######OpenITI# #META# URI: 1413MuhammadHasanZayyat.MaBacdAyyam.Hindawi90797364 #META# Tags: biographies #META# ID: 90797364 #META# Title: ما بعد الأيام #META# AuthorID: 40971414 #META# Author: محمد حسن الزيات #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تقديم‏ # أستاذ التاريخ القديم‏ # حديث الأحد ... وحديث الأربعاء‏ # أستاذ الأدب العربي‏ # العميد‏ # حديث المساء‏ # الأستاذ والعميد من جديد‏ # أحاديث الحرب‏ # المراقب والمستشار‏ # جامعة الإسكندرية‏ # الكاتب المصري‏ # الوزير‏ # الثورة‏ # الجمهورية‏ # في اللجنة الثقافية بجامعة الدول العربية‏ # في مدينة الرسول‏ # رامتان!‏ # قبيل الغروب‏ # النفس المطمئنة‏ # ختام‏ # طه حسين‏ # تقديم‏ # أستاذ التاريخ القديم‏ # حديث الأحد ... وحديث الأربعاء‏ # أستاذ الأدب العربي‏ # العميد‏ # حديث المساء‏ # الأستاذ والعميد من جديد‏ # أحاديث الحرب‏ # المراقب والمستشار‏ # جامعة الإسكندرية‏ # الكاتب المصري‏ # الوزير‏ # الثورة‏ # الجمهورية‏ # في اللجنة الثقافية بجامعة الدول العربية‏ # في مدينة الرسول‏ # رامتان!‏ # قبيل الغروب‏ # النفس المطمئنة‏ # ختام‏ # طه حسين‏ # | ما بعد الأيام # | ما بعد الأيام # تأليف # محمد حسن الزيات # | تقديم # رأيت طه حسين لأول مرة في صيف 1934، ورأيته لآخر مرة في خريف 1973، وبين هاتين المرتين ~~تسعة وثلاثون عاما، راقبت فيها كفاحه الطويل الذي حاولت أن أسجل صورا منه في هذه ~~الفصول. # لجأت إليه في عام 1934 وأنا على عتبة الحياة الجامعية، أعاني ما يعانيه الشباب في تلك ~~السن من حيرة وقلق. # ورأيته آخر مرة في خريف 1973 وأنا وزير لخارجية مصر، أعاني ما كانت شعوب العرب تعانيه من ~~الأسى والضيق والغضب الشديد. # في المرة الأولى تركت طه حسين وقد ألقى في نفسي السكينة، وملأ قلبي بالأمل والطموح، وأنار ~~لي طريق المستقبل بحديثه عما يجدر بالشباب أن يتطلع إليه من غايات تتجاوز مطامع الناس عادة ~~في اتساع الرزق وارتفاع الجاه. # وشهدته في المرة الأخيرة راسخ العقيدة في أن النصر مكتوب لمن آمن بحقه وبنفسه وجاهد جهاد ~~الصادقين المخلصين ليخلص أمته مما أخضعت له من القيود، وليستخلص لها حقها من ~~غاصبيه. # تركته في مقابلتي الأولى له خلف مكتبة في «جريدة الوادي» يجلس مهيبا مرتفع الرأس، لضحكته ~~العريضة في الغرفة رنين وصدى، وإني لأعلم الآن أن الذي ألقى في نفسي السكينة وملأ قلبي ~~بالأمل وأنار لي طريق المستقبل، كان في ذلك الوقت نفسه «يستقبل الحزن مع ضوء الشمس ويعاشره ~~طوال النهار، ثم يستقبل الهم مع ظلمة الليل ويقضي معه ساعة ms001 الأحلام، يضطرب بين بيت حزين ~~وبين دار للعمل - هي دار جريدة الوادي - يريد اليأس أن يتخذها مسكنا ومستقرا، لا يعرف كيف ~~المخرج ويكاد يستسلم لكيد الكائدين ومكر الماكرين.» # 1 # وعندما تركته آخر مرة في غرفة نومه في خريف سنة 1973 كان المرض قد ألح على جسمه فأضعفه ~~وأضناه، ولكنه كان مشغول الضمير بأزمة بلاده، مهموما بهموم شعبه، قوي الثقة والإيمان بأن ~~العدوان لا بد مهزوم. # تسعة وثلاثون عاما عرفت فيها طه حسين، رأيته يناضل طوالها لغايتين، لا يرضى حتى يصل ~~إليهما ويصل إليهما معه كل الناس؛ الغاية الأولى هي الحرية، وهي عنده أساس الكرامة ~~والمسئولية للأمة والفرد، والغاية الثانية هي العلم، وهو عنده أساس النهضة في ميدان الثقافة ~~وميدان السياسة وميدان الاجتماع وميدان الاقتصاد. # في غرفة نومه، في صيف 73، كان يسألني عن عدد متخرجي الجامعات الذين انضموا إلى زملائهم ~~المجندين في جيش مصر، لأنه - فيما يظهر - كان يرى أن العلم هو أساس النهضة العسكرية ~~أيضا. # ولم تفارق جسده الروح، كما قال توفيق الحكيم، حتى فارق اليأس روح مصر، حتى اقتحم شبابنا ~~ما أقيم في وجه بلادهم من عقبات. # اختار الله طه حسين إلى جواره في الثامن والعشرين من أكتوبر 1973 ولنا في ذلك الوقت شباب ~~محارب في الصحراء، سمعوا نعيه وهم لا يزالون يرابطون في خنادق سيناء، فكتب واحد منهم وهو ~~المقاتل «عبد الصبور منير» أبياتا «إلى طه حسين من سيناء»، يقول فيها: # بين يدي والصدر # تقول قطعة السلاح # إن الذي علمها الكفاح # يستشهد اليوم هناك # وهكذا يرى المقاتل عبد الصبور منير أن العالم الضرير الذي كان قد لزم بيته قبل حرب ~~أكتوبر بسنوات، هو الذي علم الكفاح لقطعة السلاح، كما يرى أنه هو الذي كان جديرا أن ~~يبارك ما قامت به أيدي المحاربين من حمل للسلاح، وما كانت تضمره قلوبهم من العمل بعد النصر ~~لإعادة بناء البلاد. # يقول عبد الصبور منير: «إن كل شيء في سماء الوطن الجميل، محمل بما منح طه حسين الجيل، من ~~الأصالة والعزة والفكر.» وإذا ms002 كان طه حسين قد أعطى لبلده هذا العطاء، فإن قصة حياته نفسها ~~كانت أيضا من أجمل ما خلف لهذا الجيل من أجيال العرب ولمن يليه من الأجيال، لما فيها من ~~مثل عليا تحتذى في تحدي أصعب العقبات وتحقيق أبعد الأهداف. # وقد عرض التليفزيون المصري جانبا من قصة حياة طه حسين كما رواها هو في كتاب «الأيام»، لم ~~يكد عرضها ينتهي حتى انهالت الرسائل من أرجاء الوطن العربي تطلب أن يعرض التليفزيون بقية ~~قصة حياة طه حسين، فطلب التليفزيون مني أن أعد فصولا يمكن له على أساسها إخراج السلسلة ~~الجديدة المطلوبة، فكتبت هذه الصفحات التي قرأها الأستاذ رئيس مجلس إدارة دار الهلال فأراد ~~أن ينشرها كما هي في مجلة «المصور»، وهو يعيد نشرها الآن في هذا الكتاب دون إعادة ~~صياغتها، وهي محتاجة إلى إعادة الصياغة في بعض المواضع، ودون الإضافة إليها، وهي محتاجة إلى ~~هذه الإضافة في كثير من الأحيان. # وأنا أرجو أن تكون المواقف التي تخيلتها والأحاديث التي أدرتها بين العميد وبين أفراد ~~أسرته، وبينه وبين زملائه ومعاصريه، قد حققت - إلى جانب ما نقلته مما كتب العميد إلى ~~أصدقائه من الرسائل، وما رفعه إلى المسئولين من المذكرات - بعض ما يستهدفه هذا الكتاب من ~~تصور لحياة العميد وحياة مصر الثقافية في الخمسين عاما التالية للسنوات التي سجل أحداثها ~~العميد الفقيد في الأجزاء الثلاثة من كتاب «الأيام». # وقد اطلع على هذه الفصول أساتذة أصدقاء نظروا فيها وأبدوا عليها من الملاحظات ما انتفعت ~~به، فأنا أهديهم هنا أحسن الشكر وأصدقه دون أن يحملهم ذلك شيئا من التبعة عما في هذه ~~الصفحات من تقصير وقصور ... أذكر منهم السادة الوزير أحمد نجيب هاشم والأستاذة الدكتورة سهير ~~القلماوي والأستاذ مصطفى أمين والأستاذ محمد فتحي والأستاذ يحيي العلمي، وأخيرا وليس آخرا ~~كما يقال الأستاذ مكرم محمد أحمد الذي أخصه بالشكر لأنه - وقد رأى التعجيل بنشر هذه الفصول ~~كما هي - قد دفعني إلى العمل لإعداد دراسة شاملة لحياة طه حسين وعمله، أرجو أن يتفضل ~~بالمساعدة على إعدادها كل ms003 أصدقاء طه حسين من زملاء وتلاميذ وقراء. # ويهمني أخيرا أن أذكر أن أسرة العميد قد اطلعت على هذه الصفحات وهي تأمل - وأنا أشاركها ~~هذا الأمل - أن تجلو هذه الصفحات للمشاهدين وللقراء صورة أمينة للرجل الذي لم يزل يتعرض حتى ~~اليوم للإساءة الظالمة والذي تكن له الملايين من قومه العرب، في نفس الوقت، أصدق مشاعر ~~الحب والإجلال والعرفان بالجميل. # م. ح. ز # | أستاذ التاريخ القديم # أخذت معالم الإسكندرية تتضح مع ارتفاع شمس الصباح واقتراب الباخرة «لوتس» من الميناء، ~~ووقف الركاب يتطلعون إلى المدينة، ومن بينهم «الدكتور» طه حسين عائدا من البعثة في فرنسا، ~~وقد وقف بجوار زوجته التي كانت تحيطه بذراعها اليسرى وتحمل ابنتها الطفلة باليمنى، تمد ~~بصرها إلى الأرض التي ستصبح وطنها منذ اليوم؛ إلى أرض مصر التي لا تعرف عنها إلا ما قرأت في ~~كتب الجغرافيا والتاريخ من جهة، وما جعل زوجها يحدثها به من جهة أخرى، منذ عامين وشهرين، ~~منذ زواجهما في أغسطس عام 1917. # وتلتفت السيدة سوزان إلى الرجل الذي من أجله جاءت إلى هذه البلاد، فتراه غارقا في أفكاره ~~كما اعتادت أن تراه في كثير من الأحيان، إنها تدرك أنه يفكر في مصر التي يعود إليها بعد ~~غياب أربع سنوات، ويفكر في شعبها الذي ثار هذا العام يطالب بحريته واستقلاله، ولا شك أنه ~~يفكر أيضا في الجامعة التي يعود الآن ليقف من طلابه فيها موقف أساتذتها منه، عندما كان ~~يسعى إليها كل مساء من بيته المتواضع في «حوش عطا» في حي الأزهر عطشان إلى العلم لا يرتوي، ~~وهو أخيرا يفكر في تلك المدينة من مدن الصعيد التي يعمل فيها أبوه، يتخيل لقاء أبويه له ~~فيها بعد قليل، كما يتخيل لقاءهما لزوجته ولابنته لأول مرة. # كان طه حسين يفكر في ذلك كله فعلا، ويفكر أيضا في حياتهم التي ستبدأ حين يتركون الباخرة ~~إلى الشاطئ؛ في الطريق الذي سوف يسلكه هو ليحقق ما يملأ صدره من الآمال، وفي زوجته التي سوف ~~تبدأ في مصر حياة جديدة في بلد غريب ms004 عليها، وفي ابنته «أمينة» التي ستنطق في بلدها العزيز ~~بأول كلماتها، فقد أتمت الآن شهرها السادس عشر. # وتخرجه زوجته من أفكاره في رفق، لتصف له ما تراه، كما تفعل دائما، تصف له السماء والماء ~~وعمارة الأرض في الإسكندرية، وتذكر له أن الباخرة قد هدأت، وأخذ ركابها يستعدون ~~لمغادرتها. # وأخيرا تسأله في قلق لا تستطيع إخفاءه إن كان متأكدا من أنهم سيجدون من يستقبلهم في ~~الميناء، وهو يؤكد لها أنه قد كتب إلى محافظ المدينة بموعد وصولهم، ويكرر أن المحافظ، حسن ~~باشا عبد الرازق، هو من مواطنيه في مديرية المنيا، يعرفه ويعرف أهله، ولا شك أنه سيرسل إلى ~~الميناء من يستقبلهم. # وقد صعد حسن باشا عبد الرازق بنفسه إلى الباخرة ليلقاهم عليها، وأصر على أن يستضيف ~~الأستاذ العائد من فرنسا وأسرته الصغيرة في منزله الجميل في حي الرمل بالإسكندرية، وطه حسين ~~سعيد بهذه الحفاوة التي اطمأنت بها زوجته، غير أنه متلهف إلى معرفة أحوال البلاد، يقول إنه ~~قد تلقى هو وزملاؤه المصريون في باريس النبأ العظيم، نبأ ثورة مصر، «فإذا الوجود كله إشراق، ~~وإذا السكون حركة، وإذا الجمود نشاط، وإذا نحن سرور كلنا وابتهاج كلنا، يسعى بعضنا إلى بعض، ~~ماذا أقول؟ يسرع بعضنا إلى بعض ... وتجري على هذه الوجوه المشرقة دموع حارة، ولكن في ~~حرارتها برد الأمل والرجاء ... مصر ثائرة، مصر تقاوم الإنجليز، مصر تنهض في وجه المستعمر ... ~~رحم الله شهداء 1919! لقد صغرت حياتهم في نفوسهم لنكبر نحن في نفوسنا، لقد ماتوا فأحيانا ~~موتهم»، وهو الآن يصل الإسكندرية فخورا ببلاده، معتزا بشعبه الذي وقف صامدا، مستندا ~~إلى مساجده وكنائسه، من خلف زعيمه سعد زغلول، ولكنه قلق في نفس الوقت على مواطنيه؛ لأنه ~~يدرك أن سلاح الاحتلال الغاشم مسلط على شعب أعزل. # يسأل المحافظ في قلق عن الأحوال ... ويقول المحافظ إن أهم أخبار الإسكندرية الأخيرة هي أن ~~شابا قد ألقى في محطة الرمل قنبلة على سعيد باشا رئيس الوزراء في الشهر الماضي، وقد ~~انفجرت القنبلة ولكن رئيس الوزراء لم يصب بسوء، وطلب ms005 سعيد باشا إلى السلطات أن تعامل ~~الجاني بالرأفة لأنه يقدر كيف تغلي نفوس الشباب في هذه الأوقات. # أما أهم أخبار مصر فهي أن بريطانيا ما زالت مصممة على إرسال بعثة برئاسة وزير المستعمرات ~~«لورد ملنر» إلى مصر رغم اعتراض رئيس الوزراء سعيد باشا واستقالته. وبريطانيا تعلن أن مهمة ~~البعثة هي «بحث أسباب الاضطراب وعدم الاستقرار في مصر، واقتراح الأنظمة التي من شأنها أن ~~تهدئ الحالة فيها»، وذلك كله في ظل الحماية البريطانية التي فرضت على البلاد منذ نوفمبر ~~1914. # وطه حسين يقول إن بريطانيا تتجاهل أسباب السخط والثورة، وتدعي أنها تبحث عنها لتهدئ ~~الأحوال في ظل نظام الحماية، ونظام الحماية هو نفسه سبب السخط، ووجود بريطانيا في مصر هو ~~نفسه سبب الثورة واضطراب الأحوال. على أنه متأكد من أنه لن يحال بين مصر وبين أهدافها ~~الوطنية ما دام الشعب قد نهض كريما عنيدا يطالب بحريته وبحقوقه. ~~••• # ويسأل طه حسين عن حالة المواصلات وقطارات السكة الحديد، فهو يريد السفر إلى القاهرة، ومن ~~هناك إلى كوم امبو ليرى والديه الذين لم ينقطع عن التفكير فيهما طيلة السنوات الأربع ~~الماضية، والمحافظ يطمئنه، فقد استفسر وتأكد من سلامة المواصلات بين الإسكندرية والقاهرة، ~~وكذلك بين القاهرة وكوم امبو. # وفي محطة القاهرة يستقبل الأسرة الصغيرة العائدة بعض الأقارب والأصدقاء، منهم صديق قديم ~~عزيز هو الأستاذ محمد رمضان المحامي الذي اشترك مع طه حسين في ترجمة كتاب «الواجب» للكاتب ~~الفرنسي جول سيمون قبل سفره إلى البعثة عام 1914، ومنهم زميلا الأزهر القديمان محمود ~~الزناتي وأحمد حسن الزيات، ومنهم صديق آخر هو الأستاذ محمد المرصفي، الذي يسرع ويحمل ~~الطفلة الصغيرة «أمينة» عاليا فوق رءوس المسافرين والمودعين والمستقبلين ليخرج بها من ~~المحطة، وأمها من خلفه وخلفها قلقة، تريد أن تسرع لتلحق بابنتها، لكنها مضطرة إلى الإبطاء ~~لتسير مع زوجها ومع صحبه، وهم يشقون زحمة المسافرين والمستقبلين في محطة القاهرة. # وفي القطار إلى كوم امبو يتحدث طه حسين مع زوجته عن والديه اللذين يعود إليهما الآن وقد ~~بلغ الثلاثين، وله زوجة وبنت، ms006 ومعه درجة الدكتوراه وقد عين أستاذا في الجامعة الأهلية، ~~يقول لها إن والده كان يتمنى لو أصبح يوما شيخا في الأزهر الشريف له عمود يتجمع حوله ~~الدارسون، وكان ذلك أقصى ما يتمناه له. # وعندما يصل إلى كوم امبو، وتتلقاه الأسرة بالفرح والترحيب، يتركه أبوه مع أمه، ويترك ~~ابنته لجدتها، ويخرج هو مع زوجة ابنه ليريها معالم المدينة، وفيها آثار الانتعاش الاقتصادي ~~الناشئ عن قيام شركة السكر فيها، يسيران معا، هو بملابسه بالعمامة والجبة والقفطان، وهي ~~بملابسها الأوربية، يسألها - بالإشارة - عن رأيها فيما تراه، وعن طلباتها إن كانت لها ~~طلبات، وتشكره هي بالابتسامة سعيدة كل السعادة باستقبال أسرة زوجها لها. ~~••• # وتمر أيام الزيارة سريعة، سعيدة، على أنه لا بد من العودة إلى القاهرة فإن الجامعة ستفتح ~~أبوابها عن قريب، ولا بد من أن يبدأ طه حسين عمله فيها. # وفي السابع من ديسمبر عام 1919، في تمام الساعة السادسة مساء، يقبل أعضاء مجلس إدارة ~~الجامعة المصرية على قاعة المحاضرات فيها، يتقدمهم عبد الخالق باشا ثروت وكيل الجامعة، ~~وإسماعيل حسين باشا وكيل وزارة المعارف، ومرقص بك حنا المحامي، وعلي بك بهجت مدير الآثار ~~العربية، وشكري باشا وكيل وزارة الحقانية، وحسين سعيد باشا، ويجلسون في القاعة إلى جانب ~~الأستاذ الشاب طه حسين، ثم ينهض الأستاذ إسماعيل رأفت بك فيقدم الأستاذ الشاب إلى ثروت باشا ~~الذي يسير معه إلى منصة التدريس، ويقدمه للطلاب ولغيرهم ممن توافدوا على الجامعة ذلك المساء ~~يلخص لهم حياته العملية وجهاده فيها، ثم يقول: «هذا هو مختصر لحياة الطالب طه حسين، # 1 # تلك الحياة العملية التي كان فيها خير مثال للشبيبة المصرية، وأصدق دليل على ~~الذكاء المصري والنبوغ المصري، وأقطع برهان على ما يثمر الجد والثبات والعزم.» # ثم يختم حديثه بقوله: «أستاذنا الدكتور طه حسين يبدأ الآن حياة جديدة، يبدأ حياة الإفادة ~~بعد الاستفادة، وإني باسم الله وبالنيابة عن أعضاء مجلس الإدارة أفتتح الدرس الأول للأستاذ ~~الدكتور طه حسين.» ~~••• # ويحضر الطلبة درس التاريخ القديم متثاقلين، على أنهم بعد سماعهم الأستاذ الشاب قد ms007 جعلوا ~~يقبلون عليه وعلى مادته شيئا فشيئا، فقد تبين لهم أن دروسه لن تكون سردا لأسماء ~~الأباطرة وللمعارك التي خاضوها، بل ستكون دراسة للحضارة القديمة ونظمها السياسية ~~والاجتماعية وثمارها الثقافية ولتاريخ الفكر الإنساني وتطوره في الزمن القديم. # والأستاذ يشرك طلابه في البحث # 2 # ويطالبهم بأن تكون مشاركتهم إيجابية، يتحدث عن واحد من هؤلاء الطلبة اسمه عبد ~~الوهاب عزام، # 3 # طالب في مدرسة القضاء الشرعي، يعد نفسه ليكون قاضيا، يقبل على دروسه في تلك ~~المدرسة وجه النهار، ثم يسعى آخر النهار إلى الجامعة، يقول الأستاذ طه حسين: «عندما أريد أن ~~أدرب طلاب الجامعة على قراءة نص من النصوص التي تتصل بتاريخ الحضارة اليونانية أو الرومانية ~~أو بالأدبين اليوناني واللاتيني، فإنني أكلفه هو بالقراءة والتفسير وأقوم منه مقام الأستاذ ~~الذي يعلم تلاميذه كيف يفقهون»، ويضيف: «إن زملاء عزام يألفونه ويعجبون به، وأنا محب له ~~ومعجب به كزملائه.» # وهكذا كانت طريقة الأستاذ الشاب؛ يكلف تلاميذه قراءة بعض النصوص الأصلية المتصلة بدراسة ~~الحضارتين اليونانية والرومانية، ويكلفهم شرحها تحت إشرافه ومراجعته، كما يطلب إليهم قراءة ~~بعض النصوص في الأدب اليوناني والأدب اللاتيني، وهو حريص على ألا يقل مستوى التدريس في ~~جامعة مصر عن مستواه في أوروبا، فهو يطلب إلى طلابه دراسة كتاب من تأليف أرسطوطاليس اسمه ~~«نظام الأثينيين»، يقول لهم إنه قد عرف هذا الكتاب بطريق الصدفة في باريس، «أحالنا عليه أحد ~~أساتذتنا في السوربون، فلما رجعت إليه عرفت أنه استكشف في مصر في عام 1891، فنقله الإنجليز ~~إلى لندن، ونشرت صورته الفوتوغرافية ثم طبع في لندن وباريس وبرلين وغيرها من مدن أوروبا، ~~ثم نقل إلى الإنجليزية والفرنسية والإيطالية وغيرها من اللغات الحديثة، ثم نقد وفسر في ~~جميع اللغات، ثم درس في جامعات أوروبا، انتفع به مؤرخو الأوروبيين فأصلحوا ما كان في ~~تاريخ أثينا من خطأ وأكملوا ما كان فيه من نقص، ثم مضت على ذلك ثلاثون سنة والمصريون لا ~~يعلمون من أمره شيئا، وإذ كنت أدرس لكم تاريخ اليونان، وكنت قد أخذت نفسي بأن أفسر ms008 لكم ~~من حين إلى حين بعض الأصول التاريخية القديمة لتعتادوا قراءة كتب التاريخ والاستفادة منها؛ ~~فقد اخترت في هذه السنة هذا الكتاب.» # الأستاذ يريد من طلابه أن يتعودوا قراءة النصوص القديمة، ويريد أن يدربهم على نقد المراجع ~~الهامة، وعلى ألا يدعوهم قدمها أو كون مؤلفها عملاقا مثل أرسطو إلى التسليم بكل ما يجيء ~~فيها وتصديقه بغير تمحيص، فإنه حريص على أن يقف وأن يقف تلاميذه من كل ما يقرءون موقف ~~الدارس الناقد والمفكر الواعي. # ويقبل شهر ديسمبر 1919 فتصل لجنة اللورد ملنر إلى القاهرة، ولكن مصر كلها تقاطعها، فقد ~~اختارت الوفد ورئيسه «سعد باشا زغلول» وكيلا عنها للمطالبة بحريتها واستقلالها، وهي تريد ~~أن ترغم دولة الاحتلال على احترام هذه الوكالة والتعامل مع وكيلها وحده لتحقيق الهدف الذي ~~وكلته لتحقيقه، فلا تستطيع اللجنة الاتصال بأحد، وتحاول زيارة طنطا «موطن المظاهرات في ~~العام الماضي» فتقوم مظاهرات جديدة ضدها، ويعلن علماء الأزهر أنهم يطالبون مع الشعب كله ~~بالجلاء والاستقلال في نداء يوقعونه بأسمائهم ويوجهونه إلى دار المندوب السامي، ولأول مرة ~~في تاريخ مصر تخرج السيدات مؤيدات للحركة الوطنية في مظاهرة في القاهرة تتحدى ~~الرصاص. # ويتحدث طه حسين إلى أستاذه وصديقه القديم أحمد لطفي السيد عن سعادته بيقظة الشعب المصري ~~وتصميمه على أن يحصل على استقلاله، ولكن لطفي السيد يتساءل وماذا بعد الاستقلال؟ إنه يرى أن ~~على المواطنين أن يفكروا منذ الآن في طبيعة الحكم الوطني بعد الاستقلال. هذا الحكم في رأيه ~~لا يجوز أن يكون حكم الخديو المطلق؛ لأنه يرفض حكم الفرد الذي يلغي الحرية كل الرفض، ولا بد ~~أن يكون الحكم هو حكم الشعب لنفسه بنفسه، أي الحكم الديمقراطي. # وداخل الجامعة يدرس طه حسين نظم الديمقراطية الأثينية في كتاب أرسطوطاليس، وهو يدرك أنه ~~ليس بين الطلاب من يعرف لغة الكتاب وهي اليونانية، وإذن فلا بد من قراءة ترجمة فرنسية أو ~~إنجليزية للكتاب، ويسأل نفسه لماذا لا يترجم الكتاب إلى اللغة العربية كما ترجم إلى ~~اللغات الأوروبية الحية، ويتساءل: «لماذا لا أفسر للطلاب ms009 ترجمة الكتاب بالعربية؟ فإذا كان ~~الشقاء قد قضى علينا ألا نعنى باللغات القديمة ولا نحفل بدراستها، فإني أستطيع أن أترجم ~~هذا الكتاب إلى اللغة العربية، وأنا مدين لمصر بهذه الترجمة؛ لأني لم أتعلم لأنتفع وحدي بما ~~تعلمت، ولأن من الحق على كل مصري أن يبذل ما يملك من قوة لإصلاح ما أصاب مصر من ~~فساد.» # ويقول طه حسين إن الكتاب هام، لا لقيمته التاريخية فحسب، بل لقيمته المعاصرة أيضا، فإن ~~أرسطوطاليس «لم يكن يشخص عصره الذي عاش فيه فحسب، وإنما كان يشخص الرقي الإنساني بوجه ~~عام.» # وأرسطو يستعرض صور الحكومات ويختار منها حكومة وسطا، تمثل طبقات الشعب تمثيلا صحيحا ~~معقولا، ويرفض صور كل الحكومات الاستبدادية؛ استبداد الملوك، أو استبداد الأقليات، أو ~~استبداد العامة. # وإذن فإن هذا الدرس «الأكاديمي» الذي اختار الأستاذ الشاب طه حسين أن يلقيه على طلابه في ~~العام الجامعي 1919-1920 لم يكن منقطع الصلة بما يجري خارج الجامعة، بل كان شديد الاتصال ~~بما يشغل باله هو وبال غيره من المفكرين، أي بطبيعة حياة مصر السياسية بعد ~~الاستقلال. ~~••• # وتنتقل أسرة طه حسين من السكاكيني إلى «شقة» في شارع الحواياتي على ناصية شارع الخديو ~~إسماعيل، وقد وصلت سجادة عجمية من الوالد الذي كان قد أرسل أيضا حوالة بريدية اشترت السيدة ~~سوزان بقيمتها عربة للطفلة أمينة، ووصلت سجادة أخرى من الشيخ أحمد شقيق طه حسين الكبير، ~~وكان عبد المجيد الشقيق الذي يصغره بخمسة عشر عاما يساعد في إعداد «الشقة»، إنه يتابع ~~دراسته الثانوية ويريد أن يدخل بعد ذلك مدرسة الهندسة العليا، وهو الآن يداعب ابنة أخيه في ~~عربتها، وهي تضحك له سعيدة بمداعبته، ولكن عبد المجيد ينصرف عن هذه المداعبة بعد قليل ليحدث ~~شقيقه الكبير بما يحس به الشباب - حتى من كان منهم في مثل سنه الصغيرة - من غضب على ~~المحتلين ورغبة في العمل لإنهاء الاحتلال واستعداد للتضحية في سبيل تحرير البلاد. # طه حسين يقول لشقيقه إن زعماء البلد يبذلون جهودا جدية للوصول إلى هذا الهدف، وقد عاد ~~ملنر وبعثته إلى ms010 بريطانيا في مارس 1920 مقتنعين بضرورة التفاوض مع الوفد المصري وكيل الأمة، ~~ومن المنتظر أن تبدأ المباحثات قريبا بين الوفد المصري والإنجليز وهو يرجو لها النجاح. ثم ~~يذكر طه لأخيه أن نهاية العام المدرسي قد اقتربت، وقد يحسن بأخيه وبزملائه أن يهتموا الآن ~~بدروسهم وامتحاناتهم، ولكن عبد المجيد يحتج بأن الإنجليز لا ينوون الخير لمصر، فقد نقلت ~~الصحف أن ونستون تشرشل قد صرح أخيرا بأن مصر جزء من الإمبراطورية البريطانية، وبأنه ينوي ~~أن يزورها قريبا بهذه الصفة، وطه حسين يرد عليه بأن هذا الهراء يجب ألا يحمل أحدا على ~~اليأس، ويقول له إنه هو قد قال لسعد زغلول عندما قابله في باريس منذ عامين: «كيف نيأس وقد ~~أيقظتم الشعب فاستيقظ ودعوتموه فاستجاب؟» ويكرر أنه ما دام الشعب يقظا فإن مطالبه العادلة ~~ستتحقق دون شك. # لا يتذكر طه حسين زيارته هو لسعد زغلول في باريس فحسب، بل يتذكر أيضا زيارة أحمد لطفي ~~السيد له في «شقته» ذات الغرفة الواحدة في باريس، لقد حضر ومعه صديق عزيز عليه هو عبد ~~العزيز فهمي باشا، الذي حاول أن يحمل الطفلة أمينة بين يديه فصرخت في وجهه باكية، وصرخ هو ~~فيها ينهرها لبكائها قائلا لها: «اسكتي أيتها الأفريقية!» وتركها ليحدث أباها فيطيل الحديث ~~وتطول الزيارة ساعة يكتشف طه حسين أثناءها أن عبد العزيز فهمي ليس وطنيا عظيما ولا ~~قانونيا فقيها متميزا فحسب، بل إنه كذلك عالم شغوف باللغة العربية أسلوبه فيها جميل ~~ناصع قوي الأداء، وهو أيضا شاعر رصين مجيد مطيل. # 4 # عبد العزيز فهمي هو الذي ذهب مع سعد زغلول ومع علي شعراوي باشا فواجهوا ممثل بريطانيا في ~~مصر يوم 13 نوفمبر 1918، يطالبونه بالاستقلال بعد أن انتهت الحرب العالمية التي تحملت فيها ~~مصر ما تحملت، وهو الآن في باريس مع سعد مستمرين في الجهاد رغم كل العقبات التي تضعها ~~إنجلترا، وأوروبا معها للأسف، في طريق الحركة الوطنية المصرية. # طه حسين إذن يعرف سعدا ويعرف عبد العزيز فهمي عن قرب، وهو يعرف أيضا من زعماء ms011 الحركة ~~الوطنية عبد الخالق ثروت وكيل الجامعة، وآل عبد الرازق ومنهم حسن باشا محافظ الإسكندرية، ~~وعلي ومصطفى صديق أخيه الشيخ أحمد وصديقه منذ أيام الأزهر، وهو واثق أن هؤلاء الرجال الكرام ~~على أنفسهم وعلى شعبهم سيصلون باتحادهم وبصمود الشعب من خلفهم إلى تحقيق أهداف البلاد، وهو ~~يدعو الله أن يظل الشعب متحدا صامدا خلف زعمائه، ويدعو الله أن يستمر هؤلاء الزعماء في ~~جهادهم متحدين متآزرين. # ويحضر أخوه الشيخ أحمد لزيارته في شارع الحواياتي، ويدور الحديث عن دور الأزهر ودور ~~الجامعة وأساتذتهما في الحركة الوطنية. يقول طه حسين إن الفيلسوف الفرنسي «سان سيمون» الذي ~~درس مذهبه عندما كان يعد رسالته للدكتوراه في باريس، يرى أن أمور الحكم الذي يحقق العدل ~~ويكفل رقي الشعب يجب أن تصير إلى العلماء، ومع أن طه حسين يشك في أن العلماء يمكن أن يتولوا ~~أمور الحكم في مصر أو في غيرها من البلاد في هذا العصر الحديث، فإنه يقول إنه لمعرفته ~~بشخصيات كثير من الزعماء يخشى أن يختلفوا في المستقبل، ويرى أن العلماء المصريين هم الذين ~~ينبغي أن يقضوا بين الزعماء في مصر عندما يختلفون، ولذلك فإنه لا ينبغي لهم أن ينحازوا إلى ~~زعيم من الزعماء أو إلى حزب من الأحزاب. ~~••• # الأستاذ الشاب يدرس النظم السياسية القديمة لطلابه، وهو لا يكتفي بالتاريخ السياسي ~~والدستوري بل يهتم كذلك بالتاريخ الثقافي، # 5 # فهو يعرف طلابه بما أنتجه اليونان للمسرح من روائع، يعرفهم بمسرح سوفوكليس ~~وإيسكولوس، ويوضح لهم أن المسرح اليوناني لم يكن مسرح تسلية فارغة وإنما كان مسرح فكر، له ~~خطره الأدبي والاجتماعي والسياسي أيضا، ويتوقف بهم عند فقرة في قصة «أنتيجون» التي ألفها ~~سوفوكليس، يتحدث فيها عن طبيعة الإنسان، ويترجم لهم منها هذه الأبيات: # لقد ملئ العالم بالمعجزات # ولكن لا أشد إعجازا من الإنسان # هو الذي يستعين بالهواء العاصف على أن يطير ... بعد أن اتخذ للسفن أجنحة # فيعبر البحر المتلاطم وهو يبيض من حوله # هو الذي يستخدم الخيل والمحراث ليمزق في كل سنة جوف الأرض # هو الإنسان ms012 # يوقع في ثنايا شباكه أنواع الطير الهوج، وأنواع الحيوان المفترس، وبنات ~~البحر # يذلل بمهارته أشد سكان الغابات وحشية # ويستخدم لسلطانه السوابق ذات الأعراف العراض ... تأبى على من يريد تذليلها # تعلم المنطق، وعرف مذاهب الريح، أدرك سلطان القوانين على المدن # عرف كيف يقي مساكنه سهام البرد والرطوبة # ستر كل شيء بتجربته، ووجد من الحيل ما يتقي به أحداث الزمان # واستكشف ما يحول بينه وبين أشد العلل قسوة وأعظمها فتكا # الموت وحده هو العلة التي لم يستطع أن يجد منها محيصا ... # والأستاذ يتوقف معهم - في نفس القصة - عند الأبيات التي ترد على لسان ~~«الملك كريون» # 6 # عن شخصية الحاكم، يقول: «ليس من سبيل إلى أن تعرف نفس الرجل وذكاءه وأخلاقه إذا ~~لم يجلس مجلس الحكم، ولم يوكل إليه تدبير الدولة وحماية قوانينها ... أما أنا فأعتقد أن ذلك ~~الرجل الذي يكلف الحكومة وحماية القوانين فلا يقف نفسه على النصح للدولة والتضحية بكل شيء ~~في سبيلها، بل يمنعه الخوف من ذلك، أعتقد أن هذا الرجل شرير ممقوت، ولا أستطيع إلا أن أزدري ~~ذلك الذي يؤثر منفعة الصديق على منفعة الوطن.» # كما يتوقف الأستاذ طه بتلاميذه عند الصفحات المثيرة التي يدور فيها الحوار بين الملك ~~كريون وولده هيمون، يقول فيها الفتى لوالده: إنه لا طاعة للحاكم إن هو حاد عن حكم العدل ~~والرحمة، ولا طاعة للأب على ولده «الذي يحبه بل يتفانى في حبه» إذا ترك الأب طريق العدل إلى ~~طريق الاستبداد. ~~••• # وفي أول سبتمبر 1920 يقول الشيخ مصطفى عبد الرازق - الذي أصبح أستاذا للفلسفة في الجامعة ~~- لطه حسين: إن الأخبار الواردة من لندن تفيد أن المباحثات قد انتهت إلى مذكرة بقواعد اتفاق ~~بين مصر وبريطانيا، وأن الوفد المصري رأى «أخذا بالأحوط واستمساكا بنص الوكالة على إطلاقه ~~ألا يبت في الموضوع برفضه أو بقبوله ... حتى يعرض الأمر على البلاد ...» ولذلك فإنهم قد بعثوا ~~أربعة منهم إلى مصر للتشاور، وطه حسين سعيد بهذا الخبر كل السعادة لما فيه من دلالة، أولا: ~~على أن الإنجليز قدموا عرضا ms013 يقبل المناقشة، وثانيا: لما فيه من دلالة على أن سعد باشا ~~والزعماء المصريين حريصون على مبدأ التشاور وعلى الرجوع دائما إلى الأمة. # وهناك خبر آخر مفرح، وهو أن طلعت حرب باشا شارع في إنشاء بنك لمصر، وهو حريص على أن يجمع ~~ثمن الأسهم كلها من المصريين من جميع الطبقات بمن في ذلك الأساتذة وطلاب الجامعة، بل إن بنك ~~مصر قد باع سهما لأخيه عبد المجيد، أي أن البنك يجمع قيمة الأسهم حتى من تلاميذ المدارس ~~لإشعارهم بأهمية إنشاء هذا البنك المصري بأيدي المصريين. طه حسين يقول إن الاستقلال، على ~~أهميته وخطره، هو عمل سلبي ينحسر به سلطان الأجنبي عنا، ولكن العمل الإيجابي هو الذي يبني ~~البلاد، إن البلاد إنما تبنى بالعلم والعمل في كل ميدان. # وخبر آخر يدل على امتداد اليقظة إلى كل أفراد شعب مصر: إن السيدة هدى شعراوي وعضوات ~~الاتحاد النسائي المصري الذي ترأسه غاضبات لأن الوفد المصري لم يطلب رأيهن في مشروع ~~المعاهدة المعروض من الإنجليز، وهن مع ذلك يدرسن المشروع ويبرزن فيه عيوبا يحددنها ~~ويقررن إعلانها. # 7 # وتطلب مجلة الهلال إلى طه حسين أن ينشر فيها فصولا عن «قادة الفكر»، فيوافق مسرورا لأنه ~~يريد دائما أن يشرك عامة القراء في دراساته وبحوثه كلما استطاع، وهو سيحدث قراء الهلال إذن ~~عن سقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس والإسكندر ويوليوس قيصر، ولكنه سيحدثهم أيضا عن الشاعر ~~هوميروس فإنه يرى للشعر أهمية كبرى، وهو يسأل: «هل كانت توجد الحضارة اليونانية لو لم توجد ~~البداوة اليونانية التي سيطر عليها شعر هوميروس وخلفائه؟ وهل كانت توجد الحضارة الإسلامية ~~التي ظهر فيها من ظهر من الخلفاء والعلماء وأفذاذ الرجال، لو لم توجد البداوة العربية التي ~~سيطر عليها هؤلاء الشعراء الذين نبخسهم أقدارهم ولا نعرف لهم حقهم؟» ~~••• # ويزور الشيخ مصطفى عبد الرازق طه حسين ويتحدثان عن الأخبار الواردة من لندن، لقد عرض ~~أعضاء الوفد التحفظات التي أبدتها البلاد على قواعد الاتفاق المطلوب، وأهم هذه التحفظات ~~ضرورة النص على إلغاء الحماية، ولكن إنجلترا لم تقبل ونتيجة لذلك ms014 قطع المصريون المفاوضات ~~وغادروا لندن إلى باريس. # في 26 فبراير 1921 تظهر بريطانيا الرغبة في حل المشكلة المصرية فترسل إلى السلطان فؤاد ~~دعوة ليرسل وفدا رسميا للتفاوض معها في شكل العلاقة «التي تحل محل الحماية البريطانية، ~~فإن هذه الحماية لم تعد نظاما مرضيا.» وعلى هذا الأساس قبلت مصر التفاوض، ولكن تأليف وفد ~~المفاوضة أصبح موضوع خلاف جعل يشتد اشتدادا خطيرا، إن رئيس الوزراء عدلي باشا يكن يرى أن ~~الطبيعي أن يرأس رئيس وزراء مصر وفد مصر الرسمي إلى إنجلترا، على أن يضم هذا الوفد الرسمي ~~ممثلين للوفد المصري الذي يرأسه سعد باشا زغلول، وسعد باشا زغلول يرى أنه هو الذي وكلته ~~الأمة ليعمل للحصول على استقلالها التام، فهو المطالب برئاسة أي وفد يفاوض الإنجليز لكي ~~يكون الاستقلال التام هو النهاية الوحيد المقبولة لهذا التفاوض. إنه يقول إن السلطان هو ~~الذي يعين رئيس وزراء مصر، ولكن السلطان لا يملك أن يأمر في هذا الشأن بغير ما يراه ~~الإنجليز، فكيف يرأس رئيس الوزراء المصري - وأمر تعيينه في مركزه هو إذن بيد الإنجليز - كيف ~~يرأس وفدا هدفه إخراج الإنجليز من البلاد؟ # ويصر عدلي باشا على السفر إلى لندن للتفاوض ومعه وفد رسمي، يصدر السلطان أمرا بتشكيله في ~~19 مايو 1921 لا يضم أحدا من أعضاء الوفد المصري. ~~••• # ويقبل خريف 1921، وقد أتمت السيدة سوزان شهور حملها الثاني وحضرت والدتها من باريس لتكون ~~إلى جوارها وقت الولادة، وفي الثامن من سبتمبر تحس بآلام الوضع فيحضر الطبيب إلى شارع ~~الحواياتي في أول الصباح. يطمئن الوالد والوالدة، ولكن الساعات تمر بطيئة ثقيلة ترهق الوالد ~~بالقلق والمخاوف، قلبه موزع بين صغيرته أمينة وهي جالسة بجواره وبين زوجته التي تعذبه ~~آلامها المتزايدة عذابا لا يعرف كيف يمنع أسبابه، حتى يخرج الطبيب بعد الظهر ضاحكا ~~مبتهجا، يبشر طه حسين بأنه أصبح والدا من جديد. # وعندما يمسك طه بيدي زوجته ويسمعها تهمس سعيدة «إنه ولد» يرد عليها: إذن هو «مؤنس». وتقرب ~~المولود منه وقد انتهى القلق والخوف، وهما ينتبهان إلى الصغيرة ms015 التي دخلت الغرفة تبتسم وهي ~~تحس بأبويها سعيدين، وتتطلع في شغف إلى رؤية المولود. # الوالد يحمل ولده في الشهر الثالث من عمره بين ذراعيه، يسير به ينشده قصائد من الشعر ~~العربي القديم، ولكنه مضطر إلى أن يعيده إلى والدته أسفا لأن الشيخ مصطفى عبد الرازق قد ~~حضر للزيارة. # إن الأخبار الواردة من لندن تفيد بأن وزير الخارجية اللورد كيرزون قدم لعدلي باشا مشروعا ~~لا يمكن قبوله، وإن عدلي باشا رفض المشروع فعلا، وإنه يعود الآن إلى مصر، وسيقدم استقالته ~~للسلطان بمجرد وصوله إليها. # وبريطانيا تقرر - بناء على نصح مندوبها السامي في مصر الفيلد مارشال لورد اللنبي - ~~استعمال أقصى الشدة مع أهل البلاد. يقوم المندوب السامي بإبلاغ السلطان أن مصر واقعة على خط ~~المواصلات الرئيسي بين بريطانيا وممتلكات جلالة الملك في الشرق، ولذلك فإن جميع الأراضي ~~المصرية ضرورية لهذه المواصلات! # ويرسل الإنجليز إلى سعد باشا زغلول وإلى أعضاء الوفد المصري أمرا كتابيا بعدم الاشتغال ~~بالسياسة بتاتا وبالذهاب إلى بلادهم والبقاء فيها تحت رقابة مدير كل مديرية. # ويرد سعد باشا في 21 ديسمبر 1921 قائلا: «سأبقى في مركزي مخلصا لواجبي، وللقوة أن تفعل ~~بنا ما تشاء أفرادا وجماعات.» ويرد بقية أعضاء الوفد برد مماثل. # وفي 23 ديسمبر 1921 تقبض قوة عسكرية بريطانية على سعد وزملائه فتح الله بركات ومصطفى ~~النحاس وسينوت حنا وعاطف بركات ومكرم عبيد، وتأخذهم، عن طريق السويس، بحرا إلى منفاهم في ~~جزيرة سيشل في المحيط الهندي. # وفي نفس اليوم يكتب عدلي باشا يكن للسلطان معلنا أن وزارته كانت قد استقالت بمجرد رجوعه ~~من لندن في شهر نوفمبر بعد فشل المفاوضات، وهو يرى من الضروري أن يعلن تلك الاستقالة لأنه ~~لا يريد أن يتحمل تبعة إجراءات لا علم له بها. # أقدام عساكر الاحتلال هي وحدها التي تسمع في ليل القاهرة. # الطفلان نائمان، والهدوء يسود «الشقة»، والوالدان يجلسان في جانب منها، تقرأ السيدة سوزان ~~بعض الصحف التي وردت من الخارج، ثم تقرأ بعد ذلك على الأستاذ صفحات من كتاب «المأدبة» ~~لأفلاطون، ms016 فهو مشغول بذلك الفيلسوف لأنه الآن موضوع محاضراته عن قادة الفكر. وتتوقف سوزان ~~عند هذه السطور: # عندما نتحاب نصلح ما أفسده عارض ما، ذلك العارض فصل نفسين عن بعضهما، كل منهما ~~تبحث عن الأخرى، عندما تلتقيان تتعارفان وتتآلفان، تعودان كلا واحدا، كائنا ~~واحدا وليس كائنين. # وتقول: «ما أقدم هذا الكلام وما أبقاه! هذا ما أحس به أفلاطون، أوليس هذا ما أحسسنا به ~~نحن أيضا؟ أليس هذا ما نحس به الآن؟» # ولكن طه مشغول العقل والقلب بما يجري في البلاد. # وهو في الجامعة ينتهي من الحديث عن قادة الفكر القديم، ويسأل طلابه: والآن ... أليس للفكر ~~قادة الآن؟ وفي أثناء المناقشة التي يثيرها هذا السؤال يلاحظ الأستاذ أن المطبعة والصحيفة، ~~يومية وأسبوعية، سياسية وأدبية، ووسائل الاتصال الجديدة السريعة: التلغراف، التليفون، وكذلك ~~هذه الأداة العجيبة الجديدة التي يسمونها الراديو، والتي سمع أنها استكشفت وأنها ستستعمل ~~فعلا في أمريكا منذ أوائل هذا العام، والقطارات، والطائرات، «فقد عرف قراء الصحف في ذلك ~~الوقت أن أول خط للطيران قد افتتح من نيويورك إلى واشنطن منذ ثلاثة أعوام.» كل ذلك يتيح ~~لكل صاحب فكر أن ينشر فكره بسهولة بين الناس حيثما كانوا، ونتيجة لذلك يتعدد القادرون على ~~الوصول بأفكارهم إلى الجماعات، فتتعدد قيادات الفكر ولا يعود من الممكن أن تصير قيادة الفكر ~~في عصرنا إلى شخصية واحدة. # ويقول طالب: إذا تساوى أصحاب الأفكار في الفرصة المتاحة لكل منهم لتوصيل أفكاره للجماهير، ~~فلا شك أن من كان منهم ممتازا نابغا يمكن أن تصبح له قيادة الفكر في موضوعه وفي إقليمه ~~على الأقل. # ولا ينكر طه حسين ظاهرة النبوغ ويقول لتلميذه إنه على حق. ~~••• # يسافر اللورد اللنبي إلى إنجلترا، يقال إنه مسافر ومعه مقترحاته في جيب واستقالته في جيب ~~آخر، على أنه يعود في فبراير 1922 ومعه تصريح تصدره بريطانيا من جانب واحد بإنهاء نظام ~~الحماية وبالاعتراف بمصر دولة مستقلة ذات سيادة، وبهذا التصريح - الذي سيعرف باسم تصريح 28 ~~فبراير - تصبح مصر قانونيا دولة حرة مستقلة، ويصبح سلطان مصر ms017 «أحمد فؤاد» ملكا عليها، ~~وتؤلف وزارة مصرية جديدة برياسة عبد الخالق ثروت باشا، الذي يتولى إلى جانب منصب وزير ~~الداخلية منصبا آخر هو وزير الخارجية، وهو المنصب الذي كانت بريطانيا قد ألغته عند إعلان ~~حمايتها على مصر عام 1914. وهكذا تستعيد مصر مظهر استقلالها الخارجي، ويكون لها أن تنشئ ~~المفوضيات والقنصليات في الخارج، هذه أهداف وطنية تتحقق. ولكن التصريح قد تضمن أيضا أربعة ~~تحفظات خطيرة خاصة بحماية المواصلات الإمبراطورية، وبالدفاع عن مصر، وبحماية الأجانب ~~والأقليات فيها، وبوضع السودان. # طه حسين يرى أن هذه التحفظات الأربعة توشك أن تجعل الاستقلال صوريا، ولكنه يرى أيضا أن ~~هذا التصريح يدخل مصر مرحلة جديدة يستطيع المصريون - إن هم عملوا بجد وتصميم أثناءها - أن ~~يحولوا هذا الاستقلال إلى حقيقة، وهم يستطيعون على كل حال، بتحملهم مسئوليات الحكم الوطني ~~وبإنشائهم للنظام الدستوري، أن يتخلصوا من حكم الفرد، أي حكم السراي، وأن يخطوا خطوات واسعة ~~وسريعة نحو الاستقلال التام. # ولكن سعد باشا زغلول يرى رأيا مخالفا وهو ينسف تصريح 28 فبراير نسفا، عندما يحكي قصة ~~الأعرابي الذي كانت له ناقة ثمينة عزيزة عليه مرضت مرض الموت، فنذر الأعرابي نذرا لئن شفيت ~~ليبيعنها بدرهم واحد، وشفيت الناقة فأسقط في يد الأعرابي، ثم اهتدى إلى حل بدا له؛ ربط ~~نعلا قديمة بعنق الناقة ثم دفعها والنعل في عنقها إلى السوق، وجعل ينادي عليها: «ناقة ~~بدرهم واحد ونعل بمئة دينار، ولا أبيعهما إلا معا.» فكان الناس يقولون: ما أحلاها لولا ~~الملعونة في عنقها! والملعونة في تصوير سعد هي التحفظات الأربعة التي ربطت في عنق تصريح 28 ~~فبراير. # ويتفاقم الخلاف بين السعديين والعدليين ويزداد الانقسام ويشتد، ويتطرف الشارع المصري في ~~الانحياز إلى زعيمه سعد زغلول وفي معاداة عدلي وثروت وزملائهما، وتخرج الجماهير إلى الشارع ~~لا تريد أن تسمع إلا رأيا واحدا، ولا أن تنقاد إلا إلى زعيم واحد، هتافها «لا زعيم إلا ~~سعد.» # ويخرج طه حسين عما كان يأخذ نفسه به ويرى أن يأخذ العلماء أنفسهم به من الابتعاد عن ~~الانحياز إلى ms018 الأحزاب، يكتب أن القول بأن لا زعيم إلا فلان ولا قول إلا قول فلان هو كلام ~~مرفوض، لأن فيه مصادرة لأصحاب الآراء الأخرى لا تجوز. # وطه حسين مدرك أنه - بهذا الموقف - قد أثار سخط الجماهير عليه وعاداها، وقد سبق له أن ~~أثار سخط السلطان واستجلب عداوته، ولكن طه حسين يكره الطغيان في كل صوره ولو كان طغيان ~~الشعوب. # في أول العام الجامعي الجديد «22-1923» يقبل طه حسين دعوة الجمعية الجغرافية الملكية ~~لإلقاء محاضرة بقاعتها عن المادة التي يدرسها في الجامعة وهي التاريخ اليوناني والروماني، ~~ولكنه لا يكاد يبدأ المحاضرة حتى يقاطعه أحد الحاضرين بسؤال عن فائدة هذا الموضوع ولماذا ~~نعنى نحن بتاريخ غيرنا بعد أن نلنا الاستقلال، لماذا لا نحصر اهتمامنا بتاريخ مصر وبتاريخ ~~العرب والمسلمين، ما لنا وللتاريخ القديم؟ # وطه حسين يبين أن العناية بمادة معينة لا تعني عدم العناية بسواها، ثم إن دراسة التاريخ ~~اليوناني والروماني نافعة في دراسة تاريخ مصر وتاريخ العرب أيضا، وهي كذلك دراسة لجزء من ~~تراث الإنسانية ونحن ورثة نشارك في هذا التراث فيجب أن نعرفه. # ويرضى المثقفون عن حديث طه حسين، ولكن هناك أيضا من يرضى عن مقاطعة من قاطع ويسخط على طه ~~حسين! ~~••• # يحاول الملك الضغط على رئيس الوزراء ثروت باشا ليعدل المواد الواردة في مشروع الدستور ~~التي تنص على أن الأمة مصدر السلطات، وعلى أن الوزارة مسئولة أمام البرلمان، ولكي ينص ~~الدستور المعدل على حقوق للملك، منها ولايته على التعليم الديني عن طريق وزارة الأوقاف، ~~وحقه في تعيين رئيس مجلس الشيوخ، وكذلك للنص على استثناء بعض المعاهدات التجارية من الخضوع ~~لسلطة البرلمان وغير ذلك من التعديلات. # والإنجليز يطالبون الوزارة بحذف المادتين الواردتين في مشروع الدستور بشأن تلقيب الملك ~~بملك مصر والسودان وبترتيب حكم خاص للسودان. # ولكن ثروت باشا يرفض طلبات الملك، ويحاول الملك توسيط عدلي باشا يكن لدى رئيس الوزراء، ~~فيعتذر عدلي باشا أيضا، فيرغم الملك رئيس وزرائه على الاستقالة، ويعين مكانه رئيس ديوانه ~~توفيق نسيم باشا، ويشاع أن نسيم باشا ms019 سينفذ طلبات الملك، فيغضب الزعماء ويغضب الشعب، ويكتب ~~الأستاذ عباس محمود العقاد مقالا يقول فيه: # الدستور كما كتب يعلن، وإن كانت به أخطاء فإن البرلمان يناقشها. # ويكتب عبد العزيز فهمي - أحد الأعضاء البارزين في لجنة الثلاثين التي أعدت الدستور - إلى ~~رئيس الوزراء يقول له: # رجل يجلك ويتفاءل خيرا بوزارتك، يرى واجبا عليه أن يوجه إليك هذا الخطاب بلاغا ~~وتبصيرا، لقد عنيت لجنة الدستور عناية تامة بالبحث في شأن السيادة على البلاد ~~فرأت أنها تمحصت للأمة، وأن كل سلطة قد أصبحت الأمة مصدرها، وأن سلطانها أضحى فوق ~~كل سلطان، فجعلت هذا المبدأ أساسا للدستور ودونته بالمادة 23 من مشروعها. ولكن ~~الناس يتناقلون أن دولة نسيم باشا، غفر الله ذنبه وستر عيبه، قد حذف هذه المادة من ~~مشروع الدستور فقلبه بهذا الحذف رأسا على عقب، وأصبح الدستور مجرد منحة، على ~~اعتبار أنه لا حق في الأصل للأمة ولا سلطان للأمة ولا سيادة للأمة. # ويقول له في خطاب آخر: # فرارا من وخز ضميري أسارع إلى تنبيهكم لشيء من التعديلات الأخرى التي تحاكى بها ~~الخاصة ويألمون لها ... وإنه ليخيل إلي أنكم عاكفون من حول هذا الدستور الأعزل ~~تصوبون إليه سهما بيد وتحبسونه باليد الأخرى، يدفعكم إلى الرمي حب المجاملة، ~~وتمنعكم منه الذمة ومراقبة الله والناس. # ويعلن الدستور في 19 إبريل سنة 1923 كما أعدته لجنة الثلاثين، إلا أن لقب ملك مصر ~~والسودان قد أهمل. # ويكتب طه حسين بتاريخ 25 إبريل 1923، منددا بهذا الإهمال وبهذه السهولة التي أظهرتها ~~الوزارة المصرية في النزول عن النص على هذا اللقب ولو إلى أجل، يقول: «نزلت الوزارة عنه لأن ~~ممثل إنجلترا قطب جبينه ولوى وجهه ... فسألت الله أن يمنح مصر ساسة يستطيعون أن يقاوموا ~~ساسة الإنجليز.» # وينتهي العام الجامعي، ويقبل الصيف، وطه حسين يذكر توصية الطبيب بسفر زوجته وابنه إلى ~~الخارج، وهو لم يستطع الاستجابة لهذه التوصية طيلة العام الجامعي، أما الآن فقد تجمع لديه ~~من ثمن كتبه مال يكفي لشراء بطاقات السفر لأسرته دون أن يسافر هو معها، ms020 فلا يتردد في تدبير ~~أمر سفر زوجته وولديها ولا يقبل مناقشة في ضرورة سفرهم وتركه هو في القاهرة. ~~••• # يودع طه حسين زوجته وولديه على الباخرة في الإسكندرية ويعود إلى القاهرة، يدخل «الشقة»، ~~يتلمس السرير الكبير ويقف عند سرير الطفلة أمينة ومهد الطفل مؤنس، وهناك وردة في إناء ~~للزهور وضعتها زوجته السيدة سوزان فيه، فهو يأخذها وينفض الماء عنها ويضعها داخل آخر كتاب ~~كانا يقرآنه معا. # وعندما يجيء الأستاذان مصطفى عبد الرازق ومحمود الزناتي لزيارته، يدور الحديث عن ~~الانتخابات وعن لطفي السيد «بك» الذي سيرشح نفسه فيها، ثم ينتقل الحديث إلى ما جاء الصديقان ~~من أجله، إنهما يريدان منه أن يسافر إلى الإسكندرية معهما فلا يبقى وحده في القاهرة. # وفي الإسكندرية يلتقي لطفي السيد «بك» بطه حسين ويقول له: سنحتفل قريبا بذكرى الإمام ~~محمد عبده فحضر نفسك ماليا وأدبيا، ويرد طه: ماليا نعم، كم يدفع الباشوات والمشايخ ~~الكبار؟ فيقول لطفي: خمسة جنيهات، فيلتزم طه بالنصف، أي بجنيهين ونصف جنيه، أما أدبيا ~~فإنه يعتذر، لأن حفلة التكريم يجب بطبيعتها أن تكون كلها إشادة بامتياز الشيخ، وطه حسين ~~يراه من أعظم المصلحين ومن أفذاذ المجددين، ولكنه لا يستطيع أن يتابعه فيما اتجه إليه من ~~محاولة تفسير القرآن الكريم بحيث يكون ملائما للعلم كما نعرفه في وقتنا الحاضر، لأن القرآن ~~ثابت والعلم متغير، والإيمان بالقرآن الثابت لا ينبغي أن يحتاج إلى محاولة الملاءمة بينه ~~وبين ما يعرفه الناس من العلوم في جيل ما، في بلد ما، قد ينقضه علم جيل آخر أو بلد ~~آخر. # ويلتقي طه حسين ومعه سكرتيره ألبير بصديقه محمود الزناتي في مقهى التريانون، ويقول ~~الزناتي: «إن البحر اليوم ناعم كالبساط.» ويقول السكرتير: «نعم، وأهل الإسكندرية الذين ~~يعرفون أحوال البحر وما يتعرض له من نوات، يقولون إن البحر سيكون غدا هادئا كذلك.» ويقول ~~الزناتي: «إن فندق سان استفانو قد حدد في البحر منطقة مأمونة، النزول فيها للاستحمام أمر لا ~~خوف منه، وفيه رياضة فلماذا لا ننزل غدا؟» ولا يرد طه حسين أولا ms021 ولكن الزناتي يقول له: ~~«أنت دائما تريد أن تعرف كل شيء.» ويسأل طه: «وماذا تلبسون عند النزول إلى البحر؟» ويصف له ~~الزناتي لباس البحر في تلك الأيام، ويقول السكرتير إنه من الميسور جدا تدبير اللباس ~~المطلوب. # وفي اليوم التالي ينزل طه حسين البحر عند سان استيفانو، وهو يفكر بعد أن يألف الماء ويمسك ~~بالحبل الممدود في أن هذا هو بحر الروم، مهد إحدى الحضارات العظمى للإنسان، وهذه هي ~~الإسكندرية إحدى عواصم الفكر الإنساني القديم، على هذا الشاطئ كانت تقوم مكتبة الإسكندرية ~~وجامعة الإسكندرية التي علمت بعض قادة الفكر القديم ... لماذا لا تعود للإسكندرية جامعتها ~~وتعود إليها مكتبتها؟ # ويستمر تفكيره: لقد عرفت مصر صروح العلم الشامخة؛ من جامعة الإسكندرية، إلى جامعة عمرو بن ~~العاص، إلى جامعة الأزهر، ثم تعرضت لاحتلال الأجانب فضاعت الحرية، وبضياع الحرية ضاع العلم، ~~واستشرت الأمراض، وافتقر الناس، الجهل علاجه العلم، المرض يحاربه التعليم، الفقر يطارده ~~التعليم، الحرية نفسها لن يطالب بها الناس ولن يحرصوا عليها إن حصلوا عليها ولن يقدروها حق ~~قدرها إلا بالتعليم. # لا بد إذن من التعليم، التعليم الجاد، وبهذا التعليم الجاد سنعرف أنفسنا، سنعرف أن أهلنا ~~قد حققوا من الامتياز في الماضي ما لم تحقق مثله الشعوب المعاصرة لهم، وسوف يتبدد الوهم ~~الذي يسيطر على بعضنا بأن شعوب أوروبا أرقى منا بالطبيعة، إنها إنما تجاوزتنا بالعلم، ونحن ~~بالعلم نستطيع أن ندركها بل أن نتجاوزها. # إنه يحس بمسئولية قادة الفكر، مسئولية الرائد أن يسير بأهله إلى ما فيه الخير والنفع ~~والعزة. # وتقبل موجة عالية تكاد تغرقه، فيمسك بالحبل ويخرج بمعاونة صاحبيه، يخرج ضاحكا يقول: ~~«الآن عرفت كيف يسبح الناس، وعرفت أيضا كيف يغرقون!» # ويجلس الثلاثة على شرفة الفندق، فيلاحظ الزناتي أن شهر يوليو مزدحم في الإسكندرية ~~كالعادة، ويذكر الزناتي أن شهر يوليو هو شهر الثورة الفرنسية، وأن الجبرتي قد وصف احتفال ~~نابليون الضخم بهذا العيد في الأزبكية، ويقول طه: «لماذا لا نحتفل نحن بأعيادنا؟» # ويسأل الزناتي: «مثل عيد رأس السنة الهجرية؟» # ويقول طه: «نعم، مثل ms022 عيد رأس السنة الهجرية.» # فيقول الزناتي: «هل تذكر قصيدتك في عيد رأس السنة الهجرية منذ نحو عشرين سنة، في احتفال ~~نادي المدارس العليا، قبل السفر إلى فرنسا، سنة 1914؟» ويتذكر طه حسين، ويقول: «نعم، في ~~مدرسة مصطفى كامل ... أجلسني الشيخ عبد العزيز جاويش - سامحه الله - على المنصة إلى جواره ~~فظننت هذا تلطفا منه، ولكنه فاجأني بإعلان اسمي على أنني بديل عن حافظ إبراهيم الذي كان قد ~~وظف في دار الكتب فلم يستطع المشاركة في الاحتفال، لقد أصبح موظفا محترما!» # ويقول الزناتي: «الشيخ جاويش أعلن ذلك لأنك كنت قد أنشدته قصيدتك.» # ويقول طه وهو يبتسم: «نعم، كان عمري عند ذلك الحين خمسة وعشرين عاما. ولقد نسيت الآن ذلك ~~الهراء الذي كنت أسميه شعرا، والذي أنشدته وأنا أرتعد ارتعادا.» # ويقول الزناتي: «ولكني لم أنس، أنت قلت مخاطبا هلال السنة الجديدة: # كن أنت، بعد أخيك، خير هلال # وأضئ لمصر سبيل الاستقلال» # ويرد طه حسين: «هل هذا شعر؟!» # ويرد الزناتي: «المهم أنك كنت تبحث عن طريق الاستقلال منذ عام 1914، قبل الثورة المصرية ~~بخمس سنوات.» # ويقول طه حسين: «هل تذكر يا زناتي من ألقى قصيدة أخرى في تلك الحفلة؟» ويرد الزناتي: ~~«نعم، الشاعر أحمد نسيم.» # ويقول طه: «نعم، ولكن المهم أكثر الشاعر خليل مطران، الشاعر المسيحي الذي أنشد في ذلك ~~العام قصيدة رائعة لمناسبة بدء العام الإسلامي، مشاركا الشباب الذي أراد أن يحتفل بأعياد ~~البلاد.» # ويقول الزناتي: «نعم، عندك حق في أن تذكر خليل مطران، شاعر القطرين كما نسميه الآن، وأن ~~تذكر هذا التضامن الرائع بين المسلمين والمسيحيين في مصر وهو أساس نهضتنا الحاضرة بغير شك، ~~ولكن هل تذكر ماذا قلت أنت مخاطبا أولئك الشباب؟ لقد قلت: # شبان مصر لكم أزف تحيتي # وإلى حميتكم أسوق مقالي # أحيوا العلوم ولا حياة لأمة # أمر النساء بها إلى الإهمال # كونوا لمصر كما تؤمل فيكم # ذخر الزمان وبهجة الآمال # وأنت ورأيك في قيمة الشعر، ولكن المعنى، الموضوعات، الاستقلال، المرأة والشباب، أنت كنت ~~تبحث عن الاستقلال عام 1914 وترى أن بناء ms023 الوطن بعد ذلك يحتاج إلى العناية بالشباب وبالمرأة ~~والاهتمام بالعلوم، قلت هذا في سنة 1914 وعمرك خمسة وعشرون عاما. # وهناك بيت آخر كنت نسيته ولكني أتذكره الآن، لقد قلت في تلك القصيدة: # منا بليتنا، وفينا برؤها # لولا اختلاف الرأي والأميال» # ويردد طه حسين في شيء من التهكم: «الأميال؟!» # ويقول الزناتي: «يا سيدي القافية أحوجت إليها، تقصد اختلاف الرأي واختلاف الميول، المهم ~~المعنى: منا نحن بليتنا وعندنا نحن الدواء! هذا كلام قلته أنت عام 1914، ألا ينطبق هذا ~~الكلام علينا الآن في عام 1923 في حالة التطاحن ومحنة التطرف والتعصب مثلا، نظرا لأن ~~وزارة ثروت هي التي كونت لجنة وضع الدستور الذي يتلهف الشعب كله على وضعه وتطبيقه، فإن ~~سعدا باشا سماها «لجنة الأشقياء» ... وأصبح هذا هو اسمها على لسان الشعب حتى اليوم؟» # ويقول طه حسين: «موضوع الدستور وحقوق الشعب يستحق كتابة مقال.» # ويقول الزناتي: «ليس هذا وقت كتابة، لقد فهمت أنك مرشح لوظيفة جديدة، وظيفة اسمها مدير ~~مكتب الترجمة والنشر العلمي، يقولون إنها ستنشأ في وزارة المعارف وإنك سوف تتولاها.» # ويقول طه حسين إن وزير المعارف ورئيس الوزراء قد كلماه في شيء مثل هذا، «ولكن موضوع ~~الساعة ليس هو الترجمة والنشر العلمي، وإنما هو تأكيد مسئولية الشعب عن إدارة شئونه بنفسه، ~~خاصة ونحن مقبلون على الانتخابات.» # ويعود إلى فندقه ويطلب إلى سكرتيره إعداد الورق والقلم، فيسأل السكرتير: «المقال؟» فيقول ~~طه: «نعم، ولكن أولا خطاب لفرنسا.» ويمليه الخطاب ليرسله إلى زوجته، يقول فيه: # دفعت جنيهين ونصفا في حفلة الشيخ محمد عبده، ودفعت طلبات الإخوان الذين يعتقدون ~~أنني غني، والحمد لله، وبقي معي ثلاثة جنيهات لأول الشهر، ولكني سأتدبر الأمر، ~~المهم كيف أحوال الطفل وأمينة وكيف حالك؟ # ثم يملي المقال عن حق الشعب ومسئوليته. # ويقرأ الزناتي المقال وهو جالس على قهوة التريانون فيقول: «إذن طارت وظيفة مدير الترجمة ~~والنشر العلمي.» # ويقرأ والد طه المقال في كوم امبو فيدخل بالصحيفة على زوجته «أم توفيق» ويقول لها: «هذا ~~طه يكتب أن الناس جميعا سواء أمام ms024 خالقهم وأمام وطنهم، وهم جميعا مسئولون عن مصيره ... هذا ~~كلام كبير يا أم توفيق.» وأم توفيق تدعو لطه بالخير وبأن يحفظه الله من كل سوء. ~~••• # وينتهي صيف 1923، وتعود الأسرة من باريس، والزوج والزوجة كلاهما يقدران أنهما قد ادخرا ~~شيئا من المال من إيراد كتب الأستاذ، فأما الزوج فقد رأى أن خير ما ينفق فيه هذا المال هو ~~شراء بيانو يفاجئ به زوجته عندما تعود من باريس، أما الزوجة فقد رأت أن خير ما ينفق فيه ~~هذا المال هو شراء ساعة ثمينة من فرنسا تفاجئ بها زوجها عندما تعود إلى مصر، والآن يفاجئ كل ~~منهما الآخر ... وإذن فالمال المدخر قد أنفق مرتين! فكيف الخروج من هذا المأزق؟ # يتذكر طه حسين أسطورة تونسية خلاصتها أن الفتى أحمد والفتاة جويدة، كانا يعيشان في مدينة ~~القيروان فالتقيا، فتحابا، فتعاهدا على الزواج، فغضبت قبيلتاهما وخلعتاهما، فهربا من ~~القيروان، وتزوجا وعاشا في ضيق وضنك؛ يسعى أحمد على جواد له ليكسب رزقه المحدود، وهو لا يجد ~~لديه مالا يشتري به سرجا للجواد، ثم ينقضي عام على زواجهما، وتريد جويدة أن تقدم لزوجها ~~هدية في عيد الزواج، فتقص شعرها الطويل الجميل، وتشتري بثمنه سرجا لجواد أحمد، ولكنه يعود ~~إليها في يوم عيد زواجهما راجلا بدون الجواد وفي يده مشط ذهبي اشتراه لزوجته لتزين به ~~شعرها الطويل الجميل، وهكذا تقدم جويدة إلى زوجها السرج وقد باع الجواد، ويقدم أحمد إلى ~~جويدة المشط الذهبي الذي طالما اشتهته، ولكنها قد قصت شعرها فما حاجتها إلى المشط ~~الآن؟ # ويتسامع الناس بقصة هديتي عيد الزواج، وتصل القصة إلى القبيلتين فترق القلوب للزوجين، ~~ويسعى إليهما الأهل، فيردونهما إلى القيروان يعيشان فيها حياة السعادة والرخاء. # وتقول سوزان: «أنا لا أعرف لي قبيلة في فرنسا، وأنت لا تنتظر أن تهرع إليك القبيلة من ~~المنيا.» وهي لذلك تسأل عن وظيفة مدير مكتب الترجمة والنشر العلمي، التي من شأنها أن تعين ~~على الحصول على بعض المال، ويقول لها طه: «على هذه الوظيفة السلام، لقد ضيعتها، مدركا لما ~~أفعل، ms025 بمقال ...» وتسأل سوزان: «والآن؟» ويقول طه: «الآن نستأنف الحياة معا، نستعد للعام ~~الجامعي الجديد، ونتحدث بعد العشاء.» # بعد العشاء يقول لها إن جريدة السياسة تعرض عليه الإشراف على صفحتها الأدبية وتحريرها، أي ~~تولي كل مسئوليتها وليس مجرد الكتابة فيها كما كان يفعل من قبل. # وتسأل زوجته: «ألن يشق عليك هذا العمل؟ إنك تبذل في الجامعة مجهودا ضخما.» فيقول طه: ~~«سأخصص الصباح لأعمال الجامعة، وأخصص وقتي بعد الظهر لأعمال الصحيفة.» # وتحاول زوجته أن تثنيه عن القبول فهي لا تريد أن يرهق نفسه، وهو يؤكد لها أن الكتابة لن ~~ترهقه، ويتقدم الليل وتنتهي المناقشة بقوله: «إن الليل يقبل بالمشورة.» # وكعادته يقوم بالتأكد من إغلاق النوافذ والأبواب قبل النوم. # في الصباح يقول طه حسين لزوجته وهما جالسان إلى مائدة الإفطار: «لقد أقبل الليل بالنصيحة، ~~إن أثر محاضراتي على الطلاب محدود بعددهم ... وطلاب الثقافة في مصر والعالم العربي لا يمكن أن ~~يختلفوا جميعا إلى الجامعة، ولا أن يحضروا جميعا محاضرات في الجمعية الجغرافية مثلا، إن ~~الصحيفة وسيلة العصر لنشر الثقافة وإتاحتها لطلابها أينما كانوا ومهما كان عددهم، أرجو أن ~~يوفقني الله في هذا العمل الجديد، إني أحس الحاجة إلى أن يصل صوتي إلى أبناء وطني. وأنا ~~أعدك ألا يطغى وقت الجامعة على وقت الصحيفة وألا يطغى وقت الصحيفة على وقت ~~الجامعة.» # وتجيب هي بأن المهم ألا يطغى الاثنان على الوقت الذي يقضيه مع أسرته، الوقت الذي تحس فيه ~~أن الجامعة والحياة العامة لم تأخذاه منها ومن ولديه تماما ولم تستبدا به غاية ~~الاستبداد. # | حديث الأحد ... وحديث الأربعاء # في دار صحيفة السياسة يتحدث الدكتور طه حسين مع صديقه الدكتور محمد حسين هيكل رئيس ~~التحرير عن خطته في تحرير الصفحة الأدبية، إنه سوف يستأنف فيها أحاديثه التي كان يمد ~~الصحيفة بها كل يوم أربعاء، سيحدث قراءه عن بعض شعراء العرب في القرنين الثاني والثالث ~~الهجريين وعن العصر الذي عاشوا فيه، وعن ثقافته كيف كانت وكيف تكونت، إنه يريد أن يصل قراء ~~العربية المعاصرين بتراثهم الضخم الذي ms026 يجب أن ينفض عنه التراب، وأن يحبب إليهم لغتهم ~~الجميلة التي أخذت بعض الأصوات تدعو إلى هجرها واستخدام العامية مكانها. وهو كذلك ينوي أن ~~يتحدث في صفحة «السياسة» الأدبية عن بعض روائع المسرح الفرنسي المعاصر كل يوم أحد إن أمكن. ~~إنه يريد أن يصل القراء من جهة بالتراث العربي الذي يحرص على جلائه وعلى صيانته، ومن جهة ~~أخرى بأدب الغرب المعاصر الذي لا يجوز جهله ولا تجاهله. # هيكل يوافق طه حسين ويتحمس له، وهما يتذكران كيف تعارفا، حين كانا ناشئين، في مكتب ~~الأستاذ لطفي السيد مدير «الجريدة»، كيف كانا يختلفان إليه في الضحى بين حين وحين فيراقبان ~~عمله في إدارة الجريدة وتحريرها، ويسمعان أحاديثه في السياسة والفلسفة والمنطق وفي الأدب ~~العربي أيضا. يقول طه: «كنت أنت طالبا في مدرسة الحقوق عند ذلك، وكنت أنا مجاورا في ~~الأزهر ثم طالبا في الجامعة المصرية، وسافرت أنت إلى فرنسا لإتمام دراسة الحقوق وتركتني في ~~مصر.» ويقول هيكل: «نعم، وعلينا نحن الآن إدارة صحيفة السياسة وتحريرها، ونرجو أن نكون قد ~~استفدنا من ترددنا على «الجريدة» ومن علم وتجربة أستاذنا لطفي السيد.» # ويقول هيكل إنه تلقى رسالة طريفة من طنطا، يقرأ نصها وهو: # سيدي الفاضل الدكتور حسين بك هيكل # أرسل إلى السياسة هذه الرسالة، عاتبت بها ظريفا من أدباء الشام، كنت كتبت إليه ~~فتفتر في رد كتابي؛ لأن جماله ظرف وظرفه جمال، وهما إذا اجتمعا كان لهما حكم خاص ~~في قانون الرسائل، وقد كتبتها من النمط الأول الذي هو فن من زينة البلاغة العربية ~~يشبه فنون الزخرفة والتنسيق، وهو حين يكون في مثل هذه الرسالة لا يكون أبدع منه شيء ~~من الأساليب الأخرى. فأرجوكم الحفاوة برسالتي هذه في «السياسة» الغراء والتمهيد لها ~~بما يبين عن سبب كتابتها، حفظكم الله للمخلص الأمين مصطفى الرافعي. # ويطلب طه إلى هيكل أن يقرأ عليه الكلمة المطلوب الحفاوة بها ونشرها، فيقرأ هيكل: ~~... فإن كان قلبك شيئا غير القلوب فها نحن شيء غير الناس، وإن كنت هندسة وحدها في ~~بناء الحب ms027 فما خلقت أيامنا في طولها وقصرها للقياس، وهب قلبك في هذه الهندسة ~~مربعا أفلا يسعنا ضلع من أضلاعه؟ أو مدورا أفلا يمسنا محيطه في انخفاضه ~~وارتفاعه؟ وهبه مثلثا فاجعلنا منه بقية في الزاوية، أو مستطيلا ... # ويقول طه ، بعد أن يستمع إلى الرسالة بكاملها: «سننشر هذه الرسالة، وسأعلق عليها تعليقا ~~قصيرا جدا.» ثم يملي التعليق وهو: # أما أنا فأعتذر للكاتب الأديب إذا أعلنت مضطرا أن هذا الأسلوب الذي ربما راق أهل ~~القرنين الخامس والسادس للهجرة، لا يستطيع أن يروقنا في هذا العصر الحديث الذي تغير ~~فيه الذوق الأدبي تغيرا كبيرا. # وتنشر «السياسة» كلمة الأستاذ الرافعي مع تعليق طه حسين، ويرسل الأستاذ الرافعي تعليقا ~~على التعليق، وتنشب معركة أدبية يتوالى الأخذ والرد فيها بين أنصار القديم وأنصار الجديد. ~~ويدخل المعركة كتاب ومفكرون آخرون، منهم الأستاذ سلامة موسى والأستاذ أحمد زكي أبو شادي ~~مؤيدين لطه حسين، ومنهم الأستاذ عباس محمود العقاد الذي كتب رسالة قال عنها طه حسين: «إن ~~فيها خيرا وشرا وفيها ثناء وذما.» ويكتب آخرون يدافعون عن الرافعي ويهاجمون طه ~~حسين. # ويقول طه لهيكل: «إننا إذا وافقنا أنصار القديم على الكتابة بلغة القرون الماضية المعقدة، ~~فإن الشباب سينصرف عن اللغة العربية الفصحى، سوف يجدها قديمة لا تلائمه ولا تؤدي ما يحس به، ~~إننا لا بد أن نلائم بين اللغة والحياة، لا بد ألا تتخلف اللغة العربية عن عصرها، وأن ~~تكون قادرة على التعبير عما يريده أهلها تعبيرا صادقا واضحا.» # ويتساءل: «ماذا يمكن أن ينكر علينا الأستاذ الرافعي وأصحابه؟ متى كان القصد إلى الصدق ~~وإلى حسن الملاءمة بين ما نجد وبين ما نصطنع في وصف ما نجد ذنبا يذكر أو شيئا ~~يعاب؟!» # ويقول: «إنهم يقولون إنهم مشفقون كل الإشفاق على القرآن الكريم وعلى الإسلام أن يصيبهما ~~من المذهب الجديد شر أو ينالهما منه ضيم ... ولكن المذهب الجديد لا يقتل اللغة ولا يغير من ~~أصولها وقواعدها، وإنما يريد أن تكون اللغة حية نامية، ومن ذكر الحياة والنمو فقد ذكر ~~التطور ...» # ويتناول طه حسين ms028 في «أحاديث الأربعاء» العصر الذي انحلت فيه الدولة الأموية وقامت فيه ~~الدولة العباسية، فيقرر أثناء بحثه أن «الشك والعبث والمجون كانت أظهر مميزات ذلك العصر.» ~~على أنه يعرف أن الناس عادة يكرهون الحديث عن القدماء بغير التبجيل والإكبار فيكتب: «ما كان ~~لي ولن يكون لأحد من الباحثين الذين يقدرون العلم وكرامته، أن نغير التاريخ أو أن نظهر ~~عصرا من عصور الأمة العربية على غير ما كان عليه.» # ويقول أيضا: «ونحن نعلم حق العلم أن ليس على عقول الناس ولا أخلاقهم خطر من مثل هذه ~~البحوث الأدبية، فالناس لم ينتظروا لهو أبي نواس وأصحابه ليعرفوا اللهو، والناس لم ينتظروا ~~هذه الفصول وأمثالها ليعرفوا العبث، ونحن لم نكتب هذه الفصول وأمثالها لنحبب العبث إلى ~~الناس ونرغبهم فيه، فإن في ظروف هذه الحياة التي نحياها مرغبات في اللهو ومحرضات على ~~العبث أقوى وأبلغ من لهو أبي نواس وعبث مطيع وحماد.» # ويلاحظ طه حسين فيما بعد أن أحاديث الأربعاء كان ~~لها - على كل حال - نتيجتان قيمتان: «الأولى أنها جلت ناحية من نواحي تاريخ الأدب العربي ~~لم تكن واضحة ولا بينة وليس هذا بالشيء القليل، والثانية أن فيها ضربا من مناهج البحث تمكن ~~من استغلال هذه الكنوز القيمة التي لا تزال مجهولة والتي نشأ من جهل الناس إياها غضبهم من ~~الأدب العربي وانصرافهم عنه في أنفة وازدراء»، وهو يؤكد: «إن الذين يزدرون الأدب العربي ~~ويغضبون منه يجهلون هذا الأدب جهلا منكرا»، ويقول: «نحن نحب لأدبنا القديم أن يظل قواما ~~للثقافة وغذاء للعقول لأنه أساس الثقافة العربية، فهو إذن مقوم لشخصيتنا محقق لقوميتنا، ~~عاصم لنا من الفناء في الأجنبي، معين لنا على أن نعرف أنفسنا.» # ويكتب إليه مهندس يعمل في بعض مدن الصعيد يقول إنه لم يعن من قبل بالأدب العربي قط ولم ~~يقرأ لغير المحدثين لا شعرا ولا نثرا، ولكنه منذ اطلع مصادفة على أحد أحاديث الأربعاء ~~قد جعل يترقبها ويحرص على الحصول على أعداد جريدة السياسة التي تنشرها، لا يستطيع أن يعود ~~إلى منزله ms029 إلا والجريدة معه، ولا يستطيع أن يأوي إلى فراشه إلا وقد قرأ حديث طه حسين عن ~~شعراء العرب الأقدمين ثم أعاد القراءة ثانية وربما أعادها ثالثة، يجد في هذا الحديث الجديد ~~وفي ذلك الشعر القديم ما يعجبه كل الإعجاب ويرضيه كل الرضا، ويعلمه ما لم يكن يعلم وهو أن ~~للعرب الأقدمين تراثا لا يجوز إهماله. ~~••• # وتنتقل أسرة طه حسين إلى ضاحية مصر الجديدة وتستقر أخيرا في منزل فيها بشارع المنيا له ~~حديقة مشمسة، فإن الطبيب قد نصح بالسكن في مكان مثل مصر الجديدة أو حلوان يتعرض فيه الصغير ~~«مؤنس» للشمس مراعاة لصحته. # وربة الدار تعنى بحديقة المنزل، وتعد فيها مكانا لجلوس زوجها للقراءة ولتحضير الدروس، ~~وتزرع أربع شجرات من أشجار البوانسيانس تحيط بالمكان الذي خصصته لجلوسه، وقد أخذت هذه ~~الأشجار تنمو قوية بفضل رعاية البستاني عم إسماعيل. # على مقربة من هذه الأشجار تلعب ابنته أمينة وابنه مؤنس، الذي قد تعلم المشي الآن، وفي ~~ظلها يجلس والدهما يستمع إلى سكرتيره توفيق يقرأ له حين يقبل لطفي السيد، الذي يسكن على ~~مقربة بمصر الجديدة أيضا، فينصرف السكرتير، وتقترب أمينة من الزائر لتحييه فتسمعه يقول ~~لوالدها: «فلنتناقش كما كان أرسطوطاليس يتناقش، سأسأل أنا وسوف تجيب ...» وبعد أن تستمع أمينة ~~إلى حديثهما برهة قصيرة تتركهما لتعاود اللعب. # وينصرف لطفي السيد بعد ساعة وتهرع أمينة إلى والدها تقول له: «نتكلم مثل طاليس، أنا أسأل ~~وأنت تجيب!» ويقول والدها مبتسما: «نعم؟!» وتسأل أمينة: «هل يجب أن نحب الأشياء الحلوة أم ~~لا؟» ويقول والدها: «يجب» ... فتسأل: «وهل الحلاوة الطحينية حلوة أم لا؟» ويجيب والدها: ~~«حلوة» ... وتسأل: «لماذا إذن تمنعني أمي وتمنع أخي من أكل الحلاوة الطحينية؟» فيبتسم ويقول ~~لها: «سأسألها، وسوف ترد علي بغير شك، وسوف أبلغك بالرد غدا، ولكن اذهبي الآن واتركيني ~~أستأنف القراءة، ولا تنسي أن تطلبي إلي غدا أن أقص عليك القصة التي أقرؤها الآن، قصة رجل ~~كان اسمه أوديب، عاش منذ زمن بعيد، في بلاد جميلة بعيدة.» # وتغفل أمينة عن أخيها، وهو يحاول ms030 الصعود على السلم ~~فيقع، يقع عند شجرة ورد، أبوه يلتفت، وأخته تسرع إليه، وينظر مؤنس إلى الورد ويقول: «ودة»، ~~هذه أول كلمة ينطق بها، وتساعده أخته وهي فرحة وتدخل به إلى المنزل، وعندما تغلق الباب ~~خلفها تتسرب منه موسيقى جميلة هادئة، وطه حسين يبتسم، يتذكر أيام طفولته، كيف كان يلعب ~~وحيدا بقطع الحديد يضرب بعضها ببعض في ركن من أركان منزل متواضع بريف الصعيد، لا يعرف ~~أشجار الورد، ولا أنغام الموسيقى ... ولا يتحدث الأطفال فيه عن طاليس ... ~~••• # عندما يحضر الدكتور محمد حسين هيكل للزيارة بعد يومين يجري الحديث بينه وبين رب البيت حول ~~المعركة التي اشتدت حدتها على صفحات جريدة السياسة وغيرها حول القديم والحديث في الأدب، وطه ~~حسين لا يرى بأسا من قيام هذه المعركة، بل لعل فيها خيرا، وهو يذكر صاحبه بالمعركة التي ~~دارت بينهما عام 1915 في مجلة السفور، عندما كتب طه حسين مقالا بعنوان: «الحرب والحضارة» ~~بتوقيع «تاسيت» # 1 # أيد فيه النظرية القائلة بأن الحروب هي التي دفعت الإنسانية إلى الأمام، ورد ~~عليه هيكل بمقال قال فيه: «إن الحرب طالما دمرت وخربت، وإن حماقة الإنسانية هي التي تدفعها ~~إلى الحروب.» # ويقول طه: «كان معنا في ذلك الوقت مصطفى عبد الرازق ~~ومنصور فهمي وعبد الحميد حمدي صاحب مجلة السفور، ولقد راقتنا جميعا فكرة اصطناع هذه ~~المعركة اصطناعا لأنها تدعو القراء لمتابعة ما نكتب، فالناس لا يحبون شيئا حبهم الخلاف ~~والجدل.» # ويعود طه حسين بالحديث إلى صفحة السياسة الأدبية وتحريرها، إنه يقرأ الآن مسرحية للكاتب ~~الفرنسي «موريس دونيه»، من أعضاء الأكاديمية الفرنسية، عنوانها «السيل»، ينوي أن ينشر في ~~السياسة فصلا عنها يوم الأحد القادم، ويقول طه لهيكل: «لقد قرأت أنت ولا شك أن لامرتين دعا ~~إليه يوما الكاتب الفرنسي المشهور فلوبير عندما نشر قصته «مدام بوفاري»، فلامه لأنه أبكاه ~~بتلك القصة، وأنا أيضا وددت لو صنعت بمؤلف قصة السيل ما صنع لامرتين مع فلوبير، أدعوه ~~لألومه لأنه أبكاني.» # ويسأل هيكل كيف سيكون تعليق طه عليها، يقول طه: ~~«سيكون ms031 تعليقي هو: إننا ضعاف نكره العلم ونخشاه لأننا أضعف من أن نتحمله، ونؤثر الظلمة ~~ونهواها لأن أبصارنا أضعف من أن تثبت للضوء، ونحب أن نظل مخدوعين فلولا الجهل والانخداع ما ~~عمل الناس ولا أملوا ولا أحبوا، وأي شيء هي الحياة وما فيها من عظيم لولا العمل والأمل ~~والحب؟» ~~••• # ويسعى طه حسين إلى الجامعة ليلقي محاضراته في الأيام المحددة لها، لا يقتصر نشاطه على ~~المحاضرات والتدريس، فإن زملاءه الأساتذة يختارونه عضوا في اللجنة التنفيذية التي تضع ~~البرامج ونظم التعليم. # ويعد طه حسين تقريرا لتقديمه لهذه اللجنة، يقول فيه: # أولا: # يجب التفكير في إدخال تعليم لغتين في كلية الآداب؛ اللغة الأولى هي ~~اليونانية لأهميتها لدارسي التاريخ والأدب والحضارة العالمية، والثانية هي ~~اللغة القبطية لأهميتها لدارسي التاريخ والأدب والحضارة المصرية. # ثانيا: # يجب التفكير في تنظيم الإرساليات للطلاب المتفوقين إلى الخارج، إلى كل ~~بلد يوجد فيه الأساتذة الممتازون في فروع العلم المختلفة. # ثالثا: # لا بد للجامعة من أن تشارك عن طريق أساتذتها في المؤتمرات وحلقات الدراسة ~~العالمية، لا ليستفيدوا منها فقط بل ليفيدوا أيضا بمساهمتهم العلمية في ~~ميادين دراستهم ... # ويقدم التقرير إلى اللجنة لتبدي فيه رأيا ترفعه إلى المسئولين في الجامعة. # وفي صيف عام 1923 تنتدب الجامعة طه حسين للمشاركة في مؤتمر التاريخ في بروكسل، ويلقي طه ~~حسين بحثا في المؤتمر يتحدث عنه بقية الأعضاء في حفل الاستقبال الذي تقيمه لهم ملكة بلجيكا ~~الملكة إليزابيث، لقد قدم الأستاذ المصري طه حسين إلى المؤتمر بحثا عن معاهدة أبرمت بين ~~السلطان قلاوون وبين ابن جليم الثاني ملك أراجون من ملوك إسبانيا المسيحية. # 2 # أخرج طه حسين نص المعاهدة العربي سليما بعد دراسة نصها الإسباني «اللاتيني» الموجود في ~~المكتبة الأهلية في باريس، وكان كتاب صبح الأعشى «قد سجل لها نصا عربيا مشوها وفيه ~~اضطراب كثير وضروب من التحريف غريبة»، وكان على طه حسين تقويم الاضطراب والتحريف، كما كان ~~عليه إثبات أن هذا النص صحيح من الوجهة التاريخية، وأن هناك معاهدة عقدت حقا بين مصر ~~وإسبانيا المسيحية في ms032 زمن قلاوون، وقد فعل ذلك كله وتحقق منه ثم قدم بحثه الممتاز إلى ~~المؤتمر. # إن أعضاء المؤتمر - وهم نحو الألف من مختلف قارات العالم - يتحدثون بمناسبة هذه البحث عن ~~مركز مصر الدولي الممتاز في القرن الثالث عشر الميلادي وعن قلاوون سلطان مصر. يقول أحد ~~أعضاء المؤتمر: «إن قلاوون أجلى الصليبيين بجيشه المصري عن طرابلس الشام وعن اللاذقية، وكان ~~يعد العدة للهجوم على عكا عندما مات فجأة»، # 3 # ويقول عضو ثان: «إن الأهم هو تصدي المصريين بقيادة قلاوون للمغول وهزيمتهم لهم ~~في معركة حمص عام 1281 للميلاد»، ويرد صاحبه بأن البحث قد بين بشكل جيد عناية سلطان مصر ~~بالعلاقات الاقتصادية والتجارية بين بلاده وبين أوروبا، ويذكر زميله أن السلطان قلاوون هو ~~الذي ابتكر نظام الجوازات «الباسبورتات»، فقد كان يعطيها للتجار موصيا بأن يدخلوا بلاد مصر ~~والشام بأمان، وبأن يمروا بالبلاد التي يدخلونها في المشرقين الأدنى والأقصى حتى الهند في ~~رعاية سلطان مصر سالمين. ~~••• # وعندما يعود طه حسين من بروكسل إلى القاهرة يذهب لمقابلة مدير الجامعة حسين رشدي باشا، ثم ~~لمقابلة وكيل الجامعة أحمد لطفي السيد بك، وهما يهنئانه لتوفيقه في البحث الذي قدمه إلى ~~المؤتمر والذي شرف الجامعة حقيقة. # ويتحدث طه حسين مع مدير ووكيل الجامعة عن اهتمام الملك ألبير والملكة إليزابيث بالمؤتمر ~~وموضوعاته وعن معاملتهما لأعضائه في بساطة وإحساس بأن الملك لا يقوم على القهر، بل على ~~مودة الناس وتقبلهم لملكهم وملكتهم، ويذكر لهما كيف كان إعجاب أعضاء المؤتمر بمصر القديمة ~~مقترنا بإعجاب مماثل بمصر الحديثة ونهضتها، وبما حققته بجهادها من الاستقلال واشتراكها في ~~المؤتمر باعتبارها دولة مستقلة بعد صدور تصريح 28 فبراير 1922، وإعجابهم أيضا بالنهضة التي ~~يمثلها وجود الجامعة المصرية. # وفيما يخص أعمال المؤتمر يشير طه حسين إلى اقتراح أقرته لجنة من لجانه، مضمونه أن الوثائق ~~القومية لبلد من البلاد - سواء الوثائق الإدارية أو السياسية أو الفنية أو العلمية - هي حق ~~من حقوق هذا البلد لا يصح أن يعتدي عليه معتد بحكم الفتح أو بأي سبب آخر # 4 # ويتساءل ms033 طه حسين، في شك شديد: «هل يمكن تنفيذ مثل هذا القرار؟» ويضيف: «كم يكون ~~نفعه لو نفذ لبلادنا التي نقل الغزاة منها إلى بلادهم ما نقلوا من الوثائق والمخطوطات ~~والآثار!» ويشير طه حسين إلى ما كان واضحا في المؤتمر من إتقان بعض المؤرخين الأجانب للغات ~~الإسلامية غير العربية مثل الفارسية والتركية، وانتفاعهم بها في بحوثهم التاريخية التي ~~تتعلق بحضاراتنا نحن، ويرى الأستاذ ضرورة قيام الجامعة والأزهر بتدريس هذه اللغات للرجوع ~~إلى ما كتب فيها من المصادر التي لا يمكن إهمالها وللاتصال بالشعوب التي تتحدث بها، ويشير ~~كذلك إلى عناية علماء المؤتمر بمناهج البحث ويدعو إلى أن توجه إليها الجامعة المصرية عناية ~~كبيرة، ثم ينتقل الحديث إلى مصادر تاريخنا العربية، فيذكر أن كتاب «صبح الأعشى» - وهو ~~الكتاب الذي عثر فيه على النص العربي لمعاهدة قلاوون - مطبوع طبعة غير دقيقة وغير علمية، ~~ويتمنى أن تقوم الجامعة بطبع هذا الكتاب الهام في دراسة علاقات مصر الدولية، وطبع أمثاله ~~طبعا علميا، مع إعداد ما يلزم لهذا الطبع العلمي من فهارس وتعليقات، وذلك في مطبعة خاصة ~~بالجامعة يتمنى أيضا لو أمكن إنشاؤها قبل زمن طويل. # ويرد لطفي السيد قائلا: «إننا نحتاج إلى المال، إن جامعتنا تبذل أقصى جهدها في حدود ما ~~يتيحه لها مالها المحدود، على أنها تعتمد أكثر ما تعتمد على تبرعات أهل الخير وهذا غير ~~كاف، إننا نريد أن نستعين بخير الأساتذة، ونريد أن نضع في متناولهم ومتناول طلابهم أحدث ~~المراجع، وأن نصلهم، عن طريق الإرساليات وعن طريق المؤتمرات، بالحياة العلمية في الجامعات ~~والمعاهد الأجنبية، ولكن الميزانية لا تتسع حتى لالتزاماتنا الحالية، وقد كان لذلك أثره على ~~أعضاء مجلس الإدارة، وأخشى أن يكون للخلاف الذي وقع بينهم نتيجة لذلك عواقب بالغة ~~السوء.» ~~••• # يتذكر طه حسين كيف عانت الجامعة ماليا في الماضي، وكيف أثرت هذه المعاناة فيه شخصيا ~~حين هددت دراسته في أوروبا، ويذكر أن الجامعة قد لجأت أخيرا إلى الاقتصاد المخل، ويتساءل: ~~«لماذا لا تعيننا الحكومة وقد استقلت مصر وتخلصنا من معارضة الإنجليز ms034 لقيام الجامعة ~~وتقدمها؟» ولطفي السيد يقول: «إن الحكومة لا تعيننا كما يلزم، بل إنها لا تعترف بشهادات ~~الجامعة حتى الآن، وهذه عقبة ضخمة أمام متخرجينا، وقد تمت اتصالات مع الملك فؤاد - الذي كان ~~يهتم حين كان أميرا بشئون الجامعة اهتماما كبيرا - ومع الحكومة، فقيل لنا إن حكومة جلالة ~~الملك تفكر في إنشاء جامعة تابعة لها سيكون فيها بطبيعة الحال كلية للآداب، ولم تنتج ~~اتصالاتنا شيئا إيجابيا من شأنه مساعدة جامعتنا وإتاحة الموارد اللازمة لها حتى ~~الآن.» # ويذكر طه حسين أن زكي باشا أبو السعود - وزير المعارف في ذلك الوقت - رجل مستنير، ويستأذن ~~في أن يزوره ليعرف مدى استعداده واستعداد الحكومة لمساعدة الجامعة، ولا يعارض الوكيل ولا ~~المدير. # وبعد أيام يجتمع مجلس الجامعة برئاسة حسين باشا رشدي فيعرض الرئيس على المجلس نتيجة ~~الاتصالات مع وزير المعارف، ويذكر لهم أن الوزارة قد أبدت استعدادها لضم الجامعة إليها، وهي ~~ستتكفل في هذه الحالة بموازنة ميزانيتها وتمكينها من الموارد اللازمة لها، كما أنها ستعترف ~~بشهاداتنا. # رشدي باشا يلاحظ أن طه حسين، الذي ساهم في هذا المسعى، سيكون هو نفسه معرضا لكثير من ~~المضايقات إذا أصبحت الجامعة حكومية؛ هناك مشكلة الكشف الطبي وشروط الاستخدام في الوظيفة ~~التي سيطالب باستيفائها، وهذه مشكلة مقدور عليها، ولكن هناك أيضا ما أثارته المقالات التي ~~كتبها في الصحف من سخط وغضب لدى كثير من الجهات، إن حديثه عن الأمة وأنها - هي وحدها - مصدر ~~كل السلطات قد أغضب السراي، ومقالاته التي اعترض فيها على التعويضات الضخمة التي كانت ~~إنجلترا تطالب بدفعها للموظفين البريطانيين المستغنى عنهم بعد الاستقلال قد أغضب الإنجليز، ~~وكذلك أغضبهم احتجاجه العنيف على إهمال لقب ملك مصر والسودان في دستور 1923. ويقول رشدي ~~باشا: «إن الجامعة هي التي أذنت لطه حسين بالكتابة في الصحف، ويحسن الآن أن تشترط على ~~الحكومة احترام تعهداتها نحو موظفيها، كما يحسن التأكد من أنها سوف تحتفظ باستقلالها ~~وشخصيتها المعنوية وبحقها في إدارة شئونها بنفسها، تحت إشراف وزارة المعارف نعم، ولكن ~~بكيفية مستقلة كما هي الحال ms035 في جامعات أوروبا.» # ويذكر رشدي باشا أن الإنجليز قد أرسلوا في شهر مارس الماضي مذكرة إلى الدول الأجنبية ~~ينبهونها بها إلى أن علاقة إنجلترا «الممتازة» بمصر ما زالت قائمة، وأن التدخل في شئون مصر ~~من أي دولة سيكون عملا غير ودي بالنسبة لبريطانيا، ويقول: «إن الإنجليز يعتبرون أنفسهم ~~مسئولين عن الأجانب حسب التحفظات الأربعة الشهيرة، وهم - على هذا الأساس فيما يظهر - مهتمون ~~بمناصب العمادة في الجامعة إذا أصبحت حكومية؛ يريدون أن يحتفظ بها للأجانب.» # ويعلق أحد الأعضاء بأن هذه المناصب لا بد أن يشغلها المصريون كلما وجد المصري الكفء ~~ليشغل منصبا منها، ويقول المدير: «إن أستاذا مثل طه حسين كفء لشغل مركز وكيل كلية ~~الآداب، أو حتى عميدها، ولكن قد تكون الحكمة الآن في تأجيل ذلك منعا لاصطدام الإنجليز ~~بالحكومة.» # ويقول أحد الأعضاء بهذه المناسبة إن العالم العربي كله قد تابع باهتمام وإعجاب كبيرين ~~مقالات طه حسين في الأدب العربي، ويسأل: «ألا يحسن أن يترك الآن تدريس التاريخ القديم ليصبح ~~أستاذا للأدب العربي؟» # ويتم إعداد عقد إلحاق الجامعة بالحكومة متضمنا أن «تكون الجامعة المصرية معهدا عاما ~~محتفظة بشخصيتها المعنوية وتدبير شئونها بنفسها بكيفية مستقلة، تحت إشراف وزارة المعارف ~~العمومية، كما هو الحال في جامعات أوروبا.» # وكذلك: «أن تحترم تعهدات الجامعة المصرية نحو أساتذتها وموظفيها الحاليين، أما فيما يتعلق ~~بالدكتور طه حسين فقد رئى - نظرا لحالته الشخصية - أن يبقى أستاذا بكلية الآداب.» # ويقرر مجلس الجامعة تأليف لجنة لتحضير نظام الجامعة الداخلي الجديد، ويعين لطفي السيد وطه ~~حسين عضوين فيها. # وفي 12 ديسمبر 1923 يمضي رشدي باشا بالنيابة عن الجامعة عقد إلحاقها بالحكومة. # 5 # وتجري في يناير 1924 أول انتخابات لمجلس النواب في ظل الدستور الجديد، ويفوز الوفد المصري ~~فوزا ساحقا، ويدعى رئيسه سعد زغلول باشا لتأليف الوزارة. # وتفصل الوزارة الجديدة بعض مديري الأقاليم، وينسب إلى سعد باشا أنه قد صرح بأنه يريد ~~حكومة «زغلولية اسما ولحما ودما»، ويضيق طه حسين بهذا التصريح، ويهاجم صاحبه هجوما ~~عنيفا، وكذلك يهاجم الدكتور هيكل نفس ms036 التصريح فتحقق معه النيابة العامة، وتنشر جريدة ~~السياسة فصلا عما أجرته النيابة مع هيكل من تحقيق، وتقرر الوزارة مصادرة عدد جريدة السياسة ~~الذي نشر أخبار التحقيق على أن يعرض أمر المصادرة على المحكمة في اليوم التالي، وفي اليوم ~~التالي يحضر توفيق دوس بك المحامي عن جريدة السياسة وكان أخوه قد توفي في نفس اليوم، فيقول ~~لمن دهش لحضوره: «لقد تركت مأتم أخي وجئت أشهد مأتم الحرية»، ثم يستدرك بكلمة يحفظها الناس ~~في مصر زمنا طويلا وهي «ولن يكون للحرية مأتم وفي مصر قضاة»، وتقضي المحكمة في أمر ~~المصادرة بأنه «إجراء تحكمي لا مسوغ له ...» # تبدأ وزارة سعد باشا زغلول في بحث إمكان التفاوض مع الإنجليز في موضوع التحفظات الأربعة ~~التي تقيد الاستقلال، ومنها تحفظ الإنجليز بشأن السودان. # ولكن الصحف المصرية تنقل في شهر يونيو 1924 تصريحا ألقي في لندن في مجلس اللوردات ~~مضمونه أن إنجلترا لا تنوي الجلاء عن السودان، وبعد أيام تنشر مضمون تصريح مماثل ألقاه رئيس ~~الوزارة مستر رامزي ماكدونالد، وهو زعيم حزب العمال الذي كانت تتعلق به آمال الوطنيين ~~المصريين، فلا يكذب ماكدونالد التصريح ولكنه يسارع بدعوة سعد باشا إلى لندن للتباحث، ~~ويرفض سعد أي تفاوض على أساس التصريحات التي ألقيت في مجلس اللوردات والعموم، ويقدم ~~استقالته فترفض تحت ضغط الرأي العام، ثم يتم الاتفاق على صيغة مقبولة للدعوة فيسافر سعد ~~إلى لندن في 25 سبتمبر 1924، وسرعان ما تفشل المفاوضات ويعود سعد فيقدم استقالته وترفض ~~الاستقالة تحت ضغط الرأي العام أيضا، وتقوم المظاهرات في السودان؛ في الخرطوم وعطبرة وبور ~~سودان، وتشتعل الثورة في مصر من جديد. # وفي 19 نوفمبر 1924 يقتل سير «لي ستاك» سردار الجيش المصري وحاكم السودان في القاهرة في ~~وضح النهار، فيتقدم الإنجليز بإنذار يتضمن سبعة طلبات منها ما لا علاقة له بهذه الجريمة على ~~الإطلاق، فتقبل الوزارة السعدية أربعة منها، ويصر الإنجليز على قبول طلباتهم الباقية كلها ~~بما فيها إخلاء السودان من الجيش المصري، وعندما ترفض الوزارة يهاجم الإنجليز بقواتهم ~~العسكرية جمرك الإسكندرية ms037 ويحتلونه، ويقومون بأنفسهم بالقبض على بعض من اتهموهم بالاشتراك ~~في مقتل السردار، وتقبل استقالة وزارة سعد زغلول ويدعى أحمد زيور باشا لتأليف وزارة ~~«لإنقاذ ما يمكن إنقاذه» تقبل كل طلبات الإنجليز، وتقرر تأجيل انعقاد البرلمان إلى أجل غير ~~مسمى، ثم تقرر حل البرلمان. ~~••• # وتجري الانتخابات الجديدة في الربيع، ونتيجة لها يجتمع البرلمان الجديد في مارس 1925، ~~وكانت الحكومة تعتقد أنها قد أنجحت عددا كافيا من المستقلين سوف يتمكنون من انتخاب مرشح ~~الحكومة لرياسة المجلس، ولكن النواب ينتخبون سعد زغلول رئيسا لهم بأغلبية كبيرة ويهزم ~~مرشح الحكومة فلا يتردد الملك في حل مجلس النواب من جديد. وتؤلف لجنة برئاسة إسماعيل ~~صدقي باشا لتعديل قانون الانتخابات. # وفي مايو 1924 تنتهي محاكمة المتهمين بمقتل السردار ويحكم بالإعدام على سبعة منهم ~~وبالأشغال الشاقة المؤبدة على واحد، وينفذ حكم الإعدام بشنق الشبان السبعة فعلا. # طه حسين - مثل بقية الوطنيين - غاضب أشد الغضب لتصرفات الإنجليز ولما يفرضونه على مصر من ~~سيطرة، وما يظهرونه في معاملتها من غطرسة، يستنكر غطرسة اللورد «فيلد مارشال اللنبي» الذي ~~لا يطيق أن تخالف أوامره في مصر ونواهيه، وطه حسين يدعو حزب الأحرار الدستوريين إلى مشاركة ~~الوفديين في غضبهم وفي معارضتهم للوزارة القائمة، وبريطانيا تدرك خطورة الحالة في مصر، فلا ~~يمر شهران حتى يضطر اللورد اللنبي للاستقالة ولمبارحة البلاد. # ويصل المندوب السامي الجديد لورد لويد، إنه سوف يبدأ سياسة جديدة، فهو يطلب إلى الملك أن ~~يقصي حسن نشأت باشا، الذي كان أداة السراي في حكم البلاد، عن الديوان وعن مصر كلها، ~~فيعين نشأت باشا سفيرا لمصر في مدريد. # وعندما يبدأ العام الجامعي «1925-1926» ويكون حديث الطلبة عن هذه الانتخابات التي تقرر أن ~~تجري والتي يقال إنها ستكون انتخابات حرة، وعن موقف مصر والوفد من بريطانيا ومن السراي، ~~يقولون إن البلاد متعطشة إلى الاستقلال الكامل مصممة عليه وإنها متعطشة إلى الحكم ~~الديمقراطي ومصممة على الوصول إليه. على أنهم يتفقون على أنه لا بد، لكي تحقق مصر ما تهدف ~~إليه من استقلال ومن حرية ولتحافظ ms038 عليهما، من الجهاد أولا وقبل كل شيء لتحقيق النهضة في كل ~~ميادين الحياة المصرية، ومن أهم هذه الميادين ميدان التعليم. # ويتحدث الطلاب في حماس عن جامعتهم التي يعلقون بها آمالا كبيرة لتحقيق النهضة المأمولة، ~~ويذكرون أن المرسوم بإنشائها ينتظر أن يصدر بعد أسابيع وعندئذ ستصبح شهاداتهم معترفا بها، ~~وكل هذا خير، ولكنهم يرجون ألا يمس هذا التغيير شخصية الجامعة وألا ينال من حرية ~~أساتذتها. # ويتحدثون عن هؤلاء الأساتذة؛ أن أكثرهم سيواصل دروسه ومحاضراته التي كان يلقيها في ~~الجامعة الأهلية في الأعوام السابقة، لكن الأستاذ طه حسين سيترك تدريس التاريخ القديم، لقد ~~أصبح منذ أول هذا العام أستاذا للأدب العربي. # | أستاذ الأدب العربي # في خريف عام 1925 يعود طه حسين إلى الجامعة التي ارتبطت حياته بها طالبا ومبعوثا ~~وأستاذا، يعود إليها وقد أصبحت جامعة رسمية ليدرس فيها مادة جديدة حبيبة إليه هي الأدب ~~العربي. # عندما كان طالبا دون الخامسة والعشرين من العمر كان عليه أن يقدم للجامعة الأهلية رسالة ~~للحصول على درجة الدكتوراه، أو الدكتورية - كما كان عبد الخالق ثروت باشا يسميها في تلك ~~الأيام - وقد فكر عند ذاك في موضوعات مختلفة لرسالته؛ فكر في أدب الجاحظ وفي أدب الخوارج ~~وفي أثر الفرس في الأدب العربي، ثم انتهى إلى الشاعر أبي العلاء المعري فعكف على دراسته ~~وكتب عنه رسالته، وسافر طه حسين بعد ذلك إلى فرنسا فدرس علم التاريخ ودرس علم الاجتماع، ~~وكتب رسالته عن ابن خلدون وفلسفته الاجتماعية، وعاد إلى مصر وإلى الجامعة أستاذا للتاريخ ~~القديم، ولكن الأدب العربي كان دائما هواه، خصص لدراسته وللحديث عنه الفصول التي كان ~~ينشرها في جريدة السياسة بعنوان «حديث الأربعاء» كل أسبوع. # ولكن أحاديث الأربعاء كانت أحاديث متفرقة، وقد اتجه بها إلى عامة القراء، أما الآن فإن ~~عليه أن يدرس الأدب العربي دراسة منظمة متصلة مع طلابه الجامعيين، وهو يرجو في المستقبل أن ~~يدرس الحضارة العربية والإسلامية من نواحيها السياسية والعقلية والأدبية دراسة متعمقة مع ~~زملائه الأساتذة في الجامعة. # إن عليه الآن أن يدرس ms039 هذا الأدب العربي كيف بدأ، وأين بدأ، وكيف تطور وارتقى، وهو يريد أن ~~يدرس هذه الحضارة كيف تجاوزت حدود الجزيرة العربية لتصبح حضارة كل البلاد التي فتحها الله ~~على المسلمين، ثم لتصبح الحضارة العالمية المسيطرة فترة عظيمة من فترات التاريخ. # عندما يتحدث إليه زملاؤه الأساتذة في انتخابه وكيلا لكلية الآداب يعتذر إليهم بأنه مشغول ~~بهذه الدراسات التي أخذ نفسه بالعكوف عليها. # وعندما يتحدث إليه أصدقاؤه في جريدة السياسة عن ترشيح نفسه في الانتخابات العامة التي ~~ستجري قريبا لانتخاب نواب الشعب يعتذر إليهم بالعذر نفسه. # يبدأ دراسته للأدب العربي بدراسة الشعر؛ لأنه يفترض أن الشعر أسبق في حياة الأمم الأدبية ~~من النثر الفني، وهو يرى أن أول واجباته هو أن يبدأ بتحقيق نصوصه وتمحيص مصادره، يريد أن ~~يبني دراسته الجديدة للأدب العربي شعره ونثره على أرض صلبة، ليرتفع عليها البناء المنشود ~~قويا متين الدعائم، وهو في هذه الدراسة يرى نفسه مضطرا لأن يذعن لمناهج البحث العلمي، ~~ويرى أن ما يسوقه في هذه الدراسة من أدلة ينبغي أن يكون مما يقبله مؤرخو الأدب والحضارة ~~أينما كانوا في أي بلد ومن أي مذهب أو دين؛ لأنه واثق من أن الأدب العربي هو أدب عالمي يجب ~~أن يعنى بدراسته العلماء في كل مكان. # لقد تعلم أن الجزيرة العربية عرفت لغة عربية عدنانية للشمال ولغة عربية حميرية للجنوب، ~~ومع ذلك فإن جميع المروي من شعر الشعراء العرب قبل الإسلام قد روي في لغة واحدة هي اللغة ~~التي أنزل بها القرآن الكريم. # الأستاذ يتساءل عما يدعو أهل الجنوب إلى استعمال لغة أهل الشمال. # إن مجادليه يمكن أن يسلموا بأنه قد كان للجنوبيين لغة أو لغات، ويتساءلون مع ذلك: «ما ~~الذي يمنع أن يكونوا قد اتخذوا لغة العدنانية الشمالية لغة أدبية لهم ينشئون فيها شعرهم ~~ونثرهم الفني؟» وهو يقول: «نحن نقبل هذا الفرض على أنه حق لا يحتمل شكا ولا جدالا بعد ~~ظهور الإسلام، فقد كانت اللغة العربية الفصحى لغة هذا الدين الجديد، ولغة كتابه المقدس، ~~ولغة ms040 حكومته الناشئة القوية، فأصبحت لغة رسمية ثم لغة أدبية للدول الإسلامية كلها»، ولكنه ~~يقرر أن الحال لم يكن كذلك في الجاهلية، فينتهي إلى الشك - كما شك من قبله بعض قدماء النقاد ~~العرب - في كثير من الشعر المنسوب إلى شعراء جنوب الجزيرة الجاهليين، وينتهي إلى أن الأدب ~~العربي الذي يمكن أن يدرس في ثقة واطمئنان إنما يبتدئ بعصر القرآن الكريم. ~~••• # وتستقبل مصر شاعر الهند الكبير رابندرانات طاغور في شتاء عام 1926 بحفاوة كبيرة، ويقيم له ~~أمير الشعراء أحمد شوقي بك حفلا كبيرا في منزله على ضفة النيل بالجيزة، ويحضر الحفل سعد ~~زغلول باشا وعدلي يكن باشا، وعدد كبير من المسئولين وأعلام المفكرين، من بينهم الأستاذ ~~مصطفى عبد الرازق وطه حسين. # ويتحدث طاغور مع طه حسين ومصطفى عبد الرازق ويتفق معهما على أن يزوراه في الصباح التالي ~~بالفندق الذي ينزل فيه ... ويدور الحديث أثناء الزيارة حول ما كان طاغور يذهب إليه من ضرورة ~~اهتمام الحركة الوطنية الهندية بالإصلاح الاجتماعي وتقديم ذلك على الاهتمام بالصراع للتحرر ~~والاستقلال، فيقول طه حسين: «إن الحرية السياسية هي التي ستهيئ الفرصة للتعليم الوطني، ~~والتعليم الوطني هو الذي سيدفع المواطنين إلى الإصلاح الاجتماعي.» # وطاغور يسمع ولا يعارض، ومصطفى عبد الرازق يلاحظ أن الإنجليز كانوا قد منحوا طاغور لقب ~~«سير» في عام 1915، ولكنه أعاده إليهم - في عام 1919 - احتجاجا على مسلكهم ضد الثائرين من ~~أهل إقليمه «البنغال»، فهو إذن يشارك في الصراع السياسي إلى جانب مشاركته في الإصلاح ~~الاجتماعي، وطه حسين يقول إن قصيدة «جايا هند» # 1 # التي ألفها طاغور والتي ينشدها ثوار الهند هي عمل من أعمال الكفاح السياسي ~~كذلك. ويذكر الشيخ مصطفى تبرع طاغور بقيمة جائزة نوبل للأدب التي حصل عليها للمدرسة التي ~~أنشأها قرب كلكتا، ويتمنى أن ينهض الأغنياء في الهند وفي مصر وفي كل مكان بواجبهم في نشر ~~التعليم وتشجيعه. # ويقول طه حسين لصاحبه وهما عائدان: «إن طاغور يريد أن يقدم الإصلاح الاجتماعي على التحرر ~~السياسي، وإن صديقنا محمود عزمي كان يذهب إلى شيء من ms041 ذلك وكلاهما مخطئ، لأن الإصلاح ~~الاجتماعي لن يتحقق والمستعمر مسيطر على البلاد.» على أنه يقول لصاحبه إنه سعيد بمقابلة ~~طاغور والتحدث إليه ويحس أن لديه ما يكتبه في جريدة السياسة عن هذه الزيارة. # 2 # والشيخ مصطفى موافق على أن العمل للتحرير والاستقلال هو الأساس، على أنه يرى ~~ضرورة الاهتمام بالإصلاح الاجتماعي في نفس الوقت، ويقول وهو يضحك: «هنا موضوع مناظرة !» ~~وينتقل بالحديث إلى أمور الجامعة ويسأل عن المناظرة التي تنظمها الكلية بين الدكتور محمد ~~حسين هيكل وبين «شاعر القطرين» خليل مطران، فيقول طه حسين إنه مهتم بموسم محاضرات ومناظرات ~~الكلية لأنه يريد أن تمد الكلية نشاطها إلى خارج الجامعة وألا تكتفي بالدروس التي تلقى ~~على الطلاب، والشيخ مصطفى يقول إنه يتطلع إلى سماع هذه المناظرة الطريفة وإلى متابعة مشاركة ~~الجمهور فيها. # وقبل أن يفترق الصديقان يسأل مصطفى عبد الرازق صديقه عن صحة السيدة زوجته فيجيبه بأنها ~~فيما يظهر تنتظر مولودا ثالثا وأنه سعيد بحملها، لكنه شديد القلق عليها فقد سبق أن لاقت ~~متاعب كثيرة وعانت آلاما مزعجة عند حملها بمؤنس منذ أعوام. ~~••• # وتحس السيدة بهذه المتاعب من جديد وتتضاعف آلامها وشهور الحمل لم تتقدم إلا قليلا، ~~والطبيب الذي يدعى على عجل يقف بجوارها مكفهرا شديد الاهتمام، والزوج الذي يدور حول نفسه ~~في المسكن الضيق يمزق قلبه القلق ويوجعه الإحساس بالعجز عن تخفيف ما تعانيه الزوجة من ~~الألم، بل عن دفع ما يتهددها من الخطر، فإن مسلك الطبيب يوحي بوجود هذا الخطر، والصغيران قد ~~أخلدا إلى السكون، يحسان وطأة الأزمة التي تمر بها العائلة الشديدة الترابط، وتمر اللحظات ~~كلها ساعات طوال لا طاقة للزوج باحتمالها. وأخيرا يخرج الطبيب يبشر بأن الزوجة بخير، وأنها ~~تدعو زوجها لتراه، ولكنه يستوقف الزوج لحظة ليهنئه من جديد بنجاة زوجته، وليخبره بأنها قد ~~فقدت حملها، وليطلب إليه أن يحمد الله على ذلك فإن لله الحمد في كل حال. # ويجلس طه حسين إلى جانب زوجته، وهي تدنيه منها تقول له: «لقد كنت أزور منذ أسابيع حرم ~~صديقنا ms042 محمد بك محمود خليل، إنك تعرف قصرهم المطل على النيل، وتعرف ما فيه من روائع وتحف ~~ولوحات أبدعها فنانون من أشهر فناني الدنيا: جوجان وفان جوخ ورودان وغيرهم، كنت أقول لها إن ~~القصر جميل والمحتويات رائعة، وكانت ترد بابتسامة وديعة تقول: كل هذا يشترى بالمال، ~~وتترقرق في عينيها الدموع. # 3 # إنها وزوجها يبذلان بغير شك كل ما يملكان، راضيين، كي يكون لهما طفل واحد، ونحن بحمد ~~الله لدينا أمينة، ونحن بحمد الله لدينا مؤنس.» # ويقول طه، ويداها في يديه: «الحمد لله، فإنك أنت الآن في خير حال.» ~~••• # ويتفرغ طه حسين، وقد اطمأن على زوجته، للعمل ثلاثة أشهر ليلا ونهارا، لينتهي من كتابه ~~الجديد، وموضوعه هو موضوع محاضراته في الجامعة هذا العام؛ الشعر الجاهلي، وكان يقدر أنه ~~سينال بعد الانتهاء من ذلك الكتاب شيئا من الراحة ليلتفت إلى واجب آخر وطني، إنه كان ينوي ~~أن يكتب كتابا جديدا في موضوع يهم مصر في ذلك الوقت وهو الديمقراطية. # 4 # ويخرج كتاب «في الشعر الجاهلي» من المطبعة، فتثور زوبعة لم يكن المؤلف يقدر أن ~~تثور. # كل الجهات التي خاصمها طه حسين تهاجمه الآن لتنال منه مقتلا لم يتح لها من قبل، لا ~~يتردد المهاجمون في استعمال أشد الأسلحة إيذاء لمؤلف الكتاب. # هذا الكتاب يصدر عن مؤلف هاجم الإنجليز وهاجم القصر، ولم يتحرج عن انتقاد زعيم البلاد سعد ~~زغلول. # هذا الكتاب يظهر بعد أن نشر الشيخ علي عبد الرازق كتابه «الإسلام وأصول الحكم» الذي أسخط ~~الملك لأنه جاء عقبة في طريق مطامعه في الخلافة، وأسخط معه رجال الدين وأثار ثائرة ~~المحافظين ضد كل «المجددين» المتأثرين بالفكر الغربي وبطريقة الدراسة في الغرب. # وهذا الكتاب يصدر عن محرر الصفحة الأدبية في جريدة السياسة الذي سبق أن انتقد بعنف كاتبا ~~كبيرا مثل الأستاذ مصطفى صادق الرافعي، والذي هاجم كذلك كاتبا كبيرا آخر وهو الشيخ رشيد ~~رضا صاحب جريدة المنار. # والآن يهاجمه الرافعي بكتاب يختار له عنوانا مثيرا وهو «تحت راية القرآن»، ويهاجمه ~~الشيخ محمد عرفة بعنوان مثير ms043 أيضا وهو «نقض مطاعن في القرآن الكريم»، وتنشر مجلة المنار ~~لصاحبها الشيخ رشيد رضا أن «مؤلفات طه حسين كلها حرب على الدين والأمة، سواء في ذلك ما كتبه ~~عن أبي العلاء أو ما نشره بعنوان حديث الأربعاء أو ما كتبه عن الشعر الجاهلي.» # ويسمع والد طه حسين بهذا فيرسل إليه رسائل قلقة يتساءل فيها عن هذا الذي يقرأ، فيرد عليه ~~طه حسين وهو يكتم آلامه: # أبي: أنت أوصيتني ألا أصدق كل ما أسمع، وأنا أوصيك ألا تصدق كل ما تقرأ. ولك ~~من زوجتي ومني أطيب التمنيات. # طه # وينتقل الهجوم من الصحف والكتب إلى مجلس النواب، ويقدم اقتراح من النائب عبد الحميد ~~البنان بأن يكلف المجلس الحكومة بثلاثة أمور: # أولا: # بمصادرة وإعدام كتاب طه حسين المسمى «في الشعر الجاهلي». # ثانيا: # بتكليف النيابة العمومية برفع الدعوى على طه حسين مؤلف الكتاب لطعنه في ~~الدين الإسلامي، دين الدولة. # ثالثا: # بإلغاء وظيفته من الجامعة. # وتدور في مجلس النواب # 5 # مناقشة يشترك فيها وزير المعارف ووزير الحقانية ورئيس الوزراء عبد الخالق ثروت ~~باشا، ويشترك فيها من جهة أخرى رئيس المجلس الزعيم سعد زغلول باشا. # 6 # وتتصاعد المناقشة حتى يقول رئيس الوزراء إنه سوف ~~يطلب طرح الثقة بالوزارة إذا لم يكتف المجلس بما فعلته الحكومة في موضوع الكتاب، # 7 # وينهض النائب الوفدي عباس محمود العقاد للحديث، لا يمنعه انحيازه للوفد من ~~الدفاع عن طه حسين، يقول: «إن اللجان التي تلا حضرة النائب بعض فقرات من قراراتها لا يمكن ~~أن تبلغ شأن الأستاذ الذي وضع الكتاب من حيث المعرفة بالآداب العربية، ولا يمكن أن نجد ~~بسهولة رجلا يقوم بتدريس الأدب العربي مثلما يقوم به صاحب الكتاب ولو على درجة قريبة ~~منه.» # ويتم الاتفاق بين رئيس المجلس سعد باشا ورئيس الوزراء عدلي باشا على الاكتفاء بأن يقوم ~~النائب صاحب الاقتراح بإبلاغ النيابة إن شاء. # إن طه حسين مدعو الآن إلى الصمت، إن هجوم المهاجمين لم يكن مقصورا عليه بل كان يمتد ~~إلى الجامعة نفسها، وهي ناشئة لم تقف ms044 على قدميها بعد، سكوت طه حسين في ذلك الوقت كان يتطلب ~~من القوة أكثر مما يتطلبه النضال بالقلم واللسان. # ويأتي صيف 1926، ويسافر طه حسين مع أسرته كعادته، وهو يقول لزوجته: «لو أردت أن أقارن ~~نفسي بشيء ما لقارنتها بهذه الأرض الرطبة على شاطئ النيل في صعيد مصر؛ ما إن يمسها المرء ~~حتى يتفجر منها الماء.» # 8 # ونفس طه حسين لم تمس في ذلك العام فحسب، بل أثخنت بالطعان؛ لقد تصاعدت الصرخات بأنه ~~جاهل، زنديق، كافر، ملحد، مفسد للشباب، من الضالين، من المضللين، تهم يلقيها في ذلك الوقت ~~من لم يدرس، بل لم يقرأ كتبه في أغلب الأحيان، وهي تهم سوف يعود ليلقيها بعد وفاته من يدفعه ~~الجهل والتطاول إلى مهاجمة الرجل وهو في قبره، ممن يغريهم البحر الزاخر بإلقاء الحجارة ~~فيه. # ولكن رجالا مثل عبد العزيز فهمي، مصطفى عبد الرازق، علي عبد الرازق، عبد الخالق ثروت، ~~أحمد لطفي السيد، محمد حسين هيكل، عباس محمود العقاد، حافظ إبراهيم، دسوقي أباظة، إسماعيل ~~صدقي، وآخرين مثل علي الشمسي باشا، الذي كان من أقرب المقربين إلى سعد زغلول، قد وقفوا إلى ~~جانب أستاذ الأدب العربي الشاب، كما وقف إلى جانبه طلابه وقراؤه المعجبون به في كل ~~مكان. ~~••• # وفي قرية صغيرة من قرى إقليم سافوا العليا في فرنسا نزل طه حسين ثقيل القلب دفين الألم، ~~يقيم «مغيظا محنقا على هؤلاء الناس الذين يتخذون الدين والسياسة وسيلة للكيد.» ... ~~ويريدهم أن يعلموا «أن الدين أثبت وأمكن من أن يعرضه للخطر رجل كائنا من كان.» # لعله كان يسأل نفسه: لماذا العناء؟ # ماذا لو أعطى دروسه في الجامعة على المنوال القديم فأرضى الجميع؟ # ألم يكن راضين عن الأساتذة المشايخ المدرسين؟ # ماذا لو كتب على المنوال القديم، في الموضوعات المألوفة القديمة؟ # ماذا لو التمس السلامة فأرضى السراي، وقد جاءه أن الملك قال لبعض جلاسه: «ما أعظم ~~الرجل - طه حسين - لولا أن رأسه لا يلين!» # ماذا لو لان؟ # ماذا لو تملق السلطان فقربه وأغناه؟ # ماذا لو تملق الشيوخ فكرموه؟ # وتملق الصحافة ms045 فعظمته؟ # ماذا لو سكت، ماذا لو اكتفى بالسكوت؟ # ولكن كل هذا إلغاء للصدق من حياته ومن عمله، فهو إلغاء للعمل وإلغاء للحياة. # إنه لا يستطيع إلا أن يكون صادقا مع نفسه، صادقا في عمله، صادقا في خدمة بلده وشبابه ~~وثقافته بقدر ما يستطيع، فقد وهبه بلده الحياة، ووهبه العلم والنور، وفرضت عليه بذلك زكاة ~~لن يتطهر إلا بأدائها، فإن على من تعلم أن يعلم غيره، وعلى من تنور أن ينشر النور من ~~حوله، وعلى من أوتي فضيلة الصدق أن يحارب جهده رذيلة النفاق. # إنه يعود بخياله إلى أرض الصعيد الرطبة على شواطئ النيل، إلى مديرية المنيا وعزبة الكيلو ~~والكتاب الذي كان يحفظ القرآن الكريم فيه، يعود فيذكر الفتاة الصغيرة الضريرة الذكية ~~وغيرها من زملاء الكتاب الذين ضيعهم وأضاعهم على مصر الجهل والفقر. يتذكر ذلك كله، ~~وتتوارد صورة حية على ذاكرته وهو مقيم في تلك القرية في إقليم سافوا في فرنسا، فيبدأ في ~~إملاء هذه السطور: # لا يذكر لهذا اليوم اسما، ولا يستطيع أن يضعه حيث وضعه الله من الشهر والسنة، بل ~~لا يستطيع أن يذكر من هذا اليوم وقتا بعينه، وإنما يقرب ذلك تقريبا، وأكبر ظنه أن ~~هذا الوقت كان يقع من ذلك اليوم في فجره أو في عشائه، ويرجح ذلك لأنه يذكر أن وجهة ~~تلقى في ذلك الوقت هواء فيه شيء من البرد الخفيف الذي لم تذهب به حرارة الشمس، ~~ويرجح ذلك لأنه على جهله حقيقة النور والظلمة يكاد يذكر أنه تلقى حين خرج من البيت ~~نورا هادئا خفيفا لطيفا، كأن الظلمة تغشى بعض حواشيه ... # ويستمر طه حسين في إملائه لا يتوقف، تتدفق الصفحات فينتهي بعد تسعة أيام من إملاء الجزء ~~الأول من كتاب الأيام. # ويقبل خريف 1926 ويعود طه حسين إلى القاهرة لتواجهه النيابة يوم 19 أكتوبر 1926 بما ~~اتهم به في بلاغ الأستاذ عبد الحميد البنان، فينتهي هذا التحقيق بأن «تحفظ أوراقه ~~إداريا لأن القصد الجنائي غير متوفر ... والعبارات الماسة التي أوردها في بعض المواضع من ~~كتابه ms046 إنما قد أوردها في سبيل البحث العلمي مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها.» # ويعود الأستاذ إلى كتابه يرفع منه فصلا ويضيف إليه فصولا ويصدره بعنوان جديد. # وتفتتح الدورة النيابية الجديدة في نوفمبر عام 1926، والنواب يثيرون فيها موضوعات جدية ~~مفيدة خطيرة، إن الحكومة مستمرة في دفع حصة من نفقات الجيش في السودان بعد طرد الجيش المصري ~~من هناك، فكيف تقبل الحكومة المصرية هذا الاستمرار؟! ومصر المستقلة ما زال للأجانب فيها ~~امتيازات تعصمهم من المثول أمام القضاء المصري، وكيف تحتمل الحكومة المصرية هذا ~~الوضع؟ # وطه حسين سعيد لأن البرلمان والحكومة يأخذان عملهما مأخذ الجد، مستبشر بمستقبل الحياة ~~البرلمانية في مصر رغم كل شيء. ~~••• # وفي صيف 1927 يعقد مؤتمر الآثار في لبنان والشام وفلسطين، وتدعى إليه الجامعة المصرية ~~التي ترشح طه حسين لتمثيلها فيه، ويقبل هو هذا الترشيح راضيا خاصة لأن أعضاء المؤتمر سوف ~~يزورون القدس الشريف، وهو شديد الشوق لزيارتها. # وينتهي المؤتمر، ويقضي طه حسين جانبا من الصيف في لبنان في أحد الفنادق، يقابل فيه ~~الممثل الكبير الأستاذ جورج أبيض وزوجته السيدة دولت، وكانت قد قرأت وحفظت رواية إليكترا ~~التي عربها طه حسين، فألقت أمامه فقرات من ترجمته، وطه حسين يعجب بإلقائها، وفهمها، ~~ويتمنى أن تتهيأ الفرصة لتمثل الرواية في مصر أمام الجمهور، ويتمنى أن تعنى مصر حكومة ~~وشعبا بالمسرح وفنونه وأن تنشئ يوما معهدا خاصا لدراسة التمثيل وفنون المسرح، فإنه ~~شديد الإيمان بما للمسرح من أهمية في تطور الأدب ورقيه. # وفي لبنان أيضا وفي «علايا» يلتقي بأمير الشعراء أحمد شوقي بك وبالموسيقي الشاب الأستاذ ~~محمد عبد الوهاب. # كان طه حسين يقيم في «ملحق أوتيل طانيوس» بعلايا، وكان أحمد شوقي ومحمد عبد الوهاب يقيمان ~~على مقربة في «أوتيل شاهين»، وكان أحمد شوقي قد دعا عددا من صفوة أهل لبنان لحضور حفل يغني ~~فيه محمد عبد الوهاب، ولكن جريدة المقطم تصل في صباح اليوم السابق ليوم الاحتفال وفيها نعي ~~والد الموسيقي الشاب الذي يطلع على الصحيفة والنعي فيشتد به الحزن، ويحزن الشاعر شوقي ~~لحزنه، ms047 يعزيه ويؤكد له أنه سيقوم منه مقام الوالد، وهو يلازمه طوال اليوم لا يتركه لأحزانه ~~ويعرض عليه أن يزورا في المساء الدكتور طه حسين في فندقه ومعهما الأستاذ فكري أباظة المحامي ~~والكاتب المعروف، وفي أثناء الزيارة يقول طه حسين لعبد الوهاب إنه يترقب سماعه غدا فيعلم ~~أن الاحتفال قد ألغي ويعلم سبب الإلغاء، فيقدم عزاءه صادقا للفتى المحزون الذي كان يعجب ~~بفنه وبأدائه كل الإعجاب. # ويسود الصمت فترة ثم يقطعه طه حسين بسؤاله لعبد الوهاب: «ولماذا لا تغني؟» # ويرد فكري أباظة يقول: «وكيف يغني وهو حزين؟!» # ويسود الصمت مرة ثانية ثم يقطعه طه حسين من جديد يسأل: «وهل الغناء لهو وفرح فقط؟ هل ~~الموسيقى تسلية وتطريب؟ # أليست الموسيقى الحقيقية تعبيرا عن مشاعر الإنسان فرحا وحزنا؟ أليس المهم في الموسيقى ~~هو أن تعبر بصدق عن النفس، وأن تنقل هذا التعبير الصادق إلى السامعين؟» # ويلتفت طه حسين إلى شوقي بك يسأله: «ألست أنت القائل: وأنبغ ما في الحياة الألم؟» # وينشط المجلس الذي كان الحزن قد ألقى عليه الصمت، ليتحدث الحاضرون عن الموسيقى وحقيقتها ~~وعن صدق الشعور وصدق الأداء. # ويخرج عبد الوهاب وقد قرر أن يغني، فيكون غناؤه في تلك الليلة في تلك القرية القائمة في ~~منعطف من منعطفات الجبل في لبنان، من أجمل غنائه وأبقاه أثرا في النفوس. # أحس جمهوره صدق شعوره وهو يتغنى بما كتبه له شوقي من الشعر، فيه من الشجى والشجن ما يردد ~~ما كان يملأ صدره هو من الأشجان، أحس الجمهور بصدق ذلك الشعور وبروعة الأداء فتأثر به أبلغ ~~تأثير. ويقول الأستاذ عبد الوهاب إنه منذ تلك الليلة قد آمن بالصدق أساسا لفنه وأدرك أن ~~الجمهور سيستجيب دائما لصدق الإحساس بالمشاركة والقبول، بالاستحسان والإعجاب. ~~••• # وتستأنف الجامعة حياتها في خريف عام 1927، ويصمم أساتذة الكلية على انتخاب طه حسين عميدا ~~لها في ذلك العام، ولكن تعيين مصري عميدا كان أمرا خطيرا، وتعيين طه حسين عميدا كان ~~أمرا أشد خطرا. # إن السفارات الأجنبية ترغب في الاحتفاظ بمناصب عمداء الكليات للأجانب، والإنجليز ms048 يعتبرون ~~أنفسهم مسئولين عن حماية «مصالح» هؤلاء الأجانب! # لكن الانتخابات تتم، وطه حسين ينتخب عميدا، وترفع نتيجة الانتخاب إلى وزير المعارف، ~~ووزير المعارف علي الشمسي باشا يدعو طه حسين لمقابلته ويقول له إنه لا شك لديه هو شخصيا ~~في استحقاق طه حسين لمنصب العميد، ولكنه يصارحه بما تواجهه الحكومة من حرج، وطه حسين يرد ~~بأنه لا يريد أن يسبب مشاكل للحكومة التي لا تنقصها المشاكل، وهو لا يريد قطعا أن يثير ~~مشاكل لعلي الشمسي باشا الذي يذكر سابقة فضله ويكن له أصدق التقدير. # 9 # ولكنه يقول للوزير إن القاعدة التي تجري عليها الحكومة، أو التي يجب أن تجري ~~عليها الحكومة، هي ألا يشغل أجنبي في عهد الاستقلال منصبا يمكن أن يشغله مصري، فإذا كان هو ~~يصلح للعمادة - كما يؤكد له الوزير - فلا بد إذن من أن يعين احتراما وتأكيدا لهذا ~~المبدأ، ورفضا لتدخل السراي، ولتدخل الأجانب، واحتراما لنتائج انتخابات الأساتذة، ويجب ~~لذلك أن يعين وأن يمارس عمله باعتباره عميدا مصريا للكلية المصرية. # ويضيف طه حسين، وهو يبتسم ابتسامة خفيفة: «على أنني سأجد لمعاليك المخرج من هذه المشكلة، ~~إذا صدر قرار بتعييني فسوف أتسلم عمل العميد، وأمضي بعض الأوراق، ثم أقدم لمعاليكم استقالتي ~~في نفس اليوم فتقبلونها، وتعينون عميدا للكلية من يليني في نتيجة الانتخابات، وهو من ~~الأساتذة الأجانب.» # وفي يوم 4 يناير 1928 يصدر قرار الوزير بتعيين الأستاذ الدكتور طه حسين عميدا لكلية ~~الآداب، ويذهب طه حسين إلى الكلية ويدخل مكتب العميد، ويطلب أوراقا خاصة برفع مرتبات بعض ~~الإداريين ومعاوني الخدمة، تطبيقا لمنشور من إدارة الجامعة، فيمضيها، ثم يملي خطاب ~~الاستقالة، ويقبلها الوزير، ويعين الأستاذ الفرنسي «ميشو» عميدا لكلية الآداب. # وينتظر طه حسين حتى يصدر قرار تعيين العميد الجديد، فيملي الخطاب التالي إلى الوزير: # حضرة صاحب المعالي وزير المعارف العمومية ... # الآن، وقد تم تعيين العميد لكلية الآداب، وانتهت هذه القصة التي لم أردها والتي ~~لقيت منها من الألم الممض ما لم أستوجبه ولا أراه يلائم كرامتي؛ أتشرف بأن أرفع ~~إلى ms049 معاليكم أصدق الشكر وأخلصه لما تفضلتم به علي من عطف وثقة. وإني أرجو من ~~معاليكم أن تتفضلوا بنقلي إلى أي عمل علمي آخر في غير كلية الآداب التي أصبحت أجد ~~مشقة كبيرة في البقاء فيها. # طه حسين # ويزور علي الشمسي باشا الدكتور طه حسين في بيته يعاتبه، ويقنعه بالعدول عن طلبه؛ إن ~~العميد الفرنسي مسيو ميشو غائب عن مصر في الوقت الحاضر والوكيل غائب أيضا، وسيستمر طه حسين ~~في القيام بعمل الوكيل بالنيابة عن العميد حتى يعود واحد منهما إلى الكلية. ~~••• # في أول مارس 1928 يعرف طه حسين أن رئيس الوزراء ثروت باشا قد زار في اليوم السابق رئيس ~~مجلس النواب مصطفى النحاس باشا «الذي كان قد خلف سعد زغلول في رياسة الوفد»، وأطلعه على ~~مشروع للمعاهدة بين مصر وإنجلترا يعرضه الإنجليز، وأن رئيس الوفد قد رفض المشروع، وأن مجلس ~~الوزراء قد رفض بعد ذلك أن يناقشه، وأن ثروت باشا سيبلغ الإنجليز هذا الرفض، وإذن فلن تتأخر ~~استقالة الوزارة طويلا. # وبعد ثلاثة أيام تستقيل الوزارة فعلا، وبعد ذلك بأسبوعين يؤلف النحاس باشا في 17 مارس ~~وزارة يحتفظ فيها بوزيرين من وزراء الأحرار الدستوريين. ~~••• # في الساعة العاشرة من صباح كل يوم، يحضر الأستاذ توفيق شحاتة سكرتير طه حسين ليقرأ عليه ~~صحف الصباح وما يحمله البريد مع الرسائل، ثم يقرأ ما يطلب «الدكتور» قراءته أو القراءة فيه ~~من الكتب، والدكتور يستمع منصتا ويستعيد أحيانا وقد يصحح القراءة في بعض الأحايين، وقد ~~يطلب إلى سكرتيره أن يقيد ملاحظة من الملاحظات أو أن يقرأ عليه مرجعا من المراجع في الموضع ~~الذي يعينه له، وسوف يدق جرس التليفون فيرد، ويستقبل أحد الزوار فينسحب توفيق إلى ركن من ~~أركان المكتب ينشغل فيه بما يكون لديه من أعمال. # ولكن طه حسين يطلب إلى سكرتيره أن يتوقف عن القراءة ذات صباح، فإنه يحس بآلام قاسية تصرفه ~~عن الاستماع، ولا بد أن يستدعي الدكتور سامي كمال صديق الأسرة وطبيبها، ويحضر الدكتور فما ~~إن يدرك طبيعة هذه الآلام حتى يستدعي ms050 الدكتور علي باشا إبراهيم فيحضر على عجل فهو زميل ~~وصديق لطه حسين، يسمع إلى شكواه ويقرر بعد الفحص ضرورة نقله إلى المستشفى الإسرائيلي حالا، ~~ليبقى هناك تحت الرقابة مدة تجري له بعدها عملية الزائدة الدودية. # وبينما تعد السيدة سوزان العدة للذهاب إلى المستشفى، يقول علي باشا إبراهيم لطه حسين: ~~«أخيرا جاءتني فرصتي، ستخضع في المستشفى لأوامري، ولن تستطيع الآن أن تعصي لي ~~أمرا!» # وطه حسين يبتسم، ولكنه يستأذن في أن يخلو بسكرتيره ليمليه وهو يغالب آلامه سطورا قليلة ~~يوصي فيها أخاه الشيخ أحمد بزوجته وبابنته وبابنه، ويوصي بهم أيضا صديقه الشيخ مصطفى عبد ~~الرازق. # وتجرى العملية ويتم الشفاء والحمد لله، ويعود الأستاذ إلى الجامعة يتحدث مع زملائه في ~~شئون الكلية. لقد تقرر أن يمثل الجامعة في المؤتمر الذي سيعقد في مدينة أكسفورد أثناء ~~الصيف، وهو يعد بحثين لتقديمهما إليه: الأول عن استعمال ضمير الغائب في القرآن الكريم، ~~سيبين فيه الروعة البلاغية في هذا الاستعمال، والثاني عن العلاقة بين مذهب المعتزلة في وجوب ~~الأصلح وبين مذهب الفيلسوف الألماني «ليبنتز». # ويسأل أحد الزملاء عن اللغة التي سيلقي بها طه البحثين في هذا المؤتمر الذي سيعقد في ~~مدينة الجامعة الإنجليزية الكبيرة، ويرد طه حسين: «بالفرنسية؛ لأن إنجليزيتي لا تنفع.» ~~ويحكي لزملائه وهو يبتسم كيف حاول أن يتعلم الإنجليزية، يقول: «كان أخي الشيخ أحمد وثلاثة ~~من إخوانه الأزهريين قد رأوا أن الأستاذ الإمام محمد عبده يعرف اللغة الفرنسية، ويرد بها ~~على «هانوتو» وعلى «رينان»، ولذلك قرروا أن يدرسوا لغة أجنبية، ووجدوا في مدرسة الجمالية ~~مدرسا قبل أن يعطيهم دروسا في الإنجليزية مقابل مئة قرش يجمعونها من بعضهم البعض ~~شهريا، وكان المدرس يحضر للتدريس في الغرفة التي يسكنها أخي وأسكنها معه، كان المدرس يعلم ~~تلاميذه الأربعة كيف يلوون الألسنة ويمدون الشفاه، ويوسعون الحلوق، ويباعدون بين الألسنة ~~وسقف الفم، لينطقوا بهذه الرطانة الإنجليزية، وكنت أجلس بعيدا منطويا لا يحس أحد بوجودي، ~~وكلي مع ذلك آذان ألتقط كل ما يعلمه المدرس لتلاميذه، ولكن المدرس تعب، وتعب التلاميذ، ms051 ~~ولم يصلوا إلى طائل، فانقطع تعليم الإنجليزية لهم، وانقطع تعلمي لها.» # وينتهي مؤتمر أكسفورد وتبدأ عطلة الصيف عام 1928، ويقضي طه حسين وأسرته جانبا منها على ~~ضفة بحيرة صغيرة في منطقة جبال الألب، يريد هو أن ينقطع فيها كل الانقطاع إلى القراءة ~~والدرس، وتأبى أسرته إلا أن تخرجه قليلا للرياضة، يسيرون جميعا في الغابة يتتبعون مجرى ~~غدير فيها، فيقول لزوجته إنه يجد في مصاحبة ذلك الغدير أنسا ولذة عظيمين، فتقول له: «كم ~~تستطيع أن تجد من الأنس لو أرحت نفسك من بحوثك ومن فلسفة ليبنتز!» فيقول لها: «ولكنك تعلمين ~~يا صاحبتي أن ليس إلى هذا من سبيل!» # وتقترب عطلة الصيف من نهايتها، وطه حسين يتطلع إلى العودة، فإنها سوف تتيح له أن يرى ~~تلاميذه وزملاءه وأصدقاءه، ومنهم لطفي السيد وعبد الخالق ثروت، ولكن الصحف الفرنسية تقرأ ~~عليه ذات صباح، فيعلم منها أن عبد الخالق ثروت باشا قد مات الليلة البارحة، في ~~باريس. # في خلال السنوات التسع التي مضت منذ قدمه عبد الخالق ثروت باشا إلى طلابه في الجامعة، ~~قامت بين الرجلين صلة قوية قوامها الإعجاب والمودة الصادقة، ولم يكن طه حسين يرى في ثروت ~~زعيما من أصدق الزعماء حبا لوطنه ومقدرة على خدمته فحسب، بل كان يعده صديقا من أشرف ~~الأصدقاء وأقربهم إلى قلبه، رجلا من أوفى الرجال وأجدرهم بالمحبة. وطه حسين يحس الآن أن ~~الموت اختطف ثروت من مصر ومنه هو اختطافا، اختطفه الموت الذي اختطف من قبل أخته نفيسة ~~وأخاه محمودا، يقول: «الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة لا غناء فيها ولا ثقة بها ولا معتمد، ~~تبينت ذلك ولما أتجاوز الصبا، وتبينته مرة ومرة ومرة»، ويذكر كيف سمع نعي ثروت فلم يطق ~~البقاء في المنزل، بل خرج هائما «لا أدري إلى أين أذهب، ولا أعرف ماذا أريد، وأنا أمشي على ~~ساحل البحيرة لا أكاد أسمع اصطخاب أمواجها ولا أكاد أحس هذه الريح التي تعصف من حولي؛ لأني ~~مغرق فيما أنا فيه من التفكير في ثروت، وفي الموت.» # ويجيء موعد السفر، ms052 ويصعد مع أسرته سلم الباخرة التي ستعود بهم إلى الإسكندرية، فيعلم أن ~~السفينة تقل رفات ثروت، إنه إذن يعبر البحر معه ويرافق شخصه لآخر مرة. «مات ثروت ... والناس ~~يقولون إن موته كارثة آلمت مصر كثيرا، وأفقدتها كثيرا، وأنا أعلم ذلك وأقدره، ولكني إنما ~~أفكر في ثروت الصديق ... تعيش الأمم قبل الزعماء وتعيش الأمم بعد الزعماء، ولكن الصديق لا ~~يعيش حقا إذا فقد الصديق، إنه يفقد جزءا من نفسه وقطعة من قلبه.» # يفكر طه حسين في زوجة ثروت التي كانت ترافق جثمانه: «لله زوج ثروت! سجينة في غرفتها على ~~السفينة، منحدرة الدمع حتى لا تجد في عينيها دمعا، مؤرقة الليل لا تأوي إلى مضجع، منغصة ~~النهار لا تطمئن إلى شيء ولا إلى أحد ...» وتصل الباخرة إلى الإسكندرية ويهبط منها جثمان ~~ثروت، «ولله مصر كلها! إذ تستقبل عظيمها لتشيعه إلى حيث أراد الله أن يستقر إلى آخر ~~الدهر.» ~~••• # عندما تصل الأسرة إلى منزلها في مصر الجديدة، يعدو «مؤنس» وهو الآن في السابعة من عمره ~~إلى الحديقة، يريد أن يرى كيف أصبحت بعد الغيبة عنها شهور الصيف، كيف صارت أشجار ~~البوانسيانس الأربع التي يجلس في ظلها أبوه، هل نمت منذ فارقوا الدار؟ وهل أورقت؟ هل ازدهر ~~الزهر عليها وتألق؟ يتلكأ في تلبية الدعوة المتكررة لدخول البيت، لأنه يريد أن يصف حال ~~الحديقة بعد انقضاء الصيف لأبيه، على أنه لا بد الآن أن يأوي إلى الفراش، لا بد أن يستعد هو ~~وأخته للعودة إلى مدرستيهما في الصباح، ولا بد للوالد كذلك أن يستأنف في الغد نشاطه في ~~الجامعة. ~~••• # القاهرة في خريف 1928 هي عاصمة غير التي تركها طه حسين أول الصيف، فقد نشرت بعض الصحف ~~وثائق قيل إنها تمس نزاهة مصطفى النحاس المحامي # 10 # وسارع الملك فؤاد بإقالة النحاس باشا رئيس الوزراء، وعين لرياسة الوزارة أحد ~~الوزيرين اللذين كانا يمثلان حزب الأحرار الدستوريين في وزارته، واستصدر الرئيس الجديد محمد ~~محمود باشا، بسرعة، أمرا ملكيا بحل البرلمان وبوقفه عن الاجتماع مدة ثلاث سنوات على ~~الأقل، ms053 وأعلن أنه ينوي أن يحكم البلاد بيد من حديد، بغير دستور، ولا تمثيل للشعب، ولا ~~برلمان. # وطه حسين ساخط لهذه النكسة في حياة البلاد الدستورية، يؤكد للشيخ مصطفى عبد الرازق - الذي ~~كان يسأله ألا يرى لوزارة محمد محمود أي مزايا - أنه لا توجد أبدا أي مزية تسوغ قيام ~~الحكم الديكتاتوري، وأنه هو صديق شخصي لمحمد باشا محمود، ولكنه لا يقبل الديكتاتورية أبدا، ~~ويستنكر أشد الاستنكار تعطيل الدستور الذي جاهدت الأمة لإصداره، مقررا أنها هي مصدر كل ~~سلطة . ~~••• # وفي آخر عام 1928 وأوائل عام 1929 يلقي طه حسين في الإسكندرية سلسلة من أربع محاضرات عن ~~الشعر العربي السياسي، والهجائي، والغزلي، وعن التأثير الفارسي في الأدب العربي، وقاعة ~~المحاضرات تغص دائما بالمستمعين والمستمعات أيضا، ومن بينهم من يكتشف روعة التراث العربي ~~لأول مرة، وتحدث هذه المحاضرات في الثغر السكندري حركة أدبية نشطة يتمنى أهل الإسكندرية ألا ~~تهدأ. وفي الإسكندرية أدباء نابهون يتحدثون إلى طه حسين عن انشغال مدينتهم بالتجارة والمال ~~وانحصار كل نشاط ثقافي له قيمة في أوساط الجاليات الأجنبية، وطه حسين يقول لا بد للإسكندرية ~~من إحياء جامعتها ومكتبتها واستعادة مكانتها لتعود منارة من منارات الثقافة العربية في حوض ~~البحر الأبيض المتوسط. ~~••• # وفي حديقة منزل طه حسين في مصر الجديدة، في ظل الأشجار التي نمت نموا ظاهرا، يجلس لطفي ~~السيد مع طه حسين، لطفي يقول كعادته: «سأسأل أنا»، ويضحك طه حسين ويقول له: «آخر مرة سمعت ~~فيها هذا التعبير كانت عندما أقبلت ابنتي أمينة تناقشني على طريقتك التي سمعتها منك، قالت ~~لي: إذا كانت الحلاوة الطحينية حلوة، وإذا كنا يجب أن نحب الحلاوة، فلماذا تحرمني أمي ~~منها؟» # فيقول لطفي السيد: «عظيم! إذن سيكون لنا ذات يوم آنسة من الفلاسفة والعلماء، بل إنها ~~ستتخرج في جامعة منزلية، عندك هنا؛ لأننا لا نقبل البنات في الجامعة.» # ويقول طه: «هذا موضوع هام، لماذا لا تقبل الفتيات في الجامعة؟ لماذا نحكم على نصف الأمة ~~بالجهل؟ إن كلمة «مصري» الواردة في القانون ليس معناها الذكور من ms054 المصريين فقط، «المصري» ~~تعني المصري والمصرية، تعني جميع أبناء مصر، فليس هناك إذن مانع قانونا من قبول الفتيات في ~~الجامعة إذا كان لديهن ما تتطلبه الجامعة من زملائهن من المؤهلات»، ويرد لطفي السيد، بعد ~~تأمل، بأن هذا الكلام مقنع، يبقى التنفيذ، ويرد طه بأن التنفيذ في يد السيد المدير، أي في ~~يد لطفي السيد نفسه. # وتدخل «أمينة» لتسلم على الضيف الكريم، ثم تقول لوالدها: «وجدت عصفورا في الحديقة لا ~~يستطيع الطيران، رجله مكسورة وأنا لذلك أعنى به وأعطيه الأكل والماء، وسأظل أعتني به حتى ~~يستطيع أن يحلق عاليا في السماء.» # ويقول لطفي السيد: «إذن لن تكون عندنا آنسات يحملن آراء الفلسفة والعلم فحسب، بل يحملن ~~كذلك لواء الرحمة والطموح.» ~~••• # وتجيء إجازة نصف العام، ولا بد لأمينة ولأخيها من الانطلاق بعيدا عن المدرسة، وعن البيت، ~~وعن القاهرة، وهناك دعوة من آل عبد الرازق لزيارتهم في «أبو جرج» في مديرية المنيا. # والعطلة في «أبو جرج» بالنسبة لأمينة وأخيها هي الحقول الممتدة إلى غير نهاية، والحديقة ~~الواسعة ذات الأشجار والثمار يمرحان فيها كما يشاءان، ويأكلان من ثمارها ما يشاءان، ولكن ~~العطلة تنتهي فيعود الطفلان مع والدتهما ومع جدتهما لأمهما (التي كانت تزور مصر للمرة ~~الثانية) إلى القاهرة، سعداء بهذه الأيام التي قضوها في الريف وبما لقوا فيها من ترحيب ~~وإكرام. وتمر أسابيع ثلاثة بعد عودتهم فتحس أمينة بحرارتها ترتفع، ولا تستطيع مغادرة ~~فراشها، ويحضر الطبيب، فتؤكد له التحليلات التي يجريها أن الصغيرة مريضة بالتيفود، ولا تمر ~~أيام حتى يصاب أخوها بنفس المرض، ويبذل الطبيب أقصى جهده، ويعطي الصغيرين كل عنايته، وهما ~~يتماثلان فعلا للشفاء، ولكن أمينة تعود فتنتكس، ثم يشتد مرضها وتتعرض للخطر، والدتها ~~تلازمها، ووالدها يسهر الليل إلى جوارها، حيران قلقا يدعو الطبيب بعد الطبيب، والأطباء ~~يتشاورون، يصفون العلاج ثم العلاج، يتفقون ويختلفون، والوالد ترهقه من جديد ذكرى أخته نفيسة ~~وأخيه محمود، وتذوب نفسه ألما وهو يتجه إلى الله - تعالى - يدعوه أن يرحم صغيرته ويشفيها، ~~نعم ويزور طه حسين ضريح السيدة زينب ms055 ذات يوم ليبتهل هناك إلى الله. # ويرحم الله الوالد والوالدة والصغيرة، فتترك أمينة فراش المرض بعد ملازمته أسابيع، ضعيفة ~~قد أنهكتها الحمى، مبتهجة لأنها تستطيع الآن أن تمشي في الحديقة وأن تشارك في حياة الأسرة ~~التي حرمت من المشاركة فيها طوال مدة المرض الثقيل الخطير. ~~••• # كان محمد محمود باشا لا يزال يشدد من قبضته على شعب لا يستجيب له ولا يخضع، ولكن حكومة ~~المحافظين في إنجلترا تسقط وحزب العمال الإنجليزي يصل إلى الحكم في أول الصيف، فينقل لورد لويد # 11 # من القاهرة، وتعلن استقالته في البرلمان الإنجليزي، # 12 # وتعرض حكومة العمال الجديدة في بريطانيا على مصر مشروع معاهدة ينص في مقدمته ~~على ضرورة تصديق البرلمان المصري على المعاهدة، وإذن فلا بد من وجود برلمان مصري، وإذن تسقط ~~وزارة محمد محمود فيطلب الملك في الثالث من أكتوبر سنة 1929 إلى عدلي باشا يكن تأليف وزارة ~~مستقلة تجري انتخابات جديدة حرة. ~~••• # ويبدأ الاستعداد للعام الجامعي الجديد فيزور طه حسين مدير الجامعة يتحدث معه فيما يهم ~~الجامعة والكلية من الأمور، ويذكره أثناء الحديث بموضوع قبول الطالبات في الجامعة، إن هناك ~~طلبات مقدمة فعلا من عدة آنسات لكلية الآداب ولكلية الطب، يقول لطفي السيد: «لقد سبق أن ~~تحدثنا في هذا الموضوع، ورأينا أنه لا مانع قانونا من قبول الطالبات إذا كانت لهن نفس ~~المؤهلات المطلوبة من الطلاب، فعلى بركة الله، وإني لسعيد بما سوف يتاح لهؤلاء الفتيات من ~~فرصة التعليم العالي، مشفق عليهن في نفس الوقت، فإنهن سوف يتحملن مسئولية خطيرة، إن نجاحهن ~~سيعني إتاحة فرص التعليم الجامعي لأجيال من الفتيات يأتين من بعدهن لا في مصر فقط بل في ~~البلاد العربية كلها، وإخفاقهن لن يقتصر ضرره عليهن ولا على هذا الجيل ولا على هذا البلد، ~~فما أثقل ما يحملهن طموحهن من تبعات!» # ويعكف طه حسين على دروسه في الجامعة وعلى المقالات التي كان يمد بها الدوريات الأدبية في ~~مصر والشام؛ الهلال والمقتطف والسياسة الأسبوعية والجديد، التي أصدرها صديقه الأستاذ محمد ~~المرصفي، ومجلة الحديث ms056 التي كان يصدرها الأستاذ الكيالي في حلب. ويتابع طه حسين في هذه ~~المقالات عرض ونقد مؤلفات زملاء له من الأساتذة داخل الجامعة، مثل أحمد أمين ومحمد عوض ~~وإبراهيم مصطفى، وخارج الجامعة مثل عباس محمود العقاد ومحمود عزمي وأحمد حسن الزيات وفكري ~~أباظة وواصف بطرس غالي، لا يبخل بالمدح ولا يتحرج من النقد، مرحبا دائما بكل كتاب جيد ~~جديد، يعده إضافة إلى ثروتنا الثقافية العربية التي يريد لها أن تنمو وتزداد. # ويسجل خواطره أثناء العطلة في كتاب جديد هو كتاب «في الصيف»، يتوقف فيه عند هذا الجهاز ~~العجيب الذي كان قد سمع من قبل أنه قد اخترع واستعمل في أمريكا ولكنه لم يره إلا هذا ~~العام في فرنسا، يصف هذه الأداة الجديدة التي تسمى «الراديو»: «إنها تقرأ على المستمع ~~أخبار الصحف، وتحمل إلى المشتركين فيها ما يكون في الملاعب ودور الموسيقى واللهو؛ من تمثيل ~~وعزف وفرح وغناء، ذلك كله دون أن يتكلف المشترك من المشقة إلا إدارة زر من أزرار الكهرباء، ~~فإذا سئم أو مل أدار الزر مرة أخرى فينقطع الصوت ويعود الهدوء»، ويقول: «أما أن هذه الأداة ~~الجديدة من أقوى أعوان الديمقراطية على نشر الثقافة والمساواة فشيء لا شك فيه، ولكن من يدري ~~فلعل هذه الأداة الجديدة تكون من أشد الأشياء خطرا على الديمقراطية نفسها»، ويسجل خاطرة ~~خطرت له: «هل يأتي يوم يمكن فيه لمستمع الراديو أن يرد على المتحدث فيه بحيث يسمعه ~~المتحدث؟» وإنما أخطر على باله هذا السؤال ما كان ابنه وابنته يعلقان به على حديث في ~~الراديو لوزير الحربية الفرنسية، يسفهان منطقه ويطالبانه في عنف بأن يلتزم الصدق وألا ~~يغرر بسامعيه، كانا يفعلان ذلك آمنين أنه لن يسمع ولن يرد! ~~••• # ويتابع طه حسين دروسه في الجامعة، يسير إلى قاعة الدرس منتصب القامة، نشيطا، واثق ~~الخطوة، فإذا بلغ مع سكرتيره منصة التدريس ارتقاها دون تردد وجلس مرفوع الظهر قد ضم ركبتيه ~~إحداهما إلى الأخرى، واعتمد بيديه على المنضدة الصغيرة أمامه يريح يمناه على اليسرى، عندئذ ~~يتركه السكرتير لينصرف ms057 لما لديه من أعمال فتسكت قاعة الدرس، التي تكون قد امتلأت إلى جانب ~~طلابه بطلاب من أقسام الكلية الأخرى ومن كليات غير كلية الآداب، ويبدأ طه حسين حديثه واضح ~~اللفظ، ناصع العبارة، شديد الاقتناع، شديد الإقناع، يستشهد بشعر قد يكون معروفا لسامعيه، ~~فيخيل إليهم أنهم يسمعونه لأول مرة، ويحسون لأول مرة بعذوبته وسحر موسيقاه. # ويناقش الأستاذ طلابه في موضوعات الأدب العربي الذي ملأ قلوبهم - كما يقول أحد تلاميذه ~~الأستاذ الدكتور شوقي ضيف - فتنة بالبحث فيه. # يسأله طالب عن هذا الأدب العربي؛ ما مكانته بين آداب العالم؟ # يقول طه حسين: «إن التراث الأدبي العربي شهد عصرا ذهبيا يمتد من الجاهلية إلى وفاة أبي ~~العلاء المعري، امتزج فيه التراث العربي الخالص بتراث الأمم المجاورة ... توافرت له عناصر ~~الثبات مع عناصر التحول فأنتج أدبا رائعا.» ~~«وإننا إن أردنا المقارنة السليمة فلنقارنه - الأدب العربي القديم - بأمثاله من الآداب ~~القديمة ... إن الآداب السامية، الآرامية والعبرية، والآداب الفارسية، التي كانت شائعة في ~~المنطقة التي استولى عليها العرب، قد عجزت عن أن تثبت للأدب العربي واندمجت فيه واستحالت ~~روافد له ... والأدب الروماني تقليد لليوناني ... لم يبق إذن إلا أدب اليونان، يمكن أن يقال إنه ~~تفوق على الأدب العربي حقا ... ومع ذلك فإن الأدب اليوناني على قوته لم يثبت للأدب العربي ~~في الشام والعراق ومصر وشمال أفريقيا، وتقلص ظله عن هذه البلاد واضطر إلى الانحصار في ~~البلاد البيزنطية.» # ويسأله طالب آخر: «أليس الأدب العربي القديم بطبيعته أدب بادية فحسب؟» فيقول: «لقد حمل ~~تراثنا الأدبي في نفسه طبيعة خصبة وغنية إلى أقصى ما يمكن من الخصب والغنى، فلم يكد يتجاوز ~~البادية حتى استحالت الطبيعة الخصبة التي كانت منكمشة إلى جذوة من النار لم تلبث أن اشتعلت ~~فشملت العالم القديم وصهرته وحولته إلى طبيعة جديدة مخالفة لما كانت عليه قبل ~~الإسلام.» # ويقول طالب ثالث: «يبدو لنا الأدب العربي القديم أحيانا بعيدا عن الحياة الواقعة.» فيرد ~~طه حسين: «إنما نأى الأدب العربي عن الحياة الواقعة في بعض عصوره حين تسلط المستبدون ms058 من غير ~~العرب على حياة الشعوب واستأثروا لأنفسهم وخاصتهم بالسلطة كلها، هناك عكف الأدباء على ~~أنفسهم وفرغوا لها وجعلوا يبدءون ويعيدون فيما ورثوا من معاني القدماء لا يجددون شيئا، ~~حرموا الحياة فتفرغوا لأدب لا حياة فيه.» # ويثور موضوع القديم والجديد فيقول لطلابه: «إن المحدثين يقرءون تراثنا القديم ولكنهم لا ~~يحسنون فهمه، وإنهم كلما أرادوا البحث عن مواضع الإشراق والازدهار في تاريخ البشرية لجئوا ~~إلى التراث الغربي القديم والحديث وغفلوا عن أن التراث العربي يعرض نماذج إنسانية رائعة ~~للطموح والكفاح وحرية الفكر غير أنها لا تجد من يستوحيها.» # ويقول: «إن القديم لا ينبغي أن يهجر لأنه قديم، وإنما يهجر القديم إذا برئ من النفع، ~~فإن كان نافعا فليس الناس أقل حاجة إليه منهم إلى الجديد.» # ثم يقول: «إن الحضارة الحقة لا تنكر القديم وإنما تحميه، لأنها تقوم على أساس منه متين، ~~ولولا القديم ما كان الحديث، فليس التجديد في إماتة القديم بل في إحيائه.» # ويسأل طالب عن رأي أستاذه فيما فرضه الغازي مصطفى كمال في تركيا من كتابة اللغة التركية ~~بالحروف اللاتينية، وتحريمه كتابتها بالحروف العربية، هل يحسن أن تقلد مصر والعالم العربي ~~مصطفى كمال في هذا الشأن؟ فيقول طه حسين إن رأيه هو أن مصطفى كمال مخطئ، وطه حسين يعرف أن ~~في الإملاء العربي صعوبة، وإنه لا بد من البحث عن طريقة لتذليل هذه الصعوبة، ولكنه يرفض ~~رفضا قاطعا أن يكون ذلك عن طريق ترك حروفنا العربية وتقليد الأتراك فيما فعلوه من استعمال ~~الحروف اللاتينية، وهو ينبه إلى أن اللغة التركية ليس لها أصلا حروف خاصة بها، وهي إنما ~~استعارت حروف العربية كما تستعير الآن حروف اللاتينية، أما اللغة العربية فلها حروفها ولها ~~تراثها الضخم المسجل بهذه الحروف، ولا بد لنا من صيانة الكتابة العربية والمحافظة عليها، بل ~~والاعتزاز بها. # وبين طلبة قسم اللغة العربية هذا العام طالبة في السابعة عشرة من عمرها تستمع إلى محاضرات ~~طه حسين، سعيدة بها مقبلة عليها إقبالها على حياتها الجامعية الجديدة، والأستاذ يكلف طلابه ms059 ~~ببحوث في موضوعات يحددها لهم فيلقونها أمام زملائهم بين يديه، وقد جاء دور الآنسة سهير محمد ~~القلماوي فكلفها الأستاذ بإعداد بحث عن «طرفة بن العبد». # تحكي سهير القلماوي أنها لما ذهبت رهبة البداية عنها ألقت بحثها، فقالت إنه لا يهمها أن ~~يكون طرفة بن العبد جاهليا أو إسلاميا أو حتى محدثا ما دام شعره هو هذا الذي تجد النفس ~~فيه متعة متجددة؛ لأنه يصور النفس الإنسانية ورد فعل فكرة الموت المحتوم في نفس شاب مغامر ~~في الحب والحرب. # ويقاطع المعلم تلميذته، يقول لها: «مرحى مرحى! وفيم دخولك كلية الآداب يا هانم وأنت في ~~بيتك يمكن أن تحصلي على هذه المتعة؟ نحن هنا نبحث عن الشاعر وعن عصره وعن صلته ~~بعصره.» # وتقول سهير القلماوي: «في كل درس لطه حسين كنا نجد شيئين: أفقا متفتحا في الموضوع يغري ~~بشكل عجيب بالاستمرار في البحث والدرس، أفقا يتفتح ويمزج بين أطراف الموضوع وما يمكن أن ~~يتصل به من موضوعات في قدرة عجيبة خالقة تجعل من الحياة كلا متكاملا لا مجال فيها لشيء ~~وحده أو لفكرة منفصلة عن غيرها، فكان هذا يشعرنا بما يشعر به الإنسان أمام الأثر الفني ~~الرائع الكامل المنسجم. وأما الشيء الثاني فهو الفكرة اللماحة المضيئة التي تضيء هذا ~~الأثر الفني المتكامل بضوء ساحر فريد، لا بد من فكرة بل أفكار جديدة لها طلاوتها وحلاوتها، ~~ولا بد من أفق رحب تجول فيه هذه الأفكار يتسع ويتسع حتى يشمل الحياة كلها.» # وطلاب طه حسين لا يقتصرون الآن على الشباب المصريين، إن الشباب من مشرق العالم العربي ~~ومغربه يتوافد على كلية الآداب، يقول الأستاذ شكري فيصل: «كنا طائفة من تلامذته وطلابه ~~الكثيرين من بلاد الشام في سوريا ولبنان، نتابع محاضراته التي يلقيها في الجامعة وغيرها، ~~طلابا في كلية الآداب نتتلمذ عليه، ودارسين نلاحق محاضراته ... ولا ريب أن زمنا طويلا ~~سيمضي قبل أن يستنفد الباحثون العرب مناحي البحث التي فتح الدكتور طه أبوابها أو مد آفاقها ~~أو دعا إليها.» # ويهتف الأستاذ زكي المجاسني، من أدباء ms060 دمشق، يقول في مقال له: «سمعته! هذه العذوبة في ~~صوته ... لقد سمعت طه حسين بعد أن عرفت أدبه، فوجدته خالدا بصوته كخلوده بأدبه.» # والطالب العراقي «مشكور الأسدي» أعلنه مسجل الكلية بأنه سيمتحن شفويا في يوم حدده له ~~وقال له: «تعال بكرة بدري»، ولم يفهم الطالب العراقي كلمة «بدري» هذه وأقبل في الضحى وقد ~~عقد الامتحان فحيل بينه وبين دخوله، والطالب العراقي يسأل طه حسين هل يحرم من الدراسة على ~~يديه وقد جاء من العراق لهذا الغرض لأنه لم يفهم كلمة «بدري» هذه ، فيأمر طه حسين بأن يدخل ~~الطالب امتحانا آخر وينصح باستعمال الفصحى! ويقول مشكور الأسدي إنه لم ينس كلمة «بدري» ~~هذه أبدا، وكلما مر به رجل اسمه «بدري» أو اسمه «شمس» تذكر هذه الواقعة وتذكر بالإجلال ~~والإكبار أستاذه طه حسين. ~~••• # يجري عدلي باشا يكن الانتخابات وينجح الوفد في آخر ديسمبر، فيدعى مصطفى النحاس باشا ~~لتأليف الوزارة في أول يوم من عام 1930. # ولكن وزارة النحاس تدخل في مفاوضات مع الإنجليز لا تنجح، وإذ تفشل المفاوضات تسقط الوزارة ~~في 17 يونيه من نفس العام. # وفي منتصف يونيه 1930 يدعى إسماعيل صدقي باشا لتأليف وزارة جديدة، فيحتفظ لنفسه إلى جانب ~~رياسة الوزارة، بمنصب وزير الداخلية وبمنصب وزير المالية، ويسأل طه حسين نفسه عندما يقرأ ~~احتفاظ صدقي باشا بهاتين الوزارتين: «هل يفكر صدقي باشا إذن أن يحكم البلاد بسيف المعز ~~وذهبه؟ إن صدقي باشا لا يريد أن يكرر خطأ محمد باشا محمود، فهو لن يلغي الحياة النيابية، ~~ولن يعلن للعالم الخارجي أن مصر تحكم ديكتاتوريا، إنه سيدعو إلى إجراء انتخابات، وسيعمل ~~مع برلمان منتخب، وستكون للحزب جريدة ناطقة باسمه، ولكن ذلك كله سيبنى على أساس إلغاء ~~دستور البلاد وإصدار دستور جديد يفرض عليها فرضا.» # طه حسين يتحدث مع عبد العزيز فهمي باشا، فيجده شديد الغضب لهذا العدوان على الدستور، وطه ~~يذكره بأنه وصف دستور 1923 بأنه ثوب فضفاض، ويقول له: «إن دستور 1923 لم يكن ثوبا فضفاضا، ~~فلو أن الشعب تعلم فتمكن بذلك ms061 من إصلاح طعامه وصحته، إذن لملأ هذا الثوب الفضفاض وسار فيه ~~راسخ الخطوة قويا لا يجرؤ أحد أن يسلبه إياه.» # وعبد العزيز فهمي باشا يقول: «ليس إلى شيء من ذلك قصدت عندما كنت ألاحظ ما لاحظت على ~~تطبيق الدستور، إنك لتعلم أنني قد ساهمت في وضعه وكافحت لكيلا ينقص منه شيء، وسيقف الأحرار ~~الدستوريون إلى جانب الوفد المصري مناهضين للحكم المطلق الذي يريد الإنجليز وتريد السراي ~~ويريد صدقي باشا أن يفرضوه على مصر باسم الدستور الجديد.» # وتتم فعلا مقاطعة الوفد والأحرار الدستوريين للانتخابات، وتمتلئ كراسي مجلس النواب ~~الجديدة بمن اختارهم وزير الداخلية، فدخلوا الانتخابات لا ينافسهم فيها أحد. # والوفد المصري يدعو إلى عدم التعاون مع حكومة صدقي، وعدم أداء الضرائب لها، ويتظاهر ~~المتظاهرون من كل الطوائف والمهن ضد الحكومة، ويضرب بعض الطلاب في بعض المعاهد والمدارس ~~احتجاجا عليها، وصدقي باشا يأمر بأملاك وأموال الممتنعين عن التعاون مع الحكومة فتباع ~~جبريا، ويأمر بالطلاب «المشاغبين» فيفصلون، وبمن يتعاطف معهم من الأساتذة أقل التعاطف ~~فيبعدون عن معاهد التعليم، وبالمتظاهرين ضد الحكومة من كل الطبقات فيلقون في ~~السجون. # عندما تستأنف الجامعة الدراسة يتجمع الطلبة وهم غاضبون للعدوان الذي وقع على الدستور ~~وللعنف الذي تتسلط به الحكومة على البلاد، يتحدثون بأن الدستور الجديد باطل لأنه صادر رغم ~~إرادة الأمة مصدر السلطات. # وأساتذة كلية الآداب يتحدثون عن هذه الحالة العامة، لا يخفون ضيقهم بها وقلقهم لما يمكن ~~أن يترتب عليها من نتائج، يلاحظون أن الاحتلال الإنجليزي قد نجح في أن يحول الجهاد الوطني ~~من مواجهته هو إلى ما يشبه الحرب الأهلية بين المصريين، ويتحدثون كذلك عن ترشيح أستاذ ~~إنجليزي هو الأستاذ سترلنج عميدا لكليتهم، فيتفقون على عدم انتخابه، ويصممون على أن ~~ينتخبوا طه حسين هذه المرة؛ لأنه مصري ولأنه طه حسين. # وتجري انتخابات العمادة ويكون طه حسين أول الفائزين، وترفع نتيجة الانتخابات إلى وزير ~~المعارف مراد سيد أحمد باشا، ولا يستطيع أحد أن يتنبأ بالموقف الذي سيقفه الوزير من هذه ~~النتيجة هذه المرة. # | العميد # يعتمد مراد ms062 سيد أحمد باشا وزير المعارف تعيين طه حسين أول عميد مصري لكلية الآداب، ويبلغ ~~هذا الخبر لمدير الجامعة أثناء اجتماع لمجلس الجامعة كان طه حسين يحضره ممثلا لكليته، ~~فيقدم المدير تهنئته للعميد الجديد، ويقترح عليه أن يقابل الوزير في صباح اليوم التالي ~~للشكر. # ويعرف مدير الجامعة أثناء الجلسة أن رسولا أرسله وزير المواصلات توفيق دوس باشا يريد ~~مقابلة الدكتور طه حسين مقابلة عاجلة، فيأذن للعميد الجديد في مغادرة المجلس لمقابلة رسول ~~الوزير، ويعود طه حسين بعد مدة قصيرة إلى قاعة الاجتماع صامتا، ثم ينصرف عند انتهاء ~~الاجتماع دون أن يتحدث إلى الرئيس أو إلى الأعضاء في أمر الرسالة التي حملها إليه رسول وزير ~~المواصلات. # وفي صباح اليوم التالي يستقبل وزير المعارف عميد كلية الآداب الجديد وقد جاء للشكر على ~~التعيين، ولكن الوزير الذي يكرر تهانيه ينتقل إلى موضوع كلفه رئيس الوزراء بالحديث ~~فيه. # إن جريدة جديدة باسم جريدة الشعب ستصدر قريبا بإمكانات غير محدودة لتكون لسان حال الحزب ~~الذي أسسه صدقي باشا وهو حزب الشعب، ودولة الرئيس يعرض على طه حسين رياسة تحرير هذه ~~الجريدة. # وطه حسين يجيب بأن دولة الرئيس كان في اليوم السابق قد كلف شخصين آخرين بأن يتحدثا معه في ~~هذا الموضوع، وهما وزير المواصلات توفيق دوس باشا وعبد الحميد بدوي باشا، وأن جوابه في ~~الحالين كان هو الرفض بغير تردد، إنه لم يمض على انتخابه عميدا لكلية الآداب غير يوم ~~واحد، وهو أول عميد مصري للكلية، وهو لا يريد أن يترك دراساته ولا زملاءه الذين انتخبوه ولا ~~تلاميذه ولا كليته. # ويقول مراد سيد أحمد إن إسماعيل صدقي لا يريده أن يترك دراساته، بل يريده أن يتابع في ~~صحيفة الشعب نشر مقالاته الأدبية وبحوثه إلى جانب المقالات السياسية، وإنه سيكون حرا في ~~التحرير حرية كاملة، ورئيس الوزراء يؤكد أيضا أن مطالب طه حسين كلها، مادية وغير مادية، ~~مجابة مقدما. # ويكرر طه حسين الرفض. # يقول الوزير: «يظهر أن دولة الرئيس يعرفك جيدا، فقد كلفني أن أعرض عليك إذا ms063 لم ترغب في ~~التفرغ لرياسة التحرير أن تبقى عميدا لكلية الآداب على أن تكتب المقال الافتتاحي للجريدة ~~فقط.» # ويرد طه حسين: «ليس إلى هذا سبيل.» # فيقول الوزير وهو يرجع إلى ورقة أمامه: «إن صدقي باشا يقترح عليك موضوع المقال الافتتاحي ~~في العدد الأول للجريدة، وهو أن وجود حزب الشعب ضروري لتحقيق المصالح المصرية ~~الصحيحة.» # ويرد طه حسين، وهو يبتسم ابتسامة فيها شيء من الأسى: «دولة الرئيس يحسن اختيار ~~العناوين!» # ويقول الوزير: «وهو أخيرا يرضى بأن تكتب المقال على أن ينشر بغير إمضاء.» # فيقول طه حسين: «ليست المسألة يا معالي الوزير أن أكتب مقالا يملى علي موضوعه أو لا ~~يملى، وأن أمضيه أو لا أمضيه، وأن أتحكم في مقابله المادي أو لا أتحكم، إنني لا أستخفي ~~إذا أردت أن أقوم بعمل من الأعمال. المسألة يا باشا أنني لا أعرف إن كان وجود حزب الشعب ~~ضروريا لتحقيق المصالح المصرية الصحيحة أم لا، ولكني أعرف أن المصالح الصحيحة هي في ~~انصرافي إلى عملي في كلية الآداب، الذي لم يمض على تعييني عميدا لها غير يوم واحد. إن ~~كتابتي في جريدة الشعب تضرنا جميعا ولا تنفع أحدا، وليس من مصلحة الحكومة أن يعرف الناس ~~أن الموظفين يكتبون في صحيفتها، ولا ينبغي لعميد كلية الآداب أن يسخر نفسه للكتابة في صحف ~~الحكومة فيتعرض بذلك لازدراء الزملاء والطلاب جميعا.» # ويقول الوزير: «لا داعي لأن أخبرك طبعا أنك لو قبلت فإنك ستكون محل التقدير والامتنان من ~~أعلى مقامات البلد. على أني قد أبلغتك رسالة دولة الرئيس، وسمعت كلامك وفهمت عذرك، وسأنقل ~~ذلك كله للرئيس، فلا داعي إذن للاستمرار في هذا الحديث.» # ويعود الوزير فيهنئ طه حسين بالعمادة ويرجو له التوفيق قبل انصرافه. # وفي مساء اليوم نفسه يزور طه حسين لطفي السيد ويقص عليه كل ما حدث، ولطفي السيد يبادر ~~فيكلم الأستاذ عبد الحميد بدوي بالتليفون ويقول له: «الموضوع الذي تحدثت فيه مع الدكتور طه ~~بالأمس ليس هذا وقت العتاب، ولكنني أرجو أن تعمل كل ما تستطيع لتصرف ms064 عنا وعن الجامعة هذه ~~الكارثة.» ~~••• # ويعود طه حسين لدروسه في كلية الآداب، ولكنه يعلم ذات يوم أن صدقي باشا قد عدل وزارته ~~وأسقط منها مراد سيد أحمد باشا الذي عين وزيرا مفوضا لمصر في بلجيكا، وعين مكانه ~~حلمي عيسى باشا وزيرا للمعارف. # ويقبل لطفي السيد بك لزيارة طه حسين في منزله ذات مساء فيذكر أثناء الحديث أن طلب الجامعة ~~الخاص بترقية عميد كلية العلوم مستر بنجهام وعميد كلية الآداب طه حسين قد رفض، ولكن ~~الوزارة قررت زيادة راتب مستر بنجهام لتعويضه عن عدم الترقية. ويسمع طه حسين الخبر فلا ~~يعلق، فقد كان يعلم أن رفضه إطاعة أوامر رئيس الحكومة لن يمر بغير عقاب، ولكن المدير يضيف - ~~في أسف - أن اقتراح كلية الآداب إنشاء قسم للآثار بها قد رفض أيضا. ~~••• # وزارة صدقي مطمئنة إلى أنها قد زيفت على العالم مظاهر الحكم الدستوري في مصر، فللبلاد ~~دستور وبرلمان، وفي البرلمان أغلبية ساحقة لحزب الشعب الحاكم، ولهذا الحزب صحيفة تنطق باسم ~~«الشعب» ... ولكن صدقي باشا والسراي والإنجليز يريدون أيضا استخدام الجامعة المصرية ليظهروا ~~للعالم أن الحكم في مصر مستقر وأن البلد هادئ مطمئن. # يتصل وزير المعارف الجديد محمد حلمي عيسى باشا بمدير الجامعة لتنظيم احتفال كبير يشرفه ~~جلالة الملك، وتمنح الجامعة أثناءه عددا من درجات الدكتوراه الفخرية لعدد من الأجانب، منهم ~~إنجليزي وفرنسي وإيطالي وألماني وبلجيكي، ولعدد من المصريين، يريد الوزير أن تمنح الدرجة ~~الفخرية له هو شخصيا أولا ثم لمدير الجامعة لطفي السيد ثانيا، ثم لرئيس مجلس الشيوخ ~~يحيي إبراهيم باشا، ولرئيس مجلس النواب توفيق رفعت باشا، وأخيرا لأحد الوزراء الحاليين وهو ~~علي ماهر باشا. # ويرد مدير الجامعة إنه من غير المعقول أن يطلب درجة دكتوراه لنفسه، ويفطن الوزير إلى أنه ~~من غير المعقول كذلك أن يمنح هو هذه الدرجة وهو رئيس الجامعة الأعلى، فيسحب الاسمين اسم ~~لطفي السيد واسمه هو. # ويقول المدير أيضا إن قانون الجامعة يقضي بعرض هذا الموضوع على مجالس الكليات، وسوف يفعل ~~ذلك، ولكنه يلاحظ أن الأسماء المذكورة ms065 في القائمة كلها هي أسماء لرجال من أنصار الوزارة، لا ~~تشمل واحدا من المعارضين، والاقتراح بهذا الشكل يبدو اقتراحا لصالح الحزب الحاكم، فيرد ~~الوزير بأنه لا يقبل أن ينال هذا التكريم في عهده أي معارض، ولكن لا بأس من إعطاء درجة ~~أيضا لكل من عبد الحميد بدوي باشا وعبد العزيز فهمي باشا - وهما من أصدقاء طه حسين - أما ~~الأجانب فليس لدى الوزير أسماء، المهم هو الجنسيات، والمهم هو العجلة في إتمام الإجراءات؛ ~~لأن المطلوب هو أن يزور الملك الجامعة، وأن تمنح هذه الدرجات أثناء الزيارة الملكية في آخر ~~فبراير. # يكرر المدير أنه طبقا للمرسوم الصادر بإنشاء الجامعة فإن مجالس الكليات هي المختصة ~~بالنظر في إعطاء الدرجات الفخرية، وأنه لذلك سينقل اقتراح معالي الوزير إلى عمداء ~~الكليات. # يعترض عميد كلية الآداب طه حسين بأن مرسوم إنشاء الجامعة ينص على أن مجلس الجامعة، بناء ~~على قرار من مجلس الكلية، هو الذي يختص بمنح درجات الشرف المطلوبة، وليس للوزير أن يقرر ~~شيئا في هذا الصدد أو أن يقترح شيئا. إنه يخشى أن يكون المطلوب هو استعمال الجامعة في ~~إقامة مهرجان سياسي كبير للحكومة. # ويقول طه حسين: «إن الحكومة تريد أن تمنح درجات دكتوراه فخرية لبعض أنصارها، وكذلك لأشخاص ~~من الأجانب لا تعرف حتى أسماءهم، وتريد أن تمنح الدرجات لهؤلاء الأجانب دون أن يحضروا ~~بأنفسهم لتسلم درجاتهم، فإن الملك سيزور الجامعة ويشهد منح درجات الدكتوراه الفخرية ~~المطلوبة بعد أيام قليلة، يوم سبعة وعشرين من فبراير.» # ويقول طه حسين إنه «عندما قررت جامعة باريس منح درجة الدكتوراه الفخرية للرئيس الأمريكي ~~وودرو ويلسون، وهو رئيس لأكبر دولة منتصرة في الحرب العالمية، أصرت جامعة باريس على أن يحضر ~~ويلسون بنفسه ليتسلم الدرجة الفخرية، وحضر رئيس الولايات المتحدة فعلا من بلاده، وكان ~~سعيدا بحضوره، لماذا نقلل نحن من أمر جامعتنا وأمر بلادنا؟ وكيف نوزع شهادات الدكتوراه حسب ~~الجنسيات؟!» إنه متأكد من أن مجلس كلية الآداب سوف يرفض طلب الوزير، ولا يعرف ماذا سوف يكون ~~موقف بقية الكليات، العلوم ms066 والحقوق والطب. # 1 # ويطلب المدير إلى العمداء مقابلة الوزير للتحدث في هذا الموضوع، ويذهب طه حسين ومعه ~~الدكتور عبد الوهاب عزام بالنيابة عن كلية الآداب ويحاولان إقناع الوزير بالعدول عن طلباته، ~~ولكنه يظل مصرا على رأيه، بل يتحدث بلهجة الأمر فيرد طه حسين على الوزير قائلا: «إن عميد ~~كلية الآداب ليس عمدة يا معالي الوزير!» # ويعرض الموضوع على مجالس الكليات الأربع، فيرفض مجلس كلية العلوم برياسة المستر بنجهام ~~(البريطاني)، ويطلب مجلس كلية الآداب برياسة طه حسين إحالة الموضوع إلى لجنة تنسيق بين ~~الكليات الأربع للنظر فيه، أما مجلسا كليتي الطب والحقوق فإنهما يقبلان. # وبعد ذلك بأيام يعلم عميد كلية الآداب أن الوزير لم يصدق على اللائحة الجديدة للجامعة، ~~التي كان قد اشترك في إعدادها، وهي لائحة تنص على ضمانات للأساتذة شبيهة بضمانات ~~القضاء! # ويقام الاحتفال في موعده، وكان المختصون قد اهتدوا بسرعة إلى أسماء العلماء من البلاد ~~الأجنبية المعنية إلا العالم البلجيكي الذي كان مقررا أن ينال جائزة الأدب؛ لأن كلية ~~الآداب لم تقترح أي اسم، فيقول وزير المعارف في خطابه أمام الملك إن عدم منح الدرجة للأستاذ ~~البلجيكي نشأ عن أعطال في أعمال البريد. # 2 # وعند انتهاء الاحتفال يلاحظ الملك أن الهتاف لجلالته لم يكن من الحماس بالشكل الذي يرضيه، ~~وأثناء الزيارة الملكية للجامعة يسير الملك محاطا برجال الحكومة والجامعة، وهو يحيي الطلاب ~~المجتمعين في الأماكن التي حددها لهم رجال الأمن، وكان المنتظر أن يعلو هتاف الطلاب للملك، ~~ولكنهم جعلوا يهتفون للجامعة وأساتذتها. # وبعد أربعة أيام من إقامة هذا الاحتفال يقرأ قراء جريدة المقطم خبرا صغيرا نصه: # إن حضرة صاحب المعالي وزير المعارف العمومية قد قرر نقل الأستاذ الدكتور طه حسين ~~من كلية الآداب إلى وزارة المعارف العمومية في وظيفة مساعد لمراقبة التعليم ~~الأولي. ~~••• # وقد أحدث نقل طه حسين من الجامعة إلى التعليم الأولي سخطا شديدا في الجامعة بين ~~الأساتذة والطلبة ظل يتصل ويتصاعد كل يوم، تضرب كلية الآداب ثم تتبعها بقية الكليات، ~~وتضطر الحكومة إلى إغلاق الجامعة، ويعم ms067 السخط كل الأوساط المتصلة بالجامعة والعلم ~~والمتصلة بالثقافة بشكل عام. # ويحاول الوزير حلمي باشا عيسى أولا التهوين من الأمر كله، # 3 # ولكن السخط يشتد ويتزايد، والوزير يحاول أن يبرر موقفه وأن يدافع عن نفسه، ثم ~~يلجأ للبرلمان فيوعز إلى أحد النواب أن يقدم له استجوابا بشأن تساهله مع طه حسين، وتتحدد ~~جلسة 7 مارس سنة 1932 لنظر هذا الاستجواب. # قبل نظر الاستجواب يرسل الوزير إلى طه حسين رسولا يعرض عليه أن يعلن أنه قد قبل نقله إلى ~~وزارة المعارف وألا يستمر في إنكاره لشرعية الأمر بهذا النقل، وذلك مقابل أن يختار أي وظيفة ~~خالية بوزارة المعارف غير وظيفة التعليم الأولي فيعينه الوزير فيها فورا، وأن يلتزم الوزير ~~بألا تملأ وظيفة عميد كلية الآداب في ذلك الوقت ليعاد تعيين طه حسين عميدا للكلية بعد ~~مرور مدة من الزمان، وأن يعوض أثناء وجوده في وزارة المعارف عن بدل العمادة، وأن تطبع ~~وزارة المعارف له ما يشاء من الكتب، وأن يمضي الوزير لائحة الجامعات وفيها ضمانات الأساتذة، ~~وألا تمس كلية الآداب، لا أساتذتها ولا طلبتها، وأخيرا أن يقف الوزير فيرد على الاستجواب ~~مدافعا عن طه حسين، مبينا فضله ومزاياه، مدافعا عن كرامته العلمية والدينية. # ويرفض طه حسين أن يعترف بحق الوزير في نقل أساتذة الجامعة كما يشاء، وفي عقابهم إن عصوا ~~أوامره أو أغضبوه دون موجب للعقاب. # وينظر الاستجواب في السابع من مارس فيثير صاحب الاستجواب ثلاث نقط: # الأولى: # أن جريدة الأهرام قد نشرت بالعدد 16959 صورة تمثل طلبة كلية الآداب حول ~~عميدهم الدكتور طه حسين وقد جلست كل شابة إلى جانب شاب، كيف وقع ~~هذا؟ # الثانية: # أن بعض أساتذة الجامعة المصرية امتنعوا عن التدريس في كليات الأزهر ~~الشريف، كيف قبل هذا منهم؟ # الثالثة: # أن طه حسين هو المسئول عن ذلك، وهو رجل موصوف بتأليف كتب مثل كتاب «في ~~الشعر الجاهلي» وكتاب «حديث الأربعاء»، فكيف يسكت وزير المعارف عن ذلك ~~ويسمح بأن يبقى طه حسين عميدا لكلية الآداب؟ # ويهاجم الوزير عددا من مفكري ms068 مصر والعالم العربي، منهم الأستاذ محمد توفيق دياب صاحب ~~جريدة الجهاد، ويكتب الأستاذ عباس محمود العقاد مقالا يوم 11 مارس عنوانه «مشكلة الجامعة ~~خير حل لها أن يستقيل وزير المعارف». # ويقف الوزير في جلسة 1932/3/16 في مجلس النواب يقول إنه لم يسكت ولم يسمح ببقاء طه حسين ~~عميدا، بل نقله من الجامعة إلى الوزارة، وهذا حق للوزير قد مارسه من قبله وزراء ~~آخرون. # ويجلس الوزير ويترك النواب يتبارون في الطعن على طه ~~حسين في عمله وفي وطنيته وفي دينه. # ويقدم مدير الجامعة لطفي السيد استقالته لأنه يحتج على «نقل أستاذ من أساتذتها بقرار من ~~الوزير دون الرجوع إلى الجامعة بالمخالفة للتقاليد المطردة منذ نشأتها ولعقد إلحاقها ~~بالحكومة، ولأنه لا يستطيع أن يقر الوزارة على هذا التصرف الذي يخشى أن يكون سنة تذهب بكل ~~الفروق بين التعاليم الجامعية وأغيارها.» # ويدلي طه حسين بحديث إلى جريدة الجهاد يدافع فيه عن نفسه ويعترض على الموقف الذي وقفته ~~الحكومة منه، وتنشر الجريدة في نفس العدد أحاديث لوزراء المعارف السابقين الذين نسب إليهم ~~حلمي باشا أنهم تصرفوا مثل تصرفاته، وهم علي الشمسي وبهي الدين بركات ولطفي السيد وكلهم ~~ينكر ما قرره الوزير. # يقول طه حسين في حديثه لجريدة الجهاد: # إن طه حسين وإن كان يعلم أنه فقير وأنه ليس وزيرا، إلا أنه يحس أنه إنسان وأنه ~~أستاذ، وأنه عميد لكلية الآداب المصرية، وأنه رجل لا يقل إنسانية ولا شرفا عن ~~معالي الوزير ... ~~••• # وفي جلسة 30 مارس 1932 يقرر مجلس الوزراء برياسة إسماعيل صدقي باشا عزل طه حسين من ~~الحكومة، فينقطع مورد رزق الأسرة الوحيد مرتب الأستاذ العميد. # وتبلغ كل الجهاد أن طه حسين شخص مغضوب عليه من السراي ومن الحكومة، وأن التعاون أو ~~التعامل معه يعتبر تصرفا غير ودي ضد حكومة مصر وملكها. # وتبلغ شركة مصر الجديدة «البلجيكية» أن طه حسين لم يعد من موظفي الحكومة المصرية، ~~ولذلك يتعين أن يخلي المسكن الذي تؤجره الشركة له في شارع المنيا؛ لأنه من المساكن المخصصة ~~لسكنى موظفي ms069 الحكومة. # والشركة البلجيكية مضطرة للتنفيذ، فهي تطلب إلى طه حسين أن يترك مسكنه الذي قررت الحكومة ~~أنه لم يعد له حق في سكناه، ولكنها تبلغه أن المسكن المجاور «ومدخله في شارع الساكركين» ملك ~~لها، وليس مخصصا للموظفين، وهو خال في الوقت الحاضر فهي تؤجره له. # ويبدأ نقل الأثاث (على الرءوس وحملا على الأكتاف) بين المنزلين، ويساعد في ذلك بهمة - ~~وبسخط على الحكومة شديد - البستاني عم إسماعيل. # ويعود البستاني إلى المنزل القديم بعد انتهاء النقل، ومعه فأس كبيرة، ويبدأ، في شهر ~~إبريل، يحفر حفرا كبيرة حول الشجيرات الأربع التي كان العميد قد اعتاد أن يقرأ في ظلها ، ~~إنه مصمم على أن يخلعها، وعلى أن يحملها وينقلها إلى حديقة البيت الجديد، في مكان مماثل ~~للمكان الذي كانت قائمة فيه. هذه الأشجار هي أشجار طه حسين، وهي لذلك لا شك سترفض أن تموت ~~حتى لو نقلت في أول الصيف، في مصر الجديدة، وهي كبيرة ضخمة ذات جذور وفروع. # وتدعو الجامعة الأمريكية بالقاهرة طه حسين لإلقاء سلسلة من المحاضرات عن الأدب العربي ~~يشهدها الجمهور، فيذهب طلبة الجامعة المصريون، وبينهم الطالب مصطفى أمين، إلى طه حسين في ~~منزله للإلحاح عليه في القبول فيقبل. # ويستقبل طه حسين أجمل استقبال عندما يصل إلى قاعة المحاضرات في شارع الشيخ ريحان، ويحاول ~~الطلبة أن يحملوه على أعناقهم حتى المنصة ولكنه يعتذر ويسير إليها بهدوء مع رئيس ~~الاجتماع. # ويقدم الرئيس، الدكتور ماكلنهن، المحاضر للجمهور بكلمة يقول فيها إنه لم يستمع من قبل إلى ~~محاضر استطاع مثل طه حسين أن يجمع بين ثراء اللفظ وحلاوته وبين الدقة في التعبير عن المعاني ~~الرائعة. ثم يدعو طه حسين ليبدأ سلسلة محاضراته. وعندما تنتهي المحاضرة يشق طه حسين الزحام ~~إلى سيارته مع زوجته وولديه وسكرتيره، وهتاف الحاضرين المدوي بحياته يصاحبهم، حتى يركب ~~سيارته ويبتعد بها عن الجامعة. # 4 ~~••• # الليل طويل وطه حسين قد ألح عليه الأرق، يسأل نفسه هل من حقه أن يفرض على أسرته هذه ~~الحياة التي تضطر الآن إلى أن تحياها؟ إنه ms070 رغم هذه المحاضرات التي أظهرت الجامعة الأمريكية ~~شجاعة مشكورة بدعوته لإلقائها، يعلم أنه لا بد له أن يستدين اليوم لتعيش أسرته وليعيش، ~~ليدبر لها ولنفسه مأوى الليل وطعام اليوم. # في الصباح - وعلى مائدة الإفطار - تقول له السيدة سوزان: «إنك لم تنم طوال الليل، وأنا ~~أيضا، ولكني أعرفك عندما تريد أن تعزل نفسك عن العالم، عن كل الناس، أنت لا تريد عندئذ أن ~~تسمع صوت إنسان، لذلك لم أحاول أن أكلمك ليلة أمس، أما وقد أشرق الصبح فإنك تعلم أن سهرك ~~الليل لن ينفعنا شيئا، وأن من يريد أن يقف وقفتك ضد الطغيان لا بد أن ينام قرير العينين ~~مرتاح الضمير، ثم إن لديك أعمالا كثيرة، انظر، لقد جاء البريد اليوم، وفيه رسائل كثيرة، لا ~~شك أن بينها مزيدا من رسائل التأييد التي تصلك من كل مكان؛ من المدن، من القرى، من العالم ~~العربي ومن الخارج، في البريد أيضا كتاب «القضية» للكاتب التشيكي «كافكا» الذي نشر بعد ~~وفاته، وترجمة فرنسية لكتاب حديث للكاتب الأمريكي هيمنجواي عنوانه «وداعا للسلاح»، إنك لا ~~شك تريد قراءة هذا كله، وقد تريد الكتابة عنه ... لا ... لا تقل أين تنشر ما تكتب، المهم أن ~~تكتب، سيبحث العالم العربي كله عن كل ما يكتبه طه حسين.» # ويرد طه عليها: «الخطابات المكتوبة باللغة العربية يأخذها فريد، هل هناك خطابات بلغات ~~أجنبية؟» وتقول سوزان: «نعم، هذه خطابات من طلاب البعثات المصرية في الخارج يؤيدونك فيها ~~ويجددون الولاء، ومن بينها خطابات من محمد مندور وعلي حافظ وعبد الهادي شعيرة، وزملاء لهم ~~آخرين. وهذه صور برقيات أرسلها الكثير منهم إلى وزير المعارف بالاحتجاج على تصرفه إزاءك. ~~وهذا خطاب من أمريكا، هل تريد أن أقرأه عليك الآن؟» ~~ويطلب طه حسين إلى زوجته أن تقرأ الخطاب، فإذا هو عرض من جامعة أمريكية ليقيم فيها ويشغل ~~منصب أستاذ، عرض سخي، والجامعة تترك له الحرية الكاملة في اختيار موضوعات محاضراته. # ويتساءل طه حسين: «عرض بالعمل؟ بالعمل في بلاد حرة؟ تقولين إنه عرض سخي، وإنه يترك لي ms071 ~~مطلق الحرية في اختيار ما ألقيه من الدروس؟» ويعود طه حسين فيعزل نفسه عمن حوله. ~~«نعم أنا أستاذ معزول، وعالم ممنوع عن العمل، وواجبي أن أسعى إلى العمل، ولست أستطيع الآن ~~أن أقوم ببحوثي هنا وأن أؤلف، وكل هذا سيكون مكفولا في أمريكا، ولكني سأكون هناك أجنبيا، ~~سيتوفر لنا العيش المادي كما نريد، ولكنني سأنظر إلى حياة البلد من حولي دون أن أشارك فيها، ~~وستكون مسئوليتي في أمريكا محدودة جدا، ومن ذا الذي أذن لي بالتخلي عن مسئوليتي إزاء ~~بلدي، هذا البلد الذي منحني كل شيء؟» # يدخل السكرتير ويأخذ الصحف والرسائل العربية، وينهض طه حسين ليدخل مع سكرتيره إلى مكتبه، ~~ولكنه يقول لزوجته قبل أن يغلق باب المكتب من خلفه: «هل نبدأ بقراءة كتاب كافكا الجديد هذا ~~المساء؟» # أمينة تقبل وتدخل معه غرفة المكتب، وتقول له: «سوف أجيب أنا وأنت لا تسأل ... هذه أيام ~~ثقيلة، عبئها يعجز عن حمله الرجل القوي، ولكن ماذا قال طاليس؟ # أظن أنه قال إننا إن وزعنا العبء الثقيل على أربعة فإنه يصبح خفيف الحمل، ونحن في هذه ~~الأسرة أربعة، إذا وزعنا العبء الثقيل على أربعة فإن كل واحد منا سيحمل ربع عبء فحسب، الآن ~~ابتسم وقل لي إن طاليس لم يقل شيئا من هذا، وأنا أقول إنه إذا كان لم يقل هذا الكلام فقد ~~كان يجب أن يقوله.» وطه حسين يقبلها ويقول لها: «لقد جاهد أبوك يا ابنتي لكي يعفيك ويعفي ~~أخاك من حمل الأثقال.» # ويعلن السكرتير فريد أن عددا كبيرا من الطلبة قد حضروا وهم يملئون فناء الحديقة، ويخرج ~~طه حسين فإذا بطلابه الذين كانوا يختلفون إليه لسماع دروسه في منزله منذ أقصى عن الجامعة ~~قد انضم إليهم عدد كبير من طلاب الأقسام الأخرى والكليات الأخرى، فأصبحوا جماعة ضخمة ارتفع ~~هتافها وتصفيقها عند خروجه إليهم، وهو ينتظر حتى تسكت الضجة والحركة، ويحس بالمجتمعين وقد ~~أخذوا يترقبون حديثه بانتباه وشغف كما اعتاد من طلابه، ~~فيتذكر آخر درس من دروسه في الكلية عندما كان يدرس معهم ms072 الشاعر «الطرماح بن حكيم»، ~~ويبدأ حديثه في الحديقة بهذين البيتين: # لقد زادني حبا لنفسي أنني # بغيض إلى كل امرئ غير طائل # وأني شقي باللئام ولا أرى # شقيا بهم إلا كريم الشمائل # ثم يقول: «عند هذه الأبيات من شعر الطرماح بن حكيم انتهى بنا الدرس صباح الخميس الثالث من ~~هذا الشهر، وقد استعدناها، واستجدناها، وكأنما كنا نحس أن صباح ذلك اليوم كان ينذرنا بما ~~سيحمل إلينا من مساوئه ومن تلك المحنة الجامعية التي ذقناها، فبلونا منها الحلو والمر، ~~ووجدنا منها الخير والشر، وعرفنا منها أن فينا، والحمد لله، نفوسا أبية، وأنوفا حمية، ~~وقلوبا تعرف كيف تستقبل الخير وتحمل المكروه. نعم، وكأننا ونحن نستعيد هذه الأبيات ~~ونستجيدها نتواصى بالخير والصبر، ويعاهد بعضنا بعضا على الوفاء والبر، ويقسم بعضنا لبعض ~~لنكونن رجالا نعرف الكرامة ونقدرها ونضع أنفسنا حيث تريد لنا المروءة لا حيث تريد لنا ~~المنفعة. # لقد افترقنا بعد الدرس هادئين باسمين، نفكر في الدرس الذي يليه، ثم لم نلتق بعد ذلك في ~~درس ولا بحث، وإنما التقينا في حب ومودة، وفي نصح وتعزية، وفي عواطف كلها تميز الكرامة من ~~اللئام. # أفيؤذن لي - وقد عاد الزملاء من الأساتذة والأصدقاء من الطلبة إلى ما كانوا فيه من درس ~~وبحث واستقرت نفوسهم وعواطفهم بعض الشيء - أن أهدي إليهم جميعا تحية ملؤها الحب الصادق، ~~والود المتين، والشكر الذي لا حد له؟ أفيؤذن لي بأن أشرك معهم في هذه التحية وهذا الشكر ~~أصدقاءنا من طلاب الجامعة المتفرقين في أقطار أوروبا، أولئك الذين لم تكد تبلغهم أنباء هذه ~~المحنة حتى أسرعوا فشاركونا فيها وأخذوا بحظهم منها؟ # أفيؤذن لي أن أهدي أصدق التحية وأجمل الشكر إلى أولئك الذين تفضلوا بالغضب للجامعة ولنا ~~والعطف على الجامعة وعلينا، من أعلام هذا البلد وقادة الرأي فيه؟ وأفيؤذن لي أن أشرك معهم ~~هذه الصحف الكريمة التي آزرتنا وناصرتنا ولم تبخل علينا بتشجيع ولا تأييد؟ # ثم أفيؤذن لي أن أخص الأستاذ الجليل أحمد لطفي السيد بك بتحية الابن البار والتلميذ ~~المخلص والصديق الحميم؟ # أما ms073 أنتم أيها الأصدقاء الأعزاء من طلاب الجامعة عامة وكلية الآداب خاصة، فأذنوا لي أن ~~أقول لكم ما قاله النبي # صلى الله عليه وسلم # للأنصار في حديث جرى: «إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند ~~الطمع»، فحيا الله هذا الثمر الكريم لهذا الغرس الكريم، ولكم على العهد أن أبذل ما أملك من ~~قوة، وما أستطيع من جهد، لأكون عند ظنكم بي ورأيكم في.» # ويختم عميد كلية الآداب، الذي نزعت منه حكومته هذا اللقب فمنحته أمته لقب عميد الأدب، ~~يختم كلمته مخاطبا الجمع الكبير الذي لم يزل يتزايد حتى فاض عن حديقة الدار، بقوله: ~~«أقبلوا على دروسكم كراما أعزاء، وابسموا لحياتكم الجامعية، فقد أنشأتموها كريمة عزيزة، ~~وليكن بيننا موثق من الله ألا نؤمن إلا بالحق، ولا نخلص إلا للعلم، ولا نرضى إلا ~~بالكرامة. وإلى اللقاء.» # | حديث المساء # في صباح يوم من أيام الأسبوع الأخير من شهر فبراير عام 1933 يقوم سكرتير الوفد المصري، ~~الأستاذ مكرم عبيد، بزيارة طه حسين في منزله بالزمالك، يسأل عن أحواله وأحوال أسرته، ويتحدث ~~عن أحوال البلاد، التي لا يزال صدقي باشا يجاهد لإخضاعها بالقوة والإرهاب. # وطه حسين يقول: «إن الذي يحاول إخضاع البلاد في الحقيقة هم الإنجليز والسراي، وإن الشعب ~~لا شك سيحقق لنفسه بكفاحه آخر الأمر ما يصمم على الوصول إليه من الاستقلال السياسي والحرية ~~الاجتماعية.» # وسكرتير الوفد يرد بأن هذا الكفاح يحتاج إلى تضافر جهود كل أبناء الشعب، وهذا يعني أن على ~~قادة الرأي والفكر أن يتحملوا نصيبهم فيه، ثم يقترح على طه حسين أن يشترك في تحرير الصحيفة ~~المسائية الناطقة عند ذاك باسم الوفد، وهي صحيفة كوكب الشرق، فيطلب طه حسين مهلة ~~للتفكير. # ويوشك طه حسين أن يعتذر، ولكن رئيس الوفد مصطفى النحاس باشا يقنعه بأن كفاح الشعب محتاج ~~إلى جهاد كل مؤمن بحقه، فيقبل، وإنه ليعلم أنه بذلك يتحمل عبئا ليس بالخفيف. # ويخصص الأستاذ أحمد حافظ عوض صاحب جريدة كوكب الشرق صفحتها الأولى كلها مساء يوم 5 مارس ~~1933 لمقال يعلن فيه للشعب «حدثا ms074 خطيرا بالغ الأثر، وهو مشاركة طه حسين بقلمه الفياض في ~~الصحافة المصرية، وفي السياسة المصرية وفي الأزمة المصرية الحالية»، كما تنشر الجريدة في ~~نفس العدد رسالة واردة لها من رئيس الوفد المصري مصطفى النحاس باشا يقول فيها إنه مغتبط ~~باشتراك النابغة الكبير الدكتور طه حسين في تحرير جريدة «كوكب الشرق». ~~••• # ويظهر أول مقال لطه حسين في «كوكب الشرق» في التاسع من مارس بعنوان «عهد»، يقول فيه: «إن ~~خير ما يستطيع المصري أن يقدمه لوطنه في هذه الأيام إنما هو الإخلاص في القول والعمل، ~~والصدق في الرأي، والمضاء في العزم، والقوة على المقاومة، والاستعداد لاحتمال المكروه.» ثم ~~يعاهد الذين سيقرءونه على أنه: «سيكون من هذا كله بحيث يحبون.» # يكرس طه حسين أكثر ساعات وقته للصحيفة، تقرأ عليه الأخبار التي يجمعها مندوبوها، ~~والبرقيات التي ترد من الخارج، ويقابل من يقابل من الزائرين والمحررين، ويدعى إلى التليفون ~~فيجيب، ثم يملي المقال الرئيسي كل صباح، ويملي مقالات أخرى قصيرة بغير إمضاء، يطلق عليها ~~المحررون اسم «الطقاطيق»! ويكتب في صفحة الجريدة الأدبية كل أسبوع، فإذا انصرف إلى داره لم ~~يسترح إلا قليلا قبل أن يدخل مكتبه لتقرأ عليه قارئته ما يرد من الخارج من الكتب الأجنبية، ~~ثم ليقرأ عليه سكرتيره ما يطلب قراءته من الكتب العربية، وهو في ذلك العام يطيل الاستماع ~~إلى سيرة الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، يتأمل كم قاسى وكم صبر، وكيف صمد للشدائد وكيف انتصر، فلا يمضي ~~بعد ذلك زمن طويل حتى يأخذ في إملاء الجزء الأول من كتابه «على هامش السيرة». # وقد أحاط بطه حسين في عمله الصحفي الجديد عدد من تلاميذه الشباب مصممين على بذل أقصى ~~الجهد في معاونته، يتحدث إليهم فيما سبق أن أعلنه من قديم من أن الصحافة تتحمل في وقتنا ~~الحالي نصيبا ضخما من مسئولية قيادة الفكر، ويكرر أنه لا بد لمن يتصدى للمشاركة في حمل ~~مثل هذه المسئولية من إخلاص القصد وصدق العزيمة والقدرة على تحمل المكروه، كما أنه لا بد له ~~من تأهيل نفسه ms075 لعمله الصحفي أحسن تأهيل مستطاع، ولا شك أن من ضروريات ذلك إتقان لغة أجنبية ~~واحدة على الأقل من جهة، والحرص الشديد على سلامة التعبير باللغة العربية من جهة ~~أخرى. # وتظهر في جريدة كوكب الشرق توقيعات عدد من الشباب المثقف بعضهم يكتب في الصحف لأول مرة، ~~منهم عبده حسن الزيات المحامي، الذي يرأس تحرير الجريدة بعد قليل، وعزيز أحمد فهمي وكامل ~~الشناوي ومحمد كامل حسين ومحمد عبد العزيز ويحيى الخشاب وجلال الدين الحمامصي، الذي يحرر ~~صفحة الرياضة، وحسن محمود وعبد القادر عرابي وسيد قطب. # وطه حسين يريد أن تعنى صحيفة «كوكب الشرق» بالعالم وأحداثه، وبالرجال الذين يحركون تلك ~~الأحداث أو يتحركون تحت ضغطها، كما أنه يريد أن تعنى الصحيفة عناية خاصة بالعالم العربي، ~~الذي تشاركه مصر أمجاد التراث كما تشاركه آلام الاحتلال والاستبداد، وطه حسين يوجه بعد ذلك ~~جل اهتمامه لمصر، لا لشئونها السياسية فقط، بل لشئونها الاجتماعية والاقتصادية والفنية، ~~وكذلك لشئونها الثقافية بطبيعة الحال. # يكتب طه حسين مقالاته السياسية تحت عنوان «حديث المساء»، مطالبا بعودة دستور الأمة، ~~دستور عام 1923، ليستمتع الشعب بحرياته وبسلطاته التي يقرر ذلك الدستور أنه مصدرها، يقول في ~~أحد أحاديث المساء: «أما بعد، فيجب أن يتنبه الحاكمون جميعا إلى أن نصوص الدستور لم توضع ~~لتكون زينة أو حلية، وإنما وضعت لتكون أساسا للحياة المصرية وقواما للصلة بين الشعب ~~والسلطان، وأن أظهر هذه النصوص وأحقها بالفهم والاحترام إنما هو النص الذي يسجل أن الأمة ~~مصدر السلطات ... ويتبين بهذا أن رجال الحكم ليسوا سادة الشعب وإنما هم خدامه.» # وطه حسين يعرف أن العدو الذي يريد إخضاع مصر سيحاول جهده أن يهدم وحدتها وأن يفرق بين ~~بنيها، ولذلك فإنه وهو يرثي عضو الوفد المصري المرحوم الفقيد الأستاذ سينوت حنا يشير إلى ~~هذه الوحدة مبرزا أهميتها، يقول: «كان سينوت حنا قبطيا مسيحيا، وكان المصريون أول أمس ~~يودعون فقيدهم العظيم، لا لأنه قبطي مسيحي، ولا لأنه مسلم، بل لأنه مصري فحسب، وقد كان ~~المصريون يحتشدون أمس في الكنيسة القبطية ومن حولها ويشرفون ms076 عليها من أعلى الدور، وهم لا ~~يذكرون إلا مصر وأنها محزونة لفقده، وإذن فقد فازت الوحدة الوطنية فوزا مبينا، وكان راحل ~~أمس مؤسس هذه الوحدة، والداعي إليها، والملح فيها ...» # وتراقب صحيفة «كوكب الشرق» تصرفات الحكم، لا تتردد في الكشف عما تراه في أعماله من تقصير ~~وإفساد، تنشر مقالا قصيرا بغير إمضاء تتهم فيه وزير الداخلية محمود فهمي القيسي باشا ~~بتضليل مجلس النواب وتزوير محضر جلسة المجلس، فتستدعي النيابة رئيس التحرير عبده حسن الزيات ~~المحامي تسأله عن كاتب المقال فيقرر أنه هو كاتبه، ولكن طه حسين يتقدم إلى النيابة ليقرر أن ~~عبده تلميذه وأنه إنما يريد أن يحميه ويتحمل عنه مسئولية كتابة المقال، ويستشهد بسكرتيره ~~الأستاذ فريد شحاتة على أنه هو الذي أملاه، كما يستشهد بأسلوبه الذي يقول إنه لا يحتاج إلى إمضاء. # 1 # أما شئون الاقتصاد والاجتماع والمسرح والسينما والموسيقى والمرأة والرياضة، فإن «كوكب ~~الشرق» تنشر ما يمدها به المتخصصون في هذه الموضوعات من فصول. وأما صفحة الثقافة فإن طه ~~حسين يساعده عدد من زملائه وتلاميذه، يواصل العمل فيها مستهدفا دائما هدفين: أولهما أن ~~يصل المعاصرين بتراثهم العربي القديم؛ يجلوه لهم، ويحببه إليهم، ويدفعهم إلى العناية به، ~~يحدثهم عن البحتري وعن ابن الرومي وعن ابن المعتز وغيرهم، والهدف الثاني أن يصل قراءة هؤلاء ~~بأدب أوروبا وحضارتها الحديثة، فهو ينشر في نفس الصفحة فصولا عن حرية الرأي ونشأتها ~~وتطورها، وعن فولتير، وعن جان جاك روسو، وعن تين، وعن رينان. # وصفحة الثقافة لا تهمل ما ينتجه المعاصرون، يعرض طه حسين فيها وينقد الكتب التي يصدرها ~~أمثال الدكتور محمد عوض محمد والأستاذ توفيق الحكيم والأستاذ فكري أباظة، وإذا تحدث عن ابن ~~الرومي أشاد بما سبق أن كتبه عنه كاتبان ممتازان هما الأستاذ عباس محمود العقاد والأستاذ ~~إبراهيم عبد القادر المازني. ويموت الشاعران الكبيران أحمد شوقي أمير الشعراء، وحافظ ~~إبراهيم شاعر النيل، في هذا العام، فتعنى الصحيفة عناية كبيرة بآثارهما، مبرزة ما لهما من ~~فضل وأثر في نهضة الشعر في مصر وكل بلاد العرب. ms077 ~~••• # وفي أول الصيف تظهر نتيجة امتحان الليسانس في كلية الآداب بالجامعة وبين الناجحين أربع من ~~الآنسات، وتوفد جريدة «كوكب الشرق» أحد محرريها ليهنئ المتخرجات الأربع بنجاحهن، ويوجه إلى ~~كل منهن سؤالين؛ الأول: عند أي حد يحسن أن تتوقف ثقافة الفتاة؟ والثاني: ماذا يمكن أن تقدم ~~الفتاة المتعلمة من خدمات للبلاد؟ # أما الآنسة فاطمة سالم، تلك الفتاة الرقيقة القادمة من زنجبار، التي درست اليونانية ~~واللاتينية في الجامعة المصرية، فإنها تقول إنها حريصة على أن تواصل تعليمها لتحصل على درجة ~~الماجستير، ولتستطيع بعد ذلك أن تنقل إلى العربية من روائع اللغتين القديمتين ما تستطيع ~~نقله، وإنها حريصة على بذل ما في وسعها لإصلاح حالة مجتمعها وحالة المرأة فيه. # وأما الآنسة زهيرة عبد العزيز - التي تخرجت هي وزميلتها الآنسة فاطمة فهمي في قسم ~~الاجتماع - فإنها تحكي أن موظفا مصريا كبيرا زار الكلية قبل موعد امتحان الليسانس ~~بشهرين، وأنه قد استولت عليه الدهشة عندما علم - لما رآهما - أن في الجامعة طالبات، ثم ~~استولى عليه ما يشبه الذعر عندما سمع أن الآنسة زهيرة تريد أن تعمل في بنك مصر، وأن الآنسة ~~فاطمة تريد أن تعمل في وزارة الخارجية! # وأما الآنسة سهير القلماوي فهي ترى، ردا على السؤالين، أن ثقافة المرأة مثل ثقافة الرجل ~~لا ينبغي أن تقف عند أي حدود، وهي شخصيا ستواصل الدراسة للحصول على درجة الماجستير في ~~الآداب ثم درجة الدكتوراه، وأما الميادين التي يمكن للفتاة المصرية المتعلمة أن تنفع فيها ~~بلادها فهي كثيرة وواسعة، وهي شخصيا ترغب في أن تعمل في ميدان الإصلاح الاجتماعي وأن تكرس ~~جهدها لإصلاح حالة المرأة. ~~••• # وطه حسين يتحدث - في منزله - مع والده الذي حضر هو ووالدته إلى القاهرة ليقضيا في زيارته ~~بضعة أيام كما كانا يفعلان بين الحين والحين. يسأله والده عن غضبه من أخيه الأصغر عبد ~~العزيز غضبا وصل إلى حد القطيعة، ما سببه؟ إن عبد العزيز لم يفعل شيئا حرمه الله عندما ~~تزوج بزوجة ثانية، وطه يجادل بأن عبد العزيز لن يستطيع أن يعدل بين ms078 زوجتيه، ويقرأ الآية ~~القرآنية الكريمة: # فإن خفتم ألا تعدلوا ~~فواحدة # ولكن الوالد يجادل غير مقتنع، وولده يسأله: «وإذن فلم لم تتزوج ~~أنت اثنتين يا أبي؟» # ويجيب الوالد: «إنها أمك، إنها لن ترضى!» ويبتسم طه حسين ويقول: «لقد حددت لنا طريقا ~~للإصلاح يا أبي، ما كان لأخي عبد العزيز إذن أن يتزوج ثانية حتى يستأذن زوجته ~~الأولى!» ~~••• # ويدخل فصل الصيف، وينتهي طه حسين من إملاء الجزء الأول من كتاب «على هامش السيرة» ويتسلمه ~~الناشر، وتسافر الأسرة لقضاء أيام في فندق بوريفاج برمل الإسكندرية، أما طه حسين فإنه يبقى ~~في القاهرة، فلم يكن مستطيعا أن يترك عمله في الجريدة، وسيبقى في القاهرة طوال الصيف ~~وحيدا، وسيقبل الخريف وهو عاكف على العمل في الجريدة، وفي الخريف تنقل إليه البرقيات من ~~باريس أن عدلي باشا يكن قد مات هناك، ويتأثر طه حسين بهذا الخبر تأثرا شديدا حتى يتأخر ~~وصوله إلى الجريدة على غير عادته، ويتحدث إلى صديق له عند وصوله إليها فيقول: «إن الحياة لا ~~قيمة لها والعمر قصير، ولو بلغ الرجل التسعين فإنه يموت طفلا»، ويملي رثاءه لعدلي يكن ~~فيقول: «إن عدلي يكن رجل أحب مصر واحترم شعب مصر، ونزل دائما على أحكام الدستور الذي ~~ارتضاه هذا الشعب.» ويسجل طه حسين ذلك في جريدة الوفد في مقال نابض بالحزن، يختتمه بهذا ~~الابتهال: «اللهم لا راد لما قضيت، ولا مانع لما أمضيت، ولا منكر لحكمتك، ولا معقب لأمرك، ~~وإنما هو الإذعان لقوتك البالغة يعصمنا من الجهل، والطمع في رحمتك الواسعة يعصمنا من ~~اليأس.» # واهتمام طه حسين بالعالم العربي مستمر، مقاله الرئيسي يوم 18 أكتوبر سنة 1933 يكتبه عن ~~فلسطين، يستنكر ما ينزله الإنجليز بأهلها من مظالم، ويقارن ذلك بما أنزلوه من الظلم بمصر، ~~وينبه إلى أن تضامن مصر مع فلسطين هو صالح مشترك، يلح في الدعوة إليه وينذر بالعواقب ~~الخطيرة التي سيشهدها المستقبل إن نحن قصرنا فيه. # ويكتب عبد العزيز الثعالبي الزعيم الوطني التونسي فصولا متتابعة عن بلاده تنشرها له ~~«كوكب الشرق»، كما تنشر ms079 العديد من الأخبار والمقالات عن البلاد العربية الأخرى. # واهتمام الجريدة بأحداث العالم مستمر كذلك، أدولف هتلر يقرر انسحاب بلاده من «عصبة الأمم» ~~ومن مؤتمر نزع السلاح، ويكتب إلى محكمة العدل الدولية بأن بلاده لن تتابع الدعوى التي كانت ~~قد رفعتها لديها ضد بولنده. # ماذا يعني ذلك كله إلا أن ألمانيا تنسحب من الأسرة العالمية؟ # إن هتلر يرى أن معاهدة فرساي، التي اضطرت بلاده لإمضائها بعد هزيمتها في الحرب العالمية ~~الأولى، معاهدة ظالمة لا تطاق، لا بد من أن يخلص بلاده منها، وهو يائس من بلوغ هدفه بالطريق ~~السلمي، ولا يرى سبيلا لبلوغ أغراضه إلا سبيل العنف والقوة. # آلات الاستقبال المقامة فوق سطح الجريدة ، التي كان كامل الشناوي يسميها «مراسلنا فوق ~~السطح»، تحمل خبرا عن اكتشاف عالم فرنسي لدواء جديد من الأدوية التي يسمونها أدوية ~~المعجزات اسمه «سلفامين»، وطه حسين يطلب إلى أحد المحررين الجامعيين أن يعد بحثا لتعريف ~~القراء بالمخترع وبالاختراع. # وتحمل البرقيات خبرا عن صدور كتاب جديد للكاتب الفرنسي جان أنوى هو كتاب «هرميلين»، وطه ~~حسين يطلب الحصول على نسخة ليقرأه أحد كتاب صفحة الأدب ويعرضه على القراء. # ولكن إدارة الجريدة لا توافق على أن تنفق مالا في شراء مثل هذه الكتب، إن للمسئول عن ~~التحرير طلبات كثيرة مثل هذا الطلب يراها ضرورية لازمة، وللإدارة رأي في المال كيف يجمع ~~وكيف يصان، وكيف لا ينفق منه شيء إلا بحساب. وتزداد هذه المضايقات الإدارية والمالية، ~~ويزداد إحساس طه حسين أنه غير قادر على الإشراف على الجريدة بالشكل الذي اتفق مع أصحاب ~~الشأن عليه مع استمرار هذه الخلافات والمضايقات. # وعندما يوشك ربيع عام 1934 أن ينتهي يكون طه حسين قد قرر ترك العمل في جريدة «كوكب ~~الشرق»، إنه يريد أن ينهض بالعمل الصحفي حرا لا تقيده القيود، وهو قد اقتنع بأنه لكي ينهض ~~بالعمل بهذا الشكل، لا بد أن يكون صاحب المسئولية الكاملة في الجريدة. ~~••• # ينهي طه حسين ما انعقد عزمه عليه إلى رجال الوفد وإلى صاحب الكوكب الأستاذ أحمد حافظ ms080 عوض، ~~ويتفاوض مع أسرة الصحفي القديم الأستاذ محمد نجيب أصحاب امتياز جريدة «الوادي» لكي يصدرها ~~هو مستقلا بإدارتها وتحريرها، متحملا كل أعبائها، ويتم الاتفاق على ذلك، فينتقل معه أكثر ~~تلاميذه ومعاونيه من المحررين إلى جريدة الوادي في مبناها بحي عابدين. # ويكرس طه حسين للصحيفة الجديدة كل وقته وجهده، وكل ما لديه من مال قليل ما أسرع ما ينتهي، ~~فهو يكتب إلى طلعت حرب باشا في بنك مصر يقول: «غمرتني بفضلك حين أذنت في الشهر الماضي بأن ~~يقرضني البنك سبعمئة من الجنيهات دون أن تتشدد فيما تتشدد فيه المصارف من ضمانة الملك ~~وأصحاب الثروات الطائلة، وقد عرفت لسعادتك هذا الجميل الذي لن أنساه، وكان الحق علي بعد ~~هذا ألا أثقل عليك ولا أطلب إليك شيئا، ولكن ظروف الحياة التي دفعني إليها ظلم الظالمين ~~هي التي تضطرني إلى أن أقف هذا الموقف الذي يثقل علي جدا؛ المبلغ الذي اقترضته في الشهر ~~الماضي قد أنفقته كله في إنشاء جريدة الوادي ولم يبق منه شيء، وما زالت الجريدة محتاجة إلى ~~المال، ويظهر أنها لن تربح إلا بعد أن ينقضي الصيف، وتعود الحياة إلى نشاطها الطبيعي، فأنا ~~إذن في حاجة إلى قرض آخر لتمضي الجريدة في طريقها من جهة وأستطيع أنا أن أعيش من جهة أخرى، ~~وأنا أتمنى لو أمكن أن يرفع المبلغ الذي اقترضته من سبعمئة إلى ألف ... وأرجو أن تتفضل فتقبل ~~تحيتي الخالصة وإجلالي العظيم.» # ويحصل طه حسين على القرض، وتصدر «الوادي» بانتظام، ويدبر مصروفاتها تدبيرا دقيقا مدير ~~صديق وهو السيد حسين فتوح. # واهتمامات طه حسين في جريدة الوادي هي نفس اهتماماته في جريدة الكوكب. # تنشر «الوادي» فصولا مطولة يتحدث فيها عن رجال برزوا في ساحة الأحداث الدولية؛ عن ~~هندنبرج، وعن ستالين، وعن موسوليني. وينشر حديثا لموسوليني يقول فيه إن الحرب العالمية ~~واقعة لا محالة، وإن كان لا يدري أين تقع؛ في النمسا أو الشرق الأقصى، بحرب بين اليابان ~~وروسيا أو بين اليابان والصين، وتنشر الوادي فصلا تنبه فيه إلى أطماع الحكم النازي ms081 في ~~ألمانيا. # ويعنى الوادي بالعالم العربي، مشرقه ومغربه. # ويواصل طه حسين في مقالاته السياسية اليومية بعنوان «حديث الوادي» نضاله كي يحقق الشعب ~~آماله في الحرية، وفي التقدم، مدركا أن أكبر عقبة تعوق طريق التقدم في مصر هي استمرار ~~احتلال بريطانيا للبلاد. # وطه حسين يحمل المصريين جانبا كبيرا من مسئولية الاحتلال، فإذا شكت الوزارة القائمة من ~~أن بريطانيا تتدخل في موضوع الدين العام تدخلا يعرض استقلال مصر للخطر، يكتب طه حسين: ~~«كلا، إذا كان الاستقلال في خطر فالوزارة هي التي عرضته للخطر؛ لأنها قبلت تدخل الإنجليز ~~منذ ارتقت مناصبها. إذا كان الاستقلال في خطر حقا فيجب أن يتنحى هؤلاء السادة عن ميدان ~~الجهاد؛ لأنهم لا يصلحون لميدان الجهاد، إنك لا تجني من الشوك العنب.» # ويحمل طه حسين حملة عنيفة على رفض وزير المعارف تعيين مصري من أساتذة «مدرسة الهندسة ~~الملكية» المساعدين وهو الدكتور مصطفى نظيف، أستاذا بها مكان أستاذ بريطاني انتهى تعاقده ~~معها، ويندد بشدة بأن الوزير قد قرر «اتخاذ الإجراءات اللازمة لتعيين بريطاني آخر»، ويؤكد ~~طه حسين أن الإنجليز لن يحققوا أطماعهم لو امتنع كل المصريين عن كل تعاون معهم. # ويستأنف الدكتور طه حسين في جريدة «الوادي» مقالاته الأدبية ملتزما المنهج الذي سار عليه ~~في جريدة السياسة أيام الأحد وأيام الأربعاء، والذي التزمه كذلك في جريدة «كوكب الشرق»، وهو ~~وصل القراء بالأدب العربي القديم من جهة، وبالفكر الأوروبي الحديث من جهة أخرى، مع الاهتمام ~~بالإنتاج الثقافي المعاصر من جهة ثالثة. # تتسع صفحات الوادي الأدبية لمساجلات رائعة بين طه حسين وكثير من معاصريه، وتفتح جريدة ~~الوادي صفحاتها للشباب، سهير القلماوي لا تكتفي بصفحة السيدات بل تشارك في صفحات الأدب ~~والثقافة، وكامل الشناوي يكتب شعرا رقيقا، وعبده حسن الزيات يكتب صفحات قانونية إلى جانب ~~كتاباته السياسية، ويحيى الخشاب يكتب عن إمام شعراء الفرس أبي القاسم الفردوسي، وخليل يحيى ~~نامي يترجم قصة عن الشاعر السورياني يعقوب السروجي من شعراء القرن السادس، وموضوعها قصة ~~«أهل الكهف»، يهديها إلى توفيق الحكيم، وسيد نوفل يكتب صورا ms082 ريفية، وسيد قطب يكتب قصة ~~قلبين، ومحمد حسن الزيات يكتب قصصا ونقدا. # وإلى جانب هؤلاء ينشر الوادي ما يرسله إليه كاتب غير معروف من الريف وهو محمد عبد المعطي ~~المسيري، الذي يقدم نفسه إلى طه حسين وإلى القراء بأنه من أصحاب المقاهي أو العاملين فيها ~~في دمنهور، وهو مع ذلك لا يتردد في مناقشة طه حسين ولا يتردد طه حسين في أن ينشر له ~~رسائله. # ولا يتردد طه حسين كذلك في أن ينشر مقالا للأستاذ محمد عرفة أحد الذين كانوا قد تحمسوا ~~لمواجهته عندما ظهر كتابه عن الشعر الجاهلي. # ولكنه يرفض أن ينشر في صحيفته بعض الأخبار التي يجمعها بعض المحررين ويريدون نشرها بدعوى ~~أن الاهتمام بالأخبار الشخصية يكاد يكون غريزة عند الناس، ولأن نشر مثل هذه الأخبار من شأنه ~~أن يزيد بيع الجريدة فيستفيد القراء بما تنشره من موضوعات جادة وهامة، ولكن طه حسين يقول: ~~«ماذا ينفع الناس من معرفة أن ممثلا ترك عشيقته أو أن مطربة طلبت الطلاق من زوجها؟ إذا كان ~~الاهتمام بالأخبار الشخصية غريزة فإن وظيفة الصحافة ليست تملق الغرائز بل تهذيبها.» ~~••• # يبقى طه حسين في القاهرة طيلة الصيف وقد سافرت الأسرة إلى الإسكندرية وهو يتعجل ~~عودتها. # ولكن الأسرة لا تكاد تعود إلى القاهرة حتى يصاب ولده مؤنس بالنيمونيا، ويقضي طه حسين ~~الساعات الطويلة بجانبه فيتعرض للعدوى، فإذا شفي الصغير لزم الوالد الفراش. # يلزم الفراش لا يعمل، والمرض ضعف وألم ونفقات ثقيلة، فيسائل طه حسين نفسه من جديد هل من ~~حقه أن يعرض أسرته لهذا الضيق كله؟ # إن الحكومة تمنع الباعة من النداء على الصحيفة وتحرض «المعلمين» المتحكمين في التوزيع على ~~تجاهلها، وتمنع الإعلانات عنها، ومدير الإدارة حسين فتوح حيران لا يدري كيف يدبر ثمن الورق ~~والحبر وأجور المطبعة، أما المحررون فأكثرهم يتطوعون للعمل راضين، يرفضون الهزيمة ويواصلون ~~الصمود، وطه حسين يكتب في آخر يوليو 1934 إلى صديق عزيز عليه يقول: ~~... بلغت حافة الهوة، وقد كنت أرجو أن يصلح أمر «الوادي» لكنه لم يصلح، ولم يزدد ms083 ~~فسادا، والناس يقولون لي إن أمره سيستقيم إذا انقضى الصيف، والله يعلم أيستطيع أن ~~يثبت حتى ينقضي الصيف. ~~••• # وحكومة صدقي باشا تواصل ضغوطها، لا ترفع قبضتها عن الشعب، ولا تخفف من رقابتها للجامعة، ~~رجال البوليس يداهمون اجتماعا لبعض طلاب الجامعة، كان أستاذ القانون المدني الدكتور عبد ~~الرزاق السنهوري قد دعا إليه لتأليف جمعية اسمها «جمعية الشبان المصريين»، ويفضون الاجتماع ~~بالقوة، ويقرر مجلس الوزراء فصل الدكتور السنهوري. # وعندما يبدأ العام الجامعي الجديد يكتب طه حسين في افتتاحية الوادي: # تستقبل الجامعة عامها الجديد فإذا أحد أعضائها الممتازين المتفوقين قد أقصي ~~عنها، هذا العضو هو الأستاذ السنهوري، أخذ بالريبة، وعوقب بالشبهة، وحكم عليه ~~بالظن ... وكان قرار فصله إهانة صارخة للجامعة التي لا ينبغي أن يفصل أعضاؤها بغير ~~أن تستشار. # ولكن طه حسين واثق «أن الفوز للسنهوري ولأمثاله من المظلومين آخر الأمر، فلينتظر هذا ~~الفوز، فليس مقدمه بعيدا.» # وفي أول نوفمبر يعود فيكتب لنفس الصديق الذي كتب إليه في آخر شهر يوليو يقول: «... أما ~~الجريدة فما زالت حالها بعيدة عما يرضي، ولكنها قد أخذت تحاول أن تقف على قدميها وأظن أن ~~هذا ليس مستحيلا، فقد أخذ انتشارها يزيد بعض الشيء. ولست أدري إلى أين ينتهي بنا هذا كله، ~~ولكن الغريب أني برغم هذه المصاعب كلها بعيد عن اليأس بل بعيد إلى حد ما عن سوء الخلق، ~~ولعلي لم أبتسم قط كما ابتسمت في هذه الأيام المظلمة، وإذا كان في حياتي شيء ممض فهو ~~احتياجي كثيرا إلى أن أستدين وإشفاقي المتصل من العجز عن أداء الدين ...» # ولكن مقدم الفوز الذي بشر به طه حسين في مقاله عن السنهوري لا يتأخر. # لا تمر ثلاثة أشهر حتى يقبل في السادس عشر من ديسمبر 1934 عدد كبير من أساتذة كلية الآداب ~~وطلابها مع الصباح الباكر على منزل طه حسين في حي الزمالك فرحين يهنئونه ويهنئون أنفسهم ~~بقرار عودته إلى كلية الآداب وعودة الدكتور السنهوري معه إلى كلية الحقوق. # وعندما يصل طه حسين إلى أبواب الجامعة في ذلك الصباح ms084 يلقاه شباب شديد الفرح شديد الحماس، ~~يحملونه على الأعناق حملا إلى مكتبه في الكلية الذي غاب عنه أمدا طويلا، وقد أحصى الطلاب ~~أيام الإبعاد فإذا هي مدة قد جاوزت الألف يوم، سنتان وتسعة شهور وعدة أيام. # ويهتف الطلاب يريدون أن يخرج طه حسين إليهم ليروه في كليته فيفعل، وهو يسمع خطب خطبائهم ~~ترحيبا به وقصيدتين لشاعرين منهم، ثم يبدأ حديثه إليهم وإنه ليحاول عبثا أن يكتم تأثره ~~بما يحس به من وفاء الشباب وإخلاصهم وصدق محبتهم له وإكبارهم إياه، فيبدأ خطابه بقوله: # أصدقائي الأعزاء، الحمد لله الذي أتاح للأسرة الجامعية أن يجتمع شملها بعد ~~الغربة. ولست شاعرا كهذين الشاعرين اللذين سمعت منهما الآن أجمل الشعر وأروعه - ~~ويسكت قليلا ليضيف وهو يبتسم ابتسامته - وإن كان هذا الشعر يحتاج إلى ~~النقد. # ويستأنف حديثه بعد أن يسكت ضحك المستمعين المغتبطين بعودة أستاذهم إليهم، ينقد ما يكتبون ~~من الأدب وما ينشدون من الشعر فيقول: «لست شاعرا ولو كنت شاعرا لوصفت لكم وصفا صادقا ~~العواطف التي كانت تملأ قلبي منذ أكثر من عامين، شوقا إلى الجامعة وإلى أهل الجامعة وحرم ~~الجامعة، والعمل في الجامعة، ولقلت لكم، بصراحة وسذاجة أيضا إنني كنت أتجلد حين كنت بعيدا ~~عن الجامعة، وقديما قال أبو ذؤيب: # وتجلدي للشامتين أريهم # أني لريب الدهر لا أتزعزع» # ويعود الأستاذ إلى دروسه وأبحاثه، وتمضي الشهور، فأما ديونه المادية فإنه يؤديها لأصحابها ~~موفورة مشكورة، وأما دينه لله الذي أعانه بالصبر ووفقه للنصر، ودينه للوطن الذي أعطاه النور ~~والعلم؛ فإنه سيقضي بقية العمر يحاول أن يؤديهما، ويبذل في ذلك أقصى ما يطيق من ~~الجهد. # | الأستاذ والعميد من جديد # في غرفة رئيس قسم اللغة العربية واللغات الشرقية وفي شتاء 1935، يجلس رئيس القسم الدكتور ~~طه حسين بعد الانتهاء من محاضراته ومعه من أساتذة القسم الأستاذ أحمد أمين والأستاذ أمين ~~الخولي والأستاذ إبراهيم مصطفى والأستاذ عبد الوهاب عزام. # طه حسين يبدي سرورا بإنتاج زملائه الأساتذة مطالبا بالمزيد؛ قد نشر الأستاذ أحمد أمين ~~كتاب «فجر الإسلام»، وهو بداية لعمل ضخم ms085 في تاريخ الحضارة الإسلامية، تتجه النية إلى أن ~~يضطلع به أحمد أمين وعبد الحميد العبادي وطه حسين نفسه، يتناول أحمد أمين الناحية العقلية، ~~وعبد الحميد العبادي الناحية التاريخية، وطه حسين الناحية الأدبية، ورئيس القسم يهنئ أحمد ~~أمين بأنه كان أسبقهم إلى الإنتاج، ويحثه على أن يستمر ليكون «ضحى الإسلام» بين يدي ~~الباحثين والقراء بعد «فجر الإسلام». # وعبد الوهاب عزام، الذي نشر «شاهنامة» الفردوسي في ترجمتها العربية، قد أدى خدمة كبرى ~~للدراسات الإسلامية، والقسم الآن في انتظار عودة الجيل الثاني من أصحاب الدراسات الفارسية ~~والتركية، مثل إبراهيم أمين الشواربي الذي يدرس في لندن، ويحيى الخشاب الذي يدرس في فرنسا، ~~ومن دارسي اللغات السامية (اللغة العبرية واللغة السوريانية ) مثل مراد كامل وفؤاد حسنين ~~اللذين يدرسان في ألمانيا. يقول طه حسين يجب أن نهتم كذلك بلغة الهند الإسلامية اللغة ~~الأردية، وأن نبحث عمن يدرسها للطلاب إلى أن يتيسر إعداد أحد أبنائنا ليتخصص في لغات ~~الهند. # وأمين الخولي يتابع دراساته القرآنية بتعمق وتفتح كبيرين، يقول له طه حسين إن الشباب ~~يشكون من بخله في الدرجات، وهو يدافع عن نفسه بأنه يزن مجهودات الطلاب بميزان عادل دقيق، ~~يقول إن الطلبة هم الذين يعطون الدرجات لأنفسهم، يقصد أنهم هم الذين يجيدون الإجابة أو لا ~~يجيدونها. # طه حسين يذكر أن الأستاذ الألماني جوزيف شاخت سيلقي محاضراته في فقه اللغة العربية ~~واللغات السامية، وأن خليل يحيى نامي مهتم باليمن، وأن القسم سيقترح أن يسافر إليها ليقوم ~~هناك ببحوث لغوية بالتعاون مع قسم الجغرافيا بالكلية، ومن أساتذته الآن الدكتور محمد عوض ~~محمد والأستاذ مصطفى عامر والأستاذ الشاب الدكتور سليمان حزين. # ويقول طه حسين إن القسم يجب أن ينبه طلابه إلى أهمية اللغات الأجنبية كلها، وليس ~~الإنجليزية والفرنسية فقط، ويذكر أن الكلية ستدخل نظام الدراسات الاختيارية في مواد إضافية ~~يقبل عليها الطلاب إن شاءوا، الأستاذ «ران» ومسز «برج» سيدرسان الألمانية بعد الظهر لمن شاء ~~من الطلبة، وربما أيضا من الأساتذة، أما اللغة الإيطالية فإن أحد شباب الكلية العائدين من ~~البعثة ms086 في إيطاليا، الدكتور حسن عثمان، مترجم ومحقق الكوميديا الإلهية، سيعطي دروسا في ~~الإيطالية وآدابها لمن يريد، كما أن الأستاذ «بول كراوس» سيدرس البهلوية، وهي اللغة ~~الفارسية قبل الإسلام، لمن يشاء من المهتمين بالحضارة الساسانية. # واللغة العربية لا بد من أن يبذل هذا الجيل أقصى الجهد لتيسير نحوها وتذليل صعوبات ~~كتابتها، والأستاذ إبراهيم مصطفى مشغول ببحوثه في النحو العربي ويستعد لإخراج كتاب هام جديد ~~في هذا الموضوع. # ويذكر طه حسين أن هناك جوانب من الأدب العربي لم نعطها حقها من الدراسة والبحث حتى الآن، ~~عندما الأدب الأندلسي، القسم سيقوم بنشر كتاب «الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة» لابن بسام، ~~وقد كون لجنة لتحقيقه ونشره يشرف عليها عبد الوهاب عزام وعبد الحميد العبادي، ويشترك فيها ~~عدد من الشباب الممتازين، منهم عبد العزيز الأهواني، وبخاطره الشافعي، وعبده عزام، # 1 # وعلى ذكر الشباب يشير طه حسين إلى أن عبد الحميد يونس مهتم بالأدب المصري، ~~وشوقي ضيف يتابع دراسته في النقد في كتاب الأغاني، وسهير القلماوي ينتظر أن تناقش قريبا ~~رسالتها عن «أدب الخوارج في العصر الأموي» للحصول على درجة الماجستير، وعبد اللطيف حمزة ~~مشغول بابن المقفع. # وهناك أدب الفاطميين، محمد كامل حسين مشغول به، وأمامه نصوص كثيرة في مخطوطات لم يسبق ~~نشرها نرجو أن ترى النور. # ثم يقول طه حسين: لا بد أيضا من المساهمة في نشاط الكلية الموجه للجمهور خارج مقاعد ~~الدرس، لا بد أن نشارك جميعا في محاضرات الكلية العامة. # أحد الأساتذة يقول إن بعض طلبة القسم يطلبون القيام برحلات لزيارة الأماكن التي تذكر في ~~النصوص العربية القديمة، وإن أحد الطلبة قرأ في بعض الدروس هذا البيت من الشعر: # وفي حمص الدنيا نعيم وجنة # وماء وظل وارف غير زائل # فما انتهى من قراءته حتى أراد أن يرى حمص هذه ليرى النعيم! # وطه حسين يقول: «في الواقع عنده حق، يحسن فعلا أن يرى هو وإخوانه الطلاب حمص وكل ما يمكن ~~زيارته من المواقع والبلاد، على الجامعة وعلى الكلية أن تنظم لهم رحلات طويلة في ms087 الإجازات، ~~رحلات علمية إلى الشام وفلسطين والأردن والحجاز ونجد واليمن والعراق ودول الخليج وشمال ~~أفريقيا والأندلس ... لماذا لا؟ وجزر البحر الأبيض المتوسط التي أنارتها الحضارة الإسلامية ~~مدة طويلة؛ مالطة وصقلية وكذلك جنوب إيطاليا، وأيضا ربوع السودان عندما تفتح أبواب ~~السودان للمصريين. وسأتكلم مع عوض ومع شفيق غربال ونعمل خطة لهذه الرحلات، وقد يأتي الوقت ~~الذي تخصص الجامعة فيه إدارة خاصة للرحلات الجامعية.» # ويشير أستاذ آخر إلى موضوع النشاط الرياضي، ويقول طه حسين: «والنشاط الرياضي أيضا «علموا ~~أولادكم السباحة والرماية، ومروهم فليثبوا على ظهور الخيل وثبا»، لكن المهم هو هل هؤلاء ~~الطلاب المساكين في صحة جيدة أولا، يحسن أن تقدم الجامعة لأبنائها وجبات صحية ورخيصة، غذاء ~~كاملا بمبلغ يجب ألا يزيد على ثلاثة أو أربعة قروش.» # ويتحدث طه حسين عن المؤتمرات يقول: «لا أريد أن نذهب إلى المؤتمرات لنستفيد نحن فقط من ~~علماء الغرب وغيرهم من علماء العالم، أريد أن نذهب لنفيد نحن العلماء المصريين المشتركين في ~~هذه المؤتمرات علماء العالم كما نستفيد منهم، هذه الكلية لا بد أن تقف على قدم المساواة مع ~~نظائرها في أوروبا وأمريكا، وأساتذتها ينبغي أن يقفوا على قدم المساواة مع أساتذة بقية ~~جامعات العالم.» ~~••• # طه حسين ومصطفى عبد الرازق يخرجان من قاعة المؤتمر الدولي المنعقد في روما يتحدثان عما ~~دار في جلسة الصباح، وفي الطريق يلاحظان أن الشباب الفاشستي يتجمع في الشوارع متلهفا ~~لمعرفة أخبار الغزو الإيطالي للحبشة متظاهرا مؤيدا للزعيم، أي لموسوليني بحماس ~~وبتهور. # طه حسين يرى أن هذا الهجوم الإيطالي على الحبشة عمل شنيع، «إنه تمزيق لميثاق عصبة الأمم، ~~وأين هي العصبة؟!» # يقول الشيخ مصطفى: «وهذا التجنيد الإجباري في ألمانيا لا يبشر بخير.» # ويقول طه حسين: «عجيب أمر هؤلاء الألمان، في الوقت الذي يستسلمون فيه لحكم الفرد - وهذا ~~دليل التخلف في ميدان السياسة - نراهم يحققون تقدما باهرا في ميدان العلوم، قرأت أمس أنهم ~~قد أنشأوا في برلين أول برنامج منظم للإذاعة المرئية، التي يسمونها التليفزيون أو الرؤية عن ~~بعد، راديو لا يكتفي بالصوت ms088 ولكن يعرض الصورة أيضا! وهكذا يصبح من الممكن أن يشهد الناس ~~المسرحيات وهم جالسون في البيوت!» # والشيخ مصطفى يقول: «بعض أحلام الإنسان تتحقق.» ويسكت برهة ثم يسأل: «هل تعتقد أننا على ~~حافة حرب عالمية أخرى؟» # طه حسين يرد بأنه لا يعرف، «إن العالم يتجه إلى العنف وينحرف عن القانون، وهذا الصراع بين ~~العنف والقانون هو صراع في الواقع بين الهمجية والحضارة، الهمجية يمثلها هذا العدوان ~~الإيطالي على الحبشة، والحضارة تتمثل في ميثاق عصبة الأمم، هل كان هذا الميثاق وكانت هذه ~~العصبة مجرد حلم جميل تبدد؟ إن موسوليني يتحدى العالم اليوم بهذا الهجوم، وهتلر يفرض على ~~شعبه التجنيد الإجباري بعد انسحابه منذ سنتين من عصبة الأمم، فهو يستعد فيما يظهر لمخاطرة ~~خطيرة، إن الغزو الإيطالي للحبشة هو إعلان عن إفلاس عصبة الأمم.» # ويقول مصطفى عبد الرازق: «أظن ليس إفلاسا كاملا، العصبة لها جوانب غير سياسية، تتبعها ~~مثلا لجنة التعاون الفكري، وأنت عضو فيها.» # ويقول طه حسين: «نعم هذه لجنة عظيمة حقا، أود أن أقضي ساعة الآن مع الفرنسي الكبير «بول ~~فاليري» الذي سيرأس اجتماعها القادم بعد عامين، في عام 1937، وقد طلبوا إلي بحثا ألقيه ~~فيه إذا أحيانا الله، وإن كنت لم أقرر بعد في أي موضوع سأتكلم.» # ويقول الشيخ مصطفى: «تفكر في هذا الموضوع إن شاء الله في مصر، أظن أن عودتنا إلى مصر ~~أصبحت واجبة الآن»، ويرد الدكتور طه: «نعم، ولكنا نحن سنتوقف بباريس أياما، فإلى اللقاء ~~إذن في مصر.» ~~••• # طه حسين في فندق من فنادق باريس المتوسطة اسمه فندق لوتسيا، يملي على سكرتيره ردا على ~~خطاب جاءه في الصباح من الدكتور محمد عوض محمد، يقول: «ما رأيك في هذه الحرب المقبلة؟ ~~أتحبها أم تبغضها؟ أتنتظر منها لمصر خيرا أم شرا؟ أتظن أنها ستضعف الإمبراطورية ~~البريطانية؟ إني أكره الحرب وأشفق منها، وأتمناها مع ذلك بقوة؛ لأني أنتظر منها ضعف أوروبا ~~وتقدم الشرق نحو الحرية، فهل تراني مخطئا؟» # 2 # وطه حسين لا يستطيع أن يطيل في هذا الخطاب إلى عوض، فإن ms089 الأسرة تحزم الأمتعة، وتتهيأ ~~للسفر، وهناك كما يقول طه: «جمع للمتفرق، وتفريق للمجتمع، وحمل للأثقال، وما يتصل بذلك من ~~الأمر والنهي والزجر والوعيد ...» ~~••• # وفي مايو 1936 ينتخب طه حسين عميدا لكلية الآداب مرة أخرى، وينعقد مجلس الكلية برئاسته، ~~فيستمع إلى بيانات الأساتذة عن دراساتهم في أقسام الكلية المختلفة: قسم اللغة العربية ~~واللغات الشرقية، وأقسام التاريخ والجغرافيا، والاجتماع والفلسفة، واللغات الحديثة: ~~الإنجليزية والفرنسية، واللغات القديمة: اليونانية واللاتينية، ومعهدي الآثار المصرية ~~والإسلامية اللذين نجح العميد أخيرا في إنشائهما. # يتحدث الأستاذ سليم حسن عن ضرورة زيادة نشاط الكلية في التنقيب عن الآثار، والعميد يقول ~~غير معقول أن نترك التنقيب عن آثارنا للمعاهد الأجنبية، إنه يرى أن أي معهد أجنبي يريد أن ~~يقوم بأي بحوث أو حفائر في مصر يجب عليه أن يتعاون مع الكلية وأساتذتها، إنه يذكر كيف اكتشف ~~الإنجليز مخطوط «نظام الاثينيين» في مصر فنقلوه إلى إنجلترا فاستفادوا به في بلادهم وجهلناه ~~نحن ثلاثين عاما، ويذكر الآثار التي تزين لندن وباريس وروما، ويذكر المتاحف العالمية وما ~~نقل إليها من تحف بل من مومياوات مصرية، ويذكر أوراق البردي والمخطوطات العربية التي تمتلئ ~~بها متاحف أمريكا وأوروبا ومكتباتها، يقول: «منذ انعقد مؤتمر التاريخ في بروكسل في عام ~~1923، والحديث يدور في الدوائر العلمية حول ضرورة عودة الوثائق والآثار إلى مواطنها ~~الأصلية، ولكن هيهات!» # ويقول للأستاذ سامي جبرة: «إنني سأزور قريبا الحفائر التي تشرف عليها في تونة الجبل، في ~~مديرية المنيا، إن شاء الله.» # وينتقل الحديث إلى المؤتمرات الدولية، فيقول العميد: «لدينا دعوات لمؤتمرات كنا نريد، ~~لولا قلة الاعتمادات، أن نشارك فيها جميعا، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، والمهم أن ~~تكون لاشتراكنا في أي مؤتمر ثماره العلمية.» # ويستمر مجلس الكلية في النظر في بقية ما ورد في جدول أعماله، ومن بين ذلك إقرار إدخال ~~نظام المعيدين إلى كلية الآداب حسبما اقترح العميد. ~~••• # في دار العميد، في شارع سكوت مونكريف في الزمالك، عدد كبير من الضيوف، يتناولون الشاي، ~~فاليوم هو يوم الاستقبال الأسبوعي - يوم ms090 الأحد - ومن بينهم أصدقاء وزملاء وزوار، مثل: ~~الدكتور محمد كامل حسين، الشيخ مصطفى عبد الرازق، الدكتور حسين فوزي، الأستاذ سليم حسن، ~~الأستاذ مصطفى عامر، الدكتور سليمان حزين، الدكتور محمد عوض محمد، الأستاذ حامد سلطان، ~~والأستاذ رزق الله مكرم الله، وأجانب منهم مدير مصلحة الآثار المصرية، ومدير مصلحة الآثار ~~الإسلامية، ومفتش اللغة الفرنسية، ومدير المعهد الفرنسي بالقاهرة. # طه حسين يجلس في ركن من أركان الصالون ومعه الدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري الأستاذ في ~~كلية الحقوق، والشاعر خليل مطران. # يقول خليل مطران: «في العمل المسرحي يعد النص الأدبي هو الأساس، إن المخرج والممثل إنما ~~يترجمان النص الأدبي ويعطيانه الحياة، ولكن الأساس هو النص.» # ويوافق طه حسين قائلا: «هذا صحيح، لقد نسى التاريخ أسماء المخرجين والممثلين في المسرح ~~اليوناني، أما أسماء المؤلفين فهي خالدة، النص الأدبي هو الأثر الباقي.» # ويقول خليل مطران: «ونحن الآن نريد نصوصا، لماذا لا تكتب للمسرح يا سيدي العميد؟» # ويقول طه حسين: «لقد ترجمت روايات مسرحية، ولكني لا أستطيع أن أكتب للمسرح، الكاتب ~~المسرحي لا يخاطب آذان المتفرجين فقط بل يخاطب أبصارهم قبل ذلك. وعلى فكرة، بعض طلبة كليتنا ~~تحدثوا إلي في رغبتهم في قراءة النصوص الشعرية المسرحية في اجتماعات عامة؛ ابنتي أمينة، ~~ابني مؤنس، وزملاء لهما منهم جميل راتب، وغيرهم.» # وينضم الأستاذ سليمان نجيب ومؤنس طه حسين إلى العميد وأصحابه، ويقول سليمان نجيب الذي سمع ~~حديث العميد: «إذا فعلوا ذلك أرجو أن يدعوني للسماع، ولماذا لا يقدمون تمثيلية كاملة وعلى ~~مسرح الأوبرا أيضا؟ إن الشباب هو الذي سينقذ المسرح»، ثم يستدرك وهو يلتفت ناحية خليل ~~مطران الذي كان قد تجاوز مرحلة الشباب، فيقول: «إن الشيوخ قد عملوا كثيرا، ويعملون كثيرا ~~طبعا، ولكن الشباب ... أقصد ... يعني ...» # ويقول الدكتور السنهوري: «لا داعي للتفسير والشرح الكثير! أنا اليوم كنت أدرس لطلبتي في ~~كلية الحقوق، أخذت أفسر وأشرح وأبسط بعض المسائل، ويظهر أني بسطتها تبسيطا شديدا حتى ~~تعقدت جدا.» # ويضحك طه حسين، ويقول: «لقد فهمت أن حكومة العراق تريد إنشاء كلية للحقوق، ms091 وأن فيها دارا ~~للمعلمين تريد تطويرها لتكون كلية للآداب، لماذا لا نقدم للعراق كل المساعدة التي يريدها في ~~هذا الشأن؟ إن لبغداد دينا في عنق الأمة العربية؛ بغداد العباسيين، بغداد المأمون ~~والرشيد، ألا تفكر في مساعدتها يا دكتور عبد الرزاق بشرط ألا تبسط الأمور هناك؟!» # الدكتور السنهوري يشارك صاحب الدار حماسه واعتقاده أن على مصر وعلى جامعة مصر واجبا ~~يتجاوز أسوار الجامعة ويتجاوز أيضا الحدود المصرية، ولكن كيف تنشئ العراق كلية بغير أن ~~تكون هناك جامعة؟ # طه حسين يرد بأن «الكلية يمكن أن تكون نواة الجامعة، نعم جامعة بغداد، وهنا في مصر يجب أن ~~نقيم جامعات جديدة، جامعة في الإسكندرية، وجامعة في أسيوط، وفي غيرهما من بلاد الأقاليم، ~~وخارج مصر؛ أود أن أرى جامعة في بغداد وفي غيرها من عواصم العرب.» # ويسأل الدكتور السنهوري مداعبا: «والمنيا؟» # ويرد طه حسين: «نعم، والمنيا، لماذا لا؟ ينبغي أن تضيء الجامعات في عواصمنا، عاصمة بعد ~~عاصمة، فهذه هي المنارات التي ستضيء لمصر وللعرب طريق المستقبل.» # ويعود خليل مطران إلى موضوع التأليف للمسرح، فيقول إن توفيق الحكيم قد كتب قديما للمسرح ~~بنجاح، وهو متأكد أنه لو تعاون مع طه حسين على تأليف مسرحية جديدة فلا شك أنها ستكون مسرحية ~~خالدة، وطه حسين يقول إن هذه فكرة تستحق أن يتحدث عنها مع توفيق، ولعلهما يجتمعان في الصيف ~~في فرنسا هذا العام. ~~••• # ويقترب سكرتير طه حسين منه ويهمس له بحديث يكفهر له وجهه وينهض مستأذنا ممن حوله، وتسرع ~~إليه زوجته تسأله عما حدث فيقول لها في حزن شديد: «محمد المرصفي إنه في المستشفى كما ~~تعرفين، وقد عرفت الآن أنه قد مات، يرحمه الله! الدكتور سامي كمال تكلم من ~~المستشفى.» # وتقول هي في حنان: «لقد عرفناه طويلا، عرفته منذ أول يوم وصلت فيه إلى القاهرة، ولست ~~أنسى منظره وهو يحمل أمينة وهي طفلة لم تتم العامين من عمرها، يحملها عاليا ليخرج بها من ~~محطة القاهرة، ولست أنساه وهو يحملك أنت وأنت مريض، بمثل الرقة التي كان يحمل بها ms092 أمينة، ~~كان لنا نعم الصديق طيلة تلك السنين كلها، على أنه لا راد لقضاء الله.» # ويقول طه حسين: «نعم، كل نفس ذائقة الموت، أود أن أقضي ساعة الآن مع أسرته، سأذهب الآن ~~إلى المستشفى.» # وتقول زوجته: «وأنا معك.» # ويكون الحاضرون قد تناقلوا الخبر فيستأذنون، وينصرفون معزين. ~~••• # يبدأ العام الجامعي 35- 1936 ومصر لا تزال تعيش حياة الأزمات، الإنجليز يميلون مع السراي ~~فيسقط الوفد، ويميلون مع الوفد فتنهزم أحزاب السراي ... الشباب غاضب على هذا التمزق ... صمويل ~~هور الوزير البريطاني يصرح # 3 # بأن الحكومة البريطانية قد نصحت حكومة مصر بعدم إعادة دستور 1923، فإن مصر غير ~~مستعدة للحكم الديمقراطي. والطلاب يتظاهرون احتجاجا، ويدركون أن تمزق الشعب وانقسامه هو ~~سبب هوانه، يرون ضرورة إرغام الزعماء على الائتلاف كي تتمكن البلاد مجتمعة من إجلاء ~~الإنجليز عنها. # المظاهرات تتحرك والبوليس يغلق كوبري عباس ويحاول أن يفرق مظاهرة الجامعة بالقوة، فيقتل ~~الطالب عبد المجيد مرسي من كلية الزراعة، والطالب عبد الحكيم الجراحي من كلية الآداب، ~~ويتسامع الطلاب بأخبار عدد آخر من المصابين. # ويقوم الطلبة بالتعاون مع بعض العمال بإعداد شاهد رخامي يسجل مصرع الشهداء، وينصبونه ~~ليلا أمام مدخل الجامعة # 4 # والشباب يريدون الآن أن يحققوا ما مات شهداؤهم من أجله: استعادة دستور البلاد، ~~وتخليص استقلالها من كل القيود. # يصبح من الواضح أن الأمة ترفض دستور 1930 رفضا باتا، فيعلن مجلس الوزراء أنه سيستصدر ~~المراسيم اللازمة لإلغاء دستور صدقي، ولإعادة دستور 1923. # وفي يناير 1936 يستقيل توفيق نسيم باشا، ويؤلف علي ماهر باشا وزارة غير حزبية لإجراء ~~الانتخابات، فيفوز الوفد من جديد بالأغلبية. # ويموت الملك فؤاد في 28 إبريل 1936 من نفس العام، ويتولى العرش ولده الأمير فاروق، ~~ويؤلف مجلس الوصاية على العرش، وفي مايو 1936 يدعى رئيس الوفد مصطفى النحاس باشا لتأليف ~~الوزارة. ~~••• # كان العالم العربي في ذلك العام مشغولا بالعيد الألفي لشاعر من أكبر شعرائه وهو أبو ~~الطيب المتنبي، وكان طه حسين مشغولا به أيضا، يصحبه طوال العام الجامعي، يدرس شعره مع ~~طلابه درسا دقيقا، ويتحدث عنه إلى ms093 جمهور الناس. # ويقبل الصيف فيسافر طه حسين مع أسرته لقضاء أسابيع منه في قرية صغيرة من قرى جبال الألب ~~الفرنسية اسمها «كولمبو»، وكان قد اتفق مع توفيق الحكيم على أن يلحق به فيها، ولعله كان ~~يفكر في اقتراح الشاعر خليل مطران. # ولكن طه حسين ينفق وقته كله - قبل وصول توفيق الحكيم - مع المتنبي قارئا ممليا صباحا ~~ومساء، رغم إلحاح أسرته عليه في أن يستريح قليلا ليستمتع بجمال الطبيعة. ويقبل توفيق ~~الحكيم، يصعد إلى تلك القرية يستكشف حولها في الغابة شجر البندق، ويرى الثلوج تغطي رأس ~~الجبل الأبيض، ويسعده تبادل الحديث مع طه حسين ولكنه يجده مشغولا بالمتنبي. # ولم يكن طه حسين يحب شخص المتنبي منذ صباه، وكان هذا هو رأيه الذي كان يناقش به زملاءه من ~~طلاب الأزهر، ولكنه كان يعجب ببعض شعره إعجابا لا يخفيه، لما يصوره هذا الشعر من فتوة ومن ~~قوة إيمان بالنفس وصدق معرفة للناس، وهو الآن يقرأ ديوانه من جديد، يستمع إلى شعره الذي ~~أنشده حينما طوف في أنطاكية وحلب وفي الكوفة وإيران، يحدثنا طه حسين بذلك في فصل من تلك ~~الفصول التي تبادل كتابتها مع توفيق الحكيم، كما يتبادل عازف الكمان وعازف البيانو جمال ~~الموسيقى، والتي جمعاها في كتاب اختارا له عنوان: «القصر المسحور». # أما المتنبي فقد أتم طه حسين كتابه عنه، وأهداه إلى زوجته، متخذا له عنوان «مع المتنبي»، ~~معتذرا إليها عما كانت تجد منه من جفوة وقسوة عندما كانت تلح عليه ليترك المتنبي لقليل من ~~الراحة التي كان يستحقها ويحتاج إليها في ذلك الصيف. ~~••• # الأحزاب المصرية تتفاوض مع الإنجليز، ونتيجة لهذه المفاوضات تعقد مصر مع بريطانيا في 22 ~~أغسطس معاهدة عام 1936. # وفي الصيف التالي # 5 # في مدينة مونتريه بسويسرا ينجح رئيس الوزراء مصطفى النحاس في الاتفاق مع الدول ~~الأوروبية على إلغاء الامتيازات الأجنبية، وبعد إبرام المعاهدة مع بريطانيا واتفاق إلغاء ~~الامتيازات مع أوروبا تتقدم مصر لدخول عصبة الأمم فترحب بها العصبة. # ويزور طه حسين رئيس الوزراء النحاس باشا ليهنئه، فيتحدث معه الرئيس ms094 في أن مصر المستقلة ~~تحتاج الآن إلى جهاد أكبر يبذل فيه كل المصريين كل ما يملكون من جهد وقوة، لتحقيق ما يجب ~~عليها أن تحققه الآن من النهضة في كل ميادين الحياة. # ويستقبل العميد، في مكتبه بالجامعة، وفدا من طلاب الجامعة يتساءلون عن واجب الشباب ~~المصريين بعد فوز مصر بجزء عظيم من أملها في تحقيق استقلالها الخارجي وسيادتها الداخلية، ~~يتجهون بهذا السؤال إلى قادة الرأي، كل في ميدانه. # يتحدث معهم العميد طويلا، يقول لهم: «إن مهمتنا أولا هي أن نجعل الاستقلال حقيقة، وأن ~~نجعل الاستقلال مدخلنا إلى العمل والإنتاج»، يقول: «إن نصوص المعاهدة مثلا تفتح للمصريين ~~أبواب زيارة السودان، فيجب أن نستغل هذا النص فنبدأ في إرسال البعوث للسودان فورا، لماذا ~~لا تكونون أنتم من أوائل الزائرين؟ إن الأستاذ سليمان حزين أستاذ الجغرافيا مولود في ~~السودان، وهذه فرصة يزور معكم مسقط رأسه، والأستاذ إبراهيم نصحي أستاذ التاريخ تهمه زيارة ~~السودان، ويحسن إذن أن ترتب الكلية رحلة قريبة للسودان، في إجازة نصف العام مثلا.» # يقول أحد الطلبة: «ما أسعد القادرين على الاشتراك في هذه الرحلة!» # ويرد العميد: «وأنت أيضا ستشترك، والرسوم لن تتجاوز أربعة جنيهات أو خمسة.» # والطلبة يشكرون أستاذهم ويهمون بالانصراف ولكنه يضيف قوله: «أنا شخصيا غير مكتف ~~بإجاباتي، إن واجبنا في ذات الثقافة والتعليم بعد الاستقلال أعظم خطرا وأشد تعقيدا مما ~~تحدثت به إليكم، لا بد من جهد وتفكير، إنني أطلب فترة للاستعداد لهذا الامتحان الصعب الذي ~~وضعتموه لي!» ~~••• # وفي شهور الصيف يفكر طه حسين في السؤال الذي ألقاه عليه الشباب، وقد بذل جهده وأتم تفكيره ~~وبحثه وأعد الرد المطول عليهم، وهو لا ينسى مقابلته لمصطفى النحاس وما أبداه أثناء المقابلة ~~من الاهتمام بكيفية تحقيق نهضة البلاد في كل الميادين بما فيها ميدان الثقافة ~~والتعليم. # ولهذا يقرر طه حسين أن يقدم إلى رئيس الحكومة نتائج هذا التفكير والبحث، فيبدأ في أوائل ~~شهر يوليو 1937 إملاء خطاب # 6 # طويل إليه يقول فيه: # سيدي صاحب المقام الرفيع # تعود الناس منذ عهد ms095 بعيد أن يكتبوا إليك وأن يكتبوا عنك، أكثرهم يحمد ويثني ~~وأقلهم ينقد ويعيب، ولكني أريد أن أكتب إليك على نحو جديد لم يصطنعه الناس فيما ~~كتبوا إليك أو كتبوا عنك إلى الآن ... أكتب إليك في المنفعة العامة التي تمس حياتنا ~~في الغد والتي سيكون لها أكبر الأثر في تكوين الأجيال المقبلة. # أنت رئيس الحكومة القائمة، وأنت زعيم الكثرة التي ستكون إليها أمور مصر دهرا ~~طويلا إن شاء الله، وأنت بعد هذا وذاك أقدر الناس على أن تسمع لي، وتقبل مني، ~~وتفكر فيما أرفع إليك من رأي فتقبله عن رضا ومودة، أو ترده عن اقتناع ومودة أيضا ... ~~وإني لأذكر أني تشرفت بزيارتك بعد رجوعك فائزا بإلغاء الامتيازات وإنزال مصر ~~منزلتها الكريمة بين الأمم الحرة المستقلة في عصبة الأمم ... ولست أخفي عليك أني خرجت ~~من عندك راضيا كل الرضا، قد امتلأت نفسي رجاء، وقد فتحت لي آمالا عراضا، وكنت ~~أتحدث إلى نفسي واثقا بأننا سنبدأ في إقامة حياتنا الجديدة من العمل الصادق النافع ~~على أساس متين. # والموضوع الذي أريد أن أرفعه إليك أدير فيه الحديث عن مستقبل الثقافة في مصر، ~~التي ردت إليها الحرية بإحياء الدستور وأعيدت إليها الكرامة بتحقيق الاستقلال ~~... # ولكن الملك فاروق يصل إلى سن الرشد في 29 يوليو 1937، فيعين علي ماهر باشا رئيسا ~~للديوان، دون أن يأخذ رأي رئيس وزرائه. وبعد شهور، في الثالث من ديسمبر من نفس العام، وقبل ~~أن يقدم طه حسين تقريره ذاك المطول إلى رئيس الحكومة، يقرر الملك إقالة الوزارة، ويطلب إلى ~~محمد باشا محمود تأليف وزارة جديدة، فيعدل طه حسين عن تقديم تقريره إلى رئيس الوزارة، ويقرر ~~أن ينشره في كتاب يهديه إلى الشباب. # يصدر كتاب «مستقبل الثقافة في مصر» في الصيف في جزأين، يرى طه حسين أن الكتاب في صورته ~~هذه «سيذاع في الناس وسيقرءونه، سواء منهم من إليه أمر من أمور السلطان، ومن لا ناقة له في ~~السلطان ولا جمل كما يقول الشاعر القديم، وسيقرؤه الجامعيون وغير الجامعيين، وسيجدون فيه ~~صورة للواجب ms096 المصري في ذات الثقافة بعد الاستقلال كما يراه مصري، مهما يقل فيه ومهما يظن ~~به فلن يتهم في حبه لمصر وإخلاصه للشباب المصريين.» # وهو يتحدث في هذا الكتاب إلى الشباب يدعوهم إلى أن يثقوا بأنفسهم، وإلى أن يؤمنوا بأنهم ~~ليسوا أقل شأنا من شباب أوروبا، وأن يعرفوا أنه كان لأجدادهم العرب فضل على بلاد الحضارة ~~الحديثة في أوروبا (وفي أمريكا ربيبتها)، وأنهم في الواقع شركاء في هذه الحضارة الحديثة؛ ~~لأنها نابعة من حضارة البحر الأبيض المتوسط التي كان للمصريين والعرب فيها مشاركة بعيدة ~~الأثر. وهو ينبه إلى أنه على شواطئ هذا البحر تقع مصر ولبنان وسوريا، وتقع ليبيا والجزائر ~~والمغرب وتونس، وحضارة هذا البحر لا تقف عند حافته، إن حضارة دمشق وبغداد أيضا تعد جزءا ~~من حضارة البحر الأبيض المتوسط، والخرطوم وشنقيط # 7 # أيضا تعد جزءا من حضارة البحر الأبيض المتوسط. # يقول المؤلف: «إن على الجيل العربي الحاضر أن يبني الآن على أساس تراثه الشرعي، بعد نفض ~~الغبار عنه، مستفيدا في الوقت نفسه بثمار الحضارة والثقافة المعاصرة، ويجب أن ترفض هذه ~~الدعوى الباطلة التي تقول إن أهل الحضارة الحديثة غربيون وإننا شرقيون، وإنه لا لقاء بين ~~الغرب والشرق؛ فنحن لسنا شرقيين إذا كانت كلمة الشرق تعني الصين والهند واليابان، إن ما ~~يسمى بالغرب الحضاري والثقافي ليس إلا امتدادا وتطورا لحضارة كان آباؤنا شركاء في ~~صنعها.» # وينبه طه حسين في كتاب «مستقبل الثقافة في مصر» إلى ترابط الشعوب العربية وتضامنها، وإلى ~~أنه من الواجب على مصر، التي استقلت بنفسها وبإرادتها، أن تمد يد المعاونة لمن حولها من ~~البلاد العربية. يقول: «إن الحجاز مثلا محتاج إلى مدارس لم يكن يستطيع بموارده المحدودة - ~~في ذلك الوقت - أن يقيمها، فعلينا أن نساعده وأن نقدم له ما يحتاج إليه من العون ومن يحتاج ~~إليهم من الأساتذة. وبلاد شمال أفريقيا لا تستطيع، لوجود الاحتلال الفرنسي، أن تبني المدارس ~~العربية، فعلينا أن نبنيها لها»، يقول: «يجب إفهام حكومة فرنسا أن لها في بلادنا مدارس هي ~~مدارس «الليسية»، ms097 فإذا لم تسمح لنا بإنشاء المدارس في البلاد العربية التي تقع حاليا تحت ~~حكمها، فإن لنا بل إن علينا أن نغلق مدارسها الفرنسية في مصر.» ~~••• # وفي المنيا، يزعم بعض الناس لوالد طه حسين أن ابنه قد كتب كتابا يقول فيه: # إننا لسنا شرقيين - يعني لسنا عربا - بل نحن غربيون. والشيخ حسين يقول لمحدثه إن ~~هذا كلام غير دقيق، فهذا كتاب طه بين يدي. ويعطي كتاب «مستقبل الثقافة في مصر» لمن ~~يقرأ فيه الصفحة التي يدله عليها، فيقرأ القارئ حلم المؤلف بأنه يرى «شجرة الثقافة ~~المصرية باسقة قد نبتت أصولها في أرض مصر، وارتفعت أذرعها في سماء مصر، وامتدت ~~أغصانها في كل وجه، فأظلت ما حول مصر من البلاد وحملت إلى أهلها ثمرات حلوة، فيها ~~ذكاء للقلوب وغذاء للعقول وقوة للأرواح. # ويقول الشيخ حسين : «يعني شجرة العلم عندنا لا بد أن تظلل كل ما حولنا من البلاد، يعني ~~البلاد العربية شرقا وغربا وجنوبا، وما تثمره الشجرة من الثمار يجب أن تشرك مصر فيه ~~الأهل والجيران العرب!» # ويتابع القارئ القراءة: إن الدكتور طه حسين يرى في هذا الحلم مصر «وقد انجاب عنها الجهل، ~~وأظلها العلم والمعرفة، وشملت الثقافة أهلها جميعا، فأخذ بحظه منها الغني والفقير، القوي ~~والضعيف، النابه والخامل، الناشئ ومن تقدمت به السن، وتغلغلت لذاتها حتى بلغت أعماق النفوس، ~~وانتشر نورها حتى أضاء القصور والأكواخ.» # ويقول الشيخ حسين: «يعني أنه يدافع عنا، عني وعنك، يدافع عن الفقير والضعيف والخامل ~~والعجوز!» # والقارئ يستأنف القراءة: «... وشاع في مصر كلها نشاط جديد، وأصبحت مصر جنة الله في أرضه، ~~يسكنها قوم سعداء ولكنهم لا يؤثرون أنفسهم بالسعادة وإنما يشركون غيرهم فيها، وأصبحت مصر ~~كنانة الله في أرضه حقا، يعتز بها قوم أعزاء ولكنهم لا يؤثرون أنفسهم بالعزة، بل يفيضون ~~على غيرهم منها.» ~~••• # يقول الشيخ حسين: «هل فهمت الآن؟ يريد أن تشمل بلادنا السعادة والعزة، ولكنه يريد أيضا ~~أن نشرك إخواننا وجيراننا العرب في العزة والسعادة، يعني أننا مصريون وعرب ومن شعوب البحر ~~الأبيض المتوسط، وشركاء ms098 في صنع ثقافة وحضارة الغرب، ولسنا شرقيين بمعنى أننا لسنا يابانيين ~~ولا صينيين ولا هنودا، فهمت واقتنعت أم ترى أنك ياباني أو صيني أو هندي؟» # ويضحك الحاضرون، ويقول أحدهم: «المهم أن هذا الكتاب يبدو وكأنه يصلح برنامجا كاملا ~~للتعليم في مصر، ولكن الحقيقة أنه أقرب إلى الأحلام، والكاتب نفسه يقول إن تمنياته التي ~~قرئت علينا الآن هي حلم كبير ومن ذا يحقق لنا هذه الأحلام؟» # في شهر يونيه ينتهي العام الجامعي فتتأهب أسرة العميد لمغادرة القاهرة، ولكن العميد لا ~~يغير من نظامه اليومي شيئا؛ يقضي الصباح في مكتبه مع سكرتيره يقرأ له ما يريد من الرسائل ~~والكتب العربية، ويستقبل أثناء ذلك من يستقبل من الزوار، فإذا انتهى من طعام الغداء وتناول ~~القهوة مع أسرته خلا إلى نفسه يستمع من الراديو إلى إذاعة القرآن الكريم، ثم تقبل قارئته ~~لتقرأ عليه مدة الساعتين اللتين يخصصهما كل يوم لمتابعة الحياة الأدبية الغربية. # وفي مساء يوم من أيام شهر يونيه 1937 تقرأ عليه رسالة من هيئة التعاون الفكري بتوقيع ~~الأديب الفرنسي الكبير «بول فاليري» يذكره بالبحث الذي سوف يلقيه في ندوة «مستقبل الآداب» ~~في الصيف. ~~••• # وتعقد الندوة في قصر الأمم، مقر عصبة الأمم المشرف - عبر حدائقه الواسعة - على بحيرة ~~ليمان في جنيف، وينتهي أحد اجتماعات الصباح فيخرج طه حسين مع رئيس الاجتماع بول فاليري ~~يتحدثان عن خطاب العميد في اجتماع الصباح. # ويلحق بالأديبين الكبيرين بعض أعضاء الندوة، من بينهم سيدة تسأل العميد: «أليس من الواجب ~~أن تعين الحكومات أدباءها وفنانيها في هذا العهد الذي يتعرض الأدب والفن فيه للأزمات التي ~~تحدثت عنها في جلسة الصباح؟» # يقول العميد: «في فرنسا وروما، في بغداد والقاهرة، وفي عواصم أخرى كثيرة، في عهود عديدة، ~~كان هناك أمراء وملوك شملوا الفنانين برعايتهم، وقد أنتجت هذه الرعاية في كثير من الأحيان ~~فنا رائعا، ولكنه كان بطبيعة الحال فنا تابعا، وإذا قامت الحكومات الآن برعاية ~~الفنانين والأدباء رعاية مادية فإن التبعية القديمة للأمراء ستصبح تبعية للحكومات ... إن ~~الدولة سيد خطر لأنها ms099 لا تقدم شيئا بلا مقابل، فإذا كان الثمن هو استقلال الأديب فهي صفقة ~~قاتلة؛ لأنه لا سبيل إلى الإنتاج الحق إلا في ظل الحرية.» # ويقول أحد الأعضاء: «ولكنك سبق أن حدثتنا عن أديب كبير استغنى عن كل رعاية بأن عاش حياة ~~البساطة وهجر الدنيا وما فيها ومن فيها وأنتج أدبا عظيما خالدا.» # ويرد طه حسين: «إن أبا العلاء المعري حاول أن يهجر الناس ولكن الناس لم يهجروه، وأنا على ~~أي حال لا أرى أن يعتزل الفنان أو الأديب مجتمعه، إن الأديب أو الفنان يمكن أن يرتفع بنفسه ~~عن الحياة من حوله ليتأملها، ولكنه لا يجوز أن يخرج منها، يجب أن يأخذ الفنان والأديب ~~موقفا مما يجري حوله، إن الكاتب يقود الفكر في مجتمعه، والفكر يقود العمل.» # وتسأل السيدة: «هل الفنان يستطيع دائما أن يعبر عما يريد التعبير عنه حتى يتسنى له ~~المشاركة في قيادة الفكر؟» # ويرد العميد: «يحاول، هذه مسئوليته.» # وتسأل السيدة: «وأمام من تكون مسئولية الفنان؟» # ويرد العميد: «أمام ضميره.» # ويتدخل الرجل فيقول: «ولكن المجتمعات لا تحكم حسب أحكام الضمير، إن المجتمعات تحكم ~~بالقوانين، والقوانين تنفذ بأدوات السلطة، وبعض هذه القوانين في بعض البلاد تسن خصيصا ~~لخدمة السلطان، ولذلك تصدر صارمة ظالمة تصادر حرية التعبير.» # ويقول العميد في هدوء واقتناع أكيد: «إنما تحترم القوانين إذا صدرت صحيحة معبرة عن إرادة ~~الأمم مصدر السلطات.» # فيسأل الرجل: «ومن يحمي الأديب والفنان إن هو خالف إرادة الظالم من الحكام؟» # ويقول العميد: «لا بد أن يوجد تضامن وتعاقد غير مكتوب بين الفنان أو الكاتب وبين مجتمعه ~~المتحضر، هذا التضامن يفرض على الفنان أن يكون صادقا أمينا حرا، ويفرض على المجتمع أن ~~يحمي الفنان من كل أنواع الطغيان.» # وتسأل السيدة: «كل أنواع الطغيان؟» # ويرد العميد: «نعم، بما في ذلك طغيان العامة، نعم، كل أنواع الطغيان ما عدا طغيان المرأة ~~... هذا مقبول فيما أظن ...» # وتضحك السيدة وتسأل: «وهل كتبت أخيرا شيئا عن المرأة؟» # ويقول العميد: «قصة فتاة أو فتاتين من صعيد مصر، قصة من الواقع، ms100 سميتها باسم طائر مصري ~~مغرد حبيب إلى قلبي اسمه «الكروان»، لا أعرف اسمه بالفرنسية ... لا، ليس البلبل.» # ويقول بول فاليري: «لقد حان موعد عودتنا إلى قاعة الاجتماع.» ~~••• # وينتهي الصيف ويبدأ العام الجامعي الجديد، ويستأنف العميد عمله أستاذا في قسم اللغة ~~العربية وعميدا للكلية، ينظم عملها ونشاطها داخل الجامعة وخارجها. والمحاضرات العامة ~~للكلية تشمل في ذلك العام الأسبوع الذي نظمته لدراسة أبي عمرو الجاحظ وعصره، يشارك في هذه ~~الدراسة الأساتذة أحمد أمين وأمين الخولي وعبد الوهاب عزام وعبد الوهاب حمودة، ولا ينسى طه ~~حسين شباب قسم اللغة العربية فيشرك فيها أيضا الأستاذين الشابين شوقي ضيف وعبد اللطيف ~~حمزة. # يتحدث العميد مع زملائه وطلابه المشتركين في هذه الدراسة عن البيئة التي عاش فيها الجاحظ، ~~بيئة العراق: «لقد كان العراق هو الموطن الذي التقى فيه عرب الجنوب المتحضرون وعرب الشمال ~~البدويون قبل الإسلام، ثم التقى فيه عرب الجنوب والشمال جميعا بالفرس وحضارتهم الساسانية، ~~وبالروم وحضارتهم المسيحية، وقد عرف العراق قبل ذلك حضارة أشور وبابل، وبتأثير ذلك كله كان ~~العراق أول موطن، خارج الجزيرة العربية، يزدهر فيه الشعر قويا نابضا بالحياة قبل ~~الإسلام، وكان بعد الإسلام من أهم مواطن العرب تأثيرا في نشأة وتطور الحضارة العربية ~~والإسلامية.» # ويتمنى العميد أن يزور العراق يوما، ويتمنى أن تنظم الكلية رحلة لطلابها وأساتذتها إلى ~~العراق في عام مقبل، غير أن رحلة هذا العام ستكون إلى سواحل البحر الأحمر سعيا بالسيارات ~~من القاهرة إلى السويس ثم إلى الغردقة فالقصير، وانعطافا، عبر طريق القبائل العربية ~~القديم، إلى قنا، مرورا بدير سانت أنطونيوس. ويتحدث العميد في تنظيم هذه الرحلة وقيادتها ~~إلى وكيل الكلية الأستاذ شفيق غربال. # والأستاذ شفيق غربال يتحدث عن رحلات الكلية السابقة، رحلات فلسطين والأردن والحجاز ~~والسودان وواحة سيوة، وهذه الرحلة إلى سواحل البحر الأحمر، وهو يأمل - والعميد يوافقه - ألا ~~تكتفي الكلية بما يحصله طلابها وأساتذتها من فوائد في رحلاتها خارج مصر، فتعمل لتكون ~~اللقاءات التي تتم فيها أساسا لصلات تقوم وتتوثق بين الكلية وبين الهيئات العلمية والأدبية ms101 ~~المماثلة في البلدان العربية التي تتم زيارتها. # العميد يذكر أن الأساتذة والطلاب الذين اشتركوا في رحلة السودان قد عادوا مغتبطين أشد ~~الاغتباط بقيامهم بهذه الرحلة على ما لقوا فيها من مشقة، ويقول لشفيق غربال: «قد ذكرت لي ~~ابنتي التي اشتركت في الرحلة أنه عندما وصل القطار الذي كانوا يستقلونه إلى محطة عطبرة، كان ~~في انتظاره عدد كبير من السودانيين يرحبون بأشقائهم المصريين بحماس شديد، وأن ناظر المحطة ~~كان على رأس المرحبين وقد تبين أنه شاعر مجيد، فقد رحب ببعثة الكلية بالشعر وقال ~~لأمينة: # يا بنت أستاذنا قصي تحيتنا # على العميد عميد العرب والضاد # وكرسي وقتك الغالي لنصرتها # تمسي عميدتنا في عدوة الوادي # وقد نقلت أمينة هذه التحيات التي تأثرت بها أنا كل التأثر، وضحكت هي لفكرة أنها يمكن أن ~~تكون عميدة يوما من الأيام !» # ويرجو أحد الأساتذة ألا يكون ما ينفقه الطلبة من الوقت في هذه الرحلات معطلا لهم عن ~~دراستهم، فيقول العميد: «إن طلبتنا شركاء في تراث الحضارة العربية الإسلامية، ولا بد لهم من ~~أن يعرفوا مواطن هذا التراث، وأنا شخصيا يثير السفر عندي من العواطف والخواطر ما لا تثيره ~~الإقامة، أنا في الخارج أفرغ للراحة أولا ثم للدرس والإنتاج بعد ذلك، وسوف أسافر في العطلة ~~القادمة، وأرجو أن أعود إليكم بكتاب جديد إن شاء الله.» # ويدخل سكرتير الكلية يستأذن للسيدة أم كلثوم، جاءت لتخبر العميد أنها ستستجيب لطلبه إحياء ~~ليلة تخصص إيراداتها للكلية، تتبرع بذلك راضية بل شاكرة، وهي التي يتحدث الناس بكراهيتها ~~للإسراف، وضبطها للإنفاق، ولكنها معجبة بالعميد، متحمسة للشباب، والعميد معجب بها ومتحمس ~~لفنها. ~~••• # طه حسين يتفرغ في عطلة الصيف، كما كان يقول لزملائه، للراحة قليلا وللدرس والإنتاج أغلب ~~الوقت، يعود إلى قراءة مؤلفات أبي العلاء ليتم كتابه الجديد عنه. # على أنه ليس مشغولا بأبي العلاء فحسب، إنه يكتب إلى لطفي السيد يتمنى لو تيسرت له الرحلة ~~إلى فرنسا ليكون إلى جواره فترة من الزمان لا للاستجمام والراحة، بل لعمل سوف يجد فيه متعة ~~تفوق متعة ms102 الاستجمام. # يقول طه حسين إن صورة النسخة المخطوطة من الترجمة العربية القديمة لكتاب «المنطق» تأليف ~~أرسطو قد أخذت تصله شيئا فشيئا، ويقول: «وأخذت أحاول قراءتها، وهي محاولة شاقة جدا ~~لغموض الخط في كثير من المواضع، وفساده في بعض المواضيع، ولكنها مع ذلك محاولة لذيذة حين ~~أوفق إلى قراءة أرسطو في هذه الترجمة وألاحظ أنها في جملتها صحيحة، وأن المترجمين العرب ~~كانوا يحرصون على الدقة في كثير من الأحيان حرصا يضطرهم إلى إكراه اللغة العربية على ما لا ~~تحب، فهم مثلا لا يستعملون لفظ «القياس» وإنما يستعملون اللفظ اليوناني «سلوجوسموس»، ~~يشتقون منه مصدرا رباعيا على سبيل المصدر العربي وهو «السلجسة»، ثم يشتقون فعلا ماضيا ~~وهو «سلجس» ومضارعا وهو «يسلجس».» # ويرجو طه حسين أن «تنشر الجامعة صورة فوتوغرافية للمخطوطة كما هي، لتكون بين أيدي ~~الباحثين، ثم توضع فصولها فصلا فصلا بين أيدي مدير الجامعة الفيلسوف ليقرأها ويتصفحها في ~~أناة، وينشرها معلقا عليها.» ويقول العميد إنه سيكون سعيدا إن شارك المدير في هذا ~~العمل. # ويتم طه حسين كتابه عن أبي العلاء ويختار له العنوان وهو «مع أبي العلاء في سجنه»، ويملي ~~إهداء الكتاب وهو «إلى الذين لا يعملون ويؤذي نفوسهم أن يعمل الناس». ~~••• # ويستأنف طه حسين نشاطه في العام الجديد وهو شديد الاهتمام، إلى جانب عمله الجامعي، بأمور ~~الثقافة خارج الجامعة، فهو يقترح تأليف شعبة مصرية لمنظمة «جيوم بيديه» التي تقوم بنشر ~~وترجمة تراث بلاد البحر الأبيض المتوسط الكلاسيكي، لتعمل الشعبة المصرية على نشر وترجمة ~~التراث العربي كذلك، فتستجيب وزارة المعارف لطلبه، وهو شديد الاهتمام بعمله الجامعي، يخصص ~~من وقته ساعات طويلة للإشراف على رسائل طلاب الدراسات العليا، ويرى ذلك واجبا من أحب ~~واجباته إلى قلبه. # ورسائل الطلاب المتقدمين للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه تناقش عادة في كلية ~~الآداب في المدرج الكبير، وبينما يمتلئ المدرج بالذين يتوافدون على الجامعة لشهود الامتحان ~~في الأمسية التي تناقش فيها إحدى الرسائل، يجتمع الأساتذة الممتحنون في غرفة رئيس القسم، ~~أو غرفة العميد إذا كان العميد سيشارك في ms103 لجنة الامتحان، وينضم إليهم أساتذة آخرون سوف ~~يشهدون المناقشة مع الجمهور. # وإلى أن تحين ساعة مناقشة إحدى الرسائل التي أشرف عليها طه حسين، يجتمع بعض الأساتذة في ~~غرفة العميد يتبادلون الحديث. # العميد يقول: «إن نظرة إلى ما يقدمه متخرجو هذه الكلية من البحوث تبين أن الكلية على ~~حداثة سنها قد دفعت الأدب العربي وتاريخه دفعة قوية، إن الأدب العربي وتاريخه يدرسان الآن ~~درسا يبعث فيهما الحياة والقوة، ويحبب فيهما القارئين والباحثين، ويحقق ما ينبغي لهما من ~~الدقة وحسن الاستقصاء.» # ويقول الأستاذ أحمد أمين: «لقد تجاوز أثر كلية الآداب في هذا بيئتها الخاصة إلى بيئات ~~أخرى.» فيقول طه حسين: «ليس من الغرور أن نسجل هذا كله مع الغبطة والسرور. على أن عمل هذه ~~الكلية لم يكن كله سهلا ميسرا، وما أظن أنه سوف يكون في المستقبل - على الأقل المستقبل ~~القريب - سهلا ميسرا.» # ويبتسم طه حسين ابتسامته الخفيفة، ثم يقول للأستاذ أحمد أمين: «هل تذكر كيف أرادوا إغراءك ~~بترك هذه الكلية وتعيينك أستاذا مساعدا للشريعة في كلية الحقوق؟» # ويسرع الأستاذ أحمد أمين بالرد يقول: «استشرت زملائي هنا فأشار علي منصور فهمي وأمين ~~الخولي بالقبول، وأشار عزام بالرفض، وكتبت إليك وأنت في الخارج أسألك الرأي والنصيحة، ~~وأحسست من ردك أنك غضبت، فاعتذرت أنا فورا عن منصب الأستاذ المساعد الذي يغضبك، وبقيت في ~~الكلية في منصب المدرس الذي يرضيك.» # ويلتفت طه حسين إلى الأستاذ عبد الحميد العبادي ويقول: «وأنت هل تذكر كيف كانوا يغرونك ~~أنت أيضا بترك الكلية يا عبد الحميد؟» # ويقول الأستاذ عبد الحميد العبادي: «وكيف أنسى ذلك وكانوا يعرضون منصبا إداريا من ~~الدرجة الثالثة لا ييأس شاغله من الثانية؟ وقد كتبت لك أقول إنها لفتنة لمن كان أبا لأولاد ~~يوشكون أن يكونوا خمسة، لكنك رددت علي فذكرت الكلية وذكرت خدمة العلم وذكرت الصداقة، وقلت ~~أنا إن الكلية لها رب يحميها كما حمى الكعبة من قبل، أما خدمة العلم والصداقة فآه ثم آه، ~~وعرفت أنك غضبت، فنسيت الأولاد الخمسة، ونسيت الدرجة الثالثة والثانية، ms104 ولو كانت الأولى ~~أيضا نسيتها.» # ويقول العميد: «وعزام؟ هل تذكر يا عبد الوهاب ترشيحك للخارجية؟» # ويرد الأستاذ عبد الوهاب عزام: «إنما كان يغريني منصب الملحق في سفارتنا في إيران لأنه ~~كان سوف يتيح لي فرصة أكبر للتعمق في دراسة الأدب والحضارة في إيران.» # ويقول العميد: «وأنت يا أمين؟» # ويقول الأستاذ أمين الخولي: «نعم، لوحوا لي بسكرتارية مشيخة الأزهر الجليلة وبمنصب وكيل ~~كلية أصول الدين مع أستاذنا الشيخ اللبان، ولكنهم للأسف الشديد اشترطوا علي أن أتعلم ~~السكوت.» # ويقول العميد: «وإبراهيم؟» # ويقول الأستاذ إبراهيم مصطفى: «قالوا لي إنك أحسن من يقرأ سيبويه، على أنهم - في الأزهر - ~~اشترطوا أن أعود إلى الثياب الأزهرية عندما يعينونني فيه، وكنت قد أنفقت على هذه الثياب ~~التي أرتديها مالا غير قليل، فصعب علي القبول بالشرط المفروض!» # ويقول العميد: «لا يا إبراهيم ، إنك لم ترض أن تترك كليتك وإخوانك أساتذتها وأبناءك ~~الطلبة. لقد رفضتم جميعا إغراء المناصب والدرجات.» # فيقول إبراهيم مصطفى: «لأننا جميعا كنا نعلم أننا معك سنخدم لغتنا وأدبنا، وسنخدم بلدنا ~~وديننا خدمة نرجو بإذن الله أن تكون باقية الأثر.» # ويبتسم طه حسين ابتسامته الخفيفة، إنه يفكر في أن الهجوم على طه حسين لم يقتصر على شخصه ~~وأن المهاجمين قد بذلوا أقصى الجهد لا ليهدموه هو وحده، بل ليهدموا كلية الآداب كلها، وأن ~~هجومهم قد خاب بفضل هذه النخبة من الرجال وبفضل من تجمع حولهم من الشباب. # 8 ~~••• # ويدخل الدكتور محمد عوض محمد يقول: «باق من الزمن خمس دقائق.» فينهض الأساتذة الممتحنون ~~يلبسون أرديتهم الجامعية، وينهض معهم العميد وهو يقول للدكتور عوض وهو متجه إلى السلم يهبطه ~~ليدخل المدرج الذي يعقد فيه الامتحان: «لقد قرأت مقال محرر مجلة الثقافة السياسي هذا ~~الأسبوع وهو ممتاز ولكنه مخيف.» ويقول عوض: «أخجلت تواضعي يا سيادة العميد، فإنك تعلم أني ~~أنا محرر مجلة الثقافة السياسي! أما أن المقال ممتاز فهو وصف سوف أسجله وأعلقه في برواز، ~~وأما أنه مخيف فإني أعوذ من ذلك بالله العظيم، كل ما قلته هو أني أعتقد ms105 أن اجتماع ميونيخ ~~بين تشرشل والنازيين قد انتهى إلى هزيمة سياسية للإنجليز وحلفائهم، وإلى نصر سياسي لهتلر ~~والنازية. على أن التاريخ - وأنت يا سيدي العميد سيد العارفين بالتاريخ - قد سجل كثيرا من ~~الهزائم السياسية والعسكرية تم تصحيحها فيما بعد بهمة وعناد المهزومين عندما رفضوا الهزيمة ~~ورفضوا الاستسلام.» # ويقول العميد: «هل تذكر خطابي إليك عام 1935 عندما كنا نقدر أن غزو إيطاليا للحبشة يهدد ~~بنشوب حرب عالمية؟ كنت أسأل إن كان ذلك سيضعف أوروبا والإمبراطورية البريطانية فيمكن ~~بلادنا من التحرر والانعتاق من نير الاحتلال، غير أنه لا محل الآن لمثل هذا السؤال، إن ~~الشر لا يلد الخير، وإذا انتصرت النازية والفاشية فإنهما لن يخلصانا نحن العرب من يد ~~الإنجليز والفرنسيين ليقولا لنا كما قال الرسول # صلى الله عليه وسلم # من قبل: اذهبوا فأنتم ~~الطلقاء.» # ويقول الدكتور عوض : «عندنا في مصر من يرون غير ذلك، ويصدقون أن الألمان سيحررون بلادنا من ~~أعدائهم الإنجليز، وهناك لغط كثير عن دعايات واتصالات مع بعض رجال صحافتنا وقياداتنا تقوم ~~بها ألمانيا، تستهدف بها الحصول على تأييد العرب للنازية، وتدبر للتهجم على كل من يؤمن ~~بالديمقراطية ويدعو لها في هذه البلاد.» # وقبل دخول مدرج الامتحان يقول العميد للدكتور عوض: «لقد قيل لي يا عوض إنك كنت قاسيا في ~~لجنة منح المجانية لطلاب الكلية، يجب ألا تنسى أننا أنا وأنت قد تعلمنا بالمجان.» ~~••• # مجلس كلية الآداب منعقد في غرفة العميد صباح يوم 13 مارس 1939. # يقول العميد: «لقد تحدث إلي مدير الجامعة بشأن شكوى بعض الناس من قراءة كتاب «جان دارك» ~~ل «برناردشو» وكتاب «محادثات خيالية» ل «لاندرو» في قسم اللغة الإنجليزية بالكلية، وقد ~~وعدته بالنظر في الأمر وذكرت أنني لن أتردد في أن أطلب إليكم منع قراءة هذين الكتابين إذا ~~ظهر أن فيهما ما يمس العقيدة أو يهين الإسلام أو الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم تحدث إلي معالي وزير ~~المعارف في نفس الموضوع فجددت له نفس الوعد، وقد طلبت إلى رئيس قسم اللغة الإنجليزية أن ~~يحقق هذا ms106 الأمر وأن يعرض عليكم نتيجة تحقيقه، وأرجو الآن أن يفعل ذلك.» # ويقول رئيس قسم اللغة الإنجليزية: «أثير هذا اللغط حول سبع محادثات في كتاب «محادثات ~~خيالية» تأليف لاندرو، وحول رواية «جان دارك» تأليف برناردشو. أما المحادثات السبع فإنه لا ~~توجد فيها أي إشارة إلى الإسلام أو الرسول الكريم، فالشكوى من هذه الفصول باطلة لا أساس ~~لها. أما الكتاب الثاني «جان دارك» فإنه من الكتب التي يطالعها طلاب قسم اللغة الإنجليزية ~~منذ ست سنوات، أقول منذ ست سنوات، أي قبل أن تنتخبوا سيادتكم عميدا، بل منذ كنتم، كما هو ~~معروف، خارج الجامعة. وقد سبق أن ترجمت هذه المسرحية إلى اللغة العربية ونشرتها لجنة ~~التأليف والترجمة والنشر منذ سنوات أيضا، وهي ما زالت معروضة في المكتبات ولم يعترض عليها ~~أحد. # والذي تعترض عليه بعض الصحف الآن هو ما يجيء في المسرحية من حوار بين قسيس عظيم الحظ من ~~التعصب، عظيم الحظ من الغباء والجهل، وبين أحد اللوردات، يتحدث القسيس عن جان دارك وعن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # ويقول إن كليهما عدو للمسيح، لكن محاوره يرد عليه فورا بأنه قد عرف ~~المسلمين فوجدهم قوما كراما، بل إنه رآهم يفضلون قومه من نواح كثيرة. واضح إذن أن ~~المؤلف برناردشو لم يقصد التعريض بالإسلام، بل قصد إبراز الجهل والتعصب الذي اتصف به بعض ~~رجال الكنيسة الذين كانوا يطالبون برأس جان دارك، والمؤلف قد رد على هذا القسيس المتعصب ~~الجاهل على لسان اللورد الذي كان يحاوره ردا أنصف به الإسلام والمسلمين.» # يقول أحد أعضاء المجلس: «إن القرآن الكريم يحكي أقوال المشركين الذين كانوا يصفون النبي # صلى الله عليه وسلم # بالسحر والكهانة وما هو أسوأ، ثم يرد عليهم.» # ويقول عضو آخر: «الكنيسة الكاثوليكية هي التي كانت تصدر لائحة للكتب التي تحرم على ~~المسيحيين الكاثوليك قراءتها، أما الإسلام فلم يعرف شيئا من ذلك.» # ويقول عضو ثالث: «ليس في الجامعة كتب مقررة، والكتب التي يطلب إلى الطلاب قراءتها لا ~~يطلب إليهم قبول ما فيها، بل إن الذي يطلب ms107 إليهم هو دراستها ونقدها.» # ويقول العميد: «لقد طلبت إلى زميلين آخرين من خارج قسم اللغة الإنجليزية قراءة الكتابين، ~~ورأيهما فيهما مطابق لرأي الأستاذ رئيس القسم الذي عرضه علينا الآن، فهل ترون إذن الموافقة ~~على تقرير رئيس القسم وعلى رفعه إلى مدير الجامعة ليعلم نتيجة التحقيق؟» # يوافق المجلس، وينتقل إلى ما لديه غير ذلك من الموضوعات. # بعد يومين يتصل الدكتور هيكل وزير المعارف بالعميد بالتليفون، ويقول له إن رئيس الوزراء ~~محمد محمود باشا أمر بمنع الكتابين. # ويقول العميد: «إن الأساتذة المختصين قرءوا الكتابين وقرروا أنه ليس فيهما ما يجرح الشعور ~~الديني أو يمس الإسلام أو رسوله الكريم، وقد رفعت تقرير رئيس قسم اللغة الإنجليزية إلى مدير ~~الجامعة فأقره المدير ووافق على ما رآه مجلس الكلية بهذا الشأن، وعلمت أن التقرير عرض على ~~معاليكم فوافقتم على رأي الكلية وأيدتموه ، أبلغني ذلك عدد ممن تحدثتم إليهم معاليكم في هذا ~~الشأن.» # ويقول الوزير: «صحيح، صحيح، ولكن هذه الآن هي أوامر رئيس الحكومة.» # ويرد العميد: «إذن تبحثون عن عميد ينفذ أوامر رئيس الحكومة مهما تكن ودون سؤال، فإن طه ~~حسين لا يحسن ذلك.» # ويدعو الوزير العميد لمقابلته للتفاهم، فيعد طه حسين بالذهاب إلى مكتب الوزير، ولكنه غير ~~موقن بأن الوزير سيرى غير ما يراه رئيس الوزراء. ~~••• # الطلاب يستمعون إلى المحاضر باهتمام في المدرج الكبير في كلية الآداب صباح يوم 21 مارس ~~سنة 1939، ولكن باب المدرج يقتحم فجأة ويتدفق عدد من الشباب من خارج الكلية يهتفون بسقوط ~~الكلية وحياة الإسلام! وإدارة الكلية تتصل ببوليس الجيزة مستنجدة، ولكن البوليس يعتذر بحجة ~~أنه ليس لديه قوة تستطيع حماية الكلية، والمهاجمون يقتحمون المدرجات وقاعات البحث ويصعدون ~~سلم الكلية متجهين إلى غرفة العميد يهتفون بسقوط العميد الأعمى، يحاولون اقتحام حجرته وهو ~~فيها وحده، فيوقفهم بعض السعاة والموظفين وعدد من الطلاب خرجوا من محاضراتهم وأسرعوا يحمون ~~غرفة العميد. ويرتفع الضجيج من المهاجمين وتتعالى الهتافات وبعضها قبيح شديد الإسفاف مهين ~~للطلبة جارح للطالبات، وأخيرا يتمكن طلاب الآداب وموظفوها من إجلاء المهاجمين. # ويلبي ms108 العميد ومدير الجامعة دعوة الوزير، الذي يفسر موقف رئيس الوزراء: إن الوزارة تواجه ~~ظروفا صعبة، ورئيس الوزراء لا يريد أن يثير أزمة لا داعي لإثارتها في هذه الأوقات. # وينصرف العميد من عند الوزير إلى داره ويرسل استقالته، وقد فصل أسبابها، إلى مدير ~~الجامعة. # إن الدكتور هيكل وزير المعارف قد سبقت له قراءة مسرحية «جان دارك»، وهو يعتقد أن ليس فيها ~~ما يقتضي منع طلاب الجامعة من قراءتها وقد أبلغ ذلك بنفسه لعميد كلية الآداب، ولكنه عضو في ~~وزارة محمد باشا محمود، وموقفه حرج، لذلك فهو يزور العميد المستقيل في منزله، ويتحدث إليه ~~عن ظروف الوزارة وظروف رئيسها، وما يحيط به وبها من مؤثرات، رئيس الوزارة لا يحتاج إلى مزيد ~~من الإزعاج، وتكفيه المشاغل والمخاوف التي تواجهه بسبب اضطراب الحالة الدولية ~~وتدهورها. # وينتقل هيكل إلى الحديث عن عمله هو في وزارة المعارف، ومتاعبه فيها، إن مدير الجامعة سوف ~~يرد إليه الاستقالة «آسفا أشد الأسف للحوادث التي دعت إلى تقديمها، راجيا أن يعود العميد ~~إلى عمله بالكلية بما يعرفه له من الكفاية والإخلاص»، ويطلب الوزير هيكل من صديقه العميد أن ~~يقبل هذا الرجاء الذي سيقدم له رسميا بهذه الصيغة. ~~••• # ألمانيا النازية تقوي أجهزة دعايتها بإشراف «وزير الرايخ للتنوير والدعاية» جوزيف جوبلز، ~~الذي يزور القاهرة بنفسه في شهر إبريل 1939، وإيطاليا الفاشية شديدة الاهتمام بمصر، ~~والجنرال إيتالو بالبو نجم الطيران الإيطالي يزور القاهرة في مايو سنة 1939، والشائعات ~~تتناثر عن اتصالات دول المحور بالملك فاروق وبعض المسئولين في مصر. # ويغادر العميد مصر في أول الصيف ليحضر اجتماع هيئة التعاون الفكري الدولية في ~~جنيف. # يترك العميد مصر قلقة غير مستقرة، العلاقات بين الملك ووزارة محمد محمود تسوء رغم كل ~~الجهود التي تبذلها الوزارة، والأمة ساخطة على السراي وعلى الوزارة معا، ساخطة على ~~الإنجليز والألمان، متعطشة إلى يوم مأمول تتخلص فيه من ظلم الحكم المطلق، ومن عنف ~~الاحتلال. # وفي شهر أغسطس 1939 يعلم طه حسين أن وزارة محمد محمود باشا قد سقطت، وأن الملك قد عين علي ms109 ~~ماهر باشا رئيسا للوزارة، ويتلقى العميد خطابا من أحد أعضاء الوزارة الجديدة، وهو سابا ~~حبشي باشا وزير الصناعة والتجارة، يقول فيه: «إن الحوادث لا تترك مجالا للتفكير في غير ما ~~يتهدد البلاد من خطر.» وفي نفس الشهر يتلقى العميد خطابا من الدكتور محمد عوض محمد، الذي ~~كان يزور ألمانيا، يقول فيه: «إن الحكومة الألمانية جادة في جمع الحديد القديم من جميع ~~أرجاء البلاد.» # ويسأل السكرتير - الذي قرأ الخطاب على العميد: «ولماذا تجمع الحكومة الألمانية الحديد ~~القديم؟!» # يقول العميد: «التوراة تحدثنا أنه في ظل السلام تصهر السيوف لتتحول إلى محاريث، وإذا ~~كانت الحكومة النازية تجمع الآن الحديد القديم فذلك لتصهره وتحوله إلى مدافع، وأغلب الظن ~~إذن أن الحرب توشك أن تندلع، ولا بد لنا الآن من الإسراع بالعودة إلى أرض الوطن.» # يقول السكرتير: «لقد كنت تريد أن ترسل برقية إلى الدكتور السنهوري تهنئه بتعيينه وكيلا ~~لوزارة المعارف.» فيرد العميد: «بل الأفضل الآن إرسال خطاب.» ثم يملي على سكرتيره ما يلي: # أخي العزيز # تحققت أمس أنك أصبحت زعيما من زعماء التعليم أو قل الزعيم الثاني لشئون التعليم ~~بعد معالي الوزير، فهممت أن أبرق إليك مهنئا ولكني استحييت من عامل البريد ~~الفرنسي، فإن هذه الظروف التي نحن فيها لا تسمح للناس بأن يتبادلوا التهنئات مهما ~~تكن أسبابها ومصادرها، واكتفيت بأن أرسل لك هذا الكتاب طائرا كما يقال، إن كانت ~~الظروف العامة لا تزال تسمح للرسائل بأن تطير. وكل ما أتمناه الآن هو أن يظل السيف ~~والمدفع صامتين ... وأن تظل الكلمة للعقل والقلب ... # ولكن الحرب أعلنت فسكت العقل ونطق المدفع، والقطارات المتجهة من باريس إلى مارسيليا ~~غاصة بالجنود، والمدنيون يتسابقون إلى الخروج من باريس إلى الأقاليم فيسدون الطرقات، وطه ~~حسين وزوجته وابنته وولده يضطرون إلى قضاء الليل جلوسا في محطة السكة الحديدية في مدينة ~~«ليون» ينتظرون قطارا يصلون به إلى مارسيليا، ويصل القطار فيسرعون إلى الركوب فيه، ويصعدون ~~إلى الباخرة المصرية «النيل»، فيمضون فيها أياما وهي لا تتحرك؛ لأن الحركة في البحر الأبيض ~~المتوسط ms110 لا تكون في ذلك الوقت إلا بأمر من الأميرالية البريطانية. # وأخيرا تتحرك الباخرة مزدحمة بركابها، وقبطانها المصري المثقل بالمسئولية في تلك الظروف ~~الشديدة يعمل مشكورا على توفير الراحة الممكنة لطه حسين وأسرته في رحلة العودة إلى الوطن ~~العزيز. # | أحاديث الحرب # تسير الباخرة وتسري لا حديث لركابها إلا الحرب، وقد امتلأت نفوسهم خوفا منها وقلقا ~~واضطرابا، والبحر منبسط هادئ في آخر الصيف وقبل مجيء الخريف، تتلقى مياهه أشعة الشمس ~~الغاربة في سكينة وهدوء، والعميد يجلس على كرسي مريح على سطح الباخرة ومن حوله ولداه يجلسان ~~على بعض أمتعة الركاب، التي غصت بها طرقات الباخرة، يرقبان الغروب. # تقول أمينة: «ليس لأهل هذه الباخرة حديث غير الحرب.» ويقول لها أبوها وهو يمشط شعرها ~~بأصابع نحيلة مترفقة: «أنت لم تشهدي في عمرك الغض حربا من قبل يا ابنتي، لقد ولدت في آخر ~~سنة من سني الحرب التي مضت فكان مولدك بشيرا بالسلام، أما أنا فقد مرت بي حروب كثيرة، في ~~آخر طفولتي وأول الصبا، حين كنت أختلف إلى الكتاب، كنت أسمع سيدنا يسأل العريف عن أنباء ~~الحرب بين الترك واليونان في القرن الماضي، وكانت أحاديث تلك الحرب تحمل إلى نفوسنا صورا ~~ضئيلة مختلطة مشوهة تثير شيئا من الخوف الغامض والإعجاب المبهم، فقد كنا نسمع أعدادا ضخمة ~~لا نحققها، ولكن قلوبنا تمتلئ لها روعا وإعجابا، وهي أعداد القتلى والجرحى من أولئك ~~وهؤلاء، وكنا نسمع أسماء مدن وأماكن تصل إلى آذاننا، بعد أن تصيبها ألوان من المسخ ~~والتشويه، فتثير في نفوسنا عاطفة من الطموح إلى غير ما كنا فيه والنزوح إلى دار أبعد من ~~الدار التي كنا نقيم فيها. وكنا إذا خلونا إلى أنفسنا بعد الاستماع إلى هذه الأحاديث ~~المشوهة تمثلنا صورا مختلطة من الروع والإعجاب، ووجدنا في تمثل هذه الصور شيئا من الرضا ~~الذي كان يلائم خيال الصبا وحاجته إلى الطموح من ناحية وإلى العلم والمعرفة من ناحية أخرى، ~~وقلما كنا نفرق بين أحاديث الحرب هذه وأحاديث أخرى، كانت تقص علينا في أعقاب النهار ~~وأوائل ms111 الليل، وتملؤها الأخبار الهائلة التي كانت تلذنا بما تثير فينا من الإعجاب ~~والروع، تتحدث إلينا ببلاء الأبطال حين يلقون الأهوال في الأساطير وقصص العجائز.» # وتسأل أمينة: «ألم يشترك في تلك الحرب أحد من مصر كما اشترك فيها من إنجلترا الشاعر لورد ~~بيرون، الذي قرأت أن قلبه قد دفن في اليونان وأن بقية جسده دفنت في إنجلترا؟» # يقول طه حسين: «لا يا ابنتي، إن المصريين كانوا وقتذاك تحت الاحتلال الأجنبي، وكان أجدر ~~بهم أن يحاربوا، إن حاربوا، لتحرير بلادهم.» # وتمر برهة ثم يستأنف الحديث يقول: «عندما تقدمت بنا السن شيئا إذا نحن نسمع أحاديث الحرب ~~بين الإنجليز والبوير فنفهمها خيرا مما كنا نفهم الأحاديث الأولى، ولكننا لا نحقق من أمرها ~~شيئا واضحا معقولا، وإنما هو الروع دائما والإعجاب أحيانا والخيال الذي يخلق لنفسه ما ~~يشاء أو ما يستطيع من الصور دون أن تتصل أهواؤنا بهذا الفريق أو ذاك من المحاربين؛ لأننا لم ~~نكن نعرف من أمر هذا الفريق أو ذلك شيئا.» # ويقاطع مؤنس أباه يقول: «كل ما بقي في رءوسنا من معلومات المدرسة هو أن فكرة تكوين فرق ~~الكشافة لها صلة بتلك الحرب، حرب الإنجليز والبوير!» # ويقول العميد: «نسينا حديث تلك الحرب أيضا، ولكننا نسمع بعد حين أخبار حرب أخرى تثور في ~~أقصى الأرض بين الروس واليابانيين، هذه الأخبار كنا نفهمها خيرا مما كنا نفهم غيرها، ونحس ~~بما تحمل من الأهوال في قوة ودقة لم نكن نعرفها من قبل، ونسمع من حولنا أوساط الناس يختصمون ~~في أمر المتحاربين، يختصمون بعقولهم وعواطفهم، ففريق يميل إلى الروس ويتمنى لهم الفوز، ~~وفريق يميل إلى اليابانيين ويقدر لهم النصر.» # ويقول مؤنس: «وأنت يا أبي في أي فريق كنت؟» # ويقول طه حسين: «كنت في آخر الصبا وأول الشباب على هذه الحيدة، التي تنشأ مما يلائم طبيعة ~~هذه السن من الغفلة والأثرة والإعراض إلا عما يمسنا من قريب، ولكن الأيام تمضي وإذا الحرب ~~تنشب بين الترك والإيطاليين في شمال أفريقيا، في هذه الأرض التي تجاور بلادنا، فهي ms112 حرب ~~قريبة منا، قريبة في المكان وقريبة في الشعور أيضا، فقد كنا شركاء الترك في الدين، وكنا ~~شركاءهم في السياسة أيضا، هنالك تشترك عواطفنا في هذه الحرب، وتشترك أيدينا، وتشترك ثروتنا ~~أيضا، فمنا المتطوعون الذين كانوا ينفرون خفافا وثقالا إلى الحدود، ومنا الباذلون الذين ~~يمنحون ما يستطيعون من المال والمعونة.» # وتقول أمينة: «ثم تكون الحرب التي ولدت أنا في ظلها.» # ويقول العميد: «نعم، ولكنها كانت شيئا آخر بالنسبة لنا، عشنا، أمك وأنا، أعوامها على أرض ~~فرنسا التي دمرتها تلك الحرب تدميرا، شهدنا انطفاء النور فيها وتخييم الظلام، ورأينا كيف ~~سيطر الجبروت عليها والظلم، وكيف عرف ذلك البلد الجميل عنف الغزاة وذل الهزيمة، ولكنا ~~شاهدنا أيضا شعبها الفرنسي يقاوم في يأس وفي بأس مقاومة عنيفة عنيدة لا تريد أن تستسلم ~~للهوان حتى تحقق النصر لفرنسا وللحلفاء، فشهدنا الغزاة وقد ارتدوا خاسرين عن أرض ~~المكافحين.» # ويخيم الصمت ويذبل نور النهار ويقول العميد: «إن الجو قد برد فالشمس قد غابت، وقد أهملنا ~~أمكما طويلا وآن الآن أوان الدخول.» # تقول أمينة وهما يتركان سطح الباخرة إلى داخلها: «وهذه الحرب التي أعلنت منذ ~~أيام؟» # يقول طه حسين: «لقد أنفقت الدول العظمى أكرم أموالها وبذلت غاية جهدها لتستعد لها بأقوى ~~أدوات القتل والهلاك، وأغلب الظن أن نيرانها لن تنحصر في أرض المتحاربين.» # تقول أمينة: «لقد صنف هتلر أهل الأرض أصنافا وأنزلهم منازل، فجعلنا نحن المصريين في ~~منزلة من أدنى المنازل!» # ويقول طه حسين: «أما الله - تعالى - فإنه لا يعرف فضلا لعربي على عجمي إلا ~~بالتقوى.» # ويسود صمت تقطعه أمينة بقولها: «عندما كنا نتكلم عن حرب الروس واليابان قلت إنك كنت على ~~حيدة تلائم ما كان لسنك الصغيرة في ذلك الوقت من غفلة وأثرة، ترى هل في الإمكان الآن أن ~~تتقي مصر شر الحروب وتلتزم الحياد، أم ترى أن حيادنا سيكون غفلة وأثرة؟» # يقول طه حسين: «لسنا نعرف حتى الآن كيف سيكون موقف المتحاربين من مصر، سؤالك خطير ~~والإجابة عنه لا تتيسر قبل أن نرى الأحداث كيف ms113 تتطور في هذه الحرب.» # وتصل الباخرة إلى شاطئ مصر بسلام، ويهرع ركابها إلى أرض الوطن والدموع تملأ عيون ~~الكثيرين. # ويقول طه حسين لابنته وهو يبتسم: «هل تستطيعين يا ابنتي إعراب هذا البيت: # أنل قدمي ظهر الأرض إني # رأيت الأرض أثبت منك ظهرا؟» # ثم يقول: «طبعا لا، يمكنك أن تستعيني بأستاذك إبراهيم مصطفى فيما بعد، أما الآن فإننا ~~نبدأ الرحلة إلى الزمالك، والحمد لله.» ~~••• # وفي الزمالك في منزل طه حسين في شارع سير سكوت مونكريف مساء يوم من أيام الأحد في شهر ~~ديسمبر 1939. # ليل ديسمبر شديد البرودة، والعميد يجلس على مقربة من المدفأة مع عدد من زملائه يتحدث ~~إليهم بعد انصراف الكثيرين من زوار يوم الأحد. # يقول الدكتور محمد عوض محمد: «بعض الناس في مصر يرى أن نهاية بريطانيا العظمى قد اقتربت، ~~ويرجو إذا حلت هذه النهاية أن تتحرر بلادنا وتتحرر فلسطين وعدن وبلاد الخليج.» # ويقول طه حسين: «عندما بدأ غزو الإيطاليين للحبشة عام 1935 ولاح شبح الحرب العالمية، كتبت ~~خطابا لك - هل تذكر يا عوض ذلك الخطاب؟ - أتساءل فيه: هل تضعف الحرب الإمبراطورية ~~البريطانية فترفع يدها عن أعناقنا وتنهي احتلالها لبلادنا؟ ولكن الذي حدث هو أن الحرب ~~الإيطالية الحبشية زادت الاحتلال الأوروبي لبلاد العرب ثقلا وعنفا، وشددت من قبضته على ~~قارتنا، ونحن الآن نسمع من برلين كلاما سخيفا وخطيرا عن امتياز الجنس الآري على بقية ~~الأجناس، وليس لهذا الامتياز العنصري إذا انتصر أصحابه في الحرب العالمية إلا تطبيق واحد، ~~وهو أن يحكم الشعب الممتاز بقية الشعوب.» # يقول الدكتور عوض: «يقال إن اليهود المصريين خائفون، وكثير منهم يحاول الهرب من ~~البلاد.» # فيقول العميد: «إن ما يسمعونه عن معاملة الألمان ليهود ألمانيا والنمسا مزعج ومن شأنه أن ~~يثير هذا الخوف. إن على مصر أن تحمي أهلها مسلمين ومسيحيين ويهودا، على أنه إذا كان بعض ~~اليهود الذين يعيشون الآن في مصر يعتقد أنه سيكون آمنا على نفسه في مكان غيرها فإن هذا ~~شأنه، إن بعض هؤلاء اليهود المقيمين في مصر لا ينتمون إلى ms114 أي جنسية ولا يحملون أي جوازات من ~~أي بلد، وسوف يجدون أنفسهم في خطر شديد إذا دخل الألمان مصر، إن الموسيقي «تيجرمان» وهو ~~يهودي بولندي، لا هم له إلا الموسيقى ولا اهتمام بغيرها، كان شديد الخوف والهلع يريد الفرار ~~بنفسه من هلاك محقق يتخيله إذا دخل الألمان مصر، ولقد ساعدته مصر بالقدر المستطاع، وهذا هو ~~التصرف الطبيعي فيما أحسب.» # ويسأل الدكتور محمد كامل حسين: «وماذا يكون موقف مصر إذن؟» # ويقول العميد: «إن مصر لا تطيق استمرار الاحتلال البريطاني ويجب أن تستمر في نضاله، ولكن ~~عليها في نفس الوقت أن تدافع عن حدودها ضد كل احتلال آخر محتمل.» # ويسأل الأستاذ أمين الخولي: «أليس من الواجب أن يستعد الشباب في مصر فلا نفاجأ بالدعوة ~~إلى الدفاع عن الحدود بغير استعداد؟» # طه حسين: «نعم، واجب، وواجب أيضا أن يكون الشيوخ قدوة للشباب في هذا الاستعداد.» # ويقول الدكتور محمد عوض: «إذن نتطوع في الجيش، ويجري تدريبنا نحن أعضاء هيئة التدريس، أنا ~~والشيخ أمين ومن يشاء من الزملاء الكبار والصغار، تدريبا حقيقيا.» # العميد: «هذا جميل جدا إن كنتم جادين.» # ويتدخل الأستاذ إبراهيم مصطفى قائلا: «ألا يحسن بنا أن نحتاط قليلا؟ إن راديو برلين ~~...» # ويسأل الدكتور كامل حسين: «ما له راديو برلين؟» # ويقول العميد: «أنا فاهم يا كامل ما يقصد إليه إبراهيم، راديو برلين يهدد كل من يؤمن ~~بالديمقراطية في العالم العربي، يهدد العقاد وطه حسين وآخرين بأحكام أبرمها ضدنا تصل إلى ~~حكم الإعدام. على أن الاحتياط اللازم يا إبراهيم، وأنت خير من يعرف ذلك، هو احتياط المرء ~~الشريف كي لا يقع في الخطأ أو يرتكب الشر أو يعصي الضمير.» # ويدخل الدكتور عبد الرزاق السنهوري، وينهض العميد لاستقباله قائلا: «أهلا وسهلا، أنت ~~قادم من الوزارة طبعا في هذه الساعة المتأخرة، إن النقراشي باشا قد حملك أثقالا لا شك ~~أنك كنت تفضل عليها أثقال الفقه القديم والحديث.» # ويرد الدكتور السنهوري قائلا: «ومن قال إني تركت أثقال الفقه القديم والحديث؟ إنني مستمر ~~- وأنوي الاستمرار - في تأليف كتاب عن ms115 طبيعة العقد». # ويقول العميد: «عظيم، عظيم! وقديما قال الشاعر: # والعبء ليس مضاعفا لمطية # إلا إذا ما كان وهما بازلا» # ويرد الدكتور السنهوري قائلا: «لا بد، قبل الشكر أو العتاب، أن نبحث أولا ألفاظ ومعاني ~~هذا البيت؛ إن المصريين يمدحون الرجل بأنه جمل، ولكن الفرنسيين، لسبب ما، يعتبرون وصف الرجل ~~بأنه جمل من أوصاف السباب، وفي اللغة العامية عند الفلاحين المطية معناها ...» # ويرد العميد بأن المذهب العربي الفصيح هو المقصود، وهو واجب التطبيق في هذه الحالة، ~~ويقول: «كثيرا ما حذرتكم من اللغة العامية! على أنك قد حضرت متأخرا ولا بد من توقيع جزاء ~~عليك، وهو أن تبقى معنا لتشاركنا عشاءنا البسيط.» # وبعد العشاء يجلس الأساتذة طه حسين، والسنهوري، وعوض، وكامل حسين يتحدثون. # يقول طه حسين: «منذ بدأت الحرب وأنا مشغول بأخبارها، إذا قرأت فأنا أقرأ ما يتصل بالحرب ~~وأهوالها وأثقالها، فلا أجد في قراءته لذة ولا رضا، ولذلك فإنني أنصرف عنها إلى قراءات ~~أخرى. # أقرأ ما كتب القدماء من العرب وغير العرب فأنسى الحياة الحاضرة. # وإذا قرأت في الفرنسية فإنما أقرأ مونتي ورابليه وبلزاك وفلوبير. وإذا قرأت في العربية ~~فإنما أقرأ في الأغاني والكامل والجاحظ ودواوين الشعراء الجاهليين والإسلاميين، فأما ~~المعاصرون فلست أقرأ لهم إلا في الرسائل التي يعدها طلاب الكلية لنيل الدرجات ~~الجامعية.» # ويقول الدكتور السنهوري: «أنا بين كتاب «العقد» وبين أعمال وزارة المعارف لا أجد وقتا ~~للرضا ولا للسخط. على أنه يخيل إلي أنه لا بد من أن يكون لنا موقف مما يجري في العالم ~~حولنا، ولا بد من إعلان هذا الموقف.» # ويقول طه حسين: «عندك حق، ولقد طلب إلي أعضاء نادي القلم المصري إعداد نقط يمكن على ~~أساسها اتخاذ موقف وإعلانه، وهذه مسودة بأربع نقط، هل تقرؤها يا عوض؟» # ويقرأ الدكتور عوض المسودة التي يعطيها له طه حسين، ونصها: # أولا: # نحن نعتقد أن أول ما يجب على المفكر اليوم هو أن يقاوم الحرب بكل ما ~~يملك من قوة معنوية، وأن يحافظ ما استطاع على القيم الخلقية التي كثر ms116 ~~ازدراؤها في هذه الأيام، والتي تكفل وحدها للعالم الاستمتاع بالعدل ~~والسلام. # ثانيا: # ويجب أن نبغض الحرب إلى الناس، لا بإظهار آثام القادة الذين يتحملون ~~تبعاتها فحسب، بل ببذل المعونة المعنوية دائما، والمادية عند القدرة ~~والاستطاعة، للذين أصابتهم كوارثها، هذه هي مهمتنا العاجلة. # ثالثا: # ويجب أن نحرص على حماية حرية الفكر، ورعاية ما ينبغي لها من حرمة، ~~ولكننا نشعر بأن هناك خطرا يجب اتقاؤه، فإن التوفر على حماية الحرية ~~من أعدائها الخارجيين ربما شغل الناس عن حمايتها من خصومها الداخليين، ~~ومن أجل هذا نعتقد أن الظروف تقضي في هذه الأيام أكثر مما قضت في أي ~~وقت آخر بتحقيق التوازن الصحيح بين حق الفرد في الحرية وحق الوطن في أن ~~نحميه من كل عدوان. # رابعا: # أما تنظيم الحياة العالمية بعد الصلح فأمر من حق كل مواطن أن يفكر ~~فيه من حيث هو مواطن، ويخيل إلينا أن حق الكاتب فيه كحق غيره من أبناء ~~الوطن. # وقد وصلت الإنسانية من الحضارة إلى منزلة أصبح الإقدام فيها على العنف جحودا لسلطان ~~العقل وانتهاكا لحرمته، وما دام الرجوع إلى التحكيم ممكنا في كل ما ينشأ من المشكلات ~~الدولية فالالتجاء إلى الحرب رجوع إلى الهمجية القديمة. # ونحن نعتقد أن تحقيق الإيمان العام بحرمة القوانين رهن بأن تتعاون جماعات المفكرين على ~~إحياء الضمائر وتقوية الشعور بقيمة العقل. # ويقول الدكتور كامل حسين، بعد أن انتهى عوض من القراءة: «عظيم جدا». # ويقول الدكتور السنهوري: «إنها أربع نقط جمعت حقيقة فأوعت، وأنا أرى أن تعلن كما هي ~~باعتبارها رأي نادي القلم المصري بعد عرضها على الزملاء في اجتماع عاجل.» # ويستمر الحديث بعد ذلك حول الحرب وتطوراتها ومركز مصر فيها، ومركز مصر بعدها، وعلاقة ~~الجامعة وأساتذتها بكل ذلك، إلى أن ينصرف الزوار ويبقى طه حسين وأسرته فقط. ~~••• # ويجلس طه حسين مع أسرته بجوار النار بعد انصراف الضيوف. # وهو يقول لزوجته: «تذكرين يا سوزان وظيفة مكتب الترجمة والنشر العلمي في وزارة المعارف ~~التي ظل الوزير ورئيس الوزارة يعرضانها ويحجبانها شهورا طويلة منذ نحو ms117 سبعة عشر ~~عاما؟» # وترد سوزان: «نعم، الوظيفة التي ضيعتها، كعادتك، بمقال!» # ويقول طه حسين: «نعم، غضب الملك فغضب الوزير فصرف النظر عن تعييني، ثم ألغى المنصب ثم ~~ألغى المكتب.» # وتسأل سوزان: «ولماذا تذكر هذه الوظيفة الآن؟» # ويرد طه: «لأن وزير المعارف الحالي قد طلب إلي تولي منصب جديد اسمه «المراقب العام ~~للثقافة العامة» بالوزارة.» # وتسأل سوزان: «فقبلت؟» # ويرد طه: «اعتذرت وتشددت في الاعتذار، وألح الوزير وتشدد في الإلحاح.» # وتتدخل أمينة فتقول: «غير معقول، والكلية، والعمادة، وعملك فيها وفي التأليف؟!» # ويرد طه: «عملي في الكلية وفي التدريس وفي التأليف مستمر إن شاء الله، أما العمادة فإن ~~هناك زملاء آخرين كثيرين يستحقون أن يشغلوا ذلك المنصب، وأغلب الظن أنهم يتطلعون إلى أن ~~يشغلوه ... والعمل الجديد هام وخطير، وفيه فرصة لتحقيق أفكار في التعليم سجلت بعضها في كتاب ~~«مستقبل الثقافة في مصر»، وبالطبع فإن «إدارة الترجمة والنشر العلمي» سوف ترى النور إذا ~~توليت هذا المنصب كإدارة من الإدارات التابعة له، ولدي برنامج ضخم أتمنى تحقيقه في هذا ~~المجال، وأنا أرجو التمكن من إنشاء أكاديمية مصرية تكون الجمعيات العلمية والأدبية التي ~~تعينها الدولة الآن نواة لها، وهذه الأكاديمية يمكن أن يكون لها دور خطير في حياتنا ~~الثقافية المصرية والعربية، وهناك إدارات الآثار المصرية والرومانية والقبطية والإسلامية، ~~وسوف تندرج تحت هذه المراقبة، وعلينا أولا واجب تمصير ما يشغله الأجانب حاليا من ~~مناصبها، وعلينا ثانيا تنشيط العمل الذي تقوم به لإلقاء مزيد من الضوء على حضارتنا ودورها ~~في مسيرة الحضارة الإنسانية مع ضرورة اتخاذ كل التدابير اللازمة لصيانة آثارنا وترميمها، ~~وتشجيع وتنظيم البحث عن المزيد منها. # وكل هذا عمل ضخم يستحق وزارة كاملة ... وهناك أيضا شئون المسرح والموسيقى والأوبرا، وهي ~~مما يدخل في أعمال هذه المراقبة ... وإلى جانب هذا كله فإن وجودي في وزارة المعارف نفسها قد ~~يعين في السعي لتحقيق حلمي الكبير وهو مجانية التعليم مع رفع مستواه والعمل على الملاءمة ~~بينه وبين حاجات المجتمع وطموحاته. إن هذه المجانية هي في رأيي حجر الأساس في ms118 بناء النهضة ~~المصرية، لقد تلقيت منذ يومين خطابا من والدي يرجوني فيه مساعدة صبي من المنيا، عظيم ~~الذكاء وعظيم الفقر أيضا، في الحصول على المجانية، ولقد استطعت مساعدته، لكني أريد أن ~~أساعد أيضا من لا يعرفهم أبي ومن لا أعرفهم أنا، لا أريد أن أحرم صبيا من العلم، ولا ~~أريد أن أحرم مصر من أبنائها، من يدري ماذا يمكن أن يقدموا لبلادهم من النفع إن هم لقوا من ~~فرص التعليم ما لقيت أنا مثلا؟» # وتقول سوزان: «بالاختصار، أنت لا تطيق الحياة المريحة، أنت لا تطيق الحياة بغير ~~تعب.» # ويرد طه بعد سكوت قصير: «ليس هذا هو التصوير الصحيح ... قولي إنه على قدر عرفاني بجميل مصر ~~علي أريد أن أبذل ما أملك من الجهد للوفاء بهذا الجميل. # أنا أحلم منذ زمن ولا أريد أن أكتفي بأن أحلم، أريد أن أعمل لتحقيق الحلم، أنا أحلم بنهضة ~~مصر وسائر الشعوب العربية بخروجها من ظلام الاحتلال والانغلاق، أريد أن يكون في يد كل صبي ~~مصباح يضيء له الطريق، هل تشاهدين إذن هذا الموكب الذي تكونه آلاف المصابيح في أيدي آلاف ~~الصبية في أوطاننا على تراميها واتساعها؟ أريد ... أنا أريد باختصار أن تتاح لكل صبية الفرصة ~~التي أعطيناها لأمينة، ولكل صبي الفرصة التي أعطيناها لمؤنس.» # وتقول أمينة، التي كانت تنصت إلى هذا الحوار، وهي تحاول أن تخفي تأثرها: «أنت قد عقدت ~~عزمك على قبول هذا المنصب، ستكون إذن المراقب العام للثقافة العامة في وزارة المعارف ~~العمومية! أرجو على الأقل أن تحاول تغيير هذا اللقب الطويل، إنه يثير الابتسام.» # وتقول سوزان: «أمينة عندها حق، أنت لا تطلب رأيي، أنت مصمم على التعب، أنت إنما تخطرني ~~بأنك قد قبلت فعلا هذا العمل.» # يقول طه حسين: «أبدا، إنك تقولين دائما إن الليل يقبل بالنصيحة، سأنتظر إذن نصيحتك ~~إذا كان الصباح.» # | المراقب والمستشار # مكتب المراقب العام للثقافة العامة، يناير 1940، المكتب مزدحم، الأستاذ «محمد بدران» مدير ~~إدارة الترجمة يعرض على طه حسين قائمة الكتب الأجنبية التي اختارتها إدارته لترجمتها، وطه ms119 ~~حسين يقول: «بالتوفيق إن شاء الله! وفيما يخص المترجمين لا يكفي أن يكون المترجم متضلعا في ~~اللغة المنقول عنها وفي اللغة العربية، لا بد أن يكون عليما بقدر الإمكان بموضوع الكتاب، ~~تعرف يا بدران ماذا يقول الإيطاليون؟ إنهم يقولون إن المترجم خائن، يعنون أن النقل غير ~~الدقيق يعتبر خيانة.» ويؤكد الأستاذ «محمد بدران» للمراقب العام أن الإدارة ستراعي بقدر ~~الإمكان عند اختيار المترجمين مقدرتهم في اللغتين ومعرفتهم بالموضوع، ثم يستأذن في الانصراف ~~سعيدا بموافقة المراقب العام للثقافة على رأي إدارة الترجمة. # ويدخل مسيو «إتيين دريوتون» مدير مصلحة الآثار المصرية، ويتقدم لعرض الموضوعات التي لديه، ~~وبعد عرضها وأخذ رأي المراقب فيها يقول طه حسين لمدير إدارة الآثار المصرية: «أحب أن تدرس ~~المصلحة إنشاء قسمين جديدين بها؛ الأول: قسم للنشر يشرف على إصدار مجلة المصلحة ومنشوراتها، ~~ويكون أداة اتصال بين المصلحة والهيئات العلمية داخل مصر وخارجها. والقسم الثاني: يختص ~~بالحفائر التي يجب أن يزداد اهتمام المصريين بالقيام بها.» ويعد مسيو دريوتون بأن يقدم ~~مذكرة برأي المصلحة في الموضوعين في المقابلة القادمة، ويستأذن في الانصراف ولكن طه حسين ~~يستبقيه ليتحدث معه في موضوع آخر مهم وهو تدريب من يتولون مسئولية المصلحة في ~~المستقبل. # يقول طه حسين للمدير: «إن مصر التي تشكر أصدق الشكر من عاونها في الماضي ومن يعاونها ~~حاليا من الأجانب، لا بد أن تتحمل مسئولياتها بنفسها في الوقت المناسب وبغير تأخير، ولعل ~~ذلك أن يكون بمجرد انتهاء هذه الحرب، وأنا واثق أنك ستكون فخورا بمن يحل محلك من ~~المصريين.» ويقول مسيو دريوتون في هدوء: «هذا موضوع أعرف أهميته، وسأعود للتحدث فيه معكم، ~~ولا شك لدي في أنني سأكون فخورا بمن يخلفني في هذا العمل من المصريين.» ثم يضيف: «أظن أن ~~مسيو فييت منتظر، أستأذن إذن.» # ويدخل مسيو «جاستون فييت»، مدير إدارة الآثار العربية، يتقدم ويقول: «أود أولا أن أهنئكم ~~بظهور ترجمة نرويجية لكتابكم «الأيام»، لقد أرسل المترجم نسخة من ترجمته إلي لأنه استعان ~~بترجمتي الفرنسية، وأنا أقدم هذه النسخة إلى سيادتكم، ms120 وإن كنت واثقا أن النرويج سترسل لكم ~~نسختكم الخاصة، إن لم تكن قد أرسلت فعلا.» # ويرد طه حسين قائلا: «هذا جميل، وشكرا جزيلا، لم أعد أحصي الترجمات المختلفة لهذا ~~الكتاب، ولكن نترك هذا الآن. وقبل أن أعرف ما لديك اليوم أحب أن أقول إني سمعت أن دار ~~الآثار العربية مزدحمة وأن بعض آثارها لم يعرض أبدا على الجمهور حتى قبل الحرب، بل لقد ~~قيل لي إن بعضها لم يتم تسجيله، ونحن طبعا في ظروف الحرب، وعندكم إجراءات استثنائية لحفظ ~~الآثار من الأخطار، ولكني أريد تقريرا عن حالة المصلحة كما هي، وحالتها كما تقترحون أن ~~تكون بعد خمس سنوات، وعن الممكن عمله الآن هذه السنة، في هذه الميزانية. إن الناس، يا مسيو ~~فييت، تظن أن دار الآثار الوحيدة الموجودة في مصر هي «الانتكخانة» أي دار الآثار المصرية، ~~والواقع أن لدينا في القاهرة أكبر دار للآثار الإسلامية في العالم.» # ويقول المدير: «الدار طبعا ومحتوياتها معروفة لعلماء الآثار العربية في جميع أنحاء ~~العالم.» # ويرد طه حسين قائلا: «هذا لا يكفيني، أريد أن تكون دار الآثار العربية معروفة أولا لكل ~~المصريين وثانيا لكل زوار مصر، بل إني أريد أن يزور الناس مصر لكي يروا دار الآثار ~~العربية. أرجو أن أتلقى قريبا التقرير المطلوب بتصورك لكيفية تقدم وتطوير الدار في ~~المستقبل، الحرب ستنتهي يوما، الحرب تخريب ينتهي والآثار شهود حضارة خالدون ... موضوع آخر: ~~أحب أن أعرف اقتراحاتك بشأن إعداد المسئولين المصريين عن الآثار العربية في ~~المستقبل.» # ويردد المدير - الذي لم يكن يتوقع هذا الحديث - كلمة «المسئولين» # ويقول طه حسين: «لم أتم حديثي يا مسيو فييت ... إنني أعرف كفاءتك وأقدر مجهودك أجمل تقدير، ~~وقد سبق أن درست أنا على يديك في جامعة مصر الأهلية كما تعلم، ولكني كنت أقول لمسيو دريوتون ~~منذ قليل إنني واثق أنه سيكون فخورا بمن يخلفه من المصريين عندما يجيء الوقت المناسب، وأنا ~~أقول لك نفس الكلام، نحن نريد أن نعطي مصلحة الآثار العربية نفس نصيب مصلحة الآثار المصرية ~~من الاهتمام.» # ويعود ms121 المدير بعد صمت قصير فيقول: سأعد التقارير التي طلبتموها، وبمجرد الانتهاء منها ~~أعود لمقابلة سيادتكم. # ويقول له طه حسين: «إلى اللقاء إذن، وشكرا.» # ويخرج مسيو «فييت»، ويستدعي طه حسين أحد معاونيه من شباب تلاميذه، وكان قد اختاره ليعمل ~~معه في الجامعة وفي الوزارة. # يقول طه حسين: «كنت تحدثت مع الوزير عن إنشاء أكاديمية مصرية، وأريد أن تجمع بعض البيانات ~~لإعداد مذكرة تقدم للوزير، عليك أولا أن تطلب إلى الإدارة المختصة بيانا بجميع الجمعيات ~~العلمية والأدبية التي تعينها الوزارة حاليا وبرامج عملها ونشاطها خلال السنوات الثلاث ~~الأخيرة، وثانيا أن تعد لي بنفسك بحثا عن الأكاديميات في فرنسا وروسيا وإنجلترا وألمانيا، ~~وعندما تجمع هذه المعلومات تتعرض لبحث إمكان إنشاء الأكاديمية المصرية، وتوضح تصورك لها ~~حسبما تحدثنا فيما مضى، إن في التاريخ العربي مؤسسات مماثلة سبق العرب بها العالم الحديث؛ ~~بيت الحكمة في عصر المأمون مثلا.» ثم يقول مخاطبا سكرتيره: «أظن الساعة جاوزت الاثنين، ~~ننصرف؟» # ويقول السكرتير: «في الخارج طالب من كلية الآداب اسمه إسحاق، تكلم معكم وأخذ ميعادا ~~بالتليفون، ويقول إنه لن يأخذ من وقتكم إلا دقيقة.» # ويرد طه حسين: «خمس دقائق، نعم، أعطيته موعدا بالتليفون، قال إن بعض طلبة كلية الآداب ~~سوف يصدرون صحيفة اسمها «الفكر الحر»، ويطلب حديثا ...» # ويدخل الطالب، وهو محمد عبد العزيز إسحاق، فيقول: «إن الوقت متأخر يا سيادة العميد ... سؤال ~~واحد إذن: هل يصلح الأديب للوزارة؟» # ويبتسم طه حسين ويقول: «ولم لا؟ لقد كان وزراء الدولة العربية في أرقى عصورها من ~~الأدباء، وفي الدولة المتحضرة في العصر الحديث نجد وزراء مثل دزرائيلي في إنجلترا وهو أديب ~~بارع في القصص، ونجد بوانكاريه في فرنسا وهو لم يصل إلى منصب الوزير فقط بل إلى رئاسة ~~الجمهورية، وكليمنسو الطبيب الأديب الوزير، وإدوارد هربو الذي رأس الوزارة عدة مرات، ووزير ~~الأشغال الحالي في فرنسا الذي يشرف على دائرة المعارف الفرنسية الجديدة. # ليس السؤال الذي سألتموه موضوعا كما ينبغي، السؤال الذي يجب أن يلقى هو هل يصلح غير ~~الأديب أن يكون وزيرا؟ ms122 # إن نظام الحكم الديمقراطي يريد من الوزير أن يكون عالما بنفس الجماهير قادرا على التحدث ~~إليها وتوجيهها، بارعا في الخطابة أمام الشعب وأمام البرلمان ... الأدباء أحق الناس بأمور ~~السياسة وأبرعهم في تصريفها، يشهد لهم بذلك التاريخ منذ بركليس إلى محمد بن عبد الملك ~~الزيات إلى جوته إلى كليمنسو.» # ويشكر عبد العزيز إسحاق أستاذه العميد، ويستأذنه في نشر السؤال ورده في العدد المقبل من ~~مجلته «الفكر الحر». # ويقول طه حسين: «خير، وعلى فكرة كم عددا توزع مجلتكم؟» # ويرد إسحاق: «وصلنا إلى أعداد كبيرة، نحن الآن نوزع أكثر من مئتي نسخة!» ويبتسم الأستاذ ~~العميد في حب وحنان وإشفاق! ~~••• # وفي آخر فبراير 1941 يتولى هيكل باشا وزارة المعارف من جديد. # ويتحدث طه حسين مع هيكل، إنه راض عن طبيعة عمله في وزارة المعارف، لكنه غير راض عن نظرة ~~الوزارة نفسها إلى شئون الثقافة، يقول إنه لذلك كان قد رفع استقالته إلى النقراشي باشا ~~فرفضها، وفوجئ طه حسين بتعيين الوزير الجديد، فلم يجد من الذوق أن يترك العمل بمجرد تولي ~~الدكتور هيكل منصب الوزارة، وهيكل يذكر طه حسين أنه هو نفسه كان أول من اقترح أن يتولى طه ~~حسين أمور الثقافة بالوزارة، وهو الآن يطلب إليه أن يستمر في تحمل هذا العبء، وأن يضيف إليه ~~عبئا آخر وهو أن يكون مستشارا فنيا للوزارة. # ويترك هيكل الوزارة قبل إتمام الإجراءات اللازمة، ويحل محله أحمد نجيب الهلالي باشا، فتتم ~~في عهده إجراءات تعيين طه حسين مستشارا فنيا لوزارة المعارف. # ويدخل طه حسين مستشار وزارة المعارف مع سكرتيره فريد شحاتة الغرفة الجديدة التي خصصتها ~~الوزارة للمستشار. # ويقول السكرتير: «هذه الغرفة أوسع وأحسن للعمل، وتليق بمقام سيادة المستشار.» # ويرد طه حسين: «كلام فارغ، المهم العمل ... ماذا عندنا اليوم من المواعيد؟» # ويقول السكرتير: «عندكم موعد مع الوزير بخصوص جامعة الإسكندرية بعد ساعة، ولكنكم كنتم قد ~~طلبتم مدير إدارة البعثات وهو في الانتظار»، فيدعوه المستشار للدخول. # ويسأله: «موضوع محمد حسن ظاظا المطلوب إيفاده لدراسة اللغة العبرية في فلسطين ماذا يعطله؟ ms123 ~~كليته موافقة والجامعة موافقة والميزانية موجودة، لماذا لا تتخذ إدارة البعثات إجراءات ~~التنفيذ؟» # مدير البعثات ~~: # قانون البعثات لا يسمح، القانون يحدد الدول التي يمكن إيفاد البعثات إليها حصرا، ~~وهي: بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، النمسا. # طه حسين ~~: # تعني أن القانون لم يذكر فلسطين؟ # مدير البعثات ~~: # نعم، بلاد البعثات محددة بالقانون. # طه حسين ~~: # أعد إذن ذكر البلاد المسموح بإرسال البعثات إليها. # المدير ~~: # بريطانيا، فرنسا ... # طه حسين ~~(يقاطعه) ~~: # تقول بريطانيا؟ إن فلسطين تحت الانتداب البريطاني أليس كذلك؟ إذن تكون بعثة ظاظا ~~إلى بريطانيا وتحدد بالجامعة العبرية في فلسطين الواقعة تحت الانتداب البريطاني، ~~وبهذا لا نخالف قانون البعثات، يعد القرار غدا مع مذكرة بهذا الشرح.» وينصرف مدير ~~البعثات وهو بين الإعجاب بهذا الحل وبين الشك في سلامة هذا التصرف! # ويقول طه حسين للسكرتير بعد انصراف مدير البعثات: «الآن أريد دوسيه جامعة الإسكندرية ~~بالكامل، وإلى أن تحضر الدوسيه أريد أن أكلم وزير المالية في موضوع الدكتور أحمد ~~زكي.» # يقول السكرتير: «إن الدكتور أحمد زكي لم يتكلم معكم في شيء.» # ويقول طه حسين: «أعرف ذلك، وهل يضطر الرجل الكريم إلى أن يتحدث بحاجته إلى ~~الناس؟» # ويتحدث طه حسين إلى وزير المالية، مكرم عبيد باشا، فيقول: «صباح الخير يا باشا، أنا ~~أزعجكم بأمر بسيط ولكن يظهر أنه لا بد من التحدث مع معاليكم فيه، الدكتور أحمد زكي، عميد ~~كلية العلوم، له ترقية طلبتها الجامعة ووزارة المالية.» # ويسمع كلام الوزير ثم يقول: «يا باشا، إذا كان الوزراء لا يعرفون أسماء العلماء فإن هذا ~~أمر لا يعيب العلماء، بل لعله يعيب الوزراء، شاكر جدا يا باشا، الموضوع بين يدي ~~معاليك.» # ويضع سماعة التليفون، ويقول: «معالي وزير المالية يسأل من هو أحمد زكي هذا! أحمد زكي عميد ~~كلية العلوم، العالم، الأديب، الرجل الكريم.» ~~••• # ويقول السكرتير: «إن مدير المستخدمين يلح في الدخول قبل ذهابكم لمقابلة الوزير، إنه محتاج ~~إلى دقيقتين فقط»، ولكن طه حسين يطلب أن يقرأ عليه أولا خطابا واردا من الأمير عمر ~~طوسون، وفي هذا الخطاب يقدم الأمير شكره لأن ms124 طه حسين يعمل على إنشاء كرسي للدراسات ~~السودانية بالجامعة، وطه حسين يقول: «سأمليك ردا بعد موعدنا مع الوزير.» ثم يأذن لمدير ~~المستخدمين بالدخول. # يدخل مدير المستخدمين مبتهجا، ويقول إنه قد وجد ثلاث وظائف درجة سادسة للعائدين من ~~البعثات الذين كان المستشار قد تحدث معه في شأنهم. # يقول طه حسين مهتما: «نعم، كنت تحدثت معك في ذلك أول أمس، وقد أخبرتني أنه لا توجد ~~وظائف خالية بتاتا.» # ويضحك مدير المستخدمين وهو يقول: «دبرت هذه الدرجات بصعوبة بالغة، معالي الوزير قال لي: ~~تطلع هذه الوظائف من تحت الأرض، يظهر أنه أراد تنفيذ رغبات سعادتك، طلعناها من تحت ~~الأرض، سنعد قرارات التعيين للشبان الثلاثة، وأنا أستأذن للذهاب للتنفيذ، وإنما أردت أن ~~أدخل السرور على قلب سعادتكم.» # ويقول الدكتور طه: «لا، انتظر، لماذا لم تطلع هذه الوظائف من تحت الأرض عندما تحدثت معك ~~في هذا الموضوع أول أمس؟ هؤلاء الشباب بذلوا أقصى جهدهم في مصر، والدولة صرفت عليهم مصروفات ~~طائلة في أوروبا، وكان من الحق أن توظفهم الدولة قبل سفرهم للبعثة ولكن القوانين كانت تقضي ~~بألا يوظفوا إلا بعد أن يعودوا ... وقد حاولت أن أوضح لك أنهم قد تحملوا من عبء الدراسة في ~~الخارج ما تحملوا، ومن أهوال الحرب ما فرضته البعثة عليهم، وأن عدم تعيينهم خسارة على ~~البلد، وأكدت أنت لي أنه لا توجد أي درجات، ولا أي طريقة لتدبير الدرجات لا فوق الأرض ولا ~~تحتها، أليس كذلك؟» # ويرد المدير بأنه لما رأى رغبة الوزير القوية، ولما قال له الوزير الدرجات تطلع من تحت ~~الأرض ... # ويقاطعه طه حسين بقوله: «يا سيادة المدير، هل معك ورقة وقلم؟ اكتب إذن قرارا بخصم يومين ~~من راتب السيد مدير المستخدمين، نظرا لأنه كذب على مستشار الوزارة.» # ومدير المستخدمين يكتب ما أملاه المستشار مبتسما، معتقدا أن الموضوع مداعبة، ولكن ~~المستشار يطلب إليه أن يعطي الورقة للسكرتير لتأخذ مجراها، ويخبره أنه في انتظار قرار تعيين ~~الشبان الثلاثة قبل ظهر الغد. ~~••• # يدخل طه حسين مكتب الوزير أحمد نجيب الهلالي باشا ms125 فيجده مشغولا بالحديث بالتليفون، ينهي ~~الوزير الحديث بقوله لمحدثه: «أرجو سرعة إبلاغي بالتطورات»، ثم يقول للدكتور طه ووجهه ~~مكفهر: «أخبار سيئة، باريس سقطت في يد الألمان.» # ويقول الدكتور طه: «باريس؟!» # ويرد الوزير: «نعم، وانتهى الأمر.» # ويقول الدكتور طه بعد صمت قصير: «لا لم ينته، لقد شهدت أنا كيف قاوم الشعب الفرنسي وصمد ~~أثناء الحرب العظمى الأولى، حرب 1914. هذا الشعب يتمتع بحرياته منذ ثورة الباستيل، ولديه ~~إذن ما يدافع عنه، تقول معاليكم إن الأمر انتهى! هل يحكم هتلر العالم إذن؟ هل تحكم العنصرية ~~العالم؟ هل نعيش خدما للسادة الذين يسمون أنفسهم الآن بالآريين؟ ومن هم؟ أهل الهند وأهل ~~إيران القدامى هم أصل الآريين ... ولماذا - تعالى الله - هم السادة ونحن الخدم؟ # لا، إن الأمر يا معالي الوزير لم ينته، باريس والديمقراطيات ستقاوم، والعالم ~~سيقاوم.» # ويسأل الوزير: «هل نؤجل موضوع جامعة الإسكندرية اليوم؟» # طه حسين: «لا، ولماذا نؤجله؟ إنني أحمل المشروع المفصل للجامعة الجديدة كما تصورناها معا ~~لتدرسه معاليك على مهل، وقد أرفقت به مشروعات القرارات اللازمة لتنظر فيها وتمضيها إن ~~وافقت. وأنا أستأذن في الانصراف الآن على أن أعود للحديث عندما تجد الفرصة لقراءة المشروع ~~والقرارات في هدوء.» ~~••• # وفي منزل طه حسين بالزمالك ... # يسرع طه حسين إلى زوجته يقول لها: «تبكين؟ سمعت الأخبار إذن؟» وترد سوزان: «باريس تحت ~~قدم الألمان ...» # ويقول طه حسين: «شوارع باريس تحت أقدام الألمان، نعم، ولكن باريس والباريسيين لا، لقد ~~شهدنا معا كيف قاومت فرنسا نفس هؤلاء الغزاة في حرب 1914، تذكرين؟» # وتقول سوزان: «أمي وأختي كانتا قد خرجتا من باريس مع الخارجين الهائمين على وجوههم ينامون ~~في المدارس والكنائس أو في الطرقات ... # آخر ما سمعته عنهما أنهما توقفتا في الطريق وامتنعتا عن السير مع الفارين، وقررتا العودة ~~إلى بيتهما في باريس، وإذن فهما الآن هناك تحت سيطرة الألمان، أمي في آخر خطاب قالت لي إن ~~الموت بكرامتنا في باريس خير من الذل الذي يتعرض له الهاربون.» # ويقول الدكتور طه حسين: «لا موت ولا ذل، فرنسا ستقاوم، الأحرار سوف ms126 يقاومون دائما، ألا ~~تذكرين؟ # ألا تذكرين أن الألمان سبق أن دخلوا فرنسا في الحرب العالمية الأولى، وأن كثيرا من هؤلاء ~~الألمان التعساء لم يخرجوا من فرنسا أحياء؟» ~~••• # طه حسين، في مكتبه بوزارة المعارف، يملي مذكرة إلى الوزير: # تفضلتم معاليكم فطلبتم إلي أن أبدي رأيي في المؤتمر الثقافي الذي فكرت الوزارة ~~في عقده، ليس من شك في أن التقريب الثقافي بين البلاد الشرقية، والبلاد العربية ~~خاصة، غرض أساسي يجب أن تسعى إليه الوزارة، وليس من شك في أن المصلحة في التقريب ~~بين برامج التعليم العام في كل البلاد العربية، ولكني أرى أن تحقيق هذه الفكرة الآن ~~لا يحتاج إلى مؤتمر بالمعنى الشائع لهذه الكلمة، ولكنه يحتاج إلى لجنة محدودة العدد ~~تمثل فيها البلاد العربية لتدرس مناهج التعليم العام في هذه البلاد درسا ~~دقيقا، تهدف به إلى توحيد هذه المناهج في الموضوعات الثقافية التي لا يمكن ~~الاستغناء عنها في أي نوع من أنواع التعليم، وإلى التقريب والملاءمة في مناهج ~~الدراسات التي تتصل بالأوطان ... # التليفون يقطع الإملاء والسكرتير يقول إن المحادثة عاجلة. # كان سلاح الطيران المصري الناشئ يعمل في الصحراء الغربية يعاون الجيش الإنجليزي في عمليات ~~الاستطلاع، ومن بين ضباط هذا السلاح شاب هو ابن السيدة زينب أخت الدكتور طه حسين، كان قد ~~خرج في «طلعة» من طلعات الطيران ولم يعد، وزارة الحربية أعلنت والدته اليوم رسميا أنه قد ~~قتل. # يترك طه حسين الإملاء ويغادر الوزارة ليذهب إلى شقيقته ليواسيها ما استطاع، وهو ثائر لأن ~~مصر تقدم مثل هذه التضحيات لحساب غيرها؛ لأننا ما زلنا خاضعين لاستعمار يسيطر على أرضنا ~~ومائنا وسمائنا، وتسفك من أجله دماء مثل دماء هذا الفتى الفقيد. # وتزداد الحالة خطورة في الصحراء الغربية، ويصبح وصول جيوش رومل إلى دلتا النيل احتمالا ~~قائما يدبر الجيش البريطاني الخطط لمواجهته، ومن ذلك اقتراح إغراق مديرية البحيرة لوقف ~~الزحف إذا اقترب الألمان من الدلتا. # والوزراء المصريون يتحدثون في اهتمام شديد عن الحالة وواجب مصر إزاءها، وطه حسين قوي ~~الإيمان بأن العدوان سيرتد عن ms127 البلاد. # في 18 نوفمبر 1941 يسمع طه حسين صوت فرنسا الحرة من لندن، صوت الجنرال «شارل ديجول»، وهو ~~معجب بصموده أشد الإعجاب. # وتتوالى بعد ذلك أخبار المقاومة من الشعب داخل فرنسا ومن جيش فرنسا الحرة في أفريقيا، ~~ويعرف أن عناصر من جيش فرنسا الحرة قد انضمت إلى قوات الحلفاء في الشرق الأوسط. # ويصل الجنرال ديجول إلى مصر، ويلقي خطابا في الجامعة الأمريكية ويتحدث في راديو القاهرة، ~~ويرحب به طه حسين هناك. ~~••• # تصل برقية من مدينة المنيا بأن والد طه حسين في خطر، فيعلم طه حسين أنها إنما تنعي إليه ~~أباه. كان أبوه يعيش في مدينة المنيا منذ حين حياة هادئة لا تعكر صفوها العلل ولا المشاكل، ~~راضيا مستريح الضمير، فقد عمل لرضاء ربه غاية وسعة، وبذل في رعاية أسرته الكبيرة غاية ~~جهده، وقد بلغ الخامسة بعد المئة من العمر، فهو سعيد بحياته الطويلة ، عزيز بأولاده، فخور ~~بما أصابوا في حياتهم من توفيق ونجاح. # طه حسين مشغول الفكر بوالدته، يسرع بالشوق والحنان إليها، يعرف عمق ما تحس من الألم ~~والأسى لفقدانها رفيق حياتها وشريك الكفاح. # يسرع إلى مدينة المنيا في أول قطار، فإذا أصبحت أمه بين ذراعيه سالت دموعها لا تحاول الآن ~~أن تجففها، وهي التي يعرفها قوية عنيدة قصية الدموع، بكاؤها الآن يوقف كلماتها وهي تقول ~~لابنها: «كان أكرم الرجال، كان خير الأزواج، كان أشد الآباء برا وحنانا، كان يقول عنك يا ~~طه إنك تمشي بنور الله، في سبيل الله، وإنه - تعالى - منك قريب مجيب.» ~~••• # كثير من المصريين والأجانب يترك مصر، البريطانيون يحرقون أوراقهم، الراديو الألماني يذيع ~~أن الهدف التالي للجيوش الألمانية في الصحراء الغربية هو قناة السويس، ويذكر أسماء الأشخاص ~~الذين تقرر عقابهم عند دخول مصر، منهم عباس محمود العقاد، وطه حسين. ~~••• # الوزير أحمد نجيب الهلالي في مكتب المستشار يعزيه، يتحدثان بعد ذلك عن الحالة في مصر، ~~يسأل الوزير طه حسين: «هل هناك أي رغبات يمكن أن تعاون الوزارة على تحقيقها؟» # طه ~~: # طبعا، الطلبات الخاصة بجامعة الإسكندرية وميزانيتها. # الوزير ms128 ~~: # لم أكن أتكلم عن الميزانية ولا عن الجامعة ...» # 1 # طه حسين ~~: # يا معالي الوزير # وما تدري نفس ماذا تكسب غدا ~~وما تدري نفس بأي أرض تموت # أنا لا أتكلم إلا عن ~~الميزانية وعن الجامعة. # ويطيل الوزير السكوت ثم يقول: «نكتب للمالية.» # فيرد طه حسين: «هذا مشروع خطاب من معاليك لوزير المالية بالمطلوب. الميزانية المطلوبة ~~كبيرة؛ لأنها مطلوبة لمهمة كبيرة، يتعلق بها مستقبل التعليم في مصر، ومعاليك تشرح ذلك هنا ~~في هذا الخطاب، بشكل مقنع ورائع، وتبين لوزير المالية أيضا أن الجامعة ضرورية لتنمية مصر ~~اقتصاديا، وذلك لأن المصريين المتعلمين المتخرجين في الجامعة سوف يحسنون استغلال موارد ~~البلاد في المستقبل، ومع أن الخطاب مقنع ورائع فإنه قطعا غير كاف ولا منتج بنفسه، ولكي ~~يكون منتجا نذهب معا لمقابلة رفعة رئيس الوزراء.» # ويطلب الوزير رئيس الوزراء بالتليفون، ثم يقول للمستشار إن رفعته سيقابلهم غدا الساعة ~~العاشرة صباحا في مجلس الوزراء، ويضيف أن «رفعة الرئيس يقول لك إن الإسكندرية نفسها قد ~~أصبحت مهددة، وإن الألمان أصبحوا على بعد سبعين ميلا منها، وإن هناك هجمات جوية ~~عليها.» # ويقول طه حسين: «إن رفعة الرئيس ومعاليك تعلمان أن هذا سبب قوي لإصرارنا على تعمير ~~الإسكندرية، على زيادتها عمرانا بإنشاء الجامعة - منارة الإسكندرية كانت إحدى عجائب الدنيا ~~السبع - ألا يجب أن يشع ضوء حضارتنا من جديد عبر البحر الأبيض المتوسط على دنيا ~~الحضارة؟ # أستأذن الآن، غدا إذن نذهب لرفعة الرئيس، وعندي عمل في جامعة الإسكندرية بعد ~~ذلك.» # ويقول الوزير: «بالتأكيد لا تسافر للإسكندرية الآن، انتدب أحدا يحل محلك.» # ويرد طه حسين: «لا، وزير المواصلات يغضب، محلي محجوز بقطار بعد الظهر غدا بعد انتهاء ~~مقابلة النحاس باشا.» # ويقول الوزير: «كان يجب أن أعرف أن لا فائدة من الإلحاح، إلى الغد إذن.» # وقبل أن يترك طه حسين مكتب الوزير يقول له إنه تلقى خطابا من الأستاذ العقاد، يوصي فيه ~~بالشبان الذين يقومون بترجمة دائرة المعارف الإسلامية # 2 # وإنه هو نفسه معجب بعملهم الذي كان يجب أن تنهض الدولة بمثله، ms129 ولذلك فإنه يرجو ~~الاستجابة إلى مطالبهم البسيطة، ويقدم إليه مذكرة بذلك، ويقول إنه يرجو أن يقوم علماء ~~المسلمين في المستقبل القريب بإصدار دائرة معارف إسلامية بأنفسهم. # | جامعة الإسكندرية # وفي الزمالك، على مائدة الغداء، في اليوم التالي، أسرة طه حسين تتناول القهوة. يقول طه ~~حسين: «ذهبت اليوم إلى رئيس الوزراء مع الوزير نجيب الهلالي، ووجدنا وزير المالية عنده، ~~واختصرنا في جلسة اليوم مكاتبات كانت سوف تظل شهورا أو سنوات تزحف من وزارة لوزارة ومن ~~ديوان لديوان.» # وتسأله أمينة: «كيف كان النحاس باشا؟» # طه حسين: «كان رائعا، كان متحمسا جدا، أخبرني بحديث دار بينه وبين الأمير محمد علي ~~ولي العهد عندما ذهب يسلم عليه بعد عودته من الخارج، قال له الأمير: يا باشا، فهمت أن ~~وزارتكم تريد تعليم جميع الناس، ومن سيخدمنا إذن إذا علمتم جميع الناس؟ فقال له النحاس ~~باشا: أنت عائد يا سمو الأمير من أوروبا، هل كنت تخدم هناك خدمة حسنة؟ قال الأمير: طبعا، ~~ليت عندنا خدمة مثل الخدمة في أوروبا. فقال له النحاس باشا: إن من كانوا يخدمونك في أوروبا ~~يا سمو الأمير متعلمون، وهذا هو ما نريد أن يكون عليه الحال هنا. فضحك الأمير وقال: إذا كان ~~كده يبقى عال.» # وتسأل السيدة سوزان: «والمهم، الميزانية ورغبتك في إنشاء كل الكليات مرة واحدة؟» # ويقول طه حسين: «موافقة تامة، ووزير المالية ارتبط فعلا.» # وينتهي من شرب القهوة ويسأل: «كم الساعة الآن؟ أظن أن موعد القطار قد حان.» # سوزان: «إذن أنت مصمم على أن تسافر للإسكندرية والقنابل تسقط عليها، وجيوش رومل على بعد ~~سبعين ميلا منها، وقد تقتحم المدينة وأنت فيها.» # ويقول طه: «أنت قطعا تدركين أن إنشاء جامعة الإسكندرية يمكن أن يعد عملا من أعمال ~~المقاومة الوطنية، أظن أنني يجب أن أغادر الآن إلى المحطة، ثم إن الألمان لن يقتحموا ~~الإسكندرية، إن مصر كنانة الله في أرضه.» # وتقول سوزان: «مصمم؟ إذن هيا بنا، حقائبنا في السيارة.» # ويسأل طه: «حقائبنا؟!» # وتقول سوزان: «نعم، مسافرة معك.» # ويقول طه: «لا، لن تسافري، ms130 الغارات ...» # وتقول سوزان: «ذكرت أن قيام جامعة الإسكندرية سيصد الغارات عن المدينة.» # يقول طه: «ليس بهذا المعنى، أنت تفهمين ... ثم التذكرة؟» # وتقول سوزان: «قامت أمينة بحجز تذكرة لي إلى جانبك في نفس القطار.» # ويقول طه: «مؤامرة إذن؟» # وترد سوزان: «نعم.» # ويسأل طه: «وهل ستنامين على سرير سفري الحديدي مثل الذي أنام عليه في غرفة من غرف إدارة ~~الجامعة؟» # وترد سوزان: «لا، لا أحسب أن السيد المدير الدكتور طه حسين سوف يسمح لي بالنوم في إدارة ~~الجامعة، ولهذا حجزت أمينة غرفة لنا في أوتيل وندسور.» # ويقول طه: «ما شاء الله، تذكرة ولوكاندة! كنت تعرفين إذن أنك ستحاولين منعي من السفر، ~~وكنت تعرفين أنك لن توفقي، ودبرت أنت وابنتك ذلك كله!» # وتقول أمينة مقاطعة: «ابنتها كانت تحب أن تكون معكما، ولكنكما تعرفان أننا قد قررنا في ~~الكلية أن نقيم احتفالا للتضامن مع اليونان في موقفها ضد الاحتلال ، سنعرض فيه «مأساة ~~إلكترا» تأليف سوفوكليس، وسوف يكون هذا العرض مظاهرة جامعية وتأييدا للمطالبين بالحرية ~~والاستقلال لا في اليونان فقط بل في كل مكان، ولا بد لي إذن من البقاء هنا للتمرين.» # ويقول طه حسين مبتسما في حنان: «سنعود أنا وأمك من الإسكندرية لنكون في طليعة المشاهدين ~~والمصفقين.» ~~••• # وفي القطار تقول السيدة سوزان: «إن الأستاذ شفيق مترى طلبك هذا الصباح تليفونيا بعد ~~خروجك.» # ويقول طه حسين: «نعم، تكلم معي بعد ذلك، كان يستشيرني في فكرة إنشاء سلسلة كتب شعبية ~~بأقلام عدد من الكتاب من كل أرجاء الوطن العربي ليقرأها العرب في كل البلاد. # وقد قلت له: إن العرب الذين تراهم اليوم منقسمين يا شفيق، لن يجمع كلمتهم يوم تجتمع إلا ~~نسيج فكري متجانس تنسج خيوطه أقلام كتابهم جميعا، بمثل هذا ستجتمع كلمتهم يوما بفضل ~~الله.» # سوزان ~~: # هل كلمك للاستشارة فقط؟ # طه ~~: # استشارني كذلك في اسم السلسلة، وطلب أن أكتب الجزء الأول من أجزائها، قلت له ~~يسميها «اقرأ»، أول كلمة أنزلت من القرآن الكريم، ولهذه الحقيقة مغزاها الكبير، ~~وقد وعدته بأن أقدم الكتاب الأول في السلسلة؛ ms131 قصة سأسميها «أحلام شهرزاد»، هي في ~~ظاهرها أسطورة وفي حقيقتها حديث عن السلام والحرب، وعن الديكتاتورية والطغيان، عن ~~الحكام والشعوب التي يلعب بها الحكام. أحلام شهرزاد هي في الحقيقة أحلامي أنا بعالم ~~يتمتع بالمساواة والعدل والخير، فيعصم نفسه بذلك من الضلال والهلاك. # وتقول سوزان: «ما أروع هذا الكلام! يجيء في الوقت الذي تتتابع فيه انتصارات النازية ~~ويسيطر فيها على الدنيا عنف السلاح.» # ويرد طه: «ولهذا فنحن في هذا القطار يا سوزان نريد ألا تنطفئ شعلة الحرية وألا يخبو ~~نور الحضارة أبدا.» # وتسمع سوزان كلام طه حسين فلا ترد، بل تملأ عينيها الدموع. # ويستأنف طه الكلام يقول: «وسيضيء النور في باريس حتما، وسيعود النور يشع على الدنيا من ~~باريس.» ~~••• # تبدأ الدراسة في كليات جامعة الإسكندرية في الوقت الذي تدور فيه معارك الصحراء الغربية في ~~عنف وشراسة. # وطه حسين، المنتدب مديرا للجامعة إلى جانب عمله مستشارا لوزارة المعارف، يجاهد في ظروف ~~الحرب لكي تقوم الجامعة على الأساس الذي يرضاه، ظروف الحرب معناها قلة المال وصعوبة النقل ~~وندرة الكتب والأدوات، فالعالم مشغول بصناعات الحرب، ولكن طه حسين حريص على أن تدبر الجامعة ~~لطلابها الضروري من المعامل ومن المكتبات، وأن تعمل لتشجيع الحياة الرياضية والنشاط الثقافي ~~داخل وخارج قاعات الجامعة. # والمدير المنتدب يعمل مع زملائه؛ وكيل الجامعة الأستاذ مصطفى عامر وعمداء الكليات ~~والأساتذة ورجال الإدارة، على أن يصلوا بين الجامعة ومدينتها، # 1 # يدعو سراة المدينة وأصحاب الأعمال الكبرى فيها إلى المساهمة في إنشاء الجامعة ~~بالمال والمعونة، فينجح إلى حد لا يقنع به فهو يطالب بالمزيد، يريد من أهل الإسكندرية أن ~~يساهموا في الاهتمام بدراساتهم المتصلة بمدينتهم، سواء منها ما اتصل بحياتها في الماضي ~~مستهدفا إلقاء المزيد من الضوء على مساهمتها في الحضارة العالمية، أو في المستقبل مستهدفا ~~تنميتها وترقيتها ماديا وحضاريا. # وطه حسين راض بما يلقاه من نجيب باشا الهلالي وزير المعارف، ومن مصطفى باشا النحاس رئيس ~~الوزراء؛ من عون، وبما يلقاه من مساعديه في الجامعة نفسها من حماس وإقبال على العمل. # وبانتهاء العامين ms132 الأولين من أعوام جامعة الإسكندرية تنتهي مرحلة الإنشاء، ويكتب طه حسين ~~إلى وزير المعارف في أول صيف عام 1944 تقريرا يقول فيه: # معالي الوزير # أعددتم قانون جامعة الإسكندرية وتقدمتم به إلى البرلمان واستصدرتموه في نفس ~~الأيام التي كان كل إنسان يظن بالأحداث والخطوب فيها الظنون، وافتتحت الدراسة في ~~كليات الجامعة في نفس الوقت الذي بدأت فيه موقعة «العلمين». ووجد الأساتذة والطلاب ~~والموظفون من إقدام الحكومة على هذا العمل الخطير مشجعا أزال عنهم الخوف، ومحا من ~~نفوسهم التردد، ودفعهم إلى العمل جادين مستبشرين. # والشيء الذي ليس فيه شك هو أن إنشاء الجامعة وانتقال من انتقل إليها وإقبال من ~~أقبل عليها من الأساتذة والطلاب والموظفين، قد أشاع في مدينة الإسكندرية حياة جديدة ~~لم تألفها منذ عهد بعيد، فقد كانت الإسكندرية مدينة عمل ومال وكانت الحياة العقلية ~~فيها ضئيلة مقصورة أو كالمقصورة على البيئات الأجنبية، فتغير هذا كله بإنشاء ~~الجامعة الجديدة، ووجدت في المدينة بيئة علمية ممتازة تشارك في جميع فروع المعرفة ~~الإنسانية مشاركة تظهر الآن متواضعة، ولكنها ستقوى وتشتد على مر الأيام، ولا سيما ~~حين تنتهي الحرب وتستأنف المواصلات بيننا وبين العالم الخارجي. # وإنه لمما يؤلم حقا أن يلقى عبء هذا كله على الدولة، فقد كان استقبال الأغنياء ~~لهذه الجامعة أفلاطونيا، منهم من رضي عن إنشائها ومنهم من تنكر له بالقول أو ~~بالعمل ومنهم من لم يحفل بها ولم يلتفت إليها، كانت الجامعة تنتظر من المصريين عامة ~~ومن أهل الإسكندرية خاصة أن يعينوها على كثير من الأشياء لا ينبغي أن تطلب كلها ~~إلى الحكومة، فهناك دراسات معينة تتصل بمدينة الإسكندرية في كليات مختلفة، منها ما ~~يتصل بتاريخها ومنها ما يتصل بحياتها الصناعية والتجارية ومنها ما يتصل بموقعها من ~~البحر الأبيض المتوسط، وكل هذه الدراسات يجب أن ينشئها الإسكندريون بأموالهم إن ~~كانوا يحبون مدينتهم حقا. # وقد بلغت الجامعة الناشئة ما بلغت من النمو والاتساع لأن هذه طبيعة الحياة ~~للمعاهد العلمية الكبرى، وقد مضت أمور هذه الجامعة كما استطاعت أن تمضي، ولكنها منذ ~~الآن ms133 لا تستطيع أن تواجه حياتها الخصبة المستقبلة إلا إذا فرض لها من ينهض بأمرها ~~ويواجه مشكلاتها الكبيرة والصغيرة مواجهة يومية متصلة، فأنا ألح في الإسراع باختيار ~~مدير لها يقف وقته وجهده على تدبير أمرها لا يشغله عن ذلك شيء آخر، وألح بالطبع في ~~أن يكون شخصا غيري من رجال التعليم. ~~••• # ويسافر طه حسين إلى لبنان في أول أغسطس يلتمس الراحة، ويتوافد عليه أدباء لبنان ومفكروه ~~تدور بينه وبينهم الأحاديث فتمتد إلى حديث الحرب، ثم إلى حديث الدعاية التي أتقنها الألمان ~~والتي يحاول الحلفاء أن يباروهم فيها. # يقول طه حسين: «كان الناس في أول هذا القرن يعجبون بتأثير الدعاية في أمور التجارة، ولكن ~~ذلك التأثير لم يعد يقتصر على الترويج لما يباع ويشترى بل أخذ يروج لما يقرأ وما ~~يكتب، وللآراء السياسية ومذاهب الناس في الحكم، وللحكومات القائمة وللأحزاب المختلفة، ~~وبلغت الدعاية في هذا العصر طورا لم نكن نقدر أنها ستبلغه، بسبب المطبعة التي سهلت ~~النشر، والصحف التي انتظم ظهورها شهريا وأسبوعيا ويوميا.» # ويضيف أحد الأدباء اللبنانيين: «والسينما والراديو.» # ويقول طه حسين: «والسينما والراديو، ألغت مسافات الزمان والمكان وأصبحنا خاضعين للإعلام ~~فيما نقرأ وفيما نسمع وفيما نرى.» # يقول الأديب اللبناني: «واجب أن نقاوم آثار هذه الدعاية.» # ويقول طه حسين: «من السهل اليسير أن يستجيب الناس لسلطان الدعاية ومن العسير مقاومتها ~~والامتناع عليها والخلاص من تأثيرها. على أني واثق كل الثقة أنه مهما كانت ضخامة الدعاية ~~فلن يكتب لفلسفة العنصرية النصر، بل سيكون النصر لدعاة الحرية، بشرط أن تكون دعوتهم صادقة ~~وأن يكونوا لها مخلصين.» # وتتحول الحرب لصالح الحلفاء، ويتم للجنرال الأمريكي أيزنهاور نصره الكبير في إقليم ~~نورماندي في شمال فرنسا، وتأخذ جيوش الحلفاء في الزحف محققة انتصارات متكررة في كل جبهات ~~القتال. # وفي بيت مري في لبنان، يوم 25 أغسطس 1944، يسمع طه حسين نبأ دخول الجنرال ديجول باريس، ~~فيقول لزوجته وولديه: «لم أزل أقول لكم إنه لا بد أن ينهزم المعتدي، وإنه لا بد من النصر ~~لمن يدافع عن الحريات بالعزم ms134 والإصرار وبالصدق والإخلاص.» ~~••• # وفي بيت مري أيضا يتلقى طه حسين من مصر رسالة بأنه قد عين رئيسا لوفدها في احتفال ~~المجمع العلمي السوري في دمشق بالعيد الألفي للشاعر أبي العلاء المعري، وفي دمشق يجتمع ~~أعضاء الوفد الرسمي: الأستاذ أحمد أمين والأستاذ عبد الحميد العبادي والأستاذ أحمد الشايب، ~~ويعرف طه حسين أن الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني قد حضر يمثل نقابة الصحفيين، وأن ~~الدكتور عبد الوهاب عزام قد جاء ملبيا دعوة المجمع السوري؛ فيدعو الجميع إلى تكوين وفد ~~واحد لمصر فيتم في دمشق تكوين هذا الوفد، ويأخذ أعضاؤه يتعاقبون في إلقاء أحاديثهم وبحوثهم ~~طوال أيام المؤتمر، ويهدي الوفد المصري إلى المؤتمر كتابا طبعته مصر خصيصا في هذه ~~المناسبة وهو «تعريف القدماء بأبي العلاء»، ويساهم الوفد أيضا باسم مصر في إنشاء مكتبة ~~بسوريا خاصة لأبي العلاء. # وينتهي الاحتفال فيكتب طه حسين لوزير المعارف: «إن مصر تحسن كل الإحسان إلى نفسها وإلى ~~البلاد العربية كلها إذا مضت في المشاركة في جميع المظاهر للحياة الثقافية والعلمية في ~~العالم العربي.» ~~••• # في النصف الأول من أكتوبر يستقبل طه حسين في منزله بالزمالك، مساء يوم من أيام الأحد، ~~أصدقاءه وزملاءه وتلاميذه حسب عادته، يتحدث مع الدكتور حسين فوزي عن الموسيقى، وهو يريد أن ~~تعنى مصر بالموسيقى الغربية كما لا بد أن تعنى بموسيقانا الشرقية، ويقول إن الأستاذ أمين ~~الخولي يحدثه أن ابنته الآنسة سمحة شغوف بالموسيقى العالمية قد أتقنتها دراسة وأداء، ~~والأستاذ أمين نفسه يقول إنه هو لا يفهم هذه الموسيقى إلا قليلا، وطه حسين يرى في ذلك ~~دليلا على نجاح جيله وجيل أمين الخولي من الأساتذة، لأن التطور الذي عملوا من أجله قد ~~تحقق. # يقول الدكتور كامل حسين: «نيران الحرب العالمية لم تزل مشتعلة، على أن انتصارات الحلفاء ~~مستمرة، ترى هل يتقدم الحلفاء الآن صوب قلب ألمانيا؟» # ويرد طه حسين: «إن الأخبار الواردة من الخارج طيبة.» # ويقول الدكتور حسين فوزي: «أما «الواردة» من الداخل فليست كذلك فيما يظهر، سمعت أن هناك ~~أزمة وزارية.» # ويرد طه حسين: ms135 «ومتى انتهت الأزمات الوزارية في مصر؟!» # وتدخل السيدة سوزان مبتسمة، فيعرف الحاضرون أن الوقت قد حان للانصراف ويستأذنون ~~مودعين. # وتسأل سوزان: «ماذا كان يقول عن أزمة وزارية؟» # ويرد طه حسين: «إن الملك مصمم على إسقاط الوزارة، والنحاس باشا يرفض أن يستقيل.» # وتسأل: «وماذا يفعل الملك؟» # ويرد طه حسين: «يصدر مرسوما بإقالة الوزارة.» # وتسأل سوزان: «يقيل الوزارة؟ تترك وزارة المعارف إذن؟» # ويرد طه: «طبعا، على أنني سعيد لأنني أتممت بعض ما أريد؛ إن جامعة الإسكندرية قد أنشئت، ~~وسوف تقوم بعدها جامعات أخرى في القاهرة وفي الأقاليم. وفي مراقبة الثقافة، أتممنا أعمالا ~~لا بأس بها، وفي الوزارة خطونا خطوة هامة نحو تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص أمام كل الطبقات ~~بتقرير المجانية في أهم مراحل التعليم.» # وتسأل سوزان: «وجامعة الإسكندرية تتركها أيضا؟» ويجيب: «بالتأكيد، ولكنك تعلمين أنني كنت ~~قد طلبت تعيين مدير متفرغ لها منذ أول هذا الصيف.» # ويسكت طه برهة ثم يقول: «إن الملك يقول إن طه حسين يريد أن ينشر التعليم لتحقيق غرض خبيث ~~وهو زعزعة النظام الاجتماعي الحاضر.» # وتقول سوزان: «هذا كلام فارغ.» # ويقول طه حسين: «وهل يمكن أن يكون كلام الملوك فارغا؟! لكن لفظ «زعزعة» غير دقيق، إن ~~المستهدف هو أن يقوم في مصر نظام اجتماعي جديد على أساس من الحرية والعدل.» ~~••• # في يوم أول مايو 1945 يعلن الألمان مصرع هتلر، وتقول وسائل الإعلام إنه انتحر، ومن قبل ~~ذلك بيومين قتل الغوغاء موسوليني في إيطاليا. جيوش الحلفاء تدخل برلين، تستسلم ألمانيا. وفي ~~يوم 8 مايو 1945 يعلن الحلفاء انتهاء الحرب في أوروبا. # وتقول أمينة لأبيها - بعد إغلاق الراديو: «الحمد لله! لكن هذا النصر لم يتحقق إلا بمصرع ~~آلاف الشباب ووقوع آلاف الكوارث، ما أعظم جريمة الطغاة! كيف نحمي الحرية والكرامة البشرية ~~في نفس الوقت الذي نحمي فيه الأجيال القادمة من أمثال هذه المجازر؟» # ويرد طه حسين: «هذا يا ابنتي هو السؤال كما يقال: كيف يحيا الناس حياة فاضلة؟ كيف يحققون ~~دنيا الحرية والعدل؟ وكيف يعيشون بها؟ وكيف السبيل إلى صيانتها ms136 دون أن تضطر الشعوب ~~المسالمة إلى أن تقابل بالعنف عنف المعتدين؟» # ويتوقف طه حسين برهة ثم يقول: «ستعود الآن المواصلات مع أوروبا، ويتمكن أخوك من السفر ~~لباريس للدراسة لدرجة الأجريجاسيون.» # وتسأل أمينة: «ولماذا لا يدرس للدكتوراه؟» # ويرد طه حسين: «أريده أن يحصل على الأجريجاسيون أولا رغم أنها أصعب، إنني لم أرد لك أنت ~~أيضا أن تختاري الطريق السهل، لم تكن الدراسات اليونانية واللاتينية - التي اخترتها لك - ~~أسهل الدراسات! وعلى فكرة أين بلغت في بحثك للماجستير؟ هل انتهيت من قراءة ما كتبه الشاعر ~~الألماني جوته عن موضوعك، عن قصة أفيجينيه؟» # وترد أمينة: «نعم، ولكن الموضوع كما تعلم صعب بشكل يرضيك! وعلى فكرة مطلوب مني محاضرة ~~عامة حول هذا الموضوع وقد تورطت وقبلت، ولكنني أموت خجلا وخوفا من مواجهة ~~الجمهور.» # ويقول طه حسين: «هذا لأنك تحترمين سامعيك، هل تظنين أني لا أحس الرهبة حتى الآن عندما ~~أواجه جمهورا أحترمه؟» # أمينة: «أنت؟! طه حسين ؟!» # ويرد: «بكل تأكيد، وعلى فكرة ألا تريدين استكمال دراستك في الخارج بعد أن يفتح الطريق ~~لأوروبا؟» # وترد أمينة: «بل أبقى هنا في بلدنا، إلى جوارك، وأين في الخارج أستاذ مثلك؟» # وتعود المواصلات مع أوروبا بعد شهور، ويستعد مؤنس للسفر مع والدته إلى فرنسا فقد قبل ~~طالبا في مدرسة النورمال، إحدى المدارس العليا الكبيرة في فرنسا. # والسيدة سوزان لا تكاد تصدق أن الحرب قد انتهت، وأنها انتهت بهزيمة النازية، وأنها سترى ~~باريس حرة. # تتردد في السفر وترك زوجها في القاهرة، ولكنه يقول لها: «لقد سافرت وتركتني من قبل، على ~~أنك في هذه المرة لا تتركيني وحدي، أنت تتركيني مع أمينة، وستعتني بي وأعتني بها، وسنأكل ~~معا كل الحلاوة الطحينية التي في مصر!» # ويحل يوم عيد ميلاد طه حسين السادس والخمسين في الرابعة عشر من نوفمبر 1945، ويزوره الشيخ ~~مصطفى عبد الرازق، المرشح شيخا للأزهر الشريف، فيستبقيه للعشاء. ويجلس الثلاثة إلى مائدة ~~زينتها أمينة في مناسبة عيد ميلاد أبيها. # ويقول طه حسين أثناء تناول العشاء: «هل تذكر أنني كنت أريد أن أصدر ms137 مجلة أدبية مع أخيك ~~الشيخ علي؟» # ويرد مصطفى عبد الرازق: «نعم، وكنتم فكرتم في كل شيء وأعددتم لها كل شيء، كل شيء إلا ~~المسائل التافهة مثل الإدارة والمطبعة والورق والتوزيع!» # طه حسين ~~: # لقد استطعت أنت أن تثنينا، أنا وعلي، عن المشروع في ذلك الوقت، وذلك بإثارتك تلك ~~المسائل التافهة. # مصطفى عبد الرازق ~~: # ألم يكن ذلك هو عين العقل؟ # طه ~~: # العقل؟ لا، في الحقيقة أن العقل كان أن نصدرها، على كل حال سأصدر أنا هذه الصحيفة ~~الآن، أو شيئا مثلها. # مصطفى عبد الرازق ~~: # ألم تكفك متاعب جريدة الكوكب وجريدة الوادي؟ هل نسيتها؟ # طه ~~: # لا لم أنس، لم أنس المعلم متعهد الصحف الذي كان يتحكم في التوزيع، ولا الحكومة ~~التي كانت تتحكم في المعلم، ولكن هل تعتقد أن كل هذه المتاعب لم تكن تذوب عندما كنا ~~نعبر عن آرائنا ونوصلها لجماهيرنا؟ إنني أحس أنني في العمل الصحفي متصل مباشرة بنفس ~~الجمهور وأعمل مباشرة في هذه النفس. # مصطفى ~~: # أرجو على الأقل أن تكون قد أحسنت الاستعداد لإصدار المجلة هذه المرة. # طه ~~: # في هذه المرة سيتكفل تاجر بالتوزيع، وسيكون للمجلة سكرتير للتحرير، أديب شاب ذكي ~~ونشط، الأستاذ حسن محمود، سأتولى أنا مسئولية التحرير مع جماعة من الزملاء ~~والتلاميذ لا يجوز أن نحرم العالم العربي من سماع أصواتهم ولا أن نحرمهم من أن ~~يسمعوا أصواتهم للعالم: الدكتور محمد عوض، والأستاذ محمد رفعت، والدكتور سليمان ~~حزين، والأستاذ توفيق الحكيم، والأستاذ سيد قطب، وكثير من الشباب. # مصطفى عبد الرازق ~~: # ومن التاجر الذي سيتكفل بالتوزيع؟ # الدكتور طه ~~: # أصحاب محل آلات وأدوات مكتبية اسمه محل «الكاتب المصري» وهم الإخوة هراري، وقد ~~أعجبني اسم «الكاتب المصري» وسأجعله اسم المجلة. # ويسأل طه حسين مبتسما: «لا أعتقد أن فضيلة الشيخ الأكبر لديه وقت للمساهمة فيها؟» # ويرد مصطفى عبد الرازق: «أساهم فيها بالدعوات الصالحات، وبالقراءة المنتظمة إن شاء الله. ~~الحقيقة أن هذه المجلة - التي لا شك أنها ستكون جادة نافعة - تظهر في أوانها، إن العالم ~~يدخل الآن مرحلة جديدة هامة، يدخل دنيا القنبلة ms138 الذرية، ودنيا الأمم المتحدة.» # يقول طه حسين: «نعم، العالم يدخل عهدا جديدا، ميثاق الأمم المتحدة قرأته، كلام رائع، ~~وأنا سعيد لأن صديقنا الأستاذ عبد الحميد بدوي كانت له مساهمة في إعداده، وصديقنا الأستاذ ~~محمود عزمي يترجمه للغة العربية الآن، ولكن ماذا يكون مصير هذه الأمم المتحدة؟ هل يكون مصير ~~عصبة الأمم؟ ما مصيرنا نحن الدول الصغيرة؟ ما مصير العرب؟ بالأمس جاءني محرر جريدة فرنسية ~~نسيت اسمها ...» # وتذكر أمينة أباها باسم المجلة، تقول: «إن اسمها هو صور العالم «إيماج دي موند».» # ويستأنف طه حسين حديثه يقول: «نعم، إيماج دي موند. سألني عن الحرب، فقلت له: الحرب انتهت ~~بالقنبلة الذرية، لكنها تركت قنبلة زمنية هي فلسطين.» # ويقول مصطفى عبد الرازق: «عندك حق، وهل يترك الإنجليز مستعمرة لهم دون يخلقوا فيها ~~المشاكل؟! على أني أرجو أن يكون العالم قد تيقن أخيرا أن العدل هو أساس السلام، أنا متفائل ~~بميثاق الأمم المتحدة، لا تنس أن أصحاب فكرة الميثاق والمنظمة هم الدول الكبرى التي انتصرت ~~في الحرب: أمريكا وروسيا والصين وإنجلترا وفرنسا.» # ويرد طه حسين: «نعم، لقد أصبحت فرنسا تعد بين الدول الخمس الكبرى، والفضل في ذلك لديجول، ~~لولا عصيانه لليأس ورفضه الاستسلام ما كان لفرنسا ذكر اليوم بين هذه الدول.» # ويقول الأستاذ مصطفى عبد الرازق: «إن الدرس الذي نتعلمه من هذه الحرب هو درس سبق أن علمه ~~لنا الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~: النجاح إنما يكون بالإيمان والإخلاص وبالتصميم، علينا أن نتسلح بهذه ~~الصفات لنحقق أهداف أمتنا في هذا العالم الجديد الذي يقولون إن الأمم المتحدة ~~ستبنيه.» # ويقول طه حسين في شيء من الشك: «ذلك بشرط أن تتعلم الدول الكبرى ألا تكيل بمكيالين، بشرط ~~ألا ترى ضرورة تحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان لشعوبها هي ولا ترى لشعوبنا ~~نحن حقا في هذا كله. عندما جاء الجنرال ديجول إلى مصر، وهو رئيس لفرنسا الحرة، قلت له: لا ~~يمكن أن تطالب فرنسا باستقلالها وبحريتها وهي تنكر على الشعوب الواقعة تحت سلطانها هذا ~~الاستقلال وهذه الحرية، وقد ms139 وافق ديجول، فقد كان يعرف لبعد نظره أن عهد الاستعمار إلى زوال، ~~وعندما جاء الجنرال كاترو بعد ذلك كانت فرنسا الحرة قد استجابت فيما يظهر إلى ما طالبت به، ~~وأعلن الجنرال كاترو شيئا من ذلك من راديو القاهرة، وسنرى الآن ماذا تفعل فرنسا بعد النصر ~~في الأراضي العربية الواقعة تحت سلطانها، وماذا يفعل الإنجليز في العراق وفلسطين ~~والسودان.» # ويقول مصطفى عبد الرازق: «إن صاحبك أبا العلاء قد أحسن عندما أشار إلى أن الكلام الجميل ~~لا ينفع أمام أصحاب القوة والسلاح، كما جرب ذلك بنفسه. وعلى ذكر أبي العلاء، زارني بعض ~~الشيوخ السوريين الأدباء وحدثوني من جديد عن احتفالات دمشق بأبي العلاء، لا يزالون يذكرونها ~~ويذكرونكم.» # ويرد طه: «كان الوفد المصري موفقا، وكان المؤتمر ناجحا، كان رئيس الجمهورية السورية ~~شديد الاهتمام وشديد الاحتفاء بالمؤتمر. وإلى جانب الاحتفال بأبي العلاء كانت فرحتنا ~~باجتماع العلماء العرب في مكان واحد إخوانا متعارفين.» # وتقول أمينة مقاطعة : «أنا أقرأ لأبي العلاء، أنا أقرأ في اللزوميات، في نسخة مخطوطة من ~~اللزوميات.» # طه: «نسخة مخطوطة من اللزوميات؟! ليس لدينا نسخة مخطوطة! واللزوميات أنت قطعا لا ~~تستطيعين أن تفهميها وحدك لا أنت ولا كثير غيرك من الشباب اليوم، يجب أن نترجمها لكم إلى ~~العربية!» # وتتساءل أمينة: «إلى العربية! وفي أي لغة هي إذن؟!» # ويرد طه: «هي في لغة أبي العلاء، سأترجمها إلى العربية التي يفهمها أمثالك، وسأسمي ~~الترجمة «صوت أبي العلاء».» # وتنهض أمينة وهي تقول: «نترك هذا الآن، هذا أوان «الطورطة»!» # وتنصرف وتعود بكعكة عليها شموع وتقول: «عليك يا أبي أن تطفئ هذه الشموع.» # ويقول الشيخ مصطفى: «أبوك يا ابنتي لا يجيد إلا إيقاد الشموع.» # ويرد طه: «أحيانا لا بد أن نهدم لنبني ... هل تذكر ما سمعنا ونحن في الأزهر؟ كانوا يقولون: ~~«الحق هدم الهدم».» # ويقول الشيخ مصطفى: «نعم، كان هذا منذ زمن طويل، والآن اسمحي لي يا أمينة أن أبدأ فأتمنى ~~لأبيك أن يصل إلى سن المئة وخمسة وخمسين. إن أباه الشيخ حسين - رحمه الله - وصل إلى سن ms140 ~~المئة وخمسة، وقانون التطور يقضي بأن نتفوق على آبائنا، أليس كذلك؟» ولا ينتظر ردا ولكنه ~~ينهض ليقدم إلى طه حسين السبحة التي يحملها ويقول: «وهذه سبحة أرجو أن تذكرك بهذا العشاء ~~الصغير الجميل.» # ويرد طه متأثرا: «إنك لتعلم أنك وأنا إنما نطلب العمر العريض وليس العمر الطويل.» # وتقول أمينة: «الآن نطفئ الشموع، وعندي بعد ذلك رسائل للسيد الأستاذ العميد. # الأولى من السيدة حرم الدكتور طه حسين: ترسل لك هذه القبلات وتقدم هذه الهدية.» تقبله ~~وتقدم له الهدية، ويتسلمها طه حسين بتأثر، «والثانية من طالب مدرسة النورمال المرشح لدرجة ~~الأجريجاسيون، السيد الأستاذ مؤنس طه حسين، قبلات كذلك، وهذه الهدية»، تقبله وتقدم الهدية، ~~«والثالثة مني أنا، قبلات أيضا، ولك قلبي كله وهذا المخطوط ...» # طه ~~: # ما هذا المخطوط؟ # أمينة ~~: # مخطوط مؤلف من أصدقائك. # الشيخ مصطفى ~~: # يتناوله وينظر فيه ويقول: هذه لزوميات أبو العلاء، هذا مخطوط مغربي، هذا مخطوط ~~ثمين ~~(يسلمه لطه حسين) ~~، أحسنت الاختيار يا ~~ابنتي. # ويقول طه حسين: «أولا من أين لك المال؟ ثم من دلك على هذا المخطوط؟» # وترد أمينة: «نعم، أنت تسأل وأنا أجيب، عن السؤال الأول فإنك تذكر أسهم شركة الجوت ~~المصرية التي اشتريتها لي عند حصولي على درجة الليسانس، أليس كتاب أبي العلاء أحسن من ~~الجوت؟ والمخطوط جميل ولكنه ليس قديما جدا ولا ثمينا جدا، نسخ في مدينة فاس سنة ألف ~~ومئة للهجرة حسب ما هو مكتوب فيه. وعن السؤال الثاني فقد ساعدني في البحث عن هذه الهدية أحد ~~تلاميذك، محمد حسن الزيات، لقد أقسم لي أن هذا المخطوط هو كتاب اللزوميات، وأقسم لي كذلك ~~أنه مكتوب حفر عليه اسمك. ولا قبلات.» # ويقول طه: «ولكن محمدا في إنجلترا، في أكسفورد.» # وترد أمينة: «ساعدني قبل سفره. وعلى فكرة هديته لك علبة سجائر حفر عليها اسمك باللغة ~~العربية رغم هذا الخط المعقد ... ولا قبلات!» # ويقول طه حسين: «وأنت أخفيت المخطوط كل هذه المدة؟! تعالي هنا لأقبلك، أخفيته كل هذه ~~المدة، ماذا أخفيت أيضا؟ وعلى فكرة في مجلة الكاتب المصري سيكون ms141 عليك أنت أن تقدمي للقراء ~~أهم مباحث الدوريات الغربية.» # وتسأل أمينة: «تعني الفرنسية؟» # ويرد طه: «لا، أعني الغربية، كل ما يتيسر نقله من صحف الغرب، هذا غير صعب عليك، وسيكون ~~لدينا في المجلة باب مماثل للدوريات العربية والشرقية، فإننا نريد أن نصل القارئ المصري ~~بالكتاب والصحيفة العربية والشرقية والغربية، بالصحيفة في كل مكان.» # وينهض الأستاذ مصطفى عبد الرازق مستأذنا في الانصراف وهو يهنئ من جديد، وينصرف وهو يقول ~~إنه ينتظر بفروغ صبر العدد الأول من مجلة «الكاتب المصري». # | الكاتب المصري # في دار الكاتب المصري: طه حسين يستمر في إملاء «البرنامج» الذي قرر أن يقدم به المجلة إلى ~~القراء، يقول: «هذه المجلة لا تريد إلا أن تكون أداة من أدوات مصر ...» # وخارج المكتب في إدارة المجلة: الأستاذ حسن محمود سكرتير التحرير يسأل عن مقالة الأستاذ ~~توفيق الحكيم هل وصلت، ومقال نجيب الهلالي باشا هل تم طبعه، ومقالات الدكتورة سهير ~~القلماوي، والأساتذة محمد رفعت وسليمان حزين وعبد الله عنان، ومقال الدكتور حسين فوزي، وشعر ~~الأستاذ عزيز فهمي، والأستاذ عبد القادر القط، وبحث الدكتور غالي عن القنبلة الذرية ومستقبل ~~الذرة. # إن المجلة لا تريد أن تتخلف عن معالجة الموضوعات العالمية الجديدة، إلى جانب معالجتها ~~الموضوعات الإسلامية والعربية والمصرية. والأستاذ حسن محمود يطلب بروفات مقاله الذي ترجمه ~~عن أدب القصة في الاتحاد السوفييتي، وبروفات مقالات العميد، تقدم إليه البروفات: هذه ~~بروفة مقال «الأدب العربي بين أمسه وغده»، ثلاث وثلاثون صفحة حرف صغير، والمقالين الآخرين ... ~~هذه بروفة مقال العميد عن «بريطانيا العظمى والشرق الأوسط»، إن الحياة الدولية موضوع هام ~~وستكون بابا ثابتا في كل عدد من أعداد المجلة وسيحرره في المستقبل أحسن من يمكن دعوتهم ~~لتحريره، ولكن في هذا العدد الأول قام طه حسين بتحرير هذا الباب. وهناك مقال ثالث عن بول ~~فاليري في اثنتي عشرة صفحة بإمضاء «طه» فقط. # ويدخل الأستاذ حسن محمود على الدكتور طه حسين فيجده مستمرا في الإملاء. # طه حسين يملي: «... وستأخذ هذه المجلة نفسها بقانونين لن تحيد عنهما؛ أحدهما: الشدة ms142 على ~~نفسها وعلى كتابها وقرائها فيما تنشر وما تنقل من الفصول، فلن تقدم إلى قرائها إلا هذا ~~الأدب الذي ينفق صاحبه في إنتاجه الجهد العنيف والوقت الطويل ... والقانون الثاني هو الحرية ~~الواسعة الكاملة السمحة فيما تنشر وفيما تختار من آثار القدماء والمحدثين ومن آثار الشرقيين ~~والغربيين، لا تنظر في ذلك إلا إلى الفن الخالص وإلى قيم الثقافة العليا وما يحقق التعارف ~~والتواصل بين الذين يمثلون هذه الثقافة من رجال الأدب والعلم والفن. # وهي تنظر إلى أمس وتنظر إلى اليوم، وتنظر كذلك إلى غد، فتنشر ما يحيي الأدب القديم، ~~وستنشر ما يقوي الأدب الحديث، ولكنها في الوقت نفسه ستعنى بهؤلاء الشباب الذين يجربون ~~أنفسهم ويحاولون أن يشاركوا في الإنتاج الأدبي فتفسح لهم مكانا رحبا بين صفحاتها، ~~وستتلقاهم رفيقة بهم ولكن قاسية عليهم في النقد والاختبار.» # ويخرج الأستاذ حسن محمود بهدوء ليترك الدكتور طه حسين يملي بقية البرنامج الذي سيتصدر ~~العدد الأول من مجلة الكاتب المصري، وسرعان ما يكون العدد الأول من مجلة الكاتب المصري في ~~أيدي القراء. ~~••• # قارئ لزميله: «أخيرا ... هذه أول مجلة شهرية عربية يصدرها مصري، كان عندنا قبلها الهلال ~~والمقتطف، وقد أنشأهما أديبان من لبنان.» # زميله ~~(يرد عليه) ~~: # لا ... لقد وجدت في الماضي مجلات مصرية، مثل مجلة الاستقلال التي صدرت سنة 1902 ~~ومجلة اسمها رعمسيس صدرت سنة 1912 وغيرهما، ولكن هذه المجلات لم تعش للأسف إلا ~~فترات قصيرة جدا، ترى هل يستطيع طه حسين أن يبقي «الكاتب المصري» على قيد الحياة ~~طويلا؟ # أحد الأساتذة ~~: # مقال نجيب الهلالي عن مبدأ تكافؤ الفرص جاء فيه أن طه حسين تمنى أن يتحقق هذا ~~المبدأ في مقال نشره في عام 1941 بعنوان «مستقبل الديمقراطية بعد الحرب». # يقول الزميل: «إن نجيب الهلالي يقول في المقال إن هناك من الناس من يخشون أن يؤدي تطبيق ~~قاعدة تكافؤ الفرص إلى تقويض نظام المجتمع المصري، ويقول: «إن هذا المبدأ، يعني مبدأ تكافؤ ~~الفرص، قد خاب الآن وأصيب بشيء من العطب، ولكنه لم يخب إلا إلى حين».» # أستاذ ms143 آخر ~~: ~~«نجيب الهلالي يقول إن أمير أرجان كان قد وصف حيوان القنفذ وصفا ينطبق على طه ~~حسين! قال: «إنه محارب حصنه من نفسه، ومقاتل رماحه على ظهره، لا ينام ولو نام عنه ~~الناس».» ~~••• # وفي كلية الآداب يقول أستاذ لزميله: «هل لاحظت أن دار الكاتب المصري هي أيضا دار نشر ~~كتب؟ سنستطيع إذن أن ننشر كتبنا.» # زميله ~~: ~~«نعم أعرف، وصديقنا نزيه مسعد قد نشر عن طريقها فعلا ترجمة لكتاب «الباب الضيق» ~~للكاتب الفرنسي أندريه جيد الذي حصل على جائزة نوبل، وهذا هو الكتاب ~~المترجم.» # ويتصفح الأستاذ الأول الكتاب ويقول: «إن الترجمة مصدرة بكلمة من المؤلف ويلي المقدمة رد ~~عليها بقلم طه حسين. إن «أندريه جيد» يتساءل كيف يمكن أن يترجم كتابه إلى اللغة العربية! ~~إن كتابه قلق وحيرة وبحث عن الحقيقة، وأغلب قراء العربية من المسلمين، والإسلام يدعو أهله ~~إلى القبول لما يتلقون من الأحكام باطمئنان وبغير بحث أو قلق.» # ويقول الزميل: «إن طه حسين يرد على أندريه جيد بقوله: «إنك قد عرفت بعض المسلمين ولكنك لم ~~تعرف الإسلام؛ لأن الإسلام دين فحص وبحث، لا تسليم فيه إلا بما يثبت بالحجة ~~والبرهان».» # ويختم الأستاذ الأول الحديث بقوله: «أندريه جيد عاشر المسلمين في شمال أفريقيا، والحمد ~~لله أن رد طه حسين جاء بهذه القوة، رده مفحم.» # ويصل أندريه جيد إلى مصر، ويزور طه حسين في منزله، ويمتد حديثهما ويتشعب، يتناول كتاب ~~«الباب الضيق» وترجمته، ويستمع أندريه جيد إلى حديث طه حسين عن الإسلام وما أنشأ من مدنية، ~~وما يستطيع أن يعيد إنشاءه الآن من الحضارة، وفي آخر الحديث يدعو طه حسين أندريه جيد إلى ~~إلقاء محاضرة عامة في نادي متخرجي الجامعات بشارع شريف بالقاهرة. # وتكتظ القاعة بالحاضرين والحاضرات وتضيق، ويتزاحم من يريدون الدخول على سلم العمارة، ~~ويفيضون على المدخل، يحاولون سماع كلمة من طه حسين أو من أندريه جيد أو حتى مجرد رؤية ~~الأديبين الكبيرين عند الدخول أو عند الخروج. # وفي منزل طه حسين يقرأ أندريه جيد بصوت عال قصة من تأليفه ms144 عن بطل يوناني قديم هو ~~«تيسيه»، وقد سبق له أن قرأ لهم كتابا آخر من تأليفه أيضا هو «أوديب». # وطه حسين يستمع ثم يتكلم عندما ينتهي أندريه جيد من القراءة، فيقول للمؤلف: «سأعلم أبطالك ~~العربية، سأترجم الكتابين، وستنشرهما دار الكاتب المصري، إذا أذنت، وسترى أن القارئ العربي ~~ذكي قادر على تذوق أرقى الكتب، ولقد سبق أن ترجمت كتب أخرى من كتبك إلى العربية وكانت ~~الترجمة ناجحة ورائجة أيضا، وأنا الآن أقرأ كتابك «بروميثيوس ذو الغل المطلق» وأفكر في ~~تعريبه.» # ويرد أندريه جيد قائلا: «لقد أصبحت أعرف المسلمين معرفة أحسن، وعلى ذكر ذلك لقد قابلت ~~حتى الآن الكاتب والعالم المصري وأريد الآن أن أقابل الفنان، أريد أن أقابل المهتمين بشئون ~~التمثيل.» # ويدعو طه حسين صديقه أندريه جيد لمشاهدة مسرحية من مسرحيات الأستاذ نجيب الريحاني، أندريه ~~جيد لا يفهم النص طبعا ولكنه يفهم ما يجري في المسرحية لقوة تعبير الريحاني وفرقته، ولأن ~~المسرحية مقتبسة عن رواية فرنسية اسمها «بائعة الشكولاتة»! ... بعد انتهاء المسرحية يصعد ~~أندريه جيد مع طه حسين إلى المسرح لتهنئة نجيب الريحاني ويقول له إنه ليس فنانا مصريا ~~فحسب، إنه فنان عالمي. ~~••• # السراي لا تزال غاضبة على طه حسين، والحكومة كذلك غاضبة. وتبدأ الصعوبات تقابل مجلة ~~الكاتب المصري والاتهامات أيضا: # وزارة التموين تعتذر عن إعطاء المجلة حصة من الورق، المطبعة التي تتعطل يتعذر إصلاحها، ~~الكتب التي تطبعها الدار لا توزع، وصول المجلة إلى الأسواق العربية يتأخر، حالة المجلة ~~وحالة الدار تتدهور. # السراي ساخطة على مقالات «المعذبون في الأرض» و«ما وراء النهر»، وأصحاب الدار لا ~~يريدون الدخول في مشاكل وخسائر، تتزايد المضايقات ولا يستطيع طه حسين استكتاب المحررين، طه ~~حسين يتفق مع حسن محمود سكرتير التحرير على أن يصدرا هما وحدهما عددي أغسطس وسبتمبر 1948، ~~طه حسين يحرر عدد أغسطس 48 بكامله تقريبا، فينشر فيه ترجمته لقصة «زاديج» - أو «القدر» - ~~تأليف «فولتير»، وحسن محمود يحرر عدد سبتمبر 48 بأكمله تقريبا، ينشر فيه ترجمته لكتاب ~~«هيروشيما» عن إسقاط القنبلة الذرية على اليابان. # يصدر ms145 عدد أغسطس وعدد سبتمبر، ولكن محاولة إبقاء «الكاتب المصري» في الوجود تفشل، أصحاب ~~المجلة مصممون على إغلاقها هي ودار النشر التابعة لها، طه حسين يملي الكلمة الأخيرة في ~~العدد الأخير الذي تتوقف المجلة بعده عن الصدور، يمليها على حسن محمود في أسى شديد، يقول: ~~«لقد أرجف المرجفون والذين يسرهم الطعن في طه حسين والذين لا يعملون ويؤذي نفوسهم أن يعمل ~~الناس، وقالوا إن مجلة الكاتب المصري قد صدرت لنشر الصهيونية، والآن وقد انتهى عمر المجلة ~~فإن أعدادها كلها بين يدي القراء، فهم لا يرون فيها إلا دفاعا عن مصر والعروبة وخدمة لهما ~~بقدر الوسع والطاقة.» # وحسن محمود يقاطع ويقول: «والكتب التي نشرتها الدار هل فيها إلا ما يخدم مصر والعرب ~~والعروبة والثقافة العربية؟ والمقالات التي نشرتها المجلة للأستاذ سيد قطب وللأستاذ سعيد ~~العريان وللسيدة بنت الشاطئ والأستاذ سامي الدروبي والأستاذ عبد المنعم مراد وغيرهم وغيرهم، ~~هؤلاء جميعا صهيونيون؟!» # ويسأل طه حسين: «هل لديك قائمة بالكتب التي نشرناها؟» # ويقرأ حسن محمود قائمة ببعض هذه الكتب. # يقول طه حسين: «ترجمنا إلى اللغة العربية إذن عن الإنجليزية والألمانية والفرنسية ~~والفارسية، وقدمنا موسوعة قانونية ضخمة لعبد العزيز باشا فهمي، وترجمة عن أندريه موروا ~~للشيخ الأستاذ عبد الحليم محمود، ونشرنا كتبا عربية لأعلام مثل الجاحظ وغيره، لقد التزمنا ~~بما عاهدنا عليه قراء العربية فوصلناهم بعصورنا العربية والإسلامية الزاهية من جهة، وبهذا ~~العصر الحديث الذي نعيش ويعيشون فيه من جهة أخرى.» # حسن محمود: «وحاولنا أن نضع مثلا عاليا في الترجمة وأمانتها، وفي النشر ودقته، وفي ~~التأليف وارتفاع مستواه، وكذلك في معاملة الأدباء واحترام القراء.» # ويقول طه حسين بعد صمت قصير: «إن أصحاب الدار لم يؤدوا كل حقوق المؤلفين والمترجمين، وقد ~~طلبت إلى نجيب الهلالي رفع دعوى لنحصل لهم على كل حقوقهم، وقد فعل.» ~~••• # في خريف سنة 1947، تتهدد الكوليرا مصر، الخطر يتزايد، أمينة تريد أن تتطوع للعمل مع سيدات ~~الهلال الأحمر في مكافحة الوباء، طه حسين يتذكر الوباء القديم الذي أودى بحياة أخيه محمود، ~~وكان محمود قد ms146 تطوع كذلك لمقاومة الوباء، ولكنه لا يحاول إقناع ابنته بعدم التطوع. # أمينة تعمل مع سيدات الهلال الأحمر في قسم الدرب الأحمر بالقاهرة، وفي آخر أكتوبر 1947 ~~كان معدل الوفيات المعلنة أربعمئة شخص يوميا، غير المتوفين الذين كان أهلهم يخفونهم خوفا ~~من إجراءات الحكومة. الوباء يستشري في الريف، تسافر بعض سيدات الهلال الأحمر إلى الصعيد ~~وتسافر أمينة معهن، البعثة تدخل الطمأنينة على نفوس نساء الصعيد فيقبلن التعاون مع سيداتها، ~~وفي آخر نوفمبر يهبط عدد ضحايا الكوليرا من أربعمئة شخص إلى عشرين شخصا، وتعود أمينة مع ~~بعثة الهلال الأحمر إلى القاهرة بعد أداء المهمة التي سافرت لأدائها. ~~••• # وفي بيت الأسرة بالزمالك تقرأ أمينة لوالدها صحف الصباح، لقد نشرت أسماء الوفد الذي ~~ألفته الحكومة المصرية ليشترك في مؤتمر اليونسكو الذي سوف يعقد في بيروت، واسم طه حسين ~~لم يرد بين أسماء أعضاء هذا الوفد. # وتقول أمينة لوالدها: «أنت كما ترى لا تصلح الآن لتمثيل مصر في مؤتمر لليونسكو، وإن كانت ~~دول العالم قد سبق أن انتخبتك رئيسا للجنة الأدبية في عصبة الأمم منذ سنين.» # ويرد طه حسين، وهو يبتسم ابتسامة خفيفة: «إذا كانت مصر هي الملك، فإنني لا أمثل مصر ~~طبعا. المهم هو عشاء الليلة، قد دعوت الدكتور الزيات للعشاء.» # على مائدة العشاء في منزل طه حسين أفراد الأسرة ومعهم محمد حسن الزيات، يقول الدكتور ~~الزيات في آخر العشاء: «والدي وأخواي إبراهيم وعبده يحضرون من دمياط غدا، ويرجون زيارتكم ~~في نفس اليوم إن أمكن ...» # وفي اليوم التالي، بعد ساعة يلتقي فيها الوالدان لقاء طويلا وسعيدا يهنئ طه حسين ابنته ~~وصهره بخطبتهما، وتهنئهما أمها، ويدور حديث حول موعد الزواج، والعروسان يريدان زواجا ~~بسيطا وعاجلا. # وفي أثناء الحديث تصل برقية من الحكومة اللبنانية تقدم الدعوة لطه حسين بصفته الشخصية ~~ليشترك في مؤتمر اليونسكو ضيفا على لبنان، وتمر لحظات لا يعلق فيها طه حسين على الدعوة، إن ~~بلاده عزيزة عليه دائما وأهله كرام لديه في كل الأوقات، ولكنه يرى الآن أن بلاده هي كل ~~البلاد العربية ms147 وأن أهله هم العرب أجمعون، وتلح عليه أمينة وخطيبها في أن يرد ~~بالقبول. ~~••• # ويصل طه حسين إلى لبنان في نوفمبر عام 1947 ضيفا على حكومة لبنان. # وفي الصالة التي شيدتها لبنان خصيصا لانعقاد «مؤتمر اليونسكو» يجلس طه حسين على المنصة ~~العالية، وحيدا بغير مذكرات أو أوراق أو سكرتير، مطلا على الجمهور الذي ملأ القاعة على ~~اتساعها وفاض عنها إلى الطريق. # طه حسين ينتهي من خطابه عن «أثر الحضارة العربية في الحضارة الغربية»، القاعة تضج ~~بالتصفيق الحاد، ومدير عام هيئة اليونسكو مسيو «توريز بوديه» يتقدم إلى المنصة لينزل مع طه ~~حسين إلى القاعة، ويقبل على المحاضر للتحية والتهنئة كثيرون، منهم «جوليان هكسلي» العالم ~~البريطاني، وأعضاء الحكومة اللبنانية، وأعضاء الوفد المصري والوفود العربية، الجميع يهنئون ~~ويتحدثون فيما بينهم بإعجاب كبير ... وزوجته تنتظر لتخرج معه وتقول له: «لقد تألمت وفي صمت ~~عندما عرفت أنك لن تكون من بين ممثلي الثقافة المصرية في مؤتمر اليونسكو، والآن أدرك أنك قد ~~تجاوزت ذلك إلى تمثيل الثقافة العربية كلها، والمشاركة المشرفة في الحياة الثقافية في ~~العالم كله.» # ويقول طه حسين لزوجته: «لبنان جميلة، كنا نحب أن نبقى مدة أطول، ولكن لا بد من العودة ~~للإعداد لزواج أمينة.» ~~••• # في منزل طه حسين بالزمالك 12 يونيو 1948 يحتفل بزواج أمينة. # الشيخ عبد المجيد سليم يعقد العقد، والشاهدان هما مصطفى النحاس باشا وأحمد لطفي السيد ~~باشا، ويشهده كذلك المستشار إبراهيم الزيات وعبده حسن الزيات المحامي، ويخرج العروسان من ~~الحفل بسرعة إلى المستشفى القبطي في القاهرة ليزورا والد العريس الذي كان قد وصل مع زوجته ~~إلى القاهرة لحضور حفل الزفاف ولكنه أحس في محطة القاهرة بتعب مفاجئ فنقل إلى المستشفى ~~القبطي، وذهبت زوجته معه، وأجريت له جراحة عاجلة هناك، وقد ألح على ولده وعلى الدكتور طه ~~حسين عندما زاراه في المستشفى كي يتم عقد القران في موعده، وهو يبدو الآن في حالة معنوية ~~طيبة يقبلهما، وتباركهما وتقبلهما الأم، وهما يريدان أن يرجئا السفر لقضاء شهر العسل في ~~الخارج حسبما كان متفقا ms148 عليه حتى يغادر الوالد المستشفى، ولكنه يطلب منهما في إلحاح عدم ~~تغيير برنامجهما، ويرجو لهما سفرا طيبا وعودة سريعة ليسعده استقبالهما في منزل الأسرة في ~~دمياط. # في ميناء الإسكندرية وفوق ظهر السفينة «إسبريا» يصل رسول إلى السفينة يبلغ العروسين بما ~~حدث: انتكس الوالد فجأة ونادى في الليل زوجه وطلب منها كوب ماء وشرب منها جرعة وابتسم ونام ~~وتخيلت زوجه أنه قد نام، ولكن قضاء الله كان قد وقع، استعاد الله وديعته، أمينة تخلع ملابس ~~العرس وتلبس ملابس الحداد، ينزل العروسان من الباخرة، ليسافرا إلى بيت الأسرة في ~~دمياط. ~~••• # ويقبل يناير من عام 1949 ويقرأ فريد سكرتير طه حسين عليه الصحف ثم الخطابات، إن أهم ~~الأخبار هو أن رالف بانش وسيط الأمم المتحدة قد نجح في وقف إطلاق النار في فلسطين. # وأهم الخطابات خطابان: الأول إخطار بأن الحكومة المصرية قد منعت نشر كتاب «المعذبون في ~~الأرض» وقررت مصادرته، والثاني بأن «الكوليج دي فرانس»، التي كانت قد دعت طه حسين للمحاضرة ~~فيها خلال عام 1949، قد قررت سحب دعوتها له. # ويقول طه حسين في سخرية هادئة: «ومع ذلك فإن الكوليج دي فرانس إنما يميزها تاريخها الطويل ~~في مقاومة اضطهاد الحكومات للعلماء، العلماء الفرنسيين.» ~~••• # وفي الشهر التالي، فبراير 1949، يصبح إبراهيم عبد الهادي باشا رئيسا للوزارة، بعد سلسلة ~~حوادث خطيرة بدأت باغتيال رجل البوليس سليم زكي ومقتل النقراشي باشا ثم تولى إبراهيم عبد ~~الهادي رياسة حزب السعديين. ~~••• # وفي مستشفى الدكتور علي إبراهيم «الابن» في جاردن سيتي، في إبريل 1949، أصبح طه حسين ~~جدا، رزقت أمينة بولدها «حسن الزيات»، في التاسع والعشرين من الشهر في الساعة السادسة ~~مساء. # وتقضي أمينة بعد خروجها من المستشفى أربعين يوما - حسب التقاليد التي يصر طه حسين على ~~احترامها - في بيت أبيها بالزمالك، وطه حسين في هذه المدة مشغول بحمل حفيده وتهدئته - عندما ~~يبكي - بقراءة أبيات من الشعر الجاهلي، يقول إن هذا الجيل الجديد لا بد أن يسلح نفسه ~~بالثقافة العميقة من أول الأمر! # وفي صيف 1949 ينتهي طه حسين من إملاء ms149 مقال للأهرام عن ثلاثة عظماء هم الجاحظ وشكسبير ~~وجوته، عربي وإنجليزي وألماني، فهو لا ينفك يتحدث عن فضل العرب كلما تحدث عن أمم ~~الحضارة! # ويقول لزوجته بعد أن ينتهي من الإملاء: «لم يعد لدينا ما يبقينا في مصر؛ أمينة عادت إلى ~~زوجها وبيتها ومعهما ابنهما، مؤنس متغيب في الخارج للدراسة، وكتبي تصادر في مصر، وليس لي ~~عمل منتظم، وأنا لا أطيق هذا الجو الحار.» # وترد السيدة سوزان: «الجو الحار نعم، أما كتبك فإنها لا يمكن أن تصادر إلى الأبد، وسنجد ~~مؤنس في استقبالنا في باريس، وسنجد أمينة وزوجها في استقبالنا في مصر عندما نعود.» # ويقول طه في شيء من المرارة: «نعم، والآن سيكونان هما وحدهما اللذين يستقبلاننا.» # وترد سوزان: «بل سيكون معهما تلاميذك الأوفياء، وهؤلاء سوف يكونون معك دائما، إلى ~~الأبد.» # وفي سبتمبر عام 1949 نرى طه حسين في مكتبه وقد عاد من رحلة الصيف، يتحدث مع الجراح ~~الدكتور محمد كامل حسين الذي حضر للتهنئة. # الدكتور كامل حسين يقول له إن وزارة إبراهيم عبد الهادي باشا قد استقالت بعد خمسة أشهر من ~~تأليفها، وحسين باشا سري سوف يجري الانتخابات وينتظر طبعا أن تسفر عن فوز الوفد. # وأجريت الانتخابات، وفاز الوفد، ودعي النحاس باشا لتأليف الوزارة، ويحضر النحاس باشا إلى ~~منزل طه حسين دون موعد فيجده مع عدد من الشباب، من بينهم الأستاذ محمد سعيد العريان ~~والأستاذ محمد فتحي ... فيسلم النحاس باشا عليهم ويخرج مع طه حسين إلى الحديقة، فيفاجئه بأن ~~يطلب منه أن يتولى منصب وزير المعارف في وزارته التي يجري تأليفها. # وطه حسين يشكره، ولكنه يرجو معاودة التفكير لأسباب: الأول أنه ليس عضوا في الوفد، وأعضاء ~~الوفد الذين شاركوا رئيسهم جهاده أحق بالاشتراك معه في الحكم، والثاني أن السراي غاضبة عليه ~~منذ زمن بعيد، ولا ينتظر أن توافق على تعيينه، والثالث أنه ملتزم أمام نفسه وأمام الشباب ~~ببرنامج للتعليم سبق أن شرحه عام 1937 في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر»، الذي كان يعده في ~~الأصل ليقدمه تقريرا إلى النحاس ms150 باشا نفسه، وهو لا يعرف رأي وزارة الوفد عندما تتولى الحكم ~~في تطبيق هذا البرنامج الذي يؤكد ضرورة إعلان مجانية التعليم الابتدائي والثانوي، وهناك سبب ~~رابع لا يحتاج إلى تبيين. # النحاس باشا يفند هذه الأسباب الأربعة ويبدأ من الرابع؛ السبب الرابع كلام فارغ، إن سمح ~~الدكتور بهذا التعبير، فقد قام طه حسين بواجباته في إدارة كلية الآداب وفي مراقبة الثقافة ~~وأدى عمله مستشارا لوزارة المعارف ومديرا لجامعة الإسكندرية بكفاية ودقة لا تعرف عن ~~المبصرين. والسبب الثالث هو سبب يزكيه وليس العكس، فإن الوزارة تتطلع إلى إصلاح التعليم ~~وتيسيره للشعب. والسبب الثاني الرد عليه بسيط: إن السراي مخيرة بين النحاس باشا ومعه طه ~~حسين وبين رفض تعيين طه حسين وزيرا للمعارف ورفض تعيين النحاس رئيسا لمجلس الوزراء. أما ~~السبب الأول فإن النحاس يقول: «إن الذي يهمني هو مصلحة الأمة وليس مصلحة الحزب ولا مصلحة ~~الأفراد، وأعضاء الوفد سوف يسرهم جميعا قبولك مشاركتنا في تحمل أعباء الوزارة.» # وطه حسين يقول: «في اعتقادي أن التعليم العام يجب أن يكون مجانيا كي لا يحرم واحد من ~~أبناء الوطن، كي تتاح لجميع المواطنين فرصة متكافئة.» # ويرد النحاس باشا: «عارف، وأنت لا بد متذكر أننا التقينا مرة في قطار من قطارات الصعيد ~~وتحدثنا في هذا الموضوع.» # ويقول طه حسين: «وإذا أصبحت أنا وزيرا للمعارف، فإن رفعتكم ستحبون قطعا إعلان مجانية ~~التعليم في أول خطاب للعرش تلقونه أمام البرلمان.» # ويسأل النحاس باشا: «هذا شرط؟» # ويرد طه حسين: «لا، معاذ الله! ليس شرطا ولكنه توقع، إنني أتوقع أن دولتكم ستعلنون ~~مجانية التعليم في أول خطاب للعرش.» # ويقول النحاس باشا وهو يتأهب للانصراف: «يعني شرط، على كل حال شرط مقبول ... اتفقنا، ~~مبروك!» # | الوزير # في قاعة مجلس النواب صباح يوم 16 يناير 1950، رئيس الوزراء مصطفى النحاس باشا يلقي خطاب ~~العرش ويصل إلى الفقرة الخاصة بالتعليم، وقد أعدها طه حسين، فيعلن باسم الملك أن حكومته ترى ~~«أن خير الوسائل لرفع مستوى الشعب وتمكينه من الحياة الخصبة المنتجة التي تنفعه وتنفع ~~الناس، ms151 وتحفظ على المواطن مكانته بين الأمم المتحضرة الراقية، إنما هو تعليم أبنائه، وتثقيف ~~نفوسهم، وتزكية عقولهم، وتهذيب أخلاقهم، وتزويدهم بكل الوسائل التي تتيح لهم الجهاد المنتج ~~في سبيل الرقي والتقدم؛ ولذلك فهي لن تبخل بأي جهد لنشر التعليم وتيسيره، والتوسع في مجانية ~~التعليم حتى تصل به إلى المجانية الشاملة، تحقيقا لتكافؤ الفرص لجميع المواطنين دون تفريق، ~~وقد قررت فعلا مجانية التعليم الابتدائي والثانوي والفني منذ اليوم.» # وفي مقهى بحي السيدة زينب بالقاهرة يستمع رواد المقهى في سكون إلى خطاب العرش، فيتعالى ~~ضجيجهم وهتافهم عند سماع هذه الفقرة. # يقول عامل لزميله: «لا أنسى أبدا يوم كنت أقف مع زملائي في المدرسة الابتدائية في طابور ~~الصباح، ونزل الناظر إلى حوش المدرسة، وبعد التعظيم والتفتيش، قرأ ضابط المدرسة كشفا فيه ~~أسماء عشرين تلميذا، أنا واحد منهم، وأعلن الناظر أن آباءنا لم يدفعوا المصروفات، وصرخ ~~بالبواب ففتح البوابة على مصراعيها، وصرخ فينا نحن العشرين فخرجنا إلى الطريق وتفرقنا ~~غارقين في الخجل إلى بيوتنا، وكنت بعد ذلك أتجنب المرور أمام المدرسة، ولم أفتح من يومها ~~كتابا، ونسيت كل ما كنت تعلمته وأصبحت من الأميين.» # ويرد زميله بعد صمت قصير: «الحمد لله! الآن أولادنا لن تفتح لهم البوابات للخروج إلى ~~الشوارع ... ولن ينضموا إلى جيش الأميين!» # وفي مبنى وزارة المعارف يزدحم الفناء بوفود تتوالى، تحضر لتهنئة الوزير، والوزير قد انتدب ~~موظفا جهير الصوت، ليشكرهم عنه ويرجوهم الانصراف. ويصل وفد الاتحاد العام للتعليم الحر، ~~الذي كان قد أقام حفلا لتكريم طه حسين وهو خارج الوزارة في صيف العام الماضي، فيأذن الوزير ~~بدخول بعض مندوبيهم بعد إلحاحهم في طلب مقابلته، ويقول لهم: «أنتم مهتمون بمستقبلكم، ~~وبمستقبل التعليم الحر، ولكم الحق في هذا الاهتمام. # أنا شخصيا تعلمت في معهد حر كريم هو الأزهر الشريف، وتخرجت في معهد حر آخر وهو الجامعة ~~المصرية القديمة، وقمت بالتدريس متطوعا في مدارس حرة وهي مدارس الجمعية الخيرية الإسلامية ~~والمدارس الإعدادية التي كان المرحوم الشيخ عبد العزيز جاويش ينشئها، ثم إنني قمت بالتعليم ~~في ms152 الجامعة المصرية حين كانت حرة لا تخضع للحكومة ولا تتصل بها، وأنا أنظر إلى المدارس ~~الحرة في مصر فأرى الذين يعلمون فيها مصريين، والذين يتعلمون فيها مصريين، ويجب ألا يكون ~~هناك فرق بينهم وبين زملائهم في التعليم الأميري في الحق وفي الواجب أيضا. هذه هي نظرتي، ~~فأرجو أن يطمئنكم ذلك وأن تنصرفوا لأقوم أنا أيضا بما علي من الواجبات.» # وينصرف المندوبون وتعلو عند خروجهم الهتافات للوزير. # الوزير يقول لمدير مكتبه: «أريد مذكرة عن حالة مدارس التعليم الحر في كل البلاد، لا أريد ~~أن تكون لدينا طبقات مختلفة من المدارس، بعضها يصلح وبعضها لا يصلح. # وأريد مذكرة عن إنشاء نقابة للمعلمين تضمهم جميعا وترعى شئونهم جميعا، وتحمل عنهم ~~الأعباء لينصرفوا إلى إتقان مهنتهم، فإن أساس التعليم الصالح هو الأستاذ الصالح.» # ومدير المكتب يرد: «طلبتم وكلاء الوزارة لتبحثوا معهم الاستعدادات التي يجب اتخاذها بعد ~~إعلان مجانية التعليم.» ويأذن الوزير لهم في الدخول. ~~••• # تنتقل الوزارة إلى بولكلي في رمل الإسكندرية لانتقال الملك إلى الإسكندرية ~~للاصطياف. # وطه حسين يترك دار الوزارة في الإسكندرية ويتجه إلى مستشفى كوتسيكا؛ حيث رزقت ابنته ~~أمينة بمولودها الثاني، بنت سمتها «سوسن». # يدخل غرفة ابنته بالمستشفى فيفاجئ طبيبها الدكتور حسين طبوزاده وهو يغني «آه سوزانا»، وهي ~~أغنية أمريكية أخطرها على باله الاسم الذي سميت به المولودة. يرحب الطبيب بالوزير، والوزير ~~يرجو أن يكون فن الطبيب خيرا من صوته! ويستأذن الدكتور طبوزاده في الانصراف ويخرج معه ~~الدكتور الزيات ليودعه. # ويجلس طه حسين إلى جانب ابنته ويقبلها ويسألها: «أين هي؟ أين «سوسن»؟» وتقدم أمينة ~~المولودة «سوسن» إليه، فيحملها بين ذراعيه في حنان بالغ. # وتقول أمينة معتذرة عن ابنتها: «إنها لا تجيد الشعر الجاهلي حتى الآن!» # وتدخل الجدة إلى الغرفة وتحمل المولودة وتعيدها إلى فراشها. # والجد لا بد أن ينصرف سريعا ليقابل وكلاء الوزارة وموظفيها المختصين لمواصلة بحث موضوعي ~~مباني المدارس والكتب اللازمة لمقابلة الزيادة الضخمة المنتظرة في أعداد الطلبة بعد إعلان ~~مجانية التعليم. # وفي مكتب الوزير: يدخل الأستاذ جعفر النفراوي، وكيل الوزارة، ms153 يعرض على الوزير ~~تقريره. # والوزير بعد سماع التقرير وسماع الإيضاحات التي طلبها يقول للوكيل: «اترك التقرير ~~والمقترحات معي، سأدرسها وأتحدث فيها مع وزيري المالية والأشغال، ثم أدعوكم غدا مساء ~~لمواصلة البحث، ولكن ليكن واضحا أنني لا أوافق على أي تأجيل، المباني تكون أبسط ما يكون، ~~الأثاث كذلك، أما المعامل وما يلزم للتدريس فلا بد أن تكون أحسن الممكن، نحن لا نريد أي ~~تعليم، الهدف هو أحسن تعليم ممكن، وبلوغنا هذا الهدف أو تقصيرنا في بلوغه هو مقياس نجاحنا ~~أو فشلنا، ليكن ذلك مفهوما وواضحا للجميع. # التعليم يجب أن يكون متاحا للجميع كالهواء والماء، نعم، ولكن الماء لا بد أن يكون ~~صالحا، والهواء يجب أن يكون نقيا، والتعليم يجب أن يكون سليما مؤديا إلى ما نطمح إلى ~~تحقيقه من نتائج. عن المال، سأكلم وزير المالية عن المطلوب، وزارة النحاس باشا كلها مرتبطة ~~بما جاء في خطاب العرش من إتاحة المجانية للجميع، ولكن الحقيقة أن القادرين من أبناء مصر لا ~~بد أن يساعدوا أيضا، وأن يساعدوا بسخاء إذا أرادوا أن يتحاشوا فرض ضريبة خاصة وعالية ~~لصالح التعليم. سأقوم بنفسي بزيارة المديريات لحث الأغنياء فيها على التبرع لإنشاء بعض ~~المدارس المطلوبة.» ~~••• # وتعود الوزارة إلى القاهرة، ويعود طه حسين إلى بيته في الزمالك، وهو يجلس فيه يتحدث مع ~~زوجته. # تقول سوزان وهي ترفع صوتها بالاحتجاج: «غير معقول أن تسافر في قطارات، وتطلع وتنزل، ألا ~~تذكر ما حدث عندما كنا في قطار النحاس باشا المسافر إلى الصعيد؟ لقد كدنا نموت في ~~الزحام.» # ويرد الوزير: «القطارات ... أنا لي تاريخ قديم مع القطارات، حكيت لك عندما نسيني أهلي في ~~القطار؟» # وتجيب سوزان: «نعم أذكر، ولكن المهم الآن هل أنت مصمم على السفر الآن، وبالقطار، وفي ~~جولات في الريف؟» # ويقول الوزير: «أسافر، نعم، للدفاع عن أمثال ذلك الصبي البائس الذي نسيه أهله في القطار! ~~ثم لا تنسي أنني لست زعيما ولا حتى قطبا من أقطاب الوفد، لن تكون هناك جماهير ولن يكون ~~هناك زحام.» # وتقول سوزان: «أحضر معك.» ms154 # ويرد طه: «هذا هو المستحيل، هل تعلمين عدد فناجين القهوة والشاي التي ستقدم لي، والتي ~~سأشربها بإذن الله؟» ~~••• # محطة المنصورة غاصة بالجماهير التي تهتف بحياة الوزير عندما يقترب القطار. # طه حسين ينزل ويشق الزحام إلى السيارة التي تتجه به إلى السرادق الذي سيخطب فيه. الوزير ~~يجلس على المنصة وإلى جانبه مدير الإقليم وعدد من المسئولين. الوزير يبدأ خطابه. # التيار الكهربائي يقطع أثناء الخطاب، وهناك من يعتقد أن بعض المسئولين الحكوميين الذين ~~كانوا يعارضون حركة نشر التعليم قد تعمدوا قطعه، ولكن صوت الوزير الجهوري يعلو ويسمع ~~بغير ميكروفون، فإن الجمهور الضخم قد التزم الصمت التام ليسمع في هدوء وشغف، وينتهي الخطاب ~~فينفجر التصفيق والهتاف. # ويقول مدير الإقليم للوزير: «يا معالي الوزير، هذا يوم لن تنساه مديرية الدقهلية، على ~~فكرة الدعوات تنهال علينا، وبإذنكم سأعتذر عنها اكتفاء بالاحتفال الذي تقيمه المديرية ~~وندعو إليه الجميع.» # طه حسين: «لا، لا تعتذر عنها، قل لهم سأقبل الدعوات، ولكن بالثمن!» # المدير يضحك، ولكن الوزير يقول جادا: «فنجان القهوة بألف جنيه ، والأكل غداء أو عشاء ~~بخمسة، هذه المبالغ تستعمل في بناء المدارس ... قل لهم إن الجهل كالحريق، ولا بد من تعاون ~~الجميع على إطفائه بأي شكل، بأي مياه متاحة، ليس من الضروري أن يكون الماء مكررا، أريد ~~أراضي يتبرع بها أصحابها للمدارس، وأموالا يتبرع بها أصحابها للمباني. إن وزير المالية، ~~بناء على طلب رئيس الوزراء، قد أعطى كل ما يستطيع، البلد أيضا لا بد أن تساهم في إنشاء هذه ~~المدارس الجديدة حتى يمكن أن تفتح أبوابها في أول العام الدراسي الجديد، هذه هي المساهمة ~~المطلوبة من أهل المديرية وأصحاب الرأي في المديرية، وكذلك أصحاب السلطة فيها يجب أن يعملوا ~~على تقديمها.» # ويعود طه حسين إلى مكتبه بالقاهرة ليستقبل أعضاء مجلس نقابة المعلمين، لقد انتخبه ~~المعلمون نقيبا لهم بالإجماع، أعضاء النقابة يذكرون مقال الوزير المنشور في شهر أغسطس 1949 ~~بالأهرام عن المدرس بعنوان «إرهاق وإملاق»، ويقولون له: «إن المدرسين يحفظونه عن ظهر قلب ~~ويسمعونه لبعضهم «محفوظات».» # ويدعو النقيب ms155 وأعضاء النقابة الوزير لحضور الاحتفال الذي تقيمه النقابة. # وفي احتفال النقابة طه حسين يلقي خطابه عن ضرورة إنصاف المدرس. # يقول طه حسين: ~~... وأقسم لو استطعت ألا أترك من المعلمين مظلوما إلا أنصفته، ولا متأخرا إلا ~~قدمته، ولا طالبا إلا أجبته إلى ما يطلب، ولا ساخطا إلا أرضيته؛ لكنت أسعد الناس ~~في هذه الدنيا. # ويقول في نفس الخطاب: # وأنا أتمنى مع ذلك للمعلمين إتقان موادهم، وإتقان تعليم هذه المواد في ~~المدارس ... # وفي مكتبه بالوزارة يتحدث في اليوم التالي إلى بعض ~~معاونيه فيقول: «إننا محتاجون إلى مدرسين، إلى أعداد كبيرة، ليس لمصر فقط بل للبلاد العربية ~~كلها، وربما لغيرها أيضا. ولتخريج المدرسين تلزمنا الجامعات، التي تلزمنا طبعا لتحقيق ~~أهداف أخرى هامة غير تخريج المدرسين. مصر هي قبلة التعليم العالي في العالم الإسلامي منذ ~~زمن طويل، لدينا الأزهر أقدم جامعات العالم حتى الآن، وفي العصور القديمة كان عندنا جامعة ~~الإسكندرية، وقبلها وفي عصر أقدم كانت لدينا جامعة عين شمس، هذه الجامعات يجب أن تعود إلى ~~الوجود، القاهرة موجودة والإسكندرية موجودة، والآن يجب أن نعنى بإنشاء جامعة عين شمس، هناك ~~جامعة رابعة جامعة أسيوط وهي تحت الإنشاء، وأنا أرجو أن يوافق البرلمان على إنشاء هاتين ~~الجامعتين الجديدتين رغم معارضة بعض الأعضاء، بعضهم يعارض لأنه لا يريد التعليم، وبعضهم ~~لأنه لا يريد إنفاق المال. أما الذي يعارض لأنه لا يريد أن يتعلم الشعب فإننا لا نشغل ~~أنفسنا بالرد عليه، أما الذي يعارض رغبة في اقتصاد المال فإننا نقول له إن هذه الأموال لا ~~تهدر، بل تستثمر. ولا بد من أن يكون هذا واضحا للجميع، إننا لا نريد إسرافا ولا نقبله ~~ولا نتسامح فيه، ولكننا نريد أن ندرج في الميزانية الجديدة كل ما يلزم للنهضة العلمية التي ~~يريدها الشعب وتريدها الوزارة؛ لأن هذه النهضة ضرورية لتقدمنا المادي، إلى جانب ضرورتها ~~للتقدم الثقافي. ولا تنسوا أنني سأكون المطالب بالدفاع عن هذه الميزانية أمام البرلمان، ~~وأنا لا أريد أن أدافع عن أي عبث أو إسراف.» # ويقول وكيل الوزارة: ms156 «المهم أن نجد معاونة من وزارة المالية واستجابة من ~~البرلمان.» # ويرد الوزير: «المفروض أننا نحن الذين نستجيب للبرلمان؛ لأنه برلمان الشعب وما نطلبه هو ~~بعض ما يطلبه الشعب. أريد الميزانية جاهزة، ببياناتها وأرقامها واضحة، سأحتاج إلى هذه ~~الأرقام والإحصائيات في خطابي أمام البرلمان.» ~~••• # مدير مكتب الوزير يذكره بأن احتفال جامعة القاهرة بإعطاء درجة الدكتوراه الفخرية للمسيو ~~إدوار هريو سيكون بعد باكر، ويقول له: «ومعاليكم تقدمون ميزانية الوزارة في مجلس النواب بعد ~~ذلك بيوم.» ~~••• # الجامعة تحتفل بمنح درجة الدكتوراه الفخرية لرئيس البرلمان الفرنسي إدوار هريو وقد حضر ~~ليتلقى الدرجة، وحين ينتهي مدير الجامعة من إلقاء كلمته في الاحتفال يقف طه حسين وزير ~~المعارف ويلقي كلمة يقول فيها: # سيدي الرئيس ... # إني سعيد حقا بأن أشارك في هذا الاحتفال الجامعي البسيط، لأعرب لك عما تجده ~~حكومتنا من الغبطة حين تشارك الجامعة المصرية في الترحيب بك والتقدير لك والإعجاب ~~بآثارك الخصبة المتنوعة ... # لقد شاركت، موفقا، في كثير من ضروب البحث العلمي والإنتاج الفني؛ فأنت الأديب ~~الفذ، وأنت المؤرخ الثبت ، وأنت الموسيقى ~~البارع. وساهمت موفقا أيضا في أنواع مختلفة من النشاط العلمي، فأنت المصلح ~~الاجتماعي، وأنت المربي الماهر، وأنت السياسي العظيم. # وإن حبك لمدينتك «ليون» ليضرب به المثل، كما أنك لا تدخر جهدا إلا بذلته في ~~سبيل مجد وطنك الكبير «فرنسا». وأنت بعد هذا الرجل الذي يتجاوز نشاطه وتفكيره حبه ~~مدينته ووطنه إلى الإنسانية كلها، فيعنى بما تحتاج إليه من السلم، وبما تحتاج إليه ~~من تنظيم التعاون السياسي والاقتصادي والعقلي بين الشعوب. # سيدي الرئيس # إن حياتك الخصبة درس قيم للشباب وللشيوخ جميعا، فثق أن هذا الدرس قد فهم في مصر ~~في كثير من الحب والإعجاب. وأذن لي بأن أقدم باسم الحكومة المصرية أصدق التحيات ~~وأخلص الأماني. # ويعود الوزير إلى مقعده بجوار مدير الجامعة ويقول له: «لم أكن مرتاحا وأنا أتحدث ~~باعتباري وزيرا.» # ويرد المدير بقوله: «لقد تحدثت أيضا باعتبارك أستاذا، تحدثت باسمنا جميعا، تحدثت في ~~الواقع باسم مصر.» ~~••• # مجانية التعليم وانتشاره يترتب عليهما زيادة ميزانية ms157 وزارة المعارف، وهذه الميزانية تحتاج ~~إلى دفاع طه حسين عنها أمام البرلمان. # طه حسين ينتهي من خطابه في مجلس النواب، ويقول أحد النواب لزميله بعد رفع الجلسة: «أربع ~~ساعات عرض فيها طه حسين ميزانية وزارته بأرقامها وإحصائياتها بتبسيط ووضوح ومنطق شديد ~~الإقناع.» # ويرد النائب الثاني بقوله: «الإقناع صادر عن الاقتناع.» # ويقول نائب ثالث: «أكثر المدارس المطلوبة بنيت، والمدرسون تم إعدادهم وتعيينهم، والكتب ~~كذلك، المال وجد، هذه معجزة، بل هذه معجزات.» # ويقول النائب الأول: «مجلة المصور هذا الأسبوع تقول - ولها حق - إن رؤية طه حسين في ~~وزارته تشبه رؤية قائد بين جنوده.» # ويقول النائب الثاني: «وأنت تعرف ماذا كان الإنجليز يقولون عن نابليون، كانوا يقولون إن ~~وجود نابليون بين جنوده يعادل وجود عشرة آلاف جندي مسلح.» # ويقول العضو الثاني: «طه حسين نعم القائد! ربنا ينصره! هل عرفت أن جامعة أكسفورد قررت ~~إعطاءه درجة الدكتوراه الفخرية؟» ~~••• # الوزير يخرج من قاعة مجلس النواب ويقابله الدكتور سليمان حزين والأستاذ محمد فتحي ~~والأستاذ محمد رفعت وكيل وزارة المعارف. # يقول حزين : «لقد عرفناك أستاذا عظيما لنا، ها أنت ذا قد أصبحت أستاذا عظيما لنواب ~~الأمة، لقد أقروا الميزانية كما هي، وستنشأ جامعة أسيوط وجامعة عين شمس بالشكل الذي رسمته ~~وأردته.» # ويقول وكيل الوزارة الأستاذ محمد رفعت: «أردت أن أطلع معاليك على الشكل الأخير لبرنامج ~~السفر إلى أكسفورد، وعندي مشروع تكوين الوفد المسافر معك، وفيه الأستاذ محمد فتحي والأستاذ ~~حسين عزت.» # ويقول الأستاذ محمد فتحي: «لي رجاء أن تأذنوا لي في السفر قبل معاليكم.» # ويقول الوزير للثلاثة: «اركبوا معي نقرأ ما عندكم بالسيارة.» ~~••• # في قاعة الشلدونيان في مدينة أكسفورد، طه حسين يدخل لابسا الثوب الخاص بدرجة الدكتوراه ~~بجامعتها، وخارج القاعة طلبة وجمهور يتجمعون لرؤية الوزير المصري، ينتظرون انتهاء مراسم ~~الاحتفال، وتنتهي المراسم، ويخرج طه حسين مع حرمه وولده مؤنس وهو يقول لهما: «علينا الآن أن ~~نسافر إلى مانشستر.» # ومن خلفهم يخرج محمد فتحي وحسين عزت وهما يعلقان على الاحتفال، يقول حسين عزت: «ما أروع ~~الاحتفال!» # ويقول محمد ms158 فتحي: «وما أروع تقاليد الجامعة!» # ويرد حسين عزت: «وأهم من هذا كله ما أروع الوزير!» # ويقول حسين عزت: «الوزير قال لنا مرة إن التقاليد الجامعية، وحتى الأرواب الجامعية، ~~متطورة عن تقاليد الأزهر القديمة.» # ويرد محمد فتحي: «لقد وصف الوزير الأزهر بأنه مشرق النور الديني للبلاد الإسلامية ~~كلها»، ثم يقول: «هذا يوم من أيام طه حسين»، ويقول صاحبه: «بل هذا يوم من أيام مصر.» ~~••• # ويصل الوزير طه حسين ومن معه إلى مانشستر، ويخرج ~~حسين عزت ومحمد فتحي إلى السوق ليشتريا ربطات للعنق، ويسألهما البائع بعد أن اختارا ما ~~يريدان: «أي شيء آخر؟» # ويرد فتحي: «لا، شكرا.» # ويقول حسين: «الثمن من فضلك.» # ويسأل البائع: «أنتما في معية الوزير المصري؟» # ويقول فتحي: «نعم.» # فيقول البائع: «إن لكما أن تفخرا به، ولبلدكما أن تفخر به كل الفخر.» # ويقول حسين: «هذا صحيح، نشكرك جدا.» # ويسأل محمد فتحي: «والثمن؟» # ويرد البائع: «لا شيء، لقد أسعدني هذا الصباح أن أقابل رجلين من أصحاب هذا الرجل ~~العظيم.» # ويسأل حسين: «شكرا، ولكن هل تعني ...؟» # ويقول البائع: «أعني أنني لن أقبل منكما ثمن ما اشتريتماه.» # والمشتريان يلحان والبائع يرفض، ويضطران للانصراف شاكرين، ويقول حسين عزت: «هل رأيت؟ هل ~~تصدق؟ لقد كانوا يحذروننا ونحن صغار قبل أن نغادر مصر لأول مرة من أن «نفاصل» ولو في بنس ~~واحد في بلاد الإنجليز، والآن هذا الرجل ...!» # ويقول محمد فتحي: «يرفض أن يأخذ ثمن الكرافتات إكراما لطه حسين!» ~~••• # وتقيم جامعة مانشستر حفل عشاء لتكريم طه حسين، وبعد العشاء يقف أستاذ إنجليزي لإلقاء ~~كلمته: الأستاذ الإنجليزي: # سيادة وزير معارف مصر، سيدي مدير الجامعة، سيداتي وسادتي # اسمح لي يا سيدي الوزير أن أحييك بأبيات من شعر شاعر عظيم من شعراء لغتكم؛ لأني ~~وجدت هذه الأبيات أصدق ما أصفكم أنتم به، هذه الأبيات هي من شعر شاعر القرن العاشر ~~الميلادي أبي الطيب المتنبي، يقول فيها: # على قدر أهل العزم تأتي العزائم # وتأتي على قدر الكرام المكارم # تجاوزت مقدار الشجاعة والنهى # إلى قول قوم أنت بالغيب عالم # وتضج ms159 القاعة بالتصفيق الشديد، ويقول طه حسين لزوجه: هذه الجامعة درس العربية فيها أستاذ ~~فاضل هو الأستاذ مهدي علام. ~~••• # وفي أثناء حفلة العشاء التي أقيمت تكريما له في الجامعة يسقط طه حسين مغمى عليه، ويذاع ~~الخبر في الإذاعة البريطانية وتنشره صحف الصباح في إنجلترا، وتطيره عنها البرقيات ~~والتليفونات إلى مصر وجميع أرجاء العالم. # وفي مصر في ساحة الجامعة في الجيزة طالب يقول: «هذا نتيجة إنهاك العميد لنفسه وعدم ~~مبالاته بالتعب، لقد سافر إلى مدينته نيس في فرنسا وانتهت زيارته هناك بإنشاء كرسي مصر ~~لدراسات البحر الأبيض، وإلى روما حيث منح درجة الدكتوراه الفخرية، وحيث شارك في أعمال ~~أكاديمية عالمية جديدة مثل مؤسسة نوبل تقريبا اسمها أكاديمية لينشي وقع عليه الاختيار ~~ليكون أحد محافظيها، وإلى أثينا فاستقبله الملك والملكة هو وسفيرنا الأستاذ عدلي أندراوس ~~استقبالا رائعا وانتهت الزيارة بإنشاء كرسي لتدريس اللغة العربية في اليونان، وسافر إلى ~~مدريد حيث افتتح المعهد المصري للدراسات الإسلامية في ذلك البلد ذي الصلة الوثيقة بالإسلام ~~والعرب، الذين عاشوا فيه مئات السنين ، وقد اشترك في الاحتفال أحد العلماء الإسبان البارزين ~~وهو جارسيا جوميز الذي كان تلميذا لطه حسين، فتحدث عن فضل وزيرنا على العلم والعلماء في ~~مصر وفي إسبانيا أيضا.» ~~••• # وفي القاهرة، في كلية الآداب، يقول طالب من طلاب قسم التاريخ لزميل له: «أستاذنا شفيق ~~غربال ألقى أمس محاضرة هامة عن كتاب «الحضارة العربية بإسبانيا» تأليف ليفي ~~بروفنسال.» # ويرد زميله: «نعم عرفت، ومن حسن الحظ أن الأستاذ شفيق غربال بعد أن أصبح وكيلا لوزارة ~~المعارف، لا يزال يبحث ويقرأ ويحاضر أيضا!» # ويقول الطالب الأول: «المحاضرة كانت ضمن سلسلة اسمها «حديث الكتب الجديدة»، المقصود منها ~~تعريف المشتغلين بالتعليم بما يظهر من الكتب الهامة، وشفيق غربال انتهز مناسبة سفر الوزير ~~طه حسين إلى مدريد لافتتاح المعهد المصري هناك فاختار هذا الكتاب ليحاضر عنه، وقد تعرض ~~الكتاب لمسائل منها مسألة تأثير فتح العرب لإسبانيا على حضارة البحر الأبيض المتوسط، ~~واستشهد بعبارات للكاتب الإسباني كلوديو سانشيز ألبورنز، ~~الذي كان مديرا لجامعة ms160 مدريد ثم وزيرا لخارجية إسبانيا، قال فيها: «إن للإسباني أن يفتخر ~~بما لإسبانيا الإسلامية من تأثير على حضارة أوروبا الغربية؛ لأن إسبانيا الإسلامية كانت من ~~أهم أسباب نهضة أوروبا الحديثة.» ويقول زميله: لا شك أن في مثل هذا الحديث العلمي خير دعاية ~~لنا نحن العرب.» # ويقول طالب آخر: «لقد سمعت أن طه حسين يعمل لإنشاء معهد مصري في الجزائر أيضا.» # ويرد الأول: «لقد سمعت أن هناك وزراء حاليين ينتقدون فتح المعاهد الثقافية المصرية في ~~خارج البلاد.» ~~••• # وينعقد مجلس الوزراء ذات يوم وينصرف الوزراء بعد الاجتماع، ويلزم الدكتور طه حسين منزله ~~في اليوم التالي ليملي على سكرتيره خطابا إلى رئيس الوزراء يقول فيه: # حضرة صاحب المقام الرفيع رئيس مجلس الوزراء # 1 # أتشرف بأن أرسل إلى مقامكم الرفيع استقالتي من الوزارة بعد الدرس القيم الذي ~~سمعته أمس من أحد الزملاء الوزراء، الذي علمني التواضع وأقنعني بأني لا أصلح ~~للوزارة لأني أحسن القشور من إنشاء المعاهد التي لا تغني. # ولست أرى بأسا من أن يأخذ مجلس الوزراء برأي الزميل الكريم، فيعدل عن إنشاء معهد ~~الجزائر، ويلغي معهد مدريد وكرسي محمد علي بمركز البحر الأبيض المتوسط بمدينة نيس ~~وكرسي اللغة العربية بجامعة أثينا، فكل هذه قشور لا تحارب الاستعمار ولا تحقق ~~استقلال الأمم العربية. # عزيز علي أن أشق على مقامكم الرفيع بهذه الاستقالة في وقت أنتم أحوج ما تكونون ~~فيه إلى التفرغ لما تعنى به البلاد كلها من جلائل الأعمال، ولكن من تواضع لله ~~رفعه، وصدق الشاعر حين قال: # ومن جهلت نفسه قدرها # رأى غيره فيه ما لا يرى # وقد كنت أجهل قدر نفسي إلى أمس فقد عرفته الآن. # ولمقامكم الرفيع أخلص تحياتي وأصدق مودتي وأمتن وفائي. # طه حسين # أول أكتوبر 1951 ~~••• # وترفض الاستقالة. # وبعد أيام في مجلس الوزراء يتحدث وزير المعارف مع رئيس الوزراء، فيقول طه حسين: «فيما يخص ~~معهد الجزائر، الإخوة أهل الجزائر يرحبون به بل يطالبون به، وكنت أتحدث في هذا الموضوع مع ~~السفير الفرنسي في مصر فرحب به هو شخصيا، ms161 وكتب لحكومته التي أخذت تبعث بأسئلة واستيضاحات ~~لا معنى لها ولا سبب إلا الرغبة في التسويف ثم الرفض.» # ويرد رئيس الوزراء النحاس باشا: «طبعا فرنسا تعتبر الجزائر جزءا منها، واللغة الفرنسية ~~هي لغة المستوطنين الفرنسيين الذين يعتبرون أنفسهم أصحاب البلاد، وإنشاء مصر معهدا للحضارة ~~الإسلامية والعربية في الجزائر معناه مقاومة هذا الاتجاه الاستعماري، وهذا لن تسمح به ~~باريس، لن تسمح به حتى يضطرها الجزائريون وتضطرها مصر ويضطرها العرب جميعا إلى ~~ذلك!» # ويقول طه حسين: «وزارة المعارف كانت تفكر في التقدم لمجلس الوزراء بمشروع إنشاء مدارس ~~مصرية ثانوية في شمال أفريقيا وغيرها، على مثال الليسيه التي تنشئها فرنسا خارج بلادها، ولو ~~توافرت لنا الإمكانات لاستطعنا أن نفرض إنشاء هذه المدارس في البلاد العربية الواقعة تحت ~~الاستعمار، وذلك بتهديدنا للحكومات الاستعمارية بإغلاق مدارسها عندنا إذا هي لم توافق على ~~إنشاء مدارسنا في الأراضي العربية التي تحتلها.» # ويقول النحاس باشا: «طبعا، هذه الأفكار واردة في كتاب «مستقبل الثقافة»، وطبعا ستذكرني ~~بأنني مرتبط، أنا غير ناس ... لكن واحدة واحدة. # والآن ندخل الجلسة وسترى أن أحدا من إخواننا لن يعارض آراءك.» ~~••• # في منزل الوزير، الوزير يتحدث مع الدكتور الجراح محمد كامل حسين ومع الدكتور حسين فوزي ~~والأستاذ توفيق الحكيم عن معهد الأحياء المائية المقام في قايتباي، ومجهود الدكتور حسين ~~فوزي هناك، ويستطرد الحديث إلى الموسيقى وإلى دور الكونسرفتوار في مستقبل الموسيقى في مصر، ~~يقول الدكتور حسين فوزي: إنكم ساعدتم على إحداث ثورة في التمثيل في مصر بإنشاء معهد ~~التمثيل، وشاركتم في أول امتحان عقد في عام 1930 في نادي الموسيقى الشرقي للمتقدمين ~~والمتقدمات للالتحاق بالمعهد. # يقول طه حسين: «نعم، كانت لجنة الامتحان برياسة الأستاذ محمد حسن العشماوي، السكرتير ~~العام لوزارة المعارف في ذلك الوقت، وكان من أعضائها الأساتذة جورج أبيض وزكي طليمات ~~وإبراهيم رمزي، ثم جاء الوزير حلمي باشا عيسى فألغى المعهد، ولكن حلمي باشا عيسى ذهب ~~والمعهد بعث بعد ذلك من جديد، وكان له أثره الكبير في تطوير التمثيل.» # ويقول كامل حسين: «نريد مزيدا ms162 من الاهتمام بالمعاهد الثقافية في الخارج أيضا.» # ويرد طه حسين قائلا: «نحن الآن مشغولون بإنشاء معاهد للغة العربية والدراسات الإسلامية ~~خارج مصر، إن اللغة العربية مهددة في الجزائر وشمال أفريقيا، ويجب على مصر أن تعين أهل ~~المغرب في جهادهم للمحافظة على لغتهم وثقافتهم.» # كامل حسين: «إن كتاباتك وكتابات الأدباء المصريين تهرب إلى إخواننا في المغرب تهريبا، ~~ومجلة مثل «الرسالة» يتداولها أهل الجزائر سرا، ويعرفون منها أن اللغة العربية لغة حية ~~كاللغة الفرنسية، وليست لغة متحجرة منقرضة كما يريد المستعمر أن يفهمهم؛ ولهذا تحارب سلطات ~~الاستعمار مؤلفات طه حسين وزملائه ومجلة الرسالة وما يماثلها.» # ويرد طه حسين: «هيهات! لن يفلحوا في أن ينسى أهل المغرب لغتهم، إن جامعة الزيتونة لها في ~~المغرب مقام يقارب مقام الأزهر عندنا.» ~~••• # وفي كلية الآداب يقول أستاذ لزميله: «ما هذا العيد الألفي لمدينة القاهرة والعيد الألفي ~~لجامعة الأزهر اللذان لا يزالان يذكران منذ سنين، تستيقظ البلاد لتتحدث عنهما ثم ~~تنام؟!» # ويقول زميله: «المفروض أن نحتفل هذا العام بالعيد الألفي للأزهر والعيد الفضي لجامعتنا ~~المصرية .» # ويقول الزميل الأول: «العيد الفضي يعني مرور خمس وعشرين سنة، وقد مر على إنشاء الأزهر ~~أكثر من ألف عام! مصر إذن ستحتفل بأقدم جامعة وأحدث جامعة في العالم هذا العام.» # ويقول الزميل الآخر: «نرجو ذلك، على أن جامعتنا الحديثة قد أخذت فعلا في إعداد الاحتفال، ~~وأرسلت الدعوات وعينت المواعيد.» ~~••• # ويقام حفل كبير في «أنشاص» للمدعوين للاحتفال بعيد جامعة القاهرة الفضي، يتجولون في ~~الحدائق ويتحدثون عن معرض الفن الإسلامي الذي أقيم في مناسبة هذه الاحتفالات في سراي ~~المانسترلي في موقعها البديع المطل على النيل في منيل الروضة، وقد أبرز المعرض معالم ~~الحضارة في مصر والحواضر الإسلامية على مدى ألف وأربعمئة عام. كذلك يتحدث المدعوون عن الحفل ~~الذي سيدعى إليه سفراء الدول جميعا في القاهرة في مناسبة عيد الجامعة، وعن معهد الصحراء ~~الذي سيفتتحه الملك في هليوبوليس ويحضره جميع المدعوين للمشاركة في احتفالات العيد الفضي ~~للجامعة. # وفي معهد الصحراء في هليوبوليس، يفتتح الملك فاروق ms163 المعهد، ووزير المعارف «طه حسين» يتحدث ~~أمامه عن أهمية الصحراء في العالم العربي والإسلامي كله، وأهمية دراسة إمكاناتها دراسة ~~كاملة مستفيضة، بحثا عن معادنها ومياهها، وصيانة لمعالمها وآثارها، ويذكر فضل بعض كبار ~~المصريين الذين عنوا بالصحراء واقتنوا مجموعات نافعة متصلة بحياة الصحراء، وقد أهدوها الآن ~~إلى هذا المعهد، الذي سوف يتوفر على دراسة كل ما يهم العلماء، وكذلك كل ما يهم العاملين ~~لخير مصر والعرب من أمور الصحراء. # ينتهي الاحتفال والملك يشكر الوزير بعد انتهاء الحفلة يقول له: «متشكر يا «باشا».» ~~••• # في منزله بالزمالك عام 1951 يدخل طه حسين «باشا» الصالون وهو يحمل صندوقا متوسط الحجم، ~~وزوجته تستمع إلى أسطوانة موسيقية تدور على «الفونوغراف» الذي اشترته عام 1934. # يقول طه: «الدنيا تطورت، هذا الفونوغراف استهلك.» # وترد سوزان: «لا، إنه يؤدي المطلوب منه، ما هذا؟» # ويقول طه: «هذا «ماجنتفون» أو ما يسميه الإنجليز «ريكوردر» ... خليفة الفونوغراف الذي توفي ~~إلى رحمة الله!» # وتقول سوزان: «أنت تعرف أنني لا أفهم كثيرا في هذه الآلات.» # فيشرح طه حسين لها بالتفصيل ماذا يجب أن تفعل ، وهي تعمل ما يطلبه، والريكوردر يشتغل، ~~وتسمع ألحانا من أوبرا حلاق أشبيلية. # وتقول سوزان: «حلاق أشبيلية! هذا تسجيل للفرقة الإيطالية التي كانت هنا في الشتاء الماضي! ~~تذكر عندما ذهبنا ...؟» وتسكت وهي تتخيل دار الأوبرا وبنوار الوزير وهو يسمع بانتباه، وتستعيد ~~المنظر على مسرح الأوبرا وطه حسين يتابع الموسيقى ووقع خطوات الراقصين. # وتقول سوزان: «هل تذكر الخطاب الذي وصلنا في اليوم التالي؟» # ويرد طه: «نعم، الشاب المسكين الذي قال إنه كان يعاني من مصاعب وشدائد في حياته.» # وتقول سوزان: «لقد كتب لك أنه عندما رآك في الأوبرا أقسم أنك لم تكن تتابع الموسيقى فقط، ~~بل كنت تتابع الرقص التوقيعي أيضا، وأنه بعد أن رأى ذلك وأدرك كيف واجهت أنت بنجاح كل صعب ~~وتحملت بنبل كل حزن، اتضح له أن مشاكله هو وأحزانه لا وزن لها، وأحس وهو يراك أنه يتخفف ~~تماما مما كان يثقله من المشاكل، وأنه ينتصر هو أيضا على أحزانه.» ms164 # ويقول طه: «نعم، أذكر الخطاب ولا أعرف من صاحبه حتى الآن، أذكر أنه قال إنه كان زميلا ~~لأولادنا في المدرسة. الانتصار على المشاكل ممكن، أما الحزن فإنه لا يعلن للناس، والناس لا ~~تعرف إن كانت أحزاننا قد هزمت أم لم تهزم ... كيف لهم أن يعرفوا؟» # ويقطع الحديث خادم يقول إن أحد إخوة الدكتور يتكلم من مدينة المنيا بالتليفون، ويتناول طه ~~حسين التليفون فيسأل: «كيف كان ذلك؟ متى؟» ثم يقول: «في أول قطار.» # وتسأل سوزان: «أول قطار! هل تسافر؟! خير؟!» # ويقول طه: «أمي، كانت في أحسن ما تكون من الصحة والنشاط، ثم نامت وفي نومها أسلمت ~~الروح.» # وترد سوزان في حنان قائلة: «خفف عنك، واترك دموعك تنزل، لا تبك بغير دموع، متى نسافر؟ ~~تنام قليلا؟» # طه حسين ~~(يحدث نفسه) ~~: # إذا كان الصباح ووصل القطار إلى المنيا، ووصلت أنا إلى البيت وصعدت السلم، وأردت ~~أن آخذك بين ذراعي، فلن أجدك، لن أراك بعد الآن. # سوزان ~~: # ماذا تقول؟ # طه حسين ~~: # سيكون البيت خاليا منها هذه المرة، كما خلا من قبل من والدي ، هي المرأة الأولى ~~في حياتي وأثرها باق عظيم. # البرلمان المصري يقرر إلغاء المعاهدة البريطانية المصرية المعقودة عام 1936. # رئيس الوزراء مصطفى النحاس يقول في البرلمان يوم 8 أكتوبر 1951: «باسم مصر أمضيت المعاهدة ~~وباسم مصر ألغيها.» الإنجليز يرفضون هذا الإلغاء، وتتصاعد الأحداث، ويهاجم جيش الاحتلال ~~البريطاني مركز البوليس في الإسماعيلية، فتدافع عنه القوة الموجودة فيه دفاع ~~الأبطال. # وفي 26 يناير 1952 يقع حريق القاهرة، وفي اليوم التالي تسقط وزارة مصطفى النحاس. # وفي منزل طه حسين يحضر عدد كبير من الأساتذة والصحفيين للزيارة بعد إعلان سقوط وزارة ~~النحاس باشا، منهم الأستاذ إبراهيم مصطفى والأستاذ مصطفى عبد الرازق والدكتور محمد كامل ~~حسين، كذلك ويحضر عدد من الزائرين من بينهم بعض أفراد أسرة رفاعة الطهطاوي ومعهم هدية ~~الدكتور طه حسين وهي صورة لجدهم وعليها إهداء، هو: ~~... إلى طه حسين الذي أحيا في النصف الثاني من القرن العشرين مدرسة الألسن، التي ~~أنشأها جدنا رفاعة الطهطاوي في عهد ms165 محمد علي باشا عام 1836. # ويقول طه حسين: «أنا متأثر حقيقة لتقديمكم هذه الهدية، إن صراع مصر الثقافي طويل، نعم، ~~محمد علي باشا أنشأ المدرسة، كانوا يدرسون فيها الإنجليزي والطلياني والتركي والفارسي، ولكن ~~خلفاء محمد علي أغلقوها.» # وبعد انصراف أكثر الزوار يقول الدكتور محمد كامل حسين للوزير السابق: «مبروك، تعود إذن ~~للإنتاج، لا أقول تأخذ شيئا من الراحة!» # ويقول طه حسين: «نعم، سأجد وقتا أكثر للمجمع ولجانه، وكذلك لإملاء الجزء الثاني من كتاب ~~الفتنة الكبرى، خطتي أن يصدر الكتاب في أربعة أجزاء لم يصدر منها حتى الآن سوى الجزء الأول ~~عن سيدنا عثمان، الآن أبدأ الجزء الثاني، وقد اخترت عنوانه وسيكون «علي وبنوه». # لا بد من الدراسة العميقة لكل هذه الأحداث الخطيرة التي أدت إلى مصرع الخليفة عثمان، ~~والتي انتهت بانقسام العالم الإسلامي، وقد كان من بين هذه الأسباب سخط المصريين لما نزل بهم ~~من المظالم.» # ويقول إبراهيم مصطفى: «يظهر أن المظالم مكتوبة على ~~المصريين منذ زمان بعيد ... وأن سخطهم لا يتأخر أيضا، لو سمعت تعليقات الناس هذه الأيام على ~~تصرفات السراي ...» ~~••• # وفي دار المجمع اللغوي طه حسين يقول لأمين سر المجمع «الدكتور إبراهيم بيومي مدكور»: «في ~~هذا المبنى ومع أعضاء اللجان أتذوق لذة العمل المخلص، الذي يتحاشى الأضواء، في خدمة اللغة ~~التي هي أساس القومية العربية، لا أجد هنا الفائدة فحسب بل أجد الراحة أيضا. صديقنا ~~الأستاذ محمود عزمي - أطال الله بقاءه - يستعمل تعبير «بلاد العربية» لأن الحقيقة أن ~~الرابطة بين هذه الملايين هي أساسا اللغة الفصيحة، التي يصونها هذا المجمع الذي يتصدى ~~لهجمات المطالبين باستعمال اللهجات العامية، وهذه مطالبة شديدة الخطر لا على لغتنا فقط، بل ~~على تراثنا الفكري وعلى قوميتنا العربية.» # ويقول الدكتور مدكور: «إن زميلنا عبد العزيز باشا فهمي يرى - كما تعلم - أن نكتب العربية ~~بالحروف اللاتينية.» # ويرد طه حسين: «عبد العزيز باشا فهمي عقله من أكبر العقول في مصر، ولغته العربية فصيحة ~~بليغة، وهو كما تعلم صديق من أعز الأصدقاء، ولكني أرفض رأيه هذا وأحاربه حربا ms166 لا تتوقف حتى ~~نقضي تماما على هذه الفكرة. اللغة التركية يمكن أن يكتبها أهلها باللاتينية، أما اللغة ~~العربية فلا، اللغة التركية ليست لها حروف خاصة بها أصلا.» ~~••• # مايو عام 1952. # طه حسين في مكتبه بالمنزل يملي على سكرتيره الجزء الثاني من كتاب «الفتنة الكبرى»، يقول: ~~«... وكان شديد الحرص على أن يحقق المساواة بين الناس في قوله وعمله وفي وجهه، وفي قسمته لما ~~كان يقسم فيهم من المال، بل كان يحرص على هذه المساواة حين يعطي الناس إذا سألوه ... جاءته ~~امرأتان ذات يوم تسألانه، وتبينان فقرهما، فصرف لهما حقهما، وأمر من اشترى لهما ثيابا ~~وطعاما وأعطاهما مالا، ولكن إحداهما سألته أن يفضلها على صاحبتها لأنها امرأة من العرب ~~وصاحبتها من الموالي، فأخذ شيئا من تراب فنظر فيه ثم قال: ما أعلم أن الله فضل أحدا من ~~الناس على أحد إلا بالطاعة والتقوى.» # ويتوقف الإملاء للرد على التليفون. # ويسمع طه حسين حديث محدثه ثم يضع السماعة. # ويقول طه حسين: «وزارة جديدة! إن الوزارة السابقة لم تكمل شهرا واحدا! مسكينة مصر، كيف ~~يمكن العمل في هذا الجو؟!» # ويقول السكرتير: «لن ننتهي إذن من هذا الكتاب قبل السفر.» # ويرد طه: «لا بأس، نكمله في إيطاليا، قبل أو بعد مؤتمر اليونسكو في البندقية في سبتمبر ~~القادم إن شاء الله، لا تنس أن نأخذ معنا كتاب «بحار الأنوار» وكتاب «فرق الشيعة».» # ويقول السكرتير: «جاهزان، وهل نأخذ أيضا الكتاب الذي كنا نقرأ فيه أمس؟» # ويقول طه حسين: ««الأصول المهمة في معرفة الأئمة» لابن الصباغ؟ نعم، أرجو أن يكون لدينا ~~الوقت في الصيف لمراجعة هذا كله ثم لإتمام الكتاب.» # ويقول السكرتير: «وهناك كذلك البحث الذي يجب إلقاؤه في مؤتمر البندقية.» # ويرد طه حسين: «ربنا يهون ... أظن أن عندنا بعض الخطابات؟» # ويقول السكرتير: «هذا خطاب بشأن وصول السيدة هيلين كيلر إلى مصر وطلبها مقابلتكم.» # ويقول طه حسين: «هذه هي السيدة الأمريكية التي لا تبصر ولا تسمع ولا تتكلم والتي تغلبت ~~بعزيمتها الحديدية على كل هذه المعوقات، لا، أنا الذي أذهب ms167 إلى زيارتها في الفندق، أظنه ~~فندق «سميراميس»، وأظن أن زوجتي وولدي يحبان أن يذهبا معي، ولكن كيف يكون الحديث ~~معها؟» # ويقول السكرتير: «الخطاب يقول إن معها سكرتيرة اسمها «مس طومسون» تعرف كيف تتحدث إليها، ~~وتنقل ردودها.» # ويقول طه حسين كأنه يخاطب نفسه: «إنها لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم ... إنها لا ~~تتكلم!» # | الثورة # في فندق في قرية «كولي إيزاركو» في شمال إيطاليا على حدود النمسا يجلس طه حسين مع سكرتيره ~~وهو مستمر في إملاء كتاب «علي وبنوه» يتوقف ويسأل: «أظن فات موعد وصول البريد؟ انظر هل هناك ~~خطابات وجرائد من مصر، مفروض أن الأستاذ عبد العزيز أحمد يرسلها بنظام.» # ويعود السكرتير ليقول: «لا يوجد بريد من مصر، يوجد خطاب من اليونسكو بشأن مؤتمر الفنانين ~~والأدباء في سبتمبر، في ظرف يحوي أوراقا كثيرة، هل أبدأ قراءتها؟» # ويقول طه حسين: «لا، ليس الآن، كنت أرجو أن تصل خطابات من مصر.» # ويدخل مدير الفندق مسرعا يقول: «تليفون من روما، من السفارة المصرية لمعالي الدكتور.» ~~ويحضر التليفون ويضعه أمامه ليتحدث فيه يقول: «نعم، أنا طه حسين ، أهلا سيادة السفير، ثورة؟ ~~في مصر؟ سمعتم إذاعة القاهرة بأنفسكم؟ ... والملك؟ والإنجليز؟ شكرا سيادة السفير، سأنتظر ~~بجوار التليفون.» ويضع السماعة وينادي منفعلا: «سوزان! سوزان قامت الثورة في مصر، ثورة ضد ~~الملك.» # وتسأل سوزان: «الثورة؟ كيف علمت؟ بالتليفون؟ تليفون من السفارة؟» # ويرد طه: «نعم ... أظن نعود إلى مصر.» # وتقول سوزان: «نسمع الإذاعة أولا، هذا خبر ستذيعه قطعا كل إذاعات العالم.» # ويقول طه: «طبعا، كما أني طلبت أن يوالوني بالأخبار من روما.» # وتقول سوزان: «نسمع الإذاعة أولا، نعود إلى مصر! ومؤتمر البندقية الذي لم يبق على موعد ~~انعقاده سوى أسابيع قليلة، وأنت، أنت مقرر لجنة الأدب في المؤتمر؟!» # ويقول طه حسين: «نعم، وقد وصل هذا الصباح خطاب آخر من اليونسكو وداخله وثائق جديدة لم ~~أقرأها بعد، اليونسكو يكتب بانتظام لإبلاغي كل التطورات، إن المشرف على المؤتمر يرسل لي كل ~~الوثائق، ويلخص لي كل الأوراق، ولا ينسى حتى أن يصف لي ms168 اللوحات والتماثيل التي سيراها أعضاء ~~المؤتمر في البندقية وصفا دقيقا جميلا.» # وتقول سوزان: «هذا جميل ومؤثر، ويدل على مدى اهتمامهم بك وتقديرهم لك. خطابك في اليونسكو ~~في سبتمبر سيكون أول خطاب يلقى باسم مصر بعد الثورة، خطاب مصر الجديدة، مصر التي لم تتجاوز ~~الشهر الثاني من عمرها، أظن من الضروري حضور المؤتمر، ثم نسافر فورا إلى مصر.» # ويقول طه حسين: «نسمع أخبار الإذاعة أولا، وننتظر الأخبار من السفارة.» ~~••• # في مدينة البندقية، في القاعة التي ينعقد فيها مؤتمر اليونسكو، في الأسبوع الأخير من ~~سبتمبر 52، طه حسين يلقي خطابه: # في هذه الحقبة المضطربة في حياة الإنسان، لا من الناحية السياسية والاجتماعية ~~والاقتصادية فقط، بل من الناحية النفسية أيضا، في هذه الحقبة التي يتساءل فيها ~~الإنسان عن مصيره، يجدر بالكاتب أن يلقي ضوءا على موقفه من نفسه ومن قرائه ومن ~~مجتمعه ... # نحن في عصر تتقدم فيه الصناعات، وتتعدد فيه وسائل التسلية واللهو، ويتضاءل فيه ~~لذلك دور الكاتب في تكوين الثقافات، وهناك من الكتاب من يتبسط ليجتذب القراء، ~~فيفرط فيما يفرضه الضمير من ضرورة الالتزام بقواعد الفن وحدها ... # 1 ~~••• # وفي الصباح التالي يجلس طه حسين مع زوجته في غرفتهما بالفندق يتناولان طعام ~~الإفطار. # تقول سوزان: «خذ قطعة من التوست وإلا فإني لن أقرأ لك ما نشر عنك في الجرائد الإيطالية ~~في هذا الصباح.» # ويقول طه: «هل تعرفين أني أهتم؟» # وتقول سوزان: «يجب أن تهتم، عندما أردت أن تعود إلى مصر بعد الثورة مباشرة تتذكر أنني ~~عارضت وقلت لك إن خطابك في اليونسكو سيكون أول خطاب دولي لمصر الجديدة، التي ستكون قد بلغت ~~الشهر الثاني من عمرها يوم إلقائك الخطاب.» # ويقول طه: «اقرئي إذن.» # وتقول سوزان: «خذ التوست.» # ويأخذ طه حسين قطعة الخبز. # وتقول سوزان: المقال للسنيور فراري، وقد جاء فيه: # يعقد الآن مؤتمر اليونسكو دورته في مدينة البندقية، ومقرر اللجنة الأدبية هو ~~الكاتب المصري طه حسين، ملهم الثورة الاجتماعية والاقتصادية القائمة في مصر. # ويقول طه حسين: «أستغفر الله!» # وتقول سوزان وهي تتابع القراءة: «وطه ms169 حسين عضو في الأكاديمية الإيطالية بروما، وعضو مراسل ~~لأكاديمية الآداب الرفيعة في باريس، والمهمة ...» # ويقول طه حسين ضاحكا: «مصيبتهم سودة ... نسوا مجمع اللغة العربية في مصر، لطفي باشا لن ~~يغفر لهم هذا ...» # وتستمر سوزان في القراءة فتقول: «والمهمة الخطيرة التي عهد بها إليه في المؤتمر الدولي ~~المنعقد الآن في البندقية توطد دعائم صيته الذائع في أرجاء العالم.» # ويقول طه: «كفاية ...» وتتجاهل سوزان طلبه فتقول: «جريدة ثانية تقتبس جزءا من خطابك، الجزء ~~الذي قلت فيه: «كل كاتب وكل فنان لا يستطيع الإبداع إلا بالإخلاص والصدق، شأنه شأن بطل ~~الشاعر دانتي الذي كان يحمل المصباح معلقا إلى ظهره لينير الطريق للذين يتبعونه.» ثم تقول: ~~«والجريدة الأخرى.» ولكنها تتوقف وتقول: «لا ... لا بد أن تأكل التوست قبل أن أقرأها ~~لك.» # ويقول طه: «حاضر.» ويأكل التوست! # وتقول سوزان: «الجريدة الأخرى فيها عنوان رئيسي «مانشيت» أفرحني بالنيابة عنك وعن مصر ~~كلها، إن «المانشيت» هو: هونيجر، وهنري مور، وطه حسين، ورو، يدافعون عن كرامة ~~الفنان.» # وتمر فترة صمت ثم تقول سوزان: «هل تسمع؟ من بين المئات من أدباء القارات الخمس التي تحضر ~~مؤتمر اليونسكو في البندقية الآن تلمع أربعة أسماء وترتفع إلى «المانشيت»، من هذه الأسماء ~~الأربعة اسم أحد الكتاب العرب، اسم طه حسين، مندوب مصر، مندوب مصر الجديدة، ألا ~~تسمع؟» # ويقول طه: «سمعت، ولكني كنت أفكر في شيء آخر، كنت أفكر في أول مرة سمعنا فيها موسيقى ~~هونيجر.» # وتقول سوزان في رقة: «نعم، في إقليم سافوا، في سنة 1926، أذكر ذلك، كان هونيجر قد كتب ~~مقطوعته «جوديت»، وكنت قد أحضرت أسطوانتها لك؛ لأنك ...» # ويقول طه: «لأنها كانت سنة 1926، وكانت الأصوات التي أسمعها في مصر لا تطربني، وكنت ~~مضطرا إلى الصمت، كنت ... كنت مثل «هيلين كيلر» لا أستطيع الكلام، كنت مضطرا ألا أتكلم، ~~خوفا على الجامعة التي كان يراد لها أن تخنق في المهد، كنت مثل هيلين كيلر لا أتكلم، ~~ولكني كنت أسمع.» # وتقول سوزان: «على ذكر هيلين كيلر، هل تعرف أنها صرحت بعد مقابلتك بأن يوم ms170 مقابلتها لطه ~~حسين كان أجمل يوم من أيام حياتها؟» # ويقول طه: «وأنا كتبت لها قصيدة وأرسلتها إليها.» # وتقول سوزان: «لم تخبرني.» # ويرد طه: «كانت كلمة شكر في الحقيقة. الآن سنعود إلى مصر الجديدة، والأصوات التي سنسمعها ~~في مصر ستبعث فينا النشاط وتملأ نفوسنا رضا إن شاء الله، وسنتكلم، سنتكلم الآن بصراحة ~~وبوضوح، سنتكلم لأن هذا هو واجب كل رجل من رجال الفكر، ولأن قادة مصر الجديدة سيرحبون، فيما ~~أرجو، بآراء المفكرين، ويطلبون، فيما أرجو، سماعها في صراحة ووضوح وباستمرار، لن يصدهم ~~الحكم عن سماع أصوات المفكرين.» ثم يسأل - في شيء من الشك - بعد لحظة صمت: «أم ترى سوف ~~يصدهم الحكم يوما عن سماع أصوات المفكرين؟» ~~••• # في مصر، في أوائل أغسطس عام 1952 تظهر جريدة الأهرام وفيها مقال لطه حسين عن الثورة تقرؤه ~~جماعات مختلفة، في الجامعة، وعلى مقهى من المقاهي، وفي القرية، وغير ذلك من الأماكن. # طه حسين يقول في مقاله إن ما تم في يوليو 1952 كان ثورة ولم يكن انقلابا ولا حركة مباركة ~~أو غير ذلك، إنه يؤمن أن الجيش قد استجاب للمطالب الحقيقية للشعب في الخلاص من حكم الفرد ~~وفي العمل لإنهاء الاحتلال. # ويقرأ طالب في الجامعة هذه الفقرات من المقال: «وأخص ما تمتاز به الثورة الأصيلة الخصبة ~~أنها تفكر بالأمس لتمحو سيئاته، وتفكر في اليوم لتصلح شئونه، وتفكر في الغد لتبني فيه ~~مستقبل الشعب على أساس صالح متين.» ~~«وتفكيرها في الماضي يهيئ لها طريق العظة والاعتبار، وتفكيرها في الحاضر يمهد لها طريق ~~العمل والإنتاج، وتفكيرها في الغد هو الذي يحقق لها الإنتاج الخصب ويقيم الدليل على أنها لم ~~تكن شيئا طارئا، أثارته الشهوة ودفع إلى الهوى، ولم تكن سطحية جاءت اليوم لتذهب غدا كما ~~تجيء الأحداث العارضة وتذهب، وإنما كانت صدى صادقا مخلصا لصيحة صدرت من أعماق نفس الشعب ~~وضميره، وكانت مظهرا لتفكير عميق، عكف عليه قوم أولو حزم وعزم، يعرفون مصادرهم ومواردهم، ~~ويحققون في نفوسهم ما يريدون، لا يأتون شيئا إلا عن إرادة وروية وأناة، ms171 ولا يدعون شيئا ~~كذلك إلا عن إرادة وروية وأناة.» ~~«وما أشك في أن ثورتنا هذه القائمة هي ثورة أصيلة، لا يكفيها أن تسقط حكومة وأن ينفى ~~ملك، وإنما سقوط الحكومة ونفي الملك عندها وسيلة لإصلاح أعمق وأكمل وأشمل.» ~~••• # وفي مديرية المنيا يقرأ بعض المتعلمين مقالا آخر لطه حسين في جريدة الأهرام أيضا: ~~... إن ثورتنا إذن صادقة، تصور طموح الشعب إلى الحياة الكريمة النقية، وأمل الشعب ~~في المستقبل الكريم المجيد، وهي من أجل ذلك ثورة إصلاح شامل عميق بأدق معاني هذه ~~الكلمات، وهناك نواح مختلفة لهذا الإصلاح الشامل العميق: ناحية الإصلاح السياسي، ~~ولست أعرض لها الآن. # وناحية الإصلاح الاجتماعي، الذي يمس نظام الشعب في حياته اليومية، ليجعل فقر ~~الفقير محتملا، ومرض المريض يمكن علاجه، حتى يأتي اليوم الذي يعصم فيه الشعب من ~~التعرض للفقر والمرض، ولست أعرض لهذه الناحية لأن غيري أجدر بالحديث عنها ~~مني. # وهناك ناحية الإصلاح التعليمي، الذي يحقق للشعب كرامته، ويحقق له شعوره بواجباته، ~~وشعوره بحقوقه بعد ذلك. # وما أعرف شيئا يجب على الثورة أن تأخذه بالحزم والعزم والقوة والجد كشئون ~~التعليم، فكل إصلاح اجتماعي أو سياسي في شعب جاهل لا قيمة له، ولا بقاء. # وما أظن أن مصريا - بعد الثورة - يحب أن يصلح غذاء الشعب وصحته دون تعليم، كما ~~يصلح أصحاب القطعان غذاء قطعانهم وصحتها، وإنما المصريون يريدون أن يصلحوا غذاء ~~الشعب وصحته. على أنه شعب من الناس الذين يعقلون ويشعرون ويعرفون أنفسهم ويريدون أن ~~يعرفهم غيرهم من الناس. # والسبيل إلى ذلك كله واحدة ليس لها ثانية، وهي التعليم قبل كل شيء، وبعد كل شيء، ~~وفوق كل شيء، التعليم الذي يجعل المصري إنسانا يحتال للفقر حتى يخرج منه، ويحتال ~~للعلة حتى يبرأ منها، ويتحدث إلى الناس فيفهمون عنه، ويتحدث إليه الناس فيفهم عنهم، ~~وينهاه المصلحون عن الشر فينتهي، ويدعوه المصلحون إلى الخير فيجيب. ~~••• # وتمتلئ غرفة مكتب العميد في منزله بعدد من الأساتذة الشبان والطلبة والصحفيين وضابط، ~~يتحدثون عن هذا المقال الأخير وعما جاء فيه من نواحي الإصلاح ms172 الثلاث التي أشار ~~إليها. # أستاذ شاب يسأل طه حسين عن أسباب ركود الفكر في مصر. # ويقول طه حسين: «الأسباب واضحة، هناك الظروف السياسية، بما في ذلك الرقابة التي استمرت ~~خمسة عشر عاما، إن الحرية هي قوام الحياة الأدبية الخصبة ... إذا ذهبت أجدب الأدب وعقم ~~الفكر.» # ويضيف أحد الأساتذة الحاضرين: «وهناك أيضا مشكلة النشر.» # فيقول طه حسين: «نعم، وهذا سبب ثان، إن الشباب يكتب فلا يجد قبولا من الناشرين ولا ~~تشجيعا من شيوخ الأدب للأسف. وهناك سبب ثالث وهو طريقة تدريس الأدب في مصر، إن الأدب ~~يدرس الآن في المدارس والمعاهد والجامعات على نحو يحزن أكثر مما يسر، وإنتاج الأساتذة ~~ضعيف، والمتخرجون في قسم اللغة العربية بالجامعات الآن لا يعرف بعضهم كيف يبحثون في كتاب ~~«الأغاني» لأنهم لم يسمعوا عن الفهرس الذي وضعه له الأستاذ «جويدي».» # ويقول طالب من الحاضرين: «سيادة العميد، صحيح أن التعليم في الجامعات قد ضعف، ونحن نحتاج ~~إلى نهضة جامعية حقيقية بعد الثورة، لقد كتبت كتابك «مستقبل الثقافة في مصر» ردا على ~~تساؤل بعض زملائنا عن مستقبل الثقافة بعد معاهدة 1936 ودخول مصر في مرحلة الاستقلال، الآن ~~وقد دخلت مصر مرحلة ما بعد الثورة، ما عسى أن يكون مستقبل جامعاتنا؟ ماذا يجب، في رأيك، أن ~~تكون جامعاتنا عليه غدا؟» # ويرد طه حسين قائلا: «ماذا يجب أن تكون عليه جامعاتنا غدا؟» قبل أن نحاول أن نرد على ~~هذا السؤال يجب أن نسأل سؤالا آخر وأن نجيب عليه، وهو: ماذا نريد أن نكون نحن غدا؟ # أنريد أن نظل كما نحن، نلم بأطراف من المعرفة دون تعمق؟ أنريد أن نظل كما نحن خاطفين، ~~نخطف العلم من هنا وهناك دون أن يكون مستقرا بيننا، متأصلا في نفوسنا، ودون أن نبرأ من ~~هذه الغربة الغريبة المنكرة التي يجدها كل واحد منا حين يريد أن يتقن حقا فنا من فنون ~~المعرفة؟ # أنريد أن نظل كما نحن، ننتظر الخير الثقافي والعقلي والفني من الترجمة، ننقلها عن هذه ~~اللغة أو تلك، ونسعى إليها في هذا ms173 الوطن الأجنبي أو ذاك، أم نريد أن نكون أصلاء في هذا كله، ~~وأن نترجم، لا عن حاجة، بل عن ميل إلى الاستطلاع، وأن نترجم من الفرنسية، لا لأننا محتاجون ~~إلى الترجمة، بل لأننا نحب أن نعرف ماذا يقول زملاؤنا الفرنسيون، ولأننا نحب أن يترجم ~~الفرنسيون عنا وأن يعرفوا ماذا يقول زملاؤهم العرب، وقولوا مثل ذلك بالنسبة للإنجليز، ~~والألمان، والأمريكيين، والإيطاليين، والروس، وما شئتم من الأمم الكبرى. # إن كنا نريد أن نظل كما نحن، فمستقبل الجامعة بسيط، وهو أن تظل حيث هي، كما نظل نحن كما ~~نحن، أشبه بالضفادع في قاع فيه ماء ضئيل تتصايح، ويصح فينا قول الأخطل: # تنق بلا شيء شيوخ محارب # وما خلتها كانت تريش ولا تبري # ضفادع في ظلمات ليل تجاوبت # فدل عليها صوتها حية البحر # وأؤكد لكم أن حيات البحر كثيرة، وأنها تراقبنا، لا نريد إذن - فيما أعتقد - أن نظل ضفادع ~~تتجاوب في ظلمات الليل، وندل على أنفسنا المستعمرين من هنا وهناك.» # ويقول الطالب: «طبعا نريد أن نكون رجالا، وأن نترك طور الضفادع إلى طور الرجال.» # ويقول طه حسين: «يجب إذن أن تتطور حياتنا إلى حيث نبلغ ما نريد، وسبيلنا إلى التطور هي ~~الجامعات أولا والجامعات أخيرا والجامعات قبل كل شيء، والجامعات بعد كل شيء. # إن التطور لا يأتينا من خارج، وإنما يأتينا من ذات نفوسنا، يأتينا من ذات نفوسنا عندما ~~نهذب هذه النفوس، وعندما نصفي أذواقها ونزكي قلوبها وعقولها، وعندما نريد لها أن تقوى فيها ~~الملكات المدركة القاهرة الواعية التي تتسلط على الحس والشعور، والتي تتسلط على قوى الإنسان ~~فتدفعه إلى الأمل، ثم تدفعه إلى العمل، ثم تدفعه إلى الإنتاج، ثم تجعله وكأنه شجى في حلق ~~الذين يريدون به المكروه.» # وتطل السيدة سوزان من الباب فيستأذن الحاضرون في الانصراف، ولكن طه حسين يستبقي الأستاذ ~~يوسف السباعي. # يقول له طه حسين: «يا يوسف، روايتك عظيمة، وإن كانت طويلة قليلا، سأسميها المطولة عندما ~~أكتب عنها! أهنئك بها، ولكن اللغة يا يوسف ...» # ويرد يوسف السباعي: «أنا في غاية ms174 السعادة بهذا التقدير يا سيدي العميد، أما اللغة فإن ~~والدي كان يوصيني باللغة أيضا، والتوصية كانت أحيانا تكون بالضرب، وكنت أطلب إليه الرحمة ~~وأنا أطلبها منكم الآن! سأنتظر مقالكم بفارغ الصبر، وأعد بالعناية باللغة كما تأمر يا سيدي ~~العميد، والآن أستأذن فقد أخذت من وقتك أكثر مما كنت أطمع فيه.» # طه: يرحم الله والدك! لقد علمني أنا أيضا عندما كنت أقرأ ترجمته للقصص الروسي. # ويقف الأستاذ يوسف السباعي ويقول للسكرتير فريد: «أظن أنني تركت «الكاب» في ~~الخارج.» # ويسأل طه: ««كاب» إيه؟» # ويقول يوسف السباعي: ««الكاب» بتاعي؛ لأن عندنا اليوم طوارئ ولا بد من الزي العسكري ~~الكامل.» # ويسأل طه حسين: «زي عسكري بتاع إيه؟» # ويرد السباعي: «بتاعي، أنا ضابط.» # ويسأل طه حسين: «ضابط؟ لم أكن أعرف ذلك، كنت أعرف أنك ابن محمد السباعي، ضابط وأديب! على ~~كل حال هناك سوابق، محمود سامي البارودي مثلا ...» # ويقول السباعي: «وأين أنا من البارودي يا سيدي العميد؟ شكرا جزيلا مرة ثانية، والآن ~~أستأذن، يظهر أن السيدة تنتظركم للغداء.» # ويرد طه حسين: «لا ليس للغداء، موعد الغداء لم يحن بعد، ولكن زوجتي مصممة على نزهة قصيرة ~~في طريق حلوان، قبل أن نعود للغداء والقهوة وسماع القرآن ثم الراحة قليلا قبل حضور «مدام ~~غنيم» للقراءة، إنها تقرأ معي آخر ما يرد إلينا من المؤلفات الفرنسية. مع السلامة، وخلنا ~~نراك، ونرى عملا ثانيا لك، يحترم النحو ويتحدى الانتقاد.» ~~••• # وفي الطريق إلى حلوان يجلس طه حسين والسيدة سوزان في سيارة بويك سوداء موديل 49. # تقول سوزان: «النيل سحر كله، ومياهه تعكس، في جمال، ما يقوم على شاطئه الشرقي من ~~النخيل.» # ويقول طه حسين: «النخيل في طريق حلوان، عندنا شعر عربي قديم يتحدث عن نخلتي حلوان ... ~~النخيل دائما مقترن في ذاكرتي بمصر، وعندما أكون في أوروبا أحلم دائما بالنخيل.» # وتقول سوزان: «على ذكر أوروبا، لم نرد بعد على خطاب السنيور «لابيرا» الذي يدعوك فيه ~~للاشتراك في مؤتمر السلام.» # ويقول طه حسين: «منذ انتخب «لابيرا» عمدة لفلورنسا، وهو مصمم على أن يجذب ms175 إليها الناس، ~~وأن يعيد إشعاع النور منها. نرسل ردا مساء اليوم.» # وتسأل سوزان: «بالقبول طبعا؟» # طه حسين: «لا، بالاعتذار، لا أدري ماذا نقول عن السلام، نحن الذين فرضت علينا الحرب، ~~المظلوم والمعتدى عليه يجب أن يحارب، إنه إن لم يحارب لرفع الظلم عن نفسه يكاد يكون شريكا ~~في هذا الظلم ... ثم إن عنوان المؤتمر هو السلام والحضارة المسيحية، لماذا الحضارة المسيحية ~~وليس الحضارة الإسلامية مع أن لفظ الإسلام نفسه مشتق من السلام؟!» # وتقول سوزان: «هذا كلام جميل، تقول هذا الكلام إذن في المؤتمر، إنه خطبة كاملة!» # | الجمهورية # في فندق صغير في الطريق من روما إلى فلورنسا، في صباح التاسع عشر من يونيو عام ~~1953. # يجلس طه حسين وزوجته يتناولان الإفطار مبكرا، وأمتعتهما تنزل إلى سيارة صغيرة يسافران ~~فيها من روما التي غادراها مساء أمس إلى مدينة فلورنسا، وكان طه حسين قد طلب أن تقدم له ~~صحيفة الصباح مع هذا الإفطار المبكر. # والسيدة سوزان تلقي نظرة على الصحيفة فتقول: «لقد أعلنت الجمهورية في مصر، أعلنت ~~الجمهورية أمس، الثامن عشر من يونيو 1953.» # ويقول طه حسين: «أعلنت الجمهورية!» # وترد سوزان : «هذا هو الخبر: القاهرة، في الثامن عشر من يونيو ...» # وطه حسين لم يعد يسمعها، إنه يفكر فيما بينه وبين نفسه: «ما أعظم الفرق بين حياتنا التي ~~نحياها منذ اليوم وحياتنا التي كنا نحياها من قبل، والتي كان آباؤنا وأجدادنا يحيونها منذ ~~الآلاف المؤلفة من السنين! المصريون القدماء كانوا يعبدون ملوكهم ويتخذونهم آلهة مقدسين، ~~يرفعون إليهم الصلوات والقرابين، المصريون القدماء كانوا يخضعون للولاة والملوك الأجانب ~~الذين كانوا يأتونهم من أقطار الأرض المختلفة، كانوا يعبدون قياصرة روما. # المصريون القدماء كانوا يشترون ملوكهم بالمال، يجلبونهم من بلاد الشركس والقوقاز رقيقا ~~أطفالا يخطفهم النخاسون. # المصريون تقطع الصلة بينهم وبين العالم الخارجي بغزو الترك العثمانيين، تستيقظ أوروبا ~~وهم نيام، يستيقظون في القرن الماضي يقظة مقيدة بسلطان الترك العثمانيين الذي يأتيهم من ~~الخارج. وبهذه الولاية المتوارثة التي استقرت فيهم، ثم بهذا الملك المتوارث الذي فرضته ~~عليهم حماية الإنجليز. وهاهم يتخلصون ms176 من هذا كله، وسيرفعون إلى رياسة الدولة المصرية رجلا ~~لا يمتاز عن سائر المصريين بمولد، ولا بثروة، ولا بقوة أجنبية تسنده ...» # وتسأل سوزان: «أين أنت؟ إنني أقرأ وأتحدث إليك وأنت غائب ... غائب عني وعن كل ما ~~حولك.» # ويرد طه حسين: «كنت أفكر في مصر وأعجب ... احتملت مصر ما احتملت وقاست من الخطوب ضروبا ~~وألوانا، دون أن تفقد شخصيتها ودون أن تنسى كرامتها، ودون أن تفتر لحظة واحدة عن الجهاد في ~~سبيل تلك الشخصية وهذه الكرامة، ودون أن تقصر لحظة عن المشاركة في ترقية الحضارة الإنسانية؛ ~~فاستيقنت أثناء هذا التفكير أن مصر هي المثل الرائع للوطن الأصيل الذي لم يخلق ليفنى في ~~غيره، والذي لم يخلق ليذعن لغيره، وإنما خلق ليفرض نفسه على الدهور، ولتعيش أمته خالدة ~~كما أنه هو خالد، كريمة كما أنه هو كريم، عزيزة كما أنه هو عزيز، قاهرة للأحداث والخطوب كما ~~أنه قاهر للأحداث والخطوب، قادرة على أن تنفذ من المشكلات مهما تكن، وتقهر المصاعب مهما ~~تعظم!» # وتسأل سوزان: «فكرت أنت في هذا كله، وأنا أقرأ لك خبرا في صحيفة، على عمود، في عدة ~~سطور؟! أبحرت بعيدا عني وأنا أحاول أن أقرأ لك الأخبار؟ أنت ترى أنني لا أستحق أن تستمع ~~إلي ...» # ويأخذ طه حسين يديها في يديه ويقول: «لا، كنت أستمع إليك، كان صوتك العذب يساعدني - كعهده ~~دائما - على التفكير!» # وتقول سوزان: «المهم، أتركك الآن، سأعود لنسمع معا نشرة الأخبار التالية، ثم يجب أن ~~نغادر هذا الفندق سريعا لنذهب إلى فلورنسا، ومبارك عليك جمهورية مصر!» ~~••• # وفي فلورنسا ينعقد اجتماع مؤتمر الحضارة والسلام، وبين المدعوين قناصل الدول، ومنهم قنصل ~~«جمهورية» مصر العام مصطفى السعدني، وبين الأعضاء طه حسين يمثل مصر في المؤتمر وإلى يمينه ~~زوجته. # ويقول رئيس المؤتمر وهو على المنصة: «والآن يسرني أن أدعو الكاتب المصري الدكتور طه حسين ~~للكلام.» # ويقول طه حسين لزوجته: «لقد كنت فهمت أنني أشارك في المؤتمر مستمعا، لم أعد شيئا لهذا ~~المؤتمر، طوال هذا الأسبوع الذي قضيناه هنا لم أقرأ شيئا ms177 غير القرآن.» # وتقول سوزان: «إنهم يصفقون لك ... الكلام الذي كنت تقوله لي في طريق حلوان، وكلمة شكر، هذا ~~يكفي ثم تعود للاستماع.» # ويسير مؤنس مع والده إلى المنصة، فيجلس عليها، ويبدأ حديثه بالفرنسية يقول: ~~«أحب - أيها السيدات والسادة - أن أتحدث إليكم حديثا قصيرا عن الصلة بين السلام وبين ~~ديننا الإسلام ... إن اسم الإسلام اشتق من السلم، وإن المسلم في القرآن هو الذي يسلم الناس ~~من لسانه ويده، وإن إبراهيم أبا الأديان السماوية قد جاء ربه بقلب سليم، وقد أسلم وجهه ~~حنيفا، فالمسلمون أهل السلام.» # بين أعضاء المؤتمر أستاذ فرنسي تجلس إلى جانبه سيدة من شيلي، تقول السيدة: «هذا حديث ~~بديع، بغير أوراق ولا مذكرات ...!» ويقول لها جارها الفرنسي: «وكيف تريدين أن يستعمل الأوراق ~~والمذكرات ...؟» وتقول السيدة: «لقد انتقل الآن إلى الحديث عن «الصلاة»، يظهر أن معنى الكلمة ~~الأصلي في اللغة العربية هو «الدعاء»، إنه يقول: إن هناك نصا تاريخيا لدعاء كان النبي ~~يدعو به.» # ويتابع طه حسين الحديث قائلا: «كان الرسول # صلى الله عليه وسلم # يدعو بهذا الدعاء إذا تهجد في الليل، ~~وهذه ترجمتي للدعاء، وهي لا تصور إلا قليلا بلاغة وجمال الأصل العربي، الدعاء هو: «اللهم ~~لك الحمد، أنت نور السموات والأرض، ولك الحمد، أنت قيوم السموات والأرض، أنت الحق، ووعدك ~~الحق، والجنة حق، والنار حق، والموت حق، والساعة حق».» # وتقول السيدة لجارها: «أريد أن أكتب هذا لأسجله.» # ويستمر طه حسين في محاضرته قائلا: «ويستمر الدعاء أيها السادة والسيدات فيتضمن فقرة كانت ~~دائما أمام ناظري» # وتقول السيدة لجارها: «أمام ناظريه؟!» # ويقول طه حسين مستمرا في حديثه: «تضيء لي الطريق في حياتي كلها ...» # وتقول السيدة: «تضيء له الطريق؟!» # ويقول طه حسين مستمرا: «تضيء لي الطريق في حياتي كلها، وهي: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، ~~وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أعلنت ~~وما أسررت، أنت إلهي لا إله إلا أنت.» # وتدوي القاعة بالتصفيق، ويتقدم مؤنس لينزل معه والده من فوق المنصة. # وتجري ms178 مندوبة دولة شيلي نحو طه حسين تقول له: «سيدي الدكتور، سيدي الدكتور، أرجو أن ~~تعطيني نسخة من هذا الدعاء، دعاء رسول الإسلام؛ لأنني أريد أن أعيش به، أن أعيش بهذا ~~الدعاء، أدعو به كل ليلة، وأريد أن تحمل أنت إلى دينكم الإسلام، الذي حببتني فيه منذ اليوم، ~~أن تحمل إليه حبي ودموعي.» # ويرد الدكتور طه: «حبك كفاية يا سيدتي، لا داعي للدموع ... سأطلب إلى مؤنس أن يعطيك نسخة من ~~الدعاء، وشكرا جزيلا.» # ما زال التصفيق يدوي والمهنئون الآخرون يتزاحمون. # ويقول قنصل مصر العام لطه حسين: «رفعت رأس مصر يا سيدي ورأس العرب ورأس المسلمين، سأكتب ~~لمصر فورا، وسيسعد مصر الجديدة أن تعرف ما جرى اليوم.» # ويقبل سينيور لابيرا، رئيس المؤتمر، على طه حسين ويقول للقنصل المصري: «معذرة يا سيدي ~~القنصل، طه حسين عندكم في مصر طوال أيام السنة، اترك لي هذه اللحظة لأقول لطه حسين: إنك ~~جعلت هذا اليوم خالدا في تاريخ مدينتي فلورنسا، لقد بشرت فيها بالعدالة أساسا للسلام ~~وللتعاون، بشرت بها لشعوب البحر الأبيض، لجميع شعوب العالم، اليوم يدرك الجميع أنك وشعب مصر ~~وشعوب العرب جميعا تنشدون العدالة أساسا للسلام، وتستحقون الوصول إلى العدالة للوصول إلى ~~السلام.» # وعندما يحين موعد الانصراف تقول السيدة سوزان لزوجها وهما يخرجان: «هذا أنت تتفوق على ~~نفسك.» # ويقول مؤنس: «وأنت ... أنت كنت تقول لنا إنك لم تكن تدري ماذا تقول؟!» # ويقول طه حسين: «حقيقة لم أكن أدري، لم أعد نفسي للكلام طوال الأسبوع كما قلت لكم، كنت ~~أقرأ القرآن، ومع ذلك فإنني في الواقع راض عن نفسي وراض عن حديثي اليوم، وما تعودت أن ~~أرضى عن نفسي أبدا، وما رضيت من قبل عن حديث ألقيته في أي وقت من الأوقات، ولكن كيف كانت ~~اللغة، كيف كانت لغتي الفرنسية؟» # ويقول مؤنس مداعبا: «شنيعة ...» # وتقول سوزان: «ألا تكف عن هذه الأسئلة في هذه اللحظة المفعمة بالعزة والفخر؟ ألن ترضى عن ~~نفسك أبدا؟ كانت لغتك طبعا كالعادة رائعة.» # ويقول طه حسين: «لقد قلت لك إنني راض ms179 عن نفسي اليوم، وهذا الدعاء ... لقد تلوته لنفسي قبل ~~أن أنام أمس، ولكن تلاوتي لترجمته اليوم علنا كان لها تأثير غريب في نفسي، لقد حرك فيها ~~شوقا قويا إلى زيارة أرض الحجاز، ومدينة الرسول.» # وتقول السيدة سوزان: «أما أنا فقد كنت أفكر في والدك، كنت أريد أن يسمعك أبوك، وكنت أريد ~~أن تسمعك والدتك، كما كنت أريد أن تكون بنتك حاضرة.» # طه حسين ~~: # أمينة في أمريكا مع زوجها، طال غيابها عنا، بنتهم الثانية ولدت هناك ولم نرها ~~حتى الآن ... ترى ما هو شكل هذه المولودة الأمريكية، لقد سموها «منى»، ومحمد أخبرني ~~أنهم في المستشفى طلبوا إليه اسما ثانيا على عادة الأمريكان فسماها باسم والدته: ~~بديعة، وكنت أنا أفضل اسم «آمنة» والدة الرسول # صلى الله عليه وسلم # على اسم «منى». # سوزان ~~: # سنراها ونراهم أخيرا، كتبت إلي أمينة أنهم سيحضرون لزيارتنا في الجبل في ~~إيطاليا، في الصيف القادم في طريقهم لقضاء الإجازة بمصر. ~~••• # في صيف العام التالي، يلتقي طه حسين وزوجه بابنتهما أمينة وزوجها وأولادهما الثلاثة في ~~قرية من قرى شمال إيطاليا اسمها «كولي إيزاركو»، وطه حسين يجلس في حديقة الفندق في الصباح ~~عندما تقبل عليه حفيدته. ~~«سوسن» بنت ابنته المولودة في الإسكندرية، وعمرها الآن ثلاث سنوات، تلقي بنفسها بين ~~ذراعيه، وتقول له: «أنا اللمبة ... اللمبة جاءت لك.» # ويعانقها طه حسين ويقول لها: «تعالي إذن يا نور حياتي ... ويجلسها على حجره.» # وتحضر أمينة ابنته، ومعها طفلتها الثانية «منى» وعمرها سنتان. # فيقول طه حسين: «تعالي يا منى.» # وترد منى قائلة: «لا ...» # ويسأل طه حسين: «ليه لا!» # وتقول منى: «بابا بيقولي إنك علمته يقول لا ...» # ويقول طه حسين: «لم أعلمه يقول لا عمال على بطال، يقول لا لما يلزم يقول لا ... ~~تعالى.» # وتقول منى: «وتحكي لي حكاية؟» # ويرد طه حسين: «تعالى أحك لك حكاية أمير المؤمنين عمر.» # فتقول منى: «أنا لا أحب الأمراء.» # ويقول طه حسين: «سيدنا عمر لم يكن أميرا من الأمراء الذين لا تحبينهم، لقد كان أميرا ~~للمؤمنين، يعني رئيسا للمسلمين، كان ms180 رجلا بسيطا يلبس ملابس بسيطة ويخرج بالليل ويمشي ~~ليطمئن على أحوال الناس، وذات ليلة ...» # وتقطع حديث طه حسين لحفيدته سيدة إيطالية تقبل ملوحة بمجلة في يدها، وتقول في انفعال ~~ظاهر: «إكسلانس، هل تسمح لي أن أتحدث إليك دون سابق معرفة ... هذه المجلة صدرت اليوم وفيها ~~صورتك، مع تسع وتسعين صورة أخرى، إنهم المئة رجل الذين تقول المجلة في مقال بإمضاء «دونالد ~~روبنسون» إنهم أعظم رجال الدنيا المعاصرين، عرفتك من الصورة، وقلت: إذن معنا في هذا الفندق ~~في هذه القرية الإيطالية واحد من أعظم مئة رجل من الأحياء الذين يؤثرون في العالم، معذرة ~~لتطفلي! ولكني قد اشتريت المجلة اليوم واطلعت عليها الآن ورأيتك تجلس في الحديقة ... ~~أستأذن.» # ويقول طه حسين: «شكرا يا سيدتي، ثم يلتفت لأمينة ابنته ويسألها: أين حسن وأبوه؟» # وترد أمينة: «حسن مع أبيه يسيران في الجبل منذ الصباح. وعلى فكرة الأولاد فضحونا، مساء ~~أمس تجولوا في الجبل وقطفوا ثمار التفاح من فوق الأشجار، لم يتصوروا أن تكون الجبال ملكا ~~لأحد، حتى جاء الفلاح غاضبا فطاروا أمامه إلى الفندق ...» # وتدخل السيدة سوزان في خطوات نشطة تطلب إلى زوجها أن ينهض للسير للنزهة. # ويقول طه حسين: «لم أكمل القصة لمنى.» # وتقول سوزان: «هذا وقت النزهة، نكمل القصة لما نرجع، ثم إنني أريد أن أشتري مجلة معينة ~~يقولون إن فيها شيئا يهمني.» # ويقول طه حسين: «كلام فارغ! دونالد روبنسون الكاتب الأمريكي الذي زار مصر أيام حريق ~~القاهرة، أخرج كتابا عن مئة رجل من رجال العالم ويظهر أنه ذكرني.» # وتتساءل سوزان: «وكيف علمت ذلك؟! من أخبرك؟! فريد لم يكن معك هذا الصباح؛ إنه ذهب إلى ~~البنك والبوستة، وأمينة لم تنزل من الغرفة إلا الآن، ومحمد في الجبل مع ابنه حسن، وسوسن ~~ومنى لا تستطيعان القراءة بعد ... من أخبرك؟!» # ويرد طه حسين مبتسما ابتسامة ماكرة: «وهل تعتقدين أنك المرأة الجميلة الوحيدة في هذه ~~الفندق التي تقرأ الصحف والمجلات؟» # ويصل فريد السكرتير حاملا الصحف المصرية والخطابات، يقول: «مجلة روزاليوسف نشرت بشكل ~~بارز تصريحك الذي ms181 تقول فيه إن أساس التعليم الصالح هو اختيار الطالب للدراسة التي يرغب ~~فيها. يوجد كذلك خطاب من لجنة وضع الدستور الجديد الذي اخترتم عضوا فيها، وخطاب من ~~...» # وتقاطعه السيدة سوزان بقولها: «سنقرأ هذا كله بعد النزهة، والجرائد والرسائل تستطيع أن ~~تنتظر عودتنا.» # ويتساءل طه حسين: «منى، أين منى، كنت أحكي لها؟ وأين حسن وأبوه وسوسن؟ ألا ألقي نظرة على ~~الصحف وأنا في انتظارهم؟» # وترد سوزان: «كلهم سيلحقون بنا، ومن جهة الصحف والرسائل فإننا سنكون في مصر بعد وقت قريب ~~جدا، وسنجد هناك يوميا كل الصحف وكل الرسائل وكل التليفونات وكل الكتب وكل الزيارات وكل ~~الاستقبالات ... الآن نمشي تحت هذه السماء الجميلة، وفي ظل هذه الأشجار الشامخة التي لن تحضر ~~معنا إلى مصر.» ~~••• # وتعطي الجرائد والرسائل للسكرتير وتقول: «احتفظ بها حتى نعود.» # في مصر، في منزل طه حسين بالزمالك، في غرفة المكتب وقد عادت أسرة طه حسين إلى مصر وعاد طه ~~حسين إلى برنامجه اليومي، يقول السكرتير: «وصلنا خطاب باليد بإمضاء «سير كلود ماكنزي» يطلب ~~موعدا للزيارة.» # ويسأل طه حسين: «ومن هو السير كلود ماكنزي؟» # ويقول السكرتير : «هذه نبذة مرفقة بخطابه عن تاريخ حياته: إنه خبير عالمي في شئون ~~المكفوفين، وقد فقد هو نفسه بصره في الحرب العالمية الأولى، حرب سنة 1914، وهو الآن يزور ~~عدة بلاد في أرجاء العالم، ويتوقف بمصر يومين فقط، ويسأل إن كان الوقت يتسع ~~لزيارته.» # ويقول طه حسين: «يومين! إذن يحضر غدا الساعة الحادية عشرة إن كان هذا الموعد ~~يوافقه.» # وفي اليوم التالي يخرج سير كلود ماكنزي من منزل العميد بعد انتهاء زيارته له وسيارته ~~تنتظره وصحفيون ينتظرونه. # يقول سير كلود للصحفيين: «أعتقد أن مصر يجب أن تفخر بالدكتور طه حسين، فهو عبقرية فذة قل ~~أن يجود الزمان بمثلها، إنني أغبطكم لأنكم تعيشون على الأرض التي أنجبت طه حسين، كما أغبط ~~نفسي لأنني تعرفت إليه، وجلست معه هذا الوقت الطويل.» # ويقول له صحفي: «هل تخبرنا عن طبيعة عملك وعما تريد تحقيقه والوصول إليه؟» # ويرد سير كلود: «كل ms182 أملي في الدنيا هو أن يتمتع المكفوفون في العالم بحقوقهم كآدميين، ~~فيجب أن يكون حب المجتمع لهم وعطفه عليهم هو النور الذي يهديهم سواء السبيل، من يدري؟ قد ~~يكون بين هؤلاء المكفوفين هيلين كيلر أخرى أو طه حسين آخر.» # ويسأل صحفي آخر: «هل تحدثت مع الدكتور طه حسين عن عمله خارج ميدان التعليم والثقافة، فهو ~~كما تعلم عضو في لجنة وضع الدستور الجديد؟» # ويرد سير كلود: «عرفت بالصدفة أنه معني بوضع المواد الخاصة بحقوق الإنسان في مشروع ~~الدستور الجديد، دستور الثورة، وأنه يتعاون على صياغتها مع أحد أساتذة كلية الحقوق. # وهذا موضوع لا يهم العلماء ولا يهم المصريين فقط، لكنه يهم العالم كله، الناس جميعا في ~~كل مكان يريدون أن تصان حقوق الإنسان، وأنا سعيد باهتمام طه حسين الشديد بهذا ~~الموضوع.» # | في اللجنة الثقافية بجامعة الدول العربية # في مقر الجامعة العربية بالقاهرة، وفي غرفة ملحقة بغرفة مدير الإدارة الثقافية يجلس ~~الدكتور محمد عوض محمد والأستاذ شفيق غربال والأستاذ محمد بدران والأستاذ محمد فتحي ~~والدكتورة سهير القلماوي والأستاذ مصطفى حبيب. # يتحدث الحاضرون مع بعضهم، لقد دعاهم الدكتور طه حسين لمقابلته اليوم باعتباره رئيسا ~~للجنة الثقافية لجامعة الدول العربية، وهو المنصب الذي طلب إليه عبد الخالق حسونة باشا ~~الأمين العام للجامعة أن يتولاه. # يقول الدكتور محمد عوض للأستاذ محمد بدران: «ما دمت أنت قد دعيت لحضور هذا الاجتماع فلا ~~بد أن الدكتور طه حسين سيحدثنا عن عمل من أعمال الترجمة.» # ويقطع السكرتير الحديث بدعوتهم للدخول، وطه حسين يرحب بهم، ويقول لهم إنه عندما عرض عليه ~~حسونة باشا رياسة اللجنة الثقافية قبل مسرورا، لأن هذه اللجنة يمكن أن تكون أداة للعرب ~~جميعا ليقوموا متعاونين بعمل عظيم الأثر في سعيهم نحو النهضة ونحو الوحدة، وإنه أراد أن ~~يجتمع بزملائه الذين تفضلوا بالحضور اليوم ليبحث معهم مشروعا يفكر فيه، ويعتقد أن تنفيذه ~~ممكن بتعاونهم وتعاون نظرائهم في البلاد العربية الأخرى كلها. # ويقول الدكتور عوض: «كنت أقول للأخ بدران لازم فيه ترجمة.» # ويقول الدكتور طه: «بالضبط، ms183 في عصر المأمون في بغداد كانت دار الحكمة تغص بالمترجمين إلى ~~العربية من كل اللغات وفي كل العلوم، نحن سنكون أكثر تواضعا، نريد أن نترجم أهم الأعمال ~~الأدبية العالمية، وأن نبدأ بترجمة أعمال شكسبير.» # يقول الدكتور عوض: «شكسبير! سنكون إذن سكسونيين!» # ويرد طه: «لا بد من إتاحة منابع الثقافة كلها لقراء العربية، وقد دعوتكم أولا لتبادل ~~الرأي في المشروع نفسه، وفيمن يمكن أن يتعاون معكم من أدباء اللغة العربية في ترجمة الأعمال ~~الكاملة لشكسبير، وقد كتبت فعلا إلى بعض الإخوة العرب مثل الأستاذ عبد الحق فاضل من أدباء ~~ودبلوماسيي العراق، وغيره من الزملاء العرب، وأعتقد أن خير من يقدم هذه الأعمال مترجمة إلى ~~اللغات العربية هو الأستاذ عباس محمود العقاد.» # ويقول الدكتور عوض: «هذا عمل عظيم يحتاج إلى جهد ضخم، وفقكم الله! واختياركم الأستاذ عباس ~~محمود العقاد اختيار موفق جدا.» # ويستأنف الدكتور طه حسين حديثه فيقول: «وبعد شكسبير يأتي راسين.» # ويقول الأستاذ شفيق غربال: «أعتقد أن الزملاء كلهم يشاركونني الرأي في أن هذه الترجمات هي ~~من أهم المشروعات التي يمكن أن تنهض بها الجامعة العربية في عهد رياستكم للجنة الثقافية، ~~ولكن كيف يكون النشر؟» # ويرد الدكتور طه حسين قائلا: «سأعرض الموضوع أولا على اللجنة الثقافية، وعندما تتم ~~الموافقة ثم عندما تتم الترجمة نبدأ النشر بالتعاون مع بعض الناشرين.» # ويقول الدكتور عوض: «وننتقل بعد شكسبير وراسين إلى الأدب الألماني والروسي والفارسي، ~~وهكذا إن شاء الله!» # ويرد طه حسين قائلا: «إن شاء الله.» # ويدخل السكرتير فيقول: «حان موعد اجتماع اللجنة.» # ويقول الأستاذ شفيق غربال: «إذن نستأذن الآن في الانصراف، وعلى بركة الله! ويتقدم كل منا ~~باقتراحاته عن المترجمين وعما يترجمون. ويخرج الجميع ويبقى طه حسين والسكرتير.» # يقول السكرتير: «وصلت دعوة من هيئة الدراسات العربية بالجامعة الأمريكية في بيروت لندوة ~~تقيمها هناك في العام القادم.» # ويرد طه حسين: «الجامعة الأمريكية في بيروت؟ يجب أن تهتم البلاد العربية نفسها بثقافتها ~~المشتركة، نحن محتاجون إلى تعاون الشعوب العربية وإلى مؤازرة حكوماتها، لقد تلقينا تبرعا ~~كريما ms184 من مواطن عظيم الفضل من مواطني المملكة العربية السعودية، وبفضله سننشر كتابا من ~~أهم كتب التاريخ العربي في القرون الثلاثة الأولى، نحن محتاجون إلى أن نثير اهتمام البلاد ~~العربية بالعمل الثقافي العربي المشترك، ألا يمكن عقد اجتماع اللجنة الثقافية للجامعة ~~العربية في العام القادم خارج مصر؟ سأثير هذا الموضوع مع أعضاء اللجنة.» # ويقول السكرتير: «أذكركم بتقرير الدكتور صلاح الدين المنجد مدير معهد المخطوطات، فقد ~~ذكرتم أنكم يمكن أن تتحدثوا في موضوعه مع السادة أعضاء اللجنة.» # ويرد طه حسين: «آه، نعم، نريد أن نصل إلى توحيد منهج النشر لمخطوطاتنا العربية القديمة، ~~والأستاذ المنجد أعد دراسة نظر فيها للمتبع في الخارج في جمعية «جيوم بيديه» وفي مجمع دمشق ~~وغير ذلك، وعدد قواعد للنشر العلمي بأمل الاتفاق عليها في جميع البلاد العربية، وهذا خير، ~~ومن الخير كذلك أن تتبادل الهيئات العربية المختلفة المعلومات عما هي بسبيل نشره من ~~المخطوطات، وأعتقد أن الإدارة الثقافية بالجامعة العربية يمكن أن يكون لها هنا دور ~~هام.» # وبعد الاجتماع بأيام يتحدث طه حسين في التليفون مع عبد الخالق حسونة باشا أمين ~~الجامعة. # يقول طه حسين: «نعم، تقرر عقد اللجنة بالسعودية، وقد تلقينا ترحيب المملكة، وسوف تكون ~~الاجتماعات برعاية سمو الأمير فهد وزير المعارف.» # ويوافق الأمين العام على أن الاجتماع في السعودية في حد ذاته يحقق هدفا من أهداف التعاون ~~الثقافي العربي. # ويقول طه حسين: «سأحضر الاجتماع فإن شوقي لزيارة الحرمين كبير، وما زلت أعيش في تلك ~~الأماكن المقدسة منذ أخذت في إملاء «على هامش السيرة».» # ويسأل الأمين العام عما إذا كان الدكتور سيسافر بالطائرة. # فيقول طه حسين: «لا، لقد طلبت أن يبحثوا إمكان سفري بالمركب، أنت تعرف يا باشا أنني لا ~~أركب الطائرة أبدا، تعرف أن الشاعر القديم كان يقول: # لا أركب الماء إني # أخاف منه المعاطب # طين أنا وهو ماء # والطين في الماء ذائب # ويكفي إذن أن نركب الماء، لا ضرورة لركوب الهواء.» # ويقول: «يسافر معي إن شاء الله الأستاذ أمين الخولي والأستاذ محمد فتحي، كما يصحبني ms185 ~~سكرتيري فريد.» # في مدينة جدة، يجلس طه حسين مع زملائه المصريين، ويقول لهم: «وصلت قصائد كثيرة من الإخوة ~~السعوديين، حقيقة هنا شعراء بارزون لم يلقوا حقهم من الشهرة وذيوع الصيت كما يقال.» # | في مدينة الرسول # «قرئت علي قصيدة مطولة من مكة المكرمة، من إنشاء الشاعر طاهر زمخشري، مطلعها: # تمد الدراري بالسنا حين تسفر # وتبهر أرباب النهى حين تجهر # وقصيدة من مكة المكرمة أيضا من الشاعر حسين عرب، فيها تعبير عن إحساس قومي عميق ودعوة ~~متحمسة ليقظة العرب وتعاونهم جميعا للتقدم، يختمها ببيت جميل خرج به الكرم فيه إلى ~~المبالغة كما فعل صديقنا طاهر زمخشري من قبله، يقول فيه: # جرى في الميادين سباقها # وقاد السفينة ربانها # وأنا أستغفر الله لهؤلاء الشعراء ولنفسي، أستغفره لهم لمبالغتهم فيما أسدوا إلينا من ~~المديح، وأستغفره لنفسي لما أحسست به وأنا أسمعهم من الرضا، وإن كان الرضا إنما كان عن ~~فنهم، وقد جاءتني أبيات من الشاعر فؤاد شاكر، يقول فيها: # واقبل تحيات فتى شاعر # يلتمس الإغضاء عن شعره # وليس في شعره ولا شعر زملائه ما يستحق الإغضاء، فإن أكثر ما قرأت أو سمعت من الشعر هنا ~~يستحق كما قلت الرضا والإعجاب.» # ويقول الأستاذ أمين الخولي: «قدم إلي أحد أعضاء الوفد السعودي، وهو الأستاذ علي حسن ~~غالي، قصيدة تحية وتقدير لكم أيضا، مطلعها: # حار فيك التقدير والتبجيل # يا عميدا عماده التحصيل # فعلى الرحب أيها العبقري ال # فذ والعالم الكبير الجليل # ويقول لي فيها: يا أمين التدريس والبحث والتنقيب والمنهج الذي لا يحول. # وقد أحسست أنه جعلني بهذا من علماء البحث عن الآثار! # ويقول طه حسين: «اقرأ القصيدة كلها.» # ويقرأ أمين الخولي القصيدة، ويصل إلى هذه الأبيات: # جمعتنا مشاعر الأمل الباسم يهفو له الغد المأمول # سوف نحيا جميعنا وسنمضي في ثبات وهمنا التذليل # ننشر العلم في الربوع ضياء إنما العلم للحياة رسول # ثم يصل إلى ختام القصيدة، فيقرأ مديح الشاعر للعاهل المفدى سعود ثم لوزير المعارف الأمير ~~فهد، فيقول: # ولنا فهدنا وزير الثقافات وقد لاح للثقافات جيل # ألمعي ms186 الفؤاد يحمي حمى التعليم جم الفعال شهم أصيل # عاش يمشي بنا إلى العلم فالعلم على جبهة العلا إكليل # ويقول طه حسين: «أنا سعيد حقيقة بما يلقاه هذا الاجتماع العربي في المملكة من إكرام من ~~جلالة الملك ومن سمو الأمير فهد، وزير الثقافات كما يسميه الشاعر، وقد أسعدني أن كل عضو من ~~أعضاء اللجنة، وهم من مختلف البلاد العربية، يحس أنه هنا في بلاده وبين إخوانه.» # ويقول الأستاذ أمين الخولي: «وقد وجدنا هذا الشعور نفسه عند المصريين المقيمين هنا ومنهم ~~البعثة الأزهرية.» # ويرد الدكتور طه حسين قائلا: «نعم، قابلونا بالترحيب والفرح حقيقة.» # ويقول الأستاذ الخولي: «إن الشاعر السعودي حسين عرب جعلكم من العدائين، ولكن الشاعر ~~المصري الشيخ محمد متولي الشعراوي عضو البعثة الأزهرية جعلكم من العدائين ومن الحدائين - إن ~~كان هذا التعبير صحيحا - فقد قال: # يا حداة الآمال بالله زيدوا # فمهيج الركبان حلو الحداء # وثقوا بالمنى فإن زمام العلم # قد صار في يدي عداء # هو منه في خير كل قديم # وجديد على نبوغ سواء» # ويقول طه حسين: «أستغفر الله لأخينا الشعراوي ولأنفسنا كذلك! لقد قرأت قصيدته وهي طويلة ~~جيدة جدا.» # ويقول الشيخ أمين الخولي: «إنه طويل النفس حقا، القصيدة أكثر من مئة وعشرة أبيات، وقد ~~جمعت فأوعت كما يقولون، انظر كيف ذكر كتبك عن الإسلام ذكرا جميلا حين قال: # وجمال الإسلام في «وعدك الحق» تجلى فيه جلال الفداء # صور لا تكون في غير حق خلدتها مصارع الشهداء ~~«هامش السيرة» الحبيبة فيه تغني سماحة الأنبياء # فهو في الأذن معبدي خفيف وثقيل الميزان يوم الجزاء # وهو عن نعمة البيان زكاة ولهذا أدركت سر النماء» # ويقول طه حسين: «لقد أثرت في نفسي أبيات من قصيدته تحدث فيها عن هذه البلاد، التي كان ~~صديقنا الدكتور محمد حسين هيكل يسميها منزل الوحي.» # ويقول أمين الخولي: «لا شك أنك تقصد الأبيات التي يقول فيها: # ركب طه هنا مطالع طه وانبثاق الشريعة السمحاء # كل أرجائها جلالات ذكرى لهدى الله خاتم الأنبياء» # ويقول طه حسين: «نعم، «كل أرجائها جلالات ms187 ذكرى»، متى نزور مدينة الرسول؟» # ويرد أمين الخولي: «لقد ذكرت لأعضاء الوفد السعودي رغبتك في القيام بزيارة المدينة ~~المنورة وسيبلغوننا بما يمكن تدبيره اليوم، ولكن قصيدة الشيخ متولي الشعراوي وحديث الدكتور ~~هيكل عن منزل الوحي يذكرانني بالقصيدة البديعة الطويلة، خمسة وأربعين بيتا، التي نظمها ~~الشاعر حسن عبد الله القرشي، ويقول فيها: # مرحبا في منازل الوحي كم ضاءت رباها بسيد المرسلينا! # إنها مشرق الرسالة مهد النور قدما ومشرع الواردينا # إيه طه حللت أهلا وعذرا ألا يكون القريض معينا # فيك سر القرون من أمة العرب تتحدى الدهاة والجاحدينا» # ويقول طه حسين: «أعود فأستغفر الله لهم جميعا، وأستغفره لنفسي أيضا.» ~~••• # وفي اجتماع اللجنة الثقافية في جدة، يقول طه حسين: «هؤلاء العرب الذين خرجوا من جزيرتهم ~~هذه، وليست لهم في الحضارة سابقة، ولا حظ لهم من العلم إلا ما علمهم الله في كتابه الكريم؛ ~~خرجوا فوجدوا حضارات كثيرة قوية بعيدة الأثر في الحياة الإنسانية، متنوعة مختلفة الألوان ~~والفنون والعلوم، فلم يمض عليهم إلا قرن واحد حتى كانوا قد أساغوا كل هذه الثقافات، ثم لم ~~يكتفوا بإساغتها وتمثلها، وإنما أخذوا يضيفون إليها ويزيدون فيها ويضيفون إلى كنوز ~~الإنسانية في العلم والمعرفة كنوزا ... ثم لم يكفهم هذا حتى أشركوا فيه الإنسانية كلها، ثم ~~لم يستأثروا لأنفسهم منها بشيء، وإنما أشركوا الأمم التي كانت تستظل بظلهم فيه، اتخذوهم أول ~~الأمر معلمين، ثم أصبحوا لهم أساتذة ومعلمين، ثم أصبحوا لهم إخوة يدعونهم إلى الخير، ~~ويستعينون بهم على الحق، ويجدون معهم في إغناء فنون العلم والثقافة والأدب من جميع ~~وجوهها، ثم لم يكفهم هذا حتى نشروا هذه الثقافة في أقصى أقطار الأرض التي عرفوها، وأتاحوا ~~بعد ذلك للأجيال التي ستخلفهم على الحضارة، والتي أتيح لها التفوق في هذه الأيام، أن ~~يتعلموا وأن يتقنوا وأن يعرفوا أنفسهم وأن يعرفوا أصول ثقافتهم. # وثقوا أننا لا نغلو ولا نكثر ولا نفاخر بالباطل إذا قلنا إن الغرب الأوروبي والأمريكي ~~الآن، على تفوقه، إنما هو مدين بتفوقه كله، وبعلمه كله لهذه الأصول الخصبة الدائمة ms188 التي ~~نقلها العرب إلى أوروبا في القرون الوسطى. ولا ينبغي مطلقا أن نتحرج من أن نطالب ~~الأوروبيين - وقد طالبتهم كثيرا - بأن يردوا إلى الشرق دينهم عنده، وألا يكونوا ملتوين بما ~~عليهم من الدين، وأن يشعروا بأن للشرق العربي عليهم جميلا يجب أن يقدروه، وأن يشكروه، لا ~~أن يسرفوا في العزة والإثم، ولا أن يبغوا على الذين أحسنوا إليهم وعلموهم كيف يكون ~~الإحسان.» ~~••• # بعد انتهاء اجتماع اللجنة، جاء صحفي سعودي يطلب حديثا ... # قال الصحفي: «سيدي الدكتور، ماذا تحب لكل عربي؟» # وأجاب الدكتور طه: «أنا أحب لكل عربي، فيما بينه وبين نفسه، أن يزكي نفسه بالعلم والثقافة ~~والمعرفة، حتى إذا لقي الأمريكي أو الأوروبي لم يحس لهذا الرجل أو ذلك تفوقا عليه، ولم يحس ~~في نفسه بالاستحياء، ولم يشعر بأنه من وطن قليل الحظ من العلم والثقافة.» # وسأل الصحفي: «وإلى جانب الثقافة العربية الخالصة، هل تنصح البلاد العربية بالاتصال ~~بثقافة أخرى؟» # وقال طه حسين: «يجب أن تفتح الأمم العربية نوافذها على مصاريعها لكل لون من ألوان العلم، ~~ولكل فن من فنون الثقافة، ولكل ضرب من ضروب المعرفة، وأن تكون قلوبنا جميعا هي التي تستقبل ~~هذا كله، فتميز منه الخبيث من الطيب وتستبقي منه ما يلائم طباعنا وأمزجتنا، وننتفع به في ~~ترقية الحضارة العربية بحيث لا نكون عيالا على الأوروبيين والأمريكيين حتى في أيسر حاجيات ~~حياتنا.» # قال الصحفي: «أي إن علينا أن ندرس ثقافتنا الأصيلة، وأن نتعرف بعد ذلك إلى الثقافات ~~الأخرى ونختار ما يلائم ثقافتنا فنضيفه إليها ونرفض ما لا يلائمها.» # وأجاب طه حسين: «نعم، ولكن هذا لا يكفي، يجب أن نعيش في الأرض منتجين لا مستهلكين فقط، ~~يجب أن نعطي وأن نأخذ، وأن يكون ما نعطيه من العلم والثقافة أكثر مما نأخذه من العلم ~~والثقافة، كذلك كنا من قبل ... وما ينبغي أن يقصر الأبناء عما بلغه الآباء، وإنما الأصل أن ~~يضيف الأبناء إلى ما أنشأ الآباء، يجب أن تذكروا دائما أن العرب القدماء فعلوا كثيرا في ~~سبيل العلم والثقافة والإنسانية، وأننا ms189 نحن إلى الآن لم نفعل شيئا.» # وفي فندق الكندرة في جدة يسأل طه حسين الأستاذ أمين الخولي والأستاذ فتحي: «هل سألتما عن ~~كيفية الوصول إلى المدينة المنورة؟» # ويقول الأستاذ فتحي: «لا سبيل إلا بالطائرة.» # ويرد الدكتور طه حسين قائلا: «أنا لا أركب الطائرة، ألا توجد سبل أخرى إن عمر فريضة الحج ~~أكبر من عمر الطائرة؟» # ويقول الأستاذ أمين الخولي: «فتحي عنده حق، لقد عملت كل شيء، وحاولت كل طريقة، وكلمت سمو ~~الأمير ولكن الطريق البري مقطوع بسبب السيول الغزيرة التي هطلت هذا العام، ألا تؤجل زيارة ~~المدينة المنورة هذه المرة؟» # ويقول طه حسين: «لن أغفر ذلك لنفسي أبدا، شوقي إلى هذه الزيارة يتزايد منذ أكثر من ~~سنتين؛ أي أنواع الطائرات تطير إلى المدينة؟» # ويرد محمد فتحي قائلا: «أخشى أنها الطائرة الصغيرة، طيارات «داكوتا»، الركوب فيها غير ~~مريح.» # ويقول طه حسين: «لا، لن أتعب ... لقد كنت أعيش بفكري وقلبي في هذه الأماكن المقدسة زهاء ~~عشرين عاما منذ بدأت أكتب «على هامش السيرة» حتى الآن، وهنا، في جدة، أحسست أنني أعيش فيها ~~بفكري وعقلي وجسدي جميعا.» # ويقول السكرتير : «إن سفير سوريا السيد عمر بهاء الدين الأميري ترك رسالة يأسف فيها أسفا ~~شديدا لأن مشاغل اللجنة تجعل من المستحيل الاستجابة لرغبات السفارات العربية هنا في إقامة ~~حفلات لتكريمكم.» # ويقول طه حسين: «حقيقة، وشكرا للسيد السفير.» # ويقول السكرتير: «وهو يبدي إعجابه العظيم بكلمتكم في افتتاح اللجنة الثقافية، وخصوصا ~~بحديثكم عن «تعريب قلوب المسلمين غير العرب» بمساعدتهم على فهم القرآن بلغته.» # ويسأل طه حسين: «يعني أعجبه التعبير؟ أعجبته كلمة «تعريب القلوب»، أم أعجبته الدعوة للعمل ~~في البلاد الإسلامية غير العربية؟» # ويقول السكرتير: «يقول إنه كان وزيرا مفوضا لبلاده في الباكستان وإن أهل الباكستان ~~متلهفون على مثل هذا التعريب.» # ويقول الأستاذ أمين الخولي: «أنا قابلت السفير الأميري وقال لي نفس الكلام، وكان أيضا ~~يتكلم بإعجاب عن مناظرتكم في العام الماضي مع السيد رئيف خوري التي ذهب فيها الأديب ~~اللبناني إلى أن الأديب يكتب للكافة، وذهبتم أنتم ms190 فيها إلى أن الأديب يكتب للخاصة.» # ويقول طه حسين للأستاذ الخولي: «أنت تعرف طبيعة هذه المناظرات، لقد ذكرت في أول حديثي ~~عندما تكلمت في المناظرة الحقيقة، وهي أنني تسلمت دعوة كريمة من جمعية المقاصد الإسلامية ~~أمضاها الصديق الأستاذ سهيل إدريس، وعرض فيها أن تكون المناقشة حول الكتابة هل هي للخاصة أم ~~للكافة، وعرض علي أن أتحدث عن أن الكتابة هي للخاصة، قلت للسامعين الحقيقة وهي أن هذه ~~المناظرة شيء مصطنع، لسبب بسيط وهو أنني في كل ما كتبت لم أفهم عامة ولا خاصة بالقياس إلى ~~الأدب، ولست من الذين تفتنهم هذه الآراء الكثيرة الخطيرة الحديثة التي يشغل الأوروبيون ~~أنفسهم بها منذ زمن.» # ويقول أمين الخولي: «نعم، هذا أشبه بالعميد.» # ويقول طه حسين: «المهم الآن حجز التذاكر بالطيارة للمدينة المنورة.» ~~••• # في القاهرة بعد العودة من المملكة العربية السعودية وفي منزل طه حسين بالزمالك، يجلس ~~الأستاذ كامل الشناوي مع العميد في مكتبه، وهو يسأل: «هل زرتم الأماكن المقدسة ~~مرتين؟» # الدكتور طه حسين يقول: «لا، مرة واحدة، وكنت في هذه المرة الواحدة مع الناس ومع نفسي في ~~وقت واحد .» # ويقول كامل الشناوي: «هذا كلام يحتاج إلى إيضاح.» # ويرد طه حسين: «إليك الإيضاح: لقد جرت العادة عندما يصل المرء إلى الكعبة أو المسجد ~~الحرام أن تتسلمه طائفة من أناس يسمون في مكة بالمطوفين، أي الذين يقومون بإجراءات الطواف ~~بالكعبة، ويسمون في المدينة بالمزورين، أي الذين يقومون بإجراءات الزيارة لقبر الرسول عليه ~~الصلاة والسلام.» # ويقول كامل الشناوي «مقاطعا»: «علمت أنكم سافرتم للمدينة المنورة في طائرة صغيرة خطرة مع ~~أنكم لا تركبون الطائرات أبدا، وسبق أن رفضتم دعوات هامة جدا لأمريكا ولروسيا والهند ... ~~لأن تلبيتها كانت تستلزم ركوب الطيارة، ولم تلبوا حتى دعوات ابنتكم وصهركم لزيارتهما وهما ~~في أي منصب في السلك الدبلوماسي في أي بلد لهذا السبب.» # ويقول له طه حسين: «لم يكن من الممكن أن أتخلف عن هذه الزيارة، ولم تكن هناك طريقة أخرى ~~غير الطيارة، كنت أحس أنه لا بد لي من زيارتها، ms191 لولا خوف الغرور لقلت إنها كانت دعوة من ~~خارج نفسي ... دعوة آمرة!» # ويستفهم كامل الشناوي: «دعوة آمرة؟!» # ويقول طه حسين: «دعوة آمرة لا بد أن تلبى.» # ويقول كامل الشناوي بعد سكوت: «نعود إلى المطوفين والمزورين.» # ويقول طه حسين: «حاولت جهدي أن أتخلص من المطوفين والمزورين ولكن محاولاتي ذهبت هباء، ~~ووجدتني بين أيديهم أردد بلا وعي ما يقولونه، ووجدتني في الوقت نفسه وحدي وإن كنت في ~~صحبتهم، كنت شخصية واعية بلا كلام، وشخصية متكلمة بلا وعي؛ كانت الشخصية المتكلمة تردد كلام ~~المطوفين والمزورين، وكانت الشخصية الواعية بلا كلام تناجي ربها في صدق وصمت وخشوع.» # ويسأل كامل الشناوي: «وبماذا ناجيت ربك في صمت وصدق وخشوع؟» # ويقول طه حسين: «بدعاء سبق أن ألقيته في فلورنسا، فأثار الدموع في عيون السامعين من غير ~~المسلمين، وأثار الشوق في قلبي أنا لزيارة مدينة الرسول. # أوله: اللهم لك الحمد. # وآخره: أنت إلهي لا إله إلا أنت. أنت نور السموات والأرض.» ~~••• # بعد خروج الأستاذ كامل الشناوي دخلت السيدة سوزان تسأل زوجها: «طال الحديث، أثقل ~~عليك؟» # ورد طه حسين: «لا، لم أحس بطول الحديث، كنت أتحدث عن رحلة الحجاز، أجد في نفسي راحة كبيرة ~~عندما أتحدث عنها فلا أحس بأن الوقت قد طال. تذكرين ما كتبته إليك وأنا هناك؟ لقد كتبت ~~إليك: «إن الإسلام هو دين الصفاء.» # وتقول السيدة سوزان: «نعم، أنت سعيد برحلتك إلى السعودية وأنا سعيدة بسعادتك، ولكن الآن ~~أريد أن أحدثك في موضوعات أرضية؛ أولا: موضوع البيت الذي نبنيه في طريق الهرم ومشاكل ~~المباني المتعبة، الحلم ببناء المنزل كان حلما كله سعادة، تحقيق الحلم أو خطوات تحقيق ~~الحلم كلها متاعب، وأخشى أنك لا بد أن تشاركني في البحث عن الحلول. ثانيا: أريد أن تملي ~~علي رد خطاب الدعوة لحضور مؤتمر البندقية، وهناك أيضا دعوة لمؤتمر في بيروت عن «مهمة ~~الجامعة في العالم العربي».» # ويقول طه حسين: «نعم هذه دعوة قديمة ومهمة، الجامعة في العالم العربي موضوع حيوي، وقد سبق ~~أن قبلت الدعوة لأهمية هذا الموضوع.» ~~••• # يخرج ms192 الدكتور طه من قاعة الاجتماع في بيروت، ويلتف حوله عدد من الشباب اللبنانيين يسألونه ~~عن اللغة العامية والأدب العامي ... # وطه حسين يكسو وجهه الجد عند سماع السؤال، وكان قبل ذلك يبتسم مرحبا بالشباب، ويقول لهم ~~جادا: «فلنحذر من أن نشجع الكتابة باللهجات العامية، فيمعن كل قطر في لهجته، وتمعن هذه ~~اللهجات في التباعد والتنافر، ويأتي يوم يحتاج فيه المصري إلى أن يترجم لهجته إلى كتب ~~السوريين واللبنانيين والعراقيين، ويحتاج أهل سوريا ولبنان والعراق إلى مثل ما يحتاج إليه ~~المصريون، كما يترجم الفرنسيون عن الإيطاليين والإسبانيين.» # ويسأل شاب لبناني: «وأي بأس في أن نكون مثل فرنسا أو إيطاليا أو إسبانيا؟» # ويرد طه حسين: «أيهما خير؟ أن يكون للعالم العربي كله لغة واحدة وهي الفصحى يفهمها أهل ~~مراكش كما يفهمها أهل العراق، أم أن تكون له لغات بعدد الأقطار التي يتألف منها؟ أما أنا ~~فأؤثر وحدة الفكرة، وأثق الثقة كلها بأن لها النصر آخر الأمر، وأرى أن وحدة اللغة خليقة بأن ~~يجاهد في سبيلها المجاهدون.» ~~••• # وعلى الباخرة إسبريا يقول طه حسين لزوجته، وقد ركبا الباخرة من بيروت: «لقد أوشكنا على ~~الوصول، هذه هي الإسكندرية.» # وترد سوزان: «ما أشد شوقك إليها!» # ويقول طه: «وأنت، ألا ترين منذ الآن وجوه المصريين تبتسم لك؟» # وترد سوزان: «نعم، أرض مصر كلها تبتسم ... وهذه المرة ستجد كثيرا من المستقبلين، تذكر ~~عندما عدنا عام 1949؟» # ويقول طه: «في عام 1949 كان الملك موجودا، وكان الملك غاضبا علي، ولم يكن من الحكمة ~~استقبال رجل قد غضب عليه الملك.» # وتقول سوزان: «والآن لحسن الحظ لا غضب ولا ملك، ولكن لسوء الحظ لا أمينة ولا زوجها أيضا ~~ولا الأولاد؛ حسن الزيات الآن في السادسة من عمره، وسوسن في الخامسة، ومنى في الرابعة، ~~وكلهم في طهران.» # ويقول طه: «محمد يقوم بعمل ممتاز هناك فيما أسمع، إنه قائم بأعمال السفارة كما تعرفين، ~~وقد كتب يلح علينا في أن نزورهم.» # وتسأل سوزان: «ألا نستطيع؟» # ويقول طه حسين: «لا سبيل للوصول إليهم إلا بالطيارة! ولولا ذلك ms193 لأسرعت بالسفر لأني أريد ~~أن أزورهم، ولأني أريد أن أزور إيران أيضا؛ الحضارة الإسلامية والعربية ملأى بأسماء من ~~إيران، وكل اسم من أسماء هذه المدن يثير في النفس الذكريات، تذكرين الأبيات التي كنت أغنيها ~~لحسن؟ # ألا يا أيها الساقي أدر كاسا وناولها # كه عشق أسان نمود أول ولي افتاد مشكلها» # وتسأل سوزان: «هذا شعر شاعر فارسي؟» # ويقول طه: «نعم، شعر حافظ الشيرازي، وشعراؤنا العرب زاروا إيران أيضا وتغنوا بجمالها، ~~المتنبي ركب حصانه هناك وسار في واد اسمه «شعب بوان»، فتن بالأرض الخضراء حوله ترتفع ~~جبالا، والماء يسيل منها إلى الوادي، فدفعه ذلك إلى مخاطبة حصانه.» # وتتساءل سوزان: «إلى مخاطبة حصانه؟!» # ويقول طه: «نعم، والمهم أن حصانه قد رد عليه.» # وتسأل سوزان: «رد عليه بالعربي؟! ولكن ألم يكن الحصان فارسيا؟!» # ويقول طه حسين: «تذكرين عندما أخذنا أمينة وهي صغيرة إلى فرنسا لأول مرة؟» # وتتذكر سوزان: «نعم، وسألتني عن الخيل التي رأيناها في فرنسا هل جنسيتها فرنسية! لكن قل ~~لي ماذا قال الحصان في إيران؟» # ويقول طه: «المتنبي هو الذي نقل إلينا ما قاله، قال: # يقول بشعب بوان حصاني # أعن هذا يسار إلى الطعان؟ # أبوكم آدم خلق المعاصي # وعلمكم مفارقة الجنان # لكن قولي لي يا سوزان هل آدم هو الذي خلق المعاصي أم حواء؟» # وتقول سوزان: «لا أرد على هذا الكلام. إذا لم نذهب قريبا إلى إيران فأرجو أن يحضروا هم ~~إلى مصر، عملت ترتيب إقامتهم في بيتنا الجديد.» # ويقول طه حسين: «بيتنا الجديد!» # وترد سوزان: «حديقة المنزل ستكون متسعة، يلعب فيها الأطفال الثلاثة، لكن المهم أن تنتهي ~~الأعمال المرهقة التي يسمونها «التشطيب»، وأن تنتهي ليلى ومؤنس من إعداد سكنهما.» # ويعود طه حسين للتأمل ويقول: «بيت لنا، وحديقة، وأمينة وزوجها، وأطفال لهما يلعبون في ~~الحديقة، ومؤنس وزوجته في مسكنهما الهادئ معنا في «رامتان»! اللهم لك الحمد، أنت نور ~~السموات والأرض!» # | رامتان! # في المنزل بالزمالك، طه حسين وزوجته يتناولان القهوة، وقد خلا المنزل من أثاثه الذي تم ~~نقله إلى المنزل الجديد في طريق ms194 الهرم. # تسأل سوزان: «هل سيكون لمنزلنا الجديد اسم؟» # ويرد طه حسين: «نعم، إن أردت.» # وتقول سوزان: «أريد، ماذا نسميه؟» # ويقول طه حسين - بعد تفكير: «رامتان!» # وتسأل سوزان: ««رامتان» كلمة عربية؟» # ويقول طه حسين: «نعم، الرامة موضع بالبادية يستريح لديه المسافر، وتثنى الكلمة فتصبح ~~«رامتان» ما دام البيت الجديد سيتكون من سكنين، سكننا وسكن مؤنس وليلاه.» # سوزان: «الاسم جميل، والمثنى جميل ... رامتان، سيكون في البيت سكنان، أرجو ألا نفترق عن ~~مؤنس كما افترقنا عن أمينة. لكن رامتان هل سيفهم الناس وخاصة الأصدقاء العرب معنى هذه ~~الكلمة؟» # ويقول طه حسين: «في المثل العربي القديم: «تسألني برامتين سلجما» يعني تطلب منه أن يحضر ~~لها السلجم، والسلجم هو «اللفت»، وهما في رامتين، ومن أين يأتي لها باللفت في ~~البادية؟!» # وتقول سوزان: «من يريد «اللفت» في رامتان؟ رامتان لن يوجد فيها لفت، سيوجد فيها بساط أخضر ~~تمشي عليه في هدوء كما تحب، وسنزرع فيها أشجار الفتنة التي تحب عطر زهورها، وقد استبقيت في ~~الأرض أشجارها القديمة الطويلة، لتدعو إليها الطيور وليغني في سمائها الكروان.» ~~••• # الاسم «رامتان» مكتوب على باب الفيللا الخارجي. # في الحديقة طه حسين مع ولده مؤنس يسيران عائدين إلى المنزل بعد جولة فيها. # يدخل الوالد وولده إلى غرفة الطعام وفيها السيدة سوزان وليلى، ويدخل الطباخ «محمد» الذي ~~كان يعمل في سكن الدكتور طه في الزمالك، والذي انتقل مع الأسرة إلى المسكن الجديد، فيحييه ~~مؤنس، ويدخل «السفرجي» الذي انتقل أيضا مع الأسرة من الزمالك، يقدم القهوة، ثم تنسحب ليلى ~~للراحة ويتناول الثلاثة القهوة، ويتحدثون عن خطاب وصل من أمينة من طهران تصف فيه زيارتين ~~قامت بهما مع زوجها وأولادهما الثلاثة إلى ساحل بحر قزوين ومدينة شالوس المشهورة بصناعة ~~الحرير ومدينة رامسار على ساحل بحر قزوين، وتقول إن ابنهما «حسن» يذهب إلى المدرسة ~~الأمريكية، و«سوسن» وأختها إلى مدرسة الليسيه، وهم جميعا موفقون في دراستهم والحمد ~~لله! # بعد القهوة، يصعد طه حسين إلى غرفته للراحة، وإلى جانب السرير جهاز راديو، يفتحه ليستمع ~~إلى القرآن الكريم، وفي ms195 الساعة الثالثة تصل مدام غنيم لتقرأ عليه كتابا من الكتب الفرنسية ~~الحديثة الوصول إلى القاهرة، وفي المساء ينزل إلى مكتبه، ويحضر سكرتيره فريد ليقرأ له ما ~~يريد، وقد يحضر الأستاذ إبراهيم الإبياري أو الأستاذ محمد الدسوقي من رجال المجمع لقراءة ~~بعض النصوص العربية القديمة، وقد يحضر بعض الأصدقاء مثل الدكتور سليمان حزين، والدكتور كامل ~~حسين، والشيخ أبو رية، والأستاذ عبده حسن الزيات، والمهندس عبد المجيد حسين شقيق الدكتور ~~الأصغر، والدكتور محمد عوض محمد، والدكتور سهير القلماوي، والدكتور يحيى الخشاب، والأستاذ ~~ثروت أباظة، والأستاذ كمال الملاخ، والأستاذ يوسف السباعي الذي يحدثه في شئون نادي القصة ~~واتحاد الكتاب والمجلس الأعلى للفنون والآداب، ويحضر أحيانا الأستاذ لطفي السيد الذي لم ~~ينقطع عن زيارته مع بعد المسافة بين منزليهما الآن، بين مصر الجديدة والهرم. كل من يدخل ~~المنزل لأول مرة يهنئ العميد بأول دار يملكها. # وبعد العشاء يجلس مع زوجه في الصالون يسمعان بعض الموسيقى، ثم تقرأ له زوجه في ~~كتاب. # المقطوعة الموسيقية هذا المساء هي موسيقى موزارت المسماة «القيثارة السحرية»، أما الكتاب ~~فأحد مؤلفات الكاتب الإيطالي إنجاريتي، فلقد طلبت إحدى الصحف الإيطالية من الدكتور طه حسين ~~مقالا عن الكاتب «إنجاريتي»، لنشره في العدد الخاص الذي تصدره عنه، وطه حسين يقرأ الكتاب ~~تمهيدا لكتابة كلمته وإرسالها للمجلة، زوجته تذكره بالفصل الجميل الذي كتبه عام 1949 في ~~الكتاب الذي أصدرته منظمة اليونسكو عن الشاعر الألماني «جيته»، فبين فيه أثر الحضارة ~~الإسلامية في مؤلفات الشاعر الألماني. ~~••• # في نفس الصالون يسمع طه حسين إعلان الرئيس جمال عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس من ~~الإسكندرية، بعد سحب العرض الأمريكي لمشروع السد العالي في أسوان. # يحس طه حسين بالقلق لتطور الأحداث، ولكنه معجب بمصر المستقلة التي تبادر فترد عن نفسها كل ~~إهانة. # ويقع العدوان الثلاثي على مصر وتشترك إنجلترا وفرنسا مع إسرائيل في العدوان. # طه حسين شديد الغضب على العدوان، يتحدث بالتليفون مع الأستاذ عبد القادر حاتم مدير إدارة ~~الاستعلامات، الذي يريد إصدار كتاب بأقلام عدد من الكتاب البارزين ms196 في مصر ضد هذا العدوان، ~~سيكتب طه حسين أول فصل من فصوله. # ويترك التليفون ويتحدث مع زوجته عن موقف فرنسا؛ إن فرنسا لا يمكن أن تؤمن بالحرية لنفسها ~~وأبنائها وتنكر هذه الحرية على غيرها من الأمم والشعوب، ويسأل عن شعار الثورة الفرنسية ~~«الحرية» هل هو للفرنسيين فقط؟ و«الإخاء» هل هو للأوروبيين فقط؟ وكذلك «المساواة»؟ ~~••• # وفي المكتب، يطلب طه حسين إلى سكرتيره أن يقرأ عليه المقال الذي كان قد نشره في جريدة ~~«الجمهورية» منذ عامين تقريبا بمناسبة اعتقال فرنسا للمراكشيين، الذين ثاروا عليها بعد ~~اعتقالها ونفيها للسلطان محمد الخامس. # السكرتير يقرأ: «ثار المراكشيون العام الماضي حين أراد الفرنسيون العبث بعرشهم وخلعوا ~~سلطانهم بغيا وعدوانا، وكان في هذه الثورة صدام بين الظالمين والمظلومين وكان فيها قتلى ~~من الفريقين، وقد تغلب الأقوياء بالطبع وأخذ المغلوبون من أصحاب الحق وألقوا في غياهب ~~السجون على أنهم ثاروا لحقهم، وغضبوا لكرامتهم، وأبوا أن يحكم عليهم من لا يحبون، فكان هذا ~~في نفسه إنكارا لأصل من أصول الثورة الفرنسية وانحرافا عن أساس من أسس الديمقراطية التي ~~تنكر الظلم، وتبيح للمظلومين أن ينكروه، وأن يصلحوه ما وسعهم إصلاحه.» # ويقول طه حسين: «اقرأ الفقرة الختامية للمقال.» # ويقرأ السكرتير: «هيهات لن تحترم حقوق الإنسان ولن ترعى كرامته، ولن تسمو الحضارة ~~الحديثة إلى المثل العليا، ولن تلغى الفروق بين الأقوياء والضعفاء إلا يوم يلغى نظام ~~الاستعمار إلغاء، ويوم لا يباح لفريق من أصحاب المطامع والمنافع أن يستغلوا ويستذلوا ~~شعوبا بأسرها، وأن يضحوا في سبيل منافعهم ومطالبهم ومطامعهم بحياة الناس وحقوقهم وكرامتهم، ~~ومن يدري؟ عسى أن يكون هذا اليوم قريبا، وعسى الله أن يكون أقرب مما يظن ~~المستعمرون.» # ويقول الدكتور طه: «نعم، وأظن أن هذا اليوم قد حل فعلا، إن هذا العدوان على السويس عدوان ~~ترتكبه دول ثلاث مدججة بالسلاح على شعب يريد أن يمارس حقه في أرضه ومائه، هذه نهاية عصر ~~الاستعمار ويجب أن تعلم إنجلترا وفرنسا ذلك، ويجب أن تعلمه مصر، وتعلمه كل الشعوب ~~المستعبدة، ولكن ... اتركني الآن وسنبدأ الإملاء ms197 بعد قليل.» # ويترك الدكتور طه المكتب عائدا إلى الصالون حيث تجلس زوجته. # ويقول لها: «سوزان، تذكرين وسام اللجيون دونور الذي منحته الحكومة الفرنسية لي من طبقة ~~جراند أوفيسيه؟» # سوزان: «تقوم إلى دولاب في الصالون فتفتحه وتخرج منه علبة وتقول نعم، وقد أحضرته، هذا هو، ~~إنك تريد أن ترده على فرنسا؟» # ويقول طه: «أنت تقرئين دائما صفحة ضميري.» # وتقول سوزان: «وضميرك لن يغفر لفرنسا أنها شاركت في العدوان.» # ويقول طه: «سوزان، أين مبادئ الحرية والإخاء والمساواة التي تربيت عليها؟ ما مقام فرنسا ~~في المغرب وتونس والجزائر بالرغم من أهلها واستغلالهم لهذه البلاد ولبلاد الشام بالقوة ~~والعنف؟ والآن ما هذا العدوان على مصر وهذا الانحدار إلى التواطؤ عليه مع إنجلترا وإسرائيل ~~عقابا لنا لمطالبتنا بتحرير المستعمرات الفرنسية وخاصة الجزائر وفقا للمبادئ التي تتأسس ~~عليها الدولة الفرنسية نفسها؟!» # وتقول سوزان: «ألا يتركونك لما يهمك من شئون الثقافة؟» # ويرد طه حسين: «وهل تنفصل شئون الثقافة عن شئون الحكم وشئون الاستعمار؟ تذكرين عندما كنت ~~أريد أن أنشئ معهدا للدراسات العربية والإسلامية في الجزائر؛ وافقت فرنسا أولا عملا بما ~~تفرضه حرية الثقافة ، ولكنها رفضت أخيرا عملا بما تفرضه سطوة الاستعمار؟» # وتقول سوزان: «أذكر.» # ويقول طه حسين: «وعندما أردت إنشاء معهد عربي في مدينة طنجة، قامت الدول الاستعمارية ~~المتحكمة هناك بمقاومة الفكرة بعنف شديد وساندتها فرنسا أو قولي دفعتها فرنسا إلى ~~المقاومة!» # وتقول سوزان في مرارة: «ذلك أن فرنسا تعرف خطر الثقافة، لك الحق كل الحق، إن فرنسا قد ~~اعتدت على مصر، ومصر محقة في غضبها وفي وقفتها ضد المعتدين، وأنت محق في غضبك. إنك سترد ~~الوسام الفرنسي، على أنك إنما ترده على الحكومة الفرنسية التي أمرت بالعدوان، والتي أعتقد ~~أن الشعب الفرنسي لا يمكن أن يوافق على تصرفاتها.» # ويقول طه: «إنما يغضب الشعب الفرنسي إذا فشلت الحكومة الفرنسية في عدوانها، وليس إذا نجح ~~العدوان! وهذا سبب جديد لضرورة المقاومة وإيقاع الهزيمة بالمعتدين.» # وتقول سوزان: «وهل يتيسر مقاومة ثلاث دول مدججة بالسلاح، وإيقاع الهزيمة بهذه الدول ~~الثلاث؟» ms198 # طه ~~: # نعم، نقاوم، وننتصر، بإيمان المظلوم بعدل كفاحه، ومعرفة المعتدي بظلم عدوانه # كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ~~بإذن الله # صدق الله العظيم. ~~••• # في حديقة رامتان يقول مؤنس لوالده: «كل شيء في الجامعة جميل، ~~الدراسة والتدريس، الطلبة، وكثير من الزملاء المشتغلين بالدرس والتدريس، ولكن ...» # طه حسين ~~: # ولكن؟ # مؤنس ~~: # هناك من الجامعيين الآن عدد لا يشتغل لا بالدرس ولا بالتدريس. # طه ~~: # ممن يسمون أنفسهم بالجامعيين؟ # مؤنس ~~: # أنت تخرف طبعا، لقد أهديت أحد كتبك إلى الذين لا يعملون ويؤذي نفوسهم أن يعمل ~~الناس. # طه حسين ~~: # وأنت ترى أن هذا يا مؤنس لم يمنعني من مواصلة العمل. # مؤنس ~~: # قرأت مرة أن وودرو ويلسون عندما انتخب رئيسا للولايات المتحدة حذره بعض أصدقائه ~~من مؤامرات ودسائس السياسيين في واشنطن، وأن ويلسون رد بقوله: وماذا تكون هذه ~~المؤامرات والدسائس في عاصمة الحكم؟ لا بد أنها ستعتبر من أعمال الهواة إذا قيست ~~بمؤامرات ودسائس الجامعيين! # طه حسين ~~: # لا شك أن الرئيس ويلسون كان يبالغ؛ لأنه إذا أصيبت جامعة بمثل هذا الداء فلن يكون ~~لها بقاء بين الجامعات. أريدك أن تعرف يا ولدي أن الخير هو الأصل، وإنما يفزعنا ~~الشر ويروعنا لأنه شاذ، وأن العمل والاجتهاد هما الأصل وغير ذلك استثناء يؤسف له، ~~ولكنه استثناء. # مؤنس ~~: # أنت تشجعني، وأنا في الحقيقة محتاج إلى تشجيعك؛ الغيرة والدسائس قبيحة، ولكنها ~~أقبح ما تكون عندما تمتلئ بها صدور المقربين إلينا ممن يلبسون لباس الأصدقاء، ولكن ~~لندع هذا لأن لدي خبرا أريد أن أسرك به ... لقد ذهبت ليلى إلى الطبيب هذا الصباح ~~... # طه حسين ~~: # وإذن سيكون لنا حفيد جديد؟ # مؤنس ~~: # ما أسرع ما فهمت عني! ولكنك طه حسين. # طه حسين ~~: # وماذا يكون خبر أسر له يرتبط بزيارة ليلى للطبيب غير ذلك؟ لقد أدخلت على قلبي ~~الفرح يا مؤنس، إنني أراها الآن، أرى طفلتك يا مؤنس تملأ «رامتان» حياة. والأشجار ~~هذه سيصبح لها معنى عندما يتسلقها أو تتسلقها ابنك أو ابنتك. # مؤنس ~~: # أنت حيران بين المذكر والمؤنث، من يدري ربما يلزم استعمال ms199 المثنى! تصبح على خير ~~يا أبي! لا بد أن أذهب إلى ليلى. # ويتأهب مؤنس للانصراف، ويقول له والده: «قبل عني ليلى، قبلها ~~مرتين أو ثلاثا إذا شئت! # وفي رامتان بعد ثمانية أشهر ... ~~••• # يقول طه حسين لزوجته وهو يتأهب للذهاب للنوم: «ألم يقل لنا الطبيب أن نترقب الحادث السعيد ~~هذه الليلة؟» # وترد السيدة سوزان: «ومتى كان الطبيب يستطيع أن يحدد اليوم والساعة؟ على أنه مطمئن جدا؛ ~~الحالة عادية تماما.» # ويقول طه حسين: «أذكر بالألم والرعب تعبك.» # وترد سوزان: «لم أعد أذكر مولد أمينة ومولد مؤنس إلا بالرضا والحب والحنان.» # ويقول طه حسين: «وإذن ننتظر خبرا من المستشفى هذه الليلة.» # وترد السيدة سوزان: «ليس هذه الليلة قطعا، هذا ما أكده الطبيب، اذهب لتنام ... سأستيقظ ~~مبكرة في الصباح.» # طه حسين ~~: # ألم يكن من الخير أن نكون معها؟ # سوزان ~~: # والدتها السيدة أمينة معها ومؤنس معها، والمهم الآن أن تستريح أنت. # طه ~~: # إن مؤنس غير مستريح في الجامعة، جميل أن يرث الولد عن أبيه مودة الصديق، ولكن من ~~القبيح أن يرث الأولاد بغضاء من أرادوا بآبائهم الشر، بعض زملاء مؤنس يزعمون أن ~~حصوله على الأجريجاسيون قبل الدكتوراه أمر لا يعتد به في حساب أقدميته؛ لأن مصر ~~لا تعرف شهادة الأجريجاسيون. # سوزان ~~: # مؤنس لا يفكر الآن لا في الأجريجاسيون ولا في الدكتوراه، إنه يفكر في زوجته وفي ~~مولودهما، وهو لذلك قلق ولكنه أيضا سعيد. تصبح على خير. # وتعود ليلى من المستشفى بعد عشرة أيام، تحمل ابنتها سعيدة بها وتقول ~~بصوت عال، وهي ما زالت في الحديقة: «أقدم لكم الآنسة أمينة مؤنس طه حسين»، وينهض طه ~~حسين ويسرع مع زوجته متجهين إلى مسكن مؤنس لاستقبال الآنسة أمينة مؤنس طه حسين وعمرها ~~أسبوع. ~~••• # في يونيو 1957 تدعو حكومة تونس طه حسين لزيارتها للإشراف على لجنة امتحانات آخر العام ~~لشعبة اللغة العربية والآداب في دار المعلمين العليا. طه حسين أول مصري وأول عربي يقوم بهذا ~~العمل في تونس بعد استقلالها عام 1956، الرئيس الحبيب بورقيبة يحتفل به احتفالا كبيرا؛ ~~إنه ms200 يذكر كيف أحسن طه حسين استقباله عندما فر لاجئا إلى مصر، وكيف قدم طه حسين إليه وإلى ~~حركة الاستقلال التونسية كل معونة ممكنة، وكيف دعاه للتحدث في الإذاعة المصرية، ويتذكر ~~بورقيبة كيف أن بعض رجال الإذاعة لم يعنوا به وهو لاجئ لا مكانة له، وكيف أن طه حسين هو ~~الذي آزره ومكنه من استعمال إذاعة مصر. لقد كان طه حسين مؤمنا بضرورة الكفاح وجدواه، ~~واثقا كل الثقة أن الاستعمار الفرنسي سينحسر عن تونس أمام مقاومة أهلها الصادقين ~~الصامدين. # وفي تونس يقرأ طه حسين مقالا لأحد علماء تونس «البشير بن سلامة»، يقول فيه: # إنني أذكر عندما كان الاستعمار الفرنسي جاثما على البلاد التونسية كيف كنا ~~نستقبل طه حسين في الأربعينيات ونحن تلاميذ بالمدرسة الصادقية، وكيف كانت أفكاره ~~ولغته تروي غلتنا التواقة إلى الجديد. وكانت آراؤه وأفكاره تبعث فينا ~~الاعتزاز بانتسابنا إلى الحضارة العربية الإسلامية الناهضة المتوثبة في مصر آنذاك، ~~وتحفزنا إلى الأمل الأكيد في الخروج من الهيمنة الاستعمارية والتبعية الفكرية، ~~وكانت مواقفه الذائدة عن الكيان المتحمسة إلى صيانة الثقافة العربية الإسلامية ~~بالتجدد والخلق؛ تعيننا أكثر على الكفاح من أجل حماية شخصيتنا التي كانت مهددة ~~بالمسح والتذبذب والذوبان. # ويقول طه حسين: «أستغفر الله! يظهر أن أهل تونس بطبيعتهم مبالغون!» ~~••• # وفي يونيه 1958 يدعو المغرب طه حسين لزيارته فيستقبله الملك محمد الخامس أعظم استقبال، ~~ويمنحه أكبر الأوسمة، فهو شديد التقدير لعلم طه حسين وأدبه، وهو لم ينس نهوض طه حسين ~~بالدفاع عنه ضد الفرنسيين عندما نفوه عن عرشه وعن بلاده، ويحضر الأمير الحسن (الملك الحسن ~~الثاني الآن) المحاضرة التي يلقيها طه حسين في كلية العلوم بالرباط عن مكانة اللغة العربية ~~والأدب العربي بين اللغات والآداب العالمية، وفيها يبين الدكتور طه حسين كيف انتشرت العربية ~~بقوتها الخاصة وبقوة الإسلام وقوة القرآن الكريم، فاستطاعت أن تكون لغة عالمية بأوسع معاني ~~هذه الكلمة، ويبين أنها لم تكن لغة حديث فحسب ولكنها كانت لغة حديث ولغة سياسة ولغة إدارة ~~ولغة الدين، وكانت في الوقت نفسه لغة التفكير ms201 والإنتاج الأدبي والعصري، ويقول إنها في أقل ~~من قرنين أساغت كل الثقافات التي كانت معروفة في العصور القديمة، وتمثلتها. # ثم يقول: «وبعد ذلك جاءت المعجزة الكبرى، وهي أن هذه اللغة التي انتشرت بهذه الطريقة ~~المدهشة أنشأت أمة جديدة قوامها اللغة العربية والدين الإسلامي عند الكثرة، والمسيحية ~~والإسرائيلية عند القلة، وكل هذه الأمم امتزجت والتأمت وأصبحت أمة واحدة هي الأمة الإسلامية ~~العربية وجعلت عناصرها المختلفة تتعاون على إنشاء هذه الحضارة الإسلامية العليا، التي لا ~~أعرف أن حضارة أخرى سبقتها في عالميتها وفي انتشارها.» ~~••• # وحيثما قابل طه حسين شباب المغرب ومثقفيه كان يسمع منهم طويلا ويتحدث إليهم، كانوا ~~يستصعبون النحو العربي فيقول لهم إن من اللازم ومن الممكن تيسيره، ويشكلون الكتابة العربية ~~التي لا بد أن يفهمها الإنسان أولا ليقرأها صحيحة بعد ذلك، فيقول طه حسين: «لقد أعلنت ~~مرارا وأعلن الآن أنه لا بد من إصلاح الكتابة العربية مع رفضي التام للكتابة بالحروف ~~اللاتينية، ويجب على هذا الجيل من العرب أن يبحث عن أحسن الوسائل لإتمام هذا الإصلاح ~~المطلوب والضروري.» # ويقول طه حسين ردا على سؤال عن قدرة اللغة العربية على التعبير عن مصطلحات السياسة ~~والحضارة الحديثة: «إن مجمع اللغة العربية بالقاهرة يسلك في هذا الشأن مسلكا حميدا، وهو ~~البحث عن الاصطلاح العربي القديم إذا وجد واستعماله إذا كان ملائما أشد الملاءمة وأدقها ~~للمعنى العلمي الذي يؤديه المصطلح الأجنبي، وإلا عرب المصطلح الأجنبي نفسه. وليس في ~~التعريب أي حرج، فإن كل الدول الأوروبية مثلا تستعمل اللفظين اليونانيين أكسيجين ~~وهيدروجين، ولا داعي لأن نحاول ترجمة هذين اللفظين للغة العربية.» ~~••• # ويزور طه حسين مدن الرباط ومكناس والدار البيضاء وفاس (حيث يستقبله الزعيم علال الفاسي) ~~وتطوان، ويصعد بالسيارة في جبال الأطلس إلى مراكش، ويتوقف عند قرية في الجبل أمام محل صغير ~~وقد استرعى نظر زوجته رداء مغربي أبيض جميل توقفت لشرائه. # وأمام المحل الصغير في القرية المغربية يتجمع بعض أهل القرية يتحدثون فيما بينهم عن ~~الزائر الذين عرفوا أنه طه حسين، ويتقدم رجل عجوز من ms202 سكرتير طه حسين ويقول له: «إن الأستاذ ~~لا يعرفني طبعا، أنا رجل من عجائز هذه القرية، ولكني أرسلت من هنا برقية إلى طه حسين في ~~القاهرة منذ سنين.» # ويلتفت طه حسين للعجوز ويسأله: «أرجو أن تذكرني ... ماذا كان موضوع البرقية؟» # العجوز ~~: # كنت أنت قد خطبت في الجامعة الأمريكية في القاهرة فقلت إنكم في مصر تتحدثون عن ~~المشرق العربي كثيرا ولكنكم يجب أن تذكروا أيضا المغرب العربي، وأن تهتموا كثيرا ~~ببلاد المغربي العربي. وعندما قرأت تلخيص حديثك في بعض الصحف التي وصلت إلينا هنا ~~أرسلت لك برقية أشكرك باسم المغرب العربي. # طه حسين ~~: # نعم، نعم، أذكر حديثي في الجامعة الأمريكية، وأذكر برقيتك، وأذكر أنك لم تذكر ~~فيها عنوانك فلم نرد عليك، وأذكر أن السيد السنوسي قد أرسل إلي من ليبيا برقية ~~تشابه برقيتك. لماذا لم تذكر عنوانك؟ # العجوز ~~: # لأني اعتبرت أن البرقية مرسلة إليك منا جميعا، من المغرب العربي وليس مني أنا ~~فقط. # وداخل المحل تقول السيدة سوزان: «ما أجمل هذا الرداء! سوف يكون جميلا عندما ترتديه أمينة ~~بنت مؤنس، سأعطيه لها عندما تحضر مع والديها لقضاء يومين معنا في إيطاليا، في تريستا، قبل ~~عودتنا إلى مصر.» # صاحب المحل يحاول أن يقدم الرداء هدية، ثم لا يتقاضى في آخر الأمر إلا أصل ثمنه دون أخذ ~~أي ربح من طه حسين. # وفي السيارة في طريق العودة إلى مدينة الرباط تعرض سوزان على زوجها الرداء الذي اشترته ~~لحفيدتهما، بنت مؤنس، ويقول طه حسين: «لقد طالت غيبتهم عنا، ولقد تفرق الجميع؛ إن أمينة ~~بنتنا مع زوجها وأولادهما في مقر عمل زوجها في الصومال، في مقديشو، ومؤنس وزوجته وابنته في ~~مقر عمله باليونسكو في باريس.» # وتسأل سوزان: «ألم يحن موعد استقلال الصومال بعد؟ أنا مشتاقة جدا إلى إعلان استقلال ~~الصومال، فإن مهمة محمد هناك كما أخبرني موقوتة بانتهاء الوصاية الإيطالية على الصومال ~~وإعلان استقلاله.» # ويرد طه حسين فيقول: «إن الموعد المحدد لإعلان الاستقلال حسب قرار الجمعية العامة للأمم ~~المتحدة هو الثاني من ديسمبر 1960، ولكن محمد ms203 أخبرني أنهم يجتهدون في تقديم الموعد إلى صيف ~~1960، وأنا واثق أنه سينجح. لقد أرسلت مصر إلى الصومال شبابا من أحسن شبابها، تذكرين كمال ~~الدين صلاح مندوبنا الذي استشهد هناك والذي حل محله محمد؟ سنقابل أمينة وأسرتها الصيف ~~القادم إن شاء الله، أما في هذا الصيف فسوف نرى ليلى ومؤنس وابنتهما في «تريستا» بعد ~~قليل.» ~~••• # وفي تريستا نرى أمينة بنت مؤنس مع أمها في الرداء الأبيض الذي اشترته لها جدتها من بلاد ~~المغرب، ونرى مؤنس يتحدث مع والده عن أعمال اليونسكو، يقول له إن أحد زملائه قد لفت نظره ~~إلى مقال لوالده يتحدث فيه عن الأمم المتحدة، وقرأ له منه فقرات جاء فيها: «لم أومن قط ~~بهيئة الأمم المتحدة، لأن هيئة أخرى شبيهة لها قامت في أعقاب الحرب العالمية الأولى، لم ~~تكف معتديا، ولم تقمع باغيا، ولم تقر أمنا، ولم تشع عدلا، ولم تزد على أن أنفقت ~~مالا كثيرا، وملأت الأرض كلاما وأوهاما، وأغرت الضعفاء أن يطمئنوا إلى ضعفهم، والأقوياء ~~بأن يتزيدوا من قوتهم»، والمقال الآن بين يدي مؤنس وهو يقرؤه على والده بكامله، يقول لأبيه: ~~«أنت تنهي المقال بقولك: «إن الخير كل الخير أن نذود عن حوضنا بسلاحنا، وألا نظلم أحدا، ~~وألا نرضى أن يظلمنا أحدا».» ويسأل طه حسين ولده: «أليس هذا صحيحا؟ ما اعتراضك على هذا ~~المقال إذن؟» # فيقول مؤنس: «على كل حال نحن الآن في 1959، وولدك يعمل في اليونسكو، وهي منظمة من منظمات ~~الأمم المتحدة، وصهرك مشغول بإعداد الصومال للاستقلال باسم الأمم المتحدة.» # ويرد طه حسين: «أنا لم أقل شيئا ضد اليونسكو، بالعكس هذه منظمة هامة تعمل في ميدان عظيم ~~الخطر، وأنت تعرف أنني شاركت في أعمالها وأنني شاركت من قبل ذلك في أعمال لجنة التعاون ~~الفكري التي كانت متصلة بالمنظمة الدولية السابقة؛ أي عصبة الأمم، إن الثقافة ميدان من ~~الميادين التي نرجو أن يتحقق فيها تعاون البشر للخير والحضارة والتي يتيسر فيها هذا ~~التعاون. وفيما يخص إعداد الأمم المتحدة للصومال للاستقلال، فهذا فضل واضح وخير عظيم، وأنا ms204 ~~سعيد جدا بعمل محمد هناك، وقد سبق لي أن كتبت أطالب بإلغاء نظام الاستعمار من أساسه، ولكن ~~الفضل الحقيقي في استقلال الصومال، عندما يستقل، لن يكون للأمم المتحدة، ولكن «الفضل» سيرجع ~~إلى هزيمة المستعمر الإيطالي في الحرب العالمية الأخيرة، وإلى أن المنتصرين، وهم الأمريكان ~~والإنجليز والروس والفرنسيون، لم يستطيعوا أن يتفقوا على من يرث الصومال، فانتهوا إلى أن ~~يرفعوا أيديهم جميعا عنها. هذه هي الحقيقة المؤلمة التي لا تغض من مجهودات مصر ولا من ~~مجهودات زوج أختك، فقد كان من الممكن جدا أن يستقر الاستعمار الإيطالي في الصومال لولا ~~هذه المجهودات المشكورة.» # ويقول مؤنس: «أنت متشائم، وعهدي بك التفاؤل.» # ويرد طه حسين قائلا: «أنا في الحقيقة متفائل، ولكني أريد أن يقوم التفاؤل وخاصة تفاؤل ~~الشعوب على أساس من التعقل والاحتياط. المهم كيف عملك الآن في اليونسكو؟» # ويقول مؤنس: «تعرف أننا نشرف على ترجمة التراث الإنساني إلى اللغات الحية باسم مجموعة ~~«الروائع» الإنسانية، وفيما يخص التراث العربي فإن اللجنة الدولية لترجمة الروائع، التي سبق ~~أن تقرر أن يكون مركزها بيروت، ستصدر قريبا كتاب «الأخلاق والسير» لابن حزم، وستترجم كذلك ~~كتاب الغزالي «أيها الولد» وكتابه «المنقذ من الضلال»، كما ستترجم «المقدمة» لابن خلدون ~~و«فصل المقال» لابن رشد، وغيرها.» # ويسأل طه حسين عن العملية العكسية؛ عن ترجمة الروائع الأجنبية إلى العربية. # ويجيب مؤنس: «تتم الآن ترجمة «مقال الطريقة» لديكارت، و«مسامرات الأموات» للوسيان، ~~و«العقد الاجتماعي» لجان جاك روسو، و«السياسات» لأرسطو ... صديق لطفي باشا.» # ويقول طه حسين: «نعم، وصديقي أيضا، إنك تذكر كتاب «نظام الاثينيين» لأرسطو الذي ترجمته ~~منذ ثلاثين عاما.» # ويلاحظ مؤنس أن هذا الكتاب أيضا قد ترجمه راهب لبناني للعربية، ويقول: «وأخشى أنه لم ~~يشر إلى ترجمتك التي سبقته بها بثلاثين عاما.» # ويقول طه حسين: «إن هذا لا يليق، وإن يكن غير مهم، فلعله لم يعرف أنني ترجمت الكتاب، ~~المهم أن تصدر هذه الترجمات، وأن تكون بين أيدي قرائنا العرب، إن الترجمة العلمية الدقيقة ~~وسيلة لتعارف الشعوب وتفاعل الأفكار الإنسانية وتلاقي الحضارات ... ولم ms205 توجد نهضة إنسانية إلا ~~وقد اقترنت بها حركة كبرى من حركات الترجمة سواء كان ذلك في بغداد على عهد الرشيد والمأمون ~~عندما أخذ العرب عن غيرهم، أو في أوروبا على عهد النهضة (الرينسانس) عندما أخذت أوروبا عن ~~العرب. إنك تبدو راضيا عن عملك موفقا فيه يا مؤنس فلله الحمد، وإن كانت القاهرة تبدو ~~موحشة من غيرك أنت وأختك، ومن غير أسرتيكما ... ورامتان التي كنا نحلم بها سنوات عديدة موحشة ~~بغيركم الآن. ثم يقول بعد فترة سكوت: «في بعض الأيام، أحس ونحن وحدنا في رامتان بشيء من ~~الوحشة التي يحس بها المرء أحيانا قبيل الغروب.» # | قبيل الغروب # في القاهرة، وفي مبنى مجمع اللغة العربية نرى طه حسين يتحدث مع رئيس المجمع لطفي السيد ~~باشا. # يقول لطفي باشا: «رأيته آخر مرة هنا في المجمع، يجادل عن اللغة العربية وعن إصلاح الكتابة ~~العربية، ويحاول ما استطاع أن يتم هذا.» # ويقول لطفي باشا: «عاد جسما بلا روح ...» # ويرد طه حسين قائلا: «كان ذلك يوم الخميس، ثم سافر إلى الحجاز، وبعد يومين إلى نجد، ثم ~~لم يمكث إلا أياما قليلة حتى عاد إلى وطنه.» # ويقول لطفي باشا: «عاد جسما بلا روح ...» # ويرد طه حسين: «الموت حق، وعبد الوهاب عزام كان خير من يعرف ذلك، وإنما أفكر من جديد فيمن ~~يبقون في هذه الدنيا بعد رحيل أصدقائهم، إنهم يموتون قليلا بموت الصديق، منذ أقل من ستة ~~شهور قمنا في هذا المجمع بتأبين زميلنا الأستاذ «ليتمان»، ومنذ حوالي سنتين ودعت صديقي ~~«هيكل».» # لطفي باشا ~~: ~~«كان وداعك لهيكل شديد الفعل في النفوس، قلت إنه كان زميل الشباب وصديق الكهولة ~~وأخ الشيخوخة.» # ويقول طه حسين: «قلت إن قلوب الأصدقاء قبور حية ... كل واحد من أصدقائنا الذين سبقونا إلى ~~جوار الله يحيا في قلوبنا بمقدار ما نحيا نحن، على أن هيكل وعزام وأمثالهما يعيشون أيضا في ~~ذاكرة أمتهم.» # ويرد لطفي باشا: «نعم، لقد كتب هيكل القصة، وشارك معك في تذليل الكتابة السياسية الصحفية، ~~شارك في جعل اللغة العربية ملكا للذين ms206 يكتبونها والذين يتكلمون بها ويطوعونها لحاجاتهم، ~~ومهد معنا طريق الحرية للأجيال المقبلة، حرية الرأي وحرية التفكير وحرية التعبير، وكتبه ~~الكثيرة ستبقى، ستعيش بعد موته.» # ويعلق طه حسين بقوله: «أذكر منها الآن كتابا ليس هو أكثر هذه الكتب شهرة، كان قد فجع ~~هو وزوجه بموت ولدهما، فحملها على السفر معه إلى أوروبا، يريد أن يلهيها عن حزنها، فكان هذا ~~السفر مصدر هذا الكتاب الرائع الذي ألفه بعنوان «ولدي»، ومصدر ما جاء فيه من أوصاف الجبال ~~والبحار والسماء والأجواء.» # ويلاحظ لطفي باشا أن هذا كتاب أملته على «هيكل» عواطف الحزن والحب والحنان. # ويرد طه حسين بقوله: «متى نفع الحزن من يحزنون؟ إنما نحن غرض لسهام لا نستطيع أن نجد عنها ~~محيدا ...» # ويقول لطفي باشا: «لقد تأثرت كثيرا بالبيتين اللذين بدأت بهما اليوم وداعك ~~لعزام.» # ويردد طه حسين البيتين: # لا يبعد الله إخوانا لنا ذهبوا # أفناهمو حدثان الدهر والأيد # نمدهم كل يوم من بقيتنا # ولا يعود إلينا منهم أحد # ويقول: «ألا يصور هذان البيتان ما نحس به أصدق وأدق تصوير؟ # ألسنا نمد الراحلين عنا كل يوم فيزدادون عددا ويقل عددنا نحن الباقين بعدهم؟» ~~••• # وتمر أيام فنرى طه حسين مع ولده وزوجته في مكتبه في «رامتان»، ومؤنس يقرأ على والده صحف ~~الصباح. # يقول مؤنس: «هذا خبر من روما: «قرر رئيس الجمهورية الإيطالية إيفاد السنيور مديتشي إلى ~~مدينة مقديشو مندوبا عنه للاشتراك في احتفالات استقلال الصومال، وتتضمن مراسم الاحتفال ~~تسليم مندوب رئيس الجمهورية الإيطالية السنيور مديتشي وثائق الاستقلال لرئيس مجلس الأمم ~~المتحدة الاستشاري للصومال الدكتور محمد حسن الزيات ممثل مصر في المجلس، الذي يسلمها للرئيس ~~المنتخب لجمهورية الصومال السيد آدن عبد الله عثمان، في أول ساعة من اليوم الأول من شهر ~~يوليو عام 1960.» # ويقول طه حسين: «لقد كتب محمد إلي يخبرني بذلك، لقد وفق هو وزميلاه في المجلس ~~الاستشاري للأمم المتحدة إلى الاتفاق مع إيطاليا ومع مجلس الوصاية الدولي للتعجيل ~~بالاستقلال، فهو سيعلن قبل الموعد الذي حددته الأمم المتحدة بستة أشهر.» # ويقول مؤنس: «المهم الآن ms207 هو أن أمينة ستعود هي وزوجها وأولادها إلى القاهرة قريبا، وإذن ~~فلن تحسوا بفراغ عندما نترككم أنا وزوجتي وابنتي للعودة إلى عملي في اليونسكو ~~بباريس.» # ويقول طه حسين: «إن استقلال الصومال، إن تم، ستكون له نتائج بعيدة الأثر في كل أفريقيا، ~~إن لبلادنا أن تفخر بعملها في الصومال لتحقيق استقلاله. وحضور أمينة ومحمد وأولادهما ~~سيسعدنا بطبيعة الحال ولكنه لن يملأ الفراغ الذي سوف يحدثه سفركم.» ~~••• # وينقضي الصيف ويتبعه الخريف ويقبل شتاء عام 1961. # فنرى الدكتور محمد كامل حسين في فيلا رامتان وهو يخرج منها إلى الحديقة مع طه حسين بعد أن ~~قام بفحصه فحصا دقيقا، وطه حسين يسير متعبا وكامل حسين يبدو مهموما ولكنه متمالك لنفسه، ~~ويجلس الصديقان على مقعدين متجاورين في الحديقة. # ويدخل الخادم بصينية عليها ستة أكواب ماء، فإنه يعرف أن الدكتور كامل حسين يحس بالعطش ~~دائما وأنه يطلب الماء باستمرار، ويضحك كامل حسين، ويفسر ضحكه لمضيفه فيضحك معه، ولكنه ~~يسأل بعد قليل: «ماذا وجدت يا كامل؟ وإن كان هذا السؤال لا يعني أنني سأثق فيما تقول ... أنت ~~ناظر مدرسة المنافقين، وقد قال تعالى: # إذا جاءك المنافقون ~~... ~~.» # وهنا تدخل أمينة وأمها، وأمينة تتلو ختام الآية: # والله يشهد ~~إن المنافقين لكاذبون ~~. # ويقول كامل حسين: «يا ستي أنت راجعة من الصومال شديدة الرضا عن نفسك، زوجك أعلن بنفسه ~~استقلال الصومال من شرفة الجمعية التشريعية الصومالية في منتصف الليل كما أخبرتنا الصحف، ~~وأنت عدت لنا بسلامة الله وما زلت فاكرة الآية الكريمة التي يستعملها والدك في اتهامه لي ~~بمنافقة والدتك.» # وتتساءل أمينة: «اتهام؟ وأنت تنكر التهمة يا دكتور؟» # ويضحك كامل حسين ويقول: «لا، لا، هذا الاتهام في نفسه شرف، ثم إن هذه تهمة عمرها الآن ~~أكثر من عشر سنين ونحن نبقيها تهمة معلقة، لا نثبتها ولا ننفيها ... تعالي نبحث عن زوجك لنشرح ~~له أصل الموضوع ولأحاول أن أقول لك الرد على سؤالك!» # ويدخل كامل حسين وأمينة إلى المنزل وينضم إليهما زوجها. # ويقول كامل حسين في جد: «لا بد من نقل الدكتور إلى ms208 المستشفى حالا، العمود الفقري يحتاج ~~إلى عملية ضرورية قطعا وإلا واجهنا خطر الشلل، ومن حسن الحظ عندنا الآن أستاذ من أكبر ~~أساتذة هذه العملية في العالم، جراح أعصاب سويدي اسمه أوليفا كورونا يجري عملياته الآن في ~~مستشفى الطيران، المستشفى الفرنسي سابقا، وطبعا سنجري هناك كل الفحوص وسيكون معنا كل من ~~يلزم من الأطباء ... مسئوليتكم كبيرة والسرعة لازمة.» # وتسأل أمينة: «متى؟» # ويرد الدكتور كامل: «حالا!» # وتقبل عليهم السيدة سوزان وتسأل: «ما الحالة يا دكتور؟» وتترك أمينة والدتها وتخرج من ~~المنزل لتجلس مع والدها في الحديقة. # ويقول طه حسين: «كامل إذن يرى أن الحالة خطيرة، هل يرى ضرورة للانتقال إلى ~~المستشفى؟» # وترد أمينة قائلة: «يظهر أن هناك أستاذا سويديا كبيرا اسمه «أوليفا كورونا» موجود ~~الآن في مستشفى الطيران بالعباسية لمدة أيام، والدكتور كامل يقترح أن تذهب ~~لاستشارته.» # ويرد طه: «لا يا ابنتي أبوك لا يرضى بنصف الحقائق. وينادي كامل.» # ويقبل الدكتور كامل ومعه السيدة سوزان ومحمد. ~~••• # وفي اليوم التالي، في مستشفى الطيران بالعباسية ترى أمينة وأمها وليلى العلايلي ومحمد ~~الزيات خارج غرفة العمليات. # وتقول السيدة سوزان : «مر أكثر من نصف ساعة على دخوله قاعة العمليات.» # ويرد محمد قائلا: «هذا منتظر، الدكتور أوليفا كورونا قال إنها ستستغرق أكثر من ~~ساعتين.» # وتقول السيدة سوزان: «لم يرضوا أن أدخل معه، منعوني من الدخول معه ...» # وتقول أمينة: «لم يدخل مع أوليفا كورونا إلا الدكتور البنهاوي والطاقم الذي حضر مع ~~الدكتور أوليفا كورونا من السويد.» # وتقول السيدة سوزان: «لم يكن حضوري سيضايقهم، كنت فقط أريد أن أكون معه.» # وفي القاعة الخارجية للمستشفى يتجمع عدد كبير من الأطباء والأصدقاء والأساتذة والطلبة وهم ~~ينتظرون في سكون، يحاولون إخفاء قلقهم على المريض العزيز. # ويخرج الدكتور البنهاوي مساعد «أوليفا كورونا» في العملية ويطمئن الموجودين. # يقول الدكتور البنهاوي: «الدكتور العميد نقل لغرفة الإنعاش، وكل شيء سار كما كنا نرجو أن ~~يسير، والحمد لله.» # وفي الداخل أمينة ومؤنس مع أمهما وهي متوترة الأعصاب، وابنتها تقول لها: «يا أمي إن أهل ~~شمال أوروبا، ومنهم ms209 السويديون، لا يعرفون التلطف في ذكر الحقائق، كل ما قاله هو أننا يجب أن ~~نعرف أن بين الاحتمالات ...» # وتقاطعها أمها تقول: «لقد قال إنه من المحتمل ألا يستطيع السير أبدا.» # ويقول مؤنس: «لماذا لا تتذكرين أيضا أنه قال إن العملية نجحت، وإن المرض قد أوقف تقدمه، ~~وإن من المرجو أن يستعيد أبي قدرته على السير قبل مرور زمن طويل.» # وترد السيدة سوزان: «لأن ما قاله مخيف، مخيف!» # وتقول أمينة: «الطبيب هو الله، وما أظن إلا أنه سيشمل برحمته رجلا يحبه وهو طه ~~حسين.» ~~••• # في صالون في فيلا رامتان عام 1962، الأستاذ عبد الرحمن بدوي مدرس الفلسفة في كلية الآداب ~~بجامعة القاهرة يقدم لطه حسين كتابا عنوانه «إلى طه حسين في عيد ميلاده السبعين»، معتذرا ~~عن تأخر إعداده وطبعه، ويقرأ عليه بصوت عال مقدمة الكتاب: # إلى العلم الشامخ في الأدب المعاصر # إلى الساحر بفصاحة لسانه، ونصاعة بيانه، وعذوبة موسيقى أسلوبه، وإيقاع ~~كلماته ونبراته # إلى الدكتور طه حسين # يهدي نفر من أصدقائه ومريديه، العارفين بعظيم فضله وبالغ أثره في الأدب والفكر ~~بعامة، والبعث الروحي العربي بخاصة، يهدون هذه الدراسات التي تدور حول موضوعات كان ~~له فيها جميعا مكان الصدارة، ومنزلة الملهم الأكبر، والفاتح لكثير من أغلاقها، ~~والمثير لعديد من مشكلاتها، والدارس الواعي المبين من نواحيها الدقيقة ~~والجليلة. # ويقول طه حسين: «إنني متطلع إلى قراءة هذه البحوث كلها، وهي بريئة فيما أرجو من هذه ~~المبالغات التي ألاحظها في المقدمة. هل تقرأ علي أسماء الباحثين العرب؟» # ويرد الأستاذ بدوي: «نعم، الأسماء هي: عبد العزيز الأهواني وبحثه هو أطول البحوث، وخليل ~~يحيى نامي، وعبد الهادي شعيرة، وشوقي ضيف، والأب جورج قنواتي، وعبد القادر القط، ومحمد ~~كفافي؛ من المصريين. ومن الدول العربية حسن باشا حسني عبد الوهاب، ومحمد عبد العزيز ~~الحبابي. ومن أوروبا ...» # طه # مقاطعا ~~: # سبق أن ذكرت لي أسماء الباحثين الأجانب. إن الذين شاركوا في هذا الكتاب من الإخوة ~~العرب هما أستاذان من أساتذة المغرب العربي؛ حسني عبد الوهاب من تونس، والحبابي من ~~المغرب. # لا غرابة ms210 في أن تقتصر المساهمة على علماء المغرب العربي، لأننا يظهر أننا في هذا ~~العام نلفت رأسنا، في كثير من الحزن، عن المشرق العربي؛ في سبتمبر تم انفصال سوريا ~~عن الجمهورية العربية المتحدة، وفي ديسمبر انحل اتحاد الدول العربية وانتهت بذلك ~~محاولة المشاركة مع اليمن. لقد تركنا طموحنا يسبق قدراتنا، ونسينا، في تلهفنا، أن ~~أساس النهضة في كل بلد من بلادنا وأساس التقارب والتضامن هو العلم، الذي لا بد أن ~~يتكافأ حظ شعوبنا منه، لنعرف على هداه أهدافنا وغاياتنا، ولنتبين ونسلك سبيلنا إلى ~~تحقيق هذه الأهداف والغايات. # ويرد الأستاذ عبد الرحمن بدوي قائلا: «نحن نتابع ~~مقالاتك في جريدة الجمهورية عن هذا الموضوع بالإعجاب الذي تعودته من تلاميذك، من تلاميذك في ~~كل بلاد العالم العربي.» # ويرد طه حسين قائلا: «أشكرك وزملاءك جميعا من جديد، هذا الكتاب ليس هدية جميلة فقط، بل ~~هو هدية عظيمة الفائدة أيضا، ثقوا أنني سأقرأ هذه البحوث جميعا، وسأقرؤها لأستفيد، ~~لأستفيد من علم تلاميذي وليس فقط من علم الزملاء.» ~~••• # وتمر الأسابيع ويقبل اليوم الحادي والعشرون من إبريل عام 1963، ونرى الدكتور طه حسين ~~وزوجته في السيارة متجهين إلى دار مجمع اللغة العربية. # ويقول طه حسين: «عرفته وأنا في سن الثامنة عشرة، هي إذن صداقة دامت أكثر من نصف ~~قرن.» # وترد سوزان: «وعرفته أنا معك منذ حضورنا إلى مصر، مدة تجاوزت الأربعين عاما، وتبدو لي ~~الآن أكثر من ذلك، إن عمر الصداقة لا يقاس بمرور السنين.» # ويقول الدكتور طه: «هو الذي حدثني لأول مرة عن أوروبا، هو الذي ذكر لي أسماء لم أكن قد ~~سمعت بها من قبل، أسماء فولتير، وجان جاك روسو، وديدرو، ومونتسكيو.» # وتقول سوزان: «ومع ذلك كان مصريا صميما، تذكر لهجته؟» # ويرد الدكتور طه: «نعم، كان يحب أن يحتفظ بلهجة إقليم الشرقية.» # ويتبارى في ذلك مع صديقنا الأستاذ مصطفى عبد الرازق ومعي، ونحن نتحدث بلهجتنا ~~الصعيدية. # وتقول سوزان: «كانا أخوين بالنسبة لك.» # ويرد طه: «كان لطفي أبا وأخا، كان يحدثنا عن السياسة المصرية والسياسة العالمية في غير ms211 ~~تكلف، منه سمعت ألفاظ الديمقراطية والأرستقراطية وحكم الفرد وحكم الجماعة وآراء الفلاسفة، ~~وكنا نقرأ في مقالاته أن الأمة فوق كل مقام.» # وتسأل السيدة سوزان: «فوق كل مقام؟! ألم يكن ذلك ~~حديثا شديد الجرأة في تلك الأيام؟» # ويقول لها زوجها: «نعم، كان يقول إن الحكام ليسوا في حقيقة الأمر إلا خداما أجراء للشعب، ~~يخدمونه ويأخذون منه أجرهم.» # وتقول السيدة سوزان: «ألم تذكر لي أن صاحبك أبا العلاء قال شيئا مثل هذا؟» # ويرد الدكتور طه: «نعم، قال أبو العلاء عن بعض الحكام الجائرين: # ظلموا الرعية واستجازوا كيدها # وعدوا مصالحها وهم أجراؤها # على أن لطفي السيد هو نفسه الذي حببني إلى أبي العلاء، وقد أسعدني جدا رضاؤه عن الرسالة ~~التي كتبتها عن أبي العلاء وقدمتها للحصول على درجة الدكتوراه من مصر.» # وتقول السيدة سوزان: «كذلك أذكر أنك لم تقدم رسالتك عن ابن خلدون إلى السوربون إلا بعد أن ~~أرسلتها من باريس إليه في القاهرة فقرأها واستحسنها.» ~~••• # ونحن نرى بعد ذلك داخل المجمع الدكتور طه حسين، نائب رئيس المجمع، ينهي خطابه في توديع ~~الرئيس. # يقول طه حسين: «إني فقدت كثيرا من الأحباء الأعزاء علي، فوجدت ما يجد الإنسان من ~~اللوعة والأسى، ولكني لم أجد قط مثل ما أجد الآن، بعد أن فقدت هذا الأب الرحيم والصديق ~~الحميم، ولم يخطئ الشاعر القديم حين قال: # ليس على طول الحياة ندم # ومن وراء المرء ما يعلم # يموت والد ويخلف مولود # وكل ذي أب ييتم» # وينصرف أعضاء المجمع بعد انتهاء الجلسة ويبقى طه حسين مع الدكتور مدكور. # يقول الدكتور إبراهيم بيومي مدكور لطه حسين: «كان عسيرا علينا حبس الدموع، هذا لطفي باشا ~~قد تركنا، الله المسئول أن يبارك لنا في عمرك.» ~~••• # بعد خمسة شهور، في فندق صغير في قرية كولي إيزاركو في سبتمبر 1963، نرى طه حسين مع ~~سكرتيره الذي يقرأ عليه البريد والصحف المصرية. # يقول السكرتير: «صدر قرار رئيس الجمهورية بتعيينكم رئيسا لمجمع اللغة العربية.» # يقول طه حسين: «يرحم الله لطفي السيد! ما أظن خسارة المجمع بوفاته يمكن ms212 أن تعوض، على أن ~~العمل ينبغي أن يستمر، عندما نعود أريد أن يعرض علي الأستاذ إبراهيم الإبياري أعمال لجنة ~~المعجم الكبير، إنني أريد أن نبذل مجهودا أكبر في هذه اللجنة.» # ويقول السكرتير: «وعندكم أيضا لجنة الأدب ولجنة ألفاظ الحضارة المتفرعة منها.» # وينقضي الصيف ويعود طه حسين إلى مصر، فنراه في مكتب رئيس المجمع، وقد انتهى الأستاذ ~~إبراهيم الإبياري من عرض ما طلبه الرئيس فيستأذن في الانصراف، ويدخل الدكتور إبراهيم بيومي ~~مدكور فيقول له طه حسين: مرت الآن سبع سنوات منذ نشر المجمع خمسمئة صفحة تقريبا من المعجم ~~الكبير في طبعة محدودة ليتلقى عليها ملاحظات المتخصصين، هل ترى جاء الوقت بعد مرور هذه ~~السنوات السبع لكي ينشر المجمع الجزء الأول من المعجم الكبير؟ # ويرد الدكتور مدكور قائلا: «إن هذا المعجم يحظى كما تعلمون بما لم يحظ به معجم قبله من ~~الدرس المتصل والمراجعة الدقيقة والمتابعة الواعية؛ المحررون، الذين دربوا في كنف المجمع ~~وتحت إشرافه، يعملون في جد ومثابرة، والمتخصصون في اللغة العربية وكذلك اللغات السامية ~~والشرقية يراجعون، ويعرض العمل بعد ذلك كله على لجنة المعجم الكبير، واللجنة لا تتردد في ~~الرجوع إلى الزملاء المجمعيين من غير أعضائها في نواحي اختصاصهم، ثم يجيء بعد ذلك دور أعضاء ~~مؤتمر المجمع ولهم دائما ملاحظاتهم وتوجيهاتهم السديدة، وهذا كله يستلزم وقتا وصبرا لا ~~أرى أن يبخل بهما المجمع على هذا العمل الذي سيكون عملا خالدا في تاريخ اللغة العربية ~~بإذن الله.» # ويقول طه حسين: «طبعا لا نريد التعجل، ولا نريد أن نبخل على هذا العمل بشيء، لا الوقت ~~ولا الصبر ولا الجهد المضاعف، ولكن الزمن يمر، وأخشى ألا يكلل عمل المجمع ولجنة المعجم بما ~~نأمله من النجاح في وقت معقول.» # ويرد الدكتور مدكور قائلا: «أرجو ألا يتأخر صدور الجزء الأول كثيرا، على أنه لن يتسع ~~فيما أظن إلا للحرف الأول من حروف الهجاء.» # طه حسين ~~: ~~«أعمارنا قصيرة وآمالنا بعيدة الآماد، سمعت صهري أخيرا يقرأ شعرا فارسيا ~~يقول: «العمر عمر الزهور والآمال آمال النسور»!» ~~••• # وفي رامتان ms213 في شهر مارس 1964 وفي غرفة مكتب طه حسين نرى «لجنة الأدب» من لجان المجلس ~~الأعلى للثقافة، وقد انتهت من اجتماعها برياسة طه حسين وأعضاؤها يأخذون في الانصراف. # ويسأل طه حسين الأستاذ يوسف السباعي: «كيف حال الأستاذ العقاد اليوم؟» # ويرد الأستاذ السباعي بقوله: «سمعت أن صحته تتقدم، وكان قد رفض الانتقال إلى المستشفى، ~~ويظهر أنه كان مصيبا فهو يسترد الآن عافيته ونشاطه دون أن يغادر البيت.» # ويقول طه حسين: «مضى الآن أكثر من أربعين سنة وأنا أتابع كل ما يكتبه الأستاذ العقاد وهو ~~يتابع كل ما أكتبه، وعندما يهدي إلي كتابا من كتبه يقول إنه ليس هدية ولكنه قرض ينتظر ~~مني أن أؤديه بتأليف كتاب جديد وإهدائه نسخة منه!» # ويقول يوسف السباعي: «لقد دخلتما المجمع في يوم واحد.» # ويرد طه: «نعم، كنا عشرة، كان أحمد أمين يسميهم العشرة الطيبة: هيكل ومصطفى عبد الرازق ~~وعلي إبراهيم والمراغي وعبد العزيز فهمي ولطفي وعبد القادر حمزة وأحمد أمين والعقاد وأنا، ~~إنه زميل قديم وكاتب كبير. على أنه، وهذا هو الأهم، رجل بمعنى الكلمة، لقد جاءني بعض الشباب ~~يوما فانتهى حديثهم إليه، وأخذوا يوجهون إليه من الانتقاد ما كانوا يعتقدون بغير شك أنه ~~سيرضيني، فقلت لهم إن هناك في أغلب الظن، في نفس ذلك الوقت، شبابا مثلهم في مجلس العقاد ~~يحاولون أن ينالوني بمثل ما تحاولون أنتم أن تنالوه به، وقلت إنني ما أظن العقاد سيسر ~~بذلك أو سيعجب به، فإنني أنا لم أسر بما قلتموه الآن عنه، ولم أعجب به. # إن العقاد كان هو النائب الوفدي الوحيد الذي وقف في مجلس النواب يدافع عني ضد هجمات ~~زملائه، وهو مدرك أن رئيس المجلس وهو سعد زغلول باشا ذاته، لم يكن يكره في ذلك الوقت أن ~~تزداد نار هجومهم اشتعالا. وبعد سنوات، عندما أقصاني حلمي باشا عيسى عن الجامعة ثم عن ~~الحكومة، كتب العقاد مقالا عنوانه أن حل مشكلة الجامعة هو أن يستقيل وزير المعارف، وختمه ~~بأن أحدا لن يأسف على استقالة الوزير لا من ms214 خصومه ولا حتى من رجال حزبه!» # ويقول الأستاذ السباعي: «لقد قامت بينكما مساجلات في موضوعات شغلت الصحف المصرية كلها، ~~مثلا خلافكما حول الثقافة اللاتينية والثقافة السكسونية، والذي استفاد حقيقة من هذه ~~المساجلات هو جمهور القراء.» # ويقول طه: «لم يرد في هذه المساجلات لفظ واحد ينبو عنه الذوق السليم، ولقد كانت سببا ~~ووسيلة لتنشيط حياتنا الأدبية.» # ويقول السباعي: «لقد أهديت قصتك دعاء الكروان إليه.» # ويرد طه قائلا: «نعم، قلت إنها تحية خالصة من صديق مخلص.» # ويقول السباعي: «ولكنك انتقدت بعنف بعض كتبه، مثلا كتابه عن أبي نواس.» # ويقول طه: «وهل ينتقد الكاتب من أعمال زملائه إلا ما يستحق العناية به؟ على أن انتقادي ~~كتاب العقاد عن أبي نواس ناشئ أساسا عن استعمال العقاد فيه لأساليب المحللين النفسيين، ~~ولست أدري حظ هؤلاء المحللين النفسيين من التوفيق في تعاملهم مع الأحياء، فكيف بتحليلنا ~~لنفس الأموات؟ وعندنا الدكتور مصطفى زيور، وهو من تلاميذي الذين أحبهم، ولكني أداعبه دائما ~~بالتشكيك في هذا العلم الذي تعلمه في باريس.» # وبعد لحظة سكوت يقول طه حسين: «أظن يحسن أن نسأل عن الأستاذ العقاد ولو أن الوقت ~~متأخر.» # ويطلب السكرتير منزل الأستاذ العقاد بالتليفون ويتحدث طه حسين إلى من يرد عليه، ثم يقول: ~~«الحمد لله، وإذن نراه في جلسة المجمع القادمة إن شاء الله.» ~~••• # ولكن عباس محمود العقاد ينتقل إلى رحمة الله قبل أن يعقد المجمع هذه الجلسة، ونحن في ~~اليوم التالي نرى طه حسين يملي على سكرتيره مقالا لجريدة الجمهورية، يقول فيه: # وكذلك فارقتنا أيها الأخ الكريم والصديق الحميم والزميل العزيز، فارقتنا فجأة على ~~غير إذن لنا بهذا الفراق، وعلى غير انتظار من عوادك وأطبائك ومن أهلك الأقربين، ~~الذين كانوا يحوطونك بعنايتهم ورعايتهم، والذين كنا نسألهم عنك فلا نسمع منهم إلا ~~خيرا كل خير. # ولقد سألتهم أمس حين تقدم الليل فأنبئوني بأنك على خير حال، سعدت بذلك، وعرفت أن ~~الملتقى في مجمع اللغة العربية قريب، ولكني أصبح فإذا النبأ يفاجئني فيقع علي ~~موقع الصاعقة! وأقسم لقد ذهلت له ms215 ذهولا أفقدني الشعور بمن حولي وما حولي أو كاد ~~يفقدني هذا الشعور. # إيه أيها الأخ الكريم، إن موتك لا يفجع أسرتك وحدها، ولا وطنك وحده، وإنما يفجع ~~العالم العربي كله، فقد كنت علما من أعلام العروبة الشاهقة، ونجما من نجومها ~~المشرقة، ملأت الدنيا أدبا وحكمة وفلسفة وعلما، تألق نورك بين مواطنيك منذ شبابك ~~الأول وما فتئ أن تجاوز وطنك وأشرق على العالم العربي كله، ثم لم يلبث أن تجاوزه ~~إلى المعنيين بشئون الأدب العربي في جميع أقطار الأرض. # أنت أيها الأخ الكريم والصديق الحميم والزميل العزيز ملأت الدنيا حقا وشغلت ~~الناس حقا، وستشغلهم بعد وفاتك أكثر مما قد شغلتهم في حياتك. # ما أشد ما كان بينك وبيني من خصام في السياسة أحيانا وفي الأدب أحيانا أخرى! ~~وما أحلى ما كان بينك وبيني على ذلك من مودة وإخاء ووفاء! # وينتهي طه حسين من الإملاء، ويطلب إلى السكرتير أن يأخذ المقال لجريدة الجمهورية، وأن ~~يتركه وحده لا يدخل عليه أحد. ~~••• # بعد قليل تدخل السيدة سوزان وتقول: «فريد قال لي إنك لا تريد أن يدخل عليك أحد.» # ويرد طه حسين: «نموت قليلا عندما يغادرنا في هذا الدنيا الأهل والأصدقاء، لقد كنت بالأمس ~~أذكر الأعضاء العشرة الذين دخلت معهم المجمع عام 1940، لقد ودعنا منهم الآن لطفي وهيكل وعبد ~~العزيز فهمي ومصطفى عبد الرازق، كما ودعنا علي إبراهيم والمراغي وعبد القادر حمزة وأحمد ~~أمين والآن العقاد، لم يبق على قيد الحياة من الزملاء العشرة سواي!» # سوزان ~~: ~~«أليست هذه هي سنة الحياة؟ هل تريد أن تستريح في غرفتك؟» # ويقول طه: «لا، ابقي معي قليلا.» # فتقول سوزان: «وصل خطاب من أمينة من نيويورك، يظهر أن زوجها قد تقرر تعيينه سفيرا في ~~الهند، وسيمرون علينا في طريقهم إلى نيودلهي.» # ويرد طه قائلا: «من نيويورك إلى الهند؟! سيبقون إذن بعيدين عنا بعدا عظيما ... سيمرون، ~~تقولين إنهم سيمرون فقط؟ متى يسافرون إلى الهند وترى متى يعودون؟!» ~~••• # في مارس 1965 يزور الدكتور طه حسين ابنته في منزلها بالمعادي، وقد عاد زوجها ms216 من الهند؛ ~~حيث نقل الآن وكيلا لوزارة الخارجية، فيجد عند صهره عددا من سفراء الدول يدور الحديث ~~معهم حول حاجة الدول المسماة بدول العالم الثالث إلى التعاون والتكامل فيما بينها أولا، ~~لتتعامل بعد ذلك وتتعاون مع الدول الكبرى. # ويقول الدكتور طه حسين: «لا بد أولا أن تحقق كل هذه البلاد لنفسها الحرية الكاملة، وأن ~~تحقق لشعوبها العدل الاجتماعي.» # ويرد سفير الباكستان قائلا: «الحرية والعدالة! إن كل المذاهب السياسية تدعي أنها تستهدف ~~ذلك!» # ويقول طه حسين: «إن كثيرين منا يفكرون في العدل الاجتماعي ومظاهر المطالبة به والسعي ~~إليه، ينظرون إلى الديمقراطية المعتدلة، وينظرون إلى الاشتراكية الدولية وإلى الاشتراكية ~~الوطنية وقد ينظرون إلى الشيوعية في كثير من التردد والاستحياء، ولكنهم لا ينظرون أو لا ~~يكادون ينظرون إلى فكرة المطالبة بالعدل الاجتماعي كما وجدها المسلمون قبل أن ينتصف القرن ~~الأول للهجرة، ومع ذلك فقد كان للمطالبة بتحقيق العدل الاجتماعي في التاريخ الإسلامي أبطال ~~من حقهم أن يدرسوا، وأظن أن شاعركم محمد إقبال قد ألف كتابا اسمه «مجلس الشيطان» تحدث ~~فيه بشيء من ذلك، فقد حدثني مضيفنا اليوم الدكتور الزيات عن هذا الكتاب.» # ويقول سفير الباكستان: «نعم، الكتاب معروف، والشيطان في هذا الكتاب لا يخاف من كل هذه ~~المذاهب، بل إنه يسر لما ينشأ عنها من اختلاف ونزاع، ولكنه يخشى الإسلام ويخاف مبادئه، ~~وبهذه المناسبة كم تحب الباكستان لو استطعتم زيارتها!» # ويقول طه حسين: «عندما كان صهري سفيرا في الهند نقل إلي دعوة من رئيس الجمهورية ~~الهندية لزيارة بلاده، وكم كنت أحب أن أزورها وأزور بلادكم أيضا! فأنتم شركاء في تاريخنا ~~الإسلامي، وأنت شركاء في مستقبلنا أيضا، ولكن الوصول إليكم يستلزم ركوب الطائرة، وأنا لا ~~أركب الطائرة، لم أركبها إلا مرتين؛ مرة لزيارة مدينة الرسول # صلى الله عليه وسلم # ومرة لزيارة المغرب، ~~وكانت الرحلة إلى المغرب من باريس، أي عبر البحر الأبيض فحسب.» # ويقول السفير الباكستاني: «يمكن التفكير في رحلة بحرية من بورسعيد إلى كراتشي.» # ويرد طه حسين: «لا أظن أنه توجد الآن خطوط ms217 ملاحية منتظمة.» # ويقول السفير الباكستاني: «لا للآسف، ولكن نرجو أن توجد في المستقبل، لقد كنا نتحدث عن ~~ضرورة تعاون دول العالم الثالث، وتسهيل المواصلات بين هذه الدول هو من أهم وسائل ~~تعاونها.» # ويتدخل في الحديث السفير العراقي فيقول: «نحن ننتظر زيارتكم للعراق أولا، إن أهل العراق ~~يتابعون كتاباتكم بنفس الاهتمام الذي يتابعها به المصريون، ولا أريد أن أقول باهتمام أكثر، ~~ومنذ ستة أعوام كتبتم مقالا تستنكرون فيه مذابح الموصل التي كانت تزعج العالم العربي كله ~~كما كانت تزعج ضمير العراق، فكان لمقالكم أثر في بلادنا دعا رئيس محكمة الثورة، السيد ~~المهداوي، إلى وقف جلسات محكمته ليخصص جلسة للرد عليكم، وكان رده سبابا، وكان أثر هذا الرد ~~في إثارة نفوس الناس ضد المهداوي وكل ما كان يمثله أشد وأعنف من تأثير مقالكم نفسه! وبهذه ~~المناسبة لم نعد نقرأ لكم يا سيدي شيئا في جريدة الجمهورية منذ فترة.» # ويقول طه حسين في هدوء: «منذ فترة استغنوا عن خدماتي يا سيدي، علمت ذلك من خطاب وصلني ~~بالبريد، جاء فيه أن الجريدة تستغني عن خدمات عدد من المحررين منهم طه حسين.» # ويهم السفير بالتعليق ثم يسكت، ويحل الصمت على المجتمعين، ثم يقطعه أحدهم بقوله: «لقد ~~أوشكت الشمس على المغيب، ونحن هنا منذ وقت الغداء، نستأذن الآن، وقد أسعدنا حقيقة أن نلبي ~~هذه الدعوة، ويشرفنا خصوصا أن نقابل فيها عميد الأدب العربي.» # وينصرف المدعوون وصاحب الدار يودعهم حتى الباب. # ويقول طه حسين لابنته: «أظن أن الأحسن أن نترك الحديقة وندخل البيت الآن، لقد أوشكت الشمس ~~فعلا على الغروب.» # | النفس المطمئنة # في الطريق إلى إيطاليا أو فرنسا، تتوقف بعض السفن القادمة من مصر في بعض الرحلات عند ~~جزيرة صقلية، وقد يطول توقفها ساعات تغري ركابها بزيارة الجزيرة وما فيها من آثار، وقد لا ~~يتسع الوقت لهذه الزيارة فيكتفون بإطالة النظر إلى شواطئها التي تنتشر فيها أشجار البرتقال ~~والكروم وإلى هضابها التي تكسوها أشجار اللوز والزيتون. # وقد توقفت عند الجزيرة السفينة التي كانت تقل طه حسين في ms218 رحلة من رحلات الصيف، فأخذ ~~يستعيد ذكرى العهد الذي كانت الجزيرة فيه موطنا من مواطن حضارة العرب والمسلمين، يتحدث ~~أهلها بالعربية في الأسواق وفي أحواض الميناء، يلبون دعوة المؤذنين للصلاة، ويسمعون القرآن ~~يرتله المرتلون تحت ظلال النخيل. # لقد طال بقاء العرب في جزيرة صقلية أكثر من مئتين وخمسين عاما، كانت الكتب العربية ~~أثناءها متداولة بين أهل الجزيرة ينسخونها ويقرءونها سواء في ذلك ما كان منها يسيرا مثل ~~كتاب ألف ليلة وليلة، وما كان منها يحتاج إلى الدرس الجاد مثل مؤلفات أبي العلاء. وعندما ~~انتهى حكم العرب للجزيرة ووصل فردريك الثاني، ملك صقلية وإمبراطور الإمبراطورية الرومانية ~~المقدسة، إلى حكمها لم يستنكر استقرار الثقافة العربية فيها، ولم يسخطه تغلب الحضارة ~~العربية عليها، بل أخذ هو نفسه يقلد سلاطين العرب في أزيائهم، وفي هواياتهم ومن أهمها القنص ~~بالصقور، وأحاط نفسه بحراس من العرب، وتزوج منهم مسيحية سورية اسمها يولندا، ولم يكترث في ~~ذلك كله باعتراضات خصومه وناقديه وحاسديه الذين كانوا يعيبونه لتأثره بعادات وثقافة ~~المسلمين، ويلقبونه لذلك بالزنديق الكبير. # 1 # والوقوف بجزيرة صقلية لا شك قد استدعى إلى ذاكرة طه حسين كذلك ابن حمديس الصقلي وشعره، ~~وجوهر الصقلي ومولاه، منشئ مدينة القاهرة وباني الجامع الأزهر، كما استدعى إلى ذاكرته ~~النهضة التي قامت بها جامعة بالرمو، وهي أقدم جامعات القارة الأوروبية، متأثرة بتراث ~~اليونان وعلوم الإسلام. ~~••• # وفي عام 1965 أهدت جامعة بالرمو درجة الدكتوراه الفخرية لطه حسين، وكانت صحة طه حسين قد ~~ضعفت بعد الجراحة التي أجريت له عام 1961 فلم يعد قادرا على تحمل مشقات السفر إلى بالرمو ~~لتلقي الدرجة الفخرية من الجامعة، ولحضور الاحتفالات التقليدية التي تقام في مناسبة منحها، ~~ولذلك كلفت الجامعة سفير إيطاليا في القاهرة «السنيور سورو» بأن يحمل درجة الدكتوراه ~~الفخرية إلى طه حسين في مسكنه في رامتان، وقد حمل السفير معه - وهو يقوم بهذه الزيارة - ~~ترجمة إيطالية للجزأين الأول والثاني من كتاب الأيام. # في رامتان قام السفير بتقديم درجة الدكتوراه إلى طه حسين، وتحدث عن مدينة بالرمو وكيف ms219 ~~كانت تعرف في القرن الثالث عشر بمدينة اللغات الثلاث: اللغة اليونانية واللغة اللاتينية ~~واللغة العربية، وكانت تفخر بأنها وارثة أعظم حضارتين من حضارات البحر الأبيض المتوسط وهما ~~حضارة الإغريق، وحضارة العرب. # وقد قال طه حسين للسفير إن العرب المعاصرين مقصرون في دراسة تلك الفترة من فترات التاريخ، ~~وكذلك إيطاليا مقصرة، وهو يرجو أن تعنى جامعاتنا بتقوية روابطها بجامعة صقلية، وأن يبذل ~~الطرفان مزيدا من العناية بدراسة عهود الحضارة العربية والإسلامية في بلاد وجزر البحر ~~الأبيض المتوسط، وأشار إلى أن مصر قد خطت خطوة في هذه السبيل عندما أنشأت معهد مدريد في ~~إسبانيا، وإنها جديرة أن تضيف إلى هذه الخطوة خطوات مثلها وأكبر منها في المستقبل. # وينتقل الحديث إلى كتاب الأيام، الذي حمل السفير ترجمته الإيطالية، فيقول طه حسين إنه ~~حقيقة لم يعد يعرف عدد اللغات التي ترجم إليها الكتاب في بلاد غرب أوروبا وفي شرقها وفي ~~بلاد آسيا وأفريقيا وأمريكا الشمالية والجنوبية. # ويقول السفير: «لقد سمعت أن الكتاب قد طبع أيضا بطريقة بريل للمكفوفين في كثير من ~~اللغات»، فيقول طه حسين إنه قد طبع بهذه الطريقة في اللغة العربية أيضا منذ أكثر من عشر ~~سنوات، وإنه قد أملى لهذه الطبعة مقدمة خاصة بها أعطاها لأحد تلاميذه وهو الدكتور عبد ~~الحميد يونس، يتذكر أنه قال فيها: «إن المهم هو أن يلقى الإنسان حياته باسما لا عابسا، ~~وجادا يحمل نصيبه من أثقالها، ويؤدي نصيبه من واجباتها، ويحب للناس مثلما يحب لنفسه، ~~ويؤثر الناس بما يؤثر به نفسه من الخير، ولا عليه بعد ذلك أن تثقل الحياة أو تخف وأن يرضى ~~الناس أو أن يسخطوا.» # ويقول طه حسين وهو يودع السفير ويشكره: «سنسافر هذا الصيف إلى إيطاليا كعادتنا الآن، ولعل ~~الباخرة أن تتوقف عند صقلية هذه المرة، مع أنها نادرا ما تفعل ذلك، فيتاح لي أن أشكر رجال ~~الجامعة شخصيا على هذا التكريم العظيم.» ~~••• # وتقيم مصر عيد العلم في سنة 1965 فيفاجئ الرئيس جمال عبد الناصر، رئيس الجمهورية، ~~الحاضرين بإعلانه منح قلادة النيل ms220 لطه حسين. # وقلادة النيل هي أعلى أوسمة مصر شأنا، يهديها رئيس الدولة لزملائه من رؤساء الدول، لم ~~يسبق أن أهديت لمن هو دونهم في مراتب المراسم، فلم تهد لرئيس وزراء ولا لوزير، لا في مصر ~~ولا في خارج مصر، ولكن رئيس الجمهورية يهديها الآن لرجل من عامة الشعب «أنفق حياته جادا ~~لا لاعبا، وتحمل نصيبه من أثقال الحياة، وأدى نصيبه من واجباتها، وأحب للناس ما أحب لنفسه، ~~وآثر الناس بما يؤثر به نفسه من الخير، ولم يبال بعد ذلك أن تثقل الحياة أو تخف وأن يرضى ~~الناس أو أن يسخطوا.» # ولم يتمكن طه حسين من حضور هذا الاحتفال لمرضه، فلم يتمكن الرئيس لذلك من تسليمه هذه ~~القلادة بنفسه، وأوفد كبير الأمناء إلى «رامتان» فقدمها إليه، في حضور زوجته وابنته وزوجها، ~~وحضور الدكتور محمد عوض محمد الذي تصادف وجوده زائرا في ذلك الوقت. ~~••• # وفي إبريل 1966 يجري الأستاذ سامح كريم حديثا لمجلة الإذاعة مع طه حسين، وهو الآن على ~~أبواب السابعة والسبعين، وفي إجاباته يؤكد طه حسين آراءه السابقة، يقول إن ما يذكره محدثه ~~من وجود أزمة في الفكر علاجه العناية بالقراءة وبالكتاب الذي لا يغني عنه التليفزيون ولا ~~الراديو ولا السينما. ويقول: «إن الثقافة لازمة للشعب لزوم العلوم التطبيقية، فلا ينبغي أن ~~نهمل كليات الجامعة النظرية ونركز عنايتنا بالكليات العملية.» ويقول: «إن الترجمة عن اللغات ~~القديمة والحية ضرورة لحياتنا الثقافية على أنها ينبغي ألا تتم خطفا على عجل وبقصد الربح ~~فقط.» وهو يشير إلى منهج مجلس الفنون والآداب والعلوم، ويضرب به المثل على ما ينبغي للترجمة ~~من العناية. ويجيب عن سؤال أخير عن التبادل الثقافي بين الشرق والغرب، فيقول: «إنه هام ~~ومرغوب فيه، وقد سبق للغرب أن استفاد من ثمار ثقافة الشرق، ولا بأس لذلك على الشرق من أن ~~يستفيد من ثمار الحضارة الحديثة في الغرب.» ~~••• # ويقبل صيف عام 1967، ويغادر طه حسين وزوجته الإسكندرية فترافقهما ابنتهما وحدها إلى ~~الميناء لأن زوجها مشغول في وزارة الخارجية بعمل هام. أجواء مصر السياسية ms221 ملبدة بالغيوم، ~~علاقات بعض الدول العربية ببعضها الآخر قد صارت إلى درجة مزعجة من السوء، وحرب الدعايات لا ~~تسمم الأجواء العربية فحسب، بل تسمم النفوس العربية كذلك. إن الدعاية التي كان طه حسين ~~يتحدث منذ عشرين عاما في لبنان عن خطرها الكبير، قد ضاعفت من أهميتها أجهزة الإذاعة القوية ~~الحديثة وخاصة الإذاعة المسموعة والمرئية، وإنها لتصيب أصحابها بأضرار ليست أقل مما تصيب ~~بها الخصوم إذا أصبحت أداة تضليل بدلا من أن تكون أداة للتنوير. ~~••• # ويعود طه حسين إلى مصر، بعد كارثة يونيه 1967، فينصرف إلى القراءة في كتب اللغة والأدب، ~~ويولي لجنة المعجم الكبير في المجمع اهتمامه الشديد، «وإن كانت الشكوك قد بدأت تساوره في ~~كفاية الجهد المبذول في تأليف هذا المعجم، وفي مدى الزمن اللازم للانتهاء من إعداده بكامل ~~أجزائه»، وهو يواصل اهتمامه في اللجنة الثقافية لجامعة الدول العربية بتجميع وتصوير كل ما ~~يمكن جمعه وتصويره من المخطوطات المتفرقة في أنحاء العالم، وهو لا يتخلف عن حضور جلسات لجان ~~المجلس الأعلى للثقافة التي يرأسها والتي أصبحت الآن تعقد غالبا في مسكنه. ~~••• # وفي عام 1968 يستجيب لطلب إحدى طالبات الجامعة اسمها الآنسة «وحيدة الدمرداش»، طلبت أن ~~تتحدث إليه باسم مجلة القاهرة، التي كان اتحاد طلبة جامعة القاهرة يصدرها في ذلك الوقت، ~~فيلقاها ويرد في رفق وود على أسئلتها؛ عن دور القصة التاريخية في مصر، وعن مدارس الأدب ~~فيها، وعن رأيه في الشعر الحديث، وعن أدباء منهم الأستاذ يحيى حقي، فيقول إن كتابه «قنديل ~~أم هاشم» رائع جدا، والأستاذ إحسان عبد القدوس فيقول إن كتابه «في بيتنا رجل» قد أعجبه. ~~ثم تختتم وحيدة الدمرداش حديثها بأنها سألت طه حسين عن متاعب حياته، فقال: «لقد عانيت ~~كثيرا، كان إخوتي يلعبون فلا أستطيع مجاراتهم، وفي الأزهر عانيت، وفي الجامعة أيضا قال لي ~~سكرتيرها مرة: «ربنا ابتلاك بالعمى، فما لزوم أن تتعلم في الجامعة؟» ... أحداث كثيرة آلمتني ~~وحزت في نفسي؛ خلافي مع صدقي باشا وطردي من الجامعة وقطع المعاش وتقديمي للمحاكمة مرات ~~ومرات.» # وسألته الآنسة ms222 وحيدة عن الذين يهاجمونه، فقال في بساطة: «لا أرد ولا أسأل عما يكتب ضدي ~~شخصيا، إن كثيرا من النقد اللاذع قد وجه إلي، بل لقد صدرت كتب كاملة ضدي، ولكني لم ~~أهتم بأي كتاب منها.» ~~••• # ويطلب سفير إسبانيا في القاهرة مقابلته، إنه يحمل إليه لا درجة واحدة من درجات الدكتوراه ~~الفخرية، بل درجتين؛ واحدة من جامعة مدريد والثانية من جامعة غرناطة. # ويستقبل طه حسين هو وأسرته السفير الكريم في داره «رامتان»، ويقوم السفير فيها بالمراسم ~~المطلوبة لتقديم الدرجتين الجامعيتين الكبيرتين واحدة بعد أخرى. # لقد زار طه حسين إسبانيا مرتين وأحبها كثيرا، ولاحظ أن أصحاب الدراسات العربية في مصر قد ~~أهملوا الأدب العربي الإسباني، فدعا إلى دراسته، بل إنه قد أخذ نفسه بقراءة كل ما يستطيع من ~~كتب الأدب الأندلسي في المطبوعات والمخطوطات التي كانت دار الكتب المصرية تيسر له الاطلاع ~~عليها، وهو يتمنى أن تبدي كل من إسبانيا والدول العربية مزيدا من الاهتمام بدراسة الحضارة ~~الأندلسية، وهي الحضارة التي بقيت آثارها زمنا طويلا بعد أن انتهت الحروب والمعارك وانمحت ~~آثار النصر والهزيمة. ~~••• # وفي خريف سنة 1969 تضطر أمينة إلى السفر مع زوجها وأسرتها إلى نيويورك مقر الأمم المتحدة، ~~التي عين زوجها مندوبا دائما لمصر لديها، وطه حسين شديد الأسف لهذا السفر، فإن ولده ~~مؤنس متغيب مع زوجته وابنته في عمله في المنظمة الدولية للتعليم والعلم والثقافة في باريس، ~~وهذه ابنته تترك مصر هي وزوجها إلى مقر عمله الجديد في الأمم المتحدة في نيويورك. # ويقول طه حسين لابنته: «تعلمين أنني سأبلغ الثمانين في آخر هذا العام وأنت بعيدة عني.» ثم ~~يدرك أنها قد تألمت فيقول لها: «لا عليك، لقد افترقنا من قبل والتقينا بعد الفراق في أحسن ~~الأحوال، ألم أكتب عنك منذ سنوات هذه السطور: # ألمت فحيت، ثم قامت فودعت، فلما همت أن تنصرف ألقت في يدي شيئا صغيرا، وتولت ~~وهي تقول: اجعل هذا وقاء لك من شر من تحسن إليه. ونظرت فإذا هو مصحف دقيق. # لك العهد يا ابنتي ألا ms223 يفارقني مصحفك هذا الدقيق حيا وميتا، ولك العهد ألا ~~أتخذه وقاء من أحد، ولا وقاء من شيء، وإنما أحمله لأن حمله محبب إلي.» # ويخرج طه حسين من أحد جيوبه مصحف «أمينة» الصغير يريه لها، ثم يبارك لها في سفرها، ويقول ~~لها إنه ينتظر لها إقامة سعيدة، وعودة سريعة، ويعرف أن زوجها سيخدم مصر والعرب، وسيبذل في ~~ذلك أقصى ما يستطيع من الجهد، وهو شيء عظيم. ~~••• # وفي عام 1970 يخرج المجمع الجزء الأول من «المعجم الكبير» الذي كان طه حسين قد بدأ يخشى ~~ألا يصدر في حياته، وهو الآن يرجو أن يتيح الله للمجمع ورجاله القدرة على مواصلة الجهود - ~~بل والجهاد - لإتمام تأليفه وإصداره. # وفي عام 1970 أيضا يكتب طه حسين إلى عبد الخالق حسونة باشا، الأمين العام للجامعة ~~العربية، يطلب منه أن يسمي غيره لرياسة اللجنة الثقافية، ولكن مجلس الجامعة يقرر في شهر ~~مارس 1970 بالإجماع تمسكه برياسة طه حسين للجنة: «لأن العمل الثقافي العربي بحاجة إلى علمه ~~وخبرته وإرشاداته، ولأن مكانته العلمية ومقدرته وخدماته الثقافية لا يمكن أن يغني عنها ~~غيرها.» ~~••• # ويقبل عام 1971، وطه حسين وزوجته وحدهما في رامتان، وهو حريص - مع مرضه - على أن يحضر ~~جلسات المجمع اللغوي لا يتخلف عنها مهما عانى من المشقة، وهو لا يزال يقرأ كثيرا، ولكنه لا ~~يملي كثيرا، يستقبل العدد القليل من الأصدقاء والزملاء والتلاميذ الذين يحضرون لزيارته مع ~~ما يجدون من صعوبة المواصلات في القاهرة؛ يوسف السباعي وثروت أباظة وعبد المجيد حسين زوار ~~منتظمون، وكمال الملاخ لا ينسى أعياد ميلاد العميد، وطه حسين يعتب لأن كثيرا من الكتاب ~~المصريين لم يعودوا يرسلون إليه كتبهم، يعلن ذلك في بعض أحاديثه، فيتلقى خطابات اعتذار عن ~~هذا التقصير، ويقرأ خطابا منها أكثر من مرة لأن صاحبه الكاتب الأستاذ إحسان عبد القدوس ~~يقول له فيه إنه لا يرسل إليه كتبه لأنه بعد سنين طويلة من التأليف قد أخذ يشك في قيمة ما ~~يكتب، ويعتقد أنه لا يستحق أن يقرأه طه حسين. يقول طه حسين: «إن ms224 هذا الإحساس هو دليل على أن ~~صاحبه أديب حقيقي.» # وتستأذن مديرة إحدى المدارس في الزيارة، ولكنها لا تحضر وحدها، بل يحضر معها اثنتا عشرة ~~فتاة، يفاجئن «العميد» بغناء جميل موضوعه طه حسين، يؤدى بإحساس صادق صادر من قلوب بريئة ~~يتأثر به طه حسين أعمق تأثير. # ويقبل أديب من إيران، يأذن له العميد فيدخل غرفة المكتب، لا يكاد يسلم حتى يأخذ، واقفا، ~~في إلقاء نص الجزء الأول من كتاب الأيام باللغة العربية، وقد حفظ الكتاب كله غيبا، عن ظهر ~~قلب. وعبثا يحاول العميد أن يرجوه التوقف، أو الجلوس، أو أن يقنعه بأنه هو قد سبق أن اطلع ~~على هذا الكتاب! # وفي أول عام 1972 يسعده أن يعلم أن ابنته وأسرتها في طريقهم إلى القاهرة، فقد عين ~~زوجها وزيرا للدولة للإعلام في وزارة الدكتور عزيز صدقي، وطه حسين ينتظر لقاء ابنته ~~وأولادها وقد فارقوا مرحلة الصبا؛ فإن «حسن قد تزوج بهية الترجمان، وحصل على بكالوريوس ~~الهندسة من جامعة كولومبيا، وهو يعمل للحصول على درجة الماجستير من جامعة كارينجي ميلون، ~~وسوسن قد حصلت على الليسانس من كلية سمث، وهي تدرس لدرجة الماجستير من جامعة برنستون، ومنى ~~طالبة مخطوبة لضابط في سلاح الإشارة هو أبو المعاطي عون، وستواصل دراستها، عند عودتها، في ~~الجامعة الأمريكية في القاهرة.» ~~••• # وتعدل الوزارة ويسند إلى صهره منصب وزير الخارجية، وطه حسين يقول له: «لن تكون لنا ~~وزارة خارجية جديرة بهذا الاسم ما بقي جزء من أرضنا يعاني الاحتلال.» # وتستقيل وزارة الدكتور عزيز صدقي ويؤلف رئيس الجمهورية وزارة جديدة برياسته، يعين فيها ~~الدكتور الزيات وزيرا لخارجيته، وذلك للإعداد السياسي للمعركة العسكرية التي ستخوضها مصر ~~في السادس من أكتوبر عام 1973. # | ختام # في فجر اليوم الثامن والعشرين من شهر أكتوبر عام 1973 بتوقيت مدينة نيويورك، طلبني مدير ~~مكتبي في وزارة الخارجية بالقاهرة السفير محمد شكري لينعي إلي طه حسين. # كنا في اليوم الثاني والعشرين من أيام الصراع العسكري والسياسي الذي بدأ في السادس من ~~أكتوبر، في العاشر من رمضان، وكان مطار القاهرة ms225 مغلقا أمام طيارات المدنيين، ولكن القاهرة ~~أبلغتني أن طائرة عسكرية مصرية ستنتظرني في مطار روما، فركبناها ولم يكن فيها من الركاب ~~سواي أنا وزوجتي وابنتي «منى». # وتحركت الطائرة، ثم حلقت، وأرسلت البصر من نافذتها إلى حقول إيطاليا جرداء بعد موسم ~~الحصاد، وإلى جبالها وقد ابيضت قممها بعد ابتداء موسم الثلوج، ثم لم أعد أرى وقد أصبحنا ~~في سماء البحر الأبيض المتوسط سوى الماء والسحاب، فأغلقت عيني أدعو إليهما النوم دون أن ~~يستجيب، وتزاحمت على جفني المغلقين خواطر الحرب والسلام. # جعلت أتذكر الرحلة التي بدأتها في أول الصيف بالقاهرة وانتهت إلى بكين، وزرت فيها موسكو، ~~وبلجراد، ولندن، وفيينا، وباريس، ثم نيويورك، في جهاد للوصول إلى العدل أساسا للسلام ~~الكامل الذي لن يدوم السلام على أساس سواه، وأرى هذه الرحلة بما صاحبها من صراع تقارب الآن ~~نهايتها، وأتساءل: كيف يكون الختام؟ # وتتزاحم على جفني المغلقين في نفس الوقت صورة من حياة الرجل الذي ينتظر جثمانه في أحد ~~مستشفيات القاهرة وصولنا لنشيعه إلى مقره الأخير، والذي حرمتني هذه الرحلة من أن أراه قبل ~~الرحيل. # لقد ذهبت أودعه في غرفة نومه قبل سفره إلى إيطاليا في أول الصيف وأعتذر عن مصاحبته لوداعه ~~بالإسكندرية كعادة كل عام لانشغالي، قال لي: ماذا يشغلك؟ وماذا يفعل وزير الخارجية في ~~القاهرة؟ ماذا يفعل كل المسئولين في القاهرة وفي العالم العربي وقد مضى على احتلال أراضينا ~~سبعة أعوام؟ # قلت: إن القاهرة تردد بيت الشعر الذي تعلمته أنا منك وهو: «ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ~~يهدم» ... فسكت لحظة، وارتفعت هامته، وسأل في جد شديد: وإذن لا نسافر هذا الصيف؟ قلت: بل ~~تسافر في حفظ الله، وتعود مستريح الجسم مطمئن النفس والضمير. # وساد صمت قطعه بالسؤال عن عدد الجامعيين الذين تم تجنيدهم في القوات المصرية ~~المسلحة. ~~••• # وفي الثالث من أكتوبر عام 1973 وصلت الباخرة إسبريا إلى الإسكندرية تحمل طه حسين وزوجته ~~عائدين من رحلة الصيف. # وفي السادس من أكتوبر عام 1973 عرف طه حسين أن جيش مصر قد تحدى ما ms226 جمع العدو له من قوة ~~لترهبه وتقهره وتضطره إلى ذل الاستسلام، وأن جيش سوريا يقوم بنفس التحدي. # ولست أشك في أن طه حسين قد تخيل الجيش المناضل وهو يضم الشباب المتعلم الذي سبق أن سأل عن ~~عدده، تخيله يحارب وهو يدرك لماذا يحارب، وبماذا يحارب، ولمن يحارب. # لست أشك في أنه تخيل من بينهم شباب جامعته الأولى جامعة الأزهر، وشباب جامعته الثانية ~~جامعة القاهرة، ثم شباب الجامعات التي أنشأها هو جامعة الإسكندرية وجامعة عين شمس وجامعة ~~أسيوط؛ تخيل شباب هذه الجامعات يحاربون إلى جانب إخوانهم الذين لم يحصلوا على ما حصلوا عليه ~~هم من التعليم، ولكنهم يساوونهم في الإخلاص والعزيمة والتصميم. # فمنذ سمع طه حسين بشاعة مصرع زميله أحمد ضيف في الحرب العالمية الأولى، التي لم يكن لمصر ~~فيها ناقة ولا جمل، ومنذ قتل ابن أخته في الحرب العالمية الثانية ولم تكن مصر عند ذاك طرفا ~~فيها؛ وطه حسين يسأل نفسه: «ألن تحارب مصر دفاعا عن نفسها هي، ولخلاصها هي؟» # ولقد كان يدرك مع ذلك أن للحرب ضحايا من البشر، ويعرف آلام الأمهات الثكالى وجزع الآباء ~~واليتامى، وهو لا شك قد تساءل: «هل يستطيع الإنسان يوما أن يتغلب على نفسه فيردها عن ~~العنف، ويروضها على الإيمان بالقانون، ويعلمها أن تحترم ما تلوكه ألسنتها من عبارات ميثاق ~~الأمم المتحدة؟» # لقد آمن هو بهذا الميثاق، وقبل أن تحرر وتعلن نصوصه كان قد كتب نصوصا مشابهة في خطاب ~~الكتاب المصريين إلى نادي القلم الدولي إعلانا لموقفهم أثناء الحرب العالمية الثانية، ~~ولرؤيتهم لعالم ما بعد تلك الحرب. # ولكنه قد شك دائما في قدرة الدول على أن تعيش بهذا الميثاق وطبقا لأحكامه، وأدرك دائما ~~أن القوة تغري بالعدوان فلا يلد العنف إلا العنف، ولا بد أن تمضي سنوات وسنوات، وأن تقع ~~الكوارث بعد الكوارث حتى تبلغ الإنسانية مرحلة الرشاد. ~~••• # كنت أجلس في مقعدي بالجمعية العامة للأمم المتحدة عندما أقبل الأستاذ عمرو موسى «السفير ~~الآن» ليخبرني أن الأمم المتحدة قد اختارت طه حسين بين العشرة الذين ms227 ستمنحهم المنظمة ~~الدولية جائزة حقوق الإنسان ذلك العام، وأن رئيس الجمعية العامة سيبرق إليه يهنئه بالجائزة ~~ويرجوه الحضور إلى نيويورك في شهر ديسمبر (1793) ليتسلمها بنفسه. # وقد وصلت البرقية، فقرأتها السيدة سوزان عليه وهو على وشك الرحيل، وكانت ابتسامته الخفيفة ~~هي آخر حركة له قبل أن يلبي نداء مولاه. ~~••• # وفي رامتان، في الدار التي خلت من صاحبها، استقبلت الأستاذ «يوسف السباعي» وزير الثقافة ~~و«الدكتور صوفي أبو طالب» وكيل جامعة القاهرة. منذ ذاك كان «يوسف السباعي» يرى أن يبدأ ~~تشييع جنازة طه حسين من جامع عمر مكرم؛ حيث توجد الجماهير التي يمكن أن تشارك في تشييع ~~الجنازة، ولكني كنت أفضل أن يبدأ تشييع جنازة طه حسين من بيته الذي أحبه، من جامعة ~~القاهرة. ~~••• # ويتجمع المشيعون في قاعة الاحتفالات الكبرى في جامعة القاهرة، فتمتلئ بجموعهم فليس فيها ~~- كما يقال - موضع لقدم، ويتحرك موكب الجنازة يتقدمه نائبا رئيس الجمهورية السيد حسين ~~الشافعي والدكتور محمود فوزي، ومؤنس طه حسين الذي عاد من باريس رغم صعوبة المواصلات، وإلى ~~جانبهم ومن خلفهم رجال الدولة وممثلو الدول الأجنبية وأساتذة الجامعات المصريون وغيرهم، ~~ورجال القلم والإعلام، والطلاب من تلاميذه ومريديه. # ولا يكاد الموكب يخرج من حرم الجامعة حتى تنضم إليه جماهير الشعب، يعبرون معه النيل من ~~الغرب إلى الشرق، ويتوقفون ألوفا أمام مسجد صلاح الدين ريثما نصلي على الجثمان، وفي عيونهم ~~وعيوننا دموع لا يخجل منها الرجال. # ويقول رجل من جمهور الواقفين لابنه الشاب، وكلاهما يبكيان: «أنت يا بني تبكي طه حسين لأنك ~~تعلمت منه وقرأت له وسمعت أحاديثه في الإذاعة. # أنا يا بني لم أتعلم من طه حسين، ولم أقرأ كتبه، ولم أسمعه يتحدث في الإذاعة إلا نادرا ~~ومصادفة. # ولكني أبكيه يا بني لأنه هو الذي مكنني - منذ ثلاثة وعشرين عاما - من تعليمك، وهذا أنت ~~قد حققت لنفسك ولأسرتك من الثقافة والكرامة والخير ما حققت. # أبكيه يا بني لأن الله تعالى أكرمه بالعلم فلم ينس الجاهلين، وأغناه فلم ينس ~~المعوزين، وأسعده فلم ينس من في الأرض من المعذبين.» ms228 # محمد حسن الزيات # | طه حسين # صور من حياته # طه حسين الشاب الأزهري المعمم. صورة تعود إلى السنوات الأولى من بداية ~~القرن العشرين حينما كان يدرس بالأزهر ومجاورا له. # لقطتان تعودان إلى بداية العشرينيات من هذا القرن: حينما أنهى العميد رسالته ~~للدكتوراه في فرنسا، وأكمل نصف دينه، ثم عاد إلى مصر مع زوجته الشابة سوزان. ~~ولقطة لطه حسين الأب مع زوجته وابنته أمينة وابنه مؤنس. # الشيخ حسين علي والد الدكتور طه حسين. كانت هذه أول صورة مأخوذة من أرشيف ~~مؤلف «ما بعد الأيام». # طه حسين والأسرة مكتملة في إحدى الزيارات الصيفية ~~لأوروبا. # العميد مع ابنته أمينة على ظهر باخرة عام 1937 أقلتهما إلى ~~فرنسا. # صورة تذكارية لأساتذة جامعة فؤاد يرى فيها أحمد لطفي السيد والدكتور طه ~~حسين واقفا. هذه الصورة عام 1925. # تسابقت الجامعات في تقديم الدرجات العلمية للدكتور طه حسين. وهاتان ~~لقطتان من جامعة مدريد وإحدى الجامعات الإيطالية. # الملك محمد الخامس ملك المغرب يقلد طه حسين أعلى أوسمة المغرب عام ~~1959. # العميد مع الدكتورة هيلين كيلر التي لا تسمع ... يضحك ~~لفكاهتها. # كان طه حسين يشجع الأوبرا، ويحرص على حضور حفلاتها. والصورة له مع سليمان ~~نجيب، وطاهر باشا، ومستر كليمنت كروس. # كان طه حسين الملاذ لنساء مصر لنيل حقوقهن. واللقطة له مع الفنانة راقية ~~إبراهيم. # رغم أن طه حسين ترك الجامعة، فلقد ظلت صلته بها ~~كأستاذ غير متفرغ حتى الستينيات، وكانت الجامعة دائما تقدم لعميدها ~~الجوائز عرفانا. وهنا يتسلمها من د. كامل مرسي مدير ~~الجامعة. # الدكتور طه حسين حينما كان وزيرا في وزارة الوفد، ~~وقال إن التعليم كالماء والهواء وأصر على مجانيته. وهو هنا يتحدث إلى رئيس ~~الوزراء في تلك الفترة من أواخر الأربعينيات. ولقطة أخرى للعميد بجانب لطفي ~~باشا السيد والنحاس باشا في حفل زفاف. # أعلى: طه حسين يستقبل الكاتب اليوغوسلافي إيفو ~~أندريتش، صاحب قصة «جسر على نهر درينا». وتحت: العميد يتحدث إلى چورچ أبيض، ~~بينما حرمه السيدة سوزان تتابع الحديث. # طه حسين يتلقى جائزة الدولة التقديرية في العلوم والفنون والآداب من ms229 ~~الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. وفي الصورة يبدو الأديب يوسف ~~السباعي. # ميدالية باسم عميد الأدب العربي طه حسين. ولقطة عائلية تضم د. محمد حسن ~~الزيات وقرينته السيدة أمينة طه حسين ووالدتها السيدة سوزان، بعد وفاة ~~العميد في عام 1973. # السيدة سوزان طه حسين، وكما وصفها هو في الأيام «ملاكه الحارس». ولقطة ~~لها بينما العميد يستند إليها لدخول مؤتمر مجمع اللغة العربية، ويرى د. ~~مختار الوكيل. # العميد قبل وفاته بعدة أشهر في عام 1973 أثناء حضوره مؤتمر مجمع اللغة ~~العربية الذي عقد بمبنى الجامعة العربية، وترى السيدة سوزان، ود. إبراهيم ~~بيومي مدكور. ms230