ~~القسمة المطولة، والنذور والعفاريت وشم البصل يوم شم النسيم، أشياء لم أكن أؤمن بها، ~~لا لأننا كنا قد أخذنا في المدرسة أنها بدع ورجس من عمل الشيطان، ولكن لأن ~~الناس كلهم يأخذونها كالقضايا المسلم بها، فكيف أفعل أنا هذا؟! وما فائدة تعليمي ~~حينئذ وبدلتي؟! # ورغم شدة اضطرابي فلم أرجع، لا خوفا من جدي، ولكن خجلا من نفسي وخوفا من أن أبدو ~~أمامها كالجبان، والظاهر أننا ونحن أطفال نخجل من الفرار أيضا مثلما يفعل ~~الكبار. # وهكذا ظللت أخاف وأتحدى الخوف وأتقدم تدفعني الرغبة في القيام بتجربة جديدة ~~حتى وصلت إلى مقام السلطان حامد، كان قائما في ركن من الجبانة، وبجواره طريق مقطوع ~~لا يمر به أحد، وكانت أول مرة أرى فيها الضريح عن قرب، ولم يكن ضريحا بالمعنى ~~المفهوم، كان أهل بلدنا يسمونه المقام، ولهم حق، فلم يكن يشبه من قريب أو بعيد ~~أضرحة أولياء الله في القاهرة، وكنت قد زرتها مع أبي، ورأيت روعتها، وسجاجيدها ~~السميكة الفاخرة، وشبابيكها المذهبة، ونجفها الفخم الكبير والرائحة الغريبة الغامضة ~~التي تملأ جوها وتوحي بالرهبة والخشوع والإجلال، أما مقام السلطان فقد كان عبارة ~~عن حجرة قديمة وكأنها مبنية منذ الأزل، ذهب الطلاء عن كل جدرانها وبقيت الحجارة ~~الحمراء بارزة متآكلة كضلوع الميت العجوز، ولم يكن يميز المقام عن بقية المقابر ~~إلا أنه مبني من الحجر؛ إذ إن معظمها مبني من الطين، والأغنياء وحدهم هم ~~الذين يطلونها بالجير، ويكتبون أسماء موتاهم عليها، يكتبها لهم عم محمد البنا بطلاء ~~الزهرة وبخطه العاجز الركيك. # ثمت فرق آخر بين المقام وبين القبور، فدونا عنها كانت هناك أشجار كافور طويلة ~~قد زرعت حول المقام، ويبدو أنها زرعت أيضا ms070 منذ الأزل، فقد كانت طويلة طولا لا ~~حد له، وجذوعها سميكة لا يستطيع عملاق أن يحتضنها، وكانت مزروعة بنظام حتى بدت ~~كالسور العالي المهيب. # وكان كل شيء يدعوني إلى أن أنتهي من مهمتي بسرعة وأعود، فالعصر يضيق، والظلال تمتد ~~بشكل مخيف، وحقول القمح واسعة كبحر أبيض لا شاطئ له، والناس فيها مجرد نقط غامقة ~~صغيرة لا تكاد ترى. # ودرت حول المقام، لم يكن له سوى باب كالح قديم، ونافذة واحدة يتيمة، كانت لا ~~بد هي النافذة التي حدثني عنها جدي، وتقدمت منها، ولكن، قبل أن أصلها، فوجئت ~~ببحيرات وأنهار من الشمع المتجمد قد ملأت الأرض، كان الشمع الذي سال من النذور على ~~مر الزمن قد ملأ حافة النافذة، وسال على الجدار حتى غطى أحجاره العارية، ووصل إلى ~~الأرض. # وأدركت أن آلافا قبلي لا بد قد نذروا للسلطان حامد، ومن يدري، ربما ملايين ~~(والملايين في لغة الأطفال لا تعني دائما ملايين). # وكدت أضحك على سذاجة أهل بلدنا الذين ذابت نقودهم واختلطت بالرمال، لأجل ماذا؟! ~~لأجل هذا السلطان الذي لا خادم له ولا مسجد ولا مستجيرين، ولا حتى ضريح يوحي ~~بالاحترام؟! # كدت أعود وأحتفظ بالشمع لنلعب به أنا وأصحابي في الليل ونوقده ونسهر حوله، وكم ~~يكون هذا مسليا وجميلا! بل أنبت نفسي لأنني أضعت القرش في الشمع ولم أشتر به ~~«كراملة» هو الآخر وسمحت لنفسي أن تصنع مثلما يصنع أهل بلدنا الجهلة، الذين لا ~~يقرءون ولا يكتبون. # ولكني يومها، احتفظت بشمعة واحدة فقط، وأوقدت الاثنتين، لست أدري لم! ربما ~~تنفيذا لتعليمات جدي ليس إلا، وربما رغبة في تقليد أهل بلدنا، فقط في تقليدهم، بل ~~لماذا لا أعترض وأقول إنني، بعد أن قرأت الفاتحة، ودعوت لجدي ولوالدي، نذرت للسلطان ~~إن أنا نجحت في العام التالي أن أوقد له دستة شمع بأكملها؟ # ورغم أنني قلت لنفسي وأنا عائد إنني نذرت الدستة فقط لتفاؤلي بمسألة النذر إلا ~~أنني من يومها بدأ السلطان حامد هذا يشغل علي تفكيري بشكل ما. # كان أحيانا يصعب علي، ذلك الولي ms071 الفقير المدفون في تلك البقعة النائية ~~الموحشة، وأحيانا كنت أفكر في المؤمنين به، الفقراء مثله، الذين يتمنون ~~أمنياتهم الصغيرة الطيبة، ويرفعون بصرهم إلى السماء، وينذرون للسلطان حامد، ويحقق ~~السلطان أمانيهم فيسرعون إلى نافذته، ويشعلون شمعاتهم، وليلة وراء ليلة تضيء نافذة ~~السلطان حامد بشمعة، أمنية صغيرة تحققت، وقلب فقير رأى لحظة سعادة، ولو لليلة، ~~وأحيانا كنت أفكر في الكمية الهائلة من الشمع المتجمد بجوار المقام، كيف لم يسرقها ~~أحد؟! كيف لا، والسلطان ليس له خادم يحرسه، والطريق إليه خال من المارة، والناس في ~~بلدنا لا يتركون طوبة تنفع ولا حجرا إلا قلقلوها وحملوها إلى بيوتهم؟! # أحيانا كنت أفكر في تجريد عصابة من أصحابي للسطو على الشمع، وأحيانا كنت أخاف، ~~وأحيانا كنت أسمع اسم السلطان، لم أكن أسمعه كثيرا ولا مسبوقا بتكبير أو محفوفا ~~بتقديس خطير، وإذا جاءت سيرته لا يتوقف الواحد من أهل بلدنا عن الكلام مثلا ويقرأ ~~له الفاتحة بخشوع، ينفض الواحد منهم بلغته وهو يستعد للقيام ويقول: «معلش، أهه كله من ~~عضم النهار، شالله يا سلطان حامد! شالله!» # أو تتربع الولية من الولايا أمام مقطف السمك وتقول لعم علي الصياد: «بكام؟» فيقول: ~~«بعشرة»، فتعود تقول: «وللسلطان حامد بكام؟» فيخفض عم علي حينئذ وجهه ويغلق عينيه ~~وكأنما غلب على أمره ويقول: «عشان السلطان بتمنية، وعشانك انتي بتسعة»، أو يرفع الرجل ~~جوال الطحين على رأس زوجته، ويقول وهو ينتعه: «إيدك يا سلطان!» # وكنت أعرف أهل بلدنا جيدا، كانت لا تخيفني منهم وجوههم المكشرة على الدوام، ولا ~~ذقونهم التي تشوك أو نظراتهم التي تظن أنها خالية من الرحمة والشفقة، كنت أعرفهم ~~تماما، وأعرف أنهم لا يقولون ما يعتقدونه إلا بينهم وبين أنفسهم، أمام العمدة أو ~~الموظفين، يقولون كلاما عاليا كثيرا، ويحلفون الإيمان المرتفعة المغلظة، وإذا ~~سألهم الغريب عن شيء قالوا عكس ما يضمرونه، هم لا يخرجون ما في أعماقهم إلا رغما ~~عنهم، في كلماتهم المتناثرة، في همساتهم الخافتة وراء ظهور موظفي الحكومة، في حديث ~~الرجل إلى زوجته بعد العشاء حين يركبن بظهره ms072 إلى الحائط ويمدد ساقيه على طولهما، ~~ويقول: «ليلة امبارح يا بت، حلمت خير، اللهم اجعله خير، أن السلطان حامد جاني وقال لي: ~~«أنت نايم للضهر ليه؟! قوم، الشمس طلعت، قوم!»» # 2 # وتعودت أن أرثي لأهل بلدنا هؤلاء، كنت قد زرت السلطان، ورأيت مقامه عن قرب، ~~ولم أحس برهبة ما، ولا اقشعر جسدي أو وقف شعري، أو ظهرت لي كرامة من ~~كراماته، أربعة جدران قديمة تكاد تنهار، ماذا فيها حتى يستقر صاحبها في أعماق ~~صدورهم؟! وحتى يتحدثوا عنه كما لو كان كائنا حيا ضخما يحيا في مكان م؟! ماذا ~~فيه حتى يتحدثوا عنه بلا تكليف هكذا كما يتحدث الجار إلى الجار؟! وكنت أعرف خطورة ~~هذا الحديث، فالفلاحون لا يرفعون الكلفة إلا بصعوبة شديدة، وإذا خاطبوك بلا ألقاب، ~~وتحدثوا إليك كما يتحدث الجار إلى الجار كان معنى هذا أن احترامهم لك يرتفع إلى مرتبة ~~التقديس. # والحقيقة بدأت تنتابني الغيرة من السلطان حامد، بدأت أحسده على تلك المكانة ~~التي يحتلها في قلوب الناس، مع أنه لم يكن يملك لهم حولا ولا قوة، هذه الكمية من ~~الحجارة القائمة عند حافة الجبانة، كيف يكون لها كل هذا الاحترام والتقديس؟! # وقلت لنفسي ذات يوم: ربما أكون مخطئا، وربما هناك شيء داخل المقام هو السبب في تلك ~~المكانة، ولم أكن - من شدة استخفافي بأمر السلطان - قد اهتممت بإلقاء نظرة على الداخل ~~من خلال النافذة حين كنت أوقد الشمع، وأنبت نفسي كثيرا لأني لم أفعل، وقررت ~~أن أذهب وأرى المقام من الداخل، وحين خطرت لي تلك الفكرة لم أتحمس لتنفيذها في ~~الحال، فلم تكن حكاية السلطان حامد كلها تهمني إلى تلك الدرجة، كانت مجرد أفكار تعن ~~لي إذا جاءت سيرته، وتشغلني قليلا ثم تمضي، وأعود إلى ما كنت فيه. # غير أنني في صباح يوم الجمعة سمعت امرأة ماشية في الشارع تندب حظها، وتكاد تولول ~~وهي تقص لكل من تستوقفها من النساء قصة ابنها المريض، وتختم قصتها كل مرة بدستة ~~شمع للسلطان إن هو طاب، وكدت أخرج لها وألعنها ms073 ، وأفهمها أن سلطانها حامد هذا ~~لا علاقة له بمرض ابنها، ولا بركة فيه، ولا يملك حتى أن يمنع البلى عن مقامه، ولكنني لم ~~أفعل، بل سألت نفسي بصراحة لماذا يضايقني شيء كهذا؟! وما الضرر في أن تنذر له ~~نذرا؟! هل سيمنع نذرها الشفاء عن ابنها إن كان سيشفى؟! وأدركت أن حماسي كان فقط ~~لأنها ذكرت اسم السلطان حامد، ولم تذكر اسمي مثلا، حماسي كان مبعثه هو تلك المكانة ~~الهائلة التي كنت يوما فيوما أحس بالسلطان حامد يحتلها في قلوب أهل بلدنا، كنت ~~أخاف على نفسي منها، وأخاف أن يأتي اليوم الذي أؤمن أنا الآخر به وأقدسه دون أن أعرف ~~سبب الإيمان به وتقديسه. # وتأكيدا لاستخفافي به قررت أن أذهب في الحال، وأرى مقامه من الداخل، وأرى السر ~~المزعوم، وأشبع بعد هذه سخرية من السلطان وأهل بلدنا على حد سواء. # ولكن، لا أدري ماذا حدث، فحين أصبحت قريبا من المقام، ورأيت أنهار الشمع المتجمد ~~وبحيراته، أحسست أني مقدم على شيء حرام، وكأنني سأعبث بشيء يخص أهل بلدنا أجمعين ~~وهم غائبون، إحساس اقشعر له جسدي ولم أستطع أن أتغلب عليه، وكأنك في اجتماع عام ~~حافل وتهم أن تمزق علم المجتمعين، وعلى هذا وقفت في مكاني مترددا وقد أحسست ~~لأول مرة أني في سبيلي إلى القيام بعمل غير مشروع، وتلفت حولي مرارا مع أني كنت ~~متأكدا من خلو المكان وأن أحدا لا يفكر في المجيء إليه خاصة في ~~الصباح. # وخفت! # فقد أدركت لحظتها فقط أن السلطان حامد هذا مارد كبير، والبركة في أهل بلدنا الذين ~~جعلوه هذا المارد الكبير، فمع أني كنت واقفا في مكاني لا أستطيع الاقتراب من النافذة ~~إلا أنني لم أكن أتصور أن المسألة ممكن أن تبلغ هذا الحد، وأنني فعلا لا أجرؤ ~~على الدنو، وربما الخوف هو الذي دفعني إلى النظر إلى مكان السلطان حامد من جديد، كان ~~كل شيء كما هو في المرة السابقة، الحجرة البالية القدم، والجدران البارزة الأحجار ~~بغير طلاء، ولا شيء بالمرة يخيف، وكل ما ms074 أراه يدفع إلى الاستخفاف، وتقدمت من ~~النافذة متلصصا، كانت أعلى من قامتي، وكان علي لأرى ما في الداخل أن أتشبث ~~بحديدها وأرفع نفسي. # وأمسكت الحديد، كان ناعما زلقا من آثار الشمع المتجمد، ومرة واحدة رفعت نفسي ~~ثم في الحال هبطت وقلبي يدق، لم أكن قد رأيت شيئا غير ظلام في ظلام، ومع هذا خفت، ~~فالظلام في النهار وفي داخل السلطان حامد شيء يخيف. # وكنت لا أزال أمسك بالحديد في انتظار أن أجمع أنفاسي وألقي نظرة أخرى، ولم يكن ~~لدي أية فكرة عما يمكن أن أجده في الداخل، ربما المقام خال، ربما لا شيء غير ~~الظلام. # وبقوة رفعت نفسي رفعة عالية ودرت بعيني دورات سريعة مذعورة، ووقف شعري من ~~الرعب، ومن كثرة رعبي لم أستطع الهبوط وتجمدت يداي على حديد النافذة بينما ~~أغلقت عيني عن أن تريا، ورحت أصرخ في فزع، وتركت نفسي أسقط على الأرض وأنا ~~ألهث وأكاد أموت. # لقد رأيت السلطان حامد نفسه في الداخل، كان ضخما جدا أضخم من الجمل، وله رقبة ~~طويلة جدا وبارزة من جسده الضخم بطريقة مخيفة، وتنتهي بكتلة خضراء كبيرة تلمع في ~~الظلام، كان السلطان باركا في الداخل يتلمظ ويكاد يمد رقبته الطويلة ويقضم ~~رأسي. # ظللت مخفيا رأسي في حجري وعيناي مغلقتان وأنا لا أستطيع الجري أو التفكير أو ~~حتى قراءة: بسم الله الرحمن الرحيم، وحولي آلاف العفاريت التي لم أؤمن بها قط وخدام ~~الفناجين، وإبليس، وشقيقاتي اللائي تحت الأرض، وكل ما ارتكبته من ذنوب وكل ما سخرت به ~~من معتقدات. # واعتقدت أني حالا سأموت، ولكني عجبت حين مر وقت طويل ولم أمت، ثم ضحكت من ~~نفسي لأني ظننت أني سأموت، ثم فتحت عيني ورأيت أشجار الكافور العالية والحقول ~~الممتدة البعيدة، والناس الرائحين الغادين كنجوم النهار، وكل شيء غير خائف، وكل شيء ~~يسخر مني ومن خوفي. # والشيء الذي لم أكن أتصور مطلقا أن يحدث، وجدت نفسي أفكر فيه، لماذا لا ألقي ~~على المقام نظرة أخرى؟! # تطلعت إلى النافذة وترددت، ولم ألبث أن وجدت دافعا ms075 أقوى مني يدفعني للإمساك ~~بحديدها من جديد، ربما الهلع، وربما حب الاستطلاع، وربما الاستخفاف بأمر السلطان، كنا ~~جيلا معفرتا، كما يقول عنا آباؤنا وأجدادنا، والمسائل الغامضة مثل العفاريت وخلافها ~~مسائل تدور على ألسنتنا فقط، ونتذكرها ساعة الغرق، ولكنا لا نؤمن بها في أعماق ~~قلوبنا، وكان آباؤنا يقولون عنا هذا؛ لأننا لم نكن نخاف مما يخافونه، وحتى إذا خفنا ~~كان خوفنا يدفعنا إلى السخرية بالشيء الذي نخاف منه، كنا جيلا معفرتا كف عن لعب ~~الكرة «العميو» بيده، وأصبح يلعب الكرة بقدمه، ويمضي فوق قضبان السكة الحديد ~~المحرمة دون خوف أن يظهر له القطار فجأة ويدهمه، وحتى إذا ظهر له القطار، كان فقط ~~ينتحي جانبا وقد جهز له في يده زلطة، يقذفه بها إذا مر، ثم يعود يجري فوق ~~القضبان. # 3 # وتبينت أني كنت على حق؛ فالذي كان باركا في الداخل لم يكن هو السلطان حامد، ~~بل كان قبره، والرقبة الطويلة كانت رقبة القبر، والشيء الأخضر الذي يبرق كان ~~عمامته. # بل أكثر من هذا، كانت الكسوة الموضوعة على القبر كسوة قديمة باهتة لا تكاد تستطيع أن ~~تتبينها من كثرة ما علاها من غبار، وكانت «القراضة» قد تولت نهش حروف الآيات ~~القرآنية المكتوبة بالقماش فوقها، وكانت رائحة العطن تشيع من المكان، والظلام الرابض ~~تحس أنه ليس ظلاما ولكنه نور قديم، من طول ما مكث مدفونا تحول إلى ظلام. # وعدت أدراجي ومعي قطعة كبيرة من الشمع، اقتلعتها من الأرض، ونفضت عنها الرمال، على ~~أمل أن تصلح لشيء ما. # ولكني حين عدت إلى بيتنا احترت ماذا أصنع بها، صنعت منها كرة ثم قلة، ثم ~~أفقت لنفسي فوجدتني أصنعها على هيئة قبر له رقبة طويلة وعمامة خضراء. # وأعجبني التمثال الذي صنعته للقبر إلى درجة استخسرت معها أن أغيره أو ألقيه، ~~وأصبح كل همي أن أحتفظ به في مكان أمين، وظللت أفكر حتى وجدت أن أحسن مكان ~~له هو طاقة من الطاقات التي تستعمل في برج الحمام. # وكنت أعجب لنفسي طوال اليوم، وأستغرب لماذا لم أعد أفكر ms076 في السلطان حامد؟! ~~ولماذا يرفض عقلي أن يخوض في مشكلته؟! كنت أحس به غريبا عن نفسي تماما، وكأنه لم ~~يخطر لي أبدا، وكأنني لا أعرفه ولا يهمني أن أفكر فيه، وأحيانا كان يدفعني ~~العجب وأحاول أن أرغم نفسي على التفكير فيه، فلا أستطيع. # وقلت لنفسي: ربما أفكر غدا. # ولكن الغد جاء ولم أفكر فيه. # بل مضت مدة طويلة جدا، ربما عام، ربما أعوام، والسلطان حامد لا يخطر لي على ~~بال. # أتأخذ عقولنا أحيانا كل هذا الوقت الطويل لكي تفكر في أمر ما؟! # لقد استيقظت ذات صباح وأنا أفكر في السلطان حامد، وكنت أفكر فيه بطريقة أخرى؛ ~~فهل كان هذا السلطان واحدا من أهل بلدنا؟ ومن أي عائلة هو إن كان؟ ومن هم أحفاده ~~وذريته من بعده؟ # ووجدتني أسأل كبار المعمرين في بلدنا هذا السؤال، وأجمعوا كلهم أن السلطان ~~حامد بالتأكيد لا يمت بصلة إلى أحد من بلدنا، وربما يكون غريبا، ولكن أحدا ~~على وجه الدقة لا يعلم، كل ما يعرفونه أن بلدنا، والحمد لله، لم ينشأ فيها ولي من ~~أوليائه، ولا بني لأحد من موتاهم مقام. # ولم يتصور أحد ممن سألتهم أية دهشة كانت إجابته تحدثها. # فإذا كان السلطان حامد غريبا، فلماذا اختار بلدنا دون سواها ليدفن فيها، ثم من ~~بنى له هذا المقام الحجري وكل قبور بلدنا من الطين؟ ومن اشترى الكسوة؟ ومن صنع له ~~تلك الرقبة الطويلة ووضع فوقها القمامة؟ ومن زرع هذا الكافور الطويل؟ # أغرب شيء أن المعمرين في بلدنا كانوا يرون أسئلتي هذه ويسمعونها، وأحس ~~أنهم يحسبونني مخبولا؛ لأنني أعجب من هذه الأشياء، وكأنني أسأل عمن حفر البحر أو ~~اختار اسم بلدنا أو حدد ميزان النقطة، لماذا أسألهم عن شيء كان موجودا قبل أن ~~يولدوا، شبوا فوجدوه قائما، ومن المحتمل أنه سيظل قائما إلى يوم ~~الدين؟ # وأنا بدوري كنت أعجب وأظنهم هم المخرفون المخبولون؛ إذ كيف لم يتبادر إلى ~~أذهانهم أبدا أن يعرفوا لماذا دفن السلطان حامد في بلدنا دون سواها، ولماذا يبنى ~~له مقام؟ # وكان ms077 النقاش بيننا يطول، أنا بجلبابي الإفرنجي ورأسي العاري ولساني الذي لا يكف عن ~~الخوض في أي موضوع، وهم بلحاهم الطويلة ونظرهم القليل وعرفهم الذي يعرف حدوده، ويعرف ~~أين يقف ومتى يسير، حتى جدي، كم صنعت له فناجيل القهوة، وكم انتظرت حتى يزن ~~رأسه وتعود الابتسامة إلى وجهه، وما أكاد أفتح فمي أسأل حتى يقول: «قلت لك ميت مرة ~~فكر في اللي ينفعك انت، فكر في كتبك، مالك انت ومال الحاجات دي؟!» # وإذا أحسست أني أوشك أن أثير غضبه أدعي أمامه أني اقتنعت، ولكني لم أكن ~~أقتنع، فالأسئلة التي كانت تراودني عن السلطان حامد لم يكن يستطيع عاقل أن يسكت ~~عنها، كائن ضخم عملاق مثله له في كل بيت جدار، وذكره على ألسنة الناس باستمرار، ~~ومكانته لا يرقى إليها أكبر واحد من الأحياء أو الأموات، ومع هذا لا يعرف عنه أحد ~~شيئا، ولا يريد أن يعرف عنه؟! أليس هذا أمرا محيرا يدفع إلى الجنون؟! أو بالقليل ~~يدفع إلى الغضب؟! # وماذا يدفع إلى الغضب أكثر من أن أسأل واحدا من شباب القرية أو رجالها مثلا، وأضع ~~أمامه تلك المشكلة المحيرة فيقول: «أهه، شالله يا أهل الله!» # وبدأت أضيق بالسلطان حامد، وأضيق أكثر بأهل بلدنا، وكأنه جمع ثروة من حرام لا حق ~~له فيها، وكأنهم تنازلوا له عن قروشهم ليجعلوه غنيا، هكذا، بكل سذاجة وعبط. # وذات مرة سألت الشيخ شلتوت صاحب الكتاب، فلم أظفر منه بطائل، وكنت أعرف أني لن ~~أظفر من وراء سؤاله بطائل، فما سألته مرة عن شيء إلا وصاغ إجابته بطريقة لا ~~تسمن ولا تغني من جوع، سألته لم يحتل السلطان حامد تلك المكانة الضخمة عند ~~الناس، فقال لي: «لأنه كان رجلا تقيا ورعا.» # قلت: «إذن، أنت تعرفه؟ لا بد أنك سمعت عنه، قل لي؟» # فقال: «كل ما أعرفه أنه كان لا بد صالحا، وإلا لما كان له مقام.» # قلت: «ولكن مقامه فقير قديم ليس كمقام السيدة زينب أو الحسين.» # قال: «المسألة مش بضخامة المقام المبني يا بني، المسألة بضخامة ms078 المقام عند ~~الله.» # فقلت: «ماذا أفعل إذن لأعرف سر السلطان حامد؟» # قال: «بالوصول، بذكر الله.» # ووجدتني أفكر فيما قاله طويلا مع أن ما قاله لم يشف غليلي، بل وجدت نفسي ~~أتردد كثيرا على كتابه، ومناقشاتي معه لا تقربني قليلا أو كثيرا من أمر ~~السلطان. # وقلت لنفسي: ربما كان صحيحا ما يقوله، ربما كان سر السلطان حامد لا يفتح إلا ~~لبعض الناس، للصالحين، وربما لو ذكرت الله، ووصلت، أصل إلى مكان أرى منه السلطان، ~~وأرى أمره بوضوح، وبدأت أتردد على حلقة الذكر التي يقيمها الشيخ شلتوت في بيته ~~كل ليلة إثنين، ولم أهضم ذهابي إلى هناك أبدا، وكنت أذهب سرا؛ حتى لا يراني أحد ~~زملائي ويسخر مني، كنا نجتمع عشرة رجال أو أكثر، أندس بينهم وهم يرمقونني بترحيب ~~كبير؛ إذ إن حلقتهم قد ضمت أخيرا أحد المتعلمين، والمتعلمون كان بينهم وبين ~~الدين - على حد قول الشيخ شلتوت - بحر من سم ودم، كنا نجلس على الحصيرة ونستغرق ~~في التفكير في الله، ثم نذكره في سرنا، ثم نجهر بذكره، ثم نتمايل لاسمه، ثم ~~يدفعنا الحماس إلى الوقوف، ويمسك لنا الشيخ شلتوت المجلس وقد حمي، وأصوات ~~الرجال الخشنة تتصاعد من صدورهم في تهدج باك يجأر في طلب العفو والشفاعة والتوبة، ~~وقد اندمجت أنفاسهم المتلاحقة في صرخة مبحوحة واحدة منغمة تقول: «الله، الله، ~~الله!» # ولكنني انقطعت عن الذهاب فجأة، فقد أدركت أن استغراقي في الذكر لا يمكن أن يوصلني ~~أبدا إلى حل للمشكلة، وعلي أنا أن أحلها بنفسي إذا أردت لها حلا. # ثم إنني كنت قد فطنت إلى شيء، فقد أدركت أن السلطان حامد ليس وليا من أولياء ~~الله، فالأولياء يسمونهم مشايخ، فلماذا يسمونه هو السلطان؟! # ورحت أعجب كيف لم أفطن إلى تلك الحقيقة البسيطة الواضحة وضوح الشمس من قبل؟! صحيح ~~كيف لم أفطن إليها؟! ووقفت طويلا أتأمل هذه النقطة وأعذر أهل بلدنا الذين كنت ~~أتهمهم بالعبط؛ لأنهم لم يحاولوا أبدا أن يتساءلوا عن سر السلطان حامد، أحيانا ~~يكون من الصعب بل المستحيل أن نفكر ms079 في أشياء تعودنا أن لا نفكر فيها، وتعودنا ~~أن نأخذها كما هي، فتعذيب الحيوانات حرام أما ذبحها فحلال، والمرأة تطلق ~~شعرها والرجل يحلق شعره، ولا تعامل الحافي بمثل ما تعامل به راكب العربة مع أن ~~كليهما إنسان، وأن يبدأ الواحد في مراجعة إيمانه بالقضايا المسلم بها مسألة صعبة، ~~بل تكاد تكون مستحيلة. # 4 # واعتقدت أنه لن يدلني على حل هذا اللغز إلا الأحمدي أفندي، فهو يعرف كل ~~شيء عن كل شيء، ولا بد أن يكون لديه تفسير لحكاية السلطان الذي له مقام، مع أنه ليس ~~من أولياء الله، كان الأحمدي أفندي أول من لبس البدلة والطربوش في بلدنا، وأول من ركب ~~القطار وسافر إلى القاهرة، وأول أفندي لم يعمل في الحكومة وأشتغل رأسا في البنوك ~~والشركات، وكان قد تعدى الثمانين وترك العمل نهائيا، وأقام في البلد على حس ~~أفدنته القليلة، وكنا كثيرا ما نصادفه سائرا في البلدة بقامة معتدلة لا اعوجاج ~~فيها ولا انحناء وقد استبدل بالبدلة جلبابا أبيض نظيفا له جيب على الصدر، ولكنه لم ~~يتنازل عن الطربوش ولا عن ساعته ذات الكتينة التي تمتد من عروة الجلباب وتنتهي في جيب ~~الصدر. # وكنا نحن الصبية والأولاد إذا ما صادفناه مارا ننتحي جانبا تأدبا ولا نجرؤ ~~على النظر في وجهه إلا من بعيد، وجه قد اكتسى من طول ارتداء البدلة والطربوش ملامح ~~جادة متزنة، وشارب دقيق معتنى بكل شعرة فيه، وفم مطبق لا ينفك، وأصداغ غائرة لا ~~تسندها أسنان، وكل شيء فيه جاد، كلامه جد، وزعيقه جد، وهزله جد أيضا، ولم يكن ~~يضحك إلا إذا تحدث مع العمدة. # وكانت جرأة كبيرة مني أن أذهب وأسأله، فلا يليق بمثلي أن يخاطب الأفندية ~~كبار السن من أمثاله، تلك قضية أخرى مسلم بها في بلدنا. # وانحنى الأحمدي أفندي ليضع أذنه ذات السمع الذي بدأ يثقل بجوار فمي الذي كان ~~يتكلم في تردد ولعثمة وخفوت. # وكلما ألقيت عليه السؤال قال: «إيه؟ بتقول إيه؟» # فأعيد السؤال. # وأخيرا أدركت أنه سمعني، فقد اعتدل في وقفته، وأمسك ms080 بعصاه ذات العقفة بعناية، ~~وحدق في بعينيه الضيقتين الغامقتين اللتين لو كانتا عيني لما استطعت أن أرى ~~بهما أبدا، واشتد ارتباكي. # ولم أنظر إلى غير كتينة ساعته التي أدركت أنها بفرعين وأن بينهما حلية ذات بلورة ~~خضراء. # حدق في طويلا حتى فكرت أن أتركه واقفا في مكانه وأجري، ولكنه قال: «براوة عليك ~~يا ولد! جدع اللي فكرت في دي! أنت ابن مين يا شاطر؟» # وازداد ارتباكي واضطرابي، وأنا أشرح له ابن من أنا، ومن أين جئت، وحينئذ قال: ~~«بتسأل السؤال ده ليه؟» # قلت في تردد، وهو يستعيد كلماتي كلمة، كلمة: «علشان أعرف، هو سلطان والا ~~ولي.» # قلب عصاه فوضع العقفة على الأرض وأمسكها من أسفلها وهو يقول: «لا ولي ولا سلطان ~~ولا دياولو! أوع تصدق الكلام الفارغ ده! سلطان حامد إيه؟! أنا أعرف السلطان حسين ~~سلطان مصر، الله يرحمه ويحسن إليه، أعرف السلطان عبد الحميد خليفة المسلمين، أعرف ~~السلطان الغوري أعظم سلطان في زمانه، إنما سلطان حامد دا إيه؟! دا حتى اسمه ما ينفعش ~~لواحد سلطان! ده تلقاه صعلوك، ولا كان ولي ولا خلافه، دا أنا أسمع أنه كان بيدي عهود ~~للنسوان في أوضة ضلمة، وكان مايديش العهد إلا وهو شارب قزازة كان بيملا نصها سبرتو ~~ونصها خل علشان يبقى طينة مطينة! إنما أنا مبسوط منك، أنت في الابتدائية؟ أخدتم ~~إنجليزي لغاية فين؟ وبتاخدوا أجرومية والا لأ؟ أنا مبسوط منك، أنت باين عليك ولد ~~نبيه، سلم لي على أبوك، قول له: جدي الأحمدي أفندي بيسلم عليك، ح تقول له: ~~جدي مين؟» # ولم يتركني الأحمدي أفندي يومها إلا بعد أن سألني في العربي والإنجليزي والأحياء ~~والصحة وأثبت لي أن علمنا لا يساوي قلامة ظفر بالقياس إلى العلوم أيام زمان، ~~وفي النهاية أوصاني أن أطرد من عقلي حكاية السلطان، وإلا فإنه سوف يشكوني إلى أبي ~~حين يقابله. # ولم أطردها من عقلي، بل كبرت وأصبحت مشكلة عويصة. # هذا الإنسان الغريب، الذي ليس وليا من أولياء الله، لماذا خصه أهل بلدنا بهذا ~~التكريم؟! ولماذا ms081 بني له مقام؟! وكيف احتل تلك المكانة الهائلة في صدور الناس دون ~~أن يعرفوه؟! # هل هو سلطان؟ # وإذا كان سلطانا، فعلى أي شيء كان سلطانا، ثم إن كلمة سلطان كلمة كبيرة تكاد ~~تساوي كلمة الملك، فكيف يدفن سلطان كهذا في بلدنا، بلدنا الصغيرة التي لا يعرفها ~~أحد؟! لماذا بلدنا بالذات؟! وكيف يكون مدفن السلطان متواضعا إلى هذا الحد؟! # 5 # وعلى الرغم من غرابة المشكلة وضخامتها فإني لأعجب لنفسي كيف كنت أحيانا أنساها؟! ~~كنت إذا فكرت فيها فكرت فيها، وإذا نسيتها نسيتها، وإذا فكرت فيها آليت ~~على نفسي ألا أفكر في غيرها ما حييت، وإذا نسيتها ذهبت عن بالي تماما وكأني ~~لم أعرفها قط. # وأول الأمر كانت حين تخطر لي ولا أجد لها جوابا شافيا كنت أختنق بالضيق وأحس ~~أني أريد أن أقتل نفسي، ففي تلك السن لا نحتمل أبدا أن يبقى السؤال إذا عن ~~لنا بلا جواب، ولكن الضيق إذا زاد عن حده ينقلب إلى ضده، وكان ضيقي قد زاد عن ~~حده، حتى بدأت أنا الآخر أفضل طريقة أهل بلدنا، وأكاد آخذ السلطان حامد كالقضية ~~المسلم بها، ولا أهتم بها أو بقضيته إلا كما يهتم أهل بلدنا بها، ولا يكاد يخطر ~~لي إلا إذا مررت على الجبانة مثلا، ولمحت مقامه رماديا وحيدا بعيدا، أو إذا ~~وقع في يدي قرش مكتوب عليه: «ضرب في عهد السلطان حسين»، أو كان أحيانا يخطر لي ~~فجأة وبلا سبب، وكأن عقولنا تجتر أحيانا ما تختزنه فتعيده إلى وعينا في ~~ساعات لنكمل فحصه وطحنه. # ولكن ذات يوم عثرت على شيء مذهل غريب زاد المشكلة تعقيدا، فقد كان لنا نحن ~~تلامذة بلدنا فريق محترم لكرة القدم، فريق أول وفريق ثان، ولم أكن في كليهما، كنت ~~شغوفا باللعبة، ولكني كنت أفضل التفرج ومراقبة اللاعبين، ولهذا كنت أرافق ~~فريقنا إذا ذهب ليباري فريق بلدة أخرى، وكانت مباريات رسمية حقيقية، نرسل ~~«باصه» مكتوبة وموقعا عليها من رئيس الفريق ومدربه، ويأتي الرد مكتوبا أيضا وفيه ~~تحديد اليوم والساعة والمكان، وفي اليوم ms082 المحدد (غالبا صباح الجمعة) يخطط الملعب ~~ويشترى اليوسفاندي والبرتقال للهافتيم، وترسل الأحذية القديمة منذ الصباح الباكر ~~إلى الجزمجي ليصلحها، وتنفخ الكرة عند العجلاتي بقرش وتطلى بحبة طماطم لكي ~~تبدو جديدة، ونستعد للمباراة. # وفي يوم الجمعة ذاك كنا قد ذهبنا لنلاعب بلدة بينها وبين بلدنا مشوار، وكالعادة ~~كان المكان الذي اختاره فريقها للعب قريبا من الجبانة، فنادرا ما تجد في قرانا ~~مكانا فسيحا مستويا يصلح للعب إلا ذلك المكان الذي يقع على حافة الجبانة والذي ~~يستعمل كجرن في أيام الدراس. # وشات أحد لعيبتهم الكرة شوتة «بوز» أرسلتها عالية بعيدة تخطت نطاق الملعب ~~والجبانة، واستقرت فوق بناية حجرية صغيرة كانت قريبة من المزارع، وفوجئت ~~بأحد أفراد فريقهم يشتم اللعيب الذي شات وهو يقول: «دلوقتي مين ح يجيبها من فوق ~~السلطان حامد؟!» # وتركت تتبعي للمباراة نهائيا، وما كاد يأتي الهافتيم حتى ذهبت أسأل أفراد ~~الفريق الذي كنا نلاعبه، ومن كلماتهم المقتضبة اللاهثة عرفت أن بلدهم فيها ~~سلطان حامد آخر، له مقام يشبه إلى حد كبير مقام السلطان حامد في بلدنا، وله أيضا ~~نافذة يسيل منها شمع أبيض متجمد ويصنع أنهارا وبحورا في الأرض، وهو الآخر تنذر ~~له النذور، ويستعان بيده وتخفض من أجله الأسعار، وسرعان ما اكتشفت خلال مباريات ~~أخرى وأسئلة واستقصاءات بلا مباريات أن هناك سلاطين آخرين، يكاد يكون لكل قرية في ~~إقليمنا سلطانها الخاص. # وكان هذا أكثر من أن أستطيع أن أفكر فيه أنا وكل بلدنا مجتمعة. # وما قابلت إنسانا سواء كان من بلدنا أو من غيرها إلا وسألته، والشيء الذي كان ~~يفقدني عقلي أنهم جميعا كانوا يأخذون الأمر بهدوء وبساطة ويستطيعون النوم بعد ~~أسئلتي، بل ويتناولون الطعام ويضحكون، وكأن من الطبيعي أن يوجد لكل قرية سلطان، له ~~اسم واحد هو حامد، سلطان خاص بمقام خاص، سلطان لا يعرف أحد كيف دفن، ولا من بنى ~~له المقام، سلطان شيطاني استيقظوا ذات صباح فوجدوا مقامه منتصبا عند حافة ~~جبانتهم، ووجدوا مكانته سامقة في أذهانهم. # كل ما ظفرت به كان إجابات غامضة تزيد ms083 من ثورتي وعجزي وهياجي، فمن قائل: إن هذا ~~حدث من قديم الزمان ولا أحد يعرف سره، ومن قائل: إنه سلطان يمت بصلة ~~القربى إلى أبي زيد الهلالي سلامة، ومن قائل: إنه سلطان واحد حقيقي، ولكنه ~~كتب في وصيته أن تصنع له مدافن في بلاد عدة يدفن في واحد منها فلا يستطيع ~~أعداؤه أن يعثروا أبدا على جثته. # ومن قائل: إن السبب في هذه اللخبطة كلها هي الحكومة وهي وحدها المسئولة. # من أي ملة هو ومن أي دين؟ # الله وحده يعلم. # لماذا تحبونه وتقدسونه وتنذرون له النذور إذن؟ # من يدري ربما كان ذلك لحكمة تخفى على البشر. # ونحل جسدي، وبدأت ألوان كثيرة تتابع أمام عيني إذا وقفت، وأحيانا كنت أكلم ~~نفسي، ونظرت في المرآة يوما فكدت لا أعرف ملامحي. # وخفت ولعنت السلطان ولغزه واليوم الذي قدمت له فيه النذر، خفت أن أموت، ~~وأقسمت أن لا أعود أفكر فيه، جعلني أبي أقسم أمامه عل صحتي تعود، ولم ~~تعد إلي الصحة؛ إذ لم أستطع أن أمنع نفسي من التفكير، حتى ولا بعد أن أخذني أبي ~~إلى الحكيم، وقال لي الرجل السمين الطيب وهو يمسك يدي الناحلة بكفه الطرية التخينة ~~الدافئة: «مالك يا بني؟» # وخفت أن يعتبرني مجنونا إن أنا قلت له، ويرسلني إلى السراية الصفراء، فقلت: ~~«ما فيش»، وفحصني فلم يجد شيئا، ولكني انتهزت فرصة خروج أبي، وخفت أن أجن ~~إن أنا لم أقل له، فترددت وأنا أسأله إن كان يعرف حلا لهذا اللغز، وسألني ~~ما هو ذلك اللغز؟ وقلت له كل شيء، وختمت كلامي بأن ما أمرضني هو أني لم أجد ~~حلا ولا تفسيرا. # وأطرق الرجل بوجهه السمين حتى تفرطح لغد الدهن المتهدل من عنقه ثم رفع ~~رأسه، ولم ألمح في وجهه استخفافا ولا تكذيبا، كل ما حدث أنه رفع لي يده وقال ~~بوجه طيب جاد: «دول إيه يا بني؟» # وحرك أصابعه، فقلت: «صوابعك.» ~~- «كم صباع؟» ~~- «خمسة.» ~~- «أنت متأكد؟! عد تاني.» # ومع أني كنت متأكدا تماما إلا أني عددتها فعلا ووجدتها حقيقة ms084 خمسة، ~~فابتسم الرجل وقال: «طب أوجد لي حل اللغز ده؛ اشمعنى الواحد له في كل يد خمس صوابع بس؟! ~~ليه ما يكونوش ثلاثة؟! وليه ما يكونوش ستة؟! اشمعنى خمسة بس؟! جاوبني!» # ولم أستطع إجابته، وكان أبي قد حضر فشيعنا إلى الباب وهو يضع يده ذات الأصابع ~~الخمسة على كتفي ويقول لي: «يا بني، فيه حاجات كتير في الدنيا دي مالهاش تفسير، فاشمعنى ~~نقيت حكاية السلطان حامد عشان تموت نفسك عشانها؟! علشان تلقى لها حل لازم تفكر ~~وعشان تفكر لازم تكون عايش، وعشان تعيش لازم تاكل، كل!» # وظللت آكل حتى أبطلت التفكير، وحتى نما جسدي وكبرت، وتركت مدارس ودخلت ~~مدارس، ونسيت كل شيء عن حكاية السلطان كعادتنا حين ننسى إذا كبرنا كل ما أرق ~~تفكيرنا ونحن صغار. # 6 # وبعد سنين كثيرة وسنين، كنت في إجازة في البلدة ذات صيف، وعدت إلى البيت بعد المغرب ~~فوجدت رجلا غريبا جالسا في وسط الدار يلتهم لقم العشاء بسرعة وتوحش. # ولم أستغرب لوجود الرجل، فقد قلت إنه لا بد واحد من ضيوف جدي الغريبين، وكان جدي ~~رغم مضي كل تلك المدة لا يزال عجوزا كما هو، ولا يزال يزاول هوايتيه ~~المحببتين، شرب القهوة الحلوة خلسة، واستضافة الغرباء، وكانت هوايته الأخيرة هذه ~~مبعثها حبه الشديد للحديث، كانت لذته الكبرى أن يجد مستمعا ليحكي له، أو ~~يجد حاكيا ليسمع له، وكان ساخطا على بلدتنا التي لم يعد فيها أحد يحسن ~~الكلام، وفي النهاية أن من يحسنون فن الحديث قد ماتوا خسارة وتاواهم التراب، ~~وتركوا جيلا كالبهائم المكممة لا يجيدون الكلام وكأنه بفلوس، ولهذا كان جدي شغوفا ~~بكل غريب يهبط إلى بلدنا، وكان نادرا ما يهبط إليها غريب. # وما كان أسعده حين يتلفت للسلام بعد صلاة العشاء في الجامع فيلمح بين صفوف ~~المصلين غريبا، فعادة الغرباء إذا هبطوا القرى أن يذهبوا إلى الجامع حيث فرص ~~الاستضافة أكثر، وحيث يمكن المبيت إذا لم يجدوا المضياف الكريم، وكان جدي ما ~~يكاد يلمح أحدهم حتى يسحبه من يده إلى بيتنا، وكم ms085 من المشاكل كانت تنشب ، ولكن كان لا ~~بد أن توقد النار في النهاية ويتعشى الضيف، وتوشوش كنكة القهوة على مهلها في النار ~~ويتكئ جدي على مسندين ويخرج صندوق «المضغة»، ويروح يلوك أوراق الدخان التي قضى ساعات ~~كثيرة من اليوم يدقها في الهون ويضيف إليها التوابل، ولا بد أن يحضر جدي للضيف ~~كيفه، سجائر إذا كان يدخن، وجوزة إذا كان من كيفه المعسل ويبدأ بهذا ~~الكلام. # وغريب أمر هؤلاء الناس الذين كانوا يفدون على بلدنا؛ إذ هم في العادة لم يكونوا ~~يزورونها لقضاء عمل معين، هم فئة عجيبة من الناس تلف القرى وتقضي في كل قرية ليلة، ~~ومعظمهم لا يجيدون حرفة ما، أناس هائمون على وجوههم هكذا، أو كما يقولون سائرون بلاد ~~الله لخلق الله، بعضهم لصوص تابوا، وبعضهم عمال من المدينة عاطلون، وبعضهم عندهم ~~لوثة، وكثيرون فلاحون أفلسوا من كار الفلاحة الشاق ولم يوفقوا إلى عمل آخر، ~~ولكنهم يتفقون جميعا أن لكل منهم قصة، وقصة في أغلب الأحيان رهيبة دامية؛ ~~أزواج عشقت زوجاتهم عليهم وطردتهم بعدما جردتهم من كل ما يمتلكون، أناس ~~يقولون إنهم محكوم عليهم بأن يظلوا تائهين في بلاد الله هكذا إلى أن يحين ~~أجلهم، وتسأل عمن حكم فيقولون: هو، فتقول: من هو؟ فيقولون: هو والسلام! أناس تلمح ~~في عيونهم نظرة حائرة تائهة غير مستقرة، نظرة كلب ضال، نظرة من لا يعرف له بيتا ولا ~~أهلا ولا أحد وراءه يهمه أمره، نظرة من لا يعرف إلى أين المصير ولا يهمه أبدا ~~إن كانت الشمس ستشرق مرة أخرى. # ولعلني ورثت تلك الهواية عن جدي، ولكن متعتي الكبرى أنا الآخر كانت أن أربض ~~بجواره إذا جاء الغريب، ولا تستطيع قوة في الأرض أن تنتزعني من مكاني أو تمنعني من سماع ~~حديث الغريب أو تأمل هيئته أو قراءة ما يدور في وجهه. # تلك الليلة أيضا جلست أحدق في الغريب الجديد، كان يرتدي جلبابا قديما من العبك، ~~وعمامة حمراء فيها قطعة سوداء من الخلف، ولم يكن مظهره يدل على حيرة أو جنون، ms086 عيناه ~~فقط كانتا مطبقتين على الدوام، لا يفتحهما إلا حين يتكلم حتى إذا ما سكت أطبق ~~أجفانه في الحال. # وكانت لجدي طريقة ساحرة في بدء الكلام وفك عقد اللسان. # فهو يظل ساكتا حتى يتعشى الغريب ويشرب شايه أو قهوته ويأخذ أنفاسا من الدخان، ~~وغالبا ما كان الرجل يتكلم بعد هذا من تلقاء نفسه، ودون حاجة إلى سؤال، ومعظم هؤلاء ~~الغرباء إذا تحدثوا كانوا لا يبالغون، ولا يكذبون، وكأنهم يدركون أنها ليلة، ~~مجرد ليلة، وأن المستمع رفيق طريق، مجرد رفيق طريق، ومهما كان في المبالغة والكذب من ~~روعة، فلا شك أن أروع شيء عند الإنسان أن يتاح له ذات مرة أن يقول الحقيقة دون أن ~~يجر عليه قولها مسئولية أو متاعب. # قال الرجل إنه من الفيوم، وإنه ذاهب إلى الشام في حب الله، وإنه سار على قدميه خمسين ~~يوما وأمامه مسيرة مائة يوم بإذن الله، ولم يكن حديثه مسليا، كان يتكلم ثم يصمت ~~ويغلق عينيه دون أن ينتهي الكلام. # وبدأ جدي يتثاءب، وكنت لا أستطيع الكلام، فجدي كان قد نبه علي ألف مرة ألا ~~أفتح فمي إذا كان أحدهم يتكلم وأن علي أن أجلس فقط وأستمع. # وكثيرا ما كان يؤدي الحديث إلى سكوت، ويطول السكوت والنار قد تحولت إلى جمرات، ~~والجمرات غطيت بطبقة رقيقة من الرماد، والليل ساكن ونقيق الضفادع يملأ الليل بنغمة ~~منظمة عميقة كأنه شخير الأرض التي نامت وراحت في النوم. # وفي نوبة سكوت طويلة أطلقت السؤال الذي أرقني طويلا فسألته: لماذا العمامة ~~الحمراء ذات القطعة السوداء من الخلف؟ # فقال: «لبسنا كده.» # ورأيت جدي يعتدل وينفض عن نفسه النعاس ويسأله باهتمام: «أنت من أنهي طريقة؟ وده ~~لبس مين؟» # وفتح الرجل عينيه وقال: «احنا مش طريقة، احنا ولاد السلطان حامد، مالناش ~~طريقة.» # وبدت لي إجابته عادية جدا لا تستدعي حتى مجرد التعليق. # ولكني في اللحظة التالية كنت أنتفض. # وجلست على قرافيصي وأمسكت الرجل من يديه وأنا أستحلفه أن يروي لي كل شيء عن ~~السلطان. # واستمع لي الرجل وهو يحدق ناحيتي ms087 بعينيه المغلقتين حتى خيل إلي من طول ما جلس ~~أنه بلا حراك، ولكن بعد أن انتهيت رفع رأسه وواجهني، كانت عيناه محمرتين، ولكنه ~~لم يكن يبكي وصرخ في فجأة: «وتتهجم على السلطان بالشكل ده ليه؟!» # وأفهمته بخفوت أني لا أتهجم، أنا فقط أسأل. # وعاد يقول بغلظة وغضب: «وأنت مالك وماله؟! ما تخليك في حالك وتسيب الناس في ~~حالها!» # وأجفلت. # وقال جدي: «مافيهاش حاجة يا سيدنا، دا بيسأل، هو السؤال حرام؟! قول له.» # وفجأة أيضا سكت الرجل، وسقط رأسه على صدره وهو يقول بصوت باك وكأنه يؤنب نفسه: ~~«أيوه، أقول له، أقول له، أقول له على حبيبي السلطان، دا كان يا بني راجل ~~مبروك.» # فقلت بانفعال: «مبروك ازاي؟ له معجزات؟» # فقال: «مبروك! ما تعرفشي يعني إيه مبروك؟! أمال أفندي إيه؟! بقى اللي شتت العدوين ~~ما يبقاش مبروك؟! بقى اللي هزم الكفار ما يبقاش مبروك؟! أمال أنت اللي ~~مبروك؟!» # فقلت وأنا ألهث: «مين العدوين دول؟» # فصرخ في: «ما نتش عارف مين العدوين؟! حد ما يعرفش العدوين؟! دا أبو باع طويل ~~ومدد واسع هو اللي هزمهم، يا بو مدد واسع، شالله يا اهل الله، شالله يا سلطان حامد، يا ~~هازم الكفرة، مدد يا حبيبي يا سلطان، مدد على طول الماداد ماداد!» # وكان صوته قد ارتفع حتى قارب الأذان، ومضى يقول وحنجرته الكبيرة تتلاعب هابطة ~~صاعدة بارزة كالورم من رقبته الطويلة: «ماداد يا سلطان يا بو مدد واسع، ماداد على طول ~~المدد، ماداد يا بو مقامات عالية في مصر وسوهاج وأشمون وكل البر، الناس لها مقام واحد ~~وأنت ليك ألف، يا حبيبي مداد.» # ولم نجرؤ على قطع الروحانية التي انتابته وكان واضحا أنه لا يهلوس كما يفعل ~~المجاذيب في الموائد، كان يبدو صادقا ويبكي بكاء حقيقيا. # وحين هدأ واطمأننت إلى أن هدوءه دائم عدت أسأله، وأدهشني أنه راح يجيبني ~~كالمغلوب على أمره وبصوت يحفل بالندم والتوبة، ولكن إجاباته لم تشف غليلي، وقال شيئا ~~كهذا: «لما الغزاة العدوين هجموا على مصر، قام لهم السلطان حامد، ms088 وأصحابه، وقال لهم ~~والله ما تدخلوا إلا على جثتي. # بصوا العدوين لقوه بجلابية استهتروا بيه، طلع له واحد منهم ورفع عليه سيفه شد منه ~~السيف وتناه، جه العدو يزقه فحس أن الجبل يتحرك وهو لم يتحرك عن مطرحه قيراط، طلع له ~~عشرة يزقوا فيه ما ينزق، بص قائدهم لقي رجليه غارزة في تراب البر ورأسه محصله عند ~~عنان السماء وبيقول: «والله لو جبتوا قد جيشكم ده آلافات ما تقدر جيوش الدنيا كليتها ~~تلحلحني عن تراب البر»، فضلم يفكروا يعملوا إيه في غريمهم ده، نط عجوز منهم وقال لهم: ~~أنا لفيت الطريق يا رفاقه، وعرفت أجيب داغه، قالوا: ازاي؟ قال دا جسمه طاهر ما يأثر فيه ~~السيف طول ما هو طاهر ما ياخد السلاح فيه إلا لما يتنجس، قالوا: ازاي؟ قال أنا ~~الكفيل، أنا ح بول لكم على رجله أنجسها، والشاطر اللي ورا بولي يضرب بالسيف، وقف العجوز ~~النجس يبول على رجله ومن وراءه سيف غدار ضرب ضربة طير الرجل، قال لهم سلطاننا حامد: ~~«وإيه يعني؟! دي رجل راحت ولسه ليه رجل.» ورجع خطوة، وبالطريقة هياها قطعوا له إيد، ~~ضحك وقال لهم: «ما لسه لي إيد! والله يا كفار يا عدوين، لأوريكم، ولم أخلي فيكم إيد ~~ماسكة إيد!» وفضل العجوز النجس يتبول والسيوف وراه تندب، وجسمه الطاهر في كل بلد ان ~~دارت فيها الحرب يتقطع واللي غفل عنه العدوين ان كل حتة انقطعت كانت بتكبر وتبقى ~~راجل يحارب الكفرة ويهجم على العدوين ويقول أنا ابن أبونا حامد، أنا السلطان، أنا اللي ~~ح وريكم نجوم حمرا في عز الضهر! وقطعوه قطع ملايين، وكل قطعة بقت راجل، ولما حصلوا ~~رأسه كانوا حصلوا الشام، وكانوا ولاده بقم آلافات، قاموا على العدوين وكل واحد يتلم ~~على واحد ويشيله من فوق راسه ويرميه في قاع البحر. # ولما خلص العدوين واتنضف البر قال: «نحمدك يا رب!» وطلع منه سر الإله على ~~طول.» # ونام الرجل فجأة. # وجدت رأسه يسقط على صدره وشخيره يتصاعد بلا سابق إنذار. # ولم أكد ms089 أستعيد حكايته لأفكر فيها وأستعيد التاريخ لأخمن من يكون «العدوين» ~~حتى وجدت رأس الرجل ذا العمامة الحمراء يرتفع مرة واحدة وصاحبه يقول وكأنه يتكلم ~~وهو نائم: «وحد الله، سيبك! قول: يا باسط، اللي يزرع الجميل عمره ما يحصد غدر، والناس ~~ما بتنساش، قدم لهم السبت تلاقي ألف حد قدامك، وكله فدا السلطان، ماداد يا سلطان يا ~~حبيبي على طول المدد ماداد!» # 7 # هناك طريقة مشهورة لجعل السلحفاة تتحرك باستمرار؛ وذلك بأن نربط على ظهرها عصا ~~طويلة نضع في نهايتها طعاما تراه السلحفاة فتتحرك للوصول إليه، وبالطبع لا تصله ~~أبدا؛ ولهذا تستمر تتحرك. # نحن مثل هذه السلحفاة، لا بد لكي نتحرك أن يكون ثمة أمل في متناول أبصارنا نحاول ~~الوصول إليه، ولكننا أحيانا لا نرى الأمل، تخفيه عنا أحداث الحياة فنتوقف، لا ~~يائسين، ولكن لكي نبحث عن الأمل، ولا بد للبحث عن الأمل أن يكون لدينا «أمل» قوي في ~~العثور عليه، فترات البحث عن الأمل هذه يسميها الناس اليأس، بل ويغالون ويضعون اليأس ~~كشيء رأسه برأس الأمل سواء بسواء، مع أن الحياة كما نرى أمل متصل، وحركتنا مستمرة، ~~إما لتحقيق الأمل أو العثور عليه، بل فترات البحث عن الأمل هذه التي يسمونها اليأس ~~فترات يكون فيها الإنسان أشد تفاؤلا وأكثر حركة من المؤمل. # والباحث عن الأمل أو اليأس كما يقولون أشد حرصا على الأمل ممن عنده أمل، والذي لا ~~يملك القرش أكثر حرصا عليه ممن يملكه، بل إن المؤمل قد يضيع منه الأمل، أما ~~الباحث عن الأمل فإنه لا يفقد الأمل أبدا في العثور على الأمل، اليأس أشد تفاؤلا من ~~المؤمل، ولو كان أقل تفاؤلا لمات في الحال أو لانتحر. # وطوال هذه السنين التي كنت آكل فيها وأتخن - وقد تركت قضية السلطان - كنت في الحقية ~~لم أيأس من العثور لها على حل، كل ما حدث أنني كنت أتحرك يحدوني أمل ما، ولكن ~~الحكيم الطيب حين أراني أصابعه وسألني ذلك السؤال ضاع من أمام عيني الأمل، وضياع الأمل ~~ليس بالأمر السهل، لا ms090 بد له دائما عن أسباب في غاية المنطق والمعقولية. # وحاول أن تناقش «يائسا» ما، فسوف تجد ليأسه أسبابا في غاية القوة، ولكنك سوف ~~تجده أيضا يبحث عن الأمل، وأن يعثر الإنسان على الأمل مرة أخرى مسألة أحيانا لا ~~تحتاج إلى منطق ومعقولية، ولنأخذ حالتي مثلا. # لم يكن كلام الرجل المجذوب معقولا ولا منطقيا، وليس له وجاهة كلام الطبيب، ولكن كم ~~هي غريبة أمور الدنيا! فبلا مقدمات أو علامات وجدت أشياء مكتومة في صدري ومختزنة قد ~~تراخت فجأة وانعكست، وحفلت نفسي باتساع وتفتح لا حد لهما، وأحسست أن ~~الأمر لا يحتمل أكثر من أن أمد يدي وآتي بحل لمشكلة السلطان. # كان شيء ما قد حدث بعدما استمعت طويلا إلى تخريفات المجذوب، شيء وكأنني كنت أشك ~~في وجود الله مثلا، ويحيرني أمره ولا أستطيع أن أجزم بوجوده أو عدمه، وفجأة عثرت ~~على تلسكوب غريب ممكن أن أنظر منه فأرى السماء، وأتحقق من وجود الله! # ولم آخذ تخريفات المجذوب على أنها تخريفات، أخدتها من زاوية أخرى، فلا بد أن ~~السلطان حامد هذا كان من نوع ما عاش ومات، كما يعيش الناس ويموتون، ولكن أية حياة ~~هذه؟! وأي رجل هذا؟! وترى ماذا فعله حتى يحتل من نفوس الناس تلك المكانة ~~الرهيبة؟! وحتى يجن أناس ويجذبوا حبا فيه؟! وتنسج حوله الخرافات والأساطير، ~~وتقام له مئات الأضرحة في مئات البلاد وتضيء كل ليلة بعشرات الشموع، مئات الليالي، ~~وربما لمئات السنين؟! # وأمر آخر، فأن تعمل طيبا مسألة قد تخصك أنت وحدك، ولكن أن يقدر الناس ~~أعمالك؛ وبالتالي يقدروك مسألة أخرى، فالدنيا حافلة بالطيبين الذين عاشوا للناس ~~وماتوا من أجلهم فلماذا كلهم لا يقدرون؟! لماذا يقدر البعض دون البعض، وعلى ~~أي أساس إذن يختار ملايين الناس من أعمالك ما يستحق التقدير وما لا يستحق؟ ولماذا ~~يصبح بعض الناس من معبودي الجماهير - كما يقولون - بينما لا يكونون هم أشرف الناس، ~~ولا أطيب الناس، ولا أكثر حبا للناس وتضحية من أجلهم؟! # ولم أكن أدري وأنا أقلب هذه الأسئلة كلها في ms091 رأسي أنني ممكن أن أجد الإجابة ~~عليها عند روجيه كلمان! # كنت قد عدت إلى القاهرة من الإجازة القصيرة، وكلي تفتح لا لمسألة السلطان حامد ~~وحدها، ولكن للحياة نفسها. # وكم أدركت خطئي لأني ظللت فترة طويلة من حياتي لا أفكر إلا فيها وحدها! فكما ~~يقولون قد تجد ما تفكر فيه فيما لا تفكر فيه، وقد تجد ما لا تفكر فيه فيما تفكر ~~فيه. # لا بد أن هذه الحكمة صحيحة إلى حد ما، ولو إلى الحد الذي يجعلني أومن أن لقائي ~~بمدام إنترناسيونال كان مجديا، وبالمناسبة لم يكن اسمها إنترناسيونال، كان اسمها ~~«جين»، ولم أعرف إلى الآن جنسيتها، فأحيانا كانت تقول إنها هولندية، والباسبور الذي ~~معها كان من دوقية لوكسومبرج، وتقول: إن باريس هي محل إقامتها، وحين عرفتها كانت ~~قادمة من جنوب أفريقيا في طريقها إلى زوجها التشيكوسلوفاكي الذي يعمل مهندس مناجم في ~~بولندا، وبالشرف، أني لا أبالغ؛ فهي نفسها لم تكن تجد غرابة في هذا، كانت تهز ~~كتفيها ببساطة وتقول: أنا إنترناسيونال، أما كيف عرفتها، فالمسألة في بساطة ~~جنسيتها، الصدف المحضة دفعتني لأن أزور الإسماعيلية عقب الاعتداء الثلاثي على مصر، ~~والصدف المحضة هي التي دفعتني لأن أقابل أحد أصدقائي الأطباء في مطعم اللوكاندة ~~التي كنت أنزل فيها، والصدف المحضة هي التي دفعت صديقي هذا لأن تتولاه «نوبة ~~شهامة» ويدعوني لأن أقيم معه في حجرته بمستشفى الإسماعيلية وكان يعمل فيه طبيبا ~~مقيما، وأنا أحب جو المستشفيات والملابس البيض الحسان، ورائحة اليزول إذا جاءت ~~إلى أنفي من بعيد وكانت لطيفة خفيفة. # وهناك عرفت مدام انترناسيونال، كانت إحدى مرضى المستشفى، وكانت موضوعة تحت ~~الحراسة، فقد كانت أحد ركاب الباخرة «كارولينا» السويدية التي حجزها الاعتداء ~~الغاشم في مياه القنال. # وكانت جين هذه ملحوسة لحسة منقطعة النظير، فهي لم تكن مريضة، ولكنها حاولت الانتحار ~~في الباخرة، وأنقذوها في أول لحظة، ولكنها ادعت أنهم جاءوا متأخرين بعدما سرى ~~الأسبرين في جسمها، وأن قلبها ما لم يعمل له «رسم» سيتوقف في الحال، وإذا عرفنا ~~أن الباخرة لم يكن ms092 فيها جهاز رسم قلب كهربائي أدركنا أهداف مدام انترناسيونال، كان ~~هدفها أن تهبط إلى البر وتعيش في مصر؛ إذ كانت قد زارت تسعا وثلاثين بلدة من بلاد ~~العالم وكانت تريد أن تكملها الأربعين لتستطيع إذا عادت إلى باريس أن تحكي لصديقاتها ~~عما رأته في الأربعين. # وسألتها: «ألست ذاهبة إلى زوجك في بولندا؟» # فقالت: «لا، نحن نلتقي على الدوام في باريس، فأنا لا أستطيع أن أحيا في غير ~~باريس.» # وقلت لها مرة: «لم لا تفكرين في هدف لحياتك؟» # فقالت: «كيف أفعل هذا وهدفي في الحياة أن أحيا بلا تفكير؟!» # ولو لم تقل ذلك بطريقتها البادية الصنعة لحسبتها فيلسوفة، أو من المفكرين، وكان ~~صديقي الطبيب لا يكاد يستقر في الحجرة أثناء الليل أو النهار خلال الأيام الثلاثة التي ~~مكثتها في المستشفى، ما تكاد تمضي دقيقة حتى نسمع دقا: «الخواجاية عندها مغص ~~يا دكتور»، ويذهب صديقي فلا يجد مغصا ولا إسهالا، ولا يكاد يعود حتى يعود الدق من ~~جديد: «الخواجاية عندها احتباس في البول.» # وكنت كثيرا ما أذهب معه، ولم يكن صديقي ضيقا بها، كانت شيئا جديدا في حياة ~~المستشفى الروتينية وحياته، وكثيرا ما جلسنا نتحدث، وكثيرا ما حملنا الحديث ~~بعيدا، إلى أبعد من جدران المستشفى ومأساة الحرب، وأخطأت مرة وذكرت لها حكاية ~~السلطان، وكأنها كانت تنتظر طول عمرها أن يقول لها أحد شيئا كهذا، فإلى أن ~~انتزعت من سرير المستشفى انتزاعا إلى الباخرة كانت لا تزال تسألني وتلحف، ~~وتدقق، وتروع للتفاصيل وتقول: «أوه! يا سلام!» و«يا سلام» هذه هي الكلمة الوحيدة التي ~~تعلمتها أثناء إقامتها بالمستشفى. # ولم تكتف بعنواني المكتوب الذي أعطيته لها، ولكنها ظلت تردده حتى ~~حفظته عن ظهر قلب. # وودعتني وهي تقول: «حتما سأكتب لك.» # ولكن لم أتوقع أبدا أن تفعل. # وعدت إلى عملي، وإلى القاهرة، وإلى الساعات اليومية الثابتة التي كنت أقضيها في دار ~~الكتب. # كنت قد أمسكت بخيط ما، وكان ترددي على الدار هدفه التأكد منه، فبحثت عن ~~أسماء جميع السلاطين الذين حكموا مصر أو حتى من قدموا ms093 إليها غازين أو زائرين ، بل حتى ~~أسماء سلاطين آل عثمان راجعتها كلها، ولم أجد ظلا ولا إشارة واحدة لسلطان باسم ~~السلطان حامد. # وحتى هذا الخيط الواهن انقطع، وبهذا فقدت كل أثر للسلطان. # غير أن حماسي لم يفتر أو يقل. # يومان في الأسبوع كنت أذهب إلى مكتبة الجامعة، ومن هناك إلى قسم التاريخ في كلية ~~الآداب، وأخطئ إذا قلت إن جهودي كانت تذهب عبثا؛ إذ خلال شهور طويلة كنت قد ~~تعلمت أشياء عن تاريخنا لم أكن أحلم بمعرفتها، وكنت قد خرجت بعدة صداقات، ليس ~~أقلها صداقة متينة كانت بيني وبين «علي بك» القزم الذي لا يكاد طوله يزيد على المتر ~~والذي يبيع الكتب القديمة رائحا غاديا بين العتبة والأزهر، وكانت الحكاية قد ~~تسربت مني إلى أصدقائي وإلى معارفهم، حتى كنت أحيانا أجد أناسا لا أعرفهم ~~يبتسمون لي إذا قابلوني في مكان عام ويقولون: «هيه! عملت إيه في حكاية السلطان؟» # ونفس السؤال كنت أسمعه من شبان أهل بلدنا وطلبتها، وحتى الكهول، ومع أن الوضع كان ~~قد انقلب، وانتقلت من الطفل السائل إلى الرجل المسئول، إلا أن إجابتي كانت لا ~~تكاد تختلف عن الإجابات التي كنت أجن لها وأنا صغير. # وما أكثر ما كان يصلني من أفكار واقتراحات! يضرب أحدهم كتفي بشدة ويقول: «وجدت لك ~~كتابا يصلح»، ويأخذني آخر بالحضن ويقول: «خلاص، عرفت حكاية السلطان»، ويحكي، وإذا به ~~سلطان غير السلطان، وكنت أتوقع أي شيء إلا أن أفتح صندوق الخطابات مرة فأجد ~~خطابا راقدا في قاعه وعليه طابع بريد أجنبي. # كان الخطاب من مدام انترناسيونال. # وما كدت أفتحه حتى تساقط منه شيء، ولكني شغلت عنه بقراءة الخطاب، ولم أكن ~~أتوقع أن يكون لها مثل ذلك الخط الجميل، ولم لا أقول: إني ما كدت أعرف أن الخطاب ~~منها حتى وجدتها تلوح في خاطري، وأحس أني حقيقة افتقدتها، أحيانا يبدو الشخص المتعب ~~جذابا من بعيد. # وعلى عكس طريقتها في الكلام كتلك الطريقة التي تظن معها أنها لا تتحدث، ولكنها ~~تمثل، كان أسلوبها في الكتابة رزينا، ms094 حتى كدت أظن أنها أصبحت أرملة، والأغرب من ~~هذا كانت تتحدث عن السلطان! # قالت إنها منذ أن تحركت بها الباخرة وغادرت قنال السويس، وهي لا تفكر إلا في ~~مشكلة السلطان، وقد أحست - وبنص كلامها - لأول مرة أنها وجدت شيئا يستحق أن ~~تفكر فيه، ولأسخر منها ما شئت، ولكنها فعلت، والنتيجة مرفقة بالخطاب. # وتأملت ما سقط من يدي حين فتحت المظروف، فإذا به صفحات من كتاب مطبوع. # وعدت أكمل قراءة الخطاب الغريب: # لا تسل كيف عثرت على هذه النتيجة، فمنذ عودتي إلى باريس وأنا وصديقاتي لم ~~نسترح لحظة واحدة، ولم يكن لنا هم طول الوقت إلا البحث في مشكلة ~~السلطان، وكنت أريد أن أحدثك بالتفصيل عن الجهود الكبيرة التي بذلناها لولا ~~أني أوثر أن أخبرك بأهم شيء، ففي الشهر الماضي صدر عن إحدى دور النشر ~~هنا كتاب يعتبر وثيقة تاريخية مهمة، وهو عبارة عن مجموعة الخطابات التي ~~تلقاها المسيو جي دي روان من صديقه روجيه كليمان، وروجيه كليمان كان أحد ~~علماء الآثار الذين رافقوا حملة نابليون على مصر، ويقال إنه لم يعد ~~وإنه استمصر وارتدى الملابس الوطنية وأقام هناك، وها أنا ذا أرسل لك مع ~~خطابي هذا بعض صفحات منتزعة من الكتاب وهي تحتوي على الخطاب الأخير، ولعلمك ~~أن الذي قام على تحقيق هذا الكتاب ومراجعته وتدوين الملاحظات عليه هو الدكتور ~~س. مارتان عضو الأكاديمي فرانسيز، وبهذا تستطيع أن تطمئن تماما إلى سلامة كل ~~ما ورد فيه، وأنا لا أعرف إذا كان ما جاء في الخطاب الذي أرسله العالم ~~الفرنسي ما يكفي لحل لغز السلطان أم لا، ولكن لا أريد أن أمنعك من قراءة ~~الشيء الذي انتظرته طويلا، وأظنك في شغف شديد للاطلاع عليه. # أرجوك، اكتب لي حالا وأخبرني بكل شيء. # عزيزتك # جين إنترناشيونال # ملحوظة: هل عندكم حقيقة قرية اسمها «شطانوف»؟ # وهل لا تزال موجودة إلى اليوم؟ صفها لي في خطابك ~~أرجوك. # 8 # والواقع أني لم أكن في شغف شديد لقراءة الصفحات، كانت حالتي أقرب ما تكون إلى ~~الذهول، لم يكن ms095 ذهول الدهشة، ولكنه ذهول الاطمئنان ، فأنا لم أصارح أحدا برأيي هذا، ~~ولكني كنت كثيرا ما أفكر فيه، كنت أحيانا ينتابني خوف من نوع ما، خوف أن أكون ~~قد ضخمت الموضوع أكثر مما هو في الواقع، خوف أن يثبت لي في النهاية أن السلطان ~~حامد هذا ليس له لغز ولا مشكلة، وأنني أنا الذي صنعت اللغز وخلقت الإشكال، وممكن أن ~~لا يثبت أن هناك سرا وراءه ولا يحزنون. # ولو حدث هذا كنت أصبت حقيقة بالذهول. # لحظتها كنت أحس براحة غريبة، راحة تمنعني عن الحركة وحتى عن محاولة معرفة الحل، ~~وكأنه كان يكفيني أن أعرف وأتأكد أن هناك حقيقة سرا، راحة مضت تدفعني إلى أن ~~أفكر في أي شيء إلا التفكير في تصفح الأوراق. # وخطرت لي شطانوف، لماذا لم أتذكر أن جدي الأكبر طالما حدثني عنها، ~~وطالما ذكرني أن لنا هناك أقرباء، وأن جدي الأعلى غادرها في أيام القحط، ~~واستقر في بلدنا، ولماذا لا يكون السلطان حامد قد أقام فترة في شطانوف في الزمن ~~القديم، ولماذا لا أكون من أحفاده؟! # وقلت أرحم نفسي وأقرأ الخطاب. # ولكني وجدت الصفحات مكتوبة بالفرنسية وأن محصولي فيها ضعيف؛ ولذا أسرعت إلى ~~أحد الأصدقاء الضليعين فيها، واشتركنا في ترجمته، وهكذا كانت بدايته: # الخطاب رقم 10 # هذا هو الخطاب الأخير في المجموعة، وإن كان بعض الناس يعتقدون أنه لم يكن ~~الأخير، وأن الأستاذ كليمان أرسل بعده خطابا إلى صديقه المسيو دي روان ولكن ~~الصديق مزقه عقب قراءته لسبب لا يزال مجهولا. # أما مصير روجيه كليمان بعد كتابته هذا الخطاب فليس معروفا على وجه الدقة، ~~ومع أن بعض الثقات يؤكدون أنه عاد إلى فرنسا في أخريات أيامه حيث ~~وافاه الأجل، فإنني شخصيا ضد هذا الرأي. # س. مارتان # وها هو الخطاب: # القاهرة في 20 يونيو سنة 1801 # عزيزي جي # لا زلت لا أعرف إن كان خطابي الأخير قد وصلك أم ضل الطريق إليك، ولا ~~أعلم إن كنت قد كتبت ردا عليه وفقد هو الآخر، أم أنني لا أزال سيئ ~~الظن ms096 بمصلحة بريدنا الموقرة. # على العموم، وسواء ألقي خطابي هذا مصير سابقه أم وصلك سالما، ~~فإنني أحس أني لا بد أن أكتب لك، حتى ولو كنت متأكدا أنه لن يصلك، فهناك ~~أشياء كثيرة تحدث داخل نفسي، وأريد أن أفضي بها لصديق، فكما تعلم أنا لا ~~أجرؤ على أن أهمس لأحد هنا بما يدور في خلدي، أعلم أنك ستسخر مني ~~كعادتك، ولكن، أرجوك حاول أن تفهمني، فالناس هنا لا يريدون. # طلبت مني في خطابك الذي أرسلته منذ أكثر من ستة شهور أن أحدثك عن مصر ~~والمصريين، وذلك الشعب الذي يحيا على ضفاف النيل، ومشكلتي يا صديقي العزيز، هي ~~هذا الشعب! # إنني أعترف لك أنني لم أكن هكذا يوم جئت، أنا - كما تعلم - حياتي هي ~~فرنسا، وقد اشتركت في حمل جمهوريتنا على أكتافي، كنت وأنا أضع قدمي على أرض ~~مصر أحس أني مقبل على بلاد أفريقية مظلمة، أحمل لها شعلة الحضارة ~~وأذيقها طعم الجمهورية التي تنهل منها بلادي، فإذا بي اليوم، ماذا أقول؟! ~~لقد شاهدت القوى الخارقة بعيني يا روان، لقد مسني سحرها ولكنك لن ~~تفهم، لن أجد أحدا في العالم، عالمكم، يفهم ما أعني، فلماذا أتعب يدي ~~وقلمي؟! # حسنا، سأصنع كما يصنع مرشدو الآثار، وسأحدثك عن مصر، فأظن أن الحديث في ~~هذا هو الذي يستهويك، المصريون يا صديقي ليسوا كما تقول، فهم لا يرقصون حول ~~النيران في الليل، وحريمهم أبعد عن حريم ألف ليلة وليلة، وهم غير المماليك، ~~وأظنك لا تعلم هذا، والمماليك انتهينا منهم أو من أمرهم في أولى جولاتنا ~~معهم، جاءوا في صف طويل يرتدون الملابس الحريرية الهفهافة ويركبون الخيل ~~المطهمة وخلف كل منهم عبد أسمر يجري، جاءونا كدون كيشوت، شاهرين سيوفهم ~~ويصرخون فينا أن نخرج لهم لتدور بيننا وبينهم الحرب ويبدأ النزال. # وكانت إجابة الجنرال (يقصد نابليون) عليهم حاسمة، فقد أطلق عليهم مدفعيته ~~في الحال. # وطبعا سقطوا يتخبطون ويصرخون ويلعنون نذالة «الفرنسيس» ويترحمون على زمن ~~الشجاعة والإقدام. # وبعد معركة أو معركتين كنا قد انتهينا منهم كما قلت لك. # أما ms097 المصريون، فبعضهم يسكن القاهرة والمدن، ومعظمهم يزرعون الأرض ويسكنون ~~قرى سوداء مبنية بالتراب في الأرياف واسمهم الفلاحون. # وآه من هؤلاء الفلاحين يا جي! # إذا رأيتهم عن قرب، ورأيت وجوههم التي تبتسم لك في طيبة وسذاجة، وأدركت ~~خجلهم الفطري من الغريب، ربما يدفعك هذا إلى الاستخفاف بهم وتعتقد أنك ~~لو ضربت أحدهم على قفاه لما جرؤ على أن يرفع لك وجهه، ولتقبل الإهانة بكل ~~سعادة وخشوع. # حذار أن تفعل شيئا كهذا يا جي! # فقد حاول الجنرال وكليبر وبيلو ذلك وندموا. # لا أحد يستطيع أن يسبر غور هؤلاء الناس، تلك القبيلة ذات الملامح ~~المتشابهة التي هبطت ذات زمان بعيد إلى وادي النيل، وآلت على نفسها ألا ~~تتحرك من مكانها أو تتفتت، القبيلة التي تعلمت أن تحني رأسها ~~لعاصفة الغزاة ثم تمضغهم على مهل، القبيلة التي تسكن واديا مفتحا من ~~كل الجهات تستطيع بأي جيش صغير أن تغزوه، والمشكلة ليست في الغزو أبدا، ~~المشكلة ما يحدث بعد الغزو. # وأتحدى التاريخ أن يثبت أن غازيا دخل هذه البلاد واستطاع أن ~~يغادرها سالما، لديهم آلة عجيبة، هؤلاء الفلاحون، يستعملونها لطحن ~~الحبوب، حجر كبير يدور فوق حجر كبير ويوضع الحب من فوق سليما ليخرج من بين ~~الحجرين أنعم من الدقيق. # لقد وجدنا الأتراك هنا قد أصبحوا دقيقا من أزمنة طويلة مضت، وكان المماليك ~~في طريقهم إلى نفس المصير، لست أدري أين تكمن قوتهم، ولا كيف تتم تلك ~~العملية؟! ولكن المؤكد أنها تتم. # وقصة حامد، لا أقول: إنها توضح ما أريد، ولكن فسرها إن كنت تستطيع، ~~لقد جئت هذه البلاد عدوا، ولن أخدع نفسي وأقول - مثلما يقولون كلهم هنا ~~- إنني جئت لأحرر المصريين من المماليك، جئت عدوا يا صديقي، جئنا كلنا ~~عدوا قويا مسلحا بأحدث ما وصلت إليه أوروبا من مخترعات وآلات دمار، ~~جئنا غزاة قادرين، فإذا بنا اليوم في ورطة، وإذا بمشكلتنا هي كيف ننتزع ~~أرجلنا لننجو بأنفسنا من طمي هذا البلد وأناسه الذي نحس بأنفسنا نغوص ~~فيهم ونختفي. # ولا أزعم أني سأحسن الحديث عنهم، فليس ms098 في استطاعتي أن أفعل شيئا كهذا، ~~سأحدثك فقط عن حامد؛ فمنذ شهور كثيرة وهو الموضوع المفضل للحديث بيننا حين ~~نملك الحديث، ويكفي أن تعلم أن القيادة قد أصدرت أمرا غير مكتوب ~~بمنع الحديث عنه. # وحامد هذا ليس زعيما من زعماء المصريين، بل إنه إلى شهور قليلة لم يكن ~~أحد يهتم بحامد هذا أو يقيم له وزنا، فقد كان أحد فلاحي قرية شطانوف ~~الواقعة بين فرعي النيل، وأظنك لا يمكن أن تعتقد أن اسم شطانوف هذا اسم ~~فرنسي، ولكنه كذلك، فالقرية كان اسمها في الأصل كفر شندي وكان بجوارها قلعة ~~قديمة من قلاع المماليك، وحين غزونا الدلتا، وطردنا المماليك، هدمنا القلعة ~~القديمة وبنينا أخرى جديدة بخامات محلية وأسميناها شاتو نيف (أي القلعة ~~الجديدة)، وكذلك غيرنا اسم البلد وسميناه باسم القلعة، ولا تحسبني ~~أسخر حين أقول إن هذا كل ما صارت إليه رسالتنا تجاه بلاد أفريقيا المظلمة، أن ~~نغير اسما باسم، ولكن الفلاحين غيروا فيما غيرنا، بطريقتهم الخاصة، ~~فأطلقوا على القرية اسم شطانوف بدلا من شاتو نيف! # حامد كان من فلاحي هذه القرية الذين يزرعون الأرض، ويصلون لله في الجامع، ~~وظل هكذا إلى أن جاءت قواتنا وعسكرت في القلعة الجديدة، وكانت القوات ~~بقيادة الكولونيل بيلو الذي عانقته وأنت تودعني في مارسيليا، أتذكر؟ ~~والقلعة كانت بالغة الأهمية إذ كانت نقطة ارتكازنا الرئيسية في الدلتا ~~كلها، وكانت في الوقت نفسه قاعدة تخرج منها الدوريات لتفتيش المنطقة ~~بانتظام. # وكانت سياسية بيلو منذ أن حل في القلعة أن نتجنب مضايقة الفلاحين أو ~~التحرش بهم حفظا لسلامة القاعدة، وليس لأننا أصدقاء المصريين، كما كان ~~يحاول الرجل الطيب أن يفهم الفلاحين، ليس هذا فقط، بل كانت سياسة الجيش ~~عامة أن يحاول التقرب من الوطنيين ويوطد علاقته بهم. # ولم نستفد شيئا من إقامة أمثال هذه العلاقات؛ إذ كلما حاولنا أن ~~نتقرب منهم ازدادوا نفورا، وكلما حاولنا إفهامهم أننا أنقذناهم من ~~ظلم المماليك نظروا إلينا طويلا وكادت نظراتهم تقول: جئتم لتنقذونا من ~~المماليك، وجاء المماليك لإنقاذنا من الأتراك، وجاء الأتراك ms099 لإنقاذنا من التتر، ~~وجاء التتر لإنقاذنا من الخليفة ، وجاء الخليفة لإنقاذنا من البطالسة، وجاء ~~البطالسة لإنقاذنا من الإغريق ... لماذا تخصونا بشهامتكم أيها ~~السادة؟! # وما أقسى نظرات هؤلاء المصريين حين يوجهونها إلى عدو غريب، إنهم، بينهم ~~وبين أنفسهم، يعاملون بعضهم كالديوك، طول النهار لا يتحدثون إلا شتائم، ~~هناك أكثر من مائة لقب للأب تبدأ من المركوب وتمر بكل ما يلبس في الأقدام، ~~وتغطي المملكة الحيوانية حتى الخنزير، وأي مكان في جسد الأم ممكن أن يصبح ~~مادة للشتائم شعب ثروة شتائمه لا تجدها عند أي شعب آخر، ولا يتكلمون إلا ~~زعيقا ومع هذا فليجسر غريب، أي غريب، ويحاول أن يلمس أحدهم، ما إن يحدث ~~هذا حتى تحدث المعجزة، وإذا بهم يواجهونه وقد نسوا كل ما كان بينهم من شتائم ~~وخلافات. # وكنا دائما نحس بنظراتهم تكاد تلتهمنا، وما أقسى أن تعيش بين شعب لا ~~يحاول أن يخفي عداوته! وهكذا ظلت الهوة تتسع حتى حدث عصيان القاهرة ~~الذي حدثتك عنه، ومنذ ذلك الانفجار وأعصاب قواتنا في انهيار مستديم. # ورغم تعليمات بيلو وتنبيهاته اليومية، فقد فقد أحد جنودنا المعسكرين في ~~شطانوف أعصابه ذات يوم وأطلق النار على فلاح كان يتتبعه بنظراته، ~~فقتله. # وأحدث هذا العمل أسوأ الأثر في القرية. # وذهب الفلاحون الغاضبون بزعامة شيخ البلد لمقابلة الكولونيل بيلو، ولم ~~ينتظر الرجل، وذهب لمقابلتهم عند الباب، وطلبوا منه أن يقتل القاتل ~~أمامهم، فحاول بيلو أن يقنعهم أن القاتل سيحاكم وأنه سيلقى ~~جزاءه، ولكنهم أصروا على أن يختار بين أمرين، إما أن يقتل القاتل أو ~~يسلمه لهم لكي يقتصوا منه، ورفض بيلو كلا الأمرين، وأمر الأهالي ~~بالانصراف. # وصدعوا للأمر وانصرفوا. # ولكن في اليوم التالي قتل أحد جنود القلعة وهو في طريق عودته ~~إليها. # وذهب بيلو على رأس قوة كبيرة وقبض على شيخ البلد وأحضره إلى القلعة، وطاف ~~مناد في القرية يقول: ما لم يسلم القاتل نفسه قبل مغيب الشمس فإن شيخ ~~البلد سيعدم رميا بالرصاص. # وقبل مغيب الشمس توجه للقلعة أحد الفلاحين وقال: إنه القاتل وطلب الإفراج ms100 ~~عن الشيخ، وأخذ بيلو الموضوع كله ببساطة، وقرر أن يشنق الفلاح بعد ~~محاكمته على مرأى ومسمع من الفلاحين ليعتبر غيره بمصيره. # وكان هذا أسوأ قرار اتخذه بيلو في حياته. # ففي اليوم التالي، سيق المتهم إلى ساحة القرية الرئيسية، وجمع كل من ~~وجد في القرية من أهلها وأوقفوا في الساحة ليشهدوا المحاكمة، وتكونت ~~المحكمة من بيلو رئيسا، والماجور لاسال والسير جنت جان بروميرجر عضوين، وكان ~~هناك ممثل اتهام، أما الدفاع فلا تدهش إذ قمت أنا به، ذلك أنني كنت قد ~~وصلت في ذلك اليوم بالذات لأقضي بضعة أيام في ضيافة بيلو، ولأدرس حياة ~~الفلاحين عن كثب. # وكل ما كنت قد عرفته عن المتهم أن اسمه حامد، وأنه لا يختلف عن بقية ~~الفلاحين في المظهر أو الشكل، كل ما يميزه أنه كان طويل القامة، طويل ~~الأنف، واسع العينين، إصبع يده اليسرى البنصر مبتور، وعلى وجنتيه عصفورتان ~~موشومتان لتقوية بصره كما قال لي الترجمان، وطبعا لم أكن أريد أن أشترك في ~~هذه المهزلة، ولكن صديقي بيلو ألح علي لأؤدي هذا «الواجب» باعتباري ~~الوحيد الموجود الذي يحمل دكتوراه في القانون. # وطبعا كانت مهزلة، الفلاحون جالسون وواقفون في الساحة ينظرون لنا نظرات، ~~كلغتهم، لا نفهمها، والمحكمة تتبادل التعليقات الساخرة بصوت مرتفع، وثمة مترجم ~~ركيك لا يجيد العربية ولا حتى الفرنسية. # وجاء دوري لأدافع عن المتهم، ولست أدري ماذا كان رأي بيلو في دفاعي ~~الذي بدأته بالحديث عن الثورة الفرنسية وشعاراتها المقدسة التي قامت من ~~أجلها؛ الحرية والإخاء والمساواة، كم كان مضحكا أن أتفوه بها في ساحة ~~شطانوف، والحكم صادر ولا ينقصه سوى التنفيذ! # ولحسن الحظ ولسوئه أيضا، لم يتح لي أن أكمل مرافعتي، فقد هجموا ~~علينا، لم نكن ندري من أين جاءوا، ولكن امتلأت الساحة بتلك العصي اللعينة ~~التي يسمونها النبابيت وبالحناجر المتوحشة الرهيبة التي تصرخ: لهكبر لهكبر، ~~ولن أحدثك عن الرعب المجنون الذي انتابنا محكمة واتهاما ودفاعا ~~وحراسا، فقد كنا لا نزال نعاني من فوبيا الفلاحين التي تكونت لدينا، ~~فقد حدث بعد الاستيلاء على ms101 القاهرة أن أرسل نابليون جيشا بقيادة مارتن ~~ليحتل المنطقة الشرقية من الدلتا، وخرج الجيش في الفجر، وما انتصف النهار حتى ~~كانت قواته عائدة في حالة يرثى لها، الجنود يرتجفون وعيونهم تنطق بالرعب ~~المجنون، وملابسهم في حالة تمزق كامل، وكل منهم يروي قصة مختلفة غريبة ~~عن قوم متوحشين خرجوا عليهم مسلحين بالنبابيت والعصي والفئوس والمناجل ~~وكانوا يصرخون كأكلة لحوم البشر وتخرج صرخاتهم كالرعد وهي تردد: لهكبر ~~لهكبر (ومعناها أن الإله أكبر من كل الأعداء) وجنودنا كما تعلم هم صفوة الجيش ~~الفرنسي المختارة، الصفوة التي فتح بها قائدنا العظيم نابليون النمسا وإسبانيا ~~وبولندا وانتصر بها في سالزبورج وإيطاليا، الصفوة التي شتتت المماليك ~~الشجعان الأقوياء في معركتين، تصور هذه الصفوة المسلحة بالبنادق ~~والمدافع تواجه قوة مسلحة بالعصي والمناجل فتفر مفزوعة هالعة لا ~~تملك حتى أن تطلق بنادقها أو تتجمع صفوفها «ولماذا أخفي عليك أن ~~بعض جنودنا تبولوا على أنفسهم من شدة الرعب؟!» ولم يستطيع أحد أن يفسر ~~هذه الظاهرة أبدا، وهل هي راجعة لوحشية هجوم الفلاحين أو لأسباب أخرى غير ~~معلومة. # وكانت لهذه الحادثة نتائج رهيبة، فقد كان لرجوع جنود مارتن بهذا الشكل ~~الدرامي أسوأ الأثر على الروح المعنوية لجيشنا كله. # ومنذ ذلك التاريخ أصيب جنودنا بمرض الخوف من الفلاحين إلى درجة جعلت أحد ~~أطباء الجيش يطلق على هذه الحالة: «فلاحين فوبيا». # غير أن هذا المرض بدأ يزول تدريجيا حين تم لنا الاستيلاء على مصر، ~~ورأينا الفلاحين عن قرب ولم نجدهم متوحشين ولا من أكلة لحوم البشر، ~~وجدناهم حين عرفناهم طيبين جدا، ومسالمين، ويخجلون من الغرباء، ولكنهم ~~مطيعون، وأحيانا كنا نجدهم ساذجين، حتى ليخيل للواحد منا أنه لو صفع ~~أحدهم لما احتج ولما غضب، ولم نكن نستطيع أن نصدق أنهم هم الذين افزعوا ~~قوات مارتن حتى أحالوها إلى قطيع من الحيوانات المذعورة التي تبحث عن النجاة ~~بأية طريقة. # ما كدنا نرى هذه العصي الرهيبة التي يسمونها النبابيت ونسمع: ~~«لهكبر» هذه حتى جرينا كلنا إلى القلعة لنحتمي بها، ولم تحدث في هذا ~~اليوم خسائر، ms102 كنا فقط قد خسرنا المتهم؛ إذ كانوا قد استطاعوا في غمرة ~~الارتباك الشديد الذي حدث أن يهربوه، وتولى بيلو غضب جامح، وجمع قواته ~~في فناء القلعة، وألقى عليهم خطابا يفيض بالتأنيب والتوبيخ، وقال لهم إننا ~~سنخرج كلنا من القلعة ولن نعود حتى نكون قد قبضنا على حامد هذا وعلى عشرة ~~غيره! # وتركته هو يواصل جهوده المظفرة، أما أنا فقد أخذت طريقي عائدا إلى ~~حفرياتي في منطقة الهرم، ولكن أخبار ما حدث بعد هذا كانت تصلنا من ~~القاهرة باستمرار، ولم أعرفها وحدي، كان الجميع يعرفونها. # فقد خرج بيلو على رأس قوة القلعة كلها وحاصر شطانوف، وفتش كل ~~المزارع التي حولها، وفتش كل البيوت ولم يعثر على حامد، فقبض على شيخ ~~البلد وعلى عشرة من الأهالي، ونادى المنادي أيضا بأنه ما لم يظهر حامد ~~فسيعدمهم، ولكن الشمس غابت ولم يظهر حامد، وخاف بيلو إن هو أطلق ~~النار على الفلاحين الأسرى أن يزداد الشغب، فأعطى أهالي شطانوف مهلة أخرى، ~~ولما لم يظهر حامد غضب بيلو وأطلق النار على شيخ البلد، واحتفظ ~~بالباقين أحياء. # وكان لإعدام شيخ البلد دوي شديد في شطانوف والبلاد التي حولها، وسرت ~~إشاعة تقول إن حامد الفلاح أقسم أنه سوف يقتل بيلو انتقاما ~~للشيخ. # ولكن بيلو لم يكن بالرجل الذي يخيفه التهديد، فقد استمر يخرج على رأس ~~الدوريات التي تبحث عن حامد، ولكنه خرج مرة وعاد محمولا على حصانه ~~وجسده ممزق بالثقوب. # ولم ينم الجنرال ليلتها وأمر بتسيير القوات التي كانت تعسكر في ~~شبراخيت إلى شطانوف، وعهد بالقيادة إلى الجنرال كليبر نفسه، وكانت مهمة ~~القائد الجديد هي التنقيب في منطقة شطانوف وما حولها بحثا عن حامد هذا، الفلاح ~~ذي الإصبع البنصر المبتور، والعصفورتين الموشومتين على وجنتيه. # ولم يكن الهدف من القبض على حامد هو إعدامه لرد اعتبار جيشنا فقط، ولكن كان ~~الهدف هو القضاء عليه نفسه؛ إذ إن قتله لبيلو أكسبه شعبية هائلة في ~~القرى المجاورة، وشعور الفلاحين لنا باعتبارنا كفارا وأجانب وأعداء قد ~~بدأ يتبلور حول شخص حامد هذا، ms103 خاصة وقواتنا كانت لا تراعي المجاملة في ~~الاستيلاء على الأطعمة وعلى الخيول بلا مقابل. # وضع كليبر خطة دقيقة حاصر بها منطقة وسط الدلتا كلها حتى أصبح وقوع حامد ~~متوقعا بين يوم وآخر، ولكنا يا صديقي كنا نواجه قوما غريبين لا ~~نعرفهم، فقد وجد كليبر نفسه هو المحاصر وسط السحنات المتشابهة المتفاهمة ~~التي لا تستطيع أن تعرف ما يدور خلف جبهاتها أبدا. # وكانت العلامات المميزة لحامد معروفة بالوشم على وجنتيه وإصبعه البنصر ~~المبتور، فانظر ماذا حدث! # جميع حقول الذرة تركت بلا حصاد، وانتزعت منها ثمراتها وهي واقفة، ففي ~~أرض مصر المستوية لا يمكن الاختفاء والاحتماء إلا في حقول الذرة، تلك الحقول ~~التي يمكن أن يكون بينك وبين الشخص أمتار قليلة ولا تراه، وعرف كليبر عن طريق ~~العيون الكثيرة التي يستخدمها أن كل قرية في الدلتا قد أعدت لحامد بيتا ~~وزوجة! وكانت الأنباء تجيء أن حامد سيكون في قرية كذا في يوم كذا وتهاجم ~~القوة الفرنسية القرية وتحاصرها حصارا لا تفر منه إبرة، ومع هذا تجد ~~حامد ينزلق من بيت إلى بيت حتى يصل إلى حافة القرية ويبتلعه حقل ذرة قريب، وكان ~~كل من يعثر عليه وعلى وجنتيه وشم العصفورتين أو بنصره مقطوع يقبض عليه ~~فورا، ولكن لوحظ أن عدد المقبوض عليهم يزداد بكثرة شديدة، وبعد البحث ~~اتضح أن الفلاحين - لكي يخفوا حامد بعلاماته المميزة، رأوا أن ~~يرسم أكبر عدد منهم وشم العصافير على وجناته ويقوم ببتر بنصره ~~الأيسر، حتى لا يصبح ممكنا أن تميز حامد من بينهم، وبعد أن كان وشم ~~العصافير على الوجنات علاجا لتقوية البصر، أصبح عادة شعبية، وبتر الإصبع ~~البنصر أصبح مجال تنافس بين رجال القرى وشبانها ومرتبة من مراتب الشجاعة ~~والبطولة، وكان لا بد أن يحدث ما حدث يا صديقي، فشيئا شيئا بدأت عصابات ~~صغيرة تتكون من مبتوري البناصر وواشمي العصافير، وتهاجم وتقطع الطريق على ~~قواتنا، وتغتال أفرادها، وكان أفراد هذه العصابات يسمون أنفسهم أولاد ~~حامد، وأطلقوا على حامد اسم حامد الأكبر، ثم سموه حامد السلطان (والسلطان ms104 ~~هنا علامة للتبجيل الشديد)، وبدأ اسم حامد يزعج كليبر بشكل رهيب كلما ~~مرت قواتنا في قرية صرخ وراءها الأطفال: «حامد حامد!» وكان المؤذنون ~~الذين يستدعون الناس للصلاة في المساجد (أناس يقابلون أجراس الكنائس عندنا، ~~ولكن بدلا من أن تدق يؤذن الشيخ) كانوا يقولون في آخر الأذان: «انصرني ~~يا رب على أعدائي فإني لك حامد»، وكانت قواتنا حين تمسكهم يقولون: ~~إننا فقط نردد كلام الله وكلام القرآن، وأصبحت عملية القبض على حامد ~~مستحيلة، وعملية حصار وسط الدلتا لا فائدة منها، كان الرجل قد ذاب في الأجساد ~~الخشنة التي تبدو ساذجة، وأصبح المهم هو ألا يقضى على شخص حامد، ولكن ~~المهم هو القضاء على اسمه الذي أصبح كالتميمة والسحر، بل أصبح أخطر من كل بنادق ~~جيشنا، فقد كان الفلاحون يطلقونه على قواتنا أنى رأواها، واسم كهذا إذا ~~اتفق قوم كهؤلاء على ترديده وإطلاقه على آذان قواتنا كل يوم وكل لحظة ~~وبشكل مستمر، يصبح أثره أقوى من الرصاص على معنوية قواتنا؛ ولهذا فكثيرا ~~ما كانوا يفقدون أعصابهم ويبكون أو يقتلون من يكون أمامهم من المصريين، ~~وكلما قتل واحد منهم قتلوا واحدا منا. # وغزا اسم السلطان حامد كل أنحاء الدلتا، ثم دخل القاهرة وانتشر بين أهلها ~~انتشارا جنونيا حتى أصبحوا في حلقات الذكر يقولون بدل «يا سلطان حامد»: «مدد ~~يا سلطان!» ثم غزا الاسم مصر العليا، وتكونت فرق أولاد السلطان حامد في ~~كل مكان، وتلفت أعصابنا يا صديقي من هذا الاسم، كان العمال الذين ~~أستخدمهم للحفر كلما تحدثوا لا يقولون إلا حامد، وأحيانا كانوا ~~يتكلمون بغيرها ولكني لا أشك لحظة في أنهم يقولون شيئا آخر غير: حامد حامد ~~حامد. # ووصلنا إلى مرحلة لم نعد نحتمل فيها سماع هذا الاسم بالمرة، وكم ~~استسخفت إيمانهم بحامد هذا! كانوا في نظري كالأطفال حين يمسكون شيئا، ~~وكلما حاولت أخذه ازدادوا استمساكا به. # ولكن مهما كان استخفافي بهم وبإيمانهم، فقد كنت أعجب بهم بيني وبين نفسي، ~~فتصور، كلمة واحدة مثل حامد حين تبنوها، كلمة، مجرد كلمة، تحولت إلى ~~قوة ms105 كبيرة مخيفة، يا صديقي لمجرد أنهم آمنوا بها ، إنهم عجيبون هؤلاء الناس، ~~فإيمانهم ليس عن اعتقاد وتفكير، ولكنه عن حب، يحبون الشيء إلى درجة ~~الإيمان، وإن لديهم طاقة حب هائلة يا صديقي، إنهم من كثرة حبهم لبعضهم (رغم ~~الشتائم التي حدثتك عنها) لديهم أنواع غريبة من القرابات فمحمد ابن بنت ~~خالة عمر، وإذا جاءت سيرة واحد أمام أحدهم وقال لك: إنه من نسائبنا، فلا ~~تظن أنه أخو زوجته بل يمكن أن تكون كل القرابة بينهما أن أحد بلدياته ~~متزوج من بلدة الرجل الآخر، إنهم ليسوا شعبا، إنهم كتلة، وكتلتهم كانت قد ~~التفت تماما حول حامد حتى غدا الجنرال - مهما يكن الجنرال - قزما ~~بجواره، وانظر ما حدث! # من شهور قلائل تلقت قواتنا خبرا رقصت له فرحا، أسعد خبر جاءها منذ ~~أن غزت مصر، فقد قتل حامد، تصادف أن كان أحد ضباطنا الذين حضروا ~~محاكمته يمر بداوريته في السوق، ولما رآه أطلق عليه النار في الحال، ولولا ~~أنه فر هو وداوريته في إبان الارتباك الشديد الذي عم السوق، لكانت ~~الجماهير قد أكلتهم بأظافرها وأسنانها. # ولن أحدثك عن الغضب الجامح الذي رج مصر من أقصاها لأقصاها، ولا نتيجة ~~هذا الغضب، ويكفي أن كانت إحدى نتائج مصرعه أن حرقت قلعة شطانوف بكل ~~ما فيها، وثارت القاهرة للمرة الثانية، وأعلن المماليك استقلال الصعيد وأصبح ~~الوضع من الخطورة بمكان، وكثيرا ما رأيت في أحلامي أيامها أننا نذبح ~~كلنا على قارعة الطريق، كنا نحيا فوق قمة بركان نخاف أن يفتح فاه الضخم ~~ويبتلعنا. # وما كادت قواتنا تتنفس الصعداء - رغم كل الاعتداءات التي حدثت - ~~بعد مصرع حامد السلطان حتى جاءتنا أنباء لم نكن ننتظرها، فالفلاحون لم ينقلوا ~~حامد من المكان الذي لقي فيه مصرعه أبدا، ظل في مكانه لا يمسه أحد، ~~وفي ظرف ثلاثة أيام كانوا قد بنوا فوقه ضريحا ذا قبة عالية. # والذي جن له كليبر أن الناس بدءوا يفدون لزيارة الضريح في جموع لا ~~يحصى لها عدد، تتوافد كل يوم وتلتقي حول الضريح كما تتجمع جيوش ms106 ~~النمل حول كسرة الخبز، جن كليبر لأنه أدرك أن قتل السلطان حامد لم ~~يغير شيئا، كل ما حدث بعد أن كان حامد اسما تتناقله الأفواه أنه أصبح ~~حقيقة لها مكان وفوقها قبة عالية، تصور حين يصبح الشخص بموته أكثر خطورة من ~~كل ما كانه أثناء حياته، وتصور الجماهير الغفيرة حين تأتي من أماكن بعيدة ~~ساحقة البعد، فقط لتزور ضريح ميت، حتى ولو كان قاتله أحد الفرنسيين! # ماذا كان حامد هذا قد فعل ليتجمعوا حوله بتلك الطريقة المذهلة؟! وهل لأنه ~~قتل فرنسيا انتقاما لمصرع زميله الفلاح يرفعونه إلى درجة كبيرة من ~~التقديس؟! # أم لأنه تحرك في وقت كانت الناس في حاجة لأن ترى فيه واحدا يتحرك كي ~~تنطلق من عقالها وتندفع في كل اتجاه؟! # قلت لأحد العمال الذين يعملون معي: «هل تحب السلطان حامد؟» ~~- «أحسن من أولادي!» ~~- «هل أنت مستعد أن تموت من أجله؟» ~~- «لا أموت مرة واحدة، أموت مرات من أجله!» ~~- «لماذا؟!» ~~- «لماذا؟! هذه مسألة لا يصح فيها السؤال.» ~~- «هل تعرف عنه شيئا؟» ~~- «كل ما أعلمه أنني مستعد أن أفديه بروحي.» ~~- «من هو السلطان حامد يا محمد؟» ~~- «يكفي أنه مات شهيدا!» ~~- «ولا شيء غير هذا؟!» ~~- «لا شيء غير هذا!» # لقد جئنا نغزو هؤلاء القوم بتفوقنا، بمدافعنا، وموسيقانا النحاسية، ~~ومطبعتنا، وتفاعلات كيميانا، ولكن، أنى لنا بقدرتهم الخارقة على التكتل ~~والحب والبقاء؟! أنى لنا بإيمان كهذا؟! أنى لنا بالقدرة على أن نكون ~~أفرادا إذا أردنا، وكتلة واحدة حين نريد؟! # ممكن أن نكون قد أدهشناهم بحضارتنا، ولكن، صدقني لقد روعوني ~~بحامدهم. # ومسكين جنرال كليبر! # فقد كانت أنباء زيارات الآلاف للضريح تقلقه وتجعله يكثر من ~~ابتلاع سلفات المانيزيا، وكل ما فعله بقتل السلطان أن أوجد أمام المصريين ~~شيئا ملموسا يجتمعون حوله، ويرددون اسمه في صيحات صاخبة تجلجل تحت قبة ~~السماء. # وكان أولاد السلطان حامد قائمين بنشاطهم الحاد على قدم وساق، فكان ~~الناس يقبلون لزيارة الضريح وهم لا يعرفون لماذا هم مقبلون! ويعودون وهم ~~يعرفون كل شيء عن الحرب التي دارت بينه وبين الكفرة، وعن ms107 قتله غدرا ~~ومصرعه، وعن الانتقام. # ولم ينتظر كليبر حتى ينفجر البركان، فقد هاجم الضريح بكل قواته ~~وهدمه، وانتزع الجثة من مكانها، ولم تكد تمضي على وفاتها أيام، ~~وألقاها في النيل. # وما كاد يستقر في ثكناته حتى كانت الجثة قد استخرجت من الماء ~~بطريقة غير معروفة، وحتى كان قد اختير لدفنها مكان قرب الشاطئ، وحتى كان ~~قد بدئ في بناء ضريح آخر فوقها، وفي أيام كانوا قد انتهوا من إقامة ضريح ~~بدا أكثر ضخامة من الضريح الأول، وقبل أن يتم البناء، كانت جماهير الفلاحين ~~وسكان المدن قد عرفت مكانه، وبدأت تفد بالآلاف المؤلفة إليه. # وقال كليبر لأركان حربه: إن عليهم أن يقضوا على هذه الخرافة قبل أن تقضي ~~هي عليهم، وتشاوروا طويلا فيما يفعلونه، ولو لم يكن كليبر كاثوليكيا ~~لوافق على حرق الجثة، ولكنهم وجدوا حلا وسطا في تقطيعها قطعا صغيرة ~~وذرها في أنحاء البلاد، وليبحث المصريون حينئذ عن إله آخر يؤمنون به، ~~أو خرافة أخرى يتمسكون بها ويتشبثون. # وفي الليل، وكان لا يمكنهم تنفيذ شيء كهذا إلا تحت جنح الظلام، تسلل ~~الجيش الجمهوري إلى ضريح السلطان حامد، وسرق الجثة، وقطعها، ووزعت على ~~فرق مضت تبذرها في طول البلاد وعرضها، ونام كليبر ليلتها أعمق ~~نوم. # ولكي أكمل لك القصة لا بد أن أضيف، أن كليبر نام نومه العميق ذاك ~~لليلة واحدة فقط، فقد بدأت الأنباء تترى بعد هذا بأن المصريين قد ~~بدءوا يقيمون ضريحا فوق كل مكان سقطت فيه قطعة من جسد السلطان. # وبعد أن كانت مشكلة كليبر سلطان حامد واحد، أصبح لديه الآن مئات السلاطين، ~~كل سلطان منهم تفد إليه الآلاف المؤلفة من الجموع، وتلتف حوله، ~~وترتج السماء بذكر اسمه، ويتخذه أولاد السلطان مركزا للنشاط. # وهل تلومني بعد هذا حين بدأ أمر السلطان حامد يشغلني إلى درجة دفعتني أن ~~أستبدل ثيابي الأوروبية بثياب وطنية، وأذهب لزيارة واحد من مئات الأضرحة ~~المقامة له لأعرف سر هذا التعلق به وأعرف لم وقع اختيارهم عليه ليرفعوه ~~إلى مصاف الآلهة! # لقد فعلت وكان ذلك ms108 بالأمس؛ إذ كان يوم الخميس، يوم زيارة الضريح ، يوم ~~يقبل الآلاف من أركان الأرض البعيدة وعليهم غبار الحقول ولفحة الشمس ~~ليلتقوا عند صاحب المقام، وما أغرب ما رأيت! ازدحام هائل وكأنه يوم الحشر! ~~ورجال كثيرون في ثيابهم البيضاء المتسخة، ونساء كثيرات في أرديتهن السوداء، ~~وأنوار كثيرة، أنوار المشاعل وأنوار الشوارع وأنوار لا تدري مصدرها، وكأنها ~~تتولد من زحمة الناس، ودفوف كثيرة تضرب فينخلع لها القلب، وجباه يلمع ~~فيها العرق، وعيون غامضة متطلعة، وأيد تلوح، وعشرات الآلاف من الحناجر ~~تخرج عشرات الآلاف من النداءات المبحوحة المستغيثة الآمرة: يا سيدي حامد، ~~كلمة واحدة مكونة من ملايين الكلمات الخارجة من الصدور المتضاغطة، كلمة ~~كبيرة ضخمة تتجمع فوق الضريح كسحابة مقدسة من موسيقى ضوئية راجفة تهتز ~~وتنبسط على قرع الدفوف. # وأدركت أن ما تحت قبة الضريح ليس هو المهم، المهم هو الأجساد الخشنة ~~الغليظة الملتفة حول الضريح، المهم هو النداء الواحد الصادر عن عشرات الآلاف ~~من الأفواه الواسعة الجائعة، المهم هو الوجه الآخر للوحش الخرافي الذي خلع ~~قلوب جنودنا بضربة واحدة من يده، المهم هو ما تفرزه هذه الجموع ويتصاعد ~~منها ويتجمع ويتداخل ويتبلور ويختلط بأضواء المشاعل وأنوار الشوارع وقرعات ~~الدفوف واهتزازات الأجسام! # لقد وقفت مشدوها، يا صديقي، وكأني أرى هذا المزيج الهلامي المعلق بين ~~الأرض والسماء، كأني أرى الإرادة المتجمعة، كأني أرى كل ما لدى الناس من حب ~~وقد ضمته صرخة واحدة، كأن تلك الأجساد الخشنة الملوثة بالطين والتراب ~~تفرز مادة أكثر سموا من الأجساد الحية، أكثر سموا من الحياة، خلاصة ~~الحياة، جماع كل ما هو قادر فيها وقاهر، وجماع كل ما لا يمكن مقاومته، القوة ~~العليا الخارقة، سر الحياة! # وضريح حامد كان هو البؤرة التي تتجمع حولها الإرادات وتلتقي، بؤرة تركز ~~الإرادة في الخلود وتسويها لتصبح إكسيرا سحريا قادرا على تحقيق ~~الخلود، ماذا أقول؟! لقد وقفت خاشعا واجفا أراقب الجموع وهي تفرز ~~الإيمان وتشترك في خلقه لتعود تؤمن به، ويتصاعد النداء الواحد من القلب الواحد ~~فيصبح حين يلتقي بغيره مادة سامية حية ms109 تعود تنسكب في كل قلب، تطهره ~~وتقويه وتغذي فيه روح البقاء! # لقد أحسست يا صديقي، أني أواجه القوى الخارقة، حقيقة أحسست بهذا، ~~أحسست به إلى درجة كادت تدفعني لأن أسجد لها وأطلب المغفرة، أحسست ~~بالإكسير ينسكب في قلبي والنور الموسيقي الراجف يملأ صدري ويمتزج بحناياي ~~فأحس لأول مرة في حياتي بعظمة الحياة وروعة أن نكون بشرا وآدميين نمتلك هذه ~~القدرة المعجزة، قدرتنا على أن نتجمع ليصدر عن تجمعنا ما هو أسمى من ~~حياة كل منا! # لن تدرك ما أعني يا روان! محال أن تدركه من غير أن تراه وتحسه، ~~ومشكلتي أني رأيته وأحسسته! # أنا أكتب لك خطابي هذا من حجرة في القلعة، ومن خلال النافذة ألمح جنودنا ~~يقومون بطوابير الصباح وينظفون البنادق ويستمعون إلى الأوامر ويتسلمون ~~الذخيرة الجديدة ويزيتون المدافع، وها هو البروجي يعزف نوبة الجنرال، وإني ~~أرثي لجنودنا وجنرالهم، ما فائدة البنادق والرصاص؟! ألكي تخضع هؤلاء ~~الناس بقتل بعضهم؟! وما فائدة القتل في قوم يحيون قتلاهم وموتاهم؟! في قوم ~~يخلقون من الميت الواحد مئات الأحياء، ويخلقون لكل حي بعد هذا آلاف ~~الأولاد؟! # إني خائف يا روان، منذ الأمس وأنا أحس بقوى لا قبل لي بها تجذبني ~~إلى هذا الشعب وتهيب بي أن أعرف سره، وسوف أقول لنفسي إنها محاولة للدراسة، ~~ولكن لا تصدقني، فأنا لا أصدق نفسي، إني أقاوم بعنف، إن ثقافتي ~~وتراثي وعقلي تمنعني أن أنجذب إلى كتلهم حين تتجمع، ولكني لم أعد ~~نفسي، لقد غيرت ليلة الأمس أشياء كثيرة داخلي، إني خائف أن تنتهي مقاومتي، ~~خائف أن أنسل اليوم أو غدا وأذهب إلى ضريح من مئات أضرحة السلطان حامد ~~الفلاح المبتور البنصر الذي اشتركت في مهزلة محاكمته، خائف خوف الموت أن أفعل ~~له مثلما كنت أفعل للعذراء في الكنيسة عندنا فأضيء له شمعة وأضعها بجوار ~~شمعات الفلاحين الفقراء لتنير قبره. # وصحيح أن شمعتي لن تكون شيئا بجوار ما يحظى به السلطان من تكريم وتقديس؛ ~~فما هي سوى شمعة واحدة، شمعة من مئات الشموع التي أضاءت وستظل تضيء ms110 مئات ~~أضرحته، مئات الليالي، ومن يدري، ربما مئات السنين! # ولكن لا تعجب إذا أقدمت على هذا اليوم أو غدا أو في مساء قريب، فإني ~~أحس بنفسي سائرا بلا إرادة إلى هذا المصير، أحس بمقاومتي تتلاشى ~~وتنتهي. # روجيه # النجدة يا روان. ms111