######OpenITI# #META# URI: 1412YusufIdris.JinsThalith.Hindawi68528170 #META# Tags: plays #META# ID: 68528170 #META# Title: الجنس الثالث #META# AuthorID: 95064085 #META# Author: يوسف إدريس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # برولوج‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # برولوج‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # | الجنس الثالث # | الجنس الثالث # تأليف # يوسف إدريس # | برولوج # (يفتح الستار الأول على حجرة معمل الدكتور آدم. الحجرة جديدة حديثة وأجهزتها تمثل آخر صيحات التكنولوجيا، أجهزة مختلفة معظمها موضوع فوق «بنش» لامع السطح في طرفه حوض ماء وصنبور مركب فيه جهاز شفط. على رف جانبي ميكروسكوب معقد التركيب وأقفاص من السلك بها بعض حيوانات التجارب، مثل الخنزير الغاني، والفئران والأرانب وقرد إن أمكن. على الجدار المواجه لوحة كبيرة هي صورة للتركيب الداخلي لجزيء حامض «د. ن. أ» وهو أهم مكون لنواة الخلية الحية. هناك مكتب جانبي صغير أنيق ودواليب من الزجاج.) ~~(آدم شاب في الثلاثين، وسيم جاد، ومن عينيه يشع ذكاء حاد، يقف أمام طرف لجهاز معقد، أمام الطرف الآخر تقف «نارة» مساعدة المعمل، فتاة من النوع «البويش» في العشرينات، شعرها قصير، وجهها لذيذ، نحيفة القوام، لا تضع أي معدات تجميل، الاثنان يرتديان فوق ملابسهما معطفين أبيضين.) # آدم ~~: # كل تلاتين ثانية خدي قراية. # نارة ~~: # أرصد النهاية العظمى والصغرى مع بعض، ولا الصغرى بس؟ # آدم ~~: # أنا امبارح قلت إيه؟ # نارة ~~: # قلت العظمى. # آدم ~~: # خلاص تبقي ترصدي العظمى. # نارة ~~: # بس النهاردة الصبح قلت لي الصغرى. # آدم ~~: # آه. افتكرت. ارصدي الصغرى، صح. # نارة ~~: # أنا بقى ح ارصد الاتنين لأني متأكدة إنك على بعد الضهر ح تكون غيرت رأيك. # آدم ~~(راميا إياها بنظرة جانبية) ~~: # ما سمعتيش على الألسنة اللي زي الضوافر لازم كل شوية تتقص. # نارة ~~: # وسمعت برضه على الناس اللي ما بيستلطفوش الحق لله في لله. # آدم ~~: # كدة؟ طب انتي عارفة الحق، الحق بقى انتي إيه؟ # نارة ~~: # أنا مساعدة فنية درجة سابعة على سن ورمح. # آدم ~~: # جايز، بس انت اسمك الحقيقي «لاب بوي» يعني صبي المعمل، ومن هنا ورايح مش ح اقول لك إلا يا صبي. # نارة ~~: # كل الأنوثة دي وصبي! # آدم ~~: # عندك حق، كل الأنوثة دي لازم لأكبر من صبي، لراجل. # نارة ~~: # يا دكتور آدم ms01 ، ما تحاولش تغيظني، ولا تعقدني ... أنا عندي ثقة تامة في نفسي، أنا لما كنت في الكلية كان عشرة بيكتبوا في شعر، وشعر حديث كمان. إنت بس الوحيد اللي مصر، والشمس قدامك مش قادر تفتح من نورها، انها مش طالعة، ذنب الشمس إيه؟ # آدم ~~: # ذنبها إيه صحيح، دا الشمس أنثى. # نارة ~~: # طب ما أنا كمان مؤنث. # آدم ~~: # فشر، دا انت قمر. # نارة ~~: # ميرسيه. # آدم ~~: # بالمناسبة القمر مذكر. # نارة ~~: # والله لولا إنك رئيسي لكنت وريتك أنا أنثى ازاي. # آدم ~~: # الحمد لله إني رئيسك. ~~(نارة تفتح فمها إلى آخره وكأنها تهم بالصراخ، آدم يشير لها بيده أن «خلاص»، فيبقى فمها مفتوحا دون أن تصدر صوتا.) # آدم ~~: # ولو فيها رزالة ... ممكن تقفليه؟ # نارة ~~: # اسمع يا دكتور آدم. # آدم ~~(مقاطعا) ~~: # اسمعي انت، بعد خمستاشر ثانية بالظبط ح نبتدي، والقراية كل 30 ثانية، الأول العظمى وبعدين الصغرى، علم؟! # نارة ~~: # علم ومخاصماك. # آدم ~~: # آدي نتيجة إدخال المرأة في مجالات علمية خطيرة زي دي، ببساطة تيجي لك قبل التجربة، وإيه؟ أنا مخاصماك، والمصيبة إنها جايز تعملها وما تقلشي ع النتايج. # نارة ~~: # دلوقتي مين اللي ... # آدم ~~(مقاطعا بلهجة جادة جدا) ~~: # 15، 14، 13، 12، 11، 10، 9، 8، 7، 6، 5، 4، 3، 2، 1 ابتدي ... ~~(يضغط على زر، يصدر عن الجهاز صوت وتصبح له تكة منتظمة.) # نارة ~~: # 13، 5. # آدم ~~: # مش بطال. # نارة ~~: # 88، 1. # آدم ~~: # غريبة جدا. # نارة ~~: # 13، 10. # آدم ~~: # استمري. # نارة ~~: # 26، 14. # 3، واحد من عشرة. ~~(يستحيل صوتها إلى غمغمة كمن يسمع جدول الضرب.) # 5، 1,5 # 96، 13 # 38، 7 # 7، 7 ~~(فجأة يدوي صوت غريب، صوت أنثوي عميق جدا، لا تكاد تعثر له على قرار، آمر بكل قدرته على الإيحاء، يحبب إليك ما يطلبه ويجعله سهل التحقيق في نظرك حتى لو كان يطلب أن تقتل نفسك.) # الصوت ~~: # هوووه. # آدم ~~: # س ... # نارة ~~(سادرة في غمغمتها.) ~~: # 7، 7. # 7، 7 # 7، 7 # الصوت ~~: # هوووه ~~(أقرب وأعمق وأشد نفاذا) ~~. ~~(رغما عنه يتوقف آدم عن التطلع إلى الجهاز ويرفع رأسه قائلا بلا وعي.) # آدم ~~: # هوووه. ~~(في الخلفية نارة مستمرة في الرصد وغمغمة الأرقام 7، 7.) # الصوت ~~: # هوووه ... عندك ميعاد في العتبة. # آدم ~~: # إيه؟ ... أنا ... مين؟ # الصوت ~~: # هوووه ... عندك ميعاد في ms02 العتبة. ~~(يظل آدم مذهولا بعض الوقت، ولكنه لا يلبث أن ينفض رأسه وكأنما يفيق من حلم يقظة.) # نارة ~~: # 7، 7. # 7، 7 # آدم ~~(باندهاش) ~~: # العظمى سبعة والصغرى سبعة، مش معقول. # نارة ~~: # بقى لها كدة سبع قراءات. # آدم ~~: # دي ظاهرة غريبة، دا كأن عنصر الزمن توقف. # نارة ~~: # 13، 2. # آدم ~~: # بدأ يتحرك. # نارة ~~: # 15، 3. # آدم ~~: # أحسن. # نارة ~~: # 12، 4. ~~(آدم يغمغم مستحسنا.) # نارة ~~: # 10، 5. # 7، 6 # 7، 7 # الصوت ~~: # هوووه. # آدم ~~(بوجل) ~~: # هوووه. # الصوت ~~: # عندك ميعاد في العتبة. # نارة ~~(مستمرة) ~~: # 7، 7. # 7، 7 # 7، 7 ~~(آدم، كالمنوم، يترك «البنش» ويتجه إلى باب الخروج.) # نارة ~~: # رايح فين يا دكتور؟ الحق النتيجة عندك. ~~(لا يرد آدم ويخرج.) # نارة ~~: # 7، 7. # 7، 7 # 7، 7 # 7، 7 ~~(تسمع «تكة» ويتوقف الصوت الذي كان يصدر عن الجهاز.) # نارة ~~: # باظت التجربة، إيه اللي جراله؟ حتى لو كان عايز يروح التواليت ما كانشي قادر يستنى دقيقة كمان؟ آدي نتيجة إدخال الرجالة مجالات العلم. ~~(فجأة يدخل آدم وقد تغير تماما وعاد إلى طبيعته حيا مليئا بالحياة.) # آدم ~~: # آسف يا نارة، أظن لازم نعيدها. # نارة ~~: # أنا مستعدة أخسر شهر من عمري وأعرف إيه اللي سيبك التجربة. # آدم ~~: # حاجة كدة تموت م الضحك. # نارة ~~: # تسمح تقولها لي. # آدم ~~: # حاجة ما تتقالشي، هايفة يعني، أنا نفسي باستغرب ازاي تسيبني التجربة وأخرج، ياللا، ياللا، ح نبتدي تاني، استعدي بعد عشر ثواني ح نبتدي، هه: عشرة، 9، 8، 7 ... # الصوت ~~: # هوووه ... بنقول عندك ميعاد في العتبة. ~~(إلى كائن آخر يتحول آدم، يستدير كالمنوم.) # نارة ~~: # دكتور آدم، جرى إيه؟ مالك؟ فيه إيه؟ وقفت العدد ليه؟ ~~(ينظر لها وكأنه لم يعد يراها.) # إخص عليك. منظرك يخض. إنت عايز تخضني؟ أنا ابتديت أخاف! ~~(يستدير بلهفة ثم ينطلق كالسهم خارجا من الباب.) ~~(ستار مؤقت) ~~(على موسيقى الافتتاح تبدأ عناوين المسرحية تظهر معروضة بالفانوس السحري.) # | الفصل الأول # شخصيات الدراما # آدم: # شاب في الثلاثين طويل أنيق وسيم تبدو عليه علامات الذكاء والتوهج. # نارة: # فتاة في العشرين، عصرية تماما، شعرها قصير وشخصيتها حادة ساخرة ومن النوع الصادق المندفع. # عشماوي: # في الخامسة والخمسين، سمين جدا، أسمر، صوته مخالف تماما لما يجب أن ms03 يكون عليه من ضخامة، يخرج على هيئة فحيح كأنما من بطنه يتكلم. # العالم: # في الخمسين: فيه كل ما في الخمسين من جمال، بذقنه المقفلة بالبياض وشاربه المهندم وملابسه البيضاء البالغة النظافة. # هيلدا: # امرأة عارمة الأنوثة، طاغية الشخصية، ذهبية الشعر الناعم كالحرير، أناقتها من نوع غريب وكأنها ترتدي أزياء المستقبل. # الكائن: # الكلب الخروف. # 7 سيدات أشجار. # 7 شجرات رجال. # رجال وسيدات وأطفال من مختلف الأعمار. # الزمن # الوقت الحاضر. # المنظر الأول ~~(المكان: ميدان العتبة، بالتقريب المنظر هو الدائرة التي تحتل مركز الميدان، فيعد المسرح بحيث يحاط بصورة فوتوغرافية تكون الأضلاع الثلاثة للميدان؛ بحيث نحس أننا في سرة الميدان، في وسط السرة «دكة» رخامية.) ~~(قبل رفع الستار ومع نهاية موسيقى الافتتاح تبدأ الساعة تدق السابعة، عند الدقة السابعة بالضبط ترفع الستار.) ~~(وأيضا ومع قرب نهاية الموسيقى وبداية دق الساعة نبدأ نسمع ضجة ميدان العتبة المعتادة، إما منقولة مباشرة من الطبيعة بميكروفون من الميدان إلى داخل المسرح وإما مسجلة بالطريقة التقليدية.) ~~(الميدان وإن كان يزخر بالناس في محيطه ووسطه إلا أنه عند السرة، المارة الذين يعبرونها قليلون نلمحهم بين الحين والحين يعبرون المسرح من جانب إلى جانب، أناس من مختلف الأعمار والأنماط وإن كان معظمها من أنصاف الفقراء.) ~~(نلمح آدم لا يزال مرتديا البالطو الأبيض فوق القميص والبنطلون وقد تهدل البالطو واتسخ كثيرا. حركته تختلف عن حركة المارة فهو يدور حول سرة الميدان في دائرة واسعة بعض الشيء مركزها الدكة الرخامية، ومع مضي الأحداث تضيق الدائرة التي يتحرك فيها بحيث ينتهي بالوقوف عند الدكة. نلمحه يقوم بحركات عصبية وكأنه يعاني من تشنجات داخلية تتفجر على ملامحه وتنتهي بأن يكلم نفسه.) # آدم ~~: # أديني في العتبة أهه، بقالي يومين وأنا في العتبة، وعندك ميعاد في العتبة، واديني في العتبة، الميعاد فين ومع مين معرفشي، آدي العتبة وآدي الناس وآدي أنا. ~~(فجأة يقترب من أب معه طفلان، ويندفع ناحيته قائلا): # تسمح من فضلك. ~~(الرجل وأطفاله يمضون وكأنهم ما سمعوه أو رأوه.) ~~(يعض آدم على شفتيه غيظا ويندفع ms04 ناحية سيدة بلدي ترتدي الملاية اللف وتحمل فوق رأسها بقجة.) # يا ست، إنتي يا ست. ~~(يضع فمه فوق أذنها .) # إنتي يا خالة. ~~(المرأة تمضي وكأنها لم تلحظ شيئا.) # الله، إيه الحكاية، كانوا بيسمعوني الأول ويكلموني، إيه اللي حصل؟ ~~(يلمح بائع السميط مقتربا) # يا بتاع السميط ... يا بتاع السميط ~~(بائع السميط وقد اقترب منه بدلا من أن يرد عليه يجلس على الأرض ويضع السبت بجواره وينفض حذاءه. آدم أثناء دورته التالية تكون الدائرة قد ضاقت بحيث يصبح بائع السميط خارجها، يحاول الاتجاه إليه فلا يستطيع ولا يبقى أمامه إلا أن يكمل الدائرة، تنتاب آدم حالة هياج ويرفع صوته.) # يا ناس، يا بني آدمين، ياخينا، يا ست، يا ابني، يا عم، يا خلق. ~~(فجأة يقبل أفندي رفيع جدا ونحيل في عكس اتجاه سير آدم مندفعا ناحيته في ترحاب فاتحا ذراعيه وعلى وجهه ابتسامة واسعة. آدم يتوقف عن هياجه ويبتسم ويفتح ذراعيه ويهم بالاندفاع تجاهه.) # آدم ~~: # إنت فين م الصبح يا سيدنا؟ ~~(ولكن الرجل يتجاوزه بحركة مفاجئة ويخبط رجلا سمينا آخر على كتفه قائلا): # الرفيع ~~: # قفشتك يا برغوت. # السمين ~~: # خضيتني الله يجازيك. # آدم ~~(بصراخ) ~~: # أعمل إيه؟ أضحك؟ ألطم؟ الكون اختل، بالتأكيد الكون اختل، دا أنا عالم وإيماني بالعلم زي إيماني بالله، تحصل معايا الخزعبلات دي؟! ما هو حاجة من اتنين؛ يا إما وباء جنوني اجتاحني أنا والناس من غير ما نعرف، يا إما أنا أمام ظاهرة خارقة بتكسر كل قوانين العلم ونظرياته، أنا ابتديت أخاف، أنا لأول مرة في حياتي أرجع طفل ميت م الرعب. ~~(يفطن إلى أن دوراته بدأت تضيق وكلما حاول توسيعها تضيق أكثر.) # هزار ده ولا إيه؟ كمان شوية أتسمر في مكاني ~~(فعلا يثبت في مكانه أمام طرف الدكة) # دي حاجة ممتعة جدا ~~(يحاول التملص وبكل ما يملك من قوة يحاول تحريك ساقه بلا فائدة، ينهار تعبا وإعياء فوق طرف الدكة) # أنا انتهيت، أنا جعان، أنا جعان قوي، يومين بليلتين وأنا على اللضى، أنا ميت م العطش، أنا على الفجر ms05 ح اموت. ~~(يظهر شخص غريبة تركيبة جسمه، سمين أسمر يرتدي رداء السائقين الرسمي؛ بالطو أبيض ذو ياقة ملونة وعلى رأسه كاب أنيق، ويرتدي قفازات بيضاء، يبدأ يدخل المشهد من ناحيته اليسرى ويدور دورة واسعة حول سرة الميدان، طريقة مشيه طريقة خاصة تبعث على الضحك.) # آدم ~~: # يكونشي لما تحديتهم زعلوا؟ أصلي صممت لما نزلت من المعمل إني مش حا اروح ناحية العتبة خالص، ركبت الأوتوبيس اللي رايح الجيزة، حتى وانا باقطع التذكرة سألت الكمساري: جيزة؟ أيوة جيزة، بعد محطة أبص م الشباك ألاقي الأوتوبيس في شارع عبد العزيز وأن المحطة الجاية هي العتبة، صرخت في الكمساري: إنت مش قلت لي الجيزة، بص لي كإني مجنون وقال: أنا مش قدامكم قايل له ميت مرة العتبة؟ نزلت رحت ناطط في الترماي اللي جاي م العتبة رايح السيدة، على بال ما قطعت التذكرة بصيت لقيت الترماي كأنه نقل ع الشريط التاني وراجع العتبة، الراجل ده فات من هنا مرة ودي التانية. ~~(يتابعه بعينيه ويدور معه برأسه إلى أن يمر للمرة الثالثة من أمامه وقد أصبح أقرب.) # أما راجل غريب قوي ~~(يهمس وهو ينظر ناحية الرجل) # دي كانت بداية المهزلة، لما لقيت نفسي غصب عني في العتبة حاولت أجري واهرب من أي شارع طالع منه، كنت أوصل لغاية أول الشارع ورجلي تتسمر في الأرض ما تتحركشي ولا سنتي وأدركت إني خلاص اتسجنت في الميدان، إيه اللي يجيب واحد زي ده في نص الليل ويقعد القعدة دي ~~(الرجل كان قد وصل إلى الدكة وثبت أمام طرفها الآخر دون أن يعير آدم أي اهتمام ثم لا يلبث أن يجلس موليا آدم ظهره). # والمصيبة معرفشي أنا ح انتهي بعد يومين من اللف والدوران إني أبقى سجين الدكة دي. ~~(فجأة يتنهد بعمق ويغير لهجته مخاطبا الرجل) # والله ما دام جيت برجلك لحاطط همي فيك ومتسلي عليك لغاية لما نشوف آخرتها إيه، إنت قطاع عام ولا خاص يا عم؟ لازم عام، بقى معقول واحد في تخنك ما يتأممش، اسمع يا ms06 سيد ... يا سيد قشطة، إنت يا لوح ~~(تنتابه حالة هيستيرية) # يا تلح، يا بجم، يا كركدن. ~~(يلتفت الرجل فجأة مسددا عيونا ملتهبة إلى آدم.) ~~(مواصلا كلامه) # يحموك في كنكة. # الرجل ~~: # إنت قليل الأدب، وحظك كويس إني تعبان، دا أنا عمري ما حد شتمني يقوم حلاق زيك يهزأني، صبرك علي بس اما استريح. # آدم ~~(بفرح وخجل وعصبية) ~~: # دا سمع! إنت سمعتني يا ريس؟ # الرجل ~~: # ليه؟ فاكرني أطرش؟ دلوقتي أوريك. # آدم ~~: # أنا ح اتجنن أكيد، قول لي وحياة والدك إنت سمعتني وبتكلمني أنا؟ # الرجل ~~: # ح تستهبل علي؟ صبرك علي بس، والله ما انت فالت من إيدي. # آدم ~~(بتضرع حقيقي) ~~: # أنا في عرضك قول لي انت شايفني زي ما أنا شايفك وسامعني زي ما أنا سامعك؟ # الرجل ~~(بمشروع ضحكة مضحكة) ~~: # لا مؤاخذة انت باينك «وش» شوية. ~~(بائع السميط يمر من أمامهما.) # آدم ~~: # أبدا والله، دلقوتي تشوف. # الرجل ~~: # أشوف إيه؟ # آدم ~~: # يا بتاع السميط ~~(لا يلتفت البائع فيصرخ بأعلى صوته) # يا بتاع السميط! # الرجل ~~(لبائع السميط) ~~: # ما بتردش ليه يا أخينا ~~(البائع لا يلتفت إليه) # الله، إنت يا جدع انت. ~~(البائع وكأنه لم يسمع يتوجه إلى وسط الدكة وكأنها فارغة تماما وينام عليها واضعا ساقيه فوق فخذي الرجل.) # الرجل ~~(بغضب يمد يديه ليرفع قدمي البائع ولكن يديه لا تتحركان) ~~: # الله، الله، الله! # آدم ~~: # شفت بقى. # الرجل ~~(يحاول الوقوف أو الحركة بلا فائدة) ~~: # يا ام هاشم، إيه ده؟! اللهم اجعله خير، إوعى يا رب يكون شلل. # آدم ~~: # يا ريته شلل كنا عرفنا سببه. # الرجل ~~: # هو انت راخر كدة؟ # آدم ~~: # بقى لي 72 ساعة وانا كدة. # الرجل ~~: # الله الله الله، دي حكاية إيه بقى؟ دا شغل جن، لازم الراجل ده «قدمه» وحش، دي حتى ريحتها تقرف بلد، اشمعنى أنا وانت يعني؟ # آدم ~~: # مش عارف، من ساعة هوووه وانا مش عارف حاجة. # الرجل ~~: # بتقول ساعة هوووه، هو انت راخر؟ # آدم ~~: # أيوة أنا راخر، هما قالولك إيه؟ # الرجل ~~: # ألبس سواق قال، وآخد العربية البويك اللي ح القاها قدام ms07 باب محطة مصر عشان عندك ... # آدم والرجل ~~: # ميعاد في العتبة. ~~(صمت) # آدم ~~: # يعني ميعادي بقى لازم وياك. # الرجل ~~: # علمي علمك . # آدم ~~: # ما قالولكشي حاجة تانية؟ # الرجل ~~: # ولا كلمة زيادة عن اللي قلتهولك. # آدم ~~: # يبقى لازم سايبين الباقي لذكاءنا، نتصرف احنا بقى، إنت أصلا سواق مش كدة؟ # الرجل ~~: # ولا عمري سقت عربية. # آدم ~~: # الله، أمال جبت العربية من باب الحديد لهنا ازاي؟ # الرجل ~~: # علمي علمك. # آدم ~~: # ما تعرفشي صاحبها مين؟ # الرجل ~~: # الله أعلم، دي حتى مكتوب عليها موديل 75 واحنا لسة في سنة 70. # آدم ~~: # أمال انت بتشتغل إيه؟ # الرجل ~~: # أنا موظف في مصلحة السجون. # آدم ~~: # سجان يعني؟ # الرجل ~~: # أصلا سجان إنما منتدب. # آدم ~~: # منتدب إيه؟ # الرجل ~~: # انا اسمي عشماوي، ما تسمعشي على عشماوي؟ # آدم ~~: # عشماوي اللي بيشنق الناس؟ # الرجل ~~: # أعمل أيه دي حاجة بالوراثة. # آدم ~~(لنفسه) ~~: # بقى ميعادي مع عشماوي، أما حتة ميعاد! # الرجل ~~: # لا مؤاخذة بتقول إيه؟! # آدم ~~: # بقول خير إن شاء الله، معرفة خير! # الرجل ~~: # إن شاء الله ... كله خير! ~~(بائع السميط يكون قد أخذ في عد ما تبقى في «السبت» من سميط تفلت منه سميطة في اتجاه فم آدم فيقضم منها قضمة كبيرة، البائع يمد يده دون أن ينظر خلفه ليتناولها فيكتشف القضمة، ينتابه الانزعاج ويعتدل فيرى وكأن لا أحد هناك فينتابه الرعب.) # بائع السميط ~~: # بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان، أعوذ بالله من الشيطان! ~~(ينطلق جاريا مختطفا سبته ناسيا حذاءه فوق ساقي عشماوي.) # عشماوي ~~: # وحضرتك بقى حلاق ستات ولا رجالة؟! # آدم ~~: # لا والله للأسف لا كدة ولا كدة، لسوء الحظ أنا عالم! # عشماوي ~~: # عالم بإيه بقى إن شاء الله؟! # آدم ~~: # زي ما تقول باحاول أعادل اللي أنت بتعمله، أنت بتموت وأنا با أحيي! # عشماوي ~~: # بتحيي المشنوق؟ إنت عايز تكفر؟! # آدم ~~: # لا سمح الله ... با أحيي حاجات على قدي! ~~(الساعة تدق معلنة سابعة، بعد الدقة السابعة مباشرة يكف عشماوي عن تطلعه إلى آدم ويلتفت أمامه فجأة وقد أغمض عينيه.) # عشماوي ~~: # هوووه! ... حاضر ... من غير ما أدوس ms08 عليه ... نطلع كيلو لفوق بالعربية ... مفهوم، اللي يختاره، دقيقة واحدة ما فيش غيرها ... هوووه ~~(ويبدو وكأنما يفيق) ~~. # آدم ~~(بترقب مرعب) ~~: # خير ؟ # عشماوي ~~: # ياللا بينا. # آدم ~~: # على فين؟ # عشماوي ~~: # نركب العربية. # آدم ~~: # ونروح فين؟ # عشماوي ~~: # كيلو لفوق. # آدم ~~: # ونركبها ازاي واحنا متسمرين في مطارحنا؟ # عشماوي ~~(واقفا بسهولة) ~~: # ياللا بينا. # آدم ~~(يحاول القيام فيقف) ~~: # الله، دا أنا وقفت. # عشماوي ~~(متحركا خطوة) ~~: # ياللا بينا. # آدم ~~: # ياللا إيه؟ هو الأمر جالك إنك تشنقني؟ # عشماوي ~~: # ما عنديش أوامر بالشنق. # آدم ~~: # وإذا قلت لك مش جاي، حاتعمل إيه؟ # عشماوي ~~: # ولا حاجة، الأوامر اللي عندي أسيبك بحريتك، عايز تيجي تيجي، مش عايز انت حر. # آدم ~~: # يعني أنا حر أقدر أتحرك ~~(بخوف شديد يمد ساقه فإذا بها تتحرك يجرب المشي فيمشي، يحاول القفز فيقفز) # دا أنا بقيت حر صحيح: دا أنا أقدر أجري، أنا حا اجري، سلام عليكو. # عشماوي ~~: # أنا حا استناك دقيقة واحدة، ماجتشي، حا امشي. # آدم ~~: # وإذا قلت لك مش جاي، حاتعمل إيه؟ ما تتعبشي نفسك، امشي من دلوقتي ~~(ينطلق جاريا وصوته يتباعد) # أنا حر، الكابوس راح، أنا حر أقول لأ، لأ ... لأ ... لأ ... ~~(بينما صيحات آدم الفرحة تأتي من بعيد متلاشية شيئا فشيئا، يقلب عشماوي شفتيه وينظر في ساعة الميدان.) # عشماوي ~~: ~~... باقي ثواني وتخلص الدقيقة. ~~(يستدير متحركا بخطى ثابتة في اتجاه العربة.) ~~(من بعيد يأتي صوت آدم وقد عاد يقترب.) # صوت آدم ~~: ~~... استنى ... استناني ... أنا جاي معاك ... استنى. ~~(يدخل المسرح كالسهم وفي وثبتين يصبح بجوار عشماوي.) # عشماوي ~~(يتأمله بمشروع ضحكة) ~~: # غيرت رأيك ليه؟ # آدم ~~: # لما بقيت حر إني أختار، اخترت آجي. # عشماوي ~~: # ما انتاش خايف؟ # آدم ~~: # ما اكدبشي عليك خايف، إنما أنا هويت العلم لأن العلم مغامرة لاكتشاف أي مجهول، حتى لو ضاعت حياتي وأنا باكتشف المجهول أحسن مليون مرة ما تضيع يوم ورا يوم وأنا عايش في المعلوم، أنا لازم أعرف إيه الحكاية. # عشماوي ~~: # بس اعمل حسابك ... الأوامر إنك ما دمت جيت من نفسك فبعد كدة خلاص ما فيش رجوع. # آدم ~~: # أنا جاي وعارف ms09 كويس قوي إن ما فيش رجوع. ~~(يستديران ويتجهان صوب العربة.) ~~(ستار) # المنظر الثاني ~~(المشهد صحراء جرداء قاحلة صفراء، مسافة واسعة جدا من الأرض الغليظة غير المستوية.) ~~(الوقت هو الظهر تماما والضوء شديد والشمس في منتصف السماء.) ~~(صوت عربة قادمة، يعلو حتى نحس أنه أصبح داخل كواليس المسرح ... صوت فرامل، تتوقف العربة بينما الموتور لا يزال يعمل.) # صوت عشماوي ~~: # انزل. # صوت آدم ~~: # احنا فين؟ # صوت عشماوي ~~: # على علو كيلو والرحلة انتهت. انزل. # صوت آدم ~~: # مش نازل. # صوت عشماوي ~~: # احنا اتفقنا ما فيش خيرة، انزل. # صوت آدم ~~: # أنزل ازاي بس؟ # صوت عشماوي ~~: # كدهه. ~~(يسمع صوت باب العربة يفتح، ثم يغلق، ثم يجأر موتور العربة وكأنما تمر بطريقة غير مرئية عبر المسرح من اليمين إلى اليسار، آدم يدخل جاريا وكأنما خلف العربة، وأيضا يعبر المسرح في اتجاه اليسار.) # آدم ~~: # استنى، سايبني ورايح فين؟ استنى يا وغد استنى. ~~(ثم ييأس وينفض يده من الجري، ويقف ويبدأ يتطلع حوله، فيزداد هلعا.) # احنا فين؟ أنا متأكد إن احنا ما مشيناش كتير، أنا فاكر كويس والعربية رايحة ناحية ترب الإمام الشافعي، ومتأكد إننا مشينا في سكة المقطم وبدينا نطلع، طريق غريب مش هو الطريق، كان باين إنه بيتعمل قدامنا على طول وبعد ما نمر عليه بينطوي ورانا طي، أنا حاسس إن القاهرة مش بعيد، أقدر أرجعلها ماشي، إنما في أي اتجاه أمشي؟ أي غلطة ممكن توديني الصحراء الشرقية يعني الموت، الموت عطش، أعمل إيه؟ مش ممكن أفضل هنا، المرة دي لازم أتمرد، أنا جاي لمغامرة ومخاطر مش جاي أتفرج ع الشمس واتسجن في الصحراء، الشمس نار، الأرض نار، ومن أول امبارح وأنا عطشان. ~~(فجأة يمسك رأسه بيديه.) # اثبت يا آدم، اعقل واثبت، وفر جهدك، حتى الكلام بطله، ميت مرة يثبت لك إن ما فيش فايدة م التمرد ما دام بينتهي بالخضوع، إنت بتواجه قوى أكبر منك ومن علمك، اخضع، امتثل واخضع، خلي هدفك الانتظار، مش ممكن دي تكون نهاية الأشياء. ~~(يتكوم في منتصف المسرح واضعا رأسه بين ms10 كوعيه.) ~~(تشرق الشمس من ناحية اليسار، تتوسط السماء، تنحدر ناحية اليمين ويحمر ضوءها وتغيب، ظلام ... ثم تشرق من اليسار وتتوسط السماء ثم الشفق والمغيب والظلام وتعود تشرق وحين تتوسط السماء يرفع رأسه ناحيتها ويظل يحدق، وحين يتعب يحاول أن يعيد رأسه إلى وضعها فلا يستطيع تحويل بصره عن قرص الشمس.) # آدم ~~: # الله، مش قادر أحول عينيه عن الشمس، نورها بيخترق مخي عمال بيسحب وعيي، عقلي بيسخن، بيتحلل، مخي بيسيح وبيدوب وبيغلي وبيتبخر، ومش قادر أسحب نظري منها، أنا بقيت عباد شمس ~~(يسكت، وكعباد الشمس يظل يتبع الشمس بعينين جاحظتين وهي ببطء تنحدر إلى اليمين ويبدأ ضوءها يحمر، وحين تغيب تماما وراء الأفق يكتشف أنه قد استرد قدرته على تحريك رأسه فيلتفت إلى الناحية الأخرى «أي إلى اليسار»، ويفاجأ حين يرى بابا هائل الضخامة يمتد من ناحيتيه سور عليه زرع أخضر، الباب من الحديد القديم الذي تراكم فوقه الصدأ طبقات فوق طبقات، من خلال حديد الباب نرى شبح مدينة كاملة كمدينة الأحلام مضاءة في الليل بنور غريب كأنه مصنوع من مزيج من ضوء الشمس والقمر، لدى التفاته يشهق في هلع وينتصب واقفا، ثم يهمس لنفسه بصوت كالفحيح) ~~: # آدم ~~: # دا كله جه منين؟ الضهر ما كانشي فيه حاجة، إزاي اتوجد ده كله في ساعات؟ دا الباب ده عمره مئات السنين، والزرع ده قطعا اتزرع قبل أنا ما اتولد، وإيه اللي جوه السور؟ دا مدينة زي مدن الأحلام، يتعمل دا كله ازاي في نص يوم؟ ~~(يمسك رأسه بيديه.) # اركز، اثبت، الدهشة الشديدة ممكن تطير عقلك، زي ما اتعودت الخضوع، تعود التسليم ~~(مغيرا لهجته) # بس عطشان عايز اشرب، ولازم اخش، إيه القوة اللي تفتح باب زي ده؟ افتح يا سمسم، جعان وعطشان وعايز أنام، عايز أنام. ~~(يرتكن على السور المجاور لفتحة الباب وينام.) ~~(موسيقى تنتهي بصوتها يقول): # صوت هي ~~: ~~... هوووه. ~~(يقفز برأسه من غفوته.) # آدم ~~: # هوووه. # صوت هي ~~: # ادخل. ~~(ومع الكلمة تنفتح ضلفتا الباب الهائلتان وكأنما من تلقاء نفسيهما، ويبدو خلف الباب ممر تقف ms11 على أوله بضع شجرات قد تطور شكلها عن الأشجار التي نعرفها حتى اقترب من صورة شبه آدمية بعضها ممشوق الجذع، وبعضها به انبعاجات وبعضها عجوز تقوس ظهره، رءوسها بما فيها من فروع وأوراق تشبه في شكلها العام بعض تسريحات الشعر المنتشرة هذه الأيام.) # الشجرات ~~(في صوت واحد) ~~: # اتفضل خش. ~~(آدم يقف مبهورا يتطلع هنا وهناك ليعرف مصدر الصوت.) # شجرة جميز ~~: # ما تخافش ... احنا اللي بنكلمك. # آدم ~~: # إنتو مين؟ # الشجرة الزعيمة ~~: # احنا الشجر اللي قدامك. ~~(بقية الشجرات يهمس بعضها لبعض.) # شجرة التمر حنة ~~: # والنبي شكله حلو. # شجرة التوت ~~: # نفسي يحك دقنه الطويلة دي في جذعي. # شجرة السنط ~~: # أنا النوع ده ما يعجبنيش. # النخلة ~~: # بس باين عليه طيب. # شجرة التمر حنة ~~: # اسمعوا، إنتو تسيبوهولي كدة من غير مطرود. # آدم ~~: # هو الشجر هنا بيتكلم؟ # شجرة التمر حنة ~~: # وبيغني كمان ولو حبيت يرقص. # شجرة الجميز الزعيمة ~~: # ما تخافش ... خش ... ~~(بعد تردد يدخل.) ~~(تحيط به الشجرات، بينما تلتصق بجانبه شجرة التمر حنة.) # شجرة الجميز ~~: # اعتبرنا زي اخواتك تمام، احنا مش أغراب، أنا جميزة، ودي جوافة، ودي توتة، ودي نخلة، وطنط سنطة، والموزة، واللي جنبك دي ... # التمر حنة ~~(مكملة) ~~: # التمر حنة. # آدم ~~: # تشرفنا، وحاتخدوني على فين إن شاء الله؟ # الجميزة ~~: # كل اللي أقدر أقول هولك إن «هي» عايزاك. # آدم ~~: ~~«هي» مين؟ ... مين «هي» دي؟ # الجميزة ~~: # احنا نفسينا عايزين نعرف هي مين. ~~(إظلام أو ستار) # المنظر الثالث ~~(مع عودة الإضاءة - أو رفع الستار - يكون السور قد اختفى ويكون المنظر قد أصبح داخل حديقة مليئة بالأشجار البرية كثيفة كالغابة، وتحس أن الموكب قد قطع شوطا كبيرا، هناك على البعد من عمق المسرح الأيمن تبدو انعكاسات أشعة كما لو كانت تدل على وجود مدينة هناك.) # الجميزة ~~: # أظنك تعبت، نعسكر هنا ونبات. # آدم ~~: # أنا بس جعان، بقالي سنين ماكلتش، وعطشان، بقالي سنين ماشربتش. # الجميزة ~~: # ما عندناش يتاكل إلا جوافة ... تاكل جوافة؟ # آدم ~~: # زي بعضه، أي حاجة. # الجميزة ~~: # يا جوافة ... هزي وسطك شويه ونزلي له كام حباية مستوية. وانتي يا نخلة، ms12 مدي جدورك وهاتي له من تحت الأرض مية. # جوافة ~~: # بس انتي عارفة يا ريسة إن جذعي ما بتحركوش إلا المزيكة. # الجميزة ~~: # خلاص، رقصوها رقصة سقوط الجوافة. ~~(على نقرة غريبة وتصفيق خشبي كأنه صادر عن شجر الغابة كله ترقص شجرة الجوافة، آدم يتابعها وكلما سقطت منها ثمرة يلتهمها.) # الجميزة ~~: # شبعت؟ # آدم ~~: # عايز اشرب. # النخلة ~~: # الميه حضرت، بس لازم عشان تشرب تاخدها من بقي. # آدم ~~: # بقك؟ هو فين بقك ده؟ أبوسك يعني؟ # الجميزة ~~: # لازم تمص المية من قلب «جمارها». ~~(يتردد آدم ولكنه ينطلق ناحيتها كما لو كان يتسلقها، ثم يزيح «الجريد» ويطبق بفمه على قلب «الجمار» الذي يشبه الفم.) # الجميزة ~~: # ميعاد النوم جه. ~~(آدم يتمدد متعبا وينام في الحال، الأشجار تقصر جذوعها وتتكوم في ناحية أخرى، السنطة وحدها واقفة بجواره.) # الموزة ~~: # أنا عارفة فيه إيه يستاهل إنها تعمل كل ده عشانه؟ # النخلة ~~: # باين فيه سر خفي ما نعرفوش. # الجوافة ~~: # ولا باين فيه سر ولا حاجة، دي ما اتخلقش البني آدم اللي يستاهلها، دا أنا مرة شفتها في الحلم قمت من النوم ح اتهبل عليها. # السنطة ~~(تقترب منهن وكأنها تشارك في الحديث) ~~: # دا من الكلام اللي بيحكوه عنها الواحدة بتحس إنها جنبها لازم تبقى راجل. # التوتة ~~: # دا بيقولوا إنها مرة استحمت في بحيرة فما استحملتش وراحت مقلوبة بحر. # الجوافة ~~: # أنا سمعت إنها تقدر تحب كل ليلة ألف راجل وتخلي كل راجل فيهم يحس إنه اتمتع لوحده بألف ست. # الموزة ~~: # وكل ده يبقى علشانه لوحده؟ # التمر حنة ~~: # مش خسارة فيه، هو راخر باين عليه إنه يقدر يسعد كل ليلة ألف ست. # الموزة ~~: # بتقولي إيه يا عبيطة انتي؟ # التمر حنة ~~: # هي إيه غير شوية كلام عمالين تقولوه عليها، كلام في كلام، لا حد شافها ولا حد يعرفها، إنما على الأقل ده حقيقي قدامنا أهه. # الجميزة ~~: # تمر حنة ... الزمي حدك، لاحظي إنها «هي» وكفاية إنها «هي»، «هي» أجمل وأحلى وأعظم وأرق وأمتع وأروع ما في الكون كله، ده إيه جنبها غير حتة جلف؟ # التمر حنة ~~: # أهي ms13 المصايب ما بتجيش ... # الجميزة ~~(مقاطعة) ~~: # خلاص ... انتهينا ... مين اللي حياخد نبطشية الحراسة الأولانية؟ خديها انتي يا سنطة. # التمر حنة ~~(هامسة لسنطة وغامزة إياها) ~~: # سيبيهالي وحياتك، أنا في عرضك. # السنطة ~~(بتململ) ~~: # بس أنا تعبانة يا ريسة، ممكن تمر حنة تاخد الأولانية، وأنا اللي بعديها على طول. # الجميزة ~~: # إذا كانت توافق. توافقي يا تمر حنة؟ # التمر حنة ~~: # أمري لله ولو إني تعبانة قوي، إنما عشان خاطر خالتي سنطة. # الجميزة ~~: # بس خدي بالك يا تمر حنة، أنا شايفاكي ميالة له شوية، وانتي عارفة ... ده «هي» عايزاه، وما دام «هي» عايزاه ... إوعي حتى تتمنيه ولو بينك وبين نفسك، مفهوم؟ # التمر حنة ~~: # حاضر يا ريسة، حاضر. ~~(تقوم التمر حنة آخذة مكان الديدبان وتأوي السنطة إلى النوم مع بقية زميلاتها ثم يحل الصمت، وكأن الجميزة هي المايسترو، تبدأ الشجرات خلفها يصدرن صوت تنفس، غير بشري، عميق، علامة النوم، التمر حنة، ببطء، تقترب شيئا فشيئا، من آدم الراقد يشخر، وحين تجاوره تبدأ تسقط عليه زهورها، يتململ، ويعود للنوم، ثم يتململ، يغمغم.) # آدم ~~: # الله! ... ريحة حلوة ... دي باين روح التمر حنة. # التمر حنة ~~: # يعني عاجباك؟ # آدم ~~: # دا لو ميت شمها تصحيه. ~~(يلف يده حول جذعها) # إنتي تردي الروح، أشكرك ازاي؟ # التمر حنة ~~: # بلاش تلمسني أرجوك. # آدم ~~: # كتير علي إني ألمسك؟ # التمر حنة ~~: # كتير علي أنا، مش ح اقدر أستحمل. # آدم ~~: # الله، إنتي بتتكلمي كدة كأنك ... كأنك ست. # التمر حنة ~~: # أنا حاسة بك أكتر من ست، شاعرة برجولتك أكتر من أي بنت بنوت. # آدم ~~: # دي آخر حاجة أتصورها. # التمر حنة ~~: # ليه؟ ... هل الأنوثة اسم ولا إحساس؟! # آدم ~~: # بس انتي شجرة وأنا راجل، إنتي نوع وأنا نوع. # التمر حنة ~~: # وهو يحس النوع إلا نوع تاني، ولا يقدر الجمال إلا جمال تاني؟ # آدم ~~: # يعني انتي حاسة بيه؟ # التمر حنة ~~: # أنا كل ورقة في قشعرت لما لمست جذعي، جدوري نفسها سابت مني، أنا متأكدة إنك لو حضنتني شوية كل النبات اللي في ح ينقلب دم ولحم. # آدم ~~: # يا ريت، يا ريتك تتقلبي ms14 كلك دم ولحم ~~(يحتضنها) ~~. # التمر حنة ~~: # لا لا لا لا، أرجوك، أنا عايزاك قوي، أنا عايزاك بطريقة عمر ما أنثى عازت بيها ذكر، بس ابعد عني أرجوك. # آدم ~~: # وأبعد ليه ما دام عايزاني؟ # التمر حنة ~~: # لأن مش ضامنة نفسي، ولو سبتها ح اضيع، ح انتهي. # آدم ~~: # ياه، دا انتي جدعك سخن خالص، نار، دا انتي بين إيدي كأنك بنت سبعتاشر. ~~(يختل توازن شجرة التمر حنة وتبدأ تميل.) # التمر حنة ~~: # أنا خلاص ... ضعت ... ما فيش فايدة ... احضني بالقوي بقى، بكل رجولتك وقوتك احضني. ~~(يحضنها وتميل ويميل معها حتى يصلا إلى الأرض.) # التمر حنة ~~: # تعرف تبوسني؟ # آدم ~~: # فين؟ # التمر حنة ~~: # هنا، في الحتة اللي جذعي فيها بيتفرع فرعين. ~~(آدم يقبلها) # التمر حنة ~~: # مش كدة، تعالى انت اما أبوسك أنا. ~~(يغيب رأسه بين أفرعها وأوراقها.) # تعالى خليني ادوقك أنوثة عمرك ما دقتها ولا داقها بشر، الأنوثة البكر، الأنوثة أول ما بدأت الأنوثة، تعالى أعيشك في الزمن النادر اللي فكرت فيه الطبيعة لأول مرة إنها لازم تبتدي تقسمنا لجنسين. ~~(تبدأ تلهث ويلهث هو الآخر) # تعالى نوصل للحظة الفاصلة اللي خلقتك جنس وخلقتني جنس، اللحظة اللي من روعتها انقسمنا اتنين، تعالى نرجع واحد، تعالى نعيش لحظة الوحدة العظمى، وحدة الإنسان والنبات والحيوان والشعور واللاشعور والجماد والزمان والمكان، لحظة بداية كل شيء، نهاية كل شيء، الوجود الواحد. ~~(يزداد لهاثها ولهاثه وتتكسر أغصانها وتحدث ضجة تتصاعد حتى تستيقظ الجميزة وبعض الشجرات فجأة.) # الجميزة ~~: # كدة يا تمر حنة، بقى عشان واحد زي ده ترتكبي الخطيئة الأولى في عالمنا، تبقي أول خارجة على نظامنا اللي عمر ما إنس ولا جن ولا جماد خرج عليه؟ # آدم ~~: # هي مش مسئولة، أنا المسئول. # الجميزة ~~: # هي اللي مسئولة لأن هي اللي عارفة، وعملت اللي عملته وهي عارفة العقاب إيه. # التمر حنة ~~: # أنا لسة ما عملتش حاجة، أنا مش حا اسيبه واعملوا اللي تعملوه. # الجميزة ~~: # مش كفاية إنك تكوني أول خاطئة عايزة تبقي أول متمردة كمان؟ # التمر حنة ~~: # خاطئة ومتمردة ومجرمة، إعملوا اللي تعملوه، ms15 إنما أنا لأول مرة في عمري حاسة إني باحب، أنوثتي خلاص لقيت ذكورتها ... عمري كله هو اللحظة دي. # الجميزة ~~: # واللحظة دي فعلا بعمرك كله، إنتي أول من طمع على شيء مش له ... الأنانية هي أكبر جريمة عندنا، وعقابها أقسى عقاب، إمسكوها ~~(تلتف حولها بقية الشجرات ويجعلنها تعتدل، بينما آدم يقف كالمذهول) ~~. # التمر حنة ~~: # أنا مستعدة لأي عقاب، ما دام مش ح احس به هو، ومش ح اكلمه هو، ومش هو اللي ح يشم ريحتي، اعملوا اللي تعملوه. # الجميزة ~~: # الفجر قرب واحنا ح نكمل رحلتنا، المدينة بانت. ~~(تلتفت إلى ناحية الشرق حيث بدأت أنوار المدينة تبدو ككرنفال من الأضواء وسط الظلام، أنوار كأنها لوحة رسام استعمل الأضواء في رسمها.) # ياللا بينا. ~~(الشجرات تحيط بآدم ويتركن تمر حنة واقفة في مكانها وحيدة.) # التمر حنة ~~: # مش بإيدي، دا حب يا جميزة ياللي عمرك ما دقتي الحب، وعشان كدة فضلتي جميزة. # الجميزة ~~: # احنا ع الصبح ح نوصل. ~~(ثم ملتفتة لتمر حنة) # أما انتي ف ح تفضلي هنا في مكانك وح تفقدي القدرة على الحركة والكلام والشعور والنوع وتبقي بلا جنس، لغاية ما ينظر في أمرك وتعاقبي العقاب النهائي. ~~(آدم فجأة يترك حارساته ويذهب إلى التمر حنة ويطبطب عليها.) # التمر حنة ~~: # ولا يهمك، اللحظة معاك بعمر، بس كل ما تشم ريحة تمر حنة افتكرني، حتى لو ... ~~(تتوقف عن الكلام وقد فقدت القدرة وتتهدل أغصانها فوق جذعها.) # الجميزة ~~: # انتهت المهزلة، ياللا بينا. ~~(الستار) # | الفصل الثاني # المنظر الأول ~~(مع بدء الإضاءة التدريجية، يدخل الموكب (آدم والشجر) من يسار المسرح وكأنما من باب رمزي للمدينة الغريبة؛ حيث البيوت والمباني تتراءى وقد بنيت بأشكال مقتبسة من أشكال النباتات والزهور وأصناف الحيوانات الجميلة، كذلك كل متعلقات المدينة من فوانيس إضاءة تنتهي بدل المصابيح بأزهار مختلفة الأشكال تمتص أشعة الشمس بالنهار وتضيء بالليل، وسائل المواصلات تقوم بها مركبات على هيئة طيور.) # الجميزة ~~(صوتها قد تغير وإن لم يتغير شكلها وأصبح صوت رجل، ونفس الشيء حدث للأشجار الأخرى) ~~: # مهمتنا هنا انتهت. # آدم ms16 ~~: # وأنا أعمل إيه؟ # التوتة ~~: # دي مسائل ما نعرفهاش. # آدم ~~: # أمال الأوامر اللي عندكم إيه؟ # النخلة ~~(بصوت صبي مراهق) ~~: # لغاية هنا نسيبك . # آدم ~~: # تسيبوني ازاي؟ # الجميزة ~~: # انتظر الأوامر. # آدم ~~: # أوامر إيه؟ مش كفاية انتظار؟ # الجميزة ~~: # الوداع. # آدم ~~: # أرجوكم. # الجميع ~~: # الوداع. ~~(ويتركونه واقفا ويستديرون خارجين.) # آدم ~~(يرمقهم ويقول بسخرية) ~~: # الوداع. ~~(تبدأ موسيقى على هيئة صوصوة عصافير وما إن يبدأ آدم ينصت إليها ويستغرقه الإنصات حتى يقبل كلب ضخم له رأس كلب وذيل خروف من خلف آدم، يمشي بضع خطوات ثم فجأة يطلق هبهبة عالية يقفز لها آدم رعبا ويلتفت إلى مصدر الصوت ويبدأ يتراجع بظهره والكلب يتقدم وهو لا يزال يهبهب هبهبة عالية مرعبة، ويستمر آدم في تراجعه ولكن الكلب يتوقف فجأة، ويكف عن النباح ويحدق في آدم، آدم يتوقف هو الآخر حائرا ماذا يفعل وما هي الخطوة القادمة، فجأة يقف الكلب على ساقيه الخلفيتين ويعتدل تماما كأنه إنسان وهو يقهقه قهقهة عالية.) # الكلب الخروف ~~: # إنت خفت؟ ~~(آدم يهز رأسه بشدة غير مصدق ويستعد للنطق، يفتح فمه فعلا لكن لا يخرج عنه صوت.) # الكلب الخروف ~~: # دا انت لسة خايف، ما تخافش ~~(يتقدم ناحيته فيبدأ آدم يتراجع فورا) ~~. # ما تخافش باقولك، الله، ح تقف ولا أهبهب لك تاني وأمشي لك على أربع ~~(يقف آدم ويقترب الكلب وينكمش على نفسه، فيمد الكلب يده ويخبطه على كتفه خبطة قوية) ~~. # بطل خوف ما تخلنيش أحس بتأنيب ضمير، أنا قلت أهزر معاك تقوم تقلبها جد، وريني نبضك ~~(يتحسس نبضه) # لا حول الله، مية وستين في الدقيقة، أنا آسف، آسف جدا، أرجوك سامحني لاحسن أعاقب نفسي بشدة وارجع كلب. # آدم ~~(مقاطعا) ~~: # لا لا لا، أرجوك، إوعى تعملها. # الكلب ~~: # الحمد لله، آدي انت نطقت. # آدم ~~: # طب روح بقى الله يسامحك. # الكلب ~~: # أروح فين إن شاء الله، هو أنا واقف ألعب؟ أنا واقف معاك أشتغل. # آدم ~~: # تشتغل إيه؟ # الكلب ~~: # مرافق لغاية ما بسلامته يجي. # آدم ~~: # بسلامته مين؟ # الكلب ~~: # هو مفروض صحيح إني ما أقولكشي، إنما ما دام خضيتك ح ابقى ms17 طيب زي المرحوم أبويا الخروف وأقول لك، هما ها يخدوك قصر السندسي. # آدم ~~: # لازم دا القصر بتاع هي؟ # الكلب ~~: # لا وانت الصادق، دا بتاع العالم. # آدم ~~: # العالم؟ يبقى مين ده؟ # الكلب ~~: # أهو انت ح تضحكني أهو، الأستاذ العالم، حد ما يعرفوش؟ # آدم ~~: # وياخدوني عنده ليه الأستاذ العالم ده؟ # الكلب ~~: # أهي دي لا يمكن أقولها. # آدم ~~: # ح تقولها ولا أخللي ضميرك يأنبك تاني وأخاف؟ # الكلب ~~: # وهي سر يعني؟ أقولها وأمري إلى الله، أصل العالم ده ما بيعوزشي حد لله في لله، دا عمر ما حد دخل له شيء وطلع نفس الشيء، الفرخة تطلع متجوزة فار، التعلب يطلع من عنده طيب زي الحمار، أمي الكلبة الوولف دخلت عنده طلعت حامل من أبويا الخروف في. # آدم ~~: # بقي عشان كدة عايزني؟ بقى جايبني من آخر الدنيا عشان يعملوا علي تجربة، أنا العالم اللي باعمل تجارب ع الفيران، أبقى بجلالة قدري فار تجارب؟ دا مستحيل، أنا راجع. ~~(يندفع آدم من حيث دخل المسرح.) # الكلب ~~: # إنت حاتقف مطرحك ولا أندهلك أمي؟ اعمل حسابك، هي لسه كلبة وولف زي ما هي وعندها صحة تقرقش الزلط. # آدم ~~: # أنا راجع. # الكلب ~~: # يا امه ~~(ثم يهبهب، تجيب على هبهبته هبهبة خشنة مروعة من الخارج) # سمعت؟ # آدم ~~: # اعمل معروف أنا عندي عقدة من الكلاب، ترضى إن واحد زيي يبقى فار تجارب؟ # الكلب ~~: # ومين قال إنك ح تبقى فار؟ ما يمكن تبقى قط ولا نسناس أدي انت فيك شبه منه، وبيني وبينك كله محصل بعضه، إنما تأكد إنك مش ممكن ح تخرج من عنده زي ما دخلت، تعالى مكانك ~~(يجذبه فيقاوم آدم) # يا امه ~~(يهبهب فتجيبه الهبهبة السابقة) ~~. # آدم ~~: # يا سيدنا بقولك لك بخاف م الكلاب. # الكلب ~~: # يبقى ما تتحركش من مطرحك. ~~(يثبتان في مكانهما بينما تعود موسيقى العصافير تعزف حتى يظلم المشهد علامة مجيء الليل ولا يبقى مضيئا إلا أضواء المدينة المبعثرة.) ~~(من زاوية المسرح الداخلية اليمنى يظهر كائن سيريالي يعبق برائحة الفل وينتقل في خطو راقص بينما يشع بضوء داخلي ms18 متغير متعاقب له نفس وقع الخطو، يتجه إلى حيث آدم واقف، آدم يتراجع مأخوذا.) # الكائن ~~: # من فضلك ما تخافش ... تسمح ما تخافش. # آدم ~~: # أنا مش خايف. # الكائن ~~: # ما هو لو خفت مني حا اخاف منك ... أقف وبطل خوف أرجوك. # آدم ~~: # أديني وقفت. # الكائن ~~: # أيوة كدة ... أنا دلوقتي ابتديت أنا راخر اطمن. # آدم ~~: # إنت مرة ست ومرة راجل صوته رفيع، ومرة تخين. # الكائن ~~(بصوت طفل) ~~: # أبيه ... بجد ... أنا صوتي كدة. # آدم ~~: # الله، ومرة طفل ... إنت ... قصدي انتي ... يوه، إنتو حكايتكو إيه بالظبط؟ ~~(يسمع صوت مأمأة خروف.) # آدم ~~(للكائن) ~~: # وبتمأمأ كمان؟ # الكائن ~~: # لأ، مش أنا ده. ~~(تأتي مأمأة أخرى يكتشف الاثنان أن مصدرها هو الكلب الخروف الذي كان قد استسلم للنوم منذ أمد بعيد، والذي يصحو فجأة كالمستيقظ من كابوس.) # الكلب ~~: # لازم هرب، رحت في داهيه يا خروف الكلب، كدة يابا تعملها في وتجيني في الحلم جعان وعايز برسيم وأقعد أدور لك عليه لغاية ما أول عمل محترم أعمله في حياتي يضيع. # آدم ~~: # أنا ما هربتش أنا أهه. # الكائن ~~(بمجموعة أصوات) ~~: # وأنا أهه جيت آخده. # الكلب ~~: # يبقى المهمة انتهت وسيبوني بقى أرجع أدور للمرحوم أبويا الخروف على برسيم ~~(يعود للنوم وهو يمأمئ بخفوت) ~~. # آدم ~~: # لهو انت اللي جاي تاخدني قصر السندس للعالم؟ # الكائن ~~: # وعرفت منين دا كله، دا أنا نفسي ما اعرفشي إلا أننا رايحين القصر بس، عرفت منين؟ # آدم ~~: # عرفت وخلاص. # الكائن ~~: # خلاص ازاي؟ دي لازم حيتعملها تحقيق. # آدم ~~: # خلينا فيك انت، إنت كام واحد في بعض؟ وشكلك ما له كدة؟ إيه النور ده وريحة الفل اللي عبقت الدنيا من ساعة ما دخلت، إنت إيه؟ نبات ولا حيوان ولا من ده على ده؟ # الكائن ~~: # أنا الكائن الجديد، أنا أحدث كائن اتخلق هنا، أنا اتخلقت علشان آجي آخدك. # آدم ~~: # اتخلقت ولا اتولدت؟ # الكائن ~~: # اتخلقت. # آدم ~~: # اتخلقت يعني من ما فيش؟ # الكائن ~~: # وهو فيه حاجة بتتخلق يا دكتور آدم من ما فيش؟ # آدم ~~: # وحكيم كمان؟ وعارف أنا مين؟ اتخلفت ازاي بقى؟ # الكائن ~~: # سقط ms19 شعاع من نور نجمة الفجر على زهرة فل في لحظة كان بيغني فيها كروان، حصل بين التلاتة استلطاف وتواؤم وراحوا متجانسين على طول فاتخلقت أنا. # آدم ~~: # وحتى التزاوج هنا ممكن يحصل بين 3 والدين؟ # الكائن ~~: # احتمالات التواؤم والتجانس مالهاش حدود، دا أنا سايب أخويا اللي جه بعدي، حالة تواؤم مع كائنة، حتة دين كائنة اتخلقت من لحظة شوق تواءمت مع قطرة ندا وشقاوة طفل وصدر حنون، تصور بقى لما أخويا يخلف منها ح يجيب إيه؟ كائنات زمانية مكانية جمادية حيوانية مستقبلية ماضية ضوئية موسيقية ليها برضه ريحة الفل. # آدم ~~: # أنا قطعا لازم باحلم. # الكائن ~~: # ما افتكرش، أحلامك نفسها مش ممكن توصل للمدى ده. # آدم ~~: # ويا ترى حكمتك دي جبتها منين؟ من التلات والدين برضه؟ # الكائن ~~: # لأ دي من جهدي أنا، قبل ما أجيلك فت على مدرسة الحضارة. # آدم ~~: # الحضانة؟ # الكائن ~~: # الحضارة بقول لك، وهناك سمعت التلات سيمفونيات اللي وصلوني للمرحلة التالتة من المعرفة. # آدم ~~: # بتقول إيه؟ # الكائن ~~(مواصلا كلامه) ~~: # السيمفونية الأولى معزوف بيها تاريخنا، والتانية تسمعها تكسب كل معارفنا، والتالتة بتحوي كل شيء عنكم. # آدم ~~: # عننا ... قصدك مين؟ # الكائن ~~: # عن جنسكم. # آدم ~~: # البني آدمين يعني سكان الأرض؟ # الكائن ~~: # أيوة أو بالأصح إللي بيسموا نفسهم بني آدمين. # آدم ~~: # يعني انت دلوقتي عارف انتو مين، وجيتوا منين، من أنهي كوكب بقى جيتو؟ لازم من مجموعة شمسية تانية. # الكائن ~~: # احنا جايين من الكوكب ده، من الأرض. # آدم ~~: # يعني المدينة دي بناسها وكائناتها ومخلوقاتها وكل الغرائب إللي فيها من الأرض؟ إنت عايز تضحك على مين فينا؟ # الكائن ~~: # أنا مش جاي أضحك، احنا ورانا مهمة والوقت أزف والمسافة بعيدة. # آدم ~~: # وراك أنت، أنا مش جاي، دوروا لكم على حيوان تجارب غيري. # الكائن ~~: # إنت قطعا ضحية معلومات غلط، جبتها منين؟ أأكد لك أن حد حب يهزر معاك وحط في دماغك كل الكلام ده، إنت جاي هنا عشان أعظم مهمة عهد بها لبشر ومتصور إنك جاي حيوان تجارب. # آدم ~~: # أمال جايبني ليه؟ لازم أعرف دلوقتي حالا إيه ms20 المهمة اللي عمر ما عهد بيها لبشر دي قبل ما انتقل من مكاني. # الكائن ~~: # وإذا كان عشان تعرفها لازم تيجي معايا، تيجي ولا ما تجيش؟ # آدم ~~: # ذنبي على جنبي أنا حا افضل ورا المجهول لما يجيب داغي، هي المسافة بعيدة؟ # الكائن ~~: # احنا حانخترق المدينة. # آدم ~~: # والمدينة كبيرة؟ # الكائن ~~: # بالمشي تخترقها في أسبوع. # آدم ~~: # حا امشي تاني؟ دا لا يمكن، أنا الجزمة دابت من المشي، خلاص ما اقدرشي أتحرك خطوة. # الكائن ~~: # ومين قال إننا حانمشي؟ # آدم ~~: # أمال حانوصل ازاي؟ حانطير؟ # الكائن ~~: # أيوة حانطير. # آدم ~~: # هو فيه طيارات؟ # الكائن ~~: # ولزومها إيه؟ # آدم ~~: # أمال حانطير ازاي؟ # الكائن ~~: # إحنا حانطير. # آدم ~~: # إنت تطير معلهش، إنما أنا أطير ازاي؟ # الكائن ~~: # زيك زي أي حاجة بتطير، تطير زي الفراشة ما بتطير زي العصفورة ما بتطير، زي السحاب. # آدم ~~: # بس أنا بني آدم تقيل جسمه اتخلق للمشي، ما اعرفشي أطير. # الكائن ~~: # بسيطة، ما تعرفشي اعرف، طير. # آدم ~~: # يا ريت. # الكائن ~~: # لو عزت حاتطير. # آدم ~~: # كدة؟ أقول عايز أطير ... أطير؟ # الكائن ~~: # بالضبط كدة. # آدم ~~: # طب هه، أنا عايز أطير، نفسي موت أطير، شفت بقى ... ولا حاجة حصلت. ~~(يكون قد ارتفع فعلا عن الأرض.) # الله، دا إيه ده، دا أنا باطير فعلا، أنا طرت، دا معقول ده؟ أنا باطير. ~~(يكون قد بدا كما لو كان يرتفع في الهواء بتأثير الإضاءة البنفسجية والكائن بجواره وبعد وصولهما إلى علو مناسب يبدآن يتجهان ناحية الزاوية اليمنى الداخلية للمسرح كما لو كانا يقطعان سماء المدينة التي تبدو أضواؤها أسفلهم في خلفية المسرح التي تتحرك في الاتجاه المضاد.) # الكائن ~~: # شفت بقى المسألة سهلة ازاي. # آدم ~~: # سهلة إيه؟ ضروري عناصر من عندكم تدخلت، هو معقول أنا لوحدي أطير؟ # الكائن ~~: # إوعى تآمن بكلامك ده لحسن تبص تلاقيك واقع مقطومة رقبتك، اللي انت مش قادر تتصوره هو بجد الحقيقة، إنت بإرادتك بس طاير، ولو بطلت أو شكيت في إرادتك حا تقع. # آدم ~~: # طب نغير بقى الموضوع. # الكائن ~~: # بص اتفرج ع المدينة، احنا دلوقتي بالظبط فوق حي الطفولة، ms21 طفولة كل شيء. # آدم ~~: # ألا بالمناسبة أنا من ساعة ما جيت هنا ما شفتش فيكو بني آدمين خالص، إنتو ما عندكوش بني آدمين؟ # الكائن ~~: # إزاي ما عندناش، أمال اللي عمل دا كله مين؟ # آدم ~~: # طب هما فين أمال؟ # الكائن ~~: # قلت لك أنا لسة جديد، أعرف للمرحلة التالتة بس. # آدم ~~: # بني آدمين م الأرض برضه، زينا زيهم؟ # الكائن ~~: # هما بني آدمين، بس مش زيكم. # آدم ~~: # مش زينا ازاي، هو فيه بني آدمين تانيين؟ # الكائن ~~: # طبعا فيه ... دول الجنس الإنساني الأرقى. # آدم ~~: # أمال احنا إيه؟ # الكائن ~~: # إنتو الجنس الأقل رقيا. # آدم ~~: # احنا؟ ال 3500 مليون بني آدم اللي ماليين الأرض، دول الجنس الأقل رقيا؟ فيه غيرهم كمان جنس أرقى ما نعرفشي عنه حاجة؟ أرقى في إيه بقى؟ # الكائن ~~: # لأنهم الإنسان، الإنسان الحقيقي. # آدم ~~: # أمال احنا إيه؟ # الكائن ~~: # أنتم بشر صحيح، إنما دافعكم للحياة حيواني، البقاء عندكم للأقوى والأذكى والأكثر إجراما، هم البقاء عندهم للأكثر إنسانية. # آدم ~~: # كلام غريب قوي، قصدك إيه بالإنسانية؟ # الكائن ~~: # القدرة على التوافق والتعاطف والتواؤم والحب، دول النوع الأرقى اللي تطور من الإنسان بتاعكم، زي الإنسان بتاعكم ما تطور من الحيوان. # آدم ~~: # مش قادر أصدقك قوي، التطور مستمر صحيح بس داخلنا إحنا، الإنسان الأرقى هو إحنا برضه. # الكائن ~~: # مش ممكن يكون التطور داخلكم وإلا كانت القرود بقت الإنسان، التطور معناه خلق نوع جديد خالص، وده اللي حصل فعلا. # آدم ~~: # طب ما يبقى اتخلق فينا برضه؛ لأن احنا قادرين برضه على التواؤم والحب. # الكائن ~~: # مش صحيح، دا جنسكم مش قادر على حب نفسه حتى، ده هو الجنس الوحيد اللي تقريبا تلت أفراده بيقتلهم التلت التاني بينما التلت التالت قاعد يتفرج ومش مستنكر، يعني في كدة أقل حتى من الحيوان، عمرك سمعت عن حمار قتل حمار ولا ديب تربص لديب وقتله مع سبق الترصد والإصرار؟ # آدم ~~: # بس مع كدة هو الجنس اللي عمر الأرض واكتشف قوانينها وسيطر على كل شيء فيها. # الكائن ~~: # بس برضه للأسف هو اللي عمل كدة عشان يبتكر ms22 وسائل أذكى يحارب بيها بعضه، شايف، آدي احنا بالضبط فوق المعبد. # آدم ~~: # المعبد؟ إنتو بتعبدوا إيه؟ # الكائن ~~: # بنعبد بعض، كل شيء أو كائن فينا بيعبد الآخرين، سامع، دا أنا سامعهم بيغنوا، دي باين الأغنية عليك، اسمع. ~~(تتناهى أصوات بعيدة تقترب، ترقص وتمرح وتردد الأغنية التالية): # بالرقصة # بالضحكة # باللهفة # حيوا آدمنا، # حيوا الفارس. ~~••• # اليوم تجسد، # اللحظة جاء، # بالأمل الواسع جاء، # بالحب الدائم جاء، # بالعالم رحبا جاء. ~~••• # في علاها تسعد هي، # في سماها تتقبل # من كل قلب نغمة، # من كل موجود إيمان. ~~••• # هي التي كانت، # هي من تدوم. ~~••• # بالرقصة # بالضحكة # باللهفة # حيوا آدمنا، # حيوا الفارس. # آدم ~~: # أنا الفارس والمنقذ؟ إيه الكلام ده؟ بيغنوا لي ليه؟ # الكائن ~~: # وحياة «هي» ما أعرف. # آدم ~~: # أمال مين اللي يعرف؟ # الكائن ~~: # مين عارف؟ # آدم ~~: # هي «هي» الآلهة بتاعتكم؟ # الكائن ~~: # إحنا ما عندناش آلهة. # آدم ~~: # أمال هي إيه؟ # الكائن ~~: # الله أعلم. # آدم ~~: # ده مش معقول ده، أنا عايز حد أسأله ويجاوبني، أنا قربت أتجنن. # الكائن ~~: # على العموم احنا قربنا نوصل، شايف النور اللي هناك ده؟ أهو ده قصر السندس، نهاية رحلتنا، دلوقتي قلل الرغبة في الطيران، قللها بس، مجرد قللها، واتبعني، احنا في طريقنا للهبوط. ~~(ستار) # المنظر الثاني ~~(صالة واسعة جدا، بكل سعة المسرح، مربعة أو دائرية تماما، عالية الجدران، مفروشة بسجاد سميك أخضر كالسندس، فارغة تماما لا شيء فيها، مضاءة بضوء مربع ملون.) ~~(حين ترفع الستار نجد آدم واقفا في منتصف الصالة تقريبا في حالة ذهول يستمع إلى نهاية لحن سيمفوني يبدو وكأنه يعزف من فرقة موسيقية غير مرئية تحتل الصالة.) ~~(يدخل العالم نموذج لجمال سن الخمسين، مستقيم، جسده كالسيف، شعره مفلفل بالبياض وكذلك ذقنه الكاملة الجميلة، يرتدي حلة بيضاء ناصعة مقفولة عند الرقبة (كحلة الصينيين) ويصفر بفمه نفس اللحن المعزوف حتى ينتهي.) # العالم ~~: # عجبتك الموسيقى؟ # آدم ~~: # أنا عمري ما سمعت حاجة بالشكل ده. # العالم ~~: # أصل مشترك في عزفها كل كائن حي أو غير حي موجود هنا، كل شيء كان في حالة موسيقية عظمى ترحيبا بك. # آدم ms23 ~~: # بي أنا؟ دا أنا عمري ما حد صفر لي حتى، إيه الحكاية؟ إيه الأهمية اللي طلعتلي فجأة دي؟ # العالم ~~: # دا أهمية كبيرة قوي ، أعظم أهمية، أهمية عمر ما بشر حصلها. # آدم ~~: # كفاية بقى أرجوك، أنا مخي على وشك الانفجار، ده كتير قوي ده، أرجوك، إنت أول بني آدم أقابله هنا، فأنت أولا بني آدم صحيح؟ ولا حاجة تانية؟ # العالم ~~: # مش باين علي إني بني آدم؟ # آدم ~~: # أنا عايز أتأكد، وكمان سؤال لو سمحت؟ إنت شبهنا خالص، فيا ترى أنت مننا بقى ولا من الجنس الأرقى اللي بيقولوا عليه؟ # العالم ~~: # يدهشك إني أقول لك إني منكم. # آدم ~~: # يعني زيك زيي؟ # العالم ~~: # زي زيك. # آدم ~~: # وهنا من زمان؟ # العالم ~~: # من زمان قوي. # آدم ~~: # يعني أقدر أقول إني وصلت لشخصية ممكن أسألها وتجاوبني مش بتنفذ أوامر وبس؟ # العالم ~~: # من غير ما أبالغ في قيمتي الشخصية تقدر تعتبرني كدة. # آدم ~~: # طيب أقدر أسألك سؤال بايخ؟ # العالم ~~: # اتفضل. # آدم ~~: # أنا صاحي وواعي ولا نايم وبحلم؟ # العالم ~~: # أنت عندك شك إنك صاحي وواعي؟ # آدم ~~: # ما هو اللي حيجنني إني ابتديت أشك في حواسي، أنا ما عنديش مانع أشوف الهوايل إنما أبقى متأكد إني شايفها. # العالم ~~: # أؤكد لك إنك صاحي وواعي وفي كامل قواك العقلية. # آدم ~~: # مع احترامي لتأكيدك فأنا عايز دليل لا يقبل الشك. ~~(يعبث في جيبه ويستخرج سلسلة مفاتيح بها مطواة) # الحمد لله المطوة أهه. ~~(يغرس طرف المطواة في ظهر ساعده الأيسر ويرفع وجهه إلى أعلى ثم يسحبها بقوة فينبثق الدم ويصرخ): # آه. # العالم ~~: # ليه تعمل في نفسك كدة؟ ~~(يسرع إليه وبمنديل من جيبه يضمد الجرح ويربطه) # يعني لازم تتألم عشان تتأكد؟ # آدم ~~: # لازم، الشك أفظع من الألم، أنا دلوقتي بس اتأكدت. ~~(ينظر حوله) # هو انتو في العالم الراقي ده لغيتوا الكراسي ولا إيه؟ # العالم ~~: # لغينا وجودها المستمر بس، إنما بإشارة يتوجد لك الكرسي اللي تحب تقعد عليه، إيه الكرسي اللي بتفضل تقعد عليه؟ # آدم ~~: # البانيو ... أنا في حاجة ماسة لقعدة البانيو. ~~(العالم يبتسم ويشير ms24 للحائط فينزلق منه بانيو.) ~~(يندفع آدم إلى البانيو ويتمدد فيه، وبعد أن يريح جسده يقول): # وحضرتك مش ناوي تستريح؟ اتفضل اختار القعدة اللي تريحك. # العالم ~~: # أنا أفضل المرجيحة ~~(يشير فتهبط مرجيحة من السقف، ثم وهو يجلس عليها) # أنا تحت أمرك، عندك أسئلة تانية. # آدم ~~: # إنتم عايزين مني إيه؟ وجايبيني هنا بالطريقة الغريبة دي ليه؟ # العالم ~~: # إحنا جبناك؟ # آدم ~~: # أمال أنا جيت لوحدي؟ # العالم ~~: # طبعا، مش انت اللي اخترت تيجي؟ # آدم ~~: # فليكن أنا اللي جاي. # العالم ~~: # يبقى السؤال بقى احنا مش جبناك ليه، إنما حضرتك جاي ليه؟ # آدم ~~: # والله عال، بقى بعد ده كله، بعد هوووه وعندك ميعاد العتبة وهي عايزاك، يطلع الآخر أنا اللي لازم أعرف جاي ليه، أرجوك أنا مخي ما عدشي يستحمل، أنا في عرضك، أنا حاسس إن النور بيصفر، أنا فيه حاجة في دماغي بتصفر. # العالم ~~: # دي أعراض الجوع الشديد. # آدم ~~: # أنت ابن حلال فكرتني، دا أنا من الجوع نسيت إني جعان، أنا فعلا حاسس بأعراض الموت جوعا. # العالم ~~: # يبقى أولا تاكل، تحب تاكل إيه؟ # آدم ~~: # أولا أشوف أودة سفرة بعنيه، نروح السفرة الأول. # العالم ~~: # ونروح ليه، السفرة هي اللي تيجي. ~~(يشير لجزء من الحائط فيتحرك خارجا على هيئة سفرة عليها اثنان سرفيس كاملان، ينتفض آدم من مكانه ويقف عند طرف السفرة القريب منه، وحائرا يتلفت ثم يندفع إلى جزء من الحائط يقبض عليه فيخرج على هيئة كرسي، يجلس وبسرعة يحيط رقبته بالفوطة.) # العالم ~~: # تحب تاكل إيه؟ # آدم ~~: # يا سلام على ديك رومي بالخلطة مع النبيذ الفرنساوي. # العالم ~~: # بس كدة؟ # آدم ~~: # دي البداية بس. # العالم ~~: # أنا بقى ح آخد شوربة خضار. ~~(آدم يتلفت حوله منتظرا قدوم الشراب والطعام، خجلا أن يسأل أو يستعجل، العالم قد تركه لحيرته وانهمك في شرب حساء وهمي من طبقه بالملعقة، أخيرا يتنحنح آدم فوق ظهر يده.) # العالم ~~: # آه ... نسيت أقول لك ... الأكل هنا زيه زي أي حاجة تانية خاضع لمجرد رغبة الإنسان، الذرات اللي بتكون طعم الأكل بإرادتك تستدعيها. # آدم ~~: # يعني بعد ms25 الجوع ده كله آكل هوا؟ # العالم ~~: # إن ما كنتش مصدق جرب، نفسك في إيه حالا دلوقتي؟ # آدم ~~: # قبل أي حاجة نفسي في كباية مية ساقعة جدا قزازها مضبب من كتر السقوعية، الله الله، الله، دا بجد ~~(يتكلم وكأنه يبلع الماء ويستطعمه خلال كلامه) # دا ميه بماء زهر زي ما بحبها بالضبط، دي ساقعة بشكل، الله، دي سيلت على رقبتي، دخلت في عبي ~~(يتململ ويكاد يقفز من لسع الماء) # كفاية ميه بقى، لايمونا على صدر الديك، يا سلام، أما ديك، دلوقتي بس عرفت إننا كنا بناكل قبل كدة ديوك أبو قردان، دا كأني عمري ما أكلت، عمري ما حسيت إن الأكل لذة بالشكل ده. ~~(يتركه العالم حتى يطفئ نوبة جوعه الأول، وحين يبدو أنه فعل.) # العالم ~~: # لسة حاسس إن النور بيصفر والصوت بيزن في ودانك؟ # آدم ~~: # دي كانت تخاريف الجوع. # العالم ~~: # أمال أنا بيتهيألي إن النور فعلا بدأ يصفر وسامع صوت غريب بيزن على طول. # آدم ~~: # تبقى لسة جعان، يا راجل كل، شوربة خضار إيه؟ خدلك كيلو كباب. # العالم ~~(مبتسما ومتأملا جو الحجرة) ~~: # أنا أرجو أنه يكون من الجوع؛ لأنه لو ما كنش من الجوع يبقى معناه خطير جدا. # آدم ~~: # أؤكدلك أنه من الجوع، بلاش المعاني الخطيرة دي وحياتك، أنا يدوبك روحي ردت، أنا ما عادشي حتى يهمني انتو عايزيني ليه، إلا صحيح انتو عايزيني قوي كدة ليه، أنا حموت من حب الاستطلاع. # العالم ~~: # بس قبل ما اقولك، لازم تكون اقتنعت معايا بشوية حاجات، إنت اقتنعت بالكلام اللي قالهولك الكائن الجديد عن الجنس الأرقى؟ # آدم ~~: # الحقيقة خدته على أد عقله، اللي أعرفه إن جنسنا هو أرقى الكائنات كلها وعمرنا ما سمعنا إن البني آدمين نوعين، نوعنا، ونوع تاني أرقى. # العالم ~~: # إزاي ما سمعتش؟ إنتم مش عندكم قصة قابيل وهابيل؟ لما آدم خلف ولدين واحد غار من التاني لأن ربنا قبل قربانه فقتله؟ # آدم ~~: # ومن ما سمعشي عليها؟ # العالم ~~: # كلنا سمعنا آه، بس حد فكر فيها، لو تأملتها شوية حتلاقي مين اللي ms26 قتل التاني؟ # آدم ~~: # قابيل قتل هابيل. # العالم ~~: # يعني اللي عاش هو القاتل، يعني الشرير وذريته هم اللي عاشوا بينما الطيب المحبوب هابيل هو اللي انتهى وقتل. # آدم ~~: # دا معناها كدة صحيح. # العالم ~~: # وأخطر من كدة، يبقى معناها إن البشرية كلها من ذرية قابيل، إيه رأيك بقى لو كان قابيل مش فرد إنما كان نوع وهابيل كان نوع، مش كان برضه يحصل اللي حصل والنوع الشرير يبيد النوع الطيب وينفرد هو وذريته بالأرض؟ # آدم ~~: # حسب الأسطورة آه. # العالم ~~: # وحسب الواقع برضه، المؤسف إن ده حصل فعلا، المؤسف إن الجنس البشري اتخلق له نوع أرقى فقام عليه نوعنا احنا وأفناه. # آدم ~~: # أمال ازاي بتقولوا إن المدينة دي عملها الجنس الأرقى؟ # العالم ~~: # ده صحيح، المدينة دي عملتها قبيلة من الجنس الأرقى هربت من المذبحة من فجر التاريخ وجت هنا وعملت المجتمع الإنساني الحقيقي. # آدم ~~: # مجتمع تاني غير مجتمعنا؟ # العالم ~~: # مجتمعنا مجتمع حيوانات أذكيا جدا، المجتمع اللي عملوه قائم على أساس تاني، الحيوان وعى بذاته بس فأحب ذاته، الإنسان وعى بكل شيء فكان لازم يحب كل شيء ابتداء من نفسه، بالقدرة على استقبال الحب وإعطاؤه، مش بذكاؤه، قدر يعرف ويدرك أسرار الكون والطبيعة مباشرة مش عن طريق الذكاء إنما عن طريق الاندماج، وقدر يوصل إنه يبقى مركز ومايسترو للحب في الكون زي الشمس ما هي مصدر النور. # آدم ~~: # لو بس الواحد يقدر يشوف حد منهم كان صدق، كل اللي باسمعه كلام في كلام، فين الكائنات دي؟ # العالم ~~: # للأسف انقرضوا هم رخرين. # آدم ~~: # إزاي بقى انقرضوا وهم بعيد عن أي عدو؟ # العالم ~~: # لأن زي ما كان اتجاه وجودنا إحنا إننا نبقى أكتر وأكتر وكان اتجاه وجودهم إنهم يبقوا أندر وأندر، ومع كدة كانوا مستمرين في محاولة إصلاح جنسنا إحنا وتغيير طبيعته الحيوانية، جيل ورا جيل كانوا بيبعتوا كتير منهم لينا يتقمصوا شخصيات من جنسنا، كل الرسل والشعراء والمصلحين، كل الفن والموسيقى، كل الحاجات اللي لولاها كانت حياتنا بقت صحراء قاحلة من الحقد، كان مصدرها هم، ms27 وكان أصحابها بينتهوا وبيلاقوا نفس مصير الخير في مجتمع لا بقاء فيه إلا للشرير الأقوى، انقرضوا أو كادوا. # آدم ~~: # كادوا ازاي؟ # العالم ~~: # لأن اللي باقي من النوع الأرقى ده كائن واحد، آخر كائن، أو بالضبط «هي» اللي طال شوقك عشان تعرف هي مين! # آدم ~~: # طب وليه هي رفضت إنها تنقرض؟ # العالم ~~: # أنا. # آدم ~~: # إزاي انت؟ # العالم ~~: # لأني على آخر لحظة قدرت اكتشف وجود النوع الأرقى ده وأنقذها من مصير جنسها التعس، الله، دا النور فعلا بيصفر، مش شايف النور بيصفر؟ # آدم ~~: # الحقيقة مش شايف. # العالم ~~: # طب اسمع كدة، مش سامع نشاز؟ # آدم ~~(مصغيا) ~~: # أبدا. # العالم ~~: # دي أول مرة حاجة زي دي تحصل هنا، دي لو حصلت تبقى كارثة، دا معناها احتلال، معناها مصدر الحب بيقل، أو على الأقل بيبتعد، بقى معقول «هي» تهجر المدينة وتسيبنا؟ # آدم ~~: # وإذا هجرتها يعني يحصل إيه؟ # العالم ~~: # دي يبقى ولا يوم القيامة، كل الظواهر والكائنات اللي انت شايفها تتجمد وترتد ويرجع كل شيء كما كان، إنت أصغر مني بكتير وحواسك أحد، أنا معتمد على حواسك، إنت متأكد إن ما فيش تغيير. # آدم ~~: # أنا مسئول، خلينا في المهم، بقى انت اللي اكتشفت الجنس الأرقى ده؟ لازم حضرتك بقى عالم أنثروبولوجي؟ # العالم ~~: # أبدا، أنا أصلا مش عالم. # آدم ~~: # أمال انت أصلا إيه؟ # العالم ~~: # قاتل. # آدم ~~: # قاتل؟! # العالم ~~: # أنا قابيل الحقيقي اللي قتل أخوه. # آدم ~~: # أنا شبعت ... سفرة دايمة ~~(يخلع الفوطة ويغادر السفرة ويخبط عليها فتعود إلى مكانها، وكذلك يخبط على البانيو، ويجلس على طرف الكرسي المتبقي من السفرة جلسة تحفز) ~~. # يا شيخ خضيتني، أنا افتكرتك قتلت أخوك بجد. # العالم ~~: # ما أنا قتلته بجد، كان أبويا وأمي بيحبوه أكتر مني، وكلهم صدقوا إنه غرق في البحر وما حدش أبدا شك إني غرقته، ومن يوميها من سن تسع سنين وأنا قاعد أسأل نفسي: إزاي قتلت أخويا وقتلته ليه، وعلشان أعرف الجواب درست واتعلمت وفضلت لما بعد عشرين سنة اكتشفت إني قتلته لأني من جنس مش هو الإنسان، وإن لازم ms28 فيه جنس إنساني أرقى عايش وموجود بس المشكلة نتصل به ازاي، كونت جمعية اسمها جمعية تحضير الإنسان وبالتدريج والحماس وبكل ما نملك من قوة على الحب والتخلص من الحقد قدرنا نكون قطب حب جذب كائن من الجنس الآخر، طلع إنه «هي» وإنه آخر سلالة هذا الجنس. # آدم ~~: # أقول لك إيه؟ بين الحقيقة والخيال حاجز رقيق اسمه المعقول، وأنا بجد عايز أصدقك حتى لو شكيت في المعقول ده، أنا حاسس لأول مرة معاك إن فيه بين الحقيقة والخيال انسجام كامل، ولو ماكنشي الحقيقة كدة فالأحسن إنها تكون كدة، وبعدين؟ # العالم ~~: # كان لا بد أمنع انقراض الجنس ده بأي وسيلة، وعشان كدة جيت هنا، وبعد طول تفكير ما بقاش قدامنا إلا حل واحد: أن يتم تزاوج بين هي وبين كائن من جنسنا احنا فيه كل الصفات المناسبة؛ بحيث أن الناتج عن جوازهم يصلح أب لجنس تالت جديد، جنس، لا هو ملاك ينقرض، ولا شيطان يستشري. # آدم ~~: # حل معقول جدا وسهل كمان. # العالم ~~: # معقول جدا آه، إنما سهل مش سهل أبدا، دا أصعب من الصعب، إزاي تلاقي بين حوالي ألف مليون راجل في العالم، الشخص المناسب؟ # آدم ~~: # مشكلة صحيح، أمال عملتو إيه؟ # العالم ~~: # دلوقتي الصوت بقى واضح جدا، سامع؟ # آدم ~~(مستمعا) ~~: # الظاهر إن فيه حاجة بتزن فعلا. # العالم ~~: # ده مش زن، دا أكيد اختلال في نظام التواؤم، والمؤكد أن النور بقى أصفر، مش شايف صفاره؟ # آدم ~~: # دا زي ما أكون دايخ م الجوع. # العالم ~~: # التواؤم بيتفكك، هي قطعا بتبتعد. # آدم ~~: # يمكن ابتعاد مؤقت. # العالم ~~: # ما اعتقدش، ده ابتعاد مستمر، دا لازم بدأ من زمان من قبل ما تمر حنة ترتكب خطيئتها، لو كان التواؤم كامل ساعتها ما كانش ممكن تتمرد بالشكل ده. # آدم ~~: # طب بس أرجوك، قدامنا وقت طويل نتناقش فيه، أنا دلوقتي عايز أعرف قدرتو فعلا توصلوا للشخص المناسب؟ # العالم ~~: # أعتقد إن الوقت قدامنا مش بالطول اللي انت فاكره، بيتهيألي وقتنا محدود جدا، أيوة وصلناله. # آدم ~~: # وطلع مين؟ # العالم ~~: # الحلقة نمرة ستة ms29 في عمر صفة الذكاء، إنت عارف إن جنسنا وحدته مش البني آدم الواحد، إنما وحدته هي الصفة زي الذكاء أو الفن أو قوة الذاكرة، كل صفة عمرها مكون من أعمار متتالية، بتتولد في شخص وتكبر في ابنه وهكذا لغاية لما تظهر في الجيل السابع ويسموا الشخص عبقري. # آدم ~~: # ومين بقى الحلقة نمرة ستة في عمر صفة ذكاؤه؟ # العالم ~~: # إنت، إنت أنسب واحد واللي حييجي بعدك مش قبل ميت سنة، تكون هي فقدت القدرة على الإخصاب. # آدم ~~: # أنا؟ مين قال إني أذكى وأحسن واحد؟ # العالم ~~: # احنا مش بندور على الأذكى والأحسن، احنا بندور على اللي لما يخلف يخلف الأذكى والأحسن. # آدم ~~: # أما حاجة غريبة، طب والتزاوج يتم ازاي بقى؟ # العالم ~~: # لازم يتم في أقصى درجات الحب وإلا ما ينفعشي ولا الجنين يتكون. # آدم ~~: # طب الحب دي مسألة مش في إيدينا. # العالم ~~: # ما اعرفشي ازاي تحصل إنما لازم ننجح، دي فرصة البشرية الأخيرة وفرصة الجنس التالت ولا يمكن تفشل. # آدم ~~: # طب هي فين أمال؟ ممكن أشوفها؟ # العالم ~~: # يا ريت ليها وجود زي وجودنا محدود ومعروف، هي كانت بتتجسد لي على هيئة نفرتيتي اللي باحبها. # آدم ~~: # طب وما تتجسدشي لك على هيئة واحدة عايشة ليه؟ # العالم ~~: # لأنها إذا عملت كدة يكون التجسد نهائي وما تقدرشي ترجع. # آدم ~~: # يعني أنا لازم أتخيل واحدة باحبها قبل ما أحبها؟ دا كلام ده؟! إزاي حا اعرف أعمل كدة؟ # العالم ~~: # إنت أملنا ومنقذنا ولازم تعرف. # آدم ~~: # طب ما دام كدة المسألة تزاوج وحب ما كانشي ممكن استدعى بطريقة ألطف؟ # العالم ~~: # الطريقة دي كانت لازمة عشان تحدث في شخصيتك آخر اللمسات اللي احنا عايزينها. ~~(فجأة يعلو الصوت النشاز بشكل واضح ويتبدى ضوء أصفر قوي يصفر له كل شيء.) # العالم ~~(وكأنما يحدث الكون كله بصوت مر مستغيث) ~~: # يا كل ذرات هذا الكون وجزيئاته ... يا كل أحيائه وغير أحيائه، أهيبوا معي ب «هي» أن تعود، أو حتى للحظات تفكر فينا، بكل ما تملكون من قدرة أطلقوا استغاثة الحب الأخيرة. ~~(تتصاعد الاستغاثة ms30 على هيئة نغمة موسيقية لاهثة.) ~~(شيئا فشيئا يبدأ الضوء الأصفر ينقشع وكذلك الصوت.) # آدم ~~: # دي باينها رجعت، دي حاجة مرعبة، بقى أنا علي إني أحب كائنة زي دي تقدر تغذي مدينة بالحب، أرجوك قوللي أعمل إيه؟ # العالم ~~: # من ناحيتي أنا، أنا مهمتي انتهت، أنا بلغت، وانت بقيت المسئول الحقيقي، اللهم بلغت، اللهم فاشهد. # آدم ~~: # البلاغ تم صحيح، إنما لازم أعرف حا اقابلها ازاي وفين وإمتى، وازاي أستدل عليها أو تستدل علي؟ دا كله لسة ما بلغتوش. # العالم ~~: # وازاي أبلغ حاجة ما اعرفهاش، دي علاقة إنسانية يا ابني، أول علاقة بين جنسين هائلين من جنس الإنسان، كل اللي أقدر أقولهولك إنها مش حتظهرلك إلا إذا أحست هي إن حاجتك ليها بقت أكتر من حاجتك لأي شيء آخر، للحياة نفسها. # آدم ~~: # وازاي دا يحصل بس؟ # العالم ~~: # دا بيتوقف عليك، من دلوقتي بقت مسألة بينك وبين نفسك. # آدم ~~: # بعد دا كله تبقى مسألة بيني وبين نفسي؟ ~~(يفرك كفيه بقلق عظيم.) # نفسي أعيط. # العالم ~~(بابتسامة طيبة) ~~: # دي بداية مبشرة فعلا ... أنا دلوقتي حاسس ... ~~(فجأة يتوقف عن الحديث ويظل على نفس وضعه بنفس ابتسامته وتعبيره وتحديقه تجاه آدم، وقد مات كمن انقطع عنه فجأة تيار الحياة وتحول إلى تمثال.) ~~(يحدق آدم تجاهه باستغراب ثم بقلق، ثم يندفع إليه ويمسك بيده ويتحسسها ويقول وكأنما لنفسه): # آدم ~~: # بالسهولة دي؟ وفي تمام صحتك كدة؟ ~~(ثم وكأنه يفطن إلى أمر فاته، ينحني راكعا أمام العالم ممسكا بيده بكلتا يديه ومخاطبا إياه وكأنه لا يزال حيا): # أرجوك ... اغفر لي وسامحني ... أنا حالا بس فهمت ... فعلا كان لازم تموت عشان أصدقك. ~~(ثم ببطء يعود للوقوف ويتطلع إلى السماء، وفي نفس اللحظة يكون الصوت الرنان النشاز قد عاد والضوء الأصفر قد انصب بقوة وغمر المسرح.) # آدم ~~: # ساعدني يا رب ... امنحني كل ما منحته لرسلك. ~~(يظهر عشماوي على الباب، بينما في الخارج يدوي صوت عربة، ينطلق آدم ناحيته ويخرجان، ويبقى المسرح فارغا إلا من جسد العالم وهو فوق المرجيحة يتأرجح في الهواء بينما ms31 الصوت يعلو والضوء الأصفر يغمق أكثر وأكثر حتى يستحيل إلى ظلام ويتوقف الصوت، ثم ببطء يسدل الستار.) ~~(ستار) # | الفصل الثالث # المنظر الأول ~~(في معمل الدكتور آدم، آدم جالس مفتوح الساقين والذراعين وقد تهدلت أطرافه فوق كرسي ذي مساند، «نارة» تترك العمل الذي تقوم به وتواجهه.) # نارة ~~: # دكتور آدم ... أنا صحيح مجرد المساعدة بتاعتك، وماليش أي حق إني أخرج عن الحدود دي، إنما أرجوك تسمحلي أقول لك كلمة. # آدم ~~(بخمول شديد) ~~: # عارف ح تقولي إيه. # نارة ~~: # أنا آسفة، لأ، ما انتاش عارف، كون إنك تفقد الحماس للشغل، إنت حر، كون انت تغيب، وأحيانا تيجي عشان تروح، برضه مش مهم، كون انت لما بتيجي، بتقعد سارح بالساعات في المعمل وأحاول أكلمك أو أخرجك عن السرحان ده، ما فيش فايدة، برضه مش هو المشكلة. # آدم ~~: # أمال إيه المشكلة يا نارة؟ # نارة ~~: # المشكلة إني حاسة إنك ما بقيتش انت، شكلك هو هو، عوايدك هي هي، كلامك هو هو، بس انت مش انت، الدكتور آدم القديم اللي كنت أعرفه، إنما انت، دلوقتي، مين؟ ~~ صحيح، اسمح لي أسألك، إنت مين؟ # آدم ~~: # ح كون مين يعني؟ ما أنا برضه آدم القديم. # نارة ~~: # مستحيل، آدم دكهه كان عارف هو مين، ولذلك كانت الناس كلها، وأنا منهم عارفة هو مين، إنت دلوقتي ما حدش يعرف انت مين؛ لأن بيتهيألي إنك انت شخصيا ما بقتش عارف انت مين. # آدم ~~: # يعني عايزة تقولي إني اتغيرت؟ # نارة ~~: # يا ريت، أنا عايزة أقول إنك مش غبت غيبة طويلة وبعدين رجعت، ولو متغير، إنما رجعت، أنا عايزة أقول إن آدم اللي خرج من هنا مارجعش، ضاع. # آدم ~~: # أمال اللي رجع مين بقى يا عبقرية؟ # نارة ~~: # واحد تاني خالص، يمكن حتى ما يعرفش كان فين، ولا جرى له إيه. # آدم ~~: # أنا معاكي إن اللي رجع واحد تاني، بس مش واحد ضاع، إنما واحد يمكن لأول مرة لقى نفسه. # نارة ~~: # وهو الواحد بيلاقي نفسه عشان يعيش بيها ولا بيلاقيها عشان يبطل يعيش؟ انت حاليا مش عايش، ms32 إنت بتؤدي الحياة زي ما تكون واجب مدرسي تقيل، بتؤدي الأكل مش بتاكل، بتؤدي البحث مش بتبحث، حتى الكلام، بتؤديه. # آدم ~~: # جايز. # نارة ~~: # طيب ليه؟! # آدم ~~: # يمكن لأن الأكل والعمل والكلام والحياة كانت أهم حاجة عندي، دلوقتي اللي عايزه حقيقي لا هو الأكل ولا الشرب ولا البحث، حاجة غير ده كله. # نارة ~~: # والحاجة دي إنت عارفها؟ # آدم ~~: # اللي يجنن إني عارفها ومش عارفها، إنها أهم من حياتي ووجودي، وفي نفس الوقت كل معلوماتي عنها إني عايزها، ما عنتش عايز م الدنيا حاجة غيرها. # نارة ~~: # دي ألغاز دي! # آدم ~~: # فعلا هي لغز! # نارة ~~: # طب ما تحله. # آدم ~~: # المضحك إنه لغز لازم هو اللي يحل نفسه. # نارة ~~: # فيه حاجة اسمها لغز يحل نفسه؟ # آدم ~~: # أصله مالوش نظير. # نارة ~~: # وبعدين؟ # آدم ~~: # ولا قبلين، لغاية ما يحل نفسه أديني قاعد زي ما بتقولي أأدي واجب إني حي. # نارة ~~: # طيب ما دام المسألة انتظار، ما تعمل حاجة أفيد. # آدم ~~: # زي إيه؟ # نارة ~~: # تكمل البحث بتاعك، إنت مش عارف قيمته؟ # آدم ~~: # حتكون قيمته إيه يعني؟ # نارة ~~: # يا نهار، دا موضوع ممكن يقلب حياتنا كلها، دا انت بتثبت فيه بالدليل القاطع أخطر نظرية اكتشفها عالم في عصرنا الحديث، بتثبت فيه إن العمر إرادة، إن الواحد بيشيخ ويموت لأن إرادته هي اللي بتشيخ، وإنه بيموت لما إرادته للحياة بتضعف وتنتصر عنده إرادته في الموت، والأخطر من كدة إنك وصلت لنص الطريق واكتشفت الإنزيم اللي لما يتحقن بيه الكائن الحي يبتدي يفقد إرادة الحياة وبدون أي سبب أو مرض أو تغيير ظاهر بيبتدي يذوى ويموت، وناقص بس إنك تكتشف الإنزيم المضاد، اللي لما الواحد ياخده وهو على حافة الموت فتتكون له على طول إرادة الحياة، ويستعيد قدرته عليها، ويعيش. # آدم ~~: # وافرضي اكتشفته ح يحصل إيه؟ # نارة ~~: # يحصل إيه؟! بقى لما يتحقق للإنسان القدرة على التحكم في إرادة الحياة عنده، حاجة سهلة؟! دا اكتشافك يقيم الدنيا ويقعدها، يغير كل مفاهيمنا ونظرياتنا، ومن أنياب الموت ينقذ آلاف وملايين. # آدم ~~(بسخرية) ~~: # عشان ms33 يعملوا إيه؟ # نارة ~~: # عشان يعيشوا. # آدم ~~: # وإيه فايدة إنهم يعيشوا الحياة اللي إحنا عايشينها دي؟ # نارة ~~: # دكتور آدم ... إيه الكلام ده؟ إيه فايدة إنهم يعيشوا؟! إوعى تكون حقنت نفسك بإنزيم الموت. # آدم ~~: # ما تخافيش، أنا عمري ما كانت عندي إرادة حياة زي اللي عندي دلوقتي، بس المشكلة ... # نارة ~~: # أيوة ... إيه هي المشكلة؟ # آدم ~~: # يا ريت تتحل بإني أقولها لك، يا ريت في إيد أي حد في الدنيا إنه يحلها يا ريت. # نارة ~~: # حتى إرادة الحياة اللي عندك ما تحلهاش؟ # آدم ~~: # الإرادة! الإرادة! قعدنا أجيال نحلم بالإرادة، ونخطب، ونكتب ونقول، ونمجد في الإرادة لما قدسناها، وبقت كلمة السر اللي لو وصلناها، ح تتحل مشاكل البشرية، والمشكلة مش هي قوة الإرادة، المشكلة هي هدف الإرادة، ماذا تريد؟ أهم مليون مرة من كيف تريد؟ # نارة ~~: # وهو فيه أجمل وأنبل من إرادة الحياة؟ # آدم ~~: # مش لما تكون الحياة أولا أجمل وأنبل حياة. # نارة ~~: # ما هي بالإرادة برضه ح نخلي الحياة أجمل وأنبل. # آدم ~~: # طب ما احنا عايزين كدة من يوم ما بقينا بني آدمين، ما اتحققش ليه؟ # نارة ~~: # لأننا ماعزناش ده بقوة كفاية، لو أردنا الحياة أجمل وأنبل بنفس القوة اللي بنريد بيها الحياة لحققنا ما نريد. # آدم ~~: # طب وإرادتنا ضعيفة ليه؟ # نارة ~~: # مين عارف، يمكن لأننا أحيانا بنفضل إننا نقبل الوجود أحسن ما نغامر ونخسره. # آدم ~~: # يبقى طبيعتنا نفسها، مش إرادتنا هي اللي عايزة تتغير. # نارة ~~: # خلاص، يبقى عليك إنك تبتدي البحث عن إنزيم يغير الطبيعة. # آدم ~~: # ابتديت البحث، وعرفت الإنزيم. # نارة ~~(باندهاش عظيم) ~~: # بتضحك علي؟ # آدم ~~: # باتكلم جد، ما هي دي المأساة. # نارة ~~: # طب ومستني إيه؟ ما نعلن الاكتشاف ونبتدي التطبيق. # آدم ~~: # عرفتي بقى السبب، أهو هنا بقى ييجي اللغز اللي لازم يحل نفسه، الإنزيم هو اللي يملك الإرادة مش أنا، لأول مرة أحس إني مش مالك شيء، هو اللي مالكني، إن البحث مش في قبضتي، أنا اللي في قبضته. # نارة ~~: # يمكن لو تعوزه بشدة. # آدم ~~: # أنا كل ذرة في جسمي عايزاه ms34 وبتناديه، أنا فعلا اتغيرت زي ما بتقولي، أنا أصبحت كائن عايز، كائن راغب، كائن كل نبضة فيه مش بتنبض له، بتنبض رغبة، بإرادتي وبخارج إرادتي بوعي وبلا وعي، بطاقة فوق طاقة البشر عايز. # نارة ~~: # يا سلام، أنا سعيدة بشكل، إنت فعلا ما ضعتش، كلامك الأخير ده طمني، زي جمرة من جوف بركان، إنت فعلا جواك بركان، أنا غبية، أنا مافهمتش، أنا كان لازم من غير ما تقول أفهم، أنا في منتهى السعادة إن يطلع في الآخر إن المسألة غبائي. ~~(يدق التليفون) # آدم ~~(بزهق) ~~: # شوفي مين وعايز إيه وخلصيني منه. # نارة ~~: # أيوة ... أيوة ... مشغول خالص، ممكن أعرف الموضوع، أيوة، كدة، سويدية، أكبرج، هيلدا أكبرج، طيب أنا جاية بنفسي، العفو. ~~(تضع السماعة) # الظاهر إن حظك كويس يا دكتور آدم. # آدم ~~: # ليه حصل إيه؟ # نارة ~~: # إنت فاكر الجواب اللي جالنا من جامعة استكهلم وقلت أرد عليهم إنك موافق؟ # آدم ~~: # مش فاكر إنما حصل إيه؟ # نارة ~~: # مش فاكر العالمة السويدية اللي بعتت عن طريق كلية الطب هناك تطلب إنها تيجي شهر بعثة تتعرف فيها عليك وعلى الأبحاث اللي بتجريها واللي قريت عنها في مجلة «ساينس لانست»؟ # آدم ~~: # خلصيني، مطلوب إيه؟ # نارة ~~: # وصلت، وقاعدة عند سكرتيرة العميد، وعايزة تقابلك. # آدم ~~: # مش تقولي كدة وتخلصيني! # نارة ~~: # طبعا دي مش ح ترفض تقابلها. # آدم ~~: # أرجوكي زي الشاطرة كدة، تروحي لها، وبكل لباقة تعتذري لها، وتفهميها إني مسافر، وتديها مواعيد تبقى تيجي لك بعد الضهر تشرحي لها اللي تقدري عليه. # نارة ~~: # بقى حد يعمل كدة؟ ... دي سويدية! # آدم ~~: # إن شالله تكون كويتية! # نارة ~~: # دا يمكن يكون فيها حل اللغز يا دكتور آدم، ما تتسرعش! # آدم ~~: # ما افتكرش، ياللا يا شاطرة. ~~(نارة تهز أكتافها وتسرع خارجة.) # آدم ~~: # هل ممكن الواحد يحب واحدة حب حقيقي وهو عارف ومتأكد إن ما لهاش شكل ولا اسم ولا مكان ولا وجود ملموس؟ حد ممكن يحب كائن لغز؟ إزاي ده كله يحصل لي، أنا امبارح فقت لقيت نفسي باكتب لها جواب، باقول لها عن ms35 حاجات عن نفسي عمري ما قلتها لحد، ويمكن لأول مرة باكتشفها في نفسي، الكلام كان طالع من قلبي كأنه مولع، كإنه شرار، كإني باحترق احتراق صامت مكتوم، احتراق شوق، مشتاق، أول مرة أعرف معنى الشوق، الشوق المؤلم الممتع في ألمه، الشوق اللي من روعته الواحد يخاف من اللقاء، لو مرة تانية أسمعها تقول: هوووه، مرة واحدة بس أسمعها وأموت؟! ~~(نارة تدخل لاهثة وتظل واقفة تلهث.) # آدم ~~: # مالك؟ # نارة ~~: # دكتور آدم، دكتور آدم، دي مش ممكن تكون من جنس البشر، دكتور آدم، دي لازم اتولدت من ملاك اتجوز شيطان، من قديس حب مومس، من جنية رافقت متصوف. # آدم ~~: # إيه ده؟ بتتكلمي عن مين؟ # نارة ~~: # عن هيلدا، دي بالضبط المعجزة اللي جيالك م السما، اسمع بقى: أنا عمري ما ظبطتك معجب بست، ولا كان بيتهيألي إنك حتلاقي في ستات البلد كلهم حد يعجبك، دي ... حتتمنى تبوس الأرض اللي واقفة عليها. # آدم ~~: # هي حلوة للدرجة دي؟ # نارة ~~: # اللي تكفي كلمة حلوة إنها توصفها، ما تبقاش حلوة، الحلوة الأنثى، هي اللي ما تتوصفش، دي أتحداك إنك تلاقي كلام يوصفها. # آدم ~~: # أنا عارف طريقتك يا نارة: يا إما بتدبريلي في مقلب، يا إما إنك عايزاني بالعافية أفرفش، وأنا لا فاضي للمقالب ولا للفرفشة، أنا مصر إنك تنفذي اللي قلتهولك. # نارة ~~: # من غير ما تشوفها كدة؟ إنت إيه، ما فيش حب استطلاع حتى؟ # آدم ~~: # أنا بحب يا نارة وده كفاية. # نارة ~~(بفرحة شديدة) ~~: # بتحب؟! امتى وفين ومين؟ أرجوك، رد لي عقلي واتكلم. # آدم ~~: # للأسف ما اقدرش أتكلم. # نارة ~~: # ولو، والله حتى لما تكون بتحب واحدة عرفتها مليون سنة، هيلدا هتخليك تغير رأيك، عارف مصادر الطاقة؟ دي منجم حب، نفسها حب، عرقها حب، كلامها همسات حب، لازم تشوفها، أنا جبتها وأهي ع الباب، دي ح تموت على إنها تشوفك، قالت لي إنها حتفضل واقفة لغاية ما تقابلك وانت خارج إن شالله تقعد لنص الليل، دا هي اللي باين عليها بتحبك من غير ما تعرفك. # آدم ~~: # أنا اللي ms36 عاجبني في الموضوع ده كله حماسك الزايد ده، دا انت جسمك كله بيرجف، وكأنك انتي اللي مقبلة على مغامرة حب، خلاص يا ستي ، علشان خاطرك، دخليها. ~~(دون أن تغادر الحجرة تفتح نارة الباب وتطل برأسها من فتحته، وتومئ، ثم تفتح الباب على آخره وتقف جانبا.) ~~(من الباب تدخل أنثى ساحرة حقا، ترتدي بدلة فيها كل الجاذبية التي دفعت مصممي الأزياء لاكتشاف موضة البدل، من فرط أنوثتها لا تستطيع أن تنظر إلى وجهها مباشرة، تظل مأخوذا بمنظرها حتى تهدأ فتبدأ ترى الوجه، وجه ليس نقطة البداية لأنوثتها وجمالها وإنما هو نقطة النهاية.) ~~(تدخل، تتوقف بغتة محدقة تجاه آدم الذي يروع بمنظرها، لا تحول عينيها عنه، وإنما تظل تحدق تجاهه وكأنها ضاعت تماما فيه، ثم كالسائرة أثناء النوم، تقترب منه، مادة يديها وعيناها لا تتحولان عن عينيه، إلى أن تعثر يداها الممتدتان بذراعيه فتمسكهما وتظل تهبط بيديها متحسسة حتى تعثر على كفيه، فتقبض عليهما قائلة): # هيلدا ~~: # دكتور آدم. ~~(آدم يرتبك، يتحول بوجهه من ناحية إلى أخرى، وإلى أعلى وأسفل، وتجاه نارة.) # آدم ~~: # الله، إنتي بتتكلمي عربي كويس! غريبة أوي. # نارة ~~(بحماس) ~~: # قالت لي إنها اتعلمت عربي مخصوص عشان تتفاهم معاك. # آدم ~~(ناظرا لهيلدا التي لا تزال ممسكة بكفيه) ~~: # صحيح؟ # هيلدا ~~: # أخيرا ... إنت؟ # آدم ~~: # أخيرا ازاي؟ مش فاهم. # هيلدا ~~: # عفوا، اعذرني، أنا حلمت كتير باللحظة دي. # آدم ~~: # عشان اهتمامك بالأبحاث طبعا؟ # هيلدا ~~: # أكتر عشان اهتمامي بالراجل اللي فكر فيها، بك. ~~(تتململ يداه ارتباكا، فتتنبه هيلدا وتترك كفيه.) # هيلدا ~~: # آسفة ... أعتقد إني يلزمني بعض السيطرة على نفسي. # آدم ~~: # إنتي باحثة في أي فرع؟ # هيلدا ~~: # في نفس فرعك. # أدم ~~: # خدتي الدكتوراه؟ # هيلدا ~~: # كانت رسالتي فقرة وردت في رسالتك. # آدم ~~: # بس رسالتي ما انتشرتش برة، إزاي عرفتيها؟ # هيلدا ~~: # من زميل لك مصري زار كليتنا. # آدم ~~: # اعذريني بس صعب قوي إن حد يصدق إن واحدة زيك واخدة الدكتوراه في الميكروبيولوجي. # هيلدا ~~: # ليه ما يصدقش؟ # آدم ~~: # لأنك ... # هيلدا ~~: # أيوة ... لأني ... # نارة ~~: # انطق يا أخي. # آدم ~~: # شكلك يعني مش ms37 أكاديمي. # هيلدا ~~: # أمال إيه؟ # نارة ~~: # أيوة أمال إيه؟ # آدم ~~: # قصدي مش عادي، غير عادي. # هيلدا ~~: # في إيه؟ # نارة ~~: # فقعت مرارتي قول. # آدم ~~: # يمكن حلوة. # هيلدا ~~(بفرحة) ~~: # رأيك إني حلوة؟ ... صحيح، إنت شايفني حلوة؟ ... مش مجاملة؟ ... أنا عارفاكوا تحبوا تجاملوا ... صحيح بجد شايفني حلوة؟ # آدم ~~: # طبعا ... طبعا ... يمكن حلوة قوي كمان. # هيلدا ~~(تنتابها فرحة طفولية فتكاد تقفز فعلا) ~~: # حلوة قوي ... تصوري ... رأيه في إني حلوة قوي؟ أنا سعيدة ... سعيدة ... ح اتجنن من السعادة. # آدم ~~: # ياه ... للدرجة دي؟ # هيلدا ~~: # دا أنا كان منتهى أملي إنك ما تتضايقشي مني، أقوم أفاجأ إني في رأيك حلوة وحلوة قوي ... أنا بعد ساعة أكون في ميدان العتبة وح اقف في وسط الميدان وأغني لكل الناس واقول أنا حلوة قوي في عينيه. # آدم ~~: # العتبة؟! اشمعنى العتبة؟ ~~(بريبة مفاجئة.) # هيلدا ~~: # عندي ميعاد في العتبة. # آدم ~~(وقد امتقع وجهه) ~~: # بقى كدة؟ بقى انتي بقى ... إنتي فين يا هي ... إنتي فين يا هيلدا من زمان، إنتي فين؟ أنا كنت يئست خالص إنك تيجي. # هيلدا ~~: # يعني كنت بتنتظرني؟ # آدم ~~: # زي المحكوم عليه بالإعدام لما بينتظر العفو، زي المؤمن لما بينتظر المعجزة. # هيلدا ~~: # إنت متأكد إنك بتكلمني أنا؟ كنت بنتنظرني أنا؟ متأكد إني أنا؟! # آدم ~~: # إنتي الحلم اللي أخيرا بيتفسر، الأمل جاي بعد ما انتهى الأمل هي ... ~~ هيلدا! # هيلدا ~~: # اسمي صعب على لسانك، غيره، سميني الاسم اللي يعجبك، إذا كان لبسي مش عاجبك أجيلك عريانة وتلبسني زي ما أنت عايز، إذا كان كلامي مش عاجبك قول لي وأنا لغاية آخر يوم في عمري أصوم عن الكلام ما انطقش، قول بس، اطلب، شاور، فكر حتى، أنا ملكك، من يوم ما اتولدت لغاية ما حاموت ملكك، رهن أي فكرة تخطر في بالك، أي نزوة أي لوثة حتى لو اتجننت! ~~(نارة وهي في حالة سعادة غير عادية تنسحب على أطراف أصابعها من المشهد، وتختفي من فتحة الباب الذي تغلقه وراءها في هدوء.) # آدم ~~: # ده كتير قوي ده ... دا مفاجأة ما كنتش أحلم بيها! # هيلدا ~~: # هو ms38 إيه اللي كتير؟! # آدم ~~: # إني عاجبك للدرجة دي! # هيلدا ~~: # الإعجاب كلمة محدودة جدا، إعجاب إيه؟ دا أنا بجد حاسة إني من صنعك، إن رجولتك هي اللي خلقتني ست، وجسمي اتفصل من نموذج في دماغك، إنت الحقيقة، الفعل، وأنا مجرد رد فعل. # آدم ~~: # دي حاجة تجنن، دا حب ده، حب حقيقي، دا ولا كأنه عمره ألف سنة. # هيلدا ~~: # وتصور من ألف سنة وأنا نفسي تحضني وتبوسني، من قبل ما اتولد، من وأنا لسة شوية قمح، ولا فتفوتة سكر. # آدم ~~: # نفسك يعني؟ # هيلدا ~~: # نفسي، وكل لحظة بتفوت دلوقتي كأنها ميت سنة، أنا استنيتك كتير، وماعدتش قادرة. # آدم ~~: # بس أنا ... # هيلدا ~~: # ما بتحبنيش؟ # آدم ~~: # مين قال كدة؟ # هيلدا ~~: # أمال واقف ليه؟ متمالك نفسك ازاي؟ مش ممكن واحد بيحب يسمع اللي قلت ويفضل متمالك نفسه. ~~(تقترب منه، تمسك بيديه وتضغطهما بشدة.) # هيلدا ~~: # أنا أهه، حاسة إني ملكك أكتر ألف مرة من إني ملك نفسي، انتظرتني صحيح؟ ~~(تغمض عينيها وترفع إليه شفتيها في دعوة مفتوحة.) # آدم ~~: # انتظرتك كما لم أنتظر أو ينتظر مخلوق شيء أو مخلوق آخر. # هيلدا ~~: # انتظرتني ليه؟ # آدم ~~: # لأن مقابلتك بقت هدف حياتي. # هيلدا ~~: # ده سبب عقلي، بعواطفك استنتني؟ # آدم ~~: # بكل عواطفي. # هيلدا ~~: # أنا يهمني منها عاطفة واحدة بس. # آدم ~~: # أي عاطفة. # هيلدا ~~(بقلق) ~~: # وفيه عاطفة غيرها؟ # آدم ~~: # مش فاهم. # هيلدا ~~(بقليل من فروغ الصبر) ~~: # انتظرتني عشان كنت بتحبني مش كدة؟ # آدم ~~: # بالضبط كدة. # هيلدا ~~: # وأنا جيت واتوجدت أهه، لسة الحب موجود؟ # آدم ~~: # طبعا طبعا. # هيلدا ~~: # موجود فين وإيديك ما فيهومشي رعشة حب، وصوتك مافهشي بحة إحساس، وعينيك بتتدارى من عيني، وشفايفي ماتت من البرد والوحدة وهي بتستنى شفايفك ... ~~(فجأة تسحب يديها منه بسرعة، وكالطلقة تندفع خارجة.) # آدم ~~: # هيلدا ... هيلدا ... هيلدا ... أرجوكي ارجعي ... دا مصير البشرية ... أرجوكي. ~~(ستار) # المنظر الثاني ~~(المكان: شقة آدم، المنظر في غرفة النوم والمعيشة والسفرة وهي غرفة واسعة تكون معظم الشقة، والشقة شقة أعزب، حديثة إلى حد ما، وأكثر ما يميزها هو أكوام الكتب والمجلات والمراجع المبعثرة في ms39 كل مكان، آدم في فراشه بالبيجامة وبجواره عدة مراجع تكون كومة بجواره يتكئ عليها، نارة على كرسي أمامه.) # آدم ~~: # أعمل إيه بقى يا نارة؟ # نارة ~~: # ولا حاجة، ح تعمل إيه ... مشروع علاقة وفشل زي ما آلاف غيره من المشاريع بتفشل كل يوم، خلاص، انسى الموضوع وبكرة تلاقي زيها، ولا يمكن أحسن منها. # آدم ~~(معتدلا في فراشه مذعورا) ~~: # إنتي بتقولي إيه؟! إنتي اتجننتي؟! مشروع علاقة فشل؟! ده لا يمكن يفشل، دانا أنتحر لو فشل. # نارة ~~: # الله، طب ما دام مهمة عندك العلاقة للمدى ده، ما استجبتش ساعتها ليه؟ # آدم ~~: # ما هو كون إن اللي حصل حاجة، وكون إن العلاقة تفشل حاجة تانية. # نارة ~~: # يعني إنت عايز العلاقة تستمر؟ # آدم ~~: # من صميم صميم قلبي. # نارة ~~: # أما حاجة تلخبط صحيح، إنت مش قايل لي دلوقتي إن اللي منعك من تقبيلها إنك حسيت إن حبها ليك أكبر بكتير من حبك لها، بل يمكن حسيت إن هي اللي بتحبك بس، وإنه يكاد يكون حب من طرف واحد؟ # آدم ~~: # أنا باحاول أغير موقفي. # نارة ~~: # وتفسير معقول فعلا، واضح ان السبب الوحيد لعدم استجابتك إنك اكتشفت إنك ما بتحبهاش ومش قادر ترغم نفسك على حبها، طيب ما دام الوضع كدة، عايز العلاقة تستمر ليه؟ وتستمر ازاي؟ # آدم ~~: # لأنها لازم تستمر، لو ما استمرتش ح انتحر. # نارة ~~: # أرجوك، يمكن أنا غبية، إزاي تنتحر إذا انقطعت علاقتك بواحدة ما بتحبهاش حتى لو كانت هي بتحبك، منين ما بتحبهاش ومنين تهمك علاقتكم لدرجة ممكن تكلفك حياتك؟ ~~ فسر لي المعضلة دي؟ # آدم ~~: # مفيش تفسير، علاقتي بها لازم تستمر. # نارة ~~: # المسألة بسيطة، حبها. # آدم ~~: # يا ريت الحب بيخضع للإرادة. # نارة ~~: # إوهمها إنك بتحبها. # آدم ~~: # ولا الكذب ينفع، دي إنسانة بتحب بأظافرها وأطراف شعرها، ومهما حاولت فجسمها نفسه بيعرف اللي بيقوله جسمي مهما لساني قال. # نارة ~~: # أمال فكرك يكون الحل إيه؟ # آدم ~~: # يعني أنا مصحيكي م النوم وجايبك في عز الليل عندي بالطريقة المجنونة دي عشان إيه؟ مش عشان تلاقيلي الحل؟ أصل الموضوع ms40 مش بسيط يا نارة، يكفي إني أقول لك إن إذا علاقتنا اتقطعت حتحصل كارثة، حاجة أبشع م الكارثة. # نارة ~~: # أبشع ازاي؟ # آدم ~~: # يعني أقل شيء يحصل، حاجة زي ما تقولي يموت من تحت راسها ألف واحد. # نارة ~~: # ألف واحد يموتوا لو انقطعت علاقتكم؟ # آدم ~~: # ألف إيه؟ أنا مش عايز أخوفك، يمكن كل ساعة ألف. # نارة ~~: # إنت عايز تهوشني، إيه البتاعة اللي زي كدبة إبريل دي؟ # آدم ~~: # إنتي عارفاني كويس يا نارة، وأنا مش قادر دلوقتي أشرح لك كل حاجة، يمكن في يوم حتعرفي، إنما دلوقتي مستحيل، وأنا باضربلك مثل غير صحيح، إنما صديقني لما بقولك إن حاجات وحشة جدا حتحصل لو فشلت علاقتنا، مصدقاني؟ # نارة ~~: # اعتمادا على إحساسي فعلا باين إنك صادق، وأنا مصدقاك. # آدم ~~: # الحمد لله، يبقى انتي معايا إن لازم العلاقة تنجح وتستمر. # نارة ~~: # من كل قلبي معاك. # آدم ~~: # إزاي تنجح والوضع بقى واضح زي الشمس؟ # نارة ~~: # ما فيش حتى في قلبك رغبة، مجرد رغبة راجل في امرأة؟ # آدم ~~: # أنا عمر ما الرغبة عندي بتنفصل عن الحب، الاتنين عندي شيء واحد، يا إما يوجد بكل بقوة، وإما لا يوجد بالمرة. # نارة ~~: # طب افرض إنها قبلت ان علاقتكم تستمر على الوضع ده، هي بكل الحب وانت من غير حب، على أمل إن عواطفك تتغير، تقبل إنت؟ # آدم ~~: # دا أنا أتمنى بس أنا متأكد إنها حترفض، المرأة لا يمكن تقبل وضع بالشكل ده. # نارة ~~: # المرأة كامرأة آه، إنما المرأة لما بتحب بتقبل حاجات وأوضاع لا يصدقها العقل. # آدم ~~: # يعني تعتقدي إنها حترضى؟ # نارة ~~: # لو كان حبها ليك حقيقي، حترضى، ولو لإعطاءك فرصة أخيرة، بحيث لو فشلت ما تندمشي. # آدم ~~: # وهنا ييجي دورك يا مساعدتي العظيمة. # نارة ~~: # أي دور؟ # آدم ~~: # أن تعيدي الاتصال. # نارة ~~: # بس كدة؟ على عيني. # آدم ~~: # أرجوكي، ضروري سابت عنوانها في المعهد، ولا بلاش، التليفون أهه، وقدامنا من هنا للصبح نسأل في جميع الفنادق والبنسيونات بجميع درجاتها. # نارة ~~: # برضه بسيطة. # آدم ~~: # ولحظة ما نعرف مكانها ح تروحي تقابليها، ms41 وما اعرفشي ح تعملي إيه، ح تقولي إيه، إنما زي ما قلت لك مصير ناس لا تعد ولا تحصى في إيدك، وأنا منتظر هنا في الشقة، مش ح اتنقل لغاية لما اشوف تاني وش هيلدا وأسمع صوتها. ~~(إظلام) # المنظر الثالث ~~(هذا المشهد يمكن أداؤه كما هو مكتوب، ويمكن أداؤه بطريقة «البانتوميم» بلا حوار وإنما بموسيقى معبرة فقط، ويمكن حتى أداؤه على شكل رقصة باليه تعبر تعبيرا دقيقا عن كل محتواه.) ~~(حين تعود الإضاءة، تعود بحيث تظهر الشخصيات سيلويت طوال المشهد كله.) ~~(آدم واقف وظهره إلى المتفرجين، يحدق وكأنما من خلال حائط زجاجي كامل في شقته، حركاته وعصبيته تدل على أنه في حالة انتظار وأن انتظاره طال، ما يكاد الجرس يبدأ يدق حتى في قفزة يكون قد فتحه، ويبدأ يدخل متراجعا، بينما ببطء وبكبرياء تتقدم هيلدا، سيلويت أيضا، سلمته يدها وهو قابض عليها بكلتا يديه في حرص بالغ، ينحني ليقبلها فتسحبها منه وتبقيها إلى صدرها مكتوفة.) # آدم ~~: # ليه يا هيلدا؟ # هيلدا ~~: # لأني مش جاية اشترك في مسرحية، ولا أضحك على نفسي، ولا أسمح لك إنك تضحك على نفسك. # آدم ~~: # أنا خايف برضه تظلميني المرة دي زي ما ظلمتيني المرة اللي فاتت. # هيلدا ~~: # أنا مش ممكن أظلمك، مش لأنك ما تستحقش، ولا لأني كويسة، إنما لسبب واحد: إني بحبك. # آدم ~~: # بلاش ظلمتيني، حكمتي علي بقسوة على الأقل. # هيلدا ~~: # الأصح إني حكمت على نفسي. # آدم ~~: # حكم متسرع، المرة دي بارجوكي بلاش الأحكام السريعة. # هيلدا ~~: # وأنا أرجوك بلاش الافتعال، أنا من كتر إحساسي بيك بعرف اللي ح تقوله قبل ما تقوله، ولو قلت غير الحقيقة بعرف منها الحقيقة، يعني سواء قلت الحق أو قلت كدب ما يفرقشي عندي، إنما لو بالغت أو كدبت ح احس إنك بتهيني. # آدم ~~: # أنا؟ أهينك؟ إنتي؟ # هيلدا ~~: # أنا برضه مش ح اخدعك، أنا مش جاية هيلدا اللي بتحبك، مش الحب هو اللي جابني. # آدم ~~: # أمال إيه اللي جابك؟ # هيلدا ~~: # مجرد رغبتي إني أعرف جواب لسؤال ما حدش يقدر يجاوب ms42 عليه إلا انت. ~~(تبدو خيبة الأمل على آدم.) # آدم ~~: # بقى عشان كدة جاية؟ # هيلدا ~~: # أمال تفتكر جاية أتوسل إليك وأرجوك إنك تعطف علي وتحبني؟ # آدم ~~: # هيلدا ... بلاش الكلمات القاسية دي. # هيلدا ~~: # عندك حق، إنت مالكش ذنب، وأنا عارفة لو المسألة بالإرادة كنت لا بد ح تريد تحبني. # آدم ~~: # يا هيلدا الحب أنواع، والناس طرقهم في الحب مختلفة، إنتي حبك زي الصاعقة، في ومضة بينفجر ويصل إلى أقصى مداه، إنما يمكن أنا من نوع تاني، نوع، المفاجأة تربكه، طبيعته أقوى من قدرته على التعبير عن عواطفه، الحب العميق، زي المياه العميقة، الوصول إليه عندي صعب، ومليان مشاكل، وأخد ورد، وإقدام وتردد، وخوف وتهور. # هيلدا ~~: # الطرق مختلفة آه، بس المبدأ يا موجود يا غير موجود، وبرضه ده مش موضوعنا. # آدم ~~: # أمال موضوعنا إيه؟ # هيلدا ~~: # نارة قالت لي إنك عايز فرصة تانية ... وأنا وافقت عشان كمان أدي نفسي فرصة تانية، فرصتنا الأولى كانت لقاء وفرصتنا التانية سؤال، أنا ح اسأله وإنت عليك تجاوب عليه، وإجابتك هي اللي ح تحدد مصير الفرصة. # آدم ~~: # ح تحددها ازاي؟ # هيلدا ~~: # لأنها ح تحدد إنت إيه. # آدم ~~: # وإيه أهمية أنا إيه؟ # هيلدا ~~: # لأن عشان أحبك من غير ما تحبني لازم تستاهل تتحب لذاتك، الإجابة حتحدد ذاتك إيه، وبالتالي ح تحدد مصيري معاك. # آدم ~~: # ولو إني مش موافق على الفكرة ولا على إن العلاقات بين الناس بتقوم بسؤال أو بتنتهي بجواب، إنما ما دام دي رغبتك أنا مستعد أحقق كل اللي تطلبيه، إيه هو السؤال؟ # هيلدا ~~: # السؤال هو: ما دام مفيش من ناحيتك حب، إيه حرصك الشديد على أن علاقتنا تستمر لدرجة زي ما بتقول نارة إنها إذا انقطعت أو فشلت ح تنتحر؟ # آدم ~~: # دا انتي اللي بتسألي السؤال ده؟ أنا أفهم إن نارة تسأله، معلهش، أي حد غيرك، جايز، إنما انتي بالذات تسأليه؟ حاجة غير معقولة. # هيلدا ~~: # غير معقولة ليه؟ # آدم ~~: # لأنك انتي تعرفي الجواب، وأنا باستغرب ازاي بتتصرفي في علاقتنا بالبساطة دي وانتي عارفة الجواب. # هيلدا ~~: # وإذا ms43 قلت لك إني ما اعرفوش. # آدم ~~: # تبقي حاجة من اتنين؛ يا بتمتحنيني يا بتسخري مني. # هيلدا ~~: # يا إما أبسط من كدة وكدة ما اكونش بجد عارفاه. # آدم ~~: # أهو أنا دلوقتي متأكد إنك بتسخري مني. # هيلدا ~~: # دا أنا دلوقتي اللي متأكدة إنك بتهرب م الجواب. # آدم ~~: # أنا اللي بهرب؟ والله «هي» اللي بتستخبى؟ # هيلدا ~~: # هي مين؟ # آدم ~~: # احنا ح نلعب استغماية والبشرية مصيرها معلق في إيدينا؟ # هيلدا ~~: # أنا حقيقي ماعدتش فاهمة حاجة. # آدم ~~: # وأنا اللي ح يجنني ازاي انتي فاهمة كل حاجة، وبتقولي إنك بتحبيني وبتمكري علي المكر ده كله؟ # هيلدا ~~: # أرجوك يا آدم، أنا بجد عايزة أفهمك، وعايزة أصدقك، وانت باين فيه حاجات كتير عندك ومش عايز تقولها، مخبيها ليه؟ قولها ... إنت في كل العالم ده مش ح تلاقي واحدة تحبك أو مخلصالك أو تحافظ على أسرارك قدي، ما تخبيش علي حاجة، قول. # آدم ~~: # مش عيب تتحولي من دور المحبة إلى دور اللي بتستدرجني عشان توقعني؟ أنا اللي عايز اعرف هدفك إيه من اللعبة دي، عايزة تخليني اعترف لك بحاجات انتي أكتر واحدة عارفاها ليه؟ أرجوكي، قوليلي ليه؟ # هيلدا ~~: # إذا أقسمت لك إن ماليش أهداف، وإني حقيقي مش عارفة بتتكلم عن إيه، وإني بجد بحبك، وإني باطلب منك، بكل ما أملك من حب وإخلاص، ولآخر مرة إنك على الأقل تحترم عواطفي ناحيتك وتجاوبني ع السؤال اللي سألتهولك وتفسر لي إيه «هي»، وإيه البشرية، وإيه تأكدك إني عارفة حاجات مانيش عارفاها، إذا طلبت منك كدة لآخر مرة ح تعمل إيه؟ # آدم ~~: # ح اقولك أنا آسف جدا إني مش ح اقدر أحقق طلبك، إنما بارجوكي وأبوس إيديكي ورجليكي إنك ما تاخديش ده حجة تقطعي بيها علاقتنا. ~~(تنظر له هيلدا طويلا، نظرة ساخرة مريرة.) # هيلدا ~~: # وبتتكلم عن علاقتنا؟ وخايف إني أقطعها؟ أقطع حاجة مالهاش وجود؟ وعمرها ما اتوجدت؟ أنا أرجو بس إني ما اعشي أندم على الحب اللي حبيتهولك، واللي مخليني دلوقتي باندم حتى على إني ست. ~~(وفي لحظة تختفي وكأنها تبخرت.) ~~(ستار) ms44 # | الفصل الرابع # المنظر الأول # معمل الدكتور آدم # آدم ~~: # حضرتي كل حاجة؟ إوعي تكوني نسيتي توصلي سلوك جهاز رسم القلب. # نارة ~~: # أنا عمري نسيت حاجة يا دكتور، اشمعنى المرة دي ح انسى؟ # آدم ~~: # معلهش، زيادة في التأكد، دي التجربة نمرة 77 وآخر مرة راح أحاول فيها، ولازم ننجح، ماعدتش أقدر أستحمل فشل تاني، أنا تلافيت كل العيوب اللي كانت في الإنزيمات اللي فاتت ووصلت بده لحد الكمال. # نارة ~~: # إنت فعلا تعبت فيه. # آدم ~~(وكأنه يحدث نفسه) ~~: # أصلها مش مجرد تجربة أخرى أو حتى أخيرة، دي حطيت فيها آخر أمل لحياتي كلها، ما دام فشلنا في المهمة الأكبر، ماعدش قدامنا إلا إننا ننجح في دي. # نارة ~~: # بتكلمني يا دكتور آدم؟ # آدم ~~(تائها) ~~: # لأ. # نارة ~~: # أنا تعبت قوي يا دكتور من الحيوانات الغلبانة اللي بقالي أسابيع وكل يوم أشوفها قدامي بتموت، نفسي بجد ننجح المرة دي، أنا ماعدتش أقدر استحمل أشوف حيوان تاني بيموت. # آدم ~~: # أنا عارف أنا تعبتك معايا، بس تأكدي إن لحظة النجاح ح تضيع كل الألم. ~~(ثم مغيرا لهجته) # أظن مفيش داعي إني أقول لك، إنما احتياطيا حفكرك، دي الحقنة اللي فيها «إ. إ. م» (إنزيم إرادة الموت)، بنديها للحيوان لغاية ما جهاز رسم القلب يورينا إن القلب على وشك التوقف، بندي للحيوان الحقنة دي في الوريد، «م. أ. ح. 77» الجديد ده، إنتي عليكي خلال التجربة رصد سلوك الحيوان وحركته، وأنا ح اتابع الأجهزة، نبتدي. # نارة ~~: # اتفضل. # آدم ~~: # هاتي لنا المرة دي الأرنب نمرة 95. # نارة ~~: # 95 اللي هنا ده؟ ~~(مشيرة إلى الأرنب الموجود في قفصه السلكي على رف المعمل.) # آدم ~~: # أيوة هوه. # نارة ~~(تبدو عليها علامات انزعاج متزايد) ~~: # بس ... # آدم ~~: # بس إيه؟ # نارة ~~: # دا مفروض يستنى هنا على طول، ده «الكنترول» اللي بنقارن بيه التانيين. # آدم ~~: # ما عدناش عايزينه دي آخر تجربة، وحنستعمله هو بالذات فيها. # نارة ~~: # أرجوك يا دكتور ... أنا عمري ما طلبت منك حاجة أبدا، ممكن أتجرأ وأطلب منك طلب صغير؟ # آدم ~~(باستغراب) ~~: # طلب إيه؟ # نارة ~~: # ممكن عشان ms45 خاطري بلاش 95، نختار واحد تاني. # آدم ~~: # وإيه الفكرة يعني؟ ما كلهم أرانب زي بعض. # نارة ~~: # أصل ده بالذات بقاله معانا في العمل مدة، وأنا بنفسي اللي كنت بأكله وأحيانا كنت ألاعبه، وخد علي لدرجة أنه كان بيمد إيده من القفص ويلاعبني، الأرنب ده بالذات باحبه، وحتضايق قوي لو جرى له حاجة. # آدم ~~: # من الناحية دي ما تخافيش، دا انتي ح تنبسطي قوي إن أرنبك ده كان أول حيوان يستعيد إرادة الحياة وينجح التجربة. # نارة ~~: # بس الاحتمال التاني موجود. # آدم ~~: # بنسبة لا تذكر، ياللا ياللا ما تخافيش، دا لازم تحسي بالفخر إننا ح ندخله التاريخ. # آدم ~~: # وحياتك يا دكتور بلاش 95. # آدم ~~: # نارة، العلم مافهشي عواطف، وده أمر، ياللا، هاتيه. ~~(بصعوبة بالغة وألم زائد تتحرك وتجيء به وتسلمه لآدم وهي تودعه بنظراتها وكأنما الوداع الأخير.) # لأ، بلاش التكشيرة دي وحياتك، إحنا بنستعد للنجاح، الابتسامة مش أليق به؟ ~~(ينشغل آدم في استخراج الحيوان وتثبيته على منضدة للتجارب وإيصاله بالأجهزة المختلفة، بينما هو مستمر في الحديث.) # دا انت شقي بشكل، بقى هو ده يا ستي الحبيب المجهول؟ أنا قاعد أقول يا ترى نارة بتحب مين؟ بتحب مين، ويطلع في الآخر 95؟ يا بختك يا 95. # نارة ~~: # إنت متأكد يا دكتور أن الإنزيم ده حيدي نتيجة أكيدة؟ # آدم ~~: # أنا عمري ما كنت متأكد من نتيجة حاجة بعملها زي ما أنا متأكد المرة دي. # نارة ~~: # يعني أطمن؟ # آدم ~~: # ثقي إن حبيبك المجهول حيرجعلك بعد الرحلة الغريبة اللي حنبعته فيها ليخطف نظرة على وادي الموت والعودة بسرعة، وحيكون أول كائن حي يعمل رحلة بالشكل ده. # نارة ~~: # مش عارفة ليه ابتديت أتفاءل؟ الظاهر فعلا نجاحنا مش حييجي إلا مع 95. # آدم ~~(منتهيا من عمله) ~~: # دلوقتي كله جاهز، نبدأ الخطوة الأولى، إديني حقنة إنزيم إرادة الموت، اقريها كويس ... أ. أ. م ~~(نارة تتناول الحقنة وتقرأ ما كتب عليها ثم تعرضها تحت بصره ليطمئن) ~~. # مضبوط. ~~(يمد يده ويتناول منها الحقنة بصعوبة وكأنها تقاوم، بعد تردد قليل تخفي نارة وجهها إلى الناحية الأخرى في ms46 نفس اللحظة التي يصدر فيها عن الأرنب صوت تأوه، يسحب آدم الحقنة بعد نهايتها ويضعها جانبا.) # تمت الخطوة الأولى بنجاح. # نارة ~~(باضطراب) ~~: # ما هو دايما الخطوة الأولى بتتم بنجاح. # آدم ~~: # ارصدي لي الحركة والتنفس. # نارة ~~: # التنفس أسرع، الأرنب بتململ، وقف فجأة، بيشب بدماغه لفوق خالص، تنى رجليه اللي قدام، اللي ورا انتنوا رخرين، بيميل بجسمه ناحية الأرض عايز ينام، بقى على جنبه، التنفس بطيء، بقى أبطأ، أبطأ، يا دكتور آدم ... مش كفاية بقى؟ حانستنى لإمتى؟ # آدم ~~: # القلب لسة كويس. # نارة ~~: # التنفس بقى بطيء قوي، بيتهيألي إنه بطل يتنفس. # آدم ~~: # بيتهيألك بس، أنا عندي يا دوبك الموجة الأولى اتأثرت شوية، النهضة قوتها بتقل، الموجة التالتة بتنقلب. # نارة ~~(كالمستغيثة) ~~: # القلب لسة كويس. # آدم ~~: # دا مش شغلك، إديني الحقنة التانية، إوعي تغلطي، م. أ. ح 77 ح. # نارة ~~(باضطراب أشد وهي تتبع الحقنة تحت بصره) ~~: # مش مضبوط؟ # آدم ~~: # أعصابك يا نارة ... كلها مسافة الحقنة وخلاص. ~~(يغرز الإبرة في وريد الحيوان ويفرغها ثم يضعها جانبا.) # نارة ~~(منحنية فوق الأرنب) ~~: # 95 أرجوك، عيش، اصحى، إوعى تموت، أرجوك، إوعى تموت، يا دكتور، دكتور، إوعى يموت ~~(آدم يلقي ناحيتها نظرة صارمة ثم يعود لمراقبة أجهزته) # دا ما بيتحركش خالص، دا مات يا دكتور، دا مات. # آدم ~~(باضطراب وعصبية) ~~: # اسمعي، إذا كنت حتلخبطيني كدة، اخرجي برة الأوضة خالص، الله، سيبيني أشوف شغلي. # نارة ~~: # حاضر، شوف شغلك، بس انقذه، موتني حتى بس انقذه ~~(آدم ينهمك في تتبع أي نبض أو علامة حياة في أجهزته، يمسك بيديه الأرنب ويتفحصه، ينظر مرة أخرى إلى الأجهزة، يعود يتحسس الأرنب، ببطء يرفع رأسه علامة أن لا فائدة) ~~. # نارة ~~: # مات؟ ~~(آدم يخفض رأسه.) # مش ممكن يموت، انقذه، حرام عليك تسيبه كدة، شغل مخك ده ~~(وهي تهز آدم من كتفيه بشدة) # وانقذه، مش ممكن تسيبه للموت، دا كان حي وصاحي وكان زمانه حي وصاحي، إنت بس شاطر في إرادة الموت، آدي 77 فشل، شوف حاجة تانية، أي حاجة، بس أرجوك أرجوك انقذه. ~~(ثم تنخرط في ms47 بكاء قصير، تكف عنه وهي لاتزال منكفئة فوق الجهاز.) ~~(آدم ينهار على الكرسي ذي المسندين ويجلس نفس جلسته في بداية الفصل الثالث وقد أبعد ساقيه وتدلت ذراعاه علامة الاستسلام الكامل.) ~~(موسيقى) # آدم ~~: # إنتي إذا كنتي زعلانة على أرنب مات، أعمل إيه أنا في إنسان عزيز، أعز إنسان، خلاص قدام عيني أهه بينتهي ويموت؟ # نارة ~~: # كفاية مغالطات، الإنسان ده مامتش ولا حيموت، كل اللي حصل إنه فشل، والفشل له علاج، إنما فين العلاج للي حصل ل 95؟ # آدم ~~: # فشلي ده زي الموت، لأنه آخر فشل، ضاعت آخر فرصة ألاقي فيها سبب واحد يدعوني إني أعيش، المصل 77 كان آخر طلقة، آخر استغاثة حشدت فيها آخر ما أملكه من ذكاء وقدرة، والنتيجة أهه. ~~(نارة تحدق فيه دون أن تطرف أو تحول عينيها أو تنطق.) # عندك حق، كل اللي بتقوليه بنظراتك مضبوط، أنا نفسي باحتقر نفسي، ما فيش حد أتيحت له فرص أنه يعمل بحياته حاجة قدي، وما فيش حد خيب الأمل قدي، قولي، انطقي، ماعدشي فيه مساعدة وعالم، اللي موجود شاهدة ومتهم، اشتميني حتى لو عايزة، أي حاجة أهون من نظراتك دي. # نارة ~~(بادئة بصوت منخفض جدا لا يكاد يسمع متصاعدة به شيئا فشيئا) ~~: # إنت لا خايب ولا فاشل ولا متهم، ولا حتى أقدر أقول إنك جبان أو خواف، مشكلتي ازاي أقدر أفهمك مأساتك، إزاي أوريك إنك عرضت نفسك لقضايا كبيرة جدا، من إنقاذ البشرية، لاكتشاف إرادة الحياة والموت، للوصول لحاجات لم يصل إليها بشر، حاجات أكبر منك بكتير، ومش معنى كدة إنك صغير، أو معدوم المزايا، بالعكس إنت تعتبر أحسن من ناس كتير، تعتبر بالنسبة للناس العاديين كبير، بس المأساة الحقيقية بقى إنك مش كبير كفاية، القضايا اللي عرضت نفسك لها ما يكفيهاش مجرد قلب كبير ولا حتى حب كبير، قضايا عايزة واحد كبير جدا، وقلب كبير جدا، واحد من اللي بيصنعوا التاريخ، بيغيروا في مجرى الحياة، في حين إنك لا تصلح إلا متفرج على التاريخ، متفرج كبير صحيح، إنما مجرد متفرج، ms48 الفرق بين اللي بيصنعوا التاريخ واللي بيتفرجوا عليه، اللي بيغيروا الحياة واللي بيعيشوا الحياة، إن دكهم ناس عندهم القدرة والطاقة على الحب النادر، اللي بيخلق الإرادة النادرة اللي بتقدر تستحضر في الإنسان قوة غير عادية، بتقدر تسخر فيه كل نبضة وكل فكرة، وكل ذرة وحركة، لخدمة الهدف اللي عايزين يحققوه، الناس اللي بيقدروا يحبوا لآخر المدى، لحد الجنون والهوس، يحبوا من غير ما يحسبوا ولا يفكروا ولا يدخروا انفعال. فشلت في علاقتك مع هيلدا لأنك خفت من عاصفة الحب اللي قابلتك بها، خفت لأنك حسيت إنك لازم تقابلها بعاصفة حب أكبر، حب يسيطر عليك هو، مش حب زي ما انت عايزه على قدك تسيطر عليه إنت، وتقدر تتحكم فيه. تجاربك بتفشل لأنها مجرد وسائل تبقى بيها عالم ومشهور وتاخد جوايز ومناصب، مع إن المفروض في واحد اختار الحياة والموت موضوع يبحث فيه، إنه ياخده قضية حياة أو موت، قضية واحد مآمن وحابب الحياة إلى درجة الجنون وكاره الموت كره حقيقي لا مكان فيه للتفكير في جوايز أو مناصب، اللي يكتشف الإرادة دي لازم يكون عاشق نادر للحياة وللإنسان، مأساتك إنك المحب اللي مهما كان كبير فهو صغير لأن هدفه صغير وبيحققه بإرادة صغيرة، والمحبين الصغار اللي زيك كتير قوي، ماليين الدنيا، إنما أسوأهم هما الصغيرين المتنكرين في أثواب الكبار. # آدم ~~: # نارة! # نارة ~~: # أنا خيبة أملي فيك خيبت أملي في الحياة كلها وفي نفسي، أنا كنت فرحانة إني جاية أشتغل مع راجل كبير، مصيبة كبرى إني أكتشف إن جواه قلب فار مذعور، بيخاف على نفسه حتى إنه يتحب بجنون، الدنيا ما بيضيعهاش إلا الناس اللي زيكم، الطموحين جدا، اللي حاطين قدام عينيهم أكبر وأعظم أهداف، مش عشان تتحقق، إنما عشان يا هما اللي يحققوها، يا عنها ما اتحققت، عشان هما اللي يركبوها ويسخروها. ~~ أنا قرفانة، منك، ومن كل اللي زيك، قرفانة من الناس اللي أكتر م الناموس اللي الحياة عندهم هي إنهم يعيشوا وبس، مش مهم ازاي، إنما المهم إنهم يفضلوا ms49 موجودين، يتلزقوا على قفاهم مش مهم، يعيشوا زي الدود ما يجراش حاجة، ييجوا للدنيا بالملايين ويقضوا العمر على قد ما يقضوه ويسيبوها وكأنهم ما كانوا، لا اتغير حاجة فيهم ولا غيروا في الدنيا حاجة، إذا كنتم أنتم الأحياء، فالموت أنظف وأشرف وأنبل ودليل حياة أنصع، وقدامك أهه، أنا، المرة دي، اللي حقوم بتجربة أثبت لك فيها إن الإنسان الحقيقي لا يمكن يحتمل حياة زي حياتكم، يا نعيش حقيقي بني آدمين، يا ننهيها بإدينا ونموت، الحياة ما اتخلقتش أبدا لبني آدمين يعيشوها فيران، يا سيدي الفار الصغير المتشبث بحياته الصغيرة ... بص. ~~(بسرعة هائلة تتناول حقنة من مصل الموت وتفرغها في فخذها الأيمن، ويحدث هذا كله في ومضة مفاجئة بحيث ما إن يبدأ آدم يتبين حقيقة ما حدث حتى تكون نارة قد أفرغت محتويات الحقنة تماما في جسدها.) ~~(يهجم عليها آدم وينتزع الحقنة من فخذها ومن يدها، ويصفر وجهه رعبا حين يراها فارغة تماما.) # آدم ~~: # إزاي تعملي كدة؟! تموتي نفسك عشان تثبتيلي إني صغير؟! دا لا أنا ولا غيري ولا تافهين الدنيا كلها يساوي ضفر من ضوافرك، تنتحري؟! إنتي مش عارفة انتي مين؟ ~~ إنتي نارة، نارة، عارفة يعني إيه نارة؟ تموتي يا نارة؟ إزاي تموتي؟ دا انتي نارة، نارة، نارة! # نارة ~~(بصوت خفيض وإن كان قد بدأ ينخفض) ~~: # إنت اللي مش عارف نارة تبقى مين. # آدم ~~: # إزاي مش عارف؟ أنا عارف، دلوقتي بس عرفت الحاجة اللي عمري ما عرفتها، نارة، إنتي ... # نارة ~~(مواصلة بنفس الطريقة والطبقة) ~~: # ولا يمكن ح تعرف، أنا مش نارة يا دكتور آدم، أنا هي. # آدم ~~: # إيه؟! إنتي إيه؟! إنتي ... هي؟! إيه الكلام اللي بتقوليه ده؟ إنتي عايزة تفجعيني أكتر وخلاص، أرجوكي، أنا عايز أنقذك، وما فيش قدامي غير نص ساعة، «هي» ما طلعت هيلدا وفشلنا معاها الفشل الأعظم وانتهينا. # نارة ~~(بابتسامة وقد بدأ صوتها يضعف) ~~: # فشلك الأعظم كان معايا، هيلدا كانت شجرة التمر حنة، فاكر؟ عفيت عنها وعملت هالك ست عشان تحرك فيك أي قدرة على الحب. # آدم ms50 ~~: # هيلدا كانت شجرة التمر حنة؟ وإيش عرفك بشجرة التمر حنة؟ وإيش عرفك بيها؟ ~~(ثم وكأنه لأول مرة يدرك) # إوعي تكوني «هي»؟! الله، إوعي بجد تكوني هي، هو ده معقول ؟ «هي» مش ممكن تنتحر، دي عارفة كويس إنها أمل الدنيا الوحيد، معقول تضيعه ببساطة كدة؟ # نارة ~~: # أنا مش بانتحر في لحظة يأس، وبموتي ما با اضيعشي حاجة، أنا ما قررتش أموت إلا لما انتهى كل شيء وضاعت الفرصة الأخيرة وفشلت معاك، وأنا ما اقدرشي أعيش أتسول أمل. # آدم ~~: # تتسولي أمل؟ أنا حتجنن، تتسولي ازاي؟ الأمل موجود طول ما انتي عايشة، ولازم تعيشي عشان ما يموتشي، المهم تعيشي، حياتك هي الأمل، مجرد حياتك أمل. # نارة ~~(بضعف أكثر) ~~: # أهو دا السراب اللي بتضحكوا بيه على نفسكم عشان ما تواجهوش الحقيقة، وبالذات لما الحقيقة بتبقى اليأس، لو تيأسوا مرة يأس حقيقي تواجهوه وتبقوا مسئولين عنه، أشرف لكم ألف مرة من حياة ذليلة جبانة بتهربوا فيها حتى من مسئولية اليأس. # آدم ~~: # اسمعي! دا كله كلام فارغ، أي منطق ولو نازل م السما مستحيل يقنعني إنك تموتي، «هي» مش ممكن تموت ~~(تكون قد بدأت تنهار فيحملها بين يديه كالطفلة ويدور بها كالمجنون في المعمل) ~~. # نارة ~~(وقد بدأ صوتها يضعف تماما) ~~: # أنا أهو باسلم وجنس بحاله بيلفظ معايا آخر أنفاسه، كل اللي حيبقى منه حكاية، حكايتي معاك، اعتبرها كانت حلم، أحسن له إنه يفضل حلم، وإنه بعد شوية يتنسي ... ~~(تغمض عينيها وتروح في غيبوبة الموت.) # آدم ~~(بفزع مخيف) ~~: # مستحيل، مش ممكن، إنتي مش حلم، إنتي حقيقة أهه، وعلي أنا إنها تفضل عايشة، «هي» إنتي سامعاني يا نارة، لازم تسمعيني، لا يمكن تموتي، إنتي «هي» ربة الحياة لا يمكن تموت، حقيقة ولا حلم، أنا صغير ولا كبير، قادر ولا مش قادر، لازم أعملها ولوحدي ضد المحتوم، مفيش محتوم، ما فيش موت، مش ممكن البشاعة تنتصر، مش ممكن الهزيمة تنتصر، يا كل الحياة اللي عاشت قبلي عشان أنا أعيش، يا كل الحياة اللي حتعيش بعدي لما أعيش، يا اللي ms51 من دودة عملتني راجل، لازم حتقدر من راجل تعملني قادر، وإرادتي تبقى أمر، وأمري نافذ، إوعى يا قلب تبطل دق، إوعى يا جسم تسلم، يا حياتي دوبي في حياتها ، يا إرادتي اعملي إرادتها، أنا وصلت، بالرعب الكامل وصلت، أنا باتغير، شيء مهول بيحصل لي، لأول مرة في حياتي باحس إني قادر على كل شيء. إزاي كنت عميان عن الحقيقة، الموت مش النهاية، مش ممكن يكون النهاية وإلا لكان كل شيء حي انتهى وراح، الحياة هي الرد المستمر على الموت، إنزيم الحياة لا بد هو الموت نفسه، هو أصغر جرعة من إنزيم الموت. ~~(فجأة تئوب حالة الهياج المنشرح والتفاؤل إلى انقباض مفاجئ.) # بس ازاي نحددها، أنهي أصغر جرعة؟ لأي درجة نخفف إنزيم الموت؟ ماعدشي قدامي إلا بالكتير خمس دقايق، يا دوب يسمحوا بتجربتين، ولازم أبتدي فورا، أبتدي بإيه؟ الألف أنسب بداية، واحد على ألف، وناخد واحد سنتي ~~(ينشغل بوضع مقادير صغيرة من مصل الموت في أنابيب مدرجة يخففها بالماء، ويقيس، ثم يأخذ قطرة من المحلول المخفف يضعها في مقادير أخرى، ويخففها، وهكذا) ~~. ~~(يملأ حقنة سعتها سنتي متر بالمحلول المخفف ويحقن بها نارة، وبرتقب مخيف ينتظر النتيجة، تظل نارة مغمضة العينين كالجثة الهامدة.) # آدم ~~: # التجربة الأولى فشلت، ماعدشي إلا التجربة الأخيرة، ماعادشي إلا رقم أقامر عليه بكل حاجة، بحياتها وحياتي وحياة آلاف الملايين، يا ربي، اللعبة أكبر من طاقتي، أواجه ازاي ميت ألف احتمال، كل احتمال منها زي الوحش الكاسر المخيف، اللحظة فاصلة، عايزة مخ أكبر من مخي وقدرة أكبر من قدرتي يا رب، عايزة استدعاء القوة الخارقة الأعظم، يا رب آخر شمعة حب في الكون في ثواني ح تنطفي ويسود الظلام إلى الأبد، وإذا ماتت ح اموت ~~(يمسك بيده حقنة ممتلئة ويرفعها) # بحقنة الموت دي ح احط لنفسي النهاية، يا رب، اعطيني كل قوتك، يا أيتها القوة الخارقة الأعظم ~~(باستغاثة منبعثة من كل ذرة في كيانه) # النجدة! ~~(كما يتحول دوي القنابل إلى عزف كمان، يتحول صوته المرعوب المستغيث الذي يطلقه وكأنما ms52 ليسمعه لكل قوى الكون، يتحول إلى همس خاص لا يخاطب به سوى نفسه) # سبعة، أيوة سبعة، العدد سبعة بيلح، من زمان بيلح، من زمان شايفه وسامعه ومش قادر أبعده ، كل ما اطرده ألتفت ألقاه، يكونشي ده الجواب؟ يكونشي القوة الخارقة الأعظم بترد؟ سبعة، لازم يكون سبعة، أنا ماعدتش متأكد من حاجة إلا إن الرقم اللي أنا عايزه سبعة، التخفيف واحد على سبعة آلاف والكمية سبعة سنتي، هكذا ومنذ الأزل تقرر ~~(ينشغل في عمليات التخفيف المستمرة وهو يقول) ~~: يا آخر أمل في آخر لحظة في آخر عمل حاقوم به في حياتي. ~~(أخيرا يملأ الحقنة، وبيد ترتجف بالانفعال، وبدموع بلا وعي قد بدأت تهطل، يدفع الحقنة في وريد نارة التي كان قد أرقدها فوق البنش، وببطء يحقن المحلول، يسحب الإبرة، يمسك يدها ليجس النبض، العرق يتفصد من كل جسده ويختلط بالدموع، بكفه يمسح عن عينيه العرق والدموع ليستطيع الرؤية، هو في حالة ترقب لم تحدث لإنسان بمثل تلك القوة. فجأة، وكأول قطرات تتدفق من الحياة، تفتح نارة عينيها، يحدق فيها لحظة بعينين مرعوبتين، ثم فجأة تصدر عنه وبأعلى صوت صرخة.) # آدم ~~: # النبض رجع. ~~(تبدأ نارة تتنفس.) # التنفس راخر. ~~(يبدأ التنفس ينتظم ويقوى.) ~~(ينكفئ آدم برأسه على يديه ويبكي وينهنه ويمسح دموعه في كم البالطو.) ~~(نارة أو «هي» تفيق وتبدأ تجول بعينيها حتى تقعا عليه، فتمد يدها بضعف وتضعها فوق رأسه، يكف عن البكاء، يرفع رأسه إليها وهو يضم يديها بيديه ويقبلهما، تستدير نارة بوجهها لتقابله، وفجأة تبتسم بعذوبة.) # آدم ~~: # وكمان بتبتسمي؟ يا سلام أول مرة أحس يعني إيه ابتسامة، دا الحياة كلها مجرد ابتسامة زي ابتسامتك دي. # نارة ~~(بصوت ضعيف تبدأ تتسرب إليه شيئا فشيئا القوة) ~~: # لازم قدرت تكتشف المصل، إزاي وصلت له قبل ما اموت ازاي؟ # آدم ~~: # مش عارف ... مش عارف ازاي. # نارة ~~: # لازم خفت علي قوي. # آدم ~~: # خفت وبس؟! دا الرعب اللي حصل لي عمره ما حصل لبشر. # نارة ~~: # طبعا لأنك عرفت إن اللي حتموت «هي» مش نارة. # آدم ~~: # بس ms53 أنا ماكنتش مرعوب على هي ولا كنت بانقذها. # نارة ~~: # إيه؟ أمال كنت بتنقذ مين إن ما كانشي هي؟ # آدم ~~: # الحقيقة كنت بانقذ نارة. # نارة ~~: # ناره؟! بقى نارة كانت أهم عندك من هي؟ # آدم ~~: # نارة اللي اكتشفت بالضبط في لحظة ما بافقدها إني باحبها حب عمري ما تصورت إني قادر عليه، حب من ضخامته ما كنتش شايفه، حب اتأكدت في الحال إنه حبي الكبير المجنون اللي كان مخليني متمسك بالحياة عشان أحس بيه. # نارة ~~: # طب وهي؟ دا «هي» كانت كل أمانيك وأحلامك، حبك ورسالتك وإيمانك، هي كانت كل حاجة بالنسبة لك، دا حتى شكلا، عمرك ما تصورت إنك تحب واحدة زي نارة، طول عمرك تدور على واحدة زي هيلدا من نوع تاني خالص. # آدم ~~: # يا خبيثة، إنتي عارفة كويسة قوي إيه النوع اللي باحبه، وعشان كدة دخلتي حياتي، إحنا مش بنحب بأحلامنا، إحنا بس بنحلم بحرماننا، إنما لما بنحب بنحب بحقيقتنا. # نارة ~~: # طب ما أنا كنت جنبك طول الوقت. # آدم ~~: # ما هو ده الغريب، أحيانا بيبقى أبعد الناس عنا هم أقرب الناس لينا، زي ما أحيانا بيبقى أقرب الناس لينا هم أبعدهم عنا. # نارة ~~: # طب اعدلني أرجوك. # آدم ~~: # لأ لأ لأ لأ ... ما فيش داعي، خليكي مستريحة، بلاش أي مجهود، جسمك لسة كله على حافة الحياة. # نارة ~~: # أرجوك اعدلني. # آدم ~~: # ليه بس؟ # نارة ~~: # اعدلني وأنا أقول لك. ~~(بحرص بالغ وكأنها من زجاج يعدلها.) # آدم ~~: # خسارة المجهود ده كله. # نارة ~~: # أبدا ... مش خسارة إني أبوسك. # آدم ~~: # تبوسيني تهنيني يعني؟ وعلى إيه التعب؟ # نارة ~~: # أبوسك حب يا دكتور، يا آدم يا اللي استنيته إنه يلقاني كتير، ويئست ومت عشان ألقاه. # آدم ~~: # بس أنا فعلا زي ما قلتي صغير، مش كبير كفاية، أنا ما اتخلقتلكيش، إنتي عايزة واحد قادر على الحب المجنون النادر اللي أنا ما أقدرشي عليه. # نارة ~~: # اللي يعمل اللي عملته، وعشان يحيي نارة يكتشف في لحظات وبمجهود خارق معجز، مصل إرادة الحياة عشان يحييها مش يبقى بس قادر على الحب النادر، ms54 دا يبقى إنسان فريد، ظاهرة، مش كبير وبس، مثل أعلى للكبار. # آدم ~~: # بس أنا ما ليش فضل في اللي حصل، دا منك، إنتي اللي عملتي مني كدة. # نارة ~~: # ما أنت راخر اللي خلقتني، أنا كنت مت فعلا واللي عايشة قدامك واحدة من صنعك إنت، قرب، أنا مشتاقة لك وكأني عمري ما شفتك، قرب، عايزة أبوسك، آن الأوان بقى إننا نخلق الجنس التالت الجديد. ~~(يقتربان وقبل أن تتلامس شفاههما يسدل الستار.) ~~(ستار) ms55