######OpenITI# #META# URI: 1412YusufIdris.Haram.Hindawi90960795 #META# Tags: novels #META# ID: 90960795 #META# Title: الحرام #META# AuthorID: 95064085 #META# Author: يوسف إدريس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الحرام‏ # خاتمة‏ # الحرام‏ # خاتمة‏ # | الحرام # | الحرام # تأليف # يوسف إدريس # | الحرام # في تلك البقعة من شمال الدلتا، حيث يمتد التفتيش واسعا عريضا لا يكاد البصر يصل إلى ~~مداه، كانت الدنيا تمر بلحظة السكون التام حين يكون الليل وما فيه من نقيق وصرير قد ولى، ~~وحين لا يكون النهار الكامل بأصواته وضجيجه قد أقبل بعد. سكون تام مطبق وكأنما ستقوم ~~القيامة بعده، سكون جليل مهيب تتردد حتى أدق الكائنات في خدشه، لم يكن يجرؤ على خدشه إلا ~~نصف كرة أبيض كان يغوص في ماء الترعة ثم يطفو ليعود يغوص، محدثا خرخشة تتعالى وتدوي في ~~رحابة السكون. ظل هذا يحدث عددا غير قليل من المرات، ثم حدث أن غاص نصف الكرة مرة وغاب ~~أكثر من المعتاد، غير أنه لم يلبث أن طفا فجأة مخترقا الماء في ضجة عظمى. وهذه المرة وضح ~~أن لنصف الكرة جبهة ما لبث أن وضح أن لها عينين ثم فما، ثم لم يلبث الوجه أن تكامل ~~واستدار الرأس آخذا طريقه إلى الحافة، وكلما تقدم ينحسر الماء عن رقبة، ثم جسد أبيض من ~~الخلف كثيف السواد من الأمام، وقرب الحافة ظهرت الذراعان هزيلتين بالقياس إلى الجسد الضخم، ~~ولكن على بطن الذراع اليمنى وشم فتاة ممسكة سيفا وكتابة لو دققنا النظر فيها لوجدنا أنها ~~لاسم، والاسم هو عبد المطلب محمد البحراوي. # خرج عبد المطلب من الماء، ومع أن المنطقة بأسرها كانت خالية من الأحياء إلا أنه حين ~~أصبح في العراء انثنى على نفسه، وضم يديه يخفي بهما عورته، وبسرعة كان قد ارتدى ملابسه، ~~ملابس كثيرة مهرأة يضمها جميعا «بالطو» سميك مهيب أصفر اللون ذو تاريخ حافل؛ إذ اشترك في ~~الحرب العالمية الأخيرة مع الحلفاء على هيئة خيمة، ثم انتهى كما ينتهي المحاربون القدماء ~~إلى تلك النهاية. # وأخيرا صلى عبد المطلب ركعتي الحاضر والسنة، ولفع البندقية ذات الروحين على كتفه، ومضى ~~على جسر الترعة يخب في نعليه المصنوعتين من كاوتش العربات. # وبينما كان ماضيا في طريقه إلى العزبة الكبيرة، فوجئ عبد المطلب ms001 بجسم أبيض غريب يرقد على ~~جانب من الجسر. وفرح عبد المطلب فهو - ككل الناس - ما يكاد يرى على الأرض شيئا يختلف لونه عن ~~لون الأرض إلا ويعتقد أنه عثر على «لقية»، ويدق قلبه بالفرح. # غير أنه حين بربش بعينيه، وعبد المطلب مع أنه خفير إلا أن نظره على قده خاصة في الضوء، ~~ما كاد يرى الشيء حتى تسمر في مكانه مذعورا ومضى يصرخ: الله حي، الله حي، الله حي. # ذلك أن الشيء لم يكن إلا جنينا حديث الولادة. # دق قلب عبد المطلب دقة عالية واحدة كالطفلة، ثم انزوى يلهث في صدره ويرتجف؛ فهو «صحيح» ~~خفير، ولكن ما يراه أمامه الآن شيء مختلف تماما عن اللصوص وقطاع الطرق؛ ولهذا فقد كان ~~أول ما فكر فيه أن يطلق ساقيه للريح ويجري؛ إذ للوهلة الأولى اعتقد أن ما أمامه عفريت ~~ابن جنية، ما في ذلك شك. # غير أن عبد المطلب لم يجر، بل وجد نفسه بعد ثوان يقهقه قهقهة عالية أعلى من أي قهقهة ~~أخرى أطلقها في حياته؛ إذ كان يضحك على نفسه، فقد أدرك بطريقة ما أن ما أمامه ليس عفريتا أو ~~شيئا من هذا القبيل، ولكنه رضيع ابن حرام على وجه الدقة، وما كاد يتبين هذا حتى قهقه؛ فقد ~~تصور لأمر ما أيضا أن الجنين الذي يراه الآن هو ثمرة لليلة الماضية التي قضاها مع زوجته، ~~ولدته بعد أن غادرها ليستحم في الترعة ويتطهر، ثم ألقت به في الطريق. # كان الخاطر لا معنى له؛ إذ من غير المعقول أن تحمل زوجته وتلد جنينا كاملا في نفس ~~الليلة، ولكنه فكر فيه؛ فالإنسان وهو مرعوب قد يقف عقله ويهرب بجسده، أو قد يحدث العكس ~~فيتسمر بجسمه في مكانه ويهرب بعقله، والعقل في جريانه المفزوع لا يتقيد بأي معقول. # وعلى أية حال لم تطل قهقهة عبد المطلب؛ إذ قطعها عليه إحساسه المفاجئ بالمسئولية، ومع ~~أن البقعة التي وجد فيها الرضيع ليست من اختصاصه؛ إذ هي من اختصاص خفير الجرن، إلا أن ~~بعض الناس أحيانا ms002 لا يكادون يجدون ثمة خطأ حتى يلصقوه بأنفسهم ويحس الواحد منهم أنه هو ~~المسئول عنه، ويبدأ يدافع عن نفسه ليتهرب من المسئولية. وهكذا ظل عبد المطلب واقفا أمام ~~اللقيط يدير في رأسه خطط الدفاع عن نفسه أمام الناس وأمام مأمور التفتيش و- لا قدر الله - ~~أمام النيابة والمحاكم، وبينما عبد المطلب يفعل هذا كان قوس الشمس الأعلى قد بدأ يصفر ويبيض ~~ويجوب الأفق مستكشفا، وحين اطمأن إلى أن كل شيء على ما يرام برزت من ورائه الشمس بحجمها ~~الأحمر الهائل، ومع بروزها بدأت الدنيا تزهزه وتدعو الكائنات إلى اليقظة والعمل، وبدأ أبو ~~قردان يصرخ ويرفرف، وبدأ الناس يظهرون، أفرادا متناثرين أول الأمر قادمين من الجامع بعد ~~الصلاة، أو آخذين طريقهم إلى الترعة يغسلون وجوههم ويستحمون. # ومع زهزهة الدنيا كان عقل عبد المطلب هو الآخر قد بدأت تعود إليه رباطة جأشه وبدأ ~~يتفتح، وكانت فكرة ما قد واتته بعد أن فشل في تخليص نفسه من المسئولية: # لم لا يلقي باللفافة في الترعة ولا من شاف ولا من دري؟ وتردد برهة بعد آه، ولاه، ثم لم ~~يلبث أن تقدم من اللفافة باحتراس زائد. # في تلك اللحظة فوجئ بصوت خشن كفرع السنط يقول: اصباح الخير يا عبده. # وحملق فيه عبد المطلب بعينيه العمشاوين، فقد كان عبد المطلب أبيض أعمش ذا عيون صغيرة ضيقة ~~لا ترى إلا في الليل، حملق فيه وقال جملته المشهورة عنه: إخص ع الناس، الله يكسفم! # كانت كلماته تخرج ملفوفة في سحابات صغيرة من بخار الصبح، وكان القادم «عطية» الذي لا يدري ~~أحد متى جاء إلى التفتيش ولا من أين جاء، ولم يكن له عمل معروف حتى في أثناء إقامته في ~~التفتيش، لا ولم يكن له محل إقامة؛ فهو ينام حيثما اتفق، تراه على الدوام ممسكا ذيل قميصه ~~من الخلف، مظهرا سيقانه الخالية من الشعر، فاتحا عينا مغلقا الأخرى محدقا في محدثه ~~بوجهه النحيف الرفيع الذي لا يطمئن إليه أحد. # ظلت ذرات البخار تخرج من فم عطية لترد عليها ذرات بخار ms003 خارجة من فم عبد المطلب، وأيديهما ~~تشير مرة إلى اللفافة ومرات إلى الترعة والناس والعزبة والسموات العلا إلى أن انضم إليهما ~~الأسطى محمد. والأسطى محمد رجل الحادثات بلا منازع؛ ما من واقعة مهمة تحدث في التفتيش إلا ~~ويكون هو أول من يحضرها، ولا يدري أحد كيف تصل إليه أخبارها، ولكنك حتما سوف تجده. هو عجوز ~~تعدى السبعين ذو لحية نابتة بيضاء وشعر أشيب وعين يسرى لا يرتفع عنها جفنه المغلق على ~~الدوام. كان أسطى ماكينات في التفتيش، وحين كبر على العمل فصلوه، ومع هذا فأحيانا يعهدون ~~إليه بمهام مثل إيقاد الوابور الذي يدير ماكينة الدراس أو السهر بجوار طلمبة مياه، ولكنه ~~على أية حال لا يزال يلقب بالأسطى، ولا يزال رجل الحادثات، ورأيه فيها لا يزال هو الرأي ~~السديد، وهذه المرة ما إن عرف ما حدث، ورنا إلى الجنين بعينه اليمنى حتى قال: ده مش ميت يا عبده، ده مخنوق. # واستنكر عبد المطلب هذا، ولكن الأسطى محمد ما لبث أن أقنعه وهو يشير إلى زرقة الجسد ~~واحمرار ما حول الأنف والفم، طالبا منه أن يخلص نفسه من المسئولية ويبلغ مأمور الزراعة؛ إذ ~~هو الوحيد الذي يمكنه التصرف في أمثال هذه الأمور. # ويبدو أن عبد المطلب اقتنع، فما لبث أن مصمص بشفتيه، وقال: أيوه: أحسن طريقة نبلغ المأمور. # قال هذا دون أن تصدر سحاب بخار عن كلماته، فالشمس كانت قد بدأت تبيض، والأجساد قد بدأت ~~تسخن والندى أخذ يزول. ~~••• # ولا أحد يدري كيف تسرب الخبر إلى العزبة؛ فالثلاثة الواقفون أصبحوا ستة، وما أسرع ما ~~تجمهر حولهم الشغيلة السارحون إلى الغيطان وفئوسهم على أكتافهم وغداؤهم في مناديلهم، وما ~~لبث أن انضم إليهم عمال ماكينة الدراس والمزارعون وبعض الأطفال الذين أيقظهم آباؤهم مجبرين ~~ليزيلوا وخم النوم ويغسلوا وجوههم في الترعة. # حتى النساء كن يتركن ما في أيديهن من عجين أو خبيز أو طين ويسرعن ملهوفات إلى الخليج، ~~ويلوثن الرجال وهن يدفعنهم ويفرقنهم ليرين ما هناك. # كل قادم كان يريد رؤية ابن الحرام هذا ms004 الذي مات لتوه، فإذا ما زاحم وزاحم حتى وصل إليه ~~وحدق فيه وملأ عينيه من البشرة البيضاء التي ازرقت وكادت تسود، والرأس الصغير وما حوله من ~~مشيمة ودماء، ما إن يرى كل ذلك حتى يدير ظهره ويقفل راجعا، وقد امتلأت نفسه وملامحه بمزيج ~~قابض من الرهبة والغثيان. # وجاء مأمور الزراعة في النهاية، وسبقته الأيدي تدفع الواقفين وتفسح له الطريق، وكان فكري ~~أفندي المأمور لا يقل رغبة في رؤية هذا الحادث - الجديد عليه وعلى العزبة - عن أي من الواقفين، ~~ولكن كان حريصا في الوقت ذاته على ألا يفقده ذلك الشغف هيبته. فما إن قارب المتزاحمين حتى ~~مد يده وأحكم اعوجاج طربوشه فوق رأسه، ثم اكتست ملامحه السمراء طابع الجد، وعقص رقبته في ~~صلف كما يجب أن تكون عليه حين يراه الفلاحون، ثم وقعت عيناه على المشهد، ولم يفلح هذه ~~المرة في إخفاء ما اعتراه هو الآخر من رهبة وغثيان. بل بدت واضحة تمام الوضوح على وجهه ~~وتقلبات شفتيه، ثم استدارته على الفور إلى حيث يستطيع مغادرة المكان والابتعاد عنه. # وتبع المأمور في ذهابه الخولي وخفير الري وطنطاوي والأسطى محمد ونفر قليل من «التملية» ~~والشغيلة، ساروا صامتين واجمين، والمأمور يبصق تارة في منديله الأبيض المكور وتارة على قش ~~الطريق المبتل. ~~••• # وكان من الممكن أن تنتهي مهمة فكري أفندي المأمور عند هذا الحد؛ فهو «صحيح» مسئول عن كل ~~كبيرة وصغيرة تحدث في التفتيش، إلا أن العثور على لقيط ميت أو مقتول ومحاولة العثور على ~~قاتله مسألة لا تدخل في اختصاصه بالمرة. # وذلك فعلا ما كان يدور في رأسه، وهو يمشي الهوينى في الطريق إلى مباني إدارة التفتيش، ~~وخلفه ذلك الجمع الصغير، غير أن حب استطلاع ما بدأ يراوده، ترى ابن من هذا؟ # التفتيش مكون من عزب، كل عزبة لا تتعدى بيوتها الثلاثين بيتا، وهذا اللقيط وجد على خليج ~~العزبة الكبيرة المقامة بجوار سراية أصحاب الأرض والإدارة، حيث الإصطبلات والجرن والمخازن ~~وجراجات مكن الحرث. لا بد أن اللقيط ابن لواحدة من أبناء هذه العزبة ms005 الكبيرة أو بناتها، ~~والعزبة يكاد يعرف نساءها وبناتها بالواحدة، ترى أيهن هي التي فعلت هذه الفعلة؟ وترى كيف ~~فعلتها؟ فكري أفندي طالما سمع في القصص والحواديت عن أولاد الحرام، وأحيانا كانت تبلغه ~~فضائح مثل هذه كأخبار ليس إلا عن أناس لا يعرفهم ولا يدري أشكالهم ولا ماذا يكونون. وفي ~~أعمق أغواره - وحتى لو كان قد قرأ الخبر في جريدة المقطم نفسها التي يؤمن بكل كلمة تقولها - ~~فإنه كان يجد نفسه لا يكاد يصدق الخبر، لا يكاد يصدق أن أحداثا كبيرة شنعاء حراما مثل ~~هتك العرض أو الحمل سفاحا ممكن أن تحدث فعلا. ولكنه رأى اليوم بعينه جسم جريمة كاملا ~~ميتا يكاد يمد إصبعه، ويضعها في عين كل من لا يصدق. كانت أحاسيس غريبة تلك التي تملكته، وهو ~~واقف يحدق في اللقيط، وكأنه يرى الشيء الحرام الذي كان يأبى أن يصدق وجوده، أو استحالة ~~إقدام الناس على فعله، يراه أمامه مجسدا راقدا على حافة الخليج، أحاسيس كثيرة عصفت به، ~~الحرام إذن موجود لدى الناس، أحيانا لا يستطيعون إخفاءه، ولكنه أحيانا يهزمهم وينتصر على ~~رغبتهم في إخفائه، ويظهر متبلورا في لقيط مسجى أو في بطن منفوخ. الحرام - الذي كنت تسمع عنه ~~يا فكري أفندي ولا تصدقه - موجود، وأمامك الفرصة مواتية لترى فاعلته كما رأيته. # تلك في الواقع هي الفكرة التي كانت تلح على خاطره في أثناء رجوعه إلى مبنى الإدارة. ترى ~~كيف تكون فاعلة ذلك الحرام؟ أو على وجه الدقة كيف تكون الزانية؟ ما من مرة ذكرت أمامه ~~الكلمة إلا واقشعر بدنه، مع أنه كان له - مثلما لمعظم الناس - علاقات قبل أن يتزوج وحتى بعد ~~أن تزوج. ولكن كأنما كان يستبعد أن توجد نساء في العالم يخطئن مثلما تخطئ النساء معه، ~~وكأنما من أخطأن معه لسن زانيات، الزانيات هن من يخطئن مع غيره. # ترى كيف تكون تلك المرأة، وهل تكون جميلة، وهل تشبه الغوازي، وهل هي مثل سائر النساء أو لا ~~ريب تنفرد بألاعيب وحركات وتأودات هي التي جعلت ذئبا من الرجال ms006 يستفرد بها ويفعل معها ~~الحرام؟ # وقف فكري أفندي في منتصف المسافة بين الخليج وبين الإدارة واستدار، واستدار الجمع الذي ~~خلفه لاستدارته، وراح يستعرض العزبة الكبيرة أمامه: بيوتها الداكنة والدخان الذي كان قد بدأ ~~يتصاعد من الخروق الكثيرة في سقوفها. على رأس العزبة يقع بيت مسيحة أفندي الباشكاتب وبجواره ~~بيت أحمد سلطان الكاتب، الشاب الأشقر ذي الطربوش الغامق المعوج والبالطو الأسود النظيف، ~~الولد الشباب الحلو الذي طالما ضبط وهو يغمز بنتا من البنات الفائرات الكبيرات اللاتي كن ~~أحيانا يغدون للعمل في التفتيش، وغمزته دائما ما كانت تكهرب البنت منهن حتى لتجعل ثدييها ~~يقفزان في الهواء، ولكنه لا يبحث عمن قد يصلح ليكون الأب، هو يبحث عن الأم، فهو مستعد أن ~~يصدق الحرام في الرجال، ولكنه - لأمر ما - يصعب عليه أن يصدق الحرام في النساء. الرجل دوره في ~~الحرام طياري أما المرأة فدورها أساسي. هو يبحث عن الأم. وفي بحثه هذا لم يترك أحدا، حتى ~~امرأة الباشكاتب الست أم لنده تناولها بحثه، ولكنها كانت في زيارة لزوجته في الأسبوع ~~الماضي، ولم تكن أبدا حاملا. ومن بيت إلى بيت تنتقل عيناه، بيوت المزارعين الكبار الذين ~~لدى الواحد منهم أكثر من ثلاثة أزواج من البهائم، وبيوت التملية الذين لا يملك الواحد منهم ~~إلا فأسه. ونساء العزبة جميعا يمررن أمام عينيه: التي يعرفها تماما والتي لا يكاد يعرفها، ~~التي لها ضحكة وابتسامة والتي لها قمطة حمراء أو جلابية فاقعة الألوان، البنت والعانس ~~والعازبة والمطلقة والمشكوك في أمرها التي استجابت لهزاره مرة والتي خجلت ولم تستجب. ولم ~~تتوقف أنظار فكري أفندي عند بيت من البيوت ولا عند واحدة بعينها من النساء، فلا أحد في ~~العزبة يستخبى، النساء كلهن يخرجن حتى من غير أن يرتدين «الملس» الأسود فوق ثيابهن الملونة، ~~وكلهن معروفات، لم يلاحظ أحد على واحدة غير متزوجة حملا أو انتفاخ بطن، لا يمكن أن تكون ~~إحداهن هي أم ذلك اللقيط، مستحيل. # وأفاق المأمور من تأمله الطويل للعزبة ومن فيها ودار بعينيه على وجوه الرجال القليلين ms007 ~~الملتفين حوله، وكان يتوقف هنيهة عند كل وجه ويحملق، وعند كل توقف كان يصفر وجه؛ إذ يكاد ~~صاحبه يشك في براءة نفسه ويكاد يصعقه أن تطول تحديقة المأمور فيه مرة ثم يشير إليه ~~قائلا: أنت. # ولكن إدارة المأمور لوجهه وعينيه كانت إمعانا في التفكير ليس إلا وتثبتا من وجاهة الرأي ~~الذي استقر عليه. # وأشار فكري أفندي فجأة بالخيزرانة التي كانت معه، أشار إلى الفضاء الكائن خلف الإصطبلات ~~وقال: لازم واحدة من دول. # وتطلعت العيون والقلوب إلى حيث يشير، وجاءه الجواب من أكثر الواقفين وكأنه فرحة ~~البراءة: هم، ما فيش غيرهم، ودي عايزة كلام؟ دول غرابوة ولاد كلب. # قالوا هذا وتحفزوا جميعا لأي إشارة تصدر عن المأمور. # غير أن المأمور لم يشر بشيء؛ فقد عاد إلى حذائه الكالح يحدق فيه وعادت عصاه الخيزران ~~تعبث برباط حذائه أحيانا وبالقش أحيانا أخرى. # ثم قال: ولا يمكن البت نبوية. # فقال صالح الخولي وقد غير رأيه على الفور: وما يمكنشي ليه؟ دي تاجرة بيض ولعبية. # وقال الأسطى محمد: دي بقالها عازبة زمان، حد عارف؟! يمكن. أستغفر الله العظيم. # وقال عبد المطلب الخفير: والله ما في غيرها. # غير أن المأمور لم يمهلهم، ما لبث أن استدار ومضت عيناه تتأرجحان حتى استقرتا عند ~~الفضاء الكائن خلف الإصطبلات وقال: أبدا! هم دول ما فيش غيرهم. # وغمغم الواقفون حوله يلعنون الغرابوة ويؤيدون. ~~••• # والغرابوة ليسوا من قاطني التفتيش، ولا يمكن لأحد أن يتصور أنهم من قاطني التفتيش؛ إذ ~~أليسوا هم أكثر الناس فقرا في بلادهم الذين يدفعهم الفقر إلى اللجوء إلى العمل في التفاتيش ~~البعيدة، وترك دورهم وقراهم سعيا وراء يومية لا تتعدى القروش القليلة؟ أليسوا هم ذوي ~~الأسمال البالية والرائحة الغريبة، والخلقة الكريهة؟ لا يمكن لأحد أن يتصور أناسا كهؤلاء ~~من قاطني التفتيش، فقاطنو التفتيش كلهم مزارعون محترمون، لكل منهم بيته وأولاده وبهائمه ~~وجلبابه النظيف الجديد الذي يرتديه بعد انتهاء العمل ليسهر به في القهوة ويروح به في المآتم ~~والأفراح، وليس بين قاطني التفتيش عاطل، فالعزب مبنية بحيث تستوعب ms008 المزارعين كلهم، وكأنما ~~هي مصنع كبير خصص جزء منه لسكن عماله، وعلى هذا فهم جميعا يعملون، وهم جميعا معهم نقود، ~~والزوجة تدخل على زوجها بسرير ودولاب وأطباق صيني وأحيانا بماكينة خياطة. والعمل ليس ~~مرهقا إلى الدرجة التي لا يتصورها العقل، فالري بماكينات، والحرث بأتومبيلات، والدراس ~~بماكينة كبيرة جدا تحتل وحدها نصف الجرن. وصحيح أن التفتيش يأخذ معظم ما تنتجه الأرض، ~~ولكن يبقى للفلاح ما يستره، ويكسوه، ويطعمه، ويجعله حتما ينظر إلى الغرابوة هؤلاء نظره إلى ~~نفاية بشرية جائعة، مضطرة إلى الهجرة كي تعمل وتأكل وتنال حظا من الحياة. حتى اسمهم لم ~~يتفق عليه أحد، رجال الإدارة يسمونهم «الترحيلة»، والفلاحون يسمونهم «الغرابوة»، أما هؤلاء ~~الذين تعودوا «المقلتة» والتريقة فيسمونهم «الجلب جل الجشج عنه ما جلو يا سيد عنجلو»، ~~ومعناها «الكلب كل الكشك عنه ما كلو يا سيد (السيد البدوي) عنقلو»، إذ هكذا ينطقون الكاف، ~~وهكذا يحتقر فلاحو التفتيش كافهم ولهجتهم وحتى مجرد وجودهم على أرض تفتيشهم. # أما الغرابوة أنفسهم فقد كانوا لا يقيمون وزنا كبيرا لتريقة الفلاحين أو نظرتهم، وكأنما ~~هم معترفون أنهم غرابوة وأنهم ترحيلة وأنهم أي شيء قد يخطر على بال إنسان. فما دام الواحد ~~منهم قد حظي بمكان في الترحيلة وضمن أن يعمل أكثر من ثلاثة شهور كل يوم وبأجر، فليقل عنه ~~القائلون ما شاءوا. # والقطن يزرع في أواخر الشتاء، وما إن تولى طوبة حتى تكون بذوره قد تشققت واخترقت الأرض ~~السمراء ونبت لكل بذرة جذر ونما لها ساق، وحين تكبر العيدان فتغطي المساحات الواسعة السوداء ~~بطبقة خضراء جميلة ريانة، ويحل أوان الدودة ولطعها، حينئذ يدور الجدل حول الترحيلة، يكتب ~~فكري أفندي خطابا للإدارة في مصر والإدارة ترد بخطاب، ثم يأتي الإذن، ويأتي المبلغ، ~~ويستيقظ فكري أفندي ذات يوم مبكرا، ويأخذ أول قطار ويغير في طنطا، ثم تحمله عربة أومنيبوس ~~«لا ينسى أن يقيدها في كشف الحساب عربة أجرة» إلى قرية من قرى المنوفية أو الغربية، غير مهم؛ ~~ففكري أفندي يعرف قرى كثيرة ومقاولين كثيرين، قرى يسميها هو ms009 عش النمل، فالناس فيها كثيرون ~~أكثر من اللازم، أكثر من العمل المطلوب والطعام الموجود، وكلهم - ولله الحمد - فقراء، فقراء ~~إلى الدرجة التي كان فكري أفندي نفسه يهز رأسه حسرة حين يراهم في بلادهم، وكيف يعيشون. ~~المهم حالما يضع قدميه في بلدهم ينتشر خبر وصوله بطريقة سريعة غامضة خفية، فيتجمع منهم مئات ~~ويكونون موكبه، يسيرون أمامه وخلفه وعلى جانبيه ويرمقونه في تدله وأمل وكأن لديه أجولة ~~أعمار سيفرقها عليهم بعد حين، يحيونه ويتهافتون على لمسه ولفت نظره، والشاطر من يسلم عليه ~~ويقبل، ويدله ألف على بيت المقاول مع أنه لا يكون في حاجة إلى دليل، فمن أعوام وهو يهبط ~~القرية، والطريق إلى بيت المقاول في قرية صغيرة كتلك لا يمكن أن يضل فيه إنسان كفكري أفندي ~~حباه الله عقلا ومعرفة وطربوشا ونابا أزرق. هناك يجد المقاول واقفا على عتبة البيت، إن ~~لم تكن ضجة قدومه قد وصلت إليه وأوقفته على عتبة الشارع. وسلامات تدور من النوع الثقيل، ولا ~~بأس من دمعة تفر من عين المقاول حسرة على الأيام الحلوة التي مضت، ويصر الرجل على أن ينادي ~~فكري أفندي بحضرة المفتش، ويخجل فكري أفندي ويتواضع ويقول: يا سي الحج. وتطير رقاب الكثير ~~من الحمام والبط، ويأكل المأمور ويحلي ويضطجع، ويحتسي القهوة وينفث في تلذذ دخان السيجارة ~~التي عزم عليه بها المقاول وأقسم بالطلاق أن يدخنها، بينما الضجة خارج البيت تزداد، والنمل ~~الكثير يخرج من جحوره؛ إذ قد جاء الأمل في العمل، يخرجون من جحورهم ويتعانقون أمام البيت ~~ويتصايحون: جاء الفرج يا أولاد والأشيا ح تبقى معدن. # ويتناقش الضيف والمضيف قليلا أو كثيرا حول «الفية» أو الجعل، المأمور يقول النفر ~~بسبعة قروش، وقرش «فيه» يبقى بواقع ثمانية، ويصر المقاول على عشرة، ويقول المأمور: تبقى مكشوفة قدام أصحاب الأطيان. # وينتهي الأمر ربما إلى تسعة، ويخرج المأمور حافظته، ويشعر بالدفء والفجيعة والأوراق ~~الكبيرة الخضراء ذات المادنة تلمس يده بالكاد ليعدها ثم تختفي في كيس المقاول المصنوع من ~~الكتان والمرسوم عليه هلال وثلاثة نجوم مكتوب تحتها ms010 - ولا أحد يدري لم؟ - الحكومة المصرية، وما ~~يكاد هذا يحدث حتى يتفرق المنادون المتطوعون في البلدة: النفر بستة يا أهالي، والقبض على خمستاشر يوم، والغايب يعلم الحاضر. # مع أنه لا تكون هناك حاجة إلى منادين أو نداء، فجميع «الأهالي» موجودون متزاحمون عند بيت ~~المقاول في الحارة وعلى الأسطح المجاورة وأمام الأبواب. # ويصبح الصباح وتأتي خمس من عربات النقل الكبيرة ذات التصاريح الخاصة بنقل الأنفار «مثلها ~~مثل التصاريح بنقل أجولة الأرز أو المواشي» تحمل كل منها أكثر من مائة نفر من الرجال ~~والبنات والنساء والأطفال وتحمل أيضا صررهم وقففهم وقد ملئوها لآخرها بزوادة العيش وزلع ~~المش والجبنة، تحملهم في كتلة ضخمة متزاحمة لا تكاد تميز فيها الرجل من المرأة ولا الولد ~~من البلاصي. ومع انطلاق العربات تنطلق الحناجر المتلاصقة المحشورة تغني وتضحك ويصل زعيقها ~~الفرحان إلى عنان السماء، بينما العيون، عيون المرضى والعجزة وكل من لا يستطيع حمل الفأس ~~أو حتى الظهر، عيون المتخلفين الزائدين عن المطلوب، ترقب الموكب المنتصر، الموكب الدالف إلى ~~العمل والأجر ولقمة العيش، وملأ الصدر أنفاس، ترقبه في عجز باك وحسرة، وربما كلمة ذليلة ~~يتصدق بها الجار على جاره: الصبر. # وتعلن العربات قدومها إلى التفتيش بسحابات غبار ضخمة تثيرها وتملأ بها الأفق، ومع هذا ~~فقليلا ما يسترعي ذلك القدوم انتباه من في التفتيش إلا أن يقف أحدهم ويراقب العربات ~~القادمة ويقول لمن يتصادف وجوده وهو يضحك ساخرا: الجلب جل الجشج عنه ما جلو. # وهناك خلف الإصطبل يرص الغرابوة مقاطفهم صفوفا وراء صفوف، وينطلقون إلى الجرن والأرض ~~المجاورة يجمعون قش الأرز والأحجار ويصنعون منها مواقد وأفرشة. # وقبل شروق شمس اليوم التالي تطفح في الجو رائحة المش وقد فتحت أوانيه، وبين الحين والحين ~~تسمع خشخشة بصلة تتكسر وهمهمات وصرخات بنت لم تجد زوادتها، وأصوات خيزرانة الريس، وهي تدق ~~على قفة أحدهم دقا ملحا متواصلا يستعجل به إنهاء الطعام والمسير، ولا يلبث الدق أن ~~ينتقل من القفف إلى الأقفية والأجساد، ولكنه أيضا لا يتعدى الدق، ثم يصرخ الريس، وحينئذ ~~تقوم ms011 الترحيلة في كتلة ضخمة غامقة اللون، لا تلبث أن تتبعها مفردات متناثرة، ويكون موكبهم ~~أول من يضع أقدامهم فوق المشاية التي ختمها الندى، وتشرق الشمس وكل منهم قد تسلم خطا، ولا ~~بد ظهر كل منهم محني وعيناه على اللطعة. # وقبل كل غروب يزدحم دكان جنيدي «أبو» خلف وهو الدكان الوحيد في العزبة الكبيرة، يزدحم ~~بالأطباق الفخار والأيدي الجافة الممدودة والأصوات التي جرحتها عيدان القطن، وهي تطلب في ~~إلحاح وبلهجتها الغرباوية المعووجة، بتلاتة ميلم زيت، بميلم ملح، بربع قرش عسل، بتعريفة ~~دفتر بافرة، ويسب جنيدي الغرابوة واليوم الذي جاءوا فيه ولكنه يبيع، ويلعن آباءهم ويبيع، ~~وتتكوم في درجه المزيت ملاليمهم الصدئة ونكلهم، كلها ملاليم ونكل، وأكبر قطعة فئة عشرة ~~مليمات، وفي الغروب تماما وقبل أن تظلم الدنيا، تختلط خلف الإصطبل رائحة الزيت المقدوح ~~برائحة السمك الصغير المشوي برائحة الجبنة القديمة والعدس والبصل والصابون الفنيك، ~~تختلط الروائح في مزيج نافذ غريب مكونة رائحة خاصة، من شدة دلالتها ونفاذها يسميها الفلاحون ~~رائحة الترحيلة. تتصاعد الروائح وتفتح البلاليص، ويوضع كل ما استطاعت اليد انتزاعه من ~~الغيط، فجل أو سريس أو جلاوين أو خنشير، وتحشى البطون بكل هذا كما تحشى الأجولة بالقش، ~~بينما الصمت يسود المكان، صمت لا يسمع خلاله إلا أصوات التشدق بلقم العيش، وأصوات بعيدة ~~لملاعق قليلة تصطدم بالأواني النحاسية وتقتلع منها ما التصق بقاعها من حبات أرز. # وتحمل الريح الضجة والرائحة إلى العزبة الكبيرة وقاطنيها، فتنطلق النكات وتتصاعد القهقهات ~~ويزداد الناس إيمانا بأنهم - حقا وصدقا - نفاية بشرية منحطة، أولئك الناس الذين يدعونهم ~~الترحيلة. ~~••• # طمس فكري أفندي الدائرة التي كان قد رسمها بعصاه على تراب الأرض، ووضع في وسطها نقطة ~~وأخرج منها خطوطا إلى محيط الدائرة، بل دار بقدميه عليها حتى لم يبق منها سوى النقطة وقد ~~خرجت منها خطوط مبتورة، لم تكن لديه خطة واضحة، فحتى مع افتراض أنه قد حدد أن الفاعلة من ~~الغرابوة، فماذا يمكنه أن يفعل ليعثر عليها؟ مضى يعتصر عقله ويده تدق بالخيزرانة على رجل ~~سرواله الأصفر ، وعيناه ms012 تائهتان في ملل المفكر، إذا كانت ثمة امرأة من الغرابوة قد فعلت هذا ~~فلا بد أنها راقدة الآن عند مكان الترحيلة، لا بد هذا، فمن غير المعقول أن تضع الواحدة ~~مولودا كهذا وتقتله أو يموت منها وتذهب في الصباح التالي لتعمل وتمسك خطا، والمسألة في ~~يده وليس عليه إلا أن يتأكد. # تجهم وجه فكري أفندي علامة على أنه وصل إلى قرار، وتحرك - ومعه الجمع الصغير - إلى مكان ~~الترحيلة، كان المكان خاويا ليس فيه سوى القفف والمواقد وبقايا الخشب المحترق وروائح ~~الغروب، فالأنفار كانوا قد ذهبوا قبل الشروق، كالعادة، إلى الغيط. أدرك فكري أفندي ومن معه ~~هذا بنظرة واحدة عريضة ألقوها على المكان، ولكنه آثر أن يبحث بنفسه لعل وعسى. وراح يتجول ~~مطأطئ الرأس وقد وضع يديه وإحداهما ممسكة بالخيزرانة وراء ظهره، راح يتجول ويشمشم ويخبط ~~القفف وأجولة الزواد بين آن وآخر من قبيل الاحتياط. ظل سائرا هكذا ووراءه الجمع حتى وصلوا ~~في النهاية إلى «أم الترحيلة» كما كان يدعوها أطفال العزبة، والمرأة عجوز؛ من كثرة كبرها لا ~~تستطيع أن تحدد لها سنا، ومع هذا فهي تحرس صرر الترحيلة وحاجياتهم وترعى الأطفال حتى تعود ~~أمهاتهم في آخر النهار. توقف المأمور أمامها وغالب ابتسامته وهو يرى العجوز وحولها عشرات ~~الأطفال بعضهم في حضنها وبعضهم قد سبح وحبا بين الصرر، بعضهم يصيح والبعض الآخر هادئ ساكن ~~عاقل يعبث بثوب المرأة وقدميها، غالب الابتسامة؛ فالمرأة كانت حائرة ملتاعة لا تعرف كيف ~~تتصرف، ولا ماذا تقول للأطفال أو كيف تحنو عليهم، وبينها وبين خصال الأمومة ورعاية الأطفال ~~أزمان وأحقاب. # وعبثا حاول أن يظفر منها بجواب على كل ما وجهه إليها من أسئلة، فهي في غيبوبة السن ~~والعجز لا تعي إلا حين يقترب بشر ما من المكان فتصرخ فيه أن يبتعد، وإلا حين تحضر الأمهات ~~قبل الغروب وتقوم الجلبة التي تنتهي بانسلال كل أم ومعها طفلها، أو التي لا تنتهي حين تروح ~~تتعثر في البحث مع أم عن ابنها وقد تاه بين الصرر. # ولم يكن فكري ms013 أفندي حتى في حاجة لسؤال المرأة، فلم يكن هناك أحد، ومعنى هذا شيء من اثنين: ~~إما أن تكون الفاعلة المجرمة قد تحاملت على نفسها وذهبت مع الأنفار لتعمل حتى لا تكتشف، ~~وإما أنها ليست من الغرابوة وقد تكون من أهل العزبة. # عند هذا الاحتمال الأخير توقف المأمور وراح مرة أخرى يحدق في الفضاء ويجوبه بعين نصف ~~مغمضة وعين مفتوحة، وفكر قلق مخلخل. هو على يقين قاطع أن الفاعلة منهم كيقينه بيوم القيامة ~~والنفس اللوامة، ولكن هناك احتمالا واهيا بسيطا أن تكون الفاعلة من العزبة، خاصة ومكان ~~الغرابوة نظيف، احتمال تافه قد لا يتعدى واحدا في الألف، ولكنه احتمال والسلام، عليه أن ~~يناقشه. لقد استعرض العزبة من هنيهة وكانت النتيجة براءة نسائها جميعا، ولكن من الجائز أنه ~~سها أو نسي، أو فاتته واحدة تكون هي الجانية. من الجائز جدا. # لم يفطن المأمور - وهو يفكر - إلى اقتراب صالح خولي الزراعة منه، لم يفطن إلا حين أصبحت ~~طاقية صالح الصوف التي يتعمم عليها تحت أنفه تماما، وإلا حين رفع صالح ذيل بصره في نظرة ~~ماكرة مقترحة، وقال في همس مبتسم: ما تكونش نبوية هي اللي عملتها ليه؟ # خرجت كلماته هامسة، ولكن همساته سمعها كل المرافقين، وعلت الأصوات تحتج وتؤكد أنهم ~~الغرابوة، وتكاد تحلف على المصحف والربعة وتندد بالاتهام والباعث عليه، وتشرح - في كلمة من هنا ~~وأخرى من هناك - قصة نبوية التي كانت زوجة لعربجي من عربجية التفتيش ومات، وترك لها العربة ~~والحصان وبنتا وولدا. فباعت العربة والحصان وتاجرت بثمنهما في «القوطة» وأفلست، وعملت ~~مقاولة أنفار وخبازة، وخدامة في بيت المأمور السابق، واشتغلت، أخيرا، تاجرة بيض، وربت البنت ~~والولد، بل حتى أرسلت الولد ليتعلم في الكتاب، ولم تفرط في أي منهما، ولكن مسألة تفريطها ~~في نفسها كانت موضع أخذ ورد ومساجلات وتكهنات. ارتفعت الأصوات تندد وتحتج وتراقب أثر الكلام ~~على وجه المأمور، ويبدو أن الواقفين حين لم تبد على ملامحه دلائل الاقتناع بدءوا يتراجعون، ~~وبدأ واحد يقول: لا يعلم الغيب سوى الله يا جماعة. ms014 # ورد عليه آخر: الشيطان شاطر. # غير أن نبوية التي تتميز عن نساء العزبة بأرداف وارفة وخلخال فضة سميك يكاد يطبق على ~~نهاية ساقيها المكتنزتين، نبوية هذه لم تلبث أن أخرست كل الألسن حين شاهدها المأمور ومن ~~حوله وقد علقت «السبت» في يدها وراحت تطرق الأبواب وهي في أتم صحة وتسأل عن البيض. استدارت ~~الأنظار حينئذ شامتة إلى صالح تكاد من حدتها أن تخرق طاقيته الصوف وعمامته البيضاء وجلبابه ~~الأسود الثقيل الذي لا يغيره أبدا. وتشاغل صالح عن الأنظار المصوبة إليه بأن مد يده في ~~جيبه وأخرج صندوق سجائره وانتحى مكانا بعيدا - من قبيل التأدب - ومضى يلف سيجارة. # أما المأمور فقد غامت ملامحه لدى رؤية نبوية وأسرع بمغادرة المكان وقد بدأ صدره يضيق، وزعق ~~بصوت مرتفع: الركوبة يا عبد المطلب. # لم يعد ثمة أمل إلا أن يجد الفاعلة بين أنفار الترحيلة الذين يعملون في الغيط. # وجاءت الركوبة بعد قليل، حمار ناعم ممتلئ لا يظهر منه عرقوب، ولا تبدو في بياضه الناصع ~~سوادة واحدة، يرن لجامه إذا ما خطا، وخطوه خطو حصاوي أصيل. # استند المأمور إلى كتف عبد المطلب، وبدفعة قوية من جسده كاد ينخ لها الخفير ارتقى السرح ~~المكسو الأنيق. # وما كاد الحمار يحس باستواء راكبه فوقه حتى نهق نهيقا طويلا فيه كبرياء، ثم اندفع إلى ~~الأمام وانطلق وراءه كل الخولة وبعض التملية وعبد المطلب الخفير والأسطى محمد ~~العجوز. ~~••• # كانت الشمس - إذ ذاك - قد غادرت قمم أشجار الكافور العالية المزروعة كالسور المهيب حول أرض ~~التفتيش، وبدأت تحث الخطا إلى قلب السماء. وكان الطريق الذي سلكه المأمور قفرا ليس على ~~جانبيه شجرة، ولا حتى تنبت فوقه حشيشة، بل مجرد خط ثخين من التراب على يمينه مئات الأفدنة ~~وعلى يساره مئات. وكان الغيط أيضا ساكنا ذلك السكون الأبدي الذي يذكرك دائما بوجوده فيئز ~~ذلك الأزيز المتواصل العنيد. ولم يكن يخدش ذلك السكون سوى دقات أرجل الركوبة الأربع. وهي ~~تدق الأرض واحدة وراء الأخرى، فتكاد تغوص في التراب تثير سحاب الغبار، والغبار ينهال على ms015 ~~وجوه اللاهثين خلف المأمور وركوبته، غبار كالذباب لاسع وعنيد وشمس لا ترحم بدأت تشوي رءوسهم ~~وظهورهم، حتى ذيول أثوابهم لم تفلح في منع نارها. أما فكري أفندي فقد وضع منديله أسفل ~~الطربوش محاولا أن يجعل منه قبعة، وكال للركوبة ضربتين بكعب حذائه وأعقبهما بنخزة من طرف ~~خيزرانته المدببة التي وضع في آخرها مسمار صغير معد لهذا الغرض بالذات، نخزة جاءت بين ~~الأكتاف، ولم تكن الركوبة في حاجة إلى ضرب أو نخز فقد كانت منطلقة بكل ما تملك من ~~قوة. # ظل الركب الصغير ينهب أرض المشاية، وهو ومأموره وتابعوه وحتى سحب الغبار التي يثيرها، لا ~~يتعدى مجرد نقطة صغيرة متحركة في ذلك المسطح الشمسي الواسع الذي لا تدرك العين مداه. ظل ~~الركب ماضيا في صمت، الركوبة تلهث والرجال يلهثون والعرق يسيل، حتى عرق فكري أفندي - الوحيد ~~الجالس - كان هو الآخر يسيل. ظل الركب ماضيا هكذا مدة أدرك بعدها الأسطى محمد العجوز - ~~وكأنما فجأة - أن لا ناقة له ولا جمل في الأمر، فكف عن الجري ونفض يده من حكاية اللقيط وجلس ~~على حافة الطريق يكمل لهثه ويستريح. جلس على الحشيش القصير النابت على شاطئ الخليج، وكأنه ~~شجيرة عجوز نبتت بينه فجأة، بل ما لبث أن فعل مثل شجيرات الحشيش الجالس عليه، فكما مدت هي ~~جذورها إلى الماء الجاري في الخليج، مد هو الآخر قدميه وساقيه يبللها بالماء، وكأنما يسقي ~~بهذا روحه التي كاد يقضي عليها لظى الشمس. # أما بقية القافلة فقد مضت في طريقها وكأنما لم تحس بتخلف العجوز وكل منهم مشغول بعرقه ~~وشقاه وحاله. # وما من مرة امتطى فيها فكري أفندي الركوبة وسرح الغيط - وهو كل يوم يمتطي الركوبة ويسرح ~~الغيط - إلا وأحس بمتعة، فالحمار لا يمشي ولكنه يرقص، وكل حركة منه فيها رشاقة الأصيل ~~وكبرياؤه، ولكنه، هذه المرة، كان في شغل شاغل عن متعة الركوب، وحتى عن العرق والحر والرجال ~~الذين يلهثون خلفه بتلك المشكلة التي ولدت له ذلك الصباح، كان عليه - لأول مرة - أن يفكر في شيء ~~بعيد كل ms016 البعد عن مهنته كمأمور زراعة، تلك التي كان لا يفكر في غيرها، كان عليه أن ~~يفكر في شيء بعيد كل البعد عن التقاوي والسماد والأرض العطشى والأرض التي حان وقت تسميدها ~~ووجب. أما هذا الشيء الذي كان عليه أن يفكر فيه فهو الترحيلة، لا كما اعتاد أن يفكر فيهم، ~~فالواقع أنه ما تعود أن يفكر فيهم إلا كأنفار، أنفار يلتقطون الدودة ويجمعون القطن ويطهرون ~~المصارف. الشايب فيهم نفر والصغير نفر كلهم أرجل شققها الجوع والحفاء وخشنتها الأرض الصلبة، ~~وأيد معروقة حرقتها الشمس، ووجوه متجهمة لا تعرف حزنها من فرحها ولا رجلها من امرأتها، حتى ~~الملابس لا فرق بين ملابس الكبير أو الصغير، ولا بين جلباب الرجل - وقد حال لونه وتناثرت فيه ~~الخروق - وثوب المرأة الأسود الباهت الذي تنسل الخيوط من كل مكان فيه، بل كثيرا ما يحدث أن ~~يستعير الرجل منهم جلباب امرأته، وتستعير المرأة جلباب زوجها دون أن يلاحظ أحد أي فارق أو ~~مميز. # تعود فكري أفندي أن يراهم هكذا، بل الواقع أنه - بينه وبين نفسه - لم يكن ليتصور أن بين هذا ~~القطيع البشري كله امرأة واحدة! كلهم ترحيلة وغرابوة وأنفار. بل أكثر من هذا لقد افترض أن ~~الفاعلة منهم، قال هذا للناس وذهب بنفسه وبحث خلف الإصطبل، ولكنه كان يفعل هذا وكأنه يفعله ~~من وراء عقله. كان متأكدا أن الفاعلة منهم ومع هذا لم يكن ليصدق أن من الممكن أن توجد بين ~~هذه المجموعة امرأة أو بنت تحمل وتلد، حلالا كان أو لقيطا، لم يكن ليصدق وكأن التي ولدت ~~اللقيط لم تكن امرأة بل كانت رجلا. # هو مضطر إذن - والشمس تلهب رأسه رغم المنديل والطربوش - أن يصدق هذا، وأن يبدأ ينظر إلى ~~الترحيلة من زاوية أخرى. فهم «صحيح» أنفار وغرابوة ولكن بينهم أيضا نساء يحملن ويلدن، بل ~~- أكثر من هذا - يحملن ويلدن في الحرام. # الحقيقة لم يسترح عقل فكري أفندي أبدا لهذا التصور، فقد كان من العسير عليه أن يغير ~~نظرته إلى الترحيلة في لحظة، وكان من الصعب ms017 أن يستحيل النفر منهم في خاطره إلى امرأة أو بنت ~~تنام مع الرجل وتحمل وتنجب أطفالا. ولكن فكري أفندي كان من الصنف الذي لم يتعود قلقلة ~~الحقائق في رأسه كثيرا قبل أن يصدقها، فليكن هذا، فلتكن الفاعلة منهم، فعليه أن يعثر عليها ~~ويراها رأى العين ويرى كيف استطاعت أن تفعل هذا. بل لم ينتظر فكري أفندي أن يصل إلى الأنفار، ~~بدأ خياله يسرح ويسبقه، بل ويسبق حادثة اليوم، ويتصور - وثمة لذة خفية تصاحب تصوره - ~~القصة التي انتهت بمشهد ذلك الصباح، راح يتحسس بخياله على القصة في غير قليل من الخجل، وهو ~~مستعد أن يكف عن تصوره في أية لحظة، راح يسبح مع قصة الحب التي لا ريب أنها نشأت بين البنت ~~وأحد فتيان الترحيلة المفتولي العضلات المكشوفي الصدر الملوحي الوجوه، وكيف تسرب إليها ذات ~~ليلة وكان ما كان. # وتعثر الحمار وكاد يقع، ولكنه تمالك نفسه في قوة. وفي نفس الوقت تعثر خيال فكري أفندي ~~السارح في شيء خطر له حالا، فقد أحس باستنكار غاضب يجتاحه، معنى هذا أن الخطيئة ارتكبت فوق ~~أرض التفتيش، وصحيح أنه ليس مالك التفتيش وليس أبدا حامي حمى الفضيلة فيه، ولكن مجرد شعوره ~~بهذا جعله يغضب وينهال على الحمار بالعصا الخيزران ضربا جزاء له على تعثره. ولكنه - وهو في ~~قمة انفعاله - لم يفته أن يلاحظ أن اللقيط الذي عثروا عليه اليوم كامل النمو، والترحيلة لها ~~في التفتيش ما لا يزيد على الشهرين، هنا فقط كف فكري أفندي عن ضرب الحمار ونخزه وأحس براحة ~~داخلية تهب عليه من صدره. الجريمة إذن لم تحدث على أرض التفتيش، فالبنت قد جاءت وهي ليست ~~بخير، ثم لما تكامل الشر في بطنها وضعته هكذا بلا ضوضاء في سكون الليل ودون أن يشعر بها ~~أحد، ثم خنقته حتى دون أن يكون هناك داع لخنقه. # يا لها من عاهرة! # ثم لم تكتف بهذا، وإنما تحاملت على نفسها، وسرحت مع الأنفار - على خيوط الفجر - حتى لا يتسرب ~~إنسان إلى سرها. # يا لها من جبارة! ms018 # ولكز فكري أفندي الحمار لكزة قوية وهو يمر بيده ليمسح العرق الذي تكاثر حول فمه وتساقط من ~~طرف أنفه، ويقول في زئير خافت: أعوذ بالله! ~~••• # ارتفع نهيق الركوبة، ولم يكن نهيقها كأي نهيق، كان كل من بالتفتيش يعرفه وتستطيع أذنه أن ~~تميزه من بين أصوات آلاف الحمير، فكلهم يخاف ذلك النهيق ويعمل له ألف حساب. # وهذه المرة أيضا تضايق فكري أفندي واغتاظ، فذلك النهيق كان عيب الركوبة الوحيد في نظره ~~وكأن بينه وبين المقاولين والأنفار والخولة اتفاقا. ما يكاد يخرج للمرور ليفاجئهم - وهم عنه ~~في غفلة - حتى تفاجئه الركوبة وتنهق ذلك النهيق العالي، الذي يصل إلى آخر الدنيا ويوقظ النومى ~~في مضاجعهم، ويجعل كل شيء في الغيط على أتم ما يرام، وعلى استعداد مجهز لاستقباله. # حين ارتفع النهيق كان الركب قد بدأ يدخل في الأرض المزروعة قطنا وقد غادر لتوه غيط ~~القمح. كان الغيط لا آخر له بحيث يبهرك أن تعرف أن شخصا واحدا فقط هو الذي يملكه، وبحيث ~~تود في الحال لو كنت أنت ذلك الشخص. وشكل الغيط المزروع يذكرك حتما بالجنة، فوأنت سائر على ~~المشاية ترى القناة التي بجوارها صحيحا، وترى عيدان القطن بكامل هيئتها ولوزها وأوراقها، ~~ولكن شجيرات القطن لا تلبث - كلما بعدت - أن تتداخل وتتداخل، وإذا بالتربيعة تبدو أمامك مجرد ~~مستطيل أخضر. والأرض مقسمة إلى ترابيع، والترابيع القريبة محدودة المعالم، وبين كل تربيعة ~~وأخرى مصرف صغير، ولكن الترابيع كلما بعدت تختفي المصارف والفواصل حتى لا يعود الإنسان يرى ~~سوى مسطح واسع غير محدود من الظلام الأخضر، الذي يضيئه عدد لا نهاية له من فوانيس أزهار ~~القطن الصفراء. # ومن بعيد لاح خط الأنفار لا تكاد تميزه عن الخضرة المتكاثفة التي يغمق لونها كلما بعدت ~~حتى يستحيل إلى ظلام تام، لا تكاد تميزه إلا بأعمدة الدخان المتصاعدة من الحفر التي ~~يحرقون فيها أوراق القطن المصابة باللطع. # وأرهق الحمار نفسه كثيرا وهو يضم رئتيه لينهق بآخر ما يستطيع، ومع أن فكري أفندي لا يقرأ ~~كثيرا لأن القراءة تتعب عينيه، ms019 وعيناه لا تستطيعان تمييز الحروف جيدا مهما قربهما من ~~الأوراق، إلا أنه في الغيط ثاقب النظر كالصقر. وهكذا - ورغم نهيق حماره - استطاع أن يلحظ أن ~~الخولة يقومون فجأة من جلستهم في الظل وراء الأنفار، وترتفع خيزراناتهم في الهواء وتهوي على ~~ظهور الأنفار أو عيدان القطن ضربا وطرقعة، وأصواتهم تأتي صارخة من بعيد: وطي يا وله، وطي يا بنت. # تلك تمثيلية يعرفها فكري أفندي تماما ومل من تكرارها، وما كاد موكبه يهل على «العمل» حتى ~~اندفع أكثر من سائق من سائقي الأنفار يجري «وتلك في رأي فكري أفندي تمثيلية قديمة أخرى» ~~يجري ليفوز بشرف إمساك الركوبة لحضرة المأمور وهو يهبط عنها. # قال فكري أفندي وهو يسحب منديله من تحت الطربوش ويجفف به عرقه وظهره: واد يا عرفة. # وعرفة ريس سواقي الأنفار، أي ريس الترحيلة، وهو الذي فاز بإمساك لجام الحمار هذه المرة، ~~وهو الذي يفوز كل مرة، قال: العواف يا حضرة المأمور. # واحتار المأمور أيرد التحية فيبدو وكأن «البلفة» قد دخلت عليه أم يتجاهلها فيبدو قليل ~~الذوق، وأيضا لم يفعل هذه أو تلك فهو قد جاء لمهمة عليه إنجازها، ولكي تبدو المسألة ~~طبيعية كان عليه أن يسأل عرفة كما يسأله كل مرة: النضافة ازيها؟ ~~- ع السنجة عشرة يا سعادة البيه. # وتجاهل فكري أفندي سروره باللقب وزغر له قائلا: وإن لقيت لطعة؟ # فأمال عرفة رأسه ووضع كفه على عنقه وقال: برقبتي. # وقال فكري أفندي بصوت لا يعرف سامعه إن كان جادا أم هازلا: يلعن أبوك على أبو رقبتك. # ولأمر ما كان يخيل لفكري أفندي أن هؤلاء الناس يفرحون حقيقة حين يلعن آباءهم ويشتمهم، ~~بل لا بد أنهم يحسون بنوع من الهيبة والفخر وكأنه يمنحهم رتبا وألقابا؛ إذ هي في ~~عرفهم لا بد آيات ود وصداقة وتنازل - تنازل منه - هو، مالك هذا الملك كله والآمر الناهي ~~فيه. تلك «الأبعادية» أو «التفتيش» أو كما تسمى أحيانا «الدايرة»، أكثر من ألفي فدان من ~~أجود الأطيان بما عليها من ناس وبيوت وماكينات وبهائم ومحاصيل، تحت تصرفه، ms020 هو السيد الأعلى ~~لهذا كله، سيد العشرة الخولة والباشكاتب والخمسة الكتبة والأسطوات والخفراء والأجراء ~~والفلاحين والمزارعين. هو الذي يمكنه أن يعز من يشاء ويرفت من يشاء ويحكم بالغرامة على من ~~يشاء. في استطاعته أن ينقل الفلاح من عزبة لعزبة، ويعطيه أو لا يعطيه أرضا يزرعها، بل ~~يستطيع لو شاء أن يطرده نهائيا من التفتيش دون أن يراجعه أحد أو يجرؤ أحد على معارضته، في ~~استطاعته حتى أن يضرب من يشاء بالقلم أو باللكمية أو بالشلوت، بل أحيانا يحبس ويرسل المتهم ~~مخفرا إلى المركز، ولا راد لقضائه، وما يرده الخوف، وهو لا يخاف إلا من اثنين: رئيسه ~~المفتش، وصاحب الأبعادية، والمفتش يأتي للمرور كل شهر والمالك يأتي كل شهرين أو ثلاثة، ~~وباستثناء تلك الساعات القليلة التي يقضيانها في التفتيش فهو دائما مالك هذا الملك كله، ~~ألا تبدو شتيمته حينئذ لنفر من الأنفار أو سائق من السائقين منحة وتنازلا؟ # الواقع أن مجرد مرور كل تلك الخواطر في رأس فكري أفندي كاد يثنيه عن عزمه؛ إذ أيصح من ~~رجل هذا شأنه الكبير أن يضيع وقته ويشغل نفسه بمهمة غريبة سخيفة ليست من قيمته كتلك المهمة ~~التي جاء بشأنها؟ ولكنه جاء فعلا، ولن يخسر شيئا، فإن أحدا من الأنفار أو السائقين لا ~~يعلم بالسبب الحقيقي لمجيئه، تردد برهة ولكنه وجد نفسه يقول: الأنفار كلهم موجودون يا عرفة؟ # قال عرفة في حماس: بالنفر. ~~- أنت متأكد؟ ~~- علي الحرام بالتلاتة من بيتي كلهم موجودين. # ومع هذا لم يصدق فكري أفندي، فهؤلاء الناس من رأيه يتمتعون بحظ وافر من قلة الدين، والواحد ~~منهم مستعد أن يقسم بالطلاق من أجل أن يكسب تعريفة، وعلى هذا قال: طب عدهم. # وقال عرفة: حاضر، أنا خدام. # ومضى يعدهم بصوت عال مرتفع، وفي أثناء العد لا يفوته أن يري همته وحرصه على مصلحة العمل، ~~فينهال على أي ظهر محني أمامه بخيزرانته الرفيعة في ضربة تمثيلية. # عد الريس عرفة الأنفار مرتين، وفي كل مرة يؤكد للناظر - بلهجة بدأ الشك والخوف يتسربان ~~إليها - أن العدد ms021 مضبوط، وأن الأنفار كلهم يمسكون خطوطا ويعملون. # واستغرب فكري أفندي واندهش، كلام الريس صحيح، ولكنه متأكد أن واحدة من هؤلاء الأنفار هي ~~التي ولدت ذلك اللقيط فكيف يتفق هذا مع وجودهم جميعا في ذلك الطابور المنحني الطويل، لا ~~بد إذن أن الفاجرة غصبت على نفسها واشتغلت، ولكنها لن تفلت منه، فمهما بالغت في حرصها ~~فستبدو آثار الولادة حتما عليها، كل ما عليه هو أن يمر عليهم أجمعين ويحاول أن يلتقط ~~الدودة من بينهم، المجرمة التي ولدت في الليل وقضت على ابنها وجاءت هنا تحني ظهرها وتعمل ~~وتتلقى الضربات، وكأنها ليست بشرا، وكأنها جنية من الجنيات أو شيخة من المشايخ. # دخل فكري أفندي في التربيعة أمام صف الأنفار ومضى يقاوم الشمس بعينيه ويتوقف قليلا لدى ~~كل امرأة أو بنت يتأملها، العجوز يتركها والنصف يتوقف لديها، والبنت يطيل في ركنته عندها، ~~ولأول مرة يدقق فكري أفندي في زي الغرابوة وملابسهم، ويعرف أن سراويل نسائهم طويلة جدا ~~تصل إلى الكعبين، وتنتهي بذيل مكشكش، ودائما ألوانها فاقعة. # تعدى فكري أفندي منتصف خط الأنفار دون أن تستوقفه واحدة وكاد الخط ينتهي وهو لا يعثر على ~~ضالته المنشودة، وفجأة لمح شيئا يبعث على الأمل، ظهرا أنثويا منحنيا هو الوحيد ~~البادي عليه أنه ظهر أنثى، رفيع من الوسط ينتهي بردفين عريضين بارزين، ورأس هو الوحيد ~~البادي عليه أنه رأس أنثى، تتعصب بقمطة ملونة تظهر شعرا أسود لامعا غزيرا كشعور ~~النساء. # وقال لنفسه: لا بد أنها هي، وطي يا بنت. # قال الجملة الأخيرة وهو ينهال على الظهر المحني فعلا - ولا حاجة به إلى انحناء آخر - ~~بضربة من خيزرانته، ضربة قاسية قاصمة تأوهت لها المنحنية ولم تتمالك نفسها فاعتدلت لتضع ~~يدها على ظهرها المضروب وقد أفلتت منها شهقة مستغيثة، وحدق المأمور في وجهها المتقبض في ألم. # كان وجهها معافى سليما لا مرض أو ولادة فيه، وعلامات الألم المرتسمة على ملامحها علامات ~~ألم حديث سببته ضربة العصا، ولا يمكن أن تكون علامات ألم بايت سببته ولادة، وانتقل المأمور ~~إلى ظهر ms022 آخر، ومن ظهر إلى ظهر مضى يتفقد ويحملق ويتأكد، وانتهى خط الأنفار وغيظ فكري أفندي ~~قد بلغ مداه، فهو قد خرج من استعراضه صفر اليدين وخابت فراسته. # وفجأة وجد فكري أفندي نفسه يهدر في الريس عرفة: طلع العمال من الأرض، وخليهم كلهم يمروا واحد واحد قدامي. # وتجمد عرفة في بله مؤقت، ولم ينطق إلا على أثر شخطة أخرى من المأمور. # وبدا وكأن الأنفار قد فرحوا كثيرا بقرار خروجهم؛ إذ هم على الأقل سيستريحون - ولو لحظات ~~قليلة - من انحناءة ظهورهم العارمة في قسوتها وحدتها، الانحناءة التي تستمر أكثر من عشر ساعات ~~في اليوم، فرحة كبرى أن يستريح منها الإنسان دقيقة. # اعتدل الأنفار ومدوا أيديهم جميعا وبلا استثناء تضغط على أماكن الألم في سلاسلهم ~~الفقرية، وحين أفاقوا من غيبوبة النشوة القصيرة التي اعترتهم وعرفوا بقرار المأمور ابتهجت ~~له النساء والبنات كثيرا، وراحت كل واحدة تمني نفسها بألف ليلة وليلة من الأحلام، معتقدة أن ~~اختيار المأمور حتما سيقع عليها، وستقضي أحلى الساعات وهي تخطر بخفة كخادمة في بيته حاملة ~~الأطباق أو مناولة القلة، حيث الظل الوارف، والجلوس، والطعام الكثير، وحيث لا عصا ولا ~~خيزرانات أو سواقون، أما الرجال فإنهم مضوا غير مبالين كالمحكوم عليهم بسجن طويل. # ومر الأنفار أمام المأمور، وراح فكري أفندي يحملق في الوجوه، الكبيرة والصغيرة، العجوزة ~~والصبية، القبيحة والمليحة، الغبية والمريضة، ويتفرس في الأجساد، الممشوقة والمنحنية، ~~الأجساد التي تعرج والتي تقفز، الجافة والنضرة، الأجساد التي تودع الحياة والتي تستقبلها، ~~ولم يجد أبدا - في جسد من الأجساد ولا في وجه من الوجوه - واحدة من المحتمل أن تكون هي الآثمة ~~الفاعلة. # وهدر فكري أفندي يأمر عرفة بإرجاع الأنفار إلى الأرض ويلعن آباءهم وأباه، بجد وحقد هذه ~~المرة. # وبينما كان يضع قدميه في الركاب ويستعد للقفزة التي تصعده فوق ظهر الركوبة كان يعتصر عقله ~~بين مستحيلين: # فمستحيل أن تكون أم اللقيط من غير الترحيلة. # ومستحيل أن تكون هذه الأم بين الأنفار الذين تفحصهم لتوه. ~~••• # وفي طريق عودته إلى العزبة من نفس المشاية التي ms023 جاء عليها كان الأسطى محمد لا يزال - وقد ~~استحلى القعدة - يمد رجليه في الماء ويلعب فيه كالأطفال بقدميه. وحين رأى الموكب هالا من ~~بعيد هب واقفا من جلسته كالملسوع وأسرع ينضم إليه، ولم يكن في حاجة لسؤال ليدرك أن الفشل ~~كان حليف المأمور، كل ما في الأمر أنه ظل ساكتا برهة يلهث مع اللاهثين ويتحاشى سحب الغبار ~~ثم قال بتهتهته العجوزة المتحمسة: اعمل بقى زي ما عمل سيدنا عمر يا حضرة المأمور. # والإنسان في لحظات يأسه يتعلق بالقشاية، وجذب فكري أفندي لجام الركوبة قليلا ليبطئ من ~~ركضها، وحين حاذاه الأسطى محمد سأله: سيدنا عمر عمل إيه يا بو عقل فارغ؟ # وقصة طويلة هي التي حكاها الأسطى العجوز، قصة استغرقت كل الطريق إلى العزبة الكبيرة، بدأت ~~بأن سيدنا عمر - رضي الله عنه - كان يتجول في أنحاء المدينة متخفيا ليتفقد شئون الرعية، وفي ~~أثناء تجواله عثر على جثة شاب في ريعان الشباب مقتولا بطعنة خنجر، وحاول سيدنا عمر أن يعثر ~~على قاتله بلا جدوى، وأخيرا - وحين يئس - قال له شيخ حكيم: إذا أردت العثور على القاتل فانتظر ~~تسعة أشهر وسوف تجده بين يديك. ولم يأخذ سيدنا عمر كلام الشيخ على محمل جاد، ولكن بعد تسعة ~~أشهر بالضبط سرت شائعة في المدينة تقول: إن بنت فلان قد وضعت طفلا دون أن تتزوج أو يقربها ~~إنس. وحينئذ قال الشيخ العجوز لسيدنا عمر: هاك القاتلة، التي ولدت حتما هي التي قتلت. قال ~~سيدنا عمر: كيف؟ قال الشيخ: لا بد أن الشاب اعتدى عليها فقتلته. # ومع أن الحكاية أعجبت فكري أفندي وكادت تخفف من غلوائه إلا أنها لم يكن لها دخل فيما هو ~~فيه. مجرد حكاية أخرى من حكايات الأسطى محمد الكثير الحكاوي الذي يؤلف لكل شيء حكاية، وكأن ~~مشاكل الدنيا تحلها الحواديت. # كل الذي حدث أنه كان قد يئس تماما من إشباع حب استطلاعه والعثور على أم اللقيط، وصمم أن ~~يلقي الأمر من وراء اهتمامه ويبلغ المركز والمركز يتصرف كما يحلو له. وزيادة في الاحتياط ms024 ~~أملى على مسيحة أفندي الباشكاتب صيغة البلاغ، وراعى في اختيار كلماته كل الدقة حتى يخلي طرفه ~~وطرف التفتيش من أية مسئولية. # وجاء البوليس. # وجاءت النيابة. # وجاء مفتش الصحة. # وأخليت لهم مباني الإدارة، واحتل وكيل النيابة حجرة المأمور، وتناثر عساكر البوليس يشربون ~~الجوزة ويحتسون الشاي حول المبنى ووقف مخبر مكشوف يتلكأ عند دكان جنيدي، أما سكان العزبة ~~فقد وقفوا من بعيد يرقبون ما يحدث، ويلقون الإشاعات ويتهامسون. # أما فكري أفندي المأمور فقد كان مشغولا حقا، ذلك أنه رأى أن ينتهز الفرصة ويعد لرجال ~~الأمر والنهي في المركز وليمة حافلة فمصالحه عندهم كثيرة وما أقل ما يأتون إلى التفتيش؛ ~~وعلى هذا قطع المسافة بين بيته عند رأس العزبة الكبيرة وبين مباني الإدارة عشرات المرات ~~يشرف بنفسه على الديك الرومي ويتذوق الخبز الذي أعد في بيته خصوصا للعزومة، وكان أهالي ~~العزبة حين يرمقونه في انبهار وهو داخل أو خارج من مبنى الإدارة يشعر هو بسعادة لا حد لها؛ ~~إذ هو الوحيد - بينهم جميعا - الذي له حق الكلام مع المأمور والبيه الوكيل والسلام على مفتش ~~الصحة. # وابتدأ التحقيق. # وجيء بكل امرأة وبنت من نساء الترحيلة بعد لكزها مرات لكي تخاف وتعترف، وجيء كذلك بنبوية ~~وهي متعلقة بسبت البيض لا تريد تركه وفيه - كما تقول - رسمالها، وسئل عبد المطلب الخفير ~~والأسطى محمد. # وانتهى التحقيق وثبت أن اللقيط مخنوق، وقيدت الجريمة ضد مجهول، وصرحت النيابة بدفن الجثة ~~الصغيرة في جبانة التفتيش، وتطوع عبد المطلب بتكفينه وتجهيزه ودفنه. # وأكل رجال الأمر والنهي الغداء وقالوا سلاما. # وانتهى اليوم. ~~••• # انتهى اليوم ليسلم التفتيش - إدارة وفلاحين وموظفين - إلى حيرة عظمى، فهم ما إن عرفوا ~~حكاية اللقيط حتى أراحوا أنفسهم وقالوا: الترحيلة. ولكن ها هي ذي الحقائق تثبت لهم أن ~~الترحيلة بريئة، وأن الفاعلة ليست منهم. حتى فكري أفندي المأمور الذي كان مصرا على أن ~~الفاعلة واحدة من الترحيلة بدأ الشك يتسرب إلى إصراره، ومع هذا فكلما رأى أنفارهم سارحين ~~إلى الغيط أو مروحين، رغما عنه تروح عينه تبحث بلا وعي ms025 عن النساء في الأنفار عله يلمح على ~~إحداهن فجأة علامات الفجر والحرام. وكان أول الأمر يمتعض ويجفل ولكنه بمضي الأيام أصبحت ~~نوازع غريبة تتحرك فيه كلما رأى بنتا أو امرأة من بنات الترحيلة، بل وجد نفسه - ذات مرة - يمزح ~~مع واحدة منهن، ومرة ادعى لنفسه وللناس أنه يزغد بنتا في صدرها ليزجرها، وارتطمت يده طبعا ~~بثديها، وروع قليلا حين وجده بكرا مكتنزا جامدا كالكرة الشراب. # أما البنت فقد دهش حين رأى وجهها يبهت فجأة وكأنما سحبت منه كل دمائه، ثم يغمق لونه في ~~التو وتحمر وجنتاها وتجفل وكأنها خجلت وغضبت، يا ألطاف الله! أممكن أن نساء الترحيلة تخجل ~~وتغضب هي الأخرى كبقية خلق الله؟ # أما بقية الناس في التفتيش فالمسألة لم تمر هكذا بسهولة، وكأنك ألقيت بحجر ضخم في ماء ~~راكد آسن. بدأت الاتهامات والشكوك تنهال من كل صوب، حتى لم تسلم واحدة من نساء العزبة ~~الكبيرة من الشك في أمرها مع علمهم التام أنهن جميعا بريئات، ولكن لا بد لكل خطيئة من ~~خاطئة، ولكل جريمة من فاعل، ولا بد أن يكون لتلك الجريمة فاعلة، والجريمة عرفوها، ترى من ~~تكون الفاعلة؟ # بل أكثر من هذا بدأ الشك يزحف من بيوت الفلاحين المنخفضة إلى بيوت الموظفين العالية، فبدأ ~~الفأر يلعب في عب مسيحة أفندي الباشكاتب، وبدأ يخاف أن يكون المحظور قد وقع، والحقيقة أنه ~~كان خائفا دائما أن يقع المحظور، بل أكثر من هذا هو دائم الخوف من المحظور وغير ~~المحظور. # مسيحة أفندي أرسخ الموظفين جميعا أقداما في التفتيش؛ إذ هو قد تربى فيه من أيام ~~البرنسيسة، وتدرج من نفر بالأجرة يرسله أبوه ليتعلم مبادئ الحساب والقراءة والكتابة عند ~~المعلم قيصر الباشكاتب القديم، كاهن الحسابات الأكبر الذي يعرف أسرارها وعلمها، يرسله أبوه ~~حيث يجلس تحت قدمي المعلم قيصر في وجل وتقدير، منتظرا - كالكلب الأمين - أن يلقي إليه معلمه ~~بين الحين والحين بحسبة من الحسب، فيتلقفها مسيحة الفتى واجف القلب خائفا خوف الموت أن يخطئ ~~في حلها، فيغضب منه الباشكاتب ويضن عليه ms026 بأسرار الحرفة. ومن أجل هذا فهو الأطوع له من بنانه، ~~يخدم في منزله ويذهب إلى البندر البعيد ويشتري حاجياته ويحافظ على زجاجة الزبيب أكثر من ~~محافظته على عينه، وإذا ما همهم المعلم قيصر لينطق تفتحت أذناه كلتاهما لكلامه، وإذا ما تكلم ~~لا يصغي إليه وإنما الأدق أنه يمد أصابع نهمة من أذنيه ليلتقط كل كلمة تخرج من فمه ويدسها ~~في رأسه بسرعة مخافة أن تضيع أو تتبدد؛ إذ من حساباته وكلماته سينتقل مسيحة من طبقة إلى ~~طبقة، ومن فتى مآله الزراعة والعمل بالفأس حتما إلى أفندي يجلس على مكتب ويعمل بذلك الشيء ~~الصغير الساحر: القلم. # كل كلمة يقولها المعلم قيصر كانت تثبت في عقله ويتشبع بها كالصبغة الأصلية التي لا تبهت، ~~كل كلمة حتى النوادر التي يحكيها، وأهم نادرة تلك التي حكاها له المرحوم ذات مساء فأصبحت ~~بوصلة حياته. # قال المعلم قيصر: الاتنين في اتنين بكام يا بني يا مسيحة؟ # فأجاب مسيحة كالتلميذ الشاطر: بأربعة يا معلمي. # ولدهشته أجابه المعلم: آه، عمرك ما ح تبقى باشكاتب يا مسيحة. # فحزن مسيحة جدا، وسأل معلمه عن سبب هذا وهو مغموم فقال له المعلم تلك الحكاية: أراد أحد ~~أصحاب الأرض أن يعين كاتبا عنده فأعلن هذا للناس، وصار يأتيه طلاب الوظيفة من مشارق الدنيا ~~ومغاربها ويقابلهم واحدا واحدا. وكان لا يسألهم أبدا عن مؤهلاتهم أو أسمائهم أو الأماكن ~~التي عملوا فيها، كان فقط يسأل الواحد منهم ذلك السؤال الذي سأله إياه: الاتنين في اتنين ~~بكام؟ # وكلما سأل أحدهم ذلك السؤال وقال له على الفور: أربعة، كان يقول له: اتفضل من غير مطرود. ~~ظل هذا يحدث إلى أن دخل عليه رجل كبير في السن يحمل تحت إبطه دفترا وفي يده جراب فيه دواية ~~حبر وريشة كما كانت العادة في الكتبة أيام زمان. وحين أصبح الرجل أمام صاحب الأرض سأله ~~السؤال المعتاد: الاتنين في اتنين بكام؟ # فقال له الرجل: الاتنين في اتنين؟ # قال: نعم. # قال له: استنى يا سيدي علي، أيوه أقول لحضرتك. # وجلس ، وفتح ms027 الدفتر الذي معه وأخرج الدواية والريشة وكتب على الورقة أمامه: اتنين في اتنين ~~يساوي أربعة. # ثم قال لصاحب الأرض: أيوه يا سيدي، الاتنين في اتنين بأربعة ما عدا السهو والخطأ. # حينئذ قال صاحب الأرض: بس، أنت اللي تاخد الوظيفة، مبروكة عليك. # الحرص والحذر وعدم ترك الشيء للصدف ذلك ما علمه إياه المعلم قيصر قدست روحه، وذلك ما جعله ~~يخلفه في وظيفته حين مات، وما جعله يعمل في التفتيش أكثر من أربعين عاما ماضيا على تلك ~~القاعدة بلا سهو أو خطأ، يقبل عليه مآمير ومفتشون ويذهبون وتباع الأرض وتشترى وهو وحده ~~الثابت الخالد، قابعا وراء مكتبه الضخم وعلى يمينه أكوام الدفاتر أقل دفتر منها يزن عشرة ~~كيلو جرامات، وعلى يساره أكوام. وهو العالم الخبير بكل أحوال التفتيش وتاريخه، يعرف كل فلاح ~~بالاسم والأب والأم، ويتذكر السلفة التي أخذها فلان حتى قبل أن يفتح الدفتر، يعامل الفلاحين - ~~رغم عشرته الطويلة لهم - بأبلغ الحذر ويختلط بهم ويضحك معهم ويستشيرونه في أحوالهم وأخص ~~خصائصهم، ولكنه دائما مسيحة أفندي الباشكاتب. # واللقيط جعل الفأر يلعب في عبه لأنه أدرى الناس بالإشاعات التي تروج في التفتيش وخاصة ~~تلك التي تروج عنه وعن عائلته. ومسيحة أفندي كان له ثلاثة أولاد: اثنان منهم في ثانوي ~~والثالث الأكبر أخرجه من المدارس وسعى حتى جعله كاتبا في عزبة قريبة. وكانت له ابنة واحدة ~~جعلها تأخذ الابتدائية ثم أقعدها في البيت تنتظر العريس، والعرسان قليلون؛ إذ من أين يعلم ~~العرسان بهذه الغادة الجالسة تنتظرهم في ذلك المكان النائي الكائن على شمال الدنيا؟ وحتى ~~كونها أجمل بنت في التفتيش لم يشفع لها. فبالمقارنة إلى بنات الفلاحين كانت لنده بيضاء ~~كالقطن المندوف. لونها وحده كان كافيا ليجعلها ملكة جمال، مع أنها كانت حين تسافر إلى ~~أقاربها في شبرا مصر مع أمها كانت الأم تسمع بأذنها همسات قريباتها والجارات بأن أنفها كبير ~~وفمها أوسع قليلا مما يجب، وقدها غير ممشوق وشعرها خشن أكرت. # ولكن هذا يحدث في شبرا مصر، أما في التفتيش فهي الجميلة بلا ms028 منازع، الجميلة إلى الدرجة ~~التي كان الشاب من شباب الفلاحين يدق قلبه بالانفعال حين يلمحها من بعيد تطل من شباك بيتهم، ~~أو تتمشى مع عائلتها وعائلة المأمور على الترعة. # والمشكلة في عائلة المأمور هذه؛ فزوجته الست أم صفوت فلاحة، أو هكذا تبدو حين تتحدث مع ~~الست عفيفة زوجة الباشكاتب التي تربت في مصر وتعلمت وتمدينت. ولأن الست أم صفوت كانت زوجة ~~الرئيس فقد كانت الست عفيفة على الدوام تحرجها وتظهر لها مدى فلحها وجهلها، وتفعل هذا ~~بلباقة شبرا وحذر زوجها مسيحة. وكانت أم صفوت تغضب وتركب - حينئذ - رأسها وتتحدى وتقضي الساعات ~~الطوال تلعن عفيفة أمام نساء الفلاحين وتنال منها. والمشكلة أيضا ليست في المأمور وعائلته، ~~المشكلة في ابنه الوحيد صفوت، كان في العشرين من عمره راسبا لثالث مرة في التوجيهية ~~مدللا من أبيه وأمه والفلاحين وكل قاطن في التفتيش. طوال النهار معلقا البندقية الخرطوش ~~في كتفه، مرتديا جلبابا بلديا أبيض مثل الجلاليب التي يرتديها الفلاحون كنوع من ~~العياقة، وبرنيطة صفراء ومنظارا أسود ومنقبا عن اليمام يصطاده، ولا يحلو له إلا صيد ~~اليمام. وكان لا يحلو له الصيد إلا على الترعة المارة من أمام بيت الباشكاتب. والعلة يعرفها ~~الجميع، فمن أعوام مضت والناس تتحدث عن الصائد واليمام، وعن سي صفوت والست لنده، والغرام ~~المشبوب الذي تحده الترعة، ويحده عدم وجود الفرصة واختلاف الدين ويحتبس في صدر صفوت، وينغلق ~~عليه صدر لنده بالذات، ولكنه أحيانا يطل بذراعها حين ترتفع وكأنها تمسك حديد النافذة، ~~ويعني ارتفاعها تحية مستخفية خجلة بصورة يقولون: إن لنده تحتفظ بها في ذلك القلب الذهبي ~~الذي يتدلى من عنقها المرمري الأبيض بخطابات يقولون إنها تتبادل عن طريق محبوب، ومحبوب هو ~~بوسطجي التفتيش؛ إذ لم يكن للتفتيش مكتب بريد، محبوب هو الذي يذهب إلى محطة قطار الدلتا ~~الكائن عند أول التفتيش، وحين يجيء القطار الصغير المتدحرج يتشعبط هو في النافذة المخصصة ~~للبريد ويعطي للمستخدم ما معه من خطابات مصلحية وأهلية ويتسلم منه الوارد من الخطابات، وكان ~~محبوب قصيرا جدا ، لا ms029 يكاد يبلغ طوله طول الأطفال؛ ولعله لهذا كان يسبق الناس ولا يمل من ~~التنكيت على نفسه. كان صغيرا وملامحه صغيرة وساقه كانت لا تتعدى الشبر، وفي نفس الوقت أغرب ~~بوسطجي؛ إذ لم يكن يعرف القراءة أو الكتابة ومع هذا ومن قلة أولئك الذين يأتي لهم خطابات في ~~التفتيش كان يعرف بطول المران الخطاب القادم من المنصورة للمأمور، من ذلك المكتوب بالقلم ~~الكوبيا وبخط مائل القادم من الجعفرية من قريب الشيخ شعبان له. # وهكذا كان محبوب يوزع خطاباته، يعطي لمسيحة أفندي الخطابات المصلحية ويوزع البقية على ~~أصحابها دون أن يخطئ في شخص أو عنوان، حتى الحقيبة التي كان يحمل فيها الخطابات كانت صغيرة ~~جلدها كالح مجعد، كجلد وجهه. ومحبوب كان متزوجا من زكية، واحدة من أضخم وأطول نساء ~~التفتيش، وكان الرجال حين لا يجدون شيئا يفعلونه يكتفون محبوبا ويحاولون إجباره على أن ~~يعترف لهم كيف ينام معها، ومحبوب يستغيث والرجال يضحكون لاستغاثته واعترافاته. وأغرب شيء أن ~~زكية كانت - على عكس زوجها - تجيد القراءة والكتابة، حتى إنها الوحيدة من بين نساء التفتيش ~~التي كانت تستطيع قراءة الجرنال، والجرنال الوحيد الذي كان يأتي إلى التفتيش كان هو ~~المقطم. ولا يدري أحد لم المقطم بالذات؟ ربما لأن الإدارة في مصر هي المشتركة فيه وهي التي ~~تختار، وربما لأن المقطم كان يهتم بنشر الأخبار الزراعية أكثر من غيره، وربما لأن أصحابه ~~كانوا هم الآخرين خواجات. # وكانت زكية مدمنة قراءة الجرنال، حتى إنها كانت تعترض طريق زوجها وهو قادم من المحطة ~~وتنزله من فوق الحمار بالقوة وتغتصب منه الجرنال، ولا تعطيه إياه إلا بعد فراغها تماما ~~منه. ومحبوب واقف عاجز يخاف منها أكثر مما يخاف لو تأخر عن المأمور، فهو يستطيع إلقاء عبء ~~التأخير على قطار الدلتا الذي ليس له مواعيد، أما زكية فأنى له أمامها بالقدرة على اختلاق ~~المعاذير، والعزبة التي يسكن وإياها فيها تقع قبل العزبة الكبيرة حيث الإدارة، وهي على ~~الدوام تنتظره وتقطع عليه الطريق؟ # كانوا يقولون: إن الخطابات يتبادلها صفوت ولنده عن ms030 طريق محبوب، تعطيه لنده الخطاب ~~وبدلا من أن يذهب به لقطار الدلتا يهرول به إلى حيث طلقات بندقية صفوت ولو كانت تدوي عند ~~آخر التفتيش، وله الحلاوة واليمام والبقشيش. # كان خبر هذا كله عند مسيحة أفندي، وكم من مرة أوقف محبوبا وفتشه مدعيا أنه يبحث عن ~~خطاب، وكل مرة لا يجد شيئا في حقيبة محبوب، ولا حتى في جيوبه حين يصر على تفتيش ~~الجيوب. # واليوم - وبعد هذا الحادث الغريب - لعب الفأر في عب مسيحة أفندي، ولم يكن وقت انصرافه من ~~المكتب قد حان مع أنه ليست هناك ساعات عمل محدودة، إلا أنه تعود أن يبقى في المكتب إلى وقت ~~الغداء، ولكنه يومها قام وغادر المكتب والإدارة وعبر القنطرة الحجرية وتوجه إلى بيته القائم ~~على رأس العزبة يتلقى تحيات الفلاحين بغمغمة لا يفتح فيها فمه. ومع هذا، وفيما هو فيه لا ~~ينسى أن يضم ذيل جلبابه ويرفعه مخافة أن تعلق قذارات الطريق. كان في زيه الدائم: الجلباب ~~الإفرنجي الأبيض الذي ليس له ياقة، والبالطو الأبيض والطربوش، جميعها بيضاء ولكنك لا تلمح ~~فيها بقعة. كثيرا ما عيرت أم صفوت زوجها المأمور حين يأتي لها ببنطلونه الأصفر متسخا ~~حاملا في ثنية ذيله الطين والحصى والتراب، تعيره وتقول له إنه لا يساوي قلامة ظفر مسيحة ~~أفندي الذي ما رأته أبدا وعلى ملابسه ذرة تراب، بل تبلغ بمسيحة أفندي شدة حرصه على ملابسه ~~أنه حين يسافر ويضطر اضطرارا إلى ارتداء البدلة الوحيدة التي يملكها، والتي تبدو على الدوام ~~جديدة وكأنها بنت العام مع أن عمرها لا يقل عن العشرة الأعوام بأي حال، يبلغ حرصه درجة أن ~~يضع منديلين حول ياقتها مخافة أن يتسرب عرق قفاه إليها إذا اكتفى بوضع منديل واحد. # بقامة قصيرة منحنية، وبوجه شاحب (إذ هو الوحيد بين سكان التفتيش الذي يعمل معظم نهاره في ~~ظل المكتب)، وبذقن خضراء كثة، وبملابس ملمومة نظيفة ارتقى مسيحة أفندي الدرجات القلائل التي ~~تؤدي إلى باب بيته، والباب مفتوح فلا تغلق أبواب الدور في الأرياف إلا لماما، ms031 ودخل. وكان ~~لمسيحة أفندي ضجة دخول معتادة ما إن يطأ عتبة الباب حتى يبدأ أسئلته واستفساراته وتعليقاته، ~~هيه، إنتو فين؟ بتعملوا إيه؟ بعت لكم الواد بالخضار، واتأخرتم في الغدا ليه؟ اللحمة ~~كانت عجوزة ولا إيه؟ دي كويسة، وانتي مالك يا لنده، ضرسك تاعبك ولا إيه؟ # يقول هذا وهو يهز رأسه هزات من يبحث بأنفه عن شيء، وينقب بعينيه الرماديتين عما خلف كل ~~شيء. ولكنه هذه المرة دخل صامتا واجما. وفي الصالة المضيئة - أكثر من اللازم - كانت عفيفة ~~زوجته جالسة أمام طبلية صغيرة ومعها أم إبراهيم زوجة فقي التفتيش، ودميان سلفها أخو مسيحة ~~أفندي، وكان الثلاثة يصنعون «شعرية»، ودميان يمسك العجينة ويفتلها بيد وبيده الأخرى كان ~~يقرأ الفنجال لأم إبراهيم ويقول لها: ح تشوفي خير بعد نقطتين. قولي يا رب. # وكاد مسيحة أفندي ينهر أخاه، ولم تكن هذه أيضا عادته، فهو يعرف - مثلما يعرف كل الناس - أن ~~أخاه معتوه، وأن عقله يبدو أنه قد كف عن النمو مذ كان طفلا، فأصبح له جسد رجل قصير كأخيه ~~في الخامسة والثلاثين، وعقل طفل في العاشرة، وذقن سوداء كثة كفرشة الملابس لا يحلقها إلا كل ~~حين وحين. جلبابه الكزمير لم يتغير أبدا، وطاقيته ذات الحائط والمصنوعة من نفس قماش الجلباب ~~على رأسه عمره ما خلعها، وعمله الخدمة في بيت أخيه، ينظف النحاس ويقيس الدواجن، ويعلم أرجل ~~الكتاكيت حتى لا تتوه مع كتاكيت الجيران، ويغسل الملابس، ويحضر الطلبات من الدكان، ويرعى ~~الأولاد ويمسح أحذيتهم، ويفعل هذا كله وهو يحيا في ملكوت طفولي من صنعه، يقابلك في منتصف ~~الطريق فتقول له: إزيك يا خواجة دميان؟ فيوقفك قائلا: الله يسلمك، ثم يرفع وجهه إلى السماء ~~وكأنه يقرأ ما كتب لك، ويبلل سبابته وإبهامه بلعابه ويضعهما فوق ظهر يده اليسرى، ثم يرفعهما ~~ويقول لك: إن شاء الله سعيد. لعبة كبيرة للأطفال، ولعبة صغيرة للرجال، ولعبة رجالي للنساء، ~~وكل ما كان يهم النساء، وأحيانا، هو هل دميان ينفع النساء أم لا ينفعهن؟ بعضهن يقلن إن ~~الست عفيفة لا تستخبى ms032 عليه وتعامله كصبي حريم. وبعضهم يقول: لا، إن ذقنه الكثة السوداء خير ~~دليل على رجولته. ويسألونه: لماذا لم تتزوج يا دميان؟ فيضحك ضحكته الغريبة التي تبدو وكأن ~~رجلا يحاول أن يقلد ضحكة الأطفال ويقول: إلهي ربنا يخليك. حتى لقد بلغ العبث به إلى حد أن ~~بعضهم كان يطلب منه أن يسلم، فكان يقول لهم: أنا مسلم وموحد بالله، ويقرأ الفاتحة وآية ~~الكرسي، ورغم هذا فقد كان هناك رأي يقول إن دميان خبيث ولكنه يستعبط. المحرج في الأمر أن ~~دميان كان شقيق مسيحة أفندي الباشكاتب، وأن تسخر من شقيق الباشكاتب أمر محرج، أو أحيانا ~~أمر مبهج، وكأن الفلاحين يبهجهم أنهم يستطيعون أن يسخروا من الإدارة في مواجهتها حين يسخرون ~~بدميان. # عسعس مسيحة أفندي بعينيه في الصالة والحجرة القريبة المفتوحة، ولكنه لم يلمح لنده. ~~وأخيرا - وحين لم يجد بدا - سأل عنها زوجته، فقالت له: تعبانة شوية، وهب فيها مسيحة أفندي ~~وكأنه فوجئ: تعبانة ليه؟ ما لها؟ وما قولتليش ليه؟ دي نسوان إيه دي؟! وهي فين؟ # قالت له عفيفة: إنها راقدة على فراشهما، وبخطواته المتدحرجة وصل مسيحة أفندي إلى حجرة ~~النوم. حجرة نوم عتيقة بالية بالغة القدم، نفس «جهاز» عفيفة الذي دخلت به من أعوام كثيرة ~~مضت. الدولاب بلا ضلف، والسرير جددت ألواحه مرات، وعمدانه عليها بيض ذباب أسود متجمد، ~~والناموسية معلقة من ثلاث نواح فقط والرابعة مقطوعة. كانت الناموسية مسدلة، وحتى قبل أن ~~يرفعها قال - والفأر قد بدأ يزداد لعبا في عبه: ما لك يا لنده؟ # ووجدها نائمة وحسب أنها تتناوم وازداد قلبه اضطرابا، ورفع الناموسية وواجهها. كان شعرها ~~الأصفر المجعد الذي ما رآه أحد إلا مرتبا وأنيقا ومعتنى به، وكأنما تدرك صاحبته بغريزتها ~~خشونته فتحاول باستمرار أن تجعله يبدو حريريا ناعما. كان شعرها منكوشا وخصل منه تغطي ~~جبهتها، وعيناها منتفختان قليلا وكأنما انتهت صاحبتهما من نوبة بكاء. # سألها أبوها عما بها فقالت له: عندي مغص، ولأمر ما، ربما من الطريقة التي قالتها بها، ربما ~~من مرآها بشعرها هذا وعينيها المنتفختي الجفون، ms033 لأمر ما أحس مسيحة أفندي - فجأة وبشكل قاطع - أن ~~بنته لنده هذه لا بد أن تكون هي التي ارتكبت جريمة الصباح. إحساس دفعه لأن يتوقف عن ~~استرساله في الكلام، ويحدق فيها وكأنما يراها وكأنها ليست ابنته، وكأنها أنثى داعرة، لأول ~~مرة في حياته، وبين شكه في هذا ويقينه من أنها ابنته، راح مسيحة أفندي يمسحها بعينيه ~~الضيقتين ويتحسس يدها وبطنها مدعيا أنه يسألها عما بها، وبطنها بالذات، لم تكن له ليونة ~~بطون الوالدات ولكنه كان يوجعها. # الشك لم يكن مسيحة أفندي قد أحسه أبدا إلا تجاه الآخرين، تجاه الفلاحين والمآمير والإدارة ~~وكل الناس. لم يكن أبدا قد أحسه تجاه نفسه أو من هم في حكم نفسه، تجاه عائلته، تجاه ~~ابنته لنده بالذات. حياتها علنية أمامه وأمام أمها وأمام الناس، وحتى إشاعة رسائل العيون ~~والنظرات والإشارات بينها وبين صفوت تكاد تكون علنية هي الأخرى، وحياتها العلنية هذه هي كل ~~حياتها، فهل من الممكن أن تكون لها حياة أخرى، حياة تزاولها مع صفوت ابن المأمور في الظلام؟ ~~ليت الأمر جاء على شكل أسئلة حيرى تريد الإجابة. الأمر جاء على شكل حمى داخلية اجتاحت مسيحة ~~أفندي دون أن يكون في استطاعته النطق أو التنفيس. لنده مغصها قد يكون حقيقيا وقد يكون ~~حجة وستارا، وزوجته عفيفة قد تكون - على عهده بها - كثيرة الرغي واللت والتعليق، ولكنها رفيقة ~~عمره الوفية الأمينة، وقد لا تكون كذلك، قد تكون هي المتسترة على بنتها، بل وما أدراه أنها ~~لا تتستر أيضا على نفسها؟ # لم يعد في وسع مسيحة أفندي أن يبقى بالحجرة، فقد أحس أنه يختنق وأن ليس باستطاعته الكلام. ~~غادرها إلى الصالة حيث الشعرية والمجتمعون حولها، رأته عفيفة متغير السحنة فسألته عما به، ~~وهمهم وغمغم ولم تفهم مما قاله حرفا. نادى على دميان أن يتبعه وغادر البيت وتلكأ ليلحقه، ~~وشهد جسر الترعة الممتد أمام البيت أغرب حوار يدور بين الأخوين. الدنيا حارة لافحة، والشمس ~~في كبد السماء تتوهج ملايين أفرانها وترسل على الكون حممها، ومسيحة أفندي سائر ms034 وبجواره ~~دميان يحاول - لأول مرة في حياته - أن يحدثه حديثا جديا، حديث الأخ لأخيه، يحاول أن يسأله ~~إن كان قد لاحظ شيئا أو فطن إلى شيء، يسأله عن صفوت ولنده، والحرام والحلال، ودميان سادر ~~في رواية غريبة عن دجاجة كل يوم يقيسها فيجد فيها بيضة، ولكنها لا تبيضها، مؤكدا أن البيضة ~~لا بد فيها سر، وقد تكون مفتاح كنز ما خائف إن هم ذبحوا الدجاجة أن يذهب ما فيها من كنز ~~وسر، وإن هموا تركوها أن يسرقها الجيران. # وأخيرا لم يعد مسيحة يحتمل، زجره بعنف وسبه وتركه ومضى، ووقف دميان حائرا لبعض الوقت وقد ~~توقف عن استرساله، ثم ما لبث أن أدرك أن أخاه سبه وشتمه، ويبدو أن تلك أول مرة كان يحدث ~~فيها هذا؛ إذ ما لبث أن راح يبكي وقد خلع طاقيته يجفف بها دموعه، وبدت رأسه صلعاء تقدح ~~شررا تحت الشمس. ~~••• # في نفس ذلك الوقت كان صفوت ابن المأمور متكئا في شبه غيبوبة على مسند الكنبة الوحيدة في ~~بيت أحمد سلطان كاتب الأنفار في التفتيش، وتلك كانت جلسة صفوت المختارة، حين ينتهي أحمد من ~~عمله ويئوب إلى بيته، فيضطجع الاثنان أحيانا حول «الجوزة»، وأحيانا حول امرأة وأحيانا ~~حول فنجال. أحمد سلطان هو الأعزب الوحيد بين موظفي التفتيش، وهو أيضا الوحيد الذي يقطن ~~بمفرده في بيته الملاصق لبيت مسيحة أفندي. ومن بين الموظفين جميعا فإن أحمد سلطان هو ~~الوحيد القريب إلى قلب صفوت. كان شابا مثله، وأهم من هذا كان أكبر منه في السن والتجربة ~~والمعرفة الأكيدة. لم تكن صداقة بالمعنى المفهوم هي التي تجمعهما، فأحمد سلطان في معاملته ~~لصفوت لا ينسى أبدا أنه ابن المأمور رئيسه ورئيس التفتيش، وفي معاملة صفوت لأحمد حد معين ~~من التحفظ. فأحمد هذا لا يجيد القراءة والكتابة والله أعلم كيف وصل إلى وظيفته تلك، شتان ~~بينه وبين صفوت الذي يستعد لدخول الجامعة وإكمال تعليمه في القاهرة. ولكن - مع كل هذه ~~الاعتبارات - فتآلفهما مضرب الأمثال، وأيضا مبعث شقاء فكري أفندي المأمور الذي كان ms035 لا ~~يطمئن أبدا إلى أحمد سلطان، ولم يفلح زجره ولا حتى الشجار العنيف في فصم هذه ~~العلاقة. # كان صفوت متكئا على مسند الكنبة يتبادل هو وأحمد سلطان سيجارة ملغمة، يتناوبان أخذ ~~أنفاسها وهما حريصان في نفس الوقت على إبقاء طفيتها عالقة بالسيجارة، وكأنما لو وقعت الطفية ~~ذهب المزاج. وكان ثمة حديث يدور، وأهم خبر في ذلك اليوم كان هو حادث اللقيط، وطبعا كان ~~الحديث يدور حوله. # والواقع أن ما كان يدور لم يكن حديثا بالمعنى المفهوم. كان صفوت في قمة انفعاله لمعرفة ~~علاقة أحمد سلطان باللقيط، وكأن قد ثبت لديه - بطريقة قاطعة - أن بينهما علاقة ولم يبق إلا أن ~~يعرف كنهها. ولكنه كان لا يريد أن يبدو في عين أحمد سلطان كالطفل المحب للاستطلاع، كان ~~يريد أن يجعله يعتقد أن أسئلته إنما هي أسئلة رجل مجرب لرجل مجرب. ولعل هذا هو السبب في ~~طريقة جلوسه على الكنبة حيث كعى كعية رجل مجرب ذكي خبير، ولعله أيضا السبب في تلك ~~الابتسامة التي قصد منها أن يقول لمحدثه: أنا كاشفك قوي! بل حتى مداعبة شاربه، الشارب ~~الباهت الذي لم يتعد عمره العام الواحد، والذي تعمد صاحبه أن يحيطه بالرعاية وينميه لكي يبدو ~~ابن أعوام. حتى مداعبة الشارب كانت تتم بروية وكأنها مداعبة كبير لشاربه الكبير. # وكان أحمد سلطان ينصت وابتسامة كبيرة لا تغادر ملامحه. ابتسامة كان صفوت يحس أمامها ~~دائما أنه مهما قال وتحدث عن مغامراته فهو صغير، مجرد تلميذ خائب في مدرسة أحمد سلطان ~~ناظرها. ابتسامة يظن صفوت أنها ابتسامة تهكم وسخرية، مع أنها قد لا تكون كذلك. # ظل صفوت يتحدث وأحمد سلطان ينصت، وأخيرا بدا أن صفوت قد كف عن إخراج كل ما في جرابه ~~وأفلس، فقال لأحمد: أبو حميد، بذمتك ابن مين ده؟ # هنا قهقه أحمد سلطان، واحدة من قهقهاته العاليات التي كانت تسمع في بيت مسيحة أفندي، ~~وكلما سمعها مسيحة - تخترق الجدران وتصل إلى آذانه وتكاد تخرقها - اشمأنط، ولوى بوزه، وأفلتت من ~~فمه كلمة سباب. ولأمر ما لم ms036 يطمئن صفوت لقهقهة سلطان، وحسبها أنها قهقهة تهكم هي الأخرى، ~~ولعل هذا هو السبب في أنه استطرد قائلا: تعرف إنك غويط قوي، كده ولا لأ؟ # وقال أحمد - وقد آبت قهقهته إلى ابتسام: ليه؟ # ومضى صفوت يشرح له لماذا هو خبيث وغويط، وكيف يستحل لنفسه أن يقوم بمغامرات أخرى - لا ~~يعرفها صفوت ولا تصل إلى علمه - مع أنهما في الخير والشر سواء. # وحاول أحمد أن يغير الموضوع ويسأل صفوت عن آخر أخباره مع لنده. والحقيقة أن ذلك الموضوع ~~كان هو موضوع صفوت المفضل لا يمل الحديث عنه، ولا تخلو جلسة مع أحمد سلطان منه. فعلى الرغم ~~من كل شيء، على الرغم من بندقية الصيد المعلقة في كتفه ومغامراته في القاهرة وعاصمة ~~المديرية، وعلاقاته الطياري مع بعض نساء التفتيش وبناته، فقد كانت لنده تحتل من قلبه مكانا ~~خاصا تحيا فيه باستمرار. لم يكن قد قابلها كثيرا، وكل ما دار بينهما من حديث لم يتعد ~~جملا تعد على الأصابع، تبادلاها خلال علاقة استمرت سنين طويلة بين عائلتيهما ولكن كان هناك ~~شيء يحسه في نفسه تجاهها ويحسه في نظراتها تجاهه، شيء غير منطوق أو مرئي، ولكنه موجود وقائم، ~~يغذيه بشجن خفي يدغدغ أحاسيسه الداخلية، ويجعله كلما شعر به يريد أن يبكي فعلا، أو أن يضحك، ~~أو يهدم سراية التفتيش وكل مبانيه. وأحيانا حيث يتمشى على الترعة تجاه بيت مسيحة أفندي، ~~ويجد لنده واقفة في الشباك بعيدة، يبدو وجهها ناصعا تحوطه هالة النافذة المظلمة، حين ~~يراها هكذا يحس بتيار غريب قد سرى فيه وجعله يريد أن يطير ويغني، أو يقف في مكانه لا يفعل ~~شيئا بقية حياته إلا أن يمد بصره خلسة بين الحين والحين ليجدها تنظر ناحيته أو على الأقل ~~ناحية الترعة. وآه لو رفع البندقية في الهواء ونقلها من كتف إلى كتف محاولا أن يجعل من ~~النقلة إشارة تحية، ورفعت هي يدها اليمنى وصعدتها لتمسك بها حديد الشباك من أعلى وكأنها ترد ~~التحية، حينئذ تميد به الأرض ويظل طوال يومه وكل ليله يتذكر ms037 اللحظة، ويعيد الحركة ببطء ~~أمام عينيه وهو سادر بعيدا عن الدنيا وأهله والتفتيش، في غيبوبة منتشية لا يريد أن يصحو ~~منها. # وأحمد سلطان هو مكمن سره. في حجرة نومه الخالية تقريبا من الأثاث يترك صفوت نفسه على ~~سجيتها، ويقص على أحمد سلطان دقائق ما حدث كلما حدث شيء، ودائما تختتم الجلسة بذلك السؤال ~~الحائر: ترى هل تحبه لنده؟ # كلما سأل هذا لأحمد أكد له أنها تحبه، ولكن تأكيده ليس مهما. المهم هو ابتسامته ~~التي ينطق بها تأكيده! لو فقط يؤكد له مرة بلا ابتسامة لآمن - حقيقة - بصدق ما يقول. # وكان حريا بصفوت أن يستجيب للباب الذي فتحه أحمد ويخوض معه في سيرة لنده، غير أن هذا لم ~~يكن هدف صفوت في ذلك اليوم. كان يريد أن يعرف هو عن مغامرات صديقه، أو - على الأقل - تلك ~~المغامرة التي من المحتمل أن تكون قد أدت إلى هذا اللقيط الميت. # ويبدو أن إصرار صفوت قد فعل فعله، فبعد سيجارتين انفكت العقدة عن لسان أحمد سلطان، ومضى ~~يحدثه، أو بالأحرى يعترف له، وراح يقول له: وعارف مرات الحج بدوي وبنتها؟ # فيقول صفوت: هيه؟ # فيعود أحمد سلطان يقول: وحياتك كانت واحدة منهم في الأودة هنا معايا على السرير اللي ما غيروش الزمان، والثانية ~~مستخبية فوق السطح، وعارف البت دي اللي كانت بتشتغل مع الأنفار اللي بيفرزوا القطن؟ البت ~~الهايشة دي؟ # فيقول صفوت: أنهي واحدة؟ ~~- البت الطويلة الهايشة دي. ~~- آه. ~~- وحياة شرفك هي التي قالت لي بعضمة لسانها: خدني. ~~- وعملتها؟ ~~- يعني أكسفها يعني يا سي صفوت؟ # وشهدت حجرة أحمد سلطان في تلك الليلة روايات كاد يقف لها شعر صفوت، روايات جعلته يعتقد ~~أنه - بكل مغامراته وما فعله - ليس سوى قطرة من بحر أحمد سلطان. بل الأمر لم يقتصر على هذا، ~~ولم تقتصر اعترافات أحمد سلطان على نفسه. تعدتها الاعترافات ومضت بكلمة وراءها كلمة وحقيقة ~~إثر حقيقة، تكشف عن الوجه الآخر لحياة التفتيش، الوجه المستتر دائما الذي لا يظهر أبدا ~~ولا يطلع عليه أحد، الوجه المعقد المتشابك ms038 الحافل بكل ما هو أغرب من الخيال، علاقات بين ~~أبناء ونساء آبائهم، وبين فاضلات وفاسقين، وفاسقات وفاضلين، وحجاج و«تملية»، وحتى الموتى ~~وردت في الحجرة سيرتهم. # وأخيرا وبعد مقدمة طويلة ساقها صفوت للتدليل على حياده، وعلى أنه فقط يريد أن يعرف - ~~بصرف النظر عن علاقته الشخصية بالمسألة - طرق صفوت الموضوع الذي من أجله جلس تلك الجلسة ~~واستغرق كل تلك المدة الطويلة في جس النبض، سأل أحمد سلطان - وهو يستحلفه بكل مقدس وشريف - أن ~~يقول الحقيقة، سأله عما يعرفه عن الوجه الآخر للنده. # وهذه المرة - وبوجه جاد وملامح لا تحتمل الشك - نفى أحمد سلطان أنه يعرف عنها أي شيء يدعو ~~للخجل. وعاد صفوت يلح في سؤاله، وعاد أحمد يلح في نفيه وتأكيده. # ومع هذا، وحين قام صفوت وقد بدأت الشمس تستعد للمغيب، حين قام ليستعد هو الآخر للرجوع إلى ~~بيتهم، كان لا يزال غير مطمئن تمام الاطمئنان إلى ما قاله أحمد سلطان عن لنده. ~~••• # أما أحمد سلطان فقد ظل برهة طويلة جالسا على نفس المقعد «الجريد» ذي المساند الذي كان ~~يجلس عليه، يحدق في سقف الحجرة ومن خلال نافذتها الوحيدة، ويتأمل. ثم بدأ لمعان غريب يتسرب ~~إلى عينيه، لمعان كومض الجنون أو برق النشوة. ثم بدأ يتململ في كرسيه وكأن مشكلة كبرى ~~تحيره، ولكن تململه لم يدم طويلا فما لبث أن قام من مكانه وغادر البيت. وظل وقتا يحوم في ~~شارع العزبة الرئيسي بحذر - مع أنه الوحيد بين رجال الإدارة الذي كان قد كسر قانون عدم ~~اختلاط الموظفين بالفلاحين - حتى أصبح وجوده في قلب شارع العزبة أو في أحد بيوتها أمرا لا ~~يثير اندهاشا أو تساؤلا. وعند باب بيت مفتوح توقف قليلا، وبهفة من ثوبه وإشارة من يده ~~كانت الجالسة في الداخل قد أدركت هدفه وفهمت أنه يريد لقاءها عند الجامع. # والجامع كان يقع في زاوية العزبة الغربية، جامع مبني بناء رخيصا من الطوب النيئ، ~~ومئذنته قصيرة تبدو كالإصبع المرفوعة المبتورة، والطريق إلى الجامع خال في أغلب الأحيان؛ إذ ~~نادرا ما يستعمل ms039 للصلاة إلا في يوم الجمعة، أما بقية الفروض فيؤديها الفلاحون في «المصلى» ~~المقام على الترعة، والذي كان مقامه في أول الأمر على الخليج في مواجهة المنزل الذي يقطن فيه ~~المأمور، ولكنه أمر بهدمه وعدم استعماله، وأقام ذلك المصلى الآخر؛ إذ كان يضايقه - إلى درجة ~~الغضب - مرأى الفلاحين وهم جلوس في المصلى أمام بيته «يجرحون» البيت وسكانه، على حد تعبيره، ~~والأدهى من هذا حين يقبلون في الصباح الباكر ويخلعون ملابسهم ليغطسوا في الترعة ~~ويتطهروا. # لم يمض وقت طويل على أحمد سلطان - في ذهابه ومجيئه وراء الجامع - حتى بدا له من خلال ظليمات ~~المغرب ذلك الثوب الأسود الفضفاض الذي يعرف صاحبته، كانت أم إبراهيم زوجة فقي الجامع وخطيبه ~~ومؤذنه، امرأة فارعة الطول قمحية ذات قدرة خارقة على وضع الكحل في عينيها وحبك المنديل على ~~جبينها وإمساك طرف ثوبها بيدها، وهفها باليد الأخرى حين تمشي وتتمخطر. # وكانت معرفتها بأحمد سلطان وطيدة؛ إذ كانت من أوائل من عرف من النساء حين جاء أول ما جاء ~~إلى التفتيش، ثم تطورت تلك «المعرفة» إلى نوع من الصداقة، تطبخ له أحيانا، وتهاديه بطبق ~~قشطة أحيانا أخرى، مع أنها كانت قد فقدت الأمل فيه وفي تجدد علاقتهما. # سلم عليها أحمد سلطان بحرارة، وقرصها في بطنها كعادته في الأيام الغابرة، وبعد عتاب طويل ~~منها وحجج منه قال لها: عايزك في حاجة. ~~- اؤمر. ~~- لنده. # قال الكلمة وسكت، ولم تسأله هي أيضا منتظرة أن يكمل، وخائفة في الوقت نفسه ألا يكمل، هي ~~فاهمة وهو فاهم ولا داعي للتغابي. # قالت - بعد وقت وبعد أن تأملت بسمته وملامحه الحلوة: بس دي صعبة ما أقدرش عليها. ~~- إييه؟ # قال أحمد هذا وهو يقرصها مرة أخرى في بطنها، وقوست هي نفسها لتبعد بطنها عنه ولتقرب ~~وجهها منه وتحاول أن تثنيه، ولكنها كانت تعرف أن محاولتها فاشلة، فما صمم على أن ينال شيئا ~~إلا ناله، وما يقوله إن هو إلا أمر عليها أن تطيعه. # صمتت برهة، ثم انفرجت ملامحها قليلا وابتسمت، ورفعت سبابتها وأشارت إلى عينها اليمنى ms040 ثم ~~إلى عينها اليسرى، وكأنها تقول: من عيني دي ومن عيني دي. # وفي ذلك الوقت جاءهما من بعيد صوت خشن مبحوح يؤذن لصلاة العشاء، صوت «أبو» إبراهيم. ومع ~~أن صاحبه كان بعيدا عن المصلى حيث الأذان والصلاة، إلا أن الصوت هبط عليهما فأنهى المقابلة ~~في الحال. واستدارت أم إبراهيم تطقطق بشبشبها عائدة وكأن صوت أبي إبراهيم قد فاجأها متلبسة، ~~أما أحمد سلطان فقد مضى على مهله، ينظر إلى العزبة والأضواء القليلة المبعثرة فيها ويشم ~~رائحة الأرز والسمك والبصل وهي تختلط بروائح الدخان القابضة، ويتأمل الليل المحيط الكبير، ~~ويحلم بلنده حين تأتي ذات مساء إلى بيته، إلى حجرته العتيدة، خجلى خائفة، وكيف سيؤنس ~~وحشتها، وسيحيل خجلها بقدرته الخارقة إلى جرأة ودلال وإقدام. ~~••• # طال العشاء على غير عادته، واستمرت السهرة القصيرة التي تعقبه جزءا أطول من الليل، وظل ~~جنيدي فاتحا دكانه مشعلا «كلوبه» إلى ما بعد العاشرة، وعلى حائط القنطرة الحجرية امتدت ~~جلسة الرجال، وكان لا حديث إلا عن اللقيط. # ولم تكن العزبة الكبيرة وحدها هي التي شغلت بالحديث، فقد انتقل الخبر إلى العزب المجاورة، ~~بل والقرى المجاورة أيضا، حمله إليها «الشغيلة» الذين يعملون في التفتيش ويقطنون في تلك ~~القرى. فالحادث جلل والحياة في التفتيش تمضي سهلة لينة لا يعكر صفوها إلا خناقة تنشب بين ~~اثنين أو سرقة صغيرة ترتكب. أما أن يعثروا ذات صباح على لقيط مقتول، فذلك أمر تنعقد له ~~المجالس ولا تنفض، ويختلف الناس حوله ولا يتفقون، والناس في التفتيش يجيدون الكلام، تلك ~~طبيعة جبلوا عليها واشتهروا بها، بل يقولون إن سببها هو السمك الذي يكاد يكون الطعام ~~الرئيسي لأهل التفتيش وأهل المنطقة بأسرها. يجيد الواحد منهم حكي الحكاية وإبراز تفاصيلها، ~~ويجيد إيراد الحجج وتفنيدها، حتى نطقهم للحروف، تجده - من كثرة استعمالهم للكلام - واضحا ~~لا لبس فيه. الحديث لديهم هواية، بل يكاد يكون هوايتهم الوحيدة ولهم فيه نوابغ أولئك الذين ~~إذا حضروا مجلسا كان لسانهم أذلق لسان وتصدروه. نوابغ كثيرون، الأسطى محمد أحدهم ومحمد أبو ~~طلبة، وسيدهم جميعا الشيخ ms041 عبد الوارث الكبير. والشيخ عبد الوارث لا يجيد الحديث فقط، ولكنه ~~أيضا يجيد الفلاحة، والفلاحة حرفة فيها المهرة والكسالى، والأغبياء والأذكياء، فيها الذي ~~يحدد بنفسه ميعاد الري، وفيها من يروي أرضه فقط لأن جاره أروى. والشيخ عبد الوارث يكاد يكون ~~أكثر أهل التفتيش حذقا للفلاحة، بل يكاد يكون المستشار الدائم للفلاحين إذا أعيت أحدهم ~~الحيل في أرضه. وهو بشاربه الذي ليس بالكث أو الرفيع، وعمامته النظيفة دائما وبشرته ~~السمراء وعينيه البنيتين الواثقتين، كانت كلماته المطمئنة البطيئة فيها القول الفصل في كل ~~خلاف ينشأ، بل كان المأمور لا يبت في أمر من الأمور الكبرى في التفتيش مثل ميعاد زرع الأرز، ~~أو حرث أرض القمح وتسويتها لاستقبال حبات الأذرة، إلا بعد أخذ رأي الشيخ عبد الوارث، إذ ~~رأيه دائما فوق رأي مستشاريه من الخولة وكبار الفلاحين. # وكان الشيخ عبد الوارث يتصدر الجالسين أمام دكان جنيدي، ولأول مرة كان يبدو عليه أنه بلا ~~رأي. كانت الآراء كلما تلاطمت واختلفت ونظر الجالسون إليه يستطلعون ملامحه وينتظرون قوله، ~~كان لا يفعل شيئا أكثر من أن يتنحنح كالمحرج، ويقول: الله أعلم يا جماعة. # وحتى لم يطل بقاؤه معهم، لم يلبث أن استأذن وقام مدعيا أنه لم يصل العشاء، وعليه أن ~~يصليها قبل أن يدهمه النوم. # وبقي الجالسون - مثلهم مثل الساهرين عند القنطرة أو في البيوت - حائرين، والغرابوة بدا أنهم ~~بريئون من التهمة، والعزبة لم تترك امرأة فيها أو بنتا إلا ونوقشت سيرتها وتأكد الناس من ~~أنها ليست الفاعلة، لم يبق إلا أن اللقيط من عزبة مجاورة أو من قرية أخرى، ولكن السؤال كان: ~~لماذا يكبد أحدهم أو إحداهن نفسه أو نفسها مشقة السير الطويل لإلقاء اللقيط وكان بوسعه أو ~~بوسعها أن يتركه في قلب الغيطان؟ # بيتان فقط من بيوت التفتيش لم يناقش فيهما أمر اللقيط أو جاءت سيرته. بيت فكري أفندي ~~المأمور الذي سألته زوجته على الغداء عن قصة الجنين، فاكتفى بأن غمغم بضع غمغمات تعرفها أم ~~صفوت جيدا، وتعرف أنه لا يقولها إلا حين يود ms042 إقفال باب الحديث. وحين يريد فكري أفندي إقفال ~~باب الحديث فمعنى هذا أن باب الحديث يجب أن يقفل، فهو رجل لم يتزوج امرأة تشاركه حياته، ~~تزوج واحدة تخدمه، واختارها حلوة تجيد الطبيخ ولا تعرف شيئا عن ذلك العالم الغريب الكائن ~~بعد باب المنزل والحافل بالشرور والآثام. # ولهذا فقد كان يجد الحرج البالغ كلما دعيت زوجته لزيارة بيت مسيحة أفندي، أو جاءت عفيفة ~~وأولادها لزيارتهم. في عرفه أن تلك الزيارات هي الأخرى بدعة لا تجوز، والزوجة شيء خاص به لا ~~يجب أن يطلع عليه أحد، ولا حتى نساء غيره. الحديث عن اللقيط حينئذ مع زوجته أمر خبيث لا ~~يجوز الخوض فيه؛ إذ هو شيء يمت إلى العالم البغيض الفاجر، عالم ما وراء الباب. # أما في بيت مسيحة أفندي فلم يجسر أحد على فتح باب الموضوع، فالأب كان مغموما لا يدري أحد ~~لم؟ ولنده راقدة لا يزال المغص رابضا في بطنها، في المساء فقط وحين أوى مسيحة أفندي وعفيفة ~~إلى فراشهما وراحت هي في النوم العميق ظل هو - بعده - يتأملها في رقدتها، برقبتها الرفيعة ~~الطويلة التي كثيرا ما تلف حولها منديلا، وشعرها الأكرت الأسود القصير الذي أورثته ~~لأولادها. ظل مسيحة يتأملها برهة يكاد يلكزها بكوعه لتستيقظ وتشاركه حيرته، غير أنه لم يفعل؛ ~~فالموضوع الذي يشغل باله لم يكن يستطيع أن يصرح به لأحد، حتى لو كان هذا الأحد زوجته عفيفة، ~~وكيف يصرح لها بالهواجس الغريبة التي تطوف في باله وتلح عليه؟ # كان شكه في مرض لنده قد ازداد إلى درجة بدأ يفكر فيها أن يأخذها إلى الطبيب في المركز في ~~اليوم التالي ليكشف عليها، لا ليرى إن كانت مريضة حقيقة، ولكن ليرى أيضا كنه ما حل بها. ~~البنت تعدت سن الزواج، وهي حلوة وموفورة الصحة وتحيا في فراغ كبير، ومن الجائز جدا أن ~~يكون الشيطان قد أغواها. # كان قلب مسيحة يهبط كلما وصل إلى هذا الحد من تفكيره، كان يحس به حقيقة يهبط، وكأنه يسقط ~~من عل، ولكن الهواجس لا ترحمه، تمضي ms043 تصور له ما يمكن أن يحدث لا قدر الله، الفضيحة وخيبة ~~الأمل والحيرة العظمى، فمن المحال حينئذ أن يتزوجها ابن المأمور لألف سبب وسبب تراه ماذا ~~يصنع حينئذ، وبأي وجه يحيا في التفتيش، وبأي صورة يواجه الناس؟ # وتستبد به الخواطر عنيدة فارضة نفسها عليه، تلهب عقله وتجعله يتقلب في الفراش ناظرا بحقد ~~إلى عفيفة المستغرقة في سابع نوم، مخنوقا بالدموع المحتبسة في حلقه التي لا تريد أن ترحمه ~~هي الأخرى وتسيل من عينيه. # وبينما هو في خضم ذلك الكابوس الرهيب عن له سؤال: أليس من الجائز أن يكون مخطئا؟ ماذا ~~لو ثبت أن اللقيط مثلا ابن واحدة من الغرابوة، ألا يعد تفكيره على هذا النحو واتهامه لابنته ~~وطعنه شرفها ضربا من الجنون والعته؟ # تشبث مسيحة أفندي بالخاطر، وكأن فيه إكسير نجاته، واندفع يبحثه على وجوهه ويقلبه، وكلما ~~فعل هذا بدأ قلبه يعود إلى مكانه من صدره وبدأت حركته تقل وبدأ يتنفس براحة وحرية، وبدأت ~~تثاؤبات النوم تأخذ طريقها إلى نفسه. # وفي الصباح كان أول ما فعله حين أصبح في حجرة مكتبه أن سأل عن المأمور. فلما قيل له إنه ~~في مكتبه دق الباب بحرصه المعتاد ودخل، وبعد تبادل التحية تفرس فيه فكري أفندي المأمور ~~طويلا ليدرك هدفه الخبيث من تلك الزيارة الصباحية، فزيارات الباشكاتب لمكتبه قليلة ونادرة، ~~ودائما وراء كل زيارة هدف، والهدف على الدوام خبيث. غير أن الذي حير فكري أفندي أن مسيحة ~~لم يقل في زيارته الشيء الكثير، ظل جالسا مدة يتحدث في الأمور المعتادة، ثم سأله سؤالا ~~عابرا عما تم في حكاية اللقيط. أجابه فكري أفندي عليه بحسن نية، ولكن ما أدهشه أن مسيحة ~~بدأ يطعن في الغرابوة فجأة وبشدة، ويصر - ويكاد يقسم - على أن الفاعلة لا بد واحدة منهن. ثم ~~ما لبث أن استأذن محتجا بالعمل، وترك فكري أفندي حائرا في تفسير هذا التحيز المفاجئ منه ~~ضد الترحيلة، ولم يتح لفكري أفندي أن يحتار طويلا، إذ دق بابه بعد قليل، وبشخطته المعهودة ~~قال: ادخل . وإذا بالقادم ms044 محبوب بوسطجي التفتيش، وإذا ببرنيطته المصنوعة من قماش أزرق مائلة ~~على جبهته والدموع تملأ عينيه، والشهقة ترفعه ولا تتركه إلا لشهقة أخرى تهوي به، وإذا ~~بالمشكلة التي جاء لأجلها أغرب مشكلة: ما لك يا محبوب؟ # قالها فكري أفندي وهو يغالب الضحك. # ولم يرد محبوب، مد يده القصيرة إلى الحافظة المتدلية بجواره والتي قصر «إبزيمها» إلى ~~آخره ليمنعها من أن تلامس الأرض، مد يده وأخرج منها خطابا مفتوحا ظرفه بعناية وبلا تمزق، ~~ولم يقل حرفا. # تناول فكري أفندي الخطاب، وقلب الظرف فوجد مكتوبا عليه بالقلم الكوبيا: يصل ويسلم ليد ~~أخينا المحترم عبد المنعم أفندي عواد، بطنطا، شارع الجامع الأحمدي، نمرة 34، خصوصي ~~لحضرته. # لم يكن في العنوان ما يثير وما يمكن أن يصلح سببا لدموع محبوب وشهقاته، حتى كاد المأمور ~~يعيد الخطاب إليه لولا أن «محبوب» تمالك نفسه وجفف دموعه ومضى يحكي كيف بدأ يشك في ~~الخطاب. # قال محبوب: إن سعادات زوجة الأسطى عبده سائق اللوري، والتي تقطن في نفس العزبة التي ~~يقطن فيها محبوب، استوقفته وهو راكب الحمار في طريقه من العزبة الكبيرة إلى محطة الدلتا، ~~استوقفته عند عزبتهم وطلبت منه أن يأخذ هذا الخطاب معه. ولما سألها عن صاحبه - إذ من غير ~~المعقول أن تكون هي صاحبته - قالت له إنه من زوجها لقريب له في طنطا، لم يأخذ محبوب ويعط ~~معها، فهو يعرف «صحيح» أن لزوجها قريبا في طنطا وأحيانا تأتيه خطابات من هناك. صدقها ومضى ~~في طريقه إلى القطار، ولكنه بعد أن تجاوز العربة بقليل بدأ يحس وكأن الخطاب - دون بقية ~~الخطابات التي معه - يشكه في جنبه ويقلقه. وعلى هذا وجد يده تمتد إلى الحقيبة ويخرج منها ~~الخطاب ويتأمله، تأمله لثوان قليلة، ومع أنه أمي لا يعرف القراءة أو الكتابة ولا يستطيع أن ~~يفرق بين خط وخط، إلا أن «شيء إلهي قال لي إن الخط ده خط مراتك يا واد يا محبوب.» وفجأة ~~بدأت تتكشف أمامه أمور لم تخطر له على بال، زكية امرأته لها قريب في طنطا كان ms045 قد أتى ~~لزيارتهم منذ بضعة أسابيع ومكث لديهم أياما ثلاثة ثم غادرهم. وقريبها هذا أفندي قالت له ~~زكية إنه تلميذ في مدرسة الصنايع، ورغم أنه كان يبدو كبيرا جدا عن تلميذ بشاربه الكامل ~~وذقنه وهيئته، إلا أنه صدق زكية وأخذ قولها بحسن نية، ولكنه الآن - والخطاب في يده - يحس بحروفه ~~وكأنها ملامح زكية وتقاطيعها ورائحتها، لم يعد ثمة مجال لحسن النية. والذي حدث أن «محبوب» ~~غير من اتجاهه، وبدلا من أن يذهب للمحطة جاء للشيخ علي أبو إبراهيم فقي التفتيش، وكان قد ~~فتح الظرف باحتراس وأخرج الخطاب الذي فيه وطلب من الشيخ علي أن يقرأه. # أخذه الشيخ علي وأخرج منظاره السلك وأمعن فيه بصا وتفلية وقرأه في سره، وما إن انتهى ~~حتى هب في محبوب: الله يقل مقامك يا ابن زبيدة، إيه يا واد الكلام الفارغ ده؟ # وكاد محبوب يتهاوى من طوله المتواضع القصير، فقد أيقن أنه كان في شكوكه على حق، ومال على ~~الشيخ علي وقبل يده وبللها بدموعه طالبا منه أن يصنع فيه معروفا ويقرأ له الخطاب. وقرأه ~~عليه الشيخ، فإذا به من زوجته زكية، وإذا به خطاب غرام منها، وإذا بها لم تكتف بهذا بل ~~أرادت أيضا استغفاله وأن يحمل لها هو خطابها إلى عشيقها فيما يحمل من بريد مستغلة - ~~الفاجرة - جهله بالقراءة والكتابة. # طوال الفترة التي استغرقها محبوب في سرد حكايته كان فكري أفندي يكاد يموت من الضحك، ولم ~~يكن حتى يبذل أي مجهود لإخفاء ضحكه بل أكثر من هذا كلما رأى «محبوب» منفعلا ومتأثرا ~~داهمته الرغبة في الضحك. # وحين انتهى محبوب وعاد ينخرط في بكائه وشهقاته لم يعد فكري أفندي يتمالك نفسه. انفجر في ~~نوبة ضحك عالية، ودق جرسه واستدعى مسيحة أفندي وأحمد سلطان وكبير الخولة الذي تصادف وجوده ~~في المكتب، وتولى نيابة عن محبوب قص الحكاية وتولوا هم نيابة عنه الضحك، ومحبوب سادر في ~~انفعاله وبكائه. # وقال له فكري أفندي وهو يمسح الدموع عن عينيه الضاحكتين: وما رحتش ضربتها ليه يا محبوب ؟ ~~- أضرب مين ms046 يا حضرة المأمور؟! أنا قدها؟! # قال محبوب هذا وانخرط في البكاء، وانخرط المتجمهرون حوله في الضحك، فهم يعرفون زكية ~~بطولها وضخامتها وجبروتها، وأمامهم محبوب بقصره ونحافته وصوته القصير النحيف. # وحين شبعوا ضحكا، هدهد المأمور على محبوب واعدا إياه بأنه سيؤدبها له، بل أرسل في طلبها ~~فعلا وقال لمحبوب وكأنه يستدرك: ولا تحب تطلقها يا محبوب؟ # ففرت من عينيه دمعتان أخيرتان وقال: اللي تشوفه حضرتك، دي - وديني وما أعبد - فاجرة، ~~وعلي يمين الطلاق إن ما كان اللي لقيوه الصبح ده ابنها، أصلها عايزة تخلف وفاكراني مبخلفش. وديني ~~فاجرة. # ووجد المأمور في إجابته نخنخة معناها عدم الرغبة، فعاد يؤكد له سيخصص المغربية كلها ~~لزكية، وسيريها فيها نجوم الظهر. ~~••• # ويبدو أن نجوم الظهر في ذلك الوقت كانت هي ما يشغل بال دميان. كان حاملا سبت الطلبات ~~في طريقه للبحث عن أكلة سمك لبيت أخيه، ولكنه حين وصل إلى القنطرة الحجرية توقف في وسطها ~~تماما، وتطلع إلى الشمس التي تتوسط السماء. والناس - في العادة - إذا تطلعوا للشمس لا يحتملون ~~ضوءها الباهر فيغلقون عيونهم، أما دميان فقد كانت لديه تلك القدرة الخارقة، القدرة على ~~التطلع إلى الشمس والنظر فيها دون أن يغمض عينيه. # ولم تكن تلك القدرة هي السبب في أن بعض أطفال الفلاحين التفوا يتفرجون على دميان في وقفته ~~تلك، السبب هو أنه كان يتطلع إلى السماء ثم يفرد كم جلبابه الأيسر ويحسب عليه بأصابع يده ~~اليمنى ويقول لنفسه: منصورة، إن شاء الله منصورة. # أما من هي المنصورة، ولماذا وكيف تنتصر، فذلك أمر لم يكن دميان يقوله حتى لو كان الناس قد ~~سألوه عنه. # وبيت المأمور يقع تماما عبر الترعة، والواقف في نافذة بلكونته الصغيرة المطلة على العزبة ~~كان يستطيع أن يشهد ما يدور فوق القنطرة الحجرية بوضوح، ويشهد دميان في موقفه المضحك ذاك. ~~ولكن الواقف لم يكن واقفا كان واقفة! كانت الست أم صفوت زوجة المأمور، سيدة في الأربعين ~~من عمرها بيضاء ممتلئة الساقين والردفين، ترتدي - رغم مكانة زوجها - نفس المنديل بأوية الذي ms047 ~~ترتديه العائقات من نساء الفلاحين ونفس الثوب المشجر الواسع التفصيل. كان أمر دميان يحيرها ~~من زمن حتى أنها سألت الست عفيفة زوجة أخيه عنه مرة، وزاغت هذه من الإجابة. واليوم، لأمر ~~ما، ربما لهذا اللغط الكثير الذي دار حول اللقيط والحرام وما يصح وما لا يصح، فقد بلغ حب ~~استطلاعها أشده، هي حبيسة بيتها الكبير ليل نهار، لا تزور ولا تزار إلا في النادر، زيارات ~~تنغص عليها عيشتها، زيارات متكلفة عليها فيها أن تجامل زوجات الموظفين وتدعي أمامهن الرقي ~~والتمدين، وأحيانا تتكشف ادعاءاتها فتخرج وتخجل وتنفرد بنفسها وتبكي، ويلها من فكري أفندي ~~زوجها إذا أخطأت! فكري أفندي الذي - على الرغم من مضي أكثر من عشرين عاما على زواجهما - لا ~~تجرؤ على مناداته بغير يا فكري أفندي، أو بالكثير في لحظات التجلي لا تزيد عن قولها: يا أبو ~~صفوت. أحيانا تحن إلى طفولتها الأولى في بيت أبيها الفلاح. أحيانا تتمنى لو كان في ~~استطاعتها أن تفعل مثلما يفعل نساء الفلاحين وتستحم في الترعة مثلا، أو تخبز بنفسها العيش ~~وتخرج الرغيف مستديرا تام الاستدارة كما كانت تفعل في بيت أبيها. # فكري أفندي من بحري وهي صعيدية، رآها زوجها حين كان يزور قريبة ناظر محطتهم فأعجبته، وفي ~~يوم وعدة ليال تزوجها. ومنذ أن تزوجها وصلتها تكاد تكون مقطوعة بأهلها، حتى أخوها حين يأتي ~~لزيارتهم في التفتيش بلاسته الصعيدية وقفطانه وحذائه ذي الرقبة الطويلة والأستك، يخفي فكري ~~أفندي أمر زيارته. وإذا سأله البعض عنه قال إنه من الرجال الذين يعملون عند والد الست، وإنه ~~يأتي ليطمئن أباها عليها. وكل تلك النوازع والهواتف كانت أم صفوت لا تستطيع أبدا تحقيقها، ~~كان عليها أن تمثل دور زوجة المأمور المتكبرة المحترمة على الدوام. نزوة واحدة فقط هي التي ~~كان يتاح لها أن تحققها دون أن يتهمها زوجها بالخطأ، ودون أن ينالها عقاب. دميان! كثيرا ما ~~كان يأتي إلى البيت ليستعير حلة أو مصفاة أو «فروطة»، أو لينقل رسائل أم لنده إليها، وما ~~من مرة جاءها فيها إلا ms048 وأبقته لتتحدث إليه. وتبلغ أقصى درجات السعادة وهي تتحدث إليه؛ إذ ~~تترك نفسها على سجيتها تماما معه. تطلب منه أن يقرأ لها الفنجال، ولا يكون طلبها إلا فاتحة ~~للكلام، والغريب أن دميان كان ينطلق لسانه معها فيحدثها مثلا عن مشاكله مه الفراخ، ومشاكله ~~مع زوجة أخيه، وأحيانا يبكي أمامها بكاء كبكاء الأطفال، ومع هذا تشاركه البكاء. # كان دميان لا يزال واقفا في منتصف القنطرة وهي لا تزال واقفة في نافذة البلكونة، والشيء ~~الخطير الذي يؤرقها في تلك الساعة لم يكن هو رغبتها في الحديث التافه الذي كانت تستعذبه مع ~~دميان، ما كان يؤرقها هو المشكلة التي طالما أرقت نساء العزبة: ترى أدميان فيه للنساء أم ~~لا يصلح لهن؟ كانت هذه المشكلة كلما خطرت لها اعتبرتها عيبا وحراما لا يصح أن تسمح لنفسها ~~بالخوض فيها، ولكن في تلك الساعة لا تدري - هي نفسها - لماذا تعتبر أن التفكير فيها لم يعد ~~حراما أو عيبا. إنها لا تريد - لا سمح الله - أن تخطئ مع أحد بله دميان، كل ما في الأمر أنها ~~تريد أن تعرف، فهل يعد هذا حراما؟ # كلما طالت وقفتها في النافذة وطالت وقفة دميان أمام عينيها على القنطرة، كانت الرغبة ~~تستبد بها، حتى وصلت إلى الدرجة التي لم تعد تستطيع معها صبرا. # وهكذا نادت على فاطمة، وهي إحدى البنات الكثيرات اللائي يشتغلن في البيت، ويحتسبن من ضمن ~~الأنفار الذين يعملون في الغيط، نادت على فاطمة وطلبت منها أن تذهب وتأتي بدميان. لم يكن في ~~ذهنها خطة واضحة لما انتوته، ولا ماذا تفعل إذا هرب هو كالعادة من الإجابة على السؤال، هل ~~تستدرجه؟ هل تخدعه؟ هل تغريه وتمضي في نهاية إغرائه إلى نهاية الشط لترى إن كان سيستجيب؟ لم ~~تكن في ذهنها خطة واحدة ولكنها كانت قد صممت أن تعرف أمر دميان ولو أدى ذلك إلى أن تفعل معه ~~المستحيل. # جاء دميان ضاحكا مهمهما كعادته، السبت معلق في ذراعه واللعاب يكاد يسيل من فمه كلما طوح ~~برأسه أو شرع في الضحك، ms049 وقابلته الست أم صفوت بترحاب، وأجلسته على الكنبة في حجرة النوم ~~رغما عنه؛ إذ كان ينفر من الجلوس في حضرة الناس أشد النفور. ولم تكن هذه أول مرة يدخل فيها ~~دميان حجرة النوم، فدخوله فيها أمر لم يكن فيه شبهة أو عيب. جلس دميان على مضض وجلست هي ~~بجواره، وطلبت منه أن يحسب لها نجمها في ذلك اليوم، وشرع دميان يقلب يده ويبلل إصبعيه ويرسم ~~بهما على ظهر يده ويحسب. # ولم تكد تمضي بضع دقائق حتى شاهد الناس دميان يندفع جاريا من بيت المأمور والسبت لا يزال ~~معلقا في ذراعه، وعبثا حاول البعض إيقافه لسؤاله عن سبب جريه. # ولم يمض جريان دميان من منزل المأمور بسلام، إذ هو شيء غير عادي، سر، وكأنما سر لا حل ~~له، فلا بد من أقوال تتناثر عنه وتفسيرات وشائعات. # وعلى العموم لم يكن هذا هو السر الوحيد الذي بدأت الأقوال تتناثر عنه وتشيع. ما أكثر ~~الأسرار التي ارتفعت عنها أغطيتها وفاحت رائحتها وبدأت تزكم الأنوف. أيام قليلة مضت منذ ~~اليوم الذي اكتشف فيه عبد المطلب اللقيط، ولكنها كانت كافية لأن تقلب الأمور في التفتيش ~~رأسا على عقب، فثمة أم لا بد أن توجد لهذا اللقيط، وطالما هي مجهولة فأي اتهام صحيح، ~~وأي إشاعة قد تكون هي الحقيقة، والإشاعات كثيرة والألسنة في التفتيش لا تهدأ. ~~••• # ولم تستدع المسألة أن ينتظر فكري أفندي المأمور تسعة أشهر كما فعل سيدنا عمر؛ إذ بعد أقل ~~من عشرة أيام قد عثر على الجانية. ولم يعثر عليها هكذا بطريق الصدفة، فلفطنته فضل كبير في ~~اكتشافها. كانت لطع الدودة - رغم كل مجهودات فكري أفندي - قد ازدادت بشكل ينذر بالخطر وأصبحت ~~تهدد بالفقس، ومن ثم باكتساح أرض القطن كلها، والواقع أنه من بين السبعة آلاف نسمة الذين ~~يحيون على أرض التفتيش كان فكري أفندي هو الوحيد الذي يهمه أمر الدودة ونقاوتها. فالمزارعون ~~الفلاحون لا يهمهم القطن في قليل أو كثير. القطن وإن كانوا يزرعونه ويحرثونه وتحتسب عليهم ~~مصاريف جمعه ونقاوته وحتى تطهير ms050 المصارف حوله إلا أنه محصول صاحب الأرض ولا شيء غير هذا. ~~فالفلاح يأخذ حقيقة الثلث من محصول الأرض التي يزرعها، ولكن الثلث يذهب هباء، يذهب في ~~تسديد مصاريف القطن ومصاريف المحاصيل الأخرى والسلفة التي اقترضها الفلاح في بحر العام ~~ليشتري بها التقاوي ويكري الأنفار. وحتى إذا بقي للفلاح شيء بعد هذا يقيد لحسابه في العام ~~القادم فكيف يهمه أمر القطن إذن؟ الإدارة هي التي تأخذه وهي التي عليها أن تتعهده، ~~والمسألة في رقبة المأمور. فالقطن غال، وهو يعد المحصول الرئيسي للأبعادية، وإذا أكلته ~~الدودة ضاعت على الخواجة صاحب الأرض آلاف الجنيهات، بل ضاع فكري أفندي نفسه. والسبب الرئيس ~~لرفته من التفتيش الذي كان يعمل فيه قبل عمله هذا كان هو الدودة حين فقست منه والتهمت أوراق ~~القطن وأضاعت المحصول؛ ولذا ففكري أفندي لا يخاف من شيء في الوجود قدر خوفه من اثنين: ~~الدودة وصاحب الأرض. ولا يتبلور هذا الخوف ويصبح هلعا إلا في موسم مقاومة الدودة وهي لا ~~تزال لطعا، هو موسم الامتحان الرهيب لفكري أفندي وأعصابه وعضلاته ومستقبله وكل شيء فيه. ~~وبين شماتة الباشكاتب ومكائده وخطابات المفتش الذي يكتبها بنفسه وبخطه الماكر الحذر، ويكتب ~~أجزاء منها بالحبر الأحمر ويعلم تحتها بخط، وبين عدم مبالاة الفلاحين ولكاعة الأنفار ~~والسواقين ولعبهم، يهلك فكري أفندي وهو يصحو من الفجر ويعود من الغيط بعد أذان العشاء، ~~ويدعو الله دواما أن يسترها معه. وأخوف ما يخافه أن تهبط المقاومة مرة فتفقس اللطع وتكون ~~الكارثة ويرفت، ويعيش في ذلك الذل المقيت الذي يفضل الموت على تعاساته. ففكري أفندي كمعظم ~~زملائه من مآمير التفاتيش ونظارها إذا رفتوا من التفاتيش لا يستطيعون مغادرته إلا إذا وجدوا ~~عملا في تفتيش آخر؛ وعلى هذا فحين يفصل الواحد منهم يظل يرجو صاحب الأرض حتى يبقي عائلته ~~في بيت التفتيش الذي يسكن فيه، بينما يهيم هو على وجهه في القطر كله سائلا معارفه وأصحابه ~~باحثا عن عمل ولو لينقل إليه عائلته ويسكن، والمصيبة الكبرى حين تأتي عائلة الموظف الجديد ~~بعفشها وصغارها ms051 قبل أن يجد الموظف المرفوت عملا ومن ثم محل إقامة. # من أجل هذا فرعب فكري أفندي من الدودة أشد ضراوة من رعبه من الموت، وحرصه على أن يتحلى ~~بالخلق الكريم راجع إلى اعتقاده بوجود رابطة قوية بين أي إثم قد يرتكبه وبين الشياطين ~~السوداء الزاحفة التي يطلقها الله عليه في كل عام مرة، ليمتحن بها ويعاقب العقاب الأكبر إذا ~~أخطأ، وتنسحب ملايين الملايين من الشياطين إلى أوكارها إذا ثبتت نظافته وبراءته. # كان - لفرط حرصه - يخرج قبل شروق الشمس ويجوب أرض القطن كلها مشمشما بأنفه، خائفا - لا قدر ~~الله - أن تلتقط حواسه رائحة الدودة، فاللطع لا رائحة لها، أما الدودة فأعوذ بالله من رائحتها ~~حين يطب قلبه إذا التقطها بأنفه، رائحة غريبة على الغيط وعلى القطن وعلى الصبح المبكر، ~~ملايين الملايين من حيوانات صغيرة متوحشة تلتهم في طريقها كل أخضر ويابس، كأنها رائحة ~~القبر، رائحة الموت حين يلتهم الأحياء ويتبرزهم، رائحة الورق الأخضر الحي وهو يموت، ~~والموت الأسود الزاحف وهو يعيش على الأخضر الحي. كان فكري أفندي يقشعر لمجرد السيرة ولمجرد ~~ومضة الخاطر. وآه لو شمها الخواجة صاحب الأرض، الخواجة زغيب الذي لا يضطرب فكري أفندي لشيء ~~قدر اضطرابه حين يعلم أنه قادم. حتى وهو يصدر الأوامر للكلافة والتملية برش ما أمام السراية ~~والطريق وكنسه تخرج أوامره راجفة تفضح اضطرابه. ويقولون: إن التفتيش كان في أول أمره ملكا ~~لإحدى البرنسيسات ثم باعته الأميرة للخواجة زغيب الكبير، وصاحب الأرض الحالي ابنه الأكبر، ~~ضخم فحل ذو شعر كثيف أصفر يظهر من صدره وسواعده حين يرتدي القميص والبنطلون والبرنيطة ~~البيضاء المصنوعة من الفل، ويخرج للمرور. طوال المرور لا يبتسم، وإنما يرقد فوق الحصان الذي ~~لا يركبه أحد سواه، يرقد فوقه كالتمثال الأصم. وفكري أفندي هو الذي يبدو على الركوبة ~~بجواره كالقرد العجوز، طوال الوقت عيناه معلقتان بملامح الخواجة، ولسانه رائح غاد يتحدث ~~ويحاول إضحاكه، ويده تشير وتلفت النظر إلى مصرف تطهر حديثا وتعمق، أو إلى مشاية أنشأها هو ~~بحذق ومهارة، يده تشير وتلفت وتداري ms052 العيب أيضا إذا كان هناك عيب، ولا بد أن يكون هناك ~~عيب، يدعو فكري أفندي الله وملائكته ورسله ألا تقع عليه عين الخواجة، ولكن عينه دائما تقع ~~عليه وكأنما خلقت لا ترى إلا العيب. والفاجعة أنه لا يتكلم حين يراه. ليته يتكلم ولكنه ~~يسكت، وما أبشع سكوته في تلك اللحظات. # كان متزوجا من فرنسية نادرا ما كانت تأتي معه، فيحاول فكري أفندي إتحافها بسبت صغير من ~~التوت الأحمر الذي تحبه لعلها تدلي في حقه بشهادة تبيض وجهه، ولو بتلك اللغة التي لا يفهمها ~~والتي لا تتحدث إلى الخواجة إلا بها، وكانوا يقولون: إن الخواجة له عشيقة غيرها، وإنه ~~لا يخلف، وإنه لولا دينه الكاثوليكي لكان قد طلقها، ربما ليخلف ولدا يرث هذا الملك كله، ~~ويقولون - وفكري أفندي هو القائل - إن له في سرايته المطلة على البحر في سيدي بشر ~~بالإسكندرية حجرة سفرة من الذهب الخالص، كراسيها مطعمة بالذهب وأطباقها وملاعقها وشوكها ~~وسكاكينها ذهب في ذهب، يقولون: إن «زغيب» الكبير اشتراها حين عزم الملك لما كان سلطانا ~~على العشاء عنده، ويقولون أكثر من هذا، يقولون: إن الخواجة الابن قد تدهورت أحواله بعد وفاة ~~أبيه، وإنه باع التفتيش فعلا للشركة البلجيكية للأراضي، وإنه استأجره منها وهو الآن يديره ~~لحسابها، تلك رواية، ورواية أخرى تقول: إن الأحمدي باشا مليونير المديرية يفكر في شرائه، ~~بل ويتفاوض فعلا مع الخواجة والشركة، ويتصعب الناس، فالأحمدي باشا هذا كان - قبل الحرب ~~العالمية الأولى - شيالا في مضرب أرز، وتاجر فيه وكسب واغتنى واشترى المضرب، وأصبح له شون ~~وعمارات وألوف مؤلفة من الجنيهات في البنوك، ويفكر الآن في شراء تفتيش البرنسيسة، والأدهى ~~من هذا أنهم يقولون: إنه على استعداد لدفع ثمنه بالكامل نقدا. # الأقوال عن التفتيش وصاحبه الخواجة زغيب كثيرة، ولكن المهم أنه لا يزال صاحب الأرض الذي ~~ترتجف أوصال فكري أفندي لمجرد احتمال قدومه. الساكت الذي لا يخرجه عن سكوته إلا الخطأ إذا ~~لمحه، حينئذ لا يعرف أباه، يفصل ويرفت ويخصم وأحيانا يضرب، وآه من هذا الساعد الضخم ms053 الذي ~~تربى على الفراخ والحمام والديوك والخمرة حين يهبد به الواحد فيطبق به قفص صدره. # كان ازدياد لطع الدودة إذن خطرا ساحقا يجب تداركه، وازدياد اللطع كان يعني لدى فكري ~~أفندي شيئا واحدا: أن مقاومتها ليست على ما يرام. ومعنى هذا أن الأنفار يتكاسلون، ~~والمشرفين عليهم من الخولة والسائقين والملاحظين يلعبون. وقد تكون هناك أسباب كثيرة لهذا، ~~ولكن فكري أفندي كان يعزوه لسبب واحد ليس هناك من سبب سواه، نهيق ركوبته، هو الذي يكشف ~~قدومه من بعيد ويجعلهم يمثلون أمامه رواية «وطي يا ولد، وطي يا بنت» التي يجيدون تمثيلها ~~تمام الإجادة. وعلى هذا ألغى فكري أفندي الركوبة من مروره، وأصبح يقطع عشرات الكيلومترات ~~سيرا على الأقدام عله يفاجئ مرءوسيه ويضبطهم متلبسين بجريمة الإهمال. # وأكثر من مرة تم لفكري ما أراد وفاجأ صفوف الأنفار من الخلف، وفي كل مرة كان يخيب أمله ~~بعض الشيء؛ إذ كان يجد العمل قائما على قدم وساق ولا إهمال هناك أو تقصير، مرة ضبط عرفة ريس ~~الترحيلة جالسا تحت الجميزة في الظل يلعب السيجة مع الأسطى محمد العجوز، ومرة ضبط «صالح» ~~الخولي قد أرسل نفرة من الترحيلة لتحضر غداءه من العزبة، ولكن - فيما خلا هذا - كان العمل جاريا وكأن عرفة ليس جالسا يلعب السيجة، أو «صالح» قد استحل لنفسه أن ينقص العمل مجهود نفرة! # ولكن فكري أفندي لم ييأس فلا بد أن هناك إهمالا ما، ولا بد أن يضبط ذلك الإهمال، وفي ذلك ~~اليوم حين عثر على تلك «الظليلة» مقامة بين أعواد التيل المزروعة حول تربيعة القطن، دق قلبه ~~بفرحة الاكتشاف واعتقد أنه - أخيرا - عثر على الإهمال! فلا بد أن تحت تلك الظليلة أنفارا ~~يستريحون أو يلعبون. لم يضع جهده إذن عبثا، ولا راح هباء ذلك الإرهاق الطويل الذي لاقاه ~~من المرور بلا ركوبة سيرا على الأقدام. # ودون أن يسأل عرفة أو يكلمه، ما كاد يرى الظليلة حتى أسرع تجاهها ليضبط المتظللين في حالة ~~تلبس. # كانت الظليلة مصنوعة من جوال قديم مربوط من جهاته الأربع ms054 في أربعة أعواد من التيل، وحين ~~فرق فكري أفندي الشجيرات وأطل، فوجئ حين لم يجد أنفارا كثيرين تحت الظليلة، في الحقيقة لم ~~يجد إلا نفرا واحدا، أو على وجه أصح نفرة واحدة، امرأة كانت راقدة على جنبها ~~كالنائمة. # وانقلبت خيبة أمل فكري أفندي إلى شراسة، وقال لعرفة وعيونه تقدح بالشرر: إيه دي؟ نايمة هنا ليه؟ مش ماسكة خط ليه؟ # فقال عرفة وهو يبتسم ابتسامة ضايقت المأمور أكثر: دي عزيزة يا سعادة البيه. # وبنفس الشراسة قال فكري أفندي: عزيزة إيه؟ عزيزة مين؟ # ومرة أخرى قال عرفة وهو يخفض ناحية من ابتسامته ويرفع الأخرى: عزيزة - اسم الله على مقامك - يا سعادة البيه. ~~••• # وكأنما دق جرس صدئ دقة واحدة باهتة في عقل فكري أفندي. أممكن أن تكون هي الآثمة التي بحث ~~عنها حتى يئس ونفض يده من البحث؟ الخاطر ضعيف وواه، ولكن أوهى منه هو ذلك الخيط الممتد من ~~ابتسامة الريس، فلو سأله مباشرة فمن المحتمل أن يخاف ويحرن كما تحرن الحمير إذا رأت حفرة في ~~الطريق، وهو أعلم الناس بهؤلاء الناس حين يخفون الشيء ويخافون إظهاره. عليه أن يستعين ~~بالمكر وطول البال وادعاء الجهل عساه يفلح في إخراج كل ما وراء فم الريس المضموم المبتسم ~~هذا. # وقال فكري أفندي بنفس لهجة المأمور في حضرة الخطأ: محسوبة دي من ضمن الأنفار؟ # وخاف الريس أن يكذب فيعاقب على كذبه أضعاف معاقبته على مغالطته فقال: محسوبة يا سعادة البيه، وأنا محسوبك. ~~- وإزاي تبقى محسوبة نفر وهي نايمة؟ # قال الريس بمسكنة: غلبانة عيانة، مش قادرة تمسك الخط يا سعادة البيه المأمور. # ورد فكري أفندي بعنف: يبقى ما تتحسبش يوميتها. # قال الريس، وأمره إلى الله: ما تتحسبش يا سعادة البيه، اللي تشوفه، ما تتحسبش. ~~- لا يا شيخ. # قالها المأمور وقد استعد أن يوجه طعنته، فهو لا يعني ما يستجد، إنه يعني ما فات، يعني ~~الأيام التي قضتها تلك المرأة راقدة لا تعمل واحتسبت فيها يوميتها زورا وبهتانا. والريس ~~كان أيضا يعرف هذا ويدرك أن العقاب قد يكون ms055 فصله بل ومن المحتمل سجنه. ولم يصمد الرجل ~~طويلا، من تلقاء نفسه قالها. ولم يقلها مباشرة، بدأ بمقدمة طويلة عن الفقر والناس الغلابة ~~وعمل الطيب وإلقائه في البحر. ثم انتهى إلى أن عزيزة هي أم اللقيط المقتول، وأنهم حين عرفوا ~~هذا تستروا عليها، فهي ولية وكلنا لنا ولايانا، وحين أصابتها الحمى رأوا أن يرقدوها في ~~الغيط تحت ظليلة لكي يستمر أجرها ساريا، فهي غلبانة آخر غلب، وتنفق على زوجها المريض ~~وأولادها الثلاثة منه. # كان المأمور يستمع إليه وعلى وجهه نفس صرامته الأولى، ولكنه - قرب النهاية - بدأ وجهه ينفرج ~~قليلا قليلا، ثم بدأت الدهشة ترتسم عليه وتأخذ مكان الصرامة، المذهل في الموضوع أنها كانت ~~متزوجة، فلماذا تقتل ابنها وهي متزوجة؟ قال فكري أفندي هذا للريس فأجابه الرجل: حد عارف يا سعادة البيه؟ الدنيا مليانة بلاوي. ~~- حد عارف إزاي؟! أنت اتجننت ولا جرى لعقلك حاجة؟ بقى واحدة مجوزة تموت ابنها خبط لزق ~~كده ويبقى اسمه الدنيا مليانة بلاوي، جوزها عايش يا وله؟ ~~- عايش يا سعادة البيه؟ ~~- ومخلفة منه؟ ~~- ومخلفة منه. ~~- كانت بتقتل ولادها قبل كده؟ ~~- أبدا يا سعادة البيه. ~~- اشمعنى المرة دي؟ ~~- الله أعلم يا سعادة البيه. # الريس بدا وكأنه لم يفكر أبدا في غرابة المسألة، أو أنه كان قد فكر فيها فلم يأخذها ~~أبدا على أنها مشكلة خطيرة تستوجب إعمال الفكر. كل ما في الأمر أن الأنفار حين رجوه أن ~~يصنع معروفا ويجعل عزيزة ترقد تحت الظليلة في أثناء العمل، فعل هذا عن طيب خاطر، فهو ~~يعرفها ويعرف زوجها وأباها، وكل ما كان يقلقه أن يكشف المأمور - أو أحد من رجال الإدارة - ما ~~يحدث، ذلك هو كل ما كان يشغله. أما الآن فمشغوليته الكبرى هو التحايل على المأمور حتى ~~يتجاوز عن هذه الغلطة. وهكذا عاد يرجوه ويلح في الرجاء أن يمسحها المأمور في ذقنه، وأنا وقعت ~~من السما يا سعادة البيه وأنت استلقيتني، إلى آخر هذه الأقاويل التي يجيد الريس إخراجها ~~ونقطها في كل مأزق. # ولكن المأمور كان في شغل شاغل ms056 عنه، فأمله وإن كان قد خاب قليلا؛ إذ تبين أن ليس في ~~المسألة جريمة أو زانية ولا بنت بكر ضحك عليها شاب أرعن وأغواها، أمله وإن كان قد خاب إلا ~~أن مشكلة المرأة بدأت تستحوذ عليه بطريقة أخرى، لماذا تقتل امرأة متزوجة مثل تلك الملتفة في ~~خرقها السوداء ابنها؟ # الريس لا يبدو عليه أنه يعرف شيئا ويخفيه، والحقيقة لا يمكن أن يعرفها إلا الله - سبحانه ~~وتعالى - وعزيزة. # قال فكري أفندي للريس: سألتوها عملت كده ليه؟ # قال الريس: والله ما عرفنا نطلع منها حاجة، وأهي عند سعادتك كلمها. وبغير أن يقول الرئيس هذا كان ~~في نية فكري أفندي الأكيدة أن يتحرك إلى الظليلة ويتفحص هذه المرأة الذائبة. كانت راقدة في ~~بطن قناية صغيرة من القنوات التي نروي منها الترابيع، راقدة على جنبها وقد ضمت ركبتيها إلى ~~بطنها وأمسكت رأسها بكوعيها متكورة على نفسها كالجنين في بطن أمه. ولم يكن يبدو عليها أنها ~~تختلف - قليلا أو كثيرا - عن بقية النساء في جيش الترحيلة؛ إذ كان واضحا أنها سمراء غامقة ~~السمرة، أو بالأحرى محروقة الجلد، حرقته الشمس الكاوية التي تنصب عليه أشعتها طوال اليوم ~~بلا حجاب أو حاجز. غير أن فكري أفندي لم يفته أن يلاحظ أن ثنية ركبتها فاتحة، وأن ثوبها ~~الأسود المشقوق في أكثر من موضع يظهر - أحيانا - بقعا بيضاء كدوائر النور حين ترتسم على الأرض ~~من ثقوب السقف. # حدق فيها فكري أفندي طويلا معتقدا أنها لا بد حين تشعر بوجوده فوق رأسها سوف تجلس ~~مثلا أو تعتدل، ولكن شيئا من هذا لم يحدث، بقيت نائمة لا يتحرك لها طرف أو جفن، وحينئذ قال ~~لها فكري أفندي: اتعدلي يا بت. # قال لها هذا وهو يلكزها لكزة هينة ببوز حذائه. # ولم ترد أو تعتدل، فقد حولت إليه عينيها حتى واجهتاه. وليتها لم تفعل، كان وجهها محتقنا ~~شديد الاحتقان حتى استحال لونه إلى سواد. وكان في عينيها كتل دم، دم حقيقي لا يحول بينه ~~وبين أن يسيل إلا ستار لامع رقيق ، وكانت أسنانها ms057 تصطك وجسدها كله يرتعش ارتعاشا تكاد العين ~~لا تلحظه. # وبحركة تلقائية غريزية وضع فكري أفندي ظهر يده المغطى بالشعر والعرق على جبينها، وسحبها ~~في الحال - وكأنما أصيب بلسعة - وهو يقول: دي عندها حمى يا وله. # فأجاب الريس: بقالها يومين، غلبانة، زي ما سعادتك شايف. ~~- شايف إيه؟ دي تموت كده. # ووجد الريس أن الوقت قد حان فما لبث أن أضاف: وعلى العموم إذا كنت سعادتك عايز تخصم يوميتها والله اللي تشوفه. # وكان التوقيت مضبوطا فعلا، فقد هز فكري أفندي رأسه هزات كثيرة ذات اليمين وذات اليسار ~~وهو يردد: لا حول ولا قوة إلا بالله. وكان معنى هذا أنه على الأقل قد قبل أن يتغاضى عن رقدة ~~عزيزة، وأن يحتسب يوميتها. # ظل فكري أفندي واقفا في مكانه طويلا كمن لا يدري ماذا يفعل، ينظر إلى المرأة المتكورة في ~~سوادها على الأرض الخشنة ذات الطوب والقلاقيل، ويعود ينظر إلى الأنفار، ثم يهيم في سكون ~~الغيط المضيء المقيت. # وفجأة صرخت المرأة الراقدة كما يصفر القطار على حين بغتة، ومدت يدها في وحشية واقتلعت ~~عودين من أعواد التيل ثم انهالت عليهما عضا بأسنانها وقرضا، وهي تقول مولولة: جدر البطاطا كان السبب يا ضنايا. # وتراجع فكري أفندي إلى الوراء مذعورا، وبعد ما التقط الريس أنفاسه قال للمأمور: أصلها لا مؤاخذة بتخرف يا سعادة البيه، الحمى ملهلبة نافوخها، خد من ده كتير، طول ~~الليل والنهار على كده، دي بتقول كلام، باينها شافت كتير الولية دي، ربنا يكون في ~~عونها. ~~••• # حتى وهي في تمام صحتها لم تكن عزيزة بارعة الجمال، ولم تكن حتى جميلة. كانت طويلة رفيعة ~~ذات أنف طويل رفيع ورقعة سوداء تعصب رأسها على الدوام، ووجه أصفر وعينين واسعتين على ~~إحداهما نقطة بيضاء من رمد قديم. ولكنها لم تكن هكذا طيلة عمرها. كانت ذات يوم بنتا حلوة ~~ذات أهداب وشعر ونهود، تضع الكحل وتطقطق بالشبشب إذا سارت وحاذت الشبان. كانت هكذا إلى أن ~~زوجوها إلى عبد الله. وأيضا كان لها ليلة حنة وفرح ودخلة ونقوط وماء ms058 ساخن حملته لها أم عبد ~~الله في الصباحية، صباحية لم تستمر إلا صباحا واحدا، والصباح الذي يليه كانت في الغيط. لم ~~يكن لزوجها أرض يزرعها وحتى لم يكن له أرض يستأجرها. كان يعمل باليومية، يوم فيه وعشرة ما ~~فيش، وعماده كله على مواسم الترحيلة حين يقبض من الحاج عبد الرحيم المقاول، وتحمله عربات ~~النقل إلى تفاتيش كثيرة من تفاتيش مصر في الدقهلية والشرقية وحتى إلى الفيوم وبني سويف كانت ~~تحمله العربات. غير أنه من يوم أن تزوج عزيزة لم تعد العربات تحمله وحده، أصبحت تحمل معه ~~عزيزة. وبدل اليومية الواحدة أصبح يقبض يوميتين. وسنين طويلة حافلة قضاها هو وعزيزة في ~~الغربة وبلاد الناس رأيا فيها الكثير وجمعا القليل. ولكنهما عاشا وخلفا عبد الله الصغير ~~وناهية وزبيدة، عاشا يقبضان القبضية من الحاج عبد الرحيم في موسم القطن ويعيشون جميعا ~~عليها بقية العام. يعيشون غصبا ومحايلة وبالجبنة أحيانا وبالعيش الحاف والملح في أحيان، ~~ولكنهم يعيشون والسلام. إلى أن حدث ما كان لا بد أن يحدث، مرض الزوج، بدأ الأمر بمغص في ~~الجانب الشمال ثم انتقل إلى اليمين ثم سرى في البطن كله، ثم بدأ البطن نفسه ينتفخ بالماء. ~~وقالوا لعبد الله اكو بالنار فكوى بالنار، وقالوا له بلهارسيا وطحال فانهدت البقية الباقية ~~من حيله، وإبر المستشفى في المركز تندك في ذراعه وتفرغ سمها الهاري في جسده وتجعله يهوي، ~~وتجعله يدوخ أحيانا ويرشون على وجهه الماء. ويوم فيه ويوم ما فيش! وكل يوم يذهب إلى ~~المستشفى لا بد أن يصحو من الفجر، ويكون هناك في السابعة وإلا ضاع دوره، ويعود في العصر ~~أو في المغرب ماسكا بردعة حمار من حمير بلدياته مستندا إليها، أو ماشيا عشر خطوات ~~ومستريحا عشرا. # ومع هذا كله فقد ظل عبد الله يذبل ويذبل وكأن جسده يموت بالتدريج، ولا قوة في الأرض ~~تستطيع أن تمنعه أو توقفه، حتى أقعده داء المية. والواقع أن الداء لم يكن هو الذي أقعده، ~~الحاج عبد الرحيم هو الذي هزمه حقا وطرده من فوق ms059 عربة النقل، ولم تفلح الوساطات أو ~~الشفاعات لديه؛ إذ ماذا يفعل به والوسية بالتأكيد لن تقبل أن تحتسبه نفرا؟ وبكت عزيزة ~~ونزلت هي الأخرى من العربة. وقال لها الناس: روحي أنت فأبت وقالت: نفوتها السنة دي يمكن ~~السنة الجاية نطلع سوا. وغضب عبد الله وقال له: روحي أنت، ولكنها أبت وقالت: وأسيبك على ~~مين؟ # وظلت عزيزة بجواره. تخبز للجيران أحيانا، وتلم روث البهائم وتبيعه، وتسرح بالحطب إلى ~~المركز وتعود بقرش أو بقرشين، وفي كل أسبوع أو عشرة أيام تحظى بيومية. وعبد الله راقد في ~~صحن دارهم الواطئة، بطنه عال، وصوته واهن، ويده المعروقة الصفراء تربت على عبد الله الصغير ~~في ناحية وعلى ناهية وأختها في الناحية الأخرى، ويحس أنه فعلا مريض وأنه عاجز وأنه لولا ~~عزيزة لماتوا جوعا، ومع هذا لا يطاوعه ضميره فيئن وتتقبض يداه وينظر إلى السقف المهبب ~~المنهار بعينين قد كبرهما الداء ووسعهما وجعلهما تبرزان وتلمعان لمعانا غريبا ~~ويقول: كده يا رب؟! يرضيك مراتي توكلنا؟ # كان يستكثر هذا على نفسه، بل عزيزة هي الأخرى كانت تتألم، وهي تراه راقدا أصفر منفوخا ~~عاجزا، ولكن الزمن، الزمن القوي القادر ما لبث أن تكفل بكل شيء، فلم يعد عبد الله يستكثر ~~هذا على نفسه ولا على عزيزة، ولم تعد عزيزة تنظر إلى مرض عبد الله على أنه أمر غريب أو ~~نشاز. أصبح كل شيء طبيعيا. هي تخرج من الصباح ولا تعود إلا بشيء، وهو يحرس الدار التي لا ~~شيء فيها ويرعى الأولاد، ويتحين الفرصة ليجرع الماء الذي تحرمه عليه عزيزة حين تكون موجودة، ~~فقد قالوا لها إن علاجه في منع الماء عنه. # أصبح الأمر طبيعيا إلى الدرجة التي قال لها عبد الله ذات يوم بدلع المريض حين يهده ~~المرض ويجعله عصبيا كالأطفال، كثير المطالب كالولد المدلل، قال لها: نفسي في البطاطا يا عزيزة. # وطلبات المريض مجابة ومقدسة، وكأن أهله يرون فيها الشفاء، أو وداع الدنيا. # وقالت له عزيزة: يا حبيبي، من عيني دي ومن عيني دي. # ولم تكن في البلد ms060 بطاطا، كانت هناك زرعة بطاطا في فدان قمرين ولكنها جمعت من زمن وبيعت ~~وأرضها تهيأ للأذرة، ولكن طلب عبد الله عزيز وعليها أن تحاول، وهي تعرف أن أهل البلد - بعد ~~ما جمعت البطاطا - قد أشبعوا أرضها حفرا وتنقيبا بحثا عن جذر بطاطا يكون قد أخطأته فأس ~~جامعها، وأن لم يعد في فدان قمرين أي أمل في العثور على عقلة إصبع، ولكن طلب عبد الله عزيز ~~وغال وعليها أن تفعل المستحيل. # وحملت عزيزة فأس عبد الله التي صدئت من قلة ما تستعمل، وذهبت إلى فدان قمرين، وقصدت أقل ~~الأمكنة حفرا وأخذت تعمل، وحفرت إلى عمق متر ولم تجد، وانتقلت إلى مكان آخر أعملت فيه ~~الفأس وأيضا لم تجد، كانت تجد كل شيء، جذور الزرع القديم وشقافة ورملا وأحيانا قطع حديد ~~ولكنها لا تجد أبدا جذور بطاطا. # وبينما هي تعمل وتلهث وقد شمرت ثوبها الأسود وربطته حول وسطها كما يفعل الرجال، رأت ~~خيالا ثم سمعت صوتا يقول: بتعملي إيه يا بت؟ # وحتى قبل أن ترفع رأسها كانت قد عرفت أن صاحب الصوت هو محمد بن قمرين. # ورفعت عزيزة رأسها وعدلت ظهرها ومسحت عرقها وقالت له الحكاية، ورجته أن يسمح لها بمعاودة ~~البحث، وقال محمد كلاما كثيرا عن الحفر وكيف يضعف الأرض ويخفي طميها ويبور المحصول. غير ~~أنها عادت ترجوه وتلحف في الرجاء حتى بكت، ويبدو أنها صعبت على محمد، فلم يوافق على معاودة ~~الحفر فقط، ولكنه كان شهما فقال لها: طب عنك إنتي. # وخلع جلبابه وأخذ منها الفأس، وتلفت حوله بعين خبيرة ثم انتقى مكانا ما لبث أن راح ينهال ~~بالفأس عليه، وعزيزة قد جلست غير بعيد ترقبه وتقارن بين حفرها وحفره، والفأس في يدها هي ~~اقوى منها وأثقل والفأس في يده هو، هو القابض عليها، هو المتحكم فيها، هو الرجل، هو ~~الرجل الذي يذكرها بعبد الله حين كان يعمل، وتصبح له العضلات البارزة في بطن ساقه، وتتكور ~~تلك العضلات الأخرى في بطن ذراعه، ويلهث. ليس لهث المتعب، ولكنه لهث الرجل حين ms061 يعمل، لهث ~~منتظم قوي وقور. # كان محمد بن قمرين في العشرين، وكانوا يتكلمون عن زواجه من ابنة قريبة لهم، وكان معروفا ~~بشراسته حتى إنه لم يكن يتورع عن سب النساء، ولكنه كان من الغيط إلى البيت ومن البيت إلى ~~الغيط، لا يعرف قهوة ولا غرزة ولا أي كلام فارغ مما يعرفه شبان القرية صياعها. حمدا لله ~~إذن أنه عاملها برفق، حمدا لله أنه لم يشتمها، وكتر خيره أنه تطوع بأن يبحث لها عن جذر ~~البطاطا. # خبط محمد خبطتين متواليتين ثم قال لها وهو يبتسم وصوته يضحك، وربما لأول مرة كانت تراه يبتسم أو يضحك: خدي يا ستي. # وناولها جذر بطاطا صغيرا فرحت به كاللقية، وكادت تهم بالوقوف والذهاب جريا إلى عبد الله ~~بما حصلت عليه. ولكنه قال لها: استني، وبعد خبطات قليلة أخرى ناولها حبة بطاطا ذهلت ~~لضخامتها، فلم تكن جذرا، كانت حبة حقيقية في حجم قبضة اليد أو تزيد. # لفت عزيزة البطاطا في طرف شالها ولسانها يردد كل ما تعرفه من كلمات الشكر وتعبيراته ~~ودعواته، تتوجه بها إلى السماء تطلب له طول العمر ونجاح المقاصد. واستدارت ملهوفة فرحانة ~~لكي تأخذ طريقها إلى البلد، فالشمس كانت قد أوشكت على الغروب والدنيا تمست وإلى أن تصل ~~البلدة يكون المساء قد حل. # ولكنها في لهفتها وفرحتها لم تفطن إلى الحفرة التي كانت وراءها وعلى هذا فقد فوجئت بنفسها ~~تسقط مرة واحدة نصفها في الحفرة ونصفها على الأرض. # والواقع أنها لم تتبين تماما ما حدث بعد هذا، الأمور حدثت بطريقة أسرع من أن تدركها أو ~~تتلافاها. ما كادت تحاول أن تقوم حتى كان محمد إلى جوارها في الحفرة يساعدها. مرة واحدة ~~وجدت نفسها في حضنه وقد أطبق عليها بذراعيه ليرفعها. وهي وإن كانت قد ارتعشت حين أحست ~~بنفسها في حضن رجل غريب، إلا أن الرجل الغريب لم يكن سوى محمد الكشر الذي لا يتسرب إليه ~~الشك. ولكن الشك بدأ يتسرب فعلا إليها حين لم يرفعها محمد ولم يدعها ترفع نفسها، وما كاد ~~الشك ms062 يتسرب إليها حتى كان قد أصبح حقيقة، روعت أولا ولكنها استجمعت نفسها ودفعته وناضلت، ~~ولكنها كانت ترى أن نضالها لا فائدة منه. بل ليست تدري على وجه الدقة سر هذا الانهيار الذي ~~أصابها حين أصبحت في حضنه. تريد أن تقاوم ولا تستطيع. تستميت، ولكنها يائسة. تصرخ فيتجمع ~~الناس وتصبح فضيحة ومضغة في الأفواه؟ تسكت؟ تعضه؟ حتى ملابسها التي لا تحتكم على غيرها ~~مزقها، كل ما حدث أنها ظلت تئن مذهولة مرعوبة حتى قام. وشتمته، ولكن ماذا تفيد الشتائم؟ لم ~~يقل هو حرفا، فقد ظل ينظر هنا وهناك. الغيط خال تماما والبهائم والناس تروح من بعيد. وعاد ~~إليها من جديد. وهذه المرة كان يمكن أن تقوم وتجري وتضربه بالفأس إن اضطرت، ولكنها لم تفعل. ~~سكتت وظلت تئن أنين المظلوم الذي لا يخلي نفسه من مسئولية ظلمه. # وفرح عبد الله بالبطاطا وأكل منها الأولاد، وحتى هي نابتها قطعة، وفي الأيام القليلة ~~التالية كانت تراودها ذكرى ما حدث، وتشيح بوجهها وتلعن نفسها وابن قمرين وجذر البطاطا وعبد ~~الله. ولكنها تحمد الله - في سرها - أن أحدا لم يرها، وإن ابن قمرين تقول عليها فلن يصدقه ~~أحد، ولكنها بعد أيام كانت قد نسيت كل شيء عما حدث، وأي شيء ينسي قدر البحث الدائب عن لقمة ~~العيش. الذين لا ينسون هم الذين لديهم الوقت لكي يتذكروا ويسرحوا مع الذكرى. وعزيزة تبدأ ~~اليوم مسعورة تجري هنا وهناك لتحصل على خبز لذلك اليوم، وتعود منهوكة مهدودة ما تكاد تضع ~~رأسها على المخدة القش حتى يدهمها تعب أشد في مفعوله من النوم، غيبوبة طويلة يوقظها منها ~~ذلك الهاتف الخفي الذي يوقظها كل فجر، هاتف اللقمة والدار الفارغة والأفواه المفتوحة ~~الجائعة. # حتى المرض الشهري حين انقطع عنها لم تعره اهتماما يذكر، فكثيرا ما كان ينقطع وينتظم ~~ويغيب شهرا ثم يعود. لم تفطن إلا حين بدأت تحس بالحمل. ورغم كل علاماته وإشاراته فلم تصدق ~~أنه - حقيقة - حمل، أمن مرة واحدة أو مرتين يحدث هذا، ومن أجل جذر بطاطا؟! # أفظع ما في ms063 الأمر كان عبد الله، عبد الله لم يقربها من عمر ابنتها زبيدة، والناس تعلم ~~هذا، فماذا يقول؟ وماذا يقول الناس؟ هو لن يقتلها فهو عاجز عن قتلها، والناس لن يقتلوها فهم ~~لن يستطيعوا قتلها، ولكن القتل عندها أهون من أن يعرف عبد الله ويعرف الناس. # كان لا بد - إذن - من التخلص من هذا الشر المستطير الذي يرقد في مكان ما من بطنها، ويكبر ~~كل يوم ويملؤها ولن يهدأ حتى يخمد أنفاسها. وجربت عزيزة كل شيء، أعواد الملوخية، وإدارة ~~الرحى فوق بطنها والقفز من السطح جربته. ولكنه كان ابن حرام فعلا فلم يزحزحه كل هذا ولم ~~يسقطه، بل مضى يكبر كل يوم، بل بدأ يلعب، ولا يحول بينه وبين أن يفضحها على الملأ إلا هذا ~~الحزام القوي السميك الذي تتحزم به في غل وجبروت، وكأنها تريد أن تخنقه في بطنها وتقتله قبل ~~أن يقتلها. # كان الحزام يخفي بطنها إلى حد كبير، وكانت تترك عب جلبابها الأسود الواسع مهدلا فوق ~~الحزام الخارجي، وحين تمشي وحين تقف وحين تنام وحين تتحدث كانت تراعي دائما أن تفعل هذا ~~بطريقة لا تدع مجالا للشك فيها، وكان هذا يؤلمها أشد الألم، وكانت تتحمل أشد الشدائد حتى ~~دون أن يكون لها الحق في الشكوى، والشكوى أحيانا تذهب بالألم. وكانت تحتمل وتكظم، ويفيض ~~بها الحال في ليال وتتنفس بحرية وترفع يديها وأنظارها وروحها إلى السماء وتطلب من الله أن ~~ينقذها، إن لم يكن لأجل خاطرها فلأجل خاطر عبد الله الراقد العاجز. # كل ليلة وكل دقيقة تدعو ولا دعاء من دعواتها يستجاب، بل حدث ما هو أمر، جاء الموسم ~~ونادى المنادي في البلد. النفر بسبعة يا أهالي والقبض على خمستاشر يوم والغايب يعلم ~~الحاضر. # وكان لا بد لها في هذا العام أن تذهب وإلا هلكوا، فالعام الماضي الذي لم تذهب فيه رأوا ~~خلاله نجوم الظهر وعاشوا على الطوى. لا بد لها من الذهاب، قال لها عبد الله هذا، وقال ~~لها الناس. وقالت هي هذه المرة: من غير كلام أنا ms064 رايحة. # وأخذت زوادتها، وشدت على يد عبد الله وهي تودعه، وقبلت الصغير واحتضنته، وبكت وبكوا هم ~~الآخرون وهم يصرون على الذهاب معها حتى «الحلزونة». # وامتلأت العربة، وزمر السائق وانطلقت، وانطلقت معها عقائر الأنفار تغني للمحبوب وللغربة ~~وتعتب على الزمان. والغريب أن عزيزة بعد حشرجة بكاء أول الأمر، ثم صمت، بدأت تغني معهم، ~~وشيئا فشيئا بدأت تحس أنها تغادر أرض الفقر والعلل وجذور البطاطا وأنها تدخل في الحياة ~~المضمونة الجديدة. # واشتغلت عزيزة ونسيت كل شيء في غمرة الشغل، نفسها وعبد الله والبلد، ولكنها أحيانا كانت ~~تذكر بطنها وما فيه وما حوله من أحزمة. وأحيانا تنسى، والنسيان والذكرى لا تكونان سوى جزء ~~ضئيل من الأشياء التي تتعاقب عليها، تعاقب الشمس حين تشرق وظهرها محني فوق العيدان، وحين ~~تغيب وهي تدفع باللقمة الحاف في فمها، كالنهار بما فيه من قيظ وعرق وعصي رفيعة يصل ضربها ~~إلى العظم، والليل بما فيه من غيبوبة واسترخاء وأحلام تبقى دائما بلا تفسير. # غير أنها ذات يوم بعد القيالة، اضطرت أن تتذكر كل شيء وتعي بكل شيء، فقد لمع شيء في ~~عقلها كما يلمع النصل الغادر قبل أن يستقر في جسد الضحية. فقد أحست ببوادر الطلق اللعين ~~تنقر في سلسلة ظهرها ثم تلتف حول بطنها لتعتصرها. أحست أن هذا الشيء اللعين الذي تحمله ~~ينقر جدار بطنها مطالبا بالخروج، ينقر في إصرار وتصميم نقرات مستمرة، كل تالية أعلى من ~~الأولى وأوجع، وكأنه يهم بهدم الجدار. # لم يكن أحد من بلدياتها أنفار الترحيلة قد فطن إليها. وكيف يفطنون وهم لا يرى بعضهم البعض ~~إلا منحنين، أو مبعثرين في أكوام نائمة مكدودة، أو سارحين والنوم لا يزال يغلق عيونهم، ~~ومروحين والتعب وتراب الغيط يعميان العيون؟ كل واحد في حالة ولكل بلواه، ولا فرصة حتى للموجوع ~~ليقول: آه. # ولكنهم غدا سيعرفون. والمصيبة ليست في هذا، المصيبة حين تعود معهم إلى البلد وعبد الله، ~~تعود أما لطفل ليس هو أباه. أليس الموت أهون؟ # تكاثرت الطلقات، وما كاد الريس يصفر وينتهي اليوم حتى كان ms065 وجهها في شحوب الموتى. بل حتى ~~لم تلاحظ جارتها شحوبها. وعزيزة ساكتة صامدة تتحمل ولا تستغيث، خرجت من الأرض واغتسلت كما ~~اغتسلوا، وسارت على المشاية كما ساروا، تتوقف هنيهة إذا جاءت الطلقة ثم تسرع حين تسكت. وحتى ~~العشاء تعشت وكل ما كانت تريده أن تواتيها الفرصة لفك الحزام الذي يخنق بطنها؛ إذ حين كان ~~بطنها يتقيض داخل الحزام كانت تحس بآلام مروعة، آلام لا يحتملها إنس ولا حجر ولا جان. هي ~~نفسها لم تكن تعرف بأي جبروت غير بشري تحتمل دون أن يبدو عليها أقل لمحة أو بادرة، وكل هذا ~~من أجل جذر بطاطا. لا! كل هذا لأنها لم تقاوم لحظة، تلك اللحظة التي صاحبتها سبعة شهور ~~تطاردها كاللعنة المقيمة. لماذا تركته يفعل بها ما فعل؟ تقول لنفسها إنها لم ترض. ولكنها ~~ترد وتقول: ولكني لم أرفض. تضرب رأسها في الحائط وتقول: كنت عارفة إنه حرام وعيب. لم ~~تقاوميه كما يجب. لم تصرخي وقلت الفضيحة. وها قد أتتك الفضيحة الكبرى. انفضحي - إذن - يا عزيزة ~~واشبعي فضيحة، فلولا أنك ضعفت لحظة لما حدث ما حدث. لحظة، لحظة ضعف واحدة منها هي التي ~~قاومت طبيعتها حين رقد عبد الله رقدته التي لم يقم منها. قاومت الليالي التي كانت تريده ~~فيها ولا تستطيع، أيكون هذا هو السبب في أنها ضعفت تلك اللحظة؟ اللحظة التي أخذها فيها محمد ~~بن قمرين؟ ~~••• # كان عليها أن تنتظر حتى تنام الترحيلة ثم تبتعد عنهم قدر ما تستطيع وتلد، ولكن الولادة ~~ليست بالإرادة. بدأت العواصف المتلاحقة تجتاح بطنها ولم يلبث القرن أن طش، وجيرانها في ~~الفراش والعزال، وجيران جيرانها ومعظم الناس لا يزالون مستيقظين. جارتها تسألها ما بها ~~وملابسها غرقى مبتلة وفي بطنها نار فتقول: رأسي. # وكان لا بد مما ليس منه بد. فما لم تلحق نفسها فستلد وهي في مكانها تحت سمع الترحيلة ~~وبصرهم أجمعين. # وقامت منحنية، ولم يأبه أحد لقيامها فقد حسبها تريد أن تفعل مثلما يفعل الناس. وما كادت ~~تبتعد عنهم بأمتار وتغيب قليلا في اللام ms066 حتى بدأ الطلق يثنيها ويفردها. ومع هذا فلم تنس ~~البيضة التي استلفتها، ولا قطعة الصفصاف الجافة التي احترق نصفها، كانت كل منهما في ~~يد. # وظلت تمشي حتى وصلت إلى حافة الخليج، وظلت تمشي على الحافة حتى لم تعد قادرة على المشي. ~~وكل هذا ولم تكن قد ابتعدت عن الترحيلة كثيرا، كانوا على مرمى السمع منها تصلها أصواتهم، ~~ولولا الظلام الرابض بينها وبينهم لعرفوها وعرفوا ما هي مقدمة عليه. # ووضعت قطعة الصفصاف الجافة بين أسنانها، وجلست القرفصاء، وكلما عوى الطلق المتلاحق في ~~جنباتها انغرست أسنانها لآخرها في الخشب الجاف، وتقبضت يدها تعتصر طين الخليج حتى تقذف به ~~وقد فقد ماءه وجف وتجمد. # وأيضا لم تنس ما يجب عليها عمله، فما كاد رأس الجنين يطل حتى كسرت البيضة ومضت توزع ~~محتوياتها الزلقة عليها تفلح في زفلطة الرأس وخروجه. # وانساب الجنين في النهاية. # انساب مرة واحدة وكأنما انساب روحها معه، فقد داخت قليلا ثم غابت عن الوعي برهة. برهة ~~وجيزة فقط، ولكنها حين عادت إلى وعيها سمعت، حقيقة سمعت زقزقة خافتة. زقزقة الجنين ما في ~~ذلك شك. ومرة واحدة خرجت منه صرخة، صرخة خيل إليها أنها ملأت الدنيا كلها وسمعها الناس ~~أجمعون. # وهي لم تكن قد جهزت نفسها لهذا الوقت. كل ما كان يهمها أن تتخلص من هذا الورم الخبيث الذي ~~أضناها طويلا، ولتتركه بعد هذا أو ليحدث له ما يحدث. وها هو ذا الورم بعد ما تخلصت منه ~~يصرخ ويهدد بالفضيحة الكبرى. ابن سبعة شهور، ولكنه حي ويصرخ. ومدت يدا مرتجفة غير مستقرة، ~~وظلت تعبث بالكتلة البشرية الحية حتى وصلت إلى فمها، وانزلقت إصبعها الصغيرة رغما عنها ~~ووصل في الفم، فم، فم حقيقي لرضيع ليس فيه أسنان، فم يكاد يحس بإصبعها حتى بدأ يتحرك ~~تحركات معينة ويرضعه. رضع الطفل إصبعها للحظة، لحظة خاطفة ولكنها كهربتها، من هذا الجحر ~~اللحمي الصغير انساب إلى إصبعها، ثم إلى ذراعها ثم إلى كيانها كله إحساس غريب عارم. وكالوهج ~~الخاطف أدركت أنها رغم كل شيء ، ورغم ما ms067 لاقته من مصائب، فهذا الرضيع ابنها وهي أمه. وتركت ~~يدها فمه وراحت تعبث وتحاول أن تقرب الرضيع منها. # لم تكن هي التي تتصرف؛ إذ لم تكن هي التي تفكر. هي - في الواقع - كانت لا تفكر بالمرة، كانت ~~وكأنما ذراعها هي التي تتحرك وتجذب الرضيع إليها من تلقاء نفسها. # ولكن كل هذا لم يستمر سوى لحظة، بعدها صرخ الطفل، وارتدت يدها بسرعة إلى فمه تقفله، ~~وحاولت الفتحة الصغيرة أن تتملص من الأصابع الموضوعة فوقها فازداد ضغط الأصابع. وخافت أن ~~ترفع يدها فيعود إلى الصراخ، وهكذا بقيت يدها. # ومرة واحدة أفاقت عزيزة لنفسها فوجدت يدها ميتة على فم الطفل ووجدت الطفل ساكتا ساكنا ~~لا حراك به. وهتفت في صوت مبحوح خائف مرتعش: يا لهوي! # ومكثت قليلا في مكانها، جامدة لا تتحرك، غير أنها أخيرا تحركت خائفة مرتعشة، كل همها أن ~~تبتعد، تحركت زاحفة على بطنها إلى فراش قش الأرز الذي تنام عليه. # كان جيرانها والترحيلة قد ناموا، ولم يشهد قالب الطوب الأحمر الذي تضع رأسها عليه دموعا، ~~ولم تسمع أم حسن جارتها في الرقاد أنينا، وأيضا لم تنم، فطوال الليل كانت تحس وكأن قطار ~~الدلتا ظل يدفعها إلى تصادم المحطة، وأنه يفعصها بين حديده وحديد التصادم. # وقبل شروق الشمس، وبجبروت مذهل، كانت تمسك خطا مع الأنفار، وظهرها محني، وعيناها ~~زائغتان تبحثان عن اللطع. ~~••• # وسار كل شيء كما أرادت تماما، حتى حين جاء المأمور وبدأ قلبها يدق وعرقها ينبت، تمالكت ~~نفسها بقوة ومرت من أمامه وفاتت عليه دون أن يستوقفها. وحين جاء البوليس لم يشك أحد فيها، ~~بل حتى لم تستدع للمثول بين يدي وكيل النيابة. كل ما في الأمر أنها قبيل الغروب وهي عائدة ~~مع الأنفار من الغيط، عن لها أن تغير طريقها، وبدلا من الذهاب إلى مقر مكان الترحيلة عن ~~طريق الترعة، تذهب عن طريق الخليج. لماذا؟ لم تكن تدري. بدأت تسير فعلا في اتجاه الخليج، ~~ولكنها اقشعرت فجأة وعادت مسرعة لتذهب عن طريق الترعة. # وتعشت مع الأنفار، والغريب أنها وجدت ms068 شهيتها متفتحة على غير العادة، وآوت إلى فراشها القش ~~ومخدتها الحجرية وكل ما يشغلها هو فرحة الإفلات، وكأن تلك الفرحة قد تولت تخدير جسمها وكبت ~~كل آلامها. # واستيقظت مع الأنفار في الفجر، ومع شعاعات الشمس الأولى بدا لها أن الهم قد انزاح عن ~~كاهلها إلى الأبد، وأنها أصبحت طليقة حرة، تخلصت - دون أن يشمت فيها أحد أو يعيرها أحد - من ~~الورم الخبيث الذي كاد يوردها حتفها، بدا لها الصباح جميلا جدا، وبدا لها أن كل شيء سوف ~~يسير كما أرادت تماما وكأن الله معها. # وفي طريقها إلى الغيط خرجت - لأول مرة - عن العزلة المقيتة التي كانت قد فرضتها على نفسها، ~~وقد أصبحت منتشية بإحساسها أن لم يعد فيها شيء يمنعها من أن تكون مثل سائر الناس، تخالطهم ~~ويخالطونها وتحادثهم ويضحكون معها. # لوية بوزها انفكت، ورأسها غسلته وسرحت شعرها ربما للمرة الأولى منذ شهور، وبدت عزيزة مرحة ~~منطلقة على غير عادتها حتى إنها شاركت الأنفار في غنائهم في أثناء العمل، حين يشتركون في ~~تزويج نفر منهم لبنت، وتناجيه ويناجيها، ثم يزفهم الأنفار جميعا بنشيد جماعي. ~~••• # غير أن كل شيء لم يسر تماما كما أرادت عزيزة. # فبعد يومين بدأت تسخن وتحس بدق متواصل يفتت مفاصلها. # وفي اليوم الثالث بدأت السخونة تتحول إلى نيران تتصاعد من جلدها وجوفها. # كانت قد أصيبت بحمى النفاس. # ولكنها لم تكن تعرف ماذا أصابها، ولا رأت أبدا أية علاقة ممكن أن تكون بين ولادتها في ~~العراء على حافة الخليج وبين ما يحدث لها. كل ما أحسته أن جسدها بدأ يخونها، وأنه لم يعد ~~يطاوعها في يقظتها أو في منامها، ولم تعد قادرة على صلب حيلها في الخط. # ولكن آلام الدنيا كلها وحرارتها كان لا يمكن أن تثنيها عن العمل، فاستمرت تسرح وتروح وتمسك ~~الخط مثلها مثل بقية الأنفار، تدوخ وتزغلل الدنيا في ناظريها وتغم عليها نفسها، ولكنها تضغط ~~على نفسها - بجبروت - وتقاوم وتنحني وتعمل. # وبالضبط لم تدرك ماذا حدث في اليوم الرابع أو الخامس، كانت في صف الأنفار ms069 يقولون لها: ~~مالك يا عزيزة؟ فلا ترد. وفجأة وقعت في الخط، وأفاقت لتجد نفسها تحت «الظليلة»، ولكنها ما ~~كادت تفيق حتى بدأت تصرخ وتزعق وكأنهم يغدرون بها ويمنعونها من أن تعمل. بل قامت فعلا تريد ~~مواصلة العمل، ولكنها داخت وارتعشت ساقاها تحتها ووقعت. وأفاقت لتجد نفسها مبلولة بالماء ~~الذي رشوه عليها. # ورغم حلقها الجاف ورعشتها المستمرة وأزيز الحمى في جسدها فقد كانت لا تزال فرحة أن خطتها ~~تمضي بنجاح، وأن أحدا لا يعرف ولن يعرف أنها الفاعلة. ~~••• # ولكن خطتها قدر لها أن تفشل عن طريق لم تكن قد حسبت حسابه، فالحمى باتت تشتد. # وبدأت عزيزة تخرف. # أم الحسن جارتها في الرقاد بدأت تسمع كلاما غير مفهوم عن جذر البطاطا وابن قمرين وعبد ~~الله والجنين الذي لم يكن يريد أن يكف عن الصراخ. # ومن كلماتها المتناثرة وهمسات النساء وإضافاتهن، تكاملت حكايتها وأصبحت خبرا. # وبدأ خبرها ينتقل من جار إلى جار، ويتسلل حول القفف، ويخطي المواقد، وينبش بين عيدان القش، ~~ويتوقف لدى كل أذن صاغية. # ولم يترك الخبر أذنا لم يتوقف عندها. ولم تترك أذن الخبر إلا وأوقفته وفحصته وترددت ~~كثيرا بين تصديقه وتكذيبه، حتى آذان الصنج سمعت به. # ومع ذلك لم يتعد الخبر ذلك الفضاء الكائن خلف الإصطبلات أبدا. حرص الجميع على كتمانه ~~وكأنه قد أصبح سرهم كلهم، أو عورة كل منهم التي يجب أن يبقيها بعيدة عن أعين الناس وألسنتهم ~~وآذانهم. حتى تعليقاتهم الخاصة عليه بينهم وبين أنفسهم كانت خفيفة ومقتضبة. الرجال كانوا ~~يكتفون بمصمصة الشفاه، وقد كفتهم عزيزة - وما حدث لها وما لا يزال يحدث لها - أي كلمة زائدة أو ~~تعليق خارج، والنساء والبنات طرحن الحكاية جانبا وأصبحت عزيزة كل همهن، يطعمنها ويسقينها ~~ويعاونها في الذهاب إلى الغيط والمجيء، ويمسكن خطها بدلا منها، ولا يجعلن لها من عمل إلا ~~الانحناء حين يمر المأمور أو الخولي. # وحين بلغ الريس عرفة الخبر، وتشاور مع كبار السن من الرجال، رأوا أن تكف عزيزة عن العمل ~~تماما وترقد. # ولم توافق عزيزة أبدا إلا ms070 بعد أن أخبروها أن أجرتها لن ينالها سوء، وأن يوميتها سوف ~~تحتسب، وكان خوفها الأكبر إذا رقدت أن ينقطع أجرها فيموت عبد الله وأولادها من ~~الجوع. # وحين رقدت عزيزة وقد اطمأن قلبها على سريان اليومية، بدا وكأنما المرض كان يختزن قوته ~~كلها لهذه اللحظة. فقد أحست - وكأنما فجأة - أنها فعلا مريضة، وأن المرض قد استبد بها إلى درجة ~~لم تعد تستطيع معها أن ترفع ساقا أو تحرك يدا. ~~••• # مع أن المأمور كان هو أول من عرف بحكاية عزيزة إلا أن خبرها كان قد وصل إلى العزبة ~~الكبيرة حتى قبل أن يصلها هو. ذلك أنه الخبر الذي انتظره الناس فيها طويلا وتلقفوه تلقف ~~الملهوب، فلم يكن فيه حل للغز الذي حيرهم فقط، ولكن الحل أيضا على وجه مرض، الحل كما ~~أرادوه تماما وخافوا ألا يكون. حل بردت به صدورهم وهجعت خواطرهم وأعاد لهم الثقة في أنفسهم ~~وأخلاقهم ونسائهم وقيمهم، تلك الثقة التي ظلت حائزة مزعزعة تحوم حولها الشكوك، وتتطاول ~~عليها الألسن منذ اللحظة التي عثر فيها عبد المطلب الخفير على اللقيط. # ومن الفرحة التي قوبل بها الخبر في العزبة كان يخيل إليك أنه لو لم تكن هناك عزيزة وجذر ~~بطاطا لتكفل واحد منهم أو أكثر بتأليف عزيزة من عنده، وألصق بها ما شاء من جذور البطاطا أو ~~كيزان الذرة، ولسرت حكايته ودارت وأصبحت - في النهاية - حقيقة. فأن يعود للناس إيمانهم شيء ~~ضروري، فإن لم يعد على هيئة حقيقة فليعد شبه حقيقة؛ إذ الإيمان سوف يتكفل بها ويجعل منها ~~حقيقة. والناس تريد الإيمان على أية صورة، فإن لم تجد ما تؤمن به في الواقع آمنت به في ~~الحكايات. # هللت العزبة الكبيرة للخبر بفلاحيها وأسطواتها وكل موظفيها، وحتى بالسائرين في طرقاتها. ~~وكلما التقى أحدهم بالآخر صرخ فيه: مش قلت لك؟ علي الطلاق أنا م الأول قلت إنهم الترحيلة، ~~جالك كلامي؟ # ويؤمن الآخر على حديثه، بل ويكاد يقسم هو الآخر بيمين الطلاق وينتقل بهما الحديث من ~~اللقيط إلى الترحيلة أنفسهم باعتبارهم أصحابه والمسئولين عنه. ms071 # ذلك هو ما حدث. فما كاد أهل العزبة يطمئنون على سلامة أنفسهم حتى بدءوا يستديرون للغرابوة ~~الذين كانوا يتجاهلون وجودهم إلى تلك اللحظة، ويعيشون على أرض التفتيش يكاد لا يحس بهم ~~إنسان. بدءوا كلما ذاع خبر عزيزة ولقيطها وحكايتها يصبحون محط أنظار الناس ومحل اهتمامهم، ~~ولكن أي اهتمام؟! # الفلاحون الكبار والمزارعون لم يفعل الخبر أكثر من أن هيج كامن تقززهم من الغرابوة ~~واشمئزازهم منهم، فأصبح الحديث عنهم يسبقه أو يتبعه سيل من الشتائم والبصقات. كأن الترحيلة ~~في نظرهم حثالة آدمية تهبط على تفتيشهم مرة أو مرتين في العام كالوباء الذي لا مفر منه. فما ~~بالك حين يكتشفون أن تلك الحثالة قد صدر عنها شيء حرام - كهذا الذي حدث منذ أيام - حاولت إخفاءه ~~وإلصاقه بأهل العزبة؟ الترحيلة أنفسهم كانوا يكادوا يصبحون شيئا حراما، وكأن الناس جميعا ~~مخلوقات حلال وهم وحدهم مخلوقات حرام، أية بشاعة يصبح عليها الحرام إذا ارتكب ~~حراما! # نساء الفلاحين هن الأخريات كان لهن آراء مثل أزواجهن وآبائهن، بل أغرب من هذا كن أكثر ~~حماسا وأكثر تحاملا، وكأنهن يستكثرن على الترحيلة أن تحمل إحداهن مثلما يحملن، وأن تلد ~~مثلما يلدن، حتى لو كان حملها وولادتها حراما في حرام. ~~••• # وفي عودة مسيحة أفندي إلى بيته في ذلك اليوم كان فرحا على غير العادة، بل دفعه الفرح إلى ~~التهور، وآلى على زوجته أن تذبح لهم في ذلك اليوم وتوسع. # وزاط دميان للاقتراح، لا لأنه سيأكل الرءوس والجناحين كعادته كلما ذبحوا دجاجا، ولكن ~~لأن معنى هذا أن يتاح له أن ينظف الريش عن الطير المذبوح، وأهم من هذا سيتاح له أن يفتح ~~«القوانص» بالسكين، وفرحته الكبرى كانت حين يخرج أحشاء الدجاجة أو البطة ويتناول منها ~~«القونصة» ويجري عليها السكين فيقسمها نصفين، ويتحسس الحصا الأصفر الذي يعثر عليه داخلها ثم ~~يزيل قشرتها الداخلية التي تطلع في اليد مرة واحدة دون تمزق وبلا مجهود، وتصبح القونصة ~~بعدها نظيفة تكاد - من نظافتها - أن يلتهمها دميان التهاما وهي نيئة. # وضحكت لنده لمداعبات أبيها، وقليلا ما كان ms072 يداعبها، ووجدت الفرصة مناسبة فطلبت منه أن ~~يسمح لها بزيارة أم إبراهيم زوجة «أبو» إبراهيم الفقي؛ إذ مرضت المسكينة وأرسلت تطلبها، ~~والعادة كانت قد جرت ألا تخرج لنده إلا لزيارة أسرة المأمور أو في أفراح كبار الفلاحين إذا ~~دعيت إلى فرح، ولكن مسيحة أفندي كان في الحالة التي ممكن أن يسمح فيها بأي شيء ولو كان ~~خارقا للعادة. ألقى نظرة جانبية على أم لنده وكأنه يطلب رأيها، فرفعت حاجبيها حتى بدا أن ~~رقبتها الرفيعة ترتفع هي الأخرى وتصبح أكثر طولا، وقالت: والله أنت حر. # فقال مسحية أفندي بتهليل: خلاص، روحي يا ست لنده، بس خدي بالك لحسن تعديكي، حاكم بيوت الفلاحين مليانة ~~ميكروب. ~~••• # وكان فكري أفندي المأمور أجدر الناس بالفرحة، فهو الذي - بالفطنة والسليقة - أشار إلى ~~الترحيلة من أول لحظة وأكد أنهم الفاعلون، وهو الذي ظل يدأب ويسعى حتى كللت مساعيه بالنجاح ~~وتحققت فراسته، وعثر على الجانية في الترحيلة. # ولكنه حين عاد إلى العزبة لم تكن على سيماه معالم فرح أو بشائر انتصار، بالعكس كانت ~~ملامحه غائمة، فيها خيبة أمل وبوادر تفكير، حتى حين قابله محبوب البوسطجي الذي كان قد عاد ~~إلى الحياة مع زكية بعدما تكفل المأمور برد عقلها وإصلاح ما بينهما حتى إنه جعلها تقبل ~~أمامه قدمي محبوب، وفعلت هذا ومحبوب يستغيث ويرفض قائلا إنها ستخلص منه كل هذا حين تنفرد ~~به في البيت بعيدا عن الناس. حتى حين قابله محبوب وهو لا يزال معلقا حقيبة الخطابات إلى ~~جنبه مع أن عمله كان ينتهي بعد فوات قطار الرابعة، ولكنه كان يحب ألا يراه الناس إلا وتحت ~~إبطه الحقيبة وكأنما ليميز نفسه بشيء عن بقية الناس. حين قابل «محبوب» ورآه مغموما أحب أن ~~يسري عنه كعادته، وقال له إنه من يوم الحكاية إياها بدأ يتعلم القراءة والكتابة على يد ~~الشيخ «أبو» إبراهيم الفقي حتى لا تستغفله زكية مرة أخرى، لم يضحك المأمور ولا حتى رد على ~~محبوب أو حفل به، بل ما كاد يهبط من فوق الركوبة حتى توجه ms073 إلى بيته في الحال وقال لزوجته ~~إنه يريد قهوة، وحين جاءت وجدته نائما على الكرسي فلم تشأ إيقاظه. # وفي إغفاءته رأى فكري أفندي نفسه نائما مع عزيزة تحت الظليلة والأنفار كلهم يتفرجون عليه ~~وعليها، وكان زوجها - ببطنه المنتفخ - واقفا ممسكا خطا مع الأنفار، وكان هو الآخر يتفرج ولا ~~يفعل شيئا أكثر من أن يقول: حرام عليك يا حضرة المأمور، حرام عليك، دي عيانة. # وأفاق فكري أفندي مختنقا وكأنه يعاني من كابوس. ~~••• # ظلت اللعنات تنهال - طوال النهار - وتنصب على الترحيلة وتندد بهم حتى من جنيدي صاحب الدكان ~~والوحيد الذي كان يستفيد من وجودهم في التفتيش، كان يلعنهم حتى في وجودهم، ويبدي اشمئزازه ~~من أيديهم الكثيرة الممتدة إليه، قائلا لهم إنه قد أصبح يستبشع حتى مجرد لمس نكلهم ~~وملاليهم، وكأنها هي الأخرى لقطاء جاءت من حرام وذاهبة إلى حرام وملمسها خطيئة. # أولاد الفلاحين وصبيانهم فقط هم الذين - دونا عن قاطني التفتيش - كان لهم رأي آخر في المساء. ~~في النهار فعلوا مثل كل الناس، وكلما صادفوا امرأة من نساء الترحيلة كانوا يأخذون في زفها ~~والتطبيل على صفيحة قديمة وراءها. أما حين جاء الليل فقد أصبح لهم رأي آخر، وأولاد العزبة - ~~ككل الأولاد - يحبون الليل واللعب فيه. الليل حين يتشبع الفضاء المحيط بالعزبة بضوء القمر، ~~ووسوسة الليل، ونقيق ضفادعه، والرائحة التي يضيفها الظلام على الأرض، حتى الزرع الأخضر ~~تصبح له في الليل رائحة، وكأنه يدخر أزكى روائحه لليل. ينسى الأولاد - حينئذ - أحقاد النهار ~~وخلافاته ومشاحناته، ينسون حتى آباءهم وزجرهم، وينسون اليوم الشاق الآتي، وكأنهم لا يعودون ~~يذكرون إلا أنهم أبناء لحظتهم، أبناء الليل والأرض، وإخوة الضفادع والنجوم، وأحباء ذلك ~~القمر الحنون النظيف ويلعبون. يلعبون الاستغماية، وضربونا مونا لما عمونا، وعسكر وحرامية، ~~والحجر دقدق، وسرح. يبدءون اللعبة وفي دورين يكونون قد زهدوا فيها، فينتقلون بخفة وبساطة ~~إلى غيرها وغيرها، ضاحكين صاخبين لا يعكر صفوهم معكر. # في تلك الليلة اقترح واحد من الأولاد على زملائه أن يذهبوا ويتفرجوا على الترحيلة ~~وأولادها وهم يلعبون. وفوجئ صاحب الاقتراح ms074 نفسه بالضجيج العظيم الموافق الذي لاقاه اقتراحه؛ ~~إذ هو قد اقترح هذا وهو خائف؛ ذلك أن من الأمور المتعارف عليها بين الفلاحين أهل العزبة أن ~~من المستحيل على أولادهم أن يلعبوا مع أولاد الترحيلة أو حتى يقتربوا منهم، وكأنهم سيصابون ~~بالجذام لو فعلوا هذا. ولم يكن أحد يسأل عن سر ذلك التحريم أو يحاول مناقشته، وهل يستطيع ~~أحد أن يناقش أباه حين يقول له هذا عيب، أو هذا حرام، حين تذكر كلمات كهذه فعلى الولد أن ~~يطيع وليس عليه أن يقول ثلث الثلاثة كام. # هلل الأولاد لاقتراح زميلهم موافقين، مع علم كل منهم أنه شيء عيب لا تصح الموافقة عليه، ~~وحين تبينوا أنهم جميعا موافقون متحمسون ازدادوا خفة وحماسا لتنفيذ الاقتراح وكأنه لم يعد ~~حراما، وكأن الشيء الحرام إذا وافق عليه الجميع أصبح حلالا زلالا لا شك فيه. # وما أسرع ما أصبحوا يتسابقون ليروا أيهم يستطيع الوصول أولا إلى مكان الترحيلة وكأن ~~معجزة تنتظرهم هناك، أو كأنهم - على الأقل - سيرون تلك المرأة التي سمعوا آباءهم وأمهاتهم ~~ينعتونها بأقبح الألفاظ ويصمونها بأشنع التهم. # ولكن ما إن عبر المتسابقون القنطرة الحجرية التي تفصل العزبة الكبيرة عن مباني الإدارة ~~والسراية والمخازن والجرن والإصطبلات ووصلوا إلى ما خلف الأخيرة، ورأوا في الظلام المقاطف ~~والقفف والزلع مرصوصة متناثرة كشواهد وضعت خصوصا لتدل على مكان الترحيلة. ما إن رأوا هذا ~~حتى كفوا عن الجري ثم راحوا يتسللون الواحد وراء الآخر على أطراف أصابعهم ليصلوا إلى حيث ~~يلعب أولاد الترحيلة، لا بد في وسعاية الجرن، وكانوا خائفين جدا وهم يتسللون عبر مكان ~~الترحيلة وكأنهم مارون على قبيلة من قبائل الجان حطت رحالها ونامت في ذلك المكان. ومع خوفهم ~~الشديد فلم يستطيعوا كتم ضحكاتهم، فقد سمعوا أصوات شخير كثير متصاعد من الترحيلة، شخير غير ~~منتظم تماما كنقيق الضفادع في الخليج الذي يجاورهم وأرض الأرز، والذي أضحكهم أن الضفادع ~~كانت تنقنق فيبدو وكأن الترحيلة ترد عليها بشخيرها، وكلما شخرت الترحيلة ردت عليها الضفادع ~~بالنقيق. # وفعلا كان أولاد الترحيلة يلعبون ms075 في وسعاية الجرن بعيدا عن آبائهم الراقدين متعبين، ~~وبعيدا في الوقت نفسه عن المكان الذي يلعب فيه أولاد العزبة. لم يحرم أحد عليهم الاقتراب ~~من أولاد العزبة وهم يلعبون ولكن من مجرد معاملة الفلاحين لهم كانوا يدركون أن هذا - بالتأكيد - ~~شيء محرم، وأن واجبهم أن يبتعدوا عن العزبة وأولادها قدر الطاقة. # وقف أولاد العزبة من بعيد يتفرجون، وكانوا يتوقفون هنيهة وكأنهم يتوقعون معارضة أو ~~زجرا، وحين لا يجدون يتقدمون. الجرن واسع كبير فيه أكوام هائلة من تبن ماكينة الدراس يكاد ~~يصل في ارتفاعه إلى ارتفاع السراية نفسها، وفيه أكوام ضخمة من القمح، وفيه نوارج أتى بها ~~الفلاحون الذين يرفضون أن يدرس قمحهم في ماكينة الدراس، والذين آثروا أن يدرسوه على النوارج ~~ولو أخذ أياما أكثر، فقمح النورج - كما يقولون - مبروك، والماكينة على الأقل تلتهم ثلث المحصول ~~بسرعتها الفائقة المشئومة. وأولاد الترحيلة كانوا قد اختاروا للعبهم بقعة فسيحة غير مشغولة ~~تحيطها أكوام القمح والتبن من كل الجهات. وخلف تلك الأكوام وداخلها احتشد أولاد العزبة ~~يتفرجون، وظلوا وقتا طويلا لا يفهمون شيئا مما يدور أمامهم، وكأنهم يتفرجون على أولاد من ~~جنس آخر أو ملة ثانية؛ فلغتهم غير مفهومة، وألعابهم غريبة، وحتى ضحكهم يبدو مختلفا تماما ~~عن ضحك الآدميين. # ولكنهم - بعد حين - بدءوا يدركون بعض ما يدور أمامهم، فأولاد الترحيلة كانوا، على ما يبدو، ~~يمثلون، وقد وضع شاب منهم شيئا كمشنة الخبز فوق رأسه ليمثل بها دور بائعة جبن، وشاب آخر ~~كان يمثل دور عسكري، وحوار بالأغاني يدور بين العسكري وبائعة الجبن، العسكري يتمحك طالبا ~~نقودا والبائعة تتبغدد وتحاول أن ترشوه بقطعة جبن معددة مزاياها، والشاويش يرفض ويريد ~~نقودا ويزجرها ويوبخها بصنعة لطافة. لغة غريبة وطريقة غريبة في اللعب يتبعها هؤلاء ~~الأولاد، ولولا لفظة «شبنة» التي عرفوا أنها «جبنة» لما كانوا قد فهموا شيئا من كل هذا. ~~الغرابوة إذن لهم ألعابهم هم الآخرون، ألعاب لا يعرفونها هم. لماذا إذن يزدريهم آباؤهم ~~وسكان العزبة كل هذا الازدراء؟ ليتهم يرضون أن يشاركوهم اللعب . # كان هذا ms076 مجرد خاطر عن لأولاد العزبة جميعا وكأنما عن لهم في نفس واحد، وكالعادة انتقل ~~الخاطر على الفور من أذهانهم إلى ألسنتهم، ومن ثم إلى أجسادهم وأرجلهم، فتركوا أمكنتهم ~~وتقدموا إلى أولاد الترحيلة. ولم يأخذ الأمر أكثر من كلمة واحدة: تلعبوا معانا؟ نلعب معاكم. ~~وتصاعدت على الفور تهليلة كبيرة من أولاد العزبة والترحيلة معا، تهليلة جاءت بعبد المطلب ~~الخفير من عند الخليج وجعلته يطير وراءهم ويطاردهم حتى أجلاهم عن الجرن. ولكن أولاد العزبة ~~كانوا ماكرين فقد اقترحوا على أولاد الترحيلة أن يذهبوا جميعا ويلعبوا وراء ماكينة الري ~~فهناك مكان متسع بعيد عن عبد المطلب وبعيد عن العزبة وبعيد حتى عن مكان الترحيلة. # وفي اللعب اختلط الأولاد بالأولاد. واكتشف أولاد العزبة أن الأولاد الآخرين ملامحهم ~~مختلفة عن بعضهم البعض وليس لهم شبه واحد كما كانوا يعتقدون قبلا، وملامحهم سمحة وطيبة، بل ~~ويضحكون أيضا ولكل منهم اسم، بل سرعان ما حفظوا بعض أسمائهم. مصباح وبدوي وحسن والولد ~~الأسمر سنجر، ولهم مهرج، ولد رفيع مثل عود الملوخية ولكنه يميت من الضحك. # وفي تلك الليلة عاد الأولاد إلى بيوتهم في العزبة، وهم لا يريدون العودة، فقد سعدوا ~~بلعبهم مع أولاد الغرابوة أيما سعادة وتعلموا منهم ألعابا جديدة. لعبة عشرة وعشرين مثلا، ~~حيث يضع أحدهم طاقيته فوق كومة تراب، ويقيسون عشر خطوات من الكومة وعشرين خطوة من الناحية ~~الأخرى، ويقف متسابقان عشر خطوات من الكومة وعشرين خطوة من الناحية الأخرى، ويقف متسابقان ~~عند كل نقطة، فإذا ما استطاع صاحب العشر الخطوات أن يجري من نقطته إلى الكومة ويختطف ~~الطاقية ويرجع إلى مكانه قبل أن يلحق به زميله الذي يبعد عن الكومة عشرين خطوة، كان هو ~~الغالب ووقع زميله. # عاد الأولاد يتسللون إلى مضاجعهم من سكات، وفي عزمهم الأكيد أن يذهبوا كل ليلة ويلعبوا مع ~~أولاد الغرابوة، وفي عزمهم الأكيد أيضا أن يخفوا هذا عن آبائهم حتى لو فتن عليهم عبد ~~المطلب الخفير. ~~••• # على ضوء لمبة نمرة خمسة نظف زجاجها بعناية حتى لا يحجب أي قدر - ولو ms077 ضئيلا - من النور، ~~موضوعة على رف خشبي في أعلى الحائط. كانت الحجرة تبدو أنيقة مرتبة على غير ما جرت به العادة ~~في بيوت الفلاحين. فالسرير البوصة ونصف المرتفع الذي يكاد يحتاج إلى سلم للصعود عليه نظيف ~~ومعتنى به، و«دايره» الأسفل يحجب ما تحته من كراكيب وخزين، و«دايره» الأعلى يزين الناموسية، وفي الواجهة دولاب وإن كانت مرآته مشروخة إلا أن الشرخ رسم عليه بالإسبيداج شجرة ذات ~~أزهار وأثمار لتخفي الشرخ. وبجوار السرير مقعد بمسندين له كسوة من قماش أبيض بولغ في ~~تزهيره في أثناء الغسيل. والأرض وإن كانت جرداء بلا خشب أو بلاط إلا أنها مكنوسة ومرشوشة ~~ومغطاة بطبقة رقيقة من الرمل. والقلل موضوعة في الشباك عليها أغطيتها المعدنية وفوقها ~~شاشة زيادة في الحرص على النظافة والأناقة، بالاختصار كل شيء في الحجرة يحاول أن يبدي أحسن ~~ما فيه. # وكان بالحجرة شخصان لا ثالث لهما، أم إبراهيم نائمة على السرير في أتم صحة وأبهى منظر، ~~وإن كان من يشاهدها ويرى كيف تتكلم وتتأوه يظن أنها مريضة في عنفوان المرض، ولنده جالسة على ~~الكرسي الوحيد بالغرفة مبهورة بالبيت الغريب الذي تدخله لأول مرة، تتأمل في دقة النساء كل ~~شيء فيه وتعجب له، هي التي لا تغادر بيتهم وحجراتهم إلا في النادر حتى أصبحت مجرد زيارتها ~~لبيت آخر - ولو بيت الشيخ «أبو» إبراهيم الفقي - حدثا تستحق من أجله أن تجلس مبهورة ~~الأنفاس. # كانت أم إبراهيم هي التي تقوم بالعبء الأكبر من الحديث، مع أن الحديث نفسه كان قليلا. ~~ولم يكن كلام أم إبراهيم يخرج متصلا متسلسلا كعادتها، كان يتقطع وكأن صاحبته مشغولة بشيء ~~أو تتوقع شيئا. وكانت لنده تنصت أغلب الأحيان، وأحيانا تشارك في الحديث وترد بجملة أو ~~بضحكة قصيرة عصبية، وكأنها خائفة من شيء أو تريد أن تخاف من شيء. والواقع أنها كانت في أبهى ~~مظهرها، وجهها أبيض محمر قد طلي بطبقة خفيفة من البودرة لا تكاد تلحظها العين، وشعرها لامع ~~مسرح بحيث تتدلى خصلة منه على جبهتها، وأنفها وملامحها، وتقاطيعها وكل شيء ms078 فيها أنيق جميل، ~~رائع في أناقته وجماله لا يكاد يقاس أو يقارن بالحجرة المتواضعة الجالسة فيها، خاصة وهي ~~ترتدي أحسن وأجد فساتينها الثلاثة، ذلك الذي فصلته في أثناء زيارتها الأخيرة لأقاربها في ~~شبرا مصر. # كانت أم إبراهيم قد بذلت جهود الجبابرة خلال الأيام القليلة التي مضت على تلك الكلمة التي ~~أسرها إليها أحمد أفندي سلطان عند الجامع. كانت العقبات التي أمامها ضخمة، وليس من السهل ~~التغلب عليها، فمجرد الانفراد بلنده مشكلة فما بال الحديث الطويل إليها؟ والحديث الطويل ~~ضروري، فلنده وإن كانت قد جاوزت سن الزواج بسنين إلا أنها من تلك الناحية خام من الدرجة ~~الأولى، ثم إنها متعلمة وتفهم، وعلى الرغم من خبرتها فأم إبراهيم جاهلة لم تغادر أرض ~~التفتيش قط، الحديث إذن إلى لنده أمر محفوف بالمخاطر خاصة إذا كان يدور حول أمور دقيقة ~~ومخجلة مثل تلك. # ولكن أم إبراهيم استطاعت أن تتخطى العقبات، وعلى عكس ما توقعت استجابت لنده لكلامها بشكل ~~لم تكن تتخيله. فأم إبراهيم كانت قد دخلت إليها من باب لا يخيب، باب الرجال وأسرارهم، ~~الرجال، ذلك العالم المغلق البعيد كل البعد عن لنده ومسامعها، هؤلاء الآدميين الخشنين ~~الذين يبدون أشد قوة وضراوة من أبيها وإخوتها الصغار، والذين حين تراهم تجفل رغما عنها ~~وتكاد تجري. بدأت أم إبراهيم تحدثها عنهم - بل عن أخص خصائصهم - حديث العالمة الخبيرة، حديث ~~الجسد الذي لا يقوله الرجال أبدا إلى النساء، وإنما يقوله الرجال بعضهم لبعض ولا تتناقله ~~النساء إلا هما وإلا على انفراد، الحديث الذي لا يخيب في جر الألسن للحديث وفك عقد الخجل. ومن أول كلمة استجابت لنده وبدأت ~~تصغي محاذرة أن تساهم - من قريب أو من بعيد - في الحديث، ولكنها بعد قليل بدأت تدعي الجهل ~~أحيانا وتسأل، ربما لتتأكد، وربما لتستمتع بالكلمات تلقى على مسامعها مرة أخرى. ثم بدأت ~~تعلق تعليقات سريعة خجلى، وأم إبراهيم ترقبها، في أثناء هذا كله، في دهاء الصائد الماهر الذي ~~ينتظر، بصبر، إلى أن تبتلع ضحيته الطعم، ثم يبدأ يجذب برفق وهوادة ms079 ودون أن يفزع الضحية أو ~~يروعها. وهكذا راحت أم إبراهيم تنتقل من الحديث عن الرجال بشكل عام إلى الحديث عنهم بشكل ~~خاص، وتفرق بينهم، وتصنف، وتضع القوي في جانب والفحل في جانب آخر. وكان من الطبيعي جدا أن ~~تبدأ في التطبيق، وأن تذكر على سبيل المثال بعض الرجال المعروفين في التفتيش، وأن يأتي ذكر ~~أحمد سلطان، وأن تتوقف عنده أم إبراهيم طويلا وتصف ما يشاع عنه، وتضعه كأعتى مثل للرجل ~~والفحل والذكر. هنا بدأت لنده تخجل وتكاد تغلق أذنيها عن السماع، ولكن إلحاح أم إبراهيم كان ~~لا بد أن يتغلب على خجلها ويفتح أذنيها البكر، إلحاح خبيرة يبدو وكأنه دلال وتقل، إلحاح ~~من تعرف كيف تتكلم ثم تصمت حين يبلغ حب الاستطلاع بسامعتها أشده، وكيف تقطع الحديث فجأة إذا ~~رأت الخوف الحقيقي الذي يعقبه الرفض يتسرب إلى سامعتها من هول ما تقول، تاركة للأيام ~~والساعات والتأمل المنفرد والتطلع إلى الشيء المحرم الجديد أن تفعل فعلها، وتلين الحديد، ~~وتجعل من الممجوج مقبولا ومعقولا ومرغوبا. # وكان أن أصبحت لنده تؤمن بأشياء كثيرة، تؤمن بأن البنات يمكنهن أن يستمتعن بما تستمتع به ~~النساء ويبقين مع هذا بنات، تؤمن بأنها تعيسة ومحرومة من أكبر سعادة، وأنها ستظل هكذا إلى ~~أن تتزوج، ومتى تتزوج؟ الله - وحده - يعلم. وتؤمن بأن هناك شيئا لازما لجسد الأنثى هو الرجل. ~~وكانت أم إبراهيم قد تكفلت بجعلها كلما فكرت في الرجال تقرنهم في خاطرها حتما بأحمد ~~سلطان. # عند هذا الحد بدأت أم إبراهيم تغير النغمة، وتحمل سلامات من أحمد سلطان للست لنده. سلامات ~~كانت تعجب لها لنده أول الأمر؛ إذ إن أحمد سلطان هذا له في التفتيش سنوات دون أن يرسل لها ~~سلاما أو كلاما. ثم إن السلام الوحيد الذي كانت تهتز له لنده هو السلام حين كان يجيئها من ~~صفوت، ونادرا ما كان يجيئها من صفوت سلامات. # ولكن أم إبراهيم كانت بارعة، فكانت توصل إليها السلام وكأنه شيء من وحي الساعة بلا هدف ~~وبلا تدبير . ثم بدأت السلامات تصبح ms080 عن عمد، ثم فتحت أم إبراهيم للنده قلبها وأخبرتها أنها ~~تريد أن تقول لها سرا خفيا لا يعرفه إنس ولا جان. ولم تبدأ بإخبارها إلا بعد أن أقسمت ~~لنده بالمسيح والإنجيل أنها لن تخبر أحدا، وأعادت القسم لكي يطمئن قلب أم إبراهيم. حينئذ ~~قالت لها أم إبراهيم مبهورة الأنفاس وكأنها الرجل حين يعترف لفتاة، قالت لها إن أحمد سلطان ~~يحبها حبا لا يتصوره العقل، وأنه لا مطمع له ولا هدف أبدا من وراء هذا الحب، كل ما في ~~الأمر أنها زارته ذلك النهار حين تعبه جنبه فباح لها - في نوبة ضعف - بسره، وطلب منها أن تكتمه ~~دونا عن الناس جميعا، ودونا عن لنده بالذات. ولكن للصداقة قيودا وواجبات، ولم تتصور أم ~~إبراهيم نفسها أنها تعرف شيئا خطيرا كهذا ولا تقوله لحبيبة روحها لنده. وفي أول مرة ضحكت ~~لنده حتى كادت تموت من الضحك، ضحكا جعل قلب أم إبراهيم يدق بالاضطراب؛ إذ خوفها الأكبر كان ~~أن تأخذ لنده الأمر على محمل الهزل فيفسد تدبيرها ويفسد كل شيء. ولنده - فعلا - كانت قد أخذت ~~الأمر دون أن تلقي إليه بالا كثيرا؛ إذ كان شغل أحلامها الشاغل أن تتصور صفوت ابن المأمور ~~وهو يطالعها بوجهه الحبيب إلى نفسها ويقول لها هذا الكلام. ولم تكن تتوقع أبدا أن يأتيها ~~كلام كهذا من ناحية أحمد سلطان، مرءوس أبيها الذي لا يمكن أن يكون فتى أحلام بنت في مثل ~~هيئتها ومركزها. # حين أحست أم إبراهيم بهذا غيرت موضوع الحديث في الحال ولم تحاول مجادلتها أو ~~إقناعها، ولكنها عات إلى الحديث في اليوم التالي بطريق التلميح والإشارة العابرة. وفي ~~المساء عادت تطرق الموضوع وفي كل مرة كانت تقابل فيها لنده كانت تصف لها فيها حالة أحمد ~~سلطان وما يعانيه من وجد وهيام حتى تأكدت لنده تماما واقتنعت فعلا أن أحمد سلطان يحبها ~~دون أدنى شك، ولكنها لم تكن تستطيع أن تفعل من أجله شيئا. قالت هذا لأم إبراهيم، وأم ~~إبراهيم بدورها لم تعلق على قولها بشيء، وإنما ظلت ms081 تذكره لها كلما اجتمعت بها. ولكنها في ~~يوم لم تذكر لها شيئا عن أحمد سلطان مما أثار دهشة لنده وعجبها. وحاولت لنده يدفعها حب ~~الاستطلاع أن تدق على أطراف الموضوع من بعيد ولكن أم إبراهيم لم تستجب ولم تفتح فمها بكلمة ~~واحدة عنه. وكادت الجلسة تنتهي دون أن يرد له على لسانها ذكر، بل وبدأت تستعد للقيام بحجة ~~أنها لم تطبخ بعد وأن «أبو» إبراهيم زمانه عاد للبيت. وألحت عليها لنده أن تقعد وصممت ~~هي على القيام، وحينئذ فقط قالت لنده - وكأن الأمر لا يعنيها - إن أباها سوف يكلم المأمور ~~لينقل أحمد سلطان من بيته الملاصق لهم إلى بيت آخر، ومع أن أم إبراهيم كانت تعلم تماما أن ~~هذه كذبة اخترعتها لنده في التو واللحظة إلا أنها ابتسمت حين سمعت هذا ورفعت ثوبها ~~وجلست. وبدأ بينهما حديث خجل متعثر وكأن كلتيهما تخجل أن تخوض في موضوع شائك. المهم أن ~~أم إبراهيم أدركت أن حب الاستطلاع بدأ يتحرك في حنايا لنده، وكانت تعرف أن حب الاستطلاع إذا ~~استبد بالمرأة أصبح سيدها الأعلى الذي يحركها أنى يشاء. ومضت أم إبراهيم تغذي هذا السيد ~~الجديد، وتصور لها أحمد سلطان وتعيد بطريقة بدأت تبلبل لنده وتلهب خيالها في ساعات ~~وحدتها. ولكنها كانت أحيانا تشك في المر كله، وتستبعد أن يكون أحمد سلطان قد غرق في حبها ~~كما تدعي أم إبراهيم، وفي نوبة من نوبات ذلك الشك واجهت أم إبراهيم بهذا الرأي. ووجدت أم ~~إبراهيم في تلك المواجهة أن الموضوع قد نضج، وأن لنده قد أصبحت الآن في حالة تسمح لها أن ~~تقول: إن ما كنتيش مصدقاني اتأكدي بنفسك. ~~- إزاي؟ ~~- قابليه. ~~- يا نهار أسود! # كان هذا هو جواب لنده في ذلك اليوم، ولم تشأ أم إبراهيم أن تحرضها أو تثنيها، بل وقفت على ~~الحياد. كل ما في الأمر أنها ظلت تؤكد لها أنها إذا أرادت هذا اللقاء فسوف يتم في السر ~~تماما ودون أن يتسرب إلى أي مخلوق، وما عليها إلا أن تحضر إلى بيتها ms082 بأية حجة وتترك الباقي ~~عليها هي. ومنذ ذلك اللحظة لم تعد أم إبراهيم إلى الحديث في ذلك الموضوع بالمرة، بل حتى ~~حديثها المعتاد للنده أصبح قليلا نادرا لا تكاد تبدؤه حتى تنهيه. ترى آلاف الأسئلة في ~~عيون لنده، أسئلة أرقتها بالتفكير فيما تعرضه أم إبراهيم، أسئلة تكاد تبرق بها ملامحها فلا ~~تجيبها أم إبراهيم إلا بتجاهل مدرب خبيث. بل انقطعت عن الذهاب إلى بيت مسيحة أفندي ومضى يوم ~~واليوم التالي بلا خبر عنها، وبلغ القلق بلنده أشده وأرسلت دميان يستفسر فجاءها دميان يقول ~~إن أم إبراهيم مريضة جدا تكاد تموت. وعلى الغداء طلبت من أبيها الإذن وأذن لها وهو فرحان، ~~فأرسلت دميان يقول لها إنها قادمة لزيارتها بعد المغرب. # وها هي ذي لنده جالسة إلى جوارها، في فستانها «الجابونيز» المفتوح يظهر جيدها وكتفيها ولا ~~يفلح حتى في إخفاء ما تحت إبطيها من شعر كان يبدو رغما عنها أصفر كثيفا. كلما تطلعت إلى ~~الحجرة ورأتها مرتبة منظمة وكأنها ليست مجهزة لزيارة ولكن مجهزة لاستقبال عروس، أحست لنده ~~بقشعريرة ما، قشعريرة خوف، وكأنها خائفة أن يحدث ما تتوقع حدوثه فعلا. وكلما نظرت إليها ~~أم إبراهيم ورأتها معتنية بزينتها اعتناء زائدا، وكأنها ليست ذاهبة في زيارة مريضة ولكنها ~~استعدت لما هو أكثر من ذلك، اقشعر جسد أم إبراهيم هو الآخر ودق قلبها بالفرحة، وكأن ما دأبت ~~على السعي إليه طوال تلك الأيام يخيفها أن يتحقق، وأن ينجح مسعاها في النهاية. # وكان لا بد لحديث ما أن يدور. # ودار الحديث حول اكتشاف أم اللقيط، واكتشاف أنها متزوجة، وأنها حملت من وراء زوجها دون ~~علمه. وتناست أم إبراهيم أنها مريضة واعتدلت تقص على لنده حكايات عن الترحيلة وبشاعة ~~أخلاقهم، وكيف أنهم لا يتورعون عن ارتكاب أي جريمة أو خطيئة بلا خجل أو حياء وكأنهم ليسوا ~~بشرا، وكأنهم قطيع من حيوانات أو أغنام. وكانت لنده توافقها موافقات قلقة مضطربة، وتؤكد ~~لها في نهاية كل موافقة أن الله حتما سيغفر لهم؛ إذ هم جهلة لا يدركون ماذا ms083 يفعلون. وتصر ~~لنده على حكاية الغفران هذه بطريقة تبعث الريبة في صدر أم إبراهيم، فتجعلها تكف عن الحديث ~~وتغير الموضوع. # وسألت لنده عن الشيخ «أبو» إبراهيم مشيرة إلى قفطانه المعلق على شماعة عند رأس السرير، ~~فقالت أم إبراهيم إنه ذهب إلى العزبة نمرة ستة ليحيي مولدا هناك، وفعلا، ولو كانت لنده ~~قد صعدت إلى السطح وأصاخت السمع لرأت «كلوبا» موقدا بعيدا في الناحية القبلية، ولجاءها ~~صوت الشيخ «أبو» إبراهيم وهو ممسك حلقة الذكر على الواحدة، منسجما مع الإمام البرعي في ~~بردته المشهورة. # وعاد الحديث إلى سكون كاد يطول، وكاد يؤدي إلى جو الترقب والانفعال الذي سيطر على الحجرة ~~منذ دخلت لنده، غير أنه لم يطل. سمعتا دقة على الباب الخارجي المفتوح، دقة من يعلم من في ~~الداخل بقدومه. # وقالت أم إبراهيم بصوت متمارض ممدود، وهي متأكدة تماما من شخصية القادم: مين؟ # وشحب وجه لنده وبدأت مسامها تتحبب وشعرها يكاد يقف. # ودخل أحمد سلطان، طربوشه الغامق مائل على جبهته يكاد يخفي شعيرات حاجبه الأيمن، وجلبابه ~~الحرير البلدي مكوي، والبالطو الأسود فوقه، وذقنه حليق والنور يطل من وجهه، وشاربه مقصر ~~ومزوق، وقال بابتسامة واسعة مدربة، وكأنه لم يلحظ وجود لنده: مساء الخير يا أم إبراهيم، مالك؟ # فأجابت أم إبراهيم بنفس تصنعها: يسعد مساك يا أحمد أفندي، ما فيش! الظاهر إني باسقط ولا إيه ما أعرفش، مش تمسي يا أحمد ~~أفندي. # وبلفتة تمثيلية مبالغ فيها انحرف أحمد قليلا ورفع حاجبيه إلى أعلى وكأنه فوجئ ~~وقال: الله! الست لنده هنا؟ مش تقولي يا أم إبراهيم. # وهم أن يستدير على عقبيه ويغادر الحجرة تأدبا، ولكن صوت أم إبراهيم ارتفع ومضى يصر على ~~بقائه قائلة: هو أنت غريب يا خويا؟! ما غريب إلا الشيطان. # كل هذا ولنده جالسة في مكانها وكأنها في دوامة، لا تستطيع أن تنظر ناحية أحمد سلطان، ولا ~~ناحية أم إبراهيم، ولا في سقف الحجرة أو حتى في أرضها، وبدا أن أحمد سلطان وكأنما استجاب ~~لإلحاح أم إبراهيم فتنحنح وتقدم بضع خطوات، وقال ms084 بتلعثم: اتبن باقول البيت منور ليه، مساء الخير يا لنده هانم. # وساد وجود قليل، وحركت لنده شفتيها بلا صوت مع أنها أرادت أن ترد، وتداركت أم إبراهيم ~~الموقف قائلة: يسعد مساك يا حبيبي، إلهي يخليك لشبابك وينولك أمانيك. # ومد أحمد أفندي يده ليسلم على لنده. وارتبكت لنده برهة لا تدري ماذا تفعل، ووجدت أن خير ~~ما تفعله أن تمد يدها هي الأخرى وتسلم عليه، ولحظة واحدة هي التي استغرقها السلام، ولكن أي ~~لحظة! يد أحمد سلطان بأصابعها الكبيرة الجامدة المجربة ذات الشعر، يد تعرف كيف تطمئن البنت ~~البنوت وتأخذها، بأن تؤكد لها أن آخر ما تريده هو أن تأخذها، يده هذه تمتد وتحتوي يد لنده، ~~اليد البضة الطرية المرتجفة ذات الأصابع الطويلة، يد الثمرة التي نضجت على شجرتها وبقيت ~~ناضجة حتى كاد يفوت أوانها، ناضجة تكاد من نضجها أن تسقط من تلقاء نفسها ودون أن يمسها ~~أحد. يد ما إن التقت بها يد أحمد سلطان حتى أحست فيها أرض الواقع الصلبة، الواقع الذي ~~تمقته، ولكنها تحيا فيه، الخبز الذي في حوزة اليد والذي هو - بلا شك - أجمل وأروع من لحم لا ~~تراه إلا في الخيال، وصفوت خيال. وأحمد سلطان هذه يده غريبة عن نفسها وخيالها، ولكن فيها ~~ذكورة، ذكورة تحرك في كامنها أشياء لم تتحرك أبدا من قبل. # لحظة واحدة استغرقها السلام، ولكنها جعلت راحة كف لنده الصغيرة تنضح عرقا، عرقا كثيرا ~~إلى درجة أنها حين سحبت يدها من يده تساقط من راحتها سيل من القطرات. ~~••• # وغير بعيد - عبر القنطرة الحجرية - في بيت فكري أفندي المأمور كان صفوت ابنه يحاول النوم ~~فلا يستطيع. وحين فشل ادعى النوم، فقد كان يعرف أن مصيبة كبرى ستحل به عما قليل، فهمهمة ~~الحديث تأتيه عبر الصالة المظلمة من حجرة الجلوس، الحجرة التي استقبل فيها أبوه مسيحة أفندي ~~من وقت قريب وهو يعجب لتلك الزيارة المفاجئة في ذلك الوقت من الليل. # ولكن عجبه الآن لا بد أنه يزول، فها هي الهمهمة تصله فلا يسمع فيها ms085 إلا صوت مسيحة ~~أفندي هو يتحدث بلا انقطاع، وسعال أبيه وهو يستمع دون أن ينطق حرفا. ها هي ذي فترة سكون ~~تحل، لا بد أنه يريد فيها الخطاب. ألا سحقا له وللخطاب ولليوم الذي تحدث فيه عن لنده مع ~~أحمد سلطان يوم عثروا على اللقيط. # فبعد الحديث هاجت في قلبه الأحاسيس، وتملكه خاطر عات يهيب به أن الأوان قد آن ليبوح للنده ~~بكل ما يكنه لها قلبه ويكشف عن أحاسيسه. # وفكر واستغرق يومين في التفكير، ثم كتب ذلك الخطاب الملعون، كتبه بعد عشرات المسودات ~~التي مزقها ولم تعجبه صيغتها. وظل الخطاب في جيبه يومين، يتردد أحيانا في إرساله ويحتار ~~أحيانا أخرى في كيفية إرساله. # ثم فكر في محبوب هذا الذي أشاعوا أنه يرسل لها الخطابات عن طريقه، لماذا لا يستخدمه؟ ~~واستعبط محبوب أول الأمر، ثم لما عرف تردد وخاف، وقال إنه حلف من يوم أن اكتشف خطاب امرأته ~~معه ألا يحمل خطابات من هذا النوع. ولكن صفوت ظل يهدده ويطمئنه ونفحه - بالمرة - ريالا. وبان ~~على محبوب أنه قبل، ولكنه عاد وقال إنه يخاف أن يضبط معه الخطاب فيروح في داهية، وأقسم له ~~صفوت أنه سيكون مسئولا إذا حدث أي شيء. وإلى الآن لا يدري صفوت هل كان رضاء محبوب بتوصيل ~~الخطاب رضاء نابعا من قلبه، أم كان رضاء يخفي وراءه أخبث قصد، وإلى الآن لا يدري هل هي ~~فقط مجرد سذاجة من محبوب أن يذهب إلى بيت مسيحة أفندي ويسأل عن الست لنده من الباب للطاق، ~~فيستوقف سؤاله انتباه مسيحة أفندي فيجذبه إلى الداخل ويضيق عليه الخناق ويفتشه فيعثر معه ~~على الخطاب بكل بساطة. هل هي سذاجة من محبوب حين فعل ذلك، أم إنه الخبث، خبث ذلك الرجل ~~الأمرد القصير الذي أبى أن يمثل دور رسول الغرام لأمر في نفسه، فكشف عن قصده - عن عمد - لمسيحة ~~أفندي، وأصبح ليس عليه بعد أن وجدوا معه الخطاب إلا أن يقول: وأنا مالي؟ سي صفوت بيه هو اللي أمرني ، وأنا عبد المأمور، وليت ms086 الموضوع اقتصر على هذا، ~~ليت المصيبة كانت في الخطاب وحده. المصيبة الكبرى أن صفوت - لشدة ما كان يعتريه من قلق على ~~خطته - ظل يراقب بيت مسيحة أفندي من اللحظة التي سلم «محبوب» فيها الخطاب، ولم يتح له أن يرى ~~«محبوب» وهو داخل إلى البيت، فقد فوجئ بعد المغرب بقليل بلنده نفسها خارجة من البيت في أبهى ~~حلة وأتم زينة. وأول الأمر اعتقد أنها ذاهبة إلى بيتهم هم في أمر ما، ولكنها لم تعبر ~~القنطرة الحجرية ولم تأخذ الطريق إلى بيتهم، ولكنها انحرفت ناحية العزبة، وظل هو يتتبعها من ~~بعيد ويخمن قصدها، ولم يتح له أنه يخمن طويلا؛ إذ ما لبث أن وجدها تطرق باب بيت الشيخ «أبو» ~~إبراهيم الفقي وتدخل. ترى ماذا تراها ستفعل في بيت الشيخ «أبو» إبراهيم؟ سؤال ظل يلح عليه ~~طويلا دون أن يعثر له على إجابة ما، وأخيرا أقنع نفسه بأنها ذاهبة - لا بد - لزيارة أم ~~إبراهيم. # وهنا بدأت ملامحه تبرق وبدأ خاطر جنوني يستبد به. الشيخ أبو إبراهيم في العزبة نمرة ستة ~~يحيي المولد الذي هناك، ولنده الآن جالسة - وحدها - مع أم إبراهيم. أليست هذه فرصة جاءته من ~~السماء على غفلة؟ وما الذي يحدث لو دخل الآن بيت الشيخ «أبو» إبراهيم مدعيا أنه يسأل عنه ~~مثلا أو أنه يريد مناقشته في موضوع خاص والنقاش بينهما أمر معروف؛ إذ كثيرا ما قضيا جزءا ~~كبيرا ساهرين عند القنطرة أو أمام دكان جنيدي يناقشان المسألة الأزلية: الله ووجوده ~~والخيار والإلزام. والشيخ أبو إبراهيم يستمع لشكوكه وحيرته بصدر رحب سمح، ويطول بينهما ~~النقاش ولا يتفقان. لماذا لا يدعي السؤال عنه ويدخل، وإذا عزمت عليه أم إبراهيم يجلس ولا بد ~~أنه سيدور الحديث، ولا بد أنه سيجد فرصة ينفرد فيها بلنده ويخبرها بمكنون قلبه، وقد يوصلها ~~إلى بيتها بعد انتهاء زيارتها. ورغم وجاهة السبب ووجاهة الفكرة فقد ظل صفوت مترددا، ~~أحيانا يتحرك خطوات في اتجاه البيت فتخونه شجاعته ويتوقف وهو محرج أيما إحراج؛ إذ المكان ~~الواقف فيه مكان مكشوف تمر ms087 عليه الناس فيه وتحييه وتعجب والمسألة يلزمها بعض التروي ~~والتفكير، فقدرته على مواجهة لنده قد انتابها ضعف كبير من اللحظة التي قرر فيها أن يصارحها ~~بحبه. وهكذا انتحى صفوت ركنا من الشارع اختاره بجوار صومعة غلال قائمة تكاد تحجبه - بحجمها ~~الضخم - عن الأنظار، ومضى يقضم أظافره ويعمل فكره واضطراب عظيم قد تملكه. وبينما هو كذلك رأى ~~أحمد أفندي سلطان قادما من أول الشارع بطربوشه ومعطفه اللذين لا تخطئهما العين. وازداد ~~التصاقا بالحائط واختفاء وراء الصومعة حتى لا يراه أحمد سلطان فيعيره بموقفه ذاك عدة ليال ~~وسهرات. ولكن أغرب شيء أن أحمد سلطان لم يمر عليه؛ إذ قبل أن يصل إلى منتصف الشارع انحرف ~~ودق باب الشيخ «أبو» إبراهيم المفتوح ودخل. قلب صفوت هو الآخر دق في عنف وتولته حيرة عظمى ~~كادت تحجب الرؤية عن عينيه. ولكن عينيه ما لبثتا أن رأتا الباب، باب الشيخ تحركه يد نسائية ~~من الداخل، ثم ما لبث أن انصفق وانغلق. وتصاعدت الدماء في نافورة حارة إلى رأسه. وخرج من ~~مخبئه وأسرع يلهث حائرا في اتجاه الترعة كمن لدغته - لتوه - حية رقطاء. # وألف شيء فكر فيه في تلك اللحظة. # فكر أن يذهب ويحضر البندقية ويقتحم البيت ويطلق عليهما ظرفين دفعة واحدة. فكر في أن يسكت ~~وينتظر؛ إذ ربما يكون الأمر قد حدث صدفة. فكر في أن يذهب ويطرق الباب بحجة أنه يسأل عن الشيخ ~~«أبو» إبراهيم ويفاجئهما بظهوره. فكر في كل شيء ولكنه كان دائما يجد نفسه عاجزا عن أن ~~يفعل شيئا وكأن إرادته قد أصيبت بشلل مفاجئ، ولم تعد تستطيع إلا البكاء. ولكنه رفض أن يخضع ~~لإرادته ويبكي، وفجأة وجد أن همه كله أصبح في أن يعثر على محبوب قبل أن يذهب بالخطاب فيأخذه ~~منه؛ إذ لم تعد له حاجة به، ولم تعد تنفع ال... خطابات. # ولكنه لم يجد «محبوب» وعبثا حاول العثور عليه وكأن أهدافه من الحياة قد تبلورت كلها في ~~العثور على محبوب. وحين فشل في هذا أيضا أحس أنه قد أصبح يريد ms088 البكاء. وهكذا عاد إلى البيت ~~وانهار فوق سريره يريد أن يبكي. ولكن البكاء استعصى عليه هذه المرة، وبقي راقدا مفتح ~~العينين كالمجانين. إلى أن أحس ببابهم يدق وبمسيحة أفندي يطلب مقابلة أبيه لأمر عاجل، ويقوم ~~أبوه من النوم ويفتح حجرة الجلوس. ويجلس ومسيحة أفندي، ويسمع بأذنه مسيحة وهو يروي لأبيه ~~تفاصيل ما حدث حين جاءهم محبوب يسأل عن الست لنده، وعما قليل سيأتي أبوه ويحاسبه الحساب ~~العسير. # ظل صفوت راقدا مفتح العينين ينتظر اقتراب الخطوات التي يعرفها جيدا، خطوات أبيه، وهو ~~مستعد لمواجهته كل الاستعداد، وكأن لم يعد مهما لديه - بعد ما حدث - أن يحاسب على أي شيء وأن ~~يتهم بأية تهمة. ولكن خطوات أبيه حين اقتربت حقيقة وجد صفوت نفسه يغلق عينيه ويدعي النوم. ~~ووقف أبوه بباب الحجرة والمصباح في يده طويلا، وكأنما هو متردد بين أن يوقظه وبين أن يترك ~~أمر محاسبته وعقابه للصباح. # ويبدو أنه آثر - في النهاية - أن يترك كل شيء للصباح، فالصباح رباح. ~~••• # ولكن فكري أفندي لم يستطع محاسبة صفوت في الصباح؛ إذ استيقظوا فلم يجدوه، ولكنهم وجدوا ~~خطابا منه يقول فيه إنه ذهب ليبحث عن عمل في الإجازة في مصر بعيدا عنهم وعن التفتيش، وإنه ~~لم يجد فائدة في مجادلتهم فهم حتما سيعترضون. ويقول في الخطاب أيضا إنه آسف لأنه اضطر ~~«لاقتراض» كل ما في كيس أمه من نقود ويعد بردها جميعا حين يقبض أول ماهية، والمضحك أن ~~الورقة التي كتب عليها الخطاب يبدو أنها كانت إحدى مسوداته لخطاب لنده؛ إذ كان في ظهرها ~~كلمة حبيبتي مشطوبة ومعادا شطبها. ولم يفعل فكري أفندي شيئا أكثر من أن قرأ الخطاب مرة ~~أخرى ثم مزقه وهو يحاول إخفاء رضائه عن هروب صفوت، فالواقع أن صفوت أسدى إليه معروفا، ~~وأراحه من مهمة محاسبته ومواجهته، وتلك - بالنسبة إلى فكري أفندي - كانت دائما مهمة عسيرة ~~على نفسه وشاقة يتألم لها أضعاف ألم صفوت منها. ~~••• # أقيمت «ظليلة» أخرى لعزيزة بجوار أم الترحيلة تماما، إذ لم تعد ثمة حاجة لذهابها كل ms089 يوم ~~مع الأنفار ما دام المأمور قد عرف ووافق على أن تحتسب يوميتها وهي راقدة. # وتكفلت الظليلة والمرأة الراقدة تحتها بلفت نظر الناس وتعريف من كان لا يزال لم يعرف بعد ~~بحكاية عزيزة. والحقيقة أن سلوك أهل التفتيش تجاه حكاية عزيزة كان سلوكا غريبا. فأول ~~الأمر كان همهم أن يثبت أن الفاعلة واحدة من الترحيلة. وحين ثبت هذا واطمأنوا، دفعهم حب ~~الاستطلاع لمعرفة قصة هذه الفاعلة. وحين عرفوا القصة وأشيع أن صاحبتها قد بلغت من المرض حد ~~أن رقدت في مكان الترحيلة أصبح كل همهم أن يروا تلك المرأة ويتأملوا كيف تكون وماذا تشبه. ~~ومن أجل هذا كانوا يقبلون جماعات وأفرادا، نساء ورجالا، وحتى صبية وأطفالا. كان القادم ~~ليتفرج على عزيزة منهم يدعي أنه في طريقه إلى الجرن أو ماكينة الري أو سارح إلى الغيط، ~~وحين يرى الظليلة يتلكأ، وكأنما قد استوقفه منظرها، ويروح يسأل وكأنما هو لا يعرف، ويحدق في ~~المرأة الراقدة ويطيل التحديق. # كان هذا يحدث أول الأمر، ولكن بمضي الوقت لم تعد هناك حاجة للادعاء، فقد كان من يريد ~~التفرج على عزيزة يقف - صراحة - غير بعيد عن مكانها. ويظل منتظرا أن تستدير أو يخرج منها صوت أو ~~تبدو لها ملامح. وبعد أن كان الناس يعملون حسابا لوجود بلدياتها الغرابوة - إذا وجدوا - أصبحوا ~~يقفون للتفرج على عزيزة حتى في وجود الغرابوة. وكانوا يفعلون هذا دون أن يتبادلوا كلمة ~~واحدة مع الغرابوة، وكأن ليس لهم بهم دعوة أو صلة، وكأن عزيزة لم تعد منهم، وإنما أصبحت ~~ظاهرة عامة من حق الجميع أن يروها ويتفرجوا عليها. وكان الغرابوة يتقبلون هذا الوضع بكثير ~~من الاحتمال وضبط النفس. # غير أن عزيزة بدأت تخرف وتصرخ صرخاتها المحمومة، ويخف إليها بلدياتها يحادثونها ~~ويصبرونها ويهدهدون عليها وكأنها واعية عاقلة مدركة لما تقول، حين بدأت تفعل هذا بدأ الجمود ~~يذوب، وبدأت ألسنة المتفرجين من أهل العزبة تنطلق وتتحدث مع الغرابوة، وتشارك بكلمة عطف أو ~~بمصمصة شفة، ثم تجر الكلمة كلمات، ويبدأ حديث بين الرجال والرجال والنساء ms090 والنساء. # ولكن عزيزة بعد ثلاثة أيام من رقادها بدأت تتشنج، يتخشب جسدها حتى يصبح جامدا ناشفا ~~كالعصا وتعض لسانها حتى تدميه، وكان أهل العزبة حينئذ لا يستطيعون أن يتمالكوا أنفسهم أمام ~~منظرها فيسرعون، مثلهم في هذا مثل بلدياتها الترحيلة، ويتعاونون في فتح فمها وتدليك جسدها ~~وتنشيقها بماء البصل. # وأسلم التشنج عزيزة إلى نوبات هلع مفاجئ؛ إذ بدأت تقوم بغتة من نومتها صارخة صاخبة، ~~وتنطلق جارية إلى الخليج القريب وتقذف بنفسها فيه بملابسها، وكأنها تريد إطفاء نار مشتعلة ~~فيها. حينئذ كان يتعاون أهل العزبة مع الترحيلة في إخراجها من الماء وحملها وإرقادها في ~~مكانها تحت الظليلة، وفي تلك المرات كانوا يجلسون إلى جوارها في جماعات مختلطة من الغرابوة ~~وأهل العزبة، جماعات حين تهدأ عزيزة ويطمئنون عليها تمضي تتحدث، ويبدأ الحديث عن عزيزة ~~وحالتها، وينتهي إلى الحديث، كل عن نفسه وأحواله. # وما أسرع ما انتقل التغير في لهجة الحديث عن عزيزة، فبعد أن كان الواحد من أهل العزبة ~~يروي حكايتها للآخر وهو يكاد يتقزز منها ومن حكايتها ومن الغرابوة بشكل عام، أصبحت الحكاية ~~تحكى باختصار وكأنها أصبحت عيبا، وكأن في الإفاضة فيها خدشا لحرمة حرمة وشرف ناس. حتى ~~أولئك الذين كانوا يذهبون بغية التفرج على عزيزة قل عددهم وكادوا ينعدمون. # وحين ازدادت شدة المرض تكاتفت الجهود تبحث لها عن البرشام الأصفر في كل بيت وعزبة، ~~وأعطاها جنيدي قنينة خل بنصف الثمن، وذبحت لها نبوية - عن نفسها وعيالها كما قالت - أرنبة ~~صغيرة وطبختها وحملتها في حلتها إلى أم الترحيلة كي تطعمها إياها. وفعلت هذا بين دهشة أهل ~~العزبة واستكثارهم أن تفعل نبوية الفقيرة المعدمة هذا، ولكنها فعلته بكل شهامة، ولم يقلل من ~~شهامتها أنها حين استعادت الحلة غسلتها بالتراب والطين وشاهدتها سبع مرات قبل أن تعود ~~وتستعملها. # وهكذا، وحول مرقد عزيزة وظليلتها، بدأ اختلاط ما يحدث بين أهل العزبة والترحيلة، كان ~~اختلاطا متحفظا أول الأمر وفي حدود، ولكن أهل العزبة اكتشفوا - من خلاله - أن الترحيلة لهم ~~بلاد هم الآخرون ، ويعرفون مثلهم في الفلاحة ms091 ويفلحون، ولهم أيضا بيوت وقرايب وعمات وخالات ~~وبينهم مشاحنات وخلافات، ولهم من الريس شكاوى ومن المأمور والإدارة والتفتيش شكايات. # وهكذا أيضا راح أولاد العزبة يلعبون مع أولاد الترحيلة - عيني عينك - أمام الآباء الذين ~~كانوا لا يمنعونهم من اللعب معهم، ولكنهم فقط يوصونهم ألا يدعوا أولاد الترحيلة يتنفسون في ~~وجوههم؛ إذ من الجائز أن يكون في أنفاسهم «ميكروب». # ورغم أن فكري أفندي - في تلك الأثناء - كان مشغولا مشغولية كبرى على ابنه، مع أنه لم تكن تلك ~~أول مرة يتركهم فيها صفوت ويذهب إلى مصر مدعيا البحث عن عمل في الإجازة، إلا أنه كان فقط ~~يريد أن يطمئن على مكانه؛ إذ إن النقود التي أخذها كان لا يمكن أن تكفيه، وكان لا بد أن ~~يرسل له نقودا أخرى تكفيه. # ولكن على الرغم من مشغوليته الكبرى هذه فقد كان مشغولا أيضا بعزيزة، وهو نفسه لا يدري ~~لماذا منذ أن عثر عليها أصبح يحس وكأنه مسئول عنها، وكأنما كان يبحث ليعثر عليها ويصبح ~~مسئولا عنها، كان في ذهابه إلى الغيط يمر على مكانها، ولا يفعل شيئا أكثر من أن يقف على ~~رأسها ويراها وهي تتمرغ في فراش القش وتغمغم بكلامها غير المفهوم. كان يقف قليلا هكذا ثم ~~يمضي عنها وهو يتصعب، فلم يكن يستطيع أكثر من هذا؛ إذ إن عرضها على طبيب المركز أو إرسالها ~~لمستشفى الحميات مسألة محفوفة بالمخاطر، قد يكتشف أثناءها أنها الوالدة، وبالتالي القاتلة، ~~وتكون الكارثة، كارثة لن تصيبها فقط، ولكنها ستصيبه هو الآخر باعتباره علم بالأمر وتستر ~~عليه ولم يبلغ السلطات. كل ما استطاعه هو أن يأمر الأسطى زكي حلاق التفتيش الذي كان يشغل ~~مركز حلاق الصحة ويزاول الحلاقة وطهور الأطفال ووصف الأدوية لتقوية الباه وإعادة الشباب ~~وعلاج الحمى، يأمره في السر - وكأنما يخاف أن يضبطه الناس في لحظة ضعف وعطف - أن يتولى علاج ~~عزيزة ويحاسبه. ورغم أنه تولى علاجها فعلا، بعمامته البيضاء التي يرتديها فوق طاقيته ~~البيضاء أيضا وذقنه الحليق وشاربه الحليق والناب الذهبي الذي يتلألأ في فمه، رغم ms092 أنه تولى ~~علاجها إلا أن حالتها لم تزدد إلا سوءا، حتى بدأت تتكرر نوبات إلقائها لنفسها في الخليج، ~~وحينئذ أمر فكري أفندي الريس عرفة بأن تبقى أم الحسن جارتها معها لحراستها ولا تسرح الغيط ~~وتحتسب يوميتها. # ومسألة أخرى ظلت سرا لم يعلم بأمره مخلوق. فالمودة بين مسيحة أفندي الباشكاتب وفكري ~~أفندي المأمور كانت مفقودة بالمرة، ولم يفعل الخطاب الذي ضبطه مسيحة إلا أن زاد الطين بلة. ~~ومن تلقاء نفسه كان مسيحة أفندي يتحين الفرصة ليمسك على المأمور خطأ ما، ويدبه عريضة ينسخها ~~الشيخ إبراهيم بخط يده ويرسلها باسم مستعار إلى الدائرة في مصر. وقد وجد مسيحة أفندي في ~~احتساب يومية عزيزة وجارتها فرصة مواتية هبطت عليه من أبواب السماء الواسعة. وبعد أن تأكد ~~من أحمد سلطان أنهما مقيدتان فعلا في دفتر اليومية، سهر ليلة بأكملها يدبج عريضة طويلة ~~بهذا المعنى متهما المأمور بأنه يزود في عدد الأنفار ويقتسم الفرق مع المقاول، ويزور في ~~«شاليش» اليومية، وأن الشاهد على ذلك حي وموجود، وما على جناب الخواجة إلا أن يرسل المفتش ~~ليتحقق بنفسه مما ذكر. # وبعد أن اطمأن مسيحة أفندي إلى لهجة العريضة، وضعها في كيس المخدة تمهيدا لإعطائها في ~~الصباح للشيخ «أبو» إبراهيم لينسخها ويرسلها. # وحين رقد مسيحة أفندي أخيرا والعريضة قد أصبحت في كيس المخدة تحت رأسه، بدأ بعض التردد ~~ينتابه، لماذا؟ لم يكن يدري. إنه لم يتردد أبدا في إرسال أية عريضة من قبل، فلماذا يتردد ~~الآن؟ ولماذا يحس ببعض الخجل وصورة الظليلة الراقدة تحتها عزيزة تراود خياله وصراخها ~~وتخريفاتها تطن في رأسه وتشير إليه وتحاصره؟ # وحين استيقظ في الصباح تردد بين أن يأخذ العريضة وبين أن يتركها، وأسلمه التردد إلى أن ~~يسأل دميان قائلا - دون أن يعرفه بشيء عن موضوع سؤاله: آخذها ولا أسيبها يا دميان؟ # وبلل دميان إصبعيه وفرد كمه ورفع رأسه إلى السقف وقال: سيبها يا خويا ربنا يسهل لك. # وبقيت العريضة مطوية في كيس المخدة. ~~••• # ظلت عزيزة راقدة في تلك البقعة المكشوفة التي تصليها الشمس ms093 بنارها صباح مساء، لا يفلح سقف ~~الظليلة الرقيق المملوء بالثقوب في دفع وهج الشمس عنها، ولا ينفع فيها صب الخل أو تدليك ~~الجسد أو علاج الأسطى زكى الحلاق. ظلت عزيزة وأزيز الحمى في جسدها تكاد تسمعه جارتها أم ~~الحسن وتحس به كلما أمسكت يدها. الذباب يعف عليها والعرق يكسوها وفترات غيبوبتها تطول ~~وتعمق. بل انقلب تخريفها آخر الأمر إلى صراخ. إذا أفاقت من غيبوبتها لا تكاد تفتح عينيها ~~وتقول لها أم الحسن: إزيك يا أختي دلوقتي؟ حتى تدب على صدرها بكلتا يديها وتقول: يا لهوي! ~~ثم تأخذ في لطم خدودها وتمزيق ثيابها ولحمها بأظافرها رغم كل مجهودات جارتها - ومن يتصادف ~~مروره أو وجوده - في محاولة شل حركتها وتكتيف يديها، فلا تزيدها محاولات إيقافها إلا ثورة ~~وهياجا، ولا تكف عن تمزيق نفسها إلا حين تهوي مرة أخرى في سراديب الغيبوبة. # ولم تعد الظليلة تلك السبة في جبين الغرابوة يحاولون إخفاءها وصرف الأنظار عنها. فحين ~~عرفت الحكاية على أوسع نطاق وتمت إشاعتها بكل دقائقها وتفاصيلها لم يعد هناك ما يخجل له ~~الغرابوة، أصبحت شيئا مثل لغتهم وفقرهم واحتياجهم لا يحالون إخفاءه أو التستر عليه. وأهل ~~التفتيش أيضا، أولئك الذين كانوا يتداولون حكايتها في السر وبإحساس من يتداول حراما أو ~~أمرا مخجلا، أصبحوا يتحدثون عن الموضوع وكأن لم يعد فيه ما يدعو للخجل. تحول اهتمام الكل ~~من حكاية عزيزة إلى عزيزة نفسها، عزيزة المريضة المسعورة التي تتعذب، حتى أصبحت الظليلة ~~التي ترقد تحتها وكأنها قبة شيخ، الفائت لا يمكن أن يمر دون أن يلقي نظرة، ليست نظرة حب ~~استطلاع أو تشف ولكن نظرة عطف ومشاركة، نظرة من يود لو كان باستطاعته أن يفعل شيئا ليخفف ~~عن تلك المسكينة المحمومة المعذبة. # تحول اهتمام الكل إلى عزيزة، وتحولت عزيزة إلى ذئبة ضارية فاقدة العقل إذا أفاقت، جثة ~~هامدة لا يربطها بالحياة إلا تلك الحرارة المريضة التي تتصاعد منها إذا غابت عن ~~الوعي. # إلى أن جاء اليوم العاشر. # ومن أوله استيقظت أم الحسن فوجدت بوادر التحسن ms094 بادية على عزيزة، حرارتها قد انخفضت كثيرا ~~عن ذي قبل، وعيناها مفتوحتان بلا غيبوبة ولا هذيان، وأنفاسها تتردد بطيئة في صدرها، ولكنها ~~منتظمة وممتلئة، وفي الضحى انفرجت شفتا عزيزة، وأصاخت أم الحسن أسماعها ولكنها لم تستطع أن ~~تلتقط شيئا من بين الشفتين المنفرجتين، وأخيرا - وبعد بذل المجهود - استطاعت أن تتبين أن ~~عزيزة تقول: أشرب! وقامت أم الحسن من فورها هالعة، وأحضرت لها كوز ماء من زلعتها وقربته من ~~فمها، وشربته عزيزة على دفعات، ولكنها أتت عليه كله. وسألتها إن كانت تريد ماء آخر؟ وانفرجت ~~شفتا عزيزة وقالت بكلمات واضحة هذه المرة: أشرب، وجرت أم الحسن وأحضرت كوزا آخر شربته ~~عزيزة، وما لبثت أن أغلقت عينيها وبدا أنها ستنام ذلك النوم الذي حرمت منه طويلا. # وانبثقت فرحة غامرة في صدر أم الحسن وهي تتحسس جبهة عزيزة فتجدها وكأن حرارتها قد أصبحت ~~طبيعية، وتجدها نائمة لا يكاد يفرقها عن الأصحاء إلا ذلك الشحوب الشديد الذي يصبغ ~~وجهها. # وفي الظهر، في عز الظهر، تلك الفترة التي تقف فيها الحياة تماما ويئوب الناس إلى غداء ~~يسلمهم إلى غفوة لا يفيقون منها إلا في طراوة العصر، في الظهر فتحت عزيزة عينيها فجأة، ~~وكأنها لم تكن نائمة، وانفرجت شفتاها وقالت شيئا. وأدركت أم الحسن أنها تريد أن تشرب، ~~وطلبت من ابن الريس عرفة الصغير أن يذهب ويملأ لها الكوز من زلعتهم فقد فرغت زلعتها، وذهب ~~الولد بالكوز الفارغ. في تلك اللحظة فوجئت أم الحسن بعزيزة تعتدل وتقفز جالسة، ثم تطلق صرخة ~~عالية مدوية ما لبثت أن أعقبتها بصرخات هائلات مدويات. وقبل أن تستطيع أم الحسن أن تدرك أو ~~تعي ما يحدث، وقفت عزيزة وهدمت الظليلة، وما لبثت أن انطلقت تجري ناحية الخليج وهي تصرخ. ~~وبلا وعي، تبعتها أم الحسن وهي تجري هي الأخرى وتصرخ وتستغيث بالناس، مخافة أن تكون عزيزة ~~انتوت أن تلقي بنفسها في الخليج كما كانت تفعل. وعلى صرخاتها جاء الناس من كل مكان، من ~~العزبة ومن الجرن ومن فوق ماكينة الدراس، جاءوا هالعين ms095 يرون ما هنالك. وقالت لهم أم الحسن: ~~الحقوها ح ترمي روحها في الخليج، وجرى الناس يحاولون منعها، ولكنها انهالت عليهم عضا ~~ورفسا ونشب أظافر بطريقة مجنونة متوحشة لم يملكوا معها إلا التراجع، ولكنها لم تلق نفسها ~~في الخليج. انطلقت تجري حتى وصلت إلى نفس المكان الذي وجدوا فيه اللقيط، والذي كانت لا تزال ~~فيه آثار الدماء سوداء جافة. # وبين دهشة الملتفين حولها وذهولهم جلست عزيزة القرفصاء على حافة الخليج، وكأنها تتهيأ ~~للولادة، وانطلقت من فمها صرخات متواليات وكأن الطلق اشتد عليها، ثم عسعست بيدها حتى عثرت ~~على عود الصفصاف الذي احترق نفسه والذي كان لا يزال في مكانه من الحافة، وأطبقت عليه أسنانها، ~~واتخذت هيئتها طابعا جنونيا مذعورا وهي تضغط على العود وتنشب أسنانها فيه. وظلت تضغط ~~بتوحش وتضغط وهي تدمدم بأنين محتبس كاسر والدم يسيل من فمها وأسنانها فيلوث العود، وعيناها ~~جمرتان متوهجتان، وشعرها منكوش كشعر الجان، ويداها تعتصران طين الخليج فتحيلانه إلى تراب ~~جاف. وفجأة. وكأن شيئا طق في داخلها تهاوت ممدة على حافة الخليج لا حراك بها. # حدث هذا كله في دقائق قليلة، والناس مشدوهون مذهولون قد جمدهم ما يحدث في أماكنهم، ولم ~~يبدءوا يتحركون إلا حينما انهارت عزيزة، وحين أسرعوا إليها يتحسسونها وجدوها قد ~~ماتت. # وتصاعد من الرجال جئير عريض يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله، ~~ونهنهت النساء القليلات الحاضرات، وبكت أم الحسن بحرقة وهي تحاول - مستعينة بالرجال - أن تخلص ~~عود الصفصاف من بين الفكين الميتتين عليه. # أما ابن الريس الصغير الذي كان قد جاء بالكوز ممتلئا لتشرب منه عزيزة، فقد عاد به إلى ~~عشهم، ولكنه توقف بعد قليل واستدار ناحية الخليج وألقى فيه بالكوز ولم يلبث أن تصاعد ~~بكاؤه. ~~••• # ولم يصل الخبر للترحيلة في الغيط إلا بعد الغداء، ولم تستطع جهود الريس أو خولة التفتيش ~~أن توقف ما حدث لهم حين سمعوا الخبر. فقد دب الاضطراب في صفهم الطويل، وحين انهالت العصي ~~الخيزران فوق ظهورهم تأمرهم بمواصلة العمل ms096 اعتدلت الظهور لأول مرة، واستدار أصحابها يواجهون ~~الخولة والسواقين بعيون مفتوحة لا تطرف، ونظرات تنذر بثورة لا يعلم سوى الله مداها، ثورة ~~الصامتين الذين طال بهم الصمت والصبر. والغريب أن الخولة والسائقين حين رأوا تلك النظرات ~~بدءوا يغيرون طريقتهم في الحال، فكفوا عن الإهانات والخيزرانات وبدءوا يتحايلون ويسوقون ~~الرجاوات، قائلين: إن عيشهم معلق بما سوف يحدث، وإنهم غلابة وأصحاب عيال. # وانتهى العمل قبل موعد انتهائه المعتاد بأكثر من ساعة، وعاد أنفار الترحيلة يتسابقون على ~~المشايات ويستعجلون إنهاء الطريق. # وفي المساء حفل مكان الترحيلة الكائن خلف الإصطبل بعدد كبير من الناس لم يشهد له مثيلا. ~~فقد جاء الفلاحون من العزبة الكبيرة والعزب الأخرى، وجاءت معهم بعض نسائهم، جاءوا يعزون ~~الترحيلة تعزية الرجل للرجل والند للند. وكانت عزيزة قد وضعت في المكان الذي رقدت فيه أثناء ~~مرضها وغطيت بكيس من أكياس القطن التي كانت تستعمل لهز الدودة، والتف حولها نساء الترحيلة ~~ومن جاء ليعزيهم من نساء العزبة، بعضهن يبكي في صمت، وبعضهن يعدد على عزيزة وميتتها في بلاد ~~الغربة بعيدة عن دارها وزوجها وأولادها، وبعضهن يتحدث ذلك الحديث الذي لا يحلو للنساء إلا ~~في المآتم والجنازات، حديث تحكي فيه المرأة من العزبة للمرأة من الترحيلة أو المرأة من ~~الترحيلة للمرأة من العزبة عن وكستها وميلة بختها مع زوجها المقصر وبثوبها الذي لا يصر حفان ~~ملح من كثرة ما به خروق وثقوب، وأولادها الأشقياء وبنتها التي يجري عليها عريس عنده ~~فدانان. # أما رجال الترحيلة فقد جلسوا غير بعيد في مقدمة الجرن يتقبلون عزاء رجال التفتيش، وقد ~~اختلطت العمم بالعمم والجلاليب بالجلاليب فلم تعد تستطيع أن تميز الفلاح من الترحيلة ولا ~~صاحب المأتم من المعزي. بينما الشيخ أبو إبراهيم الفقي قد احتل دكة النوارج الواقفة على ~~«رمية» قمح نصف مدروس، ومضى يتلو بصوته الأجش المبحوح بعض ما تيسر من سورة النساء، والشمس ~~قرصها يحمر ويغيب خلف كومة التبن الهائلة المتخلفة عن دراس المكنة. # ودونا عن الجميع كان دميان - في ذلك الوقت - يحوم حول بيت ms097 المأمور بلا سبت معلق في ذراعه ~~منتظرا ربما أن تطل الست أم صفوت من البلكونة ليحادثها، ولكنها لم تطل؛ إذ كانت في ذلك ~~الوقت جالسة على كنبة الصالة وأمامها جلست على الأرض بنت من الترحيلة تدلك لها قدميها وتحكي ~~لها عن عزيزة وزوجها وكيف يعيشون في البلدة. # ظل دميان يحوم حول البيت ويتردد، إلى أن واتته الجرأة فدخل من الباب الخلفي الذي يؤدي إلى ~~الحوش والمطبخ، دخل وهو يزعق: يا ست أم صفوت، يا ست أم صفوت، مش عايزة أقرى لك الفنجال؟ # يزعق بنفس طريقته ونفس صوته الرفيع الذي يشبه صوت الأطفال ولكنه كان يشعر لحظتها برجفة ~~غريبة عليه وعلى دميان. # وبعد دقائق كان دميان يغادر بيت المأمور من بابه الأمامي مطرودا هذه المرة ملعونا أبوه، ~~وظل يمشي على غير هدى إلى أن وصل إلى الجرن حيث الجمع الكبير المحتشد، وتردد - برهة - بين أن ~~يذهب إلى حيث الرجال في الجرن أو إلى حيث النساء حول عزيزة في مكان الترحيلة. ويبدو أنه ~~خاف من جمع الرجال؛ إذ ما لبث أن توجه إلى حيث النساء مجتمعات حول عزيزة. وبكى دميان في ذلك ~~اليوم بحرقة حتى كاد يضحك - بحرقته - النساء. # وأمام مباني الإدارة، وعلى بضع كراسي قديمة متناثرة معظمها قد سقط خوص قاعدته كان فكري ~~أفندي المأمور جالسا وحوله مسيحة أفندي وأحمد سلطان والأسطى محمد والشيخ عبد الوارث الكبير ~~والمخزنجي ورئيس الخولة، ومن بعيد كان يرقب جلستهم بعض الفلاحين الذين يؤثرون التطفل وتسقط ~~الأخبار والعلم بكل ما يدور في التفتيش من أمور. وكان المأمور يتدارس مع الرجال المجتمعين ~~حوله الحل الذي انتهى إليه في أمر عزيزة. فقد خلقت له عزيزة بوفاتها مشكلة لم تكن تخطر له ~~على بال، إذ هو لا يستطيع الإبلاغ عن وفاتها أو دفنها في التفتيش فسوف يتطلب الإبلاغ كشفا ~~يوقع على المتوفاة، ومن يدري ما يمكن أن يؤدي إليه الكشف من تستر على جانية وتحقيق وسين ~~وجيم. ولم يكن هناك من حل إلا أن ترسل - ميتة - إلى بلدها، وهناك ms098 يتكفل الحاج عبد الرحيم مقاول ~~الترحيلة بأمرها، فهو المسئول الأول والأخير عن أنفاره وحياتهم، ولا بد أن يكون أيضا ~~مسئولا عن موتهم، فيمكنه أن يتفق مع عمدة بلده - وهو صاحبه وقريبه - على الإبلاغ عن وفاتها ~~باعتبار أنها لم تكن في الترحيلة أو كانت هناك ثم لما عادت مرضت وماتت في بيتها. أو يمكنه ~~أن يصنع أي شيء آخر يخلي التفتيش والمأمور من المسئولية. ممكن أي شيء ولكن الشيء المحتم ~~الذي لا بد منه هو أن تنقل جثة عزيزة إلى بلدها. # ونقلها هو المشكلة التي ظلت تحير فكري أفندي طويلا حتى عثر لها على حل، وكان الحل في ~~عربة التفتيش اللوري التي تذهب كل خمسة عشر يوما إلى بلد الترحيلة لتحضر لهم زوادتهم من ~~عيش غرباوي وجبنة وبصل وعدس ومش. ولم يكن ميعاد ذهاب العربة قد حل، ولكن تقديم هذا الموعد ~~ليس بالأمر الخطير غير المستطاع. # وكان المأمور قد أرسل في طلب الأسطى عبده سائق اللوري وأخذ يفهمه بلهجة جادة - تعمد أن تكون ~~لهجة أمر - لا تسمح للأسطى عبده بالتحجج أو التهرب، يفهمه مهمته، وما يجب عليه عمله. وأبدى ~~الأسطى عبده بعض التردد وأثار بعض الاعتراضات، تكفل الأسطى محمد العجوز بالرد عليها ~~جميعا. ولم تبد على ملامح الأسطى عبده الموافقة النهائية إلا بعد أن تعهد له المأمور أنه ~~سيكون مسئولا مسئولية تامة لو حدث شيء - لا قدر الله. وحينئذ - فقط - أرسل الأسطى عبده طاقيته ~~الصوف الطويلة وجلبابه، اللذين يرتديهما في العادة، أرسلهما إلى بيته طالبا من امرأته أن ~~تبعث له بالبدلة الكاكي التي يرتديها حين يسافر. ثم مضى إلى الجراج يعد اللوري للرحلة ~~الطويلة التي عليه أن يقطعها على سكك متعبة غير ممهدة لكي يبعد - قدر طاقته - عن عساكر المرور ~~وأكشاكهم. # وحين أعدت العربة وتم كل شيء كان الظلام قد خيم، وكان ميعاد ذهاب أنفار الترحيلة إلى ~~الغيط قد حان، إذ كانت اللطع قد فقست في العزبة نمرة عشرة وكان الأنفار يعملون بالنهار في ~~التقاط اللطع ويسرحون بالليل - لقاء أجرة ثانية ms099 - لهز أشجار القطن وجمع الدودة من فوق ~~أوراقها، الدودة التي تختفي في النهار في شقوق الأرض ولا تبدأ زحفها الفاتك إلا في ~~الليل. # وكانت عملية الهز تتم في وسط أنوار الكلوبات الساطعة، والعمل فيها يبتهج له الأنفار أكثر؛ ~~إذ هو عمل في الليل حيث الجو معتدل ولطيف وحيث الأغاني، والنور الساطع، والظلام الذي يتيح ~~بعض اللعب، يتيح لليد الخشنة أن تمتد إلى الجارة ويتيح للجارة أن تتغابى وتسكت. # كان الأنفار يسعدون بالعمل في الليل رغم كل شيء، ورغم أنهم كانوا يعملون أيضا في النهار، ~~ولا ينامون سوى تلك السويعات القليلة التي يختلسونها ساعة الفجر وساعة الغروب، ولكنه عمل ~~بأجرين والجسد المرهق ليس مشكلة، المشكلة في القرش والفرصة التي جاءت من السماء لاقتناصه ~~واستخلاصه. # كان ميعاد ذهاب الأنفار للغيط قد حان، ومع هذا أبوا ورفضوا أن يتحركوا - قيد أنملة - إلا بعد ~~أن يودعوا عزيزة الوداع الأخير. # وحانت اللحظة التي كان على عزيزة أن ترحل فيها، وجيء باللوري وهو يجأر ويتراجع به الأسطى ~~عبده إلى الخلف، ويزجر الأطفال الذين تعلقون بجوانبه ويلعن آباءهم ليستطيع أن يصل إلى أقرب ~~نقطة من المكان الذي ترقد فيه عزيزة، ووقف الرجال واجمين متزاحمين حول اللوري، وما كاد ~~يرتفع صراخ النساء حتى هب فيهن المأمور طالبا السكوت التام مهددا بكسر عنق الواحدة منهم ~~لو فتحت فمها، فالعملية كان يجب أن تتم بهدوء وبلا إعلان أو فضيحة. # وعلى ضوء كلوب جنيدي الباهت الذي كثيرا ما كان يشحر ويختنق نوره، لفت عزيزة بالكيس الذي ~~كانت تتغطى به، وتبرع الشيخ عبد الوارث بحصير بال من عنده لف فوق الكيس، ثم حملت الجثة ~~ملفوفة بالحصير بين نهنهة النساء وصمت الرجال الواجم، ووضعت على أرض صندوق اللوري الخشبية. ~~وجمعت كل القفف والزلع والبلاليص الفارغة من الترحيلة - وعلى كل منها علامة ليعرف صاحبها، ~~جمعت ووضعت فوق الجثة لتداريها وتخفي معالمها، ثم صعد الريس عرفة إلى العربة وصعد معه بعض ~~أنفار الترحيلة من الرجال، وتصاعدت صرخة من أم الحسن طالبة أن تذهب معهم، فالمتوفاة ms100 حرمة ~~وكلهم رجال، وليس أجدر منها بالمحافظة عليها، ولم تغلق فمها إلا حين حملت إلى اللوري ~~ووضعت فيه. وعبد المطلب الخفير أصر على أن يرافقهم ليشيع عزيزة إلى مقرها الأخير. قائلا ~~إنه لا يمكن أن يترك الأسطى عبده يذهب وحده في تلك المهمة الخطرة. # وأخيرا قال فكري أفندي المأمور لعبده بأنفاس متهدجة: اتوكل على الله يا أسطى. # وقال الأسطى عبده وهو يجذب عصا «الفيتيس»: توكلنا على الله، الفاتحة. # وانسل اللوري وقد تعالى صوت ماكينته من بين مئات الرجال والنساء المتجمهرين، الذين لا ~~يضيء وجوههم الشاحبة إلا كلوب جنيدي الشاحب، والذين لم يتمالك بعضهم نفسه فانفلت صوته - رغما ~~عنه: مع السلامة يا عزيزة، مع السلامة. ~~••• # وبعد قليل كانت العربة قد استوت على الطريق الزراعي الكبير الذي يمر بحذاء شريط الدلتا، ~~السائق صامت واجم يدخن السيجارة التي عزم عليه بها الرئيس عرفة، وعبد المطلب بجواره صامت هو ~~الآخر وواجم. أما من في صندوق العربة فقد كانوا جالسين متشبثين بحافة الصندوق وكأنهم ~~يتحاشون الجلوس فوق إبر حادة، كلما هزتهم العربة تشبثوا بالحافة أكثر محاولين - قدر الطاقة - أن ~~يبتعدوا عن كومة القفف والبلاليص التي ترقد تحتها المرحومة. # وبينما العربة تئز وتتمايل بحمولتها، وأزيزها المكتوم تحمله الرياح وتتشربه - على مهل - كتل ~~الظلام الهائلة الرابضة على صدر الكون، كان خط أنفار الهز قد انتظم تحت ضوء الكلوبات ~~المعلقة على عروق طويلة والعصا الخيزران قد بدأت ترتفع وتهوي على الظهور المحنية، بينما ~~أصوات الخولة والسواقين تصرخ بنبرات متقاربة متلاحقة: وطي يا ولد، وطي يا بنت. # | خاتمة # وانتهى العام ورغم كل شيء كللت جهود فكري أفندي بالنجاح وهزمت الدودة رغم فقسها، وسلم ~~المحصول، وعاد الغرابوة إلى بلادهم. # وحين جاء العام التالي على التفتيش، وجاء الغرابوة كان الفلاحون لا يزالون يذكرون بعضا ~~مما حدث لعزيزة وحكايتها، ولكن الحاجز الذي كان قائما بينهم وبين الترحيلة كان قد زال ~~نهائيا وإلى الأبد، وأصبح من المعتاد أن يسهر رجال الترحيلة مع أهل العزبة في بيوتهم، وأن ~~تختلط النساء بالنساء، بل حدث ما ms101 هو أكثر من هذا؛ إذ تزوج سالم أبو زيد أحد «كلافة» التفتيش ~~ببنت غرباوية راقت في عينه فخطبها، ثم ذهب إلى بلدها حين عادت في جمع من فلاحي التفتيش ~~ليخطبها من أهلها وعادت عروسة. # ولم يشهد العام التالي فكري أفندي مأمورا للتفتيش، فالخواجة زغيب كان قد باعه حقيقة ~~للشركة البلجيكية التي عينت له مأمورا كالخواجات من عندها، وإن كان قد عرف - بعد هذا - أنه ~~تركي ومسلم، ولكن له شكل الخواجات وهيئتهم، ولكن الشركة والمأمور الجديد لم يدوما طويلا ~~أيضا؛ إذ ما لبثت الشركة أن باعت الأرض للأحمدي باشا حين عرض عليها ثمنا مناسبا بلغ ~~ربحها فيه آلاف الجنيهات، وقلب الباشا نظام المزارعة - الذي كان سائدا في التفتيش - إلى نظام ~~الإيجار على بياض ووضع هو فيها ما شاء من شروط. # ولم يفاجأ الناس حين أصبحوا - ذات يوم - فوجدوا أحمد أفندي سلطان قد قدم استقالته من عمله ~~وغادر التفتيش، وقيل إنه وجد وظيفة كاتب في مكتب أحد محامي المختلط في طنطا، لم يفاجأ ~~الناس لعلمهم أن أحمد سلطان كان على الدوام ضيقا بالعمل في التفتيش معتبرا أنه يضيع عمره ~~وشبابه فيه برخص التراب. الناس فوجئوا - حقيقة - حين اختفت الست لنده ذات يوم، وجن مسيحة أفندي ~~وهو يطوف البلاد طولا وعرضا ويبحث عنها، وزالت المفاجأة وانكشف السر حين عرف أنها ذهبت ~~لتتزوج من أحمد سلطان، وأن الزواج تم في مركز البوليس، وأن استقالته واختفاءها وكل شيء تم ~~باتفاق بينه وبينها. وأضاف ما حدث إلى عمر مسيحة أفندي عشرات الأعوام، فشاب معظم شعره وأصبح ~~لا يهتم بنظافة ثيابه أو وضع المناديل لتحمي ياقته من عرقه، وقاطع لنده وزوجها وآلى على ~~نفسه وأولاده وزوجته ألا يعرفوها أو يروها أو تأتي سيرتها على ألسنتهم. ولكن الأيام - آه من ~~الأيام - ما لبثت أن جعلته يغفر وينسى، ويرد على الخطابات الكثيرة التي ظلت لنده ترسلها ~~إليه كل أسبوع بخطاب متزمت مقتضب ولكنه يبدأ بتلك العبارة: ابنتنا العزيزة لنده. # ومضت الأعوام تشهد خلافات من نوع جديد تنشب بين الفلاحين ms102 الذين أصبحوا مستأجرين وبين ~~الأحمدي باشا، محاكم ومحضرين وحجوزات، وحراس على البهائم والمنقولات، وبيوعات بالمزاد ~~العلني، وحرائق كيدية في سواقي التفتيش ومكنه ومحاصيله. # وقامت الثورة، وصدر قانون الإصلاح الزراعي، وباع الأحمدي باشا الأرض للفلاحين، وباع - كذلك - ~~كل معدات التفتيش من بهائم وركائب وماكينات حرث وري ودراس، حتى السراية والمخازن الضخمة ~~هدمها وباعها أنقاضا. وكذلك استغنى عن جميع الموظفين والخولة والأسطوات والأنفار، وغادر ~~بعضهم التفتيش، وانقلب بعضهم إلى فلاحين واشتروا أرضا، والوحيد الذي بقي موظفا هو مسيحة ~~أفندي الذي عهدت إليه دائرة الأحمدي باشا بإمساك حسابات المائتي فدان التي بقيت على ذمة ~~الباشا. # وتغيرت معالم التفتيش تماما، فلا سراية، ولا إصطبلات، ولا إدارة ولا مأمور، ولا مفتش، ~~ولا شغيلة أو خفراء أو تملية، ولكن مجتمع جديد أصبح هو الموجود، مئات الملاك الصغار يقطنون نفس ~~البيوت التي كانوا يقطنونها وهم أجراء وفلاحون، مئات الصغار الذين بدأ بعضهم يكبر ويغتني ~~ويؤجر، وبدأ بعضهم يصغر ويحتاج ويستأجر. # مضت الأعوام وتعاقبت التغيرات، وانقطع بطبيعة الحال مجيء الترحيلة، ونسيهم الناس تماما ~~ونسوا كل ما كان من أمرهم وأمر عزيزة. # كل ما تبقى منهم ومنها شجرة صفصاف قائمة - إلى الآن - على جانب الخليج الذي لم يغيره الزمن، يقال ~~إنها نمت من العود الذي استخلصوه من بين أسنان عزيزة بعد موتها فطمس في الطين ونبت، وكان أن ~~أصبح تلك الشجرة. وأغرب شيء أن الناس لا يزالون يعتبرونها - إلى الآن - شجرة مبروكة، وأوراقها ~~لا تزال مشهورة، بين نساء تلك المنطقة، كدواء أكيد مجرب لعلاج عدم الحمل. ~~(انتهت) ms103