######OpenITI# #META# URI: 1412YusufIdris.LughatAyAy.Hindawi62631583 #META# Tags: novels #META# ID: 62631583 #META# Title: لغة الآي آي #META# AuthorID: 95064085 #META# Author: يوسف إدريس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # حالة تلبس‏ # الزوار‏ # معاهدة سيناء‏ # قصة ذي الصوت النحيل‏ # الورقة بعشرة‏ # فوق حدود العقل‏ # هذه المرة‏ # لغة الآي آي‏ # اللعبة‏ # لأن القيامة لا تقوم‏ # الأورطي‏ # صاحب مصر‏ # حالة تلبس‏ # الزوار‏ # معاهدة سيناء‏ # قصة ذي الصوت النحيل‏ # الورقة بعشرة‏ # فوق حدود العقل‏ # هذه المرة‏ # لغة الآي آي‏ # اللعبة‏ # لأن القيامة لا تقوم‏ # الأورطي‏ # صاحب مصر‏ # | لغة الآي آي # | لغة الآي آي # تأليف # يوسف إدريس # | حالة تلبس # حينما ضبط المنظر. لم يكن عميد الكلية هو الذي غضب والتهبت الدماء في عروقه، ولكنه ~~الطفل الذي ولد وتربى في «سوهاج» ومنذ أن بدأ يعي فهم أنه قد يكون مباحا للرجل ~~وعيبا للشباب ومحرما تحريما قاطعا على الأطفال ولكنه للنساء جريمة، أكثر من جريمة، ~~قد يوازي هتك العرض، فما بالك وهي ليست رجلا ولا طفلا ولا حتى سيدة ولكنها فتاة، ~~بنت لا تتعدى السابعة عشرة بأي حال. # وحين وصل الغضب قشرة العقل المكتسبة، وانفعل العميد الذي فيه، كان أكثر ما ضايقه أنها ~~لا بد في السنة الأولى، طالبة جديدة، يعني بالأمس فقط كانت طفلة في ثانوي. # ورغم كل غضبه لم يتحرك إلا حينما تحرك الوالد الذي فيه وتململ، وأدرك كالمدهوش، ~~أنها تكاد تكون في سن ابنته «لمياء»، حينما فقط استدار مغادرا النافذة في طريقه إلى ~~حيث أزرار الجرس الموضوعة في مكانها الخالد الذي يتوارثه العمداء فوق المكتب. # وربما لو كان في الحجرة أحد .. أستاذ أو لجنة أو حتى لو كانت في انتظار مقابلة كائن ما ~~لكانت الحركة قد اكتملت وكانت يده حتما قد وصلت إلى الزر. والساعي المرابط أمام الباب حضر ~~والفصل لأسبوع أو لأكثر من الكلية أو حتى الزجر والضرب قد حدث. # ولكنه كان وحده في حجرة العميد الواسعة المهولة ذات النافذة الجانبية الضيقة. والحجرة ~~تغري بالتريث، والنافذة الضيقة تغري بتدقيق النظر وفي حالته كان الإغراء كبيرا بإعادة ~~النظر. # وعاد إلى استمرار النظر. # الحجرة في دور أول لا يرتفع عن الأرض قليلا. والفناء الخلفي الذي تطل عليه النافذة ~~الجانبية خال تماما من الطلبة فهو ms001 في العادة مكان غير مرغوب من الطلبة، والساعة اقتربت ~~من الثالثة. واليوم الدراسي انتهى، ولولا مراجعة جدول الامتحان لما كان هو نفسه قد بقي ~~إلى هذا الوقت ولما قام من النافذة منهكا يتثاءب ويتمطى ويأخذ فكرة عن الجو بالخارج. ~~ولما شاهدها، تلك الطالبة الصغيرة التي ما إن بدأ عقله يتساءل عما أتى بها إلى هذا المكان ~~المهجور، وبعد انتهاء الدراسة، حتى كان الغضب قد اجتاحه. وجدها بكل بساطة وتحت أنف نافذته ~~تخرج - بل أخرجت فعلا - علبة سجائر من حقيبة يد مستطيلة ضخمة، وعبثت بكراريس ~~المحاضرات المختلطة بأدوات التجميل قليلا، وما لبثت أن أخرجت علبة كبريت أيضا. # طالبة. واضح تماما أنها لا بد في السنة الأولى. تدخن وتحمل معها في الحقيبة علبة ~~سجائر وعلبة كبريت؟! # هكذا من النظرة الأولى تفجر الغضب. # ولكن النظرة التالية كانت نظرة مذهولة يستبعد تماما أن يصدق أن شيئا كهذا يمكن أن ~~يحدث، مؤجلا التصديق إلى أن يراها فعلا وهي تدخن .. خاصة والفتاة كانت لا تزال ~~ممسكة السيجارة في يد والكبريت في يد أخرى، وكأنما لم تقرر بعد ماذا تفعل ~~بشأنهما. # وتأملها العميد، كانت طالبة عادية، لا يمكن إذا رآها في مجموعة أن تستوقف النظر، ~~شعرها مهوش على طريقة الجيل الجديد في الأناقة، وعيناها ذابلتان، لا بد من المذاكرة ~~والسهر، متكئة، تكاد تكون مستلقية - بعد يوم متعب حافل - على الأريكة التي لا يستعملها ~~أحد، ولكن شبابها الفائر يكاد يقفز من وجنتيها المحمرتين رغم قمحية بشرتها، ومن جسمها ~~البارز في أكثر من مكان من ملابس الطالبة الرخيصة التي ترتديها. # وبوغت العميد حقيقة وهو يلحظ فجأة أنها بأصابع اليد الواحدة .. أصابع تلون سبابتها ~~آثار الحبر، قد فتحت علبة الكبريت، وباليد الأخرى، بيد ثابتة لا اضطراب فيها ولا خوف، ~~وبحركات تلقائية ليس فيها من مجهود الإرادة شيء، ثبتت السيجارة في فمها وأدارتها دائرة ~~كاملة بين شفتيها، وكأنما لتبلل - كالمدخنين العتاة - فمها (الفلتر)، وبنفس التؤدة ~~والتلقائية، وبضربة لا أثر للتدبير فيها، أشعلت العود ولم تقربه من السيجارة في الحال، ~~أهملته بين ms002 إصبعها قليلا، وكأنما تستمتع برؤيته يحترق. ثم ما لبثت ببطء، ودون أن تنظر، ~~وبعينين هائمتين في جدار الفناء البعيد، أن قربت العود بحيث لامست شعلته طرف السيجارة ~~دون أن تحيد يمينا أو يسارا، وكأنما يدها مدربة على الطريق. وجذبت نفسا واحدا ~~اشتعلت بعده السيجارة. وبالدخان الخارج، بعد ابتلاعه، من فمها، أطفأت العود، ثم ما لبثت أن ~~ألقته في إهمال غريب فوق عشب الممشى القريب. # وجن جنون العميد، إنها مدمنة داعرة الإدمان أيضا، إنه هو نفسه يدخن ولا يفعل ~~شيئا كهذا، إنه يشعل سيجارة كلشنكان ويدخنها كيفما اتفق، ولكن هذه، متى وكيف وفي أي ~~بؤرة فساد تعلمت كل هذا. إنها حتى لا تشعل الكبريت كالنساء التي قرأ مرة أنهن ~~يشعلن العود من الناحية البعيدة خوفا غريزيا من ناره على ملامحهن وشعرهن، وفقط بعد ~~الاطمئنان إلى شعلته بعد خفوتها يجرؤن على تقريبه منهن، أما هذه ال... الطالبة، طالبة أولى ~~هذه .. لا تخاف العود ولا النار، ويبدو أنها لا تخشى شيئا في الوجود .. إنها لا يمكن ~~أن تكون في السابعة عشرة .. سن ابنته .. لا بد أنها أكبر بكثير .. بسنتين لا بد، أو ~~حتى بأيام .. إنها جرثومة، إن الفصل أسبوعا واحدا لا يكفي أبدا .. الرفد النهائي ~~هو ما يجب عمله، لا أقل من الرفد النهائي. # ولكنه لم يعرف كيف حدث هذا، فقد وجد شيئا أكبر بكثير من كل غضبه وكل حماسه للضغط على ~~الجرس واستدعاء الساعي واتخاذ بقية الإجراءات، شيئا أجبره على أن يقف في مكانه لا ~~يتحرك وينتظر ويعاود الرؤية. # ورفعت الفتاة يدها إلى فمها مرة أخرى، ولكنها انتظرت قليلا بفم السيجارة قريبا من ~~فمها، ثم بدا وكأن الوقت قد حان، وهكذا ببطء لا تلكؤ فيه أسبلت جفونها حتى كادتا ~~تغلقان تماما، ثم ضمت شفتيها حتى ضاقت الفتحة بينهما وتكرمش غشاؤهما، ومن الفتحة ~~الضيقة أدخلت فم السيجارة، وجذبت نفسا، لا لم يكن جذبا، كان امتصاصا، ليس امتصاص دخان، ~~لكأنه رشف أعظم سعادات البشر، رشفة ببطء وباستعذاب وبملايين الأفواه، كل خلية من خلاياها ~~بدت ms003 وكأنما أصبح لها فم تجذب به وترتشف ويتموج جسدها كلها تموجا غير منظور، وعلى دفعات ~~وكأنه عطشان يجرع أعذب الماء ويريد أن يستمتع بكل قطرة من قطراته، حتى إذا ما بدا ~~أن كل دقيقة فيها قد أخذت كفايتها وظفرت بسعادتها الخاصة، رفعت السيجارة عن فمها ببطء ~~وكبرياء، وعينين قد فتحتا ببخل شديد، وكأنها تخاف أن تهرب من فتحتيهما النشوة. # واستحال غضب العميد إلى لحظة صدمة مفاجئة تكاد تتحول إلى ذعر .. خوف شديد أن يستمر في ~~الرؤية، خوف الخائف على نفسه هو من استمرارها، والفناء بدا له كالبقعة المهجورة المقطوعة عن ~~العالم، يحفل بسكون، وزمتة، ورائحة ربيع مقبل مخيف، وقرب أيام نهاية العام والامتحان، ~~والفتاة كأنها جنية من جنيات الظهر، انشقت عنها خرابة الفناء فجأة، متكئة - تكاد تكون ~~مستلقية - فوق الأريكة ذات الحديد المتراكم فوقه الزمن والصدأ، الناقص مقعده خشبة ~~الوسط. # وبرهبة المذهول هذه المرة راح يترقب كيف تخرج النفس .. فمها المضموم أبقته مضموما ~~هنيهة، ثم فتحته نصف فتحة، وبحركة فيها كسل أنثوي ضاقت له عيناه راحت توسع من فتحته ~~قليلا قليلا، في نفس الوقت الذي كان صدرها قد بدأ يتسع وكأنها بسبيلها إلى التنهد ~~حرقة ولوعة، ربما على فراق تلك السحابة الدخانية الصغيرة التي فجرت في جسدها المستلقي ~~تعبا واسترخاء حيوية وأضافت إلى صباها صبا يتسع حتى ليجذب الدخان إلى أعمق أعماقها، ~~ليلامس أقصى أرجائها وليلتقي بكل جزء من صميم صميمها لقاء الوداع. وفي نفس الوقت الذي ~~يعود فيه الصدر إلى وضعه الطبيعي وحجمه، يكون الدخان هو الآخر قد بدأ يخرج، من الشفتين ~~المنفرجتين أضيق أوسع انفراج .. تخرج دفعاته الأولى مرسلة على سجيتها دون ضغط أو ~~إكراه، تصنع دوائر لولبية وضبابات ثم تتلوها الدفعات الخارجة بالإرادة متأنية موجهة قد ~~شحب دخانها وتغير لونه وكأنما امتصت منه كل النضرة والحياة. # قطعا لا بد من فصلها. في منتصف السيجارة تماما والجريمة سيدق الجرس ويهمس إلى ~~الساعي ويذهب الرجل ويطبق عليها وساعتها سيعرف اسمها ويفصلها. # ذلك كان قراره، ولكن ما ضايقه في الحقيقة ms004 أنه بدا وكأنه قرار شخص آخر، بعيدا جدا، ~~ذلك البعد الذي أصبح بين عقله وإرادته، إرادة لا يدري لماذا هي رخوة لا تستطيع أن تنفذ ~~أمرا وكأنما هي واقعة تحت تأثير مخدر سخيف ملعون لا يعرف كنهه، إدارة لم تعد تستطيع ~~أن تفعل إلا أن تنظر وتستمر تنظر. # وأخذت الفتاة نفسا آخر، وهذه المرة أخرجت دخانه من فمها وأنفها معا، أنف فتحاته صغيرة ~~دقيقة كأنها براعم، فتحات يخرج منها الدخان باهتا معتصرا ليصطدم بالدخان الخارج من ~~الفم الضيق المضموم المكرمش. # وأحس العميد بأشياء داخله تتنبه. وتلفحه سخونة ليس مبعثها الجو .. وبسرعة في دقات ~~القلب لا علاقة لها بمرض الضغط. # وتوالت الأنفاس، وفي كل مرة تجذب النفس على مهلها وبتلذذ سعيد تنغلق له عيناها، ~~وكأن شفتيها المضمومتين على فم السيجارة تبتهلان لشيء أو ترشفان شيئا، رحيق السعادة ~~ربما أو إكسير الحياة ويسترخي جسدها ويتدغدغ للنفس ثم تبدأ عملية الإخراج، وتفعل هكذا ~~كله باندماج شامل تام وبلا إرادة .. وبطبيعية لا تكلف فيها ولا اصطناع، والأنفاس ~~تتوالى ويستحيل ما يحسه العميد إلى تيار غريب يجوب جسده كله مع كل نفس، ولا يوقظه من تعب ~~يوم أو إنهاكه ولكن يوقظ أجزاءه وأجهزته من رقدة عمر طويل، ويمحو هكذا في ومضة آثار سنين ~~وأمراض ومشاغل وحياة تصلبت وجفت واستحالت إلى درب ضيق محدود، من ناحية منه زوجة جف ~~منها ماء الحياة ولم تعد تفعل إلا أن تناكف وتضايق، وفي الناحية الأخرى عمل وروتين لا ~~جدة فيه ولا أمل. وصراع، وما بينه وبين رئيسه مدير الجامعة من حزازات، وهو كالبندول رائح ~~غاد بينهما، الكلية تدفعه إلى البيت والبيت يدفعه إلى الكلية، بندول عجوز مصاب بأكثر من ~~مرض ووجع وفي صدره أحقاد. # ومنتصف السيجارة الذي كان قد حدده وصلته الطالبة، ولكنه كان في حال لم يعد يعرف إن ~~كان ما يحسه سخطا أم إعجابا أو إن كان انفعاله انفعال نشوة أم اشمئزاز، كل ما أصبح ~~يفعله، حتى ولو لم ترض إرادته، أن يظل يرى الفتاة ويراقبها .. جسده ms005 نفسه، عيناه، أنفاسه، ~~لسانه الذي بدأ يجف في حلقه، ساقاه اللتان شدت عضلاتهما واشرأبت، كلها تراقب، كلها مع ~~الفتاة وسيجارتها في التحام لا يمكن فصله أو إنهاؤه، التحام متواصل حي ينبض نفس نبضها حين ~~تطبق بفمها الضيق على فم السيجارة وتجذب وتدوخ بالنشوة ثم حين تفتحه نصف فتحة أو بأنفها أو ~~بهما معا تخرج اللوعة والحرقة والنفحات الهاربة وفي أعقابها تلك التي تدفعها لتخرج برفق ~~وحنان وتؤدة .. نبض متوال متسارع، والتحام ذو حرارة مستمرة متزايدة تتصاعد إلى أعلى مراتب ~~عقله وتذيب، تذيب أشياء كثيرة، تذيب أفكارا تحجرت كالمومياء المصبرة وأصبحت حكما وعقائد، ~~وتفتح مناطق حاصرتها التقاليد وعزلتها، وتفد الأفكار بسهولة وتنطلق بسهولة ويبدو المستحيل ~~ممكنا، ولماذا الحرس والساعي والتأنيب والفصل؟ ألأنها تدخن وسنها سبعة عشر عاما ~~ولأنها طالبة، وما الفرق بين أن تدخن وهي طالبة وتدخن وهي خريجة وكله تدخين في تدخين، ~~ولماذا نحرمه على جسد شاب فائر، ونحلله لسيدة أو لعجوز تسعل وتكح وتبصق كلما جذبت ~~نفسا، أليس هو قائل نفس المبادئ وهو في العشرين والثلاثين حين كان في بعثته يرى أن ~~مشكلة مجتمعه الأساسية أن أفراده يحيون في عصر بتقاليد قرون مظلمة مضت، وأن بلاده لا ~~يمكن أن تصل إلى أي تقدم علمي أو صناعي أو حضاري إلا إذا تم التحرر وعاش الناس فيه ~~بتقاليد عصرهم نفسه وقيمة وأنواع حرياته .. بإعطاء أفراده حتى حرية الخطأ وألا نمنعهم ~~بالنصح والزجر عن خوض التجارب ونورثهم صوابنا نحن وخطأنا، بل نتركهم لكي يستخلصوا هم من ~~تجاربهم ما يرون أنه الصواب وما يرون أنه الخطأ. # وبدأ جسد الطالبة الصغيرة يتململ ويتلوى، ونهمها إلى جذب الأنفاس يشتد ويتلاحق ~~وكأن في داخلها تحفر فجوات هائلة تحدث فراغات سريعة مذهلة تطلب الامتلاء، لا بالدخان ~~ولكن بالمتعة الحادثة من حريتها في أن تنفرد بنفسها وبالسيجارة، وتمتص منها ما تشاء، وتبتلع ~~ما تشاء، والعميد يحس بجفاف ريقه يزداد وحنجرته تتسع وتزداد قدرتها على الرنين، ~~وكأنها تستعد لإطلاق صرخة العمر، وعرق غريب ذو رائحة نفاذة لم يشمها من ms006 سنين ينبت تحت ~~إبطيه، وعرق آخر أكثر غزارة يبلل وجهه ويضبب زجاج نظارته، حتى ليخرج منديله بسرعة ~~المحموم ويمسح زجاجها لكي لا ينقطع أبدا إبصاره. والدنيا حافلة بمؤامرة صمت تام، سكون ~~غريب لا يمكن أن يكون إلا بفعل قوة خارجية قاهرة، سكون مركز في تلك البقعة من الفناء ~~الخلفي، سكون ليس خارجه سوى العدم، سكون عالم خال من الحياة تماما ليس فيه حياة سواه ~~وسواها، هي في أقصى درجات الاستمتاع، وهو في أقصى درجات الانفعال .. وبينهما، تفصلهما ~~تماما، وتربطهما تماما، تلك السيجارة. والحياة تبدو حلوة جدا، كل لحظة فيها عمر بأكمله، ~~وإرادته قادرة على اكتساح الجبل، ولا شيء في الوجود مستحيل، ولن يرضى بأقل من أجمل وأغنى ~~بنات العالم زوجة له، وخمس سنوات فقط يصبح فيها أعظم علماء مصر، بل الشرق والغرب معا، ~~وماذا تكون جائزة نوبل مكافأة له. وحقيقة ما هذه الحزازات بينه وبين المدير أليس هو أكبر ~~منها وأقدر بكثير، ولماذا الحزن والمرارة لكل ما فات والآتي أروع منه بكثير ولماذا ~~التعنت مع أستاذ القسم المساعد، لماذا لا يعطيه الفرصة، إنه شاب ومن حقه أن يطمح ~~إلى كرسي الأستاذ .. المشاكل نحن نخلقها حين نفتقر إلى التفاؤل، والتفاؤل هو الإرادة، ~~وبالإرادة القوية تصبح الحياة كالبساط الممهد، بساط الريح .. عش واضحك وامرح واطلب القمر ~~يأتك .. أرده إرادة قوية حقيقية يأتك .. وكله .. كل ما في الحياة آت لا ريب ~~فيه. # واقتربت السيجارة من نهايتها، وتلاحقت أنفاس الفتاة في صعود القمة، ومضى جسدها يتهدج، ~~وقد أصبح كله صدرا يلهث، وشفاها بدأت من الجرعات المتلاحقة ترتعش وتضطرب، اضطراب الحمى، ~~حمى شملته هو كله .. والينبوع الخفي فيه يتفجر بأقصى قوته ويصل به إلى قمة الانفعال تلك ~~التي ينتفي معها الزمن، ولو للحظات يتوقف الزمن، يغرب إلى ما وراء الإدراك، ويصبح الحاضر ~~مجرد لون، لون أحمر مدمم في لون الشفق. # وأخذت الفتاة، من السيجارة التي كادت نارها تحرق الأصابع، نفسا، كآخر شهقة ثم سكنت ~~تماما، وكأنما غابت عن الوجود. ومن بين إصبعيها اللذين انفرجا استرخاء ms007 انفلتت بقية ~~السيجارة واستقرت ذابلة ممصوصة مغضنة على الأرض. # وأحس العميد بعد الرعود والانفجارات والحمى بسلام مفاجئ ممتد كأنه سيبقى إلى الأبد، ~~يشمله ويجعله يتمنى أن يكف الكون عن حركته لتبقى اللحظة في ديمومة لا تنتهي. # ولكن الديمومة انتهت، فلأمر ما بدت الفتاة وكأن العيون المستترة التي تحس الخطر دون ~~أن تراه قد أدركت شيئا فقد ضمت جفنيها بشدة ثم فتحتهما على آخرهما ليلتقيا، هكذا، ~~كالطلقة المصوبة بدقة، بعيني العميد في تطلعهما من خلف زجاج النظارة. # وللأزمن التقت النظرات، ولكنه لم يكن لقاء ولا وقتا، ولا شيئا يقاس، كان ارتطاما، ~~سقوطا من حالق ربما، ماء باردا كالثلج، برودة الواقع الذي ترتجف لهوله المدارك، الثلج ~~الصاعق. # وتكهربت النظرتان بخجل، لا قبل لأيهما به، خجل سريع مغور جارح. # وفي جزع هائل انتفضت الفتاة جالسة، وقد غاص قلبها، وبيد ترتجف بالرعب دلقت كل محتويات ~~حقيبتها لتستخرج في لمح البصر كتابا، تعود معه تنكب، كالطالبة المجتهدة على ~~صفحاته. # وكانت حركته ليعود عميدا أبطأ .. ممزوجة بخجل أعظم وبتأنيب أشد هولا، وتحرك خافض البصر ~~طويلا نحيلا عجوزا محني الأكتاف حاملا متاعب الدنيا كلها من جديد، وليس في رأسه ~~واضحا سوى الواجب، وما لا بد من عمله .. والدائرة البيضاء الملساء الصغيرة فوق مكتبه، ~~والعقاب. # وبإصبع عادت إليها كل عصبيتها، وكأنما تمتد من صدر ضاق بالدنيا، ضغط على زر ~~الجرس. # ولكن إصبعه كانت لا تزال بها بقية من ارتعاش، ارتعاش ليس الكبر أو الضغط سببه # ديسمبر 1962م # | الزوار # ما كاد آخرهم يخرج، ويفرغ العنبر محتوياته المكتظة كالقطار المزدحم حين يصل إلى محطة ~~النهاية، حتى التفتت «مصمص» (وهو ليس اسم دلع ولكنه اسمها الحقيقي) إلى سكينة التفاتة ~~حادة، وقالت بصوت عال: بقى اسمعي يا ... # واحتارت قليلا هل تقول لها يا بت يا سكينة، أم سكينة فقط .. وسكينة كان اسمها سكينة وهي ~~سكينة فعلا. وهو اسم قد يبدو ريفيا، ولكنها لم تكن ريفية النشأة أو الملامح. كانت من ~~مدينة ما، واحدة من عشرات مدننا أنصاف الكبيرة، مؤدبة جدا، خجولة جدا ms008 ورقيقة أيضا. ~~وكانت تحتل السرير المجاور لمصمص المرأة الضخمة الكبيرة الصدر والثديين التي يميل لونها إلى ~~السمرة، ودائما ترتدي قميص نوم أبيض. # والسريران كانا في عنبر واحد من العنابر الكبيرة التي تحفل بها مستشفياتنا العامة ~~والمركزية والجامعية والصدرية، العنبر المعهود ذو الاثنين والعشرين سريرا .. عنبر الحريم، ~~يسمونه .. له تومرجية سليطة اللسان ومنفوخة الجسد مكورة كالبطة. وتومرجي أعمش مفروض أن ~~لا يدخل العنبر وأن يقتصر عمله على المطبخ ودورة المياه، ولكن أحدا لم يعلن يوما هذا ~~المفروض وأحدا لم ينفذه. # وكانت سكينة الضعيفة الرقيقة الحنونة تحس إذا أطلت النظر إليها أو عمقته أن هناك ~~فعلا أناسا ضعفاء محتاجين إلى الشفقة، كانت مريضة بمرض مزمن، ولها في المستشفى ثلاثة ~~أشهر، وأمنيتها الكبرى أن تغادره وتخرج، ولكنهم لا يخرجونها ولا يصرحون لها ~~بالخروج، ولا يفعلون هذا بعنف أو بحزم كما قد يعتقد البعض، إنهم يفعلونه بأنصاف ~~الابتسامات أحيانا وبهز الرءوس والطبطبة أحيانا أخرى .. وأحيانا بمجرد القول: حالا .. ~~إن شاء الله تخرجي .. أما سبب بقائها أو إبقائها فهو أن مرضها من نوع غريب يحلو ~~للأستاذ أن يحاضر طلبته وأطباءه الصغار عليه .. وأن يريه لزملائه الكبار، كما لو كان ~~يريهم قطعة نادرة ضمن مجموعة أصداف أو طوابع بريد يقتنيها. # وسكينة لم تكن مقطوعة من شجرة .. كان لها إخوة. في الحقيقة أخ واحد غير شقيق وأختان. ~~وكان لها خالات وعمات وقريبات كأي إنسان منا وكل إنسان. ولكن رغم هذا كله فلم يكن لها ~~زوار بالمرة. طوال الأشهر الثلاثة التي مكثتهم بالمستشفى لم يزرها أحد .. من يوم أن أتى ~~بها أخوها وأودعها العنبر لم تر وجهه. تلك حقيقة تعرفها هي .. ويعرفها حتى الجميع، ~~التومرجية السليطة اللسان تعرفها .. وقد تكون مشكلة الخروج تلح على سكينة في أحيان كشيء ~~لا بد منه ولا بد من حدوثه ولا بد أن تكلم الطبيب الكبير بشأنه، ولكن مشكلتها ~~الأكثر حدة في الواقع أن يزورها أحد .. أن تغمض عينيها وتفتحهما فتجد يدا توقظها من ~~النوم أو الغفوة وتقول لها: قومي يا سكينة .. جالك ms009 زوار . # طوال أيام الجمع والاثنين، والحقيقة طوال أيام الأسبوع، يفد العشرات والمئات والآلاف على ~~المستشفى ويوزعون على عنابره ثم على أسرته، وقد يخص كل سرير زائر أو خمسة أو عشرة .. ~~ما عدا سريرها هي، لم يكن يهوب ناحيته أحد، أو للدقة كان زوار جارتها مصمص يتخذون ~~سريرها كأريكة يجلسون عليها، وهي من خجلها لا تعترض أو تأتي بحركة تسبب حرجا لأحد، كانت ~~تغادر الفراش نهائيا وتذهب تتمشى في الطرقة أو تخرج إلى شرفة العنبر القذرة هناك، ~~حيث تتخذ مستودعا لأكوام الزبالة وقشر البرتقال والموز واليوسفندي الآتي لا بد مع كل ~~زيارة. # وهناك .. في تمشيها هذا، كانت سكينة تحزن وتنقبض وتحس أنها مظلومة، وأن لا بد ثمة خطأ ~~في الكون جعلها تبقى بغير زوار .. إن أخاها باستطاعته أن يخطئ مرة ويزورها، وكم زارت ~~هي أخوتها وبنات خالاتها وكان واجبهم في هذه الحالة أن يردوا الزيارة. ماذا حدث حتى جمد ~~قلوبهم، وقساها؟ ماذا حدث حتى نسيها الجميع هكذا، ونسوا أنها في مستشفى! ماذا حدث حتى ~~تنقطع صلتها هكذا بعائلتها وأقربائها وحتى بصديقاتها وبالدنيا كلها؟ لم تكن تدري، حتى مجرد ~~إرسال خطاب، ما أرسل لها أحد خطابا أو بعث بسلام! # إحساس لم يكن يشاركها فيه أحد .. كانت أعمق أعماق قلبها هي التي تكتئب وتحزن فقط .. ~~أما كل ما على السطح من وجه وملامح فقد كان يلتف دائما بابتسامة لا فرق بينها وبين مئزر ~~الصوف الذي تتلفع به. # وطالت المدة ثلاثة أشهر .. وأربعة وخمسة، والمرضى يتغير معظمهم حتى لم يبق من القدامي ~~سوي جارتها مصمص، والوضع على ما هو عليه، وضع عجيب غريب. فهي صحيح ضيقة بالمستشفى والبقاء ~~فيه، تريد بشق النفس أن تخرج وتغادره. ولكنها في نفس الوقت، وإذا ما سألت نفسها لا ~~تعرف أبدا لمن وإلى أين تذهب وماذا بالضبط ستفعل .. لقد كانت قبل دخولها تحيا مع أخيها ~~تخدمه، في انتظار أن يتزوج هو، أو يأتيها هي عريس، ولكنها مرضت وكانت تقضي الليل كله ~~تنهج وتكح حتى ضاق بها الأخ وانتهز أول ms010 فرصة أدخلها المستشفى، ربما كي لا تعالج بقدر ما ~~يتخلص منها ومن حشرجات أنفاسها. بل إنها سمعت أنه بعد دخولها المستشفى تزوج وعزل ~~من البيت .. وشقيقاتها كلهن متزوجات، وهي ليست جميلة حتى يرحب بها زوج أي أخت، بل ~~لقد ذبلت وكبرت حتى على الزواج، فإلى من تذهب وإلى أين؟ # وضع عجيب غريب، فهي ضيقة بالمستشفى ضيقا لا حد له، ومستسلمة لهذا الضيق والحياة في ~~المستشفى استسلاما لا حد له أيضا، كالسجين الذي يتوق إلى الخروج من السجن إلى الحياة ~~والحرية، ولكنه حين يجد أنه إذا خرج فلن يعرف ماذا ولا كيف يفعل بحريته تلك، يستسلم ~~للسجن. يضيق به ويستسلم له ويكاد يجن بين الضغطين. # ولم تأت المسألة فجأة .. بل وإلى الآن لم تفكر فيها سكينة تفكيرا جديا أو تدبرت ما ~~فعلت، ولكنها هكذا جاءت .. مصمص كانت زوجة أحد المعلمين الكبار الذين لا يقل عدد ~~أقربائهم وأنسبائهم وأولادهم ونسائهم وبناتهم عن المئات بأي حال من الأحوال، ولهذا كان لا ~~يمر يوم دون أن يزور مصمص لا أقل من خمسة أو ستة زوار. # يوم العطلات والأعياد يرتفع الرقم حتى يصل إلى الخمسين .. وكان يبدو على مصمص أنها في ~~الوقت الذي تعتب فيه على فلانة الفلانية لأنها لم تزرها، ما يكاد الزوار يغادرونها حتى ~~تلهث تعبا وحتى تغمغم ببرطمة لا يفهم منها سوى الضيق الشديد بالزيارة والزوار، والمسألة ~~بدأت بأن راحت سكينة تسأل مصمص عن الزوار إذا قدموا، من هم، وما هي درجة قربهم لها، وماذا ~~يشتغلون. ولم يكن الأمر مجرد سؤال. دأبت سكينة على ملاحظتهم بدقة ومعرفتهم بالاسم، حتى ~~لتطفح السعادة من وجهها حين تقول لمصمص بعد خروج زائر: مش ده كان مصطفى ابن خالتك اللي بيشتغل في السكة الحديد؟ # فتبهت مصمص وتقول: الله .. وانتي إيه اللي عرفك؟ # حينئذ تحس سكينة الناحلة الهادئة الساكنة بسعادة داخلية لا حد لها .. غير معقول ~~بالمرة أو مقبول فقد أصبحت لمجرد أنها عرفت من الزائر وخمنته وجاء تخمينها بالضبط ~~مطابقا للحقيقة. # ولكن هذه السعادة، بالتكرار، لم ms011 تعد تحدث. ووجدت سكينة ~~نفسها مدفوعة إلى خطوة أخرى كي تحس بنفس سعادتها السابقة. فبدأت تقدم مساعدات، ~~وتسرع مثلا وتحضر كراسي لزوار مصمص، أو إذا أرادت الأخيرة أن تعزم عليهم بالقهوة أو ~~الشاي أو الغازوزة أسرعت سكينة إلى البوفيه .. تحضر الطلبات بنفسها .. وكانت مصمص تأخذ ~~الأمر في أوله باعتبار أنه نوع من الطيبة من سكينة لا أكثر، ولكنها بدأت تعجب فعلا وقد ~~راحت سكينة تقوم بأعمال غير معقولة أبدا؛ تأخذ الأطفال من الأمهات الزائرات وتداديهم أو ~~تذهب بهم إلى دورة المياه، وتلعب مع الأبناء الكبار وتقول لهذا الزائر .. والنبي وحياتك ~~ابقى سلم على فلانة وفلان وكأنهم أقرباؤها هي! # بدأت مصمص تستعجب، ومصمص لم تكن سهلة ولا طيبة ولا مسكينة أبدا، إنها جهنم الحمراء ~~إذا انفتحت، وإذا رأت في الأمر ما يريب .. وكانت سكينة قد زودتها في نظرها كثيرا وبشكل ~~أصبح لا تفسير له ولا تبرير، تجلس مع الأقرباء والأصهار طوال الزيارة. ولا تغادرهم للحظة ~~وكأنها منهم وعليهم. يتحدثون عن أدق أمورهم العائلية الخاصة فلا تخجل ولا تبتعد. بل ~~أكثر من هذا بها وتناقشها مناقشة المتحمس الغيور، وتبدأ الآراء أيضا .. وتنتظر مصمص ~~على أحر من الجمر أن «تحس» سكينة مرة فتقوم أو تغادر الفراش، أو على الأقل تولي ~~انتباهها إلى الناحية الأخرى بلا فائدة، إذ كانت سكينة لا تفعل شيئا من هذا أبدا، بل تظل ~~طوال الجلسة بأكملها، وبعد الجلسة أيضا، تتحدث وتعقب وتحاول أن تدخل مع مصمص في أخص ~~الشئون وفي الغويط. ومصمص، تكظم وتكظم. فصحيح أن سكينة تتدخل، ولكنها تفعل هذا وهي ~~راقدة في نفس فراشها لا تغادره. بالعكس إن زوارها هم الذين يجلسون على فراش سكينة، ~~وبهذا يعطونها الفرصة للاندماج والتدخل. # بل تطور الأمر إلى ما هو أكثر، وبدأت سكينة تقتنص زائرا أو زائرة من الجالسين على فراشها ~~وتنخرط في حديث لا ينقطع معه أو معها، بحيث تنتهي الزيارة وهم لم يتبادلوا كلمة واحدة مع ~~قريبتهم مصمص، وكأنهم جاءوا لزيارة سكينة أصلا. # ولقد تكرر الأمر مرة ومرة، ومصمص ms012 صابرة تكظم، إلى أن كان هذا اليوم الذي قررت أن ~~تنفجر فيه، وهكذا ما كاد آخر زائر في يوم الزيارة يخرج ويفرغ العنبر محتوياته المكتظة ~~كقطار وصل إلى محطة النهاية حتى التفتت مصمص إلى سكينة التفاتة حادة، وقالت بصوت بالغ ~~العلو. ~~- بقى اسمعي يا ... # واحتارت قليلا .. أتقطع العشم والعلاقة والعيش والملح مرة واحدة وتقول يا بت يا سكينة، ~~أم تكتفي بنهرها وتقول يا سكينة فقط، فإذا قالت لها يا سكينة فكيف تستطع أن تصب عليها ~~بهذه البداية ما يتفجر به صدرها الضخم العالي الأسمر من غضب وضيق، احتارت مصمص .. ~~وكالبندقية صوبت عينيها إلى سكينة وكأنما لتزيد برؤيتها لها جرأتها وعنف انفجارها .. ~~كانت قد قررت أن توقفها عند حدها، وأن تنذرها بأنها إذا استمرت في اقتناص زائر أو ~~أكثر من زوارها هكذا، فسوف تمرمط الأرض بزوارها. زوار سكينة إذا جاءوا، والعين بالعين ~~والسن بالسن والبادي أظلم. # صوبت مصمص عينيها إلى سكينة لتجدها راقدة في سريرها نصف مغطاة الجسد تحملق أمامها ~~كمن يجتر ذكرى لحظة سعيدة مرت .. وفجأة اكتشفت مصمص الجهنمية أن تهديدها الذي يكاد ~~يفلت من فمها لا معنى له بالمرة. أجل هكذا. في وضمة مفاجئة اكتشفت مصمص أن سكينة لا ~~يأتيها زوار ولا ينتظر أن يأتيها أحد .. وهكذا بعد أن كانت قد استدارت واستدار السرير ~~لاستدارتها وقالت: بقى اسمعي يا ... # وحين التفتت سكينة بدهشة ونوع من الذعر تسأل: نعم يا ست مصمص .. لم تغير مصمص رقدتها ~~ولا رفعت عينيها عن وجه سكينة .. كل ما في الأمر أن صوتها انخفض فجأة حتى كاد لا ~~يسمع. # وقالت: لا .. ولا حاجة .. ده كانت كلمة كدة وعدت! # قالت هذا وهي ترمق الفتاة بعينين مشتتتين فوق وجهها. يكاد يطفر منهما الدمع .. وظلت ~~مثبتة عينيها فوق وجه سكينة، لا ترفعهما، وكأنها تراها لأول مرة .. رفيعة نحيلة مقطوعة ~~من شجرة! # ديسمبر سنة 1962م # | معاهدة سيناء # الأبطال هنا ثلاثة .. لا بل أربعة، إذا حسبنا «المكنة» التي كان لها دور لا يقل خطرا ~~عن دور الإنسان .. وأول الثلاثة هو ms013 «ماشنسكي» الروسي الذي يسميه العمال في المعسكر ~~«ماشا»، وهو أحمر الوجه فاقع الحمرة، تلك التي تميز وتقف حدا فاصلا بيننا نحن شعوب ~~آسيا وأفريقيا وبين الأوروبيين .. والثاني كان «بيل» أو إذا أحببت الدقة «وليم» الأمريكي ~~المعضم، ذو القتب والنظارات والجسد الرشيق النحيل الذي ربما طال في الهواء لو نفخته. أما ~~الثالث فلم يئن بعد أوان الحديث عنه .. أما رابعة الأربعة، المكنة. فهي آلة ضخمة ~~جدا في حجم البيت الصغير أو أكبر قليلا وثمنها كذا عشرة آلاف جنيه، وأصلها روسي. أنتجتها ~~مصانع ليننجراد وجاءت إلينا كجزء من القرض. وجاء معها ماشنسكي ليديرها ويشرف عليها ومن ~~أول يوم له في المعسكر ألغى العمال والموظفون كلمة ماشنسكي نهائيا واستبدلوها بوعي ~~أو لا وعي بكلمة «ماشا» .. والمكنة وماشا والمعسكر كله هناك .. على مدد السفر .. بعيدا ~~جدا، قرب حدودنا الشرقية المطلة على ساحل البحر الأحمر. # وذات يوم حدث للمكنة، مثلما يحدث لأي مكنة في الدنيا، أن تعطلت ووقف ماشا أمامها يدور ~~حولها ويفتح مفاتيح ويغلق صمامات، ويختبر ويجس، وأخيرا نطق وقال للمهندس المصري المشرف على ~~المعسكر (وهو رجل في حوالي الأربعين، وشعره أسود تماما وله كرش، وكان زمان يعتبر نفسه ~~دون حوار) قال ماشا بوجه صارم مبتئس: إن الآلة قد كسرت فيها قطعة مهمة جدا، ولا ~~يمكن أن تعمل إلا إذا جيء لها بقطعة الغيار تلك. # وهكذا أرسل إلى مركز المؤسسة رسالة مستعجلة بطلب النجدة .. وبقي هو والخمسمائة عامل ~~والخمسون موظفا وتكنيكيا في انتظار رد القاهرة .. وهدأت الحركة في المعسكر، فلا حفر ولا ~~ضوضاء آلات ولا أصوات مكن، ولا أغاني عمل، لا شيء سوى مواويل الحظ والكسل تنطلق خافتة من ~~عقيرة حمدان أبو طالب صعيدي قنا القح والمغني شبه الرسمي للمعسكر. # هدءوا جميعا ينتظرون، ولكنه انتظار بلا أمل، فلم يكن أحد يتوقع أو يصدق أن ~~الروتين في المركز سيحقق المعجزة، وأن قطعة الغيار ستصل بأسرع وقت، كما طلب السيد عبد ~~الحميد في استغاثته. # ورغم أن رسالته أوقعت مركز المؤسسة بالقاهرة في دوامة حرج شديد، إذ ms014 إن قطع غيار هذه ~~الماكينة بالذات لا توجد إلا في روسيا، ودون إحضارها من هناك مصاعب نقدية ومصرفية ~~واقتصادية لا تعد ولا تحصى، بحيث لا أمل في حضورها قبل ستة أشهر أو سنة. # رغم هذا، إلا أن قطعة الغيار أحضرت على وجه السرعة، وجاءت في وقت كان المعسكر كله ~~قد جاءه أمر بالاستعداد للرحيل وإنهاء العملية، وقد رأى المركز أن يستغني عن الحفر في تلك ~~المنطقة كلها. # أما كيف أحضرت تلك القطعة، فلا أحد يدري للآن، ولا أحد يدري كيف تسرب الخبر إلى شركة ~~«إنترناشيونال» الأمريكية، ولا كيف استطاعت بين يوم وليلة أن تتصل بالمركز وتخبره أنها ~~على استعداد لتوريد قطعة الغيار اللازمة، وفي الحال. # وبين تهييص وطبل وأغان وفرحة، وصلت قطعة الغيار إلى المعسكر، ووصل معها المستر «وليم»، ~~أو كما أصبح هو يطالب الذين يعملون معه بأن يطلقوا عليه الاسم الذي تعود الناس أن ~~ينادوا به وليم وهو «بيل». ما كاد يظهر المستر بيل بالعربة وفوقها الصندوق الخشبي الضخم ~~الذي يحوي قطعة الغيار حتى اعتقد الجميع أن خلاص، المشكلة انتهت، وليس هناك سوى بضع ~~ساعات يتم فيها تركيب قطعة الغيار ويستأنف العمل سيره. # وبأنفسهم ذهب العمال وعلى رأسهم السيد عبد الحميد، يزفون الخبر لماشا، الذي لم يكن ~~قد غادر من لحظتها حجرته. وكانوا يتوقعون أي شيء إلا ما حدث، إلا أن يزجرهم ماشا ~~ويهب في وجوههم، ثم ينطلق خارجا ذاهبا إلى حيث قد تجمع حول المكنة عدد كبير من الناس ~~يحيطونها ويحيطون بيل وصندوقه الخشبي معها. وما كاد يصل حتى صرخ ماشا في الجميع قائلا: لا ~~.. لا يمكن. ~~- لماذا يا ماشا؟ ~~- مستحيل أن تصلح قطعة غيار أخرى غير القطع الروسية للمكنة. ~~- ولماذا لا نجرب ونرى؟ ~~- لا .. لا يمكن. # وقلت إننا لا نيئس، وعلى هذا بينما كان ماشا يرفض ويصر على الرفض، كان العمال ~~يفكون الأسلاك من حول الخشبة ويخرجون قطعة الغيار من الصندوق ويضعونها أمام ماشا قائلين: ~~فلنجرب. # ولكن ماشا أصر على الرفض قائلا: إن المكنة السوفيتية لا تصلح ms015 لها إلا قطع غيار سوفيتية. # قال هذا وهو يشد على كلمة سوفيتية الأولى والثانية. # وانقضى يوم، وكاد يوم آخر ينقضي، والتوتر لا يزال قائما على أشده، والعمل معطل ~~تماما، والعمال جالسون القرفصاء، ورءوسهم بين ركبهم يسلون بعضهم البعض ويضحكون، ~~وكلما خرج ماشا من حجرته أو دخل لا بد يلمح هذا العدد الضخم من العمال، والظاهر أن ~~شيئا قد تغير في تفكيره. إذ فوجئ الجميع به يخرج إليهم قائلا: لأجل خاطرهم فقط، ولأجل ~~أن يثبت لهم أنه على حق، وأنهم على خطأ سيجرب أمام أعينهم قطعة الغيار ~~الأمريكية. # وهاص المعسكر فجأة. # وكان لا بد لاختبار قطعة الغيار الجديدة من عقد «كونسنتو» هندسي من ماشا وبيل والمهندس ~~المصري المختص. مؤتمر ظل ماشا في أوله ينظر شزرا وباحتقار شديد إلى بيل، وبيل يقابل ~~نظراته بعينين كأنهما فوهتا مسدسين من مسدسات رعاة البقر في أفلام السينما. ولكن الحقيقة ~~أن تلك النظرات لم تستمر كثيرا، فسرعان ما أدرك ماشا أن بيل يفهم حقيقة الميكانيكا، ~~وأن الناس في الولايات المتحدة ليسوا جهلة كما كان يظن، واكتشف بيل هو الآخر أن ماشا ~~الروسي ليس مجرد أسطوانة مسجل عليها أقوال ماركس ولينين، وإنما هو آدمي أيضا، يغضب ~~أحيانا ويثور، وأحيانا يرضى ويبتسم، ابتسامة صافية جدا كابتسامات الأطفال. # وكان عمل المهندس المصري أول الأمر أن يمنع الاحتكاك المباشر، ويلطف الكلمات الحادة، ~~ويقول لبيل: طب امسحها في دقني أنا، ويقول لماشا: معلشي عشان خاطري، إلى أن بلغ مراده وبدأ ~~الجو يهدأ، وبدأ الاثنان يتناقشان المناقشة الهندسية الخالصة. # وثبت من المناقشة ومن الاحتكام للمقاسات، ومن التجربة العملية، أن قطعة الغيار ~~الأمريكية تصلح لتحل محل القطعة الروسية. # وتهلل وجه المهندس المصري طربا للنتيجة، النتيجة التي كان مفروضا أن يسر لها ماشا ~~وبيل، ولا أحد يدري إن كان أيهما قد تولاه السرور، إنما الذي لا شك فيه أن أحدا لم ~~يكن ليستطيع أن يمنع الصدام الذي نشب حالا. # فما دامت قطعة الغيار قد أثبتت صلاحيتها؛ فلا بد إذن من تركيبها وتسيير المكنة بها، ms016 ~~من يركبها ؟ ذلك هو الصدام المروع الذي نشأ. # ماشا يقول: إن المكنة روسية وأي تغيير فيها أو تبديل يجب أن يتم بمعرفته هو. وبيل يقول: ~~هذه المكنة كانت روسية وهي الآن وبغير قطعة الغيار الأمريكية مجرد كتلة من الحديد ~~الخردة، ولا بد له هو أن يتولى عملية التركيب والتشغيل. # ويثور ماشا ويقول لا يمكن أن أسمح لمندوب شركة أمريكية احتكارية رأسمالية متعفنة أن ~~يعيث فسادا في مكنة أنتجتها أيدي الطبقة العاملة السوفييتية. # ويستشيط بيل غضبا ويقول: أيها الشيوعي ال... # وترتفع أكثر من مائة يد صعيدية وبحراوية، أيد مشققة وأيد ناعمة مثقفة، تحول بين ~~الاثنين وتلطف الموقف. # ويعود العبوس العظيم يحتل وجه السيد عبد الحميد؛ فخلاف ماشا وبيل ليس نقمة، ولكنه نعمة ~~تهبط أول ما تهبط فوق رأسه. # وتطور الخلاف وتبودلت الكلمات الزاعقة الطائشة، حتى عاد المعسكر إلى انقسامه، فلازم ~~ماشا غرفته، وجلس بيل جلسة المتحفز أمام بابه، ووقف السيد عبد الحميد ينقل بصره بين ~~المكنة المفتوحة البطن وبين قطعة الغيار الراقدة بجوارها، وهو لا يحس مطلقا بالشمس ~~المنصبة فوق رأسه. وبآخر ما يستطيع من جهد حاول مرة أخرى أن يجمع ماشا وبيل كي يتفقا ~~ويركب أحدهما أو كلاهما القطعة ويستأنف العمل، ولكنه ما كان يجمعهما إلا ليتشادا ~~ويتفرقا. # وكل منهما يقف موقفا صلبا عنيفا، وكأنما قد استحضر في جسده الواحد عناد أمته ~~بأسرها كل طاقتها على القتال. أجل .. في تلك البقعة النائية من شبه جزيرة سيناء، وتحت لفح ~~نيران حامية تتأجج من صفرة الأرض وزرقة السماء، هناك حيث لا حياة ولا جمال، ولا شيء سوى ~~الرمل والصحراء والجبل والعمل، هناك حيث المعسكر مقاما، كان يقف ماشا وبيل وجها لوجه، ~~شابان متقاربان في السن، لهما نفس المهنة وربما نفس الهوايات، ولكن كلا منهما مستعد ~~أن يقتل الآخر مثلا لو ظل الآخر على صلفه وعناده .. كل منهما عنيد صلب، يريد أن يذبح ~~الآخر ويصفي دمه، كل منهما يعتقد أنه على حق، وأنه لو تراجع قيد أنملة فكأنما ~~كرامة بلده وشعبه هي التي ms017 تتراجع. # والحقيقة أن السيد عبد الحميد لم يكن يقف يرقب المكنة وقطعة الغيار وحده، كان يقف معه ~~محيي الدين، أو كما يسميه العمال «النمس»، وهو رغم نهمه الشديد وحبه لالتهام الطعام، رغم ~~تزويغه من الشغل كلما عنت له فرصة، إلا أنه دائما جلاب المشاكل، عمل مع ماشا فالتقط ~~منه الصنعة وعمل مع الألمان فتعلم الميكانيكا. ورغم هذا فيدوبك كان يفك الخط. ولكنه ~~كان يقرأ الصحف بمهارة، متحمسا، أسمر، مبتور البنصر الأيمن، غزير العرق، شعره أكرت، قد ~~أصبح له لون الصحراء الأصفر من كثرة ما علق به من تراب وغبار. ولكن أحدا في ذلك الوقت لم ~~يكن يلقي بالا كثيرا إلى النمس أو إلى السيد عبد الحميد، فالجميع، حلقات، حلقات، مشغولون ~~بتتبع أخبار المعركة الدائرة بين ماشا وبيل، وآخر أنواع الشتائم التي كان يطلقها كل منهما ~~خلف الآخر وأمامه .. وعدد صفائح البيرة التي يقذفها ماشا، وعدد جرعات بيل. # واستمر الأمر هكذا، طيلة اليوم، وحتى غربت الشمس، وجزءا لا بأس به من الليل. # وفي الصباح فوجئ الجميع بشيء لم يكن يتوقعه أحد .. فوجئوا بالمكنة، منذ الصباح الباكر. ~~تدور وقد ارتفع صوتها وتوالت تكتكاتها تشق عنان السماء. # كان النمس، على ضوء كلوب، وبمساعدة زميل له، قد قام، من وراء بيل وماشا ومن وراء ~~الباشمهندس، في الليل، بتركيب قطعة الغيار الأمريكية والتصرف في أجزائها وصواميلها حتى ~~طابقت تماما المكنة الروسية. # وعلى صوتها هب الجميع من النوم غير مصدقين. وتجمعوا بعيون نصف مغمضة يرقبون المكنة ~~الدائرة وبجوارها النمس، وعلى وجهه الطويل ترتسم ابتسامة ظفر عريضة والزيت يقطر من سواعده ~~وجبهته ويديه. # ومن بين الوجوه، مئات الوجوه، تطلع ماشا إلى بيل، وبدا من نظرتهما المتبادلة كمن ~~سيوشكان على الانفجار ضحكا أو غيظا. ~~••• # وظلت المكنة بعد هذا تدور. وإلى الآن وهي لا تزال دائرة. نصفها أمريكي ونصفها روسي، ~~والذي يديرها هو النمس بعينه وسمرته، وبنصر يمناه المبتور. # ديسمبر سنة 1962م # | قصة ذي الصوت النحيل # في مثل هذا الأوان (بصوت واهن كأنه الحفيف غير مبال باهت، محدود) .. بدأ ms018 كل شيء وكانت ~~المشكلة دائمة أن يبدأ كل شيء، مشكلتي ومشكلة زوجتي والآخرين، سأتحدث بالتفصيل عنهم. كنت ~~هناك وكانت الدنيا ليلا أسود يخيف، مليئا بالأشياء التي تخيف .. هناك كلام لا بد أن ~~أقوله لأي أحد، لا بد أن يعرف واحد على الأقل كل شيء المهم كل شيء. # نفس العمارة، عمارتنا التي نسكنها الآن، قلت لسايس الجاراج والبوابين كل شيء، ووعدوني هم ~~أنهم ساعة ما يرونهم سيخبرونني بكل شيء، بالتفصيل كل شيء. السكان القاطنون فوقنا كويسين ~~وعرفنا نتفاهم بسهولة، إنما السكان اللي تحت، تحتنا، ناس كتير ساكنين في الشقة الواحدة ~~ييجي خمسين نفرا، كتير قوي زي النمل، لو شفت عنيهم، عيون غويطة، إذا بصيت فيها تغرقك ~~وتبلعك، وبقهم واسع قوي، يبلع البطيخة يبلع كل شيء، إنما أصلهم عمرهم ما شافوا نفسهم ~~أبدا، لو شافوها مرة واحدة كان خلاص انتهى كل شيء. # شكسبير في روايته بيقول العين ترى كل شيء ولا ترى نفسها. إنما عيني أنا بتشوف كل حاجة. ~~كانت هي اللي شافتهم. أول عينين شافوهم. ومن ساعتها وفيه قدام عيني ضباب كتير كتيب زي ~~ضباب الصيف في يوم حر، ما اعرفش ليه ما اتخنقوش من الضباب، بالعكس كانوا بيستخبوا مني ~~فيه. حاولت استرضاهم، بعت لهم زوجتي يعني .. شتموها. دول ولا كأن البلد بلدهم لوحدهم .. ~~أصلنا اتاكلنا أونطة واحنا خلاص بننتهي، وكل يوم عامل زي ما يكون بيقطع فينا كل يوم حتة لما ~~ح ييجي اليوم اللي ما يفضلي فينا حاجة. وبيسلطهم علينا وكل يوم تأميم، هم سمعوا حكاية ~~التأميم دي وخرجوا لك من الضباب وحاصروني. عايزين مني إيه؟ ما تعرفش، ما عندهم البلد ~~واسعة وغنية قوي لو حاولنا نبيعها تتباع بكام، بمليون مليون مليون مليون، إنما دلوقت مصر ~~دي ما تساويش عندي حاجة أبدا .. سرقوها اللصوص. أمال نسميهم إيه .. لصوص، نهب، سلب .. ~~قشوطة، ده فيه أسرار كتير قوي بس مش قادر أقول كل حاجة. أنا حاولت كتير معاهم بالذوق ~~بالحيلة ما فيش فايدة، عايزين كل حاجة حتى ابني كانوا عايزين يأخذوه؛ ms019 لولا وديته عند عمته ~~في مصر الجديدة. # ضحكوا على الخدامة وبنجوها وجت لنا مبنجة إما سابتوش بالزعيق دور وبالمحايلة دور، ~~كانت النتيجة إنهم قالوا على اللي قالوه. ولما حصلت الحكاية كنت أتوقع طبعا إن مراتي ~~تقف جنبي، تلاقي عيلة مراتي حد منهم مسلطها علي .. طبعا كان لازم تأخذ موقفا، إما ~~تبقي معاهم وإما تبقى معايا .. للأسف ده يحصل منها .. جايز يكون حد من عندنا اتهمهما ~~بأنها السبب في الحالة اللي أنا فيها دي، وجه رده عليها خلاها تتنرفز وتأخذ الجانب ~~التاني. وكل اللي بيحصل لنا ده من غلطنا إحنا .. لو كنا سبقنا وضربنا قبل ما نضرب ما ~~كنش حصل حاجات من دي، ولا كانوا جابوا سيرة للملكة فريدة، أصلها ساكنة قدامنا وعمرها ما ~~ظهرت لنا وشفناها، فإيه الداعي يشركوها في الموضوع .. وأنت عارف بقى .. أطلع ألاقيهم ~~مراقبين .. أدخل، عينيهم ورايا .. أصل عينيهم صعبة قوي، وخصوصا عينين السكان التي تحت ~~دول. كل عين كأنها ماسورة بندقية، والنظرة منها بتيجي منشنة تمام في الصميم .. مش ع ~~الحسد يعني .. حسد إيه .. كانت تبقى أهون .. ده فيه حاجة تانية أكثر م الحسد كتير .. حاجة ~~زي النار لما بتولع بتقضي على كل شيء .. لما ظهرت الحكاية واتأكدت إن الملكة فريدة مالهاش ~~ذنب، بره الموضوع خالص، وإن اللي تحت هم اللي كانوا ملفقين التهمة، أخويا الكبير جه وقال ~~لي لازم نعزل خلاص، ما عدناش قادرين نقف قصادهم وإننا لازم نسلم ونعزل. # قلت له مش ممكن يهزمونا .. أنا لا يمكن أعزل .. أنا شاب في الأربعين إنما خلوني شيخ ~~في الثمانين .. نعزل ليه؟ ونهزم نفسنا بأيدينا ليه؟ مش كفاية هو علينا؟ هو فاكر نفسه كل ~~حاجة؟ هو فاكر إن أي حاجة عايز يعملها يقدر يعملها، هو فاكر إن الناس رغيف عيش يفضل يقطعه ~~بالسكينة حتة حتة لغاية ما يخلص عليه، هو عايز يعمل مننا بني آدمين زي الحيوانات من غير ~~إرادة ممكن يسوقها زي ما هو عايز، بيسلطهم علينا .. السكان اللي تحت بيسلطهم علينا ~~ويراقبونا ويأكلونا بعنيهم أكل، ms020 عينيهم سوادها كله جوع وبياضها أسود من سوادها .. أنا بأرفض ~~للنهاية، أنا إنسان لي كيان وعيلتي ولي أرضي، حتى لو خدوها برضك بتاعتي. # أنا حاولت كتير أتجنبهم، وقعدت على طول في البيت عشان ما اقابلشي حد فيهم طالع السلم ~~واللا في الأسانسير. أصل لما حد منهم كان يبص لي كنت بحس إني بغرق وغرقان لشوشتي في نار ~~سودة جوة عينين ثابتة زي عينين الميتين، اسأل بتوع الجاراج يقولوا لك. بقوا يجيبوا سلالم ~~حبل علشان ينطوا علينا من الشبابيك فسمرنا الشبابيك، وبقوا ييجوا لنا من تحت عقب الباب، ~~فبقيت أحط أكياس رمل ورا الباب، وأحط الكنبة كمان عشان ما يقدروش يزقوها، لما ليقوا مفيش ~~فايدة بقوا يسلطوا علي التمرجي يديني الحقنة. وكانوا يدوبوا مية عينيهم فيها ويحقني بيها ~~في العضل، أقوم أحس بعد كدة بيهم، هنا، جوايا، وآخرتها قالوا لكل الناس إني عيان، والناس ~~صدقوهم. تصور المصيبة الناس تصدقهم وتكدبني أنا، كل الناس تصدقهم، حتى مراتي أنا تصدقهم، ~~وتتفق مع الدكتور إنهم يدوني حقنة بنج عشان ما أقاومش، كانوا عايزين يدوني الحقنة عشان ما ~~اقدرش أعمل حاجة قدام السكان اللي تحت .. خطة موضوعة .. وللأسف زوجتي اشتركت بعبط وهبالة ~~فيها .. يخدروني أنا عشان دكهم يهجموا عليا ويأكلوني. أنا عندي كلام كتير عايز أقوله، كلام ~~خطير، ده خسر كل حاجة حتى مراتي، عايز أقوله لأي حد، يعرف الحقيقة عشان ييجي اليوم اللي كل ~~الدنيا تعرفها فيها، لازم حد يعرف إحنا قاومناهم إزاي، وإننا رغم كل شيء ما عزلناش، وإن ~~الملكة فريدة ما لهاش ذنب في الموضوع اللي حاولوا يعملوه بينا وبينهم، واسأل البوابين ~~وبتوع الجاراج. # أنا زهقت خلاص من محاربتهم، بيتهيألي إني أسلم زي أخويا وأعزل، واللا أسلم ليه، ده ~~يبقى انتصار لهم ويفرحوا فينا، بس أنا خلاص بعدوني عنهم ومش قادر ولا عارف أقاوم، تفتكر كل ~~شيء انتهى .. تفتكر انتهى كل شيء .. صحيح كل شيء أصبح لا شيء .. تصدقها انت دي .. هو احنا ~~عقب سيجارة نتشرب ونتفعص ونصبح لا شيء، إزاي الناس ms021 حواليه ساكتة وكأن ما فيش حاجة حصلت .. ~~إزاي بياكلوا ويشربوا وهم مبسوطين .. هم مش عارفين إن كل شيء أصبح لا شيء، أنا لسة عندي ~~كلام كتير وخطير عايز أقوله بس (مستمرا بصوت واهن كأنه الحفيف، غير مبال، باهت، محدود) ~~لازم حد يعرفه، لازم حد يعرف الحقيقة التي ما حدش راضي يعرفها. # ديسمبر سنة 1962م # | الورقة بعشرة # كان صلاح زوجا، وكانت له ابتسامة، ليست كالابتسامات الحية تولد طفلة طازجة وتتفتح ~~فجأة على الوجه ثم تزول، ابتسامة كانت لا تظهر ولا تختفي ولا تولد أو تموت، ولكنها ~~محنطة على وجهه كالمومياء. وكانت بالضبط تعبر عن حياته فهو الآخر يحيا كالمومياء ~~المحنطة، أو على الأقل كان هذا رأيه في نفسه؛ فهو زوج، وهو كمعظم الأزواج ساخط على ~~الزواج، يحس أن حياته المملة الرتيبة تقتله، تميت فيه الحياة بالتدريج. # ولهذا كانت أمانيه. # وهز رأسه وحسرات كثيرة تتبعثر من فمه ومن قلبه. مستحيل. كيف يحتفل بعيد زواجه من روحية. ~~وكيف يهديها شيئا هي التي لم تفكر في إهدائه إلا الكلمات السامة المنتقاة، والشخطات ~~التي لا رحمة فيها ولا عاطفة. # وهكذا لم تطل حسراته؛ فقد أعاد العشرة جنيهات إلى الخزانة، وأغلق أدراجه، وكان موعد ~~الانصراف قد حان، فأخذ طريقه إلى الباب، والشارع؛ ومن ثم إلى البيت وهو يحس بمغص حاد ~~ينتاب قلبه، ومرارة تملأ نفسه، وكأنه ذاهب لقضاء بقية اليوم في السجن المؤبد الذي عليه ~~أن يقضي بقية عمره فيه. # ولكنه طوال الطريق كان يفكر في الورقة ذات العشرة جنيهات، والإهداء الذي كتبه عليها ~~ويقول لنفسه: نعم .. لا بد أن هناك حياة أخرى .. حياة مليئة بالهدايا، والحفلات، ~~والبسمات. # ومع أنه كان فاقد الأمل في حياته تلك وزوجته، إلا أنه لم يمنع نفسه من تمني شيء: ~~أن تكون روحية قد تذكرت المناسبة وأعدت له مفاجأة، أو على الأقل استعدت لتحتفل ~~بالعيد. # غير أن المفاجأة التي كانت تنتظره، أنه لم يفاجأ بجديد. فما أن فتح الباب حتى طالعة صراخ ~~الأولاد، وحتى طالعته روحية نفسها واقفة في وسط الصالة، ms022 وشعرها واقف أيضا، وهي تحاول أن ~~تضرب ابنه الأصغر، والولد يصرخ، وهي تصرخ والجدران تتهاوى وتستغيث، والأبواب تتخبط، ورائحة ~~القلي والطبيخ يتعلقون برجليه ويتعثر في أرجلهم، وألف مشكلة وكارثة ومطالبة لا بد ~~تنتظره. # إنها خانقة، تلك الحياة، وتلك الزوجة. # ألا تعرف ما هو اليوم؟ # أجل، اليوم، اليوم يوم عشرة واللبان لم يأخذ نقوده، وبائع الثلج والأولاد جننوني، ولا ~~شيء آخر؟ لا شيء إلا الهم والغم والدروس التي يجب أن تأخذها بنتك قبل الامتحان لتنجح. ~~إنه يكرهها. إنها لم تعد امرأة يشتهيها، ولا حتى صديقة يأنس إليها. ما الذي يربطه بها ~~وكل ما بينهما حرب مستعرة مستمرة، وخلاف يتجدد في كل ثانية. كل يوم يفكر عشر مرات في ~~طلاقها أو الانتحار، وكل يوم لا يطلقها ولا ينتحر، وكل يوم يفكر في حياة جديدة وزواج جديد، ~~وكل يوم لا ينفذ حرفا واحدا من القرارات الحازمة الباترة التي اتخذها! كل يوم يفكر ~~حتى في خيانتها، وكل يوم لا يخونها. ما الذي يربطه بها، حتى الأولاد، إنه يكرههم من أجلها ~~ويكرهها أكثر من أجلهم، ومع هذا لا يتركهم جميعا و«يهج»، ولا يتركونه، ما الذي يبقي هذه ~~العائلة السخيفة متماسكة، وكل ما فيها يتنافر مع كل ما فيها. الخلاف البسيط يؤدي إلى نقار، ~~والنقار إلى شجار، ثم يتطور الأمر ويغادر المنزل غاضبا، وحين يصل السلالم تخرج منه ~~الزوجة، وتقطع الشجار وتقول: إياك تنسى تشتري البزازة؟ # ويخرج وهو مصمم على ألا يعود ولا أن يشتري البزازة. ولكنه ما إن يلمح أجزخانة حتى ~~يتوقف، ثم يتصور خيبة أملها حين يعود بلا بزازة؛ فيدخل ويشتريها. # لماذا يشتريها؟ ولماذا - وكل ما بينهما حرب - يراعي شعورها، وتراعي - أحيانا - شعوره؟ ~~ما كنه تلك العلاقة الغريبة التي تجمعهما. # لماذا يستسلم لتلك الحياة، لماذا لا يبدأ حياة جديدة، لماذا لا يبدؤها فورا ~~والآن؟ # ولكنه لم يبدأ شيئا أبدا، فقد دخل كالعادة، وحل بعض المشكلات، وعقد بعضها، وتبودلت ~~بضع زغرات وتلميحات وشتائم، وتغدى، وكالعادة نام، وحين استيقظ بعد الظهر؛ كان قد نسي كل ~~شيء ms023 عن 10 مايو وعيد زواجه، وعشرة الجنيهات وكلماته المكتوبة فوقها بخط أنيق. ~~••• # ومرت الأيام، وهو لا يحس بمرورها. فمن يوم أن تزوج لم يعد يحس بالزمن، وكأنما فقد ~~ذاكرته، حتى إنه لا يذكر ماهية نفسه قبل الزواج، وكأنما وعى فوجد نفسه زوجا. # مرت الأيام وهو دائب الإحساس، أنه يذوب ويذوب، ويفقد ذاته ونفسه، حتى فوجئ ذات يوم ~~بشيء استغرب له جدا. # كان يفحص مبلغا واردا إلى البنك، وإذا به يعثر على ورقة من ذات العشرة مكتوب على ~~دائرتها البيضاء: إلى زوجتي العزيزة .. بمناسبة عيد زواجنا الخامس. # ولم يكن الخط خطه. # واحتجز الورقة، وظل يقرؤها ويضحك من أعماقه. # كان أحدهم - لا ريب - قد ساقت إليه الصدف الورقة التي كتب عليها الإهداء، فظن أن ~~أزواجا صالحين يهدون زوجاتهم أورقا كتلك في أعياد زواجهم، ففعل مثلهم، وكانت النتيجة هذه ~~الورقة. # ظل يضحك ويلعن الزوج المغفل الذي صدق النكتة. # وبعد أن انقشعت موجات ضحكه أحس بشيء قليل من الندم. فقد أدرك أنه بطريقة أو بأخرى قد ~~خدع ذلك الزوج، وأنه قطعا مسئول إلى حد ما عن تلك الخديعة. ~~••• # غير أنه بمرور الأيام تضاعف ضحكه وتضاعف تأنيبه لنفسه، فقد تبين أنه لم يضحك على ~~زوج واحد فقط، ولكنه خدع كثيرين، فقد وجد إهداءات كثيرة مكتوبة على أوراق بنكنوت من ذوات ~~العشرة والخمسة والخمسين، وأحيانا المائة. ولم يعد يستطيع كتمان الأمر عن زملائه، فأطلعهم ~~على الأوراق، وحكى لهم القصة، وهو لا يتمالك نفسه. وطبعا ضحك الزملاء كثيرا. وتبادلوا ~~الضربات على الأكتاف، وقال أحدهم إن أعظم زوجة في العالم لا تساوي قرش صاغ واحد، فما بالك ~~بعشرة أو بخمسة أو بخمسين جنيها. # وأصبحت المسألة مصدرا لا ينضب للضحك، فما يكاد يرد إلى صلاح ورقة عليها إهداء؛ حتى يشير ~~بالورقة إلى زملائه من بعيد، وكأنما يقول: وآدي مغفل جديد. # ولكن عدد المغفلين كثر بشكل أفقد المسألة ما كانت تثيره من ضحكات، بل كثر بشكل أزعج صلاح ~~نفسه، لقد قرأ يوما إهداء وكان موجها من زوجة إلى زوجها. # وأصبح ms024 تأنيب الضمير على الخدعة التي ابتكرها لا يكفي، أصبح لا بد من التفكير، ما هي ~~حكاية هؤلاء الناس؟ وهل هي مجرد محاكاة لما فعله، أم لا بد أن في المسألة سرا خطيرا لا ~~يدريه؟ # وكان عليه لكي يكشف السر، إن كان هناك سر، أن يجرب .. وبهرته الفكرة، وأحس لها ~~بحماس شديد. ~~••• # كان يوم 10 مايو قد اقترب، وعام جديد قد أضيف إلى عمر زواجه، فلماذا لا يفعلها ~~ويجرب؟ # أجل، فليجربها في عشرة جنيهات. ولكن تفكيره ما إن حوم حول الرقم حتى هبط حماسه في ~~التو. عشرة جنيهات؟! إنها تكاد تبلغ ثلث مرتبه أو نصفه. إذا كان لا بد من التجربة ~~فليجربها في جنيه مثلا. ولكن، أيصح أن يهدي زوجته جنيها واحدا في عيد زواجها. المسألة ~~حتى من الناحية الشكلية محرجة، ولكنه إذا نظر إليها من الناحية الأخرى، فإنه لا ~~يمكنه أن يهديها عشرة جنيهات مرة واحدة. فهو لا يهدي زوجته، إنه يهدي غريمه، فلتكن ~~خمسة إذن. تكفي خمسة .. إنها كافية جدا. # وهكذا جاء يوم 10 مايو، وجاءت الساعة الثامنة منه، وصلاح عائد إلى البيت وفي جيبه الورقة ~~والإهداء على دائرتها البيضاء حبره لم يجف بعد، وكل ما يحسه هو الفرحة لأنه مقبل، ~~في حياة قاتلة الملل، على تجربة جديدة، وحب استطلاعه يكاد يطل من عينيه إذ ترى ماذا ستفعل ~~روحية؟ وهل يغمى عليها. # وكالعادة فتح الباب، وواجه سوق روض الفرج المعتاد، وبعد أن تم الغذاء والحساب والعتاب، ~~ناداها على حدة في غرفة النوم، ومع هذا أصر ابنه المتوسط على عدم مغادرة الحجرة، وأمسك ~~بروب أمه واستمات عليها. وظل صلاح يتعثر نصف ساعة في كلمات لا معنى لها، ثم أخرج الورقة ~~ذات الخمسة جنيهات، ووضع الدائرة البيضاء أمام عينيها لترى الإهداء. # وبدت الصدمة واضحة على ملامحها، وظلت واقفة في مكانها لا تتحرك، كان لسانها أول ما ~~تحرك فيها، وأول ما فعله اللسان أن فتح له محضرا طويلا عريضا. وراحت تسأله وتضيق عليه ~~الخناق لتعرف من أين جاء بالخمسة جنيهات وميزانيته كلها ms025 تعرفها بالمليم والصلدي. وقال ~~لها إنه استلفها لتخصم على شهرين من مرتبه. ومعنى هذا أن ينقص إيرادهم في الشهرين ~~القادمين. وهكذا شبت النار، وبعد لحظات قصار أصبح الحديث اتهامات متبادلة، وشتائم ~~وتهديدات، وأيمانات مغلظة، خرج على إثرها صلاح من الحجرة غاضبا لاعنا تاركا الجنيهات ~~الخمسة تنعي من أهداها. # وجلس في الصالة يغلي وينفخ .. لا فائدة على الإطلاق. إنها حرب لا هوادة فيها. إنه ~~عسكري في جيش وليس زوجا في بيت، إنه لا عمل له إلا الدفاع عن نفسه، والحرب أدابته ~~وهدته، وأتت عليه. حتى العسكري يحظى بهدنة وراحة، أما هو فمعركته لا تتوقف. # وبينما هو يغلي وينفخ، كان عقله يعمل ويحلم، أجل، لا بد أن هناك حياة غير تلك، حياة ~~رحبة، لا قتال فيها ولا خناق ولا ملل، حياة مليئة بالبريق وبالرائع الجديد، ولا ينقصها سوى ~~الجريء الذي ينهي حياته وجبنه وينطلق إليها. # وبوغت حقا حين رأى روحية قد خرجت من حجرة النوم ووقفت قبالته على بابها لا تتحرك، ~~والورقة في يدها. ورمقها وهو يلعنها. لا بد أنها الآن اطمأنت أن الجنيهات الخمسة لم ~~تضع، وأنها على أية حال باقية في البيت. ولكيلا يلعنها، فقد أصبح يضايقه حتى أن ~~يلعنها، حول وجهه عنها. # غير أنها سألته وهي واقفة من بعيد إن كان جادا حقا في كلامه وإهدائه. وطبعا زفر ~~ولم يجب. ولكنها ظلت تلاحقه بالسؤال، ولأنه يعرف أنها إن صممت على شيء فلا بد أن ~~تعرفه، ولو فرقعت مرارته وحطمت رأسه، فلكي يخلص منها قال لها: أيوه يا ستي هدية بحق وحقيق ~~.. بمناسبة عيد الزفت الزواج. # وفوجئ حين وجدها تنخرط فجأة!! لا ليس فجأة .. فقد حدثت في وجهها تغييرات متوالية مضحكة ~~وانقباضات وانبساطات وتجعيدات، ثم انخرطت في بكاء ضاحك. تضحك وتبكي، وتبكي وتضحك، وشعرها ~~منكوش، وروبها مفتوح، والولد لا يغادر مكانه بين ساقيها. # وأخيرا قالت إنها قد أعدت له هدية هي الأخرى. إه يا ستي. وناولته الورقة. وتحت ~~إهدائه وجدها قد كتبت: إلى زوجي العزيز الغالي المحب بمناسبة قراننا .. من ms026 المخلصة جدا ~~زوجتك. # وفرت الدموع في الحال من عينيه. لا لأن ما كتبته كان غريبا ولكن لأنه صدر منها ~~وبخطها. ما أروع كلماتها. إلى زوجي العزيز الغالي، حتى أخطاءها الإملائية، حتى إمضاءها، حتى ~~طريقتها الساذجة في التعبير عن نفسها، ولو كانت أجمل امرأة في العالم هي التي كتبت له هذا ~~لما بدا أروع من كلمات روحية، روحية ذات الخرابيش والصوت الحاد اللافح، إنه شيء لا ~~يحتمل، أبدا لا يحتمل. # وأخذها على كتفه وقبلها. واحمر وجهها جدا وهي تقبله، وربما كانت هذه أولى ~~قبلاتها له. وربت على كتفها، وربتت على ظهره، وبكيا، وتعانقا وكما يضيء البرق فجأة، ~~تزاحمت الخواطر في عقله. إن حياته معها كره في كره، وخلاف في خلاف، ومواقع إثر مواقع، ~~هذا صحيح .. ليلة أن صفعها مثلا وخربشته بأظافرها وتدشدش طقم الشاي، ليلة أن اختلفا حول ~~اسم تامر، ليلة أن اصطدمت بالمرحومة أمه، ألف ليلة وليلة من الألم القاسي الممض. # العجيب أنه لا يحس شيئا من هذا الألم الآن، وكأن الألم في حينه يصبح ذكرى بعد حينه ~~فكل، ما يحسه الآن أنه كان شابا، وأنها كانت صغيرة، وأنهما كانا طائشين، وما أعذب ~~الطيش حين تمضي أيامه ويصبح مجرد لحظات تستعاد. إن الخلاف ينفر؛ ولكن العجيب أن ~~خلافاتهما كانت تقربهما أكثر. والخلاف يقولون إنه يخرب البيوت، والخلاف عمر بيته؛ فقد ~~كان لهما حجرة واحدة والآن عندهما ثلاث، ولم يكن هناك أولاد والآن لهما أربعة، وحين ~~تزوجها لم يكن معه إلا التوجيهية والآن معه بكالوريوس، وهي تزوجته وهي مدللة لا تعرف ~~سوى قلي البيض وتخطيط الحواجب، والآن بشهادته أمهر خياطة وطباخة، وكانت بالكاد لا تقرأ ~~إلا «حواء» لتعرف الموضة، وهي الآن تناقشه في السياسة وتبزه تلك التي يعتبر نفسه ضليعا ~~فيها. # ألف خاطر عن له، لو كان قد تزوج مطيعة لا ترفض له رغبة أو طلبا لما تحرك من مكانه ~~وموضعه، ولما تحركت هي الأخرى. إنه مغفل. أيكون ما يعيش فيها هو سعادة الواقع وهو لا ~~يدري؟! إنه كان يفكر دائما ms027 كأحد طرفي الخلاف، ولكنه أبدا لم يفكر كزوج لا بد له ~~زوجة ولا تتم سعادتهما إلا معا، ولا يسعد الشخصان معا إلا إذا اقتربا، احتكا ~~واختلفا، ونتج عن احتكاكهما موجات من الرضا والغضب، والسخط والألفة، والحب والكره. # أتكون هذه الموجات هي نفسها السعادة التي طال سمعه عنها. # أتكون كالشرر لا يحدث إلا إذا طرق الحديد بالحديد والحجر بالحجر. # تلك المرأة التي يضمها بين يديه الآن، رفيقة العمر، التي صاحبته لحظة بلحظة وساعة ~~بساعة، لا بد أنها كانت تقاسي مثله، وكانت تكرهه مثلما يكرهها، وتحملته مثلما ~~تحملها. وكل ذلك قد مضى، ويمضي، ويصبح ذكريات أهم ما فيها أنها مرت وطعمها الآن، من ~~طعم العمر المولي، ألذ وأطيب وأمتع طعم. إنها الآن بين يديه ضعيفة، مستسلمة، قد أسعدتها ~~هديته البسيطة إلى درجة البكاء والنشوة. # ألف خاطر وخاطر، وعاطفة قوية مبهمة تتفجر في نفسه، وإعزاز غريب مفاجئ لروحية يكتشف أنه ~~يملأ صدره. أيكون كل ما كان بينهما من خلاف وتعنت وكره هو الحب، الحب الأكبر. أكان من ~~حمقه يحلم بالحياة السعيدة الأخرى والحياة الأخرى هو فيها، ويفكر في الهجرة إلى دنيا ~~جديدة وهو يغمض عينيه عن دنيا الحقيقة الجديدة، ويقول إن إنهاء حياته الخاملة تلك في حاجة ~~إلى شجاعة، والشجاعة هي أن يتقبل حياته هذه، ويؤمن أن روحية زوجته والأولاد والبيت ~~بيته هو دعامته والمسئول عنه. # ألف خاطر وخاطر، وهما واقفان، بين دهشة الأولاد، متعانقان، وكأنهما كانا غائبين لعشر ~~سنوات مضت، وكل هذا بغلطة، بلفتة، بنكتة، بكلمات قليلة على ورقة. ~~••• # ولم تكف أوراق البنكنوت ذات الإهداءات عن الورود لصلاح، مكتوبة على أوراق من فئة العشرة ~~والخمسة والجنيه والخمسين قرشا بعض الأحيان. وكلما قرأ صلاح الإهداء، وتأمل اللحظة التي ~~لا بد سبقته واللحظة التي أعقبته، كانت سعادة غامرة تملأ جوانحه، وكأنه قد اخترع ~~اختراعا للسعادة البشرية، أو اكتشف اكتشافا، ولفرط سعادته باكتشافه حاول ذات يوم أن يبدأ ~~في عد الأوراق ذات الإهداءات؛ ليعرف كم من السعادات تسبب فيها وأحدثها. # ولا يزال صلاح إلى الآن ms028 يعد. ويبدو أنه لن يتوصل أبدا إلى معرفة الرقم الصحيح؛ ~~فالأوراق لم تكف أبدا عن الورود. # يناير 1957م # | فوق حدود العقل # دونت الاسم والسن والمسكن مرتين وفي صفحتين متقابلتين كما تقضي التعليمات، ولم يكن قد ~~بقي سوى سؤال واحد أو سؤالين عن سلوك الشاب، وأوقع، وينتهي الأمر. ولكن الأمر في ذلك ~~اليوم لم ينته أبدا .. إلى الآن، وأنا لا أعرف ماذا حدث بالضبط وجعلني أشك .. كانت وقفة ~~الشاب عادية .. نفس الوقفة التي وقفها قبله كثيرون، والتي أعرف أن كثيرين غيره سيقفونها .. ~~نفس النظرة الذاهلة الباحثة عن لا شيء! # سألت .. بصوت ضجر، وأذن متعبة، وعقل كان عليه أيضا أن يتلقى الكلمات الكثيرة وينقيها ~~من الضجة، ويترجهما إلى اصطلاحات يمليها على قلمي المشروع ليسد بها الخانات وينتهي كل ~~شيء! # سألت: ما الذي فعله؟ وجاءتني الإجابة .. قام في الليل وأمسك بالسكين وحاول ذبح زوجته ~~التي لم يدخل بها إلا من أسابيع. وحين حاولوا منعه كاد يفتك بهم، تغلبوا عليه وأخذوا ~~السكين منه .. اتجه إلى النافذة يريد أن يلقي بنفسه منها، فاضطروا حينئذ لتكتيفه ~~وضربه والاستغاثة بشرطة النجدة. # وتوقف القلم وعدت أسأل: متى؟ منذ بضع ليال، وبدأ القلم يضيق بوقفته التي طالت دون أن ~~يسد خانة .. وقلت أخيرا: ليس هذا بكاف .. هل تكررت أعماله هذه؟ هل فعل شيئا آخر؟ .. ~~وجاءتني الإجابة: يوهوه! كتير .. يقوم في الليل ويظل يصرخ ويوقظ الجيران، ويتصور أشياء ~~لا وجود لها؛ يعتقد أن إخوته يتآمرون عليه ويريدون انتزاع أرضه التي ورثها عن أبيه، ~~وكثيرا ما يكلم الهواء على أنه الأب الذي مات من عام ويشكو له هذا الأخ أو ~~ذاك! # بارانويد شيزوفرينا .. جنون الاضطهاد .. هكذا خمنت، وكتبت، وأحكمت الحيثيات .. وآخر ما ~~كان قد تبقى ليصدر حكمي بتحويل الشاب إلى مستشفى الأمراض العقلية، ونقله من خانة ~~العقلاء إلى خانة المجانين .. سؤال، مجرد سؤال واحد ألقيه على «المتهم» بمرضه، للتثبت من ~~التشخيص لا أكثر، ولكي يطمئن ضمير القاضي الذي في. ~~- صحيح كنت عايز تقتل مراتك؟ # ولم تأتني إجابة ما. وسألت مرة أخرى. ms029 وجاءت نهنهة .. إجابة ليست غير متوقعة، فما أكثر ~~ما تأتي إجابة المجانين على هيئة بكاء. # ورفعت عيني، وكأنما إيذانا بانتهاء الجلسة .. كان الوضع لم يتغير .. حجرة مفتش ~~الصحة في المكتب البالي الحافل بالازدحام والضجيج، الباب نصف مفتوح يطل منه وجه التومرجي ~~تزاحمه عشرات الوجوه، والكنبة البلدي بملاءتها الدمور، ولوحة كشف النظر، التي حال لونها ~~واصفر وأصبح بنيا، بارزة من ركن الحجرة .. كعلم مرفوع بالتسليم والإذعان لوطأة ~~الزمن. # وفي الوسط تماما .. كان الشاب نحيلا في «قميص الكتاف» القذر الواسع، مقيد اليدين ~~بأكمام القميص الطويل من الخلف، وبجواره العسكري المعهود، فلا بد مع كل مجنون يرسله القسم ~~من عسكري، ولكنه هذه المرة طويل، مهيب الطلعة، أنيق البزة، يصلح ليكون على رأس قرة قول ~~شرف، أو ليتقدم موكب المحمل. # تأملت المشهد برهة، ثم قلت: خذوه! # قلتها وأنا حزين، نفس الحزن الذي يراودني لثانية في كل مرة تخرج من فمي الكلمة، حزني ~~على دنيانا التي فقدت عقلا، وما أشد حاجتنا إلى كل عقل. # تكاسل الشاب قليلا، ودفعه العسكري بغلظة غير عادية. واستعد التومرجي وفتح الباب، ~~وتراجعت الوجوه، وكادت الحجرة تخلو .. لولا أني تذكرت الخانة التي كنت أنسى ملئها دائما، ~~الخانة التي يقيد فيها اسم قريب المريض الذي أدلى بالمعلومات عنه، وعنوانه. # وقلت: استنى .. فين قرايبه؟ # وجأر صوت عيد التومرجي، كالمبلغ في صلاة الجمعة، الذي يعيد كل ما يقوله الإمام: ~~استني .. فين قرايب المريض؟ # وسأل العسكري: حضرتك عايز قريبه مين؟ # قلت: قرايبه اللي كانوا بيقولولي على مرضه دلوقت. ~~- أنا اللي بقول لحضرتك. ~~- أنت قريبه؟ ~~- أنا أخوه. ~~- أخوه؟! # مرة ثانية رحت أنظر إلى العسكري. وأخيه المريض، ولا أكاد أصدق! ~~- انت أخوه صحيح؟ ~~- أنا ح اكدب يا دكتور؟ الكرنيه أهه، شوف سيادتك! # في الواقع لم أعد السؤال للتأكد، أعدته فقط لأسكت إحساسا حقيقيا بالشفقة، لا على ~~المريض، وإنما على أخيه .. إن الجنون هو المرض الوحيد الذي يمرض فيه الشخص ويحس آلام ~~مرضه الآخرون .. إن المجنون لا يتعذب، العذاب يحل بأهله وأقربائه وذويه .. فهذا ~~العسكري، تراه كم تألم ms030 وهو يستصحب أخاه إلى القسم مجنونا، ثم ، وهو يمضي أوراقه من ~~الرؤساء، ثم وهو يقف أمامي يحكي بلسانه ما فعله ويدلل على جنونه، ويعريه، خاصة وهو لم ~~يكن عسكريا عاديا؛ إذ اكتشفت أن على ذراعه أشرطة أربعة، كان واضحا أنه مهتم ~~بها، وبمركزه .. وقد صنعها من حرير أحمر أنيق. # ولكن إنسانيتي لم تستغرق سوى لحظة، عدت بعدها أطمئن على الروتين؛ فالمفروض ألا يرسل ~~المريض مع أقربائه. لا بد من عسكري يوفد لحراسته، حتى لو كان قريبه ضابطا أو شاويشا .. ~~الروتين هو الروتين. # وسألت: أين العسكري؟ # ومن بين الوجوه الكثيرة المتزاحمة على الباب، برز وجه ما لبث أن أصبح له جسد رسمي أسود، ~~وبندقية، أعقبتها خبطة قدم، وتحية، ولم يكتمل الروتين إلا بتأنيبه، وإلا باعتذاره لم ~~يكسر القاعدة وينتظر بالخارج إلا بناء على رجاء من الأخ الباشاويش. ~~- خلاص يا دكتور نمشي؟ # قالها الأخ مترددا، محرجا، وكأنما يستعجل مغادرة الحجرة وإنهاء الموقف .. ولكني لم ~~أكن معه، كنت أحدق في الأخ المريض الذي بدأت ألحظ عليه أشياء .. كان في وجهه ورقبته ~~كدمات وآثار ضرب، ورقبته بالذات كانت بها عضة واضحة، اشتركت في صنعها قواطع وأنياب، ولم ~~يكن قد كف عن البكاء. # ووجدت نفسي أسأله عما يبكيه، وأنتظر إجابة من الإجابات المريضة المعتادة .. ولكنه ~~ازداد بكاء ولم يجب .. وأعدت السؤال، وأيضا لم يجب، رفع رأسه وبجانب وجهه ألقى على ~~أخيه الشاويش نظرة، انفرطت على إثرها دموع كثيرة من عينيه بلا كلام .. ووجدت نفسي أنظر ~~أنا الآخر إلى الشاويش، ودهشت قليلا حين وجدته يصوب أشعة محمية من عينين واسعتين ~~مبحلقتين، وكأنما يأمر بها أخاه أن يكف عن البكاء، ويكف عن النظر إليه. # ومرة أخرى وجدت نفسي أسأله عما يبكيه، وهذه المرة أيضا لم يجب .. غير أنه بلمحة ~~جانبية خاطفة ألقاها على أخيه سكت، وعاد ينكس رأسه إلى الأرض. # وأحسست، رغم الصمت المستتب، أن الجو مشحون .. وأنني أنا الآخر بدأت أنتبه، وأتفرس، ~~وأحاول أن أستخلص من الصمت سره. # وفجأة التفت المريض كلية إلى أخيه الشاويش، وقال: ms031 خذ الأرض يا أخي في ستين داهية .. ~~هات عقد البيع دلوقت وأنا أمضي لك عليه، إنما بلاش تبهدلني كدة يا بدري وأنا أخوك! # وكف عن البكاء. وخفت أن يكون ما قاله مقدمة لنوبة، وما أبشع نوبات مرضى الاضطهاد .. ~~إنها النوبات التي يقتلون فيها ويعتدون ويصبحون كالوحوش الهائجة التي لا يوقفها خوف أو ~~تهديد، خير ما تفعله حينئذ أن تقتنع بكلامه .. وتجاريه، وقلت: هو عايز ياخد أرضك؟ # وبانفعال حقيقي، كانفعال البشر العاديين، وجدت كل ذرة من جسده تنتفض داخل قميص الكتاف، ~~وصدره يكاد يمزق القماش صاعدا هابطا لاهثا وهو يقول: ده يا بيه أخويا ابن أمي ~~وأبويا، وأبويا مات وساب لنا تسع قراريط، واحنا ثلاث أخوات .. بدري دهه اللي بيشتغل شاويش ~~وبياخد له ييجي عشرين جنيه من الحكومة، وواحد تاني، وأنا الصغير .. كل واحد منا نابه ثلاث ~~قراريط! ليه وليه إلا بدري أخويا عايز ياخدهم مني عشان يبقى حداه ربع فدان، بقي له ست ~~أشهر وهو كل يوم يهددني ويضربني وآخرتها عايز يوديني السراية .. عشان يستولي عليهم .. كدة ~~يا بدري .. روح يا شيخ الله يسامحك. # كان بدري قد هم أكثر من مرة أن يقاطع أخاه، ولكني بإشارات قاسية كنت أزجره وأرغمه ~~على السكوت، وما كاد أخوه ينتهي حتى انطلق كالبركان المتفجر يقول: بلاش فضايح يا محمد، ~~كفاية بقى الحتة كل يوم تتفرج علينا .. جاي هنا كمان عايز تفرج علينا الدكتور؟! # ثم التفت إلي كمن لا حيلة له، قائلا: أهو زي ما انت شايف كدة يا بيه .. كل ساعة على ~~ده الحال .. لما أنا نفسي قربت أتجنن. # وسألته: إنما صحيح أبوكم فات لكم تسع قراريط؟ ~~- وحياة سعادتك ولا سهم .. حتى اسأل مراته .. يا فرحانة .. يا فرحانة .. تعالي ~~هنا. # ودخلت فرحانة .. كالعروسة الحلاوة الملفوفة في ملاءة من ورق سولوفان، لا يخفي بقدر ما ~~يظهر ويجمل ويجعل الريق يسيل. ~~- انت مراته؟ ~~- قسمتي يا بيه؟ ~~- هو صحيح بيعمل الحاجات اللي قال عليها أخوه؟ # قلت هذا وأنا أتفرس فيها، وأعجب بيني وبين نفسي لزوجة يجن زوجها ms032 ويمرض، وتذهب معه إلى ~~مكتب الصحة بهذه الحواجب المرسومة والروج الموضوع بصبر وأناقة والبال الخالي .. الخالي حتى ~~من نظرة تلقيها على الزوج المريض! ~~- يا بيه .. أنا في عرضك .. دي مش مراتي .. دي مراته هوه! # هنا فقط التفتت إليه، ودبت على صدرها بيد مثقلة بالغوايش والخواتم قائلة: هي حصلت يا ~~محمد؟ بقى ما نتاش عارفني كمان؟! اخص عليك! ~~- والله ما هي مراتي يا ناس .. مراتي حابسينها في البيت وجايبين دي تعمل مراتي .. يا بدري ~~أنا ف عرضك، إن كنت عاوز الأرض خدها .. هات العقد وأنا أمضي لك عليه! # ولدهشتي .. وجدت بدري يأخذ كلامه جدا، ويلتفت إليه قائلا، بعينين ناريتين: أرض إيه يا ~~بني اللي آخدها؟ ما ربك غانيها من غير أرض .. أنا بتاع كلام من ده؟! # وربما كلامه هو الذي شجع الزوجة ودفعها لأن تقول: أرض إيه يا محمد اسم الله عليك .. ~~عقلك يا خويا أحسن من ستين أرض .. مش عيب تقول على أخوك كدة؟ ربنا يشفيك! يا بيه ده موتني م الضرب ليلة امبارح .. أنا راجل كلوباتي على قد حالي وهوه شاويش في ~~البوليس ومخوف الحتة .. وعاوز يأخذ التلات قراريط بالقوة .. ياخدهم ياخدهم .. بس بلاش ~~توديني السراية وأنا مضروب يا عالم وجسمي مكسر .. اتفضل شوف! ~~- والله يا بيه أنا ما ضربته ولا مديت إيدي عليه. ده حصل وإحنا بنحوشه وهو رافع السكينة ~~على مراته دي .. ده طول الليل قاعد يهربد في نفسه ومطلع عنينا معاه .. كدة واللا لأ يا ~~فرحانة؟ # وهزت فرحانة رأسها وبكت وأخرجت من صدرها منديلا صغيرا أبيض جففت به الدموع. # وبدأت الحجرة تمتلئ بالضباب .. أتفرس في وجه الشاويش فأجده ضخم الجسد، ناصع البدلة، ~~مدبب الملامح، صاعق النظرات، أشرطته الأربعة نافرة على كتفه، تكاد تضيء بنور أحمر ~~وهاج، وبجواره أخوه الصغير، ملفوفا كرطل العظم المشفى في خرق بالية وقميص كتاف. ~~وبينهما فرحانة، تبكي بحرقة وتندب حظا لا يعرف صاحبه. والعيون كلها زائغة، لا فرق بين ~~عيون بدري العاقل أو محمد المجنون، والأعصاب مشدودة، والحقيقة قد بدأت تضيع، حتى ms033 من ~~العسكري الواقف يحرس هذا كله ويحمي القانون، ومني أنا صاحب أسوأ موقف الوحيد من بين ~~الحاضرين جميعا، الذي كان عليه أن يقرر، في دقيقة أو جزء منها، أين يكمن الحق، ويحكم ~~بين أخوين لم يرهما إلا منذ دقائق، وكل منهما يكذب الآخر، ولا بد أن أحدهما على ~~الأقل كاذب، والآخر إما مجرم أو مجنون .. وبدأ شيء يبرز وسط الضباب .. ولم يكن شيئا .. ~~كان رجلا، ارتفع صوته بالخارج، قائلا للتومرجي: اوع .. ثم ما لبث أن اقتحم الحجرة، ~~وانتصب قريبا من الأخوين على هيئة عسكري آخر، ضخم أيضا وطويل، وعلى صدره كوردونات خضراء ~~كتلك التي يرتديها حرس مجلس الأمة أو الوزراء لا أعرف، وكان شاحب اللون يلهث، وقبل أن ~~يلتقط أنفاسه بدأ يتكلم، موجها كلامه للأخ الشاويش الأكبر قائلا: بقي كدة يا بدري ~~عايز تعملها وتودي محمد السراية؟ الله يلعن أبو الأرض .. دول ثلاث قراريط يا بدري تعمل في ~~أخوك كدة عشانهم. # وقبل أن أسأله عمن يكون .. تطوع هو بتقديم نفسه قائلا: إنه الأخ الثالث الأوسط، ~~وإنه علم منذ قليل أن بدري قد استصحب محمدا بالقوة ليدخله السراية، فجاء يجري ليمنع ~~الجريمة. # وبكى، وضايقني بكاؤه، وصرخت فيه، ماذا يبكيه وهو الراجل الوافر القوة والقدرة، وإذا به ~~يقول: ما يغركش يا بيه .. أصل أنا أعصابي تعبانة شوية، واتعالجت عند الدكتور ناشد فهمي، ~~المدرس بتاع الأمراض النفسانية في الدمرداش. # قلت في سري: المسألة إذن وراثية .. وخيط الجنون يسري في العائلة، وسألت: اتعالجت من ~~إيه؟ ~~- أصلي حصل لي انهيار في أعصابي .. أصلي قتلت مرة حرامي، ومن يومها وأنا بدوخ، وكل ما ~~اشوف بندقية نفسي تغم عليه! # ولا بد أن روح الهزل هي التي تستبد بنا أحيانا .. فقد وجدت نفسي أنسى الموقف تماما، ~~ولا يعود يهمني سوى حالة هذا الأخ الأوسط الذي بدأ يرتجف أمامي ويهتز، وأكاد أضحك كلما ~~قارنت بين جسده الضخم المهيب وصدره العريض الحافل بالكوردونات وبين ساقيه المرتعشتين ~~والدموع السائلة من عينيه، ولم أكن قد رأيت قاتلا يعترف أنه قاتل من قبل، ms034 بل لم أكن ~~أتصور أن يحدث للعسكري إذا قتل لصا كل هذا «الانهيار الأعصابي». # وسألته، وأجاب: أصلي كنت عسكري داورية وبعدين شفت حرامي بيكسر دكانة، لما شافني جري، ضربت ~~طلقة في رجليه أهوشه ما وقفش، فضربت في المليان قام جت في ضهره ومات .. وفضلت واقف جنبه ~~لما النهار طلع وخادوني ع القسم .. وبعدين بقيت أهلوس في الليل، وما ارضاش أطلع دوريات. ~~قعدوا يجازوني، وبعدين لما لقيوا ما فيش فايدة حولوني ع المستشفى، وخدت 12 جلسة في مخي على ~~سنة ونصف. # وبدأ يمد يده في جيبه ليخرج الروشتات وأوراق العلاج، ولكني لم أكن في حاجة لأدلة أو ~~إثبات، ودهشتي الأولى كانت قد خفت قليلا، وبدأت أعود إلى القضية المعلقة أمامي في انتظار ~~الحكم. وطلبت من القادم الجديد رأيه فيها، وبدأ الأخ الأكبر بدري يحتج ويقول: يا دكتور ما ~~تسمعش كلامه ده مهفوف ومتضايق مني عشان أنا أغنى منه وما برضاش أديه فلوس، عايز يلبسني ~~تهمة يا دكتور، هو ده معقول أدعي على أخويا إنه مجنون! ~~- ده أنت تعملها .. وتعمل أبوها، دا انت مجرم .. أقسم بالله إنك مجرم .. يا بيه! # والتفت الأوسط إلي شارحا كيف مات أبوهم وترك لهم القراريط التسعة، وكيف أن أخاهم ~~الأكبر هذا بخيل أناني جشع، يستولي على إيجار الأرض ويريد أن ينتزع ملكيتها، وكيف ~~أنه يضع المليم فوق المليم ويحرم نفسه ويقتات بالملح والفلفل حتى يجمع ثمن فدان، وكم مرة ~~حلف بشاربه وبتربة أبيه أنه لن يرجع حتى يصبح مالكا لزمام فدان، وكيف أنه استغل ضعفه ~~وضعف أخيه الأصغر محمد ليفرض عليهما جبروته وسلطانه. # واحنا الثلاثة عايشين في بيت واحد، كل واحد واخد أوضة هو ومراته وولاده، ومحمد لسة مجوز ~~جديد، وبدري ده محتل الصالة بالعافية، ويبقى الفطار عنده ويسيبه ويجي يقعد بالقوة يفطر مع ~~واحد فينا عشان يوفر، وما يهون عليه يشتري باكو شاي واللا بقرش سكر، ولما يشم إن واحد ~~فينا عمل شاي ييجي يستولي على البراد بالرزالة .. وآخرتها عاوز يودي محمد في داهية عشان ~~يتعين ms035 وصي عليه ويلهف الثلاث قراريط. # ومرة أخرى بكى ، ونظر إلى أخيه محمد وهو يبكي، فبكى ~~محمد هو الآخر، وتصاعدت من حناجرهما أصوات متحشرجة مختلطة بالدموع تعاتب بدري وتدعو عليه ~~وتطلب من الله أن يظهر الحق ويجازي كل ظالم على ما يرتكبه .. أما بدري فقد وقف زائغ ~~النظرات يصرخ فيهما، وينهر أخاه الأوسط ويعجب كيف يوجه له اتهاما كهذا .. القصد منه - ~~لا شك - أن يحاكم ويفصل من وظيفته، وهو يعلم تمام العلم أن أخاه مجنون وأنه على حق .. ~~أما فرحانة فكانت قد انسحبت من الحجرة، تاركة المشهد يحتله الإخوة الثلاثة ووراءهم يقف ~~العسكري الرسمي صامتا، بليد الملامح، وكأنه لا يرى ولا يسمع ولا يفقه مما يدور أمامه ~~حرفا. # وهكذا وجدت يدي تمتد، وتقطع الاستمارة، ووجدت نفسي أعود مرة أخرى لفحص قوى محمد العقلية، ~~بنظرة محايدة جديدة، ولدهشتي وجدت إجاباته كلها معقولة، ولدهشتي الأشد لم أجد إجاباته ~~تختلف كثيرا عن الإجابات التي بنيت عليها احتمال جنونه، نفس الجمل تقريبا، بنفس ~~الألفاظ. كل الفرق أنني أسمعها بأذن محايدة .. إذ الظاهر أنه يكفي أن تفرض الجنون في ~~إنسان حتى تجد في كل ما يقول أو يهمس به أدلة تثبت جنونه، ويكفي أن تفترض العقل في إنسان، ~~حتى لو كان غير متمالك لقواه العقلية حتى تجد في كلماته وإجاباته ما يدعم إيمانك بأنه ~~عاقل. # واتضح أن حكاية القراريط الثلاثة صحيحة، والتهديد صحيح، والضرب والتعذيب قام بهما الأخ ~~الأكبر فعلا ليرغم أخاه على بيع الأرض له بعقد صوري! # ليس هذا فقط، بل بمكالمة تليفونية مع القسم، اتضح أن القسم لا علم له بالورقة المحولة ~~إلي، وأنه هو الذي كتبها ووقعها .. واستصحب العسكري الذي كان لا يزال منتصبا في مكانه ~~لا يفقه حرفا مما يدور. # وحين عدت إلى مسرح الأحداث في وسط الحجرة، كان الأخ الأوسط يحتضن الأصغر، وتتبادل ~~عيونهما الدموع، وبدري الأكبر واقفا شاحب الوجه يدافع بآخر رمق عن نفسه، وكلما تكشف ~~الموقف عن دليل جديد ضده كلما ازداد شحوبه ونبت على جلده العرق الصغير الأصفر. ms036 # وأمرت بفك القميص عن محمد وبدأت أتأمل الموقف بيني وبين نفسي لأعرف ماذا يجب أن أفعله ~~إزاء بدري، وهل أحيله إلى النيابة، أم أكتب بلاغا لمأمور القسم ليتصرف معه .. واستقر ~~رأيي على إبلاغ القسم. وبكل الحقد الذي بدأ يغلي في صدري على هذا الأخ المجرم، أمسكت ~~بالسماعة أريد أن أملي بنفسي الإشارة التي ستكلفه وظيفته وأشرطته الحريرية الأربعة ~~والقراريط التي ورثها وزوجته الحلوة التي بدأت تولول في الخارج وتعوي، وأكثر من هذا حريته؛ ~~إذ بالتأكيد سيحكم عليه بالسجن، ولن يقل سجنه عن أعوام! # وهنا وجدت المارد الضخم ينهار، وهو الذي راح هذه المرة يبكي، وقد جفت دموع أخويه، ~~ويستعطف ويتهاوى على الأرض، يريد أن يقبل قدمي، وكلما رأيت هذا كله، ازداد الحقد في صدري ~~عليه .. ازداد إلى درجة رحت معها أهدهد على الأخوين بكلماتي وأذكر لهما أن أخاهما الآثم ~~وقع في الحفرة وأنه لن يخرج منها. # وصاح الأخ الأوسط: ينصر دينك يا شيخ .. يحيا العدل! # وقال الأصغر بصوت واهن: مش قلتلك يا بيه؟! # وقال بدري في هلع: أنا في عرضك .. أنا صاحب عيال. # ثم التفت إلى أخويه قائلا: مبسوطين يا ولاد طلبة؟! أهو بيتي اتخرب يا محمد، يرضيكوا كدة ~~يا ولاد طلبة، يا ولاد الحرام. # وقال الأوسط: جزاك ما صح لك. # وقلت في سري: وكل هذا من أجل قراريط ثلاثة؟! # وفوجئت بالحجرة تتحول إلى مناحة، بدري يشهق بصوت عال، والأخ الأوسط بدأ يضم الأصغر، ~~حتى بعد أن انتصر، ويبكيان، ولا ريب أن أباهم طلبة كان هو الآخر في قبره يبكي ~~ويتلوى. # وجاءني من السماعة صوت أخنف مزعج يقول: أيوة هنا القسم .. انت مين؟ # وأجبت: احنا مكتب الصحة .. خد الإشارة دي! # وعلا بكاء بدري إلى درجة غير معقولة، بينما كف الأصغر عن البكاء وراح يتطلع إلي، ثم ~~إلى أخيه .. ثم وجدته يترك ذراع الأوسط الذي يضمه ويتقدم إلى المكتب ويرجوني، بكل ما في ~~طاقته من ذلة، أن أوافق وأحيله إلى المستشفى، إن كان في هذا إنقاذ لأخيه! # وسكتت الحجرة كلها .. ووقف ms037 بدري جامدا في مكانه كالمصعوق. # ثم وجدته يندفع إلى محمد يحاول عناقه، ولكن محمد دفعه عنه قائلا: دا مش عشان خاطرك .. ~~دا عشان خاطر أولادك! ~~- يا حبيبي يا محمد .. أنا عارف برضه إني ما اهونش عليك. # وفوجئت بالأوسط هو الآخر يتقدم ويرجوني، إن لم يكن جاء محمد صالحا للتنفيذ، أن استبدل ~~الاسم الأول في الخطاب. الاستمارة. وأن أضع اسمه بدلا منه، وانهياره الأعصابي، والعلاج ~~الذي أخذه يؤهلانه لدخول المستشفى، وإثبات أن بدري على حق وأنه لم يزور ولم ~~يكذب. # واحترت ماذا أفعل والسماعة في يدي بدأت تنقنق وتقول: أيوة يا مكتب الصحة! # وبدري يقول: أنا أستاهل وديني في داهية ما ترحمنيش! # والأصغر يقول: كل اللي قاله بدري مضبوط، أنا مجنون. # والأوسط يقول: ما تسمعش كلامه، أنا بداله! # والسماعة معلقة في يدي، ينبعث منها الصوت الأخنف المزعج، مستعجلا نص الإشارة، ~~وكأنه صوت القانون يطالب بتطبيقه وإبلاغ الإشارة وسجن الأخ. # ويا لها من لحظة، تلك التي تحس فيها أن مصير إنسان معلق بكلمة تقولها أو زناد ~~تضغطه. # لحظة خيل إلي أنها طالت وامتدت، وأن المشهد نفسه طال وامتد وتجمد، وأنه ~~سيظل هكذا لن يتحرك أو تدب فيه الحياة إلا حين أفتح فمي وأنطق كلمة. # ولأمر ما أحسست أني، بدموع داخلية، أبكي. وأتذكر إخوتي، وأحس أني رابع الثلاثة ~~الواقفين أمامي! # وصرفني الشعور بأني لا يجب أن أفعل كما فعل الأخ الأوسط وأضرب في المليان، وعن عمد قررت ~~أن أنسى القانون، وأخطئ، وأنصت للهاتف في داخلي، وأسكت صوت السماعة. # سنة 1961م # | هذه المرة # كان الضابط كريما، ولم يشأ أن تتم الزيارة في الحجرة المخصصة للزوار المملوءة بضجة ~~عشرين مسجونا يقابلون بلهفة مجنونة مائة أو أكثر من الأهل، والجميع يصرخون في وقت واحد، ~~عبر السلك الأصم المستمتع بصممه. لأمر ما جعلها الضابط زيارة خاصة تتم في حجرته، ربما لأن ~~الزائرة كانت جميلة رقيقة ممشوقة القوام تضع على عينيها نظارة سوداء أنيقة وترتدي جوربا من ~~النايلون الغامق. و«إمام» كان يعرف منذ الصباح الباكر أن له زيارة، ms038 ولأربع ساعات طوال ~~كانت ينتظر، والانتظار في السجن ليس مؤلما، إنه عمل، عمل طويل لا ينقطع ولا ينتهي، ~~يتسلمه المسجون لحظة أن يضع أقدامه في العنبر؛ إذ عليه من لحظتها، حتى لو كان الحكم ~~مؤبدا، أن ينتظر لحظة الإفراج، وكل ما يفعله بين ساعة دخوله سجينا وساعة خروجه حرا ~~طليقا، أن ينتظر، ينتظر الليل إذا جاء النهار، وينتظر الغروب حين تشرق الشمس، وينتظر وجبة ~~العشاء المتواضعة أثناء توزيع الإفطار، انتظار يتكفل الزمن بتغيير طعمه ولونه، حتى ~~ليؤديه الإنسان بلا ملل، وإنما باستسلام تام للانتظار وخضوع مطلق له. # منذ الصباح وهو ينتظر أن ينادي عليه الشاويش قائلا: «إمام محمد إبراهيم .. لك زيارة.» ~~أربع ساعات طوال وليس في عقله إلا المفتاح حين يدور في القفل، أو صوت الشاويش الغليظ ~~الهادئ الملول وهو يقول: زيارته. # أجل ستزوره سهير مرة أخرى. وهي دائبة على زيارته منذ أن دخل السجن، لم تنقطع إلا مرة ~~أو مرتين، ولكنها دائبة، ودود، مستمرة، كالإحساس الدافئ بالأمل. وهو في كل شهر ينتظرها، ~~ولا يمضي الشهر إلا إذا جاءت، إذا تأخرت يوما أو أسبوعا؛ توقف الشهر يوما أو ~~أسبوعا، ولا يتحرك ولا يبدأ شهر جديد إلا إذا جاءت .. إن ما بينهما ليس غراما ~~مشبوبا، فلقد كان يحبها ويحن إليها ويعشقها كما تعشق الليلات والجولييتات، وهو حر، ~~ويرغب فيها أحيانا ويشتهيها كما تشتهي راقصة البطن حين تتلوى بإغراء مثير أمامك، وأحيانا ~~يطمئن إلى حنانها الأكبر من عمرها وطاقتها ويهفو، وأحيانا يزود عنها ويضيق، مثلما يضيق ~~معظم الناس بحياة الزواج، يحبها ويحب ابنته منها، وابنتهما جزء من ذلك الحب، كأنها ~~التجسيد المادي لعواطف لا ترى ولا توزن، ابنته كانت صحيحة حلوة ضاحكة متفتحة، بضة وذات ~~دلال، تماما كما تتدلل أمها إلى درجة لا بد أن يتساءل الإنسان معها، ترى أهي صورة من ~~أمها التي تحبه ويحبها، أم هي صورة لما بينهما من حب. والخوف أيضا كان هناك. لقد انقضت ~~ثلاث سنوات منذ أن كان معها في فراش واحد، ولقد رآها تضمحل، ويسألها ms039 عن طعامها، فتخبره ~~أنها لا تجد لديها الرغبة في أن تأكل، أو حتى أن تحيا، وكان في مرات يلحظ لونها أحمر على ~~غير العادة كأنها تعاني من حمى، ولا ينسى أبدا رعشة يدها ذات مرة ثم شفتيها، ثم رعشتها ~~كلها حين ذلك كفها الممدود إليه وهو يودعها ذات زيارة. أحيانا كان يواتيه خاطر مجنون ~~يهب به أن يأخذها، هكذا أمام الملأ وداخل السجن، وليطلقوا عليه النيران. كان هو الآخر ~~يعاني، ليس فقط من جسده، وإنما من كبت وجداني كان الجسد وسيلته إلى تخليصه منه .. يعاني ~~من إحساسه باختناق قدرته على إعطائها، من حرمانه أن يمنح بسرف وبذخ كما تعود أن يكون ~~عطاؤه. # كانا قد تزوجا عن إعجاب شديد، تطور إلى غرام وغيرة ومحبة وتضحية، كقصص الحب العاصفة، ~~وتكفل الزواج بصهرهما معا، لم يعد يحس بها منفصلة عنه .. أو كائنا آخر مستقلا .. ~~لكنها أصبحت جزءا أنثويا منه، أو لكأنما أصبح جزءها المذكر .. إنها معه، فهي ~~داخله، وهو يحس بنفسه هناك، في روحها، في أعماق نظرتها، داخل كل انكماشة وانبساطة في ضلوعها ~~الدقيقة، وهي تأخذ الشهيق أو تصدر الزفير. إنه حتى يحس بنفسه داخل شعوره بها، كل ~~متلاحم كالكائن الحي لا يمكنه فصله، وأي فصل له أو انقسام لا يزيده إلا حياة وقوة ~~واتصالا. # ودار المفتاح في القفل، ولم يسمع - رغم ترقبه له - ما نطق به الشاويش، سار أمامه، ~~حليقا. قضى وقتا طويلا يوصي المسجون الحلاق كي يجتث كل ناشز من شعره وينعم ذقنه، ~~قام بمحاولات الدنيا كي يستحم بماء ساخن ويلقاها نظيف الجسد، لامع الوجه، كان كأنما هو ~~ذاهب لملاقاة الحياة، تلك التي يبقى ميتا طيلة الشهر حتى تشرق عليه في النهاية، وبنظرة ~~واحدة منها تلمسه لمسة ترد إليه الحياة، حقيقة يحس بجسده يضطرب بتيار عارم متلاحق متشابك من ~~الانفعالات والأحاسيس، يحس بنفسه قد اتصل ببحر الحياة، أصبح جزءا واعيا متفائلا من ~~الوجود الميت الأحمق. # ودخل الحجرة، وشكر الضابط بكلمات غير واعية، وعيناه تبحثان عنها، كانت بجواره تماما ولم ~~يرها، لم ms040 يرها إلا حين سمعها، تقول، وكأنما تعبر عن الدهشة لنفسها: إمام. التفت. ~~كانت هناك. لم يتبين وجهها أول الأمر، كعادته، كان دائما يخاف، كلما مرت بخياله في ~~وحدته، أن يفقد القدرة على تذكر وجهها بكل دقائقه، وفي كل مرة يراها كان يجدها متغيرة، ~~أبدا لم ير لها نفس الوجه مرتين، كل مرة يراها فيها، سواء في السجن أو خارج السجن، كانت ~~بوجه، دائما جديد ومختلف، وكأنه لم يره، دائما متغير وكأنه لم يثبت على حال، ولكنه ~~ما يكاد يرى وجهها حتى يعرف ويدرك أنه وجهها، وأنه هكذا كان يبدو، وهكذا سيظل يبدو إلى ~~آخر العمر، وجهها .. الذي له، يضحك له، ويعبس بسببه، ويحلم به ويشتاق، ويشع حبا من ~~خلاله. وكما التقيا كانت تحدث هذه الالتماعة، في عينيها وعينيه، حتى لكأن شرارة تحدث، ~~وضوءا مفاجئا ينسكب فيعشيهما معا .. لومضة، ويحس أنها لا تراه بقدر ما تدرك وجوده. ~~وتحس كأنما عثرت على كنزها المنشود، الذي ظلت تبحث عنه ولا تكاد تصدر عثرت عليه، ورغم ~~هذا لا تطمئن أبدا إلى عثورها عليه. # ودون أن يشعرا، اقتربا، وتلاصقا، كما يحدث دائما كل اقتراب لهما وتلاصق، وأمسك ~~بذراعيها في قبضتيه، ومن أول لمسة أحس بذلك الشيء الذي كان عليه أن يدركه حالا. وتأملها ~~عن قرب. كان لا يزال غير قادر على رؤيتها بدقة، وكأن الشرارة المعشية لا تزال هناك. ~~وكانت تبتسم، ولكنه كان يحس أنها تبتسم لأنها تريد بإرادتها أن يراها مبتسمة، وليس ~~لأنها أعماقها تريد الابتسام. ربما لو تركت نفسها لسجيتها لبكت أو لعانقته أو لاندفعت ~~مقدمة على عمل أعمق. كانت ابتسامتها ربما علامة عجز، عجز عن أن تصنع شيئا آخر. وصدرت ~~عنها الكلمات السريعة المتلاحقة التي تصدر عن كل الناس في مواقف كتلك. ازيك. صحتك. ~~وحشتنا. نوسة. كلمات، تحركات أفواه وتقلصات ألسنة وحناجر ليس إلا؛ فالعقل مشغول ~~بعملية تفحص كاملة تامة، كل يتفحص الآخر، بأجهزة لا أسماء لها تقيس كل دقيقة فيه، ~~ليطمئن إلى أنه هو، وأنه لم يتغير، أو إن كان قد ms041 تغير فإنما إلى ارتباط أكثر وحب ~~أقوى وتعلق لا حدود له. أجهزة دقيقة شاملة منتشرة في كل اتجاه، تستقبل وترسل، وتمتص ~~وتفرز، كل خلية وكل عضو في الجسد، كأنما يريد الاطمئنان على الجزء المقابل له. كان يشتاق ~~إليها بنفسه كلها، بيديه وأنفه وشعره المجعد .. بشاربه الحليق، بالحسنة السوداء في أذنه، ~~يشتاق إليها كلها، للبحة في آخر صوتها، لرائها الغينية حين تنطقها، لتغابيها عليه. لتدليلها ~~إياه، لهمهمة الغناء غير الجميلة حين تدندن بها في ساعات التجلي، لكل شيء، حتى لإصبع ~~قدمها الصغرى الخالية من أي ظفر. # وأحس بنفسه قلقا على غير العادة، أطالت أجهزته التفحص والقياس والاستقبال، وأكثرت من ~~التجاوب والإعطاء، لم تستقر على رأي بعد، ربما لهذا ظل يردد .. ازيك .. صحتك .. ~~اللذيذة نوسة وضرسها المؤلم الفاسد .. في كل مرة كان عقله يستمر يردد هذه الكلمات إلى أن ~~تكتفي أجهزة جسده وتعطيه إشارة خفيفة أنها انتهت، حينئذ كان العقل يبدأ عمله ويستطيع أن ~~يعود يعقل وينظر، ويتأمل ويدقق، لتبدأ النظرة الثانية. النظرة المتمهلة المتمعنة ~~التي لا قلق فيها، ولو كان موعد الزيارة معروفا؛ فاللقاء دائما مفاجأة يطير لها الصواب، ~~نظرة المتعة بالرؤية والالتهام، التهاما، بالمزاج والراحة وأقصى درجات السعادة. إزاي نوسة؟ ~~رابع مرة في دقيقة واحدة يسألها سؤالا أقرب للاستعجال منه إلى السؤال، وليس استعجالا لها ~~وإنما استعجال لنفسه اللاواعية أن تنتهي من إجراءاتها الكثيرة المعقدة وتئوب إليه، ليئوب ~~إليه اطمئنانه ووعيه. كويسة قوي، مشتاقة لك. هي الأخرى تجيبه ناظرة في عينيه، شاخصة إليه ~~كأنما تنتظر أن ترى في عينيه شيئا، إشارة أمان تعودت رؤيتها، جواز مرور، نظرته هو. ~~الحقيقة التي تعرفها حين ينظر بها إليها هي، وتراه ينظر إليها دونا عن الكون والدنيا، هي ~~فقط التي تكون في عينيه وكأن العينين تصبحان عينيها، عينيها وحدها، عيناه وعيناها، وبدأ ~~القلق يدب ويهدد بأن يصبح توترا، ولم يكن يريد أي توتر. كان يحلم منذ الصباح بأن ~~تتالى، في نعومة ويسر، نظراته، الأولى المذهولة، والثانية المستمتعة، والثالثة حين تبلغ ~~المتعة حد النشوة، والرابعة ms042 الحالمة المكتسحة الخارجة به وبها من خلف الأبواب الموصدة إلى ~~الدنيا المتسعة، إلى الغد، الغد الطويل الممتد الذي لا نهاية واضحة له. أي تلكؤ حرمان، ~~وزمن الزيارة قليل، وعقله من خوفه يساهم في الإسراع ويكاد يقسم لأجهزته وحواسه الظاهرة ~~والخفية كل شيء على ما يرام وإنها هي، وجهها القمحي هو هو، عيناها العسليتان الواسعتان ~~ذواتا الحدقتين المكونتين من ألف لون ولون، المشعتان بألف شعاع وشعاع، شعرها الأسود ~~اللامع: أسود ولامع، فورمته مختلفة ولكنه شعرها، روحها هي نفس روحها أو تكاد، لا خلاف ~~يذكر أو يلحظ، ولا يمكن أن يكون هناك خلاف، إن أي خلاف معناه اختلال في نظام الكون لا ~~بد، صحيح أنها معتنية بزينتها أكثر من كل مرة، قلم الحواجب واضح خطه في حواجبها، ~~والريميل يرمل أجفانها أكثر، وإن كانت فسفوسة صغيرة لا بد من أثر الجو أو الهضم قد نبتت من ~~زاوية فمها، إلا أن شفتيها هما شفتاها، بروزهما إلى الأمام لم تتغير درجته، والروج ~~ينطبق تماما على حوافهما كما تحب أن تبدو، لا شيء تغير، بل ربما اللهفة أكثر، وقلقها ~~للعثور عليه في عينيه وعلى نفسها داخله أكثر. # ولكن نفسه استمرت تتفحصها غير مبالية بقلقه أو استعجاله أو ضيقه، مندهشة لا تزال، غير ~~مدركة تمام الإدراك ما ترى، تتفحص، بلا وعي تتفحص، دون أن يشعر بها أو يسمح لها تتفحص، ~~كأنه يراها لأول مرة تتفحص ماذا هناك يا ترى؟ ماذا يوقفها ويبقيها؟ ماذا يدهشها ~~ويذهلها؟ ما المجهول فيها وهو يعرف كل لمحة منها وفيها .. لا أحد، لا عقله، ولا جهاز من ~~أجهزته يرحمه ويجيب، أو حتى يعرف ويدرك ولا يجيب. وكلمات الشوق والترحيب مستمرة، عصبية من ~~وراء القلب، ولمجرد قول شيء، مستمر، والحجرة تبدو أحيانا واسعة كفناء السجن، وأحيانا تضيق ~~لتصبح أضأل من الزنزانة، والضابط جالس إلى مكتبه منجعص إلى الخلف بالجريدة مفتوحة، وبعين ~~نصفها يقرأ ونصفها الآخر مضاف إليه انتباهه كله، يراقب ما يدور بين الرجل والمرأة، لا ~~يراقب محرمات أو مخالفات، وإنما على الرغم منه، ms043 ولمجرد حب الاستطلاع يراقب، مراقبة ~~لا يراها أي منهما ولكنهما يدركانها تمام الإدراك، ويستعجلان اللحظة التي يندمجان فيها ~~معا ويغيبان عن الوعي بالزمن والمكان وحتى بهذه الرقابة من الضابط. # لحظة طالت وامتدت حتى أصبح تأخرها أمرا واضحا لا شك فيه، أمرا يدفع الموقف بكميات ~~أكبر من القلق، قلقه، وقلقها، على قلقه .. وقلقه حتى من قلقها عليه. # فجأة أفلت الزمام منه، ووجد نفسه يسألها: إيه اللي حصل؟ # وكان بوسعها أن تسأله ما يقصد، وعن أي شيء بالضبط يتحدث، ولكنها مثله لا تريد للوقت ~~أن يضيع، ويخاف أن يضبطها في لحظة تغلب. إن السؤال وإن كان يبدو مائعا عائما، إلا ~~أن الصوت الذي نطقه به كان محددا مستغيثا يطلب إجابة حاسمة تشفي الغليل. وبسرعة وبحسم ~~قالت: لا شيء حدث. مالك؟ أنا؟! ما مما ليش .. لا .. لازم فيه حاجة .. حاجة إيه؟ ولا حاجة. ~~إنتي متغيرة. أنا؟! متغيرة إزاي؟ لازم مش إنتي. إزاي مش أنا؟ أنا أنا .. كل مرة أنا أنا .. ~~إنما المرة دي إنتي مش إنتي .. أمال مين؟ أنا مين؟ أنا سهير بتاعتك مش فاكر! صحيح بتاعتي! ~~ودي عايزة سؤال يا إمام؟ بتاعتك بتاعتك بتاعتك .. إنما برضه يا سهير لازم فيه حاجة! # ولاحظ ارتجافة عابرة جدا سرت بشفتيها، لم يكن ليلحظها لولا فسفوسة عسر الهضم. أمام ~~الحاجز الذي أقيم بدت العواطف تتجمع بسرعة وتتزايد وتتراكم وتهدد باكتساح السد الذي ~~أقامه بلا سبب معقول أو غير معقول أو بصناعة مجرى جانبي آخر. وهكذا كان لا بد أن تأتي ~~النظرة الثانية، بحكم قانون القوة جاءت ووجدت وأصبحت أمرا واقعا، ولكنها لم تأت كما ~~تعودت أن تأتي كل مرة، حين تحل محل النظرة الأولى الحيرى المتسائلة المذهولة، جاءت النظرة ~~الثانية هذه المرة دون أن تختفي الأولى أو تزول، تراكمت فوقها، فوق الذهول والحيرة والتشتت، ~~وأيضا لم تكن نظرة استمتاع والتهام متمهل سعيد منتش، جاءت مختلفة، غريبة، مجرد رغبة ~~أعظم في بحث متعجل حاد، لهفة، إحساس دافق قوي بضرورة العثور على نهاية، على قاع، على ~~حقيقة. ~~- فيه ms044 إيه يا إمام؟ # سؤال منزعج من فم منزعج والملامح التي أطلقها فيها رجفة، لا بد رجفة اضطراب، لم يكن قد ~~حدث ما يستدعي السؤال أو الانزعاج، كما لم يكن قد حدث ما يستدعي سؤاله المفاجئ عما يمكن ~~أن يكون قد حدث. ولكن المشكلة أنه لم يكن مطلوبا أن يحدث شيء واضح ليسأل أحدهما الآخر، ~~أو ينزعج، إن الحياة معا في حب أو زواج، صنعت مثلما تصنع لكل الناس. ذلك الالتحام الشامل ~~الذي يجعلك الآخر وتحسه، ربما قبل أن تفهم نفسك أو تحسها، تفاهم بالإحساس يتم بالتأكيد ~~قبل أن يتم التفاهم بأي لغة أخرى، حتى لو كانت لغة العين والنظر، إنه تشابك الأفرع ~~والأغصان والأوراق وتداخلها في شجرة إحساس واحد مسيطر، حالة لا يزيدها البعد إلا حدة، ~~والحرمان إلا شحذا ومقدرة، وكلما ازداد الطرفان بعدا، اقتربا وأصبحا أكثر تشابكا .. ~~فانفصال أيهما عن الآخر في الزمن أو المسافة لا يبعد ولا يعزل، ولكنه يقرب ويكثف ويربط، ~~فيه إيه؟! أي نعم فيه إيه؟ وإيه بالضبط ري سؤالك حصل .. انطق .. تكلم .. فيه إيه .. أبدا ~~ولا حاجة .. إذن لم يحدث شيء، وليس هناك شيء؟! ما الأمر إذن؟ ماذا هناك؟ ماذا دهاك. ولو كان ~~الوقت يسمح لاستمرت المطاردة الخالدة غير الجديدة على علاقتهما .. إلى ما لا نهاية .. ~~ولكن الوقت، كان مدببا، كالترس المسنونة تروسه، كلما دار وخز وألم ونبه وجأر بأنه ~~يدور ويمضي مهددا بقرب انغلاق دائرة الدقائق العشر المصرح بها. # ولكن ماذا يصنع أو يقول في موقف لم يحدثه هو بإرادته، في موقف تكوم وتكون وتراكم ~~وتشكل حقيقة واقعة دون أي تدخل إرادي أو عقلي أو حتى وجداني منه، إنما حدث هذا وكأنما ~~حدث بواسطة جسده وأعضائه وعضلاته وعظامه والأجهزة اللاإرادية الغريبة المركبة فيه، في موقف ~~عاجز عن فهمه وإدراكه. موقف حدث لا يدري كيف، ومستمر في حدوثه لا يدري كيف أيضا، وسادر في ~~استمراره إلى ما يبدو أنه اللاحل واللانهاية، لا يدري كيف أيضا، سهير يا حبيبتي أنت ~~أنت، لم يتغير فيك شيء، أليس ms045 كذلك؟! بل تغيرت يا إمامي وأصبحت أحبك كما لم أحبك من قبل ~~أو من بعد .. ليتك تؤجلين الكلام عن الحب، كل كلام عنه، أحس به غير طبيعي .. ومصطنع من أجل ~~هذا الموقف، إن الحب يأتي بعد الاطمئنان، وأنا لا أزال لم أطمئن، نفسي التي تحركني وتشعر ~~لي لم تطمئن، عقلي لا يزال مذهولا يبحث عن خلجة اطمئنان، ومنك يأتي اطمئناني، وفي يدك الحل ~~إذ التفسير لا بد عندك. أنا أنا لم أتغير يا سهير، أنا كجدران الزنزانة، كساعة «التمام» بعد ~~الظهر، كوقع الأحذية الثقيلة على بلاط العنبر، أنا مثل أي شيء وكل شيء هنا، لا أتغير ولم ~~أتغير. أنا ثابت وأنت المتحركة، أنت الطليقة، أنت المتغيرة. # ولكن يا حبيبي برغم أني طليقة ومتحركة، برغم وجودي في الخارج الحر أنا معك ثابتة لا ~~أتغير. أنا هنا وإن كنت أبدو هناك، أنا سجينة داخل ما هو أفظع من سجنك، داخل الحياة ~~الطليقة، كلام جميل مثل حوار أفلام الحب ولكني لا أريده، وإن كنت في كل مرة أسمعه. أجن ~~إلا إني لا أريده. هناك شيء مؤلم حاد يشتتني ويجعلني لا أريد أن أصغي قبل أن أوقن وأعرف. ~~تعرف ماذا؟ أعرف من أنت؟ إن فيك شيئا لا أعرفه يجعلني أحس أني لا أعرفك كلك، شيء جديد ~~غريب علي، حواسي تحوم حوله وتجفل ولا تستطيع إدراكه. أراه ببصري ولكن لا أعيه. أيكون قد ~~حدث شيء يا سهير؟ أيكون؟ أرجوك .. دعيني أعرفه، كيف؟ اعرفيه أنت واعترفي لنفسك به فأعرفه ~~أنا. حوار غير منطوق أو مسموع أو حتى مار عبر العيون، ولكنه رائح غاد في سرعة وتحفز ~~ككرات البنج بونج، لا يستقر ولا يهدأ، وإنما تزداد به النظرات جهلا واستيحاشا وتوترا، ~~ويزداد به الزمن وخزا وإيلاما، لم يبق على انتهاء الزيارة سوى دقائق ثلاث أو أربع. سهير ~~يا سهير. أنت لي. كلك لي. حتى ما فيك من خطأ لي. بحقك علي وحقي عليك أخبريني ماذا حدث؛ إذ ~~مهما كان ما حدث فهو فسفوسة يا سهير بالقياس إلى ms046 حياتنا، فسفوسة لا أعرف لها مكانا ولا ~~سببا ولا اسما، أحس بها تافهة سطحية تكفي ضغطة صغيرة لتنمحي وتتلاشى. كل ما يضخمها، كل ~~ما يعرقلني عنك، أنها غريبة علي؛ لأنها غريبة عليك. ~~- انت شايف إيه؟ ~~- مش عارف. ~~- عايز تقول إيه؟ ~~- مش عارف. ~~- شاكك في إيه؟ ~~- مش عارف. ~~- أمال فيه إيه؟ ~~- مش عارف. أنا خايف. ~~- من إيه؟ علي؟ ما تخافش. ~~- ده كلام يمكن من قدامي بس. ~~- قدامك ومن وراك. ~~- أمال أنا حاسس بيكي متغيرة ليه؟ ~~- يمكن إحساس خاطئ. ~~- وهو عمر إحساس اللي بيحب بيخطئ؟ أبدا أبدا يا سهير .. عمر إحساسي بك ما أخطأ .. عقلي ~~بيغلط إنما إحساسي لا .. وده هو اللي تاعبني! ~~- انت بس اللي عاوز تتعب نفسك. ~~- وحد بيعوز يتعب نفسه؟ ~~- أيوة .. لما يكون مسجون بعيد .. وبيحب .. يخاف على حبيبته أو مراته فيشك ويخاف ويتعب ~~نفسه! ~~- ده كلام معقول. إنما أنا اللي حاسه حاجة فوق العقل. حاجة قبل العقل .. حاجة أصدق ~~وأعمق من العقل. ~~- اسمح لي دي قلة عقل. # ولكنها قالتها بروح لا مرح فيها ولا رغبة في المداعبة، وهذا ما أحزنه، لو قالتها كنكتة ~~لبدت طبيعية وربما حلت الموقف كله، ولكنها أخذتها جدا .. وأردفت: اشمعنى المرة دي ~~يعني؟ ~~- ده بالضبط اللي بقوله لنفسي، كل مرة تيجي تزوريني هنا، اشمعنى المرة دي؟ ~~- أيوة اشمعنى المرة دي؟ ~~- لأن لازم حصل فيه حاجة يا سهير. أنا حاسس. # والكارثة في هذا الإحساس الذي لا يناقش، كالحكم الذي لا نقض له ولا راد، كالأمر الواقع، ~~إحساس غير خاضع لمنطق أو فكر، ولكن له قوة أعتى من قوة المنطق والفكر. للمرة المائة يتأمل ~~وجهها، إنه هو الآخر أمر واقع ربما ينجح في دحض إحساسه ونسفه، ولكن حتى وجهها تكفلت ~~المنطقة الغريبة المجهولة بالزحف عليه والامتزاج بلونه وملامحه وتغير لونه كما يتغير لون ~~الماء إذا سقطت فيه نقطة حبر. # ومالت على أذنه مرة وهمست له بكلمة، أعقبتها بضحكة عالية. جعلت الضابط يرهف أذنه ويكاد ~~يمدها لتتسقط ما بين فمها ومسامعه ويعرف سبب الهمسة والضحكة. أما هو ms047 فلم يهضم لا الهمسة ~~ولا الضحكة. في مظهرها بريئة، قريبة منه، تبدو كنفس ضحكتها البريئة، ولكنها البراءة وقد ~~زحف عليها ذلك الشيء الغريب المجهول فأحالها إلى ما يشبه التهتك والرقاعة. إن رأسه ~~يكاد ينفجر. لم يعد باستطاعته أن ينظر إليها أو يشعر بها كما تعود أن ينظر أو يشعر، في ~~غيبة عقله، كما لا بد في غيبته حدث شيء. شيء غامض محير مجهول، لو كان طليقا لظل وراءه ~~يبحث ويستقصي حتى يدركه، ولكنه هنا مقيد محبوس، ووظيفته الأولى أن يبقى جاهلا بمعزل ~~عن كل ما يمكن أو بالاستطاعة معرفته. إنه هنا فقط يسجل، يسجل حتى دون أن يشعر، ~~وقد سجل ما فيها من غربة، ولينفجر عقله محاولة التفسير أو التبرير فإحساسه لن ينفعه، ~~سيغادره تاركا إياه وحده مع التصرف، أو بالضبط مع عدم القدرة تماما على التصرف. إنه ~~الجحيم حتما، بل ربما الجحيم أرحم، إنه السجن. # صيف 1964م # | لغة الآي آي # لم تكن بالضبط صرخة، ولكنها كانت الأولى بعد منتصف الليل بقليل، تصاعدت، غير آدمية ~~بالمرة، حتى الحيوان ممكن إدراك كنه صوته، ولكنها بدت لأول وهلة جمادية ذات صليل، ~~كعظام تتكسر وتتهشم، تمسكها يدا عملاق خرافي القوة، وبنية صارمة لا رحمة فيها ~~تدشدشها .. فجأة وفي المنزل الهادئ المظلم الفاخر الإظلام، السابح في سكون مسود تلمع فيه ~~حواف الموبيليا الأنيقة الموزعة بعناية وذوق، بيت ساكن نائم يرفل في رائحته الليلية ~~الخاصة التي تميزه عن أي بيت، وفي الحي المترف الذي تتثاءب نوافذه وأضواؤه واحدة وراء ~~الأخرى ويئوب إلى الرقاد على ضجة المدينة ووسطها المستيقظ كغمغمة غارق في الأحلام. # وفي وسط هذا كله، ومن مكان لا تستطيع تحديده أو تعرف إن كان يمت حتى إلى الحي، تصاعد ~~ذلك الشيء الغريب الغامض الأول، مفاجئا وكالطعنة الملتاثة، حافلا بأنين التمزق، وكأنه ~~صادر من حنجرة تتمزق أحبالها الصوتية لتصدر الصوت ويكاد يمزق طبلة أي أذن يقع ~~عليها. # ودونا عن سكان الحي والبيت، بدا وكأنه الكائن الوحيد الذي سمعه. كان مغمض العينين لا ~~يزال بينه وبين ms048 النوم مشكلة لا بد لها من حل. ومر الصوت مفاجئا غير مألوف من الصعب ~~تبينه، ولكن جسده في اللحظة التالية كان يقشعر بخوف طفلي مذعور، وإن لم يستغرق ~~زمنا، أسلمه إلى عينين مفتوحتين لآخرهما، وقلق وعاصفة من الاضطراب، فالإحساس التالي الذي ~~واتاه كان إحساسا بالذنب، شعور غامض يربطه بالصوت، ويؤكد أن الصلة بينهما من صنعه ~~ومسئوليته، وأن عليه وحده يقع التحمل للنهاية، وبالغريزة التفت، كانت زوجته لا تزال ~~على وضعها، فقط في اللحظة التي التفت فيها ماءت مواء طال بعض الشيء، ثم بإرادة نائمة ~~انتقلت إلى جنبها الأيسر وقربت ساقها، ربما كان الأثر الوحيد الذي أحدثه الصوت في جسدها ~~المستسلم لأول مراحل النوم. وارتاح وبعض الشيء اطمأن وهو يواجه الأمر وحده؛ فقد كان ~~ظهورها على المسرح لحظتها كفيلا بزيادة ارتباكه. # ما هذا الصوت ومن أين جاء؟ # في لحظة مر بخياله ألف احتمال، إلا الاحتمال الوحيد الذي كان يخاف مروره. لم يكن قد ~~تغير في البيت أو في الحي أو في دنياه كلها شيء ما عدا ذلك الشيء الواحد الذي اغتم له. ~~ولا بد أن يكون الصوت الجديد من صنع القادم الجديد، حتى ولو نفى عقله بشدة، وأبى أن ~~يصدق. # ولم يشأ أن يفكر أكثر، مجرد صوت وحدث، المهم ألا يعود يحدث، ومر بعض الوقت، أحال ~~اللحظة إلى دقيقة، أو دقائق، ولا شيء يتغير داخل الليل الساكن، والأمل يقوى. # ولكن وشوشة غامضة حدثت، اندفع منها إلى أعلى فجأة صوت كالطوفان الهادر العمودي، له وقع ~~العظام نفسها وهي تسحق وتتدشدش، صوت أقرب إلى رعد تنفثه السماء في ماسورة مكتومة، ما لبثت ~~أن فتحت وسلكت في استغاثة راعدة مولولة ممدودة يخاف صاحبها أن ينهيها وكأنما الموت عند ~~نهايتها. # انتهى الأمر. لم تعد هناك فائدة. # كان هذا الصوت الثاني مزعجا حقا حتى إنه، مع علمه هذه المرة وتأكده من مصدره، لم ~~يستطع كبح جماح ارتجافته، ليس خوفا منه، وإنما من الشيء المجهول المروع الذي يختفي لا ~~بد وراءه ويحدثه. مزعجا ومحيرا إلى درجة لم ms049 يلحظ معها أن رفيقة الفراش قد اعتدلت نصف ~~اعتدالة والتفتت إليه قائلة بهستريا مفاجئة: إيه ده؟ قول لي بسرعة وحياتك إيه ده! وحياتك ~~بسرعة بسرعة بسرعة. # وقبل أن يفكر فيما يقول انخلعت عنه، ناظرة إليه بشك متوحش: اوعى يكون هوه؟ # وقبل أن يفتح فمه أردفت: أنا مش قلت. أنا مش قلت. اتفضل بقى. اتفضل بقى. أنا مش ~~قلت. # وحقيقة لقد قالت وعارضت وكل ما حدث كان رغم قولها وإرادتها، هي وبالتأكيد الآن بسبيلها ~~إلى إعادة ما قالته. وعليه أن يتذرع بالصبر، ويقول لها كلاما مطمئنا كثيرا .. إنها ~~مجرد آهة .. آهة ستمر، ويعود كل شيء إلى سابق عهده. # أكان معقولا أن يعود أي شيء ليلتها إلى سابق عهده؟ الكلام نفسه وربما الألفاظ ~~نفسها. # وما فائدة الكلام، والكلام الذي دار كثير، وقد كان ممكنا، مادام الوضع هكذا. زوجة حلوة ~~قوامها كقوام المانيكان، وساقاها حتى في الظلام يظهران من قميص النوم في إغراء لا جمهور له، ~~وحتى هناك تواليت وماكياج للنوم وعناية خاصة بالشعر، ودهان مخصوص للبشرة، وزوج هناك ~~دائما بينه وبين لحظة النوم مشاكل لا بد لها من حل، زوج امتلأت روحه بالتجاعيد، مثلما ~~فقد رأسه الكثير من الشعر وعيناه القدرة على الرؤية .. ما دام الوضع هكذا. فقد كان ممكنا ~~أن يدور الكلام نفسه وربما الألفاظ نفسها حول أي موضوع، كالعادة، لا تلتقي عنده وجهات ~~النظر. المهم أنهم أصبحا بشيء من التحدي ينتظران الصرخة الثالثة، التي لن تجيء، كما يؤكد ~~الزوج. والتي لا بد أن تأتي، كما تصرخ الزوجة. ومن المطبخ، هذه المرة كان المصدر واضحا ولا ~~شك في أمره، انطلق مواء كمواء القطط، يحاول صاحبه كبته وخنقه فيخرج مضغوطا ثاقبا إرادته ~~فيبدو كما لو كان رجل قد قرر بجماع ما يمتلكه من قوة، وبسبق إصرار، أن يتأوه كما يريد، ~~ولتقم القيامة بعدها، انطلق صفير معذب متألم متظلم باك غاضب كافر مستغيث بائس ~~مؤلم زاهد .. آي، آي، آي، آي، طويلة وقصيرة، ممدودة ومبتورة، عالية بكل قواه يرفعها، منخفضة ~~بجماع إرادته يخسفها، مجروحة ms050 دامية، لاسعة كالنار في العين، كاوية كصبغة اليود في الحلق .. ~~حارقة كآثار الحامض المركز. # فتحت الزوجة فمها تصرخ في هوس من تأكد قولها، وانتظرت أن تنتهي الصرخة لتطلق صرختها هي، ~~ولكن انتظارها طال، وبدأت رغما عنها تسمع، ومن الذهول استمر فمها مفتوحا وأذناها - بأمر ~~قوة قاهرة - تصغيان، ثم بدأت ترتجف وتقترب من زوجها وتمسك بيده لتوقف الرجفة، ونفس اللحظة ~~التي كانت قد قررت فيها أن تطلق لفزعها العنان وتستغيث صارخة، انتهت الصرخة فجأة، ~~وكأنما انكسر الجهاز الذي يصدرها. # وكان الصمت الذي حل تاما ساحرا كالدواء الشافي المعجز لو لم يحل، وفي اللحظة التي ~~حل فيها، وعلى تلك الصورة الكاملة، لفقد أحد أو الجميع عقولهم. # قالت الزوجة بعد جرعة صمت سخية: كدة يا حديدي؟ كدة؟ # وأجاب بهمس، مناه ألا يصدر: أرجوك يا عفت .. أرجوك! # ولكنها لم تستجب. بفحيح أكثر انخفاضا وإلحاحا سألته: بس أنا عايزة أعرف. أرجوك أنت .. ~~أنا ح اجنن عايزة أعرف .. ما وديتوش لوكاندة ليه؟ ما سبتوش يتحرق مع أهله ليه .. عملت كدة ~~ليه. أرجوك قولي بس .. عشان ما اجننش! # كيف يخبرها وهو نفسه لا يدري لماذا أقدم على ما اقدم عليه. كان قد اتخذ قراره من زمن ~~وكف تماما عن مساعدة أهل «زينين» وتوظيفهم والتدخل لقضاء المصالح. إن أهل بلده هؤلاء ~~لا يكاد يبرز من بينهم واحد حتى يتسابقوا إلى جذبه إلى أسفل وإغراقه في حل مشاكلهم. مشاكل ~~لو تفرغ لها لاحتاج لأضعاف أضعاف عمره، فلا يوجد إنسان إلا وله مشكلة حادة ملحة تطلب ~~الحل وتستحثه، ومائة ألف نسمة في زينين وما حولها، بمائة ألف مشكلة، بقرار حاسم باتر منه أن ~~تبقى له حياته الخاصة ومشاريعه وطموحه وأن ينفض عن نفسه هذه الأيدي الكثيرة التي تريد ~~إنزاله وجره إلى حيث هم، وكأنما لا يطيقون رؤية البارز العالي ولا يستريحون حتى يبرك ~~مثلهم ويعجز. # ولكن السكرتير جاءه قرب الظهر قائلا: إن أبا فهمي وعمه بالخارج، وأنهما يريدان ~~رؤيته. وحياته ليس فيها إلا فهمي واحد، أول، وربما آخر، طفل أو ms051 إنسان يعترف الحديدي لنفسه ~~أنه أذكى منه. كان فهمي إذا وقف ليجيب وقد عجز الفصل عن الإجابة التفت الحديدي بكليته ~~ناحية، يتأمل ملامحه الشاحبة، ووجهه المليء بالعظام الناتئة، والذي تكسوه مع هذا غلالة من ~~مهابة خفيفة، مهابة التفوق أو العبقرية، وكل كلمة ينطقها كان يتأملها وتبهره، حتى الطريقة ~~التي ينطقها بها، فكل كلمة كانت الصواب بعينه، كل كلمة بالضبط ما يجب أن يقال وما يعجز ~~الجميع عن قوله، فهمي كان يقولها ببساطة ودون أي جهد، في ذلك الفصل من المدرسة الإلزامية، ~~ذي الجدران المتساقطة الطلاء، الكاشفة عن الطين الذي بنيت به الحيطان، الفصل ذي السبورة ~~الكالحة البالغة الصغر، وكأنما هي سبورة خاصة لتلميذ واحد، المزدحم بعشرات الطواقي الصوف ~~والبيضاء القطن وأحذية الإخوة الكبار أو ربما الآباء والقباقيب والحقائب القماشية التي ~~صنعتها كل أم لابنها، أو خيطت على المكنة فوق البيعة مع الجلابية، الأيام الأولى التي كان ~~الحديدي يتعرف فيها على مدخل العالم المقروء المكتوب ويحاول أن يحذق مبادئ أسراره، وفهمي ~~رفيق تلك الأيام ومثلها الأعلى .. أيكون أهله هم من ينتظرونه بالخارج. # وأمر بدخولهم. # ومن باب الحجرة دخل ثلاثة أو أربعة أناس من حجم قصير تخين واحد. ورابعهم مثني على نفسه ~~لسبب مجهول. أجال بصره فيهم. إن ملامح فهمي محفورة في ذاكرته لا تمحى أو تموت. وأجال ~~بصره محاولا أن يعثر على من يصلح ليكون أبا لفهمي أو عمه .. ولكن ملامحهم بدت غريبة حتى ~~على أهل زينين بشكل عام. ~~- أمال فين فهمي؟ # وتسابقوا في ارتباك عظيم يجيبون، وينتهون إلى الإجماع على الإشارة للشخص الرابع المثني ~~على نفسه. ~~- ده! ~~- أيوة يا بيه! ~~- أنت؟ ~~- أيوة يا بيه .. هو! ~~- أيوة .. يا ... # ورفع رأسه يواجهه رغم بقائه متنيا. وحدق الحديدي طويلا فيه كمن يفتش في كومة من قش ~~قديم عن إبرة ملامحه لطفل صديق كان أعز عليه من نفسه. ~~- أنت فهمي؟! ~~- أيوة .. يا ... فاندي! # جاءه الجواب من وجه المومياء الخارجة لتوها من القبر أو المستعدة توا للدخول فيه، وجه ~~منقبض بالألم، وكأنما ثبتت ملامحه عنده ms052 وحنطت عليه! ~~- أنت فهمي أبو ... ~~- أيوة .. أبو عنزة يا بيه .. ده كان معاك في المدرسة .. بس حضرتك مش فاكر. # أمعقول هذا؟ من الطفل المرتب النظيف الذي تحيط بوجهه مهابة النبوغ، ومن العينين ~~اللتين يطل منهما الذكاء النفاذ والقدرة المعجزة على الإدراك، أين هذا من ذلك الرجل ~~الذي يبدو عجوزا محطما تجاوز الخمسين، المظلم القسمات كالأرض البور، المطفأ العينين ~~لضيقهما كشريط اللمبة حين يحمر من تلقاء نفسه ويقصر ويحترق لدى فراغ الكيروسين. # وأحس بفجيعة ذات طعم خاص. كان دائما متأكدا أنه سيلقى فهمي يوما ما، وكان يعد ~~العدة لهذا اللقاء الحافل. إن قدرا كبيرا من الرهبة التي يحسها لفهمي مبعثه أنه كان ~~يتخيل دائما أن فهمي سيظل متفوقا عليه وعلى الآخرين. وأن الذي باستطاعته أن يتفوق ~~كطفل لا بد باستطاعته أن يتفوق كشاب ثم كرجل. ولم يكن أبدا يتصور أن اللقاء سيتم على هذه ~~الصورة، وأن الطفل الذي في ذاكرته سيمخض عن هذا الرجل. كان يدخر الحظة التي يقابله فيها ~~كلاما كثيرا يريد قوله، وكيف أنه إذا كان قد أصبح الأستاذ الدكتور الحديدي، أكبر مرجع ~~في الكيمياء العضوية في الشرق، وإذا كان قد أصبح رئيس مجلس إدارة مؤسسة كبرى، ومرشحا أكثر ~~من مرة للوزارة، وعضوا في عشرات اللجان والهيئات العلمية في الشرق والغرب، فجزء كبير من ~~هذا الفضل يرجع لفهمي، فقد كان الصوت الذي ظل لأكثر من ثلاثين عاما من الزمان يلهب ~~طموحه ويدفعه للتفوق حتى ينتصر، ولو مرة واحدة، على الطفل العبقري، الذي ظل يحافظ عليه ~~في ذاكرته كصور القديسين التي لا تمس. وها هو اللقاء، وها هو القديس. ~~- أنت فهمي أبو عنزة؟ ~~- أيوة يا بيه. ~~- فاكر العنزة؟ ~~- عنزة إيه يا بيه؟ # العنزة التي سرقها ليشتري لحسين أبو محمود والد منصور الألدغ حقن الدواء 606 التي قيل ~~إنها بخمسين قرشا، وأنها دواؤه الوحيد. فقد كان فهمي شهما أيضا، لا يتردد في ~~الذهاب سائرا على قدميه إلى البندر أو بقاء الليل بطوله ساهرا أو اليوم كله عاملا كادحا ~~إذا أحس أن ms053 غيره في حاجة إلى هذا العمل أو الجهد، خصال جعلت الجميع يدهشون ويفجعون ~~لإقدامه على سرقة العنزة. وإن كان السبب قد عرف والعمل قد اغتفر. إلا أنه خرج منها ~~بالاسم لاصقا به، ملغيا اسمه الحقيقي وحالا محله. ~~- أهلا وسهلا .. أية خدمة؟ # بالطبع فلا بد قد جاءوا، مثلما كان يجيئه المئات في انتظار أن يحقق لهم بمفرده ومركزه ~~المعجزة. كان سهلا تخمين المطلوب هذه المرة، فلا بد أن فهمي مريض ولا بد أنهم يريدون ~~إدخاله المستشفى. # وحاول أن يتحدث إليه ويسأله عن مرضه متنيا على نفسه في جلسته لا يرفع رأسه ولا يبدو ~~عليه أن يسمع ما يقال. وتهته أبوه وعمه وهم يعتذرون عن صمته وكيف أنه دائم الحدوث، بل ~~أحيانا تمضي عليه أيام كثيرة دون أن ينطق فيها بحرف، ولم يكن المرض في عقله أو نفسه وإنما ~~كان في مثانته، فهم منهم أنها لا بد بلهارسيا أدت إلى سرطان في المثانة، وأنهم ~~لفوا وتعبوا على جميع «حكما» المركز ومستوصفاته ومستشفياته وحلاقي صحته والعرب الذين يكوون ~~بالنار، و«يخرمون» بالمسلة. حتى قالوا لهم في مستشفى المحافظة في النهاية أن لا فائدة من ~~العملية، وأنه بحاجة إلى علاج بالأشعة في مصر. وأدحنا جينا لك يا بيه ربنا يخلي لك أولادك ~~ويمتعك بالصحة. # ومن غير دعاء، كان قد قرر أن يتكفل بالأمر. إن الدين الذي في عنقه للكتلة ~~البشرية المنكفئة على نفسها أمامه ملفوفة بالملابس المهرأة، كبير، ولقد حان أوان رده ~~وإيفائه. # كانت المشكلة أن يتخلص أولا من «الجماعة» التي ترافقه ويستصحبه إلى بيته ليقضي فيه ~~الليلة. وفي الصباح واعتمادا على صديقه أستاذ الأشعة يدخله المستشفى؛ فقد كان عليه أن ~~يدبر أمر ذهابه إلى البيت بطريقة لا تجرح ذكراه في نفسه من ناحية ولا يظن معها من ناحية ~~أخرى بواب أو ساع أنه أخ له أو قريب، وكان عليه أن يتغلب على معارضة «عفت» زوجته، ~~التي لا بد سترفض إيواء شخص مثله، ولو ليلة واحدة، ولو لكي ينام في المطبخ أو في فراش ~~السفرجي. ms054 # ولقد تم كل شيء كما قدر له الحديدي، إلا معارضة الزوجة، التي بقيت حتى بعد رضائها ~~بوجوده في البيت وأمرها للسفرجي أن يتكفل به وبحراسته وإطعامه. وهكذا لكي يقلل من وقت ~~وجودها بالشقة، اقترح أن يذهبا إلى المسرح، وحين عادا في منتصف الليل كان الهدوء المعتاد ~~يخيم على البيت، وكل شيء فيه هادئ، ونور المطبخ مطفأ. وبعد نصف ساعة كانت عفت تستمتع ~~بمراحل نومها الأولى. وكان الحديدي مغمض العينين لا تزال بينه وبين النوم مشكلة مجلس ~~الإدارة الذي أجلت حكاية فهمي من اجتماعه ومن المشهد العاصف الذي كان قد أعده لكي يسحب ~~فيه البساط من تحت أقدام المدير العام ويجبره .. إما الظهور بمظهر الغبي الأحمق الجاهل، ~~وإما، حفظا لماء الوجه، الاستقالة. # حين جاءت الصرخة الأولى. # وأعقبتها الثانية والثالثة. # وتكهرب جو البيت تماما، أيكون قد تورط في خطأ أكبر دون أن يدري، وظن أنه يأوي ~~قطعة حديد خردة عزيزة، لتأخذ طريقها في الصباح إلى الورشة، فإذا بها قنبلة بدأت تنفجر وتوشك ~~أن تهدم البيت! # وعلى عجل أسرع إلى المطبخ حافي القدمين، كان مظلما لا يزال، ولكن رائحة خانقة حامضة ~~قابضة نفاذة واجهته لدى فتح الباب. مد يده يضيء النور، ولكن الشلل أصابها قبل أن تصل ~~إلى المفتاح. فقد انطلقت من المطبخ الضيق آهة صارخة ثاقبة، كعشرات من الإبر الحادة المسمومة ~~انطلقت في كل اتجاه. لا يمكن أن يكون هذا صراخ ألم أو للتعبير عن ألم، ولا مجرد أصوات، ~~إنه شيء مادي ينخر في الجسد، ويصيب السامع بالحمى، فوق احتمال البشر. # أضاء النور وهو فعلا خائف، ولم يلمح فهمي في الحال، فقد وجد الفراش الذي منحوه إياه ~~ممزقا مكوما، والمطبخ بكل ما فيه مبعثرا ومدلوقا، والمقشات منتزعا قشها وريشها ~~ومنثورا، وعددا لا يحصى من بقع الدماء الصفراء تصبغ الأرض وباب الثلاجة والمناضد ~~البيضاء، والرائحة النتنة الخانقة لا تزال هناك، لكأنه كان ميدانا لمعركة حامية الوطيس ~~دارت بين إنسان أعزل وخصم جبار غير منظور، لكأن الصرخات كانت صرخات رعب الإنسان من عدو ~~خفي ms055 يسحقه بالضربات وهو عاجز محاصر متألم مهزوم لا حول له. # ونظرة ثانية ألقاها على المطبخ، بعيني الزوجة هذه المرة، أدرك بعدها فاجعة لم يكن يتوقعها ~~أبدأ قد حلت. وبحث عن فهمي فوجده قد حشر نفسه بين منضدتين من مناضد المطبخ عاريا تماما ~~ليس عليه إلا فانلة مهرأة، رأسه يتحرك في كل اتجاه، عيونه الميتة المطفأة تقدح بشرر ~~أبيض، دائبة الحركة في محجرها تبحث عن منقذ ومخلص، وبكيانه كله كان يتجه إلى أعلى في ~~يأس كامل كمن يدرك تماما أن لا نجاة. إنه ألم سرطان المثانة المروع، حين يزحف مع ~~الليل، حين تبدأ قطرات البول تتجمع بحمضها عبر الورم الخبيث الذي نفذ إلى كل المسالك، ومرور ~~القطرة على الورم المتهتك المجروح، يسحق بالألم الذي يصدره كائنا حيا في فخامة الفيل ~~وبلادة إحساسه، ويجعله يجثو ويحفر الأرض بأظلافه، ويملأ الدنيا بهتاف مروع صارخ .. إنه ~~الألم الذي يسمونه فوق احتمال البشر، فهو لم يخلق لبشر، ولم يخلق البشر وتزود ~~أعصابهم بتلك القدرة الهائلة الدقيقة على الإحساس، كي يسحقها ويكويها ألم كهذا ~~الألم. # أخرج فهمي من مكانه، ولا يزال رأسه وعيناه وكل كيانه في حالة تلفت مسعور وبحث عن مفر، ~~مشغول عنه وعن المكان والزمان والدنيا كلها بما هو حادث فيه وبداخله، فيقف ويجثو، ويتمدد ~~على بطنه ويركع، ويقوم هالعا واقفا، ويفتح فمه استعدادا للصرخة، وحتى يكتمها ويحتملها ~~يحشو فمه بذراعه أو بالمخدة أو المقشة ويغرز أسنانه فيها ويسيل الدم من الذراع ومن الفم، ~~ومع نقاط البول الكاوي. # وشعر بضغط خانق يكتم أنفاسه، وبرغبة مجنونة أن ينطلق هادرا لاعنا نفسه وبلده وأناسها، ~~واليوم الأسود الذي كتب عليه فيه أن يولد منها، ويصبح عليه أن يحيا عمره كله يحمل عن ~~أناسها همهم وفقرهم وعجزهم ومرضهم وأخيرا آلامهم وبولهم، ولكن ما الفائدة ومن يتلقى ~~لعناته واحتجاجاته. إنه لا يستطيع حتى أن يطلب من فهمي أن يكف عن الصراخ، أو يرغمه على ~~البقاء في ركن بعينه من المطبخ، إلا إذا كان باستطاعته أن يأمر الألم الذي في ms056 داخله أن ~~يكف، والشيطان الذي يمزق أحشاءه أن يهجع . # وسمع خطوات مترددة في الصالة. ومخافة أن ترى الفاجعة الحادثة. أطفأ النور وأسرع عائدا ~~إلى حجرة النوم ليجد عفت في منتصف المسافة. ~~- هيه .. عملت إيه؟ ~~- قلت له يسكت! ~~- وإن ما سكتش؟! ~~- حا يسكت! # آي ياي ياي ياي ياي ياي ياي # وأسرع خلفها إلى حجرة النوم التي فرت إليها مذعورة. وما كادت الصرخة تنتهي حتى وقفت ~~تواجهه وتهيئ نفسها للعاصفة المقبلة الهوجاء. ولكنه أسرع، واستطاع رغم دفعاتها وتملصها ~~أن يحتويها بين ذراعيه، ويقاوم إحساسه بالرغبة الملحة في الانهيار ويعترف لها بصدق واضح ~~وملموس أنه أخطأ وأنه ما كان يجب، وأنه يطلب الصفح، وأن يكون صفحها على هيئة مساعدته ~~في تدبير الحل للموقف، فهما في قلب الأزمة معا، ولا سبيل أمامها إلا الاحتمال. وما تنزلوش ~~ينام تحت عند البواب ليه؟ فضيحة والساعة اتنين. أروح أنا عند ماما. دلوقتي؟! أنا ما اقدرش ~~استحمل. عشان خاطري. ما اقدرش .. أرجوكي .. غلطة وباعتذر عنها وبارجوكي إنك تساعديني ~~وتستحملي. أستحمل ازاي يارب؟! استحمل ازاي؟ ~~••• # آي آي آي يي يي يا يا ياي ... ~~- آه يا مامي! ما اقدرش على كدة ما اقدرش! # و و و و و و و ه يييييييه ... ~~- إيه ده. ده مش بني آدم، دول عفاريت، دول جن. الحقيني يا ماما أنا ح اجنن! # وشيئا فشيئا بدأ الحديدي يحس أن ارتباطه بحجرة النوم وبالزوجة التي يحتضنها ~~ويسكنها، بالبيت والحاضر كله يضعف وبتوتراته يتراخي وبوجدانه يستحيل إلى بحيرة هائلة ~~ملساء على استعداد لاستقبال أدق الرذاذ الصادر عن فهمي. # فرتك مرتك شرتك دي دي دي دان ... # الألم لا بد قد ازداد بدرجة مخيفة، خفف عنه يا رب. # واج الواج الواج الواج الواج ... # وإلى جوار هذه القادمة من المطبخ، جاءت أخرى رفيعة طفلية من الحجرة المجاورة. ما كادت ~~تسمعها عفت حتى، بقوة عاتية خارقة، خلصت نفسها من تكتيفته وجرت خارجة إلى الغرفة الأخرى. ~~ولكن الطفل، طفلها الوحيد قابلها قادما باكيا مناديا: يا مامي. واحتضنته وحملته وبتنمر ~~وتوهج قالت للزوج: ms057 اسمع .. انت لازم تطرده حالا دلوقتي يروح يشوف له مصيبة يبات فيها .. ~~دا الولد قايم يرجف .. يا مصيبتي! ~~- يا عفت أرجوكي .. أنا شرحت لك الظروف، الراجل ده عندي مهم قوي وما اقدرش أطرده. ~~- مهم أكثر مني ومن فهمي ده؟! ~~- مش أكتر، إنما مهم، كفاية تعرفي إني مسمي فهمي ابننا ده على اسمه .. ده الوحيد اللي ~~خرجت به من طفولتي. ~~- يا ح تطرده يا ح اسيب لك البيت وأنزل! ~~- إنتي عايزة مني إيه؟ أركع لك؟ قلت لك أرجوكي .. أنا ح اجيب له دكتور يديله مخدر ~~دلوقتي ويسكته. # وانشغل بكليته في عملية استدعاء طبيب الإسعاف وانتظاره، ولم يدهش حين أخبره الطبيب أن ~~المخدر في حالة كتلك ضعيف المفعول لا ينجح عادة في تسكين الألم؛ فآلام هذا النوع من ~~السرطان أقوى من المخدرات وكل المسكنات التي اخترعها الإنسان. # وكانت الفائدة الأهم للطبيب أنه أعطى الزوجة حقنة من عقار منوم، وبعد مدة قليلة نام ~~فهمي الطفل في حضن أمه. # وأخيرا أصبح وحده مع الصرخات القادمة من الأعماق. وكما قال الطبيب لم يكن المخدر قد ~~أحدث تأثيرا يذكر. المشكلة الآن أن يعاد الاتصال .. أن يعود إلى نفس الحالة الوجدانية ~~التي كان عليها قبل أن يصحو الولد وتثور الزوجة. إنه لا يعرفها ويذكرها وهي قريبة دانية ~~منها ولكنها ترف وتذهب، يتذبذب بينها وبين حالته العادية، يه يه يه يه يه فمندا مندا مندا ~~هوندا بندا سارادات. # وأحس براحة باهتة وبالأصوات تصل إلى مكان سحيق داخلي فيه وتنعشه في رقة وعذوبة، بالضبط ~~هذا هو المكان. هنا يحس بها تتجمع .. آهاته التي لم يطلقها أي باي يانا يا بوي. # يا بوي موجوعة تأتي للحديدي بالضبط على الوجع. يا بوي إنها ليست من لغة الحياة ولكنها ~~من لغة الأعماق والآي. إنه يحس بها تعبر عن وجعه هو. منذ سنوات وسنوات وهو يريد أن ~~يقف في ميدان التحرير ويستجمع شجاعته. وبكل قوة وبالحر ما يستطيع يطلقها، عالية موجوعة ~~صادرة رأسا من الوجع مثلما يفعل فهمي الآن، ولكنه في اللحظة الأخيرة ms058 يعدل ويضعف ويخاف ~~أن يفر منه الناس ويتهموه بالجنون فيخمدها ويكبتها ويردها إلى حيث ترقد الكثيرات من ~~زميلاتها المكبوتات المحبوسات. # آي آي آي فركش أن منكش أي بعقش أي! # الآن فقط يحس بها كلها، بآلامه، ويحس بها أبشع حتى من آلام فهمي وأوجاعه .. كل الفرق ~~أنه ليس له الحق في التوجع مثله، لن يصدقه أحد إذا صرخ وترك أعماقه تعبر عن نفسها ~~المكتومة الوارمة المضغوطة، ألم بلا آهات. أضعاف أضعاف الألم. # الآن وهو وحيد مع نفسه وموجوع مثله وأعماقه مفتحة الأبواب أمامه يستطيع أن يسأل نفسه: ~~ماذا يؤلمه؟ إنه فوق القمة، كل الخط العريض الذي رسمه لحياته تحقق؛ زوج ورب أسرة وسعيد ~~محوط بالرعاية والحب والاحترام أنى يكون، فمن أين تجيئه الآلام التي لا تطاق، حتى إنه ~~ليحسد فهمي على حالته. # ترى ماذا كان يفعل ويشعر لو حدث له ما حدث لفهمي وبدلا من التعليم المتواصل الذي ~~هيأه له أبوه الصراف الذي كانوا يتندرون عليه ويسألونك وأنت ذاهب لتدفع المال: مال ~~الحكومة واللا مال الصراف، بدلا من هذا أخرجه أبوه من المدرسة واشتغل فلاحا كان هذا ~~مصيره. أي إنسان في مكانه لا بد أن كان يقبل يده ظاهرا وباطنا، أين هو وأين فهمي؟ هو ~~الذي لا بد تختاره إذا طلب إليك أن تختار مائة يمثلون الصفوة في هذا البلد. المتمتع بكامل ~~صحته وحياته، لا حق من حقوقه مهضوم ولا شعرة ظلم تمسه أو تمس مركزه، أين هو من إنسان ~~كفهمي تكفل الفقر بالقضاء على عقله وأحاله إلى واحد آخر من ملايين الفلاحين السذج، وتكفلت ~~البلهارسيا بالقضاء على جسده .. فالمفروض أنه الآن ميت، وعمره مسألة أيام، وحياته كانت ~~أبأس حياة، وشقاؤه كان من نوع يضرب به المثل .. لو كان قد حدث له هذا .. تراه ماذا كان ~~يقول عن «ألمه» المزعوم وأوجاعه؟ # قال الحديدي لنفسه بلا تردد: كنت أكون أسعد. # كيف؟ المسألة ليست فقرا وغنى أو تعليما وجهلا، السؤال هو: هل أنت حي أم ميت؟ فهمي رغم ~~كل شيء حي وعاش. أما ms059 أنا فلم أحي، والحياة أي حياة، أروع ملايين المرات من الموت، أي موت، ~~حتى لو كان الميت مكفنا في ملابس أنيقة، محتلا أرقى المناصب، سعيدا في حياته ~~الزوجية. # ولكنك حي. أنا ميت، إنه ليس تلاعبا بالألفاظ، إنها حقيقة، المقياس الوحيد للحياة أن ~~تشعر بها، وأنا لم أشعر ولا أشعر بها، إنني أقضي حياتي كعملية حسابية دقيقة هدفها الوصول ~~.. وحين أصل لا أسعد لأن أمامي يكون ثمة وصول آخر. # إن فهمي قد عانى من الفقر، والبؤس، ولكنه كان يعمل مع الرجال يضحكون سويا، ويتشاورون في ~~مشاكل العمل، ويستمتعون بمشوارهم إلى السوق، يفرحون لعود الفجل إذا أضيف إلى الأكلة، ولا ~~أحد منهم يأكل بمفرده؛ إذ الطعام ليس أن تجوع وتملأ بطنك. الأكل عندهم أن يحل موعد ~~الطعام ويلتفون حوله في ترحيب. ويتعازمون ويهزرون ويحسون أنهم يقومون باحتفال ~~إنساني صغير، إنهم يفعلون هذا دون إدراك لكنهه ولكنههم به، بهذه الأشياء الصغيرة ~~المتناثرة في طريق حياتهم يمتلئ كل منهم بإحساس يومي متجدد، إنه حي، وإن الحياة ~~مهما صعبت حلوة. # أنا قضيت حياتي أجري وألهث، لكي أصل إلى القمة كما تسمى .. كان علي أن أظل أصعد ~~ولهذا كنت أصادق أو تضمني المجموعة، لا لكي أستمتع بصداقتي ورفاقيتي لها، وإنما على أساس ~~سرعتها وعلى اعتبار أنها أسرع من المجموعة التي هجرتها، وأظل سائرا معهم ما داموا ~~يسيرون بنفس السرعة التي أريدها، حتى إذا أحسست أنني بحاجة إلى سرعة أكبر هجرتهم إلى ~~مجموعة أخرى، أو سرت بمفردي كي لا يعوقني معوق. وما توقفت مرة كي أواسي مختلفا أو آخذ بيد ~~أعرج، معتبرا أن ليس الذنب ذنبي أنه تخلف أو أنه خلق أعرج. ولقد ظللت أسرع وأسرع لكي ~~أبدأ الحياة حين أصل ولكن لم يكن للوصول نهاية. بعد التخرج قلت العمل، بعد العمل ~~الدكتوراه، بعدها الأستاذية، وحين أحسست أنها تستلزم الانتظار هجرتها إلى الشركات، قلت ~~.. بعد الزواج، وحين تزوجت قلت .. نبدأ الحياة مع الأولاد، وحين خلفت قلت الأوفق حين ~~يكبرون، وها أنا ذا لا أزال أجري مسرعا، وقد ms060 أصبح هدفي ليس الوصول إلى أي شيء، وإنما ~~الإسراع في حد ذاته، تماما مثل الذي يبدأ حياته بتوفير النقود كي يحسن مركزه المالي ~~ويبدأ يحيا بعد الألف الأولى، وحين يصل إلى الأولى هدفه الثانية فالثالثة، إلى أن ينسى ~~الهدف تماما، ويتحول إلى بخيل مقتر هدفه جمع المال ليس إلا. # ياني ياني ياني ياني يا بوي. # أحس بتوجع فهمي يريحه راحة بدأت تصبح عظمى، وكأن فهمي يتوجع لكليهما أو أكثر من ~~هذا، كأنه هو الذي أتيح له أخيرا أن يتوجع كما يريد وبكل قدرة استطاعته، إنه الألم ~~المتراكم عبر السنين .. ألم الحزن الدفين والاكتئاب. إن الإنسان جهز بتركيبه وأحاسيسه ~~لحياة خاصة تسمى الحياة الجديرة بالإنسان، وهو لا يستطيع أن يخرج عليها ويحياها حياة من ~~صنعه هو ومن ابتكاره إلا وهو يتألم وآلامه تتضاعف، ولقد قسا العمر كله على طبيعته وكتم ~~نداءات الأعماق المطالبة بمتع الحياة الصغيرة الكثيرة العادية التي تعطيها طعم الحياة. ~~قسا عليها ليجبرها أن تحيا بمفردها. # أبو ... أموا ... أبوا ... أموا ... أبو .. واه ... # بالضبط يا فهمي، الوحدة للوصول، الوحدة للسرعة، الألم البشع لفراق الناس والبعد عنهم .. ~~الوحدة القاتلة التي تربي الخوف من الآخرين وتدمر الثقة بالنفس، الوحدة لكي تكون ~~حرا أكثر ومنطلقا أكثر وحيا أكثر التقوقع فإذا بها تؤدي إلى التوقع والرعب من الآخرين ~~وتحديد الحركة وإحاطتها بعشرات القيود، همه يحمله وحده، ومرضه ينفرد به، وضيقه هو المسئول ~~الوحيد عنه، الألم، أضعاف أضعاف الألم الذي يسحق فهيم ويدمره، وهو مرغم على كتمانه، يخاف ~~خوف الموت أن يطلع عليه أحد. فإن تألم الرجل أو حاجته للفضفضة إلى الآخرين ضعف ~~وعورة. # دي دي دي دي دي دي # يا للمضحك .. إنه يحس أنه ربما لأول مرة يذكرها في حياته .. سعيد، سعيد إلى درجة ~~لا يصدقها العقل ولا يصدقها هو نفسه، إنه حقيقة متأثر لأوجاع فهمي، ولكن فرحته هو لهذه ~~اللحظة التي يحياها، أجل ربما أول لحظة يحياها، لا توصف. ومن الصعب أن يدرك الأسباب، ولكن ~~لا بد أن أهمها أنه أخيرا استطاع بوسيلة ms061 معقدة مركبة تعتمد على أعماق تخاطب أعماقا ~~خلال لغة غير مفهومة، أخيرا استطاع أن يتصل، وأن يشارك، وأن يزاول عملا من أعمال ~~الأحياء، يزاوله بمتعة وسعادة، سعادة تدخله في حالة وجدانية لها صفاء لحظة الكشف لدى ~~المتصوفين وعمق لحظة الخلق لدى العباقرة، لحظة ها هو يحس فيها أنه قادر على الاتصال بكل ~~إنسان وبكل شيء، بل قادر على الاتصال بنفسه وبالتحديق مليا في أعماقه دون أن يرده الرعب ~~المقيم مما قد يراه. # وكلما اندمج في حالته الوجدانية تلك، أحس بنفسه تتفتح أكثر وتعمق، وتتقوى صلته بفهمي، ~~حتى لكأنه يقرأ ما يجأر به في كتاب مفتوح، وأحس أيضا أنه ينجذب إلى مكانه ليصبح ~~أقرب، انجذابا مريحا ممتعا إلى درجة لم يدرك معها أنه كان قد غادر الفراش ومضى يعبر ~~الصالة في عدد كبير من محطات الممشى الضيقة. كل خطوة بمحطة، سمع، كالصوت البعيد يأتي ~~للنائم، نافذة جار تفتح ويعقبها صوت زعيق ولا بد أنه كلمات سباب، سمعها، وكأنها لا تمت ~~إليه ولا تهمه، إنه يرى حياته الآن بكل كبيرة وصغيرة حدثت فيها ولها مجسدة مجموعة أمامه، ~~بحيث بنظرة واحدة يستطيع أن يرى نفسه تقريبا من يوم ميلاده إلى يومه هذا. # الغريب أنه ينظر وكأنها حياة غريبة عنه، لا تربطه بها أو بصاحبها أدني علاقة، لا تربطه ~~ذكرى بأي جزء فيها أو موقعة، وأغلب الظن أنه لا يذكرها. إنه لا يكره شيئا في الدنيا ~~قدر كراهيته لحياته تلك. إنه يمقتها، ولولا النداء القوي الصادر له من فهمي لحملها في ~~التو وقضى عليها وعلى نفسه، ولكن النداء أقوى، إنه يتسرب إلى كيانه كله ويهز هيكل ~~الحياة فيه ليوقظ حبه الغريزي لها، ومن الظلام الكثير الرابض يملأ الصورة، تبدأ تتسرب ~~موجات كاشفة مضيئة، يجسر معها على التحديق والرؤية ليتابع نفسه وهو يجري ويجري، وحده، الناس ~~تحيا وهو يجري، والشاشة مليئة بالصلات المقطوعة بالصداقات المبتورة، بأجزاء العلاقات، يقيم ~~على الطريق مهدرة بإنسان لا يريد أن يرتبط بأحد، حتى لا يعطله الارتباط، ولا أن ينتمي ~~لجماعة ms062 أو حتى لصديق؛ لأن في الانتماء فقدانا لذاته الحرة وكيانه، والنتيجة جري سريع إلى ~~قمة الوصول، هو في الحقيقة هرب سريع من الحياة، فالحياة هي الأحياء، وأن تنفصل عن الأحياء ~~معناه انفصال عن منبع الحياة الأصيل، وفقدان طعمها ونوعيتها والتحول إلى الموت. # الخطأ الفادح الذي يدركه الآن، وعلى الضوء الباهر الصادر من أعماق فهمي إلى أعماقه ~~يراه، أن الوصول لا قيمة له بالمرة إذا وصلت وحدك، أية قيمة أن تصبح ملكا متوجا أو ~~عالما حاصلا على جائزة نوبل، وأنت محاط بصحراء جرداء، أية قيمة لأي شيء في الدنيا، ~~للمتعة نفسها أن تحس بها وحدك؟ # وصحيح أنه ليس وحده، فهناك زوجته وابنه وأقرباؤه، وإخوته، وبعض الأصدقاء، ولكنها ~~ديكورات علاقات ليس إلا .. إن حب الناس للناس، وارتباط الناس بالناس، لا ينشأ للزينة، ~~وإنما ينشأ لحاجة الناس للناس، الحاجة الماسة الملحة كحاجتك إلى الماء والهواء والتي ~~بدونها لا تستطيع أن تعيش، وهو له إخوة وزوجة وأناس، ولكنهم لا يمثلون مطلبا حيويا ~~بالنسبة إليه. إن في استطاعته، إذا أراد أن يحيا كما تعود بدونهم. قد يكونون هم في حاجة ~~إليه .. ولكنه هو ليس في حاجة لأحد، أو بالأصح هو في حاجة حيوية ماسة، ولكنه يحس ~~ويوهم نفسه مثلما أوهمها طول عمره أنه ليس بحاجة إليهم .. ومن هنا ينشأ ألمه البشع .. من ~~هنا بدأ، ويستشري السرطان الذي يقتل الضحكة على فمه، لأنه يحس أنه ليس بحاجة إلى الضحك، ~~ويجمد العواطف في صدره لأنه يحس ليس بحاجة إلى أن يعطي الحب أو يستقبله، من هنا تبدأ ~~المأساة التي أحالته إلى ميت حي. ~~••• # وجاءته صرخات فهمي، قريبة هذه المرة؛ إذ كان قد وصل إلى المطبخ، وجلس بجواره، جاءته بعد ~~سكوت خيل إليه أنه طويل، وكان مجرد إحساس فهمي بوجوده بجواره خفف عنه الألم .. جاءته ~~الصرخات، أقرب ما تكون إلى البكاء، وأحس بنفسه وكأن بركانا باكيا يوشك أن ينفجر، ~~إنه لم يبك في حياته منذ أن كان طفلا، وها هو يحس أنه يود لو ظل يبكي إلى أن ms063 ~~توافيه المنية، إشفاقا على نفسه، وهو أول من أدرك أنها أكثر أهل الأرض جميعا حاجة إلى ~~الشفقة. # هات يدك يا فهمي، ضعها هنا على صدري، إنه خاو كما ترى. أنا أعرف أنك مريض، وأحس بك ~~وأريد أن أقاسمك الألم، ولكن لا أستطيع فقلبي من خشب، تركتكم جميعا، أنت في زينين، وسعد في ~~بنها، وعبد المحسن في أسيوط، وشلة الجامعة، وجمعية الكتاب، وكل الناس، وظننت أنكم ~~تسيرون في الطريق العادي، طريق الندامة .. وأن الطريق الأسرع، طريق السلامة، هو الطريق .. ~~والنتيجة أني مت من زمن، وظللتم أنتم أحياء، أنا جثة أقنع نفسي أنني أنا الذي أزور ~~عن الناس، في حين أنهم هم الذين ينزورون عني، وما حاجتهم إلى جثة، حتى زوجتي وابني ~~أحس أنهما لا يطيقان رائحتي .. أنا أريد العودة يا فهمي، أريد البداية من جديد، أطلب ~~فرصة أخرى فمن يقبلني يا فهمي؟ من يقبل جثة، من يرضى بي، إني لا أجد في هذه اللحظة ~~سواك يا فهمي، هل تقبلني .. هل تقبلني يا فهمي! ~~- ما تعيطش يا محمود! # ولم يصبه الذهول مع أن القائل كان فهمي، وكان أول كلمات ينطقها، ولم يعجب أيضا لأنه ~~ناداه بمحمود، وكأنما ذكره الاسم بالتختة المشتركة وبأيام زمان، كل ما أحس به أن ~~رجاءه قد تحقق، وأنه يقول: أشكرك يا فهمي .. أشكرك. # وانبطح الحديدي ببجامته على بلاط المطبخ وتناول يد فهمي يقبلها، ويمسح بها دموعه ~~السائلة التي لا تتوقف، وهو يردد سامحني يا فهمي .. سامحوني يا ناس .. أنا غلطت وتعبت ~~والألم فاض بي .. سامحني يا فهمي. # ولكن فهمي كان قد عاد، بآخر وأقوى ما عنده، يصرخ وآلامه قد اشتدت بغتة .. وكانت نوافذ ~~البيت جميعها قد فتحت من زمن وسكانها يصيحون رغم أنوفه للآهات المستغيثة .. ويستجيرون من ~~الصوت الذي لا يرحم أبوابهم ونوافذهم مهما أغلقوا وأحكموا الإغلاق، الصوت الذي أيقظ العمارة ~~ببوابيها وبهواتها وسادتها وداداتها، وبدأ يصل إلى العمارات المجاورة ويوقظ سكانها، ولو ~~استمرت الصرخات لربما كانت قد أيقظت الحي الراقي بأكمله، ومن يدري ربما المدينة كلها كانت ms064 ~~قد صحت .. ولكنهم كانوا قد طلبوا بوليس النجدة .. وحضر وفتحت له الزوجة نصف نائمة، غير ~~أنها استيقظت تماما حين قادتهم إلى المطبخ، ووجدت الحديدي راكعا على الأرض يقبل يد ~~فهمي ويستغفره! # ورفعوا فهمي، وألبسوه، وحاول جنديان حمله فيما بينهما. ولكن الحديدي نهرهما، وتقدم هو ~~من فهمي وحمله على كتفه، والمرض قد التهم لحمه ولم تبق له سوى العظام، وتشبثت عفت بزوجها ~~سائلة إياه عما يفعله بنفسه، إلى أين ذاهب؟ وابتسم لها، وأضاء وجهه كما تتعود ~~بالابتسامة وقال: رايح في طريق تاني صعب شديد .. تيجي معايا؟! ~~- أنا ما رحش وياك بالشكل ده .. انت اجننت؟ # وأحاطت فهمي الصغير بيديها بينما استدار الحديدي بحمله الصارخ المولول، ومضى يتقدم ~~الموكب، ونظرات السكان وأهل الحي تتبعه وتحيط به تهمس وتسري بينها الهمسات الضاحكة .. لقد ~~عاش في الحي سنتين مرعوبا أن يكتشف أحد أصله وفصله، وتبدو للأعين النائمة شعرة واحدة ~~تكشف عن الجذور والسيقان التي يمت إليها .. ولا ريب أن كثيرين من سكان الحي كانوا ~~يفعلون مثله، فها هو يرى النوافذ والمدخل حافلة بكثير من الجثث.. وهو الآن يستعجل اللحظات ~~التي يغادر فيها الحي .. وقد أصبحت الرائحة لا تطاق. # | اللعبة # دخل القادم الجديد مذهولا، كان المكان وكأنما تحس أنك سقطت إليه من عل، أو وصلته ~~عن طريق سرداب طويل مزعج، ولكنه كان فاخرا بالغ الفخامة، اللون الغالب فيه هو الأسود، ~~سواد .. كسواد الكاديلاك .. يوحي بالأناقة والعراقة، وكان النور غير ثابت المصدر، ومضطرب ~~الاتجاه .. وتحس وكأنما توجهه يد خفية إلى الناحية أو الناس الذين ينظر إليهم فقط، ~~كان غموض مرح يسيطر على جو الحفل، والحضور تدرك بطريقة ما أنهم كثيرون، ولكن عدد من يقع ~~بصرك عليهم قليلون، تستطيع التفرس فيهم بسهولة .. ودخان السجائر والسيجارة يلون الجوع ~~ببقع سماوية متحركة، ويتشابك مع إشعاعات النور غير المرئي، صانعا سحبا كسحب الصيف، بيضاء. ~~والحفل صاخب إلى حد ما، ولكنه صخب وقور .. كأنه احتفال بخطبة شاب من أعرق عائلات الصعيد ~~.. أو بتكريم خاص لوزير مهم، وعلى الوجوه نوع من الاستمتاع القلق ms065 الذي ينتاب هذا النوع من ~~صفوة الناس كلما أتيحت لهم متعة، مخافة أن يضيعوا فيها وقتا من أوقات الكسب، وخدم، ~~وكأنهم استحضروا خصيصا للمناسبة بأكثر من زي، لكونهم درجات، والسيدات في فساتين السهرة ~~.. ولكنها ليست جديدة تماما، كأنما لم تستعمل من أعوام، واستخرجت للمناسبة من ~~الدواليب، غالية، تبدو عليها آثار العز، بعضها مطرز بلآلئ وإن كانت صغيرة .. لكنها حقيقية ~~.. والوجوه، وجوه الرجال، مكتنزة قليلا ولكنها شاحبة، كالمجهدة. والسيدات عيونهن .. رغم ~~تعدد ألوانها تبدو كلها سوداء، كلها سوداء عميقة الغور، وكأن صاحباتها يعانين من جوع ~~جنسي لا يدركنه، والمقاعد قليلة متناثرة، أقل بكثير من عدد الحاضرين، ولكنها راسخة في ~~أماكنها وكأنما مضت عليها أحقاب .. وقماشها من القطيفة الحمراء الغامقة، التي تبدو حمرتها ~~مع سواد البدل، ورماديتها مع الفساتين الفاتحة .. والسقف الأخضر بانعكاسات الضوء، وسحابات ~~الدخان المتعددة الدرجات، والعبير الصادر عن «برفانات» حديثة، وإن كانت تعطي رائحة ~~كرائحة عطر الجدات العربي القديم، والضجة المكتومة الصادرة عن لا مصدر، والتي تتيح لكل ~~إنسان أن يتحدث مع أي إنسان دون أن يثير الانتباه، أو يتسرب من حديثهما الكلام، كل ~~هذا جعل القادم الجديد يحملق ويتردد ويضطرب كثيرا قبل أن يستطيع أن يتبين أن يكون ~~موقفه. كان واضحا أنه لا يمت إلى المكان أو الحاضرين، وكأنما دخله بطريق الخطأ. ~~ولكن من ملامحه وتصميمه، كان يبدو أن له الحق في الحضور، وأنه يملك، ربما في جيبه هذا ~~الحق .. وأنه على استعداد لأن يظهره ويتحدى به كل من يجرؤ على سؤاله أو التصدي له. ~~ولم يكن أحد قد لاحظ دخوله، أو اكترث. مما أتاح له أن يتدبر موقفه، وأن يتأمل ~~الجميع، أو بدقة أكثر من استطاعت عيناه أن تقع عليها من الجميع، تأملا كان يدفعه إلى ~~مزيد من القلق .. وشيئا فشيئا يخلخل ثقته بنفسه، أين يقف؟ تلك كانت مشكلة، وهل يؤثر ~~الوحدة أم لا بد له أن يشتبك مع الآخرين في حديث؟ مشكلة ثانية .. ومع من يتحدث إذا ~~أراد؟ وفي أي موضوع؟ وبأي حق؟ مشكلة ثالثة ورابعة ms066 وخامسة؟ # أم تراه قد أخطأ المكان وتكون الكارثة؟ # ودهش فعلا حين وجد، دونا عن الحاضرين، شخصا يقترب منه .. كان جليا أنه ليس من ~~الخدم، فلم يكن يرتدي مثلهم، ولا من الحضور .. فهم منصرفون إلى أنفسهم متكبرون .. لا ~~يمكن أن يفكر أي منهم في مبادأته بالحديث، ولأمر ما، كان في مشية الرجل وطريقة اقترابه ~~وابتسامته المتشح بها ما يذكر بالأدلاء الذي يتهافتون حول الفنادق لإرشاد السياح .. حتى ~~سترته التي يرتديها بدت أكمامها ومقدمتها كأنما أكمام ومقدمة جلاليب الأدلاء البلدية .. ~~وما إن اقترب من القادم بدرجة كافية حتى اكتشف أنه يحمل أمامه، وكأنما بحزام، صندوقا ~~كالصناديق التي يحملها باعة السجائر، ولكنه أصغر كثيرا ولم يكن بحزام، وأنيق جدا، ~~جدرانه وأركانه مطعمة ومشغولة بأسلاك معدنية ثمينة .. وحين وصله وسع ابتسامته بطريقة ~~بدت وقحة الأدب، وقال بصوت فيه بعض التحدي وبعض الإغراء: تضرب يا بيه؟ # واضطرب القادم بانفعال مفاجئ. كان قد بدأ يدرك أن الرجل يحمل لعبة من نوع ما، وأنه ~~ليس الوحيد، فهناك أكثر من واحد غيره يطوف بأرجاء المكان، بل هناك أكثر من لعبة يزاولها بعض ~~الحاضرين في أطراف المكان الذي بدأ يصبح أكثر اتساعا، وكأنه ناد، وكأن الاحتفال مهرجان ~~ما، أو «تمبولا». والرجل لا يزال واقفا أمامه، يبتسم .. نفس الابتسامة المؤدبة الوقاحة، ~~ويعرض عليه مرة أخرى بإغراء أكثر: تضرب يا بيه؟ # وحتى دون أن يسأل أظهر له يده اليمنى، فإذا فيها مسدس من نوع غريب، أسود، لامع السواد، ~~بطريقة ملفتة للنظر ومحيرة، جديد وكأنه لم يستعمل قط، وحتى دون أن يشير. أدرك القادم ~~أن الصندوق الأنيق مليء بطلقات، مرصوصة بنظام رائع، ومقلوبة بحيث أن قواعدها إلى أعلى ~~.. أما الشيء غير العادي فهو أنه في الصف الأخير الأيسر توجد رصاصة ليست مثل غيرها من ~~الطلقات .. فقاعدتها ليست برونزية اللون، وربما المادة كالأخريات .. ولكنها وكأنها مصنوعة ~~من فضة مشعة، أو برد من معدن ثمين، بريقه يخطف البصر، بحيث إذا نظرت إلى الرصاصات المقلوبة ~~في الصندوق لا تستوقف هذه الطلقة بالذات انتباهك فقط، ولكنها ms067 تستولي عليك تماما، وتكاد ~~تعجز أن تحول البصر عنها . تضرب يا بيه؟ مرة ثالثة قالها الرجل، وبالضبط لم يستطع القادم ~~أن يحدد إن كان حقيقة قد قالها في المرتين الأخيرتين، أم أنه نفس النداء المغري ~~يتردد صداه في عقله لثاني ولثالث مرة. بالكاد استطاع أن يسترد بصره المثبت على قاعدة ~~الطلقة النادرة ليعود يعي بالرجل واللعبة. وحتى دون شرح، فهم أن عليه أن يتناول من ~~الصندوق طلقة، ويضعها في المسدس، ثم يذهب إلى مكان في الركن، مخصص للإطلاق؛ حيث يوجد هناك ~~حاجز تماما، كما يوجد في لعبة التنشين بمدينة الملاهي، كل الفرق أنه لا توجد عدة أهداف، ~~إنما هدف واحد، لم يستطع من موقفه أن يتبينه، فإذا أسقطه يفوز بالجائزة، وأيضا لم يكن ~~يدري ما هي الجائزة، ولكنه كان متأكدا أنها أعظم جائزة نالها أو ممكن أن ينالها في ~~حياته، وبدا كل شيء يسيرا، والجائزة، أعظم جائزة قاب قوسين أو أدنى .. وما عليه فقط إلا ~~أن يستعمل هذه الطلقة المشعة المتلألئة، حركة من يد الرجل أوقفته، يده اليسرى الخالية من ~~المسدس. أشار له بها مطالبا بثمن الاشتراك في اللعبة، موضحا بأصابعه القيمة، وأخرج ~~القادم من جيب بنطلونه جنيهين حسبا حدد، وضعهما في يده. # وكان مفروضا حينئذ أن يعطيه المسدس ويتناول الطلقة الفريدة ويعمر، ويذهب إلى الركن. ~~ولكن شيئا من هذا لم يحدث. فجأة بدا كل شيء بعيد الوقوع؛ المسدس في يد الرجل وفي متناول ~~يده، والطلقة في مكانها من الصندوق تزغلل عينيه، ولكن هناك مماطلة ومراوغة، وربما من أجل ~~ألا يستعمل هذه الطلقة بذاتها، وربما للتسويف في التنفيذ .. ربما لأن هناك أشياء كثيرة ~~لا بد أن تستوفى، والوقت يمتد دون أي داع للامتداد، والموقف لا يتحرك أو يتحرك ~~منزلقا متراجعا .. وابتسامة الرجل تصبح أكثر وقاحة وأقل أدبا، وقلة اكتراث الحاضرين ~~وانصرافهم إلى أنفسهم تزداد بشكل يجعل من موقفهم ذاك عاملا إيجابيا يتدخل ويساعد ~~الرجل في مماطلته، ويحول بينه وبين أن ينال حقه وقد دفع قيمة الاشتراك، وغيظا فغيظا بدأ ~~يحس ms068 إحساسا يتعمق ويدك كالمسمار المدبب الطويل في نفسه، أنه ضحية خداع لا يستطيع وضع يده ~~عليه أو ضبطه، وأنه مسلوب الحق، وأن أحدا، وبالذات هذا الرجل الواقف أمامه بدأ يتراجع ~~منصرفا ويحاول الاندساس بين الحضور، يريد سلبه حقه والضحك عليه .. وكل من في المكان وما ~~في المكان يساعده. فالحضور بدءوا يتكاثرون، والخدم اشتدت حركتهم، والضجة علت قليلا .. ~~وثمة مؤامرة خفية تدور بين الجميع .. مؤامرة صامتة غامضة تلتف خيوطها خفية تحت ستار الضجة ~~المكتومة وبين ثنايا السحب المدخنة المضيئة، وحتى من بين أنسجة البدل الغامقة والفساتين ~~الفاتحة والقطيفة الحمراء. وصرخ في الرجل مهددا. وتوقع أن ينتاب الجميع نوبة ذهول لصراخه، ~~ولكن، وكأنه لم يصدر صوتا، ما انتبه أحد .. وزعق مرة أخرى ولم يسمع سوى ما كان يسمعه ~~من ضجة الحفل الصاخب المكتوم .. وأصبح الغيظ يخنقه وصغرت الدنيا في عينه وهانت، ولم تعد ~~قوة في الكون تستطيع أن تحول بينه وبين أن يأخذ ويضرب الطلقة، تلك الطلقة بالذات، وبيده ~~اليمنى، ودون وعي، انقض على الرجل وأمسكه من مقدمة سترته، ولم يأبه الرجل ولا الحاضرون ~~لهذا العمل. وكان يخيل إليه أنه عمل يعد جريمة لا تغتفر في نظر المجتمع المحيط ~~به، وبيده ممسكة الرجل من تلابيبه، حدق في وجهه، كانت نفس الابتسامة وقد أصبحت الوقاحة ~~فيها هي الغالبة، تطل من وجهه الأسمر المستطيل، ويستطيل لها شاربه الأسود، وتجعل أسنانه ~~البيضاء الحادة تطل من فمه المنفرج .. وفي الحال، وبيده الأخرى صفعه على وجهه صفعة ~~قوية، أعجب شيء أنه لم يصدر عنها صوت، وكأنما صفعة معنوية وليست مادية حقيقية ضربها ~~بنفسه، وهوى بها بجماع يده على الصدغ المستطيل الأسمر. وانقلب الغيظ إلى غضب، ولكنه غضب ~~لم يصبه بالعمى، كان يرى، لم يفقد أبدا قدرته على الرؤية، وأدرك أن الصفع لم يعد ~~يجدي، وأن الوقاحة المطلة من ابتسامة الرجل في حاجة إلى نوع من الضرب أكثر إهانة، وبكل ~~ما يملك من قوة وبساقه اليمنى ركله في بطنه، وكان متأكدا أنه هذه المرة سينفطر ~~ألما، فقد كان ms069 الضرب من القوة بحيث لو أصابت الحائط الجماد لتألم ؛ إذ هو نفسه، الضارب، ~~قد شعر وكأن قدمه قد سحقت ودشدشت. وكان أمله أن ينظر إلى الرجل بعدها فيجده يتألم، ~~يكفيه .. حتى استردادا لكل حقه أن يراه ولو لومضة خاطفة يتألم .. ولكن وجه .. وجه ~~الرجل .. حين رآه كان لا يزال يبتسم. كل ما في الأمر أن الأدب ذهب تماما من ابتسامته، ~~ولم تعد هناك سوى الوقاحة، وقاحة مستهزئة مستصغرة وكأنه ينظر إلى طفل .. وكاد يجن، فهو ~~مدرك أن الرجل حي؛ من دم ولحم وأعصاب، وأنه حتما قد تألم، فكيف استطاع أن يكبت هذا ~~الألم كله، وألا يبدو على وجهه خلجة واحدة أو لمحة اهتزاز تدل على معاناة، أو تدل على ~~تغيير ولو طفيف في تعبيره المبتسم الوقح، وانهال عليه ضربا .. وقد انقلب الغضب إلى حنق ~~مجنون، لم يعد يرى معه كيف ولا أين يضرب. ولكنه كان على يقين تام أنه بجماع قوته ~~وإرادته يضرب وباستماتة يفعل، وأنه يضرب هذا الرجل بالذات ولا يريد ولا يمكن أن ~~يتوقف عن ضربه حتى لو أراد، فمن هناك، من أغوار سحيقة جدا في كيانه، كانت تتدفق ~~حمم من الحق المغلي الملتهب، وتنفجر معبرة عن نفسها المخيفة من خلال أيديه ~~وأرجله وأسنانه .. فبأسنانه كان يعض، وكأنه انقلب إلى وحش، وبكعب حذائه يدك، ~~وبقبضتيه يضمهما معا ويرفعهما عاليا ويهوي بهما دفعة واحدة كالمعول الهائل محطما ~~ومدمرا، وكلما أحس بالوهن يزحف إلى إرادة الضرب فيه، كان يكفي أن يتذكر أنه خدع ~~وضحك عليه ومنع منعا من مزاولة حقه لتعود إليه كل قواه، وبكل قواه يعود يحقد ويضرب ~~ويضرب. # وحين تعب تماما، ولم يعد يقوى على مجرد رفع اليد أو تحريك القدم، حين أحس أنه كله ~~قد تداعى وتهدم، وكأنه المضروب، وأنه بالكاد يلتقط النفس. إنه يلهث، بل لم يعد ~~يقوى على أن يلهث .. بحيث بإرادته لم يعد يتنفس، وإنما صدره بآخر قوى الحياة فيه، ومن ~~تلقاء نفسه وبغريزة المحافظة على الذات كصدر فقط يشهق كف، وسكت، سكن سكونا ms070 تماما، ~~وكأنه في طريقه لاستقبال الموت. وأول بوادر قدرة على الحركة ارتدت إليه فتح بها عينه. ~~والمذهل أن الرجل كان لا يزال هناك واقفا في تراخ وهدوء أمامه، والصندوق يحمله والمسدس ~~نصف مختف في يده، والطلقة ذات القاعدة النادرة المعدن الخاطفة للبصر لا تزال في مكانها من ~~صفوف الطلقات، وابتسامته هذه المرة وقد عاد الأدب يختلط بالوقاحة فيها تحتل مكانها من ~~وجهه، وأيضا لا يزال موقف الدليل العارض لخدماته، وصاحب اللعبة الذي يروج لها ويغري ~~الآخرين باللعب، ولم يعد أمام القادم وقد استنفد كل وسائل القوة إلا أن يلجأ إلى التأنيب ~~واللوم. وأودع نظره كل ما يريد. وإذا بالرجل يجيب وكأنه يقول: «أنا مش قلت لك عايز يا ~~بيه تضرب؟» # وأجال القادم رأسه بضعف في الحاضرين، وكأنما أدرك متأخرا جدا أنهم جزء من اللعبة، ~~بينما الرجل يقول: وآدي انت ضربتني. أجل حقيقة كان يريد أن يضرب، ولكنه كان يريد أن يضرب ~~الطلقة لا أن يضرب الرجل. ~~- ما هي دي اللعبة! # قالها الرجل وقد ازداد الوقح في ابتسامته! # أيضحك؟ # | لأن القيامة لا تقوم # إنه يريد مرة أخرى أن يسمع، ويرهف السمع، فما يدور مهم، أهم شيء في حياته يدور، وراديو ~~الجيران .. الحائط في الحائط، صوته عال كأنه يؤذن، ومن بعيد يأتي صراخ الأطفال الذين لا ~~يزالون يقظى. الدبة وقعت في البير وصاحبها راجل خنزير. هل وقعت حقيقة؟ وهل هي مستكنة الآن ~~في البئر؟ وهل صاحبها خنزير سمين ملظلظ كأبي السباع إسماعيل؟ إنه يريد أن يسمع ويرهف ~~السمع، فهي، أمامه ترقد الآن فوقه تماما، أو لا بد كذلك، فالمرتبة تنبعج من بين ألواح ~~«الملة» الخشبية، ولكن انبعاجها شديد، وأمه خفيفة .. فلماذا الانبعاج الشديد؟ كان هذا ~~زمان، حين لم يكن يسمع سوى الهمس، العشاء .. وابتسامتها السعيدة تغرقهم والطبطبة الحنون، ثم ~~صوتها المتثائب قوموا يا أولاد ناموا .. الدنيا اتأخرت، وكالدجاج المطيع تدخلهم. ترفع ~~داير السرير الأبيض وتدخلهم تحته؛ فالبيت حجرة واحدة، ومكانه المفضل بجوار الحائط في ~~الصيف؛ فالحائط بارد؛ يلصق نفسه ويلمس عليه بساقه ms071 العارية فيستمتع وكأنه يجرش قطعة ثلج، ~~ويمضي الصيف ويأتي الشتاء، ويغير مكانه إلى الحافة، وطوال العام هناك البقرة التي لم ~~يسمعها بوضوح أبدا؛ لأنه حين يصحو على وقعها الخافت، تكون قد لفت، وتكون القهوة قد شطبت ~~ونورها الكهربائي الوهاج قد انطفأ وأظلم الشارع تماما، والباب يزيق قليلا كلما فتح، ~~وحين يفتح يسمع الهمس، الهمس والظلام، لا شيء سوى الظلام التام، ونقر كنقط الماء المتساقط ~~من السقف بعد انتهاء المطر، همس همسة أو همستين كحفيف قميص نومها، أو لعله حفيف القميص ~~يبدو كالهمس ثم يسود السكون .. وتصعد أمه فوق الفراش، فهي وحدها تنام فوق السرير، والسرير ~~واسع يكفيهم جميعا، ولكنها تصر، من زمن من أيام أبيه حتى أن يناموا جميعا أسفل السرير، ~~حتى حين كبروا وبدءوا التململ والشكوى، وقال إن رءوسهم تخبط في «الملة» رفعت أرجل ~~السرير فوق قواعد، وأحضرت نجارا خصيصا ليطيل من قوائم الملة، حتى ليصبح ما تحت السرير ~~وكأنه حجرة ضيقة حقيقية يلذ له فيها وهو الطفل، والأطفال مغرمون بالعشش والمخابئ وأمكنة ~~الاستخفاء، اللعب والرقاد. وكثيرا ما شكلها بخياله، وتصورها خيمة أعرابي في الصحراء، ~~أو خندقا في باطن الأرض، أو مقام شيخ من أصحاب الكرامات .. وبرغم هذا كله كان دائما ~~ينقصه شيء، فكم من مرة اشتاقت نفسه أن ينام في حضنها، وأن تضمه مثلما كانت تفعل وأن ~~تسمح له مرة أن ينام معها هناك حيث المرتبة اللينة والملاءة النظيفة .. وفي الليل، في عز ~~الليل، كان أحيانا يدعي المرض. وبصوت مسموع يتأوه، ولا من أحد يسمع، فإذا سمعت أو ~~ضاقت بآهاته سألته بصوت غير عال ولكنه مملوء بالوعيد والتأنيب .. مالك يا براهيم، فلا ~~يجرؤ حتى على أن يواصل الادعاء، ويخرس تماما وكأنما تأوهه كان مجرد التماس على ~~استعداد لسحبه فورا واستنكاره لحظة أن يلمح أن التماسه لم يلق الترحيب. الظلام والحفيف ~~والهمس، ثم الأرق الذي ينتاب أمه على أثرها، وكأنما سببه هذا النفس الغريب الذي يحس به ~~قد ملأ الحجرة لحظة أن فتح الباب، أرق لا يستقر معه قرار، ms072 فتظل تتقلب وتتحول، حتى ~~إن لوحا من «الملة» سقط على ساق أخته ياسمين، ذات ليلة، وجرحها وصرخت، وصرخ هو الآخر، ~~وحين لم تستجب أمه في الحال؛ أصيب بالذعر، فظل يصرخ إلى أن نام مضروبا. لا بد أنه لم ~~يكن أرقا، لا بد أنه كان شيئا آخر، منذ متى بدأ يعي هذا الشيء الآخر، بالتأكيد ليست ~~الليلة هي المرة الأولى، أول مرة وعى كانت ليلة العيد، كانت قد أخرجتهم من الحجرة لتستحم، ~~وحين دخلوا عليها بعد هذا، وشعرها مبتل وهي تنفضه لتجففه، وقميصها النظيف مفتوح .. ~~وصدرها - لأول مرة في حياته يدرك أن لأمه صدرا. فلقد رآه ورأى نظرتها وأحس في التو ~~وكان شيئا في نظرتها يحف به نفس الحفيف المريب، وكأنما الدنيا تظلم والهمس يعود صادرا ~~من عينيها ملحا ومشيرا إلى صدرها. ووجد نفسه لا يجرؤ على الاستمرار، وانطلق يجري إلى ~~الخارج والأولاد، حيث الدبة التي وقعت في البير، ولعب ولعب ولعب، حتى امتلأت عيونه ~~بالتراب، وامتلأ رأسه بالتعب، وداخ وعاد .. ودق الباب، ودق ولم يفتح له أحد .. وجاء ~~الصوت، صوت أمه، المليء بالوعيد، ما دام اتأخرت، نام على العتبة .. نام على العتبة فعلا، ~~وكأنه ينتظر الأمر بفارغ الصبر، ولكنه حين استيقظ في الصباح وجد نفسه مكانه تحت السرير، ~~وكانت هي .. أمه إلى جواره .. وحين رأته يستيقظ احتضنته وقبلته، وقالت له كل سنة وأنت ~~طيب يا براهيم. واستكان لحظتها وهو أسعد أهل الدنيا، كل ما كان يضايقه هو رائحة صابون ~~الاستحمام التي كان يشمها، صادرة عنها، مقترنة - لا يدري لم - بإحساس مخجل محرم، وكاد أن ~~يبدأ يتقلب في حضنها ويتدلل عليها، ويمسك يدها ويلفها حول رقبته، ثم يلعب في أصابعها ~~السمراء من الخارج القمحية من الداخل، ويقبل كفها، ثم يقبل كل أصبع من أصابعها على ~~حدة، من عمر طويل لم يفعل هذا، فمن عمر طويل لم ينم بجوارها، ولكنه ما إن بدأ يتمرغ ~~في حضنها حتى أحس بصدرها يضغط بشدة على ظهره، ليس ضغطا شديدا، وإنما ضغط الكتلة من ~~اللحم الحي. ms073 وصدرها الحي مع رائحة الصابون وعرقها الخاص والهمس في الظلام، وجد نفسه يغتاظ ~~إلى درجة البكاء وتسقط دموعه في صمت على يدها الملتفة حوله فتسحبها كالملسوعة، وحين تدرك ~~أنه حقيقة يبكي، تضمه إلى صدرها بشدة أكثر. وكلما اشتدت في ضمها وضغطها أحس أنه ~~يريد أن يتخلص منها ويجري هاربا إلى الأولاد والدبة وصاحبها الخنزير .. ولكنه حين يدرك ~~أن الليل ذهب، وأن هناك صباحا، واليوم يوم العيد، حيث يعيد كل الأولاد، ويأخذون ~~العيدية ويفرحون، بكى ولم يسكت إلا إثر هزة شديدة وصرخة منها: مالك يا وله؟ ما له، حقيقة ~~ما له، ماذا حدث؟ لا شيء حديث، لا شيء يبكيه، فلماذا هو حزين؟ لماذا هو حزين؟ أمن جلسة أبي ~~السباع إسماعيل التي أصبحت تطول، والقرش الذي يعطيه إياه كل مرة ويرسله ليشتري لنفسه ~~كرامللة، حتى لو لم يكن يريد يصر على إرساله، وهو خائف أن يخرج ويترك أمه بمفردها معه، ~~فإذا تلكأ، جاءه الصوت الآمر منها: اسمع كلام عمك إسماعيل يا برهيم .. وينظر برهيم في ~~عينيه، وكأنما ليطمئن قبل مغادرة الحجرة، ولا يستطيع أن ينظر فيهما أكثر من ومضة، لا ~~لخوفه منه ومن جسده الهائل الضخم، ويده السميكة في سمك مخدة أخيه الصغير، فقد كان يكرهه، ~~ولكن لأن في عينيه نفسها شيئا متحركا غير ثابت، نظرة خائنة لا تستقر .. تختلط الخيانة ~~فيها بالسخرية، سخرية جافة خشنة كظهر الليفة، يقشعر لها جسده، وتدميه .. سخرية بلا خفة دم، ~~سخرية السمين التخين الذي يتجشأ عقب كل مرة يناوله فيها كوب الماء ليشرب، ثم يكمل ~~الحديث بصوته الخشن الرنان، وآه لو مال على أذن أمه وهمس. همس متحشرج .. كهمس الزوران، ~~يحس برهم أنه يخرج من فمه وينتشر كالدخان القابض الخفي من حجرتهم وفي حياتهم يملؤها ~~بأثر جارح غير مريح باعث على الخجل، ولماذا عمه أبو السباع إسماعيل بالذات، ألأنه يزورهم؟ ~~هناك عشرات الرجال يأتون، وعشرات يسلمون على أمه ويحيونها ويهمسون لها، وأحيانا يعطيه ~~أحدهم قرشا، إنما لماذا هذا الرجل بالذات؟ وأمه تضحك مع الكل وتجالس الكل ms074 .. فقط مع أبي ~~السباع إسماعيل يحس كأن التيار الخفي الذي يربطه بها باستمرار حتى لو غابت أو سافرت أو ~~نامت، فاتصاله بها دائما قائم وموجود، حين تجلس أو تحدث أبا السباع. يحس فجأة وكأن ~~التيار قد انقطع ولم تعد تشعر به، ولكن شعوره هو بها يزداد إلى حد الجنون .. إلى حد أنه ~~يمنع نفسه منعا من أن يمسك بعصا أبيه ويدفعها لتستقر في عينيها، أو فجأة يخلع كل من ~~ملابسه ويقف أمامها عاريا تماما لتدرك أنه موجود، والحياة كانت سهلة وعذبة ولذيذة، يحب ~~كل ما فيها، يحب اجتماعهم حول الطعام بعد الجوع الشديد، حيث يجلس فرحا بالطعام وباجتماعهم ~~هو وأمه وأخته وأخيه الصغير ذي الأربعة أعوام الذي لا يزال يتهته ليخرج الكلام، وتعلق أمه ~~بهم جميعا، وبه على وجه خاص .. والشاي بالحليب في الصباح، وفسحة الخص والعصاري مع الترمس ~~على البحر، والجلسة على الحشيش في قلب المنتزه .. ما أجملها حتى لو جاءت سيرة أبيه .. حين ~~يتولى أمه وجوم يخاف معه أن تبكي .. ويتبارى الحاضرون في تعداد صفاته .. حتى لكأنهم ~~يتحدثون عن شيخ من أولياء الله .. وفي الحديث عن قوته، وكأنه كان عنتر بن شداد! # أجل .. شيئا فشيئا، بدأت الكلمة التي كان يأخذها على غير محمل محدد يتكون لها في ذهنه ~~معنى، مات، أغلق عينيه إلى الأبد، واصفر وجهه وبرد .. ولفوه في كفن .. ودفنوه .. لقد رأى ~~هذا كله، ولكن لم يبدأ يفهم معناه .. مثله مثل الهمس في الظلام والحفيف، وقولهم البركة في ~~برهم، إلا هناك حيث وقعت الدبة في البير، أشياء كانت مغطاة بطريقة لا يفهم لها معنى، ثم ~~بدأ يسقط عنها الغطاء ويصبح إن لم يكن معنى واضح، فلا أقل من شيء خفي عميق مظلم كفوهة ~~البئر الذي سقطت فيه دبة ذلك الخنزير .. حتى غناء الأولاد والبنات كان في تلك الليلة بلا ~~معنى، هكذا أحس، رغم ما كانوا هم فيه من متعة كبيرة، كان هو وحده يحس أن الأغنية، بل ~~حتى اللعب كله أصبح بلا معني، شده صاحب ورشة الدوكو ms075 الذي يعمل عنده من أذنه ولعن أباه: ~~ياد انت كبرت وبلغت ومابقيتش عيل .. ما نتاش عاجبني كده، طول النهار موطي لي في الأرض كدة، ~~إيه اللي كاسر عينك ياد .. أوع يكون تشومبة بيعلم عليك! # وفهم جيدا ما يريد أن يقوله الأسطى .. وأحس بلسعة نار تكويه وتجنه. ~~- ما تقولشي كدة تاني يا أسطى! # لم يدر كيف جرؤ وقالها! # وصحيح أن وجهه قد تورم من الضرب بعدها، باعتبار أنه رد على الأسطى الكبير، وتلك ~~جريمة لا تغتفر .. إلا أنه فوجئ بنفس الأسطى، بعدما شبع من صفعه وركله، يقول لأصحابه ~~الذي يشربون الشيشة: إنما إيه رأيكم؟ عجبني .. رد علي صحيح إنما عجبني .. والنبي ~~الواد ده ح يطلع أجدع من تشومبة! # وتشومبة المأخوذ من تشومبي، هو الصبي الأول للأسطى ومساعده، أكبر من إبراهيم في السن ~~وأغمق في السمرة .. أكرت الشعر، فرطح الأنف، غليظ الصوت، على عكس أخيه «لممبا» .. فتشومبة ~~لا هم له طوال اليوم إلا تعذيبه وصفعه وقوله: ابقى سلم على أمك ياد! # أول مرة قالها، صفعه، فضربه تشومبة علقة لا ينساها. إن أول عمل بالتأكيد سيفعله حين ~~يكبر أن يقتل تشومبة .. ويقتل أول دبة يلقاها. والدبة بدت سخيفة جدا وهو يرددها مع ~~الأولاد .. ولم يعد في ترديدها ما يثير، وأصبح انحناؤه ليدخل تحت السرير أشد .. وكالكبار، ~~لم يعد ينام لحظة أن يضع رأسه على المخدة الطويلة التي بططت وجفت حتى أصبحت كلوح الخشب .. ~~والهمس أصبح يفرقه عن الحفيف .. والدق لم يعد يستيقظ عليه. إنما قبله، من الأقدام الثقيلة ~~وهي تزحف في الطرق المظلمة كان يتنبه ويعرف أن القوة أغلقت، وأنها أقدام إسماعيل أبو ~~السباع .. ولم يكن وحده الذي يتنبه، فالسرير يزيق، وتنسل ساقا أمه وتشخشخ غوايشها، ثم ~~الحفيف، وفتحة الباب، والهمسة الناعمة الصادرة عنها: مساء الخير. حتى هي التي تبدأ بالتحية، ~~والحشرجة التي مهما بولغ في جعلها همسة تظل دائما حشرجة بغير معنى، ثم، ثم تلتهب عيناه، ~~وكأنما تضيئان بعد هذا كل شيء مظلم في الحجرة، حتى وجهه الأسمر الذي تفردت ملامحه ~~وتضخمت، ms076 يضيء، كل شيء يبدو واضحا من نور النهار، حتى قدماها العاريتان يراهما ويرى ~~أصابع أحداهما وهي تنكمش وتتفرطح تحت ثقلها وهي تصعد ثم تنسحب إلى فوق، تاركة إياه يحيطه ~~من كل جانب «داير» السرير، كأنما ليطل عليه في عالمه الصغير ويسخر منه .. وياسمين ~~نائمة متقوقعة على نفسها، في بله «تريل»، وأخوه الصغير ممدد بالعرض عند أقدامها يتنفس ~~بصوت مسموع وكأنه رجل يغط .. هم في البير والملائكة في السماء .. والسماء سقفها من خشب، ~~تطل منه مرتبة تنبعج، ما تحت السرير يغوص .. كل دقيقة يغوص، والسماء الخشبية مهددة بالسقوط ~~وقيام القيامة والجنة والنار، ورأسه يوم القيامة منكس .. وحين يأتي تشومبة لصفعه على ~~قفاه، سيرعد الصوت العالي المدوي صوت الله: ارفع إيدك، وتنشل اليد، أليس باستطاعة القيامة ~~تقوم الآن؟ ويرعد ذلك الصوت المدوي: ارفع إيدك .. فيصاب الخنزير بالشلل، وينحشر صوت أمه في ~~صدرها إلى الأبد، ويكف تماما عن أن يتحول همسا، إلى ذلك الهمس الذي كان يحس أنها به ~~تصبح غريبة عليه تماما، امرأة أخرى، ملامحها مختلفة، لا يعرفها ولم يرها في حياته .. ~~امرأة يخجل منها، وكلما رأى همسها يخرج مريبا منخفضا، شعر وكأنها تخرج من جسدها ~~سرا دفينا كان خافيا عليه. سرا كالعورة، لا بد له من غطاء، وكلما خفضته كان يتعرى ~~أكثر حتى لا يكفي كل ما لديهم من أغطيه وبطاطين لستر همسها .. اسمع .. أهذا صوت المرأة التي ~~ولدته، أمه بالضبط، إنه يتذكر، أجل .. كيف فاته أن يتذكر هذا، أيام كان في سن ~~ياسمين وربما أصغر، وصحا وفتح فمه يريد أن يصرخ، ولكنه سمع كلاما أسكته .. فقد ميز ~~صوت أبيه في الحال .. وكان أبوه يهمس. كان مع أمه فوق السماء الخشبية، وانتهى همسهما إلى ~~ضحك، ضحك طويل لا ينتهي، دفعه لأن يبتسم وقد بدأ يحس أنه سعيد لمجرد إحساسه أن أبويه ~~يضحكان. نسي تماما أن البول يؤلمه وأنه من لحظات كان يريد أن يصرخ .. ودوت خبطة ~~أعقبها عراك ضاحك فوق السرير. اهتز بعنف له .. صرخة مكتومة، ثم عود إلى عراك انتظر ms077 له ~~نهاية بلا جدوى .. واستغرب أن يكون أبوه المهاب المقدس، الذي يحبه إلى حد لا يستطيع ~~معه مفارقته، طرفا في اللعبة، ولأمر ما استشاط غضبا حين أحس أن الطرف الآخر أمه، وفتح ~~فمه يريد البكاء، غير أن البكاء بدا له سخيفا .. ليس فيه ذرة رغبة واحدة، فرغم استنكاره، ~~كان إحساسه الأكبر الطاغي أنه في أمان حنون حبيب .. وأنه معهما، وكأنه الطرف الثالث ~~في اللعبة، كل الناقص أن يشعرهما بوجوده، وبكي ليشعرهما، ولدهشته تصاعدت الضحكات من فوق ~~لبكائه، من أمه وأبيه معا، ضحكات لا رهبة فيها ولا قداسة، جعلته يستمر في البكاء بدافع ~~العناد وحده، ولكنه حين وجد الضحك مستمرا وجد نفسه هو الآخر يبدأ فجأة يضحك، فإذا ~~بالضحك الأعلى يتحول إلى قهقهات .. اهتز لها السرير بشدة .. نفس السرير. الذي ترقد عليه ~~أمه الآن ضعيفة .. مختلفة تماما عن قوتها الصارمة في النهار وملامحها الجادة، وحديثها ~~المملوء بالوعيد .. ضعيفة تتألم .. وتتألم في ضعف مقيت، وكأنها بتألمها تطلب مزيدا ~~من الضعف وتغري الخنزير بمزيد من الوحشية؛ إذ كان قد تحول إلى وحش، وحشرجة همساته أصبحت ~~خوارا عميقا كخوار ثور مذبوح. إنه لم يعد صغيرا. فهو يعرف. لا يعرف بالضبط فهو ليس ~~كبيرا تماما، ولكن هناك أشياء غريبة لا يستطيع حتى لو أراد أن يتصورها تدور فوق رأسه في ~~السماء عند فوهة البئر. إن باستطاعته أن يصنعهما معا ويخرج بصورة كاملة، ولكنه يبقيها ~~لإرادته، منفردة مجرد أصوات لا رابط بينها. مجرد ضعف ووحشية .. وهمس من ناحية وتهديد ~~بسقوط «الملة» من ناحية أخرى، ومع هذا تفور دماؤه، مثلما كل مرة تفور .. والعرق الغزير ~~يكسوه، وكأنما حتى لو أردنا لا نستطيع أن نوقف أجزاء في عقولنا عن أن تعمل وتربط وتعي، ~~ورعب شديد وكأنما من فوقه شيطانان يجهران بالعصيان ويفعلان هذا في المساء أمام كل الناس ~~ودون اكتراث لأحد، دون خوف، خواره كخوار واحد من أكلة لحوم البشر، ولو نطق لنهش لحمه قبل ~~عظامه، أمه نمرة على فمها دم، انتهت لتوها من التهام أخيه الصغير، وتتنمر ms078 في طلب المزيد ~~.. والتوحش مجنون مكشوف حاد الأنياب كعراك الكلاب المسعورة، وثقلهما شديد، و«الملة» تغوص ~~تحت الثقل وتجثم فوق صدره، وهما عليها وكذلك الأرض والسماء .. وكل أثقال الدنيا، وجميعها ~~تدكه، في ضغطات بطيئة، تدفع ببطء وتهوي ببطء تدركه وتمنعه أن يتنفس .. إنه لا يستطيع ~~الاحتمال، إنه سيموت، لا من الضغط وإنما من الجنون .. إن مخه يتكهرب ويسخن ويبرد ~~ويطلق شرارات .. والرعب من الفجر يشل صوته عن أن يصرخ، ويمسك بزمام عقله عن أن يفقد ~~السيطرة، ونفض هذا كله عن نفسه وينفجر غاضبا صارخا .. وينقض عليهما بالحذاء البني ~~القديم يمزقهما .. أو بيد «الهون» يدشدش رأسيهما .. ولكنه يدرك، ومهما بلغت درجات انفعاله ~~.. أنه غير قادر على الإتيان بشيء من هذا، كبرت وبلغت يا برهم حتى أصبحت كالدبة، وأذنك ~~تسمع، وعيناك كالأسياخ المحمية تخترق «الملة» وتكاد ترى ما فوقها. وأنت صغير لم تكن ~~تعرف، كنت فقط ترى، الآن ترى وتعرف .. لو فقط أمكن إلغاء كل ما فات والبداية من جديد، من ~~الليلة مثلا، أو الغد وكأنه ما سمع قبلا أو رأى، وكأنه أول مرة يعرف ويفاجأ بالمعرفة ~~ليستطيع أن يتصرف بمثل ما تمليه عليه المفاجأة .. ولكن العجز الذي يصيبه يعرف سببه .. ~~العجز سببه أنها ليست المرة الأولى .. وقبل أن تكون الأولى كان هناك إحساس، كان غموض وكان ~~تدريج، الهمس يتحول بعد حين في وعيه إلى كلام مفهوم، والكلام إلى أصوات، والأصوات ~~يميزها ويعرف صوتها من صوته، ومع كل «حيل» طلوع يطلع له في فخذه، كان يكتشف شيئا ~~فشيئا، ذاك الغموض .. وببطء شديد لا مجال معه للثورة، ولا فرصة للمواجهة، بحيث حين «عرف» ~~و«وعى» لم يعرف أو يع بشيء جديد .. وإنما جاء كالخبر القديم بلا حرارة، كالشبح البعيد ~~الذي خمنت من زمن قبل أن تقف وجهك في وجهه .. من يكون. # حتى إشعارهما بوجوده ما كان يجرؤ عليه؛ فقد كان يشعر أباه وأمه لأنه كان مطمئنا ~~آمنا، أما هذان فمن يكونان غير غريبين عليه تماما، الرجل خنزير والمرأة دبة .. وهما ~~على سطح الدنيا في السماء، ms079 وهو وإخوته، مثلهم مثل أبيه، يضمهم هذا القبر ذو الداير الأبيض ~~.. أيبكي؟ ويصبح حتى في نظر نفسه وكأنه «ملعبة» تشومبة كما يقول الأسطى؟ أيصرخ ويلم ~~الناس .. باستطاعته أن يفعل، باستطاعته أن يقتلها حتى بعد ما يذهب الرجل الغريب .. ولكن ~~المشكلة أنه بهذه الفعلة سيفقد ذلك الخيط الواهي. الذي أصبح يربطه بأمه .. فرغم كل شيء ~~لا تزال أمه .. ولا يزال حيا لأن له أما .. ولا يستطيع أن يتصور الحياة بغيرها .. ~~بله أن يتصور أنه هو الذي قتلها وأفقدها الحياة .. هو حي لأن له أما، ولأنها هذه ~~الأم بالذات، ذلك الشيء الموجود رغم وهنه، لو فقده، لفقد الحياة .. فهي الآن، وهي مع الرجل ~~الغريب مقطوعة الصلة به، يحس إحساسا عميقا شاملا أنه ضائع إلى حد الموت، لا أحد في ~~الدنيا يخصه ولا يخص هو أحدا، ما يبقيه حيا هو أمله، مجرد أمله، أن تنتهي تلك اللحظة ~~العارضة ليعود يربطه بها ذلك الخيط الواهي، ولو صرخ، لو عرفت أنه عرف لنبذته إلى الأبد، ~~وكف التيار النابع منها ليحييه عن السريان، وانتهت أمه تماما، ولم يعد فيها غير المرأة ~~الأخرى التي ترتدي الفستان الأسود فوق القميص الحريري الشفاف، والتي تشقى طول اليوم، كي ~~تجلب من عملها؛ كدلالة وسمسارة وأشياء أخرى كثيرة، الطعام .. بل إنه ما كان يفرح ~~بالطعام لأنه طعام ولكن لأنها هي جالبته .. هي التي تعبت وأحضرته، وتعبها هذا في إحضاره ~~لا بد سببه أنها لا تزال تحبهم وتحبه. الطعام رمز الحب هو ما كان يفرحه. وأن تموت .. أن ~~تنفضح، أن يواجهها؛ لمات قبل أن يحدث هذا؛ فحاجته إليها أقوى ألف مرة من حاجتها إليهم، ~~بل هو لا يعتقد، منذ أن دخل هذا الرجل الغريب حياتهم، أنها أصبحت بالمرة في حاجة إليهم .. ~~حياته وحياتهم لا تزال معلقة بأمومتها لا تنفصل، لهذا لا بد أن تظل تعيش وتظل حية، ويظل ~~ساكنا، وتظل، لتظل حية في السماء .. أو فوق الفراش. لتظل تقابل عشرات الرجال وتشتغل معهم ~~بأكل العيش وتعولهم وتحدثه بصوت مليء حتى بالوعيد .. لتظل ms080 تختار من بين الرجال ذلك الرجل ~~الغريب لتقول له. وهي التي تبدؤه بصوت هامس مبحوح: مساء الخير، وليسمع هو، وليكن عليه أن ~~يقضي جزءا كبيرا من الليل يسمع، والأصوات تأتيه من فوق سمائه الخشبية، ليس فيها ضحك أو ~~سعادة، وإنما فيها ضعف، حتى لو أدى إلى رغبة في الضعف أكثر فهو حزين، وليس فيها صوت أبيه ~~القريب الحنون، وإنما لهاث خنزير، وفحيح دبة سقطت في البئر الذي كان يخصه وحده وخلق ~~له، وضحك ذات يوم حين احتله أبوه، حضن عن عمد تفتحه، وبإرادة منها تضم به ذلك الرجل ~~المكتنز، وبلقائهما الشيطاني المتوحش يغوص كونه الصغير تحت السرير ويغوص، وهو قد كبر، ومن ~~صغره وهو يسمع .. الآن أصبح يسمع ويجن، وبحكمة كبيرة يصنع في النهاية كما تعود أن يصنع، ~~ويسكت .. ومع هذا لا تريد القيامة أن تقوم .. ليعلو ذلك الصوت الراعد: ارفع إيدك. فيصاب ~~الخنزير الغريب بالشلل، وتموت المرأة المبحوحة الهمس .. وتعود له الأم. صرخة تتصاعد من تحت ~~سماء خشبية محدودة إلى المدينة النائمة والأرض الكبيرة والكون والسماء التي لا نهاية لها .. ~~ولأن القيامة لا تقوم فهو يستيقظ كل صباح وقد أصيب بخيبة الأمل .. وكل يوم يرمقها في ~~خروجه ويحس أن الخيط يدق. والأم تنكمش وسنوات قد مضت على موت أبيه .. والمرأة ذات ~~الهمس تطغى فيذهب إلى الورشة منكس الرأس ليرتفع كف تشومبة ويهوي بها على قفاه. قفا صبي ~~صغير أسمر، قائلا: والله كبرت وبلغت وبقيت زي الدبة .. والدبة وقعت في البير. # مارس 1965م # | الأورطي # المهم ليس أنه جريا، المهم أنه كان في أكثر من اتجاه. يكاد يكون في كل اتجاه. ~~لكأنه يوم الجري الأكبر. نوع غريب خاص من الجري؛ فهو ليس جري الخائف أو المستعجل أو من ~~يسرع لإنقاذ .. جري تائه وكأن صاحبه ليبحث عن بقعة يبدأ منها الجري والإسراع، ولهذا فلا ~~أحد يعرف هدف الآخر أو غايته، إنما الكل في حالة ترقب خائف أن يعثر أيهم على بدايته ~~التي ربما حددت لهم البداية، ولهذا أيضا كنت ترى الشخص يجري ms081 كالمجنون، وكالمجنون أيضا ~~يحاول عبثا أن يراقب خطو الآخرين وجريهم. بحيث ما إن يبدو أنه قارب العثور على غايته ~~حتى يندفع العشرات إلى حيث يكون، على أمل أن يصل الواحد منهم أولا .. ليكون أول من ~~ينطلق حتى يتحدد الهدف، وحين يصابون بخيبة الأمل ويجدون أن الذي أسرعوا إليه أكثر ~~منهم حيرة، يندفعون إلى متلكئ أو مسرع آخر، علمية كانت البقعة فيها تبدو، إذا نظرت إليها ~~من عل أو من بعيد، وكأنما تنبض، نبضات تجمع مفاجئ يعقبه التفرق، نبض يحدث في أكثر من ~~مكان في نفس الوقت حتى ليبدو الميدان وكأنما فرش بقشرة، لولا تلك النبضات العشوائية ~~الحادثة هنا وهناك، والدالة وحدها على الحياة، لظننتها قشرة صخر، أو لظننت الآدميين ~~المتجمعين كتل ركام مختلف الألوان. # ولا أحد يعرف إن كان هناك ضرب أم لا، أنا شخصيا أصبت بأكثر من ضربة، ضربة قاصمة موجعة، ~~وكان من المستحيل تحديد الضارب، فأنت بلا جار دائم .. والحركة الدائبة الجارية لا تتيح لك ~~حتى مجرد التطلع إلى العشرات والمئات الذين تمر بهم أو يمرون بك، إنما بالتأكيد كان ~~هناك ضرب، وكانت هناك اصطدامات، لا وقت حتى للاعتذار عنها، وكان أناس يسقطون، فجأة تتصاعد ~~صرخة يعقبها أنين، يظل يخفت كرنين الجرس المعلق حتى تمحوه صرخة أخرى، ولا أحد يتوقف ~~ليرى النهاية، ما دمت لست أنا الصارخ، ولا أزال قويا سليما لم أسقط بعد، فما معنى ~~الوقوف، وشيئا فشيئا بدأت أدرك أن الحركة كلها ليست تلقائية، وأن هناك حركة أخرى خفية ~~من الصعب، شبه المستحيل، إدراكها، حركة طاردة إلى الخارج، وكان الميدان يتمدد وينفجر ~~انفجارا بطيئا خفيا منتظما طاردا الوسطانيين ليصبحوا أقرب إلى المحيط وإلى الخارج ~~وإلى الشوارع الكثيرة الصابة في الميدان والآخذة منه، حركة لولاها ما كان باستطاعة قوة في ~~الوجود أن تنتشلني من حيث كنت إلى حيث وجدت مجموعة من الناس كنت أجدها تجري بلا سبب آخر سوى ~~الاستمرار اللاإرادي لما كنا نفعله في الميدان الكبير، استمرار لا نستطيع حتى لو أردنا ~~إيقافه. وما خفي كان ms082 أعظم. ومن أين لي أن أدرك أني في اللحظة التالية سألتفت إلى جاري، ~~أول جار أستطيع أن ألمحه وأحدق في ملامحه، فأجده لدهشتي الشديدة ولهولي، عبده. وكان ~~إحساسي الطاغي التالي أن النقود معه، وأنه لا بد يخفيها في مكان ما معه، وكدت أموت ~~فرحا، وأنا بشغف عمره وكأنما ألف عام، وبغيظ كالغاز الخانق القاتل الذي يتشبع به الجسد ~~ولا نحس به إلا هناك قبل الموت بلحظة، حين تعي لأول ولآخر مرة أنه خنقك وقتلك. أجل ~~الغيظ، أبشع أنواع الغيظ، حين تستأمن أو تثق ثم ترى الخديعة عيني عينك ودون أي اكتراث، ~~حين ينسل الشخص الذي تعرف ومتأكد تماما أنه في يدك أردته وأنى أردته في يدك، فجأة تجده ~~أمامك يذوب ويختفي، وتلتهب غيظا وغضبا ومجهودا ولا تستطيع منعه. عبده، بيدي الاثنتين ~~أطبقت على رقبته. كل خوفي أن يذوب مرة أخرى، ويختفي .. وكل ضيقي أني لا أستطيع التهامه .. ~~الوحش فينا لا يزال هناك، وحين نتشاجر لا نعض كي نؤلم الخصم، إنما نعضه لأننا فعلا ~~نريد، كالأجداد الوحوش، التهامه. الأجداد الذين كانوا يهاجمون الخصم ويلتهمونه غيظا كي ~~يستطيعوا إخفاءه وإخفاء وجوده داخل العدو وتستمد بناءها، نحن الآدميين الذين فقط نعض عن ~~عجز، ونحقد ولا نستطيع التنفيس عن حقدنا بالطريقة الطبيعية، فيزيد حقدنا، فتنهشه كالأنياب ~~المسمومة إلى داخلنا ينهشنا نحن ويقوضنا، وبالضبط هنا ما كنت أحسه وأنا أطبق على ~~عبده، وأتمنى لو كان باستطاعة عواطفي أن تنطلق فتنشه وتدشدشه وتمضغه وأحس بأنيابي تلوك لحمه ~~وأجزاءه وتشفي غليلها وتطحنه بكل ما تملك من قسوة وشراهة، وربما الأصل في الطعام أن يأكل ~~الإنسان بناء على غيظ وبنية إخفائه عن الوجود واحتوائه تماما والقضاء عليه، ولهذا يستفيد ~~الوحش من طعامه الفائدة القصوى، بينا يمرض الإنسان الآن بطعامه ويشقى. # ولكن، حتى كطعام، كان عبده لا يدفع إلا للاشمئزاز وقتل الرغبة فقد كان نحيفا غلبان، ~~ما حفلت عيناه بنظرة تحد ولا واجه أحد مرة بنية إثبات الوجود أو الدفاع عنه، كان طيبا، ذلك ~~النوع الباهت السلبي من الطيبة، ms083 مصابا بفتق مزدوج، ويغني في خلوته، مواويل عذبة ، ~~وكأنه أنى يحل غريب، لم يعثر له أبدا على وطن، وإذا فاض الحال بكى، امتلأت عيناه ~~فجأة بدموع لا يصاحبها أي احمرار، إنما يتجمع الاحمرار في أنفه، فيبدو وكأنما تورم ~~وحفل بالإفراز، ويصعب عليك فقط لأنه عبده، وإنما لأنه وهو الرجل، كالأطفال والنساء ~~يبكي، بكاء لا ليونة أو طفولة فيه ولا يستدر العطف، إنما الكارثة أنه بكاء رجال يستدر ~~الاشمئزاز. حرامي قروش لا يأخذها إلا مضطرا، وبأقل مقدار، وإذا ضبطته ارتبك وتلعثم وأقسم ~~أيمانات كاذبة، وحذار أن تشدد عليه وإلا بكى وأصابك باشمئزاز يستمر معك اليوم كله ~~وربما لبضعة أيام. ثلاثة أيام بأكملها بلياليها، وبساعاتها الطويلة، ومغاربها وعصاريها، ~~وأنا أبحث عنك يا عبده، أرفع أرصفة مصر وأقلبها، واقتحم البيوت، وأوصى، وأواعد وأستجير، ولا ~~أترك شارعا أو زقاقا أو حارة، وحين يهدني التعب أنام وأستيقظ على روحي تكاد تطلع بالغيظ ~~والحنق يأسا من العثور عليك، وحلمي وكابوسي وألم يقظتي ومنامي، أن ألتفت مرة لأجدك يا ~~عبده، أين كنت يا عبده وأين أخفيت النقود. والغريب المذهل ما قاله. قال إنه ما إن غادر ~~المنزل يومها، حتى أمسكته فرقة من التي تبحث عن المرضى لتأخذهم عنوة إلى المستشفيات «تماما ~~كفرق الشفخانات التي تأخذ الحيوانات المريضة بالقوة!» وأنهم أخذوه معهم إلى المستشفى ~~مشتبهين في أمره، وهناك كشف عليه الباشحكيم بنفسه، وقرر أنه مريض بمرض خطر، يهدد أن ~~يعدي المصريين جميعا به وأن لا علاج له إلا بعملية جراحية يجرونها له في الحال، ويقطعون ~~بها الأورطي له، وفعلا عملوا له العملية، وقطعوا له الأورطي، ورقد لثلاثة أيام ثم أخرجوه ~~اليوم فقط، بعدما منحوه عكازا ليستعين به في السير، أما النقود، فمن لحظة أن دخل ~~المستشفى وهو لا يدري ما حل بها. # وكان مفروضا أن يحكي عبده قصة ما يبرر بها اختفاءه واختفاء النقود، أما أن يحكي قصة ~~كهذه لا يصدقها طفل أو معتوه، أما أن تكون هناك فرق تبحث عن الآدميين المشتبه في مرضهم ~~وتأخذهم بالقوة كي ms084 يعالجوا وتعاملهم هذه المعاملة الحيوانية البشعة، أما أن يكون هناك ~~مرض من الأمراض علاجه قطع الأورطي، أما أن يقطع الأورطي، وهو الشريان الرئيس للجسم ~~البشري، الذي يأخذ الدم من القلب ويوزعه على جميع أنحاء الجسد، والذي في سمك العصا التخينة، ~~بحيث أنه لو خدش يحدث من جرائه نزيف يقضي على صاحبه في الحال، فما بالك أن يقطع وأن ~~يعيش عبده بعد قطعه، ليس هذا فقط بل أن يكون باستطاعته أن يسير، لو على عكاز، وأكثر من هذا ~~يجري مثلما كنا منذ دقائق نجري. أما أن يكذب عبده هكذا علي كذبا واضحا صفيقا، لا ~~يحاول حتى أن يداريه أو يبحث قصة أخرى أكثر حبكة وقابلية للتصديق، فهو ما أضاع مني كل ~~سعادتي بالعثور عليه، وما جعلني أحس بتعب ساحق أهوج يعتريني، لإحساسي أنه يسخر مني بقصته ~~تلك سخرية تفوق الوصف. عصب لا حدود لقسوته ولا حدود لما يدفعك إليه، ولم أكن وحدي، كانت ~~الجماعة التي تجري معي تشهد هذا كله وتسمعه وقد آب جريها إلى سير بطيء، بل بدأ أفراد آخرون ~~ينضمون إلينا ويشعرون تجاه عبده وقصته بنفس ما أشعر، وكلنا بلا استثناء قد أصبح أهم شيء ~~لدينا أن النقود معه، وأنه لا بد يخفيها في مكان ما في جسده، فعبده لا يملك مكانا ~~آخر في الدنيا يستطيع أن يخفي فيه شيئا وليس مهما القصة، أي قصة يحكيها، إنما المهم هو ~~العثور على النقود، والعثور عليها أمام «عيني عينك»، وفضحه فضيحة علنية أمام الناس كلهم، ~~وعلى مرأى ومسمع من الجميع، وهكذا تصاعدت الأصوات تصرخ .. فتشه فتشه .. ولم أكن في حاجة ~~للصرخات لأمد يدي أنزع عنه جلبابه البلدي الباهت الذي لا يملك سواه، غير أني فوجئت أن ~~الجلباب ملتصق بجسده لا يمكن خلعه عنه، وهذا غريب فعبده كان دائما «يلق» في جلبابه ~~الواسع، فكيف به الآن لا يمكن انتزاعه، وكأنه انتفخ فجأة، أو سمن في ثلاثة أيام سمنة غير ~~معقولة، وفي البحث عن حل لخلع الجلباب عنه، اشترك الجميع في الاقتراحات وقد ms085 أصبح حماسهم ~~للنيل من عبده يطغى على حماسي أنا الضحية، حماس كان يعمنا في صمت وبلا اتفاق سافر وبكل ~~جهد وإصرار، وبأعصاب منفعلة وبكثير من الاستمتاع، وكأنما نحن متأكدون تماما أننا ~~أخيرا قد عثرنا على بغيتنا، على نقطة كالتي كنا نجري في الميدان نبحث عنها لنبدأ منها ~~الجري .. على مذنب، يحمل الذنب الذي ارتكبه معه، ولا بد أن ينال جزاءه، ونمتع كل ما فينا ~~من خير بإيقاع القصاص به وتطبيق العدالة، ونمتع كل ما فينا من شر يجعلنا نطبق العدالة ~~بأيدينا وبأنفسنا وبالشر حرا طليقا لديه جواز المرور، نوالي أحداث الضرر تحت شعار ~~العقاب. # ولم تكن هناك طريقة لخلع الجلباب عنه إلا بسلخه كما يسلخ جلد الأرنب عنه، ولكي نسلخ ~~الجلباب لا بد أن يكون معلقا. وأصبحت المشكلة أين وكيف نعلقه، وتصاعد اقتراح، والتفتنا ~~فوجدنا الجزار قريبا، وتحركت المجموعة وعبده في وسطها، لا تزال يدي مستميتة عليه إلى حيث ~~دكان الجزار، وتولى أربعة رفع عبده، بينما أخذ الجزار الشاب البدين على عاتقه مهمة ~~تعليقه في الخطاف الذي تعلق عليه الذبائح من «قبة» صديريه وملابسه الداخلية. وهكذا ~~علق عبده في الخطاف وأصبح مرتفعا هناك، لا حول له ولا قوة، مثله مثل الذبائح ~~والخرفان المسلوخة المعلقة على بقية الخطاطيف. وامتدت أكثر من يد ترفع ذيل الجلباب إلى ~~أعلى وتسلخه عنه وهو معلق صامت لا ينطق بحرف. وما كاد الجلباب يخلع عنه حتى أدركنا السبب ~~جعله يلتصق بجسده هذا الالتصاق الشديد، فحول بطنه وصدره كانت تلتف أشرطة بيضاء كثيرة. ~~وكأنه فعلا قد أجرى عملية وتلك أربطتها، ولكني أدركت على الفور هدفه الخبيث من هذه ~~الأربطة الكثيرة، فلا بد أنه أكثر منها ليستطيع إخفاء النقود في أية طية من طياتها دون ~~أن يستطيع أحد الشك أو التنبؤ بمكانها. وكان لا بد أولا، ولمجرد الروتين، فحص محفظته. ~~ومد الجزار يده السمينة المدربة، وأزاح طيات الشريط قليلا، وأخرج المحفظة من جيب صديريه، ~~وكانت أول مرة أرى فيها محفظة عبده، ولم أكن أتصور أنها بهذه الضخامة؛ فقد ms086 كانت أضخم ~~محفظة ممكن أن تراها في حياتك ، وقد توليت بنفسي تفتيشها وإفراغ محتوياتها. وكما توقعنا، ~~لم يكن بها غير خمسة قروش فكة، أحدهما معضوض صدئ لا يصلح للتداول. ومرة أخرى دفع الجزار ~~البدين يده في جيب الصديري نفسه، وكالمتوقع لم تخرج بشيء، كلها إجراءات شكلية. فقد كنا ~~جميعا ندرك أن النقود هناك، مخبأة لا بد في طية من طيات الشريط. وبذلك التحفز النهم ~~للفضيحة، ولإدراكنا أننا حالا، وعيني عينك، سنضع يدنا على ذنب المذنب، وأمامه سنخرج من ~~جسده نفسه الجريمة، وننتشي النشوة الكبرى ونحن نستعد لنرى وجهه لحظتئذ ونسمع ما يقوله. ~~بذلك التحفز امتدت يدي ويد الجزار تفك عنه الشريط، غير آبهين لصرخاته واستغاثاته، وقوله ~~إن فك الشريط عنه معناه موته؛ إذ الشريط هو الذي يمسك الأورطي المقطوع في مكانه. صرخات ~~لم تفعل أكثر من أنها أثارت الضحكات والتعليقات الساخرة، وحفزتنا نحن القائمين بفك ~~الشريط إلى اللحظة القصوى لحظة اكتشاف النقود، وفككنا بعض الأشرطة، وصراخ عبده قد آب إلى ~~سكوت يائس، بينما امتلأت عيناه بالماء الدامع الذي لا يصاحبه أي احمرار، وحتى لو صدقناه ~~واعتبرنا أنهم عملوا له عملية ما فمن الواضح أنه يكذب، فالأشرطة كانت بيضاء نظيفة، ليست ~~فيها بقعة دم واحدة ولا آثار جرح، ولهذا مضينا نفك، وإنما بحرص مخافة أن تسقط منا النقود ~~لدى اللفة التالية. فقد كنا جميعا واقفين ومشاركين، وكأنما عبده هو الآخر ينتظر ظهور ~~النقود لدى اللفة التالية، وكنت ألف من ناحية وأسلم الشريط إلى الجزار البدين ليفكه من ~~ناحيته ويعود ليسلمني إياه، ويبدو أننا كنا استغرقنا في العملية إلى درجة أني مددت يدي ~~أتسلم منه الشريط مرة فلم أجده؛ إذ كان قد انتهى. وقبل أن أنظر إلى عبده، أحسست بشعور ~~غريب ما يعتري الواقفين، وحين اتجهت ببصري إليهم وجدتهم جميعا، وقد خيم عليهم صمت كامل ~~مريب، بينما عيونهم كلها مصوبة إلى جسد عبده، جامدة لا تطرف، وكأنها عيون موتى. ~~ونظرت إلى حيث ينظرون .. كان عبده عاريا تماما، وكان هناك جرح طويل جدا ms087 يمتد من صدره ~~إلى آخر بطنه، وكان صدره وبطنه فارغين، وكأنما انتزعت منها كل ما تحويه من أجهزة، وكان ~~الأورطي يتدلى من صدره من مكان القلب كمزمار غاب سميك، طويلا وشاحبا ومقطوعا، يتأرجح ~~داخل بطنه كالبندول. # مايو 1965م # | صاحب مصر # فكرت أن أجعل للرجل زوجة جميلة صغيرة لتلائم سنه الكبير، فكرت أن أجعل الجميلة بنته، ~~ولكن الزوجة مغرية أكثر، والقارئ الملول لا بد أن يسيل لعابه تتبعا للزوجة الصغيرة الحلوة ~~أملا في حدوث المتعة الكبرى بشم رائحة الخيانة أو التلظي نشوة وقلقا على نار الشك في ~~وجودها. # فكرت في أشياء كثيرة، وتصورت وكأنني الكاتب المحترف، كل الآفاق المثيرة المجهولة التي ~~يمكنني أن أقود إليها القارئ الهاوي النهم، كي أؤكد تفسيرا لحماس صميدة للرجل العجوز، ~~وصميدة ليس اسمه، وأنا لا أعرف اسمه، ولكني لا بد إذا سميته أن أختار له لقبا كصميدة، فيه ~~حرف صاد مذكر الموسيقى، جهيرها، ليعبر عن شخصه .. ولا بد أن ارتباكا قليلا قد حدث، ~~وأن الحيرة تملكتكم عن أي الرجلين أتحدث .. الواقع كان هناك رجلان كل منها يستحق ~~الحديث، ولكن الأنسب أن نتجاوز عن كليهما معا لنتحدث عن المشهد؛ فقد كان هناك رجلان ~~ومشهد، والمشهد ليس بسيطا أبدا رغم خلوه التام من الفواجع والكوارث وكل مسببات التوتر، ~~ولكي نبدأ علينا أن نتصور مكانا معزولا ولا تماما عن العالم، كأن الدنيا بكل غموضها ~~ومجهولها تنتهي عنده، ولكننا لا بد أن نعتقد أنها أبدا لا تنتهي عنده، فالطريق الذي ~~يقطعه يظل ممتدا بعد بقعتنا مثلما يظل ممتدا قبلها، إلى ما لا نهاية البصر. ~~بالاختصار، لنتصور طريقا من طرقنا المسفلتة الطويلة، يمر بمساحة شاسعة من الأرض غير ~~الزراعية أو المطروقة أو تعرضت في عمرها الملاييني الكثير للمسة من يد الإنسان، صحراء، أو ~~براري، أو جبل وعر، على امتداد الإصبع الخنصر لبحرنا الأحمر. إن طريقا كهذا يظل الخط ~~المستقيم بلا فائدة، كالرجل المستقيم بلا مبدأ، وبمجرد المحاكاة والتقليد، لا معنى له ولا ~~قيمة لاستقامته، حتى يحدث له حادث ينتهي مثلا أو ms088 يلتوي، أو بالذات يلتقي بطريق غيره أو ~~يتقاطع، هنا فقط، عند التقاطع واللقاء يصبح للطريق المستقيم الممتد معنى؛ إذ يصبح ~~التقاطع وكأنه الإثبات لنظرية كانت قبله فرضا، ووصولا كان طوال الطريق مجرد حلم كحلم ~~الجوعان بالخبز. # لنتصور حادثا كهذا وقع لطريقنا الذي اخترناه ممتدا بلا معنى في أرض متسعة بلا ~~مفهوم، ولنكن أيضا على ثقة أننا لن نكون أول المتصورين، فقبلنا بكثير سنجد أن ~~الحكومة، باعتبارها المسئولة عن الأرض والطريق وكل الأشياء ذات المعاني والمعدومة المعنى، ~~قد تصورته، وأدركت أهمية هذه الحقيقة الفلسفية أو الصوفية المحضة، مع أنه ليس من عادة ~~حكومة في العالم أن تعير أمثال هذه الحقائق التي ينقسم عندها البشر، وأحدثت - ولا تزال تحدث ~~- أعظم الهزات والمعارك والانتصارات الإنسانية، أي التفات، ولكنها بالسليقة من زمن لا بد ~~أدركتها. وبادرت فأقامت عند هذا التقاطع «كشكا»، وقالت لعسكري كن داخل الكشك فكان، وهكذا ~~انحسرت كل المعاني الكلية المهولة عن التقاء الطريق بالطريق وتقاطع الطريق مع الطريق، وكما ~~يضيق «القمع» ويتدبب، ضاع المعنى وانكمش، واتخذ بالكشك والعسكري في الحال مفهوما واضحا ~~خاصا، بل حتى الأرض نفسها، تلك التي كانت من أمتار قليلة مستمتعة بلا جدواها ولا ~~أهميتها وبحريتها أن تمتد إذا أرادت وتتجبر وتتجبل إذا أرادت وشاءت أن تمتد، وتجن ~~وتطلق شعورها وبراريها ولحاها كلما عن لها أن تصنع ذلك، أصبح عليها منذ الآن أن تدير ~~رأسها وأن تعقل وتخفي عورتها، ومن الكرة الأرضية الهائلة والكون والطبيعة تنسلخ، وتتخذ ~~أسماء وتنتهي إلى شعب محدد وإلى جزء من أرض ذلك الشعب، محافظة أو مركزا تئول وكما يعطي ~~العسكري والكشك والطريق هذا المعنى المحدد الخاص. يرتد العطاء، ويصبحان أو على الأقل ~~يصبح العسكري، ليس مجرد أي عسكري في أي كشك، ولكنه، في ذلك الجزء المقطوع عن العالم ~~المعزول يصبح المثل الحي للنظام العام الذي أخضع الأرض وحدها وسماها وامتلكها ولكافة ~~القوانين التي ابتكرتها عقول من أصبحت تمت لهم هذه الفرس الوحشية .. الأرض .. وراكبها الذي ~~استأنسها .. ذلك الطريق. # في ذلك الوقت، ولنجعله بعد ms089 الظهر بقليل، وقد انتهى العسكري من تناول غدائه بحيث يمكننا أن ~~نقدم عليه بلا حرج ونجلس إليه على أمل أن نتحدث، وحتى قبل أن يدور أي حديث بمجرد الجلوس، ~~سندرك أن البقعة قد تكون معزولة ومهجورة بالنسبة للآدميين وللراحلين، ولكنها أبدا ~~ليست كذلك بالنسبة للعربات. فما تكاد تمضي دقيقة حتى تكون عربة قد أقبلت، بل أحيانا ~~يتراكم لدى الكشك أكثر من عربة، كل ما في الأمر أنها في الخلاء الواسع لا تبدو للعيان .. ~~قلما تصادفك عربة؛ إذ هي نقطة لا تظهر إلا عند الكشك. من الخلاق الواسع الشفاف تظهر ~~فجأة كأن دخانا كان يخفيها باتساعه وشفافيته، وإلى الخلاء الواسع تعود إلى الاختفاء بعد ~~اجتياز التقاطع ولا حول ولا قوة إلا بالله. # وحتما لا بد نفاجأ، قبل أن نبدأ نعير العسكري نفسه أي التفات، وإنما نحن مشغولون ~~بتأمل المكان الفريد الغريب ومتابعة غير قليل من الأفكار التي يولدها بالضرورة وجودنا ~~لأول مرة في مكان كذاك، حتما لا بد نفاجأ حين يقبل رجل عجوز قصير القامة، أول ما يلفت ~~النظر إليه جبهته السمراء البارزة المحدودية، ومقدم رأسه الخفيف الشعر الأشيب، ينحني على ~~المنضدة الموضوعة أمام العسكري ليستطيع أن يصل إلى حافتها الملاصقة له، ثم يضع، ويا ~~للمفاجأة، كوب شاي متوسط الحجم، رخيص الزجاج، وإن بدا الشاي نفسه جيد الصنع، عنبري اللون ~~محمرا، تماما كما يحبه أنصاف الكيفية، ونفاجأ أكثر حين نجد أن العسكري نفسه لم ~~يفاجأ بما حدث وكأنه كان يتوقعه، وكأنما هي عادة. وحتى إذا كنت متوسط الذكاء، فلن تأخذ ~~وقتا طويلا لكي تدرك أن الرجل العجوز صاحب ما اصطلحنا على تسميته بالغرزة، أو القهوة ~~الصغيرة المتنقلة، وأنه يحط رحاله تحت شجرة على الناحية الأخرى من الطريق، وأنه لا بد ~~قد لاحظ أن العسكري قد انتهى من تناول غذائه فأحضر له كوب الشاي. كما قلت: لا حوادث هناك ~~ولا شيء غير عادي، من الطبيعي جدا أن توجد قريبا من هذا التقاطع غرزة صاحبها رجل عجوز أو ~~مريض، وأن يتعامل العسكري معه، ms090 وأن يحضر له الشاي، وأن يقدمه في أدب. ولكن أشياء غير ~~عادية بدأت تحدث، منها مثلا أن يدفع العسكري يده في جيب بنطلونه الأمامي «فجيوب بنطلونات ~~العساكر مركبة إلى الأمام ولا أحد يعرف لم!» ويخرج قرشا من جيبه، ويعطيه للرجل العجوز ~~قائلا: خذ قبل ما أنسى. حادثة لا شك. فالمفروض، والعسكري يمثل كل ما ذكرته آنفا، ~~والرجل يمثل التجار الصغار، أن يتقاضى ضريبة يضعها تحت أي اسم يشاء .. ضريبة ليست أقل ~~من كوب الشاي مثلا، وأن يعفي العسكري هذا الرجل من الضريبة، ليس فقط .. بل أن يخسر من ~~جيبه قرشا، أمر له دلالة خطيرة. لا بد أن هناك سببا لهذا الاستثناء، فإذا اتضح أن ~~لا سبب هناك، فمعنى هذا أننا في مواجهة ظاهرة خارقة .. عسكري مرور .. ملك متوج على ~~بقعة نائية مهجورة، ويستطيع من هذا المكان أن يسيطر على غرائزه، وبالذات على غريزة فرض ~~الضرائب غير القابلة للسيطرة والتحكم، ويكون ذا ضمير مستيقظ لماح. # هنا لا بد أن تلتفت كلية للعسكري، وتعيد النظر فيما دار بينك وبينه من حديث، فستقطع ~~أخطر محاورة مفروض أن تدور حالا بين العجوز والعسكري، لأننا لن نستطيع إدراك مضمون ~~الحوار إدراكا حقيقيا، إلا إذا وضحت لنا صورة العسكري، فلا بد لنا أن نؤجل الحوار ~~إلى حين. العسكري شباب في حدود الثلاثين، في حديثه وآرائه تحديدات من لم يتزوج بعد، أو إن ~~كان قد تزوج فلم يستطع الزواج أن يصيب ضحيته، كما يصيب الجسد، بالترهل وعدم الميل إلى ~~التحديد. الزواج باعتباره عملية تنازل مستمرة ومساومة في أحسن الأحوال يصيب الرجل بعادة ~~الرغبة في المسألة والبحث عن الحل الوسط، فالجمل لا بد أن تكون لها نهايات مفتوحة تجعلها ~~قابلة للتراجع التام في أحيان، أو الاتصال بجملة أخرى تغير تماما من المعنى المقصود، ~~الزواج ضد نقط النهاية وضد الحسم ربما خوف من سوء وضع النهاية. ما علينا. شخصيته محددة، ~~آراؤه في الناس أيضا محددة، وكذلك في عملية وطبيعته، وهذا شيء نادر هنا، فالوظيفة، أية ~~وظيفة، كالزواج تماما، صاحبها ms091 فتح الجمل وكثرة استعمال حروف الوصل والضم والجر والألفاظ ~~التي تحتمل أكثر من معنى وتفسير لاستخدام معناها الآخر، كسلم الحريق حالة وقوع الكوارث ~~وتحمل المسئولية. له شارب .. تحس إنه عن عمد قد وضع شاربا، لا للعياقة أو إظهار ~~الرجولة، إنه ليس في حاجة إلى إظهار، وإنما لأنه - ما دام الناس صنفين - فقد اختار ~~أن يكون من الصنف ذي الشارب، صعيدي أو عربي فلا تزال به بقايا قبلية، في لغته وفي ميله إلى ~~الحديث عن كل ما هو عام، فالانتماء يبعد عن الذات وكل ما يمت إلى الشخص بمفرده. ولا ~~أستطيع أن أقول إنه شهم ذو نخوة وأريحية، فلم يكن قد بدا منه ما ينبئ بأي من هذا، ~~ولكنك تتمنى. بل ترجح شهما ذا أريحية، ولكنه أبدا ليس كاملا، فصحيح أنه ~~يعامل السائقين بمساواة تامة، لا يبالغ في رد تحياتهم المفرطة وكذلك لا يرد عليها ~~بتعاظم وتكبر، ولكنه يكاد ينتفض واقفا إذا جاءت التحية من عربة ملاكي، فعلى رأيه من ~~يمتلك عربة لا بد أنه صاحب نفوذ؛ موظف كبير، أو صاحب مهنة غني، أو ابن لهذا أو لذاك، ~~وليس من العقل أو الحكمة أن يصطدم من كان مثله بأمثالهم! # قال العجوز بعد أن وضع كوب الشاي بأدب تحس منه أن الأدب أو بالأصح - حتى لا يختلط ~~الأمر - التأدب كان ذات يوم حرفته، ويذهب بك الخيال إلى أنه من الجائز أن يكون قد عمل ~~سفرجيا في قصر باشا أو على الأقل مساعد مرمطون، قال: أنا لي رجاء عندك. # ولم يكن العسكري قد أدرك بعد أن يرجوه، وربما كان لا يزال منصرفا إلى تأمل الشاي ~~وتهيئة نفسه لارتشافه .. فاستطرد العجوز يقول: لو تتكرم وتسمح لنا بعربية نقل تأخذنا .. ~~وقال العسكري وهو منصرف أيضا وبمزاج إلى أخذ الرشفة الأولى من الشاي: (ما أعذب الرشفة ~~الأولى من أي شيء!) تاخدك فين؟ # ربما حسن يريد أن يقضي مشوارا في أقرب مدينة تلك التي لا بد تبعد عن المكان بعشرات ~~الكيلومترات، ولكن العجوز قال: أصل أنا ما ms092 احبش المواضيع لما تحصل كدة. يبقى أحسن نأخذها من ~~قاصرها وتتكرم علينا بأي سواق توصية! # قال العسكري وملامحه القمحية ذات الندوب تنكمش انكماشات التأثر، إن لم يكن بعض الغضب: هو ~~جالك تاني؟ # قال العجوز وهو لا يزال سادرا في رجائه: وقال لي: ورغم هذا قاطعه العسكري: وقال لك برضه ~~... # قال العجوز: وقال لي برضه فأنا رأيي أحسن طريقه زي ما قلت لسيادتك كدة آخدها من قاصرها، ~~حاكم المسائل لما بتوصل، على إيه ده كله، كلمتين منك وأي سواق وكتر ألف خيرك. # قال العسكري وقد بلغ الانكماش بملامحه درجة الانفراج، إذا الغضب كان قد بدأ يتحول إلى ~~كلام: اسمع يا عم حسن، أنا قلت لك طول ما أنا هنا ماحدش يقدر يقرب لك! ~~- بس أنا المسائل لما بتوصل أقول لنفسي على إيه، الأرض أرض الله، ومافيش أوسع من أرض ~~الله، وربك بيقطع من هنا ويوصل هنا. وكلمتين لسواق ... # بحزم هذه المرة قال العسكري: والله لما يكون هو الجن الأحمر مش يكفاك كلمتي، أنا قلت طول ~~ما نا هنا لا هوة ولا مليون واحد زيه يقدر يهوب ناحيتك، بس ركك أشوفه مرة وأنا أعرف شغلي ~~معاه. هو جالك إمتى؟ ~~- من شوية. ~~- جه منين؟ ~~- م الناحيا دي. ~~- وراح فين؟ ~~- م الناحيا دي. ~~- وازاي ما شفتوش. ركك بس أشوفه. أنا مش قايل لك لما يجيلك اندهلي؟ ~~- يا سيدي ربنا يخليك ويكتر خيرك، بس أنا كان قصدي يعني إن المسائل لما بتوصل مفيش داعي ~~وكلمتين منك ... ~~- خلاص يا عم حسن، بس لما يجيلك اندهلي. # وكان العسكري قد انتهى إلى آخر نقطة من شرب الشاي. فتناول العجوز الكوب، ومسح قاعدته ~~السميكة مرة أخرى. وانحنى ومد يده، ومسح الدائرة المبتلة التي صنتها على المنضدة، ومضى ~~وهو يتمتم لا بد بدعوات وكلمات شكر. # ولو رأيت هذا المشهد، لدفعك حب الاستطلاع حتى إلى سؤال العسكري عن معنى هذا كله، ولخمنت ~~حتى قبل أن يبدأ في أن سببا ما لا بد يدعو العسكري للتمسك بوجود عم حسن العجوز كل هذا ms093 ~~التمسك. # ولو كنت تكتب قصة بطريقة التأليف كما يفعل بعض الناس لالتفت للموقف امرأة، مثلما كدنا ~~نفعل في البداية. ولجعلناها زوجة صغيرة لعم حسن العجوز أو ابنة فائرة لعوبا. # لا بد سيدور بخلدك شيء كهذا .. فالعسكري لا يذكر لك شيئا كثيرا، إنه يؤكد لك، بلا ~~حاجة للتأكيد، أن الرجل عجوز وطيب، وأن له في هذه البقعة بضعة أيام، وقد كان جالسا في ~~مكانه وجاءت عربة نقل ووقفت كالعادة وبينا السائق يذكر له الرقم، وإذا من الصندوق ترفع ~~الهامة القصيرة لعم حسن، وإذا به يتطلع إلى المكان، ثم تقع عيناه على الشجرة، فينحني ~~ناحية السائق في الكابينة ويشكره ويطلب منه، بأدبه المعهود، أن ينزل هنا قائلا إنه قد ~~اختار هذه البقعة لينصب فيها نصبته. وبمساعدة الشيال ينزل عم حسن أشياءه الفقيرة ~~القليلة، ويستأذن من العسكري ويقضي بقية اليوم في إقامة «الغرزة». # وتلك هي حياة عم حسن التي اختارها .. وكل إنسان منا يختار حياته بالطريقة التي تحلو ~~له، بعضنا يختار المهنة الناجحة ويقضي عمره يحارب زملاءه من أبنائها الناجحين، ويكيد لهم ~~ويكيدون له، وبعضنا يختار مهنة البحث عن مهنة، ويظل العمر ينتقل من عمل فاشل إلى عمل ~~فاشل، ولكل منا كما قلت مهنته التي يفضلها أو التي يلعنها أو التي تتلاءم مع ذاته ~~وطبيعته وصفاته .. وعم حسن قد ترك هذا كله واختار لنفسه مهنة أن يخدم الناس حيث لا يتوقع ~~الناس خدمته، فهو لا بلد له ولا بيت، موطنه الدائم يوجد حيث يوجد بيته، وبيته يوجد حيث يوجد ~~عمله، وعمله يوجد حيث يرى أن حاجة الناس إليه أكثر وأشد! # وهو يصنع القهوة والشاي والمعسل .. ورأسماله بلا رأس وبلا مال، وهو يوجد اليوم هنا في ~~بقعة مهجورة من طريق السويس-الإسماعيلية، لا بد عندها تقاطع أو محطة أو شيء ما .. هنا حيث ~~لكوب الشاي يصبح قيمة لا تقدر، خاصة إذا قدم لسائق منهك استيقظ منذ الفجر وعليه قبل ~~أن ينام أن يقضي الليلة القادمة بطولها سائقا. # ويظل عمل حسن في المكان حتى يزهد هو ms094 فيه أو يزهد فيه المكان، أو تصل المسائل على حد ~~رأيه إلى حيث يصبح لا داعي للبقاء، يشير عم حسن لأية عربة قادمة، في هذا الاتجاه أو ~~ذاك، فسكك الله كلها له وكل مكان فيها مثله مثل أي مكان، ممكن أن يصبح بلده وموطنه ومسقط ~~عمله، ويركب عم حسن هو ورأسماله، وفي أي اتجاه يتصادف أن تكون العربة ذاهبة إليه يذهب، ~~وعند أية بقعة في المسافة يراها عم حسن تصلح مكانا يحتاج فيه الناس والسائقون بشكل خاص ~~للخدمة ولا يجدونها ولا يتوقعون وجودها، ينحني على السائق يطلب منه، بأدبه المعهود، ~~إنزاله، وعادة .. بل لم يحدث أن تقاضى منه أي سائق أجرا، وينزل، ويظل يعمل. وقد يقضي في ~~البقعة أياما، وقد يقضي فيها - كما حدث - سنتين، إلى أن تصل المسائل إلى الحد المعهود، ~~فيشير عم حسن إلى أول عربة نقل قادمة، وهكذا! # ولا بد - خاصة إذا كنت مثقفا .. مقيدا بألف قيد وهمي أو ممن صنعك إلى عملك - تمنعك أشياء ~~ليس أقلها الخوف الشديد، أو بالأصح الجبن، من أن تفكر، مجرد تفكير، في تغيير ~~محل عملك، أو عملك نفسه، أو حتى محل إقامتك، لا بد أن تحسد عم حسن على حياته تلك، فهي ~~في رأيك لا بد أرحب وأوسع حياة، حياة ألغت المكان والزمان والبعد الرابع وكل الأبعاد، ~~البلد كلها .. بملايين الكيلومترات التي تكون سككها وطرقها ومساحتها ملكك .. ملكك حقا لا ~~مجازا، إذا ماذا تفعل بالملكية قدر حقك أن توجد في المكان الذي تمتلك وقتما تريد وأي زمن ~~تشاء، وهل يحتل صاحب العمارة مهما كبرت أكثر من المقعد الذي يجلس عليه أو الفراش؟ وما متعة ~~من يمتلك مئات من الأفدنة أو بضع عمارات؟ .. ولكنه صاحب مصر كلها. من حقه أن يحل بأي ~~مكان فيها في أي وقت يشاء، ويستمتع ما شاءت له المتعة، بإحساسه أنه صاحب المكان وأي ~~مكان! # وجزء من دوافعنا للالتصاق بمنطقة بعينها من المدينة أو القرية، بل بشارع، بل ببيت بعينه ~~من بيوتها، هو أننا نعرف الساكنين معنا وحولنا ms095 ونأتنس بهم، وجزء من خوفنا أن نغادر ذلك ~~البيت أو الحي ونقطن في غيره، إننا نخاف من تجربة الغربة مع أناس لم نعرفهم بعد وحتما ~~لهذا نتوجس منهم. # إن ما يدفعنا للالتصاق بمكان محدد، وناس محددين، أننا نخاف الأمكنة الأخرى والناس ~~الآخرين، فنتوقع على ما نعرفه ومن نعرفهم حتى لو قضينا الأعمال نمله ونملهم، عم حسن ~~العجوز لا بد أنه لا يخاف الآخرين، وما دام قد اعتبر مصر كلها بيته ومكان عمله، فلا ~~بد أنه اعتبر المصريين كلهم؛ صعايدة وبحاروة وشراقوة وغرابوة، أهله وأبناء حيه ~~وحتته، وهكذا وبمنتهى الجرأة والألفة والبساطة، ألقى نفسه في وسطهم في البحر الضخم ~~الهائل الذي يكون ملايينهم .. ومن الواضح تماما أنه لم يغرق، وأن الأيدي رفعته، ولا ~~زالت ترفعه وتتداوله، ومن المكان إلى المكان يلقي بنفسه إلى يد ترفعه بحنان ورفق لتضعه ~~حيث يحدد أو لتسلمه إلى يد جديدة إذا أراد .. وكأنما أبرم الرجل اتفاقا مع المصريين ~~جميعا أصحاب البلد، أن يقدم لهم القهوة والشاي في المكان الذي يفتقدون فيه القهوة والشاي ~~أكثر .. وفي مقابل هذا عليهم هم - المصريين - أن يتكفلوا بأمر عيشه وسكنه وإقامته ~~وتنقلاته كلما حلا له أن ينتقل. # وكما تؤثر الوظيفة في الموظف، وكما يصبح من خصائص سائق الأتوبيس صوته المرتفع؛ إذ لا ~~بد له أن يرفعه ليغطي على صوت الآلة الحديدية والآلة البشرية، ليسمعه الركاب أو حتى ~~ليبلغ شتائمه إلى الراكب الذي أثر أن يدخر رأيه الصريح فيه إلى اللحظة التي يضع فيها قدمه ~~على الأرض ويتحرك الأتوبيس .. كما تنمي الوظيفة ذلك الجزء من الإنسان الذي يتعامل به ~~مع الآخرين .. وبالتالي تنمي لدى الآخرين ذلك الجزء الذي يتعاملون به معه، فعم حسن يتعامل ~~مع جزء نادر، أو بالدقة نادر العمل .. في الناس .. ذلك الجزء المخصص للعمل من أجل ~~الآخرين .. الجزء الإنساني الضامر في أناس كثيرين .. الذي ربما حولته الأجزاء الأنانية ~~لدى البعض كما تحول الأماكن غير المستعملة، إلى مخازن، تختزن فيها أحصنة النهم الإضافية ~~ومغذيات الطموح الفردي الصغير. # عم حسن يعامله ms096 الناس، والسائقون، الذين يبدون وكأن قلوبهم قد قدت من جرانيت أصم، ~~بأجزائهم الإنسانية، وما أكبر هذه الأجزاء أحيانا بالذات في قلوب هذا النوع المخيف من ~~السائقين .. ولأنه يحيا ويتنفس ويأكل وينام بهذه الأجزاء وبما تهيئه له، فقد اكتسب هو ~~الآخر طابعا غريبا يميزه عن جميع الناس، فأدبه الزائد ليس ذلك النوع الممتثل الذليل ~~الذي ندرك في الحال مدى ما فيه ضعة واسترزاق .. إنه نوع عميق من الأدب، لا ينبع من ~~الانحناءات والكلمات الهامسة .. وإن كانت بعض أعراضه كلمات هامسة .. ولكنه لا ليريك ~~ويظهر لك أنه يهمس، ولكن لأنه بإدراكه أنك ستستريح أكثر لو همس، نوع من مراعاة ~~الشعور، ولكن لأن مراعاة الشعور لدى معظمنا لا تحدث إلا لسبب، وإلا لحاجة لك عند من ~~تراعي شعوره، فأعتقد أنه من الصعب أن نتصور مراعاة الشعور لمجرد مراعاة الشعور .. ~~لمجرد أن إنسانا يحترم شعورك فعلا ويقدره - مهما كنت - ويهمه مراعاته، بل حتى في ~~طريقة سؤال للناس، إنه يفعل هذا بأدب صحيح، ولكنه أدب فيه ثقة بنفسه، وكأن المسألة ~~أمر مفروغ منه. فرق كبير بين أن تطلب من إنسان لا تعرفه شيئا وتحاول حينئذ ولأنك تفترض ~~أنه ليس من حقك أن تطلب منه وهو الغريب عنك شيئا أو تسأله معروفا، تحاول أن ترقق ما ~~أمكن من طلبك ولهجتك وتودع فيها كل ما يمكنك إيداعه من رقة السائلين والمقترضين ومن ~~يطلبون بذله، فرق بين هذا وبين أن يطلب من إنسان نعتقد أنه فعلا أخوك ومن أقربائك، ولك ~~عليه مثلما له عليك، أن تسأله، ومن واجبه وليس تفضلا أو تنازلا، أن يعطيك. # ولكن تلك تفاصيل لا معنى لها .. ومحاولة يائسة لشرح «كل» من الصعب شرحه. فعم حسن ليس ~~مجموعة تصرفات كهذه، ولكنه أولا روح كاملة، ربما بعض مكوناتها تلك التفاصيل .. إنه روح ~~غريبة تعيد إلى ذهنك آثار الظواهر الطبيعية وهي تعمل عملها عبر ملايين وملايين من السنين ~~لتفتت الصخر الكبير إلى رمل دقيق أملس رائع التكوين. لتقدمن الصخر نهرا عذب الماء كنهر ~~النيل، لتصنع من الزلال ms097 وزلال الزلال حياة، ومن الحياة كائنات ما أروعها حين تتأملها؛ ~~كالسمك، دافقة بالحياة عامرة بالتفاصيل، كالأسود جليلة مروعة يداخلك مجرد تفكيرك أن ~~الأسد العظيم منها كان ذات يوم قريبا كائنا لا يرى إلا بميكروسكوب. كائنا كان هو ~~الآخر ومنذ أيام قريبة أسدا عظيما، كذلك الأسد .. ونتأمل كيف استطاع آلاف الناس ~~بمراكزهم وتصرفاتهم الإنسانية أن يخلقوا أو يدربوا ذلك المركز في عقل عم حسن وشخصيته ~~ليكبر وينمو ويزدحم، ويحيل هو هذه المرة مراكز الأنانية وما يخص الذات الصغيرة إلى مخازن ~~يودعها مشاريعه القادمة للناس .. لحب الناس، لكي لا ينسى وهو في قمة انشغاله، وحوله ~~السائقون مزدحمين كل يريد أن يحظى منه بأكبر جرعة من الحديث والشاي، أن عسكري المرور ~~يتغذى، وأنه انتهى من طعامه وأنه في حاجة إلى كوب شاي! # لنتصوره بوجهه الأسمر، وصلعته النامية الخفيفة، بآذانه الكبيرة التي تؤكد ملامحه، ~~بأنفه الكبير قليلا يؤكد رجولته ويؤكد في نفس الوقت طيبته؛ إذ لا شموخ فيه، ولا اتساع ~~فتحتيه يريحك، وعيونه ليست أبدا كعيون الملائكة ناعسة سارحة، أهم شيء يجذبك إليها هو ~~يقظتها، وليس يقظتها إلى ما يدور في عقل صاحبها، وإنما يقظتها إليك أنت، إلى ما تفكر ~~فيه، إلى أحوالك وكيف تبدو، وهل معنى ابتسامتك الواسعة أن كل شيء بخير، أم يا ترى تنبئ عن ~~ضيقك بما تحسه من ضيق؟ # وإنها لسعادة أن تنظر إلى عم حسن وبالذات إلى جبهته العريضة البارزة التي إذ قستها ~~بالمقاييس الواضح عليها للجمال لبدت قبيحة، إنها لسعادة أن تنظر إليها فتحس أن لم يدر ~~خلفها شيء، فكرة أو خاطر يضر بإنسان .. أن تدرك بوعي وعمق أن هذا الرجل الذي ينظر إليك ~~بجماع نفسه، لا يفكر أبدا في إيذاء أحد ولا يمكن أبدا أن يفكر في خداعك أو السخرية ~~منك والضحك عليك، إن ما من فكرة شريرة عرفت أو يمكن أن تعرف طريقها إلى رأسه .. لا أحلام ~~غنى باهظ راودته وأستعد معها لأن يدوس الغير في طريقه إليها، ولا أمنية ألحت عليه أن يكون ~~لك مالك ms098 أو بعض مالك. وأنه لا يحسدك أبدا على منصبك أو وسامتك أو زوجتك المخلصة، ولم ~~يفكر أبدا في الحط من شأنك، حتى بينه وبين نفسه، لكي يثبت لها، مثلما يحلو للبعض، أن يفعل ~~أنه أحسن منك. إنه لشيء رائع ومحير ومثير للخوف أن تدرك أن كل هذه الصغائر التي يقضي ~~بعضنا تسعة أعشار أعمارهم يلوكونها في عقولهم ويقيدون بها قدراتهم .. ويلوثون بها ضمائرهم، ~~وطبيعتهم الإنسانية التي تخلق نظيفة حساسة، هذه الصغائر كلها لا محل لها في عقل عم حسن ~~العجوز، ترى أي مكان رحب يصحبه عقله، أية حرية تتمتع بها خواطره .. أي أمان شامل كان ~~يظللها ويظلله .. أجل الأمان الذي يقلب الناس دنياهم ويحفرونها مخابئ ودهاليز ليحتموا بها ~~من الأعداء المعروفة والمجهولة، ومن الزمن والمرض والخيانة، وكلما بحثوا عن الأمان خافوا؛ ~~إذ يدركون أنهم مهما فعلوا فليس هناك دواء شاف أو ملجأ أكيد، وكلما خافوا على أنفسهم ~~من الآخرين أخافوا الآخرين منهم، حتى تنقلب العقول إلى مواقد مجنونة للقلق والرعب. إنه ~~يتصرف دون أن يحسبها ويفكر، ويفكر دون أن يحسبها ليعرف بماذا يتصرف، فالحاجز الذي ~~يضعه الكثيرون بين التفكير والتصرف حاجز سببه أنهم حين يتصرفون يخجلون مما يفكرون، ~~وحين يفكرون يخافون التصرف بمثل ما يفكرون، يا لروعة عم حسن وتصرفه، يمضي في تسلسل وصفاء مع ~~أفكاره، وأفكاره من تلقائها وبلا جهد يضيعه أو يفقده تصنع تصرفاته، وليس في وسط الدائرة ~~إلا غيره، إلا الإنسان الذي تسوقه إليه الصدف، إلا الكلمة الحلوة التي لا بد يحتاجها ~~ليقهر هذا العبوس، إلا الشربة من ماء القلة الباردة ترد الروح التي تتسرب من جسده .. مع ~~حبات العرق المنهمرة، إلا كلمة طيبة يقولها لصديق الطريق وهو قائم بنفض التراب عن جلسته ~~ويستعد لسفرته القادمة المجهولة: خلي بالك .. الدنيا ليل ونورك واطي، لما تقابل عربية ~~هدي، وحياة بنتك الغالية لأنت فاكر كلامي ومهدي! # وقد يعتقد البعض، ولهم الحق، أني أنبذ الواقع وأتحدث عن إنسان خرافي غير موجود. ولكن ~~الكارثة الكبرى أن عم حسن موجود ولا يزال ms099 إلى الآن حيا يسير ويتنقل إن وجد في مصر ~~طريقا، ولكن المشكلة، أجل المشكلة، أن الدنيا كلها ليست عم حسن، وأن المسائل لا بد أن ~~تصل يوما إلى الدرجة التي يصبح معها من العبث البقاء. ~~••• # ولنعد إلى الرجلين والمشهد، ولنؤمن الآن وقد عرفنا الكثير أن ليس في الأمر زوجة أو ابنه ~~ولا سيدة بالمرة، ليس لأن عم حسن لم يتزوج، فالحقيقة أنه مرات تزوج، ولكن زوجاته ~~كن، بعد فترة، وبعد انقشاع الرغبة في التغيير، يضقن بحياته ويردن البيت والعمل الثابت، ~~الذي لا يبحث فيه عن الناس، وإنما على الناس فيه أن يبحثوا عنه، من هنا كان يدب الخلاف، ~~وينطلق عم حسن إلى طرقاته ومحطاته ودنيا الله الواسعة، وينطلقن هن باحثات عن الأمن ~~والثبات الذي يصنع الأولاد. لنعتقد إذن أن ما بين الرجلين إن هو إلا صلة أخرى من صلات ~~عم حسن بالناس، تلك التي تنشأ في لحظات، وتظل تنمو ولا تكف عن النمو كلما مر عليها الوقت، ~~عكس ما يحدث في العادة. فما أربح وأوسع ما تنشأ وما أسرع ما تبدأ تضيق، والمشغوليات بالنفس ~~كثيرة، والعلاقة التي لا تنفع تضر، والأعم الغالب أن تنتهي العلاقات إلى ذلك الخيط ~~الرفيع الذي يفصل بين الجهل والمعرفة، فتعرف الشخص وكأنك لا تعرفه، وصلتك به لا تتعدى ~~أكثر من يد عالية ترفعها بالسلام من بعيد، أو إيماءة من رأس أو أضعف الإيمان ابتسامة ~~وكأنما لتثبت بها لنفسك أنك تنتمي، مجرد انتماء، إلى الجنس! # والعسكري يروي كيف بدأت الحادثة؛ فمنذ بضعة أيام، ذهب إلى عشه عم حسن، لأول مرة، عابسا ~~شديد العبوس. ولا بد لنا لكي نكمل القصة أن تعرف أشياء كثيرة عن العسكري بشكل عاجل، فهو ~~قروي حياته الحقة بدأت بالعسكرية ودخول الجيش، وكان الجيش مدرسته، هناك صاحب شبان ~~المدينة وعرف المدينة من خلالهم، وخرج وقد آلى أن يعرفها بنفسه، والمدينة صعبة على من ~~يريد معرفتها بقيم فلاح ودردحة ذكي. ولكنه رغم هذا استطاع أن يجد لنفسه مكانا غير رسمي ~~فيها، وهو وإن كان ms100 يقضي معظم أيامه مقطوعا في كشك، إلا أنه في إجازته يعوض كل ما ~~فاته، وحتى بنات الليل يستطيع مصاحبتهن .. وله في كل مدينة يحل قريبا منها جلسات، وقعدات ~~وأركان ودائما يعثر على عشيقات! # غير أنه من يوم أن حل عم حسن فقد الحماس تماما للمدينة ولكل ما ينتظره فيها، فساعة ~~واحدة كان يقضيها مع الرجل حسن عاش وشاف، وعاش وشاف بطريقة لم يعش أو ير بها أحد، فغيره ~~يجلس مع الرجل، بل أحيانا يجاوره لشهور وسنين دون أن يعرف عنه إلا أقل القليل، عم حسن ~~كان يغوص من فورة في النفس محبة أو بناء على طلب صاحبها، وفي دقائق يعرف ما لا يعرفه ~~غيره في ساعات، فوجهه كان يملك اللمسة السحرية المتناهية البساطة، التي تفتح النفس، ~~والنفوس دائما تواقة لأن تفتح. وأغنى ما في الأرض ليس كنوزها وما تحتويه قشرتها، ~~أغلاها ما في نفوس الرجال من ثروات. إن في داخل كل منا كنزا، تجمع وتراكم فيه عشرات ~~السنين وآلاف الخبرات، كل نفس كالمحارة، مهما انغلقت فهي لا تكف عن إحالة التجربة ~~بالإضافة والإعادة والتعديل إلى لؤلؤة، إلى ماسة ثمينة من ماسات الخبرة الإنسانية المركزة ~~والمكثفة والمصنوعة بصبر داخل تلافيف الحياة، وقد استطاعت نفس عم حسن الخالية من المهبطات ~~والمعطلات ومخصصات الأنا اللزجة أن تمتلئ وتستوعب عددا لا يعد ولا يحصى من كنوز النفوس ~~الأخرى. فوق ما يمكنها تقديمه وعرضه من نماذج، استطاعت نفس عم حسن أن تقوم بدورها كصانعة ~~لآلئ، وماسات، وأن تحيل ما احتوته نفسه من تجاربه ومن الآلاف المؤلفة من تجارب الآخرين إلى ~~ما يشبه برج مجوهرات الإمبراطورية البشرية .. لي متحف يدير مجرد التجوال فيه الرءوس، ولا ~~شك أن المتع كثيرة وكلها حلوة، والمرأة جميلة ممتعة، وقعدة العسكري في البندر مع إخوانه ~~يدور عليهم الشيء أو يدور بهم متعة .. لكن العسكري إلى عم حسن، ويسمعه بمفرده أو مع ~~الآخرون وهو يحدثهم ومن ذات نفسه يفرجهم على عوالم غريبة رائعة، ليالي وكأنها مسحورة ترى ~~من فنجان، وأيام وأحداث وكأنها ms101 اغترفت من أكداس الروايات، مع أنه في كل ما كان يتحدث ~~به لم يكن هناك أثر للخيال؛ إذ لم يكن هناك داع للخيال، فما رآه رأي العين أغرب مما يراه ~~الآخرون رأي الخيال .. لا شك أن المتع كثيرة ولكن يبدو أن أمتعها جميعا وأحلاها هي ~~متعة أن تعرف .. متعة أن تعلم ما تجهله أو تزداد علما بما تعرفه، وكل ما يحدث عنه عم ~~حسن دائما جديد غير مطروق، أناس وكأنهم ليسوا من جنس الناس، وإنما من نوع آخر لا ~~يتبدى إلا لعم حسن .. أو كأنهم الناس ولكن أشياء منهم مغلقة تفتح بكلمة سر لا يعرفها ~~إلا الرجل العجوز! # وجده العسكري في ذلك اليوم عابسا، شديد العبوس .. حتى لقد استغرب أن يمتلك من كان مثله ~~القدرة أن يعبس بهذه الشدة .. وحين سأله عما به لم يشأ أن يتحدث وكأنه لا يرى فائدة في ~~الحديث! # ولكنه تحت الإلحاح قال إنه حدث ما كان وسيظل دائما أبدا يخشاه، فقد جاء الرجل وطلب ~~منه مغادرة المكان! # أي رجل وبأي حق يطلب ما يطلبه؟ # قال إنه جاء هذه المرة بحجة أن الأرض التي أقام فوقها عشته أرضه وأنه يعطيه مهلة ~~إلى الغد لينتقل منها. # وطمأن خاطره قائلا: إنه لا بد نصاب، أو سلطه أحد أصحاب العشش الأخرى! # وهنا لا بد تدرك أن ثمة عششا أخرى وغرزا قد أقيمت بعد مجيء عم حسن، فهكذا دائما ~~شأنه، ما أن يحل بالمكان المهجور ويبدأ في تقديم مشروباته إلى الغادين والرائحين على ~~الطريق .. أصحاب الطريق كما كان يسميهم عم حسن، الذي قد تتصور أنهم قلة في حين أنك لا ~~يمكن تتبين كثرتهم إلا إذا أقمت لهم مكانا للشرب والراحة .. مكانا يصبح ككشك المرور ~~الذي تلمح قبله أثرا لعربات ولا تلمح بعده، وإنما عنده فقط وعند العشة تظهر العربات، ~~ويظهر الناس ويتكشف عنهم الفراغ الذي كان يخفيهم، وعنده يلتقطون أنفاسهم برهة استعدادا ~~لاختفائهم القادم من الفراغ .. أصحاب الطريق كثير، لا بد لهم أسبابهم الخاصة لسلوك الطريق ~~ولكنك تعجب حين يخرج ms102 لك عم حسن يعرض كنوزه متحدثا عنهم قائلا إن فيهم صاحب الحاجة ~~والهدف لا شك، ولكن الغالبية سيتعبك حتما أن تحاول معرفة أهدافهم ولماذا يسيرون. إن معظم ~~الناس أجناس قانعة ميالة إلى البيوت وحياة البيوت وعالم البيوت ولكن الدنيا فيها آخرون .. ~~فيها القائلون لأنفسهم وللعالم: بلاد الله لخلق الله ومن بلد إلى بلد يرحلون، وعلى الطريق ~~يشربون ويأكلون وأحيانا على نفس الطريق يموتون .. أصحاب الطريق وسكانه دائما فرادى ~~ودائما على الطوى ونادرا ما يتكلمون وليسوا أبدا مجذوبين أو مجانين، وإن كان سلوكهم ~~هذا قطعا سلوك مجانين .. الشيء الدائم أن وراء السير الطويل. مسيرة العمر، قصة انتهت حين ~~وضع كل منهم قدمه على أول الطريق، وقد يكون للطريق أول ولكن أبدا ليس له آخر، وكأنما ~~بحثهم الدائب عن آخر الطريق، والعمر يمضي وأعمار كثيرة تمضي قبل أن يصل أي منهم، السالكين ~~سلوك المجانين، أو أي منا نحن السالكين مسالك العقلاء، آخر الطريق، دائما نلتقي؛ عقلاء ~~ومجانين وراجلين وراكبين وأفندية وسواقين وهاربين وباحثين ومخبرين ومجرمين ومطاردين ~~ومطرودين عند عم حسن عند تقاطع الطريق. ونأنس باللقاء، ونتعارف ونتحابب ونتذاكر ويسمي ~~بعضنا البعض: رفاق الطريق. # وهكذا يحدث دائما؛ تبقى عشة عم حسن الذي يكتشف بها التقاطع المهجور، وحيدة لفترة أطول؛ ~~إذ لا تلبث عشة أخرى أن تقام، وإن كان صاحبها ليس في وحدانية عم حسن وإنسانيته وطيبته بل ~~حتى نظافته إلا أنه لا يعدم زبائن آخرين، وجعلنا لكل شيء سببا، ولكل طالب رزقا، ولكل ~~عشة مهما كثر عدد العشش زبائن من رفاق الطريق! # ودائما ما تبدأ الغيرة من عم حسن ورواده الأكثر، تأكل القلوب، وعلى أقل سبب تحدث ~~المشاحنات، وفي البقعة المهجورة والمقطوعة الصلة بكل أسباب الحياة والإحياء، سرعان ما تبدأ ~~فيها أول البوادر، وكما تستدل على الأسد من رائحة بوله المنكر، تبدأ رائحة نظام الإنسان ~~الفاسد تفوح، ومن بعيد وسط سكون العصاري المطبق تسمع صوتا غير غريب عليك تتلاحق عواءاته ~~من بعيد .. تسمع الصوت وتشم الرائحة، الخناقة، تحسبها كلابا على جثة، ولكن الرائحة ms103 ~~والخناقة أكثر بشاعة .. لا بد أنهم بشر على لقمة. # فإذا سمعت طرفا واحدا هو الماضي في زعيقه وعوائه، بينما الطرف الآخر صامت صمتا تاما، ~~وكأنه ليس المقصود، فاعلم أن الخناقة مع عم حسن، وأن الآخر رغم أنه جاء إلى التقاطع ~~بعده، ولولا عم حسن ما جرؤ على التفكير أو البقاء، إلا أنه محموم ينفجر بغضبه. # ولكن هؤلاء لم يكونوا يسببون للرجل العجوز الطيب أي إزعاج، بالعكس كان دائما يقابل ~~عويلهم بالابتسام .. ابتسام الفرحة؛ إذ معناه أنه عمرت الحتة، وليس ما يبهج عم حسن أكثر ~~من أن يدرك، هو الجواب الأرض القفر والساحات المهجورة، إن قطعة مهما بلغ صغيرها من ~~الدنيا، ومن مصر أم الدنيا، قد عمرت. ~~••• # ولكن، أن يعبس عم حسن، وأن يبدو وجهه شديد العبوس، وأن يظل هكذا حتى بعد محاولات العسكري ~~المستمرة لتطيب خاطره معناه أن في المسألة شيئا آخر غير عادي! # واعتقد العسكري أن عم حسن رجل طيب ومسالم، ومن عادة هؤلاء أن يزعجهم التهديد، وهكذا ~~أخذ العسكري على عاتقه ألا يتكرر المشهد، وأن يظل وراء من هدده حتى يجبره على المضي ~~إليه وطلب غفرانه. وبدأ يعيد السؤال على الرجل، ويطلب من عم حسن وصفه وتذكر من أين جاء وإلى ~~أين ذهب. ولم تعجبه الإجابات، فقد جاءت كلها غامضة محيرة وكأنما عن عمد، أو من شدة ~~الخوف، يحاول عم حسن تضليله، وبهذا واجه عم حسن وكان أن ابتسم الرجل وكأني بقلبه ابتسم فهو ~~لم يكن يحاول أن يخفي عنه شيئا، وأنه لا يفعل أكثر من أن ينقل إليه كل ما يعرف، فهو لم ~~يع بالضبط من أين جاء الرجل فقد أفاق فوجده أمامه، ولا إلى أين ذهب فما كاد دمه يتغير ~~لكلامه، حتى كان في ثورة الغضب قد اختفى، وهو لا يذكر ماذا كان يرتدي، فقد أضاع الغضب للحظة ~~الرؤيا ذاكرته، غير أن ما أدهش العسكري ومنعه عن متابعة بقية الحديث وعن إلقاء أي سؤال، ~~أن عم حسن في كلامه عن الرجل وكأنما يتكلم من الذاكرة، وكأن ms104 ما في الذاكرة أقرب إليه ~~مما، منذ دقائق ، حدث! # كان وكأنما يتحدث عن شخص يعرفه تمام المعرفة، عن شخص لا يمكن أن تكون تلك هذه المرة ~~الأولى لرؤيته .. وحتى حين واجهه بهذا سكت ولم يجب، آخر كلمة قالها العسكري قبيل أن يغادره ~~أن طلب منه، إذا جاء الرجل، أن يشير له ويناديه، وليدعه حينئذ يتكفل به. # وهز عم حسن رأسه، وكان وجهه لا يزال محتقن الملامح في اكتئاب. ~~••• # وكاد العسكري يغضب حين علم - من عم حسن نفسه - أن الرجل جاء، وأنه هذه المرة أنذره، ~~ومضى قبل أن يستطيع أن يشير له أو يناديه. كيف يمضي قبل أن يستطيع؟ أهو كائن مسحور؟ # إنه هكذا - مضى عم حسن يخبره - عمري ما رأيته قادما ولا عرفت كيف يغادرني. # عمرك - أفي المسألة أعمار؟ # بالطبع - قالها عم حسن ببساطة .. فليست هذه أول مرة إنما دائما وراءه أنى يذهب ليسكن ~~حتى يبدأ الآخرون يفدون ويقيمون العشش. ومن لحظتها يبدأ يأتي ولا يتركه حتى يذهب. # وللعسكري ألف حق حين أحس أن عم حسن يبالغ ليس إلا وأنه من امتداد حياته الطويلة ~~بعيدا عن المشاكل يجعل من الرجل جنيها أحمر. ووصاه وألح عليه إن جاء فقط أن يناديه، ما ~~عليه إلا أن يشير له ويناديه. # لم يأت الرجل في اليوم التالي. هكذا أكد عم حسن، لا ولا اليوم الذي يليه، إلى العاشرة ~~حين كاد جاز اللمبة «الشيخ علي» يفرغ وسهرته التي نادرا ما تمتد أكثر ما تنتهي، ويخمر من ~~زبائنه قرر قضاء الليلة عنده ومن سيرحل، هكذا في ظلمة الليلة، ودون خوف من مجهوله وظلامه، ~~وكأنه في بيته صاحب الطريق إلى العشرة لم يكن قد جاء. # وفي اليوم الثالث. كانت كوب الشاي التي قدها للعسكري عقب الغذاء، وكان رجاؤه أول مرة يسمع ~~فيها هذا الرجاء، أن يساعده على الرحيل. # وحين كان عم حسن يأخذ الكوب الفارغ ويمضي ويتمتم. لم يكن ما يتمتم به كلمات شكر كما أعتقد ~~العسكري، كانت كلمات ضيق وتبرم بالموقف الذي أصبح فيه، فها هو ms105 العسكري يقف بجواره مصمما ~~على بقائه وعلى أن باستطاعته الدفاع عنه في حين أنه أعرف الناس أن أحدا لم يستطع - ~~مع هذا الرجل - أن يساعده وأنه جانبه ويجابهه دائما وحيدا، ولا فائدة من إطالة ~~النضال. # وبعد دقائق كان ينادي بأعلى صوته يا شاويش. # وفي بضع قفزات كان العسكري قد ترك المكتب والدفتر، والقيد والعربة النقل الدائرة موترها ~~في إزعاج، وأصبح أمام عم حسن، يسأل: هو فين؟! # وبيأس تام أجابه عم حسن إنه ذهب. # كيف ومتى وهل من المعقول أن يكون قد اختفى تماما ولم يمر بين ندائه وبين مجيئه سوى زمن ~~كلمح البصر؟ ~~- مش قلتلك؟ أهي دي عوايده. # ولأول مرة، وبنظرة مختلفة تماما حدق العسكري في عم حسن، فلم يكن هناك إلا تفسير ~~واحد، إن هذا الرجل العظيم، مجنون لا بد، يتصور أشياء لا يتحدث. # وبنفس النظرة مثبتة على وجهه بالذات على عينيه الواسعتين العسليتين. ~~- أنت متأكد إن فيه راجل بالشكل ده؟ # وعلى الفور فهم عم حسن أو ابتسم في رثاء! # وانقضت الليلة، وفي الصباح، وإلى الساعة الثامنة لم يكن قد جاء عم حسن له بشاي الصبح أو ~~بدا له أثر. ودب القلق في قلب العسكري مخافة أن يكون قد ذهب، لولا أنه من مكانه كان يلمح ~~العشة وجلبابه المنشور فوقها منذ الأمس، ولم يكن باستطاعته التحرك، فبجواره كان ضابط ينتظر، ~~وعليه أولا أن يجد له عربة ذاهبة في اتجاه العاصمة، وهناك، قرب العاشرة جاءت العربة، وحتى ~~قبل أن تتحرك بعيدا كان هو قد وصل إلى جوار العشة وقبل أن يستدير إلى الباب كان ينادي عم ~~حسن، وخيل إليه أنه يسمع أنينا. وفي الداخل كان عم حسن راقدا وحول عينيه كدمة زرقاء ~~كبيرة وصدغه وارم وواضح في هيئته أن اعتداء قاسيا قد وقع عليه. وردا على أسئلته ~~الكثيرة، واستفساراته، حدق فيه عم حسن بعينه غير الوارمة وحدث فيه مليا قبل أن يقول: ~~صدقت بقي إنه بييجي؟ # وفتح العسكري فمه ولكنه عدل عن النطق، ودون أن يغير لهجته استطرد عم حسن: ms106 مش تعمل في ~~معروف بقى وتكلم لي سواق ؟ # قضى العسكري إلى الظهر ودمه يغلي تارة وجسده يرتعش تارة أخرى. إنه بطبيعته لا يتحمل ~~أن يرى أحد ضحية ظلم مهما صغر، فما بالك والضحية عم حسن، أحب وأقرب من أنست إليه نفسه ~~في الحياة، لقد قضاها كالقط الضال بريا يكاد يصل حد التوحش من الصعب عليه أن يألف ومن ~~الصعب أن يأتلف، حتى مع أخيه الأكبر الوحيد، وحتى والمرأة بين ذراعيه وقد ذابت كل الفواصل، ~~عمره ما أحس أن ألفة حقيقية قامت بينه وبينها، حتى لو كانت «نظلة» زوجته، والأخرى التي ~~جرى عليها طويلا واشتاق لها كثيرا وأحبها وكانت وبالصدفة اسمها «نظلة» أيضا، الإنسان ~~الوحيد الذي اخترق حجبه وهد جدرانه واقترب أكثر ما يمكن من قلبه وروحه، وقرب قلبه، وروحه ~~إلى الدنيا والناس .. كان عم حسن! # عم حسن الذي في أيام ارتبطت فيه نفسه إلى الدرجة التي لو أصر فيها على الرحيل لوجد ~~نفسه، دون أن يستطيع لها منعا أن يرحل معه .. الراقد الآن يتألم متورما ومضروبا من ذلك ~~الرجل، مهما كان وليكن إنسيا أو جنيا، وليكن إبليس بنفسه وبكل جبروته! # كان العسكري، ولنسمه صميدة يعمل ثماني ساعات ويستريح مثلها، ويبادله العمل والراحة ~~زميله، زميل لا علاقة له بكل ما ذكرنا، ما لاحظه ولا كان على استعداد للاهتمام به؛ فهو في ~~السن أصغر، وتلك أول مرة يتغرب فيها عن زوجته وابنه الحديث الولادة، وهو دائما، بالخواطر ~~معهما، لم يحس للحظة واحدة بما على قيد خطوات منه يحدث! # وقضى صميدة، الأربع والعشرين ساعة بجوار صاحبه العجوز الذي رقد منها نصفها وعاد إلى ~~طبيعته من نصفها الآخر وجلس وأكل وتحدث. وصميدة صامت يجتر الغيظ ويستعيد بغضب ما يفعله ~~بالرجل حين يجيء. ولكن إن أناسا كثيرين جاءوا وذهبوا دون أن يبدو للرجل أثر، حتى أغمض مرة ~~عينيه، ورغم أن إغفاءته لم تطل أكثر من لحظات، إلا أنه كان قد حلم فيها أن الرجل ~~جاء، والعجيب أنه لم يكن كما تصور أبدا شيطاني الملامح يقدح ms107 الشر من عينيه، كان يبدو ~~كالنوع «السهتان» من الرجال، النحيف، القصير، وكان وجهه «سادة» تكاد لولا وجوده أن تعتقد ~~أنه بلا ملامح، وربما وجهه الخالي من الانفعال ذلك هو ما جعل صميدة يحس بالضيق الشديد ~~منه وبالرغبة الملحة في قتله، وهو صعيدي وعربي يعرف معنى القتل ويفهمه، رغبة بلغ من شدتها ~~وإلحاحها أن أيقظته، وحين صحا وجد عم حسن يحدق فيه بعين مفتوحة ونصف الأخرى الذي أصبح ~~قادرا على فتحه، وظل يحدق فيه لبرهة ثم قال: شفته! # وكاد يقول: شفته، لولا أن عقله ارتبك وتساءل: كيف عرف عم حسن أنه كان يحلم، وأن ~~الرجل جاءه في الحلم؟ # وسأله: إيش عرفك إني شفته؟ # فقال عم حسن: ما هو كان هنا ولسة ماشي! # فقال صميدة: أنت راخر حلمت به. # فاستنكر عم حسن: حلمت إيه. أنا صاحي. وجه وافتكرتك شفته واستغربت إنك ما قلتلوش ~~حاجة! # وأحس صميدة بالخوف، من المرات النادرة القليلة التي أحس فيها بالخوف إلى درجة كاد يخبر عم ~~حسن أنه يوافق أخيرا على رغبته وأنه سيكلم له أول سائق يمر! # ولكن العناد، ذلك الشيء المركب فينا يفسد علينا لحظات الاستسلام للواقع، ثار وأبى. وفي ~~ومضة كان صميدة قد قرر إما هو أو ذلك الرجل. # وانتقل صميدة إلى عشة عم حسن يقضي فيها ساعات راحته، والعشة نفسها نقلها بحيث أصبحت تواجه ~~الكشك تماما، ولو استطاع لجعلها ملاصقة له. # وأصبح على عم حسن ألا ينتقل من مكانه إلا إذا عرف صميدة وتابعه إن لم يكن بنفسه ~~فبعينيه، وأصبح على صميدة أن يظل مفتح الأعين لا يغمض له جفن، إذا نام كان على حسن أن يظل ~~مستيقظا قابعا بجوار زميله، ولا ينام عم حسن وإلا وحماية صميدة تحوطه، ومع هذا ما يكاد ~~الانتباه يغفل حتى يرفع عم حسن يده مستجيرا، ويعرف صميدة أن الرجل جاء ومضى كما تأتي ريح ~~وتمضي، وأنه لا بد همس لعم حسن مثلما يهمس كل مرة بتهديده، وبأن صبره قد نفد وأنه ~~لا محالة قاتله .. والعناد ذلك الشيء المستبد ms108 الخارق يزداد نموا كالمارد العملاق في جوف ~~صميدة حتى ليصبح هو الذي يسيره ويخضعه، وكلما ازداد استبدادا وازداد التهديد حدة، كلما ~~أصبح على حركات عم حسن وسكناته أن تخضع أكثر وأكثر، حتى ليكاد يشير لصميدة لينبهه أنه ~~يريد فتح الفم أو التنفس! # وكان طبيعيا أن تخلو عشة عم حسن من رفاق الطريق، ليس فقط لكل ما تقدم، وإنما لأن ~~صميدة قد أصبح يتوجس لدى قدوم أيهم وبعينيه النفاذتين يتفحص ملامح وجهه ليعرف قربها أو ~~بعدها عن الملامح كما رآها وكما أصبح يعتقد أنها قريبة الشبه جدا من ملامح أي قادم ~~يراه، أو على الأقل باستطاعة أيهم أن يحيل ملامحه إذا أراد لتصبح «سادة» كريهة كملامح ذلك ~~الرجل الكريه. # وفي صباح جميل، كل ما فيه جميل، إلا ما هما فيه. مال عم حسن على صميدة وقال: ح نقعد كتير ~~على كده؟ ~~- لغاية ما يبان ونخلص عليه. ~~- بعد يوم .. اتنين .. سنة .. سنتين؟ ~~- حتى لو بعد عشر سنين. ~~- طيب معاك، ساعتها صحيح ح نخلص عليه، إنما إحنا ح نكون رخرين خلصنا، تعرف مين ساعتها ح ~~يبقى انتصر .. العند .. إحنا ح نكون متنا من زمان واللي عايش فينا العند وزي ما خلص عليه ~~.. خلص علينا .. سيبني أمشي! ~~- وتروح فين؟ ~~- دنيا الله واسعة يا أخي .. وإذا كان في الحتة دي عدو فالطريق مليان أصحاب ورفاق .. ~~الدنيا حلوة يا ابني وحرام تعادي فيها حتى اللي يعاديك .. عايز تغلبه سيبه ينفلق ويعاديك، ~~واوعى تعاديه أنت لتخسر نفسك. ~~••• # وذات يوم، وصميدة نائم، كان عم حسن يلقي بنفسه مرة أخرى إلى أيد الناس، والسائق يساعده ~~على جمع حوائج. # وحين استيقظ صميدة ولم يجد عم حسن أو عشته أصابه ذهول أوقف تفكيره، كأنما أحس أنه ~~فجأة فقد كل ما له على ظهر الدنيا، وحين أفاق، أحس لومضة، بالارتياح؛ فقد شعر أن العناد ~~ينسحب من جسده، ومعه تنسحب ملامح الرجل الكريه التي لم تغادر خياله لحظة، تنسحب معه فتهزمه، ~~لومضة أحس أن الحياة قد بدأ يعود لها طعمها الحلو، كان عم ms109 حسن قد ذهب حقيقة وذهب معه ~~سحره، ولكن المكان عند التقاطع قد عمر، ودبت فيه الأرجل وحفل بالعشش التي كانت إحداها قد ~~بدأت تتحول إلى بناء ذي سقف وأبواب. لومضة عابرة أحس بكل هذا، غير أنه أفاق تماما من ~~ذهوله حاول أن يجري وأن يسأل، ومن السائقين والعابرين يستقصي، لا ليعرف مكانه البعيد، ~~وإنما على أمل، أن يعرف مكانه ليترك كشكه ويذهب خلفه، وإلى الآن لم يزل صميدة مؤمنا ~~وواثقا أن عم حسن لا بد حي يرزق، ناصبا عشته عند تقاطع ما في الطريق، ولا تزال ~~كلما مرت به عربة نقل، قبل أن يأخذ أرقامها ويرد تحية سائقها يسأله إن كان قد رأى أو ~~التقى بعم حسن، وبعضهم يقول إنه من سنة رآه وآخر من شهور، وإجابات كثيرة يظفر بها، مرة ~~يجده في دمنهور وأخرى في طريق البدرشين .. آه .. لو فقط يعثر له على مكان أكيد! # يناير 1965م ms110