######OpenITI# #META# URI: 1412YusufIdris.Naddaha.Hindawi61463816 #META# Tags: literature #META# ID: 61463816 #META# Title: النَّدَّاهة‎ #META# AuthorID: 95064085 #META# Author: يوسف إدريس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # النداهة‏ # مسحوق الهمس‏ # ما خفي أعظم‏ # المرتبة المقعرة‏ # معجزة العصر‏ # النقطة‏ # العملية الكبرى‏ # دستور ... يا سيدة‏ # النداهة‏ # مسحوق الهمس‏ # ما خفي أعظم‏ # المرتبة المقعرة‏ # معجزة العصر‏ # النقطة‏ # العملية الكبرى‏ # دستور ... يا سيدة‏ # | النداهة # | النداهة # تأليف # يوسف إدريس # | النداهة # حين دفع «حامد» الباب، وفوجئ بالمشهد الهائل المروع مات، بالضبط مات؛ ~~وجد نفسه فجأة قد سكنت فيه كل خلجة أو حركة أو فكرة، ولم يعد يرى أو ~~يسمع أو يشعر، والدنيا من حوله هي الأخرى سكنت تماما، وماتت، وانتهى ~~كل شيء. # كانت «فتحية» زوجته راقدة على أرض الغرفة، والولد الصغير ملتصق ~~برأسها العاري ينتحب مرعوبا وهو يجذب شعرها بشدة، بينما هي عارية ~~الرأس، عارية الساقين والفخذين، عارية كلها أو تكاد، وفوقها يرقد ~~أفندي بجاكتة وبلا بنطلون أو سروال، وإنما مؤخرته العالية قد ذابت في ~~عري «فتحية» وانتهى الأمر. # مشهد صامت، غارق في ظلام الظهر الذي اعتاد الحجرة واعتادته، لا ~~صوت فيه ولا صراخ ولا مقاومة. الصوت التالي تماما، وكأنه جاء بعد عام، ~~كان صوت شهقة، شهقة بشعة هائلة البشاعة، شديدة اللهفة، مشحونة بالذعر ~~والدهشة والرعب، شهقة كأنها صادرة عن كل الجسد بأقوى ما يستطيعه من ~~استنكار: حامد! # شهقة انتفض لها الطفل خائفا، وراح بأعلى ما يستطيعه من صراخ يبكي، ~~ومع هذا فلم يعد أحد يسمع صراخه؛ إذ أخذ كل شيء يشحب ويصفر ويبيض، حتى ~~الظلام، أبيض وعاد مثله مثل كل شيء في الحجرة أو البيت أو الدنيا كلها ~~إلى مواته، وظل ميتا وكأنما لعام آخر، إلى أن عادت الحركة إلى الحجرة، ~~وكان أول من تحرك فيها هو الأفندي، إذ في قفزة واحدة كان قد رفع ~~بنطلونه، وأصبح خارج الحجرة، وفي القفزة التالية كان البنطلون في مكانه ~~المعتاد، وكان هو خارج البيت! # وحينئذ فقط تحرك «حامد»؛ لأن الحياة حين عادت لم تعد لعقله، إنما ~~عادت فقط لأقدامه، فإنه وجد نفسه يقفز هو الآخر، وقد أودع القفز كل ~~حياته، قفزة حملته خارج الحجرة، وفي القفزة الثانية كان قد أصبح مثل ~~الأفندي خارج البيت، ولكنه ms001 وصل متأخرا قفزة. # وهكذا حين وصل إلى الشارع كان «الأفندي» الواحد قد أصبح عشرة، أو ~~عشرين، كلهم بجاكتات، وكلهم ذوو مؤخرات تغطيها البنطلونات، ومعظمهم ~~يمشون بأسرع من الجري، وأوسع من القفز، وكل منهم في اتجاه! # في تلك اللحظة - فقط - كانت الحياة قد عادت لعقل «حامد» وأفكاره، ~~وأحس - من أول وهلة - أنه لم ينطلق في أثر الأفندي إلا لأنه انطلق، ~~ولأنه كان عليه أن يقفز خلفه؛ فمنذ الثواني الأولى وهو يعرف أن هدفه ~~ليس الأفندي أبدا - ولا أي أفندي - ولا في الشارع كله، أو حتى المدينة ~~بأسرها، هدفه في حجرته، في زوجته، بل يكاد يكون في ذلك الجزء منها ~~الذي طالما عمر بيوتا وخرب بيوتا، واقتتل من أجله الناس، جنة ~~الخلق وجحيمها ومثواها. # وهكذا استدار، هذه المرة لم يقفز فقط استدار، ورفع قدمه بادئا ~~خطواته، وكاد يبقيها في الهواء معلقة؛ فعقله والحياة حديثة العودة ~~إليه يأبى أن يعمل إلا كما يعمل عقل طفل صغير واجهته مشكلة، ومشكلته ~~هذه اللحظة أنه خائف، بل مرعوب تماما. إن هدفه هو أن يعود إلى بيته - ~~الحجرة - هذا صحيح، ولكن ليس في كيانه كله ذرة رغبة واحدة في العودة، ~~كيف يعود ليواجه زوجة نصفها الأسفل عار؟ جسدها مبطط لا يزال يحمل آثار ~~كتلة الأفندي وبهيميته؟ أي إنسان في الدنيا، أي زوج يمكن أن تطيعه ~~قدمه ليخطو بها تجاه مشهد كهذا؟ # ولكن، لأن رعبه هذه المرة هو الذي يحركه للعودة، لحظة فيها ألف ~~لحظة! أقواها وأقساها جميعا لحظة غدر أحس فيها أنه أخذ غدرا. لم ~~تغدر به «فتحية» فقط أو الأفندي، ولكن الدنيا كلها بأرضها وسمائها ~~أخذته غدرا. وحينما تغدر بنا الدنيا ونحن صغار، فإننا نلجأ لأمهاتنا ~~لنجد في أحضانهن ما يعيد إلينا الثقة في الوجود، وإذا غدرت بنا وكنا ~~كبارا سارعنا إلى زوجاتنا ليؤدين لنا نفس المهمة، فإذا كان الغدر هذه ~~المرة مصدره الأم - ذاتها - أو الزوجة، فويلك يا «حامد»! حينئذ وأنت ~~مشدود مصلوب ممزق بين رغبتك أن تفر من «فتحية»، ومن الدنيا كلها فلا ~~تعود ms002 تراها أبدا، ورغبتك في أن تسرع بأقصى ما تقدر وترتمي في أحضانها ~~وتشكو إليها، حتى لو كانت هي المشكو منها، رغبتك أن تستجير بها من ~~الدنيا لتجد أن الأولى أن تستجير بالدنيا منها، بما هو أبشع ~~منها. # أجل! أحس «حامد» أن «فتحية» امرأته، زوجته نصفه الأنثى، تلك التي ~~كان يعرفها كما يعرف ويضمن يده ورجولته وشهامته، «فتحية» قد تحولت، بل ~~انتفض منها كائن غريب مرعب كأنما سخطت وحشا راوغه، ثم نهشه من ظهره ~~وهو آمن مسلم مستسلم، وحش من فرط رعبه منه لا يجد ملجأ آخر سواه. ولو ~~كان «حامد» قد قتلها في تلك اللحظة - وفكرة القتل نبتت منذ أول ثانية ~~عاد إليه فيها عقله، بل ربما قبل عودة عقله، ورغم أي شيء آخر ظلت ~~تدور في رأسه منفصلة تماما، تعمل عملها باستمرار، ولا يريد أن تفارقه ~~أو يفارقها لحظة - لو كان قد قتلها في تلك اللحظة بالذات لكان قد فعل ~~هذا ليس لأنها خانته أو انتقاما لشرفه المهدر، أبدا، لا بدافع الغضب ~~أو الجنون أو الحنق، إنما ومعها جميعا - بل وفي أحيان قبلها بكثير - ~~بدافع الرعب المروع منها، كأنما هي قد استحالت في نظره إلى غول أو حية ~~رقطاء تقتلها قبل أن تقتلك، تقتلها ليس دفاعا عن شرفك، وإنما دفاعا ~~عن نفسك أولا، كتما لأنفاس ذلك الوحش الذي غافلك ونهشك وخانك، ~~ومن يخونك يقتلك، ومن يقتلك لا مأمن لك إلا بقتله، بل أحيانا ما هو ~~أكثر! أحيانا يصبح الإحساس الممض القاتل أن شيئا في الكون قد اختل، ~~ولا نجاة إلا بوأد الخلل في مكانه ولحظته. إن شيئا حدث لذمة الدنيا ~~والعالم، وملكوت السماء والأرض، فخربت، ثقبت فجأة، وما لم نسارع بسد ~~الثقوب لفغرت الأبدية فاها، وابتلعتك أنت والكون الخرب. # كان مرعوبا حقا! حتى لقد بدأ يرتجف وتصطك أسنانه، ويحس أكثر وأكثر ~~بالطعنة القاتلة. ثمة سكين صوبت بيد تعرف تماما خباياه وأسراره، ~~وأصابت فيه أعز ما في داخله. ألم الطعنة لا يزال لا يحسه، فالسكين ما ~~تزال سارقاه. إن ما ms003 يحسه هو الثقب العميق الغائر الذي خلفته الطعنة، ~~والذي كلما حدق فيه داخ وأحس أن في أعماق هذا الجرح نهايته. بغموض ~~ودوشة وازدحام كان يحس بأن حادثا خطيرا وقع داخله، وبالضبط حين وقف ~~على عتبة الباب المفتوح. # وكانت «فتحية» قد قفزت قفزتها الأولى، وأحست وهي تفعل وكأن آلافا من ~~قطع الزجاج المكسور تستجمع نفسها، وتتشكل وتقفز، قفزة لم تفلح في رفع ~~جسدها، إنما فقط استطاعت بالكاد رفع يدها، والإمساك برأس السرير الضيق ~~المنخفض. ولقد أرادت بالقفزة الثانية أن تجري مغادرة الغرفة، أو تقف، ~~أو حتى تجلس، أو بالقليل تجلب ثيابها وتغطي ما تعرى من جسدها، وهو كل ~~ما استطاعت - دون ما أرادته جميعا - أن تفعله؛ إذ كان «حامد» قد وصل ~~إلى العتبة، ووقف ممسكا بكالون الباب ينظر أول ما ينظر إلى الطفل ~~الذي كان قد سكت، وانطرح أرضا، وبدا أنه نام، أو يغالبه ~~النوم. # هو واقف ممسك بالكالون، وهي ممددة مفتوحة الساقين مبعثرة الجسد ~~تستنجد برأس السرير ممسكة به، وهو ينظر إلى الطفل، وكأنما قد أصبح ~~أهم شيء عنده، وهي تتجه بوجهها إلى السقف، ولكنها لا ترى إلا عيني ~~«حامد». هو ليس في عقله، مشهد واحد لم ير منذ أن عادت إليه القدرة على ~~الرؤية سواه، وكأنما انطبع في عقله، وأبى أن يزول، مشهد مؤخرة الأفندي ~~العارية وعري «فتحية»، وقد اندمجا في كتلة بيضاء واحدة، وهي ليس في ~~عقلها إلا نظرة «حامد» - أول وآخر نظرة تراها منه - لحظة اكتشاف حضوره، نظرة قد استحالت في رأسها إلى كابوس لا يرحم تكاد تصرخ من هوله ~~مستنجدة، ولكن قوة قادرة قاهرة تخرس صرخاتها وتكتمها. كابوس ترى فيه ~~عيني «حامد»، وقد استحالتا إلى سيخين من حديد محمي إلى درجة تطاير ~~الشرر تقتربان بسرعة ثابتة مستمرة من عينيها الاثنتين، وحالا وحتما ~~هما مخترقتاهما. # كل الفارق بينهما أن «حامد» - كما هي العادة دائما - مطالب أن يكون ~~صاحب البادرة الأولى. أجل لا بد رغم كل الفجيعة والموت والرعب والطعنة ~~والتأمل أن يعمل شيئا، ويعمله حالا، وفي التو ms004 ؛ إذ إن أي تأخر يفسده ~~ويلغيه ويقضي عليه. وهي خلاص وصل كل شيء إلى منتهاه، ووقع المحظور ~~الذي كانت تخشاه وطول عمرها تخشاه، ولم يبق سوى العقاب، ما أجمل أن ~~يسرع به «حامد»! فكل إبطاء منه يهدد بأن يمضي بها التفكير، فتتأمل ما ~~كان وما حدث! وأبشع عقاب في الدنيا أهون ألف مرة من أن تعود مرة أخرى ~~لتفكر أو تتأمل أو تستعيد ما حدث. # كانت فكرة القتل قد دفعت نفسها من قاع عقله إلى سطحه، كبيرة الآن ~~مكتملة لا يمكن تجاهلها. لو قتلها فأقصى ما سيناله من عقاب هو الحبس ~~سنة، أو ربما أقل، أو يقولون براءة، فهل يقتلها الآن؟ # هل يتناول عصاه التي كان يسميها «الزقلة» من تحت السرير، وينهال بها ~~عليها حتى يتطاير مخها قطعا؟ # هل يفعلها الآن؟ الآن؟ أو يستجوبها؟ أو لا يقتلها أبدا؟ السؤال ~~رهيب مستمر دائر لا يتوقف في خواطره أبدا. # والشيء الذي كان يغيظه ويكاد يكتم أنفاسه حقا أن انفعالته ~~المحيية المميتة الصاعقة الأولى قد مرت، وأنه الآن في لحظة أخرى، لحظة ~~لا يرى فيها إلا المشهد الذي تسمر عنده بصره لا يريد أن يبرحه، ~~بينما عقله يقلب فكرة القتل مغيظا؛ فقد كان القتل يبدو هنا شيئا لا ~~يمت إلى اللحظة أو المشكلة أو الموضوع أو المشهد الدائر في عقله ولا ~~علاقة له به، وليس الحل الهدف ولا ما يريده تماما، كيانه كله في واد ~~آخر مشغول بما هو أهم وأخطر، والقتل يبدو شيئا خارج الصورة تماما كما ~~لو كان يواجه خطر قطار السكة الحديد وهو قادم يريد أن يسحقه، وعقله ~~مشغول بتقليب فكرة الدواء الذي وصفه له حكيم المستوصف، وهل الأجدى ~~أن يأخذه قبل الأكل أو بعده؟ الآن لا يريد لها أن تموت، وهو قطعا لا ~~يريد لها أن تحيا، وليست مشكلته أبدا أن تحيا أو تموت، أو حتى كل هذا ~~الطوفان من الأحداث الذي داهمه منذ دفع الباب وفتحه، مشكلته الحادة ~~الملحة في نفسه في هذا الجرح الغائر العميق الذي لا ms005 قاع له، في هذا ~~النزف الهادر الذي انهمر داخله، ولا يزال متزايدا متعاظما يقربه ~~في سرعة رهيبة من النهاية، نهايته؛ إذ ها هو ذا يراها تقترب ~~اقترابا حثيثا مرعبا، حتى ليجعله يحس أنه في اللحظة التالية تماما ~~سيموت، وينتهي «حامد» الذي يعرفه ينتهي تماما نهاية مفاجئة غادرة، ~~تتربص له وراء اللحظة التالية، بينما عقله الهايف الغبي لا يريد أن ~~يتزحزح قيد أنملة عن فكرة هل يقتلها أو يؤخر القتل إلى ما بعد ~~الاعتراف؟ وهو يعلم تماما أنه غير قادر الآن على قتل بعوضة، وبعد غمضة ~~عين لن يكون قادرا على أي شيء بالمرة؛ إذ سيكون بمثل هذه السرعة ~~المروعة التي يمضي بها قد انتهى. # الغريب أن النهاية نفسها هي المسألة التي كانت مستولية على عقل ~~«فتحية» تماما في هذا الوقت بالذات، ولكنها نهاية لا رعب فيها، ولا ~~خوف متزايد من خطر ساحق ماحق يقترب في سرعة خرافية، نهاية لا تخاف ~~منها وتقشعر وترتجف مثلما كان يحدث ل «حامد»، بالعكس! هي هنا تطلبها ~~وتريدها وتتمناها، والمهم أن تأتي حالا، حتى تجهز عليها قبل أن يمتد ~~الوقت ومضة أخرى، وتجد نفسها مضطرة أن تفكر، وبالذات أن تعود ترى نفس ~~النظرة في عيني «حامد». وبمثل ما كان «حامد» يتشبث تشبث المستميت ليمسك ~~بآخر أهداب الحياة، حتى لا تفلت منه قبل أن يستمر في مواجهة الموقف، ~~فهي بكل إرادة الحياة فيها كانت تتمنى أن تنتهي هذه الحياة وتموت قبل ~~أن يحدث أي شيء آخر. # إما الموت الداهم السريع، وإما أن تحدث المعجزة - أجل المعجزة - ~~وتمحو كل ما حدث، وكأنما تمسحه ب «أستيكة»، وكأنه ما حدث، وتعود الحياة ~~إلى مثل ما كانت عليه قبل ساعة، أو بالدقة قبل شهر، لا بل لا بد أن ~~تعود كما كانت من خمسة أعوام مضت، بل حبذا لو عادت إلى العمر الذي ~~بدأت فيه تعي وتهتف لها الهواتف. إنها على استعداد لأن تملأ بحر النيل ~~دمعا، مستعدة أن تظل تبكي وتستغفر من يومنا هذا إلى يوم القيامة في ~~مقابل ms006 ليس حتى أن يغفر لها الله، ولا أن يمحو تماما كل ما حدث، وإنما ~~في مقابل أن يجعلها تعيش و«حامد» ليوم واحد، بل لساعة واحدة، بل ~~للحظة واحدة، واحدة يا رب، وكأن شيئا مما حدث لم يحدث. ولكن المؤلم، ~~المؤلم ألما لا يحتمله بشر أن شيئا مما تتمنى لن يكون، وأن السهم ~~قد نفذ، وأن ما حدث كان وانتهى وقضى القضاء؛ فالمصيبة الكبرى أن هذا ~~الذي كان ودار ليس غريبا عليها، فلقد شاهدته بعيني رأسها، كله، ~~يحدث طوال الأعوام الخمسة الماضية، وبالذات طوال العام الكئيب الماضي، ~~والفكرة تراودها وتطاردها، والهاتف يهتف بها، ونفس هذا المشهد الذي ~~دار بنفس تفاصيله الدقيقة، صحيح لم يكن نفس الأفندي، ولكنه أفندي، ~~وبنطلون مخلوع، ورقدة، والباب يدفع ويدخل «حامد»، كله بالضبط رأته، ~~وكانت متأكدة تماما أنه سيحدث؛ ولهذا هي تعيش هذا كله كما تعيش الحادث ~~المعاد، وكأنه جرى قبل هذا مرة، بل ربما جرى مرات، لم يحدث شيء واحد ~~غريب عنها، أو عما كان في رأسها وما رأته لسنين، بل إن هذا الأفندي ~~كان دائم التربص لها، وأيضا يترقبها في حقل مشغولياتها اليومية ~~الكثيف. فجأة والطفل على صدرها ترضعه، والآخر فوق كتفها ينهش شعرها ~~طلبا للطعام، والطعام على النار، ويداها مشغولتان بطهوه، وعقلها مشغول ~~بتدبير كساء الشتاء ومطالب رمضان، فجأة يخرج لها الأفندي عاريا إلى ~~منتصفه! باركا فجأة فوقها، حتى لتموت رعبا، وفي اللحظة التالية ~~تماما يفتح الباب، ويقف «حامد» على عتبته، تماما مثلما وقف، ويتم كل ~~شيء مثلما تم الآن كل شيء. # أتكون شيخة؟ أفي أعماقها التي أصبحت نجسة مدنسة ترقد قديسة مكشوف ~~عنها الحجاب، ترى المستقبل؟ # وإذا لم يكن الأمر كذلك، فكيف تم هذا كما رأته مرارا وعاشته؟ # إنه لأمر فوق قدرتها على التفكير والفهم. إنه لشيء يتوه فيه العقل، ~~وقد تاه فيه عقلها وضل، حتى تاه عن تحديد ذنبها إن كانت مذنبة؛ فقد ~~كانت تؤكد لنفسها إذا هتف بها الهاتف، وارتسمت الصورة أنها بجماع نفسها ~~ستقاوم وستموت حتما قبل أن يستطيع - إنسيا ms007 كان أو أفنديا - أن ~~يلمسها. ومع أن الهاتف نفسه كان يؤكد لها أن مقاومتها لن تفلح، وأنها ~~حتما ولا بد في النهاية سترضى وتستسلم، بحيث تقع الكارثة ويكون ~~المقدر، إلا أنها كانت تقاوم وسوسة الهاتف نفسها وتقسم، وتموت غيظا ~~مؤكدة لنفسها أن شيئا مما يقوله لن يكون، ليعود الهاتف يؤكد لها أنه ~~حتما سيكون، برضاها أو بعدم رضاها سيكون، بل هو كائن وحادث فعلا، ~~ودائم الحدوث، إن هي إلا لحظة يغيب عقلها في أدغال مطالب حياتهم ~~ومشاكلها لتفاجأ - كمجيء يوم القيامة - بالأفندي يخرج لها عاليا ~~لترتجف منه وترتعش ارتعاش ستنا مريم، وتقع لها الواقعة! # إنها لم تكن معتوهة أو ذات لوثة، وليس في سيرها أو سلوكها ما يخدش. ~~إنها بنت طيبة من بنات ريفنا ذات عقل راجح، نفس العقل الذي جعلها ~~تفضل «حامد» على «مصطفى»، مع أن «مصطفى» خفير نظامي ماهيته مضمونة، ~~خمسة جنيهات وتسعون قرشا، ويزرع نصف فدان أيضا، وله «عجلة»، بينما ~~«حامد» ليس «حيلته اللضى» وأكبر من «مصطفى» في العمر بخمسة أعوام على ~~الأقل، وأسمر غامق السمرة، ولكنها تظلم عقلها أي ظلم إذا قالت إنه هو ~~الذي اختار، فمن وراء عقلها كان دائما أصبع يشير، أصبع ضبابي غامض ~~يكاد يهمس لها ويصر ويطالبها أن تأخذ «حامد»، وتترك «مصطفى»؛ ف «حامد» ~~يعمل في مصر، وهي على يقين دائم أن حياتها في بلدهم محدودة، وأنها ~~حتما بطريقة أو بأخرى سيكتب لها أن تعيش في مصر، ذلك المكان الرائع ~~الواسع «أم الدنيا» الفخم الفاخر الذي يجلو الصدأ عن الجلد، ويحيل ~~من يعيشون فيه إلى «سنايير». ألم تعد منها «فاطمة» بنت خالتها التي ~~كانت تعمل «خادمة»، وهي كالخواجات بالكاد استطاعت أن تتعرف عليها وهي ~~هابطة من القطار بالفستان والشنطة؟ فما بالك وهي لن تكون «خادمة»، ~~وإنما زوجة وزوجة لبواب يسكن في عمارة أعلى من السماء من عشرة ~~طوابق؟ # يا لله! إن الهاتف الذي يهتف بها، ويؤكد أن مقامها سيكون في القاهرة ~~عنده حق، فهي - كما يؤكد لها الكل - ليست مخلوقة لتنغرز من ms008 طلعة الشمس ~~إلى مغيبها في الطين. إن جسدها الأبيض الناصع البياض مخلوق للبندر، ~~وحلاوتها من حلاوة مصر؛ فبمقاييس القرية كانت «فتحية» حلوة، بل من أحلى ~~البنات؛ فقد كانت بيضاء وكأنها ابنة أحد الأغنياء؛ إذ الأغنياء وحدهم ~~هم البيض، بيضاء طويلة نحيفة هذا صحيح، ولكنها نحافة سببها الزيت ~~والأذرة، غدا حين تأكل العيش الخاص الغلة، وتغمس بالسمن «ستسمن». ~~مقامها لا بد في مصر، هكذا راح يؤكد لها هاتف، والغريب أنه لم يكن من ~~خارجها، وإنما من داخل نفسها ذاتها كان يوسوس ويهتف. هناك تقيم حيث ~~الشوارع الواسعة الحلوة النظيفة التي تنام على أسفلتها دون أن تعلق بك ~~ذرة تراب واحدة؛ حيث النور الكثير البراق في الليل يحيل الظلام إلى ~~نهار ساطع، بل إلى ما هو أحلى وأروع من النهار الساطع. هناك حيث ~~الستات حلوين وكأنهن من أوروبا، والرجال حمر الوجوه أغنياء يركبون ~~العربات، ويصرفون بالجنيه الكامل في اليوم الواحد دون أن يحسوا والنقود ~~تغادر جيوبهم بلذعة الحسرة. هناك حيث الطعام الكثير والكباب والروائح ~~الحلوة واللوكاندات وبحر النيل الأعظم، حيث يبدأ النيل وينبع. # هناك في تلك الجنة سيكون مقامها، هكذا كان يؤكد لها الهاتف الخفي ~~باستمرار، ولهذا لم تعجب أبدا والأمور ترتب نفسها و«حامد» يتقدم لها ~~وأهلها يترددون، ولكنها هي التي تتحمس وتوافق. # وبعد أسبوع واحد تسافر، وتصبح أخيرا وكما حلمت ألف مرة ومرة في قلب ~~مصر، وفي العمارة التي طالما حاولت تصور أدوارها العشرة، صحيح أن ~~مقامها لم يكن في دور منها، وإنما في حجرة «حامد» التي بناها له صاحب ~~البيت على عجل تحت «السلم»، بناها بتحريض من زوجته على أمل أن يجدوا في ~~زوجة «حامد» حين يتزوج «خادمة» تحل لهم مشكلة الخدم. # ولكن معلهش، الحجرة فسيحة رغم كل شيء، وفيها سرير بمرتبة حقيقية، ~~ودولاب صغير، وتضاء بالكهرباء، واللمبة لها «زر» تدوس عليه هكذا، فإذا ~~ب «تك» ويغمر النور الوهاج الحجرة. # وصحيح أن «فتحية» الحلوة في قريتهم بدت غريبة في القاهرة، وبدت لسكان ~~العمارة كعروس من مسرح العرائس؛ فقد كانت بيضاء ms009 طويلة، هذا حقيقي، ~~وملامحها جميلة في حد ذاتها، عيناها جميلتان وأنفها صغير جميل، لا يمكن ~~أن يكون أنف فلاحة، وفمها دقيق بالضبط كخاتم سليمان، ولكن المشكلة أن ~~ملامحها تلك تبدو غير مناسبة مطلقا لقامتها ولحجمها، وكأنها وجه طفلة ~~صغيرة ورأسها قد ركبا لامرأة، أو كأن الرأس قد صغر بطريقة ما ووضع فوق ~~جسد عادي. # ولكن المهم أن «حامد» راق مزاجه، وانقلب من «الكلب الكشر» الذي ~~يعوي طول النهار ويصيح، إلى إنسان مرح ضاحك كالنحلة، صاعد هابط، واقف ~~قاعد، يحيي، ويوصل، ويلبي الطلبات. # أما «فتحية» فقد قبعت في مكانها المواجه للباب من الحجرة ترقب المدخل ~~العريض الواسع، والباب الضخم الزجاجي، باب العمارة، ترقب مصر، أو ~~بالضبط ذلك القطاع من الشارع المواجه الذي يكون «مصر» في ~~نظرها. # قبعت منكمشة على نفسها تتفرج وهي لا تزال أسيرة الرحلة من باب الحديد ~~إلى العمارة التي واجهت فيها لأول مرة ذلك الحلم الذي عاشت تحلم به، ~~ويهتف بها الهاتف من أجله، مصر! مصر التي وجدتها أروع بكثير مما ~~تخيلت أو استطاعت بنت خالتها أن تصف، أروع وأكبر وأعظم ألف مرة، مليون ~~مرة. أيمكن أن تكون الدنيا بهذا الازدحام، أو الشوارع بذلك العرض، أو ~~الميادين بهذا الاتساع؟ # أيستطيع الناس أن يعيشوا وسط هذا الحشد الرهيب من العربات التي تمضي ~~بسرعة البرق، بحيث تلهفك إحداها حتما إذا سهوت وتلفت خلفك مرة؟ ~~والدكاكين، والمحلات، والصور، والنور، النور ذو الألوان السبعة ~~الذي ينطفئ ويولع بالكهرباء وعلى «الواحدة» كالمزيكة، والهيصة، ~~والدوشة، والمولد. لقد خيل إليها حين أفلح «حامد» بعد جهاد أن يجرها ~~إلى وسط ميدان باب الحديد، وهي مروعة مذهولة تكاد تجن، أنه لا بد في ~~مصر عيد أو مولد أو شيء آخر لا تعرفه يزدحم له الناس كل هذا الازدحام، ~~وتصدر عنه كل هذه الضجة الهائلة التي ترتجف لها الأذن، فقال لها «حامد» ~~وهو يضحك ضحكة العارف العالم: «إنها حال كل يوم.» فيا لها من مدينة تلك ~~التي يحيا الناس فيها كل يوم في مولد وعيد! # ولكنها في منكمشها ms010 خلف باب الحجرة الموارب، وهي ترى من بعيد هذه ~~المرة وتتأمل، بدأت ترى في مصر، تلك التي تلخصت في قطاع الشارع ~~المقابل، أشياء لم تتصور مطلقا أن تجدها في المدينة الحلم. رأت فقراء، ~~فقراء تماما وجوعى وشحاذين، حتى في قريتهم نفسها لا يوجد الفقر فيها ~~على هذه الدرجة من البشاعة، وفيها كذب أيضا وشتيمة وقلة أدب وحرامية ~~ونشالون، حرامية هم السبب في وجود أمثال زوجها الذي يحدثها عنهم وعن ~~حوادث السرقات المجاورة والبعيدة. وستات مصر اللاتي تصورتهن أول ما ~~رأتهن خواجات سنايير، فيهن قبيحات كثيرات، بل معظمهن قبيحات لولا ~~الأحمر والأبيض والطلاء الذي يطلين به وجوههن، فتحمر كالأحذية ~~اللامعة، وتترك صاحباتها أشد قبحا، سيدات بدأت «فتحية» من كثرتهن تحس ~~بنوع من الرضا عن نفسها، تلك التي اعتقدت أول الأمر أنها لن تصلح في ~~سوق النساء في مصر إلا خادمة لأقل سيدة من سيداتها. ووصل الغرور إلى ~~درجة الاعتقاد أنها لو لبست مثلهن لأصبحت محط أنظار الناس جميعا، ~~ولاعتبروها مثلما كانوا يرونها في البلدة ملكة من ملكات الجمال، حتى ~~«حامد» نفسه وعمله ذلك الذي لم تفهمه تماما حين قالوه لها، إنها ~~تصورته شيئا كخفير نظامي للبوابة عليه حراستها في الليل، له نفس ~~احترام وهيبة الخفير ذي البندقية في بلدهم. ها هي تراه شيئا أقرب ما ~~يكون إلى الخدام، ينحني لهذا، ويسرع في تلبية طلبات الست «أم فلان»، ~~ويشخط فيه صاحب البيت ويؤنبه ويشتمه بألفاظ غريبة لعلها ألفاظ ~~الشتيمة في مصر، ألفاظ لم تعرف لها «فتحية» مطلقا أي معنى مثل يا ~~«أحمق» أنت «مياس»! حتى موقفه يوم ألح صاحب البيت عليه أن يجعلها تعمل ~~عندهم، ورفض هو بإباء وشمم مقسما أنه لو حكمت ألا يعمل عندهم أو عند ~~غيرهم، لم تستطع أن تهضم ذلك الموقف وهي ترى الحال البائس وترتيبهم في ~~«سلم» الناس في العمارة أو خارجها لا يسمح بهذه «العنجهية» التي لا ~~يقفها إلا إنسان على الأقل في جيبه خمسة جنيهات؛ تلك فرصة لأكل العيش ~~ولهدمة كستور تلبسها في الشتاء، ولأكلة ms011 حلوة نظيفة من المحتمل جدا أن ~~ينالوها بين الحين والحين، ولكن «حامد» يرفض ويركب رأسه، وحين تفتح ~~فمها لتناقشه يصرخ فيها وكأنه صاحب البيت وهي ساكنة الدور الثامن ~~عنده. # والحقيقة أنها في رغبتها للعمل كان أكل العيش حجة، كانت في الواقع ~~تريد أن «تتعرف» على أهل مصر أكثر، وأن تدخل بيتا من بيوتهم، وتحادث ~~ناسا منهم؛ إذ هي في حبستها في الحجرة هكذا لن تمكنها طبيعتها الخجول ~~المنطوية أن تفعل شيئا من هذا، بل لا تملك إزاء نظرات سكان العمارة ~~التي تمتد عابرة المدخل مقتحمة الباب، رامقة إياها أنى تكون، مستطلعة ~~شكلها وجلستها وزيها باسمة أو مغمغمة أو ساخرة، لا تملك إلا أن تزداد ~~انغلاقا وانكماشا وتزداد القيود حولها أحكم، قيود من صنعها، فليس ~~سكان العمارة فقط، ولكن المدينة من حولها حافلة متحركة مائجة، كل شيء ~~فيها يجري ويختلط مكهربا ويكهرب. وهي إلى درجة ما، وزوجها «حامد» لم ~~يكن باستطاعتهما ليس فقط أن يتركا أنفسهما للمدينة وحركتها تفعل بهما ما ~~تفعل بالآخرين، وإنما هذه الحركة الهائجة المائجة نفسها لا تفعل أكثر ~~من أن تخيفهما وتروعهما وتدفعهما للانكماش أكثر، أو بالأصح تدفعها هي؛ ~~«فحامد» - وبالتحديد منذ أن تزوجها وجاءت - استطاع وبطول العهد أيضا ~~أن يتحرر بعض الشيء، ويتحرك ويذهب إلى السيدة زينب ويجوب شبرا مصر، ~~ويعرف أن تغير إذا كنت ذاهبا إلى الحسين، وليست حركة فقط، إنما فهم ~~أيضا ودردحة، فقد بدا ل «فتحية» وكأنه أصبح إنسانا آخر غير «حامد» ~~الأسمر شاب بلدتهم الصامت الخجول، الذي يدير وجهه إلى الناحية ~~الأخرى إذا قابل موكب حاملات الجرار في الصباح، الآن باستطاعته أن يهزر ~~مع عمال الجراج، ويضحك، ويجمع إيجار العمارة كلها ويحسبه بالمليم، بل ~~وأصبح له أصدقاء من أهل مصر نفسها ومن غير بلدياته وأقاربه. هي وحدها ~~الباقية أسيرة الحجرة، أسيرة حتى ذلك الشرخ المحدود الذي ترى عالم ~~مصر منه، شاعرة أنه ليس عالما أو مدينة، إنما هو بحر لا بر له ولا ~~قرار، تسير هي على حافته إن سهت مرة، وزلت ms012 قدمها فقل عليها السلام، ~~والمخيف أنه بحر ليس هادئا أو ساكنا أو يأخذ منها نفس موقفها منه، ~~إنما هو بحر جبار صفيق تمتد منه آلاف الأيدي، وتطل منه آلاف الابتسامات ~~كابتسامات الجنيات والنداهات، خادعة تدعوها وتسهل لها خوض الماء، أجل! ~~كلها أيد ماكرة وابتسامات خبيثة، حتى نداء ذلك الساكن الملهوف والنقود ~~في يده والبقال قريب، يد تمتد من البحر تجعل شلل الخوف يجمدها في ~~مكانها لا تتحرك، يد تمتد في مكانها تنكمش أكثر وتزداد انكماشا، ~~وكأنها ما رأت أو سمعت، ملتفتة إلى الناحية الأخرى، أو مخفية رأسها ~~هربا تتمنى أن تحدث معجزة، وتنقذها من الموقف، بينما الساكن حين ييأس ~~يصوب لها نظرة لا تراها، إنما تحسها رصاصة تخترق رأسها، كثيرا ما يتبع ~~نظرته بغمغمة لا تخطئ أذنها فهم ما بها من سباب. # ولكن خجولا فلتكن، منغلقة منكمشة، فلتنكمش ولتنغلق، فللحياة ~~قوانينها التي لا مناص منها ولا مهرب. وهكذا مع الحمل الأول كانت ~~«فتحية» قد غادرت الحجرة، واتسع عالمها فاحتوى المدخل، ومع الطفل ~~الثاني الذي أعقب الأول بأشهر كان قد اتسع حتى شمل الرصيف الملاصق، ~~بل والمواجه، والشارع إلى ناحيته من هنا، وإلى الميدان الذي يؤدي ~~إليه من هناك، والآن أصبحت «فتحية» ترد، بل وأحيانا تثير النقاش، ~~وتلبي الطلبات، وتستطيع أن تفرق بين عربة المدارس القادمة تحمل ابن ~~الدكتور، من العربة القادمة تحمل ابن الموظف في الإذاعة، وكل قصص ~~السكان عرفتها من «حامد» ومن غيره، بل وبلغ بها الأمر أنها أصبحت هي مصدر ~~«حامد» في معرفته لأخبار السكان وأحوالهم، وزائر منتصف الليل الذي ~~يطرق شقة البك الموظف في الطيران، بالذات في الليالي التي يكون فيها ~~«نوبتجيا» في المطار، بل ولم تكن هذه آخر ما بدأت «فتحية» تعرفه عن ~~مصر السفلى وأحوالها وأخبارها، بحيث أصبحت تدرك أن تحت مصر الوجيهة ~~الغنية المؤدبة الوقور، هناك مصر أخرى مليئة بالفضائح والمخازي ~~والأشياء التي لا يعرفها إلا البواب، أو من هو أدهى في هذه الأمور ~~وأمر، زوجة البواب خاصة إذا كانت رغم صغر عينيها ترى ms013 كثيرا، وبالذات ~~في الليل، ورغم دقة رأسها تستطيع أن تعرف الفرق بين أخت الزوج الذي ~~تصيف زوجته بأولادها في الإسكندرية، بينما هو يا عيني غرقان في الشغل ~~في مصر، وبين إخوته الحقيقيين الذين يزورون الأسرة طول ~~العام. # والغريب أنها كلها أشياء لم تفسد الحلم في عقل «فتحية» تماما، صحيح ~~نالت منه كثيرا، ولكنها أبدا لم تضيعه، بقيت مصر العظيمة هي مصر ~~العظيمة في نظرها والشر في كل مكان؛ هكذا كانت دائمة الرد على «حامد» ~~حين يجيئها بين كل حين وحين لاعنا مصر وأبو مصر وأهل مصر، الذين ~~فعل أحدهم به كذا أو كيت. # وإذا كان الشر والوحل والقبح في القاع، فالنجاة في العوم. # وهكذا تعلمت «فتحية» أن تفعل مثلما يفعل آلاف وملايين الناس الذين ~~تحفل بهم مصر الكبيرة، ويكونون حركاتها الجبارة الهائلة، وتعوم مثلما ~~يعومون. كل ما كان ينغص عليها حياتها أحيانا هي تلك الانتفاضات التي ~~كانت تفاجئها على هيئة كمين، يخرج لها منه من بين مشاغلها التي أصبحت ~~كثيرة وكثيفة ذلك الأفندي العاري كاليد المهولة الممتدة، مهددة أن ~~تجذبها إلى القاع مباشرة، حيث الوحل والقبح والطين. خرج لها ذلك الهاتف ~~اللعين الذي طالما أكد لها وصدق أن ستكون القاهرة مآلها، ليؤكد لها ~~أنها واقعة في المحظور مع الأفندي لا محالة ومهما فعلت، مسألة تترك ~~«فتحية»، وهي تكاد تنفجر بالغيظ والضيق والاستنكار والتصميم أيضا، ~~تصميم قاطع مانع أن أبدا لن يكون حتى لو دفعت حياتها ثمنا، فأبدا لن ~~يكون، وبيننا الأيام يا مصر. ~~••• # وفي مدينة كبيرة كهذه مليئة بالذئاب، ذئاب الليل وذئاب النهار، ~~ذئاب الأوتوبيسات وذئاب العربات، وحتى الأرصفة وطوابير الجمعيات ~~الاستهلاكية لها ذئاب، وفي عمارة كبيرة كهذه لا يمكن أن يسلم الأمر من ~~وجود ذئب. # والحقيقة أنه كان فيها أكثر من ذئب من العبث التصدي لهم جميعا، ~~فيكفينا ذلك الشاب الأبيض الحليوة قاطن الشقة الوحيدة بالدور الأرضي، ~~أخف سكان العمارة دما، وأكثرهم حيوية وتواضعا، كما أنه خدوم شهم ~~يجيد احترام الآخرين ورفع الكلفة معهم، وكل هذا طبعا لا يعني ms014 أنه ليس ~~بذئب؛ فالحقيقة أن هذا السطح البراق الخاطف للبصر كان يخفي ليس ذئبا ~~فقط، إنما يخفي ضبعا شريرا لا ذمة له ولا ضمير؛ فهو مجنون بالنساء ~~جميعا، وفي سبيل أن يظفر بالواحدة منهن مستعد أن يفعل المستحيل، مستعد ~~أن يكذب أو ينافق أو يسرق أو يقتل أو يستعمل القنبلة الذرية لو كان ~~يملك واحدة، والمرأة عنده ليلة واحدة يقضيها معها، وبعد هذا يبحث عن ~~الثانية، وكأنه أخذ نساء الأرض جميعا مقاولة، وعليه أن ينتهي منهن قبل ~~أن يفرغ عمره، وعمره الآن خمسة وثلاثون عاما، وسمعته كالذهب، أو ~~عبقريته أنه استطاع أن يخفي حياته الأخرى هذه عن المجتمع الذي يحيا ~~فيه، بحيث يمشي مع الشرفاء مرفوع الرأس لا يعرف ما بداخله سوى ضحاياه، ~~وحتى ضحاياه كثيرا ما غفرن له، بل وبعضهن أحبه وتعلق به وذاق من ~~العذاب أهوالا. بالطبع كان قد انتهى من كل من رقن في عينيه من سكان ~~العمارة، وبالضبط وهو عائد ذات يوم من عمله، وبعدما حياه «حامد» ~~بطريقة البوابين التي كان قد أتقنها، والتي كان يستطيع بها أن يوهمك ~~أنه وقف بينما هو في الحقيقة لم يغادر مجلسه، و«فتحية» أمام باب الحجرة ~~جالسة قد احتوت رضيعها تمنحه ثديها الأبيض الناصع الشديد البياض الضامر ~~أيضا، الضامر إلى درجة لم يكن يملك معها الإنسان إذا رآه إلا أن يرثي ~~لصاحبته! # ولكن أفندينا - الساكن - لم يرث؛ ألقى عليها نظرة، ثم بالتفاتة ~~مقصودة أو غير مقصودة ألقى نظرة أخرى على «حامد» الذي عاد يمد ساقه ~~النحيلة فوق الساق الأخرى، بحيث يمكنه أن يمد ذراعه، ويسند إليه يده، ~~ويداعب مسبحة رخيصة ناقصة الحبات، بينما وجهه الأسمر الحافل بحفر تشهد ~~أن الجديري قد زار طفولته، وجهه ذاك قد عادت تحتله ابتسامة طيبة مليئة ~~بسعادة ساذجة البراءة، وبدا كما لو كان يعود لينهى - بحماس فاتر - ~~ابنه الأكبر عن تخطيط رخام المدخل بقطعة طباشير عثر عليها، وكان سعيدا ~~بابنه وشقاوة الذكورة فيه سعادة تجعل لسانه ينتقل في نشوة من تأنيب ~~ابنه ونهره إلى مداعبة ms015 «فتحية» ومطالبتها بابن ثالث عله يطلع هادئا ~~وديعا كأمه. # استوعب الأفندي الساكن هذا كله في الزمن القليل الذي استغرقه ليصل ~~إلى باب شقته، ويضع مفتاحه في قفلها، وفي ومضة كان عقله المركب بطريقة ~~لا بد غريبة بالغة التعقيد، فمشهد كهذا كان يمكن أن يهز بعضهم رأسه ~~لرؤيته، أو يبتسم في رثاء مثلا، أو حتى إذا كان شريرا، فأقصى ما يفعله ~~أن يسخر بينه وبين نفسه من هذه العائلة الطيبة المسكينة السعيدة. أما ~~هو فقد كان موقفه أن اتخذ في الحال قرارا لا رجعة فيه، أن يلتهم ~~«فتحية»، ويضمها إلى قائمة الضحايا. هو ليس إذن ذئبا عاديا، إنه ~~ضبع، أشد ما يجذبه إلى الضحية هو بالضبط نفس الأسباب التي تدفع غيره من ~~الذئاب لأن يبتعد. إن أسعد مغامراته تلك التي انقض فيها على أرملة في ~~نفس ليلة وفاة زوجها العجوز، أو تلك التي بدأ بها تاريخه حين ضاجع أم ~~زميله الذي كان يذاكر معه. أما تلك الخائفة المنكمشة على نفسها، التي ~~ما خاطبها مرة إلا واستدارت بعيدا مبتعدة أو هاربة، ذات الثدي الأبيض ~~الضامر وزوجة الأسمر الطويل الفلاح «حامد»، فلا علاج لانكماشها على ~~نفسها وخوفها منه ومن مصر والمصاروة، إلا بأن يأتيها عساها تكف عن ~~الانكماش، وتأنس إلى ناس المدينة. # وعبقريته، ولكل عبقريته الخاصة، أنه ما إن يتخذ قرارا كهذا، حتى ~~يبدأ عقله يتفتق عن أفكار جهنمية، وعن طرق ووسائل لا يمكن أن تخطر على ~~عقل بشر؛ فهو خامل كسول ممتعض الابتسامة إلى أن يحدث وتقع عينه على ~~الواحدة منهن ويقر قراره، في الثانية التالية تجده قد استحال إنسانا ~~آخر دبت فيه طاقات الحياة، وتفجرت في عقله الأفكار والخطط، وأقبل على ~~الحياة بشهية مفتوحة، وأصبح كائنا آخر لا تكاد تعرفه. # وقبل أن يدير المفتاح كانت يده قد خبطت جبهته علامة الألم للنسيان، ~~وكانت المحفظة قد أخرجت وخمسة جنيهات قد فردت أمام عيني «حامد»، وعلبة ~~سجاير كليوباترا يا «حامد» نسيت شراءها، هاتها أنت من تحت الأرض بأي ~~ثمن ولو بثلاثين قرشا، والورقة ms016 بخمسة جنيهات معك، لا تعد إلا بها يا ~~«حامد»، حتى لو ذهبت إلى شبرا البلد. # يا لمكره وهو يفتح ل «حامد» باب الاختلاس المحدود على مصراعيه! ~~الاختلاس المغري بالغياب وادعاء التعب. ويا لطيبة «حامد» وهو يبتلع ~~«الطعم» في الحال! ويقرر حتى قبل أن يبرح مكانه أن ثلاثة قروش على ~~الأقل ستدخل جيبه من هذه الصفقة، وعليه أن يبرهن أنه استحقها. أما أنت ~~يا ست منكمشة - فبعدما تأكد من ذهاب «حامد» ها هو ذا يعود فاتحا باب ~~شقته الذي لا يبعد عن باب حجرة «السلم» إلا بضع خطوات: مش تشرفينا؟ ~~«فتحية» فعلا وأنت «فتحية»، وابنك الرضيع هذا؟ «سلطان؟» عاشت الأسامي، ~~والثاني «عنتر؟» ياه! عيلة أبطال صحيح، والثالث؟ ما فيش ثالث؟ # من هنا نبدأ، ونبدأ بلو كنت من «حامد» لكان الثالث على الأبواب، ~~وعلى هذا الباب الأخير مضى الولد القاهري «المرقع» يدق دقا اكتشف أن ~~«فتحية» بالكاد تعيه. أغباء هذا أم استغباء؟ على أي الحالين عليه أن ~~يغير الأسلوب. المال؟ إن هذا النوع لا يقدر قيمة المال، فلا يعرف قيمة ~~المال إلا من يعرف كيف يصرفه، إلا المتعامل بالمال. الحب؟ إن هذا ~~الصنف أيضا لا يتطلع إلى الحب، أو بالذات حبه، هم لا يرفعون عيونهم ~~أبدا إلى ما فوق الحواجب، ولا يتطلعون إلا لحب من في طبقتهم، أو ربما ~~إذا تطلعوا فإلى الأعلى منها بقليل، أما هو البيه الوسيم الذي يعامل ~~الخمسة جنيهات بهذا الاستهتار فمحال. من أين «أكلك» إذن يا «بطتي» ~~النحيفة المعضمة؟ بخطة بعيدة المدى لا بد، خطة تجعل هذه الخائفة ~~المنزعجة المذعورة تطمئن إليه أولا، وتكف عن الخوف منه، ثم يتقدم خطوة ~~ويرفع الكلفة معها، ثم ينتهز الفرصة أو يخلقها خلقا، ويحاصرها حصارا ~~لا تملك معه إلا السقوط. # وما كاد يبدأ التطبيق حتى أدرك أنه رغم كل ذكائه وفهلوته قد خانته ~~فراسته هذه المرة؛ فهو ما كاد يبدأ الخطوة الأولى لتطمينها بالحديث ~~معها، حتى أدرك أنه ليس أمام إنسانة، وإنما هو أمام حيوان كحيوان ~~القواقع، ما تكاد تحس باقتراب ms017 صوت أو خيال، حتى تنكمش وتنكمش، حتى ~~لتستحيل إلى كتلة صماء من اللحم والعظم غير قادرة على الإرسال أو ~~الاستقبال. إنه للآن لم يرها رأي العين، إن هي إلا مرة رأى فيها وجهها، ~~وما كادت تدرك أنه يراها، حتى كان وجهها قد اختفى، واختفى وهي أمامه ~~لم تبرح مكانها ووسامته من أقوى أسلحته، وقد كان يريد لها أن تراه، كان ~~متأكدا أنها إذا رأته مرة، وتطلعت إليه مليا، فإن شيئا ما سيحدث ~~لها، تماما مثلما كان يحدث للعشرات اللاتي سبقنها، ولكن كيف تراه وهو ~~كلما هم بالتحدث معها أحس أن شيئا في داخلها يمنعها أن تسمع، وإذا ~~سمعت يمنعها أن تعي، وإذا وعت يمنعها أن ترد أو تجيب، أو حتى تتطلع ~~لتعرف من الذي يتحدث؟ # وقد كان من الممكن أن يحدث هذا ل «فتحية» في أول مقامها بالعمارة، أما ~~بعد أن خرجت وجابت الشارع، وأصبحت تتعامل مع السكان وغير السكان، فهو ~~موقف إذن من الأفندي وحده. «فتحية» في الحقيقة لم تكن تفعل معه هذا ~~اعتباطا؛ فهي ليست غبية ولا فقدت الحذر، وحين تلا حديثهما العابر ~~البريء الأول بحديث أحست به مصطنعا مفتعلا استيقظت فيها فجأة كل ~~مخاوفها القديمة تجاه مصر والبحر والأيدي الممتدة، وملأها الرعب من ذلك ~~الأفندي الذي كثيرا ما هتف به الهاتف، صحيح أن الهاتف لم يحدد شكل ~~الأفندي، ولكنه أفندي تحس أنه عن عمد يتقرب إليها. أليس هذا كافيا لكي ~~يجعلها تحس أنها أصبحت بين أنياب الخطر، وإن هي إلا كلمة تفلت منها أو ~~لين تظهره تجاهه، حتى تنتهي هي وينتهي كل شيء. لقد أصبحت من فرط حذرها ~~بالكاد تنام الليل، ووجود «حامد» نفسه لا يطمئنها، والباب الذي ~~تغلقه وتتأكد أكثر من مرة أنه مغلق لا يفلح في كبت مخاوفها؛ فمصيبتها ~~الكبرى أن الهاتف يؤكد لها أن ما يوسوس لها به سيقع، برضاها سيقع، ~~برغم رضاها سيقع. إنها تكاد تجن، فلتجن أو فلتمت أو ليحدث أي شيء، ~~ولكنها ستقاوم، ولن تسمح لصلة أو حتى كلمة أن تكون ms018 بينها وبين ذلك ~~الأفندي، ولتدر المعركة في داخلها في صمت رهيب لا يعلم بها مخلوق، ولا ~~تستطيع أن تبوح بها لمخلوق. # وبالوسع تصور مقدار الفجيعة التي أصابت ذئبنا الضبع وهو يرى جهوده ~~ووسامته وذكاءه تذهب سدى أمام جبروت هذه الفلاحة البيضاء، وانطوائها ~~على نفسها وإغلاق ذاتها دونه، حتى لقد استحالت المسألة عنده من مغامرة ~~كان يعتقد أنها بسيطة عابرة إلى خوف من الهزيمة، واهتزاز كامل ~~بالثقة بنفسه، حتى أصبح عليه لا أن يخوض مغامرة، وإنما أن يثبت لنفسه ~~أنه لا يزال ذلك القادر الذي ما استعصت امرأة عليه قط، ولا فشل ~~مرة. # الأيام تمضي بسرعة مذهلة، حتى لقد مضى على قراره شهران، وهو لا يزال ~~قرارا لم ينجح لخطوة صغيرة واحدة في طريق تنفيذه. وتفكيره في ~~المغامرة، وفي «فتحية» دائب صباح مساء، حتى أصبح هذا الموضوع أهم ما ~~يشغله في حياته، بل لم يعد في حياته سواه. أحيانا كان يفيق لنفسه، ~~ويستنكر أن تكون هذه حاله، وأن يكون هو نفسه الذي جاب مملكة النساء ~~بسمائها وأرضها ونجومها، وجربهن جميعا من الأميرات إلى الغسالات، بل ~~والسائلات، هو نفسه الذي يهب كل ذلك الوقت والمجهود والتفكير لامرأة ~~ك «فتحية»! إن هناك خطأ في الموضوع لا يعرف سره، ومن المحال أن يفشل، ~~حتى لو كلفته هذه المغامرة عمره. وأحيانا يفيق ليواجه سؤالا لم يوجهه ~~لنفسه أبدا: أيكون قد أحب «فتحية»؟ إذا قيس الحب بمقدار الكم من الوقت ~~الذي يقضيه المرء يفكر في حبيبه، فهو إذن ليس في حالة حب فقط، ولكن ~~في حالة حب عظيم نادر؛ فلم يحدث من قبل أن تفرغ إنسان للتفكير في ~~إنسانة كما يفعل هو مع «فتحية»، بل وها هو ذا حين يجد صدها له كاملا ~~حاسما نهائيا، وليس ابن يومه فقط أو لحظته، وإنما من الواضح أنه ~~سيظل هكذا إلى الأبد، حين أدرك هذا ويئس تماما من كل محاولاته أصبح كل ~~همه وأمله ألا يحادثها أو تحادثه، ولا حتى أن يحلم أن يوقعها، وإنما ~~أن يراها، مجرد أن ms019 يراها. وحتى هذا الطلب البسيط الشديد التواضع أصبح ~~عسيرا هو الآخر صعب المنال؛ فلقد تزايد خوف «فتحية» وتزايد بالتالي ~~حذرها إلى الدرجة التي أصبحت نادرا ما تغادر فيها الغرفة، حتى إذا ~~غادرتها مضطرة، فلتعود إليها مسرعة لهفى، وكأنما في أثرها سرب من ~~التماسيح. وأصبح على ساكننا لكي يراها أن يلجأ للصدف وحدها تدبر له ~~الأمر، ولكي يزيد احتمالات الصدف كان عليه أن يمضي أطول وقت في المدخل ~~أو في باب العمارة أو قريبا من باب شقته، وأن يفعل هذا و«حامد» موجود ~~مسألة لا بد تدعو للشك؛ ولهذا كان عليه أن يرسله في مشاوير، ولكيلا ~~يفعل هذا بكثرة تثير ريبته، وبحجج دائما وجيهة ومعقولة، كان عليه ألا ~~يرسله كثيرا؛ وبالتالي يقلل من احتمال وجوده قريبا من باب حجرتهم، ~~مشكلة عويصة كانت تستنفد من وقته وجهده الأيام الطوال لكي يتمكن فقط من ~~أن يراها، وحتى لم يكن يراها، كان فقط يلمحها، يلمح شيئا يرتدي ~~الجلباب الأسود الذي عادت إليه صاحبته تتحصن فيه، بعد أن كانت قد ~~خلعته ولبست مثل أهل مصر، الملون والمشجر. ~~••• # وفي ظهر ذلك اليوم من أيام الصيف في وقت القيلولة تماما، وقد انتظر ~~أسبوعا بأكمله ليتمكن من إرسال «حامد» إلى مشوار في شبرا، كان الحب ~~والوجد والقلق قد استبد به إلى درجة لم يعد يحتمل فيها الأمر لثانية ~~أخرى. كان قد انتهى تماما وأصبح مستعدا لأي شيء من أجل أن يظفر ولو ~~بكلمة واحدة منها، مستعدا أن يبوح لها بحبه، وأن يعرض عليها ~~الزواج، وأن يتزوجها في الحال، وأن يقتلها إذا رفضت، وأن يقتل «حامد» ~~إذا تعرض له، كان قد بلغ مرحلة اليأس الكامل المطبق، ولم يعد أمامه إلا ~~أن يقتحم عليها الحجرة وليكن ما يكون. # ولقد فعل. # ولأن الطفل الكبير كان قد فتح الباب الذي أغلقته أمه، وخرج إلى ~~الحارة الجانبية ليلعب، فما كاد يدفع الباب حتى انفتح، وحتى وجد نفسه ~~وجها لوجه أمامها، وكانت واقفة تحمل الرضيع بجوار رأس السرير، وبرغم ~~كل ما كانت تحفل به نفسه ms020 من هموم وقرارات ومشاغل، برغم الكلام الذي ~~كان قد جهزه ليحاصرها ويمطرها به، فإن كل شيء ما لبث أن تبخر من عقله ~~تماما، لا لمرآها، وإنما لما حدث لها لحظة رؤيته؛ فالأشباح نفسها إذا ~~ظهرت لها ما كان يمكن أن تحدث نفس الأثر، لا حتى ولا الموت نفسه لو ~~رأته مجسدا! لكأنما رأت شيئا أعتى من الشيطان والموت والأشباح، وكل ~~شرور الدنيا. لقد كانت مطمئنة اطمئنانا كاملا إلى كل الإجراءات التي ~~اتخذتها لتصبح في مأمن منه. كانت شيئا فشيئا قد بدأت تثق أنها ~~انتصرت على الهاتف والقدر والمكتوب، واثقة أنه قد أصبح مستحيلا على ~~الواقعة أن تقع ما دامت قد أحاطت نفسها بسياج الاحتياطات تلك، حتى أصبح ~~مستحيلا على ذلك الأفندي مجرد رؤيتها. أما أن تلتفت فجأة لتجده أمامها ~~وجها لوجه، في حجرة خالية، بينما «حامد» بعيدا جدا في شبرا البلد. ~~أما أن تحس أن قدمها قد زلت بغتة من مكانها الحصين المرتفع، وأنها في ~~طريقها إلى أن تهوي إلى سابع أرض، إلى القاع. أما أن تدرك أن إرادة ~~الهاتف انتصرت على إرادتها، وأن الأفندي ها هو، كأنه القدر، كأنه ~~المقدر، كأنه النداهة من دم ولحم ووجود، فهي الصاعقة التي انقضت على ~~عقلها فصعقته. لا، لم تكن إنسانة مرعوبة تلك الواقفة، إنما هي إنسانة ~~مصعوقة، مشلولة، منتهية، في ومضة واحدة انتقل لونها من البياض إلى ~~الصفرة الرمادية الكاملة، صفرة الموت الرمادية، ومن إنسانة ترى وتسمع ~~وتشعر إلى إنسانة أصابها الصمم، وتوقف اللسان في حلقها وتضخم حتى كاد ~~يملؤه. صاعقة بترت تماما صلتها بالحياة، كأنها الصاعقة التي انقضت ~~على «حامد» حين رآها، والموت الذي تلا كان كالموت الذي داهمه، ~~وبتلقائية غريزة البقاء وحدها مدت يدا قد بدأت ترتعش ارتعاشا ظاهرا ~~يرعب مشاهده، تمسك برأس السرير تتشبث بها، بينما الطفل من فوق صدرها ~~ينزلق، وبالغريزة وحدها تحميه بيدها من السقوط المفاجئ، فيصل إلى الأرض ~~سالما قد بدأ يبكي وينتحب. وما كاد هذا يحدث وتطمئن الأمومة، حتى لم ~~يعد للحياة نفسها أو التماسك ms021 قيمة، فبدأ الجسد يتمايل ويدوخ، وينزلق ~~مهددا بالسقوط، بل سقط سقطة لم تتم؛ إذ في الحال وبجهد خارق كان ~~ذئبنا الضبع هناك يتلقاها بيديه الاثنتين، وقد فغر فاه بالدهشة؛ فآخر ~~ما كان يتصوره أن يحدث هذا، وأن تسقط الثمرة من تلقاء نفسها بين يديه ~~دون مشقة أو تعب، دون كلمة، دون حتى حركة واحدة أقدم عليها أو جهد ولو ~~ضئيلا بذله. لقد جاء وفي نيته أن يحارب معركته الأخيرة بكل قواه، ~~واستعد ليواجه ليس فقط «فتحية» أو «حامد»، وإنما العالم كله، استعد لأي ~~شيء، للفضيحة أو القبض أو القتل، جاء وهو يائس تماما أن يظفر منها ~~بشيء؛ فالتي تضن عليه بمجرد أن يلمسها أو يراها، هل من المعقول أن ~~تنيله مهما فعل شيئا أكثر من هذا؟ أكثر من أن تتاح له فرصة أن يراها، ~~مجرد أن يراها، ولو كان ثمنها فضيحته أو مصرعه، فإذا بها بين يديه طرية ~~كالخرقة، مستسلمة تماما، متاحا له منها كل ما يمكن أن يحلم به، إذا ~~بها أقرب ما تكون إلى جثة، جثة لم تفعل أكثر من أنها أيقظت فيه ذلك ~~الضبع القديم الذي يسيل لعابه لمرأى الجثث. الضبع الذي كان قد ~~اختفى في أعماق شخص بلغ به الحب والوجد والشوق إلى «فتحية»، مستوى رفعه ~~إلى مرتبة المحبين الكبار، محب مدله جرب السهد والسهر والغيرة والشك ~~والعذاب، العذاب الذي نال منه وأوهن جسده، حتى رق ودق وارتقى ~~بمشاعره، حتى أصبح يحس ويفكر ويتصرف كشاعر! فجأة نفض الضبع الكامن ~~الذي يكاد يختبئ ويموت تحت ما ترسب فوقه من مشاعر وطبقات، نفض عن ~~نفسه هذا كله، وانتصب تلمع عيناه ببريق الفوز، ويرتجف جسده ترقبا ~~لمائدة المتعة الأكيدة المرتقبة، لا يفصله عنها إلا لحظة زمن يريد بكل ~~ما يملك من شر وجشع أن يختصره حتى ليلغيه تماما، ويبدأ يلتهمها ~~ويتلمظ. # وهكذا، ومنتهزا فرصة الغيبوبة الكاملة العابرة كان قد أرقدها على ~~الأرض، ودفع الطفل بغل فأبعده، وأطلق الطفل صراخه مذعورا عاليا لا ~~يأبه له، بل إنه ليضيف كثيرا من ms022 البهار إلى المائدة الجثة. وبيد ~~حديدية مدربة طوقها، وبيد مرتعشة بالرغبة مبهورة بالانتصار الساحق ~~السريع تكاد لا تصدق نفسها أو ما يحدث، دفع بنطلونه دفعة واحدة تعرى ~~على أثرها تماما، وبنفس اليد مزق ملابسها وهو يحس بالصوت الصادر عن ~~التمزيق بنشوة دونها أي نشوة أخرى على وجه الأرض، وحتى لو كانت في ~~طريقها إلى الموت على أثر نزيف مثلا أو سكتة لكانت من غيبوبة الموت ~~الحقيقي قد استيقظت، فللغريزة الحارسة للغريزة سلطان على الجسد أقوى من ~~أي سلطان آخر. # وهكذا ما كاد يحاول أن يصل بانفعاله إلى آخر مدى، حتى كانت وكأنما ~~مسها تيار مكهرب موقظ قد صحت، ومع أن الصحوة كانت صحوة عقل وإدراك إلا ~~أنها بجماع ما تملك من طاقة وقدرة، بآخر رمق، بذلك الكم الضئيل من ~~القوة التي يدخرها الجسد ليقول بها آخر «لا» في حياته، قاومت. تململ ~~جسدها يقاوم مقاومة لم تفعل أكثر من أنها استدعت إلى الوجود كل قوى ~~الذئب الضبع الكامن وحشدها في ساقيه وذراعيه، حتى التفت حولها كقيود من ~~فولاذ لا يرحم، وبآخر ما تملك أيضا تململت، وبكل ما يملك أطبق. وكان ~~ممكنا أن تصرخ تستنجد بالناس أن يقاوموا لها، ولكنها رفضت وأبت؛ ~~فالمعركة معركتها وحدها، ولن يفعل إدخال الناس أكثر من فضحها؛ إذ السهم ~~الآن نافذ فعلا، والمكتوب قد حدث، وقد يمنع الناس استمرار حدوثه، ~~ولكنهم أيضا سيكونون شهود حدوثه، وتلك هي الكارثة التي تواجه الموت أو ~~السقوط الخاص الذي لا يعرفه أحد، ولا تواجهها. # وحين فتحت عينيها - وقد ذهب الرعب وحل الغضب - تريد التفرس في ~~قاهرها، واتسعت عيناها دهشة وحقدا وخوفا؛ فعلى بعد قراريط من وجهها ~~كانت ترى وجهه لأول مرة وتتفرس فيه؛ فهي أبدا لم تر وجها مثل وجهه ~~حليقا ناعما أحمر وسيما، وعيناه خضراوان لهما رموش طويلة، ورائحة ~~حلوة، وأسنان بيضاء مرصوصة بدقة، وفمه حلو يتمنى أي فم أنثى أن يقبله، ~~وابتسامة كبيرة، ابتسامة فوز وفرح تحتل الوجه كله، وتظهر له غمازتين ~~عميقتين على جانبي الوجه وطابع حسن، ابتسامة ms023 داعية ناعمة كأنها واحدة ~~من آلاف الابتسامات التي كثيرا ما حلمت بها هي والأيدي الممدودة ~~تدعوها في لطف وإصرار إلى ترك بر الأمان والغوص إلى القاع، حيث ~~الأشباح والطين، ابتسامة ما إن رأتها حتى بدأت تتململ مقاومة من جديد ~~إذ أحست وكأنها ابتسامة القاع نفسه، يدعوها وبخبث ونعومة ودهاء يريد ~~التغرير بها، مقاومة لم تفعل أكثر من أنها مكنته تماما منها، حتى ~~أصبح كل جزء فيها ملتصقا وملتحما بكل جزء فيه. لقد ظلت تخاف من ~~العفريت، حتى طلع لها، ومن وسوسة الهاتف حتى تحققت. ظلت تصمم وتصر ~~وتحتاط حتى نفذ السهم، ووقع المحظور وانتهى كل شيء، والخوف المستمر ~~الدائم والهاتف والحلم والحقيقة كلها قد التقت الآن في لحظة واحدة، ~~لحظة غريبة مفعمة مليئة محشودة بآلاف اللحظات والخلجات، لحظة أخطر ما ~~فيها أنها تدرك أنه لم تعد هناك فائدة، حتى الرعب والخوف أصبح لا فائدة ~~منهما، والمقاومة لم يعد لها داع بالمرة؛ فالسهم نفذ. # ولم يعد أمامها إلا أن ترجوه وتستعطفه، لم يعد أمامها إلا وسيلة ~~العاجز، أن تبكي، ولقد بكت، وأن تتذلل، وأنا في عرضك، أنا صاحبة ~~عيال، جموع وكلمات لم تكن تفعل إلا أن تضيف إلى الأكلة كل ما يتمنى ~~الضبع العجوز إضافته من شطة وسلطة وعصير ليمون وخل، وحين استمرت تبكي ~~وقد ازدادت حرقة البكاء ولوعته لم تكن تريد به مزيدا من رجائه ~~واستعطافه، إنما كانت في الحقيقة تبكي من أعمق أعماق قلبها على نفسها ~~وعلى عجزها، بكاء يا للعجب! لم يستمر طويلا. # فقد بدأت تحس بأشياء غريبة عجيبة تنفذ إلى ذاتها وجسدها، أشياء ~~جديدة مذهلة كبريق مصر الخاطف، أشياء أحست معها كما لو أن كل النيون ~~الأحمر والأزرق والبنفسجي ومهرجان الأضواء والألوان، كل الوجوه الحلوة ~~الحليقة والملابس الغالية الأنيقة، كل الروائح العطرة المنعشة المخدرة، ~~والشوارع الواسعة المزدحمة النظيفة، والمتنزهات، والأشجار، حتى ~~الأشجار مجففة الأوراق مقصوصة كتسريحات السيدات، كل الترمايات والعربات ~~الفارهة، والسينمات والوجوه الخارجة من السينمات، والكباريهات ~~والراقصات، كل الأطفال الأصحاء النظيفين والأمهات والأجزخانات ~~والأرتستات، كلها تتجمع ms024 وتتسرب إليها، إلى داخلها المرتعش الخائف ~~المهزوم المبهور، وهي حتى في عجزها وإدراكها ويقينها بالهزيمة التامة ~~الساحقة بكل ما أوتيت من قدرة تقاوم ولا تكف عن المقاومة، والأشياء ~~الغربية الكثيرة لا تكف عن التسرب، فتعود تقاوم مستميتة أكثر، تقاوم ~~مدينة بأكملها تتسرب إليها، ورغما عنها تتسلل إلى كل خاف فيها ~~ومستتر، وكان لا بد في النهاية أن تكف عن المقاومة تعبا ويأسا، ثم ~~يقينا تاما من اليأس، ويأسا تاما من أن معجزة ما لم تحدث وتنقذها ~~في نهاية الأمر، وإن بإرادتها وبغير إرادتها، تماما كما كان الهاتف ~~يؤكد، قد حدث كل شيء. أما ما لم يذكره الهاتف، ولا كانت تتصور للحظة أن ~~من الممكن أن يحدث، أما أن تبدأ تتحول من استسلام مغلوب إلى استسلام ~~مستمتع، فهو رغم حدوثه الشيء الذي كان لا يمكن حتى وهو حادث أن ~~تصدقه، فالمشكلة أنها ما كادت تبدأ تحس بهذا، حتى كان الباب قد فتح، ~~وعلى عتبته وقف «حامد» طويلا رفيعا، مصعوقا أسمر غامق ~~السمرة. ~~••• # طالت وقفة «حامد» عند الباب الذي كان بلا وعي قد أغلقه، و«فتحية» ~~مستلقية لا تزال يدها متشبثة برأس السرير، وجسدها مفتوح الساقين مغطى، ~~وليس في عقلها سوى رغبة ملحة لا تنتهي أو تتزحزح، أن يصنعها «حامد» ~~وينتهي. إنه الطريق الوحيد الذي لا بد يمتد إليه المقدر والمكتوب؛ ~~فبعد كل ما حدث كيف يمكن للحياة أن تستمر؟ وكيف باستطاعة أي شيء أن ~~يعود كما كان؟ إن الأمور لا يمكن أن تستقيم، ومستحيل أن يهجع أي منهما ~~أو يرتاح راحته الكبرى إلا بأن تموت «فتحية»، وبيد «حامد» لا ~~أقل. # لا حل للموقف كله إلا بأن يقتلها «حامد» ويستريح، وتستريح، ولكن ~~الغريب أن الهاتف كلما وصل إلى هذا الحد كان يعود يطل برأسه، ويؤكد لها ~~أن «حامد» لن يقتلها، وأنها لن تموت، وأنها سيكون لها مصير آخر. # وتعب «حامد» من الوقوف الطويل المتفرس وجلس، وجاء الولد من الخارج ~~«بزيطة» وطلب ملح للطعام، وحين أحس بالصمت الملغم المستمر انتابه غير ~~قليل من الخوف ms025 فسكت، وما لبث أن نام. # وأظلمت الدنيا وأصبح ظلام الحجرة تاما شاملا. # ولم يجسر أحد أن يضيء النور. # بقي «حامد» على جلسته عند الباب يدخن من علبة السجاير الصغيرة التي ~~اشتراها بما توفر له من نقود الأفندي. # و«فتحية» بهدوء شديد تجلس، ثم ترقد، ثم تعود إلى الجلوس، وتنتظر من ~~«حامد» أن يفعلها وينتهي. كل ما كانت ترجوه بينها وبين نفسها ألا ~~يأخذها على سهوة، إنما بطريقة أو بأخرى يرحمها، ينذرها، فلم يعد في ~~جسدها ذرة واحدة قادرة على تحمل المفاجأة، أية مفاجأة، ويكفيها ما رأت ~~من مفاجآت. # حاولت مرة أن تتكلم فأسكتها «بزومة» منه، «زومة» حيوان ~~جريح. # وحين غفت عيناها لبرهة وصحت على نهنهة رجالية منخفضة مكتومة كادت ~~تجن، غير مصدقة أخيلتها. هل هو «حامد» الذي يشهق ويبكي؟ ~~أيبكي؟ # أكان صنع هذا لو كانوا في بلدهم؟ أأصيب هو الآخر باللعنة وهزمته مصر ~~ورخرخت إرادته وطبيعته، حتى لم يعد قادرا على قتل زوجته وهو يضبطها ~~متلبسة مأخوذة؟ أصحيح لزلتها يبكي؟ # كادت تزحف إليه راجية أن يكف، مطالبة إياه أن ينتهي فورا عن بكاء ~~النساء، ويعود رجل القرية الذي عرفته، ويريحها، ويقتلها. كادت؛ ~~لأنها حين فتحت فمها ترجوه تصاعدت صرخة كزئير أسد غاضب، سمرتها مكانها ~~بلا حراك. # وفعلا لم يقتلها «حامد»، وإنما في الفجر كانت العائلة الصغيرة تغادر ~~باب العمارة الضخمة المهيب، وكان «حامد» يحمل عزالهم كله، وقد لفه في ~~ملاءة سرير صفراء حملها ب «الزقلة» على كتفه، وباليد الأخرى كان يسحب ~~الطفل الكبير نصف النائم، بينما «فتحية» في المقدمة تحمل الطفل الآخر. ~~وبرغم أنهم خارجون إلى مصير مجهول لا تعرفه، فقد كان ما تخافه في تلك ~~اللحظة هو أن يبرد الولد، فراحت تحوطه بذيل ثوبها الذي رفعته، ومضت ~~تلفه به وتشتد في ضمه، بينما نداء أخرس يرتفع منها، ويهيب ب «حامد» أن ~~يخرج البطانية من اللفة، ويحيط بها الطفل الآخر، نداء أبدا لم يغادر ~~فاها؛ إذ هما لم يتبادلا منذ الأمس كلمة. # وسيرا على الأقدام مضت القافلة الصغيرة تحتمي من برد ms026 الصباح الباكر ~~بالجدران، ويتركها ظلام عمارة لتتسلمها ظلال عمارة أخرى؛ إذ كان قمر ~~الفجر قد طلع. # قافلة صغيرة تتسلل منسحبة من المدينة الكبيرة الراقدة في صمت ولا ~~مبالاة، لا تحس بهم ولا بما تحفل به صدورهم من أهوال، نائمة تشخر في ~~براءة وضمير مستريح، وكأنها ما فعلت شيئا، حتى لقد بلغ الغيظ ب «حامد» ~~إلى حد التفكير في أن يلقي «بصرة» العزال جانبا، وينهال ب «زقلته» ~~ضربا ودشدشة وتكسيرا على فتارينها المضيئة، وعرباتها اللامعة ~~المستكنة، وحتى أسفلت شوارعها المغسول. كان من جماع قلبه قد أصبح لا ~~يطيق حتى مشيه في شوارعها وهو يغادرها، لم تعد في نظره مدينة، لقد ~~أصبحت كابوسا خانقا بشعا! # وفي أول قطار قطع لهم «حامد» التذاكر. # لكنه عاد لبلدتهم وحده. # فقد غافلته «فتحية» في ازدحام القادمين والراحلين في باب الحديد ~~وهربت. # عادت إلى مصر، بإرادتها هذه المرة، وليس أبدا تلبية لهتاف هاتف أو ~~نداء نداهة. # | مسحوق الهمس # حين هدأت أتأمل الروعة في المسألة، وجدت نفسي أمامها كالطفل الصغير ~~الأبله، الذي وقف يحدق في الجسد العاري تماما لسيدة ناضجة الأنوثة، ~~وهو غير قادر على الربط بين ما يراه وبين ذاته، أو حتى بين رغباته ~~ومشتهياته الخاصة وبين هذا الجسد المستسلم العاري، الذي أصبح فجأة ~~أمامه، وملك ناظريه، ويديه، وحواسه. # كنت باندفاع وتهور وجنون فرحا، ولكنه فرح لا أدري ماذا أفعل به أو ~~لماذا اعتراني أصلا؟ كاد اليوم يمر مروره الأزلي الخالد لولا أنه قبل ~~«التمام» ربما بساعة، «ترت ترت» فوجئت ببابي يفتح، وعبد الفتاح الطويل ~~الرفيع الأسمر يظهر، وقبل أن ينطق كانت عصاه الخيزران التي تفتتت ~~نهايتها على ظهور «النبطشية» تدق كعصا «النقرزان» على باب الزنزانة، ~~دقات كمزاج صاحبها في النهار عصبية متعجلة ملحة: يالله! لم عزالك ~~يالله! بسرعة يالله! شيل نزامك (نظامك)، برشك وبطانيتك وتعال بسرعة! ~~«النزام» بسرعة بسرعة! يالله بسرعة! # كلماته الخارجة كتكتكة مفرقعة متلاحقة لمسدس أطفال، ودقات العصا ~~«النقرزانية» وازدياد تفتتها، والإلحاح المزعج واللهفة والسرعة، وفي ~~ومضة كنت أحمل كل ما يخصني في الزنزانة، ms027 حتى «جردل» البول حملته؛ فقد ~~كان جديدا يوفر علي مئونة الحبس مع «جردل» قذر، وتبعته واضطراب ~~الفرحة يبعثر خطاي. أعرف أنه مجرد «عزال» لا أفراح فيه ولا زيادة، أو ~~حتى أمل في أي منهما، ولكنه حدث هائل يقع؛ إذ هو جديد لم يحدث بالأمس، ~~ولن يتكرر غدا. إلى أين؟ لم يكن مهما، حتى لو كان مع «الإخوان». لم ~~أستطع ملاحقة خطوات «الأومباشي» عبد الفتاح السريع المضحك، الذي ~~يبدو به وكأنه يخوض سباقا للأرجل الخشبية، وبدأت المسافة بيني وبينه ~~تتسع، وأنا أجاهد ولا أستطيع، وكأنني من طول الجلوس نسيت المشي. بعد ~~بضع خطوات بدأت ألهث وأتساءل جادا هذه المرة عن وجهتنا؛ إذ كنا قد ~~غادرنا السلم الهابط إلى أسفل، والثاني الصاعد إلى أعلى، وتركنا منطقة ~~«الإخوان» والمحبوسين احتياطيا وتحت التحقيق، ولم تعد سوى أمتار ~~قليلة وينتهي «العنبر». أتكون وجهتنا نهاية «العنبر»؟ # بالضبط عند باب آخر زنزانة وجدت «الأومباشي عبد الفتاح» يتوقف، ~~ويستدير بسرعة إنسان انفلت عياره، ويمضي جسده يتململ ويتشنج ضيقا ~~بتخلفي وراءه: بسرعة! بسرعة بسرعة! النزام، نزامك بسرعة! ~~- يا أومباشي أنا مش ... ~~- من فدلك! من فدلك! ما فيش كلام! ما فيش كلام النزام! بسرعة خش ~~أودتك، بسرعة بسرعة! # وبسرعة بسرعة دخلت، و«ترت ترت» انغلق الباب ورائي بالمفتاح، ووجدت ~~نفسي جالسا فوق «النظام» مسند الظهر إلى الحائط، نفس جلستي من دقيقتين، ~~دقيقتان هذا صحيح، ونفس الجلسة، ولكن يا له من فارق! فارق جعلني أخبط ~~جبهتي بيدي خبطة ارتج لها عقلي. إن الزنزانة الجديدة التي انتقلت ~~إليها، وإن كانت تقع في نهاية «العنبر»، لكن «العنبر» لا ينتهي بها؛ إذ ~~هي في الحقيقة تقع في منتصفه، فالنصف الثاني كله مخصص لسجن ~~النساء. # النساء! # من قال إن السجن هو فقط مصادرة حرية الإنسان؟ إن فقدان الحرية ليس ~~سوى الإحساس السطحي الأول؛ فالإنسان يظل يفقد أشياء كثيرة جدا، كل ~~ما يملكه أو باستطاعته امتلاكه، كل قدراته ومكتسباته، كل صلاته ~~وقراباته وأحلامه وطموحه، كل ما ينفرد به كشخص، وكل ما يتساوى به مع ~~المجموع، كلها بعد ms028 معارك استماتة وتشبث طاحنة، لا يلبث أن يجدها رغما ~~عنه وأمام ناظريه وبقوة الحبس والعزل القاهرة، تتسرب واحدة وراء ~~الأخرى، هو لا يملك لها ردا ولا منعا، حتى الأمل في خروجه من ذلك ~~«الليمان» والإفراج عنه بعد أيام طويلة من المراودة والمطاردة ~~والإلحاح، إلى درجة أن يفسر كل فتحة باب على أن الشاويش قادم بأمر ~~الإفراج، وكل حذاء ثقيل يدق أرض «العنبر» على أنه حذاء المأمور أو ~~المدير جاء يحمل قرارا خاصا بالإفراج، كل شعاع شمس يدخل على أنه آخر ~~صباح، كل غروب أحمر مخنوق شنقت نافذة زنزانته شعاعاته وخنقتها على أنه ~~آخر غروب، حتى تصل الأزمة أحيانا حد تهديد العقل، وفي مرات تطيح به، ~~ثم يصحو الإنسان ذات يوم وهو يحس بالراحة الكبرى، وقد انتهت الأزمة، ~~ومات الأمل تماما، وحل اليأس الكامل. حين ذاك فقط تبدأ حياة السجن ~~الحقيقية، حياة أخرى مختلفة عن حياة الناس، حياة لا أمس لها ولا غد، ~~وإنما طولها يوم واحد بالتحديد، ذلك اليوم الذي تحياه، يولد ~~المسجون مع صاحبه ويحيا أحداثه، وكأنها أحداث حياة بأكملها عريضة وافرة ~~الغنى. إن مد فترة الذهاب إلى دورة المياه من 10 دقائق إلى ربع ساعة ~~تعادل في الفرحة بها قرارا يصدر بمنحه إجازة ثلاثة أشهر يقضيها على حساب ~~المصلحة في أجمل مصايف أوروبا. إن تغيير «الحلاوة الطحينية» في العشاء ~~بالعسل الأسود يتجاوز في أثره، واحتفال المسجون به، قرارا استثنائيا ~~بمضاعفة مرتبه إلى حد ينقله من طبقة تتعشى بالعسل الأسود إلى الطبقة ~~التي تتعشى ب «الكافيار والرومي». إن العثور على قطعة ورق من جريدة ~~قديمة، حتى لو كان تاريخها يرجع إلى أعوام مضت وقراءة أي خبر فيها عن ~~أي شيء، ولو كان العثور على لقيط بجوار مستشفى «أبو الريش»، يعادل ~~الدهشة والذهول الذي ينتاب إنسان الحياة العادية حين يفاجأ بالجرائد ~~تنشر على صدرها بالبنط العريض نبأ اكتشاف سر الحياة، بل كانوا يحضرون ~~لنا الطعمية في الصباح ملفوفة - زيادة في تعذيبنا بمنع أي متعة عنا، ~~ولو كانت قراءة الأخبار القديمة ms029 في الصحف العربية - في جرائد ألمانية، ~~لا أعرف من أين استطاع المتعهد الهمام أن يعثر على كل تلك الكميات ~~منها. # وكانت جرائدي اليومية هي تلك القطع المشبعة بالزيت من أوراق الصحيفة ~~الألمانية، التي لم أعرف لها اسما. أما وقد انقطعت عنا تماما أخبار ~~العالم الخارجي، فقد كانت أخبار الصباح بالنسبة لي ليست أحداثا أو ~~«مانشتات» أو حروبا وثورات واكتشافات، كانت أخباري أن أنجح رغم بقع ~~الزيت في قراءة كلمة ألمانية كاملة ونطقها. كل صباح كنت لا أترك ~~الورقة، حتى أنجح في قراءة كلمة، وحينئذ أضع الورقة جانبا، وأتنهد ~~بأعظم وأعمق ارتياح. أقسم أنه كان أعظم وأعمق من ارتياح قد يحسه إنسان ~~قرأ مع إفطاره كل جرائد العالم وعرف أخباره واطمأن أن كل شيء فيه على ~~ما يرام. أما المتعة الكبرى، المتعة التي لم يظفر بها إنسان، فهي تلك ~~التي أحسها حين أنجح مستعينا باللاتينية التي أعرف بعضها، ~~وبالإنجليزية والفرنسية وبالفهلوة المصرية أن أعرف معنى كلمة نجحت في ~~قراءتها. وأبدا أبدا لا يمكن للزمن أن ينال من فرحتي ذلك الصباح ~~الذي نجحت فيه في معرفة معنى كلمة «فريدان»، وخمنت أنها ~~«الحرية». # النساء! # تلك الحياة المسجونة الثانية التي تجد نفسك تحياها، وتخضع لقوانينها، ~~حياة كحياة المشلول، أو من أصيب بالعمى، أو فقد بعض عقله - أضيق ~~قليلا من حياة الناس - ولكنها أيضا مزدحمة، بل حتى أناسها ليست لهم ~~شخصيات جديدة لا بد تختلف بدرجة أو بأخرى عن شخصياتهم التي يعرفهم بها ~~الناس في دنياهم العادية. تفاجأ أحيانا بمن كان طبعه الضجر والملل ~~والتكشير، وقد تحول إلى «بلياتشو»، وأصبحت شهرته أنه «ابن نكتة»، ~~ومجلسه «مجلس أنس»، والمخيف المرعب، وقد تحول إلى فأر مذعور، ~~والمتواضع الغلبان وقد انتصب من داخله شجاع عنيد. وأحيانا يضاف إلى كل ~~منهم «لحسته الخاصة»، إطلاق الذقن مرة، أو الإغراق في الصلاة، أو ~~موهبة قول الشعر، وكتابة القصص، وقد نمت فجأة وبلا سابق إنذار، وتتجمع ~~فئات تلك الحياة الموازية الخاصة، وتستدير كي تصنع حياة تكاد تكون ~~كاملة، أقول تكاد؛ لأن أمرا ms030 حيويا واحدا يظل ينقصها. # النساء! # بعدما تنتهي من إعادة تذكر كل قصص الحب والعلاقات بالنساء في حياتك ~~وتجترها مرارا، بعدما ترتوي ما شئت من أحلام يقظتك، ومن تصورك لكل ما ~~استحال عليك بلوغه ممكنا، وكل وقائع فشلك، وقد انقلبت إلى معارك فوز ~~وانتصار، بعدما تستميت دفاعا عن كنوز ذكرياتك تلك ضد العدو الأوحد، ~~السجن وعمله في النفوس، تبدأ تحس أنها رغم استماتتك تتسرب من قبضتك ~~المطبقة عليها، وتتركك وقد بدأت تنسى أنك رجل؛ إذ قد تلاشى من وعيك كل ~~ما كان يذكرك برجولتك، واختفت من عالمك الجديد كل لمحة أو بادرة تعيد ~~لك الذكرى، وهكذا تحيا ونفسك الجديدة تعمر بكل شيء من آيات الحياة إلا ~~منطقة منها مجددة مجدبة قفراء لا أمل لها في ماء أو نماء. # هكذا جلست أحدق في الحادث المروع الذي وقع، والذي نقلني فجأة ~~من عالم اندثرت فيه الذكورة والأنوثة من زمان وانمحت، إلى وضع أنا ~~فيه أرتكن إلى حائط ليس وراءه إلا نساء في نساء، كبيرات وصغيرات، ~~وسمينات ورفيعات، وبيضاوات وسمراوات، وعلى كل لون وبأي شكل تشتهي ~~وتريد، أحدق مروعا مشتتا، عاجزا عن أن أصنع أي شيء بالمرة. # إني في الزنزانة التي يتقاتل المساجين عليها ويقدمون الرشاوي ~~ل «شاويشية» الأدوار كي يمنحوهم إياها. في الزنزانة الشهيرة التي لا ~~يزال السجن يتناقل جيلا بعد جيل قصة الواقعة التي جرت فيها يوم أن ~~احتلها أحد «اللومانجية» الذي قضى عشر سنوات في «الليمان»، وكان لا ~~يزال أمامه على الإفراج عنه عشر سنوات أخرى، وكان مارا على السجن في ~~«ترحيلة»، واكتشفوا في الصباح أنه استطاع بجبروته والاستعانة ب «مطواته» ~~التي مهما فتشته لا تعثر لها على أثر، أن «يثقب» الحائط المبني من ~~«الدبش»، والكائن بين زنزانته والزنزانة المجاورة في سجن النساء، بحيث ~~أمكنه أن يصنع «ثغرة» نفذ منها بجسده إلى جاراته المسجونات الثلاث ~~اللاتي تقبلن الحفر والثقب واللومانجي دون استغاثة، بل يقال إنه «ضاجع» ~~حارسة الليل نفسها، حين جذبت انتباهها أصوات عدم الاستغاثة . منذ ذلك ~~اليوم أقامت إدارة السجن ms031 حائطا ثانيا سميكا جعلت مونته من الأسمنت ~~هذه المرة، من المحال أن ينجح أحد في ثقبه، حتى لو كان قادما من حرمان ~~مؤبد. # أذكر الحادثة؛ لأنها بعد مدة وعقلي أبيض منتفخ بفكرة حظي الهائل، ~~ساكن لا يملك حراكا، حين بدأ يتحرك كانت حركته الأولى هوجاء مجنونة على ~~هيئة فكرة أن أثقب الحائط، وحيث إن المونة من الأسمنت فلا بد من ~~استعمال أصبع من الديناميت أكلف أحد العساكر بشرائه، وما داموا يهربون ~~كل شيء إلى السجن، حتى المخدرات، فلماذا يستعصي الديناميت؟ ويصنع لي ~~فتحة أدخل بها إلى بيت اللحم المجاور، اللحم الشهي الحي الذي لم أذق ~~طعمه من سنوات! # ومع أني رحت أخرف وأبذر في تخريفي على تلك الصورة، وأنا أحس بنفسي ~~سعيدا منتشيا سكران بالنشوة، إلا أنه عاجلا أو آجلا كان لا بد أن ~~أبدأ أتبين الوضع على حقيقته، وأدرك بجلاء ووضوح وثبات أني أصبحت في ~~مكان ليس بيني وبين ما لا يقل عن أربعمائة امرأة فيه إلا خطوة - حتى ~~لو كانت على هيئة حائط، فهي لا تعدو كونها خطوة - تأملا بدأ مخي معه ~~يسخن وترتفع حرارته، حتى يبدأ يفرز عرقا داخليا غزيرا على هيئة ~~رذاذ من الأفكار المتلاحقة. وكنت أعرف أنه مهما تنوعت أفكاري وتشتتت ~~فلا بد أن أبدأ بعد «التمام» في الخامسة، أدق. ~~••• # إن الحياة الحقيقية للمساجين لا تبدأ إلا بعد أن يزول إرهاب العيون ~~الآمرة الناهية التي لا عمل لها إلا أن تمنعك من كل ما تملك حق منعه، ~~وكأن السجن في الحقيقة ليس إلا كلمة «ممنوع» كبيرة وشاملة، ممنوع كل ~~شيء إلا ما يبقي عليك الحد الأدنى اللازم كي لا تموت، لا لأنهم يريدون ~~- لا سمح الله - لك البقاء، ولكنهم يريدون لك أن تحيا حياة الموت معها ~~أرحم؛ إذ ممنوع عليك فيها كل ما يجعل من الحياة متعة، والمباح فقط هو ~~كل ما يجعلها عبئا وعذابا وقيدا ثقيلا تتمنى لو تخلصت منه واسترحت ~~بالموت، ولكن الغريب أنهم لم يستطيعوا، وأعتقد أنهم أو غيرهم لن ~~يستطيعوا - مهما ms032 اتخذوا من احتياطات وبالغوا في قائمة الممنوعات - أن ~~يخلقوا ذلك السجن الكامل الذي يحلمون به؛ فقد استطاع الإنسان دائما ~~أن يجد حرية داخل كل قيد على الحرية، وأن يخلق داخل كل ممنوع ما هو ~~مباح؛ ولهذا لا تبدأ الحياة الحقيقية إلا بعد زوال حراس المنع من ضباط ~~وشاويشية، والعهدة بالرقابة إلى حرس الليل العزل، وهؤلاء كالمساجين ~~تماما ما إن تزول عنهم الرقابة حتى - في معظم الحالات - ينطلقوا على ~~سجيتهم. ما إن يدق جرس «التمام»، ويطمئن المأمور أن العدد مضبوط ولم ~~ينقص واحد أو يهرب واحد، حتى يفرج كل مسجون عن نفسه، فيبدأ يتكلم مع من ~~يشاء من جيرانه، ويسكت حين يشاء، ويزعق إذا عن له، ويغني متى أراد، ~~ويقول رأيه في أحداث اليوم، ويشتم ويسب، أجل ويسب، وما أكثر كمية ~~السباب التي تغادر الأفواه بعد «التمام»! وكأن السباب غريزة، ومزاولته ~~ركن من أركان الحرية. وهكذا لا يبقى من السجن الكامل الذي أرادوه ~~إلا جدرانا صماء هي الوحيدة المحبوسة داخل مساجين يشبعونها دقا ~~وضغطا واختراقا بأحاديثهم وصراخهم، دون أن تجسر على منع أو ~~اعتراض. # وكانت حريتي وما هو أكثر من الإفراج في رأيي، أن تأتي الخامسة وتقوم ~~الضجة لأستطيع محتميا بها أن أبدأ أدق وأعلم الجارات بوجودي؛ إذ من ~~لحظة الوعي فقط سيبدأ أروع وأهم حدث في حياتي تلك! # وقلت وأنا أدلل الاحتمالات تدليلا لا يحدث إلا والهدف العظيم في ~~جيبك تداعبه متلذذا مستثيرا لشهيتك: ربما هن لم يعدن بعد، ربما هن ~~في الحمام أو في المنسج. ولكن أشعة الشمس أصبح بينها وبين السقف في ~~زنزانتي ما لا يزيد عن العشرة السنتيمترات بما معناه تعديها الخامسة ~~والنصف، وأنا أدق ولا أحد يجيب. ربما سمك الحائط؟ بقوة أكبر ب «الجردل» ~~نفسه، بقدمي وقوة الساق الهائلة رحت أدق، وفي الحقيقة لم أكن أدق بقدر ~~ما كنت أطرد بشدة احتمال أن تكون نتيجة هذا الاحتشاد والفرحة إلى درجة ~~الوصول إلى تدليل الاحتمالات أن الزنزانة المجاورة خالية تلك الليلة ، ~~ومن يدري؟ ربما غدا أيضا ولليال ms033 كثيرة مقبلة. كنت أطرده بشدة لعلمي ~~أن البله الذي قابلت به المسألة أول الأمر كان راجعا إلى أنها من ~~الضخامة بحيث لا تصدق، وأني حين صدقتها فعلا، وبدأت أتصرف كانت قد ~~غورت في كياني وعقلي وأحلامي إلى درجة أصبحت معها خيبة الأمل إذا حدثت ~~شيئا بشعا شريرا لا يتحمله بشر. # في السادسة توقفت عن الدق. لم تكن أول مرة أقرر فيها التوقف، ولكنها ~~كانت المرة التي قررت فيها التوقف بلا عودة. لم يعد لدي أدنى أمل في ~~استجابة أو رد، بل حتى الأمل في ذلك، الأمل كان قد انتهى، وأصبح علي ~~أن أعتبر الموضوع كأن لم يكن، وأن أجهز نفسي لقضاء الليلة في زنزانتي ~~الجديدة تلك مثلما كنت أقضي الليالي في الزنازن القديمة، أفكر بلا هدف ~~في لا شيء، حتى تتزغلل قوى عقلي وتنهار فأنام. # إنها لكارثة محققة. # فصحيح أنه لم يكن قد مر أكثر من ساعتين منذ عرفت الخبر، لكن المشكلة ~~ليست أنه استثارني أو هيج كامن أشجاني، المشكلة أني لم أعد أنا، أني ~~فجأة وجدت نفسي أمام إنسان آخر انتفض من داخلي ماردا عملاقا رهيبا، ~~لا علاقة بينه وبين الإنسان الذي كنته طوال ذلك اليوم والأيام ~~الكثيرة التي قبله، الإنسان الذي كنت قد اعتدته وعرفت حدوده وخصاله ~~ومزاياه. لم أدرك أنه كان على تلك الدرجة من الموت إلا حين انبثق ذلك ~~الآخر، إلا حين أحسست وكأنما أرى بعيني الحياة تتدفق - لدى ذكر النساء ~~وعالمهن واستحضار المرأة في ذهني - غريزة وحشية مكتسحة كأمطار الصيف ~~فوق خط الاستواء، تنهال على سطح البحيرة الآسن الراكد البليد، الذي ~~ألت إليه بجسدي وأفكاري وأحلامي وانفعالاتي. مجرد وقع الكلمة على الأذن ~~«النساء» بذلك التضاد القاهر المكهرب معك، المناقض تماما لك، الذي ~~تحن إليه وترغبه وتريده كما تريد الحياة نفسها، مجرد تصورك لأجسادهن ~~المختلفة، لانبعاجاتها المثيرة، لملابسهن حتى ملابس السجن الواسعة، ~~لروائحهن الخاصة، دائما خاصة كبصمات الأصابع، لأصابع أقدامهن الصغيرة ~~كالجرذان الوليدة المنكمشة على نفسها، لأياديهن النحيفة زرقاء العروق ، ~~للعيون، عيونهن وإحساسك أنها عيون امرأة ms034 ورموش أنثى، ترسل نظرات تدرك ~~أنها نظرات أنثوية منتزعة من أعماق امرأة، ومرسلة إليك مضمخة بأنوثة ~~تلون حتى شعاعات البصر. المرأة، الصدر الحنون والقلب الرحيم، ~~والكلمة الحلوة الرقيقة، والأفخاذ التي يفقد بينها الرجل صوابه. بركان ~~تفجر لا سبيل إلى إيقافه، قوى وافدة، غريبة، ملايين من شحنات كهربية ~~حية أحسست بها من منبع خفي في جسدي تتفجر كالنهر الغاضب في فيضانه ~~يكتسح. جن وعفاريت وأفكار مجنونة حافلة بذكاء لامع براق، وطموح هائل، ~~وأحلام شهية تتولد وتتكاثر وتغمر الدنيا بأسرها. هكذا لا بد فتك ذلك ~~اللومانجي بالحائط، فقد كان باستطاعتي ساعتها أن أثقب الجدران أو أهدها ~~أو أحطم المعبد. قوى لم أعد أقوى على السيطرة عليها، فأصبحت حرة تستطيع ~~أن تفعل ما تشاء، تقدم على الفرار أو تقتل حارس الليل، أو تضاجع الحجر. ~~العشاء التهمته في غمضة عين، ودار حارس الليل على الزنازن يلم لي ما بقي ~~من طعام، وبنهم جشع رحت أدخن، حتى أتيت على نصيب الأيام القادمة ~~الذي قسمته بعناية وادخرته. أحيانا كنت أمسك رأسي بيدي، وأضغط ~~عليه بشدة مخافة أن ينفجر، وكل أملي أن تأتي ساعة النوم وأهدأ، ولكني ~~كنت متفائلا جدا؛ فها هو برد الزنزانة يشتد، والظلام يقل علامة طلوع ~~الفجر، وليس في عيني أو كياني كله لمحة نوم واحدة. ~~••• # في اليوم التالي لم أنتظر «التمام» النهائي في الخامسة، في ساعة ~~القيلولة دققت دقات عنيفة مختلسة يائسة، وفي نهاية اليوم دققت، وكثيرا ~~ما منعت نفسي أن أدق الحائط برأسي غيظا، غير متصور أبدا أن يكون حظي ~~بهذه التعاسة، وأن تظل الزنزانة خالية أيضا لليوم الثاني. والمضحك أن ~~أسبوعا بأكمله مضى وأنا كل يوم أدق، وأفعل هذا مع أن حريتي في الدق ~~كانت محدودة بتلك الدقائق التي تعقب «التمام» مباشرة؛ حيث بعد السكون ~~الشامل المفعم تنطلق في أنحاء العنبر ثمانمائة حنجرة تصرخ كلها في وقت ~~واحد، ويزاول أصحابها متعة الكلام بعد إجبار طويل على السكوت. ومع ~~انتهاء الضجة تنتهي محاولاتي وفرحتي، ومع هذا فما أكثر ما غامرت ودققت ~~في ms035 ساعات الصمت! وأنا أحاول بكل قواي أن أكتم الصوت، بل أحيانا كنت ~~أستيقظ من النوم لأجد نفسي قبل أن أفيق تماما أدق! # ولا أذكر كيف فقدت الأمل؛ فقد كان لا بد طال الوقت أم قصر أن أفقده. ~~كان واضحا أن «عنبر» الحريم يشكو قلة الزبائن، وأنهم يؤثرون هناك أن ~~يجعلوا المنطقة القريبة من «عنبر» الرجال آخر ما يستعمل. وعلى غير ما ~~كانت البداية حادة ومتفجرة وعنيفة كانت النهاية بطيئة طويلة ممتدة، ~~وكأنما عن عمد، وكأنما رفضا للفقدان التام للأمل، والتلكؤ لعل وعسى ~~تحدث المعجزة. # وحتى تلك النهاية التي بدت كالحدث الفاجع أول الأمر، انتهت هي الأخرى ~~كنهاية، ومع الأيام ذابت كي يعود الموات إلى كل شيء، وتصبح البحيرة ~~الراكدة أهدأ ما تكون وآسن ما تكون. كل ما في الأمر أن طعما مريرا ~~ممتدا، طعم الفشل، كان قد أضيف إليها، طعما كنت متأكدا أنه هو ~~الآخر لا يلبث أن يزول، ولا تلبث الحياة أن تعود بي إلى ذلك الإنسان ~~الآخر الذي كنته. # بالاستطاعة إذن إدراك هول الزلزال المفاجئ الذي هز أركان نفسي، ~~حين سمعت - أجل سمعت - بأذني هذه دقات تأتيني عبر الحائط السميك، في ~~ضجة ذات «تمام». # وشكرا للسجن الانفرادي أن أحدا لم يرني ساعتها، وأنا أقفز في ~~الهواء، وأدق الحائط من أعلى ومن أسفل، ثم أستجمع كل قواي، وأثب وثبة ~~هائلة أتعلق بها في حديد النافذة، وأصرخ وأغني وأقلد طرزان وأتشقلب، ~~رأسي إلى الأرض، وساقاي في الهواء، وأعوي، بأعلى صوتي أنادي جاراتي ~~جميعهن ناعتهن بألفاظ لا تخطر على بال سكران، وأعود أدق وأدق فقط كي ~~أدق، وأنا فرح فرحا حقيقيا أحس به. ونحن في الحياة العادية التي ~~نتعامل فيها مع الفرح والحزن والاكتئاب والتفاؤل نفقد الإحساس بهذه ~~الانفعالات بكثرة المزاولة، «نعرفها» بحيث لا نعود نتوقف عندها أو ~~نكتفي بها. إذا نجح فينا أحد يجد نفسه يكاد لا يحس بالنجاح ساعة وقوعه؛ ~~إذ هو على الفور يبدأ يتساءل عما بعده، عما يفرح أكثر، فالنتيجة أننا ~~لا نفرح في السجن حين يحدث ms036 ما يفرح من طول افتقادنا للفرحة، نحس بها، ~~نلمسها وتضطرب بها أجسادنا، وتحفل بطاقات من نشاط الفرحة الغامر، ونرى ~~أبواب أمل واسعة في صدورنا تتفتح، وتنبهر بالنور الكثير يكتسح أمام ~~أعيننا الظلام الكثيف الرابض داخلنا، فعلا نفرح، لا يهمنا كثيرا ما ~~بعده بقدر ما يهمنا أنه جاء وأننا نحياه. لكأن كلما ضيقت علينا الحياة ~~اتسع إحساسنا بها، وكلما قلت كميتها أصبح لكل دقيقة من دقائقها وقع ~~أروع وأثمن. # ولم أفطن إلى زوال ما بعد «التمام» إلا حينما بدأت أعي أني الوحيد ~~الذي يحدث ضجة، وكما كان على «العنبر» أن يئوب إلى هدوئه الليلي كان ~~علي أن أبدأ بروية أكثر. ها بعد طول صبر ويأس وانتظار قد غمزت ~~السنارة، وها أنا ذا متأكد أن صيدا سمينا كبيرا على الناحية الأخرى، ~~صيدا قادما من تلقاء نفسه، وهو الذي بدأ، وعلي بكل ما أوتيت من ~~قدرة وحذق أن أظفر به كاملا. وبانتظام بدأت أدق وأرهف أذني - وهذا ~~هو الأهم - كي أتسمع الرد. كانت تأتيني أصوات خافتة بعيدة كالقادمة من ~~أعماق بئر، وكانت أذناي تلتقطها وتترجمها وتنقيها وتحولها من دقات إلى ~~لغة، ومن لغة تتكلمها اليد إلى لغة يحسها الشعور ويدركها العقل. ~~إنها مثلي بمفردها، وهاتان الدقتان السريعتان المتصلتان معناهما أنها ~~قلقة هي الأخرى، خائفة مثلي أن يحدث ما يقطع الاتصال؛ تلك الدقة ~~الوحيدة التي لم ترفع اليدين عن الحائط بعد دقها، إنها ابتسامة ~~اطمئنان، ألمحها؛ فمثلما يطمئنني قلقها لا بد أن قلقي يطمئنها، ما أعذب ~~هذا! ما أروع أن أعثر في وسط صحراء مترامية الأطراف، في آخر الدنيا ~~هنا، حيث لا حضارة ولا أنس ولا بشر، حيث انتهى العالم من زمن، أعثر على ~~أنثى! أدق لها فتدق لي، وأضطرب خوفا من فقدانها، فتبتسم لي في حنان ~~واطمئنان. لقد عرفت الحب أكثر من مرة، الحب المحموم المجنون الذي ~~ينهش الصدر ويعتصر الروح، الحب الذي ينسيك من تكون، وما كنته، وما ~~يجيء به الغد، الحب الذي من طينته خرجت قصص الغرام الكبرى، وجن قيس ~~وانتحر ms037 فرتر وماتت جولييت. بعد الحديث القصير الذي تم بالأيدي أحسست ~~وكأنني عثرت على سيدة عمري، أحسست أن حبي الثالث ذلك الذي لا يقاس ~~بجواره أول أو ثان، ذلك الذي طالما حلمت به وخشيته، وطالما هفوت إليه ~~وأرعبني مجرد التفكير فيه، عرفت أنه هكذا ودون كلمة أخرى قد بدأ. إن ~~قصتي مع المرأة حرب دامية طويلة، بدأت من يوم مولدي، ومع أول امرأة ~~عرفتها، أمي! حرب انتهت بخوفي من المرأة إلى درجة عبادتها، والحقد ~~عليها إلى درجة الرعب المقيم أن يتحول الحقد إلى حب، فأودعه كل شوقي ~~المريض إلى المرأة منذ أن كانت أمي إلى أن أصبحت غريمتي وعشيقتي، وأفقد ~~في تلك المعركة، في الحب، نفسي تماما. وهكذا بمقدار تعطشي للحب كانت ~~محاولاتي للهرب، ولكني هذه المرة بإرادتي المدلهة أختاره، حتى لو كان ~~فيه - وحتما فيه - هلاكي، هذه المرة لا صراع ولا محاولات مستمرة ~~للتراجع. إني أدفع بكل قواي وأدق وأكاد أموت متعة وتلذذا، والرد ~~يأتيني دقا أنثويا واهنا مبحوحا، أرى اليد التي ترسله بيضاء ~~صغيرة ذات شعر ميكروسكوبي أصفر، وأظافر بلون دم الغزال الشاحب، يد ~~أعرفها وأقبلها وأقبل كل أصبع فيها، وبلساني ألثم ما بين ~~الأصابع. # وأصبح واضحا من دقاتنا المتتالية المتشنجة أننا في حاجة لاقتراب ~~أكثر. لم تعد لغة الأيدي القاصرة قادرة على ترجمة ما يغلي داخلنا من ~~انفعالات، كان لا بد أن نتكلم! وللمساجين طريقتهم الشهيرة في التخاطب ~~عبر الجدران هي وضع «كسرولة» الطعام الفارغة من ناحية فتحتها على ~~الحائط، وتقريب الفم من قاعها للتكلم، أو إلصاق الأذن به للاستماع. ~~ورحت من خلال «الكسرولة» أتحدث وأحاول الإنصات، ولم أعجب حين بدا وكأن ~~لا صوت هناك، كنت أعرف أن الجدار سميك، وهكذا رحت بأعلى وأحد ما أستطيع ~~أهمس محاذرا أن يسمع الحارس همسي، والوقت يمضي ومحاولاتي لا تكف، ~~وحنقي وضيقي قد بلغا درجة أصبحت معها لا أحفل، حتى أن يسمع الحارس. ~~كانت تعاستي تكاد تذهب بعقلي، وأنا أرى نفسي لا يفصلني عن الأنثى التي ~~استجابت لي، وبدأت معها مغامرة ms038 العمر الثالثة إلا جدار عمره ما وقف ~~حائلا بين مسجونين، أقرب ما تكون مني، أبعد ما تكون عني، وأنا بين ~~النقيضين مشدود أتمزق غيظا وألما. # ولم يكن لي من منقذ إلا أن تحدث معجزة، فيتفق وضعي لل «كسرولة» مع ~~وضعها، بحيث تلتقيان عند نفس النقطة من الحائط، فيمر الكلام مباشرة من ~~إنائها لإنائي، وكيف لي أن أعلم أنها هي الأخرى وصلت إلى نفس استنتاجي، ~~وبدأت تبحث عن مكاني مثلما بدأت أبحث عن مكانها؟ ويا له من مشهد ذلك ~~الذي كان مقدرا أن يراه الرائي لو أتيح له أن يشاهد كلينا في نفس ~~الوقت، بحيث يتابع تلك اللعبة الخالدة الدائرة ربما منذ بدايات ~~الخليقة، ذلك البحث الدائب عن ملتقى بين اثنين أقرب ما يكونان وأبعد ما ~~يكونان، لا يفصلهما سوى بضعة سنتيمترات من حجر أو طبقة أو جنس أو ~~لون! # أناديها بأعلى وأقوى ما أستطيع من همس: سامعاني؟ # وتناديني دون أن أسمع لها صوتا: أنت فين؟ # وكلانا أعمى محموم بالرغبة، يتحسس بالغريزة وحدها والسليقة طريقه ~~إلى الآخر، وأبدا أبدا لا يفقد الأمل. وكم بدت المهمة سهلة أول ~~الأمر! إن هي إلا بضعة أمتار مربعة باستطاعتي أن أمسحها طولا وعرضا ~~وحتما سأنتهي بالعثور عليها. ويمضي الوقت بطيئا، قاتل البطء، وتستحيل ~~الأمتار القليلة إلى غابة مترامية الأطراف من المحال أن تلتقي برفيقك ~~أو يلتقي بك بمجرد بحثك عنه وبحثه عنك. # ولكن، حتى بقانون الصدفة المحضة كان محتما أن نلتقي، فما بالك وثمة ~~قانون مقدس أعلى كان يحكمنا في ذلك الوقت، قانون الأنثى والذكر. ولم ~~أكن في تصوري أطلب المستحيل، وأعتقد أني سأستطيع التحدث إليها عبر ~~الإناءين، بحيث تسمعني وأسمعها في وضوح. كان يكفيني مجرد أن أسمع صوتها ~~الأنثوي، مجرد أن أستطيع تمييز نطقها المخالف، وأطمئن بالدليل المادي ~~إلى أنني لا أحلم ولا أتصور ولا أبني انفعالاتي على وهم، وإنما هناك ~~وراء هذا الحائط أنثى حقيقية من دم ولحم. وحين حدث اللقاء وبدأت أذني ~~المنتبهة أدق انتباه تلتقط ما يأتيني عبر الحائط، كدت أصاب ms039 بخيبة ~~الأمل، فقد جاء الصوت وكأنه ليس نافذا من خلال الحائط، وإنما كأن ~~الحائط، أو ما هو أثقل بكثير من الحائط، كأن جبلا بأكمله قد مر على ~~كلماته وحروفه، فسحقها كما كان القطار يسحق ما نضعه فوق قضيبه من ~~مسامير ونحن صغار، فيحيلها إلى رقائق معدنية كحد الموسى. لم تكن كلمات ~~أو حروف، وإنما مسحوق همس لا تستطيع تمييز جمله، تهشمت ودكت بحيث ~~استحالت إلى أصوات متصلة أو متقطعة، كالأنين مرة وكالصفير مرة أخرى، ~~كسين طويلة بطول السطر، أو كمائة دال متتابعة، وأيضا لا تعرف حتى نوع ~~الصوت الآتية به؛ فهو أحيانا غليظ كأصوات الرجال، وأحيانا دقيق رقيق ~~كأن مصدره عصفور كناريا. ولا بد أن صوتي هو الآخر كان يصلها على نفس ~~الصورة، ولكن كما لم تستطع الجدران أن تحول بين قانون الذكر والأنثى، ~~وبين أن يأخذ مجراه، فكذلك لم تقف اللغة المهشمة والهمس المسحوق ~~حائلا، بل مثلما أحلنا الجدار الذي كان مفروضا أن يفصل بيننا إلى ~~وسيلة اتصال، فكذلك أحلنا اللغة المهشمة إلى أداة تفاهم. # وبالهمس المسحوق رحنا نتحدث، حديث المحبين الخجول المتعثر المفضي ~~دائما إلى الحديث عن النفس، والاعتراف، وكان كل منا قد وجد القلب ~~الحنون الذي يهدهد على كلماته، ويغفر أخطاءه، ويجد المبرر لذنوبه ~~وعثراته. # ومن همسها المسحوق راحت تتجسد لي، وكما يستطيعون في الطب الشرعي أن ~~يعيدوا صنع الإنسان بأكمله إذا عثروا على أصبع من أصابعه مثلا، أو جزء ~~من أعضائه؛ إذ لا بد لكل أصبع من اليد التي تناسبه، ولا بد لليد من ~~الذراع والجسد والأقدام التي تناسبها، وكل أنف له الأذن والعين والوجه ~~الخاص به، وهكذا يعيدون تركيب الإنسان ليصبح صورة طبق الأصل للضحية. ~~واستطعت من همسها المسحوق أن أراها كاملة، وأقربها، وأضمها، وأعانقها، ~~وتصل منابت شعرها إلى أنفي؛ إذ هي أقل مني طولا، وعيناها سوداوان ~~غامقتا السواد، وعلى جانبي وجهها المستطيل ينهدل شعرها الأسود الناعم، ~~ومن خلال جلباب السجن الأزرق ينفر ثدياها متباعدين بلا «سوتيان» كثديي ~~بكر ، ولا بد بإزميل فنان صنع فخذيها؛ ms040 فهما طويلتان ممتلئتان، تتوجهما تلك ~~الاستدارة الطرية الملساء الكاملة. اسمها حتما فردوس وفي عروقها دم ~~بدوي، وعلى ذقنها بالضبط فوق الغمازة وشم لا يتعدى ثلاث نقاط رمادية ~~باهتة، وفمها ليس صغيرا كفم البنات، ولكنه ممتلئ مقلوب الشفة العليا ~~لا تملك لحافتها المشرعة إلى أعلى، مقاومة، لها في السجن ثلاث سنوات، ~~كان زوجها يستخدمها في تهريب المخدرات، وضبطت بالبضاعة في ديزل ~~الإسكندرية. # وككل إنسان، كثيرة هي المرات التي يخوض فيها تجربة الجسد مع النساء، ~~حتى لو كان الجسد لحبيبة، ولكني ما حييت لن أنسى كيف استطاع الحديث ~~بيننا أن يرتفع بدفئه درجات مقربا ما بيننا، حتى بدأت أحس بأجسادنا ~~تتلاصق وتتداخل صانعة البداية لأروع متعة ظفرت بها في حياتي. وأنا من ~~خلال ذلك التيار الصوتي الدائر بيننا أحيل جسدي كله وذكورتي كلها إلى ~~أصوات أنفثها عبر الوعاء الألومنيوم ويسحقها الحائط، ولكني أحس بها ~~تغادره أكثر حدة والتهابا، تخترق وعاءها المعدني وجسدها، وتصل إلى مكمن ~~الحياة فيها. وبدوري أتلقف أنوثتها الذائبة في الصوت المطحون المبحوح ~~القادم يئن عبر الحائط، أجذبه وأمتصه، وأجذبها هي نفسها وأمتصها، حتى ~~منديل رأسها، وبعنف أكبر تغيبني هي في نفسها حتى أظافر القدم. # ولم ننم ليلتها. # ولم أتحرك من زنزانتي طوال اليوم التالي ممددا فوق «البرش» أجتر ~~سعادتي، وأحس وأنا في أقبح مكان في الكون بجمال للعالم، وطعم للدنيا لم ~~يذقه بشر، أشعر أني أصبحت أقوى من سجني وسجانتي ومن سجنوني. كل لحظات ~~الضعف واهتزاز الثقة راحت وتبخرت، والرجل في قد عاد للحياة تماما، ~~فعاد للحياة سحرها ومعناها. والرجل في حالة حب، حب لم يذقه في كل ما ~~سبق من قصصه؛ فقد كانت تجارب للصراع المحموم وكبح النفس والإحساس ~~بالخجل وتأنيب الضمير، ولا أدرك أنه كان حبا إلا هناك حين ينتهي كل ~~شيء، وتعود الحياة إلى بلادتها. الآن ومنذ اللحظة الأولى أعترف وأستمتع ~~وأعيش للحب وسعادتي الكبرى أن فردوس تحبني. قد تكون غير متعلمة أو ~~مثقفة أو تجيد استعمال الماكياج، وأخذ المواعيد من الترزي. قد لا ~~تستطيع أن ms041 تدرك معنى أنني شاعر، أو تفهم تماما سبب سجني، ولكن حسبي ~~أني رجلها، وأنها أنثاي، وأن كل ما حدث لي أو حدث لها قبل لقائنا، ~~وبالذات قبل ليلتنا الماضية، كان سرابا وخداعا، وأننا منذ الأمس فقط ~~بدأنا لأول مرة في حياتنا نعيش. # وجاء المساء. # هذه المرة لا جنون ولا استعجال إنما هو الاطمئنان العظيم يغلف كل ~~شيء، وبمثل ما كان للقلق والخوف والترقب من متعة، فللاطمئنان متعة أكبر ~~وأشهى وأعمق. # قبل أن يحل «التمام» وجدت أني لا أستطيع الانتظار، وقررت ما دام ~~الكلام مستحيلا أن أكتفي بالإنصات لعلي أسمعها تكح أو تغني، أو حتى ~~تستعمل «الجردل». ودهشتي كانت أني سمعتها تتحدث، عبر الحائط أتتني ~~أصوات استطعت تمييزها وإدراك أنها لأكثر من شخص، وفي الحال أحسست بغصة ~~حادة، وكأنما حدثت كارثة. إنها ليست بمفردها إذن، هناك مسجونات معها ~~يتحدثن ويضحكن ولا بد أنهن ينمن بجوارها. وأحسست بالغصة تندك في أعماقي ~~أكثر، مجرد أن يزاملها أحد، حتى ولو كن نساء مسجونات متاحا لهن ما ليس ~~متاحا لي، نساء يستطعن أن يرينها رأي العين أو يعانقنها ولو أردن ~~احتمال لا أستطيع قبوله، يخنقني ويلهب غيظي. وما يغضبني أكثر أنها ~~بدورها تحادثهن، فلا بد أنهن يحتللن من تفكيرها جزءا، بأي حق تسمح ~~لنفسها بهذا، وأنا بكل جزء من عقلي ونفسي وجسدي لها وحدها؟ بلغ غيظي ~~مداه. وحين حل «التمام» ودققت، ومضت لحظة قبل أن ترد، لم أعد أستطيع ~~الصبر، وانهلت على الحائط لكما وكأنما لتدرك أني إنما أوجه لها هي ~~اللكمات. # ثم جلست في الركن البعيد غاضبا أنفس عن غيظي بإشعال نصف السيجارة من ~~نصف السيجارة متجاهلا تماما دقاتها، وهي تستحيل من العنف إلى ~~الإلحاح، إلى السكون لحظة، إلى الغضب القصير إلى العودة مرة أخرى بلين ~~ورقة، وكأنما ترجو وتلح في الرجاء، رجاء لم أستطع معه المقاومة، فعدت ~~إلى الجدار أدق أنا الآخر دقات الصفح والصلح، ومن خلال الوعاء أهمس همس ~~العتب، وتتعانق الهمسات وتتعانق أجسادنا خلال الهمسات ، وأقبلها في فمها ~~الكبير ذي الشفة ms042 المقلوبة إلى أعلى، أقبلها قبلة لا نفيق منها إلا على ~~دقات تنهال على الحائط في احتجاج، وكأن زميلاتها يطالبن باحترام ~~وجودهن. # ولكننا رغم هذا لم نستطع أن نحترم ذلك الوجود، وفي حضورهن ورغم كل ~~شيء قضينا ليلة غرام أخرى. # وعدت إلى نفسي ذات لحظة بعد الأيام القليلة التي تلت لأجد أنني لم ~~أفعل شيئا طوال تلك الأيام إلا التفكير فيها. لم يدر بعقلي خاطر واحد ~~أو أحلم بشيء آخر خارج نطاقها ونطاق علاقتي بها، إنه الحب إذن بأكمل ~~صوره. وإذا كان الحب في الخارج يستولي على المحب تماما ويعزله عن ~~الحياة وينفرد به، فما بالك وأنا هنا منعزل ومعزول ولا عمل لي سواه! إن ~~الحدث الصغير التافه الذي قد لا يعلق بالذهن مطلقا في الخارج، حتى ~~لو كان ذهن محب، يبدو هنا مهما خطيرا لا بد من الوقوف عنده طويلا، ~~والعودة إليه مرارا، والتفكير فيه وربطه بغيره، والخروج باستنتاج، بل ~~باستنتاجات قد تؤدي إلى افتراضات ونتائج لا بد أن تؤدي بدورها إلى عودة ~~للتفكير والتأمل. # وهكذا عرفت عنها - من تلقاء نفسي وتأملاتي لهمسها المسحوق - في أيام ~~قليلة ما لم يكن باستطاعتي أن أعرفه في الخارج بمعاشرتها واحتكامي ~~المباشر بها في شهور، كل شيء عنها، بطفولتها بأجدادها وعرق البداوة ~~فيها، بالأغاني التي كانت «تدندن» لها جدتها بها قبل أن تنام، بتفاصيل ~~ما دار لها ليلة دخلتها، بالجهود التي بذلتها أمها كي تنزف دماء يسلم ~~لها الشرف الرفيع، ويزف على رءوس الأشهاد. # وقد يستنكر البعض أن يحدث هذا كله دون أن نتبادل كلمة سليمة واحدة، ~~وأن أستطيع أن أدرك كل هذا من خلال همس مسحوق، ولكن فليسأل المستنكر كل ~~من أحب إن كان قد أخطأ مرة في تفسير مواء الحبيبة، أو إن كان قد عجز - ~~أقل العجز - عن الإحاطة بكل ما يقوله أنينها مهما تشعب ما تقول. ما ~~حاجة المحبين إلى لغة إذا كان الصوت وحده مهما كان مسحوقا ومن خلال ~~جدار يكفي؟ # حتى فعل الزمن في الحب بدأت أستعذبه، وأستمتع بحدث ms043 الغرام الهائل، ~~وقد تحول إلى عادة، وتحولنا من غريبين محبين إلى قريبين، بل ما هو أكثر ~~من زوجين محبين، هذا الإحساس بأنها لي وبأني لها طول الوقت، بالأمس ~~واليوم وغدا أيضا ستكون لي. هذا الضيق الشديد بالساعات التي تباعد ~~بيننا، هذا القلق المفزع للدقائق التي تفصلنا عن اللقاء، اليقين ~~الذي أصبحت معه أستطيع أن أحدد دون بحث بالضبط أين ستضع وعاءها لأضع ~~وعائي، وأين ستتحدث لأصغي، ومتى تنضج رغبتها للإصغاء كي أتحدث. هذا ~~الهاتف الذي يوقظنا معا لأدق دقة وتدق دقة، ونقول بهما: صباح ~~الخير. أو بالضبط متى تبدأ تتثاءب لأقول بعدها: يالله ننام! تصبحي على ~~خير! # غير أني وأنا أحيا أطوار الحب كلها وأنعم بها لم يخطر ببالي طور آخر ~~ما أعددت له في نفسي أبدا، وما تصورت إمكان وجوده أو حدوثه؛ فهو في ~~الغالب كالعدو الغادر يداهم فجأة، ومن أول دقة دققتها، ولم يأتني الرد ~~في الحال قال هاتف في نفسي: انتهت علاقتنا إذن ولن أسمع عنها بعد الآن ~~أو تسمع عني. حدث هذا مع أن تأخرها أو تأخري في الرد كان مسألة عادية ~~تحدث في اليوم عدة مرات. # في الحال أيضا أخرست الخاطر؛ إذ إني أعرف ذلك الهاتف المتشائم ~~أبدا، الرابض خلف كل انعطافة حدث يبشر بالفاجعة والنهاية. ولم تكن تلك ~~أول مرة يجأر بهتافه؛ فمنذ قصتنا معا وكلما واتته الفرصة هتف، ولكن ~~علامات التفاؤل لا تلبث دائما أن تظهر وتفحمه. هذه المرة مثلما خمنت ~~لم تأت العلامات، وبينما علا عواء الهاتف سعيدا بتحقق فأله، بكل ما ~~أملك من قدرة رحت أكافح، وأستدعي إلى الذاكرة أسبابا وتعللات تبرر ~~تأخر الرد، أو حتى غيابه كلية ليلتها لو حدث، ربما هي في التأديب، ~~ربما في المستشفى، إن هي إلا ليلة أو على أسوأ الفروض ليلتان ~~وتعود. # ولكنه كان تمسكا بأهداب وهم أوهى من نسيج العنكبوت، كانت حقيقة قد ~~ذهبت تماما، هكذا أكدت الأيام والليالي الطويلة التالية، حتى حين - ~~بعد أكثر من أسبوع - جاءني رد على دقي، أشحت عنه في ms044 اشمئزاز وضيق؛ فقد ~~عرفت على الفور أنه ليس دقها، ليس لها، ليس صادرا عن يدها البيضاء ~~الطويلة الأصابع ذات الشعر الميكروسكوبي الأصفر. # وفي كل مرة انتهت لي فيها قصة حب كنت - حين أتأكد من النهاية، وبرغم ~~إطباق المأساة - أحس بنوع من الراحة، وكأن حملا ثقيلا انزاح عن ~~كاهلي، ولكن حتى ذلك الشعور لم يعترني أو يخفف عني، بل ليت ما اعتراني ~~أخذ شكل الحزن القاهر الواضح الحاد! إن هو إلا ذهول مستمر ذو نوبات. ~~فجأة تتوقف اللقمة في حلقي، وأنا - وكأنما لأول مرة - أدرك أن ما حدث ~~لن يعود، وأني أبدا لن أسمع مرة أخرى ذلك الحفيف الواهن الداق يأتيني ~~صادرا تماما عن القلب إذ أحس به تماما في قلبي. انتهى وجودنا معا، ~~وأصبحت وحدي نصف شيء لا يصلح للبقاء، ألم مستمر متصل لا ينقطع ولا ~~يزول. # المؤلم أكثر أني كنت متأكدا أنه حتى ذلك الألم وتلك النوبات مصيرها ~~إلى زوال، ومصيري إلى العودة إلى حياة السجن ذات اليوم المستمر الواحد، ~~ولن أعود أنعم بالتذكر، حتى لو جاء على هيئة غصة أو ألم. # المؤلم أني مستمر، والحياة مستمرة، والكون كله قائم وموجود ومستمر، ~~وما أبشع أن يستمر هذا كله بغيرها، بغير وجودها وحديثها وروحها ~~وظلها! # بعد مرور تلك الفترة من أيام الحدة الأولى، كان شغلي الشاغل هو تلك ~~الرغبة العارمة التي لم أكن أستطيع مقاومتها، الرغبة في الحديث عنها ~~لإنسان، لأي إنسان، وإن لم يكن بالذات عنها، فعلى الأقل عنهن جميعا، ~~عن المسجونات النساء، أو حتى عن النساء بشكل عام. # وجاءت مرة فرصة حين انتهت النوبة، وجاءت نوبة جديدة، وأصبح ~~«الأومباشي عبد الفتاح» العصبي الرفيع ذو العصا حارسا لليل في الدور ~~الذي أحتل إحدى زنازينه. # جاءت الفرصة لأني أعرف أن عبد الفتاح العصبي المتعجل في النهار غيره ~~عبد الفتاح حارس الليل، حيث لا توجد عيون الشاويشية والضباط، وحيث لا ~~عصا، وحيث يعود إلى طبيعته الصعيدية البسيطة، ويصبح الطريق إلى قلبه ~~كوب شاي مصنوع على السبرتو المهرب، والطريق إلى لسانه سيجارة ms045 ~~بلمونت. # وعبر باب زنزانتي المصنوع من عمدان حديدية متينة وقفنا بعد العشاء ~~ندردش ونتحدث، وبمهارة قدت الحديث إلى قصة اللومنجي الذي ثقب ~~الحائط ضاحكا، قائلا إني أنا نفسي طالما فكرت أن أصنع مثله، وشخشخ ~~صدر عبد الفتاح وهو يضحك ويقول: بس المرة دي ح يطلع نقبك على شونة. ~~أمال، على شونة. # وسألته: كيف؟ # فقال: دول خلاص عزلوا، كل الحريم راح القناطر، كله كله عزل، كله، ~~كله. # ودق الخاطر في رأسي، إذن هذا هو السبب في رحيلها المفاجئ لا ~~بد. # وقلت لأتأكد: أظنهم نقلوهم بقى من حوالي عشرة أيام كده؟ # فعادت إليه العصبية وهو يقول: لا لا لا، عشرة أيام إيه؟ أنت نايم ~~حضرتك؟ دول من زمان، زمان خالص، من ثلاثة أشهر، لا لا لا، ييجي من ~~أربعة أشهر! # وكدت أتوقف عن التنفس. # وكالتائه سألت: الله! بس ده فيه ناس في «العنبر»؟ # فقال: آه! فيه ناس أيوه، بس دول تراحيل، مرة رجالة مرة ستات. ~~تراحيل، يومين، أسبوع، أسبوعين وأنت وحظك. # وكدت أقهقه قهقهة من فقد العقل، وفي ألف ناحية جرى عقلي يفكر: أليس ~~من الجائز رغم آلام الحب المروعة ألا تكون هناك فردوس بالمرة، بل من ~~يدري؟ أليس من الجائز أن الهمس المسحوق كان همس رجل، ربما كان يعتقد ~~أنه يخاطب به أنثى؟ أو ربما فعلها أو فعلتها للتسلية وكسر الملل في ~~وقت طويل، طويل متشابه؟ # ليلتها، قبل أن أنام قلت لنفسي: أليس هذا أروع ختام لقصة ذلك الحب؟ ~~إنه على الأقل سيعفيني من آلام النهاية ومرارتها. # غير أن الشيء المذهل الغريب، الشيء الذي لم أتوقعه أبدا، ولا ~~يمكن أن يصدقه إنسان، حتى أنا نفسي لا أكاد أصدقه، أن الغصة ظلت ~~تعتريني وظل الألم ممدودا طويلا يعكر طعم الحياة في نفسي، وظلت ~~«فردوس» حية في خاطري أكثر حياة من كل من عرفت من النساء. # | ما خفي أعظم # لم يكن أحد قد رأى وجه امرأته رأي العين. كانت إذا خرجت ترتدي ~~فستانا لامعا أسود، طويلا إلى حد يجرجر خلفها على الأرض، وطرحة ms046 ~~سوداء ملتفة حول الرأس والوجه، ومن نسيج ضيق لا يظهر أبدا ما وراءه، ~~وإذا خرجا سويا لا يسير بجوارها إنما أمامها بمشوار يسير، وبعد أمتار ~~كثيرة تجدها وراءه كظله الأسود الذي انفصل وتجسد ودبت فيه الحياة، ~~ولكنها لم تكن تماما كظله، فقد كانت سمينة تخينة مدكوكة، وكأنها أربع ~~نساء أدمجن معا. وكان الشيخ «فقر» بعد فصله من الأزهر لرفعه الكرسي ~~على أستاذه، وبعد صرمحته زمنا وإدمانه ل «دومينو والكوتشينة» إلى آخر ~~مليم ورثه عن أبيه، وبقائه في البلدة يقتات من النفحات، حتى ضاق به ~~الكرام قبل اللئام، قد أخذ في وجهه وصمم على أن يذهب للعمل في ~~الإسكندرية. وقد ظل أسبوعا يجمع في أجرة السفر، ثم ذهب، ولكن أخباره ~~لم تنقطع كلية عن مواطنيه، بين كل حين وحين يفد إلى البلدة عنه خبر، ~~مرة أنه عمل كاتبا في الميناء، ومرة فتح «كشكا» للسجاير، ومرة ربح ~~ورقة يانصيب بعشرين جنيها. ومضت سنوات وأخيرا فوجئوا به وقد عاد، ~~ولكنه لم يكن وحده. لقد تزوج وجاءت معه زوجته، وما كاد يهبط من المحطة ~~وهي خلفه ويراها الناس، حتى كتموا الضحكات؛ فرغم لثامها الشامل التام ~~الذي أحالها إلى شبح أسود، فاللثام والسواد لم يستطيعا أن يخفيا ~~تخنها، بل ربما أسهما في فضحه أكثر، تخنا لم يره أحد من قبل أو من ~~بعد؛ فنساء القرية عجفاوات كعيدان القطن الجافة، وهذه «باسم الله ما ~~شاء الله» ككيس القطن، أقصر منه قليلا إنما في تخنه بل ربما أتخن. ~~ولا يدري أحد سر هذا الأمر بتاتا؛ فما يكاد الإنسان يراها إلا ويتصور ~~الشيخ «فقر» معها في فراش واحد، بعصبيته التي لا حد لها، وعصاه ~~الغليظة التي يسميها «الحكمدار»، وغضبه الذي ينشأ كالظواهر الكونية ~~بلا سبب، وينفثئ كالظواهر أيضا بلا سبب، ووجهه المملوء بحفر قديمة نصف ~~مردومة من آثار هجوم جدري قديم فاشل، تنبت بينها شعرات ذقن قليلة ~~متباعدة، ولكنها كأشجار السنط البرية ناشزة مسنونة. وما يكاد الناظر ~~يتصورهما معا في فراش واحد على هذا النحو، هي بتخنها وهو ms047 بحدته ~~وعصبيته، حتى يظل يضحك ربما إلى أن يصاب بالمغص. والشيخ «فقر» لم يكن ~~طبعا اسمه الشيخ «فقر» إنما كان اسمه الشيخ رابح، وحتى لقب الشيخ كان ~~تجاوزا؛ فهو لم يكن يرتدي عمامة، إنما كان يمنحه الناس له، أو بالأصح ~~يصر هو على أن ينادى به، وكأنما إمعانا في انتصاره على مدرسه السابق ~~بالأزهر، ذلك الذي أكد له أنه أبدا لن ينجح في حياته أو يربح أو ~~يحمل لقب شيخ من هنا إلى يوم الدين. # وإذا كانت حياة الشيخ رابح معروف أمرها للناس جميعا، فقد كانت ~~النساء هي علامة الاستفهام الكبرى في حياته؛ إذ كان دائما يذكرهن ~~بحقد خفي غير معروف المصدر، وإذا مرت من أمامه امرأة نقرها - أول ما ~~ينقرها - من نهاية سمانة ساقها عند اتصالها بالقدم، ثم يصدر عليها بكل ~~قسوة وبلا تردد حكما جائرا بأنها «...» غير قابل لأي نقض أو تعديل؛ ~~ولهذا كانت المفاجأة الكبرى أن يتزوج الشيخ «فقر»، ويتزوج من تلك ~~الكتلة اللحمية الكيسية القطنية الإسكندرانية التي ما أفلح السواد أو ~~اللثام المضروب بعناية حولها أن يخفي أنها امرأة، وامرأة من نوع يصدر ~~عليها أي إنسان حكمه دون حاجة إلى نظرة يلقيها على «سمانة الرجل» عند ~~اتصالها بالقدم. # وكأنما كانت عودة الشيخ رابح وزوجته على هذه الصورة إيذانا باندلاع ~~حرب خفية بينه وبين بلدياته حول رؤية وجه امرأته؛ إذ كان يبدو وكأنما ~~أصدر لها أوامر حازمة باترة مصحوبة بتلويحة مروعة من عصاه «الحكمدار» ~~بأن معنى أن يرى أحد - سواء كان رجلا أم امرأة في الطريق - وجهها ~~الهلاك المحتم لها، وإذا كان قد قدر لك أن ترى الشيخ «فقر»، وهو يهدد، ~~وقد انقبض وجهه واحتقن واسود، وتدببت أشجار السنط في ذقنه وتقنفذت، ~~والتقى الخطان العميقان في جبهته على هيئة عقدة دون حلها رابع ~~المستحيل، لآثرت السلامة حتما، وفضلت أن تطيع أوامره، ولكن أوامره ~~مهما بلغت من قسوتها، فلم تكن لتحول بين الناس وبين رغبتهم التي تتزايد ~~يوما بعد يوم لرؤية وجه امرأته المخفي دائما وراء الطرحة، ولا ms048 ~~محاولاتهم المستميتة للعثور على ثغرة في النقاب، أو حتى لضبطها مرة ~~واقفة في حوش منزلهم القديم الواسع أو فوق سطحه الآيل للسقوط، سافرة. ~~ذلك أمر لم يحدث أبدا، وبدا مصرا على عدم الحدوث إلى درجة أيأست ~~الناس تماما، فسلموا أمرهم وحب استطلاعهم إلى الله، ونفضوا أيديهم. ~~أما الذي لم ييأس أبدا، ومضر مصرا وبكل ما يملكه من تزمت فهو ~~الشيخ رابح، ليس فقط على إخفاء وجه امرأته، بل بعد هذا على إخفائها ~~نفسها عن أعين الجميع، وكأنها «بضاعة ... والناس جواعة»، بل على أن يمضي ~~في هذا الطريق إلى آخر المدى؛ فالشيخ «فقر» رغم غضبه السريع والعنجهية ~~التي تستبد به في أحيان، إلا أنه كان دائما وأبدا قبل ذهابه إلى ~~الإسكندرية إنسانا مرحا ذا ضحكة، وإن كانت أقبح ضحكة ممكن أن تسمعها ~~إلا أنها دائمة الحدوث، وبسبب وبلا أي سبب، ودائما تغري على الضحك، ~~بحبوحا لا تفوته النكتة، وإن فاتته انقلب على نفسه وفقره وحياته ~~وأسرته الكبيرة يسخر منها - ويحتد في سخريته - حتى إنه هو الذي أطلق ~~على نفسه الشيخ «فقر»، ولكنه حين عاد بهذه الزوجة عاد إنسانا آخر، ضاق ~~خلقه إلى أبعد مدى، وحول ضحكاته إلى نظرات نارية جادة يخوف بها القريب ~~والبعيد، وكأنما كان يتصور أنه لو فرط لحظة واحدة في حديثه لاستهان ~~الناس به، ومن ثم بامرأته وكشفوا عنها النقاب والغطاء. كان بمثل ما ~~يرهبها ويفرض عليها الحجاب فرض عزيز مقتدر يريد أن يرهب الآخرين، ويفرض ~~عليهم غض النظر، حتى لو كان النظر إليه، وكأنما التحديق فيه مقدمة ~~مستترة للتحديق فيها. أصحابه القدامى هجرهم ولم يعد يجلس إلا مع الكبار ~~الوقورين ذوي الدم الثقيل، حتى هو نفسه أصبح «كقرد قطع» وحيدا صامتا ~~معقود الجبهة لا يطيق الناس - من تلقاء أنفسهم - رؤيته. # إلى أن كان يوم لا يزال الرواة يتذاكرونه؛ فقد كان يوم شتاء والمطر ~~قد أحال البلدة إلى برك وطين ومستنقعات، وكان الوقت منتصف الليل أو ~~بعده بقليل، وكانت «طوبة» وبردها القارس . وكان صراخ إلى عنان السماء ~~تصاعد ms049 في الليل من بيت الشيخ رابح، وظن الناس أول الأمر أنه يضربها، ~~ولكنه أبدا ومنذ قدومه إلى البلدة لم يسمع أحد أنه ضربها، وما حاجته ~~إلى الضرب إذا كانت سحنته تكفي؟ فقط حين طال الصراخ وتزايد، أدرك الناس ~~أنها لا بد تلد. وكانت مفاجأة؛ فأمر حملها كان كالسر لا يعرفه إلا أقرب ~~المقربين من الجارات؛ فتخنها كان كفيلا بأن يختفي في طياته عشرة أطفال ~~دون أن يبدو لهم أثر؛ ولهذا كان طبيعيا جدا أن يكون معرفة الناس ~~بالحمل ساعة الولادة معرفة لم تفعل إلا إطلاق الألسن المكتومة التي ~~تتربص بالفرص للضحك، وإشفاء الغليل. وهكذا ظل أناس كثيرون ساهرين ~~يسمعون الصراخ ويتضاحكون تارة على عملية ولادتها نفسها؛ فداية القرية ~~كانت مريضة، والمرأة غريبة لا أم لها ولا قريبة، والشيخ رابح رأسه وألف ~~سيف إلا أن تلد في بيتها، وبمساعدة «أم الخير» الجارة العجوز. مضى ~~بنفسه يشرف على عملية الولادة مزمجرا في كل من تحدثها نفسها من النساء ~~بأن تقترب أو تدق الباب عارضة المساعدة، خالعا جلبابه، باقيا في عز ~~«طوبة» بالفانلة والسروال الطويل، يتفصد العرق الغزير من وجهه وكل مكان ~~في جسده، مشغولا مشغولية عظمى، وكأنه يشرف بمفرده على معركة حربية ليس ~~لها نظير، وتارة تنطلق الألسن منددة - قبل مجيئه - بالجنين المقبل، ~~معترضة أن الحمل لم يحدث من الشيخ رابح، وإنما تم على أثر وصفة اشترتها ~~المرأة من قرداتي تحتوي على نطفة قرد؛ فليس من المعقول أن يخلف الشيخ ~~رابح، وقد بلغ من العمر أرذله! وما يبدو مستحيلا أكثر أن تخلف هي! ~~وتارة تركن الألسن إلى قليل من الجد، وتتساءل عن أخبار عملية الولادة، ~~تلك التي طالت على غير العادة، حتى أصبحت صرخات الإسكندرانية تتلاحق ~~وتشق كالسكين الحامية سكون الليل. مسألة لا بد أنها كانت تدفع الشيخ ~~رابح إلى ما يقرب من الجنون، فإذا كان يرى في وجه امرأته عورة، فلا بد ~~أن صوتها لديه عورة أخطر، وتصاعده في الليل على هذه الصورة جريمة أكثر ، ~~فلا بد أن القاصي والداني الآن ms050 يسمعه، وكيف يمكن أن يقبل الشيخ رابح أن ~~تتسمع الآذان، آذان كل من هب ودب صوت امرأته، ذلك الحرم المقدس الخاص ~~به وحده، الذي لا يصح أن تتسمعه آذان أحد سواه؟ لو كان الود وده ~~لخنقها حتى يسكتها، أو للف في القرية يسد آذان أهلها بالطين. # المهم أنه قرابة الفجر، روعت القرية حقيقة حين انفتح باب الشيخ رابح ~~بقوة، وخرج منه الرجل حاسر الرأس بالفانلة والسروال، يتصبب عرقا، ~~ويجري كالمجنون يدق أبواب الجيران طالبا الغوث والعون، باكيا، هذا ~~الجبار، مستحلفا طين الأرض - إذ كان طوبها كله قد تحول إلى طين - ~~طالبا من الجميع مساعدته؛ فالجنين قد خرج نصفه وانحشر نصفه الأعلى لا ~~يريد الخروج، وأمنية حياته الكبرى - تلك التي أخفاها عن الجميع إلى تلك ~~اللحظة - كانت أن يخلف ولدا، والجنين ولد رآه بنفسه وتأكد منه، ولكنه ~~محشور، ولا بد ما لم تتداركه العناية أنه مخنوق ومقتول، وأنا في عرضكم ~~يا ناس، في عرض الصغير فيكم قبل الكبير، والحافي قبل اللابس، أنقذوا ~~الولد وسأعيش عمري عبدكم الذليل. # يا لله! لم يصدق أحد عينيه أبدا ولا أذنيه؛ فلا يمكن أن يكون المتذلل ~~الباكي هذا هو نفسه الشيخ رابح صاحب «الحكمدار» والنظرات المقطرة ~~سما، مستحيل أن يكون، ولكنها دهشة لم تدم طويلا فسرعان ما اختفى ~~الاستغراب، وكتمت الضحكات لتحل محلها الشهامة المعتادة. # وكانت المشكلة أنه لا بد من نقل الوالدة فورا إلى المستشفى، وطلب ~~الإسعاف وانتظاره مسألة لا يمكن أن يفكر فيها عاقل بالمرة، أي إسعاف ~~هذا سيأتي في الفجر والأرض موحلة؟ إنه في أثناء النهار وفي الطرق ~~المرصوفة نفسها لا يأتي إلا بعد ساعات، فما بالك في ليلة كهذه وفي ~~ظرف كهذا، الدقيقة فيه - كل دقيقة - لها ثمنها الفادح؟ وبينما الشيخ ~~رابح قد تهاوى إلى جوار الحائط غير عابئ بالوحل والطين، تاركا أمر ~~التصرف في الموقف لأولاد الحلال الذين تجمعوا بالعشرات والمئات داخل ~~بيته وخارجه، كان الناس قد قرروا أن يتولوا بأنفسهم نقل الوالدة إلى ~~المستشفى ، وبدلا من النقالة قرروا أن يستعينوا ms051 بسلم يضعون عليه مرتبة ~~ويرقدونها فوقه، ويحملونها - جرى من جرى - إلى المستشفى الذي لا ~~يبعد عن البلدة إلا بكيلومترين، وانتشرت موجة الشهامة، وعمت القرية ~~كلها حتى استيقظت عن بكرة أبيها؛ فالقرية ليس فيها إلا شيخ رابح واحد، ~~ورغم كل شيء فالشيخ قضى عمره كله يسلي بغضبه الناس ويضحكهم، ومن المحال ~~أن يتخلوا عنه في ورطة كهذه. أكثر من «كلوب» أشعل وجيء به إلى البيت ~~والساحة التي أمامه، وفتشت القرية كلها بحثا عن سلم متين ورجال ~~أقوياء؛ فالحمل الذي سيحمل حمل غير عادي، والسرعة المطلوبة سرعة غير ~~عادية أيضا. وأخيرا تم في دقائق قليلة إعداد كل شيء، وبقي أصعب شيء؛ ~~فالوالدة جاءها المخاض وهي نائمة في «المقعد» فوق السلم، والسلم المؤدي ~~إلى السطح سلم عادي كالسلم الذي ستحمل عليه، ولا بد لكي تهبط سليمة ~~من حملها في وضع أفقي، وإنزالها على هذه الصورة سلمة سلمة، وبحرص ~~شديد، والدنيا وحل، والأقدام والسلالم زلقة، وهي تخينة سمينة في ثقل ~~حجر الطاحونة وربما أثقل، ومشاكل كثيرة وعويصة هندسية وميكانيكية ~~وعضلية كان عليهم أن يحلوها قبل أن تهبط حرم الشيخ رابح إلى الأرض ~~سالمة. أما الشيخ رابح نفسه فما كادت إجراءات الحمل تبدأ حتى انتفض من ~~انهياره واقفا وليس أمامه سوى مشكلة واحدة قاهرة ملحة، أن يفرد فوق ~~امرأته الملاءة السوداء التي أحضروها من بيت العمدة، بحيث تغطيها ~~تماما، وبحيث تحدث عملية الهبوط كلها، والحمل إلى المستشفى دون أن ~~يبدو من جيدها قلامة ظفر. وفعلا كان الرجال جميعا مشغولين بحملها ~~بالمرتبة التي ترقد عليها ووضعها فوق السلم، ثم حمل السلم والهبوط به ~~من فوق السلالم الناقصة أكثر من سلمة، وكان هو مشغولا تماما بضبط ~~الملاءة فوق كل بقعة من جسدها، ولقد نجح في هذا إلى أن وصل جسدها ~~المحمول إلى رأس السلم، حيث بدأ الارتباك الأعظم؛ فالحمل ثقيل جدا ~~والأقدام تتزحلق، والمسافات بين خشب السلم متباعدة، ولولا لطف الله ~~لكانت قد تهاوت بمن حملوها أكثر من مرة، وصرخاتها أقوى من صفارات قطار ~~أي بضاعة أو ms052 اكسبريس تنطلق بمعدل عشر مرات في الدقيقة، وتولول مستغيثة ~~مربكة حامليها. وبمحاولاته المستميتة لتغطيتها كاد يؤدي الشيخ رابح إلى ~~سقوطها أكثر من مرة، حتى بدا واضحا استحالة أن تهبط مغطاة، أو على ~~الأقل وثمة أحد - حتى لو كان زوجها - يمسك بأطراف الملاءة، ولم يكن ~~أمامه إلا أن يستسلم في النهاية، ويفرد عليها الملاءة، تاركا أمر ~~بقائها أو انحسارها للحظ والقدر. وكان أهل البلدة في الحوش يتطلعون ~~بقلق إلى محاولات الإنزال، ويرى كل منهم في المشهد عشرات التفاصيل ~~التي تضحك وتميت من الضحك، فينجح في كتم بعضها، وفي أغلب الأحوال يفشل. ~~وعلى أضواء خمسة «كلوبات» من كل الماركات قوية مسلطة على السلم ~~المستعمل كنقالة وسلم الهبوط، بحيث تحيل البقعة إلى ما يشبه المسرح ~~المضاء بشدة، وتحت وقع الرذاذ الخفيف الذي بدأ يتساقط منذرا بقرب ~~عروق مطر سخية بدأت عملية الإنزال، أو بالأصح الارتباك المهول في ~~الإنزال، والأوامر الكثيرة التي يصدرها الجميع إلى الجميع، وصرخات ~~الاستغاثة، وآهات الألم حين ينزلق أصبع أو يدوس أحد على قدم أحد، ~~والهرولة تكثر، والسلم المهدد الذي حفل بعشرات المتسابقين إلى حمل ~~السلم الآخر وإبقائه أفقيا، وعشرات الأيدي تمتد لتحفظ الوالدة فوق ~~محفتها، والملاءة لم تنزلق فقط عن جزء من جسدها، ولكنها سقطت تماما ~~من فوقها ولاكتها الأرجل والأقدام في الطين، بحيث إن الشيخ رابح ذلك ~~الذي كان خوفه الأكبر أن يرى أحد وجه امرأته، قدر له أن يرى بنفسه ~~الناس - مئات الناس - كل أهل القرية وهم يشاهدون، ليس وجهها المكشوف أو ~~ذراعها أو جزءا من ساقها، وإنما جسدها كله بكل ما هو ظاهر فيه أو ~~مستتر، وبالجنين يطل منه، والأضواء قوية مسلطة تتيح للأعمى نفسه أن يرى ~~ما شاء لأي وقت يشاء؛ فالمسرح بلا ستارة، والزوجة بلا غطاء ليس فقط ~~كما ولدتها أمها، ولكنها عارية عري أمها نفسها وهي تلدها، والأعين كلها ~~مجبرة على تصويب نظراتها لكي يمكن إنزال المرأة وإنقاذها، والغريب أن ~~هذا كله حين وقع لم يكن يحتل من تفكير الشيخ رابح واهتمامه إلا ms053 أقل ~~القليل؛ فجزعه الحقيقي كان خوفا من أن يموت الجنين، وجزعه الثاني من ~~أن تموت الوالدة، جزع كاد يذهب بعقله، جزع كان يدفعه لأن يصرخ بأعلى ~~صوته في الرجال طالبا من هذا أن يمسكها من فخذها حتى لا تسقط، ومن ~~الآخر أن يحتضنها من أعلى حتى لا تتهاوى، ومن ثالث أن يمد يده بين ~~فخذيها ليباعد بينهما حتى لا تهشما الجنين بضغطهما. مرة واحدة فقط أفاق ~~ورمق الجمع الحاشد الذي تنصب نظراته كلها على جسد زوجته، فأحس ~~بالأرض تميد به، ولكنه في الحال طرد الخاطر؛ فمن أعمق أعماق نفسه كانت ~~تتصاعد خواطر أكثر قوة وحدة، وأمان كثيرة غير محددة، فهو مستعد والله ~~أن يحدث ما هو أكثر، بشرط أن تكون النتيجة أن ينقذ المولود وتنقذ ~~الوالدة. # وبين عشرات الأشياء التي كانت تدفع الرجال ليسقطوا من أطوالهم ضحكا، ~~وعشرات الأشياء التي كانت تتطلب منهم العزم والقوة والجدية، وعشرات ~~المربكات والمثبطات والمشجعات، والوحل والمستنقعات والمطر الشديد ~~الذي بدأ يهطل، من خضم هذا كله هبطت الوالدة وكأنما بمعجزة إلى ~~الأرض، وانطلق بها الموكب الجاري الحافل إلى المستشفى، عشرة يتكاتفون ~~في حمل السلم يسقط منهم تعبا وإنهاكا من يسقط، ويتهاوى من يتهاوى، ~~ويلعن في سره بأعلى صوته الليلة والشيخ والوالدة والمولود من يلعن؛ إذ ~~كانوا وكأنما يحملون جاموسة سمينة ومعلوفة أصابها «عرق الأنس» وليس ~~امرأة مثل غيرها من النساء. # ولكن الموكب وصل والطبيب جيء به من حيث يقطن، والعملية أجريت، وحين ~~صدر عن الولد أول صراخ، بنفسه زغرد الشيخ رابح، وطبلوا له ورقص، ~~وارتفعت من صدر طال عليه الإغلاق قهقهات عمرها أعوام وأعوام. # وحين عادت الزوجة إلى البلدة لم يكن قد تبقى للشيخ «فقر» ما يخفيه عن ~~الناس، وقد رأوا جميعا ما رأوا. ودون حاجة إلى أوامر أو إلقاء تعاليم ~~أو تهديدات أصبحت الإسكندرانية تمشي في طرقات البلدة وشوارعها بوجه ~~سافر مكشوف، وأصبح الشيخ «فقر» لا يسبقها أو يتخلف عنها إنما إلى ~~جوارها تماما يمشي. كل ما في الأمر أن أحدا لم تواته الجرأة ms054 يوما ~~على التطلع في وجهها - ليس تعففا أو تأدبا وإنما خجلا - إذ ليتها ~~ظلت مستترة خلف اللثام والطرحة والنقاب؛ فالناظر إليهما معا كان يفضل ~~دائما أن ينظر إلى وجه الشيخ رابح ذي الحفر القديمة نصف المردومة، ~~واللحية النابتة كالسنط؛ فالنظر إلى وجه كوجهه كان - والله - ~~أرحم. # | المرتبة المقعرة # في ليلة «الدخلة» و«المرتبة» جديدة وعالية ومنفوشة، رقد فوقها بجسده ~~الفارغ الضخم، واستراح إلى نعومتها وفخامتها، وقال لزوجته التي كانت ~~واقفة إذ ذاك بجوار النافذة: انظري، هل تغيرت الدنيا؟ # ونظرت الزوجة من النافذة، ثم قالت: لا، لم تتغير. ~~- فلأنم يوما إذن. # ونام أسبوعا، وحين صحا كان جسده قد غور قليلا في المرتبة. # فرمق زوجته وقال: انظري، هل تغيرت الدنيا؟ # فنظرت الزوجة من النافذة، ثم قالت: لا، لم تتغير. ~~- فلأنم أسبوعا إذن. # ونام عاما، وحين صحا كانت الحفرة التي حفرها جسده في المرتبة قد ~~عمقت أكثر، فقال لزوجته: انظري، هل تغيرت الدنيا؟ # فنظرت الزوجة من النافذة، ثم قالت: لا، لم تتغير. ~~- فلأنم شهرا إذن. # ونام خمس سنوات، وحين صحا كان جسده قد غور في المرتبة أكثر، وقال ~~كالعادة لزوجته: انظري، هل تغيرت الدنيا؟ # فنظرت الزوجة من النافذة، ثم قالت: لا، لم تتغير. ~~- فلأنم عاما إذن. # ونام عشرة أعوام، كانت المرتبة قد صنعت لجسده أخدودا عميقا، وكان ~~قد مات وسحبوا الملاءة فوقه، فاستوى سطحها بلا أي انبعاج، وحملوه ~~بالمرتبة التي تحولت إلى لحد، وألقوه من النافذة إلى أرض الشارع ~~الصلبة. # حينذاك وبعد أن شاهدت سقوط المرتبة اللحد، حتى مستقرها الأخير، نظرت ~~الزوجة من النافذة، وأدارت بصرها في الفضاء وقالت: يا إلهي! لقد تغيرت ~~الدنيا. # | معجزة العصر # قال لي صديقي الذي لم أره من عشر سنوات، والذي كان مقدرا أن ~~أنقذه: # هذه المرة، هل رأيت معجزة العصر؟ # بلا دهشة سألته: أية معجزة؟ # لم يجب، ولم نضيع الوقت في التخمين، وكأن اتفاقا بيننا. لف ذراعه ~~حول ذراعي وجذبني وتبعته صامتا، حاولت أن أعرف إن كانت المعجزة هي ~~الوصول إلى القمر، أو ظهور المهدي المنتظر، فكاد يغلق ms055 فمه تساؤلا، ~~قائلا: لا تخمن فلن تستطيع أبدا إدراكها، ولو عرفتها من تلقاء نفسك ~~لكانت معجزة العصر أنك عرفتها. # وبحماس جذبني بقوة أكبر، وبعد خطوات كنا على البلاج. كانت الدنيا ~~شتاء، والشمس صفراء تسقط شعاعاتها المريضة على الرمل، فيبدو مجرد لون ~~أنيمي شاحب، جو تتوقع أن يكون البلاج معه فارغا غير أنك تفاجأ به ~~عامرا مزدحما، وكأننا في أغسطس، الناس مكدسون على الرمال بالأكوام، ~~والباعة ينادون على جيلاتي طوبة، وسحلب بئونة بدندرمة أغسطس. ولو ~~أغلقت العين لحسبته مجرد خطأ في ورقة النتيجة؛ فأصوات الصيف هي هي، ~~وصخب الأطفال هو هو، حتى ذلك الإحساس الخاص بالصيف، ذلك الذي تحس ~~وكأن الحياة به أكثر حلاوة كان موجودا. إذا غضب الله على قوم أمطرهم ~~صيفا، فماذا يكون موقفه تجاههم إذا جعلهم يصيفون في الشتاء؟ من الممتع ~~أن تشحذ عواطفنا مشاكل الظواهر الكونية، فحين أسخط على الدنيا تهطل ~~الأمطار، وحين أحظى برضاء حبيبي تشقشق في الكون ملايين من عصافير ~~الكناريا، وإذا كرهت جاري أطبق على المدينة ضباب، حتى لا تكاد ترى - ~~وأنت واقف على بابك - باب جارك. والجار أولى بالشفعة، إلا جاري الذي ~~لم أره من يوم أن قطنت عمارتنا؛ فكلانا وحيد، وكلانا في المدينة ~~المزدحمة قد فقد الونس، حتى أصبح الازدحام مجرد حبل معقود يهدد احتواء ~~رقبتك، فأنت مرعوب منه، وخائف حتى النخاع. نفس الإحساس الذي شعرت ~~به، وازدحام البلاج يحويني، كتل من اللحم البشري مقسمة إلى أذرع مختلطة ~~وسيقان. ويا لمشهد الجسد البشري بعد العشرين حين يكتنز بالشحم، وتبرز ~~له الكروش ويبدأ التفكير في صبغ الشعر أو توزيعه ليغطي الصلعة! حتى ~~الجسد يهجرك ويهرب منك. وفي هذه الوحدة المزدوجة لا بد أن يهزم الإنسان ~~سريعا؛ فنحن كائنات أرضية لا تنمو بصحة إلا معا، إلا كمحصول واحد، ~~فإذا ما زرع كل نبات منا بمفرده أكله «الفلت» وخنقته الطفيليات. # أتكون المعجزة هي الحصول على دواء يشفي الغربة ويعيد جمع الناس؟ باء ~~تخميني أيضا بالفشل، وفقدت عين الحكمة مع أن الحكمة ثرثرة، لا بد حسب ms056 ~~قوانين التباديل والتوافيق أن ينتظم بعضها على هيئة أقوال رائعة النضج، ~~ولكني سعيد وكأن مجرد رؤيتي الموشكة للمعجزة سيسلحني بطاقية إخفاء أو ~~بخاتم سليمان قادر على تحقيق المطالب. الغريب أن الزحام لم يكن ~~ازدحاما للتجمع، كان تجمعات للتفرق؛ فكل مجموعة مكدسة بكليتها إلى ~~شيء مشترك يخصها وحدها، أو ربما تبحث لنفسها هي الأخرى مثلما نبحث عن ~~معجزة عصر، فأنت تقبل على تجمع يشبه من بعيد شكل الكازينو الذي أقيم ~~على عجل، ولكنك حين تقترب لا تجد كازينو أو حتى مكانا للجلوس؛ فالناس ~~إما وقف منحنون أو في حالة رقاد، والكل في شغل عنك بما يبدو وكأنه ~~مأساة داخلية طاحنة. لا أحد يلتفت إليك، الأيدي تلوح في عصبية، والنقاش ~~حاد كطلقات الرصاص، وبعضهم بمجهود عظيم يضع يديه الاثنتين معا على ~~فمه محاولا أن يكتم الضحك فلا يستطيع، وتكون النتيجة أن تفلت الضحكة ~~رغما عنه. حسبت الصديق يضحك، ولكنه كان يتوقف ويتطلع حوله، ثم يحاول ~~أن يخفي نفاد صبره، والعرق رغم الهواء الساقع قد نبت على جبينه، ~~والحيرة الكبرى تتملكه، ويأسه شامل، يكاد لولا الحياء أن يستنجد ~~بالناس، ويسألهم أين الطريق لمعجزة العصر! # حسبته يضحك، ولكنه كان، فجأة يلكزني ويشير إلى كازينو قريب قائلا ~~وقد تهللت ملامحه، وكاد يقفز منها الأمل: وصلنا. # ولم تكن فرحتي هذه المرة لأننا نوشك أن نصل، فرحتي كانت لأننا نوشك ~~أن نصل إلى كازينو، حيث نستطيع الجلوس وشرب الماء المثلج والشاي بعد ~~هذا الكدح الطويل من الشاطبي إلى سيدي بشر والمنتزه. # ولكن ما أبشع ما خاب أملي حين لم ينكشف الكازينو إلا عن ازدحام آخر، ~~واحد من عشرات الازدحامات التي كان يحفل بها البلاج! نظرت بحدة إلى ~~الصديق وإلى عينيه اللتين كانتا قد احمرتا تعبا، أو من يدري؟ ربما ~~غيظا، وربما لهذا انطبقت شفتاه في حدة راسمتين في خطوط قاطعة شكل ~~فمه. # أين رأيت ملامح كهذه مرسومة بحدة كتلك الحدة يا ربي؟ أين؟ والهمهمة ~~الصادرة عن هذا الازدحام نفس هذه الهمهمة وثيقة بنفس الملامح، وأيضا ~~بشيء يشبه ms057 المعجزة، أين ومتى حدث لي هذا يا ربي؟ لا أعرف، هذه اللحظة ~~عشتها قبلا، بالتأكيد حدث هذا، ولا بد أنه ذلك الشعور الذي دأب على ~~زيارتي في الفترة الأخيرة، الشعور بأن الكون يكاد ينتهي، والصمت ~~المطبق بدأ يحل، صمت سيمتد إلى آلاف وملايين السنين المقبلة، آخر ~~علامات الحياة تختنق، الحركة الهائلة التي حفل بها الكون طوال وجود ~~الإنسان قد انقرضت، وسيعود السكون الأبدي ولا يبقى إلا الشمس والقمر، ~~والليل والنهار، والريح والرمال. الأجساد متراصة موزعة مختلطة لا تكاد ~~تستطيع تمييز ساق الرجل من ساق المرأة، تبدو في أحيان كثيرة خالية من ~~الشعر، والجميع كأنهم يبحثون عن إبرة سقطت في قلب الرمل، ليسوا منحنين ~~فقط، ولكنهم ممددون تماما، وقد استندوا بأذرعتهم إلى الأرض، وانكفئوا ~~على الرمال عيونهم تكاد تخرج من محاجرها بحثا عن شيء لا بد أنه مخبأ ~~بطريقة ما في الرمل. # الأطراف كثيرة، كل حركة منها تثير ثائرة الرمل، فيملأ العيون ويسد ~~الأنوف، وتتصاعد صرخات الاحتجاج؛ لأن شخصا وقف أو سار أو تحرك، وأثار ~~بحركته زوبعة صغيرة في ساكن الرمال. المعجزة، معجزة العصر، الشي ~~الصغير الكائن والموجود في حياتنا منذ وجودها الأول، إنما لكونه ~~صغيرا، فالجميع يعبرون به دون أن يحسوا له بأي انفعال أو احتفال، ~~أقدامهم تدميه أو تصطدم به دون أن تشعر أو تحس أنها صدمت شيئا أو ~~تعثرت بشيء، والشي دائم الصراخ والعويل، إنه كائن وموجود، دائم الرجاء ~~أن يحظى منها بالتفاتة، أن يتلقى إشارة واحدة من طفل أبله تفيد أنه رآه ~~أو سمعه أو أحس به بلا فائدة. الناس انغماسهم في مشاكلهم أقوى وأكبر من ~~أن يدعهم ولو للحظة يفيقون إلى ما حولهم، ويتأملونه بنظرة خالي البال. ~~إننا لم نعد أحرارا في رؤيتنا، أصبحت أنظارنا قصيرة موجهة إلى ما ~~تعرفه أو إلى ما تود معرفته؛ أي إننا لم نعد نرى ما ينعكس من داخلنا ~~إلا ما يعكس اهتماماتنا وتفكيرنا وأحلامنا، فقدنا تلك القدرة البكر على ~~تلقي ما هو خارج النفس كما هو، بروعته وتلقائيته وعمقه وبساطته ms058 ~~والانفعال له أو عليه، وبناء آرائنا ومعتقداتنا من خلاله، لا نرى إلا ~~لكي نثبت أو نبرهن به أننا على صواب، ولكن في العادة دائما ما يحدث ~~شيء، حدث يعرض مصادفة، شيء لا بد رغم إرادتنا يرغمنا على أن نلوي ~~أعناقنا، وننظر فنفاجأ أننا أمام حدث خارق للعادة، أننا أمام شيء، وإن ~~يكن صغيرا إلا أنه بالغ الدلالة، وحينئذ تفلت من أحدنا صرخة الإدراك ~~الأولى، ومعها تجر الانتباهات إلى انتباهات ليصبح ذلك الشيء بعد يوم ~~وليلة محور اهتمامنا الأول، ونكتشف وندرك كم نحن بحاجة إليه، وكم كانت ~~تفتقده حياتنا، وكم هو لازم حيوي لها، ونندفع حينئذ اندفاع من فقدوا ~~العقول نهتم به اهتماما مبالغا فيه، ويصبح أمل الإنسان منا أن يحظى ~~منه بنظرة، أو نراه رأي العين. هل أصبتم بخيبة أمل؟ أنا نفسي حدث لي ما ~~حدث لكم، ولدى الإدراكة الأولى كدت أهيم على وجهي يائسا خائب الأمل. ~~لنحاول إذن ألا نخطئ خطأنا الشهير الأول، الشيء خارج ذواتنا، الشيء لا ~~كما نريده وإنما كما هو موجود وقائم، وكما كان يمضي الناس عنه غير ~~مهتمين أو مدركين، إنه ليس حشرة غريبة أو قطعة من معدن نادر، كان في ~~الحقيقة بشرا مثلي ومثلك له أذنان وعينان وأنف وفم وأسنان ولد بها ~~جميعا، والمفروض أنه لا يزال إلى لحظتنا هذه يمتلكها. أنا لا أهزل أو ~~أقول غير الحق؛ فآلاف المواليد تخرج كل عام على هيئة مواليد شاذة، ~~بعضها ملتصق ببعض في أحيان، وأحيانا بطن واحد بصدرين ورأسين من أعلى، ~~ومن أسفل بحوضين وأربع سيقان وأرجل. كل الاختلاف أن الشيء في حالتنا ~~هذه كان جنينا صغير الحجم، وهذا كل ما هنالك، لا، لم يكن في حجم كرة ~~القدم ولا حتى في حجم البرتقالة، إن شئتم الدقة كان في حجم نصف عقلة ~~الأصبع، ومع هذا فهو كامل الأعضاء متناسبها باستطاعته أن يصرخ ويرقص ~~ويرضع، كل ما هنالك أنه يصرخ بصوت لا تستطيع سماعه، عليك لكي تسمعه أن ~~تقربه كثيرا من أذنك، وحبذا لو وضعته كله داخل ms059 أذنك؛ لكي تسمع صراخه ~~أوضح ما يكون، صراخ عصبي متشنج يحاول النص نص «هكذا سوف نسميه» أن يفرض ~~إرادته علينا وعلى الحياة. كان صغيرا إلى درجة أن أمه لم تلحظ أنها ~~ولدته، انزلق منها مع الماء الذي كان يملأ الرحم دون أن تحس به، ~~وحسبته الداية قطعة من المشيمة، ولكنها حين تناولته وتأملته صرخت صرخة ~~أرعبت سكان المنزل جميعا، ولم تسقط فاقدة النطق، وإنما إلى الأبد فقدت ~~النطق. ~~••• # وما أتعس الأم! كانت قد حملت به بعد أربعة عشر عاما من العقم، وطوال ~~حمله كادت تجن وهي تصلي إلى الله أن يجعله ولدا يقر به عين أبيه، وعلى ~~هذا لم تجرؤ على إطلاعه عما أتت به، وزعمت له أن الحمل كان كاذبا، ~~وبعد أن كانت قد قررت أن تلقي بالجنين مع الماء القذر صعب عليها الضنى، ~~وأخفته تحت الوسادة، وبالحقنة الرفيعة كانت تستطيع العثور على فمه ~~وتغذيته، وضبطها الزوج ذات يوم وهي ترضعه، وانهارت واعترفت، وبعد أن ~~ثاب الأب إلى رشده، وأيقن أن الخطأ - إن كان هناك خطأ - ليس منه أو ~~منها، وأنه يجب أن يرضى بما قسمه الله، رضي وسكن. تلك كانت ظروف ولادته، ~~أما كيف تربى وتعلم؟ فتلك قصة أخرى؛ فلقد سمع الأب ذات يوم أن ~~السلطان يهوى جمع التحف النادرة، وأنه يدفع مكافأة سخية لكل من يحضر له ~~تحفة أصيلة ما امتلكها أحد قبله. # ولم يكن في قلب الرجل لل «نص نص» حب أي حب، فحب الابن مسألة يتعلمها ~~الوالد، ويكتسبها مثلما يتعلم الولد المشي أو النطق، وكما يعلم الأب ~~ابنه كيف ينطق فالابن يعلم أباه كيف يحبه، فكيف يستطيع «النص نص» أن ~~يعلم أباه، وأبوه يحتاج إلى عدسة كي يرى وجهه، أو يعرف بطنه من رأسه؟ ~~الأم وحدها هي التي كانت تحبه، ولهذا كان على الأب أن يساهيها ويأخذه، ~~وأن ينفق جزءا من المبلغ الذي أعطاه له السلطان في شراء ملابس لها ~~ومصاغ. أما السلطان الذي كان يعاني من الفراغ الممتد في حياته وأمور ~~بلاده يسيرها وزيره ms060 ورعيته هادئة سلسة، فقد وجد في «النص نص» غايته ~~ومبتغاه، والشيء الذي يستطيع أن يكرس له كل نفسه ووقته، ويجد في هذا ~~كل المتعة. # كان عليه أن يعلمه كيف يتكلم وينطق، ثم بعد هذا كيف يقرأ ويكتب، ~~واعتبر أنه لو حقق هذا لأصبح يمتلك تحفة معجزة يستطيع أن يفرج عليها ~~خلانه وأصدقاءه، وأن يمنحهم ويمنح نفسه بهذا متعة دونها أي متعة ~~أخرى. # كل خوفه كان أن يكبر «النص نص» بمضي الزمن، ويصبح عند البلوغ مثلا ~~أو إذا أصبح رجلا مجرد قزم ضئيل الحجم، ربما يكون أقصر الأقزام وأقلهم ~~حجما، ولكنه حتما سيفقد أهم ميزاته. غير أن «النص نص» كفاه مئونة ~~القلق، فلم يكن ينمو مع الأيام، أو يزداد حجمه، أو حتى تتغير ملامحه، ~~بل إنه حين قارب سن الرجولة لم يحدث له أدنى تغيير سوى أن لحية نبتت له ~~فجأة، لحية فيها بالضبط عشر شعرات ما كان أسعد السلطان وهو يحلقها له ~~بنفسه، أو وهو يجتث منها خمس شعرات، ويترك خمسا لتنمو وتكون ذقنا ~~بديعة صغيرة كذقون العلماء. # وتعلم «النص نص» النطق، فأصبح يحسن استخدام الجهاز الترانزستور، ~~الذي كان يضخم صوته، ويجعله مسموعا، وفي نفس الوقت يقوم بمهمة ~~الأذن له، بحيث يخفف من موجات الصوت ويهذبها كي تصل إلى أذنه الدقيقة، ~~وتصبح في متناول سمعه. # بهذا الاتصال الذي تم مع «النص نص» أمكن للسلطان أن يعلمه القراءة ~~والكتابة، وأن يبدأ معه سلم المعرفة الطويل. وفيما عدا ساعتين كان ~~يقضيهما «النص نص» في تناول الإفطار والتريض رياضة عنيفة، يسير في ~~أثنائهما فوق المسطرة القدم من أولها إلى آخرها، ويقطعها في رقم قياسي ~~لا يتعدى نصف ساعة، أو يزاول العوم لمدة ساعة وأكثر في كوب الماء، ~~ويستطيع أن يدور حول محيطه ثلاث مرات، وأحيانا أربع مرات. # فيما عدا هذا كان كل وقت «النص نص» متروكا للدراسة والتحصيل، وقد ~~أتاح له السلطان أساتذة كبارا مما جعله ينتهي من المرحلة الابتدائية، ~~وهو لم يبلغ الخامسة، وفي العاشرة انتهى من الدراسة الثانوية، واستعد ~~لدخول الجامعة. ms061 هنا فقط بدأت إمكانيات «النص نص» المعجزة تظهر؛ فقد ~~وجد أن منهج كلية العلوم التي اختارها ليدرسها أقل بكثير من أن يستغرق ~~كل وقته، بل إن الطب والعلوم والزراعة معا كانت أقل من وقته، فأخذ ~~بجوارها الآداب والقانون والفنون. وفي السنة الثانية مثلا نجح في ~~تشريح ثانية طب وميكانيكا، ثانية ميكانيكا وكهرباء ومدني، ثانية كهرباء ~~ومدني، وكل القوانين المقررة على ثانية حقوق، وفي البكالوريوس قدم في ~~جميع بكالوريوسات الجامعة وليسانساتها، وبتفوق نجح فيها جميعا، حتى ~~إن خطابات التعيين جاءته ليعين معيدا في أربع عشرة كلية في وقت واحد. ~~وحين ذهب فرحا ليتسلم مهام أول مناصبه بدأت أشباح مأساته تتراءى؛ إذ ~~لم يجد أحدا يأبه له أو يعيره اهتماما، أو حين ينجح في إثارة اهتمامه ~~والحديث معه ينجح في إقناعه بجدية طلبه، كان الجميع ينظرون إليه نظرتهم ~~لا إلى إنسان دفعه حظه السيئ إلى أن يكون صغير الحجم ليس إلا، وإنما ~~باعتباره ظاهرة شاذة، وكأنه حشرة قد نجحت في النطق كالآدميين. # ظاهرة تدفع إلى الاستنكار والاشمئزاز مثلما نستنكر جميعا أن تقوم الحشرة بدور الإنسان في ~~الوقت الذي لا نستنكر فيه مطلقا من أي إنسان أن يقوم بدور الحشرة. وعاد مهموما إلى ولي ~~أمره السلطان الذي أدرك كل شيء بنظرة، والذي كان قد رتب للأمر، ومن اليوم التالي كان ~~«النص نص» يحضر لدراسة الدكتوراه، كان قد انتوى أمرا خطيرا، أن يدرس أربع عشرة ~~دكتوراه في نفس الوقت. وبينما كان زملاؤه يؤدون أعمالا روتينية، ويبدءون في لعن الروتين ~~والسخط على قوانين الاستخدام، وفي الوقت الذي كان بعض آخر منهم قد يئس من كل شيء، ووهب ~~نفسه كلية للتهليس وعب ملذات الحياة عبا، نذر نفسه هو للدراسة، ~~وفي ثلاث سنوات كان قد أكمل استعداده، ولأول مرة في تاريخ الجامعة - بل في تاريخ الجنس البشري كله - تجتمع أربع عشرة لجنة لأربع عشرة مادة مختلفة، ~~من الرياضة العليا إلى هندسة الإنتاج إلى الجراحة الخاصة لتمتحن «النص نص» في نفس الوقت؛ ~~ومن أجل هذا الحدث غير العادي ms062 غيرت الجامعة من نظام المناقشة، وأجلست «النص نص» في منتصف ~~الحجرة، وحوله تناثرت مقاعد الممتحنين الذين لم يبد عليهم أي استنكار لحجم «النص نص» أو ~~شكله؛ فالمجتمع لا يهمه شكلك وأنت تدرس أو وأنت تمتحن، إنه فقط يبدأ يدقق ويفحص ~~ويختار حين تتقدم إليه تطلب العمل! # ولأربع عشرة ساعة راح الممتحنون وأعضاء اللجان يناقشونه، ولم يكتشفوا ~~لدهشتهم أنه قد هضم واستوعب تماما كل مادة من مواد الامتحان، إنما ~~اكتشفوا أكثر أنه بلغ من استيعابه للمواد أنه وصل إلى نظريات عامة ~~جديدة تماما في علاقة ألوان العلوم والمعارف بعضها ببعض، نظريات ~~أوصلته إلى قوانين خطيرة تكشف شيئا فشيئا عن جذور المعرفة البشرية ~~والقوانين الموضوعية للمادة وأشكالها المختلفة، بحيث إنه كان يتوصل ~~معهم إلى القانون الأول الذي يحكم علاقات الكون كله. وتحول النقاش ~~حينئذ من لجان تمتحن «النص نص»، إلى تلامذة يخرج لهم «النص نص» كنوزه ~~ويحدثهم عما وصل إليه وهم حيارى مذهولون، قد أدركوا فجأة ليس فقط أنهم ~~أمام عبقري من طراز نادر، ولكنهم اكتشفوا أنهم قضوا حياتهم عبثا، وأن ~~دراسة الكون كأجزاء منفصلة، والإغراق في التخصص قد سلبهم القدرة على ~~النظرة الكلية، وأن خير وسيلة للدراسة والمعرفة هو ما فعله «النص نص»، ~~هو أن يعود العالم مرة أخرى مثلما كان الحال أيام ابن سينا وابن رشد ~~عالما في كل شيء ليستطيع أن يصل إلى المفتاح السحري للعلم، ذلك ~~الذي يفتح كل باب مغلق، وأيضا كان لا بد أن يحدث ما حدث؛ فرغم ما ~~كانوا غارقين فيه من ذهول، ورغم أفواههم الفاغرة تتلقى من «النص نص»، ~~وكأنها تتلقى درس الحياة الأول، ما كادوا ينتهون من نقاشه أو بالأحرى ~~ينتهي هو من إلقاء الدرس عليهم، حتى عادوا يغرقون في المناقشات الحامية ~~حول ما أسموه «الظاهرة النص نصية»، وهل هي معجزة فردية لا سبيل إلى ~~الوصول إليها، أو هي أسلوب وطريقة باستطاعة أي إنسان أن يستعملها ويصل ~~بها إلى نفس النتائج. ولما بح صوت «النص نص » وهو يحاول استخراجهم من ~~النقاش ولفت أنظارهم ms063 مرة أخرى إليه، وهم مستغرقون في عملية انقسموا ~~تجاهها أيضا هل يمنحونه أربع عشرة دكتوراه منفصلة، أو يمنحونه درجة ~~علمية جديدة يسمونها دكتوراه الدكتوراهات؟ انسل «النص نص» من وسط الجمع ~~لا يشعر به أحد، أو ينتبه إليه أحد، أو يوليه اهتمامه، انسل وحيدا، ~~مهموم القلب، وقد عاد مرة أخرى إلى مواجهة واقعه الحزين وحظه السيئ، ~~وعاد إلى بيته ليفاجأ بالمأتم قائما ومنصوبا. كان ولي أمره السلطان ~~قد مات، وكان منذ الغد عليه أن يرحل، ورحل لا يمت إلى أحد، ولا يستطيع ~~حتى أن يمت إلى مكان، فلا صاحب بيت يرضى أن يؤجر له بيتا، ولا مدير ~~فندق يرضى أن ينزله بفندقه، نفس الاندهاش والتقزز تمتلئ به نفس من ~~يخاطبه ويتفرج عليه برهة، ثم لا يلبث - كالطفل حين ينتهي من لعبته - أن ~~ينفض منه يده، ولا يعود يأبه له أو لتوسلاته. # نفس الأساتذة الذين كانوا يشيدون بعبقريته حين كان يلقاهم منفردين ~~في مكاتبهم، كانوا لا يملكون له سوى هز الأكتاف، وإلا تبصيره بالعقبات ~~التي تشل أيديهم، وتمنع الواحد منهم أن يعهد إليه بعمل - أي عمل - لا ~~كدكتور حتى أو كعالم، وإنما كإنسان تجارب عرض نفسه على أستاذ علم ~~الأمراض كي يبقيه في قسمه، مجرد عينة علمية وظاهرة ممكن دراستها للكشف ~~عن هرمونات النمو وأمراضه، اعتذر له الرجل قائلا: إن قانون الجامعة لا ~~يبيح الاحتفاظ إلا بحيوانات التجارب فقط من أمثال الفيران، والخنزير ~~الغيني، والأرانب، ولكن القانون لا يوجد به مادة تبيح الاحتفاظ بإنسان ~~تجارب. لو فعلها لحاسبه ديوان المحاسبة حسابا عسيرا، ولعاقبته ~~الجامعة، حتى الصحف والتليفزيون والإذاعة حين شاعت قصته في الأوساط ~~العليا جرى مندوبو الصحف يبحثون عنه، حتى وجدوه عند أستاذ من أساتذة ~~الجامعة، وأخذوا له عشرات الصور الفوتوغرافية، وأعطى عشرات الأحاديث، ~~وعملوا معه أكثر من لقاء. في التليفزيون، وأمامه وعيني عينك كانوا ~~يحضرون بعض أساتذة الطب ليقولوا رأيهم فيه، وفي الاستوديو كان حين يتكلم ~~يحس بالدنيا كلها منصتة إليه، ويبدأ يتفاعل، ويفتح لهم صدره، ويطلب ~~منهم أن يجدوا له ms064 عملا يتناسب مع مركزه العلمي ومؤهلاته، وكان ما كان ~~يذكر حكاية العمل وحاجته إليه، ويطلبون منه أن يقترح عليهم نوع العمل ~~الذي يريده، وما يكاد يذكر كلمة مدرس أو معيد، أو حتى محضر في معمل، ~~حتى ينفجروا ضاحكين مقهقهين، مشيرين إليه وإلى حجمه، وسادرين في الضحك ~~عليه لا بد. وكالعادة لم تستمر موجة الاهتمام به كثيرا، بعد أسبوع أو ~~أقل فتر الحديث عنه، ولم يعد ظهوره في التليفزيون حادثا كبيرا كما ~~كان الأمر في أوله، إلى درجة أن أحد منتجي القطاع الخاص كان أثناء موجة ~~ازدهاره قد فكر أن ينتج عن حياته فيلما. خبر أسعد «النص نص» وأفرحه؛ ~~فهو على الأقل سيأخذ ما لا يقل عن شهرين أو ثلاثة من العمل والاستعداد، ~~غير أن هذا الأمل نفسه ما لبث أن خاب حين وجد نفس المنتج أن فكرة ~~الفيلم ممتازة هذا صحيح، ولكن المستحسن أن يقوم إسماعيل يس ببطولتها، ~~ويسموه إسماعيل يس في الجامعة! # وبالعدول عن فكرة الفيلم، وانتهاء الحديث عنه في وسائل الإعلام وجد ~~«النص نص» نفسه بين يوم وليلة يحيا في فراغ كامل تام. وجد كل ~~الأبواب التي كان يتخيل أنها مفتوحة على مصاريعها في انتظاره تغلق دونه ~~الواحد وراء الآخر بلا سبب معلوم، وكأن هناك مؤامرة خفية هدفها أن ~~يفقد عقله، أو يرتكب عملا أحمق. وكان قرر أن يرتكب هذا العمل وينتحر؛ ~~فقد ضاقت به الدنيا، حتى أصبحت أضيق من «خي» حبل المشنقة. # ولم يتطلب منه الأمر تفكيرا كثيرا، وعلى الفور شرع في اتخاذ طريقه ~~إلى مبنى المجمع في ميدان التحرير، وعلى قدميه صعد الطوابق الكثيرة؛ إذ ~~هو لم يكن يستطيع أخذ الأسانسيرات أو ركوب الأوتوبيسات مخافة أن يفعصه ~~أحدهم دون أن يحس أو يشعر. خرج إلى سطح المبنى، وأشرف على حركة المرور ~~الهائلة في الميدان، وراجع حياته وما ينتظره عله يجد قشة أمل يتعلق بها ~~في لحظاته الأخيرة، ولكن كان واضحا تماما أن قصته مع الناس قد انتهت، ~~وأنه لم يعد بإمكانه أن يعيش بالطريقة التي يريدها، ms065 كان يستطيع أن يعيش ~~على هامش الحياة مثلما يحيا الآلاف والملايين غيره، يأكل كيفما اتفق، ~~ويسكن كيفما اتفق، ويوجد كيفما اتفق، ولكن كنوز المعرفة التي نهل منها ~~جعلته يرفض أي حياة أخرى إلا الحياة التي يريدها هو، إلا أن يفرض على ~~الحياة حياته، فإذا فشل في هذا الفرض كان عليه في صمت وبطولة أن يموت. ~~وأغلق عينيه وقفز من حافة السور الصغير المقام فوق السطح، وأحس بنفسه ~~يهوي ويهوي، وبوعيه يبهت ويبهت كأنه الشمعة تتعرض لتيار هواء قوي. ~~حالا ستنطفئ الشمعة، ويفقد الوعي تماما وإلى الأبد، غير أن اللحظات ~~طالت حتى جرؤ على فتح عينيه، فوجد نفسه يقترب من الأرض بسرعة، فعاد ~~يغمض عينيه، وفي اللحظات التالية بدلا من فقدان الوعي اصطدم بالأرض، ~~ولم يتحرك من مكانه منتظرا الموت، غير أن الموت لم يأت، كل ما في ~~الأمر أحس بآلام هائلة. آه! كيف فاته وهو العالم الكبير أن سقوط من في ~~وزنه لا يمكن أن يؤدي إلى وفاته أو حتى كسر عظامه؟ هذه المرة غضب، وفي ~~غضبته راح يبحث بسرعة عن وسيلة أخرى يقضي بها على نفسه. لم يكن أمامه ~~إلا أن ينام فوق قضيب السكة الحديد، وينتظر القضاء تحت عجلات القطار، ~~ولكن القضاء لم يحل؛ فالهواء الناتج عن القطار القادم تكفل بنفخه، حتى ~~طار من فوق القضيب، واستقر كالريشة على الزلط. حتى الغرق في النيل ~~جربه، فوجد نفسه وفقط بحجم ما يرتديه من ملابس يطفو على سطح الماء، ولم ~~يفكر في خلع ملابسه مخافة أن تفشل الوسيلة، فيضطر إلى أن يعيش عاريا ~~وهو مصير لم يكن يتصوره. # تكفل فشل هذه الوسائل جميعها برد بعض التعقل إليه، وكأن نية الموت ~~لها حد محدود، بحيث بعد محاولة أو محاولتين لا يصبح الإنسان قادرا على ~~أن يظل منتويا الموت. وهكذا وهو طاف على سطح ماء النيل بعد فشله ~~الثالث قرر أن يحيا، أن يكافح ليحيا كما يريد، وينتزع الحياة بأظافره ~~وأسنانه ما دام الناس لا يستطيعون أن يقدموها إليه على طبق من ms066 الفضة، ~~ولكي تقرر أن تحيا عليك أن تقرر أيضا ماذا تفعل بحياتك. وهكذا في نفس ~~اللحظة كان «النص نص» قد قرر أن يحل بحياته القادمة المقبلة كل ما ~~استعصى على البشرية حتى ذلك اليوم حله. # ونفس الشيء الذي كان يقف حائلا بينه وبين حقه في الحياة ~~كالآخرين، نفس صغر حجمه توسل به كي يحيا كما يريد. الآن باستطاعته أن ~~يختار أفخر مكان يريد الإقامة فيه وأحسن مكان يعمل فيه ويجرب. واختار ~~هيلتون ليقيم فيه، أما رقم حجرته فهو رقم أي حجرة لا يشغلها قاطن، وإن ~~كان الفندق كله مشغولا فهو رقم حجرة أجمل قاطنة من قاطنيه على شرط أن ~~يصحو قبلها، مخافة أن ترفع البطانية، وتكتشف شريكها في الفراش، ويغمى ~~عليها من الرعب. أما العمل فقد اختار معامل الكليات جميعها بعد انتهاء ~~اليوم الدراسي، حيث تصبح كلها تحت أمره. والآن وقد توفر له السكن ~~والمعمل والأدوات لم يعد أمامه إلا أن يستغل ما يحفل به عقله من كنوز ~~المعرفة ويعمل. وكان أول موضوع اختاره، وأراد أن يلقي به درسا على كل ~~هؤلاء الذي تجاهلوه وازوروا عنه، كان الوصول إلى القمر. وبعد أبحاث ~~لم تستغرق سوى بضعة أسابيع كان قد اكتشف الطريقة، لا لم يستعمل ~~الصواريخ ولا الوقود، استعمل طريقة أبسط من هذا بكثير؛ فقد اكتشف كنه ~~الجاذبية، وأدرك أنها شحنة نوعية؛ بمعنى أنك إذا استطعت أن تشحن مادة ~~بنفس شحنة الجاذبية الأرضية، فإنها تتنافس مع الأرض وتصعد إلى أعلى. ~~وهكذا استطاع أن يشحن مركبة الفضاء الصغيرة التي صنعها في معمل ~~الميكانيكا بكلية الهندسة بواسطة جهاز صغير مركب داخل السفينة، وبتشغيل ~~الجهاز تنافرت المركبة مع الأرض، وبتقوية الشحنة أمكن أن يسرع بها إلى ~~درجة أنها قطعت المسافة بين الأرض والقمر فيما لا يزيد عن الساعة، وحين ~~اقترب من القمر أعاد شحن السفينة بنفس جاذبية القمر. وهكذا تعادلت قوة ~~تنافرها مع القمر مع قوة اندفاعها الأولى، وهبطت على سطح القمر بسلام. ~~وطور بعد هذا اختراعه ؛ ليستطيع أن يسافر إلى الكواكب الأخرى. وهكذا ms067 كان ~~يكفيه أن يشغل الجهاز، بحيث يمنع عن السفينة الجاذبية الأرضية، وفي نفس ~~الوقت يشحنها بجاذبية مضادة لجاذبية المريخ أو الزهرة أو أي كوكب ~~يختاره، فإذا بجاذبية ذلك الكوكب تتفاعل مع جاذبية السفينة، ودون حاجة ~~إلى بوصلة أو ملاحة فضائية أو مرشد كانت السفينة تنجذب تلقائيا إلى ~~الكوكب بقوة عظمى، حتى لقد استطاع أن يصل بالسرعة إلى مليون كيلومتر ~~في الثانية، وهي أضعاف سرعة الضوء. وهكذا كان يستطيع الوصول إلى القمر ~~في نصف ثانية، وإلى المريخ في 250 ثانية. ~~••• # وهكذا وضع قدمه على الطريق للسفر إلى العوالم الأخرى التي تفصلها عنا ~~مئات السنوات الضوئية؛ إذ هو لم يجد حياة على المريخ كما كان يتوقع. ~~وبدراساته وتلسكوباته الرادارية أمكنه أن يكتشف أن هناك قانونا ~~أساسيا من قوانين الكون، قانون التماثل؛ بمعنى أن كل مجموعة نجمية ~~توجد فيها الشموس والأقمار بنظام واحد، بمعنى أن المجموعة الشمسية ~~المقابلة لمجموعتنا في الكون الآخر لها هي الأخرى شمس مثل شمسنا، وعلى ~~نفس البعد منها يوجد مريخها وزهرتها، وأيضا على بعد 53 مليون ميل منها ~~توجد كرتها الأرضية، وهكذا، فالحياة لا توجد إلا في الكرة الأرضية ~~الموجودة في المجرة المقابلة لمجرتنا، وهي كرة تبعد عنا بحوالي ~~525600000000000000000 ميل، ويستغرق الإنسان في قطعها ثمانين ~~مليون سنة ضوئية، فإذا عرفنا أن المسافة بين الشمس والأرض 93 مليون ميل ~~يقطعها الضوء في ثماني دقائق ونصف دقيقة، لأمكن أن نتصور المسافة ~~الهائلة التي لا بد تفصلنا عن زميلتنا الكرة الأرضية الأخرى، والتي من ~~أجل الوصول إليها كان على «النص نص» أن يصل إلى جهاز يستطيع أن يولد ~~قوة جاذبية تصل بسفينة الفضاء إلى سرعة أسرع بكثير من سرعة الضوء، ~~وإلا لاستغرق ثلاثين مليون سنة ضوئية للوصول إليها، ونفس المدة في ~~العودة منها. وهكذا أمكن أن يصل بجهازه إلى سرعة توازي مليون مليون مرة ~~سرعة الضوء، وبهذا أمكنه أن يذهب إلى الكرة الأرضية المقابلة ويعود ~~منها في بحر 74 يوما فقط، وهو شيء خارق للعادة كما ترى. # غير أن بناء هذا ms068 الجهاز كان يستغرق وقتا إذ هو يقوم به بمفرده دون ~~مساعدة من أحد، ولا بد أن يصنعه متينا قويا مزودا بكميات من ~~الأكسجين والوقود تكفي لهذه الرحلة الطويلة؛ ولهذا وفي انتظار أن يتم ~~صنع مركبة فضائية واصل العمل في بحوثه الأخرى، فاكتشف «كورس» الأربعة ~~عشر يوما للوصول إلى درجة العبقرية؛ ذلك أنه بدراسته للإنسان وللحيوان ~~اتضح أن الذكاء والقدرة العقلية مبعثها هرمون خاص مسئول عن تغذية ~~وتشغيل خلايا المخ. ومع أن طاقة المخ البشري طاقة جبارة إلا أن الجزء ~~المستخدم منها قليل جدا؛ ذلك أن هذا الهرمون يفرز بكمية قليلة، في حين ~~أننا لو زدنا من كميته لاستطاع العقل البشري أن يعمل أضعاف أضعاف ما ~~يعمله الآن، ودون جهد يذكر. وهكذا بواسطة الأربع عشرة حقنة تؤخذ على ~~مدى أربعة عشر يوما أمكنه أن يصل بالعقل البشري إلى أن يصبح له قدرة ~~شكسبير الشعرية والمسرحية وذكاء أينشتين وحساسية بتهوفن الموسيقية. إنه ~~يضع الإنسان بواسطة هذا «الكورس» على أعتاب العبقرية، ولكنه لا يستطيع ~~أن يصنع له شيئا آخر؛ إذ الباقي عليه هو وحده أن يقوم به وينتجه، بل ~~إن بحوثه في هذا الاتجاه أوصلته إلى طريقة تركيب الخلية العصبية، ~~وبالذات طريقة تركيب الأحماض الأمينية التي تكون الكروموسومات داخل ~~نواة هذه الخلية، وهي الأحماض الأمينية المسئولة عن صنع الحياة؛ إذ هي ~~تستطيع أن تحيل المواد العضوية وغير العضوية إلى مواد حية قادرة على ~~الانقسام الذاتي والحركة. كل المشكلة أن العلماء الذين سبقوه لم ~~يستطيعوا الوصول إلى هذا التركيب؛ لأنهم كانوا يدرسون على خلايا الجسم ~~الإنساني والحيواني، في حين أن خلايا الإنسان والحيوان مهما كثر عددها ~~ليست سوى أجزاء من الكائن الحي؛ ولذلك اتخذ هو حيوانا ذا خلية واحدة، ~~ولكنها كبيرة الحجم جدا، بحيث تسهل دراستها، اتخذ البيضة، بيضة ~~الدجاج باعتبارها وحدة حية قائمة بذاتها، وبواسطة الميكروسكوب فوق ~~الإلكتروني الذي ابتكره - وهو ميكروسكوب قادر على التكبير إلى مليون ~~ضعف - أمكنه أن يرى جزيئات الحمض الأميني، بل أمكنه أن يرى هذه ~~الجزيئات، وهي تتكون من ms069 تلقاء نفسها وتتركب، ولم يكن عليه بعد هذا إلا ~~أن يقلد العملية. وهكذا استطاع بواسطة محاليل من الكربوهيدرات والمواد ~~النيتروجينية والكبريتية، وبإمرار تيار منشط عبارة عن سيل متدفق من ~~الأشعة فوق البنفسجية، أمكن لهذه المواد أن تختار النسب التي تتحد بها ~~مكونة البروتوبلازم الحي؛ ولأنها مواد معلومة الوزن، وقد أمكنه أن يعرف ~~نسب هذه المواد التي دخلت في تركيب البروتوبلازم، أمكنه أن يصل إلى هذا ~~اللغز المعقد، ويعرف سر تركيب المادة الحية، بل أمكنه أن يخلق خلايات ~~حية في كأس زجاجية، الخلية منها في حجم البيضة، تتفاعل بالضوء وتنجذب ~~أو تنكمش لدى اقتراب الخطر، وقادرة على تغذية نفسها، بل وأن تنقسم في ~~النهاية إلى خليتين. وكان يعتقد قبلا أنه لو وصل إلى هذا الحد لتكشف ~~له سر الحياة، ولأمكنه أن يصل إلى تركيب كائنات أرقى بكثير من كائنات ~~الخلية الواحدة، ولكن المشكلة التي واجهته جعلته يكتشف أن هناك لا بد ~~سرا آخر غير مجرد التركيب الكيميائي، ذلك السر الذي يبدو وكأنه ~~كامن في الخلية الحقيقية يجعلها لا تنقسم ولا تتكاثر وتتحرك فقط، ولكن ~~يجعلها - وهذا هو أهم شيء - تتطور لتأخذ باستمرار أشكالا أخرى. ~~الخلايا التي أوجدها لها نفس تركيب الخلية الحية الكيميائي، فماذا إذن ~~يجعل الخلية الحية قابلة للتطور بينما خلاياه هو خاملة لا تتطور؟ ذلك ~~هو السؤال، سؤال كان يبدو عويصا إلى الدرجة التي جعلته يؤجل الإجابة ~~عنه ليبتكر للبشرية بعض الأشياء التي تحتاج إليها بشدة مثل السرطان ~~وعلاجه؛ ولكي يعالجه كان عليه أن يعرف سببه. وقد اكتشف السبب من نفس ~~تجربته السابقة؛ إذ هناك خميرة معينة داخل الخلايا الحية مسئولة عن ~~انقسام تلك الخلية وتكاثرها. حين يصل الحجم بالخلية إلى درجة معينة، ~~أو يصل بها العمر إلى زمن معين محدد، تعطي الخميرة الإشارة، وتبدأ ~~الخلية تنقسم. هذه الخميرة ليست مستقلة في عملها، ولكنها خاضعة ~~لاحتياجات الكائن الحي ككل، بحيث حين لا تستدعي الحاجة يستطيع الجسم أن ~~يؤجل التكاثر والانقسام، أو يشرع به إذا استدعت الضرورة، وذلك بواسطة ~~هرمون ms070 معين، والسرطان ليس سوى تحرر خمائر الانقسام الموجودة داخل ~~الخلايا من أثر هذا الهرمون، بحيث تبدأ تتكاثر أوتوماتيكيا دون هرمون ~~يزجرها أو يوقفها عند حدها؟ وعلاجه لا يتعدى تزويد الإنسان بجرعات من ~~هذا الهرمون تعيد إخضاع الخلية للمراكز العليا، واحتياطات ~~الجسم. # وهكذا حل «النص نص» مشكلة السرطان. أما السل وبقية الأمراض فلم ينفق ~~وقته في إيجاد علاج لها كل على حدة، وإنما توصل إلى معرفة نوع من ~~المنشطات الحيوية، تلك التي تفرزها الخلية الحية إذا أشرفت على الموت ~~قبل موتها بثوان، وكآخر سلاح لديها تطلق الخلية خميرة سماها العلماء ~~المنشط الحيوي تقضي على كافة أعداء الجسم من ميكروبات، وتنقذ المريض في ~~آخر لحظة. استطاع «النص نص» أن يتوصل لمعرفة نوع منها قادر على الفتك ~~بأية ميكروبات مهما بلغت قوتها، بل وبواسطة قرص واحد منها يأخذه ~~الإنسان كل أسبوع يستطيع أن يضمن الإنسان بقاءه سليما معافى من كل ~~الأمراض، حتى الأمراض الاجتماعية. وبواسطة لتر من الأنتي كابيتال يوضع ~~في كل مليون متر مكعب من ماء الشرب، يستطيع هذا العقار أن يغير من ~~أفكار الناس، بحيث لا يعودون يطيقون الجشع الرأسمالي، ويصبحون أكثر ~~حساسية في كل ما يتصل بالغير، بحيث لا يرضون ظلمه أو الجور عليه، حتى ~~روح الحرب والعدوان يستأصلها؛ إذ هو يضخم مركز الغيرية في المخ، ذلك ~~المركز الذي تصدر منه كافة الأفعال والتصرفات الإنسانية، وتهدف إلى ~~المحافظة على النوع من خلال المحافظة على المجموع، عكس المركز الآخر ~~الذي يضمر بأنتي كابيتال ويذوي، مركز المحافظة على النوع من خلال ~~الذات. حتى السينما والتليفزيون استطاع «النص نص» أن يبتكر عدسة ~~التصوير وعدسة العرض التي تجعل الفيلم يبدو حيا بنفس أضواء الحياة ~~وطعمها وتجسيماتها. # وأخيرا توج «النص نص» أبحاثه في خلال بضعة شهور، بأن استطاع اكتشاف ~~نظرية جديدة لتركيب الكون؛ إذ كان الناس يتصورون الكون من خلال تصورهم ~~للجزء الذي يستطيعون رؤيته منه، أو حتى من خلال الجزء القادرين على ~~تصور مقياسه، والتصور البشري يبدأ من تصور جزء على عشرة مليون جزء ms071 من ~~الملليمتر إلى ألف مليون سنة ضوئية، تلك هي المسطرة التي كنا نقيس بها ~~الكون، في حين أن هذه المسطرة لو وضعت على المقاييس الحقيقية للكون ~~لبدت وكأنك تضع مسطرة طولها قدم واحدة على المسافة بين الأرض والشمس؛ ~~فهناك مقاييس نسميها أصغر بكثير من الجزء على مليون جزء من الملليمتر، ~~ومقاييس أكبر بكثير من الألف مليون سنة ضوئية، أصغر إلى ما نسميه ~~المالانهاية وأكبر من المالانهاية المزعومة، في حين لا توجد المالانهاية. والذرة ليست سوى كون كامل يشبه مجرتنا، والإلكترون الموجود ~~في الذرة ليست سوى كرة أرضية بأكملها، وداخل هذا الإلكترون توجد مجموعة ~~إلكترونية عبارة عن نواة وحولها أجسام تدور وكل جسم منها عبارة عن فلك ~~كامل، وهكذا إلى أن تصل إلى دقائق تنجذب إلى بعضها البعض بسرعة فائقة، ~~حتى تصل إلى الحد الأدنى من القرب، وحينئذ تبدأ تتنافر وتتباعد. وهذا ~~هو نبض الكون؛ إذ نفس هذا النبض يحدث وبنفس السرعة للأكوان الكبيرة ~~التي تتجاذب إلى الحد الأدنى من المسافة، لتعود تتنافر وتفقد تكوينها ~~مكونة السديم، الذي يبدأ يصنع منه التجاذب الأصغر فالأكبر فالأكبر، ~~حتى تتكون المجرات والأفلاك، ويحدث التجاذب من جديد. سرعة نبض الكون ~~ثابتة، ولا يوجد أكبر أو أصغر؛ فطريق التقائه ليس سوى تجمع لذرات ~~نراها نحن من داخلها في حين أنها من الخارج قد تكون جزءا من مادة، أو ~~حتى جزءا من جزيء داخل في تكوين كائن حي من الصعب تصور حجمه. القانون ~~الواحد الذي يحكم هذا الكون كله هو قانون التجاذب للتنافر أو ~~التنافر للتجاذب، على أساسه يمكن تفسير كل شيء، حتى تفسير نشأة الحياة ~~وتعدد الأنواع؛ فالجزيئات تظل تتجمع وتكبر إلى أن تصل إلى الحد الأعلى، ~~فتتنافر وتنقسم وتتحدد مكوناتها الجديدة مكونة أنواعا أخرى من ~~الجزيئات حتى يؤدي التجميع إلى الانقسام، وإعادة التكوين إلى جزيء ~~الحمض الأميني الذي يتجمع على هيئة خلية واحدة تظل تنمو إلى الحد ~~الأعلى، ثم تنقسم ليحدث بين مكوناتها المنقسمة وبين مكونات خلية أخرى ~~مختلفة معها قليلا نوع من التزاوج، يؤدي ms072 إلى ظهور الحيوان عديد ~~الخلايا. وبتكرر العملية تتعدد الأنواع، حتى تصل إلى القرود والإنسان ~~الذي يتطور بعد هذا بسبب تطور العلاقات الاجتماعية، التي تحكم الصلة ~~بين أفراده. # وعشرات غيرها من الاكتشافات والاختراعات، حتى إنه اكتشف فيما اكتشف ~~دواء لمعالجة الذمم الخربة لأصحاب البيوت، بحيث إن ملعقة منه قبل توقيع ~~العقد تستطيع أن تجعل صاحب البيت يتنازل بمطلق إرادته عن جميع الشروط ~~الواردة بالعقد، وكلها للأسف حقوق لصاحب البيت لدى المستأجر. # وأن يعمل ويكتشف كان مسألة سهلة، كان باستطاعته أن يصل إلى ما هو ~~أخطر، وأن يكتشف أشياء أهم بكثير من تلك، ولكن المشكلة التي كانت ~~تؤرقه أنه لم يكن يستطيع أن يفعل بهذه الاكتشافات شيئا، كان يحملها ~~ويذهب بها إلى أصحاب الشركات وأساتذة الجامعة والمسئولين، فينظرون إليه ~~نفس نظرتهم إلى حيوان غريب ويضحكون، وأحيانا يقبضون عليه، ويحملونه في ~~جيوبهم ليفرجوا عليه زوجاتهم، ويجعلوا الأولاد يلهون به بعض الوقت، ~~وذات يوم ضاق به أحدهم إلى الدرجة التي أمسكه وقذف به من النافذة فسقط ~~فوق رأس فلاح ما كاد يراه حتى استبشر، وقال: ياما أنت كريم يا رب! ~~وأخذه إلى بيته في القرية وأبقاه محبوسا ستة أشهر، حتى يحين موعد ~~القطن كفأل حسن، وحين لم يزد المحصول كما كان يتوقع أقسم أن يطعمه ~~لحماره، ولم ينقذه في اللحظة الأخيرة إلا زوجته حين راحت تستحلفه أن ~~يبقيه لكي يجلب لأختها العاقر الحمل. وبالتأكيد لم يستطع أن يجلب ~~شيئا، ولكنه أفلح في الهرب، ووصل إلى حيث المعمل ومركبة الفضاء التي ~~كانت قد تمت، وبغيظ أدار الجهاز، وبعد سبعة وثلاثين يوما كان في ~~الكرة الأرضية المقابلة. وحين هبط فوجئ بأعظم وأروع فرحة في حياته؛ فقد ~~وجد الناس هناك في مثل حجمه، ورحبوا به وطافوا به أنحاء الكرة وممالكها ~~باعتباره «إنسان الأرض» الذي ترقبوه طويلا، ولأنهم كانوا يمرون ~~بنفس الطور الحضاري الذي تمر به كرتنا الأرضية، فقد زودهم ~~باكتشافاته التي طبقوها في الحال، وجعلت من حياتهم جنة، فأقاموا له ~~التماثيل، وكاد قسم كبير من سكان تلك ms073 الأرض يقدسونه ويعبدونه من دون ~~الله سبحانه، ولكنه كان في شغل عن التكريم والتقديس والعبادة بالشوق ~~الغريزي الشديد، الذي كان يحسه لكرتنا الأرضية وقاهرته، ومصر، شوق ~~جعله يكتشف قانونا آخر من قوانين الكون، وهو أن المادة الحية تحن إلى ~~المواد الخام المخلوقة منها، وهكذا يحن الإنسان إلى مسقط رأسه، ويحن ~~الجزء من الشيء إذا انفصل عنه للجزء الأكبر، حتى سفينة الفضاء تحن إلى ~~المعمل، الذي صنعت فيه. وهكذا جاء عليه اليوم الذي لم يعد يطيق ~~وتحايل، حتى وصل إلى سفينة الفضاء، وبكل ما يهزه من شوق شغل الجهاز، ~~وما أروعها من أرض كروية وما يغطيها من سحابات تلك التي طالعته في صباح ~~اليوم السابع والثلاثين! ما أروعه من شريط رفيع ينحني ويتهادى وبرفق ~~يصب في بحره الأبيض! ما أروع مصر التي هبط في صحرائها، حيث غادر ~~المركبة قرب أهراماتها! وما لبث أن ضاع في زحمة مدينتها يقيم حيثما ~~اتفق ويأكل وينام كيفما اتفق، وسعادته كلها أنه يحيا على الأرض، أرضه ~~حتى لو كان قد تخلى عن كل طموحه. # الشيء الذي لم يحسب له «النص نص» حسابا قط هو أن يستخدم أهل ~~الأرض المقابلة معلوماته التي أعطاها لهم إلى درجة أن يصنعوا مراكب ~~فضاء مثل مركبة فضائه، وأن يفاجأ أهل الأرض ذات يوم بسرب من هذه ~~المركبات، وقد ظهر يحوم حول مدن الكرة الأرضية الكبرى، ويرقب الحياة ~~التي تموج فيها. ولا تحدث عن الحمى التي اجتاحت الدنيا لهذا الحادث ~~الخطير، ولا عن الصحافة والإذاعة والتليفزيون - خاصة في أمريكا - وقد ~~خرجت تتحدث عن غزو الأرض، وتطلب من حكوماتها إخراج ما لديها من قنابل ~~ذرية وأيدروجينية لاستعمالها ضد الغزاة (تماما نفس العقلية التي كانت ~~تصنع أفلام الفضاء)، ولكن قبل أن يحدث شيء من هذا كان سرب المركبات قد ~~هبط فوق جبال سويسرا، وخرج منه سكان الأرض الثانية في حجم عقلة الأصبع، ~~يستعملون أجهزة الترانزستور في تضخيم أصواتهم إلى الآخرين، وفي استقبال ~~أصوات الآخرين، واندفعت إلى سويسرا جموع هائلة من الصحفيين والمخبرين ~~ومحبي الاستطلاع ms074 يريدون الوقوف على أسرار تلك الحضارة الراقية التي غزت ~~الفضاء بمثل ذلك الإعجاز وغزت الأرض. وكانت المفاجأة المذهلة حين ذكر ~~رجال الفضاء هؤلاء أن سفن الفضاء تلك ليست من ابتكارهم، إنما هي من ~~ابتكار واحد من أهل الأرض اسمه «النص نص» من بلد اسمها مصر، كان قد ~~زارهم في مركبة مماثلة منذ عام مضى، وزودهم بمعلومات هائلة عن المادة ~~والحياة والأحياء، من ضمنها هذا الجهاز الذي أمكنهم به أن يتغلبوا ~~على جاذبية أرضهم، وأن يسافروا بتلك السرعة الخارقة في الفضاء، حتى ~~يتمكنوا من الوصول إلى بنت عمتهم الأرض. # وهكذا في أقل من ساعة كان الناس قد فقدوا الاهتمام بأهل الكوكب الآخر ~~كلية حتى لم ينتظر أحدهم ليودعهم وهم في الطريق مرة أخرى إلى كرتهم، ~~واندفعوا في أعداد هائلة يحجزون الأمكنة في الطائرات إلى القاهرة، ~~حتى اضطرت شركات الطيران إلى تحويل خطوطها جميعا إلى القاهرة. # ولم ينتظر المصريون وصولهم؛ فهم منذ إعلان تلك الأنباء وجموعهم في ~~حالة بحث دائب عن «النص نص». ولأول مرة يعترف أساتذة الجامعة الذين ~~امتحنوه، ولأول مرة يذكره أولئك الذين ذهب يطلب منهم العمل وهزءوا ~~به، والجميع من سائل إلى مسئول قد ركبته حمى البحث، والكل يحاول أن يتتبع الخيط، وكل خيط ما يكاد ينمو وينمو معه الأمل، حتى ~~ينقطع فجأة، وعلى غير انتظار - حتى الفلاح الذي احتفظ به كفأل حسن ~~وقصته معه - ثبت خيط تتبعه الناس إلى أخت زوجته العاقر، ثم انقطع ~~تماما، ولكن كان لا بد أن تنتهي مرحلة الفوضى التلقائية تلك؛ فالأمر ~~جد خطير للعالم كله، ولا بد من العثور على «النص نص»، ومن الشرق والغرب ~~جاء خبراء البحث والتقصي، وأعيد استجواب كل من سبق، وكان له ب «النص نص» ~~أي اتصال لمعرفة الأماكن التي يحبها، أو أين كان يمضي وقته، حتى خدم ~~السلطان الذين أصبحوا مرشدين سياحيين في قصره، الذي تحول إلى ~~متحف استجوبوهم بدقة، وكانت النتائج دائما مخيبة للآمال؛ فقد بدا أن ~~باستطاعته أن يوجد ويعيش في أي مكان بالقاهرة أو بغيرها ms075 من المدن، في ~~أي اثني سنتيمتر مكعب يمكنه أن يبقى إلى الأبد مختفيا. النتيجة ~~الإيجابية الوحيدة التي خرج بها الخبراء المحليون والعالميون من بحثهم ~~واستقصائهم أنه قال ذات مرة: إنه يجب أن يمشي على بلاج الإسكندرية، ~~خاصة في الشتاء. وإلى هذا البلاج تحول البحث كله، ليس فقط بحث الأجهزة ~~والإخصائيين، وإنما بحث الناس العاديين. ناس، آلاف الناس المزدحمة ~~صيفا وشتاء لا يطلبون أسرار قوانين الكون والحركة والجاذبية، وإنما ~~يطلبون أشياء تبدو أسهل بكثير، الأصلع يريد دواء ينبت له الشعر، ~~والآخر الذي يريد القضاء على الشيب، والسيدة العاقر التي تنام وتحلم ~~بالولد، والمقطوع الساق والأعمى والأعور، والأبرص، والذي به داء ~~استعصى على الشفاء، جيوش لمرضى من أيام موسى وعيسى، ومحصول النوايا، ~~القاهرة التي تفيض بها أضرحة المشايخ وأهل البيت، ورسائل المحبين إليهم ~~بعدد سكان الأرض وسكان مصر، لكل كونه المفقود الذي يبغي العثور ~~عليه، عالمه الطلسمي، الذي يود لو عرف قوانينه، والجماعات - جماعات ~~وأفرادا - في حالة بحث دائب، في الصيف وفي الشتاء، في الربيع وفي ~~الخريف، إلى أقصى ما يستطيع أن يصعر كل منهم خده ويكبش من الرمال ~~ويغربل، عله هذه الكتلة، عله تحت هذه المحارة، عله في كومة حشائش ~~البحر تلك، عله من تلقاء نفسه يظهر غدا، ومن كل صوب تنهال الاتهامات: ~~السبب أساتذة الجامعة الذين لم يعيروه اهتماما، السبب البيروقراطية ~~والبيروقراطيون الجالسون فوق المكاتب يمنعون العبقريات عن الظهور، بل ~~كلنا مسئولون، هكذا كتب صحفي كبير عن الجريمة، كلنا أهملناه واحتقرنا ~~شأنه، وها نحن اليوم نقلب الأرض بحثا عنه، كلنا مسئولون. ~~••• # وعن الجماعة التي اتجهنا إليها صدرت صيحة، وكأنها صيحة رعب، تلتها ~~اندفاعات وصرخات واستغاثات كأصوات الهنود الحمر حين تهجم أو فرق ~~الصاعقة، وفجأة أيضا وجدنا المجموعة وقد استحالت إلى كتلة بشرية ~~متكورة، كتل متضاربة متصارعة صارخة مولولة ممزقة ممزقة. لا تحسبن ~~أنهم عثروا عليه، فهكذا الحال دائما، إنه واحد منهم خيل إليه أن قطعة ~~الطين التي اصطدمت بها يده هي «النص نص»، وتسابق الآخرون ينتزعونه منه. ~~تلك كانت آخر ms076 كلمات صديقي، ليس في ذلك اليوم فقط، وإنما في كل الأيام؛ ~~إذ ما لبثت الكتلة البشرية أن راحت تتضخم وقد فقد الكل عقله، ولم يكن ~~هناك أحد ليتابع؛ فمنذ اللحظة الأولى يتحدد الوقت وقد كتب عليك الصراع: ~~إما صراع من أجل الحصول على «النص نص» المزعوم، أو صراع من أجل استخراج ~~نفسك من كثرة البشر المتزايدة المتضخمة المهددة بفعص كل من يقربها أو ~~تقربه. وفجأة تطلعت فلم أجد صديقي، كانت الكرة قد ابتلعته ولم أره إلا ~~في اليوم التالي بين عشرات الجثث الممدة فوق رمال الشاطئ. # لم تكن آخر كرة بشرية تتكون أو أول كرة؛ فهكذا الحال دائما وكل بضع ~~ساعات أو أيام تحدث الصرخة التي يعقبها التدافع والتكور والفعص. # أما «النص نص» فمنذ أن عاد إلى الكرة الأرضية ووطئ بقدميه القاهرة، ~~فلم يعرف له أحد مكانا، البحث قاد حقيقة إلى مركبة فضائه التي ~~استعملها، أما أين وكيف يعيش الآن؟ فذلك لغز لم يستطع أحد ولن يستطيع ~~حله، من يدري ربما يكون هذه الكتلة البارزة من الرمل أو من التراب، ~~ربما تحت هذه المحارة أو أسفل كومة الحشائش، ربما في جيبك أنت، وأنت ~~لا تدري. # | النقطة # القضبان الحديدية غير شاهقة العلو، كقبة عالية من الرمل والزلط ~~والأخشاب والحديد. الشريط الحديدي طويل طويل موغل في الطول، ينتهي وراء ~~الأفق إلى رمادية صفراء، لا تلبث أن تدكن وتدكن، بحيث لو أمعنت النظر ~~فيها وأصررت على المضي في الرؤية لاستحالت إلى سواد. شريط حديدي طويل ~~يدخل المشهد منحنيا انحناءة قوس عظيم، وكأنه القوس الذي تفتحه لتضع ~~داخله ثلاثة آلاف مليون إنسان، سكان الأرض بحياتهم وهمومهم، وكل ما دار ~~بخلدهم منذ أن كانوا بضع كائنات إلى أن أصبحوا آلاف الملايين، ويخرج ~~الشريط من المشهد أيضا منحنيا نفس الانحناءة الخفيفة المهولة ذات ~~الجلال. # غير بعيد شجرة في حالة خريف دائم، أوراقها مصفرة الاخضرار، مخضرة ~~الترابية، معلقة بغصنها برباط ما، واه، شجرة كلما هب الريح انتزع ~~منها أكثر من بضع أوراق حتى لتخالها في نهاية اليوم ms077 ستقف جرداء عارية، ~~ولكنها أبدا هكذا لا تنقص أوراقها ولا تزيد، دائمة الخريف مستمرة ~~الاخضرار المصفر المترب، لا ثمر لها ولا زهر، ولا اسم، شجرة، ~~ومساحة، تلك التي تكون دائرة الأفق تتسع إذا وقفت، وإذا صعدت الشريط ~~الحديدي اتسعت أكثر، وكلما علوت اتسعت حتى لكأن باستطاعتها أن تشمل - ~~لو أمكنك العلو الكافي - الدنيا بأسرها. # المشهد صامت ساكن إلا بين كل حين وحين، حين تهب الريح هبات متقطعة ~~غير ملموسة لا تعرف كيف تبدأ، إنما شيئا فشيئا تسمع الأوراق وهي ~~توشوش في خفوت، ثم وهي تئز ويستطيل الأزيز. وتتطاير بضع أوراق ومن فوق ~~الأرض يثور بعض الغبار حاملا معه عيدانا مهرأة من قش أرز قديم، ثم ~~يسكن الصوت والحركة إلا من اختلاجة أخيرة لورقة، ثم يئوب كل شيء إلى ~~صمت، صمت غير داكن، ولكنه في نفس الوقت غير مضيء، صمت هو بالتأكيد ~~كالضوء في المشهد إذ الشمس غير موجودة، والنور غير مباشر وقليل، ولكنه ~~مستمر على نفس الدرجة لا يشتد أو يخف ولا حتى تعتريه هزات الحركة، إنما ~~هو كالشريط الحديدي الطويل سادر في وجوده وشموله واستمراره، ضوء كضوء ~~عصر ضيق مترب، يومه التالي يوم القيامة. # وأنا موجود داخل المشهد لا أعرف مكاني على وجه الدقة، ولكني أرى ~~المشهد بزاوية ما، ومهما غيرت من وقفتي أو اتجاهي، فأظل أرى المشهد من ~~نفس الزاوية. # إني في انتظار القطار القادم مع أن المكان ليس بمحطة، وإحساس طاغ ~~كبير أني لا أنتظر القطار لأركبه، إنما فقط أنتظره بالضبط. أنتظر ~~اللحظة التي فجأة - تماما لا بد أن تكون فجأة - تظهر رأس القطار من ~~كرة الأفق، سوداء فلتكن ولكن لا بد أن تظهر، تنبثق فجأة فيدق قلبي ~~هلعا أو رعبا أو فرحا، وأوجد وأعيش. أشعر أني لأول مرة آخذ نفسي، ~~الشهيق، وأني حي، وأني بدأت أعي بالوجود. غير مهم بعد هذا أن تستحيل ~~النقطة المفاجئة إلى شرطة، والشرطة إلى خط، والخط إلى جسد القطار ~~الطويل تتوجه سحابة الدخان المتعمدة المتصلة، غير مهم أن يقترب أكثر ~~وأكثر، ms078 وأن يصبح أمامي، غير مهم أي شيء، المهم هو ذلك الظهور المفاجئ ~~المروع للنقطة. # أنا لا أنتظر؛ فالإنسان لا ينتظر إلا شيئا يتوقعه أو واثق من حدوثه، ~~أو حتى علم، أو أخبره أحد أنه لا محالة واقع. أنا رأيت قبلا قطارا ~~يمر ولا البقعة محطة ولا أنا مسافر، ولا شيء على الإطلاق، على الإطلاق ~~لا علاقة بيني وبين القطار إلا علاقة أني أرى قضبانا، وما دام هناك ~~قضبان، فلا بد أن يكون هناك قطار، حتى لو كانت القضبان تلك التي أراها ~~صدئة صدأ سميكا استحال من طبقة إلى قشرة، ولكن رغم كل الصدأ فمن ~~المؤكد أن قطارا، بل لا بد قطارات مرت فوقها، لا بد قطارات مرت من ~~هنا، وإلا فيم القضبان؟ أتكون خطا فرعيا أقامته السكة الحديد ونسيت ~~أمره؟ أتكون خطا حديديا أقامه الحلفاء في أثناء الحرب وضاع من ~~الخريطة؟ فلتكن أي شيء، فالمشهد مستمر، وأنا موجود داخله. أرى مهمات ~~سرت أو غيرت موضعي بزاوية، والنور غير مباشر وداكن، والشريط طويل محني ~~بجلال، طويل، والشجرة قائمة خريفية كأنها نبتت من بذرة خريف، وبين كل ~~حين وحين وبلا بداية أو نهاية محسوسة تهب قبضة الهواء، فتحرك الورق في ~~الشجر، وقش الأرز المترب في الأرض، ثم الاختلاجة الأخيرة لورقة شجرة أو ~~عود قش، ثم الصمت المستمر الساكن. # المشهد مستمر، والأشياء فيه تتعاقب باستمرار، وحتى كم الحزن الموضوع ~~بطريقة ما في صدري لا يتغير هو الآخر حجمه، ولا تشتد أو تخفت وطأته. ~~حزن لا بد جاء من المشهد إذ تحس لا بد أنه مشهد نهاية ما، نهاية ~~العالم، نهاية الحياة على الأرض، نهاية الفرح أو الأمل، ربما حتى نهاية ~~الأحزان، ولكنه بالتأكيد نهاية، نهاية حقيقية كنهايات العلم حيث لا ~~نهاية، إنما النهاية خيط متصل من الشيء ذاته، من السكون ذاته، من ~~الشريط ذاته، من الضوء ذاته، من الخريف المشجر ذاته، من هبات الهواء ~~ذاتها، من الترقب ذاته. # المشهد دائم ومستمر، وإحساسي به دائم ومستمر، وحزن النهاية - ولو ~~كانت نهاية الحزن - دائم ومستمر. ms079 لا أذكر كيف بدأ ولا أين أو متى؟ وجدت ~~فيه لكأني وعيت أو حتى ولدت داخله، وسأظل فيه إلى أن تنتهي حياته. كل ~~شيء فيه هو هو لا يتغير أبدا، لا يزيد، لا ينقص، لا ينتهي، لا يبدأ، ~~بل حتى تلك النبضة المتباعدة التي بين النبضة فيها والنبضة التالية ~~مسافة أو زمن كأنه ألف عام، حتى لو كانت تتم في ثانية فهي ثانية طولها ~~ألف عام، نبضة ضعيفة واهنة كالاختلاجة الأولى لجنين القلب داخل قلب ~~الجنين حين دق لأول مرة، خافتة واهنة تدق على استحياء شديد وبغربة ~~زائدة. دق مذعور يكاد الذعر يسكت نبضه ودق قلبه. نبضة خاطر؛ إذ فجأة ~~تنبثق النقطة بادئة هناك من لا نهاية الشريط، فجأة أحدق وأجدها، وغير ~~مهم أبدا ما يحدث بعد هذا أو يكون. # المشهد والإحساس والحزن، وحتى النبضة مستمرة الحدوث، وأنا فيما عدا ~~هذا غير حزين أو خجلان أو نائم أو مستيقظ. أنا أنا، هكذا أيضا، ~~باستمرار طويل لا ملل فيه ولا تبرم ولا تغير مطلقا في الزمان أو ~~المكان أو درجة الوعي. كل ما في الأمر أني لدي كل نبضة خاطر، قبلها ~~بقليل وكأنما قبل الحدث الكوني الهائل، وأثناءها، وبعدها أحس بقلبي ~~أنا، قلبي الحقيقي يدق في انفعال حي، انفعال خافت مبهور، ولكنه حقيقي ~~وملموس. بالضبط قبل وأثناء وبعد الخاطر يكاد جسدي كله يرتعش، وتكاد ~~صرخة تنطلق مني هاتفة: أنا حي. وكأنها اكتشاف، ومع أنها هي الأخرى ~~مستمرة ودائمة ولا تتغير، إلا أن فرحتي بها لم تفقد أبدا، حتى لو كان ~~المشهد قد بدا مع بداية الخليقة، واستمر إلى نهايتها لم تفقد أبدا ~~طعمها، بل هي لحظتها فقط، تلك اللحظة المتباعدة التي كان بينها وبين ~~التالية أو اللاحقة لها ألف عام، لحظتها فقط، هي كل ما يربطني ~~بالحياة. # أجل! أحدق فجأة فألمح، هكذا بمعجزة، النقطة. # وغير مهم بعد هذا أن تصبح النقطة شرطة، والشرطة خطا طويلا لا ~~نهاية لطوله. # أبدا غير مهم. # | العملية الكبرى # 1 # ما كان أصعب أيامها - وبالذات لحظتها - أن ms080 يشك! بل هو لا يزال لا ~~يعرف كيف، كالبخار المتكاثف، بدأت تتجمع السحب؛ فالمهمة على ~~غرابتها الشديدة بدت أول الأمر مجرد مهمة أخرى من المهام الكثيرة ~~التي كان يوكل إليه بها. كل ما في الأمر أنها طريفة، وعلى وجه ~~الدقة مثيرة لعجب طريف لا بد تمط له شفتيك، أو تهز كتفيك؛ فمع ~~انتهاء العملية الكبرى، والجميع في قليل من الوجوم يتهيئون ~~للانصراف، جاءه الأمر من الأستاذ الكبير أن يبقى بجوارها حتى تموت، ~~ولأن لا طبيب بلا ممرضة، فقد ترقب همسة «الأخت تريزا» التي ستحدد ~~الاسم، وما كاد يسمع «انشراح» التي نطقتها «انسراح» حتى وجم وكاد ~~يغضب ويدفعه لطلب آخر، ثم رن في أذنه المثل: «خسرانة خسرانة!» ~~وأصبح مناسبا جدا في نظره أن تكون «انشراح» بالذات هي شريكته في ~~انتظار الموت. # وحين «صفصفت» الحجرة عليهما، ولم يعد هناك إلا هو وهي والموت ~~الرابض على صدر السيدة، بدأت المهمة تتحول من روتين إلى نوع من ~~الواجب الثقيل. لو كانت شريكته في انتظار النهاية ناهد مثلا أو ~~سهير أو مديحة، أو حتى كاميليا لانقلب الواجب إلى متعة، أما ~~المتوحشة البراوية «انشراح»، الغاضبة أبدا، المتنمرة تكاد «تخانق ~~ذباب وجهها»، فأي أمل له في بعد ظهر هادئ حتى؟ # بعد ظهر كان قد بدأ من زمن، وقفزات عقرب الدقائق في الساعة التي ~~تتوسط الحائط من إحساسك ببطئها تبدو كل مرة كما لو كانت تفاجئك ~~بحدوثها. بعد ظهر أصبح خوفه أن يطول ويطول حتى ليصل الظهر بالمساء، ~~ومن يدري ربما بالليل أيضا؟ وما دامت ميتة ميتة، فلماذا هذا ~~العذاب كله؟ وما دامت هذه الأنفاس المأخوذة على هيئة شهقات - مفاجئة أيضا كقفزات العقرب - خارجة بسرعة كالزفرة، ما دام هذا هو ~~تنفس «طلوع الروح»، فما الداعي لعذابها باستمراره واستمراره؟ ما ~~الداعي «يا ست انشراح» بلا أي «انشراح»، العاقدة ملامحك وكأن ~~المسجاة هي السيدة والدتك، المنكبة حضرتك على إبر التريكو بأصابعك ~~القمحية الرفيعة الطويلة كإبر التريكو تنسجين بداية «البلوفر» التي ~~لم تزد رغم آلاف الغرز مساحتها، وكأنما حضرتها - لتغيظه - تنسج ms081 ~~غرزة وتفك غرزة؟ ما الداعي؟ # لو التفتت إليه لحظتها أو رفعت رأسها لكان - ودون نظر لأي اعتبار ~~- قد بدأ الشجار؛ ذلك أن غيظه بعد انتظار دام إلى الآن ساعتين ~~وبضع دقائق كان قد بدأ، وهو على وجه التأكيد ليس غيظه؛ فأي شيء ~~كان يمت إلى الجراحة من قريب أو بعيد مهما تقبله الآخرون بضيق أو ~~تبرم، ما كان ليأخذه هو إلا كآلام الحب لها نفس مذاق المتعة. الغيظ ~~إذن غيظ وافد لا يزال لا يدري مصدره، غيظ يبدأ عند وجه «انشراح» ~~الجميل، حتى في تنمره، ليتزايد كلما انتقل بعده إلى مجال آخر، ~~وكلما اصطدمت عيناه، أو اصطدمت حواسه بشيء من آلاف الأشياء التي ~~تحفل بها الحجرة. # بدايات غيظ جعلت روحه بالتدريج تنسحب من اندماجها التام في دورها ~~الجراحي المحبب، ومن اختلاطها الكامل بكل شيء تحفل به حجرة ~~العمليات - مهبط الوحي عنده وقدس الأقداس - لتبدأ تتخذ موقفا ~~محايدا، وتعود ترى وكأنها لأول مرة ترى، ولتبدأ دهشة كدهشة ~~الإفاقة من حلم تعتريه. لا ليست هذه حجرة العمليات أبدا، إنها ~~مكان مرعب كئيب لم يره من قبل؛ فأي معركة شيطانية دارت ولا تزال ~~آثارها طازجة؟ لا يزال الدم أحمر لم يغمق لونه بعد دم واصل حتى ~~السقف الأبيض راسما خطوطا متقاطعة ومتقاربة ومتفرقة، خطوطا ~~مكونة من مئات النقاط رسمها لا بد دم تفجر تحت ضغط شديد، انفجارات ~~دموية كثيرة لا بد دارت هنا، إلى أعلى وإلى الجوانب ترتسم على ~~جدران الحجرة الأربعة، وفي كميات تملأ زجاج الشفاط، وتكون بقعا ~~كبيرة تلطخ المرايل والبلاطي البيض الملقاة هنا وهناك. دم يلوث كل ~~مكان، حتى الأحذية المطاطية ذات الرقبة، حتى الأرض الكاوتشوك، بل ~~لم يسلم منه أيضا زجاج الأضواء الكاشفة البراق والمصفر. # دم كثير من المحال أن تعتقد أن هذه السيدة النحيفة الراقدة يحفل ~~وجهها بسلام كسلام أطفال نائمين، مصدره، ولكنها بلا شك كانت ~~المصدر الوحيد، والواضح أنها الطرف المغلوب. # أيكون الغيظ الذي يعتريه الآن غيظا حقيقيا؟ # أيكون ما يراه الآن خدعة أو بداية، أو بالأصح ms082 بداية شعور أنه ~~ضحية خدعة شيطانية من المحتم لو صحت أن يفقد لها أثبت العقول ~~وأصلبها الصواب؟ # أخذت السيدة شهقة، قبل أن تكتمل ركبت فوقها شهقة أخرى، وكانت ~~النتيجة شهيقا طويلا جدا اضطربت له جفونها المسدلة، حتى كادت تفتح، ~~وحتى تصور أنه في الشهيق التالي حتما سيعود إليها الوعي، ومن ~~يدري؟ ربما تحدث المعجزة الكاملة وتعود للحياة. # ولكن رغم دقة القلب العالية الزائدة التي دوت في صدره انفعالا، ~~فقد بدأ السؤال يلح من جديد: أيكون قد خدع الخديعة يا ترى؟ # 2 # ويحدث هذا أين؟ في نفس حجرة العمليات التي شهدت منذ بضعة شهور ~~أعظم لحظات حياته، اللحظة التي وعى فيها لأول مرة بالحياة، حياته، ~~وأدرك عن يقين لماذا يريد أن يعيش. # لقد بدأت مشكلته بعد أن تخرج وأصبح طبيبا، واستهلك في بضعة ~~أسابيع كل متع الفرحة بالتخرج والإحساس الغامر الجميل بأنه انطلق ~~من عقال تلمذة طالت، وعليه أن يعب من متع الحياة الصغيرة التي حرم ~~منها طويلا. واجهته حينذاك مشكلة ماذا يريد أن يكون؟ لقد دخل ~~الكلية بالمجموع، وواصل الدراسة ونجح بالرغبة الغريزية في التفوق ~~على أقرانه، وها هو ذا الآن بعد التخرج يستعرض أمام عينيه كل فروع ~~الطب، فلا يجد في نفسه مثقال رغبة في أي منها، بل إنه حتى بعد أن ~~تخرج وأصبح يزاول المهنة لا يجد في نفسه أي رغبة فيها أصلا. وكاد ~~يصبح الأمر كارثة؛ فإنها لمهزلة أن تبدأ بعد وصولك إلى هدف ما ~~قضيت في الوصول إليه أعواما طوالا، أن تكتشف أنه ليس هدفك، وأن ~~عليك أن تبحث عن آخر. # ولقد ظل هذا يحدث وهم البحث يؤرقه، حتى انتقل إلى العمل بقسم ~~الجراحة. حين دخل ذات صباح باكر هذه الحجرة، ومر بالطقوس المعتادة ~~من ارتداء ملابس العمليات والاغتسال والتعقيم، وإحاطة رأسه ونصف ~~وجهه بالقناع الأبيض المشهور، هنا حيث رأى أستاذ الجراحة الكبير لا ~~يصف الدواء ويترك للعمليات الغامضة في الجسم أن تعمل عملها وتشفي، ~~وإنما بأصابعه الطويلة الحادة القوية يقطع ويصل ويستأصل ويعيد ~~التشكيل. هنا ms083 حيث بإرادتك أنت وحدك وبقدرتك يتم الشفاء، يدخل ~~المريض يتلوى من شدة الألم أو من اليأس، وبعد ساعة يخرج وقد شفي ~~تماما وانتهى ألمه. هنا حيث يختلط دور الجراح بدور الساحر القديم، ~~والعلم يصبح حرفة ترتفع إلى مصاف الفن، والعملية السحرية كلها تدور ~~في ذلك المكان البالغ النظافة، الشاحب الضوء، المعقم، بصمته ~~القدسي الكلمات في تتحول إلى همسات تختلط بالفحيح الصادر من ~~أجهزة التعقيم، وتنسجم مع الحركة الصوتية المتتابعة لتنفس المريض ~~من خلال جهاز التخدير، بالسكون المضمخ بروائح اليوسول واليود ~~والأثير، السكون الحي النابض بدق القلب، وهو يتحول إلى إشارات ~~موسيقية ضوئية، السكون الذي يتنفس تنفسا خاشعا منتظما. هنا ~~اكتشف الجراحة كعلم وكسحر، واكتشف أن ها هنا يوجد أمله، ومن الآن ~~سيصير هدفه من الحياة. # وكان طبيعيا وقد اكتشف الهدف أن تأخذ السعادة عنده شكل الهوس، ~~حيث لا يعود يأكل أو يستريح أو يحلم إلا وهو يقوم بشيء من أجل ~~عمله الذي أصبح حبه الأكبر. سماه زملاؤه مجنون الجراحة، وكانوا ~~يغيظونه بقولهم إنه إنما يتفانى ليرضي الأستاذ، وليتكتك لينال ~~وظيفة «نائب الجراحة» حين تخلو، مع أنه يعلم وهم جميعا يعلمون ألا ~~أمل له في هذه الوظيفة؛ إذ إن درجاته لا تؤهله، ولكنهم معذورون؛ ~~فالعمل عندهم مرتبط بالمصلحة، ومن المحال أن يستطيعوا هضم أن يعمل ~~الإنسان لأجل متعة العمل نفسها. # ولقد كان يعمل ويتفانى بلا كلمة تشجيع واحدة، وحتى وهو يدرك أن ~~رئيسه النائب ينسب معظم الأعمال أمام الأستاذ لنفسه، فماذا يهمه أن ~~يعرف الأستاذ اجتهاده؟ إنه لم يكن يعمل ليرضيه، بل ليرضي ذلك الشيء ~~المركب فيه الذي لا يرضى أبدا! نفسه. # بل بدلا من التشجيع كان بالضرورة يناله كم غير قليل من شتائم ~~الأستاذ الدكتور أدهم أستاذ الجراحة، وليس هذا رئيس القسم فقط، إنه ~~كبير أساتذة الجراحة في المستشفى كله. والجراح في المستشفى يحتل ~~مكانة لا يحتلها زميله طبيب الأمراض الباطنية أو طبيب الأطفال ~~مثلا. إنه له بجانب العلم مكانة دنيوية؛ فهو ليس عالما فقط، ~~ولكنه عالم يزاول العلم أمامك ms084 ، وأمامك يحيي ويميت. ولأن المهنة هي ~~التي تفرض الخلق والتصرف، فعند الجراح أسهل الطرق البتر، وأي كلام ~~ليس له فاعلية المشرط وحسمه هذر فارغ لا يقال، وما دامت إرادته هي ~~نفسها الدواء، فإحساسه بنفسه يتعاظم، وكلمته مهما تكن أمر واجب ~~النفاذ. وليس صدفة أنهم يسمون حجرة العمليات بمسرح العمليات؛ ~~فالجراح في هذا المسرح هو الإرادة الكبرى والعقل المفكر، والحاضرون ~~جميعا من بشر أو أجهزة أو عقاقير ليسوا سوى أدوات في يد تلك ~~الإرادة تصنع بهم الشفاء. ولأن إحساس الآخرين عند الجراح غير مهم؛ ~~إذ المهنة تحتم عليه أن يلقي شعوره بإحساسهم؛ إذ هو لو شعر أن جرحه ~~يؤلم لارتعشت يده، ولربما نفق مريضه، ولهذا هو أيضا لا يهتم بوقع ~~كلماته عند الآخرين، حتى لو جاءت شتائم ولعنات؛ فمسئوليته الخطيرة ~~أن تنجح العملية، وملعون أية حركة أو خطأ يحول دون هذا ~~النجاح. # كانت شهرة الأستاذ أدهم إذن كرئيس لا يرحم تكاد تعادل شهرته ~~كأستاذ جراحة ممتاز، ولأن أطباء الامتياز يحتلون أدنى مرتبة في سلم ~~المستشفى الطبقي، فنصيبهم من شتائمه ولكزاته وافر، ومعاملته لهم ~~أسوأ بكثير من معاملته للممرضات أو التمورجية، وويل لمن يفكر في ~~الاحتجاج أو الذود عن كرامته؛ فمعنى هذا نهايته؛ فهو لا يجر عداوته ~~أو غضب رئيس القسم فقط، ولكن الدكتور أدهم كان أيضا كبير الأساتذة ~~والقائم بعمل عميد الكلية، ومستشار وزارة الصحة. # ورغم كل ذلك، ومن فرط الحب والانتماء للجراحة، وكأنها المبدأ أو ~~العقيدة التي ظل يبحث عنها، فقد راح ينظر للأستاذ أدهم باعتباره ~~قائده لهذا المبدأ، ووسيلته للوصول. وليس مثلها سعادة تلك التي يجد ~~الإنسان مبدأه فيها وقد تجسد على هيئة قائد وعقل أكبر. وليكن ~~الأستاذ أدهم شيطانا مرعبا في نظر الآخرين، ولترتجف له الأوصال ~~إذا حضر، وحتى إذا غاب، ليكن! فقد وجد فيه الأستاذ الكبير والراعي ~~والعالم، ويبدو أن الأستاذ أدهم هو الآخر قد وجد فيه نعم التلميذ، ~~فقد راحت شتائمه إليه تقل، حتى انتهت وحتى أصبح يناديه باسمه ~~الأول، وفي هذا من التكريم ما لم ms085 يحلم به أحد، وليأخذ حياته كلها ~~بإشارة منه لو أراد، فلم يعد في الحياة شيء يجلب السعادة قدر أن ~~يتلقى عبد الرءوف الأمر، أي أمر، وقدر أن يفني نفسه تماما ~~لتنفيذه، وقد أصبح رضا الأستاذ أدهم من رضا الضمير، من رضا الله، ~~الله المتجسد بكل قواه وخيره وكماله. # 3 # ما اجتمع رجل وامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما. # ورواة الحواديت يقولون: كان فيه امرأة، وكان فيه رجل. ثم يحدث ~~الحدث، ويتساءلون: الحق على المرأة أو على الرجل؟ # ولكن لا الأقوال المقدسة، ولا الأساطير قد تعرضت بذكر للموقف ~~الذي هو فيه، فهو الرجل صحيح، وانشراح المرأة، ولكن ثالثهما هو ~~الموت. # وصحيح أنهما ينتظران معا نهاية السيدة المسجاة أمامهما، وإلى ~~الآن وكل منهما ينتظر الموت بمفرده؛ فهي منكبة على إبر «التريكو»، ~~وهو منكب على خواطره وبينهما ما هو أكثر من الموت، الحياة نفسها ~~وكل ما سمعه أحدهما عن الآخر. وما سمعه عنها أشياء مرعبة لا تشجع ~~أبدا؛ فلقد أخطأ أحد زملائه وهو يعمل معها في ظلام غرفة الأشعة ~~مرة، وحاول لمسها، وانفتح فمها لتكتسح ظلام الحجرة ومن بعدها ضجة ~~قسم الأشعة كله وممرات المستشفى وعنابره، حتى إن المسكين لم يجرؤ ~~على أن يري وجهه لزملائه أو للعاملين بالمستشفى إلا بعد إجازة عشرة ~~أيام، وكان لا يزال وجهه محمرا بالخجل حين عاد منها. # ولا بد أنها هي الأخرى سمعت عن عبد الرءوف وعن انكبابه المجنون ~~على العمل، ذلك الذي كان له تفسير واحد عند الممرضات والحكيمات ~~والسسترات، أنه متكبر، وأنه وهو طبيب الامتياز المفعوص يتخلق ~~بأخلاق الجراحين الكبار، وبالذات يصنع كما يصنع الأستاذ أدهم، ~~ويضرب بالشلوت أحيانا. # والحقيقة أن قولهم هذا لم يكن يخلو من الصحة، فقط لاحظ عبد ~~الرءوف على نفسه أنه كثيرا ما يعبس، وأنه لم يضبط مرة متلبسا ~~بضحكة أو كلمة هزل مع طبيبة أو حكيمة من التي تقال همسا في أركان ~~المستشفى وما أكثرها من أركان! وإذا كان قد تعلم أن يعبس بوعي، فما ~~أكثر ما نضح إليه من خصال ms086 الأستاذ أدهم بغير وعي منه، ودون أن ~~يلحظ أصبح يبدأ الجمل من نهايتها كما يفعل أستاذه، وتخرج كلماته ~~الأولى همهمات صعبة التمييز، وبنفس طريقة أدهم يترك محدثه يتكلم، ~~ثم يفاجئه في منتصف كلامه بتحديقة فاحصة مخترقة من عينيه ~~الواسعتين، بحيث يرتج دائما على المتحدث أو ينهار لو كان يكذب، ~~حتى لازمة أدهم المعروفة: يا اسطى! أصبحت لازمته. # والغريب أنه قد بدأ يتكون له بهذه التصرفات نفسها، ومهما قيل في ~~أصلها، مركز متميز بين زملائه أطباء الامتياز، وأوامره أصبحت تقابل ~~باحترام لا يمت بصلة إلى هز الأكتاف الذي تقابل به أوامر ~~الآخرين التي كثيرا ما تأخذ شكل الرجاء، ولكن السبب الأهم في ~~الحقيقة هو تفانيه في العمل في وسط يعتبر فيه العمل واجبا ثقيلا ~~مفروضا ولا هدف منه سوى الماهية، وما دامت مضمونة فما الداعي لوجع ~~الرأس؟ # وكان يومه الأكبر - حلمه الدائم طوال أيام الأسبوع - هو يوم ~~العمليات. # كان يصحو له من الرابعة صباحا، ويحس بالسعادة الكبرى بكل عمل ~~يقوم به لتجهيز المرضى للدخول إلى الغرفة المقدسة. ولا يكتفي ~~بواجبات الطبيب إنما بنفسه يشرف على استحمام المرضى، وعلى تجهيز ~~أوراقهم وأشعاتهم، ويكفيه شبح ابتسامة رضاء سريعة تلوح على وجه ~~الأستاذ. كانت الانفعالة التي تحدث له في أعقاب هذه المكافأة التي ~~ربما لا يلحظها أحد أروع عنده من كل الشهادات والوظائف ~~والعلاوات. # وكان اليوم يوم العمليات، وناهيك عن العمليات الصغيرة التي ستكون ~~من نصيبه ونصيب زملائه، والتي سيقوم بها النائب والمدرس ومساعد ~~الأستاذ. همه كله كان موجها لتلك الحالة النادرة التي جاءت إلى ~~العيادة الخارجية منذ شهرين، وأبدى الأستاذ اهتماما خاصا بها؛ ~~فلقد زاول - الأستاذ - الجراحة حتى أصبحت العيادة الخاصة تدر عليه ~~دخلا يكفيه مستمتعا مدى الحياة. ولم يكن يأتي إلى المستشفى ~~الحكومي الكبير إلا ليلتقط بين الحين والحين حالة تشبع مزاجه ~~الخاص، كجراح أصبح لا يزاول الجراحة لشفاء الآخرين بقدر ما أصبح ~~يزاولها لفن الجراحة نفسه، ليضيف إلى أمجاده فيها مجدا جديدا، ~~ويصل إلى أرقام قياسية لعدد ما أجراه من عمليات. ms087 وحبذا لو استطاع ~~أن يجري هنا في مصر عملية لم يسبقه إليها جراح آخر، ويتيه بعرض ما ~~قام به في المؤتمرات، ويتلذذ وهو يقرؤها منشورة في مجلات الجراحة ~~في أوروبا وأمريكا. ولا أحد باستطاعته أن يستغرب هذا أو يلومه؛ فقد ~~وصل إلى مكانة أصبح فيها هو الجراحة، وما يقوم به ليس مجرد تطبيق، ~~وإنما هو تجارب يضيف بها إلى العلم وإلى تراث البشر، ولا ضرر أن ~~يفعل هذا لمجد ذاتي يناله؛ فما من فائدة للعلم أو للبشر إلا ~~والدافع إليها متعة ذاتية. # هذه السيدة بالذات جاءت إلى العيادة بشكوى بسيطة، مجرد خدل في ~~ساقيها وإحساس بالتعب السريع إذا مشت طويلا. # ويومها أزاح الأستاذ أدهم النائب وهو يقوم بفحصها، وفي دقائق كان ~~قد انتهى من فحصها، وكعادته نطق بالتشخيص: ورم خبيث في العمود ~~الفقري، وعلى وجه الدقة سرطان في الغضروف مكانه بين الفقرة الرابعة ~~والخامسة للبطن. كان من رأيه أن الاعتماد على الفحوص والمعمل في ~~التشخيص مسألة تحيل الجراح إلى آلة حاسبة، أما الجراح الحقيقي فهو ~~الذي بمجرد الفحص يشخص، وإذا لجأ إلى المعمل أو الأشعة، فإنما ~~ليتأكد فقط من تشخيصه، وليكتسب الثقة بنفسه أكثر وأكثر. # وهكذا أدخلت الحالة ليس لعلاجها أساسا، وإنما لإجراء الفحوص ~~وليثبت بها الأستاذ أدهم لنفسه ولمجموعة الأطباء التي تعمل معه أنه ~~كان على حق، وأن رأيه أبدا لا يخيب. # ولم تكن هذه أول حالة تدخل القسم لهذا السبب، فما أكثرها من ~~حالات لا يتعجب أحد لإدخالها لمجرد البرهنة على صحة التشخيص! ~~فالأستاذ أدهم لا يفعل في الحقيقة إلا أنه يزاول حق التميز، ذلك ~~الحق الذي يحلم جميع العاملين معه - جميع الطلبة والخريجين - ~~بالوصول إليه. # ومكثت السيدة بالقسم شهرين، وأجريت لها عشرات الاختبارات ~~والتحليلات وصور الأشعة، ومع هذا ظل الورم الصغير الذي بالكاد ~~تلمسه الأصابع في قاع بطنها لغزا لا حل له. ولم تكن قد بقيت إلا ~~وسيلة واحدة لحل اللغز، أن تجرى لها عملية استكشاف فيفتح البطن، ~~ويفحص الورم، ويصل الأستاذ في أمره إلى قرار. # 4 ms088 # في العاشرة كانت كل العمليات الصغرى قد انتهت، وفي ثوان كان ~~المسرح الجراحي قد نظف تماما، وأعيد ترتيبه، وجيء بالسيدة مخدرة ~~وحملت ووضعت فوق منضدة العمليات الرئيسية، وسلطت على بطنها العاري ~~أنوار الكشافات القوية، والكل في موقعه مستعد للبدء، بينما «سستر ~~العمليات» الإيطالية تراجع للمرة الثالثة كالتلميذة قبل الامتحان ~~كل ما تتطلبه العملية من أدوات، وكان الأستاذ يغتسل ويتعقم. # في العاشرة وعشر دقائق كان رأس المشرط ينغرز قريبا من «السرة» ~~محددا نقطة البداية، ثم في خط مواز لمنتصف البطن تسحبه اليد ~~الشهيرة التي أصبحت جزءا من تاريخ الجراحة في مصر سحبتها السحرية، ~~وفي ومضة ينقض المساعدون بالملاقط يغلقون بها كل الأوعية الدموية ~~الصغيرة التي تقطعت، وبلا زمن يربطونها بالخيط الخاص، والجرح قد ~~أصبح نظيفا بلا نقطة دم يكشف عن دهن ما تحت الجلد. # ولا بد أن لحظة رضاء قد مرت بالأستاذ وهو يستمتع بقيادته لهؤلاء ~~الناس؛ فهو لم يعد بحاجة أن ينطق بكلمة؛ فقد تعلموا تماما أن ~~يفهموه، حتى والفكرة أو الأمر لا يزالان مشروعين في رأسه كانوا ~~يستطيعون التقاطهما والشروع في تنفيذهما. # حتى ارتدادة عينه من فوق القناع إلى طبيب التخدير ترمقه في هذه ~~اللحظة بالذات، يفهمها الطبيب في الحال، ويمد يده إلى مفتاح الغاز ~~في جهاز التخدير، وترتخي عضلات السيدة تنفيذا للأمر الذي تلقاه ~~بنظرة العين. # العاشرة والنصف: # لا بد أن يده الآن تلمس الورم، ولا بد أنها بحركتها طولا وعرضا ~~تتحسسه وتحدد حجمه وامتداده، ولقد ظل مساعدوه الأربعة - وعبد ~~الرءوف لسعادته الكبرى ودونا عن بقية زملائه يقوم بدور المساعد ~~الرابع - يكادون يكتمون الأنفاس استعدادا لكلمته التي سيصدر بها ~~حكمه على الورم، وحين أفلتت شفتاه كلمة: غريبة! لم يجرؤ أحدهم حتى ~~أن يسأل. # وقبل أن يطلب الملقاط القاطع الذي يستخدم لأخذ العينات الحية، ~~كانت يد السستر تضعه في يده المفتوحة، وحين تم أخذ العينة كان على ~~عبد الرءوف أن يطير بها إلى قسم «معمل الأمراض» لتفحص ~~بالميكروسكوب، ويصل الأخصائي إلى قرار بشأنها. وحينذاك فقط عرف ~~الجميع أن الأستاذ ms089 لم يصل بعد إلى معرفة كنه الورم. # وكالعادة لم يجد عبد الرءوف الأخصائي في مكتبه، كان قد ذهب إلى ~~الإدارة لأمر لعله المطالبة بتسوية حالته. وكان عبد الرءوف يستغيث ~~رجاء في التليفون، ولم يصل إلا بعد ربع ساعة، وأخذت عملية إعداد ~~الشريحة وإعداد الميكروسكوب والصباغة وضبط النور ربع ساعة أخرى. ~~حتما ستطير رقبته وبالذات حين قرأ في النهاية التقرير الذي ~~كتبه الأخصائي بخط لا يقرأ، وأدرك معه أنه لا يستطيع الجزم إن ~~كان الورم نابعا من العظم أو الغضروف أو أي نسيج آخر، وكذلك من ~~الصعب تحديد إن كانت الخلايا خبيثة أو حميدة، كارثة! # وظن أن خللا قد حدث في نظام الكون حين لم يقابل بكلمة لوم ~~واحدة والوجوم الشديد موجود ولا شيء سواه، فقط حين أمسك بالورقة ~~قريبا من عيني الأستاذ، وقرأ الأخير التقرير تفجر بركان الغضب، ~~وانهالت الشتائم بادئة بالمعيدين أجمعين، مارة بالجامعة والكلية، ~~وخراب الذمم، والفساد والملعون الأخصائي. أما هو عبد الرءوف فقد ~~نالته لكزة غليظة من كوع الأستاذ. # وكان الغضب قد تسرب إلى الحاضرين جميعا، وإلى الحجرة كلها بكل ~~ما تحتويه، يكاد جوها يرعد ويبرق، والتوتر وصل إلى أقصى مداه. ولم ~~يكن أحد يستطيع في وسط هذا كله أن ينطق بكلمة أو يشير برأي، وإنما ~~التصرف كله والرأي والحل لا بد أن ينطق به الأستاذ، حتى وهو في هذه ~~الحالة؛ فهو لا يزال الإرادة العليا؛ وعليه كان المفروض أن تؤخذ ~~عدة عينات أخرى، ثم يغلق جرح البطن، وتكون عملية الاستكشاف قد تمت ~~بنجاح، فما دمت لا تعرف كنه الورم، فمن غير المعقول أن تعبث به، أو ~~تمد يدك لاستئصاله مثلا. # ولكنهم - حتى قبل أن يصدر أوامره - كانوا يعرفون أن من المحال أن ~~ينكص، وأن يكتفي من الغنيمة بقفل الجرح. وهكذا حين كظم غيظه لحظة ~~ومن بين شفتيه المطبقتين صدرت الغمغمة المعتادة تقول: إيه رأيكم؟ ~~الفتحة واتفتحت، والورم مش كبير، وشيله مسألة سهلة. # لم ينطق أحد كالعادة، ولا هو انتظر أن ينطق أحد، واصل كلامه ~~بحماس مفاجئ: ms090 شوف النبض كام؟ وضغط الدم؟ والتنفس؟ ممكن بنج ساعة ~~كمان؟ جهزوا نقل الدم وعقموا الآلات الزيادة، بسرعة. # بأسرع سرعة تفرق الجمع الملتف حول المريضة الراقدة بلا حول، ~~وتلاحقت سلسلة الأوامر تبعثرهم في كل اتجاه، بينما باشمئناط خلع ~~الأستاذ أدهم قفازه، وطلب سجائره وولاعته، وانتحى ركنا قريبا من ~~غرفة الاغتسال، ومضى في حجرة العمليات يدخن، والسستر الطليانية ~~ترقبه بغضب لا يراه. # وفي هرج ومرج عقمت الآلات بسرعة وبطريقة بدائية، بأن صبوا ~~عليها الكحول وأشعلوا النار، وجلبت أسطوانة أكسيجين لم يتمكن أحد ~~من فتحها، فدفعها الأستاذ بساقه دفعة أسقطتها وأحدث سقوطها دويا ~~كالقنبلة، وجيء بأخرى. أما الدم فقد اكتشفوا أن فصيلة دمها لم ~~تحدد بعد، وكان على طبيب نقل الدم أن يحضر معه زجاجات من كل ~~مجموعة، وأخيرا ركبت الزجاجة في الحامل، ولكن قبل أن تتسرب منها ~~نقطة واحدة إلى وريد المريضة كان الأستاذ أدهم قد عيل صبره، وكان ~~قد أمسك بالملقط والمشرط بينما مساعدوه الثلاثة - وقد أخرج منهم ~~عبد الرءوف - يفتحون له الجرح، ويزيحون أعضاء البطن ومصارينه ~~بالمزيحات المعدنية، كاشفين الورم بقدر ما يستطيعون. # كانت العملية الكبرى، عملية الاستئصال، قد بدأت. # وعلى مجال رؤية تقريبي بدأ الأستاذ يستأصل الجزء الأعلى من ~~الورم، وبالمشرط والملقط يفصله عن العامود الفقري من الخلف، ~~والغشاء البريتوني والكلية والطحال من أمام، وبدا أن كل شيء رغم ~~كل ما حدث يسير على ما يرام، والصمت يخيم والرقاب مشرئبة علها تلمح ~~الورم، أو تستطيع بطريقة ما أن تلقي نظرة على البقعة التي تعمل ~~فيها المشرط والملقط. # وفجأة تفجر من فتحة البطن عامود دموي حاد، وارتطم الدم المنبثق ~~بزجاج المصباح الكشاف، عامود مفاجئ غير متوقع أبدا شحبت له ~~الوجوه جميعا؛ فهو يعني أن شريانا قد انقطع، وفي تلك المنطقة ~~التي كانت تدور فيها عملية التشريح لم يكن ثمة شريان آخر غير أضخم ~~شرايين الجسم، الأورطي. أتكون قد حدثت الكارثة، كارثة أبشع من قطع ~~شريان الرقبة، أيكون الأورطي قد قطع؟ # 5 # حين أوغل بعد الظهر في تقدمه، وراقب قفزات عقرب ms091 الدقائق حتى ملها ~~وأصبحت الساعة تقترب من الخامسة، وقد مضت أكثر من ساعتين على ~~العملية الكبرى، بدلا من الغيظ انتابته فجأة موجة استخفاف. أحس ~~بلا مقدمات أن القداسة تذهب عن كل شيء في محرابه المقدس، وأن حجرة ~~العمليات تتعرى عن ذلك الغموض المعقم الساحر الذي كان يصبغ كل ~~شيء فيها، بل وزحف استخفافه ليشمل ذلك الشيء السخيف تماما، ~~المضحك جدا، الموت الذي ربما يبدو مأساويا رهيبا حين ~~نسمعه كخبر ابن لحظته، وندرك في ومضة أن فلانا الحي قد مات ~~وانتهى. أما حين يصبح الموت حدثا يدور أمامك، ويمثله، وتنتظر أن ~~ينتهي فلا تبدو له نهاية، حين يصبح لحظة تتكرر ودائمة التكرر، تذهب ~~رهبته تماما وتصبح شيئا كالحياة التي لا معنى لها، وأقصى ما تشعر ~~به حينذاك أن تحس بالملل. ولا بد أن ذلك الملل هو الذي دفعه ~~للاستخفاف؛ ليدفعه الاستخفاف أن يقرر رغم أي اعتبار آخر أن يحادث ~~«انشراح». ~~- سمعت آخر نكتة؟ # توقفت أصابعها المكوكية وحدقت تجاه عبد الرءوف، وجحظت عيناها ~~قليلا، ثم حين رأته يعني ما يقول جحظت عيناها أكثر. ~~- سمعتيها؟ ~~- هي إيه يا دكتور؟ # عجيب صوتها، أول مرة يسمعه وإن كان كثيرا ما سمع عنه، هادئ ~~ومؤدب، أم هو تمثيل وتأدب؟ ~~- النكتة، آخر نكتة. # حركت تحديقها في وجهه، ورمقت السيدة المسجاة، ثم أرخت عينيها ~~وقالت بصوت منخفض: حرام يا دكتور! حرام! ده وقت نكت؟ ~~- أمال وقت تريكو؟ # واغمق وجهها القمحي الشاب خجلا، وكفت أصابعها عن الحركة في ~~الحال، وجمعت الكرة والنسيج والإبر في يد أسقطتها بجانبها، ثم بعد ~~ثبات في مكانها برهة انسلت قائمة متحركة ببطء ناحية النافذة ~~العريضة ذات الزجاج المصنفر، وفتحت ضلفة منها وأطلت برأسها، ثم ما ~~لبثت أن ارتكزت بذقنها على يدها. اعتقد أنها تفعل هذا خجلا، في ~~حين أنها - كما أخبرته بعد هذا - كانت تحاول أن تكتم عنه نوبة ~~الضحك الشديدة التي انتابتها. # ولكنه لحظتها، وبوقوفها ومشيتها وارتكازها، تحول انتباهه إلى ~~الشيء الوحيد الذي غاب عن عينيه طيلة الوقت، انشراح الأنثى. ~~الآن وجهها مختف، ms092 وجسدها الخلفي بكامله أمام عينيه، وبمثل ما يرى ~~الإنسان أول ما يرى وجه المرأة من أمام، تسقط عيناه أول ما تسقط ~~حين يراها من الخلف على ساقيها، وجهها الخلفي، وجه نادر الجمال، ~~نادر أن تلتف الساق بلا ترهل أو نحافة، وتتسق مع الوسط والأرداف ~~والكتفين. # كيف استطاعت حواري شبرا المختلفة بازدحامها أن تنبت هذا الجسد ~~السمهري المتسق الفارع؟ # أيكون تنمرها وتوحشها علامات أنوثة يسيء الرجال فهمها؟ # وأي طراز من الرجال يا ترى تفضل؟ مهما كان طرازها، فبالتأكيد لا ~~يمكن أن ترى مثله في الشاب النحيف الطويل ذي الشعر الأصفر والعينين ~~الملونتين الذي - وإن كان يعجب أغلب البنات والسيدات - ولكنها ~~هي بالتأكيد مختلفة، ومزاجها مختلف. # أيحاول بلا مقدمات أن يجس النبض؟ # أم يحترم نفسه كما ظل يحترمها ويقنع بالسكوت؟ # 6 # الدم المندفع المفاجئ معناه غلطة، وغلطة لا يرتكبها طبيب امتياز ~~أو حتى طالب طب، فكيف ومرتكبها هو كبير أساتذة الجراحة؟ كان واضحا ~~أن هناك سرا، وأن شيئا غير عادي لا بد يحدث. ولأنها ليست على ما ~~يبدو غلطة، ولأنه حقا كبير أساتذة الجراحة، فلم يستغرق الانفجار ~~سوى ومضة؛ إذ في ومضة كانت يده قد امتدت وانتزعت قطعة كبيرة من ~~الشاش المطبق، وبدقة شديدة كتم بها مصدر الانفجار، وكف الدم عن ~~التسرب تماما. # وصحيح أنه لم يقل في لحظتها السبب، ولا أحد استطاع التخمين، ولكن ~~لم يكن من الممكن أن يستمر الغموض طويلا؛ فقد اتضح أن الورم قد ~~أحاط بالأورطي، وابتلعه داخله، وأنه في محاولته فصل الورم جرح ~~الأورطي. # والتفت إليهم بعد لحظة هدوء، وقد عادت شخصية الأستاذ الكبير ~~تسيطر: الجراح الناجح هو اللي ما تهزوش أي مفاجأة تحصل، حتى لو ~~انجرح الأورطي. الجراحة أعصاب، واللي ما عندوش أعصاب يدور له على ~~شغلة تانية يا أسطوات. المسألة حلها بسيط زي ما شفتم، وقفنا ~~النزيف، بعد كده نخيط الجرح. # ولرأب الجرح الذي حدث للوعاء الدموي الكبير، فلا بد من إحاطته ~~بغرز يضمها خيط واحد تجذب طرفيه وتعقده فتتعلق الفتحة كما تتعلق ~~فتحة كيس ms093 النقود. # ولقد تولى الأستاذ المساعد مهمة كتم الجرح ريثما ينتهي الأستاذ ~~من إحاطته بالغرز بإبر خاصة، وبخيط خاص، ولكنه ما كاد يجذب طرفي ~~الخيط ليعلق الفتحة، حتى تفتت الجدار من حول الجرح وتفجر الدم في ~~نافورة غزيرة مروعة. هذه المرة كانت قد اتضحت الحقيقة المرة، جدار ~~الأورطي قد تهرأ حين ابتلعه الورم، ولم يعد يحتمل غرزة، وقد حاول ~~ربطه كلية، وإذا به ينقطع تماما، ويتفجر بحر من الدماء اندفع هذه ~~المرة في كل اتجاه يغرق أنحاء الغرفة، ويلطخ الوجوه، ويملأ العيون، ~~ويعمي لابسي النظارات، ويحيل الأقنعة البيضاء إلى حمراء قانية. دم ~~كثير وكأن عشرة رجال ينزفون معا، تعجب كيف أن مصدره الوحيد هو هذه ~~السيدة النحيلة الغائبة عن الوعي! # وكما أصاب الدم الموجود فسوى بين ملامحهما تكفلت الفوضى ~~والارتباك بإحالة الحجرة إلى مكان انتهى منه النظام تماما، مليء ~~بالصرخات العصبية والتخبط والجري في كل اتجاه والتعثر في كل خطوة، ~~تلمع الكلمات كالشهب بلا صدى، نقل الدم، رباط ضاغط، ضاغط، يا ابن ~~الكلب، يا بهايم، امسحوا الدم اللي في عيني، يا غجر امسحوا ~~الدم. # وامتدت كل يد تستطيع الامتداد إلى بطن المريضة، وليذهب التعقيم ~~إلى الجحيم. وأخيرا وبلفة قطن بالغة الضخامة وتحت ضغط ثماني أيد ~~أمكن سد فيضان البحر المكتسح سدا مؤقتا؛ فالنزيف كان لا يزال ~~مستمرا، وبمعدل أسرع من زجاجات نقل الدم الأربع المفتوحة ~~صماماتها إلى آخرها، والجميع وقد أطار عقولهم ما حدث لا يرجون إلا ~~فرصة واحدة - ثانية - لالتقاط الأنفاس. # وحين جاءت الفرصة وأحكم الضغط على الأورطي تماما، بحيث كفت ~~الدماء عن التسرب، كان الخاطر الذي هبط بثقله على الجميع هو أن ~~السيدة قد حكم عليها - هكذا - بالموت، وأن العملية التي بدأت لعبة ~~واستكشافا قد انقلبت إلى مأساة، وأن لا حل. ~~- أظن ما فيش فايدة. # قالها الأستاذ المساعد باستسلام. # والمفاجأة كانت حين ارتفع صوت الأستاذ: ما فيش فايدة إزاي؟ ~~الكلام ده يحصل مع واحد تاني غير أدهم شفيق، مش أدهم شفيق اللي ~~تموت منه عملية، الأورطي انقطع حانشيله كله ms094 ونشيل الورم كمان، ~~ونحط بداله وصلة من شريان الفخذ. اطلبوا كل الدم اللي في المستشفى، ~~وهاتوا اللي في الإسعاف السريع كمان. «تيريزا» إبر خياطة الشرايين ~~وحرير ثلاثة زيرو، وشغلوا الشفاط وامسحوا الدم ده كله، ولا نقطة ~~أشوفها. # كانت أوامر كهذه تهبط عليهم دائما، وكأنها أوامر السماء! ~~تفكيرهم الوحيد هو كيف ينفذونها وبأكمل وجه، كأنه كان يخاطب خشبا ~~مسندة هذه المرة! صحيح أنهم تفرقوا يجهزون ما أمر به، ولكنهم كانوا ~~كأنهم فقدوا الإيمان بما يقول. # ولقد تم كل شيء كما أراد، وربط الأورطي بعيدا عن أجزائه ~~المتهرئة، واستؤصل الباقي مع الورم، وامتد الجرح إلى الفخذ، ~~واقتطعت من شريانه أوسع قطعة وصل بها الأورطي، ودار كل هذا ولا أحد ~~يكاد يصدق أنه يدور، فكأنه يحدث في منطقة وراء العقل، أو انقلبت ~~الحجرة بهم إلى فندق تحول فيه الواقع إلى كابوس، والأشخاص والأشياء ~~إلى رموز، والجو ملبد مشحون. # وكان الجميع - وربما بما فيهم الأستاذ نفسه - يتوقعون أن تنتهي ~~السيدة قبل أن تنتهي العملية، ولكن أغرب شيء أنها رغم كل ما نزفت ~~وضاع من الدماء، رغم ضغط دمها الذي كان كالبندول يتأرجح، ويقترب ~~عشرات المرات من منطقة العدم، والقلب الذي كان ينبض، ثم يكاد ~~يكف ليعود ينبض، رغم كل هذا لم تمت مع إدراكهم جميعا والعلم معهم ~~أنها لا بد أن تموت، إلا أنها - وكأنما سخرية بهم - لم تمت. ولعل ~~هذا هو الذي شجع الأستاذ في الثالثة، وبعد العملية التي استغرقت ~~خمس ساعات طوال أن يقول: اللي علي عملته، وما كانش يخرج من إيد ~~أي جراح في العالم أنه يعمل أكثر م اللي عملته. إنما حنعمل إيه بقى ~~لوزارة الصحة؟ # فالمستشفى في رأيه خال من الخيوط الحريرية ذات السمك المضبوط، ~~والإبر أصغر مما يجب، وغرفة العمليات ليس بها أجهزة تكييف هواء ~~تساعد على هدوء الأعصاب. ~~- واهو كده أو كده كان الورم حايموتها، يبقى العلم اللي كسب؛ ~~فمصر كسبت عملية عمرها ما اتعملت، وعملية ناجحة قدامكم أهه، والست ~~لسه عايشة أهه، ولو كانت الإبر مضبوطة ms095 والخيط مضبوط كانت تعيش ~~عشرين سنة كمان، إنما حظها كده. ~~••• # والحقيقة أن لا الإبر ولا الخيوط ولا أجهزة التكييف هي السبب، ~~والسيدة ما زالت لم تمت - هذا صحيح - ولكن الدم يتسرب من مكان ~~الوصلة وبكميات ضخمة؛ فليس هكذا توصل الشرايين بالشرايين، ~~فالطريقة خاطئة والفكرة من أولها خاطئة، والخطأ ممتد وبادئ من ~~اللحظة التي قرر فيها أن يحيل عملية الاستكشاف إلى عملية استئصال ~~كبرى، بل الخطأ - هكذا يدرك عبد الرءوف الآن - يمتد إلى أبعد، إلى ~~ذلك اليوم الذي أصبحت الجراحة عند أستاذه تزاول من أجل الجراحة، ~~وأصبحت العمليات وأصحابها وهم غالبا من الفقراء الذين بلا حول، ~~ميدانا لإثبات القدرة والأستاذية. # 7 # الشيء الذي لم يعمل له حسابا قط هو الذي يحتل عقله الآن ~~تماما، ليست هذه هي المرة الأولى التي يرى فيها ميتا يحتضر أو ~~يسمع ذلك الشخير المتصل، ولكنها الأولى التي يعايش الموت فيها ليست ~~معايشة متفرج، ولكنها معايشة متأمل مترقب ليرى متى وكيف تكون ~~النهاية، أو بالأصح نهاية النهاية. وكلما تأمل وترقب وانتظر أحس ~~أنه يغوص أكثر وأكثر في التجربة، حتى بدا وكأنه هو نفسه يعاني ~~نزعات الموت، ولكن حب الاستطلاع يعود يجذبه ويعود يعيش المشهد بكل ~~خلجاته ليرى كيف بالضبط يموت الناس. وإذا كان المشاهد في المسرح أو ~~السينما، وهو يعرف أن ما يراه خيال في خيال ينتفض انفعالا في ~~انتظار النهاية، فما بالك والمشهد هنا حقيقي، والموت فيه حقيقي؟ ~~واسم النهاية معروف، ولكن طريقة حدوثها شيء لا يمكن أن يعرف أحد ~~كيف تحدث. أنت هنا لا تضطرب بين اليأس والأمل! إنك تحفر بتفكيرك ~~وترقبك في أعمال اليأس لتصل إلى منتهاه، وكأنك تتوقع أن تموت هذه ~~السيدة الطيبة التي أسلمتهم نفسها بثقة فيهم وفي عملهم ما بعدها ~~ثقة بطريقة لم يسبقها إليها أحد، ما دامت قد اجتازت هذه العملية ~~الكبرى وعاشت بعدها وبطريقة لم يسبقها إليها أحد. # ولم يدرك أنه الآخر قد بدأت تنهد فيه أشياء وتموت مثل الجسد ~~الواهي المسجى أمامه إلا متأخرا. هذا الشهيق المتباعد يبدأ ms096 ببطء، ~~ويصل إلى منتهاه ببطء ليندفع بعده الزفير فجأة مرة واحدة. هذا ~~التنفس الغريب الذي يسبق الوفاة، والذي طال أمده وامتد ~~وانتظم حتى أصبح كالنبض، وانقلب من دليل مؤكد على الموت القادم إلى ~~نبض منتظم، ليس نبض الحياة، وإنما نبض الموت ودقاته تهوي كل نبضة ~~منه كالمطرقة الخرافية البشعة تهد وتسحق الجسد غير الواعي، ولكن ~~الأهم أنها أصبحت تهوي عليه نفسه، وعلى مراكز الحياة فيه فتتهدم ~~وتهوي وتتساقط، حتى أصبح وكأنما كلما أمعن في انتظار لحظة النهاية ~~اقشعر بدنه، مخافة أن تأتي معها بنهايته هو الآخر. # وكالفأر الذي أطبقت عليه المصيدة مضى بكل ما يملك من قدرة على ~~الهرب يستنجد بالخيال، وبأحداث اليوم، وب «انشراح» وجسدها الفائر، ~~ولكن الذكريات والخيالات وحتى الحقائق نفسها كانت تهرب منه، وتفر ~~من حضرة أخلد حقيقة عرفها الإنسان - الموت - أقوى الحقائق كلها، ~~الأقوى حتى من حقيقة أنك حي. # وكالاستغاثة الأخيرة ترك مقعده، واتجه إلى حيث تجلس «انشراح»، ~~ووضع يده على كتفها، ليجد أن جسدها هو الآخر يرتعش وكأنها هي ~~الأخرى قد بدأت تحتضر. # ضمها عساها أن تكف عن الارتجاف، فإذا به يبدأ هو الآخر يرتعش، ~~ويمد يده يتناول يدها، فإذا بها باردة، ميتة بغير شك، برودتها ~~أبدا ليست من صنع الجسد، وإنما هي وافدة من مكان بعيد سحيق، نفس ~~المكان الذي يقبل منه الموت! تضغط على يده، وبكلتا يديه يعتصر ~~يدها، وتنتقل برودتها إليه وبرودته إليها؛ فالسيدة كان رأسها قد ~~بدأ يتململ، وشخيرها يضطرب، وأجفانها - مرة واحدة - تفتحت إلى ~~آخرها، وبرزت من خلفها عينان واسعتان محدقتان بلا نظرات. كان ~~واضحا أن شيئا مهولا يقترب، إما النهاية التي انتظراها حتى أوغل ~~الليل في تقدمه، وإما المعجزة، وكلاهما مرعب مخيف؛ فالموت حولهما ~~وفي كل مكان، وهو لا يمكن أن يتراجع! فإذا لم تمت هي فلا بد أن ~~سيكون الموت من نصيبهما. # الموت الكثيف الذي تضبب له جو الحجرة وثقل هواؤها، وأصبح ~~النور كالخيوط المنعزلة المخنوقة. # ماذا بالضبط بدأ وفي قوة عارمة يتدفق في جسديهما؟ أبدا ليس ~~خاطرا، ms097 ولا انفعالا، ولا إحساسا ولده الخارج، أو اندفع من ~~الداخل، وحتى ليس دفقة الحياة الأخيرة حين ينتاب الإنسان ذلك النوع ~~الوحيد من الرعب الذي لا يحسه المرء إلا مرة واحدة في عمره، ~~الرعب من الموت الذي يصل إلى درجة أن يميت هو إذا غاب الموت أو ~~اختفى سببه. # ليس جنونا أيضا أو فقدان سيطرة. # الحقيقة ليس شيئا أبدا قابلا للإخضاع والمناقشة ~~والتفسير. # والعجيب أنه كان يحدث لهما معا، وفي نفس اللحظة، كالآلتين ~~تعزفان نفس النغمة، أو كأنهما أصبحا جسدا واحدا وكائنا ~~متكاملا. # اشتد التصاقهما حتى وقفا، وتراجعا إلى حافة المنضدة، حيث اقتربا، ~~وتفتحت أذرع أربع لتضم الجسدين. # وكأنما هو مسوق بها وهي مسوقة به وكلاهما مسوق بقوة أكبر، دفعا ~~معا «الترولي» المجهز لتحمل عليه السيدة بعد وفاتها ووضعاه، حتى ~~أصبح امتدادا لمنضدة العمليات، وبدا ألا قوة على سطح الأرض تستطيع ~~منعهما، ومعا خلعا ملابسهما، وبمساعدته صعدت فوق «الترولي» وصعد ~~هو الآخر، والسيدة كفت عن التلفت والتحديق، واستقرت عيناها - لا ~~تزالان متسعتين أيضا وبلا نظرات - على الجسدين العاريين تماما ~~أمامها. # وغير مهم إن كانت ترى أو لا ترى، المهم أنها استمرت تحدق حتى ~~حين عاد إليها نبض الموت، وعادت تتنفس شخيرا منقطعا غير ~~منتظم. # والتهب جسده وأحس بها بين ذراعيه تلتهب وكأنهما محمومان، وضمها ~~بشدة، واستماتت هي متعلقة به وكأنما بألف ساق وذراع. # ومضى هو يرد على تحديق العينين المثبتتين عليهما بتحديق كأنما ~~يدفع به الموت المنصب من عينيها، وبتحديق هاتف يقول: لا للموت، لا. ~~إلى اللحظة التي بدأ فيها وكأن نبض الحياة قد اتحد بنبض الموت، ~~وأصبح للكائنات الموجودة بالحجرة - ميتة وحية ومترددة بين الموت ~~والحياة - نبض واحد متسق لا نشاز فيه. # وقبل أن يفقد وعيه بوجودها أحس أن السيدة لا بد قد استردت وعيها ~~للحظة؛ فقد بدا من نظراتها أنها لأول مرة تراهما رأي العين وتدرك ~~تماما ما يدور، وأنها ما كادت تسترد الوعي حتى انتهى، ولكن اللحظة ~~كانت كافية لتصنع ملامحها شيئا كالابتسامة، ابتسامة مندهشة ~~قليلا كابتسامة طفل ms098 فتح عينيه لأول مرة على الحياة فيدهشه ما ~~يرى. # وما كاد يستعيد الوعي ويعود يحدق في السيدة، حتى وجد أن كل شيء ~~لا يزال كما تركه، وابتسامة الدهشة القليلة لا تزال قائمة وموجودة، ~~والعينان أيضا مفتوحتان على آخرهما بأوسع اتساع. شيء واحد فقط هو ~~الذي غاب، نبض الموت؛ إذ قد انتهى الشخير والشهيق والزفير ~~والتنفس. ~~••• # وكأنه أيضا للحظة قد توحد كل شيء، واشتبكت إغماءة النهاية ~~بإغماءة البداية، أول البداية ونهاية النهاية، لحظة خروج الحي من ~~الميت، والميت من الحي، لحظة كأنما أبت السيدة الطيبة إلا أن تحتشد ~~وبآخر ما تملك تسجل بشبكتيها للمشهد صورة، صورة تبقى في عينيها ~~وتخلد إلى الأبد. # | دستور ... يا سيدة # المربع الأول # الظهر، ظهرها كله أصبح مربعات كبيرة محمرة داخلها مربعات أصغر، فيها ~~ألم. بالراحة، بالعقل، بالحنية، أبدا أبدا ليس هكذا أرادت أو ~~تريد، لا بد أن تهتف صارخة دافعة إياه بكل غلظة: حاسب، اوعى، ~~اوعى! # مفاجأة لم تكن متوقعة! المفروض أن يتحول إلى وحش، إلى كائن مرعب ~~يخضعها، ولكن على نصف جانب، وثنية رجل ويد شبه مرفوعة في الهواء حيرى ~~ماذا تفعل، سكن. العيون، عيناه مفتوحتان في دهشة، والملامح تنطق بشعور ~~طفل أذنب رغم أنفه ويريد البراءة. ماذا حدث؟ سألها خائفا أن يقترب أو ~~يلمسها. لم تجب، ماذا تقول؟ كيف تجعله يفهم أشياء هي نفسها، وإن كانت ~~تحسها، لكنها لا تعرف كيف تصوغها كلمات محددة مفهومة؟ أهذا وقت التراجع ~~والعدول النهائي؟ كيف؟ وما تصورته الأفظع والأبشع والمستحيل قد ~~تم. # أحست في قمة الغضب التعس بيده تقترب، كقطة متلصصة تعرف أن ما تريده ~~ليس من حقها. دفعت اليد جانبا بقوة وقسوة لم تردها أبدا، ولا تخصها، ~~لكأنها قسوة امرأة أخرى داخلها، امرأة لا تعرفها. # صمت. # إما التسليم المطلق أو إعلان الفشل وإحالته من شعور إلى ~~واقع. # صمت أيضا. # اختفت من خلاله وفي كثافته حشرجات السوق والشارع وصراع الأطفال ~~العابث اللاعب، وأزيز الدنيا. # أتعاقبها السيدة زينب؟ # اقشعرت. # أتفقد العقل؟ أتصرخ؟ أتجري شبه هاربة هكذا، وتقول لكل الناس ms099 إنها أم ~~فلان البيه وفلان المدير ومع هذا تفعل ما هي الآن تفعله؟ # أتقتل نفسها؟ # وذاب عقلها في ضياع. وقبل أن تفكر في أي شيء آخر رمقته بحدقة عينيها ~~فقط، ودون أن تتحرك كرة العين في المحجر ربع نظرة، انتهت بعدها تماما، ~~تماما. # بلا صوت، أو اعتصار لذاته، أو احتشاد، أو حتى تغيير لوضعه، كانت ~~جفونه مسبلة ومن بينها يتساقط دمع بطيء تلمع آثاره على الوجنة، وبقيته ~~تتوالى نقطة عزيزة بعدها نقطة. # من جديد - وكالإعصار - تحرك ذلك الإحساس الطاغي الذي ينسيها أي ~~شيء إلا أن تنتفض هالعة مقبلة عليه، محيطة إياه بذراعين تثلجتا ~~بالحنان، وبقبلات منهمرة مذعورة تركزت فيها كل قدراتها على الفعل، ~~ودفع الشر تغمره وتغسل وجنتيه وتلعق أجفانه، ولفرط رغبتها تستعذب طعم ~~الدموع. # لقد انتهت! فليكن أجرم فليجرم! فليكن الثمن حياتها نفسها فلن يبكي ~~مرة أخرى. إنها المقادير، مقاديرها وحظها رتبت كل شيء. الازدحام عند ~~باب السيدة زينب، والدفعة التي جاءتها فجأة من الخلف، وفي نفس اللحظة ~~التي كانت ساقها لا تزال لم تصل بعد إلى الأرض. واعتقدت تماما أنها ~~ساقطة لا محالة، وأصبح رجاؤها كله ألا يرتطم رأسها بالبلاط المربع ~~الكبير، ولكنه الترتيب المحكم، وبالضبط وهي تهوي وقد سلمت بالكارثة ~~المحققة، تأتيها اليد وكأن ليس لها صاحب، يد من السماء ربما توقف لولا ~~سقوطها، وحين تفقد التوازن كنتيجة لهذا تأتيها الذراع قوية مشمرة تلتف ~~حولها، ولومضة، لومضة سريعة تشعرها، ربما منذ زمن بعيد، حتى قبل أن ~~يموت زوجها، أنها في أمان كامل، ذلك الأمان. # لم تسقط ولم يكسر لها ساق أو قدم. # ولكن السيدة - أم هاشم وأم العواجز - على حق. أنا محقوقة لك يا سيدة ~~حقك علي. الشنطة! ها هي اليد الأخرى تقدمها. وحين ذاك فقط تبدأ تدرك ~~أن يده الأولى لا تزال تحيطها وتحتضنها. ومع الشكر والتراجع وارتباك ~~الإفاقة من مصير محتوم، ماذا قال؟ لا تعرف. في النهاية نظرت في وجهه، ~~والمفاجأة أنها كانت طوال الوقت تخاطب وتعامل وتشكر رجلا، ولكن هذا ... ~~إنه ... إنه بالكاد له ms100 شارب. ~~- بتعيط ليه؟ أنا عملت حاجة؟ أنا زعلتك؟ ~~- زقتيني. ~~- ودي تزعل؟ ~~- أيوه بقوة وكره. إنتي بتكرهيني. إنتي عايزة أفندي واللا بيه غني ~~ومعتبر. وأنا فقير، والفقير عندكم ما عندوش إحساس. # وتفجرت رغما عنه، أو ربما برضاه، دمعة. # واحتضنته. # إنه لا يفهم. # مستحيل أن يفهم. # كيف يفهم؟ # بأي قوة تستطيع أن تطلعه على ذلك الشعور الذي لا يقاوم، والذي ~~جعلها تنسى أي شيء إلا أنها وجدته، وأنه في تلك اللحظة بالذات أعز ~~عليها من الدنيا بما عليها. ~~- أعمل إيه علشان تصدقني؟ ~~- ما تزقنيش. ~~- بس أنا يا ابني زي أمك. ~~- أمي ماتت من عشر سنين. أنا زي ما أنت شايفة يتيم. # واختنق حلقه بدموع تريد التحول إلى كلمات، وكلمات تصدر عن إحساس في ~~نفسه، إحساس كبير كالقصر المهجور الذي دبت فيه الحياة فجأة. في نفس ~~اللحظة التي أحاطها بذراعه وأحس بجسدها، وإن لم يكن سمينا رجراجا إلا ~~أنه «هوانمي» طري، ناعم حتى من خلال ملابسها الكثيرة الحريرية السوداء. ~~كان ممكنا أن يتقبل الشكر ويمضي، ولكنه توقف، تلكأ، تمنى لثانية أن ~~تحتاج إليه. # والخطوة التالية لم يرتبها القدر، صحيح أن قدمها التوت، ولكن كان ~~باستطاعتها احتمال الألم الخفيف والسير بمفردها. # لماذا إذن - حين حاولت الخطو - بالغت في التألم والعرج؟ # أتكون قد لاحظت أنه تلكأ، وأنه يا للغرابة يبدو أنه يحتاج منها أن ~~تحتاج إليه؟ # دون كلمة عرض أو إيماءة قبول كان بجوارها، ويده تحت إبطها، بكل ما ~~يستطيع من رقة يساعد في حمل الجسد، رقة حنون افتقدتها من زمن، رقة حنون ~~كرقة الأبناء الأطفال قبل أن يصبحوا رجالا، وينقلوا رقتهم تلك إلى ~~حبيباتهم وزوجاتهم. # كان مفروضا أن يتوقف موكبها لدى أول محطة ترام أو أوتوبيس، أو عند ~~أول تاكسي، ولكن الموكب استمر. لم تطلب، لم يسأل، بل ولا حديث إلا بين ~~الحين والحين: تعبتك؟ فتجيئها إجابته مستنكرة، مغرقة في الاستنكار لدى ~~كل مرة تالية: ~~- أعمل إيه عشان أقنعك إني بأعزك قوي؟ ~~- ما تزقيش. ~~- بس أنا يا ابني زي أمك، عيب! # إنها دائما تعود ms101 إلى موضع الألم، ولكن الطريقة التي تنطق بها كلمة ~~أمك كأنما تعنيها ولا تريده أن يصدقها. لقد حرمته أمه بموتها من نفسها ~~ومن النساء. هذه «الست» تعيد إليه كل شيء مرة واحدة، وكأنه في حلم. إنه ~~يكتشف الآن فقط أنه جوعان محروم ضائع، يكاد يجن وهو يحس بها ترتكز على ~~يده ارتكازة جسد أليف محب. لو تكون محرومة من الخلفة، وتتبناه وكل يوم ~~ترتكز عليه بهذه الألفة! ولكن ذراعه بدأت، وكأنما تحيا حياة أخرى بعيدة ~~عن كل أفكاره! فالجسد الذي تحتويه بدا من فرط ما فيه كالزبدة يسيح. ~~ذراعه الممزقة عنها «الأوفرول» في أجزاء، تشركه رغما عنه، وتنقل له من ~~خلال ملابس غالية - وإن كانت أكثر مما يحتمل الجو - ذلك الإحساس، ~~ونعومة جسد الأم تفقد كل صفاتها الأخرى، ولا يبقى فيها سوى تلك الرجرجة ~~الشحمية المرتاحة، رجرجة الستات المرتاحات، رجرجة تبقي السيدة أنثى، ~~ولو وصلت إلى الستين، ولكنها لا يبدو أنها وصلت أبدا إلى الخمسين، بل ~~إن ما فيها من أنوثة أكثر بكثير من زوجة جارهم سائق التاكسي التي تبدو ~~بعد عامها السابع من الزواج وكأنما جف فيها كل ما يمت إلى النساء ~~بصلة. ~~- تعبانة؟ ~~- شوية. ~~- كده أحسن. # وبكل ذراعه أحاطها حتى أصبحت في حضنه، وأصبحا في حارة، وأصبحت تعرف ~~أنه في الثامنة عشرة، وأنه يعمل مع أبيه في تصليح البوتاجازات، وأنهما ~~يقطنان قريبا، وأنه وحيد، وأن أمه ماتت في عملية. # وأيضا أصبحت تعرف سبب غضب السيدة زينب منها؛ فليست هذه أول مرة تأتي ~~إليها مضطرة. # بعد المشوار الطويل، بعد أن تصبح جدة للمرة الرابعة، وأما لمدير ~~عام شاب لامع، ولدكتور في جامعة يؤكدون أنه الوزير القادم، والثالث ~~تاجر سيارات مستعملة وأغناهم جميعا، وبنت تزوجت وتعمل أيضا في ~~الخارجية. # سعادة الاكتفاء موجودة ولا حد لها. المهمة تمت بنجاح ساحق رغم أن ~~المرحوم مات في ثلاثة أرباع الطريق. الجميع يتوجونها أما مثالية، ~~ويأتي أولادها كل عيد، وكل مناسبة، وانتي، وانتي، وانتي ... ولكنها ~~كلمات. # الرجال والابنة الذين لم يعودوا في حاجة إليها، ms102 يدللونها ~~ويهزلون معها ويبدءون يسخرون من الأشياء القديمة المتراكمة في الشقة، ~~تلك التي نموا وهم يحملون لها الحب والتقديس. صحيح أن هناك روابط كثيرة ~~تجمعها بهم وتجمعهم بها، نفس الروابط التي تنزعج لها إذا علمت بمرض ~~أحد، وينزعج لها الأبناء، أو جزع الابنة إذا ارتفع لديها معدل الضغط أو ~~نسبة السكر، ولكنه جزع مخالف تماما لمثيله أيام كانوا أولادها وأيام ~~كانت فعلا أمهم، جزع على اللعبة القديمة ذات الشعرات البيضاء التي ~~نحاول أن نحفر في صدرها كلما ضممناه عسانا نعثر على قطرة واحدة من ~~نبع كان يروينا، وكانت تتعاظم بنا وبها السعادة إذا روانا جزع الزمالة ~~ربما في المجتمع الأكبر الذي أصبحنا فيه أولادا وبنات وأمهات ~~وزملاء، وإن كانت تفرق بيننا بعض السنين. حتى غداء الجمعة، من الصباح ~~الباكر تكدح لتصنع مع خادمتها العجوز لكل منهم ما يفضله، وبزيطة ~~وابتهاج يبدءون يقبلون، والابن الواحد الذي لا تزال تذكركم به كان ~~نحيفا شاحبا وهو طفل صغير أصبح اليوم زوجا، زوجا قديما له أولاد ~~وبنات ينادونها بيا «تانت» ويا «تيزة» ويا «جدتي». أصبح الولد عائلة ~~بأكملها وأصبحت له أسراره الخاصة وهمساته وغمزاته مع زوجته أو مع أخيه ~~الآخر، وهي الوحيدة البعيدة عن اللعبة. ويوضع الطعام ويأكلون، وبينما ~~في أعماقهم قد أدركوا من زمن أن طعام أمهم من الأحسن لها ولهم أن يبقى ~~ذكريات حلوة، ومذاقا يعطيه حاجز الزمن قيمة ومتعة؛ فالواقع الحاضر ~~أنهم قد فقدوا الرغبة تماما فيه، وأنهم بالكاد يزدردونه؛ فلقد جاءت ~~الزوجات معهن بأطعمة أخرى، وبأصناف لم تخطر للأم على بال، حتى الطعام ~~وتعليقاتهم البالغة في استحسانه أصبحت عادة قديمة تبتلعها على مضض؛ ~~فإنها لتحس بالأمر كله، وبيوم الجمعة وكل ما يحدث فيه تمثيل في تمثيل ~~يجيء فيه الأبناء ليروا أبناءهم تحضنهم الجدة العجوز، ويتسلون بتدريبهم ~~على نطق اسمها، وربما يثير اليوم في نفس أحدهم ذكرى أو حادثة طفولة، ~~تمثيلية سرعان ما يمل الممثلون القيام بها، فإذا بكل واحد قد انزوى مع ~~زوجته في ركن أو على فراش، أو قد ms103 اجتمع أربعة منهم يناقشون موضوعا لا ~~صلة لها به. كل ما في الأمر أنه بين الحين والحين، وربما على دقات جرس ~~ضمير بطيء المفعول، يتعطف عليها أحدهم بكلمة، أو بثناء، أو بقبلة ~~سريعة، لا تلبث أن تدرك أنها وهي في بيتها تأويهم وتطعمهم قد أصبحت ~~عبئا هم مضطرون للخلاص منه بعد قليل؛ فسرعان ما تبدأ سلسلة ~~الاكتشافات، وينظر أيهم في ساعته، ثم يشهق مروعا: أنا نسيت ميعاد ~~المحاضرة. وما أتعسها من دقائق أو ساعات تلك التي يقضيها الباقون ~~وتقضيها معهم وهي محرجة تدرك أن كلا منهم لا بد يبحث لنفسه عن ~~اكتشاف جديد أو عذر وجيه! حتى الأطفال ملوا سماع حواديتها ويطالبون ~~بالتليفزيون، بل - إمعانا - تذهب إلى المطبخ أحيانا لتجد الملاذ في ~~الخادمات، فإذا بهن هن الأخريات مشغولات بتبادل أنباء فضائح الأسياد ~~والسيدات والجيران، وأحدث الزيجات والطلاقات بين نجوم الغناء والسينما. ~~وفي النهاية، وبعد كل الضجيج الهائل والازدحام تصبح مرة أخرى وحيدة ~~تماما في الشقة الكبيرة ذات السقف العالي؛ فحتى الخادمة العجوز تأخذ ~~بعد ظهر اليوم نفسه إجازتها. # لا لوم! فهكذا الدنيا، وأولادها لم يعودوا بحاجة إليها إلا كديكور ~~أم محنط في شقة «العيلة»، ولكن الأم فيها لم تنته بعد، لم تمت! ما ~~زالت تدق داخل قلبها الكبير. وحين مات المرحوم لم تفكر لحظة في الزواج، ~~أو في تغيير حياتها مع أولادها؛ فلقد كانوا هناك، صبية صغارا وبنات لا ~~يسمحون لها أن تغيب عن أعينهم لحظة لشدة حاجتهم إليها، ولا تسمح هي ~~لنفسها أن تتغيب لحظة لشدة ما تريدهم أن ينهلوا من صدر أمومتها، ويروون ~~بذلك النبع الأخضر الريان في أعماقها. سعادتها الكبرى أن تعطيهم، وكان ~~طبيعيا جدا أن يأتي اليوم الذي لا يعودون بحاجة إليها، وقد ~~أصبحوا بدورهم آباء وأمهات يريدون هم أنفسهم البذل لأولادهم والعطاء. ~~ماذا تفعل والأم فيها لا تزال قادرة موجودة يقظة؟ فقد تزوجت صغيرة ~~وخلفت صغيرة، ولا تزال بعد لم تصل إلى الخمسين. ~~- يا ريت تزوري السيدة! # وكأنما هبط الاقتراح كالحل العبقري لمشكلة أبناء يريدون ms104 فرض اليأس ~~والشيخوخة على أمهم فرضا، يريدون فرض اللاحول واللاقوة والسكون ~~والسلبية التامة، فرض الموت عليها فوق سطح الأرض انتظارا للحظة ~~الانتقال إلى باطنها. أبناء يريدون هذا وكأنما ليزيحوا عن خواطرهم ~~الواقع الحي الناطق أنها بعد لم تصبح شيخة. صحيح أنها لم تعد شابة ~~مثلما كانت حين مات أبوهم، ولكنها بالقطع والتأكيد لم تعد تصبح - ~~وباستماتة تأبى أن تصبح - في القريب العاجل شيخة. وليست الشيخة أيضا ~~كي يفرضوا عليها الشيخوخة فقط، إنما لكي - وهذا هو الأهم - يفرضوا ~~عليها الوحدة؛ فالوحدة إذا كانت حراما على الأنثى أو الشابة، فهي حلال ~~على الشيخة، وما لم تصبح شيخة فعليهم أن يحلوا هم مشكلة وحدتها، ومن ~~هنا يعتبر اقتراح زيارة السيدة إذن حلا عبقريا. ~~- إن شالله يا سيدة. # أجل، يوم الجمعة بعد الغداء الحافل، بعد أن تستمتع بهم مرصوصين حول ~~مائدة الطعام الفخمة، الرجال من أبنائها والبنت مع زوجها، وبعد أن ~~تحمل أحفادها كل بدوره وتهدهده وبأسماء تدليله، عليها أن تذهب للسيدة ~~وتقضي بقية اليوم تدعو وتتعبد. وفي العام القادم بإذن الله تحجين ~~وأمانة عليك أن تقرئي لنا الفاتحة يا ست الحبايب، ولا تنسي أن تدعي ~~ل «منى» بالنجاح، ول «حمادة» بالشهادة، ولابنك - أنا - باستقالة رئيس ~~مجلس الإدارة ليفرغ منصبه. ~~- وإيه رأيك يا ستي؟ # والتفت الكل إلى الأخ الصغير، فقد بدا وكأنه وجد الضالة المنشودة: ~~الجمعة السيدة، وإن زهقتي يبقى الإثنين الحسين، وإن حبيتي يبقى سيدي ~~الحنفي الخميس. # واحنا مستعدين. # أجل! هم دائما مستعدون؛ لكي يحولوا العواطف والمجاملات والواجبات ~~إلى معادلة نقدية، ربما لأنهم أصبحوا يمتلكون النقود، بينما لم يعودوا ~~في حاجة إلى العواطف والمجاملات. # بالتأكيد مشروع سقوطها كان من غضب السيدة عليها؛ فهي أبدا لم تذهب ~~بدافع من ذات تريد، إنما مدفوعة لا إلى زيارة أو قراءة فاتحة، وإنما ~~إلى مصير لا تملك دفعه. ~~- ياه! إحنا مشينا كثير. أنا اتأخرت، نشوف تاكسي؟ ~~- زهقتي؟ # وتطلعت، هذا الوجه، تلك الملامح الطفلية التي يسكب فيها سن الثامنة ~~عشرة أول كم من عصير الرجال، فيصبح لها - للسن ms105 - جمالها الخاص بحيث ~~يضيء وجه كل فتى وكل فتاة، حتى المحرومين من الجمال، بنور جميل طازج، ~~نور تلك السن. شاربه النابت المحلوق الذي تكاد تعد جذور الشعر فيه ~~شعرة شعرة، بينما الذقن تتسلل من الصدغين هابطة على استحياء، ولكنها ~~في وسط الذقن تماما، وحول وداخل طابع الحسن تنطلق فجأة، كنافورة شعرية ~~مستديرة. العينان فيهما نظرة، ليست لها صفاقة نظرات الرجال أو مجال ~~أبصارهم الخاضع للإرادة والوعي والتحديد، وليس فيها شقاوة الصبية، ~~إنما هي نظرة بدأت تدرك وجود الآخرين، وكما ترى الناس باستطاعة الناس ~~أن يروا ما بداخلها، داخلها المليء في تلك اللحظة إلى الحافة بنداء، ~~أقوى ما رأته عيناها من نداء، ألا تذهب؟ أن تبقى، نداء حقيقي صاعد، ~~ربما رغم أنف صاحبه، شتان بينه وبين نظرة الدكتور أو المدير ابنها وهو ~~يقول بينما هو يستعد لإغلاق الباب خلفها بعد انتهاء زيارتها: وحياتك، ~~وحياتك يا ماما تقعدي تتعشي معانا. ~~- حضرتك عايزة تروحي؟ مش تستريحي شوية، على بال الوجع ما ~~يخف؟ # عادت ترمق النداء قويا ملحا في عينيه، لا تملك عصيانه، نداء ~~يحرجها، فهو لا يتبع بكلمات تلح الإلحاح الكافي، إنما هو يترك لها هي ~~الرأي والقرار، يترك لها أن تضغط بكل ما تملك من رغبة على كل ما تملك ~~من مقاومة، وتسأل: أنا الحقيقة تعبانة، بس أستريح فين؟ لازم ~~أروح. # ولكنه وبحداقة أهل حي الحنفي قدم الحل البديل، فأبوه في الدكان، وعلى ~~بعد أمتار يوجد بيتهم المكون من حجرة واحدة وصالة صغيرة، أيليق ~~بالمقام؟ # أي مقام والساذج لا يدرك أنها منذ أن استقبلت النداء قويا صادقا ~~مجتاحا قد أصبح له على الفور المقام الأعلى، وأصبح أقصى ما تتمناه أن ~~تعمل وبكل ما تملك لإسعاده. منذ النداء قد انتفض داخلها مارد قادر على ~~كل شيء، حي نابض بالحياة، مارد تجاهلته وحاولت قتله، وتجاهله أبناؤها، ~~وكل من حولها، وبكل ما يملكون من قيم وعظات وحكم ومثل، حاولوا خنقه ~~أو سجنه؛ ليموت جوعا وإهمالا وحرمانا، مارد حين انتفض يرتد من ~~النقيض إلى النقيض، ويعود ms106 بها وكأنما ببساط سحري إلى أرض شابة حية ~~مدمدمة بحركة الحياة، وكل ما فوقها وعليها وداخلها ينبض، أرض مرعبة، ~~مرعبة تماما. # النظرة ليست كلها احتياج، هناك وراءها مكونة مركزها وقلبها رغبة، ~~رغبة ملتهبة صامتة كأنها العواء بلا عواء، ولكن فليكن وراءها جهنم ~~نفسها، إنها هي وإرادتها الكفيلتان بأي شيء، بأن تأخذ من النظرة ما ~~تشاء وترغمه على التخلي عن أي شيء آخر. إنه طفل، ليس سوى طفل حتى وإن ~~بدا أطول منها قامة، حتى وإن أطل لها كاللص بصيص من ذات ذاتها يحاول أن ~~يرى في الفتى كل ما ليس بطفل فيه، كل الأشياء التي يمكن أن تتلصص ~~عليها المرأة، أية امرأة. # مخاطرة فلتكن واثقة من أن رأيها هو الرابح، واثقة أنها في النهاية ~~ستعطيه أما ولو لساعات، وستأخذ منه ربما رغم أنفه ابنا ولو لدقائق، ~~وأنها أبدا أبدا لم تعد تستطيع الهرب من ذلك القدر. # الغريب، وذراعه لا تزال تحت إبطها تسندها، والعيون في شارع الحنفي ~~كثيرة لا عمل لها سوى التحديق بحثا عن لمحة إثارة، الغريب أن العيون ~~لم تستنكر، حتى الجيران اعتبروها الخالة الغنية لا بد تبحث - بالوفاء - ~~عن أقاربها من الفقراء، والناس في تسليمهم بكل ما تواضعوا عليه أبدا ~~لا يبدءون هم بالشك. قريبا من رأس السلم المؤدي إلى شقة السطوح حيث ~~يقطنون، انزلقت يده التي تسندها وتحتضنها متحسسة الظهر، يد اكتسبت - ~~بطول الاحتكاك - بعض الجرأة. # ولم تشأ للوقت أن يضيع فيما لم توطن نفسها عليه. أفهمته بلطف أنها ~~إنما جاءت معه لا لكي تستريح، وإنما لأنه حرك أمومتها (وكان طبيعيا ~~جدا أن تكذب هنا وتقول إن السبب أنه يشبه ابنها الذي فقدته في مثل ~~سنه بالوفاة)، فإذا كان هو يتيما ماتت أمه، فهي العكس تماما، الأم ~~التي كف الأبناء أن يثيروا فيها أو يحتاجوا إلى أمومتها. ستكون أمه إذن ~~لبعض الوقت، وإذا أساء الفهم، فإنها من هنا وقبل أي خطوة ثانية ~~ستعود. # وطبعا استنكر وأكد وقبل، واثقا أنها تعني حقيقة ما تقول، مقررا ~~بينه وبين ms107 نفسه أن يطاوعها ويستمتع أولا بالأم فيها، وحبذا لو فاز بعد ~~هذا بالمرأة أيضا! ~~- يعني أنا زي ابنك دلوقتي؟ ~~- وأنا زي أمك. ~~- فكرة والله، طب وحانعمل إيه بقى؟ ~~- اللي بتعمله الأمهات. # خلعت فستان الخروج الأسود، وبقيت بثوبها الداخلي الرقيق، وبينما ~~الماء يغطي أرض الشقة التي لم تنظف من أجيال، وهي بكل همة - ورغم الألم ~~- قد انحنت تمسح وتنظف، كان هو يخرج ويدخل هائصا يغني، باختصار، سعيد. ~~وأرسلته ب «السبت» والنقود وعاد ملهوفا باللحمة والخضار، وبدأت رائحة ~~«التقلية» تتصاعد، وبينما كان «البوتاجاز» القديم يطهو الطعام على مهل ~~وفي حجرة قد نظفت تماما ونظمت، كانت هي في الحمام منخرطة في غسل ~~الملابس، كل ما تحويه الشقة من ملابس، حتى «الأفرول» الذي يرتديه ~~أصرت أن يخلعه لتغسله، وعليه أن يبقى بلباس داخلي انتقته له من «سرة» ~~ملابسه القديمة وهو طفل لا يزال. # وبالغسيل يكاد ينتهي، ورائحة الطعام قد نضجت، وغناؤه قد علا وتخللته ~~قهقهات لأتفه الأسباب، كانت سعيدة سعادة لم تذقها ربما في شهر عسلها ~~الأول نفسه، فلم تكن قد تزوجت حبيبا، إنما تزوجت كما كان يفعل الناس ~~في أيامها من عريس جاء عن طريق قريب، ولولا العشرة الطويلة والخلفة ~~والطباع الحلوة لكانت كرهته، ومن يدري ربما كانت قد أحبته، أو على ~~الأقل جربت شعورا ملتهبا غير مستقر يجعلها تبرد وتغلي وتتفجر بدلا ~~من هذا الإحساس المتصل الطويل لا تعلو له قمة ولا يهبط إلى قاع، سعادة ~~لم يذقها الفتى وأمه نفسها عائشة؛ فقد كانت رغم قبلاتها الطويلة ~~الخانقة لا تناديه إلا مسبوقا بلفظ سباب، وإذا احتوته جرحت مشاعره ~~البضة شوكات حنانها الخشنة، حنان ما حاولت مرة تليينه أو إعطاءه نعومة ~~الأم الأنثى إلا وغلب عليها الطبع في النهاية، وعادت إلى طبيعتها ~~الخشنة. إنه الآن يكاد لا يذكرها، يكاد ينسى كيف كان موقفه حيالها؛ ~~فلحظة الحاضر جاءت تغرق كل ما فات، وها هو بكل نزق وضحك وجري ودلال ~~وشقاوة، يعيش كما لم يعش أبدا، كما لم يحلم بعيش كهذا من قبل. وقد صح ms108 ~~ما توقعته تماما، فالأم فيها أعادت إليه الطفل، والطفل فيه أعاد ~~لأمومتها لمسات وملامح ذبلت وجفت وماتت من سنين. لكأنها تصبح أما ~~لأول مرة. # واندفع بنزق صبياني يرفع غطاء الحلة، ويلتقط بعض قطع اللحم الملتهب ~~التي لا تزال في طريقها إلى النضج. ونهرته ووضعته أمام الأمر الواقع؛ ~~فقد أصبح كل شيء نظيفا ما عداه، ولا بد أن يستحم، وأيضا قبل الطعام. ~~ويا له من شعور لذيذ انتابه وهو يحاول مماطلتها، وتأجيل «علقة» الحمام ~~إلى ما بعد الغداء! وهي تصر إصرار أمومة ناعم تحسبه قابلا للتعديل، ~~ولكنك لا تلبث أن تدرك أن نعومته أشد صلابة من إصرار يملؤه النهر ~~والسباب. # بدلع قال: يبقى تحميني، مش أمي؟ أمي تحميني. # وكان يعرف أن الاقتراح مرفوض، فما هو بالرضيع أو الصبي، ولكنه ربما ~~قاله ليسبر الغور، ويعرف إلى أي مدى أصبحت أما، وإلى أي مدى استترت ~~المرأة، وفي دفعتها له من ظهره لتدخله الحمام، وتجذب الباب أحس أنها ~~ليست أبدا دفعة استنكار شديد، هي تمضي في سياق واتساق مع لعبة الابن ~~والأم، وما وراءها غامض كل الغموض. ~~- ادعكي لي ظهري، من يوم ما ماتت أمي ما حدش دعكهولي. # ولو أوتيت كل قدرات العالم النفسي لما استطاعت أبدا أن تدرك لماذا ~~قبلت، ولماذا صرخت قبل أن يدخل تطلب منه الجلوس القرفصاء، وإعطاء ظهره ~~للباب، وماذا بالضبط كان شعورها والليفة المتآكلة لا تمنع يدها من تلمس ~~جسده، والإحساس بعضلات صلبة بمثل ما لم تكن تتوقع، متناسقة، تجعل من ~~كومة اللحم الحي المنحنية على نفسها تصدر العواء والأصوات كتلة مجهولة ~~ذات خطر، كتلة شاب كبير الجسد دافئه. # وتسأله إن كان قد غسل خلف أذنيه بالليفة، وتكتشف بعد سلسلة من ~~الأسئلة أنه لا يعرف بعد كيف يحمي نفسه، لا أحد قد علمه. إنه ليس ~~يتما واحدا ما يصاب به الصبي، إنه يتيم من الحب، من الصدر الحنون، ~~من الإلحاح عليه بالإفطار، من تنظيف كامل وأمين لجسده، ألف ~~يتم. # وحين انتهت من مهمتها، والماء ينصب ويتلوى الفتى لانصبابه، وكأنها ms109 ~~فجعت ودهشت، روعتها النظرة الخاطفة حين ألقتها، فكشفت لها عن معالم ~~الرجل فيه. وفي الحال واجهت نفسها - فالأمر لم يعد يحتمل الخداع - لقد ~~كانت لساعات طويلة توهم نفسها بابن حبيب عثرت عليه اليوم صدفة، ولكن ~~هذا الشاب الممشوق الجسد، وما به من رجولة ليس أبدا ذلك الابن، إنه ~~غريب عنها، جسده كله جاء من امرأة أخرى، وله أب لم تره في حياتها، ~~وحياة طويلة قبلها لم تر منها إلا عرض أصبع. # ومضة ولكنه أدرك وفهم، واعتراه الارتباك في نفس لحظة ذهولها ~~وارتباكها. وشتان بين إحساس تلقائي منساب كجداول الطبيعة بالنبوة ~~والأمومة، وقد انقطع - بترته النظرة العابرة - ليكملا الدور بعمد هذه ~~المرة، وبارتباك وبإشراك هائل للإرادة، محاولا هو فيه أن يخفي علامات ~~الرجولة فيه، ومحاولات دائمة منها ألا ترى سوى الطفل، محاولات كانت لا ~~تزيدهما إلا ارتباكا، محاولات أنهت الحمام فجأة، وفي خفوت متعمد، ~~وكأنه كان السبب في مأساة. # وعجيب حقا أن تتسع نفسها بعد كل هذا المزيج المتناقض من الأحاسيس ~~بإحساس جديد مرق كالشرارة، إحساس بفرحة صغيرة، فرحة أي أم حين تكتشف ~~في ملابس ابنها الداخلية ذات يوم أنه بعد لم يعد طفلا، السؤال المعلق ~~- وقد بدأ المساء يحل في دكان أبيه - سؤال لم تنطقه، ومع هذا فقد جاءها ~~الجواب بغير هناء: إنه مع أصدقائه في حي «الباطنية» مجتمعين حول ~~«الجوزة»، ويشدون أنفاسا تقهقه لها «الجوزة» ويقهقهون، ويئوبون بعد ~~القهقهة العنيفة إلى سعال طويل. جلسة لن تنتهي قبل أن ينتصف الليل. ~~ودون سؤال منه فالسؤال كان لنفسها جاءتها الإجابة: إن شيئا لا ~~ينتظرها سوى جدران الشقة الكبيرة العالية الفارغة، وسجادة الصلاة، ولا ~~شيء بعد هذا أبدا. ~~- أنا بردان، باين الوساخة كانت مدفياني! # ضحكت للنكتة وظننه يدعي. # ولكن أسنانه فعلا بدأت تصطك. # واندفع إلى «الكليم» المهري الذي يغطي أرض الحجرة الوحيدة. # واصطكت أسنانه بشدة، وعطس أكثر من مرة. # لو كانت هناك مدفأة أو أخشاب لأشعلتها، ولكنها في بحثها الدائب ~~المنخلع القلب عما يمنع عنه البرد والرجفة، ورعبها أن يمرض لم تجد ms110 هناك ~~سوى نفسها، وأدارت ظهره إليها، واحتضنته دافعة بساقيها وتقوسات بطنها ~~وظهرها لتشمل انحناءات جسده كله، وأصبحت يداها تضمانه بشدة. # وشيئا فشيئا كف ارتعاشه. # وشيئا فشيئا بدأ يحل بجسده إحساس غامر شامل بالراحة والسلام ~~والأمن، وهي في نفس الوقت نشوى وحضنها قد فعل فعله، نشوة أم أرضعت ~~ابنها كل ما يؤرق ثديها من لبن. # وليس أبدا لأن جسده استكان تماما إلى دفئها. # إنما - هكذا - وربما في نفس اللحظات بدا حضنها نفسه ينسيه المرأة ~~فيها، ويمر عابرا بالأم، ويستقر عند أول الطريق إلى شعور آخر مخالف ~~تماما، جديد تماما ذلك الذي يجعل القلب يدق، لا من الرغبة وإنما ~~بما هو أقوى، بالانفعال، بالعاطفة. # وكان مفروضا أنها بعد أن استكان إلى حضنها وشبعت أمومتها أن يبدأ ~~قلبها هو الآخر يدق، لكل ما هو غريب في فتاها وليس لكل ما هو ~~قريب. # ولكنها ولفرط ما هي خائفة كبتت الشعور. # وهكذا بينما - رغم التصاقهما الشديد - بدأت تنمو وتترعرع ضبابة ~~عاطفية تغطيهما تماما وتربطهما تماما، يفرزها جسداهما لتثير كل ما لا ~~باستطاعته أو يملك الجسد إثارته. # أيكون الحب؟ # المربع الثاني # ليكن، فإن كان المقياس المعزة، فإن أحدا على ظهر الأرض حتى ~~أولادها أنفسهم ليسوا بأعز عليها منه. أما هو فقد استكان إلى ملجأ غريب ~~لم يجربه أبدا، أحس معه بكل ما عاناه ويعانيه، بكل شظف العيش مع أب ~~حشاش عجوز، ونساء يشتهينه حتى ليلتصقن به عامدات فوق السلم الضيق، بكل ~~شيء كأنه ما كان ولن يكون، كأنه يولد هذه اللحظة ولادة تحف بها كل ~~أحلامه، كل ما حرم منه، كل ما سوف يحرم منه. # ليكن الحب! # لتكن الجنة! # لتكن أقصى سعادته الآن أن يستسلم للأحلام التي بدأت تخلعه من الواقع، ~~وتحمله بتؤدة إلى النوم. ولتكن إغفاءتها هي الأخرى علامة شبع بعد ~~مائدة انتظرتها، جوعى تتلوى لسنوات. # ليكن! لولا أنه مع الدفء، وبعيدا عنهما تماما وعن العقل والأحلام ~~والمتعة المتخيلة، بدا ثمة جسد يحس بجسد، مباشرة وبلا واسطة، تاركة ~~العقول تسبح فيما تشاء، عاقدة هي وبلا ms111 أي قوة تستطيع إيقافها الصلة ~~والاتفاق. # والأجساد لا تتخيل وتحلم، إنها لا تعرف للتعبير عن نفسها إلا ~~الالتحام والاحتواء، بينما الأحلام تلتقي وردية لقاء الخيال والعالم ~~اللاملموس. # وبدأ الجذب. # رغم إرادتيهما معا. # هو - بحركات لا يمكن رصدها - يكور ويصغر نفسه أكثر وأكثر، وكأنما لو ~~ترك لعنانه لأحال نفسه إلى طفل يستكن في بطنها كالجنين. # وهي - بإيجابية السلب المطلق، بالقدرة على الاحتواء - تضمه، بادئة ~~بيده التي أنقذتها من حادث محقق تعتصرها بين أصابعها، إلى وجوده الجسدي ~~الكبير الغريب المتكور، إلى حياته كلها وأبيه وحجرته وملابسه المعلقة ~~تجف، تحتويها كلها، وتضمه وكأنما لتعيده إلى حيث يجب أن يكون، إلى ~~بطنها وذاتها. # عاطفة الحب التي بدأت لا جسدية بالمرة، وكأنها من صنع الخيال، ما إن ~~بدأت الأجساد تتقارب، حتى استحالت إلى قوة تلهب الجذب، وتشرك فيه ~~الإحساس والمعنى والخيال. # ولو كان ملاكا وكانت هي قديسة. # ولو كان الجزاء الموت حرقا أو فوق خازوق. # ولو اجتمعت الدنيا كلها لتوقف قوة الجذب الخارقة لوقفت عاجزة. # فما يحدث كان في الواقع سره من سر الحياة، وقوته من قوتها. # الحياة حين يصبح هدفها الأوحد من البقاء والوجود والاستمرار أن ~~تتحد. # الحياة حين تخلق العاطفة قوة تجذب، فإذا تلامس الحيان فلا شيء ~~بإمكانه أن يفرق بينهما. لقد استعانت بأولياء الله ومشايخه، وبالسيدة، ~~وبصبرها الذي طال عشرين عاما، بابتسامة أبيها الحنون، بأمها ~~المرحومة ذات العشر حجات، بالفاتحة وآية الكرسي، وكل ما يطرد الشياطين، ~~واستعان هو بشيخ طريقته، وتعاليمها، وكل ما تراكم في ذاكرته من أوامر ~~ومحرمات، ولكن جوع الجلد إلى الجلد، جوع الضلوع إلى الضلوع، وظمأ الفم ~~إلى الفم، والسيقان لتلتف حول السيقان كان هو الذي كل مرة ينتصر، ~~ويقهر. # جذب من جذب ذلك الكون الشاسع القادر على تعليق كوكبنا، بل شمسنا، ~~وملايين غيرها، في فراغه المخيف بلا شيء سوى جذب التجاذب وجذب ~~التنافر، جذب لا يدري للآن أحد سره، ذلك الذي يجذب المرأة إلى رجل ~~بالذات لتستعمله كوسيلة تحصل بها على نسخة من صنعها هي لهذا الرجل، ~~على ms112 ابن ما أروعه لو جاء تماما كأبيه لتستميت في حبه، وحبذا لو أبيح ~~لها أن تختار هذا الابن نفسه لينتج لها ومن ذات نفسها أيضا ابنا آخر، ~~أكثر قربا لما تريد وتهفو! # جسدان راقدان متجاوران متلاصقان هذا صحيح، من ساعات كانا مجرد كائنين ~~مثلهما مثل الملايين الأخرى من الكائنات، ملتصقان وكأنما بفعل مغناطيس ~~قانونه الأوحد أن يتجاذب قطباه، حتى لو كان أحدهما في الخمسين والآخر ~~لم يبلغ العشرين، بل حبذا لو كان أحدهما في الخمسين والآخر دون ~~العشرين! # جسدان خلفتهما قوانين حياة لا تقهر، قوانين أكثر تعقيدا وهولا من ~~كل نزعات الإنسانية للتخلص منها، قوانين غريبة سارية تحيل الفراغ ~~بينهما، إن كان قد بقي فراغ، إلى جحيم من الانفعالات المكبوتة، ~~والقاهرة المنطلقة، والمناطق المحرمة التي شيئا فشيئا تستباح، وهي ~~مستميتة تتشبث بخط دفاعها الأخير كأم لأولاد مقربين ناجحين متعلمين، ~~تستحضرهم بكل ما لديها من يأس لتمنع بهم المشهد القائم، أو توقف ~~التحرك إلى المشهد الفاجع التالي؛ لينقذوها على الأقل من كهارب وتيارات ~~وأحاسيس تشل إرادتها شيئا فشيئا، وتعمق لديها إحساس الأم؛ ليوقفوا ~~الحفر الدائب داخله وداخل قدرتها على العطاء، حتى لا تبلغ هذه القدرة ~~على العطاء والمنح أقصى مداها، بحيث - أعوذ بالله، أعوذ بالله - تنقلب ~~بفعل أي دفعة أخرى بسيطة إلى رغبة في الأخذ والاستقبال، وتمضي قدما ~~في خط الأمومة لتصل إلى أقصاها حيث الأنثى، ومن رغبة الشاب إلى رغبة ~~ملحة في الحصول على صفاته وملامحه، وعليه كله مصغرا، وفي حجم بويضتها ~~المتربصة المنتظرة. # بينما تبلغ به رغبته فيها كأم إلى حد لم يعد يحتمله إلى حد يصبح ~~كل أمله ومناه أن تكون أمه وحده، بحيث تنغلق عليه دون سواه من البشر أو ~~الإخوة أو الزواج والأبناء، تبلغ به الرغبة حدا يجعله يحتاج إليها ~~كأم إلى الدرجة التي لا يعود يكتفي فيها بمعالم الأمومة الظاهرة، إنما ~~يبحث وإلى آخر رمق، حتى يصل ويستولي على كنه الأمومة فيها، على الأنثى ~~فيها؛ فالأم دائما أكبر من أي ابن، ولكن الأنثى لا ينالها ms113 إلا رجل ~~واحد، وتكون له وحده. # ومهما كانت الردود وفعل الردود، والإقدام مرة والخجل مرة، بحضور ~~تاريخ طويل من النواهي والأوامر مرة، واختفائه خلف قوانين الحياة ~~العظمى مرة أخرى، به حين يبدأ يتصرف كشاب فتنهره كأم، وبها حين تضمه ~~مؤملة أن تسكته بأمومتها فتتحول الأمومة بفعل النار الموقدة إلى أنوثة، ~~بالأربعة معا الابن والأنثى والأم والشاب في صراع لا رحمة فيه بين ~~بعضهم البعض، وبينهم وبين أشباح الآخرين الحاضرة، وأشباح غابت ومقدسات ~~لها مفعول الأزل، بهذا كله ترتفع الحرارة حتى يتشعب اللهب، وعلى لهيبها ~~تحترق أشياء كانت لا تقبل الاحتراق، وتذوب النواهي، ويذوب كل ما كان، ~~وكل ما سيكون، ولا يبقى سوى المرأة المحتمية بالأم فيها، والابن التائه ~~يبحث عن أنثاه المختفية داخل المرأة الأم. # ولو الأمر أمر الأجساد وتلقائيتها لانعكس التيار الصادر عنها يعطيه ~~الأنوثة أمومة، إلى تيار يستقبل العطاء ويحيل البنوة ذكورة. # ولكن الإنسان ليس جسدا فقط، إنه ليمتلك في جسده عضوا غريبا ساحر ~~المفعول اسمه العقل، ودون إشراكه وموافقته فلن يصدر عن الجسد فعل أي ~~فعل، أو يتحرك مستقلا قيد أنملة. # وباستماتة، وكأنما استجابة لدعائها الحار بالأولاد وقد استجمعتهم ~~كالجيش «العرموم» حولها يتواثب منه أحفادها، ويستنكرون مسلك الجدة، ~~بينما آباؤهم يتطلعون بعيون زوجاتهم إليها، حيث استحضرت المرحوم هو ~~الآخر وسنوات الكفاح والرفض المستميت للزواج من بعده، حين حشدت التاريخ ~~الماضي كله ليمنع لحظة فاصلة، حدثت المعجزة، واستعادت الأم والأرملة ~~العذراء سيطرتها، وانتابتها من هول ما هي فيه رعدة وأفلتته. # ولكن ربما لقصر في تاريخه، ربما بحكم السن، لم يستطع هو أن يعود ~~للحاضر أو يخفي عنها أو عن نفسه رجولته ولا رغبة الرجل في الأنثى، أي ~~أنثى التي أصبحت تعميه. كان قد وصل بشعوره إلى نقطة لا عودة فيها، بنفس ~~استحالة أن تحدث أصبح المستحيل تماما أن يعود. # المربع الثالث # المربعات التي تآكلت سطوحها، فبرزت حوافها الملتصقة، مربعات الدبش ~~الأبيض الكبير التي تكون أرض الحجرة والشقة، المربعات التي لا يفلح ~~«الكليم» الرقيق الرخيص في تغطية حواف الدبش ms114 وعلاماته، المربعات ~~والكنبة الكبيرة العالية ، والمنضدة المعدنية ذات الأرجل الثلاث، ونافذة ~~الحجرة الحافلة بغسيله المنشور، كان الشهود ليسوا شهودا على شاب في ~~الثامنة عشرة قد جاءت معه بقدمها - ولو ملتوية - امرأة إلى حيث يقطن، ~~حتى وإن كانت قد بلغت الخمسين، لا ولا بين طرف رافض وطرف يرغب، ربما ~~الأدق أنها كانت معركة بين كل منهما ونفسه، معركة مبهمة غير واضحة، ~~فثمة سحب كثيرة من خجل ذي درجات تلفها وتشمل المكان كله، درجات تبدأ ~~بالخجل البسيط، خجل الأم أن يكتشف ابنها أنها أنثى، وخجل الابن أن ~~تكتشف أمه أنه رجل، فجأة يثور فيه الشاب فيحتوي الرقبة، ويقبلها قبلات ~~شابة محمومة. # وبحسم تهمس: عيب أنا زي أمك، أنا، ولادي أكبر منك، أنا جدة ~~والله. # فلتكوني جدة أو جنية، فالمهم أنك الآن أمامي أنثى، وأنا الذكر حتى ~~ولو كنت أمي نفسها وأوصلتني إلى هذه الدرجة فلا تتوقعي أبدا أن تجدي ~~في الابن. # يصبح الكلام بلا فائدة فتستعمل اليد، يدها، وتدفعه برفق دفعة الأم ~~لابنها المناكف، فيعود يقبل عليها بإصرار الابن المناكف، تريه الشعر ~~الأبيض في رأسها ليصدق، ليكتشف هو وتكتشف معه أن ناره لا تزيد إلا ~~اشتعالا، وأنها كلما قربت نفسها من صورة أمه أو حاولت أن تستثير فيه ~~الابن، لا يفعل هذا كله إلا أن يؤجج الشاب، الذي بدا وكأن ما أصبح ~~يثيره فيها أنها أم، أمه، بل وصلت إلى ما هو مرعب أكثر، أنها هي كلما ~~شعرت وأقنعت نفسها أنه لا يعدو كونه ابنا، كلما أحست ومنها له انطلقت ~~من أعماقها الأنثى، أنثى ترعبها فهي أبدا ليست تلك التي عاشت ابنة ~~مطيعة ورباها أب وأم وعلماها وزوجاها وأنجبت أبناء أنجبوا بدورهم ~~أبناء، أنثى أكثر أنوثة من كل ما تصورته في حياتها عن نفسها كأنثى، ~~أنثى حبيسة شيطانية تدمدم مهددة بانفجار لا يعلم سوى الله مداه، أنثى ~~كأنها الأذرع الطويلة القوية لأمومتها تختلج متحركة في كل اتجاه، وتريد ~~إرادة لا وسيلة لقهرها أن تطبق على الشاب الصغير إطباقة تبتلعه فيها ~~وتحتويه ليعود ms115 مرة أخرى جزءا منها. الشاب الذي - وأولادها حاضرون ~~محدقون شاهدون - تراه هو الغريب أكثر قربا وبنوة منهم جميعا. الشاب ~~المضطرب بين خجله منها ورغبته فيها، الخجل حتى من ذكورته، بل خجل أكثر ~~من أنوثتها. الشاب الذي وكأنما يريد اعتصار الأمومة فيها إلى حد ~~الأنثى، أو يريدها كأنثى إلى درجة اعتصار كل ما قد يكون فيها من أمومة ~~تخصه وحده دون سواه. ظمآن إلى المرأة من زمن، أما أو أنثى، لم يعد ~~يكفيه أن يطوقها أو يرقد ساكنا في حضنها، وإنما يقترب منها بكل ما ~~يستطيعه من اندفاع كي ينتمي إليها كما يذوب فيها ويتلاشى، وكأنه الكوكب ~~يعود بعد طول دوران إلى أمه النجم. # ولكنها رغم هذا كله كان هناك في داخلها شيء لم يكف عن الصراخ أبدا، ~~أو إشعارها بوجوده، شيء يقول بأعلى صوت ومذ كانا على عتبة السيدة: لا، ~~لا، لا. شيء قد يضعف أو يخفق، ولكنه أبدا لم يمنح ولم يكف ولم يتوقف ~~للحظة، بل ظل يستجمع نفسه بكل قواه إلى أن انتفضت مرعوبة ملتاعة دافعة ~~إياه، وبكل ما تملك من قوة وعنف بعيدا عنها. دفعة كالصخرة ارتطمت ~~برأسه فأفاق، وأحس أن كل ما راوده أحلام، وأنه لا يزال ذلك اليتيم ~~المنبوذ. # وحينذاك، وحينذاك فقط ورغما عنه بدأت الدموع تتجمع في مأقيه وتطفر، ~~بينما عيناه تنظران إلى أمام، تلك النظرة الملتاعة المفجوعة المتأكدة ~~أنها وبلا أمل، قد فقدت حقيقة الأم. # نظرة اليتيم حين يرمق طوابير الرجال والنساء مقبلة تعانق أطفالها ~~ويتقافز حولها الأطفال، وهو الوحيد الذي ليس له بينهم أم، بل وأب ~~أيضا. # تلك النظرة الغارقة في الدموع التي لمحتها بربع عينها، وأحست بعدها ~~أنها انتهت تماما، وأن على أي شيء أن يحدث، ولكنها أبدا لن تجعله ~~يشعر بيتمه الثاني. # نظرة الأم لابنها في لحظة خطر يهدد أمومتها له أو بنوته. # وكان هذا الاندفاع والاحتضان والقبلات تغسل بها دموعه وتهدهد بها فوق ~~ملامحه الكسيرة. ~~- أمال بتزقيني ليه؟ ~~- مش ح ازقك. # لم يكن ردا، كان قرارا وإلى جهنم مباشرة ms116 فلتذهب. ~~- تعال، تعالالي. # وجاء ولم تحتوه أو يحتوها، إنما فقط ذابت المسافة التي استمرت طويلا ~~بينهما، وذاب الزمن. # وبين القطبين الأعظمين تمت شرارة الالتحام الصاعقة. # صاعقة تزلزل لها بلاط الحجرة المربع، واصطكت نوافذها ولو استمرت أكثر ~~لتهدم البيت كله. # المربع الرابع # وحين عادت إلى شقتها الكبيرة وجدتها صغيرة، وفي المرآة طالعها تعبير ~~لم تره في وجهها منذ ثلاثين عاما. # وحين جاء يوم الجمعة فوجئ أولادها جميعا بالشيخة التي أرادوها، وقد ~~تفجرت فيها دفقة حياة جعلتها تبدو أكثرهم حركة ونشاطا وطاقة على خلق ~~المرح، وكأنها عادت شابة. ~~- مش قلت لك؟ آدي بركات الست ظهرت! # والأعجب أنها كانت أول من استأذن، والحجة جاهزة، فالسيدة لا تستطيع ~~الانتظار. # وأشياء كثيرة كانت تختل في الكون وفي الدنيا وفي نظام البشر، ولكن لم ~~يحدث أبدا أن اختلت مواعيد زيارتها للسيدة، بعد أن تشبع بطونهم من ~~الطعام وتغذيهم بحنان غريب وكأنه اندفاعة البترول في بئر مهجورة ~~وترعاهم، وتغمرهم بأمومة أصبحت ربما أكثر من طاقتهم على الأخذ، تستأذن ~~وتزور السيدة. # وفي كل مرة وبرهبة ترمق الضريح مبتعدة وتتمتم: دستورك يا سيدة. ~~وكأنما أيضا توقف بها الزمن وفعل الزمن عند ذلك اليوم، ولم يتحرك إلا ~~في يوم كانت على الدوام تحسب حسابه وتتوقع مجيئه، ولكن في الحق فاجأها ~~حين جاء، وظلت في مكانها مشدوهة لا تريد أن تصدق أن اليد لم تعد هناك، ~~وأنها لن تقودها هذه المرة إلى حجرة المربعات في الحنفي. # ثم حين تمضي الساعات ولا يجيء تبدأ تقدم رجلا وتؤخر رجلا إلى ~~الدكان القائم غير بعيد عن الجامع والضريح. # ولكنها قبل أن تصله تتوقف. # كان هناك وقد أصبح صاحب الدكان بعدما مات الأب. # ولكنه لم يكن وحده. # أمام الدكان كانت فتاة في الثامنة عشرة ربما، أو أقل؛ فقد كانت لا ~~تزال محتارة كيف تلف الملاءة بإتقان حول جسدها. # وكان يساومها على تصليح البوتاجاز. # مساومة ذات معان، تبدأ من «الفونية» إلى المفتاح، والفرن ونار ~~الفرن. # والفتاة تضحك، وهو يبتسم. # وفجأة نظرت إليه من جديد. # نظرة، وكأنها ms117 ثاني مرة تراه فيها بعد المرة الأولى، المرة ~~الأولى. # كان إنسانا آخر تماما، كانت قد أصبحت له ذقن غزيرة غير حليقة ~~نابتة وسوداء كثة، وكان صوته قد غلظ وضحكته قد أصبحت رجالية خشنة، صوت ~~له إرادة، ونظراته لم تعد تستقبل العالم وتدهش له، أصبحت فقط تراه لتحدد ~~مسارها فيه لا غير. # لقد أصبح رجلا كبيرا، هذا واضح. # أصبح واحدا من قافلة الرجال، والأمهات على الرجال عبء. # وقبل أن تئن أو تدور بها الدنيا. # أحست أنها لا تريد الأنين، وأن باستطاعتها أن توقف الدوار؛ فهي ليست ~~عاتبة أو حزينة أو مندهشة، أو حتى حاقدة على الفتاة أو عليه. أدركت - ~~من خلال إحساس غير واضح وبلا ضغينة - أنها هي الأخرى لم يعد لديها ما ~~تعطيه أو تمنحه، لا فائض أمومة ولا فائض عواطف، والبركان الأخضر الريان ~~لم تعد به قطرة واحدة. # وفي مرآة حقيبتها رأت البياض في شعرها واضحا تماما رغم الصبغة، ~~والتجاعيد كثيرة حول جفونها ورقبتها. # وتحركت. # مبتعدة. # ومقتربة من المسجد. # واستأذنت في سرها، وكأن جاءها الإذن؛ ففي خشوع وتسليم ورغبة دخلت، ~~وإلى المقام اتجهت. # ووقفت طويلا لا تعرف ماذا تقول أو تفعل. # ثم، وكأنما بالوحي أو السليقة اقتربت من السور النحاسي المقام حول ~~الضريح، وأمسكت مع الممسكين والممسكات بحلقة من حلقات النحاس الناعم ~~الذي أثخنته كثرة الاستعمار، أمسكت بالحلقة، وضغطت عليها، وتشبثت ~~تماما بها وكأنما الأرض تحتها، تنفتح لتبتلعها. # لا أحد يحتاج إليها الآن. # ولم تعد هي بحاجة إلى أحد. # إنها الوحدة الحقيقية كما لم تتصور وقوعها يوما. # ها هي مثل بوادر الشتاء وبلا ضجيج، قد جاءت. # وحدة حقيقية لا مهرب منها، الوحدة الفاصلة بين الابن وبينه هو نفسه ~~حين يصبح أبا، وبينها وقد نفدت أمومتها أو ما تبقى منها وبين عودتها ~~من جديد لتصبح هي نفسها ابنة، ابنة لأم لا وجود لها، وربما لهذا سموها ~~أم العواجز؛ فالإنسان لا يستطيع البقاء إنسانا إلا ابنا كان أو ~~أبا، فإذا انتهت رجولته وأبوته عاد ابنا، وإذا انتهت أمومتها عادت ~~ابنة، قاعدة ms118 ليس لها شواذ، ولكنها الآن في لحظة واحدة فاصلة، كوحدة ~~السيدة زينب نفسها وقد تجمع حولها وأمسك بحلقات ضريحها أناس كثيرون، ~~رجال ونساء، وكلهم وكلهن وحيدون ووحيدات مثلها. كلهم وكلهن قد أصبح ~~أملهم أن يعودوا أبناء وبنات، وحبذا لأم العواجز، الوحيدة في قبرها ~~رغم ما حوله من ازدحام! يحاول كل متزاحم أن يتشبث إلى درجة البكاء ~~والعويل بحلقة من حلقات الضريح، وكأنما ليلغي ما بينه وبين صاحبة ~~الضريح من مسافة، وينجح في النهاية أن يخرج من وحدته ويحس بها أمه، ولو ~~كانت أم الجميع، فهي أيضا رغم كل شيء وحيدة. # وحيدة في قبرها. # وحولها يتشبث الوحيدون والوحيدات. # والفاتحة لها ولهم. ~~(تمت) ms119