######OpenITI# #META# URI: 1414ZakiNajibMahmud.AsasTafkirCilmi.Hindawi94625818 #META# Tags: philosophy #META# ID: 94625818 #META# Title: أسس التفكير العلمي #META# AuthorID: 64904748 #META# Author: زكي نجيب محمود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أسس التفكير العلمي‏ # أسس التفكير العلمي‏ # | أسس التفكير العلمي # | أسس التفكير العلمي # تأليف # زكي نجيب محمود # | أسس التفكير العلمي # (1) مجالات مختلفة # هذه صفحات أكتبها عن أسس التفكير العلمي موجهة إلى القارئ العام؛ وأول ما أريد لهذا ~~القارئ العام أن يتبينه في وضوح ناصع، لكي يتجنب كل لبس بين المتشابهات؛ هو أن للإنسان ~~مجالات مختلفة يتحرك فيها بنشاطه الذهني، فليس العلم أو التفكير بمنهج العلم هو مجاله ~~الوحيد، بل إن له لميادين كثيرة أخرى، ولكل ميدان منها موازينه الخاصة؛ فإذا قلنا فيما يلي ~~من الصفحات إن المنهج العلمي يقتضي كذا وكذا من الشروط وقواعد السير؛ فلسنا نعني إلا مجال ~~العلم وما يدور مداره، وأما غير العلم من ميادين النشاط الإنساني فليس هو موضوعنا هنا. إن ~~ما سوف نوجز القول فيه هنا لا ينطبق - مثلا - على مجال الفن والأدب، ولا على حياة الإنسان ~~الوجدانية بصفة عامة؛ وليس الأمر في حياة الإنسان الشاملة، هو أن نقول له: إما أن تكون ذا ~~منهج علمي في تفكيرك وإما ألا تكون؛ كلا، بل شأن الإنسان في حياته هو أن يكون هذا وهذا وذاك ~~وذلك في حياة واحدة؛ لكنه - مع ذلك - مطالب بأن يلتزم في كل ميدان منهاجه الملائم، على أن ~~نتذكر هنا بأن الملاءمة في هذا الميدان أو ذاك - ليست فرضا مصبوبا على الإنسان من حيث لا ~~يدري، فلا حيلة له إلا أن يصدع بما فرض عليه، بل إنه لفرض وجب التزامه على ضوء خبرة ~~الإنسانية عبر تاريخها الطويل؛ فإذا قيل لنا: إن منهاج العلم هو كذا وكيت؛ كان معنى ذلك أن ~~خبرة الإنسان في محاولاته قد دلت على أن هذا المنهاج المعين هو أفضل طريق للسير في مجال ~~البحث العلمي، دون أن يمنع ذلك من أن يدخل عليه من التعديلات ما يتبين أنه الأصلح. # إنه إذا قال شاعر كأبي العلاء: «ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد» فلا يجوز أن ~~يتعرض له عالم الجيولوجيا قائلا: لقد أخطأت، فسطح الأرض ليس مقتصرا في عناصره على ms01 ~~العناصر التي تتكون منها أجساد البشر، بل فيه ما ليس في هذه الأجساد من عناصر؛ لا، لا يجوز ~~لعالم الجيولوجيا أن يعترض على الشاعر بمثل هذا؛ لأن للشاعر مقياسا يقاس به صوابه الشعري، ~~غير المقياس الذي يقاس به الصواب والخطأ في العلم؛ فعندما قال أبو العلاء إن أديم الأرض - ~~في ظنه - ليس إلا من أجساد بشرية كانت كأجسادنا، لكن جاءها الموت فبليت وتحللت وباتت ~~ترابا من هذا التراب الذي ندوس عليه بأقدامنا - فإنما أراد أن يحد من غرور الإنسان ~~بنفسه، وهو هدف لا يتصل من قريب ولا من بعيد بهدف عالم الجيولوجيا حين يحلل تربة الأرض ~~إلى عناصرها ليعلم ما مكوناتها؛ ولكل من الشعر والعلم ميزان خاص؛ أما ميزان الشعر الجيد فهو ~~من شأن نقاد الأدب، وأما ميزان العلم الصحيح فهو في أيدي من ألموا بأصول المنهج ~~العلمي. # ونحن إذا ما قصرنا أنفسنا هنا على مجال التفكير العلمي وحده، فسرعان ما يتبين لنا - بعد ~~نظرة فاحصة - أن المجال يتفاوت محتواه تفاوتا بعيدا، فمن هذا المحتوى ما ليس ينطبق إلا ~~على مجال ضيق في دنيا الأشياء، ومنه ما يتسع مدى تطبيقه حتى ليشمل كل شيء في الوجود؛ ~~فقارن - مثلا - بين حقيقة تقال عن دودة القطن كيف تولد وتحيا وكيف تموت، أو حقيقة أخرى ~~تقال عن جبل المقطم وأنواع صخوره، أو عن السد العالي وطريقة بنائه والأهداف التي يحققها، ~~قارن أمثال هذه الحقائق بحقيقة عن سرعة الضوء أو حقيقة عن تركيب الذرة وما فيها من كهارب، ~~أو عن الجاذبية وقانونها؛ فهذه كلها مقارنات تخرج منها بنتيجة، هي أن الحقائق العلمية ليست ~~كلها من درجة واحدة، بل هي درجات تتصاعد من حيث التجريد والتعميم. # ولما كان لهاتين اللفظتين: «تجريد» و«تعميم» أهمية بالغة في تصورنا للأسس التي يقام ~~عليها التفكير العلمي، فلنقف عندهما قليلا في هذا الموضع من سياق الحديث: أما التجريد فهو ~~- كما هو ظاهر من المعنى المباشر لهذه الكلمة - خلع للصفات عن الأشياء التي تتصف بها، كما ~~نخلع عن اللابس ثيابه التي ms02 تكسوه؛ فإذا كان هذا الذي بين يدي الآن قلما معينا خاصا، ~~ربما استطعت تمييزه من سائر الأقلام بعلامات فردية أعرفها فيه، فإنه إذن شيء بذاته، محدد ~~معلوم، له فرديته وخصوصيته، ولا بد أن يكون له في كل لحظة زمنية مكان معروف؛ لكن قلمي هذا ~~ليس هو أول الأقلام ولا آخر الأقلام في هذه الدنيا التي تعج بأشيائها، بل هنالك غيره ~~أقلام كثيرة، كانت وكائنة وسوف تكون؛ وهي إن اختلفت في ألوانها وأحجامها وطرائق صنعها ~~فبينها جانب تشترك فيه، وإلا فما يصح لنا أن نشركها جميعا في اسم واحد يسميها، وهو الاسم ~~«قلم»، فإذا ما بلغنا الدرجة التي نطلق عليها هذا الاسم الشامل برغم أوجه الاختلاف التي ~~تميز بعضها، فلا بد أن نكون عندئذ قد اطرحنا بعقولنا عددا كبيرا من صفاتها الجزئية ~~التي كانت تختلف فيها؛ لا بد أن نكون قد أطرحنا صفات اللون والحجم وطريقة الصنع، لنبقي ~~على المهمة التي تؤديها، والتي هي موضع الاشتراك بينها، لكننا حين نخلع عن الأقلام المفردة ~~صفاتها المميزة لها - على هذا النحو - فإنما نكون قد بعدنا عن الواقع الحسي كما يقع فعلا ~~وكما تدركه حواسنا فعلا، إذ الواقع الحسي ليس فيه إلا أفراد ومفردات، وحواسنا من بصر وسمع ~~ولمس وغير ذلك - ليس في وسعها إلا أن تتصل بتلك الأفراد أو المفردات؛ أما إذا خلعنا عن ~~هذه الأشياء الجزئية الواقعية صفاتها التي تتعين بها، أعني إذا نحن «جردناها» مما كانت ~~تكتسي به من تلك الصفات، بحيث لا يبقى لنا منها إلا فكرة، أو مفهوم ذهني، ليس هو مما يدركه ~~بصر ولا سمع، بل هو مما تتصوره الأذهان - فإن أداتنا عندئذ في عملية الإدراك تكون هي ~~«العقل» لا الحواس، برغم أن هذا العقل لم يدرك ما أدركه إلا مستندا إلى أقلام جزئية في ~~عالم الواقع المحسوس. # ذلك هو «التجريد» الذي - إذا ما دخلت مجال التفكير العلمي - رأيته شرطا في كل فكرة ~~علمية؛ فمعرفتنا لجزئية واحدة لا تكون علما؛ لأن الجزئية الواحدة وهي معزولة عما عداها لا ms03 ~~تكون من قبيل القوانين العلمية العامة التي تشملها وتشمل غيرها من بنات جنسها، ولعلك قد ~~لحظت في هذين السطرين الأخيرين كلمتي «معرفة» و«علم» - حين قلنا إن «معرفتنا» للجزئية ~~الواحدة لا تكون «علما»، مما يبين لك أن المعرفة بالأشياء أوسع من العلم الخاص بها، فما كل ~~ما «تعرفه» هو من قبيل العلوم، لكن كل حقيقة علمية ضرب من المعرفة، فلقد تعرف خصائص تميز ~~أباك أو أخاك أو صديقك دون سائر الناس، فلا يكون ذلك هو ما نقصده بعلم النفس أو بغيره من ~~علوم الإنسان، لأن هذه العلوم «تجرد» المعارف الجزئية من خصائصها الفردية، لتصل إلى فكرة ~~تشملها جميعا، وها هنا تصبح الفكرة «علمية» ما دامت قد استندت بحق إلى ركائز من معارف ~~جزئية أدركناها إدراكا صحيحا. # والفكرة المجردة إذا بلغناها، وجدناها بالضرورة فكرة «عامة» تصدق - لا على فرد واحد، أو ~~موقف جزئي واحد، بل تصدق على مجموعة الأفراد أو مجموعة المواقف المتجانسة؛ وسترى في الصفحات ~~التالية أن من أخص خصائص التفكير العلمي، وصوله إلى «قوانين» عامة نفهم الوقائع الجزئية على ~~ضوئها؛ نعم إن العلم يبدأ بدراسة الحقائق الجزئية المفردة المحددة، غير أن هذه الحقائق لا ~~تكون بذاتها علما؛ لأن العلم لا يكون إلا إذا كشفنا عن القوانين العامة التي تكون كل ~~حقيقة من تلك الحقائق الجزئية تطبيقا أو تجسيدا لها؛ فأهمية الوقائع الجزئية هي أنها أول ~~الطريق الذي يؤدي بنا إلى قوانين العلوم. # إن حقائق العالم الذي يحيط بنا هي في ظاهرها حقائق مفككة متفرقة، فقد لا ترى العين ~~العابرة علاقة بين تلك السحابة السابحة في جو السماء، وهذا النهر السالك في مجراه، وحركة ~~الريح التي نسمع حفيفها في أوراق الشجر، وحرارة الشمس التي نتقيها في ظل تلك الأوراق، هذه ~~وغيرها قد تبدو متفرقة بعضها عن بعض أمام العين العابرة، حتى يتناولها تفكير منهجي فإذا هو ~~يربط هذه المتفرقات في مجموعة متسقة، نطلق على كل مجموعة متسقة منها اسم علم من العلوم: ~~فعلم الفلك - مثلا - مجموعة من قوانين، كل قانون منها ms04 يختصر وصفا لحركات الأجرام السماوية ~~كما شوهدت في جزئياتها وتفصيلاتها؛ وعلم النبات مجموعة من قوانين، كل قانون منها تلخيص ~~نعمم به خصائص لحظناها في أنواع النبات المختلفة؛ وعلم الاقتصاد هو مجموعة الأفكار ~~العامة - أي القوانين - التي استخلصناها من مراقبة عمليات الإنتاج والتوزيع؛ وعلم النفس هو ~~مجموعة القوانين العامة التي استخرجناها من أنماط السلوك التي رأيناها في أفراد الناس ~~وتفاعلهم بعضهم مع بعض، وهكذا. # نعود فنقول: إن الجزئية الواحدة التي تصادفك في عالم الواقع، لا تكون علما، وإن تكن ~~ملاحظتها وإجراء التجارب عليها هي أول طريقنا إلى العلم؛ بل إن تلك الجزئية الواحدة وهي بعد ~~في عزلتها وانفرادها، لا يمكن «فهمها» إلا إذا أدركنا الروابط بينها وبين سواها، واستطعنا ~~صياغة تلك الروابط فيما نسميه بقوانين العلم، فعندئذ فقط «نفهم» الجزئية الواحدة على ضوء ~~القانون العلمي الذي يحتويها مع أشباهها، فإذا أمطرت السماء الآن، فإني أعرف أن ثمة قطرات ~~من الماء ساقطة من السماء، بل ربما شاء لي خيالي أن أظن بهذا الماء الساقط مختلف الظنون من ~~حيث مصدره وعلة سقوطه؛ حتى إذا ما انتهى بي التفكير العلمي إلى ربط هذا الماء الساقط ~~بغيره من الظواهر المتصلة به: بدرجة الحرارة والرطوبة واتجاه الريح إلخ، «فهمت» ظاهرة ~~المطر، ولم تعد مجالا لظنون الوهم أتخبط فيها. # فهمك لظاهرة ما معناه أن تجد الرابطة التي تربط بينها وبين ظواهر أخرى في قانون واحد؛ ~~وإذا لم تجد القانون الذي يضمها مع أشباهها من الظواهر ظلت ظاهرة «غير مفهومة»؛ فالطبيب ~~«يفهم» الظاهرة المرضية التي هو بصدد فحصها، إذا عرف في أي طائفة يضعها؛ والتاجر «يفهم» ~~ارتفاع ثمن سلعة معينة أو انخفاضه، إذا وجد العلاقة بين تلك السلعة وبين حقائق أخرى تلحق ~~بها، كمقدار ما نتج منها وما عرضته أسواق العالم وهكذا. # ولو عرفت ألوف الحقائق الجزئية عن الطبيعة دون أن تجد الروابط التي تسلكها في مجموعات من ~~القوانين، فليست معرفتك هذه من العلم في شيء؛ فالقروي الذي يرى كسوف الشمس أو خسوف القمر لا ~~يكون بمعرفته لهذه ms05 الجزئية الواحدة واحدا من علماء الفلك؛ لأنه يدرك تلك الحقيقة الجزئية ~~وهي بمعزل عن سائر الحقائق المرتبطة بحدوثها، كوضع القمر بالنسبة إلى الأرض والشمس وما ~~يستلزمه هذا الوضع بناء على قوانين الضوء؛ ومعرفة الحقيقة الجزئية الواحدة لا تساعدنا في ~~التنبؤ بما سوف يحدث في لحظة مستقبلة، أما إذا عرفنا الروابط التي بين مختلف الأشياء، والتي ~~نعممها فتصبح قانونا علميا؛ فحينئذ يمكن التنبؤ على وجه الدقة بما سوف يحدث ومتى يحدث ~~وكيف يحدث إذا ما توافرت تلك الروابط في الظروف المعينة، على النحو الذي يحدده القانون ~~العلمي لها. # وهذا الربط بين المتفرقات التي يتلازم حدوثها معا أس مكين من أسس التفكير العلمي؛ ~~فإذا ترابطت عدة جوانب في مجموعة واحدة متلازمة في حدوثها، كدرجة الحرارة عند مريض، وطريقه ~~تنفسه، ومقدار ضغط الدم عنده، وما إلى ذلك من الجوانب التي يتعقبها الطبيب الفاحص؛ فإنه ~~يستطيع أن يستدل على بعضها من بعضها الآخر، وفقا للقانون العام الذي يجمعها معا؛ ولتلاحظ ~~هنا جيدا، أن التفكير الخرافي بدوره يحاول مثل هذا الربط بين المتفرقات، كأن يربط بين أن ~~ينعق غراب عند السفر، وأن يحدث للمسافر شيء من الخطر، أو أن يربط بين زيارة الأضرحة وشفاء ~~المرضى، ففي حالة التفكير الخرافي، وفي حالة التفكير العلمي على حد سواء، نرى محاولة ~~الربط بين الحوادث والأشياء ربطا يساعدنا على التنبؤ بالنتائج، لولا أن التفكير العلمي فيه ~~ما ليس في التفكير الخرافي من دقة المشاهدات وتمحيص النتائج، على الوجه الذي سنفصل فيه ~~القول بعد حين. # وأكرر هنا ما بدأت به هذه الفقرة الأولى من الحديث، وهو أن ما ليس يقبله العلم في مجاله، ~~لغياب الشروط التي يقتضيها منهج التفكير العلمي - قد يكون مقبولا في مجالات أخرى، لكننا في ~~هذه الصفحات معنيون بالعلم دون سواه. ~~(2) وعلوم مختلفة # فإذا دخلنا ساحة العلوم، ألفيناها صنوفا مختلفة: فهنالك علوم الرياضة بفروعها، كما أن ~~هنالك علوم الطبيعة بأنواعها، وإلى جانب هذه وتلك مجموعة ثالثة يحارون في تسميتها، فأحيانا ~~يطلقون عليها علوما اجتماعية، وأحيانا أخرى يؤثرون ms06 لها اسم العلوم الإنسانية؛ فربما كان ~~أول سؤال يفرض نفسه علينا عند رؤية هذه الصنوف المختلفة من العلوم، هو: هل تشترك هذه كلها ~~في نمط فكري واحد هو الذي نريد له أن يسمى بالتفكير العلمي؟ وإذا كانت أنماط الفكر مختلفة ~~باختلاف هذه الصنوف - ففي أي شيء تتفق بحيث جاز لنا أن ندرجها جميعا في مجال ~~واحد؟ # الحق أن الجواب عن هذه الأسئلة لم يكن على مدى العصور جوابا واحدا؛ فلقد لبث الناس ~~قرونا طويلة، وهم على ظن بأن منهج التفكير العلمي واحد لا يتعدد، فإذا رأينا هذا المنهج ~~يؤدي بنا أحيانا إلى نتائج يقينية (كما هي الحال في العلوم الرياضية) وغير يقينية أحيانا ~~أخرى (كما هي الحال في العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية) وجب على فلاسفة العلم في هذه ~~الحالة أن يحللوا طريقة التفكير الرياضي المؤدية إلى اليقين، ما مقوماتها؟ لكي نتوسع في ~~تطبيقها بحيث نستخدمها في كل موضوع ندعي أنه من العلم؛ وكان مثل هذا التحليل هو الذي أنشأ ~~به الفيلسوف اليوناني أرسطو علم المنطق كما وضعه، وكما دام له البقاء ليكون هو منهج التفكير ~~العلمي الذي لا منهج سواه، حتى سلخ التاريخ من شوطه نحو عشرين قرنا؛ أي منذ أرسطو في القرن ~~الرابع قبل الميلاد، حتى ما يقرب من القرن السادس عشر الميلادي، مع استثناءات على الطريق، ~~كالتي حدثت على أيدي نفر من علماء العرب. # كانت الفكرة الراسخة طوال تلك القرون العشرين، هي أن للتفكير العلمي منهاجا واحدا، ~~كائنا ما كانت مادة العلم، لا فرق في ذلك بين علم يبحث في الهندسة وثان يبحث في الكمياء ~~وثالث يبحث في طرائق السلوك البشري، ففي كل هذه الحالات جميعا - لا بد أن يكون بين أيدينا ~~بادئ ذي بدء - مجموعة من المسلمات التي نقبلها كما نقبل الأساس الذي يقام عليه البناء، ~~ثم تأتي بعد ذلك عملية التفكير العلمي، وهي أن نستنبط من تلك المسلمات ما يجوز لنا ~~استنباطه، وما دامت المسلمات الأولى مقطوعا بصحتها؛ فالنتائج التي نستنبطها منها تكون ~~مقطوعا بصحتها كذلك. ms07 # وفي إطار هذا المنهج الوحيد، لو تقدم صاحب فكرة إلى الناس بفكرته، وأراد الناس التثبت من ~~صوابها - طالبوه بأن يرد فكرته تلك إلى الأصول التي استخرجها منها، شريطة أن تجئ تلك الأصول ~~من المسلمات التي يضعها هؤلاء الناس من أنفسهم موضع التسليم؛ ومهما تكثر الخطوات التي ~~يرتد بها المحقق من الفكرة المزعومة إلى أصولها الأولى، فلا بد أن تكون الرابطة وثيقة بين ~~كل خطوة والخطوة السابقة عليها، إلى أن يبلغ المحقق نقطة الابتداء من المسلمات؛ وليس ~~علما ما يقوله قائل بغير إسناد من هذا القبيل. # لكن مثل هذا السير يقتضي من السائر أن ينتقل من الجملة التي صيغت فيها الفكرة المراد ~~تحقيقها، إلى جملة ثانية كانت أصلا لها، وهذه إلى جملة ثالثة، وهذه إلى جملة رابعة، فكأن ~~طريق العلم هو التنقل بين جمل في صفحات الكتب، وكأنه لا طبيعة هناك تحيط بالإنسان ويريد ~~العلم بظواهرها؛ ومثل هذا السير الذي يظل يشتق جملة من جملة، قريب مما يحدث في مجال التفكير ~~الرياضي؛ لأن بناء العلم الرياضي قائم على مسلمات نفرضها لأنفسنا، ثم نستخرج منها ما جاز ~~لنا أن نستخرجه؛ بحيث يكون البرهان الرياضي هو دائما رد النتيجة المراد البرهنة عليها إلى ~~الأصل الذي استخرجناها منه. ويبقى السؤال: أيكون مثل هذا السير هو نفسه طريقة العلوم ~~الطبيعية؟ كان الجواب بالإيجاب حتى عصر النهضة الأوروبية، مع استثناءات قليلة ظهرت في جماعة ~~من العلماء العرب؛ وهي قليلة لأنها ليست هي التي تميز الطابع العام للمناخ الفكري في ~~مجموعه؛ فمن جهة هنالك علماء الرياضة، وهم بطبيعة علمهم لا بد أن يسلكوا الطريق الذي يبدأ ~~بالمسلمات ثم يخرج منها النتائج؛ ومن جهة أخرى كانت الكثرة الغالبة من أصحاب التفكير ~~العلمي من رجال الفقه ورجال علوم اللغة، ومن علماء الكلام ومن أصحاب المذاهب الفلسفية، وكل ~~هؤلاء - بطبيعة ميادينهم الخاصة - لا بد أن ينتهجوا الطريق نفسه في التفكير، وهو التفكير ~~الذي يبدأ بما ليس هو موضوعا لجدل، لينصرف جهدهم في استخلاص النتائج فقط دون إمكان الشك في ~~الأصول ms08 التي انتزعت منها تلك النتائج. # لكن الأمر قد اختلف من أساسه، منذ عصر النهضة الأوروبية التي كانت هي المدخل إلى ما نسميه ~~بالعصر الحديث؛ فها هنا بدأت علوم الطبيعة تتخذ لنفسها مكانا لم يكن لها منذ بدأ ~~التاريخ، نقول ذلك دون أن نتجاهل أقطابا في تلك العلوم جاءوا قبل عصر النهضة الأوروبية، ~~فمن علماء الإسكندرية القديمة كان «أرشميدس» صاحب قانون الأجسام الطافية، ومن علماء العرب ~~كان «جابر بن حيان» منشئ علم الكيمياء؛ لكن هؤلاء جميعا لم يكونوا من الكثرة، ولا كان ~~لمنهجهم من السيطرة، بحيث تكون لهم الغلبة فيصبحون هم طابع العصر، كما كان لعلماء الطبيعة ~~في عصر النهضة، ولمنهاجهم القائم على دراسة الطبيعة في ظواهرها، لا دراسة الطبيعة كما وردت ~~أوصافها في الكتب، أقول: كان لهم ولمنهاجهم السيادة الغالبة فطبعوا العصر بطباعهم، وأمكن ~~المؤرخين بعد ذلك أن يقولوا: هنا ولد علم جديد ومنهج علمي جديد؛ وكان موضع الجدة هو أن ~~استبدل العلماء بقراءة الصفحات قراءة الطبيعة نفسها، وأصبحت الأسناد التي يستندون إليها ~~فيما يقررونه عن الكائنات والظواهر، ليست هي أن يرتدوا إلى نص في كتاب؛ بل هي أن يرجعوا ~~إلى ما يمكن مشاهدته في الظواهر الطبيعية كما تدركها حواسهم. # ثم زادت هذه التفرقة بين طريقة التفكير الرياضي الخالص وطريقة التفكير في ظواهر الطبيعة، ~~وضوحا على وضوح، على ضوء ما انتهت إليه التحليلات المنطقية للحقائق العلمية منذ منتصف ~~القرن الماضي (التاسع عشر)؛ فمنذ ذلك الحين تبينت فروق حاسمة بين الوحدة الفكرية في ~~البناء الرياضي والوحدة الفكرية في بناء العلوم الطبيعية، مما يجعل لكل من البنائين منهجا ~~لا يصلح للآخر؛ وبالطبع لا ينفي هذا الاختلاف بينهما أن يكون كل منهما معتمدا على الآخر في ~~سياق بحث واحد. # فبينما وحدة التفكير الرياضي «تحليلية» في طريقة بنائها؛ فإن وحدة التفكير في العلوم ~~الطبيعية «تركيبية» في طريقة بنائها، والمقصود بالبنية التحليلية في العلوم الرياضية، أنها ~~مستندة في صحتها على قانون الهوية؛ أي إن المعادلة الرياضية - مثلا لا تذكر في شطرها الآخر ~~إلا ما كانت ms09 ذكرته في شطرها الأول، مع اختلاف الرموز المستخدمة في كل من الشطرين؛ أي إن ~~الشطر الآخر من المعادلة الرياضية هو هو الشطر الأول بعد أن استبدل ثوبا بثوب؛ إن قولنا ~~3 + 2 = 5 معناه أن «3 + 2» هو نفسه «5» برغم اختلاف الرموز الدالة على الحقيقة الواحدة في ~~الحالتين؛ فإذا سأل سائل وقال: ما الذي أدرانا أن هذه معادلة صحيحة؛ لم يكن جوابنا هو أن ~~نطابق له بينها وبين أي شيء من كائنات الطبيعة الخارجية، بل إن جوابنا في هذه الحالة لينحصر ~~في أن نراجع معه الطريقة التي حللنا بها أحد الشطرين تحليلا يضع عناصره بلا زيادة ولا ~~نقصان في الشطر الآخر؛ وإذن فصدق الجملة الرياضية في طريقة تكوينها، غير مستند إلى أي شاهد ~~من خارجها. # وأما وحدة التفكير في العلوم الطبيعية فشأنها شأن آخر؛ لأنني في هذه الحالة لا أحلل جزءا ~~من الجملة بالجزء الآخر، بل أضيف إلى الشيء الذي أتحدث عنه معلومات لم تكن لتستنبط منه إذا ~~أخذناه بمعناه المعروف لنا؛ فإذا قلت عن الضوء إن سرعته كذا ميلا في الثانية، كان هذا ~~الجانب الذي أضيفه جديدا، ما كنت لأصل إليه لو أخذت أحلل مفهوم الضوء في ذاته كما عرفته في ~~خبرتي المباشرة، أو إذا قلت إن متوسط الدخل لكل مصري هو ما يقرب من مائة جنيه مصري في ~~العام، فها هنا أيضا ترى أن الخبر الذي أرويه عن متوسط الدخل لم يكن ليستنبط نظريا فقط ~~من مجرد تحليلي للعناصر التي يتركب منها مفهومي للمصري وطريقة تكوينه؛ ولذلك فلو سأل سائل ~~هذه المرة قائلا: ما الذي أدرانا أن تلك هي سرعة الضوء حقا، أو أن هذا هو متوسط دخل ~~المصري؟ لم يكن جوابنا كالذي كان في حالة المعادلة الرياضية، بل إن السند هنا هو أن نخرج مع ~~السائل إلى الحقيقة الخارجية لنراجع الحقيقة المزعومة عليها، فإن طابقتها كانت الحقيقة ~~المزعومة صحيحة، وإلا فهي ليست بحقيقة كما زعمنا لها. # تانكم - إذن - مجموعتان من العلوم، تختلفان موضوعا ومنهجا؛ وللتفكير العلمي في إحداهما ms10 ~~أسس غير الأسس المطلوبة للتفكير العلمي في الأخرى، وتبقى أمامنا مجموعة ثالثة هي ما قد يطلق ~~عليه العلوم الإنسانية أو العلوم الاجتماعية، كعلوم الاقتصاد والاجتماع والنفس والسياسة ~~وغيرها، وهذه تثير إشكالا بين فلاسفة العلم إلى يومنا هذا، فمنهم من يريد لها منهجا ~~خاصا بها؛ أي أسسا للتفكير العلمي تخالف أسس الرياضة وأسس العلوم الطبيعية معا؛ ومنهم ~~من يرى إدراجها مع مجموعة العلوم الطبيعية؛ لأنها تبحث في الإنسان من حيث هو ظاهرة طبيعية ~~كغيرها من الظواهر، فإذا كانت له جوانب أخرى يتميز بها، فليست هي التي نقصد إليها بالدراسة ~~العلمية، ولعلنا نعود إلى تفصيل ذلك في موضع آخر. ~~(3) وقفة عند التفكير الرياضي # عندما يسأل السائلون عن أسس التفكير العلمي، فكثيرا جدا ما تنصرف الأذهان إلى نوع واحد ~~من نوعي هذا التفكير، وهو ذلك الذي يجري في ميدان العلوم الطبيعية التجريبية، وقلما ~~يتنبه السائلون أو المجيبون أن ثمة نوعا آخر، يخالف منهج العلوم الطبيعية اختلافا ~~جوهريا من رأسه إلى قدمه، وأعني به التفكير الرياضي، آخذين لفظة «الرياضة» هنا بأعم ~~معانيها، التي تشمل مع علوم الجبر والحساب والهندسة وما إليها، علوما أخرى، ليست الأرقام ~~لغتها، ولكنها مع ذلك تنهج النهج نفسه في خطوات السير من الفروض الأولى نزولا إلى النتائج ~~التي تتولد من تلك الفروض. # ذلك أن التفكير الرياضي يتميز بسيره على خطوتين؛ أولاهما خطوة توضع فيها فروض يطلب ~~التسليم بها، لا لأنها في ذاتها لا بد من التسليم بها في كل الظروف وعند كل إنسان؛ بل لأن ~~الباحث يريد أن يقيم عليها نتائجه، بحيث لا يجوز للناقد بعد ذلك أن يوجه نقده إلى الفروض ~~نفسها، بل عليه أن يحصر نقده عندئذ في طريقة استدلال النتائج من تلك الفروض؛ فإذا لم يكن ~~البناء الفكري كله مقبولا عند ناقديه، فسبيلهم هو أن يعيدوا هم البناء على فروض أخرى ~~يضعونها ليخرجوا منها نتائج مختلفة عن نتائج البناء المرفوض؛ ونسوق لذلك مثلا من الحياة ~~الجارية قولنا: إذا كان الفرض هو أن دخل المصري الواحد في المتوسط ms11 مائتا جنيه في العام، ثم ~~إذا فرضنا أيضا أن عدد المصريين أربعون مليونا؛ كانت النتيجة الحتمية هي أن الدخل القومي ~~في مصر ثمانية آلاف مليون جنيه؛ فيلاحظ القارئ في هذا المثل كيف أن هذه النتيجة المذكورة لا ~~توصف بأنها صواب أو بأنها خطأ إلا على أساس الفروض التي وضعناها واشتققنا النتيجة منها؛ ~~فالبناء الفكري هنا سليم ما دامت الفروض محل اتفاق، وما دامت النتيجة قد جاء استدلالها ~~بطريقة رياضية صحيحة؛ وأما إذا أراد ناقد أن يضع فروضا أخرى، كأن يجعل دخل المصري في ~~المتوسط المطلوب ثلاثمائة جنيه في العام، مع موافقته على تعداد المصريين أربعين مليونا، ~~فإن نتيجته سوف تختلف؛ إذ ستكون هذه المرة أن الدخل القومي في مصر لا بد أن يبلغ اثني عشر ~~ألفا من ملايين الجنيهات. # النقطة الهامة جدا في هذا الحديث، والتي نريد استرعاء الأنظار إليها، هي أن الفروض التي ~~يضعها صاحب التفكير الرياضي - أيا كان موضوعه - ليست هي محل النقاش والجدل؛ لأن الفروض ~~بطبيعة تسميتها هذه ليست من قبيل القضايا المطروحة للبحث، بل هي بمثابة قولنا: «إذا» كان ~~الأمر كذا وكذا فإن الناتج يكون كيت وكيت، والجملة المسبوقة بأداة الشرط «إذا» لا يدعي ~~قائلها أنها دالة على حقيقة فعلية، فقولك - مثلا: «إذا نزل المطر فسأضطر إلى المكث في ~~منزلي»، يرتب نتيجة على فرض نزول المطر، دون أن يزعم بأن المطر قد نزل أو أنه سوف ينزل ~~حتما؛ بل إن النتيجة مرهونة بحدوث هذا الفرض «إذا» حدث. # ولقد كان النموذج التاريخي للتفكير الرياضي طوال قرون، هو علم الهندسة كما وضعه إقليدس؛ ~~ففيه بدأ ذلك الرياضي الرائد بمسلمات ليبدأ بها البناء الفكري الرياضي، وقسم تلك ~~المسلمات ثلاثة أنواع: فأولا - أورد عددا من التعريفات التي يحدد به ما يعنيه ~~بالكلمات ذات الأهمية في سياقه، كالنقطة والخط والسطح، وهكذا؛ وثانيا - ذكر عددا من ~~الحقائق المطلوب قبولها بغير برهان، وأسماها بالبديهيات، وثالثا - وضع عددا آخر من ~~الحقائق المطلوب التسليم بها مقدما، وأسماها بالمصادرات؛ وكان الفرق الرئيس بين مجموعة ~~البديهيات ومجموعة ms12 المصادرات - وكلتاهما مطلوب التسليم بهما بغير برهان - هو أن البديهيات ~~تدور حول أفكار ليست من مجال الهندسة ذاتها، وأما المصادرات فأفكار مأخوذة من مجال الهندسة ~~الذي هو مجال البحث الذي يهم «إقليدس» تناوله، فبينما البديهيات تذكر لنا حقائق عن المقادير ~~الحسابية أو عن المفهومات الواردة في علم الحساب، كمفهوم الجمع أو مفهوم التساوي، ترى ~~المصادرات قائمة على مفهومات هندسية مأخوذة من الميدان نفسه الذي هو موضوع البحث، كالخطوط ~~المتوازية مثلا. # ولبث الناس منذ عهد إقليدس نفسه (وهو من علماء الإسكندرية حوالي سنة 300 قبل الميلاد) إلى ~~القرن التاسع عشر، لا تأخذهم الريبة في أن الفروض التي بنى عليها إقليدس «نظرياته» ~~الهندسية، ليست مجرد فروض قابلة للتغيير، بل هي في الوقت نفسه دالة على حقائق الطبيعة ~~الخارجية كما هي واقعة بالفعل، فإذا قال «إقليدس» - مثلا - في تلك الفروض إن الخطين ~~المتوازيين لا يتلاقيان مهما امتدا؛ فلأن هذه هي حقيقة الخطين المتوازيين في الوجود ~~الخارجي؛ ولا غرابة أن كانت المشكلة الرئيسة التي أدار حولها الفيلسوف الألماني العظيم ~~عمانوئيل كانط فلسفته كلها (ولد كانط سنة 1724م ومات سنة 1804م) هي هذا السؤال: ما دامت ~~المسلمات في هندسة «إقليدس» قد أنتجها العقل الخالص غير مستمد إياها من تجارب الحواس، ومع ~~ذلك فهي مطابقة لما يجده الإنسان في الوجود الخارجي كما تدل عليه تلك التجارب، فكيف أمكن ~~العقل المحض أن ينتج من ذاته حقائق تطابق ما هو واقع بالفعل! # أقول إن الناس قد لبثوا طوال هذه القرون، وهم يرون في مسلمات الرياضة لا مجرد فروض يمكن ~~تغييرها بسواها فتتغير النتائج تبعا لذلك؛ بل يرون فيها ما يدل على حقائق الوجود الفعلي؛ ~~إلى أن حدث إبان القرن التاسع عشر أن تساءل الرياضيون: ألا يمكن تغيير هذه المسلمة أو تلك ~~من مسلمات الهندسة الإقليدية (= الهندسة التي خلفها «إقليدس») وإذا نحن بدلنا في تلك ~~المسلمات فماذا تكون «النظريات» الهندسية الجديدة؟ وقام هؤلاء الرياضيون بالفعل بمثل هذا ~~التغيير (وخصوصا في المصادرة الخاصة بالخطين المتوازيين اللذين لا يلتقيان، أو بالخطين ms13 غير ~~المتوازيين اللذين لا بد أن يلتقيا إذا امتدا)، فكان ذلك إيذانا بمولد عصر جديد في علم ~~الرياضة، أهم ما يميزه - من وجهة نظرنا الفلسفية - هو أن العلم الرياضي لا يدل بذاته على ~~الواقع الخارجي، ولكن صحته منحصرة في صحة الاستدلال من الفروض المسلم بها، مع إمكان تغيير ~~تلك الفروض إذا أردنا أن نقيم بناء رياضيا ثانيا، ثم تغييرها مرة أخرى لنقيم بناء ~~رياضيا ثالثا، فرابعا، فخامسا، فأي عدد شئت من البناءات الفكرية الرياضية، وكلها صحيح، ~~ما دام استدلال النتائج (أي «النظريات») قد جاء استدلالا سليما من المسلمات المفروضة ~~لتكون أساسا يقام عليه البناء؛ ومعنى ذلك أن الحقائق الرياضية تتعدد بتعدد الأنساق ~~الرياضية التي نقيمها، ومن هذه الأنساق في ذاتها لا نستطيع أن نقطع بأيها هو الذي ينطبق على ~~الطبيعة الخارجية؟ # قلنا إن ما يميز التفكير الرياضي هو سيره على خطوتين، كانت أولاهما مسلمات يفترض صوابها ~~بغير برهان، وأما الأخرى فهي «النظريات» أو النتائج التي نشتقها من تلك المسلمات، وهي ~~نظريات نقيم عليها البرهان؛ وطريقة البرهنة عليها هي أن نستند إلى المسلمات، فكل حقيقة ~~نراها مشتقة من إحدى المسلمات أو من بضع مسلمات مأخوذة معا، نعدها حقيقة مبرهنا ~~عليها لا لأنها حتما تنطبق على الواقع الطبيعي إذا أردنا تطبيقها، إذ قد لا تكون كذلك، ~~ولكن لأنها اشتقت من الفروض اشتقاقا سليما. # وليس هذا المنهج الرياضي بخطوتيه مقصورا على العلوم الرياضية بالمعنى الضيق لهذه ~~العبارة، بل إنه منهج يستخدمه العقل البشري في مجالات أخرى كثيرة، من شأن الباحثين فيها أن ~~يبدءوا السير مما هو مسلم بصوابه، إما تسليما قائما على مجرد افتراض، وإما تسليما ~~قائما على أسس أخرى، ثم نرى هؤلاء الباحثين يصرفون جهودهم الفكرية بعد ذلك في عملية ~~استخراج النتائج التي تلزم عن تلك البداية التي كانت موضع التسليم أول الأمر؛ وفي أمثال هذه ~~الحالات كلها، ماذا يكون معنى «التفكير العلمي» إلا أن يكون هو القدرة على استخلاص النتائج ~~من مقدمات مفروض فيها الصواب، بحكم الفرض. إن «التفكير العلمي» هنا ms14 لا شأن له بالكون وما ~~فيه؛ إذ لا شأن له بمطابقة الأقوال على الوقائع، بل شأنه، كل شأنه، هو في إحكام العلاقة ~~الاستدلالية بين الأصل وما يتفرع عنه. # ولنأخذ أمثلة لهذا الضرب من «التفكير العلمي» الذي يساق على نهج الطريق الرياضي دون أن ~~يكون موضوعه هو العلوم الرياضية بمعناها الضيق، فلقد شهدت الفلسفة الإنجليزية في القرن ~~السابع عشر صراعا على النظرية السياسية بين رجلين، هما «جون لوك» (1632-1704م) و«تومس ~~هوبز» (1588-1679م)؛ أولهما يذهب إلى أن الملك مختار من الشعب، ومن ثم يكون من حق الشعب أن ~~يعزله إذا لم يجده قد أدى الأمانة على الوجه المنشود، والآخر يذهب إلى أن الملك في الأصل ~~التاريخي للملكية لم يجئ نتيجة اختيار من الشعب المحكوم، بل جاء نتيجة قوته التي فرضها ~~فرضا على ذلك الشعب، ومن ثم فليس من حق الشعب أن يعزله أو أن يحاكمه؛ وكان كل من ~~الفيلسوفين قد انتهى إلى مذهبه السياسي اشتقاقا من فرض فرضه لنفسه عن أصل المجتمع الإنساني ~~كيف كان عند نقطة ابتدائه؟ قال «لوك» في ذلك: إن أفراد الناس قد أرادوا لأنفسهم الأمن ~~فاختاروا من بينهم حكما يحكم بينهم بالعدل إذا ما نشب اختلاف، وإذا كان هذا هو الفرض، ~~تولدت عنه النتيجة اللازمة، وهي أن الشعب الذي اختار له حق الرجوع في اختياره، وأما «هوبز» ~~فقد قال غير ذلك؛ كان الفرض عنده في قيام المجتمع بادئ ذي بدء هو أن رجلا يمتاز دون سائر ~~الأفراد بقوته، ففرض سلطانه على الجميع، وجعل من نفسه حكما بينهم، فتكون النتيجة ~~الاستدلالية التي تلزم عن ذلك؛ هو أن يكون ذلك الرجل هو واضع القوانين؛ ومن ثم فليس من حق ~~أحد من رعيته أن يحاسبه على فعل يؤديه أو على حكم يقضي به. # فماذا نقول نحن عن هاتين النظريتين في سياسة الحكم؟ أيمكن القول أيهما صواب وأيهما خطأ؟ ~~إن «التفكير العلمي» هنا هو أن نأخذ كل نظرية من حيث اشتقاقها من فرضها، فإذا كان الاشتقاق ~~سليما من الناحية المنطقية، كانت النتيجة ms15 صحيحة من الوجهة النظرية؛ لكن ماذا نحن صانعون ~~إذا بحثنا الموقف فوجدنا كلتا النظريتين على صواب من حيث سلامة الاشتقاق من القروض؟ إنه لا ~~يسعنا في هذه الحالة إلا الاختيار على أساس المنفعة العملية للجماعة المعينة في مرحلة معينة ~~من تاريخها، دون أن يكون من حقنا «علميا» أن نتهم النظرية الأخرى بالخطأ. إن الأمر هنا ~~كالأمر في عدة بناءات رياضية أقمناها على مجموعات مختلفة من المسلمات، كل بناء رياضي منها ~~صادق في ذاته، حتى لو وقع الاختيار على إحداها دون سائرها عند التطبيق العملي - فلن يكون ~~معنى ذلك أن بقية البناءات التي لم نخترها خاطئة من الناحية الرياضية الخالصة؛ أو قل - ~~بتشبيه آخر - إننا في هذه الحالة كأننا ننظر إلى أهرام الجيزة الثلاثة، كل هرم منها له ~~بناؤه الخاص به، وليس الحكم على أحدها بذي دلالة بالنسبة للحكم على الهرمين الآخرين، فإذا ~~كان أحدهما على شيء من الخطأ في أساسه المعماري، فلا يدل ذلك على شيء بالنسبة للآخرين، إذ ~~قد يكون هذان - أو أحدهما - على خطأ كذلك، أو قد يكونان على صواب. # إن هذه النقطة - عندي - بالغة الأهمية في أسس «التفكير العلمي»؛ لأننا إذا تبيناها أجلى ~~بيان، وإذا هضمناها وتمثلناها - كانت خير عون لنا على إقامة النظرة العلمية السديدة ~~القويمة المتسامحة بطبعها؛ وذلك لأن البناءات العقائدية كلها قائمة على هذا الأساس ~~«الرياضي» في نهج التفكير؛ إذ لكل بناء منها فروضه الأولى الخاصة به، ومن تلك الفروض المسلم ~~بصوابها عند أصحابها، تنتج النتائج؛ فإذا وجدنا أنفسنا إزاء عدة بناءات عقائدية (في دنيا ~~السياسة أو الاجتماع أو غيرهما) لكل منها أساسه الأول الذي اشتقت منه مجموعة الاعتقادات ~~أو مجموعة الافكار أو القواعد، ثم وجدنا في الوقت نفسه أن كلا منها على حد سواء قد أصاب ~~في الاستدلال المنطقي، فاستخرج نتائجه من أصوله استخراجا سليما - كان من غير الجائز بعد ~~ذلك علميا أن نفاضل بين البناءات من الوجهة النظرية الصرف، وإنما تكون المفاضلة - إذا ~~شئنا - على أساس المنفعة العملية بالنسبة إلى حالات جزئية ms16 بعينها. # وابتغاء مزيد من التوضيح نقول : افرض أن أديبين من أدباء القصة، كتب كل منهما قصته عن ~~جزيرة غير مأهولة، فاختار أحد الأديبين لقصته أن ينزل بها رجل واحد ثم راح يتعقب حياته على ~~الجزيرة ليرى كيف تكون أحداثها، على حين اختار الآخر أن ينقطع الطريق - لا برجل واحد - بل ~~بركاب سفينة يبلغ عددهم بضع عشرات من الأفراد؛ وراح بدوره يتقصى بخياله تفصيلات حياتهم ~~على الجزيرة المعزولة كيف يمكن أن تكون، ثم أراد ناقد أدبي أن يقوم دقة الخيال عند كل من ~~الأديبين؛ فهل يجوز لمثل هذا الناقد أن يحاسب كلا من الأديبين إلا على أساس فرضه الأول؟ ~~فالأديب الذي افترض وجود رجل واحد عليه أن يلتزم هذا الفرض فيما يعرض له من تفصيلات قصته، ~~فإذا زعم - مثلا - أن هذا الفرد الواحد قد أقام على الجزيرة هرما كهرم خوفو في الجيزة، ~~قال الناقد عنه إنه مختل الخيال؛ لأن رجلا واحدا لا يستطيع ذلك بمفرده، وكذلك الحال ~~بالنسبة للأديب الآخر الذي جعل نقطة ابتدائه مجموعة كبيرة من الأفراد، فإن الناقد يضع ذلك ~~الإطار العام في اعتباره، عندما ينظر إلى إمكان ما يحدث أو عدم إمكانه. ~~(4) ووقفة أخرى عند المنهج التجريبي # وها هنا قد نطيل الوقوف بعض الشيء؛ لأن هذا الضرب من التفكير، الذي هو محور العلوم ~~الطبيعية وما يجري مجراها من حيث منهج السير، هو عادة ما يشغل أذهان الناس إذا ما ناقشوا ~~أمرا يتصل «بالتفكير العلمي»؛ إنهم قلما يتذكرون أن عملية استخلاص النتائج من الفروض، ~~أيا كانت تلك الفروض، أيضا تفكير علمي ذو أهمية بالغة في تاريخ الإنسان العقلي، وفي ~~مواقفه العلمية في شتى الميادين؛ أقول إن الناس قلما يتذكرون ذلك، ولا يشغلهم في المقام ~~الأول إلا ذلك الضرب من التفكير العلمي الذي ينصب على الطبيعة وظواهرها، وإنه لمما يسترعي ~~النظر، أنه بينما كان التفكير الرياضي (بالمعنى الواسع لهذه العبارة؛ أي المعنى الذي يصدق ~~على أية عملية فكرية تشتق نتائج من فروض) أقول إنه بينما التفكير الرياضي ضارب في القدم ms17 ~~إلى جذور التاريخ، نرى التفكير العلمي بمعناه التجريبي الطبيعي حديث الولادة، حديث الظهور؛ ~~فيمكن القول بصفة عامة إن الفكر اليوناني القديم بأسره، وما تلاه على مدى قرون العصور ~~الوسطى، كان «رياضيا» في منهجه؛ بمعنى أنه كان فكرا يضع بين يديه أصلا أو أصولا ~~مسلما بها، ثم يأخذ في استخراج ما يترتب عليها من حقائق مستنتجة. # فهكذا كان التفكير الفلسفي عند اليونان الأقدمين وعند من جاءوا بعدهم حين كان على ~~الفيلسوف أن يضع لنفسه «مبدأ» يتخذه بمثابة الينبوع الذي تنبثق منه كل أجزاء النسق الفلسفي ~~الذي يقيمه؛ على أن هذه الأجزاء إنما يكون صوابها أو بطلانها بالنسبة إلى لزومها أو عدم ~~لزومها عن الأصل المبدئي المفروض؛ وعلى هذا الأساس نفسه أقام أرسطو أصول «منطقه» الصوري؛ ~~فما المنطق الأرسطي في صميمه إلا عملية قياسية تتصدرها مقدمات لننتزع منها النتيجة، فلا ~~نقول عن هذه النتيجة إنها صحيحة إلا إذا وجدناها مولدة من تلك المقدمات تولدا يلتزم قواعد ~~القياس؛ وإذا قلنا «المنطق الأرسطي» فقد قلنا - على وجه التقريب - الفكر البشري كله على مدى ~~ما يقرب من عشرين قرنا بعد أرسطو؛ فلا غرابة أن دراسة هذا المنطق الأرسطي كادت تكون شرطا ~~ضروريا لكل مثقف في تلك العصور، كائنا ما كان اتجاهه، طبيبا كان، أو فقيها، أو ناقدا ~~أدبيا، أو ما شئت من منحى في حياة الناس الفكرية. # كان التفكير على النهج الرياضي - إذن - قديما قدم التاريخ الفكري، وأما التفكير على ~~النهج التجريبي، فلم يتبلور في تيار تكون له السيادة الشاملة في الحياة العلمية كلها، إلا ~~خلال النهضة الأوروبية في القرن السادس عشر أو ما يقرب منه، وأعود فأكرر ما أسلفت قوله، من ~~أن استثناءات فردية قد سبقت ذلك التاريخ، وعلى الخصوص في الحضارة العربية، التي شهدت ~~أعلاما بارزين في ميدان العلم التجريبي من طب وكيمياء وملاحة وغير ذلك، لكن ذلك كله لم ~~يصبغ العصر في عمومه بطابعه، ولبث العصر مطبوعا بالطابع الرياضي الذي يشتق النتائج من ~~المسلمات، في أهم الجوانب التي كان لها أعظم الشأن ms18 في حياة الناس، كاللغة والفقه وعلم ~~الكلام؛ وإن القرون الأربعة الأخيرة، التي نطلق عليها اسم «العصور الحديثة» إنما تتميز بتلك ~~النقلة في منهج التفكير العلمي الخاص بالطبيعة وما فيها، من نهج رياضي إلى نهج آخر تجريبي ~~يقوم أول ما يقوم على مشاهدة ما يجري في عالم الواقع؛ ليقترح العلماء نظريات في ضبط الطريقة ~~التي تطرد بها أحداث ذلك العالم الواقعي؛ فتكون منها قوانين العلوم. # فما أهم خصائص هذا الضرب من التفكير العلمي؟ لقد ذكرنا منها اثنتين فيما سبق، هما: التجريد ~~والتعميم، وهما ضفتان لا تثيران المجادلة بين الناس كلما كان النقاش دائرا حول التفكير ~~العلمي وأسسه، فنتركهما لننتقل إلى خصائص هامة أخرى: ~~(4-1) تحويل الكيف إلى كم # من حق القارئ علينا - قبل أن نمضي في الحديث عن هذه الخاصة من خصائص التفكير العلمي - ~~أن نحدد له المعنى المقصود بهاتين الكلمتين الهامتين في ميدان الفكر الفلسفي كله (وأحد ~~جوانبه «فلسفة العلوم» التي نحن الآن بصدد الحديث عنها)؛ أما «الكيف» فنشير به إلى صفات ~~الأشياء التي قد نذكرها إذا ما سئلنا عنها سؤالا يبدأ بكلمة كيف؟ لكن ذلك القول وحده ~~غير كاف للتوضيح، فنقول: # هنالك مستويان لإدراك الإنسان لبيئته، يرتبط أحدهما بالآخر ارتباط الأدنى بالأعلى، أو ~~ارتباط الخطوة الأولى بالخطوة التالية في مراحل السير، وهما مستوى الإدراك الذي نتعامل ~~على أساسه في حياتنا العملية، ومستوى الإدراك الذي نرتفع إليه في حياة البحث العلمي في ~~صوره المتقدمة، كالتي نراها في علوم الفيزياء والكيمياء. وأما في المستوى الأول الذي ~~يتعامل الناس فيه بعضهم وبعض في حياتهم اليومية، فإن المدار عندئذ يكون هو الإشارة إلى ~~الأشياء والحوادث بأوصافها الظاهرة للحواس، أو بمنافعها وطرائق استخدامها في الحياة ~~العملية، فيقال: ماء، وكرسي، وشجرة، وملعقة، وملح، وورق، وهواء، وثياب، وطعام ... إلخ ~~إلخ، فإذا أمعنت في النظر في هذه الأسرة الضخمة من ألفاظ اللغة كما يستخدمها الناس في ~~شئون حياتهم اليومية - وجدتها في حقيقة أمرها ذوات دلالات تتناول الأشياء والكائنات في ~~جملتها لا في عناصرها التحليلية، فيؤخذ «الماء» وكأنه ms19 كائن لا ينحل إلى عنصريه من ~~أوكسجين وهيدروجين؛ لأنه وهو «ماء» مركب على نحو ما نألفه في حياتنا يستخدم في ~~أغراضنا المختلفة المتعلقة به، كالشرب والغسل والري والسباحة وغير ذلك؛ حتى إذا ما ~~تناوله علم الكيمياء، لم يجعله «ماء» على النحو المركب الذي نعرفه، بل يظل به تحليلا ~~في أنابيبه ومخابيره إلى أن يصل إلى وحداته الكيماوية البسيطة، وطرائق تفاعلها التي عن ~~طريقها يصبح الماء ماء؛ فقد نقرأ كتب الكيمياء وكتب الفيزياء فلا تعثر فيها على كلمة ~~«ماء»؛ لأنها كلمة غير علمية، مع أنها هي الكلمة التي لا كلمة سواها في ميدان استعمالها ~~اليومي، فإذا قلت في حديثك «ماء» كنت تشير إلى هذه المادة من جانبها «الكيفي»، أما ~~إذا حولها العلم إلى «2 يد 1» (أي إلى ذرتين من الهيدروجين وذرة واحدة من الأوكسجين ~~تفاعلت كلها معا فكونت ذرة من الماء) فها هنا يكون التناول من الجانب الكمي؛ والجانب ~~الأول للحياة الجارية، والجانب الآخر للبحث العلمي. # وكذلك ليس من لغة العلم المتقدم أن يقول: كرسي، وملعقة ... إلخ، فهذه عنده إنما هي آخر ~~الأمر مركبات من عناصر يستطيع علم الكيمياء أن يعينها، كما يستطيع علم الفيزياء أن ~~يردها إلى ذرات تختلف باختلاف كهاربها؛ فإذا قلنا عن لغة الحياة الجارية إنها تعتمد في ~~إشارتها إلى الأشياء على كيفياتها؛ أي على طرائق وقعها على الحواس وقعا مباشرا، ~~وطرائق استخدامها والانتفاع بها في الحياة المشتركة بين الناس - فإننا نقول عن لغة ~~العلم إنها تعتمد أول ما تعتمد، لا على «الأشياء» في جملتها، ولا على «الكائنات» وهي ~~مركبة، بل على تحليلها إلى مقوماتها، مدخلة في تلك المقومات مقاديرها التي دخلت ~~بها في حالة التركيب؛ وواضح أن زاوية الإدراك الكيفي للأشياء لا تفيد أحدا في صنع هذه ~~الأشياء إذا أراد صنعها؛ وأما زاوية الإدراك الكمي للمقادير التي أضيف بها كل عنصر في ~~تركيب الأشياء - فيمكن من أراد، ومن كانت له الدراية والقدرة، تمكنه من صنع الشيء ~~إذا أراد صنعه؛ فمثلا لو أخذ الناس يكررون كلمة «ماء» في ms20 دنيا الاستعمال اليومي، ~~ملايين المرات بعد ملايينها، فلن يستطيع عالم الكيمياء، من هذه الكلمة وحدها، أن يصنع ~~في معمله ماء إذا شاء؛ أما إذا استبدلنا بكلمة «ماء» اسمها العلمي المؤسس على التحليل ~~وعلى معرفة الكم، فقلنا «2 يد 1» عرف عالم الكيمياء كيف يصنع قطرة الماء، بأن يضيف هذه ~~العناصر المذكورة، وبمقاديرها المحددة، وفي تفاعلها، فإذا بين يديه قطرة الماء المطلوبة ~~بعد أن لم تكن. # ليس مما يفيد البحث العلمي في شيء أن تقول مثلا (كما نقول في أحاديثنا الجارية) ~~إن أوجه النقص في مجتمعنا هي «الفقر» و«الجهل» و«المرض» لأن هذه الألفاظ الثلاثة، على ~~أهميتها في الأحاديث اليومية، وفي البيانات السياسية، وفي التحقيقات الصحفية، هي في تلك ~~المجالات «اللاعلمية» توقظ الانتباه وتثير الاهتمام؛ وأما حين يبدأ العلم في معالجة ~~موضوعاتها؛ فإن اللغة الكيفية المذكورة في مجالات الإثارة والإيقاظ، لا بد لها أن ~~تتحول إلى لغة كمية حتى يمكن العلم المنتج أن يسير على طريقه المنهجي الدقيق؛ فلا ~~تصبح كلمة «فقر» هي المطلوبة عندئذ، بل المطلوب هو ترجمتها ترجمة عددية، كأن نقول إن ~~متوسط دخل المصري الآن مائة جنيه في العام، وهو متوسط إذا قيس إلى مستوى متوسطات الدخل ~~في العالم، جاء في شريحتها الدنيا، ثم ماذا؟ ثم لا بد كذلك أن أردف هذا التصور ~~العددي بتصور عددي آخر، وهو الحد الأدنى لمتوسط الدخل كما نريد له أن يكون، فإذا كان ~~هذا الحد الأدنى المطلوب مائتي جنيه في العام، عرفنا أن زيادة الدخل القومي المطلوبة ~~مقدارها نحو أربعة آلاف مليون جنيه؛ بهذا أكون قد وضعت النقطة الأولى في التخطيط ~~العلمي؛ لأنني في ضوء هذا المبلغ المطلوب، أمضي في تصور المشروعات المختلفة التي يمكن ~~أن تعود على الأمة بدخل كهذا؛ وهكذا نرى أن الشرط الضروري الأول في أي تفكير علمي ~~منتج، هو تحويل اللغة الكيفية إلى ما يعادلها بلغة الأعداد. # وقل شيئا كهذا في مفهوم «الجهل»، إذ اللفظة وحدها لا تهدينا إلى ما ينبغي عمله، فهي ~~- كما قلنا - لفظة دلالتها «كيفية»، تصلح للأحاديث ms21 الجارية، وتحفز الهمة، لكنها لا تجدي ~~بذاتها شيئا في رسم ما يراد عمله، حتى إذا ما حولناها إلى لغة العدد؛ أي إلى الدلالة ~~الكمية، تبين الطريق؛ فنبدأ بالسؤال: جهل بماذا؟ وكم عدد الأفراد المراد تعليمهم؟ ~~وكم عدد المدارس التي يمكن إعدادها؟ وكم طول الفترة المطلوبة؟ وكم مدرسا وكم كتابا، ~~ومن ثم كم من المال يكفي هذا كله؟ والأمر كما ترى متوقف على إجابتنا عن السؤال ~~الأول: جهل بماذا؟ أجهل بالقراءة والكتابة والحساب؟ أم - بالإضافة إلى ذلك - بطرائق ~~الصنع في ميادين العمل؟ إذ الإجابة الأولى عن أسئلة كهذه تحدد لنا نوع المدارس ~~المطلوبة كما تحدد أنواع المدرسين المطلوب إعدادهم، وهكذا. # الفرق بعيد بين لغة الحديث المألوفة ولغة العلم، وإذن فمن أهم أسس التفكير العلمي أن ~~نستخدم مصطلحات العلوم ومفهوماتها؛ لأن ذلك كفيل بأن يفتح أمام أبصارنا مجال البحث ~~العلمي أين يكون وكيف يكون؛ خذ مثلا مفهوم «اللون» كما نعرفه في أحاديثنا المعتادة، ~~ومفهومه كما يعرفه علماء الطبيعة؛ فنحن في حياتنا العملية نميز بين الأحمر والأصفر ~~والأخضر وغيرها من الألوان، نراها في كل شيء؛ في النبات وفي الزهور وفي الثياب وفي ~~الصخور إلى آخر ما تزدحم به دنيانا من كائنات؛ أما عند العلم فاللون ضوء، يتغير ~~بتغير أطوال الموجات الضوئية؛ إن علم الضوء لا يعنيه كيف ترى العين البشرية ولا ~~ماذا ترى، بل يعنيه أطوال موجية يقيسها؛ ولذلك كان الأعمى كالبصير في دراسة علم الضوء ~~إذ الأمر متعلق بأطوال وزوايا ومعادلات. ومرة أخرى نقول: إن الإنسان إذا وقف عند حدود ~~إدراكه الكيفي للألوان، كما تدركها حاسة البصر من الأشياء إدراكا مباشرا، كان محالا ~~عليه أن يصمم جهازا ينقل هذه الألوان من بعد، كالتلفزيون الملون مثلا، أما حين يترجم ~~الألوان إلى موجات ضوئية معلومة الأطوال، فعندئذ ينفتح الطريق أمامه نحو تصور الجهاز ~~الذي ينقل تلك الموجات؛ وقل الشيء نفسه بالنسبة للصوت؛ فليس علم الصوت قائما على ~~الطريقة التي تسمع بها الآذان أصوات الطبيعة من لفظ مسموع إلى حفيف الريح في أوراق ~~الشجر أو ms22 اصطخاب الموج في البحر، لا، بل يقوم علم الصوت على دراسة الموجات الصوتية، ما ~~أطوالها وكيف تقاس وبأي الزوايا ينعكس الصوت أو ينكسر؛ فإذا ما ألم بهذا الجانب ~~الرياضي من الظاهرة - استطاع التحكم فيها كيفما شاء. # دقة التفكير العلمي تتطلب تحويل مفاهيمنا إلى «كم» بعد أن كانت ذات طبيعة «كيفية» ~~في إدراكنا اليومي؛ وإن العلوم المختلفة لتتفاوت في مقدار تقدمها بنفس المقدار الذي ~~اختلفت فيه من حيث ضبطها لمفهوماتها ضبطا كميا؛ فعلم الفيزياء - مثلا - متقدم ~~على علم الاقتصاد أو علم النفس، بنفس الدرجة التي استطاع بها أن يحول لغته إلى صيغ ~~رياضية؛ وقد تسألني: لكن إذا كان ذلك مستطاعا في عالم الفيزياء وما إليه، فهل يمكن في ~~عالم الإنسان؟ ماذا نحن صانعون في العلوم الإنسانية من اقتصاد إلى نفس إلى اجتماع ~~وسياسة وغيرها؟ ونحن إن كنا سنقول كلمة موجزة فيما بعد عن الموقف العلمي بالنسبة إلى ~~العلوم الإنسانية، فإننا نسارع هنا إلى الإجابة الموجزة، فنقول إن هذه العلوم - كغيرها ~~- إنما تتقدم على الأساس نفسه، وبالدرجة نفسها، التي يمكنها بها أن تتحول من لغة ~~الكيف إلى لغة الكم؛ فمثلا بدل أن نقول في علم النفس: «ذكاء» نحاول أن نبتكر الطريقة ~~التي نقيس بها ذلك الذكاء قياسا عدديا، وبغير ذلك نجمد عند لفظة نعبر بها عن مجرد ~~انطباعات غامضة عن أفراد الناس. # انظر إلى مفهوم «الحركة» كيف كان في علم الطبيعة إبان مراحله التاريخية الأولى، ~~وكيف أصبح بعد نقلته الواسعة في عصر النهضة الأوروبية على أيدي جاليليو ونيوتن وغيرهما؛ ~~كان تصور علم الطبيعة للحركة في مراحله الأولى تصورا كيفيا، فكان أرسطو - على سبيل ~~المثال - يقسمها أنواعا بحسب اتجاهاتها، فيقول إن هناك حركة صاعدة أبدا كحركة ~~اللهب، وحركة هابطة أبدا كحركة الحجر الساقط، وحركة دائرية - وهي عنده أكمل الأنواع - ~~كحركة الأجرام السماوية في أفلاكها؛ إننا لو كنا وقفنا عند هذه المرحلة الوصفية لأنواع ~~الحركة كما تراها حواسنا فيما حولنا من أشياء، ما استطعنا قط أن نخترع القطار والسيارة ~~والصاروخ، إذ ماذا يفيدنا أن ms23 نصف ما نراه ثم لا شيء بعد ذلك؟ لكن جاء «جاليليو» ~~(1564-1642م) فنظر نظرة أخرى قلبت الأمر رأسا على عقب، فقد أراد أن يجرد الحركة ~~من الأجسام المتحركة، حتى لا ينشغل باتجاهها فيقول إن اللهب صاعد والحجر ساقط والكوكب ~~يدور، لا، إنه جرد الحركة وحدها وحاول أن يجعلها متجانسة في طبيعتها، لا فرق بين أن ~~يكون المتحرك حجرا أو لهبا أو ماء يتدفق به النهر؛ فالهدف العلمي الجديد ليس هو وصف ~~ما هو كائن مشهود، بل هو استخراج القانون الكمي الذي يحدد لنا السرعة وما يؤثر ~~فيها، ومن ثم حصلنا على قوانين حركة الأجسام، وسرعان بعد ذلك ما ازددنا علما بحركة ~~الأجرام السماوية فتقدم علم الفلك، ثم ما هو إلا أن أخرج نيوتن قانون الجاذبية، وهكذا. ~~وبأمثال هذه القوانين الكمية بات في مستطاع الإنسان أن يتحكم في تحريك المادة بالسرعة ~~المطلوبة، فكان من التقدم الحضاري الحديث ما كان. # الفرق بين الكم والكيف هو الفرق بين ما أسماه علماء النهضة الأوروبية وفلاسفتها ~~بالصفات الأولية والصفات الثانوية للأشياء، فماذا أرادوا بهذا التقسيم؟ لقد قال ~~«جاليليو، ونيوتن، ولوك وغيرهم» إن ثمة للأشياء صفات ثابتة لا تتغير بعملية الإدراك ~~الحسي عند الإنسان، فمثلا كون الجسم المعين مستديرا أو كرويا أو مربعا أو ~~مثلثا - هذه صفات تظل فيه سواء أدركها الإنسان ببصره أو لم يدركها، وأما كون الجسم ~~أصفر أو أخضر، وكونه حلوا أو مرا، وكونه صامتا أو ذا صوت، فهذا ضرب آخر من الصفات، ~~لا يكون في الأشياء وإنما يخلقها الجهاز الإدراكي عند الإنسان، فالذي يأتي إلى العين من ~~الجسم الملون موجة ضوئية ذات طول معين، فتترجمها العين وملحقاتها من الجهاز البصري إلى ~~لون معين، وكذلك في حالة الصوت، وفي حالة الطعم وما إليها؛ أما الصفات الثابتة من الضرب ~~الأول، فهي التي أسموها بالصفات الأولية، وهي وحدها التي تصلح أساسا للعلوم، وأما ~~الصفات التي خلقها إدراكنا الحسي خلقا فهي الصفات الثانوية، وهي لا تصلح أساسا ~~للعلوم. # وبناء على هذا التقسيم، كان على الباحث العلمي ms24 بإزاء كل ظاهرة أراد بحثها بمنهج ~~العلم، أن يلتمس لها طريقة تطرح منها الجوانب الإدراكية التي خلقتها الحواس من عندها، ~~ليستبقي منها الجوانب الموضوعية التي يمكن إخضاعها للقياس الكمي. ~~(4-2) التفكير العلمي موضوعي # إن القسمة إلى «كيف» و«كم» التي أوجزنا فيها القول، وحاولنا بها أن نبين أن التفكير ~~العلمي يتخلص ما استطاع من المعاني الكيفية، ليقصر نفسه على الجوانب الكمية وحدها، ~~أقول إن هذه القسمة قد انتهت بنا إلى تقسيم الصفات إلى نوعين: الصفات الأولية والصفات ~~الثانوية، وهو تقسيم شاع في عصر النهضة الأوروبية بين رجال العلم ورجال الفلسفة على ~~السواء (والفلسفة في معظم حالتها إن هي إلا فلسفة للعلم) وذلك رغبة منهم في التفرقة ~~الواضحة بين ما يصلح للتناول العلمي وما لا يصلح، وإنه ليجوز لنا أن ننظر إلى ذلك ~~التقسيم نفسه من زاوية «الموضوعية» و«الذاتية» فنجد أن الصفات الأولية في الأشياء هي ~~الصفات الموضوعية؛ أي هي الصفات التي لا ترتهن بطريقة الإدراك البشري للأشياء والظواهر؛ ~~وأما الصفات الثانوية - على عكس زميلتها - فهي الصفات الذاتية؛ التي إنما يخلقها ~~الإدراك البشرى خلقا من عنده، بحكم تركيب الجهاز الإدراكي عند الإنسان، ومن قبيل ذلك؛ ~~الألوان والطعوم والأصوات؛ فبينما يمكن الصفات الأولية الموضوعية المستقلة بوجودها عن ~~الإدراك البشرى لها، أن تقاس أبعادا وأوزانا وسرعات وهلم جرا، نرى الصفات ~~الثانوية الذاتية المعتمدة في وجودها على طريقة إدراك الإنسان لها، غير قابلة للقياس، ~~ومن ثم فهي غير قابلة للتحول إلى كم رياضي. # ومعنى ذلك أننا حين حددنا التفكير العلمي بأنه هو ما يعالج الجوانب الكمية من ~~الظواهر، فقد كنا في الوقت نفسه بمثابة قولنا إن التفكير العلمي شرطه أن يكون موضوعيا ~~لا ذاتيا؛ وموضوعيته كفيلة أن تنجو به من اختلافات النظرات الفردية التي كثيرا ما ~~تتحكم فيها الأهواء والرغبات والحالات الوجدانية بصفة عامة؛ نعم، إن فلاسفة العلم وهم ~~يحاولون تحديد هذا الجانب من التفكير العلمي - أعني جانب «الموضوعية» - تصادفهم صعاب ~~كثيرة في التحديد؛ لأنه ما دام الإنسان هو نفسه أداة الإدراك بما لديه من ms25 أعضاء للحس ~~ومن منطق للعقل، فكيف يمكن أن يجرد الموقف الموضوع للبحث من ذاته البشرية بكل ما فيها؟ ~~إننا إذ نعتمد - مثلا - على المشاهدات الدقيقة وعلى التجارب التي نجربها، فإننا آخر ~~الأمر نعتمد على حواسنا وعلى الأجهزة التي نوسع بها من نطاق تلك الحواس، وفي كلتا ~~الحالتين لا نستطيع أن ندرك من حقائق الطبيعة إلا ما يمكن تلك الأجهزة إدراكه، كشبكة ~~الصياد حين يطرحها في الماء، لا تمسك إلا الأسماك التي يمكن عيونها أن تحجزها عن ~~الإفلات، وأما ما هو أدق حجما من عيونها فيفلت منها، وهكذا قل في أجهزتنا الإدراكية ~~كلها، فهي تمسك من الحقائق ما هو في وسعها أن تمسك به، وإذن فهنالك حدود «ذاتية» لما ~~ندركه أولا ندركه، مما يجعل الموضوعية المطلوبة منقوصة. # هذا كله صحيح، لكنه لا يمنع من أن نشترط للتفكير العلمي موضوعية بقدر مستطاع البشر، ~~والتطور العلمي والارتقاء بالأجهزة العلمية، كفيلان - على امتداد الزمن - أن يظل الإنسان ~~يصحح نفسه ويزيد من دقة علمه؛ فلا أقل من أن نشترط للتفكير العلمي أن يلتزم ما هو مشترك ~~بين أهل التخصص في الميدان المعين من ميادين البحث؛ فلا يزعم لهم أحد - مثلا - أنه قد ~~أدرك حقيقة ما يغير حواسه الظاهرة أو يغير أجهزته العلمية التي يستطيع أعضاء ~~الأسرة العلمية جميعا أن يشاركوه فيها، كأن يقول إنه قد أدرك ما أدركه بقدرة خارقة ~~امتاز بها دون سائر الزملاء؛ إذ قد يكون ذلك صحيحا وقد لا يكون، لكنه على كل حال لا ~~يندرج في المجال العلمي، طالما تعذر مشاركة الأسرة العلمية في المراجعة ~~والتحقيق. # الحقيقة العلمية موضوعية بمعنى أن يشارك في إدراكها كل رجال الاختصاص، لا ينفرد بها ~~بعض دون بعض بحجة أن لهم حاسة سادسة يتمتعون بها دون سواهم، أو أن لهم بصيرة ينفردون ~~بها، أو أنهم يدركون الحقائق بقلوبهم قبل عقولهم، وما إلى ذلك من أقوال، لا نريد أن ~~نتهمها بالكذب؛ لأنها قد تكون أقوالا صادقة كل الصدق في مجالها، لكنها برغم ذلك لا ~~تعد من التفكير ms26 العلمي، لفقدانها خاصة الموضوعية التي تتيح لكل من شاء، ومن كان له ~~القدر الكافي من التحصيل ومن التدريب، أن يراجع الأفكار المطروحة ليستوثق من صدقها ~~صدقا علميا. # إن التفكير العلمي مطلبه عسير على غير من دربوا عليه، فعامة الناس يأخذها الضيق ~~إذا طالبت أفرادها بدقة العبارة على النحو الذي يخلصها من الزوائد الوجدانية، فلا ~~يبقى منها إلا تقرير الحقيقة العلمية وحدها، عامة الناس يأخذها الضيق؛ لأن كثرة الناس ~~قد ألفوا خصائص في التعبير بلغتهم، وهي خصائص لا تكاد تفرق بين لفظة مطلوبة وأخرى ~~زائدة، هب قائلا قال هذه العبارة: «إنه لمما يؤسف له أن تكون الأمية فاشية في ~~الوطن العربي بهذه النسبة العالية.» إنها عبارة ظاهرها تقرير عقلي علمي، وحقيقتها تعبير ~~مشحون بالوجدان مما يخرج عن نطاق العقل ونطاق العلم معا؛ فقوله «إنه لمما يؤسف له.» ~~إنما يشير به إلى حالته الشعورية لا إلى جانب من جوانب الواقع الخارجي الذي يتحدث عنه، ~~وسواء ذكر في جملته هذا الجزء أو لم يذكره، لا يتغير من الواقع الموصوف شيء؛ وقوله ~~«فاشية» إنما يعبر عن انطباع عام يخلو من أي تحديد؛ ومن ثم فليس فيه الموضوعية التي ~~يمكن غيره أن يشاركه في تقرير الواقعة، وهكذا ترى أن خيوطا ذاتية كثيرة قد تسللت في ~~العبارة فأفقدتها علميتها. # حدث لي ذات يوم أن كنت أحاضر في هذا المعنى، فأثرت دهشة الطلاب حين أردت أن أزيد ~~الأمر وضوحا، فقلت إنه إذا قال القائل: «قد أشرقت الشمس اليوم في الساعة الخامسة.» فإن ~~كلمة «قد» في أول عبارته تخرج عن النطاق العلمي؛ لأنها لا تضيف ولا تحذف من جوانب ~~الواقعة التي أدرنا ذكرها، فهي إذا أفادت معنى فإنما تفيد «التوكيد» والتوكيد صفة خاصة ~~باطنية شعورية أراد المتكلم أن يؤثر بها في السامع، لكنها ليست مما يشير إلى شيء في ~~الوجود الخارجي كما وقع. # إن أمثال هذه الكلمات الوجدانية هي التي تكثر في العبارة الأدبية - شعرا كانت أم ~~نثرا فنيا - لأن المقصود هناك هو الجانب الوجداني من الناطق ومن ms27 السامع على السواء، ~~أما في العلوم فلا تجدها، وإذا شئت فتصفح كتابا في الرياضة أو في الفيزياء أو في ~~الكيمياء، فلن تقرأ فيها عبارة مثل: «إنه لمما يؤسف له.» أو أية عبارة أخرى مما يفيد ~~الدهشة أو التوكيد أو الرجاء؛ نعم قد نجد أمثال هذه العبارات المشحونة بالوجدان، في ~~الدراسات الإنسانية، كالتاريخ والنقد الأدبي وعلم الاجتماع؛ لكنها بقدر ما شحنت ~~بالطاقة الوجدانية في عبارتها، بقدر ما فقدت من موضوعية الصياغة العلمية؛ ولا عجب أن ~~تكون العلوم المضبوطة المتقدمة ذات جفاف في مصطلحها؛ لأنه إنما تلجأ إلى الرموز ~~الدالة وحدها، دون إضافة يراد بها الإشارة إلى ما يختلج به الفؤاد في جوف الباحث ~~العلمي؛ ومن هنا كانت الكتابة العلمية محايدة، لا يمكن الدارس أن يستشف منها شخصية ~~كاتبها، أما الكتابة الأدبية ففيها من التعبير الوجداني المنحاز ما يكفي القارئ أن ~~يعلم الكثير عن شخصية الكاتب. ومن هنا أيضا كانت الكتب العلمية الصرف أسهل في الترجمة ~~إلى اللغات الأخرى من الكتب الأدبية، إذ المصطلح العلمي إذا وضع مكانه مصطلح يساويه من ~~لغة أخرى، فإنه لا يفقد شيئا ولا كذلك عبارة تحمل ارتعاشة الوجدان. # واللغات تتفاوت في مضمونها الوجداني، أو قل في مضمونها الشعري، بتفاوتها في كثرة ~~الألفاظ التي تشير إلى باطن الإنسان أكثر مما تشير إلى واقع الأشياء الخارجية، وأحسب أن ~~اللغة العربية من أغزر اللغات غوصا في وجدان المتكلم؛ ولذلك رأينا صعوبة في ترجمتها ~~إلى لغات أخرى، بالنسبة إلى ترجمة تلك اللغات الأخرى إلى العربية. إن الغزارة الشعرية ~~في لغة ما، تجعل لجرسها أهمية خاصة، فإذا تذكرنا أن جرس اللفظ لا يدخل في التعبير ~~العلمي الموضوعي الدقيق، علمنا أنه كلما ازداد ارتكازنا على الجرس قل تبعا لذلك ~~المحصول العلمي التقريري الجاف في العبارة المعينة ذات الجرس؛ فالجانب الموضوعي الخالص ~~من الجملة العلمية، لا ينصرف بدلالته إلا إلى جزء من الواقع الفعلي، يمكن أي سامع ~~مختص أن يراجعه ليطمئن إلى صوابه. ~~••• # ومن خاصة الموضوعية التي يتميز بها التفكير العلمي، تتفرع خاصة أخرى ms28 بالغة الأهمية في ~~تحديد ما نريد أن نحدده، وتلك هي أن تكون القضية العلمية المطروحة على العلماء، قابلة ~~لأن تحقق بالوسائل التي تبرز خطأها لو كانت قضية خاطئة؛ فنحن إذ قلنا عن التفكير العلمي ~~إنه «موضوعي» فإنما قصدنا إلى القول - تبعا لذلك - بأن القضية العلمية مسألة اجتماعية ~~لا مسألة فردية تخص قائلها وحده؛ أعني أن الباحث العلمي إذا ما أعلن عن فكرة ما وزعم ~~لها أنها نتيجة تأدى إليها من بحثه، لم يكن له مندوحة حينئذ عن أن يقيم أمام الناس ~~(أي العلماء الزملاء في ميدان تخصصه) دليل صدقها، وليس من حقه أن يجعلها أمرا خاصا ~~به، أدركه بوسيلة لا يملكها إلا هو دون سائر الناس؛ فابتداء من اللغة أو الرموز التي ~~يسوق فيها فكرته، يجب أن تكون لغة أو رموزا مما اصطلح عليه علماء المجال الذي يبحث ~~فيه، لكي يكون مراده مفهوما لكل من أراد من هؤلاء العلماء أن يتابعه ويراجعه ~~ويناقشه فيما قدم. وإذن فلا بد لفكرته المقترحة أن تكون مما يمكن التحقق منه ~~بالحواس المشتركة من بصر وسمع وغيرهما، فلا تكون - مثلا - من الخوارق التي يستعصى ~~إدراك سرها على أبصار الناس وأسماعهم. # وهنا تنشأ نقطتان هامتان تستحقان الذكر: أولاهما الألفاظ الدالة على قيم، كالقيم ~~الأخلاقية والقيم الجمالية، هل يجوز إيرادها في عبارة علمية؟ هل يجوز لعالم فيزيائي - ~~مثلا - أن يعلن في الناس أنه ليس من «الخير» للإنسانية أن تفجر الذرة؟ وأعني هل يجوز ~~له أن يعلن ذلك من حيث هو عالم في الفيزياء؟ صحيح أنه - من حيث هو إنسان بين سائر الناس ~~- يتمتع بكل حقوق القول التي يتمتع بها الآخرون، بشرط ألا يزيد على هؤلاء الآخرين في ~~ميزان الآراء، طالما كان الرأي الذي يعرضه ليس من اختصاصه العلمي؛ وواضح أن مسألة ~~«الخير» و«الشر» ليست ضمن مسائل الفيزياء التي يكون له فيها أولوية الرأي على ~~سواه. # لا؛ إن الألفاظ الدالة على قيم، بكل أنواعها، ليست مما يدخل في السياق العلمي؛ إننا ~~كثيرا ما نسمع القائلين يحتجون بأعلام العلماء ms29 في تأييد ما يذهبون هم إليه من مذاهب ~~الاعتقادات والقيم، كأن يقال - مثلا - إن «أينشتين» مؤمن بالقيمة العليا للضمير ~~الإنساني، وإن دارون لا يعارض بنظريته البيولوجية وجوب التزام الفضيلة، وهكذا، كأنما ~~«أينشتين» أو «دارون» قد جعلا هذه الأقوال ضمن نظرياتهما العلمية، وكأن أيا منهما إذا ~~ما أخرجناه عن ميدان تخصصه العلمي كان له الرجحان على غيره في سائر الآراء؛ فما نريد ~~توكيده هنا هو أن العلم منوط بمسائله، ورجال العلم يستمع إليهم في ميادينهم العلمية، ~~وأما ما يختص بالقيم الإنسانية فلا هو من مسائل العلم، ولا هو مما يستمع فيه للعلماء ~~إلا من حيث هم ناس كسائر الناس. # والنقطة الأخرى التي نريد إبرازها أيضا، هي أننا إذ قلنا إن من أهم شروط القضية ~~العلمية، أن يكون في مستطاع المتخصصين في مجالها أن يخضعوها للتحقيق بوسائل العلم، ~~وإما قبلوها بعد ذلك وإما رفضوها؛ فقد أردنا كذلك أن نقول إن الإنسان العادي في حياته ~~العادية، إذا أراد أن يتبين في عبارة معينة أمن قبيل الحقائق التي تتسم بالعلمية ~~ولو من بعيد، أم مما لا شأن له بصفة العلمية على الإطلاق، فليسأل نفسه: ماذا يتغير في ~~دنيا الأشياء بين حالتي الصواب والخطأ في هذه العبارة؟ أي إننا إذا فرضنا لتلك الأشياء ~~وضعا خاصا وترتيبا خاصا في حالة كون العبارة المذكورة صحيحة، فكيف إذن بكون وضع ~~الأشياء وترتيبها في حالة كونها خاطئة؟ فإذا لم نجد فرقا في ذلك بين حالتي الصواب ~~والخطأ، عرفنا أن تلك العبارة أبعد ما تكون عن أن تندرج في مجموعة الحقائق العلمية؛ ~~ولنضرب مثلا لذلك فنقول: لقد مر على الناس حين من الدهر في أول التاريخ، ظنوا فيه أن ~~للنبات روحا يرعاه، وكذلك للمطر وللبراكين ولكل ظاهرة من ظواهر الطبيعة من حولهم، حتى ~~لقد كان الناس حينئذ يخشون بطش هاتيك الأرواح الكامنة وراء الظواهر، كل منها يرعى ~~ظاهرته الخاصة به، فكانوا يقدمون لها القرابين استجلابا لرضاها، ونحن الآن نسأل: ~~ماذا تكون طريقة نمو النبات وإثماره في حالة صدق ذلك الاعتقاد، ms30 ثم ماذا تكون طريقة ~~النمو والإثمار في حالة بطلانه؟ إننا ما دمنا نستطيع الآن تعليل كل وجه من وجوه النمو ~~والإثمار بعلته، من تربة وشمس وهواء وغير ذلك مما يعرفه علماء النبات، فلا يبقى للروح ~~القيم على النبات وظيفة يؤديها، ومن ثم لم يعد ثمة فرق في وضع الأشياء وترتيبها ~~بين أن يكون الاعتقاد سليما أو فاسدا. ~~(5) وماذا عن العلوم الإنسانية؟ # كنت خلال العام الجامعي 1953-1954م أستاذا زائرا في إحدى جامعات الولايات المتحدة ~~الأمريكية، وكان التقليد الجاري في تلك الجامعة أن تستضيف رجالا من القمم العلمية في ~~أمريكا ذاتها، ليقضي الزائر منهم أسبوعا أو نحو ذلك، يحاضر طلاب الجامعة مجتمعين، ثم يعقد ~~الندوات العلمية مع أعضاء هيئة التدريس؛ فكان من بين هؤلاء الزائرين الأفذاذ، في أثناء ~~وجودي هناك «هنري مارجينو» الذي كان قبل ذلك أستاذا للفيزياء في جامعة بيل، ثم انصرف ~~باهتمامه إلى فلسفة العلوم؛ ومن ثم فقد كانت ندواته مع هيئة التدريس في زيارته تلك تدور ~~حول هذا الموضوع، وخصوصا فيما يختص بالعلوم الطبيعية، وبصفة أخص بعلم الفيزياء، وأراد أن ~~يختم ندواته بندوة عن فلسفة العلوم الإنسانية: ماذا تكون القواعد الأساس في مناهجها؟ # وبدأ حديثه يؤمئذ بسؤال ألقاه علينا نحن مجموعة الأساتذة الحاضرين، قائلا لقد حدثتكم ~~فيما قبل عن فلسفة المنهج في ميادين العلم الطبيعي، وأريد الآن أن أستمع إليكم فيما ترونه ~~عن هذا الموضوع في ميدان العلوم الإنسانية، وهنا حدثت لحظة صمت قصيرة، ثم بدأت أنا الحديث ~~بعدها، فقد كنت بينهم زائرا جاء إليهم من بلد بعيد يختلف بثقافته وثقافتهم فيما تصوروا، ~~وكأنما أحسست بالأنظار تتجه نحوي لأبدأ الحديث، فبدأت بسؤال وجهته إلى «هنري مارجينو»: ~~أليس في بحثنا مقدما عن خصائص معينة لمنهج السير في العلوم الإنسانية، ما يتضمن أننا قد ~~افترضنا اختلافا بينها وبين العلوم الطبيعية في طريقة التناول؟ إن الرأي عندي هو أن نبدأ ~~بافتراض آخر، وهو أن كل ظاهرة تقع تحت المشاهدة، يمكن تناولها بطريقة العلوم الطبيعية، لا ~~فرق في ذلك بين ظاهرة إنسانية أو ms31 ظاهرة مناخية أو ظاهرة في معادن الأرض أو غيرها، إلى أن ~~نستنفد إمكانات المنهج العلمي بهذا المعنى، فإذا بقيت من الظاهرة الإنسانية بقية يتعذر ~~إخضاعها للمنهج الطبيعي، فإما أوجدنا لها منهجا خاصا بها، وإما حولناها إلى مجال آخر غير ~~مجال العلوم. # إذ ما العلوم الإنسانية، إذا لم تكن محاولات لتنميط السلوك البشري في شتى الظروف، سواء ~~منها ما كان ظروفا اقتصادية أو نفسية أو اجتماعية؛ وإذن فالأمر فيها لا يخرج عن كونه ~~مشاهدات وتجارب تتجمع لدينا بطريقة منظمة، ثم تبوب أصنافا، ثم يفترض لكل صنف منها مبدأ ~~عام يفسرها؛ فليس ثمة من فرق جوهري بينها وبين الظواهر المناخية مثلا، أو ظواهر الضوء ~~والصوت في علم الفيزياء؛ اللهم إلا أن يكون السلوك البشري أكثر تعقيدا، لكن هذه الزيادة في ~~تعقيد الظاهرة لا ينفي عنها كونها ظاهرة على كل حال، فإن كانت أعسر تناولا، تطلبت مزيدا ~~من التحليل؛ فما دام السلوك البشري واقعا في الوجود الفعلي المشهود؛ فهو إذن شأنه شأن كل ~~ما يقع في الوجود من واقع. ولعل ما دعا فريقا من فلاسفة العلوم إلى أن يتشككوا في إمكان أن ~~تندرج العلوم الإنسانية مع العلوم الطبيعية في منهج واحد، هو صعوبتها من جهة، وتخلفها ~~وبعدها عن الدقة إذا قيست إلى علوم الطبيعة من جهة أخرى، لكن ذلك كله لا يعارض شروط المنهج ~~العلمي كما نعرفه في العلوم التي تقدمت؛ فليس لهذا المنهج إلا شرطان أساسان؛ هما إجراء ~~مشاهدات وتجارب نأمن فيها الزلل، ثم استيحاء هذه المشاهدات والتجارب نظرية تنسق الجزئيات ~~المشاهدة في بناء واحد، ويمكن العودة بها إلى مجال التطبيق فتصح في هذا المجال، وليس في ~~العلوم الإنسانية ما ينافي هذين الشرطين. # ولقد أدى إلى تخلف هذه العلوم عدة عوامل يمكن التخلص منها بالتدريب المنهجي؛ فمن أهم ~~تلك المعوقات التي حالت دون أن تتقدم علوم الإنسان بمثل ما تقدمت علوم الطبيعة، استخدامها ~~لمفهومات كيفية لم تحاول أن تلتمس لها طريقا يحولها إلى صيغ كمية، فتراها - مثلا - ~~تستخدم ألفاظا مثل: «طبقة»، «مجتمع»، ms32 «ذكاء»، «منفعة»، «ديموقراطية»، «غرائز» ... إلخ إلخ، وكأنما ~~هذه الألفاظ بسيطة المعاني ويمكن ضبط مدلولاتها ضبطا يمنع الاختلاف في فهمها، ويساعد على ~~معاملتها معاملة تشبه ما نعامل به ألفاظا مثل: «حرارة»، «ضوء»، «صوت»، «كهربا» وأمثالها، وإنه ~~لمن العسير علينا أن نتصور سبيلا إلى التقدم العلمي قبل أن نجد الطريقة التي تتحول بها ~~المعاني الكيفية إلى درجات كمية يمكن قياسها بجهاز يبتكر لكل مجال؛ فقد كان يمكن - مثلا - ~~أن تظل «الحرارة» معتمدة على التقدير التقريبي الذي لا يفيد شيئا، إذا لم يكن العلماء ~~المختصون قد ابتكروا جهازا هو الترمومتر، يقيس «الدرجة» بحيث تصبح الحرارة سلما متدرجا ~~من أدنى درجة يمكن قياسها إلى أعلى درجة يمكن قياسها، فبدل أن نقول «حار» أو «بارد» نقول ~~درجة كذا تحت الصفر أو درجة كذا فوق الصفر، فتمكننا هذه الدقة من معالجة الأجسام بما ~~يتفق مع الدرجة الحرارية المطلوبة، وهكذا في جميع المدركات في مجال العلوم، وأما في ~~العلوم الإنسانية فما زلنا - مثلا - نقول في ميادين الاقتصاد والسياسة والنفس والاجتماع ~~ألفاظا لا نريد بها إلا معانيها في القواميس أو في الاستعمال اليومي، دون أن يكون هنالك ~~الوسائل التي تترجمها إلى درجات حسابية، على أن هذه العلوم الإنسانية تجاهد في سبيلها إلى ~~هذه الترجمة الكمية لمفاهيمها شيئا فشيئا، وكثيرا ما تصيب النجاح فتتقدم بمقدار ما ~~نجحت. # ومن معوقات العلوم الإنسانية كذلك، أنها ما زالت إلى يومنا هذا تبيح لنفسها أن تستخدم ~~ألفاظا ذاتية الدلالة، كالألفاظ الدالة على قيم، أو الألفاظ المثيرة للوجدان، غير مكتفية ~~بلغة العقل، فما أيسر على علم النفس أن يستخدم صفات يصف بها أفراد الناس، من أمثال «سوي» ~~و«شاذ»، أو من أمثال «انبساطي» و«انطوائي» و«عدواني» وغيرها، وكلها ألفاظ تحمل معها قيما ~~مما يتعذر معه الدقة العلمية الموضوعية، فهل عرفت في علوم الفيزياء والكيمياء ظاهرة ~~يصفونها بأنها «شاذة»؟ إن الطبيعة لا تعرف الشواذ، فلكل ظاهرة في الطبيعة قانونها الذي ~~تندرج تحته الظاهرة؛ إن الفرد الإنساني الذي نسميه شاذا لتخلفه العقلي عن أترابه أو ~~لاختلاف سلوكه عن ms33 سلوك الكثرة الغالبة من جيرانه في حد ذاته ظاهرة توضع للبحث والتحليل ~~والتقنين، فإذا لم نجدها منطوية تحت القوانين التي تشمل سائر الناس؛ فإن لها قوانينها التي ~~تفسرها؛ ولن ينفتح طريق التقدم المنهجي أمام العلوم الإنسانية إلا إذا فرقنا تفرقة حادة بين ~~تفسير الظواهر كما تقع، بالقوانين التي تمكننا من التنبؤ بمسار تلك الظواهر، وبين القيم ~~الأخلاقية أو الجمالية؛ ولا يعني ذلك أن حياة الناس تستغني عن مجموعة القيم، لكن لكل من ~~الجانبين مهمته التي يؤديها، فبالدراسة العلمية الصحيحة «نفهم» أمور الواقع كما هي واقعة، ~~وبالقيم نتعلم كيف ينبغي أن نسلك حيالها. # ومن العوامل التي لازمت العلوم الإنسانية أيضا فأدت إلى تخلفها دون العلوم الطبيعية، ~~إقحامها لفكرة «الغايات المثلى» في ميادين بحثها؛ ففي السياسة وفي الاقتصاد وفي الاجتماع، ~~ترانا نلتزم «مبادئ» نشكل سلوكنا على أساسها، ونعده خروجا على الموازين الكاملة للحياة ~~الإنسانية ألا نسلك على غرار تلك المبادئ وما تمليه؛ وليس في ذلك بأس، لكن البأس كل البأس ~~هو في الطريقة التي نفهم بها كلمة «مبادئ» (وأعني حين يكون المجال مجال تفكير علمي في موقف ~~معين) إذ كثيرا ما يفوتنا المعنى الذي يساير التفكير العلمي ولا يعارضه؛ وهو أن «المبادئ» ~~في العلوم الإنسانية هي من قبيل ما يسمى «بالفروض» في ميادين العلوم الطبيعية، فإذا كانت ~~الفروض في هذه الميادين تسقط إذا لم تفلح عند التطبيق، فنستبدل بها فروضا أخرى، إلى أن نقع ~~على «الفرض» الذي يصح عند التطبيق، فنطلق عليه عندئذ اسم «نظرية» علمية أو اسم «قانون» ~~علمي، فهكذا يجب أن تفهم كلمة «مبادئ» في العلوم الإنسانية؛ فهي جديرة بأن نتمسك بها طالما ~~يثبت لنا أنها هي المؤدية بنا إلى حياة نريدها، وأما إذا تبين أن «مبدأ» ما من شأنه إذا ~~ما استمسكنا به في سلوكنا أن يؤدي بنا إلى حياة متخلفة سيئة فقيرة مريضة متخبطة، فعندئذ لا ~~بد من تغيير المبدأ بمبدأ سواه، ومكمن الخطأ في هذا الصدد هو أن ننظر إلى «المبادئ» ~~وكأنها من حقائق الكون الثابتة كشروق ms34 الشمس وغروبها وتوالي الفصول على مدار العام. # تلك هي أمثلة من المعوقات التي تمسك بالعلوم الإنسانية فلا تدعها طليقة السير على مناهج ~~العلم كما عرفتها العلوم الطبيعية التي بلغت مبلغا من الدقة يجعلها نموذجا يحتذى فيما ~~عداها من العلوم، على أن ذلك لا ينبغي أن ينسينا موقفا آخر يقفه فريق من فلاسفة العلم، إذ ~~يقولون إن للعلوم الإنسانية ظروفا خاصة تحول بينها وبين اصطناع المناهج العلمية المعروفة ~~في علوم الطبيعة، منها أن الاطراد في الحياة الإنسانية أقل ظهورا من الاطراد في ظواهر ~~الطبيعة، فلئن كانت ظواهر الطبيعة تقع على أنماط يمكن إدراكها واستخراج القوانين العلمية ~~التي تحكمها، فإن أفراد البشر وشعوبهم لا يطرد سيرها على مثل هذا المنوال المتجانس، ومنها ~~أنه من الممكن لعلماء الطبيعة أن يعيدوا حدوث الظاهرة التي يضعونها موضع بحث، وقتما يشاءون ~~في معاملهم، وأما الظواهر الإنسانية فكثيرا ما تنفرد بالحدوث مرة واحدة ثم لا تعود ولا هي ~~مما يمكن إعادته، لكن الرد على اعتراضات كهذه هو ما أسلفنا ذكره، وهو أن الفروق بين ~~المجالين إنما هي - عند التحليل - فروق في درجة التركيب، لا فروق في طبائع الأمور ~~ذاتها. ~~••• # يقولون كذلك فيما يقولونه، اعتذارا عن عدم التزام المنهج العلمي الطبيعي في ميادين ~~العلوم الإنسانية. إن للإنسان إرادة حرة يمكنه بها أن يغير المسار السببي للأشياء؛ فكيف ~~نتصور بعد ذلك أنه هو نفسه خاضع للروابط السببية؛ وأن التجارب التي نجريها في المعامل ~~على الجماد والنبات والحيوان، محال أن نجري مثلها على الإنسان، وأنه لا عجب إزاء ذلك أن ~~نجد قوانين العلوم الطبيعية عامة ومطلقة لا تتغير بتغير المكان والزمان، وأما الإنسان فحتى ~~لو ضبطنا قوانين سلوكه، فإنما نضبطها في مجال حضارة بعينها، وعصر معين، ومجتمع معين، بحيث ~~لا نستطيع التوسع في تطبيقها لتشمل العالمين جميعا في كل مكان وفي كل عصر من الزمان، ~~ويقولون أيضا إن الذي ساعد العلوم الطبيعية على التقدم والدقة، هو الأجهزة القياسية التي ~~عن طريقها يمكن تحويل المدركات إلى أرقام وصيغ رياضية، وأن ذلك ms35 كله مستحيل بالنسبة إلى ~~الإنسان. # ونحن نرد على ذلك كله بعبارة موجزة، فنقول: إنه إذا ثبت أن في الحياة الإنسانية ما يتعذر ~~إخضاعه للمنهج العلمي الطبيعي، فليكن له مجال غير مجال العلم، وأما أن نعترف منذ البداية ~~بأنه أمر مستحيل، ثم نمضي مع ذلك في الظن بأنه «علم» اجتماع و«علم» نفس و«علم» سياسة، ~~فتناقض مرفوض؛ على أن الذي يوهم المعترضين بالاختلاف الجوهري بين الحياة الإنسانية والظواهر ~~الطبيعية (ولاحظ جيدا أننا هنا نقتصر فقط من الحياة الإنسانية على ما يمكن إخضاعه للعلم، ~~معترفين أن ثمة جوانب أخرى في تلك الحياة لا ندعي لها مثل ذلك، بل ولا نريده لها) أقول ~~إن الذي يوهم المعترضين بوجود فروق جوهرية بين المجالين، هو أنهم ينظرون إلى الإنسان من ~~ناحية مضمونه الشعوري أو الكياني، على حين أن العلم - في الحياة الإنسانية وفي ظواهر ~~الطبيعة على السواء - إنما ينصب أساسا على «العلاقات» التي تربط الأطراف بعضها ببعض، ~~وهذه العلاقات أينما كانت، ممكنة القياس إذا أوجدنا لها الأجهزة التي تقيسها، ومن ثم فهي ~~مما يمكن أن يصاغ في دالات رياضية تمكننا من التنبؤ بما سوف يقع قبل وقوعه، إذا ما ~~توافرت له ظروف معينة، بل تمكننا من إيجاد ما نريد إيجاده من أوضاع إنسانية ما دمنا قد ~~عرفنا قوانينها؛ وإلا فكيف يمكن بغير ذلك أن ندعى بأننا نضع خطة علمية تسير عليها حياتنا ~~- في الإنتاج أو في التعليم أو في غيرهما - مدى عدد من السنين نحدده؟ ~~(6) العلم وحده لا يكفي # وأعود إلى ما بدأت به، وهو أن حياة الإنسان متعددة الجوانب متشعبة الخيوط؛ هي كالقصر ~~ذي الغرف الكثيرة والأبهاء الفسيحة، كثير الأبواب والنوافذ؛ فكل باب يؤدي بك إلى غير ما ~~يؤدي إليه الباب الآخر، وكل نافذة تطل منها على مشهد غير المشهد الذي تراه من النافذة ~~الأخرى، هذا أمر في حياة الإنسان غير منكور؛ لكننا في هذه الصفحات مقصرون أنفسنا على غرفة ~~واحدة من القصر، وعلى نافذة واحدة من نوافذه وباب واحد من أبوابه، أما الغرفة الواحدة ms36 التي ~~قصرنا أنفسنا عليها هنا فهي غرفة العلم، وأما النافذة التي فتحناها دون سائر النوافذ فهي ~~تلك التي تطل على الواقع الخارجي الذي يمكن حسابه بالأرقام، وأما الباب الذي يدخلنا إلى ~~تلك الغرفة لنطل منها على ذلك المشهد، فهو المنهج العلمي الذي ذكرنا من أسسه أطرافا ~~موجزة. # ونقول ذلك تحذيرا لمن يهم بسؤالنا - وهنالك من القراء من سوف يفعلون ذلك برغم كل تحذير ~~- هل تريد برحلتك القصيرة هذه في ميادين التفكير العلمي أن تسقط من الحساب كائنات لا سبيل ~~إلى شهودها بالإبصار ولا إلى سمعها بالآذان؟ وهل تريد للعلم والتفكير على أسسه، أن يبسط ~~جناحيه العريضين ليشمل فيما يشمله حقائق هو عاجز بإزائها، كالحب والكراهية، والشجاعة ~~والجبن، والرحمة والقسوة؟ هل يستطيع العلم أن يفسر لنا كيف تبدع العبقرية حين تبدع؟ كيف ~~يتركب الموسيقار العظيم بحيث ينظم ما لا يستطيع سواه أن ينظمه؟ هل يمكن العلم أن يدلنا أين ~~يقع الفرق في التكوين الجسدي بين المعري وشكسبير من جهة وعامة الناس من جهة أخرى؟ إذا كانت ~~مقومات العالم هي الذرات التي يريد العلم أن يحسب مقاديرها ليضعها في دالات رياضية، فأين ~~عسانا أن نضع في عالم كهذا معاني كالحرية والمساواة، وأين نضع المثل العليا التي يصبو ~~الإنسان إلى تحقيقها؟ يقول أنصار المنهج العلمي إنه لا بد من صياغة القوانين التي تتيح ~~لنا أن نتنبأ بما سوف يقع في الظروف المعينة، وأن تتيح لنا إيجاد ما نريد إيجاده بعد أن لم ~~يكن، أفيكون معنى ذلك أنه لا جديد يضاف إلى الإنسان وإلى العالم مما يستحيل اليوم أن نتنبأ ~~به على أساس ما قد كان؟ ثم هل ضاقت رحاب الكون ورحاب الحياة بحيث لا يمكن النظر إليها على ~~حقيقتها إلا من زاوية واحدة هي زاوية العلم ومنهجه؟ أكل شيء عندك هو العقل ومنطقه والرياضة ~~ولغتها؟ أين إذن تريد أن تضع حدس المتصوفة ولمحات الشعراء؟ وماذا أنت قائل في ضروب من ~~الوجدان يضطرب بها الفؤاد، دون أن يكون أمامنا السبل لإخراجها في لفظ علمي ms37 مرتب ومفهوم ~~على غرار ما يريدنا منهج العلم أن نفهم وأن نرتب؟ # هذه كلها أسئلة واردة، أسبق بها القارئ قبل أن يفاجئني بها بعد قراءة هذه الصفحات؛ هي ~~أسئلة أسبق بها لأقول بملء الفم إن العلم غرفة واحدة ذات باب واحد ونافذة واحدة، من قصر ~~تعددت فيه الغرف والأبواب والنوافذ، لكننا هنا مطالبون بالحديث عن العلم دون سائر الجوانب، ~~إننا هنا كالسائر في مدينة يبحث عن سلعة يريد شراءها، فسأل عن الطريق إلى مكان عرضها ثم وقف ~~هناك لينظر ويفحص ويجري عملية الشراء، فهل يجوز لقائل إن يوجه إليه اللوم: كيف سعيت هذا ~~السعي كله لتشتري قبضة من الفوم والعدس، مع أن هنالك دكاكين تبيع الذهب والفضة واللؤلؤ ~~والمرجان؟ كيف تؤثر هذا الطعام المتواضع وأمامك لحوم الضأن والبقر والدجاج والسمك؟ ... نعم ~~هذه كلها سلع معروضة في السوق، لكنه لسوء حظه قد خرج من الدار باحثا عن شيء واحد طلب إليه ~~أن يبتاعه، وهو تلك القبضة المتواضعة من الفوم والعدس! # وتلك هي الحال في هذه الصفحات، لقد أردنا بها ضربا واحدا من جوانب الإدراك، هو الإدراك ~~العلمي، ونوعا واحدا من الكائنات، هو الكائنات التي يمكن إخضاعها إلى المشاهد والتجارب، ~~لنصوغ عنها آخر الأمر ما يسمى بقوانين العلوم، فالأمر - يا صاحبي - في هذا الكون الفسيح وفي ~~حياة الإنسان بكل تعقيدها وبكل سموها، هو ما جئت لتختاره موضوعا للنظر، لكنك في اللحظة ~~التي تفرغ فيها من اختيارك للنظر العلمي ومنهجه، لا يصبح من حقك بعد ذلك أن تخلط أمرا ~~بأمر؛ إذا كان اختيارك هو أن تعلم كيف تتركب البيئة الطبيعية التي تعيش فيها، وكيف يتركب ~~سلوكك في جنباتها ومتأثرا بحوافزها وكائناتها، لكي تشكل تلك البيئة وهذا السلوك على الصورة ~~التي تبغي، فعندئذ لا سبيل أمامك إلى غايتك إلا المعرفة العلمية وإلا المنهج الذي دلت ~~تجارب العلماء على مدى عصور طويلة على أنه هو المنهج المؤدي إلى المعرفة العلمية الصحيحة ~~والدقيقة. وإني لعلى علم بأن الإنسان كثيرا ما يضيق نفسا بهذا العالم بكل ما ms38 فيه، فيأخذ ~~في التماس عالم غيره، يصوره لنفسه بوجدانه شعرا أو قصة أو تصويرا أو غير ذلك من سبل، ~~وعندئذ ليس هو بحاجة إلى «علم» بقدر ما هو بحاجة إلى خيال وإبداع. أما إذا أصر على أن ~~يعيش في العالم الواقع بالفعل، وأن يعامل الناس على أساس هذا الواقع نفسه، فلا بديل أمامه ~~يومئذ عن العلم ومنهجه، إنك في حياة الخيال والأوهام، تقيم معملك في جوفك، وتطهو طعامك ~~المأمول على هواك، غير متقيد بما هو هنالك على وجه الأرض من نبات وحيوان ومعادن، لكنك في ~~تعاملك مع الواقع الفعلي مضطر أن تضع معملك خارج بدنك، وأن تطهو الطعام مما هو نابت في ~~الأرض، أو سابح في الماء أو السماء. # ولكن حتى الواهم وهو يتوهم، والفنان وهو يبدع فنونه، لو أراد - لسبب ما - أن «يعلم» كيف ~~يعمل هذا الوهم العجيب في نفسه، أو أن «يعلم» كيف يتم للفنان إبداعه من شعر وموسيقى، فلا بد ~~له ساعتئذ من اللجوء إلى رجل العلم وصاحب المنهج العلمي ليحلل له هذا الذي يحدث في ~~ذاته. # العلم بمنهجه يرسم لنا الصورة الدقيقة لما هنالك، ولما كان وما سوف يكون، ولنا بعد ذلك أن ~~نتخذ لأنفسنا الموقف الذي نرضاه، فمن يدري؟ قد تكون نازعا بروحك إلى تصوف بغض النظر عما ~~كان وما هو كائن أو سوف يكون، لتنصرف بقلبك إلى مدارج أخرى، أو قد ترى الصورة التي رسمها ~~العلم لما هو واقع فتراها أنت مما لا يتفق مع مبادئ خلقية تريد أن تحافظ عليها، كأن يعطيك ~~العلم صورة صحيحة عن الذرة وتركيبها وطريقة تفجيرها ليترك لك بعد ذلك اختيار الموقف الذي ~~تقفه إزاءها، كل ذلك لا ينفي أن يكون للعلم طريقته لمن أراد، والدعاة إلى اصطناع العلم في ~~حياة الناس إنما يقصرون دعوتهم تلك على ما يصلح للعلم وطريقته، وأما ما لا يصلح من سائر ~~الجوانب، فموكول أمره إلى وسائل أخرى غير منكورة. # ليس الإنسان عقلا كله، بل هو مزيج من عقل ولا عقل - كالوجدانات والرغبات والشهوات ms39 - ولكل ~~من العقل واللاعقل أهميته، ولا عيب في أن يكون الإنسان هذا وذاك معا، لكن العيب هو في ~~الخلط بينهما؛ لأنك إذا أذنت للجوانب اللاعقلية أن تتسلل إلى ميدان العقل، فقد فسد هو وفسدت ~~هي، وضاع الإنسان ممزقا فيما ليس يجديه، وأعجب العجب أن نجد هذا الخلط على خطورته شائعا ~~بيننا شيوعا يسترعي النظر، فما قد قصد به إلى حياة الوجدان، يحاول بعضنا أن يقحمه في منطق ~~العقل؛ أي أن يقحمه في ميدان العلم، حاسبا بأن ذلك تشريف له وتعظيم وتأييد، مع أن ذلك إن ~~دل على شيء فإنما يدل على أن صاحب محاولة كهذه غير واثق في كفاية وجدانه، فأراد أن يبحث ~~له عن دعامة من خارجه لئلا يسقط وينهار. # ولنجعل خاتمة حديثنا هذا، القول بأن غاية الغايات التي ينشدها إنسان لنفسه - فيما أعتقد - ~~هي أن يكون كائنا حرا، وهذه الحرية النفسية إنما يوصل إليها عن الطريقين كليهما: العلم ~~والوجدان؛ فبالعلم نعرف قوانين الظواهر الطبيعية فنمسك بزمامها لتكون طوع ما نريده منها، ~~إننا بالعلم نحطم قيود المكان والزمان المفروضة علينا بحكم الفطرة، فإذا كانت الفطرة تقضي ~~على الساقين أن تتحركا بسرعة معينة، وإذا كانت الفطرة تقضي على صوت الحديث ألا يبلغ إلا إلى ~~مدى قصير يقاس بالأمتار، وإذا كانت فطرة الجسد كله تقضي بأن ينجذب نحو الأرض لا يجاوز ~~غلافها فإننا بإلجامنا لقوانين الطبيعة نطير، ونبلغ صوتنا أقاصي الأرض، ونخرج من قيد الأرض ~~وجذبها، إننا بالعلم نزرع الصحراء، ونغير مجرى النهر، وننزل المطر ونقاوم المرض، فنفك ~~بهذه القدرات وأمثالها القيود التي تشدنا إلى مكان بعينه وفي حدود فترة زمنية معلومة هي ~~أعمارنا المسرفة في قصرها إذا نسبناها إلى الخلود الذي نسعى إليه. # وبالوجدان نفك قيودا أخرى لنتحرر، فالتسامي فوق حدود الأنانية الضيقة، والترفع - إذا ~~شاءت عزيمتنا - عن قيود الحاجة، كالصوم حينا عن الطعام والشراب، والإنفاق في سبيل الخير ~~العام، وما إلى ذلك من نواح في حياتنا نهتدي فيها بوحي من إيماننا، كل ذلك ضروب من الحرية ~~تحققها لنا نوازع ms40 أخرى في قلوبنا غير نوازع العقل ومنهجه. # والحرية بشقيها: ما يتحقق منها عن طريق العلم بقوانين الطبيعة وقوانين السلوك الإنساني، ~~وما يتحقق منها عن طريق الوجدان والإيمان، أقول إن تلك الحرية بشقيها، لعلها هي الأمانة ~~التي عرضت على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها ~~الإنسان. ms41