######OpenITI# #META# URI: 1412YusufIdris.MadinatMalaika.Hindawi75730581 #META# Tags: arts #META# ID: 75730581 #META# Title: مدينة الملائكة #META# AuthorID: 95064085 #META# Author: يوسف إدريس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مدينة الملائكة‏ # افصلوني - أرجوكم - معه!‏ # الضحك حتى البكاء‏ # الخروج إلى الشمال‏ # إننا نختنق ... نختنق‏ # خطاب من راكبة أتوبيس‏ # فلنكتشف أنفسنا‏ # التليفزيون‏ # الشعب القوي هو الذي يغير‏ # وداعا أيها المجلس وإلى غير لقاء‏ # المندوب الغائب‏ # اللص ذو الأقدام الكبيرة‏ # عبقرية المعارف‏ # مركز الدائرة‏ # وذهبت للدعوة الغامضة‏ # أحفادك يا طه‏ # أجادير في عينيك‏ # رسالة من الجنادرية‏ # في ألمانيا‏ # مركب النقص ومركب العظمة‏ # المجتمعات الوسط‏ # مدينة الملائكة‏ # افصلوني - أرجوكم - معه!‏ # الضحك حتى البكاء‏ # الخروج إلى الشمال‏ # إننا نختنق ... نختنق‏ # خطاب من راكبة أتوبيس‏ # فلنكتشف أنفسنا‏ # التليفزيون‏ # الشعب القوي هو الذي يغير‏ # وداعا أيها المجلس وإلى غير لقاء‏ # المندوب الغائب‏ # اللص ذو الأقدام الكبيرة‏ # عبقرية المعارف‏ # مركز الدائرة‏ # وذهبت للدعوة الغامضة‏ # أحفادك يا طه‏ # أجادير في عينيك‏ # رسالة من الجنادرية‏ # في ألمانيا‏ # مركب النقص ومركب العظمة‏ # المجتمعات الوسط‏ # | مدينة الملائكة # | مدينة الملائكة # تأليف # يوسف إدريس # | مدينة الملائكة # في لحظة إحساس باللافاعلية والضيق بالصبر وانعدام الدور والجدوى؛ لحظة من تلك اللحظات ~~التي كثيرا ما تنتاب أيا منا أمام ما يتصوره وما يجده من عقبات هائلات كأنها جبال تفاهات ~~شامخة، دق جرس التليفون دقا دوليا في العاشرة مساء: ~~- ألو، صباح الخير (دهشت)، أقصد مساء الخير ... فلان؟! ~~- نعم، صباح الخير أو مساء الخير، أهلا وسهلا. ~~- أنا عفاف لطفي السيد ... الدكتورة عفاف لطفي السيد الأستاذة في جامعة لوس أنجلوس. ~~- أهلا وسهلا ... عفاف لطفي السيد؟ ~~- نعم. ~~- ابنة أستاذ الجيل؟ ~~- ابنته الروحية ولكن والدي كان سعيد لطفي السيد باشا شقيقه. ~~- أول رئيس للإذاعة المصرية؟ ~~- تماما. ~~- أهلا وسهلا، أهلا وسهلا. ~~- لقد كلفتني جامعة لوس أنجلوس بأن أعرض عليك أن تحضر إلى الجامعة كأستاذ كاتب زائر لمدة ~~ربع عام أو عام حسبما يسمح وقتك فما رأيك؟! # كان أول خاطر سريع أن أقبل فورا؛ ففي تلك اللحظة كنت مستعدا لتلبية أي نداء قدري ~~يأتيني ولو بالذهاب إلى واق الواق. # لقد كنت أحتار إذا سألني أحد السائلين عن هواياتي، كنت أفتش حياتي فلا أجد لي هواية واحدة ~~تصلح للذكر؛ فلا أنا رياضي ولا شطرنجي ms001 ولا إلى أي نشاط اجتماعي أنتمي. والانطواء أحب إلي ~~كثيرا من الجلوس في ناد، ولا أصطاد بالبندقية، وحظي في صيد السمك صفر. أخيرا جدا ~~اكتشفت أن كثرة حبي للسفر تعد هوايتي الحقيقية، والعام الماضي كله تقريبا قضيته على سفر: ~~دعوة لحضور مهرجان الشعر الشبابي في العراق، دعوة من الجمعية العربية السويدية لاستوكهلم، ~~دعوة من وزارة العلاقات الثقافية الخارجية لزيارة فرنسا، دعوة من هيئة «البروهيلفيسيا» ~~السويسرية (ما يقابل المجلس القومي للثقافة عندنا) لزيارة سويسرا، وكان رفيقي في الدعوة ~~صديقي وأستاذي الدكتور لويس عوض الذي لا أمل مداعبته، ولم أمل طوال الأسابيع الثلاثة ~~التي قضيناها في سويسرا ... وها هي الآن دعوة إلى كاليفورنيا ولوس أنجلوس وجامعة عتيدة مهيبة ~~اسمها # Ucla ~~. # ولكن انبثاقة الرغبة في التلبية سرعان ما توقفت؛ فقد رنت في أذني كلمة «أستاذ» ولو كان ~~زائرا للجامعة. # فكل الدعوات السابقة كانت دعوات ثقافية سياحية ومقابلات مع كتاب وفنانين ومثقفين وحضور ~~مؤتمرات. # تنحنحت وقلت: يا دكتورة عفاف ... تقولين أستاذا زائرا؟ ~~- نعم. ~~- ولكن أستاذ ماذا؟ أستاذ لتدريس الأدب العربي؟ ~~- شيء كهذا. ~~- ولكن هذا التدريس لم أجربه أبدا ولا أصلح له، لا أطيق أن أكون أستاذا أو أدرس ~~شيئا؛ فأنا كثير التغيير والتبديل في آرائي، والحقيقة عندي بالغة الصعوبة في الوصول إلى ~~مرحلة اليقين فيها، والأستاذ لا بد أن يكون قد «وصل» إلى ما يتصور أنه الحقيقة ليستطيع ~~أن «يعلمها» لغيره، ألا تعرفون هذا في جامعة لوس أنجلوس عني؟ أنا دكتور طبيب يا دكتورة ~~ولم أنل أية دكتوراه، وكنت قد تنازلت عن اللقب ككاتب وظللت ردحا طويلا أكتب اسمي فقط، إلى ~~أن عينني الأستاذ هيكل في الأهرام، ورأى أن يكتب اسمي مضافا إليه لقب دكتور، وهكذا ذهبت ~~مثلا، والتصق اللقب بي، وكأن نبوءة المرحوم الشاعر كامل الشناوي قد تحققت؛ إذ حين خلفت ~~ابني الأول والأكبر (سامح) ظللت طويلا حائرا في تسميته؛ فقد كنت أريد أن أسميه محمدا ~~وكانت أمه قد قرأت قصة لي اسمها «لعبة البيت» وبطلها طفل اسمه سامح، فأصرت على أن تسميه ms002 ~~«سامحا » حتى لا يغضب منا اللغويون؛ إذ إن العائلتين مليئتان باسم محمد، ويومها - وأنا ~~حائر في اختيار الاسم - قال المرحوم كامل الشناوي: اسمع يا يوسف، ما رأيك أن تسميه دكتور ~~(والمرحوم كان دائم التشهير بطبي ومتطببي) بحيث ستجبر الناس على أن يقولوا: «دكتور ~~يوسف إدريس» يقولونها لسامح وإن لم يقولوها لي. # طبعا لم أقل كل هذا للدكتورة عفاف؛ فهي تتكلم من مسافة لا تقل عن سبعة عشر ألف كيلو متر ~~والدقيقة بالشيء الفلاني، ولكن فكرت في كل هذا، وفي جملة لخصت لها الموقف: أنا لا أصلح ~~أستاذ أدب أو مدرسا لتلاميذ. # فوجئت بها تقول: ولكننا نعرف هذا ولهذا دعوناك. ~~- دعوتموني لهذا؟! ~~- نعم، لتعطينا وتعطي الخريجين المتخصصين وأعضاء تدريس الأدب العربي رؤيتك كمبدع في القصة ~~والمسرح. ~~- ولكن هناك في جامعات مصر أساتذة كبار يفيدونكم أكثر. ~~- في الحقيقة نحن نتبع نظاما أصبح معمولا به في أمريكا الآن، وهو دعوة الروائيين ~~والشعراء وكتاب القصة والمسرح كأساتذة زائرين يناقشهم الطلبة في أعمالهم ويقتربون من ~~المبدعين الخلاقين؛ لكي يثيروا فيهم حبهم للأدب والفن ويدخلوا تيارات غير أكاديمية على ~~عقولهم، بحيث لا تعود الجامعات أديرة مقفلة بعيدة عن الواقع العلمي أو الفني الحي؛ ولهذا ~~نحن نرحب بالكتاب ليقولوا هم نظرتهم الشخصية أو النقدية إلى عملية الخلق وإلى آرائهم في ~~النقد حتى في طريقة تدريس الفن أو الأدب ... # ورغم أن الكلام كان مقنعا جدا، إلا أن فكرة أستاذ وجامعة ودراسة ظلت تدور في عقلي ~~وتقترب من محيط الرفض حتى وأنا أقول لها: ولكن ثلاثة أشهر مدة طويلة. ~~- سوف تجد أنها ليست كذلك حين تأتي. ~~- إذن شكرا يا دكتورة على الدعوة ومبدئيا أنا أقبلها. ~~••• # سبع عشرة ساعة من الطيران المتواصل، 11 ساعة من القاهرة لنيويورك، وانتظار ساعتين ثم ست ~~ساعات للوصول إلى لوس أنجلوس. # برأس دار حول نصف الكرة الأرضية في رحلة متصلة وصلت «مدينة الملائكة»، (أنجلوس ~~بالإسباني تعني ملائكة)، وأنا بالكاد أدرك من أنا، وبدا لي المطار الكبير المتوهج بالأضواء ~~وبالسلالم وبالوجوه لوحة قد اختلطت وتداخلت، لوحة ms003 لا بد رسمها تجريدي مجنون، ولولا ~~أني لمحت وسطها وجها أعرفه جيدا هو زميلنا السابق في الأهرام الدكتور إبراهيم كروان عضو ~~مركز الدراسات بها أو هكذا خيل إلي؛ إذ كانت قد أضيفت إلى وجهه ذقن صغيرة أنيقة ~~جعلته يبدو وكأنه جزء من اللوحة يضيع في عدم اليقين. # ولكنه كان هو. # وكان الوقت متأخرا إذ كان صباح اليوم التالي قد أشرق في القاهرة، بل حل ظهره وليله ~~ويوشك فجر يوم جديد أن يأتي إن لم يكن قد جاء فعلا. # لم تكن تلك أول مرة أزور فيها لوس أنجلوس؛ فقد زرتها عام 1966، وكنت تلك المرة مدعوا من ~~قبل جامعة شيكاغو وقمت بجولة في أهم المدن الأمريكية. # ولكن هذه لوس أنجلوس أخرى تماما؛ عام 66 كانت مدينة متوسطة الكبر والمباني، وكانت تختلف ~~عن غيرها من المدن الأمريكية في خلوها من ناطحات السحاب المشهورة أو ندرتها، ولكن هذه ~~المدينة أصبحت غابة من ناطحات السحاب المهيبة، بل من مدينة واحدة تكاثرت مثل «أميبا» ~~عمرانية مخيفة الأبعاد، فأصبحت خمس (أو ربما ست) مدن تكاد مدينة بيفرلي هيلز (حيث هوليود) ~~تصبح أقلها أهمية. # فجأة وأفقت على الحقيقة، أنا في بلد غريب تماما، وكأن الدعوة كانت فرصة لكي أغمي عيني ~~وأقذف نفسي في سفرة أخرى، وها أنا ذا أفيق على حقيقة أني في مدينة رهيبة الغنى والأبعاد، ~~أقصر شارع فيها طوله سبعون كيلو مترا، وعربات بولسيها وإسعافها لا تكف عن النعيق، والعربات ~~الأمريكية الهائلة الحجم كثيرة كثيرة وصفوفا صفوفا، تدبر حمراء وتقبل بأنوار بيضاء ~~ساطعة، ماذا أتى بي يا ربي وماذا أفعل هنا، وماذا سأفعل في الجامعة غدا أو على الأصح بعد ~~أن تذهب عني «تولة» الرحلة؟! # أقول: أغمضت عيني وقذفت بنفسي في تلك السفرة لأسباب لا علاقة لها بأهمية الدعوة أو ~~الجامعة بقدر ما كانت أسبابا تتعلق بي شخصيا، كنت في الحقيقة أريد أن أخلد إلى نوع من ~~الانفراد بالنفس وتأمل طويل لا تقطعه علاقات أو نشاطات أو زيارات لحياتي؛ فمنذ عام 1958 ~~حين ارتبطت كتابتي بالصحافة ms004 وتركت الطب، هدهدت خواطري التي اعترضت على الفكرة بقولي لنفسي: ~~إنها مجرد فترة قصيرة جدا، أجرب فيها الكتابة للصحافة؛ إذ لا مناص لكاتب القصة القصيرة، ~~وحتى المسرح من الالتحاق بالصحافة إن آجلا أو عاجلا؛ فالقصة القصيرة الحديثة المكتوبة هي ~~الابنة الشرعية للصحافة، لولا الصحافة ما وجدت، فكاتب القصة القصيرة لا يستطيع أن يصدر ~~كتابا في كل مرة يكتب فيها قصة قصيرة، لا بد أن ينشرها في مجلة أو جريدة ثم يجمعها - أو ~~لا يجمعها - في كتاب بعد ذلك، والمسألة في العادة تبدأ بنية نشر القصص القصيرة ثم يبدأ ~~الكاتب ينزلق إلى كتابة خاطرة، ثم اقتراحا، ثم صورة قلمية، وفي النهاية يجد نفسه منغمسا ~~تماما في دور الكاتب الصحفي؛ ذلك أن الصحافة تحمل الكاتب حملا إلى مشاكل الناس، مشاكل ~~الاقتصاد والثقافة والسياسة والتعليم والإسكان والمواصلات، وحتى الحب يصل أيضا إلى مشاكله، ~~وليس إلى قصصه فقط. # وأفقت لأجد نفسي قد قضيت أكثر من ربع قرن كتبت أثناءها أكثر من ثلاثة آلاف موضوع صحفي، ~~وهو كم يعادل ما كتبته فنا عدة مرات، وقبل أن أشرع في رحلتي الأخيرة تلك كنت قد انتهيت ~~من مراجعة كثير من هذه المقالات وتنسيقها في أربعة كتب صدر بعضها ولا يزال الآخر في انتظار ~~الصدور، وحين راجعت هذا العدد المهول من المقالات اكتشفت أني ما تركت مشكلة من مشاكل الشعب ~~المصري أو العربي إلا وكتبت عنها ونبهت إليها، حتى تجريف الأرض الزراعية كتبت عنه منذ خمس ~~سنوات بعنوان: الذين يأكلون أمهم (أي الأرض)، ومن مشاكل تلوث البيئة إلى مشاكل السياسة ~~والسياسيين والتلوث الثقافي والتعليمي والتربوي، حتى الانفجار السكاني كتبت عنه في ~~الخمسينيات. # وهنا استوقفني سؤال مفجع: دعك من الأصدقاء النقاد وكاتبي المقالات الصحفية الذين ~~سلخوني طوال السبعينيات حول نهايتي ككاتب فن «وهروبي» إلى الكتابة الصحفية؛ فهؤلاء كنت ~~أجيبهم بقولي: إن نهاية الأرب في فهم الأدب هي أن يبادر الكاتب وينشئ شيئا من أجل الآخرين، ~~فإذا شب حريق في دار إخوانه الآخرين هؤلاء، أيترك الناس تحرق البيت والآخرين وينزوي ms005 في ركن ~~يكتب عما حدث قصة أو رواية أو مسرحية، أو يتصرف كالرجال ويشمر عن ساعده وبكل ما يملك ~~يساعد فورا في إطفاء الحريق، وبعد هذا يكتب القصة أو لا يكتبها؟ هذا شيء غير مهم بالمرة؛ ~~فالكاتب ليس صانعا ماهرا لكراس مذهبة أو كراسي مقاه ليس حرفي قصة ورواية ومسرحية. ~~الكاتب روحه معلقة بروح شعبه، في مشنقة واحدة أو في باقة حرية واحدة. الكاتب هو «أول» من ~~يبادر وآخر من ينكص. الكاتب ظاهرة اجتماعية بيولوجية قبل أن يكون ظاهرة فردية هدفها ذاتي ~~محض، أن يكون أكثر أهل صنعته إتقانا لحرفته أو أكثرهم امتيازا على أقرانه. # مئات المقالات قرأتها وأنا أراجع الكتب الأربعة والسؤال المفجع يقف كاللقمة في زور ~~الواقع، وماذا صنعت تلك المقالات؟! # لا بد أنها صنعت شيئا، كثيرا أو قليلا، غير مهم؛ فصدى الصنع أجده في كل مكان أذهب ~~إليه، وصحيح أنها غيرت في تفكير كثيرين، ولكن هل غيرت حقا في الواقع؟ هل حلت فعلا ~~مشاكل؟ هل أخذت بها أي حكومة أو حتى أي مصلحة؟! # ذلك أمر أترك الحكم عليه للناس وللتاريخ ... # ولكني ككاتب لا بد أن أراجع دوري الآن. # فلقد كنت أكتب في السبعينيات في فترة اتسمت بغياب - معظم الوقت - للمعارضة وللرأي الآخر ~~السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي، والآن ومنذ نهاية عام 81 ونحن في حقبة أخرى، هناك ~~أحزاب معارضة، تعارض حتى رئيس الجمهورية في قراراته، وهناك صحف معارضة مقالاتها وكتابها ~~السياسيون والثقافيون والعلميون أعلى صوتا من أعلى الأصوات التي تكتب الرأي الآخر فيما ~~يسمى بالصحف القومية. # هناك إذن حياة حزبية شبه كاملة، ودور «قائم مقام» المعارضة أصبح على رأي لطفي السيد في ~~معاهدة 36 «غير ذي موضوع» بعد أن قامت المعارضة القوية الشرعية، والتفكير السليم يدعو كلا ~~منا لأن يعود إلى تخصصه واختصاصه، وأعظم ما أستطيع أن أفعله الآن أن أنتج قصة ومسرحية ~~وفنا وفكرا - بالطبع غير منعزل عن الحياة العامة - بل بتعمقها، ويضيف بعدا وجدانيا ~~إلى مقالاتنا وخطبنا وتصريحاتنا العقلانية. هذا أوان الكاتب والكتاب؛ فالضجة القائمة في ms006 ~~صحافتنا عربية ومصرية شديدة العلو - ولا نرى طحنا - وشعبنا حاجته ماسة إلى إبداع فني حقيقي ~~«يكنس» العناكب والعقارب والثعالب والفئران النرويجي التي تكالبت على ضمائر الناس تنهشها ~~وتزلزل قيمها. إن الفن الحقيقي هو الدفاع عن الضمير المصري والعربي، وضمائرنا لم تكن في ~~حاجة إلى دفاع عنها بقدر ما هي في حاجة إليه الآن. # وليس بالفن وحده ندافع عن ضمائرنا، ولكن بالكتابة الحقيقية الصادقة الصادرة عن تجرد ~~كامل وعن غيرية كاملة، وليس كما هو حادث الآن مع كثير من أصحاب الأعمدة اليومية الثابتة ~~التي أحالوها إلى قطاع خاص في أحيان كثيرة لأهداف خاصة جدا، والكتابة في الفاضي والمليان ~~لا لهدف إلا لتثبيت ملكية «العمود وإثبات وضع اليد». لقد أطلعت وأطلع على الصحافة في ~~العالم كله بطوله وعرضه وشرقه وغربه ولم أجد هذا النظام الغريب الذي تنفرد به الصحافة ~~المصرية والعربية؛ نظام العمود الثابت لسبعة أو عشرة، أو أحيانا كتاب أكثر، يكتبون كل يوم ~~ولا يقولون شيئا بالمرة، أو يقولون الشيء نفسه كل يوم، كل يوم، والغريب أن معظمهم لا ~~يتمتعون بآراء قيمة وقدرة دائبة في البحث عن الحقيقة وثقافة عميقة تتيح لهم معرفة ~~موسوعية، بحيث يعالجون الأشياء التي يكتبونها بعمق ومن خلال وجهة نظر جديدة ومبتكرة ومحددة، ~~ولكنهم في مجموعهم يشكلون آراء شائعة لا جديد فيها ولا ابتكار، غالبا ما تكون قشرية أو ~~أحيانا غوغائية، وفي أكثر الأحيان تميل إلى المحافظة وتملق الرأي الشائع أو المودة ~~السارية، في حين أن كاتبا يستطيع أن يكتب رأيا يوميا لا بد أن يكون قائدا فكريا ~~أكثر خطورة بكثير من مارلو أو سارتر أو الحكيم بوذا أو حتى - بموسوعيته - العقاد. # والنتيجة ضجيج غريب، تضيع فيه الأصوات المفكرة الدارسة وتفقد الكتابة الصحفية نفسها ~~أهميتها وتصبح كالطنين على الأذن، أشياء تدعو للنعاس. ~~••• # أغمضت عيني وقذفت بنفسي في آخر مدينة على غرب الدنيا، وفي نيتي أن أعتزل العالم ثلاثة ~~أشهر كاملة، لعل ذرات الرمال الناعمة تذهب عن عيني، وتتضح الرؤية، والضجيج الذي يملأ آذاني ~~ويسد مسام عقلي وتفكيري ms007 يكف؛ فأستطيع أن أسمع صوتي الداخلي وأتلمس نوع وطبيعة ما أريد ~~حقيقة أن أقوله وأفعله. # ولكني كنت أحلم. # فمدينة الملائكة التي ذهبت إليها كانت تحفل بضجيج لم أكن أتصوره وبأصوات صاروخية هذه ~~المرة لا تعيق السمع ولكن تصم الآذان فعلا، وكانت تجربة. # ويا لها من تجربة! # | افصلوني - أرجوكم - معه! # بعد التحية # مقدمه لسيادتكم الطالب محمد حامد الحمامي، ~~أمين اللجنة الثقافية باتحاد المعهد الفني للفنادق ببورسعيد # أما بعد، فأنا آسف إذ أبلغك بأنني فصلت من المعهد بسبب اتباعي لرأي سيادتك، سامحك ~~الله يا دكتور يوسف؛ فأنت السبب في فصلي من المعهد؛ فقد قرأت مقالك أو مفكرتك التي ~~تنشرها كل يوم اثنين في جريدة الأهرام، والتي كانت تتناول إيقاظ الهمة لدى الرأي العام ~~المصري بالطريقة الشرعية لمساندة الانتفاضة الفلسطينية في الضفة وقطاع غزة، وقد ناشدت ~~في هذا المقال كل التجمعات السياسية والعمالية والطلابية بأن تتحرك لدعم الانتفاضة، ~~وبالذات ناشدت الاتحادات الطلابية في الجامعات والمدارس والمعاهد بأن ترسل برقيات إلى ~~الحكومة الإسرائيلية وإلى سكرتير عام الأمم المتحدة ومجلس الأمن وإلى كل الجهات المعنية ~~تندد بأساليب القمع الدموي التي يتبعها المغتصبون الصهيونيون في الأرض المحتلة. # وما كان مني إلا أن حاولت أن أساهم في هذا الاحتجاج بطريقتي الخاصة المشروعة بأن أقيم ~~معرضا عن الانتفاضة، وذلك بصور ومجلات حائط لتوضيح مدى رجولة الشعب الفلسطيني في ~~مقاومة الاحتلال وتوضيح كفاح الشعب العربي ضد إسرائيل، وما كان مني إلا أن عرضت الأمر ~~على السيد رائد الاتحاد فوافق على إحضار الصور، وعندما أحضرتها وشاهدها رأى ضرورة ~~موافقة السيد عميد المعهد، برغم أن السيد المسئول عن رعاية الشباب قد تحمس لي وشجعني ~~على المضي قدما في نشر ذلك، وما كان مني إلا أن عرضت الأمر برمته على السيد ~~العميد فأبدى استعداده بالموافقة على إقامة المعرض، ولكنه قال لي: أمهلني إلى الغد. ~~فلما جاء الغد فوجئت بدلا من الموافقة بأن مباحث أمن الدولة في بورسعيد تستدعيني ~~وتحقق معي بأسلوب وطريقة كأنني قمت بعمل إجرامي ضد الدولة، هذا: وناهيك عن مصادرة ms008 كل ~~الصور والمجلات، وعند عودتي الى المعهد حاولت الاستفسار عن سبب هذا كله، ولكن المفاجأة ~~الكبرى أنني وجدت أن قرارا بفصلي من المعهد قد صدر، وصدر في أحرج وقت؛ لأنه لم يبق ~~على امتحاني سوى شهر واحد، وذلك تحت زعم أنني حاولت إثارة شغب وبلبلة بين صفوف الطلاب ~~بإقامة هذا المعرض. بالله عليكم هل نحن عرب أم ماذا، وهل يرضيك ما حدث؟ # محمد حامد الحمامي # أمين اللجنة الثقافية بالمعهد الفني للفنادق ~~ببورسعيد # ما كدت أعثر على هذا الخطاب بين أكوام رسائل القراء حتى اكتفيت به وبلغ بي الغيظ حد ~~الكف عن قراءة بقية الرسائل، وأعود إلى منزلي في حالة ثورة عارمة. # فخلال الأعوام القليلة الماضية، تلك التي استشرى فيها التطرف بين الجماعات الدينية ~~واليسارية، والتي أخذنا فيها نحن الكتاب وأولي الرأي في هذا البلد على عاتقنا مهمة أن نفهم ~~الشباب أنه لا العنف ولا الإرهاب ولا الالتحام بقوات الشرطة والخروج في مظاهرات تتعدى الحرم ~~الجامعي حيث يختلط الحابل بالنابل وتسود الفوضى، كان أقصى ما نطمح إليه أن يتعلم الشباب ~~الجامعي الوسائل الشرعية للتعبير عن الرأي، مثل عقد المؤتمرات داخل مدرجات الكلية، وتحرير ~~برقيات ورسائل الاحتجاج إلى المسئولين أو غير المسئولين قائلين فيها رأيهم بصراحة ~~ووضوح. # سنوات وسنوات ونحن نفعل هذا، وحين كتبت منذ بضعة أسابيع أطالب الرأي العام المصري بأن ~~يظهر احتجاجه على مذابح إطلاق الرصاص وتكسير الأيدي والضرب، تلك التي يستعملها الجيش ~~الإسرائيلي بأوامر من شامير وحكومة الليكود، حين فعلت هذا كنت أحاول أن أناشد الشباب ~~والمؤسسات الشعبية والنقابية أن تظهر احتجاجها بالطريقة الشرعية التي تطالبنا دائما بها ~~الحكومة والمسئولون السياسيون؛ ولهذا فإذا كان هذا التعبير بالطريقة الشرعية جريمة فلا ~~بد أنني أنا - وليس أحد غيري - هو المتهم الأول والمحرض فيها، وقد يقول البعض إن ما جاء ~~بالخطاب غير صحيح، ولكني أستبعد هذا الاحتمال؛ إذ قد أرسله الطالب باسمه وعنوانه، ويعني هذا ~~أنه مسئول تماما عن خطابه وأقواله، ولهذا فأن يتفضل عميد معهد الفنادق بإبلاغ مباحث أمن ~~الدولة ضد ms009 هذا الطالب الذي ذهب يأخذ منه الإذن بتعليق الصور بعدما وافق على مشروعه رائد ~~الاتحاد ومسئول رعاية الشباب، ولم يعترض العميد وإنما طلب استمهاله يوما واحدا، ذلك اليوم ~~الذي أسرع فيه إلى إبلاغ مباحث أمن الدولة عن الجريمة البشعة التي يعتزم الطالب القيام بها، ~~نفس الجريمة التي يرتكبها تليفزيوننا كل يوم، وفي كل نشرة أخبار وترتكبها صحافتنا وارتكبتها ~~أنا ككاتب وغيري من عشرات الكتاب، أما أن يحدث هذا فإن الأمر يشكل جريمة كبرى في حق الشعب ~~المصري، بل أقولها علانية في حق الحكومة المصرية والرئيس محمد حسني مبارك. # فأولا: # كيف يخدع العميد تلميذه، وقد كان ممكنا أن يعترض ويرفض، إنما الذي طالبه ~~هو تأجيل للغد، وما هو بتأجيل إنما هي وسيلة غير كريمة لتبليغ مباحث أمن ~~الدولة من خلف ظهر الطالب المسكين الذي وثق في عميده، ومشى منذ البداية على ~~خط مستقيم مشروع، وقد كان باستطاعة العميد أن يرفض عرض الصور والمجلة، وهذا ~~هو حقه، رفضا شجاعا مباشرا، أما أن يتظاهر بالموافقة ثم يبلغ مباحث أمن ~~الدولة فهنا نضع أيدينا على بعض العمداء والمديرين الذين تركوا الإشراف ~~العلمي جانبا وأصبحوا ممثلين لأمن الدولة ووزارة الداخلية، ليس بناء على ~~توجيهات وزير التعليم ولا استجابة لأوامر وزارة الداخلية، وإنما هكذا ~~يجندون أنفسهم متطوعين لتلفيق التهم لأولادنا ولفلذة أكبادنا؛ أملا في أن ~~ينالوا الحفاوة، لدى من؟ لست أدري. # وثانيا: # ما هذه العلاقة المريبة بين بعض المسئولين في الجامعات والمعاهد وبين ~~مباحث أمن الدولة عن طريق الحرس الجامعي أو غيره. إن العميد كان يختار في ~~السابق على أساس مقدرته العلمية وبانتخاب أعضاء مجلس الكلية ليزاول وظيفة ~~تعليمية سامية، ألا وهي رياسة معهد أو كلية أو جامعة ... فهل تبدل الحال ~~وأصبحت قدرة العميد تقاس بمقدار ولائه لأمن الدولة ووزارة ~~الداخلية؟ # ثالثا: # هذا طالب قارئ قرأ رأيا لكاتب، واتبع كما أراد الكاتب الطريق العلني ~~المشروع، فكانت النتيجة أنه فصل قبل الامتحان بشهر، أنا أعرف والقانون ~~يعرف (قانون الجامعات) أنه لا يمكن فصل طالب إلا بعد تقديمه ms010 لمجلس تأديب في ~~معهده أو جامعته ، وإدانة مجلس التأديب له، أما أن يفصل طالب دون محاكمة أو ~~تأديب، وإنما بمجرد الاتصال بمباحث أمن الدولة فهو شيء جديد حقا؛ جديد ~~على التقاليد الجامعية، وجديد على الحكم في مصر. والأهم منه أنه يحدث الآن ~~في عصر نقول فيه كلنا ابتداء من رئيس الجمهورية إلى أصغر محرر في جريدة ~~معارضة إن الديمقراطية هي دعامتنا الأولى لحكم الشعب، وإن وسائل القهر ~~والكبت والحجر على الرأي انتهت من بلادنا تماما وذهبت إلى غير ~~رجعة. # أما إذا كان العميد - المباحث - يرى أن عرض صور للمذابح الإسرائيلية ضد ~~الفلسطينيين في الأرض المحتلة وإسرائيل هو عمل ضد الحكومة وضد الحكم وجريمة ~~يستحق عليها الطالب الفصل من معهده فإني لأتعجب! فإذا كان الأمر جريمة فأنا ~~الذي كتبت في الأهرام وأنا الذي حرضت على ارتكاب تلك «الجريمة»؛ وبالتالي ~~أنا أول من يستحق العقاب، فلماذا لم يطالب سيادة العميد بفصلي أنا وحرماني ~~من الكتابة، ولماذا لم تفعل مباحث أمن الدولة هذا؟ # إنها ليست فقط مهزلة، ولكنها وقد علمت بها من خطاب الطالب المستغيث بي، ~~ومحملني - وعنده تمام الحق - المسئولية عن فصله، لأهيب بالدكتور أحمد فتحي ~~سرور وزير التعليم أن يطلب معاقبتي أنا أولا وعنده مجلس الشورى مالك الصحف ~~بما فيها الأهرام، وعنده رئيسه الدكتور علي لطفي الذي هو في الوقت نفسه ~~رئيس المجلس الأعلى للصحافة الذي يملك حق فصلي؛ فأنا الجاني في الأصل ~~والمحرض، وما الطالب سوى ضحية بريئة لما كتبت، ولأنني لا أعرف بالضبط الجهة ~~التي فصلت الطالب، فإنني أطالب نفس الجهة الغامضة التي تولت هذا العمل ~~المشين أن تفصلني أنا أولا، أم لأنه هو طالب، مجرد طالب، وأنا كاتب، تطبق ~~عليه هو الإجراءات الشاذة، ولا تطبق علي؟ # رابعا: # نأتي للموضوع نفسه، هل الاحتجاج بطريقة شرعية قانونية على الاعتداء ~~الوحشي الواقع على إخوتنا وأشقائنا الفلسطينيين جريمة تستحق العقاب؟ # إذا كانت بعض الجهات الرسمية لمباحث أمن الدولة أو وزارة التعليم ترى في الأمر جريمة؛ ~~فالحقيقة أن آخر المتهمين فيها هو ذلك ms011 الطالب المسكين، وإذا كنت أنا المحرض ، فإن المتهم ~~الأول لا بد أن يكون الرئيس محمد حسني مبارك الذي كان أول من احتج على تلك الأعمال ~~الإجرامية وأول من أدان حكومة الليكود ورئيسها المتعصب إسحق شامير، ويأتي بعد هذا السيد ~~صفوت الشريف وزير الإعلام والمسئول عن الإذاعة وتعليقاتها وعن التليفزيون وصور التوحش ~~اللاإنساني التي نراها في كل نشرة أخبار، ثم كل رؤساء تحرير الصحف القومية وصحف المعارضة ~~تلك التي أدانت جميعها هذا العدوان الصارخ، والتي طالبت الشعب بالاحتجاج على هذا المنكر ~~بأقل أنواع دفع المنكر باللسان والصورة والكلمة. # إذن لا بد أيضا لوزير التربية ورئيس مباحث أمن الدولة أن يبادر بفصل رئيس الجمهورية ~~وكل الكتاب ورؤساء التحرير، لا بد من فعل كل هذا قبل أن تمس شعرة واحدة من شعرات الطالب ~~محمد حامد الحمامي؛ فهم الفاعلون الأصليون المتآمرون الذين يحرضون الناس ضد القمع ~~الإسرائيلي. # أقسم أني من لحظة أن تسلمت هذا الخطاب وأنا في حيرة من أمري، هل هناك حكومتان في مصر، ~~واحدة يرأسها حسني مبارك تقف ضد العدوان الإسرائيلي الغاشم، وحكومة ثانية سرية لا يعرف أحد ~~بالضبط هويتها، ولا يملك الإمساك بمسئوليتها، حكومة موالية تماما لإسرائيل، وتأخذ أوامرها ~~منها، وتعذب وتضرب وتفصل كل من تسول له نفسه أن يحتج على القمع الإسرائيلي، فإن هذا يعد ~~في نظر تلك الحكومة السرية خروجا على الخط وجريمة في حق المتعاونين مع إسرائيل؟ # والغريب في الأمر أني حين أمعنت النظر، وجدت أن قرارات وأحكام تلك الحكومة السرية الثانية ~~هي التي تنفذ حين يجد الجد، وهي المالكة لزمام الأمور، وكأنها الحكومة الفعلية الماسكة ~~بزمام الأمور، وكأن الحكومة الأخرى حكومة كلام وأقوال همها إلهاء المواطنين ليس إلا. ~~••• # وبعد؛ # إني لا أريد فتح باب النقد لحكومتنا الشرعية والتي أعتقد أنها لا تزال شرعية؛ فالملاحظ ~~من حادثة الاعتداء على عضو مجلس الشعب، ومن مد قانون الطوارئ لثلاث سنوات أخرى تبدأ من ~~أبريل القادم - ثلاث سنوات - يا للهول، ولماذا لا تمد كل ثلاثة أشهر أو حتى كل ستة أشهر، ms012 ~~لماذا نحكم على مستقبل مصر خلال السنوات الثلاث القادمة بالتكبيل وبفرض حالة الحرب على ~~الناس، دون حرب، بل في الواقع بإخماد أي صوت يرتفع ضد علاقتنا بإسرائيل، شيء لم يحدث في ~~تاريخ العالم قط؛ فديمقراطيتنا التي لا تزال ينقصها الكثير كانت تحتاج منا إلى فتح أكثر ~~لباب الحرية، حتى إذا انتهت فترة الأحكام العرفية نجد شعبا منظما قد تعود على احترام ~~الرأي والرأي الآخر، أم أننا سيحكم علينا بأن نظل أطفالا غير مسئولين إلى الأبد؟ # الاعتداء على النائب ومد الأحكام العرفية لستة وثلاثين شهرا كاملة، وإرغام آلاف الفنانين ~~في مصر على إجراء انتخابات حسب القانون المشبوه الجديد «ورجلهم فوق رقبتهم» ثم تدليل شركات ~~توظيف الأموال وإلغاء المسئولية الوزارية، وترك أعضاء مجلس الشعب وترك الوزراء كأفراد ~~يواجهون الأعضاء وحدهم فرادى، وكأنه لا توجد هناك وزارة ورئيس وزراء ومسئولية سياسية بقيادة ~~رئيس الوزراء باعتباره المسئول الأول عن أن أي خطأ أو انحراف أو رأي شخصي يجتهد به ~~وزير. # حالة أحسست معها، وأنا أحمل خطاب الطالب المفصول فصلا تعسفيا، لا بد أن يكون محل ~~تحقيق تعلن نتيجته ويعلن اسم ووظيفة فاعله على الملأ، حالة أحسست معها أن سياسة الدولة قد ~~أخذت - وتصبح حكومة يمين صريح لا يخجل من نفسه وأنها ماضية في سياستها تلك؛ تصم آذانها عن ~~صرخات الشعب ورأيه وكأنه غير موجود، ولولا أنني سمعت تصريحات الرئيس المبارك ضد الحكومة ~~الإسرائيلية وتلويحها بالقيام بتدمير صواريخ الدفاع التي اشترتها المملكة السعودية من الصين ~~وقوله: إن أي اعتداء على أي جزء من الجزيرة العربية يعتبر بمثابة اعتداء على الأرض المصرية ~~نفسها. بما معناه أن مصر ستتصدى لهذا الاعتداء بكل ما تملك من قوة، ثم كلماته التي تحمل ~~الرد المفحم على المتعصب شامير وقائد قواته رابين، إنه إذا حدث شيء كهذا فإن معناه نسف جهود ~~وحالة السلام في المنطقة بأسرها، ونسف السلام يعني العودة للحرب، لولا أن جاءني صوت ~~الرئيس مبارك يعلن موقف مصر الحرة التي عانت طويلا من تعنت إسرائيل وعانت أكثر من تحيز ms013 ~~الولايات المتحدة لأي سياسة عدوانية إسرائيلية ، جاءتني تلك التصريحات فأفاقتني من هول ما ~~كنت فيه، مثلما النشادر في الإنسان الموشك على الإغماء غما وغيظا وانعدام أية وسيلة حتى ~~للصراخ أو الاحتجاج. # لتفهم الحكومة الإسرائيلية ولتفهم إدارة ريجان أنه مهما بلغ نقدنا لحكومتنا فإننا إزاء ما ~~يقترفون من جرائم قد بلغ غيظنا أطراف أنوفنا، ولولا ثقتنا في ضخامة ما تواجهه دولتنا من ~~صعوبات وأهوال خارجية هم القائمون بها لانفجر شعبنا عن بكرة أبيه عنفا واحتجاجا؛ إذ لم ~~يعد في قوس الصبر منزع، ومستودع المتفجرات داخلنا يكفيه خطوة، مجرد خطوة واحدة، وفعل إجرامي ~~واحد تقترفه حكومة شامير بدعم من الولايات المتحدة، يكفيه خطوة حتى ينفجر أعتى وأقوى ~~انفجار. # وعلى الباغي تدور الدوائر! # لقد تبخرت كل أحلامنا في «علاقة خاصة» مع أمريكا، وكل ما كان يأمل فيه الرئيس السادات من ~~ربطنا بالعجلة الأمريكية والإسرائيلية أثبتت السنوات والتجارب أنه جاءنا بالعكس تماما، وأن ~~رفضنا وغيظنا من السياسة الإسرائيلية الأمريكية قاطع ومستعدون معه أن نشعلها جحيما، فخير ~~لنا أن نتحمل التعذيب المتواصل الطويل على أيدي تلك العصابة الدولية التي ليس لها من عمل ~~سوى قهر الشعب وبالذات قهر الشعب العربي وإلجائه إلى الزحف على البطون والتماس الرأفة من ~~مجرمين لا ذرة رحمة في قلوبهم. # أما أنت يا صديقي محمد حامد الحمامي فإني إن شاء الله متبن قضيتك إلى أن يفصلوني معك، ~~بل وليفعلوا بي ما هو أكثر، أو إلى أن يصدروا حكما ببراءتك وتلحق امتحانك، فكلنا معك، وإذا ~~كان لنا رأي كما لا بد لأي كائن حي أن يكون له رأي، فنحن والله حائرون؛ فإذا احتججنا ~~بفوضى سجنونا بتهمة إثارة الشعب والشغب، وإذا حاولنا إبداء الرأي بطريقة شرعية متمدينة ~~فصلونا بتهمة الإثارة والتحريض، ومعنى هذا أن الحكومة السرية الغامضة تريد منا أن نحيا ~~كقطيع الخرفان، لا ننطق ببنت شفة، نمشي وراء الكباش الخفية هادئين مساقين، ويكفينا أن لنا ~~الحرية في السير خلفها كما تسير القطعان، قطعان لا تفعل إلا أن تشرب وتأكل - هذا إذا وجد ms014 ~~الطعا م أو الشراب - ونقبل أيدينا ظهرا لبطن على نعمة الوجود مجرد الوجود، كائنات بلا رأي ~~وبلا أي حق في إبداء الرأي. # إنني والله لا أصدق أننا نعيش فعلا في القرن العشرين، وإننا استعدنا لإنساننا حقه ~~وحريته، أهو كابوس مزعج ما نحن فيه؟ # أم أننا على شفا بداية جديدة لعهد جديد؟ # | الضحك حتى البكاء # حين اتصل بي صديقي الفنان عادل إمام يدعوني للانضمام لجهود اللجنة الفنية التي أنشئت ~~لدعم الانتفاضة الفلسطينية الأخيرة، والتي اقترح عادل إمام إقامة حفل كبير يخصص دخله لدعم ~~الانتفاضة. # حين حدث الاتصال التليفوني ووضعت السماعة وجدت نفسي أضحك كما لم أضحك في حياتي، فصوت عادل ~~إمام وملامحه ومجرد تصوري له يضحكني، فما بالك إذا تحدث؟ إنه ينثر السخرية والابتسامات ~~بتلقائية غريبة وضعها الله فيه كما وضع في الياسمين رائحته وفي الكروان حلاوة صوته، ولكن ~~هذه المرة لم أكن أضحك من عادل إمام، كنت أضحك في الحقيقة فيما آلت إليه أحوال ما كان يسمى ~~بالرأي العام المصري عندنا، لقد كنا خلال القرنين الأخيرين منشغلين بكل قضايا العالم من ~~معارك روسيا مع اليابان تلك التي ألف فيها شاعرنا الكبير حافظ إبراهيم قصيدة مطولة، إلى أقل ~~شرخ يحدث في مئذنة أحد مساجد استامبول، وطوال خمسين عاما نحن مشغولون بالقضية العربية إلى ~~درجة الالتحام المسلح والقتال، فماذا بالضبط حدث لنا؟ إنني متأكد وأعرف أن كل مصري ومصرية ~~ينتفض جسده غضبا وغيظا مما تفعله حكومة الاحتلال الإسرائيلي بسكان قطاع غزة والضفة، وأعلم ~~أن الجميع - حتى الأطفال - يستنزلون اللعنات على جنود الاحتلال كلما رأوا منظرا كهذا في ~~النشرة، مع أنها نشرة مخففة جدا بالقياس إلى نشرات الأخبار في التليفزيون البريطاني (الذي ~~يملك اليهود نفوذا كبيرا فيه) والأمريكي الذي يملكونه كله. # وأتطلع أنا إلى رد الفعل العام في مصر فلا أكاد أجد، حتى رد الفعل الوحيد الصادر عن نقابة ~~المحامين لم أقتنع به تمام الاقتناع؛ فهو مثل بعض الحكومات العربية لا يجد أمامه إلا ~~الحكومة المصرية يلومها ويعنفها ويوبخها ويتهمها بالخيانة ويطالبها بإلغاء ms015 وتجميد كامب ~~ديفيد، وكأن هذا الإلغاء هو الذي سيوقف تكسير وضرب وقتل الفلسطينيين في الضفة وغزة، ولقد ~~كانت كامب ديفيد كارثة، على الأقل في شقها الفلسطيني بكل معنى الكلمة، ولكنها عندي غير ~~مهمة بالمرة، إنما المهم أننا ربطنا فيها وفي العجلة الإسرائيلية علنا، أما ما حدث في ~~السر فقد كان أدهى؛ إذ قد ربطنا وكأنما للأبد بالعجلة الأمريكية الإسرائيلية أيضا، وأصبحت ~~اليد المصرية مشلولة تماما، أقصد اليد المصرية الرسمية، بل أصبحت محل سخط هذه الدوائر ~~الفاجرة الأغراض، وما محاولة إفشال رحلة الرئيس المصري إلى أمريكا بهذا الفتور الأمريكي ~~وتوريطه في مبادرة لم يقبلوها حتى هم أنفسهم، إلا مثل واحد على أنه لا الأمريكان ولا ~~الإسرائيليون يريدون لمصر أو لرئيسها أن يقوى، أو أن يعود يتزعم العرب كما هو الشيء الطبيعي ~~تماما، وإنما يريدون لمصر ولرئيسها أن تكون دائما مكسورة الإرادة والجناح؛ مجرد دولة ~~عربية أخرى مثلها مثل أصغر دولة عربية تعدادها ربع مليون، كيف ستحل هذه التبعية القومية ~~القمحية السلاحية النقدية، تلك هي القضية الكبرى والأولى إذا أردنا أن نعود لأن نكون أو ~~تنمحي صفحتنا من الوجود. # ولكني هنا لا أتحدث عن مصر الرسمية. # إنما أتحدث عن مصر الشعبية، مصر الرأي العام القوي، المسمع دائما للعالم صوته. # أين هو هذا الرأي العام؟ # كيف لا تصدر نقابة الصحفيين بيانا إلى كل نقابات الصحفيين في العالم كله تستنهضهم ضد هذه ~~الهجمة الهمجية الشرسة على إخواننا الفلسطينيين؟ # أين هو اتحاد الكتاب - وفي مصر والله العظيم تنظيم اسمه اتحاد الكتاب المصريين - أين ~~صوته؟ أين اتصالاته باتحادات الكتاب في العالم؟ أين موقفه حيال قضية وقع على شجبها ~~خمسمائة كاتب ومثقف فرنسي ونشرت في كبريات صحفه؟ أين هذا كله؟ # نقابة الأطباء، نقابة الصيادلة، نقابة الزراعيين والمهندسين والتجاريين والإداريين، كل ~~نقابات مصر، سواء على مستوى المصنع أو مستوى المؤسسة أو المستوى القومي العام. # إن النقابات هي القنوات الشرعية لإيصال صوت الشعب إلى الحكومة المحلية وإلى العالم كله، ~~فأين نقابات العمال، واتحاد عام العمال، أين جامعاتنا - باسم الله ms016 ما شاء الله عشر جامعات ~~أو تزيد - لكل منها اتحاد طلبة ونادي هيئة تدريس، ورئيس ومجلس، ومئات المئات من المدارس ~~الثانوية والفنية، لو أن ناظر كل مدرسة ومدرسيها وطلبتها أرسلوا برقية للأمين العام للأمم ~~المتحدة ولرئيس مجلس الأمن وللرئيس ريجان أو حتى لشامير يلعنون سياسته ويتوعدونه بالويل ~~والثبور، لو أن هذا قد حدث لارتجت أبدان استعمارية كثيرة ولارتعشت يد رابين وهو يوقع الأمر ~~بالضرب في المليان، ولكن شيئا من هذا لم يحدث. # ذلك لأننا شعب قد أمرضنا أنفسنا وتولوا هم إضافة الجرعات لمرضنا، أمرضنا أنفسنا حين فصلنا ~~بين الدين وبين الوطنية وحين أصبح الصراع يدور حول من المسلم وكيف يكون الإسلام، وكيف تكون ~~علاقة المسلمين بغير المسلمين ... إلى آخره. # وهذا كان أعظم ما يطمع إليه الطغاة والبغاة في كرتنا الأرضية، أن يلتهي المسلمون بفتنهم ~~الداخلية عن أن يواجهوا أعداء أي دين وكل دين، أولئك الذين لا ملة لهم ولا أمان، وحوش القرن ~~العشرين. # ثم جاءت أحزاب المعارضة حين تكونت الأحزاب لتوجه مدافعها الرشاشة والثقيلة إلى وزير ~~الداخلية وضباط وزارة الداخلية، ومع أنهم يستحقون النقد على بعض ما يقترفون، ولكن عدونا ليس ~~زكي بدر وليس أبو باشا ولا مكرم محمد أحمد، عدونا هو شامير وشارون وريجان الخاضع ورابين، ~~أولئك هم الذين كانوا يتوجب علينا أن نوجه لهم كل مدافعنا، فنحن لا نزال في مرحلة تحرر ~~وطني، وهم لا يزالون المستعمرين بلا جنود، ولكن بلقمة العيش وقطعة السلاح والدولار والسياح، ~~استعمار من نوع جديد غريب لم يرد في الكتب ولن تجده في المراجع، وإنما هو ذا أمامنا في ~~الحقيقة واضح وجلي وصريح ولا يحتاج إلا لذي نظر وبصر، ولكن أنظارنا مشغولة بالتفرقة بين ~~الدجاج الأبيض والبني، وبين الأجور والارتفاع الجنوني في الأسعار، وأزمة السكن وأزمة ~~المواصلات، وعمرنا، طوال عمرنا، نعاني من مشاكل الحياة، في طفولتي كنا نأكل اللحم مرة كل ~~شهر، ومع هذا كنا نقاوم ونحارب ونتظاهر ضد الاستعمار والاحتلال غير محتجين أبدا بالفقر أو ~~بالديون أو بالحاجة؛ فقد كانت روح مصر ms017 لا تزال حالة في جسدها ولا تزال تغذينا بموتور من ~~الطاقة الروحية على المقاومة. # ولست أعني باستصراخي للمدارس والجامعات والنقابات أن أدعو إلى مظاهرات تجأر وتملأ الشوارع ~~وتتيح الفرصة للمتربصين بها وبنا لكي يعيثوا فسادا في الأرض، إنما أدعو إلى مؤتمرات تعقد ~~في المعاهد العلمية والنقابات لها كل الجلال والخطورة، تناقض وضع إخواننا الفلسطينيين الذين ~~تتقطع لهم قلوب الناس في أمريكا نفسها وحتى في إسرائيل، مؤتمرات ليست موجهة ضد حكومتنا لكي ~~تشتبك في صراع داخلي لا يفيد أحدا، وإنما بإشراك رجال حرب الحكومة أنفسهم في تلك المؤتمرات ~~وبالاشتراك في تلك المعارك السياسية، حتما ستقل الفجوة، فجوة العداء إلى حد البطش من ناحية ~~والاستنكار الصارم من ناحية أخرى، وبتقليل تلك الفجوة يمكن فعلا أن نتحدث بعد هذا عن حوار ~~بين المعارضة والحكومة وعن حلول قومية حقا. # أما أن تتطوح مصر ال 52 مليونا ويحمل الفنان عادل إمام وحده ومن تلقاء نفسه ومعه مجموعة ~~صغيرة جدا من الفنانين عبء التعبير عن غضبة شعب مصري يبصق في وجهه دم كل يوم من قبل ~~أعدائه، ولا يصنع شيئا، فذلك هو ما جعلني أغرق في الضحك حتى البكاء. # قطعة من ضمير مصر الحي # من بين الخطابات الكثيرة، حين قرأت هذا الخطاب «طب» قلبي رعبا، أو فرحا أو شعورا ~~غامضا لم أحس به من قبل، لا أعرف، أخذت الخطاب وطبقته بعناية ومعه الظرف، وإلى أن ~~عدت إلى منزلي بعد ساعات طويلة كنت دائم الإحساس بوجود الخطاب في جيبي يتحول، من كلمات ~~غريبة وكأنها رسوم الآراميين على معابدهم، إلى ما يشبه التعويذة، إلى شيء دافئ حميم ~~وأنه قطعة من ضمير مصر تكورت داخل جيبي. # وقبل أي شيء آخر سأعرض لكم الخطاب، وكنت أفضل لو كنت طبعته بالزنكوغراف لتروا كيف ~~كتب، لولا علمي أن كثيرين منكم لن يستطيعوا فهمه ربما لرداءة الخط أو اللغة أو حتى ~~الهجاء؛ ولهذا آثرت أن أتعب نفسي في حل ألغازه، وأنشره، بنفس لغته. # الكاتب الحقاني يوسف إدريس # باكتب لحضرتك الجواب ده ومعلش أنا ms018 ابتدائية قديمة وبافهم كلامك في الجرنان ~~لأنه سهل وحقاني، وعلشان كده اسمع حكيتي (حكايتي)، بيقولوا مين شاف منكر لازم ~~يغيره بإيديه، ولو مقدرش بلسانه، ولو مقدرش بقلبه، وده أضعف الإيمان، مش كده؟ ~~طيب، أنا ممرضة وعندي بنتين بيشتغلوا في الشركة المصرية ... (لا تؤاخذوني لم أذكر ~~اسم الشركة لأني أخاف على صاحبة الخطاب من الانتقامات الجبانة) بنتين: ماجدة ~~متجوزة ومبسوطة والتانية لسه مخطوبة، واحنا ناس على أد حالنا ورأس مالنا جمال ~~البنات وشرفهم، وبعدين بنتي الصغيرة مرة جت تعيط وتقول بإن زميلتها اللي بتشتغل ~~في قسم الهندسة وأن مهندس كهربا فضل يعاكسها وهي تصده لغاية ما ضحك عليها وهي ~~متجوزة من مدة بسيطة، وأخدها يوصلها لبيتها لأنها سكرتيرة معاه وراح جنينة (...) ~~وهناك هجم عليها، وصدفة شفهم البوليس وهي بتصرخ وبقت قضية، البنت اترفدت ~~وطلقها جوزها، وهي كانت بتصرف على أمها لأنها يتيمة اتظلمت، أما اللي ضحك ~~عليها فإدارة الشركة نقلته لحتة تانية في المخازن وبعدين جه مدير عام صاحبه قوي ~~أول حاجة عملها أنه بالرشاوي والهدايا رجعه مدير زي ما كان، وعشان البنات ~~بيشتغلوا بعقد 6 شهور بس يتجدد لو وافق مدير عام الهندسة، الاثنين يستغلوا ~~الفرصة من غير ضمير مع البنات ضد الأصول والدين والقانون، وبعدين جه خطيب بنتي ~~وهو مهندس كبير بالمراكب، وكان غلبان زي حالنا وبعدين لقيته بيجيب هدايا بهبالة ~~وكتير قوي وبعدين اشترى عربية بلونور (بولونيز) قلت: منين الفلوس دي كلها؟ ضحك ~~وقال: شيلنى وأشيلك، فقلت: يعنى ايه، مخدرات؟ ضحك وقال: لا أنا باشتغل في ~~مراكب البحر الأحمر ومفتش هندسي (...) مريض بالفلوس، وكل حاجة النص بالنص وكل ~~الهدايا لما بطلبها بيكون جايبنها، وكل الإصلاحات أو أي حاجة عايز أشتريها من ~~بره وكله بثمنه. قلت له: مش فاهمة. قال: مدير عام الهندسة جاهز وبيوافق على ~~اللعب ما دام شيلني وأشيلك. فقلت: بس ده مال حرام ده مال حرام والمراكب والناس ~~اللي فيها ممكن يجرا لهم حاجة. ضحك وقال: هو حد حاسس أو شايف؟! ما هو المراكب ~~بتتعطل وأدي ms019 مركب الطقم محبوس في ألمانيا علشان الحاجات لما ركبوها كانت ~~خسرانة، والسرقات شغالة على ودنه، هو أنا بس؟! تعالي شوفي زمايلي عندهم عربات ~~وفلوس وعمارات زي الرز، والبركة في المدير الجديد. وحضرتك يا دكتور هل يرضيك ~~قلة الشرف والنصب ده وفين المباحث والوزير، أنا ح افك خطوبة بنتي لأن ده مال ~~حرامي بس ما اقدرش أخليها تسيب الشغل لأنها بتصرف علينا وأبوها ميت، بس هي ~~خايفة ليجبرها على الرذيلة أو يضحكوا عليها وتبقى فضيحة، أرجوك احمينا قبل ما ~~تقع الفاس في الراس، السلام. # الحاجة أم هاشم # بلوك المساكن الشعبية (...) # إني آسف أني أخفيت عن عمد بعض التفاصيل والأسماء، ولكن الخطاب عندي وتحت تصرف ~~السيد سليمان متولي وزير النقل والمواصلات. # ولكن حتى وزير النقل لن يستطيع حمايتك يا سيدتي؛ فالفساد قد استشرى في بعض القطاعات ~~إلى درجة يعجز أي وزير بشري عن إيقافه. # بل وأنا أرفع هذه الكلمة إلى الرئيس محمد حسني مبارك لا أرفعها نيابة عنك وإنما ~~أرفعها نيابة عن كل سكان البلوكات والعرب والقرى والشقق، عن كل الذين لم يدخلوا بعد ~~في «اللعبة»، عن الذين لا يزالون يصرون أن يعيشوا بشرف وفي شرف، عن الخائفين على ~~أولادهم وبناتهم من عصر قادم يأكل الناس فيه بعضهم بعضا ويتحولون إلى ذئاب بشرية لا ~~ترحم أحدا. # نعم الفساد يا سيادة الرئيس موجود بشكل ويأتي في الإدارة الحكومية والقطاع العام وحتى ~~الخاص، وهو فساد لست أنت صانعه، إنما بلاء حتى في ظل الثورة وحكم الرئيس جمال عبد ~~الناصر؛ فلقد سمعته مرة في خطاب عام يقول: إنني حينما أضع ميزانية لمشروع أعرف أن ~~10٪ على الأقل منه ستذهب سمسرة وسرقات. ولقد روعتني هذه الكلمات حقا أن يصرح رئيس ~~الجمهورية بأنه غير قادر على إيقاف السرقات، وأي رئيس جمهورية، وجاء عصر ما بعد عبد ~~الناصر لتزيد ال 10٪ أضعافا مضاعفة. # ولكن قلب مصر الحقيقي يا سيادة الرئيس لا يزال سليما وضميرها لم يدخله الغش بعد، ~~والحاجة أم هاشم ليست سوى قطعة مجهولة من ذلك الضمير الذي أعلم ms020 أنه موجود وأنه حي وأنه ~~قادر. نعم إن الخير لا يزال في مصر أكثر بكثير من الشر، كل ما في الأمر أن الخير ضعيف ~~جدا؛ لأنه خير الذين لا صوت لهم ولا مال، والشر عال مشهور؛ لأنه شر المزودين بالمال ~~والمشترين للذمم. تصور يا سيادة الرئيس أن المرأة القادرة الحديدية لا تزال تحيا في ~~مصر، وتذهب إلى أي سوبر ماركت وتشتري وينحني لها كل الموظفين، مع أنها مطلوب القبض ~~عليها ومقدمة للمحاكمة وهاربة؟ إنها تستطيع وقادرة أن تشتري حريتها حتى لو حكم عليها ~~بالسجن المؤبد لأنها تملك المليارات. # وفي خطبك يا سيادة الرئيس توجه نقدك اللاذع لصحف المعارضة، والمعارضة السياسية لبعض ~~خطواتك، ولكني أرجوك يا سيادة الرئيس، ولو من أجل أولادك الذين سيحيون في هذه الذات ~~المصرية، أن تري العين الحمراء مرة لهذا السرطان المستشري في الآلة الحاكمة المصرية، ~~أن تتحرك أجهزة التفتيش والقبض والتقديم للمحاكمة، أن يعاقب كل مختلس أو تعاقب ~~إدارة بنك أقرضت بغير مستندات، أن يحدث شيء، أي شيء، يوقف هذا الزحف الشيطاني ~~الكاسح. # وإلى أن يحدث هذا، فيا سيدتي الحاجة أم هاشم حسنا ما فعلت بفسخ خطبة ابنتك، وثقي ~~أنها لن تمس، بشعرة، ولو حدث، فسأحمل أنا بنفسي القضية إلى السيد وزير النقل وربما ~~إلى النائب العام. # | الخروج إلى الشمال # بلا سبب واضح أحسست أن روحي قد بلغت الحلقوم، ولا يتسرع القارئ ويتصور أنها حالة سببها ~~الأحوال العامة التي تجتاح مصر هذه الأيام، فأنا أعرف أنها أحوال عارضة تماما، وأن سببها ~~أيضا مثل السبب عندي يرجع إلى حالة من الزهقان الغريب، التي قد تدفع لأي تصرف، من إطلاق ~~الرصاص، إلى إطلاق السباب ومن الحكومة والمعارضة على حد سواء. # وليست هذه الحالة وليدة اليوم أو هذا الأسبوع، بل إنها كانت تنتابني وأنا في طريقي ~~للاجتماع الذي عقده الرئيس حسني مبارك مع الكتاب والإعلاميين، والحق أن الرئيس حسني مبارك ~~فاجأني، كما لا بد فاجأ الحاضرين جميعا، فيومها صباحا أو فجرا، كان خبر إطلاق الرصاص ~~على صديقنا العزيز مكرم ms021 محمد أحمد قد استفزنا جميعا، نحن الذين لا نملك سلاحا للدفاع أو ~~الهجوم إلا أقلام حبر متواضعة. وكنت أتصور أن الاجتماع سيكون محوره هو هذا الحادث الفريد في ~~تاريخ مصر، وأن الرئيس سيكون في روح معنوية مكتئبة لا بد. ولكن الرئيس بدأ كلامه معنا ~~وهو في روح معنوية عالية لدرجة أني وجدت نفسي أول الأمر في حالة استغراب كامل، وقلت: ربما ~~الرئيس يريد أن يزيح عن عيوننا ووعينا هذه السحابة الداكنة. ولكنه لم يكن يفعل هذا، كان ~~فعلا يتحدث حديث مصري ابن بلد، يرى المشاكل في حجمها الطبيعي أو حتى حجمها المصغر حتى يحس ~~أنه أكبر منها، ويرى المستقبل أكيدا وقادما، ومزدهرا ولا ريب فيه ولا شك. والحق أن حديثه ~~هذا عدانا فما لبثنا أن أجلنا انفعالنا بما وقع وانخرطنا في نقاش حول مشاكل مصر الكبرى معه. ~~ولقد تخيلت وأنا أستمع وأناقش أن هذا الرجل هو بالضبط ما تحتاجه مصر ليقودها في هذه الأيام، ~~حمدا لله أنه ليس في عصبية هذا أو عدوانية ذاك، وأن باله طويل طويل، وأعرف أن هناك مثلا ~~شعبيا يقول: طول العمر ينيل الأماني. ويبدو أن الأمر كذلك أيضا في مسألة طول البال، ~~فربما طول البال هو الذي سيضع الجسر الذي تعبر عليه مصر من أزماتها، ولكني - وأنا لا أستطيع ~~أن أمنع نفسي من هذه الصراحة - أحس أن طول بال الرئيس أطول كثيرا مما يجب أحيانا، على ~~الأقل أطول من استطاعتنا نحن كشعب وككتاب على طول البال، وربما هذا هو الخلاف الوحيد بين ~~بعضنا وبين الرئيس مبارك، خلاف «كمي» في طول البال، وأبدا ليس خلافا «كيفيا» على حل ~~المشاكل. # أقول: وجدت نفسي في الأسبوع الماضي في تلك الحالة التي ذكرتها لكم عن «الزهق»، ب «الصدفة» ~~المحضة كنت أقرأ مقالة صديقي الكبير الأستاذ خالد محمد خالد في الوفد، فوجدته يتحدث عن نفس ~~الحالة من الزهق، وأنها ألجأته إلى التاريخ، وبالتحديد إلى قصيدة شوقي في رثاء أدهم باشا ~~التركي، كانت تغريبة إذن، تغريبة تاريخية ليتخلص من حالة الزهق، ms022 ولكن لأن التاريخ يزيدني ~~زهقا على زهق، فقد آثرت أن تكون تغريبتي جغرافية. # وهكذا ركبت العربة ومعي العائلة وانطلقت شمالا، ولم أذهب إلى الإسكندرية هذه المرة، ~~اندفعت غربا إلى ما بعد الإسكندرية، كانت جغرافية مصر الشمالية تنتهي عندي حول العجمي ~~والمكس والدخيلة، هذه المرة قلت لنفسي: سأظل أسير في هذا الطريق المزدوج الجميل إلى أبعد ~~مدى ممكن أن أصله. وفعلا هو طريق مزدوج وجميل؛ فإلى سنين قليلة، ربما إلى العام الماضي ~~فقط، كان طريقا من أسوأ الطرق في مصر ضيقا مكدسا بعربات النقل هائلة الضخامة والكارو ~~والمارة والصيادين وفناطيس الغاز وكل ما يخطر على قلب بشر ... هذه المرة وجدت اتجاهين ~~حديثين جدا، ربما انتهي منهما هذا العام فقط، وكنت أتصور أن مجلس إسكندرية المحلي هو ~~الذي فعل هذا، لكن عرفت من الأستاذ عبد الله محمود رئيس مشروعات الشاطئ الشمالي أن وزارة ~~الإسكان والمجتمعات الجديدة هي التي قامت بإنشاء هذا الطريق. والحق أني كنت أسمع كثيرا عن ~~وزارة الإسكان والمجتمعات الجديدة، ولكن ربما لأني كنت أحيا في القاهرة المخنوقة المزدحمة ~~كنت أحس أنها وزارة تكاد تكون وهمية أو نظرية على الأقل، ولكن حبي للسفر جعلني أبدأ أرى ~~آثار تلك الوزارة وذلك الوزير النشيط المهندس حسب الله الكفراوي من مدينة 6 أكتوبر إلى ~~العاشر من رمضان إلى السلام إلى الصالحية إلى المشروعات الجديدة، في تلك التي وجدت محافظا ~~عسكري القدرة على التخيل والتنفيذ اللواء يوسف عفيفي بمشروعاته السياحية في منطقة البحر ~~الأحمر، ناهيك عن المشروعات في محافظتي شمال وجنوب سيناء، هذه كلها جعلتني أعتقد أننا ~~انكفأنا على مدننا القديمة ومشاكلها بطريقة جعلتنا لا نكاد نرى العمران الذي يحدث في أماكن ~~من مصر لم نلتفت لها قبلا وكأننا لا نعتبرها جزءا من مصر أو أنها ملكنا. # هذا الساحل الشمالي مثلا صحيح أن الأجانب والدبلوماسيين هم الذين اكتشفوا فكرة مصيف ~~العجمي، حيث يستطيع الإنسان أن يتحرر تماما من ملابس المدن ونفاق المدن ويترك نفسه للشمس ~~والبحر والهواء الجميل والطبيعة وسواحل هي أجمل - أجمل شواطئ ms023 العالم - وقد زرتها كلها من ~~ميامي بيتش إلى بلاجات تايلاند، وكابري ونيس ... هذا النوع من الرمال، هذا الانحدار التدريجي ~~نحو الماء، هذا اللون الأزرق الفستقي لمياه البحر، هذا كله لا يمكن أن نجده إلا في شواطئ ~~البحر الأبيض الجنوبية وأجملها جميعا الشواطئ المصرية من مرسى مطروح إلى أن تبدأ ضواحي ~~الإسكندرية ... ومن المضحك هنا أن نذكر أن شاطئا رائعا كشاطئ مرسى مطروح لم نكتشفه إلا عن ~~طريق السينما وعن طريق فيلم ليلى مراد الشهير شاطئ الغرام، ولولا هذا الفيلم، ولولا ~~السينما، والآن لولا التليفزيون لما زادت معلوماتنا عن بلادنا عما كنا قد قرأناه عنها في ~~كتب الجغرافيا. # المهم بدأت الرحلة زهقان كما قلت ويا للأثر الساحر للطبيعة في تغيير معنويات الإنسان ~~ومزاجه، كان أحد أسباب زهقي لا بد هو ضيق الفتحة التي نرى منها حاضر مصر ومستقبلها ~~وواقعها ... ونحن نرى هذا كله من خلال وسائل إعلامنا، ولأن تلك الوسائل قد ضاقت نظرتها هي ~~الأخرى حتى ليكاد الإنسان يحفظ ماذا ستحتويه كل صفحة من صفحات الجريدة، وماذا سيكون عليه ~~البرنامج في كل ليلة وفي كل قناة من قنوات التليفزيون، حتى برنامج «خمسة سياحة» رغم جمال ~~فكرته وتنفيذه وتقديمه، إلا أن هذا البرنامج لا يجعلني «أعيش» المنطقة التي يتحدث عنها، ~~وأشمها وأفتح صدري لهوائها وتاريخها وأستنشقه، لماذا يكون «خمسة» أي خمس دقائق كل يوم لا ~~تكفي حتى ليتعرف الإنسان على كنه المكان؟ لماذا لا يكون برنامجا أسبوعيا معدا إعدادا ~~جميلا وحافلا بالمعلومات وبالإخراج المتقن للطبيعة وللناس وللآثار إن وجدت. هذا الساحل ~~الشمالي، بودي لو كان معي كاميرا فيديو لأصنع للناس شريطا كاملا لل «خروج»، الخروج من ~~الوادي الضيق والمدن المكدسة والأحياء الشعبية المعلبة بسردية البشر، هؤلاء الناس جميعا لو ~~رأوا بلادهم على حقيقتها أو على اتساعها، لو رأوا كم تمتد شواطئها كم ونوع الحياة الكامنة ~~في صحرائها، لو رأوا مشروعات الوزارة في واحة سيوه مثلا، هل عندنا فيلم تسجيلي كامل لكل ~~واحة من واحاتنا؟ فيلم «فتي» يقوم به مخرج كبير كصلاح أبو ms024 سيف أو علي بدرخان أو علي عبد ~~الخالق أو العظيم يوسف شاهين ...؟ # أجل، الخروج ليس من الأزمة ولكن من الوادي الضيق للأزمة، ذلك الذي طالما نحن محشورون فيه ~~فإننا أبدا لا يمكن أن نرى الحل من خلال نظرتنا التي ضاقت به وضاق بها. # لقد رحت أحلم والعربة تنساب فوق الطريق الطويل، لا أحلم فقط بمستقبل القرى السياحية من ~~مارابيللا إلى مارينا، لماذا هذه الأسماء الإيطالية؟ إلى مدينة وزارة الخارجية إلى المشاريع ~~الخاصة - بالمناسبة هناك مدينة سياحية للصحفيين موجودة في مكان ما على الشاطئ الشمالي ~~وحصلوا من كل منا ألف جنيه وزيادة كوبون، ولا يوجد لها من أثر لا في الحقيقة ولا في ~~الخريطة - أقول: رحت أحلم بشيء كالذي صنعته اليونان بشواطئها الصخرية الناتئة؛ فلقد عقدت ~~اليونان صفقات رابحة مع شركات عالمية لإنشاء سلسلة من أجمل الفنادق والمنتجعات على جزرها ~~المتعددة، وإيراد اليونان من هذه المشروعات هائل الضخامة؛ فقد كنت في جزيرة صغيرة من جزر ~~اليونان اسمها «كورفو» وعددت 85 رحلة طيران في الليلة الواحدة منها وإليها، وشواطئ هذه ~~الجزيرة «مصنوعة»، أي إن الرمال منقولة لها من قاع البحر؛ فما بالك برمالنا وشمسنا ومياهنا ~~الفستقية الطبيعية؟! # إني أرجو أن يكون مشروعا أساسيا من مشروعات مصر للمستقبل العاجل والقريب، أن ترصد ما ~~لا يقل عن المليار جنيه لمشروعات الساحل الشمالي لتزويده بشبكة أدق من الطرق والكهرباء ~~والمياه والمطارات، وإني متأكد من أن هذا المليار الواحد يستطيع على مدى السنوات العشر ~~القادمة أن يسدد عشرين مليارا من ديون مصر الخارجية وأن يحيي «بلدا» كاملا من جغرافية ~~مصر المهملة اسمه الساحل الشمالي ... شكرا لهذا الوزير الذي أنشأ ميناء دمياط وأحيا الساحل ~~الشمالي وعمل المثير في صمت ودون إعلانات مدفوعة الأجر أو غير مدفوعة، ولا أشكره فقط على ~~هذه الأعمال الكبيرة، ولكني أريد أن أشكره لسبب شخصي ذاتي محض؛ فقد خرجت من القاهرة متجها ~~شمالا وروحي قد بلغت الحلقوم وعدت إليها وقد ردت إلي الروح رغم أني لم أمكث في الرحلة ~~كلها أكثر من أربع ms025 وعشرين ساعة. # برقية طويلة لمدحت عاصم # أستاذي وصديقي ومعلمي في الوطنية والفنية والتقدمية مدحت عاصم ... نعم كما قلت لقد كان ~~شرفا أن ألقاك طالب طب يخجل من خياله، وأنت الموسيقار المشهور ملء السمع والبصر، وأخذت ~~أستمع لك في منزلك في العباسية وأنت تعزف سوناتا ضوء القمر لبيتهوفن ثم قطعة موسيقية ~~لك، وكنت أول مرة أستمع فيها إلى موسيقار كبير مصري يعزف على البيانو، من يومها وتلك ~~العلاقة الفنية الوثيقة التي بنيت على أسس وطنية وثورية وألفة شخصية تثري حياتي ~~وتجعلني كلما رأيتك أرى أن مصر لا تزال بخير. # قرأت كل ما كتبته ردا على «نقدي» للتليفزيون، واعتبارك أن ما قلته كان تحاملا مني ~~على برامجه وعلى الجهود الكبيرة التي يبذلها الكثير من أبنائه مع رئيسته ومسئولي ~~قنواته. # وأذكر لك أيها الصديق العزيز أني أستطيع أن أزعم - في هذه النقطة بالذات - أني أكثر ~~منك اتصالا بالعمل اليومي في التليفزيون، وما يتطلبه من جهود خارقة ويقظة وانتباه ~~لنملة الخطأ إذا حدثت. # ولكنك ظلمتني وأعتقد أنك ظلمت التليفزيون أيضا؛ فأنا لم أكتب ل «أنقد» برامج ~~التليفزيون، صحيح أني قلت إن معظمها «هلس» وكنت أعني بالهلس هنا اللعب على تسلية ~~الجمهور ونفاق طلباته من مسرحيات معادة وكوميديات لا تضحك إلا الأبله أو المتخلف ~~عقليا، وآخرها مسرحيات عبقري العباقرة محمد نجم، ذلك الذي ظللت - والله - أتفرج لمدة ~~نصف ساعة عليه وهو يحاول استدرار الضحك من جمهور غلبان مسكين فرض عليه فرضا، وأنا ~~مذهول كيف يمكن أن يسمح التليفزيون بعرض هذا التخلف على الناس؟! وأيضا أنا هنا لا ~~أنقد، فهكذا هي الحركة المسرحية للقطاع الخاص، وهذا هو المسرح في نظر البعض. # إني إنما كنت في الواقع أتحدث عن التليفزيون ك «جهاز» أصبح دوره في كل أنحاء العالم ~~هو الارتفاع بمستوى تفكير وذوق وأحلام الإنسان العادي؛ فزمان كانت الثقافة لا توجد إلا ~~في الكتب وكانت هي التي ترفع الذوق والمعرفة والذكاء، ثم انتقل هذا الدور إلى الصحف ثم ~~الإذاعة، وأخيرا هذا الوحش الإعلامي الثقافي العلمي الترفيهي التليفزيون. ms026 # وإذا كان التليفزيون كوسيلة تعليم وإعلام مهما جدا في بلاد العالم الأول فهو قد ~~أصبح بالنسبة للعالم الثالث الذي نحن منه مسألة حياة أو موت، بمعنى أدق مسألة حياة روح ~~هذه الشعوب أو قتلها واستعمارها ثقافيا وفكريا وحضاريا. # ولهذا كنت حريصا في كلمتي عن التليفزيون على القول إني لا أنقد برامج هذه الأيام ولا ~~دور التليفزيون هذه الأيام، وإنما أنا أذكر دوره منذ إنشائه وقيامه وإلى الآن، وهو دور ~~كان ولا يزال إلى حد كبير يمثل دور «البلياتشو» الذي يزغزغ الناس ويرفه عنهم ويضحكهم، ~~وكنت أريده إلى جانب هذا أن يقوم بدور المعلم، المعلم لا بالتلقين وإنما بالإمتاع ودور ~~المثقف ليس فقط ببرامج الأستاذ فاروق شوشة المتخصصة الشيقة، وإنما ببرامج كلها ثقافة ~~ولكنها لا تخيف الناس بقولها إنها برامج ثقافية، وإذا أردت أن تعرف ما أعني بالضبط فإني ~~أرجو من التليفزيون - إن استطاع - أن يسجل يوما بأكمله من إرسال التليفزيون البريطاني، ~~أو حتى الهندي، وأن يذيعه علينا مترجما لنرى الفارق. # نعم، إن التليفزيون هو أخطر وسيلة اكتشفتها البشرية إلى الآن في صناعة وصياغة الرأي ~~العام وحتى المواطن الخاص، والتعامل مع هذا الجهاز يجب أن يتم من منطلق الإدراك التام ~~لخطورته الشديدة، فنحن مثلا لو كنا قد عملنا تحقيقا تليفزيونيا صريحا عن حالات الغش ~~الجماعي ومع الأساتذة الذين طعنوا بالمطاوي، ومع الطلبة، لاجتثثنا هذا المرض بأكمله ~~دون أن نذكر نصيحة واحدة؛ إذ هكذا يستعمل التليفزيون في المجتمعات الأكثر ذكاء في ~~استعمال التليفزيون والمدركة لخطورته وأهميته، والتي تستخدمه كوسيلة عظمى للترقي ~~والتمدن والتحضر؛ ولهذا كنت أنقده منذ إنشائه. # ولأني وجدته لم يصنع شيئا طوال أكثر من خمسة وعشرين عاما إلا أنه رفه عنا قليلا، ~~وفي المقابل فرض علينا فكرا متخلفا وخرافات وديماجوجية، أرأيت إلى هذا العالم الذي ~~قال منذ أسبوع مضى: إذا رأيت حلما سيئا فابصق ثلاث مرات إلى اليسار حين تصحو من ~~النوم، وإذا رأيت حلما حسنا فابصق ثلاث مرات إلى اليمين لدى صحوك من النوم؟! أي ثقافة ~~تلك بربك؟ أي ms027 مفهومات للحياة يرسيها هذا الجهاز؟ أي كارثة يتعلمها الطفل والمراهق ~~والشاب الذي يأخذ ما يشاهده في التليفزيون على أنه قول لا يناقش ولا يمكن أن يشك في ~~صحته؟ # ولهذا أيضا فنحن أمام هذا الجهاز بعد ربع قرن من إنشائه في حاجة إلى وقفة لا بد ~~تنتهي بعد نقاشنا حولها إلى وضع سياسة إعلامية تليفزيونية ثابتة، يكون الهدف منها أن ~~نرتفع بمستوى الشعب ثقافيا وصحيا وعلميا وتعليميا خلال السنوات الخمس القادمة ~~بمقدار لا يقل عن 50 في المائة زيادة على مستوانا الآن. # أيها الصديق العزيز ألا زلت تختلف معي وتقول إن قلمي قد «شط»؟ # | إننا نختنق ... نختنق # الساعة الثالثة بعد الظهر، نقطة التلاقي بين شارع الجلاء الذي توجد به الأهرام وبين شارع ~~26 يوليو نقطة عبثية تماما، وكأنها منتزعة من فيلم تسجيلي عن يوم القيامة: # يوم يفر المرء من أخيه * وأمه ~~وأبيه ~~، أو بالمعنى المعاصر يوم يفر راكب الدراجة من راكب الموتوسيكل من ~~السائر هائما على وجهه من ديناصورات النقل الكبيرة و«التريللات» الساحبة وراءها مركبة لا ~~تقل عنها ضخامة من عربات السوزوكي والتويوتا ورمسيس وعربات الأوتوبيس والعربات الخاصة، ~~وأبدا لا يتوقف المرور في الاتجاهين معا، والشاطر هو الذي «يدخل» على الثاني، وقيادة ~~السيارات بالدراع وبأعلى «سارينة» وبالخبط في الجنب أو في الاكصدامات، ويا ويل العابر على ~~قدميه أو راكب الدراجة؛ فحياته ممكن لو لم يستعمل كل بهلوانيته وسرعته، لو كان مريضا أو ~~كبير السن، لو كانت سيدة بدينة، ممكن أن ترتفع إلى بارئها في لحظة، والغريب أنه لم تقع ~~حادثة دموية واحدة في هذا التقاطع طوال السنوات العشر التي أستعمله فيها عائدا إلى منزلي، ~~وليس هذا بالطبع لحسن إدارة عسكري المرور المسكين القادم لتوه من التجنيد الإجباري، وإنما ~~لأننا نحن القاهريين قد علمتنا سنوات التدفق السكاني والازدحام غير البشري أنماطا كثيرة ~~للسلوك البهلواني والاتكالية والضرب عرض الحائط بمخاطر عبور الشوارع والميادين، ناهيك عن ~~القدرة على النفاذ بين عربتي نقل مخيفتين أو عربتي أوتوبيس تكادان تتلاصقان ~~بحمولتيهما البشرية الضخمة، المهم أني لا ms028 أكتب هذا انتقادا لحركة المرور في هذا التقاطع؛ ~~فقد كان مفروضا أن تحل من زمن كبير، وكان مفروضا أن يكون أول نفق تحت الأرض ينشأ في مصر ~~أن ينشأ في ميدان الإسعاف ويشمل بالتالي تقاطع الجلاء مع 26 يوليو؛ فتلك المساحة، أو ~~اللامساحة، هي أكثف حركة مرور في القاهرة كلها. # ولكن بما أن القاهرة الجديدة كلها قد نشأت عشوائية بلا أي استعانة بعلم تخطيط المدن، وهو ~~من أهلم العلوم الهندسية وموجود في كلياتنا، ولكن كل خريجيه بلا استثناء يهاجرون إلى البلاد ~~التي تخطط مدنها فعلا، لدرجة أني قابلت مرة ثلاثة مهندسين حاملين للدكتوراه في تخطيط المدن ~~يعملون في مدينة بوسطن الأمريكية، واحدة من أجمل مدن العالم تخطيطا! بينما قاهرتهم في ~~مجاعة شديدة لهذا النوع من المهندسين، ولكن شئوننا البلدية والقروية لم تكن تحفل بالتخطيط، ~~وحين انتقل الأمر إلى محافظة القاهرة وإلى رؤساء الأحياء فسدت الأمور أكثر وأكثر، ولولا أن ~~قيض الله أخيرا للقاهرة محافظا واسع الأفق والتفكير، عارفا وقادرا على عمله بلا أي ~~كلل أو تقاعس هو اللواء يوسف صبري أبو طالب، وبدأ يذيقنا بلمساته معنى أن تكون المدينة ~~مخططة، وأن يكون لكل حي حديقته، ولم يبق إلا أن يعود لكل شارع أرصفته ولكل عمارة أمكنة ~~انتظارها. # أقول لا أكتب هذا انتقادا لحركة المرور في تقاطع الجلاء-26 يوليو، ولكني أكتبه للمنظر ~~الذي رأيته وشممته واختنقت به، ولا أزال أفعل كل يوم الساعة الثالثة كما سبق وقلت، وحركة ~~المرور على أشدها، موظفون عائدون راكبين وراجلين وأوتوبيسات سردينية المحتوى هرقلية الحجم ~~والجثير وعربات نقل ... إلى آخره. كنت واقفا في إشارة المرور، احتراما للإشارة التي لا يريد ~~أحد أن يحترمها، أحاول أن أرى من خلال زجاج السيارة إن كانت الإشارة فتحت أم لا تزال حمراء، ~~وفجأة تبينت أن هناك ما يشبه العاصفة الرملية أو الترابية بالكاد أستطيع أن أرى من خلالها، ~~وفتحت زجاج السيارة لأرى المنظر على حقيقته، وكم روعني ما رأيت، فلا يوجد ماسورة عادم لعربة ~~أوتوبيس أو نقل أو ميكروباص أو ms029 تاكسي قديم إلا وهي تنفث نافورة أفقية من الدخان نتيجة ~~اختلاط كيروسينها بزيتها أو بديزلها، دخان دخان دخان، لا يملأ الجو فقط، ولكنه يخنق التنفس، ~~ويثير مع التراب الكثير الذي يحفل به الشارع سحبا متجمعة متضاربة منتشرة إلى الجوانب وإلى ~~أعلى واصلة إلى كل حلق وفتحة عين. # يا إلهي، لكأنني في قاعة فرن فلاحي قد سدت منافذها وأغلق بابها، وقد امتلأت بدخان ~~الحطب المندي. # ربما الذي دفعني للإحساس بذلك المشهد المهول الذي لا يمكن أن يحتمله أحد هو أنني كنت ~~عائدا لتوي، ليس من لندن أو باريس، وإنما من قلب أفريقيا، كينيا، وتنزانيا، والصومال، ~~وأفريقيا بلاد أفقر منا بكثير، ومعظم شوارع ممباسا أو دار السلام ليست مرصوفة وإنما هي ~~مسواة على حالها الترابي، ولكن ليس هناك تلوث بمثل هذه الكثافة الخانقة. أذكر أني كنت في ~~نيروبي، وكنت في طريقي لاتحاد الكتاب الكينيين وكنت أستقل عربة تاكسي، وكان سائقي اسمه ~~إيليا، وكان مسلما، ولما سألته عن هذه المعادلة الغريبة، قال لي: في عهد الاستعمار لم يكن ~~يسمح بدخول المدارس إلا للمسيحيين فقط؛ ولهذا كان كثير من المسلمين يسمون أولادهم بأسماء ~~مسيحية، كاثوليكية في الغالب، ليمكنهم دخول المدارس، وأنه بعد جلاء الاستعمار بدأت كثرة من ~~تلك العائلات في العودة إلى تسمية أبنائها بأسماء إسلامية. # لا أريد أن أطيل، فأثناء دردشتي مع السائق بدأت العصبية وكثير من الغضب يحفل بهما صوته، ~~ثم نطقها وقال: هذا السائق الملعون، ونظرت فرأيت أمامنا سائق عربة نقل، وكانت العربة هي ~~الوحيدة التي «يفوت» موتورها وينفث دخانا نتيجة اختلاط الزيت بالبنزين داخل المحرك، تلفت ~~حولي فإذا بنا نسير داخل غابة خضراء يانعة يقطعها هذا الطريق الرفيع، والغابة كما نعرف تولد ~~الأكسجين، ومعظم كينيا وشرق أفريقيا غابات خضراء شاسعة، ومع هذا، ونظرا لاحتمال زحف ~~التصحر، من الصحراء، مع سنوات الجفاف الطويلة، فقد بدأت كينيا منذ ثلاث سنوات مشروعا اسمه ~~مشروع الشجرة؛ إذ يزرعون كل يوم مائة شجرة جديدة، داخل بلاد تحفل بغابات وغابات من الأشجار، ~~كل هذا خوفا على ms030 البلاد والمدن من تلوث الهواء. # وصل الغضب بإيليا أقصاه، وبدأ محاولات خطرة مستميتة لكي «يعدي» عربة النقل التي تنفث دخان ~~الزيت وهو يصرخ: تلوث ... تلوث ... # هذا السائق البسيط يرعبه هذا التلوث، ويعرف معناه بالإنجليزية في بلاد لا تكاد تحفل بأية ~~آثار للتلوث؟! المضحك أني عرفت من سفيرنا في كينيا الصديق محمود عثمان أن في كينيا بعثة ~~لدراسة البيئة والتلوث يرأسها الدكتور مصطفى، واحد من أعظم خبراء البيئة والتلوث في العالم، ~~وموفد هو والبعثة لدراسة التلوث في حديقة أفريقيا، كينيا. # أليس هذا ظلما يا إلهي ما بعده ظلم؟ يعني ننتج نحن الشعب المصري أكبر خبراء العالم في ~~التلوث، وتحفل قاهرتنا الحبيبة بأعلى نسبة للتلوث في العالم إلى درجة أنها وصلت في بعض ~~الأحياء، وبالطبع لا بد أنها كذلك في تقاطع 26 يوليو مع الجلاء، وصلت إلى درجة ألف في ~~المائة من الحد الأعلى للتسمم التلوثي. # كل هذا ونحن نتنفس التلوث ونبتلع الذرات الخانقة، وتمتلئ رئتنا بعادم النقل والأتوبيس، ~~والمرور لا يفتش أبدا على العادم، يكفيه البوية ورقم الشاسيه والموتور، ويتم الكشف على ~~المركبة، بينما العادم يترك ليضخ في شوارعنا وصدورنا ملايين الأمتار المكعبة من الزيت ~~العادم، ناهيك عن التراب وبقية ما تثيره الرياح من قاذورات، كل هذا وثمة مؤتمر للبيئة، ~~مؤتمر عظيم مهول أسفت تماما أنني لم أتابعه بنفسي شخصيا، انعقد خلال بضعة الأسابيع ~~الماضية لدراسة التلوث البيئي في مصر، وتلوث مياه النيل، والتلوث الصوتي الناتج عن استعمال ~~الميكروفونات وبقية الضجات الصادرة من الشارع المصري بطريقة لا يمكن أن تحتملها أي أذن ~~بشرية، وإذا احتملتها فلا بد أن تصيب العقل الذي يسمعها بالصمم أحيانا، وبارتباك ~~الوظائف وبالانعدام التام للقدرة على التركيز أو إنجاز النشاطات العقلية الواجب القيام ~~بها. # لهذا أنت ترى المواطن في شارع القاهرة ثائرا يلهث من قلة الأوكسجين، تائه الوجهة ~~والتركيز من ضجة الأصوات والميكروفونات، سريعا ما يصيبه الكلل والتعب، نافد الصبر، بطيء ~~الحركة، مصابا بما أسميته «التولة» غالبا ما ينتهي أمره إلى كلفتة عمله، أو الانهيار ~~جلوسا على ms031 قهوة، أو أمام مكتب وارم القلب والعقل يلهث بلا تعب ويعرق بلا أي مجهود، ويقصر ~~عمره ويزداد وزنه من قلة الحركة والنشاط؛ فهو يعيش في جهنم مليئة بالتلوث، والدخان، ~~والغبار، والضجة الخرافية تحاصره ولا حفنة من هواء نقي، أو هدوء، يستطيع معها أن يلتقط ~~أنفاسه أو أنفاس عقله، ويعود كائنا بشريا يصلح بما يصلح له أي كائن بشري في أي مكان آخر ~~من العالم. # لقد أصبحت الحياة في قاهرتنا الحبيبة مع كل ما تحفل به من تلوث في الجو وفي الماء وفي ~~الأصوات، أصبحت معجزة العالم الثامنة لا بد، فإني لأكتب هذا وأتساءل: كيف بالله ما زلنا ~~نحيا؟ # وأعقبه بتساؤل آخر موجه إلى حكومتنا: كيف تحكمين الناس والبلاد وهي تحفل بهذا الكم من ~~التلوث؟ # لماذا الطب مقدس؟ # حسن جدا بادرت بفعله نقابة أطباء القاهرة والنقابة العامة للأطباء من إحالة ~~الدكتور أحمد شفيق إلى مجلس تأديب لخروجه على المادة الثامنة من آداب مزاولة مهنة الطب؛ ~~ذلك أن مهنة الطب لها وضعها الخاص بين مختلف المهن التي يزاولها الإنسان؛ فالطبيب ليس ~~مجرد مهني آخر يزاول مهنة أخرى كالهندسة أو التدريس، الطبيب مهنته صيانة روح وجسد ~~الإنسان، وأنت حين تذهب للطبيب تسلم نفسك تماما له، بحيث تؤمن تماما بما يقول، ~~وتستسلم لمبضعه إذا شاء أن يجري لك عملية جراحية، ممكن في أثنائها أن يصنع بجسدك ما ~~يشاء. كذلك إذا ذهبت إلى طبيب نفسي، أنت تدلي له بكل الأسرار التي لا تستطيع أن تدلي ~~بها لأخيك أو لصديقك أو إلى أعز الناس وأقربهم منك؛ إذ أنت تعتبره الأمين أمانة عظمى ~~على كل هذه الأسرار؛ ولذلك فكل المهن من قديم الزمان كان ممكنا أن تزاولها بمجرد ~~الحصول على مؤهلاتها ما عدا الطب، فلا بد أن يقسم قسم أبو قراط أبو الطب في ~~مزاولة عمله بمنتهى الأمانة والمسئولية والصدق والمحافظة على مريضه والعمل بكل ما يملك ~~على شفائه. قسم أبو قراط هذا شيء رمزي محض يرمز إلى جعل الطبيب الشاب يحس بأهمية وخطورة ~~المهنة التي سيبدأ ms032 في مزاولتها، بل يحس تجاهها بنوع من القداسة والتبجيل. وأذكر ونحن في ~~المدارس الابتدائية أنه كان مقررا علينا في كتاب المحفوظات قطعة تتحدث عن الطبيب ما ~~زلت أذكر إلى الآن منها هذه الفقرات: رعاك الله يا رسول الرحمة، ومنقذ المرضى، وملجأ ~~الملهوف؛ إن يدك التي تطيب المريض ليست كأيدينا، ومشرطك الذي يعالجه ليس مبضعا، وإنما ~~هو إصبع ملاك حارس يجتث العلة ... إلخ. # من أجل هذا تحاط مهنة مزاولة الطب بكل الاحتياطات التي تمنع بعض الأطباء الشاذين - ~~وليس كل الناس أسوياء - من استغلال جهل المريض أو عدم إدراكه حقيقة مرضه أو «النصب» ~~عليه أو الاحتيال أو إساءة استعمال أسراره. وأذكر في هذا القبيل أحد «الزملاء» الأطباء، ~~زمان، كان يعمل في قرية وكانت لديه ثلاجة تضيء إذا فتح بابها كالعادة، فكان يقول ~~للمريض: تعال أعملك إشاعة. ويوقفه أمام الثلاجة فتضيء ثم يغلقه ويقول للمريض: خلاص، ~~عملنا الإشاعة. ويتقاضى منه خمسة جنيهات إضافية مقابل تلك الإشاعة. وكثيرة هي أمثلة ~~النصب والاحتيال، ولكن المهنة في مجموعها والأطباء في مجموعهم، وحسب خبرتي حتى كمريض، ~~أناس يحتلون أعلى المقامات بالذمة والأمانة والانضباط. # ولهذا يحاط أيضا، استعمال أي عقار جديد، بضمانات شديدة الدقة خاضعة تماما للأصول ~~العلمية؛ حتى لا تنقلب المسألة إلى فوضى ويصبح أي طبيب حرا في أن يجرب على مرضاه كل ~~ما يخطر على باله من أدوية يخترعها أو يدعي أنها جديدة. لا بد من إقرار أي دواء جديد ~~بواسطة الجهات العلمية المختصة، ثم بعد هذا ترخص وزارة الصحة باستعماله ويعطى رقم ~~ترخيص، وأي طبيب يستعمل عقارات أو كيماويات غير مرخص باستعمالها عقوبته السجن، وليس ~~مجرد الإنذار أو التأديب. # أما أن يؤدي هذا إلى تثبيط همم الأطباء الذين يريدون أن يخترعوا أو يبتكروا فهذا قول ~~ساذج تماما وغير صحيح بالمرة؛ فباب الاجتهاد والاختراع مفتوح على مصراعيه، ولكن، ~~ومهم جدا كلمة ولكن هذه، هناك ضوابط علمية دقيقة موضوعة كلها لمصلحة المريض. إذن على ~~الطبيب الذي يكتشف أو يخترع أن يتقدم إلى الجهة العلمية المختصة باكتشافه، ويطلب ms033 الإذن ~~بالتجريب على الحيوانات، ومئات الجداول، ومتطلبات أخرى كثيرة تتأكد الجهة العلمية من ~~فاعلية الدواء ومن تركيبه الكيمياوي ومن أضراره الجانبية أو عدم وجودها، ومن تعارضه مع ~~أدوية أخرى أو عدم تعارضه. بعد هذا تأذن الجهة العلمية بالترخيص للطبيب باستعمال الدواء ~~الجديد على المرضى - وأيضا تحت إشراف علمي دقيق - حتى إذا نجحت التجارب على المرضى ~~يعتمد الدواء، ويسمح بالنشر عنه في مؤتمرات الطب والدوريات العلمية ويصرح لمعامل ~~الأدوية بتصنيعه حينذاك فقط. # أما أن تواجه وسائل الإعلام، من خلف كل الجهات العلمية، بدواء جديد، فلو حدث ذلك في ~~أي بلد في العالم لشطب اسم الطبيب من قائمة المزاولين لمهنة الطب وقدم للمحاكمة ~~فورا؛ فالمسائل ليست فوضى أبدا، بل إن هناك في إنجلترا قواعد دقيقة لكتابة اللافتة ~~التي تحمل اسم الطبيب بحيث لا يزيد عن العشرة سنتيمترات بأي حال، بل إن هناك مادة في ~~قانون مزاولة المهنة في إنجلترا تمنع الجرائد والمجلات من نشر أي شكر للطبيب المعالج ~~على صفحاتها، فإذا حدث وقبل الطبيب أن ينشر شكره فإن اسمه يشطب فورا من النقابة أو ~~بتعبير الإنجليز أنفسهم «أي يكشط كشطا» من قائمة الأطباء. # فما بالك بعقد المؤتمرات والظهور والسهرات في الإذاعة والتليفزيونات؟! إن عودة نقابة ~~الأطباء إلى إحكام قبضتها على أخلاقيات مزاولة مهنة الطب في ظل الفوضى الأخلاقية ~~والذممية التي تحيا فيها، لعمل عظيم وجاد وآن أوانه بعدما كاد أن يفلت الذمام. # | خطاب من راكبة أتوبيس # سلامي تحياتي # رجاء أن أحيط سيادتكم علما بالآتي: نحن صنف المرأة نعاني الأمرين في المواصلات - ~~الزحام شديد جدا والاختلاط فيه لا يليق مطلقا، يعلم الله المواصلات بالنسبة لنا ~~رعب - وركوب الأتوبيس بالنسبة لي أنا بالذات جهنم الحمراء. كتبت لحضرتك بالذات لأنك ~~تستطيع أن تقدر مدى الإهانة النفسية والألم لمجرد اتخاذ الاحتياط والدفاع عن ~~النفس. # في اعتقادي هذه الجريمة تعتبر زنى واغتيالا لشرفي وديني وجنسي، يعز علي أننا ~~في بلد بكل هذه الحضارة والتقدم والعلم والدين ولا يفكر فينا مسئول أو مسئولة؛ لأن ~~حضراتكم طبعا بعيدون جدا ms034 عن هذا. # يعز علي أنكم تفكرون في بنات غزة اللاتي يرشقن بسهام في ظهورهن ونحن هنا نرشق ~~بأمر من السهام، من كل جهة يوجد مجرم لعين - آسفة - ويستوي في ذلك الكبير ~~والعجوز والطفل سنة فأكثر، المتعلم والجاهل، النظيف والوجيه والقذر، وكل طبقات الشعب بلا استثناء. # صورة لا تليق بمصر ولا توصف بكلمات أو عبارات. # لذلك أرجو أن تتكرم سيادتك وتتخذ الإجراءات مع كل من يهمه الأمر، فتفصل بيننا ~~وبينهم في المواصلات بكل الطرق، أي أن تخصص أتوبيسات للنساء، فقط هذه الأتوبيسات ~~تسري عليها أبونيهات الطالبات والموظفات، أي للفئات التي لا تستطيع استعمال ~~الميكروباص؛ إذ إنه يكلفنا جنيها أو أكثر في اليوم، واسمح لي أن أقدم لك ~~وللمسئولين اقتراحا: لقد قرأت أن هناك ثلاثمائة أتوبيس جديد نازلة تغذي الخطوط من ~~أول مارس إن شاء الله بمعدل 60 أتوبيسا كل شهر. # فهل من الممكن تخصيص 60 أتوبيسا فقط للنساء، تعمل بالذات على خطوط ميدان ~~رمسيس-جيزة، شبرا-روكسي، ميدان التحرير-الجيزة، شبرا-العتبة؟ # ولخدمة وسط البلد المزدحم حيث الإشارات كثيرة، والفرامل كثيرة وكل فرملة من ~~السائق الأرعن تحدث الالتصاق الهمجي الذي نتألم له كثيرا. لو جلست كل ست لانحلت ~~المسألة، ولكن حتى هذا الجلوس لا يكفي؛ لأنه في النزول والطلوع والسير داخل كتلة ~~الرجال أشياء لا تليق. # صدقني إنني أنزل من الأتوبيس ومن كثرة الفرامل والرج والاحتكاك أجد مفاصلي مخلعة ~~وجسدي أشلاء وكرامتي تنزف حتى إني أحيانا أبكي. # رجائي أن ينظر في أمرنا كلنا من أجل حفظ كرامة المرأة المصرية. # ولسيادتكم جزيل الشكر مع رجاء عذري للأخطاء النحوية واللغوية فأنا آسفة، أنا ~~مرهقة وأعصابي متعبة. # مقدمته # سعاد فهيم منصور # مهندسة زراعية # 15 شارع الشبيني بالعباسية # السن 51 سنة # والكاتب ناشر هذا الخطاب يتقدم إلى رئيس هيئة النقل العام وأساسا إلى الوزير الحاسم ~~المهندس سليمان متولي بهذه الشكوى وبهذا الاقتراح الذي أؤيده من كل قلبي. # | فلنكتشف أنفسنا # ربما نحن لا نزال بعد لا ندرك قيمة حضارتنا في نظر العالم. # أي انبهار كان يحدث للشخص حين ألقاه وأقدم ms035 إليه نفسي ويعرف أني مصري عربي فيعود يشد على ~~يدي ويقول: إني سعيد جدا أن أقابل ممثلا لأعرق وأول حضارة على سطح الأرض. # ولقد سألت عالما هنديا عما يعنيه بالضبط بتلك العبارة، فقال: ليست حضارتكم حضارة ~~ومعمار ولغة وعلوم فقط، ولكنها الحضارة التي أحدثت في العالم القديم ثورة حضارية لا تقل عن ~~الثورة التي أحدثتها الصناعة واكتشاف البخار والكهرباء والذرة والتكنولوجيا في عصرنا ~~الحاضر. # أنتم اكتشفتم الزراعة، اكتشفتم أن باستطاعة الإنسان أن يتحكم في المملكة النباتية ~~والحيوانية بحيث كفت عن النمو التلقائي الذي لا ضابط له، فأصبحت تزرع المساحات الشاسعة ~~من الأرض بإرادة الإنسان وبالتحكم في البذور والمياه واختراع أدوات للري والزراعة ... # كنتم أول من تحكم في الطبيعة وسخرها في خدمة الإنسان، ومن هنا لم تكن حضارتكم هي ~~الأولى فقط، ولكنها بداية تحكم الإنسان في الجماد والحيوان؛ مما كان لا بد أن يؤدي ~~تلقائيا إلى اختراع الآلة وتطور العقلية والعلوم، ثم مراحل المدنية التي أوصلتنا إلى ما ~~نحن فيه الآن. # ثم ابتسم وقال: ولو لم يتحكم الكهنة ورجال الدين في تفكيركم بحيث يوجهون اهتمامكم الأكبر ~~لا لتطوير ما اكتشفتموه وإنما للتوقف عنه والتوجه كلية إلى الحياة الأخرى ومشاكل الخلود ... ~~لو أعطيتم نصف اهتمامكم بالموت وما وراء الموت إلى الحياة وما يدور في الحياة، لكنتم وصلتم ~~إلى العلوم الحديثة من أحقاب وأحقاب، ولكان الإنسان قد اختصر من رحلة حضارته مئات ~~السنين. # ولقد أرقني قوله كثيرا، ولا يزال يؤرقني؛ إذ ونحن الآن نحاول استعادة ما فاتنا، ونحاول ~~الوصول إلى أسرار الثورة التكنولوجية الحديثة، فلا تزال مشكلتنا الكبرى، كما كانت في ~~الماضي، هي مشكلة الهدف لأي هدف نتعلم، ونستحوذ، وتصنع، وتثور ثورتنا الحضارية التالية، هل ~~نستعملها لنفكر في الموت وما وراء الموت والنظر إلى ما فات وعبادة الأمس وإحيائه وإعطاء ~~الظهر للحاضر وآفاق المستقبل؟ # إذا لم نكن نبغي التحضر لنسبق الزمن ونعوض ما فات ... إذا لم نكن نقاتل لنستعيد ذواتنا ~~وأنفسنا لنمضي إلى الأمام. # إذا لم نكن قد أدركنا أننا تأخرنا لأننا كنا ms036 دائما نحيا في عصر حي بأجسامنا كي نتفرغ ~~للحياة في الزمن الذي مضى بعقولنا وأحلامنا. # إذا لم يكن هذا كله هو رائدنا، فأبدا سنظل غرباء كتماثيل المتاحف في عصر حي، ستظل عقولنا ~~تجري إلى الأمام لتأخذ من الحياة كل ما تستطيع. # ما غايتنا؟ # وهنا الفيصل ... # هنا لا بد أن نتوقف ونسأل: # نحن نريد التحرر لنتحضر ونتمدن، نريد الكهرباء لنصنع، نريد العلم لنخترع، ولكن كل هذه ~~وسائل؛ إذ تبقى الغاية، فما غايتنا من هذا كله؟ # والسؤال مهم، والتساؤل محتم؛ فلقد اخترعنا التليفزيون وعممناه لننشر ثقافة هز البطن ~~ومجالس الخلفاء والندماء، أو بالكثير لنعرض فيه أفلاما قديمة لعقلية قديمة ولأهداف بالغة ~~التأخر. # والسينما استعملناها لنروج لأسف وأحط القيم. # وصناعة السيارات بذلنا فيها دم القلب لتتكدس تاكسيات يملكها القادرون. # ووزارة الثقافة استعملناها لننتج كتبا ميتة ومسرحيات هابطة. # السؤال مهم ... # فما لم يكن هدفنا واضحا نرتضيه ونجمع عليه ونوزع أدواره على كل منا ... # ما لم يكن وراء التحرر، والحرب أو السلام، والاشتراكية أو التصنيع، والتنظيم السياسي أو ~~تحرير الملكية، ما لم تكن هذه كلها أجزاء تابعة ومنتهية إلى هدف أكبر وأعظم يصبح الهدف ~~المقدس في حياتنا، وتقديسه نابع من تقديس كل منا له واختياره إياه، فإننا لن نصل لتحقيق ~~هذه المفردات فقط ولكننا ربما نحققها بطريقة مثيرة للضحك تماما؛ إذ نحققها لنصل بطريقة ~~تقدمية جدا إلى هدف متخلف جدا، أو بالأصح نصبح عباقرة الإسراع إلى الخلف في عالم نكاد ~~نستطيع اللحاق به لو أسرعنا إلى الأمام. # وفقط حين رأيت الآخرين، الأفقر منا بكثير، الأقل منا عمرا، الذين يروننا الأعرق والأخلد. ~~بدأت أكتشف نفسي، أقصد نفوسنا، وأجد كل نفس لدينا قد أصبحت قارة، أحاطت نفسها بستار، ترفض ~~كل شيء، وتهزأ بأي حدث، وتعيش مثلما غيرنا يعيش، وكأننا كنا في انتظار نكسة 67 أو أي كارثة ~~عربية لنقول: بركة يا جامع! وما الفائدة؟ لنقول: ولسه ح نرجع نعافر تاني؟ # وكل عشمي ألا نكون قد خرجنا من هذا كله وقد أضيئت معالم الإنسان الآسيوي في عيوننا؟ عشمي ms037 ~~الأكبر أن يكون كل منا قد خرج بضوء قد تسرب لنفسه هو، وحتى بلا ضغينة يراها، وبلا تأنيب ~~كثير للذات يحادثها، وبحديثه يكشف طاقة أمل، مهما صغرت، فهي البداية. # فلنعجل بالبدء # المشكلة أن نعجل بأن نبدأ؛ فكل ثانية من الزمن تمر تموت من أعمارنا ثانية ولا تعود ~~تحيا أبدا، وكل ثانية زمن تموت، تموت معها ثانية إرادة، وإذا كان في نيتنا أن نموت فلا ~~شيء يدعو حينئذ للتعجل أو اليقظة، أما إذا كان في نيتنا أن نحيا، فمن المستحيل ما دمنا ~~قد اخترنا أن نحيا أن نؤجل الحياة، والحياة ليست مجرد إشعاع أمل، أو إحساس بضرورتها، أو ~~إعجاب بها، الحياة حركة إذا أردنا أن نكون فلنتحرك، بل حتى لو قررنا الموت فلنمت كما ~~يموت الأحياء، فلنمت حركة، فلنمت عملا، ميتة أخرى غير التمدد فاغري الأفواه مفتوحي ~~الأعين نتفرج، حتى على آلامنا نتفرج، وكأن ما يحدث يحدث لغيرنا، وكأن الألم لا يكوينا، ~~وكأنما إرادتنا جميعا سرقها لص ووضعها في صندوق وألقى الصندوق في البحر، وكل مشكلتنا ~~أن نظل نتساءل أين مفتاح الصندوق؟ أحيانا نظنه مع ريغان، وأحيانا مع الدول الكبرى، ~~وأحيانا لا بد أن أحدا قد دفنه في رمال سيناء. # والمفتاح - أيها الأعزاء - لم يضع والصندوق والإرادة داخلنا لم تسرق، ولم تضع، مع ~~أنفاسنا تتردد، ورهن إشارتنا تكون، والمسئولية مسئوليتنا. # وعلى أنفسنا نحن باستمرار نتفرج، والنكتة نرويها دائما عن الغير وكأن الغير بطلها، ~~في حين أن راويها لا يعرف أنه البطل، والمسألة طالت وطالت، والأحاسيس كثرت وتشعبت ... كل ~~ما في الأمر أننا فقدنا إحساسا لا نزال لم نشعر به، ونتجنب أن نشعر به، هو إحساسنا ~~بالخجل. # خاتمة # أن ينتهي الكلام عن آسيا، كأن ينتهي الكلام عن الجنس البشري والإنسان، مسألة لا ~~يتصورها عقل، هي ليست قارة فقط، ولكنها أكثر من ثلثي العالم، وبين كل ثلاثة من سكان ~~الأرض تجد اثنين منهم آسيويين؛ فهي أضخم القارات عددا، وأكثر التناقضات تناقضا، ومن ~~الرأسمالية بأبشع صورها الآسيوية في اليابان وتايلاند وفورموزا وغيرها، إلى الاشتراكية ms038 ~~بأروع صورها الشيوعية في الصين وكوريا وفيتنام ومن بلاد محايدة على شفا الحياد، إلى ~~تجارب من الديمقراطية الاشتراكية المعتدلة في الهند، إلى دكتاتوريات عسكرية، إلى شعوب ~~يحكمها الاستعمار ومخابراته، وشعوب انتزعت حريتها، إلى إنسان لا يزال يعبد الأصنام، ~~وآخرين أخذوا الماركسية العلمية عبادة، من نساء على هيئة جبشا، إلى مقاتلات تخصصن في ~~إسقاط الطائرات، من حالة الكفاف إلى دون الكفاف، من الأباطرة إلى الرقاق، ومن بلاد لا ~~ينمو فيها القتال إلى أغنى البلاد. # إنها العالم مركزا ومزدحما وواصلا إلى أقصى درجات تناقضاته. # البلد الذي خلب لبي # ومع كل ما رأيت، فإن البلد الذي خلب لبي في آسيا هو الهند: الشعب، والحضارة. ومن ~~البطولات ليس أعلى من فيتنام. في التحلل هناك تايلاند وهونج كونج. في الطموح المخيف نرى ~~اليابان. في أي مكان لا بد أن تعثر على نموذج، والنموذج صارخ، وفي كل مكان نلحظ حركة ~~من حركات التاريخ سادرة وسريعة، لا يوقفها شيء. من الواقع أيا كان، ومهما درت في ~~أفلاكه، في الشرق والجنوب والشمال، فأنى تذهب ستشعر حتما أن لهذا ~~الكون مركزا، ثقله من ثقل الشمس، ومكانه الطين ... ~~هناك هي الحقيقة الكبرى، ودائما هي في الطريق لتصبح الحقيقة الأكبر. ~~••• # وآجلا أم عاجلا، شاءت أمريكا أم أبت، فمصير آسيا للصين لا للاستعمار الصيني، ~~فالماوتسية لا تستعمر، وإنما للإشعاع العقائدي، والمذهبي والثقافي والسياسي ~~الصيني. # ومن الآن ترى الإشعاع يتجسد، والأحزاب الشيوعية الصينية النمط تتكاثر وتصبح الأقوى، ~~وتملك المنطق الذي لا يقاوم، الثورة المسلحة التي لا بديل عنها ولا محيص. # بل أكثر من هذا، سمحت لنفسي - ولست سياسيا - أن أتصور الغد الآسيوي، وهو غد يكاد ~~يكون مفاجأة. لقد حاولت أمريكا أن تبني اليابان قاعدة رأسمالية تقود القارة إلى معسكر ~~الرأسمال، ومنذ نهاية الحرب واليابان تبدو لأمريكا وكأنها أطوع لها من بنانها في هذا ~~الاتجاه، ولكن المسائل بدأت تتكشف، ومع ازدياد القوة الاقتصادية اليابانية بدأت ~~اتجاهاتها، أو رياح اتجاهاتها المستقلة تهب، وإذا كانت أمريكا قد بذلت المستحيل لتصنع ~~من اليابان والصين إسفينا يبقي العداوة ms039 بينهما إلى الأبد، فإن تقديري الشخصي أن ~~الإسفين سيتحول بطريقة لم يحلم بها أحد . ومنذ الآن تضع اليابان خططها لتتكامل ~~اقتصاديا مع العملاق الأحمر المجاور، وبالصين واليابان معا، بآسيا الاشتراكية ~~والرأسمالية التي بدأت تعود لتصبح وطنية بعد أن استنزفت ما استطاعت استنزافه من رأس ~~المال الأمريكي، بهما معا، في القريب، ستنشأ كتلة أو معسكر متكامل متناسق آخذ من الغرب ~~كل علمه وأسراره الرأسمالية ومن الشرق كل خلاصة تجاربه الاشتراكية، وبدأ وسيبدأ يحقق ~~لآسيا وجودا لم يكن لها في يوم من الأيام، ومثلما خيل لبعض المعلقين أن احتمال ~~حدوث الحرب بين أمريكا وروسيا أقل من حدوثها بين الصين وروسيا؛ فالاحتمال الذي سيكشف ~~عنه المستقبل أن آسيا، بغربها وشرقها بصينها ويابانها، ستقف وجها لوجه أمام الاتحاد ~~السوفييتي باشتراكيته، والغرب برأسماله. ~~••• # وإذا كان هذان القطبان الآسيويان في مركز أقل، وليسا الدولتين الأعظم بعد، فإن ~~الانفجار الاقتصادي والصناعي في الصين واليابان يتطور بسرعة مخيفة، وعلى يد العقلية ~~الآسيوية الدائبة المتقشفة الظامئة إلى الوجود والتفوق من زمن طويل، سيصل إلى آفاق لا ~~يمكن أن يتصورها أحد. # عصر آسيا # نحن مقبلون إذن على عصر آسيا ... # والصراع الآن على أشده. # اليابان تحاول أن تسحب من الرأسمالية الأوروبية والأمريكية، وتصبح هي موردة الصناعة ~~والصناعات لبقية البلاد المرتبطة بالرأسمالية. # والصين تحاول أن تحل محل الاتحاد السوفييتي في قيادة الثورة ضد الاستعمار والنفوذ ~~الاستعماري بكافة أشكاله في البلدان التي تبغي التحرر. # وإذا انقسم العالم في بحر السنوات المقبلة، فإنما سينقسم إلى حضارة رأسمالية نامية ~~مكتسحة، وحضارة غربية تحاول الدفاع عن النفس والوقوف في وجه ثلثي سكان العالم وقد ~~امتلكوا أخطر أسلحة العصر: العلم والتكنولوجيا، وفوق هذا كله قوة النمو المتفجرة ~~الدامغة بعد طول صبر وطول مقاومة. # وسيكون الحياد حينئذ، حياد بقية أوروبا أو بقية آسيا وأفريقيا، حيادا من نوع آخر، ~~ليس فقط حيادا بين المذاهب، ولا بين الاشتراكية والرأسمالية، وإنما حياد بين آسيويين ~~لا نهائي العدد، «أمريكيون أوروبيون» انتهت خلافاتهم المذهبية والنظامية يقتلهم الرعب ~~من الخطر «الأصفر» الذي طالما تخيلوا ms040 بتنبؤاتهم وجوده، ولكن مع هذا، أتمنى أن يحدث شيء ~~آخر. # أتمنى أن يكون وقوف الإنسان الآسيوي على قدميه، ووقوف الإنسان الأفريقي على قدميه، ~~فرصة أمام الواقفين على أقدامهم فعلا، لا لكي يقاوموا هذا الوقوف من الجانب الآخر أو ~~يعتبروه الخطر الساحق، وإنما بداية لعالم آخر جديد، وقانون آخر يسود هذا العالم؛ قانون ~~المساواة، قانون العالم الأنضج الأقوى، قانون لا يعود يسمح بقوة وحيدة ما، أو حضارة ~~واحدة ما، أو منتصر واحد ما، يسود ويخضع له الباقون. وإنما تبلغ بعقولنا حد الاعتراف أن ~~السيادة المفردة ولت أيامها وأن العصر عصر تعاون السادة، عصر التشارك وليس عصر التفرد، ~~عصر التقاسم وليس عصر الاحتكار، عصر التنوع وليس عصر النموذج الواحد، عصر مساهمة ~~الحضارات أجمع في رقي العالم أجمع، وليس عصر إملاء الحضارة الواحدة على العالم ~~كله. # نعم، أتمنى مثلما أدى التوازن الذري والنووي إلى إلغاء الحروب الشاملة، أن يحدث نفس ~~الشيء حين يوجد التوازن الحضاري والفكري، بحيث ينتهي جشع كل قومية ~~لاحتلال أرفع مكانة، وكل كتلة لسحق الأخرى والانفراد ~~بالزعامة. أتمنى أن ينتهي الصراع بين الرأسمالية دون حرب بين بعضهم البعض، والصراع بين ~~الاشتراكية دون سفك دماء، وفي النهاية أتمنى زوال الرأسمالية كنظام استغلال دون ثمن ~~باهظ، دون حرب ضحيتها رجال ونساء وشيوخ وأطفال، حياة أي فرد منهما أثمن عندي من أي ~~شعار؛ فالمذاهب لا توجد لتسود بالقتل والمهلكات، وإذا كانت الاشتراكية قد قامت لتمنع ~~استغلال الإنسان للإنسان، أي قامت بسبب نبيل تماما وشريف وإنساني، فلا يمكن ولا يعقل ~~أن يكون الطريق لتحقيقها طريقا تسيل فيه دماء نفس هذا الإنسان التي قامت لتمنع عنه ~~مجرد الاستغلال. # ولكن المؤسف حقا أن الدماء تسيل؛ لأن المستغلين يقاومون زوال الاستغلال بضراوة، ~~المؤسف أنهم يستعملون نفس الذين يسومونهم ويستغلونهم في الدفاع عنهم وعن عالمهم تحت ~~أزهى وأبهى الشعارات. # المؤسف أن الخداع ما دام قائما، وما دام هناك مخدوعون فالصدام حتمي، وأنهار الدماء ~~حتمية، والوحشية في جنسنا حية لا تزال. # ولا سبيل لإنهاء الخداع إلا بتحديد الموقف، ليس ms041 فقط على كل دولة أن تحدد موقفها من ~~الصراع في العالم، ولا على كل شعب ولا علينا كهيئات وأحزاب وتنظيمات، إنما حتى على كل ~~منها كشخص. # وذات يوم قالها الفيلسوف: أنا أفكر فأنا موجود، ومنذ قالها تغير العالم، ولم يعد ~~التفكير يحدث لمجرد التفكير، وأنت لا بد أن تفكر اليوم لتتخذ في النهاية موقفا، ~~وعلى ذلك فلتصبح الكلمة: أنا لي موقف فأنا موجود. ~~••• # محال أن يسمح العقل الصحيح لصاحبه أن يكون حيا عائشا في آسيا أو في أفريقيا أو في ~~أمريكا اللاتينية أو أمريكا نفسها وأوروبا، ولا يكون له موقف في هذا الصراع الدموي ~~الدائر أمام عينيه، صراع حتى الموقف السلبي منه لا يجدي؛ فالموقف السلبي يخدم في ~~النهاية الاستعمار والمستغلين. # وبعد جولة في آسيا الرأسمالية وأوروبا ... وقبلها أمريكا ... لم يعد أمامي إلا أن أعلنها ~~صريحة لشعبنا ولكل شريف في هذا العالم. # نعبث نحن إذا راودنا أمل، مجرد أمل، في أي نظام رأسمالي، نعبث نحن إذا راودنا أمل، ~~مجرد أمل، في تناقض يحدث بين الرأسماليين هنا أو هناك؛ فالرأسمالية الآن تعلمت ونضجت ~~وعرفت قبلنا نحن معنى الوحدة وأهمية التماسك والتكاتف، ولا تصدقوا أن تناقضا يقوم بين ~~كروب وجنرال منتورز ولا بين سوني وجروتدنج. # نحن نعيش في ظل رأسمالية شديدة الذكاء والتكييف والخبث، بارعة القدرة في التنكر، قوية ~~غنية، ليس في جعبتها أي خير أو استعداد لنصرتنا. # | التليفزيون # نعم، هي ظاهرة استرعت انتباهي حقا، وذكرتها في مرور عابر على كلمتي السابقة، ولكن، لأن ~~الموضوع هام وخطير ولا يلتفت إليه الكثيرون فقد رأيت أن أعود إليها، متوسعا فيها، واصلا ~~إلى إسبانيا وربما أيضا طرق علاجها. # ذلك الموضوع هو أننا قبل قيام التنظيمات التي تحمل شعار الإسلام وتدعو له، وتكفر كل من لا ~~يؤمن بطرقها ووسائلها، وسريان العدوى إلى خطباء المساجد ومؤذنيها بحيث تستحيل مدننا وقرانا ~~إلى مظاهرات، ميكروفونية، رهيبة ساعة الأذان للصلاة بما في ذلك أذان الفجر وتسبيحاته وإذاعة ~~الصلوات نفسها من داخل المساجد ضاربين عرض الحائط بالآية الكريمة التي تقول: # ولا ms042 تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ~~؛ فالصلاة نوع ~~من العبادة المتأملة التي تستدعي بالضرورة أن يتأمل الإنسان كلام خالقه، وحكمة ركوعه ~~وسجوده، بل ويتأمل معاني الفاتحة التي يقرؤها والتحيات التي ينهي بها ركعاته. # أقول قبل أن تعرف مصر هذه الظاهرة التي أحالت الدين الإسلامي خاتم الرسالات إلى ضوضاء ~~وأصوات تغلظ من حناجرها وتوجه التهم - والسباب أحيانا - من فوق منابر مساجدنا، كنا نؤدي ~~طقوس ديننا في جلال وخشوع ورهبة؛ لأننا كنا نحس أننا - في الصلاة - لا نواجه بعضنا البعض، ~~ولا نتخذ الصلاة وسيلة لإظهار براعة علو أصواتنا، ولكننا كنا فيها نواجه المولى سبحانه ~~ونناجيه ونسترحمه ونستغفره ونتوب إليه هو وحده. # الظاهرة التي استرعت انتباهي هي أنه مع هذا العلو في الأصوات إلى درجة الغلظة والتعذيب، ~~خفت صوت الضمير الإسلامي، وانتشرت الأهوال في مجتمعنا إلى درجة أن أولياء أمور طلبة ~~الحسينية استعملوا تلك الميكروفونات نفسها في تغشيش أولادهم وتعليمهم أن الإنسان ينجح في ~~حياته لا بالجهد والعرق والكدح وإنما بالغش والتزوير والتدليس، وكأن أولياء الأمور هؤلاء ~~ليسوا هم الذين يستيقظون كل يوم لأداء صلاة الفجر، وكأن الدين شيء والأخلاق الحميدة شيء ~~آخر، وكأن ليست الرسالة العظمى للدين هي أن يرفع من تصرفات الإنسان ومواقفه وأحكامه إلى ~~أعلى مستوى ليصبح الإنسان حقا وصدقا ظل الله على أرض الله سبحانه الكامل في ~~صفاته. # لماذا حدث هذا الانفصام؟ # ولماذا أدى هذا الانفصام إلى أن يبرر بعض أعضاء جماعات التكفير لأنفسهم أن يطلقوا النار ~~على رجل دين مريض جاوز السبعين وهو موثوق بالحبال، ويضعوا فوهة المسدس في عينه اليسرى، ~~ويطلقوا عليه النار ويقتلوه، مع أنهم يفعلون هذا رافعين راية العودة للمجد الإسلامي التليد، ~~وكأن هذه الفعلة نفسها وكأن إطلاق النار وحرق الكنائس - تلك التي نهى عنها الإسلام تماما ~~وجرمها هي نفسها الوسيلة للوصول للحكم الإسلامي الحق، وهل ممكن أن تؤدي الوسائل المجرمة ~~السفاحة إلى إقرار مبادئ العدل والتسامح والإيمان ورعاية سابع جار وحتى عدم إيذاء القطط ~~والحيوانات أو تركها حتى تموت من الجوع؟ # هل الإسلام، ذلك الذي ms043 أوصى المؤمنين به حتى برعاية الحيوان، ممكن أن تكون طريقة الوصول ~~إليه هي بقتل المسلمين دون محاكمة ودون اتهام محدد ودون إجراءات قضائية إسلامية محددة تضمن ~~للمتهم حقه في الدفاع عن نفسه، وبل أحيانا يوقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إقامة الحد ~~على السارق إذا وجد أن السرقة حدثت بسبب الجوع أو المجاعة؟ ~~••• # وأيضا ليس هذا هو موضوعنا، فهو موضوع الذين خلقوه أو اختلقوه، موضوع هدم هذا المجتمع ~~وإقامة مجتمع يخضع تماما لديكتاتورية أفكارهم، ويتصرفون فيه وكأنهم رسل العناية الإلهية ~~لإقامة الحكومة الإسلامية الدينية على الأرض، ولو بإفراغ الرصاص في عيون المشايخ أو إطلاق ~~النار على العزل وحرق المحلات والكنائس وإذكاء عداوة طائفة مصطنعة لا بد في النهاية أن ~~تؤدي إلى حرب دينية طائفية، وفي المقابل لا أستطيع أن أناقش الحكومة في رسائلها فهي مشغولة ~~بواجب المحافظة على الدولة وعلى أرواح المواطنين، بل أن أخوض في هذه «الهوجة» الإعلامية ~~القائمة حول الجماعات الإسلامية وتطبيق الشريعة والحل هو الإسلام، وكل تلك الضجة التي ~~يفرحون لها تماما ويريدون لها أن تستمر حتى لا يصبح لا عمل للناس إلا الحديث عنهم صباح ~~مساء سواء معهم أو ضدهم، والحديث معناه الرواج الشعبي والرواج الشعبي هو ركيزة من ركائز ~~الوصول إلى هدفهم وهو الحكم. # إني إنما أناقش هنا موقف الحكومة وليست حكومة اليوم فقط كما قد يعتقد البعض، ولكن موقف ~~الحكومات المصرية المتتالية منذ قيام الثورة وإلى الآن. # فلأمر ما تصورت الحكومة في الخمسينيات والستينيات أنها تستطيع أن تضرب الوطنيين والحزبيين ~~واليساريين بتملق العواطف الدينية لدى جماهير شعبنا المؤمن حقا وبالسليقة، والمصريون ~~معروفون بتدينهم الحكيم، حتى الشعوب العربية ومنها شعب المملكة العربية السعودية حيث الكعبة ~~وقبر النبي عليه الصلاة والسلام يعترفون بأن الشعب المصري وأزهره الشريف كانا هما الدعامة ~~الرئيسية التي ارتكزت عليها الدعوة الإسلامية منذ انحلال الدولة الأموية والعباسية. # وهكذا في الوقت الذي تبنت فيه حكومة الرئيس عبد الناصر قضايا التحرر الوطني في كل أنحاء ~~الوطن العربي وأفريقيا وآسيا وحتى أمريكا اللاتينية بدأت البرامج ms044 الدينية تأخذ طريقها إلى ~~الإذاعة والصحافة ولم يكن التليفزيون قد أنشئ بعد. # ولقد كنت أتابع كثيرا من تلك الأحاديث وأتعجب؛ ذلك أن الإسلام موضوع كبير جدا لا يمكن ~~أن ينتهي الحديث عنه، بينما تلك الأحاديث كانت تركز على نقطة تكاد تكون واحدة لا تتغير وهي ~~إشعار الشعب وأفراد الشعب بنواقصهم الدينية، وبأنهم لا يعبدون الله كما يجب بحيث يتناسى ~~أفراد الشعب مشكلتهم كمجتمع مع الدولة أو الحكومة وانعدام الديمقراطية في الحكم أو حتى ~~الشورى، وتصبح مشكلة الواحد منهم هي إحساسه بالنقص في كم ونوع تدينه، وليست المشكلة أبدا ~~هي حكم الفرد المطلق واستئثاره الكامل بالسلطة، واستئثاره أيضا بقرارات خطيرة مثل قرارات ~~إعلان الحرب أو إيقاف القتال أو إرسال الجيش المصري إلى اليمن أو الكونغو. # وأنا آسف حقا وأنا أقول هذا فأنا أكن لعبد الناصر الزعيم كما وافرا من الاحترام ~~والتقدير؛ إذ يكفي أنه كحاكم لم يخن أبدا قضيتنا الوطنية ولم يساوم أبدا عليها. # ونأتي لعصر الرئيس السادات ذلك الذي رفع شعار المنابر ثم حولها إلى أحزاب وديمقراطية ~~ساداتية استأثر فيها أيضا بالقرار وبتغيير السياسة المصرية 180 درجة. هنا أيضا لم يكتف ~~الرئيس السادات بتكثيف الجرعة الدينية في وسائل الإعلام، بل وبتقوية المنظمات الشبابية ~~الدينية لضرب الطلبة اليساريين، ولكنه رفع نفسه أيضا من رئيس دولة إلى الرئيس المؤمن، أي ~~إلى مصاف الرسل. وكان التليفزيون قد تربع على عرش الأسرة المصرية والشعب كله، ذلك الجهاز ~~الغريب الذي تفتقت عنه العبقرية الصناعية الغربية ويمثل أحدث وأخطر الوسائل لمخاطبة الرأي ~~العام. # وإذا كنت هنا أذكر التليفزيون بشكل خاص فلأن أثره لا يعادل آثار كل وسائل الإعلام مجتمعة ~~من صحافة وكتب وإذاعة فقط، ولكن أثره يعادل مئات بل آلاف المرات تلك الوسائل. إن متوسط عدد ~~المشاهدين للتليفزيون في مصر لا يقل عن الثلاثين مليونا، بينما مستمعو الإذاعة وقراء الصحف ~~والكتب يقلون بكثير جدا عن هذا العدد، وليست المسألة أعدادا فقط، ولكن القراءة شيء ~~والاستماع شيء، والرؤية شيء آخر تماما؛ فالتليفزيون يحرك ويوقظ كل حواس الإنسان، ms045 وفي نفس ~~الوقت لا يتطلب منه أي مجهود بالمرة، فهو يستلقي أمامه في سلبية مطلقة تاركا لمواده ~~وكلماته أن تفعل فعلها فيه دون أي مقاومة تذكر خاصة وأن 80٪ من مشاهديه من ~~الأميين. # ولذلك فالمجتمعات الأوروبية بالذات تستعمل هذا السلاح الخطير بقدر محكوم، ولقد فوجئت ~~مثلا وأنا في السويد بأن التليفزيون لا يذيع إلا ثلاث ساعات كل يوم، ومعظمها إما مواد ~~تعليمية وإما إرشادات للزراع أو للعمل، وإما موضوعات ثقافية ترفع من وعي المواطنين وقدراتهم ~~على استيعاب مجتمعهم وعيوبه واستيعاب العصر كله، وكذلك التليفزيون البريطاني. إني أتعمد ~~كلما ذهبت إلى لندن أن أذهب إليها يوم جمعة لكي يتاح لي أن أبقى يومي السبت والأحد رابضا ~~أمام التليفزيون أتعلم، أجل أتعلم، وبالذات من جامعة الهواء التي يتفننون في تحويل الرياضة ~~البحتة مثلا والرياضة الحديثة وقوانين الكهرباء المعقدة إلى صور ونماذج متحركة تثير شهيتك ~~إلى المعرفة والتعلم، أما في برامج المساء فالحديث هو حوار مفتوح حول مشاكل المجتمع ~~البريطاني الخارجية والداخلية وبالذات مشاكل التعليم والمدارس والصحة، وكل هذا بأسلوب رائع ~~جميل لا يمكنك معه أن تغلق القناة أو تتحول إلى أخرى. # هنا في مصر حين أدخلنا التليفزيون أدخلناه لأسباب حكومية محضة؛ فهو إرسال الحكومة إلى ~~الشعب يحمل أوامرها ونواهيها، أما ما يقوله الشعب وما يريد إيصاله للمسئولين فسلكه مقطوع ~~تماما، حتى نشرة الأخبار، يقوم حادث جلل في العالم مثل الحرب بين العراق وإيران، ولكن لأن ~~نشرة الأخبار هي نشرة الدولة فلا بد من مقابلات الرئيس أولا ثم مقابلات رئيس الوزراء ثم ~~رئيسي مجلسي الشعب والشورى والوزراء، وأخيرا يأتي الخبر الذي يحتل الصفحات الأولى لصحف ~~العالم ونشرات أخباره. # وأيضا ليس هذا موضوعنا ولا أريد بهذا الكلام أن أنقد أي مسئول تليفزيوني أو إعلامي سابق ~~أو حالي؛ فأنا أعرف والكل يعرف أنهم أناس ينفذون أوامر. # ومن ضمن هذه الأوامر تعلق جماهير مسلمينا بإغراقهم بفيض من الأحاديث التي لا يكاد يتابعها ~~المتفقه في أمور الدين والتي لا تتصل من قريب أو بعيد بمشاكل المواطنين الدنيوية الهائلة: ms046 ~~في برنامج اسمه حديث الروح استمعت إلى حلقة اسمها قضاء حاجات المسلمين، وفرحت بالاسم، وبكل ~~ما أملك رحت أنصت؛ فهو موضوع يهم المسلمين وقضاء حاجاتهم من الوصايا الإسلامية العظمى، فإذا ~~بالشيخ الجليل يحدثنا عن آداب دخول المرحاض في الإسلام، وكيف لا بد أن تدخل المرحاض ~~بقدمك اليسرى وأن تجلس وأنت غير مواجه الكعبة الشريفة ... وكدت أصعق، ولكن لا غرابة، فما ~~أكثر الأحاديث التي سمعتها بعد هذا وما كان أبعدها جميعا - إلا قلة نادرة - في البعد، ليس ~~فقط عن هموم الناس ومشاكلها وإنما عن الحقيقة أيضا. وذات مرة استمعت إلى شيخ جليل آخر ~~مفسرا للآية الكريمة: # وفي السماء رزقكم وما ~~توعدون # وقدم الشيخ الجليل تفسيرا بعيدا عن منطوق الآية وعن مفهومها ~~البسيط؛ إذ فوجئت به يقول إن معنى الآية أن الله سبحانه ينزل المطر على الجبال، فتحمل ~~المياه المنحدرة الطمي وتذهب به إلى الأنهار، ويستعمل الإنسان ماء الأنهار إلى الري، ~~فيخصب الطمي الأرض وينتج عنها الرزق. وفي الجزيرة العربية التي نزل فيها قرآننا الكريم لا ~~توجد أنهار ولا طمي، ولم يكن العرب البدو الذين نزل القرآن الكريم لهدايتهم يعرفون حكاية ~~الأمطار التي تسقط على جبال الحبشة وتحمل معها مياه الطمي إلى وادي النيل. الأمثلة كثيرة ~~وليس هذا مجال تعدادها، ولكني أردت أن أوضح إلى أي مدى أسيء استعمال التليفزيون: صوت ~~الحكومة من ناحية، ومن ناحية أخرى نفاق صارخ لنوع غريب من الإسلام فرضه علينا التليفزيون ~~فرضا. # أما النفاق الآخر لجماهير الشعب فهو ذلك الترفيه الأبله الغريب الذي تحفل به قنوات ~~التليفزيون ومنذ إنشائه إلى الآن: مسرحيات هلس، أفلام هلس، برامج هلس في هلس، لا يكاد ~~يستثنى إلا بعض البرامج القليلة جدا التي تبدو عارية تماما وسط ذئاب الهلس وكلابه ~~النابحة. # ولهذا لم يعد غريبا أن ينتقل الهلس والتفريط في القيم والإسلام الخالي من المحتوى ~~الحقيقي لرسالة الإسلام العظيمة، أن ينقل كل هذا من الشاشة إلى الحياة، وأن تصبح حياتنا في ~~معظمها هلسا في هلس، وأن تبلغ إنتاجية العامل والموظف 27 دقيقة ms047 في اليوم، كأننا تحولنا إلى ~~متفرجين على الحياة في عالم جاد يأخذ حياته وأموره بجدية، ولا يخجل أبدا من نواقصه وعيوبه ~~بل يفضها ويناقشها ويعالجها. # ظاهرة الذين يأخذون الملايين من البنوك ويهربون أو يعلنون إفلاسهم كيف لا يناقشها ~~التليفزيون، الغش الجماعي، الإرهاب، غلو الأسعار وجشع التجار، التعليم الخاص الذي أصبح ~~مهزلة، والعلاج الخاص الذي أصبح أكثر ربحا من تجارة المخدرات، سياستنا الخارجية، قطاعنا ~~العام، قوانين الانتخاب، أحكام القضاء ... ألف قضية وقضية كان من الممكن أن يخوض فيها ~~التليفزيون دون أن تسقط - لا قدر الله - الدولة أو تحدث ثورة؛ فالثورات والسقوط تحدث حين ~~يتجاهل الحكام ما تحفل به صدور الناس وما تختنق به حلوقهم من غيظ مكبوت، أما المناقشة - وهي ~~الديمقراطية الحقيقية - فهي التي لا تجعل إنسانا يمسك ببندقية آلية ويقتل غيره، وفي نفس ~~الوقت يعرض نفسه للقتل أو للإعدام. # وبصراحة أقل: إن سبب هذا كله هو عدم وجود سياسة إعلامية، سواء في جرائدنا أو إذاعتنا، ~~وبالذات في تليفزيوننا - نظرا لأهميته القصوى - لقد اشترى الشعب المصري تليفزيونات ~~بمليارات الجنيهات ويصرف على ال 26 ألف موظف في مبنى الإذاعة والتليفزيون الملايين ~~والملايين، وكل هذا لنرفه عن أنفسنا بعد يوم لم نعمل فيه لنتعب سوى نصف ساعة. ووجود سياسة ~~إعلامية يحتم لا بد أن يكون هناك مشروع قومي لمصر الآن: صنع في مصر شعار جميل، ولكنه ~~شعار الإنتاج أيضا، شعار أن ننتج غذاءنا شعار أيضا، ولكن المشروع القومي هو شيء آخر هو ~~«كل» يشمل هذه الأجزاء وغيرها، ماذا نريد أن نصنعه خلال السنوات العشر القادمة؟ وكيف ~~نصنعه؟ ماذا في مجتمعنا من عيوب تدفعنا إلى الاستدانة وكيف نخرج من المأزق؟ إن أخطر أمور ~~حياتنا متروكة للاتكال وللشطارة الفردية التي أصبحت وسيلة كل مصري للحصول على قوت يومه ~~وتأمين حياته، وكأننا كشعب قد انفكت حزمتنا القومية وتحولنا كلنا إلى أكل عيش ومستهلكين ~~بطريقة أصبح معها من يفكر في مصلحة الشعب مثارا للسخرية والتهكم. ولا شك أن هناك خطة ~~معادية وراء فك الشعب المصري، ولكنها خطة ms048 تعتمد في تنفيذها علينا نحن كشعب، وعلى إذكاء روح ~~الاتكال والإهمال وتكريه بعضنا في بعضنا الآخر، وقسمتنا إلى مسلمين وغير مسلمين وجنود الله ~~وجنود الشيطان، وإقامة بعض منا لأنفسهم مقام المولى سبحانه وتعالى في محاسبة خلقه، ليس فقط ~~عما يفعل أو يرتكب، وإنما حتى على ما يحتويه مكنون ضميره والحكم عليه واتباع الحكم بالتنفيذ ~~المدعوم المعجل. # وإذا كنت أصر على التليفزيون دون سواه؛ فلأننا نؤمن إيمانا لا شك فيه أن هذا الجهاز بما ~~يمتلكه من شعبية وتأثير كفيل بأن يغير تماما من موقف الإنسان المصري وسلوكه وطموحه، ويحل ~~الجماعية القومية محل الفردية الانتهازية، ويوقظ الضمائر التي ماتت أو في طريقها إلى الموت، ~~ويخفض من صوت الميكروفونات العالية التي تصم آذاننا عن أن نسمع أصوات ضمائرنا، وأن نتأمل في ~~هدوء سلوكنا على ضوء تعاليم إسلامنا أو مسيحيتنا. # في عام واحد - وأكاد أقسم - يستطيع التليفزيون بسياسة إعلامية ديمقراطية حقيقية أن يغير ~~تماما من وجه مصر والمصريين، ذلك الوجه الذي أصبح مثار شكوانا، بل وثورتنا بل والباعث ~~الحقيقي الكامن وراء عمليات القتل ومحاولاته والتعصب الأعمى والإرهاب. # في عام واحد يستطيع التليفزيون أن يعلمنا الكثير، ليس على نسق دروس المواد التعليمية، ~~وإنما باستخدام كل طاقاتنا وذكائنا من أجل أن نبتكر طرقا لمخاطبة شعبنا مخاطبة تعلمه ~~وتمتعه، ومنها يصعد إلى المستوى الذي يصبح التعليم والتثقيف والإدراك والوعي - في حد ذاتها ~~- متعة لا تقارن بكل متع الأرض. # | الشعب القوي هو الذي يغير # لنؤجل أي موضوع آخر إلى حين؛ فاليوم الاثنين يوم هام، اليوم يوم الاستفتاء، وقد يكون ~~الموضوع المطروح هو نعم أو لا للرئيس حسني مبارك، ولكنني أرى الموضوع من زاوية أخرى؛ ~~فالاستفتاء الحقيقي في رأيي هو الاستفتاء حول «وجود أو غياب» الشعب المصري والإرادة الشعبية ~~المصرية، فكلنا نعلم أن هناك شبه إجماع على إعادة انتخاب الرئيس وأنه سينجح في الاستفتاء، ~~سينجح في الاستفتاء، ما أهمية رأيي إذن، ما دام كل شيء يدور وسوف يدور أردت أم لم ~~أرد؟ # والواقع ان هذا الموقف الذي درجنا على ms049 قوله وسماعه والعودة إلى قوله وعودة الاستماع إليه، ~~ليس فقط قولا مغلوطا، ولكنه أصبح يمثل لي مرضا أصاب الرأي العام المصري لا بد من ~~علاجه واستئصاله، فحتى لو كان يمثل بعض الحقيقة فإن الاعتراف به والاستسلام له هو إذعان ~~الذين على صواب للذين على خطأ وإحباط، ومفيش فايدة وكله فاسد ولا أمل في أي شيء. # إن أي شعب في الدنيا يستقر على هذه الشعارات الفاسدة هو شعب مريض يريد أن يمرض نفسه أكثر، ~~فالرجل الرجل، والمرأة المرأة حين ينتهي أو تنتهي إلى أنه ليس هناك من فائدة وليس هناك ~~مطلقا أمل، فلا بد، إذا كان إنسانا صادقا مع نفسه أن ينتحر؛ لأن الحياة في ظل إحساس كهذا ~~هي شيء أبشع من الموت وأكثر جبنا وخسة من الانتحار؛ إذ هي حياة شائكة وحشرات وليست حياة ~~آدميين. إن الإنسان إنسان لأنه قادرا أن يفرض إرادته ونفسه وأن يدافع عن كيانه ووجوده، أما ~~الاستسلام المريض للواقع أو لمنطق الكسل القطيعي فهو أمر غير وارد في الصفات البشرية إلى ~~الآن، ولكنه للأسف ساد أكثر من اللازم في مجتمعنا وآن الأوان أن يزول. # لقد كبرنا على هذا المنطق ونحن لا ندري، والذي ساعدنا كثيرا لنكبر هو ست سنوات مضت من ~~حكم الرئيس مبارك. # فأهم ميزات تلك الأعوام ليست هي المنجزات الضخمة التي حدثت في الصناعة والكهرباء ~~والمواصلات والأنفاق، إنما أهم ميزاتها أن الإنسان المصري أصبح «أكبر»، أكبر من التطرف باسم ~~الدين من إضراب مؤسسة الأمن المركزي، أكبر من أن يحكم حكما ديكتاتوريا أو يغتصب السلطة ~~عقيد أو نقيب، أكبر حتى من أحزابه التي تدعي أنها تنطق باسمه، أكبر من الفساد، أكبر من ~~الأجهزة والأشخاص المرتشين واللصوص إذ يكتشفهم، أكبر من أن يرى الظلم أو الجريمة ويتستر أو ~~يقول: وأنا مالي. # نعم لقد كبرنا كشعب. # لقد أزالت ثورة 23 يوليو طبقة حكمت منذ ثورة 19 بأجنحتها المختلفة وإلى قيام الثورة، ~~وقامت الثورة بمبادئ ستة آخرها كان إقامة حياة ديمقراطية سليمة، أي حكم الشعب بالشعب وللشعب ~~وطردت ms050 الثورة الاستعمار القديم وقالت: لا للاستعمار الجديد، وحاولت أن تصنع لمصر إرادة ~~قومية عليا، ونجحت في هذا تماما، ولكنها لم تنجح بالشعب ولا قويت بالشعب، ولكنها حققت هذا ~~كله بأجهزة الدولة، فقويت الدولة، ولو كان قائد الثورة قد استخلص درس وقوف الشعب كله معه في ~~اللحظات التي اهتزت فيها الدولة بمختلف أجهزتها لكان قد عرف أن قوته الحقيقية لن تتأتى إلا ~~بقوة شعبه وتقوية شعبه، وجاءت السبعينيات والثمانينات بدولة تضعضعت أجهزتها بفعل الهزيمة، ~~ورغم هذا وبالشعب المقاتل المتحمس وقواته المسلحة كان انتصار أكتوبر، ذلك الذي انتظرنا بعده ~~أن يعم الرخاء، فعم، ولكن على فئة خبيثة أفسدت أجهزة الحكم المضعضعة أصلا، ولم تضف كثيرا ~~إلى قوة الشعب، بل خفت صوت الشعب لترتفع أصوات غليظة غوغائية جعلتنا نقف حائرين مذهولين، ~~أمام هذا الحادث باسمنا. # وجاء مبارك، بإرادة شعبية، فقد وضع الشعب في لحظة اختيار بين الفوضى والهوس أو بين ~~استمرار الدولة كدولة واختيار رئيس لها؛ فالدولة في مصر هامة جدا، للشعب وللمواطنين، ~~لآلاف السنين والشعب المصري يحيا على هيئة دولة، إلى أن أصبحت الدولة جزءا لا يتجزأ من ~~وجوده، حتى لو كانت دولة ظالمة أو يحكمها أجنبي يحتملها الشعب؛ لأنه لا يستطيع أن يعود إلى ~~حياته كقبائل أو قرى أو أقطار، وما دام قد أخذ صفة المواطنة منذ خمسة آلاف عام، فإن قبيلته ~~وقريته أصبحت هي مصر كلها، وأصبحت الدولة جزءا لا يتجزأ من كيانه، ونحن نقاوم التطرف باسم ~~الدين أساسا؛ لأنه يهدد وجودنا ككيان وكدولة ويريد أن يعود بنا القهقرى إلى حكم الطوائف ~~والنحل. # وقد جاء مبارك كما يعرف الجميع على أجهزة دولة شبه فاسدة، وعلى شعب فاقد الثقة تماما ~~فيما يمكن أن تصنعه تلك الدولة. # والحقيقة أن هناك شبه أكذوبة قيلت لنا وصدقناها، أكذوبة أن الدولة هي المسئولة الأولى ~~والأخيرة عنا، وبالتالي فإن رئيس الدولة عليه أن يقوم بكل العمل، هكذا كان الأجانب يحكمون، ~~ولكان الأتراك والمماليك والألبانيون والمصريون الذين حكموه الملك أو الرئيس أو السلطان هو ~~الذي عليه أن ms051 يحقق لنا ما نطمع فيه أو نحلم به، فإذا لم يفعل انتقدناه وشنعنا عليه وأطلقنا ~~حوله النكات، ونادرا نادرا ما نثور عليه. # وكان مبارك أول رئيس لجمهورية مصر يدخل في إطار وظيفة الرئيس، فلم يحاول - بحكم تكوينه ~~وطبيعته - أن يكون زعيما، أو محققا لكل شيء ومنجزا وحده للمعجزات، كان على هذا الرئيس أن ~~يبدأ من تحت الصفر ويحاول أن يعيد النظام إلى دولة تخربت، والمشكلة أنه كان يحاول أن يعيد ~~هذا النظام بنفس الجهاز المخرب، فهو لا يستطيع في يوم وليلة أن يجد جهازا آخر، أو حتى ~~أناسا آخرين. # وقد فعل. # ولا أستطيع أن أقول إنه، حتى الآن، قد أصلح تماما من أجهزة الدولة ولا من اقتصادها ولا ~~من مستوى الحياة فيها. # ولكن الذي أستطيع أن أقوله، إنه حتى بهذا الحد من الديمقراطية الذي نحيا في ظله استطاع ~~شعبنا أن «يكبر». # أجل، إن شعبنا أكبر بكثير مما كان عليه عام 1981، قارن بين ما يكتب اليوم - وإن شابه في ~~كثير مما كان يكتب ويعلن في ذلك الحين - وبين ما يكتب اليوم في صحف المعارضة بالذات، ~~قارن بين موقف حزب التجمع الذي لم يملك إلا أن يجسد نشاطه احتجاجا أيامها وبين حزب التجمع ~~الآن وهو يعلنها على الملأ ويحرض الناس على أن يقولوا، لا لمبارك، قارن بين حزب الوفد الذي ~~حل نفسه أيامها وموقف الوفد الآن وهو يجهر بأن الاستفتاءات طريقة غير دستورية للحكم. # قارن بين صحف التحالف الآن وهي ترسل مندوبيها إلى إيران الخوميني ويعودون سالمين ويكتبون ~~دعاية لنظام الخوميني على الملأ وفي صحف تأخذ ورقا مدعوما من قبل الحكومة. # قارن بين ضرب نقابة المحامين ونقيب المحامين وبين صوت النقيب والنقابة الآن، قارن بين ~~إضراب عمال السكك الحديدية وإبراء القضاء لهم وبين الكبت المفروض على كل النقابات ~~والفئات. # قارن بين ما كنا نحن نستطيع كتابته أيامها، وما نكتبه الآن، دون أي تدخل من رئيس التحرير ~~أو الدولة، ودون فصل أو امتهان ودون اتهامات بالرذالة والصفاقة وقلة الأدب. # قارن بين النقد الصريح ms052 الواضح الذي تجد كل مصري يقوله بأعلى صوته في الاجتماعات وفي ~~الندوات وفي الصحف إلى درجة تكاد مصر تتحول إلى خمسين مليون ناقد للحكومة، قارن هذا الصمت ~~المخيم أيامها، صمت النرجسية. # ليست هذه كلها من معالم حكم مبارك وطريقته في الحكم، ولكنها وهذا هو الأهم، علامات أن ~~شعبنا قد كبر وأزاح أثقال الحديد الجاثمة فوق ظهره، وبدأ يتكلم ويقول رأيه وبدأ أيضا يتحرك ~~وينتج، ويعتز بإنتاجه وبأنه مصري، بل ويحلم أحيانا بأنه ممكن أن يغير الكثير في واقعه، وأن ~~يصبح أحسن وأحسن. # إن الزعامة القوية أو المستقوية تضعف شعبها ما في ذلك شك والشعب القوي في حاجة إلى رئيس ~~فقط وأبدا ليس في حاجة لزعيم، فإن المغير الحقيقي هو الشعب وليس أبدا الحاكم مهما رفع ~~الحاكم من شعارات، والشعب الضعيف أمام الزعيم لا يغير شيئا، ولهذا لا يتغير أي شيء، مآسي ~~هزيمة 67 أنها كشفت لنا، وقد كنا نتصور أن كل شيء يتحقق لنا، أن شيئا لم يتحقق، حتى داخل ~~أقوى الأجهزة، قواتنا المسلحة، وحين أدرك شعبنا أنه وحده المسئول عن حمايتنا واسترداد ~~أرضنا، كان انتصار أكتوبر المجيد. ~~••• # إن أهم ما تحقق خلال السنوات الست الماضية أن شعبنا بدأ يمسك زمامه بيده، وبدأ يقوى ويرفع ~~عنه أيدي الأوصياء بالقوة، وبدأ يدرك حجم مشاكله الحقيقي، ويبحث عنها وينقب، وحل المشاكل ~~دائما يبدأ بإدراكها، مثل أي علاج لا بد أن يبدأ بتشخيص دقيق، وهذه كلها علامات صحة لا ~~نراها؛ ذلك لأننا تعودنا على رؤية المرض حتى مرض نظرنا نفسه، وفي أحيان وجهات نظرنا. # ولهذا فأنا أعتقد أن ست سنوات أخرى من هذا النوع من الحكم الذي يقوي الشعوب هو ما تحتاجه ~~بشدة. # ست سنوات أخرى أعتقد أننا فيها سنصبح أقوى بكثير مما نحن عليه اليوم: إذا كنا نريد أن ~~نعدل الدستور نعدله، إذا كنا نريد الانتخاب بدل الاستفتاء نفعل، إذا كنا نريد أحزابا جديدة ~~ومنابر جديدة للرأي نوجدها، إذا لم تكن تعجبنا وسائل الإعلام والصحافة والثقافة والمسرح ~~والسينما وفوضى المرور في الشوارع ms053 ومهرجانات الضجة الصاخبة آناء الليل وأطراف النهار ~~نرفضها. فالشعب القوي هو القادر على التغيير، وأعتقد أن كل الأصوات حسنة النية التي تطالب ~~بالتغيير، تطالب بهذا لا لتحكم به، وإنما ليتيح لها وللشعب قدرا أكبر من القوة ~~والقدرة. # والضمان الوحيد لهذا أن يستمر مبارك كرئيس للجمهورية بتلك المواصفات نفسها التي حكم بها ~~ست سنوات خلت، أما التغييرات فسوف نحدثها نحن حين نؤمن إيمانا حقيقيا أن الدولة جهاز ~~يديره مواطنون لهم كل أعيننا وليس فيهم كل ميزاتنا، وأننا وحدنا حين نقوى كشعب سنقوى كدولة ~~وسنقوى كعقول مفكرة وكإرادة قادرة على تحقيق هذه الأفكار. ~~••• # لهذا أقول صادقا مع نفسي أن التقاعس عن إبداء الرأي في هذا الاستفتاء هو استكانة مرضية ~~لفكرة أن رأي كل منا بمفرده غير مهم؛ فالشعب القوي لا بد أن يكون مكونا من أفراد ~~أقوياء، وليس من صفات القوة أن يتنازل الإنسان، ولكن قانون انتخابه وهؤلاء الذين ركبوا موجة ~~الحزب ستوحي لنا وللعالم أننا تغيرنا إلى الأحسن، وأننا أصبحنا قوة يحسب حسابها. قولوا نعم ~~أو قولوا لا؛ فالمهم أن نكون هناك، أن نترك الصحيفة جانبا ويرتدي كل منا أحسن ما عنده من ~~ثياب ويقول لأولاده وأسرته أنا ذاهب لأقول رأيي الذي امتنعت عن إبدائه سنين طوالا، لأنه في ~~الحقيقة لم يكن له وزن، وكان إجراء شكليا محضا. هذه المرة حين نذهب كمواطنين أقوياء ~~نقول نعم أو نقول لا، فأنا أصوت إذن مع حقي في إبداء رأيي وواجب الجميع وعلى رأسهم مبارك أن ~~يحترموا هذا الرأي وأن يعملوا به. # فرق كبير أن يحدث الأمر الواقع بغير إرادة منا وبين أن يحدث بإرادتنا، فإذا تعلمنا معا ~~أن تكون إرادتنا هي الفيصل فإننا لن نكتفي في المرة القادمة بأن نقول نعم أو نقول لا، وإنما ~~سنملي رأينا بالتفصيل ونثبت حقنا في المفاضلة بين مرشح وآخر، ونوجد نحن وليس المحترفون ~~فقط، على الساحة. # إني أقولها، بكل الصدق مع نفسي ومعكم نعم لست سنوات أخرى من حكم مبارك، فهو وحده الطريق ~~لأن نكبر أكثر ونقوى ms054 أكثر. # وإذا كانت الإعلانات والصفحات قد أزعجتكم مثلما أزعجتني فذلك عمل أجهزة وأشخاص يريدون أن ~~يضمنوا المستقبل. # فلا تدعوا الضجة تخفي الحقيقة، والحقيقة الوحيدة هي نحن، هي عند الأصوات في صناديق ~~الاستفتاء. # أم نفعل مثلهم ونتعاون معهم على إخفاء الحقيقة. # | وداعا أيها المجلس وإلى غير لقاء # مهما تكن الأسباب التي حدت بالرئيس حسني مبارك إلى حل مجلس الشعب (أو فلتسمه الاستفتاء ~~حول حل مجلس الشعب؛ إذ النتيجة معروفة) مهما تكن الأسباب، فإن الفرحة التي عمت الناس جميعا ~~- إلا أعضاء المجلس بالطبع - لم تكن فرحة أناس مراهقين يهللون لأي تغيير مهما كان ذلك ~~التغيير، وإنما هي في الحقيقة فرحة شعب ناضج قديم مدرك تماما لماذا يفرح إذا فرح، ولماذا ~~يغضب إذا غضب، وبصرف النظر عن دستورية أو عدم دستورية المجلس المنحل، فما رأيت في حياتي ~~مجلسا أجمع الناس على عدم فاعليته مثل ذلك المجلس المنحل، مجلس تشكل كملابس المجاذيب في ~~الحسين، أو كخبز الشحاذين (من كل بيت لقمة وطعم ولون ونوع) كل يحتوي معارضة وفيه تمثيل صوري ~~لأحزاب، ولكن قانون انتخابه وهؤلاء الذين ركبوا موجة الحزب الوطني وبعض الأحزاب الأخرى ~~ليكون لهم الحق في الترشيح جعله لا يمثل أبدا إمكانات شعبنا الوطنية والسياسية، وقياداته ~~الحقيقية، إنما هو بقايا ورواسب الذين احترفوا الترشيح والانتخاب وبرعوا في أساليب التسلق ~~والنفاق، منذ أيام هيئة التحرير إلى الحزب الوطني الديمقراطي، لا أحد «إلا القليل جدا» ~~بمثل مذهبا أو اتجاها أو لديه برنامج ما لحل مشاكلنا أو إصلاح أمورنا، لا وضع يهمه إلا ~~وضعا شخصيا متربعا عليه، وأحيانا يتكسب منه ويصبح قريبا من الوزراء والكبراء وذوي ~~النفوذ ... في الحقيقة مجموعة من البشر كنت أراهم في التليفزيون وأحاول قراءة تعبيرات وجوههم، ~~وما تحويه أدمغتهم، فلا أجد في عين أي منهم بريق حماس أو قدرة على إعمال فكر، أو أملا ولو ~~ضئيلا في تلك الوجوه المنطفئة التعبير أن تصنع لنا أو لبلادنا شيئا، موافقون؟ ترتفع ~~الأيدي كرايات الجيش المهزوم توافق، وهي لا تعرف لماذا توافق، إلا لأن الرأي ms055 أو القرار صادر ~~من الحكومة. المعارضون مجموعة محفوظة من الأيدي، تكمم الأغلبية أفواهها وتصرخ كالأطفال ~~المتشنجين وتدق الأرض بأقدامها احتجاجا على رأي مخالف يقال، ولو كان هذا الرأي المخالف ~~نفسه أكثر خدمة لمصالح الشعب أو الحكومة، ولكن لأن قائله مدموغ بأنه معارض أو من الجنس ~~المنبوذ، فلا بد من إسكاته وكتم أنفاسه، والتشويش عليه حتى يخمد رأيه. كنت أرى هذا، ~~ويراه غيري، فأقول لنفسي: يا ربي، ما فائدة هذا المجلس؟ وما فائدة هؤلاء الناس؟ ولماذا تلك ~~الميزانية الضخمة تنفق على «شكل» ديمقراطي لا معنى له ولا مضمون بالمرة إلا أن يقال إن ~~عندنا أحزابا وعندما مجالس وعندما حرية رأي، بينما ما عندنا ليس إلا «ترحيلة» و«أنفار» جيء ~~بهم ليحتلوا الساحة ويخلوها؟ من أي فكر أو نبض أو جهد صادق في سبيل مناقشة أمورنا ومشاكلنا ~~والخروج بحلول حقيقية ممحصة تفيدنا وتفيد أولادنا من بعدنا. # إنه في الحقيقة لم يكن مجلسا، ولكنه كان «طبقة» احتلت كراسي الحكم والتمثيل النيابي ~~ومجالس المدن والقرى واللجان والمراكز الحساسة، احتلتها منذ زمن بعيد، وتلونت وتشكلت مع كل ~~تغيير في الرئاسة والقيادة يحدث، ولا تزال تحتل الساحة، بعيون لا تعرف الخجل، وبفنون محترفي ~~الشجار وإطفاء الأنوار وفض الموالد. # وأكثر ما آسف له أني لم أقل هذه الكلمات التي تعبر عن رأيي الحقيقي، وهذا المجلس قائم ~~وموجود، كنت مستعدا أن أقولها لقوم يعقلون، ولأناس يعرفون ويقدرون حكمة الرأي وحرية ~~إبدائه، أما هؤلاء فلم يكن ممكنا، بل كان مستحيلا تماما أن تقول لهم الرأي الصادق، خاصة ~~لو كان رأيا فيهم هم شخصيا، إنك حينئذ لن تقابل بالآراء الأخرى أو بالردود المكتوبة أو ~~المقالة، ولكنك ستقابل بالهراوات والاتهامات. ~~••• # مرحبا إذن بقرار حل هذا المجلس. # ولكن هذا ليس كل شيء. # فنحن لا نريد أن نحل مجلسا لنأنس بنفس أعضائه، متنكرين أو بنفس أرديتهم، لا نريد أن نهز ~~روح الأمة بقرار إجراء الانتخابات ليتمخض الأمر عن عودة «ريما لعادتها القديمة». # بصراحة ... # لا نريدها مجرد انتخابات تجري لإحلال وضع دستوري محل وضع غير ms056 دستوري. # ولكننا نريدها انتخابات لتحقيق الهبة التي نادى بها الرئيس مبارك، وتحقيق الصحوة ~~والانفجارة السلمية البانية التي نادينا وننادي بتحقيقها، نريدها انتخابات توقظنا ونستيقظ ~~بها، ترد لنا الروح، وترد بها الروح لبلادنا وحياتنا ومجريات أمورنا. نريد وجوها غير ~~الوجوه، وأيديا قوية، تؤيد بقوة إذا أيدت وتعارض بقوة، إذا عارضت لا نريدها «ترحيلة» تأييد ~~وتشويش على الرأي الآخر، وإنما مجلس عقلاء، سواء أكانوا مؤيدين أم معارضين، يعتبر كل منهم ~~أن الآخر أو الآخرين لا يقلون حبا لنا ولبلادنا ولمصلحتنا عنه، إذا استمع إلى الرأي يجيد ~~استماعه، وإذا عرضت المشكلة ينكب عليها دراسة وتحليلا ووصولا إلى رأيه واجتهاده الخاص في ~~حلها. # مجلس يليق بمصر 87، فمنذ مائة عام وأكثر كانت مجالسنا النيابية والتشريعية وحتى ~~الاستشارية أكثر قوة وفاعلية ونضجا من تلك المجالس التي مللنا وجودها منذ أول مجالس ما قبل ~~وبعد عام 1952 إلى الآن، مجالس يفخر المصريون بأنه مجلسهم وقيادتهم الجماعية ~~الحقيقية. # ويفخر هو - هذا المجلس - أنه مجلس مصر الداخلة على القرن الواحد والعشرين، مصر القادرة ~~على أن تصبح ديمقراطيتها نموذجا للديمقراطية في العالم الثالث كله، القادرة على إفراز ~~العلماء والمفكرين والقادة والنواب الذين لا يقلون كفاءة ورجاحة وثقة بالنفس عن نظائرهم في ~~دول العالم الأول. ~~••• # إن أكثر ما يميز الرئيس حسني مبارك هو حساسيته لما يعتمل في قلب الناس وما يدور وراء ~~أقنعة ابتساماتهم، وحتى سكوتهم إن سكتوا، وذلك الاجتماع الذي عقده معنا الرئيس محمد حسني ~~مبارك عقب زيارته لمعرض الكتاب كان حريا أن يتحول إلى مؤتمر مصغر للمثقفين والكتاب، يفتح ~~لهم الرئيس قلبه ويفتحون له قلوبهم، وأعتقد أن الرئيس حرص في العام الماضي، وفي هذا العام ~~أيضا على تقليد الاجتماع بالكتاب والمثقفين في عيد الكتاب لهذا المعنى، ولكن القلوب، قلب ~~الرئيس وقلوبنا، ما كادت تتفتح حتى انبرى أصحاب الأصوات العالية الغليظة يدافعون عن الرئيس ~~وسياسته وكأنه معاذ الله موضع مساءلة، في حين أن الحديث كان موضع استفسار ومناقشة، علت ~~أصواتهم وصخبهم تثبت للرئيس أنهم هم وهم وحدهم الذين يتبنون سياسته ms057 ويؤمنون بها ومستعدون ~~للاستشهاد في سبيلها، في حين أنهم في رأيي ليسوا سوى «كذابي زفة» وأن أولئك الذين يريدون ~~مناقشة الرئيس وفتحوا قلوبهم له ومعرفة ما في قلبه هم أولئك المقاتلون المخلصون الذين - ~~عندما يجد الجد - هم الذين سيقفون يدافعون بصدورهم وأرواحهم عن ذلك الحاكم المصري المتواضع ~~في غير تكبر، الديمقراطي بحكم التكوين، الهاوي لرفع الشعارات ثم الضرب تحت الحزام في ~~الظلام. # أجل. # مرحبا بقرار حل ذلك المجلس. # ويا شعبنا العظيم، ها قد جاءت الفرصة وانتخبوا مجلسا يليق بنا وبكم، فإن التفريط في صوت ~~أي منكم، وأداء الانتخاب وأنتم منومون بالقرابة والمحسوبية والكلام المعسول، هو في رأيي ~~خيانة. # فليعتبر كل من ينتخب من لا يؤمن بأحقيته لتمثيل الشعب المصري كله أنه قد خان الأمانة، أو ~~بمعنى أدق خان مصر، مصر التي لا بد أن ترفع عن كاهلها الكآبة والفتور وفقدان الهمة ~~واليأس التي استشرت في الفترة الأخيرة، وتتطلع إلى مستقبل سريع توجده وتخلقه وتحتل به ~~مكانتها الجديرة بها. # المستورد الخفي # تابعت بذهول حكاية الألبان المجففة الحاملة لكم من الإشعاع القاتل، وأعترف أن متابعتي ~~للموضوع جعلتني أعتقد أن حياتنا لا يمكن أن تمضي هكذا أبدا وأننا وصلنا إلى نقطة ما ~~بعد الخطر. # ودعونا من الحديث عن تلوث جو مصر - والقاهرة على وجه الخصوص - بحيث إن تلوثها أصبح ~~يعادل عشرة أضعاف الحد المسموح به للتلوث في أي مدينة أو مجتمع بشري، لا أذكر الرقم على ~~وجه الدقة، ولكن ما أعرفه أن التلوث في أجواء القاهرة هو أعلى معدل للتلوث في ~~العالم. # دعونا من هذا. # ودعونا من التلوث الضجيجي الذي تحفل به مدننا وقرانا، صباحا ومساء، وفجرا وليلا، ~~وفي كل وقت ... # ودعونا أيضا من هذا فليس ذلك هو موضوعنا هذه المرة. # فنحن نعرف كل تلك الحقائق المرعبة عن الظروف غير الملائمة للحياة التي يعيش فيها ~~الإنسان المصري. # ومع هذا فنحن صابرون، في انتظار الجنة؛ فالجنة - هكذا قال الله سبحانه - ~~للصابرين. # ولكن حكاية اللبن المشع تلك قصة لا يدري الإنسان أيموت ضحكا منها أم ms058 يموت كمدا، فهي ~~قصة - كما يقولون - لها العجب. # إنها جريمة، قصة جريمة عادية من الجرائم الكثيرة التي يرتكبها المجرمون الساعون إلى ~~الربح ولو على حساب حياة البشر: شركة ألمانية مجرمة أنتجت كمية هائلة من الألبان، حين ~~فحصتها وزارة الصحة الألمانية وجدت أن نسبة الإشعاع بها أضعاف أضعاف النسبة القاتلة ~~للإنسان سواء أكان طفلا أو رجلا، وهكذا أمرتها الحكومة الألمانية بالتخلص من تلك ~~الألبان ولو كانت آلاف الآلاف من الأطنان، ودخلت الشركة في مفاوضات مع الشركات ~~الأمريكية (أو اللجان الحكومية لا أعرف بالضبط) التي تخصصت في دفن النفايات الذرية ~~والتخلص منها، لتتخلص من ذلك اللبن القاتل، ولكن السلطات الأمريكية رفضت أن تقوم بالعمل ~~لكثافة الإشعاع، ولم يبق أمام الشركة الألمانية إلا أن تقوم بإعدام الألبان بنفسها، ~~وإعدام تلك الكمية الهائلة وبطريقة لا يتم بها إعدامها فقط، ولكن أيضا بالتخلص من ~~الإشعاعات المذابة الكامنة فيها، عمل مكلف جدا! لكن فكر عقل مجرم شرير في تلك الشركة ~~الألمانية في ألا يتخلص من تكاليف ومجهودات إعدام الألبان فقط، ولكن أن يبيع تلك ~~الألبان نفسها، ويحول الخسائر المتوقعة إلى ربح رهيب باهظ. # وهكذا أطلق سماسرته في دول العالم الثالث؛ لأنه يعرف أن تلك الدول لا تدقق كثيرا في ~~فحص وارادتها الغذائية، وبالأخص لا تدقق كثيرا في المحتوى الإشعاعي لتلك الأغذية ~~ومقاديرها. # وهكذا التقى هذا السمسار بمستورد مصري، مجرم هو الآخر، واتفقا على الصفقة، يشتريها ~~المصري بأبخس سعر، وينجح فيها الألماني بالتخلص منها ويبيعها بأي سعر، أو حتى بإبعادها ~~عن ألمانيا بلا سعر ولا تكلفة إعدام. # ووصلت الشحنة الأولى التي احتوت على ستة وعشرين ألف صندوق على مركب شحن إلى مياه ~~الإسكندرية، وجرت، أو كانت جارية عملية الإنزال إلى الشاطئ تمهيدا لتمريرها من الجمرك ~~وبيعها في الأسواق بنفس السعر الذي تباع به الألبان السليمة، وكان كل شيء جاريا في ~~صمت وعلى أتم ما يكون من السرية والتوفيق، إلى أن حدث ما لم يكن أحد - لا الشركة ~~الألمانية ولا المستورد المصري - يتوقعه، وأعلن رئيس وزراء المقاطعة الألمانية ms059 عن ~~الصفقة الإجرامية، بل وحدد الجهة التي أرسلت إليها الشحنة القاتلة، ميناء الإسكندرية ~~بالذات. # وكانت صحافتنا حسنة النية تماما، فنشرت تصريح رئيس الوزراء وخبر وصول الشحنة وخبر ~~إنزال محتوياتها. # وغضب الرأي العام، وانصب غضبه على سؤال واحد: من هو المستورد المصري الذي ارتكب هذه ~~الجناية العظمى في حق مصر وأطفالها وآدمييها، إلى هذا الحد كانت الأجهزة المصرية صامتة ~~صمت القبور، وكأنها هي الأخرى في انتظار إعلان اسم المستورد ليتم القبض عليه وعقابه، ~~ولكني فوجئت كما فوجئ الناس جميعا في مصر بالأجهزة المصرية وقد بدأت تتحرك. # بيان لمجلس الوزراء أن مصر لا يوجد بها أي لبن مشع وأن لا صحة لما نشرته ~~الجرائد. # بيان من وزير الصحة يؤكد أن جميع الأغذية المستوردة ومنها الألبان تخضع لفحص ~~ميكروبيولوجي وكيميائي وإشعاعي دقيق، وأنه لا صحة لما قاله رئيس وزراء ألمانيا ونشرته ~~الصحف المصرية بحسن نية أو على الأصح «بسذاجة وغفلة». # وأنا أعرف الدكتور محمد راغب دويدار وزير الصحة وأعرف أنه كان من أكفأ أطباء الوزراء ~~الذين عركوا مناصبها ومستويات تلك المناصب إلى أن أصبح - بكفاءته وتفانيه في عمله - ~~وزيرا للصحة، وهو ربما أول وزير صحة يأتي من قلب أطباء وزارة الصحة أنفسهم وليس من ~~خارجها كما جرت العادة. # بل وأعرف أنه لا يعد مسئولا أبدا عن تسرب أي غذاء فاسد أو مشع، وإنما المسئول هو ~~جهاز يخضع لإشرافه؛ إذ هو لا يذهب بنفسه إلى الموانئ التي ترد إليها الأغذية ~~ليفحصها. # وأعرف أن مجلس الوزراء لا علاقة مباشرة له بإجراءات فحص الأغذية، إنما علاقته بها ~~علاقة سيادية أو إشراف سياسي. # ولذلك كان صدور تلك البلاغات التي تكذب رئيس وزراء ألمانيا الذي «تجرأ» وأعلن عن فساد ~~ألبان ألمانية وحذر منها، ليبعد أي فضح عن بلاده وشركاتها، وكأنه هو المجرم الحقيقي أو ~~هو الكذاب الذي يفتري على شركات بلاده، ويتهمها بالغش والجرم. # وحينما نقرأ أن الشحنة لا تزال في المركب خارج رصيف ميناء الإسكندرية وأن ما هبط ~~عينات للفحص ليس إلا، وحينما أقرأ أن السلطات أمرت ms060 بإرجاع السفينة من حيث أتت، أقرأ ~~شيئا متناقضا تماما، من نفي قاطع أن لبنا مشعا أو فاسدا قد استورد إلى مصر، ~~إلى تأكيد أن الشحنة جاءت وفرغت وكانت في سبيلها إلى السوق وإلى المستهلك، وحينا ~~أقرأ أن الباخرة محجوزة بعيدا عن الرصيف، وحينا أقرأ أنها أعيدت. # ولكنني أبدا أبدا لم أقرأ شيئا لا عن مجلس الوزراء، ولا عن النائب العام ولا عن أي ~~جهة قضائية أو حجر صحي أو إدارة صادرات أو واردات عن اسم ذلك الجاني الغريب الذي تعاقد ~~وشحن وجلب اللبن المشع القاتل، ولا يجرؤ أحد على إعلان اسمه، بل بدلا من هذا يقومون ~~نيابة عنه بنفي التهمة كلية، وإبرائه من تهمة إدخال مواد قاتلة على هيئة غذاء للأطفال، ~~كانت العلبة الواحدة منه كفيلة على الأقل بقتل طفل، أي تهمة الشروع في قتل 26 ألف طفل ~~مصري بريء بسبق إصرار ووعي وترصد. # وأغلب ظني أني لن أقرأ اسم هذا المستورد ما دام مجلس الوزراء - بجلالة قدره - قد ~~برأه، وأنكر وجوده، وأنكر أصلا أصلا وجود جسم الجريمة، وكأن جريمة كبرى لم تكن قد تمت ~~أركانها جميعا بحيث إن أقل عقاب لمرتكبها كان لا بد أن يكون السجن المؤبد إن لم يكن ~~الإعدام. # أجل، أيها القراء الأعزاء. # إن الذي قام بهذه الجريمة مصري عنده طاقية إخفاء باتعة الأثر، بحيث قام بكل ما قام به ~~أمام سمع وبصر مجلس الوزراء وجميع أجهزة الدولة، دون أن يراه أو يعرفه أو سمع عنه ~~أحد. # هل تفعلون مثلي وتموتون من الضحك؟ # أم تموتون كمدا؟ ~~••• # اختاروا أيا من الطريقتين، فكلتاهما أهون بكثير من الموت بالإشعاع السرطاني، وفي ~~كل الحالات ستموتون دون أن تعرفوا أبدا اسم ذلك المجرم القاتل الذي لا يريد أحد أن ~~يفصح عن اسمه. # إني أتحدى أجهزة الدولة بكافة مستوياتها أن تعلن اسمه وصفته؛ إذ يبدو أنه أقوى كثيرا ~~من أجهزة الدولة. # | المندوب الغائب # ولا أقصد بهذا، المندوب الغائب، بعض الرؤساء المسلمين الذين لم يحضروا المؤتمر. # إنما هو مندوب آخر، لن أنتهي من ms061 هذه الكلمة إلا وقد عرفناه. # فهذا ليس مؤتمرا إسلاميا آخر يعقد. # وليس مجرد منبر عربي إسلامي آخر سيقف كل رئيس أو ملك ليتحدث فيه حديثا بليغا عن ~~«المخاطر» التي تحيق بالأمة الإسلامية وعن «التشرذم» و«الفرقة» التي أصبح عليها المسلمون ~~اليوم، عن أحوالهم التي تدهورت، وأصبحت وسائل الإعلام العالمية وليس لها من عمل إلا نشر ~~غسيل المسلمين على العالمين لكي يبدو قذرا، وإلا نشر أخبار الفضائح السياسية العربية ~~والإسلامية وملء أدمغة الرأي العام الغربي بصورة مسلم إرهابي يخفي الخناجر والمتفجرات في ~~عمامته، ولا يتوانى عن ذبح أخيه تحقيقا لما نطقت به طبيعته من حقد على الغرب والشرق معا، ~~ونزعة إلى الإرهاب والإجرام عموما. نفس وسائل الإعلام والاتصال التي تولت تغذية مخيلة ~~القرن التاسع عشر والعشرين بصورة اليهودي البخيل المرابي الذي لا يتوانى عن اقتطاع جزء من ~~لحم أي بشري وفاء لدينه، صورة شيلوك شكسبير تاجر البندقية، لا، لقد ذهبت تلك الصورة إلى ~~الأبد، وحلت محلها صورة يهودي حساس شديد التقوى متحضر السلوك واقف بأطفاله وشيوخه ونسائه ~~مهددا من قبل عربي مسلم له لحية قاتل، وأنياب سفاك، يرتدي العقال ويحمل صرة الملايين ويهدد ~~عالم الغرب وحضارته بالفناء. # لا، ليس هذا المؤتمر مجرد منبر آخر سيقف عليه كل رئيس أو ملك يعيد شرح الفضيحة العربية ~~والإسلامية، ويناشد الضمير العالمي أن يستيقظ و«يحن» على عالم المسلمين بقليل من الرحمة ~~والرأفة والقروض والتأييد. # نعم أخشى ما أخشاه أن يتحول مؤتمر الرؤساء المسلمين إلى «مكلمة» ومحزنة تلطم فيها الخدود ~~وتشق الجيوب على الحال المسلم المائل. # فهذا أخطر مؤتمر قمة إسلامي يعقد. # ويعقد في أخطر مرحلة وصل إليها العالم الإسلامي والعربي منه على وجه التحديد. # ذلك الذي بدأ فيه المسلمون يأكل بعضهم بعضا، ويذبح بعضهم بعضا ويدمرون بلادهم بأنفسهم ~~وبأيديهم، ويفعلون بأوطانهم ما لم يجرؤ على فعله أي تتار أو استعمار أو مغول. # ولهذا فإني، ومعي على ما أعتقد كل من بقي لديه ذرة من إدراك ووعي وبصيرة، نرجو من مؤتمركم ~~هذا أن يكون شيئا آخر غير ms062 ما درجت عليه مؤتمراتكم؛ فهو ليس مؤتمر مسئولين أو حكام هذه ~~المرة، وإنما هو مؤتمر مساءلين، أكاد أقول مؤتمر متهمين؛ إذ أنتم بأنفسكم الذين توليتم ~~إيصال عالمنا العربي إلى تلك الحالة التي هو عليها، فإذا كان للمسلمين أعداء هم الذين ~~يكيلون لهم الضربات تلو الضربات، فأقسى تلك الضربات وأشدها فتكا يأتيها منكم أنتم، من ~~القيادات التي حضرت والتي لم تحضر. # حتى أوصلتمونا إلى مرحلة الهزيمة الكاملة. # أجل، بصراحة أيها السادة «اجتماعكم هذا» إذا وضعناه تحت عدسة الحقيقة المجردة، والواقع، ~~والنظرة الموضوعية البحتة، اجتماعكم هذا هو اجتماع مهزومين. # الكلمة بشعة ومروعة، وأنا متأكد أن الكثيرين سيغضبون لها ومنها، وبل ربما كان رد فعلهم ~~أشد وأقسى، ولكن الوقت أيها السادة كما قلت لم يعد وقت مجاملات، ولا وقتا لتهوين الأمر على ~~النفس أو الضحك والكذب عليها. # لقد كذبنا على أنفسنا، واسمحوا لي أيضا أن أضيف كذبتم علينا طويلا وكثيرا، وكنا ~~باستمرار نصدقكم، وكنا باستمرار نتلقف كلماتكم الهادرة التي تتحدث عن حتمية وقوفكم في وجه ~~طغيان العدو، وتعهدكم أننا حتما منتصرون ... كثيرة وطويلة هي الخطب والتصريحات والخطابات ~~الجماهيرية المباشرة في عشرات المناسبات، الخطابات التي تنطلق بل وتجأر بتعهدكم بالحفاظ على ~~الأرض والعرض والشعب والوطن، وكانت الأحداث تتوالى وظلت تتوالى إلى اليوم، اليوم الذي وصلنا ~~فيه إلى مرحلة الهزيمة. # وها هو ذا اجتماعكم التاريخي يحدث تحت راية الهزيمة وليس أبدا تحت ظل راية أخرى؛ فهو ~~أبدا ليس اجتماعا تجتمع فيه على أثر انتصار ولو ضئيلا حققناه، وليس اجتماعا تحت ظل وضع ~~إسلامي متأزم كالعادة ولا بد لنا من البحث عن حل لأزماته، إنما هو اجتماع، وأقولها ~~بإيمان من آلى على نفسه ألا يخدع نفسه أبدا أو قارئه، اجتماع يقع في ظل هزيمة عربية ~~وإسلامية، هزيمة تكاد تكون أبشع هزائمنا في طول التاريخ وعرضه، أبشع من هزيمتنا في ~~«بواتييه» أمام الفرنسيين، أبشع من هزيمتنا في غرناطة أمام الإسبان وضياع الأندلس، أبشع من ~~هزيمتنا أمام جحافل المغول وقبائل آسيا التركية، أبشع من هزيمتنا من فرنسا وإنجلترا ms063 بتهامة ~~الحرب العظمى الأولى، بل أبشع من هزيمتنا الأولى في عام 1948 أمام إسرائيل. ~~••• # في أعقاب هزيمة 48 بل وأثناءها حدثت لنا هزة عميقة أيقظتنا كلنا حكاما ومحكومين، أجل ~~كلهم استيقظوا، الحكام بعضهم فقط هو الذي استيقظ، وبدأ يدرك مدى المصيبة التي حاقت وحلت، ~~ويعي بانتفاضة الشعوب العربية والإسلامية القادمة ولا يقف أمامها، ويحاول مع الاستعمار ~~ضربها، كما تصرف البعض بغباء الرجعية التقليدي، ولكنه فطن لها وانضم إلى قضية التحرر ~~الإسلامية العربية التي كانت أرض الواقع قد بدأت تدمدم بها. أما أولئك الذين سدروا في ~~غفوتهم وغفلتهم فقد أطاحت بهم عجلة التاريخ حين حركها الشعب الإسلامي وتحرك بها، ووقفت ~~الشعوب الإسلامية العربية تنفض عن نفسها الغيبوبة التي كان يبقينا الاستعمار الإنجليزي ~~والفرنسي تحت تأثيرها، وهبت أممنا من باكستان في أقصى الشرق، إلى المغرب الدار البيضاء، ~~تدرك أن هزيمة 48 إنما هي هزيمة أنظمة وحكام طال تعاونهم مع الإنجليز والفرنسيين والغرب ~~بشكل عام ... وقامت ثورة 23 يوليو، ثورة الشعب المصري العربي المسلم تعزل الملك الذي خان ~~قضيتها وجعلها تدخل الحرب بأسلحة فاسدة وتقبل الهدنة الخائنة التي حدثت أثناء معركة 48 ~~ليتحول الانتصار الذي حققته جيوشنا العربية الباسلة إلى هزيمة عسكرية، وإلى تدشين قيام دولة ~~إسرائيل بالعالم كاملا، بغربه وشرقه، يعترف بها وبشرعية اقتطاعها معظم فلسطين واعتبارها ~~دولة شرعية لها كل حقوق أعرق الدول، وليس عليها أبدا أي واجب من واجباتها. # وعادت جيوشنا التي كتفوها بالهزيمة إلى بلادنا لتدرك أن عدوا جديدا لم تكن قد عملت له ~~ولوجوده حسابا، وكان كفاحها، وكانت كلمة الاستعمار حتى تقولها أو تدركها تعني فقط ~~الاستعمار الغربي المجسد في الاحتلال العسكري بقواعده وقوته وعتاده. # أدركت جيوشنا ومن ثم شعوبنا أن الاستعمار قد غرس بيده شيئا قال هو عنه إنه دولة وقلنا ~~نحن عنه إنه دولة مزعومة. وأكدت لنا قيادة ما تبقى من الجبهة الفلسطينية الوطنية أنها لن ~~تبدأ حتى تلقي بتلك الدولة المزعومة في البحر وتعيد الأرض المغتصبة إلى أصحابها وتنتزع هذه ~~الشوكة المسمومة التي غرستها قوى ms064 متآمرة كثيرة في قلب وطننا. # وبرغم أننا كلنا رحنا نتحدث عن هزيمة 48 وعن ضرورة وحتمية نشوب معركة جديدة تنتصر فيها ~~الأمة العربية المسلمة، التي كانت لا تزال هي الحامية والراعية للقدس الشريفة موطن كل ~~الأديان وكعبة كل المؤمنين، رغم أننا رحنا «نتحدث» عن الهزيمة، إلا أن القليلين جدا هم ~~الذين وعوا حجم تلك الهزيمة ونظروا إلى أبعد من كونها معركة عسكرية هزمت فيها سبعة جيوش ~~عربية، فقط نتيجة النظم المهترئة التي أثبتت فشلها في أول اشتباك عسكري مع عدو كان جيشه لا ~~يزال في حكم العصابات الإرهابية التي بالكاد توحدت وانضمت، وبارجون تشفاي ليومي والهاجاناه، ~~تشكل ما سوف يصبح اسمه بعد هذا جيش الدفاع الإسرائيلي، وما سوف يثبت أنه ليس مجرد جيش ~~للدفاع عن مجتمع صغير ضعيف من المهاجرين الأوروبيين اليهود، إنما هو في الحقيقة ميلاد أخطر ~~قوة استعمارية - لم تقد - وإنما زرعت وصنعت من قلب منطقتنا نفسها وأيضا في قلبها. # فكما أثبتت الوثائق بعد هذا لم يكن اختيار فلسطين لتكون قاعدة للاستعمار الاستيطاني ~~القادم عبثا؛ لقد اختيرت لتشطر الأمة الإسلامية بشكل عام والأمة العربية بشكل خاص إلى ~~شطرين كبيرين، تمهيدا للتشطير والتقطيع والتجزيء والتشرذم، والهزيمة الكاملة القادمة. ~~ولو كان الوجود الإسرائيلي قد بقي على هيئة إسرائيل 48 بالضفة الغربية وجزء من الشرقية ~~عربية وكذلك قطاع غزة وصحراء النقب والقدس، لما عاشت إسرائيل، ولماتت كما تموت الشتلة، إذا ~~نقلت إلى أرض غريبة وبقيت على حالها، عملاق الشعب المصري يخرج من القمقم المحلي الذي حبسوه ~~في داخله طويلا، القمقم الذي كان يؤمن بأن مصر بلد فرعوني التاريخ لا يمت بصلة في أهدافه ~~وتوجهاته إلى البلاد العربية، وحتى إلى آسيا وأفريقيا، وأن تطلعه علميا وفلسفيا ~~وحضاريا لا بد أن يتجه عبر البحر المتوسط إلى الشمال الأنجلوساكسوني ومن ثم الأمريكي. ~~عملاق هائل خرج يغلي بفلسفة الثورة الجديدة المؤمنة بعروبة مصر وانتمائها الإسلامي الكامل ~~وجذورها الضاربة في أفريقيا وآسيا، وتطلعاتها إلى وحدة عربية شاملة مع شقيقاتها العربيات، ~~ووجود إسلامي عالمي يضمها إلى الإطار ms065 الإسلامي الأوسع الذي يجمع الشعوب المسلمة في آسيا ~~وأفريقيا من شمال وجنوب شرقي آسيا إلى أفريقيا بشمالها وجنوبها ووسطها، وكل هذا العالم سواء ~~في دائرته الأكثر صغرا، الدائرة العربية أو دائرته الأكثر كبرا، دائرته الإسلامية مركزها ~~مصر، هي بمثابة القلب منه وهي الرابطة بين شرقه وغربه وبين أفريقيته وآسيويته وعالمه الثالث ~~كله. # أجل شيئا فشيئا بدأت تتكشف ملامح المؤامرة الكبرى على العرب والإسلام اللذين يشكلان ~~العمود الفقري للعالم الآسيوي والأفريقي الثالث، يتكشف أن اختيار ~~إسرائيل - حتى ولو أنهم حاولوا إخفاءه بالشعارات التي لا ~~تتوقف على أرض الميعاد وشعب الله المختار وحائط المبكى والحق التاريخي - يتكشف أن السبب ~~الأهم يكمن في أنه من مثل هذا الموقع الذي اختير لتقوم عليه إسرائيل يمكن دق إسفين قاتل ~~في قلب الأمة العربية أولا ثم العالم الإسلامي ثانيا ثم العالم الآسيوي الأفريقي الثالث ~~كله ثالثا. # ولكن العقبة الكبرى أمام هذا الإسفين كانت واضحة وجلية لكل ذي عينين، مصر؛ إن وجود مصر ~~الدائرة القومية المعادية للغرب الاستعماري، مصر العربية المسلمة غير المنحازة القائدة ~~والمثل والمثال أمام شعوب آسيا وأفريقيا والعالم الثالث. وجود مصر، بهذه الخطورة في الموقع ~~والمكانة وبتلك القوة التي بدأت تتبدى، هذا الوجود خطر رهيب على المشروع الإسرائيلي ~~الأمريكي الاستعماري كله، يهدد بوأده والقضاء عليه. # ولهذا كان الهدف الأول طبيعيا ومنطقيا جدا، إن فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ~~لم تتكشف عن شعوب عربية وإسلامية أطاحت بالاستعمار القديم جانبا وتطمح إلى وجود مستقبل ~~مستقل متين، ولكن ثبت أن تلك البلاد تمتلك في جوف أرضها أعظم كنز عرفه تاريخ البشر؛ كنز ~~الطاقة البترولية التي يعتمد وسوف يعتمد عليها الغرب خلال - على الأقل - الأعوام المائة ~~القادمة لكي يعيش ويصنع ويتدفأ ويأكل ويحيا ويرى؛ كنز تحيا فوقه شعوب عربية إسلامية ~~«متخلفة» لولا مصر التي كانت قد قطعت شوطا طويلا في طريق التقدم. # فهل معقول أن يترك الغرب الإسرائيلي الاستعماري وضعا كهذا قائما؛ إن معناه ببساطة أن ~~يسلم الغرب روحه و«زمارة رقبته» للعرب وللمسلمين ولرأسهم القائد والمدبر والقادر ms066 على إقرار ~~«كادر» دفاعي تكنولوجي عامل مدرب يعمل من أجل أن تقبض البلاد العربية على ثروتها وأن تصبح ~~ليس سادس بل ربما ثالث قوة عالمية . # إذن لا بد من ضرب مصر. # ولتكن تلك الضربة موجهة في نفس الوقت إلى العلاقات بين مصر وتلك البلاد العربية المسلمة ~~من ناحية، ومن ناحية أخرى ضربة موجهة إلى العلاقات بين البلاد العربية نفسها وبين بعضها ~~البعض، ثم بين البلاد العربية وبقية الكتلة الإسلامية الكبرى، ثم داخل الكتلة الإسلامية ~~نفسها. # وتاريخ العرب الحديث كله، تاريخ مصر وتاريخ السعودية، والكويت والعراق والمغرب والجزائر ~~وليبيا وموريتانيا، تاريخ باكستان وأفغانستان وحتى الصومال والسودان والحبشة ... هذا التاريخ ~~كله بداية من أواخر الخمسينيات وإلى الآن هو شريط سينمائي واحد متعدد الفصول والأبطال، هذا ~~صحيح، ولكنه تطبيق حرفي لسيناريو هدفه في النهاية ضرب القوة العربية والإسلامية الصاعدة ~~والاستيلاء على مقدراتها وثرواتها وتأخيرها تكنولوجيا وحضاريا إلى أسوأ مدى، ولتكن ~~البداية هي ضرب رأس الرمح الذي يهدد بتجميع هذه القوى وتكاتفها وتآزرها ... مصر. # وامسك معي أية بداية خيط وأي حدث سياسي أو عسكري وأي عراك عربي أو إسلامي أو إسلامي عربي ~~أو إسلامي إسلامي أو عربي عربي، وتتبع هذا الخيط فستجده يوصلك دائما إلى الكابل الرئيسي ~~للخطة، ضرب العمود الماسك بين المشرق والمغرب العربيين الواصل ما بين باكستان وماليزيا ~~الرابط بين الرباط وموريتانيا ونيجيريا وحتى المسلمين في جنوب أفريقيا. ولم يكن السيناريو ~~سيناريو تافها ككثير من سيناريوهات وروايات السينما المصرية أو الهندية التجارية ... كان ~~سيناريو متقنا جدا ومحسوبا جدا ومدروسة كل تفصيلة فيه، دراسة خبراء كبار ودكاترة في ~~علم قهر الشعوب. # ورثت أمريكا وإسرائيل كل الملف العربي الإسلامي الذي كانت قد جمعته وظلت تحتفظ به فرنسا ~~وبريطانيا وهولندا وحتى ألمانيا للمنطقة والاتجاهات الدينية والطائفية والمذهبية وتاريخ كل ~~هذا وذاك، تاريخ العلاقات والحزازات العرقية والقبائلية والأحقاد ونقاط الضعف ومفاتيح ~~التفجير ... درست هذه الملفات كلها وذاكرتها ووعتها ثم بعقلية متقدمة جدا ودائبة جدا لا ~~تيأس ولا تغفو راحت أمريكا الإسرائيلية وإسرائيل الأمريكية تنفذ المخطط لحظة ms067 بلحظة ودقيقة ~~بدقيقة وتفصيلة بتفصيلة، مع الاستعداد الفوري لتنفيذ الخطط الجاهزة البديلة إذا حدث متغير ~~غير متوقع. ~~••• # والمضحك المؤلم المخجل أننا جميعا اشتركنا في تمثيل هذا المخطط وإنجاح الرواية، كلنا رغم ~~أنوفنا في أحيان وبغفلتنا في معظم الأحيان وبغبائنا دائما وبانعدام الرؤية وقصور التفكير؛ ~~ذلك أن التفكير والتدبير في مجتمعاتنا يحتكره الحكام، ولأن همهم الشاغل الأوحد هو المحافظة ~~على كراسيهم، فإن الإحاطة بالرواية الرهيبة كلها ودورهم هم حتى فيها لم يكن محل تفكيرهم ~~أبدا، زد على هذا أننا مجتمعات تفكر - إذا فكرت - بعواطفها، ولو حاول أحدنا إعمال تفكيره ~~انهالت عليه الاتهامات أحيانا، الاتهامات المغرضة العميلة كي تشوهه، وأحيانا اتهامات ~~الطيبين ذوي النيات الحسنة الأغبياء تماما غير المدركين ماذا يفعلون أو ماذا يراد بهم ~~وبنا، غير واعين أننا نقوم بالدور كأي «كومبارس» أو ممثل ثانوي، ولا يعرف ولا يحيط بكل ~~الرواية ولا يرى منها إلا ذلك الجزء الصغير الضيق القادر ~~على رؤيته، بل والمعتمد على غفلته ليؤديه وببراعة الجاهل يفعل. حتى «عتاولة» الثوريين ضد ~~أمريكا ونفوذها عهد إليهم هم الآخرون بأدوار ما، أدوار لم يلقنوها، هذا صحيح، ولكنها ~~أدوار ردود الفعل المحسوبة؛ فمثلا حين تريد أمريكا أو إسرائيل أن تجعل العقيد القذافي يخدم ~~هدفها فهي لا تذهب «بعبط» وتطلب منه أن يفعل كذا أو كيت، ولكنها تجعل مصر مثلا أو السعودية ~~بناء على معلومات خاطئة أو مخطأة تفعل هذا الشيء أو ذاك، وتكون هي عارفة تماما أن مصر أو ~~السعودية أو السودان إذا فعلت كذا فإن رد فعل العقيد سيكون «كيت»، وهو بالضبط ما تريده هي ~~لتأخذ من فعلته حجة لتقوم هي في هذه الدولة أو تلك أو حتى على مستوى العالم بعمل هذه الشيء ~~أو ذاك. # والأمثلة كثيرة وبالآلاف، ألم يرد الرئيس السادات بنفسه أنه قبض على عصابة من عملاء ليبيا ~~كانت تنفذ مؤامرة لاغتياله وأنهم ضبطوا في أماكنهم وفي جيوبهم الخطط والأسماء والاتصالات ~~والمخازن التي أخفوا فيها الأسلحة؟ لم يلحظ أبدا أي أحد أن السادات قال بعد هذا إنه ms068 علم ~~بأمر تلك الخطط من السلطات المغربية، ومن أين علمت السلطات المغربية بالخطة؟ اتضح باعتراف ~~بيجين نفسه أن المخابرات الإسرائيلية هي التي «عرفت» بها أولا وحارت كيف تخبر السادات ~~بها والعلاقات كانت في قمة تأزمها بين مصر وإسرائيل، فوجد بيجين ومخابراته أن خير طريقة ~~لإخبار السادات هي الإفضاء للمخابرات المغربية بالمعلومات، وأعتقد أن بيجين في هذه النقطة ~~كان يكذب؛ لأن سبب لجوئه للمغرب هو لكي تأتي الأخبار للسادات من مصدر لا يشك فيه؛ إذ لو عرف ~~أن المصدر إسرائيل لشك في الحال، وهكذا وصلت المعلومات إلى السلطات المصرية التي قامت ~~بالقبض على المتآمرين في حالة تلبس أو شروع تلبس، ويومها اشتعل السادات غضبا وقال عن ~~القذافي: والله لن يفلت من يدي. # وفعلا أصدر السادات أمره باختراق الحدود الليبية واختيار 23 يوليو بالذات وقاعدة جمال ~~عبد الناصر ليضربها ويدمرها انتقاما لمؤامرة اغتياله. ولماذا نذهب بعيدا؟ إن معظم المعارك ~~الطائفية التي تدور في لبنان معارك مدبرة بحيث كلما هدأت الأحوال بين هذه الطائفة أو تلك ~~فوجئنا بعربة ملغمة تنسف في الحي الشرقي من بيروت أو الغربي، وتقوم قيامة الانتقام، وتلغيم ~~السيارات من الناحية الأخرى ... وهكذا وهكذا بين أمل والمقاومة، أقول: كانت حرب 56 ثم حرب 67 ~~المدبرة بإحكام أشد، ثم ثغرة الدفرسوار بعد العبور المنتصر، ثم زيارة القدس وما أسفرت عنه ~~من نجاح ساحق في مقاطعة الدول العربية والإسلامية لمصر، ليس مصر الرسمية فقط وإنما مصر ~~بمؤسساتها ومكانتها ودورها ... إلى حد وصل إلى طرد مصر من المؤتمر الإسلامي نفسه، مصر الأزهر، ~~مصر محمد عبده والمراغي والإمام الشافعي، مصر الحسين والسيدة زينب ورفاعة الطهطاوي وهيكل ~~وأحمد أمين ... طردها من عضوية المؤتمر الإسلامي أي طردها ك «دولة» من ملة الإسلام نفسه وزمرة ~~المسلمين. # كان النجاح ساحقا وأكثر مما حلمت به إسرائيل وأمريكا، وبقيت في العالم العربي الإسلامي ~~قوتان رهيبتان لا يقلان خطرا وأهمية عن مصر: بقيت إيران المسلمة الثائرة الخارج شعبها من ~~قمقم السافاك والإمبراطور، والعراق التي بدأت تتوحد وتقوى وتصل إلى مرحلة المفاعلات ms069 النووية ~~والتقدم التكنولوجي الخطر؛ فكان لا بد من ضربهما معا. # ونحن في عالم لم يعد سهلا أن تأتي بضع سفن أو طائرات بريطانية أو فرنسية أو أمريكية ~~وتغزو وتضرب هكذا، على مرأى ومسمع من العالم، دولة عربية كانت أو غير عربية؛ فنحن لسنا في ~~قرن الاستعمار العسكري الواضح: القرن التاسع عشر، وإن كانت أمريكا قد بدأت تعود بالدنيا ~~إليه وتحتل جرينادا وتضرب بأسطولها طرابلس وليبيا أيضا في وضح النهار وفي الربع الأخير من ~~القرن العشرين. # ولهذا كان الأروع والأوفق أن تجعل العرب يقضون بأنفسهم على أنفسهم أو أن تجعل المسلمين هم ~~أنفسهم الذين يذبحون المسلمين. # والمضحك المبكي أني أقرأ بحوثا كثيرة ومطولة حول من بدأ بالعدوان على الآخر أهي العراق ~~أو إيران، مع أن مسألة إشعال فتنة أو تحريض طرف على طرف ليست مشكلة أبدا في العصر التخابري ~~المتقدم جدا؛ ذلك الذي تمر به المخابرات الأمريكية والإسرائيلية. إن تسريب معلومات خاطئة ~~للعراق عن إيران أو العكس، وعن طريق طرف ثالث عربي أو إسلامي حسن النية مدسوسة عليه ~~المعلومات، ليست مشكلة أبدا أن يحدث شيء كهذا؛ ففي مثل هذه الظروف التي يخوضها عالمنا ~~العربي والإسلامي، والذي بلغت فيه الثقوب في أنظمة وأجهزة مخابراته ودفاعه أقصى مداها من ~~الاتساع والعدد، من الممكن أن تعبث بأي دولة فيه كما تشاء، وتثير من العداوات بين أي ~~دولتين كما تشاء. # لقد ذكر لنا الرئيس مبارك أثناء لقائه بالكتاب في معرض الكتاب أنه فوجئ بالإذاعات ~~السورية الموجهة وأجهزة الإعلام تشن حملة مفاجئة على النظام المصري، وتطالب بعدم شرعية ~~عودة مصر إلى المؤتمر الإسلامي، في حين أن المسائل كانت في طريقها إلى التحسن والتقارب بين ~~مصر وسوريا، بل وبين الرئيس حافظ الأسد شخصيا وبين الرئيس مبارك. والحق وأنا أستمع إليه ~~كانت الفكرة التي أوردها هنا تفسر لي ببساطة كل شيء، فهل كان معقولا أن تترك إسرائيل ~~الأمريكية وأمريكا الإسرائيلية المسائل والمياه تعود إلى مجاريها ويحدث لقاء واحد أدنى من ~~اللقاء بين سوريا ومصر مرة أخرى؟ كان لا ms070 بد من إيقاف هذا وبأي ثمن؛ فالنجاح الذي لاقاه ~~الكتاب المثقفون والفنانون المصريون في سوريا والسوريون في مصر نجاح خطير، ومقدمة لا بد ~~لحوار على مستوى سياسي يبدأ ويحل عقدا كثيرة جمدتها القطيعة الكاملة بين القاهرة ودمشق؛ ~~ولهذا كما قلت كان لا بد من إيقاف هذا «العبث» فالمخطط لا بد أن يمضي إلى النهاية، ~~وداخل هذا المخطط لا بد أن تبقى القاهرة مقاطعة تماما من طرابلس ودمشق ومن اليمن ~~الجنوبي بحيث تبقى منظمة التحرير مقاطعة هي الأخرى، وبحيث يبقى الاشتباك اللبناني الشيعي ~~قائما في لبنان وحرب المخيمات لا تتوقف وتحال القضية الفلسطينية لمخزن المحفوظات؛ فخط ~~التمزيق والتحارب والحروب العربية العربية والإسلامية العربية والإسلامية الإسلامية لا ~~بد أن يظل مستمرا ومستمرا؛ فلا تزال هناك بقية شبه سليمة من الجسد الإسلامي العربي، ~~بقية لا تزال حية تنبض ولا بد من استمرار الخطة حتى يذبح هذا الجسد الإسلامي العربي نفسه ~~ذبحا كاملا وتاما. ~~••• # والآن أيها السادة المجتمعون. # أعتقد أني لا أكتب هنا شيئا جديدا ولا أزعم أني أزف اكتشافا لم يكن أحد يعرف عنه ~~شيئا ... كلنا حكاما ومحكومين نعرف أن هناك خطة لتمزيقنا وإبادتنا، وأن هذه الحروب المشتعلة ~~في هذا الجزء من العالم - لاحظوا أنه لا توجد حروب في العالم إلا في منطقتنا الإسلامية ~~العربية، أو حتى أمريكا اللاتينية لا توجد بها إلا حروب عصابات محدودة - هذه الحروب ~~المشتعلة في جزئنا من العالم لم تشعل نفسها أبدا، ولا كان اشتعالها مصادفة ولا استمرارها ~~مصادفة أيضا؛ فقد ثبت أن أمريكا ضالعة في إرسال أسلحة إلى إيران، كما هي ضالعة في تضليل ~~العراق، ولا توجد دولة في العالم تصفها أمريكا بأنها إرهابية إلا ثلاث دول، و«بالمصادفات ~~المحضة كلها دول إسلامية، حتى جنوب أفريقيا لا تعتبرها أمريكا - وإن كان العالم كله يعتبرها ~~كذلك - إرهابية.» # إن أمريكا الإسرائيلية وإسرائيل الأمريكية؛ بمعنى آخر ~~الاستعمار العالمي الجديد ليس مشغولا بتدخين المارجوانا، وهو يعرف أنكم مجتمعون في الكويت، ~~وأنكم لو خرجتم من اجتماعكم هذا بإجماع إسلامي، ولو على أبسط وأهون ms071 الأسباب؛ فإن في هذا ~~خطرا عليه وعلى مخططه كل الخطر، فلا بد لهذا الاجتماع إذن أن يفسد ومن داخله يفسد؛ ~~بمعنى آخر لا بد أن تنتقل الحرب الحقيقية الدائرة رحاها في شط العرب ولبنان لا بد أن ~~تنتقل إلى قلب مؤتمركم في الكويت، بحيث تتولون أنتم بأنفسكم؛ إذ لا يوجد ممثل رسمي لإسرائيل ~~الأمريكية وأمريكا الإسرائيلية في المؤتمر؛ إذ المهمة متروكة للمؤتمرين أنفسهم في تحقيق ~~أهداف أي طموحات إسرائيلية أمريكية بيد مسلمة ولسان مسلم وفعل يجري باسم الإسلام. # هذا المندوب الغائب سيكون - لو علمتم الحقيقة - حاضرا بأكثر خطورة مما لو كان له مقعد ~~واسم ولافتة ويمثل دولة، سيحاول هذا المندوب الغائب أن يشعل نيران الحروب الصغيرة التي ~~تخصص فيها وبرع، وسيهرب متفجرات الحرب داخل حقائب السمسونايت مهما بالغتم في تفتيشها ~~إلكترونيا؛ وذلك لتفتيت هدفكم الأوحد الكبير؛ ألا وهو حماية عالمنا العربي من التمزق ~~والانتحار. تفتيت هذا الهدف إلى أهداف تافهة صغيرة وكثيرة تربككم وتربكنا، وتجعلنا نخرج من ~~المؤتمر بخلافات وحزازات أكثر بكثير من التي دخلنا بها. سيفعل المندوب هذا والأدهى أنكم ~~ستساعدونه كالعادة إذا تقمصتم نفس الأدوار التي تتقمصونها خارج المؤتمر. ~~••• # وعلى هذا، فأمامكم أمران لا ثالث لهما: # إما أن تكونوا على علم تام بخطورة ما يقوم به أعداء الإسلام والمسلمين والعرب ~~باعتبارهم العمود الفقري للعالم الثالث الذي يعاديه ذلك الاستعمار العالمي ~~الطاغي. إما أن تكونوا على علم بأنهم يأخذون عداواتهم لنا جدا لا هزال فيه ~~ولا يكفون ثانية واحدة في طعننا بهذا الخنجر أو ذاك. وفي هذه الحالة في حالة ~~علمكم تدركون خطورة الموقف والوضع وموقف الحياة أو الموت الذي نقفه هذه الأيام، ~~وتأخذون ليس قرارات وإنما أفعالا جادة للدفاع عن أنفسنا وحتى - كحكام - عن ~~انقسام وإما ... # وإما أنكم لا تعلمون، وهذه كارثة، أو تعلمون وتخافون في وجه المخطط، كي يحافظ ~~كل منكم على وضعه، بعيدا عن الشر ويغني له، وعلى هذا تمضون قدما في نفس ~~الاتجاهات التي تدور خارج المؤتمر، وعلى هداها تدور الحروب ويدور إفناء العالم ~~الإسلامي ms072 لنفسه ذاتيا. # فإذا فعلتم هذا ... # وأرجو أن لا تفعلوه. # لأن معناه مصيبة أعظم، ومن الشعوب العربية هذه المرة ستحيق - لا قدر الله - بكم الكارثة ~~والضربة، ولأننا حريصون عليكم حكاما ورؤساء وملوكا وأمراء ورموزا لوجودنا وعقيدتنا ~~وحياتنا ... فنرجوكم أن تفعلوا مثلنا وتحرصوا على أنفسكم من أن تصبحوا أدوات للاستعمار ومخالب ~~قطط لتنفيذ مخططاته، في هذه الحالة عليكم أن تحرصوا على أنفسكم منا نحن؛ فللصبر ~~حدود. # والشعوب إذا أرادت الحياة يستجيب القدر. # ونحن نريد، بإرادة الله، الحياة، حتى لو أردتم أنتم غير هذا. # | اللص ذو الأقدام الكبيرة # بشق الأنفس، ولظروف شخصية قاهرة، فقد كان لي ابن يعاني منذ صغره بحالة ربو نتيجة لحساسية ~~جسده الشديدة لتغيرات النفس، وبالذات في الصيف، حيث كنا أحيانا نستدعي له عربات الإسعاف ~~حين تزداد الحالة ويكاد يتوقف عن التنفس، كان لا بد أن آخذ شقة في منطقة المعمورة بالذات ~~لكي تقضي فيها العائلة، وبالذات ابني بهاء، شهرين على الأقل في السنة، يوليو وأغسطس، ~~وأحيانا بعضا من سبتمبر، وفي أول الأمر، في منتصف الستينيات كان الموضوع لا يشغل أمرا ~~صعبا أو مستحيلا؛ إذ كنا نحن مجموعة من الكتاب قد تعودنا أن نأخذ شاليهات للتصييف في ~~بورسعيد، ورغم أن إيجار الشاليه المفروض كان فيما أذكر لا يتعدى الستين جنيها، إلا أنها ~~كانت أقصى ما نستطيع دفعه من النقود في ذلك الحين، والحق أننا كنا مجموعة متكاملة تماما؛ ~~فمن أستاذ علم الحكي والكلام والصحافة المرحوم سامي داود، إلى رائد فكرة الشعبية في الأدب ~~والفن المرحوم أحمد رشدي صالح، إلى وحيد زمانه الولد الشقي محمود السعدني، إلى موسى صبري ~~ذلك الحين، إلى الزميل الكبير حلمي سلام، إلى من لم تعد تعيه الذاكرة من أسماء، زمن جميل، ~~الآفاق مفتحة، والمستقبل تحوم حماماته وترفرف كحمامات صلاح جاهين، ومصر انتفضت وتمضي قدما ~~بعد ملحمة 56 ومجدها وحربها وخروجنا ظافرين، وظللنا هكذا إلى أن قامت حرب 67، وأبيد نصف ~~بورسعيد، واحتلت قوات الجيش شققه وشاليهاته، واضطررنا اضطرارا للذهاب إلى الإسكندرية، ~~وكانت النقلة باهظة على ميزانيتنا؛ إذ ms073 كان على العائلة منا أن تدفع مائة جنيه بأكملها في ~~شقة مفروشة، ويا له من مبلغ باهظ في ذلك الحين. # المهم أن المائة أصبحت بعد عامين مائتين ثم ثلاثمائة، وبدأ «ربو» بهاء يتفاقم والمدة ~~التي يجب أن نقضيها تطول، وحينذاك، وكنا جاوزنا منتصف السبعينيات وجدت نفسي مضطرا إلى ~~تأجير شقة في الإسكندرية للعام كله أو ... وهذا هو المستحيل بعينه، الحصول على شقة ~~تمليك. # كان ثمة طبقة جديدة قد بدأت تزحف، وكالجراد الممتلئة حيوية بنقود وافرة، تزحف وتقتني كل ~~شيء، وكانت شركة المعمورة تطرح كل عام حوالي خمسين شقة، كان سعر الواحدة منها ثمانية آلاف ~~جنيه، وبالكامل كانت الطبقات الصاعدة مع الحكم الساداتي والانفتاح الجديد تأخذها كلها، ~~نقدا وعلى الفور، وذهبت إلى رئيس شركة المعمورة في ذلك الوقت وقلت له: أريد شقة. فقال: قدم ~~طلبا، وأنت وحظك، إذا أصابتك القرعة دفعت ثمنها وأخذتها. وكان معنى هذا بصريح العبارة أنني ~~لا بد أن أعتمد على الحظ في شراء الشقة، وثانيا، وهذا هو المستحيل بعينه: أن أدفع ثمنها ~~في الحال، ولم يفد أي نقاش مع رئيس الشركة، حتى وأنا أذكره أنه مع أنه رئيس مجلس إدارة أو ~~حتى لو كان وزيرا فإن ماهيته لا تسمح له أبدا باقتناء شقة بهذا السعر في ذلك الوقت (عام ~~78)، وخرجت وأنا محبط أشد ما يكون الإحباط، ولكن موظفا ابن حلال في الشركة لحقني على ~~السلم وقال لي إنني ممكن أن أحصل على شقة بالتقسيط، وكيف يكون هذا يا عم؟ قال: أنتم ناس ~~كتاب ومتصلون، اذهب إلى وزير الإسكان وقدم طلبا، ولن يدخلوك القرعة وإنما «سيخصصون» لك ~~شقة، وسيقسطون لك ثمنها على عشر سنوات. وبدا كما لو أن المسألة قد فرجت، وفعلا ذهبت، ~~وقابلت الوزير، وقدمت الطلب، وقابلني الرجل بكل ما يملك من ترحاب ولطف، ولكنه أفهمني بطريقة ~~يفهمها كل لبيب أن الشقق التخصيص تأتي قائمتها من رئاسة الجمهورية مباشرة، وبالطبع رفضت ~~الفكرة رفضا باتا أول الأمر؛ فأنا أبدا لم أتعود أن أطلب من رئيس الدولة، أي رئيس ms074 دولة، ~~شيئا خاصا بي، حتى لو كان الأمر يتعلق برئتي ابني، وصرفت النظر عن الموضوع، وعدت إلى ~~القاهرة. وبعد ثلاثة أيام حدثت للولد أزمة نقلناه ليلتها في عربة إسعاف إلى مستشفى ~~الشبراوي، ولحسن حظي أنا أسكن قريبا من مستشفى الزميل العزيز الدكتور محمد الشبراويشي الذي ~~أقام لنا في أول الأمر مستشفى صغيرا في الدقي ما لبث أن توسع، ولحسن الحظ لم يلحقه ~~التأميم، وأصبح يجمع كل التخصصات ويقدم كل أنواع الخدمات الطبية وبأسعار في مقدرة موظف قطاع ~~عام مثلي، شيء يعتبر نعمة في الوقت الذي كانت المستشفيات الحكومية قد ساءت الخدمة فيها، ~~وقل الدواء، وإن كانت لا تزال تحتفظ بأساتذتها الكبار، وقضى بهاء ثلاثة أيام بأكملها وهو ~~بالكاد يستطيع أن يلتقط النفس، ونصحني الدكتور حسن حسني أستاذ امراض الصدر وابن عمي في ~~الوقت نفسه أن لا بد لبهاء أن يقضي أشهر الصيف القائظة وبالذات يوليو وأغسطس في ~~الإسكندرية، أو رأس البر، وكانت بورسعيد لم تعد صالحة للإقامة أو قضاء الصيف، وكنت في ذلك ~~الوقت أكتب مقالات دائبة النقد للحكومة وللدولة، ولكن تحت إلحاح المرض فإن أي أب في الدنيا ~~يضرب عرض الحائط بأي اعتبار آخر، وهكذا ذهبت إلى المعمورة، وكتبت طلبا للرئيس السادات، ~~شارحا ظروف بهاء، وبمنتهى حسن النية، إن لم يكن السذاجة، سلمت الطلب لضابط الحرس الجمهوري ~~الواقف على باب الحديقة الفاصلة بين المعمورة وبين فيلات الرئيسين عبد الناصر ~~والسادات. # والحق أني فوجئت بعد يومين أو ثلاثة بتليفون من موظف في الرئاسة يقول لي إن الرئيس ~~السادات قد أمر بأن يدرج اسمي ضمن من تخصص لهم شقق من كبار موظفي الدولة والرئاسة، وأن ~~يقسط ثمنها كما هو الحال بالنسبة للآخرين، وشكرت للرجل مروءته، فقد تصورت أنه أدرك أن ~~الأثرياء من تجار الخردة والخيش لا يمكن أن يستولوا على كل المتاح من الشمس والبحر والهواء، ~~بحيث لا يبقى ثمة ثقب إبرة لكاتب أو شاعر أو عالم أو موظف يفني عمره وحياته في خدمة بلاده، ~~ولا يستطيع أن يملك أو يستمتع ms075 بصيف أو ببحر أو بهواء. # وكنا قد وصلنا شهر أكتوبر والعائلة - عائلتي - كلها سعيدة بأن مشكلة بهاء قد حلت، وأنه ~~أبدا أبدا لن تتكرر مأساة كتم أنفاسه كل صيف. في ذلك الشهر أقيم الاحتفال السنوي بعيد ~~العلم، ذلك الذي توزع فيه الأنواط والجوائز، ودعيت لحضوره، وجلست ومعي الفنان الكبير ~~صلاح طاهر نشاهد فقرات الحفل، وفي الاستراحة فوجئت بالأستاذ فوزي عبد الحافظ سكرتير الرئيس ~~السادات يأتي لي حيث كنا أنا وصلاح نقف، وينتحي بي جانبا ويقول لي: إن الرئيس قد سحب منك ~~الشقة، أي شقة؟ شقة المعمورة واستغربت تماما وسألت: لماذا؟ قال: ألم تكتب مقالا في ~~الأسبوع الماضي عنوانه: مطلوب واحد قانون؟ قلت: نعم، قال ما دمت تريد تطبيق القانون فقد قرر ~~الرئيس أن يطبقه عليك ويسحب منك التخصيص. والحق أني أحسست بشيء كالغثيان، إنني أعرف أن ~~معارف وأصدقاء للرئاسة وللمحافظ مخصصة لهم عشرات الشقق، وهل معنى أن أكتب مقالا أطالب فيه ~~بأن يسري القانون على الكبير والصغير، دون أي استثناء أن أعاقب بمنع الهواء عن صدر ابني؟ ~~مع أن التخصيص قانوني ويترك للمحافظ وللرئاسة نسبة تصل إلى 25٪ من الشقق المعروضة لبيعها ~~مباشرة دون إدخالها نظام القرعة، قلت له: يا سيدي إذا كان القانون سيسود في مصر بإلغاء ~~تخصيص الشقة لي، وسيصبح كل شيء في البلد على ما يرام فأهلا به من إجراء، وأرجوك أن تبلغ ~~شكري للرئيس على هذا الإجراء «العادل». # والحق أن شخصية الرئيس السادات كإنسان أو كبطل تراجيدي أو درامي لم تنل حظها من التأليف، ~~فقد كانت تلك «العملة» أصغر كثيرا من حجم رئيس الجمهورية بل ولم تفلح في عقابي أو إسكاتي، ~~فقد مضيت أكتب مقالات من أمثال: تعالوا ننظف مصر، وتعالوا ننظف مصر ثانية، أقول: لا يزال ~~الرئيس السادات لم يكتب عن شخصيته وعن تصرفاته كما يجب، فبعد أقل من 15 يوما يبدو أنه كان ~~قد راجع نفسه ووجد أنه تصرف بما لا يليق به ككبير للعائلة المصرية، وأن إجراء سحب الشقة مني ~~لا يؤذي إلا ابني ms076 الصغير الذي لا حول له ولا قوة؛ إذ وجدت في البريد خطابا من مكتب نائب ~~الرئيس السيد محمد حسني مبارك يستدعيني لمقابلته بقصر العروبة، وكانت تلك أول مرة أقابله ~~فيها، وقال لي إن الرئيس السادات حول الأمر إليه، وأنه ستخصص لنا شقة في العام القادم، ~~ومعنى هذا أنها ستزيد بمقدار أربعة آلاف جنيه، لم يتول السيد النائب هذا، ولكن عرفته فيما ~~بعد، ولم يكن مهما حتى لو كلفني الأمر ما كلفني طالما أنني لن أستيقظ أبدا على «شخير» ~~ولدي حتى تكتم أنفاسه ليلا. # المهم، حصلنا في النهاية على الشقة، وما زلت من أيامها أدفع ثمنها بالتقسيط إلى الآن، وهي ~~نفسها الشقة التي سرقت في رمضان الماضي، ولكن لا أكتب عنها لأروي القصة، أو لأستعرض حادث ~~السرقة، ولكني أكتب من الموضوع لسبب قد لا يخطر على البال مطلقا. # فقد دق لي عبد العظيم البواب ذات صباح رمضاني تليفونا من الإسكندرية قائلا إنه اكتشف أن ~~لصا اقتحم الشقة وطلب مني الحضور لمعرفة ما سرق منها، وذهبنا على عجل إلى هناك، وفحصنا ~~الشقة، ولم نجد شيئا ثمينا أو ذا بال قد سرق منها، فماذا يمكن أن يوجد في شقة مصيف إلا ~~بضعة كراسي أو شماسي وملابس صيف؟ الذي أدهشني حقا أن أثمن ما سرقه اللص كان أنبوبتي ~~بوتاجاز، وكانا، نظرا لوجودهما في فراندة صغيرة ملحقة بالمطبخ هما السبب الذي من أجله كسر ~~اللص «شيش» البلكونة، ودخل الشقة وأخذ الأنبوبتين، مع راديو كاسيت، ومروحة، وأشياء من هذا ~~القبيل ... # وأخذت أتأمل حادث السرقة تأملا أعمق بكثير من مجرد كونه حادث سرقة، فمسألة أن يكسر لص ~~باب شقة أو يقتحم نافذتها ممكن أن تحدث، ولكن أن يكون الدافع إلى السرقة، الدافع الوحيد، هو ~~أنبوبتا بوتاجاز فارغتان، مسألة غريبة فعلا، إنسان يعرض نفسه لأن يضبط متلبسا بجناية أو ~~جنحة سرقة واقتحام بيت من أجل الاستيلاء على أنبوبتي بوتاجاز مسألة قد تدعو في ظاهرها ~~للضحك، ولكن في حقيقتها لا بد أن تدعو للرثاء، فحتى اللصوص قد أصابتهم الأزمة ms077 الاقتصادية ~~وأصبحت مسألة أن يعرض إنسان منهم نفسه للسجن من أجل أنبوبة بوتاجاز لا يتعدى ثمنها ~~الثلاثين جنيها مسألة واردة. # أبلغت البوليس بالطبع وجاء ضابط المباحث، وجاء «بوكس» فيه أربعة مخبرين، ومفتش من إدارة ~~السرقات بمديرية أمن الإسكندرية، وجاء فنيون من المعمل الجنائي ورفعوا البصمات، وكانت ~~النتيجة أن عاد ضابط المباحث ومخبروها بعدد من البوابين ليستجوبوهم، وما كاد الموكب يمضي ~~حتى وجدت نساء البوابين وبناتهم وأولادهم يتقاطرون على الشقة، وكذلك بعض رجال المنطقة ~~ويستعطفونني لأتوسط لهم في الإفراج عن أزواجهم في تلك الأيام الرمضانية الكريمة، وكان ~~يستعطفونني ونظراتهم تحرجني، وكأني قد أصبحت أنا الجاني وليس المجني عليه المسروقة شقته، ~~ووجدتني أقضي يومين في الإسكندرية رغم مشاغلي الكثيرة فقط للتوسط للإفراج عن البوابين ~~وأمري إلى الله، وحين نجحت أخيرا في هذا عدت إلى القاهرة بخفي حنين، أو في حقيقة الأمر ~~بدون خفي حنين، وهذا هو ما غاظني حقا، فرغم أن الحصول على أنبوبتي بوتاجاز وجدته ~~أمرا مستحيلا فلا توجد في الإسكندرية كلها أنبوبة بوتاجاز واحدة، ورغم سرقة وسام ~~الجمهورية وأشياء لها قيمة معنوية كبيرة، إلا أن ما أحزنني ولا يزال يحزنني هو أن اللص قد ~~سرق حذائي ماركة «باتا» الذي كنت أعتز به كثيرا؛ ذلك أن مقاس قدمي 46، وفي الصيف لا أطيق ~~ارتداء الجورب، وكنت أستبدل الحذاء والجورب بما يسمى «سباتري» ولعامين متتاليين وأنا ~~أبحث عن سباتري على قدر مقاسي دون أن أعثر له على أثر، حتى إني ذهبت إلى بورسعيد خصيصا ~~لاحتمال أن أجد هذا المقاس هناك، وعدت دون أن أعثر للمقاس على أثر، إلى أن ذهبت إلى شركة ~~باتا في الإسكندرية وسألت البائع عن المقاس، فقال لي إن آخر مقاسات يصنعونها لا تتعدى 44، ~~وبالصدفة البحتة كان رئيس الشركة الأستاذ عادل يمر، وحين عرف المشكلة ابتسم لي ابتسامة ~~مصرية محببة وقال: سنصنع لك «سباتري» مخصوصا، وطبعا استنكرت أن يفعل هذا فقال لي: إنه لا ~~يفعله استثناء ولكن هناك بعض المواطنين المصريين أحجام أقدامهم عريضة من الأمام مثل أقدامي ~~ومنهم محافظ ms078 القاهرة الصديق يوسف صبري أبو طالب ووزير الخزانة السابق الدكتور سلطان أبو علي ~~يعانون من نفس المشكلة؛ ومن أجل هذا صنع قالبا مخصوصا لهذه الحالات الشاذة، وأيضا ~~للمواطنين الذين يدوخون الدوخات السبع ولا يجدون مقاسهم. وما أروع وأسعد اللحظة التي عدت ~~فيها بعد يومين فوجدت زوجين من الإسباتريهات لا يتجاوز ثمن الواحد منها سبعة جنيهات، وحين ~~جربتهما أحسست براحة لم أحس بها منذ زمن طويل، حتى إني كنت لا أكاد أخلع أيهما من قدمي، بل ~~بهما أستطيع أن ألف اليابان كلها وجنوب شرقي آسيا، وبدونهما لم أكن أستطيع أن أتحرك أكثر من ~~بضعة أمتار، وكنت أتركهما في الإسكندرية، والطامة الكبرى أني وجدت أن اللص قد استولى عليهما ~~مع أنه كانت توجد أسفل الدولاب أحذية جلدية أغلى وأكثر أناقة. # إذن اللص كان يعاني مثلي من كبر القدمين ولا بد أنه فرح فرحة عمره بالعثور عليهما إذ ~~كان ممكنا أن يأخذ من الشقة أشياء أخرى، ولكن فرحته جعلته يكتفي بهذه الغنيمة، وأنبوبتي ~~البوتاجاز اقتحم من أجلهما الشقة، ولولا أنني وأنا في طريقي للقاهرة مررت على إدارة شركة ~~باتا ورئيس مجلس إدارتها وقصصت عليه القصة فطمأنني أن القالب الكبير لا زال عندهم، وأنه ~~يمكنني أن أحصل على سباتريهات أخرى لكانت تعاستي ستبقى إلى أبد الآبدين، وبالمرة تفرجت على ~~إدارة ومصانع شركة باتا بالإسكندرية، وهي شركة قطاع عام، لولاها، ولولا أسعارها الرخيصة ~~لمشى نصف المصريين حفاة، ومع هذا فهي تحقق ربحا مجزيا تماما، وتكاد في نظافة مبناها ~~ومصانعها تعادل إن لم تتفوق على بعض مصانع القطاع الخاص، ومن هذه الجولة اكتشفت أن مشكلة ~~القطاع العام ليست مشكلة اقتصادية أو عمالة زائدة أو كل تلك الأسباب التي نقرؤها صباح مساء، ~~إنها مشكلة إدارة أولا وثانيا وثالثا، أعطني مديرا يحب عمله ويتقنه ويشيع تلك الروح في ~~موظفيه وعماله يعطك قطاعا عاما ناجحا، أما الشركات والهيئات الفاشلة فسببها الأوحد في ~~رأيي أننا نعين فيها أناسا لا يبحثون إلا عن شكليات الوظيفة وفخامة المكتب ونوع جهاز ~~التكييف والتليفونات ms079 ذات النغمات الموسيقية. إنني أقترح على الدكتور محمد عبد الوهاب وزير ~~الصناعة أن يأخذ مديري شركات القطاع العام الخاسرة في جولة على شركاته الناجحة، ويريهم على ~~الطبيعة لماذا ينجح الناجح ولماذا تفسد بعض الشركات وتخسر. # إني أعدل إجابتي التي قلتها ردا على سؤال ضابط مباحث قسم المنتزه: هل تتهم أحدا معينا ~~بسرقة شقتك؟ # ساعتها قلت له: بصراحة أنا لا أتهم أحدا بالمرة. # اليوم أقول له: آسف يا حضرة الضابط إني أتهم لصا ذا أقدام كبيرة مقاسها 46، ابحث لي ~~أرجوك في لصوص الإسكندرية والمعمورة البلد بالذات عن رجل أو شاب مقاس أقدامه 46 وستجد ضالتك ~~المنشودة. # أقمنا مصيفا سياحيا فاخرا على أرض المعمورة وبقيت في وسطه تماما عزبة مليئة بضجة ~~الميكروفونات والإزعاجات إلى ما بعد أذان الفجر، وفي أول الأمر حين كان سكان تلك العزبة من ~~الفلاحين والزراع الذين يعتمدون في أكل عيشهم على أشجار الجوافة، وزراعة الخضروات أسفلها، ~~كانوا أناسا طيبين وفقراء، ولكن ذممهم وقيمهم كانت مضرب المثل حقا، حتى إن حادثة سرقة ~~واحدة لم تسجل منذ إنشاء المعمورة إلى ما قبل عدة سنوات، حين حدث الانفتاح الأهوج وامتلأت ~~المعمورة بالطبقات الثرية الجديدة التي لا عمل لشبابها إلا ركوب سيارات آبائهم المرسيدس ~~وضغط الفرامل بكل قسوة، والطلوع بالسيارة «أمريكاني»، بل حتى صبيتهم يزودونهم بموتوسيكلات ~~مزعجة الصوت ذهلت تماما حين عرفت أن ثمن الواحد منها لا يقل عن الألفي جنيه، يركبه صبي في ~~العاشرة، ويزعج البنات والأولاد راكبي الدراجات والسائرين على الأقدام، والراديوهات مفتوحة ~~على الآخر وأغاني عدوية وسحر حمدي بأعلى صوت وعلى ودنه. فسد الصيف كمنتجع هادئ، وفسدت أيضا ~~ذمم قاطني العزبة الذين بدأت تطلعاتهم الطبقية تتأجج والحصول على النقود ولو حتى باقتحام ~~شقة وسرقة أنبوبة بوتاجاز حادثا عاديا تماما لا يستغرب له أحد. # أما أنت أيها اللص ذو الأقدام الكبيرة، فإذا كنت تستمتع بالحذاء وقد أراح قدميك فإني ~~مستعد أن أسامحك وأرجو الله أن يغفر لك شريطة أن تعيد لنا أنبوبة بوتاجاز بأي سعر تحدده، ~~وأقسم لك أني لن ms080 أفعلها أبدا وأبلغ عنك البوليس، فكيف يبلغ الإنسان عن رفيق أقدام وزميل ~~دفعة واحدة، دفعة 46 التي منها سلطان أبو علي ويوسف صبري أبو طالب؟! # ويسميها انتهاكات الكلمة! # من حق كل زميل في جريدة أن يعلق أو ينقد ما يكتبه زميل أو كاتب آخر، أما أن يلوي هذا ~~الزميل كلام زميله ويخرج به إلى عكس معناه ويسمح لنفسه بعد هذا أن يرد على الكلام ~~المغلوط الذي اختلقه فهذا ليس من حقه فقط، ولكنه يتنافى مع أبسط مبادئ السلوك البشري، ~~فما بالك إذا كان هذا الزميل ممن يزعمون أنهم من حملة راية السلوك الإسلامي القويم، ~~ويكذب هذا الانتهاك الصارخ للحقيقة تحت عنوان - يا للجرأة - انتهاكات الكلمة. # في مفكرة سابقة كتبت أرصد التناقض الذي أصبح صارخا بين علو صوت الميكروفونات ~~المتشنجة الداعية إلى الإسلام، وبين خفوت صوت الضمير، في حين كان المفروض في ظل ازدهار ~~الدعوى للتدين أن تترسب هذه الدعوة على هيئة قيم ومبادئ وسلوك إسلامي قويم، فجاء الزميل ~~ليقول إنني أهاجم التدين وألمز المتدينين وأستنكر ظاهرة تنامي الوعي الديني، فهل ممكن ~~أن يفسر عاقل كلامي هذا الذي قلته على أني أستنكر ظاهرة تنامي الوعي الديني أم أني ~~أستنكر علة نبرة الوعظ والتهديد والوعيد، والفارق بينهما كبير، فنحن جميعا مع تنامي ~~الوعي الديني؛ لأنه الطريقة الوحيدة لترسيخ المبادئ والقيم وتقويم السلوك، أما ~~الميكروفونية التي تزعج الناس وتشوش على تلقيهم وتأملهم لما يقال، فلا علاقة بينها ~~وبين تنامي الوعي، إلا إذا كان الوعي عند الزميل هو القرين لغلظة أصوات ~~الميكروفونات. # أنا لا أريد أن أسأل الزميل بأي حق ينصب من نفسه المدافع الأوحد عن الإسلام بعد سنوات ~~قضاها يعمل بعيدا في البلاد الغنية، بينما نحن هنا نناضل بشراسة من أجل الحفاظ على ~~تديننا الحق وقيمنا الإسلامية الحقيقية، وبأي حق يسمح لنفسه أن يختلق كلاما على لسان ~~كاتب قرأ كلمة - في نفس الجريدة - كل الناس وكلهم شهود عليها. # إن الدعوة للإسلام دعوة حق وقائلها لا بد أن يتحلى بالصدق والتمسك بقول الحق؛ إذ ms081 ~~إن الالتواء والإلواء لا بد أن يفقده صفة الداعية مهما حاول أن يتسربل بها. # ويكفي هذا الآن. # الهزيمة الثالثة # حسن جدا، فتورنا سببه موقف احتجاج لا واع على كثير، إن لم يكن كل شيء، مما يجري ~~حولنا موقف احتجاج يدفعنا للإضراب غير المعلن بالطريقة التقليدية من اجتماعات ولافتات ~~وهتافات وخطب، ولكن، كما ابتكر العمال الفرنسيون أثناء احتلال ألمانيا الهتلرية لفرنسا ~~خلال الحرب العالمية الثانية، ابتكروا فكرة العمل ببطء؛ إذ لم يكونوا في موقف أو لديهم ~~القدرة على الإضراب العلني أو الامتناع عن العمل؛ إذ كان الجستابو الرهيب وقوات العاصفة ~~ستتولى ضربهم وتحطيمهم وتخريب المجتمع الفرنسي تماما، وهكذا ابتكروا فكرة أن يعملوا ~~وفي نفس الوقت، وفي الحقيقة، لا يعملون؛ فالعمل الذي يمكن الانتهاء منه في ساعة يأخذون ~~يوما بأكمله لإنهائه. # ولكن هذا كان من عمل وابتكار قيادة الشعب الفرنسي المغلوب على أمره، قيادة المقاومة ~~الفرنسية ومفكري وفلاسفة هذه المقاومة، وهي كما نرى فكرة ليست في غاية الذكاء فقط، ~~وفيها تعجيز شبه كامل لعملية إنتاج الذخيرة والمعدات العسكرية التي كانت تطلبها ~~وتحتاجها آلة الحرب الألمانية الهتلرية، ولكن فيها أيضا - وهذا هو المهم - فكرة ألا ~~تطلب من الناس العاديين، عمالا كانوا أم فلاحين أم حرفيين أم متعلمين، ألا تطلب منهم ~~شيئا يعجزون عن تنفيذه، أو يؤدي تنفيذهم إياه إلى تعريض هؤلاء الناس للخطر ~~وللتهلكة. # ولو كانت قياداتنا العربية، خاصة تلك القيادات التي تدعي الثورية القصوى والصمود ~~والتصدي وتنادي بالقضاء قضاء مبرما على إسرائيل مهما امتدت واستطالت فترة الحرب ~~والتصدي، ولو كان هؤلاء الناس قد ذاكروا التاريخ، وبالذات تاريخ الشعوب التي قاومت ~~أعداءها ومستعمريها، لأخذوا مما فعلته قيادة حركة المقاومة الفرنسية السرية، ~~درسا. # فالناس العاديون ليسوا بالضرورة والسلفية والوراثة مخلوقات خارقة البطولة أو هكذا يجب ~~أن تكون، وأيضا الأبطال لا يصنعون بالقسر والأمر والقوة، البطولة عند الإنسان العادي ~~تنشأ بالتاريخ الشديد، وبالتصعيد خطوة خطوة، ونتيجة اصطدامات بالعدو يتبدى من خلالها، ~~وبوضوح ظاهر، أن الملاينة أو الاستكانة أو غض الطرف لم تكن كلها تجدي، والنتيجة ms082 أن ~~الإنسان العادي، وبمنطقه العادي، يصل إلى اقتناع جازم أنه إذا استمر على منواله ~~المستسلم المسالم فإنه لا محالة هالك، فإن لم يكن بالضرورة هو شخصيا، فأولاده وإخوته ~~وأقرباؤه لا محالة هالكون. هنا يصل المواطن إلى درجة اليأس من الحل الاستسلامي الكامل، ~~ويبدأ يقاوم، فيضرب، ويحسمها، فيجد أنه إذا استسلم لضربة رد الفعل فإن ضربا مبرحا ~~آخر ينتظره؛ ولهذا فإن الأسلم له والحل «المعقول» الأصح هو أن يرد الضربة، فإذا فعل رد ~~العدو عليه بضربة أقوى، ويحسبها مرة أخرى ليجد أن لا سبيل لأي حل آخر، فشيء من اثنين: ~~إما أن يتراجع تراجعا كاملا فيعامل معاملة الكلاب النجسة التي لا تليق بأي آدمي، ~~وإما أن يستمر يقول لا، وقد يعذب لقولها وينكل به، ولكن هذا لن يشكل مشكلة؛ ~~فالعذاب والهوان نتيجة الملاينة سيستوي معه العذاب والهوان نتيجة المقاومة، وبالضرورة ~~سيختار المقاومة. # هكذا يصعد الإنسان العادي سلم البطولة، ومن مستوى سطح الأرض والمعيشة، خطوة فخطوة يجد ~~نفسه مضطرا لأن يصمد كل حين خطوة، وإلا هانت عليه نفسه وقضي على كيانه المعنوي ~~قضاء تاما مع الموت الجسدي. # أقول: لو كان قادتنا الثوار العظماء المتحمسون لمعركة لا ينال فيها أحدهم أذى، ولا ~~تخدش له إصبع، وإنما يموت فيها الناس البسطاء العاديون، ويفرون هم هاربين في آخر لحظة، ~~أو حتى قبل آخر لحظة، لو كان هؤلاء القواد العظام قد أدركوا حقيقة الطبيعة البشرية، ~~وطبيعة دور القائد أو القيادة من أنها تسبق القاعدة بخطوة واحدة لا تزيد، فلا تطلب من ~~الشعب أبدا أن يقفز قفزة أكبر بكثير من قدراته العضلية أو الإرادية، وإنما القائد ~~الثوري الحقيقي هو الذي يطلب من قاعدته الشيء أو الخطوة التي يرى ويرى الناس معه أنها ~~ممكن أن تتحقق، فإذا تحققت فإن الشعب يتعلم اولا أنه يستطيع الخطو - وذلك في حد ذاته ~~إنجاز عظيم - وثانيا يثق في أنه قادر على خطوة تالية مقبلة، وثالثا، وهذا هو الأهم، ~~يثق ثقة عضوية ملموسة في قيادته، ويعرف أنها تدرك إمكاناته، ولا تطالبه بما لا ms083 طاقة لها ~~به، وأنها في النهاية تعمل لمصلحته وليس لمصلحتها أو لتضخيم ذاتها. # ولو كنا كقادة عرب، أو مصريين بالذات، قد وعينا هذا الدرس لأدركنا أن القوات المسلحة ~~وحدها، ولا فرق الصاعقة ولا المخابرات، ولا حتى كل احتياطي جيوشنا كفيل بأن يحسم ~~معركتنا مع الاستعمار ومع إسرائيل، فنحن كنا لا نحارب دولة أو جارة، وإنما نحارب ~~أخطبوطا ضاربا بآلاف سيقانه ومخالبه في كل أرجاء الأرض، وأن لا يقدر على هذا الأخطبوط ~~إلا الشعب كله، ليس الشعب المصري وحده، ولكن الشعب العربي وشعوب العالم الثالث كلها، ~~ولكنا قد فعلنا كما فعلت المقاومة الفرنسية، وبدأنا نعلم شعوبنا خطوات ممكنة محدودة ~~ليقوموا بدور في المعركة، دور لا يمكن أن يعطي للعدو فرصة لتوجيه ضربة ساحقة إلى جماهير ~~بالكاد بدأت تعرف العدو من الصديق، وعن طريق الخطوة الصغيرة إثر الخطوة الصغيرة يتصاعد ~~الدور ويشتد عود الإنسان الفرد والإنسان الشعب والمجتمع، ويتعلم أن عليه أن يقوم بدور ~~ما، وأن القيام به أمر ممكن، وهكذا نصل إلى اللحظة التي يمكن فيها أن نقوم بعمل جماعي ~~كبير مرة واحدة وفي لحظة واحدة؛ إذ حتى لو لم يؤد هذا العمل إلى دحر كامل للعدو ~~وانتصار كامل لنا، فإن فشلنا فيه لن يشتت شملنا، وما دمنا قد ذقنا متعة الكفاح معا، ~~والثقة بأنفسنا معا، فإن التاريخ سيعيد نفسه وأن لا نكل حتى ننتصر. # إن نجاح ثورة 19 مرجعه إلى أن المطلب الشعبي فيها بدا بسيطا جدا وممكنا جدا، ~~وقانونيا جدا ولا غبار عليه، أن يجمع الشعب توقيعات يوكل فيها قادة ثورة 19 بأن ~~ينوبوا عن الشعب في مفاوضة الإنجليز. # وكانت النتيجة أن شباب الوفد حين قام بجمع توقيعات وبصمات الملايين على تلك العرائض، ~~قد جند - وهو يدري أو حتى دون أن يدري - كل من وقع أو بصم على العريضة للحركة الوطنية، ~~وجعله يحس أنه «ساهم» وأن له دورا، وهكذا حين رد الإنجليز بنفي سعد زغلول ورفاقه، صعد ~~الشعب في كفاحه خطوة، وأعلن الإضراب، وكانت المظاهرات، وحين رد الإنجليز بالقوة ms084 الغاشمة ~~وبالعساكر الاستراليين وقد ركبوا بغالهم وانهالوا على الناس ضربا وتقتيلا، بدأت ~~قيادات الوفد تفكر، بل وتكون، جيشا شعبيا مسلحا يقاوم هذا العدوان المسلح. # وحين نما إلى علم الإنجليز هذا الذي بدأ يحدث ، والإنجليز قوم أذكياء لهم باعهم الطويل ~~وتجاربهم في مقاومة الحركات الوطنية، بدءوا يدركون أنهم سائرون في طريق ماحق الخطر ~~سينتهي حتما بمعركة مسلحة عليهم أن يخوضوها ضد شعب كامل مسلح، وكان أن أفرجوا عن سعد ~~زغلول وقبلوا رياسته لوفد المفاوضات. ~~••• # تلك مقدمة قد طالت وأطلتها عن عمد لأهميتها، فمن الواضح أن شعبنا المصري وحكومتنا ~~المصرية يعاني كلاهما أزمة حكم، فلا الشعب يريد أن يعود إلى الحكم الذي جرى حتى في أمجد ~~أيام ثورة عبد الناصر، ولا هو يريد أبدا حتى لو قامت المجازر أن يعود إلى حكم كحكم ~~السادات، وفي العالم العربي حوله يرى غير هذين النموذجين حكومات قامت على التعصب ~~الديني الأعمى أو الحكم العسكري الديكتاتوري وكلها نماذج، جربنا بعضها، ونقرأ الكثير عن ~~المآسي التي تنشب من ورائها، ولقد رحب الشعب بزوال العهد الساداتي، وفتح أبواب آماله ~~مرحبا بمجيء مبارك إلى الحكم، على اعتبار أنه لن يكرر كثيرا من أخطاء عبد الناصر في ~~عنفوان حكمه، لن يفكر أبدا في أن يحكم على النسق الساداتي، وفعلا، جاء مبارك تزفه تلك ~~الآمال ويزفها هو إلى الشعب، ولم تكن مصادفة أبدا أن كان أول عمل سياسي داخلي يقوم به ~~أن يفرج عن آلاف المعتقلين، بل ويقابلهم في القصر الجمهوري مقابلة ترضية خاطر وما يشبه ~~الاعتذار عما فعله سلفه، وانتخبنا، في إجماع حقيقي لأول مرة، حسني مبارك رئيسا، وسرت ~~في الشعب روح أمل جديدة، خاصة وقد بدأ حكم مبارك يمسك بتلابيب لصوص عصر السادات ورموز ~~فساده ويحاكمهم ويسمح للمعارضة باستعادة أحزابها وجرائدها وبكم أوسع من الحرية، وما لبث ~~أن أعقب هذا بالتفاتة ود إلى الدول العربية التي انتهزت فرصة ما فعله السادات وقطعت كل ~~ما بينها وبين - ليست القاهرة الرسمية فقط ولكن - الشعب المصري كله، بنقاباته وتنظيماته ~~وهيئاته. # وبدأ مبارك ms085 بمنظمة التحرير، وتلك كانت بداية هامة جدا، وفي بضعة شهور كان عرفات في ~~القاهرة، وكانت قيادة المنظمة توافق على دوام الاتصال مع مصر والتعاون معها، ثم جاء دور ~~الأردن، ودول الخليج، وحدثت محاولات مع ليبيا وسوريا، وبدا كما لو أن الأرض التي فقدتها ~~مصر في عهد السادات عربيا تسترد شبرا شبرا، وبلدا بلدا ... حتى ليكاد الإنسان وهو ~~يراجع سياسة مبارك العربية لا يجد إلا أقل القليل من المشاكل والأخطاء، وكلها موروثة ~~بكليتها من القيود التي قيدها بنا الرئيس السادات، بتلك العلاقات الخاصة جدا مع ~~أمريكا، وبالتعاون الاستراتيجي الإسرائيلي الأمريكي الذي في ظله لن تستطيع مصر وحدها أن ~~تجابه ذلك التحدي، ولكني شخصيا أعتقد أن تلك القيود أمور موقوتة تماما، وأن باستعادة ~~مصر لقدرتها وقوتها الذاتية، واستعادة الالتفاف العربي حول مصر ومع مصر، سوف يتغير ~~الحال حتى بدون قتال. # فالمضحك أن بعض البلاد العربية «الصامدة والرافضة» تتصور أن كامب ديفيد لا تزال هي ~~السبب في المصائب التي حلت والتي لا تزال تحل بالأمة العربية جمعاء، وهو قول يبعث حقا ~~على الرثاء؛ فلم يحدث في تاريخ العالم أن تسببت معاهدة - مهما كانت بنود تلك المعاهدة - ~~في تفرقة أمة بأسرها وتمزيقها نتفا. إن كامب ديفيد كارثة هذا صحيح، كارثة بكل معنى ~~الكلمة، ولكن كامب ديفيد هي الجزء الظاهر الصغير من جبل الثلج المختفي تحت سطح الماء ~~والذي تعانيه أمتنا العربية. # لقد حولت كامب ديفيد انتصار أكتوبر العسكري إلى هزيمة سياسية، حتى لو كانت قد أدت إلى ~~تحرير سيناء، فقد كان ثمن تحرير سيناء هو عزل مصر عربيا وإسلاميا وأفريقيا ~~وآسيويا، وهو ثمن فادح، ولكن كل بلد عربي قد قام بما يشبه كامب ديفيد بل وربما أسوا: ~~فغرق الجيش السوري في الوضع اللبناني إلى درجة الشلل التام الذي ألغى فاعلية سوريا، ~~والوقيعة بين العراق وإيران إلى حد إراقة كم من الدماء لم يرق في كل التاريخ ~~الإسلامي بين دولتين إسلاميتين، وتشويه سمعة العرب بإلصاق تهمة الإرهاب بليبيا وضربها ~~على مرأى ومسمع من العالم، دون ms086 أن تستطيع دولة عربية أو غير عربية أن تصنع شيئا إزاء ~~هذا الإرهاب الريجاني الإجرامي، والاشتباك الليبي التشادي، والصومالي الحبشي، ~~والسوداني-السوداني، والشيعي الفلسطيني الماروني الدرزي السني، والمؤامرة على سعر ~~البترول والنزول به من حيث كان 34 دولارا للبرميل إلى سبعة وعشرة دولارات (تلك التي ~~سميتها مذبحة صابر وشاتيلا البترولية)، ضرب المفاعل النووي العراقي، وضرب الكوماندوز ~~المصريين واختطاف الكرامة المصرية الطائرة واتهام مسئوليها - علنا وعلى الملأ - ~~بالكذب، ثم أخيرا هذا العمل الإجرامي الكبير بتزويد إيران بأسلحة عبر إسرائيل، وإعطاء ~~العراق معلومات خاطئة عن أهداف إيرانية كاذبة، والوقيعة بين الفصائل المتقاتلة في ~~لبنان، بحيث إذا هدأت الأحوال بين أمل والمنظمة فجرت سيارة ملغمة في قرية شيعية ~~ليظن أن الفلسطينيين هم الذين فعلوها، أو يحدث العكس ويفجر صاروخ أو لغم في مخيم ~~فلسطيني لتقوم القيامة بين اللبنانيين الشيعيين والفلسطينيين. إن تشويه سمعة العرب ~~ومحاولة دمغ سوريا بأنها دولة إرهابية، وكذلك ليبيا، وفي نفس الوقت التعامل مع ما سماه ~~كارتر وريجان الدولة الإرهابية الأولى في العالم، إيران، ثم بالغش والخديعة والفجور ~~إرسال أرباح الأسلحة المباعة لإيران عبر إسرائيل إلى المناهضين للحكومة الشرعية في ~~نيكاراجوا، أي ضرب العالم الثالث بالعالم الثالث، كلها أعمال ليست فقط غير أخلاقية، ~~وغير إنسانية، ولكنها أعمال مافيا مجرمة محترفة آلت على نفسها أن تسيطر على العالم ~~بالقوة الغاشمة، وأن تنفق مئات المليارات من الدولارات لإشعال حرب ذرية يفنى بها العالم ~~الاشتراكي والعالم الثالث، وإغراق دول الجنوب الفقيرة بمئات المليارات من الدولارات ~~كديون، وفي نفس الوقت خسف الأرض بأسعار منتجاتها التصديرية لتبقى مغروسة في وحل الدين ~~والفقر والمرض والفاقة إلى آذانها. # كل هذا تفعله دولة أفلتت كالوحش الكاسر من قفص السلوك البشري، وانطلقت أسودها ونمورها ~~وثعابينها وكلابها تنهش وتقتل وتحرض وتقهر وتستأصل أي قيمة بشرية أو إنسانية وأي شريعة ~~من شرائع الله، تبشر بكل ما يزخر به قاموس الشيطان من موبقات، لقد أتيح لي أن أشهد بعض ~~أحدث إنتاج هوليوود من الأفلام، وفوق أنها كلها دعاية في غاية الذكاء، والعبقرية لشعب ms087 ~~الله «المختار»، المختار ليلعب أسوأ دور لعبه شعب في تاريخ البشر، فإنها تقطع الجذور ~~العميقة التي تربط الإنسان الفرد او الشعب بجنس البشر، وكان هدفها الأسمى أن تحول الكرة ~~الأرضية إلى غابة متوحشة لا يسري فيها أي قانون، حتى لو كان قانون الغابة نفسها حيث ~~البقاء للأقوى، إنما البقاء فيها للأحط وللأخس وللشاذ وللأناني والخيبة والفشل والضياع، ~~وكل من يحاول أن يتحلى بصفة واحدة من صفات الإنس أو حتى الوحش. ~~••• # لا يمكن أن يكون هذا كله قد حدث لأن مصر لا تزال ملتزمة، حكوميا فقط، بكامب ديفيد، ~~فإذا كان لكل شيء سيئ جانبه الحسن؛ فالجانب الحسن في كامب ديفيد أنها أقنعت إسرائيل ~~وأمريكا أن أي معاهدة صلح أو اعتراف توقع مع أي حكومة عربية على حدة، أو مع عدة ~~حكومات عربية، ولا يكون العدل والحق هما أساسا توقيعها، فهي لا تساوي المداد الذي ~~كتبت به، وآلاف السياح الإسرائيليين يأتون إلى مصر، وما يرونه في عيون الناس، وما ~~يقرءونه في تعبيرات وجوههم، يؤكد لهم بالدليل القاطع أن صلح حكومة مع حكومة لا قيمة له ~~بالمرة، أما الشعوب فهي لا تقبل إلا الصلح العادل، وطالما أن إسرائيل باغية ومعتدية ~~وملتهمة لفلسطين كلها، ولاعبة دور الشيطان في المنطقة فإن أحلامها في الصلح هي أضغاث ~~أحلام، وغربتها في المنطقة ستظل تتعانق مع الزمن؛ إذ الزمن باستمرار العدوان هو مع ~~تعميق العدوان وفي النهاية انفجاره. # كل ما في الأمر أن هناك شيئا واحدا لا بد أن نملك الشجاعة لقوله والاعتراف به: ~~إن ما نراه في ساحتنا العربية من تمزق وتشرذم وانعدام إرادة وتفتت كلمة وقرار، إن ~~ما نراه يحدث في منطقتنا منذ عام 1979 إلى الآن إن هو إلا علامات هزيمة غير معلنة، ~~أقولها مرة أخرى: علامات هزيمة غير معلنة. # والهزيمة أبدا ليست كارثة، وكلمة الزعيم الصيني الكبير صن يات صن لا تزال ترن في أذني ~~حين فشلت ثورته ضد الاحتلال الياباني فقال: ليس هذا سوى فشلنا أو هزيمتنا الثالثة ~~عشرة. # إن أولى بوادر الانتصار ms088 هي الكف عن مخادعة النفس، والاعتراف أنك هزمت، وأولى بوادر ~~النجاح هي إيقاف التحجج بالأسباب الواهية والاعتراف بأنك رسبت، فحين يدرك الإنسان أنه ~~فعلا يعاني هزيمة، وأنه فعلا قد فشل في تحقيق الهدف فإن الطبيعة الإنسانية سرعان ما ~~تكتسب القدرة على التحدي، وتتشكل لها من داخلها قوة مارد أعظم تبادر إلى الاستعداد ~~للتحدي القادم، ومن ثم إلى النجاح والانتصار، ولولا أننا اعترفنا بأننا هزمنا عام ~~1967، بل وجاء هذا الاعتراف على لسان قائدنا العظيم نفسه، بل واعتبر أن الهزيمة هي ~~أولا هزيمته شخصيا، وبادر وأعلن أنه مسئول عنها، لولا هذا ما ركبتنا روح التحدي ~~ولما بدأنا الاستعداد الجدي للمعركة المقبلة، ولما بلغ التحدي مدى جعل الجيش المصري ~~الباسل ينطلق كالمرجل المغلي يحطم خطوط أعدائه ويلحق شر الهزيمة بهم. ~~••• # نعم، إن كل الأعراض على ساحتنا العربية تؤكد، لكل ذي عينين، ولكل أعمى أنها علامات ~~هزيمة لا يعانيها عالمنا العربي فقط، ولكن العالم الثالث كله يعانيها. # وإذا كانت تلك الهزيمة قد أخذت شكل الصراع بين الطوائف في بعض بلادنا العربية، وشكل ~~الحروب بين نظم ونظم، وشكل عملاء يحكمون ووطنيين يحكم عليهم، شكل سيادة الفرقة ~~والتعصب، شكل الهروب من الجهاد في سبيل الله إلى الإغراق في شرح النحو والصرف وسحب روح ~~التضحية والفداء والإيمان من ديننا الحنيف وتحويله إلى ما يشبه التعاويذ، وموضات ~~الأزياء والحجاب، وإسقاط هزيمة الرجال على جنس النساء واعتباره أنه الجنس الخاطئ ~~والمذنب والمثير للفتنة على الأرض (أي إحلال نسائنا الفاضلات محل الاستعمار والصهيونية ~~في غرس الفتنة وتضليل الجماعة وإغواء الفرد). # إذا كانت الهزيمة على المستوى العربي العام قد أخذت هذا الشكل، فهي في مصر قد أخذت ~~طابعا - في رأيي - أكثر خطرا؛ إذ هي أوصلت الإحساس بالهزيمة إلى قلب وعقل الفرد نفسه، ~~إن لا مبالاتنا، إن فتورنا، إن يأسنا، إن كرهنا لبعضنا البعض، إن معصياتنا في حق أنفسنا ~~وفي حق دولتنا التي كثر فيها: نهب الأموال، وشيوع الارتشاء، والتكالب على الطعام ~~والشراب واللذة المريضة العابرة. # بل أن يؤدي الحال إلى أن ms089 تصل الهزيمة إلى الحد الذي أصبح أسهل شيء للمواطن المصري أن ~~يقول: ليس هناك من فائدة ترجى. وسعد زغلول قال: ما فيش فايدة، ومصر حالة ميئوس منها، ~~أو أن يصل إلى الحد الذي أصبح منتهى الأمل الهجرة والإقامة في مجتمع يتمتع بالنظام ~~والصحة والعدل والتقدم، إلى أن تيأس تماما وتكفر، كل على حدة. إننا ممكن أن نصنع من ~~أنفسنا شيئا، ومن بلادنا دولة قوية قادرة، ومن ديوننا وفرة نرفع بها عن كاهلنا عبء ~~اليأس والمذلة والخضوع. # ذلك هو الشكل وتلك هي الأشكال التي أخذتها الهزيمة الثالثة في بلادنا الحبيبة ~~مصر. # في الهزيمة الأولى عام 1948 رفضناها واستنكرناها وقامت ثورة 23 يوليو ترد لنا ~~الاعتبار، وترد لنا الإحساس أن العالم لم ينته بهزيمة 48، وأن العمل الجاد لا بد أن ~~يبدأ، في هزيمة 67 اكتشفنا أننا هزمنا لأننا قمنا بثورة على الورق، فإجراءاتنا فيها ~~كانت قرارات، وقواتنا المسلحة تركناها لمن لم يرعها ومن لم يكون بها جيشا حقيقيا ~~للخلاص. # وكان أن شددنا الأحزمة على البطون، وبنينا قواعد الصواريخ تحت وابل القنابل ~~الإسرائيلية، حتى إن العمال والعاملات الذين كانوا يعانون في بناء تلك القواعد، وكان ~~معظمهم من أبناء الشرقية، كانوا يعرفون أن ثلثهم على الأقل لن يعود لبيته - إن كان له ~~بيت - في آخر النهار، ومع هذا فقد كانوا يذهبون إلى عملهم وهم يغنون أغاني الأفراح ~~ويغردون وكأنهم ذاهبون إلى زفة انتصار. # وهكذا عبرنا القنال في 73 وانتصرنا. ~~••• # في هزيمتنا الثالثة تلك، نحن لسنا أمام هزيمة عسكرية ملموسة، ولا بضعة قواد من الجيش ~~ممكن عزلهم ومحاكمتهم وإحلال غيرهم - أكثر كفاءة - محلهم ... نحن أمام هزيمة لا نرى لها ~~آثارا ملموسة واضحة، وكأنما قصد أن يكون الأمر كذلك، إنها هزيمة نحس بأعراضها، ~~ولكننا لا نعترف بأننا مرضى وأننا مهزومون وأننا في حاجة إلى هبة كبرى، من كل النواحي، ~~توقظ جسدنا الذي خدرته قرصة ذباب، تسي تسي، التي تسبب مرض النوم المستمر العليل. # أعرف أن الكثيرين سيزايدون ويغالون ويقولون: بل أنت المهزوم، بل أنت المخطئ، بل ms090 أنت ~~النائم، وشيء من هذا لا يهمني من قليل أو كثير، ليت الأمر كذلك، ليتني النائم المقروص ~~في شعب صاح حي، وليت كلماتي كلها تخاريف حمى، فأنا أعلم وأنتم تعلمون أننا كلنا ~~نعاني نفس الشعور، وما دام الأمر كذلك؛ فالمرض عام، وسببه واحد: مهزومون يخدعونهم ~~بقولهم إنهم غير مهزومين، بل يريدون إقناعهم بأن المسألة «شوية ديون، وشوية سلبيات، ~~وشوية انحرافات» وبإجراء هنا وإجراء هناك، بالمحافظة على الديمقراطية، وعلى القائمة ~~النسبية ننقذ أنفسنا منها ونشفى. # لا، هذه هزيمة ألبسوها طاقية إخفاء بحيث لا نراها، ولن نراها إلا إذا توقفنا لحظة ~~ورمقنا حياتنا، وما نعانيه ونحسه في لحظة صحوة، فإنني لأكاد أقسم أننا إذا تبينا الصورة ~~لومضة فلن ننام بعدها أبدا، أجسامنا نفسها سترفض النوم وتأباه، قوى الحياة التي نحن ~~بالضرورة مزودون بها، ستستيقظ وترفض وتقول: لا لن أقبل، ولن نقبل أن نحيا ~~مهزومين. # فحتى الديدان ترفض حياة الهزيمة، وتزحف ملليمترا ملليمترا، لتخرج من المأزق، وتنقض ~~على فريستها أو عدوها وتنتصر. # حتى الديدان إذا أيقنت أنها هزمت أو في سبيلها لأن تهزم، تنتفض فيها كل ما تمتلكه ~~من قوى المقاومة، وتستحيل من إرادة الدودة حيث ركنت واستكانت إلى إرادة العملاق ~~المستوحش في الدفاع عن حياته وعن حقه في حياته، وقدرته على هذا الدفاع. # لقد بدأنا القضية بعرض الفتور، ثم اكتشفنا أن الفتور راجع لحالة الغضب، وها نحن ~~أخيرا نضع أيدينا على سبب الغضب أنهم قد هربوا الهزيمة إلى كل منا دون أن يدري، ~~ولأنه لا يدري فهو لا يملك أن يصنع لغضبه أو لفتوره شيئا. # ربما إن أدرك السبب، وبطل العجب، وأيقن أن الهزيمة وصلت إلى عقر داره وتجويف صدره، ~~انقلب غضبه من الآخرين إلى غضب على هزيمته الخافية وانقلب غضبه على الهزيمة، ومنها إلى ~~إرادة عظمى لقهرها، وهزيمة الهزيمة. # ولأننا نعرف حال إنساننا وما آل إليه. # فلا تطلبوا منه ولا تتوقعوا أن يهب من نومه المريض أو مرضه النائم فجأة، ويمتشق حسامه ~~ويقضي على الهزيمة وهازميه بضربة واحدة. # ليكن مطلبنا منه ms091 مثلما فكرت ودبرت قيادة المقاومة الفرنسية أيام الاحتلال، شيئا ~~بسيطا جدا في استطاعته، ومن أمكن أن نبدأ به، وتصعد مع البداية خطوات فوقها خطوات، ~~إلى أن تصل إلى العمل الجماعي الكامل العملاق. # ليكن شيئا بسيطا جدا لا شعار «اشتر البضائع المصرية» ولا «تشجعوا منتجاتنا ~~المحلية»، ولا حتى شعار أن يشتري الإنسان شيئا على الإطلاق. # لتكن البداية أن نطلب من المواطنين عكس ما طالبت به المقاومة الفرنسية أن يسرعوا في ~~إنهاء الأعمال المطلوبة منهم. # فقط يسرعون في إنهاء الأعمال المطلوبة منهم. # فقط ينجزون في ساعة ما يأخذ ساعتين لإنجازه. # بهذا ومن هنا نصعد السلم ونتعلم خطوة خطوة أن نصعد، إلى أن نبلغ الدرجة التي ينقلب ~~فيها غضبنا على ما ساد حياتنا من تراخ وفتور إلى غضبنا على الشعور الخفي بالهزيمة الذي ~~استخفى علينا، ومن غضبنا على إدراكنا أننا هزمنا إلى إرادتنا الكبرى: أن نهزم هزيمتنا ~~ونقهرها. # دعونا من الحديث عن الجبهة والحوار الناصري الإسلامي وأخبار الشيخ صلاح أبو إسماعيل ~~مع حزب الأحرار، وعن المقارنة بين عبد الناصر والسادات وبين عصر الملك وعصر ~~الثورة. # دعونا من هذا كله. # ولنبدأ بهذا الجهد الصغير القادرين عليه تماما: أن نسرع إذا مشينا، أن نسرع إذا ~~عملنا، أن نسرع في اتخاذ قرارنا، أن نسرع في تصحيح خطتنا ... أن نسرع بنفس النسبة التي ~~تسرع بها الدودة إذا أحست بالخطر وأدركت أن بطأها هزيمة وهزيمتها في بطئها. # | عبقرية المعارف # أعتقد أن الكتابة عن الأمراض عامة، وعن أمراض الكاتب خاصة، مادة غير محببة إلى القراء، ~~ذلك أني أعتقد أن القارئ مثقل بالمشاكل، صحية كانت أو غير صحية، ويريد، إذا قرأ، أن يقرأ ~~شيئا آخر، ولكني هنا لن أتحدث عن مرض خاص أو عام، ولكني أتحدث عن ظاهرة مصرية أصبحت فعلا ~~مشكلة خطيرة من مشاكل شعبنا، ذلك هو الإهمال، والإهمال ليس مقصورا على المرافق العامة، ~~ونظافة الأمكنة والشوارع، ولكنه امتد حتى وصل إلى الإنسان منا ذاته، كثيرا ما أتوه وأنا ~~أحدق في أجسام المواطنين والمواطنات السائرين والسائرات في الشارع، وأكتشف ms092 أن أجسامنا ~~كمواطنين قد ترهلت بطريقة مزعجة، ترهلا لا يكاد يعادله إلا ترهل الملامح وعبوسها، وكأنها ~~هي واقعة تحت تأثير وابل لا يرحم من رذاذ الاكتئاب والمشاغل والهم المقيم ليل نهار، وفي ~~أشهر الصيف الأولى أحسست أني أترهل بطريقة مطردة حتى أصبحت ألهث لدى أي مجهود. # ولكني مثلي مثل أي مواطن آخر كنت أقول لنفسي إنه الكسل، واللامجهود، وكميات الطعام التي ~~لا داعي لها. في الحقيقة كنت أؤجل التفكير في جسمي أو في صحتي باعتبار أن هناك أشياء أكثر ~~أهمية بكثير، وهذا يعتبر في العرف العلمي المتحضر جريمة لا تغتفر، وبعد أيام من الإجازة ~~بالخارج بدأ عقلي - كما يقولون - يروق، إجازة حقيقية لم أقرأ فيها جريدة أو كتابا أو ~~انشغلت بأي قضية على الإطلاق؛ فقد كان مخي مثخنا بعد عام حافل من القتال بالقلم ضد القصور، ~~وضد الغباء ولإيقاظ الوعي في أجهزة تريدنا أن نحيا كالسلامة، نأكل ونشرب ونتناسل ~~وننام. # المهم، حين راق عقلي تذكرت أني لم أعمل فحصا شاملا لجسدي منذ أكثر من سبع سنوات، صحيح ~~أن طبيبي الدكتور مجدي يعقوب الذي أجرى لي العملية منذ اثني عشر عاما أوصاني بعمل فحص شامل ~~كل ستة أشهر مرة، ولكن، بعد عام أو عامين، وبطريقتنا غير الجميلة، أهملت كل شيء، وهكذا ~~رفعت سماعة التليفون وطلبت مجدي يعقوب لتحديد موعد، تذكرت مساعدته حالتي وعمليتي، ولكنها ~~اعتذرت أن الدكتور مجدي يعقوب مشغول تماما باكتشافاته الأخيرة في زراعة القلب والرئتين ~~وأنها تحيلني إلى طبيب زميله ... في الحقيقة بعد هنيهة من الضيق وخيبة الأمل؛ إذ المفروض ~~أن من يعمل عملا أو عملية ما أن يظل يتابع صاحبها مهما كانت مشاغله، بعد قليل عذرت السيدة ~~وعذرت مجدي يعقوب ودعوت له في سري أن يواصل نجاحاته، وأيضا اعتذرت عن الذهاب إلى الذي لا ~~أعرفه، وفجأة اكتشفت أن صديقي الدكتور ذهني فراج كان المساعد الأول لمجدي يعقوب في علميتي ~~وأنه يعرف حالتي تماما، وطلبته فإذا بجهاز تسجيل يرد علي قائلا إنه في إجازة في إسبانيا ~~وإنه سيحضر بعد ms093 أسبوع، وانتظرت على أحر من الجمر، وتنفست الصعداء وأنا أطلبه فيرد هو ~~علي ويعطيني موعدا بعد ساعة في عيادته في شارع هارلي الذي لا يستطيع أن يفتح فيه عيادة ~~إلا من وصل إلى شأو علمي خطير في الطب ، وأصبح على الأقل في مرتبة «مستشار» طبي أو جراحي. ~~في الحقيقة لا بد أن أعترف بشيء، نحن في كثير من الأحيان نجني على من نعرفهم شخصيا ~~جناية بالغة؛ ولأن محمد ذهني فراج كان من شباب العائلة الأصغر فلم أكن أتصور أنه، وحده، ~~يستطيع أن يكمل دراسته في إنجلترا، ويصبح واحدا من أعظم جراحي القلب وأطبائه في لندن، ~~ومستشارا لواحد من أعرق مستشفيات إنجلترا، مستشفى وستمينيستر التاريخي، كل هذا وأنا ما زلت ~~أنظر إليه باعتباره ذهني فراج الطبيب الشاب حديث التخرج في رأيي، وإن كان قد مضى على تخرجه ~~الآن أكثر من عشرين عاما ووصل إلى كل ما وصل إليه. # والحقيقة أن مقابلتي معه كانت عاصفة؛ فقد قال لي بصريح العبارة إني أنتحر وإنني بالحالة ~~التي كنت فيها معرض للموت فجأة؛ ذلك أنه وجد في جسدي كمية من المياه الزائدة تعادل أكثر ~~من ثمانية لترات؛ ونتيجة لهذا فهناك ارتباك في دق القلب ... إلخ، كل ما كنت خائفا منه ... حتى ~~لقد قلت لنفسي إنه يحاول إخافتي ليس إلا. # ووصف لي دواء مدرا للبول اسمه في مصر لازيكس، فقلت له إنني أتناوله بانتظام، قال: ومع ~~هذا هو علاجك مع دواء آخر. # وكانت المفاجأة. # بعد ثمان وأربعين ساعة فقط من تناول اللازيكس الإنجليزي اختفت تماما آثار المياه ~~الزائدة، وعاد تنفسي طبيعيا، وعدت أسير لمسافة ميلين وثلاثة أميال بمنتهى البساطة، مما ~~دعاني للتوقف طويلا عند الدواء المصري، فإما أن الجرعة المكتوبة عليه ليست مضبوطة، وإما أن ~~المادة الفعالة فيه قديمة أو فقدت فاعليتها، وإما أن المعامل الأوروبية تطور من أدويتها ~~باستمرار، وهو شيء لا يحدث للأسف عندنا، إلا أننا غالبا ما نكتفي باستيراد المادة الفعالة ~~التي درجنا عليها. ليس هذا بأي حال من الأحوال طعنا في الدواء ms094 المصري؛ فإني أشهد وإني ومعي ~~الملايين نعالج من هذا الدواء الرخيص جدا بالقياس إلى أثمانه في السوق العالمية، ولكن ما ~~أطلبه، وما أعتقد أن لي الحق فيه، هو أن يقوم مركز الدواء المصري، وهو هيئة علمية محترمة ~~قامت لتعاير الجرعات الموجودة في كل دواء وتقارنها بالجرعات المكتوبة عليه، وتقيس مقدار ~~فاعلية العناصر الواردة فيه، وتفعل هذا مرة كل ستة أشهر على الأقل، وأنا لم أعد أسمع عن هذا ~~المركز، ولا عن نشاطه، وتفاجأ كل حين بواقعة عن تقصيره، وآخر المفاجآت كانت في نوع من ~~القطرة أن بها نوعا غريبا من الفطريات. رجائي من الزميل الكبير الدكتور محمد راغب دويدار ~~أن يعيدا لهذا المركز مكانته وسيطرته. إنني أعرف تماما أنه لا يوجد غش في الدواء، ولكن ~~الإهمال قد يكون له عواقب أخطر، وشركات الأدوية عندنا كلها - تقريبا - قطاع عام، ومسألة ~~التدقيق الشديد في صناعة كالأدوية مسألة حياة أو موت. وبالمناسبة أرجو ألا أتلقى من الشركات ~~والمؤسسات الدوائية ردودا إنشائية طويلة؛ فنحن حين ننقد إحدى صناعاتنا، وهي هنا أهم ~~الصناعات، لا نتوخى تشويها أو تشهيرا، وإنما في الحقيقة وفي هذا المقام بالذات، نتوخى صحة ~~الشعب، الذي لا يعرف من أسرار تركيب الدواء كثيرا أو قليلا، ولا حل إلا بإحياء دور ~~الرقابة على الدواء وإحياء حقها في مصادرة أو إعدام أي دواء لا يطابق المواصفات، ومحاسبة ~~المسئولين عن ذلك. # المهم أني، بنفس الجرعات، ونفس المادة شفيت من هذا الماء الزائد، ولكن ما دور ذهني فراج ~~في هذا؟ # دوره أن بعض أطباء القلب الذين كشفوا علي سواء في أمريكا أو اليابان قد شخصوا الأمر ~~باعتبار أن العيب في القلب، تشخيص ذهني فراج كان أن العيب ليس في القلب وإنما في الماء ~~الزائد الموجود بالجسم، إذا طرد عاد الجسم إلى حجمه الطبيعي وعاد القلب إلى طبيعته، وقد ~~تبدو تلك القضية من البساطة بحيث لا تستدعي أي عبقرية، ولكنها ليست كذلك؛ إذ معنى أن العيب ~~في عضلة القلب أن لا حل في يد الطبيب أو المريض، ms095 بينما بالتشخيص الثاني الحل في يد الطبيب ~~والمريض. # شكرا لنابغة من نوابغ مصر الشابة، وآسف تماما لبيئاتنا الطاردة التي تقدم مواهبنا إلى ~~حضارات أخرى على أطباق من الفضة. # إن أثمن ما في ذلك الشعب هو شبابه، وحين يقرأ الإنسان عن مشاكل الخريجين، وتعيين الخريجين ~~والبطالة المقنعة يحس بأن هناك شيئا خطأ، وأننا مقصرون في حق اكتشاف وتشغيل ورعاية أجيال ~~لو أتيحت لها الفرصة كاملة لجعلت من مصر جنة الله في أرضه، لماذا يا إلهي لا نعقد مؤتمرا ~~علميا جادا جدا ومصغرا جدا ومحددة مهمته تماما: بحث الثروة البشرية المصرية ~~المهدرة وفتح الطرق المسدودة أمام استغلالها وتنميتها؟! # مولد القاهرة الكبرى # محافظتنا القاهرة والجيزة أو باختصار القاهرة الكبرى في عيد أو في مولد، وهو مولد، ~~لحسن الحظ، أصحابه حاضرون ... فأنا أسكن في الجيزة وأعمل في القاهرة، والجيزة مشغولة ~~تماما بمهرجان عايدة تحت سفح الهرم، والقاهرة مشغولة تماما بمهرجان مترو الإنفاق تحت ~~سطح الأرض وفوق سطح الأرض. # وقد أهدانا الدكتور عبد الحميد حسن بمناسبة عايدة هدية رائعة الجمال هي ساعة زهور ~~أقامتها «وكالة الأهرام للإعلان» «حاجة ببلاش كده»، وتصادف أني لم أر الساعة حين عدت ~~من الإجازة، ولكني فوجئت في الحادية عشرة مساء ثم في الثانية عشرة بأجراس تدق في ~~ميدان الجلاء القريب جدا من بيتي وأنا لا أعرف السبب، ترى ما هذه الضجة الغريبة على ~~ضجات الليل في حينا؟ أنا أعرف ضجات الليل عندنا تماما، فبعد انتهاء حركات المرور ~~الرهيبة في شارع النيل وشارع لطفي حسونة يكون الموعد قد حان لكلب مجنون لا بد مصابا ~~بالسعار، بالمناسبة أين مكافحة الكلاب المسعورة في الجيزة؟ إذ يبدأ النباح بالضبط في ~~الثانية من صباح كل يوم، وأستمع جيدا لأعرف لماذا ينبح هذا الكلب المنكود، وأصيخ ~~السمع، فلا ألمح نسمة أو حركة أو إنسانا في الشارع، ومع ذلك يظل ينبح وينبح وكأنه ~~ينادي غفاة البشر أن يهبوا لملء الكأس قبل أن يملأ كأس كف القدر، ولا يتوقف من النباح - ~~شكرا له - إلا عند طلوع الشمس، وقبل ms096 أذان الفجر بدقائق أسمع فرقعة «فسبا» مهولة الوقع ~~وسط السكون التام، ولها عشر سنوات بالضبط وهي تفرقع في نفس الوقت تماما مع نهاية كل ~~ليلة، حتى خمنت أنها لا بد تخص موزع اشتراكات الجرائد لشارعنا. أما تلك الدقات ~~النحاسية فقد كانت غريبة تماما، وحين دقت دقتين ونظرت في الساعة ووجدت أنها الثانية ~~إلا دقيقة عرفت أن الدقات لساعة، ولكن أي ساعة لم أعرف إلا في الصباح حين لمحت السور ~~المقام حول سرة الميدان، العقارب الحاملة للزهور. # وفي الصباح رجوت من الصديق الكبير الدكتور عبد الحميد حسن محافظ الجيزة أن يعقد مع ~~سكان منطقة الجلاء اتفاقا، أن تدق الساعة في النهار فقط وأن «تنام» دقاتها إلى الثامنة ~~صباحا، وكان الرجل كريما ومن الليلة التالية اختفت دقات الليل النحاسية، ولكن عواء ~~الكلب ظل على انتظامه وكذلك فرقعات الفسبا والأمر لله من قبل ومن بعد. # أما محافظة القاهرة فكلما رأيت كم ونوع العمل الجاري في ميدان التحرير وشارع رمسيس ~~وميدان رمسيس وقرأنا أن افتتاح مترو الأنفاق سيكون يوم 27 سبتمبر ومعه انتهاء كل أعمال ~~الأسفلت ورصف الميادين والشارع، تأكدت أنه من المستحيل أن ينتهي كل هذا العمل بعد أيام ~~لا تزيد على أسبوع، وحدث أن جمعتني مناسبة اجتماعية قريبة مع اللواء يوسف صبري أبو طالب ~~محافظ القاهرة، وحدثته في هذا وعن شكي في إمكانية تنفيذه، فأكد لي بما لا يدع مجالا ~~للشك أن كل الأعمال السطحية في الميدانين والشارع ستنتهي فعلا يوم 27 وأن ما سيتبقى ~~هو تشجير الشارع والميدانين ذلك الذي سيأخذ وقتا أطول. # ولو أن القائل كان هو المحافظ الذي أنشأ الحديقة الدولية الجميلة في موعد قياسي، ~~وكثيرا من الحدائق غيرها، إلا أنني من فرط عدم تأكدي، قلت له: أتقبل رهانا على هذا ~~يا سيادة المحافظ؟ قال: أقبل، ولم نتفق على قيمة الرهان أو نوعه. # ولكنه رهان أتمنى أن أخسره؛ فهو على الأقل سيثبت لي أنه بالإرادة الكفء وبالمدير ~~الكفء ممكن أن نحل مشاكل كثيرة جدا متراكمة فوق بعضها من قديم ms097 الزمان إلى ~~الآن. # وسيثبت لي شيئا آخر، أننا، المصريين، كأحصنة السباق، لا تتبدى قدرتنا المخيفة على ~~العمل والإنجاز إلا قرب النهاية، نهاية السباق أو نهاية الدراسة أو نهاية المشاريع، ~~وإلا فما الذي كان يمنع أن ينجز كثير من العمل الجاري إنجازه الآن أثناء التشطيبات ~~الأخيرة لأول مترو أنفاق في آسيا وأفريقيا باستثناء اليابان. # | مركز الدائرة # سران كبيران من أسرار الوجود يحيرانني: سر الكون، وسر الشعب المصري ... # أما الكون فعلماء الفلك والطبيعة النووية والكيميائية وعلماء الفضاء عاكفون على دراسته، ~~وكل يوم أقرأ جديدا عن اكتشاف مجرة ما، أو سرعة ما أسرع من سرعة الضوء التي أجمع العلماء ~~على أنها أسرع سرعة في الكون منذ عهد أينشتين. أقرأ عن البقع السوداء التي تتكثف فيها ~~المادة بالتقارب الشديد بين ذراتها وبين مكونات الذرات داخلها، بحيث يمكن أن يصل ثقل ما ~~يوازي كرة المطاط منها، ثقل الكرة الأرضية كلها، الكون يتمدد، الكون ذات يوم سيعود إلى ~~الانكماش، الكون ينبض، الكون يتحرك، إلى أين وفي أي اتجاه، وهل ما هو خارج الكون فضاء أثيري ~~كما كنا نعتقد، أم أنه لا يوجد للكون خارج، فكل الكون داخل كل الكون، والأحداث كلها تدور ~~منه ومن داخله. # وأنا هنا لا أتحدث عن خلق الكون ولا عن الخالق سبحانه، إنني إنما فقط أورد بعضا من ~~البحوث التي كتبت لسير هذا الشيء الكوني الذي نحن البشر منه، وهو منا، والذي يعتبر فيه ~~الإنسان العين الوسيطة بين الكون الأكبر ال (...) والكون الأصغر الذي يوجد داخل الذرة ال (...) ~~ولهذا فهو وحده الذي يدرك وجودهما معا، ورغم ذلك فمعلوماته عن كنه هذا الوجود لا تزال ~~قشرية تماما، ولم تصل بعد إلى أي حد أدنى معقول لإدراك كنه التركيبة الكونية الصغرى أو ~~الكبرى. # ذلك عن سر الكون ... # أما السر الذي يكاد يجاوز في صعوبته سر الكون، فهو سر الشعب المصري ... الشعب المصري ~~بالذات، ولا أقولها كمصري منحاز لمصر، ولا فخور أو متفاخر، إنما أقولها لأؤكد حقيقة أنفقت ~~حال عمري، ذلك الذي أنفقت نصفه في ms098 تأمل الكون وخالقه، أنفقت نصفه الآخر في تأمل شعبنا ~~المصري هذا وسره. # إنه من جنس الإنسان قطعا، بل من المحتمل تماما أن يكون من أول الكائنات البشرية التي ~~وجدت على سطح الأرض؛ ولهذا فتاريخه هو أطول تاريخ لأي شعب، فقد وحد الملك «مينا» القطرين ~~من أكثر من خمسة آلاف سنة، ولكن قبل هذه الوحدة كانت هناك دولتان عاشتا طويلا ولم يعرف ~~عنهما شيء، وقبل الدولتين كانت ثمة عشائر وقبائل وعصور صيد وزراعة وتاريخ طويل طويل، سر لا ~~يمكن أن تعرف منه أبدا ماذا يريد هذا الشعب وماذا لا يريد، ماذا يغيظه وماذا يسعده! ~~••• # لماذا تبادر إلى ذهني السران الآن؟ # الجواب حقا غريب؛ إذ هو يتعلق بترشيح الرئيس حسني مبارك ومبايعته؛ ذلك أنني أمضيت ~~الأسبوع الماضي كله أستمع إلى صرخات شباب متشنج يشجب الطريقة الإعلانية المواكبة المصطنعة ~~التي تدور على صفحات الجرائد وشاشات التليفزيون. والغريب أني حين كنت أناقش هذا الساخط أو ~~ذاك وأقول على سبيل الدعابة: وماذا يغضبك؟ هل أنت ضد مبارك؟ الغريب أن الجواب من كل الشباب ~~الذين سألتهم كان يأتي على هيئة: أبدا، أنا مع مبارك، إذن لماذا غضبك؟ # وهنا تبدأ تتفجر على ألسنة الجميع، من هنا وهناك، أجزاء من حمم بركانية طال غليانها في ~~النفوس التي مجت طويلا فكرة فسرها على الإجماع وفكرة مبايعة المحافظين والوزراء للرئيس ~~وبنقود الدولة والمواطنين، فكرة خلق ما يشبه الرأي العام الزائف والمزيف الداعي أولئك الذين ~~يريدون وقرروا انتخاب مبارك فعلا، أن ينتخبوه! # لو كان هذا الخطأ البشع في حق مبارك وفي حق عهده قد ارتكب في بلد آخر أعصابه ليست في ~~ثلاجة، كأعصاب الشعب المصري، لكان قد ركب رأسه وأسقط ذلك الرئيس الذي يدعون إليه بطريقة ~~مستفزة لا ذوق فيها ولا صدق ولا شيء سوى النفاق الأعمى. تلك الحملة الغوغائية الإعلامية ~~جعلت نفسي تجزع حقا عن أن أكتب رأيي في إعادة ترشيح مبارك، وبالطبع لم أكن وحدي، إني أعرف ~~عشرات من عقلاء المصريين الفاهمين الواعين المقدرين لموقف مصر الخطير في وسط ms099 شرق أوسط تحكمه ~~أمريكا وإسرائيل، ووضع داخلي يتحكم فيه الجشع والتعصب والجهل، أعرف عشرات من هؤلاء، كانوا ~~ينوون، بل كتبوا فعلا، مقالات موضوعية تماما، تقييما لفترة حكم مبارك السابقة، وطلبوا ~~منه أن يرشح نفسه لفترة قادمة، ولكنهم لا يفعلون هذا على بياض، كل منهم كان يطالب الرئيس ~~بمجرد موافقة مجلس الشعب على ترشيحه أن يلقي بيانه الانتخابي الأول الذي يحدد فيه على وجه ~~الدقة واليقين ماذا سيكون عليه أن يفعله خلال السنوات الست القدامة، وعلى ضوء هذا البرنامج ~~يتم الاستفتاء؛ إذ هو سيشكل عقدا سياسيا اجتماعيا اقتصاديا بين الرئيس وبين الشعب ~~يرجع إليه وقت الخلاف أو الاختلاف، ويكون هو الأساس في الحكم والدستور المحدود للمرحلة ~~القادمة. # ولكن هؤلاء العاقلين طووا الصفحات ووضعوا الأقلام باعتبار أن آراءهم تلك ستضيع وسط الزفة ~~ووسط المواد، ووسط بضعة موظفين من موظفي الحكم المحلي، وللأسف جهات لها احترامها وتقديرها، ~~لديهم نقود الشعوب يشترون بها صفحات الجرائد، ولديهم التليفزيون الملاكي يذيعون منه ويقولون ~~ما يشاءون. # والشعب الماكر الخبيث يتفرج، ويضحك من صميم قلبه، حتى إذا التقى بصديق أو مسئول مهما كان ~~صغيرا انفجر فيه بالسخط والغضب؛ سخط وغضب أعتقد أن مصدرهما هو هذه المحاولة البشعة ~~للاعتداء على حق المواطنين في إبداء الرأي أو حتى في تكوين الرأي. هذا من ناحية، ومن ناحية ~~أخرى، أدرك الشعب أن كل هؤلاء المزيفين بمئات الألوف لآراء المحافظات والجامعات والهيئات ~~معظمهم - ولا أقول كلهم - جماعات الانتهاز التي دأبت ومنذ هيئة التحرير إلى الآن على أن ~~تركب أعلى الموجات، تصرخ وتزعق بآخر ما تستطيع وتمتلك من ميكروفونات، وتمتلك عبقرية خاصة في ~~إزجاء المدح والنفاق دون الحاجة حتى إلى محترف كتابة يصوغ لها ما تريد قوله. إنهم إذن ليسوا ~~ناخبين، أو مؤيدين لمبارك «بالروح والدم نفديك يا ...» «فلم يفد أحد أحدا لا بالدم ولا ~~بالمال» إنهم إنما بإعلاناتهم يرشحون أنفسهم هم وليس مبارك ليبقوا في الصورة أثناء عهد ~~الرئاسة القادم، أو ربما يضرب الحظ مع بعضهم ويختار لمناصب أعلى. ~~••• # لقد كنت من أوائل ms100 من طلبوا مقابلة الرئيس مبارك بعد انتخابه في 13 أكتوبر 1981، فقد كنت ~~أريد أن أطمئن على الرجل الذي ألقيت إليه مقاليد أمورنا في واحدة من أدق مراحل حياتنا، ~~وكتبت عن تلك اللقاءات وقلت في إحداها: إن رجلا مثل مبارك لا يمكن أن يخون القضية المصرية ~~لسببين رئيسيين: لأنه أولا ضابط جيش، والجيش المصري منذ ما قبل عرابي وإلى الآن هو ~~مدرسة أولى للوطنية المصرية، إن هذا الشاب الذي يدخل الكلية الحربية ليخوض حربا قد يفقد ~~فيها حياته دفاعا عن بلاده وشعبه، شاب غير عادي، وطني بالضرورة، شجاع بالسليقة. أما السبب ~~الثاني فهو أنه حارب إسرائيل دفاعا عن مصر، وما دام ضابطا ومحاربا فمن رابع المستحيلات ~~أن يخون أو يفرط. # ولقد مضت سنوات حكم الرئيس مبارك الأولى، والشعب ينتظر تغيرات عظمى تزيح من على وجه ~~الساحة الطغمة الباغية التي أودت بكبيرها إلى حتفه، أولئك الذين جعلوا من عبد الناصر ~~بنفاقهم اليومي شبه إله لا ترد له كلمة. ولكن لأن الرئيس مبارك ذكر لي أثناء تلك اللقاءات ~~أنه أبدا لم يسع لوظيفة ما من وظائف الدولة منذ تخرج من كلية الطيران، وأصبح مدرسا بها، ~~وتفانى في أداء وظيفته حتى وجد نفسه ذا يوم مرقى إلى رتبة أركان حرب الكلية، وبنفس الجهد ~~والتفاني عينه عبد الناصر مديرا لكلية الطيران، ثم عينه الرئيس السادات رئيسا لسلاح ~~الطيران وخاض الحرب، وفوجئ بنفسه يعين نائبا لرئيس الجمهورية، والمحيطون بالرئيس مبارك، ~~وهم قليلون، يذكرون أنه أمضى في بيته ثلاثة أيام بعدما عرض عليه الرئيس السادات منصب ~~النائب، يفكر في الكيفية التي يعتذر بها عن هذا المنصب؛ فمبارك إذا عرفته عن قرب رجل لا ~~تهمه المناصب، ولا يسعى إليها، شاب طيار مصري يحيا حياة الطيارين المثالية: يستيقظ مبكرا ~~جدا ويعد الشاي، أحيانا بنفسه، لأولاده، ثم يمارس رياضته المفضلة الإسكواش لأكثر من ~~ساعتين، ثم يبدأ «يدرس» مشاكل مصر وحلولها؛ ذلك أنه جيء به إلى الحكم من القوات المسلحة ~~البعيدة في شئونها تماما عن الحياة المدنية، وعن المشاكل الكثيرة المعقدة ms101 للدولة وللشعب، ~~بلا حرج كان يقول إنه يدرس، ويتشاور، ويعقد جلسات خاصة لا يعلن عنها، باختصار، ودون خدش ~~لمكانته كان مبارك «يتمتم» كيف يدير مصر إدارة وطنية نظيفة، تحل مشاكلها العاجلة وتفتح ~~الباب أمام مستقبل أكثر ازدهارا. # ورغم أن بعض من يكونون في مرحلة التعلم تأخذهم العزة بالنفس والتمسك المتعصب بالرأي، إلا ~~أن الرجل كان يمتلك ميزة فريدة، ربما لا يتمتع بها كثيرون ممن تربوا في الحياة العسكرية، ~~وهي قدرته على تقبل النقد، وتمسكه الشديد بالديمقراطية، وبالذات بحرية الكتابة، وأشهد أني ~~منذ أكتوبر 1981 لم تشطب لي كلمة واحدة من مقال واحد، بينما لي دوسيه كامل من المقالات ~~المرفوضة وأوامر الفصل في العهود السابقة؛ ذلك أنه كان أيضا يتعلم من النقد، بل ويتعلم من ~~أخطائه. ولقد أخطأ الرئيس مبارك ذات مرة في حقي نتيجة دسائس قام بها أناس يرحمهم الله ~~أحياء وأمواتا ... يحيطون به ويغذونه بمعلومات يتضح بعد هذا أن معظمها كاذب. ولقد كتبت ~~أدافع عن نفسي وأتهمه أنه - وهو الرئيس للدولة قد تجنى علي - فلمن أشكو ويشكو أي إنسان ~~رئيس الدولة إذا تجنى عليه، حتى القضاء لا يستطيع الحكم ضده (إلا بعد إجراءات مستحيلة بنص ~~الدستور). # ولكن لأن خبرتي بطبائع النفوس لا تجعلني أحكم على الإنسان بخطأ حتى ولو كان الخطأ ضدي؛ ~~فلقد ظللت أؤمن أن مبارك هو الحل منذ أن انتخب، وكأنما أراد الله لمصر أن يأتي لها ~~بحاكم ينفر من فكرة الزعامة ولا يسعى لأمجاد، وإنما يريد أن يسوس بلاده وشعبه ويؤدي واجبه ~~هذا بمنتهى التفاني، كما كان يفعل وهو مدرس بالكلية الجوية، حين كان يستيقظ في الخامسة ~~صباحا ليوقظ الطلبة جميعا إلى طابور رياضة، يتعلمون فيه الجدية والمحافظة على أجاسدهم ~~وصحتهم حتى ضج الطلبة منه، ولكني أعتقد أنهم الآن قد أدركوا فائدة ما كان يصنعه مدرسهم ~~بهم. # لقد كان مبارك هو الحل الأمثل لتناقضات مصر الصارخة بعد عصر السادات والانفتاح المجنون ~~والانكفاء على أقدام الأمريكان والإسرائيليين، ولقد حدثت أثناء حكمه أحداث مروعة، أقلها ~~إضراب جنود الأمن ms102 المركزي، وبدايات الفتنة الطائفية المهولة، ولو كان مبارك قد تصرف بعصبية ~~للحظة لفجر براكين هائلة لا تزال تغلي في نفوس الشعب، ولكنه استعمل الزمن معه، واستعمل ~~الصبر - يا لقدرته على الصبر الطويل - معه، والنتيجة ليست سيئة بالمرة، صحيح لم يتحقق كل ما ~~حلمنا به ومن أجله خرجنا خروج رجل واحد، بلا لافتات ولا صفحات ولا برامج متلفزة تنتخبه، لم ~~يتحقق الشيء الكثير، بل ولا أعتقد أنه خلال السنوات القادمة ستحقق معجزات؛ فزمن المعجزات قد ~~انتهى، وزمن الرؤساء أصحاب المعجزات انتهى، ونحن بشر، ومبارك بشر، مصري مثلنا ونحن مصريون ~~مثله، ولا يزال هو أيضا مركز الدائرة المصرية، تلك الدائرة التي يشمل محيطها من أقصى ~~اليمين إلى أقصى اليسار، ومن المفكرين لغيرهم الحاكمين بإعدامهم، إلى أصحاب العقول والعقول ~~الإسلامية الرحبة، ومن شيخ الأزهر إلى الباب شنودة ... ولأنه مركز الدائرة، ولأن الدائرة أوسع ~~من مصر إذ هي تشمل بلادنا العربية التي تمردت مرة - وكان لها الحق - وقطعت علاقتها بنا، ~~فبدون أن يتحرك المركز ها هي علاقتنا العربية تستعاد، إن لم يكن على المستوى الرسمي فعلى ~~المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي، لدرجة أني كدت أضحك وأنا أقرأ بطاقة الدعوة في افتتاح ~~معرض السعودية بين الأمس واليوم، ومذكورة في أعلاها: سفارة باكستان - قسم رعاية المصالح ~~السعودية - يا للعار! # شكرا أيها الرئيس مبارك على قيادتك للسفينة بكل ما تملك من جهد وكفاءة طوال ستة ~~أعوام. # شكرا أن السفينة لم تغرق. # ولم تصدم. # وأن ركابها لا يزالون أحياء، مع أن حملها زاد بازدياد مطلبهم واحتياجاتهم، ومع أننا - ~~بتجربتنا معك - واثقون أنك ستمضي مستقيما كما مضيت، إلا أننا نحن الآخرين نريد أن نرى معك ~~الطريق؛ ولهذا أنت مطالب أيها الرئيس بأن تعلن لنا - وفي أقل الكلمات - برنامجا لكي تكون ~~هناك عملية استفتاء حقيقية؛ إذ إن هذا البرنامج لو لم يعلن فلا فائدة من الاستفتاء أصلا، ~~فأنت المرشح الأوحد، وأنت مركز الدائرة ومركز إجماع المصريين، وكلهم لم ينتخبوا سواك، ~~فلماذا الاستفتاء؟! إلا إذا كان استفتاء على برنامجك وليس على شخصك، ms103 فهو استفتاء أساسا ~~على حاضر مصر ومستقبلها ومن أجلها وليس استفتاء على شخص الرئيس مهما أجمع عليه، أليس كذلك ~~يا سيادة الرئيس؟! # وإلى أن نلتقي إن شاء الله بعد أسابيع الإجازة أتمنى لكم أطيب الأوقات ... # | وذهبت للدعوة الغامضة # كانت الدعوة غامضة تشبه ما تكون بالألغاز: بيان ميداني للجيش الثالث، المشير محمد عبد ~~الحليم أبو غزالة يدعوكم: الوجود في مطار ألماظة الحربي الساعة 900. أسعدتني الدعوة تماما ~~رغم غموضها، وفي نفس الوقت رحت أطارد مختلف الأعذار التي يمكنني أن أتعلل بها، واستيقظت في ~~السادسة صباحا لأصل إلى طريق المطار في الثامنة والنصف، وأقضي نصف ساعة كاملة أبحث عن مدخل ~~مطار ألماظة، مع أنني كنت قد سافرت منه مرة على ما أذكر قبل افتتاح المطار الجديد-القديم ~~حاليا؛ ذلك أن المباني أحاطت بالمطار حتى ابتلعته تماما ولولا سائق تاكسي شهم طلب مني أن ~~أتبعه ليريني باب المطار ما وصلت، ووصلت. # وجوه باسمة مرحبة من قادة سلاح الطيران، وجه الصديق الكبير الفريق صفي الدين أبو شناف ~~رئيس هيئة أركان حرب القوات المسلحة وأشواق وعناق. هذا رجل أحب التحدث معه؛ فقد صاحبنا في ~~زيارتنا للمصانع الحربية، وأحسست إحساسا عميقا أنني يمكن أن ألقي كل ما لدي من أسئلة ~~وهواجس، ولم يتردد أبدا أو يبدو عليه انزعاج ما لأي سؤال، وهي إجابات عميقة معقولة تماما، ~~ومن لحظة تلك المواجهات الصريحة أحسست أننا أكثر من أصدقاء. ~~- إلى أين يا سيادة الفريق؟ ~~- إلى سيناء. # نعم كان قلبي يحدثني أننا ذاهبون إلى سيناء، فصحيح أن الجيش الثالث يحتل جانبا من الضفة ~~الشرقية للقناة ومدينة السويس، ولكن فرحتي أكدت لي أننا بسبيلنا إلى القيام بزيارة لمكان ما ~~في سيناء تدور فيه معركة بالذخيرة الحية، وتصور لأمر ما أن المعركة ستكون في المنطقة «أ» أي ~~في الجانب الشرقي المباشر لسيناء، لم أكن أتصور أبدا أن المعركة ستكون في أحد المضايق ~~الثلاثة الرئيسية لسيناء، مضيق الجدي أضيقها جميعا وأصعبها غزوا؛ إذ إن المعركة كما شرحها ~~لي الفريق أبو شناف ستفترض أن العدو وقد ms104 قام بغزو سيناء مرة أخرى وأنه نجح في الاستيلاء على ~~مضيق الجدي، وأن قوات الجيش الثالث الميداني ستقوم بصد الهجوم وطرد العدو من المضيق ~~واحتلاله وطرد العدو الغازي منه. # ومع الزميلين والصديقين صلاح منتصر ومحفوظ عبد الرحمن ركبنا ومعنا محافظ السويس الضاحك ~~المتفائل أبدا اللواء تحسين شنن وكوكبة من كبار الضباط، ركبنا هليكوبتر من الطراز الذي ~~تركبه فرق الصاعقة والمظلات. # ولأن تلك اول مرة في حياتي أركب هليكوبتر فقد بدت التجربة مثيرة تماما ولكن الإثارة لم ~~تستمر سوى بضع دقائق؛ فالركوب في هذا النوع من الطائرات يستلزم لياقة بدنية عالية وقدرة على ~~احتمال الضجيج، بحيث لا بد أن تكون «طبلة» أذنك مصنوعة من الصلب الرقيق، فضجيج محركها ~~عال تماما، وكأنك تطير بوابور جاز كبير مما تصنع الطعمية بواسطته، صحيح أن الطيران لم ~~يستغرق أكثر من ساعة، لكنها تساوي بحساب الطيران المدني العادي ست ساعات من التعب ~~والإرهاق. # عبرت الطائرة قناة السويس ولأول مرة أرى القناة من علو منخفض وأدرك أن عمقها الحقيقي هو ~~في مجرى رئيسي على جانبيه مياه، هذا حقيقي ولكنها مياه ضحلة لا تحتمل إلا ملاحة القوارب ~~فوقها. # ثم بدأ الشاطئ الغربي لصحراء سيناء، شاطئ رملي مثله مثل شواطئ البحر الأحمر وخليج السويس، ~~وفجأة وجدنا أنفسنا فوق هضبة سيناء التي تحتل وسط سيناء من الشمال إلى الجنوب، هنا كشرت ~~الطبيعة عن أنيابها وأصبحت متجهمة قاسية التضاريس، هذه الهضبة المتجهمة لا يمكن القتال ~~فوقها؛ فمسالكها وعرة واختراقها مستحيل، إلا من ثلاثة أو أربعة مضايق متعرجة تضيق تماما عن ~~الحافة الشرقة للهضبة بحيث يصبح عرض نفق - مثل الجدي - لا يسمح إلا بمرور دبابة واحدة، ~~وبحيث يمكن لأي كتيبة واحدة أن تدافع عن كل نفق إلى ما شاء الله، وكنا نقرأ عن هذا كله ~~ونقرأ عن ترك الجيش لمواقعه شرق المضايق والتقهقر بالأمر إلى غرب القناة، وكنا نندهش نحن ~~المدنيين الذين لا يعرفون شيئا عن العسكرية لهذا الذي يحدث وكنا نستنكره، ولكن ما فائدة ~~رأينا المدني الذي يأتي دائما بعد إعطاء ms105 الأمر وفوات الأوان؟ # وعلى الطبيعة تبدو المسألة واضحة تماما؛ فالممر وإن كان ممرا إلا أنه حصن طبيعي ضد ~~العدو، فمنه ننفذ إلى غرب سيناء، وبه نستطيع أن نحصن مصر والجزء الأكبر من سيناء ضد أي غزو ~~قادم، من الشرق هبطت الهليكوبتر واستقبلنا اللواء عادل القاضي قائد الجيش الثالث، وما إن ~~هدأ - على المقاعد - فوران الدم الحادث من وابور الجاز الذي كنا نركبه، حتى جاء المشير الذي ~~احتفل بشجاعتنا في الحضور، وكانت الخيمة عامرة بالملحقين العسكريين العرب وأعضاء من مجلسي ~~الشعب والشورى وكبار قواد القوات المسلحة، وكانت الريح قد بدأت تصفر، ورغم حرص قيادة الجيش ~~الثالث على توفير الراحة لنا، إلا أنها تقف عاجزة أمام أحوال الجو المتقلبة، فقد بدأت ~~الهضبة التي كنا نطل منها على الممر الواقع تحتنا بكيلو متر بدأت تقذفنا بكميات من الرمال، ~~إلى درجة أكاد أقول فيها أننا عدنا من سيناء رجالا من رمال من قمة شعرنا إلى ما بين أصابع ~~أقدامنا. # وبدأ البيان. # وكان البيان عبارة عن محاولة استرداد السيطرة على النفق وطرد العدو منه؛ ولهذا كانت قوات ~~الجيش الثالث تهاجم من يميننا إلى يسارنا، وليست بخبير عسكري حتى أدلي برأي فيما حدث، ~~ولكنني كنت منفعلا تماما بأشياء كثيرة جدا، أولها أننا في المنطقة «ب» حسب معاهدة كامب ~~ديفيد، تلك المنطقة ذات التسليح الخفيف، وكنت كثيرا ما أتذكر هذا وأحس بالغصة من قبول تلك ~~الشروط المتعسفة ورضائنا بها. ها نحن الآن في قلب المنطقة «ب» وحيث سيشترك الطيران مع ~~المدفعية مع الدبابات مع قوات الصاعقة في هذا البيان العسكري. أما ما أذهلني في ذلك البيان ~~فهو التوقيت الدقيق لتدخل الدبابات مع التمهيد بمدفعية الميدان الثقيلة، ثم اجتياز حائط ~~النابالم الذي أقامه العدو ليحد من زحف قوات المشاة المحمولة فوق الدبابات أو النازلة من ~~أعلى الجبل المقابل، ثم الطيران المصري، يا للعظمة وأنا أشاهد لأول مرة في حياتي طائرة ~~هليكوبتر من صنع مصر تقذف صواريخ صناعة مصرية شاهدتها قبلا في مصنع صقر وتصيب الهدف بدقة ~~رائعة، إلى ms106 حد أن الطائرة «الحازيل» تصوب من بعد أكثر من أربعة كيلو مترات على هدف - مفروض ~~أنه كمين للعدو - لا يتعدى حجم بابه المتر المربع فتنسفه تماما، ثم توالت موجات الهجوم، ~~بحيث لا يحدث خطأ يؤدي إلى أن تقذف القوات المصرية بنيرانها على قوات مصرية. توالت موجات ~~الهجوم وإصرار عليه ومفاجآت المدفعية الثقيلة التي تهز الجبل حتى ليرتعش وكأنه أصيب بحمى ~~صاعقة. ثم وفي ظل ظروف جوية سيئة تماما وكأنما كانت تعمل لصالح العدو تثبت طائرات ~~الهليكوبتر نفسها حتى تسقط كل منها عشرين مقاتلا من الصاعقة، ينزلون بسلك إلى الأرض، حيث ~~الأرض لا تصلح حتى لهبوط الهليكوبتر، رياح عاصفة شديدة، بحيث إن مطارات مصر المدنية أغلقت ~~في وجه الطائرات يومها. أما الصواعق فقد كانت من صنعنا نحن، وفجأة أحسست أني في جو حرب ~~حقيقية لأول مرة في حياتي، والجيش المقاتل جيشي هذه المرة. لقد اشتركت بمعركة واحدة في حرب ~~التحرير الجزائرية ضد فرنسا، وكان نصيبي خلعا في الركبة اليمنى لا يزال يؤلمني إلى الآن، ~~ولكن معركة بهذا الحجم وباشتراك كل تلك القوات لم أجربها أبدا، والغريب في الأمر أنها حرب ~~لا ترى المقاتلين فيها؛ فلونهم من لون الطبيعة وأجهزة تنشينهم بالرادار والليزر، ولكنك ~~قطعا ترى إرادة الحرب والصدام واضحين من خلال مشهد حافل بدخان دانات المدافع والدخان ~~المخفي لتحركات المشاة ودخان النابالم، التي صنع بها العدو حاجزا من لهب يحد من تقدم ~~المشاة. حرب بمعناها الحديث تماما، إن العدو ليس هناك وإنما نحن أيضا الذين نضع العراقيل ~~ونحاول صد الهجوم، ولكنها بكل المقاييس حرب ترتعش لها قلوبنا كما يرتعش لها الجبل ونصفق ~~بتلقائية لدى كل رمية تصيب، وكل تحصين للعدو يسقط. # وصحيح أن المشير أبو غزالة قد قال في تصريح صحفي له إن هذا بيان عسكري فقط لا علاقة له ~~أبدا بالوضع السياسي الحاضر، وليس له أي معنى آخر غير المعنى المباشر، وهو تحقيق مناورات ~~عسكرية لرفع الكفاءة القتالية للقوات المسلحة، مناورات ذات مواعيد محددة سلفا ولا علاقة ~~لها بمجريات الأمور. ms107 # ولكني أقول إن دوي المدفعية المصرية كان يخترق أذن الأصم ويصل إلى رفح ومعبري الحدود ~~ويسمعه كل ذي أذن تسمع، ولا يسمعه أولئك الذين لا يريدون أن يسمعوا. ~~••• # انتهى البيان الذي بلغت الدقة فيه حد أن كل قائد تشكيل يحين دوره في وصف ما نراه كانت ~~كلماته هي بالضبط مؤقتة مع أداء التشكيل لا ثانية زيادة أو نقص، وفي العودة سعدت جدا بنبأ ~~إقفال المطارات في سيناء وجميع مطارات مصر؛ إذ معنى هذا أننا لن نركب وابور الجاز مرة أخرى، ~~وإنما ستأخذنا السيارات عبر مسارات ملتوية طويلة جدا حتى نصل أخيرا مبنى قيادة الجيش ~~الثالث، وكان المشير أبو غزالة قد وصل إليه قبلنا، وكان لقاء حافلا طويلا مع المشير، ~~ناقشناه في كل شيء ولم يتردد أمام أي سؤال، وكان بعضها محرجا، وكنت سعيدا به تمام ~~السعادة، فإذا كان قد حرص على إقامة صناعة عسكرية مصرية متطورة، فها هو ذا يرينا اليوم ما ~~طلبته أثناء زيارتنا للمصانع الحربية، من أن يرينا هذه المدفعية المصرية الصنع والصواريخ ~~صقر والذخيرة المصرية والليزر والرادار في حالة «فعل»، وكانت هذه الدعوة الغامضة للبيان ~~العسكري للجيش الثالث حين نرى مئات الشباب المقاتل يستعملون أسلحة مصرية وذخيرة مصرية في ~~قتل العدو الغازي القادم من الشرق. # لقد كان يوما من أجمل أيام حياتي. # الرسالة وصلت وشكرا يا سيادة المشير. # الرقم القومي # من أشق الأمور على النفس أن يحس الإنسان أنه ظلم أو أنه مظلوم، وأحيانا يجد المظلوم ~~نفسه عاجزا عن أن يثبت أنه على حق، وهذا ما حدث ليس من تسوية مدى خدمتي بالحكومة ~~وبالصحافة، فقد سقط ملف خدمتي كطبيب في الإدارة الصحية لمدينة القاهرة مدة حوالي تسع ~~سنوات بعد التخرج، إلى أن استقلت من الحكومة والتحقت بجريدة الجمهورية، وحاولت المستحيل ~~للعثور على ملف خدمتي في أضابير وزارة الصحة وفي الإدارة الصحية للقاهرة، تلك التي كانت ~~تتبع في أيامنا وزارة الشئون البلدية والقروية، أو حتى في وزارة الثقافة التي عملت فيها ~~بعض الوقت منتدبا من الشئون البلدية صحة ms108 مصر دون جدوى. والحقيقة أني أحسست بغيظ لا ~~مثيل له، فتلك السنوات بالذات هي أشقى سنوات عمري؛ حيث كنت أستيقظ في السادسة صباحا ~~وأعود بعد الخامسة كعضو لجنة التصاريح لفتح المحلات العامة أو كقائم بأعمال حيكمباشي ~~محافظة القاهرة لست سنوات متتالية ، حيث كنت أعمل مفتش صحة لبولاق أحيانا وللدرب الأحمر ~~أساسا، وأحيانا مصر الجديدة أو مصر القديمة. جبتها «كعابي» على قدمي كل حواري ودروب ~~القاهرة وحتى مدافنها، ثم تسقط هذه المدة من خدمتي، كيف؟ أحسست بنفس الإحساس الذي يرسله ~~لي بعض القراء أحيانا والذي قل في الآونة الأخيرة تماما، والإحساس بأنه ممكن أن تضيع ~~تلك إذا ضاع ملفك أو جزء منه، وهكذا بعناد شخصي مشروع آليت على نفسي أن أسترد حقي ~~الضائع هذا مهما كان الثمن، ومع هذا عجزت تماما؛ فالمطلوب هو ملف الخدمة الموضحة به ~~أقساط التأمينات والملف مفقود. # وحين استشرت الأستاذ سعيد ماهر مسئول التأمينات في مؤسسة الأهرام قال لي لم يعد أمامك ~~إلا أن تلجأ لوزير الشئون الاجتماعية وتطالب بحقك. وأنا شخصيا أستحي من مقابلة أي ~~مسئول في الدولة أو طلب شيء لنفسي، ولكن كلما تذكرت السنوات التسع من الشقاء والكدح ~~وضياعها علي لم أستطع أن أمنع نفسي من الاتصال بمكتب الوزير وآخذ موعدا، وأنا يائس ~~تقريبا إذا ذهبت فستقول لي حتما أين الملف ولا ملف إذن لا فائدة، وكانت أول مرة أرى ~~فيها الدكتورة آمال عثمان عن قرب، تلك الوزيرة التي تبدو غير اجتماعية بالمرة، التي ~~تبدو في صورها صغيرة الحجم صامتة أبدا، وبدأت أسرد عليها مشكلتي، ففوجئت بأنها ترد ~~علي بأنها لهذا أنشأت لأول مرة في مصر كومبيوترا مركزيا يرصد فيه كل فرد من الشعب ~~المصري ابتداء من تاريخ مولده إلى الوظائف التي تقلدها إلى يوم حلول خروجه على المعاش، ~~وكانت المفاجأة الكبرى - إنهاء لموضوعي وأمثاله - قد أصدرت قرارا بلجنة تشكل لدراسة ~~الحالات التي تشبه حالاتي. وكتبت طلبا وضعت فيه كل البيانات التي لدي ثم عدنا إلى ~~حديثنا، وعن الرقم القومي لكل مواطن في مصر، ms109 وما عانت في سبيل الحصول على حقه من الضغط ~~من وزارات أخرى كانت تريد أن تكون هي صاحبته، وأنه تم رصد أكثر من ثلاثة عشر مليونا ~~مصريا ومصرية، وسيتم رصد جميع المصريين في عام 99 إن شاء الله، واصطحبتني في جولة ~~داخل هذا المخ الجبار الذي له أكثر من أربعمائة فرع في أنحاء مصر على اتصال به، ويستطيع ~~أن يغذيها بالمعلومات بالتليفون، تطور هائل فما في ذلك من شك. إذن لم تعد هناك أضابير ~~وملفات ترعى فيها الفئران أبدا، كل شيء مسجل على أسطوانات الكمبيوتر وغير قابل للضياع ~~أبدا، يا لها من نقلة حضارية رائعة لو كنت مثلي قد ضاع ملفك وذهبت إلى مخازن الأرشيف ~~في وزارة الصحة، تلال وتلال من الأوراق والملفات مستحيل أن تعثر فيها - ولو كنت الجن ~~الأحمر نفسه - على ملفك. # أما نحن اليوم فبضغطة زر تجد اسمك وكل المعلومات المهمة عنك. # سألتها: يعني لو ذكرت لك اسما أستطيع العثور عليه؟ ~~- إذا كان مقيدا. # قلت: هل الرئيس محمد حسني مبارك مقيد؟ # قالت: نعم. # قلت (في سري): بعد إذنك يا ريس هل يمكنني أن أراه. فطلبت من مدير المركز أن يجد رقم ~~16، وفي توال سريع كانت صفحة الشاشة قد امتلأت بمعلومات، ولكني وقفت طويلا لدى الاسم؛ ~~إذ كان لا يبدو عليه أنه اسم الرئيس، فقد كان مكتوبا هكذا: محمد حسني عبد الرحيم ~~مبارك. # قلت لها: أمتأكدة يا دكتورة أن هذا اسم الرئيس؟ # قالت: الرئيس نفسه استغرب منه. # شكرت الدكتورة آمال عثمان وعدت لمكتبي، وما زلت في انتظار قرار اللجنة، ولكني ذهبت ~~مظلوما وخرجت سعيدا مؤمنا أننا قد استغنينا عن الأضابير والمخازن التي تملأ ~~البدرونات وتأكلها مياه الرشح. # المحافظ المثقف # في ليلة شرقاوية حافلة كان لي لقاء رائع في قصر ثقافة الزقازيق، الغريب أنها كانت أول ~~مرة يدعوني محافظ للشرقية لتلك الليلة الثقافية، والدعوة نفسها كانت في توقيت غريب؛ إذ ~~كنت أعتزم أن أوجه خطابا مفتوحا على الصفحة إلى الدكتور محمود الشريف رئيس معهد ~~الأورام سابقا ومحافظ الشرقية الحالي، ms110 وكان مضمون الخطاب هو لومه على ترك مكانه ~~الطبيعي كواحد من أعظم الجراحين المصريين يرأس أهم وحدة جراحية في علاج السرطان، ولكني ~~قبل أن أشرع في كتابة الخطاب تلقيت مكالمة تليفونية منه، وفيها يطلب مني تحديد موعد ~~لأمسية ثقافية تعقد في قصر الثقافة، وفي نقاشنا صرحت له بنيتي فضحك، وقال: الحمد لله، ~~أنا قادم لتوي من غرفة العمليات بالمستشفى الأميري؛ إذ أنا أزاول الجراحة يوما واحدا ~~في الأسبوع هو يوم الأحد، وبقية الأيام أقوم بعملي كمحافظ، ثم إنك يا فلان آخر من ~~يلومني على هذا، ألم تترك أنت الطب للكتابة؟ # وفعلا كنت أتوقع نفس الاستنكار، بل ليت العكس هو الصحيح، وأن نختار محافظينا من كبار ~~رجال العلم والثقافة القادرين على الإدارة الواعية والإدراك السياسي المستنير. لقد فشلت ~~تجربة تعيين ضباط البوليس الذين أحيلوا للاستيداع محافظين، وها هو الدكتور محمود ~~الشريف يحاول بكل ما يملك من جهد أن يعالج أخطاء سلفه، الذي - ويا للغرابة - عين ~~ثاني يوم الاستغناء عنه رئيس مجلس إدارة شركة الريان لتوظيف الأموال، وعندي صورتان له: ~~واحدة له وهو يوقع العقد كمحافظ مع شركة الريان على صفقة بصحراء بلبيس، والثانية بعدها ~~بيوم أو بيومين وهو يمثل شركة الريان، إن هذا يجرنا إلى حديث لا بد من البدء فيه: ~~الريان، إن هذا يجرنا إلى حديث لا بد معه من محاسبة المسئولين المحافظين أو الوزراء ~~أو رؤساء البنوك بعد إقالتهم أو استقالتهم؛ إذ إن أحدا لم يحاسب ذلك المحافظ أبدا أو ~~حتى يسأله ولا أحد سأل الوزير الذي لا يزال وزيرا وكان يعمل، أو بالأصح يعمل، مستشارا ~~لشركات المرأة الحديدية. # ولكن هذا موضوع آخر آمل أن أتناوله قريبا إن شاء الله. # في تلك الليلة أحسست بمزيج غريب من العواطف وأنا ألتقي مع الوجوه الشرقاوية الحلوة، ~~أحسست أني لأول مرة أتحدث من القلب إلى القلب حديث الإنسان إلى أهله وعشيرته. إن ~~الشرقاوي نموذج للمصري المنتمي إلى محافظته دون تعصب، إنسان سمح طيب شهم يحسن الظن ~~تماما بالآخرين، ولهذا يطلقون عليه التشنيعات ms111 والنكات، فهو إنسان فيه براءة الصحراء ~~التي تحد جانبه الشرقي وطيبة قلب الفلاح المصري، والشرقية هي الرحم الذي أنتج لمصر ~~كثيرا من فنانيها وثوارها، حيث تتفاعل المصرية فيه مع الشامية والسعودية، وحيث يتعايش ~~الأقباط والمسلمون في سلام منذ مئات السنين، وحيث تمتزج حضارة البحر الأبيض بحضارة ~~الدلتا، الفرعوني بالقبطي بالفن الإسلامي؛ مما يجعلني أستعمل تعبير عبقرية المكان على ~~الشرقية باعتبارها لا بد أن تنسحب على عبقرية الإنسان وتفانيه الموغلة في ~~الإبداع. # كانت زيارة أرجعتني لشبابي في الزقازيق الثانوية لأول حب سحب فيه والد الفتاة، وكان ~~صعيديا حمشا، البندقية فانسحبت في سلام إلى ناظر الثانوية المرعب، إلى ليلة جاء فيها ~~يوسف بك وهبي ليمثل رواية ووقفت ساعات على باب الممثلين لأراه وأرى المرحوم محمود ~~المليجي، إلى آلاف الذكريات، كنت أتحدث أو كنت أعود أعيش أو كنت أتكلم حديث المرتاح إلى ~~أهل ينصتون. # ليس مهما ما كنت أحسه ولكن المهم أنني مع الدكتور محمود الشريف، أتمنى أن تصبح ~~الزقازيق واحدة من أهم العواصم الثقافية المصرية، وشهادة لله لولا صلاح مرعي مدير ~~الثقافية الجماهيرية في الشرقية، ذلك الذي بالكاد استطاع أن يحافظ على فرقة الشرقية ~~للفنون الشعبية حتى لتطلبها البلاد الأوروبية بالاسم، أتمنى أن يتحول قصر الثقافة في ~~عهده الجديد وبزعامة المحافظ إلى معمل تخريج فنانين وفنانات لطرحهم على المستوى القومي ~~والمحلي أيضا. # على بركة الله وبالتوفيق التام يا دكتور محمود الشريف. # | أحفادك يا طه # لم يكن تجوالي طويلا ولا متعبا، ولكني كنت ألهث وقلبي يخفق بفرحة، نادرا، نادرا، ما ~~تنتابني، شباب شباب، أولاد وبنات، محجبات وسافرات ومنقبات، أطفال بالآلاف، شيوخ، أساتذة ~~جامعة، وأشباه حفاة، عرب بمقالات وخواجات، ألوف البشر تموج، تتوه تلتقي وتفترق وتعود إلى ~~اللقاء، الجو رغم الشتاء دافئ، والعاصفة الرملية الترابية أخفاها جمال الازدحام، أجمل ~~ازدحام؛ فلا تدافع فيه ولا حدة ولا خناقة ولا كلمة غضب، العالم فقط هو صوت الضحكات، ~~والمجاميع من الطلاب، والعائلات ... كل هذا في معرض، يا الله، للكتاب، للثقافة، لعيد الكلمة. ~~قاهرتي العزيزة، الآن أحبك كما ms112 لا يمكن أن يكون قد أحب قيس ليلى، يا حبيبتي العزيزة، يا ~~قاهرتي وعاصمتي وملجئي وانتمائي ومثواي، تعودين إلى نفسك فتعودين أيضا، تعودين إلي أنا ~~كفرد حتى ... # هذا هو المعرض العشرون للكتاب، في لمحة خاطفة لمعت في ذاكرتي صورة أول معرض كما أقيم ~~لأول مرة في أرض المعارض القديمة بالجزيرة في يناير عام 68، وافتتحه رئيس الوزراء حينذاك، ~~أو افتتحه وزير لست أذكره، وكما رأيته، في اليوم التالي، الناس مجموعات قليلة متناثرة في ~~أرض المعرض الصغيرة، تماما بالقياس تماما إلى أرض المعرض الحالي، مجموعات قليلة تبدو ~~وكأنها تتجمع لتحتمي من برد خفي وقشعريرة الغربة؛ إذ كانوا فعلا قد تجمعوا على غربة بعد ~~هزيمة 67. في العام التالي لها مباشرة، ومظاهرات الطلبة، وتمزق الصدر المصري بآلام الذبحة ~~العسكرية التي أخذته على خوانة، بمجموعات المثقفين والمتعلمين القليلة، التي قدمت وكأنما ~~لتحيي الذكرى السنوية لعاصمة الفكر والإبداع التي كانت، مذهولين لا يعرفون العدو من الصديق، ~~مهزومين لا يعرفون من هزمهم أهي إسرائيل أم المناط بهم هزيمة إسرائيل؟ جو كئيب كأيام أمشير ~~ومحاولة للتشبث بالثقافة والكتاب بعدما، تقريبا، ضاع كل شيء ومعه أيضا الثقافة ~~والكتاب. # ولكن ما أمامي الآن هو القاهرة، القاهرة، القاهرة التي رفعت الرأس المنكس ووقفت وانضبطت ~~وحاربت وانتصرت وقاومت سرقة الانتصار، القاهرة 88، القاهرة في معرض للقاهريين، والقاهريون ~~في معرض لقاهرتهم الجديدة، أخذوا عشرين عاما ليعيدوها ويصنعوها ولكنهم صنعوها، وكأنما من ~~جديد أنشأوها، وكأنما بسواعدهم واقتصادهم المحدود والمقاطعة، الاتهامات وسيول النسل ~~المتزايد والازدحامات واختناقات وقفزات الأسعار المريبة، أوقفوها ومن مريلة روضة الأطفال ~~الممزقة، علموها، وألبسوها، وفي العشرين ها هي في فستان الزفاف. # أبيض أبيض ذلك اليوم، عبوس الناس في الشوارع الذي كان يدعوني أنا الآخر للعبوس والاكتئاب ~~انقشع، الناس فرحانة وكأنهم أطفال، والأطفال مجانين بالمسرح، وأمهاتهم معتزات أنهن بصحبتهم ~~إلى معرض الكتاب، وأجنحة كتب الأطفال والكمبيوتر، ويرفع أب ابنه ذا السنوات الخمس ليصافحني ~~ويقول لنا هذا فلان يا ولد، وأفرح بالولد، وفي فرحة طفولية أقبله وأعطيه كتابا وكأنما ~~سيقرؤه؛ فعملة الحب اليوم هي الكتاب، ms113 سقط الدولار، والدينار والجنيه وساد الكتاب، وبجنون ~~زاد سعره، ولكنه لا يزال مطلوبا ومرغوبا وجميلا جدا والله، هذه الصفوف والأجنحة ودور ~~النشر المتنافسة، عمك الحاج مدبولي بجلبابه واقف وسط مملكته أو بالأصح حديقته الحافلة ~~بالفكر والفن والأغلفة من كل مكان في العالم ، تحس أن اليوم يومه والعيد عيده، وأتذكر قولا ~~قيما قاله مرة في برنامج تليفزيوني واستعجبت يومها للقول إذ قال وهو يفسر مهنة بيع الكتب ~~ونشرها: الكتاب حب، صدقت يا حاج، فها أنا ذا أرى بعيني أن الحب أيضا كتب. # يا أستاذنا طه حسين الذي قلت في أعوام عجاف: أخشى أن تكون القاهرة قد فقدت دورها كعاصمة ~~للثقافة، ألا تحس في مرقدك العظيم القريب بدبيب الآلاف والآلاف من القراء والكتاب ~~والمتعلمين والمثقفين وأبناء وبنات وأمهات الشعب، الزاحفين إلى معرض الكتاب من كل مكان: من ~~القاهرة وعمان والرياض وبغداد وجنيف وتونس والمغرب واليمن والإمارات وعواصم أوروبا؟ ألا تحس ~~بجبال الكتب القادمة من كل أنحاء الدنيا قد ثبتت أرض معرضنا وأصبحت رواسي وأثقالا تجعلني ~~أجرؤ وأقول لك: لقد عدنا يا طه حسين والعود أحمد، لقد عدنا إلى طه حسين وعاد إلينا طه حسين ~~ومئات معه. ألست فرحا بأحفادك الكتاب الشبان وكتبهم تعرض وتترجم وتدرس وملامحهم ثابتة ~~الوثوق أمام الكاميرات والميكروفونات وجماهير الندوات الحاشدة؟ عدنا وعادت القاهرة ليست ~~عاصمة فقط، ولكن عادت عيدا للثقافة والشعراء وللكلمة والرمز الذي يجمع أمة العرب ~~ويستأمنونه على كل أمجادهم: على كل أبي علائهم، كل متنبيهم، على قرطبيهم وبخاريهم، وحتى على ~~المقدس مصحفهم وأناجيلهم، على كل ألوان فنونهم وكمبيوتراتهم وأدب أطفالهم، موسيقاهم ورقصهم، ~~مسرحهم ورباباتهم. سبحان الله العلي العظيم، الازدحام الذي لا أطيقه في شوارعنا أكاد أضمه ~~إلى صدري هنا، أحس إحساسا جسديا أن الكتابة مهمة جدا، وأنها في خير، وأن القراءة في ~~خير أكثر. أحس بشباب وطالما ظلمناهم واتهمناهم بقلة الاطلاع عارفين ومطلعين ومنتجين، حتى ~~المذيعة الشابة التي نقلت إلى الملايين وقائع المعرض، أحس فيها بتليفزيوننا جديدا ~~يتحدث لغة جديدة ليست بباروكة ولا فستان سهرة، وإنما ms114 هي جيل جديد فصيح كنت شغوفا أن أعرف ~~اسمها وعرفته: راوية راشد زوجة كاتب شاب موهوب اسمه - وتذكر يا أستاذنا اسمه - محمد المنسي ~~قنديل كتب قصة عظيمة اسمها «بيع نفس بشرية». أحفادك أحفادك يا طه، مئات أحفادك، امتداداتك: ~~عبد الحكيم قاسم، وجمال الغيطاني، ومجيد طوبيا، وإبراهيم أصلان، وصنع الله إبراهيم، ويوسف ~~القعيد، وعبد الفتاح رزق، وصالح مرسي، وفريدة النقاش، وصلاح عيسى، ومحمد روميش، وبهاء طاهر، ~~وسعيد الكفراوي، ويوسف أبو رية، واعتدال عثمان، وعبد الله الطوخي، وإبراهيم أبو سنة، ومحمد ~~عفيفي مطر، وسناء البيسي، وسناء فتح الله، وشمس الدين، والمخزنجي، ومحمود الورداني، ومحمد ~~الجمل، وسعيد سالم، وإبراهيم عبد المجيد، ومحمد السيد محمد، وسيد حجاب، ويسري الجندي، وأحمد ~~هاشم الشريف، ونادية عابد، ومفيد فوزي، وماجدة الجندي، وزينب صادق، ونوال السعداوي، ومحمود ~~عبد الوهاب، وسحر خليفة، وأليفة رفعت، ومنى حلمي، وأحمد الشيخ، وفهمي حسين أبو عوف، وقنديل، ~~ونهاد صليحة، ووجدي حافظ، وصالح إبراهيم، ومأمون غريب، ومحمد سلماوي، ومحمد عبد القدوس، ~~وعبد العزيز حمودة، ومحمد عناني، وسيزا قاسم، ولطيفة الزيات، وجلال السيد، وبهجت عثمان، ~~وخيري شلبي، وجلال العشري، ومحمد جلال، وفتحية العسال، وإقبال بركة، ورءوف توفيق. # وكلمتي القصيرة تلك لو استطردت لما وسعت ربع الكائن في الحديقة الزاهرة. كبرت الحديقة يا ~~أستاذنا جدا، أشجار كافورها استطالت ووصلت عنان السماء، ويسمينها لا نظير له؛ فرائحته ~~مصرية عربية أصيلة، وكأنما بذوره قد اشتقت من عطور جدتي القديمة الزاعقة. لقد زرت قبل ~~أسبوعين مصانع سلاحنا وخرجت وكتبت مبهورا، واليوم وأنا أرى إبداع قواتنا الكتابية يدق قلبي ~~دقة عنيفة فرحة ليتوقف بعدها ويقول فجأة: والله والله لن نهزم أبدا، والله والله لن ~~نموت أبدا، ولن ندع الفساد والنصب الثقافي والعلمي أبدا. حتما سيتوقف وسيتوقف كل ~~الهاربين والمتهربين والمهربين الكذابين والأفاقين والعابثين الذين يعيثون في الأرض فسادا، ~~فإذا كنا نصنع السلام ونبدع مثل هذه الكلمة، وغدا بإذن الله لا يدخل فمنا سوى خبزنا من ~~أرضنا، خبزنا الحلال من أرضنا الحلال، فسنسحق - ولو كأطفال الضفة وغزة، بالحجارة وبالكلمة ~~وبطيبتنا وبصدقنا ms115 - أعداءنا وكل قنابلهم الذرية والهيدروجينية وأكاذيبهم وادعاءاتهم وبطشهم ~~الجبان ووجودهم الرعديد. # نم مستريحا يا طه حسين؛ فلقد ساهمت في صنع كل هذا حين أطلقتها وقلتها: التعليم كالماء ~~والهواء، كان لا بد أن يأتي ذلك اليوم الذي يصيح فيه أحد تلاميذك قائلا: أهمية أن نتثقف ~~يا ناس، وكان لا بد أن يأتي اليوم العيد الذي يمضي صائحا قائلا: والثقافة أيضا لا ~~بد أن تكون كالتعليم كالماء كالهواء، كالخبز، حتى كالخبز المدعوم والخبز الآلي، لا بد ~~أن يدعم، فخبزنا الثقافي عيبه أنه أصبح غاليا تماما يا أستاذنا، والله يرحم أيامكم الحلوة ~~حين كان الكتاب ككيلو اللحم بخمسة قروش. # هؤلاء الشبان ولحاهم السمحة # قال لي صديق: أتحب أن ترى شيئا جديدا في مصر؟ ~~قلت: يا ريت، قال: تعال معي. وذهبت معه إلى المعادي، ولم أسأله عما سيريني؛ فقد أحببت ~~له أن يفاجئني كما أحسست من ابتسامته الغامضة، ذهبنا إلى المعادي ولفننا قليلا في ~~شوارعها الجميلة وانتهينا إلى محل يشبه المصنع أو مصنع يشبه المحل، وهبطنا من سيارة ~~صديقي الفاخرة، فهو رجل من أصحاب الثروات الحلال، ودخلنا المكان نظيفا وأنيقا بطريقة ~~غير عادية، وكأنه حجرة عمليات معقمة، وتطلعت فوجدت وكأن محتوياته معرض للموبيليات أو ~~للتجارة الأجنبية، والبائعون لا يقفون عند المعروضات، ولكن كل منهم أمامه كمبيوتر ومقعد ~~يجلس عليه الزبون، ونحن لا نزال واقفين سألته: ما هي الحكاية؟ قال: عندي بنت ستتزوج ~~عقبال عندك. وأحسست بخيبة الأمل قليلا، فما الجديد في بنت تتزوج ويأتي أبوها الثري ~~لينتقي لها مطبخا أنيقا أو موبيليا فاخرة، حيا صديقي أحد الموظفين وكانت له لحية شابة ~~سوداء مهذبة تماما، وعلى وجهه سيماء الأدب الجم والانضباط والجدية، فلم يسرف في ~~تحيتنا، سلمنا عليه وجلسنا ثم تركنا قليلا، فانتهزت الفرصة وسألت صديقي: ما هي ~~الحكاية؟ قال: هذا مصنع للموبيليات أقامه هؤلاء الشبان بأحدث الطرق العلمية، وأنا قادم ~~الآن لاختيار نوع المطبخ. قلت له: إذن قم بنا نتفرج. قال: سنتفرج دون أن نقوم. وكان ~~الموظف قد عاد بورقة فيها أرقام ضربها على ms116 حروف الكمبيوتر، وانتظر قليلا وضرب حروفا ~~أخرى ثم أدار الكمبيوتر ناحيتنا وبعد ثوان قليلة ظهر لنا مسقط رأسي وأفقي لمطبخ كامل ~~على شاشة الكومبيوتر، مطبخ كان له نظير خشبي حقيقي معروض أمامنا فقلت لصديقي: وما ~~الداعي للكمبيوتر إذن؟ قال: لأن المقاسات مختلفة والفتحات في شقة ابنتي والأجهزة ~~مختلفة. وبدأت أهتم أكثر، تأمل صديقي الرسم الإلكتروني ثم قال: إن ابنتي تفضل وضع ~~الثلاجة هنا، وماكينة غسيل الأطباق تحت الحوض. أومأ الموظف الذي بدأت أدرك أنه مهندس ~~شاب برأسه، ونقر على الكمبيوتر بضع مرات وانتظر وانتظرنا بعد ثوان. كان الرسم الجديد قد ~~هبط على الشاشة من أعلى إلى أسفل، ورأينا أمامنا المطبخ محورا كما طلب الصديق الذي ظل ~~يتأمله طويلا، ثم اكتشف شيئا قد نسيه فذكره للمهندس الشاب، فأعاد المهندس العملية ~~وببضع نقرات وانتظار أقل ظهرت صورة المطبخ كما يريدها الصديق تماما، قال: هذا هو ~~بالضبط ما نريده كم سيتكلف؟ وبكلتا يديه راح المهندس يدق على زراير الكومبيوتر، وإذا ~~بقائمة تظهر على الشاشة موضحا بها تفاصيل أسعار كل مكون من المكونات، وفي النهاية ~~مجموع التكاليف، كان الرقم عاليا هذا صحيح، ولكن المهندس شرح الموقف قائلا: إن مصنعنا ~~يعمل للتصدير إلى سويسرا وغيرها من بلدان أوروبا؛ فوقتنا كامل تماما وتلك هي تكاليفنا ~~بالضبط. وحاول صديقي كعادتنا أن يخفض في الثمن، أو يجعله كما يقولون بالإنجليزية رقما ~~دائريا، أي يرفع كسور الآلاف، ولكن المهندس الشاب هز رأسه بكل أدب ورقة وجدية قائلا: ~~هذه هي أسعارنا لا نستطيع تخفيضها قرشا واحدا. وكان واضحا لا فائدة فاستسلم صديقي ~~وقال: ومتى التسليم؟ ضرب المهندس الزراير وقال: يوم كذا شهر كذا من الساعة الثانية إلى ~~الرابعة بعد الظهر. # ودعونا من القصة فما أكتبها فالمصنع في الحقيقة يملكه مهندس شاب من المؤمنين بالتيار ~~الإسلامي الجديد، وكذلك كل العاملين لديه، لهم ذقون وساعة صلاة العصر كان كل منهم يذهب ~~ليصلي ليذهب بعده زميله وهكذا، والمصنع مزود بأحدث التكنولوجيا في صناعة الأثاث، وكل ~~حساباته الهندسية والمالية والزمنية يقوم بها الكومبيوتر، وكما ms117 علمت فإن آلات النجارة ~~نفسها فيها كمبيوتر يقوم بكل العمل، والشبان الذين يعملون فيه نشيطين مؤدبين صامتين ~~أغلب الوقت، وكأنك في مسجد، وكان العمل عبادة، وأدبهم وطريقتهم في المعاملة تفوق الوصف ~~وانضباطهم يفوق الحد، وثقافتهم ودرايتهم واسعة ودقيقة تماما. # وأحسست بفخر شديد . # أدركت لماذا كنت أغضب حين أقرأ وأرى وأسمع الجعجعة الميكروفونية باسم الدين الحنيف؟ ~~أدركت لماذا كنت أعترض على أصحاب الآراء القائلة بضرورة العودة إلى حياة البادية ونبذ ~~العلم والتكنولوجيا وربما اعتلاء الجمال وسيلة للمواصلات؟ كنت أغضب لأني أعرف ومتأكد ~~ودارس أن الإسلام ليس هكذا أبدا، وأن ذلك الدين الذي دفع العلوم والكشوف مئات السنين ~~إلى الأمام لا يمكن أن يعطي ظهره للعلم وللتحضر وللتطور، كنت أغضب لأني أعلم أن الإسلام ~~ليس دين التعصب الأعمى المدجج بالسلاح والرصاص القاتل لمن يتوهم أنهم معارضوه أو ~~مخالفوه، وإنما هو دين الحجة والمنطق والعلم والموعظة الحسنة. # أحسست بفخر شديد. # هؤلاء الشبان مؤمنون مسلمون، ذلك الإسلام المفرح الهادف إلى إتقان كل شيء من أول ~~التصرف في الطريق إلى العمل إلى العبادة، الإسلام القائل: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم ~~عملا أن يتقنه.» بتفانيه يتقنه بالكمبيوتر يتقنه، باستيراد التكنولوجيا والعلوم ~~تمهيدا لإتقانها وتأصيلها حتى نستطيع بهذا أن نصدرها. هذا هو الإسلام في أعظم صوره، ~~الإسلام في الكلمة العظيمة التي يتجاهلونها دائما: الدين المعاملة، العمل عبادة. لا ~~غلظة في القول ولا شدة في المعاملة، ولا استغناء عن رضاء الناس بإرضاء المولى سبحانه ~~وتعالي؛ فإرضاء الناس فيه إرضاء للمولى، هذا هو الإسلام، لا خزعبلات فيه، إسلام العلم ~~والعمل والتقوى، إسلام الرجل والمرأة، الجاد السمع المؤدب المهذب المنضبط، هذا هو ~~الإسلام الذي يدفع المسلمين إلى أمام وإلى تقدم يجعلنا نتلفت ذات يوم لنطبق الحد، فنجد ~~كل الناس قد صلحوا ولم يعد هناك آثم ينبغي أن يطبق عليه الحد أو العقاب، الإسلام ~~الذي يرقى بالنفوس ويسمو بالروح ويؤمن إيمانا قاطعا أن سلوك المسلم هو الذي يحاسب ~~عليه، وهو الذي نراه منه وهو الذي يعاملنا به، وليس هو ما ms118 يقوله أو يجهر به أو يعذب ~~به الناس في ميكروفونه، وقد أمرهم الله في كتابه أن يجعلوا الليل لباسا وراحة للعقل ~~والبدن. # لم أكن أريد أن أغادر هذا المكان الجميل الذي لم أعرف صاحبه ومديره من العامل فيه ولا ~~الرئيس من المرءوس ؛ فكل منصرف إلى عمله يجد فيه ويتقنه بوازع من ضمير حي وليس عن خوف من ~~عقاب. # اللهم إذا كان التيار الإسلامي هكذا فأنا أول المنضمين. # فإذا شئتم حزبا يبشر بهذا ويعمل به يخاطب العقل فينا وينهرنا عن الغوغائية فخذوني ~~معكم. # وودعت الناس والمكان وأنا أقول لنفسي: سبحان الله! ما لهذا الدين العظيم يستحيل عند ~~بعض الناس إلى وسيلة قهر وتعذيب واستعباد، في حين أنه في حقيقته، وعند المسلمين حقا ~~وهو هكذا كما رأيت، عنوان للتحضر والرقي الأخلاقي والعلمي والمهني والإيمان العميق الذي ~~لا يتباهى به أحد على أحد ولا يكفر به أحد. # رب ارزقنا بكثير من أمثال هؤلاء الشبان الملتحين في وقار العاملين في جدية العارفين ~~ربهم عن ذكاء ووعي وحب وإيمان عميق. # | أجادير في عينيك # أحب الطيران، وأكرهه؛ فالطيران سفر، وللسفر خمسون فائدة، ولكن السفر بالطائرات بالذات ~~يعطيني متسعا كبيرا من الوقت أستطيع أن أتأمل فيه أحوالنا وأحوال نفسي، فإذا زاد هذا ~~المتسع كثيرا وطويلا، وبدا الملل من قلة الحركة وطول الزمن فإنه يصبح عبئا كبيرا على ~~النفس، وما أكاد أسمع ذلك الجرس المخصوص الموجه لطاقم الطائرة والذي يعني الاستعداد للهبوط، ~~حتى أتنفس الصعداء. # والرحلة هذه المرة كانت طويلة جدا، من الرياض في المملكة العربية السعودية إلى المغرب ~~مع توقف ست ساعات في القاهرة، رحلة طويلة جدا، رحت أستعيد فيها ما شاهدته في الجنادرية من ~~طقوس للحياة القبلية القديمة الجميلة، ثم مناقشات الكتاب والمثقفين حول التراث، وها أنا على ~~الغداء أو العشاء أو في الندوات كنت ألمح رجلا وسيما طويلا له مهابة خاصة، وكنت أسأل عمن ~~يكون، فقد كان لا يبدو أنه واحد من كتاب العالم العربي، فجميعهم - المعروفون - أعرفهم، ~~وكذلك لا يبدو أستاذا جامعيا، وفي جلسة ms119 ما سألت جاري في الجلوس الصديق والشاعر عبد الله ~~الشيتى أحد قلائل الظرفاء الموجودين في العالم العربي، وما أمتع أن يجلس الإنسان معه ويكون ~~ثالثنا محمود السعدني، تصبح الجلسة متفجرات من الضحكات، ولأننا قليلا ما نضحك هذه الأيام، ~~لست أدري لم؛ فساعة مع محمود السعدني وعبد الله الشيتي نعمة من نعم الله في هذا الطقس ~~العربي المتزمت. # سألت الشيتي عن ذلك الرجل فقال لي: ألا تعرفه؟ إنه وزير الثقافة المغربي. وقدمنا لبعضنا ~~البعض بعد الندوة، وكانت لي مع هذا الرجل قصة غريبة، ولكن قبل أن ننتهي من الجنادرية أحب أن ~~أوضح للقراء لماذا أقطع أعمالي وأصر على الذهاب إلى مهرجان وندوة ثقافية تعقد في الجنادرية ~~(هذه هي السنة الرابعة) ويكون موضوعها الموروث الشعبي والإبداع الفكري والفني؟ ذلك أنني ~~أعتبر أن مناقشة هذه الموضوعات في المملكة السعودية مسألة خطيرة جدا؛ فالمملكة في الآونة ~~الأخيرة - خاصة بعد أحداث الحرم - بدأت تدرك أن الجمود الفكري هو الأرض الخصبة لنمو التعصب ~~والتعنت وضيق الأفق، ولهذا بدأت الدولة «تتقدم» المراكز الفكرية والأدبية السائدة في ~~المملكة، وبدأت تدعو مثقفين من اتجاهات كثيرة وتضعهم وجها لوجه أمام الثقافة التراثية ~~السائدة، وهذه خطوة عظيمة لا شك؛ لأن زحزحة الجسد الرجعي الجاثم على قلب الثقافة السعودية ~~هي زحزحة أيضا لنفس هذه الاتجاهات السائدة في مصر وفي كل أنحاء الوطن العربي؛ ذلك أن ~~السعودية لها وضع ديني وروحي خاص بالأمة العربية، ويصر الكثيرون على خلط المفهومات ~~الإسلامية بالمفهومات الثقافية والفكرية، فتكون النتيجة الجمود التام؛ بمعنى توقف أو توقيف ~~عقل المجتمع عن أن يعمل ويفكر ويتقدم، وزمان قال العقاد: أنا أفكر فأنا مسلم. وللأسف ~~انتهينا هذه الأيام إلى من يقولون أنا لا أفكر، إذن فأنا مسلم حقيقي، ولقد سألني كاتب سعودي ~~ذو لحية بيضاء جليلة: لماذا تنفقون الوقت والجهد في مناقشة هذه الخيالات (يقصد السير ~~الشعبية من سيف بن ذي يزن إلى عنترة وألف ليلة والزير سالم) إنها خيالات، مجرد خيالات؟ ~~لماذا تضيعون وقتكم في مناقشتها؟ قالت له: إذن ماذا تريد ms120 منا أن نناقش؟ قال: الحقائق التي ~~حدثت في التاريخ مثل الخلفاء الراشدين ومعاوية وغيرهم من أبطال الإسلام، قلت له: أتعني أن ~~الإسلام الحقيقي ضد الخيال؟ إنك بهذا يا رجل تسلب الإنسان - سواء كان مسلما أو غير مسلم - ~~أعظم موهبة منحها الله له ، وهي القدرة على التخيل وتجسيد هذا الخيال في أعمال فنية، إن ~~الحيوان لا خيال له، إنه لا يرى إلا ما أمامه فقط، وهو لا يستطيع أن يتخيل أبدا شيئا غير ~~ما يراه رأى العين، أما المخ البشري ففيه مراكز هائلة للتخيل، نعمة من الله، لولاها لأصبحنا ~~سائمة أو كالسائمة. # وسؤال ذلك الكاتب السعودي لم يأت من فراغ؛ فهناك مدرسة بأكملها في العالم العربي وفي ~~السعودية على رأسها الأستاذ عبد الله بن إدريس رهيبة السطوة على النفوس واشتراكها في تلك ~~الندوات إنما يهدف إلى تغليب الجانب القائل بالتمسك التام بالموروث وبكل ما صنعه الآباء ~~والأجداد، وعدم التحرر منه لشعرة، وإلا فقدنا لغتنا العربية وفقدنا بالتالي إسلامنا، وكأننا ~~إذا أعطينا إنساننا الحديث أو مثقفا حرية الحركة، وأبحنا له أن يخرج على تعاليم الآباء ~~والأجداد والموروث فإنه حتما سيضل وسيضيع، معاذ الله. # إلى هذا الحد يبلغ عدم ثقتنا بأنفسنا، فنحن مثل الأجداد بشر، وقد كانوا بشرا، وعاشوا ~~حياتهم وتصرفوا فيها «وكانوا أعلم بشئون دنياهم»، وأصبحت حياتهم وتصرفاتهم «تراثا»، هذا ~~صحيح، ولكننا أيضا لنا حقنا في أن نعيش مثلهم ونتصرف حسبما تمليه علينا ظروف حياتنا ~~الراهنة «ونحن أعلم بشئون دنيانا» بحيث تصبح حياتنا وتصرفاتنا تراثا أيضا للأجيال القادمة ~~التي لا بد لها هي الأخرى أن تحيا حياتها وتتصرف تصرفاتها. # ولكنهم يردون عليك ويقولون هذا خروج ومروق سينتهي بك إلى أن تترك الدين، هذه قضية لم ~~أفهمها أبدا، وأعتقد أنني لن أفهمها، هل التمسك بالدين يعني أن تحيا مثلما كان يحيا الناس ~~أيام معاوية وأيام العباس مثلا، وإلا خرجنا على الدين؟ ما علاقة الدين وهو إيمان كامن في ~~النفس وفي القلب لا يتزحزح، ما علاقة هذا بأن أركب سيارة بدلا من الجمل، أو ms121 أن آكل هامبرجر ~~من لحم البقر بدلا من الخروف (والفتة)؟ # المهم لي عامان وأنا أحضر ذلك المهرجان والمعركة لا تزال محتدمة بين أنصار الجمود وأنصار ~~التقدم، يا إلهي، إن المشوار أمامنا طويل! ~~••• # كان ذلك الرجل الذي لفت انتباهي هو وزير الثقافة المغربي ، وهو مثل زميلي فاروق حسني ~~عندنا، نموذج فاخر للمثقف المتعدد الاهتمامات والقدرات، هذا الرجل كان هو وصديق عمره (الذي ~~أصبح وكيلا لوزارة الثقافة المغربية) يعملان في الأمم المتحدة في نيويورك لمدة عشرين عاما ~~متوالية، وفجأة قررا أن يتركا العمل في أمريكا ويعودا معا إلى بلدهما المغرب، بل ليس حتى ~~إلى المغرب، وإنما إلى مسقط رأسيهما في قرية «أسيلة» وهي قرية صغيرة على المحيط الأطلنطي، ~~قرية فقيرة يعمل معظم سكانها بالصيد، وكأي قرية صغيرة في العالم الثالث لم يكن بها ماء نقي ~~أو كهرباء أو تليفونات أو أي شيء ... هذا الرجل (محمد بن عيسى) قرر أن يحيل القرية إلى جنة من ~~جنات الله بعد عودته من أمريكا، قرار رجل واحد أو رجلين، لو أن كل مثقف في العالم العربي ~~قرر أن يفعل مثلهما لأصبح العالم العربي جنة، وبدأ بالاستعانة بنفر من زملائهما من ~~الفنانين، بجمع نقود قليلة تمكنا بها من طلاء القرية باللون الأبيض الجميل، وبهذا الطلاء ~~فقط تحول موقف أهل القرية من هؤلاء المثقفين الأفندية الغرباء، وبدءوا يسمحون لأولادهم سواء ~~أكانوا تلامذة أم غير تلامذة أن يعملوا معهم بالاستعانة بهؤلاء الأولاد: بدأ الأفندية ~~ينظفون شوارع القرية، ثم بواسطة بعض التبرعات يحفرون بئرا للماء، ويدخلون «موتور» كهرباء، ~~فيضيئون القرية، ثم بدأ الفن: استقدموا أصدقاءهم الفنانين من الدار البيضاء مراكش، وعهدوا ~~إلى كل منهم برسم حوائط القرية، بل حتى برسم شوارعها بعد سفلتتها، ولكي يتموا هذا العمل ~~الكبير كان عليهم أن يرشحوا أنفسهم للمجلس البلدي للقرية (تعداد القرية اثنان وعشرون ألفا) ~~ونجحا في الانتخابات بعد كفاح رهيب طبعا، فتراث القرية المعتادون على تولي مناصب المجلس ~~البلدي بحكم النفوذ أبوا أن يفسحوا المجال لهؤلاء الغزاة الجدد المسلحين بالفن والفكر ~~والرغبة الشديدة ms122 في التغيير، وحين تمت لهما السيطرة على المجلس البلدي، استعانا بقوة المجلس ~~وأمواله في إحداث هذا التغيير، وفعلا، وبعد أقل من عامين كانت «أسيلة» قد أصبحت جنة، أو ~~متحفا حيا للجمال يضم الزرع الأخضر واللوحات على الجدران وعلى الأرض. وهنا بدأت الحكومة ~~المركزية تفطن إلى هذا الحدث وتحاول الاستيلاء عليه وتحويل «أسيلة» إلى قرية سياحية، وهنا ~~وقف محمد بن عيسى وصديقه، أو بالأصح ناما بالطول عند مدخل القرية وأبيا أن يدخلها سائح ~~واحد؛ قال لي محمد بن عيسى: كنا لا نريد أن نحول أنفسنا وأهل القرية إلى قرود في حديقة ~~حيوان يتفرج عليها السياح، كنا نريد أسيلة لنفسها ولأنفسنا، وقلنا على جثتنا إذا مر سائح ~~واحد. # وفعلا لم يمر سائح واحد ووصلت المعركة إلى الملك الحسن الثاني فاستقدم هؤلاء الفتية وكان ~~أن عهد إلى محمد بن عيسى بوزارة الثقافة. # والذي حدث أن محمد بن عيسى طور الفكر وتفتح ذهنه عن إقامة مهرجان أسيلة للفنون والآداب كل ~~عام، وأقيم المهرجان وأصبحت حديث أوروبا وأمريكا، انتقلت من قرية صيادين في العالم الثالث ~~إلى لوحة عالمية يرنو إليها أي أوروبي أو غير أوروبي، يرغب أن يراها رأى العين. # أرأيتم ما أقصده ... إن مجهود فرد واحد أو فردين مخلصين ممكن أن يحولا قرانا الموحشة إلى ~~جنات ... فقط أين الإرادة. ~~••• # أكتب هذا وأنا في طريقي إلى أجادير أو أغادير، تلك المدينة البطلة التي وقفت في وجه ~~الاستعمار، مثل بورسعيد، موقفا بطوليا عظيما، ثم بعد زوال الاستعمار الإسباني والفرنسي، ~~أصبحت مدينة سياحية عالمية، وحيث أنهيت أعمال مشاركتي مع المجلس القومي للثقافة في المغرب ~~في اللجنة التحضيرية للمهرجان القومي الثقافي العربي الذي سيعقد في أغادير في أكتوبر ~~القادم بإذن الله، ها أنا ذا في طريقي لمشاهدة معالم المدينة وقضاء إجازة يومين قبل العودة ~~للقاهرة؛ لكي أشهد أعظم حدث روحي، حلول رمضان المعظم في قاهرة المعز. # | رسالة من الجنادرية # لا أعتقد أن الإنسان منا يتحكم في حياته تماما، وفي الأسبوع الماضي فتحت موضوعا مهما ~~- كان له صداه الغريب ms123 لدى القراء - وكان مفروضا في مفكرتي لهذا الأسبوع أن أتابع الموضوع ~~وأخبر القارئ بآخر ما توصلت إليه حياله، ولكن الأقدار كانت تخبئ لي شيئا آخر؛ إذ كان ~~الميعادان قد حلا معا في وقت متقارب جدا، وكنت قد كتبت ووافقت منذ بضعة أشهر على حضور ~~مهرجان الجنادرية الذي يعقد في الرياض، وعلى الاشتراك في التحضير للمؤتمر الثقافي القومي ~~الذي يعقد في المغرب في أكتوبر القادم إن شاء الله، وبدأت التليفونات والاتصالات والتذاكر ~~المعدة سلفا، وكان لا بد أن أسافر وفعلا قررت حضور الجنادرية أولا ثم الطيران رأسا ~~إلى المغرب لحضور الاجتماع، ولكن طول الوقت كنت مشغولا بقضية الطالب محمد حامد الحمامي ~~ومشكلة فصله من معهد الفنادق في بورسعيد إثر محاولته تعليق صور للانتفاضة الفلسطينية، وها ~~أنا ذا من الرياض أتابع الاتصال بمكتبي في الأهرام، وعلمت أن الدكتور فتحي سرور قد اتصل بي ~~ووعد بالتحقيق السريع في القضية، ثم جاءتني مكالمة من اللواء زكي بدر وزير الداخلية، ولأن ~~الاتصال لم يحدث، والمتصل كان مدير مكتبه؛ فلم أعرف بالضبط ماهية الرسالة، كل ما أعرفه أن ~~لدى عودتي القريبة إن شاء الله سأتابع القضية معهما، لا لكي أطمئن على مصير الطالب محمد ~~حامد الحمامي فقط، ولكن لكي نشترك جميعا في وضع بروتوكول للنشاط السياسي المشروع الذي لا ~~بد أن يقوم به الطلبة والشباب؛ فالعقل الحاكم الحديث يعتبر أن المظاهرات السياسية ~~والمؤتمرات المنظمة وكافة الأنشطة النقابية والشعبية هي مصدر من مصادر القوة لديه، وأمامنا ~~المثل في إسرائيل، تلك التي تلعب هذا الدور بمهارة شديدة، فهي تترك فيضان مظاهرات «السلام ~~الآن» تهتف ضد الاحتلال الإسرائيلي للضفة ولغزة، في نفس الوقت الذي تفتح فيه القنابل ~~والرشاشات على الشباب والفتيات العرب المتظاهرين، وسماح الحكومة الإسرائيلية لمظاهرات ~~ونشاطات جماعات «السلام الآن» هو خير دعاية - من ناحية أخرى - لديمقراطية الحكومة ~~الإسرائيلية تجاه مواطنيها الإسرائيليين فقط لكي تخفي بهذه الديمقراطية الفاشية التي تعامل ~~بها المواطنين الفلسطينيين العرب. # إذن إلى الأسابيع القادمة إن شاء الله لكي نناقش هذا الموضوع بعمق أكثر وبفاعلية ms124 أرجو أن ~~تكون أكثر، بحيث تؤدي إلى اتفاق على أسلوب لمعاملة النشاطات الشعبية التي قد يبدو بعضها ~~مخالفا لما تقوله الحكومة، ولكنه - وهذا هو الغريب - يتفق تماما مع التصريحات التي يدلي ~~بها الرئيس حسني مبارك. ~~••• # والآن أنا أكتب لكم هذه الكلمة وأنا في مهرجان الجنادرية وهي منطقة صحراوية تبعد عن ~~الرياض بحوالي خمسين كيلو مترا، وهو مهرجان سنوي يقيمه «الحرس الوطني السعودي» للثقافة ~~والفنون الشعبية، وقد يبدو الأمر محيرا قليلا؛ إذ إن الحرس الوطني نوع من الميليشيا ~~العسكرية المكونة من أبناء جميع القبائل في المملكة العربية السعودية، وذلك حتى «يحرس» وحده ~~شبه الجزيرة العربية. إن مسألة البترول والنقود السعودية الكثيرة والعلاقات المتحسنة قليلا ~~السيئة في معظم الأحيان قد منعتنا عن دراسة ما حدث ويحدث في الجزيرة العربية منذ ~~الثلاثينيات وإلى الآن، في حين أن السعودية واحدة من أهم البلاد العربية، بل أهم بلاد ~~العالم كله وعلاقتها بمصر علاقة أزلية مصيرية، كان الملك عبد العزيز ووالده الملك السابق ~~منفيين في الكويت بعد صراع حول الحكم، ثم قرر الملك عبد العزيز أن يعود ويفتح الرياض، وفعل ~~هذا بسبعة عشر مقاتلا لا غير، ولأن الرجل كانت له رؤية تاريخية بعيدة؛ فقد أخذ على عاتقه ~~مهمة القضاء على الوضع القبلي في الجزيرة العربية، والذي كانت تتحكم فيه قبائل وسلاطين ومحل ~~حروب مستمرة حول المراعي، أنشأ الملك عبد العزيز جيشا وحارب زعماء القبائل بلا هوادة، ~~وبالقوة مرة والزواج مرة وبالسياسة مرة استطاع أن يوحد شبه الجزيرة العربية التي تصل ~~مساحتها إلى ثلاثة أضعاف مساحة فرنسا، وأخيرا تم له في النهاية الانتصار، وأصبحت شبه ~~الجزيرة العربية مملكة واحدة، وأنجب الملك عبد العزيز أربعين ولدا، كان اكبرهم الملك سعود ~~الذي تولى الحكم من بعده ثم فيصل الذي استشهد في حادث غامض، ثم الملك خالد الذي توفي ~~وتولى بعده الملك فهد. # ولا بد أن بلاد نبينا العربي محظوظة حقا، فمنها خرجت رسالة الإسلام تعيد الإيمان إلى ~~قلوب كفرت وتمنح الحق للمؤمنين أصحاب الديانات السماوية الأخرى أن يحيوا في ms125 سلام تحت ظلال ~~الدولة الإسلامية الكبرى، التي فتحها العرب وامتدت من الأندلس إلى أزبكستان إلى الهند ~~والصين وأفريقيا. # أقول محظوظة لأن البترول بدأ يظهر في السعودية في أوائل الثلاثينيات، ولو لم يكن الملك ~~عبد العزيز قد «وحد» شبه الجزيرة كلها في دولة واحدة، لو لم يكن هذا قد حدث وظهر البترول في ~~عهد الانقسامات والقبائل لكانت المملكة العربية السعودية اليوم عشرات من الإمارات الصغيرة ~~المتنافرة المتنازعة، فاكتشاف البترول إذن بعد قيام الدولة جعل العائد لا يضيع في منازعات ~~وحروب صغيرة، إنما تسلمته الدولة السعودية الجديدة وأصبح لها شأنها الكبير الآن. # بقيت مسألة الحرس الوطني والثقافة؛ فالحرس الوطني أنشئ من كل أبناء القبائل ليحافظ على ~~«الأمن» الداخلي، وهو جهة مستقلة تماما لا علاقة لها بالجيش الذي يحافظ على الأمن الخارجي، ~~ولا بوزارة الداخلية التي تقوم بأعمال أي وزارة داخلية في أي بلد آخر. # أما أن يتبنى الحرس الوطني الثقافة ورعايتها في المملكة، ولأنها بدت لي غريبة أن يقوم ~~تنظيم عسكري بالإشراف على الثقافة؛ فإن الشيخ عبد العزيز التويجري مساعد رئيس الحرس الوطني ~~الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد ونائب رئيس الوزراء؛ إذ الملك فهد هو رئيس ~~الوزراء، ذكر لي الشيخ عبد العزيز أن مهمة الحرس الوطني أكبر من مجرد المحافظة على الأمن؛ ~~فهو المسئول عن المحافظة على التراث العربي في شبه الجزيرة، وعلى ربط الحاضر بالماضي ~~باستمرار بحيث لا ينشأ جيل مترف تماما من السعوديين لا يعرفون شيئا من واقعهم في الماضي ~~القريب؛ ولهذا جاءت فكرة إقامة مهرجان الجنادرية، والمهرجان يرأسه الأمير عبد الله الذي يحب ~~الموسيقى وله صلات كثيرة بمعظم الموسيقيين في العالم العربي، في الحقيقة أن يوم أمس يوم ~~الافتتاح كان حدثا فعلا، فأن تتبنى المملكة العربية السعودية فكرة إقامة مهرجان عن ~~العلاقة بين الموروث الشعبي والإبداع الفني والفكري شيء يكاد يصل إلى المعجزة، فكلمة شعبي ~~نفسها كانت لا تذكر قبلا في المملكة، وأن تعترف المملكة ب «الإبداع» الفني والفكري شيء ~~خطير يكاد يكون انقلابا في التفكير، ms126 وأن يدعى إلى حضور هذا المهرجان والاشتراك في الندوات ~~والمناقشات كتاب من أمثالنا وشعراء، كانوا موضوعين في القائمة السوداء ومحظورا عليهم دخول ~~المملكة؛ فهو علامة أن المملكة تتطور بخطوات واسعة إلى الأمام، ليس فقط في الإنشاءات ~~الخرافية والطرق ووسائل الاتصالات والمواصلات، وإنما أيضا في «التفكير»، مع الحفاظ على ~~التقاليد العربية الراسخة، وكنت جالسا لمشاهدة المهرجان قريبا من جلسة خادم الحرمين وولي ~~العهد الأمير عبد الله، وكان مذهلا تماما أن أرى الأمير بدر واقفا بغير عباءة رهن إشارة ~~الملك وولي العهد مع أنه أخوهما، بل في حفل العشاء الذي تلا هذا المهرجان الشعبي ظل الأمير ~~جالسا خلف أخيه الملك مباشرة دون أن يسمح لنفسه أن يشارك في تناول العشاء، الحقيقة ~~أعجبتني هذه الطريقة العظيمة في الولاء بين أطراف العائلة الواحدة، بل حتى حين عزمنا الشيخ ~~عبد العزيز التويجري وهو فوق أنه نائب رئيس الحرس الوطني أرى أنه من أنبغ المواهب التي ~~أنجبتها صحراء نجد على طول تاريخها، بدوي من قمة رأسه إلى أخمص قدمه، وهو يكتب على السليقة، ~~يجلس هائما هكذا ثم يملي وقد قرأت كتاب «رسائل ولدي» وكذلك كتابه الآخر والمهم تماما ~~«رسائل إلى المتنبي»، ولأول مرة كان كاتبا يأخذني من يدي ليطلعني على خفايا ودهاليز ~~وعبقرية المتنبي، وهي ليست فقط رسائل للمتنبي، ولكنها عملية حوار عظيمة بين بدوي كاتب وبدوي ~~شاعر، تكاد تتلمس فيها كيف تنطق صحراء نجد حكمة وتفانين وصورا شعرية أخاذة، وفلسفة ~~كليهما الأبي المتواضع أشد ما يكون تواضعا واعتزازا بالذات وبما تنطوي عليه من مزايا ومن ~~خير. # أما كتاب عبد العزيز التويجري الأخير عن «حاطب ليل شجر» ذلك الذي كتب مقدمته الدكتور زكي ~~نجيب محمود، فهو في رأيي تمثل قانتا أضجره العيش الرضي وبات يحن إلى الحياة الصحراوية في ~~بدايتها الأولى، والغريب أن هذا الحنين من القوة بحيث إن كل الصور الشعبية والفلسفية ~~الواردة فيه مأخوذة عن حياة البادية وطقوسها وراعيها وحتى شياهها. # حين عزمنا الشيخ عبد العزيز على العشاء فوجئت أن الذي يخدم علينا هم ms127 أبناؤه، إن الإنسان ~~منا في مصر يكاد يقبل يد ابنه ليحضر مجرد حفل عشاء يقيمه لأصدقاء، فما بالك وهؤلاء لا ~~يحضرون فقط، بل زيادة في الإعزاز والتكريم يتولون هم وليس أحدا غيرهم، مهمة القيام على ~~راحة الضيوف، مع أن أكبر أبناء الشيخ هو الشيخ عبد المحسن التويجري رئيس ديوان ولي العهد ~~بنفسه يحضر لك الماء ويعزم علي ويعتني بكل ضيف عناية خاصة. ~~••• # في المهرجان أخذني الأمير بدر من يدي وتوجهنا معا إلى حيث الملك فهد وولي العهد وبإعزاز ~~صافحني خادم الحرمين وولي العهد، وكنت أتصوره سلاما مجرد سلام، لكن الملك قال لي: نحن ~~معتزون وممتنون للرئيس حسني مبارك على تصريحاته بمناسبة تهديدات شامير. # تهديدات شامير بضرب قواعد الصواريخ في المملكة، إن هذا الموقف ليس جديدا علي وعلى ~~الرئيس حسني مبارك، فقد تعودنا منه الشهامة والرجولة حين يجد الجد. # قلت له: حبذا أن نسمع هذه الإشادة في القاهرة. # قال: أنا قادم إلى القاهرة إن شاء الله بعد العيد مباشرة. # قلت: مرحبا بك فالشوق مزدوج وكبير، أترككم الآن إذ أنا في الطريق إلى قاعة المناقشات في ~~الجنادرية لمناقشة موضوع هام تماما هو التراث الشعبي وعلاقته بالقضية العربية ~~الحديثة. # أترككم ومعي وفد مصري كبير يناهز الأربعين كاتبا وشاعرا وناقدا ودارسا، أكبر وفد إذ ~~حجمه حجم كل الوفود العربية والأجنبية المجتمعين. # وكل الوفد محل حفاوة الداعين ورعايتهم، وبالذات الدكتور أحمد هيكل وزير الثقافة السابق ~~والدكتور عبد الحميد يونس أستاذ الأدب الشعبي، والدكتور عبد القادر القط، والشاعر فاروق ~~شوشة، والناقد رجاء النقاش، والروائي الشاب صنع الله إبراهيم، ومعنا أيضا الشاعر محمد ~~الفيتوري، والقاص السوري زكريا تامر، والروائي السوداني الكبير الطيب صالح، ووزير الثقافة ~~المغربي والكاتب د. عبد الكريم غلاب، عدد لا يحصى من المبدعين والنقاد العرب. # | في ألمانيا # كنا ديكور عدالة وكان علينا أن نخاطب أدمغة محصنة ضد أي نفاذ # كانت الأقدار لي بالمرصاد؛ فقبل زيارتي لليابان، زرت ألمانيا الغربية، بدعوة غريبة في ~~أسبابها وظروفها، وجعلتني ظروف زيارتي لهذين الشعبين الخطيرين أومن باعتقاد راسخ، أن ms128 ~~محور «ألمانيا-اليابان» الذي حدث في الحرب العالمية الثانية لم يقم صدفة أبدا. # أبدا ليس صدفة. # ولم يتحالف الجرمان مع الأقزام ضد الأنجلو سكسون والسلوفاك عبثا. # بل الحقيقة تكاد تتضح لعيني الآن، إنه تحالف المتطرفين ضد أوروبا السوية، وكان طبيعيا ~~جدا، وقد قفزت إلى قمة الوجود شخصية متطرفة أخرى، أمريكية هذه المرة، أن يحدث هذا التلاقي ~~بين الثلاثة، ويصبح محور «أمريكا-ألمانيا-اليابان» أعتى معاقل الرأسمالية في كل تاريخها، ~~على استعداد لمواجهة العالم كله. # ولقد استعملت التطرف هنا بهدف التخفيف؛ فالواقع أنه ليس تطرفا؛ فلقد ذكرت أن هذه الأنواع ~~البشرية موجودة في حالة كونهم أصحاء عقليا، إذا تكاتفت الظروف واحتدت وبدأت الشخصية تمرض ~~مرضها المقابل المحدد؛ فالشيزودية تصاب بالشيزوفرينيا أو مرض انفصام الشخصية، والبارانودية ~~تصاب بجنون الفكرة النابتة وهكذا. # وبكل المقاييس العلمية إذا طبقناها فلا يمكن اعتبار الشخصية الشيزودية اليابانية والقهرية ~~الألمانية شخصيات عادية، لقد تآمرت ظروف كل منهما الخاصة لتدفع بمؤشر التوازي كثيرا أو ~~قليلا تجاه المرض، هناك شعوب أخرى تنضوي تحت بند الشخصية القهرية، وكذلك الشيزودية، ولكنها ~~أبدا لا يمكن أن يبلغ بها الأمر هذا الحد غير العادي الذي وصلت إليه اليابان. # ظروف العزلة في اليابان، والإحساس أنهم الأقل قامة وشكلا وحضارة من آسيا والصين، ظروف ~~ألمانيا التي مكنتها شخصيتها من أن تتفوق دائما وتحاول التسيد على القارة أو العالم، بحيث ~~يتكتل الجميع، أكثر من مرة، ضدها ... بهذه الظروف كلها لم تعد الشخصية اليابانية مجرد شخصية ~~شيزودية، ولا الألمانية مجرد نمط قهري، لقد نما الازدواج في اليابانية حتى بلغ مرحلة ~~الإحساس الخطير بمركب النقص الذي يكاد يدفعها إلى الانتحار عملا وقوة طلبا للتفوق، وبلغ ~~مرحلة الإحساس الخطير بمركب الكمال في ألمانيا النازية إلى حد الإيمان الأعمى بالنفس، ~~والكفر الأعمى بالآخرين، إلى مرحلة المرض، والغريب أنه، وكلاهما على طرفي نقيض، هذا يريد ~~الانتحار تفوقا أو التفوق انتحارا، وهذا يريد الانتحار كمالا، يلتقيان لقاء مروعا ~~مخيفا، لقاء المرض بالنقص مع المرض بالكمال، لقاء الحساسية بالسيادة على الدنيا فعلا ~~بأولئك المتطلعين إلى هذا الإحساس ms129 المعانين من مركب النقص. # لقاء دائما تترتب عليه أوخم العواقب، حتى الهزيمة العسكرية الساحقة لا تكفي لكسر المحرك ~~المخيف المريض الذي يلهب كيان الشخصية كلها؛ فتكاد تصوم عن الحياة، وتعمى عن أي مما فيها ~~إلا عن هدف إثبات التفوق أو فرضه فرضا، تهزم الدنيا عسكرية وتنزع من أياديهم المريضة لعبة ~~السلاح التي كلفت عالمنا 40 مليونا من الضحايا، فيوافقون وهم يخفون الابتسامة في الأكمام. ~~فإذا كنا انهزمنا في مباراة القوة فتعالوا لتلبس قوتنا ثوب التمدين وتتبارز رأسماليا ~~وصناعيا، وينهار المتسابقون واحدا إثر الآخر، ولا يبقى في الساحة إلا ذوو الدوافع غير ~~البشرية، غير السوية، غير العاقلة، للتفوق والإنتاج، أمريكا وألمانيا واليابان، بل حتى ~~ليبدأ التسابق المخيف الآخر بين المرضى أنفسهم، تسابق أناني شرير هدفه انفراد الواحد منهم ~~بسيادة البشرية جمعاء، ومع هذا، ولأن هناك معسكرا اشتراكيا آخر، بنظام آخر؛ فالرغبة في ~~الانفراد لا تمنع تكاتف الجميع، والرأسمال الياباني نافذ على الألماني، والاثنان كتلة واحدة ~~مع الأمريكي، السمة الرأسمالية واحدة، ولكن الضحية هي شعوب هذه البلاد، التي يصرعها ويجردها ~~من إنسانيتها وينمي فيها الإثرة والأنانية والعداء للآخرين، هذه الآلة الرأسمالية الجهنمية ~~وهي تعمل وبمعدل مخيف. # وبالعلم والعلماء قد اشتروهم تماما يسخرون لهم كل حقائق العلم الإنساني، كل آفاقه، كل ~~انتصار على قوى الطبيعة، يسخرون لهم هذا كله ليغذي هذا الجوع المرض الشهواني لامتلاك العالم ~~في قبضة يد وتحت تصرف ضغطة إصبع إصبعي، أحرك الدنيا بسبابتي أنا، حتى لو كانت الحركة إلى ~~الجحيم. # ألا يكون من نعمة الله على بشره أن العالم ليس ساحة خالية يرقص فيها المجانين الثلاثة ~~رقصة الحياة-الموت-الجنون، وأن هناك معسكرا آخر نشأ لكنه، إنسانيا جاء، وإنسانيا يعمل، ~~الصين قادمة، وألمانيا الديمقراطية، تشيكوسلوفاكيا، يوغسلافيا، الاتحاد السوفييتي الثاني في ~~الإنتاج ... الصناعة الإنسانية أيضا تمضي، تقف، تلاحق خطو المجانين، بيدها تأخذ بيد العالم ~~الثالث، علمها غير أناني، اكتشافاتها لا يحتكرها بيت عريق في عدائه للإنسان، إنما هي ملك ~~لنا ولهم وللدنيا لو أرادت. # ضاع الأمان. # في ألمانيا ... # فجأة أحسست أني في ms130 فيلم من أفلام الجاسوسية وجيمس بوند، فقدت الأمن، وأغرب الإجابات ~~جاءتني حتى سألت الهرميشلر مدير الأكاديمية الإنجيلية (وهي شيء كالجامعة الأزهرية الدينية ~~عندنا) لماذا دعاني ودعا وفدا مصريا ثقافيا لألمانيا؟ لم تأتني إجابة شافية واحدة، كل ~~مرة كانت الإجابة مختلفة، هذه المرة قال: بصراحة أنا لا أفعل هذا حبا في مصر والعرب فقط، ~~إني إنما أقوم به محافظة على اليهود أنفسهم، إني فيما أرى أنهم اعتمدوا على القوة فقط كي ~~يفرضوا وجودهم؛ فالمحتم أن يصمد العرب، بالغريزة حتى إلى القوة، وقد يطول الزمن، ولكن ~~النتيجة أن يهزم اليهود في النهاية ويؤدي فرض الوجود هكذا إلى استئصال الوجود، أنا إذن من ~~أنصار التعايش والتفاهم مع العرب. # ولأني لم أجد في ملامحه الطيبة أو التي تبدو كذلك أي إشارة تؤكد صدقه أو تنفيه فقد سكت، ~~ولم أشأ أن أجادل. # نحن إذن كوفد ثقافي عربي، لسنا فقط ديكور عدالة. # ولكن نجيء لأن مصلحة اليهود في المدى الطويل تقتضي هذا المجيء. # وهكذا عرفت حقيقة أخرى عن الشخصية الألمانية، أن تركيب الشخصية القهرية يحتم أن يكون ~~إيمان الشخص كاملا بالجهاز الذي يحركه وبالبروغرام الذي يغذيه، وإيمان الشخصية الألمانية ~~بقدرتها إيمان يبلغ حد العبط أحيانا، أو بالضبط حد الغباء. إن الغباء الألماني المشهور ليس ~~هو الغباء نتيجة قلة الذكاء أو الحيلة، ولكنه نتيجة لتولي الشخصية الألمانية نفسها مهمة ~~إلغاء كل قدرات العقل التلقائية على التصرف؛ فهم لا يعترفون أبدا بما يسمى لدينا فكرة ~~اللحظة أو وحي الساعة، ما لم تكن الفكرة قد نشأت ونوقشت واطمأن الشخص تماما إلى سلامتها ~~بحيث يركبها في عقله وتصبح جزءا من برنامج هذا الجهل العقلي الإلكتروني، فإنه أبدا لا ~~يمكن أن يحفل بها أو ينفذها، لقد اختصروا وظائف كثيرة من وظائف العقل، بحيث لم يعد له إلا ~~وظيفة أن يناقش ويقتنع أو يقنع، وحاولوا بالنظام المطبق والقانون أن يجنبوا إنسانهم حاجته ~~إلى التصرف الفردي أو المبتكر أو التلقائي، وهكذا فإنه رغم دقة نظام المرور مثلا وصرامته ~~فحوادث المرور هناك في ألمانيا ms131 أكثر منها في بلادنا العربية، السائق العربي باستطاعته إذا ~~لمح الخطر أن يتصرف، ربما حسبما تعلم أو تعود، وربما يبتكر التصرف نفسه ابتكارا، السائق ~~الألماني إذا رأى الخطر ماثلا ولم يكن لديه فيما يعرفه من نظام وقوانين للطريقة التي لا ~~بد عليه اتباعها لمواجهة ذلك الخطر فإنه لا يقدم على أي تصرف بالمرة، ويظل ماضيا إلى ~~الخطر حتى الكارثة ... كأنه بطل تراجيدي وليس إنسانا من أهم ملكاته قدرته على التصرف اللحظي ~~المبتكر. # ذلك الاختناق # وجاءت ليلة الندوة الثقافية التي كنا قد دعينا إليها في برلين، وكان علي بعد قراءة ~~أعمالي أن ألقي كلمة. # كنت أعلم أني هنا في فم الأسد، وأنه نفس الجمهور الذي أحاط بنا من أول لحظة لوصولنا ~~وكأنما ليكون حزاما أو حائطا آخر لبرلين، ازداد عدده حتى قارب المائة هذا صحيح، ولكن ~~النوع أبدا لم يتغير. إنه جمهور مختار ومنتقى بعناية بحيث كلماتنا إن نفذت فإنما تنفذ ~~إلى أدمغة مطعمة تماما ضد أي نفاذ، أو تنفذ إلى أدمغة نحن بغير حاجة إليها لأنها أدمغة ~~غير محايدة. # ومع هذا فقد كان لا بد أن أواجههم بالحقيقة، كيف يصنعون بمجيئنا مسرحية جيدة الإخراج ~~كعادة الألمان، مختارة الجمهور بحيث ينتقى دور الجمهور، عرضها يتم سرا حتى لا يتسرب ~~خبرها إلى المواطن الألماني العادي، ونحن لا نعرف أيضا كيف تتسرب، فجمهورنا هو حراسنا، ~~واختلط الحابل بالنابل، والمعالم تاهت: الألماني الإنجيلي البروتستانتي يحدثك وكأنه ~~مصري، والمصري وكأنه إنجيلي، والعرب كل في طريقه، وكل فقد الثقة في الآخر، وكل ~~يكيل الاتهامات للآخر، وعليك في النهاية أن تختار حزبا من أحزاب، أو أي مخابرات تشاء، ~~وتتهم به غيرك أو يتهمك غيرك به. # قلت الحقيقة هذا صحيح، كل الحقيقة، بادئا بأني لم أقبل المجيء إلا بناء على الخطاب ~~الذي أرسله الطلبة المصريون ولولاه ما جئنا. # قلت كيف أحس لأول مرة في حياتي أني أختنق اختناقا حقيقيا في برلين «الحرة» وأن ~~دكتاتورية إكسيل شبر نجر (أكبر صحفي ألماني صهيوني) أبشع ألف مرة من دكتاتورية الساذج ~~الجعجاع ms132 عويلز، حتى يسارك يا «برلين» لا يثلج القلب: «33» منظمة يسارية تتطاحن وتتحارب، ~~ما أسعد اليمين بهذا اليسار إذن، وما أذكى المخابرات الأمريكية! وهي بعد لم تعد تتنكر ~~في أحزاب الرجعية والعمالة المكشوفة، ولكن ما دام اليسار هو المودة بعد ثورة الشباب عام ~~68 فليكن التنكر يساريا متقنا، وليكن داعرا أيضا، ولتقم جامعة برلين «الحرة» ~~معرضا هدفه إقناعك بالماركسية والشيوعية وبالصورة واللوحة والتجسيم ... معرضا لا يزوره ~~أحد، ولتمول حكومة برلين مسرحا يعرض أعمال «برخت» و«جوركي» لتبدو زاهية المكانة، ~~وليتولى العمال دور الرجعية بحيث - كما ذكر لي طالب يساري حين سألته ما رأى العمال حين ~~يذهبون إليهم ليعلموهم الماركسية (نظرية الطبقة العاملة ذاتها) - يضربون هؤلاء الطلبة ~~وبعنف يلعنونهم؛ إذ لقنتهم صحافة شبرنجران الشيوعية إذا جاءت ستجردهم من كل «المكاسب» ~~أو التأمينات والتوابل الرأسمالية. # الحكام الرجعيون إذن هم الذين يعرضون لافتات الشيوعية وصورها ويدعون لمبادئها، ~~والعمال، التقدميون هكذا مفروض، هم الذين يقومون للرجعية بدور كلب الحراسة بحيث يقطعون ~~دابر أي شيوعي يحاول خرق النظام والتسلل. # | مركب النقص ومركب العظمة # تحدثنا في الأسبوع الماضي عن الندوة الثقافية التي كنا دعينا إليها في برلين، وقلت كنا ~~محاطين بنوع من الجمهور جرى اختياره وانتقاؤه بعناية، بحيث كلماتنا إن نفذت فإنما تنفذ إلى ~~أدمغة مطعمة ضد أي نفاذ، أو تنفذ إلى أدمغة نحن بغير حاجة إليها لأنها أدمغة غير ~~محايدة. # وقلت إنه كان علي أن أواجههم بالحقيقة، ثم تحدثت عن اليسار في برلين ... واليوم أتابع ~~مختتما الرحلة: # أذكى غباء # بعد كلمتي، حل على القاعة وجوم هائل، الذين أخرجوا الرواية لم يحسبوا حساب هذه ~~المفاجأة، ولكن ما أهمية أن أصرخ ملء صوتي بالحقيقة وأنا في حضرة جمهور محسوب ومختار؟ ~~ما الأهمية والحقيقة خنقها سهل، ولقد خنقوها وخنقونا معها، وجاءوا بنا علنا أمام ~~أنفسهم سرا وبتكتم شديد بعيدا عن أي رأي عام ألماني محايد، أو حتى رأي معاد، ليتسنى ~~لهم تغذية العقول الألمانية بمزيد ذكي جديد من أقوال ورؤى ووجهات نظر إسرائيل؟ # واكتشفت حقيقة أخرى جديدة غريبة عن تلك ms133 الشخصية الألمانية المفرطة في خصائصها ~~وغناها. # اكتشفت أنه، رغم إيمانها المطلق بتفوقها الكامل، فهي تكاد تكون أعبط شخصية من شخصيات ~~الشعوب. # والألماني الغربي ليس أبدا عبيطا بالوراثة أو بانعدام الذكاء، إنه عبيط بالعمد ~~وبالحساب المدبر وكالعادة بخطة كاملة الإتقان، فمن طبيعة الشخصية القهرية الألمانية ~~أيضا قابليتها للتمسك بإيمانها بالأشياء ومقاومتها أي إيمان جديد، باختصار إذا كنا ~~نسمي أجهزة الدعاية وصناعة الكتاب والفيلم والصورة أجهزة صناعة العقول، فإن العقل ~~الألماني من أسهل عقول الدنيا قابلية للصناعة والتشكيل؛ ذلك أنه، بحكم تكوينه أيضا، ~~شعب غير شكاك. # إنه يقبل منك ما تقوله ويظل يصدق حتى يثبت له أو تثبت له الظروف كذبه، وحينئذ لا ~~يعود يصدقك أبدا حتى لو كانت كذبتك الأولى والأخيرة، الناس عنده إما كذابون تماما أو ~~صادقون تماما، وهو يأخذ كلامك من معانيه الأولى المباشرة، فطبيعة الشخصية القهرية ~~أيضا أنها لا تعمل الخيال كثيرا، الخيال ذاتي وكذاب ويدعو أحيانا لإعادة النظر؛ ~~ولهذا تغذي عقلها بأي برنامج تقبله العقول حتى تمضي كالقطار إذا وضع فوق القضبان، همها ~~أن تبلغ بحركتها أقصى سرعة وتحقق الأهداف. # صناعة العقول # وعن عمد تدار صناعة العقول في ألمانيا. # بعد عصر الثقافة الألمانية الذهبي، بظهور الرأسماليين وبيوت الاحتكار، بدأ عصر صناعة ~~العقل الألماني بطريقة تخدم تماما هؤلاء السادة الجدد، ولكي تصنع العقل على هواك لا ~~بد أولا أن تعزله عن العالم، وهكذا نشأت بدعة احتقار لغات الآخرين والإصرار على ~~الألمانية، ثم تطعيم الشعب ضد الثقافة، وهكذا نشأت أيضا بدعة تحسس المسدس إذا ذكرت ~~الثقافة وبدعة حرق الكتب، في الواقع بدعة إخفاء الحقائق عن الشعب يدركون جيدا أنه مولع ~~بها وأنها إن وجدت لن يصدق غيرها. # إخفاء الحقائق من ناحية وإدخال صناعة جديدة اسمها صناعة صنع الحقائق. # والأمر ليس مجرد ألفاظ، والمسائل هناك لا يأخذونها هزلا، إن تصنيع الحقائق شيء مختلف ~~تماما عما تعودناه من «فبركتها» هنا، أن نصنع حقيقة كاللؤلؤة الصناعية مستحيل أن ~~يميزها عن الطبيعية إلا إنسان ذو مستوى خاص، عمل صعب، وإذا عدنا لتاريخ صنع ms134 «حقيقة ~~صناعية» كحكاية سيادة الجنس الآري لوجدنا أن الإتقان في تزييفها بلغ درجة تكاد ترفعها ~~إلى مستوى الحقائق العلمية، واليهود أعرف الناس بالألمان، واليهود كانوا قد وضعوا ~~عيونهم على ألمانيا ما بعد هتلر. إن الألمان في نظرهم الشعب المثالي لتحقيق أهدافهم هم ~~من ألمانيا؛ الألماني مثالي لأن قدرته على العمل وجنونه بإتقانه تحتم نجاح أي صناعة أو ~~نظام يقوم على أرض ألمانيا، الألماني مثالي لأنه ينتمي لشعب خرج من الحرب بمخ مغسول ~~من آثار الثقافة؛ أي الحقيقة الحقة، أصلح تربة لتربية الحقائق المصنوعة، بل حتى صالح ~~أيضا لتربية العقد ومركبات الذنب الصناعية. # كان مطلوبا أن تصنع تركيبة نفسية تجعل شعبا بأكمله يحيا أعواما طويلة ولا يزال ~~يحيا، وقد استولت عليه تماما عقدة أنه أذنب، وقد عولج ضميره بحيث أصبح لا يرضى أبدا ~~إلا إذا كان إرضاؤه على هيئة نقود أو صناعة أو أي شيء يقدم لإسرائيل. # ولكي تنجح الخطة كان لا بد من «كادر» يهودي كامل ينفذها، كان لا بد من إمساك كل ~~الخيوط التي تحرك الرأي العام وتصنعه بأيديهم هم. # وكانت الحكومة الألمانية تدفع لكل يهودي ألماني يعود إلى ألمانيا بعد الحرب كذا ألف ~~مارك تعويضا له، غير التعويض الهائل الذي رصدته الحكومة لإسرائيل. # ونما الرأسمال الألماني في أحضان رأسماليين عتاة يهود؛ خبرة الألمان وطاقاتهم ~~ودولارات أمريكا وناب اليهود الذكي الأزرق. # وبينما اليابان تنمو وتتوسع، كانت ألمانيا أيضا وبسرعة مذهلة تمضي حتى لتصل إلى درجة ~~أصبحت البنوك الألمانية ترفض أن تودع فيها النقود كدولارات، إنما تشترط أن تكون العملة ~~المودعة بالمارك. # إذن المارك أصبح أكثر قوة من الدولار، وفي نفس الوقت كانت الجمارك الأمريكية تفرض ~~ضريبة تلو الضريبة تحمي صناعتها «الوطنية» من صناعات اليابان وهي تغزوها في عقر ~~دارها. # كان الإنسان القهري والإنسان الانفصالي قد انتصرا؛ ذلك أن الشعب المتجانس حتى في مرضه ~~أو في صحته، أكثر إثارة للرعب، ومرعب أن تحيا هناك. في ألمانيا أو اليابان الغربة ~~تطاردك وتطردك، غريب مع المتعالي هنا، غريب مع المنطوي المؤدب الشاعر ms135 بمركب النقص ~~هناك؛ غير أن المدهش من هذا الصراع المجانيني هذا: هو أيهما يعمر أكثر؟ # المريض بمركب النقص؟ # أم المريض بمركب الكمال والسمو والتفوق؟ # أنا شخصيا أعتقد أن الياباني سيكسب، ليس فقط لأن حالته أشد، وإنما لأن مركب النقص ~~يزود الشخصية بقوة أبدية لا تشبع ولا ترتوي، ولا تؤمن مهما فعلت أنها أصبحت سيدة ~~الآخرين أو أنها وصلت، أما الألمان فاعتقادي أنهم بالتوحيد إذا توحدوا، وبالانقسام إذا ~~ظلوا هكذا فإنهم قادمون على كارثة لم يهيئوا أنفسهم لها أبدا، أن يبدأ العالم الذي ~~احتقروه طويلا واحدا إثر الآخر يسبقهم، مشدوهين هم حيارى، يجدون أنفسهم مطالبين بأن ~~يشكوا في شيء لم يكن ليقترب منه الشك مهما طغى: في تفوق العقل والطريقة والقدرة ~~الألمانية. # لقد كانت ألمانيا بصناعاتها ومؤسساتها تبهرني وأرى فيها صورة الإعجاز الأوروبي ~~الصناعي. # بعد زيارتي لليابان بدت ألمانيا كالقرية، فما يصنعه الأقزام السمر في ركن الدنيا ~~الشرقي شيء هائل مخيف لن يصدقه العالم حتى بعد وقوعه. # والذكاء دائما وليد الشك في الذكاء. # والغباء نتيجة حتمية للإيمان المطلق بالذكاء. # وهكذا غباء ألمانيا. # ويا له من غباء! # إذ في النهاية يتضح السبب في حماس الأكاديمية لتوجيه دعوة ثقافية أنا رئيسها ~~لمصر. # فلقد قامت السلطات المصرية بالقبض على أحد المصريين من أصدقاء الهرميشلر والأكاديمية ~~كان يقيم في ألمانيا الغربية وعاد إلى مصر وبدأ التحقيق معه في التهم المنسوبة إليه، ~~وهنا فقط تحرك الهرميشلر لإنقاذ صديقه، وعرض أن يقيم أسبوعا ثقافيا لمصر في ألمانيا ~~مقابل إطلاق سراح الصديق، هي صفقة إذن لعلها أغرب صفقة في التاريخ، هكذا في النهاية ~~يتضح السبب الحقيقي وراء الدعوة ويتضح سر الحماس ويتبدى للشخصية الألمانية جانب جديد ~~آخر. إني كنت على صواب في اعتقادي أن المسائل لا تبدو طبيعية بالمرة، لقد أحطنا في ~~برلين بذلك التكتم الشديد، فلو تمت زيارة حقيقية ووصلنا إلى مخاطبة الرأي العام هناك ~~والالتقاء مباشرة مع جمهور المثقفين، لو وصل صوتنا فعلا للرأي العام واستطعنا النفاذ ~~من حاجز الكلمة والصوت والصورة وتعدينا لبحر الأكاذيب التي ms136 تروج هنا لغضبت إسرائيل ~~ولثارت ركائزها في ألمانيا، واعتبرت أن ما حدث جريمة ارتكبتها الأكاديمية وارتكبها ~~ميشلر، ولعاقبتهم العقاب الوخيم. وهكذا اتضح بعد آخر للشخصية الألمانية ماركة شيرنجر ~~وشتراوس، وكول ... إنها شخصية لا تقدم على عمل إلا إذا كان يخدم أهدافها أولا وأخيرا، ~~حتى الملايين التي تدفعها لإسرائيل في حقيقة أمرها أولا لصالح ألمانيا، لصالح بقاء ~~التخلف جاثما على أنفاس شرقنا العربي! وحتى ولو كان لصالح اليهود فالموقف الآن يخدم ~~إسرائيل ويخدم ألمانيا الغربية وأمريكا وكل معاقل الرأسمال، والتناقض إن وجد فهو ليس ~~الرئيسي؛ إذ التناقض الأول ما عدا هذا فهو فرعي ولا أهمية خطيرة له. # أجل لقد خرجت من رحلتي إلى اليابان وألمانيا أن «المتعوس» الخطير قد التقى «بخائب ~~الرجا» الأخطر كما نقول في أمثالنا العامية وهو لقاء يا ويل العالم منه. # | المجتمعات الوسط # لشعبنا خاصية غريبة لم أكن أتصورها، كنت أناقش ذات يوم في لندن إخصائيا كبيرا في ~~اختبارات الذكاء بمستشفى «هامر سميث» حيث كان طفل مصري يفحص من إصابة، وحين أجريت عليه ~~اختبارات الذكاء كانت نسبة درجاته أعلى بكثير من المعتاد في هذه السن، حسبت الطفل نابغة أو ~~فلتة، ولكن فوجئت بالإخصائي يقول إن هذا ليس أول طفل من بلادكم أجري له الاختبار، هذا في ~~الواقع الطفل العاشر، وهو ليس أول الحاصلين على هذه النسبة، إنه السابع ... واعتمادا على ~~خبرتي أستطيع أن أقول إن هذه ربما أعلى نسبة للذكاء بين أطفال العالم. # وأحسست بفرحة حقيقية، كان كلامه كالخبر المفرح المفاجئ، وقبل أن أعلق كان هو يهز رأسه ~~آسفا ليقول: ولكن الغريب أن أطفالكم يظلون كذلك إلى حوالي الخامسة ثم تبدأ نسبة ذكائهم في ~~الهبوط، بينما تأخذ نسبة قرنائهم الإنجليز أو غيرهم في الارتفاع بحيث يتفوقون عليهم ~~بمراحل. # وتراجعت فرحتي واحترت، واحتار معي هو الآخر، ولكنا بالنقاش وصلنا إلى ما يمكن أن يكون ~~السبب؛ فحتى هذه السن يكون ذكاء الطفل مستمدا من مخزونه الوراثي من الذكاء، ولكنه بعدها ~~يعتمد ذكاؤه على مدى تفاعل ذكائه الموروث مع بيئته وعلى ms137 مدى أثر البيئة في تنمية الذكاء، ~~تماما كأي عضلة تولد بقوة معينة ولكن قوتها تبدأ تعتمد على التدريب والتمارين التي ~~تزاولها. # أنحن إذن نولد أذكى؟ # هذه حقيقة. # الحقيقة الأخرى لمستها في تجوالي بين حضارات آسيا، كثيرا ما سمعت ذلك التعبير يرن في ~~أذني: ألا تعرف أنك من مصر موطن أول الحضارات؟ # وهذه حقيقة أخرى. # والمسألة أبدا بعد هذا ليست صدفة، وليس معنى زوال الحضارة عن شعب وتسليمها لشعب آخر أنه ~~يرتد إلى الوراء مثلا أو يبدأ يصبح أقل حضارة. إن زوال معالم الحضارة عن البلاد لا يعني ~~أبدا زوالها من الإنسان نفسه، وإذا كان الذكاء المصري هو الذي أحدث في العالم القديم ما ~~يشبه ثورة الصناعة والتكنولوجيا في العصر الحديث باكتشافه لأول ثورة في العالم وأول ~~تكنولوجيا: الزراعة وآلات الزراعة، إذا كان ذكاؤنا هو أول من بدأ يعمل الذكاء البشري، فمعنى ~~هذا أنه الآن أعرق ذكاء وأخصبه وأطوله عمرا. # كل ما في الأمر أن الذكاء كي يصبح فعالا لا يكفي أن يكون صفة موروثة أو مكتسبة، إنما ~~التحضر والتقدم يصنعه الذكاء الجماعي لا التفوق الفردي. # نحن إذن أول «مجتمع» ذكي عرفه الإنسان، كل ما في الأمر أن عمر هذا المجتمع الذكي لم يدم ~~طويلا، وما لبث النظام الذي كان يتيح استثمار الذكاء جماعيا أن توقف عن التطور وانفرط ~~عقده، وأصبحنا ومنذ تلك اللحظة وإلى الآن أفرادا أذكياء تماما في مجتمع لم ينجح في تجميع ~~هذا الذكاء واستثماره، أو بالأصح في مجتمع غبي متخلف، أطفالنا يولدون عباقرة بالقياس إلى ~~أطفال العالم، ومفروض أن يتسلمهم نظام حياة ينمي هذا الذكاء الفردي ويربيه على تكوين مجتمع ~~ذكي يعمل طول الوقت، ويطور نفسه بحيث يستطيع باستمرار أن يستوعب ذكاء أفراده، وبذكائهم ~~الجماعي يحيا ويتقدم وينتج، ولكن لأن عكس هذا ربما هو الذي يحدث، بحيث يجد الفرد الذكي نفسه ~~في حالة صدام مع مجتمع قاصر عن استيعاب ذكائهم، بحيث يتحول بذكائه لخدمة ذاته أو بالأصح ~~الدفاع عن ذاته وهكذا. # ميزة الذكاء الآسيوي # ولم ألمس هذه ms138 الحقيقة الغريبة بقدر ما لمستها في آسيا. # إن الفرد المصري أو العربي أذكى، ولكن ميزة الذكاء الآسيوي المتوسط أنه موجود في ~~مجتمع ذكي، مجتمع يعرف قيمة الذكاء، ويهيئ له كل السبب ويعرف كيف يخلق النظام الذي يتيح ~~لأذكياء كثيرين أن يعملوا معا؛ أن يحدث هذا التعاون الذكائي الكامل، ذلك الذي يصنع في ~~الحقيقة أي حضارة أو صناعة أو حتى فن، وبالتالي يصنع الإنسان ويدربه ليكون أذكى، بحيث ~~يعوض بالإرادة ما افتقده بالوراثة، بحيث يصبح ذكاء المرء محسوبا له، وليس كالحال هنا ~~محسوبا عليه، بحيث يكتشف في كل فرد مكمن طاقته وتفرده وقدراته، وفي مكانها الصحيح ~~يجيد استخدامها. ~~••• # ذلك في رأيي سر أي مجتمع ناجح، سر أي تقدم علمي أو صناعي أو حضاري أو ثقافي وفني، ~~خاصة ونحن لم نعد في عصر الفلتات الفردية، نحن في عصر المجتمعات الذكية، وكما بدأ ~~العالم ينقسم إلى أغنياء وفقراء، فكذلك بدأ ينقسم إلى مجتمعات أذكى ومجتمعات أقل ذكاء ~~أو أغبى، والهوة بينهما أيضا تتسع؛ فالذكاء ثروة ذكاء، حتى القوة الفيصل فيها هو ~~الذكاء، والجيش الأقوى اليوم هو الجيش الأذكى. # بل إن التعليم ذاته لا يحل المشكلة. # وجيش الفيتناميين مكون من فلاحين بعضهم أمي، ومع ذلك ولأنه الأذكى فإن فرق الجيش ~~الأمريكي الأكثر تعليما تتساقط في كمائنه كما يتساقط الذباب. # ولكن الذكاء وحده ليس كل شيء ... # فبجانب الذكاء لا بد من أشياء أخرى. # فلكي تلوي عنق التاريخ لا بد من عمل شاق. # والتصدي للعمل الشاق طموح إنساني مشروع. # ولكن الطموح في حاجة إلى قوة وقدرة ورصيد. ~~••• # أنا لم أكن بالطبع أنوي اكتشاف قارة، أو حتى اكتشاف طريقة مختلفة للحياة، كان كل ~~طموحي أن أنجح في اكتشاف سر الإنسان يلوي عنق التاريخ ويقاوم، والأنظمة في آسيا تختلف ~~من الشيوعية - وهي في قمتها في الصين مثلا - إلى الرأسمالية في أوجها في اليابان، ولكن ~~مقاومة الإنسان لا ترتبط بالنظام الذي يعيش في ظله؛ إذ إنه إذا أراد المقاومة يقاوم ~~سواء قاوم النظام الذي يحيا في ظله ليعيش أو ms139 تضامن مع النظام ليقاوم شرا خارجيا ~~يهدد بقاءه، إن الأصل من الإنسان، صحيح أن للنظام الأثر الأكبر في نتيجة مقاومته، ولكن ~~ما فائدة النظام إذا قاوم الإنسان وحده بلا إنسان؟ # الأصل هو الإنسان. # وآسيا بلاد شاسعة وأهلها كثيرون ، وليس كل شعب فيها يلوي عنق التاريخ ويقاوم، ويعيش كل ~~نظام فيها متحالف مع الإنسان في مقاومته. # ولكن الشيء الذي لا يمكن إنكاره أن المقاومة هناك معدية، وأنها تتكاثر، وأنها خطيرة ~~إلى درجة أننا سنجد أمريكا بعد قليل إذا أرادت أن تستمر تعمل ضد الإنسان الآسيوي فعليها ~~أن تجند الشعب الأمريكي كله وتسخر إمكانياتها الصناعية كلها وترصد كل مخزونها من ~~الرأسمال. # والإنسان لا يولد يقاوم، إنه يولد كالصفحة البيضاء التي يتولى المجتمع ملأها ~~بالمضمون، وحسب المجتمع يصبح الإنسان، فإذا ولد في مجتمع يقاوم نشأ مقاوما، وإذا ولد ~~في مجتمع راضخ نشأ كذلك، المجتمع القوي المقاوم إذن هو ذلك الذي يستطيع أن يصنع من ~~أفراده مجتمعا قويا مقاوما مثلما يصنع المجتمع الذكي بأذكيائه. # وهذا هو سر آسيا الأكبر! إنها قارة المجتمعات، مجتمعات متباينة متأرجحة بين القمة ~~والسفح ولكنها باستمرار، حتى التفرد والفردية ليست وليدة انفصال عن المجتمع بقدر ما هي ~~وليدة استخدام واستعمال لهذا المجتمع. # وإنسانها جاد لأن مجتمعاتها جادة. # والهند خير مثال على هذا. # فالهند ليست دولة واحدة، إنها قارة بمفردها، وليس هناك ما يمكن أن يسمى بالمجتمع ~~الهندي، فهو مجتمع مكون من عديد من المجتمعات، كل لغة تكون مجتمعا، كل دين يكون آخر، ~~كل طائفة، كل وحدة جغرافية، كل درجة من درجات الفقر أو الغنى. إن الهند على عكسنا ~~تماما هنا، فإذا كان مجتمعنا ومجتمع التوحد والتوحيد، فمجتمع الهند هو مجتمع التعدد ~~والاختلاف. # وقد يظن البعض أن التعدد يؤدي إلى مجتمع ضعيف، وأن التوحيد يؤدي إلى مجتمع واحد قوي، ~~ربما العكس هو الصحيح؛ إن التوحيد التام يؤدي إلى فقدان الخصائص المتفردة، نفس الخصائص ~~التي يؤدي وجودها وتأكيدها إلى قوة المجتمع الأكبر، في حين أن إلغاءها في سبيل التوحيد ~~يؤدي إلى طمس ms140 معالم التفرد والامتياز، وبالتالي إلى وحدة كوحدة المتشابهين، كوحدة ~~الأصفار. ~~••• # ولهذا فالمجتمع الذكي لا بد أن يكون نابعا من وحدات أصغر ومن مجتمعات صغيرة كثيرة ~~ذكية، كذلك المجتمع المقاوم هو أيضا مكون من مجتمعات كثيرة صغيرة مقاومة. # ودائما يكمن عيب أي مجتمع في هذه النقطة البسيطة المحددة. # تلك المجتمعات الصغيرة التي منها ينشأ الفرد الواحد ومنها أيضا وبتلاحمها ينشأ ~~المجتمع الكبير. # وهنا في بلادنا تستطيع أن تضع يديك على الداء بسهولة، في قرانا نحن نكون المجتمعات ~~الصغرى هذه وننشأ منها، وبها ننشئ المجتمع الأكبر. # كذلك كانت مدننا في العصور الوسطى مكونة من أزقة وحوار تكون حيا، والأحياء مدينة، ~~والمدن تكون دولة، في العصر الحديث وحين حدثت الهجرة الهائلة من القرية إلى المدينة، ~~ومن الزراعة والتجارة إلى الصناعة، فقد إنساننا القادم قدرته على تكوين المجتمعات ~~الأصغر، امتلأت مدننا بآلاف العائلات أو حتى الأفراد الذين لا يربطهم رابط ولا يسألون ~~أمام مجموعة ولا يحسون بالانتماء، ومن السهل أن يبدأ الإنسان يفقد كثيرا من خصائصه ~~الأصلية حين ينفرط عقده ويصبح وحده يفكر، ووحده يصنع لنفسه القيم التي تلائمه. إن من ~~يفقد الانتماء يفقد الأصالة، والفرد حين يفقد خصائص مجتمعه الأصغر يفقد تماما خصائص ~~المجتمع الأكبر. # هكذا نشأ لدينا المجتمع الغريب الفريد من نوعه، المكون من أفراد لا يجمعهم إلا العمل ~~مرة، أو القهوة، أو أحيانا السكن في مكان واحد. # ينجبون أبناء، ينشئون أفرادا هم الآخرون ... والنتيجة أن الكتلة بدلا من أن تكون ~~بناء قويا تتفتت وتتسطح، ويصبح في مكان البناء سطح من الرمال الصغيرة المتراكمة، بل ~~حتى الأشكال الحديثة للمجتمع مثل النقابات والنوادي والجمعيات نشأت في ظل الاستعمار، ~~لوثها عن عمد، وأخمد فيها الروح، وتحولت من مجتمعات جديدة مفروض أن تكون فيها الروح، ~~وتحولت من مجتمعات جديدة مفروض أن تكون أداة الوجود والمقاومة، إلى أشكال من التجمع ~~وظيفتها كبح جماح أفرادها واحتوائهم وتقييد حركتهم وشلها ليس إلا. # الداء واضح وظاهر # الداء واضح وظاهر، لا يمكن أن يوجد شعب وحدته الفرد، إن الشعب ليوجد ms141 - أي الشعب - ~~وحدته مجتمع أصغر، وما لم يكن أفراده منظمين بطريقة أو بأخرى في هذه المجتمعات الأصغر، ~~فالنتيجة أن شعبا كهذا ممكن أن يكون تعداده مائة مليون، في حين أن حاصل قوته تقل بكثير ~~جدا عن مجموعه، بينما شعب آخر تعداده عشرة ملايين من الأفراد يكونون مجتمعاتهم ~~المختارة الأصغر لتكون بدورها المجتمع الواحد الأكبر، تكون حاصل قوته أكثر بكثير جدا ~~من الملايين العشرة؛ فالعمل كمجتمع لا تكون نتيجته حاصل جمع مجهودات أفراده، ولكن العمل ~~كجماعة يكاد يكون حاصل ضرب مجهود الواحد في الآخرين، وليس حاصل جمع أو أحيانا قسمة، ~~الداء واضح وظاهر. الدولة من المجتمعات الأخرى نشأت كظاهرة اجتماعية لتنظيم العلاقة بين ~~المجتمعات الأصغر، الدولة عندما نشأت من الخارج، من المستعمر، من أصول لا علاقة لها ~~بالشعب أو وحداته، نشأت لتفتت الشعب في الحقيقة وتكبته. # إن الروتين والقوانين واللوائح التي تحفل بها حياتنا ولا يوجد لها نظير في أي بلاد ~~أخرى سببه أن الدول جاءت أجنبية، كما كان العرض أجنبيا. إنها تعامل الشعب كما لو كان ~~عصابة من اللصوص وقطاع الطرق. # وقد كان هدفها على الدوام أيضا أن تحول بين الشعب وبين تحوله إلى مجتمع، أي تحول دون ~~قيام التنظيم والمجتمعات الأصغر، ليبقى الفرد من أبناء الشعب وحده بمفرده أمام جهاز ~~الدولة الرهيب. # كيف بإمكان مجتمع كهذا أن تنفجر طاقاته ويعمل وينتج وينمو، والدولة تتولى بتر أي صلات ~~تنشأ داخله لتحوله إلى جسد حي كبير منتج، وتضع ما شاء لها من قوانين كلها ليس فيها ~~قانون واحد يحمي المواطنين، إنما كلها قوانين لحماية العقار أو الأرض أو الملكية أو ~~السيادة، كلها قوانين ليس هدفها فقط تفتيت الشعب، إنما أيضا إحالة أفراده إلى عبيد ~~فرادى؟ # ولكن تلك قصة أخرى. ms142