######OpenITI# #META# URI: 1412YusufIdris.IslamBilaDifaf.Hindawi42048057 #META# Tags: literature #META# ID: 42048057 #META# Title: إسلام بلا ضفاف #META# AuthorID: 95064085 #META# Author: يوسف إدريس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمة لا بد منها‏ # عمرة كاتب‏ # العلم الإسلامي والعلم الغربي في العلم الإسلامي ظهر العباقرة الموسوعيون بينما في الغرب لم يظهر عباقرة شموليون‏ # لماذا أسلم جارودي؟‏ # إسلام بلا ضفاف‏ # جارودي و«وعود الإسلام»‏ # إسلام نعم ... ولكن!‏ # هل الإسلام ضد القومية؟‏ # أوجه الصدام بين الإسلام والقومية العربية‏ # لا تلطموا الخدود!‏ # البحث عن التراب الخماسيني‏ # موتونا وريحونا‏ # على هامش الحرائق النفطية‏ # تيبس المفاصل الفكرية والإرادية‏ # خريف البطريرك وصيفنا‏ # جولة في عقول القراء‏ # الجائزة رقم 40 مليون‏ # التلوث الذممي‏ # باب الخلق وباب العدالة‏ # في صالون العقاد‏ # القطاع الخاص الجديد‏ ~~«النديم» الكتاب‏ # عمان - دمشق - القاهرة‏ # خطاب من كاتب نجدي‏ # ذلك الرجل المحير للبرية‏ # لماذا يخسرنا؟ ولماذا نخسره؟‏ # العرب على شفا هاوية‏ # الهزيمة الثالثة‏ # لماذا لم يفعلوا هذا؟‏ # أسرع يا بني وصور‏ # الموهبة‏ # حتما سأكتب قصتها‏ # الرأس والحل والنظام‏ # كلمة لا بد منها‏ # عمرة كاتب‏ # العلم الإسلامي والعلم الغربي في العلم الإسلامي ظهر العباقرة الموسوعيون بينما في الغرب لم يظهر عباقرة شموليون‏ # لماذا أسلم جارودي؟‏ # إسلام بلا ضفاف‏ # جارودي و«وعود الإسلام»‏ # إسلام نعم ... ولكن!‏ # هل الإسلام ضد القومية؟‏ # أوجه الصدام بين الإسلام والقومية العربية‏ # لا تلطموا الخدود!‏ # البحث عن التراب الخماسيني‏ # موتونا وريحونا‏ # على هامش الحرائق النفطية‏ # تيبس المفاصل الفكرية والإرادية‏ # خريف البطريرك وصيفنا‏ # جولة في عقول القراء‏ # الجائزة رقم 40 مليون‏ # التلوث الذممي‏ # باب الخلق وباب العدالة‏ # في صالون العقاد‏ # القطاع الخاص الجديد‏ ~~«النديم» الكتاب‏ # عمان - دمشق - القاهرة‏ # خطاب من كاتب نجدي‏ # ذلك الرجل المحير للبرية‏ # لماذا يخسرنا؟ ولماذا نخسره؟‏ # العرب على شفا هاوية‏ # الهزيمة الثالثة‏ # لماذا لم يفعلوا هذا؟‏ # أسرع يا بني وصور‏ # الموهبة‏ # حتما سأكتب قصتها‏ # الرأس والحل والنظام‏ # | إسلام بلا ضفاف # | إسلام بلا ضفاف # تأليف # يوسف إدريس # | كلمة لا بد منها # لا بد منها لأني أخشى أن يتصور من يقتني هذا الكتاب - دون اطلاع على محتويته - أن يعتقد أنني أتخذ العقيدة الإسلامية السمحاء، موضوعا كاملا متكاملا للكتاب كله. # ولكن الأمر ليس كذلك، فحقيقة هناك مواد كثيرة من أبواب هذا الكتاب تتحدث عن ms001 الإسلام، وأكتب من خلالها وجهة نظري في كثير من الأوضاع الإسلامية التي فرضت نفسها على القراء والكتاب جميعا، ولكنها مجرد وجهة نظر كاتب في موضوع الساعة: الإسلام وتطبيق الشريعة والجماعات المتعصبة والعالميين والعلميين، وكل تلك القضايا التي أصبحت الشغل الشاغل لأي متعامل مع القلم إذا كان كاتبا، ومع الورق إذا كان قارئا. عشمي إذن ألا يخيب أمل القارئ الذي يقترف الكتاب وكأنه - معاذ الله - مرجع إسلامي. فأنا أعرف قدري، وأعرف ديني، وأعرف أني حين أتعرض لإسلامنا الحنيف إنما أتعرض له ككاتب يعمل بقضايا الإنسان المصري والعربي والمسلم بشكل عام؛ القضايا الحياتية والسياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية. ومن هنا، ولهذا السبب، جاءت محتويات الكتاب الأخرى. ~~••• # ولكني لا أبادر بنشر هذه المجموعة المتجانسة من المقالات لهذا السبب وحده، ففي العام الماضي صدر لي كتاب، اعتبره القراء والنقاد كتابا هاما، اسمه: «فقر الفكر وفكر الفقر». ~~ وكان من الطبيعي لكتاب يتعرض لفقرنا الفكري والثقافي أن يتحدث أيضا عن فقرنا في مجال أهم عمل فكري يقوم به الإنسان؛ عقيدته وعلاقته بخالقه. # وفي هذا الاتجاه استعرضت مناقشا آراء كثيرة يدعو لها عالمنا الإسلامي الكبير وداعيتنا فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، استعرضتها لأناقشها وأحدد موقفي من محتواها العلمي والفكري. # ولكن، لأن هناك دائما من يهوون الصيد، حتى في الماء الرائق، أو بالأصح يهوون تعكير أي ماء رائق، فقد فوجئت بابن صديق كاتب هو الأستاذ محمد عبد القدوس، وبصديق عزيز زميل حياتي الأستاذ إبراهيم راشد، يشنان علي هجوما رهيبا بزعم أني «شتمت» فضيلة الشيخ وتجرأت عليه. وطبعا كتبت على الفور في بابي في الأهرام أوضح الخطأ المطبعي الذي نزل إلى الطبع ولم يرفع من الملزمة؛ الخطأ في كلمة واحدة في كتاب فيه أكثر من مائتي صفحة، ولكن لأن الطوبة جاءت في المعطوبة، كما يقولون، فمن سوء حظي وقع الخطأ في معرض كلمة شائقة عن فضيلة الشيخ، خطأ مطبعي محض لو كنت قد راجعت التصحيح أو راجعه الناشر أو المصحح مراجعة دقيقة ما حدث هذا أبدا. # فأنا لست مجنونا حتى ms002 - بدون مناسبة هكذا - أتعرض لشخصية تحتل مقاما رفيعا ساميا في عقول وقلوب ملايين جماهيرنا الإسلامية العريضة، أتعرض لتلك الشخصية وأقول إنه «راسبوتين» الإسلام، كان مفروضا أن ترفع كلمة راسبوتين، لأن الوصف في الأصل هو أن عددا من أعداء الشيخ الشعراوي ومن أعداء الإسلام يصفونه بأنه راسبوتين الإسلام. الخطأ المطبعي لم يذكر كلمة أعداء الشيخ الشعراوي أو أعداء الإسلام؛ فجاء الكلام وكأنه على لساني. # وأنا في حياتي لم أتراجع عن كلمة قلتها أو كتبتها، ولو كنت قد قلت أنا شيئا كهذا لما بادرت لتصحيحه ووضع الأمور في نصابها. ليس خوفا - فأنا والحمد لله لا أخاف إلا من خالقي ومنشئي - وإنما إثباتا لحقيقة ما حدث فقط، لإثبات الحقيقة وإصلاح الخطأ الذي حدث. أما باقي مناقشاتي واعتراضاتي على بعض ما يقوله فضيلة الشيخ فهو موجود في الكتاب، وأنا أتمسك بكل حرف فيه. ~~••• # الجانب المضحك في المأساة أنني ومنذ أن جرى هذا الصيد السخيف في الماء الرائق وأنا لا عمل لي إلا إجابتي وشرحي لما حدث، وكأن الناس لا يقرءون، وبعضهم فعلا لا يقرأ، وإنما «سمع» أني تجرأت على فضيلة الشيخ وسببته. حتى وأنا أؤدي العمرة وأطوف الطوفات السبع بالكعبة الشريفة كان بعض المعتمرين يقطعون طوافهم وشعائر عمرتهم، ويقطعون أيضا طوافي وشعائر عمرتي، ويسألني السائل منهم: هل صحيح شتمت الشيخ الشعراوي؟ # وكدت أجن. # فنحن في بيت الله، نطوف حول الكعبة في لحظات من أقدس الأوقات في حياة المسلم، في أقدس بقعة تتجه إليها الأفئدة والقلوب، وتنسى وهي تطوف كل ما عداها من أمور حياتها ودنياها مهما بلغت قسوتها، ومع هذا يجيئني السؤال أيضا في تلك اللحظة المقدسة، وفي ذلك المكان الذي يبكي الإنسان من فرط سعادته بالوجود فيه. # وقد تحملت قطع طواف العمرة مرة ومرتين وعشرا، وبطول بال مضيت أجاوب إلى أن بلغ بي الملل، وقلت للسائل الأخير: يا أخي، أتضع فضيلة الشيخ في مكانة أعلى من شعائر الإسلام؟ فنحن في بيت الكعبة وفي حضرة رب الكعبة، والشيخ الشعراوي مخلوق مثلي ومثلك تماما، وسواء ms003 ذممته أو رفعته إلى أعلى عليين، فأنتم أنصاره تكادون تجعلون منه وثنا من الأوثان وليس كائنا بشريا من الله عليه بالإيمان والفصاحة والتقوى. ~~••• # من أجل هذا، من أجل ألا نعود بعد أربعة عشر قرنا من ظهور الإسلام وتحطيم أوثان الكفرة، توكلت على الله، وأصدرت ذلك الكتاب؛ حتى لا نعود مرة أخرى إلى عبادة أوثان أخرى؛ أوثان بشر، مهما بلغت درجات علمهم وتقواهم، فهم كانوا وسيظلون بشرا غير معصومين، نستطيع إن كانوا على خطأ - أو ظننا هذا - أن ننقدهم، فكل الناس قابلة للنقد، وكل المخلوقات بما فيهم رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وما محمد إلا بشر يوحى إليه، إنما إلهكم إله واحد. # أما ما صنعتموه بفضيلة الشيخ الشعراوي ورفعه من مرتبة البشر إلى مراتب القديسين، فهو عمل ليس من الإسلام في شيء، فالإسلام ليس فيه قديسون وليس فيه طبقات للناس عند الله سبحانه إلا بمقدار ما في قلوبهم من تقوى، التقوى ودرجتها، وبالتالي قدر الإنسان، شيء علمه عند ربي، وعند ربي فقط. ~~••• # أحببت أن أجمع آرائي هنا، وآراء غيري؛ ليتضح لنا كم ضيقنا بفقرنا الفكري إسلاما عظيما بلا ضفاف، يضم - أو لا بد أن يضم - البشرية جمعاء، بل والجنس البشري كله. # وليبارك المولى خطواتنا ويعاملنا - جل شأنه - بنوايانا، إنه سميع مجيب. # يوسف إدريس # | عمرة كاتب # بدأت الكتابة كتفرغ منذ خمسة وثلاثين عاما، وقبلها كنت ضائعا في الحركة الوطنية الطلابية والعمالية. ومنذ «العلقة» التي نالتنا على يد فيتز باتريك باشا حكمدار بوليس القاهرة في كوبري عباس وجنود بلوكات النظام وثمة علاقة عضوية شخصية قد ربطتني بالحركة الوطنية المصرية برباط لم تنفصم عراه، وأعتقد أنها أبدا لن تنفصم. ما حدث لمصر طوال هذه المدة عانيت منه على المستوى الشخصي؛ من اعتقال إلى فصل إلى مرض إلى إهانات، ولا أزال أعاني. والإنسان منا ليس مصنوعا من حجر ولا من صلب، إنه دم ولحم وعظام فأعصاب ... ومنذ ذلك اليوم البعيد في أوائل الخمسينيات ولم تمر علي، وربما على المصريين جميعا، إلا أيام قليلة جدا ms004 من الفرحة الشخصية والجماعية؛ مثل يوم ألغى النحاس باشا معاهدة 36، ويوم أمم عبد الناصر القناة، ويوم قرر في خطبته المشهورة بالأزهر عقب العدوان الثلاثي أن نقاتل ونقاتل ونقاتل. يوم طرد الملك، يوم قرار العبور وبطولة الجيش المصري في حرب 73. ولا أريد أن أذكر الأسباب التي لا تخفى على القارئ، وبعض أيام أخرى في عهد الرئيس مبارك. وفي المقابل كانت حياتنا طوال تلك الأعوام التي قاربت على الأربعين سلسلة متصلة الحلقات من المشاكل والهموم. وعجيب أمر هذا الشعب الذي لست سوى فرد منه، كيف تحملنا كل هذا، كيف لم ننكسر، كيف لم نركع، كيف لم نسلم بالأوضاع ونحيا كيفما اتفق؟! افتح قلب أي مصري تجد أن قلقه على بلاده ومصيرها يكاد يوازي قلقه على مصالحه الشخصية، وعند بعض الناس يفوق قلقه على مصالحه الشخصية. # ومنذ النصف الثاني من السبعينيات والهم يتثاقل حتى يبلغ الحلقوم، ومع هذا فنحن أحياء ما زلنا نتحمل ونصبر، وحتى نأمل ونحلم. وتلك هي معجزة الشعب المصري، تلك التي أبقته حيا طوال أكثر من ألفي عام من حكم المستبدين والغزاة والمجانين. # كانت هذه الأفكار تدور في رأسي وأنا أرتدي ملابس الإحرام في طريقي للصلاة في الحرم وزيارة قبر الرسول # صلى الله عليه وسلم # وصاحبيه أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما فأرضاهما. ~~ وقفت أمام مقام الرسول الكريم # صلى الله عليه وسلم # وجموع المسلمين تتدافع لتلقي على بابه وعلى مقامه نظرة شوق طال، وشفاعة مكتومة في النفس، كل منهم يبوح له # صلى الله عليه وسلم # بمكنون قلبه وبدعاء له ولوالديه ولأولاده وعائلته. ومثلما كانوا يدعون دعوت. ولم يكن الدعاء سهلا، فقد كان علي أن أفرغ نفسي تماما من كل اهتماماتها الشخصية والدنيوية، كان علي أن أطهر قلبي، وأفسح صدري، وأمسح كل ما يزدحم في رأسي من قلق. ولم يكن الأمر سهلا، فما كان يشغلني عمره أحقاب وأحقاب، طبقات فوق طبقات من هموم عامة وخاصة، من خوف غريب من المستقبل، من تشاؤم يكاد يطبق على بصيرتي وبصري. كان ms005 علي أن أتطهر وتعود نفسي بريئة كنفوس الأطفال الرضع، جديدة وكأن لم يمسها سوء ولا فعلت سوءا. # وأنا مستغرق في دعائي لنفسي ولأسرتي وحتى لأصدقائي، هبط علي خاطر كأنما هو منزل من أعلى عليين. وماذا يا يوسف لو استجاب الله لدعائك وحفظ عليك صحتك وعلى أسرتك سعادتها وعلى أصدقائك حياتهم؟! أهذا هو منتهى الوصول؟! ما فائدة أن تحل البركة والخير على تلك المجموعة الصغيرة من الناس، في مجتمع يعاني وبين مصريين يتحملون ما لا طاقة لهم به؟! # ودنوت إلى قبر الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، ورأيته في ضوء آخر تماما، هذا إنسان من بني البشر اصطفاه الله جل جلاله ليكون رسولا ومبشرا بالإسلام العظيم، فماذا فعل؟ لم يكتف بتبليغ الرسالة إلى أولي القربى منه أو إلى قريش، وإنما جعل همه كله سعادة البشر في الجزيرة وفي الدنيا كلها، وآمن بهذا إيمانا جعله يتحمل الأذى ويتحمل النفي والهجرة ويحارب ويقاتل المشركين الضالين. رجل واحد بمفرده وبقوة من عند الله، ولكن بإيمان يجل عن الوصف استطاع أن يغير أناسا يعيشون في عصر الوثنية والبداوة والجاهلية الأولى يعبدون أصناما من الحجر، إلى قوم صنعوا أمة من أعظم الأمم، إن لم تكن أعظم أمم الأرض. قوم استطاعوا أن يهزموا أكبر إمبراطوريتين في عصرهما يقابلان القوتين العظميين في عالم اليوم، يحطمون ديوان كسرى، ويقوضون عرش إمبراطور الرومان، وينشرون مبادئ الإسلام السمحة من بواتييه في فرنسا إلى الصين في أقصى الشرق. # وأنا أطوف بالكعبة وأرى الناس سودا وبيضا، صينيين وأوروبيين، مشارقة ومغاربة، من نيجيريا إلى إندونيسيا، نلتف جميعا حول الكعبة ونصلي المغرب، يا له من مشهد غريب فريد في بابه يشرح القلب! آلاف مؤلفة من الناس يحمدون الله ويركعون ويسجدون ويسبحون ويستغفرون. ~~ كان منظرهم يخلع القلب فرحا، ويجعلك تنتقل من انتماءاتك المحدودة في عائلتك أو في بلدك إلى انتماء أشمل وأكبر، الانتماء الأكبر إلى المحيط الإسلامي الواسع، وتحس بآلامك ومخاوفك تذوب تماما في هذا المحيط، وتبدأ نفسك كالماء المعكر بالطين حين يروق ويروق حتى يصبح أصفى ms006 من الماء المقطر، من نقاوة وحلاوة ماء زمزم. # صليت ركعتين في الروضة الشريفة، وارتكنت إلى عمود من أعمدة الحرم النبوي الشريف، أرقب الإيمان مجسدا على الوجوه، يا لحلاوة الإيمان حين يكسب الوجه البشري جمالا نابعا من القلب، وموجها إلى المولى سبحانه! # وجاءتني مصر وأنا مرتكن أمارس متعة الابتهال بلا صوت، والتأمل بلا انقطاع. جاءتني مصر بشعبها ومشاكلها، بحاضرها ومستقبلها. ورحت أدعو للشعب المصري، بني وطني، أن يزيد الله نعمه، إنه القادر القوي المعين. ما فائدة أن أكون قد دعوت لعائلتي ولنفسي أن يخلصنا من أزماتنا وقلقنا ونحن نحيا مع شعب واقع في الأزمات والقلق؟ ما فائدة أن تكون سعيدا صحيحا في مجتمع يعاني؟ # ما فائدة أن يرزقك الله بالملايين في شعب يعيش على حافة الفاقة؟ إن المسلم الحقيقي لا يسعد إلا في مجتمع مكتمل السعادة ترفرف فيه السكينة على الجميع. # وظللت أدعو وأدعو حتى وجدتني أبكي بكاء لم يحدث لي من قبل، فهو ليس بكاء حزن، وليس بكاء إشفاق على النفس والشعب، وليس بكاء إشفاق على النفس الشعب، وليس بكاء مذلة وإحساس بالضيم، ولكنه بكاء المحب لحبيب، البكاء الواصل بين الله سبحانه والإنسان، البكاء المستلهم من حياة الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، بكاء المتأمل في الآيات البينات التي أوحى الله بها وغمرت الدنيا من أقصاها لأقصاها. # يا رب لا تمنحني الصحة وشعبي مريض. # ولا تمنحني الرزق الوافر وشعبي يشكو الفاقة. # ولا تمنحني سلامة النفس وشعبي يطحنه القلق. # وأنزل اللهم السكينة على قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم، يا لها من آية كريمة معجزة المعنى، ظللت - دون أن أعي - أرددها، وكأنما بقدرة قادر وبإملاء قادر: # هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ~~، أنزل اللهم السكينة على قلوبنا، وألهمنا الصواب، وأخرجنا بفضل قدرتك ورحمتك من مآزقنا، وهيئ لنا من أمرنا رشدا، إنك أنت السميع المجيب الوهاب. # | العلم الإسلامي والعلم الغربي في العلم الإسلامي ظهر العباقرة الموسوعيون بينما في الغرب لم يظهر عباقرة شموليون # التصور الغربي للعلوم والتكنولوجيا تصور ms007 قاصر، ما في ذلك شك، ذلك أنه يرتكز على التسليم بأنه يجب قياس العلوم والتكنولوجيا بمقياس واحد فقط هو قدرتها على إحكام أقصى قدر من السيطرة على الطبيعة وعلى البشر. # وهذا التعريف الكمي الصرف يعود إلى الإيمان بأن الهدف الأسمى «للتقدم» و«النمو» هو إرادة القوة تلك، حتى لو أدت تلك الإرادة إلى تدمير الطبيعة والبشر. # ولا يكتفي الغرب بهذا، بل إنه ينصب من نفسه قاضيا على جميع الحضارات الأخرى، معتبرا أن طريقة تطوره وما وصل إليه وما يريد الوصول إليه هو النموذج المثالي لما يجب أن يكون عليه هدف أي مجتمع آخر. وهكذا يقرر أن شعبا ما، أو حضارة ما، أو علما ما، «بدائي» و«متخلف»، بالقياس إلى النقطة التي يوضع فيها هذا المجتمع على المسار الذي سار فيه المجتمع الأوروبي. ~~ والفكرة تبدو شاذة حقا وشديدة التعصب، خاصة إذا سأل هؤلاء، الساعون إلى السيطرة وإرادة القوة، أنفسهم هذا السؤال: ألم تتحول أوروبا - وبالتالي الغرب - منذ عصر النهضة (أي منذ نشأة الرأسمالية الغربية)؛ وبالتالي الاستعمار المتزامن معها، إلى تبرير للرأسمالية والاستعمار جاعلة الهدف الوحيد للعلوم والتكنولوجيا هو أن «تجعلنا سادة الطبيعة ومالكيها» كما كتب «ديكارت» في كتابه «بحث في الطريقة». # وأبدا ليس لتأمين تفتح وازدهار الإنسان، كل الإنسان، وكل إنسان. # هكذا يبدأ جارودي مدخله إلى دراسة الثورة العلمية والتكنولوجية التي قامت بها الحضارة الإسلامية مساهمة عظمى منها في رفع شأن البشرية. # وفي هذا الصدد يقول، وهو يعني الحضارة الشاملة، حضارة الإسلام: تفتح كل إنسان، وأعني بذلك الإنسان بكل أبعاده، بما في ذلك علاقاتنا الجمالية بالطبيعة كمشاركة منا في «حياتها»، أي حياة «الطبيعة»، وليس اعتبارها مجرد مستودع للمواد الأولية وكأنها مستودع نفايات. # إن تفتح كل إنسان هو الشيء الذي ينقص فلسفة النمو الغربية وديانة التقدم التي يعتنقها الغرب، فهذا النمو نفسه هو السبب في تفاقم الفوارق بين الطبقات في بلدان «النمو»، وهذا «النمو» الغربي نفسه لا يمكن أن يتحقق إلا بنهب موارد العالم «المتخلف» - عن النمو - المادية والبشرية. هكذا فوق أنه - في الحقيقة ms008 - لا توجد بلدان «متقدمة» متطورة، وبلدان «نامية» متخلفة، بل توجد بلدان «مسيطرة» وبلدان «مسيطر عليها»، بلدان مريضة من فرط النمو، من التخمة، والآخرون مخدوعون بسراب هذا النمو الانتحاري نفسه الذي تديره «نخبة» منهم تكونت ثقافيا في الغرب، وتم التوصل إلى إقناعها بأن مستقبلها هو في السير على منوال البلدان المتقدمة «المريضة» وفي تقليدها. # لقد احتاج تيمور لنك أياما وأياما لذبح 70000 شخص من البشر عند استيلائه على أصفهان حتى يستطيع أن يكدس جماجمهم على هيئة هرم كبير. أما في هيروشيما فقد حصل الغرب على نفس النتيجة خلال ثوان. إنه لتقدم علمي وتكنولوجي لا ريب فيه ولا مراء. وقد وصل هذا التقدم إلى أنه توجد في حوزة هذا الغرب «بشقيه الرأسمالي والاشتراكي» ما يعادل مليون قنبلة مثل قنبلة هيروشيما، وهو ما يساوي خمسة أطنان من المتفجرات المألوفة مثل ت. ن. ت، لكل رأس من سكان المعمورة. # إن الثورة الخضراء وبذورها العجيبة زادت محاصيل الأرز زيادة هائلة في جنوب شرق آسيا، في مدة خمس سنوات، في حين أن التكنولوجيا الأوروبية المستخدمة في الزراعات العميقة المفروضة على بعض بلدان العالم الثالث، طمرت القشرة الرقيقة من التربة العضوية ليقوم الغرب ببيع الأسمدة الكيماوية الفتاكة بما تولده من طاقة بحيث لم يعد هذا الجزء اللابترولي يستطيع شراء تلك الأسمدة. # إن العلم يكون سفها وظلما إذا لم يكن له هدف آخر إلا العلم نفسه، العلم للعلم، فهذا التضخم في المعرفة المنفصلة عن الحياة يصاحبه الضمور في جميع أبعاد الإنسان الأخرى: الحب والإبداع، والتأمل في غيابات الحياة والطموح إلى التوازن والانسجام في علاقتنا مع الطبيعة وعلاقاتنا الإنسانية ببعضنا البعض. # إن مبدأ التوحيد قد سد الفاصل بين العلم والإيمان، فما دام كل شيء في الطبيعة هو «أمارة» على حضور الله، تصبح معرفة الطبيعة، كالعمل لونا من ألوان الصلاة، وطريقة للاقتراب من الله. # وفي الحديث النبوي الشريف: «من سلك طريقا يلتمس به علما سهل الله به طريقه إلى الجنة ...»، و«يوزن مداد العلماء بدم الشهداء يوم القيامة ...» # لقد جمع الإسلام، ms009 وترجم إلى اللغة العربية، كل ما ازدهر قبله من علوم وثقافات من حضارة بين النهرين إلى مصر وبيزنطة، كل ما تخلف من اليونان والرومان، كل ما كان قبله من طب وعلوم وتقنيات. وإنه لأمر ذو مغزى عظيم ألا يطالب الخليفة هارون الرشيد (876-909م) عندما استولى على أنقرة، أو الخليفة المأمون من بعده عندما انتصر على الإمبراطور البيزنطي ميشيل الثالث إلا بتسليم مخطوطات قديمة تعويضا عن أضرار الحرب. # ولقد حدثت حركة ترجمة عظمى منذ القرن الثامن الميلادي، فقد اجتذب هارون الرشيد إلى بلاطه فطاحل الباحثين واللغويين من كل أصل، وأشهر من رأس هذا العمل كان حنين من قبيلة العباديين العربية التي استقرت منذ زمن بعيد في الحيرة، ولم يكن حنين الذي اعتنق المسيحية مع ذلك (وهذا شاهد آخر على مدى غنى وثراء الحضارة الإسلامية؛ إذ كان في ظلها يستطيع أهل كل كتاب، بل حتى البوذيين، أن يتعايشوا مع المسلمين وأن يتساووا معهم في الحقوق والواجبات). ولقد قام حنين بترجمة مؤلفات أبوقراط في الطب وجالينوس وديكوسكيوريدس. وكذلك مؤلفات الرياضيين والفلكيين وعلماء الطبيعة، وبأمر من المأمون قام الغزاري بترجمة واقتباس بحث ال «سيد هانتا» في علم الفلك الهندي للعالم براهما فوستا. وإذ تعلم العرب من الصينيين فن صناعة الورق (وكان إنشاء أول مصنع له في بغداد عام 800م) الذي لم يعرفه الغرب عن طريقهم إلا بعد أربعة قرون. كما أن المكتبات قد تكاثرت في أرجاء العالم العربي. وفي عام 815م أنشأ الخليفة المأمون في بغداد «بيت الحكمة»؛ احتوت على مليون مؤلف. ~~ وفي القرن العاشر كانت مدينة صغيرة كالنجف في العراق تملك 40000 مجلد. وفي الطرف الآخر من الدنيا، في إسبانيا المسلمة، كان الخليفة في قرطبة يستطيع التباهي في القرن العاشر بمكتبة تضم 400000 كتاب، في حين أن ملك فرنسا شارل الحكيم (أي شارل العالم) بعد أربعة قرون من هذا التاريخ، كان بالكاد يستطيع أن يجمع 900 كتاب. ولكن ليس هناك من يستطيع أن ينافس خليفة قاهرة العزيز الذي كانت مكتبته تحتوي على 1600000 ms010 مجلد، منها 6000 في الرياضيات، 18000 في الفلسفة. هذا الشغف بالكتب، وهذا السعي الجاد لتمثل كل الثقافات السابقة، لم ينطو على أية انتقائية أو اصطفاء، وإنما أخذه المسلمون وأخصبوه برؤيتهم ثم قدموا هذا جميعا كنزا خالصا للثقافة البشرية. # إن سبب الركود العلمي الرئيسي في أوروبا المسيحية كان الارتياب في الطبيعة الذي لا يمكن إلا أن يبعد الإنسان عن الله، وتلك الثنائية بين الطبيعة وبين الله والإيمان هي التي أفسدت الرؤية المسيحية. # وعلى هذا قام كثير من البطاركة بحرق المكتبات باعتبار أنها تساعد على «الوثنية والهرطقة». # وعكس هذا تماما ما يعبر عنه النظام التربوي الخاص بالإسلام الذي يشكل تعليم القرآن في الجامع نقطة الانطلاق فيه، إذ تندمج الحكمة والعلوم بالعقيدة في وحدة عضوية؛ إذ إن هدفها جميعا هو عالم من «نور الله» تتجلى فيه آياته؛ إذ الكون هو أيقونة يتجلى من خلالها الواحد الأحد خلال الكثرة العددية التي تشمل آلاف الرموز. ~~••• # وهكذا جاءت صفت الكتاب والعلماء المسلمين، فمن جهة ليس ثمة انفصال بين علوم الدين وعلوم الطبيعة والمرئيات وبين الفنون والآداب من جهة أخرى، وأيضا ليست هناك حواجز عازلة بين مختلف العلوم من الرياضيات إلى الجغرافيا، وهذا ما يفسر ظهور عدد كبير من العباقرة المسلمين الموسوعيين. # فبينما في الغرب لا يوجد عباقرة شموليون اللهم إلا ليوناردو دافنشي، في حين أنهم في الإسلام جحافل، من الكندي إلى الرازي، ومن البيروني إلى ابن سينا. وعشرات غيرهم من المبدعين في الطب والجغرافيا والتاريخ، وأحيانا في الشعر كعالم الرياضيات عمر بن الخيام أو الفيلسوف ابن عربي أو في الموسيقى كالرازي. # وهذه الرؤية التوحيدية تفسر كذلك الأهمية التي تختص بها الحضارة الإسلامية في تصنيف العلوم؛ فبتوضيح وحدة الواقع ومعرفة الإنسان بها وتناسقها من التأمل في وحدة العالم إلى التأمل في الوحدانية الإلهية التي تجد صورتها في وحدة الطبيعة. # إن الرياضيات مثلا في المنظور الإسلامي هي عبور من «المحسوس» المدرك إلى المعقول، من عالم الصيرورة إلى عالم الأبدية. وهي في العلوم كما في الفنون طريق للتوحيد، فما ms011 نسميه نحن (هكذا يقول جارودي عن الأوروبيين ) الغربيين ب «الأرقام العربية» ويسميه العرب اعترافا بدينهم بال «أرقام الهندية» أدخلت إلى أوروبا عن طريق الخوارزمي. وقد كان الكتاب الهندي سيدناتنا الذي جيء به إلى بلاط المأمون يتضمن نظام العد العشري الذي يعبر عنه بتسعة رموز، وبزيادة صفر، ويستطيع أن يحيط بأي عدد ممكن تخيله؛ فقلب الرياضيات رأسا على عقب. وحمل هذا النمط الجديد من الحساب اسم الرجل الذي منهجه، وكان هذا الاسم هو: «اللوغاريتم» أي «الخوارزم»، وبعد قرنين قلب هذا النظام - عن طريق إدخاله إلى أوروبا بواسطة الراهب جيربرت - نظام الرياضيات في الغرب. # وبما أن الرمز واحد (1) هو الدلالة الأكثر مباشرة للمبدأ الإلهي فإن سلسلة الأعداد ومركباتها هي السلم الذي يرتقي به الإنسان من المتعدد إلى الواحد. وإذا نحن تذكرنا أن الرقم 4444 كان يكتب بالأرقام الرومانية هكذا بحيث يصبح من العسير جدا إجراء أية عملية حسابية، لتخيلنا الدور الهائل لهذا العدد المتتابع، ودور «الصفر» في تطوير العلوم والتقنيات كما في الصناعة والتجارة والمحاسبة. # كان الخوارزمي رائد علم الجبر (وكلمة الجبر نفسها هي عنوان كتابه الأشهر)، وفي القرن التاسع الميلادي (وحوالي الثالث الهجري) استعمل ثابت بن قرة لأول مرة حساب التكامل وربط الهندسة بالجبر. # في حين أكب علماء آخرون (مثل الطوسي والبيروني) على البحث في «الجيوب» «جا»، وابتكروا القاطع قبل كوبرنيكوس بعدة قرون. # وفي الفلك أكمل علماء الإسلام مسيرة اليونانيين من أمثال بطليموس وتجاوزوه كثيرا، فوضع فلكيو الخليفة المأمون الجداول ال «مأمونية» التي صححت جداول بطليموس، وبنوا المراصد فوق جبل قاسيون، ومرصد مرفة الذي أداره ناصر الدين الطوسي. وكان ذلك المرصد يملك تجهيزا فريدا في عالم ذلك اليوم، كرة محلقة مكونة من خمس حلقات نحاسية، قطر الواحدة منها أكثر من ثلاثة أمتار، وهو جهاز لا يمكن صنعه إلا بتكنولوجيا متقدمة جدا في فن قطع المعادن. ~~ وكانت تلك البحوث الفلكية مفيدة تماما للعرب في سفرهم في البادية وفي البحار والمحيطات على حد سواء؛ مما دعاهم إلى اختراع الإسطرلاب الذي أخذه الأوروبيون عنهم. ms012 # وفي الجغرافيا كانوا هم أول من رسم الخرائط . واستلهاما للعقيدة الإسلامية، فإن أرض الجغرافيين كانت كسماء الفلكيين، معرفتها وتأملها ودراستها واجبة؛ لأنها صورة رمزية وآية من آيات الله، هي التجلي، وظهور الله بالنسبة لنا سبحانه الذي لا يستطيع أحد أن يراه بذاته، وإنما بتجلياته. # في بلاط روجيه الثاني ملك صقلية «حتى بعد استرداد صقلية من العرب» قام الجغرافي العربي العظيم «الإدريسي» المولود عام 1101م بتأليف كتبه وسماها باسم روجيه، وكانت تلك الكتب بما احتوت عليه من خرائط أشمل وأدق وصفا لعالم القرون الوسطى كله، وما ابن ماجد في رحلاته وجولاته إلا قرن الاستشعار العربي يمتد عبر البحار والمحيطات يسير فوق الدنيا، فهو لم يكن مؤلفا لكتاب الفوائد في أصول علم البحر والقواعد فقط، وإنما كان بحارا ماهرا يلقب بأسد العواصف، وهو الذي قاد أسطول فاسكو دي جاما البرتغالي من ميلاندي على الشاطئ الإفريقي إلى كالكوتا في الهند عام 1489م. # لقد درس المسلمون العالم جغرافيا باعتبار استمرارية الطبيعة، وباعتبار أن ليس ثمة فاصل بين الجغرافيا والزراعة والجيولوجيا وعلوم النبات وعلوم الحياة. وإذا كانت الجغرافيا تصنع التاريخ في جزء كبير منه، فإن التاريخ يصنع الجغرافيا في جزء كبير منها. # لقد كانت ابتكارات العرب هي أساس اكتشافات «تورشيللي» في إيطاليا لاختراع مقياس الضغط الجوي «البارومتر» واكتشاف فوكانسون في فرنسا للآليات لم يتجاوز كثيرا بحوث الجزاري في الآلات. # ولا بد أن نقف عند أحد أعظم الشخصيات البارزة في العالم العربي الإسلامي، ذلك هو الإنسان ذو الفكر المتكامل، والفنان ورجل الدولة والفقيه، ورجل القانون والفيلسوف، كل هذا في وقت واحد، إنه ابن خلدون، الذي وضع في القرن الرابع عشر الميلادي مؤلفا عظيما في التاريخ وعلم الاجتماع تناول فيه ارتقاء الحضارات وانحطاطها، وعندما درس أساس الحكم وأصل الأسر الحاكمة فإنه فعل ذلك بتمكن لم يستطع أحد أن يتجاوزه إلا بعد هذا بقرن من الزمان، وكان ميكيافيللي في كتابه «الأمير». وعندما عرف المنهج التاريخي ليفين كأساس لتاريخ تفسيري وتعليلي، فعل ذلك بوضوح يضاهي مونتيسكي في «روح القانون» ms013 أو في دراسته لأسباب عظمة الرومان وانحطاطهم. # ففي نفس العمر الذي لم يكن الغرب فيه يعرف عن التاريخ سوى كتاب «الحوليات»، كتب ابن خلدون: «أبدأ بذكر الأسباب العامة في دراسة الأحداث الخاصة ... وسأتناول التاريخ بالتفسير والتعليل مرجعا الأحداث السياسية إلى أسبابها وأصولها ... وطريقتنا في معالجة هذا الموضوع تشكل علما جديدا قائما بذاته.» # وإذ يربط الملاحظة الشخصية بالتفكير النظري، فإنه يدون أثر المناخ والجغرافيا والظواهر الاقتصادية على حياة الشعوب، وكذلك يدرس بنية المجتمعات ونشاطها انطلاقا من تقسيم العمل، حتى إنه يقدم أول صياغة ل «المادية التاريخية»؛ إذ يقول: إن ما نلاحظه من اختلافات في عادات مختلف الشعوب وأفكارها مرده إلى الطريقة التي تدبر بها قوتها، أي طريقتها في أكل العيش. # ولكن ما يميز ابن خلدون على ميكيافيللي أو مونتيسكي (وأيضا عن التصور الوضعي للتاريخ) هو أن فكره التركيبي يبحث وراء سطح الظواهر، عن الحياة الكامنة التي تعطي لهذا السطح معنى، فمنذ الصفحة الأولى من مقدمة كتابه في «التاريخ العام» حيث يدين أولئك الذين لا يرون في التاريخ إلا «رواية» و«وقائع جامدة» يضيف إلى ذلك قوله: إن النظر من الداخل إلى التاريخ يكسبه معنى آخر. وهو هنا يقصد أن «يفسر» للقارئ كيف ولماذا تكون الأمور على ما هي عليه. ~~ إنه هنا لا يسرد وقائع، ولكنه يحللها ويفسرها، وهذا أثر آخر. وليس في ابن خلدون أي أثر لنزعة ليفينية كالتي يجدها القارئ عند «بوسويه» في كتابة «مقالة في التاريخ العام» الذي كتب بعد ابن خلدون بقرنين. ومع أن ابن خلدون يستند هو أيضا إلى قوله تعالى: # وفوق كل ذي علم عليم # إلا أنه يقيم صلة أخرى بين العلم والعقيدة؛ إذ يقول: إن التاريخ لم يكن مكتوبا قبلنا ولم يكتب بدوننا، فليس في مقدور الإنسان أن يصم أذنيه عن النداء، إنه مسئول عن قدره. # فالتاريخ في المنظور الإسلامي عند ابن خلدون يصنع من أوضاع وأحوال وأسباب، ومن اندفاعات إلى الأمام ومن خرافات وحيوانات وأوبئة. وهو يصنع كذلك من مشروعات إنسانية وغايات جزئية، ومن نداءات ms014 ووجفات إلهية، ومن العقيدة أحيانا مصابة بالخور والتراجع وأحيانا أخرى شهيدة أو منتصرة مظفرة. هذا هو التاريخ بتمامه؛ لأن الإنسان هو كل هذا. # أما الطب الإسلامي، وهو أحد أجمل أزهار الحديقة الإسلامية، فإنه قائم هو الآخر على أساس الرؤية الإسلامية للعالم، من الانشغال الدائم بالوحدة بين الأجزاء بمبدأ التوحيد، وحدة الجسم بترابط الأجزاء والاعتماد المتبادل بين الكل، وحدة الكائن الحي مع وسطه ومع المد الكوني، وحدة الروح والجسد، فإن مفاهيم التوازن والانسجام، الركيزة الأولى للإسلام، تقف هكذا في المقام الأول في نظرية الطب وممارسته. تلك النظرية الطبية المرتبطة بما وراء الطبيعة وبعلم الكونيات وبفلسفة الإسلام، معتبرة أن الإنسان عالم صغير تتلخص فيه درجات الكائن والكون بجملتها، مرتبطة في نفس الوقت بالملاحظة ودقتها وما يحدث للمريض في فراشه باعتبار أن تعليم الطب يتم في مستشفى، وهو في نفس الوقت يشدد على الوقاية، والضوء خير دليل. # ولنعرف مدى الأثر العربي العظيم في الطب، فيكفي أن نعرف أن كلية الطب في باريس لم تكن تملك منذ ستمائة عام خلت من العصور القديمة وحتى عام 1925م إلا مجلدا واحدا يخص كل العلوم الطبية في العالم، وكان هذا المجلد للرازي العالم المسلم الذي لا يزال تمثاله قائما إلى جوار تمثال ابن سينا في المدرج الكبير بشارع الآباء القديسين. # ولقد طبع بحث الرازي عن الجدري والحصبة، والذي كتب في القرن العاشر، أكثر من أربعين طبعة ما بين 1498 و1866 ميلادية. # ورغم عظمة الرازي إلا أن تأثير ابن سينا، وبالذات في كتابه «قانون الطب» الذي ترجم إلى اللاتينية، ظل موسوعة الطب العظيم بفضل وضوح تصنيفه للأمراض ودراسته المنهجية لأعراضها، ودامت طرقه في تشخيص أمراض ذات الرئة وذات الجنب وخراج الكبد وطرقا كلاسيكية أكاديمية طيلة ثمانية قرون من الزمان. وكان ابن سينا كالرازي أيضا، عبقرية شاملة، فقد كان طبيبا وفيزيائيا وفيلسوفا وعالما دينيا وشاعرا كالحسن بن الهيثم الذي كان عالما عظيما في الرياضيات والفلك ومهندسا وصاحب عدة مؤلفات في علم البصريات. إن الغرب يعتبره رائد الطريقة التجريبية في ms015 العلم الحديث، ولقد كتب ابن الهيثم أول وصف تشريحي دقيق للعين، وفي عام 1000م كان أبو القاسم الموصلي في بغداد ينجح في استئصال ما يسمى الكاتاراكت (الماء الأزرق) من عدسة العين بواسطة امتصاصه بإبرة مجوفة، في حين أن الغرب لم ينجح في إجراء هذه العملية إلا في عام 1806م بعد انقضاء ثمانمائة عام على يد الدكتور بلانشيه. وقد مارس العرب التلقيح ضد الجدري، ودرس الطبيب الأندلسي أبو القاسم مرض السل في العمود الفقري المسمى الآن بمرض «بوت» قبل أن يكتشفه بيرسيفال بوت بسبعة قرون ونصف. # أما تأثير العنصر المعنوي والروحي على الجسم، فقد أدخل في الحسبان، فقد كتب ابن سينا: لا بد لنا من الأخذ بعين الاعتبار أن أحد أفضل العلاجات وأنجحها يقوم على رفع القوى العقلية والنفسية والمعنوية لدى المريض وتشجيعه على المقاومة وعلى إحاطته بجو مستحب والعمل على إسماعه موسيقى عذبة وعلى إتاحة احتكاكه بأشخاص يروقون له. # إن النهضة الأوروبية لم ترث تعاليم الحضارة اليونانية مباشرة، فإن الحضارة العربية الإسلامية هي التي استشرت طيلة الألف عام الوسيطة بين الحضارتين اليونانية والأوروبية الحديثة. لقد نقلت تلك الحضارة إلى أوروبا عبر إسبانيا وصقلية، ومورس تأثيرها بواسطة ترجمة المؤلفات الإسلامية إلى اللاتينية. # إن الفكر الفلسفي في الإسلام لا يرى العالم في تطوره وكأنه يسير في اتجاه أفقي، وإنما في صعود، فالماضي ليس وراءنا، الماضي تحت أقدامنا. وهكذا لا يعود في وسع العلم والتكنولوجيا، إذ يستدعيان على هذا النحو لقضاء حاجات أسمى، أن يصبحا مثلما هما في التقليد الغربي منذ عصر النهضة، غايتين بذاتها. هذا المرض المسمى في الحضارة الغربية بالحداثة والعصرية، هو عكس للعلاقة بين الوسائل والغايات، فالوسائل (التكنولوجيا) في المنظور الغربي غايات، إذ لم يعد العلم والتكنولوجيا يتكيفان مع البيئة، ولم يعد أحدهما في خدمة الإنسان، العكس هو الصحيح: أصبح الإنسان وبيئته خاضعين لنمو العلوم والتقنيات. # إن العلم والتقنيات وسائل مدهشة في خدمة غايات إنسانية، لكن «علما» ما، وأعني به تنظيما للوسائل، منفصلا عن حكمة ما، أي عن تأمل في ms016 الغايات يصبح أداة تدميرية في يد الإنسان وللإنسان. # وهكذا ممكن أن نلخص فلسفة العلم عند الحضارة الإسلامية بالتالي: ~~(1) # إن العلم والتقنيات تنسق وفقا لأهداف أعلى من أهداف إنسان أو مجتمع يكونان مجرد جزء من الطبيعة. ~~(2) # هناك استعمال آخر للعقل غير الاستعمال الذي يتجه من سبب إلى سبب، ومن سبب إلى نتيجة. عقل يصعد من هدف إلى هدف، ومن أهداف ثانوية إلى أهداف أسمى، ويسعى دون أن يبلغ النهاية أبدا إلى التوحيد الأسمى الذي يضم معا سائر الأمور الأولى. # إن الأستاذ حسين نصر يعرف العلاقات بين العلم الذي يقال إنه عصري والعلم الإسلامي بأنه على عكس العلاقات بين العلم والوسائل وبين الحكمة (الأهداف). ولو أن علماء المسلمين بعثوا اليوم لأدهشهم، وربما أرعبهم، مدى الانقلاب الذي صار إليه الحال. فالعلم والوسائل قد أصبحت غايات، بينما الحكمة (الأهداف) قد أصبحت هامشية جدا، إن لم نقل إنها اختفت تماما. # | لماذا أسلم جارودي؟ # كان أول تعرفي على «روجيه جارودي» حين قرأت كتابه «واقعية بلا ضفاف»، والحق أن الكتاب أعجبني تماما، فقد كنت أيامها لا أزال أخوض مع نقاد الواقعية الاشتراكية معركة ساخنة حول مفهوم الواقعية، ومفهوم المضمون الاشتراكي للعمل الفني. ذلك أن هم هؤلاء النقاد كان ينحصر في بحثهم حول «موضوع» العمل الفني، بصرف النظر إن كانت تنطبق عليه مقاييس الفن أو لا تنطبق، وحتمية أن يكون هذا المضمون واضح المفهومات الاشتراكية أو الإنسانية، بطريقة تحيل العمل الفني في النهاية إلى نوع من الدعاية، بل إلى أسخف أنواع الدعاية، الدعاية الحزبية. ~~ أعجبني كتابه رغم أنه كان في ذلك الوقت فيلسوف الحزب الشيوعي الفرنسي وكاتبه الفكري. فأن يؤمن الحزب الشيوعي بأن الفن لا تنطبق عليه مقاييس الدعاية ولا الإعلام، وإنما هو عالم كامل مواز للحياة يعمل على مراكز في النفس البشرية لا يمكن أن تصل إليها أي مبادئ سياسية أو اجتماعية، وإنما هو ينهل من بحر الإنسانية الأعمق والأكثر فاعلية، ذلك البحر الذي منه يغترف السياسيون والفلاسفة وعلماء النفس والحياة؛ أن يكون هذا رأي الحزب أو ms017 مفكر الحزب الشيوعي في الفن، مسألة غريبة وجديدة وتلفت النظر، بل الحق أنها تصفع النظر، وترينا إلى أي حد يقصر نظر النقاد الماركسيين في عالمنا الثالث والرابع. # وكان ثاني لقاء لي بجارودي في جريدة الأهرام في أوائل السبعينيات حين دعاه الأستاذ محمد حسنين هيكل لزيارة مصر كضيف على جريدة الأهرام، وفي قاعة المحاضرات بمبنى الجريدة حضرت له مع نخبة ممتازة من الكتاب والمثقفين المصريين محاضرة كان عنوانها في ذلك الوقت غريبا على مفكر الحزب الشيوعي، حتى لو كانت الأزمات قد بدأت تترى بينه وبين الحزب، وحتى لو كان الحزب قد بدأ يفكر في فصله باعتباره مراجعا أو ناكصا على حدود المادية الجدلية والمادية التاريخية. كان عنوان المحاضرة: الحضارة الإسلامية. # ماذا سوف يقول هذا الفيلسوف الماركسي السابق عن الإسلام وحضارته؟ # والحق أن المحاضرة كانت نظرة جديدة تماما يلقيها مثقف غربي محايد عن الإسلام كحضارة، فهو يتحدث عن عمارة المساجد الإسلامية ويربطها بالمبدأ الإسلامي الخالد في الوحدانية، لا إله إلا الله تجمع الخلق أجمعين في «جامع» أو مسجد واحد، القبلة واحدة، السقف عال يجمع الأصوات في وحدة موسيقية متناغمة، وهكذا. # كان يلقي محاضرته بالفرنسية، والفرنسية هي لغتي الثالثة التي أهملتها كثيرا، ولكن لروعة إلقائه ونظرته استطعت أن أستوعب المحاضرة كلها وألم تقريبا بكل ما أراد قوله. # بعد هذه المحاضرة أو ربما قبلها بقليل - لست أذكر على وجه الدقة - قام الحزب الشيوعي بفصل جارودي من مكتبة السياسي ولجنته المركزية وحتى من عضوية الحزب باعتباره مرتدا عن الماركسية، وشنوا عليه حملة شعواء أيديولوجية وشخصية. # وإن هي إلا بضع سنين مرت وإذا بنا نفاجأ بأن جارودي قد اعتنق الإسلام، وسمى نفسه رجاء وتزوج من مسلمة، وزار ليبيا والجزائر والقاهرة والجزيرة العربية. # وسخر البعض من إسلام جارودي، وشهروا به قائلين إنه قبض ثمن إسلامه من العقيد القذافي، وإنه أسلم إسلاما بتروليا، إلى آخر ما قيل عنه. # والحق، لأني لم يتح لي معرفة وجهة نظره، ظللت حائرا أمام إسلامه هذا. # وحتى حين استضافه التليفزيون المصري، عهدوا بالحوار ms018 معه إلى مذيعة لا مؤهلات لها إلا إتقان اللهجة الفرنسية في النطق، وسألته أسئلة ساذجة جدا عن إسلامه. والحق أني لم أقتنع، ليس لأنه لم يقل ولكن لأنه لم يسأل. إلى أن اشتريت هذا الكتاب من مكتبة في القاهرة، وكان كشفا عظيما. # الكتاب سماه مترجمه الدكتور ذوقان قرقوط ممثل الجزائر في هيئة الأمم المتحدة، سماه «وعود الإسلام». والحق أنه رغم دقة الترجمة إلا أن الاختلاف اللغوي بين المشرق العربي والمغرب العربي جعلني أرجع إلى النص الفرنسي لأفهم حتى العنوان، رغم أني أقدم خالص شكري وعميق امتناني للدكتور قرقوط، فلولاه ما ظفرت بهذه الثروة الفكرية. ويبدأ جارودي كتابه عن الإسلام بشن هجوم على الحضارة الغربية «المسيحية!» وما آلت إليه، فيقول: إن الغرب حادث عارض، ثقافته ممسوخة، وقد بترت من أبعادها الجوهرية، فمنذ قرون ادعت هذه الثقافة بأنها تنحدر فقط من إرث مزدوج من الحضارتين اليونانية والرومانية، ومن اليهودية والمسيحية. وهكذا لا يذكر الغرب كجذور لحضارته إلا مرتكزا على «المعجزة الإغريقية»؛ وبهذا يبتر هذه الحضارة عمدا عن جذورها الشرقية، عن تراث آسيا الصغرى «تركيا اليوم»، عن الاتصال بالفرس حيث استلهمهم طالس دي ميليت ومن جاء بعده إلى كزينوفون دي كولونون، ومن فيثاغورث إلى هيراقليطس، ومن خلال أعمالهم تهب نسائم زرادشت وفيما وراءها من ثقافة هندية قديمة، ناهيك عن تراث مصر القديمة وآلاف السنين - قبل اليونان - من تاريخها الحضاري الطويل وعلومها ورؤاها التي فتنت فيثاغورس وأفلاطون. # إن الحضارات تتخاطب وتتفاعل، ولا يمكن أن تفصل بعضها عن البعض الآخر؛ فهي في الحقيقة متواليات حضارية، ففي الوقت الذي غربت فيه الثقافة في روما بزغت في الإسكندرية، وفي الإسكندرية التقت جميع تيارات الفكر في الشرق، وولدت علوم إقليدس في الرياضيات وعلم بطليموس في الفلك، مثلها مثل الإشراقات الصوفية العظيمة عن فيلون وأفلوطين وأوريجين وكليمانت الإسكندري. ولكن الغرب ترك هذا كله ولم يذكر سوى اليونان القديمة مصدرا لحضارته، عن جهل هذا أم عن عمد. كذلك ذكر اليهود فقط دون الإسلام، أكذوبة تغذت من نفس الجهل المتعمد، ونفس ms019 الإلغاء ذاته، من قلب الهلال الخصيب الذي يمتد من بلاد بين النهرين «العراق» الذي جاء فيه «سيدنا» إبراهيم إلى مصر التي أعاد منها موسى شعبه. كيف يكمن أن تتخيل أن الثقافة اليهودية كاليونانية لا تحمل من الحضارة البابلية والفرعونية في أرفع درجات سموها ذلك الذي نسخ منه اليهود حضارتهم، ذلك النسخ الذي تفجرت منه ملحمة جلجامش وتنبئية زرادشت وتوحيدية إخناتون الذي نجد تسبيحه للإله الواحد الشمس «بالنص في مزامير داود ال 104». # وحتى المسيحية نفسها لم تأت من أوروبا، القارة الوحيدة التي لم يولد فيها نبي ولم ينشأ فيها أي دين عظيم، وإنما من آسيا، والتي تطورت في أنطاكيا (تركيا الآن) في آسيا، وفي الإسكندرية، أي في أفريقيا، أفلا تدين الحضارة المسيحية لهذا كله بدين لا تستطيع أبدا نكرانه، فالقديس بولس هو الذي أنشأ الكنيسة الكاثوليكية في روما بكل ما حمله معه من الشرق إلى روما، وهل من العظمة في شيء أن يكون المرء ابنا لأب مجهول. # والمسيحية نفسها، وبالذات في حبوها إلى الشمولية في الكاثوليكية، ألا يجب أن تعترف أن جذور هذه الشمولية الكونية في حقيقتها مستمدة معظمها من الشرق، وأن أثر الشرق عليها لا يقل عن أثر الحضارتين اليونانية والرومانية. إن من أوضح الأمثلة على هذا الراهب الكالابري يواكيم دي فلور الذي تمكن في سورية من معرفة «فلسفة الإشراق» عن السهروردي، ومع المعلم إيكهارت الذي تعود أعماله إلى الوحي الإسلامي لدى ابن سينا، ومع القديس فرانسوا الأسوزي الذي استوحى الخليفة عبد الملك بن مروان في دمياط، ومع حنا دي لاكروا الذي تظهر تجربته الصوفية شديدة الشبه أحيانا بتجارب صوفية المسلمين، ولكن الشمولية المسيحية لم تفعل هذا، وبضيق أفقها الشديد خاضت حربا من أكثر الحروب العسكرية إراقة للدماء طيلة قرنين من الزمان في الحروب الصليبية التي ذهبت عبثا في فلسطين، أو طيلة سبعة قرون لإعادة فتح إسبانيا حيث استقبل العرب في القرن الثاني عشر كمحررين، وحيث جعلوا من قرطبة أعظم مركز إشعاع للثقافة في أوروبا. # لقد رفض الغرب منذ ثلاثة ms020 عشر قرنا هذا الجذر المهم الثالث لحضارته المعاصرة، الجذر العربي الإسلامي الذي كان يمكنه ولا يزال في وسعه ليس فقط أن يصالحه مع حضارات وحكمة الشعوب الأخرى، ولكن أيضا يساعد على الوعي بالأبعاد الكونية والإلهية التي بتر عنها بتطويره من جانب واحد لإرادة القوة فيه ضد الطبيعة وضد البشر الآخرين. # ذلك أن الإسلام - كما يقول جارودي - لم يكمل ويخصب وينتشر فحسب من بحر الصين إلى الأطلنطي ومن سمرقند في الشمال إلى تومبكتو في أفريقيا في أقصى الجنوب، لم يكمل فقط ولم يخصب أقدم الثقافات؛ ثقافة الصين والهند وثقافة الفرس واليونان والإسكندرية وبيزنطة، وإنما نفخ من روحه المتوقدة في إمبراطوريات مفككة وحضارات مشرفة على الموت روح حياة جماعية جديدة، وأعاد إلى البشر وإلى مجتمعاتهم أبعادها الإنسانية والإلهية بنوع خاص من التسامي والتوحيد، كما أعاد انطلاقا من ذلك الإيمان البسيط والقوي لإحياء العلوم والفنون، خلق الحكمة الإشراقية التنبئية وسن القوانين. ليس صدفة أبدا أن ملامح اليقظة الغربية الأولى كانت في إسبانيا الإسلامية قبل أربعة قرون من يقظته في إيطاليا فيما سمي بعد هذا بعصر النهضة. وقد كان ممكنا أن تكون هذه اليقظة عالمية فيطرح الغرب هذا الجذر المهم الثالث لحضارته جانبا، ذلك الجذر الذي كان ممكنا أن يوحد الشرق والغرب، «وبانفصاله وتقوقعه داخل ما يسمى بالحضارة المسيحية واليهودية-اليونانية والرومانية» حرم نفسه من حضرية الثقافة الأخرى كلها، وعلى رأسها الثقافة الإسلامية. بينما وجهه نحو نموذج انتحاري من النمو والحضارة. أي اسم يطلق اليوم على هذا الشكل من هيمنة الغرب العالمية الذي أنفق في عام 1980م 450 مليار دولار في التسلح وتسبب في موت 50 مليونا من الكائنات البشرية في العالم الثالث نتيجة لنزف الموارد وتصدير الفائض بالسعر الكاوي، تلك المقايضات الظالمة المتعسفة غير المتساوية. إن الغرب في منظور آلاف السنين كان وسيكون أكبر مجرم في التاريخ، إنه اليوم بسبب سيطرته الاقتصادية والسياسية والعسكرية يعني النظر إلى الأشياء كما لو كانت مستقلة عما هو أصلها التي لا يشاركه فيها أحد، يفرض على العالم بأكمله ms021 نموذجه من النمو الذي يقود إلى انتحار سكان كوكبنا جميعا؛ لأنه يولد في آن واحد تفاوتات متزايدة، وينزع من نفوس الفقراء وأكثر الناس حاجة كل تفاؤل بأمل في المستقبل، ويعمل على إنضاج التمرد اليائس، في الوقت الذي يرصد فيه ما يعادل خمسة أطنان من المتفجرات لكل رأس بشري يقطن كوكب الأرض. # إن النظام الثقافي العالمي الجديد هو الانتقال من الهيمنة الغربية إلى التشاور على مستوى الكرة الأرضية لإعادة تحديد مواصفات مشروع إنساني شامل، فإن الحوار بين الحضارات قد أصبح ضرورة ملحة، فلقد بلغ السيل الزبى وتجاوز إلى درجة الفيضان؛ إذ لم تعد معركة عصرنا الحيوية هي المعركة الدائرة بين «الرأسمالية» التي تولد النزعات الاستعمارية والحروب والأزمات و«الاشتراكية» ذات النموذج السوفياتي التي أصبحت بتبنيها نفس أهداف النمو التي يباشرها الغرب الرأسمالي، كالرأسمالية، ظالمة لشعبها ذاته، مستغلة، وأحيانا مستعمرة، كما في أفغانستان «للعالم الثالث» وشريكه في السباق نفسه إلى الهيمنة وامتلاك أسلحة الرعب. إنما معركة عصرنا المركزية والحيوية هي معركة الصراع الرهيب بين الطريقة الانتحارية للتقدم والنمو على المنوال الغربي، أو على وجه الدقة الطريقة التي تفصل بين الوسائل والغايات، بين العلم والحكمة من استعمال العلم، والهدف من استعمال العلم. هذه الطريقة التي تؤجج في الإنسان فرديته وتبعثره من جماعته وأبعاده الإنسانية الأخرى. إن الإسلام لم يعد ذلك «الكافر» في زمن الصليبيين أو الإرهابي في حرب التحرير الجزائرية أو «المقاومة الفلسطينية»، ولم يعد ذلك الأثر في المتحف الذي يتفحصه المستشرق بين العالم الاختصاصي في الحضارات القديمة انطلاقا من الحكم المسبق بامتياز الغرب وتميزه. إنما الإسلام هو تلك الرؤية لله، وللعالم وللإنسان، تلك الرؤية التي تستنبط العلوم والفنون، وتستنبط من كل مجتمع مشروع بناء عالم إلهي وإنساني لا انفصال فيه بين البعدين الأعظمين: الفردية والجماعية، التسامي والأمة. لقد أنقذ الإسلام من قبل إمبراطوريتين عظيمتين متهاويتين، أفلا يستطيع اليوم أن ينقذ عالمنا من تفتته، أفلا يستطيع أن يجيب على الأسئلة التي تلقيها حضارة غربية تكشفت خلال أربعة قرون عن أنها قادرة على أن تحفر ms022 قبرا للبشرية كلها. إن اختيار النبي # صلى الله عليه وسلم # وانتصاره في شبه الجزيرة العربية ، وتقدم خلفائه الخاطف، وسيطرتهم في أقل من ربع قرن على كامل العالم المعروف حينذاك، باستثناء جزء من أوروبا الخاملة ومن حين صاعدة نحو ذروة تقدمها؛ هذا الانتصار والتقدم لا يمكن أن يفهم بدون الاعتراف بمكانة أولى للرسالة الإسلامية ذاتها ونوعيتها. يمكننا أن نحاول إيجاد تفسيرات اقتصادية واجتماعية وسياسية وعسكرية لهذا الانتصار، ولكن هذا الانتصار الهائل سيظل مستغلقا على الأفهام بدون الإسلام، كعقيدة وكجماعة قائمة على هذه العقيدة، والنبي # صلى الله عليه وسلم # لم يدع أنه يجيء بدين جديد وإنما يواصل ويجدد ويتم تلك العقيدة الأصلية التي كان يبشر بها سيدنا إبراهيم، وكان في وقته يمثل تعبيرها الأمثل. # ويستطرد جارودي في تحليله قائلا: إن المجتمع العربي قبل الإسلام كان قائما على نوعين من المجتمعات: مجتمع البادية، ذلك الذي تسكنه قبائل يدين الفرد فيها بالولاء للقبيلة، بينما مجتمع الواحة التي أصبحت مدينة بزراعتها وحرفييها وتجارتها وملكيتها الخاصة ومراثيها الاجتماعية، أخذت تحدث فيه صراعات داخل المدينة نفسها. والبدو من أهل الرعي والإبل كانوا في حاجة إلى فلاحين مزارعين مقيمين، وكان البدوي الراعي يملك بفضل مطاياه السريعة تفوقا عسكريا على المزارعين والحرفيين والتجار المرتبطين بالأرض. # وهكذا كان يؤمن القوافل التجارية مقابل إتاوة محددة. وكانت المسيحية حين دخلتها السفسطة الإغريقية، واستحالت إلى أحاج وألغاز لا يفهمها الإنسان العادي، لا تستطيع أن تنفذ إلى هذا المجتمع الخليط، وخاصة مثلث مكة والمدينة والطائف، والواقع في ملتقى التيارات التجارية بين أوروبا والهند والصين وبين بلاد ما بين النهرين والحبشة ومصر. كان مثلثا يموج بأشكال عديدة من الشرك وأنواعها عديدة من العبادات. ومن شبه الجزيرة هذا، في مطلع القرن السابع كان القلق الروحي عظيما والجو كان مهيأ متلهفا لضرورة تحول جذري يحدث حين ظهر الرسول العظيم. إذن كان المحتوى الديني في زخرفته المتعددة مشكلا من وثنيات متعددة الآلهة مفصولة عن معناها الإنساني، ولم تكن الرسالة المحمدية في فحوها المباشر إلا عبادة أن لا إله ms023 إلا الله، إلها واحدا سبحانه، وأن ينبذ المعتقدات الباطلة الطفيلية والطقوس التي لا حياة فيها . ولم يكن ذلك استبعادا لجميع أشكال الشرك بتعدد الآلهة وعبادة الأوثان، وإنما إخضاع أيضا لكل سلطة وكل ملكية وكل معرفة لمفهوم التبعية. إن الله أكبر من أعظم الملوك، وإليه وحده يدان بالإجلال المطلق، هذا مبدأ لا يجوز التصرف فيه، ولا بد أن نصمد في وجه كل طغيان وبمعارضة كل سلطة تزعم لنفسها حقا إلهيا والمساواة التامة بين الناس بحيث يكون «أكرمكم عند الله أتقاكم» هي القاعدة الوحيدة والواحدة، فالله وحيد، وهو حقيقة واحدة، وهذه هي الشهادة المبدأ والقاعدة لإعلان الإيمان، والمسلمة الثانية فيه وهي أن محمدا رسول الله تشير إلى حركة العودة؛ ذلك أن محمدا هو القوة نفسها لكل حقيقة ينظر إليها كوحي وإشارة من الله، فالقرآن هو الله، في بلاغة الناس، متوجها إليهم بالكلام الذي يوحيه إلى الرسول من أجل ربطهم بمصيرهم. وهكذا لا توجد ألوهية أخرى غير الله، ولكن ليست هناك حقيقة أخرى أيضا خارج هذا الإطار # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ~~(سورة فصلت: 53). إن كل شيء في الكون آية، كل شيء هو تجل من الله. إن كلمة آية أو بمعنى آخر «أمارة»، فكل شيء حينئذ آية من الله تدل على وجود الله، وكل شيء يكون مقدسا بعلاقته بالله، فالفكر يعني النظر إلى الأشياء كما لو كانت مستقلة عما هو أصلها وغايتها ومعناها؛ الله سبحانه. # | إسلام بلا ضفاف # تركت كتاب جارودي جانبا، ورحت أتأمل رحلة الإنسان الباحث عن الحق والحقيقة، لقد كلفتني هذه الرحلة عمري وأنا لا أزال دائب البحث، ولقد تجسد لي جارودي على هيئة ذلك الجزء المتبقي حيا من الضمير الأوروبي المعاصر الذي كتب عليه في بداية حياته، وحتى قبل أن يصبح عضوا بارزا في الحزب الشيوعي وفيلسوفه الأعلى، أن يصطدم بالحقيقة الإسلامية الكبرى حين عمل أستاذا في الجزائر المستعمرة إذ ذاك استعمارا فرنسيا كاثوليكيا غاشما؛ استعمارا يهدف إلى نزع كل ما يخص الإنسان الجزائري ms024 من أصالة ولغة ودين ومقومات وجود، وإلباسه لباسا فرنسيا مهلهلا، فلا هو أصبح به فرنسيا ولا هو أبقى على حقيقته العربية الإسلامية. يقول الدكتور ذوقان قرقوط مترجم كتاب «وعود الإسلام»: عادت بي الذاكرة، وأنا أقرأ كتابه الجديد (كتاب جارودي) إلى أيام يفاعتنا بثانويات الجزائر، في إحدى مدن وهران، كان ذلك عام 1948م عندما قدم إلينا رجل، جاء ليهدم سورا؛ ذلك السور الذي كان يفصلنا بوحشية عن ثقافتنا القومية التي حرمنا منها الاستعمار، والتي لم يكن في وسع أية ثقافة أجنبية، مهما كانت فنية وفاتنة، أن تجعل منا غير رهائن ضائعة، بالنسبة لأبناء وطننا، وبالنسبة للآخرين. وإذ كنا محرومين من ثقافتنا ومن لغتنا القومية ومن حضارتنا الخاصة، فقد استقبلنا هذا الرجل بشكران ورع، والذي كان يجعلنا نرفع الحجاب الذي يخفي ثقافتنا، والتي أصبحت هي نفسها غريبة في بلدها. في زمن كان القيام بالتصدي للاستعمار فيه يعرض للأخطار، عمل هذا الرجل المقدام على أن نعود للارتباط بأنفسنا ليساعدنا على التغلب على عملية نزع ثقافتنا، ويشرع منذ ذلك الحين في فتح حوار بين الحضارات. لم يأت ليعرف بواسطتنا، من نحن، ولماذا يستبسل الاستعمار في العمل على أن ينسينا إياه، وإنما أتى ليساعدنا على إتقانه أو على إعادة اكتشافه. هذه المرة يتوجه روجيه جارودي بكتابه «وعود الإسلام» إلى جمهور غير مسلم يريد أن ينزع الضمادات عن عيونه، ويخلصه من أحكامه المسبقة. # في كتابه هذا الأخير إذن يتوجه جارودي إلى الأوروبيين، مسيحيين كانوا أو يهودا أو ملحدين، ويحدثهم عن الإسلام، حديث إنسان بدأ رحلته مع الإسلام كما نرى في الجزائر عقب الحرب العالمية الثانية، وفي عام النكسة الإسلامية والعربية الكبرى عام 1948م؛ عام قيام إسرائيل وبداية اغتيال فلسطين. هل هي مصادفة أم أن ذلك الضمير الأوروبي، أو على الأقل بقاياه النقية الباحثة عن الحق والحقيقة، قد ظل وقد هزت معتقداته وآراءه الثابتة حرب عالمية ضروس من صنع ذلك الغرب نفسه، وداخل معسكره، أهلكت الملايين، ولم تحل للبشرية مشكلة واحدة، قد راح يبحث لأزمته الطاحنة عن ms025 مخرج، وإزاء طبيعته العدوانية الشرسة يبحث عن ميادين أخرى تحفل بالإنسانية والوحدانية؛ وحدانية الكون والله الممتدة إلى الإنسان. فكان جارودي خير باحث وخير رائد لهذا الاتجاه؛ فقد بدأ جارودي حياته كاثوليكيا راح يقلب هذا الجناح من المسيحية، باحثا فيه عن حل شامل للبشرية، وحين أعياه البحث «كفر» بكاثوليكيته تلك، وتحول إلى الماركسية والمادية الجدلية والتاريخية؛ عله يجد فيها الحل. # ولكن لننظر إلى هذا التعلق المبكر بالحضارة الإسلامية، والذي كما يذكر الدكتور قرقوط يرجع إلى العام 1948م، حين كان جارودي مدرسا ثانويا بالجزائر. لقد ظل جارودي بعدها قائدا وفيلسوفا للحزب الشيوعي إلى ما بعد هذا بكثير، وكان لا بد لتناقض كهذا أن يصير إلى معركة خاضها جارودي وحيدا، باحثا عن الحقيقة أمام حزب كبير تحمل موقفه منه واتهاماته له، والإدانات الكثيرة التي طعنه بها والنيل منه. # ولكنه كان قد وصل إلى قمة المنتهى، ومن يصل إلى قمة المنتهى لا يهمه اعتراضات البشر. كان جارودي قد آمن بأن الإسلام هو الدين الوحيد، بل هو الفلسفة الوحيدة التي بشرت بالوحدة الإلهية (التوحيد) الذي يعطي لكل حياة ولكل شيء معنى بالنسبة لعلاقته بالكل، ليس توحيدا جامدا، توحيد الإيمان بإله واحد مجرد، جاعلا من الله فكرة وربما أقل من ذلك أيضا، مجرد حلول أو وحدة للوجود تخلو من الله سبحانه. التوحيد هو فعل؛ فعل من الله دائم الخلق؛ فعل من الرسول # صلى الله عليه وسلم # الذي بكلامه، الموحى به من الله، يكون ليس وحدة أو جملة، ولكن فعل توحيد؛ فعل تجميع؛ فعلا لكل إنسان يعي أنه ليس هناك إله حقيقي سوى الله، وأنه في كل لحظة يربط كل شيء وكل حادث بمبدئه. # ولا يمكن لنا أن نفهم انتشار الإسلام من غير أن نلفت النظر (هكذا يقول جارودي) إلى وجهين أساسيين تجليا منذ ظهور النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: فأولا التوحيد هو عمل يدل على ذلك الافتراض السخيف القائل بأن الإسلام يقود إلى «الجبرية» بالناس، إنه يقدم الأساس الصلب لمسئولية الإنسان وحريته، فاسم «الإسلام» نفسه يعني ms026 التسليم أو الامتثال للإرادة الإلهية؛ وعليه، فإن كل شيء في تصوره للتوحيد، للكل، يكون «مسلما»، فمثلا الشجرة في أزهارها، الحيوان في نموه، الحجر في جماديته؛ هي كلها في أشكالها المختلفة مسلمة للإرادة الإلهية وبالإرادة الإلهية، فليس في إمكانها الإفلات من القانون الذي يحكمها. # إن الإنسان وحده هو الذي يستطيع أن ينسى بإرادته طبيعته الحقيقية، # قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ~~(سورة طه: 126)، فهو يصبح مسلما إذن بالاختيار، وذلك بتذكره الشريعة الأولى؛ شريعة التوحيد والمجموع التي تعطي لحياته معنى، وهو مسئول مسئولية تامة؛ لأنه يملك إمكانية الرفض. # من جهة أخرى (هكذا يمضي جارودي قائلا) سيكون غريبا جدا اعتبار عقيدة قادت المسلمين إلى تجديد أربع حضارات كبرى والإشعاع على نصف العالم، في فترة لا تتجاوز الثلاثة أرباع قرن، مجرد عقيدة قدرية منقادة. هذه الحيوية في الفكر والعمل هي تماما عكس القدرية. لقد اقتاد ملايين الناس إلى التأكد من أنهم من الممكن أن يعيشوا على نحو آخر. # الملاحظة الثانية تنصب على وجه الدقة على هذه الطريقة الجديدة للحياة، فإذا كان الإسلام قد تمكن من الانتشار بمثل تلك القدرة وبهذه السرعة في الجزيرة العربية أولا من المحيط الأطلنطي إلى بحر الصين شرقا؛ فذلك لأنه كان يحدد معنى الحياة لدى شعوب ضلت الطريق وتفككت مجتمعاتها وثقافاتها وعقيدتها. كان المبدأ الرئيسي لتلك التجديدات هو استعادة عقيدة أصلية، وهي عقيدة إبراهيم، العقيدة التي كانت تترجم إلى أفعال تخضع إلى أمور نسبية تراقب البشر وثرواتهم وتبذل جهدها في تحقيق المشروع الإلهي. # كان القرآن الكريم يعترف بصدق أنبياء التوراة على أنهم رسل لله نفسه، شرائع موسى وإنجيل يسوع كان كلام الله، لنرى الآن كيف رأى جارودي العقيدة الإسلامية في مبادئها الأساسية الخمسة. # الإسلام الفلسفة الوحيدة التي بشرت بالوحدة الإلهية # فأولا: # الجهر بالعقيدة بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؛ إذ الكون بأكمله بهذه الطريقة يتخذ معنى؛ إذ يتجلى المطلق في النسبي على شكل «إشارات» ورموز. إن الطبيعة والبشر، تماما ككلام القرآن، هم ظهور، هم ms027 تجل لله # تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا ~~(سورة الإسراء: 44). # ثانيا: # الصلاة، وهي المشاركة الواعية من الإنسان لهذا التسبيح الكوني الذي يربط المخلوق بخالقه «عد إلى ذاتك تجد الوجود كله مختصرا فيك». # إن الصلاة تريح المؤمن بهذه العبادة الشاملة، فبالقيام بها وقد ولى الجميع وجوههم شطر مكة، يروح المسلمون جميعهم يولون وجوههم إلى المحراب، إلى الكعبة، بدوائر متحدة المركز، بهذا الانجذاب الواسع للقلوب التي تهفو نحو مركزها، والوضوء يرمز إلى عودة الإنسان إلى الطهارة الأصلية، مستبعدا منه بهذا الاغتسال كل ما يمكن أن يشوب بأي كدر صورة الله، وبهذا يصبح مرآته الصادقة. # ثالثا: # الصوم، وهو إيقاف طوعي للإيقاع الحياتي اليومي، تأكيد حرية الإنسانة بالنسبة لل «أنا» ولرغباتها، وفي نفس الوقت هو التذكير بوجود من هو جائع فينا كما لو كان تذكيرا بذات أخرى يجب المساهمة في انتزاعها من البؤس والجوع والموت. # رابعا: # الزكاة ليست إحسانا أو تسولا، وإنما هي نوع من العدالة الداخلية أخذت شكل المؤسسة، وهي ملزمة بطريقة تجعل من المؤمنين ذوي إرادة فعالة، بمعنى أنهم يستطيعون أن يتغلبوا على الأنانية وعلى البخل داخل أنفسهم، والزكاة هي التذكير الدائم بأن كل غنى لله شأنه شأن كل شيء آخر، وأن الفرد لا يمكنه أن يتصرف فيه على هواه؛ إذ إن كل إنسان هو عضو في جماعة. # خامسا: # الحج لبيت الله (مكة) بيت الله الحرام الذي لا يجسد عالمية الأمة فحسب، وإنما هو يحيي في داخل كل حاج الرحلة الداخلية نحو مركز ذاته. # فالمسألة المحورية في الإسلام، في جميع مظاهره، هي هذه الحركة المزدوجة من الإنسان نحو الله، وعودة الله إلى الإنسان، انبساطا وانقباضا في قلب المسلم # قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ~~(سورة البقرة: الآية 156). # على هذه الأسس الإسلامية التوحيدية الكبرى أسس النبي (عليه الصلاة والسلام) نموذجا لم تعرفه البشرية من قبل، فهو ليس جماعة قبلية متحدة فقط بروابط الدم لدى البدو الرحل أو مقيدة ms028 بالأرض لدى الحضريين. كذلك ليست «أمة» بالمعنى الفرعي للعبادة، مرتكزة على وحدة أرض ووحدة وطن وسوق ولغة وتاريخ ، بمعنى إنها ليست معطيات جغرافية أو عرقية أو تاريخية، ولكن مجتمع مبني على تجربة مشتركة من تعاليم الله. # وقد ارتكز مجتمع المدينة سياسيا على ركيزتين أساسيتين: الركيزة الأولى أن السلطة لله وحده، وأنه هو الذي يجعل كل سيادة اجتماعية مجرد سيادة نسبية. الركيزة الثانية هي ركيزة الشورى، تلك التي تستبعد أية وساطة بين الله والناس. وهكذا يزول في وقت واحد أي استبداد مطلق يضفي القداسة على السلطة ويجعل من الحاكم أو الزعيم إلها على الأرض، وفي نفس الوقت يلغي الديمقراطية بالشكل الغربي؛ أعني (هكذا يقول جارودي) الديمقراطية بالشكل الفردي، أو الكمي، أو الإحصائي؛ ذلك أن الحرية ليست نفيا ولا عزلة، لكنها إنجاز للإرادة الإلهية. # وهنا نستطيع أن نتوقف قليلا لنناقش جارودي في هذه النقطة، على وجه التحديد، فالديمقراطية على النسق الغربي ليست فردية كما ينص جارودي، ربما هو كرجل غربي النشأة قد شبع من هذه الديمقراطية وتلك الحرية، ولكننا هنا نستطيع أن نقول لجارودي إنه لا تعارض مطلقا بين الشورى الإسلامية وبين الديمقراطية في شكلها الغربي؛ فلكي تضع مجتمعا «شوريا أو استشاريا» لا بد - في المجتمعات المكونة من ملايين الأفراد - أن تختار نخبة تستشيرها، والشعوب والمجتمعات هي التي تختار، ولهذا فالانتخاب هنا، وحقه، وضرورته، هو الطريقة الوحيدة «لاختيار» أي مجلس نيابي أو شوري، مع احترامنا الكامل لرأي جارودي الذي شبع من خلال مجتمعه الغربي اختيارات وانتخابات وحريات، بينما ظل الحكم الإسلامي فيما عدا مجتمع المدينة وحكم الخلفاء الراشدين يعج بالاستبداد وحكم الفرد. # أما فيما يتعلق بالملكية، فيقول جارودي: إنه إذا كانت كل ملكية هي ملك لله، وإن كل إنسان لا ينال منها بعمله إلا حق الانتفاع، فإن التصور القرآني والنبوي للملكية هو عكس التصور الغربي تماما (أو التصور البورجوازي)، ففي الحق الإسلامي، ليست الملكية خاصة من صفات الفرد ولا من صفات الجماعة، وإنما هي وظيفة اجتماعية مرصودة لتلبية مقتضيات الإرادة الإلهية في ms029 ال «الأمر بالمعروف». # ذلك أن المجتمع الإسلامي هدفه الأول هو التسامي بأفراده وجماعاته، والتسامي والجماعة المتسامية المسلمة هي الإسهام الذي يستطيع الإسلام اليوم أن يقدمه لخلق مستقبل له وجه إنساني في عالم جعل استبعاد السمو منه وتدمير الجماعة بالفردية وسيطرة نموذج جنوني من النمو بحيث خلق من الوضع الراهن حقيقة لا يمكن أن تعاش أو يستمر الإنسان يحياها. كان جان جاك روسو (في العقد الاجتماعي) يستند إلى تصور مجرد للفرد، ولم يكن يستطيع في النهاية تخيل الاندماج الجماعي والاجتماعي إلا من خلال أسطورة «الأفراد العامة» التي ظهرت أشكالها التاريخية الملموسة على هيئة برلمانات وأحزاب، وكان الأمر على هذا النحو بالنسبة للملكية، فلقد قاده تعريفها الفردي الروماني البورجوازي إلى نظرية «صالح عام» مزعومة، قائلة بأنه إذا اجتهد كل فرد في مصلحته الشخصية فإن الصالح العام سوف يتحقق. # وكان لا بد من انقضاء قرنين من الاضطرابات الاجتماعية التي ولدت «الليبرالية الاقتصادية، أي الرأسمالية» التي لم تتفق أبدا مع «الصالح العام»، وكذلك الليبرالية السياسية التي لم تتفق أبدا مع الإرادة العامة، فإن التجارب الموصوفة ب «الاشتراكية» (هكذا يقول جارودي) التي حلت محل الليبرالية، أسطورة حزب اشتراكي أو شيوعي عالم بكل شيء ومرسل من العناية الإلهية باسم طبقة عاملة يقال إنها رسول المستقبل، وهي طبقة لم تستشر أبدا في كيفية حكمها ولا في مستقبلها. وهكذا فلا يمكن أن تتمثل من الحزب أية إرادة عامة أو صالح عام. # يقول الرجل في كتابه وعد أو وعود الإسلام: # إننا لا نسعى مطلقا إلى اعتبار جميع منجزات المجتمع الإسلامي التاريخية مثالية، بل نعتقد أن الرغبة في استنباط تشريعات صالحة لجميع الأزمنة وجميع الشعوب من نص منزل هو ضد ما نزل به القرآن بقوله: # ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ~~(سورة يونس: الآية 47)، وبصورة أكثر دقة أيضا: # وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ... ~~(سورة إبراهيم: الآية 4). # واليوم حيث لم يتجمد الإسلام عند ماضيه، وإنما عرف كيف يحل مشكلات عصرنا بروح ms030 مجتمع المدينة، متذكرا أن البقاء على الإخلاص للتراث، وللسلف وللأجداد، لا يكون بنقل الرماد من موقدهم، وفق لتعبير جوريس، بل بنقل الشعلة، فالنهر حين يتجه إلى البحر إنما يفعل هذا وفاء لمنبعه البحر، إذا استطاع المجتمع الإسلامي أن يفعل هذا فيكون قد استطاع أن يشق لنفسه - ليس فقط من أجل المسلمين، وإنما بصوره شاملة للمجتمع الإنساني كله - آفاقا اشتراكية لا تشملها أبدا العلمانية الوضعية ولا الفردية الغربية، وإنما تخصها القيم الأساسية التي سبق لها أن بعثت في مجتمع المدينة شعلة الأمل: التسامي والمجتمع. ~~••• # هذا استعراض عام لرأي جارودي في إسلامنا الحنيف، ذلك الرأي الذي انتهى بأن يسلم ويسمي نفسه رجاء جارودي. قد نختلف معه وقد نتفق ولكننا في النهاية لا نملك إلا احترام رجل احترم عقله وفكر به، واحترم حضارته فثار على عيوبها ومثالبها، وسما بمسيحيته عن أن تكون تعددية أو وثنية في ثوب جديد، وبمثل ما جاء الإسلام يصدق على ما جاء في التوراة والإنجيل؛ فقد كان الرجل طبيعيا جدا في تطوره من المسيحية التي آمن بها إلى الإسلام الذي انتهى إليه. # أما ما فعله الإسلام بالمسلمين عامة وبالعرب خاصة فإنه شيء حقا يجل عن الوصف. # | جارودي و«وعود الإسلام» # لماذا كتبت تلك السلسلة؟ # سألني كثيرون، بتليفونات وخطابات، لماذا بالذات اخترت أن تقدم كتاب جارودي «وعود الإسلام»، وأن تتحدث عنه وعن إسلامه، وعن رؤيته للإسلام؟ # وهل حدث لي تحول في تفكيري دفعني لل «عودة» للإسلام؟ # والحقيقة أني لم أستغرب الأسئلة، فقد درجنا في الفترة الأخيرة على أن نقسم الناس قسمين: قسم مع الإسلام، وقسم مارق أو خارج أو علماني أو علمي أو ليبرالي أو يساري ... # وكأن الإسلام ضد هذا كله. # بل إنه لمما دفعني على ابتسامة رثاء، تلك الندوة الشهيرة التي عقدتها نقابة الأطباء عن الإسلام والعلمانية، وأعتقد أنه قد كان وراءها صديقي وزميل العمر الدكتور عبد الفتاح شوقي الذي زاملني من دمياط الثانوية إلى كلية الطب، وشاهدته عضوا نشيطا جدا في الإخوان المسلمين ونحن في السنوات النهائية من دراستنا. ms031 ورغم اختلاف السبل، إلا أن غاياتنا كانت دائما متفقة، حتى حين أصبح عبد الفتاح شوقي ومعه نخبة عظمى من الأطباء الكرام ذوي التوجه الديني هم تقريبا كل أعضاء مجلس إدارة النقابة. ولم يكن غريبا أن ينتخب عبد الفتاح سكرتيرا عاما للنقابة، وأيضا لم يكن غريبا أن ينشط هذا النشاط الذي بدأه بتلك الندوة. # أقول ابتسامة رثاء؛ لأننا قد وصلنا إلى وضع أصبح الإسلام فيه يوضع ندا للعلمانية أو العلمية، وكأنهما ضدان، وكأن العلم ضد الإسلام، أو كأن الإسلام ضد العلم. # وتلك المقولة ليست سوى مدخل لما حاق بالإسلام، خاصة في أيامنا الأخيرة، من سوء تأويل وتحديد وإفقار ... # منذ أصابت النكسة كثيرا من الثورات الوطنية القومية في العالم الثالث، وربما في العالم الإسلامي بشكل خاص، برزت الدعوة الإسلامية بشدة، ونودي بها كبديل عن الدعوة إلى القومية والوطنية، حتى سمعت بأذني شباب النقابيين في نقابة مهنية عليا يهتفون في مظاهره لتأييد مرشحي التوجه الديني، هتافات تقول: «لا قومية، لا وطنية، إسلامية، إسلامية.» وكأن الإسلام العظيم نقيض وضد للقومية والوطنية، وكأن الوطني أو القومي لا بد أن يكون بالضرورة نقيضا أو عدوا للإسلام. # ولم تدعنا الحضارة الغربية، وعلى رأسها الحضارة الأمريكية الإسرائيلية، في حالنا، ولكنها بذكاء شديد أدركت المحنة الفكرية التي تمر بها الشعوب العربية والإسلامية فحاولت أن تسرب هي الأخرى مفهوم «إسلامية» تحيل به الإسلام من دين ثورة وكفاح ضد الظلم، وضد الكفر الحديث (الاستعمار) إلى دين يركز على أن الإسلام دين مزاولة عبادات فقط، ودين يضع ما يحيق بنا من ظلم على عاتق الفرد المسلم باعتبار أننا مهزومون ومدحورون لأننا زغنا عن حقيقة الإسلام، وأبدا ليس لأن هناك أعداء مكروا لنا وأحسنوا وأجادوا مكرهم واستعانوا بأقصى ما وصلوا إليه من اختراعات وابتكارات تكنولوجية وعلمية ليحيقوا بنا الهزيمة من ناحية وليشجعوا مفهوما عن الإسلام يطالب بتجريدنا من تلك الأسلحة، من العلم والتقدم، من الذكاء والفكر والفن والابتكار، لنكون له غنيمة جاهلة سهلة. # ثم رأينا من خلال السنوات الأخيرة تغلغل مفهوم محدود تماما ms032 في صفوف شبابنا، وحتى قطاعات كثيرة من مهنيينا من أشاع فعلا مفهوما للإسلام يركز على زي المرأة والجلباب الباكستاني أو السعودي للرجل، وكأننا إذا فعلنا هذا هزمنا الشيطان، وانتصرنا على أنفسنا وعلى ظروفنا وعلى تخلفنا وعلى أعدائنا. # ثم تتحدث الأصوات جميعا في صيحة عليا تقول إن ما ينقص حكمنا ليكون إسلاميا شرعيا، وما يضيعنا ويشيع فينا السوقة والانحلال هو عدم تمسكنا بالشريعة الإسلامية، وإن في تطبيقها الحل الكامل لكل مشاكلنا، فإذا ناقشتهم في هذه المقولة وجدت أن الجزء الذي يركزون عليه من تطبيق الشريعة هو إقامة الحدود على السارق والزاني وشارب الخمر، وكأننا إذا قطعنا بضع أياد كما فعل نميري، وإذا رجمنا فتاة ليل، ووضعنا السم في الخمر، وحرقنا محلات الفيديو والسينمات والمسارح، انحلت جميع مشاكلنا وعاش مجتمعنا مؤمنا سعيدا ترفرف عليه آيات الحب والود والوئام. # ثم رأينا الحكم الذي يتحكم باسم الإسلام يعتبر أن المعارضة للولاة ولحكمهم هي أس البلاء، وأن الخلاص من المعارضين بالشنق وإطلاق النار هو الحل، وأن شن حرب ضروس يموت فيها الشباب بمئات الآلاف من الجانبين هو الطريق إلى الجنة. # بمعنى آخر؛ طرحت في الساحة كثرة من الدعوات الإسلامية أو على وجه أدق كثرة من الدعوات التي يزعم كل منها أنه هو وحده الإسلام وما دونه باطل وزيف. # وإذا كانت كل تلك الدعوات تشترك في شيء واحد، فهي تشترك في النظرة الأحادية الضيقة تماما للإسلام العظيم. ~~••• # وأنا أسمع وأرى وأقرأ هذا كله كانت تحضرني حقيقة لا أستطيع لها دفعا. كنت أقول لنفسي لا يمكن أن يكون هذا هو الإسلام العظيم؛ فهو أكبر وأعظم وأجل من أن يتشفى في سارق أو مخطئ، وأعظم من أن تكون أداته هي القمع والعقاب، وأشمل من أن تكون رسالته هي فقط تطبيق الحدود، وأوسع بكثير جدا من أن يضيقوه إلى هذه الدرجة التي تحيله إلى دين متعصبين لا يرون أو يسمعون إلا رأيهم وحدهم، وإلا كان كتابا كتب في حينه؛ ليرد على قضايا كانت مطروحة في حينها، وكأنه قرآن ليس ms033 صالحا أبدا - أستغفر الله - للتطبيق في كل زمان ومكان. # وتصادف - وأنا في هذه الحيرة - أن وقع في يدي هذا الكتاب لجارودي، ورحت على مهل أتأمل كيف تسرب الإيمان بالإسلام الشامل إلى قلب وعقل ذلك المفكر الغربي الذي بدأ كاثوليكيا متطرفا إلى أن أسلم، ولم يسلم فقط، ولكنه برؤيته للإسلام يقدم لنا إسلاما وكأننا نراه لأول مرة، في كل أبعاده وبكل أبعاده إسلام التحضر والوحدة والسمو، الإسلام العام المدرك الشامل. # وأعجبتني تلك الرؤيا تماما حتى آليت على نفسي أن أنقل معظمها للقراء. # أقول معظمها، لأنني لست مع جارودي في كل ما ذهب إليه، وبالذات عن الحكم الإسلامي، فجارودي قد كتب هذا الكتاب وغيره بعد أن كفر تماما بالغرب المسيحي وحضارته التي يقول عنها إنها حضارة خطيرة مدمرة. كفر حتى بالديمقراطية الغربية باعتبارها طريقة خادعة لتمثيل إرادة الجماعة البشرية. # وقد يكون لجارودي عذره في الكفر بالحضارة الغربية بعد أن شبعت تقدما وترفا، ولكن رأيي أن جارودي تعسف الحكم، وتعسف حتى في كفره، فالحضارة الغربية التي يقول عنها هو نفسه إنها أخذت جذورها من المسيحية واليهودية والرومانية والإفريقية، وإنه آن الأوان لتضيف لجذورها، هذه الحضارة؛ ليست سوءا كلها، فما فيها من تقدم علمي هو تراث بشري عام لا يخص حضارة بعينها، بناه الجنس البشري كله كما يذكر في كتابه، وأن يكفر هو بها أمر مقبول، أما أن يدعونا معه للكفر بها فدعوى تحمل في طياتها دعوة خطيرة لتخلفنا العلمي والفكري. # وليس هذا هو فقط ما آخذه على جارودي، ولكني آخذ أيضا حديثه عن الإسلام، فهو يتحدث عن الإسلام ككتلة أو بمعنى أدق كدوجما كما يقولون في الغرب. والإسلام ليس كتلة وليس دوجما، إنه أولا وأساسا رسالة محمدية سماوية عظمى، تحققت بالدولة الإسلامية في مراحلها الأولى فقط، وانتكست في مراحل كثيرة من سيرها طوال أربعة عشر قرنا، ولا شيء أسوأ من تطبيق دعوة منتكسة متخلفة أو كما زعم نميري ويزعم غيره؛ إذ على خريطة الساحة التي تزعم أنها تطبق الحكم الإسلامي اليوم لا أكاد ms034 أجد نظيرا للإسلام في نقائه الأول، ولا يزال الشوط طويلا للوصول إلى مجتمع إسلامي متحضر حديث. # الغرب ليست دوجما والإسلام أيضا ليس دوجما، وواجب المسلمين اليوم هو أن يفرزوا الحضارة الغربية ليختاروا منها ما هو ضروري لوجودهم في عالم اليوم، ويمحصوا تاريخ الحكم والوجود الإسلامي ليتفادوا كل نكساته ويستخلصوا كل عبره. # ولكن ما أعجبني حقا في كتاب جارودي هو تلك «الرؤية» للإسلام وفلسفته وامتداداتها إلى كل كبيرة وصغيرة من شئون الحياة وطقوس العبادات. انظر إليه مثلا وهو يقول: لقد فقد الإنسان الغربي كل وحدة في علاقاته بالطبيعة والمجتمع والله، انفصل عن الطبيعة التي اعتقد أنه سيدها ومالكها، حيث اعتبرها انطلاقا من هذا الاعتقاد أنها ملكه باعتبارها مخزنا للمواد الأولية ومستودعا للخامات؛ ولهذا راح يعاملها بلا خجل ولا احتشام بواسطة تكنولوجيات منحته القدرة على تدمير الأرض وأولئك الذين يسكنونها، لم يعد للطبيعة في حد ذاتها «مغزى» بالنسبة إليه. ~~ ولم تساعد المسيحية الكاثوليكية الإنسان، بخوفها الأول من الطبيعة، ثم بعد هذا حين اشتملت على الثنائية اليونانية، وتراجعت عن مفهومها الأول تراجعات متتالية منذ عصر النهضة أمام علمية تدعي الإجابة على جميع مشاكل الحياة، تراجعات منحتها من الاحتفاظ بهذا البعد الكوني للإنسان. # لقد حكم على الإنسان في مجتمعاتنا الغربية بفردية متفاقمة أدت به إلى الوحدة والانعزال عن الآخرين، وباتساع منافسات اقتصاد «السوق» والوحشية سحقت المعدمين بواسطة خربي الذمة وتكنولوجيات استثمارات أحط الرغبات التي تجد لنفسها متنفسا في الدعاية والتسويق. هذا النظام يولد بالضرورة العنف، ولا سيما لدى الشباب المحروم من الأشياء التي يلقنونه الرغبة في امتلاكها وفي نفس الوقت لا يجد في يده القدرة على امتلاكها. # هكذا نرى أن كتاب جارودي هذا ليس سوى قصيدة سباب وثورة على المجتمع الغربي الذي ينتمي إليه. حتى حقوق الإنسان لم تسلم من ثورته؛ إذ يقول جارودي: # إن إعلان حقوق الإنسان والمواطن يؤكد على أن «حريتي تقف حيث تبدأ حرية الآخرين»؛ فحرية الإنسان الآخر إذن حد فاصل وليست شرطا لحريتي الخاصة. إن الحرية على هذا النحو حالة ms035 خاصة من «الملكية»، «مسجلة» و«مطوية» ومحفوظة، ولا بد لمثل هذه الفردية في تملك الحرية من أن تعده لحرب الجميع ضد الجميع، إلى أن تأتي اللحظة التي تتحول فيها بحكم منطقها الخاص إلى عكسها تماما، أي إلى الشمولية حيث يبرز دور فرد تتجسد فيه مجموعة منتصرة ويصير رمزا لها ويحول كل الآخرين إلى خدم للدولة أو للحزب أو للطبقة. إن مجتمعاتنا الغربية (وتلك المجتمعات التي نشأت على منوالها في العالم الثالث) لا تنفك تتذبذب منذ أربعة قرون بين فردانية الغاب وشمولية النمل. # في حين أن الإسلام، إذ يرفض الثنائيات والثلاثيات والتعدد في السياسة والعقيدة، يربط بصورة لا انفصام فيها بين المجتمع ككل وبين التسامي، ويبشر بكل ما هو إلهي، أو على وجه أصح بنمط من الحكم والسلوك يجعل كل سلطة وكل ملكية وكل معرفة مسألة نسبية بالقياس إلى القاعدة الأساسية التي تتجاوزها وتسمو عليها. فالإنسان يعيش في عالم يملك القدرة ليس على تغييره فقط وإنما أيضا على التسامي به. ~~••• # أعود فأقول لقد حاولت أن أقدم كتاب جارودي؛ لأنه أعجبني، بل الحق أنه بهرني في كثير من أجزائه وجزئياته، مع أن وصول جارودي إليها لم يكن سهلا، فوصول مفكر غربي عبر بكل التجارب الغربية في الفلسفة والاعتقاد إلى الاعتراف بديننا الإسلامي الحنيف وسموه ليس أمرا سهلا، وأصعب منه في رأيي أن يصل مسلم اليوم وسط هذه الغابة الهائلة من الدعاوى المحدودة الأفق لفهم الإسلام، إلى حقيقة الإسلام نفسه. وربما حينذاك نكون في حاجة إلى رؤية محايدة وشاهد من أهلهم؛ لندرك حقيقة رسالتنا. وليس هذا عيبنا على أية حال إنما هو عيب من يستخرجون من بطون الكتب الصفراء أقوالا لا تقنع إنسان هذا العصر، ولا تتلاءم مع طريقة تفكيره وأحاسيسه؛ إذ بهذه الطريقة يتصور أنه لكي يكون مسلما جيدا عليه أن يكون - أو بالأصح - متخلفا جيدا. أما أن يكون مسلما متقدما واعيا مدركا متعلما مثقفا مبتكرا خلاقا، فتلك جريمة كبرى في نظر أصحاب الكتب الصفراء. # ولكي تدركوا وجهة نظري، خذوا مثلا رأي هذا ms036 الفيلسوف في «الملكية» في الإسلام. # يقول: جاء في القرآن الكريم: # لله ما في السموات وما في الأرض ~~(سورة البقرة: الآية 284). # ومن هذا يتضح انطلاقا من مجتمع المدينة الذي أسسه النبي # صلى الله عليه وسلم # أن التصور للملكية يقودنا إلى نقيض للتصور الغربي الروماني الأصل للملكية. ففي الحق الروماني تعتبر الملكية هي «حق الاستعمال والإسراف وأحيانا حتى حق سوء الاستعمال». وهذا المبدأ الرئيسي يشكل الأساس في قانون نابليون وكل النظام الاقتصادي الرأسمالي. إنه يهب المالك حقا «إلهيا» حقيقيا؛ فهو يستطيع أن يدمر - دون أن يعاقب - ما يملكه، حتى ولو كان بتصرفه هذا يحرم المجتمع من ثروات لا غنى عنها لحياته. # والتصور الإسلامي يعارض بشدة هذا النظام، فالملكية في الإسلام، نسبية بنسبتها إلى السمو والرجوع إلى الله، وهي أبدا ليست حقا من حقوق الفرد أو الدولة وإنما هي وظيفة اجتماعية، وعلى المالك أيا كان؛ فردا أو جماعة أو حتى دولة، تقديم حساب عن ملكيته؛ فهو المدير المسئول عنها. # والسرقة في الإسلام ليست في أن يأخذ المرء ما هو بحاجة إليه، بل ما لا يكون في حاجة إليه. ~~ والقرآن الكريم لا ينفك يظهر الكراهية، بل يلعن الذي يكنز الأموال؛ كقوله تعالى: # ويل لكل همزة لمزة * الذي جمع مالا وعدده * يحسب أن ماله أخلده ~~... وقوله: # وأما من بخل واستغنى ~~... وقوله: # وجمع فأوعى ~~... وقوله: # وتحبون المال حبا جما ~~. # إلا أن الإسلام يعترف أيضا بحق الملكية الشخصية المكتسبة بالعمل أو بالإرث أو بالهبة، ولكن العمل يلعب دورا رئيسيا في الملكية. وثمة حديث نبوي يقول: «مالك الأرض هو من وضع فيها عمله.» وفي كتابه «دراسة في الاقتصاد السياسي» يقول «شارل جيد»: إن التشريع الإسلامي لا يقر ملكية فردية للأرض إلا لمن يكدح فيها. ورغم هذا فإن مبدأ المتصوفين الإسلاميين الأساسي أنهم لا يملكون شيئا ولا شيء يملكهم ... ذلك الذي ذكره أبو الحسن الندوي. ~~••• # وإذا اعتبرنا كتاب جارودي هذا ثورة مفكر غربي على مجتمعه الغربي، ومحاولة لي عنقه ليرى إسلامنا على حقيقته، فما أشد حاجتنا نحن إلى مفكر ms037 إسلامي جديد وحديث، يثور لنا وباسمنا على كافة تلك المسميات التي ملأت الساحة باسم الإسلام، ويقدم لنا رؤية يقبلها عقل الإنسان منا وقلبه دون أن يجبر نفسه على التخلف فكريا وحضاريا ونفسيا ليقبلها! # أجل، لقد بدأ الإسلام غريبا، وأصبح اليوم في عالمنا الإسلامي الشاسع المترامي أكثر غربة بتلك الدعاوى الشديدة الضيق التي يحاول كل منها أن يمسك بخناق الإسلام الحنيف ويبتره ويجتزئه ويحصره داخل نطاق ضيق شديد الضيق، ويفرض على الجميع، بالميكروفونات أحيانا، وبالهراوات والكرابيج في أحيان أخرى، وبالمشانق والرصاص - يا للهول - باسم أعظم دعوة يتلقاها البشر، وكان مفروضا أن ينزلها الدعاة والداعون على قلوبهم بردا وسلاما. # يا إلهي، ارحمنا من بعض دعاة الإسلام، أما أعداء الإسلام فنحن كفيلون بهم. # | إسلام نعم ... ولكن! # اشتد قيظ القاهرة منذرا بعيد فطر حار، ملتهب الحرارة، قررت قضاء العيد في الإسكندرية، بلغت الحرارة درجة أننا قطعنا المسافة في السيارة بالطريق الصحراوي في خمس ساعات بدلا من ساعتين ونصف أو ثلاث، كانت جوانب الطريق حافلة بالسيارات المعطلة التي تبخر ماؤها أو فرقعت عجلاتها، والناس في زحف مزدحم رهيب تجاه الشواطئ لالتقاط نسمة بحر أو فيضة ريح. # كانت شقتنا في الإسكندرية في حالة يرثى لها بعد عام كامل لم نزرها فيه. وقضينا ليلة عيد مغبرة معفرة بتراب عمره عام. ولن أستطيع أن أحدثكم عن الجهود المضنية للعثور على من ينظفون الشقة أو يصلحون ما أفسده الشتاء من المواسير والحنفيات، فأنا أريد الدخول في الموضوع مباشرة، والموضوع كان هو الشاب السباك الذي عثرنا عليه أخيرا لإصلاح ما تلف، كان شابا هادئا ليست عليه سيماء «الأسطوات» القدامى، كان «أسطى» بلديا، انهمك في العمل فورا. ولاحظت أنه ما إن يبدأ حركة من حركات العمل إلا ويسمي ويتبرك. # ولم أكن في حاجة إلى ذكاء كثير لأدرك أنه إما من الجماعات الإسلامية التي تحفل بها مدينة الإسكندرية بالذات، وإما من الإخوان المسلمين. وفيما أنا محتار في أمره وجدته فجأة يسألني: يا أستاذ يوسف، ماذا كنت تقصد بكتابك «فقر الفكر وفكر الفقر»؟ ms038 والحقيقة أنه أخذني على غرة؛ فلم أكن أعتقد أنه قد عرفني من أول وهلة، وحتى لو كان - شكرا للتليفزيون - قد عرف شكلي فلم أكن أعتقد أن صنايعيا مثله قد سمع عن كتابي «فقر الفكر وفكر الفقر»! ربما قد عرف بعض قراء الرأي العام بالضجة التي حدثت حول الكتاب حين نشر صحفي من صحفيي الجماعات الإسلامية خبرا في جريدة الأخبار حول جملة وصف بها فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي باعتباره أنه يلجأ إلى المبالغة والتمثيل في أدائه لدروس وعظه، وأنه ينوم مستمعيه ومشاهديه بطريقة راسبوتينية. # وقامت الدنيا ولم تقعد! # وأنا لي عادة لم أستطع أن أغيرها أبدا. # فأنا لا أقدر على مراجعة «بروفات» كتبي قبل الطبع؛ ولهذا أشترط على الناشر أن يكون هو المسئول عن مراجعة الكتاب على الأصل المصحح سلفا. # وعدت إلى الكتاب فوجدت هذه العبارات مذكورة فعلا ومنسوبة إلى الشيخ متولي الشعراوي، وحين عدت إلى أصول المقالة المذكورة، والكتاب كان مجموعة مقالات نشرت بالأهرام كلها، لم أجد فيها تلك العبارات؛ إذن هو خطأ أو عبث مطبعي لا حيلة لي فيه، والكتاب قد أصبح في السوق وبين أيدي القراء. # ونشرت اعتذارا عن هذا الخطأ المطبعي؛ إذ إن الكاتب مسئول عن كل كلمة في كتابه حتى لو كان الخطأ في إيرادها ليس خطأه. # وحاول نفر كثير من المهيجين باسم الدين النفخ في النار وإثارة الرأي العام في مصر وكل بلاد المسلمين ضدي، وكانت مشكلة كبرى. # هذه الأخطاء والفلتات المطبعية خطأ كبير ما في ذلك شك، فحتى لو كان لي بعض الانتقادات الشخصية على الطريقة التي يؤدي بها الشيخ متولي الشعراوي دروسه فإن احترامي الكبير للرجل ومراعاتي لشعور مريديه كانا بالقطع يمنعانني من ذكر كلمة نقد واحدة لشخصه. فالمقال في الحقيقة وإن كان موجها إليه، إلا أنه كان يرد «فكريا» على فضيلة الشيخ، وكان الرد مؤدبا تماما، ومشبعا بروح الاحترام والتبجيل رغم أنه كان ردا على فضيلة الشيخ لاتهامنا أنا والأستاذين الكبيرين توفيق الحكيم وزكي نجيب محمود بالكفر والإضلال والتضليل. هكذا ببساطة ms039 شديدة أدخلنا فضيلة الشيخ جهنم الكبرى وأحل سفك دمائنا، والسبب؟! السبب كما رأى فضيلته هو أننا ندعو لإعمال الفكر للارتقاء بالأمة الإسلامية، والتسليم بأن الله سبحانه وتعالى منحنا تلك العقول الباهرة لنستخدمها في تعليم أنفسنا وتحصيل أكبر قدر من العلوم والمعارف غربية وشرقية وجنوبية وشمالية، واستخدام حصيلة هذا كله في خلق «تفكير» إسلامي نشط، يعيد العقل الإسلامي لمكانته ونقف به نتحدى الغزو الغربي الثقافي والتكنولوجي والعسكري والاقتصادي والسياسي. وكان كل ما ذكرته حول طريقة فضيلة الشيخ متولي الشعراوي في إعادة شرح القرآن الكريم من وجهة نظره أنه يشرحه كعالم لغة يركز على الجمل والتقديمات والتأخيرات والإعجاز البلاغي في القرآن الكريم. وهذا في حد ذاته شيء جميل ورائع، ولكن أن يقتصر إعجاز القرآن وعظمة الإسلام على معجزة اللغة القرآنية ليس هو كل الإسلام، كما أراه ونراه ويراه صاحب كل رأي وبصيرة، فالإسلام رسالة سماوية شاملة، هبط بها الوحي على نبينا # صلى الله عليه وسلم # لينشر به «دعوة» إسلامية كبرى تنقذ العرب والبشرية جمعاء من أوضاع وثنية مزرية، وتحارب الكفار، وتنشئ إنسانا مسلما صالحا عطوفا رصينا صادقا شجاعا نبيلا، بارا بالناس، داعيا إلى الحكمة، مرتقيا بجيرانه وعشيرته، خادما لمصالحهم، راعيا لشئونهم، ومضحيا في سبيلهم، ومسئولا عنهم. وقبل هذا كله، إنسانا مؤمنا بإله واحد أحد، لا شريك له، الخلاق العظيم الرحمن الرحيم. # إذن كان المقال إيرادا لوجهة نظري ووجهة نظر كثيرين في أن الإسلام الحنيف ليس دين طقوس، وإن كانت الطقوس هي مكوناته الخارجية، إنما رسالته الحقيقية رسالة روحية عظمى هدفها بعث المسلم بعثا جديدا والانتقال بالجماعة الإسلامية من الجاهلية إلى عصور النور والإيمان والعلم والتحضر. # ولكن تربص بعض المتطرفين ممن يعتنقون التطرف في الدعوة الإسلامية عن مرض وليس صحة أبدا، بحيث بهذا التطرف يخلعون عن الإسلام كل مكوناته العظمى، ويركزون جهودهم على كيف يرتدي المسلم ثيابه، وكيف أن كل شيء في المرأة خطيئة، حتى ليبشروا بأن ترتدي النقاب من قمة الرأس إلى أخمص القدم، بل حتى وراء فتحات العيون ترتدي نظارة سوداء، ms040 حتى لو كانت طبية، وقفازات سوداء أيضا. وكأن الإسلام جاء ليئد المرأة في ثيابها حية بعدما كانوا يئدونها في الجاهلية ميتة، فهذا انحراف خطير في الدعوة الإسلامية، ليس انحرافا فقط، بل إني لأعتبره خيانة لديننا الحنيف. فإذا لخصنا الإسلام في تلك الشكليات، ودعونا إلى نبذ العلم وإعمال العقل والعودة إلى الحياة كما كانت عند نزول القرآن، فتلك دعوة لكي ينتصر علينا أعداؤنا ويسحقونا سحقا، ما دمنا قد نزعنا عن أنفسنا كل أسلحة العصر، واستسلمنا للبدائية والسطحية بينما هم ماضون في تقدمهم وانتصاراتهم بالتالي علينا، عسكريا وعلميا وثقافيا وحتى تحضرا. # مع أن الغرب قد أخذ كل علومه عن عرب إسبانيا المسلمين، والمسلمون هم الذين ترجموا كل التراث اللاتيني والإغريقي العالمي، وعنهم أخذت أوروبا هذا التراث، حتى كتاب الشعر لأفلاطون كانوا أول من ترجموه ودرسوه، بل إنهم - هؤلاء المسلمين - هم أول من اخترع علم الجبر وطور علم حساب المثلثات وأنشأ علوم الفلك، وانطلقت قوافل بناته تغزو كل أرجاء المعمورة من الصين شرقا إلى أقصى الغرب في شبه جزيرة إيبيريا (إسبانيا والبرتغال الآن) غربا. # وأيضا ليس هذا هو الموضوع. # فالموضوع أكبر بكثير وأخطر بكثير من هذا. # فالعالم العربي والإسلامي كله أصبحت مشكلته الأهم هي هذه المشكلة. # الإسلام. # تصوروا! مشكلتنا كمسلمين أصبحت هي إسلامنا وكيف يكون، وكأننا نلغي أربعة عشر قرنا من هبوط الرسالة إلى يومنا هذا، ونبدأ إسلامنا من جديد. # وهكذا جاء كتابي «فقر الفكر وفكر الفقر» ردا على هذه الدعاوى الارتدادية السلفية، المطالبة بإلغاء العقل والفكر والعودة إلى البداوة الأولى باعتبار أن هذا هو ما يريده الإسلام، وما أراده الله سبحانه وتعالى في تنزيل رسالته على نبينا الكريم. ~~••• # أعود إلى الفتى (السباك) والنقاش الذي دار بيني وبينه. ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي يدور فيها هذا النقاش، فالحقيقة أنني حتى وأنا أعتمر منذ حوالي الشهرين وأطوف بالكعبة وأزور قبر الرسول، كنت ما أكاد ألتقي بأحد المصريين العاملين في السعودية حتى يبادر بسؤالي: هل صحيح أنك قلت عن الشيخ الشعراوي إنه راسبوتين؟ ms041 # وهكذا تحولت القضية الأساسية إلى مشكلة فرعية لا أساس لها ولا معنى، فأنا كنت أحاول في تلك السلسلة من المقالات أن أذود عن العقل المسلم العدوان الغاشم الذي يبشر به بعض المتطرفين من إلغاء لذلك العقل. # ولكن يبدو أننا في فترة غريبة على حياة المسلمين. # وليست تلك أول مرة ينتكس فيها الإسلام والمسلمون. # فحين تشرذمت الجذوات الإسلامية في العصور الوسيطة، وتفرقت إلى جذوات إخشيدية وأيوبية وفاطمية ومملوكية، هجم الغرب علينا على هيئة حروب صليبية ضارية كان الهدف منها إخضاع المسلمين الشرقيين للكنيسة البابوية في روما، وإبادة هذا الدين الحنيف. ولكن هذه الهجمة الشرسة استنفرت في المسلمين العرب كل ما استطاعوا تجميعه من قوة، وتشابكت الجذوات في نار عنيفة أحرقت خطط ريكاردوس قلب الأسد وفيليب وكل الصليبيين، وارتدوا مدحورين على أعقابهم، وبقيت القدس بلدا عربيا مكفولة فيه الحرية لكل الأديان والعبادات. # أما هذه المرة، وبعد أن تحرر العرب والمسلمون من الاستعمار القديم جاءتنا الهجمة الشرسة الجديدة، رأس رمحها إسرائيل وترسانتها الضارية أمريكا، بكل التوحش والهمجية وبأحدث ما وصلت إليه آلات الدمار. # وفي الخمسينيات والستينيات جمعنا أنفسنا، وإلى حد ما صمدنا، وفي السبعينيات كدنا ننتصر في حرب 73 لولا أن العدو استعمل كل ذكائه، وجند له أعوانا من بيننا، وأوقعوا الفرقة بين الشيعة والسنة، بين الفلسطينيين واللبنانيين، وسحبوا سورية إلى البقاع لتنغرز في وحل معركة تتأجج لها حرب الطوائف في لبنان. # باختصار - قوميا - مزقونا تمزيقا. # واقتصاديا: ذبحونا ذبحا بتروليا؛ لكي ننزف اقتصاديا إلى حد الزحف على البطون. # وكل هذا كان ممكنا أن نجد له حلولا، وأن نفيق من هول الصدمات الضارية المتعاقبة. # وأن نعود نعي وننتبه ونلتئم. # ولكن السلاح الذري الذي استعملوه ضدنا، السلاح المبيد، كانوا يدخرونه طول الوقت للقضاء علينا نهائيا. # وتشاء المضحكات أن يكون هذا السلاح هو نفسه أقوى أسلحتنا، أو كان مفروضا أن يكون أقوى أسلحتنا في مواجهة هؤلاء الصليبيين الجدد. # الإسلام الحنيف. # أجل، اخترقوا إسلامنا الحنيف، اختراقا ذكيا مبتكرا. # واخترقوه بعدة وسائل. # أولها الطائفية الإسلامية. # وقد استعملوها في ms042 إيقاد نيران الحرب بين الحكم الشيعي «المسلم» في إيران والحكم السني «المسلم» في العراق، ودارت - ولا تزال تدور - حرب طاحنة مهولة، أفجع حرب قامت بين طائفتين أو دولتين إسلاميتين في كل تاريخنا بقديمه وحديثه. # وحين نجحت التجربة نجاحا منقطع النظير، إلى الحد الذي تتعاون فيه إسرائيل تسليحيا مع إيران ضد العراق، مع أن إيران تذكر أنها إنما تحارب لتحرر القدس عن طريق اكتساح العراق «الكافرة». # حين نجحوا ذلك النجاح المنقطع النظير في العراق، وجربوا الطريقة في لبنان فتمزقت لبنان إربا إربا. وبربكم هذه الحرب الدائرة بين أمل الشيعية المسلمة وبين الفلسطينيين اللاجئين المسلمين، ما معناها؟ هل أمر بها أي دين، بله دين الإسلام الحنيف، مهما كانت طوائفه وطرقه ومدارسه ومذاهبه؟ هل أمر بها أي كتاب أو إمام؟ إذن لا يبقى إلا معنى واحد لقيامها؛ هو تسلل العدو إلى الصفوف الإسلامية وإثارة الطائفة ضد الأخرى. وقد ثبت في كتب كاتب إسرائيلي منشق أن إسرائيل كانت تغذي المارونيين بالأسلحة، ثم تعود إذا قوي المارونيون، فتغذي الشيعة أو الدروز، المهم أن يظل القتال قائما ومشتعلا، وأيضا بلا سبب، ليزداد تقتيل المسلمين بعضهم لبعض، ويتولون هم بأنفسهم القضاء على أنفسهم. ولكن الطائفية لم تكن السلاح الوحيد لضرب المسلمين باسم الإسلام. # هنا في مصر أكبر تجمع سكني إسلامي وعربي في الشرق، بدأت موجة حادة لافحة من التعصب والتطرف الإسلامي الذي يدعو لمحاربة حتى أقباط مصر ووصفهم بأنهم كفرة. # وإذا عرفنا أن هذا التيار بدأ في عصر وبتشجيع من السادات، وذلك يخدم موضوعيا الأعداء الذين وضعوا هدفهم فصل مصر عن عالمها العربي أولا، ثم الإجهاز عليها من الداخل أيضا، وبنفس السلاح؛ إسلامنا الحنيف. # من هنا بدأنا نلحظ في مصر وكأنه نوع من إسلام جديد ينشأ، إسلام لم نعرفه أو نعهده من قبل؛ حملة ضارية من الدعاة تستولي على عقول الشباب وتجرهم وراءها إلى فهم هو أضيق أنواع الفهم للرسالة المحمدية الكبرى، حتى تنشأ في مصر، الفتنة الجهنمية: فإما أن تتحول إلى إيران أخرى تحارب جاراتها العربيات ms043 المسلمات، وإما أن تتحول إلى لبنان أخرى يتناحر فيها المسلمون والأقباط في حرب أهلية ضروس. # تلك هي الخطة الموضوعة لمصر، قهرها بإسلام مستورد لا علاقة بينه وبين ما درج عليه المسلمون في مصر من عبادات ومذاهب. فقد اختارت مصر الإسلامية المذهب الشافعي - أكثر المذاهب اعتدالا بين المذاهب الأربعة وأكثرها وسطية - باعتباره يناسب طبيعة المسلم المصري وحقيقته، ولكن هذا الإسلام «المستورد» الجديد قائم على التعصب الكامل ضد المسيحيين من ناحية، ومن ناحية أخرى ضد كل ما له علاقة بالعمل أو المنطق أو العلم أو التقدم. # واستشرى هذا النوع المتطرف استشراء النار في الهشيم في بلد حدث فيه فراغ فكري وعقائدي هائل أثناء عصر السادات، بتحريم كل تعليمات ودعوات الإخوان المسلمين الذين أعتقد بل وأطالب بأن يكون لهم رأيهم وتنظيماتهم وجرائدهم العلنية، فلقد عاشرتهم حرا في الحركة الوطنية قبل الثورة وسجينا معهم في أوائل حكم عبد الناصر عقب حادث المنشية، وأشهد أنهم كانوا من أكثر من رأيت في حياتي إيمانا وصدقا مع النفس ومع الدين، كانوا ولا يزالون فعلا إخوانا مسلمين. # أما تلك التنظيمات الإرهابية التي أوجدها وشجعها السادات، والآن استشرت إلى درجة أخذت تطعن فيها حتى في صدق إسلامية الإخوان المسلمين؛ فهي الشيء المحقون داخل المجتمع المصري، والتي لم تكتف بتجنيد الشباب وعمل غسيل مخ أو تضييق مخ لهم، وإنما أصبح لهم الآن مؤسسات اقتصادية وبنوك وشركات، هدفها الاستيلاء على الحكم بالثورة، وبالقوة الغاشمة إخضاع كافة المصريين لمفهوماتها، ولو سرى الدم أنهارا وأنهارا. # كان «السباك» فعلا مثالا للشباب المسلم. # فلقد ناقشته لبضع ساعات من نهار ثاني أيام العيد، فلاحظت حرصه الشديد في العمل وأمانته التامة في المحاسبة وشراء الأدوات، وأدبه الجم في التعامل مع زملائه ومعنا، حبذا لو أصبح كل الشبان المصريين على شاكلته. # حتى لو حكمني هذا الشاب فقد اطمأننت إلى الحديث والحوار مع كثير من أمثاله أن حكمهم سيكون عادلا، لا تطرف فيه ولا تكفير، ولا إهدار دماء ولا إذكاء حقد. # وما دام الأمر قد وصل إلى هذا الحد. ms044 # وما دامت الحرب قائمة على قدم وساق بين دولتين إسلاميتين، وبين عدة طوائف إسلامية متناحرة، وكأن بينها وبين بعضها حقدا وكرها عمره مئات السنين. # وما دامت عملية الحقن مستمرة بهدف خلق تنظيمات إسلامية متعصبة في مصر تقضي على كل أخضر ويابس فيها. # وما دامت هذه كلها أمورا لا يمكن أن تحلها كلها دولة إسلامية وحدها، أو حتى عدة دول، فما بالك بكاتب أو مثقف أو بضع كتاب. # ما دام هذا كله حادثا، فإني أطالب بعقد مؤتمر فكري إسلامي حر حتى لو انعقد المؤتمر في بلد أوروبي أو مسيحي، يناقش كل هذه المفهومات للإسلام، ولتطبيق الشريعة، وكل تلك الخلافات والتقاتل بين الطوائف الإسلامية. # فهذا هو أبسط ما يمليه علينا أي عقل أو تعقل؛ # إذ لو جمعنا مؤتمر كهذا لانكشف فيه الموسوسون، # وظهرت على السطح كل أنواع الانحرافات والتعصبات؛ # حينذاك فقط نستطيع أن نضع أيدينا على الداء، وأن نجد له الدواء، # فالمستحيل هو أن نترك الأمور تجري في أعنتها وننام مستريحين إلى أن كل شيء سيصير إلى ما يرام. # فكل شيء يصير من سيئ إلى أسوأ، # ولا خلاف يحل نفسه بنفسه، # ولن يحل القتال والتذبيح أي خلاف. # رحمتك اللهم بمسلميك. # فنحن ظمأى إلى تطبيق شريعتك وقوانينك بنفس الروح التي أمليت على نبيك صلوات الله عليه وسلامه، وليس أبدا كما هو حادث الآن، بتحويل دينك الحنيف إلى دين تقتيل وعراك، وتعصب أعمى لا يرى الشمس في عز النهار. # حتى لو كانت الشمس ملء الكون تتلظى الأرض بنورها ونارها، مثل شمس ذلك اليوم الثاني من أيام عيد الفطر المبارك، أعاده الله علينا ونحن قد أبنا إلى سلام، ليس إلى سلام بيننا وبين أعدائنا المتوحشين معاذ الله، ولكن يا إلهي، سلام بيننا وبين أنفسنا. إنك سميع مجيب الدعوات يا رب العالمين. # | هل الإسلام ضد القومية؟ # أعتذر للقراء أني مضطر - استكمالا للموضوع - أن أضمن هذا الكتاب، وفي هذا المكان بالذات، ذلك الموضوع؛ موضوع استعمال الإسلام ضد القومية العربية، في حين أن هذا الموضوع كان قد نشر ms045 في كتاب «انطباعات مستفزة» الذي صدر عن هذه السلسلة. والاعتذار هنا بسبب تكرار النشر، ولكن ما يغفر لي أن المقال مهم جدا أن تتضمنه هذه السلسلة من المقالات حتى يتكامل الموضوع. # لي نظرية خاصة أعتقد أن كثيرين غيري يشاركونني إياها؛ نظرية خاصة بتلك الظاهرة التي أصبحت الهم الشاغل لرجال الدين عندنا، وللوعاظ وللعلماء، ومنهم تسربت إلى جماهير الشعب العربي. # ظاهرة الخوف المفاجئ على الإسلام من أهله ومن المسلمين، والدعوة الحارة الزاعقة للعودة إلى الإسلام الصحيح، وإلى ما كان عليه المسلمون حكاما ورعية في الصدر الأول للإسلام. ~~ وكأنما ما عندنا مسلمون، وكأننا كفرنا من زمن، وكأنما الحل الوحيد والأوحد لكل مشاكلنا النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية هي في التطبيق الفوري للشريعة الإسلامية أو بالأصح لقانون الجنايات الإسلامي وإخفاء المرأة داخل البيوت باعتبارها جهازا شيطانيا لإغواء الرجل وفتنته وإلهائه عن دينه ودنياه. # أقول ظاهرة الخوف المفاجئ؛ لأننا في مصر مثلا، وأعتقد أن الأمر كان ولا يزال كذلك في كل البلاد العربية والإسلامية، كنا مسلمين ولا نزال مسلمين، ولا يزال الفلاح المصري الأمي يعرف ربه حق المعرفة، ويؤدي الصلاة في مواعيدها، ولا يفوته فرض ولا سنة، ولا يفطر لأي سبب - حتى لو كان مريضا - يوما واحدا في رمضان، وإذا توفرت له بعض النقود كان يحج أو يعتمر. وكان كثيرون يفضلون الحج بطريق البر وتناسي متاعب السفر؛ ليزداد الثواب. جدي شخصيا ذهب إلى الحج من بلدتنا في الشرقية سائرا على قدميه ليحج. كنا مسلمين بالفطرة والسليقة والطبيعة السمحاء الدمثة، نعيش في بحبوحة من الإحساس القديم بالرغبة في إرضاء المولى وطلب مغفرته - إن اقترفنا خطايا - وتجنب عصيانه. # إلى أن بدأت أثناء الاحتلال البريطاني لمصر دعوة الإخوان المسلمين، والتي تولى الشيخ حسن البنا مهمة التبشير بها، وطاف ريف مصر قرية قرية في مساجدها، وسمعته بنفسي وأنا طفل في مسجد عائلتنا يدعو لإنشاء فرع لجماعة الإخوان المسلمين. # والحقيقة أن دعوته لاقت كثيرا من النجاح، وبالذات عند الشباب، باعتبارها أنها دعوة إلى مزيد من الاغتراف من بحر الإسلام السمح ms046 العريق؛ إمعانا في التطهر والتبتل والتقرب من الله سبحانه. وهكذا أصبحت من رواد ندوات ومحاضرات الإخوان المسلمين ، ليس في قريتنا فقط، وإنما في كل المدن المصرية التي تنقلت إليها أثناء دراستي الثانوية، مثلما رحت أيضا أحضر ندوات مصر الفتاة والحزب الوطني والوفد. كنا جيلا يبحث ليس فقط عن مزيد من الإسلام والتمسك به، وإنما أيضا عن طريق للخلاص من الاحتلال الجاثم على صدورنا، والقصر الذي أصبح يحكم حكما شبه دكتاتوري، متجاهلا كل رغبات ومطالب الشعب الأساسية. وكان طبيعيا أن يشارك الإخوان المسلمون كتجمع شبابي رجالي ونسائي إسلامي ضخم في الحركة الوطنية. وحين أصبحنا في الجامعة، كنا جميعا نعمل معا إخوانا مسلمين ووفديين ويساريين ووطنيين عاديين، في تنسيق تام وبلا معارك، ولكن ازدهار حركة الإخوان المسلمين والروابط القوية التي كانت قائمة بين أعضائها جعلت لهم من جبهة الكفاح الوطني القدح المعلى والأقوى. # وحين قامت ثورة يوليو، وبدأ الشعب يعارض حكم الجيش، عارض الإخوان أيضا، ولكن خوف جمال عبد الناصر من اشتداد بأسهم، ناهيك عن إدراكه أنهم أصبحوا يكونون - تحت الأرض - جناحا عسكريا قتاليا، دفعه للتصدي لهم وتصفيتهم، على النطاق الذي نعرفه جميعا، تصفية بوليسية، أسوأ أنواع التصفيات؛ إذ لم يقابلها حوار فكري واسع، ومناقشة يقوم بها العلماء والمثقفون. وهكذا قضى جمال عبد الناصر على الفئة المعتدلة من قادة وقاعدة الإخوان المسلمين، وبقي يضمر العقيدة ذلك النفر العنيد منهم، والذي دفعه في النهاية إلى عملية اعتقالات واسعة أخرى وإعدام ستة من قادة الإخوان. # وأيضا لم يقض هذا على الحركة، وإنما تفرق الإخوان الذين هربوا ملتجئين إلى الدول العربية وإلى غيرها من الدول، منظمين لا يزالون أو أشباه منظمين، ينتظرون الفرصة وقد سقتهم التجربة الجديدة فأحالتهم صلبا، وفي الداخل كانت حركة إسلامية راديكالية جديدة تنشأ، تربت على أيدي الجيل الذي استقى التجربة من الجيل الأسبق داخل السجون. # وبمجيء السادات إلى الحكم، ووقوفه من الناصريين واليساريين ذلك الموقف؛ تمهيدا للالتحاق بالركب الأميركي، رأى أن سنده الوحيد لن يكون سوى هؤلاء «المسلمين» من الخارج والداخل. ms047 ~~ وتولى هو مع عثمان أحد عثمان، مستشاره، أن «اليمين» هو الذي سيقف بالضرورة معهم ضد الإلحاد والشيوعية والناصرية. وفي هذا الجو الخافي فرخت التنظيمات السرية، وازدهرت على أسس جديدة تماما؛ فهي لم تعد جماعة سياسية كما كانت جماعة الإخوان المسلمين، وإنما أصبحت تنظيما استشاريا راديكاليا، وبدأت تظهر أنيابه ومخالبه باغتيال الشيخ الذهبي على تلك الصورة الرهيبة؛ تلك الصورة التي لم تزعج السادات كثيرا، وظن أنه لا يزال يستطيع أن يلعب لعبة استقطاب المسلمين في جانب والأقباط في جانب آخر؛ ليسهل حكم الاثنين. وواكب هذا تحول أجهزة الإعلام المصرية إلى الدعوة الإسلامية المبهمة؛ المحطة المتصلة لإذاعة القرآن الكريم والأحاديث الدينية، إطلاق باع الدعاة في الإذاعة والتليفزيون ونور على نور؛ لإحلال نوع من الدعاية الإسلامية لصنع غطاء يستطيع السادات أن يصطلح به مع اليهود ويسلم مصر - ومن ثم العرب - لأمريكا؛ وبالتالي لإسرائيل. # هذا ما كان من أمر السرد التاريخي للنعرة المفاجئة التي خرجت إلى الناس، وبالذات بعد مظاهرات 77، أو انتفاضة «الحرامية» كما سماها السادات، تطالب بالحكم الشرعي الإسلامي. ~~ وجاءت ثورة الخميني؛ لتثبت للمطالبين أنه بالإمكان فعلا وعمليا قيام حكومة إسلامية يتولاها المشايخ والوعاظ وأمراء الجماعات الإسلامية السرية. # ولكن لأن له جانبا آخر يتصل بأعدائنا؛ ذلك الجانب الذي أشرنا إليه في الأسبوعيات الماضية؛ ذلك الجانب الذي يتعلق بقضية القومية العربية وفكرة الوحدة العربية والعروبة، ففكرة القومية العربية التي استوحاها جمال عبد الناصر من الأفكار البعثية، والتي تجسدت فيه زعيما لها وقائدا ومبشرا، هذه الفكرة كانت تزعج الاستعمار الجديد الذي حل بالمنطقة العربية بعد غروب الاستعمار القديم، أو بالتحديد الاستعمار الأميركي والإسرائيلي. كانت تزعجه إزعاجا هائلا وعظيما؛ فهي تارة قائمة على الوحدة الكاملة للأرض العربية والمحافظة عليها، في نفس الوقت الذي كان تلهب فيه عواطف الجماهير العربية المتعطشة للتكتل والاندماج. ~~ وليس أخطر على المصالح الاستعمارية في المنطقة من شعب عربي مترامي الأطراف، يبحث عن عقيدته ووحدته، ويطالب بأرضه كاملة وباستحقاقاته كاملة، ويملك زمام أمره ونفسه وبتروله وثروته. # ولست أدري أية عبقرية استعمارية اكتشفت أنه ms048 لا يكفي محاربة فكرة القومية العربية بحرب الجيوش التقليدية والمواجهات العسكرية، ولكن بعد وفاة الرئيس عبد الناصر ، وغياب قائد القومية، بدأت لدى المحافل الاستعمارية تنبت فكرة إحلال «الفكرة الإسلامية»، محل «القومية العربية» خاصة وتجربة أمريكا مع بلاد مثل باكستان أثبتت أن التعامل مع الفكرة الإسلامية في إطار باكستاني أو على شكل باكستاني أو سوداني أو غيرهما يسهل لها معركتها تماما مع العرب والمسلمين؛ فالإسلام الأميركي يصبح الانتماء فيه للعقيدة وليس للأرض والمطالب الدنيوية والعلمية والتكنولوجية؛ إسلام تصبح مشكلة المسلم فيه هي أنه هو المخطئ، وهو المقصر في حق ربه وشريعته، وأن عمله الأوحد والوحيد هو أن «يعود» مسلما، نقيا، طاهرا. وبهذا وحده تحل كل مشاكله الدنيوية والأخروية بالضرورة. وقد يستنكر الكثيرون هذا النوع من الافتراض أو التحليل، ولكن الوقائع التاريخية الثابتة تؤكد أن الأمريكان لم يقفوا أبدا ضد قيام حكم إسلامي إيراني، بل إن إسرائيل نفسها وجدت في قيام دولة إسلامية أدعى لحجتها في قيام دولة يهودية؛ وذلك تطبيقا لخطة بعيدة المدى تؤدي إلى تغيير الخريطة السياسية للعالم العربي والإسلامي والشرق الأوسط، وبدلا من الحكومات الوطنية أو القومية تقوم دول إسلامية، سنية أو شيعية، أو درزية أو علوية، أو مارونية أو قبطية، على النمط اليهودي الإسرائيلي الذي ستصبح فيه إسرائيل بالتبعية أهم وأذكى وأخطر تلك الدول الطائفية والنحلية. # من أجل هذا، ودون أن تكون تحت يدي أية مستندات، لو وجدت لهذه المسألة مستندات أصلا، شجعت أمريكا وبالتالي إسرائيل فكرة هذه الغزوة الإسلامية، أو البعث الإسلامي؛ لتتجنب بها فكرة القومية العربية؛ الخطر الحقيقي عليها. # ولكن الأمور لم تمض كما تشتهي أمريكا وإسرائيل؛ فجموع المنضمين إلى الحركات الإسلامية، السرية أو العلنية، هم من الشباب العربي الذي يبحث عن هوية، ووجد في الإسلام الجزء الأكبر من هويته، وكان محتما أن يستكمل تلك الهوية بالوصول إلى هويته القومية والوطنية. هم إذن شبان وطنيون، مثلما كنا في الخمسينيات والستينيات، ودخلوا معسكر الحركات الإسلامية ذلك الدخول البريء الطاهر النقي، الذي يقطر تضحية ورغبة عارمة في الرفعة ms049 للأمة الإسلامية ولإعلاء راية الدين الحنيف. وكانت النتيجة المحتمة أن أولئك الذين حاولوا اللعب بالنار، ووضع الإسلام ضد القومية، أو على الأقل بديلا عنها، فوجئوا بما لم يكن في حسبانهم أبدا؛ فصحيح أن النعرة الإسلامية أدت إلى انقسام المعسكر الإسلامي إلى شيعة وسنة، وإلى حرب بين العراق وإيران؛ حرب خطط لها تماما في مكاتب مكيفة الهواء، وبعيدا جدا عن طهران وبغداد، وصحيح أن هناك احتكاكا مجرم الشكل والمضمون والمحتوى، هدفه إهدار دم المسلمين الفلسطينيين على أيدي مسلمي الشيعة اللبنانيين، وصحيح أن كل الدلائل تشير إلى أن الخطة في إحلال الإسلام محل القومية قد سارت بنجاح فاق كل تصور، ولكني ... أعتقد أنه نجاح مؤقت تماما، وأن الدم المسلم الأحمر السائل سوف يفيق على لونه وغزارته أولئك السائرون في المؤامرة دون أن يدروا - أو لعل بعضهم يدري ويتجاهل - ويدركوا إلى أي كارثة محققة هم سائرون. # لا خلاف ولا تناقض أبدا بين الإسلام والوطنية والقومية، العكس هو الصحيح؛ فالإسلام مسلمون، والمسلمون أرض وثروة وعرض، والأعداء هم الأعداء، سواء كانوا أعداء ونحن قوميون، أو ونحن تنظيمات إسلامية. # كل ما في الأمر أنه على مفكري العالم الإسلامي ودعاة القومية، أن يدركوا وأن يعوا أبعاد الخطر والخطة؛ أن ينتبهوا إلى أين هم مساقون كالشياه إلى حتفها، وهم لا يعلمون أن علينا جميعا، قيادات إسلامية وقومية، وفكرية وثقافية وكتابية، أن نطلق الصيحات تلو الصيحات محذرين من المؤامرة، وأن ندع الاشتباك فيما بيننا إلى أن تنتهي معركتنا مع عدونا، وأن نصفي انتماءاتنا وخلافاتنا بعد أن نحسم المعركة مع أعدائنا كلنا. # فذلك هو العمل الوحيد العاقل الذي على مفكري وقادة هذه الأمة أن يفعلوه، ولا حجة في التردد أمامه، والتعصب القومي ضد الإسلامي، أو الإسلامي ضد القومي. إن هذا هو بالضبط ما يريده الأداء. # وعلينا، أن نفسد بالوعي والإدراك ما يريدون. # | أوجه الصدام بين الإسلام والقومية العربية # إسلامية أم عربية؟ # غريب هذا الأمر، طوال الفترة الماضية وأنا أكتب في موضوع واحد، هو وضعنا العربي الراهن، لماذا صار إلى ما ms050 نحن عليه، وما هي الأسباب الخفية الكامنة وراءه، وما هو العلاج. # ولقد انتهيت - كما لا بد يذكر القارئ - إلى أن ما يحدث لنا ليس صدفة أبدا، ولكن بناء على خطة محكمة وتدبير، موجهين ضدنا - كلنا - وأنه تم بناء على استغلال أعدائنا، أو بالأحرى أمريكا وإسرائيل، لطبيعة النظم العربية التي انتهيت إلى أنها كلها نظم قبلية حتى لو كانت ماركسية، وأن العقلية القبلية التعصبية هي المسيطرة الآن داخل علاقاتنا العربية، وهي التي يغذيها ويحركها الأعداء وينفخون في نيرانها. # ولقد أسعدني حقا ألا أكون وحدي المعني بالموضوع، والمهتم بهذا الأمر، وعلى هذا النحو. ~~ ولست أعرف إذا كان الأستاذ طارق البشري قد قرأ ما كتبته أم لا، ولكني فوجئت في عدد من مجلة الشعب التي تصدر في القاهرة بمقال له، عنوانه: الموقف من غير المسلمين والعلمانية. # وليسمح لي الأستاذ الكبير طارق البشري، وليسمح لي القراء أن أنقل لهم مقتطفات من هذا المقال الهام؛ ليدركوا إلى أي مدى نحن لسنا متفقين فقط، ولكن لأنها الحقيقة الموضوعية الواضحة لكل ذي عينين؛ فأنا بعيد تماما عن الأستاذ طارق البشري، ولم يحدث بيني وبينه - للأسف - لقاء، ولا تناقشنا أبدا حول هذا الموضوع، ولكن انظروا ماذا يقول وقارنوه بما سبق وكتبته. # هو يبدأ بفكرة الصراع بين القومية أو العروبة على وجه الدقة وبين الإسلامية، فيقول: إن الظرف التاريخي قد ألجأ مسلمي الهند إلى نفي القومية نفيا مطلقا؛ مما كان مثار نقد مفكرين إسلاميين كبار مثل مالك بن نبي، والظرف التاريخي أيضا أدى بكثير من دعاة العروبة في الشام إلى نفي الجامع الإسلامي (يقصد البان إسلاميز أو الإسلامية) نفيا مطلقا؛ مما أثار نقدا من مفكرين قوميين، نظروا إلى الإسلام بحسبانه من المقومات الحضارية والعقائدية الأساسية للمنتمين إليه. ونحن في ظروفنا التاريخية الراهنة، ما أحوجنا أن ننظر إلى صنعة هؤلاء وهؤلاء «شواما وهنودا» في إطار النسبية التاريخية! ~~(يجدر بي أن أذكر القارئ هنا أني كتبت مقالات كثيرة حول استعمال العروبة ضد الإسلام والإسلام ضد العروبة، بل والعروبة ضد العروبة والإسلام ms051 ضد الإسلام.) # ويستطرد الأستاذ طارق البشري ليقول: من الممكن أن نعير التجارب الأخرى ما تستحق من اهتمام ، حيث انسجم الهدف التوحيدي في كل من الدعوتين العربية والإسلامية، وجرت الفوارق بينهما في حدود الخلاف بين العموم والخصوص؛ ولهذا أقام هذا النظر قدرا من الترابط والحيوية بين بعضهما البعض. # يمكن أن نضرب مثلا مما حدث في صدر الإسلام بالنسبة للجامع السياسي؛ لقد قضى الإسلام على العصبية الجاهلية، وأقام رابطة الانتماء العقيدي للإسلام؛ فأقام دولته على هذه الرابطة. # ولكن، كيف جرى ذلك؟ لقد جرى على حساب القبيلة كوحدة سياسية وحيدة تجمع أهلها وتمتنع عن دونهم، ولكنه لم يجر بطريق ضرب الجماعة القبلية وهدمها هدما تاما، بل إنه أبقى على العنصر الجمعي فيها من حيث هو علاقة نسب وقرابة تضم المئات، ثم نزع عنصر الامتناع الذي أسمي «العصبية الجاهلية»، واستطاع بهذا أن يرتب العوامل الجمعية ترتيبا غير متناف، بل يغذي بعضه بعضا، ويقيم بينهما ترابطا وتدرجا من الخصوص إلى العموم حتى يصل إلى الجماعة الإسلامية الكبرى. ووجدنا - مثلا - فسطاط مصر تنشئ «خططا»؛ أي «أحياء سكنية»، لجند كل قبيلة خطة، يبقون فيها متجاورين غير شائعين في غيرهم من جند القبائل الأخرى، ولكنهم جميعا يحيون، يجمعهم جهاد واحد في سبيل نشر دعوة التوحيد. # هذا أسلوب ومنهج في التفكير وفي العمل، أرجو أن يكون فيه ما يفيد (يقصد يغير حاضرنا العربي والإسلامي)، وهو ذاته الذي تقوم عليه العلاقة بين عدد من الكيانات الجمعية في مجتمعنا المعاصر، من الوحدات الاجتماعية الدنيا كالأسرة والعائلة والحي، إلى الوحدات الأكبر كالعشيرة حيث توجد والمهنة وغيرها، إلى الوحدات شبه السياسية كالدويلات والولايات في إطار علاقاتها بالدولة الأم، إلى الوحدات الأوسع كالمنظمات الدولية والإقليمية وغيرها. وللدولة علاقة بكل ذلك. # أفلا نستطيع إيجاد صيغة لهذه العلاقة، وأن نتبين عناصر التنافر بينهما لنعمل على إزالتها؟ # ويرد الاتفاق بين الحركتين من الاحتواء الإسلامي للعروبة من حيث الأغلبية السكانية الغالبة، ومن حيث الهيمنة الحضارية والفكرية والتاريخية؛ هيمنة دامت حتى القرن التاسع عشر، فلا تكاد تميز بين ما ms052 يعتبر فكرا وحضارة إسلامية، وبين ما يعتبر منها «عربيا» إلا من حيث عموم الأولى وخصوص الثانية. # أما وجوه الاختلاف بين الجامعتين فتتمثل أكثر ما تتمثل في الإطار العام للدائرة التي ترسمها كل منهما؛ إذ الجامعة الأولى تدور مع العقيدة، وتشمل العرب وغيرهم، وإذا كان العرب من أكثر الجنسيات الإسلامية، فهم لا يمثلون أكثر من سدس المسلمين. والجامعة الثانية تدور في الأساس مع اللسان العربي، وتضم المسلمين وغير المسلمين. فالدائرتان لا تتطابقان ولا تستوعب إحداهما الأخرى استيعابا كاملا، وهذا يثير الجدل حول أوضاع المسلمين من العرب وغير العرب من المسلمين، وفقا لأي من الجامعتين المعنيتين، وهو أمر يقتضي جهدا توفيقيا في جانبين أساسيين: # أولهما: الإطار التنظيمي الذي يحدد العلاقات المتبادلة بين الجامعتين: «دولة واحدة، ولايات متحدة، اتحاد دولي، جامعة دول، جامعة شعوب ... إلخ.» # وليس ثمة موقف نظري أو عقدي يحول دون اتخاذ الشكل المناسب لأوضاع الجماعات وأي ظرف تاريخي محدد، أو يحول دون إدخال التعديلات المناسبة مع تغيير الأوضاع التاريخية. والمهم في ذلك أن ينظر ذوو التوجه الإسلامي إلى العروبة بوصفها واحدا من مكونات انتمائهم الأشمل، ويحسبون أن التوحيد العربي يجري في اتجاه متفق مع تحقيق انتمائهم الأشمل، وأن ينظر العرب «القوميون» إلى الجامع الإسلامي بحسبانه جامع نضال تحريري وتضامن يجري بين شعوب ذات تكوين عقدي واحد، ويتضمن ذاتية تحريرية ونزعة للنهوض. وإذا كان العرب الوطنيون لا يعارضون ما يسمى بالتضامن الإفريقي الآسيوي، رغم الاختلاف الشاسع في الموارد الحضارية التي تضم هؤلاء جميعا، فما أحرى العرب أن يحرصوا على ما يقوم من وشائج بينهم وبين سائر المسلمين، من حيث التاريخ والتكوين الحضاري! وما أحراهم من بعد أن ينظروا إلى العالم الإسلامي من وجهة النظر المكافحة للاستعمار والقمع الدولي! وهو عالم يتكون جميعه الآن ممن يسميهم مالك بن نبي منبوذي القرن العشرين. # وثاني الجانبين متعلق بمبدأ المواطنة؛ أي إمكانية إيجاد صيغة للمساواة التامة بين المسلمين وغير المسلمين من أبناء الوطن الواحد، وذلك في إطار الجامعة الإسلامية، وإمكان إيجاد صيغة بين العرب وغير ms053 العرب من مواطني العالم العربي كالأكراد والبربر والزنوج وغيرهم. ~~ وأتصور أن كلتا الجامعتين يمكن أن تقوم بدور التغذية المتبادلة في هذا الشأن. إن الإنجاز التاريخي للحركة القومية «سواء كانت الحركة العربية أو حتى الحركة الوحدية الإقليمية في العشرينيات» كان في أنها وثقت الرباط بين المسلمين وغير المسلمين من أبناء أوطاننا، وأوقفت احتمالات المداخلة من الدول الكبرى والقوى الطامحة بين أبناء الوطن الواحد. تلك إنجازات خطيرة يتعين أن نحفظها لصالح العرب والمسلمين، ولصالح تحريرهم ونهوضهم جميعا. ~~••• # إلى هنا وأنا مع الأستاذ الكبير طارق البشري في كل ما قاله، ففعلا لن نكون مسلمين صالحين إلا إذا كنا أولا عربا صالحين، وعشائر صالحة، وأسرا صالحة، ونقطن أوطانا صالحة. ~~ هنا لا تعارض بين الأغلبية وبين عالمية الإسلام ولا بين القومية والإسلامية. # وهذا رد قوي مفحم على الجماعات الإسلامية التي تنادي بإلغاء نظرة العروبة والقومية وإحلال الإسلامية محلها؛ مثلما حدث وسمعت شباب المهندسين في نقابة المهندسين ذوي التيار الإسلامي يهتفون: «لا قومية، لا وطنية، إسلامية، إسلامية.» # إنك لا تستطيع أن تبني الطابق الثاني من البيت قبل أن يرتكز على الطابق الأول، ولا تستطيع أن تبني الطابق الأول إلا وهو مرتكز على أرض ووطن وانتماء؛ فالمسلم ليس كائنا مطلقا يحيا في عالم مطلق، المسلم كائن من أب معين وأم معينة وأسرة معينة وبلد معين ووطن معين؛ فالخصوصية فكرة تجعل للعمومية الإسلامية قدرة وقيمة ومهمة، فالله سبحانه أورثنا الأرض لنزرعها ونعمرها ونحياها ونمتلكها، وأن نتنازل عن هذا كله لكي نكون مسلمين قلبا وقالبا إنما هو عصيان واضح لما خلق الله سبحانه الإنسان وأمره به. # النقطة الثانية التي أعجبتني تماما في كلمة الأستاذ طارق البشري هي قوله: إنه ما دام التوجه واحدا، أي محاربة الاستعمار والأعداء؛ فسوف تنتفي التناقضات بين الإسلامية والعروبة، وتحل الوحدة والاتحاد والوئام بين الدائرتين. أما أن يكون الهدف من الإسلامية هو محاربة المسلمين لشيع غيرهم من المسلمين وكف المسلم على ذاته يؤنبها وكأنه هو المذنب وليس عدوه؛ أما إقامة الدين على الشعائر الظاهرة فقط ms054 وترك جوهره الكفاحي العظيم، فذلك إسلام آخر؛ هو أمر محسوب علينا ليفت من عضدنا، ويفرقنا شيعا، ويهزمنا ويسحقنا. ~~••• # أما الشيء الذي لست أبدا مع الأستاذ طارق البشري فيه، فهو حين يقول في نهاية كلمته: # بقيت الإشارة إلى وجود التنافي بين الجامعتين، وأهم هذه الوجوه في ظني هو الوضع «العلماني» الذي قامت عليه «عروبة الشام» و«مصرية 1919م». ويبدو لي أن محك الصدام بين الإسلام والقومية هو في هذا الجانب العلماني. والقومية قريبة من الإسلام ما ابتعدت عن العلمانية، بعيدة عنه ما اقتربت منها. فلا تجتمع علمانية وإسلام إلا بطريق التلفيق وصرف أي منهما على غير حقيقة معناه. وإن الدعوة الإسلامية تقوم أول ما تقوم على مبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية واعتبارها الإطار المرجعي ومصدر الشرعية والحاكمية في المجتمع، وهذا وجه التنافي للعلمانية معها. وإذا كانت العلمانية هي مجال التنافي الأساسي فلا أرى وجها لاعتبارها لصيقة بالحركة القومية، أو بحركة الوحدة التي تقوم على أساس العروبة. وإن التصاق العلمانية بالتصنيف القومي في التاريخ الأوروبي لا يجعلها كذلك عند نقلها إلى أي سياق تاريخي وحضاري مختلف، وليس من المقنع أن نفترض تلازما غير منفك بين جامع سياسي يقوم على اللغة والتاريخ وبين نمط للحكم يفصل نظام الأرض عن حكم السماء. كما أنه ليس من المقنع أن نفترض تلازما غير منفك بين التنظيمات الديمقراطية وبين نظرية سيادة الأمة التي تقرر وضعية القوانين وعلمانية النظم. ونحن نزعم أن من الممكن أن نستخلص النموذج التنظيمي سواء النموذج القومي في تصنيف الجماعات أو النموذج الديمقراطي في رسم شكل الحكم. نستخلص من ذلك النظريات الأوروبية، وأن نستوعبها في إطار نظرية أخرى وقيم حضارية وسياق تاريخي مخالف، متى كان ذلك ممكنا، وهو في تقديري ممكن. ~~••• # لا يا سيدي. # إني معك تماما أن الإسلام دين ودنيا، وأن الحكم بما جاء به الإسلام هو القاعدة التي لا محيص عنها، ولكن خلافي معك هو هنا في تعريفك للعلمانية، فالعلمانية كلمة أوروبية مترجمة هي الضد للثيوقراطية أو حكم الكنيسة؛ فالثيوقراطية ليست حكم السماء ولكنها ms055 حكم رجال الكنيسة وباباواتها؛ وكذلك العلمانية، بعض الناس يستعملونها هنا لفصل الدين عن الدولة، وأنت قد افترضت إمكان ذلك ضمنا، ولكن الكارثة الكبرى أنها تستعمل عندنا في مصر على الأقل، بل ربما على مستوى العالم العربي والإسلامي كله، على أنها نبذ العلم من ناحية، ونبذ الطرق الديمقراطية الحديثة التي يختار بها الحاكم، من انتخابات واستفتاءات وترشيحات، واتخاذ نظام البيعة الإسلامية وسيلة لإيجاد الحاكم المسلم. أما نبذ العلم ففي رأيي أنه المؤامرة الكبرى على العقل العربي، فالدولة الإسلامية في عنفوانها وقوتها قامت على الأخذ بأسباب الدرس والعلم والتجريب والطب والهندسة والجبر والفلك والجغرافيا والتاريخ. ولقد تلقنت أوروبا هذا كله ومعه ما ترجمه العرب عن علوم الإغريق وجعلته قاعدة تنطلق منها إلى حيث نهضتها الحديثة، وما دمنا نريد لأمتنا الإسلامية التي تعلمت عنها أن تنهض من كبوتها وأن تقهر أعداءها، وأعداؤها مسلحون بالعلم والمعرفة، فلا بد لنا أن نجعل العلم والتعليم ومعرفة التكنولوجيا الحديثة هدفا أصيلا من أهداف تلك الدولة سواء أكان جامعة عربية أصغر أم جامعة إسلامية أكبر. # أما أن نعود إلى نظام البيعة واختيار «أمير المؤمنين» بأن يجتمع شعب كالشعب المصري مثلا في صحراء مصر الجديدة و«يبايع» هذا أو ذاك أميرا للمؤمنين، فهو أمر لم يعد يصلح للعصر الحديث، فنحن في مصر مثلا 52 مليونا من البشر، بينهم على الأقل ثلاثون مليون ناخب، فكيف ينتخبون، أو على أي أساس يمكن أن يرشح أمير المؤمنين، وكيف يتم انتخابه وكأننا في اجتماع السقيفة الذي كان بالكاد يضم طائفتين من طوائف أهل المدينة؟! # إن السر المستتر وراء هذه الدعوة إلى تطبيق الشريعة، في الحكم، هو أن يتولى رجال الدين أمر الحكم، كما تولى من قبلهم في أوروبا رجال الكنيسة أمر الحكم. ولعلك تعرف جيدا البشاعات التي ارتكبها حكم الكنيسة في أوروبا في القرون الوسطى، وأمامنا الآن مثل واضح وصريح؛ الحكم «الإسلامي» الخوميني القائم في إيران، هل يملك أحد محاسبتك على إهلاك أرواح المسلمين باسم الإسلام وباسم محاربة الكفرة. # إنها دعوة مكشوفة لاجتثاث الحكومات ms056 المدنية الحديثة، وركوب الدعاة كراسي الحكم، وتطبيق الحدود بحق أو بغير حق. وهذا وحده كفيل بأن يفكك أي جامعة إسلامية أو عربية أو حتى قومية ضيقة. # إننا محتاجون من هذه الجامعة الإسلامية الكبرى التي نتحدث عنها والجامعة العربية الصغرى إلى تنظيم أسس علمية، مستفيدين بما حققته أوروبا من بضاعتنا التي أخذتها منا، وإلى اختيار حكامنا أيضا على أسس ديمقراطية؛ إذ هي وحدها الكفيلة بإيجاد ليس فقط الحاكم الواحد الصالح ولكن المجالس الشورية والنيابية والوزراء والقضاة الصالحين. # إن القضية أكبر بكثير من أن تكون صراعا بين العلمانية والحكم الإسلامي، فلا تناقض في رأيي بينهما مطلقا، إن الحكم الإسلامي الذي لا يعترف بالعلم وبالديمقراطية وبالحرية («اطلبوا العلم ولو في الصين»، «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أماتهم أحرارا»، «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى» ...) إنه لا يعلن له برنامج مفصل نرى فيه كيف سيحكم ومن الذي سيحكم وبأي القوانين «غير قطع اليد وإقامة الحد» سيحكم! # كل ما في الأمر أنهم يريدون «هؤلاء الدعاة والمدعية» الاستيلاء على الحكم، وبعدها يفعل الله سبحانه ما يشاء. # والحديث الشريف الذي يقول اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، ترجمته الواضحة هي التفكير والتخطيط للمستقبل، ودراسة ما نحن مقبلون عليه، وهل هو شر كله، أم خير كله، أم من المستحب مناقشته مناقشة جادة وخطيرة، والوصول به إلى أقصى ما يستطيع عقلنا البشري المسلم من حلول لمشاكل حاضرنا ومستقبلنا. # | لا تلطموا الخدود! # كنا مجموعة من الكتاب والمثقفين في جلسة شبه خاصة مع أحد كبار الحكام العرب، وفوجئنا بالرجل يقول بعد مقدمات التحايا والترحيب وبوادر طرق الموضوعات، فوجئنا به يقول: الحقيقة إن السياسة العربية وصلت إلى طريق مسدود، ولم يعد للسياسيين دور ملموس يستطيعون أن يلعبوه، ولم يعد لنا ثمة أمل إلا بأن يقوم المثقفون والكتاب العرب، هم وليس غيرهم، بدورهم في توحيد كلمة العرب، وإعادة النبض إلى الجسد العربي الذي كاد يتوقف عن النبض. # والحقيقة أن كلامه كان مفاجأة، لكنه لم يكن مفاجأة كاملة، فالحقيقة الواضحة التي ترى لكل ذي ms057 عينين، وحتى للذي بلا عينين، أن لم يعد دور واضح للسياسة العربية على خريطة السياسة العالمية؛ فهم على خريطة العالم موزعون بين الدولتين العظميين، وهم على خريطتهم الخاصة تكاد كل دولة تسلك سياستها الخاصة بها دون أي تنسيق أو تعاون بينها وبين أية دولة أخرى. وإذا كان في الشرق العربي قد تكون مجلس التعاون الخليجي، وهو بالفعل في المجال الاقتصادي والثقافي والصحي واضح الدور، وإن كان قد تكون ما يشبه التعاون بين دول المغرب العربي، رغم الخلافات الرهيبة بين ليبيا وتونس والجزائر والمغرب حول البوليزاريو والمغرب وموريتانيا، وإذا كان عزل مصر لم يضعف قوة التأثير العربية الجماعية فقط، وإنما - وهذا هو الأدهى - قد كون ما يشبه الحائط العازل بين الشرق والغرب العربيين. # وإذا كان هذا كله قد حدث، فماذا يكون قد تبقى من القوة أو الفاعلية العربية، بل حتى داخل الدولة الواحدة، كما في لبنان واليمن الجنوبي والسودان، كما في داخل منظمة التحرير الفلسطينية يوجد هذا التمزق والتشرذم والانقسام الذي يمنع قوة القرار الواحد والإرادة الواحدة. # للرجل حق، كل الحق، في قوله إن السياسة العربية، بما فيها وعلى رأسها الجامعة العربية، قد أصبحت غير ذات فاعلية، تكاد تكون تامة. # أما الجزء المضحك الآخر من الحديث، فهو الذي يتعلق بأن يقوم المثقفون العرب بقيادة الأمة العربية سياسيا بتوحيد كلمتها، ورأب الصدع بين أطرافها المتنازعة؛ فإنه لشيء جميل جدا أن يحدث وأن يكون، ولكن المثقفين العرب، على مستوى الوطن العربي، وحتى داخل بلادهم يكاد نفوذهم وقدرتهم تنحصر في كتابة مقالة تذهب مع الريح في الغالب، أو تقديم نصيحة لا يأخذ بها أحد، أو يتقوقع داخل ذاته ويكتب قصة أو رواية يضمنها همومه، وكأن القراء والمشاهدين سيتلقفون تلك القصة أو الرواية أو القصيدة، وتصبح بالنسبة إليهم راية يلتف حولها الشعب العربي، وتجبر حكوماته على العمل بموجبها. # ذلك هو الجانب المضحك في الموضوع؛ فالمثقفون في كل مكان من العالم لهم كلمتهم المسموعة والمدوية والمغيرة لكثير من أمور حياة ذلك البلد أو ذاك. أذكر أني ms058 كنت في إنجلترا مرة، وشاهدت لقاء تليفزيونيا مع الكاتب الروسي المنشق سولجنتسين، وفوجئت في اليوم التالي بنائب حزب العمال البريطاني يستقيل من منصبه في الحزب متأثرا بأقوال سولجنتسين. ~~ أما نحن هنا فإذا جئنا بالمتنبي وشكسبير معا وفرضناهما فرضا على مشاهدي التليفزيون ومستمعي الإذاعة وقارئي الجرائد، وكتبا ما شاءت لهما قرائحهما أن يكتبا، ونقدا الأوضاع العربية المتردية ما شاء لهما من نقد، فإني لا أعتقد أن هذا الجهد كله سينتج عنه أن يستقيل سياسي عربي واحد أو حتى موظف إداري من موظفي أي حزب أو دولة ... لذلك أسباب كثيرة جدا، أهمها في رأيي أن هناك في عالمنا العربي انفصالا أو انفصاما كاملا بين الفعل والقول، فبينما في الغرب القول نوع فعال جدا من الفعل، وليس أبدا بديلا عن فعل، القول عندنا هنا لا علاقة له بالفعل، بل يكاد يكون القول شيئا والفعل شيئا آخر؛ والثقافة عندنا بالتالي لا يوجد لها أي أثر سياسي أو اجتماعي، فما سمعنا عن ثورة قامت إثر كتابة رواية أو قصيدة مثلما فعلت قصة «كوخ العم توم» التي أشعلت ثورة الزنوج في أمريكا. وينضم محمود درويش أو أدونيس أو البياتي أو نزار قباني من أعمق أعماقه، ويكتب ما شاء من هوامش على دفاتر النكسة، أو استشارة للحمية والحماسة، ولا حياة لمن ينادون؛ فنحن نأخذ الشعر على أنه فن القول الجميل، والكتابة على أنها حرفة صناعة القصة أو المسرحية الجيدة، نهتز طربا للبيت إذا أحببنا البيت، وإذا انتهى الشاعر من قراءة قصيدته ذهب كل إلى حاله وكأنه لم يسمع شيئا. ~~••• # هذا عن وضع المثقفين كمبدعين، أما وضعهم كتنظيمات واتحادات فهو أكثر إثارة للضحك بكثير، فمؤتمرات الأدب العربي مهازل من النوع الثقيل الدم، ترسل كل حكومة عربية وفدا يمثلها، ولا يفعل هذا الوفد إلا أن يردد كالمنوم مغناطيسيا مونولوج حكومته أو نظامه، ثم تكتب التوصيات التي هي هي نفسها منذ حضرت أول مؤتمر للأدباء العرب عام 1956م، وينفض الجمع وكان الله يحب المحسنين. فكيف بمجموعة هذه حالها، وبأفراد مثقفين ms059 تلك هي قدرتهم وفاعليتهم، أن يقوموا نيابة عن السياسيين بتوحيد العالم العربي وجمع شمل كلمته؟! # بالطبع هذا شيء يبدو كالمستحيل، والمستحيل الآخر أن تستطيع الحكومات العربية بوضعها الحالي أن تفعل شيئا هي الأخرى؛ فهي في الحقيقة لم تعد فاعلا وإن أصبحت مفعولا بها، والفاعل ليس مجهولا؛ الفاعل هو الغرب الأوروبي الإسرائيلي الأميركي، والهدف واضح وصريح؛ هو القضاء نهائيا على فكرة القومية العربية واجتثاثها من جذورها، وليس فقط على الشعب الفلسطيني أو العراقي. # ذلك أن أخطر فكرة أو دعوة تفتقت في العالم العربي بعد الحرب، فكرة القومية العربية التي أصبح عبد الناصر رمزا لها وتجسيدا لرسالتها؛ وهي أن تقوم أمة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج، تتكامل سياسيا وعسكريا واقتصاديا وثقافيا، وتصبح الدولة الكبرى الثالثة في العالم. لم تكن أول مرة في التاريخ تنشأ هذه الفكرة؛ فمنذ أيام الحروب الصليبية وقيادة صلاح الدين التاريخية، ومنذ أيام محمد علي ومحاولته التي كادت أن تنجح، والغرب يضمر لما يسميه الشرق - ولما أصبح اسمه الحديث الأمة العربية - العداء الشديد؛ ذلك أنه يعلم تمام العلم أن أمة بهذا الحكم، وفي هذا الموقع، وبما تملك من ثروات طبيعية وبشرية، ومن طموحات؛ كفيلة بإنهاء نفوذه تماما في تلك المنطقة، ليس هذا فقط، بل هي كفيلة أيضا بالوقوف حائلا بينه وبين السيطرة على أجزاء كبيرة من آسيا وأفريقيا. # ولذلك كان لا بد أولا من اغتيال رمز الفكرة عبد الناصر؛ تبريرا للهزيمة الساحقة للجيشين المصري والسوري في عام 67، ثم كان لا بد من استقطاب بعض الدول العربية من هذه الناحية وبعضها في الناحية الأخرى، مع إشراك القوة العظمى الثانية - الاتحاد السوفياتي - في اللعبة، على شرط أن يقتصر نفوذه على بلاد متباعدة قليلة العدد، قليلة الكادر البشري، على درجات متفاوتة من التخلف. أما البلاد الغنية بالموارد الطبيعية فقد وضعتها الولايات المتحدة تحت إبطها تماما، واعتبرتها من محمياتها الإستراتيجية، وأنشأت من أجلها قوة انتشار سريع وبطيء، وأسطولا ضاربا في البحرين الأبيض والأحمر والمحيط الهندي. # أما العراق فقد كان على إيران أن ms060 تتكفل به، وأما سورية فلتنغرز في لبنان إلى النخاع، ولتتشاجر مع الفلسطينيين والأردنيين أو تصطلح فهذا كله سيبعدها عن أن تكون ذات فاعلية فيما يسمى بالجبهة الشرقية المناوئة لإسرائيل. أما مصر فقد كان لا بد من استئصالها من الجسد العربي بعملية جراحية قام بها «الصديقان» كيسنجر والسادات، والأدهى أنها لاقت - ولا تزال تلاقي - ترحيبا من بعض القوى العربية التي تطمح إلى زعامة الأمة العربية والإسلامية بعد زوال مصر. # أما المغرب العربي فقد كان لا بد من خلق عدة مشاكل تلهيه، ليس فقط عن العروبة ولكن عن المشرق العربي نفسه، بتشاد والبوليزاريو، والصراع الحاد الوطيس بين المغرب والجزائر، أو تونس وليبيا، أو بين الجميع. وعلى أي شيء؟ لا أحد يدري! وكأن قطعة من الصحراء تستحق هذا العدد الرهيب من الشهداء المغاربة والجزائريين والبوليزاريين. ~~••• # هذا على مستوى الدول العربية. # أما على المستوى العقائدي، فقد كان لا بد من اختلاق دعاوى إسلامية تبعد الإسلام عن رسالته الحقيقية في محاربة الكفرة والأعداء «واسمهم الحديث هو الاستعمار والصهيونية» وتحويله إلى طقوس ميكانيكية تبعده عن مضمونه الحقيقي؛ أي اختلاق إسلام يحارب الإسلام الحقيقي ورسالته، ويشرذم المسلمين إلى نحل وملل شيعية وسنية وعلوية ودرزية وخومينية وإخوان مسلمين وجماعات إسلامية، وتكفير وهجرة، وتنظيمات جهاد. وكل منها تعارض الأخرى وتسن الحراب والسكاكين. # أما العروبة فقد كان لا بد من محوها محوا تاما أو بإظهار الفكرة الإسلامية وكأنها مضادة تماما للفكرة الوطنية والقومية والعربية، وبأذني سمعت - وكنت مارا أمام نقابة المهندسين في القاهرة يوم الانتخابات - شباب المهندسين وهم يهتفون: «لا قومية، ولا وطنية، إسلامية، إسلامية.» وتبدو هذه الدعوات مغرية وجذابة إلى حد لا يقبل النقاش، فالإسلام ديننا الحنيف جميعا حقيقة لا مراء فيها ولا شك، ولكن لكي تكون مسلما حقا فلا بد أن يكون لك اسم وأبوان، وبلدة، ووطن؛ فلا تعارض مطلقا بين الدفاع عن الوطن والقومية والأهل والعرض وبين أن تكون مسلما حقا وصدقا، بل إن الإسلام يدعو لهذا ويكرر في عشرات السور هذا المعنى. ولكن أعداء الإسلام اختلقوا ms061 هذه الدعوات اختلاقا؛ لفكرة خبيثة تماما، وهي أن يكون الإسلام مجرد «دين» لا علاقة له بالأرض أو الحدود أو القومية؛ ولهذا فحين تحارب إسرائيل فأنت لا تحاربهم لأنهم اغتصبوا أرضا، ولكن لأنهم غير مسلمين، فإذا اعترفوا بإسلامك وناصروه فالأرض حينئذ تصبح غير مهمة ما دام دينك سليما معافى، كيف يكون دينك سليما معافى وأنت يحتلك كفرة وأعداء ولصوص؟! ذلك هو الذي لا يجادل فيه هؤلاء الذين يهتفون: «لا قومية، لا وطنية، إسلامية، إسلامية.» # الأوضاع العربية وحتى الإسلامية الحقيقية متردية إذن، ليس بالصدفة، ولا للتشرذم أو الضعف العربي، ولا بسبب القذافي أو الأسد أو عدن أو الحرب العراقية الإيرانية؛ إنها متردية بناء على خطة كبرى مدروسة بعناية، استولى فيها الأمريكان والإسرائيليون على وثائق الخارجية البريطانية ودرسوها جيدا، ورسموا خطتهم بناء على خبرة الإنجليز في تمزيق الفكرة العربية والأمة الواحدة، وإبقائها أسيرة أوضاع متردية قد تطول لعشرات السنين المقبلة. # فلنكف إذن عن لطم الخدود وشق الأثواب وتعذيب أنفسنا ونقدها؛ فنحن ضحايا خطة علمية مدروسة جيدا، لا يمكن التغلب عليها إلا بخطة من عندنا، علمية أيضا، مدروسة جيدا. ~~ ولا تستطيع دولة عربية واحدة أن تقبل هذا، ولا حتى مؤتمر قمة عربي تطرقع فيه القبلات تمهيدا لاستلال الخناجر. ولكن المؤتمر التمهيدي لهذه الخطة قد ينجح إذا استطعنا أن نجمع الحكام العرب والمثقفين العرب والمعارضين العرب من كل الملل والنحل، في مؤتمر دراسة متأنية هادئة نرى فيها إلى أي حد وصلت الأمور، وما هو الطريق لحلها. وقد وضعت المثقفين والمعارضين عن عمد في هذا المؤتمر ليكونوا أقوال الصراحة والحق بدل كلمات المجاملة التي تتم بين الرؤساء. # أجل أيها الناس، إن المأساة التي نحياها تمت بخطة، ولن نخرج منها إلا بخطة وإلا بإعمال لأقصى ما نستطيع من ذكاء وثورة وقوة وتفكير. # | البحث عن التراب الخماسيني # نتذكر - بسرعة - أننا كنا قد توسعنا في الحديث حول لماذا فشل الملوك والرؤساء العرب في عقد مؤتمر قمة «استثنائي» لمناقشة العدوان الوحشي الصارخ الذي تتعرض له أمتنا العربية؛ في الحرب العراقية ms062 الإيرانية، وفي لبنان، وفي هذا الأخير الذي تعرضت له الجماهيرية الليبية عيانا جهارا، وبكل سبق إصرار وترصد. قالها ريغان، سأضرب، وضرب، واعترضت على ضربه كل أمم العالم ما عدا بريطانيا وإسرائيل بالطبع، والذي على أثره دعا العقيد القذافي إلى عقد مؤتمر قمة عاجل، وتولى العاهل المغربي مسئولية الدعوة، واجتمع وزراء الخارجية العرب ليتفقوا على جدول أعمال وفعاليات مؤتمر القمة الوشيك الحدوث، ولكن العجيب - ويبدو أن لا شيء هناك أصبح عجيبا - أن الوزراء، أو بالأحرى رؤساءهم، فشلوا في الاتفاق على جدول الأعمال؛ وبالتالي فشل الاجتماع، والأعجب أن يكون الفشل بسبب موقف ليبيا نفسها، أو العقيد القذافي الذي تمسك برأيه في ضرورة أن ينعقد المؤتمر القمي في طرابلس باعتبار ليبيا هي أحدث الدول المعتدى عليها، وباعتبار أن العدوان جرى من قبل دولة عظمى ضد دولة تعدادها 3 مليون كلهم من العرب المسلمين. وكان العدوان الإيراني على العراق واحتلال أراضيه قد قدم العهد به، أي أصبح مزمنا، لا يشكل ألما حادا أو حالة عاجلة، أو الحرب اللبنانية راحت عليها، وكلنا، كالعادة كتابا ومحللين وسياسيين رحنا ننهال على أنفسنا تقريعا، ونتحدث عن الفشل العربي والتشرذم العربي والمأساة العربية، وكأنها مأساة تحدث لقوم آخرين، وليس لنا نحن بالتحديد. ~~ وإن هذه الطريقة - طريقة تأنيب النفس ولطم الخدود وشق الجيوب وتمزيق الصدور على طريقة الشيعة - ليست هي الوسيلة لا المثلى ولا حتى الغبية لمواجهة ما حدث. # فما حدث كان بناء على خطة خبيثة مبيتة للعدوان على الأمة العربية كلها وحتى مدخلة في اعتبارها رد الفعل العربي الذي لن يتعدى تقريع الذات، وازدياد سخط العرب على أنفسهم، وهو بالضبط رد الفعل المطلوب؛ لتزداد الخطى العربية تعثرا وفشلا؛ فالذي يلوم نفسه بشدة على شيء لا يكرر فعله، والأم إذا ظلت تتهم ابنها بالجبن أو بالغباء أو الخيبة سيستحيل بكثرة التأنيب إلى جبان أو غبي أو خائب ما بعده خائب. وقلنا أيضا إنه ما دام الأمر خطة موضوعة، فلا بد أن نواجهه بخطة أيضا، فلا يواجه الفكر الخبيث إلا بفكر ms063 خبيث أو أشد خبثا، ولا يواجه التخطيط المعادي إلا بتخطيط يرد العدوان. # وهكذا بدأنا في البحث عن أسباب فشلنا وخيبتنا حتى في الاجتماع أو عقد مؤتمر، وذلك بالإجابة على السؤال الأول: هل السبب في اختلافاتنا وتمزقنا وتشرذمنا وعدم قابليتنا للالتقاء أو الالتفاف حول هدف أو وسيلة هو القبلية أو العشائرية السائدة الآن ومنذ زمن بعيد في الأمة العربية. # ووجدنا - في محاولتنا للإجابة - أنها تشكل الأساس الحقيقي للخلافات العربية؛ فبعد استعراضنا لمختلف الأنظمة من أقصى اليسار الماركسي الذي يحكم عدن إلى مصر الديمقراطية البعد كامبديفيدية، إلى الجزيرة إلى الشمال الإفريقي، النظم لها أسماء مختلفة هذا صحيح، ولكن حقيقة تكوينها علميا حقيقة واحدة. # وعلى ذلك الأساس اعتبرنا الخلاف بين الأنظمة العربية أو بين الحكام العرب على وجه الدقة ليس خلافا حول «مبادئ» أو «برامج» أو تقدمية أو سلفية، وإنما هي في حقيقة أمرها خلافات بين هذه القبيلة وتلك، أو بالأصح خلافات بين رئيس هذه القبيلة ورئيس القبيلة الأخرى؛ إذ هو أبدا ليس خلافا حول الصالح العربي العام؛ إذ كل يزعم أنه إنما باختلافه عن الآخرين ونشوزه عنهم لا ينشد إلا الصالح العربي العام، في حين أن الصالح العربي العام - لو كان هو الهدف حقا - لوجب أن يتنازل هذا الأمير أو الحاكم أو الرئيس عن بعض مصالحه أو مصالح قبيلته في سبيل المصلحة القومية العليا، أما التضحية بالمصلحة القومية العربية العليا لسبب ذاتي محض، سواء أكانت الذات قبيلة حاكمة أو فئة متكافلة متكاتفة، فتلك مسألة أخرى. # تلك مسألة تستوجب أن نعري المواقف العربية تماما، ونعري الحكم العربي في كل مكان؛ لنصل إلى هيكله العظمي الحقيقي الحاكم. وحينذاك فقط، وحين تتعرى تلك الأنظمة سنصل إلى الحقيقة؛ وهي أن جميع المزاعم التي يزعمها بعض الأنظمة بدعوى الحرص على القضية العربية، والفلسطينية بشكل خاص، إنما هو كذب ومحض افتراء؛ فالشعوب العربية كلها لا خلاف بينها حول المطالب القومية العليا والمصلحة القومية الواحدة. كل الشعوب العربية متفقة تماما ولا خلاف بينها، وقد ضربت وسأضرب المثل على هذا؛ ms064 كنا في بلد عربي؛ مجموعة من كتاب وشعراء وفناني الدول العربية قاطبة، وكنت تضرب كفا على كف وأنت ترى الانسجام الكامل، حتى في الآراء والتوجهات السياسية، بين الفنانين العراقيين والسوريين مثلا، أو بين الليبيين والتونسيين، وبين هؤلاء جميعا وبين المصريين والسودانيين والأردنيين والفلسطينيين، الكل عارف تماما بأدق دقائق الموقف، وتاريخ كل حاكم يحكمه، وعيوبه قبل مزاياه، ولكنا فقط في المواقف الرسمية وخوفا من عيون الرقباء وعسس الأنظمة المنبثة في هذا الجمع الفني بالضرورة، كنا فقط «نبوز» في أوجه بعضنا البعض، ونضع أقنعة الأنظمة، ونؤيد أو نعارض ما خططه لنا واختطه لنا وأمرنا به كل نظام من أنظمتنا. # إذن الخلاف هو بين رؤساء حكوماتنا وقادتها، يدخلوننا فيه رغم أنوفنا، ويجعلوننا نحارب بعضنا بعضا، بل ويقتل بعضنا بعضا «بأمر» هذا النظام أو ذاك، وليس بسبب أن السوري يكن للعراقي حقدا؛ أي نوع من أنواع الحقد، وليس بسبب أن اليمني الشمالي يختلف في عواطفه أو انفعالاته عن المواطن أو الكاتب أو الشاعر من اليمن الجنوبي. # إذن هي تراجيديا عربية، كل ما في الأمر أنها لا تدور على مسرح، ولا يسقط فيها الضحايا تمثيلا أو ادعاء، وإنما يسقطون صرعى فعلا، مقتولين فعلا، قتلهم صاحب عربي مثلهم بأمر نظامه، قتلا لا يحمل أي إحساس حقيقي بالغل أو الحقد أو الإيمان. ~~••• # وكما يقولون - غني عن البيان - إن هذا الوضع يثلج قلوب عدونا تماما. وكم نزفت، ولا أقول كتبت، وكتب غيري من مقالات ونداءات وصرخات تهيب بحكامنا ومسئولينا، ونقول في أعقاب هزيمة 67، إن الخطة الجهنمية الكبرى للعدو هي أن يحيل الصراع العربي - الإسرائيلي الأميركي - إلى صراع عربي عربي أو فلسطيني فلسطيني، أو عربي فلسطيني، ولكن أحدا لم يسمع، أو إن كان قد سمع فإن العمى القبلي المتحكم في أعصابه أو آذانه وعيونه أعماه عن أن يرى، إلا أن هذا العربي الجار أو زميل الحزب أو الرفيق هو عدوه اللدود الذي لا بد من قتله أولا؛ تصفيته «جسديا» قبل أن يوجه مسدسه إلى العدو الحقيقي. # وهكذا لم يكن ms065 غريبا أن ينشأ الصراع بين السوريين والمنظمة حول التحرير - تحرير؟ أي تحرير هذا الذي تحاربون أنفسكم فيه حربا أبشع هوادة من حربكم للعدو؟! أو أن يدخل الصراع دائرة الإسلام ذاته، وأن ينشأ نظام الخوميني ويقوم وعلى رأسه يرفع راية أن الطريق الإسرائيلي لا بد معه من اجتياح كامل للبصرة وللعراق ولبغداد؛ أي حصد للجبهة العربية الشرقية كلها أو معظمها في سبيل الوصول، فقط الوصول، إلى حدود إسرائيل، ومن يدري ماذا سوف يحدث عند تلك الحدود، لربما - وهذا هو الأرجح - أن يعتبر خوميني أن التحرير قد تم، وأن إسرائيل لم تعد مشكلة. # وقد يبدو ما أقول لغوا، ولكن ماذا أفعل ونحن نحيا فعلا في عصر اللغو؛ مصر بأكملها لم يكن لها من شاغل طوال فترة طويلة إلا الصراع الرهيب حول - ليت الإسلام أو مصالح المسلمين أو أي شيء يمت إلى العقل بصلة - ولكن حول أن: هل من حق الفتاة المسلمة أن تذهب إلى كلية الطب وتكشف على المرضى وتمتحن وهي «منقبة»، أي لا يظهر منها سوى عينيها، ترتدي الأسود في الأسود، وحتى يديها تدسهما في قفاز أسود، أم أن هذا ليس من الإسلام في شيء؟ # وهل من حق عميد كلية الطب أن يتأكد من شخصية الطبيبة التي تدخل الامتحان عن طريق إنزال النقاب عن وجهها، والتحقق من شخصيتها المصورة كاشفة الوجه في بطاقة الكلية والامتحان، أم أن هذا عدوان ما بعده عدوان على الدين والدنيا وعلى الإسلام والمسلمين؟ وهكذا تظاهر آلاف الطلبة الذين يدينون بالولاء للجماعات الإسلامية، وهتفوا بسقوط العميد وإهدار دمه ... و... ~~ وإسلاماه ... الدين في خطر ... والدنيا ستقوم لو كشفت الفتاة عن وجهها ليتأكدوا من شخصيتها. # إن التيار الديني في الجامعات ليس وليد اليوم، كنا ونحن طلبة في الجامعة لدينا تنظيمات للإخوان المسلمين، ولكنهم لم يكونوا يتظاهرون لأن طالبة أظهرت بضع شعرات من حجابها، كانوا يتظاهرون ضد الإنجليز والسراي، كانوا يشكلون ويكونون كتائب فدائيين لمحاربة الإنجليز، وفي القنال، وهذا هو الإسلام الحقيقي، وهذا هو الدفاع الحقيقي عن الإسلام، أما أن ms066 يكونوا جيشا رهيبا من الحناجر التي تزأر مطالبة بأن «تنقب» طالبة الطب نفسها، وتهدر دم العميد إذا حاول أن يكون علميا وجامعيا وإسلاميا حقيقيا، فذلك هو نوع الكفاح الديني الذي استوردته مصر (من أين؟ لست أدري!) ذلك النوع القشري الشكلي من الإسلام الذي يترك روح الإسلام ومنهجه؛ إذ الإسلام نزل على النبي # صلى الله عليه وسلم # وعلى المسلمين ليحضهم في ثلاثة أرباعه على مقاتلة الكفار (الاستعماريين، والصهيونيين بلغة العصر الحديث). دخل الإسلام في الخطة الجهنمية الكبرى لتفتيت العرب والمسلمين، سلبوا منه روح القتال والنضال ضد العدو، وتركوا لنا مهمة أن نتعارك وأن نتناقش وأن يطعن بعضنا بعضا بالاتهام بالكفر أحيانا، والضرب الجسدي أو القتل أحيانا أخرى في سبيل قشور لا تقدم أو تؤخر في حقيقة الرسالة المحمدية الإسلامية التوحيدية الكبرى. # إذن العروبة أصبحت مزادات ومزايدات عربية بين مدعي قيادة العرب والأمناء على القومية العربية، وأدخلت الشعوب العربية رغم أنفها في تلك المزايدات والصراعات «قادة» العرب وأولي الأمر منهم. # والإسلام ذلك الدين الذي جاء ليبشر بإله واحد أحد، وبمسلمين موحدين، لا فرق بين مسلم فيهم ومسلم إلا بالتقوى، شرذموه أيضا، وجعلوه إسلام شيعة وإسلام سنة وإسلام دروز وإسلام علويين وقذافيين وجماعات جهاد وحزب الله، الجميع يقرون أن الإسلام بني على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقامة الصلاة، وصوم رمضان، وإيتاء الزكاة، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا. بمعنى أن كل من نطق وآمن وفعل هذا فهو مسلم شاء أي فقيه أم أبى، رضي شيخ الأزهر أم اعترض؛ إذ هذا وحده هو المقياس الوحيد للمسلم، هو في نفس الوقت الشعار الجامع بين كل المسلمين ليجعل منهم شعبا واحدا متحدا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، ولكن، هل يتركون الإسلام ليؤدي رسالته التوحيدية التحررية الكبرى هكذا ويصير قوة تتزلزل لها جبال الكذب والظلم والبهتان؟ مستحيل! فليكن إسلاما واحدا وشعارا واحدا ولكن فلينقسم مصنفوه ودعاته إلى كل تلك التقسيمات التي ذكرناها، ولا يكفي هذا، بل يجب أن تتنازع تلك ms067 التقسيمات وتدعي كل منها أن ما تقوله هو الإسلام الحق ولا إسلام سواه، بل لا يكفي هذا، بل لا بد أن تتقاتل تلك التقسيمات قتالا مرا أشد مرارة مما تقاتل بعد العدو (مسلمو إيران التي تستورد السلاح من إسرائيل لتبيد به مسلمي العراق)، وكتائب أمل (التابعة لدمشق) تشن الهجمات على كتائب «حزب الله» التابع لإيران؛ مولد وهيصة وفوضى أفشاها العدو في قلب إسلامنا الواحد حتى أصبح أن يعادي المسلم المسلم مثل عداوته للوثني أو الصهيوني مسألة لا غرابة فيها، بل الغريب ألا يفعل! # الوضع القبلي إذن لم ينته بمجيء الإسلام وعلى يديه، ولكنه، إبان مقاومتنا للغزوة الصليبية الصهيونية الثانية الكبرى، استطاعوا أن يتسللوا إليه هو الآخر ويجعلوا منه عونا على القبيلة الجديدة، ويجعلوا من جيشه، المفروض أن يكون واحدا متحدا، صفوفا متفرقة. وإني لأتصور المشهد في الآخرة، وأتصور إيرانيا مسلما يقف بين يدي المولى ويقول: سقطت شهيدا يا إلهي دفاعا عن الإسلام. وعراقيا يقف بين يدي المولى ويقول: لقد مت شهيدا في سبيل الإسلام. فأي إسلام هذا الذي يقتل به الشهيد شهيدا، ويستشهد من أجله القاتل والمقتول معا؟ أي إسلام؟! إنهم اليهود والأميركيون يعبثون بنا معا، ويسخرون باستشهادنا معا، وهم أيضا قتلتنا نحن الاثنين ولا قاتل سواهم! ~~••• # إذن، بذرة قبلية قديمة، أعيد النفخ فيها، وتولى أبالسة جدد إذكاءها في نفوس حكامنا وأولي الأمر فينا حتى غارت في عروبتنا، وفي إسلامنا، وفي وجودنا كله تفرض نفسها فرضا، وتجعل تفرقنا أمرا واقعا، وتجبرنا على أن تتهم كل قبيلة الأخرى بأنها السبب، ولا سبب غيرها، في هزيمة القبيلة، بل في هزيمتنا كلنا. # حتى أصبح تبادل الاتهامات شيمة من شيم وجودنا العربي الحالي. أرني دولة عربية واحدة لا تتهم دولة غيرها بإسداء أحط التهم، ائتني بزعيم عربي واحد لم تكن الخيانة والدكتاتورية أو الرجعية، أو على أقل القليل التهاون واللعب بالقضية، واحدة من كثير مما أصابه ويصيبه من اتهامات. # بل ائتني بدولة عربية أو بنظام عربي ليس في نظر الجميع متهما بتهمة خطيرة ما. ms068 # ماذا تفعل تلك الاتهامات؟! # إنها بالضبط كمشاعل الأيدروجين التي يلحمون بها الحديد، كل ما في الأمر أنها تفعل هنا العكس تماما، إنها تصهر الروابط الأزلية الحديدية بين الدول والأنظمة وتفككها قطعا قطعا ومعسكرات معسكرات، حتى داخل المعسكر الواحد تقطعه إربا حتى تصبح في النهاية، بدلا من هيكل دولة عظمى واحد كبير ومرعب ورهيب (كما حدث إبان حرب رمضان)، تحيلها إلى مجرد كومة من الحديد الخردة، حتى لا تتمتع بشكل أو كيان واحد، مهما بلغت درجة وحدته، فقد كان شكلا اسمه الجامعة العربية، حتى تلك الجامعة التي جنحت على الشط التونسي أصبحت «كهفة» تتغذى وتحيا فيها أعشاب البحر وطفيلياته. ~~••• # والكارثة أننا لا نرى هذا كله! # نعاني منه جميعا ونشكو ونجأر منه، ولا نراه. # وتلك هي الكارثة. # لقد نجح المخطط الأميركي الإسرائيلي في خلق زوبعة رملية كالطوز أو كرياح الخماسين، أعمت عيوننا عن أن نرى، بالكاد أصبح الوضع لا يسمح لأي منا أن يرى إلا ما تحت قدميه، وإلا ما يجب عليه أن يؤديه غدا. # أعمت عيون الأمة، # حتى عيون مثقفيها وشعرائها وكتابها؛ # أولئك الذين كان مفروضا أن يعتلوا صاري المركب، وبمناظيرهم الحدسية والقصرية الثاقبة يرون إلى أين يتجه المركب، وأي الصخور في سبيله لأن يرتطم به، أعماق البحر من اليابسة، طريق الضياع من طريق السلام. # هؤلاء أيضا أعماهم غبار العاصفة، فلم يعودوا يبصرون، إلا أن يصرخوا أنهم لا يبصرون، وأن العمى قد أصابهم، وأن الرياح شديدة، وأن الجو عاصف، وأن الدنيا قد أظلمت ... لا عمل لهم الآن في قصائدهم وأعمالهم وكتاباتهم إلا الصراخ كالأطفال، ورثاء النفس كالموتى حين يرثون أنفسهم أحياء، وإما الترحم على ما فات، أو التبشير بالظلام والظلام القادم. # ومن أجل هذا، # فإن أي كتابة يتصدى بها الإنسان ليدرس أسباب ما نحن فيه، وأي مؤتمر أو حوار ينعقد لينقب في حياتنا ليعثر على أين ثقبت السفينة وكيف أصبح هو الآخر أمرا صعبا، وكيف لمكفوفين أن يروا الباب حتى لو كان مفتوحا على مصراعيه أمامهم؟ # ولست أقول هذا يائسا، لست ms069 أقوله لأجد لنفسي أو لغيري العذر، إنما أقوله لندرك جميعا أننا أيضا في سبيل البحث عن النجاة وفي سبيل عبور هذه الحقبة والخروج منها سالمين، في حاجة إلى أناس ينظفون أبصارهم وبصيرتهم جيدا، ويهزون رءوسهم هزا عنيفا ليسقطوا عنها الأفكار الصدئة والعفنة، والتي لم تعد تصلح للحقبة. # في حاجة إما أن نعود نرى جيدا ومن جديد، # وإما أن نيأس حقا ونكتب على جدران الزمن وصية للأجيال القادمة، من يعبر منا، نقول لهم فيها: إلى هنا توقفت رؤيتنا، ووصلنا إلى حافة كوننا العربي المظلمة، وحل علينا الليل، وحللنا نحن على الليل، وأنتم يا جيلنا القادم سيحل عليكم الصباح وستكونون أنتم الصباح، وسترون أكثر وأبعد وأعمق، ومن فشلنا تستفيدون، ومن هزيمتنا تستمدون أسباب الانتصار القادم على أيديكم لا بد. ~~••• # أم كان - وهو في الحقيقة - نعمة؟! # إذن لماذا تحول - على أيدينا طبعا - إلى نقمة؟ # | موتونا وريحونا # في لندن: # اعتقلت السلطات البريطانية 160 متظاهرا من بين أكثر من ألفي متظاهر تجمعوا أمام مقر رئيسة الحكومة البريطانية، ونظم بعضهم اعتصاما خارج المقر. # وقد أعلنت تاتشر أنها وضعت جميع المنشآت العسكرية والحكومية البريطانية في حالة تأهب؛ استعدادا لأي عمليات إرهابية. # وأكد نبيل كينوك زعيم المعارضة العمالية في مجلس العموم البريطاني إدانته لموقف حكومة تاتشر. # وفي روما: # اتهم بنيتو كراكسي رئيس وزراء إيطاليا الولايات المتحدة بعدم احترام المبادئ التي تحكم تحالفها مع أوروبا الغربية؛ وذلك بالقيام بغاراتها الجوية على ليبيا - وقال إن حكومته لم تتلق أية إشارة مسبقة بخطط الهجوم. # وفي برلين الغربية: # قامت عشرات المظاهرات أمس في أنحاء ألمانيا الغربية احتجاجا على العدوان الأميركي، واشتبك المتظاهرون مع البوليس مما أدى لإصابة كثير منهم بجراح. # وقد انتقدت المعارضة الديمقراطية الاشتراكية العدوان الأميركي. # وفي مدريد: # اندلعت موجة من المظاهرات في العاصمة الإسبانية بمدينة برشلونة احتجاجا على العدوان الأميركي، وقام نحو ألفي شخص بالتظاهر أمام السفارة الأمريكية ووضعت القوات البحرية والجوية الإسبانية في حالة تأهب تام. # وفي باريس: # أكد رولان دوما وزير الخارجية الفرنسي السابق أن الهجوم الأميركي ضد ms070 ليبيا يهدد الأمن والاستقرار في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وأنه سيؤدي إلى تصعيد حدة التوتر والأعمال الإرهابية في العالم. # وفي واشنطن: # أصدرت الحكومة الأمريكية أوامرها بتشديد إجراءات الأمن على رحلات الطائرات الأمريكية في المطارات الأجنبية، وصرح «برنارد كالب» المتحدث باسم الخارجية الأمريكية بأن على الأمريكيين المسافرين إلى الخارج التزام الحذر في الفترة المقبلة. ~~••• # أوروبا الغربية كلها، حليفة أمريكا، قامت للعدوان الأميركي على هذا الشعب العربي المسلم الصغير، ليس فقط من أجل أنه صغير اعتدت عليه دولة كبرى عيانا جهارا وفي وضح النهار وبكل ما يمكن أن يشكل إرهابا من نوع جديد تقوم به دولة كبرى دون أن تراعي الرأي العام العالمي، أو حتى تقاليد الدول في قليل أو كثير؛ مما يشكل مرحلة جديدة في تاريخ العالم هي مرحلة القوة الأمريكية الريغانية الغاشمة، التي لا بد أن تقف الإنسانية كلها، شرقا وغربا وشمالا وجنوبا ضدها، ولكن لأن هذه الدول الأوروبية نفسها - إذا ساد هذا القانون - قد تقع ضحية لنفس ما تتعرض له ليبيا إذا هي احتدت في خلافها السياسي مع أمريكا أو الوقوف ضد مشاريعها العدوانية. وتعالوا بنا الآن نرى ردود فعل العدوان الأميركي المجرم على الشعب الليبي في عالمنا العربي. # في الرباط: # أدانت المغرب رسميا العدوان الأميركي، وأعلن الملك الحسن الثاني في برقية بعث بها للعقيد الليبي معمر القذافي عن مساندة المغرب وتضامنه مع الشعب الليبي. # وفي عمان: # عززت سلطان الأردن قوات البوليس الخاصة بمكافحة الشغب بقوات من الجيش لحماية المصالح والمنشآت الأمريكية والبريطانية. # وفي أبو ظبي: # أعلنت دولة الإمارات العربية عن إلغاء اجتماع وزاري مشترك كان مقررا عقده اليوم مع بريطانيا لتنمية وتطوير العلاقات بين الدولتين؛ وذلك احتجاجا على موافقة بريطانيا على استخدام واشنطن لقواعده لضرب ليبيا. # وفي تونس: # أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية إدانتها الكاملة للعدوان الأميركي، ووقوفها إلى جانب الشعب الليبي، كما أعربت عن اندهاشها لموقف بريطانيا من الحادث. # وفي الكويت: # أعلن الشيخ صباح الأحمد وزير الخارجية تأييد الكويت لعقد قمة عربية لبحث الغارة. # وفي الظهران: # عقد مجلس ms071 الوزراء السعودي اجتماعا طارئا برياسة جلالة الملك فهد ملك السعودية لبحث آخر تطورات الغارة الأمريكية على ليبيا. وكانت السعودية قد أدانت العدوان الأميركي على الشعب الليبي، وأعربت عن أسفها لهذه الأساليب التي تتعارض مع كافة الاتفاقات الدولية. # وفي الخرطوم: # ذكرت وكالة الأنباء السودانية أن السودان قد قررت استدعاء صلاح أحمد محمد صلاح سفيرها في واشنطن للتشاور عقب الغارة الأمريكية على ليبيا، وأضافت أن حوالي عشرة آلاف من المتظاهرين قاموا صباح أمس بتسليم مذكرة إلى الحكومة يطالبونها بقطع العلاقات الدبلوماسية مع أمريكا. # وأخيرا في القاهرة: # عرضت الحكومة المصرية على السلطات الليبية مساعدات طبية لعلاج الجرحى بعد أن كان قد صرح وزير الإعلام عقب اجتماع مجلس الوزراء باستنكار الحكومة المصرية للغارة على الشعب الليبي الشقيق. # شجب، استنكار، بحث، استنفار القوات لحماية السفارات الأمريكية والبريطانية، اقتراح لعقد مؤتمر قمة «لبحث» الوضع. # وكأن ما حدث كان مفاجأة هبطت على العالم العربي كما يحدث الرعد فجأة، وكأن أمريكا لم تضرب منشآت خليج سرت منذ أيام، وتحدثت منذ ذلك التاريخ عن أنها لن تكف عن غاراتها على ليبيا. ~~ وكأن العالم كله، بما فيه المواطنون العاديون في العالم العربي، لم يكونوا يتحدثون عن الوضع وعما يمكن عمله. # أما المضحك حقا فإنه في وسط هذه المعمعة التي يتعرض لها الشعب الليبي أن يقيم مجلس الشعب المصري محاكمة جنائية صارخة لإبراهيم شكري رئيس حزب العمل؛ لأنه في وسط المعمعة قام بزيارة ليبيا ومقابلة القذافي؛ لإبلاغه وقوف جماهير حزب العمل الاشتراكي مع الشعب الليبي في معركته ضد الإمبريالية العالمية المجرمة. # أعتقد أنه من استعراضنا لتلك البرقيات التي أوردتها وكالات الأنباء العالمية ونشرتها صحف العالم بما فيها الصحف العربية، نستطيع أن ندرك - بلا أي إعمال للذكاء - أننا من جراء حكامنا والطريقة التي نحكم بها في قضية كبرى لا يعلم مداها سوى الله. # لا هم ينسقون عسكريا فيما بينهم، ولو حتى لاستعراض القوة، ولا هم يتركون شعوبهم لتقوم بواجب المؤازرة وتخويف هذا الغول الأحمق المدعو أمريكا. # ولا هم يتحسبون لكل أمر حسابه ms072 قبل أن يقع؛ فيتباحثون قبل أن يقع، ويقلبون الأمر على وجوهه قبل أن يقع، ويتخذون القرارات وبدائل القرارات، قبل أن يقع، ولكنهم ينتظرون إلى أن يقع ما يقع، ليوقعونا نحن في حيرة، ماذا نستطيع أو يستطيعون أن يفعلوا تجاه هذا الأمر «المفاجئ» الذي لم يكن في حسبانهم، على أنه كان في حسبان العالم أجمع. ~~••• # إن الهجوم الأميركي على ليبيا، والهجوم الأميركي على الطائرة المصرية، والهجوم الأميركي الإسرائيلي على لبنان، والهجوم الإيراني على العراق، وهجوم بعض الفلسطينيين على منظمة التحرير، وهجوم سورية عليها وعلى لبنان، وهجوم جنوب السودان على شمال السودان، وهجوم الحبشة على إريتريا، وهجوم اليمن على اليمن؛ كل تلك أعمال عنف؛ بمعنى أن باستطاعة كل دولة عربية، أو كل قبيلة أو طائفة، أن تستعمل الأسلحة وتجيش الجيوش وتهاجم، ولكن تهاجم من؟ تلك هي المشكلة، إنها بارعة شديدة البراعة والكفاءة في الهجوم على جارتها العربية، أو طائفتها المشاركة لها في نفس الوطن، أما الهجوم على العدو الحقيقي إسرائيل وإسرائيل الكبرى (أمريكا) فهو أمر غير وارد، وحتى إذا حدث الهجوم منها فالتصدي له غير وارد أيضا إلا بالشجب والدراسة، ورفع سارية اجتماع القمة الذي لا يجتمع أبدا. باختصار، التصدي له يكون تصدي المهزوم المسحوق، الخائف المرتعش، بينما الاستشهاد والعنترة لا تكون إلا ضد العرب المساكين من أمثالهم ومن بني جلدتهم. # بصراحة أكتب هذه الكلمات وأنا في حالة غثيان بالغ؛ فمنذ وعيي بعروبتي وأنا أعتز بها وأشمخ، وأدافع حتى عن بعض أخطائها. ومنذ وعيي بعروبتي وأنا أحلم لها ولها أكتب، وقريحتي تعمل من أجلها، وطموحي هو جزء لا يتجزأ من طموحها، انتصاراتها انتصاراتي وهزائمها هي أمراضي ونكساتي. وقد كنت، وأنا أرى الأحوال تتدهور والأمة بشعوبها وحكوماتها المختلفة تنحدر إلى أسفل وأسفل، أطمئن النفس وأقول إن هي إلا سحابة صيف ستمر، إن هي إلا عثرة الشاطر، سيقوم بعدها وتنتصب قامته. # ولكن العكس كان يحدث تماما؛ فسحابة الصيف تتغامق حتى تسود السماء، والعثرة تتحول إلى سقطة في حاجة إلى كل روافع العالم لانتشالنا منها. ms073 # وما حزني فقط على ما جرى ويجري لشعب ليبيا؛ فتاريخ الأمة العربية الحديث منذ الخمسينيات إلى الآن حافل بالعدوان تلو العدوان، والحرب تلو الحرب، وسقوط مئات الآلاف من الشهداء وتخريب المدن والمصانع والمدارس والمستشفيات، وما حدث ويحدث وسوف يحدث لليبيا إنما هو إضافة لقائمة طويلة من المآسي والنكبات أصيبت بها الأمة ولا تزال. # كل ما في الأمر أن الشعوب لا تسكت على هزائمها أبدا؛ فبعد هزيمة 67 بدأت مصر وسورية في الاستعداد لرد العدوان في حرب 73، ولبنان لم يسكت على الاحتلال الأميركي واجتثه اجتثاثا ولا يزال في حرب طاحنة مع إسرائيل، لولا الطائفية البغيضة التي تفت في عضده وتشل معظم قواه وعضلاته. والغريب أني لا زلت لم أفقد الأمل، لا زلت أعتقد أننا نستطيع أن نحزم أمورنا، ونجمع شملنا، ونقف في شجاعة الرجال نصون أرضنا وعرضنا وعروبتنا وإسلامنا. # فهل هو مجرد حلم آخر من أحلام اليقظة؟ # اللهم إن كان الأمر كذلك فإني سأفعل كما فعل الشاعر إسماعيل الحبروك، حين قال أيام الاحتلال البريطاني: # سأنام حتى لا أرى # بلدي تباع وتشترى # أو كما قال الشاعر الشعبي مأمون الشناوي: ~~«يا تبلشفونا، يا ترسملونا، يا تموتونا وتريحونا. # ملعون أبوكم على أبونا.» # وآسف للغة الشوارع التي أنهيت بها القصيدة؛ فلم يعد أمامنا سوى استعمال أبشع الكلمات للتعبير عن أبشع الأوضاع التي صارت إليها أمتنا بفضل سياسة حكامها الأماجد والأشاوس. # | على هامش الحرائق النفطية # حين فاجأتنا محطات الإذاعة والصحف بأنباء الحريق الذي حدث في محطات البترول في الكويت، وأحسسنا هنا في القاهرة وكأن الحريق قد شب في صدر كل منا، فالحريق كان من الواضح أنه بفعل فاعل؛ وفاعل ممن تئويهم الكويت وتمنحهم العمل ولقمة العيش والوجود، وليس في القاهرة وحدها، أعتقد أن كل عربي من المحيط إلى الخليج قد شعر بغصة في حلقه، فالمال مال العرب جميعا، حتى وإن كانوا بعيدين عن مصادره، والكارثة إذا أصابت بلدا عربيا إنما في حقيقة أمرها تصيب الأمة جمعاء. # إننا أمة مستهدفة محسودة. # في زياراتي الكثيرة حتى لأمريكا، كنت ms074 أحس بالأمريكان وهم يتحدثون عن العرب وبترول العرب بنبرة حسد واستكثار لا تخطئها العين؛ فهم يستكثرون علينا هذه الثروة، ويستكثرون على بلادنا أن يتفجر من صحراواتها إكسير العصر؛ مصدر الطاقة الذي يعتمد عليه في كل أمر من أمور حياتهم. # وإذا كان هذا شعور الغرب، فالكويت أيضا محسودة من قبل بعض الأنظمة العربية والإسلامية. # ليس على بترولها فقط، وعلى طريقتها شبه الاشتراكية في توزيع عوائد النفط بحيث نستطيع القول إن الشعب الكويتي كله بطريقة أو بأخرى قد ناله حظ وافر من عائدات البترول. # ولكن الحسد الأكبر سببه أن هذه العوائد البترولية الضخمة لم يصاحبها قيام حكومات دكتاتورية غاشمة تستولي على العائد وتتولى إنفاقه كما يحلو لها، أو أحيانا كما يحلو لرئيسها، وإنما صاحب ذلك النماء المطرد في الثروة نماء مطرد أيضا في الديمقراطية، وفي إشراك الشعب في كل أمر من أمور حياته، إلى درجة أن يصل فيها الأمر إلى حد أن يسحب مجلس الأمة الكويتي الثقة من وزير ويقيله، وهو الأمر الذي لم يحدث في بلد عربي في أثناء كل الحقبة الأخيرة من هذا القرن، يقيله رئيس الدولة أو يعينه، يطرده أو يبقيه، يرفعه إلى أعلى عليين أو يهوي به إلى أسفل سافلين، هذا كله يصنعه رئيس الدولة، أما أن يتولى نواب الشعب هذا فهو أمر يضع الحكم والنظام الكويتي في درجة رفيعة من الحياة الديمقراطية. # وأعتقد أن هذه الدرجة هي المسئولة الأولى عن ضربة الحريق، وقبلها ضربة محاولة اغتيال سمو الأمير، والقنابل والمفرقعات. إنهم يريدون ليس ضرب الثروة فقط، وإنما يريدون أولا ضرب النظام الذي يجيد ويحسن استغلال الثروة، ويجيد ويحسن حكم المواطنين ويرعاهم، ويسمح لهم بحريات سياسية واسعة تكاد تصل إلى نفس الحريات التي يتمتع بها المواطن في أرض الدول الأوروبية ذات التقاليد العريقة في تاريخ ديمقراطيتها. # ذلك لأنه من خلال هذه الديمقراطية الحاكمة، استطاعت الكويت أن تتخذ مواقف أصيلة جديرة بشعبها، لا تتخذها عن خوف من اغتيال أو عبث أعوان ومخابرات، وإنما تتخذها لأنها الواجب والأصح وعين الصواب. ms075 # والهدف من كل هذا التخريب - كما هو واضح لكل ذي عينين - أن تغير الكويت من سياستها، وطالما نظامها هذا باق، فسياسته لا بد باقية؛ ولذلك فالهدف في النهاية هو ضرب النظام الكويتي وإرعاب الكويتيين حتى يؤثروا السلامة، ويسيروا - كما نقول في مصر - بجوار الحائط. # وهذا شيء أستطيع أن أؤكده - وأنا بعيد عن مجريات الحوادث والأمور - أنه بالتأكيد لن يحدث طالما بقي في الكويت رجل أو امرأة؛ # فالذي يذوق طعم العزة لا يمكن أن يستسلم للقهر، # والذي يذوق طعم الإرادة الحرة لا يمكن أن يرضى بقيود العبد. # ولن يرضى أي كويتي عن نظامه وعن الطريقة التي اختارها لحياته بديلا. لقد جعلتني الظروف أتعرف إلى كثير من إخواني الكويتيين؛ رجال أعمال ومثقفين وفنانين، وأطباء ومهندسين وتجار، وحتى سائقين وعمال. # وكان يعجبني في أي منهم، مهما كان مركزه ومهما كان وضعه الاجتماعي، ذلك الاعتزاز العظيم بكويتيته، وذلك الانتماء الأكبر لقوميته العربية، ولعالمه الإسلامي الكبير، شعب من خيرة أبناء هذه الأمة؛ ولهذا فهم مستهدفون. وقد حسب هؤلاء الذين يفكرون كالأطفال الأشرار، وأحيانا كالمتعصبين المجانين أو متخلفي العقول، أن بضع قنابل هنا أو بضع حرائق هناك كفيلة بأن تغير مجرى النهر العظيم الذي يشكل شعب الكويت. وأنا لا أستطيع أن أرثي لهم؛ لأنهم مجانين وأطفال متخلفو العقول، ولكني أستطيع أن أؤكد أن دوام الحال من المحال، وأن الكويت والأمة كلها لن تبقى مستهدفة وساكنة إلى أبد الآبدين؛ فإن الضربات التي لا تقتل تقوي وتشدد من عزيمة الأحياء. وهذه الضربات الموجهة إلى الكويت وإلى الفلسطينيين، وإلى كثير من مناطق العالم العربي، لن تجعل أيا منهم يركع، إنما هو سيتلقى، وبتلقيه سيقوى، إلى أن يحين الحين وننقض جميعا على أس البلاء والشر، وتكون ضربتنا هي القاضية؛ ذلك لأننا شعب كبير لن تفنيه الضربات مهما كانت قوتها، قد توجعه قليلا ولكنها أبدا أبدا لن تفنيه، بل هي التي ستنبهه دائما إلى مكامن الخطر، وتشحذ أسلحته للمقاومة، وتهيئه لكي يقف ويتحرك حركة رجل واحد ويضرب، وضربة الشعوب قاصمة لا ms076 تبقي ولا تذر، وستكون ضربة شعبنا بإذن الله قاصمة لا تبقي ولا تذر. # فيا إخواننا وأصدقاءنا في الكويت، لا يحزننكم هذا الحريق أو غيره؛ فمعناه الأوحد أن الكويت على حق، وأنها هي - وليس أعداؤها - على صواب. وصمود الشعب الكويتي وحكامه على هذا البلاء العابر، الدليل؛ أقوى دليل على أن هذه الأحداث تقويه ولا تضعفه، وتجعله أكثر إصرارا على طريقه وطريقته، ولا تنحرف به أو تجعله يتردد أو يؤثر جانب السلامة والاستسلام. # إننا جميعا معكم، صحيح لا نملك لكم - الآن على الأقل - إلا قلوبنا نضعها بجوار قلوبكم، ولكن هذا وضع أبدا لن يدوم، فللظالم جولة، وهذه جولته. # وغدا ستكون جولتنا. # وهذا ليس كلام إنشاء وأدب، إنه الحقيقة التي يعلمنا التاريخ إياها؛ فدولة الظلم ساعة ودولة العدل إلى قيام الساعة. وهذا أيضا ليس تلاعبا بالألفاظ، إنه حكمة الجنس البشري صاغها في قانون، ولن يهرب أعداؤنا أبدا من قوانين التاريخ. # فقوانين التاريخ لا ترحم. # | تيبس المفاصل الفكرية والإرادية # لا أعرف ما هو سر ذلك الدقيق أو الغبار المثبط الذي يتسلل داخل وحول خلايا جسد الإنسان ومخه في بلادنا. قضيت معظم العام الماضي مسافرا خارج مصر، وكنت أثناء السفر وأنا أنظر من نافذة الطائرة أو العربة أو القطار، وأنا سائر أحث الخطى في قلب شوارع لندن أو لوس أنجلوس أو وارسو أو حتى قرية أوروبية نائية ومتواضعة. كنت وأنا أرى الغابة أو النهر الصغير، وأنا أرى الشاب والفتاة والرجل والطفل والمرأة أو حتى العجوز، سائرين، نشيطين، مسرعين في الشارع، كنت أحس بعقلي ينشط ويعمل هو الآخر بكل ما يملك من أحصنة وكأنه تحول إلى معمل أفكار مزدحم، تتوالد فيه الأفكار بمعدل فكرة في كل دقيقة، وترتطم، وتتناغم، ثم في أحيان كثيرة أخرج باستنتاج أو بفكرة رائعة هائلة. كنت أحس أن الموحيات والأفكار وكأنها طيور النورس قادمة في أفواج تلو أفواج لبحيرة عقلي المليئة بالسمك والطعام تصفق بأجنحتها فرحا، وتهفهف، وتصطخب، تزغرد وتلهو، وتتعابث وتتلاقح، تصعد وأصعد معها إلى السماء ثم تنقض على الهدف في ms077 سرعة انقضاض البرق. # أكثر من عشر أفكار قصص تعن لي في اليوم الواحد، مشاريع تغير مجرى الحياة تماما، مغامرات فكرية ونفسية تتفجر في أعماقي، إقبال على الحياة منقطع النظير، خطط لآماد بعيدة وقريبة، تجميع لكل ما مر بي من ماض ليصبح حاضرا وواقعا أراه، استحضار لكل آفاق المستقبل؛ ليلتقي الماضي والحاضر والآتي عند النقطة التي تركز وتقطر العمر، وتحصل منه على ثمرة، أو تراجع موقعه من الكون والحياة. حركة دائبة في اتجاه التحقيق الفوري لكل ما أراه يصلح من أفكار أو من مشاريع، إقدام لا حد له، اندفاع، أعقل اندفاع مجنون في اتجاه المستقبل وتحقيق الذات، وتطوير النزوة لتصبح اكتشافا وخطة. باختصار حياة مليئة كاملة، أضرب فيها بأذرعي لتصل إلى أقصى المعمورة، وأحلق فيها بأفكاري لتشمل «مجرتنا» كلها، وتغوص أقدامي إلى أعمق أعماق تاريخ العالم، وترتفع لتحلق في القرن الخامس والعشرين، وربما الثلاثين. # هكذا أكون وأنا مسافر، وأنا في الخارج، وأنا بعيد، وأعود، وبقوة الاندفاع الذاتي أبقى هكذا للأيام الثلاثة الأولى، أو ربما للأسبوع الأول، مسافرا لا أزال في الأكوان الخاصة والعامة، خلاقا، قادرا على تحقيق كل ما يجول في الخاطر. # ثم يبدأ الدقيق الناعم، الرمل الخفي الأصفر، التراب الذري المنطفئ، يبدأ يتسرب ... في العادة كنت لا أحس ولا أعي بمقدمه، إن هو إلا هبوط تدريجي يبدأ يصيب الهمة، تأتي الفكرة فأؤجلها إلى أن «يروق المزاج» في الليل، وفي الليل لا بد يأتي ما يؤجل روقان المزاج، يعن لي المشروع فأقول: هذا ليس بمشروع عاجل، أو هذا ممكن تأجيله، وما فائدة أن يبدأ الإنسان شيئا «مجنونا» كهذا؟! الحياة سائرة وكل شيء ممكن أن يمضي هكذا سائرا وحده إلى الأبد، يبدأ الغبار يفعل فعله، ويبدأ الإنسان «يطمئن» إلى الواقع، ثم «يركن» إليه، ثم «يتلاءم» معه، ويفقد الطموح إلى تغييره أو الإطاحة به، تبدأ الأفكار تقل ثم تندر ثم تتلاشى، وقوة الخلق تتضاءل، والكتابة التي كانت مبهجة ورائعة ومتلألئة كالهدف الساطع الجميل، تصبح عبئا، ويووه! لسه ح أقعد على المكتب لأربع أو ms078 خمس ساعات! # ويئوب الإنسان في النهاية إلى حالة «الموت-الحياة»، تلك التي نحياها جميعا. ~~••• # كنت أظن أن هذه حالتي الخاصة، ولكن وجدتها الظاهرة العامة المستشرية، هناك شيء ما حقيقي ومروع وخطير، ولكنه غير مرئي أو مسموع وقائم في حياتنا بيننا، ونزفره، ونعدي به بعضنا بعضا، نرتديه ونركبه ونلبسه ونطعمه، شيء ما لست أدري كنهه، ولكني أعرف تماما مفعوله، شيء مثبط أو كاسر للهمة، ومخمد للطموح، ومضيع للهدف، وخانق لكل فكرة ومشروع، ومشل لأي إرادة، قائم وماثل في حياتنا. وهو ليس - كما يتصور البعض - خاصا بمصر وحدها، ولكنه الجو العام في مشرقنا العربي وغير العربي كله، شيء وكأنه «الأنزيم» المضاد للنشاط، وكأنه الطعم الواقي من العمل والتفكير، وكأنه قد أصبح الخاصية القومية التي تميز مرحلتنا «المجيدة» الحالية. # ما هو ذلك الشيء؟ # أهو فقدان الهمة الفكرية القيادية الموحدة؟ # أهو هذه الأعداد الهائلة من البشر التي معها يحب المواطن منها الإنسانية مجردة، ولكنه بالتأكيد يكره «الإنسان»، أو يكره هذه الكتل المتراصة من الإنسان. تخيل ذلك الكائن الراقي النادر، أرقى وأعظم وأجمل ما في الوجود، حين يتحول إلى مجرد رقم عشري تكتم أنفاسه ملايين من أرقام عشرية أخرى، حبذا لو اختفى معظمها، أو اختصر أو اندثر ليبقى للتفرد البشري قيمته وروعته ومجده. # أهي الشمس الحامية الساطعة التي تجعل الواقع شديد الإضاءة بكل ما فيه من بشاعة وقبح؟ بحيث ينعدم الجمال تماما أمام العين، وحين لا يرى الإنسان الوجود جميلا، أو يراه قبيحا، يتولى القبح أو انعدام الجمال إخماد حاسة الهمة والنزوة الخالقة لدى الإنسان؟ أهو الكسل الجماعي المسيطر، يعدي كالأنفلونزا الآسيوية؟ وحين ترى الناس جميعا كسالى أو متكاسلين، فأي مبادرة منك لا بد مصيرها الاختناق والإهمال. # والكسل الجماعي هذا في رأيي نقطة هامة؛ فإذا كان بعض الناس يعتنقون التفسير الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي للتاريخ، فأنا شخصيا أفسر مرحلتنا التاريخية الحالية بما يمكن أن أسميه «التفسير الكسلي للتاريخ» وللواقع أيضا. كل شيء ممكن أن نفسره بالكسل، حتى استلقاء متفرجنا في مسرح أو سينما أو أمام ms079 التليفزيون «ليتفرج» على عمل فني عبيط يقهقه له قهقهات حنجرية جوفاء، سببه الكسل؛ كسلا عن أن يقرأ كتابا أو يشهد عملا يضطر معه أن «يعمل» عقله فيه. # بل حتى تسليم المرأة لنفسها أو تسليم المرأة للرجل؛ أحيانا كثيرة لا يكون عن تحلل أو انحلال وإنما عن كسل أن يقاوم المرء أو المرأة؛ فيرتكب الزلل كسلا. # أم يكون السبب أننا مطحونون تقديريا، سواء التقدير المادي أو الأدبي، بحيث يتساوى من يعمل بمن لا يعمل، وبحيث إن من يعمل ويعرق فعلا ينال الفتات، أم من يرشو أو يرتشي أو يتاجر حراما فهو - بكسل - يكسب الملايين؟ فتلك هي أكسل - وليس فقط أحرم - الوسائل للحصول على نفوذ. حتى كبار أغنيائنا لا يشكلون طبقة رأسمالية نشطة تبني صناعة أو تقيم مشاريع ضخمة تحتاج الدراسة والجهد، وإنما هي رأسمالية كسولة هدفها الربح من أكسل طريق؛ أي أحرم طريق. # أم هي المشاكل الصغيرة؛ الصغيرة التي تستحيل كل منها إلى مشكلة كبيرة؛ كبيرة حين لا تستطيع أن تجد لها حلا، وتتولى كذرات الدقيق أو الرمال الناعمة الترسب في مفاصلك الفكرية والنفسية لتحيلك في النهاية إلى ذلك الكائن المقعد إراديا أو الفاقد للإرادة كلية، الموكل إلى العناية الإلهية أن تحل لك المشاكل، في حين أن الله سبحانه قال: # وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون # والحديث الشريف يقول: «اعقلها وتوكل»؛ أي افعل الواجب عليك من عمل أولا ثم اترك الباقي للمولى، بل كثيرا ما نستعمل كلمة «الصبر» لنخفي بها الكسل، فنقول: اصبر على الشيء وكل شيء سيكون عال العال. آه من ذلك الصبر الذي يحفل به تراثنا الفكري والشعبي. إنه ذلك العدو القاتل للإرادة والعزيمة ... الصبر، ذلك الاستسلام المروض البغيض للمشاكل حتى يموت طموحك لحلها، ذلك الاعتماد المتهافت على «الزمن» لكي يحلها أو يحلك أنت وتحلل معه عزيمتك. # أفي تراث أي شعب في الدنيا مثل يقول: «الكسل أحلى مذاقا من العسل» إلا ذلك التراث العظيم؛ تراثنا؟! # أم هذا كله، مرة واحدة، ومعا، يكون ذلك الدقيق الرملي الناعم الذي يتسلل ms080 داخل وخارج وحول خلايا مخك وإرادتك وجسدك، ويحيلنا إلى تلك «الأجولة» البشرية السمينة، تتحرك في بطء قاتل؛ اللاهدف واللاخطة واللاعجلة لتصنع في النهاية ... لا شيء! وحياتك، لا شيء مطلقا تصنع! # | خريف البطريرك وصيفنا # على «بلاج» البحر اصطحبت «ماركيز»، ليس أروع من القراءة على صوت الموسيقى الهادئة الهادرة المتصلة بالبحر وهو يلامس في عناق عنيف رمال الشاطئ. هناك تستطيع أن تقرأ، وبين الحين والحين ترفع رأسك وترمق الأفق البعيد، ثم تمسح سطح البحر بعينيك متراجعا إلى أن تصل إلى حيث المستحمون، وصراخ الأطفال السعيد، والشماسي. ثم لا بد أن ترفع عينيك فورا بعد هذا وإلا اصطكت بجماعات المكدسين من متوسطي العمر وكبارهم، المكومة المتزاحمة على رمال الشاطئ تحت الشماسي، فإن منظرهم في الحقيقة يغم. إن فكرة عناق الطبيعة والذهاب إلى الشواطئ والغابات وصعود الجبال، أخذناها من أوروبا، وأوروبا نفسها اعتنقتها بعدما بشر بها فيلسوف فرنسي لا أذكر اسمه الآن؛ بناء على نظرية فلسفية عميقة تقول إن الإنسان هو ابن لصيق للطبيعة، وإن الحياة الحديثة (ولم تكن أبدا حديثة في ذلك الوقت؛ إذ كان هذا في أواخر القرن السابع عشر على ما أظن) تلك الحياة أخذت الإنسان من قلب أمه الأرض بكل تضاريسها ومياهها وجبالها، وأودعته علبا يسمونها بيوتا أو شققا، وخنقته في شوارع ضيقة وحارات وأزقة. ولا بد للإنسان لكي يستعيد توازنه أن يخلع عن نفسه هذا كله، ويعود مرة أخرى ابنا للطبيعة البكر، يذهب إلى البحر والمحيط ويسبح أو يتمشى ويصعد الجبال، يبيت في الغابات. وإن زاد هذا التغير في المحيط يغير في النفس البشرية ويجلو عنها صدأ الحياة المملة الراكدة الرتيبة المحترقة في الحجرات. كان شعار ذلك الفيلسوف هو «العودة للطبيعة» كأثر حتمي لإعادة توازن النفس البشرية. # وكمقلدين للغرب باستمرار، أخذنا هذا المبدأ عنهم، ولكننا أخذناه كما نأخذ «المودة» في كثير من الأحيان، لا عن فهم حقيقي لما تعنيه «المودة» والسبب في ظهورها، وإنما عن رغبة في التقليد ليس إلا. # ولكن انظر إلى «بلاجاتنا» واعجب ما شاء لك العجب؛ ms081 فالأسرة مكومة لا يتحرك أفرادها تحت الشمسية. قد استعدت لفلسفة الارتماء في أحضان الطبيعة بكميات وافرة من المشروبات والمأكولات، حتى المحشي تجده معهم، جالسين طوال اليوم بلا أدنى حركة، قد غطوا أجسادهم حتى لا تراها أي شمس، أو تلحقها أي نسمة هواء. حين انتشرت مودة «الحجاب»، صرنا نرى النساء محجبات وأثوابهن طويلة طولا لا حد له، بل إني رأيت بعض المنقبات في بلاجات الإسكندرية، مع أن أصل اللجوء إلى أحضان البحر أو الطبيعة أن ينفض الإنسان عن نفسه كل ما يستطيعه من أردية مصنوعة ومصطنعة، وأن يتعرى جسده أو معظمه، لا عن استعراض ودنس للأجساد وإنما عن رغبة حقيقية في تعرض جسده الأصفر الشاحب إلى أشعة الشمس والهواء النقي؛ حتى تعود مسام جسده تتنفس في حرية، وحتى تتطهر رئتاه من الأدخنة والشوائب، ويعود لجلده لونه وصحته. # للأسف أخذنا قشرة الفكرة ولم نأخذ محتواها الحقيقي؛ وهكذا تحولت بلاجاتنا إلى مآكل ومشارب في الحقيقة تضر الصحة ولا تنفعها. وحسبنا أن نرى الماء وكأن مجرد رؤيته تجعلنا نحس أننا نستحم فيه ونعوم، وحسبنا أن نرى الشمس، وكأن مجرد رؤيتها سيكسبنا الصحة والعافية. ~~ وبالمناسبة فكرة اللجوء إلى أحضان الطبيعة ليست غريبة علينا نحن العرب؛ فأنا أعرف عادة أهل الجزيرة العربية كلها من الطلوع إلى البر، كما نقول، والبيات فيه، وهي نفسها بالضبط مبنية على الأسس الفلسفية للخروج إلى الطبيعة البكر أو بالأصح العودة إليها. ~~••• # نعود إلى «ماركيز». # أو بالأصح جابرييل جارثيا ماركيز، أنبغ كتاب أمريكا اللاتينية، والحاصل في العام قبل الماضي على جائزة نوبل للأدب عن روايته الرائعة «مائة عام من الوحدة»، أو بالمعنى الأدق كثيرا «مائة عام من العزلة». # قرأت هذه الرواية قبيل حصول ماركيز على جائزة نوبل، وقرأتها بالإنجليزية، وكانت سمعة ماركيز قد بدأت تستشري في العواصم الأوروبية، فسمعت عنه في باريس ولندن واستوكهلم، واشتريت كتابه ومجموعة قصص له، وبدأت بقراءة الرواية. وفي الحقيقة حين انتهيت من قراءة الصفحات الخمسين الأولى كنت مبهورا أشد الانبهار، فها هو كاتب من عالمنا الثالث، يغوص ms082 في قاعه وفولكلوره، ويخرج لنا بطريقة جديدة تماما في كتابة الرواية، جديدة على العالم الغربي! هذا صحيح، ولكنك كقارئ عربي تحس فيها أصداء من ألف ليلة وليلة وآثارا عربية كثيرة أخرى؛ في طريقة القص، وفي حياة الأبطال، تجعلك تكشف أن آثار العرب على الإسبان وعلى البرتغال كان قويا جدا، إلى الدرجة التي انطبعت فيها تلك الآثار على حياتهم بطريقة لا تمحى. ما زلت أذكر مثلا ما نسميها في محافظة الشرقية (محافظتنا بالمناسبة) ب «السحارة» أو ذلك الصندوق المبرقش بألوانه الزاهية، والذي يعتبر جزءا لا يتجزأ من جهاز أي عروس، ففيه (قبل كل فكرة الدولاب) تضع العروس وتحفظ ملابسها ومصاغها، وكل مقتنياتها الغالية. أنا شخصيا لا زلت أذكر «سحارة» جدتي، أو بالأصح أم جدتي، التي ربتني صغيرا، وعاشت إلى أن جاوزت المائة عام. ~~ وكان محظورا عليها شرب القهوة، وكانت ابنتها «جدتي» شديدة الصرامة معها في هذا، وشديدة الصرامة معي أيضا. وكنا نحن الاثنين، أنا وأمها، نتآمر عليها؛ فكنت أسرق لها البن والسكر من «مجامع» جدتي التي كانت تحتفظ بها فيما نسميه «الصفة» أو الشيء القديم المقابل لدولاب المطبخ أو حتى الفريجيدير؛ إذ كان يحتفظ فيه باللبن والبن والسكر والزبدة والجبن ... ~~ إلخ. # كنت أسرق لها البن والسكر، وأستعير لها قليلا من «المضغة» من جدي، وكان طبيبا وإنسانا ومتسامحا، مع أن جدتي كانت تبخل عليه بثمن هذا الدخان الذي يمضغ. وكانت أم جدتي تجازيني عن هذا كله بأروع وأجمل جزاء؛ فقد كانت تحكي لي عن تاريخ عائلتنا، وعن فرحها، وعن التقاليد القديمة التي انحدرت إلينا مع أصولنا العربية؛ إذ إن عائلة أمي أصلها من الجزيرة العربية، وكانت أحيانا يروق لها تماما حين تتذكر الأيام الخوالي، فتبدأ تغني الأغاني القديمة التي زفت بها. والغريب أنني سمعت نفس هذه الأغاني يغنيها بعض أهل البادية في الكويت والسعودية، باختلاف قليل في اللهجة؛ إذ كان ممتزجا بطريقة الغناء الكنسي القبطي كما سمعته في زفاف نجل أحد أصدقائي الأقباط يغنى في حفل إكليله. وهو غناء يبدو لك وكأنه ms083 خيط طويل متصل، ولكني الآن أستطيع وأنا أسترجع تلك الأغاني أن أعثر فيها على أصالة التعبير الغنائي العربي؛ فالغناء الشرقي هو في حقيقة أمره غناء تركي يختلط بغناء إيراني، أما الغناء العربي فإنك لا بد واجده في بعض أجزاء متناثرة من الجزيرة العربية أو كما وجدته أنا في أغاني جدتي. # جعلني ماركيز - سامحه الله - أسرح مع عائلتي وجدتي وأم جدتي؛ فالحقيقة أنه عن عمد اكتشف أن الأصالة ليست كلمة ولكنها غوص حقيقي في التراث الشعبي والأغاني الشعبية والتقاليد الشعبية، مع رفعها إلى درجة الحداثة التكنيكية أو لغة العصر السائد في الدنيا كلها الآن. ~~ وهي معادلة، الغريب أنها لم تراود «ماركيز» فقط، ولكنها راودتنا هنا قبله بكثير؛ فحين بدأت كتابة القصة القصيرة في الخمسينيات، كان هذا هو هدفي الذي لم أحد عنه، وإن كنت دائم التطوير له، ونفس الشيء بشرت به في عام 1963م في مقالاتي؛ نحو مسرح مصري - نحو مسرح عربي، والتي على أساسها كتبت مسرحية «الفرافير» مستمدة من صميم تراثنا المسرحي الشعبي. إذن نحن كنا - عفوا يا ماركيز - قبلك بكثير، نضمر هذا ونكتبه. # ولكن براعة ماركيز أنه كتب بهذه الطريقة الروائية، في حين أن روايتنا العربية لا تزال سائرة على الدرب الأوروبي، سواء درب بلزاك والتسجيليين كما كتبه كتاب القرن التاسع عشر أو كتاب الرواية الحديثة التي تأثر بها الروائيون الجدد مثل آلان روب جرييه وناتالي ساروت. # ماركيز أخرج الرواية تماما من ثوبها الأوروبي وكساها ثوبا أمريكيا جنوبيا إسباني الأصل، فالإسبان الأول حين هاجروا واحتلوا أمريكا الوسطى والجنوبية من المكسيك إلى أقصى طرف في الجنوب الأميركي، حملوا معهم كل ما التقطته الشخصية الإسبانية من الغرب، ولم يلبسها الثوب الأميركي الجنوبي، ولكن بالتحديد الثوب الكاريبي. ولقد ذكر لي أكبر الناشرين في أمريكا وإنجلترا أن أعظم أدبين معاصرين هما الأدب الكاريبي المعاصر والأدب العربي المعاصر، كل ما في الأمر أن الأدب الكاريبي حظه أحسن؛ لأنه يكتب بالإسبانية، وهناك آلاف من الإنجليز والأمريكيين والفرنسيين والألمان يتقنون اللغة الإسبانية؛ ولذلك تمت ترجمة ذلك ms084 الأدب، وانتشر بشدة في العالم الغربي بالذات. # والحقيقة أن هذا ليس السبب في انتشار الأدب الكاريبي؛ فقد أخذ الكتاب الكاريبيون في كولومبيا (بلد ماركيز) وجواتيمالا وكوبا وغيرها يطورون من فكرة الأصالة حتى توج ماركيز ذلك البحث باكتشاف طريقة كاريبية حقيقية لكتابة الرواية. والرواية هي الفن الكتابي الأول في العالم الغربي؛ ذلك أن القصة القصيرة لا توجد إلا حيث يولد كاتب قصة قصيرة موهوب موهبة نادرة، فلا شيء اسمه «حركة» القصة القصيرة في العالم العربي أو الغربي، دائما توجد فلتات موهبة لكتابة القصة القصيرة على مدى التاريخ الإنساني كله، فبينما هناك العشرات والمئات من كتاب الرواية على طول التاريخ الإنساني، فكتاب القصة القصيرة وكتاب المسرح، عددهم قليل جدا، ففي التاريخ العربي الحديث كله لا يوجد إلا كتاب نبغوا في كتابة القصة القصيرة وطوروها؛ بوكاشيو الإيطالي، ثم موباسان الفرنسي، ثم إدجار آلان بو الأميركي، ثم تشيكوف الروسي. وتستطيع بصعوبة بالغة أن تحشر معهم وليم سارويان الإسباني الأميركي، وكاتبا هنديا آخر اشتهر لأنه يكتب بالإنجليزية. # بعد الصفحات الخمسين التي انتهيت منها، عاودت القراءة في اليوم التالي، ووجدت أني بعد أقل من عشر صفحات أعاني صعوبة بالغة في استمرار القراءة؛ ذلك أن الذي روعني في مبدأ الأمر كان هو جدة الطريقة وروعتها، ولكن لكتاب الرواية قدرا غريبا على الصبر، وأنا بطبيعتي ملول لا أحتمل الصبر؛ إذ يصبر كتاب الرواية ويستطيعون أن يكدحوا بالكتابة يوميا وفي دأب شديد، ويغرقوا أنفسهم وقراءهم في تفاصيل كثيرة جدا وشخصيات؛ حتى إني كتبت جدولا بأسماء شخصيات ماركيز وأوصافهم لأتعرف عليهم كلما ورد ذكرهم في ثنايا الرواية. # وكدت أدع الرواية جانبا ولا أكملها وقد مللت، وكنا في الشهر الثامن فعلا والدنيا صيف لا تزال، لم أستطع إكمالها، وركنتها جانبا. ولكن في الشهر التاسع أعلنت جائزة نوبل فإذا بماركيز يفوز بها، وكان علي أن أعود إلى الرواية لإكمالها. وأقول لكم الحق - وليقل علي النقاد ما يشاءون - إني أكملتها بصعوبة بالغة؛ فلماركيز طريقة في الكتابة تحتاج لصبر كثير لمتابعتها؛ فهو دائما يعود ms085 ويكرر ما قاله دائما بطريقة مختلفة قليلا أو كثيرا عن المرة السابقة، ولا أزال أتذكر أنه في روايته «مائة عام من العزلة» سمى أبطاله نفس الأسماء، فكان يقول جابرييل الثاني عشر أو رامون الخامس، وهكذا. ويختلط عليك الأمر، وترجع للجدول الذي كتبته، وبالكاد تستطيع أن تتابع ما جرى على رامون العاشر ليصبح رامون الحادي عشر. # واكتشفت في النهاية أن ماركيز يقصد بهذا أن يقول إن الأشخاص هم نفس الأشخاص رغم توالي وفاتهم وميلادهم؛ ذلك أنه كان يتحدث عن الفئة الحاكمة في أمريكا الوسطى والجنوبية، وهم في الغالب جنرالات؛ إذ إن أمريكا الجنوبية تحيا منذ أكثر من مائة عام على الانقلابات العسكرية. # وفي روايته التي «فرغت» من قراءتها (خريف البطريرك) وهي مترجمة ترجمة «شامية» إلى العربية أو بالأصح ترجمة لبنانية. وأنا في الحقيقة مع احترامي للمترجمين اللبنانيين إلا أن طريقتهم في استعمال اللغة العربية مختلفة تماما عن طريقتنا في مصر أو في أي مكان آخر من الوطن العربي؛ حتى إني لأول مرة أعود للقاموس المحيط لمعرفة بعض معاني الكلمات التي أوردها الأستاذ المترجم، وخاصة أن الطيور والأشجار في هذه الرواية (خريف البطريرك)، التي هي في حقيقتها لوحة هجاء، طولها يقارب الثلاثمائة صفحة للدكتاتوريين العسكريين الذين يحكمون معظم بلدان أمريكا اللاتينية، وإذا كانت وسطى أم جنوبية، لم أقرأ في حياتي هجاء بهذا الطول والإحكام والروعة. # إن ماركيز يتحدث عن البطريرك الذي كان باستطاعته أن يغير الوقت؛ فقد صحا ذات يوم على أثر أرق، وكانت الساعة الثالثة صباحا؛ فقرر في التو أنها الثامنة صباحا؛ فأصدر مرسوما جمهوريا بذلك. وكانت النتيجة أن سلم الشعب بهذا الهذيان، ورسموا الشمس الطالعة على الجدران، وصحوا من النوم وزاولوا نشاطهم وكأنهم في الثامنة صباحا فعلا. وقد تكون هذه مبالغة، ولكنها مبالغة تشبه ذلك القول المأثور من أن الكلام الهزل يحوي كثيرا من الحقيقة؛ فقد كان يحكم مصر ذات عام من مئات الأعوام الحاكم بأمر الله، الذي أصدر قرارا بأن يعمل الناس ليلا في مصر وينامون بالنهار؛ لأن النهار ms086 حار، والليل جوه لطيف يغري بالعمل. وأصدر أمرا كذلك بمنع أكل «الملوخية»، ونفذ الشعب القرار، وأشرفت الشرطة على تنفيذه. # بطريرك ماركيز أوقف الشمس مرة، وأمر بمرور النجم المذنب فمر، وسأل مرة حاشيته عن كم الساعة، فقالوا له: الساعة التي تريدها يا فخامة الرئيس، ماذا تريدها بالضبط لتكون. يمسك ماركيز بتلابيب هذا البطريرك العكوي، ويرسم حياته بمسمار جداري رفيع النهاية كالإبرة، ينحت به لوحات إثر لوحات إثر لوحات؛ لوحات مبالغ فيها؛ سيريالية، وواقعية جدا، وانطباعية، وتكعيبية، وتخريفية، ومهووسة، وفاجرة، وداعرة، ومتطرفة - يا إلهي - لكم أورد ماركيز من الأوصاف المقرفة حقا! # في روايته ما يدفعك للقيء، ولا يتوانى عن استخدام ألفاظ تقشعر لها أبدان القراء في عالمنا العربي لو ذكرت؛ ألفاظ «قبيحة» ومكشوفة، ويكتب أحيانا بروث البهائم وأحيانا بروث الآدميين، أو بمؤخراتهم. ولا يهم الطريقة؛ لو فعلها أي كاتب منا في عالمنا العربي لصلب وجلد ورجم ودمغ إلى الأبد. كل الخرافات الشعبية عن الجنس هناك، والذي لا بد كانت جدودها وجداتها عنده حواديت ألف ليلة وليلة وكتاب رجوع الشيخ إلى صباه والكامار سوتزا الهندي. # يختلط في روايته الجد بالهزل بالسخرية بالمبالغات بالخرافات بالحقائق، إنه كتب بعض أجزاء هذه الرواية بجسده كله، بركلاته، بقبضاته، ببصاقه أحيانا، وكأنه طفل مجنون أطلق له العنان ليفعل بالقارئ ما يشاء، ويقول ويكتب أي شيء. أعود وأقول أي شيء يخطر له عن البطل أو عن غيره من شخصيات الرواية، في حرية، بل الأصح في انطلاق لا يحده حاجز من لغة أو تقاليد أو قيم أو دين أو حتى عقيدة؛ أي عقيدة. # كان هذا هو انطباعي لدى قراءتي للخمسين صفحة الأولى أيضا، كما حدث لي مع روايته «مائة عام من العزلة»، ثم وجدت كل شيء بعد هذا لدى ماركيز يكرر نفسه، عودا على بدء، صور ورؤى أخرى ترفعك إلى منتهى الشاعرية وتنحط بك - لا مؤاخذة - إلى أسفل سافلين من اللفظ أو الصورة أو المعنى. # وكففت عن القراءة، فلم يعد جديدا في الرواية، إنما هو افتعال وتجديد لنفس ونفس الطريقة ms087 بصور أخرى وبشخصيات خانعة للدكتاتور العظيم الجديد ولكنها في نفس الوقت مكررة. # إن كتابة ماركيز تشبه سلسلة من الدوائر المتداخلة؛ فهو في صفحاته الأولى يرسم الرواية كلها (وهنا قصة البطريرك من بداية قلبه لنظام الحكم السابق إلى حالة الشيخوخة التي انتابته بعد مائتي عام من العمر والشيخوخة المقرفة الممجوجة الصارخة القبح). يرسم الرواية كلها في صفحة أو بضع صفحات، ثم يعود يرسمها في دائرة حول الدائرة الأولى دائما أكبر، ثم يعود يرسمها في دائرة ثالثة أكبر وأكبر، وهكذا لا بد حين تقرؤه أن توطن نفسك على أن تظل تدور وتدور، وحين تنغلق دائرة تجد نفسك في الصفحة التالية في محيط لنفس الدائرة، ودائما على اتساع أكبر وهكذا. # وهذه طريقة «ماركيزية» تماما في الكتابة، يخيل إلي أنها خاصة بماركيز وحده، وأنا شخصيا لا تهمني طريقة الكاتب، فلكل شيخ أو كاتب طريقته، إن ما يهمني حقيقة هو كم ما أحصل عليه، سواء من متعة مضمون أو متعة شرح. والحقيقة أن متعتي برواية «خريف البطريرك»، وقد تابعت قراءتها بصعوبة بالغة، وقد وصلت روحي في أحيان إلى الحلقوم من كثرة تكرار التفاصيل والأسماء والوقائع. تابعت قراءتها لشغفي بكل ما أورده ماركيز عن الحياة في أمريكا الوسطى؛ تلك البلاد ذات المناخ الرطب الممطر الحار، الحافلة بالبراكين والخرافات؛ خرافات البر والبحر والغابات والأساطير. فيها كل ما في الجو الاستوائي من اختناق، وكل ما في الناس من حيوية وطيبة وفقر وذل؛ نتيجة للحكام العسكريين الذين تدعمهم - كما يقول ماركيز في روايته - ثلاث سفن من حاملات «المارينز» أو جنود الأسطول الأميركي. # بلاد غريبة عنا تماما وقريبة بالدم منا جدا. # والمصادفة المحضة هي التي جعلتني أقرأ «خريف البطريرك»، وأتشبع وجدانيا بها، في نفس الوقت الذي أتابع فيه مباريات كأس العالم المذاعة من المكسيك، التي وإن كانت تمت إلى الجزء الشمالي من أمريكا إلا أن أصلها الإسباني الهندي الأحمر قريب الصلة جدا بأمريكا الوسطى والجنوبية. # | جولة في عقول القراء # جولة خطيرة داخل العقل المصري، وفي أحيان كثيرة العربي، وجدتني غارقا ms088 فيها. جاءت الخطابات ردا على محاورتي التي بدأتها مع الأستاذ خالد محمد خالد حول مفهومه الأخير عن الحكم الإسلامي وتطبيق الشريعة ، والتي أجابني عنها، وتدخل الدكتور فرج فودة مشكورا، ثم أخيرا الأستاذ الكبير الدكتور فؤاد زكريا. # جولة خطيرة لأنني لأول مرة أتلقى هذا العدد الرهيب من الخطابات حول موضوع واحد، وتجيئني خطابات من مختلف قطاعات الشعب، بدءا من كبار رجال القضاء والسياسيين والقادة، إلى تلامذة المدارس الثانوية وحتى الإعدادية، إلى العمال والحرفيين وبعض الفلاحين والمزارعين. وكم كان بودي - ولا يزال هذا قصدي - أن أهدي تلك الرسائل إلى قادة الأحزاب السياسية، وبالذات إلى مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام والجامعات؛ لأنها بمثابة كشف بالأشعة على الوجدان والعقل المصريين، وأخذ فكرة مهمة عن محتوياته ومكوناته؛ تلك التي لا يتاح لنا رؤيتها في معظم الأحيان. ولندع الموضوع جانبا، فسنأتي له حالا، ونتعرف أولا على شكل تلك الخطابات؛ فقد لاحظت ارتقاء غريبا في أسلوب الحوار، سواء معي أو ضدي، ومنطقا هادئا في أحيان، مشتعل الجذوة في أحيان أخرى، ولكن دائما هناك «منطق» ما وأساس حوار، وهذا شيء مفرح حقا؛ فقد كانت المعارضة للرأي تتخذ شكل السباب والاتهامات في معظم الأحيان، أما هذه المرة فشيء غريب ألا أجد خطاب سباب واحدا، ليس هذا فقط، بل إن الجميع، حتى من يعارضون، يفترضون حسن النية في الكاتب وصدقه في الإيمان بما يقول، وأقصى تأنيب يرد هو دعوة الله سبحانه «لهدايته». # نحن فعلا - مهما نقدنا أنفسنا - شعب متحضر حقا؛ ولهذا فإني أعتقد أن كل الدعاوى الداعية إلى التطرف دعاوى تزرع أو تستزرع في أرض مصر، ولكنها دائما وأبدا تبقى بلا جذور؛ فإن طبيعة شعبنا تكره من أعماق قلبها التعصب الأعمى المقيت، فما بالك بالعنف المتعصب أو التعصب العنيف! إنها موجات، تثور أحيانا ربما لأسباب لا علاقة لها البتة بالقضية أو العقيدة أو الدين، ولكن سرعان ما يئوب الشعب أو طائفته إلى الحكمة وتغلب عليه طبيعته المتحضرة؛ ليس عبثا إذن أننا أقدم أو من أقدم الشعوب الموجودة على سطح الأرض. ms089 ~~ والقدم هنا هو العراقة البشرية وتراكم الخبرات والمعارف والثقافات؛ بحيث تترسب طبقات التحضر بعضها فوق بعض، وتؤدي في النهاية إلى إنساننا اليوم. ذلك الإنسان الذي ما ذهبت إلى بلد أوروبي أو غير أوروبي وسألت الشخص أو الأشخاص الذين زاروا مصر عن أحسن ما أعجبهم فيها، ولدهشتي كنت لا أسمع كلمة الأهرام أو أبي الهول أو المتحف أو أسوان الجميلة، ولكن الإجماع على أن الشعب المصري ودماثة طبعه وحلو معشره ورغبته المستمرة في محاولة مساعدة الغير، والشهامة في معاملة الغريب؛ الإجماع على أن الشعب المصري هو أجمل ما في مصر. وحتى حين حاولت مرة أن أختبر حماس كاتب سويسري زار القاهرة ومكث فيها شهرا، وقلت له: إن النظافة في القاهرة سيئة كما لا بد أن لاحظت. أجابني إجابة غريبة قائلا: إن القذارة في القاهرة موجودة في الشارع والحارة، ولكن الشوارع هنا (يقصد سويسرا) نظيفة جدا كما ترى، في حين أن القذارة موجودة داخل العقول، أما شعبكم فعقوله من الداخل أنظف بكثير من أية سويسرا. # وأستطيع أن أقسم تلك الخطابات تقسيما رئيسيا وأقول: إن ستين في المائة منها تصور أني ضد تطبيق الشرع الإلهي، وأخذ يسوق حججه «لإقناعي» على هذا الأساس، بالتفصيل والتحديد، وأحيانا في خطابات من خمسين صفحة. # أما الذي دهشت له حقا فهو أن هناك نسبة كبيرة جدا فهمت تماما ما أعنيه، وأيدتني فيما ذهبت إليه، وراحت بدورها تسوق حججها للدولة على رأيها، وكأن كلا منهم يكتب مقالة أو يتصور أن خطابه سينشر! وكم كان بودي أن أفعل مع هؤلاء وهؤلاء، ولكن العملية مستحيلة تماما، فالكم هائل والاستحالة مؤكدة. أجل أدهشني أن عددا كبيرا جدا من الناس أفرج هذا الحوار - والذي دار بين الأستاذ خالد محمد خالد وبيني - قد أفرج عن آرائهم التي كانوا يحبسونها إما خوفا وإما ترددا ولا مبالاة، وإما عدم إدراك لخطورة المشكلة وأبعادها. هؤلاء أسعدهم كسر هذا «التابو» أو المحرم الذي كان يحول بين الإنسان وبين مناقشة - مجرد مناقشة - قضية تتعلق، ليس فقط بمجتمع الحاضر وحياته، ms090 بل به هو شخصيا وبعائلته وأولاده ومستقبل بلادنا القادم كله. كيف يمكن لقضية كهذه أن توضع موضع التحريم بحيث يعتبر أي متصد لها كافرا أو ملحدا أو زنديقا، وكأن بعض الناس قد أقاموا من أنفسهم أوصياء على المصريين يفكرون لهم ويشرعون ويفرضون الرأي بالقوة أو بالكثرة، غير عابئين مطلقا بأن هناك مواطنين آخرين، مخلصين مثلهم تماما، ومؤمنين مثلهم تماما، ولهم نفس الحق في قول الرأي أو مناقشة الرأي إذا قيل، بل مناقشة حق هؤلاء الناس في «فرض» الرأي، واتهام من يعارضه بالخروج من جنة الدين وسماحة الإسلام. # وبالمناسبة أقول: إن هذا التطرف في فرض الوصاية والتعصب على المسلمين يقابله في الناحية الأخرى تعصب من بعض المتطرفين الأقباط. وهذا وإن بدا طبيعيا إلا أنه في النهاية لا يقل سوءا عن التطرف في الناحية الإسلامية. ~~••• # أما الذي لفت نظري حقا فهو أن معظم الخطابات التي شابها التشنج والعصبية جاءت من بعض المصريين الذين يعملون في دولة بترولية عربية، وبعض مواطني تلك الدولة. وهذا شيء في نظري لا غرابة فيه بالمرة؛ فإن الطريقة التي يطبق بها الإسلام، وينادى بتطبيقه في تلك الدولة، طريقة متشنجة متعصبة، لا تأخذ من الإسلام سوى قشرته الظاهرية من لباس أو قناع، وتترك روحه ورسالته الإنسانية الحضارية الكبرى جانبا؛ لأن الإسلام لو طبق تطبيقا حقيقيا سليما لتقوضت أنظمة كثيرة ترفع راية القشرة الإسلامية وتتجاهل عن عمد جوهره العظيم. # ومن «أمثلة» تلك الخطابات عدد منها يسائلني باستنكار كبير: كيف أجادل في تطبيق شريعة الله وأنادي بتطبيق تلك القوانين الوضعية التي يضعها البشر؟ # وهذا هو لب الموضوع، فإن أحدا لا ينادي أبدا بعدم تطبيق الشريعة الإلهية الإسلامية؛ إنه يكون مجنونا لو فعل؛ فالشرائع السماوية كلها - وعلى رأسها الإسلام - فوق أنها أمر الله سبحانه وتعالى إلا أنها لم تأت إلا لتقيم العدل بين البشر؛ العدل السياسي بمبدأ الشورى، والعدل الاقتصادي بمبدأ الزكاة، والعدل الاجتماعي بالمساواة التامة بين البشر. من هو المجنون الذي يعترض على شريعة الله، معاذ الله؟! إنما المشكلة أيها الإخوان ms091 العاملون هناك أن الشريعة حقا وصدقا شريعة الله، ولكن من يطبق تلك الشريعة؟! مرة أخرى أتساءل: من سيطبق أو يطبق تلك الشريعة؟ أليسوا هم البشر؟ أليس هم أناس مثلي ومثلك حتى لو كانوا من فطاحل الفقهاء؟ إذن الشريعة شريعة الله، ولكن التطبيق يبقى دائما وأبدا من صنع البشر ومن أفعالهم ومن آرائهم؛ وبهذا لا يكون للمطبق نفس قداسة الشريعة؛ فالشريعة سماوية والمطبق بشر، عرضة لأخطاء البشر وأهواء البشر. # ودعونا نأخذ مثلا طازجا وأخيرا: الأستاذ الكبير خالد محمد خالد، وهو من هو؛ ممن لا نشك لحظة في صدق دعواه واجتهاداته، يقول: إن تطبيق الشريعة لا بد أن يحتوي على أن تكون الأمة مصدر السلطات، وأن المسلمين يختارون ممثليهم وحاكمهم بالانتخاب الحر المباشر، وأن الحقوق الديمقراطية الكاملة مشروعة وواجبة للمواطن المسلم وغير المسلم؛ مثل حق إبداء الرأي وحرية العقيدة إلى آخر ما يغطي ما يسمى بالحقوق الديمقراطية للمواطنين كافة في العالم المتحضر الآن. ويجيء شيخنا الكبير الأستاذ عمر التلمساني ليعطي تفسيرا مختلفا تماما لتطبيق الشريعة باعتبار أن فكرة الديمقراطية نفسها فكرة غير إسلامية، وله مقال في جريدة الشعب حول هذا الموضوع، لا يتناقض فقط مع آراء الأستاذ خالد محمد خالد، ولكنه يكاد يعارضها تماما جملة وتفصيلا. ثم تقرأ للأستاذ الدكتور عمر عبد الرحمن كتابا يقول شيئا ثالثا مختلفا تماما مع الأستاذين الجليلين. # وعماد هذا القول أن الأمة ليست مصدر السلطات، ولكن الله سبحانه وتعالى هو مصدر السلطات؛ بمعنى أن القرآن الكريم هو مصدر السلطات، ولكن الدكتور عمر لم يخبرنا عمن سيفسر لنا ما ورد في القرآن الكريم من أحكام. حتى لو كان هو المفسر، أليس هو بشرا؟ أليس هو مواطنا مصريا؟ أليس هو واحدا من شعب كبير له نفس الحق أن يختار من يحكمه وأن يلزم الحاكم بالشورى ويحاسبه؟ أم أن الحاكم سيكتسب - في رأي الدكتور عبد الرحمن - سلطات إلهية بحيث لا يمكن محاسبته؛ وهو الأمر الذي لم يزعمه أبدا خلفاء النبي # صلى الله عليه وسلم # الذين قالوا، وهم أحباء النبي وأصدقاؤه، ms092 والأعمدة التي قام عليها الإسلام نفسه: إن رأيتم فينا اعوجاجا فقومونا. إذن هم لم يأتوا باسم حق إلهي أن يحكموا المسلمين ، وإنما جاءوا نتيجة ترشيح من الأمة أو من أمير المؤمنين الأسبق، ولم يصبحوا خلفاء وأمراء للمؤمنين إلا ببيعة (أو انتخاب حر مباشر) قام بها كل مسلم في المدينة آنذاك. # من هذا الاختلاف ترون أيها الإخوة أن القضية ليست شريعة الله؛ فهذا أمر لا خلاف عليه، إنما القضية الحقيقية هي التفسير البشري والتطبيق البشري لتلك الشريعة السمحاء، واختلاف البشر لأنهم بشر، ولكونهم بشرا في اجتهاداتهم لتطبيق تلك الشريعة. # وهذا هو عين ما تساءلت عنه في مقالي الأول للأستاذ خالد محمد خالد: شريعة من نطبقها؟ لم يكن تساؤلا حول المبدأ الإلهي الذي لا نقاش فيه، وإنما عن الاجتهادات والأهواء البشرية في تطبيق تلك الشريعة؛ فجعفر نميري «طبق» الشريعة وأرغم السودانيين - أو بعضهم على الأقل - بأن يبايعوه «إماما» لمسلمي السودان مدى الحياة. وفرح كثير من الدعاة المصريين أن نميري قد هداه الله وطبق شريعته، ولكن تقويض حكم نميري لم يوقفه هذا التمسح والتسربل بالدين؛ ذلك أن الدين ليس تكأة للطغاة الحاكمين يتسترون وراءه، ويعيثون بعد هذا في الأرض فسادا. الدين، العقيدة هو أسمى ما يفعله الناس بحياتهم، ولا يمكن أن يكون وسيلة طاغ أو ديكتاتور. # في سياحتي تلك داخل عقول كثير من القراء أدركت واكتشفت أن ثمة غسل مخ خطيرا قد حدث ويحدث للإنسان المصري والعربي، وأن هذا الغسل قد قام به بعض الدعاة الذين تربعوا على عرش وسائل الإعلام. ورغم استنكارهم للحضارة الغربية ومساوئها فإن نفس وسائل تلك الحضارة، وعلى رأسها التليفزيون، هي التي اتخذوها وسيلة لغسل مخ المواطنين الطيبين البسطاء الذين يعبدون الله عن حب وليس عن رهبة، وعن رغبة في طاعته وليس خوفا من داعية أو تنظيم. # إن التليفزيون في عصرنا الحاضر قد أصبح هو صانع عقل المواطن وتفكيره؛ فالخطابات التي جاءتني كان معظمها يردد كالببغاء ما ألقي في عقله من مفهومات من خلال التليفزيون. ~~ والمشكلة هي أن تليفزيوننا ms093 مثله مثل بقية التليفزيونات العربية لا يتيح الفرصة للرأي الآخر، أو حتى للمناقشة أو حتى الاستفسار؛ إنه يجعل الناس تجلس هكذا كالمسلوبة العقل والإرادة تستمع لما يلقى عليها ويحفظ لها (بتشديد الفاء) وكأنهم أطفال في كتاب. وهكذا يتعود عقل المواطن على أن يستقبل فقط، ويردد فقط، ويكف عن التفكير تماما؛ انتظارا للداعية أن يفكر له وأن يعطيه الأوامر. إنها مأساة حقيقية صنعتها وسائل الإعلام والنقود المنصبة على الألسنة والأقلام، والهدف في النهاية؛ أقولها لكم وأهتف بها: تقويض مصر؛ مصر الإيمان، ومصر العقل، مصر العلم، ومصر الثقافة؛ ليتيح لهذه الدولة أو تلك أن تحتل مكانتها في قيادة العالم العربي والإسلامي. ولكن، عبثا ما يحاولون؛ فالزبد سيذهب جفاء وما ينفع الناس سيبقى - إن شاء الله - في الأرض؛ أرض مصر العامرة، يا تابعي وزارات الإعلام في بعض الدول التي تهب رياحها الشرقية تحمل لنا التخلف والجمود، وتريد أن ترجع بنا القهقرى؛ عسانا نتأخر وتتقدم هي. فانتبه إلى ما يراد بنا، وللأسف، على أيدي بعض المصريين. مرة أخرى أكتفي بالإشارة هنا؛ فالمسألة قد زادت على حدها، وتدخل تلك الدولة للعبث بالإيمان المسلم المصري والعقل المصري قد زاد على حده، ولا بد معه من وقفة صريحة واضحة نضع فيها النقط فوق الحروف، ونخرج النقود من الجيوب ونتفحصها لنعرف في أي بلد صكت. # إننا مسلمون أبا عن جد؛ مسلمون بالميلاد، ومسلمون بالاختيار، ولا نريد العبث بإيماننا هذا، ونرفض هذا العبث وندينه، والمسألة في حاجة إلى صرامة مطلقة نعالج بها هذا الخطر القادم من الشرق. # | الجائزة رقم 40 مليون # وصلني هذ الخطاب، من خطابات كثيرة، جعلني أفكر فعلا في تبني بريد القراء، وأن أتولى مسئوليته. وقلت هذا الخاطر للأصدقاء والزملاء؛ فكان محل دهشتهم؛ ذلك أن باب البريد في أي جريدة أو مجلة يعهد به في معظم الأحيان إلى محرر ناشئ أو ربما تحت التمرين، باعتبار أن ليس عليه سوى أن يختار بعض الخطابات أو مقتطفات منها وينشرها. وتلك مهمة لا تستدعي أية موهبة خاصة أو خبرة أو ms094 محررا أو كاتبا كبيرا من كتاب المجلة أو الجريدة. # أنا شخصيا كنت أرى العكس تماما، وكنت - ولا أزال - أعتقد أن بريد القراء هو أهم أبواب المجلة، إذا نظر إليه من زاوية تفعل كالمنشور الزجاجي، وتحلل عوامله ومكوناته. ~~ وطالما تمنيت أن أتولى الإشراف على هذا الباب، رغم إدراكي أنه بالطريقة التي أراه بها، عبء شاق كبير على أن أحمله فوق كتفي. # ذلك أنه في مجمله رجع الصدى، والإشارات الخافتة في أحيان كثيرة التي ترد من الطرف الآخر للكون، وتقول ما معناه: نحن هنا، ونحن نرى كذا أو كذا، ونحن نتفق معكم في كذا ونختلف اختلافا جذريا في هذه المنطقة أو تلك. # فصحافتنا، مثل معظم وسائل إعلامنا، إن لم تكن كلها، هي محطات إرسال تمسك فيها بالميكروفون أو بالقلم، وهات يا كلام أو هات يا كتابة! # أما ردود أفعال تلك الكلمات أو الكتابات فهي أشياء غير مهمة بالمرة لدى وسائل إعلامنا، يكفي أن المكتوب أو المذاع شيء يرضى عنه كاتبه أو قائله أو أحيانا ترضى عنه السلطة أو أصحاب الجريدة، أما القارئ فهو يأتي في آخر قائمة المهتم بأمرهم. # وعلى طول السنين وكثرتها، وشيوع الطريقة وذيوعها، خلق إعلامنا نوعا جديدا غريبا من القراء والمستمعين والمشاهدين؛ ذلك النوع الذي لا عمل له إلا التلقي، وهو في حالة سلبية كاملة، ما يقال له أو يشاهده، يسترخي أمام الشاشة الصغيرة أو الكبيرة، يمسك بالجريدة أو المجلة أو الكتاب، تتدفق الكلمات أو المشاهد متتالية في عقله المستسلم تماما لها، هو قابل له، لا يناقش، لا يتشكك، لا يجادل، قد يقتنع أو لا يقتنع ليس هذا هو المهم؛ المهم أنه حتى لو لم يقتنع، يفعل هذا بسلبية المستسلم المغلوب على أمره. # بمعنى آخر، فإن وسائل إعلامنا، باستمرارها طول الأربع والعشرين ساعة، وبكافة الأنواع والأحجام والمواد، تحيل مواطننا في النهاية، أو بمعنى أدق تحيل عقله، إلى جهاز كسول، لا يعمل، ولا يهمه أن يعمل، لا يكدح طلبا للمعرفة أو لتقصي الحقيقة، ولكنه راض تماما بدوره هذا الذي لا ms095 يكلفه أي عناء. وهكذا حين يتطلب الأمر أو تتطلب أوضاع الوطن ردود أفعال إيجابية، غالبا ما نفتقدها؛ فنحن بالتنويم الإعلامي من طرف واحد، خلقنا مواطنا غير مطلوب منه أي رد فعل، باعتبار أن السلطة في الوطن العربي تعتبر أن أي رد فعل للمواطن سيكون ضدها، لماذا؟ لا تسلني، بل سل هذه العقلية السلطوية التي تريد أن تملأ كل قطر من أقطارها بأقفاص أرانب تأكل، وتتفرج على التليفزيون، وتتناسل بمعدل مولود كل ثانية. # ولهذا اخترت أن أحرر هذا الباب؛ فمجلتنا تلك مجلة جديدة، ولأول مرة يتاح لي أن أختار ما أفعله، وهي ليست جديدة من باب الصدور الجديد فقط، ولكن نريدها فعلا أن تكون جديدة من حيث دورها. # باختصار نحن نصدرها لنغير من دور المجلة أو دور الصحافة في عالمنا العربي. ولست أزعم أني أعرف كل المعرفة كيف سيمكننا هذا، أو إذا كنا سنطبق أصلا، ولكن تلك هي نيتي، ونية الأصدقاء والزملاء الذين تجمعهم تلك المجلة. ~~••• # ولأنها جديدة، فإن بريدها لم يأت بعد، وأنا في انتظاره؛ ولهذا سأستخرج من بريدي السابق خطابا أحتفظ به في درج مكتبي في مكان خاص منذ عدة شهور. إن أنواعا وأكداسا من الخطابات ترد، ولكن هذا الخطاب بالذات أثر في بطريقة صممت على الاحتفاظ به، لماذا؟ لست أدري، ربما لأنه كان مقدرا لي أن أفتتح به هذا الباب في مجلتنا العزيزة تلك. # ولم أفعل هذا لأن الخطاب يحتوي أشياء خطيرة أو مشاكل عويصة أو أي شيء. الحقيقة أن الخطاب لا يوجد به أي مشكلة بالمرة، ولا يطالب بحل، ولا يهيب بالمسئولين عن كذا أن يفعلوا كذا، ولا يصرخ بظلم وقع عليه، لا شيء من هذا أبدا. # إليكم نص الخطاب، وبعده لنا كلام: # أهديك التحية، والحقيقة أنا مرتبكة تماما وأنا أكتب لك؛ فتلك أول مرة أفكر فيها أن أكتب خطابا لإنسان لا أعرفه، فما بالك إذا كان هذا الإنسان كاتبا معروفا مثلك. # قرأت مقالك الأخير الذي تتحدث فيه عن مشاكل القاهرة، وازدحام شوارعها الخانق، وارتباك المرور، و«الزبالة» ms096 التي تحتل أماكن كثيرة دون أدنى عناية بحملها وتنظيف الشوارع منها. قرأت تعجبك من ازدحام الأتوبيسات وعدم انتظام مواعيدها، وعطل التليفونات . قرأت هذا كله وأنا أحس بالغيظ، ليس من المشاكل التي ذكرتها، ولكن منكم أنتم يا سكان القاهرة، أحس بالغيظ والحسد؛ لأن لديكم هذه المشاكل كلها، ومشغولون بها وبحلولها. ولا بد أنك ستسألني لماذا أحس بالغيظ والحسد منكم. والإجابة أني أحيا في مجتمع بلا مشاكل على الإطلاق، أنا من مدينة (...)، ووالدي يعمل موظفا في تلك المدينة، ولي شقيقان وشقيقة أخرى، وأنا أكبر الجميع. وقد أنهيت فترة تعليمي الجامعي فأجلسني أبي في البيت أنتظر العريس. وها أنذا جالسة أنتظر العريس، أصحو من النوم ولا أعرف لماذا أصحو، كل ما في الأمر أن الصبح قد جاء، والناس يصحون في الصبح. ولكن الناس في البلاد التي فيها مشاكل مثلكم يصحون ويرتدون ثيابهم ويخرجون، ويفعلون هذا بحماس؛ لأن لديهم ما يفعلونه. أنا أصحو وليس أمامي أي هدف، ولا أنتظر أن ينكشف النهار عن مفاجأة ما؛ فأنا أعرف بالضبط ما سيحدث اليوم؛ لأن مثله قد حدث بالأمس؛ مساعدة أمي في إعداد الإفطار وترتيب البيت، ثم التمدد لقراءة ما يجود به علينا أبونا من جرائد ومجلات؛ فهو لا يريد لنا أن نقرأ المجلات الفاضحة؛ تلك التي تنشر قصص الحب وأخبار النجوم المنحلات. وأنتهي من المجلات بعد ساعة، ثم أجلس أو أتمدد أو أنام، سيان. حتى إن مضى الوقت لا يهمني، فأنا أعرف ما سيأتي به الوقت؛ ففي الثالثة سيأتي أبي لنكون أنا وأمي وبقية إخوتي قد حضرنا الغداء، وسنجلس جميعا حوله، وسيحدثنا أبونا عن مشاكله مع رئيسه المشاكس في العمل، ومع زميله الجبان الخسيس ومقالبه، وينتهي الغداء لينام أبي قيلولته، وتتمدد بجواره أمي غير نائمة، ولكن هكذا تعودت. وفي الغالب أبقى أنا الوحيدة المستيقظة، حتى إذا ما جاء بعد الظهر وبدأنا فتح التليفزيون راجع أبي البرامج بدقة واختارها بعناية؛ حتى لا يكون فيها فيلم لسعاد حسني أو حسين فهمي بالذات؛ لأنه يعرف أننا مولعون به. وينتهي ms097 التليفزيون وآوي إلى فراشي بجسد كسول غير متعب، وعيون تريد أن تنام ولكن العقل صاح. وبعد صراع طويل أنام؛ أنام وأنا أعرف أن الغد لن يأتي بجديد، وأنني سأصحو لأجد يوما طويلا مملا آخر أحياه. # إنني يا سيدي تعيسة جدا بهذه الحياة، ولا أعرف ماذا أستطيع أن أفعل لأخفف من تعاستي. ذات مرة دفعتني حالتي تلك إلى الموافقة على الزواج من إنسان أبله يمتلك منزلا من ثلاثة أدوار رشحه لي أبي، ولكن أمي هي التي رفضت وأصرت على الرفض. أحس أني بلا إرادة، وبلا هدف، حية ميتة أو ميتة حية. ماذا تفعل شابة مثلي في الواحدة والعشرين من عمرها، يتفجر جسدها بالشباب والحيوية، بينما هي تحيا حياة الموتى أو المشلولين أو العجوزات في بيوت العجائز والمسنين. # هل أهرب؟ # هل أجن وأتزوج أول من يتقدم لي؟ # هل أبدأ أزاول حياة سرية مثل غيري من صديقاتي؟ # بالله عليك: قل لي ماذا أفعل؟ # ملحوظة: أرجوك لا تنشر اسم المدينة التي أنا منها. # الحائرة: س. ع. ~~(...) # هذا هو الخطاب الذي أرقني في مرقده بدرج مكتبي لعدة أشهر، ولا يزال، فالحالة التي تتحدث عنها تلك «الحائرة» ليست حالتها وحدها، إنها تشكل حوالي 90٪ من حالات البنات والشابات في مجتمعنا، أولئك اللاتي تعلمن أو لم يتعلمن ولكن فرض عليهن البقاء في البيت في ظل أحكام عرفية أبوية أو أحيانا أموية أو كليهما معا، في انتظار ابن الحلال أو ابن الحرام (هي وحظها) الذي سيأتي وينقذها من الحياة الموت أو الموت الحياة تلك. # والغريب في الأمر أن الأهل، سواء كان الأب أو الأم أو الأخ الأكبر لا ينتبه أبدا إلى هذه المشكلة، ويعتبر أن عمله الأول والأساسي والوحيد أن يوفر للأولاد والبنات الطعام والشراب، وعليهم لقاء هذا أن يخضعوا لأوامره خضوعا مطلقا وإلا قامت القيامة. # إن المجتمعات الغربية (برأسماليتها واشتراكيتها) قد حلت تلك المشكلة بإيجاد نواد للشباب من الجنسين، أحيانا منفصلة وفي معظم الأحيان مختلطة، يزاولون فيها مختلف أنواع الرياضة والمسابقات والهوايات. # قلدنا هذا في بعض النوادي في ms098 القاهرة أو الإسكندرية أو بغداد أو دمشق، ولكن الأغلبية العظمى من فتيات الطبقة المتوسطة لا يذهبن إلى أي ناد ولا يقمن بأي نشاط، بل يكاد الأمر يصل إلى حد منع البنت عن زيارة صديقتها. # وهذا الأمر نطبقه على البنات وحدهن؛ فنحن نثق بالأولاد تمام الثقة، ونعطيهم الحرية كاملة ومطلقة، بما فيها حرية الاختلاط وحرية السهر، وحتى حرية المجون أحيانا ما يباهي الأب سرا بها. # وكأننا نتصور هؤلاء الفتيات كتلا من اللحم والشحم لا روح لها ولا أحلام، ولا تطلعات ولا رغبات، تتجاوز كثيرا حدود الطعام وملء الفم. هؤلاء البنات كائنات رقيقة بالغة الحساسية، يعين كل شيء، ويدركن كل شيء، ولكنهن يخضعن للأب سواء أكان طاغية أم رحبا؛ لأنهن بنات عرب مؤدبات، لأننا مجتمع تصنعه وتحكمه الأم، وهي أم ذات باع وتاريخ طويلين في الاتصال الحضاري وتوارث المأثورات الثقافية الشعبية. # يا فتاتي الحائرة نصيحتي لك أن تصارحي والدتك أولا بهذه المشكلة، وتحاولي أن تفهميها أنها ليست تافهة كما تبدو، ثم عليكن بعد هذا أن تصارحن الأب، وعليه هو مثلما يجد الحلول للمسكن والمأكل والملبس أن يجد الحل لتلك الأزمة الروحية. مثل أن تجتمع فتيات الأسر معا، أو يحدث نوع من التلاقي والاحتفالات الاجتماعية حتى لو اقتصرت على الجنس الواحد. # فالإنسان - رجلا أو امرأة - كائن اجتماعي، والمجتمع بالنسبة لذلك الكائن مثل الماء بالنسبة للسمك، لا يستطيع أن يحيا بدونه أو على الأكثر بأقل القليل منه. # | التلوث الذممي # هناك بعض أشياء أصبحت تسترعي انتباهي في الفترة الأخيرة، وقد أجد لها بعض التفسير هنا أو هناك، ولكن تفسيرها كظاهرة لا يزال يجل الآن عن الوصف. # زمان، حيث بدأت أعمل في الحكومة، في المستشفيات الجامعية، وصحة مصر، و«حكيمباشي» المحافظة، وطبيب الترسانة، وما كان يسمى وقتها «النظافة والتنظيم»؛ أي كنت أعمل داخل تلك الأجهزة الحكومية، بكل ما تراكم فيها من لوائح وقوانين، وفساد في بعض الأحيان، ولكن الشيء المؤكد، والذي أذكره تماما، هو أن الموظفين والرؤساء القائمين على هذه المصالح، لم يكونوا مجرد منفذين للوائح والقوانين، ms099 كان كل منهم في مكانه يمثل قيمة، أبسطها قيمة العدل مثلا، فلم تكن تجد إلا في النادر موظفا يظلم مواطنا عن عمد أو يؤذيه عن عمد، ولم تكن تجد مصلحة حكومية مثلا تجور على حق أحد من موظفيها أو على حق من حقوق المواطنين. كانت أجهزة حكم، هذا حقيقي، ولكنها في نفس الوقت أجهزة «عدالة» أيضا. ولست أدري بالضبط كنه ما حدث لنا وبنا، لكني بدأت ألاحظ كثرة القضايا التي يرفعها المواطنين لاسترداد حقوقهم التي جارت عليها بعض الأجهزة في أحيان أو نهبتها. كثرة القضايا التي يرفعها موظفون تخطتهم الترقية أو العلاوة، أو رقي فوقهم من هو دونهم منزلة وقدرة وكفاءة. كان عمل كهذا كفيلا أن يقيم الدنيا ويقعدها؛ لأن أحدا لم يكن يتصور أن يقوم بالظلم جهاز حكومي، فما دام هو جهازا حكوميا فهو بالضرورة جهاز عادل تماما في قراراته، ونادرا نادرا ما يظلم. # وليس هذا فقط هو كل ما كنت قد بدأت ألاحظه. # بدأت ألاحظ، ومنذ أوائل السبعينيات إلى الآن، أن بعض الموظفين المفروض أن يكونوا حامين للعدل وللقانون، حراس الحق، هم أنفسهم بدءوا يصبحون المخالفين للقانون، المتحايلين عليه، المستغلين وظائفهم في السمسرة أو الإثراء غير المشروع أو الرشوة. # وليسوا موظفين من صغارهم الذين تدفعهم حاجتهم ورقة حالهم إلى ارتكاب مثل هذه الأعمال. ~~ وأذكر في هذا المجال أني كنت مفتش أحد مكاتب الصحة الكائنة في حي شعبي كثير السكان، وأن بعض الحانوتية وصبيانهم جاءوني يقولون إن الكاتب الثاني في المكتب يفرض على أهالي المتوفين إتاوة قدرها اثنان من الجنيهات يأخذهما باسمي؛ أي باسم الطبيب. وأحضرت الكاتب الثاني وسألته عن الواقعة، فكان صريحا جدا ولم ينكر؛ إذ ذكر لي أنه يسكن في أحد أحواش الموتى، وأن لديه سبعة أولاد وبنات، وأن ماهيته لا تتعدى الأحد عشر جنيها؛ ولهذا هو مضطر أن يفرض هذه الضريبة على أهل الموتى وعلى شهادات الميلاد ... وحين سألته: ولماذا يفرضها باسمي أنا وليس باسمه؟ قال: لأنني لو قلت لهم إنها لي فسوف لا يعطونني أكثر ms100 من بريزة أو ربع جنيه، أما إذا قلت لهم إنها للطبيب فلن يعطوني أقل من جنيهين اثنين. # ورغم إشفاقي على الشاب وعائلته إلا أني نبهت عليه تنبيها قاطعا بأن لا يأخذ نقودا لا من أهل مولود ولا من أهل متوفى، على الأقل لا يأخذها باسمي أنا، هو حر أن يطلب منهم بقشيشا، ولكن أن يأخذ باسمي؛ جريمة في حقي، إذا عرفت أنه قام به مرة أخرى، سأبلغ فيه النيابة فورا. # ووعدني أنه لن يفعل. # ولكن الحانوتية جاءوني بعد هذا، وذكروا لي أنه لا يزال يتقاضى اثنين جنيه عن كل ميت باسمي وإلا أجل إصدار تصريح الدفن لليوم التالي. وكانت العادة قد جرت في مكاتب الصحة ألا يكشف الطبيب إلا على المتوفين المشكوك في سبب وفاتهم؛ مثل أن يكون صغيرا في السن، أو مات فجأة بدون مرض سابق، أما لو قدم أهل المتوفى روشتات علاج أو كان المتوفى فوق السبعين مثلا؛ فالعادة جرت أن يعطيهم الكاتب التصريح بالدفن، ثم أمضي أنا التصريح في اليوم التالي. # وحين عرفت أن الكاتب الثاني لا يزال يفرض الإتاوة باسمي أحضرته إلى المكتب، وقلت له في مواجهته: لقد نبهت عليك قبل الآن ألا تتناول إتاوات باسمي، وقد وعدتني بأن لا تفعل، وما دمت قد عدت إلى تكرارها، فسأبلغ عنك النيابة. # فإذا به يبتسم ابتسامة معوجة ويقول لي: سيبك من حكاية النيابة دي، فأنت لا تستطيع أن تبلغ عني. # وحين سألته مندهشا: لماذا؟ # قال: لأنني جعلتك توقع على تصريح دفن، دسسته بين تصريحات الدفن التي توقعها في اليوم التالي، وهذا التصريح لرجل في كامل صحته وهو حي يرزق، فلن تستطيع أن تبلغ النيابة. # وغضبت تماما وقلت له: أتكون مرتشيا وتهددني أيضا؟ # وأمسكت سماعة التليفون، وأبلغت وكيل نيابة الدرب الأحمر. # المضحك في الموضوع أن السيد وكيل النيابة ترك عملية التزوير (إذ كانت البيانات الأولى مكتوبة بخط الكاتب، وكانت معلومات عن جاره؛ بمعنى أنه كان يعرف أنه حي يرزق) ترك هذا كله، وأخذ يحقق معي في كيف أني لم ms101 أكشف على المتوفى وصرحت بدفنه باعتباره فوق السبعين، وباعتباره «شيخوخة بدون جنون». # وكان جزائي أكبر من جزاء الكاتب، ومن يومها قررت أن أستقيل من صحة مصر وأبحث لي عن عمل آخر ليس فيه إتاوات أو رشاوى أو شبهات. ~~••• # أتذكر هذا كله لأوضح أن حكاية تقاضي رشوة أو عمولة كانت في الخمسينيات جريمة كبرى، حتى لو صدرت عن موظف صغير، فما بالك وقد أصبحت اليوم ضريبة على صاحب الحاجة، سواء كانت تصريحا أو ورقا أو جمارك أو رد نقود أو أي شيء يخطر على البال. على صاحب الحاجة أن يقوم بدفعها عيني عينك وإلا توقف ورقه. وأيضا ليس هذا هو اللافت للنظر؛ فاللافت للنظر حقا أن الذين أصبحوا يختلسون أو يرتشون أو يسمسرون أناس في قمة السلم الوظيفي والاجتماعي؛ أناس مبسوطون، ولا يرتشون ليأكلوا أو ليعلموا أولادهم أو يكسوهم، وإنما يرتشون بمئات الآلاف أو الملايين. # ولا يفعل هذا الجهلاء منهم فقط، وإنما يفعلها الكبار، بل وبعض العلماء وأساتذة جامعات، ووكلاء وزارات، ووزراء وموظفون كبار جدا. وهو شيء كان مستحيل الحدوث في الخمسينيات أو الستينيات، وبدأ على استحياء في أوائل السبعينيات، ثم استفحل حتى وجدنا أستاذا جامعيا وعالما وغنيا يزرع الخشخاش الذي يستخرج منه الأفيون والهيروين وسلسلة طويلة أخرى من المخدرات، وأنه هو وصاحب الملايين كان يكسب من الزرعة الواحدة ملايين أكثر. # هنا لا بد نتوقف، ونتوقف طويلا؛ فالمسألة ليست مسألة نزوة عابرة أو ضعفا بشريا يعتري هذا المواطن أو المسئول أو الثري. # وأن توجد في مجالات الاقتصاد والصناعة والجمارك والعلوم، معناها أنها على وجه التقريب موجودة في كل مصالح الدولة التي لها احتكاك بالجمهور، وحتى تلك التي ليس لها أي احتكاك. # من أول بيوت الخبرة إلى شراء الطائرات إلى إقامة المشاريع إلى صرف الاعتمادات. # المسألة أصبحت ما يسمونه «ظاهرة». # بمعنى أن الضمير العام قد استنام إليها، ولم يعد يرى فيها جريمة كبرى، إنما اخترع لها أسماء غريبة مثل: فتح مخك، ما ترش يا أخي، شخشخ جيبك، وهكذا ... # وحتى لو وجد الأمر ms102 على هذا الوضع، لما شكل خطرا، ما دام الضمير العام للمجتمع ككل لا يزال ينظر إلى تلك الأعمال والجرائم على أنها فضائح إذا وقعت من أحد، ومن «وقع» تكثر السكاكين التي تنهال عليه حتى تسيل كل دمائه. # إن ما أعتقد أنه قد حدث، أن ثمة تلوثا قيميا، بالضبط مثل التلوث الجوي والمائي، قد حدث في فترة الانفلات التام السبعينية؛ بحيث إنه، حتى أولئك الناس النظيفون تماما، أصحاب الضمائر الحية تماما، لم يعودوا ينظرون بالاستنكار المفجع الواجب إلى حدوث شيء كهذا. # وأصبح النموذج الأمثل للاغتناء هو أن «تضرب» من موقعك الوظيفي، أو غير الوظيفي، «ضربة» تصبح بعدها مليونيرا! وتكون هي الضربة. والخطوة التالية أن تهرب نتائج تلك الضربة إلى الخارج على هيئة عملة صعبة، ثم إذا وجدت الأمور قد تأزمت تهرب أنت نفسك. ولو كان ثمة حكم قد صار عليك في صباح يوم الهروب «فالفلوس» تمشي كل حاجة، وتزور لك أي جواز وأي تأشيرة. كل ما في الأمر أن ليس سوى «تفتيح مخك» الفتحة المناسبة. وكما ذكر لي مرة أحد كبار أثرياء مصر، أن لكل إنسان في العالم، مهما بدا مستقيما شريفا، ثمنا، وتفتيح المخ الرشوة والاختلاس والاتجار في المخدرات والأعمال غير المشروعة إلى حد ما. # والطريقة الوحيدة لإزالة هذ التلوث الذممي، هو سل سيف القانون، ينال وبالعقوبات المشددة التي لا رحمة فيها ليس إلا عملية التقدير المناسب لهذا الثمن، بحيث حين يذكر، يشل مراكز التردد أو الخوف في النفس البشرية، ويجعل صاحبها يقدم على العمل الخاطئ وكأنه لا غبار عليه ما دام سيدر كل تلك الكمية من النقود. # أجل. # حدث لنا نوع من التلوث الذممي. # ولم ينقذنا منه سوى مجيء مبارك إلى الحكم، وعدد من القضايا الهامة التي تم فيها كشف ديناصورات الرشوة والعمولة واختلاسات المال العام. # هذه القضايا قد هبطت حدة حمى الجرائم، ولا هوادة، كل من يقع تحت طائلته، وحتى كل من لا يقع تحت طائلته. وإذا كنت شخصيا لا أحبذ أي إجراءات استثنائية يقضى فيها دون محاكمة؛ ms103 فالإجراءات الاستثنائية الوحيدة التي لا تزعجني أبدا هي تلك التي يقوم بها المدعي الاشتراكي ويصادر بها الأموال الحرام التي يصعب إثبات مصدرها الملوث. # ولنلتف جميعا حول القانون والقضاة، بكل حماسنا نؤيده ونحميه؛ فهو يحمينا، وحمايته لنا هي حماية، ليس فقط لأجيالنا الحالية التي تلوثت ذمم كثيرة منها، وإنما - وهذا هو الأهم - لأجيالنا الشابة الصاعدة على سلالم ملوثة، لا تستنكر أن تلوث أو تتلوث، وبدلا من أن يكون شعار كل شاب أنا «وقرشيني» ومن بعدنا الطوفان، يعود الوطن ومصلحته العليا، وتعود الغيرية والوطنية، ويعود الانتماء إلى بلد يعرف الشاب تماما أنها لن تسرقه، ولن تفرط في حقه، وسترعاه، وسترعى أولاده من بعده؛ فجزء كبير من عدم الانتماء السائد لدى الشباب سببه أن هؤلاء الشباب يتصورون أن مصر ليست ملكهم، إنما هي ملك من يحكمون أجهزتها ويأخذون أموالها، فما لهم هم بعد هذا ببلد لا يملكونه، ولا يعاقب فيها القائمون على اختلاسه وبعثرة نقوده. # إننا يجب أن نضع قضية التلوث الذممي الذي حدث لنا في أخطر موقع من اهتماماتنا؛ لأننا إذا نقينا بالعدالة والقانون جونا الذممي، فسوف تصبح شوارعنا نفسها أكثر نظافة، ومشاريعنا أكثر عائدا، وإنساننا أكثر قدرة على التضحية من أجل يومنا وغدنا. # | باب الخلق وباب العدالة # الداخل إلى محكمة باب الخلق كالخارج منها، مذهول مذهول مذهول. أعتقد أني أكتب لقراء معظمهم لم يدخل بعد - وأرجو ألا يدخل - محكمة؛ فالدخول إلى المحاكم، ظالما أو مظلوما، شاكيا أو مشكوا في حقه، مقبوضا عليه أو طالب قبض على أحد؛ الدخول في حد ذاته محنة؛ فالمبنى - مبنى المحكمة - كمضمونها، سيرة العدالة المصرية الشديدة الازدحام، القادمة، إذا قدمت، ببطء القطار القشاش، الذي يقف على كل محطة لها اسم، وحتى على كل محطة بلا اسم، أو في النوبة القادمة عبر السنين الآتية الطويلة أن يطلق عليها اسم. الدخول إلى المحكمة في حد ذاته محنة، تكاد تذهب، خاصة حقائقها الأولى، أي عقل! # هكذا دخلت ... # مروعا، زائغ العينين، أنظر إلى ذات اليمين فأجد أجساد نساء مكومة في قضايا ms104 آداب، وإلى ذات اليسار أجساد رجال موغلة في قيدها مع أجساد رجال، الأصوات عالية بحيث إنك لو أردت حتى أن تهمس إلى نفسك أو رجالك، صرخت، أو لا بد أن تصرخ. فهنا ليس فقط مكان المحاكمة العلن، إنما هو أيضا مكان الحقيقة الصارخة العلن، والاتهام الزاعق الوضوح، والدفاع - إن وجد - الموغل في الاستغاثة. # إيه يا محكمة باب الخلق! # فعلا كانت أول مرة أدخلها، أو على الإطلاق أدخل أية محكمة، فحتى حين قبض علي عام 1954م بتهمة محاولة قلب نظام الحكم (ولا محاولة ولا هباب، كل ما في الأمر كانت هي الطريق الشرعي الوحيد للاعتقال). # اعتقلت من الباب إلى الباب، باب بيتنا في شارع سعد زغلول آنذاك إلى باب معتقل القلعة، دون المرور بأية محاكمة أو محاكم. كل ما في الأمر أني مرة أو مرتين جيء بي والحديد في يدي وحدي مرة، ومرة ثانية في صحبة الكاتب «الشاب» أيامها الأستاذ عبد الله الطوخي. وكان مجرد مرور شكلي لا بد منه؛ ليفكوا «الكلابش» من كلينا؛ فأذهب أنا إلى نيابة أمن الدولة، ويذهب هو - كالشاطر - لمحكمة الجنايات لكي يندب خمس سنوات أو لا أدري كم، وأتوجه أنا كالجدع محكوما علي باعتقال لا أدري مداه. # فعلا، أول مرة بإرادتي المطلقة وخبرتي أدخل محكمة باب الخلق، زبونا عاديا طالب حق، رافعا قضية على وزير الثقافة، مطالبا بنصف مليون جنيه تعويضا. # وكائنا ما كنت، ظالما أو طالب تعويض، شاكيا أم مشكوا في حقه؛ فالمحكمة هي المحكمة، قديمة قدم الظلم في مصر، مزدحمة تتكوم فيها الأجساد ازدحام الحياة في القاهرة، مكانا تكرهه وتحس أنه هو الآخر يكرهك، وأهم وأسرع شيء تفكر أن تفعله إذا دخلته، أن تخرج سالما إذا أمكن بأسرع مما دخلت، معاهدا نفسك ألف مرة ومقسما أغلظ الأيمان أنك في حياتك لن تعود. # طوال العام الماضي بأكمله، كان أول دخول لي لتلك المحكمة، وكان أول تردد، وكانت جلسات الدائرة تعقد دائما يوم الخميس. ومنذ أن رفعت القضية كان كل خميس، تعقد فيه الجلسة، يمثل يوما ms105 هاما في حياتي، وفي حياة بضعة أشخاص قريبين لي جدا وبضعة أصدقاء؛ ذلك أني كنت قد قامرت بكل ما أملك، على تلك القضية، فلم تكن مجرد قضية تعويض رفعتها على وزير أهانني علنا وفي مقال مكتوب، وإنما كانت تمثل بالنسبة لي، قضية أكون أو لا أكون بالمرة؛ أن أكتب في مصر أو أتركها تماما وأمضي إلى بلاد الله لخلق الله. وكنت في كل جلسة أحضرها أو لا أحضرها، أتوقع، لا أن يتحدد فيها مستقبل كل ما هو قادم في حياتي، وإنما على الأقل كنت متوقعا، بعد طول إجراءات، أنه ذات خميس، بعد أو اقترب، سيتحدد بطريقة ما هذا المصير. # أجل، فهي لم تكن قضية خاصة، أهانني بها شخص خاص، وأنها هكذا صممها القدر، وكأنه كان هو واجدها وكاتبها قد أصبحت، بالنسبة لي، قضية أن أوجد أو لا أوجد بالمرة. # وقد يلومني الآن كثيرون على هذا الشعور، وقد يرون فيه نزقا وطيشا وقلة تبصر؛ إذ كيف يرهن إنسان مستقبله القادم كله، على قضية تعويض، قد يحكم فيها أو لا يحكم، وقد يكسبها أو يخسرها، فهل يعقل أن ينهي شخص حياته ودوره ومستقبله الأدبي والوجودي كله ويعلقه، بكسب أو خسران قضية؟! إنها مسألة تبدو، وكأنها الجنون بعينه، ولكنها في رأيي، بل في حقيقة الأمر إذا تبيناه، ليست مجرد قضية تعويض أخرى، أو مظلوم آخر لجأ إلى القضاء لينصفه، إنما هي كانت قد تبلورت وأصبحت، مثلما يقول هاملت شكسبير، قضية أن تكون أو لا تكون. ~~ إنها بالضبط، كما نطق بها «الزعيم المعلم» فتحي رضوان، وأنا واقف على أطراف أصابعي، في تلك القاعة الصغيرة المزدحمة التي قرر القدر أن تكون محل ومحط الدائرة 32، واقف أستمع إلى نفسي وإليه، وإلى الآخرين. قضية هي الأولى، ولا بد أن تكون الأخيرة، من نوعها في هذا المجال. وعلى أساس ما سيدور فيها وعلى نتيجته، وبناء عليها أيضا سيتقرر مستقبل أن أكتب أو أمضي إلى حال سبيلي، أن يكون للكتابة في حياتي وجود ومعنى أو ألا تكون لحياتي نفسها ms106 وذاتها أي وجود وأي معنى. # كنت أجرب، هكذا مباشرة ووجها لوجه، الظلم صارخا وواضحا وبلا أي لبس أو تخف، وفي منتهى وضح النهار، وإما أن أمضي في مواجهته للنهاية وأروح ضحيته؛ مثلما يطلق النار على إنسان وتصيبه الطلقة في مقتل، أو تذهب الطلقة هباء ويكتب لي حسن البقاء. # دروب ومسالك وحيطان عالية شوهاء قبحها الزمن، وشوهت سقفها العالي صرخات المستغيثين ممن لحقهم من الظلم نفسه أحيانا، وأحيانا مخافة ظلم سوف يلحق. # العدالة في مصر مكانها عتيق مشوه، خربشته أظافر تستغيث من الضيم، أو هي فاعلته في أحيان، حيطان وأسقف وقضبان، وأكوام أناس مبعثرين في الأنحاء، بعثرتهم أكوام فوق أكوام سلطات عادلة أو ظالمة أو جيوش للشر خفية، نفس جيوش الشر والفقر التي هلهلت أثوابهم، وسودت أوجههم، ورسمت على الملامح تجاعيد معاناة عميقة ومزمنة، وبالغة الغلظ والقسوة. كان وزير الثقافة في لحظة تهور، قد صفع معنى الكاتب في وكبرياءه واسمه، وناله بسوء لا يمحوه أبدا إلا إجراء رادع عادل يعيد للكاتب كل ما انفرط من عقد وجوده وكيانه، ويرفع عن رأسه ووجهه كل ما أصابه من أوحال. # فجأة وأنا وسط وجودي ككاتب، ومزاولة ذلك الوجود الشرعي والقانوني والبشري فجأة اغترف الوزير أقرب كومة طين وأوساخ رآها وقذفني بها، علنا، وأمام أعين ملايين من الناس قرأت، أو سمعت بما كتبه وقرأه الآخرون. في مصر المعاصرة المتحضرة وقف وزير ثقافة يرد على كاتب يطالب بأهمية أن يتثقف الناس فيقول عنه: ذلك الكاتب المغرور، ذو القلم المغرور والمسعور، وصاحب العقل البلوري، ابن مصر الذي من المحال أن يكون قد رضع لبنها الحلال؛ إذ لا بد أنه لقيط مصرية رضع لبنا حراما، وسب شعبا، وأهان قواته المسلحة، وضرج كرامة الناس بالأوحال. # وكل هذا لأنه طالب بضرورة وأهمية أن يتثقف الناس. # حدث هذا من عام مضى، على وجه التحديد في شهر يوليو من عام 1984م. وهالني ما حدث، وحيرني ما يجب علي أن أفعله. وتصورت أن دمي قد سفح من الدولة وأبيح وأهدر، وأن لم يعد ms107 أمامي من منصف ومنقذ لنفسي، ولكرامتي، ولقدرتي حتى على أن أعود أمسك بالقلم، وأكتب لهؤلاء الناس الذي أهنت أمامهم، إلا أن ألجأ للقضاء المصري، أو بالأصح للسلطة القضائية، بعد أن أجهزت - أو حاولت - السلطة التنفيذية، بكل أدواتها وجبروتها، أن تمسح وجودي من الوجود. # وصحيح أن أناسا كثيرين، مثقفين وعاديين هبوا يرفضون هذا ويشجبونه ويدافعون عني، ويتهمون الوزير الجائر بمختلف الأوصاف والتهم، ولكن الشيء الذي كان محالا أن يقع قد وقع، والضرر كان قد حدث، ولم تكن هناك قوة في الأرض تزيله أو ترفعه إلا أن يعتذر الوزير علنا، اعتذارا صريحا لا لبس فيه، مثلما فعل وزير مجلس الشعب، يرد للمثقفين والكتاب جميعا اعتبارهم، كما طالب وألح أستاذ الجيل الصحفي الجليل الأستاذ جلال الدين الحمامصي، والكثيرون غيره. # إما هذا وإما أن أضع مصير كرامتي كلها وكرامة الثقافة، وقد أصبحت في الخندق معي، أمام القضاء المصري، يرى ما يراه في أمرها وأمري. # ولم يعتذر الوزير ... # وأصر ألا يعتذر عما كان واضحا لكل ذي عينين، بل حتى للذي بلا عينين، أنه خطأ فاحش وواضح ولا سبيل أبدا لإنكاره، ويعتبر السكوت عنه تسليما فعلا بكل ما جاء في مقالة الوزير من أوصاف. # وكان لا بد من اللجوء إلى القضاء المدني. # ذلك أن اللجوء إلى القضاء الجنائي، الذي كان الحل الطبيعي الأوحد، كان يحتم رفع الحصانة عن الوزير كنائب في البرلمان؛ إذ لا يوجد للأسف في القانون المصري طريقة محددة لمحاكمة ومحاسبة الوزير إذا أخطأ، أو أحيانا إذا أجرم، لا طريقة إدارية ولا طريقة قضائية، وإنما هي مسألة متروكة لمجلس الشعب، أقصى أقصاها، أن يسحب الثقة من هذا الوزير. # وكيف يرفع حزب الأغلبية، وكيف ترفع أغلبية ذلك الحزب، الثقة عن وزيرها، وكل عمل الأغلبية، مهما كثرت فيها النيات الحسنة، أن تدافع عن نفسها بالحق أو بالباطل، وأن تمنع أي أذى أو تجريح، بل إدانة، لوزير أو نائب من نوابها. # وهكذا وجدت نفسي، فجأة دون أن أدري كيف، أقف في طابور المواطنين الطويل الذي يسمى طابور ms108 المظلومين، الطالبين من العدالة والقضاء إنصافهم. # وما أغرب وأعتى الإحساس أنك مظلوم، وأن ظلمك واضح، وأنك لا تملك أن تستخلص حقك بيديك من ظالمك، وإنما على أناس آخرين! سلطة بأكملها قائمة اسمها السلطة القضائية، مهمتها أن ترفع هذا الظلم وأن تنصفك. # وأنت تدخل مع هذا الطابور مبنى محكمة باب الخلق، وترى جدرانها الداخلية المحطمة المهدمة، وترى الأكوام البشرية المجرمة والمجرحة، وترى جيوشا من خلق الله المساكين واقفين مثلك أيضا في انتظار العدالة أو حتى يوم العدالة، تحس أنك انتقلت فجأة من حيث كنت تحيا على سطح الأرض إلى خندق سفلي، تشرئب معهم جميعا إلى كوة النور الوحيدة، القائمة في سقف هذا المبنى كله، كوة الأمل في قاض منصف عادل، يطبق قانون العدل وينصفك. # وبالضبط كان هذا هو شعوري وأنا جالس في القاعة 16 من هذا المبنى، ومعي مراسل وكالة الأنباء الفرنسية، وبضعة صحفيين مصريين، وكتاب شبان أصدقاء؛ مثل محمد المخزنجي ومحمود الورداني ويوسف القعيد، ومحامين رجال وشباب أتوا نيابة عن جماعات حقوق الإنسان، والأدباء الشباب، والمحامين الشباب أيضا، ونحن جميعا يلمنا شعور مشترك؛ أن يتحقق لنا العدل. # أجل العدل. # ما أعذب وأروع تلك الكلمة! خاصة حين لا يكتبها كاتب ثائر أو مصلح اجتماعي يريد تطبيقها، ولكن تحس أنت شخصيا بحتميتها وضرورتها، وأن مصيرك معلق بها، حياتك نفسها أو موتك، وجودك أو عدمك، معلق بها. # كانت الجلسة الحاسمة يوم الخميس 4 إبريل، تلك التي سوف تحجز فيها القضية بعد ذلك للحكم وسينتهي يومها كل شيء. # حرصت على الحضور المبكر، ومع هذا وصلت المحكمة في التاسعة والنصف، ولم أجد أن محامي الكبير الأستاذ عبد العزيز محمد قد حضر بعد؛ ذلك أنه في المبنى العتيد، حيث الكل، جناة ومجني عليهم، وأطراف نزاع، لا يوجد سليم الأعصاب والتقدير سوى أهل المهنة أنفسهم، وعلى رأسهم المحامون. مبكرا تأتي أنت ويأتون هم في الوقت المناسب تماما، ملهوف الانتظار تبقى أنت، ثابتو الأعصاب يكونون هم، بالضبط كما في المستشفى حيث الجميع - من مرضى وأهالي مرضى - هلعون، والوحيدون ms109 المحكومو الأعصاب هم الأطباء والجراحون. # ولكني في حضوري المبكر هذا وجدت مفاجأة. # كان قبلي قد حضر ذلك الرجل المهيب الأستاذ فتحي رضوان، في السبعين هو، ولكن نضارة وجهه تفضح شباب إرادة وتورد عظيمة وقوة داخلية قاهرة لا يمنحها المولى إلا لغلاة الصالحين والأولياء. # ما كدت أرى وجهه حتى أحسست كأني الغريق قد وجد طوق النجاة. # كان متطوعا، دون أن أتذكر إخباره، وأزوده بمذكرات الأستاذ عبد العزيز محمد. والدكتور جلال رجب قد حضر، وجلس في الاستراحة، تحوطه تلك الهالة التي كانت دائما تحيطه في عيني، مذ كنت طالبا، وكنت محبا شديد الولاء لمصر الفتاة وللحزب الوطني، وكان هو زعيمي الذي يبهرني في الاجتماعات حضوره، تلهبني خطبه وكلماته. # هذه المرة هو محام. # إنه غاية ما أستحق من تكريم. # وحين رأى المستشار محمد جمال مصطفى، رئيس الدائرة، أن عدد الحاضرين كبير، وأن القضية تبدو وكأنها أهم قضايا اليوم أجل النظر فيها إلى آخر الجلسة. # وجاءت اللحظة. # نودي علينا ... # وازدحمنا أمام الحاجز الفاصل بيننا وبين المستشار والقضاة وأمين سر الجلسة. # ومن جديد رحت أتفحص الوجوه التي طالما حاولت أن أستجمع فراستي وكل خبرتي لأتبين من أي معدن صنع هؤلاء المستشارون والقضاة. # من جديد رحت أرقب المستشار محمد جمال مصطفى؛ ذلك الذي ربما لا يعرف أن مصيري ككاتب، أو حتى كمواطن سيقيم مصر أو يتركها ليذهب إلى بلاد الله لخلق الله، قد أصبح في يده. # الرجل رئيس المحكمة، رأس القعدة، حتى منظاره ثابت فوق أنفه كميزان العدالة لا ينطق بشيء ولا ينم عن هوى. # عضو اليمين الأستاذ رمضان عوض، شاب رصين الملامح، ترى الآلاف مثله في النوادي والاحتفالات، ولكنه هنا في مجلس القاضي مصري من نوع فريد آخر، حتى شبابه من نوع فريد آخر. # عضو اليسار الأستاذ مدحت قصري، صغير السن، ولكنه لأمر ما كبير الإرادة والعزم. لكأنهم نفر آخر غير هؤلاء الذين تركب معهم التاكسي، أو يجلسون معك في الحفلات والاحتفالات. نفر آخر غير المصريين المبعثرين المزدحمين في أنحاء الوطن، مهما بلغت درجات مناصبهم ms110 وتخصصاتهم. # يا سلام! ما أروع الجد المصري حين يتلبس ملامح أولئك الجنود المجهولين الذي يشكلون الأعمدة السليمة التي لا يزال مجتمعنا عليها قائما! وبالذات ذلك الجد الذي تراه على وجوه المستشارين والقضاة؛ فهو جد عادل، لا ينطق عن الهوى. أقسم أني من فرط ما رأيت على ملامح رئيس المحكمة وعضويها أني قلت لنفسي: # لو جاء حكم هؤلاء السادة ضدي، لما انزعجت كثيرا؛ لإيماني أنهم لا يمكن إلا أن يكون حكمهم مبنيا على أسس عادلة لا يرقى إليها الشك. # وقف فتحي رضوان، أسد مصر مذ دخل الحركة الوطنية لأول مرة، ومحاميها، واستهل مرافعته بقوله: # لقد أنشئت الصحافة المصرية منذ أكثر من مائة وخمسة عشر عاما، وأنشئت الوزارة المصرية منذ خمسة وتسعين عاما، أي بعد الصحافة بربع قرن. ومنذ أن أنشئت الصحافة وقامت السلطة التنفيذية لم يحدث مطلقا أن قذف وزير في حق كاتب أو صحفي حتى حين كان بعض الوزراء كتابا مثل الدكتور محمد حسين هيكل والدكتور طه حسين. هذه أول مرة في تاريخ مصر السياسي والصحفي يحدث هذا! ومن وزير ثقافة لم يعمل بالكتابة وليس له بها علاقة. # ثم مضى يشرح الأبعاد البشعة التي أوردها الوزير في مقالته، والجميع حتى محامي الوزير الدكتور محمد عبد الله، مصغي السمع، وكأنهم يستمعون إلى ترنيمة عدالة يغنيها أعذب صوت. # ثم تلاه ذلك الرجل الهادئ الباسم، الممتع تماما في جلساته الخاصة وعلاقاته بزملائه المحامين ومعارفه جميعا، ولكنه هنا أمام المنصة خرج من جو الأدب الدبلوماسي المعهود، وانطلق وكأن لا قوة تستطيع إيقافه. # وأجلت القضية للحكم في جلسة 20 من الشهر. # وفي آخر النهار تبينت أن يوم 20 سيكون إجازة، أو لن يكون باقيا على آخر جلسة في الموسم القضائي الحالي إلا يوم خميس واحد تال للعيد هو 27 يونيو. # وفي ذلك الخميس ذهبت مع أن المفروض كان ألا أذهب، وجلس معي نفر من الأصدقاء المحامين الذين أعرفهم، ومحامين لا أعرفهم؛ إذ كان شغفهم بما سيتمخض عنه قرار المحكمة قد استبد بهم إلى درجة أن ms111 بقوا معي إلى السادسة مساء دون غداء، بينما المحكمة منعقدة تتداول. # وفي السادسة والربع، وبعد سبع ساعات من المداولات، رفعت الجلسة. # وكان الحكم لصالحي. # وليس المهم ما تمخض عنه الحكم من تعويض قدره عشرون ألف جنيه، إنما المهم أنه في حيثيات الحكم قالت المحكمة: إن الضرر الأدبي الذي لحق بي لا يمكن تقديره بمال، وإنما التعويض قدر وكأنه تعويض - رغم ضخامته - رمزي محض. ويا لذلك الإحساس الذي شملني وأنا أسمع الحكم يمليه أمين السر على الصحفيين، بالإحساس بالعدل يأتي بعد ظلم فادح! يا للإحساس برد الكرامة والاعتبار على أيد عادلة مطلقة، تزن كل شيء بميزان من ذهب! وأنا واقف من بعيد أرقب هيئة المحكمة وهي تهبط السلم التاريخي الذي كثيرا ما نراه بأفلام السينما، وأرى وجوه هؤلاء المصريين الغلابة حافلة بالرضاء عن نفسها، وكأن أعماقها ممتلئة بشعور من قام بأداء واجبه وإرضاء ضميره إلى حد الثمالة. # وأنا واقف أراقبهم يهبطون في موكبهم المجيد دوت في القاعة السفلى زغرودة من امرأة نالت العدل هي الأخرى. ووجدت نفسي فجأة أكاد أن أجهش بالبكاء، بل فعلا فرت من عيني دمعة. # | في صالون العقاد # طويت الصفحة الأخيرة من كتاب «في صالون العقاد» لكاتبنا الفذ أنيس منصور، وأنا أحس أني أطوي صفحة عصر مجيد رائع من تاريخ الحضارة المصرية؛ فالكتاب بحر متلاطم الأمواج، ما إن يندفع فيه زورقك حتى تفقد القدرة على ضبط اتجاهك، ويبحر بك بحر أنيس منصور في كل اتجاه. # أقول من «تاريخ الحضارة المصرية»؛ لأنه كان هناك وقت في مصر كانت فيه حركة ثقافية عامرة، محدودة حقيقة، وتحيا في معظمها على أصداء الحادث في أوروبا، ولكنها عامرة بالجدل والصخب والأعمدة أيضا. وإلى عمود الأستاذ العقاد ذهب أنيس منصور فتى قادما من المنصورة يتمتع بخاصية غريبة؛ هي خاصية «الأول»؛ إذ كان أنيس منصور هو «الأول» على فصله باستمرار، والأوائل - واسمحوا لمجربها بضع مرات - حين يتذوقون طعم الأولية يدمنونه؛ فهم لا يتنازلون أبدا عن مقاعدهم بعد هذا بسهولة، وصعب جدا على طالب في ثانوي ms112 أن يختار «الفلسفة» مادة، ليس فقط للدراسة في الجامعة ولكنها مادة عمر وحياة، وأن يفعل طالب ثانوي هذا، ويختار مادة صعبة تماما مثل الفلسفة يدلك على مدى الثقة بالنفس التي يتمتع بها هذا الطالب. وقد «اختار» أنيس منصور مادة الفلسفة، و«اختار» أيضا مادة العقاد؛ فدخل الجامعة ودخل بيت العقاد. وكتاب «في صالون العقاد» تاريخ لهذه الفترة من تلمذة أنيس منصور على العقاد «وتأستذه» عليه أيضا، فلقد كان طالبا مشاغبا تماما، ولكنه ذلك الشغب الجميل حين أجد أنك قرأت كتابا فأشاغبك بأني قرأت ما هو أحدث منه. هكذا كان يفعل أنيس منصور مع أستاذه، وهكذا كان أستاذه، باعتباره أول عصامي أو بالأصح الأول العصامي؛ إذ هو لم يذهب لثانوي أو لجامعة يستمتع فيها بالأولية؛ فآثر أن يخلق لنفسه متعة أكبر؛ وذلك بأن لا يدخل المدارس أبدا، ولكنه يصبح الأول على كل خريجي المدارس؛ إذن هو أول في صالون أول. وكم أسفت أني لم أتتلمذ على كاتب كبير مثل العقاد؛ إذ حين ناداني الأستاذ الكبير طه حسين إلى عموده كان الأمر قد انتهى، وكنت قد تعديت مرحلة التلمذة. أقول كم أسفت؛ لأنني أحسست وأنا أقرأ الكتاب بعمق الصلة وعمق البصمات التي يتركها المعلم على التلميذ؛ هذا الإصرار الرهيب على الاطلاع، أكان ممكنا أن يتخذه أنيس منصور ديدنا لو لم يره ويشغف به عند أستاذه. إن الأستاذ بمثابة الأب، ولا يستطيع أن يعرف قيمة الأب إلا من تربى يتيما؛ ولهذا فأنا أحسد أنيس على أبيه الروحي؛ فقد تعلم منه الكثير. وأكاد أقول إن العقاد أيضا تعلم من أولاده، وعلى رأسهم أنيس، الكثير، فلولا الإحساس بضرورة الاحتفاظ بصورة الأستاذ أمام تلاميذ أشقياء، لا يتورعون عن مسابقة الأستاذ، بل سبقه في أحيان، ما ظل العقاد محتفظا بقوامه الفكري والفلسفي، بل والنفسي أيضا. # إنه كتاب جامع رائع، حتى إنني كنت في أحيان كثيرة أتوقف وأسأل نفسي: ترى كيف كتب أنيس منصور هذا الكتاب؟ وهل كان يحتفظ بمذكرات يومية؟ لا بد، فهذه التفاصيل الدقيقة التي تجعل من ms113 الكتاب ليس مجرد تقرير فكري أو دراسي، وإنما حياة بأكملها لا يمكن أن تكون نتيجة الذاكرة وحدها، تلك التي دائما ما تسقط عنها التفاصيل وتكتفي بالمجرى الرئيسي للأحداث. وهو كتاب شاق أيضا، عاش صاحبه حياة تلمذة وأستذة شاقة ليكتبه، وليس أبدا كغيره من مؤلفات أنيس منصور، يكتفي بما خف حمله، إنه واعر يغوص وينقب ويخرج بلآلئ حقيقية. # هنيئا للتلميذ بأستاذه، وهنيئا للأستاذ بتلميذه، وهنيئا للمكتبة العربية بواحد من أعظم الكتب الأصيلة في حياتنا المعاصرة. # | القطاع الخاص الجديد # وجه لي صديقنا الكبير نجيب محفوظ - عبر برنامج إذاعي - سؤالا: لماذا وأنا الذي عرف بمهاجمة القطاع الخاص في المسرح رضيت أخيرا أن أكتب له؟! # وفي الحقيقة أن السؤال أثار مواجعي - شكرا له - ذلك أني أحب المسرح حبا أكثر من حبي للحياة، ولا أبالغ في هذا؛ فلولا هذا الحب ما رضيت أحيانا بالهوان من أجله. ولقد كانت أسعد فترة في حياتي تلك التي كنت أكتب فيها مسرحيات يعرضها القطاع العام؛ أي الدولة على مسارح الدولة وبفنانين ومخرجين على أعلى درجة من الموهبة والثقافة. ولقد ظل هذا يحدث ما ظلت المركب عائمة حتى إذا ثقبت في أواخر الستينيات وبدأت السبعينيات المهولة، وانحدرت أحوال كل قطاعات الدولة العامة بما فيها القطاع السينمائي والمسرحي، ونشأت على الفور قطاعات خاصة مستعجلة تريد الربح وبأي صورة، كان محتما أن نتوقف عن الكتابة؛ فما نكتبه لا يصلح للقطاع الخاص أو الربح السريع. والجمهور الذي كان يؤم القومي والطليعة والعالمي والكوميدي والحديث جمهور هو الآخر أصبح مختلفا تماما، وأصبح كجمهور السينما معظمه من الحرفيين وأصحاب الدخول الطارئة الارتفاع. # إلى أن حدث وبدأ القطاع العام يستيقظ في الثمانينيات، وبدأ يفكر في تقديم بعض المسرحيات التي رفضتها الرقابة من قبل، وكان أن قدمت الفرقة النموذجية للثقافة الجماهيرية مسرحية «المخططين». # والتجربة التي خرجت بها من تقديم المسرحية كانت خطيرة؛ فقد ثبت لي أنه بعد انتشار محطات التليفزيون العربي، واعتمادها بصورة تكاد تكون كلية على الممثلين المصريين، لم يعد ممكنا أن يتمكن القطاع العام من ms114 تقديم مسرحيات يعتد بها؛ ذلك أن أي أجر يدفعه القطاع العام للممثل المسرحي أو الممثلة لا يتعدى واحدا على عشرة من الأجر الذي يدفع لهما عن عمل أقل بكثير من احتمال بروفات لا تقل عن شهر وعرض قد يستمر شهرين أو ثلاثة. بمعنى أنه ما دامت لائحة الأجور خاضعة لمقاييس الدولة العامة فلا أمل في تقديم عروض مسرحية مشرفة إلا بتضحية كبيرة جدا من الممثلين، ولا يمكن بناء حركة مسرحية على أساس تضحية صارخة بالنفس من قبل الممثل أو المخرج أو حتى الكاتب. لقد دفعت نصف مرتبي الشهري من الأهرام ثمن إصلاح ماسورة في شقتي للسباك الذي أخذها وهو متضرر تماما. وعنده حق؛ فغيري يدفع بالضرورة أكثر. # وهكذا تقبلنا جميعا تضحية فنان كنور الشريف بعمله السينمائي من أجل إشباع هوايته المسرحية. تقبلنا هذا بالترحاب الشديد، ولكن الشيء المؤكد أنه لولا أن لنور الشريف دخلا كبيرا آخر من السينما لما استطاع الإقدام على هذه التضحية أبدا، ثم إنه ليس كل الممثلين نور الشريف، ولا كلهم نجوم، ولا كلهم أولئك الملائكة الذين لو صبروا على أنفسهم فكيف يصبرون على أفواه أبنائهم المفتوحة. # وهكذا - أيها الصديق الكبير - وجدت نفسي بين أمرين: إما التوقف نهائيا عن تقديم مسرحيات إلى أن يحل هذا الإشكال الذي لا يبدو أن له حلا، وإما «خلق» قطاع خاص آخر. # إذن ليس المهم هو أن يكون المقدم هو القطاع الخاص أو العام، المهم هو ما يقدمه هذا أو ذاك؛ فالمسرح باستمرار قطاع ملك الشعب الذي يرتاده. # كان لا بد من خلق قطاع خاص يدفع أجور القطاع الخاص، ويقدم نوعا جديدا من المسرح ليس هو بالتأكيد مسرح القطاع الخاص في السبعينيات، ولكنه أقرب ما يكون إلى ما كان يقدمه القطاع العام في الستينيات وإلى جمهور من نوع آخر أيضا لا يذهب خطأ إلى المسرح وفي نيته أن يذهب لكباريه، ولا يحتقر نفسه إذا ضحك لما يضحك عليه أو لما يضحكه. # وهكذا رحبت أيضا أن يأخذ الفنان شاكر عبد اللطيف مسرحية لي ms115 ينشئ بها فرقة، ورحبت أيضا أن أكتب مسرحية يخرجها الأستاذ جلال الشرقاوي؛ فليس هذا هو الحل الوحيد الممكن فقط، ولكنه حل مثالي في رأيي. # أما المشكلة يا عزيزنا الكبير نجيب محفوظ، فهي في القطاع الخاص في السينما، ولنضع تهمة «وكالة البلح» إلى جوار تهمة «العسكري شبراوي»، ونندب معا حظ السينما التي لم يتح لها للآن - إلا فيما ندر - قطاع خاص ملتزم، يستطيع أن يقدم إنتاجا رائعا كإنتاجك دون أن يحس الإنسان بالعار بعد رؤيته. # | «النديم» الكتاب # وصلني من الإسكندرية المجيدة العدد الثالث من «كتاب» النديم. وكتاب النديم مجلة ثقافية تصدر بين الحين والحين، تحمل إبداع عدد كبير من كتاب الإسكندرية بقيادة كاتب القصة المتفرد الشاب «العجوز» محمد إبراهيم مبروك. إنتاج هائل! والله كم فرحت وعيناي تدمعان، ليس تأثرا فقط، وإنما من صغر الحروف ورداءة الطباعة؛ فهي مكتوبة بالآلة الكاتبة الصغيرة الحروف، ومطبوعة بالماستر. ومع هذا، ورغم عدم فخامة الشكل إلا أن الموضوع يعتبر من ثقافتنا المعاصرة الملتزمة، وإنتاج هذا العدد من الأدباء الشبان الطليعيين شيء حقا يفرح القلب. إن أسماء مثل: محمود عبد الوهاب، ود. محمود الحسيني، وشوقي فهيم، وعزت عامر، وبيومي قنديل، وصالح الصياد، وأحمد النشار، ومحمد إبراهيم، وأسامة الغزولي، وعبد المنعم رمضان، وأحمد عقل، وأمجد ريان، ومحمد خلاف؛ أسماء كهذه تبرق كالماسات الثمينة، تحملها لنا دفتا «النديم» كموجة طازجة لحركة فكرية إبداعية طازجة، تهب علينا من الثغر الجميل؛ أجمل وجه لمصر: الإسكندرية. # تحية لكل من ساهم في هذا العدد الرائع من كتاب «النديم». # وتحية خاصة وخالصة للصديق فاروق عبد القادر الذي أسهم في العدد بتحليل عظيم لكتاب الدكتور جمال حمدان: «مصر ... دراسة في عبقرية المكان». أجل هذه هي الحياة الحقة؛ إبداع. ~~••• # لماذا لا يتكلم مسئول الأرض؟ # تحية طيبة، وبعد؛ # كنت أطالع مقالكم عن تجريف الأرض وتحويل طمينا الذي لا يقدر بثمن إلى طوب أحمر وأنا جالس ببلكون منزلي بمدينة الصباح بالسويس، وفي الناحية الأخرى تقيم محافظة السويس مدينة الإيمان، والعمل يتم في صراع مع الزمن، لاحظت آلافا بل ms116 ملايين من الطوب الأحمر قادمة من أطلال أرضنا الزراعية السليبة، وعجبت مما أقرؤه ومما أراه أمامي. # ماذا لو صدر قانون يلزم المصالح والهيئات الحكومية والقطاع العام عند إقامة المباني بالالتزام بأن يكون المبنى بالطوب الرملي أو الطفلة أو الأسمنتي حتى يمكن أن تكون الحكومة «قدوة» أمام القطاع الخاص؛ «ابدأ بنفسك تكن قدوة». # مجرد رأي. # محمد عوض أحمد # السويس # ما استرعى انتباهي في هذه المقالة الجزء الخاص بتجريف الأرض. # من وجهة نظري أعتبر هذه المسألة أصبحت قضية على المستوى القومي، تهم كل مواطن غيور على مصلحة وطنه، فأنا أرى كثيرين قد تناولوا هذه المسألة بالكتابة، ولكن للأسف لم نر أحدا من المسئولين يتخذ أي إجراء أو «فعل» لمقاومة هذا. فإذا كانت الحكومة حريصة في هذه القضية لأصدرت قرارا بسحب رخص مصانع قمائن الطوب المتناثرة في كل الدلتا ووادي النيل، فإذا ما اتخذت الحكومة هذا القرار لاعتبرنا إذن أنها جادة فيما تقوله. # د. سميرة عبد الحميد شحاتة كامل # باحثة أولى بمركز البحوث الاجتماعية بالجامعة الأمريكية # من الغريب أن يصل صوتي من السويس إلى الجامعة الأمريكية دون أن يعبر أجواء وزارة الزراعة، أو اللجنة الزراعية بمجلس الشعب، أو مجلس الشعب، أو أي مسئول عن الأرض الزراعية في مصر! هل هناك مسئول عن الأرض الزراعية في مصر؟ # لماذا لا يتكلم؟! # | عمان - دمشق - القاهرة # لنقفز قفزة واسعة جدا، من أقصى الشرق الآسيوي البعيد في اليابان والفلبين وتايلاند والهند، إلى أقصى الغرب من آسيا، إلى مشرقنا العربي التليد؛ فقد جدت مسائل تستحق أن أقطع من أجلها الكتابة عن رحلة اليابان، لأعود لها مرة أخرى، مسائل ليس أقلها أني حضرت خلال أسبوع واحد مهرجانين مسرحيين، أولهما عالمي فوقع في سماء العالم كله، والآخر محلي عربي. # كنت في الأسبوع قبل الماضي مدعوا لافتتاح الموسم الثقافي لنادي خريجات الجامعة في عمان وإلقاء محاضرة، اخترت لها اسما «نكون أو لا نكون». والحقيقة أني أحسست خلال الأسبوع الذي قضيته في عمان بمدى الجناية التي جنتها السياسة على الثقافة، ففي عمان قابلت ms117 نخبة من الكتاب والشعراء والمثقفات والمثقفين، يتابعون الحركة الثقافية المصرية والعربية بشكل عام متابعة منتبهة واعية دقيقة. وكذلك الحال في كل عاصمة عربية زرتها في بغداد والكويت والإمارات والسعودية. العلاقات الثقافية العربية هي التي تربط أمتنا العربية برباط لم تنفصم عراه بعد، بينما العلاقات السياسية هي التي تمزقه وتهدم كل ما تحاول الكباري الثقافية أن تبنيه. وصحيح في أعقاب المقاطعة السياسية التي قوطعت بها القاهرة تقريبا من كل الدول العربية، بدأ بعض الكتاب المراهقين هنا وهناك بقولهم إن الكتابة المصرية قد انتهت، وإن فلانا أصبح صهيونيا، وفلانا من مؤيدي كامب ديفيد، وفلانا قد كف عن العطاء، يقولون هذا كخطوة حتمية قبل إعلان أنهم قد استقلوا ثقافيا، وأصبحوا ليس فقط يناطحون القاهرة ولكنهم يتفوقون عليها. وكنت أقرأ بعض هذا وأبتسم في رثاء، نفس ابتسامتي لبعض ما كنت أقرؤه لكتاب - أو المفروض أنهم كتاب - مصريين هنا، ينظرون بتعال شديد، مع أنهم أقزام، إلى كل ما يحدث خارج القاهرة من نشاط ثقافي أو فني. # أجل، في الوقت الذي عزلت فيه القاهرة تماما عن أمتها العربية، وسقطت الحركة الثقافية الرسمية في القاهرة خلال السبعينيات - وربما إلى الآن - في أيدي الموظفين وأرباع الموهوبين الذين يعيشون على محاولاتهم اللحوحة لضرب مراكز الثقافة الجادة وإزجاء النفاق للسلطة في نفس الوقت، حتى يضربوا وهم آمنون ألا تمتد إليهم يد أو قلم، بالمعنى الحقيقي والمجازي للكلمة. في هذ الوقت اشتعل الحماس في كل العواصم العربية الأخرى للاستقلال تماما عن ثقافة القاهرة. وصحيح أن معظم هذا الحماس كان أجوف، ولكنه استطاع أن يفرز عددا لا بأس به البتة من المواهب الخلاقة حقا في كافة أرجاء الوطن العربي. إنه الجانب الحسن في مأساة القطيعة. # ولكن السبعينيات ما كادت تمضي ويجيء عهد مصر الجديدة في أوائل الثمانينيات، بعد رحيل أنور السادات، حتى بدأت الأصوات الضفدعية هنا وهناك تهجع، وبدأ الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الليل يتضح. ونظر الجميع فإذا القاهرة لا تزال هناك، لم ينته فيها أحد ذو شأن ولم يذهب ms118 إلى إسرائيل إلا كل من يستحق الذهاب إلى إسرائيل. وأبدا لم تمت القاهرة، ولن تموت. أيضا في ذهابنا نحن إلى العواصم العربية لمحنا أن ثمة نهضة عظيمة في السبعينيات قد حدثت، وأن وجوها مشرقة للثقافة العربية قد ظهرت، أو أزيح عنها الغمام. # ورغم أن المسائل السياسية لا تزال حيص بيص، إلا أننا ثقافيا على الأقل بدأنا نعود نتعانق إخوة، فينا الكبير والصغير، ولكنا إخوة، تحامسنا، وتشاتمنا، ولكن شتائمنا والحمد لله من نوع سحابات الصيف لا يعقبها أبدا تحريك طابور دبابات - كشتائم السياسيين - ولا سحب المسدسات والضرب في المليان، كما يحدث في أحيان. # هكذا كان لقائي بإخواننا كتاب ومثقفي وصحفيي وتليفزيونيي الأردن. ~~••• # وكنت قد قرأت أوائل المسرحية وأنا في القاهرة قبل ذهابي إلى عمان؛ مسرحية منذر هنداوي ومسز تاتشر والموساد. ولا أقول مسرحية كنوع من التريقة، إنما هي حقيقة مسرحية، أنا متأكد أنهم لجئوا إلى كاتب مسرح ليؤلفها، وإلى ضابط مسرحي من الموساد ليخرجها. # زمان، كان عمل المخابرات التجسس على ما حدث أو ما يحدث. الموساد، باعتبارها طليعة وضليعة في أعمال التخابر، بدأت لا تكتفي بهذا، وإنما بدأت تأخذ خطوة أكثر تقدمية و«تضع» هي الأحداث وتلفقها. طبعا لم تأت تلك الخطوة من فراغ، لقد تدربت عليها التنظيمات الإرهابية الإسرائيلية منذ عصر أرجون تسفاي ليومي وشركاها، من أيام فضيحة لافون حين أرسلت شابين يهوديين للقيام بنسف بعض المنشآت الأمريكية في مصر؛ لإحداث أزمة شديدة في العلاقات المصرية الأمريكية آنذاك. # هذه المرة ظللت - ككاتب مسرحي - أتأمل كيف ألفت الموساد هذه القصة بطريقة تبدو محبوكة أو كالمحبوكة تماما؛ شاب من أصل عربي ضائع في لندن تعرفه «الظروف» بفتاة يهودية، ويصاحبها لعدة شهور؛ فتحمل منه، وهنا يوسوس له «شخص» بأنه يستطيع أن يكسب كذا ألف دولار إذا هو أرسل صاحبته الحامل تلك إلى القدس على طائرة العال، ووضع لها في حقيبتها قنبلة زمنية، وكيف أكسب؟ إن السوريين مستعدون أن يدفعوا إذا تقدمت إليهم بتلك القصة التي لا يتسلل إليها أي شك. # وهكذا يذهب الشاب لوداع ms119 الفتاة بنفسه عند شركة خطوط العال في مطار لندن، والفتاة، تعرف أو لا تعرف هذا، غير مهم، المهم أن الحقيبة دون بقية الحقائب هي التي تؤخذ إلى الداخل، وتفتش أو توضع فيها القنبلة سيان. # المهم أنهم يتركون الشاب ولا يقبضون عليه في المطار، وإنما يتركونه حتى يذهب إلى السفارة السورية ليثبتوا هذا؛ فالشاب بذاته ليس مطلوبا ولا يساوي عندهم أو عندنا شيئا، المطلوب جر رجل سوريا لكي تبدو أمام العالم إرهابية مقبوضا عليها والدم على يدها ساخن، كما يقولون بالإنجليزية. # وأيضا لم يكن المطلوب سوريا وحدها، فبعد دمغ ليبيا بالإرهاب وضربها بالقنابل، ثم تراجع الاتهامات الأمريكية عنها - وهذا شيء مضحك تماما - جاء الدور على سوريا. # والمشكلة التي لا نعرفها نحن كمصريين أو كعرب، أن المسألة ليست ليبيا أو سوريا، المسألة هي العرب، ونحن المصريين شئنا أم أبينا عرب في نظر العالم كله، بل نحن نصف الأمة العربية بأسرها. تلك هي المسرحية التي ألفتها الموساد ومثلها فتى عربي ضائع وفتاة يهودية خرجت من الرواية حاملا، ورزقت بمولود حقيقي وليس من شدة الحبكة مسرحيا أبدا، وأنتجتها وأخذت تسوقها المرأة التي ليست حديدية إلا بمقدار ما يقف الرئيس ريغان يحتضنها ويصنع لها ظهرا. # ولأن هناك في هذا الكون إلها عادلا، ولأننا - نحن العرب - نضرب من أعدائنا ضرب غرائب الإبل، ولأننا كلنا عندهم أولاد «...» عرب، سواء منا المعتدل أو المتطرف، الرافض أو القابل، أو العلاقات الخاصة بأمريكا أو بالسوفيت، فنحن كلنا نتلقى الضرب بطريقة أو بأخرى، من الباخرة أكيلي لاورو أو خطف الطائرة المصرية، أو من تلك المسرحية الفاشلة مع سوريا، أو تزويد إيران بالسلاح عن طريق إسرائيل لضرب العراق. # ضرب، ضرب، ضرب. ضرب تحت الحزام وفوق الحزام، سرا وعلى الملأ، من رفع سعر الفائدة إلى الصواريخ فوق بغداد، من تسليط «أمل» على المقاومة إلى تحريض المقاومة - بضرب معسكراتها - على «أمل»، الضرب نازل فينا كلنا، ونحن مخدرون أو نيام. ~~••• # مسرحية هنداوي-تاتشر-موساد، كانت مسرحية فاشلة، بدلا من أن يبكي الناس على مأساتها، ضحكوا، ولم يصدق ms120 معظم العالم إلا أنها من نوع مسرح البوليفار. # ولأن ألمانيا الغربية لم تصدق، ولم تنضم لتاتشر في اتهاماتها، فقد كان لا بد أن تكتشف المخابرات الألمانية (المخترقة تماما والمتعاونة مع الموساد تعاون الشقيق مع الشقيق) أن اثنين أردنيين هما الآخران قد أخذا نقودا لكي يضعا قنبلتين في طائرتين من طائرات العال بتحريض من سوريا، وتكرار الكذبة قد يدفع في النهاية للتصديق. ولكنها على أية حال نوع جديد من نشاط المخابرات؛ ذلك النشاط المسرحي المكثف، وربما مشكلة المخابرات العربية أنها لا تستعمل خيالها المسرحي أبدا، وتكتفي بالتخابر على الغلابة من مواطنيها، وكان الله يحب المحسنين. # وما دمت لم أستمتع بمسرحية مسز تاتشر ولا بالعرض القادم في ألمانيا «كول»، فقد قررت أن ألبي الدعوة التي وجهتها لي الدكتورة نجاح العطار وزيرة الثقافة في سوريا والأستاذ أسعد فضة مدير مهرجان دمشق المسرحي. وقد كنت في عمان على مرمى حجر من دمشق. # حتى عقلي يموج بمشاعر مختلفة، وأنا في الطائرة التي ستأخذ أربعين دقيقة فقط للذهاب إلى دمشق. أنا لم أزر دمشق منذ عام 1972م، مع أني كنت متعودا أن أزورها هي وبيروت كل عام مرة قبل هذا. الآن ضاعت؛ علينا على الأقل نحن زوارها، بيروت، ولم يبق من الشام الكبير غير دمشق، فكيف هي دمشق الآن، وماذا جرى لنا ولها؟ ~~••• # الحقيقة لا أستطيع أن أصف بالتفصيل كل ما حدث، فمن لحظة أن وضعت قدمي في مطار دمشق وثمة بحر من الحب الخالص قد ابتلعني، وبالكاد وصلت إلى الفندق لأجده يضج بالمصريين المسرحيين الذين جاءوا لأول مرة منذ عام 1977م يشاركون في أهم مهرجان مسرحي في الوطن العربي؛ مهرجان دمشق الذي يقام كل عامين مرة. وجدتهم هم الآخرين سكارى بالاستقبال الحار، وما هم بسكارى، ولكن هذا الشعب السوري يملك قدرة وطاقة على الحب؛ وحب المصريين بشكل خاص، إلى درجة أن كلا منا فقد وزنه حقا؛ مآدب وحفلات واحتفالات، ترحيب وتكريم حتى من أصحاب المحلات وباعة الملابس. بحر فياض من الحب جعلني أحدق في وجه ms121 فنانتنا الكبيرة سميحة أيوب بعد عرض مسرحية «الوزير العاشق» لبطلها العملاق عبد الله غيث وشاعرنا الشاب فاروق جيدة وإخراج الفذ فهمي الخولي. حدقت في وجهها ولم أصدق نفسي، كانت قد صغرت خمسة عشر عاما على الأقل، وقلت لها هذا فقالت: ألم تر كل ما أحاطوني به، أترى كل هذا الحب، من سنين كثيرة لم أحظ به وبكل هذا الدفء، حب جعل التزاحم على رؤية العروض المصرية من الشدة بحيث استدعيت قوات «حامية دمشق» لتنظيم الدخول إلى المسرح. في غمار هذا الحب المتدفق العظيم ولد أحسن حدث؛ فقد أعلن قيام اتحاد الفنانين العرب، ووقعت على الإعلان أربع عشرة دولة عربية، واختيرت القاهرة من كل هذه الوفود، وبعضها لا يزال يقاطع القاهرة سياسيا وتمثيلا دبلوماسيا، اختيرت القاهرة مقرا للاتحاد. والحقيقة أن الصديق الكبير سعد الدين وهبة رئيس اتحاد الفنانين المصريين قد لعب دورا عظيما، ليس فقط في قيام اتحاد الفنانين العرب، ولكن أيضا اختيار القاهرة عاصمة له. ومن أجل هذا قابله الرئيس حافظ الأسد، ولولا أن دمشق كانت هي الأخرى تريد أن ترسل مكتوب حب للقاهرة لما كان هذا الاختيار، ولما كان الرئيس الأسد قد قابلني أنا الآخر ومنحني من وقته الكثير، ولما كان قد اختص بلقائه الكتاب والفنانين المصريين وحدهم. والحقيقة أنني من فرط ما رأيت من علامات عشق طال كبته تصورت أن أكثر شعبين من الشعوب العربية يحبان بعضهما البعض هما السوريون والمصريون. وقد دفعنا هذا الحب للزواج ذات مرة، زواجا لم يدم كثيرا؛ فعند أول خناقة زوجية حكمت محكمة قهرية ظالمة على الحبيبين بالفراق الأبدي، ولكن الحب الكبير لا يزال هناك. # ما أبأسها من محكمة! وما أباسها من ظروف سياسية فرقتنا! ورحم الله من كان ومن كانوا السبب. ~~••• # حسن جدا. # إن قيام اتحاد الفنانين العرب بداية لأن ندرك أن الروابط الثقافية العربية لا يصح أن تنقطع لأي سبب من الأسباب وتحت أي ظروف سياسية عابرة. # فإذا كان السياسيون العرب قد فشلوا في توحيد كلمتهم، ألا يمنحوننا - نحن الكتاب والمثقفين ms122 والفنانين - فرصة للالتفاف حول كلمة ثقافية فنية واحدة. # إن الثقافة والكتابة والفن هي أهم إنتاج عربي على الأقل. # وهي بطبيعتها مجمعة لا تفرق، متآلفة لا تشتبك، واشتباكاتها إذا حدثت محمودة؛ فهي تكون من أجل مزيد من التجمع والتبلور والاتفاق. # والثقافة المصرية بالذات، ومنذ السبعينيات، قد وصلت على أيدي المسئولين عنها والأجهزة التي تقوم عليها إلى مستويات من الإهمال والإجرام والخنق إلى درجة أن يبدو الأمر وكأنها مؤامرة على أهم إبداعاتنا وصادراتنا قاطبة؛ الأدب والسينما والمسرح والتلفزيون. # وقد شاهدت بعيني في عمان وبغداد ودمشق وتونس والمغرب والكويت والإمارات والسعودية واليمن، وحتى البلاد التي فيها قتال كلبنان؛ فالفرق اللبنانية تتقاتل ولكن الثقافة اللبنانية واحدة متحدة، وكعادتها خلاقة واعية. شاهدت بعيني كيف أن الثقافة ممكن أن تجمعنا وتجعلنا نجمع على كلمتنا. # وإذا تجمعنا ثقافيا فمن الممكن - بعد هذا وليس قبله أبدا - أن نتجمع اقتصاديا، ثم ليس مهما بعد هذا أن نتجمع أو نتفرق سياسيا؛ فالشعوب ليس مسئولة عن السياسات التي تحكمها، والتي تختلف باسمها أو تتفق، إنما الشعوب هي التي تفرز الثقافة المتفقة وتقوم بالاقتصاد المتفق. ~~••• # نكون أو لا نكون. # كان هذا عنوان محاضرتي. # والإجابة التي عدت بها: إذا لم نقم ثقافيا أولا فلن نكون؛ فالثقافة هي روحنا والسياسة هي أجسادنا، فإن تنافرت الأجساد فلا كيان لنا إلا بلقاء الأرواح. # | خطاب من كاتب نجدي # بدوي بكل ما تحمل الكلمة من إيجابية وأنفة وتواضع وكرم وكبرياء ... في السبعين، ولكنه سمهري القوام، وكأنه عود من أعواد الخيزران الجبلية التي لم ينل الزمن من استقامتها واعتدالها. # في الأسبوع الذي قضيته في المملكة العربية السعودية مدعوا لحضور مهرجان الثقافة والتراث الذي أقامه الحرس الوطني، كان هذا الرجل، الشيخ عبد العزيز التويجري الكاتب السعودي المشهور، ونائب قائد الحرس الوطني الأمير عبد الله عبد العزيز، هو العقل المدبر للمهرجان وللفكرة. ورغم أن دهشتي للدعوة كانت كبيرة؛ إذ تساءلت ما علاقة الحرس الوطني بالثقافة والفنون والتراث. وكان حب استطلاعي هو دافعي الأكبر للزيارة لأرى هذا الجهاز المسئول عن الأمن الداخلي ms123 كيف وأي ثقافة يتبنى؟ وسألت الشيخ التويجري المسئول فأجابني على البديهة قائلا: إن الحرس الوطني إن لم ينبع من جذور تراثية يفخر بها لا يمكن أن يكون هو الأمين على البلاد بتراثها وثقافتها وكل ما وصلت إليه. # والحقيقة أني منذ قابلت الرجل، بهرني بشخصيته، الحياة العائلية التي يحياها، وكيف أقام لأولاده جميعا منازل مجاورة تماما لبيته، بل إن العائلة التويجرية كلها تقطن متلاصقة الجدران مكونة ما يشبه العائلة الواحدة التي لا بد أن يجتمع أفرادها كل يوم مرة على الأقل. # وحين دعانا، نحن وفود الدول العربية المشتركة في المهرجان، حوالي سبعين كاتبا من الكويت ومصر وسورية والعراق واليمن ولبنان والسودان، تقريبا كل بلاد الشرق العربي، هذا فوق الكتاب السعوديين المساهمين، حين دعنا للعشاء حسبت أن الذين يقدمون لنا الطعام ويعزمون علينا به هم بعض حاشيته، فإذا بي أكتشف أنهم كلهم أبناؤه. لم تتح لنا فرصة الاجتماع به طويلا؛ فمشاغله - والمهرجان - كانت تستحوذ على القدر الأكبر من وقته، ولكنه في كل اجتماع كان على السليقة هكذا يحدثنا بحديث، وكأنه كتبه في عقله سلفا، حديثا جادا عذبا مليئا بالحكمة وتجربة الحياة في مرها وحلوها. # ولكن أعذب حديثه كان عن «نجد»، وكنت لأول مرة أزور «نجد» التي تقع في الرياض، عاصمة البلاد في قلبها، ولم نجد إنسانا يعتز بموطنه وأصله مثلما وجدت الشيخ التويجري يعتز بنجديته وبداوته. # إلى أن كان ذات يوم ودعانا - نحن الوفد المصري - إلى بيته في جلسة خاصة، وفي حديقة منزله جلسنا ودار حديثنا معظم الوقت عن المتنبي الذي يعشقه الشيخ إلى درجة أن كتب عنه كتابا ضخما اسمه: رسائل إلى المتنبي. وقال لنا إنه مع المتنبي في كل بيت قاله ولم يختلف معه إلا في أمر واحد هي قصيدته المشهورة في هجاء كافور الإخشيدي. # وحين سألناه لماذا، قال: لأنه في تلك القصيدة لم يكتف بهجاء كافور، ولكنه سب الشعب المصري سبابا مفزعا، وتلك كانت غلطة قاتلة، وأخذ يكيل المديح لهذا الشعب الذي عاش بينه ولمسه عن قرب، ووجده أبعد ms124 ما يكون عن الألفاظ التي سبه بها المتنبي. # وسأله سائل منا، وكنا كامل الزهيري ورجاء النقاش قد أخذنا بحديث الرجل، عن أية مؤلفات أخرى له ، قال: عندي كتاب اسمه: «رسائل إلى ولدي». وطلبناه منه؛ فأمر ابنه، وكان واقفا طوال الوقت لم يجلس أبدا، مع أن الجلسة استغرقت ساعات لم يجلس أبدا حتى يكون تحت أمر أبيه في أي أمر يطلبه، وبيني وبين نفسي سعدت بهذه الظاهرة سعادة لا يعرفها إلا من يعيش في مصر، وله أولاد في مثل سن ابنه «في العشرينيات» ولا يرى ابنه إلا في المناسبات، وإذا طلب منه مطلبا اعتذر بما يعن له من أعذار. # طلب من ابنه أن يحضر سبعة كتب، وكنا سبعة، من كتاب «رسائل إلى ولدي»، وجاءت الكتب، واختار الأخ عدنان، الذي يعمل في اليونسكو كمندوب لمنطقة الخليج، وأخذ يملي عليه إهداءاته لنا. # وحسبت أن إهداءاته لن تخرج عن الإهداءات التقليدية التي تذيل بها كتبنا: إلى الأخ فلان مع خالص الود والتحية. وإذا به يملي على عدنان لكل منا إهداء يستغرق صفحة، ويعتبر مقالة قصيدة أو قصيدة مقال، ويقولها هكذا على البديهة دون أن يبذل أي جهد في استخراج معنى أو تعبير، وكأنه يغترف مباشرة من مياه الأرض العميقة. # سبعة إهداءات مختلفة، هكذا على السليقة، وبديهة حاضرة؛ حيث إنه كان إذا رن التليفون وقطع عليه إملاءه وانتهى من المحادثة، يعود للإملاء عند الكلمة التي توقف عندها. # معجزة بدوية حقيقية فسرت لي كثيرا من أمور الشخصية العربية، والنجدية بشكل خاص؛ فأهل نجد شديدو الاعتزاز بأنفسهم، وحتى الإسلام العظيم لم يقبلوه إلا بعد صراخ مخيف، اضطر معه أمير المؤمنين أن يرسل لهم جيشا بقيادة خالد بن الوليد يخضعهم ويعيدهم إلى حظيرة الإسلام. # وقد ذكر لي الشيخ عبد العزيز أن جيشين فقط هما اللذان نجحا في الوصول إلى نجد؛ جيش خالد بن الوليد رضي الله عنه، وجيش إبراهيم باشا حين عجزت الدولة العثمانية عن إخضاع الوهابيين؛ فأرسل لهم محمد علي باشا والي مصر جيشا بقيادة ابنه طوسون، ms125 فشل في الوصول، ثم جيشا ثانيا، ثم أخيرا جيش إبراهيم باشا الذي نجح في الوصول إلى نجد ودمر الدرعة، التي كانت تعتبر العاصمة في ذلك الوقت. ولهذا فطوال التاريخ بقيت نجد بعيدة عن أي مستعمر أو غاصب، تحيا في منطقة من أوعر مناطق الجزيرة العربية، ومصرة على الحياة فيها والاستمساك بها. ~~••• # وكنت قد أهديت الشيخ عبد العزيز التويجري كتابي «فقر الفكر وفكر الفقر»، ولقد أعدتني طريقته فأهديته إهداء مطولا تحدثت فيه عن تجربتي في العمرة، والنور الذي ملأ قلبي وأنا أصلي في الروضة الشريفة وأطوف بالكعبة، وحتى وأنا أسعى بين الصفا والمروة. # وفوجئت أمس بخطاب من الشيخ عبد العزيز موجه لي، ولكني حين قرأته وجدت أن من العبث أن أحتفظ بالخطاب لنفسي، ولا بد أن أشرك معي قرائي. والآن إلى الخطاب، فلي بعده تعليق: # عزيزي الأخ الدكتور يوسف إدريس # السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: # لا أدري كيف الطريق إليك في هذه الرسالة؛ فقصتك مع الحياة والطريق الذي مشيت عليه لا أعرف هل خطاها خطى مستريحة أم مثقلة بهموم الحياة وعناء الطريق. وما لم أعرفه أتجاوزه ولا أخوض في مياهه، فما عودت قدمي خوض المياه التي لا أعرف من أين أتت وإلى أين هي ذاهبة، فيوم قابلتك قبل أيام في قلب الصحراء، وسمعت منك، ولاحظت عليك ملامح الحيرة والتساؤلات التي تبعثرها هذه الحيرة على طريق الزمن الطويل، أخذني حب الاستطلاع إلى المحاولة المخلصة في أن أتحسس نظرتك إلى الحياة؛ فهي التي - ولا شك - لها الدور معك ومع سواك من البشر. وقد تبينت أن بينك وبين قمر السماء وشمس الضحى ضبابا كثيفا، ولأنه ضباب ولم يكن غيوما لا تحمل مياها أشعر أن نسمة تهب من داخلك فيها ريح الصبا تبدد هذا الضباب وينقشع، فإذا الحقيقة أمامك ناصعة لا غيوم عليها. وقد لمست هذا في الإهداء الذي صدر عنك لي وأنت في زيارتك لمسجد الرسول # صلى الله عليه وسلم # والكعبة المشرفة، رأيتك في كلمات مؤثرة تقول لي: لقد رأيت الحقيقة وأحسستها أمانا ms126 في داخلي. # إذا، ليت الإنسان لا تأخذه فيما يتصور أنه متناقضات في هذا العالم الداخلي منه والخارجي حيرة والطرق معبدة. علامات الطريق والهداية عليها واقفة مع الشموس والمجرات العظمى في هذا الكون الذي لا حدود له، تتقاصر دون أبعاده خطى السرعة الصوتية، بل أهم من ذلك كله علامات الطريق في نفسه، في عقله وذهنه، في حركة الذات التي لا تهدأ لحظة واحدة. فمن تأمل الحركة الدءوب داخل نفسه ووجدانه وعقله يشعر أنه قد حمل المسئولية العظمى في هذه الحياة لحكمة قد لا يدركها كل الإدراك، ويكتشفها عقل الإنسان الذي أتصور أن له مملكة خاصة في هذا الكون وأسراره منحه الله إياها، هذه المنحة هي التي يسير فيها عقل الإنسان ويتحرك باكتشافاته وعلومه ومادياته، وإذا حاول أن يتجاوزها إلى ما لم يكن من حقه خارت قواه وصدمه العجز، وهنا يقع التناقض والامتحان للإنسان، فمن قال: لا شيء ألا تتصور أنه تجاوز قدره وعاب نفسه؟ فكل ميسر لما خلق له. # عزيزي الدكتور # لأنك فيما كتبته لي أكدت أن لقاءاتنا أعطتك قناعات مشرقة في نفسك، وأن لهذه الزيارة تأثيرا نفسيا وروحيا وعاطفيا تجاه الإسلام. ولا شك أن رجلا مثقفا مثلك لا يعصب عين عقله وذهنه ووجدانه عن التطلع إلى الحقيقة في آفاق واسعة من العبر والنظام الكوني والبشري الذي لا صدفة فيه لخطأ أو خلل. لا أقول هذا تلقينا أخذته من إمام مسجدي أو شيخي في حلقة الدرس؛ فقد ولدت في صحراء معزولة عن العالم، لم ندر ما هو، ولا نحس بوجود عالم أوسع من عالم الصحراء، فلا مذاهب ونظريات ولا فلسفات ولا مدارس ولا علوم، مطايانا جمل أو حصان أو أقدام حافية. مرت بنا الحياة في هذه الصحراء في ظروف متباينة حتى وصلت بنا إلى أيامنا هذه، وحين تحطمت السدود في هذا العالم، وأصبح الإنسان يسمع همسات منادية في أقصى الأرض في أسرع من لمح البصر، وتزاحمت بالمناكب علينا نظريات العالم الرأسمالي والمادي، إلى ما هنالك من نظريات وفلسفات أعطت لنفسها صورة ms127 قليلا ما مشت خطوة أو خطوات في الطريق المزدحم، في هذه الحالة يرى الإنسان أنه لا أحد مسئول عنه ولا حامل مساوئه أو واهب له حسناته غير نفسه. وعلى مدرج الحياة الطويل حاولت شخصيا أن أطلق لخيالي ولذهني ولتصوراتي جناحا من الأمل في ألا يسقط أو ينكسر في أثناء الطريق فينكسر لانكساره إيماني، وأضيع في متاهات ركبها غيري؛ فأنزلته في منازل لا خيمة تظلله ولا علامة تهديه، ضياع في ضياع، وخضت مياه الآخرين بما فيها من نجاسة وطهارة، بما فيها من مياه آسنة وأخرى عذبة، فإذا المادة لا تصمت ولا تسند العقل عن الدوار؛ إذ كانت المادة والماديون فقاعات على سطح الماء، واللآلئ في أعماقها. نعم ما ركبت خيالي ووجداني وعقلي دون أن أمنحهم الحرية المطلقة في البحث عن الحقيقة حتى لو تجاوزت مواريثي الخاصة وتجاوزت وصايا الآباء والأجداد البسطاء وحكاياتهم؛ ذلك أني لا أريد أن أكون إمعة، أما ماذا عدت به من هذه الرحلة التي لا تقل عن عشرين عاما وراء كل مناد وعلى أي طريق، فقد عدت بما عاد به أحمد أمين - رحمه الله - حين قال لابنه: «آمن ولو ألحد الناس، ووثق صلتك بالله وإن قطعها الناس.» # قد لا يرى الإنسان اليوم القدوة الصالحة في هذا العصر لعظمة الرسالة الإنسانية في عدلها ومساواتها في الحقوق والواجبات، فلا كسروية فيها ولا قيصرية، ولكنها الرحمة المهداة. # عزيزي # لعلك تعرف أنني بدوي، لم أدخل مدرسة، فلا تطالبني بما يطالب به الفقيه أو الكاتب أو المفكر، لكنني وبعد أن أتحت لي فرصة الحوار معك على جادة الحق، آمل من الله أن يوفقك في آخر العمر إلى التحول المطلق نحو حرث أرضك الذاتية، وتنظيفها من كل نبتة طفيلية عليها، وغرس أشجار الهداية الإنسانية فيها، وإذا قابلك على الطريق حجر عثرة فحاول أن تسلم من أذاه، وتتجاوز الطريق في رضى وسماحة وتسامح. لا يأخذك الغضب على أحد؛ فالميزان العادل بيد الله، فإذا حكم عليك إنسان بحكم خاطئ دع الله يحاسبه، حاول أن ترد السيئة ms128 بالحسنة. # عزيزي # ألا يمكن أن نرد كل ما يعانيه إنسان هذا العصر من عذاب وألم وفقر ونزيف دماء وتجاوزات على القيم والمثل العليا سببه أن منبر الفضيل بن عياض والشيخ الجليل ابن الجوزي نزل عنه الواعظ التقي؛ فصارت قفرا موحشا ذاتية الإنسان؟ لا أقول هذا متشائما أبدا، ففي الأرض ولا شك أتقياء وصالحون، ولكنهم لا يستطيعون أن يحتلوا منابر الوعظ في حرية الخليفة الأول والخليفة الثاني التي قالت: إذا رأيتم في اعوجاجا فقوموني ... # طبعا هناك في علو الزمن للإسلام وللمسلمين شموس وأقمار، هم من يضيئون لنا الطريق بذكراهم كلما أظلمت الدنيا أمامنا، فللإنسان الحائر عندهم الخلاص من حيرته. أقول هذا وكلي رعب حتى من نفسي. ألفاظ تقطر على القلم ثم على الأوراق، فإذا تجمعت وصارت إلى جمل مقروءة وراجعتها في نفسي، وأردت أن أقرأها كما أقرؤها على الورق تكورت على بعضها بعضا حتى لا أقبض على شيء. وهنا يلحق السؤال والتساؤل فيما بين السريرة والعلانية من نسب، فلا ينسب هذه لتلك، وهنا فجيعة المتسائل الذي لا يأتيه جواب. # وختاما تقبل تحياتي. # أخوكم # هذا كما نردف خطاب كاتب لم يدخل مدرسة، وعلم نفسه بنفسه، ووصل إلى تلك المرتبة العليا في القدرة على التعبير. هذا كاتب ابن البادية حقا، حين تقرؤه تحس أن هؤلاء العرب لم يقوضوا أعظم إمبراطوريتين في التاريخ القديم عبثا، إنما بهذه القوة والصلابة والذكاء، وقد فجرها الإيمان بالدين الحنيف فعلوا هذا العلو. # أما عن تساؤلاته الخاص بي، وعن إيماني، فإني أعتذر له؛ لأني لن أجيب، فأنا أعتبر أن إيمان الإنسان شيء مقدس، وسر إلهي لا يجوز البوح به؛ لأن في البوح به إهدارا لقداسة السر. ~~ إني أفضل أن أعبد الله في صمت وبلا جعجعة ولا إعلان، فإذا كان الإسلام الحنيف دينا عاما للمسلمين قاطبة، بل للبشر أجمعين، فإن العلاقة بيني وبين الله سبحانه علاقة من العمق والاتصال بحيث أعتبر أن إخراجها وعرضها على الملأ - كما يفعل البعض - نوع من التفاخر، بل أكاد أقول الاتجار بالدين. ~~••• # شكرا أيها الأخ ms129 على خطابك، وليت الحديث بيننا لا ينقطع، فمع مثلك ومن مثلك يتعلم المرء أضعاف أضعاف ما يقرؤه في الكتب. # | ذلك الرجل المحير للبرية # ذلك المحير للبرية ... العقيد معمر القذافي. # ما من جلسة ضمت مثقفين عربا أو أجانب، أو حتى جلسات مختلطة ... وما من مرة تطرق الموضوع إلى القضية العربية، أو الأوضاع العربية، أو القادة العرب؛ إلا، وبالضرورة، توقف الحديث عند معمر القذافي. وعشرات الجلسات كتلك حضرتها وشاركت فيها، وكان شغفي الأكبر، حين يتوقف الموضوع عند العقيد، أن أعرف على وجه الدقة آراء الناس فيه. # كانت هناك بالطبع مجموعة ضخمة تكتفي بالقول أو الصفات المعتادة التي كان يطلقها عليه السادات والساداتيون والبورقيبيون وأحزابهم، بالقول إنه رجل مجنون. # ولكن كان هناك ذلك النفر الذي لا يكتفي بهذا النعت الساذج للعقيد، ولكنه يؤكد - وكأنه العالم ببواطن الأمور - أن الرجل ليس مجنونا كما يقولون، أو مدعي جنون كما يتصور البعض، ولكنه «عميل» أمريكي، زرعته أمريكا في المنطقة زرعا، ورعت «ثورته القومية العربية» ليكون عامل فرقة وتخريب وتحطيم للتجمع العربي، وأنه لولا أن الأمريكان يريدون هذا على وجه التحديد لما آزروه وقووه إلى درجة استطاعوا معه أن يستأصلوا النفوذ أو «الاستعمار» الإنجليزي، الذي كان يشكل بالقاعدة التي سماها بعد هذا قاعدة جمال عبد الناصر، نقطة ارتكاز متينة لبقية من النفوذ البريطاني المتمثل فيما يسمى الآن حلف شمال الأطلنطي، مزروعة داخل قلب العالم العربي. ويستشهد القائلون على هذا بالسهولة التي تمت بها الثورة، وتم بها إجلاء الإنجليز والإيطاليين والأمريكان من ليبيا؛ بحيث إن «الثورة» لم تلق أي مقاومة تذكر، لا من الجيش الملكي السابق ولا من حلفاء الملك الإنجليز وغيرهم. إن المشكلة أن الأمريكان حين بدءوا يدركون أن الملك إدريس السنوسي أصبح حكمه مزعزعا، وقابلا للاقتلاع في أية لحظة، وأن الحركة الوطنية الليبية قد زخمت بالاتجاهات الثورية التي كان الاتجاه الناصري فيها هو أقواها جميعا، ويهدد بقيام ثورة شعبية ناصرية القيادة والاتجاه؛ ثورة ليبية تلقائية غير مضمونة، وبالقطع ستقوم ضد الغرب والنفوذ الأميركي المتصاعد؛ ولهذا فقد ms130 أصبح الوضع يحتم إجهاض هذه الثورة المقبلة، بانقلاب عسكري يأخذ شكل الثورة، ولكنه في نفس الوقت «مضمون» من ناحية قيادته ومن ناحية اتجاهاته. # والغريب أن مثل تلك التحليلات قد قيلت بنصها وحذافيرها عن «ثورة» حسني الزعيم في سورية حين قامت كانقلاب عسكري في أواخر الأربعينيات. وبنصها وحذافيرها قيلت عن ثورة عبد الناصر عام 52، باعتبار أن الأمريكان كانوا قد بدءوا يدركون أن القبضة الإنجليزية والرجعية على بلاد الشرق الأوسط قد أخذت تتراخى، وأن المد الثوري الشعبي قد أخذ يهوي بشدة على أمثال تلك الأنظمة، مهددا باكتساحها بواسطة ثورات شعبية حقيقية كما حدث بعد هذا في ثورة الجزائر. # قيل هذا كما قلت، وألفت فيه كتب، بل وظهرت وثائق تنشرها الآن وزارة الخارجية الأمريكية عن اتصالات قامت بين كافري السفير الأميركي في القاهرة في ذلك الوقت وبين تنظيم الضباط الأحرار الذي وجد فيه الأمريكان ضالتهم المنشودة؛ ليساندوا في انقلاب عسكري يطيح بالملك فاروق، ويضع بعض الإصلاحات الداخلية المحدودة الأثر مثل قانون الإصلاح الزراعي، ويرفع شعارات مثل التي ارتفعت في أول «الثورة» مثل الاتحاد والنظام والعمل، ويحل الأحزاب القائمة، ويقيم حكما عسكريا دكتاتوريا تكون لافتته «التطهير» ومحاكمات لرجال الأحزاب والسراي ... إلى آخره، والغريب أيضا أن كل هذا قد حدث، وأنه قد ثبت الآن من واقع وثائق وزارة الخارجية الأمريكية التي تنشر اليوم أن هناك اتصالات وثيقة كانت قائمة بين «كافري» وبين جمال عبد الناصر عن طريق وبوساطة أحمد حسين باشا سفير مصر في أمريكا، وقيل أيضا إن حلقة الاتصالات كانت تتم عبر بعض كبار الصحفيين، ومنهم - كما قال مايلز كويلاند في كتابه المشهور «لعبة الأمم» - محمد حسنين هيكل، ولكن ليس عن طريق الإخوة مصطفى وعلي أمين اللذين كانا يعتبران من معسكر الملك والإنجليز وغير مؤتمنين على الاشتراك في «الانقلاب الأميركي القادم». # هذا كله سمعناه ككلام مجالس، بل أعترف أننا كنا منتبهين إليه، وقلنا هذه تعود إلى تنظيماتنا الطلابية الشبابية والشعبية في أعقاب ثورة 46 ومجيء الوفد إلى الحكم، وكانت تلك التنظيمات تضم جبهة عريضة ms131 من بقايا قيادات لجنة الطلبة والعمال التي قامت في أيام حكم صدقي لمقاومة معاهدة صدقي-بيفن، ومن خلال تحالف كان قائما بين الطليعة الوفدية والإخوان المسلمين وشباب الحزب الوطني ومصر الفتاة وبعض التنظيمات اليسارية والتقدمية. # كنت في ذلك الوقت سكرتير عام اتحاد طلبة كلية طب قصر العيني، ومندوب الكلية في اتحاد طلبة الجامعة، وكانت كل الاتحادات يقودها الطلبة بوساطة انتخابات طلابية حرة تصبح في نفس الوقت هي القيادة السياسية لجماهير الطلبة والعمال. # في أواسط عام 1950م بدأنا نقلق خوفا على الحكم الوفدي في ذلك الوقت الذي كان قد وصل إلى إلغاء معاهدة 36 بيننا وبين الإنجليز، وقال النحاس باشا كلمته المشهورة: باسم مصر وقعتها - وكان هو رئيس الوفد المصري (المؤلف من تحالف الأحزاب التي وقعت المعاهدة) - وباسم مصر ألغيها. وتطور الحال إلى حد الكفاح المسلح في القنال الذي كنا نقوم به ومعنا مجموعة من ضباط الجيش المصري الشبان الذين كانوا يدربوننا على إطلاق النار وعمليات النسف والحرق، وكان على رأسهم ضابط رائع هو المرحوم كمال رفعت؛ من أبرز أعضاء تنظيم الضباط الأحرار بعد هذا. وكان الخط السياسي للإخوان المسلمين في ذلك الوقت هو التوسع ما أمكن في حركة الكفاح المسلح في قناة السويس، بحيث تتحول إلى حرب شعبية، تحرر البلاد وتقوض الحكم القائم. بينما كان مفهومنا نحن وخطنا السياسي (الطليعة الوفدية والتنظيمات اليسارية والتقدمية) هو حماية حركة الكفاح المسلح في القناة من القاهرة، بحيث لا تطعن هذه الحرب بضربة توجهها السراي أو الإنجليز أو هما معا، مظهر حركة الكفاح المسلح تلك من القاهرة. # وحين حدث حريق القاهرة في 26 يناير، وأعلنت الأحكام العرفية في 27 يناير عام 51، وأقيل مصطفى النحاس باشا، وجيء بوزارة علي ماهر باشا، قلنا: ما نخشى منه قد حدث؛ إنهم يريدون إجهاض الثورة الشعبية التي كانت قد وصلت إلى حد المظاهرات الصاخبة التي تطالب بتوزيع السلاح على الشعب، بل وموافقة الحكومة ممثلة في الوزير إبراهيم فرح وزير الخارجية في الحكومة الوفدية إلى حد الموافقة على هذا المطلب. قلنا: ms132 هذا ما تنبأنا به، وكان قرار منع التجول وهبوط قوات الجيش إلى الشارع، ومقتل الضابط عبد القادر طه الذي حمل إلي وأنا طبيب استقبال في القصر عيني (وكنت قد تخرجت وعملت طبيب استقبال في ذلك المستشفى الكبير أثناء الأحكام العرفية وقرار حظر التجول). حمل إلي مصابا بخمس رصاصات، واعترف لي وهو على وشك أن يلفظ أنفاسه أن الملك والحرس الحديدي (الذي كان السادات والدكتور يوسف رشاد قطبين من أقطابه) اعترف لي أنهم هم الذين جروه إلى كمين أطلق عليه فيه كل هذا الرصاص. بالأحكام العرفية، وحظر التجول، وبداية الاغتيالات السياسية؛ إذ قبلها كان قد اغتيل الإمام المرحوم الشيخ حسن البنا، بهذا كله اعتقدنا أننا على وشك قيام حركة انقلاب عسكري يقيم حكما عسكريا صميما ينهي به الحركة الشعبية القائمة، ويمنع من تطويرها إلى ثورة شعبية تقوم بانتخابات حرة، وتعقد جمعية تأسيسية تقيم على أثرها جمهورية شعبية دستورية. # وبالضبط، وعقب «ثورة» الفاتح من سبتمبر عام 1969م في ليبيا، بادر كثير من المكافحين والمثقفين إلى تحليل الأمر وكأن الأمريكان أرادوا إجهاض الثورة في ليبيا بالإطاحة بالحكم الملكي، واختيار القذافي بالذات؛ ذلك النقيب في الجيش، الغض العود والخبرة، قائدا لتلك الحركة. # وكان الكثيرون كلما جلا الإنجليز عن معسكر ما بسهولة، وكلما سلم الإيطاليون ممتلكاتهم وحتى مقابرهم دون مقاومة، وكلما مضى القذافي من انتصار إلى انتصار، كانوا يقولون: ألم نقل لكم؟! إنه العروسة التي أوجدها وحركها الأمريكان ليمثلوا الأمر وكأنه ثورة، وكأنه حقيقة قائدها، بل إنه عقب زيارة المرحوم جمال عبد الناصر لليبيا، والاستقبال الحافل الذي قوبل به، وقولته المشهورة للقذافي أنت تذكرني بشبابي، وعقب التقارب الحاد الذي حدث بين القذافي والسادات إلى درجة أن أصبح إعلان الوحدة بين القطرين مسألة ساعات، واختلاف أعضاء اللجنة التنفيذية العليا (علي صبري وضياء الدين داود وسامي شرف ومحمد فوزي والآخرين) مع السادات حول هذه الوحدة، وكنا منذ اللحظة الأولى التي جاء فيها السادات إلى الحكم ننظر إلى أعماله وتصرفاته وأي سياسة يتبناها نظرة شك في سلامتها أولا، ms133 وفي وطنيتها وصدق اتجاهها من ناحية أخرى. قال الناس وقلنا: انظروا، هذا هو السادات الأميركي الاتجاه، يتحد مع القذافي المشكوك في أمره، ضد المعسكر الناصري الحقيقي. # ولكن الخلاف بين السادات والقذافي ما لبث أن انفجر، وجاءت حرب 73 ليشكك القذافي في أمرها ويعتبر أنها كارثة وأن مصر قد هزمت. # ثم بدأت حكاية تصفية المعارضة الليبية جسديا في الداخل والخارج. # ثم قاد القذافي مع الأسد والعراق جبهة الصمود والتصدي. # وكل تلك الأعمال كانت تؤكد أن القذافي يقف في المعسكر المعادي للاستعمار بشدة، في حين أن دوره الذي يلعبه على المسرح العربي كان يتسم بمحاولات مستمرة لتمزيق الوحدة العربية باسم الثورية والناصرية والقومية العربية. # وهكذا احترت في أمر القذافي مثل ما احتار الكثيرون في أمره. وجاء عام 1982م بعد أكثر من عام من اغتيال أنور السادات، وكنت في قبرص في زيارة استجمام، وكنت أيامها أكتب في مجلة «الموقف العربي» رغم علمي باتجاهاتها الليبية؛ ذلك أني كنت - ولا أزال - أومن أن الثقافة والكتابة العربية لا شأن لها بالعلاقات السياسية بين الدول العربية، وأن الموقف الرسمي من دولة كمصر تجاه إحدى الدول العربية، سواء بالسلب أو بالإيجاب، لا يمكن أن يلزمني ككاتب بأن أتخذ نفس الموقف؛ فالكاتب هنا، إذا لم يكن فوق تلك الخلافات، فقد يلعب دورا يخفف من تلك الخلافات، إن لم يكن هو الطريق شبه الأوحد لتصفيتها. # وذات مرة، وأنا أتناقش مع رئيس تحرير مجلة الموقف العربي، سألته لماذا يقف العقيد القذافي هذا الموقف المعادي للنظام المصري عداء شديدا، في حين أن النظام الذي أعقب اغتيال السادات لم يرتكب في حق العقيد أو أية دولة عربية أخرى ما يبرر هذه الحملة الشرسة على النظام المصري. # إني أريد أن أعرف الإجابات عن تساؤلاتي تلك. # فقال لي: ولماذا لا تسأل الأخ العقيد نفسه؛ فهو لا شك خير من يجيبك، فهل أنت على استعداد للقائه؟ # وانبثق في رأسي خاطر جريء، لماذا لا أقابل العقيد، وأدير معه حوارا أنشره في مجلة «المصور» المصرية، أو حتى في ms134 جريدة الأهرام إن أمكن. فقلت له: إني على استعداد تام. # قال: وهل سيسمحون لك في القاهرة بالذهاب إلى ليبيا؟ # قلت: إن الكاتب ليس له أي ولي أمر، وبالذات تجاه الدول ذات العلاقات السيئة بالنظام المصري، فهنا دور الكاتب مسألة مطلوبة؛ إذ باستطاعته من خلال حوار صحفي ينشره على الناس أن يقرب الفجوة، أو على الأقل يظهر أوجه الخلاف التي يستند إليها هذا النظام أو ذاك في عداوته للنظام المصري. # قال: وهو كذلك. # وفي اليوم التالي كانت تنتظرني برقية من وزير الإعلام الليبي تدعوني لزيارة ليبيا، وتذكرة سفر من لارناكا إلى طرابلس. # وكنت والطائرة تحلق فوق مطار طرابلس، وأنا أتساءل عن كنه ما سوف أشاهده وأعرفه عن هذا البلد العربي الشقيق الذي لم تطأه أقدامي أبدا، ولا رأيته، سواء في عصر عبد الناصر أو السادات، سواء أيام الملكية أو الجمهورية. كنت كرائد الفضاء الذي يمتلئ رأسه بتساؤلات لا حصر لها عن أرض القمر وهو في طريقه للهبوط إليها. # هل أنا في طريقي لمقابلة أمين عام القومية العربية كما تقول عنه إذاعة الوطن العربي التحريضية التي لا تحرض إلا ضد مصر فقط، وكأن الأنظمة في جميع البلدان العربية أنظمة مثلى ومصر وحدها هي العدو المبين؟ # هل أنا في طريقي لمقابلة قائد الثورة القومية وأنبغ تلميذ في مدرسة عبد الناصر الثورية القومية؟ أم أنا في طريقي لمقابلة «ثعلب الصحراء» الذي دوخ الاستعمار وأمريكا؟ وثعلب الصحراء لقب أطلقته عليه صحيفة بريطانية! # أم أنا في طريقي لمقابلة أكذوبة تضخمت حتى أصبحت كالحقيقة؟ ~~••• # كان العقيد في جولة استغرقت أربعة أيام حتى ضقت بالانتظار وصممت على السفر في اليوم التالي مهما كانت النتائج. # ولكن في نفس هذه الليلة كلمني الأخ محمد الزاوي وزير العدل ورئيس اتحاد الكتاب الليبي السابق ورجل من خيرة رجالات السياسة والثقافة في البلاد العربية، وقال: سنقابل العقيد الليلة في الحادية عشرة مساء. # وحين أقرأ هذه الأيام في الأخبار أن الغارات والقنابل الأمريكية ركزت قصفها على ثكنات العزيزية المقر الرئيسي للعقيد القذافي أعود أتذكر ms135 تلك الثكنة حين عبرنا بوابة عسكرية ضخمة تحرسها دبابتان، وسرنا حتى وصلنا مبنى هو مبنى مجلس قيادة الثورة، وصعدنا سلالم، وهبطنا سلالم قادتنا إلى الحديقة الخلفية للثكنات، حديقة كبيرة جدا، واسعة، مكسوة بحشائش خضراء. # والتقينا الدكتور مفتاح، وهو أصلا زميل طبيب، درس الطب في كلية طب عين شمس كما ذكر لي، حيانا وذكر لنا أن العقيد ينتظرنا في «الخيمة». # كنا في شهر يناير «كانون الثاني»، وكان الوقت يقترب من منتصف الليل، وكانت الدنيا بردا شديدا لا بد أن درجة حرارته كانت صفرا، أو ما دون ذلك. وسرنا في الظلام الدامس، والصمت التام يلفنا، وأنا لا أتبادل كلمة واحدة مع الأخ الزاوي؛ حتى إننا من فرط السكون كنا نسمع وقع خطواتنا على حشائش الحديقة. # وهناك بعد مسيرة لا تقل عن الكيلومتر، وجدنا خيمة متوسطة الحجم مستطيلة الشكل، يطل منها نور غير ساطع. # ودخلنا الخيمة، وفوجئت بالعقيد القذافي يهب واقفا، وقد كان جالسا وأمامه مكتب منخفض الارتفاع بالكاد يصل إلى ركبتيه، وكان يرتدي بزة عسكرية ليست مما يرتديه الضباط، ولكنها من نوع خاص، وكأنها فصلت من أجله تفصيلا، كان طويلا، أنيقا، أكثر وسامة من صوره بكثير. # وبدأ اللقاء مصافحة باليد وانتهى بعناق أخوي. وجلست على «كنبة» قريبا من مكتب العقيد بينما جلس الأخ الزاوي على مقعد، وقريبا مني كانت «شالية» نار، من نفس النوع الذي نستعمله في ريفنا وصحارينا للتدفئة. وكانت الخيمة تبدو من شدة البرد واسعة جدا، ومتواضعة جدا، وباردة جدا أيضا. لم تكن نار «الشالية» تخفف من جوها البارد كثيرا. # وعن قرب أخذت أتأمل ذلك الشاب الذي يقيم الدنيا ويقعدها وهو جالس إلى هذا الكرسي المنخفض، وأمامه جهاز تليفزيون متوسط الحجم، يشاهده، رغم أن برامج التليفزيون الليبي، وقد كان لي أربعة أيام ولا عمل لي إلا مشاهدتها، برامج لا تسر الخاطر أبدا، الجد فيها جاد أكثر مما يجب، أما الضحك أو الفكاهة فلا وجود لها بالمرة. # وبعد التحية والسلام وجدت أسناني تصطك، ولا أستطيع مواصلة الحديث فسألني العقيد: ما لك؟ ms136 # قلت: الدنيا برد جدا يا سيادة العقيد. # فأمر في الحال بإحضار «شالية أخرى» توضع بجواري من الناحية الأخرى ورغم مجيء الشالية بسرعة البرق، ورغم أن نارها كانت لا تزال متوهجة حية، إلا أنها لم تستطع أن تبدد جزءا ولو ضئيلا من البرد الذي يصل حتى النخاع. # قلت له: لماذا يا سيادة العقيد تختار هذه الخيمة، في هذا البرد، ومع تلك الشوالي التي عفى عليها الزمن، وباستطاعتك إقامة أجهزة تدفئة، تغنيك وتغني زوارك عن اصطكاك الأسنان هذا؟ # والحقيقة أن إجابته لم تكن فقط إجابة، ولكنها كانت أيضا أحد المفاتيح التي لا بد أن يستعين بها المرء على فتح مصاريع هذا الزعيم اللغز الذي أعيت أمريكا وأعيا الغرب حيله في فتحه. # قال: أليس لكل رئيس قاعة أو لكل ملك إيوان يقابل فيه ضيوفه، هذا هو إيواني وديواني أحب أن أذكر به نفسي وأذكر به ضيفي أني بدوي عربي ليبي لا زلت، ولن أتغير، فما أسهل أن أقيم «صالة عرش» فاخرة لو أردت ولكن لو تعودت استعمالها لأفقدتني الإحساس بمواطنتي وقريتي وأهلي وناسي. # قلت: أتقابل كل ضيوفك وزوارك هنا؟ # قال: نعم، وقبلك كان يجلس تيودوراكيس «الموسيقي اليوناني المشهور الذي ألف موسيقى زوربا» وقبله أيضا كان يجلس رجاء جارودي. # ووصلتني الفكرة، هذا رئيس دولة يريد أن يقول، دون أن يقول، إنه مثقف أيضا، وربما فنان من أعماقه، يحب الكتاب والفنانين، ولكن على طريقته هو، وبشروطه. # قلت: ولكن جارودي وتيودوراكيس، من بلاد أوروبا، الباردة، فليس هذا الطقس غريبا عليهم وليسوا غريبين عليه، ولكني من مصر حيث الدفء في الشتاء جزء لا يتجزأ من المزاج والوجود المصري. # وضحك العقيد، وضحكنا، واستطرد: # أنا أحب مصر جدا، أحبها أكثر منكم، وجزء كبير من حبي لعبد الناصر أنه مصري، ولو كان مواطنا من دولة عربية أخرى لما أحببته مثل هذا الحب. إن لك أربعة أيام هنا، وأعتقد أنك قد لمست أن كل ليبي ينظر لبلادكم على أنها بلاده وتوأم قومه، وهم لا يقولونها، ولا أقولها أنا مجاملة، فما مصر ms137 سوى امتداد ليبي، وما ليبيا سوى امتداد مصري، وما كلانا سوى جسد واحد قطعه الاستعمار ليأخذ الإنجليز بعضه وتخضع إيطاليا بعضه الآخر، وحين ثرنا على الطليان كانت مصر هي مصرنا الأول «وقد حاصرنا جرازياني الحاكم الإيطالي» مصدرنا الأول للسلاح والقوت، والعلاقات بيننا كانت على مدى التاريخ ممتدة، خاصة مع محافظة الفيوم، ومطروح بالطبع، وكانت القبائل رائحة غادية سيلها لا ينقطع. وفجأة ترك العقيد هذه الدردشة الودود ليلقي علي سؤالا كالقنبلة. # | لماذا يخسرنا؟ ولماذا نخسره؟ # وقع علي سؤال العقيد القذافي كالصاعقة، أو بالأصح كالصاعقة غير المباشرة؛ ذلك أنه كعادة أسئلته لم يكن سؤالا مباشرا، إنما كان سؤالا عاديا جدا، ولكنك تستشف من ورائه سؤالا أخطر، مطلوبا أن تجيب عليه. # لا أذكر الكلمات بالضبط، ولكني فهمت أنه يسألني إن كان الرئيس حسني مبارك قد أوفدني لمقابلته. # والحقيقة أني استغربت تماما السؤال، فلم يدر في خلدي أبدا أن يرى العقيد القذافي المسألة من هذه الزاوية، كنت مدركا تماما أنه يعلم أني كاتب تقدمي النزعة، وأني طلبت زيارته ككاتب، وحتى دون استئذان أي سلطة في مصر كما سبق وذكرت، بل أكثر من هذا كنت متوقعا أن تحدث لي مشاكل مع السلطة بسبب هذه الزيارة، فقد كانت الأوضاع بين مصر وليبيا متردية إلى أقصى حد، وكانت زيارة ليبيا تكاد تعادل زيارة إسرائيل أيام حرب الاستنزاف مثلا، فكيف يتصور العقيد أن الرئيس مبارك اختارني أنا بالذات ليرسلني في تلك المهمة. رغم دهشتي، بل وانزعاجي للسؤال، رحت أفكر بسرعة البرق عما أوقع في روع العقيد أن يكون الأمر هكذا، أيكون السبب أني عقب انتخاب الرئيس مبارك انتخابا حرا صادقا يوم 13 أكتوبر 1981م بادرت بطلب لقاء مبارك، وكتبت عن هذا اللقاء ست مقالات نشرت متعاقبة في جريدة الشرق الأوسط؛ ذلك أني - كفلاح أصلا - لا يمكن أن أصدر حكما على شخص إلا إذا رأيته رأي العين. وجالسته واستعملت فراستي القروية بانطباعين هامين: الأول أنه ضابط أصيل من ضباط الجيش المصري، والجيش المصري كان ولا يزال المدرسة الوطنية الكبرى ms138 التي تخرج منها عرابي ومحمد نجيب وجمال عبد الناصر وعبد المنعم رياض وغيرهم كثيرون من أشرف وأنقى قيادات الحركة الوطنية. # أما الانطباع الثاني فإنه ضابط وطني «حارب» إسرائيل فعلا؛ إذ كان قائدا لسلاح الطيران قبيل الحرب، وكان هو الذي قاد الهجوم الجوي الأول تمهيدا لعبور الجيش المصري قناة السويس والانتصار في ذلك العبور انتصارا ساحقا نتيجة لتحطيم سلاح الطيران المصري كل مراكز قيادات العدو في سيناء، وراداراته، ونقط رصده، ومطاراته؛ مما شل تماما أي هجوم مضاد تقوم به القوات الإسرائيلية. # وما دام ضابطا وطنيا، وما دام ضابطا قد حارب الإسرائيليين فعلا، وليس من شرفة قصر أو خلف ميكروفون، فقد بشرت العالم العربي والمصري بالاطمئنان إليه. وقال الناس عني أيامها أني أمالئ الرئيس لأكون «هيكل» مبارك، في حين أن هذا شرف لا أطمح فيه مطلقا، ولا يمكن أن أرنو إليه؛ فمنذ أول الثورة وأنا معها وفي قلبها وأخوض كل معاركها، وأنا لم أقترب مطلقا من السلطة الناصرية عملا بالمثل القائل: «السلطان هو البعيد عن السلطان»، ولكن لأن تلك كانت قد أصبحت عادة من عادات بعض الصحفيين والكتاب؛ أن يتقربوا إلى الرؤساء ورؤساء الوزارات؛ فقد فسروا المقالات على هذا النحو الأبله، في حين كان سببها الرئيسي كما قلت هو أن أطمئن نفسي وأطمئن الناس معي عن هذا الرئيس الجديد الذي سيحكمنا لمدة ست سنوات قادمة، والذي بالكاد كنا نعرف عنه شيئا. # أو ربما يكون هذا هو انطباع العقيد القذافي إثر زيارته لمصر أيام عبد الناصر، وبعد نجاح الثورة ودعوة هيكل له لزيارة مبنى جريدة الأهرام ومقابلة كبار كتابه ومثقفيه، يومها، بعد أن حدثنا طويلا عن مشاريعه للنهوض بليبيا (لم يكن الكتاب الأخضر قد كتب بعد ولا ظهرت إلى الوجود نظريته الثالثة للحكم) سألته: يا سيادة العقيد، لقد خطبت في الخرطوم وقلت لقد سقط اليمين وسقط اليسار؛ فما هي القوى الباقية في الحركة الوطنية لتقاوم إسرائيل والاستعمار الأميركي الزاحف؟ # يومها تولى هيكل شرح الظروف التي قال فيها الرئيس القذافي هذا الكلام؛ فعندما عقد ms139 مؤتمره الشعبي في الخرطوم رفع الحزب الشيوعي السوداني شعارات ضده، وما دام هو كان يعتبر نفسه الأمين على قارة القومية العربية من بعد عبد الناصر، كما قالها له عبد الناصر نفسه، فقد ذكر هذا السقوط لليمين ولليسار معتبرا أن القوة الوحيدة الباقية لصد الاستعمار ومسح هزيمة 67 هي القوى القومية (أي الطبقة المتوسطة الثورية). كان ذلك قبل وفاة عبد الناصر بقليل، ومن يومها لم ألتق بالعقيد، أيكون سؤاله مبعثه هذا الموقف مني؛ ذلك الذي أدركت أنه لا يزال يذكره؟ # وبكل بساطة وصراحة شرحت للعقيد القذافي الموقف وقلت له: إني أتيت بإرادتي المطلقة، وإني لم أكلف في حياتي بمهمة من قبل الحكومة المصرية، وبالذات تلك المهام الدبلوماسية التي لا أصلح لها ... أنا مستعد، إذا طلبت مني الدولة أن أقابل وأضحي بحياتي في سبيل القضية والشعب، أن أفعل، أما غير هذا، فأنا كاتب لا علاقة له بالدولة، أمتدحها أحيانا، أنقدها أحيانا، أو أدخل معها في معارك أحيانا ... وكل هذا من بعيد جدا ... من موقعي ككاتب. # وأنا أذكر له هذا كنت أحدق في ملامحه، وقد حشدت ذكائي كله لأعرف إن كان قد اقتنع بكلامي أم لم يقتنع. ولكن لم ألمح في وجهه هذا التعبير أو ذاك، وتلك خصلة مشتركة بينه وبين المرحوم عبد الناصر؛ فقد كان من الصعب عليك تماما أن تقرأ ما يدور في عقل عبد الناصر مهما أوتيت من فراسة أو قدرة على قراءة الأفكار والوجوه. # وسكت العقيد، وكنت أعتبره سكوت الذي اقتنع، ولكنه كان بين كل حين وحين يعود، وبطريقة مختلفة، إلى نفس السؤال؛ دليل أنه لا يزال يشك أني «موفد» إليه. # وأعود أذكر له أن شيئا مما يتصوره لم يحدث، وأني قد ألقى اللوم الشديد، وربما العقبات؛ لأني جئت إلى ليبيا، ولكن يبدو أنه فهم من طلبي للقائه أني لم آت لأدير معه حديثا صحفيا حول العلاقات بين مصر وليبيا وإنما جئت في مهمة. # وأخيرا بدا عليه شبه اقتناع. # ودخلنا في الموضوع وسألته: ما الذي يغضبك يا سيادة العقيد ms140 من النظام المصري، ولماذا تسلط عليه إذاعة صوت الأمة العربية ليل نهار وتتهمه بالعمالة لأمريكا وإسرائيل ... و... و... إلى آخر ما كانت تردده تلك الإذاعة بعد منتصف الليل. # قال: نحن لسنا ضد مصر كمصر، ولكننا ضد مصر المرتبطة بمعاهدة كامب ديفيد التي نزعت السلاح عن سيناء، وقيدت مصر بقيود من حديد إلى أمريكا، وأحدثت إسفينا بين العرب وإسرائيل، وعزلت مصر - نصف الأمة العربية - عن بقية الشعب العربي وعن القضية كلها؛ لهذا نحن نهاجم هذا كله. # قلت: وما هي الطريقة لإعادة العلاقات الودية بين مصر وليبيا وإيقاف هذا الهجوم؟ # قال: أن تلغي مصر معاهدة كامب ديفيد. # قلت: هكذا. # قال: هكذا. # قلت: إني معك يا سيادة العقيد أن معاهدة كامب ديفيد كانت خيانة تامة لبطولة الجيش المصري في حرب أكتوبر، وقد هاجمتها ولا زلت أهاجمها، ربما أكثر بكثير مما تهاجمها به إذاعة صوت الأمة العربية الليبية، ولكن مصر بوضعها الحالي الذي جرنا إليه السادات تعتمد في تسليحها على أمريكا، وتعتمد في خبزها على أمريكا، وتعتمد في نقدها على المعونات الأمريكية. # هذا شيء. # أما الشيء الأهم فأعتقد أن ليس على قلب إسرائيل أحلى من أن تلغي مصر المعاهدة وتعود القوات الإسرائيلية الهائلة المرابطة على الحدود المصرية لتحتل سيناء في ظرف ساعات؛ لأنه لا يوجد سوى عدد قليل جدا من القوات المسلحة شرقي القناة مباشرة وعدد محدود من المدرعات، أما بقية سيناء فلا يحتلها إلا قوات الأمن المركزي المتناثرة في باحاتها الواسعة والمسلحة بالأسلحة الخفيفة، فلو حدث وألغت مصر المعاهدة وهجم الإسرائيليون على سيناء وأخذوها فماذا نعمل نحن في هذا الوضع المشلول؟ # قال: تحاربوها ولو بالعصي والحجارة. # قلت: يا سيادة العقيد أنحن في عصر تحارب فيه الجيوش والدول بالعصي والحجارة. # قال: فيتنام؟! # قلت: فيتنام كان يقودها حزب جند الشعب بأسره حتى أصبح الشعب كله جيشا، فهل هذا هو نفس الوضع في مصر؟ # قال: إذا أطلقت حكومتكم السراح للقوات المسلحة لاستعادت سيناء كاملة السلاح ولهزمت إسرائيل. # قلت: أتعتقدون يا سيادة العقيد أن مصر باستطاعتها أن ms141 تلغي معاهدة كامب ديفيد الآن وتحارب إسرائيل بعدها مباشرة؟! لو كان هذا ممكنا لما احتاج المصريون العودة إلى العرب، ولما احتاجوا حتى معونات الدول العربية أو الأمريكية. كيف تستطيع مصر أن تهزم إسرائيل وأمريكا تحرص تمام الحرص - وهي التي تزود الدولتين بالسلاح - على أن تجعل للسلاح الإسرائيلي اليد العليا فوق كل القوات المسلحة العربية مجتمعة. # قال: على الأقل تعلنون أنكم في طريقكم لإلغاء كامب ديفيد. # قلت: إن هذا الإعلان نفسه يعادل تماما إلغاء المعاهدة، فلن تنتظر إسرائيل أن «نسير» في الطريق إلى إلغاء كامب ديفيد وهي جالسة واضعة ساقا فوق ساق، على الفور ستتهمنا بأننا نقضنا المعاهدة وتهاجم وتأخذ سيناء. # قال: إذن ماذا تفعلون؟ # قلت: تساعدنا أنت وتساعدنا بقية الحكومات العربية بالمعونات والدعم لكي نقوى ونصل فيها إلى الدرجة التي نستطيع فيها مواجهة إسرائيل مواجهة حرب. # قال: وماذا يضمن أنكم بهذه المساعدات تستعدون للحرب أو لإلغاء كامب ديفيد؟ # قلت: لأن الحكم في مصر حكم وطني كما تعرف. # قال: أعرف، وأعرف أن الرئيس مبارك ورث تركة مثقلة بما خلفه السادات من قيود. # قلت: أما وأنت تعرف هذا تزيد هذه التركة ثقلا على ثقل باتهام هذا النظام الوطني بالخيانة والعمالة؟ ~~••• # وكنت خلال هذا الحوار كله، وخلال الجمل المخزونة منه - إذ أنا أكتب الآن من الذاكرة - أحاول أنا الآخر أن أعرف كنه هذا الرجل، أهو يؤمن حقا من خلال قيادته لليبيا وتسليح الليبيين وتدريب الشعب كله على حمل السلاح أن يوحد العرب، ويلحق الهزيمة بالاستعمار الأميركي، ويحرر دولا مغلولة في أفريقيا، بل ويبعث الثورة العالمية في كل مكان من أيرلندا الشمالية إلى نيكاراجوا؟! # أتفرس في ملامحه فأجده جادا كل الجد، يتحدث وكأنه يرى الحلم متحققا أمامه، أو أنه قاب قوسين أو أدنى من تحقيقه. # أهو حالم ثوري؟ # ولكن الحالمين الثوريين (مثل الليندي في شيلي) لا يمكثون طويلا في الحكم؛ إذ تستطيع الرجعية والسي آي إيه أن تتآمر عليهم، وتقوم بانقلابات عسكرية تطيح بهم، وفي النهاية تقتلهم. أما هذا الرجل فمنذ أن قامت الثورة ms142 الليبية في عام 1969م وهو قابض على الوضع في ليبيا، بيد من حديد، لم ينجح ضده أي انقلاب، ولا استطاع المعارضون له أن يجدوا لهم قاعدة أو نصيرا في ليبيا. # أم يكون الاستعمار الأميركي سعيدا بالدور الذي يلعبه على الساحة العربية كل السعادة؛ دور الرافض لكل شيء، الثائر على كل شيء، المحول بلاده إلى ترسانة سلاح سوفييتي لكي تحول أمريكا إسرائيل إلى ترسانة سلاح أمريكي لديها الكادر القادر على استعماله وإدارة حرب تكنولوجية بكل براعة؛ فمعظم جيشها من الأمريكان المزدوجي الجنسية، أو دربوا على أحدث الأسلحة في أمريكا؟ # ذلك سؤال آخر، كان بين الحين والحين يخطر لي. ~~••• # إلى أن بدأت قصة خليج سرت، وبدأ الصدام بين الأسطول والطيران الأميركي، وبين البحرية الليبية وقواعد الصواريخ، وكنت في أمريكا حين أسقطت أمريكا طائرتين كبيرتين من طراز ميج 21 ورأيت ريغان وهو يزف النبأ إلى الشعب الأميركي في فرحة من خاض حربا ضد روسيا وأمريكا معا وانتصر عليهما من أول اشتباك. لا يمكن أن تصل المناورة إلى حد أن تشتبك أمريكا الدولة العظمى مع ليبيا ذات المليونين من البشر لتعلي أمريكا أسهم العقيد القذافي، وتتوجه مناضلا ومقاتلا وقائدا جديرا بأن يقود الأمة العربية كلها ضد أمريكا وإسرائيل. # لا يمكن أن يحدث هذا. # ثم كيف لا توجد معاهدة دفاع مشترك بين ليبيا وموردة سلاحها الأولى الاتحاد السوفييتي، وكيف يقف هذا العملاق يتفرج على حليفه الأول في العالم العربي وأمريكا بجلالة قدرها تهاجمه وتسقط طائراته وتغرق زوارقه. # أهو اتفاق بين القوتين العظميين. # أم هي حرب صليبية جديدة يشنها الغرب بشقيه ضد العرب والمسلمين؟ # أسئلة تحير الألباب والعقول. # فإما أن الذين يحكمون واشنطن سذج أو مجانين، ليغامروا بسمعة أمريكا الدولية بمهاجمة دولة، ربما من أصغر دول العالم عددا، في وجه اعتراضات العالم كله وعلى رأسه الدول الأوروبية حليفة أمريكا، ما عدا العميلة الأميركية مسز تاتشر. # ولماذا لم تعهد أمريكا بصبيتها المرتزقة إسرائيل لتقوم بما قامت به هي الفاجرة العظمى حتى لا يشتد حنق العالم وهو يرى ms143 دولة عملاقة كأمريكا تهاجم شعبا صغيرا كالشعب الليبي. # ثم ما هو سر عدم تدخل الاتحاد السوفييتي، وله أسطول ضخم في البحر الأبيض، حتى بالتلويح بالتهديد أو الحيلولة بين الأسطول السادس والشواطئ الليبية؟ # ولماذا استنجد القذافي بالعرب، وهو الذي يزود إيران التي تحاول تقويض الجبهة العربية الشرقية كلها؟ # وهل تم لأمريكا اجتثاث الإرهاب كما زعمت، وهي تستعد علنا للهجوم على ليبيا، ثم وهي تواجهها وتحاربها فعلا؟ # أسئلة محيرة تماما ومتناقضة تماما، وقد تكون كلها حقيقية، وقد تكون كلها محض اقتراحات. ~~••• # ولكني لا أكتب هذا لأتساءل أو أفترض، أنا أكتب هذا لأحذر العقيد أن سياسته ضد الدول العربية «المعتدلة» وضد المقاومة الفلسطينية وحتى سياسته ضد دول شمال أفريقيا، هذه السياسة التي تعزله تماما عن جيرانه، وعلى رأسهم مصر وتونس، سياسة أصبحت تشكل خطرا جسيما على نظام حكمه، بل وعلى شخصه. # والأدهى من هذا أنه لا يوجد سبب قوي قاهر بينه وبين مصر أو تونس أو غيرها يدعوه لهذه الكراهية البغيضة لها. # ولا خلاف على حدود. # لا خلاف على أرض أو نقود. # ربما هناك اختلافات سياسية، وتوجيهية، ولكن من قال إن خلافات مثل تلك جديرة بأن تصعد إلى درجة تكاد تقترب من الاشتباك المسلح. إني من أعماق قلبي، وبكل ما أملك من قدرة على الصرامة وقول الحق، أدعو العقيد، وقد أهدرت أمريكا دمه على هذا النحو، أن يبادر فورا بعلاقات أوثق وأطيب وأشد مع مصر ومع تونس ومع العراق والأردن ومع المقاومة الفلسطينية. # فالمسألة بعد محاولة اغتياله هو بالذات لم تعد هزلا. # وحاجته إلى جيرانه العرب أكثر بكثير من حاجتهم إليه. # فبسياسته تلك سيخسر على طول الخط. # وستكون خسارة الأمة العربية فيه كبيرة أيضا. # فلماذا يخسرنا؟ # ولماذا نخسره؟ # لماذا لا نضع أيدينا في يديه، حتى لو كنا الآن على الأقل ضعافا، ولكن مثلنا الشعبي المصري يقول: النواية تسند الزير. # هذه رسالة من كاتب مصري عربي لا يريد لك ولا للشعب الليبي إلا العزة والمنعة والقوة ... ~~ أرجو - جيدا - أن تقرأها؛ فقد كتبتها بكل ما ms144 أملك من إخلاص. # | العرب على شفا هاوية # أجل، هل وجود دول عربية بترولية غنية ودول غير بترولية فقيرة هو السبب في هذا التشرذم العربي؟ # لا أعتقد أبدا أن البترول مسئول من قريب أو بعيد عما حدث للأمة العربية من خلافات واختلافات؛ فحتى لو كان العرب جميعا فقراء لاختلفوا أيضا، وخلافات الفقراء أكثر وعورة من خلافات الأغنياء. أيضا حتى لو كان العرب كلهم أغنياء لاختلفوا أيضا؛ ذلك أن الغنى العربي أو الفقر العربي مجرد مظهر، أو بالأصح يتضح من مظهر العربة التي يركبها الغني أو القصر الذي يمتلكه أو ملابس البدوي أو العامل الزراعي. إذن التركيبة الاجتماعية الداخلية هي سبب الاختلاف، وضع أي شيء فوق هذه التركيبة أو انزع عنها حتى كل ملابسها فسيظل الخلاف قائما وموجودا. # ولقد سمينا الخلاف بالتحزب القبلي في كافة أرجاء الوطن، والآن جاء الوقت الذي لا بد أن نقف فيه لنتساءل عن ماهية هذا التحزب الذي يعتبر سمة أساسية من سمات التركيبة النفسية العربية. إن هناك عوامل جغرافية وبشرية، وبشرية جغرافية وتاريخية، وراء هذه التركيبة التي تحجرت على مر الزمان، وأصبحت كالأسمنت المسلح من الصعب جدا تفتيتها وطحنها وإحالتها إلى عجينة منسجمة واحدة. إن العالم العربي مساحته شاسعة جدا؛ السودان وحده مساحته قدر مساحة أوروبا وأكثر، ليبيا أكبر من فرنسا والجزائر مرتين، المملكة العربية شبه قارة تكاد تقترب من حجم الهند، والعرب موزعون على هذه المساحة الهائلة الشاسعة. وبما أن من العوامل الهامة في إذابة العائلية والقبلية الكثافة البشرية المعقولة، فإن الكثافة البشرية المخففة جدا حتما تؤدي إلى تكتل الجماعات البشرية المتناثرة على هذه المساحة الشاسعة في أوطان «بشرية»؛ أي قبائل، فالقبلية هنا تعادل الوطن تماما في أوروبا، أفليست لوكسمبورج أو موناكو أو فنلندا أو ليتوانيا إلا قبيلة سكانية يسميها الأوروبيون «دولة» وسميناها نحن قبيلة بني كذا أو بني كيت. # نشأت إذن تلك القبائل متناثرة، ولم يكن ارتباطها بالأرض «الوطن الأرض» قويا؛ فقد كانت الصحراء كلها ملك القبيلة، تجوبها من تونس إلى الحجاز إلى نجد أو ms145 العكس؛ بحثا عن الكلأ أو الماء أو كليهما. ولكي تجوب قبيلة أو قبائل في تلك المساحة الشاسعة لا بد من انتماء قوي جدا يربط بين أبناء القبيلة الواحدة، ولا بد في نفس الوقت أن تنشأ نزاعات قوية جدا بين تلك القبائل وبعضها البعض حول المراعي القليلة التي تجود بها الصحراء، وحول المياه الأقل، وحول طرق القبائل والتجارة؛ فالمسألة ليست عداوة من أجل العداوة، إنما المسألة مسألة حياة أو موت القبيلة، وفي هذا لتقم الحروب ولتشتعل المعارك، وينشأ الثأر؛ الثأر، وهكذا ... ~~ وحين بدأت الغزوات تجتاح العالم العربي، كرست تلك الغزوات هذا الوضع، بل وشجعته وأبقت عليه؛ فهو وحده ربما كان الضمان الوحيد للاستعمار التركي مثلا أو المغولي، أو في العصر الحديث فرنسا وبريطانيا وإيطاليا. إنه وضع مناسب تماما للاستعمار بكافة أجنحة وأسمائه؛ بلاد أخذتها فرنسا وبلاد أخذتها إنجلترا، وإيطاليا أخذت ليبيا والصومال. وحتى حين ذهب الاستعمار وأصبحت العلاقات بين الدول العربية والقوتين العظميين اللتين حلتا محل الاستعمار القديم «علاقات خاصة جدا» صنعت مصر عبد الناصر وسوريا واليمن الجنوبية وليبيا، هذه العلاقات مع الاتحاد السوفييتي وبعض البلاد العربية الأخرى مع الولايات المتحدة، وحين ذهب عبد الناصر انضمت مصر إلى المعسكر الأميركي، وجاء السادات ليضعنا أيضا في حضن إسرائيل ليفصل حتى بيننا وبين الدول العربية الصديقة للولايات المتحدة فقط. # ولكنا لا نزال نتحدث عن البترول. # فهل كان البترول نعمة؟ # أم كان نقمة؟ # كان نعمة ما في ذلك شك، ونعمة على الجزيرة العربية بشكل خاص؛ فحين كانت تلك الجزيرة لا تملك شيئا من ثروات الأرض أنزل الله سبحانه عليها الدين الإسلامي الحنيف ليجعل منها خير أمة أخرجت للناس، وفي العصر الحدث فجر لها الثروة من باطن، وكما جاء الإسلام هاديا لأخلاق الجاهلية وتقاليدها؛ أي جاء في أوانه، جاء البترول في أوانه أيضا، مع فجر الاستقلال العربي، والتعرف على الذات العربية الكبرى وعلى الأمة كوحدة واحدة متحدة. # وكان حريا بالدول العربية البترولية أن تدرك هذا الكنز العربي الذي اكتشف، وتدرك أيضا أن أوضاعها المنفصلة الممزقة ms146 لن تصلح في التعامل مع مستخرج البترول وشاريه الأول - المعسكر الغربي - وكان مفروضا أن يتجمع العرب فيما سمي بعد هذا بالأوبك وبالتنسيق مع الأوبك. ولكن هذا التجمع تأخر كثيرا جدا، حتى إن عائداته هي الأخرى عادت مرة ثانية من حيث جاءت، وأصبحت ودائع في البنوك الأمريكية والأوروبية، وهناك، هناك بعد الرأي، وبعد حرب 73 بدأ العرب يدركون أهمية كنزهم والتحكم في سعره. وقد كنت ذات مرة في الكويت (أظن في عام 1977م) وقلت في مؤتمر صحفي إن الغرب لا يدفع للعرب «ثمنا» لبرميل البترول، فمن غير المعقول أن يكون ثمن برميل البترول دولارين ثم يصبح 34 دولارا، ولكن بالأساس يدفع ثمنا «لقوة» العرب، ولا بد أن قوة العرب أثناء حرب رمضان قد تضاعفت سبع عشرة مرة ليدفع الغرب هذا الثمن الجديد. # ولكن أحدا لم يصغ لي في ذلك الحين، بل ردت علي صحيفة كويتية قائلة إن هذا الارتفاع من ثمن البترول يرجع إلى «شطارة» الطرف العربي في مفاوضة الشركات المشترية للبترول، وقوتهم التفاوضية الحاذقة. وطبعا لأننا لم نع الدرس، وعاه أعداؤنا، وعرفوا أن رقبتهم في يدنا فعزموا على التخلص من تلك القبضة، وطلبوا كميات رهيبة جدا من البترول وبسعر 34 دولارا وأكثر، وماذا يضيرهم في هذا، إن الدولارات على أية حال ستستخدم كودائع في بنوكهم، ويصرفون منها على مشاريعهم، وفي نفس الوقت تتيح لهم رفع أسعار كل منتجات البترول مما يزيد من مكاسبهم. ولا أبالغ إذا قلت إن الدول البترولية قد أصيبت بما يشبه الحمى في إنتاج وبيع بترولها. ولقد قرأت في ذلك الوقت (حوالي عام 75) مقالا في صحيفة اقتصادية أوروبية أوردت فيه إحصاء لكميات البترول التي يشتريها الغرب من اليابان إلى أوروبا إلى أمريكا، وإحصاء للكميات التي تستهلكها سنويا، ووجدت أن الفارق شاسع بين المستورد والمستهلك. هذا الفارق كان يستعمل كمخزون بترولي؛ ذلك أن دول الغرب كانت تجهز ما سميته مذبحة صبرا وشاتيلا البترولية للعرب؛ حتى إنهم كانوا يعيدون ملء أآبار البترول التي نضبت في تكساس بالبترول الخام. وكانت ms147 النتيجة أن المشترين أصبحوا ليسوا هم الطرف الأقوى فقط، ولكن الطرف المسيطر؛ فقد تكون لديه احتياطي بترولي يكفيه لعدة سنين حتى لا يتكرر ما حدث من العرب في حرب 73، ولأنه صاحب هذا تماما ذلك التشرذم القبائلي العربي وضعفت قوة العرب كأمة وكجماعة، فقد أصبح باستطاعة المشترين أن يهبطوا بالسعر إلى عشرة دولارات للبرميل، ومن يدري ماذا سوف يكون عليه السعر غدا. # معنى آخر، البترول كان ممكنا أن يصبح قوة للعرب منفردين ومجتمعين يتحكمون هم في الكميات المنتجة منه، ويحددون هم سعره، ويستثمرونه في إثراء البلاد العربية غير البترولية بمشاريع تدر عليهم من الأرباح أضعاف أضعاف ما تدره عليهم فوائد الودائع في البنوك الأمريكية والسويسرية. ولكن هكذا شاءت العقلية التي تتحكم في اقتصاديات العرب، أن تعطي القط مفتاح «الكرار» وتخزن فوائض إيراداتها في الخزائن الغربية؛ تلك الفوائض التي تتحكم فيها عوامل سياسية، وباستطاعة أمريكا - كما حدث بالنسبة لإيران - أن توقف صرفها أو التصرف فيها إذا لمحت نظرة عداوة أو بادرة عداوة من الطرف العربي. بمعنى آخر انقلب الحال، وأصبحت رقبة العرب هي التي في يد أمريكا هذه المرة. # أسلمنا كنزنا للغريب. # وبقينا نجتمع ونجتمع، ويصرح وزراء البترول ويصرحون، والمتحكم الوحيد فينا هو عدونا الذكي الخبيث، ونحن أمامه بلا حول ولا قوة. ~~••• # لا قوة عسكرية، لأن الجيوش العربية مجتمعة تسليحها أقل من التسليح الإسرائيلي، ولا قوة اقتصادية؛ لأن نقودنا في يد أعدائنا، والدولار يحدد مصير دنانيرنا وجنيهاتنا ودراهمنا، ولا قوة سياسية بالطبع؛ لأن العالم العربي تمزق تماما إلى دويلات ودول؛ بمعنى أصح وأدق وأكثر علمية: انهزمنا. ~~••• # والهزيمة ليست عيبا بالمرة، بالعكس، إن تعريفي الدائم للهزيمة هي أنها نصر مؤجل، والإنسان يتعلم من فشله، أو من هزيمته، أضعاف أضعاف ما يتعلمه من نجاحه. # وما دمنا قد هزمنا على تلك الصورة وفي كافة الميادين. # فماذا نفعل؟ # أولا: # لا بد أن نعترف أننا هزمنا. «حين هزم قائد الثورة الوطنية الصينية ذات مرة ابتسم وقال: هذا مجرد فشلنا الثالث عشر»، فلنبتسم نحن ونقول هذا مجرد فشلنا ms148 الأول، أو الثالث بمعنى أدق. # فالأول كان في عام 1948م. # والثاني كان 67. # وهذه هي الهزيمة الثالثة. # تلك أولا. # وثانيا: # المنهزم الشاطر هو الذي يجلس - كما ذكرت قبلا - بهدوء وتأمل عميقين، ويدرس أسباب فشله الأول والثاني والثالث. # ثالثا: # لقد تركنا مهمة التفكير والتدبير طويلا - أطول من اللازم - لحكامنا العرب ومستشاريهم، وفي رأيي أن الفكر العربي الحاكم الحالي قد نضب معينه، وأن مستشاريهم قد تجمدوا عند أفكار معينة وآراء معينة لم تعد تنفع لإصلاح ما أفسده الدهر، وبالأحرى ما أفسدوه هم. # ولهذا لا بد من فتح السجون الفكرية، والقنوات المسدودة، وإشراك «كل» العقول العربية في البحث عن برنامج للعمل القومي العربي، بل والإسلامي، وبالذات إشراك من عارضوا سياسات الحكام من قبل، ومن هاجروا وتركوا بلادهم تنعى من بناها. ولن يحدث هذا بالطبع إلا بخلق ظروف ديمقراطية تسمح للرأي الآخر بالوجود، وتسمح حتى بالمعارضة والرفض وتسمح بنقاش ما كان وما سوف يكون. # رابعا: # تغيير شامل لميثاق الجامعة العربية، ورفع حكاية الإجماع، ويكفي تماما الأخذ برأي الأغلبية، ليس هذا فقط، بل لا بد للجامعة العربية أن تفتح أبوابها للتنظيمات الشعبية النقابية والفكرية وحتى العقائدية ولا تكون مجرد جامعة للحكومات ويردد ممثلوها كالببغاوات آراء حكوماتهم، وأيضا بحيث تكون لقراراتها قوة تنفيذية ... بل ... و... # خامسا: # بداية تكوين جيش عربي موحد مختلط ومشترك، وبداية تسليح عربي موحد مختلط مشترك أيضا؛ فبهذا الجيش وحده يصبح للجامعة العربية قوة وقدرة تنفيذية تستطيع بواسطتها أن تفرض قراراتها على دولها أو دويلاتها الناشزة عن الإجماع. # سادسا: # ضرورة وحتمية البداية فورا في إنشاء سوق عربية مشتركة ومشاريع عربية مشتركة، وإصدار الدول قوانين تمنع استثمار رأس المال العربي في الدول الغنية الأوروبية والأمريكية! # ولست هنا أجعل من نفسي مؤتمرا يخرج بكل التوصيات الممكنة في هذا المجال، إن هي إلا بعض نماذج لما يمكن عمله، أما أصحاب الخبرة وأصحاب التجربة والمؤهلات فلديهم - فيما أعتقد - الكثير مما يمكن عمله في هذا المجال. # فما دفعني لأن أقول هذا سبب قاهر وملح؛ إننا على شفا هاوية السقوط ms149 في الهزيمة الطويلة الأجل، ولا سبيل إلى وجودنا ووجود أولادنا وأحفادنا على هذه الأرض إلا بأن ننقذ أنفسنا. # ونبدأ إنقاذ أنفسنا من اليوم. # اليوم واليوم وليس غدا. # | الهزيمة الثالثة # حسن جدا، فتورنا سببه موقف احتجاج لا واع على كثير، إن لم يكن كل شيء، مما يجري حولنا. موقف احتجاج يدفعنا للإضراب غير المعلن بالطريقة التقليدية من اجتماعات ولافتات وهتافات وخطب. ولكن كما ابتكر العمال الفرنسيون أثناء احتلال ألمانيا الهتلرية لفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية، ابتكروا فكرة العمل ببطء؛ إذ لم يكونوا في موقف أو لديهم القدرة على الإضراب العلني أو الامتناع عن العمل؛ إذ كان الجستابو الرهيب وقوات العاصفة ستتولى ضربهم وتحطيمهم وتخريب المجتمع الفرنسي تماما. وهكذا ابتكروا فكرة أن يعملوا وفي نفس الوقت، وفي الحقيقة، لا يعملون، فالعمل الذي يمكن الانتهاء منه في ساعة يأخذون يوما بأكمله لإنهائه. # ولكن هذا كان من عمل وابتكار قيادة الشعب الفرنسي المغلوب على أمره؛ قيادة المقاومة الفرنسية ومفكري وفلاسفة هذه المقاومة، وهي كما نرى قادرة، ليست في غاية الذكاء فقط، بل وفيها تعجيز شبه كامل لعملية إنتاج الذخيرة والمعدات العسكرية التي كانت تطلبها وتحتاجها آلة الحرب الألمانية الهتلرية. ولكن فيها أيضا - وهذا هو المهم - فكرة ألا تطلب من الناس العاديين، عمالا كانوا أم فلاحين أم حرفيين أم متعلمين، ألا تطلب منهم شيئا يعجزون عن تنفيذه، أو يؤدي تنفيذهم إياه إلى تعريض هؤلاء الناس للخطر وللتهلكة. # ولو كانت قياداتنا العربية، خاصة تلك القيادات التي تدعي الثورية القصوى والصمود والتصدي وتنادي بالقضاء قضاء مبرما على إسرائيل مهما امتدت واستطالت فترة الحرب والتصدي، ولو كان هؤلاء الناس قد ذاكروا التاريخ، وبالذات تاريخ الشعوب التي قاومت أعداءها ومستعمريها، لأخذوا مما فعلته قيادة حركة المقاومة الفرنسية السرية درسا. # فالناس العاديون ليسوا بالضرورة والسليقة والوراثة مخلوقات خارقة البطولة، أو هكذا يجب أن تكون، وأيضا الأبطال لا يصنعون بالقسر والأمر والقوة. البطولة عند الإنسان العادي تنشأ بالتدريج الشديد، وبالتصعيد خطوة خطوة، ونتيجة اصطدامات بالعدو يتبدى من خلالها، وبوضوح ظاهر، أن ms150 الملاينة أو الاستكانة أو غض الطرف لم تعد كلها تجدي. والنتيجة أن الإنسان العادي، وبمنطقه العادي يصل إلى اقتناع جازم أنه إذا استمر على منواله المستسلم فإنه لا محالة هالك. # فإن لم يكن بالضرورة هو شخصيا، فأولاده وإخوته وأقرباؤه لا محالة هالكون . هنا يصل المواطن إلى درجة اليأس من الحل الاستسلامي الكامل، ويبدأ يقاوم، فيضرب ويحسبها فيجد أنه إذا استسلم لضربة رد الفعل فإن ضربا مبرحا آخر ينتظره؛ ولهذا فإن الأسلم له والحل «المعقول» الأصح هو أن يرد الضربة. فإذا فعل، رد العدو عليه بضربة أقوى. ويحسبها مرة أخرى ليجد أن لا سبيل لأي حل آخر، فشيء من اثنين: إما أن يتراجع تراجعا كاملا فيعامل معاملة الكلاب النجسة التي لا تليق بأي آدمي، وإما أن يستمر يقول لا، وقد يعذب لقولها وينكل به، ولكن هذا لن يشكل مشكلة؛ فالعذاب والهوان نتيجة الملاينة سيستوي معه العذاب والهوان نتيجة المقاومة، وبالضرورة سيختار المقاومة. # هكذا يصعد الإنسان العادي سلم البطولة، ومن مستوى سطح الأرض والمعيشة خطوة فخطوة يجد نفسه مضطرا لأن يصعد كل حين خطوة، وإلا هانت عليه نفسه وقضى على كيانه المعنوي قضاء يستوي تماما مع الموت الجسدي. # أقول: لو كان قادتنا الثوار العظماء المتحمسون لمعركة لا ينال فيها أحدهم أذى، ولا تخدش له إصبع، وإنما يموت فيها الناس البسطاء العاديون، ويفرون هم هاربين في آخر لحظة، أو حتى قبل آخر لحظة؛ لو كان هؤلاء القواد العظام قد أدركوا حقيقة الطبيعة البشرية، وطبيعة دور القائد أو القيادة من أنها تسبق القاعدة بخطوة واحدة لا تزيد، فلا تطلب من الشعب أبدا أن يقفز قفزة أكبر بكثير من قدراته العضلية أو الإرادية، وإنما القائد الثوري الحقيقي هو الذي يطلب من قاعدته الشيء أو الخطوة التي يرى، ويرى الناس معه، أنها ممكن أن تتحقق، فإذا تحققت فإن الشعب يتعلم أولا أنه يستطيع الخطو - وذلك في حد ذاته إنجاز عظيم - وثانيا يثق في أنه قادر على خطوة تالية مقبلة، وثالثا، وهذا هو الأهم، يثق ثقة عضوية ms151 ملموسة في قيادته، ويعرف أنها تدرك إمكاناته، ولا تطالبه بما لا طاقة لها به وإنما في النهاية تعمل لمصلحته وليس لمصلحتها أو لتضخيم ذاتها. # ولو كنا، كقادة عرب، أو مصريين بالذات، قد وعينا هذا الدرس لأدركنا أن لا القوات المسلحة وحدها - ولا فرق بين الصاعقة ولا المخابرات - ولا حتى كل احتياطي جيوشنا، كفيل بأن يحسم معركتنا مع الاستعمار ومع إسرائيل؛ فنحن كنا لا نحارب دولة أو جارة، وإنما نحارب أخطبوطا ضاربا بآلاف سيقانه ومخالبه في كل أرجاء الأرض، وإنه لا يقدر على هذا الأخطبوط إلا الشعب كله، ليس الشعب المصري وحده، ولكن الشعب العربي وشعوب العالم الثالث كلها. ولكنا قد فعلنا كما فعلت المقاومة الفرنسية، وبدأنا نعلم شعوبنا خطوات ممكنة محدودة ليقوموا بدور في المعركة؛ دور لا يمكن أن يعطي للعدو فرصة لتوحيد ضربة ساحقة إلى جماهير بالكاد بدأت تعرف العدو من الصديق. وعن طريق الخطوة الصغيرة إثر الخطوة الصغيرة يتصاعد الدور، ويشتد عود الإنسان الفرد والإنسان الشعب والمجتمع، ويتعلم أن عليه أن يقوم بدور ما، وأن القيام به أمر ممكن. وهكذا نصل إلى اللحظة التي يمكن فيها أن نقوم بعمل جماعي كبير مرة واحدة وفي لحظة واحدة؛ إذ حتى لو لم يؤد هذا العمل إلى دحر كامل للعدو وانتصار كامل لنا، فإن فشلنا فيه لن يشتت شملنا، وما دمنا قد ذقنا متعة الكفاح معا، والثقة بأنفسنا معا، فإن التاريخ سيعيد نفسه ولن نكل حتى ننتصر. # إن نجاح ثورة 19 مرجعه إلى أن المطلب الشعبي فيها بدأ بسيطا جدا، وممكنا جدا، وقانونيا جدا، ولا غبار عليه؛ أن يجمع الشعب توقيعات يوكل فيها قادة ثورة 19 بأن ينوبوا عن الشعب في مفاوضة الإنجليز. # وكانت النتيجة أن شباب الوفد حين قام بجمع توقيعات وبصمات الملايين على تلك العرائض، قد جند - وهو يدري أو حتى دون أن يدري - كل من وقع أو بصم على العريضة للحركة الوطنية، وجعله يحس أنه «ساهم» وأن له دورا. وهكذا حين رد الإنجليز بنفي سعد ورفاقه، صعد الشعب ms152 في كفاحه خطوة، وأعلن الإضراب؛ وكانت المظاهرات. وحين رد الإنجليز بالقوة الغاشمة، وبالعساكر الأستراليين، وقد ركبوا بغالهم، وانهالوا على الناس ضربا وتقتيلا، وبدأت قيادات الوفد تفكر، بل وتكون جيشا شعبيا مسلحا يقاوم هذا العدوان المسلح. # وحين نمى إلى علم الإنجليز هذا الذي بدأ يحدث ، والإنجليز قوم أذكياء لهم باعهم الطويل وتجاربهم في مقاومة الحركات الوطنية، بدءوا يدركون أنهم سائرون في طريق ماحق الخطر، سينتهي حتما بمعركة مسلحة عليهم أن يخوضوها ضد شعب كامل مسلح. وكان أن أفرجوا عن سعد زغلول وقبلوا رياسته لوفد المفاوضات. ~~••• # تلك مقدمات قد طالت وأطلتها عن عمد لأهميتها؛ فمن الواضح أن شعبنا المصري وحكومتنا المصرية يعاني كلاهما أزمة حكم؛ فلا الشعب يريد أن يعود إلى الحكم الذي جرى حتى في أمجد أيام ثورة عبد الناصر، ولا هو يريد أبدا - حتى لو قامت المجازر - أن يعود إلى حكم كحكم السادات، وفي العالم العربي حوله يرى غير هذين النموذجين؛ حكومات قامت على التعصب الديني الأعمى أو الحكم العسكري الديكتاتوري، وكلها نماذج، جربنا بعضها، ونقرأ الكثير عن المآسي التي تنشب من ورائها. ولقد رحب الشعب بزوال العهد الساداتي، وفتح أبواب آماله مرحبا بمجيء مبارك إلى الحكم على اعتبار أنه لن يكرر كثيرا من أخطاء عبد الناصر في عنفوان حكمه، ولن يفكر أبدا في أن يحكم على النسق الساداتي. وفعلا جاء مبارك تزفه تلك الآمال ويزفها هو إلى الشعب. ولم تكن مصادفة أبدا أن كان أول عمل سياسي داخلي يقوم به أن يفرج عن آلاف المعتقلين، بل ويقابلهم في القصر الجمهوري مقابلة ترضية خاطر وما يشبه الاعتذار عما فعله سلفه. وانتخبنا، في إجماع حقيقي لأول مرة، حسني مبارك رئيسا، وسرت في الشعب روح أمل جديدة، خاصة وقد بدأ حكم مبارك يمسك بتلابيب لصوص عصر السادات ورموز فساده ويحاكمهم، ويسمح للمعارضة باستعادة أحزابها وجرائدها، وبكم أوسع من الحرية. وما لبث أن أعقب هذا بالتفاتة ود إلى الدول العربية التي انتهزت فرصة ما فعله السادات وقطعت كل ما بينها وبين - ليست القاهرة ms153 الرسمية فقط ولكن - الشعب المصري كله، بنقاباته وتنظيماته وهيئاته. # وبدأ مبارك بمنظمة التحرير، وتلك كانت بداية هامة جدا، وفي بضعة شهور كان عرفات في القاهرة، وكانت قيادة المنظمة توافق على دوام الاتصال مع مصر والتعاون معها. ثم جاء دور الأردن، ودول الخليج، وحدثت محاولات مع ليبيا وسوريا، وبدا كما لو أن الأرض التي فقدتها مصر في عهد السادات عربيا تسترد شبرا شبرا، وبلدا بلدا ... حتى ليكاد الإنسان وهو يراجع سياسة مبارك العربية لا يجد إلا أقل القليل من المشاكل والأخطاء، وكلها موروثة بكليتها من القيود التي قيدها بناء الرئيس السادات بتلك العلاقات الخاصة جدا مع أمريكا، وبالتعاون الإستراتيجي الإسرائيلي الأميركي الذي في ظله لن تستطيع مصر وحدها أن تجابه ذلك التحدي. ولكني شخصيا أعتقد أن كل تلك القيود أمور موقوتة تماما، وأن باستعادة مصر لقدرتها وقوتها الذاتية، واستعادة الالتفاف العربي حول مصر ومع مصر سوف يتغير الحال حتى بدون قتال. # فالمضحك أن بعض البلاد العربية (الصاعدة والرافضة) تتصور أن كامب ديفيد لا تزال هي السبب في المصائب التي حلت، والتي لا تزال تحل، بالأمة العربية جمعاء. وهو قول يبعث حقا على الرثاء؛ فلم يحدث في تاريخ العالم أن تسببت معاهدة - مهما كانت بنود تلك المعاهدة - في تفرقة أمة بأسرها وتمزيقها نتفا. إن كامب ديفيد كارثة، هذا صحيح؛ كارثة بكل معنى الكلمة، ولكن كامب ديفيد هي الجزء الظاهر الصغير من جبل الثلج المختفي تحت سطح الماء والذي تعانيه أمتنا العربية. # لقد حولت كامب ديفيد انتصار أكتوبر العسكري إلى هزيمة سياسية، حتى لو كانت قد أدت إلى تحرير سيناء، فقد كان ثمن تحرير سيناء هو عزل مصر عربيا وإسلاميا وأفريقيا وآسيويا؛ وهو ثمن فادح. ولكن كل بلد عربي قد قام بما يشبه كامب ديفيد، بل وربما أسوأ؛ فغرق الجيش السوري في الوضع اللبناني إلى درجة الشلل التام الذي ألغى فاعلية سوريا، والوقيعة بين العراق وإيران إلى حد إراقة كم من الدماء لم يرق في كل التاريخ الإسلامي بين دولتين إسلاميتين، وتشويه سمعة ms154 العرب بإلصاق تهمة الإرهاب بليبيا وضربها على مرأى ومسمع من العالم، دون أن تستطيع دولة عربية أو غير عربية أن تصنع شيئا إزاء هذا الإرهاب الريغاني الإجرامي، والاشتباك الليبي التشادي، والصومالي الحبشي، والسوداني-السوداني، والشيعي الفلسطيني الماروني الدرزي السني، والمؤامرة على سعر البترول والنزول به من حيث كان 34 دولارا للبرميل إلى سبعة وعشرة دولارات؛ تلك التي سميتها مذبحة صابرا وشاتيلا البترولية، ضرب المفاعل النووي العراقي، وضرب الكوماندوز المصريين، واختطاف الكرامة المصرية الطائرة، واتهام مسئوليها علنا، على الملأ، بالكذب، ثم أخيرا هذا العمل الإجرامي الكبير بتزويد إيران بأسلحة عبر إسرائيل، وإعطاء العراق معلومات خاطئة عن أهداف إيرانية كاذبة، والوقيعة بين الفصائل المتقاتلة في لبنان، بحيث إذا هدأت الأحوال بين «أمل» و«المنظمة»، فجرت سيارة ملغمة في قرية شيعية؛ ليظن أن الفلسطينيين هم الذين فعلوها، أو يحدث العكس ويفجر صاروخ أو لغم في مخيم فلسطيني؛ لتقوم القيامة بين اللبنانيين الشيعيين والفلسطينيين. إن تشويه سمعة العرب ومحاولة دمغ سوريا بأنها دولة إرهابية، وكذلك ليبيا، وفي نفس الوقت التعامل مع ما أسماه كارتر وريغان الدولة الإرهابية الأولى في العالم؛ إيران، ثم بالغش والخديعة والفجور إرسال أرباح الأسلحة «المباعة» لإيران عبر إسرائيل إلى المناهضين للحكومة الشرعية في نيكاراجوا؛ أي ضرب العالم الثالث بالعالم الثالث. كلها أعمال ليست فقط غير أخلاقية، وغير إنسانية، ولكنها أعمال مافيا مجرمة محترفة، آلت على نفسها أن تسيطر على العالم بالقوة الغاشمة، وأن تنفق مئات المليارات من الدولارات لإشعال حرب ذرية يفنى بها العالم الاشتراكي والعالم الثالث، وإغراق دول الجنوب الفقيرة بمئات المليارات من الدولارات كديون، وفي نفس الوقت خسف الأرض بأسعار منتجاتها التصديرية لتبقى مغروسة في وحل الدين والفقر والمرض والفاقة إلى آذانها. # كل هذا تفعله دولة أفلتت كالوحش الكاسر من قفص السلوك البشري، وانطلقت أسودها ونمورها وثعابينها وكلابها تنهش وتقتل، وتحرض وتقهر، وتستأصل أي قيمة بشرية أو إنسانية وأي شريعة من شرائع الله، وتبشر بكل ما يزخر به قاموس الشيطان من موبقات. لقد أتيح لي أن أشهد بعض أحدث إنتاج ms155 هوليود من الأفلام، وفوق أنها كلها دعاية في غاية الذكاء والعبقرية لشعب الله «المختار»؛ المختار ليلعب أسوأ دور لعبه شعب في تاريخ البشر، فإنها تقطع الجذور العميقة التي تربط الإنسان الفرد أو الشعب بجنس البشر، وكان هدفها الأسمى أن تحول الكرة الأرضية إلى غابة متوحشة لا يسري فيها أي قانون حتى لو كان قانون الغابة نفسه حيث البقاء للأقوى، إنما البقاء فيها للأحط وللأخس وللشاذ وللأناني، والخيبة فيها والفشل والضياع لكل من يحاول أن يتحلى بصفة واحدة من صفات الإنس أو حتى الوحش. ~~••• # لا يمكن أن يكون هذا كله قد حدث لأن مصر لا تزال ملتزمة - حكوميا فقط - بكامب ديفيد، فإذا كان لكل شيء سيئ جانبه الحسن، فالجانب الحسن في كامب ديفيد أنها أقنعت إسرائيل وأمريكا أن أي معاهدة صلح أو اعتراف توقع مع أي حكومة عربية على حدة، أو مع عدة حكومات عربية، لا يكون العدل والحق هو أساس توقيعها، فهي لا تساوي المداد الذي كتبت به. وآلاف السياح الإسرائيليين يأتون إلى مصر، وما يرونه في عيون الناس، وما يقرءونه في تعبيرات وجوههم، يؤكد لهم بالدليل القاطع أن صلح حكومة مع حكومة لا قيمة له بالمرة، أما الشعوب فهي لا تقبل إلا الصلح العادل، وطالما أن إسرائيل باغية ومعتدية، وملتهمة لفلسطين كلها، ولاعبة دور الشيطان في المنطقة، فإن أحلامها في الصلح هي أضغاث أحلام، وغربتها في المنطقة ستظل تتعامق مع الزمن؛ إذ الزمن باستمرار العدوان هو مع تعميق العدوان وفي النهاية انفجاره. # كل ما في الأمر أن هناك شيئا واحدا لا بد أن نملك الشجاعة لقوله والاعتراف به؛ إن ما نراه في ساحتنا العربية من تمزق وتشرذم وانعدام إرادة وتفتت كلمة وقرار، إن ما نراه يحدث في منطقتنا منذ عام 1979م إلى الآن، إن هو إلا علامات هزيمة غير معلنة. أقولها مرة أخرى: علامات هزيمة غير معلنة. # والهزيمة أبدا ليست كارثة، وكلمة الزعيم الصيني الكبير صن يات صن لا تزال ترن في أذني حين فشلت ثورته ضد الاحتلال الياباني؛ ms156 فقال: ليس هذا سوى فشلنا أو هزيمتنا الثالثة عشرة. # إن أولى بوادر الانتصار هي الكف عن مخادعة النفس، والاعتراف بأنك هزمت، وأولى بوادر النجاح هي إيقاف التحجج بالأسباب الواهية والاعتراف بأنك رسبت؛ فحين يدرك الإنسان أنه فعلا يعاني هزيمة، وأنه فعلا قد فشل في تحقيق الهدف فإن طبيعة الإنسانية سرعان ما تكتسب القدرة على التحدي، وتتشكل لها من داخلها قوة مارد أعظم تبادر إلى الاستعداد للتحدي القادم؛ ومن ثم إلى النجاح والانتصار. ولولا أننا اعترفنا بأننا هزمنا في 1967م، بل وجاء هذا الاعتراف على لسان قائدنا العظيم نفسه، بل واعتبر أن الهزيمة هي أولا هزيمته شخصيا، وبادر وأعلن أنه مسئول عنها، لولا هذا ما ركبتنا روح التحدي، ولما بدأنا الاستعداد الجدي للمعركة المقبلة، ولما بلغ التحدي، مدى جعل الجيش المصري الباسل ينطلق كالرجل المغلي يحطم خطوط أعدائه ويلحق شر الهزيمة بهم. ~~••• # نعم، إن كل الأعراض على ساحتنا العربية تؤكد لكل ذي عينين، ولكل أعمى أنها علامات هزيمة لا يعانيها عالمنا العربي فقط، ولكن العالم الثالث كله يعانيها. # وإذا كانت تلك الهزيمة قد أخذت شكل الصراع بين الطوائف في بعض بلادنا العربية، وشكل الحروب بين نظم ونظم، وشكل عملاء يحكمون، ووطنيين يحكم عليهم؛ شكل سيادة الفرقة والتعصب؛ شكل الهروب من الجهاد في سبيل الله إلى الإغراق في شرح النحو والصرف، وسحب روح التضحية والفداء والإيمان من ديننا الحنيف، وتحويله إلى ما يشبه التعاويذ، ومودات الأزياء والحجاب، وإسقاط هزيمة الرجال على جنس النساء واعتباره أنه الجنس الخاطئ والمذنب والمثير للفتنة على الأرض (أي إحلال نسائنا الفاضلات محل الاستعمار والصهيونية في غرس الفتنة وتضليل الجماعة وإغواء الفرد). # إذا كانت الهزيمة على المستوى العربي العام قد أخذت هذا الشكل، فهي في مصر قد أخذت طابعا - في رأيي - أكثر خطرا؛ إذ هي قد أوصلت الإحساس بالهزيمة إلى قلب وعقل الفرد المصري نفسه. إن لا مبالاتنا، إن فتورنا، إن يأسنا، إن كرهنا لبعضنا البعض، إن أخطاءنا في حق أنفسنا وفي حق دولتنا التي كثرت؛ نهب الأموال، ms157 وشيوع الارتشاء، والتكالب على الطعام والشراب واللذة المريضة العابرة. # بل أن يؤدي الحال إلى أن تصل الهزيمة إلى الحد الذي أصبح أسهل شيء للمواطن المصري أن يقول: ليس هناك من فائدة ترجى، وسعد زغلول قال ما فيش فايدة، ومصر حالة ميئوس منها. أو أن يصل إلى الحد الذي أصبح منتهى الأمل الهجرة والإقامة في مجتمع يتمتع بالنظام والصحة والعدل والتقدم، إلى أن نيأس تماما ونكفر، كل على حدة. إننا ممكن أن نصنع من أنفسنا شيئا، ومن بلادنا دولة قوية قادرة، ومن ديوننا وفرة نرفع بها عن كاهلنا عبء اليأس والمذلة والخضوع. # ذلك هو الشكل وتلك هي الأشكال التي أخذتها الهزيمة الثالثة في بلادنا الحبيبة مصر. # وفي الهزيمة الأولى عام 1948م رفضناها واستنكرناها وقامت ثورة 23 يوليو ترد لنا الاعتبار، وترد لنا الإحساس أن العالم لم ينته بهزيمة 48، وأن العمل الجاد لا بد أن يبدأ. # في هزيمة 67 اكتشفنا أننا هزمنا؛ لأننا قمنا بثورة على الورق؛ فإجراءاتنا فيها كانت قرارات، وقواتنا المسلحة تركناها لمن لم يرعها ومن لم يكون بها جيشا حقيقيا للخلاص. # وكان أن شددنا الأحزمة على البطون، وبنينا قواعد الصواريخ تحت وابل القنابل الإسرائيلية، حتى إن العمال والعاملات الذين كانوا يعملون في بناء تلك القواعد، وكان معظمهم من أبناء الشرقية، كانوا يعرفون أن ثلثهم على الأقل لن يعود لبيته - إن كان له بيت - في آخر النهار، ومع هذا فقد كانوا يذهبون إلى عملهم وهم يغنون أغاني الأفراح، ويزغردون وكأنهم ذاهبون إلى زفة الانتصار. # وهكذا عبرنا القنال في 73 وانتصرنا. ~~••• # في هزيمتنا الثالثة تلك، نحن لسنا أمام هزيمة عسكرية ملموسة، ولا بضعة قواد من الجيش ممكن عزلهم ومحاكمتهم وإحلال غيرهم أكثر كفاءة محلهم، نحن أمام هزيمة لا نرى لها آثارا ملموسة واضحة، وكأنما قصد أن يكون الأمر كذلك. إنها هزيمة نحس بأعراضها، ولكننا لا نعترف بأننا مرضى وأننا مهزومون وأننا في حاجة إلى هبة كبرى، من كل النواحي، توقظ جسدنا الذي خدرته قرصة ذباب «تسي تسي» التي تسبب مرض النوم ms158 المستمر العليل. # أعرف أن الكثيرين سيزايدون ويغالون ويقولون: بل أنت المهزوم، بل أنت المخطئ، بل أنت النائم. وشيء من هذا لا يهمني في قليل أو كثير؛ ليت الأمر كذلك، ليتني النائم المقروص في شعب صاح حي، وليت كلماتي كلها تخاريف حمى؛ فأنا أعلم، وأنتم تعلمون، أننا كلنا نعاني نفس الشعور، وما دام الأمر كذلك، فالمرض عام، وسببه واحد؛ مهزومون يخدعونهم بقولهم إنهم غير مهزومين، بل يريدون إقناعهم بأن المسألة «شوية ديون، وشوية سلبيات، وشوية انحرافات»، وبإجراء هنا وإجراء هناك، بالمحافظة على الديمقراطية، وعلى القائمة النسبية ننقذ أنفسنا منها ونشفى. # لا، هذه هزيمة ألبسوها طاقية إخفاء بحيث لا نراها، ولن نراها إلا إذا توقفنا فقط ورمقنا حياتنا، وما نعانيه ونحسه في لحظة صحوة؛ فإني لأكاد أقسم أننا إذا تبينا الصورة لومضة فلن ننام بعدها أبدا، أجسامنا نفسها سترفض النوم وتأباه، قوى الحياة التي نحن بالضرورة مزودون بها ستستيقظ وترفض وتقول لا لن أقبل، ولن نقبل أن نحيا مهزومين. # فحتى الديدان ترفض حياة الهزيمة، وتزحف، ملليمترا ملليمترا؛ لتخرج من المأزق، وتنقض على فريستها أو عدوها، وتنتصر. # حتى الديدان إذا أيقنت أنها هزمت، أو في سبيلها لأن تهزم، ينتفض فيها كل ما تمتلكه من قوى المقاومة، وتستحيل من إرادة الدودة، حيث ركنت واستكانت، إلى إرادة العملاق المستوحش في الدفاع عن حياته وعن حقه في حياته، وقدرته على هذا الدفاع. ~~••• # لقد بدأنا القضية بعرض الفتور، ثم اكتشفنا أن الفتور راجع لحالة الغضب، وها نحن أخيرا نضع أيدينا على سبب الغضب. إنهم قد هربوا الهزيمة إلى كل منا دون أن يدري؛ ولأنه لا يدري فهو لا يملك أن يصنع لغضبه أو لفتوره شيئا. # ربما إذا أدرك السبب، وبطل العجب، وأيقن أن الهزيمة وصلت إلى عقر داره وتجويف صدره، انقلب غضبه من الآخرين إلى غضب على هزيمته الخفية، وانقلب غضبه على الهزيمة ومنها إلى إرادة عظمى لقهرها، وهزيمة الهزيمة. # ولأننا نعرف حال إنساننا وما آل إليه. # فلا تطلبوا منه، ولا تتوقعوا، أن يهب من نومه المريض ms159 أو مرضه النائم فجأة، ويمتشق حسامه ويقضي على الهزيمة وهازميه بضربة واحدة. # ليكن مطلبنا منه مثلما فكرت ودبرت قيادة المقاومة الفرنسية أيام الاحتلال؛ شيئا بسيطا جدا في استطاعته، ومن الممكن أن نبدأ به، ونصعد مع البداية خطوات فوقها خطوات إلى أن نصل إلى العمل الجماعي الكامل العملاق. # ليكن شيئا بسيطا جدا؛ لا شعار اشتر البضائع المصرية، ولا تشجعوا منتجاتنا المحلية، ولا حتى شعار أن يشتري الإنسان شيئا على الإطلاق. # لتكن البداية أن نطلب من المواطنين عكس ما طالبت به المقاومة الفرنسية؛ أن يسرعوا في إنهاء الأعمال المطلوبة منهم. # فقط يسرعون في إنهاء الأعمال المطلوبة منهم. # فقط ينجزون في ساعة ما يأخذ ساعتين لإنجازه. # بهذا، ومن هنا، نصعد السلم، ونتعلم خطوة خطوة أن نصعد، إلى أن نبلغ الدرجة التي ينقلب فيها غضبنا على ما ساد حياتنا من تراخ وفتور، إلى غضبنا على الشعور الخفي بالهزيمة الذي استخفى علينا، ومن غضبنا على إدراكنا أننا هزمنا إلى إرادتنا الكبرى أن نهزم هزيمتنا ونقهرها. # دعونا من الحديث عن الجبهة والحوار الناصري الإسلامي، وأخبار الشيخ صلاح أبو إسماعيل مع حزب الأحرار، وعن المقارنة بين عبد الناصر والسادات وبين عصر الملك وعصر الثورة. # دعونا من هذا كله. # ولنبدأ بهذا الجهد الصغير الذي نقدر عليه تماما، أن نسرع إذا مشينا، أن نسرع إذا عملنا، أن نسرع في اتخاذ قرارنا، أن نسرع في تصحيح خطئنا ... أن نسرع بنفس النسبة التي تسرع بها الدودة إذا أحست بالخطر، وأدركت أن بطأها هزيمة، وهزيمتها في بطئها. # | لماذا لم يفعلوا هذا؟ # بعض الناس فهم خطأ أن الكتاب وهم يكتبون عن مؤتمر القمة الإسلامي، ويحللون ويرجون ويبتهلون إلى الملوك والرؤساء والقادة العرب أن يصنعوا شيئا من أجل هذا الوضع الإسلامي العربي المتهرئ والمتهاوي، بعض الناس فهم أننا نبني آمالا كبارا جدا على ما سوف يدور في أرض الكويت الحبيبة، ولعلي كنت واحدا ممن علق الآمال على هذا اللقاء، ولكني كنت متأكدا تماما أنه لن يسفر عن أشياء كثيرة؛ لن يغير، بعصا ساحر، في ms160 بعض ساعات وبضعة لقاءات واقعا رهيبا تجمدت طبقاته واحدة إثر الأخرى حتى صنع ما يشبه الهضبة الصخرية التي يحتاج زوالها إلى جهد جاد ومستمر ودائب؛ من أجل تفتيت تلك الصخور المتكلسة، والوصول إلى الحد الأدنى من الأوضاع المعقولة أو شبه المعقولة لهذا الواقع الإسلامي العربي. # نعم، لقد التقى الرؤساء والملوك وتزاوروا، وألقوا خطبهم الحافلة بالأماني الطيبة والحماس الزائد، وصدرت التصريحات من هنا وهناك تبشر بتقدم أكيد، وتحقق آمالا كبارا. # ثم انقسم المؤتمر كالعادة إلى لجان، ودارت الحوارات والاجتهادات، تحت المعانقات الإسلامية العربية المشهورة، ثم انفض المولد، وآب كل رئيس أو ملك إلى بلده، وآب كل حال إلى حاله، واستأنفنا من جديد حالتنا الإسلامية العربية المعتادة. # ومن كان يتوقع أكثر من هذا لا بد أنه كان يعيش حالة أحلام يقظة وحالة جري وراء الأماني! # ولكن هناك بالتأكيد أشياء إيجابية وقعت وحدثت، وهناك بالفعل تغيرات جرت، فأن يمضي الملوك والرؤساء قدما، وأن يتم عقد المؤتمر رغم التهديدات والتلميحات والعقبات، على أرض الكويت الشقيقة، ودون أن يحدث والحمد لله حادث، أو يجن مجنون ويرتكب جريمة؛ هذا في حد ذاته نجاح، وأي نجاح. # أجل، مجرد أن يلتقي 44 رئيسا وملكا إسلاميا كان قد أصبح أمرا يكاد حدوثه يقترب من منطقة المعجزات. # ثم أن يجتمع هذا العدد الكبير، ويجمع على حتمية وضرورة إنهاء الحرب العراقية الإيرانية وإيقاف حرب المخيمات، وأن يقف صفا واحدا إلى جوار العديد من الأهداف الأقل ضخامة وأهمية؛ فالحال كانت قد وصلت بنا إلى الحد الذي فقدنا فيه الأمل في كل شيء، وهذا في حد ذاته أعتبره شخصيا نجاحا وأي نجاح، بعد أن كنا قد وصلنا إلى استحالة اتخاذ أية خطوة. # ولكن مثل تلك الخطوات التي ذكرتها، حدثت وجرت، والتقى حسين مع عرفات بالمصادفة، و«بالمصادفة» التقى مبارك مع الأسد، ولم يحدث أن قام القذافي وأدان المؤتمر والمؤتمرين جميعا. # أما كون أن تدور بعض المهاترات والاتهامات، وأن تظل سوريا تصر على موقفها الرافض لمصر والكامبديفيدية، فهذا أيضا شيء كان متوقعا، وكان لا بد ms161 أن يحدث؛ فالسياسات وإن كنا لم نعد نفاجأ أن تتغير في عالمنا العربي والإسلامي بين يوم وليلة، وبزاوية قدرها 180 درجة، إلا أن المرض الذي استفحل لمدة عشرة أعوام لا يمكن أن يشفى في بضع ساعات أو بضعة أيام، والعداء الذي استحكم سنين لا يمكن أن يحل محله الوئام والحب ، في تبادل بعض السلامات والقبلات. # كل هذه المعارك الجانبية كانت أشياء طبيعية ومتوقعة، وحدوثها لا يعد في رأيي كارثة، كبرت أو صغرت، إنما كان أمرا تحتمه طبيعة الأمور، خاصة إذا تعلق الأمر بتنفيذ المقررات وتحويل الأماني الطيبات والأحلام إلى واقع عملي ملموس. # فصحيح أننا كمسلمين وكعرب أجمعنا، ولا نزال نجمع، على ضرورة إنهاء الحرب العراقية الإيرانية. # بل حتى وصلنا في تواضع أمانينا إلى ضرورة وأهمية أن يحضر رئيس الدولة الإيرانية أو مسئولوها الكبار مؤتمرا يعقد لقمة وزعماء وحكام المسلمين في العالم. أليس الإيرانيون مسلمين أو على الأقل يزعمون هذا؟ إن هذا المؤتمر قد جمع المختلفين حول الحرب في لبنان وتشاد وأماكن أخرى كثيرة من العالم الإسلامي فلماذا لا تحضره إيران المختلفة إلى حد القتال مع العراق؟ # أم أن الخلافات والتنافرات بين المسلمين على اختلاف مللهم ونحلهم شيء والخلاف بين إيران وبقية البلاد الإسلامية شيء آخر مختلف تماما، وكأنه الخلاف بين الكفرة والمؤمنين أو بين عبدة الله سبحانه وتعالى وعبدة الشيطان؟ # الغريب في الأمر أن أحدا لم يتعرض لهذه النقطة في الاجتماعات العلنية، وربما أيضا في الاجتماعات المغلقة، وكأن عدم حضور إيران وموقفها هذا مسألة طبيعية تماما لا تثير استنكارا أو غضب أحد، وكأن المجتمعين يقررون أيضا أن الخلاف الإيراني - الإسلامي - العربي خلاف ذو طبيعة خاصة ووحيد في ذاته. # وكنت عند هذه النقطة بالذات أرقب - مثل غيري من ملايين المسلمين - ماذا سيفعل المؤتمر قبل الحرب الإيرانية العراقية؟ # ومن الواضح بعد اجتماع المؤتمر وانفضاضه، أن شيئا جديدا لم يحدث وأن خطوة واحدة إلى الأمام لم تتم. # وهذا في رأيي هو الشيء غير الطبيعي؛ الشيء الذي يجعل أي إنسان محدود الفهم يعتقد أن ms162 كل هؤلاء الملوك والرؤساء أعجز من أن يقوموا بعمل تجاه إيران، أو أن إيران وحدها أقوى في موقفها وفي قدراتها من كل الدول الإسلامية مجتمعة. # وهذا في رأي الحقيقة والواقع شيء ليس صحيحا بالمرة؛ فليس صحيحا أن قوة إيران تعادل قوة مسلمي الأرض وقادتهم وحكامهم مجتمعين، وليس كل هؤلاء الحكام والقادة عاجزين عن القيام تماما بأي عمل ضد إيران أو من أجل إحلال السلام. # ولقد كنت أتصور أن يكون هذا هو الشغل الشاغل لكل المجتمعين في الكويت، ولقد كنت أتصور أنهم لا بد أن يصلوا بتبادل آرائهم وإصرارهم إلى قرار ما أو عمل ما يوقف هذه الحرب، أو على الأقل يوقف إطلاق النار وإهدار دماء الشباب المسلم على الجانبين، ولو إلى حين يصبح من الممكن أن تصل النفوس إلى حد أدنى من الحل وطريقة للسلام. ~~••• # كنت أنتظر هذا ... # وكأني كنت أحد هؤلاء المجتمعين. # فصحيح أننا كلنا لم نجتمع أو نشترك في هذا المؤتمر، # ولكن هذا المؤتمر كان - في جوانب كثيرة منه - يعد ممثلا ومفكرا باسم كل المسلمين، باسم كل المواطنين في أي دولة من دول الإسلام؛ ولهذا فإني أطرح هذا الافتراض، وأفكر ويغلي صدري بالغيظ لأن أحدا لم يفكر فيه أو يتصوره. # فقد تصورت أن الدول الإسلامية، خمس وأربعون دولة، منها أربع وأربعون دولة في ناحية ودولة واحدة في ناحية أخرى، ودولة واقفة كابن نوح الذي قال له أبوه: # يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين ~~. الكافرين المستوردين لأسلحة إسرائيل وأمريكا لإبادة شعب مسلم مجاور. # كان طبيعيا إذن ألا يقتصر عمل تلك الدول الأربع والأربعين على اتخاذ مجرد قرار أو توصية أو استنكار. # كان مفروضا أن يحدث شيء حاسم آخر. # لماذا - والوضع هكذا - لم يأخذ هؤلاء الملوك والرؤساء والحكام الأربعة والأربعون طائراتهم ووسائل تنقلاتهم الفاخرة ويذهبوا جميعا إلى طهران؟ # فالذي يريد أن يفض «خناقة» - مجرد خناقة ولا أقول حربا - لا يكتفي بمجرد الجلوس حول اجتماعات أو مشاورات بعيدا عن الحدث وعن ساحة الشر، ويكتفي بإرسال الأماني تلو الأماني والمناشدات ms163 تلو المناشدات. # كان مفروضا أن يذهبوا جميعا إلى طهران على مرأى ومسمع من العالم كله، بإسلامه وبغير إسلامه، ويقولوا للحاكمين هناك لقد جئنا لنوقف نزيف دم المسلمين. # فماذا أنتم فاعلون بنا؟ # لا أعتقد أن حكام إيران كانوا في هذه الحالة سيصفون الملوك والرؤساء الأربعة والأربعين بجوار حائط أو يربطونهم على أعمدة كهرباء وينفذون فيهم حكم الإعدام. # ولن يجرءوا حتى على اعتقالهم أو حبسهم أو المساس بشعرة واحدة بهم. # كان - هؤلاء الحكام الإيرانيون - سيواجهون موقفا عمليا واقعيا حاسما؛ إما أن يكشفهم أمام جموع المسلمين وأمام الجنس البشري كله كراغبين في إهدار الدماء من أجل إهدار الدماء، وإما سيكتشفون أن المسألة ليست كما يزعمون هي تحرير للقدس مارين ببغداد، وأن المشكلة ليست في إقامة صدام حسين أو تغيير نظام الحكم في العراق، وإنما سوف تتكشف المشكلة عن أن إيران تريد أن تبتلع أرض العراق العربية نفسها وبلاد الخليج العربي الإسلامية نفسها، وأن الأمر ليس نزاعا عمن بدأ الحرب أو عمن هو مسئول عن إشعالها، وإنما الأمر أمر أناس يريدون الحرب من أجل الحرب وإهدار دماء العراقيين والإيرانيين من أجل إهدار تلك الدماء نفسها، ومن أجل الاستيلاء على أرض المهدرة دماؤهم. # سوف يتكشف للعالم أجمع أن عداء حكام إيران للعراق وللعرب ليس عداء بين مسلمين ومسلمين، وإنما هو عداء أعداء المسلمين للمسلمين، مثله مثل عداء الصهيونية للعرب وللمسلمين وللعالم الثالث كله. ~~••• # أما إذا لم يحدث هذا، # وإذا قوبل هذا الوفد الذي يجمع كل حكام ورؤساء المسلمين بما يليق به من مكانة وترحيب، # وتولى الحكام الإيرانيون عرض قضيتهم أو قضية حقهم أمام هذه المحكمة الإسلامية العليا ورضوا بحكمها؛ # فإن الملوك والرؤساء المسلمين سيكونون حينئذ قد قاموا بأبسط ما يمليه واجبهم كحكام مسئولين عن أمة الإسلام، قاموا بواجبهم وقاموا «بفعل» إسلامي حقيقي. صحيح يحمل في ثناياه بعض الخطورة، ولكنه يحمل أيضا - وهذا هو المهم - الطريقة الوحيدة لإيقاف هذه الحرب الضروس التي يستنكرها العالم أجمع بمسلميه ومسيحييه ويهوده وحتى بوثنييه. # لو كان المجتمعون في الكويت قاموا ms164 بعمل كهذا؛ # إذن لشهدنا بمثل هذا العمل حقبة إسلامية عربية جديدة. # إذن لبدأنا نضع أقدامنا على أول الطريق لحل مشاكلنا المكدسة بين عربنا وعربنا ومسلمينا ومسلمينا وعربنا ومسلمينا. ~~••• # ولكن شيئا من هذا لم يحدث. # ولأن شيئا من هذا لم يحدث، # فقد كان لا بد أن يحدث النقيض، # وأن يخرج المسلمون والعرب من المؤتمر وهم - في الظاهر - أقل خلافا وأكثر اتفاقا، ولكنهم في الحقيقة أكثر خلافا وأبعد شيء عن الاتفاق حول شيء ... أي شيء. ~~••• # شكرا للكويت الشقيقة التي نجحت في إقامة مؤتمر ما كان أحد يتصور أنه سيقوم أو سيكون. # شكرا للملوك والرؤساء العرب الذين لبوا الدعوة للاجتماع أو احتملوا ساعات من الجدل وتحملوا نوبات كثيرة من سوء الهضم والحموضة نتيجة المآدب الحافلة التي التهموا طعامها وشرابها. # شكرا للرؤساء الذين قابلوا الرؤساء، والملوك الذين قابلوا الملوك، والرؤساء الذين التقوا مصادفة أو التقوا عن عمد. # شكرا لهم جميعا، فقد أثبتوا لنا بما لا يدع أي مجال للشك أنهم قادرون أن يجتمعوا إذا أرادوا. # وقادرون أن يتفقوا إذا حسنت نياتهم، ولكنهم، وهذه هي الكارثة الحقيقية، قد أثبتوا لنا أيضا وبما لا يدع مجالا لأي شك أنهم حتى لو فعلوا واستطاعوا كل هذا فهم غير قادرين على اتخاذ قرار جريء واحد، ينهي مشكلة، ولو مشكلة واحدة من مشاكل المسلمين والعرب السلفية. # فالمشاكل لا تحل بالبيانات تتلى في الاجتماعات، ولا بالقرارات تعقبها القرارات، # ولا بالدار البيضاء مقررات تعقبها قمة الكويت بقرارات، # إنما المشاكل تحل بعمل و«بإجراء وبقدرة على الفعل» و«الحركة» و«التطبيق»، # وليس بأي شيء آخر سواها تحل المشاكل أو توقف الحروب. # | أسرع يا بني وصور # بعيدا عن القضايا التي أصبح الحديث فيها «محلك سر» بعيدا عن المناوشات الدائرة بين الحكومة والمعارضة، وبين الأقلام الصحفية والحكم، بعيدا عن الحديث عن الديمقراطية وعن السلفية والخلافات الطاحنة حول قضايا ما أنزل الله بها من سلطان، بعيدا عن «الحديث» عن الوفد الفلسطيني الأردني واحتمال قبول أمريكا ورفض إسرائيل، وتحسن العلاقات وسوء العلاقات. ~~ بعيدا عن الغلاء الذي يكوي القلوب والجيوب، ms165 والتسعيرة التي تظهر وتختفي كعفاريت الظهر، والخرفان المذبوحة على عتبة وزارة «التعليم»، والحمد لله أنها ليست على عتبة وزارة البحث العلمي والتكنولوجيا، بعيدا عن أزمة المسرح وأزمة الإبداع وأزمة الأخلاق وقضية سميرة مليان. # بعيدا عن هذا كله ... # لا أعيش قرير العين رائق البال، أنا نوم مستريح الضمير ؛ فالواقع أني لا أنام إلا لماما. # ليس لأني قلق البال ولا مؤرق الضمير والحمد لله، # ولكن لأن نفق أكتوبر تحت رأسي مباشرة، منذ ثلاثة أشهر والدق شغال، طوال الأربع والعشرين ساعة، وبمختلف أنواع الدرجات والنغمات؛ فهناك دق متتال كطلقات المترليوز يقوم به حفار الأسفلت الصغير ذو الضجيج العالي، وهناك دق المدفعية الثقيلة من غارسات الخوازيق الخرسانية، ودق المطارق والمعاول، وأكوام الرمل والزلط وهي تنحدر في شلالات. ضجة تعمي العيون والآذان، ناهيك عن ضجيج الأوامر وصخب العمال، والأنوار الملتهبة الضوء التي تخترق الشيش وتخرق الستائر وتفتح بالقوة أجفان العيون. # الحقيقة كانت الضجة في أول قدومها مفاجأة أقلقت مضاجع بضع مئات من سكان شارع النيل الذين شاء لهم الحظ أن يجاوروا ويطلوا على النفق المزمع إقامته. # كانت من المفاجأة والصخب بحيث كنا لا ننام ليلا أو نهارا، وكأننا في حرب ذات غارات متصلة. وما دامت حربا فلتكن الهجرة؛ وهاجرنا إلى الإسكندرية، وصحيح أن شارعنا هناك لم يكن به نفق ولا حرب فقد كان دائم الضجة؛ ضجة غير معلومة المصدر. ومن الصباح إلى الصباح، وكأنها ضجة الجان الذي يقولون إنه يسكن أرض المعمورة. # ثم عدنا أخيرا متمنين أن تكون الأعمال الإنشائية الثقيلة في النفق قد انتهت، ولكن لا شيء كان قد تغير اللهم إلا اختلاف النغمات وبروز بضع آلات جديدة في أوركسترا الضجة اللاهارموني. # وكنت منذ بدأ العمل قد أغلقت جميع النوافذ والمنافذ التي تطل على موقع العمل، دون فائدة؛ فكل شيء كان يصل واضحا تماما وكأن الحفر في الشقة. # وأول ليلة بعد العودة حاولت النوم بلا أي اعتبار للضجة فقد أصبحت الضجة ملازمة لصحونا ومنامنا بطريقة لا أعرف ماذا يحدث لنا ولنومنا إن - فجأة - سكتت ms166 الضجات كلها. # إلى الساعة الثالثة صباحا لم أستطع النوم، وما دام لا فائدة من النوم فلتكن اليقظة ولتكن القراءة، ولكن الضجة أوقفت عمل خلايا الاستيعاب هي الأخرى؛ فأغلقت الكتاب وقمت أتجول في الشقة شبه المظلمة التي تبدو متوهجة الضوء من فرط ما يصلها من ضجيج نهاري الطبيعة جحيمي الوقع. # ثم كان ما ليس منه بد، وفتحت نافذة مطلة على موقع العمل في النفق؛ فوجدت بصري يتوه، والأمكنة والأضواء والآلات تتخاطفه وتتسابق لتكون أول ما يقع عليه البصر. # نهاري كامل موجود في قلب الليل البهيم، رجال رائحون غادون يبدون من العلو الذي كنت أنظر منه كائنات صغيرة دقيقة ككائنات «جاليفر» في جزيرة المغامرات التي سافر إليها. آلات هائلة الضخامة حتى إن إحداها كان يبلغ ارتفاعها سبعة طوابق من عمارتنا، وحين فتحت النافذة وجدتها أمامي مباشرة أكاد أمد يدي فألمسها. # كان ذلك منذ حوالي أسبوع، وكان النفق قد تم تبطين جانبيه بالخرسانة المسلحة، وجاري العمل في حفر مجرى النفق وإزالة الأكوام الهائلة من التراب والطين؛ إذ كان تكتيك العمل على ما بدا لي هو عمل سقف خرساني على قواعد خرسانية مدكوكة، ثم إزالة ما تحت السقف من أتربة وطين لإيجاد مجرى النفق بطول آلاف الأمتار. كانت أكوام التراب الطيني من الضخامة بحيث تكون جبالا وتلالا لا يستطيع العمال تسلقها، وكان إذا أراد عامل أو ملاحظ أو مهندس أن ينتقل من حيث الأرض التي تحفر إلى قمة التل يدلي له سائق جهاز الحفر الكبير ذي اليد التي لها أصابع خمس تغترف بها الأتربة وتملأ عربة نقل ضخمة في عشر قبضات من قبضاتها العملاقة، كان سائق الجهاز يدلي اليد إلى العامل أو المهندس حيث هو في القاع ثم «يغرفه» ويصعد به أكثر من عشرة أمتار ليصبح في القمة فينسل عن القبضة وكأنه بطلة فيلم «كينج كونج» حيث كانت تتسلل من بين أصابع يده وكأنها في حجم الدودة. # لم أفطن إلى أن النهار قد طلع إلا حين واجهتني الشمس الحمراء وهي تشرق وكأنها جهاز إضاءة ms167 أحمر جديد أضافه العاملون في النفق فجأة. # كنت قد أمضيت ثلاث ساعات لم تتسرب إلي فيها لحظة ملل واحدة، وقد امتصني ما يدور أمامي تماما، ليس الجهد الهائل فقط، ولا الآلات العملاقة، ولا هذا التفاهم الغريب القائم بين العامل والآلة، ولا بين العمال والملاحظ، ولا بين هؤلاء كلهم والمهندس أو المهندسين. ~~ كل يعرف عمله، وكل يتحرك إليه وبه، ولا كلام ولا قهقهات ولا «أجيب لك شاي»، ولا توقف لشرب سيارة أو نفس «بوري». عمل دءوب تقوم به تلك الكائنات الدقيقة على وقع هدير آلات لا تتوقف وكأنها موسيقى الجيش النحاسية تلهب الحماس في ذلك الجيش الدقيق المحارب. وبعدها لم أنم، وصرت إذا عدت من عملي أنام بضع ساعات بالنهار لأسهر معظم الليل واقفا عند فتحة النافذة، لا أتفرج فقط ولا أنتشي، وإنما أتأمل وأتفلسف وتروح بي الأفكار وتجيء، كم قال الآخرون، وحتى أنا نفسي قلت إننا شعب يميل إلى الكسل، وإننا بلا إرادة، وإن هدفنا أن نأكل ونحشي البطون، ونتزغزغ بالمسرحيات والأفلام ونفرفش. ما أراه هنا شعب آخر؛ ذلك الجانب الأكبر العظيم من الشعب المصري الذي حين يحدد له الهدف يخلق الوسيلة، وحين يضع الهدف أمامه وتصبح الوسيلة في يده ينطلق بأقصى ما يستطيع الكائن البشري أن ينطلق. # حسن جدا أن الرئيس حسني مبارك أصر على تحديد يوم 6 أكتوبر موعدا لافتتاح النفق؛ فقد ألهب التحديد ظهور العاملين، وجعل الشركة المنفذة، وهي على ما أعتقد - لأنه من مكاني لا أستطيع أن ألمح لافتة الشركة القائمة بالإنشاء والتنفيذ - شركة المقاولين العرب، جعل الشركة وجعل عثمان أحمد عثمان يستعيد أمجاده التي حققها في السد العالي، ولافتاته المشهورة: باق من الزمن مائة يوم، وتسعة وتسعون يوما ... إلى آخره، ويتركه من كتابة الكتب، وبالذات ذلك الكتاب اللقيط «أنا والعهد البائد»، ويعود إلى عمله الأصلي ينشئ المشروعات ويقبل التحدي وينجز. # لقد قرأت بحثا للدكتور عبد الكريم درويش رئيس أكاديمية الشرطة عن مشكلة الإدارة في مصر، وقد وضع الدكتور عبد الكريم يده على بيت الداء في ms168 الوجود المصري؛ وهو أن تخلف الإدارة، بل وأحيانا انعدامها، وراء الكثير بل كل مشاكلنا الاقتصادية. أعطني إدارة جيدة أعطك إنتاجا وإنجازا، هذا هو السر وراء نجاح كثير من شركات المقاولات المصرية؛ مثل شركات عثمان والعبد وحسن علام ومنتصر. وحسن أن التأميم قد أشرك أصحاب هذه الشركات في إدارتها وإلا كانت قد انتهت كشركات منجزة منتجة. ~~••• # بالأمس، وفي ظرف أيام لا تزيد على الأربعة، فتحت النافذة لأجد - ويا لدهشتي! - أن كومة من التراب الطيني الهائلة قد أزيلت تماما وسويت الأرض بتدرج محسوب بالملليمتر، بل وسفلتت وبلطت بالأسمنت المسلح، ثم بدءوا - ولست أدري لماذا - يضعون أسياخا من الحديد فوق الأرضية المسلحة، في أربعة أيام فقط صار الشارع نفقا حقا ومسقوفا. # أيقظت ابني بهاء خريج معهد السينما هذا العام، وطلبت منه أن يبقى معي في النافذة بعض الوقت ليتفرج. وبرما بإيقاظه من نومه بعد يوم هائل في عمله لإتمام مشروع تخرجه وقف متأففا بعض الوقت ثم أعجبته الآلة ذات الأصابع الخمس العملاقة وما تفعله، ثم أعجبته ماسورة وآلة صب الأسمنت المسلح، ثم اندمج في المشهد كله. # قلت له: لماذا لا تأخذ كاميرتك وتنزل إلى الشارع، وتصور ما يدور، وتصنع «الكلوزات» للعمال الصعايدة الأبطال، وترينا المهندسين في لحظة عمل، وليس كما نراهم في أدوار أنيقة في سينما لا علاقة لها بالواقع، لماذا لا ترصد التقدم المذهل الذي يحدث للعمل كل يوم وتسجله بالفيديو. # قال بعد تفكير: صحيح، فكرة ... بس دي حتى ما تنفعش فيلم تسجيلي. # قلت له: يا ابني دعك من الأفلام والأنواع والأوهام. إنه صحيح لن يكون فيلما تسجيليا، ولكنه سيكون له عندي وعند الكثيرين أهمية لا تقدر بمال. # قال: كيف؟ # قلت: كما انتابتني فترة يأس من أحوالنا، كلما بدأت ثقتي في الإنسان المصري تهتز، كلما أحسست بالروح تصل الحلقوم، كلما هاجمني الشعور بأن لا فائدة، وأن مصر حالة ميئوس منها، كلما سخطت على نفسي والآخرين، كلما بدأ إيماني بمصريتي يتزعزع، كلما حدث لي شيء من هذا، سأدير ذلك الشريط وأعود أديره وأستعيد ms169 معه ثقتي بمصر القيمة ومصر الإنسان. # أسرع يا ابني، واحمل كاميرتك، وصور، فما أشد حاجتنا اليوم أن نرى أنفسنا في لحظة عمل! ~~ وحقيقة فنحن لا نرى الآن إلا في لحظات كلام وكتابة وكلام ومؤتمرات وخطب ولجان ... أسرع يا ابني وصور! # | الموهبة # عشرات الأسئلة التي طالما حيرتني، ساعات التأملات الطويلة والقراءات والمناقشات والاستفسارات عن كنه ذلك الشيء المجهول الغامض الذي اسمه «الموهبة»، وجدتها تتفجر أمامي على الشاشة الصغيرة وأنا أرى فيلم «أماديوس». # فلتة من فلتات موهبة الكتابة والإخراج السينمائي جسدت موهبة الموسيقار؛ فالفيلم يتناول مقطعا في متحف الموسيقار «وولفجانج» أماديوس من موتسارت أو كما يسميه الفرنسيون موزار. ~~ بدايات التدفق والوصول إلى القمة، ثم الموت المدبر من موسيقار معاصر له وكان يشغل وظيفة كبير موسيقيي البلاط النمساوي الشهير. # الفيلم كان يرويه هذا المنافس نصف الموهوب، ويعترف فيه أنه هو الذي كان وراء موت موزار في قمة شبابه وتألقه، يعترف بعد أن مات موزار باثنتين وثلاثين سنة، يعترف وهو مودع في مستشفى للأمراض العقلية وقد جننه ما فعله بموزار، وجننه أكثر شحوب موهبته هو بجوار موهبة موزار الساطعة. إن هذا الموسيقار الفاشل «سيريللي» كان من أشهر موسيقيي عصره؛ مما دفع به إلى أن يعهد له إمبراطور النمسا بأن يكون رئيسا للموسيقى الملكية في البلاط، بمعنى أنه لم يكن مغمورا ولا فاشلا، ولكنه كان عارفا بأسرار الموسيقى في عمقها ورفعتها. # وهكذا حين قدم موزار إلى البلاط ليعمل ضمن موسيقييه، بهرته موهبة هذا الشاب إلى درجة كادت تعصف بعقله. وترينا القصة (التي كانت لا تزال مسرحية عظيمة لكاتب بريطاني معاصر) اللقاء الأول بين العبقري الطفلي الملامح والضحكات، الذي لا يحس بما يتدفق من قريحته من ألحان، وبين سيريللي منذ أن كان في الخامسة من عمره؛ إذ كان أبوه قد تولى رعايته موسيقيا حتى نظم أول قطعة موسيقية له وهو في الخامسة من عمره، وألف أول سيمفونية وهو في الثامنة، وغطت شهرته العواصم الأوروبية حتى استقدمه بابا روما وجعله أحد موسيقيي حاشيته. والآن سمع به البلاط ms170 النمساوي؛ جاء إلى فيينا عاصمة الموسيقى في العالم من ذلك الوقت، جاء تسبقه الضجة والشهرة وكلمة «الطفل المعجزة» الذي كان قد كبر وأصبح في العشرينات من عمره. كان سيريللي كما قلت قد قرر أن «يحتوي» هذا القادم الجديد ويخضعه لنفوذه؛ ليبقى هو يحتل منصبه الرفيع؛ ولهذا جهز له «مارش» ألفه خصيصا ليعزف أمام الإمبراطور ترحيبا بموزار. # وطفلا، صاخبا، ضاحكا، غير مقيم وزنا للبروتوكلات ولا لمناصب، دخل موزار، وحيا الإمبراطور الذي قام بنفسه بعزف المارش أمام موزار، وحين انتهى سأله الإمبراطور: ما رأيك؟ ~~ فأجاب: جميل جدا، وحينئذ سأله الإمبراطور: أتستطيع عزفه؟ قال: بالتأكيد، فقال الإمبراطور: إذن، خذ نسخة العزف واعزفه، فقال موزار: لا حاجة بي لنسخة العزف؛ فقد حفظته، هو موجود هنا الآن في رأسي. # وجلس موزار إلى البيانو ليعزف مارش سيريللي، نفس اللحن ولكن، أي فرق، إذا به وهو يعزف يقول للإمبراطور، لسيريللي: ولكني أعتقد أننا لو رفعنا هذا المقام قليلا وجعلنا «الماجور» «مينور»، ومستمرا في العزف نطق اللحن بما لم يكن فيه، وقال سيريللي لنفسه: أحسست وكأن اللحن قادم لتوه من السماء، وأن الله هو الذي يعزف من خلال ذلك الشاب. # وهنا يبدأ الصراع؛ موهبة لا تعرف قدرها، تطلق الموسيقى كما تتنفس وتتنفس موسيقى، وبين البيروقراطية الموسيقية المحيطة بالإمبراطور، وعلى رأسها سيريللي. # سيحطم موزار فن قواعد الأوبرا فيدخل الرقص؛ ويعترض البيروقراطية ويكادون ينجحون في إيقاف العرض لولا أن الإمبراطور رآه وتحمس له. يلحن «زواج فيجارو»؛ وهي مسرحية فرنسية كانت الأرستقراطية في كل أوروبا تنظر لها باشمئزاز باعتبار أن بطلها «حلاق» وليس أميرا أو ملكا، وتقول عنها إن لها معاني سياسية، وتعرض أوبرا زواج فيجارو في فينسيا بنجاح ساحق، وطوال الوقت يتساءل سيريللي عن موهبة هذا الإنسان، من أين جاءت، إنه يحب الموسيقى أكثر منه، يتذوقها بعمق، ويعرف عن يقين ما يفعله هذا «المجنون» الذي لا يعرف ما يفعله، ويناجي الله قائلا: كيف تعطي الموهبة له هو الذي لا يعبدك وتحرمني أنا منها الذي أعبدك وأومن بك. ويكفر بالله الذي ms171 حرمه الموهبة. ولكن موزار ماض صاعد كالنجم الصاعق؛ فيبدأ يتدخل في حياته الشخصية، ويدس عليه خادمة تأتيه بأخباره، وتجعله يزور بيته خلسة، ويكشف أسرار أوبراته الممثلة للبلاط، ويضع المصاعب تلو المصاعب أمامه، ويفعل هذا كله وهو يعشق موسيقاه كما لا يعشقها أحد. # وأنا أشاهد تلك الأجزاء تذكرت كلمة قالها برنارد شو مرة: إن الناس العاديين لا يرعبهم وجودهم في حضرة إنسان ذكي؛ فهم متصورون أنهم بكثرة العمل والجد ممكن أن يعوضوا الذكاء، ولا يرعبهم أن يوجدوا في حضرة رجل غني؛ فكل إنسان يقول لنفسه إني أستطيع يوما أن يكون غنيا، أما الذي يرعبهم حقا فهو وجودهم في حضرة إنسان موهوب؛ ذلك أن الموهبة لا تخلق ولا تكتسب ولا تأتي بالجد والاجتهاد والعمل الشاق، إنها نفحة من عند الله، إما أن تكون أو لا تكون، فإذا كانت فإنك لا تستطيع قهرها إلا بأن تقتل صاحبها، وهذا بالضبط ما فعله سيريللي بخبث شديد أيضا. ولقد أعجبتني «التيمة» التي أثارها مؤلف المسرحية ليقتل بها موزار إعجابا شديدا؛ فقد توفي والد موزار بعد أن وجده قد استغنى عنه، وتزوج ولم يعد بحاجة إلى رعايته. وحزن موزار على والده حزنا جعله يترنح، وهو يترنح كان سيريللي يرسل له بقنينات النبيذ الفاسدة يجرعها وتقتله ببطء ثقيل، ولكنه لكي يجهز عليه أرسل له رسولا متنكرا (ربما هو سيريللي نفسه) طلب منه لحنا جنائزيا لشخص هام ووعده بأن يجزل له العطاء. # فانهمك موزار في العمل في اللحن الجنائزي، وكلما انهمك فيه وغاص كان يغوص أعمق وأعمق في فكرة الموت، وكأن الموت أصبح أباه الذي يناديه من القبر أو كأن أباه أصبح الموت يناديه، والإنسان لا يموت في شبابه هكذا إلا وقد استبدت به فكرة الموت حتى أصبحت أحب إليه من فكرة الحياة. وبانتهاء اللحن الجنائزي، كان موزار قد عشقه لدرجة أن مات بعد نهايته. قصة غريبة، ولكنها من كثرة ما رأيت في أوساطنا الأدبية والعربية لا أجدها غريبة أبدا؛ فالحقد على صاحب الموهبة من أنصاف الموهوبين وأرباعهم حقد ms172 له لفح الجحيم وطعم العلقم، وهو شيء ليس موجودا فقط في بلادنا العربية ولكنه موجود منذ أن وجد الفن والفنانون. # كل ما في الأمر أن عبقرية الكاتب المسرحي الإنجليزي بيتر شيفر استطاعت أن تلتقط هذه «التيمة» وتجسدها عملا فنيا معجزا لا غرابة أن حاز الجائزة الأولى في أكبر مهرجان عالمي أمريكي؛ أربع جوائز أوسكار، إحداها لمخرج الفيلم، مع أنه شيوعي يعيش في تشيكوسلوفاكيا. # ولكن الفن العظيم يهشمه في طريقه إلينا كل تحيز مذهبي أو طائفي، والموهبة العظيمة يقدرها حتى أعداؤها المذهبيون، حتى الحاقدون عليها، يتمنون لها الموت، وأحيانا ينجحون في قتلها، ولكنهم يقدرونها إلى درجة التقديس. # | حتما سأكتب قصتها # أريد أن أكتب قصة؛ قصة حديثة جدا وقريبة جدا؛ فقد وقعت أحداثها خلال أيام قليلة مضت، عرفناها وشاهدناها وأثقلت قلوبنا جميعا بهم من الصعب أن يزول. # قصة حديثة؛ لأنني كففت عن قراءة القصص التي تبدأ بكانت الريح تزوم، والقمر محاقا، والدنيا بين الصيف والشتاء ... كففت عن قراءة قصص تحدثني عن إنسان يشكو الظلم أو الوحدة أو انعدام الهدف. # كففت عن قراءة قصص الخيال الطفولية وكأنما تكتب من أطفال ليقرأها أطفال؛ كففت لأن ما يدور بنا وأمامنا ونعيشه أصبح أكثر فاعلية بكثير من أي خيال، ومن أي رعب مصطنع، ومن أية كوارث قرأنا عنها في التاريخ. # ماذا يكون شعر الخنساء، أو تكون تراجيديا «أوديب» أو «هاملت» الذي يتأرجح بين أن يكون أو لا يكون؟! كل ما كتبته البشرية بخيالها وتجاربها لا يقارن بما يحدث أمامنا في واقعنا الآن، بل وعلى الساحة من حولنا وفي العالم. # فهي قصة أبطالها رؤساء دول، وفتيان عرب، وقنابل وطائرات مخطوبة، ورجال جبنوا فماتوا مخنوقين بجبنهم. قصص بطولات، وعبث أخرق مجنون، ورجال تعصف الأوضاع بأفئدتهم وعقولهم، ورؤساء عرب عناتير محتمين في جحورهم المحروسة بالدبابات ومحاطين بالمرتزقة. وهم بكل إجرام وجبن يصدرون الأوامر بالاغتيال والاقتتال. قصة دولة عنصرية قامت على المذابح وبالمذابح، وتعيش بالترويع والاجتثاث، ودولة كبرى في مساحتها وثروتها، صغرى إلى أدنى حدود الصغار في سلوكها وقيمها. قصة ms173 عالم عربي جاءته أعظم رسالات من السماء فأصبح بها ذات يوم أعظم الشعوب، ثم تفجر له من باطن الأرض شيطان أسود يحاول أن ينهش رسالته العظيمة ويلتهم إنسانه ولا يبقى له سوى نفس مريضة أمارة بالسوء وبالجشع واجتثاث الضمير. # أريد أن أكتب قصة ... قصتها. # ولكنها ليست قصة مجردة ، حديث من فراغ وفي فراغ. # إنها قصة حدثت ودارت في قلب وخلفية الجحيم الذي نحياه. # وأبطالها كلهم وكأنما يساقون إلى مصيرهم، وحتفهم بقدر لا يستطيعون منعه أو دفعه أو حتى تحويل مساره. ~~••• # ثلاثة فتية عرب ... # أحدهم ولد - حيث يقول - في قرية يحتسي فيها أبوه زيت الزيتون كل صباح ليكتسب الصحة والقدرة وطول العمر والبقاء. ومات هو - الفتى - مجندلا في طائرة مصرية كان ينوي أن يقتل - وقتل - كل ركابها الذين لا ذنب لهم ولا حول إلا أنهم ركاب طائرة مصرية. # وزميلاه اللذان قابلاه في أثينا، لأول مرة يلتقي الثلاثة، عربا كنا ونبقى عربا، لا يعرف بعضهم البعض، بل حتى لا يعرفون مهمتهم، وإنما بكل براءة وسذاجة وضياع، تلقوا الأمر من «قائد» خسيس: لكي تنقذوا فلسطين والقضية ... لكي تكونوا أبطالا، خذوا هذه المسدسات والقنابل واخطفوا طائرة العدو المصري اللدود، ونفذوا التعليمات. # لم يتوقف أحدهم ليناقش ما علاقة إنقاذ فلسطين بقتل ركاب مدنيين أبرياء، وهل الطائرة المصرية التي تقل فلاحين مصريين وركابا أجانب، هي طائرة معادية مثل التي تخرق حاجز الصوت فوق بيروت كل يوم، وتدك البقاع دكا دكا، وتمسح قرى ومدن الجنوب اللبناني بلا أي ذرة رحمة أو هوادة. # أبدا، لم يتوقف أحدهم ليناقش نفسه، أو قائده؛ فهو شاب عربي يريد الخلاص، وقد أقنعوه أن الخلاص في اتباع قيادته، وثقته في تلك القيادة لا حد لها. # فإذا كان قد تشكك أو تردد فإنهم كانوا سيقولون له: وهل كان الفلسطينيون في دير ياسين وكفر قاسم وصابرا وشاتيلا من العسكريين أم كانوا من الأطفال والنساء المبقورات البطون البارزات الأشلاء والأجنة. # إننا نحارب إرهابا بإرهاب، وأعداؤنا إرهابيون سفاكون، وهكذا يجب أن نكون؛ لنهزمه، وننتصر، ونسترد الأرض والعرض، ms174 غافلين عن الحقيقة التي يرددها دهاة الصهيونية أنفسهم من أن أخطر شيء على الإنسان أن يتبنى منطق عدوه، وما دام منطق عدوه هو الإبادة والذبح والإرهاب، فهكذا لا بد أن نرد، ناسين أن العدو هو الذي يريد بالضبط هذا؛ فكيانه قائم على الإرهاب، ويموت الكيان لو توقف الإرهاب ، ولكي يرهب عليه أن يعتمد على بعض الحوادث الإرهابية التي نقوم بها نحن؛ ولهذا فمن مصلحته القصوى أن يستمر إرهابنا الصغير نحن ليسدر في إرهابه الكبير هو. # ولكن تلك طائرة مصرية، وركابها معظمهم عرب، و... # فيجيب القائد الحكيم الخطير: إن مصر تقود القضية للسلام، والسلام ضدنا، السلام على طريقة عرفات ومبارك وحسين وصدام و242 و338، إنه نفس الطريق إلى الكامب، وإلى الخيانة، فاذبحوا الركاب ذبحا، فنحن نريد قطع هذا الطريق، فلو نجحوا لضاعت القضية، ضاعت القضية، أترضون هذا؟! # وبالطبع لا يرضون، وأمرك يا سيدي، هات البنادق والقنابل، وإلى اللقاء المرتقب في أثينا. # البطل المجهول الثاني، يوناني أرزقي، عرضوا عليه كذا ألفا لقاء أن يحمل لفافة من طائرة عربية إلى طائرة أخرى رابضة بجوارها تماما. # يوناني كادح، ماذا يهمه هو، أن تنتقل لفافة مهما كان محتوياتها، من عربي إلى عربي، أو حتى من يهودي من الموساد إلى عربي، طالما سيقبض مبلغا من المال يضمن له العيش المريح لعدة سنين، ولو علم أن في الطائرة ثلاثة عشر يونانيا سيدفعون بأرواحهم وأطفالهم ثمن هذه السنوات المريحة، ربما كان قد تردد، ولكن مثلما الحب يعمي ويصم فالمال أيضا يعمي، خاصة الضمائر، ويصمها. # وهكذا ترتحل الطائرة، حاملة في جعبتها كل متناقضات العالم العربي، والعالم عامة، عربا وإسرائيليين وأمريكان، ويونانيين، وحتى فلبينيين، وخادمات فلبينيات، لتكمل المأساة. # وهكذا تتحول القضية العربية والفلسطينية من مقالات يدبجها إخواننا الكتاب والمفكرون العرب؛ مقالات تستهلك مئات الملايين من الكلمات وآلاف التحليلات والتصورات، ومئات الخطب والتصريحات، تتحول وتصبح كائنات حية، نفذت كل هذه المجاري من الكتابات والتصورات إلى كياناتها الداخلية، وأصبحت الخطب بشرا، وأصبح الاستنكار قنبلة ومسدسا، وأصبحت القضية من كفاح رهيب في سبيل ms175 الحق والعدل والحرية إلى أبشع قيم مما قد يحفل بها قلب بشر، ألا وهي أن نأخذ الشخص البريء بذنب المسيء، وأن يواجه الأعزل ويقتل بالسلاح في وجهه وأمام عينيه، لا يصبح في قلب أي إنسان ذرة من بطولة أو شهامة أو إنسانية، إنما هي الكراهية العمياء في أحط صورها، إنما هي الكائن البشري حين يتحول إلى الإجرام وسيلة لحل قضية مقدسة. # في غمضة عين كانت الطائرة مخطوفة. # وكان الأبطال المغاوير الثلاثة قد سيطروا على الموقف تماما، وأرسوا أبشع أنواع الرعب في قلوب الركاب، وحتى في قلب موظفي الأمن، فما بالك بقائد الطائرة الذي يحس بالمسئولية الأكبر والأضخم؟! # من السهل على أي إنسان أن يجلس إلى هذا المكتب، بعيدا عن المكان والزمان، مستريح الخاطر إلى أنه في أمان تام، ويتحدث عن هذا الذي حدث داخل الطائرة. # مستحيل! # إن أي رفة جناح لطائرة عادية، أو أي مطب هوائي تصادفه يسقط قلوب ركابها جميعا، مهما بلغت شجاعتهم، فما بالك والأمر أمر اختطاف، وأمر حيوانات بشرية عمياء، في أيديها أسلحة فتاكة، استولت على الركاب والطائرة والمصير، والطائرة والركاب معلقون بين السماء والأرض. # إن البشر لا يتصرفون بنفس الطريقة في كل المواقف؛ فالموقف المباغت، خاصة لو كان يتهدد صميم حياة الشخص يجعله يتصرف بطريقة لا علاقة لها بتصرفاته العادية أو حتى صفاته؛ فالشجاع قد ينقلب جبانا، والخائف قد يتحول إلى جبان أخرق، ومن المفروض أنه بطل يتمخض الأمر عن فأر صغير مذعور. # وهكذا فهناك فارق هائل بين الصورة - ونحن نستعيدها الآن، بعيدا تماما عن حدوثها - وبين الصورة لحظة حدوثها. # فجأة، شل تفكير الجميع. # الوحيدون الذين أصبحوا يفكرون هم السفاحون الذين احتلوا الطائرة وسيطروا عليها، بل أعتقد أن هؤلاء هم الآخرون كانوا يعانون في داخلهم رعبا قاتلا. # وهنا، وفي مثل هذا الجو تتجلى بطولة رجل الأمن مدحت؛ فأمامه ثلاث قنابل يدوية مصوبة إليه وإلى الركاب، وثلاث فوهات مسدسات، ومع هذا قرر أن يؤدي واجبه، وما دام واجبه أن يقاوم الإرهاب، فليضرب، وليتظاهر بإخراج جواز سفره، ويخرج ms176 مسدسا، معدا، يردي به قائد العملية بثلاث طلقات مفاجئة مصوبة بعناية. # ولكن زملاءه كان لهم تصرف آخر؛ فقد آثروا الاستسلام وألقوا بمسدساتهم أرضا. هكذا دفعتهم حلاوة الروح والرغبة في النجاة بالنفس، أليس من سخرية القدر، وحكمة المولى، أن الذي تصرف بشجاعة وأدى واجبه هو الذي يعيش الآن، بينما هلك زميلاه اللذان آثرا السلامة والاستسلام. إنها ليست سخرية أقدار، إنها قانون الحياة؛ فالبقاء دائما للأشجع، والحرص على الحياة هو بالشجاعة وليس باستخفاء واستكانة وأكل العيش وبالجبن يطول العمر. كان خالد بن الوليد - رضي الله عنه - أشجع فرسان العرب؛ ولهذا لم يمت أبدا في حرب فقد كان يدخلها شجاعا فيهزم عدوه، ويعيش، ويموت العدو. # أما قائد الطائرة، فأعتقد أن مسئوليته كبرى عن الفاجعة التي حدثت؛ ففي حالة كتلك هو مسئول فيها عن مائة إنسان، أن عليه حتى لو كان أشجع الشجعان أن يطيع أمر هؤلاء المجرمين تماما، فإذا أنت قررت أن تقوم بمهمة كالتي كلفوا بها، ووضعت رأسك على كفك، ونويت، إذا حانت اللحظة أن تفجر الطائرة وأنت فيها، فمن أبسط مبادئ الذكاء أن تطيع إنسانا كهذا طاعة عمياء؛ لأنه يكون في حالة نفسية مستعدا فيها لكي يقامر بأي شيء وبكل شيء. # ولهذا كان قرار الكابتن أن يراوغ ويفرغ بنزين الطائرة ويفرغ إطاراتها من الهواء، كان في رأيي قرارا خاطئا؛ لأنه عرض حياة الركاب للخطر أكثر؛ فمعنى هذا أنه حدد قدرة التهوية، وقدرة الطيران، أي كسح نفسه وطائرته، وأرقدها فوق أرض مطار فاليتا لا حول لها ولا قوة! # وقد فسر هو هذا بقوله إنه كان خائفا أن يرغمه المختطفون على التوجه إلى ليبيا حيث يفجرون الطائرة. وهو تفسير قاصر تماما، فليس من المعقول - إذا كان المتهم هو ليبيا - أن تقبل تفجير الطائرة على أرضها؛ فمن باب أولى أن يفجرها المختطفون في مالطة، إذا كان في نيتهم التفجير. العكس هو الصحيح، لقد كان من مصلحته ومصلحة الركاب والطائرة أن يتوجهوا جميعا إلى طرابلس حيث تصبح المسئولية مسئولية ليبيا بدلا مما هو حادث الآن ms177 من أن الدوائر الإعلامية العالمية تحمل مصر المسئولية عن مأساة الطائرة. # ومن رأيي أن الكابتن أصيب بحالة من الارتباك أدت به إلى هذا التفكير الخطأ. وأنا - من مجلس فوق مكتبي هذا - لا ألومه، ولست أعرف كيف كنت ولا كيف كان غيري يتصرف لو وضع في هذا الموقف؟! # الخطأ الأكبر الثاني الذي ارتكبه الكابتن هو مطالبته بالتدخل بقوات من خارج الطائرة تنقذ الموقف، وإلحاحه في هذا بطريقة تدل على أنه كان يعاني شبه انهيار لا منقذ له منه إلا بقوة خارجية، مع أنه يعلم تماما أن أي تدخل خارجي سيكون على حساب ركابه وعلى حسابه هو شخصيا. ~~ وقد تبع هذا الخطأ وكنتيجة له، سلسلة من الأخطاء؛ ففي سبيل التحريض على التدخل، بالغ القائد في صورة الوضع داخل الطائرة، بحيث إن المعلومات التي ذكرتها دفعت القيادة العسكرية في مصر إلى سوء تقدير الموقف، وكان القرار بالتدخل. # وهناك طرق علمية للتدخل، منها إدخال الغازات المخدرة، ومحاصرة الطائرة إلى درجة إنهاك مختطفيها حتى لو كانوا يقتلون أحد الركاب بين الحين والحين، أما الهجوم بفرقة صاعقة، ما أشجع أبطالها هم الآخرين وهم يواجهون خطرا لا يعرفون كنهه! ولكنهم خضر العود والتجربة والإعداد، بحيث هجموا على الطائرة وكأنهم قوة أمن مركزي في طريقها لفض مظاهرة بالتفجير وقنابل الدخان. والاقتحام بالقوة وحدها، اقتحام قلعة محصنة، يسيطر عليها مسلحون، سوف يكون ضحيته بلا أدنى شك الرهائن الأبرياء. # وبقيت بعد هذا القصة التي أريد أن أكتبها: # قصة شادية ... # كبيرة المضيفات. # تلك التي أطلقوا سراحها لتبلغ رسالة إلى المطار ثم تعود إلى الطائرة. وأريد أن أسأل كم امرأة وفتاة، لا في مصر والبلاد العربية ولكن في العالم كله، تقبل أن تنفد بجلدها من حصار الخاطفين والاحتمال شبه الأكيد للموت والقتل، تقبل، بعد أن تصل إلى مبنى المطار في سلام، أن تقرر وبمطلق إرادتها، وبقرار لا رجعة فيه أن تعود إلى حيث الرعب والموت؟! # إنه موقف يفوق في رأيي بطولة الفتيات والرجال الذين يقبلون أن يلغموا أنفسهم ليفجروا معسكرات وقوات العدو؛ ms178 ذلك أن هؤلاء الفتيات والرجال مناضلات ومناضلون، وتربوا تربية ثورية نضالية بحيث يعتبر عمل كهذا من قبيل المهمات القتالية الثورية. # أما شادية، فلم تكن مقاتلة، ولم تكن ثورية، ولم تكن منضمة إلى حزب أو حركة، ولم تكن فدائية، كانت فتاة مصرية عادية جدا، تعمل مضيفة، وقد جاء علينا حين من الدهر كنا نعتبر أن الفتاة التي تقبل العمل كمضيفة، فتاة تهوى السفر والمغامرات الشخصية، وها هي واحدة ممن كنا نعتقد فيهن هذا تتبدى لها في لحظة الواجب شخصية الفتاة والمرأة المصرية التي في لحظات الخطر تصبح أكثر تماسكا حتى من الرجل، وتقبل التحدي، وتعود بقدميها إلى حيث ينتظرها الموت المحقق، وقد فعلت ... بمنتهى البساطة، ودون تردد، دون ارتعاشة جفن، أو دمعة تسيل، دون أن يتداعى إلى ذهنها موقف بناتنا في أفلامنا السينمائية ومسرحياتنا اللاتي يرتعشن من رؤية صرصار، و«يفقعن» بالصوت لدى شكهن في وجود لص. # ها هي فتاة مصرية حقيقية، عروس تستعد للزفاف، ناضجة وليست مراهقة في السادسة عشرة أو العشرين - إذ هي في الثالثة والثلاثين - تقبل بمطلق إرادتها أن تذهب إلى الجحيم القابع على أرض المطار دون وجل أو تردد. # لماذا فعلت هذا؟! # إنه الإحساس بالواجب، وبكلمة الشرف، وبالوعد الذي قطعته، وخجلها أن تنكص، نفس هذه الأحاسيس التي هربت من بعض موظفي الأمن في لحظة الجد؛ فاستحالوا إلى أداة لمساعدة الخاطفين، وجر الجرحى، وإلقائهم من الطائرة! # يا لعار بعض الرجال! # ويا لشجاعة بعض النساء! # فالشجاعة ليست رجلا أو امرأة، الشجاعة إنسان - رجل أو امرأة - يحس بواجبه، ولا يتردد في فعله. # سأكتب قصتها، وليتني أملك ساعتها، شجاعتها؛ لأؤدي واجبي ككاتب تجاه فتاة ضربت مدينتها السويس فأبت أن تغادرها وهي بعد لا تزال صبية، وأدت واجبها تجاه الوطن إلى آخر لحظة في حياتها. وإن هي إلا مثل واحد أضربه لمن لا يزالون يعتبرون المرأة حرمة وعورة وخطيئة وعيبا، من المحتم أن تحتجز، كالعار في الحرملكات والمنازل، وتقام حولها الأسوار؛ لأنها «بطبيعتها» ميالة للتبذل والتبرج وإشاعة الفتنة في عالم الرجال. ماذا تقولون ms179 عن هذه المرأة التي أشاعت «البطولة» في عالم رجالي معظمه تصرف برعونة وتخاذل وجبن؟! # من بين الرصاص وقنابل الدخان والحرائق واستغاثات البشر واختناقات الأطفال والجثث المكومة، جثة فوقها جثة، وحياة بأكملها، وأسرة فوق حياة، ومأساة فوق مأساة، تتبدى لنا القضية العربية في صورتها الحقيقية تماما؛ فهي لم تعد قضية نظرية ومطالبات استقلال أو وطن، وإنما نجح أعداؤنا في الخارج وأعوانهم في الداخل في أن يقلبوها سرطانا داخليا يتمدد في داخل كل مواطن عربي على حدة، يقلبونها حربا على أنفسنا من أنفسنا، وإهدارا لكل قيمة عليا في شبابنا؛ فلم يعد الفلسطيني فلسطينيا والعربي عربيا، ولكنه أصبح فلسطيني أبي نضال أو أبي عمار، وعربي مشرق وعربي مغرب، ومصريا منبوذا ومخابرات جبانة ورعديدة وطعنا في الظلام، وجهنم أقامها العرب من أجل العرب، وبالذات من أجل مصر المصريين، من أجل «ثورة مصر»؛ أي ثورة مصر تقتل المصريين والعرب وتبيد الفلسطينيين؛ أي ثورة عربية أو حركة أمل أو دروز أو شيعة تحولت إلى عصابات من قطاع الطرق، بأخس الوسائل تتقاتل، وتنسف وتبيد بلا أي عقل أو صواب أو تمييز. # وإذا لم تصدقوا فشاهدوا معي صورة الجثث مرة أخرى؛ صور حطام الطائرة؛ وصور الهول الذي قام به عرب خرب العدو في الداخل والخارج نفوسهم. شاهدوا ذلك الحطام من الصلب والبشر والأشلاء! # شاهدوا أم شادية بملابسها البيضاء، في المطار وهي تقول أنا أم البطلة، وشاهدوا مدحت في مرقده بالمستشفى راقدا رقدة أسد جريح، أسد نهشته مجموعة فئران مذعورة قامت بأحط عمل جبان في التاريخ. # شاهدوا كل ذلك لتدركوا ما آلت إليه القضية ... # ولتدركوا أيضا أنه رغم كل شيء ورغم المأساة، ففينا بطلات من النساء وأبطال من الرجال، بل وفينا القدرة الكاملة على أن نحارب وننتصر، أما الإرهاب فهو بضاعة إسرائيل وعدتها، والحرب الشجاعة وجها لوجه هي عدتنا. # شاهدوا حطام القضية، وتذكروا جيدا ذلك الحطام. # وهنيئا لك يا إسرائيل. # وهنيئا لك يا مستر ريغان الذي بدأت القرصنة وتؤمن بها. # وهنيئا لك يا أبو كذا وأبو كذا وابن كذا ms180 وابن كذا ... # أما أنت يا مصر ... # أما أنتم أيها الفلسطينيون الأحرار ... # أما أنتم أيها الأبرياء الذين راحوا ضحية لا حول لها ... # فلكم العزاء. # فالله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل. # وما حادث مصرع 250 جنديا أمريكيا يحرسون إسرائيل في سيناء، ببعيد. # اللهم لا شماتة، ولكن أيها الناس، هناك عدالة إلهية على الأرض. # أقسم أن هناك عدالة إلهية على الأرض مع عدالة السماء. # | الرأس والحل والنظام # أكتب لأني أريد فعلا أن أكتب، مرة أخرى أحتشد وينتقل ما بالرأس إلى الأصابع والأنامل، وتستحيل «النغمشات» إلى أشياء مجسدة لها معنى، أهي لعنة؟ أهي نقمة؟ أهي نعمة؟ أهو قدر يحيط عنقي بطوق من حديد لا يعرف حداد في العالم كيف يحطمه؟ قائد أنا أم مقود مغمض العينين غير مطلق السراح إلى أبد محدد لم يستشرني أحد أبدا في نوعه أو اتجاهه أو تحديده. # وقف في المنتصف رافضا أن يتحرك خطوة حتى يعرف إلى أين، حتى يعرف لماذا، حتى يرى إن كان هناك مجال للرؤية حتى يبصر، ولو بالبصيرة ببعده. ~~- اكتب. # قال: ما أنا بكاتب؟ ~~- اكتب. # قال: ما أنا بكاتب؟ ~~- لا تتمرد. # قال: ما أنا بمتمرد، إن هو إلا سؤال. ~~- السؤال أيضا تمرد. # قال: حين يصبح السؤال تمردا، تصبح الكتابة معصية وخطأ لا يغفر. ~~- سم واكتب. # قال: # بسم الله الرحمن الرحيم ~~. # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير ~~. # وسكت. ~~- اقرأ. # قال: ما أنا بقارئ؟ ~~- اقرأ. # قال: ما أنا بقارئ؟ ~~- # اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم ~~. # قال: صدق الله العظيم، الكتابة أمانة، وقد عرضت الأمانة على الأرض والسماء فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان. ما أتعسه! وما أخطرها من أمانة! ~~••• # ولكنني فعلا مشتاق أن أكتب، مثلما أنت تشتاق أن تأكل أو تشرب، أو تهفو بجنون إلى أخذ النفس إذا غطست في الماء وعاندت نفسك وأردت أن تظل أطول الوقت مكتوم الأنفاس تحت الماء، ما أحلى أن ترفع الرأس المختنق فجأة وتدخل صدرك ms181 أول شهقة هواء! # شهور ثلاثة والقارئ الكاتب مشتاق للقارئ القارئ، وكل شيء يحول بينهما إلى حد أن لا شيء يحول بينهما، الثاني ما عليه إلا أن يقرأ، الأول مشكلته أن عليه أولا أن يكتب، وأن يكتب لا ليري الناس صورته الباسمة المنقوشة، أو يقول للعالم أنا هنا، أو من أجل أن يطالع القارئ كل يوم، كل يوم - يا إلهي! - بكلام، أي كلام، لا، لا بد أن يكتب ليضيء شمعة، ليسوق للناس كلمة طيبة، ليضع شيئا يستحق عناء أن يمسك المواطن بالصحيفة ليفتش فيها عن شيء نافع أو دواء ناجع. # الحقيقة أن أسهل شيء في الدنيا - كما ترون - أن يكتب الإنسان. # وأصعب شيء في الدنيا كما لا بد تعرفون، أن يكتب الإنسان. # وبلادنا ووطننا الصغير والكبير، ومواطننا كبر أم صغر يمر بمرحلة تدور لها الرءوس ولو كانت مصنوعة من حديد. # وأنت ككاتب ليس مفروضا أن تكتب لتشكو مما يشكو منه الناس ويعرفونه ربما أعمق منك. # وليس مفروضا أن تكتب لتحاصر العينين بانتقاداتك بحيث لا يعود الإنسان يعرف من أين وإلى أين؟ # أنت لا تكتب لأنك تفكر، وليس أي فكر أو أي تفكير، لكنه ذلك النوع الذي يسمونه الفكر المضيء، أو الفكر القائد. # الفكر الذي وجد الحل، ويراه واضحا وضوح الشمس، بحيث ما عليه إلا أن يفتح للناس. # فإذا لم يكن الحل هناك ... # وإذا كانت الأمور قد استغلقت وتعقدت، بحيث - حتى لو كنت تملك ذلك المفتاح الواحد السحري الفعال - كلمتك لم تعد قادرة على فتح ما استغلق، أو فقدت ما بها من سحر. # الحل إذن أن تسكت! # ولكن الكارثة أن السكوت ليس هو الحل، فلا بد - شئت أم أبيت - أن تظل تفكر؛ فأنت عضو تفكير، إذا تعطل أضر، وإذا توقف استحق البتر. # أيكفي هذا ليعذرني القارئ في الشارع، في العمل، في البحر والبر، وكل مكان، الذي يسأل: لماذا لا تكتب؟ وأين أنت؟ وهل أنت ممنوع أو مصادر؟ # أيكفي ما سبق وذكرته إجابة تشفي الغليل! # لا أعتقد. # فأنا شخصيا غير مقتنع. # لا بد ms182 أن هناك شيئا أكبر وأخطر وأشمل هو الذي يخيم علينا جميعا ولا يكفي قلم واحد، بل لا تكفي كل الأقلام مجتمعة أن تقنعنا بوجوده أو بعدم وجوده، فحنانيكم أرجوكم، إذا لم أكن عند كل حسن ظنكم فلا تسيئوا بي الظن، وإذا كنت عند بعض حسن ظنكم فلا تعتقدوا أن هذا - في وقتنا ذاك - شيء معين. # يا صديقي المواطن؛ بطل والله أنت، وأي بطل! # ليست البطولة أن تجيد التصويب وتذهب إلى ساحة الوغى أو عند الكمين وتقتل أول عدو تصادفه. # هذا في رأيي هو البطولة الصغرى. # البطولة الكبرى حتى ليس أن تعبر المانش أو تجيد سباحة المسافات الطويلة، البطولة الكبرى أن تغرق أنت البحر. # وبلادنا في مرحلتنا هذه بحر عالي الأمواج صاخبها. # بحر وكأنما يريد أن يبتلع الناس والزرع والأشياء وكل ما على سطح الأرض. # ولكنا، بوجودنا هذا الذي يبدو فوضويا وبلا معنى وشديد البشاعة، نصنع المعجزة؛ نغرق البحر فعلا. # لا، نحن لا نغرق. # نحن نغرق «بضم النون». # تجرح أجسادنا، وتمزق ثيابنا، ويصيب الرشاش كرامتنا، ونفرط في أشياء عزيزة وغالية كنا نسميها قيما. # ولكنه كفاح «البطل»؛ ليعيش، ليغوص في الحفر والبرك والمستنقعات والبحور. # بطل أنت يا مواطني العزيز، وأنت تخرب ما أصلحه الدهر، بطل وأنت تصلح ما خربه الدهر، بطل وأنت على أي الحالين لا زلت تعيش بطلا. # ولا أقول هذا نفاقا لك أو تعزية ... # فأنت في غنى عن النفاق لأنك في لحظة تحدد الحياة والموت، وفي غنى عن التعازي؛ لأنك تعرف أن المعزين هم المنافقون السائرون أو الذين يريدون السير وراء نعشك. # متأكد أنا تماما أنك تفهمني. # برغم أني أتكلم، وكأنما ب «اللاوندي»، ولكني متأكد أنك تفهمني. # فأنا، بفوضاك، أفهمك. # بكل منا وقد راح يخترع لنفسه قانون وجود، أفهمك، بل وينتج عن ملايين القوانين، ويا للغرابة! قانون واحد يحكمني ويحكمك، كلانا عليه نتفق. # وأنا مثلك لم أمت. # وأنت مثلي لا تعيش كما تريد وكما يجب. # وأنا وأنت البطل. ~~••• # يخيل إلي أن ما من شعب عاش على سطح الأرض ومر بما ms183 مررنا به من تجارب وأزمات. # خذ عصر المماليك أو عصر البطالسة. # خذ أي عصر ... # واقرأ كيف جاوزناه واجتزناه ولا زلنا باقين، وسنظل إلى ما شاء الله نبقى. # أنا هذه المرة لا أكتب لأشرح وضعا سياسيا استعصى علي أو علينا فهمه، ولا لأثير مشكلة أو أثور على مشكلة. # أنا في الحقيقة أكتب لأونس نفسي. # وأونس من يريد الونسة معي. # أكتب كما أريد أن يكتب لي، وأحس به طبطبة حنان صادقة، تخفف عني، وتشجعني، تطمئنني، تنشقني جرعة أكسجين أرى بها المستقبل لي، أو على الأقل انفتحت أبوابه أمامي. # وما دامت العبرة بالنوايا، فليحاسبني الله سبحانه على نيتي، أو فليغفرها لي، فما أكثر ما تكون النيات الحسنة ذنوبا على الطريق! # بالأمس سألني ابني الأكبر: «إيه» النظام؟ والتعبير أحد نتاجات المرحلة، ويعني شيئا أكثر دقة من قولك: ماذا سيحدث؟ # وكأنما فوجئت بالسؤال؛ فقد اضطربت. # وكأن السؤال ليس همي صباح مساء. # قلت: أن يكون هناك نظام. # ولكني أيضا وأنا أقولها كنت أفعل، وكأني أعتذر أو أقول: يا بني لست أدري. # وأمس، سألت ابنتي ذات السنوات الخمس: ما هو الحل يا نسمة؟ # قالت الشقية وهي تحاورني: حل «إيه»؟ # قلت: يعني الحل. أي حل؟ # قالت بتأنيب: الحل يبقى حل مسألة، فأنت «مش» عارف المسألة و«عايز» تعرف الحل! «إيه اللخبطة دي؟!» # شكرا يا نسمة، فعلا لكي نعرف ما هو الحل، لا بد أن نعرف ماذا نريد حله، أو بالتعبير الرياضي يا نسمة لا بد أن نعرف «رأس» المسألة؛ لكي - يا عزيزتي وحبيبتي - نحلها. # فإذا لم نكن نعرف الرأس ولا المسألة، ومع هذا فنحن نحلها وماضون في حلها، وببطولة نفعل، ونوجد، ونكتب، ألا يعد هذا ما يشبه المعجزة؟! # بل المعجزة الأكبر، والتي لم تحدث أبدا في التاريخ، ولكنا لا بد أن نحدثها، هي أن نعرف من خلال حلنا لمسألة لا نعرفها رأس المسألة. # أجل يا بني ويا ابنتي، حينذاك فقط نعرف ما هو النظام وما هو الأصل. # قد لا تفهمانني، ولكن يكفي إحساسكم بي وإحساسي بكم. ms184