######OpenITI# #META# URI: 1414ZakiNajibMahmud.AthartuHurriyya.Hindawi39047590 #META# Tags: history :: biographies #META# ID: 39047590 #META# Title: آثرت الحرية #META# AuthorID: 20797514 #META# Author: فيكتور كرافتشنكو #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 64904748 :: 62820630 #META# Translator: زكي نجيب محمود :: محمد بدران #META# Related_books: 1385ViktorKravchenko.IChoseFreedom (TRANSL) #META#Header#End# # 1 - فرار في دجى الليل‏ # 2 - طفولة روسية‏ # 3 - المجد والجوع‏ # 4 - الشباب في الجيش الأحمر‏ # 5 - قطع الصلة بالماضي‏ # 6 - طالب في خاركوف‏ # 7 - انتصار الآلات‏ # 8 - الرعب في القرية‏ # 9 - حصاد في جحيم‏ # 10 - أول ما رأيت من حركة التطهير‏ # 11 - سر إلينا‏ # 12 - مهندس في نيقوبول‏ # 13 - السرعة السرعة!‏ # 14 - التطهير الأعظم‏ # 15 - بداية محنتي‏ # 16 - بحث عن العدالة‏ # 17 - تعذيب بعد منتصف الليل‏ # 18 - العمال أحرارهم وعبيدهم‏ # 19 - بينما يدون التاريخ‏ # 20 - أكذوبة سيبيريا‏ # 21 - والقتال ناشب في أوروبا‏ # 22 - حرب لم تكن في الحسبان‏ # 23 - الذعر في موسكو‏ # 24 - الكرملن في أيام الحرب‏ # 25 - حقيقتان‏ # 26 - التأهب للسفر‏ # 27 - رعايا ستالين في الخارج‏ # 28 - الفرار من الظلم‏ # حاشية‏ # 1 - فرار في دجى الليل‏ # 2 - طفولة روسية‏ # 3 - المجد والجوع‏ # 4 - الشباب في الجيش الأحمر‏ # 5 - قطع الصلة بالماضي‏ # 6 - طالب في خاركوف‏ # 7 - انتصار الآلات‏ # 8 - الرعب في القرية‏ # 9 - حصاد في جحيم‏ # 10 - أول ما رأيت من حركة التطهير‏ # 11 - سر إلينا‏ # 12 - مهندس في نيقوبول‏ # 13 - السرعة السرعة!‏ # 14 - التطهير الأعظم‏ # 15 - بداية محنتي‏ # 16 - بحث عن العدالة‏ # 17 - تعذيب بعد منتصف الليل‏ # 18 - العمال أحرارهم وعبيدهم‏ # 19 - بينما يدون التاريخ‏ # 20 - أكذوبة سيبيريا‏ # 21 - والقتال ناشب في أوروبا‏ # 22 - حرب لم تكن في الحسبان‏ # 23 - الذعر في موسكو‏ # 24 - الكرملن في أيام الحرب‏ # 25 - حقيقتان‏ # 26 - التأهب للسفر‏ # 27 - رعايا ستالين في الخارج‏ # 28 - الفرار من الظلم‏ # حاشية‏ # | آثرت الحرية # | آثرت الحرية # تأليف # فيكتور كرافتشنكو # ترجمة # زكي نجيب محمود # محمد بدران # الفصل الأول # | فرار في دجى الليل # لقد كانت كل دقيقة قضيتها في السيارة من الحجرة المستأجرة إلى «محطة الاتحاد» في ليلة ~~الأحد تبدو مفعمة بالأخطار، وبما لا أعرف مما تخبئه لي الأقدار، فلقد خيل إلي أن ~~الشوارع نفسها والمباني المظلمة تعاديني وتتوعدني، وكنت قد قطعت هذا الطريق نفسه عشرات ~~المرات في السبعة الشهور التي أقمتها بعاصمة الولايات المتحدة، قطعته وأنا جذل ms001 مرتاح النفس ~~لا أكاد ألحظ ما يحيط بي فيه، أما في هذه المرة فقد كان كل شيء عكس ما تعودته؛ لأني كنت ~~فيها هاربا. # وكانت الأسرة الأمريكية التي أقيم معها في واشنجتن تكرم الرجل الغريب المقيم بين ~~ظهرانيها، وتعامله معاملة الصديق، فإذا مرضت أهمها أمري، وعنيت بي عناية غير متكلفة، وسرعان ~~ما تطورت تلك العلاقة التي لم تكن في بداية أمرها إلا علاقة مالية محضة؛ فأصبحت علاقة ~~إنسانية تربط قلوبنا، وكل ما كان لاختلاف لغتينا من أثر في هذه العلاقة أن أضاف إليها ~~قليلا من الحماسة، وأحسست أن أولئك الأمريكيين الطيبين حين يشفقون على روسي بعيد عن وطنه ~~إنما يعبرون عن شكرهم لجميع الروس، إلى حلفائهم البواسل الذين كانوا وقتئذ يصدون جحافل ~~الألمان المغيرين في جبهة طولها ألف ميل، وكان أولئك الأمريكيون يعزون إلي أنا نفسي الفضل ~~في كل نصر تناله الجيوش السوفيتية. # وكنت قبل فراري قد أديت أجر مسكني مدة أسبوع مقدما، ولكني مع هذا غادرت المنزل في ~~الليلة الموعودة دون أن أودع من فيه بكلمة، وكل ما قلته لهم أني آذن لهم بتأجير حجرتي ~~إذا اضطرتني ظروف رحلتي إلى البقاء في خارج المدينة إلى ما بعد يوم الثلاثاء؛ وذلك أني كنت ~~أريد أن يبقى أصحاب المنزل على غير علم بمكان وجودي وبعزمي على ألا أعود إليهم إذا ما جاءهم ~~رجال بعثة المشتريات السوفيتية يسألونهم عني. # وبقيت بضعة أيام في مكاتب تلك البعثة أتظاهر بأني أشكو الصداع واضطراب الصحة بوجه عام، ~~وأشرت في صباح يوم فراري إشارة عابرة إلى عدد قليل من الزملاء أن من الخير لي «أن أبقى في ~~المنزل طلبا للراحة»، وأني قد لا أجيء إليهم في يوم الإثنين؛ وقصدي من هذا أن أعمل جاهدا ~~على أن أكسب يوما قبل أن يكشف أمر غيابي. # وبعد أن قبضت مرتبي عن شهر مارس أصررت على أن أسوي مستندات نفقات رحلتي الأخيرة إلى بلدة ~~لنكستر من أعمال بنسلفانيا ورحلتي السابقة إلى تشكاجو، وتبين لي أن نحو ثلاثين ريالا لا ~~تزال ms002 باقية لي من ذلك الحساب، وكنت أبغي من هذا ألا أترك ما يبرر اتهامي بأن المخالفات ~~المالية هي سبب فراري، وعمدت فضلا عن هذا إلى ترتيب أوراقي جميعها على خير وجه حتى يستطيع ~~من يخلفني أن يبدأ العمل من حيث تركته. # وما من شك في أن بعض أعضاء البعثة من رجال ونساء قد عاد إلى أذهانهم بعد فراري وبعد أن ~~نشرت أنباء هذا الفرار جرائد واشنجتن ونيويورك في صفحاتها الأولى، أن حالهم قبل أن ~~أفارقهم كان يمتاز بشيء من الحماسة والحرارة، وأن ضغط يدي وأنا أسلم عليهم وأقول «مع ~~السلامة» كان أكثر من المعتاد. وما من شك كذلك في أنهم أدركوا أني كنت أودعهم الوداع ~~الأخير في صمت وسكون، ذلك أن أحدا منهم لن يجرؤ بعد الآن على لقائي حتى ولو كان هذا اللقاء ~~هنا في أمريكا بلاد الحرية. لقد تقاربنا أنا وبعض هؤلاء المواطنين في خلال الأشهر التي ~~قضيناها في العمل معا، وفهم كل منا صاحبه وإن لم يتحدث إليه كثيرا، ولو أنني استطعت ~~أن أفارقهم علنا وأظهر لهم عواطفي على الطريقة الروسية، لخف عني دون ريب بعض العبء الذي ~~ينوء به الآن كاهلي. # وكانت ليلة الفرار ليلة ليلاء، خفيت نجومها، وبدا لي أن محطة السكة الحديدية ملأى ~~بالإنذار والوعيد، فماذا يكون من أمري لو أنني التقيت بزميل لي فنبه من يجب تنبيههم؟ وما ~~من شك في أن حقيبتي الملابس اللتين كانتا معي، وهذه الرحلة التي لم يصرح لي بها، ستثيران ~~الريبة في نفسه من فوره، وماذا يحدث إذا كان الرفيق سيروف أو القائد رودنكو قد عرف خططي، ~~وكأن الأقدار أرادت أن تحقق هذه المخاوف، فوقعت عيناي فجأة على إنسان يلبس حلة من حلل الجيش ~~الأحمر، وما كدت أراها حتى جمد الدم في عروقي من شدة الرعب، فجذبت قبعتي حتى غطيت بها عيني، ~~وخبأت رأسي بطوق معطفي أكثر من ذي قبل، وتسللت بجوار الجدار وظهري متجه على الدوام نحو ~~مواطني. # واتخذت مكاني في القطار في عربة من التي يركب ms003 فيها عامة الشعب؛ وذلك لأن موظفي السوفيت ~~كانوا يسافرون على الدوام في عربات بلمان الفاخرة، وكان في هذا ما يقيني إلى حد ما خطر ~~لقاء أحد ممن يعرفونني، وفي هذه العربة المعتمة المزدحمة الساكنة استسلمت وحدي ~~لأفكاري. # وكنت أدرك من زمن طويل أن هذه الساعة الحاسمة آتية لا ريب فيها؛ لذلك هيأت أسباب فراري من ~~عدة شهور، وأخذت أترقبه وأنظر إليه على أنه خلاص لي مما كانت تعانيه نفسي من ضلالات النفاق ~~والغيظ والاضطراب التي ألحت عليها سنين طوالا، وقدرت أن هذا الفرار سيكون وسيلتي التي ~~أكفر بها عن تلك الآثام المروعة التي ارتكبتها مع زملائي من الطبقة الحاكمة في بلادي، ~~والتي يؤنبني عليها ضميري. # أما الآن وقد أصبح هذا الفرار حقيقة واقعة فلم يكن فيه شيء من الحبور أو الابتهاج الذي ~~يصحب الحرية في أول عهد المرء بها، بل شعرت من حولي بفراغ مؤلم ترددت فيه أصداء المخاوف ~~وتبكيت الضمير بأصوات عالية، خيل إلي معها أن الجنود والبحارة المغفين في العربة ~~الملأى بالدخان قد سمعوها بلا ريب. # وقلت في نفسي: إنني أجتث حياتي من أصولها اجتثاثا لا يبقي على شيء منها، وقد يكون ~~اجتثاثا أبديا، وإنني من تلك الليلة أجعل من نفسي إنسانا شريدا لا وطن يؤويه ولا أسرة ~~تضمه ولا أصدقاء يركن إليهم، وإنني لن أرى بعد هذه الليلة وجوه الأقارب والأصدقاء، وأمسك ~~بأيديهم أو أسمع أصواتهم، وهم الذين لحمهم من لحمي وعظامهم من عظامي، كأن هؤلاء جميعا قد ~~فارقوا الحياة، ومن أجل هذا فارقني شيء في دخيلة نفسي عظيم القيمة لي، وأيقنت أن سأحس في ~~حياتي أبد الدهر بذلك الفراغ، ذلك الفراغ الرهيب، وذلك الموت الزؤام. # أما موقفي من البلاد التي ولدت فيها فسيكون موقف الرجل الطريد المنبوذ من حكومتها، ~~وسيصدر النظام السياسي الذي قضيت فيه حياة كلها كدح وولاء حكما علي من تلقاء نفسه ~~بالإعدام، ولن يفتأ عماله السريون ينغصون علي حياتي ويقتفون أثري أينما كنت، ويتتبعون ~~خطواتي، ويراقبونني من تحت نوافذ حجراتي، وسيقضون على حياتي ms004 إذا أمرهم سادتهم بالقضاء ~~عليها. أما هؤلاء الأمريكيون الذين أرجو أن ألقي بينهم عصا التسيار فهل يكون في وسعهم أن ~~يدركوا ما في انشقاق شيوعي روسي على الدكتاتورية الروسية من معان وأخطار؟ ألا ما أطيب قلوب ~~هؤلاء الأمريكيين! # وفي بلادي نفسها سيكون أصدقائي وزملائي في العمل، بله الذين يحبونني ويعطفون علي، سيكون ~~هؤلاء جميعا موضع الشبهات وغرضا للمثالب والاتهامات، وإذا شاءوا أن يظلوا أحياء من بعدي ~~كان عليهم أن يمحوا ذكراي من صدورهم، وإذا أرادوا أن ينجوا بأنفسهم من العذاب فعليهم أن ~~ينكروني ويتبرءوا مني، كما كنت أتظاهر في أيامي الخالية بأني أنكرت من جروا على أنفسهم ~~انتقام الدولة السوفيتية وتبرأت منهم. # ترى هل أنا على حق من الوجهة الأدبية في أن أعرض إلى الخطر حياة أولئك الرهائن ~~الأبرياء في الروسيا إذا كان في هذه التضحية إراحة لضميري ووفاء ما علي من دين يقتضيه ~~مني الحق كما أراه أنا؟ لقد كانت هذه أقسى مشكلة واجهتني، وماذا كان يرى في عملي هذا جدي ~~التقي فيودور بنتليفتش ذلك الرجل الصالح الذي قضى حياته في طاعة الله وخدمة القيصر لو أنه ~~كان وقتئذ حيا يرزق؟ وماذا كان يقول عني أبي ذلك الثائر الروسي المتعصب لآرائه لو أنه ~~بقي على قيد الحياة بعد العامين اللذين قضاهما في ظل الاحتلال الألماني الوحشي؟ # لقد كان لي في هذه الأفكار المتلاحقة شيء من التعزية على الأقل. إن جدي لم يكن يدرك قط ~~سبب وقوف ابنه ووالدي أندراي في وجه القيصر وتقاليد الأجيال الطويلة، ولكن أندراي كان قوي ~~الإيمان بعقيدته الجديدة الغريبة، وكان لا يتردد في الذهاب إلى السجن في سبيلها، ومن أجل ~~ذلك كان جدي يختم ما يكيله له من عبارات اللوم بأن يدعو له بخير. أما أبي فكان يحب زوجته ~~وأبناءه، ومع ذلك فإنه لم يتردد قط في أن يعرضنا جميعا للجوع والدموع ليخدم بذلك القضية ~~التي كان يدافع عنها، ولم أكن أشك مطلقا في أنه هو كان يفهم موقفي ويرتضيه لو أنه طال به ~~الأجل. ms005 # وكان من أسباب عزائي - وإن يكن عزاء شديد الوقع على نفسي - أن أفكر أن أخي قنسطنطين ~~الذي كان طول حياته بالقرب مني قد مات، قد قتل وهو يدفع عن بلادنا الغزاة النازيين، وهو ~~ضابط في جبهة القوقاز، وإذن فهل يصب رجالنا الرسميون جام غضبهم على عجوز مسكينة لا سند لها ~~ولا معين قد خرجت توا من أحد معسكرات الاعتقال الألمانية، يصبون عليها جام غضبهم لأنها ~~والدتي؟ أو هل يثأرون لأنفسهم مني في شخص المرأة التي ظلت زوجة لي ثلاث سنين لم تعرف في ~~خلالها شيئا عن شكوكي السياسية ولا عن فراري؟ # كانت هذه الأفكار لا تزال تتردد في خاطري، وكان وقعها مؤلما لنفسي، ولكن صداها ضعف بعض ~~الشيء وإن لم يخفت كله حين وقف بي القطار في نيويورك في الساعة الثالثة من صباح يوم الأحد، ~~ورأيت الضابط الروسي السالف الذكر مرة أخرى على طوار المحطة يحمل في يده حقيبة ملابس، ولا ~~يعرف شيئا عن وجودي في ذلك المكان، غير أني تباطأت في سيري؛ لأطيل ما بيني وبينه من ~~بعد. # واتخذت لنفسي اسما إيطاليا تسميت به حين نزلت في فندق حقير في أحد أطراف المدينة، من ~~ذلك النوع الذي تؤدي فيه أجر حجرتك مقدما، وكأن هذه الحجرة قد أعدت خصيصى لمن يريد ~~الانتحار، فقد كانت ضيقة، مقبضة الرائحة، وأغلقت بابها علي وأخذت أكتب في ضوء مصباحها ~~الكهربائي الضئيل بيانا نشرت بعض الصحف الأمريكية بعض ما جاء فيه بعد يومين من ذلك ~~الوقت. # ولو أن إنسانا شهد مسلكي الخفي في تلك الأيام العصيبة، وعرف ما قضيته من الليالي ساهدا ~~مؤرقا، واطلع على فراري خفية من واشنجتن، واختفائي في نيويورك؛ لظن أني ارتكبت جريمة ~~شنعاء، وأني أعمل على تضليل رجال الشرطة، ولكنني في واقع الأمر لم أسرق ولم أقتل، وكل ما ~~فعلته أني اعتزمت التخلي عن عملي بوصفي مبعوثا اقتصاديا لحكومتي. # وما من شك في أن الأمريكيين على بكرة أبيهم لا يوجد بينهم من يعرف أن ليس بين الجرائم ~~التي يرتكبها أحد أبناء ms006 الدولة الدكتاتورية جريمة أعظم شناعة وأوخم عاقبة من الفرار؛ ذلك أن ~~هذا العمل هو الكفر بالدولة إلههم الدنيوي، وهو لا يؤدي إلى اعتبار «المجرم» خارجا على ~~وطنه مهدر الدم وكفى، بل إنه يحرم عليه تبادل الرسائل مع أحبابه من أهل بلده ويجلله العار ~~أينما حل، وإذا جرؤ مواطن سوفيتي على مقابلته أو إظهار العطف عليه كان في ذلك انتحاره ~~السياسي، بل قد يكون فيه انتحاره الجسمي. # ولم يكن العمل الذي أقدمت عليه من الخطى التي يخطوها روسي سوفيتي، وخاصة إذا كان شيوعيا ~~قديم العهد بالشيوعية وذا مركز ممتاز في صفوف البيروقراطية، وهو مستهتر أو مندفع بمؤثرات ~~وقتية. لقد كان هذا عملا نبتت أصوله في أعماق عقله من زمن بعيد، ثم ترعرعت ولم يكن في ~~الإمكان اجتثاثها، وليست أسباب العمل الذي أقدمت عليه مما يطفو على السطح، بل هي مما يجب ~~البحث عنه في الأعماق البعيدة، وفي طيات حياتي كلها. # وتحدثت إلى عدد من الأصدقاء في يوم الإثنين الثالث من شهر أبريل سنة 1944م، وفي مساء ذلك ~~اليوم نفسه نشر خبر فراري في الصفحة الأولى من جريدة نيويورك تيمس، وكان نشر الخبر في ~~هذا الوقت من الأهمية بمكان، بل لعله كان السبب في نجاتي من الموت، فلو أن حراسي السوفيت ~~علموا بفراري قبل أن يعرفه عامة الشعب لاتهمتني السفارة الروسية في واشنجتن لدى وزارة ~~الخارجية الأمريكية بأني جاسوس ألماني، ولطلبت إليها أن تقبض علي فورا لأنقل إلى ~~اتحاد جمهوريات السوفيت الاشتراكية، أما وقد كشفت الحقائق أمام الشعب الأمريكي وأخذ هذا ~~الشعب يرقب فصول الرواية، فإن السفارة السوفيتية أصبحت عاجزة كل العجز عن عمل شيء، أو عاجزة ~~عنه وقتا ما على الأقل. # ونشرت التيمس الخبر بالعنوان التالي: «موظف سوفيتي في هذه البلاد يعتزل عمله»، أما الخبر ~~نفسه فقد بدأ على النحو الآتي: # بالأمس أعلن فكتور أ. كرافتشنكو أحد موظفي بعثة المشتريات الروسية في واشنجتن ~~استقالته من عمله، ووضع نفسه «تحت حماية الرأي العام الأمريكي»، بعد أن اتهم ~~الحكومة السوفيتية في هذه الاستقالة ms007 بأنها فيما تعلنه من رغبة في التعاون مع ~~الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا العظمى إنما تجري على سياسة نفاق «ذات ~~وجهين»، واتهم حكم ستالين بالعجز عن توفير الحريات السياسية والمدنية للشعب ~~الروسي. # ويحمل مستر كرافتشنكو جواز سفر كتب فيه أنه «ممثل الحكومة السوفيتية» ... وهو ~~ضابط في الجيش الأحمر، وكان قبل أن يرسل إلى الولايات المتحدة في شهر أغسطس الماضي ~~مديرا لعدد من دور الصناعة الكبيرة في موسكو، ومن قبل هذا كان رئيسا لقسم الذخائر ~~الملحق بمجلس وزراء الجمهورية الروسية الاشتراكية السوفيتية المتحدة، وهي أكبر ~~الجمهوريات المنضمة إلى اتحاد الجمهوريات السوفيتية، وكان إلى وقت فراره عضوا في ~~الحزب الشيوعي الروسي منذ عام 1929م، وشغل عدة مناصب هامة تحت الحكم ~~السوفيتي. # ورفض مستر كرافتشنكو لأسباب وطنية أن يرد على الأسئلة الخاصة بمسلك الحكومة ~~السوفيتية في الشئون العسكرية، أو أن يكشف عن شيء من التفاصيل المتعلقة بالأمور ~~الاقتصادية، وبخاصة ما يتصل منها بتطبيق قانون الإعارة والتأجير على يد بعثة ~~المشتريات السوفيتية، أو في بلاد الروسيا نفسها. # وتلت هذا النبأ فقرات من البيان الطويل الذي ظللت أكدح في إعداده طوال يوم الأحد. لقد حوى ~~هذا البيان عصارة نفسي، ولكن شيئا من قوته لم يظهر من خلال المداد البارد الذي كتبه به ~~الطابع؛ ذلك أن أبناء البلاد الحرة قلما يجدون في تجاربهم ما يحملهم على تصديق مشاعري ~~ومسلكي، وهم لا يرون في أية مأساة مهما بلغت من الشناعة إلا أنها أمر شاذ خارج على ~~المألوف. # وحاولت في هذا البيان أن أشرح للشعب الأمريكي، ولرفاقي في بلدي ولأصدقائي في بعثة ~~واشنجتن، الأسباب التي دفعتني إلى أن أخطو هذه الخطوة الرهيبة، ولكني كنت كلما أمعنت في ~~الكتابة، ومحوت ما كتبت، ثم أعدت كتابته من جديد، بدا لي العمل ميئوسا منه؛ ذلك أني لم أجد ~~في لغة من اللغات التي يتكلمها البشر ألفاظا ألخص بها حياتي كلها. # ولم يكن عزمي على قطع صلاتي بالحكم السوفيتي - وهو يبلغ مبلغ إعلان الحرب إلى هذا الحكم ~~وإلى كل دولة بوليسية - أمرا عارضا ms008 نشأ عفو الساعة، بل كانت أصوله متغلغلة في كل أطوار ~~حياتي وأفكاري وتجاربي؛ وهو بهذا المعنى لم يكن قرارا اتخذته، ولا عملا من أعمال الإرادة، ~~بقدر ما كان نتيجة منطقية وغاية محتومة، أدت إليها عملية طويلة متصلة الحلقات. # وإذا أردت أن أشرحها شرحا وافيا وجب علي أن أعود إلى الأيام الماضية، أيام الحماسة ~~والغيرة على العدالة التي كانت تتأجج بين جوانحي منذ طفولتي على ضفاف الدنيبر، وإلى أيام ~~الهيام بالحرية الذي كان يملأ قلبي وأنا غلام، حين كانت الثورة والحروب الأهلية تتأجج ~~نيرانها في مدن أوكرانيا وسهوبها، وإلى حماسة الشباب الشيوعي، ثم إلى حياة العضو العامل في ~~الحزب الشيوعي، وإلى الشكوك والإخفاق المتكرر، والمحاولات اليائسة التي توالت عاما بعد ~~عام، والتي كانت تسند عقيدة منهارة مزعزعة بما تبثه في نفوس معتنقيها من أوهام خداعة ~~قوية. # وقصارى القول أني إذا أردت أن أشرح هذا كله وجب علي أن أقص قصة حياتي من أولها إلى ~~آخرها، وحياة الروسيا من حيث صلتها بحياتي نفسها. # الفصل الثاني # | طفولة روسية # لقد كانت الثورة الروسية التي شبت نارها في عام 1905م أكثر من تجربة شخصية لأبناء ~~أندراي فيودوروفتش كرافتشنكو الثلاثة، وكنت أنا ثاني أولئك الأبناء، إذ كنت أصغر من ~~قنسطنطين وأكبر من يوجين. لقد كانت هذه الثورة بالنسبة إليهم حقيقة ذات معنى خاص عميق، ~~تحيط بها في نظرهم هالة روائية لم تقلل الهزيمة من سناها، بل بدت لهم هذه الهزيمة نفسها ~~شامخة متلألئة، وقد انطوت هذه الثورة على حوادث أوفت على الغاية في البسالة والرهبة والمثل ~~العليا والتضحية، تعد هي المعيار الذي تقاس به هذه القيم فيما تلاها من عهود. # نعم، إنها كانت ثورة ضيقة النطاق، لم تقتصر على مدينة إيكترنوسلاف فحسب بل اقتصرت فضلا ~~عن هذا على الاجتماعات والوقائع الحربية والاغتيالات التي كانت لأبي يد فيها، وأشرقت في ~~سماء روسيا لأول مرة في عام 1905م أسماء عظيمة قدر لها أن تكون ذات أثر خالد في ~~التاريخ؛ ولكن التاريخ وحده لم يكن ليضارع قط ما نعلمه ms009 نحن علم اليقين، وهو أن الزعيم الحق ~~والبطل الذي قاد هذه الثورة هو والدنا الشديد البأس، البهي الطلعة، النحيف الجسم، المفتول ~~العضلات، ذو الشعر الأسود الملتوي، والعينين الزرقاوين البراقتين. # والحق أن خيالنا هذا العزيز علينا كان ينطوي على شيء من الحقيقة، فقد كان النذير الأول ~~للثورة إضراب عام بدأ بإضراب عمال السكك الحديدية، وظل هو المحور الذي يدور حوله الإضراب ~~العام كله، وكان أبي، وهو موظف في مصانع السكك الحديدية في إيكترنوسلاف، عضوا في لجنة ~~الإضراب، وظل يعمل وسط هذا الكفاح الميئوس منه، وجوزي بعد فشله على حماسته شر ~~الجزاء. # وكثيرا ما سمعنا في عهد شبابنا تفاصيل هذه الثورة، حتى أضحت وكأنها قد نسج منها برد ~~حياتنا لحمته وسداه، فلم نكن نعرف حوادثها فحسب، بل كنا نعرف فوق ذلك أسباب هذه الحوادث؛ ~~ولذلك لم أكن في حاجة إلى أن ألقن كره الأوتوقراطية وحب الحرية والعدالة والمساواة، بل ~~كنت أعد هذا الكره من الأمور الطبيعية البسيطة، كما يعد رفاقي في اللعب تعظيم ذوي الحلل ~~الرسمية والسلطان. # وظلت أحداث ثورة 1905م التي قصها علي أبي وأصدقاؤه، والتي قوت أثرها في نفسي اتصالاتي ~~بأمثالها من الحوادث فيما بعد، ظلت أحداث هذه الثورة منقوشة في عقلي، حتى لأستطيع الآن أن ~~أحس حوافر خيل فرسان القوزاق، وكأنها قصف الرعد، تطأ أهل بلدتنا رجالا ونساء، وليس صوت ~~مما سمعته في طفولتي أوضح من صلصلة السيوف الرهيبة، وإني لأتصور الآن أني واقف خلف المتاريس ~~المقامة من عربات النقل المقلوبة، والأثاث المكدس في الطرقات والحجارة المقتلعة منها، ~~وأخشاب الطرق الحديدية، وأرى بعين الخيال رفاقي يخرون صرعى من حولي وهم يئنون ويتوجعون، ~~وجنود القوزاق يمرون بجثثهم كالموج المتلاطم، يصبون علينا جام غضهم وسخطهم، وأتصور نفسي ~~في تيه الشوارع والأزقة الملتوية في حي العمال، يطاردني فرسان الجراكسة ورجال الشرطة في ~~ظلام ليالي الشتاء. # ثم يخيم على المنظر سكون رهيب كسكون القبور، وتبدو جثث الموتى من حولي بمنظرها البشع ~~الرهيب، والناس من حولي، ومناقع الدم تتسع فوق الثلج، كما كانت تتسع ms010 بقع الحبر على الورق ~~الخشن الموضوع على مكتبي في المدرسة. # ولو أن أبي قد قبض عليه في تلك الليلة من ليالي شهر أكتوبر لشنق مع من شنق من ~~زملائه أعضاء لجنة الإضراب كما يشنق العصاة المتمردون، لكنه فر، ولم تطاوعه نفسه على أن ~~يفر من غير أن يلقي آخر نظرة على زوجته وعلى قنسطنطين وعلى بابشكا (جدتي لأمي) وكانت تقيم ~~معنا دائما، ومن أجل ذلك تسلل في منتصف الليل وسط شوارع فرعية جانبية، مختفيا وسط الظلال ~~الكثيفة، من بيت إلى بيت، حتى أقبل على منزلنا رقم 8 في شارع كانتناي بالقرب من طريق بشكين ~~الكبير. # فلما وصله هاله ما رأى، وكاد يذهب الروع بلبه، فقد أبصر أنوار المنزل كلها مضاءة، وكان ~~في وسعه أن يسمع ما فيه من حركة قائمة على قدم وساق، ولم يبق لديه شك في أن رجال الشرطة قد ~~دهموا المنزل وأخذوا يفتشونه، ومع هذا فلم يكن في وسعه أن يعود أدراجه مهما يتعرض له من ~~خطر، دون أن يلقي نظرة أخيرة على منزله وعلى أسرته اللذين قد لا يراهما قط بعد ذلك الوقت، ~~فأخذ يتسلل خفية حتى وصل إلى النافذة، ورفع نفسه في حذر شديد وأطل منها إلى داخل ~~الدار. # ثم أدرك أنه كان مخطئا في ظنه، وفتحت جدتي الباب حين سمعت طرقه الخفيف عليه، وأشارت إليه ~~أن يظل صامتا، وأراد أن يذهب إلى حجرة النوم ولكنها أوقفته وقالت له: «إن تانيا نائم.» ثم ~~تبسمت وقالت: «لقد رزقت ولدا آخر.» وذهبت هي نفسها إلى حجرة النوم ثم عادت من فورها ~~وعلى ذراعيها حزمة صغيرة وضعتها بين ذراعيه. # وكانت هذه ليلة مولدي، ليلة الموت خلف المتاريس، ودوي البنادق وصلصلة السيوف الدامية، ~~وصراخ الألم في الطرقات الرثة الملتوية. # وأخذت أصرخ فجأة صراخا عاليا أيقظ أمي من نومها، وقال أبي في حنو: «استمعوا إلى هذا ~~الثائر!» وظل بعدئذ يسميني في ساعات حنانه وعطفه باسم الثائر، وبعد أن جاوزت سن الشباب ~~وشغلتني أحداث الثورة الظافرة كان ينطق أحيانا بهذا الاسم ms011 التهكمي ويلوي به شدقيه التواء ~~كان أشد وقعا علي مما يظن. # وقضيت بين أبي وأمي تلك الساعات الأولى من حياتي قبل أن يودع أبي زوجته، وليس في وسع ~~إنسان كائنا من كان أن يقنعني بقوة المنطق وحده أنني لم أسمع ما نطق به وقتئذ من ألفاظ ~~المعزة والحنان، أو أنني لم أره يطبع القبلات على يديها من أولهما إلى آخرهما، أو أنني لم ~~أشهد بعيني أبي وجه الأم الشابة المصفر الجميل بين كومة الوسائد الناصعة البياض. # وكان أبي في أثناء التسع السنين الأولى من حياتي غريبا في بيتنا لا يغشاه إلا حينا بعد ~~حين؛ ذلك أن فترات حريته لم تكن تطول حتى تجعله بيننا أبا عاديا مألوفا كما كان غيره من ~~آباء سائر الأطفال في شارعنا، وكانت زياراته لنا في أثناء هربه تثير مشاعرنا إلى أقصى حد، ~~وكنت أنا أنظر إلى هذه الزيارات كأنها جزء من دورة الفلك، مثلها في ذلك كمثل بيض عيد الفصح ~~الملون، أو أشجار عيد الميلاد. # وصورت لنفسي صورة له من الإشارات العابرة والأقوال القصيرة، ومن عبارات العطف التي كنت ~~أسمعها من أمي ومن بابشكا، ومما كان ينتابنا من روع مفاجئ وخوف على سلامته، ومن الهمسات ~~المتفرقة التي كان ينطق بها رفاقه الثوار، وكثيرا ما كان بيتنا مأوى للرجال المطاردين، ~~وللطلاب ذوي الوجوه الزاهدة المتقشفة والحلل الرسمية، والرجال ذوي اللحى الكثة القادمين من ~~ذلك العالم الغريب المجهول المروع الذي يدعونه سيبيريا، وقد أصبح الزوار الذين يمرون بنا ~~سراعا وما يروونه من قصص عن فرارهم من السجون، وعن الموظفين المرتشين، وكلمات السر وثياب ~~التخفي، أصبحوا هم وقصصهم هذه جزءا من الصورة التي رسمتها لأبي في خيالي. # وكان قنسطنطين الذي يكبرني بثمانية عشر شهرا يأتيني بكل ما يعرفه من الأخبار مهما كانت ~~صغيرة. # وكان يقول لي أحيانا وهو يتصنع الكبرياء: «يجب أن تذكر يا فيتيا أن بابا ليس لصا أو ~~قاتلا بل هو رجل سياسي.» # فكنت أجيبه وأنا لا أفهم معنى ما يقول: «نعم، يا كوتيا.» # وثمة ليلة ms012 من ليالي عيد الميلاد - ثالث عيد ميلاد شهدته على هذه الأرض - لا تبرح ذكراها ~~ماثلة في مخيلتي بكل ما حوته من تفاصيل، فهي صفحة من كتاب حياتي كثيرا ما أرجع إليها ~~وأنا حزين، ولكنه نوع من الحزن اللذيذ. # فقد أيقظتنا بابشكا من نوم عميق بعد يوم من أيام العطلة، ولا أزال أرى بعين الخيال لعبنا ~~الجديدة منثورة على أرض الحجرة العارية. # وقالت لنا وهي تنتحب: «تعاليا أيتها اليمامتان الصغيرتان وودعا أباكما المسكين.» # ثم أمسكت أنا بإحدى يدي جدتنا وأمسك قنسطنطين بالأخرى، ونحن بملابس النوم الطويلة لم ~~نصح تماما من نومنا، وقد أخذت منا الحيرة كل مأخذ، وسارت بنا إلى حجرة الاستقبال، ~~وعيناي لا تقويان على النظر إلى الضوء وإلى الجمع المحتشد فيها، وكان بين هذا الجمع أحد ~~أصدقاء الأسرة، أما الباقون فكانوا غرباء في حلل رسمية. # وكانت الشموع لا تزال موقدة فوق شجرة عيد الميلاد، ولكن أمي أخذت تبكي في غير صوت وهي تضع ~~الملابس في حقيبة، ثم تأخذ بابشكا بيدينا وتقودنا إلى حيث كان المصباح المقدس في الركن الذي ~~كانت به صورة المسيح، فنخر معها راكعين، وتخافت هي بالصلاة ثم تسجد على الأرض، ويأتي رجل ~~أعرف أنه أبي فيرفعني ويضمني إلى صدره بقوة، ويقبلني أكثر من مرة، ولكنه في هذه الليلة ~~يبدو في نظري غريبا، فيخيل إلي أن وجهه عار قد أزيلت منه لحيته وشارباه التي ~~تعودت أن أراها، ثم يرفع كوتيا من ذراعيه ويقبله، ثم تقودنا جدتنا إلى خارج ~~الحجرة. # وأرى عند الباب - ولسبب لا أعلمه يبقى هذا الجزء من الصورة ماثلا أمامي أكثر من أي جزء ~~آخر منها - شرطيا ضخما ملتحيا ذا أشرطة كثيرة على حلته يصرخ في غير حياء وتنحدر الدموع ~~الكبيرة فوق شاربيه المرتجفين. # وعرفت فيما بعد أن أبي كان مختفيا، وأنه اعتزم أن يزور أسرته في ليلة عيد الميلاد، وكان ~~رجال الشرطة يعرفون من تجاربهم الخاصة أن الفارين يعرضون أنفسهم في بعض الأحيان لخطر ~~القبض عليهم باجتماعهم بأحبابهم في مثل هذه الأعياد الهامة، فانقضوا ms013 على بيتنا، ثم أخذوا ~~يفتشون الدار، وأتاحوا للثائر ساعة من الزمان يحزم فيها متاعه قبل أن يرحلوا به. # وهناك صفحة أخرى في سجل طفولتي الخاص كثيرا ما أقلبها: # يقبل علينا ذات مساء ونحن جلوس حول مائدة العشاء طالب علم طويل القامة بهي الطلعة، وتملأ ~~له أمي قدح شاي من الغلاية الكبيرة البراقة، وأدرك أنا من ارتجاف يدها واهتزاز قدح الشاي أن ~~الشاب يحدثها عن شيء ذي بال. # فهو يقول لها إن كل شيء قد أعد للفرار من السجن في تلك الليلة، وإن أندراي فيودوروفتش ~~سيكون في منزله قبل منتصف الليل إذا لم تحدث عراقيل ليست في الحسبان، ولكنه لن يقيم في ~~المنزل أكثر من بضع دقائق، وإن من واجب والدتي أن تعد له بعض الأشياء اللازمة لرحلته، ~~وإنه قد أعد له مخبأ في إيكترنوسلاف، وجهز له ما يحتاجه من أوراق تحقيق ~~الشخصية. # وقد أسفنا كل الأسف لأنا ألقينا كلنا على فراش النوم قبل أن نعرف خاتمة هذه القصة ~~المثيرة. # وأكثرت أمي هي وبابشكا من البكاء في اليوم الثاني، وأخذت كلتاهما تعزي الأخرى، ثم تعودان ~~إلى البكاء، وجاء طالب العلم الطويل أكثر من مرة وهو ممتقع الوجه، مفعم القلب بالحزن، يحمل ~~لهما آخر الأنباء. # وتبين أن المؤامرة المدبرة للفرار من سجن إيكترنوسلاف قد باءت بفشل ذريع، وكان سبب فشلها ~~من غير شك أن كان بين مثيري الفتنة جاسوس، وأدى الاضطراب إلى قتل عدد من الحراس وكثير من ~~المسجونين، وسرعان ما غلب المتمردون على أمرهم وإن كانوا قد استطاعوا أن يحصلوا على عدد ~~قليل من الخناجر والمسدسات، هربت إليهم خلال الأسابيع الطويلة التي قضوها في إعداد ~~عدتهم، وقد خلدت المذبحة التي وقعت في تلك الليلة هي وهزيمة المسجونين السياسيين في ~~تاريخ الثورات الروسية. # ويبدو أن أبي جلد حتى كاد يقضى عليه، وقد ظل طول حياته يفخر بآثار الجراح التي ~~أصابته في هذا الحادث، وأخذ إلى مستشفى السجن، وأكبر الظن أنه سيحاكم هو وعدد من زعماء ~~الثورة إذا بقي على قيد الحياة، وقد ms014 يحكم عليه بالأشغال الشاقة في سيبيريا، وربما حكم ~~عليه في هذه المرة بالإعدام. # وجاء الطالب مرة أخرى بعد عدة أشهر من ذلك الوقت، وجاءت معه في هذه المرة فتاة ممشوقة ~~القد بارعة الجمال، وسرعان ما أخذت أمي وهي مضطربة مهتاجة تلفنا في معطفينا وتقول لنا: «إذا ~~ظللتما صامتين وفعلتما ما تؤمران به فإنكما ستريان أباكما.» # ووقفت خارج بابنا عربتان، ركب الطالب والفتاة في إحداهما، وركبنا نحن كلنا في الأخرى، ~~وتقدمت عربة الطالب، وسارت عربتنا من ورائها وعلى مسافة منها لا تترك مجالا للريبة في ~~أمرها، واجتزنا على هذه الحال طريق بشكين الواسع، وسرعان ما كنا في قلب المدينة على مرأى ~~من السجن القديم الكئيب، وتقف العربة لحظة أمام أحد أبراجه الأمامية، وكانت هذه هي الإشارة ~~المتفق عليها، ثم تواصل سيرها، وحين تصل عربتنا إلى هذا المكان نفسه ينزل السائق ويعبث ~~بجل الفرس. # وتبرق عينا والدتي وتلتهبان من شدة الاهتياج وتهمس في آذاننا: «ها هو ذا أبوكما، وتشير ~~إلى نافذة في البرج، وأحاول جهدي أن أرى شيئا، ولكني لا أبصر إلا شبحا أسود خلف إحدى ~~النوافذ ذات القضبان الحديدية يلوح بمنديل، وكان رأس الرجل الذي يشير إلينا حليقا ~~براقا، وتنحدر الدموع على وجنتي والدتي ويصيح كوتيا قائلا: «بابا! بابا!» ثم يصعد السائق ~~إلى مكانه ويضرب جواده بسوطه، فيعدو الجواد، وتنظر أمي إلى ورائها، وتلوح بيديها ما دام ~~في وسعها أن ترى البرج. # ونجد الطالب والفتاة في انتظارنا عند مكان متفق عليه في البستان، ويقبل الطالب يد ~~والدتي، ويحملنا بين ذراعيه القويتين، ويملأ جيوبنا بالحلوى، وكذلك تحنو علينا الفتاة ~~الجميلة حنوا شديدا، وهكذا كان اليوم كله يوما خالدا، بما حواه من أحزان وخطر واهتياج، ~~وكثيرا ما أفكر في ذلك اليوم حين أنفرد بنفسي، وتنتابني المخاوف فأشعر باطمئنان وهدوء لسبب ~~لا أعرفه. # وكثيرا ما قالت بابشكا وهي تشير إلى المصباح القائم في ركن الصورة المقدسة وترسم على ~~جسمها علامة الصليب: إن معجزة من المعجزات هي التي أنجت أبي من الشنق أو النفي إلى ms015 سيبيريا؛ ~~ذلك أن المسجونين الذين ينتظرون حكم الإعدام كانوا يوضعون في ذلك البرج بالذات، ولا يؤذن ~~لهم باستقبال الزوار، ولكن الحكم خفف على أبي لسبب لا نعلمه إلى الحبس مدة غير ~~طويلة. # وكنت وقتئذ أصغر من أن أفكر كيف تستطيع أسرة كرافتشنكو أن تعيش، ورب الأسرة الذي يكسب ~~لها أقواتها في داخل السجن، وخاصة بعد أن زادت شخصا بعد مولد أخي يوجين ، والواقع أن بعض ~~رفاق أبي في القضية الوطنية كانوا يمدوننا ببعض العون، كما أن عددا قليلا من العمال في ~~مصانع السكك الحديد كانوا يأتوننا ببعض الهدايا، وكانت تصل إلينا في بعض الأحيان هدايا من ~~الدجاج والبط والفاكهة والخضر من ألكسندروفسك حيث يسكن جداي لأبي، ولم أر شيئا غير عادي ~~في أن والدتي كانت تعمل على الدوام في خياطة الملابس لغيرها من الناس، حتى في الأوقات التي ~~كانت فيها ملابسنا نحن في حاجة إلى الإصلاح. # وحدث ذات ليلة - وأنا بين الخامسة والسادسة من عمري - أن أرقت ولم أستطع النوم، فتسللت ~~خفية على أطراف أصابع قدمي إلى باب حجرتي وفتحته في حذر شديد، فأبصرت أمي مكبة على ~~الخياطة في ضوء مصباح الكيروسين، وكلما فكرت في أمي الآن بعد طول السنين عادت إلي أحيانا ~~صورتها كما رأيتها في تلك الليلة، يغشاها الضوء بشعرها البراق ووجهها الحزين. # فسألتها: «لم لا تأوين إلى فراشك يا ممشكا؟» # فقالت وهي تبتسم: «لم أتعب بعد من العمل، ولكن لم لم تنم أنت؟ لا بأس تعال إلي يا ~~ولدي؛ لأني أريد أن أتحدث إليك.» # وقطعت الخبز بأسنانها، وألقت بعملها إلى جانبها، وأجلستني في حجرها. # وقالت لي: «إنك ولد طيب ماهر، ولا شك عندي في أنك ستفهم ما أقول، إن لم يكن الآن ففي ~~المستقبل حين تكبر، فاستمع إلي! ليس من السهل أن تطعم كل هذه الأفواه مهما طال عملي ~~بالليل، هذا إلى أن أباك ترسل إليه أشياء من حين إلى حين. # وسيكون الأمر أسهل قليلا يا فيتيا حين تذهب للإقامة مع جدك فيودور بنتليفتش في مدينة ~~ألكسندروفسك، ms016 فهو وجدتك الأخرى وعمتك شورا يحبونك حبا جما، وستذهب من عندهم إلى ~~المدرسة، ونذهب نحن كثيرا لزيارتك، وستأتي إلينا غدا عمتك شورا لتأخذك معها، والآن اذهب ~~إلى فراشك.» # وأبعدتني عن حجرها بغلظة، ولكني عرفت وقتئذ أنها تبكي. # وكانت ألكسندروفسك - التي سموها زبرزهي بعد الثورة - بلدة نظيفة هادئة من بلاد الريف، ~~تجري الحياة فيها مطمئنة، وكأنها ستجري مطمئنة أبد الدهر، بين نهر الدنيبر المتسع الصافي ~~الماء والغابات الكثيفة القريبة منها، وكانت حياة هذه البلدة لا تزال وثيقة الصلة بالتربة ~~الأوكرانية وإن أقيمت فيها بضعة مصانع من الآجر والقرميد، وبضعة مصاهر للمعادن، وقليل من ~~الأعمال الصناعية الأخرى في بدايتها، وكان في معظم بيوتها حدائق تنتج الخضر للأسواق، ~~وبساتين كثيرة منزرعة، وكانت كل ذراع منها، كالمكان الذي أصبح الآن مركز حياتي الجديدة، تعج ~~بالدجاج والبط والإوز والخنازير. # وبدا هذا المكان في عيني غلام نشط في السادسة من عمره، قضى حياته السابقة في مدينة ~~إيكترنوسلاف الكبيرة، بدا هذا المكان مثيرا لعواطفه طوال إقامته فيه، وكان عطر التوابل ~~يفوح شذاه من حوانيت البذور، وكان أي عطر منها كفيلا بأن ينسيني حنيني إلى مسقط رأسي، وكنت ~~أقضي بعض الوقت أرقب الشرر يتطاير من حوانيت الحدادين، أو أشاهد الرجال والنساء يكدحون حول ~~قمائن الآجر التي ينبعث منها الدخان. # وكان الشارع الرئيسي في البلدة يموج في أيام الأسواق بعربات النقل التي يمتلكها الزراع، ~~وبالرجال يرتدون ملابس ملونة أو جلود الضأن، وبالنساء في أثواب فضفاضة كالتي تلبسها الدمى ~~في بلدنا، وأبناء القرويين الحفاة ينظرون إلينا نحن أبناء الحضر على استحياء، وكانت تقوم ~~على أطراف ألكسندروفسك ضياع الخضر الواسعة التي يمتلكها البلغاريون، ومن وراء هذه الضياع ~~تمتد الأدغال التي ينشر فيها الغجر عربات نقلهم الزاهية المزخرفة، وينصبون فيها خيامهم، ~~ويوقدون فيها نيران معسكراتهم في الليالي الطوال. # ولم يكن أهل ألكسندروفسك من ذوي الثراء الواسع أو الفقر المدقع، وإن يكن فيها أسر قليلة ~~تعيش بالتسول وأسر قليلة أخرى موسرة كأسرة شتشيكتهين التي كانت تقيم في قصر كسي بالقرميد ~~الأحمر، وكان في ms017 المدينة داران للخيالة تفخر بهما على كثير من المدن، وكان شيوخ الزراع إذا ~~رأوا الأشباح تقفز على الشاشة لأول مرة يرسمون الصليب على صدورهم ليتقوا أذى هذه الشياطين، ~~وأقبلت على البلدة من كيف أو أودسا في الخمس السنين التي أقمتها فيها فرقة من الممثلين ~~لتقضي فيها أسبوعا تمثل فيه بعض المسرحيات، ولكن أكثر من كنت أشاهدهم فيها هم المشعوذون ~~واللاعبون على الحبال وغيرهم من ذوي الملامح الأجنبية، ومعهم الدببة اللاعبة، وكثيرا ما ~~كان هؤلاء يجتذبون الجماهير إلى البستان. # وكان آل كرافتشنكو يعيشون عيشة بسيطة ولكنها خالية من الضنك من معاش وسط يكمله أجر بيتين ~~من بيوتهم الثلاثة الصغيرة، وكانت هذه الأسرة تتألف من جدي فيودور بنتليفتش وجدتي نتاليا ~~مكسمفنا، ومن شورا التي أنجباها في شيخوختهما، وكانت الأسرة تحصل فوق هذا على قليل من المال ~~في كل شهر نظير ما تمد به الجيران من الماء؛ ذلك أن أولئك الجيران كانوا يلقون من آن إلى ~~آن قطعة من النقود الصغيرة في ثقب صندوق حديدي نظير أخذهم الماء من الفناء الخلفي ~~لمنزلنا. # وكان جدي يحتفظ بمفتاح الصندوق، ولكن عمتي شورا حذقت بطول المران طريقة إخراج النقود ~~الصغيرة منه لتؤدي بها ما لم يحسب حسابه من النفقات، دون أن يعلم بذلك والدها رغم شدته ~~وحرصه، وسرعان ما شاركها في هذا السر ابن أخيها القادم من إيكترنوسلاف، وأحس بما تقترفه ~~عمته من إثم، ولكن إحساسه هذا لم يكن من القوة بحيث يحول بينه وبين قسطه من الغنيمة، وكنت ~~أتقاضى منها ثلاث كوبكات # 1 # كل أسبوع نظير معاونتي إياها في مسح البلاط، وهو قدر يكفي ثمن تذكرة لدار ~~الخيالة ولشراء قطعة من الحلوى، وكانت تحبوني بقدر آخر من النقود في كل أسبوع نظير ابتعادي ~~عنها إذا زارها خطيبها. # وكان بستاننا الضيق الرقعة وحديقتنا يمداننا بالخضر الطرية والمجففة، وبالفاكهة والبطيخ ~~طوال العام، وبطائفة أخرى من المربيات الفتانة المختلفة الأنواع التي كانت بابشكا تفخر بها ~~عن جدارة، وإن أنس لا أنس فصل عمل المربيات، فأنا أذكر على الدوام ms018 الأواني النحاسية تفيض ~~على جانبها عصارة الفاكهة، وعبير السكر المغلي، والليالي العجيبة التي كنا نظل نجمع فيها ~~الكرز حتى تتخضب أيدينا بالحمرة الداكنة. # وكان فيودور بنتليفتش في نحو الثمانين من عمره حين جئته لأقيم معه، وكان رجلا متوسط ~~القامة قوي البنية عريض المنكبين معجبا بنفسه، ذا لحية صافية البياض وبطن كبير، وقد اشترك ~~في الحرب التركية الروسية التي دارت رحاها في عام 1878م بقيادة شبليف، وظل بعدئذ في الخدمة ~~عدة سنين تقاعد بعدها وهو برتبة ضابط صف، أما نتاليا مكسمفنا فكانت تصغر زوجها باثني عشر ~~عاما، وكانت سيدة عجوزا وديعة أنيقة البزة، ذات عينين صافيتين براقتين، حلوة الفكاهة، إذا ~~نطقت بفكاهاتها تركت جدي في حيرة من أمره، وكانت تعاملنا جميعا، ومن بيننا زوجها نفسه، ~~كأننا أطفال في حاجة إلى التدليل والتهدئة. # وكان يسر فيودور بنتليفتش في ليالي الشتاء الطويلة، ونحن نستمع إلى طقطقة الكتل الخشبية ~~في الأتون الضخم المطلي بالجير الأبيض، ونشهد لهيبها يخرج من بابه المفتوح، ويرسم صورا ~~عجيبة على الأرض، كان يسر فيودور بنتليفتش أن يقص علينا قصص الأتراك والأكراد والوقائع ~~الحربية والهجمات المفاجئة، وكان إذا حضر المجلس أصحاب له طاعنون في السن ينطلق يحدثهم عن ~~أعمال الجرأة التي كان «الأب الصغير» # 2 # نفسه في سان بطرسبرج البعيدة ينزل من عليائه فيلحظها بعنايته، وكانت هذه ~~الأعمال المجيدة تزداد غرابة كلما أعيدت قصتها. # وكانت بابشكا تقول في تهكم وازدراء: «ألا ما أعجب هذه الأعمال! ما أعجب ركوب الخيل وفتل ~~الشوارب وإطلاق النار على الأتراك! كأن هذه أعمال تحتاج إلى شيء من العقل.» # وكان فيودور بنتليفتش في أيام المواسم والآحاد يرتدي حلته الرسمية، وهي حلة زرقاء اللون ~~براقة، ذات أزرار نحاسية لامعة، وإطار أبيض حول طرفي سراويل الركوب الواسعة النازلة في ~~حذاءيه المرتفعين، وكان من عادته أن يمسح حذاءيه هذين حتى يصبحا كالمرآتين، ويصف الأوسمة ~~والصلبان على صدره، وينشر لحيته من فوقها كما ينشر العلم، فإذا ما جمل نفسه على هذا ~~النحو أمسك بيدي الصغيرة في كفه الجاسية وسار بي ms019 إلى الكنيسة، ولم يكن في ألكسندروفسك ~~كلها غلام أكثر مني إعجابا بنفسه، وكان يخيل إلي أن من حقه على أهل ذلك البلد - وهم ~~أقل منه شأنا - أن يخلعوا قبعاتهم تعظيما له ويسألوه عن صحة بابشكا. # ولم يكن فخر الجد بحفيده أقل من فخر الحفيد نفسه بجده، وإن لم تكن القيود الشديدة التي ~~فرضها على نفسه مما يجيز له أن يبالغ في إظهار هذه العواطف، فلم يكن ينطق بأكثر من قوله: ~~«إنه ولد أبيه أندراي.» يقولها عرضا ولكنه عرض مقصود متصنع، ولم يكن خافيا على أحد أن ~~أندراي ولد جدي البكر كان نزيل السجن، أو بعبارة أدق: كان حليف السجن، ولكن جيراننا لم ~~يكونوا يذكرون هذا الأمر قط في حضرة جدي، وكان هو يرى أن هذه إحدى البلايا التي يمتحن بها ~~الله عباده المتقين، وكان فيودور بنتليفتش يحب ولده أندراي، بل كان يعجب به إعجابا، وكل ما ~~في الأمر أنه لم يكن يستطيع التوفيق بين حكمة أبي «والدم الزكي» الذي يجري في عروقه، وبين ~~سخطه على القيصر، وكان يعزو هذا بطريقة غامضة إلى دراسة الكتب، وإلى انحطاط الروح الحربية ~~في الروسيا انحطاطا يحزنه ويأسف له. # وكان يسره أن يقول على الدوام: «لقد كنت طوال حياتي جنديا شجاعا، وسأقضي حياتي كلها ~~وأنا جندي شجاع، أؤدي واجبي وأعبد ربي ولا أشكو شيئا، وماذا يريد أندراي؟ ألا لعنة الله ~~علي إن كنت أعرف!» # وكانت جدتي وشورا تعرفان أن هذا القول يؤلمني؛ ولذلك كانتا تعملان على إسكاته، وتقولان ~~له: إن أندراي رجل متعلم، يعرف العالم على حقيقته، ولا يقتصر علمه على الأتراك ~~والأكراد. # وكان فيودور بنتليفتش يقول وهو مكتئب حزين: «قد يكون هذا صحيحا، قد يكون هذا صحيحا.» ثم ~~يضيف إلى قوله هذا تلك العبارة التي يبغي بها مجاملتي: «نعم، إن أندراي نزيل السجن، ولكنه ~~لم يسجن لأنه سرق أو قتل، إنه سجين سياسي، وما أعظم الفرق بين هذا وذينك.» # وكنت أتلقى من والدتي رسائل تحتوى على الدوام نتفا من الأخبار عن أبي، وكانت عمتي ms020 شورا ~~تقرأ هذه الرسائل بصوت عال قبل أن أعرف أنا القراءة، وكان يحدث أحيانا أن ينسى فيودور ~~بنتليفتش نفسه، فيفوه بألفاظ شديدة قاسية طعنا على ابنه العنيد، وحدث في إحدى هذه المرات ~~أن ثرت ثورة عنيفة صرخت في أثنائها صرخة قوية، وعضضت وأنا في سورة الغضب يد جدي ولكنه لم ~~يضربني بالسوط كما كنت أتوقع، بل أخذ يهدئ من روعي، ويضمني بحنان إلى صدره، ويقول إنه يسره ~~أن أدافع عن أبي و«إن هذا دمي يجري في عروقك، فنحن آل كرافتشنكو قوم أوفياء.» # وكنت بين الفينة والفينة أقضي عطلة آخر الأسبوع عند صديق من أصدقاء أبي، وهو رجل يعمل في ~~صناعة المعادن كنت أدعوه عمي متيا، وكأني وأنا في بيته كنت أقضي الوقت مع أبي نفسه، بل إنه ~~يفضله بما يبعثه من المتعة والحماسة وجودي مع ثلاث بنات صغيرات حسان خبيثات، وقد كبرن كلهن ~~وأصبحن من أجمل النساء وأحبهن إلي، وكانت صلاتي بهن في مستقبل أيامي لا تقل عن صلاتي ~~بأقاربي من دمي ولحمي. # وكان العم متيا يتحدث عن الحرية والعدالة، وعن ميلاد عالم جديد، كما كان يتحدث أبي عنها، ~~وكثيرا ما كان يقرأ علينا موضوعات من مؤلفات هرزل وجوركي وتولستوي من صحائف ثنيت ~~أطرافها، يقرؤها على مهل وبصوت ينم عن الإيمان والتقوى، شبيه بصوت جدي وهو يقرأ الكتاب ~~المقدس، لكن أكثر ما كنت أحبه هو أن يوقظني عمي متيا قبل الفجر لنذهب سويا إلى الصيد، ~~فكنا نقضي اليوم في الغابات في جهد متواصل ثم نعود وأنا أحمل على كتفي بندقيته وكيسا ~~مملوءة بالأرانب والدجاج البري وأفاخر بها كأني أنا الذي صدتها. # أما جدي فكان يحب صيد السمك، فكان نهر الدنيبر بيته الثاني، يقضي فيه كثيرا من وقته، ~~وبينا كان قارب الصيد يطفو فوق ماء النهر الهادئ، وبينا كنا نترقب ابتلاع السمك للشص، كان ~~هو يعيد على سمعي قصصه المحبوبة عن الأتراك الذين قتلوا بالألوف، وعن الروس وبخاصة ~~الأوكرانيين والقوزاق الذين كانوا يعودون على الدوام بجر الحقائب بالأسلاب، محلاة صدورهم ~~بأوسمة ms021 الشرف، وكانت قصصه تزداد حماسة وإثارة لشعوري؛ لأن زوجته لم تكن إلى جانبه تكبح ~~بفكاهتها جماح خياله. # فإذا علت الشمس في كبد السماء شددنا القارب إلى أيكة من الأشجار على شاطئ النهر وخلعنا ~~ملابسنا وأخذنا نسبح في الماء نضربه بأيدينا وأرجلنا، ووجوهنا تطفح بالبشر، ولا نكاد نذكر ~~أن بيني وبين جدي ما يقرب من ثلاثة أرباع قرن، فإذا حل بنا التعب وعضنا الجوع، عدنا إلى ~~البيت ممتلئين نشاطا وقوة، نحمل صيد اليوم، فتأخذ جدتي نتاليا مكسمفنا بعضه لتقليه في فناء ~~الدار، وكان ذلك الصيد يكفينا ويكفي بعض الأصدقاء الأعزاء، وتبقى منه بقية لليوم الثاني ~~تطهيها جدتي وتصنع منها ذلك الصنف الذي انفردت هي بطهيه دون سائر النساء. # وكنا نحن آل كرافتشنكو نعيش في ألكسندروفسك معيشة شبه عسكرية لا يخفف من حدتها إلا رقة ~~بابشكا المدنية، ولم يكن العمل الذي يقوم به زوجها مجرد ضرورة تحتمها الظروف، بل كان فوق ~~هذا واجبا تأمره نفسه بأدائه، ولا يفترق في شيء عن أداء الصلاة وإضاءة المصباح طول الليل ~~تحت الصورة المقدسة، والتصدق على السائلين. وكنا نأوي إلى فراشنا مبكرين، ونستيقظ وشروق ~~الشمس؛ لنعمل في الحديقة وفي البستان ومع الماشية، وحتى في أيام الدراسة لم أكن أعفى من ~~هذه الأعمال، فقد كان يطلب إلي أن أقوم بنصيبي منها قبل الفطور، وأما الدروس فلم تكن ~~القواعد التي رسمها جدي تعدها عملا حقا مهما بذلت فيها من جهد، وكان يدربني على الاغتسال ~~والاستحمام بالماء البارد في الهواء الطلق مهما تكن حالة الجو، كما يجب أن «يفعل الرجال ~~والجنود»، ويعلمني أن أتحمل الألم دون شكوى أو تذمر، كما عودني من صغري ألا أتأثر بالحر ~~أو البرد. # وكانت المرة الوحيدة التي عاقبني فيها جدي حين ذهبت وحدي في السابعة أو الثامنة من عمري ~~إلى حلاق يقص لي ضفائر شعري، وكانت كوبيكات شورا هي التي أمكنتني من أن أثبت رجولتي بهذه ~~الطريقة قبل أن يحل أوانها، وعدت إلى المنزل والعطور القوية تفوح من رأسي، وألقى علي ~~جدي نظرة استشاط ms022 على أثرها غضبا، وكان العقاب الذي حل بي مناسبا لما ارتكبت من جرم، فقد ~~جاء جدي بمقص من مقصات الضأن، وأخذ يفسد به ما صنعه الحلاق، على مرأى من جيرتي ورفاقي، ثم ~~جاء بعدئذ بالماء والصابون وغسل بهما قحف رأسي المشوه ليمحو منه الروائح الخليقة ~~بالبنات. # واتخذت لنفسي في المدرسة عدة أصدقاء ظلت صداقتي لكثيرين منهم قائمة إلى أيام كهولتي، وهو ~~أمر يدعو إلى الدهشة في بلادنا وفي أيامنا هذه، وكانت أوقات الدراسة طويلة يعقبها في معظم ~~الأيام واجبات نؤديها في منازلنا، وكانت العقوبات البدنية التي توقع علينا لتأخرنا وعدم ~~التفاتنا للدرس من الأمور العادية، وكانت تعد من العناصر الضرورية التي لا غنى عنها في ~~تربية الأولاد. # وكنت لحسن الحظ سريع الحفظ، ولم يكن يضايقني إلا دروس الدين التي يلقيها علينا الأب مكسيم ~~العجوز ويتمتم بها من بين لحيته، كان يطلب إلينا أن نحفظ عن ظهر قلب أدعية طويلة لا نفقه ~~لها معنى باللغة السلافونية القديمة، فإذا عجزنا عن أن نعيدها، وهو ما كان يحدث لنا كلنا ~~تقريبا، عوقبنا على هذا عقابا صارما، وكان الذي يحدث وقتئذ أن يأتي كوزيا تلميذ الأب ~~مكسيم المقرب إليه، والذي شوهت آثار الجدري وجهه، بعصا أعدها لهذا الغرض، ثم يركع ~~المجرمون صفا ويأخذ كوزيا يجلدهم بالعصا على أعجازهم، والقسيس في هذه الأثناء يعد ~~الضربات، وما من شك في أن الأب مكسيم كان يرى في هذا إصلاحا لأرواحنا، وإن لم نفد منه أقل ~~فائدة في تعليم اللغة السلافونية، وكان الذي يحدث على الدوام بطبيعة الحال أن نكمن لكوزيا ~~في الطريق بعد خروجنا من المدرسة ونكيل له الصاع صاعين، وكان هذا أيضا جزءا لا يتجزأ من ~~منهج تعليمنا. # وكان ثمة هدف آخر نوجه إليه ضروب قسوتنا وهو الشاب شتشيكتهين ابن أغنى إنسان في البلدة ~~ووارثه، ولم يكن نك هذا يأتي إلى المدرسة كما نأتي إليها نحن مشيا على الأقدام مسافات ~~طويلة، بل كان يأتي إليها مستقلا عربة جميلة يحرسه الخدم، وكان يرتدي سترة من المخمل ~~وطوقا ms023 مكويا منشى، وحذاءين ذوي أزرار براقة، وكان يسره فضلا عن هذا أن يصلصل بالنقود في ~~جيبه، وكنا نحن نرى أن هذه جرائم لا يصح أن ينجو مقترفها من العقاب، على أنه كان يسعه ~~أحيانا أن يرشونا بالنقود والحلوى فنتركه وشأنه، ولكني لا أنكر أننا كثيرا ما كنا نقبل ~~منه الرشوة ثم نضربه على عمله ضربا شديدا. # وكنا على الرغم من شدة نظام المدرسة نلعب الهوكي ونرتكب الكثير من عبث الطفولة، وأذكر أني ~~أنا ورفيقا لي اعتزمنا أن نغير على مزرعة للخضر في طرف المدينة، أذكر هذه الغارة أكثر مما ~~أذكر أية مأساة حقة أصابتني في مستقبل حياتي، ولم نكد نملأ جيوبنا بالخيار الصغير ونتذوق ~~البطيخ الحلو حتى داهمنا البلغاري الضخم، ولكنه لم يضربنا بل استعاض عن الضرب بمحاضرة ~~ألقاها علينا عن ضرر السرقة، ثم أمرنا أن نخلع سروالينا، وأعطى كلا منا حفنة من الخيار، ~~وأخلى سبيلنا وتركنا نعود من حيث جئنا من غير سروالين. # وانتظرنا عدة ساعات حتى جن الليل، فلما أظلمت الدنيا عدنا إلى بيتينا على هذه الحالة ~~غير المشرفة بطرق ملتوية حتى لا يلتقي بنا أحد، وظل ما لحقنا من العار بسبب هذا العمل ~~يلازمنا وقتا طويلا، وكان ما لقيناه من الألم بسبب السخرية التي أثارتها هذه الحادثة في ~~المدينة أشد من كل ما كان يحدث لنا لو أن الرجل ألهب جلدنا بالعصي أو السياط. # وليس في وسعي أن أذكر الآن ما كنا نجلبه من البؤس والشقاء على المتكبرين المتغطرسين من ~~المدرسين دون أن تصتك ركبتاي ويرتجف سائر جسمي من هول ما كنا نعمل، ولكن أفريشيف مدرس اللغة ~~الروسية البائس الرقيق الحال ذا المنظارين، كان ينجو من عنتنا وعبثنا، ويكاد هذا الرجل أن ~~يكون نموذجا متقدما لرجال الفكر الروس، فكان يتصف بالشدة والنزعة الشعرية والثرثرة وبعض ~~المسكنة، وكانت عيناه غائرتين تبدو فيهما سمات التعصب، وكانت دروسه في الأدب الروسي تثير ~~مشاعرنا جميعا، لا يستثنى منا الأولاد الصغار، وقد علمت بعد سنين من ذلك الوقت في أثناء ~~زيارة لزبرزهي ms024 أن أفريشيف قتل في أثناء الثورة. # وكان صغار الأولاد من أبناء الأسر الكريمة ينهون عن الاختلاط بالغجر، ولكني كنت رغم هذا ~~كثير الاختلاط بهم، فقد اتخذت لي صديقا منهم، وهو صبي يدعى سيدمان، وكانت نتيجة هذه ~~الصداقة أن أصبحت وكأني من أفراد تلك العشيرة، وحدث مرة ونحن ننزلق على ماء نهر الدنيبر ~~المتجمد أن هوى الجليد فجأة تحت قدمي، فما كان من سيدمان إلا أن غاص في الماء الثلجي ~~وانتشلني، وقوى هذا الحادث ما كان بيننا من صداقة. # وكثيرا ما كنت أغادر البيت وأذهب إلى معسكر الغجر لأعذار أنتحلها، وكنت في هذه الزيارات ~~أجلس إلى جوار نارهم، أصطليها معهم، وأصغي إلى قصصهم الشعبي، وأرقب أساليب أولئك القوم ~~الأوداء الذين لا تفارقهم البهجة والمرح، وأنا مسرور بوجودي بينهم مفتتن بأساليبهم، وكانت ~~نساء الغجر ينبئنني بمستقبلي نظير كوبك أو كوبكين أنقدهن إياهما، كن على الدوام يتنبأن لي ~~بأني سأصبح رجلا سريا جميل المحيا ذائع الصيت، وأن حياتي ستكون حياة منعمة في جنان ~~الخلد المرصعة بالجواهر، تجري فيها أنهار من عسل مصفى، وتشاركني فيها غادة حسناء شقراء ~~اللون حينا، وسمراء حينا آخر. # وكان عرس هام سيحتفل به في معسكر الغجر في وقت قريب، وأخذوا يستعدون له في معسكرهم قبل ~~يوم الزفاف بعدة أسابيع، وألح علي سيدمان أن أشهده، وصادف ذلك هوى في نفسي، فقد كنت شديد ~~الحرص على حضوره، ولكن كيف السبيل إلى مغادرة المنزل في ليلة العرس؟ ولما أعيتني الحيل ~~أفضيت بالسر إلى جدي، فغضب في أول الأمر، ولما أن نبأته كيف أنقذ سيدمان حياتي سمت دواعي ~~النجدة والمروءة فوق الترفع العنصري، فلم يكتف بالإذن لي بالذهاب، بل رضي أن يرافقني ~~بنفسه. # وارتدى جدي حلته الرسمية في هذه المناسبة، ومشط لحيته حتى جعلها أوسع مما كانت عادة، ~~وجاء معه ببضع هدايا جعلته ضيفا مكرما في الحفل، وزاد ذلك من قدري في أعين الغجر، وكانوا ~~كلهم صغارهم وكبارهم قد ارتدوا أبهى حللهم وازينوا بكل ما لديهم من حلى براقة، وأخذوا ~~يعزفون على آلات ms025 الطرب من كمان وقيثارة حتى ذهب من الليل أكثره، وكان لهذا الحفل أعظم الأثر ~~في نفسي، وجعلني طوال حياتي المقبلة أرثي لمن حرموا لذة الاستمتاع بحياة الغجر. # واندلعت نيران الحرب العالمية الأولى وأنا أجتاز السنة التاسعة من عمري، وأصبحت الحياة ~~فجأة ثائرة مضطربة، كلها جنود وخطب ودموع ومجد، وأحسست كأن الوجود كله قد استحال إلى يوم ~~عيد أبدي لا ينصرم، ونسي معلمونا دروسهم وأخذوا بدلا منها يشيدون بذكر الوطنية، أخذوا كلهم ~~يشيدون بذكرها عدا أفريشيف، وقادنا الأب مكسيم إلى الصلاة؛ لندعو الله دعاء حارا أن ~~ينصرنا على الأعداء، وأخذت النساء يبكين ويضربن أكفهن حين رأين الأبناء والأزواج يؤخذون إلى ~~ميدان القتال. # وبكت بابشكا أيضا مشاركة لهؤلاء النسوة في عواطفهن، أما جدي فكأنه خلق خلقا جديدا، ~~فقد أصبح جسمه أكثر مما كان اعتدالا، وأضحت أوامره لأسرته أكثر انطباقا على قواعد ~~الجندية، وكان يرتدي حلته الموجهة # 3 # الزرقاء-البيضاء في كل يوم تقريبا، وكان يخيل إليه أن كل أسبوع يمر ولا تقوم ~~فيه مظاهرة لتأييد الحرب أسبوع ضائع، وكان من أقواله المأثورة: «وا أسفاه! لو أن القائد ~~اسكبليف لم يمت لألقى على الألمان درسا لا ينسونه أبدا، إن الأتراك أنفسهم لم يستطيعوا أن ~~يصمدوا له!» # وطرق الباب طارق في يوم من أيام شهر أغسطس سنة 1914م على أثر عودتي أنا وجدي من رحلة لصيد ~~السمك؛ وذهبت بابشكا لتفتح الباب وسمعناها نحن تصيح صيحة مضطربة تكاد الدموع تخنقها: ~~«أندروشا! انظروا أيها الأطفال، ها هو ذا أندروشا نفسه!» # أجل، لقد كان أبي حقا، وكان أنيق الملبس، ولما أن خلع قبعته السوداء رأيت شعره مرجلا ~~إلى الوراء على الطراز الحديث، وقد سوى لحيته فأصبحت كلحية الطبيب لا لحية الصانع، وكانت ~~أقل سوادا من شعر رأسه، وبدا لي أنه أقصر قامة وأقل بهجة من الصورة التي احتفظت له بها في ~~ذاكرتي، ولكنه كان إلى هذا أسهل منالا مني وأقرب إلى الآباء مما كان قبل، وسرني ذلك كل ~~السرور، وأخذني أولا بيديه، وأمسكني على قيد ذراع منه، وأحدق ms026 بصره في وجهي وهو عابس، ولعله ~~بذلك كان يختبرني، ولعلي نجحت في الاختبار، فلقد رفعني بيديه وأخذ يعانقني ويشهد العالم كله ~~على أن ولده كان يشب قوي الجسم وسيم الوجه، وكان من حوله ينظرون إلينا والغبطة بادية على ~~وجوههم كأني كنت من صنع أيديهم. # وكان سبب مجيئه أن القيصر أصدر عفوا عمن ارتكبوا جرائم سياسية من أنواع معينة، وكان من ~~بينهم أبي لحسن الحظ؛ فلما أطلق سراحه جاء ليرى أبويه وولده، واغتبط فيودور بنتليفتش وتاه ~~عجبا بهذه الزيارة؛ وكانت غبطته حقيقية لا تصنع فيها، ولكنا لم نكد نجلس لتناول العشاء ~~حتى عاد غضبه القديم على ولده الذي سبب للأسرة كثيرا من العناء، وطغى هذا الغضب على كل ~~ما عداه. # وشرب جدي كوبا من الماء البارد، ورسم إشارة الصليب على صدره ثم بدأ يتناول الطعام، وكان ~~هذا إيذانا لنا جميعا بأن نمد ملاعقنا إلى طبق السمك، وأخذنا نتحدث، واستطاع جدي أن يمسك ~~لسانه برهة قصيرة يصغي فيها إلى أنباء الأسرة التي كان يلقيها أفرادها بالتناوب، ثم انطلق ~~أخيرا يتحدث ويصارحنا برأيه فقال: «بالله قل لي يا أندراي، ما الداعي إلى هذا السخف كله؟ ~~ولم تظل نزيل السجون كالمجرمين؟ أي شيء تريد؟ ألا تشعر بأن عليك واجبا لزوجك ~~وأبنائك؟» # وأصغى أبي إلى هذا القول وهو صابر، ثم تجهم وجهه وأبرقت عيناه، ونفذت ألفاظه إلى قلبي، ~~وزادها قوة على قوتها ما كان يصحبها من جد وحماسة، قال: «سأحدثك عما أريده يا أبي، وأرجو أن ~~تفهم قولي؛ لأني أعرف فيك أصالة الرأي وأقدرها، إني أريد أن يعيش الناس أحرارا سعداء، ~~وأريد أن يعيش الناس جميعا كما يجب أن يعيش الآدميون، وأريد أن أقضي على الاستبداد السياسي ~~والاستعباد الاقتصادي، وثق يا أبي أني أتألم أشد الألم لما يقاسيه أبنائي الأعزاء، ولكن هذه ~~الآلام التي يقاسيها جيل واحد ستجعل الأجيال المقبلة أعظم سعادة وأكثر مدنية من هذا ~~الجيل. # لست أشك في أنك يا أبت ستفهم قولي هذا؛ لأنك رجل قوي الإيمان، توقد الشموع تكريما ~~للشهداء والقديسين، ms027 فهل كان هؤلاء يسمحون لأزواجهم وأبنائهم أن يؤثروا فيهم، فيشتروا ~~الضلالة بالهدى والرذيلة بالفضيلة؟ إن روسيا بلادنا المحبوبة تعيش في ظلام حالك، يستغل ~~أبناؤها ويعمهون في ظلمات الجهالة، ولكن في وسعها أن تخرج من الظلمات إلى النور، ولا يكون ~~فيها سادة وعبيد.» # وكان يتجه بحديثه إلى أبيه، ولكني كنت أحس أن ألفاظه موجهة إلي، فيقشعر لها بدني كما ~~كان يقشعر لصوت القس في وقت الصلاة . # وختم أبي حديثه بأن قال وهو يحدق بعينيه في وجهي: «أما أبنائي فإنا نعمل لسعادتهم وسعادة ~~جميع الأطفال في هذه البلاد ونسفك دماءنا لنحقق لهم هذه السعادة.» # وفكر جدي طويلا ثم قال: «ليس فيما تقوله شيء تلام عليه، ولكن فيه كثيرا مما يحيرني، لقد ~~ظللت طول حياتي أخدم القيصر، كما كان يخدمه أبي وجدي من قبلي، ولكنك يا أندراي تختلف عني ~~وعنهم، إنك تنظر إلى الأمور بغير العين التي ننظر نحن بها إليها، وكأنك تنظر إليها من ~~تحتها، فليسامحك الله يا ولدي إن كنت مخطئا، أما وأنت تعتقد مخلصا في عدالة قضيتك فلتعمل ~~بما يمليه عليك إيمانك، وسأبذل أنا كل ما أوتيت من جهد لأعول أبناءك ما دمت حيا.» # وظلت ألفاظ أبي زمنا طويلا تتردد أصداؤها في عقلي قبل أن أستغرق في نومي تلك ~~الليلة. # وخرجنا في صباح اليوم الثاني في مظاهرة وطنية، اصطفت فيها الجماهير وصدحت الموسيقى، وخرج ~~القساوسة في ملابسهم الفضفاضة يباركون الشعب، وأخذ الباعة الجائلون يبيعون المثلجات والشراب ~~المحلى والفطائر المحشوة باللحوم؛ ولكن أبي ما لبث أن أمسك بيدي وقادني إلى دكة في بستان، ~~جلسنا عليها نأكل المثلجات ونتجاذب أطراف الحديث. # وقال لي: «ها نحن أولاء يا ولدي نلتقي مرة أخرى، فهل تذكر يوم جئت أنت وأمك وقنسطنطين إلى ~~السجن، فأشرت إليكم بيدي من برج الموت؟» # وأخذ يحدثني عن الحياة في السجن، وخيل إلي من وصفه إياها أنها حياة عظيمة فيها ~~العذاب، ولكن الألفة والزمالة والتضحية في سبيل المبدأ العظيم تبدله وتخرج به عن ~~طبيعته. ~~«وأريد منك يا بني أن تذكر هذه ms028 الأشياء وألا تنساها ما حييت، لا تنس قط حقيقة أمرك، وكن ~~على الدوام مخلصا صادق الدفاع عن الحرية؛ ذلك أن الحياة بلا حرية هي الفناء بعينه، ومهما ~~يكن من أمري فإن عليك أن تواصل الدرس والعمل والكفاح بكل ما تستطيع من وسائل في سبيل المثل ~~الأعلى، فإما أن نكون خنازير نضع أنوفنا في الوحل، وإما أن نكون آدميين نرفع رءوسنا إلى ~~السماء، فإذا كنا آدميين فليس في مقدورنا أن نكون عبيدا أذلاء، وإذا سقطت أنا ورفاقي في ~~ميدان الجهاد فسيحل محلنا فيه أبناؤنا من بعدنا.» # وسافر في تلك الليلة نفسها إلى إيكترنوسلاف بعد أن أهدى إلي بعض الهدايا، ووعدني أن ~~أقضي عيد الميلاد في بيتنا. # وخيل إلي في الأشهر التي أعقبت هذا اللقاء أن الأيام تمضي على مهل، فقد كنت شديد ~~الرغبة في أن أرى أبوي وأخوي، وكتبت إلي والدتي رسائل تفيض بهجة وانشراحا، ومما ~~قالته فيها أنها لم تكن في هذه الأيام تواصل العمل في خياطة الملابس للناس بعد أن عاد أبي ~~إلى العمل، وأنها تقضى وقتها في الكتابة، وأن أحوالنا كلها سارة ممتعة تنسيني أيامنا ~~الماضية، وأن بيتنا قد تبدل حتى لا أكاد أعرفه. # وزادت عواطفنا اهتياجا كلما قرب موعد العطلة والزيارة المرتقبة، وأخذت جدتي تكد في عمل ~~المربيات والفطائر، وذبح الخنزير الكبير الذي كان يسمن لهذا الغرض خاصة، وشغل كل من ~~في الدار أسابيع عدة في سلق اللحم، وتدخين الأفخاذ، وفرم اللحم والخضر وخلطها بالأفاويه ~~وحشوها في الأمعاء، ثم أقبل اليوم العظيم وكدس آل كرافتشنكو ومعهم حقائب ملابسهم وسائر ~~أمتعتهم في عربة أقلتهم إلى محطة السكة الحديدية، وركبت القطار أنا وعمتي شورا، وأخذ من ~~بقي من أفراد الأسرة يلوحون إلينا بأيديهم وهم على الإفريز، وقد غلبتهم عواطفهم فانحدرت ~~الدموع من أعينهم كأننا نغادر البلاد إلى أمريكا. # ولما وصل القطار إلى إيكترنوسلاف وجدنا الأسرة كلها في انتظارنا، وكان استقبالنا مليئا ~~بالقبلات والدموع والصياح؛ وقبل أن نصل إلى منزلنا زال ما كان بيني وبين أخوي من وحشة، ~~فأخذنا كلنا ms029 نتحدث دفعة واحدة ونتحدث عن كل شيء، وظلت أمي طوال الوقت تحدق في وجهي ~~وتردد قولها: «ما أحسن منظرك يا فيتيا! إنك رجل صغير بحق! صحة ونضارة!» # واستحال عشاء عيد الميلاد في تلك الليلة إلى صفحة من سجل أيام الطفولة لا تنمحي صورتها من ~~ذاكرتي، ففي هذه الليلة علت شجرة عيد الميلاد حتى مست السقف وتلألأت كما تتلألأ المنارة ~~الخضراء والذهبية في الكنيسة، وتكدس الطعام والشراب على المائدة، واشترك الأطفال في شرب ~~الأنخاب فشربوها نبيذا حلوا من أقداح زجاجية صغيرة زاهية الألوان. # ورفعت جدتي لأمي - وهي أكبر أفراد الأسرة - القدح الأول وهي تقول: «الحمد لله الذي أنعم ~~علينا بأن نلتقي هنا جميعا أحياء وأصحاء، وأتمنى لكم جميعا يا أبنائي الأعزاء خير ما ~~تتمنونه لأنفسكم.» # ثم قام أبي، وكان كمألوف عادته وقورا بهي الطلعة، ورفع كأسه وقال: «أرجو أن نشرب نخب ~~جميع الذين يجلسون في هذه الليلة بين جدران السجون، وأن ندعو الله أن يحقق ما آمل وما ~~يأملون من حياة خير من هذه الحياة وأسعد منها!» # وهمست بابشكا قائلة: «إن هذا لا يكون في حضرة الأطفال يا أندراي، ولكنها مع ذلك شربت كما ~~شرب غيرها من الحاضرين.» # وقضينا ساعات طوالا ونحن ملتفون حول شجرة عيد الميلاد، نغني الأغاني الشعبية الروسية ~~والأوكرانية مصحوبة بأناشيد ثورية كنشيد المارسييز ونشيد: «لقد سقطتم صرعى أيها الضحايا»، ~~وكان من الشواهد الدالة على ما أصبحت فيه الأسرة من رخاء، حاك جديد ذو بوق ضخم، وأخذ ~~الأطفال يرقصون على نغماته العالية، وغلب النعاس يوجين في أثناء هذا المرح والشراب فأغفى ~~بينما كان أبي يلقي قصيدة في الإشادة بالتضحية والمجد، وبينما كنت أنا الآخر أسخر من سني ~~بوجين السبع وأفخر عليه بسني التسع أخذ الكرى بمعاقد أجفاني واستغرقت أنا أيضا في ~~النوم. # وعدت بعدئذ إلى ألكسندروفسك وعشت فيها ثمانية عشر شهرا أخرى، حتى انقضى عام 1916م ~~الدراسي، وهو الذي انتهى به منهج دراستي الأولية. # وكان إتمامي هذا المنهج حادثا مهما في حياتي، وإن كان الاحتفال به مملا والخطب ms030 التي ~~ألقيت فيه ثقيلة، وكان أول مراسم الاحتفال في هذا اليوم العظيم هو حلق شعري بإذن من ~~أسرتي، وأثار شعري الملتوي ما في الحلاق من ذوق فني فلم أقم من بين يديه إلا بعد أن ازين ~~رأسي أجمل زينة كانت هي إيذانا بدخولي في مرحلة الرجولة، ثم أهدى إلي جدي حلة الطلبة ~~الرسمية ذات السروال الطويل، وتحقق بها حلم طالما تمنيته، وكان يسرني أن أسير في الحادية ~~عشرة من عمري وأن أكون موضع عناية الأسرة جميعها. # وكان فيودور بنتليفتش في حلته الرسمية تحلي صدره والأوسمة البراقة محط الأنظار في حفل ~~التخرج الذي أقيم ظهر ذلك اليوم، فلقد وجهت إليه الأنظار أكثر مما وجهت إلى والد ~~شتشيكتهين نفسه. وارتدت جدتي مئزرها الحريري الأسود الوحيد، وأخذت تخطر في هالة من عطر ~~اللاوند والكافور. وشهدت الحفل عمتي شورا بطبيعة الحال كما شهده عمي متيا. # وكانت مفاجأة أخرى مثيرة تنتظرني في البيت في ذلك المساء؛ ذلك أن عمي بطرس شقيق والدي ~~الأصغر عاد في تلك الليلة بإجازة رسمية من ميدان القتال على غير انتظار، وكان عمي هذا يختلف ~~عن والدي أشد الاختلاف، فقد كان رجلا خلا قلبه من الهموم، محبا للحياة حريصا عليها، حلو ~~الفكاهة كثير المزاح، ولم يحدث بينه وبين والدي شيء من ذلك الاحتكاك الذي أفسد العلاقة بين ~~فيودور بنتليفتش وولده أندراي، وأحسست إحساسا غامضا يشوبه قليل من الغيرة أن بطرس هذا أحب ~~الناس إلى أهل الدار. # ولما أنبئ عمي بطرس بالدرجات التي حصلت عليها في الامتحان النهائي توسل إلي وهو يضحك - ~~ولكنه كان في ضحكه جادا غير هازل - ألا أتخذ والدي المجاهد مثلا لي أحتذيه، بل أن ~~أتخذه هو مثلي الأعلى. # ونادى بأعلى صوته: «تبا لهذه الأعمال، دع العالم يا فيتيا ينجه غيرك مما فيه، وحسبك ~~أن تنجي أنت نفسك، وأقولها لك قالة صريحة: إنك لا تحيا إلا حياة واحدة يجب عليك أن تستمتع ~~بها.» # وأذن لي في الليلة التي اعتزمت العودة فيها إلى بلدي أن أذهب إلى معسكر الغجر لأودع ms031 فيه ~~أصدقائي الكثيرين، وحملت لهم معي بعض الهدايا منها لفة من التبغ لوالد سيدمان، وقصبة ~~تدخين لسيدمان نفسه، وأشرطة زاهية لأخواته، وكان فراقي لهم لا يقل عن فراقي لأسرتي، وعدت في ~~صباح اليوم الثاني إلى مسقط رأسي، وبعد بضعة أشهر من ذلك الوقت دخلت المدرسة العليا، ~~واجتمعت أسرتنا في ذلك الوقت لأول مرة، وكان يوجين وقتئذ تلميذا في المدرسة الأولية، أما ~~قنسطنطين فكان في السنة الثانية من المدرسة الثانوية، وخيل إلينا أن حياتنا أصبحت في آخر ~~الأمر حياة سوية منتظمة، فها هو ذا أبي يكسب في الشهر مبلغا يتراوح بين ثمانين ومائة ~~وعشرين من الروبلات، وهو دخل طيب لعامل مثله، وها هما ولداه قد اجتازا جزءا غير قليل من ~~مراحل التعليم. # وكانت أمي أسعد حالا وأبهى طلعة مما شهدتها من قبل، أما أبي - وهو بطبعه رجل عبوس بعض ~~الشيء - فقد كان وجهه الهادئ يخفي تحته مظاهر القلق؛ ذلك أنه كان أكثر منا جميعا إدراكا ~~للسحب القاتمة المتلبدة في سماء الروسيا والتي تنذرها بعاصفة هوجاء. # الفصل الثالث # | المجد والجوع # تصرم شتاء 1916م وهو ينذر بانهيار القيصرية الروسية، وكان الإحساس بالكارثة الوشيكة ~~الوقوع يسري في كياننا كله. # ذلك أن أمور الحرب كانت تجري على غير ما نشتهي، وازداد سخط الشعب وأصبح أكثر جهرة وأشد ~~إلحاحا، ولم يعد من الأسرار الخفية أن الجنود يفرون من ميدان القتال جماعات، وأن نظام ~~الجيش آخذ في الانهيار، وحتى في إيكترنوسلاف نفسها امتلأ الجو بالشائعات الرهيبة عن راهب ~~مشئوم فاسد السيرة يدعى رسبوتين، وعن الفساد الخلقي في دوائر عليا، وعن الشغب ~~والاضطرابات طلبا للطعام، وعن وجود أنصار للألمان حول القيصرة، ولم يحاول مدرسونا قط كبح ~~جماح كبار التلاميذ، ومنعهم أن يتحدثوا عن الثورة، وأخذ أصدقاء أبي يتهامسون بأصوات خافتة ~~متوترة عن إثارة «الجماهير». # وكان أبي يعمل طوال اليوم في المصنع، وقلما كان يجد بعد الانتهاء من عمله متسعا من الوقت ~~يستريح فيه أو يغتسل أو يأكل، وكثرت الاجتماعات والمناقشات والتقارير يحملها الرسل من ~~بتروغراد أو كيف، وكثيرا ms032 ما كان بيتنا يتخذ في تلك الأيام محطا ينزل فيه الفارون من ~~سيبيريا وغيرها من أقاليم المنفى في أقصى الشمال، وما أكثر ما كنا نحن الأطفال نحجز عن ~~حجرة الاستقبال حيث يجتمع عمال المصانع ذوو الوجوه الكالحة والمفكرون من أهل البلدة ~~يتجادلون ساعات طوالا خلف الأبواب المغلقة. # وذهب والداي في عصر يوم من الأيام ليقابلا صديقا لهما يدعى برامونوف كان قد فر وقتئذ ~~من السجن، وعادا وهما في أشد حالات الاضطراب؛ فقد جاءت والدتي تبكي، وجاء أبي تصطك أسنانه، ~~وكان برامونوف هذا أحد بحارة الطراد بوتمكين الذي كان تمرده وثيق الاتصال بثورة سنة 1905م، ~~ومن أجل ذلك كنا نعده بطلا من أبطال البلاد، وكان إلى هذا إشبين أخي الأصغر، واستطعت فيما ~~بعد أن أجمع شتات الحوادث التي وقعت وأؤلف منها قصة لم تبرح قط من ذاكرتي، بل بقيت فيها ~~رمزا للتضحية. # وكانت خلاصة هذه القصة أن برامونوف وعددا قليلا من أصدقائه اتفقوا فيما بينهم على أن ~~يلتقوا عند ركن في مكان منعزل في حديقة المدينة، ولم يمض على لقائهم بضع دقائق حتى مر بهم ~~جماعة من الأغراب يتظاهرون بأنهم يسيرون في المكان مصادفة، ولكن برامونوف ارتاب في أمرهم ~~وظنهم من رجال الشرطة في ملابس عادية، فبادر بتوديع رفاقه وانطلق بين الأدغال وهو يرجو أن ~~يتسلق سورا من الأسوار ويفر منهم، وسرعان ما سمع أصدقاؤه صوت طلقات مسدس ووجد الهارب ~~بعدها قتيلا. # وكان في وسع أبي رغم مشاغله الكثيرة أن يقضي ليالي كثيرة وبعض أيام الآحاد مع أبنائه ~~الثلاثة، وكنا نقطع الوقت في قراءة مؤلفات هرزن وتولستوي وغيرهما من الكتاب، وكان أبي ~~يختار منها بعض الفقرات ليعلق عليها ويشرح بها آراءه عن تحرير الروس من رق العبودية وعن ~~الحرية البشرية، وكان لآرائه الحماسية - ولعلها كانت أيضا آراء غير صائبة - أعظم الأثر في ~~مشاعري، وكان لها من القوة في نفسي ما للعقائد الدينية. # وانعقدت في ذلك الوقت أيضا بيني وبين زميل لي في المدرسة يدعى أسبيريدونوف أواصر ~~صداقة قوية، وكان ذلك الشاب ms033 ابن أحد مدرسي المدرسة الثانوية، وكنت أقضي كثيرا من الوقت ~~في داره، وفي بيت هذا الصديق عرفت لأول مرة أسرة مثقفة كان الأدب والموسيقى والمسرح لديها ~~حقائق واقعية أعظم شأنا من الخبز ومن العمل، وكان والد أسبيريدونوف يوجه نهمنا في القراءة ~~إلى آفاق واسعة لا تقتصر على روائع الأدب الروسي، بل تشمل كذلك مؤلفات شيكسبير وجوت وأناتول ~~فرانس ونت همسن وهوجو وفلوبير وزولا ودكنز. # وإذا عدت الآن بذاكرتي إلى تلك الأيام الخالية أدهشني حقا مقدار ما قرأت وتنوع ما قرأت ~~في تلك الأيام التي ازدهرت فيها حياتي الذهنية، وامتزج جمال هذه الكتب بأماني أبي العالية ~~حتى أضحت بطريقة ما عنصرا من عناصر الثورة التي كانت تكتسح في طريقها غلاما مثلي في ~~الحادية عشرة من عمره، وخيل إلي وقتئذ أن الثغرة التي تفصل الأدب عن الحقائق ~~الواقعية، والألفاظ عن الأعمال، قد أخذت تسد، وأنها عما قليل لن يبقى لها أثر. # وهبت العاصفة التي تجمعت نذرها من زمن بعيد في الأسابيع الأخيرة من شهر فبراير سنة 1917م ~~(في أوائل مارس بالحساب الغربي)، ودهش الناس كلهم وتحيروا في أمرهم حتى الذين كانوا منهم ~~أكثر الناس ثقة بهبوبها، فقد أصبحت كلمة الثورة ينطق بها الآن جهرة وتجري على كل لسان، ~~وحدث ذلك فجأة على غير انتظار بعد أن كانت هذه الكلمة لا ينطق بها إلا الأصدقاء الذين توثقت ~~بينهم الصلات، وحتى هؤلاء لم يكونوا ينطقون بها صريحة بل كانوا يلمحون بها تلميحا، وارتاع ~~الناس من هذه الحقيقة العجيبة، وسرعان ما استحال ما كان يبدو من قبل حلا سهلا ميسرا ~~للمشاكل القائمة إلى آلاف الآلاف من المشاكل الجديدة لعل أقلها خطرا إيجاد الطعام للجائعين ~~والكساء للعارين. # واضطربت شئون الحياة المألوفة كلها وتزعزعت أركانها، وفقدت المدارس والمصانع والمعاهد ~~العامة ما كان لها من معنى في عقول الشعب، وخرج أهل مدينتنا جماعات إلى الشوارع المكسوة ~~بالثلوج حتى ضاقت بهم، وكأن البيوت ومكاتب الموظفين والمعامل قد انقلب باطنها ظاهرها، فلفظت ~~كل من فيها من الناس إلى الميادين والمتنزهات، ms034 وقامت فيها المظاهرات، وخفقت الرايات، وعلت ~~أصوات الهتاف، وتوترت الأعصاب، وانطلقت أحيانا بعض الرصاصات، وطغى على هذا كله جو صاخب من ~~الكلام، الكلام الكلام، فقد انطلق من الصدور ما كان مكبوتا فيها من الألفاظ عدة قرون في ~~خطب قوية عاطفية مثيرة للشعور سخينة وملهمة عالية مدوية داعية إلى الانتقام. # وامتلأ الجو بنداءات الثورة، وأخذت هذه النداءات تتكاثر ويتضاعف عديدها في كل يوم: لتسقط ~~الحرب، الحرب حتى النصر! الأرض والحرية ! المصانع للصناع! هيا إلى الجمعية التأسيسية! ~~السلطة كلها للسوفيت! وقرعت آذاننا في كل يوم ألفاظ جديدة وأسماء لا عهد لنا بها من قبل: ~~بلاشفة، مناشفة، ثوار اجتماعيون وفوضويون ... وكرنسكي وميلوكوف ولينين وتروتسكي ... والحرس ~~الأحمر والبيض والأشياع ... # وأقيمت المنصات في الميادين الكبيرة، وتعاقب عليها الخطباء بعضهم في أثر بعض يخطبون ~~الجماهير بأعلى الأصوات، ووقف عليها الرجال والنساء الذين لم تعل من قبل أصواتهم عن ~~الهمسات، ثم اندفعوا الآن يصيحون ويخطبون ويسبون ويصخبون، وتنحى الرجال المتعلمون ذوو اللحى ~~المشذبة عن أماكنهم إلى الجنود والعمال، وعلت أصوات الجماهير كهزيم الرعد تنادي: «حقا! ~~حقا!» و«فليسقط، فليطرد.» # وجاء أبي في يوم من أيام المظاهرات تظلله أيكة من الأعلام التي صنعها المتظاهرون بأيديهم، ~~ووقف يخطب من فوق منصة، وكأن الناس كلهم كانوا يعرفون اسمه. # وبدأ خطبته بقوله: «أيها الأصدقاء والإخوان، أيها العمال والفلاحون ورجال الفكر ~~والجنود.» # وكانت هذه أول مرة سمعت فيها أبي يخطب في الجماهير، ولم يكن في وسعي أن أخفي تأثري، وكان ~~صوته رنانا، وقد تبدل كل شيء فيه حتى لم يكن لي بد من الرجوع إلى نفسي لأتأكد أن الذي ~~يتحدث هو أبي بحق، وغدت الكلمات التي لم تكن من قبل تتعدى محيطنا، والتي تكاد تكون سرا من ~~أسرار الأسرة، غدت هذه الكلمات بمعجزة لا يعلمها أحد تتردد على ألسنة الجماهير، فأصبح الناس ~~كلهم وكأنهم من أفراد أسرتنا، وأخذ أبي يتحدث عن السجن والنفي، وعن حياة البطولة التي خاض ~~غمارها الرفيق برمونوف، وعن المستقبل المجيد، ويحض الجماهير على التزام النظام وضبط النفس، ~~ويحذرهم ممن ms035 يريدون أن يغرقوا الثورة في بحر من الدماء، وكان حديثه غاية في البساطة ~~والإخلاص، كأن مستمعيه هم أبناؤه الثلاثة ضوعفوا مئات المرات. # ولما نزل عن المنصة وعزفت إحدى الفرق الموسيقية نشيد المارسييز اندفعت نحوه وشققت طريقي ~~إليه بين أصدقائه المعجبين به، وصحت قائلا: «ليحي بابا!» وضحك أبي حين سمع ندائي بأعلى ~~صوته. # وقال لي: «ها أنت ذا يا فتينكا ترى بعينيك أن الشعب سينعم بالحرية، لقد كانت هذه غاية ~~جديرة بأن نحارب من أجلها.» # وعرفت حينئذ - أو لعلي عرفت في مستقبل أيامي - أنه كان يبرر أعماله في نظري، ويشرح لي ~~أسباب ما حل بأسرته من ضنك وشقاء على يديه. # وسرعان ما تقدم الشهر الأول من شهور الثورة وجاء في أثره الانشقاق والتهم والشقاء، وتبدلت ~~الحماسة الأولى غضبا وغلا في الصدور، واختلطت الألفاظ والحجج بالحجارة واللطمات وطلقات ~~المسدسات، حتى أصبحت هذه أعظم شأنا وأقوى أثرا على مر الأيام، وعز الطعام وخيل إلينا ~~أن الخشب والفحم والكيروسين كلها قد اختفت، ولم تعمل بعض المصانع إلا عملا متقطعا، وأغلقت ~~بعضها أبوابها، وقال الناس وبخاصة ذوو الثياب الحسنة: «ها هي ذي ثورتكم! ها هي ذي الثورة ~~التي طالبتم بها!» # وأخذ أبي يزداد في كل يوم كآبة وصمتا، وأصبح أكثر حساسية وأشد تأثرا مما كان في سني ~~الخطر والتضحية؛ ولما طلبت إليه أن يشرح لي أسباب تعدد الأحزاب والبرامج بدت عليه مظاهر ~~الحيرة والارتباك. # وكان جوابه لي: «إن المسألة معقدة يصعب على من كان في مثل سنك أن يفهمها، إن هذا نزاع ~~على السلطان، ومهما تكن الأهداف التي يسعى إليها أي حزب من الأحزاب المتنازعة، فإن من الخير ~~ألا يفوز واحد منها فقط بالسلطة؛ لأن هذا الفوز لا يثمر إلا استبدال سادة جدد بسادة قدماء، ~~وقيام الحكم المستند إلى القوة لا إلى إرادة الشعب الحرة، ولم يكن هذا هو الغرض الذي ضحى ~~من أجله الثوار بحياتهم.» # ولما استمعنا مرة أخرى إلى خطب المناشفة والبلاشفة وغيرهم في معهد التعدين، وقد أصبح ~~وقتئذ المركز الرئيسي لسوفيت إيكترنوسلاف، ms036 هز أبي رأسه في حزن وقال: «لقد حاربت للقضاء على ~~القيصرية، حاربت من أجل الحرية ورغد العيش لا من أجل العنف والانتقام، يجب أن نظفر بحرية ~~الانتخاب وأن تكثر في البلد الأحزاب، أما إذا سيطر علينا حزب واحد فقد قضي علينا قضاء ~~لا مرد له.» ~~- «وأي مذهب سياسي تدين به يا بابا؟ أنت منشفي أم بلشفي أم ثوري اجتماعي أم لك مذهب آخر غير ~~هذه المذاهب؟» ~~- «أنا لا أدين بمذهب من هذه المذاهب يا فيتيا، لا تنس قط يا ولدي هذه الحقيقة: إن شعار أي ~~حزب مهما يكن فيه من الإغراء لا يعد دليلا على حقيقة الخطة التي سوف ينتهجها هذا الحزب إذا ~~ما استولى على أزمة الحكم.» # وذهب أبي إلى جبهة القتال في رومانيا؛ ليكون فيها واحدا من طائفة من العمال الدعاة ~~للثورة، وكان لا يزال يعمل فيها في شهر نوفمبر حين استولى البلاشفة في بتروغراد بزعامة ~~لينين وتروتسكي على أزمة الحكم، وتولوا قيادة الثورة، ثم عاد إلينا ليبلغنا أن الحرب قد ~~انتهت، وأن كل ما يعمله الجند هو أن يلقوا بأسلحتهم ويعودوا إلى بلادهم، وهي أنباء عرفناها ~~من قبل، فقد كنت أنا وكوتيا وأصدقاؤنا طلبة المدرسة الثانوية نقضي الساعات الطوال في محطة ~~السكة الحديدية نشاهد القطر المقبلة من الجنوب والغرب، وقد اكتظت كلها بالجنود حتى امتلأت ~~بهم أسقف العربات، وتعلقوا بنوافذها وفي أسفلها، وفاضت جموعهم على القاطرات نفسها، وأخذوا ~~ينشدون الأناشيد ويسبون ويتشاجرون وينادون نداءات مختلفة، ولم نكن نحن الصغار ندرك معنى هذه ~~الفوضى، وبدا أن الكبار أنفسهم لم يكونوا أقل منا جهلا بكنهها وحيرة من أمرها. # ولم نكن ندرك من الحقائق المؤكدة التي تطبق علينا في كل لحظة إلا الجوع والبرد، فقد فقدت ~~النقود قيمتها وخلت أرفف الحوانيت من البضائع، وعلاها التراب، وما هي إلا عشية أو ضحاها حتى ~~شق علينا الحصول على الخدمات التي كانت من قبل من مظاهر الحياة العادية كتنظيف الشوارع ~~والمخاطبات التليفونية ومياه الشرب والنقل، وصارت هذه الأعمال نادرة باهظة النفقة أو ممتنعة ms037 ~~بتاتا، وفشا وباء التيفوس حتى كانت جنازات الموتى مواكب متصلة تسير طول النهار. # وكانت بابشكا من زمن بعيد تدخر كسرا من الخبز المجفف، وكانت من آن إلى آن تحمصها ~~وتهديها إلى الدير الذي كانت تؤثره بها عن غيره، وإلى ملاجئ الأيتام، فلما أزفت الآزفة ~~حمدنا لها حسن صنيعها، وادخرنا كل كسرة منها لأنفسنا، واختفى من بيتنا ضوء المصباح الدفيء ~~المبهج، وخيل إلينا أن أيامه الحلوة قد أصبحت في خبر كان، وحلت محله ذبالة مغمورة في ~~صحن زيت صغير، لم يكن لدينا وسيلة غيرها تضيء لنا ليالي الشتاء الطوال. # وفي هذا الضوء المضطرب الضئيل كنت أقرأ لجدتي بصوت عال من الكتب التي تحبها، وهي كتب ~~نكراسوف وتولستوي وترجنيف، وكانت بين الفينة والفينة تعيد بعدي عبارة تعجب بها فيلهيها هذا ~~عن سماع ما يتلوها من العبارات. # وبينا كنت ذات ليلة أقرأ لها مقالة من مقالات ترجنيف شعرت بيدها تتحسس يدي، وواصلت أنا ~~القراءة، ولما استرخت قبضتها ظننت أنها استغرقت في النوم، وأوشكت أن أتسلل من الحجرة على ~~أطراف أصابعي حتى لا أوقظها من نومها، ولكني نظرت إلى وجهها فرأيت عينيها مفتوحتين، ووجدتها ~~ساكنة سكونا عجيبا، وشاهدت ابتسامة عذبة مطبوعة على شفتيها. # وصرخت قائلا: «بابشكا! بابشكا!» وأقبل من في الدار مسرعين. # وكان موت جدتي لأمي من الحوادث التي ظلت منقوشة في الصورة المرسومة في ذهني عن الثورة، ~~وكانت هذه السيدة امرأة قوية الجسم حتى طحنتها رحى الجوع والبرد بثفالها، وظللت أنا ~~وأسبريدونوف نطوف بالمدينة عدة ساعات حتى وجدنا قليلا من الأزهار النضرة ننثرها على ~~تابوتها، فقد بدا لنا أن نقلها إلى مقرها الأخير بغير أزهار أمر لا يليق. # واستقر النظام السوفيتي في شمالي البلاد، أي في الروسيا الأصلية، بعد أشهر قلائل، أما في ~~سائر البلاد وبخاصة في أوكرانيا، فقد دامت الحرب الأهلية عدة سنين، وكانت حربا وحشية جرت ~~فيها الدماء وسادها الاضطراب، ولم تخل في معظم الأحيان من الفساد الطليق، وكانت السلطة ~~في إيكترنوسلاف تنتقل من جماعة إلى أخرى، ثم تعود إلى الجماعة ms038 الأولى فيما لا يزيد على شهر ~~واحد، وكثيرا ما كانت تتداولها الأيدي عدة مرات في الأسبوع، ولم نعد نحاول أن نذكر أي ~~الجماعات تمثل السلطة العليا في الإقليم، أهي جماعة الحمر أم البيض أم الخضر، أم أتباع ~~بتليوري، أم قوى هتمان اسكروبودسكي أم بنكومخنو أم جريجوريف، واحتل الألمان بلدتنا بضعة ~~أشهر، ثم جلوا عنها، وجاءت بعدهم طوائف من الجنود المتنافسين، معظمهم في أثواب بالية ممزقة، ~~وكلهم لا يقيمون وزنا لحياتهم ولا لحياة غيرهم، وأخذوا يتعاقبون على مدينتنا البائسة ~~الهزيلة. # ولا تزال صور من تلك الأيام منقوشة في خيالي كأنها صحف مزقت من كتاب. # منها صورة جنديين يرتديان حلتين من حلل جنود القيصر ويمتطيان صهوة جوادين يندفعان في طريق ~~بشكين الكبير بالقرب من بيتنا، يطاردهما فارسان صينيان يهز أحدهما سيفا والثاني بندقية، ~~ويقف الفارس صاحب البندقية فجأة، ويصوب بندقيته ويطلقها، ويهوي أحد الجنديين الأبيضين عن ~~ظهر جواده، ويقف الجواد فلا يتحرك، وينتظر زميله هنيهة لينظر ماذا جرى، فيتيح بذلك الفرصة ~~للفارس الصيني الآخر أن يلحق به ويطعنه طعنة نجلاء، وهو يصيح بأعلى صوته، فيسقط الأول كومة ~~من اللحم مضرجة بالدماء فوق الحجارة، وتبقى الجثتان المشوهتان لا يحركهما إنسان في هذا ~~السكون المفاجئ. # وجئت أنا وكوتيا مرة أخرى إلى محطة جوريانوف في الطرف النائي من المدينة بعد أن سرنا ~~مسافة على أقدامنا كنا نتجادل فيها جدالا عنيفا في موضوع كتاب نقرؤه، وكانت الليلة ~~السابقة ليلة رهيبة لم ينقطع فيها إطلاق النار، وإن كان أحد من أهل المدينة لم يعرف من كان ~~يطلقه ومن كان يطلق عليه، فلما وصلنا المحطة ألفينا جثث الموتى منتشرة فيها، ورأينا على ~~القضبان قطارا مملوءا بالجنود الألمان، وعلى أرض المحطة كثيرا من الألمان في ثياب سميكة ~~دفئة، يضحكون ويتنقلون بين جثث الموتى، ووقف إلى جانب كومة من هذه الجثث جماعة من الجند ~~يأكلون الشطائر ويشربون القهوة، ويضع كل واحد منهم إحدى قدميه على جثة من الجثث ~~ليستريح. # وأسمع في إحدى الليالي بعد أن مضى هزيع من الليل جلبة ms039 خارج بيتنا، فأهرول لأستطلع جلية ~~الأمر، وأرى الأرض مغطاة بالثلج يتلألأ في ضياء القمر، ويطرق أذني نباح كلب في مكان ما، ولا ~~أكاد أقف حتى يمر بي رجل ضخم الجسم ينطق بألفاظ الفحش كأنه ثمل، وقبل أن تمضي على ذلك بضع ~~ثوان يجيء في أثره رجال كثيرون يلوحون بالخناجر والعصي والبنادق، وأبقى حيث أنا لحظة أنصت ~~فيها إلى طلقات بعيدة، وصراخ يدوي في سكون الليل، فلما أصبح الصباح كان كل من في المدينة ~~يتحدث عن هذه المطاردة، وعن بيلوشيكا صاحب القلنسوة البيضاء وزعيم اللصوص، الذي طارده الحرس ~~الأحمر في أحياء المدينة سيرا على الأقدام، حتى التجأ إلى شارع منعزل فضيقوا عليه الخناق ~~وقتلوه رميا بالرصاص. # وقلما كان يمر يوم واحد لا تروى فيه قصص مروعة عن المذابح المدبرة في الأحياء ~~اليهودية، وعن غارات العصابات المسلحة على المصارف المالية، وعن الهجوم على قطر السكك ~~الحديدية، وتعاقبت الحكومات فكانت كلما جاءت واحدة منها لعنت سابقتها ووصفتها بأنها «عصابة ~~مسلحة»، حتى إذا أفلت زمام الحكم من يدها أصبحت هي الأخرى «عصابة مسلحة» كأختها، ومر بنا ~~أسبوع، ولعله أطول من أسبوع، بلغ فيه الاضطراب غايته حين تولت الأمر حكومة «مخنو» أو ~~الحكومة الفوضوية التي تحصنت في إيكترنوسلاف، ولكن الحمر لم يلبثوا أن عادوا إليها، وقضوا ~~على حكومة مخنو فأضحت كأن لم تغن بالأمس. # وليس من السهل أن يرسم أحد صورة لهذا العهد كما ارتسمت في مخيلة غلام ممن كانوا يعيشون ~~فيه، نعم إن كثيرا من الأحداث التي عرفناها أو فهمنا معناها بعدئذ قد انطبعت في تلك ~~الصورة، ولكن الحقيقة المدهشة التي لا تفتأ على طول العهد ماثلة في أذهاننا هي أن شئون ~~الحياة العادية ظلت تجري في مجراها بطريقة لا نعرف كنهها خلال الاضطراب الناشئ من الحرب ~~الأهلية والفتن الحماء، وأخطار ذلك العهد وأهواله، فقد ظللنا كسابق عهدنا نعمل وندرس ونأكل ~~وننام ونقرأ ونضحك ونعقد صداقات جديدة، بل بلغ من أمرنا أننا كنا نضع الخطط للمستقبل؛ ذلك ~~أن الاضطراب أصبح في تلك الأيام من ms040 الأمور الطبيعية المألوفة، بل إنه كاد يصبح طريقة من ~~طرائق الحياة، لقد كان هذا الاضطراب عنصرا جديدا من عناصر الحياة اليومية الرتيبة. # وسبب ذلك أن الحياة - أي إرادة البقاء وعادة البقاء - كانت أقوى من أعمال العنف ~~ذاتها. # كانت البرقية التي جاءت إلينا من ألكسندروفسك بتوقيع عمتي شورا، وكانت تسألنا فيها هل ~~جاءنا عم بطرس لسبب ما؟ وأبرق أبي في الحال أنه ليس عندنا، ثم جاءتنا بعد بضعة أيام رسالة ~~تقول: إن عمى بطرس قد وجد ميتا مقتولا، وإن حضورنا جنازته إن استطعنا قد يخفف من وقع ~~المأساة على الكبار من أفراد الأسرة. # وسافر أبي من فوره وإن كان قليل الرجاء في أن يصل إلى ألكسندروفسك قبل موعد الجنازة، وقرر ~~بعد أن استشار والدتي في الأمر أن يأخذني أنا وكوتيا معه، فقد يكون منظر الحفيدين الصغيرين ~~القويي الجسم المفتولي العضلات بلسما لجراح الأبوين الثاكلين. # ولم يشترك بطرس في اضطرابات الثورة؛ لأن شئونها كلها كانت تسبب له الملل والضيق، وكان ~~يخيل إليه أنها تقطع على الناس حياتهم، وهي حياة في وسعهم أن يجعلوها على قصرها سارة ~~هنيئة إذا امتنعوا عن العبث بها ومحاولة إصلاحها، ولما عاد من ميدان القتال خلع حلته ~~العسكرية وحصل على منصب مدير لمصرف صغير في ألكسندروفسك، ولم نكن ندري حين ركبنا القطار كيف ~~قضى الرجل نحبه. # وكان القطار مزدحما بالركاب حتى كاد يختنق بهم، فقد كان آلاف الآلاف من الناس وقتئذ - ~~أو لعلنا قد خيل إلينا أن آلاف الآلاف منهم - يسافرون فارين من نار إلى نار لينجوا ~~بأنفسهم من أتون الثورة القومية المشتعل في جميع أنحاء البلاد، وكانوا تارة يبتعدون عن ~~الانتقام بضع خطوات، وتارة أخرى يندفعون إليه ليتعجلوه، ولم يكن في القطار شبر واحد خاليا ~~من الركاب والأمتعة، فقد كان الناس يجلسون على رفوف النوم العليا تصطدم أحذيتهم الموحلة ~~وأقدامهم الملفوفة بالخرق البالية بأرجل من تحتهم من الآدميين، وكان جو القطار ثقيلا ~~مليئا بالرائحة الكريهة. # ولما وصل محطة سلافجو رود ذهبت إلى دورة المياه لآتي بقليل من ms041 الماء، فلما عدت رأيت رجلا ~~واقفا بباب العربة يحمل في يده مسدسا من طراز موزر، فراعني هذا المنظر وصحت قائلا: ~~«بابا»، فرد علي الرجل بقوله: «لعن الله أباك! ادخل إلى العربة وأمسك عن الصياح، وإلا ~~أرديتك قتيلا.» # وبدأ القطار يتحرك ساعة أن اتخذت طريقي إلى جانب أبي، ورأيت الركاب جميعهم وقد رفعوا ~~أيديهم فوق رءوسهم، وأخذ الأطفال يبكون من الخوف بأصوات خافتة، ووقفت عند كل من طرفي ~~العربة شرذمة من الرجال المسلحين، وأخذت شراذم أخرى تجمع النقود والبضائع القيمة من ركاب ~~العربة جزءا جزءا بطريقة منظمة حتى وصلت إلى الجزء الذي كنا فيه. # وصاح أحد أفراد العصابة في وجه أبي بصوت الآمر المغيظ: «أي شيء معك؟ هاته!» # فأجابه أبي وهو هادئ يبتسم: «أي شيء معي؟ إن معي ساعة وقليلا من النقود الصغيرة ~~وولدي.» # ولما تم للصوص مغنمهم هدأ سير القطار مرة أخرى وقفزوا منه، وانبعثت طلقات نارية من بعض ~~العربات، وشاهدت أحد اللصوص يقف كأن الطلقات أدهشته، ثم يسقط من مكانه ببطء، وقتل أحد ~~الركاب لصا آخر قبل أن ينزل من القطار، وكان جسمه لا يزال معلقا به حين وصلنا إلى ~~مستقرنا، وما من شك في أن الذين هجموا على القطار في هذه المرة لم يكونوا رجالا دربوا ~~على هذا العمل من قبل، وإلا لما حدث لهم ما حدث. # ولم أكد أعرف ألكسندروفسك حين أقبلت عليها، فقد زال عنها في هذين العامين ما كان لها من ~~سحر وفتنة، وذهبت أناقتها وأفسدها «كر الغداة ومر العشي». ورأيت محطتها مهجورة خالية، ~~ومصابيح شوارعها محطمة، وحتى الثلوج التي تكسو أرضها قد علتها الأقذار، ولما سأل أبي أحد ~~الناس: «أية طائفة تتولى الحكم؟» هز الرجل الغريب كتفه مشمئزا، وتمتم قائلا: «علم ذلك ~~عند الشيطان!» # وخيل إلي أن البيت الذي قضيت فيه أسعد أعوام طفولتي قد انكمش وتقادم عهده بين يوم ~~وليلة. ووصلنا المدينة متأخرين عن موعد الجنازة فلم نشترك فيها؛ وذلك لأنا لم نتسلم رسالة ~~شورا في الوقت المناسب، ورأيتها تخيط شيئا في ركن ms042 من أركان الدار، وقد احمرت عيناها وجرى ~~الدمع على خديها، وعانقتنا جدتي نتاليا مكسمفنا، وحاولت أن تبتسم كسالف عادتها، ولكن بريق ~~عينيها قد زال عنهما إلى غير رجعة، ولم تستطع أن تتملك عواطفها أكثر من بضع لحظات، ثم أخذت ~~تولول وتنظر إلى المصباح الموقد تحت الصورة المقدسة، وترسم علامة الصليب على صدرها المرة ~~بعد المرة. ~~«إن بيتيا عمك الصالح يا فيتيا لن يعود إليك أبدا! لقد ذهب ولدي الصغير بيتيا إلى غير ~~رجعة، رباه لقد قتلوه ولن يعود إلينا أبدا.» # وجلس فيودور بنتليفتش عند نهاية المنضدة ولم يلق بالا إلينا، وكان من أصعب الأشياء أن ~~أصدق أن هذا الرجل هو جدي الوقور القوي، فقد تبدل كأن شيئا من داخل جسمه ذاب وتركه جسدا ~~مترهلا وعظاما نخرة، ثم نظر إلينا بعد هنيهة، وهز رأسه بالتحية، وقام من مكانه على ~~مهل. # وقال وقد ملئ صدره حقدا: «ها قد وقع يا أندراي ما كنت تنتظره! ها هي ذي ثورتك الحبيبة ~~إلى قلبك! ها هم أولاء يقتتلون ويتبادلون إطلاق الرصاص، ويسرق بعضهم بعضا، ويعذبون ~~الجماهير بالجوع والبرد! وها أنت ذا لا ترى ثورة بل ترى اغتيالا وجرائم.» # وعلا صوته من شدة الحزن والغضب، وصاح وهو يقبض على كتفي أبي ويهزهما هزا: «ويل لأبناء ~~الكلاب! لم قتلوا بطرسا؟ وبأي ذنب قتلوه؟ إن الألمان لم يقتلونا ولم يفعلوا بنا ما ~~يفعله إخواننا الروس. شكرا لك يا أندراي، شكرا لك على ثورتك الحبيبة إلى قلبك.» # وأطرق أبي برأسه وظل صامتا لا يحير جوابا، فقد رأى ألا جدوى في الألفاظ والشروح، وأبصرت ~~أسرة فيودور بنتليفتش عميدها يبكي أمامها لأول مرة، وبللت الدموع لحيته البيضاء وعلقت بها، ~~وسار متباطئا إلى ركن الدار الذي علقت فيه الصور المقدسة، وقد زايله انتصاب قامته العسكري ~~وخر راكعا وقال: «اهد اللهم عبيدك الضالين، ولا تسلط الأخ على أخيه والابن على أبيه، ~~ورد على عبيدك عقولهم ونجهم من الهلاك.» # ثم قام بعد أن هدأ روعه، ومسح الدموع عن خديه، وقال: «لعل الله يغفر لك ms043 يا أندراي كما ~~يغفر لك أبوك.» ثم التفت إلى زوجته وقال: «أطعمي الأطفال وأنيميهم.» # وأخذت شورا بعدئذ تحدثنا عن موت أخيها وهي تبكي وتنتحب؛ فقالت: إنه لم يعد من المصرف في ~~ليلة من الليالي، فظنت أنه ربما قرر لسبب ما أن يزورنا في إيكترنوسلاف، ومن أجل ذلك بعثت ~~إلينا بالبرقية التي جاءتنا، وبعد أربعة أيام من تغيبه وجد أحد الفلاحين جثته بالقرب من ~~إحدى الطرق على بعد من المدينة، وقد دس منديل في فمه، وشدت يداه خلف ظهره، واخترقت ~~عدة رصاصات رأسه، وأخذت منه مفاتيح المصرف التي كان يحتفظ بها معه عادة. # وعادت شورا تندبه قائلة: «لقد سكت قلبه ولكن ساعته كانت لا تزال تدق، الساعة التي تملأ ~~كل خمسة أيام، والتي كان بيتيا يفخر بها.» # ولعل سبب مقتله أن جماعة من اللصوص أرادوا أن يسرقوا أموال المصرف، فاغتصبوا مفاتيحه من ~~بطرس، ثم بدا لهم أن يقتلوه ليتخلصوا من شاهد عليهم، وربما كانوا ممن يعرفهم عمي، ولعلهم ~~بعدئذ خارت عزيمتهم، فلم ينفذوا ما أرادوا من السرقة. # وعدنا إلى بلدنا محزونين تتشعبنا الهموم، ولم يفق جدي من أثر الكارثة التي حلت به من جراء ~~موت ابنه الأصغر، فقضى نحبه بعد أشهر قليلة، ولحقت به زوجته بعد زمن قصير. # كانت ضيعة إلين بالقرب من كربينو على نهر الدنيبر من أغنى الضياع وأكثرها جمالا في ذلك ~~الإقليم، فقد كانت تضم آلافا مؤلفة من الأفدنة الخصبة التربة تنتج القمح، ومساحات واسعة من ~~أرض الكلأ والغابات وبساتين الفاكهة، كما كان فيها كثير من الإصطبلات ومصانع الألبان ~~الواسعة، وكانت تخترقها الطرقات المرصوفة بالحصباء، تظللها الأشجار، وتلتقي عند القصر ~~العظيم الذي كان يسكنه أصحاب الضيعة في غابر الأيام، وينعمون فيه بمباهج الحياة، وكان النهر ~~في تلك البقعة بخلع على الضيعة شيئا من هدوئه وجلاله، فقد كان يشق طريقه أسفل الصخور ~~الصلدة الوعرة، وكأن الطبيعة قد أجهدت نفسها لتخلع على هذا الركن من أركان الريف كل ما فيها ~~من تباين، وتكسوه حلة من الجمال لا يكاد يوجد لها ms044 مثيل. # فلما قامت الثورة قسمت معظم الأراضي على الزراع الذين كانوا يعملون فيها، ولكن قلب الضيعة ~~نفسها، ويشمل خمسمائة فدان من الأرض المنزرعة، والبستان العظيم، وبركة لتربية السمك، ~~وقصر إلين نفسه وغيره من الأبنية؛ كل هذه قد جعلت في بداية عام 1919م مزرعة تعاونية ~~لصناع المدينة، واستقرت فيها نحو مائة أسرة جيء بها من إيكترنوسلاف، وكانوا يطلقون عليها ~~اسم النبات، وهي كلمة روسية معناها «قرع الأجراس». # وكان آل كرافتشنكو من بين هذه الأسر، وبقينا أربع سنين أو نحوها حتى بلغت السابعة عشرة من ~~عمري نتخذ المزرعة التعاونية موطنا لنا، والحق أن أبي كان من الذين وضعوا أساس هذا ~~المشروع، وهو الذي جاء إليها بعدد كبير من عمال المصنع الذي كان يعمل فيه، وحبذ سوفيت ~~الإقليم هذه الفكرة وقسم الأرض، وأمد الوافدين ببعض ما يحتاجونه من الأدوات والماشية ~~زيادة على ما كان باقيا منها في الضيعة القديمة. # أما في المدينة نفسها فقد كاد الإنتاج أن يقف لقلة المواد الغفل، وعز الطعام حتى أصبحت ~~تهددها المجاعة، وأخذ الناس يهاجرون إلى الريف لعلهم يجدون فيه ما يرد عنهم غائلة الجوع، ~~وكانت المجاعة الروحية هي الأخرى من أسباب هذه الهجرة، فقد كان بعض المهاجرين يتوقون لأن ~~يحققوا في إحدى المزارع التعاونية ولو قليلا من الأحلام التي كانت تتراءى لهم في سني ~~حماستهم الأولى للثورة، وكانوا يأملون أن يكون «قرع الأجراس» نذيرا يذكر الناس بالمثل ~~الأعلى للأخوة الذي نسوه في غمرة نزاعهم واقتتالهم، حين أخذ الشيوعيون يستعينون بالجاسوسية ~~للقبض على الناس جماعات، وإعدامهم رميا بالرصاص لأتفه الأسباب. # ودعي والدي أكثر من مرة للانضمام إلى الحزب الشيوعي، ولكنه لم يلب الدعوة، وكان يقول ~~في شيء من الغلظة إن معدته لا تهضم الطغيان والإرهاب وإن استظلا بالراية الحمراء، ورأى ~~رجالا من المال ومن أرباب الفكر ممن ظلوا طوال حياتهم بمنأى عن النزاع مع القيصر ينضمون ~~إلى الحزب الشيوعي بعد أن بدا لهم أن السلطة الدائمة ستئول إليه، ووضع بعضهم لأنفسهم سيرا ~~ثورية خيالية، ولكن هذا كله لم ms045 يفد إلا في تقوية عزيمته على أن يبقى مجاهدا حرا في ~~الكفاح لإصلاح شئون العالم. # وجاء صناع المدن إلى المزرعة ممتلئين غيرة وحماسة، بلغت حد الاستخفاف بالأخطار، وكان همهم ~~الأول بطبيعة الحال أن ينتجوا القوت ليطعموا منه أهلهم، ولكنهم كانوا يريدون فوق ذلك أن ~~يبرروا بإنتاجهم تضحيتهم الأولى في سبيل القضية السياسية، وكان الزراع الأولون من أهل ~~مزرعة إلين وما جاورها يسخرون من صناع المدن المنعمين الذين انقلبوا زراعا ، ويقولون ~~هازئين: «سنرى الآن كيف يفلح الشيوعيون أرضنا.» # وكانت سخريتهم اللاذعة صادرة من قلوب طيبة، ومنطوية على صداقة ساذجة، كما كان الكثيرون ~~منهم يأتون إلينا ليرشدونا ويقدموا لنا المعونة في كل عمل من أعمالنا الزراعية، ولم يظهر ~~هؤلاء الفلاحون تبرمهم من هذه التجربة، بل كانوا يأخذون الزراع الجدد في كنفهم ويبسطون ~~عليهم شيئا من الرعاية غير الرسمية، ويرعون لهم حق الجوار، وكثيرا ما كانوا يأتون إليهم ~~حين تشتد الحاجة إلى الأيدي العاملة، ويمدون لهم يد المساعدة؛ ولهذا كانت السنة الأولى سنة ~~رخية ناجحة بفضل هذه المعونة، وبفضل الخبراء الزراعيين الذين جاءوا من مدرسة إرستفكا ~~الذائعة الصيت، وإن لم تكن هذه المدرسة قريبة من المزرعة التعاونية. # وكانت حياة الشبان في هذه المزرعة مليئة بكل ما يدعو إلى النشاط ويستثير المشاعر، وأحببت ~~أنا العمل وحياة الريف وشعور الزمالة مع رفاق مثلي. وقلق آباؤنا من جراء إهمال تعليمنا، ~~وحاولوا أن يعوضونا عن ذلك الإهمال بشيء من التعليم الناقص، ولكن أحدا منا لم يكن يشاركهم ~~في فزعهم هذا، وكنا نقضي الفترات القصيرة التي نخلو فيها من عملنا المجهد في السباحة وصيد ~~السمك والتجديف والألعاب الرياضية وارتياد الأقاليم المجاورة لنا، ووجدت أن المجال واسعا ~~لإشباع حبي للخيل، وهو حب متأصل في كأنه جاء معي إلى العالم من يوم ولدت. وكان يسرني أن ~~أقدم المعونة إلى جراشف سائس الخيل في المزرعة، كما كانت حياة الزراع تستهويني، فاتخذت ~~منهم أصدقاء لي أقضي في بيوتهم كثيرا من الليالي مع من كان من أبنائهم وبناتهم في مثل ~~سني. # ولم تكن ms046 الحرب الأهلية بعيدة عنا بطبيعة الحال، وكم من مرة سببت الاضطراب لحياتنا، وكم من ~~مرة أوشكت أن تمحو مزرعتنا التعاونية من الوجود، ولشد ما كنت أنا وقنسطنطين نفخر بأنا قد ~~كبرنا وأصبح في مقدورنا أن نشترك في الوحدات المسلحة التي أنشأها أبي وغيره من الزعماء ~~للدفاع عن مزرعتنا، بل إن أخي الأصغر أوجين نفسه قد تعلم وقتئذ استخدام الأسلحة النارية، ~~وكانت هذه القرية مسرحا للمعارك بيننا وبين المغيرين من الحمر أو البيض أو العصابات الأخرى ~~التي لا لون لها من قطاع الطرق، الذين كانوا يغيرون على المزرعة يطلبون الطعام والغطاء ~~والخيل نفسها في بعض الأحيان، وكان التظاهر بالقوة مضافا إلى استعدادنا لأن نقتسم مع ~~الوافدين ما نستطيع الاستغناء عنه من مواردنا سببا في نجاة المزرعة من هجمات كبريات ~~العصابات النهابة الجوالة. # ومن حوادث ذلك الوقت حادثة لا تمحى أبدا من ذاكرتي، فقد كنت في صباح أحد الأيام أرعى ~~الخيل على نشز من الأرض استطعت بفضله أن أرى الحادث الذي أصفه للقراء واضحا أمامي كأني ~~أرقبه على شاشة في دار خيالة. خرج جماعة من الفرسان تبلغ عدتهم حوالي ثلاثمائة معظمهم من ~~القوزاق وغيرهم من الروس البيض، خرجوا فجأة من الطريق الرئيسي يركضون فوق حقول القمح متجهين ~~نحو النهر، وجاءت في إثرهم جماعة أخرى من الحمر أكثر منهم عددا تطاردهم مطاردة عنيفة. وضيق ~~الحمر الخناق على البيض فلم يجد هؤلاء سبيلا للنجاة إلا بالاندفاع إلى ماء النهر من فوق ~~الجرف الصخري، وحاولوا أن يعبروا النهر سباحة ولكن مطارديهم نصبوا مدافعهم الرشاشة على حافة ~~الأجراف الصخرية وحصدوهم عن آخرهم. # وتكررت هذه الحادثة بجميع تفاصيلها تقريبا بعد شهر واحد من ذلك التاريخ أو أقل، مع فارق ~~واحد، وهو أن الحمر في هذه المرة هم الذين دفعوا إلى النهر من فوق الأجراف الصخرية، وأنهم ~~هم الذين قتلوا واحدا بعد واحد حين كانوا يحاولون العبور إلى الشاطئ الآخر، وألفنا نحن ~~رؤية أجسام الموتى تقذفها المياه إلى أرض الضيعة أو قريبا منها حتى لم نعد نذكر هذه ms047 ~~الحوادث. # وحدث مرة بعد الحصاد الأول في ليلة من ليالي الخريف قبل أن يخيم الظلام أن كنت أنا وجراشف ~~في أحد الإصطبلات، فأقبلت نحونا عربة من عربات الزراع يجرها جوادان وفيها أربعة رجال ~~وامرأة، وكان الركاب والخيل جميعهم يكسوهم العثير ويتصبب منهم العرق، ونصب في مؤخر العربة ~~مدفع رشاش، وكانت المرأة في نحو الثلاثين من عمرها وعلى شيء من الجمال، وكانت تعلق على ~~ملابسها شارة الممرضات، أما الرجال فكان أحدهم يلبس ملابس المدنيين، واثنان منهم يرتديان ~~الزي الرسمي للتشيكا وهم رجال الشرطة السوفيتية السرية الرهيبة، التي أصبحت تقذف الرعب في ~~القلوب، ولما يمض على إنشائها إلا وقت قصير، وأما الرابع فكان رجلا بدينا غليظا يرتدي ~~زي البحارة. # وعرفنا الرجل المدني بنفسه فقال إنه ليهومانوف، وهو نفس ليهومانوف الذي أصبح فيما بعد ~~رئيس لجنة إيكترنوسلاف الإقليمية، وصاحب الأمر والنهي في ذلك الإقليم. وقال لنا إن سرية ~~من البيض تتعقبهم، وإنهم في حاجة إلى خيل جدد تمكنهم من الهرب، وقال: إن الوقت لا يسمح لهم ~~بأن ينتظروا حتى نستشير أحدا، وإن في وسعنا إن كنا نريد أن نسترد خيلنا أن نصبحهم إلى ~~كمسكوى. # ورضينا بهذه الخطة، وسرعان ما كنا نحن السبعة في العربة نسوط الخيل ونندفع في الطريق ~~مسرعين حتى لم يكن في وسعنا أن نتبين ما كان ملقى على الجانبين من جثث الموتى التي ظنناها ~~حجارة وأنقاضا، وحدثنا ليهومانوف عنها فقال إن معظمها من جثث الحرس الأحمر، وإن واقعة ~~حربية عنيفة حدثت في ذلك المكان في الأيام القليلة الماضية. # وكان البحار يصيح من حين إلى حين قائلا: «سنأخذ حقنا من أولئك الأنذال، سنقطع حواصلهم ~~أبناء الكلاب.» # ولم تحدث لنا حوادث غير مستحبة حتى اجتزنا قرية أولي، وبدأت أظن أن معظم الخطر الذي كنا ~~نريد النجاة منه خطر موهوم، فلما أن اجتزنا أولي انثنينا إلى طريق مجاور للنهر، ولم نكد ~~نسير في هذا الطريق عشر دقائق أو خمس عشرة دقيقة على الأكثر، حتى طرق أسماعنا دق الطبول ~~وركض خيل مقبلة من خلفنا، ms048 وأدركنا أن نحو اثني عشر رجلا كانوا يقتفون أثرنا، وكان في وسعنا ~~أن نسمع صراخهم دون أن نتبين أقوالهم، وعرفنا من هذا الصراخ أنهم يأمروننا بالوقوف، وقفز ~~بحارنا من مقعده إلى جانب المدفع الرشاش وهو يسب ويلعن، وأخذ يطلق منه الرصاص، وشاهدنا بعض ~~من كانوا يطاردوننا يهوون عن ظهور الجياد، وأكبر الظن أن الذين بقوا منهم على قيد الحياة ~~قد كفوا عن مطاردتنا. # ووصلنا كمنسكوى في تلك الليلة، ونزلنا في بيت صغير اتضح لنا أن من فيه يعرفون ليهومانوف، ~~وكان مما قاله لي: «ستنام الليلة مع الممرضة في حجرة واحدة، فأنت لا تزال طفلا.» واختص ~~جراشف والبحار بحجرة أخرى مجاورة لحجرتنا، واتفقا على أن يتناوبا حراسة العربية والجوادين، ~~وخرجت من الحجرة بعض الوقت لأتيح للممرضة أن تأوي إلى الفراش، ثم عدت إليها وخلعت ملابسي في ~~الظلام، ولم ألبث إلا قليلا حتى استغرقت في النوم. # واستيقظت من نومي بعد بضع ساعات كما أظن على أصوات مهتاجة وجلبة شديدة طردت الرقاد من ~~عيني، فسمعت الممرضة تصرخ بصوت مختنق ونغمة هستيرية: «دعني أبها الوحش، وإلا أيقظت كل من في ~~البيت! اخرج من هنا لساعتك!» وكان يتسرب إلى الحجرة من ضوء القمر ما يكفي لأن أتبين بحارنا ~~مرتديا نصف ملابسه، وقد انقلبت سحنته من أثر هياجه، وهو يحاول أن يغتصب الممرضة، وكانت هي ~~تقاومه بكل ما فيها من قوة، وقد انتفش شعرها، وتعرى ثدياها حيث مزق قميصها. # وما أن رآني البحار أجلس في فراشي حتى خلى سبيلها وخرج مسرعا من الحجرة وهو يسب ~~ويلعن، وأغلق الباب من ورائه بدوي شديد، وسمعته يتمتم قائلا: «أيها المزارع القذر!» أما ~~الممرضة فأخذت تبكي وتنتحب. # وقالت والعبرات تكاد تخنقها: «أولئك القوم، أولئك القوم الغلاظ، أولئك هم الذين تقوم على ~~أكتافهم الثورة.» # وعرضت عليها وأنا مضطرب مثلها أن أدعو ليهومانوف وسائر من معه. # فأجابت بقولها: «لا، خير لنا ألا نضايق ليهومانوف، فحسبه ما هو فيه، إنه من خيار القوم، ~~وهو رجل من ذوي المثل العليا حقا.» # ولم ننم في ms049 تلك الليلة بعد هذه الحادثة، بل ظللنا نتحدث - أو بعبارة أصح ظلت هي تتحدث ~~وأنا أستمع إليها - حتى طلع الفجر، وكان مما قالته لي أنها ابنة أحد كبار الموظفين في حكومة ~~القيصر، وأضافت إلى ذلك قولها: «ولما شبت الثورة احتضنتها وألقيت بنفسي في تيارها؛ لأني كنت ~~طول حياتي أحب عامة الشعب وأتوق إلى مساعدتهم، ومن أجلهم قطعت صلتي بأسرتي، وذهبت إلى مدرسة ~~الطب في خاركوف، أتلقى فيها دروسا في التمريض، وأنا الآن في جماعة التشيكا - الشرطة السرية ~~- وأنا أبغض الشيء الكثير من فعالهم، ولكني أعمل في مداواة الجراح لا في التقتيل. # وينبغي لنا ألا نفقد الأمل أو نتخلى عن الكفاح منضمين إلى الآلاف من أشراف الناس أمثال ~~ليهومانوف، وإن وجد بيننا أولئك الطعام والوحوش أمثال ذلك الرجل الذي هجم علي في هذه ~~الليلة، وإنك لتجد في مقابل هذه الحادثة القذرة مائة من حوادث الشهامة والبطولة.» # ثم أسرت إلي بأن ذلك الرجل الذي هم بها لم يكن بحارا بحق، فهو قد عثر على حلة ~~البحارة في مكان ما، ولبسها لأنها ترفع من شأنه في أعين الثوار. # ولما عدت أنا وجراشف على ظهري جوادينا إلى ضيعتنا في صباح ذلك اليوم حدثته بما وقع في ~~أثناء الليل، وكان هو صانعا بسيطا لا يفهم إلا القليل مما يحدث في البلاد، ولكن أسبابا ~~قوية أعادت إلى ذاكرتي في السنين التالية ما قاله لي وقتئذ: «نعم، يا فيتيا، لقد كانت تلك ~~الممرضة على حق فيما قالته، إن في الثورة كما في كل شيء سواها ما هو خير وما هو شر، ولكن ~~المسألة هي هذه: أي الطائفتين سيكون لها الغلبة حين تهدأ الثورة وتستقر الأمور، طائفة ~~الأشراف أو طائفة الوحوش؟ أتكون الغلبة لأمثال ليهومانوف أم لأمثال البحار ~~الزائف؟» # والآن ونحن نسير على مهل، كان في وسعنا أن نشاهد الجثث التي مررنا بها في مساء اليوم ~~الماضي، وكنا نرى في بعض الأماكن تلالا من الأرض قد كومت حديثا، ودفن فيها الفلاحون ~~أهل تلك الجهات بعض الموتى، وكان كثير ms050 من أجسام الموتى عاريا، وقل منهم من كانت في أرجلهم ~~أحذية، فقد كانوا يجردون من ملابسهم ليكتسي بها الأحياء. # وأدخلت أنا وقنسطنطين في مدرسة إرستفكا الزراعية في كمسرفكا في أواخر فصل الحصاد ~~الثاني، أي في خريف عام 1920م. # وكان هذا المعهد قد أنشأه في الجيل الذي قبل الثورة رجل من كبار الملاك في ذلك الإقليم ~~يدعى إرستس برودسكي، كما كان ينفق عليه بكرم وسخاء، واقتطع الأرض اللازمة له من ضيعته ~~الخاصة، وأقام له أبنية فخمة على ربوة تشرف على بحيرة جميلة، وبنيت بعض ردهاته على طراز ~~القصور الأوكرانية القديمة، وغطيت الجدران بصور من رسم كبار الفنانين الذائعي الصيت، ~~ونقوش من الفسيفساء تصور موضوعات شعبية، وكان بالمعهد بطبيعة الحال أحدث ما اخترع من ~~الآلات الزراعية. # وامتدت أيدي السالبين أكثر من مرة إلى المدرسة، فدمرت بعض مبانيها ومناماتها حتى أصبحت ~~غير صالحة للانتفاع بها، ونهب أثاثها، وانتزعت بعض الكتل الخشبية من جدرانها وسقوفها لتتخذ ~~وقودا، وتلفت الآلات الزراعية ولم تجد من يصلحها، وتشتتت معظم الماشية التي كانت في ~~إرستفكا، وهي ماشية ذائعة الصيت نالت الجوائز في معارض ويانه وبراج. # لكن كثيرا من قدماء المدرسين ظلوا في أماكنهم، وانضم إليهم مدرسون جدد، ومن أجل ذلك ~~تجمع في المعهد نحو ستمائة طالب وطالبة قدموا من جميع أنحاء الروسيا ليدرسوا فيه العلوم ~~الزراعية الحديثة، ويدربوا على أعمالها، على الرغم من القحط الشامل ونقص الأدوات، وكانوا ~~يستعينون على العيش بما تخرجه أراضي المعهد من الحاصلات، وألفت الصعاب المشتركة بين ~~المدرسين والطلبة، وكانت المدرسة تحت إشراف السوفيت، ولكن السياسة لم يكن لها إلا شأن قليل ~~في سير الدراسة، وكان المشرفون علينا يسلمون بأننا حين نهيئ أنفسنا لأن نستخرج من التربة ~~الروسية أكبر ما يمكن استخراجه من الطعام وأحسنه لنطعم به الشعب الروسي، إنما نعمل كل ما ~~تنتظره «الثورة» منا. # وكنت أنا وأخي وطالب ثالث يدعى فيودور من أهل توابسي نسكن معا في كوخ يمتلكه أحد ~~الفلاحين في هذا الإقليم، وولى الشتاء مسرعا وأقبل الربيع، واستبدلت بالدروس في ms051 حجر ~~الدراسة الزراعة العملية في أملاك المدرسة، وكانت هذه الفترة عظيمة الفائدة لي، وتبينت فيما ~~بعد أنني أخذت منها أكثر مما كنت أتوقع وقتئذ، فقد كان القليل الذي تعلمته من العلوم ~~الزراعية عظيم النفع لي في أيام الزراعة الجماعية. # وعز الطعام وأخذ الحصول عليه يزداد صعوبة يوما بعد يوم، وفقدت النقود قيمتها، وكان ما ~~بقي من التجارة يجري بطريقة المقايضة البدائية، ولم يكن في وسعنا أن نحصل على شيء من ~~المعونة من المزرعة التعاونية، بعد أن انقلبت فكرة المشروعات التعاونية الخلابة إلى تخاصم ~~وتطاحن وأحقاد توغر الصدور، وشرع المقيمون فيها يهجرونها أفواجا أفواجا، وأخذ المدخر من ~~الخبز ينقص تدريجا، حتى استلزم الأمر فرض أشد القيود على توزيعه، ولم يكن الفقر كما يبدو ~~بشيرا صالحا بالعالم الجديد، ولو كان هذا العالم بقعة صغيرة كأرض المزرعة التعاونية، أرض ~~قرع الأجراس. # لكن المتاعب لم تكن لتوهن عزيمة غلمان في أوائل العقد الثاني من عمرهم، أو تدخل الرعب ~~في قلوبهم، فقد تعودنا أن نعيش على الكفاف، وأن نخرج للبحث عن الوجبة الثانية، ولم يكن ~~ذلك ليكلفنا كبير مشقة، فقد كانت قطر السكك الحديدية بكمسرفكا في هذا الربيع غاصة بالجند ~~الذاهبين إلى ميدان القتال، حيث كانت رحى الحرب تدور مع البولنديين. # ولم يكن علينا إلا أن نأخذ من الجند بعض طعامهم، وكان في وسع الرفاق الثلاثة الذين يسكنون ~~معا في إرستفسكا أن يقوموا بهذا العمل على خير وجه. # فقد كنا في أيام العطلات، وفي أيام الدراسة إذا استطعنا أن نسترق منها بضع ساعات، كنا في ~~هذه وتلك نقيم عند محطة السكك الحديدية «حانوت حلاقة متنقل للطلاب»، وكان هذا هو العنوان ~~الذي كتبه كوتيا على لافتة كبيرة بخطه الجميل، ومن تحتها كتبت العبارات التي تكتب على ~~أمثال هذا الحانوت: «حلاقة اللحى وقص الشعر، خدمة طيبة ممتازة، يدفع الأجر سلعا»، وتحت ~~هذه العبارات كلها كان التوقيع الذي لم يخل من فكاهة ساذجة: «جماعة العمل الذي لا خير ~~فيه». # وكان فيودور قد تعلم شيئا من هذه الصناعة في ms052 بعض أسفاره، فتولى هو حلاقة اللحى، وتوليت ~~أنا وأخي قص الشعر، وكان من نصائح فيودور لنا: «لا يهمكم هذا العمل، فهو كحصاد الكلأ في ~~المراعي، ضربات طويلة هينة ثم تسوية أعقاب الشعر بعدئذ.» # وتجمع الجند حول الشبان الحلاقين الهواة، وسخروا منهم ودفعوا لهم نظير إثخانهم بالجراح ~~أجورا سخية كما يفعل خلق الله الكرام، وكثيرا ما كنا نعود إلى رفاقنا نحمل لهم الشيء ~~الكثير من الخبز واللحم والخضر وغيرها من المأكولات ، وكثيرا ما كان حانوت الطلبة الحلاقين ~~المتنقل يرفع علمه أيام الآحاد في سوق المدينة، ويكسب من وراء ذلك أجورا طيبة، وكان ~~الفلاحون يؤجرونهم بيضا وبطاطس بل ودجاجا في بعض الأحيان. # وما لبث هذا الكنز الثمين أن نضب معينه، فلم يكن لدى أحد من الناس طعام يؤديه أجرا لقص ~~شعره، وكانت نذر الجفاف الذي حل في عام 1921م غير خافية، وأدرك الفلاحون هذه النذر فغلوا ~~أيديهم وقطبوا وجوههم، ولما لم نجد في المدرسة ما نأكله عدنا إلى المزرعة التعاونية، فوجدنا ~~أن نار الحماسة التي كانت تضطرم في صدور أهلها قد خبت، وحل محلها قنوط هادئ مستكين، ~~وهجرها معظم أهلها الأولين فلم يبق منهم إلا القليل، وحتى هؤلاء كان معظمهم يعمل في ~~المصانع القريبة منها. # وكنت وقتئذ قد بلغت السادسة عشرة من عمري، وكان بكربينو على بعد بضعة أميال من «دق ~~الأجراس» مصهر معادن صغير أتمرن فيه، والتحقت في هذه القرية صبيا أتمرن على العمل عند ~~صانع أقفال، وكانت هذه أول مرة أؤدي فيها عملا جثمانيا شاقا أؤجر عليه، وأحسست وقتئذ ~~بأني قد كبرت بحق آخر الأمر، حين كنت أعود إلى بيتي في ملابسي الملطخة بالزيت، رث الهيئة، ~~مصدعا من شدة التعب. # وخبت نار الفتن الأهلية أو كادت، وأصبحت مجالس السوفيت هي المسيطرة على البلاد لا ينازعها ~~في الأمر منازع، وجاء دعاة الحزب إلى المصنع أحيانا ليخطبوا فينا وقت الغداء أو بعد الفراغ ~~من العمل، وكان الشباب ذكورا وإناثا يصغون إلى هؤلاء الدعاة ويعون أقوالهم، أما الكبار ~~فلم يكونوا في الغالب يلتفتون ms053 إليهم، وبعثت خطبهم فينا نحن الشبان بعض الأمل في هذا الوقت ~~العصيب وقت الشدة والقنوط، وكنا نتردد أحيانا على ناد للعمال تزينه صور مطبوعة للينين ~~وتروتسكي وماركس وأنجل، وحكم مكتوبة بحروف بيضاء على قطع من النسيج الأحمر. # وكنت أنا أستمع بشوق إلى المحاضرات التي يلقيها علينا رجال من المراكز العامة، بل إني كنت ~~أجرؤ أحيانا على إلقاء بعض الأسئلة، وزادتنا الصعاب العاجلة المحيطة بنا أملا في المستقبل ~~الموعود، وكنت أنا شخصيا أتقلب بين نارين: نار الشكوك التي تحيط بي في منزلي، ونار التعطش ~~إلى الإيمان القوي. وأدركت في تلك الأيام اعتراض أبي على وسائل العنف التي يلجأ إليها ~~الشيوعيون، ولكن خيل إلى عقلي الفتي على مر الأيام أنه متزمت في فضائله فوق ما يجب، وأن ~~مثاليته أصبحت لسبب ما مثالية «بالية» في غير أوانها. # وكنت أحيانا أسأله: «ولم لا تأتي إلى النادي وتستمع إلى المحاضرات؟» وذلك لأني كنت ~~أتوق إلى أن أستدرجه معي إلى الحياة الجديدة. # فكان يجيبني بلهجة الآسف الحزين: «وماذا يستطيعون أن يقولوا لي؟ لقد نسيت أكثر مما ~~يعرفون، لا يا ولدي أشكرك، ليست البيضة هي التي تعلم الدجاجة.» # وما أن حل صيف عام 1921م حتى بلغ القحط غايته، وصحب القحط ذلك الوباء الذي لا يفارقه ~~أبدا وهو وباء التيفوس، وأهلك القحط والوباء ملايين الأرواح قبل أن ينقضي عهدهما الرهيب، ~~فقد حل القحط بالبلاد في أبشع مظاهره بعد سني الحرب الطوال والنزاع الداخلي، وتركز في إقليم ~~الفلجا ولكن آثاره الرهيبة امتدت إلى ما وراء الدنيبر، وكان أشد الأقاليم قحطا بوجه عام ~~أشدها انهماكا في الحرب الأهلية، كأن الأرض هي الأخرى قد جشأت لكثرة ما طعمت من ~~الدماء. # وليس في مقدور الكاتب مهما كان بليغا أن يصف ما عاناه الشعب من أهوال وآلام؛ فقد كان ~~الناس ينظرون إلى كل شيء حي - من خيل وكلاب وقطط وغيرها من الحيوانات المدللة - بعيون نهمة ~~يائسة، وماتت الحيوانات التي لم تذبح من شدة الجوع، وكان الناس يلتهمونها التهاما رغم ~~تحذير السلطات الرسمية مما ms054 يتعرض له آكلوها من الوباء، وكانوا يقشرون لحاء الأشجار ~~ويغلونها ليتخذوا منها «شايا» و«حساء»، ويمضغون الجلد غير المدبوغ ليقتاتوا به، وانتزع ~~من الحقول كل ما كان فيها من بقايا النبات والكلأ، وانتشرت الشائعات بأن الناس أخذوا يأكلون ~~موتاهم، ويحزننا أن نقول: إن معظمها كان صادقا، فقد عرفت أنا نفسي حوادث من هذا القبيل في ~~رومنكوفا وأولي وبنكوفا وغيرها من القرى المجاورة. # وأصبحت مناظر الموتى - الموتى المنتفخين البشعين - من المناظر المألوفة في حياة الناس، ~~وشغل كل منا بنفسه وبحرصه على أسباب حياته، فلم يكن يلاحظ غيره من الناس أو يعنى بهم في ~~سريرة نفسه أقل العناية. وأخذ الصالحون من الناس الذين لم يكونوا في الظروف المادية يطيقون ~~رؤية آلام الغير؛ أخذ هؤلاء يخفون الطعام ليطيلوا حياتهم بضعة أسابيع أو شهور، دون أن ~~يفكروا في جيرتهم الذين كانت تنتفخ بطونهم ويموتون حولهم من فرط الجوع. # وكنت أنا قويا سليم الجسم لا أحتاج إلا للقليل من الطعام والشراب ليحفظا علي حياتي، ~~فركبت القطار مع غلام آخر في الضيعة يدعى سينا وذهبنا شمالا إلى إقليم بلطوا؛ لنبحث ~~عن الطعام، وأخذنا معنا كل ما يمكن أن يستبدل به الطعام، من ملابس قديمة، وملاعق من ~~فضة، ومجوهرات من أنواع مختلفة لم تعد لها قيمة، وفرشات وغيرها من الأدوات المنزلية؛ ذلك أن ~~النقود أضحت في تلك الأيام عديمة النفع، أما البضائع فكان يمكن استبدال بعضها ببعض إذا واتى ~~الإنسان الحظ. # ووصلنا بلدة بريلوكي بعد أيام قليلة وقررنا أن نجرب حظنا فيها، فوجدنا بها مئات غيرنا ~~وفدوا إليها للغاية نفسها، واشتدت المنافسة بيننا، فوقفنا طوال اليوم في الأسواق نعرض ~~بضاعتنا الهزيلة ونرجو الزراع أن يفحصوا هذه الكنوز، ولما حل المساء ذهبنا نجوس خلال ~~القرى، ونتنقل من قرية إلى قرية، ومن بيت إلى بيت، يعيننا في عملنا أنا كنا كلانا صغيري ~~السن، وأني كنت أستطيع أن أتحدث إلى الفلاحين بلغتهم الأوكرانية، وأخذنا في كل يوم نتخلص من ~~بعض ما معنا، ونشهد أكياسنا تملأ سويقا ودقيقا وحمصا وفولا، ولم نكن ms055 نجد صعوبة في ~~المبيت بمنازل الفلاحين، وخاصة إذا اتخذنا البنات اللاتي في مثل سننا وسيلة إلى هذه الغاية، ~~وكان في وسع أولئك البنات أن يأتيننا بالملح والسكر وبعض الحبوب الزيتية واللحم المقدد وما ~~إليها من مواد الترف نظير ما نقدمه لهن من الخواتم والحلى الرخيصة. # وكنت أنا وسينيا أسعد حالا من أي رجل من رجال المال استطاع أن يعقد صفقة بآلاف الريالات؛ ~~وذلك أننا كنا نرد إلى أسرنا الحياة ونطيلها عدة شهور. # وركبنا القطار إلى موطننا وقد غص بالخلائق من رجال ونساء وأطفال كلهم عائدون إلى أقاليم ~~المجاعة يحملون أكياسهم ولفافاتهم الثمينة، ولم نكن نجرؤ على إغماض أعيننا لئلا يسرق ~~متاعنا، فلما أن وصلنا زنامنكا في ظلام الليل أقبل الجند وعمال السكك الحديدية وأمرونا ~~بالخروج من عربة القطار، وتكدسنا في حجرة انتظار كانت قبل مجيئنا إليها غاصة بغيرنا من ~~الخلائق البائسين، ولم يعرف واحد منا شيئا عن سبب إخراجنا منه وبقينا كلنا ننتظر وصول قطار ~~آخر ونحن صابرون صبر العير، خلقه في نفوسنا طول العذاب وتبلد الحواس، فلما أقبل لم يستطع ~~ركوبه إلا أقوى الناس أجساما وأسرعهم حركة وتخلفت عنه أنا وسينيا. # ولم يكن في حجرة الانتظار القذرة ضوء إلا فتائل زيتية، وكان الزحام شديدا، والناس مكدسين ~~في الحجرة يسير بعضهم فوق بعض إذا أرادوا الذهاب إلى دورات المياه، والأطفال يصرخون في ~~أماكن متفرقة من الحجرة والرضع يمتصون أثداء جافة خاوية، وكان في ركن من أركان الحجرة زوجان ~~يتعانقان ولا يأبهان لنكات من حولهما من الناس. # ولكن الذي وجهت إليه أنظار من لا تزال لديهم بقية من حب الاستطلاع تحملهم على أن ~~يوجهوا أنظارهم إلى شيء ما؛ منظر امرأة جاءها المخاض فأخذت تئن وتتوجع كما يتوجع الحيوان ~~المصاب، ونحى النساء عنها من كان حولها من الناس، وجاء الرجال بدلاء الماء، ونسوا كفاحهم ~~مع الجوع وهم يشاهدون حياة جديدة تخرج إلى العالم أمام أعينهم، وانبعث صراخ خافت من مولود ~~جديد ينبئ أن المعجزة قد حدثت، وارتد الناس إلى ما كانوا فيه ms056 من شقاء. # ورأيت أم الطفل في الصباح مستلقية على أرض المحطة القذرة ووجهها أصفر لا أثر للدم فيه، ~~وقد وضعت رأسها على كيس قذر أظهر هذا الوجه الشاحب في وضوح، وعلى صدرها المولود الجديد ~~ملففا في خرق بالية؛ فرثيت لحالها، وأشفقت عليها، وتركت سينيا ليعنى بمتاعنا، ثم هرولت ~~إلى القرية، وكان معي ثلاث روبلات فضية من العملة القيصرية، فجست خلالها نحو نصف ساعة ~~كاملة، استطعت في خلالها أن أحصل على زجاجة صغيرة من اللبن الساخن، وملء صفحة خشبية صغيرة ~~من حساء الخضر، فلما تقدمت بهاتين الهديتين ومعهما فوطة نظيفة إلى الشابة حدقت في ورمقتني ~~بنظرة تنم عن اعترافها بالجميل، وعن أنها لا تكاد تصدق ناظريها. # وخاطبتني باللغة الأوكرانية قائلة: «شكرا لك أيها الشاب.» وكان لها عينان جميلتان في وجه ~~بائس معذب، ثم واصلت حديثها قائلة: «ما اسمك؟» # فأجبتها: «فكتور أندريفتش.» # فقالت بصوت خافت ضعيف وهي تبتسم لأول مرة: «متعك الله بما تحب ووقاك من كل مكروه، سأسمي ~~ابنتي فكتوريا حتى تذكر صنيعك هذا طول حياتها.» # وحدث وأنا عائد إلى سينيا في الطرف الآخر من الحجرة أن قام شاب وبش كان يرقب ما حدث، وصاح ~~صيحة تنم عن الخبث والسفالة: «انظروا أيها الرفاق ها هو ذا أبو المولود!» # وكان أطول مني قامة بحيث لا يعلو رأسي عن كتفيه، عريض العظام، تبدو عليه مظاهر القوة ~~والغلظة، ولكن الإنسان إذا غضب لا يحسب للعواقب حسابا، فاندفعت نحوه وضربته ضربة قوية، وما ~~كان أشد دهشتي حين رأيته ملقى على الأرض، وعرف من لغط الحاضرين أنهم كانوا في صفي، فقام من ~~فوق الأرض في هدوء، ومسح الدم الذي كان تحت أنفه، وعاد إلى حيث كان متاعه. # ولم يستقبل فاتح منتصر بأحسن مما استقبل به الشاب فكتور حين جاء إلى بيته، يرزح ~~تحت عبء كيس من الطعام. وقمت في الشهور التالية بعدة رحلات في القطار وعلى ظهور الخيل، وكان ~~صليب جدتي الذهبي آخر ما بعناه من كنوز الأسرة، فقد ظللنا محتفظين به طالما بقي لدينا شيء ms057 ~~من الأمل بأنا نستطيع العيش دون أن نفرط فيه، ثم جاءنا العون بعد ذلك من أمريكا على يد ~~جماعة الإخوان «الكويكريين» # 1 # وإدارة الإنقاذ الأمريكية التي أنشأها الرئيس هوفر وغيرهما من الجماعات، ولكن ~~معظم هذه المساعدات كان يذهب إلى إقليم الفلجا، أما أوكرانيا فكانت على أبواب حصاد جديد، ثم ~~عادت الحياة فيها ببطء إلى مجراها المألوف. # وعدت أنا إلى دكتي في حانوت صانع الأقفال في كربينو. # الفصل الرابع # | الشباب في الجيش الأحمر # وجاء المحصول الجديد موفورا في صيف عام 1922م، وتجدد في صدور الناس أملهم في الحياة ~~وحرصهم عليها، ودفنوا موتاهم وكانوا يعدون بالملايين، ولم يعد أحد منهم يذكر الكارثة التي ~~حلت بالشعب كأنهم أخذوا على أنفسهم عهدا صامتا بألا يشيروا قط إليها، أو كأنها كابوس ليل ~~لا يكادون يذكرونه إذا طلع النهار. # وحملت أشجار البستان في «دق الأجراس» حملا ثقيلا من الفاكهة، وامتلأت البركة سمكا، ~~وهب النسيم من نهر دنيبر على حقول القمح يداعب سنابلها الذهبية، وعادت العذارى الأوكرانيات ~~إلى الغناء جماعات في موسم الحصاد الجديد، ولشد ما اغتبطت لأني بلغت السابعة عشرة إلا ~~قليلا، وقد خط شاربي، وأصبحت أستحي فجأة إذا شاهدت البنات، بعد أن لم أكن أعبأ بهن في ~~الأمس القريب. # وصحت عزيمتي في هذا الوقت على أن أعمل في صناعة التعدين، ولعل لهذا صلة من نوع ما بهذا ~~الفصل من حياتنا الزراعية الرخية الجديدة، فقد أصبحت أتحرق شوقا إلى أن أضرب بمعولي في ~~باطن أمنا الأرض، وأن أبني على ظهرها وأتوسع، وما من شك في أن ما كنا نسمعه من المحاضرين في ~~نادي كربينو لم يكن إلا عبارات عادية ليست بذات قيمة كبيرة، فهي لا تزيد على طائفة من ~~القوانين يضعها الحزب الشيوعي ليستنهض بها همم العمال، ولكني كنت أرى في كل لفظة منها دعوة ~~قوية إلى الجد والعمل. # وقال الخطيب ذات ليلة في مستهل الخريف: «أيها الرفاق، إن بلدنا في حاجة إلى الفحم وإلى ~~المعادن وإلى الزيت وهي أعصاب الحياة في المستقبل، وأنا أدعو كل ms058 من كانت الثورة حبيبة إلى ~~قلبه أن يذهب إلى المصانع والمناجم؛ ذلك أن جمهوريتنا السوفيتية في أشد الحاجة إلى أيدي ~~الصناع القوية، فمناجم الفحم في حوض الدنتز مثلا تحتاج إلى الآلاف من الرجال.» # ونظرت إلى سينيا ونظر هو إلي، وأدرك كل منا أن صاحبه قد صحت عزيمته على ما صحت عليه ~~عزيمة صديقه، وإن لم ينطق أحدنا بكلمة واحدة عن عزمه هذا. # ولما عدت إلى المنزل وأبلغت أهلي أني اعتزمت الذهاب إلى مناجم الفحم في حوض الدنتز حزن ~~لذلك أبي وبكت أمي بكاء صامتا، وقالت لي: إني لا أزال غلاما وإني سأجد كثيرا من العمل ~~ينتظرني في مستقبل الأيام، ولكنهما لم يحاولا قط أن يثنياني عن عزمي، وقضت أمي بضعة أيام ~~تعد لي الثياب، ثم حزمتها وعلائم الحنو بادية على وجهها. # وأرسلنا إلى منجم من مناجم الفحم بالقرب من ألجفرفكا في إقليم ألشفسك، وكان هذا الإقليم ~~من أقدم أقاليم الفحم في حوض الدنتز، ولكنهم أخذوا وقتئذ يوسعون دائرته كثيرا، وقضينا ~~ليلتنا الأولى في ثكنات طويلة مظلمة، نام فيها مئات من الناس على أسرة من ألواح خشبية ~~عارية، من طبقتين تعلو إحداهما الأخرى، وكانت الروائح الكريهة تنبعث من أجسام الناس المكدسة ~~في الثكنات، ومن الطعام الفاسد والدخان الرديء، فلا نكاد نطيقها وأخذ بعض عمال المناجم ~~القذرين يلعبون بأوراق قذرة، ويتبادلون أقبح الألفاظ في ضوء الفتائل الزيتية الخافت. # ولكن الغلامين القادمين من الدنيبر استغرقا في نوم عميق لما نالهما من التعب في أثناء ~~سفرهما الطويل في قطار مزدحم بالركاب، فلما استيقظنا في الصباح لم نعثر لحقائب ملابسنا على ~~أثر، فقد سرقت ونحن نائمان، ولم يبق لنا إلا الملابس القذرة التي سافرنا ونمنا وهي على ~~جسمنا، وأخذنا نطوف بمحلة المعدنين، ولكن طوافنا لم يدخل السرور على قلبينا، فقد كانت ~~هذه المحلة زقاقا طويلا قذرا تمتد على جانبيه أكواخ عتيقة وثكنات جديدة أقيمت في غير ~~نظام، وكان يغمر المكان كله جو خانق من تراب الفحم، وسرعان ما خبت في صدرينا نار الحماسة ~~التي كانت ms059 تتقد فيهما وتدفعنا إلى أن نقيم بأيدينا «صرح الاشتراكية»، وكان لا بد من أن تمضى ~~أسابيع وأسابيع قبل أن يعود إلينا ما بدأنا به رحلتنا من غيرة وحماسة. # وأرسل سينيا إلى منجم في قلب إحدى غابات البلوط، أما أنا فكنت أتعس الناس حظا، فقد كان ~~المتعلمون منا قليلين؛ ولذلك أصر أحد موظفي نقابة العمال على أن أعمل في مكتب من مكاتب ~~الإدارة، وهكذا تكشفت الصورة التي رسمتها لنفسي، صورة رجل يضرب بمعوله ومصباح التعدين مشدود ~~إلى جبهته، عن حقيقة لم أكن قط أتوقعها، وهي أن أقبض على قلم للكتابة وجداول للعد ~~والحساب. # وقضينا الشهور الأولى في ثكنة من الثكنات الضخمة القذرة التي حشد فيها القادمون الجدد، ~~ثم حصلنا بعدئذ على حجرة في أحد الأبنية الصغيرة التي يقيم فيها المعدنون القدامى أو ~~الدائمون، وما كدت أتعود تراب الفحم وظروف الحياة البدائية حتى زال ما كان في هذه الحياة من ~~ملل وسآمة، وأصبح فيها شيء من الحماسة والمتعة، فقد ألفيت نفسي فيما يكاد أن يكون قطاعا ~~مستعرضا من الهيئات الاجتماعية التي تتألف منها الدولة السوفيتية، أو كأن نماذج قد أخذت ~~من جميع هذه الهيئات وجيء بها كلها في ذلك المكان. # وكانت الكثرة الغالبة فيه تتألف من الروس والأوكرانيين بطبيعة الحال، ولكنه احتوى أيضا ~~على التتار والأرمن والصينيين وأهل القفقاس الجبليين وقازاق من سهوب سيبيريا، وكان من هؤلاء ~~عدد قليل جاءوا كما جئت أنا وسينيا ليعملوا جادين في تصنيع البلاد، وأكبوا على عملهم ~~جادين بحماسة وغيرة وطنية، أما معظمهم فقد جاءوا لأن الأجور التي يتقاضونها أجور عالية إذا ~~قيست إلى مستوى الأجور في قراهم؛ ولذلك فإن آلافا منهم لم يبقوا إلا ريثما يقتصدون من هذه ~~الأجور ما يكفي لشراء بقرة أو حصان أو بناء بيت جديد. # ذلك أن أهم ما كانت تعنى به الإدارة في تلك الأيام هو رفع أجور العمال حتى تتجاوز كل ~~حد معقول. # ولم تكن قلوب هذه الشعوب المختلفة تنطوي على شيء من الحب المتبادل، ولم يكونوا ينزعون إلى ~~المعيشة ms060 متفرقين فحسب، بل كانوا يعملون أيضا متفرقين؛ فكان الشرقيون يعملون في أعمق ~~المناجم وأكثرها مشقة، أما الروس والأوكرانيون فكانوا يقومون بالأعمال الهينة على أن الفروق ~~التي كانت تفصل الطبقات كانت أوسع من الفواصل التي كانت تفرق بين الأجناس، فكانت «بقايا» ~~الشعب القديم من أبناء التجار وملاك الأراضي والقساوسة والموظفين والضباط السابقين في العهد ~~القديم والطلاب الأقدمين؛ كان هؤلاء جميعا يشعرون أنهم غرباء ويحقرون علنا ولا يكاد ~~يطيقهم أحد. # وكانت حياة الثكنات حياة خشنة لا تخلو في كثير من الأحيان من القبح والفظاظة، كان الرجال ~~يشربون الفدكا من الزجاجات، فإذا لعبت الخمر برءوسهم صرفوا نشاطهم في التطاحن والتلاكم، ~~ومنهم من كان يقامر ويجادل بأعلى صوته في أسخف الموضوعات؛ ولقد أبصرت عمالا لا يخسرون في ~~ألعاب الورق كل أجورهم فحسب، بل يخسرون معها آخر حذاء لهم، ويخسرون غطاءهم الذي لا غطاء لهم ~~غيره، وكانت أندية العمال وفصول محو الأمية والمكتبات تجتذب إليها عددا قليلا من الصناع ~~الذين طبعوا على الجد والتعقل. # وكان من أسباب متعتي أن أرقب ما يطرأ على صبيان الفلاحين من تطور؛ فقد كانوا يأتون خرقا ~~سماجا واسعي الأعين ليتصلوا لأول مرة بالعالم الكبير خارج قراهم، وكانوا يحتذون نعالا من ~~الأعشاب وسراويل واسعة من غزل منازلهم وصدريات قروية طويلة، وإذا شاهدوا «صعاليك» الصناع ~~والغرباء العجبي الأطوار القادمين من أطراف الروسيا النائية دهشوا لمنظرهم وأخذ منهم العجب ~~كل مأخذ. # ولكنهم سرعان ما كانوا يتبدلون إلى غير ما كانوا إن لم نقل إلى أحسن مما كانوا، فقد كان ~~كثيرون منهم يعودون من المدن وعلى أجسامهم ملابس ابتاعوها من مخازنها، حليقي اللحى متعطرين، ~~يحتذون أحذية جديدة ذات صرير جميل، ويطلبون إلى المصورين أن يصوروهم في زيهم الجديد الجميل ~~ليدهشوا بصورهم أهلهم وذويهم، وكانوا يتبخترون في المحلة جماعات جماعات يمرحون ويصخبون على ~~نغمات المزمار، ومنهم من كانت تجتذبهم النوادي وفصول مكافحة الأمية، وسرعان ما شرع هؤلاء ~~«يأسون» لما كان عليه أصدقاؤهم من «تأخر» ونقص في «الثقافة» ويناقشون الشئون السياسية كأنهم ~~ولدوا في غمرة السياسة ms061 من آباء سياسيين. # أما أنا فقد كان النادي محور حياتي بطبيعة الحال، وقد عاد إلي شغفي بالقراءة كاملا بعد ~~أن قطعته الحرب الأهلية والمجاعة إلى حين، ولم أكن أنا وأمثالي نقنع بما في متناول أيدينا ~~من كتب المكتبة، بل كان كل منا يستعير الكتب من الآخر، وكنت في كل مساء وفي أيام العطلات ~~أدرس مناهج في الكيمياء والرياضيات والطبيعة أو أستمع إلى محاضرات فنية عن استخراج الفحم، ~~وارتبطت أنا وسينيا برباط الصداقة مع فتيان وفتيات لا يقلون عنا شغفا بالعلم، وأكسبتني ~~دراستي السابقة شيئا من النفوذ بين الشبان من العمال الممتازين بجدهم، وبين أبناء الكبار ~~منهم. # وامتلأت أعمدة الصحف بالدعوة إلى حياة خير من حياة البلاد الأولى، وأخذت تنشر على الناس ~~أن روسيا الفقيرة المتأخرة تسير في طريق الرقي، وأن الروس جميعا لم يبق أمامهم إلا أن ~~يخرجوا فحما أكثر مما يخرجون، وينتجوا حبا أكثر مما ينتجون، وينالوا من الثقافة أكثر ~~مما ينالون، وكنت أقرأ هذه الدعوة كأنها موجهة إلى شخصي، وكان هذا وذاك من كبار الزعماء ~~الجدد أمثال بتروفسكي، وركوفسكي، بل ولونا تشرسكي نفسه يمرون بالإقليم الذي كنا نعمل فيه، ~~فكنت أصغي لأحاديثهم فأشعر أني جزء من شيء جديد كبير مثير للعواطف، فقد عرفت منهم أن في قصر ~~الكرملن بموسكو يجلس رجال لا نسميهم بأكثر من الرفاق - لينين وتروتسكي وزرزنسكي - ولكني كنت ~~أعرف أنهم جبابرة. # وإذا رجعت بذاكرتي إلى تاريخي الخاص تحت لواء الشيوعية، فإني أميل إلى إرجاع تاريخ اعتناق ~~مبادئها إلى الوقت الذي أقبل علينا فيه الرفيق لزريف، وألقى علينا سلسلة من المحاضرات عن ~~الاشتراكية، وكان لزريف رجلا في نحو الثلاثين من العمر، ومن أعضاء هيئة التدريس بسفرولفسك، ~~طويل القامة، نحيف الجسم، أنيق الملبس؛ وكان حديثه سهلا مقصورا على ألفاظه هو لا يلجأ فيه ~~إلى عبارات ينقلها عن ماركس أو لينين، وكان أهم ما انطبع في ذهني منه أنه يلبس رباط رقبة؛ ~~لأنه بذلك قوى حجة القائلين منا بأن في وسع الإنسان أن يكون مواطنا سوفيتيا صميما، وأن ms062 ~~يبيح لنفسه مع ذلك بعض الكماليات التي هي من خصائص الطبقات الوسطى. # وكنت في أحد الأيام في المكتبة منهمكا في قراءة كتاب وإذا إنسان من خلفي يقول: «ماذا ~~تقرأ؟ يهمني أن أعرف ذلك.» # فالتفت وإذا الذي يحدثني هو الرفيق لزريف. # فارتبكت ولكني أجبته وأنا أبتسم: «أحاديث الأب جيروم كوينارد لأناتول فرانس.» # فقال: «أصحيح هذا؟ أناتول فرانس! ولم لا تقرأ للكتاب الروس الأقدمين أو لأحد الكتاب ~~السوفيت المعاصرين؟» # فأجبته: «إني أجد في أناتول فرانس أشياء كثيرة لا أجد لها نظيرا في مؤلفات كتاب ~~السوفيت، فأناتول كاتب دقيق صريح، وأنا أقرأ للكتاب الروس الأقدمين، أما المؤلفون ~~المحدثون فهم لا يكتبون إلا في السياسة، ويخيل إلي أنهم يتحاشون الكتابة عن الحياة ~~الحقة المحيطة بنا.» ~~- «شيء جميل، فلنبحث هذا في إحدى الليالي المقبلة، تعال إلى حجرتي لنتعارف.» # والتقيت به مرة أخرى بعد بضعة أيام في أثناء «دورة العمل»، وهي الدورة التي يؤتى فيها ~~بمئات المتطوعين ليقوموا بعمل عاجل لا يتقاضون عليه أجرا، وكان العمل في هذه المرة نقل ~~أكوام كبيرة من الفحم لإخلاء طريق عام، وكان الرفيق لزريف يرتدي ثياب العمل، يغطيها تراب ~~الفحم، وفي يده مجرف يدفعه بنشاط عظيم، وحياني الرجل كأنه صديق لي قديم واغتبطت بذلك أيما ~~اغتباط. # والتقيت به في تلك الليلة نفسها في المكتبة، وسألني عما كنت أقرؤه في ذلك الوقت فأجبته ~~بأني أقرأ «ماذا تفعل؟» تأليف تشرتشفسكي. # فأومأ برأسه علامة على الاستحسان وقال: «هذا مؤلف عظيم الشأن.» # فأجبته: «أجل، وإن سؤاله الذي يقول ماذا تفعل ليحيرني الآن.» ~~- «إنه سؤال قد تلقى الإجابة عنها ملايين الناس من لينين ومن ماركس قبل لينين، فهل قرأت ~~لينين وماركس؟» # فأجبته: «قرأت أشياء قليلة متفرقة للينين، أما ماركس فلم أقرأ له شيئا، ولقد قرأت نشرات ~~الحزب بطبيعة الحال، ولكني غير واثق من أن فيها إجابة وافية عن هذا السؤال: ماذا ~~تفعل؟» # فتبسم الرفيق لزريف وقال: «تعال معي إلى حجرتي لنشرب قدحا من الشاي، ونتناول بعض ~~المرطبات، ونتحدث دون أن نشوش على أحد.» # وكانت حجرة ms063 نظيفة ساطعة الضوء، فيها أريكة مغطاة بطنفسة جميلة، ومكتب صفت عليه كتب بين ~~حاجزين بنظام جميل، وآنية ملونة تحتوي على أزهار ذات لون بهيج، وعلقت على أحد جدرانها ~~عدة صور لأفراد أسرته، ومنها صورة له وهو غلام يرتدي حلة المدرسة العليا الرسمية، وعند ~~قدميه كلب، ومنها أيضا صورة لأخت له حسناء وقد ارتدت هي الأخرى زي الطالبات، وعلقت على ~~جدار آخر وفي إطارين منفصلين صورتا لينين وماركس الشمسيتان، وبينهما صورة تولستوي المألوفة ~~في شيخوخته، وعليه رداء الزراع الطويل، وإبهاماه مثبتتان في منطقته، وكانت هذه الصورة ~~الأخيرة هي التي نفثت روح الحماسة في صدري، واستمالتني إلى المذهب الجديد. # وقلت وقتئذ في نفسي: «ليس هذا بحارا جلفا يهاجم ممرضة ليلا، إن في وسعي أن أتبع هذا ~~الصنف من الشيوعيين.» # وقال لزريف يشرح ما كانت تحدثني به نفسي: «لما كنت مضطرا إلى الإقامة هنا عدة أشهر فقد ~~حاولت أن أجعل هذا المكان شبيها بمنزلي.» # وظللنا نتحدث في تلك الليلة عدة ساعات عن الكتب وعن الحزب وعن مستقبل الروسيا، وقال لي ~~لزريف: إن المكان اللائق بي هو أن أكون مع الأقلية الشيوعية التي يجب أن ترشد الناس ~~وتهديهم، وإن من واجبي أن أنضم إلى لجان الشباب، ثم إلى الحزب نفسه بعدئذ، وأقر بطبيعة ~~الحال أن الحزب ليس مبرأ من العيوب، ولعل في برنامجه بعض النقص، ولكنه قال: إن الرجال ~~أجل شأنا من البرامج. # وواصل حديثه قائلا: «إذا كان أمثالك من الشبان النابهين ذوي المبادئ يترفعون عنا فأي أمل ~~لنا في الإصلاح؟ لم لا تدنو منا أكثر مما دنوت، وتعمل معنا للقضية العامة؟ إن في وسعك أن ~~تقدم المعونة لغيرك بأن تكون لهم مثلا يحتذى في الإخلاص لوطنك، انظر إلى الثكنات من حولك؛ ~~تر المقامرة والأقذار والسكر والشره، حيث يجب أن تكون النظافة والكتب والنفوس الطاهرة، ~~إن عليك أن تدرك أن أمامنا أعمالا عظيمة تحتاج إلى جهود جبارة، إن أمامنا أقذارا تراكمت ~~على مر القرون لا بد لنا من إزالتها، إن علينا أن نجتث الماضي ms064 العتيق القذر من أصوله ~~الضاربة في كل مكان، ونحن من أجل ذلك في حاجة إلى خير الرجال، إن من واجبنا يا فيتيا ألا ~~نقنع باشتراكية صورية، بل علينا أن ندعم أركانها بحسن الخلق والتعليم وتهيئة أسباب البهجة ~~والحياة السارة للجماهير.» # ولم تكن هذه أول مرة ألح علي فيها الشيوعيون بأن أنضم إليهم، ولكني أحسست فيها بصدى ~~المبادئ التي كانت تمتلك علي نفسي في أثناء طفولتي تتردد بين جوانحي، وأخذت أحاجج الرفيق ~~لزريف، ثم قلت له آخر الأمر: إني سأفكر في ذلك الموضوع، ولكني كنت في خبيئة نفسي متفقا معه ~~فيما قاله، وكان رأيي قد استقر. # ولما سافر الرفيق لزريف إلى موسكو بعد بضعة أسابيع من ذلك الوقت كنت أنا مع الجمع الحاشد ~~- من عمال المناجم وموظفي المكاتب وكبار رجال الإدارة - الذي اجتمع لوداعه في محطة السكك ~~الحديدية. # ووجه إلي الحديث دون سائر الحاضرين وقال لي: «ها أنت ذا يا فيتيا، لقد ترامى إلي ~~مصادفة أنك انضممت إلى لجان الشباب، لقد أحسنت صنعا! وأهنيك! ولكن لم لم تخبرني؟ لقد ~~كان في وسعي أن أزكيك.» ~~- «أعرف هذا وأشكرك، ولكني أردت أن أعتمد في هذا على نفسي، وألا أجعل لأحد يدا ~~علي.» # فتبسم وقال: «قد تكون على حق، وها هي ذي هدية صغيرة ادخرتها لك خاصة.» # وكانت الهدية كتابا، ظننته أول الأمر من كتب لينين أو ماركس، واطلعت على اسم الكتاب وأنا ~~عائد إلى منزلي، فإذا هو يحتوي على ثلاث روايات لشيكسبير، لقد كان لزريف الشيوعي المتحمس، ~~والزعيم القوي العامل، يجمع في شخصه بين إنسانية تولستوي وحب الجمال الممثل في شيكسبير، ~~وبين الإيمان بمبادئ ماركس ولينين، ترى هل يدوم هذا المزيج؟ وهل يعقد لواء النصر لمن هم ~~على شاكلة لزريف؟ # والآن أصبحت لحياتي رسالة تؤديها، وغرض تهدف إليه، واتسعت آفاقها، وكأني نذرتها نذرا ~~جديدا إلى قضية تعمل لها لتبلغ بها غايتها، وأصبحت أرى نفسي واحدا من طائفة مختارة ~~اصطفاها التاريخ لتخرج بلادي والعالم بأجمعه من الظلمات إلى نور الاشتراكية، ولست أشك في أن ms065 ~~قرائي سيظنون هذا كبرياء مني وادعاء، ولكنه هو الذي كنا نتحدث عنه ونشعر به، ولربما كان ~~بين كبار السن من الشيوعيين من يسخرون من هذه المبادئ ومن يعملون لمآرب شخصية، أما نحن ~~المبتدئين المتحمسين فلم يكن بيننا أحد من هؤلاء. # وكانت الامتيازات التي آلت إلي بوصفي أحد «المختارين» أن أكون أكثر من غيري كدحا، وأن ~~أحتقر المال، وأن أطلق المطامع الشخصية، وكان علي ألا أنسى مطلقا أنني عضو في لجان ~~الشباب أولا، ورجل ثانيا، وخيل إلي أن انضمامي إلى اللجان، وأنا في إقليم من أقاليم ~~التعدين «والغمرات الصناعية» مما يكسب هذا الحادث الجديد معنى لا أدري كنهه، شبيها في ~~اعتقادي بذلك الشعور الذي كان يسري في نفس شاب من أبناء أعيان البلاد حين يبدأ حياته في ~~بلاط القيصر، فهو شعور بأن صاحبه ينتمي إلى فئة من الفئات، وأنه لم يعد فردا مستقلا يعمل ~~لنفسه. # ولم يعد هناك متسع من الوقت أقضيه في ضروب التسلية الصغيرة، فقد امتلأت حياتي بالواجبات، ~~من محاضرات تلقى، ومسرحيات تمثل لعمال المناجم، ورسائل «حزبية» تدرس وتناقش، ولم ~~يكن يغيب عنا في وقت من الأوقات أن من بيننا سيخرج زعماء الغد ليحلوا محل لينين وبوخارين؛ ~~ولذلك أخذنا نكمل أنفسنا ونعدها لأن تتولى الزعامة، لقد كنا نحن الحواريين في هذا الدين ~~المادي الجديد. # ولما تبين للرؤساء أني أعرف الكتابة والخطابة بلسان طلق فصيح اختاروني على الفور لأن أكون ~~أحد ناشري الدعوة الشيوعية، وانتخبت عضوا في كثير من اللجان المختلفة، ونشرت الدعوة ~~بين من لم يكونوا يؤمنون بالمبادئ الشيوعية، وكان لي شأن أيما شأن في الحفلات المتعددة، ~~وكانت هذه الحفلات تقام في مناسبات لا حصر لها، فضلا عن أيام العطلة الثورية الدورية، فإذا ~~ركبت آلة جديدة في مصنع من المصانع، أو حفر منجم جديد، أو تم إنتاج طائفة معينة من ~~السلع، نظمت لذلك مظاهرات تصدح فيها الموسيقى وتلقى الخطب، لقد كان الفحم في غير ~~بلادنا فحما لا أكثر، أما عندنا فكان «وقودا» لتسيير قاطرات الثورة. # وبفضل وساطة الرفيق لزريف ms066 نقلت إلى العمل في المناجم، فلم أعد أحسد سينيا على هذه ~~الميزة، وكونا نحن الاثنين مع طائفة من الشبان الذين يعملون في المناجم جماعة تعاونية تضطلع ~~ببعض الأعمال وتتقاضى نظير اضطلاعها بها أجرا بوصفها وحدة، وكان الزعماء وقتئذ يشجعون هذا ~~النظام التعاوني، رغبة منهم في زيادة الإنتاج، وكان أعضاء الجمعيات الصالحة يكسبون في ~~الغالب أكثر مما يكسبه عمال المناجم العاديين، لكن هذا الكسب كان أقل ما نعنى به، فقد ~~كان همنا الأكبر أن نقوم بأصعب الأعمال وأكثرها خطورة، وذلك لحرصنا على أن نثبت غيرتنا ~~وحماستنا بالأعمال لا بالأقوال، بل إننا اتخذنا لأنفسنا شعارا أبلغناه إلى ولاة الأمور، ~~وهذا الشعار هو: «إذا كان الشيء لازما، فإن عمله مستطاع.» # وكان أعضاء جمعيتنا التعاونية يسكنون معا في بيت نظيف مريح مزود بالكتب النافعة، وكنا ~~نتناوب تنظيف الأرض وغير ذلك من الأعمال المنزلية، ولم يكن يخالجني شك في أن زعماء السوفيت ~~والكتاب الروس الأقدمين المنتشرة صورهم على جدران بيتنا يعجبون بهذا المثل الرائع من ~~«الثقافة» وسط ذلك الجو من التأخر، وكان من بين هذه الصور صورة سرجو أورزنكدز أحد المقربين ~~من لينين، والذي أصبح فيما بعد وزير الصناعات الثقيلة، وكنت من المعجبين بوجهه الكرجي ~~الخشن، وأنفه الكبير الأقنى، وشاربيه الأشعثين المتهدلين، ولعلي كان يوحى إلي إيحاء ~~غامضا بأن هذا الرجل سيصبح يوما ما نصيري - وإن شئت فقل ملهمي - في أكثر السنين نشاطا من ~~حياتي الشيوعية. # وكنا بطبيعة الحال نجيز لأنفسنا في بعض المناسبات أن نقضي ليلة نستمتع فيها بشيء من الأنس ~~والمرح، وكان الأصدقاء والرفاق يميلون إلى الاجتماع في بيتنا، فقد كان بيتا مطبوعا بطابع ~~«المدنية»، وكان ما يدور فيه من الحديث «راقيا» رفيع المستوى، وكان واحد منا يجيد العزف ~~على القيثارة، وكنا نحن نغني ونرقص ونتجادل حتى ينقضي من الليل أكثره، وكان عدد من أجمل ~~بنات الحي يشتركن معنا في هذه الحفلات، وكنا إذا استمتعنا بسهرة من السهرات أكثر مما يجب، ~~شعرنا جميعا بشيء من الندم، وفرضنا على أنفسنا جزاء خطيئتنا هذه عقابا ms067 شيوعيا بأن نزيد ~~من عملنا ودرسنا ومناقشاتنا السياسية في الأيام التالية. # وحدث في أواخر الخريف حادث خطير ابتليت فيه جهودنا وصبرنا على العمل، وعرف فيه هل ~~كنا نؤمن حقا بهذا المبدأ الذي كنا نفاخر به، وتفصيل الحادث أن الماء غمر أحد المناجم، ~~وأقيمت كتل خشبية حول جدرانه لتمنعها أن تنهار، ولكن العمل لم يقف بل سار فيه سيره ~~المعتاد، وعرضنا نحن أن نعمل في هذا المنجم لنضرب المثل للعمال العاديين الذين كانوا يعملون ~~فيه، ومعظمهم من التتار والصينيين. # وكنت أنا في داخل المنجم أعمل بكل ما وهبت من قوة، والماء المثلوج يغمرني إلى ركبتي، ~~ثم خيل إلي أن الدنيا كلها ترتجف وتصر وتئن، وسمعت أحد الناس يصرخ من الفزع، أو لعلي ~~كنت أسمع صوتي بأذني؛ ذلك أن جزءا من فتحة المنجم قد انهار، ولما فتحت عيني بعدئذ ألفيت ~~نفسي في حجرة كبيرة مطلية الجدران بطلاء أبيض، على سرير في صف من صفوف أسرة المستشفيات، ~~وكان طبيب في ميثرة بيضاء يجس نبضي، وممرضة حسناء متوسطة العمر تقف إلى جانبه وبيدها لوح ~~وقلم رصاص، وحيتني الممرضة بابتسامة لطيفة حين رأتني أفيق من غشيتي. # وقالت لي: «ستشفى يا رفيق كرافتشنكو، فلا تقلق»، وأومأ الطبيب برأسه ليؤمن على ما ~~قالت. # وقالا لي إني ظللت في الماء داخل المنجم المنهار ساعتين أو ثلاث ساعات، وإن العامل الصيني ~~الذي كان بجواري قتل، وإن الأمل في نجاتي كان في أول الأمر قليلا، فإذا لم تكن جدران ~~المنجم المنهارة قد قضت على حياتي فقد كنت لا محالة هالكا غرقا في الماء المثلوج، ولكن ها ~~أنا ذا أصبت بحمى شديدة وبكدمات في ساقي، غير أني فيما عدا هذين سليم الجسم، ثم تطورت ~~الحمى فيما بعد إلى التهاب رئوي. # ومن عجب أن الشهرين اللذين قضيتهما في مستشفى ألجفرفكا قد بقيت ذكراها ماثلة في ذهني، ~~وأني أعدهما من ألذ الفترات في شبابي، فقد كان الناس إذا تحدثوا عن قصة جمعيتي التعاونية ~~وما بذلته من جهد في المنجم المنهار أحاطوهما بهالة من ms068 المجد والبطولة الاشتراكية، وكنت أنا ~~فيهما أحد الأبطال، وزارني في المستشفى عدد من رجال الحزب ونقابات العمال، وكان يتردد علي ~~في أوقات منتظمة فتيان وفتيات من لجنة الشبان التي أتبعها ومعهم في كل زيارة بعض الهدايا ~~الصغيرة، وكنت لا أزال في المستشفى لما حان عيد ميلادي الثامن عشر، فأقبل علي أعضاء ~~الجمعية التعاونية وأصدقاؤها مجتمعين، وأظهروا لي من المودة ما أثلج صدري. # وكانت الممرضة الحسناء تعاملني كأني ولدها، والحق أني وأنا ضعيف في دور النقاهة كنت أحس ~~بأن الروسيا كلها قد تبنتني - الروسيا بعمالها ولجان شبابها ورجالها الرسميين - وأني كنت ~~الابن المحبوب لأسرة كبيرة عجيبة. # وأمرني الأطباء ألا أعود إلى المناجم إلا بعد سنة على الأقل، وأصروا على أمرهم هذا رغم ~~إلحاحي الشديد، وأبلغوا القرار إلى رجال الإدارة، ولم أكن أحب قط أن أرجع إلى أعمال ~~المكاتب؛ ولهذا تأهبت للعودة إلى المزرعة التعاونية وإلى إيكترنوسلاف. # وبينا أنا أعد العدة للرجوع، وإذا الأنباء تأتينا في الرابع والعشرين من شهر يناير سنة ~~1924م بأن لينين قد مات، وكانت الصدمة التي حلت بهذا الركن من أركان وادي الدنتز صدمة حقة ~~لا تكلف فيها ولا رياء، كما كان الحزن الذي سرى في نفوس أهله حزنا عميقا أقض مضاجعهم ~~وأكسف بالهم، ولم يكن الباعث على هذا الحزن ذا صلة بالسياسة، فقد أصبح لينين في عرف ~~الفحامين السذج، حتى المقامرين منهم في الثكنات والمعربدين والمختالين المتفاخرين بأحذيتهم ~~ذات الصرير، بله شباب الحزب أنفسهم، لقد أصبح لينين لهؤلاء وأولئك رمزا للأمل المرجو، لقد ~~كنا كلنا في حاجة إلى الاعتقاد بأن ما قاسيناه في تلك السنين الدامية إنما هو غرس سيخرج ~~أينع الثمار في مستقبل زاهر بسام؛ ولذلك أحس كل منا بأنه أصابته هو نفسه خسارة لا ~~تعوض. # ومشيت على قدمي مع آلاف غيري من العمال ثلاثة أميال حتى وصلنا إلى مكان الاجتماع التذكاري ~~خارج مكتب النجم، وهو المكان الذي كان يطلق عليه اسم «مزرعة باريس التعاونية»، وكان ذلك ~~في عجز النهار، والجو بارد قارس البرودة، والثلج يتساقط، ms069 والريح تحز في أجسامنا حز ~~السكاكين، وأقيمت منصة في الخلاء غطيت بقماش أحمر وأسود، وإن كان الثلج المتساقط لم ~~يلبث أن غطى كل جزء منها، وتعاقب عليها الخطباء، وقد علت أصواتهم على هزيم الريح، وأخذوا ~~ينطقون بعبارات الحزن الرسمية. # وقام مندوب متباه من أهل خاركوف وصاح بأعلى صوته: «أيها الرفاق المعدنون، لقد مات لينين، ~~ولكن العمل الذي قام به لا يزال يتقدم حثيثا، إن زعيم الثورة العمالية ... وزعيم الطبقات ~~العاملة في العالم أجمع ... وخير تلاميذ ماركس وأنجل ...» # وكان لهذه الكلمات الرسمية أسوأ الأثر في نفسي، وعجبت لهم لم لا يتكلمون بأبسط الألفاظ ~~تخرج من قلوبهم لا من أقلام محرري صحيفتي برفدا وإزفستيا، ولشد ما سرني وأنا عائد متثاقل ~~إلى بيتي وسط الزوبعة الثلجية، أن أعرف أن سينيا وغيره من الرفاق كانوا يشعرون بنفس الكآبة ~~التي أشعر بها، لقد كنا كلنا نحس بأن الخطباء عجزوا عن التعبير عما نشعر به نحو لينين؛ لأن ~~ما نشعر به كان أقل صلة بالزعيم الراحل منه بآمالنا الحية. # وقرأنا في الصحف المحلية بعد بضعة أيام من ذلك الوقت نص القسم الذي أقسمه ستالين على نعش ~~لينين في الميدان الأحمر في موسكو، وكان هذا القسم عهدا قصيرا أشبه شيء بالطقوس الكنسية، ~~أخذ فيه على نفسه أن يسير في الطريق الذي رسمه له الزعيم الراحل، وأثر في هذا العهد أكثر ~~مما أثرت في الخطب التي ألقيت في اجتماعنا التذكاري، وكان ستالين وقتئذ عضوا في ~~الهيئة السياسية صاحبة السلطة العليا في البلاد، وأمين السر العام للحزب، وكان من بداية ~~الأمر أحد أعضاء الحزب البارزين، ولكني لم أحس بوجوده إحساسا حقا قويا قبل هذه المرة، ~~وعجبت كيف لم تعلق صورته على جدران بيتنا! # وأخذ اسم ستالين من ذلك اليوم يذيع ويعظم ويتردد على كل لسان، حتى ليصعب على الإنسان أن ~~يذكر وقتا لم يكن فيه اسم هذا الرجل القوة المسيطرة على شئون حياتنا. # لم أقض في إقليم التعدين أكثر من عام واحد، ولكن مع ذلك لم أجد من السهل ms070 علي أن أنتزع ~~نفسي من الحياة التي ألفتها فيه، ولو أن إنسانا أخبرني في صباح ذلك اليوم المقبض الذي قدمت ~~فيه إلى ذلك الإقليم بأني سأحب ذلك المكان الأجرد، وأهله الأجلاف، وعمله المقبض؛ لظننت به ~~جنة، غير أني أخذت من بادئ الأمر أشعر بشعور عمال المناجم، وأرى عيوبهم ونقائصهم، ولكني ~~أراها كما يراها العمال أنفسهم، فتثير عطفي عليهم، لا كما يراها الخارج عنهم فلا تثير فيه ~~إلا النقد والتجريح. # من أجل ذلك كانت حياة عمال مناجم الفحم التي غلبت عليها الكآبة والفساد، وتعرضت لأشد ~~الأخطار، تثير في نفسي عطفا شديدا عليهم ورأفة بهم قربتهم إلي، فليس بصحيح أننا لا ~~نحب إلا ما يشرح الصدر ويلذ العين، بل إن ما يثير الحزن أو يرتد عنه الطرف قد يستحوذ هو ~~الآخر على الخيال والحواس، والناس يحبون ما تهتز له أوتار قلوبهم، ويربطهم بالأماكن وأهلها ~~ما تبعثه وما يبعثونه فيهم من عواطف ولو كانت عواطف محزنة بعيدة كل البعد عن السرور ~~والبهجة، وشاهد ذلك أني لم أنس قط الأيام التي قضيتها في مناجم الفحم، وما فتئت أحس بأني ~~قريب من مستخرجيه سكان العالم السفلى المظلم. # وركب معي في القسم الذي كنت فيه من عربة القطار الذي أقلني من حوض الدنتز ستة مسافرين، ~~ولم نلبث أن ثار الجدل بيننا كما هي عادة جميع الروس، وكنت أنا أصغر الجماعة سنا، ولكني ~~شعرت بأن من واجبي أن أدير دفة الحديث؛ ذلك أني بوصفي عضوا في لجان شباب الحزب الشيوعي أرى ~~فرضا علي أن أغتنم كل ما يتاح لي من الفرص لأنشر الدعوة إلى الحياة السعيدة المقبلة ~~وأشرح أسباب المتاعب العاجلة وأهون من أمرها. # وقال واحد من الركاب وكان من رجال الفكر: «إنك أيها الرفيق لا تفتأ تتحدث عن حياتنا ~~الحاضرة وكيف أصبحت خيرا مما كانت في الأيام الماضية، ولكني لا أرى فرقا بين هذه وتلك، ~~فنحن كما كنا لا نجد الخبز ولا الكيروسين ولا الأحذية، وكثيرا ما أرتجف أنا وزوجتي من ~~البرد الذي تتجمد منه أطرافنا، ms071 ونقضي نصف أيامنا بلا طعام، لعمري إن هذه ليست حياة، بل ~~أخلق بها أن تسمى محنة ...» # وكان هذا الذي يحدثني رجلا كهلا نحيل الجسم رقيق الملامح، يلبس على عينيه منظارين ~~سميكين في إطار ذهبي، ويرتدي معطفا من معاطف الربيع وإن كنا في غير الربيع، وحول رقبته ~~لفاعة من الصوف مما تلتفع به النساء، وفي قدميه جوربان أبيضان يظهران من خروق ~~حذاءيه. # وسأله راكب آخر قائلا: «معذرة يا سيدي، أي عمل تقوم به؟» # فأجابه بلهجة المتحفز: «أنا مؤلف موسيقي، أكتب المقطوعات الموسيقية.» # فقال الأول في سخرية لاذعة: «آه، إنك مؤلف موسيقي، ومن ذا الذي يحتاج إلى مقطوعاتك؟ من ~~ذا الذي يطلب في هذه الأيام الأنغام التي يرقص عليها الناس في أيام البهجة والسرور؟ اذهب ~~إلى المصنع يا صديقي واعمل فيه عملا حقا تقل أسباب شكواك.» # فصاح مؤلف الموسيقى في حماسة شديدة: «إذن ينبغي للناس كلهم أن يعملوا في المصانع! ألا ~~يحتاج السادة الجدد الذين يقيمون صرح الاشتراكية إلى الموسيقى؟ أم هل يريدون أن نكون كلنا ~~آلات بلا أرواح؟» ~~- «نعم إنك على حق، فلسنا في حاجة إلى الألحان والنغمات الموسيقية الملعونة، بل الذي نحتاجه ~~هو أن نزيد إنتاجنا من السلع.» # وقطع عليهم حديثهم رجل ثالث فقال محتدا: «إن الأرواح لم يبق لها وجود.» # فلما سمع المؤلف هذا صاح بأعلى صوته: «إذن لم يعد ثمة فائدة في مناقشتكم، فأنتم من ~~الرعاع، ومن العبث أن أضيع وقتي في التحدث إليكم.» # واستعنت في هذه اللحظة بما يمليه علي مركزي في لجان الشبان الشيوعي لأنقذ الموقف، فقلت ~~في جد ووقار: «اسمحوا لي أن أتحدث إليكم جميعا، إنكم تتجادلون متحمسين أكثر مما يجب أن ~~تتحمسوا، ولكنكم لا تفهمون ما تتجادلون فيه حق الفهم، إذا لم يسؤكم مني هذا القول، لست أنكر ~~أننا لا نزال تنقصنا أشياء كثيرة جدا، ولكننا نبذل كل جهودنا لسد هذا النقص، وسيكون لنا ~~عما قريب كل ما نحتاج إليه بما في ذلك الموسيقى. # قد لا يكون هذا المواطن موسيقيا بارعا مثل تشيكوفسكي، ولكنه ms072 إذا كان يؤلف مقطوعات ~~موسيقية جميلة، فإنه هو أيضا يعمل على إقامة صرح الاشتراكية، لقد جئت توا من مناجم ~~الفحم، وأنا أدرك شدة حاجتنا إليه، ولكني أؤكد لكم أن حاجتنا إلى الموسيقى لا تقل عن حاجتنا ~~إلى الفحم نفسه؛ ذلك أن من واجبنا أن نحتفظ بحرارة أرواحنا كما نحتفظ بحرارة ~~أجسامنا.» # وتبين لي أن عبارتي كان لها أكبر الأثر في نفوسهم، ولم أكن في حاجة إلى أن أخبرهم أني أحد ~~الصفوة المختارة، فقد كان صوتي ينم على أني من ذوي السلطان، ثم تطرق الحديث إلى موضوعات ~~شتى قبل أن يصل بنا القطار إلى دنيبروبتروفسك، وهو الاسم الذي سميت به إيكترنوسلاف ~~وقتئذ، وكنت أنا في جميع الأحوال المحكم في الخلاف وصاحب الرأي الأخير، ولعل الذين كانوا ~~يخالفونني في الرأي آثروا الحكمة على الشجاعة، ولم يحاجون رجلا من شباب الحزب ~~الشيوعي؟ # ووصلت المزرعة قرب المساء، والتقى بي كلبي ركر في الطريق، فلما رآني بلغت الحماسة منه ~~غايتها، ونظرت إلى نافذة كوخنا فشاهدت أمي تقرأ في ضوء مصباح كيروسين وقد تقدمت بها السن ~~قليلا، وهزل جسمها قليلا، وشاب شعرها قليلا، وفتحت الباب بخفة، وناديت وأنا أحاول تغيير ~~صوتي: «هل تقيم المواطنة كرافتشنكو في هذه الدار؟» # فصاحت ودموع الفرح تنحدر من عينيها: «فيتيا، حبيبي، عزيزي!» # وعرفت خلال السهرة ما وقع حولهم من أحداث، عرفت أن المزرعة التعاونية قد قضي عليها، ~~وأن الأسر التي لا تزال تعمل فيها لا تزيد على ثلاث أو أربع، وأن بعض الأسر الأخرى لا تزال ~~تقيم بها ولكنها كلها تشتغل بالصناعة في المدن القريبة، وأن أبي وإخوتي قد عادوا إلى ~~دنيبروبتروفسك، وأنهم يتقاضون فيها أجورا طيبة، وأنهم يرجون أن يجدوا قبل الربيع شقة من ~~حجرتين أو ثلاث حجر تلم شمل الأسرة من جديد. # أما مباني المزرعة التعاونية فقد أهملت وخيمت عليها الكآبة، فقد تصدعت سقفها في كل ~~مكان، وانفصلت أبوابها، وانتزعت العروق الخشبية من الجدران والسقف واتخذت وقودا، ~~وقال الفلاحون في الأماكن المجاورة: ها أنت ذا ترى أن الشيوعيين لا ms073 يستطيعون أن يفلحوا ~~الأرض، وأن كل ما يستطيعون فعله أن يقبضوا على الناس ويجبوا الضرائب، وجاء بعضهم لزيارتي ~~حين علموا بمقدمي، وكانوا يعاملونني بالاحترام الواجب للرجل الذي خبر العالم الخارجي، ~~وأمطروني وابلا من الأسئلة عن مقاصد «السلطة الجديدة» نحو الزراعة ونحو أرضهم. # وكذلك أحاط بي العمال في مصنع كربينو وأخذوا هم أيضا يوجهون إلي الأسئلة، وارتجلت أنا ~~الأجوبة التي خيل إلي أن الواجب يقضي على عضو في لجان الشبان أن يجيب بها عن أسئلتهم ، ~~وألقيت بعد بضعة أيام خطبة في نادي المصنع عن حياة عمال مناجم الدنتز، وما من شك في أني في ~~حديثي هذا قد جعلت الحياة في هذه المناجم تبدو لهم جميلة جذابة إلى حد ما، وإن لم أقف على ~~ما فيها من صعاب وعيوب، وعلى أثر ذلك أعلن أربعة من عمال كربينو الشبان أنهم يعتزمون الذهاب ~~إلى المناجم ليعملوا فيها، فأعطيتهم أسماء موظفي نقابة العمال الذين يتقدمون إليهم ~~وعناوينهم. # وقطعنا كتلة كبيرة من الخشب وأصلحنا باب الدوار - وكانت لا تزال لنا فيه بقرة واحدة - ثم ~~غادرت المزرعة إلى المدينة، وكان أبي وأخي الأصغر أوجين يعملان في مصنع بتروفسكي-لينين في ~~استخلاص المعادن وسبكها، ولم ألبث إلا قليلا حتى انضممت إليهم لأعمل في المعمل الميكانيكي، ~~أما أخي قنسطنطين فكان يعمل في مصنع آخر في دنيبروبتروفسك (وكان الاسم الذي أطلقه السوفيت ~~على إيكترنوسلاف لا يزال غريبا غير مستساغ)، وبقيت في هذا العمل نحو ثلاث سنوات حتى بلغت ~~سن الحادية والعشرين، فدعيت إلى الانضمام إلى الجيش الأحمر عملا بقوانين الخدمة ~~العسكرية. # وكانت المصانع التي نعمل فيها - وهي مصانع استخلاص المعادن وسبكها - تتكون من عدة أبنية، ~~وتشغل عدة فدادين على أطراف دنيبروبتروفسك، وكان يعمل فيها نحو 24000 رجل وامرأة، وتعد ~~من أكبر المشروعات الصناعية في روسيا الجنوبية، واشتهر هؤلاء العمال قبل الثورة في ~~الإضرابات والمشاغبات، فجعلوا بذلك لهذه المصانع شيئا من الأهمية التاريخية، وفيها كان ~~يعمل الرفيق بتروفسكي رئيس جمهورية أوكرانيا السوفيتية في أيام شبابه كما كان يعمل فيها ~~غيره من كبار ms074 الزعماء الشيوعيين في بداية أمرهم. # وكانت هيئة الحزب الشيوعي فيها ومنها لجان الشباب تضم حوالي ألفي عضو، وكانت أعمال ~~الدعاوة على الدوام قائمة على قدم وساق، وكثيرا ما قدم إلينا كبار الزعماء أمثال بتروفسكي ~~وركوفسكي وكجانوفتش ليخطبوا في اجتماعات المصنع، وأخذ نشاطي في أعمال لجنة الشباب يزداد ~~زيادة مطردة، وأخذت أدرس عدة برامج فنية شغلت معظم وقتي بعد فراغي من العمل، واضطلعت بدور ~~هام في المناقشات الأدبية والسياسية التي كانت تقوم في نوادي المصنع المختلفة. # على أن السنين التي انقضت بعد قيام الثورة لم تزد أبي ميلا إلى الشيوعيين، نعم إنه لم ~~يكن ينكر أن كثيرين منهم كانوا رجالا شرفاء مخلصين صادقي النية، ولكنه كان يرى أن الثورة ~~خيبت ما كان يرجوه منها في شبابه، ولست أنكر كذلك أنه لم يتدخل قط في نشاطي في لجنة الشباب، ~~وأنه كان يسره أن يراني أشق لنفسي طريقا في المجتمع الجديد الذي حولي، ولكنه لم يستطع أن ~~يحاجز نفسه من حين إلى حين عن توجيه الأنظار إلى ما يتمتع به الموظفون ورؤساء المهندسين من ~~رغد العيش، وما يعانيه صغار الصناع من بؤس وشقاء. # ومن أقواله لي: «إننا يا بني نتحدث عن الوحدة، ولكن انظر إلى المسكن الفخم الذي يسكن فيه ~~الرفيق ن، وإلى ما يتمتع به من سيارات وثياب غالية، ثم انظر بعد ذلك إلى الثكنات التي ~~يحشر فيها العمال الجدد القادمون من القرى كما يحشر السردين في العلب، وانظر إلى ~~مطاعم رجال الإدارة تر الحجرات النظيفة والطعام الشهي، أما مطاعم العمال فإن أي شيء يصلح ~~أن يقدم لهم فيها ...» # فكنت أرد عليه قائلا: «تمهل يا والدي، إن لدينا مشاكل كثيرة تتطلب جميعها الحل في وقت ~~واحد.» ~~- «أنا أعرف ما لديكم من مشاكل، ولكني أعرف أيضا أن الثغرة التي تفصل الطبقات العليا عن ~~السفلى لا تضيق، بل تزداد اتساعا. إن السلطة شيء خطر يا فيتيا.» # وارتقيت بعد قليل من المعمل الميكانيكي إلى مصنع الأنابيب، ولم تمض علي في هذا المصنع ~~الثاني سنة واحدة ms075 حتى كنت من رؤساء العمال فيه، وارتفع أجري ارتفاعا صلحت بسببه شئون ~~الأسرة المالية، وكنا أربعة أشخاص نتقاضى أجورا فاستطاعت أسرتنا أن تعيش في رغد رغم ارتفاع ~~الأثمان، وكانت السياسة الاقتصادية الجديدة - التي جعلت التجارة الخاصة عملا مشروعا - قد ~~أدت إلى فتح مئات من الحوانيت والمطاعم والمقاهي، وكان في وسع الإنسان أن يحصل على كل ما ~~يريد تقريبا إذا كان معه مال يبتاعه به. # وأخذت في كل يوم أزداد صلة بالكبراء من رؤساء العمال ، وكبار الموظفين المشرفين على ~~المصانع، وموظفي الحزب ونقابات العمال؛ ومن أجل هذا أصبحت أرى الحياة السوفيتية بعين ~~زعمائها، وأخذ هذا الميل يقوى في يوما بعد يوم على الرغم مني وعلى الرغم من تحذير والدي ~~لي من أن أقطع الصلة بيني وبين الجماهير، أما أخواي جيني وكوتيا فلم تتقد في صدريهما نار ~~الحماسة السياسية، وكان حسبهما أن يعملا جادين ولا يشتركا في مظاهرات ولا اجتماعات إلا ~~إذا لم يكن لهما بد من الاشتراك فيها، وكانا يقبلان الدعاية الشيوعية الرسمية كما يقبلها ~~سائر العمال العاديين بكثير من الريب والشكوك. # وكثيرا ما كان جيني يقول لي وهو يحاورني: «إن كل شيء فيك يا أخي الأكبر ينبئ بأنك ستكون ~~من رجال البيروقراطية الشيوعية على شريطة ألا تسمح لإنسانية والدنا الخيالية أن ~~تضلك.» # ولعل ربيع عام 1927م لم يكن يختلف في شيء عن ربيع الأعوام التي جاءت قبله أو بعده، لكن ~~مباهج هذا الفصل ستبقى أبد الدهر أعظم منها في سائر الفصول، وستبقى مساويه أخف من مساويها ~~جميعا؛ ذلك لأن فيه أخذت نار الحب تضطرم في قلبي، وكان اسم من أحببت أنا، وهي فتاة في ~~السابعة عشرة من عمرها زرقاء العينين ذهبية الشعر. # التقينا في وليمة في منزل أحد مفتشي الحوانيت، ولم نكن نتصافح باليدين حتى انمحى من ~~أمامنا منظر الوليمة والضيوف، فلم يعد له وجود. # وكان والد أنا كبير المهندسين في أحد الطرق الحديدية الرئيسية، وكان بعيدا كل البعد عن ~~المجتمع السوفيتي الجديد، وإن كان قد نشأ في أسرة من ms076 العمال وانضم وهو طالب علم إلى ~~الجمعيات الاشتراكية السرية، أما أمها فقد ظلت تحتفظ بما انطبع في نفسها قبل عهد الثورة من ~~شذوذ في الخلق ومن احتقار «للرعاع»، وظل شعوري بأن أنا ليست من «صنفي» كامنا تحت ستار ~~عواطفي الملتهبة أيام كان حبي الحقيقي الأول متوقدا في صدري، وكانت تتظاهر بأنها تهتم ~~بنشاطي في لجنة الشباب الشيوعي، ولكني كنت أعلم علم اليقين أن هذا النشاط يضايقها، ولم ~~تحاول والدتها قط أن تخفي احتقارها للشيوعيين ودعاواهم ، ولمركزي الاجتماعي الوضيع الذي لا ~~يعدو أن يكون مركز رئيس عمال في مصنع. # وسمعتها ذات ليلة تقول لأنا وهي متبرمة: «لو أن صديقك عضو لجنة الشباب كان مهندسا على ~~الأقل!» # وكانت أنا نفسها يتقسمها تأثير مدرستها السوفيتية والوسط الرأسمالي الذي كان يحيط بها ~~في منزلها، واستطعنا أن نقضي معا شهرا في استراحة مصنعي على شاطئ نهر الدنيبر، وكانت ~~تقابل كل دعاوتي الحزبية بالابتسام وهو حجة لم أجد لها قط جوابا. # ولكني أنا وهي أدركنا أن زواجنا أبعد من مناط النجم، وإن لم يصرح أحد منا بما يعتقد؛ ~~لأننا لم نكن متفقين في «التفكير». # وقد يبدو هذا غريبا، ولكن هذه الحقيقة لا يستطيع فهمها إلا من عاش في زمان وفي مكان طغت ~~فيهما السياسة على كل شيء، فلما عدنا إلى دنيبروبتروفسك افترقنا وبعدت بيننا الشقة، ~~ولما غادرت المدينة للانضمام إلى الجيش في أواخر عام 1927م، كان كلانا يعرف أن فراقنا هذا ~~فراق أبدي، على أنني قابلتها بعد أربعة عشر عاما من ذلك الوقت في مخبأ من الغارات الجوية ~~بمدينة موسكو. # كانت الحدود الممتدة بين إمبراطورية آسيا الوسطى السوفيتية الواسعة الرقعة ذات الشمس ~~الساطعة وبين فارس وأفغانستان وولاية كشمير الهندية، والتي يبلغ طولها ألفا وخمسمائة ميل، ~~كانت هذه الحدود من زمن بعيد مسرحا للقلاقل والحروب بين الروس وقبائل البسمتشي الضاربة على ~~طول هذه الحدود، وكثيرا ما ذكرت البلاغات الحربية أن هذه القبائل قد «أبيدت عن آخرها»، ~~ولكنها كانت تعود مرة أخرى للظهور وهي أشد ما تكون شراسة، ms077 تشن غارات جديدة وترتكب فظائع ~~جديدة. # وظلت أعمدة الصحف عدة سنين تفيض بالقصص المثيرة عن أعمالهم المروعة وطباعهم الذميمة، ~~فكانت تصورهم كأنهم عصابات من قطاع الطرق المتوحشين لا هم لهم إلا شن الغارات للنهب ~~والسلب بتحريض رؤساء الدين المسلمين، يستأجرهم الأمراء المخلوعون ويستخدمهم البريطانيون في ~~أغراضهم الاستعمارية، وكان هؤلاء الناس كما تصورهم الصحف الروسية قساة غلاظا إلى أبعد حدود ~~القسوة والغلظة، يعذبون أسراهم من السوفيت، وكان من عاداتهم المألوفة - كما تقول تلك الصحف ~~- أن يدفنوا الأسرى في الأرض إلى مناكبهم، ويتركوهم على هذه الحال حتى يموتوا تدريجا من ~~فرط الجوع والحر والظمأ، أو تلتهمهم الحشرات والنسور وهم أحياء. # وهذه الصورة التي ترسمها الصحف لأولئك القوم لم تكن تخلو من تناقض، فالتلصص والسلب لا ~~يفسران ما كانت تتصف به جماعات صغيرة من البسمتشي من عناد وجرأة في هجومهم على قوات الجيش ~~الأحمر النظامية الحسنة التسليح، والتلصص لا يتفق كل الاتفاق مع خضوع أولئك القوم لنفوذ ~~الملا الديني أو مع صلاتهم السياسية بالأمراء المسلمين وبالبريطانيين. # ولما زدت علما بتلك المشكلة فيما بعد تبين لي أن القصة كما ترويها هذه الصحف من صنع ~~الدعاوة السوفيتية، وأن البسمتشي لم يكونوا في واقع الأمر إلا وطنيين ديدنهم حرب العصابات ~~يشنونها على المغيرين الأجانب الذين يعتقدون أنهم قضوا على استقلالهم القومي، وأنهم كانوا ~~يعرضون حياتهم للخطر ليردوا عن بلادهم أولئك الذين يريدون أن يطمسوا معالم دينهم ويحولوهم ~~عن تقاليدهم، فهم في المبدأ إن لم يكونوا في التفاصيل، يشبهون الوطنيين الهنود الذين كانوا ~~يحاربون البريطانيين في الناحية الأخرى من الحدود. # وكان الحكام الروس في العهد القيصري يجبون الخراج من آسيا الوسطى، ولكنهم يتركون الأمراء ~~والرؤساء الدينيين يسيطرون على البلاد، ولا يمسون النظم السائدة فيها، أما السادة الجدد ~~فقد أخرجوا الأمراء من ديارهم باسم الإلهين الجديدين: لينين وماركس، وأخذوا يسخرون من ~~العقائد الإسلامية ويستوردون آلات «الكفرة» وأفكارهم ليوقظوا البدو الرحل من سباتهم الطويل، ~~وكانوا إلى هذا يفسدون عقول الشباب بما ينشرونه بينهم من الأفكار الغريبة، بل إنهم كانوا ms078 ~~يحرضون النساء على خلع النقاب وحرقه والخروج من عزلتهن. # هذه هي المخاوف التي جعلت عصابات البسمتشي المتحصنة في تلال إيران، وفي مدن السهول ~~الأفغانية، وفي التركستان الأصلية، تقاتل السادة الجدد وتظهر في قتالها الكثير من ضروب ~~البطولة والحماسة، وما من شك فوق هذا في أن أهل آسيا الوسطى كانوا في السنين الأولى من هذه ~~الحروب على الأقل يعطفون على أولئك الوطنيين، ولم يكن من قبيل المصادفة أن الجنود الذين ~~اختيروا لقتال أولئك القوم كلما ثاروا لم يكونوا من الكتائب المحلية بل من بلاد الروسيا ~~الأصلية. # ولكن القصة كما يرويها السوفيت لم تكن تخلو هي الأخرى من عناصر صادقة؛ مثال ذلك أن ما ~~وصفت به البسمتشي من عنف وقسوة لم يكن مبالغا فيه كثيرا، فلقد روى لي شهود عيان وبعض ~~من نجوا من هذا العنف وتلك القسوة وهم قليلون، تفاصيل مروعة عن أعمال أولئك القوم، ومما لا ~~ريب فيه أيضا أن النهب والسلب وتجارة المهربات الرابحة كانت تمتزج بروح الحماسة الدينية ~~والسياسية التي تضطرم به صدور هذه العصابات المحاربة، حتى ليصعب على الإنسان في بعض الحالات ~~أن يرى أين تنتهي الوطنية وتبتدئ المنافع المادية. # ومهما يكن من أمر أولئك القوم فقد كانوا مقطوعي الصلة بالشباب من الصناع والفلاحين في ~~أوكرانيا، فقد كان كل ما نعرفه من هذه الأحداث - إن كنا نعرف عنها شيئا على الإطلاق - أنها ~~مأساة دموية مروعة في عالم قاص لا يكاد أحد يعرف مكانه، وما هي إلا عشية أو ضحاها حتى ~~أصبحنا جزءا من هذه المأساة يدفعنا إليها حب المغامرة المتألق سناه أمام أعيننا، ولكن كان ~~من وراء هذا التحمس الظاهر قلوب تحس بما يتهدد حياتنا من خطر فيقلق ذلك بالنا بعض ~~القلق. # ووضع منا أربعة وعشرون - كلهم مجندون جدد من إقليم دنيبروبتروفسك - في سيارة نقل ~~لتسافر بهم إلى بلاد البسمتشي، وأخذنا نغني ونقص القصص ونحن جد فخورين؛ إذ وقع علينا ~~الاختيار لنكون من فرقة الفرسان المنتقاة التي تعسكر في جمهورية التركمان السوفيتية، لكنا ~~تذكرنا في أثناء الليل ms079 ونحن في العربة المظلمة ما سمعنا أو قرأنا عن قسوة البسمتشي ~~ووحشيتهم. # ثم سرى في قلوبنا حنين إلى أوطاننا، ودار حديثنا حول البنات اللاتي خلفناهن وراءنا، وحدث ~~أن كان كستيا ابن عم حبيبتي أنا من بين هؤلاء المجندين، فأثار وجوده بيننا وما ينتظر من ~~فراقي الطويل لها نار الحب الكامنة في قلبي. # ثم قدمنا إلى باكو مدينة «الذهب الأسود» وقضينا فيها بضعة أيام فأنسانا ما فيها من حركة ~~دائمة كل ما كنا نفكر فيه من قبل . # لقد كان هذا المركز العظيم من مراكز الزيت خليطا عجيبا من الأساليب الشرقية والتنظيم ~~الصناعي الحديث، وكان أهلها مزيجا من الروس والمغول، يلبس معظمهم ملابس الغربيين، ولكن ~~الكثيرين منهم يرتدون ملابس أهل الشرق الأدنى الفضفاضة، ذات الألوان الكثيرة الزاهية والستر ~~الضيقة الوسط التي تصل إلى الركبتين، والقبعات المستدقة المصنوعة من الفراء، والتي يلبسها ~~سكان سهوب قزاقستان، وفي شوارع المسلمين الضيقة التي يتضوع منها أرج الطيب رأيت لأول مرة ~~النساء المحجبات في مآزرهن السابغة المعروفة بالبرنجات، وقد غطين وجوههن بنقب مثلثة الشكل ~~من شعر الخيل، فكن أشبه بالزكائب المتحركة لا تستبين لهن شكلا ولا سنا. # وستظل مدينة باكو أيضا مرتبطة في مخيلتي بمنظر البحر العظيم الذي وقعت عليه عيني لأول ~~مرة، ذلك أن القادم من داخل البلاد ينطبع في ذهنه منظر الماء الممتد إلى ما وراء الأفق فلا ~~ينسى هذا المنظر أبدا، وكانت رائحة الزيت تملأ جو المدينة كله، بل خيل إلي أن هذا ~~الزيت قد امتصته وجوه سكانها كلهم وأيديهم. # وانضم إلينا في باكو مئات من المجندين جيء بهم من أنحاء متفرقة من البلاد، وعبرت بنا ~~النقالة الصغيرة كلنتي بحر الخزر إلى ميناء كرستوفدسك، وقضينا بعض الوقت عند شاطئ البحر قبل ~~أن نركب القطار إلى أسخاباد، ورأينا على رصيف الميناء أكواما من البطيخ الأصفر كأنها قنابل ~~المدافع، وشاهدنا التركمان الضخام الأجسام السمر الوجوه، معظمهم ملتحون، وكلهم عراة الصدور ~~والبطون، وعلى رءوسهم عمائم من مناديل ملونة، يقذفون البطيخ إلى رفاق لهم في سفينة قذفا ~~منتظما، ms080 وهم يغنون أهازيج مطربة بصوت عال. # وكانت تبدو على أسخاباد - التي سميت فيما بعد استاليناباد - مسحة شرقية تكفي لأن ~~تشبع رغبة الشباب في اجتلاء كل ما هو جميل، فقد كانت تخترقها شوارع ضيقة غير مرصوفة، تتلوى ~~بين جدران عارية من اللون، خالية من النوافذ، تلتقي في ميادين مشتبكة صاخبة بعضها ذات سقف، ~~وتتردد في أسواقها أصداء مطارق الأساكفة والحدادين وغيرهم من الصناع، يعملون في الهواء وهم ~~جلوس مطويو السيقان، والنساء المسلمات في كل مكان كأنهن عمد قائمة لا شكل لها ولا لون، غير ~~أنك كنت ترى أحيانا إحداهن ترفع طرف نقابها المتخذ من شعر الخيل، وتشير في دلال ظاهر إلى ~~الروس السمجاء الأغبياء. # واستقبل القطار الذي أقلنا عند وصوله بالموسيقى والمظاهرات، ووقف العمال الذين ~~جاءوا من مصانع القطن ووجوههم كالحة لا تستبين فيها معنى من المعاني، بينا كان الموظفون ~~يلقون الخطب الرنانة يحيون بها الرفاق البواسل الذين جاءوا ليحرسوا الحدود من البسمتشي ~~الأوغاد، ولم يكن لدي من الأسباب ما يجعلني أشك في أقوالهم وقتئذ، ولكنني فيما بعد ~~تولتني الحيرة، فلم أدر لم لا يجند من أهل البلاد من يحرسون الحدود؟ ثم عرفت بعد ذلك ~~أيضا أن الجيش الأحمر لم يكن في تلك البلاد إلا جيش احتلال في بلد أجنبي بالرغم من كل ما ~~تلوكه الألسنة من دعاوى الزمالة. # وأقلتنا العربات من أسخاباد إلى المعسكر الكبير القائم على الحدود الإيرانية، والذي ~~أقمت فيه طوال السبعة أو الثمانية الأشهر التالية، وأقمنا في الثكنات الطويلة الجرداء التي ~~كانت مقرا للجنود في عهد القياصرة السابق. # وكان الإقليم الذي اجتزناه في طريقنا إلى المعسكر صحراويا في أكثر جهاته، منه بقاع ~~صفراء جرداء، ومنه بقاع مغطاة بالحسك العطري الجاف، أما الإقليم المصاقب للحدود فكان ذا ~~مناظر متعددة متباينة، يكثر فيه النبات الأخضر الغض، ونزلنا عند سفوح سلسلة الجبال التي ~~تحرس حدود إيران من جهة الشمال. # وبدأ تدريبنا العسكري بحمام بخاري وتطهير ملابسنا وقص شعرنا حتى أصبحت رءوسنا ولا فرق ~~بينها وبين وجوهنا، وخطبة سياسية ألقيت علينا، ms081 ولقنا أن ليس بين البسمتشي والجنود ~~الحمر من صلات إلا أن نقتلهم أو يقتلونا، وقيل لنا: إننا سندعى للطواف في أماكن خطرة، ~~فرادى أو أزواجا، ليلا أو نهارا، وإننا في حاجة إلى كثير من اليقظة والفروسية وإتقان ~~الرماية، وقضينا بعدئذ في التدريب عدة أسابيع، لم يدخر فيها أحد منا جهدا حتى أقلنا ~~طموحا. # ولم نكد نبدأ العمل حتى انضممت إلى أسرة محرري حرس الحدود الأحمر، وهي صحيفة المعسكر، ~~وكنا نحن أعضاء لجان الشباب أقلية بين الجنود ونهضنا بالتبعات الملقاة علينا على خير وجه، ~~وكان النظام الدقيق الذي يسود المعسكر الحربي يسري فيه قدر كبير من الروح الديمقراطي، فلم ~~نكن نتردد في أن ننقد في صحيفة المعسكر الأحوال السائدة فيه أو الضباط أنفسهم، وكثيرا ما ~~كنا نذكرهم بأسمائهم. # وكان من بين أولئك الضباط رجل يدعى جالشكا أغضب الجنود بفظاظته وسوء خلقه، وكنت أنا ~~أطيعه وأنفذ أوامره دون تردد أو تذمر؛ لأني وأنا محرر في الصحيفة أحببت أن أكون حرا فيما ~~أوجهه له من نقد، وألا يكون هناك شك في أني أطيعه بوصفه ضابطا، وإن كنت أشعر أن من واجبي ~~أن أوجه إليه سهام النقد بوصفي محررا في صحيفة المعسكر. # ومضت فترة من الوقت تظاهر فيها بأنه لا يعبأ بالمقالات القصيرة التي أخذت عليه فيها أنه ~~يرفع صوته على الجنود، ويوجه إليهم ما لا يليق من الألفاظ، ويستبد بهم، ولكنه لم يلبث أن ~~خضع واستسلم. # وجاءني يوما من الأيام وقال لي: «يا رفيق كرافتشنكو، إني أريد أن أتحدث إليك.» وقال لي ~~ونحن في طريقنا من الثكنات إلى الإصطبلات إنه لا يعرف قط سببا يحملني على اضطهاده، وسألني ~~هل يليق بعضو في لجان الشباب أن يقوض دعائم سلطة قائد من قواد الجيش الأحمر؟ # فأجبته وأنا معتد بنفسي اعتداد شاب في الثانية والعشرين من عمره: «إن الذي أهدف إليه يا ~~رفيق جالشكا هو أن أدعم سلطتك لا أن أوهنها، فإن ظللت تعامل رجالك كأنهم أقذار لا قيمة لهم، ~~فإنهم سيحتقرونك ولا يطيعونك إلا وهم ms082 كارهون، أما إن عاملتهم معاملة الآدميين والرفاق ~~السوفيت، فإنهم سيطيعونك وهم راضون مغتبطون، وإذا جد الجد فإن هذه المعاملة قد تكون هي ~~الفيصل بين النصر والهزيمة في ميدان القتال.» # وعقدنا اتفاقا فيما بيننا - بين الضابط والجندي البسيط - أخذ فيه على نفسه أن يهذب خلقه، ~~ووعدته أنا ألا أتعرض له في حرس الحدود الأحمر، وأغرب ما في هذه القصة أن القائد جالشكا لم ~~يف بوعده فحسب، بل أصبح فوق ذلك من أحب الضباط إلى الجنود في هذه الحملة، وكان هذا في نظره ~~غريبا كل الغرابة، فقد كان إذا تولى القيادة تمنى الجنود أن يسيروا تحت لوائه، وإذا سار ~~بنا إلى معركة محفوفة بالخطر عجبنا من شجاعته تحت وابل الرصاص. # ولما تم تدريبنا أرسلنا إلى مطاردة المهربين والبسمتشي في جنح الظلام؛ ولم نكن نعجز ~~عن الحصول على معلومات سرية من عيون مأجورين عن الحركات الدائرة على جانبي الحدود، فقد كان ~~الناس يتلقفون نتفا من المعلومات في المقاهي الفارسية والأفغانية عن البضائع الواردة أو ~~الصادرة، وعن الحملات التي تدبر للإغارة على القرى السوفيتية، وكان الوسطاء ينقلون هذه ~~المعلومات القليلة إلى قيادة الجيش الأحمر. # وكثيرا ما كانت الحملة تخفق في الالتحام بالطريدة بعد البحث الطويل، وكان الطرفان ~~يتبادلان الطلقات أحيانا، ولكن وقعت مرة واحدة على الأقل في أثناء خدمتي ملحمة عجيبة ~~تحمل فيها الطرفان بعض الخسائر، وأقول ملحمة عجيبة؛ لأنها دارت في ليلة مطيرة حالكة ~~الظلام، كان فيها كل من الطرفين يقاتل عدوا لا يراه. # وتفصيل ذلك أن رجلا ملتحيا من التركمان، على رأسه قبعة عالية من الفراء، أرشد قواتنا في ~~تلك الليلة إلى مكان قال مستندا إلى ما وصله من الأنباء: إن في وسعنا أن نقطع فيه الطريق ~~على قافلة من المهربين، وسرنا على خيولنا سيرا وئيدا نحو ساعة من الزمان في جو مطير ~~زمهرير، وكنا نقف من حين إلى حين ننصت لعلنا نسمع صوتا، حتى استطعنا في آخر الأمر أن نتتبع ~~أثر العدو، فأرسلنا الصواريخ في السماء لتنير لنا ما حولنا برهة ms083 وجيزة، ثم أمرنا تارسوف - ~~رئيس كتيبة القسم السياسي وقائد هذه الحملة - أن ننتشر ونبدأ الهجوم. # وظللت بعض الوقت أطلق الرصاص على غير هدف في اتجاه الأصوات التي أمامي، ثم لم أشعر إلا ~~وأنا أكاد أسقط على رجل من التركمان اقترب مني حتى استطعت أن أرى عينيه في الظلام، ورأيته ~~يصوب بندقيته نحوي، ولكنني استطعت أن أسبقه إلى إطلاق الرصاص عليه، وسقط الرجل عن جواده، ~~ولكن يبدو أنه لم يصب إلا بجرح غير قاتل؛ لأنه حاول أن يطلق الرصاص علي مرة ثانية، ~~فقفزت عن ظهر جوادي، وانتزعت البندقية من يده، وأمرته أن يقف. # ورأيت أمامي رجلا متقدما في السن، عريض اللحية، يداه مرفوعتان فوق رأسه، والدم يسيل على ~~خده، ونطق ببضع كلمات بلسان قومه، ثم بكى، وأيقنت أنه يتوسل إلي أن أبقي على حياته، ~~فانتزعت خنجره من جرابه، وأرسلته إلى أحد الضباط. # وانتهت المعركة قبل شروق الشمس، وفر كثيرون من المهربين بلا ريب، ولكن عددا كبيرا منهم ~~جيء بهم إلى معسكرنا، ومعهم كثير من الجمال المثقلة بالأحمال، وقبل أن تغرب شمس اليوم كانت ~~كتيبة من الرماة قد أعدمت كل واحد من الأسرى التركمان رميا بالرصاص؛ عملا بأوامر كبار ~~الضباط. # ثم عينت بعدئذ أنا وكوتيا وبعض الجنود في أحد المراكز الأمامية على بعد بضعة ~~أميال من المعسكر، وسر الذين كانوا يحتلون هذه النقطة قبلنا حين جئنا إليهم؛ لأن مجيئنا ~~يعفيهم من العمل فيها، وكان أحدهم قرويا من كيف لا يحزنه إلا أنه سيضطر إلى التخلي عن ~~حصانه، وهو جواد جميل نبيل كان يدعوه لورد كيرزن لأسباب لم تتضح لي في يوم من الأيام، ولم ~~يسلمه لي إلا بعد أن أخذ علي المواثيق بأن أحسن معاملته، فلما عاهدته على ذلك قال لي ~~مؤكدا: «أحسن معاملته، وسيكون كيرزن أخا لك، فهو أنبل شعورا من معظم الناس.» # وكان المركز الأمامي الذي نحتله عند مخرج ممر ضيق بين التلال، وحدث في الأسابيع التي تلت ~~ذلك الوقت ما جعلني أحمد لمواطني أن أورثني لورد كيرزن، فقد وجدت ms084 أن الجواد ليس شديد ~~الإحساس لأقل مس مني فحسب، بل إنه في رأيي يحس بأفكاري نفسها، وكان أشد ما يطمئنني أن أشعر ~~بأني أمتطي صهوته وأنا قائم بنوبتي في الحراسة منفردا في أثناء الليل بعيدا عن رفاقي؛ ذلك ~~أن كل صوت نسمعه سواء كان من حصاة ساقطة أو من حفيف أوراق الشجر، أو عواء ابن آوى جائع، كان ~~يكفي لتنبيه كيرزن وراكبه. # وكان النظام المتبع أن كل جندي يقبض على مهرب ينال ثلث قيمة البضائع التي تضبط معه، ~~ولم يسعدني الحظ بشيء من هذا، ولكن كثيرين من الجنود كانوا يعودون من حراسة الحدود إلى ~~قراهم بعد أداء خدمتهم وهم أغنياء كما يفهم من لفظ الغنى في بلاد السوفيت. # وإن أنس لا أنس ما حييت منظر زياما الشاب اليهودي الأسمر النحيل، ولم يكن زياما نفسه أو ~~أي إنسان غيره يعرف أية حيلة منطقية بيروقراطية جاءت بهذا الفتى إلى كتيبة الفرسان وأرسلته ~~إلى الحدود الإيرانية، فقد بدأ حياة الفروسية لا يعوقه إلا عائق واحد، وهو خوفه الشديد من ~~الخيل، وكان بعض رفاق هذا الشاب المسكين يسخرون منه، ولكن معظمنا كانوا يشفقون عليه، ~~وحاولنا أن نعلمه ركوب الخيل والقبض على أعنتها، فكان يخيل إلينا أحيانا أنه سيموت من ~~شدة الخوف، ولكن زياما لم يكد يتغلب على خوفه حتى أدهشنا ببراعته في الفروسية وبجرأته ~~ورباطة جأشه، فكان يقضي الليالي مقتفيا آثار المهربين، وهدته غريزته القوية النادرة في ~~ليلة من الليالي إلى القبض على مهرب مثقل بالبضائع، فنال بذلك ثروة طائلة مكافأة له على هذا ~~العمل. وكثيرا ما أنجاني لورد كيرزن من الهلاك بفضل قوائمه الثابتة القوية كما كان أيضا ~~سبب ختام حياتي العسكرية. # فقد كنت في إحدى الليالي أطوف بأرض شجراء بعيدة عن مركزي، ومعي أحد الجنود، وقد انقضى من ~~الليل معظمه، وسمعنا أصواتا من بعيد، فصحت بأصحابها الذين لا نراهم وأمرتهم بالوقوف، ~~واندفعت أنا ورفيقي نحو مصدر الصوت، فزلت قدم كيرزن وألقاني على الأرض من فوق ~~عنقه. # هذا كل ما عرفته عن نفسي ms085 في ذلك الوقت، وناداني رفيقي من بعيد ولكنه لم يتلق منى ~~جوابا، وعثر على جوادي ولكنه لم يعثر على أي أثر لي، ثم عاد إلى المعسكر بعد أن قضى بعض ~~الوقت يبحث عني من غير جدوى، وأرسلت سرية للبحث عني فعثرت علي بعد بضع ساعات في منقع ~~من الماء مرضوضا فاقد الإحساس. # وقضيت عدة أسابيع طريح الفراش في مستشفى عسكري بالقرب من أسخاباد، أتلوى من شدة الألم ~~وأحس أن ليس في جسمي عظم واحد سليم ومستقر في مكانه الطبيعي، ولكن القائمين علي تبينوا أن ~~كل إصاباتي كانت سطحية، وكان في المستشفى ممرضتان تبديان علي وعلى غيري من المرضى عطفا ~~وحنانا، وتبذلان لنا من العناية ما حببهما إلى قلبي وإلى قلوب سائر نزلاء المستشفى، ولم ~~يكن خافيا علينا أنهما من الطبقة الراقية وأنهما منفيتان من بتروغراد، وصرحت لي إحداهما ~~وهي ليديا بفلفنا بأنها أميرة من أميرات الأسرة المالكة. # ولما شفيت وأصبحت قادرا على السفر أرسلت إلى كيف، وبقيت في أحد مستشفياتها نحو شهر من ~~الزمان، ثم قضيت شهرين آخرين في مصحة بهذه المدينة، سرحت بعدهما وعدت إلى عملي الأول ~~رئيسا للعمال في مصنع بتروفسكي-لينين بدنيبروبتروفسك، وكان ذلك في صيف عام 1928م، وأنا ~~أطوي السنة الثالثة والعشرين من عمري. # الفصل الخامس # | قطع الصلة بالماضي # قلما يشعر صغار الممثلين في مسرحية تاريخية عظمى بما في هذه المسرحية من عظمة؛ ذلك أن ~~انهماكهم في تمثيل أدوارهم فيها لا يمكنهم من رؤية خطوطها الرئيسية، ولقد كنت أنا واحدا من ~~هؤلاء الممثلين في مستهل عام 1929م، كنت أحد الشبان المتحمسين الذين تشبعت نفوسهم بالمبادئ ~~السامية والخطط التي وضعت في ذلك الوقت الذي أخذت فيه بلادي تستحث الخطى نحو ثورة جديدة ~~أبعد غورا من بعض الوجوه من ثورتها الماضية، والذي كان فيه ستالين وأعوانه المقربون ~~منهمكين في كفاح مرير مع خصومهم في الهيئة السياسية العليا وفي الحزب الشيوعي كله إلى حد ~~ما، يبذلون قصارى جهدهم لاستئصال بقايا النزعة الاقتصادية الرأسمالية والعقلية الرأسمالية، ~~حتى يقودوا روسيا في طريق ms086 التنظيم الصناعي والإنتاج الزراعي الجماعي. # ومن أجل هذا أخذ كل ما لا يزال عالقا بالثورة، ولكنه مطبوع بطابع الوهن والتردد، أو غير ~~متفق مع مطالبها، أخذ كل هذا ينسلخ عنها، وأصبح الولاء للحزب، أي الواجب الذي تفرضه على ~~الأعضاء طائفة معينة من الأهداف، أصبح هذا الولاء أجل شأنا من جميع المصالح الشخصية، ~~وأضحت الآلة الجديدة - وهي رمز التنظيم الصناعي ومادته - ذات شأن خطير في حياتنا، يجعل لكل ~~يوم من أيامها قيمة تعدل عدة أيام من حياتنا الماضية ، فهي منهومة لا تشبع، ذات قوة خفية في ~~حياة البلاد العادية، وخيل إلينا أن ما يعانيه أصحاب النزعة الإنسانية من بلاء ليس إلا ~~بقية من بقايا الماضي العجيب وأثرا من آثاره. # وجرف هذا التيار الجديد آلاف الآلاف من الخلق - طائعين أو مكرهين - فانتزعهم من حياتهم ~~المألوفة ودفعهم أمامه في مجار جديدة، وكانوا في معظم الأحيان لا يجدون كفايتهم من الطعام ~~أو الكساء، ولا يتطلعون إلى أمل وإن كان كاذبا يخفف عنهم ما هم فيه من شقاء، وأنا عليم ~~بالحادثات الفردية التي وقعت خلال هذا التطور الجديد بطبيعة الحال، أعرف ما هو خير منها وما ~~هو شر، ولكني كنت أنظر إليها بعيني حدث في الثالثة والعشرين من عمره، لقن مبادئه ~~السياسية في أحضان لجان الشباب أو في الجيش الأحمر، وآمن بأن الروسيا مقبلة على مستقبل خير ~~من ماضيها، وكنت لذلك من أشد عمال مصنعنا يقظة وأكثرهم شعورا بالواجبات الاجتماعية، يثلج ~~صدري ما أبذله من الجهود في القيام بواجباتي اليومية الإنشائية. # ولقد كانت هناك عيوب كثيرة وآلام شديدة تقض مضاجع الكثيرين، ولكن هذه العيوب والآلام كانت ~~تصحبها حماسة مروعة وآمال تلهب الصدور، لقد كان الأمل في حسن مستقبل البلاد قويا جياشا؛ ~~ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة المحضة أنني اخترت هذه الفترة بالذات لأنضم إلى الحزب ~~الشيوعي، وكنت فيه واحدا من تلك الأقلية التي تحركها الآراء الكامنة وراء المجهود الإنتاجي ~~العظيم، وتملكتني أنا ومن معي رغبة في العمل كانت تبلغ من القوة أحيانا حد الجنون، ms087 وقد ~~يكون في مواطني من يصبرون على الثورة الجديدة وهم ساخطون مكتئبون، كما صبروا من قبل على ~~آلام القحط العظيم، وقد يقبلونها على أنها شر طبيعي لا بد منه، أما أنا وأمثالي ممن اعتصموا ~~بالمبادئ وامتلأت قلوبهم إيمانا بالعهد الجديد، فقد بدا لنا أن ما نعانيه من آلام إن هو ~~إلا ثمن نشتري به المستقبل السعيد الذي ترتقبه البلاد وأبناؤها، وخيل إلينا أن التنظيم ~~الصناعي مهما يكن الثمن الذي يبذل فيه، وانتشال الأمة من وهدة التأخر، هما أنبل الأغراض ~~التي يمكن أن يعمل لها إنسان. # وهذا هو الذي يوجب علي أن أقاوم ما قد تنزع إليه نفسي من الحكم على حوادث تلك الأيام في ~~ضوء ما أشعر به اليوم، لقد كانت حياتي كلها عملا وكدحا وحرمانا، وبدا لي أن المطاعن التي ~~يوجهها إلي هذا النظام «الأحرار الذين ولى زمانهم» والذين لا هم لهم إلا الانتقاد ثم ~~البقاء خارج دائرة الجهود؛ خيل إلي أن هذه المطاعن لا تفيد إلا في بث الملل والسآمة ~~في النفوس. # واغترق العمل جهدي وتفكيري، اغترقه عملي رئيسا فنيا للعمال في مصانع تطريق المعادن، ~~وما عقدته من صلات جديدة مع الموظفين وذوي النفوذ من الشيوعيين، وما يلقيه علي الاشتراك ~~في تحرير صحيفة المصنع من واجبات عاجلة، وكنت مولعا بالعمل، لا يخطر ببالي قط أني - بعد أن ~~أكدح طول اليوم في حر المصنع أو المعمل الكيميائي وصخبهما - قد أكون متعبا لا أستطيع حضور ~~الاجتماعات أو سماع الدروس الفنية، أو القيام بالمشروعات الاجتماعية أو أداء بعض الواجبات ~~الكتابية، كأن التعب من أوهام الممولين. # وكانت الصحافة والإذاعة ترددان العبارات التي اتخذت شعارا للعهد الجديد، اللحاق بالبلاد ~~الرأسمالية وسبقها! إلى العمل على تصنيع الروسيا والقضاء على طبقة كبار الملاك! وكأن البلاد ~~كلها قد استحالت مصنعا ضخما تغلي مراجله، فكنا نأكل وننام ونعمل وسط عجيج المعارك، وكانت ~~حياتنا تغمرها اجتماعات المال والدرس المتواصل، والاستماع إلى الخطب الرنانة طعنا على ~~أعداء البلاد من أهلها ومن الأجانب عنها. # وكان يخيل إلينا أن مناقشة القرارات ms088 التي تهبط علينا من سماء الكرملن بألفاظ من نار لا ~~تقل حمقا عن مناقشة الصواعق أو الزلازل، لقد كنا نقبل هذه القرارات كأنها وحي من السماء، ~~وكانت بطبيعة الحال تشرح لنا وتفسر في خلال دراساتنا السياسية التي لم تكن تنقطع ~~أبدا، ولم يكن ما يقال لنا يتفق حتما مع ما تضمره عقول الزعماء في الكرملن، ولكن عقولنا ~~لم تفطن إلى هذه الحقيقة في تلك الأيام. # ولم يكن لي قط شأن بالشرطة السياسية المعروفة «بالقسم السياسي»، على أني كنت أحسب أن ~~الخطر المحدق بالبلاد في تلك الساعة الحاسمة من حياتها يحتم فرض الرقابة على كل إنسان ~~فيها، ولم يكن أحد تسوءه هذه الرقابة إلا أبي وأمثاله من الشيوخ ذوي الذكريات الماضية ~~الطويلة، ولكن هذا التحذلق كان يبدو لنا في غير موضعه، ولا فرق بينه وبين الدعوة للسلم في ~~ميدان القتال. # وجاء إلى مصنعنا في أوائل عام 1929م رجل من كبار البلاشفة القدامى يدعى كرستيان ~~ركوفسكي، وألقى خطبة في اجتماع عام، شهده عدد كبير من المستمعين، وتكاد تكون هذه آخر مرة ~~أجيز فيها لرجل من أعداء ستالين أن يتحدث إلى الجماهير، وجاء أبي بعد بضعة أيام يقص علينا ~~نبأ هذا الاجتماع، وكان في أثناء حديثه مكتئبا، وأنا أدرك الآن سبب هذا الاكتئاب. # وكان مما قاله لنا: «لقد انتقد ركوفسكي زعماء الحزب، ولست واثقا من أن هذا النقد صحيح ~~كله أو أن كثيرا من العمال يوافقونه عليه، ولكنا فهمنا من قوله أن هناك نزاعا على السلطة، ~~وأن كفة ستالين هي الراجحة في هذا النزاع، وكان بعض المستمعين يميلون إلى جانب ركوفسكي ~~ويعطفون عليه، وأخذوا يلقون عليه الأسئلة ويصفقون بأيديهم تأييدا لرأيه، ثم غادرنا ~~ركوفسكي، ولم تكد تشرق شمس اليوم الثاني يا ولدي حتى استدعى رجال القسم السياسي العمال ~~الذين أظهروا شيئا من العطف عليه ...» # وبعد بضعة أيام من ذلك الوقت ذهبت إلى كزلوف أمين سر اللجنة الإقليمية (الرايكوم) للحزب، ~~فلما أقبلت عليه حياني أحسن تحية، وكان يعرف أني أوشك أن أتقدم بطلب رسمي ms089 للانضمام إلى ~~الحزب، ويرى في جنديا من جنوده كبير القيمة عظيم النفع، فقد أصبحت جم النشاط في شئون ~~المصنع والمدينة على السواء، وأخذ اسمي وصورتي يظهران كثيرا في نشرات النقابات والنشرات ~~الصناعية والمحلية التي تصدر في المدينة. # وقال لي كزلوف وهو يضحك: «إن أباك يا رفيق كرافتشنكو رجل شاذ غريب الأطوار.» # فسألته وقد استولى علي بعض القلق: «ماذا حدث؟» ~~- «لم يحدث شيء ذو بال، وكل ما في الأمر أن عددا قليلا منا ممن ينتمون إلى لجنة الحزب ~~الإقليمية ذهبوا إلى الإدارة الميكانيكية، حيث لا يزال لزيارة ركوفسكي بعض الأصداء الفاسدة، ~~وأردنا أن نتحدث إلى عدد قليل من الصناع لنتعرف حقيقة الموقف هناك، فسألنا منهم أفرادا ~~قلائل متفرقين، ثم تقدمنا آخر الأمر إلى أبيك الشيخ.» # وسألته أنا بأرق الألفاظ وأكثرها مجاملة: «كيف تسير الأمور؟ فماذا كان جوابه في ظنك؟ ~~لقد حدجني بنظرة فاحصة من قمة رأسي إلى أخمص قدمي ثم قال لي: لا تتدخل في عملي، إن هذا مصنع ~~لا ناد، وإذا أردت أن تعرف أفكار العمال فاسأل عنها قسمك السياسي فإن من عمله أن يعرف هذه ~~الأفكار. # ما أغرب أباك يا فكتور أندريفتش! وكان سينيا فلجن معي في أثناء الحديث وهو عضو في لجان ~~الشباب كما تعرف، ولهذا حاول هو أيضا أن يحمل أباك على الإفصاح عن رأيه فقال له: إنك يا ~~مواطن كرافتشنكو من العمال القدامى المحترمين، وقد حاربت القيصر، ونحن أعرف الناس بك، ~~وهذا هو السبب الذي يدعونا إلى أن نعرف أفكارك، فما كان من أبيك الشيخ إلا أن ثار وقال ~~محتدا: اسمعا أيها الشابان، إنكما لا تزالان طفلين في السياسة، وليس في وسعي أن أناقشكما ~~في شيء من الشئون الجدية.» # ثم ضرب كزلوف صفحا عن الموضوع كله وقال في شهامة ورحابة صدر إن الأقوال التي صدرت من أبي ~~ليست إلا سورة من شيخ مكلوم طاعن في السن ساخط على ما ارتقى إليه العالم الجديد، ثم ~~سألني: «ومتى تتقدم بطلب الانضمام إلى الحزب؟» ~~- «في القريب العاجل على ما ms090 أظن.» ~~- «حسن! سأحضر الاجتماع لأزكيك، فإنا في حاجة إليك يا كرافتشنكو؛ لأن أمامنا أعمالا شاقة ~~كثيرة، وليس في مقدورنا أن نعتمد على الجيل القديم، بل ليس في مقدورنا أن نعتمد على خير ~~رجال ذلك الجيل.» # وهكذا كان كبار الشيوعيين يغرونني من آن إلى آن بالانضمام إلى الحزب، وكانوا يقولون لي ~~إني ما دمت أعمل معهم وأعينهم في كفاحهم من أجل الحياة الجديدة، فلم أتنحى عنهم من الوجهة ~~النظامية، والحق أني كنت متفقا معهم في كل شيء، وكنت منضما إليهم بقلبي وآمالي؛ ولذلك ~~اعتزمت أن أنضم إلى الحزب مخلصا لمبادئه، لا تخالجني فيها ريب ولا هواجس، سأنضم إلى الجيش ~~العامل على إقامة صرح العالم الصناعي الجديد والعالم الاشتراكي الجديد. # وكنا في صحيفة المصنع نستمتع بحرية واسعة داخل دائرة نظام الحزب، ولم يكن بين محرري ~~الصحيفة من لم ينضم بعد إلى الحزب إلا أنا ورجل آخر يدعى بلسكوف، وكانت الصحيفة في ~~بادئ الأمر أسبوعية ثم أصبحت فيما بعد يومية، وكان يوزع منها نحو 35000 نسخة، وكان يقرؤها ~~بطبيعة الحال كل شخص يعمل في مصانع بتروفسكي-لينين تقريبا، بل إنها تعدت دائرة المصنع ~~وانتشرت بين رجال الاقتصاد وبين موظفي الحزب في الإقليم كله بل وفي موسكو نفسها. # وكان كل ما يكتب في الصحيفة يمر بطبيعة الحال على الرقيب، ولم يكن يسمح لها بأن تنشر ~~شيئا يمكن أن يلقي ظلا من الشك على التنظيم الصناعي أو على سياسة الحزب الشيوعي، والحق ~~أن أحدا لم يكن يدور بخلده أن يكتب شيئا من هذا القبيل إلا إذا كان بعقله خبال، أما ~~مهاجمة إدارة المصنع وموظفي الحزب والنقابات، وما كان يحدث في أعمال الإنتاج والإدارة من ~~أخطاء فردية معينة، فهذه كلها كان يسمح بنشرها، وكان القراء يخدعون بهذا فيعتقدون أن ~~الصحيفة تعبر عن الرأي العام. # وكان النقد الذاتي - سمو كريتيسكا - من أهم شعائر ذلك العهد، وكان الناس جميعا يشجعون ~~على أن يقولوا «كل ما يعرفون» من العيوب والأخطاء والوسائل التي يمكن أن يستعان بها على ~~الإصلاح في الصحف ms091 العامة، وفي صحف المصانع والمزارع، وفي النشرات المعروفة «بأوراق ~~الجدران»، وكان هذا الانتقاد من الوسائل التي ابتكرت لتحسين نوع العمل، ولكنه كان في بعض ~~الأحيان سوطا يسلطه كبار البيروقراطيين على رءوس صغارهم. # وكانت المصانع وقتئد لا تزال تديرها هيئة ثلاثية مؤلفة من ممثلين للإدارة والحزب ونقابات ~~العمال، وفي هذا الجم الغفير من الموظفين الذين يراقب بعضهم بعضا كان الانتقاد الذاتي ~~ينقلب في بعض الأحيان إلى وسائل خفية للنزاع على المناصب والسلطة. # وألقيت بنفسي في تيار هذا الانتقاد الذاتي بحماسة أزعجت بعض زعماء مصنعنا، فأخذت أهاجم ما ~~فيه من عيوب مهاجمة عنيفة شريفة غير عابئ بمن يصيبه الضرر من جراء هذا الهجوم أيا كان ~~مركزه، وسرعان ما أدركت السبب الذي من أجله أخذ بعض ذوي المكانة في المصنع يتقربون إلي ~~على غير انتظار؛ فقد كانوا بلا شك يعتقدون أن خير ما يضمن لهم مراكزهم أن يكسبوا صداقة شاب ~~مرهف القلم يسدده إلى أولئك الرؤساء المتأخرين المجاملين. # ولم تكن مقالاتي تنشر في صحيفة المصنع وحدها، بل كانت تظهر كذلك في نشرات خاركوف ~~ودنيبروبتروفسك التي كنت مراسلا لها في المصنع الكبير، وكانت الصحف التي تنطق بلسان الحزب ~~في المدينة تعلق على مقالاتي وتضرب بها المثل لما يجب أن يكون عليه «الشباب ~~العامل». # وماذا يظن القارئ أني كنت أكتب فيه؟ كنت أكتب في الإسراف الذي لا يرتضيه الضمير، وفي ~~التلف الذي يصيب السلع، وفي العمال الذين لا يقدرون عددهم وآلاتهم التقدير الواجب، وفي ~~التكاليف الباهظة التي تتكلفها كل وحدة من إنتاج مصنعنا إذا قيست إلى ما يتكلفه مثلها في ~~مصانع السويد وأمريكا، وفي الموقف غير اللائق الذي يقفه الرفيق فلان من العمال، وفي رداءة ~~نوع المنتجات المادية، وفيما يمكن إدخاله من الإصلاح على بعض وسائل الإنتاج؛ لنقتصد بذلك ~~آلاف الأيدي العاملة. # على أن أكثر ما كان ينزعج له المشرفون على الحياة الرتيبة في المصنع تلك المقالات العنيفة ~~التي كنت أهاجم فيها الظروف المحيطة بالعمال المقيمين في الثكنات، وقد أوضحت في هذه ~~المقالات أن الأجور ms092 مرتفعة في ظاهرها ولكنها لا تتمشى مع الأثمان الجديدة التي تباع بها ~~المأكولات في مطاعم المصنع ومخازنه، وتساءلت: متى يتم بناء المساكن التي كثر التحدث عنها؟ ~~ولماذا يعيش بعض الموظفين في رغد من العيش على حين أن الكثيرين من عمال المصنع لا يجدون ~~ضرورات الحياة؟ # وكانت نتيجة هذه الحملات الصحفية أن أصبح لي كثيرون من الأعداء الأقوياء، دامت كراهية ~~بعضهم لي كثيرا من السنين، ولكني كسبت أيضا كثيرا من الأصدقاء الأوفياء، وكان أخص ما ~~لقيت فيه تأييدا قويا شكواي المتكررة من كثرة الموظفين في المصنع كثرة لا تتناسب مع ~~إنتاجه؛ ذلك أني استخرجت من بعض الصحف الفنية إحصاءات تدل على أن مصانع صهر المعادن في ~~السويد تستخدم موظفا إداريا واحدا، فيما نستخدم فيه نحن موظفين أو ثلاثة موظفين، وكان ~~مما قلته: إن ذلك يحدث تضاربا في العمل، ويبطئ من سيره، ويزيد نفقات الإنتاج. # وكان الانتقاد الذاتي آخر ما بقي من الوسائل التي تعبر بها الطبقات الدنيا في الاتحاد ~~السوفيتي عن قوتها، وكانت في حد ذاتها نوعا من الرأي العام، وقد أفلحت في كبح جماح ~~الموظفين المحليين وحالت دون الشيء الكثير من مكرهم وغطرستهم، وإن لم يكن لها أثر في ~~السياسة العليا ولا في القرارات التي تصدرها السلطة المركزية في موسكو. # ولما أقبلت على والدي لأعلن له أني أريد الانضمام إلى الحزب شعرت بشيء من الارتباك، وكان ~~منشأ ارتباكي هذا أسبابا أحس بها، ولكن يصعب علي أن أوضحها لنفسي؛ لأن أصولها مستقرة في ~~أعماق عقلي، حيث كانت ذكريات مثل الطفولة العليا تحيا حياتها الخاصة بها. # وقال لي أبي: «لقد كنت أعرف أنك ستنضم إلى الحزب في يوم من الأيام سواء أكان ذلك اليوم ~~قريبا أم بعيدا، فقد كنت أراقبك عن كثب وأرى صلاتك بالنشاط السياسي تزداد يوما بعد يوم، ~~فأنت تكتب في السياسة وتدرسها، ولكني لا أقول لك إن انضمامك هذا يسرني ويثلج صدري كثيرا، ~~فأنت نفسك تعلم مقدار ما يحيط بنا من المظالم وما بين الطبقة الحاكمة والشعب من فروق ms093 تزداد ~~على مدى الأيام ... وأحب أن أعرف كيف تنظر إلى هذه الأشياء؟ وماذا يدور في خلدك؟» ~~- «إني ليسرني يا أبت أن تسألني هذا السؤال، وأحب أن أتحدث إليك حديثا صريحا، وأنا شاكر ~~لك فضلك علي، فأنا مدين لك بالشيء الكثير، وأنا أجلك لشرفك ونزاهتك وما لك في الثورة من ~~ماض مجيد، ولكني أرجو منك أن تفهمني على حقيقتي، فأنا أكاد أبلغ الرابعة والعشرين من عمري، ~~وقد شببت وعملت مع رجال من ذوي الآراء الحديثة في محيط كل من فيه مخلص لهذه الآراء ~~والخطط التي توضع لإنهاض البلاد في المستقبل، ولم أقفز إلى الحزب قفزة، بل إن إيماني ~~بمبادئه نما في قلبي على مهل، حتى شعرت آخر الأمر كأني من رجال الحزب. # وأنا أعلم أن في الحزب نقائص وعيوبا وسعيا وراء المناصب، وأن فيه أقذارا ومظالم تكتنف ~~الحياة اليومية العملية؛ ولست أحب هذه الأشياء أكثر مما تحبها أنت، ولكني أعدها مرحلة من ~~المراحل ستنقضي حتما؛ ذلك أن تحويل قطر بدائي إلى دولة اشتراكية صناعية حديثة عمل ضخم ~~يتطلب جهودا جبارة، ولا يمكن النهوض به من غير أخطاء، بل قل: من غير مظالم، ولكني لا أريد ~~أن أتنحى عن هذا العمل وأكتفي بتوجيه النقد إليه، بل أريد أن أعمل مخلصا في داخل الحزب ~~وأقاوم ما فيه من شر وأؤيد ما فيه من خير. # ولقد فكرت طويلا قبل أن أخطو هذه الخطوة، وليس ثمة سبيل يعرف بها هل يسير الحزب في ~~الطريق السوي إلا سبيل التجربة ومر الزمن، ولكني أومن بغاياته وأريد أن أبذل ما أوتيت من ~~جهد لتحقيق هذه الغايات، ومهما يكن من أمرك أنت يا والدي فإنك لا تعارض فيما نريده لبلادنا ~~من نهضة في الصناعة، كما أنك لا تعارض في استبدال الجرارات بالخيول المنهوكة الخائرة القوى، ~~ولا تعارض في السماح إلى العمال بأن ينضموا باختيارهم إلى المزارع الجماعية.» # ونظر إلي نظرة قاسية ولكنها خالية من الغضب وقال: «أنا يا فيتيا لا أعارض في هذه ~~الأشياء بطبيعة الحال، وأنا أعلم الناس ms094 بشعورك نحوها، بل إني في واقع الأمر أتبين نفسي فيك، ~~فقد كنت في شبابي أسلك هذا المسلك نفسه، كنت أطيع وحي ضميري ولا آبه بنفسي ولا بزوجتي ولا ~~بأولادي؛ ذلك أن دينا أيا كان خير من لا دين، أتذكر قول لك # luk # في كتاب جوركي الأعماق ~~الدنيا # Lower Depths ~~: إذا اعتقدت بوجود الله فهو موجود، وإذا لم تعتقد بوجوده فهو غير ~~موجود. ولقد وجدت أنت دينا تؤمن به وأنا أدعو لك من أعماق قلبي بالخير والتوفيق. # ولكن نصيحتي لك يا فيتيا أن تبقى قريبا من الشعب ولا تقدر فائدتك له بما تناله من ~~المناصب بل بنوع الحياة التي يحياها الشعب، وهل هو أكثر رخاء مما كان وأسعد حالا وأوسع ~~حرية، وإذا اقتربت منه بحق وفهمته على حقيقته، وأعنته في أموره، فإني سأظل أبد الدهر شاكرا ~~لك فضلك، لا تعش بالألفاظ تتخذها لك شعارا، واحكم على الساسة بأعمالهم لا بأقوالهم، واعلم ~~أن الذين يقيمون في الكرملن يجيدون وضع النظريات، فلننظر نحن مقدار نجاحهم في تطبيقها، ~~وأرجو ألا تجد قط ما يزعزع إيمانك!» # وسكت هنيهة ثم واصل حديثه مسلما ببعض آرائي: «ومن يدري لعل جمهور الشعب ينال على ~~أيدي أبنائنا حرية حقة وحياة أسعد من حياته السابقة.» ~~- «لست أشك يا أبت في أنه سينالهما على أيدينا.» # وظل هذا الحديث منقوشا في ذاكرتي في السنين التي أعقبت تلك الأيام، حين كنت أكدح في ~~الحزب وفي سبيل الحزب، وكنت أحس كأن أبي يراقبني ويحكم على أعمالي، وينظر إلى الحقائق وإلى ~~الأعمال من وراء الألفاظ. # وقبلت عضوا في الحزب في عام 1929م، وخيل إلي أن هذا الحادث أعظم أحداث حياتي ~~وأجلها شأنا، فقد أصبحت به أحد الطائفة «المختارة» في روسيا الجديدة، فلم أكن بعد فردا ~~عاديا يختار لنفسه بملء حريته من يشاء من الأصدقاء، ويعمل لما يشاء من المصالح، ويعتنق ما ~~يشاء من الآراء، بل وهبت نفسي أبد الدهر إلى فكرة وقضية، وأضحيت جنديا في جيش منظم أحكم ~~تنظيم، طاعة المركز الرئيسي فيه أولى الفضائل ms095 في نظري أو قل: إنها تكاد تكون الفضيلة ~~الوحيدة، جيش لا يسمح لمن ينضم إليه من الجنود أن يجتمعوا بغير المرغوب فيهم من الأفراد، أو ~~أن يستمعوا لغير المرغوب فيه من الألفاظ. # واستدعيت أنا ومدير قسمي في يوم من الأيام بعد انضمامي إلى الحزب إلى مكتب مدير المصنع ~~الذي كنت أعمل فيه، فلما قابلناه قال لنا: إن نوع المواد التي كانت تورد من عندنا إلى مصنع ~~درزكسفكي في الدنباص أخذت تسوء، وإن علينا أن ننتقل إلى هذا المصنع لساعتنا، وأن نبحث عن ~~علة فساد موادنا وعدم وفائها بأغراضه، وأن نقدم له تقريرا بنتيجة هذا البحث. # ودامت هذه الرحلة أسبوعا، عدت بعده إلى المدير وقدمت له تقريرا شاملا، وظننت أني ~~وضعت إصبعي على مواضع الداء فيه، وعرضت عليه عدة اقتراحات لعلاجه، وسر المدير من هذا ~~التقرير، وقال إنه سيوصي بمنحي مكافأة مالية قيمة جزاء لي على خدماتي الطيبة، وسألني هل ~~يرضيني هذا؟ # فأجبته: «لست في حاجة إلى المال، ولكني في حاجة إلى مسكن، فإن أبي وأحد أخوي يعملان في ~~هذا المصنع كما لا يخفى عليك، ولكنا ظللنا عدة سنين لا نحيا حياة الأسرة الحقة لحاجتنا إلى ~~المسكن الصالح، بل إننا في هذا الوقت لا نعيش معا، وفضلا عن هذا فإن أمي مضطرة إلى البقاء ~~في الريف.» # ووعدني المدير بتحقيق رغبتي وقال لي: «سأرى ماذا أستطيع أن أفعله لك.» ولم تمض إلا بضعة ~~أيام حتى كان آل كرافتشنكو يعيشون جميعا في شقة مريحة من أملاك المصنع مبنية على الطراز ~~الحديث، وبذلك استطاعت والدتي آخر الأمر أن تغادر بيتنا في مزرعة دق الأجراس التعاونية التي ~~كانت تعيش فيها من قبل. # فاضت أنهر الصحف في بلادنا وتحدثت صحف البلاد الأجنبية نفسها في عام 1928م بما سمته حادث ~~شختى، وتفصيل ذلك الحادث أن جماعة من كبار المهندسين الذين يعملون في صناعة الفحم قدموا ~~للمحاكمة في موسكو على مشهد من مراسلي الصحف الأجنبية والسوفيتية، ورسمت آلات التصوير مناظر ~~المحاكمة، ونقلت إجراءاتها على أمواج الأثير إلى جميع ms096 أنحاء البلاد الروسية. # وكأن أرباب الكرملن كانوا بعملهم هذا يقولون للشعب: «ذلك هو سبب ما لدينا من عيوب كثيرة ~~على جانب عظيم من الخطورة، إن عمال الرأسمالية وبقايا العهد القديم يعملون عن قصد لوقوع ~~الحوادث في المصانع ولنقص الإنتاج وتعطيله.» # وكانت هذه المحاكمة أولى المحاكمات الصورية الاستعراضية التي صارت فيما بعد عادة مألوفة ~~في البلاد، والتي يقر فيها الناس في سكون وهدوء بجرائم اقترفوها ضد الدولة، أما في محاكمة ~~شختى فقد ظل بعض المتهمين ينكرون ما وجه إليهم من التهم، ويكافحون للنجاة من القتل، ~~وكان لا بد من منع هذا الشذوذ فيما يجد من محاكمات في المستقبل. # وحدثت بعد سنين من ذلك التاريخ محاكمة أخرى أخطر من هذه شأنا وأقرب منها إلى المسرحيات، ~~وكان المتهمون فيها أيضا من المهندسين، وكانت هذه المحاكمة مظاهرة كبرى اتهم فيها ~~جماعة من المهندسين بأنهم تزعموا حزبا صناعيا موهوما، يهدف إلى قلب النظام السوفيتي، ~~وإعادة الرأسمالية والاستيلاء على أزمة الحكم، وصدقت أنا هذه المزاعم رغم ما فيها من ~~سخافات ومتناقضات، كما صدقها الكثرة الغالبة من أهل البلاد؛ ذلك أن أنصار الحزب الشيوعي ~~من رجال الجيل الجديد كانوا يقبلون من غير مناقشة المزاعم القائلة بأن كثيرين من المهندسين ~~والعمال الفنيين الذين نشئوا قبل الثورة يناصرون بطبيعة الحال العهد القديم ويقاومون ~~بقلوبهم - إن لم يكن بأعمالهم - ما يبذل من الجهود لتحويل الروسيا إلى بلاد ~~صناعية. # ولم يكن أحد يشك في أن من الواجب أن يستبدل بأولئك المهندسين الذين ورثتهم البلاد من ~~العهود الماضية جيل جديد خلت عقولهم من ذكريات الماضي، يدينون بالولاء للمبادئ السوفيتية ~~ولخطط الحزب الشيوعي، وكان أكبر مورد تستمد منه هذه الطائفة هو الشبان من الصناع والموظفين، ~~ومن الصناع المنضمين إلى الحزب، أو الذين يفكرون تفكير رجاله على الأقل، ومن أجل هذا اتخذت ~~الدوائر العليا قرارا يقضي بإنشاء «آلاف» من شباب الحزب ونقابات الصناع؛ ليدرسوا في ~~الجامعات والمعاهد الفنية الحديثة والقديمة، وكانت هذه خطة وضعت أسسها الهيئة السياسية ~~العليا ذات السلطان الأعظم في البلاد. # وجاءت ms097 في عام 1930م هيئة ممثلة للجنة الإشراف المركزية التابعة للحزب لتبحث في شئون ~~مستخدمي مصنعنا وجهوده، واستدعيت أنا إلى مكتب المدير، فلما دخلت الحجرة رأيت على كرسي ~~مدير المصنع، خلف مكتبه الفخم وعدده التلفونية التي يخطئها الحصر، رجلا غريبا عرفت من ~~الصور التي كنت أراها من قبل أنه أركادي روزنجولتز من أكبر الزعماء أصحاب السلطان العظيم في ~~موسكو، ومن أبرز أعضاء اللجنة المركزية. # وتبسم الرجل لي وقال وهو يسلم علي بيده: «كيف حالك يا رفيق كرافتشنكو؟ لقد استدعيتك ~~لأني وصلتني الأنباء عن أعمالك، فأنت شديد الاهتمام بتعقيل # 1 # الإنتاج، وهذا عمل جميل، وأنت جريء فيما تكتب في صحافتنا، وهذا أيضا حسن، فهل ~~لك من حاجة عندي؟» ~~- «لا، وأشكرك يا رفيق روزنجولتز.» ~~- «حسن، هل لك أن تحدثني عن نفسك؟» # وألقيت على مسامعه ملخص تاريخ حياتي، فحدثته عن نشأتي في أسرة ثورية، وعن عملي في المزرعة ~~التعاونية، وعن الفترة التي قضيتها في مناجم الفحم، وكيف انضممت إلى لجان الشباب، وعن خدمتي ~~في الجيش الأحمر، وعن عملي في هذا المصنع، وعن كيفية انضمامي إلى الحزب، وما أكثر ما قصصت ~~هذه القصة! ذلك أن الكشف عن حياة الإنسان الخاصة في المجتمع السوفيتي يكاد يشبه الطقوس ~~الدينية في غير تلك البلاد، يؤديه الإنسان بلسانه وبقلمه ردا على أسئلة مكتوبة، تقدم ~~له ليجيب عنها إذا ما ثارت حوله أقل شبهة. # واستمع إلي روزنجولتز وهو يدرسني دراسة دقيقة، ثم قال وكأنه وصل من هذه الدراسة إلى ~~نتيجة: «إنك لا تزال شابا لم تبلغ بعد الخامسة والعشرين من عمرك، والحزب في حاجة إلى ~~مهندسين صناعيين، فهل ترغب في الدرس؟ إن كنت ترغب فيه فإنا سنرسلك إلى معهد فني تقيم فيه ~~بضع سنين، وستفيد الحزب بأن تهبه خير ما لديك من جهود؛ ذلك أن الحزب في حاجة إلى فنيين من ~~رجاله المفكرين ليقوموا هم بتنظيم البلاد الصناعي مخلصين لمبادئه وسياسته.» ~~- «شكرا لك، وإني ليسعدني أن أضع كل جهودي في خدمة بلادي.» # وجاء سرجو أورزنكدز نفسه إلى المصنع في اليوم ms098 الثاني، ودخل قسمنا على حين غفلة ومن ورائه ~~عدد كبير من موظفي المصنع والإقليم الذي يقوم فيه، واضطربت حين رأيته كأني أرى ستالين نفسه؛ ~~ذلك أن أورزنكدز كان من أقرب المقربين إلى ستالين، وهو الوزير المشرف على شئون الصناع ~~والفلاحين، ورئيس لجنة الإشراف المركزية التابعة للحزب، وكان أول خاطر مر بخلدي حين شاهدته ~~أنه شبيه كل الشبه بالصورة الشمسية المعلقة على جدار جمعيتنا التعاونية في حوض ~~الدنتز! # وكان يرتدي نفس القبعة الرمادية الطويلة، ونفس السترة الزرقاء ذات الطوق الرمادي، وقد حشا ~~سرواله الواسع في حذاءين من جلد لين يصلان إلى ركبتيه، وكان أنفه الأقنى ينحني انحناء أفخم ~~منظرا مما كنت أشاهده في الصورة، أما شارباه فقد كانا يبرزان من تحت منخريه أوسع مما كانا ~~في صورته، وشعرت حين رأيته كأني أعرفه طوال حياتي، وأن في بساطته وابتسامته سرا قد أزال ~~ما بينه وبيني من بون شاسع يفصل بين إله هبط من سماء الكرملن ومخلوق عادي لا حول له ولا ~~طول. # وقدمني مدير المصنع له. # وهدر أورزنكدز وهو يمد يده إلي: «نعم، لقد سمعت عنك، كيف يسير العمل؟» # فقلت له: «إنه يسير سيرا حسنا.» ثم أضفت إلى ذلك قولي: «ولكن في الإمكان أن يكون أحسن ~~مما هو.» ~~- «هذا كلام طيب! وماذا نستطيع فعله لنجعله أحسن مما هو؟» # فأجبته: «ليس من السهل أن أجيب عن هذا السؤال في بضع كلماته.» # فضحك أورزنكدز وقال: «لا تستح وكن صريحا.» # فقلت: «حسن، يستطاع ذلك بشيء مما سأقول، إن لدينا إسرافا في الأجهزة وفي الرجال الذين ~~يراقب بعضهم بعضا، لقد اطلعت على سجلات هذا المصنع نفسه في السنين السابقة لعهد الثورة، ~~فوجدت أن موظفيه الإداريين يكادون يزيدون الآن 35٪ على ما كانوا من قبل، وأرى أن ذلك خطأ ~~يجب تلافيه، إن كل إنسان هنا يقف في وجه الآخر؛ وتبعة النتائج ملقاة على عاتق كل إنسان، أي ~~إنها لا تلقى قط على إنسان ما، والعمل رديء والنفقات كثيرة، ولست أدري لم استطاع ~~الرأسماليون أن يجنوا من هذا المصنع ms099 أرباحا، على حين أننا نتكبد فيه خسائر، إن العمال ~~يشتغلون كما كانوا يشتغلون في الماضي؛ ولهذا أرى أن الذنب ذنبنا نحن.» # ولاحظت وأنا في شدة حماستي الكلامية أن موظفي المصنع قد بدأ يساورهم القلق، وسعل المدير ~~وارتجف ممثلو الحزب والنقابات، ووقف دولاب العمل في القسم، وخرق أذني صوت من مكان ينادي: ~~«إنك محق يا فكتور أندريفتش، إنك محق!» # وواصلت حديثي وقد نسيت نفسي في أثناء حماستي الكلامية فقلت: «نعم، كثيرا ما أسمع جعجعة ~~ولا أرى طحنا، إن النظام ضعيف لأن الذين يفرضونه كثيرون، وكل ما نحتاجه يا رفيق أورزنكدز ~~هو إدارة موحدة وتبعة موحدة، من غير أن تتدخل فيها جهات كثيرة.» # فقال مرة أخرى: «هذا شيء جميل، وأنت على حق بوجه عام، والفزهد (الزعيم) نفسه يفكر هذا ~~التفكير، ومن الواجب أن تذهب لتدرس يا رفيق كرافتشنكو.» # وسلم علي بيده، وخرج ومن ورائه أتباعه وقد تملكهم الخوف، ولكنه التفت إلي بعد ~~خطوات قليلة وقال لي: «إذا حزبك أمر أو كانت لك حاجة عاجلة فاكتب إلي تجدني في ~~عونك.» # وكان يسرني أن أقبل هذه الدعوة في السنين الكدرة التي أعقبت ذلك الوقت، وشعرت من تلك ~~الساعة كأن أورزنكدز قد «تبناني» وأن لي نصيرا في مجالس «الأرباب» القادرين، وظللت إلى أن ~~مات في أوائل عام 1937م لا يفارقني شعوري بأن أحدا لا يستطيع أن يمسني بسوء، وكان علمي في ~~أحرج الأوقات أن في وسعي أن ألجأ إلى زميل ستالين ومواطنه ذي الوجه الصقري وأطلب إليه ~~العون، كان علمي هذا يبعث في قلبي من الجرأة ما ليس في قلب أحد غيري. # وظلت هذه المحاضرة، التي ألقيتها على صديق عظيم من أصدقاء ستالين موضع حديث كل من في ~~المصنع عدة أسابيع، وكان العمال في أثنائها يربتون على ظهري ويبدون سرورهم من ~~صراحتي. # ولكنني استدعيت بعد إلقائها بيوم واحد إلى مكتب لجنة الحزب، وكان فيه قنسطنطين ~~أكوروكوف أمين سر الحزب ومعه مدير المصنع إيفانشنكو. # فلما دخلت صاح الأمين بأعلى صوته: «ماذا أصابك يا كرافتشنكو؟ هل جننت؟ ms100 هل تعلم أن ~~سرجو وجه إلينا أشد اللوم، وكاد يلقي بالمحابر في وجوهنا؟ لقد بقي لطيفا مسرورا حتى ~~أثرته أنت، فأخذ يسبنا ويعيرنا بأنا قوم كسالى عاجزون وأنغال.» # وظللت أنا رابط الجأش، وأجبته بأني لم أنطق بغير الحقيقة، ألم يقل لينين نفسه إن الأعمال ~~الصناعية تتطلب قيادة مسئولة موحدة؟ ولما كان لينين وأورزنكدز في صفي، فإن غضب أمين الحزب ~~نفسه لا يصيبني بسوء، ولم يكن في وسع إيفانشنكو أن يحاجز نفسه عن أن يبتسم ابتسامة السرور ~~والرضا عن موقفي؛ لأنه كان في خبيئة نفسه متفقا معي في آرائي مستاء من تطفل الحزب ونقابات ~~العمال وتدخلهم في شئوننا. # هذا فضلا عن أنني لم يكن مقامي ليطول في المصنع إلا ريثما أفرغ من بعض الأعمال القليلة ~~فيه، ثم أعود طالبا كما كنت من قبل، وكنت أحسب أن بعض الموظفين في إدارة المصنع سيسرهم ~~خروجي منه. # وسر والداي وأخواي من هذا التحول في مجرى الحوادث؛ ذلك أن أمي بنوع خاص لم تكن في يوم ~~من الأيام راضية عن بقائي رئيسا للعمال كما كان زوجها، وكانت في خبيئة نفسها مستاءة؛ لأن ~~الثورة قد حالت بيني وبين مواصلة الدرس والتعلم، وها هي ذي الآن تراني أعد نفسي لأن أكون ~~مهندسا وإن جاء ذلك الإعداد متأخرا بعض الشيء، وسرها هذا وأثلج صدرها، بل إن أبي نفسه ~~ظهرت عليه علائم السرور والغبطة، وأخذ يستمع إلى ما وصفت به الرفيق أورزنكدز راضيا ~~مسرورا. # وسمعته يقول ذات مساء لبعض الشيوخ المجتمعين في بيتنا حول إبريق الشاي: «سيكون ولدي ~~مهندسا.» يقولها في فخر وإعجاب. # وقضيت عدة شهور في الاستذكار استعدادا لامتحان الدخول في المعهد؛ ذلك أن برامج إعدادية ~~خاصة كانت تعد للشبان الموظفين المختارين ليكونوا من بين «الآلاف» الذين سيصبحون رجال الفكر ~~السوفيتيين في مستقبل الأيام، فلما استهل عام 1931م التحقت بالمعهد الفني في خاركوف. # الفصل السادس # | طالب في خاركوف # ها أنا ذا أعود في سن الخامسة والعشرين طالبا وأمينا على مصالح الدولة، وقد خصص لي ~~مرتب أتقاضاه في كل ms101 شهر من ميزانية مصنع بتروفسكى-لينين يفي بنفقات معيشتي ويترك لي فضلة من ~~المال تكفي ثمن ملابسي ونفقات تسليتي، غير أن الجوع والبرد، وهما التوأمان اللذان ألفتهما ~~في إبان الحرب الأهلية، لم يفارقاني طويلا، نعم إنهما لم يكونا من القسوة وطول الأمد كما ~~كانا في الأيام الماضية، بل كانا يتركان لي بين الفينة والفينة مهلة أنجو فيها من عذابهما، ~~ولكنهما مع ذلك كانا يعودان بكل ما فيهما من قسوة كما يعود مرض الأسنان المزمن. # وكان المعهد الفني في خاركوف يشغل بناء ضخما قديما مشيدا على طرف حديقة غناء في ~~شارع كبلونوفسكي، وما من شك في أنه كان في الأوقات العادية نموذجا لما يجب أن تكون عليه ~~المدينة الجامعية، وفي وسعي أن أتخيله في تلك الأوقات وقد اجتمع فيه الشبان بحللهم الجامعية ~~الأنيقة، معظمهم من الأسر الموسرة، يجمعون بين العمل وبين نزق حياة الطلاب، وما من شك أيضا ~~في أن روح الشباب كانت تسري في جو الدراسة، أما في الوقت الذي التحقت فيه بهذا المعهد فقد ~~كان صاخبا مزدحما يكد فيه الطلاب كما يكد العمال في مصهر عظيم دائب على العمل، ترى فيه ~~اللجاجة والدعوة إلى العمل والعجلة الملازمة لمشروع الخمس السنين كما تراها في أية صناعة من ~~الصناعات. # ولعل هذا الخليط الذي شاهدته في هذا المعهد من رجال ونساء وفتيان وفتيات لم يحشر مثله ~~في معهد واحد من معاهد التعليم قبل ذلك الوقت أو بعده إلى يومنا هذا، وكان معظم الطلبة ~~يزيدون على الثالثة والعشرين من عمرهم، وكثيرون منهم بين الثلاثين والأربعين، وكان الذين ~~أوتوا منهم قسطا من العلم والثقافة يجتمعون في فصول واحدة مع الشبان من العمال الذين لم ~~يكونوا يحلمون قط بأنهم سيدرسون العلم في يوم من الأيام، ويرون في هذه الدراسة نوعا من ~~العذاب؛ ذلك أننا جندنا من المصانع وأفران صهر المعادن والمناجم والمكاتب، ليؤلف منا ذلك ~~الجيش العرمرم من رجال الفكر الفنيين على الطراز الجديد، وكنت ترى في هذا الحشد العظيم ~~رجالا من ذوي الوجوه الكالحة من ms102 وسط آسيا لم يروا من قبل مدينة غربية يعيشون مع طلبة ذلك ~~الإقليم نفسه المقيمين مع أسرهم في بيوتهم، كما كانت بينهم طائفة كبيرة من الجنود القدامى ~~المحنكين وأنصار الحزب السابقين - من رجال العصابات المحاربة - جيء بهم من سيبيريا، ~~والموظفين الشيوعيين الذين يتقنون أساليب السياسة الحديثة. # وأكبر الظن أيضا أن فئة غيرنا من الطلاب المجدين لم تدرس منهاجا يشبه في صعوبته ~~المنهاج الذي وضع لنا، لقد كنا نشق طريقنا في هذا المنهاج كما يشق جماعة من الناس طريقهم ~~وسط غابة تكتنفهم فيها الأخطار من كل ناحية ، أو كما يشق الجيش طريقه في بلد معاد له، فلم ~~يكن عملنا في هذا المعهد شبيها بحال من الأحوال بعمل الطلبة الممهد في المدرسة العادية وفي ~~الأوقات العادية. # وكنت أسكن مع آلاف غيري من طلبة معاهد مختلفة في خاركوف في مجموعة من حجر النوم في شارع ~~بشكين غصت بنا كأنها خلايا النحل، وكنا نكدس فيها كل أربعة أو خمسة في حجرة واحدة، يشوي ~~أجسامنا حر الصيف وتتجمد أطرافنا من زمهرير الشتاء. # وكثيرا ما اشتد البرد في شتاء 1930-1931م في هذه الأماكن حتى تجمدت منه المياه في ~~المغاسل، فكنا نجمع ما نعثر عليه من قطع الخشب المتفرقة وأسوار الحدائق والأثاث المحطم ~~والصحف القديمة، لنلقيها في الموقد الذي وضع في حجرتنا، وكان موقدا صغيرا من الحديد ذا ~~مدخنة بالية من قطع متعددة، تخرج من إحدى النوافذ، وفي هذا الجو كنا نسكن وندرس ونتناقش ~~ونحلم بمستقبل بلدنا الصناعي، ونحن نقاوم البرد والجوع في ذينك الزمان والمكان. # وكان النساء يقمن في جناح خاص بهن، ولكننا كنا مع ذلك أحرارا في الاختلاط بهن في قاعات ~~الاجتماعات العامة وفي المطاعم، ولم نكن نمنع من المذاكرة معهن في حجراتنا وحجراتهن، وما ~~من شك في أن صلات كانت تنشأ بين الطلبة والطالبات، فلم يكن ثمة شيء من التزمت في هذه ~~الأماكن، وإن كان المستوى الخلقي ساميا بوجه عام؛ ذلك أن مزاج الطلبة والطالبات كان مزاجا ~~تغلب عليه الصرامة والكآبة، وأن الصعاب التي ms103 تحيط بهم كانت قاسية كثيرة، واحترام بعضهم ~~بعضا كان احتراما حقا لا تشوبه شائبة، وكل هذا يحول بينهم وبين العبث ~~والاستهتار. # وكان يشاركني في حجرتي أربعة من الطلاب هم: ألكسي كارنوخوف، وجورج فجورا، ونجلسكين، ~~وفانيا آفداش تشنكو، وكلنا من «الآلاف» المعبئين، وكلنا من أعضاء الحزب. # وكان ألكسي في واقع الأمر رجلا له بعض الخطر؛ لأنه كان عضوا في اللجنة المركزية لمنظمات ~~الشباب، وكان فتى بهي الطلعة مفتول العضلات أصفر الشعر عسلي العينين، يشع منهما الجد ~~والوقار، جميلا في أخلاقه كما كان جميلا في ملامحه نبيلا صريحا، ذا عقل نقاد يندر وجوده ~~بين الموظفين الشيوعيين، وقلما كنت تراه يزهو بنفسه اعتمادا على سمو مركزه، أو يتهرب من ~~المناقشة الصريحة في الشئون المدرسية أو الشئون العامة. # وسرعان ما استحكمت عرى المودة بيني وبين ألكسي، فقد كنا كلانا نحب حزبنا ونؤمن به، ومن ~~أجل هذا السبب نفسه لم نتردد في التحدث عنه بمنتهى الصراحة، فنسائل أنفسنا عن سبب وجود تلك ~~الهوة السحيقة بين المبادئ والأعمال، وبين الأقوال الرسمية والحقائق الواقعة، وكنا نبحث هذه ~~المشكلة إشفاقا منا على الحزب لا غضبا عليه، وكان أسهل علينا أن نجد من الأسباب ما يبرر ~~حكم الإرهاب الذي بدأت بوادره في الظهور، وأن نكشف عن البواعث النبيلة الكامنة وراء هذا ~~المسلك الآثم في ظاهره، وأن تثبت قلوبنا على الإيمان بعهد الآلام الذي كنا نعيش فيه. # أما جورج فجورا فكان شيوعيا من طراز غير هذا الطراز، وكان يخيل إلى هذا الرجل أن ~~مجرد التفكير في مناقشة ما يصدره الحزب من الأوامر والقرارات هو الكفر بعينه، فأي شيء في ~~هذه الأوامر والقرارات يمكن أن يناقش؟ ألم يكن كل شيء فيها واضحا جليا؟ ولم يكن لجورج ~~رأي خاص، وكل ما كنا نسمعه منه أقوال ينقلها عن ستالين وعن جريدتي إزفستيا وبرفدا وما ~~إليهما من المراجع، أما الموضوعات التي لا يجد لها سندا من الأقوال الرسمية فلم يكن لها ~~وجود لديه، ولم يكن يشك مطلقا فيما نجيزه لأنفسنا أنا وألكسي من تنقيب ms104 في الشئون العامة، ~~وما نتكلفه من عناء في بحثها أو عدم التحرج في الحديث عنها، لم يكن يشك مطلقا في أن هذا ~~كله سيكون وخيم العاقبة علينا. # ولم يكن نجلكين أقل إخلاصا للحزب من جورج، ولكنه كان فتى متسامحا، مثابرا، صبورا على ~~ما يصيبه من آلام، وكان كثير الاحترام لجميع رفاقه، يشعرني بأنه فتى ذليل، يرى أن مجرد ~~وجوده على ظهر الأرض نعمة أنعم بها عليه، ولشد ما كان شعوري بحاله هذه مؤلما لي، وكان ~~يخشى تطرف فجورا في حزبيته التي لا يقبل فيها جدلا، بقدر ما يخشى أسئلتي الجريئة، ولعلنا ~~كنا نستغل وداعته هذه فنحمله من أعباء العمل أكثر مما يجب أن يتحمله. # أما الشخص المشكل حقا في حجرتنا فقد كان هو فانيا أفداش تشنكو، وكان فانيا هذا أكبرنا ~~سنا يزيد على الثلاثين من عمره، وكان بدينا قوي الجسم طيب القلب، كسولا فوق ما يتصوره ~~الإنسان، ولما كان قد اشترك في الحرب الأهلية في صف الشيوعية فقد كان يقنع بالحياة في ظلال ~~ما ناله من المجد الزائل في مغامراته الماضية، وكأنه كان يعتقد أن هذه الأعمال تعفيه طوال ~~حياته المستقبلة من القيام بكل عمل جدي أيا كان نوعه. # ولم يكن فانيا شخصا غبيا، وكان في وسعه أن يتقن دروسه لو أنه بذل في ذلك بعض الجهد، ~~وطالما أسدينا إليه النصح في هذا، وأخذنا عليه العهود بأن يجد في العمل الذي ضم من أجله ~~إلى «الآلاف»، ولكن جهودنا كلها ذهبت أدراج الرياح، فقد كان يستلقي على فراشه ويتظاهر بأنه ~~يحفظ القوانين الكيميائية عن ظهر قلبه، بينما هو في واقع الأمر يقرأ إحدى الروايات ~~الرخيصة. # على أنه كان يعوض كسله وضعفه في الدرس بقدرته على الاتصالات السياسية، فلم يكن يجهل أحدا ~~من الناس، كما أن أحدا من الناس لم يكن يجهله، وكان من أجل هذا يختار بطبيعة الحال في ~~كل اللجان الهامة التي لا يعمل فيها شيئا معينا؛ ولذلك لا يرتكب فيها خطأ يؤخذ عليه، وكان ~~له أصدقاء في مطابخ البيت، ms105 وفي أحسن مخازن البقالة التعاونية، وفي غيرها من الأماكن التي ~~يمكن الحصول منها على جرايات إضافية، وكنا نحن نقتسم ما يأتي به بفضل عبقريته السياسية، وإن ~~لم يحل هذا بيننا وبين تعنيفه على كسله وإهماله. # وطرد فانيا من المعهد قبل انتهاء الفترة الأولى من السنة الدراسية، على أنني لم يدهشني ~~قط أن أعرف منه حين قابلته مصادفة في موسكو بعد عدة سنين من ذلك الوقت أنه أصبح رئيس مواثقة # 1 # كبيرة؛ ذلك أن فانيا لم يكن ذا حظ عظيم من العلم أو الذكاء أو الشعور المرهف ~~يقف في سبيله وهو يرتقي سلم البيروقراطية. # وكان للتربية السياسية في منهاج دراستنا شأن أعظم من شأن التعليم الفني نفسه؛ ذلك أن ~~الحكومة لم تكن تهدف إلى الحصول على مهندسين وحسب، بل كانت تريد مهندسين ذوي عقول سوفيتية، ~~وكانت كلية لينين التابعة للمعهد وعلى رأسها الأستاذ فيليب الأحمر تعمل جاهدة لهذه الغاية، ~~وكان الذين يعجزون عن استيعاب كتاب رأس المال # Das Capital # لكارل ماركس، ومحاورات إنجل ومؤلفات لينين وأبحاث ستالين وهي أهم من هذه كلها، يخرجون من ~~المعهد أسرع مما يخرج منه الذين يعجزون عن استيعاب حساب التفاضل والتكامل، أو الذين لا ~~يجيدون عمل التصميمات الهندسية. # والتحقت أنا ورفاقي الأربعة بمعهد بناء الطائرات، وإن لم يكن لأحد منا خبرة عملية في ~~بنائها عدا فجورا، وكان لموضوع الطيران في حد ذاته صفة رمزية خاصة؛ لأنه كان أحدث ما ~~اتبع من الوسائل في تجديد روسيا؛ ولذلك كان التحاقنا بمعهد الطيران سببا في شحذ همتنا ~~وانشراح صدورنا. # وكنا في صباح كل يوم نمارس ضروبا من الألعاب الرياضية في حجرتنا لنخفف من آثار البرد ~~القارس، ثم نفطر في المطعم. وكان الفطور المقرر يشمل مقدارا قليلا من الحساء وكسرة صغيرة ~~من الخبز الأسود والشاي من غير سكر أو ليمون، وكنا نذهب بعدئذ إلى المعهد، جياعا نرتعد من ~~البرد، ولكننا لم نر في هذا شيئا من البؤس والشقاء، بل كنا نتحدث طويلا ونضع الخطط ~~الكثيرة للمستقبل، نتحدث عن المعهد والمطعم ms106 والحزب وعن أنفسنا نحن. # ونشأ بيننا شيء من الولاء لجماعتنا رغم ما كان بيننا من فروق في الآراء واختلاف في ~~الشخصية، فإذا كان واحد منا نحن الخمسة على موعد مع فتاة جاء له زملاؤه الأربعة بما يحتاجه ~~من رباط للرقبة أو سترة نظيفة أو سراويل أنيقة، بل كنا نقدم له أحيانا بعض الروبلات ~~ليستعين بها على مطالبه في هذه المناسبات. # وكان للمعهد صحيفته الخاصة شأنه في ذلك شأن كل معهد سوفيتي آخر، وسرعان ما انضممت إلى ~~هيئة التحرير فكنت محررا مساعدا لهذه الصحيفة، وكان التذمر من أحوال مسكننا شائعا بين ~~العمال، ورددت صحيفتنا أصداء هذا التذمر، وكثيرا ما وجه النقد فيها إلى قلة الطعام ~~وسوء طهيه، وعدم العناية بغسل الملابس، وقذارة المكان وسوء الإدارة. # وبلغ هذا التذمر غايته حين انتظم الطلاب في اجتماع عام نظمته خلايا الحزب ولجان الشباب، ~~وألقيت في هذا الاجتماع كثير من الخطب وعرضت عدة اقتراحات، وعرضت أنا بناء على ~~اتفاق سابق مع لجنة تنظيم الاجتماع أن يقوم الطلاب أنفسهم ببعض الأعمال الإدارية، وأن ~~يتحملوا هم بعض التبعات، فلما تقدمت بهذا الاقتراح عرض ألكسي أن أقوم أنا من فوري بهذا ~~التنظيم، ولم يكد يعرض اقتراحه حتى قامت فتاة حسناء جذابة لم ألق بالي إليها من قبل ~~وطلبت الكلمة، فلما أذن لها قالت: «أؤيد انتخاب الرفيق كرافتشنكو، فقد عرفته من ثماني ~~سنين وفي وسعي أن أشهد بأنه رفيق مخلص.» # وكانت فتاة حسناء بلا جدال، ممتلئة الجسم، أنيقة الملبس، جريئة في قولها، تبدو عليها ~~شواهد الاعتماد على نفسها، وظللت طوال الاجتماع لا أدري من تكون هذه الفتاة وكيف عرفتني. ~~وانتخبت رئيس «هيئة البيت الكبير»، ولما انفض الاجتماع لحقت بالفتاة في ~~الردهة. # فلما رأتني قالت وهي تضحك ضحكة خبيثة: «كيف حالك يا فكتور أندريفتش؟ لست أشك في أنك قد ~~نسيتني، ولكن حسبي أنني أذكرك.» # فسألتها: «هل لك أن تبوحي بالسر؟» ~~- «أنا باشا، فهل هذا يساعدك على أن تعرفني؟» ~~- «باشا؟ أخشى أن أقول إن هذا لا يساعدني قط.» ~~- «إذن، فسأقدم لك ms107 شاهدا آخر لعله يهديك إلى معرفتي، لقد كنت أدفع عربة فحم في مناجم ~~ألجفرفكا.» # ثم تذكرت فجأة فصحت: «رباه! وهل يمكن أن تكون هذه باشا نفسها؟» ثم ضحكنا وضممتها إلى صدري ~~وأنا مغتبط جذل. # وصحت حين انضم إلينا ألكسي: «اليوشا! ها هي ذي باشا، لقد كانت حين رأيتها آخر مرة حالكة ~~السواد كالفحم، ممزقة الثياب.» # وأضافت هي من عندها: «وأمية لا تقرأ ولا تكتب.» # وزدت على ذلك قولي: «نعم، ولكن انظر إليها الآن، فهي طالبة ومثقفة تعجب من يراها، هذا ~~فضلا عن ملامحها الجميلة التي كان يخفيها تراب الفحم، ألا ما أعظم هذا النصر الذي ظفرت به ~~الثورة!» # والحق أن هذا الانقلاب كان مدهشا خارقا للعادة، حتى لقد كان من أصعب الأشياء على ~~الإنسان أن يتبين فيها أثرا من آثار الفتاة القروية المكتئبة المتأخرة، ذات الخرق البالية ~~حول قدمها، والغدائر الطويلة المرسلة على ظهرها، التي عرفتها في مناجم الفحم، وتذكرت ~~ساعتئذ أنها كانت في أيامها الماضية أشبه بحيوان بري مصيد تقاوم كل ما نبذله من جهود ~~لتمدينها. # وسجلت في أعماق عقلي ما طرأ على باشا من تطور، وأضفته إلى محاسن الثورة لأوازن به ما ~~يعادله من مساوئها. # وتوثقت الصداقة بين ألكسي وباشا وازدهرت، وأحسست أني أنا راعي هذه الصداقة والحفيظ ~~عليها. # وأفلحنا في إصلاح أحوال البيت وحجر النوم بفضل سوفيت مدينة خاركوف والصحف المحلية التي ~~تنطق بلسان الحزب، فزيدت مقرراتنا من الطعام، وأنشئت عدة مغاسل في الطبقة السفلى من ~~البناء، وجهزت بما يلزمها من الأدوات، وتألفت جماعات متطوعة لنظافة الدهاليز أكثر من ذي ~~قبل، وأنشئ في البناء حانوت لحلق الشعر به حجرة للزينة، وكان هذا أعظم شيء ظفرنا به، ~~وإذ كنت أنا المشرف على هذه الجهود كلها فقد ارتفعت مكانتي كثيرا بين الطلاب. # ولكن حياتنا ظلت قاسية مخشوشنة رغم هذه الإصلاحات كلها. # وكان معظمنا يدرك - ويؤلمه أن يدرك - ما هو حادث في المدينة من تدهور سريع في أحوالها ~~بوجه عام، وما هو حادث في الريف من تدهور أسرع منه، فضلا ms108 عما يكتنفنا نحن من صعاب، ولم يكن ~~منا من لا يعرف بعض هذه الحقائق إن لم يعرفها كلها، رغم ما كان يفرض علينا من حظر ~~وصمت، ورغم ما كان يحدق بمن لا يمسك لسانه عن التحدث في هذه الظروف من خطر شديد. # وكان الناس يتلقفون الشائعات التي كانت تنتشر بينهم عما كان يحدث في القرى أثناء تصفية ~~أملاك كبار الزراع من فظائع تقشعر لها الأبدان ولا تصدقها العقول، وكنا نرى قطرا طويلة من ~~العربات غاصة بالزراع تمر بمدينة خاركوف، وأكبر الظن أنها كانت تقلهم إلى أقاليم ~~التندرا في الشمال، وكانت هذه وسيلة من وسائل «تصفيتهم». وكان الموظفون الشيوعيون يغتالون ~~في القرى، والفلاحون المشاغبون ينفذ فيهم حكم الإعدام جماعات، وراجت الشائعات أيضا أن ~~من الوسائل التي يلجأ إليها الفلاحون لمقاومة نظام المزارع الجماعية أن يذبحوا ماشيتهم حتى ~~تبقى الأرض بلا حرث ولا زرع، وكان مما أيد أسوأ هذه الشائعات ذلك المرسوم الذي صدر في ~~موسكو، والذي يعد ذبح الماشية بلا إذن جريمة يعاقب مرتكبها بالإعدام. # وغصت محطات السكك الحديدية في المدينة بالفلاحين الجياع ذوي الملابس الرثة البالية ~~الفارين من منازلهم، وانتشر الأطفال المشردون الذين لا مأوى لهم، والذين كانوا في أثناء ~~الحرب الأهلية وسني القحط يواجهون الإنسان أينما سار، وعاد المتسولون إلى الظهور في شوارع ~~المدن، وكان معظمهم من الفلاحين، ولكن كان من بينهم أيضا بعض سكان المدن. # ومع هذا فقد كانت الصحف تشيد بما قامت به الدولة من أعمال عظيمة، فقد تم إنشاء الخط ~~الحديدي بين التركستان وسيبيريا، وشيدت مصانع جديدة في جبال أورال وفي سيبيريا وفي جميع ~~أنحاء البلاد، وتم في إقليم بعد إقليم تحويل المزارع كلها إلى مزارع جماعية، ونشرت ~~الخطابات المفتوحة «ثناء على ستالين»؛ لما شيده من المصانع وما وضعه من مشروعات لإنشاء ~~المساكن، وجاءت الوفود من البلاد الأجنبية النائية - ومن بلاد أمريكا وأستراليا نفسها - ~~تشاهد معجزات مشروع السنوات الخمس، وأخذوا في مقابلاتهم يمتدحون بحماسة جنونية ما أحرزه ~~السوفيت من نصر عجيب، أما كيف غفل هؤلاء الزوار ms109 عن الجانب الآخر من الصورة فذلك سر لم نستطع ~~نحن الروس أن نكشف عنه الستار. # ترى أين الحقيقة وأين الخداع؟ هل الحقيقة هي ما في القرى من جوع وفزع وأطفال مشردين، أو ~~ما تنشره الصحف من إحصاءات وما تشيد به من أعمال مجيدة؟ أو هل كانت هذه وتلك عناصر من حقيقة ~~واحدة مركبة معقدة؟ إن هذه الأسئلة وأمثالها لم يكن يسألها إنسان أو يجيب عنها جهرة، ولكننا ~~كنا نتحدث عنها في مجالسنا الخاصة، كنت أتحدث عنها أنا وألكسي وكان يتحدث عنها آلاف الآلاف ~~غيرنا. # وحدث بعد دخولي المعهد بزمن قليل حادث آخر زاد الحياة فيه اضطرابا على اضطرابها، وذلك ~~أنه صدر أمر يقضي بأن تكون اللغة الأوكرانية لا الروسية لغة التعليم كله ولغة الامتحانات ~~كلها، وطبق هذا النظام على جميع المدارس ومعاهد التعليم على السواء، وكان أكبر إذعان من ~~جانب موسكو للأماني القومية في أكبر جمهورية من جمهوريات السوفيت التي تقطنها العناصر غير ~~الروسية. # وكان حقا علينا نحن الطلبة الأوكرانيين أن نغتبط بهذا القرار من الوجهة النظرية، ولكن ~~الواقع أن القرار الجديد أساء إلينا بقدر ما أساء إلى الأقلية غير الأوكرانية؛ ذلك أننا لم ~~نتعود قط أن نستخدم اللغة الأوكرانية في التعلم والدرس حتى الذين كانوا مثلي يتخذونها منذ ~~طفولتهم لغة للتخاطب؛ ولذلك كان لهذا التغيير المفاجئ أسوأ الأثر في عدد كبير من أحسن ~~الأساتذة، وشر من هذا كله أن لغتنا القومية لم ترتق بارتقاء العلم الحديث، ولم تكن تفي ~~بحاجاته، فقد كانت مفرداتها خالية من الاصطلاحات الفنية في الكهرباء والكيمياء وعلم الغازات ~~وضغطها وحركتها والعلوم الطبيعية ومعظم العلوم الأخرى. # وأصبح فانيا المسكين في حال من العجز يرثى لها بسبب هذه العاصفة الجديدة التي قلبت كل ~~شيء فجعلته أوكرانيا، وقد كان من قبل يضل في بيداء التعليم أيا كانت اللغة التي تدرس ~~بها العلوم، وكان شأنه في ذلك شأن مئات غيره من الطلاب، واستطاع جورج فجورا بطبيعة الحال أن ~~يستعين بولاة الأمور في الحزب على ترجمة نصوصه المقدسة كلها إلى ms110 اللغة الأوكرانية، فلم ~~يتأثر بهذا التغيير المفاجئ كما تأثر به غيره، أما سائر الطلبة فقد قاسوا الأمرين من جراء ~~هذا العبء الجديد، وكانوا يرجعون إلى الكتب المدرسية الروسية في الخفاء، ويهزءون في ~~مجالسهم الخصوصية من هذا الإغراق الساخر في القومية. # وكان الواجب يقضي بأن يكون هذا حقا من الحقوق يمارسه الناس بحريتهم، ولكنه استحال في ~~تطبيقه إلى فرض بغيض مرهق؛ ذلك أن استخدام لغتنا القومية لم يسمح به فحسب بل أرغمنا عليه ~~إرغاما، وطرد من وظائف الحكومة مئات ممن لم يستطيعوا إتقان هذه اللغة رجالا كانوا أو ~~نساء، وكاد يصبح من أعداء الثورة كل من ينطق في خارج داره بغير اللغة الأوكرانية، ولاقى ~~أبناء الأسر التي تروست أشد العناء، وتأخروا في دراستهم؛ لأن اللغة الأوكرانية كانت ~~بمثابة لغة أجنبية لهم. # ولا حاجة إلى القول بأن هذه التطورات الجامحة كلها ألغيت فيما بعد، وعوقب دعاة ~~الوطنية الأوكرانية المختلفة عن الوطنية السوفيتية - والتي كانت وليدة هذه التطورات - بالنفي أو الإعدام. # وكان الشيخ البلشفي اسكربنك وزير التربية في أوكرانيا ضحية ذلك الانقلاب الثاني، ~~فأخرج من بلده، واضطر إلى الانتحار لهذا السبب ولغيره من الجرائم «الفكرية». # ولكن المشرفين على هذه المأساة الهازلة لم يكونوا يسمحون بأقل نقد لها وقت تمثيلها، وعدنا ~~نحن الرفاق الخمسة إلى بيتنا ذات مساء بعد أن استمعنا إلى خطبة ألقاها الرفيق اسكربنك في ~~امتداح سياسة الأكرنة الجديدة والإشادة بنعمها، وأثر فينا جميعا إخلاصه هذا وذكاؤه، على ~~الرغم من ارتيابنا في حكمة السياسة اللغوية الجديدة. # وقال فانيا: «قد يكون الرجل على حق، ولكن تبا له! إني لا أستطيع دراسة شيء ما باللغة ~~الأوكرانية، وحسبي ما ألاقي من صعاب في دراسته باللغة الروسية.» # فلما سمع منه فجورا هذا السؤال هز رأسه وهو محزون وقال له: «ليس من حقك أن تنطق بهذه ~~الأقوال، إن الحزب يرى هذا فرضا واجبا وعلينا نحن أن نصدع بما نؤمر.» # فأجابه ألكسي بقوله: «إن النظر إلى الأمور هذه النظرة الرسمية لا يجدي نفعا، وإنك يا ~~جورج لا تفيد ms111 الحزب أقل فائدة بإصرارك على عدم التفكير المستقل، وإن منهج الأكرنة المتطرف ~~لا ينفع قضيتنا بل يضرها، ومهما يكن من شأننا فإنا أقدر على تبين النتائج واضحة من الهيئة ~~السياسية العليا في الكرملن.» # وقلت أنا: «إن ألكسي على حق فيما يقول، وهذا العمل كله خرق وحماقة، ومن حق الناس أن ~~يستخدموا أية لغة يشاءون.» # وصاح فجورا قائلا: «إنك الآن تطعن في الكرملن، إن المسألة قد أصبحت من الأمور المقررة، ~~وأنا أرفض البحث فيها بعد أن تقررت.» # ولما واصلنا بحث الموقف وتحليله، وجهرنا بأملنا في تغييره، غادر فجورا الحجرة وهو غاضب ، ~~وأقبل اليوم الثاني وإذا أمين سر لجنة الحزب يستدعيني أنا وألكسي، فلما دخلنا عليه بدأ ~~يتحدث عن أمور أخرى، ولكنه لم يلبث أن انتقل إلى برنامج الأكرنة، وقال إنه قد بلغه أننا ~~ننتقد هذا البرنامج، وأننا نشيع حوله جوا من الشك. # وتبين لنا أن فجورا نقل أخبارنا إليه؛ ولهذا جلسنا نحن الأربعة في انتظاره حين عاد من ~~العشاء في مساء ذلك اليوم، وكان فانيا أول من تكلم، فقال: «يا جورج، إنك تستطيع أن ~~تساعدنا في الوصول إلى رأي كنا نتناقش فيه، إنك تعرف الكتاب المقدس، أليس كذلك؟» ~~- «بلى، إني أعرفه.» ~~- «إذن فقل لنا كم كان عدد أولاد نوح وما هي أسماؤهم؟» # فأجاب فجورا الأديب المثقف: «كان لنوح ثلاثة أولاد: سام وحام ويافث.» # فرد عليه فانيا بسخرية لاذعة: «لا، إنك مخطئ، صحيح أنه كان له ثلاثة أولاد ولكن أسماءهم ~~هي سام وحام ويهوذا، ولعلك تفهم قولي.» # واحمر وجه فجورا وتزعزعت للمرة الأولى تقواه واعتداده بفضيلته، وتمتم وهو يخرج من ~~الحجرة: «إني لا أفتأ أؤدي واجبي.» ولم نستطع تنقية الجو الذي أعقب هذا الحادث إلا بعد ~~أسابيع كثيرة، ولما انتحر اسكربنك بعد أن بدل الحزب نفسه خطته وأصبح رأيه في هذا الموضوع ~~أقرب إلى رأيي ورأي ألكسي، لم ير فجورا نفسه شيئا من التناقض في مسلكه، وكان يقول: «لكل ~~زمان حقائقه.» # ولقد أصبح الآن حق الجمهوريات أو الأقاليم غير الروسية الداخلة في ms112 نطاق الاتحاد السوفيتي ~~في أن تستخدم لغتها الخاصة المظهر الوحيد من مظاهر الحكم الذاتي الذي تتمتع به تلك ~~الجمهوريات والأقاليم، أما أن تكتب بهذه اللغة شيئا لا يتفق في كل صغيرة وكبيرة مع خطة ~~الحزب، أو أن تفكر بها في شيء من هذا القبيل، فذلك هو الخيانة العظمى. وبهذا أصبحت حرية ~~اللغة في واقع الأمر آخر مظاهر الاستقلال القومي، وكان الواجب يقضي أن تكون بدايتها، وأضحى ~~شعار القوم الذي يسترون به سيطرتهم البوليسية التامة هو: «القومية شكلا والاشتراكية قلبا ~~وقالبا.» # وهمس في أذني صديق ساخر في يوم من الأيام: «ها هو ذا كل ما لنا من استقلال ذاتي قومي.» ~~وأشار وهو ينطق بهذا إلى مرحاض عمومي كتبت عليه كلمتا: «الرجال» و«النساء» باللغتين ~~الأوكرانية والروسية. # ولقد نبتت في بعض البلاد الأجنبية لسبب ما تلك الخرافة القائلة بأن الجمهوريات السوفيتية ~~المختلفة تتمتع بقسط من الاستقلال، يتضمن حتى حق الانفصال، وليس ثمة - بطبيعة الحال - إنسان ~~واحد في بلاد الاتحاد السوفيتي كلها يصدق هذه الخرافة؛ ذلك أن أية نزعة ثقافية قوية تظهر ~~بين أقلية من الأقليات وتتعارض مع العقائد الشيوعية في أتفه الأمور، يقضى عليها بلا ~~رحمة، ومن أجل هذا أعدم مئات من الأوكرانيين وسجن أو نفي عشرات الآلاف منهم؛ ل ~~«مروقهم القومي» ولوجود ميول انفصالية مزعومة بينهم. # وانتهت إقامتي في خاركوف دون سابق إنذار بمقتضى قرار لم يستشرني أحد فيه؛ ذلك أني نقلت ~~فجأة من أعمال الطيران إلى أعمال التعدين، وأمرت أن ألتحق بمعهد للتعدين في لنينغراد ~~أولا ثم في بلدتي الأصلية بعدئذ، ولكن العهد الذي قضيته في خاركوف على صغره يشغل حيزا ~~كبيرا من ذاكرتي؛ ذلك أن هذا العهد ازدحم بالأعمال الحزبية ونواحي النشاط الصحفية، وبما ~~ألقي علي من تبعات في إدارة بيت الطلاب. # ومن أبرز الصور التي بقيت في ذاكرتي صورتا امرأتين كلتاهما حسناء وكلتاهما رزئت مما ~~رزئت به الأخرى فلم توفق في زواجها. # أما الأولى فهي زوجة الدكتور سمرين أستاذنا في الكيمياء، وهو رجل أحدب له ذراعان طويلتان ~~لا تتناسبان ms113 قط مع قامته القصيرة المقرقمة، ورأس تخاله بطيخة، ولكنه كانت له عينان تشعان ~~حكمة، وعقل قوي وثاب، وعطف على الناس صادق غير متكلف، وسرعان ما غطت هذه الفضائل ~~الخلقية والذهنية في عقول الطلبة على عيوبه الجسمية، وكنت أنا أنتظر محاضراته بشغف ~~عظيم. # ودعوته يوما إلى العشاء معي في بيت الطلبة، وطفت به في الحجرات وقاعات الاجتماع؛ ~~فسر من نظامها ونظافتها، ولما فرغنا من العشاء قال لي: «عليك يا فيتيا أن ترد لي هذه ~~الزيارة في وقت قريب، إن زوجتي تجيد العزف على البيان، وأنا أعلم أنك مولع ~~بالموسيقى.» # وكانت أسرة الدكتور سمرين تقيم في شقة ذات أثاث يدل على ذوق راق حسن، في إحدى حجراتها ~~بيان يشغل معظم فراغها، وعلى جدرانها صور لكبار الكتاب الروس، ووضع في أحد الأركان ~~تمثال نصفي لبيتهوفن مصنوع من الشبه قائم على قاعدة. # ولم أكن في تلك الليلة الأولى أرى كلافديا بعيني وحواسي وحسب، بل كنت أراها أيضا بعيني ~~زوجها وحواسه، وكان حبه لهذه السمراء النحيفة القوام حبا أكاد ألمسه في الحجرة لمسا، ~~وكأن جمالها قد محا من الوجود تشويه جسمه فأصبح معافى سليما، وأحسست بقلبي يجذبه إليها ~~سحر جمالها، كما أحسست بجو من الحزن لا أستطيع التعبير عنه يحيط بها، فسرى في نفسي شعور هو ~~أقرب ما يكون إلى الجريمة أفسد علي استمتاعي بموسيقاها الشجية وحديثها العذب، فانتحلت بعض ~~الأعذار وغادرت الدار مبكرا. # ومرت على هذه الزيارة أيام قليلة، وبينما كنت أسير في يوم يتساقط فيه الثلج خفيفا، إذ ~~وقفت وجها لوجه أمام كلافديا. # وما أن رأتني حتى فاجأتني من غير أن تحييني: «لقد فررت منا في تلك الليلة، وسيكون جزاؤك ~~أن تزورني في هذه، وسأعد هذا وعدا منك، وسأنتظر قدومك.» # ولم يخامرني شك في أني لن أذهب لزيارتها، ولكن مع ذلك وجدت نفسي أدق جرس بابها بعد بضع ~~ساعات من لقائنا، وأشاهد المائدة في قاعة الطعام وقد أعدت لاثنين. # وشعرت فجأة بشيء من الارتباك، وبأني وقعت في شرك لم تنصبه لي كلافديا بل ms114 نصبته لي ~~عواطفي، فسألتها وأنا على هذه الحال: «ولكن أين الدكتور سمرين؟» ~~- «آه، لقد ذهب ليزور أخاه الذي يسكن في الريف غير بعيد من هذا المكان، ولن يعود إلينا إلا ~~بعد بضعة أيام.» # وكان حديثنا على المائدة في أثناء العشاء حديثا مجهدا غير طبيعي، ثم شربنا خلاله زجاجة ~~من النبيذ القفقاسي، وعرضت عليها بعد أن فرغنا من العشاء أن نتنزه في الحديقة، وكان ضياء ~~القمر فيها أبيض ناصعا. # فضحكت وقالت: «لا يا سجيني العزيز، إذا كان لا بد لك من لوثة قمرية فها هي ذي «أنشودة ضوء ~~القمر».» وأخذت تعزفها على البيان. # ثم أخذت بعدها تعزف وتغني أغنيات غجرية، كنت أذكر كثيرا منها منذ طفولتي في ألكسندروفسك، ~~وحدثتها عن معسكرات الغجر وعن صداقتي لسيدمان، وكنت طوال الوقت جالسا على الكرسي الساند ~~الذي كان زوجها يجلس عليه في أثناء الزيارة السابقة، وخيل إلي أن هذا الكرسي حصن لي ~~يقيني من كل شيء، ثم أعلنت فجأة - وكاد يكون ذلك في منتصف جملة - أن لا بد لي من مبارحة ~~الدار. # فنظرت إلي وعلى ثغرها ابتسامة حزينة وقالت: «أتريد الفرار مرة أخرى؟ لكنني لن أسمح لك ~~به في هذه المرة.» ~~- «أنا آسف، ولكن الدروس ... لقد وعدت أليوشا أن أذهب إليه.» ~~- «إنك تكذب يا عزيزي فيتيا وأنا أعرف ذلك، فلنتحدث بصراحة: لم لا يكون من حقي أن أقضي ~~سهرة مع إنسان، نعم مع إنسان أقرب إلى نفسي من غيره؟» # وكانت العبرات المكبوتة قد أخذت تخنق صوتها، فعدت إلى الجلوس، وشرعت تقص علي شيئا ~~من تاريخ حياتها، فلما تحدثت به زال ما كان بيننا من تباعد، ولم أر فيها إلا فتاة بائسة ~~يفيض لسانها بما ينطوي عليه قلبها من أسباب شقوتها. # وعرفت من قصة كلافديا أنها كانت في السنة التاسعة من عمرها حين شبت الثورة، وأنها ابنة ~~أسرة موسرة تعلمت على يد مدرسين خصوصيين ومربيات، وقبض على أبويها في الأشهر الأولى من ~~الثورة ثم أعدما بعد وقت قصير في مذبحة عامة، قتل فيها الرهائن من الطبقات ms115 الموسرة، ~~وذهبت كلافديا لتعيش مع خالة لها عجوز في علية مظلمة في البيت الذي كان من قبل قصر ~~أسرتها، وقضي عليهما أن تقاسيا في هذا المسكن شظف العيش الذي كانت تعانيه الطبقات ~~المحرومة «السابقة» طريدة العدالة الخارجة على القانون، التي انحطت مكانها، ولم تعط ~~كلافديا الصغيرة حق الذهاب إلى المدرسة ولا حق العمل، وكانت هي وخالتها تعيشان من بيع ما ~~أخفيتا من بقايا متاعهما القديم. # وقالت لي: «إني أعرف أن الشبان الشيوعيين أمثالك لم ينظروا قط إلى صورة الأشياء من ~~خارجها؛ ولذلك فإنكم لا تستطيعون أن تتصوروا معنى ما يشعر به من يحقرون، ومن لا يحميهم ~~القانون، ومن يحسون أن بلادهم في غير حاجة إليهم، وخاصة إذا كانوا صغارا، إن الفقر مؤلم ~~لكل إنسان، فما بالك بوقعه على من نعموا بالراحة ورفاهة العيش؟» # وأحبت كلافديا وهي في السابعة عشرة من عمرها شاعرا يكبرها بمثل سنها، وذهبت إليه لتعيش ~~معه، وقالت: إن الأشهر القلائل التي قضتها معه كانت أقرب أيامها إلى السعادة الحقة، ولكنه ~~اختفى فجأة، وبقيت هي إلى ذلك اليوم لا تعرف ما حدث له، وكان فتاها من المعارضين للنظام ~~الجديد، وهي تظن أنه يقيم الآن في أحد معسكرات الاعتقال إن كان لا يزال حيا. ~~- «وكنت جميلة يغازلني كثيرون من الشبان، ولكنهم بلا استثناء كانوا شبانا من طبقتي، أي من ~~أطفال الماضي، ولما كنت قد قاسيت كثيرا وسئمت الحياة التي كنت أحياها فقد كنت أتوق إلى شيء ~~من الأمن والطمأنينة، وأرى أن خطيبي، إذا قدر لأحد أن يخطبني، يجب أن يحمل بطاقة الحزب. ~~ثم التقيت بالدكتور سمرين في يوم من الأيام، وانقبضت نفسي من صورته، ولكن كان من أسباب فخري ~~أن شيوعيا وأن شابا معروفا ينتمي إلى السلطة الحاكمة يهتم بأمري، وأحبني حب من يهابني ~~ويحنو علي، ولكن عن بعد، أما أنا فقد راعني وسحرني إخلاصه الشبيه بإخلاص الحيوان. # وكان أكثر ما أحمده له طيبة قلبه، ولم أختلف أنا وخالتي في أن له روحا جميلة، رغم أنه ~~أحدب وشيوعي، وأخشى ms116 أن يكون هذان العيبان في نظر خالتي صنوين، وظل يتردد على بيتنا أكثر من ~~عام، ويأتي لنا بالطعام والكساء، ويعلمني بعض الدروس دون أن يقول لي في خلال العام كله ~~شيئا عن عواطفه نحوي، وبلغ من أمره أن استطاع الحصول لي بطريقة ما على بيان. # وبينا كنت في يوم من الأيام أعزف له بعض المقطوعات التي يحبها من وضع كشيكووسكي قلت له: ~~إني أعرف أنك تحبني، وأنا لا أحبك ولكني أعجب بك وأحتاج إلى حمايتك ورفقتك، فلم إذن لا ~~نتزوج؟ وجلس الرجل في مكانه جامدا كالمصعوق، وهو مغتبط، لا يصدق ما سمع وقد غلبه الحياء، ~~وأظن أنه كان يعرف الحقيقة وإن حاول أن يطردها من عقله، وتلك الحقيقة هي أن فتاة من الأسر ~~التي كان لها شأن، طريدة القانون، وطفلة من أطفال الماضي قد قبلت من فرط يأسها مخلوقا ~~مشوها قبيح المنظر.» # وختمت حديثها بقولها: «فانظر الآن يا فيتيا، ما أقل ما تعرفون من الحقائق أيها الشيوعيون ~~الماهرون! إنكم لا تعرفون كم ألفا من نساء الروس اللاتي أخرجن من بيوتهن وابتعد الناس ~~عنهن بسبب أصلهن، لم يجدن لهن عاصما إلا أن يتزوجن بالأرستقراط الجدد، أي الشيوعيين ~~والعمال، وقد وجد بعضهن السعادة، ولكني وا أسفاه لست من هؤلاء السعيدات، وليس في وسعي أن ~~أنسى من قضوا على الشعب وعلى جميع ما كنت أحبه أشد الحب، وأعنى به كل العناية، ليس في وسعي ~~أن أنسى هؤلاء أو أن أعفو عنهم. # إن من كان مثلي لا بد أن يشعر بالوحدة، واعتقادي أن هذا أشد ما يؤلمني في حياتي، آه من ~~هذه الوحدة! إننا ندعي أننا من الحزب ولكننا نحيا في نفوسنا حياة خفية لا يعرفها أحد ~~غيرنا، ولقد حاولت أن أقوم بعمل من الأعمال، وعرضت أن أعلم الموسيقى، وخيل إلي أن ~~ولاة الأمور قد اهتموا بهذا، اهتموا به حتى أجبت عن الأسئلة المكتوبة التي قدمت إلي ~~وعرفوا منها أني من الأشخاص السابقين.» # ولم أخرج من المنزل إلا بعد منتصف الليل. # وقالت لي وهي ms117 تودعني عند الباب: «فلنفترق صديقين يا فيتيا، ولا تظن بي السوء، إني بائسة، ~~ولا أرى شيئا أمامي إلا الوحدة الأبدية، ورجائي إليك أن تأتي إلينا أحيانا لترانا حين ~~يكون الدكتور سمرين في المنزل، فهو مدرس ماهر وأنا أعرف أنك شديد الإعجاب به.» # وكان إعجابي بسمرين من حيث هو أستاذ ومن حيث هو رجل هو الذي حال بيني وبين الاعتداء على ~~حياته العائلية. # وكنت أتردد في بعض الأحيان على منزل الرفيق «ف»، وهو موظف أوكراني يشغل منصبا كبيرا في ~~رياسة تفتيش العمال والفلاحين، وكان وهو في أواخر العقد السادس من عمره من أعضاء الحزب ~~القدامى، حصل على قسط وافر من التعليم، ويعرف معظم كبار رجال الثورة معرفة شخصية، وإذا ذكر ~~لينين وتروتسكي ولونا تشارسكي وزبنوفيف وغيرهم ذكرهم بأسمائهم الأولى دون ألقابهم، وكانت ~~زوجته سيدة شمطاء الشعر تبدو عليها أمارات الرقة والحنان، وتذكرني على الدوام بكربسكايا ~~أرملة لينين. # وكنا إذا انفردنا نحن الثلاثة بأنفسنا، لم يجد الرفيق «ف» مناصا من التحدث إلينا في ~~الشئون السياسية، ومهما كانت بداية الحديث، سواء كان عن المسرح أو عن كتاب جديد أو عن ~~دراستي، فسرعان ما كان ينتقل هو إلى البحث في المشاكل الزراعية، والإرهاب المسلط على رفاقه ~~القدماء، والسرعة التي يسير بها التنظيم الصناعي، وكان يخيل إلي أن الآراء التي يدلي ~~بها طبيعية معقولة مع أنها لو جاءت من إنسان غيره لصدمتني صدمة عنيفة، وكان يشير عرضا إلى ~~أنباء لم أكن أصدقها من قبل، بل كنت أظنها «شائعات تذاع ضد الثورة»، ولكنه كان يذكرها كأنها ~~من الحوادث العادية التي تقع في كل يوم، وكان منصبه الرسمي يتيح له الاطلاع على الفظائع ~~التي ترتكب في القرى، وعلى مقاومة الفلاحين، والقبض على الناس جملة، والتحدث عنها كأنها ~~من الأمور التي يعرفها الناس جميعا. # ومهما يكن من أمر الرفيق «ف»، فقد عمل دون أن يعرف على أن ألتقي بجوليا، وذلك أنه أهدى ~~إلي في يوم ما تصريحا بمكانين في مقصورة في مسرح الأوبرا لمشاهدة مسرحية شيوشيوسان، ~~فاصطحبت إليها ms118 ألكسي كارنوخوف، وكان في المقصورة المجاورة لنا سيدتان ذواتا جمال بارع ~~وملابس أنيقة، وعرفت من فوري أن إحداهما كانت مريضة في مصحة كيف حيث كنت أقضي دور النقاهة ~~بعد الكارثة التي حلت بي على الحدود الإيرانية. # فهمست في أذن رفيقي قائلا: «هذه جوليا ميخائيلفنا زوجة «ر».» # فصاح مندهشا: ««ر»!» # وكان من حقه أن يدهش، فقد كان «ر» من أكبر الموظفين في الحكومة الأوكرانية، وكان رجلا ~~عظيم السلطان يعرف الناس أنه من أقرب المقربين لستالين نفسه، وتذكرت وقتئذ أنه كان يرسل ~~إلى زوجته الأزهار في صباح كل يوم بالطائرة من خاركوف حين كانت في كيف. # وعرفتني جوليا بطبيعة الحال، وأشارت إلي تدعوني إلى الذهاب إليها في فترة الاستراحة بين ~~فصلين، وقلت في نفسي: «ما أجملها من سيدة! وكيف فاتني أن أشاهد هذا الجمال البارع في خاركوف ~~من ثلاث سنين، ألا ما أشد غباوتي وقتئذ!» وظللنا طوال الفصل نتبادل النظرات، وكانت هي ~~تبتسم إلي من فوق الحاجز ولا تخفي سرورها، حتى أخجلني هذا وإن لم أحاول أن أخفي إعجابي ~~بها. # وكانت المسرحية الغنائية سخيفة مملة للغاية، وضعت بحيث تلائم الآراء السائدة وقتئذ، ~~وملئت بالعبارات الطنانة الرنانة التي ألفها الناس في تمجيد الثورة، ولكنني ظللت طوال ~~حياتي إذا ذكر شيء من سخافاتها، عادت إلي ذكرى حبي لجوليا، وكانت هي متوسطة القامة، ~~أكبر مني قليلا، ذات جمال فاتن وشعر ذهبي مجدول في غدائر سميكة معقودة في شكل تاج على ~~رأسها كأنه إطار من الذهب البراق يحيط بمعارفها الفاتنة. # ولما أسدل الستار ذهبنا إلى مقصورتها وعرفتها بألكسي، وعرفتنا هي بصديقتها ماري، ~~وأخذنا نتحدث الحديث الذي يجري عادة بين المعارف الجدد الذين لم يزل ما بينهم من حرج، ~~ولكن هذا اللقاء تخلله شيء من اهتياج المشاعر، وأحاط به جو من التوتر لا علاقة له بموضوع ~~الحديث. # وبقينا في مقصورتهما خلال الفصل الثاني، وقبل أن ينتهي هذا الفصل همست جوليا قائلة: ولم ~~نبقى إلى نهايته المملة؟ فلنذهب إلى بيتنا ونتناول بعض العشاء.» ووافقنا على هذا من ~~فورنا. ms119 # ولما خرجنا من المسرح صرفت جوليا السيارة الكبيرة التي كانت في انتظارها، وقالت: إنا إذا ~~عدنا إلى المنزل في مزلقتين كان ذلك أدعى إلى السرور، واخترنا من بين الصف الواقف أمام ~~دار الأوبرا مزلقتين من أنظف المزالق، وركب ألكسي وماري واحدة وركبت أنا وجوليا الأخرى، ~~ولا تزال صورة هذه المركبة منقوشة في ذاكرتي بجميع تفاصيلها واضحة المعالم حتى هذه الساعة، ~~وما زلت أذكر هذه الليلة الباردة الصافية البراقة لفها الثلج المتلألئ، وأذكر فتات الثلج ~~تتطاير من حوافر الخيل وهي تعدو بنا في غير جلبة، وأذكر سحب البخار الخارج مع أنفاسنا، وأحس ~~بيد جوليا في يدي فوق ركبتينا تحت طنفسة الفرو. # وتحدثت إليها عن معهدنا، وعن حياتي في المصنع وفي الحزب، وحدثتها عن ألكسي وعن سائر رفاقي ~~الذين يقيمون معي في الحجرة، وقاطعت نفسي وسط هذا الحديث الذي لا يهدف إلى غاية وصحت: «ما ~~أجمل كل شيء في هذه الليلة!» والتقت شفتانا بقبلة. # وتحولت بنا العربة بعد قليل إلى شارع جانبي، ووقفت أمام بيت صغير من طابقين قائم وراء سور ~~عال، شبيه بالمساكن الخاصة التي كان يسكنها التجار الأثرياء في الأيام الخالية، ووقف حارس ~~مسلح عند باب البيت، وأحست ماري كما أحس ألكسي أننا نريد أن نكون وحدنا، فأصرا على أن يذهبا ~~إلى مطعم، وفتحت جوليا الباب بمفتاح مزلاج ودعتني إلى الدخول. # وأضاءت الأنوار فألفيتني في أجمل بيت وقعت عليه عيني، فقد فرشت أرضه بالطنافس الشرقية، ~~وعلقت على جدرانه الستر المزركشة والصور الزيتية، وانتشرت في حجراته الثريات البلورية ~~والأرائك الوثيرة والمناضد البراقة من خشب الكابلي، وكان كل ما فيه ينطق بثراء أصحابه، وإن ~~كان في ترتيبه شيء من التحفظ يدل على حسن الذوق. # ووقفت في وسط هذه العظمة منبهرا بادي الحيرة. # وضحكت جوليا وقالت وهي تلقي عنها دثارها المتخذ من جلد الفقمة: «تلك حقائق يا عزيزي، ~~وليست صورا في دار خيالة.» # فأجبتها: «ولكني ما كنت أتصور أن شيئا من هذا لا زال له وجود في خارج المتاحف.» # دعك من هذا يا ms120 فيتيا، إن في بلدنا أشياء كثيرة لا يدور بخلدك أنها توجد فيه، هيا بنا إلى ~~المطبخ وأعني على تناول لمجة، فإني أكاد أموت جوعا، فالخدم في خارج الدار الليلة، وهو في ~~موسكو ليشهد مؤتمرا أو شيئا من هذا القبيل. # ورأيت المطبخ فزادني إحساسا بأن كل ما فيه أقرب إلى أن يكون من نسج الخيال، لقد كان جوه ~~كله مشبعا بالوفرة والمتعة، فقد امتلأت خزائنه بالأواني الخزفية الجميلة، وصفت فيها ~~الأواني البلورية يحمل بعضها شعار القياصرة، وقامت على إحدى المناضد الجانبية غلاية براقة ~~كبيرة، ولما فتحت المثلجة الضخمة أبصرت فيها من المأكولات الشهية ما عاد بذاكرتي إلى ما كان ~~من المثلجات في قبو جدتي في ألكسندروفسك، وتمثلت ما بين هذا وذاك من فروق، وخيل إلي ~~أني هنا في عالم آخر أبعد ما يكون عن الفقر المدقع والحرمان اللذين أصبحا من مستلزمات ~~حياتنا السوفيتية. # ولما عدت إلى حجرتي في منزل الطلاب صباح اليوم الثاني، لم أكد أجد من الوقت ما يكفي ~~للاغتسال وحلق الذقن قبل الذهاب مسرعا إلى المعهد، ولم تكن المحاضرات التي ألقيت طوال ~~اليوم تجد في إلا طالبا نعسان غافلا ذاهلا لا يسمع ما يقال ولا يعي شيئا مما يسمع؛ ~~ذلك أن أفكاري جميعها كانت مع جوليا، وقلت لنفسي من فرط الدهشة: «إن في العالم إذن حبا من ~~أول نظرة.» ولكن لم تكون محبوبتي امرأة متزوجة، ومتزوجة فضلا عن هذا بزعيم من زعماء حزبي ~~وبلدي؟ # وعاهدت نفسي على ألا أزور جوليا بعد ذلك اليوم، وكنت في الوقت نفسه أعجب كيف أستطيع ~~الحياة في الأيام القليلة الباقية على الموعد الذي حددناه للقائنا. # وقلت لنفسي في حزم وجفوة في أثناء محاضرة عن علم الغازات وضغطها وحركتها: «إن سلوكك يا ~~كرافتشنكو ليشبه سلوك إحدى الشخصيات في رواية فرنسية رخيصة، ما لك ولهذه المهزلة؟! وماذا ~~تكون عاقبها؟» # وبحت بسري إلى ألكسي في تلك الليلة، وأدرك من فوره أني لم أكن أطيق المزاح، فأخذنا ~~نتحدث حديثا جديا، وكان مما قاله لي أنه عرف من ماري ms121 أن جوليا بائسة من زمن طويل، وأنها ~~لا تحب زوجها العظيم، وأن من أكبر أسباب بغضها له أنها تكره قسوته على الشعب، وحياته ~~المترفة، وعدم اكتراثه بما تعانيه جمهرة الشعب من شقاء. # وكان مما قالته له ماري: «لست أنكر أن هذا يبدو لك كأنه منظر من مناظر مسرحية «بيت ~~العرائس» لإبسن، ولكن الواقع أن جوليا تحس بأنها سجينة، وتقول إنها لا ترى فرقا بين أن ~~تكون زوجة ل «ر» أو زوجة لأحد أعضاء البيت المالك السابقين، وتظن أن حياتها معه سخرية بآلام ~~الشعب الروسي.» # وقابلت جوليا مرارا في خلال الأسابيع التي أعقبت هذا اللقاء الأول، وسألتها ذات ليلة عن ~~زوجها فاعتذرت عن الجواب، وقالت والدمع يفيض من عينيها: «أعفني من الجواب في هذه الليلة يا ~~عزيزي، وسنجد في غيرها وقتا طويلا نتحدث فيه؛ لأني لا أريد أن أفسد علينا الليالي الأولى ~~التي نقضيها معا.» # وكنا ذات مرة نسير معا في الحديقة الواسعة المسورة الواقعة خلف بيتها، بعد أن أزيل ~~الثلج من طرقاتها وفرشت برمل جديد. # وقلت لها وألححت في قولي: «لا، إن من الخير أن تكشفي لي عن أمرك؛ ذلك أن «ر» ليس زوجك ~~فحسب، بل هو أيضا زعيم من زعماء حزبي.» # فقالت: «لست من أعضاء الحزب، ولكني كنت أشعر من بادئ الأمر بميل إليه أو على الأقل بميل ~~إلى الثورة، وكان أبي من رجال العلم ومن كبار الأحرار، آه! لقد نسينا كلمة الأحرار يا ~~فيتيا، ونحن نسخر منها إذا نطقنا بها، ولكن كل سنة تمر بنا تزيدني إجلالا لها، إجلالا لها ~~بالمعنى الذي كان يفهمه منها أبي على الأقل. لقد كان أبي يفهم منها حب العامة، والعدالة ~~التي تشمل جميع الناس، وبفهم منها فوق هذا كله احترام الناس جميعا رجالا كانوا أو نساء، ~~وكان يعلي من قيمة الحياة، ولعلنا قد نسينا هذا كله، ولكني أعتقد أن هذه المبادئ هي التي ~~كانت تهدف لها الثورة.» # فقلت لها: «إن هذا لمن أعجب الأمور، لقد كان أبوك من رجال العلم أما أبي ms122 فعامل بسيط في ~~أحد المصانع، وكان أحدهما يسمي نفسه حرا ويسمي الآخر نفسه ثوريا، ولكنك حين تحدثينني ~~بما كان يعتقده أبوك أكاد أسمع في حديثك حديث أبي نفسه.» ~~- «ليس في هذا شيء من الغرابة، إن زوجي يدعو للاشتراكية بين العمال الكادحين، ويهيب بهم أن ~~يثبتوا دعائمها في المستقبل، ولكنه يعيش الآن في الحاضر لا في المستقبل، ولعله فيما بينه ~~وبين نفسه يرى أن في اشتراكية اليوم ما يفي بغرضه، وأي حق لنا في هذه المتعة كلها؟ (قالت ~~هذه الكلمات الأخيرة وهي تشير بيدها إشارة شملت الحديقة والقصر المترف ومعطفها المصنوع من ~~الفراء.) على حين أن الملايين لا يجدون ما يسد رمقهم، وعلى حين ترى معسكرات المساجين تزداد ~~اتساعا وقبحا في كل يوم؟ وقد لا تصدقني إذا قلت لك إني أبغض هذا النهم في الزعماء، وهل ~~اتفق لك أن عرفت بطريق المصادفة ما يحدث في القرى في هذه الأيام؟» ~~- «يؤلمني يا جوليا أني أعرف أكثر مما أريد أن أعترف به لنفسي.» ~~- «لا يدهشنك مني أن أتحدث إليك على هذا النحو، إن عواطفي هذه ليست سرا خافيا على «ر»، ~~فكثيرا ما أفصحت له عن رأيي في هذا كله، ولكنه إذا سمع هذا سخر مني وقال إنني طفلة بلهاء ~~واهمة أطلق العنان لعواطفي، وأدعي أن أحدا لا يضار بهذا، وأن الزعماء يعملون وينقبون، ومن ~~حقهم أن يحيوا حياة راضية هنيئة، ولكني لا أشك في أنه مخطئ في قوله هذا؛ لأن الزعماء الذين ~~لا ينقصهم في حياتهم شيء سرعان ما ينسون ألم العذاب ويصبح حديثهم عن التضحية مجرد ~~رياء. # وإني لأشعر يا عزيزي بأننا قوم مخدوعون، وأن على أبصارنا غشاوة فلا نبصر ما يحدث من ~~حولنا، حتى ليخيل إلي أحيانا أن ما كان يعانيه الشعب من استغلال وهمجية في أيامه ~~الماضية كان أنبل قصدا مما يعانيه في هذه الأيام؛ ذلك أن المسيطرين عليه لم يكونوا يدعون ~~على الأقل أنهم رجال مبادئ ومثل عليا، ولم يكن منهم من يسمي عمله هذا اشتراكية، إن أمثالك ~~من ms123 الشبان الشيوعيين لسعداء حقا؛ ذلك أنكم لا تزالون تؤمنون بمبادئكم، ولا تعرفون شيئا ~~عن الدسائس القذرة، وعن الصراع القائم بين كبار الزعماء في سبيل السلطة. # وهل تعرف ما يدور من معارك تتقزز منها النفوس للاستيلاء على بيت ريفي في الغابات الفضية ~~القريبة من موسكو، أو بيت شتوي كان يملكه في يوم من الأيام أمير من تجار القفقاس؟ ألا ما ~~أكثر ما يذاع من أكاذيب وأباطيل! إني قريبة من هذا كله بحكم مركزي الذي أوجدتني فيه الظروف، ~~حتى ليخيل إلي أحيانا أني أكاد أختنق منه، وما أشبهني في هذا الوضع بإنسان في حمأة ~~يزيد تورطا فيها كلما حاول التخلص منها.» # ولم يخالجني أدنى ريب في إخلاص جوليا رغم ما بدا لي من مغالاة في أقوالها. # ثم تشجعت فقلت لها: «لو أنك كنت شديدة الحب لزوجك لما رأت عينك هذا، وأرجو ألا تسيئي ~~فهم قولي إذا ما ذكرت لك أن سخطك السياسي قد لا يكون إلا صدى لسخطك الشخصي.» # وسكتت جوليا وهي تفكر برهة طويلة ثم قالت بعد هذا التفكير: «لا، لست أظن أن هذا هو السبب، ~~لقد كنت حتى في السنين الأولى من حياتي الزوجية أنكر على «ر» وعلى أصدقائه العظماء الحياة ~~التي يحيونها، والطريقة التي يتحدثون بها، وشدة احتقارهم للشعب الذي يستغلونه ويمتصون ~~دماءه، وكنت أحس من أول الأمر أنني أشبه برقيق الأرض في مزرعة رجل من أصحاب الحول ~~والطول.» ~~- «ولم إذن لا تفارقين زوجك، وتتخذين لك عملا، وتعيشين من أجل مثلك العليا؟ إني أحبك ~~وأظنك تحبينني، فما الذي يمنعنا أن نعيش معا؟» ~~- «لا يا فيتيا، ليس الأمر سهلا كما تظن، فأنا أعرف الكثير مما لا تعرفه أنت، وليس فرار ~~امرأة في مثل مركزي بالأمر اليسير، إذ ليس في وسعي أن أفارق زوجي وأختفي في غمار الشعب ~~المجهول، لقد كنت طول حياتي شديدة القرب من ذوي السلطان؛ ولهذا فإنهم لا يقفون مكتوفي ~~الأيدي إذا أقدمت على هذا العمل، وأرجو ألا تطلب إلي أن أصرح لك بأكثر مما صرحت به، وإذا ms124 ~~كنت تحبني حقا فلا تردني عنك، وهذا كل ما أريده منك.» # وكان ما أشارت إليه من عالم السلطان غير المحدود والدسائس التي لا تقف عند حد، عالما ~~أجهله كل الجهل ولا أستطيع قط أن أفهمه، وما من شك في أن روسيا من السوقة يقع في حب أميرة ~~من البيت المالك لا بد أن يشعر ببعض ما كنت أشعر به وقتئذ. # وكثيرا ما قابلت جوليا في بيت صديقتها ماري بعد عودة زوجها من موسكو، ولم يكن خافيا ~~علي أن زوجها يعلم بأنها تحيا حياتها الخاصة، وأنه كان يغمض عينيه عما تفعل، وكنا في ~~لقائنا نتحدث عن أملنا في أن نعيش معا جهرة كما يعيش الزوجان، ولكن لم يكن منا من يصدق هذا ~~القول؛ ذلك أن اسم «ر» كان يبرز كثيرا في أعمدة الصحف، فهو اليوم يلقي خطبة وغدا يوقع ~~مرسوما، وأخذت الألسنة تلهج بذكره «لقد قال «ر» هذا، وفعل «ر» ذاك.» ومن أجل هذا كان مركزه ~~السامي وسلطانه القوي، ومهابته في جميع القلوب، كان كل هذا يبدو لي كأنه حواجز قائمة بيني ~~وبين جوليا حتى في تلك اللحظات التي كنت أحتضنها بين ذراعي. # ثم تبدلت الأحوال فجأة؛ ذلك أنني استدعيت للمثول أمام لجنة الحزب المركزية، واستقبلني ~~من أعضائها رجل يدعى الرفيق شلكين مساعد رئيس قسم المستخدمين. # وقال لي: «يا رفيق كرافتشنكو، لقد أصدر الحزب قرارا يأمرنا فيه بأن نوائم قدر المستطاع ~~بين عمل المهندسين الآن وبين تجاربهم السابقة، ولقد كنت قبل أن تلحق بالمعهد تعمل في صناعة ~~التعدين، أليس كذلك؟» ~~- «بلى، وكنت في مصنع بتروفسكي-لينين.» ~~- «ها أنت ذا ترى بنفسك، وأي معنى في تدريبك على صنع الطائرات على حين أنك بدأت العمل بداية ~~موفقة في صناعة التعدين؟» # فأجبته في وهن: «ولكني أفضل العمل في الطيران.» ~~- «ربما كان هذا، ولكني لا أظنك تنكر أن هذا التفضيل لا يعدو أن يكون مسألة شخصية محضة.» ثم ~~التفت إلى أحد أمناء السر وقال له: «اعمل على نقل الرفيق كرافتشنكو إلى معهد التعدين في ~~دنيبروبتروفسك.» # وقضيت ms125 بعدئذ عدة ساعات أطوف في بستان سمسكايا، لا أبالي بالأوحال التي تتراكم في أواخر ~~الربيع، وأسائل نفسي كيف يعرف الحزب أن الأمر ليس مجرد انتقال من الطيران إلى التعدين، بل ~~هو انتقال من الحياة مع جوليا إلى الحياة بعيدا عنها، ولم يدر قط بخلدي إلا بعد زمن طويل ~~أن الحزب، أو على الأقل بعض أعضاء الحزب، قد عرفوا ذلك الأمر، وسواء أكان ذلك أم لم يكن فقد ~~بدا لي أن قرار الحزب قرار عادل في جوهره. # وتحدثت إلى جوليا تلفونيا وأطلعتها على الخبر، واجتمعت بها عدة مرار قبل سفري، وكان ~~اجتماعنا في كل مرة اجتماعا عاصفا، أذرفت فيه الدموع مدرارا، وألححت عليها أن تسافر معي ~~مهما تكن النتائج، وخيل إلي في بعض الأحيان أن عزيمتها قد وهنت، وأنها قد تتبعني ~~بالفعل، ولكن الأسباب التي تحول بينها وبين عملها هذا - أيا كانت هذه الأسباب - أقوى مما ~~تستطيع التغلب عليها. ~~«لا تطلب إلي هذا، ولا تقس علي يا فيتيا، إني لا أستطيع أن أفعل، وإن كانت الحياة ~~بعيدة عنك ستكون موتا حيا، لا تطلبه إلي؛ فحسبي ما بي من آلام.» # وخرجت مع صديقي ألكسي في مساء اليوم السابق لسفري، وقضينا عدة ساعات نسير في شوارع ~~خاركوف، ووعدني أن يوافيني على الدوام بأنباء جوليا، وأفضيت إليه بعزمي على أن تلحق هي بي، ~~فإذا لم يكن ذلك في الأيام القريبة فلا أقل من أن يكون بعد فراغي من دراستي في المعهد حين ~~يكون في وسعي أن أتزوج. # وجاءت إلى المحطة في صباح اليوم الثاني جوليا وماري، كما جاء أيضا رفاقي في حجرتي وغيرهم ~~من الأصدقاء؛ ليودعوني وقت سفري، وتحدرت الدموع على خدي جوليا، وتظاهر كل من كان حاضرا ~~بأنه لم يرها، ولم يدر قط بخلدي وقتئذ أنني لن أراها بعد تلك الساعة. # وكتبت إليها مرارا من دنيبروبتروفسك ولكنني لم أتلق منها جوابا، وألححت على ألكسي أن ~~يتوجه تلقاء مسكن «ر» ففعل، ودق الجرس، ففتحت له الباب خادمة، ولما سألها عن مدام «ر» أخذت ~~تنتحب ms126 وأجابته بقولها: «إن جوليا ليست هنا، وقد خلت منها الدار.» وأخذت تبكي، ولكنها لم ~~تنبئه بشيء غير هذا، وأخبرته ماري أن جوليا فارقت زوجها بعد عودتي إلى دنيبروبتروفسك بزمن ~~قليل، ولعلها لم تكن تعرف غير هذا، أو لعلها صدرت إليها أوامر مشددة ألا تبوح بغيره. # وأخذ جرح الفراق المؤلم يلتئم رويدا رويدا، ولكن الآلام الناشئة من سر الفرار الخفي وما ~~كان يحوم حوله من شكوك ظلت تنتابني على الدوام. وحدث في إحدى السنين التي أعقبت ذلك الوقت ~~أن ترامت إلي إشاعة غامضة فحواها أن جوليا ميخائيلفنا تعمل مدرسة في مدرسة في إحدى ~~المقاطعات البعيدة بعد أن أطلقت على نفسها اسما مستعارا، ولكني لم يكن في وسعي أن أتحقق ~~من صدق هذه الشائعة، ولعله كان من القسوة بعد ذلك الوقت الطويل أن نهتك أستار الماضي، أو أن ~~نزبل ما تراكم فوقه من أنقاض على مدى الأيام. # الفصل السابع # | انتصار الآلات # وسر أبواي وأخواي من عودتي إلى دنيبروبتروفسك غاية السرور، وأردت ألا أفسد عليهم ~~سرورهم، فأظهرت أنا الآخر سروري لوجودي بينهم، وتطلب هذا مني مجهودا عنيفا؛ لأن ألم ~~فراقي لجوليا كان ينغص علي حياتي كلها، وبدا لي ألا شيء يفرج عني هذا الهم إلا الانهماك ~~في العمل، فألقيت بنفسي في تيار الدرس وأناشيد الحزب ومشروعات المصنع حتى لا أترك لنفسي ~~فسحة من الوقت أكتئب فيها أو آسى على نفسي، وعملت على أن أزيد راتبي من الدولة بإعطاء دروس ~~في الاقتصاد السياسي لبعض الفصول في المعهد الفني. # وكانت أمي لا تفتأ تشكو من حالي هذه وتقول: «إنك يا فيتيا ترهق نفسك بالعمل.» وما من شك ~~في أنها كانت تظن أن هذه الغيرة كلها ليست غيرة عادية خالصة للعمل. # وسكنت في منزلي فنجوت بذلك من متاعب الإقامة في البناء العام المخصص لنوم الطلاب، وكل ما ~~كان هناك من فرق بين هذا البناء ونظيره في خاركوف أنه أكثر منه اضطرابا وأقل راحة، وكنت ~~أنا المشرف الرسمي على المصنع، ومن أجل هذا كانت علاقتي به وبالصناع ms127 فيه علاقة حقة وثيقة، ~~واستعدت ما كان بيني وبين المهندسين والمدربين من صداقة قديمة، وأنشأت صداقات جديدة مع ~~رؤساء العمال ومع العمال أنفسهم، وكانت مصانع بتروفسكي-لينين المتحدة تستخدم وقتئذ نحو ~~35000 عامل، وكان لهذه المصانع شأن عظيم في مشروع الخمس السنين. # وتبين لي أن ن. جليوبنكو الرئيس الجديد للمصنع رجل ذكي شريف، وإذ كان يعرف علاقتي القديمة ~~بمصنعه، واهتمامي العظيم بتقليل نفقات الإنتاج وإجرائه على أحدث النظم، فقد كان يدعوني ~~مرارا كثيرة إلى حضور الاجتماعات الصناعية، ويعهد إلي من حين إلى حين بعمل دراسات خاصة ~~فيما يستجد في المصنع من مشاكل. # وكنت أعيش مع أبي تحت سقف واحد وأختلط بغيره من صغار العمال، فلم يكن في وسعي أن أغمض ~~عيني عن المأساة المؤلمة التي كانت تمثل فصولها في الضياع والحقول، وكنا نحن الشيوعيين فيما ~~بيننا وبين أنفسنا نحوم حول هذا الموضوع، أو نعالجه بالألفاظ الملطفة المنمقة التي ينطق بها ~~الحزب، فكنا نتحدث عن «جبهة الفلاحين» و«خطر كبار الملاك الزراعيين» و«الاشتراكية القروية»، ~~وكان علينا إن أردنا أن نحيا حياة الشيوعيين أن نغشي الحقائق بستار من الألفاظ المعسولة ~~حتى لا تراها الأعين وتدركها العقول. # أما الصناع العاديون فلم يكن ثمة ما يضطرهم إلى هذا المسلك، فقد كان الكثيرون منهم ~~زراعا قدامى لا تزال لهم كلهم إلا قليلا منهم صلات بالريف؛ ولهذا لم يكن في وسعهم أن ~~ينظروا إلى المزارع الجماعية نظرة «علمية» مجردة عن أشخاص الزراع أنفسهم، فكانوا يتحدثون ~~حديثا صريحا عن العنف والقسوة والجوع والموت، كما يتحدث الناس عن حوادث شخصية تمس زيدا ~~وعمرا في قرية معينة من القرى، لا كما يتحدث العلماء عن قوانين عامة، وكنت أسمعهم من حين ~~إلى حين يروون قصصا عن أشخاص في إقليمنا اضطرهم الجوع إلى أكل لحوم الآدميين، فكنت أعدها ~~منهم مغالاة لا أصدقها، ولكنها رغم عدم تصديقي إياها تقذف الرعب في قلبي. # ولم يكن في وسع من في داخل المعهد أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الفظائع التي تحدث في خارج ~~أبوابه وعلى مقربة منه، ms128 وكان الرؤساء يحذرون العمال من أنصار «اليمين المنشقين» و«أنصار ~~تروتسكي» و«مأجوري طبقات الزراع الأقدمين» الذين ينشرون «الشائعات المعادية للحزب»، ولكن ~~الشائعات لم تنقطع بل زادها التهديد والقمع انتشارا، وكان من شأن هذا كله أن يجعل حياة ~~طلاب المعهد الألفين حياة يسودها جو التوتر الخفي الصامت. وكان كثيرون من أنشط الطلاب ~~يرسلون إلى القرى في مهام خاصة، فإذا عادوا حذروا من أن يتحدثوا بما شاهدوا، ولكن صمتهم ~~ومراوغتهم كانا أفصح من الحديث، هذا إلى أن كثيرين منهم كانوا يتحدثون إلي بما رأوا بعد ~~أن أعاهدهم على ألا أذيع ما أسمع منهم، ويروون لي من الفظائع ما يقشعر من هوله بدني. # وكان لي زميل في فصلي عرفته في اجتماعات خلايا الحزب، فقلت له عقب عودته من إقليم بلتافا: ~~«إن من يراك يحسب أنك شاهدت أطياف الموتى.» # فأجابني بقوله: «نعم لقد شاهدتهم.» ثم أطرق ببصره. # ولم أواصل حديثي معه، فقد أحسست بأنه محزون يريد أن يبوح لإنسان ما بما يحز في قلبه، ~~ففررت منه مذعورا مما عسى أن يصيبني من هذا الحديث. # وكان «مروجو الشائعات» بين الطلاب يقبض عليهم من حين إلى حين؛ ذلك أن الرقابة على ~~عقائد الطلاب السياسية كانت تستنفد من جهد المشرفين عليهم أكثر مما تستنفده الدراسات الفنية ~~نفسها. # وكان في المعهد كما كان في كل مشروع سوفيتي وكل فرع من فروع الحكومة إدارة متصلة بالقسم ~~السياسي، وكان يرأس هذه الإدارة عندنا الرفيق لبد، ولم يكن أحد يدخل مكتبه حين يدعى ~~ليستجوب إلا تملكه الرعب، وليس منا من كان يعرف ما يجري وراء الكوة الصغيرة ذات ~~القضبان الحديدية التي بباب غرفته المصنوع من الصلب؛ ومع ذلك فلم يكن بيننا من تبلغ به ~~السذاجة حدا لا يعرف معه أن لكل طالب في هذه الإدارة الخاصة ملفا تسجل فيه كل كلمة ~~ينطق بها، وكل عمل يصدر منه، ولا يفوت المشرفين عليه أن يسجلوا نبرات أقواله ~~وحركاته. # وكانت الملفات الخاصة «بالأحوال الشخصية» تحوي معلومات عن حياة الطالب أو المدرس الخاصة، ~~وعن أهله وماضيه ms129 السياسي، وكان أهم ما تحتويه التقارير والشكايات التي كان يرفعها العيون ~~السريون المنبثون في كل فصل من فصول الدراسة، وفي كل منامة في المعهد، أو المخبرون ~~المتطوعون الذين يريدون أن تكون لهم حظوة عند ولاة الأمور، أو الذين تحركهم الأحقاد ~~والحفائظ الشخصية. # وكانت هذه الملفات سرا مكنونا لا يطلع عليها مدير المعهد نفسه ولا أمين لجنة الحزب ~~فيه، وكان الغرض من ذلك حماية المخبرين وإحكام شبكة التجسس، وكان للإدارة الخاصة عمالها ~~السريون في كل فرع من فروع المعهد بل وفي خلايا الحزب نفسها، على أن لجنة الحزب كان لها هي ~~الأخرى مخبرون في هذه الخلايا، لا تعرفهم الإدارة الخاصة، وهكذا كان على كل جاسوس جاسوس ~~مثله في نظام معقد دقيق يقذف الرعب في قلب كل إنسان. # ولم يكن هذا هو كل ما في الأمر، فقد كان للقسم السياسي هو الآخر عمال في المعهد غير عمال ~~الإدارة الخاصة يتصلون مباشرة برياسة هذا القسم في الإقليم، وكان هؤلاء بمثابة رقابة ثانية ~~على لبد وموظفيه، وكان للجنة الحزب بالمدينة عيونها في الخلايا، كما كانت لجنة الإقليم ~~تتلقى التقريرات السرية من أفراد معينين في لجنة المدينة، وكان هذا الهرم المتشابك من ~~الرقابة يمتد إلى أعلى قمته، إلى لجنة الحزب المركزية في موسكو ثم إلى الهيئة السياسية ~~العليا التي يرأسها ستالين. # لقد كانت الحياة السياسية تحيط بها شبكة من التجسس تمتد خيوطها من أعلاها إلى أسفلها ومن ~~أسفلها إلى أعلاها، تجسس من الحزب وعلى الحزب، من القسم السياسي وعلى القسم السياسي، يتعاون ~~العمال فيها على جمع المعلومات في بعض الحالات، ويتنافسون على جمعها في حالات أخرى؛ ولذلك ~~كنا نعيش في عالم كله عيون وآذان، وما من شك في أن الرجل العادي لم يكن يعرف مدى هذا النظام ~~ولا دقته، بل إني أنا نفسي حين أكتب هذه الخلاصة الموجزة أستمد بعض ما أكتب من المعلومات ~~التي كشفتها بعد خلال تجاربي في السنين التالية، وكل ما كان يعرفه الرجل العادي أن ~~«للجدران آذانا» وأن الصراحة أقرب سبيل ms130 إلى الهلاك. # ولكن رغم هذا كله كانت المعلومات المحظورة تنتشر في كل مكان، وانتشارها هذا دليل على توتر ~~مشاعر الناس في ذلك الوقت وعلى ما تمتاز به طبيعة الروس من حب للكلام، ومن عطف على ~~البائسين، ومن إفصاح عما في ضمائرهم، ومن أجل هذا كنا إذا قطعنا على أنفسنا العهود بألا ~~يفشي أحدنا ما يسمعه من زميله نخاطر بالتحدث فيما يخالجنا من شكوك مغيظة مؤلمة، وترتعد ~~فرائصنا فرقا حين نفكر في أن كل كلمة ننطق بها ستجد سبيلها إلى سجلات حياتنا الخاصة، وكم ~~من مرة حدث في سني التطهير المقبلة أن ووجهت بعبارة عارضة جرت على لساني في مجلس خاص ~~لصديق كنت أثق به! وكم من مرة سئلت لم لم أنقل إلى من يهمهم الأمر عبارات سمعتها من ~~غيري؟! لقد كان عدم التبليغ عن العواطف «المعادية للحزب» أو «المعادية للسوفيت» يفسر بأنه ~~اشتراك في هذه الجرائم ورضا عنها. # ولم تكن الإدارة الخاصة تتوانى لحظة عن مطاردة «الأعداء»، وكان منا من يعرفون مثلا ما ~~وضعته من خطط لفرض الرقابة الشديدة على الأستاذ دنيك العلامة الذي كان يدرس لنا علم ~~الميكانيكا الإنشائية، وكان أهم من تدريسه وأعظم منه نفعا ما يجربه في معمل المعهد من ~~أبحاث في مشروعات الإنشاء الصناعي الخطيرة التي تتطلب نفقات باهظة، وإذ كان هذا الرجل لا ~~ينتمي إلى الحزب، وكان قبل الثورة من رجال الفكر المعدودين، والإخصائيين الذين لا يبدو ~~عليهم شيء من الاهتمام بالسياسة، فقد كان بطبيعة الحال هدفا للارتياب الشديد، فكيف السبيل ~~إذن لمراقبة نشاطه وهو نشاط فني إلى حد يصعب معه أن تتبين العيون ما عسى أن يكون فيه من عبث ~~بالآلات أو المصانع. # لقد وجد الجواب عن هذا السؤال عند زوجة الأستاذ، وكانت تشغل هي الأخرى منصب كبيرة ~~مساعديه، وكانت سيدة طويلة القامة نحيفة الجسم، شقراء اللون، متوسطة الجمال، في وسط العقد ~~الرابع من عمرها، فكانت بذلك تصغر زوجها بنحو ثلاثين عاما، ولما كانت بطبيعة الحال تحترم ~~زوجها لجهوده وعلمه، فلم يكن ولاة الأمور ms131 يرون أن في وسع رجال القسم السياسي أن يعتمدوا ~~عليها كل الاعتماد في أن تكون عينا لهم عليه؛ ولهذا عمدوا إلى وسيلة أخرى فوضعوا في طريقها ~~محبا لا تستطيع مقاومة حبه، وكان هذا المحب هو بفلنكو، وهو مهندس متطرف في حزبيته، قوي ~~الجسم عريض المنكبين ضخم الرأس والوجه، لم يلبث أن أسر قلب الزوجة الشابة، ولم يكن في ~~المعهد من لا يعرف أن زوجة دنيك وقعت في هواه إلا عدد قليل ومنهم زوجها نفسه، كما لم يكن ~~فيه أحد غير الزوجة نفسها يظن أن حبيبها إنما يؤدي عملا عهدت به إليه الإدارة الخاصة، على ~~أن ما ضحى به بفلنكو في هذه التمثيلية لم يجده نفعا، ولم يكن في وسعه أن يكشف عن أي عطل ~~أو تخريب في معمل الأستاذ دنيك. # وقلما كان أحد يشير في حديثه إلى هذا التجسس المعقد المنظم اللهم إلا في عبارات غامضة ~~خبيثة «ونوادر سياسية» رمزية - أي فكاهات ترمي إلى غرض سياسي - ولكنه مع ذلك كان نظاما ~~حقيقيا شاملا لا يقل في حقيقته وشموله عن الهواء الذي نتنفسه. وكان هذا النظام المحكم ~~يحيط بالمعمل ويتغلغل فيه كما يحيط بالمعهد وبالصحف المحلية التي كنت أكتب فيها، وبالهيئات ~~الحزبية التي كانت تستنفد مني نشاطا مطردا لزيادة؛ لأني كنت وقتئذ من أعضاء الهيئة ~~السياسية للجنة الحزب في معهدنا. # وتجمع من هذه الجاسوسية الشاملة سيل جارف من البيانات الشخصية والاتهامات، بعضها يعتقد ~~ناقله بصدقه وبعضها قائم على حب التشفي والاستهزاء، وقناطير مقنطرة من الملفات دونت ~~فيها أقوال آلاف الآلاف من الجواسيس وكلها مرتبة ومدروسة ومرقومة، ترسل منها صور إلى المدعي ~~العمومي وإلى موظفي الحزب المنوطين بتأديب أعضائه، وإلى المحاكم السرية التابعة للقسم ~~السياسي إذا ما تطلب الأمر اتخاذ إجراء عاجل، وكانت هذه كلها سيوف مرهفة مسلولة فوق رقاب ~~المارقين المرتدين أو المتشككين المترددين، إذا احتاج الأمر إليها في مستقبل الأيام، وكانت ~~كلها مصفوفة في عشرات الآلاف من الخزائن تعد كل واحدة منها حصنا مليئا بالأسرار ~~الخاصة، وحوادث النزق والطيش، وبالأكاذيب ms132 والملق والأخطاء. # وكان هذا النظام السري الدقيق من نظم الرقابة على الأهلين وهتك أسرارهم، هو الذي قضى أبد ~~الدهر على الأسرار الداخلية والحرية البيتية وجعلها من العادات العتيقة البالية، ومع ذلك ~~فقد كان يسمى في عرف حزبنا الحاكم «الديمقراطية الحزبية». # في عام 1931م ألقى الرفيق ستالين خطبة في مؤتمر عام من الموظفين المشتغلين بالشئون ~~الاقتصادية زلزلت قواعد الصناعة السوفيتية من أساسها وبدلت مظاهر حياة الصناع والموظفين ~~على السواء، واشتملت هذه الخطبة على «عناصره الستة المهمة» لرفع القدرة على الإنتاج، وكان ~~هم هذه العناصر الدقة في حساب النفقات، والعناية أكثر من الماضي بتركيز إدارة المشروعات، ~~وزيادة تحديد تبعة العجز والإتلاف، والتفرقة العظيمة بين دخل الأفراد. # ومما جاء في هذه الخطبة قوله: «لقد خرجت الصناعة عن حكم العقل من زمن بعيد، ولم تعد ~~مشروعاتنا الصناعية تعنى بالعد والحساب وتحضير حسابها الختامي الدال على إيرادها ~~ونفقاتها، وما من أحد يبدو مسئولا عن شيء ما، والزعماء بكم فهم لا ينطقون، ولم هذا؟ إن ~~الشواهد كلها تدل على أنهم يرهبون الحقيقة.» # وسرني بعض هذا التبدل في التفكير الرسمي، وخيل إلي أنه يكاد يكون نصرا مؤزرا لي ~~أنا نفسي؛ لأني طالما كتبت وحاججت في هذا التعقيل نفسه، ولكن بعضه أقلق بالي، وخيل إلى ~~أبي ومن على شاكلته أن هذه الآراء تؤيد أسوأ ما تنبئوا به من العواقب. # لقد كانت المساواة في الدخل من المثل السوفيتية العليا، وها هي ذي قد أصبحت جريمة ما ~~بين يوم وليلة، وقيل عنها: إنها غير خليقة بالمجتمع الاشتراكي، ونبذت قاعدة «الحد الأعلى ~~لإيراد أعضاء الحزب»، وهي التي كانت تقضي بألا يزيد دخل هؤلاء الأعضاء على الدخل المتوسط ~~إلا قليلا، وبذلك أطلق العنان لسيل من النهم والجري وراء المصالح الشخصية في ~~الأوساط الرسمية، وأدخل نظام الأجر بالقطعة في الاقتصاد السوفيتي بأجمعه حتى في الأعمال ~~التي لا يخفى فيها سخف هذا النظام من الأجور إن لم نقل استحالته. وبفضل هذه العبقرية ~~السوفيتية العجيبة التي تستطيع التحول من النقيض إلى النقيض استبدل بالفساد الناشئ ms133 من كثرة ~~الرؤساء فساد مثله ناشئ من تحكم رئيس واحد مستبد، قضى قضاء مبرما على آخر ما بقي من آثار ~~دعوى السيطرة من أسفل أي «سيطرة العمال» على شئون الدولة. # ولا حاجة إلى القول بأن الأمر بإجراء الإصلاحات شيء وتنفيذها شيء آخر، لقد كان ستالين ~~محقا في اتهامه الزعماء بأنهم يخشون الحقيقة، فهم يخشونها لأنها من وسائل الترف العظيمة ~~الخطر التي لا تتفق مع مطالب الثورة، وكان الذي يخطئ خطأ بريئا في حكمه أو يقوم بتجربة ~~فنية غير محكمة يتهم بالتخريب وتعطيل الآلات المتعمد، ويجازى على ذلك بالنفي أو السجن، ~~كما أن الموظف الصغير الذي يرتكب خطأ في عمله كان يحل به أقسى عقاب؛ لأن ولاة الأمور ذوي ~~العقول البوليسية كانوا في كثير من الأحيان يتهمونه بالخيانة المتعمدة، وكان التهرب من ~~المسئولية يضع العراقيل في سبيل الجهود الاقتصادية الضخمة، ويعقدها تعقيدا لا سبيل إلى ~~التخلص منه، وقد وصف لي جليوبنكو هذه الحال وقتئذ بقوله: «إنهم يطلبون إلينا تعقيل الصناعة ~~والتجديد فيها وتخفيض نفقاتها، وكل هذا شيء جميل جدا يا رفيق كرافتشنكو، ولكننا لا نكاد ~~نفعل شيئا جريئا أو خارجا عن المألوف حتى نعرض حياتنا للخطر، أليس كذلك؟ إن السلامة في ~~رأيي ألا نفعل شيئا قط.» # واستدعيت في أواخر الخريف من ذلك العام إلى مقر لجنة الحزب الإقليمية في صحبة تسبليا ~~كوف مدير معهدنا وزميل من الطلاب يدعى برتز كوي، ولما دخلت أغلق أمين السر الباب وأعلن ~~أنه يريدنا أن نقوم ببحث في نيقوبول، وهي بلدة تبعد عنا بضع عشرات من الأميال. # وقال لنا: «إن العمل في تلك المدينة يسير سيرا رديئا على الرغم من مبادئ ستالين الستة، ~~فالاجتماعات قائمة على قدم وساق، والصخب عظيم، ولكن العمل أقل مما نتطلب، هذا إلى ضعف ~~النظام وانتشار روح التذمر بين العمال. وحال نيقوبول من الحالات التي تتطلب البحث والعناية، ~~فأنتم تعلمون أننا ننشئ مصانع لعدة صناعات في تلك البلدة تكلفنا مئات الملايين من الروبلات، ~~ولكن عملية الإنشاء لا تتقدم على الإطلاق لسبب لا ms134 نعلمه، والإنتاج ضئيل إلى حد لا يصدقه ~~العقل. # ونحن نريد أن تذهبوا أنتم الثلاثة إلى هذا البلد، وأن تقيموا فيه من الوقت ما يكفي لقضاء ~~مهمتكم، أسبوعا أو أسبوعين إذا لزم الأمر، ثم ترفعوا إلينا تقريرا عما ترونه من عيوب وعن ~~وسائل إصلاحها، وسندرس تقريركم هنا ونعرضه على الرفيق أورزنكدز إذا وجدنا أنه جدير بالعرض ~~عليه.» # ولما جئنا نيقوبول وجدنا أن البناء قد بدئ به من نحو ثلاث سنين في سهل خال على بعد ~~ستة أميال من البلدة وبضعة أميال من السكة الحديدية، وزاد ذلك البعد من متاعب العمال، ولم ~~يكن أحد يعرف السبب في اختيار هذا الموقع غير الملائم لهذا الغرض، ولو أن البناء قد اختير ~~له مكان أقرب من هذا إلى المدينة ليسر ذلك مشكلة مساكن العمال بعض التيسير. # وكان بطرس برتشكو مدير المصنع رجلا حديث العهد بمنصبه؛ ولهذا لم يجد ما يمنعه أن يكشف عن ~~مئات الأغلاط والسخافات التي كان العمل يتورط فيها. # وقال لي وهو يتحسر: «لقد رأيت المكان غاية في الفوضى والقذارة، حتى إن عملية الحفر وحدها ~~كانت تعد من المشروعات الكبرى، يضاف إلى هذا عدم الانسجام بين أجزاء العمل المختلفة، ~~فأنتم أيها الرفاق تعلمون حق العلم أن كل مصنع يشتغل باستخراج المعادن وصهرها يعتمد في عمله ~~على غيره من المصانع، فإذا أقيم بعضها دون مراعاة البعض الآخر كان هذا هو السخف بعينه، وقد ~~يبدو هذا العمل لا غبار عليه من وجهة الإحصاءات العمومية، ولكنه لا يبدو كذلك إذا ما بدأت ~~عملية الإنتاج بالفعل.» # وهالنا ما وجدناه من الآلات الغالية الثمن المستوردة من ألمانيا على الأكثر ملقاة في ~~العراء يعلوها الصدأ وهي منتشرة في الأرض الواسعة المعدة لإقامة المصانع والمصاهر، وبيوت ~~المديرين ومساكن العمال، وشاهدنا في كل مكان زرناه مباني مهجورة بعضها لم يبن منه إلا ~~نصفه، وبعضها لا يزيد ما بني منه على قواعده. # وقلت ونحن نتعثر في هذه البيداء الملأى بالحجارة والمعادن: «لكن هذا أمر فظيع يا رفيق ~~برتشكو.» ~~- «إني أعرف ذلك ولكن ms135 ما حيلتي فيه؟ فنحن لا نكاد نبدأ العمل في أحد الأبنية حتى تأتينا ~~الأوامر من المركز الرئيسي بأن نقف كل شيء وأن نوجه جهودنا كلها إلى مكان آخر؛ لأن الخطط ~~تغيرت! هذا إلى أننا في الوقت نفسه نجد العمال عاجزين عن القيام بما فرض عليهم القيام به ~~من العمل، ونسبة المرضى والغائبين بينهم مروعة حقا، فهم قد سئموا عملهم لأنهم يعيشون في ~~ظروف قاسية، ولست أخفي عنك أنهم لا يجدون ما يكفيهم من الغذاء الملائم لهذا النوع من ~~العمل.» # ثم قال بلهجة الراضي عن نفسه : «وأنا حديث العهد هنا بطبيعة الحال، وكل ما تراه قد ورثته ~~عن عهد الإدارة السابقة.» # ألا ما أتعس حظك يا برتشكو! أنى لهذا الرجل أن يعرف أنه لن تمضي على حديثه هذا بضع سنين ~~حتى يكفر بحريته عن هذه الفوضى الضاربة أطنابها في نيقوبول؟ وأنى لي أن أعرف أني سأدعى ~~في يوم من الأيام لأن أضطلع بقسط هام في إدارة هذا المصنع «الجبار»، لقد كنا في هذه الزيارة ~~نخطو وسط تلك الفوضى التي لا يتصورها العقل والتي تشمل المكان برمته، وكل منا يجهل لحسن ~~الحظ ما تخبئه له الأقدار. # ووجهت اللجنة الزائرة الأسئلة إلى المهندسين ورؤساء العمال وصغارهم، وتبين لنا من دراستنا ~~أن العمل كان يسير في فترات متقطعة في غير نظام، وأن الأموال والجهود تذهب هباء، وخيل ~~إلي أن أسباب هذا الاضطراب تنقسم قسمين: # أما القسم الأول: # فناشئ من دسائس من لا شأن لهم بالعمل ومن تدخلهم في شئونه، لقد كان ~~هذا العمل على ضخامته مرتبط الأجزاء بعضها ببعض، يتكون منه كله مشروع شامل ~~يبلغ من الاتساع حدا يكاد العقل البشري يعجز عن الإحاطة به كله، وكثيرا ~~ما كان التغيير الضئيل في الخطة الرئيسية لهذا المشروع - ولو كان له ما ~~يبرره - يؤدي إلى اضطراب في أجزائه النائية، ولم يكن في وسع الموظفين ~~البعيدين عن مركز العمل أن يدركوا في جميع الأحوال ما تسفر عنه أوامرهم ~~المرتجلة بشأن هذا الجزء أو ذاك من عواقب وخيمة ms136 تؤثر في العمل برمته، ولم ~~يكن الموظفون المحليون يجرءون على مخالفة تلك الأوامر، فلم يكن لهم بد ~~من إطاعتها مؤملين أن تستقيم الأمور فيما بعد، يضاف إلى هذا أن التدخل كان ~~من نوع التدخل الشرطي طابعه القبض المستمر على القائمين بالعمل، واستجوابهم ~~وتهديدهم مما أحاطهم بجو من الخوف وعدم الاطمئنان. # أما القسم الثاني: # من أسباب اضطراب العمل وضآلته فيمكن تلخيصه كله في عبارة واحدة هي إغفال ~~الجانب الإنساني في عملية الإنتاج؛ ذلك أن أجور العمال كانت ضئيلة ضآلة ~~يرثى لها إذا قدرت بالقيمة الشرائية للنقد الروسي في ذلك الوقت، مع ~~أن عشرات الملايين من الروبلات كانت تبدد بلا حساب في شراء آلات لا ~~ينتفع بها، وفي إقامة مبان يتخلى عنها بعد قليل، أما مشروعات مساكن ~~العمال فقد بقيت مجرد رسوم على الورق، وظل العمال أنفسهم يحشرون في ~~ثكنات خشبية أقيمت على عجل، ذات سقوف يتسرب منها ماء المطر، وجدران وأرض ~~رطبة تنقصها الوسائل الصحية البدائية، لقد كان كل ما يهتمون به هو الإنتاج، ~~أما من يقوم على جهودهم هذا الإنتاج فلم يكن أحد يوجه إليهم أقل عناية، ~~بل كانوا موضع الإهمال والازدراء. # وقررت في مساء اليوم الثاني من مجيئنا إلى نيقوبول أن أزور الثكنات في صحبة الرئيس المشرف ~~على أعمال البناء، وأمين لجنة الحزب المحلية، والموظف المشرف على المساكن، وسرنا نخوض في ~~الوحل إلى كعوبنا حتى وصلنا إلى صفوف من المساكن قبيحة المنظر لم يمتد إليها النور ~~الكهربائي مع وجود الكهرباء في أبنية الإدارة العامة، بل كانت مصابيح الكيروسين مع فتائل ~~مغمورة في أوعية زيت صغيرة تلقي ضوءا شاحبا على مناظر من القذارة يرتد منها البصر خاسئا ~~وهو حسير. # وبدت إحدى الثكنات من خارجها وكأنها لا ضوء فيها على الإطلاق، فدققت بابها ففتحه رجل ~~ملتح كبير السن: «مساء الخير أيها الرفيق، هل تأذن لنا بالدخول؟» ~~- «ومن أنتم؟» ~~- «أنا أمين سر لجنة الحزب ومعي هنا» وأشار إلينا «لجنة من المركز العام.» # فقال العامل في سخرية ساذجة: «شيء جميل! مرحبا بكم في ms137 قصرنا! أتريدون بعض الجرذان أم ~~تفضلون البق؟ دعكم من الروائح الكريهة.» # وكانت الثكنة مظلمة تقريبا، وجلس على فراش قذر شبان أصغر منه سنا يقرءون في مصابيح ~~زيتية ضئيلة الضوء، وجلس غيرهم يلعبون الورق، ولم يلتفت إلينا معظم من كانوا في الثكنة من ~~العمال البالغ عددهم نحو خمسين أو ستين، ولكن جماعة منهم التفوا حولنا يشكون ويلعنون، ~~وجاءت فأرة تجري بين أرجلنا. # وقال أحد العمال: «أتسمون سقط المتاع هذا فراشا؟ وهل هذه وسائد؟ لا، إنها خرق بالية ~~قذرة.» # وسألته: «كم يوما تمضي حتى تغير أغطية الفراش ؟» ~~- «تغير كل شهر إذا واتاك الحظ، وإذا لم يواتك فكل شهرين أو ثلاثة أشهر، وقد لا تغير ~~أبدا.» # وصاح رجل آخر قائلا: «إنا لا نجد ما ينجينا من الحشرات والجرذان، تعال هنا ~~وانظر.» # ورفع أحد أطراف سرير من حديد وضرب به الأرض عدة مرات، فخرج البق منزعجا من معششاته حتى ~~اسودت منه أرض الحجرة وتراجعت مرتاعا على الرغم مني. # وجاء عامل آخر يكمل القصة فقال: «ولم لا تعشش عندنا الحشرات؟! إنا هنا نتناوب العمل، ~~طائفة تروح وطائفة تجيء قبل أن يبرد الفراش، والأرض لا تغسل أكثر من مرة في الشهر، والحق ~~أن هذه ليست حياة بل هي العذاب بعينه، فإذا أمطرت الدنيا فنحن في سفينة نوح، وإذا اشتد ~~البرد كنا في القطب الشمالي.» # وسألته: «ولم تسكتون على هذا؟ ولم لا تشكون؟» # فقال مستهزئا: «نشكو! ألا ما أكثر الخير الذي نناله من الشكوى! إن اللجان تأتي إلينا كما ~~أتيتم أنتم، ثم لا نسمع بعد ذلك شيئا، ونحن نريد أن نعمل، ونعرف أن العمل لازم وخطير، ~~ولكننا خلقنا من لحم ودم لا من حجارة، ثم إن العمال في إحدى الثكنات الأخرى قرروا يوما ~~ما أن يفعلوا شيئا يصلحون به تلك الحالة التعسة التي لا تطاق، فأجمعوا أمرهم على ألا ~~يذهبوا إلى العمل حتى تنصلح أمورهم، وأظنكم تعرفون ما حدث.» ~~- «ماذا حدث؟» # وسكتوا كلهم فلم يحر أحد جوابا. ~~- «لا تخف وقل لي ما حدث، إني قادم من دنيبروبتروفسك ms138 وأؤكد لك أني لا أعرف ما حدث!» # وتطوع رجل آخر بالجواب فقال: «لقد استدعي الزعماء.» ~~- «وإلى أي مكان استدعوا؟» ~~- «لا حاجة بي إلى القول إنهم لم يدعوا إلى الكنيسة أو إلى مشرب البيرة، بل دعوا إلى ~~القسم السياسي بطبيعة الحال، وفوق ذلك فإنهم لم يعودوا إلينا أبدا.» # وقاطعه العامل الملتحي وهو يضحك ضحكة مريرة: «لعلهم كانوا في حاجة إلى إجازة يقضونها في ~~سيبيريا.» # ونقلت ما رأيت إلى زميلي عضوي اللجنة، وكانا هما أيضا قد فتشا البيوت وما تم من أبنية ~~المصانع، ولم يكشف أحد منا عن شيء يسره ليخبر به رفيقيه، وقضيت الليلة ساهرا أتقلب في ~~فراشي، يؤرقني ويقض مضجعي ما شاهدت من أقذار وما يعانيه العمال من آلام وشقاء، ويفت في عضدي ~~قنوط الذين لم يشكوا أمرهم إلينا لفرط تعبهم أو لعدم اكتراثهم، فآلمني ذلك منهم أكثر مما ~~آلمتني سخرية الذين تحدثوا إلي وكراهيتهم اللتان عبروا عنهما بأقوالهم، ومما زاد هذه ~~الصورة قتاما وزادني يأسا من إصلاح الأمور ما قاله أولئك العمال عن الزعماء الذين ~~استدعوا ولم يعودوا إليهم أبدا. # وعقد في اليوم الثاني اجتماع في مركز لجنة الحزب بالمدينة شهده جميع الرؤساء المسئولين ~~في مصانع نيقوبول، وشرحت لهم ما رأيت بكل ما أسعفتني به اللغة من ألفاظ، وأعلن الرفيق ~~برتشكو مدير المصانع أن موظفيه سيدعون ليحاسبوا على أعمالهم أمام السلطات السوفيتية ~~العليا إن لم يحل بعد خمسة أيام من ذلك الوقت شيء من النظام محل الفوضى الضارية أطنابها في ~~الثكنات، وأعلن الرفيق تسبكياكوف أن اللجنة لن تعود إلى مقرها، بل هي باقية حيث هي لترقب ما ~~يئول إليه الأمر في نهاية الأيام الخمسة. # وكانت هذه أيام ما أعجبها، فقد جيء بمئات من الرجال يمسحون الأرض ويغسلونها ويصلحونها، ~~واهتزت أسلاك البرق والمسرة مرارا كثيرة إلى خاركوف ومرة على الأقل إلى موسكو نفسها، فجاءت ~~أسفاط ملأى بأغطية الفرش وأكياس الوسائد، وشرع العمال يمدون الأسلاك الكهربائية إلى ~~الثكنات، وكأن الموظفين الذين سمحوا من قبل بأن تتجمع هذه الأمور المروعة قد أصبحوا ms139 هم ~~أنفسهم أحرص الناس على إصلاحها وأكثرهم اغتباطا بهذا الإصلاح. # وتحدث إلي أحدهم فقال: «لم توجد هذه الشرور لأنا راغبون فيها، بل كان سبب وجودها ~~أنا عاجزون عن علاجها، وإن ترك الأمور تجري في مجاريها خير من العمل وبذل الجهود، إنك لا ~~تجد إنسانا يرغب في تحمل التبعة، انظر مثلا إلى عملية التنظيف الشاملة، فهي عملية لم تكن ~~مستطاعة إلا لأنكم تمثلون لجنة الحزب الإقليمية، والميزانية لا تحوي اعتمادات للأغطية ~~النظيفة أو الإصلاحات الضرورية، ومن ذا الذي يستطيع العبث بالميزانية؟ إنها كما ترى دائرة ~~مفرغة لا أول لها ولا آخر.» # وتناولت العشاء في الليلة السابقة لسفرنا مع أحد رؤساء المهندسين، وكان رجلا كبيرا من ~~غير أعضاء الحزب. # فقال لي في أثناء حديثه: «لست من حزبكم، بل أنا من رجال الفكر الروس وكفى، ولا أريد أن ~~أتدخل في شئونكم الخاصة، ولكني مهندس يعز علي أن تذهب جهودي أدراج الرياح، فأنا أحب بلادي ~~وأبغي لها الخير والرخاء، وأرجو أن تصدقني في قولي هذا. # إن كل ما نتقدم به إلى المركز العام عرضة للنقد الشديد، والذين فيه لا يدرسون ما نتقدم به ~~إليهم على أنه عمل هندسي، بل يدرسونه من وجهة النظر «السياسية»، ومهما يكن قرارهم فإنا ~~مرغمون على إطاعته، مهما يكن من سخافته وبعده عن الصواب، فإذا أخطأ الرؤساء قاسينا من ~~جراء خطئهم الأمرين، ولكننا لا نستطيع الكلام، بل إننا في الواقع نكون سعداء محظوظين إن ~~لم تلق علينا تبعة أخطائهم.» ~~- «وماذا تقول في أعضاء الحزب المحليين؟ ألا تلقون منهم معونة؟» ~~- «آه يا عزيزي الرفيق كرافتشنكو، إن لديهم مناصب لا حصر لها للتجسس والرقابة، أما المعونة ~~فليس لها عندهم مناصب كثيرة، إن لجنة المصانع التابعة للحزب تفحص، ولجنة المدينة تفحص، ~~والقسم السياسي يفحص، وأنتم هنا الآن لتفحصوا، وهم يفحصون عنا ويفحص بعضهم عن بعض، وقد تظن ~~أن الواجب يقضي بأنه إذا عهد بالمال الكثير إلى الذين يحسنون تدبيره فلتترك لهم ~~الحرية الكافية لإنفاقه على أحسن وجه، لكن الذي يحدث فعلا أننا نقضي ms140 من أوقاتنا نتناقش ~~فيما عسى أن يظن بنا هذا الرجل أو ذاك أكثر مما نقضي منها في الأعمال الهندسية وفي الإنشاء، ~~ولم أكن أجرؤ أنا نفسي على التحدث إليك بهذه الصراحة إلا لأني رجل كبير السن.» # وغادرت نيقوبول وأنا مكتئب محزون، وإذا ما عدت الآن بفكري إلى هذه الزيارة كان أعجب ما ~~فيها أن قسما كبيرا من المصاهر قد تم إنشاؤه بطريقة ما هي أقرب الطرق إلى المعجزات وخوارق ~~العادات، لقد استغرق إنشاؤها أكثر مما قدر له القائمون على أمرها، وأنفق عليها من المال ~~أكثر مما رصد لها، وقاسى منشئوها ألوانا من العذاب لا يمكن تصورها، وضحي في سبيلها ~~بأرواح لا حصر لها، ولكنها أنشئت آخر الأمر. # ورفعنا إلى الحزب تقريرا مفصلا، ورفعه الحزب إلى موسكو مشفوعا بتوصياته، ولم أغفل ~~أنا شيئا مما لم أرض عنه حتى البق وحتى شكوى العمال من اعتقال القسم السياسي لزملائهم، ~~ولست أعرف هل وصل ما ذكرته عن هذه الاعتقالات إلى موسكو أو لم يصل إليها. # وزادتني هذه التجربة تصميما على تنفيذ خطة كنت أفكر فيها من عدة شهور، لقد اعتزمت أن ~~أسافر إلى موسكو وأحاول مقابلة الرفيق أورزنكدز والتحدث إليه وجها لوجه عما شاهدت حولي من ~~أخطاء ومساوئ، وإذ كانت هذه الخطة تتفق مع حاجة مصنع بتروفسكي-لينين فقد وافق عليها الرفيق ~~جليوبنكو مدير المصنع، ورضي أن يتحمل المصنع نفقات الرحلة. # وذهبت من المحطة إلى وزارة الصناعات الثقيلة مباشرة. # وكانت هذه زيارتي الثالثة لموسكو، ولكني شعرت فيها بما لم أشعر به في زيارتي السابقتين ~~من فرق عظيم بين عاصمة البلاد وسائر مدنها، وكان من أسباب هذا الفرق ما أدخل على ~~العاصمة من تحسين عظيم في مظهرها، ولكن أكبر أسبابه ما طرأ على مدن الأقاليم من تقهقر ~~سريع. # وبدت لي موسكو كأنها مهد الرفاهة والرخاء إذا وازنتها بدنيبروبتروفسك أو بخاركوف نفسها، ~~فلم تكن صفوف الناس أمام الحوانيت في العاصمة الكبرى طويلة كصفوفهم في المدينتين الأوليين، ~~ولم تكن الرفوف فيها خالية مثلها فيهما، وكان النشاط فيها ظاهرا ms141 محسوسا والناس متفائلين، ~~والشوارع نظيفة معتنى بها، والطرقات الكبرى قد رصفت حديثا بالأسفلت، والمباني الحديثة ~~تبهر القادم إلى المدينة من خارجها، ومر بي السائق في ميدان الأوبرا الذي تحيط به دور ~~التمثيل والفنادق، ودار الأوبرا الكبيرة والحوانيت الجميلة الكثيرة العدد، ورأيت الناس ~~الذين تزدحم بهم طرقات المدينة أحسن ملبسا من أمثالهم في سائر المدن، وكان أكثر ما سرني ~~فيهم أنهم لا يتسكعون في الطرقات ولا يجولون فيها على غير هدى، بل كانت مشيتهم نفسها تبدو ~~عليها مظاهر النشاط والرشاقة التي تكاد أن تكون غريبة في بلاد الروسيا بأجمعها. # ووصلت إلى حيث كان الرفيق أورزنكدز، وعرفت من كان هناك بنفسي، وحصلت على جواز مرور، ثم ~~قدمت نفسي للرفيق سمشكين أمين سره، وكان من حسن حظي أنني قابلته من قبل فيسر لي سبيل ~~المقابلة، وأطلعته على ما معي من رسائل التوصية من جليوبنكو وغيره، ووعدني بأن يبلغ الوزير ~~نبأ قدومي. # وأحصيت ستة عشر شخصا ينتظرون في حجرة الاستقبال، وكانوا كلهم حسني البزة تلوح عليهم ~~مظاهر النعمة، وكان بعضهم يلبسون ملابس أجنبية في أيديهم كلهم تقريبا مكاتيب مختصرة، ويدل ~~مظهرهم كلهم على أنهم من ذوي المراكز الهامة ومن ذوي اليسار، ويبدو عليهم أنهم من رؤساء ~~الصناعات المتحدة أو مديري المشروعات الصناعية الكبرى، وكلهم من أعلى طبقات الزعماء ~~الاقتصاديين، وكنت أصغر من في الحجرة سنا وأقدمهم ملبسا، وأحسست كأني دخيل أو فقير ~~بينه وبين الزعيم قرابة، ونظر الحاضرون إلي بشيء من الريبة وكأن لسان حالهم يقول: «ماذا ~~يصنع هذا الإنسان في هذا الحفل من العظماء؟» # وسمعنا فجأة أصواتا وصراخا منبعثة من خلف الأبواب الكبيرة المؤدية إلى مكتب الوزير، ~~وتبينت فيها نبرات صوت أورزنكدز الوزير الكرجي، وتطلعت أعيننا كلنا إلى الباب باهتمام وبغير ~~قليل من الرهبة؛ ذلك أننا لم نكن نشك في أن غضبه إن كان غاضبا سيكون نذير شر لنا وخيبة ~~للأغراض التي جئنا كلنا من أجلها، ثم فتح الباب بعنف واندفع منه رجل بدين يتصبب العرق من ~~جسمه، وتبدو عليه مظاهر الخوف، يجر ms142 حقيبة ملابس مفتوحة، وسقطت من الحقيبة حزمة من أدوات ~~المائدة: ملاعق وسكاكين وأشواك، ووقف المسكين وهو مثقل بحمله ليجمع الأدوات، ثم ألقاها ~~بحركات عصبية في حقيبته، وأغلقها بأصابعه المرتجفة، وهرول من الحجرة دون أن ينظر إلى واحد ~~منا. # وبعد دقيقة أو دقيقتين من ذلك الوقت خرج أورزنكدز مبتسما باش الوجه ليس في مظهره أثر ~~من آثار ذلك المنظر العنيف، ووقفنا جميعا إجلالا له. # وقال وهو يضحك موجها خطابه إلى من في الحجرة بوجه عام: «لست أشك في أنني قد سلقت هذا ~~الوغد بألسنة حداد ، وفي الحق أنه جدير بهذا، لقد جاء يحمل إلي أدوات المائدة لتكون نماذج ~~للإنتاج بالجملة، ولكنها كلها بشعة المنظر، بدائية الصنع، شبيهة بالفئوس، لا تصلح حتى ~~للمتوحشين من الآدميين، إن من واجبنا أيها الرفاق أن نمحو من الأذهان تلك الفكرة القائلة ~~بأن أي شيء يصلح لشعب السوفيت، إنا نريد الكيف كما نريد الكم، والآن فلأنظر ما جاء بكم كلكم ~~إلى هذا المكان؟» # وتنقل الوزير من زائر إلى زائر وإلى جانبه سمشكين، وكان إذا سمع مطالب واحد منهم أحاله ~~إلى أحد مساعديه، أو طلب إليه أن يعود لمقابلته في يوم معين، ورأيت أن أورزنكدز قد زاد ~~بدانة عما كان حين رأيته في المرة السابقة، وزاد الشيب في شعره الكث وشاربه المتهدل، ولكن ~~ملامحه الضخمة ذات البشاشة الطبيعية غير المتكلفة، كانت لا تزال تبعث الثقة في نفس من ~~يراه. # ولما وصل إلي ناولته ما معي من الرسائل، فألقى نظرة سريعة على واحدة منها ثم نظر إلي ~~وقد أبرقت أسارير وجهه وقال: «كيف حالك يا صديقي القديم؟ نعم، إني أذكرك جيدا يا رفيق ~~كرافتشنكو، وأرجو أن تكون ناجحا في دراستك، ويسرني أن أتحدث إليك، وليكن هذا في الساعة ~~العاشرة مساء، اعتن بهذا الرفيق يا سمشكين، وهيئ له جميع أسباب الراحة.» # ولما عاد الوزير إلى مكتبه جاءني سمشكين وضغط بيده على ذراعي ليهنئني على ما نلت من حظوة، ~~لقد أظهر لي أورزنكدز دلائل الرضا والمودة، وجاء أمين سره يسلك معي ms143 مسلك رئيسه، ونظر إلي ~~من في الحجرة بشيء من الحسد على ما نلت من رضا، وما من شك في أنهم قالوا في أنفسهم: «أهذا ~~الذي لم يزل في شرخ الشباب يحظى بابتسامة العظماء؟» # وركبت عربة زرقاء كبيرة أقلتني إلى «فندق العاصمة» وقدمت إلى من فيها ورقة من الوزير، ~~فأخذني من فوري إلى غرفة كبيرة في الطابق الأعلى، وأحسست في خبيئة نفسي بالعظمة التي عادت ~~علي لقربي من ذوي السلطان، وبما يخلعه علي هذا القرب من نفوذ. # وذهبت في المساء إلى مطعم الفندق، وهو حجرة ضخمة عالية الجدران مزينة بأصص النباتات ~~الاستوائية الضخمة، ورأيتها مزدحمة وفيها جوقة جاز تعزف بعض الألحان، وفي وسطها ما يشبه أن ~~يكون بركة سمك وعلى شواطئها الممردة رجال ونساء، يرقص كل اثنين منهم على نغمات الموسيقى، ~~وقد ازدحمت بهم هذه الشواطئ فكانوا كأنهم كتلة واحدة من البشر يموج بهم المكان ~~موجا. # ولم يكن في مقدوري أن أوائم بين نفسي وبين هذا المنظر الجديد إلا بعد عدة دقائق، وساءلت ~~نفسي: «هل يمكن أن يكون هذا المكان قطعة من اتحاد السوفيت حقا؟ أو هل قادتني قدماي خطأ ~~إلى ملهى أرى فيه مناظر تعرض على الشاشة البيضاء؟» وأبصرت من وراء نخلة في أصيص صحاف ~~الطعام والراقصين والراقصات، وشاهدت في أماكن متفرقة رجالا في قمصان نصفية روسية، ولكن ~~سائر من في المطعم كانوا يرتدون الثياب الأوروبية بما فيها أربطة الرقاب، أما النساء فكان ~~بعضهن يرتدين جلابيب قصيرة لم أرها قط إلا على أغلفة الكتب، وكان عدد الأجانب كثيرا، ~~ومنهم طائفة ترتدي ملابس العشاء والقمصان البيضاء المنشاة، وشاهدت من خلال إحدى البواكي في ~~نهاية المطعم مكان الشراب، وفيه عدد من الفتيات الحسان يقدمن المشروبات إلى عدد من الرجال ~~الواقفين على كراسي عالية تدل ملامحهم على أنهم من غير الروس. # وما كدت أستقر في المكان حتى طاف بمخيلتي منظر ثكنات نيقوبول، وتذكرت قول أحد نزلائها: ~~«مرحبا بك إلى مسكننا أيها الرفيق، أتريد جرذانا أم بقا؟» ولكنى أبعدت هذه الفكرة من ~~مخيلتي وقلت ms144 لنفسي: إن هذه موسكو، ولن يمضي إلا قليل من الوقت حتى أكون في «حديث» مع واحد ~~من الستة الزعماء الذين يتصرفون في مصاير البلاد. # وقبل أن يحل الموعد المحدد بزمن طويل كنت مرة أخرى في حجرة الاستقبال الملاصقة لمكتب ~~الوزير، وقبل الساعة العاشرة بقليل، اقترب مني سمشكين، وقال لي: «ربما اضطررت إلى الانتظار ~~بعض الوقت؛ لأن الرفيق بوخارين مع الوزير.» # الرفيق بوخارين! ودق قلبي دقة عنيفة، وكأني في هذه الساعة في حضرة لينين نفسه، إذ لم يكن ~~بين أسماء العظماء في الثورة من هو أعظم من بوخارين إلا لينين وتروتسكي، ولقد درست كتابه ~~المسمى «أبجدية الشيوعية» # 1 # حين كنت أعد نفسى للانضمام للجان الشباب، نعم إن نيقولاي بوخارين قد اتهم ~~قبل ذلك ببضع سنين بأنه من المنشقين أنصار اليمين، وجرد من وظائفه الرسمية وحرم على ~~الناس أن يطالعوا كتبه، ولكن اسمه كان لا يزال تحيط به رغم هذا هالة من السحر، وكان مجرد ~~إحساسي بأنه هناك في ذلك المكان، لا يحجبه عني إلا ذلك الباب، كان مجرد إحساسي بهذا كافيا ~~لأن يهز مشاعري على الرغم مني. # وبعد قليل من الوقت أشار إلي سمشكين بأن أدخل وهمس قائلا: «إن بوخارين لا يزال هناك؛ ~~لأن الوزير طلب إليه أن يبقى وأن يقابلك.» # وما هي إلا لحظة حتى كنت أصافح أورزنكدز وبوخارين، وجلس الوزير خلف مكتب كبير، انتشرت ~~عليه أوراق وكتب وست مسرات، وصفوف من الأزرار الكهربائية وجلست أنا وبوخارين أمامه إلى جوار ~~المكتب في حجرة رحبة، علقت على جدرانها صور كبيرة لماركس ولينين وستالين، ووضعت على ~~المكتب صورة شمسية لستالين كتب صاحبها في أسفلها بخط رديء: «إلى سرجو.» # وقال الوزير وهو يحاول على ما أظن أن يهدئ روعي: «مرحبا يا رفيق كرافتشنكو، حدثنا حديثا ~~واضحا مختصرا بما تعرفه عن مشروع نيقوبول.» ~~- «أحب أن أحدثك أولا أيها الرفيق الوزير عن مصنع دنيبروبتروفسك، فإن لي آراء خاصة في عمله ~~أريد أن أبسطها لك.» ~~- «قل.» # وكان في وسعي أن أبسط المسألة بسطا واضحا؛ لأني رتبتها ms145 من قبل في ذهني ترتيبا منتظما، ~~فقلت له: أولا إن بعض أجزاء المصنع في حاجة إلى التوسيع وإلى التنظيم على أحدث الأساليب، ~~وأظهرت له أن بعض مبانيه القديمة قد أهمل أمرها لشدة حرص ولاة الأمور على تشييد مبان ~~جديدة، وبرهنت له بالإحصاءات الدقيقة أن إنفاق ملايين قليلة من الروبلات في تحسين بعض ~~الأجزاء القائمة من هذا المصنع يؤدي إلى إنتاج أكثر مما يؤدي إليه إنفاق عشرات أضعافها في ~~تشييد مصانع جديدة. # وابتسم بوخارين ابتسامة عريضة حين سمع هذا الحديث دلالة على رضائه عنه، فقد عرف عنه من ~~قبل أنه يعارض في الإسراع في تشييد المصانع الجديدة، وكان قبل أن يرغم على السكوت قد ~~طعن في بعض نواحي مشروع السنوات الخمس ووصفه بأنه «مجرد نزعة إلى المغامرات». # ورد علي أورزنكدز بقوله: «إني متفق معك بوجه عام يا رفيق كرافتشنكو، وإن كانت المشاكل ~~الخاصة بمصانع بتروفسكي-لينين المتحدة في حاجة إلى الدرس والتمحيص.» ودون بعض ملاحظات على ~~إضمامة من الورق كانت أمامه ثم واصل حديثه قائلا: «أبلغ المدير جليوبنكو أننا سنعنى ~~ببحث مطالبه، والآن فلتستمر في حديثك.» # ثم أخذت بعدئذ أصف ما انطبع في ذهني من زيارتي لنيقوبول، والتزمت في بادئ الأمر العبارات ~~الفنية الشكلية التي أعددتها في عقلي من قبل، ولكني حين واصلت الحديث عادت إلى مخيلتي ذكرى ~~الثكنات وما فيها من قذارة وتبرم، فذهب ما كان لدي من حصافة وسرت في صوتي نغمة الغضب ~~وأنا أشرح ما شاهدته من تلف وإسراف واضطراب، وخاصة حين كنت أصف ما يحيط بحياة العمال من ~~ظروف لا قبل لهم بها، وقلت له: «لست أشك في أننا إذا أنفقنا بضعة ملايين من الروبلات في ~~إصلاح الظروف التي يعيش فيها العمال سنوفر مبالغ طائلة من نفقات المشروع، أما إهمال العنصر ~~الإنساني فيه فإنه سيحول المشروع كله في مكان مثل نيقوبول إلى مأساة من السفه والدمار وخيمة ~~العاقبة.» # وما كدت أنطق بهذه العبارة حتى قاطعني بوخارين بقوله: «مرحى، مرحى!» وحاول أورزنكدز أن ~~يكبت ابتسامة ولكنه لم يستطع. # وواصلت ms146 حديثي وقد انسقت وراء لساني فقلت: «إن المشكلة الرئيسية هي مشكلة الأجور بأجمعها ~~من أكبر المهندسين إلى أصغر العمال، وتأتي بعدها مشكلة السلع التي يستهلكونها، حتى يستطيع ~~العمال أن يشتروا بما ينالون من الأجور ما يحتاجونه من السلع كالطعام والكساء ولوازم ~~المنازل، ولقد شكوت إليك أيها الوزير حين اجتمعت بك أول مرة من التدخل الذي لا ضرورة له في ~~إدارة المشروعات الصناعية، وما من شك في أن الإدارة الموحدة والتبعة الموحدة لازمتان لنجاح ~~كل مشروع، ولكننا الآن قد ذهبنا في الناحية الأخرى إلى الغاية القصوى، ولم يبق للعمال كلمة ~~يقولونها في شئون عملهم، ولقد بلغ من أمرهم أن أصبحوا يدعون أمام القسم السياسي إذا ~~سولت لهم أنفسهم أن يرفعوا أصواتهم بالاحتجاج على ما يقاسونه من متاعب لا قبل لهم بها، ~~على أني أخشى أن أكون في حديثي هذا قد عدوت طوري، فإن كان الأمر كذلك فلا تؤاخذني لأني أشعر ~~بما أحدثك عنه في أعماق نفسي.» # وصاح أورزنكدز قائلا: «لا، لا، لا، أيها الرفيق، إني يسرني أن أسمع إنسانا يفصح عما في ~~قلبه كله لا عن بعض ما فيه، إن كل ما تقوله صحيح ولا تظن أنه خاف علينا، وأؤكد لك أن ~~الرفيق ستالين يعنى أشد العناية بمشكلة الأجور مثلا، ولكن تشخيص الداء أسهل كثيرا من ~~مداواته.» # ودام هذا الحديث ما يقرب من ساعة، وسألني الوزير في أثنائه هل خرجت في حياتي من ~~بلادنا؟ # فأجبته قائلا: «لا، لم أخرج منها، ولكني قرأت الصحف الفنية التي تصدر في بلاد السويد ~~وألمانيا وأمريكا، فعلمت منها أن في تلك البلاد أشياء كثيرة، نحن في أشد الحاجة إلى أن ~~نتعلمها.» ~~- «قد نرسلك إلى أمريكا أو ألمانيا بعد أن تتم دراستك في المعهد، والآن فلتنس أمر العمل ~~والعمال بعض الوقت، هل شاهدت ما في موسكو من مسارح ومتاحف؟» ~~- «لا، لم أذهب إليها بعد، ولكنني أرجو أن أشاهد منها أكثر ما أستطيع مشاهدته.» ~~- «حسن، إني أمنحك إجازة خمسة أيام تقضيها في موسكو، فانتظر سمشكين في حجرة الاستقبال، ms147 وإلى ~~اللقاء مرة أخرى.» # وكدت أفقد وعيي حين خرجت من عنده، لقد كنت في هذا اللقاء أقرب ما أكون إلى السلطة العليا، ~~وكاد إحساسي بهذه السلطة يذهب بعقلي، وأخذ الجالسون في حجرة الاستقبال ينظرون إلي في دهشة ~~لم يحاولوا قط أن يخفوها، وما من شك في أنهم كانوا يعتقدون أن الرجل الذي يستأثر بساعة ~~كاملة من وقت الوزير لا بد أن يكون رجلا خطير الشأن، وجاءني سمشكين بعد قليل. # وقال لي: «أهنئك أيها الرفيق، لست أشك في أن ما كان معك من المال قد نفد، وإليك تذكرتين، ~~إلى مسرح البلشوا، وإلى مسرح موسكو الفني، وسنؤدي نحن نفقاتك في الفندق، وهذه ألف من ~~الروبلات لنفقتك الخاصة وهي منحة لك من الرفيق أورزنكدز، فمتع نفسك كيف شئت، وإذا احتجت ~~إلى شيء فما عليك إلا أن تخاطبني تليفونيا.» # وجيء لي مرة أخرى بسيارة كبيرة أقلتني إلى الفندق، ولما ذهبت إلى مطعم العاصمة لأتناول ~~عشائي شاهدت فيه جوقة من عشرين مغنية من الغجر، يغنون أغاني بلدية، ولم يدهشني ما رأيت في ~~هذه المرة فقد ذهب عني ما كنت أشعر به قبل من غرابة، وما من شك في أن وجودي مع أورزنكدز ~~وبوخارين قد أشعرني بأني هنا في المكان اللائق بي، كأني أصبحت أحد الصفوة المختارة، ألا ما ~~أسهل على الإنسان أن يخضع لمغريات النعيم والسلطان! ترى كم من الزمن تطول آلامي النفسية مما ~~يعانيه بعض صغار العمال المعذبين المجهولين في مصانع نيقوبول وأمثالها لو أنني كنت أنا ~~أيضا أعيش في موسكو مثقل الجيوب بالمال، وبالقرب مني سيارة فخمة تقلني إلى حيث أشاء، وفرقة ~~موسيقية تغرق نغماتها ما عسى أن أشعر به من وخز الضمير؟ # وشاهدت في الخمسة الأيام التالية تمثيلية راقصة صامتة وعدة تمثيليات غنائية، ومعرضا ~~للفنون في موسكو، وتمثيلية مسائية في مسرح يختنجوف، وقضيت عدة ساعات في معرض تريتاكوف ~~الفني، وفي متحف الثورة ومكتبة لينين، وغيرها من المعاهد التي يتحتم على كل إنسان أن ~~يشاهدها، ألا ما أكثر ما يحتويه العالم من علم ms148 وجمال! # ثم تذكرت أن الرفيق لزريف، المحاضر الأول الذي جذب أفكاري إلى الحزب ومثله العليا في ~~مناجم فحم الدنتز من زمن بعيد كان هو أيضا في موسكو، فاعتزمت أن أذهب لزيارته، فلما دخلت ~~عليه تذكرني وأحسن استقبالي، وكان يسكن في شقة صغيرة في إحدى الوحدات المقامة على الشاطئ ~~الثاني من نهر موسكو، وسرني لسبب يصعب علي أن أعبر عنه أن أرى صورة تولستوي لا تزال ~~معلقة في حجرته. # وعرفني الرجل بزوجته، وهي شابة حسناء ومن العاملات في الحزب لا تقل نشاطا عن زوجها ~~نفسه ، وقدمت لنا أكواب الشاي، وأخذت وأنا أتناوله أقص عليه ملخص تاريخ حياتي مذ التقيت به ~~في إقليم التعدين، وكانت خاتمة حديثي بطبيعة الحال وصفا مفصلا حماسيا لاجتماعي ~~بأورزنكدز وبوخارين، وأصغى إلي لزريف وهو صامت، وأحسست أن نشوتي هذه قد ضايقته. # وقال بشيء من الأسى: «ألف روبل وتذاكر للمسارح وسيارات ودار الأوبرا! نعم، هكذا كان أمراء ~~الأسرة المالكة في العهود المنصرمة يكرمون المحظوظين من أتباعهم، وكل ما هنالك من فرق بيننا ~~وبينهم هو الاسم لا غير.» # ورددت عليه بشيء من الحماسة: «إنك لا تنصفهم كل الإنصاف يا رفيق لزريف، إن الذي أعجبني في ~~هذا اللقاء أن الوزير كان راغبا في الاستماع إلى أقوالي، ولست أشك في أنه يدرك آلام الشعب ~~ويعطف عليه، وإذا كان هو يدرك آلامه ويعطف عليه فإني أظن أن لينين لا يقل عنه إدراكا لهذه ~~الآلام وعطفا على المتألمين، وهذا هو الذي يوحي إلي بالشجاعة والطمأنينة.» # وكان لزريف يشغل وقتئذ منصبا هاما في جامعة موسكو، كما كان يختار في لجان الحزب ~~الهامة ذات السلطات الواسعة، ولكن خيل إلي ونحن نتحدث في تلك الليلة أن الآية قد ~~انعكست، فخبت آماله الخداعة وحماسته، وأصبحت أنا الذي أدافع عن الحزب وألتمس المعاذير ~~لأعماله. # وسألني فجأة في أثناء الحديث: «هل سافرت إلى القرى من زمن قريب؟» ~~- «لم أسافر إليها ولكنني أعرف الكثير مما يحدث فيها.» ~~- «إن معرفة ما يحدث فيها شيء ورؤيته بالعين شيء آخر، لقد عدت منذ ms149 قليل إلى مدينة أودسا في ~~أوكرانيا حيث كنت أشرف على تنفيذ نظام المزارع الجماعية في أحد الأقاليم، وأخشى يا صديقي ~~ألا يكون في وسعي أن أتحدث عن تلك البلاد بمثل الهدوء الذي تتحدث به عن كرم الوزير ~~...» # وكان مما أخبرني به لزريف أنه كان عضوا في لجنة من أعضاء موثوق بهم أرسلت إلى ذلك ~~الإقليم بعد أن فصل كثير من الزعماء المحليين؛ لأنهم عجزوا عن تنفيذ المهام التي ~~كلفوا بها هناك، وكان سبب فشلهم أن مقاومة الزراع فيها اشتدت، وأن الغل ملأ صدورهم، وأن ~~وسائل «القمع الشديدة» التي لا بد من اتخاذها لمعالجة الموقف كانت مما لا يستطيعه الموظفون ~~المحليون، وبدا الموقف شديد الخطورة إلى حد اضطر مولوتوف إلى الذهاب إلى هناك بنفسه نيابة ~~عن الهيئة السياسية العليا ليشد من أزر الحكومة ويزيد في قسوتها. # وواصل لزريف حديثه قائلا: «وجمع الرفيق مولوتوف أعضاء الحزب العاملين في الإقليم وتحدث ~~إليهم حديثا صريحا صارما، وقال: إن المشروع يجب أن ينفذ مهما ضحي في سبيل تنفيذه ~~من الأرواح؛ ذلك أن الثورة تظل معرضة للخطر ما دام في البلاد ملايين من أصحاب الملكيات ~~الصغيرة، فإذا ما جاءت الحرب، فإن هؤلاء الملاك قد ينضمون إلى أعداء البلاد ليحتفظوا ~~بأملاكهم؛ ولهذا يجب ألا يكون هناك مجال للين ولا للأسف. ولم نخطئ نحن في فهم أقواله، ولم ~~يكن ثمة حد لضروب القسوة التي ارتكبت في البلاد بعد هذا الإنذار الذي وجهه مولوتوف ~~للقائمين على تنفيذ المشروع.» # وغطى لزريف وجهه بكلتا يديه كأنه يريد أن يطرد بهما تلك الذكريات المؤلمة. # وزرت عددا من معارفي قبل أن أغادر العاصمة، وكان منهم من يردد أصداء دعاوى الحزب وأقوال ~~محرري الصحف، وهؤلاء هم الراضون الذين يعيشون في جنان من الدعاوة، وفي عالم منعزل لا يتجاوز ~~أطراف موسكو، ويكاد يكون مقطوع الصلة بسائر البلاد بوجه عام، ومنهم آخرون من أمثال لزريف ~~تبدو عليهم مظاهر مصطنعة من تفاؤل عاصمة البلاد، ولكنهم في حقيقة أمرهم تكاد تتفطر قلوبهم ~~من هول ما دهى أهل البلاد، ms150 وهؤلاء هم الذين أفسدوا ما تركته زيارتي للوزير من أثر طيب في ~~نفسي، ووجهوا أفكاري وجهة أخرى. # ولم يستخفني الطرب وأنا أقص على مسامع أهلي ما رأيت وما لاقيت في موسكو، أو أنقل ما ~~شاهدته لجليوبنكو، ولم أذكر شيئا عن الروبلات الألف ولا السيارات ولا تذاكر المسارح؛ لأني ~~أحسست إحساسا غامضا بأني إن ذكرتها كشفت للقوم عن جريمة اقترفتها، وإن لم يكن في وسعي أن ~~أحدد نوع هذه الجريمة. # وكان لا بد من مضاعفة الجهد في الحفظ والدرس لتعويض ما فاتني منه بسبب انقطاعي عن معهدي ~~في زيارتي لنيقوبول وموسكو ولغير ذلك من الأسباب، وكان من حسن حظي أني لم أجد صعوبة في تلك ~~الدراسة الفنية، فلم ألبث أن حصلت ما حصله زملائي في فرقتي. # وجاءت كاتيا الصغيرة إلى منزلنا بعد أشهر قلائل من عودتي من موسكو، فقد عدت من المعهد ذات ~~مساء وهممت بالدخول إلى الحمام لأغتسل استعدادا للعشاء، ولكن أمي أوقفتني وهمست في أذني ~~قائلة: إن البنت الصغيرة تستحم فيه. # فسألتها: «أية بنت؟» ~~- «صه، سأخبرك فيما بعد، إن أحداثا مروعة تقع في القرى.» # وذهبت إلى حجرتي ولحقت بي أمي بعد قليل، وقصت علي القصة في بضع كلمات، فقالت: إن ~~نتاشا ابنة عمي، وهي من أعضاء الحزب ومديرة لإحدى الكليات التابعة لمصنع من المصانع، كانت ~~تركب القطار عائدة من رحلة قامت بها لقضاء بعض الأعمال المصلحية، فأقبلت عليها في عربة ~~القطار فتاة صغيرة في أسمال بالية، تبلغ من العمر عشر سنين أو إحدى عشرة سنة، وطلبت إليها ~~في صوت متهدج لا يكاد يسمع أن تعطيها كسرة من الخبز تتبلغ بها، ولم يكن هذا الصوت غريبا ~~عليها، ولكن شيئا في عيني الطفلة الحزينتين وملامحها المتغضنة ترك في قلب نتاشا أعمق ~~الأثر، فجاءت بالفتاة البائسة إلى المنزل. # وقالت نتاشا لأمي وهي تعتذر عن مجيئها بها: «ولعل الذي أثر في نفسي هو البرد الشديد، ~~فإني لم أطق رؤية هذه القطعة من الإنسانية حافية القدمين عارية الجسد إلا من قليل من ~~الأسمال البالية ms151 تخرج في البرد القارس في مثل تلك الليلة.» # وقررت أمي من فورها أن تبقي الطفلة في منزلنا، وقالت وهي تبتسم: «إن فردا آخر يضاف ~~إلى أفراد الأسرة الكثيرين لا يكلفنا شيئا.» وأخذتها بين ذراعي وعانقتها. # وخاطبت أمي قائلا: «إنك أم بحق، ويسرني أنك قررت هذا القرار.» # وذهبنا إلى حجرة الطعام فرأيت كاتيا الصغيرة جالسة على الأرض بجوار أنابيب التدفئة، وكانت ~~صفراء اللون مرتاعة، منكمشة الجسم كأنها تريد أن يصغر جسمها حتى لا تراها العين، وكادت بعض ~~تلافيف ثياب أمي أن تحجبها عن ناظري، وكان شعرها الأسود المبتل مجدولا ومفروقا في وسط ~~رأسها، ووجهها الصغير بيضاويا، ذهب لونه من فرط التعب وتغضن قبل الأوان، ولكن معارفها ~~كانت وسيمة وفي وسعك أن تقول: إنها كانت جميلة، وجلست الفتاة في مكانها ساكنة لا تبدي ~~حراكا، ولا يميزها من الموتى إلا حركات عينيها اللتين كانتا تتقلبان في جميع أركان ~~الحجرة. # وقالت لها أمي: «لم تجلسين على الأرض يا كاتيا؟ قومي واجلسي على الكرسي، هذا هو ابني ~~فكتور أندريفتش، تعالي سلمي عليه.» # وصدعت الطفلة بما أمرت. # وجلست على الأرض أمامها وناديتها: «مرحبا بك يا كاتيا، لم لا تتكلمين؟ لا تخافي ~~شيئا، فنحن جميعا نحبك، هل مسك أحد بأذى؟» # فأجابت بصوت خافت: «لا.» # وكانت كاتيا ونحن جلوس حول مائدة العشاء حيية صامتة، وكانت قبضتها على ملعقتها سمجة غير ~~لطيفة، ولكن الجوع لم يلبث أن تغلب على ما كانت فيه من ارتباك، فأخذت تلتهم الطعام ~~التهاما، وحاولنا أن نتحدث في موضوعات شتى لا تمت بصلة إلى حالها، ولكن بؤس هذه الطفلة ~~أثر فينا وأحزننا، ولم يكد أبي ينبس ببنت شفة. # ولما ذهبت والدتي بعد العشاء لتغسل الصحاف أقبلت عليها كاتيا وقالت لها: «خالتي، هل ~~تأذنين لي أن أساعدك؟» ولما حملت الصحاف من المائدة إلى المطبخ بدت لأول مرة بنتا صغيرة ~~عادية، وكأنها وهي في ثوبها الكبير ذي الذيل الطويل في حفلة من حفلات التخفي، ودخلت في تلك ~~الساعة جارتنا ألجا إيفانوفا، وهي موظفة نشيطة في لجنة الحزب ms152 الإقليمية، ولما علمت بأمر ~~الفتاة لم يكفها استحسان ما فعلناه لها، بل عرضت علينا أن تشترك معنا في نفقات كسائها، ~~وسمعنا فجأة صوت الفتاة تبكي في المطبخ. # وقالت أمي: «دعوها تنفس عن كربها بالبكاء.» # ولكن صوت بكائها أخذ يرتفع حتى أصبح نحيبا هستيريا، وشرعت تردد في نحيبها باللغة ~~الأوكرانية عويل النادبات وتقول: أين ماما؟ أين بابا؟ آه! أين فاليا أخي الأكبر؟ وذهبنا إلى ~~المطبخ، ورأينا الفتاة منكمشة فوق كرسي تضرب كلتا يديها الصغيرتين الباديتي العظام بالأخرى، ~~والدموع تنهمر من عينيها وتجري على خديها الغائرين . # وتوسلت لها أمي أن تسكت قائلة: «أرجو أن تهدئي يا كاتيا، إن أحدا لن يمسك بسوء، ~~وستقيمين معنا وسنأتيك بأحذية وملابس ونعلمك القراءة والكتابة، وثقي أني سأكون لك أما ~~رءوما.» # ولكن الفتاة لم تهدأ وشرعت تقص علينا قصتها. # وألحت عليها أمي أن تمسك عن سرد هذه القصة قائلة: «لا تقصيها علينا يا بنيتي العزيزة، لا ~~تقصيها علينا، وستحدثيننا عنها في غير هذا الوقت.» # فقالت كاتيا وهي تنتحب: كلا، لا أستطيع، بل لا بد لي أن أقص عليكم قصتي الآن، إذ ليس في ~~وسعي أن أقف صامتة، بعد أن قضيت عاما كاملا من غير أهل، نعم عاما كاملا، لقد كنا نعيش ~~في بكرفنايا، ولم يشأ أبي أن ينضم إلى المزارع الجماعية، وأخذ ناس كثيرون يناقشونه، ثم ~~ساروا به إلى مكان بعيد، وشرعوا يضربونه، ولكنه أصر على عدم الانضمام إليها، فصاحوا قائلين: ~~إنه من عمال «كبار الملاك». # وسألتها: «وهل كان والدك من الملاك الزراعيين؟ وهل تعرفين معنى لفظ «عمال كبار ~~الملاك»؟» ~~- «لا يا عمي لست أعرف معنى هذه الألفاظ؛ لأن معلمي لم يعلمني إياها، لقد كان لنا جواد ~~وبقرة وعجلة وخمس نعاج وبضعة خنازير ومخزن، ولم يكن لنا شيء غير هذا، وكان الشرطي يأتي في ~~كل يوم ويأخذ أبي إلى سوفيت المدينة فيطلبون إليه أن يورد لهم الحبوب، ولا يصدقونه إذا قال: ~~إنه ليس لديه منها شيء، ولكني أقسم لكم إنه كان صادقا في قوله.» ورسمت على صدرها ms153 علامة ~~الصليب في جد ورزانة؛ «وظلوا أسبوعا كاملا لا يسمحون لأبي بالنوم، ويضربونه بالعصي ~~والمسدسات، حتى ازرق جلده وتورم جسمه كله.» # وواصلت كاتيا حديثها قائلة: «إنهم بعد أن انتزعوا من أبيها آخر حبة من القمح، ذبح ~~خنزيرا، وترك لأسرته قليلا من اللحم، وباع ما بقي منه في المدينة ليشتري بثمنه خبزا، ثم ~~ذبح العجل، وعادوا «هم» بعدئذ يخرجونه من المنزل كل ليلة ويقولون: إن ذبح الماشية من غير ~~إذن جريمة. # ثم جاء إلى بيتنا من نحو عام جماعة أغراب في صباح أحد الأيام، وكان أحدهم من رجال القسم ~~السياسي ومعهم رئيس سوفيت بلدنا، وأخذ رجل آخر منهم يدون في سجل معه كل شيء في منزلنا، ~~بما في ذلك الأثاث والملابس والأواني وغيرها، ثم جاءت عدة عربات ونقلت كل ما كان في المنزل، ~~وسيق ما كان في بيتنا من الماشية إلى المزرعة الجماعية. # وصاحت أمي العزيزة وبكت وتوسلت، وخرت على ركبتيها، بل إن أبي نفسه وفاليا أخي الأكبر ~~وأختي شورا أخذوا كلهم يبكون، ولكن هذا كله لم يجدهم نفعا، وأمرنا أن نرتدي ملابسنا ~~وأن نأخذ معنا بعض الخبز ولحم الخنزير المملح والبصل والبطاطس؛ لأنا على سفر طويل.» # وكانت هذه الذكرى أكثر مما تطيقه كاتيا فعادت تنتحب بحرقة، ولكنها مع ذلك أصرت على أن ~~تواصل سرد قصتها: «ووضعونا كلنا في الكنيسة القديمة، وكان فيها معنا كثيرون من الآباء ~~والأطفال من أهل قريتنا، يحملون جميعا أشياء محزومة ويبكون، وقضينا الليلة كلها في ذلك ~~المكان نصلي ونبكي ثم نبكي ونصلي في الظلام، فلما طلع النهار سيقت نحو ثلاثين أسرة إلى ~~الطريق يحيط بها رجال الدرك، وكان الذين يشاهدوننا في الطريق العام يرسمون على أجسامهم ~~علامات الصليب ثم يبكون. # ووجدنا في المحطة جماعات أخرى من الناس مثلنا جيء بهم من قرى غير قريتنا، يحسبهم الناظر ~~إليهم آلافا، وحشرنا كلنا في هرء خال مقام من الحجر، ولكنهم لم يسمحوا لكلبي فلتشك ~~بالدخول معي وإن كان قد تبعنا طول الطريق، وسمعته يعوي وأنا في داخل البناء المظلم. ms154 # ثم أخرجونا بعد قليل وساقونا إلى عربات من التي تنقل فيها الماشية، مصفوفة صفوفا ~~طويلة، وبحثت عن كلبي في كل مكان فلم أجده، وسألت عنه الحارس فلم يجبني إلا بركلة من ~~قدمه، ولما امتلأت عربتنا عن آخرها حتى لم يبق فيها مكان لإنسان يقف على قدميه، أغلقت ~~علينا من الخارج، وصرخنا كلنا وأخذنا نصلي إلى العذراء، ثم تحرك القطار، ولم يكن أحد ممن ~~فيه يعرف مستقرنا، فقال بعضهم: إننا ذاهبون إلى سيبيريا، وقال آخرون: إننا ذاهبون إلى أقصى ~~الشمال، وأعلن البعض أننا مسوقون إلى الصحارى الحارة. # وأذن لي أنا وأختي شورا أن نخرج من العربة لنأتي ببعض الماء، وأعطتنا أمنا شيئا من ~~المال وزجاجة، وطلبت إلينا أن نحاول شراء قليل من اللبن لأخ لنا طفل صغير اشتد عليه المرض، ~~وتوسلنا إلى الحارس أن يأذن لنا بالخروج؛ فأذن لنا بعد إلحاح طويل، وقال: إن ذلك يخالف ~~القواعد المرعية. وكان على مقربة منا أكواخ لبعض الفلاحين فجرينا نحوها بأسرع ما تستطيع ~~أقدامنا أن تحملنا. # ولما علم من في هذه الأكواخ منا حقيقة أمرنا أخذوا يبكون، وأعطونا من فورهم بعض الطعام، ~~وملئوا الزجاجة لبنا، ورفضوا أن يأخذوا منا له ثمنا، ثم أسرعنا عائدين إلى المحطة، ولكننا ~~جئناها متأخرين، ووجدنا القطار قد غادرها قبل أن نصل إليها.» # وقطعت كاتيا قصتها مرة أخرى لتندب أمها وأباها وإخوتها وأختها، وأخذ كل من كان منا في ~~المطبخ يبكي على بكاء هذه الطفلة، وكلما حاولت أمي تهدئتها زاد صوت بكائها علوا، ونظر أبي ~~إليها في حزن وصمت ولم يقل شيئا، وكان في وسعي أن أرى عضلات وجهه تتحرك بحركات ~~تشنجية. # وانضمت كاتيا وأختها بعد فراق أهلهما إلى جيش الأطفال المشردين الذين لا يحصى عديدهم، ~~وأخذتا تتنقلان من قرية إلى قرية، وتعلمتا التسول والطواف بالقرى طلبا للطعام، والتعلق ~~بأسوار عربات القطر الحديدية، وأتقنتا رطانة المتشردين أبناء السبيل، ثم افترقت الأختان في ~~سوق إحدى القرى على أثر مطاردة أحد رجال الدرك لهما، وبقيت كاتيا وحدها في هذا العالم حتى ~~جاءت ms155 بها نتاشا إلى منزلنا. # وأحببنا كاتيا وأصبحت تشعر كأنها واحدة منا، ولكننا كنا نسمع في بعض الليالي نحيبها ~~المكبوت، وهذه الشكوى القديمة الشبيهة بالنديب: «أين أنت يا أماه؟ أين أنت يا أبتاه؟» # الفصل الثامن # | الرعب في القرية # كثيرا ما يغمض الناس أعينهم وعقولهم؛ ليخفوا عن أنفسهم ما يحيط بهم من الحقائق المرة ~~المؤلمة؛ لينجوا بذلك من الآلام العقلية التي تضرم القلب وتقبض الرجاء، وهم يتلمسون لعملهم ~~هذا معاذير يختلقونها لساعتهم، ويتخلصون من المعلومات التي تجابههم، قائلين: إنها مبالغات ~~وهوس، ثم يحدث حادث فجائي يضطرهم إلى أن يفتحوا عقولهم وعيونهم، فيتطلعوا إلى ما حولهم دون ~~أن تطرف عيونهم. # وهذا ما حدث لي في الأسابيع التي أعقبت مجيء كاتيا الصغيرة إلى بيتنا، لقد كنت قبل مجيئها ~~أحرص على ألا يتزعزع إيماني بالمبادئ الشيوعية مهما أحاط بي من الحقائق المزعزعة لإيماني ~~هذا، وتحاشيت الذهاب إلى المزارع الجماعية القريبة مني، ثم حدثت مأساة طفلة واحدة بريئة ~~فصدمتني صدمة عنيفة، وأرغمتني على أن أواجه مآسي الزراع الروس على بكرة أبيهم؛ ولهذا ~~اعتزمت أن أنتهز أول فرصة أستطيع فيها التغلغل في أقاليم المزارع الجماعية. # وأتيحت لي هذه الفرصة أسرع مما كنت أتوقع، فقد تلقيت من مكتب الحزب في معهدنا أمرا ~~بالذهاب إلى اللجنة الإقليمية، وكان الغرض الذي ذهبت من أجله هو تنظيم فرق من أعضاء الحزب ~~للعمل في القرى. # واجتمع في قاعة المؤتمر نحو ثمانين منا، كثرتهم الغالبة من الشبان، ومن بينهم عدد قليل ~~عرفتهم في أثناء النشاط الحزبي في السنين القليلة الأخيرة، وكنا جميعا متوتري الأعصاب، ولم ~~يكن في وسع بعضنا أن يخفوا ما يساورهم من القلق واضطراب النفس، وصدرت إلينا الأوامر بأن ~~نذهب إلى الريف لنساعد في جمع الحبوب، ونعجل عمليات الحصاد الختامية، ولكننا كنا جميعا ~~نشعر كأننا مقدمون على حرب عوان، وكان مسلكنا مسلك من قد تملكهم هذا الإحساس. # وخطبنا الرفيق هياتيفتش أحد أعضاء لجنة الحزب المركزية، وكان كل ما لخطبته من أثر فينا أن ~~زادت أعصابنا توترا، فقد كنا نظن أننا سنستمع ms156 إلى حديث فني عن الزراعة وعن الشئون ~~الاقتصادية في الريف، ولكننا سمعنا بدلا من هذا خطبة من نار دعينا فيها إلى الذهاب إلى ~~الريف لنقاتل أهله، فننفذ ما أمرنا به أو نموت في سبيله. # وكان مما قاله لنا: «أيها الرفاق! ستقضون في الريف شهرا أو ستة أسابيع، فقد تأخر إقليم ~~دوبتردنبروفسك عن غيره من الأقاليم، وكنا قد تلقينا الأوامر من الحزب ومن الرفيق ستالين أن ~~يتم تنظيم المزارع الجماعية قبل أن يحل الربيع، ونحن الآن في أواخر الصيف ولم يتم العمل ~~بعد، وتبين لنا أن ولاة الأمور المحليين في الريف يحتاجون إلى حقن من الحديد البلشفي، ومن ~~أجل هذا بعثنا بكم إليهم. # وعليكم أن تضطلعوا بواجبكم وأنتم أشد ما تكونون شعورا بالتبعة الملقاة عليكم من حزبكم، ~~فلا تشكوا ولا تسمحوا لمبادئ الحرية البالية أن تنفذ إلى عقولكم، وألقوا بالمبادئ الإنسانية ~~التي تعتنقها الطبقات الوسطى من النافذة، وكونوا في عملكم بلاشفة خليقين بزعامة لينين ~~عليكم، واقضوا على عملاء كبار الزراع أينما رأيتموهم، فنحن معهم في حرب، إما أن يقضوا علينا ~~فيها أو نقضي عليهم! ويجب أن تمحى البقية الباقية من النظم الزراعية الرأسمالية مهما ~~بذلنا في سبيل محوها من الجهود! # ويجب بعدئذ أيها الرفاق أن تعملوا على تنفيذ خطة الحكومة في الاستيلاء على الحبوب؛ ذلك ~~أن كبار الملاك وبعض الزراع المتوسطي الثروة بل وبعض الفقراء منهم لا يسلمون حبوبهم، وبذلك ~~يفسدون على الحزب خططه، وولاة الأمور المحليون يترددون أحيانا ويضعفون أمامهم، وواجبكم أن ~~تحصلوا على الحبوب مهما كلفكم حصولكم عليها، انتزعوها منهم مهما يكن المكان الذي يخبئونها ~~فيه، في الأفران أو تحت الأسرة أو في السراديب، أو مدفونة في الأفنية الخلفية ~~للبيوت. # ويجب أن يتلقى القرويون منكم يا فرق الحزب دروسا لا ينسونها في الشدة البلشفية، يجب أن ~~تحصلوا على الحبوب، وما من شك في أنكم ستحصلون عليها، وذلك عمل ستنجلي فيه قوة ابتكاركم ~~وروح الشرطة السرية السوفيتية، ولا تترددوا في اتخاذ الإجراءات الرادعة مهما كانت قاسية، إن ~~الحزب من ورائكم ms157 يناصركم، والرفيق ستالين ينتظر ذلك منكم، إنكم في كفاح ليست له نتيجة إلا ~~الحياة أو الموت، وخير لكم أن تفرطوا في أداء واجبكم من أن تفرطوا في شيء ~~منه. # وثالث واجباتكم الهامة أن تتموا دراس الحبوب، وأن تصلحوا العدد من محاريث وجرارات ومحاصد ~~وما إليها من الآلات. # لقد بلغت حرب الطبقات في القرى أشدها، وليس هذا وقت الحذلقة أو التظاهر بالحنو ورقة ~~الإحساس، فتلك كلها أمور عتيقة بالية، إن صنائع كبار الملاك يتسللون خفية إلى المزارع ~~الجماعية؛ ليعطلوا العمل ويقتلوا الماشية، والذي نطلبه إليكم هو اليقظة والصلابة والشجاعة ~~الجديرة بالبلاشفة، ولست أشك في أنكم ستنفذون تعاليم الحزب وتوجيهات زعيمنا ~~المحبوب.» # وأغرقت هذه الألفاظ الأخيرة، وما تحمله في ثناياها من وعيد، في عاصفة من التصفيق ~~ودلائل الطاعة والخضوع. ~~«هل منكم من يريد سؤالا؟ هل كل شيء واضح؟» # ولم يسأل أحد سؤالا. ~~«إذن فانتظروا هنا، وستدعون فرادى بعد لحظة وجيزة لتقابلوا الرفيق برودسكي.» # وسألت نفسي: هل يمكن أن تكون هذه كل «التوجهات» التي نتلقاها؟ وهل ينتظر من طائفة من ~~الطلاب وموظفي المصانع أن يحلوا ما في الأقاليم الزراعية من مشاكل اقتصادية وسياسية كثيرة ~~مستعصية بوسائل لا تزيد على استخدام «الشدة البلشفية» المطردة الزيادة؟ وكيف يعهد لطائفة ~~من الأحداث مثلنا لا تعرف كثرتهم شيئا من المشاكل الزراعية أن يفصلوا في مصاير مئات الآلاف ~~من الزراع؟ # وكان عن يميني شاب لعله أحس بما يجول في خاطري فقال لي بصوت خافت: «أظن يا رفيق كرافتشنكو ~~أننا سنتلقى أوامر أخرى، أقصد أوامر توجهنا وجهة عملية.» # فأجبته بقولي: «لا أعرف.» وتبينت أنه طالب في المعهد، ولكني لم أعرف عنه غير هذا، ولم أكن ~~أرغب في أن تكون بداية استخدام «حزم البلاشفة» هي الإقدام على نقاش «خطر» مع شخص لا ~~أعرفه. # وواصل الشاب حديثه قائلا: «اعلم أيها الرفيق أني لم أعش قط في قرية، ولا أعرف شيئا عن ~~الحياة في الريف، وليس لي أقل علم بالوسائل التي يمكن أن أؤدي بها هذه الواجبات الشاقة التي ~~ألم أمين السر ms158 بأطرافها، ولكنها مع ذلك واضحة، أليس معناها أننا سنفقد مركزنا في الحزب، ~~أو أننا ستطيح رءوسنا إذا أخفقنا في مهمتنا؟» # وضايقني هذا منه أشد المضايقة، وقلت لنفسي: إن هذا الشخص إما أن يكون أبله إلى درجة لا ~~يصدقها العقل، وإما أنه يحاول أن يثيرني لأنطق بما لا يصح النطق به. # فأجبته دون أن أحاول إخفاء غضبي: «أنا آسف، ولكنك كان في وسعك أن تلقي ما تشاء من ~~الأسئلة.» ~~- «هذا صحيح، غير أن الحاضرين كلهم كانوا يصفقون، ولم أجد في نفسي من الجرأة ما ينطقني بأن ~~شيئا مما قاله لم يكن واضحا لي، ولكني أعرفك من المعهد يا رفيق كرافتشنكو وأثق بك، ولو ~~أنني عينت معك في فرقة واحدة لكان في ذلك كل الخير لي.» # وحدقت في عينيه وشعرت فجأة بالخجل يسري في نفسي لسوء ظني به، وبدا لي أن ألمه ألم حقيقي ~~غير متكلف، وكانت نظراته نظرات الغلام الصغير الساذج وإن لم يكن يصغرني إلا ببضع ~~سنين. # فأجبته: «لا مانع لدي من أن تكون معي إذا استطعت أن تنظم أمرك على هذا النحو، وإن كنت ~~أظن أن توزيع الأفراد على الفرق قد بت فيه.» # فقال وهو يبتسم وفي صوته ما يدل على تجدد أمله: «سأحاول، إن اسمي تفتكوف، سرجي ألكسيفتش ~~تفتكوف.» # وتركني، وبعد بضع دقائق دعيت إلى مكتب الرفيق برودسكي، فأبصرت رجلا قوي الجسم، على ~~رأسه كومة من الشعر الأسود، يجلس خلف مكتب كبير. # وخاطبني من فوره قائلا: «أتعرف يا رفيق كرافتشنكو شيئا عن القرى؟» ~~- «لقد عشت في مزرعة تعاونية عدة سنين في أثناء الحرب الأهلية، ثم درست بضعة مناهج في إحدى ~~المدارس الزراعية في عام 1920-1921م.» ~~- «حسن جدا! قل أن تجد من أعضاء هذه الفرق من يعرف الفرق بين القمح والشعير.» # ودق جرسا فأدخل رجلان آخران إلى مكتبه: أحدهما الطالب تفتكوف وقد دخل وهو يبتسم في حياء ~~دليلا على نجاحه في مسعاه، أما ثانيهما فرجل في الأربعين من عمره لا أعرفه. # وقال الرفيق برودسكي: «فليحي كل منكم زميله، ستعملون ms159 أنتم الثلاثة معا، وعليكم أن ~~تذهبوا إلى قرية بدجردنوى، وستتولى أنت يا رفيق كرافتشنكو إتمام عملية الدراس، ~~وسيناط بك أيضا إصلاح جميع العدد والآلات، وستتولى أنت يا رفيق تفتكوف بمعاونة الرفيق ~~أرشينوف إتمام أعمال التنظيم الجماعي للمزارع وجمع الحبوب، وستعملان كلاكما برياسة الرفيق ~~أرشينوف هذا، فسيرأس هو الفرقة المؤلفة من ثلاثتكم؛ ذلك أن هذا الرجل ليس من عمال الحزب ~~فحسب، بل إن له فوق ذلك تجارب سابقة في مكتب المدعي العمومي.» ~~- «هذا كل ما أقوله لكم، فاخرجوا إلى الردهة وخذوا أوراق انتدابكم ونقودكم.» # وكان أرشينوف رجلا بدينا قصير القامة حليق الرأس والوجه مبرقشهما كالرخام القديم، لا ~~يفصل جبهته عن رأسه فاصل، وكان وجهه مستويا لا مركز له كأنك تراه في مرآة غير منتظمة ~~السطح، أما عيناه فلم تكونا تزيدان على فتحتين ضيقتين في وجهه المستوي، وجملة القول: إن ~~شكله كله لا يروق الناظر إليه. # ولما كنا في الحجرة الخارجية أمرنا أرشينوف أن نأتي معنا بملابس مدفئة، وكل ما نستطيع ~~شراءه من الطعام، وأضاف إلى ذلك قوله: «ومسدس بطبيعة الحال.» واتفقنا على أن نلتقي في ~~استراحة المحطة في اليوم الثاني، ثم تفرقنا فسار أرشينوف في طريق، وسرت أنا وتفتكوف في طريق ~~آخر. # ولم يكن تفتكوف من الذين يستطيعون كتمان ما في ضميرهم فقال لي: «أصدقك القول يا فكتور ~~أندريفتش، إنني لست متحمسا كل التحمس للعمل مع رئيسنا هذا، وأرجو أن أكون مخطئا في ظني، ~~ولكني أحس بأنا لن نستريح إلى العمل معه.» ~~- «دع هذا الهراء يا رفيق تفتكوف، لم تبدأ عملك وأنت كاره لرفيق تجهل كل شيء عنه؟ وقد ~~يتبين لك فيما بعد أنه رجل رقيق الحاشية، وما من شك في أن الحزب يثق به، وأقل ما يجب علينا ~~نحوه أن نثق به نحن أيضا، وأهم ما في الأمر ألا نبدأ العمل ونحن نتوقع الإخفاق.» # وأدركت وأنا أتحدث أني كنت أطمئن نفسي أكثر مما أطمئن صديقي. # ثم واصل حديثه في إصرار قوي: «وما حاجتنا إلى المسدسات؟ لست على استعداد لأن أستولي ms160 على ~~الحبوب بالقوة، لقد قال لينين: إن المزرعة الجماعية تعاون اختياري بين الزراع، وكرر ~~ستالين هذا القول نفسه أكثر من مرة، وقد قرأت أنا من أيام قليلة ...» ~~- «اسمع يا تفتكوف، لا يؤلمنك مني إذا تحدثت إليك بصراحة، إن حديثك هذا عجيب حقا، ولي كل ~~الحق في أن أظنك إنسانا سليم النية إلى حد بعيد، أو أنك قد عينت معي لتكون عينا ~~علي.» # فصاح بصوت مرتاع ندمت حين سماعه على صراحتي: «رباه! ما أفظعها من فكرة! لست أشك في أنك ~~ستدرك أنك مخطئ في سوء ظنك بي حتى فيما تقوله عن سذاجتي، فأنا مدرك خطر المهمة التي نحن ~~مقبلون عليها، وذلك هو سبب دهشتي من أننا لم نتلق تعليمات عملية صريحة، فأنا روسي وابن ~~روسي، ولم أكن في يوم من الأيام من الدساسين المأجورين، وليس في وسعي أن أكون هذا الدساس ~~المأجور ولو كانت حياتي معرضة للخطر، وما أفظع أن يتهم الناس بعضهم بعضا بالتجسس والدس ~~المأجور.» # وكأنما أوحي إليه بفكرة جديدة فأضاف إلى أقواله السابقة قوله: «تعال معي في زيارة ~~لأسرتي، فإن بيتي لا يبعد عن هذا المكان أكثر من بضعة مبان.» # وكانت هذه الفكرة التي أوحي إليه بها فكرة موفقة معقولة، فقد كان التقائي بأبويه، والجو ~~المحيط ببيته المتواضع، سببا في إزالة آخر ما بقي لدي من ارتياب في سلامة طوبته وإن كان ~~ذلك قد قوى ظني في ضعفه وقلة تجاربه، ورأيت والده رجلا كبير السن يلبس منظارين على ~~عينيه، ذا لحية صغيرة لها طرف دقيق، أما والدته فكانت سيدة ضئيلة الجسم، ضعيفة البنية، ~~شمطاء الشعر، رحيمة القلب. # وكان كلاهما أشبه بشخصيتين في كتاب من عهد ما قبل الثورة، والغريب في أمرهما أنهما لم ~~يفسدهما ما حدث من عنف في هذه السنين الكثيرة الأحداث، وكأنهما يعيشان في عالم خاص بها لا ~~تستطيع شرور العالم الخارجي أن تصل إليه بسهولة، وخيل إلي أنه يكاد يكون من غير ~~المعقول أن تفتكوف الكبير من أعضاء الحزب قبل حوادث عام 1917م، وكان مما ms161 يسر له الإنسان ~~أن يبقى في الحزب إلى الآن رجل «طيب القلب» بالمعنى الذي كان يفهم من هذا اللفظ في العهد ~~القديم، والذي كاد الناس ينسونه الآن. # وقالت مسز تفتكوف تشكو من فعل ولدها: «ولكن لم لم تقل لي يا سريزها إنك مسافر إلى ~~القرى؟ إني أسمع عن فظائع محزنة ...» # ورد عليها زوجها محتجا: «لا، لا، يا عزيزتي، إن كل ما تسمعينه عما يرتكب من الفظائع ~~في المزارع الجماعية مبالغ فيه كثيرا، ولا يمكن أن تكون الأحوال كما يصورها لك هؤلاء ~~المبالغون، وأنا نفسي من أعضاء الحزب القدامى، وأنا متفق مع الرؤساء في أن نظام المزارع ~~الجماعية هو أملنا الوحيد في حل المشكلة الزراعية، ونجاح هذا النظام يقف معظمه على اختيار ~~الذين ينفذون الأوامر، وأرجو ألا تقدم أنت يا سرجي ولا أنت يا رفيق كرافتشنكو على ارتكاب ~~أي نوع من الفظائع، وما من شك لدي في أن الحزب لا يرغب في شيء من هذا.» # ولما عدت إلى المنزل أبلغت أسرتي نبأ بعثتي إلى الريف، وكان كل من في المنزل لا يزال ~~متأثرا بقصة كاتيا، فبدت عليهم جميعا مظاهر الوجوم والاضطراب مما عسى أن ألاقيه في هذه ~~المهمة، وبعد أن آويت إلى الفراش في تلك الليلة سمعت دقا على باب حجرتي ثم دخلت علي ~~أمي. # وقالت بعد أن جلست على السرير: «معذرة يا فيتيا على هذا التطفل، ولكني قد لا أجد فرصة ~~أتحدث إليك فيها ونحن نودعك غدا. # إني أعرف أن ما يلاقيه القرويون من متاعب يؤرقك ويحزنك كما يؤرق كثيرين غيرك ويحزنهم، ~~ولكني أرجوك أن تهدئ من روعك وتصبر على كل ما عساه أن يصادفك، وتذكر أن ما يحدث في إقليم من ~~الأقاليم لا يعد دليلا على ما يحدث فيها جميعا، وأبغض الأشياء إلي أن تكون تجربة ~~واحدة محزنة سببا في القضاء على كل ما هيأته لمستقبلك في حياتك الشيوعية كلها، وما من شك ~~لدي في أنك ستجعل حياة القرويين المساكين ميسرة قدر ما تستطيع.» ~~- «شكرا لك يا أماه! وأرجو ms162 ألا تشغلي بالك بأمري، وثقي أنني لن يصيبني مكروه، وأنا أعلم أن ~~الثورات ليست رحلة للتنزه والاستمتاع.» # ولم يكن الحديث الذي دار بين أعضاء الفرقة الثلاثة في القطار المسافر إلى بدجردنوى حديثا ~~وديا؛ ذلك أن أرشينوف كان يحمل معه مسدسا من طراز موزر معلقا بشريط من الجلد على ~~كتفه، وكان اختياله وإعجابه به سببا في مضايقتنا وإثارة مشاعرنا، على أن أرشينوف نفسه لم ~~يحاول أن يخفي احتقاره لتفتكوف الصغير السن الأشقر اللون، الوسيم الوجه، وتحاشينا كلنا أن ~~نذكر شيئا عن عملنا المشترك. # وقال لي تفتكوف: «إن أهلي الكبار يرسلون إليك يا فكتور أندريفتش تحياتهم.» ~~- «شكرا لك يا سريزها، وهل لك أن تخبرني بهذه المناسبة عن المكان الذي يعمل فيه ~~والدك؟» ~~- «إنه يعمل في مكتب تابع للسكك الحديدية، فهو مهندس كما تعلم، وهو في عمله هذا منذ زمن ~~طويل، وهو عضو في الحزب من قبل عام 1917م.» # وبدا الفزع على أرشينوف حين سمع منه هذا القول، وما من شك في أنه كان يظن أن تفتكوف ابن ~~رجل من رجال الفكر المتحذلقين المجردين من النفوذ، أما وهو ابن بلشفي قديم فقد يصبح هذا ~~الشاب أصعب مراسا مما كان يظنه أولا. # وصاح أرشينوف بامتعاض ظاهر: «تقول: إن أباك عضو في الحزب؟» ~~- «نعم، وأي شيء من الغرابة في هذا؟ ولم تسأل هذا السؤال؟» ~~- «لا شيء، إنه مجرد سؤال لا أكثر.» # ووصلنا إلى المكان الذي نقصده قبيل الغروب، وكان المطر يتساقط رذاذا والطريق الموصل إلى ~~القرية موحلا، ولم ينظر إلينا من لاقيناهم من القرويين بشيء كثير من الاهتمام، ولم يلفت ~~نظرهم إلا مسدس أرشينوف وهو يلطم فخذه السمينة في أثناء مشيه. # وناديته بصوت واطئ: «استمع إلي يا رفيق أرشينوف، أتسمح بأن تخفي مسدسك تحت سترتك؟ فأنا ~~لا أرى موجبا لإرهاب الناس على هذا النحو؟» ~~- «إن هذا من شأني أنا لا من شأنك!» ~~- «لا يا رفيق، إنه ليس من شأنك وحدك، فنحن نعمل هنا مجتمعين، وهو لذلك من شأننا جميعا، ~~وهو فوق هذا من شأن الحزب، ms163 وأنا أصر على أن تفعل ما أطلبه إليك وإلا فلن أذهب معك إلى ~~القرية.» # وقال تفتكوف: «إن الرفيق كرافتشنكو محق فيما يقول، فلم تخيف الخيل من غير موجب؟ إن معي ~~أنا أيضا مسدسا، ولكني أخفيه تحت سترتي.» # وعمل أرشينوف برأينا وهو على مضض، ولكنه لم يتحدث إلينا بكلمة واحدة في أثناء سيرنا إلى ~~مقر سوفيت القرية، وهو بيت خشبي كبير قبيح المنظر متهدم، وكان في داخله مصباح كيروسين يشع ~~فيه نورا ضئيلا من تحت مدخنة من الورق، وكانت الحجرة ملأى بالدخان وأطراف لفافات التبغ ~~منتشرة فيها، وجلس على أرضها نحو عشرين من الفلاحين صامتين وعلى وجوههم غبرة. # وسألهم أرشينوف بصوت عال يريد أن يظهر به سلطانه: «أين رئيس السوفيت؟» # وأشار الفلاحون بأيديهم وقالوا: «هو هنا في مكتبه.» ~~- «وماذا تفعلون أنتم هنا؟ أليس لديكم عمل خير من الجلوس على أعجازكم؟» # فأجابه أحد الفلاحين: «إن لدينا أعمالا كثيرة، ولكنا دعينا إلى هذا المكان، وهم يطلبون ~~إلي خبزا، ولكني أنا نفسي أسأل الخبز.» # وسخر منه أرشينوف وقال: «أرى أن سيكون لدي عمل كثير في هذا الجحر النتن.» # وسرنا من ورائه إلى مكتب السوفيت فأبصرنا فيه شابا متعبا رفيع الوجه ذا نظرات فاترة ~~يجلس خلف منضدة ويتحدث إلى شيخ قروي. # وصاح أرشينوف قائلا: «نحن فرقة الحزب، وقد جئنا إلى هنا في عمل.» # وقام الرئيس واقفا وسلم علينا بيده وقال: «مرحبا بكم، كيف حالكم؟» ولكن وجهه كان ينم ~~عن غير ما نطق به لسانه، فلم يكن الرجل مغتبطا بقدومنا، ثم واصل حديثه قائلا: «سأفض ~~الاجتماع ونبدأ العمل من فورنا.» # وسأله أرشينوف قائلا: «وماذا يصنع هؤلاء الناس جميعا هنا؟» ~~- «لقد دعوتهم إلى الحضور، إن أمر هؤلاء الناس ليس بالأمر الهين، وهم يصرون على أن ليس ~~لديهم حبوب، وكان المحصول رديئا في هذه الجهات، والناس كلهم يتوجسون خيفة مما سيصادفهم في ~~الشتاء المقبل، وليس من السهل علينا أن ننتزع الحبوب منهم أيها الرفاق، وهم يرفضون الانضمام ~~إلى المزارع الجماعية، ومهما فعلنا بهم فإنهم لا ينضمون إليها.» # وقال ms164 أرشينوف وهو مقطب الوجه: «سننظر في هذا الأمر، وما دمت قد دعوتهم للحضور فخير لك أن ~~تفرغ من عملك معهم، وسنبدأ عملنا نحن في صباح الغد.» # واستدعى الرئيس أحد مساعديه وأسر إليه بعض الأوامر، وسار هذا الرجل بنا نحن الثلاثة إلى ~~داخل القرية، وكان يخيم على شارعها الرئيسي سكون مقبض لا يقطعه إلا نباح كلب ينطلق فيه من ~~حين إلى حين، وكنا نبصر في أماكن متفرقة منه نورا ضئيلا مضطربا في إحدى النوافذ ودخانا ~~يخرج من مدخنة، ولما وصلنا إلى بيت كبير يفضل ما حوله من البيوت وقف دليلنا. # ثم قال: «ستقيم في هذا البيت يا رفيق أرشينوف، وأرجو أن يوافقك.» # ثم واصل سيره في الشارع نفسه إلى بيت فخم ذي مبان منفصلة عنه، وحديقة صغيرة وبئر ذات ~~دلو. # وقال: «سيعجبكم هذا المكان، لقد انضم آل استيوبنكو من وقت قريب إلى المزرعة الجماعية، ~~وبيتهم هذا نظيف خال من صغار الأطفال، وكلهم كبار ولهم ابنة جميلة.» قال هذه العبارة ~~الأخيرة وهو يشير بطرف عينه في اتجاه تفتكوف. # وقابلنا عند الباب رجل طويل القامة يبلغ حوالي الستين من العمر، حليق الوجه إلا من شاربين ~~طويلين يتدليان على طرف فيه على الطريقة الأوكرانية القديمة، وحيانا الرجل في تحفظ ~~وكرامة غير متكلفة سررت لها، ثم سار أمامنا إلى حجرة صغيرة ولكنها أنيقة ومريحة. # وقال لنا: «اغتسلوا أولا ثم تعالوا وانضموا إلينا على الرحب والسعة، واقتسموا معنا ما ~~يبعثه الله لنا وهو غير كثير.» # ووجدنا الأسرة كلها جالسة حول المائدة، وكانت ابنتها في الثامنة عشرة من عمرها، وهي جميلة ~~حقا، وكانت الزوجة امرأة حنونا كبيرة السن تعقد منديلا ملونا أسفل ذقنها، لها يدان ~~مجعدتان خشنتان من العمل شأن زوجات الفلاحين، وكان للأسرة أيضا ولد في الثامنة من عمره، ~~وعرفناهم بأنفسنا وانضممنا إليهم، وصب في أوانينا حساء بلا لحم، ثم أعقبته بطاطس مسلوقة ~~وشبت مخلل، وكان الخبز مقطعا قطعا رقيقة أكلها كل منا بحرص وعناية كما لو كانت رقاقا ~~مقدسا. # ولما كنت قد اعتدت حياة القرويين، ms165 وعرفت أن الخبز الكثير الغليظ هو طعامهم الرئيسي، فقد ~~أدركت بوضوح أن الأسرة في ضنك شديد، واستأذنت أنا وسريزها وذهبنا إلى حجرتنا ثم عدنا بما ~~كان لدينا من الطعام الملفف، وحدق فينا آل استيوبنكو حين كشفنا عما معنا من أمعاء محشوة، ~~وأنواع متعددة من السمك، ودجاج بارد، وألححنا عليهم أن يشتركوا معنا في طعامنا، وما لبث جو ~~التحفظ الذي كان مخيما علينا أن انقشع. # وكررت ربة الدار قولها: «شكرا لكم، شكرا لكم، لا شك أنك قد أدخلتم السرور على بيتنا ~~المتواضع.» # وأضاف زوجها إلى ذلك قوله: «لست أذكر آخر مرة رأينا فيها الأمعاء المحشوة والحلوى، ونحن ~~أحسن حالا من كثيرين ممن حولنا، ولكننا مع ذلك في ضنك شديد، وليس لدينا من الحبوب ما ~~يكفينا حتى يحصد المحصول، آه! أيها الرفاق لو تعلمون ما مر بنا من الظروف القاسية في ~~أوكرانيا! إن أحدنا إذا حصل على قطعة من الخبز أكلها خفية.» # وكنت في أثناء ذلك أرقب الولد الصغير، فرأيته مكتئبا ساكنا سكونا غير طبيعي، حتى إن ~~الحلوى التي أخذ يلوكها من غير عناية لم تفلح في أن تثير اهتمامه بنا، فسألت الرجل: «وما ~~اسم ابنك الصغير؟» # وأجاب الولد عن سؤالي بقوله: «فاسيا.» ثم غادر الحجرة فجأة. # وقال رب الدار: «ليس هو ابننا، بل هو ... ماذا أقول؟ هل أقول: إنه يتيم يتمته المزارع ~~الجماعية؟» ~~- «وماذا تقصد بهذا القول؟» ~~- «إنه يتيم وكفى، ولكن لا تسأل الولد شيئا، إن الصدمة التي تلقاها لا تزال تذهله، فهو ~~يذهب في كل ليلة إلى بيته ويطوف بفنائه ساعات طوالا، ونحاول نحن أن نمنعه ونقول له: وماذا ~~تفيد من تعذيب نفسك؟ ولكنه لا ينفك يذهب إلى البيت.» ~~- «قل لنا ماذا أصابه؟» ~~- «لست أدري هل أخبركما بذلك أو لا أخبركما به، إنكما جديدان علينا، وأنتما فضلا عن ذلك من ~~رجال الحكم.» ~~- «قل يا أبت ولا تخف، إنا لم نأت هنا لنؤذي أحدا، بل جئنا لأنا نحب الفلاحين ونريد أن ~~نساعدهم.» ~~- «حسن، فلأجرب حظي معكما، إنكما تبدوان من خيار الناس، ms166 وفوق هذا فقد تجاوزت السن التي أخشى ~~فيها أحدا، وكل الذي يسوءني وأخشاه أن يلحق ابنتي أذى.» # ثم أخذ يقص علينا قصة الغلام فقال: «كان آل فورفان يسكنون على بعد عشرة بيوت من هذا ~~المكان، وكانت الأسرة تتألف من رجل وزوجته وابن واحد هو فاسيا الذي شاهدتماه هذا، وكانت ~~أسرة سعيدة مجدة طيبة الأخلاق، ولم تكن من كبار الملاك الزراعيين، فلم تكن تملك إلا ~~جوادين وبقرة وخنزيرا وبضع دجاجات، شأنها في هذا شأن سائر الناس، وأخذوا يلحون عليه ~~لينضم إلى المزرعة الجماعية ولكنه رفض كل إلحاح. # وأخذوا منه كل ما بقي لديه من الحبوب وعادوا إلى مجادلته وتهديده، ولكنه لم يتحول قط عن ~~رأيه، وظل يقول لهم: تلك أرضي وماشيتي وبيتي ولن أعطيها للحكومة قط. ثم جاء قوم من المدينة ~~- وهم المكلفون بإخراج الناس من بيوتهم - وأحصوا أملاكه وسلبوه كل متاعه ولم يبقوا له ~~آنية ولا فوطة، وأخذت أدواته الزراعية وسيقت ماشيته إلى المزرعة الجماعية. # واتهم فورفان بأنه من كبار الملاك ومن وكلائهم وجاءوا في المساء ليقبضوا عليه، وأخذ ~~ابنه وزوجته يبكيان وينتحبان، ورفض الرجل أن يذهب معهم، فأخذوا يضربونه حتى سال الدم من ~~جسمه كله، ثم أخرجوه من المنزل وجروه في الوحل من الشارع الذي يسكن فيه إلى سوفيت القرية، ~~وجرت زوجته من خلفهم وهي تصيح وتعول وتطلب العون من الله ومن الناس، وخرجنا جميعا، ولكن ~~أحدا منا لم يستطع أن يقاوم الحراس المسلحين، وإن كنا نحب فورفان ونعرف أنه لم يكن من كبار ~~الملاك. # وظلت المرأة البائسة تبكي وتصيح قائلة: «من ذا الذي يعنى بنا من بعدك يا بيوتر؟ إلى أي ~~مكان يسوقك هؤلاء الوحوش الكفرة؟ ودفعها أحد رجال القسم السياسي بعنف فارتمت في الوحل، ~~وظلوا يجرون فورفان إلى عربات الحيوانات، والله وحده يعلم أين مقره الآن، وعدنا بالمرأة إلى ~~بيتها وحاولنا أن نهدئ من روعها حتى نامت وتركناها جميعا.» # وكانت المرأتان الجالستان أمام المائدة تبكيان وهو يقص هذه القصة، وأخذ مضيفنا نفسا ~~طويلا من لفافته المصنوعة باليد ms167 الكريهة الرائحة، ثم واصل حديثه قائلا: «وجاءت في الصباح ~~جارة من جارات أسرة فورفان المسكينة لترى الزوجة، ولكنها لم تجدها، ونادتها باسمها فلم ترد ~~عليها، فدخلت الهرء الخالي، فوقعت عينها على منظر روعها، وصرخت منه صرخة جنونية أقبل على ~~أثرها كثيرون من الفلاحين مهرولين، وكنت أنا من بينهم، فرأينا المرأة معلقة في حبل مشدود ~~إلى إحدى العوارض الخشبية، وقد قضت نحبها، وكان منظرا لن أنساه مدى الحياة ولو بلغت سني ~~مائة عام، وحدث كل هذا من شهر واحد لا أكثر. # وقررت أنا وزوجتي العجوز أن نأخذ فاسيا في كنفنا؛ لأنا ليس لنا أبناء صغار، وقد قضى شهرا ~~كاملا بين صمت وبكاء، وهو يذهب كل يوم إلى البيت المهجور كما قلت لكما، ثم يعود إلينا ~~ويأوي إلى فراشه على ظهر الفرن دون أن ينبس ببنت شفة. # وبعد أن رأيت أنا وزوجتي ما حدث لآل فورفان تباحثنا في الأمر وقررنا أن ننضم إلى المزارع ~~الجماعية، باختيارنا.» # وجلسنا حيث كنا صامتين مدة طويلة، فقد ترك في مصير آل فورفان كما ترك في مصير كاتيا ~~الصغيرة أثرا لا تضارعه آثار الأرقام التي قرأناها عن عدد من نفوا وشردوا ~~وقتلوا. # وقال تفتكوف آخر الأمر: «شكرا لك يا والدي على ثقتك بنا، وثق بأني لن أكون غير جدير بهذه ~~الثقة، وصدقني إذا قلت لك: إن الشيوعيين ليسوا كلهم سواء، وإن منا من يعترضون على هذه ~~الأعمال كاعتراضك أنت عليها، واعلم بأن الحزب نفسه لا يرضى عنها.» # وكان وهو يتحدث كأنه يعتذر عن نفسه وعني وعن الحزب. # وقلت أنا مؤيدا رفيقي: «نعم، إنا نشكر لك كرم ضيافتك وثقتك بنا، وسنقيم معكم شهرا ولا ~~نريد أن نثقل عليكم في شيء، وهاك كل ما لدينا من نقود، ونصر على أن نؤدي ثمن كل شيء، فاشتر ~~كل ما تحتاج إليه، ولا تخرج عن مألوف عادتك من أجلنا.» ~~- «لقد أمرت ألا آخذ نقودا مطلقا.» ~~- «ليس عليك إلا أن تغفل هذه الأوامر، واللجنة المركزية لم تعطنا النقود إلا لهذا الغرض، ~~وكلي أمل ms168 في أن تساعدنا فيما جئنا من أجله، فنحن لا نريد إلا الخير، وأنت خبير بشئون قريتك؛ ~~أما نحن فلا علم لنا بها.» # وطار الرقاد من عيني زمنا طويلا في تلك الليلة، ولكني ظللت ساكنا حتى لا أوقظ تفتكوف، ~~وسرني كل السرور أنه تكشف عن إنسان رقيق القلب ذي أدب جم، ولم يكن شيوعيا رسميا ~~متطرفا في شيوعيته. # وسمعته يقول: «أأنت نائم يا فكتور؟» ~~- «كلا يا سريزها، لا أستطيع النوم، إن الأفكار لا تفتأ تساورني.» ~~- «أتعرف أني لا أستطيع أن أرفع عيني في وجه أولئك الفلاحين الطيبين؟ وأني أشعر بأني أنا ~~نفسي ملوم على ما فعله أولئك الأوغاد؟ وشر ما في الأمر أنهم فعلوا ما فعلوه باسم حزبنا ~~المحبوب!» # وكنت قد قررت أن أتحفظ بعض الشيء في حديثي إلى تفتكوف، فقد عرفت أنه ليس بالرجل القوي ~~الكتوم، وخشيت أن يضعف ويلين تحت الضغط الشديد، فيفشي على الرغم منه ما قلته له؛ لذلك رأيت ~~أن من الخير لي وله ألا يعرف من أفكاري إلا القليل. # وقلت له مستحثا إياه أن ينام: «خير لك أن تنام، فإن علينا أن نستيقظ مبكرين.» # ولما وصلنا إلى السوفيت في الصباح وجدنا فيه أرشينوف غاضبا ثائرا، وكان سبب غضبه أنه ~~وضع في بيت لم يجد فيه كفايته من الطعام، ولم يلق من أصحابه كثيرا من المجاملة، وإن لم ~~يسيئوا إليه، وقضينا صدر النهار في مراجعة السجلات، وأطلعنا الرئيس على المعلومات التي ~~جعلتنا نلم بشئون القرية إلى اليوم الذي قدمنا فيه، وقسمنا القرية أقساما، واخترنا لكل ~~قسم من الفلاحين الجماعيين من يناط بهم تنفيذ الخطط المقررة. # ثم ذهب رئيس السوفيت وأرشينوف وسريزها إلى القرية ليطلعوا على أحوالها، وذهبت أنا ورئيس ~~المزرعة الجماعية إلى هذه المزرعة. # وأبصرنا في فناء كبير في ضيعة قديمة تهدم معظم بيوتها بيادر من حبوب حصدت من زمن ~~قريب، وسرني أن رأيت الحبوب قد حملتها العربات إلى الحقول، فهي هنا يستطاع دراسها في عشرة ~~أيام أو اثني عشر يوما إذا وجدت من يعمل فيها بجد، ms169 ولم أجد ما يسرني غير هذا، فقد كان كل ~~ما شاهدته في حال من الإهمال والاضطراب يرثى لها. # شاهدت كميات كبيرة من العدد والآلات مبعثرة في العراء، قذرة معطلة يعلوها الصدأ بعد أن ~~كان أصحابها من قبل يعنون بها كما يعنى الإنسان بالجواهر الثمينة، وشاهدت أبقارا وخيلا ~~عجافا تغطيها فضلاتها وتتجول في الفناء، ورأيت أسرابا من الدجاج والإوز والبط تحفر في ~~البيادر غير المدروسة، وذهبنا إلى الإصطبلات فرأينا الخيل تغوص إلى ركبها في الأقذار «تقرأ ~~الصحف» كما يقول الفلاحون حين تقف الماشية على مذاودها الخالية من الطعام ، ولم تكن الأبقار ~~التي في الجرن أحسن حالا من الخيول. # وهالني ما رأيت، فقد كانت هذه حال لا تتفق وطبيعة مواطني من الفلاحين ~~الأوكرانيين. # وقلت لرئيس المزرعة الجماعية وأنا غاضب أشد الغضب: «اجمع أعضاء المزرعة الجماعية على ~~الفور.» # ولم تمض إلا ساعة حتى كان الجميع من الرجال والنساء المنوطين بأمر المزرعة الجماعية ~~حاضرين في الفناء، ولم تكن نظراتهم إلينا مشجعة، وكأني بهم يقولون: «ها هو ذا شخص آخر يتدخل ~~فيما لا يعنيه. وماذا نستطيع أن نفعل أكثر من الإنصات إلى ما يقول؟» # وأردت أن أظهر لهم المودة فبدأت حديثي بقولي: «كيف تسيرون في عملكم أيها المزارعون ~~الجماعيون؟» # فرد علي واحد منهم بصوت جاف شكس: «كما ترانا، كما ترانا. لا نزال على قيد الحياة كما ~~ترانا.» # وقال ثان: «ليس بيننا غني وفقير بل كلنا معدمون متسولون.» # وتظاهرت بأني لم أفهم هذا التهكم. ~~«لقد أوفدتني إليكم لجنة الحزب الإقليمية لأعاونكم على دراس محاصيلكم، وإصلاح آلاتكم، ~~وتنظيم أموركم بوجه عام، خبروني أيها الزراع الجماعيون، من الذي اختار رئيس هذه ~~المزرعة؟» # فأجاب أعضاء اللجنة الإدارية: «نحن كلنا.» ~~- «ولم إذن تسببون له المتاعب؟ ألا تعلمون أن تبعة هذا الاضطراب كله ستلقى عليه؟ ~~انظروا إلى ما حولكم، ألا تستحون وأنتم الفلاحون مما ترون؟ ماشية قذرة وبيادر لا تجد من ~~يحرسها، وآلات قيمة في كل مكان تصدأ وتتلف، إن من أسهل الأمور أن يسجن رئيسكم بسبب ~~هذا كله وأن يسجن ms170 معه أعضاء اللجنة الإدارية أيضا. # ولكني لم آت إليكم لأفعل بكم هذا، إن السجون لا تأتيكم بالخبز، ومن ذا الذي تضرونه بهذا ~~الإهمال المروع: أنا أو أنتم؟ لقد قضيت جزءا من حياتي في الريف، وكان بعض أهلي من ~~الفلاحين، ولكني لم أر في حياتي كلها شيئا مخجلا كهذه الإصطبلات وهذه الجرون، وهذا ~~الفناء، إني أدرك ما يشعر به بعضكم، ولكن لم يحل العقاب بالخيل والأبقار؟ إني لأتوارى ~~منكم خجلا، وأنا أعرف أنكم لا تزالون فلاحين وألجأ فيكم إلى كرامة الفلاحين.» # وصاح واحد منهم قائلا: «حسن، إن هذا الرفيق يتكلم كلاما له معنى.» ~~- «إذن فلنبدأ عملنا، أعلن افتتاح الاجتماع أيها الرئيس، واختر عددا من الأشخاص يعرف كل ~~واحد منهم ما يجب عليه أن يقوم به، وسندون نحن الأسماء والتواريخ وما يجب على كل واحد أن ~~يعمله.» # وقضينا عدة ساعات نتكلم ونضع الخطط، وأبى كثير من الفلاحين أن يتحملوا أية تبعة، ولكن كل ~~عضو من أعضاء اللجنة الإدارية وافق في نهاية الأمر على أن يقوم بعمل معين: كتنظيم الدراس، ~~وتنظيف حظائر الحيوانات، وتسجيل الأدوات وما إلى ذلك، وانتهى الاجتماع بروح ودية. # وحدثني مضيفي وقت العشاء فقال إنه قابل بعض أعضاء اللجنة الإدارية عقب الاجتماع، وإنهم ~~يقولون: «إنك بدأت بداية طيبة، وإنهم مسرورون منك، وبخاصة لأنك لا تسب ولا تملأ الدنيا ~~صخبا ووعيدا.» ~~- «قل لي يا أبي، هل أصبت حين طلبت إليهم أن ينظموا من فورهم ما في المزرعة الجماعية من ~~أدوات؟» ~~- «لقد أصبت كل الإصابة، إن الفلاحين أنفسهم يدركون أن الأمور لا تسير كما يجب أن تسير، وكل ~~ما في الأمر أن صدورهم تنطوي على أشد الغيظ؛ لأنهم خسروا أرضهم وماشيتهم وآلاتهم، ولكن ~~الأمور يجب مع هذا أن تنظم والحياة يجب أن تجري في مجراها.» # وانفردت بسريزها بعد العشاء فوجدته مكتئبا حزينا. ~~- «كيف حالك يا رفيقي؟» ~~- «لست كما أحب يا فكتور أندريفتش، إني أسير في عملي حسب خطط أرشينوف، ولكني لا أحصل على ~~نتائج كثيرة طيبة، فقد استدعيت المقصرين في توريد الحبوب ms171 واحدا بعد واحد، ولكن قصتهم ~~جميعا كانت قصة واحدة، فقد كان الواحد منهم يخلع قبعته ويجلس في أدب واحترام. # ثم أبدأ أقول له: «إنك لم تؤد ما عليك من الحبوب بعد.» ~~- «ربما أكون قد أديته وربما أني لم أؤده.» # فأقول له: «لا يزال عليك للدولة عشر بودات.» # فيهز كتفه ويقول: «وأنى لي بهذا القدر كله؟! ليس لدي منه شيء.» ~~- «وكم تستطيع أن تورده منه اليوم؟» ~~- «قد أستطيع أن أورد بودتين أو ثلاث بودات.» # 1 # وهكذا نظل في جدال مستمر فأقول أنا: إن الحكومة في حاجة إلى الحبوب، ويقول الفلاح: «نعم، ~~إن الحكومة في حاجة إليها، ولكن ماذا يفعل أطفالي وزوجتي؟ أظنهم في غير حاجة إليها! وأنت ~~نفسك تعرف أن المحصول قد خاب، ومن ذا الذي يطعمنا طول العام بعد أن اغتصبتم كل ~~حبوبنا؟» # وجمعت اليوم اثنتين وخمسين بودة، ولكن هذا لا يساوي معشار ما كان ينتظره أرشينوف مني، ~~وليس في وسعي أن أفعل خيرا مما فعلت، فهؤلاء الناس متعبون مكتئبون في أشد حالات الوجل، ~~ولعل عند بعضهم من الحبوب أكثر مما يعترفون به، ولكنهم لا يريدون أن يوردوه للحكومة ولا ~~يجرءون على توريده، والشتاء الطويل مقبل عليهم وعيالهم يطلبون القوت.» # وحاولت أن أهدئه بقولي: «لا تقلق بالك إلى هذا الحد يا سريزها، بل افعل خير ما تستطيع أن ~~تفعله؛ لأن القلق لا يجدي نفعا.» # وذهبت مع مضيفي إلى المزرعة الجماعية في صباح اليوم الثاني، وسرني أن أرى العمل قائما ~~على قدم وساق، فالعدد تنظف وتزيت، والسماد يخرج من الحظائر والإصطبلات، والاستعدادات ~~تتخذ لدراس الحبوب، واستمر العمل على هذه الحال عدة أيام كاد المكان بعدها يعود إلى ~~حاله الطبيعية، وخير من هذا كله أن روح الفلاحين الجماعيين المعنوية قد تحسنت كثيرا عن ذي ~~قبل، وأخذت النساء والبنات يغنين الأغاني الأوكرانية كما كن يفعلن في أيامهن الماضية؛ ~~ذلك أن أولئك القوم السذج يحبون العمل بطبيعة نشأتهم، وقد كان الجو صحوا وهم يدركون خيرا ~~مما أدرك أنا نفسي ما لكل يوم غير مطير ms172 من قيمة. # ومر علينا أكثر من أسبوع، وأبطأت عملية إصلاح العدد لنقص المسامير والأسلاك والحديد ~~والخشب وغيرها من المواد الضرورية، ولكن مهارة الفلاحين عوضت هذا النقص، غير أننا لم يكن ~~في وسعنا أن ننظم حسابات المزرعة لعدم وجود الورق؛ ولهذا عولنا على أن نرسل سريزها إلى ~~دنيبروبتروفسك ليقضي فيها يوما يشتري في خلاله ما نحتاجه. # ولما عدت إلى المنزل في تلك الليلة شاهدت سريزها وفي يده خيط يقيس به فاسيا الصغير، ويعقد ~~فيه عقدا، وتظاهرت بأني لم ألاحظ ما يفعل. # وذهبت في اليوم الثاني قبل أن يعود سريزها لزيارة أرشينوف، وكان يعلم أن العمل الذي نيط ~~بي يسير سيرا حسنا، ويحسدني على هذا التوفيق، ولم يجد وسيلة ينفس بها عن كربه إلا أن ~~يطعن على تفتكوف فأخذ يتهمه بأنه شخص ضعيف أصفر الكبد، وبما هو أسوأ من هذا كله، وهو أنه حر ~~إنساني فاسد. # وقال: «لقد فتشت بالأمس عدة بيوت كان زميلي الضعيف قد اصطنع مع أصحابها اللين، فوجدت في ~~كل بيت غلالا مخبوءة، فصادرت كل حبة وجدتها دون أن أدخل مع أصحابها في جدال عقيم، إن هؤلاء ~~المزارعين القذرين الأوغاد يكذبون على السلطات السوفيتية، وسألقي عليهم درسا لا ينسونه ~~أبدا! فقد ذهبت اليوم إلى لجنة المركز، وهم مقبلون بعد قليل وسترون ما يحدث يوم ~~الثلاثاء.» ~~- «أي شيء سيحدث في ذلك اليوم؟» ~~- «ذلك شأني أنا.» # واستمر الدراس طوال يوم الأحد، ولم تكن بي حاجة إلى إقناع الفلاحين بأن يعملوا في ذلك ~~اليوم، فقد كانوا جميعا حتى أكثرهم تدينا يدركون أن الوقت من ذهب، وعاد سريزها قبيل ~~الغروب ومعه حقيبته وعدة أكياس وهدايا للأسرة كلها: كتاب للبنت، وخيط للأم، ودخان ~~لاستيوبنكو الشيخ، ولكن الذي أدهشنا أكثر من ذلك كله في هذه الفرصة السعيدة أنه أخرج من ~~حقيبته الكبيرة سروالا طويلا وسترة وملابس داخلية لفاسيا. # وسرعان ما ألبس الغلام ملابسه الجميلة، وأعجب به جميع الحاضرين، وأقبل اثنان من الجيران ~~ليشهدا ذلك المنظر العجيب منظر فاسيا في ثيابه الجديدة الجميلة، وتبسم الولد نفسه ms173 لأول مرة ~~مذ تقابلنا وقال: «شكرا لك يا عمي سريزها.» واغرورقت عيناه بالدموع حين قدم إليه سريزها ~~العظيم كراسة وأقلاما من الرصاص وصندوقا من الحلوى الجامدة الملونة. # ولم تأو الأسرة إلى فراشها إلا بعد منتصف الليل، ولما انفردت بتفتكوف في حجرتنا سألته ~~كيف تسير الأمور بينه وبين أرشينوف؟ # فأجاب من فوره: «إنه كلب لعين، يا فكتور أندريفتش، لقد ترددت طويلا قبل أن أطلعك على ~~حقيقة أمره، ولكني لا أستطيع السكوت بعد الآن، إن ذلك الوحش يخرج الفلاحين من بيوتهم في ~~ظلام الليل، ويسبهم ويهددهم بمسدسه، وقد قيل لي : إنه يضربهم ضربا وحشيا.» ~~- «ولم لم تخبرني بذلك قبل الآن؟ ارتد ملابسك في الحال وهيا بنا نذهب إليه.» # وكان في وسعي أن أرى أضواء في بناء السوفيت من خلال مصاريعه الخشبية، فلما دخلناه وجدنا ~~الفلاحين متربعين على الأرض، وكان على الباب الخارجي حارس مسلح، وجلس في الداخل كونستبل من ~~القرية وبيده مسدس وفي فمه لفافة يدخنها، ولما دخلت الدار سمعت صياح أحد الفلاحين وأرشينوف ~~يسب وينهر خلف باب حجرته المغلق. # وسألت الكونستبل بصوت يجلجل من شدة الغضب: «ماذا يعمل هؤلاء كلهم هنا في هذه ~~الساعة؟» # فوقف الرجل على قدميه مذعورا وقال: «إن الرفيق أرشينوف ينتزع منهم الحبوب كعادته، ويتحدث ~~قليلا إلى الذين لا يريدون منهم أن ينضموا إلى المزرعة الجماعية.» # وعلا صوت أرشينوف فجأة واحتد حدة جنونية، وسقط جسم ثقيل على الأرض، وسمعنا الفلاح يئن ~~ويقول: «لم تضربني؟ إنك لا يحق لك أن تضربني ...» ثم صاح أرشينوف: «يا كونستبل ألق بهذا ~~الوغد في البرادة، وسألقي عليك درسا لا تنساه أيها المالك الحقير.» # واندفع الكونستبل نحو الغرفة المجاورة، فأمسكت بذراعه وقلت له: «قف هنا، وسأذهب أنا ~~نفسي.» # ودفعت الباب فانفتح، وفزع أرشينوف، وعض شفتيه، وتحرك حركة عصبية في كرسيه، وأراد أن ~~يرفع مسدسه عن المنضدة، وكان الفلاح الملقى على الأرض رجلا هرما، في ثياب مهلهلة ووجهه ~~ملطخ بالدماء، وأشرت إليه أن يخرج. # ثم سرت نحو أرشينوف وهممت أن أستخدم قبضتي معه. # وصحت به ms174 قائلا: «دع الفلاحين يخرجون من هذا المكان! دعهم يخرجون من فورهم. أتسمع ما ~~أقول؟» ~~- «أنا صاحب الأمر في هذا المكان يا رفيق كرافتشنكو، وأرجوك ألا تتدخل في عملي.» ~~- «لا، إن هذا من عمل الحزب، وأنا بوصفي شيوعيا لا أسمح لك أن تدنس سلطة السوفيت بهذه ~~القسوة الوحشية.» والتفت نحو الغرفة الخارجية وصحت: «يا رفيق تفتكوف، أرجوك أن تكتب اسم ~~الشيخ الذي كان يضرب توا واسم الكونستبل أيضا.» # وتظاهر أرشينوف بالجرأة، ولكن غضبي أقلقه وبلبل أفكاره، فقال لي: «ويلك ماذا تريد أن ~~تفعل؟ ما هذا الاستفزاز؟ أتريد أن تحقر مبعوثا للجنة الإقليمية في أعين الجماهير؟» ~~- «دعك من هذا النفاق! إن أمثالك هم الذين يحقرون الحزب والبلاد بأجمعها، يا كونستبل، ليذهب ~~كل هؤلاء الناس إلى بيوتهم، وأنتم أيها الرفاق الفلاحون، إذا ضرب واحد منكم بعد الآن، ~~فليرفع أمره إلي، وأنا أعلنكم أن الضرب مخالف للقانون.» # ودخل تفتكوف المكتب وهو ممتقع الوجه كأنه شبح، ويداه ترتجفان، وأمرته أن يذهب إلى المنزل ~~وينتظرني فيه، ثم التفت إلى أرشينوف وقلت له: «اسمع يا أرشينوف، أتدري ماذا تفعل؟ أهذا ~~تنظيم المزارع الجماعية أم هو السلب والنهب بالاستعانة بالمسدسات؟ إن من حقك بلا شك أن تطلب ~~الحبوب، وأن تفتش البيوت إذا اضطررت إلى تفتيشها، ولكن ليس من حقك أن تلجأ إلى العنف، وأن ~~تفعل فعل محاكم التفتيش في ظلام الليل، وإذا لم تشأ أن تعرض نفسك للمتاعب مع اللجنة ~~الإقليمية فعليك أن تمتنع من فورك عن هذه الفعال، وإلا فسأكشف أمرك مهما كلفني هذا. أتفهم ~~ما أقول؟» # وأدرت ظهري إليه، وغادرت المكان، ولم أجد سريزها في المنزل حين وصلته، فقلقت عليه، ولكنه ~~جاء بعد نصف ساعة. # وقال لي: «لقد ذهبت إلى كوخ الفلاح الذي كان يضرب، فوجدت فيه زوجة مريضة وخمسة أطفال، ~~ولم أجد فيه كسرة من الخبز، بل رأيت البيت ينضح فقرا ويأسا، وهذا وأمثاله هم الذين نسميهم ~~كبار الملاك! والأطفال لا تغطي أجسامهم إلا أسمال بالية، وهم كالأشباح، ورأيت قدر الطعام ~~على الموقد، وليس فيها ms175 إلا قليل من البطاطس في الماء، وكان هذا عشاءهم في تلك ~~الليلة.» # ثم أطلعني على ورقة قذرة وقال: «انظر إلى هذا يا فكتور، لقد عاهدني الرجل على أن ينضم إلى ~~المزرعة الجماعية؛ ذلك أني رجوته أن يقلع عن عناده، وأن يشفق على أسرته، فرضي آخر ~~الأمر.» ~~- «اذهب إلى فراشك يا سريزها ولا تشغل بالك بهذا الأمر، وسنفكر فيما يصح أن نفعله.» وعجلت ~~بجواب ما ظننته أن سيسأل عنه، فقلت: «سأحدثك غدا عما دار بيني وبين أرشينوف، وعليك أن ~~تواصل العمل معه كأن لم يحدث بيني وبينه شيء، واسمح لي بعدئذ أن أشكر لك عطفك على فاسيا ~~وشرائك حلة له.» # ثم قبلت وجنتيه. ~~- «شكرا لك يا فكتور، أما قصة هذه الحلة فهي أني لما عدت إلى المنزل قصصت القصة كلها على ~~أسرتي، فخرج أبي وجاء من حيث لا أدري بالحذاءين من بعض أصدقائه، وذهبت أمي تنقب في علية ~~البيت، وجاءت بحلة قديمة لي كنت ألبسها وأنا تلميذ في المدرسة، وظلت تعمل طول النهار ~~لتجعلها ملائمة لمقاس فاسيا.» # فقلت له: «نعم، إن في الحزب خلقا كأبيك وخلقا كأرشينوف.» # كان العمل في المزرعة الجماعية يجري على أحسن حال، وفي وسعي أن أقول: إنه أحسن مما كنت ~~أتوقع، فالهمة مبذولة في دراس الحبوب، والماشية والخيل يعتنى بها، والأدوات الزراعية ~~حسنة الترتيب. # وقررت اللجنة الإدارية للمزرعة - بناء على اقتراحي - أن تدعو الفلاحين إلى عشاء احتفالا ~~بإتمام الدراس، واتفق على أن يقام الاحتفال يوم الأربعاء، ورضي جميع من في المزرعة أن ~~يعملوا حتى مطلع الفجر؛ لكي يقام الاحتفال في الوقت المحدد. وذبحت الخنازير ومدت في ~~فناء المزرعة موائد طويلة مرتجلة، وبعثت رائحة الطعام المطهي والحفلة ومستلزماتها في جميع ~~سكان الضيعة شعورا بأنهم في عيد. # وذهبت بعد ظهر الأربعاء إلى الحقول حيث كانت النساء يقشرن الذرة ويعبئنها في العربات، ~~وانضممت إليهن في العمل - وفي الغناء - بضع ساعات وأنا مغتبط بما أبذل من مجهود جثماني، غير ~~أني لم أكن على ثقة بأن في وسعي أن أكبح جماح أرشينوف، ms176 وإن كنت قد وقفت منه موقفا جريئا. ~~وكانت هذه المشكلة لا تنفك تحز في نفسي، غير أني كان في وسعي وأنا في الحقول أن أنساها، فقد ~~كانت النساء يتكلفن السرور حين يبصرنني أتطوع لمشاركتهن في تقشير الذرة، وإن لم يكن هذا من ~~عملي، ولكنهن كن في واقع الأمر يشعرن بشيء من العزة حين يرين «الحكومة» تنزل إلى مستواهن ~~المتواضع. # وأذنت الشمس بالمغيب حين عدت راكبا إلى القريبة ومعي بعض الرفاق، وما كدنا نصل إليها حتى ~~أدركنا لساعتنا أن حدثا ما يحدث فيها، فقد تجمعت في أنحائها جماعات مضطربة متهيجة، وكان ~~النساء يبكين، فأسرعت إلى مبنى السوفيت. # وسألت الكونستبل: «أي شيء يحدث؟» # فأجابني بقوله: «حشد كبير من المزارعين، ويخيل إلي أن هذا العمل القذر لن يكون له آخر، ~~لقد أقبل علينا في هذا الصباح رجال القسم السياسي وأعضاء لجنة المركز.» # ورأيت جمعا كبيرا في خارج البناء، ورجال الشرطة يحاولون أن يفرقوا الخلائق المحتشدة ~~ولكنهم كانوا يعودون إلى أماكنهم، وكان بعضهم يلعنون، وبعض النساء والأطفال يبكون وينتحبون، ~~فهؤلاء ينادون آباءهم، وأولئك يذكرن أسماء أزواجهن، وكان المنظر كله يرمض القلب ويحز في ~~النفس. # ووقف أرشينوف في خارج دار السوفيت يتحدث إلى أحد موظفي القسم السياسي، وكلا الرجلين يضحك، ~~ولعلهما كانا يتبادلان بعض الفكاهات، وقف في الفناء الخلفي نحو عشرين من الفلاحين كبارا ~~وصغارا، وعلى ظهورهم بعض الأحمال في حراسة جنود من القسم السياسي يسددون نحوهم المسدسات ~~ووقف سائر الفلاحين مكتئبين مستسلمين يائسين. # كانت هذه إذن هي عملية «تصفية طبقة كبار الملاك»، كما يقول الرجال الرسميون، أما الحقيقة ~~فهي أن طائفة من الفلاحين السذج تنتزع منها أرضها، وتبتز منها جميع ممتلكاتها، وتنقل ~~على الرغم منها إلى معسكرات خشبية لتعمل في قطع الأخشاب أو في أعمال الري، وكانت معظم الأسر ~~في هذه المرة تترك في بلادها لسبب ما، وامتلأ الجو بالصياح والضجيج، ولما خرجت من مقر ~~السوفيت رأيت اثنين من رجال الدرك يقودان فلاحا متوسط السن، ولم يكن ثمة شك في أنه كان ~~يضرب، فقد ms177 كان في وجهه كدمات زرق وبيض، وكان ألمه باديا في مشيته، وملابسه ممزقة دلالة ~~على أنه كان يقاوم من يعتدون عليه. # وبينا أنا واقف هناك محزونا خجلا يملأ اليأس قلبي، إذ سمعت امرأة تصيح بصوت لم أسمع ~~مثله على ظهر الأرض، والتفت الناس كلهم إلى ناحية الصوت، وأسرع إليها رجلان من رجال القسم ~~السياسي، وكان شعر المرأة مهدلا على جسمها، وبيديها حزمة من السنابل مشتعلة ألقتها على ~~سطح البيت المصنوع من الغاب والقش قبل أن يدركها أحد، فاشتعلت فيه النار على الفور. # وأخذت المرأة تصيح وهي في حالة شديدة من الذهول: «أيها الكفرة! أيها القتلة! لقد قضينا ~~العمر نعمل في إنشاء بيتنا ولن تأخذوه منا بل ستلتهمه النيران.» وانقلب صياحها فجأة إلى ضحك ~~جنوني. # واندفع الفلاحون إلى البيت المشتعل وشرعوا يخرجون منه ما فيه من أثاث، وكان المنظر من ~~أوله إلى آخره منظرا رهيبا أقرب إلى الخيال منه إلى الحقيقة، منظر النار والعويل، والمرأة ~~التي ذهب عقلها، والفلاحين يجرون في الوحل ويحشرون جميعا لكي يبعدوا عن ديارهم، ~~وكان أكثر ما فيه إيلاما لنفسي منظر أرشينوف، وضابط من رجال القسم السياسي، وهما يطلان على ~~هذا المنظر هادئين، كأنه منظر عادي مألوف، كأن الكوخ المحترق ألعاب نارية أشعلت ليلهوا ~~بها ويستمتعا بمنظرها. # أما أنا فقد وقفت في وسط هذا المنظر مرتجفا حائرا لا أكاد أتملك حواسي، وسولت لي نفسي ~~أن أطلق الرصاص، أطلقه على إنسان أيا كان، ليزول بإطلاقه توتر أعصابي الذي لم يعد يطاق، ~~ولم يستطر لبي في وقت من الأوقات مثل ما استطار في تلك الساعة، ومددت يدي تحت سترتي أبحث ~~عن مسدسي، فقبضت يد قوية في تلك اللحظة على ذراعي، وكانت هي يد مضيفي استيوبنكو، ولعله قد ~~استشف أفكاري. # وقال: «يجب ألا تعذب نفسك يا فكتور أندريفتش، إنك إن أقدمت على عمل جنوني ستضر نفسك ولا ~~تنفعنا، صدقني فأنا رجل كبير السن مجرب للأمور، وتملك عواطفك، واعلم أن الخير كل الخير في ~~أن تتجنب المتاعب؛ لأنك لا سلطان لك ms178 على هذه الأحداث، هيا بنا نعود إلى المنزل، إنك ممتقع ~~الوجه كالموتى، أما أنا فقد ألفت هذا المنظر، فلم يعد غريبا علي، فقد كانت حملات ~~العام الماضي الكبيرة شرا من هذه الحملة.» # ولما عدت إلى المنزل أخذت أذرع حجرتي الصغيرة وأنا في أشد حالات الاضطراب واليأس، وكنت قد ~~فكرت من قبل في أن أحتج للجنة الحزب في المركز على أعمال أرشينوف، ولكن ها هم أولاء ممثلو ~~اللجنة ورجال القسم السياسي يشهدون هذه المأساة، ويشتركون في تلك الأعمال الوحشية، وأي أمل ~~لي في أن أصيب خيرا من اللجنة الإقليمية . # وكان الظن قد بدأ يساورني في أن هذه الجرائم الشنيعة لم ترتكب عفو الساعة، بل دبرها ~~ووافق عليها كبار ولاة الأمور، أما في هذه الليلة فقد استحال هذا الظن يقينا، لم يترك في ~~نفسي بارقة أمل في الإصلاح، وكان في مقدوري أن أتحمل من قبل ذلك العار، ما دمت أعتقد أن ~~أرشينوف ومن على شاكلته من الأفراد هم الملومون على هذه الأعمال. # وغلبني النعاس من فرط التعب دون أن أخلع ملابسي، ولما فتحت عيني بعد بضع ساعات راعني ألا ~~أجد سريزها في فراشه، فانطلقت إلى الفناء ثم إلى الحديقة. # فسمعت صوت سريزها يقول: «من القادم؟» ولاح لي بريق مسدس، ثم أبصرته جالسا على دكة تحت ~~شجرة من كراز. # وما هي إلا قفزة واحدة حتى كنت إلى جانبه، واختطفت المسدس من يده، فغطى وجهه بيديه وأخذ ~~ينتحب ويرتجف. # وقلت له: «إنك إنسان أبله خائر العزيمة، ولست ممن أفخر بصحبتهم، ومن ذا الذي يفيد من ~~انتحارك؟ إن هذا غباء وبلاهة، وليس ما تريد أن تفعله هو الذي ترد به على ما رأيت اليوم، بل ~~يجب أن نظل أحياء ونبذل كل ما نستطيع لنخفف أعباء الشعب الروسي، أما إذا قتلنا أنفسنا فلن ~~يبقى إلا أمثال أرشينوف.» # فهدأ روعه قليلا وأخذ يحدق في عيني. ~~- «يا فكتور أندريفتش، لقد شاهدت بعيني كل شيء وفهمت كل شيء، وثق أن عقلي من الوجهة ~~السياسية أكبر من سني قليلا، ولن ms179 يفيدنا التعامي عن الحقائق أقل فائدة، إن الحزب نفسه ~~مسئول عن جرائم العنف والقسوة والتقتيل، وليست الألفاظ الجميلة التي ينطق بها المسئولون إلا ~~ستارا لإخفاء الحقائق البشعة، أهذا هو الذي جاهد من أجله أبي الصالح طول حياته؟ أهذا هو ~~الذي كنت أنا نفسي أعتقده منذ انضممت إلى الحزب؟» # وما زلت به حتى آوى إلى فراشه، ولكننا لم نغمض أجفاننا، بل أخذنا نتحدث عما رأينا، وكان ~~ما رأيناه يتفق كل الاتفاق مع ما كنا نسمعه، فلم يخالجنا بعدئذ شك في صدق «الشائعات ~~المعادية للحزب»، وكان سرورنا عظيما حين دق الشيخ صاحب البيت الباب وقال: «قد آن أن تصحوا ~~أيها الرفيقان.» # وأقيمت حفلة العشاء في ذلك اليوم حسب النظام الموضوع، ولكنها خلت من السرور والبهجة، ~~فقد كانت ذكرى جمع «كبار الملاك» تثقل صدورنا جميعا. # وظلت علاقتي بأرشينوف علاقة رسمية محضة، وأعددت تقريرا مطولا مفصلا عن مسلكه وأرسلته ~~إلى اللجنة الإقليمية، وكان العدد القليل الباقي من المعاندين قد انضموا «باختيارهم» إلى ~~المزرعة الجماعية بعد الاعتقالات الكثيرة التي وقعت في الأيام الماضية، وقدم الفلاحون كل ما ~~لديهم من الحبوب «باختيارهم» أيضا، ويظهر أن أولئك القوم قد فضلوا أن يموتوا في منازلهم ~~جوعا على النفي إلى أقاليم لا يعرفونها، وطلب كثيرون منهم أن يؤذن لهم ببيع ما بقي لديهم ~~من الماشية وأثاث بيوتهم نفسه ليشتروا بأثمانها حبوبا من المدن ليوفوا بها بمطالب ~~الحكومة. # وحولت كنيسة القرية إلى هرء، فلما امتلأت بالحبوب، شعر أرشينوف بنشوة الظفر، وأخذ يفخر ~~«بنجاحه»، ولم يدع فرصة تمر دون أن يوجه قوارص اللوم إلى تفتكوف، فكان يقول له: «انظر كيف ~~أسير الأمور وتعلم، إن عيبك هو أنك لا تعرف الحزم «البلشفي».» # واقترب يوم رحيلنا، وأبلغنا أرشينوف أنه سيبقى خمسة أيام أخرى يراجع فيها أعماله للمرة ~~الأخيرة، ولم يخالجني شك في أنه لم يتأخر عنا إلا ليجمع «أدلة» على تهم يوجهها إلي وإلى ~~تفتكوف، وقضيت اليوم الأخير في المزرعة الجماعية أعد النقط التي سأضمنها تقريري ~~الأخير. # وقلت لأعضاء اللجنة: «والآن وقد تم ms180 جمع المحصول أظن أن في وسعكم أن تقدروا ما تطلبون من ~~أجر على جهودكم.» # فقال الرئيس وهو يهز رأسه في حسرة: «نعم، لقد قدرنا ثم قدرنا، فإذا التقدير لا يزيد على ~~1200م جرام (رطلين ونصف رطل) من الحبوب لكل مزارع منضم إلى المزرعة الجماعية عن كل يوم عمله ~~فيها، وإذ كنا لم نعمل إلا جزءا من العام فإن ما يعطاه الفلاح من أجر على هذا العمل هو ~~الذي سيقتات منه هو وأسرته سنة كاملة، أما كيف يوزع هذا القدر حتى يحين موعد الحصاد الثاني ~~فعلمه عند الله، وقد يكون عند الحزب أيضا.» # وقال آخر في غضب مرير: «أظن أننا كلنا سنهلك جوعا.» وأكبر الظن أن الرجل لم يكن يقصد ~~بقوله هذا معناه الحرفي، وإلا فكيف استطاع أن يحزر أن أهل قرية بدجردنوى سيهلكون كلهم من ~~الجوع في العام المقبل؟ وكيف استطاع أن يحزر أن ولاة الأمور سيأخذون من الفلاحين بعض الحبوب ~~التي حصلوا عليها نظير عملهم في جمع المحصول؟ # وافترقنا نحن والقرويون افتراق الأصدقاء، وأظهروا حبهم الخالص لي ولتفتكوف، وأسف مضيفنا ~~وأسرته أشد الأسف على فراقنا، وأحضر استيوبنكو في أثناء العشاء الأخير زجاجة من خمر الكرز، ~~جاء بها من فناء الدار الخلفي، وعليها آثار التراب ظاهرة. # وقال لي: «لقد كنت أدخر هذه الزجاجة ليوم عيد هام، وقلت لنفسي: إن الناس سيشربون منها ~~يوم أزوج ابنتي أو بعد أن أموت ثم يترحمون علي، ولكني رأيت أن سفركم خليق بأن يقدم لكم ~~فيه أحسن ما عندي، فلنشرب إذن نخب صحتكم، وندعو الله أن ينجي بلادنا البائسة ~~المعذبة.» # وأخذنا بعد العشاء نغني أغنيات أوكرانية قديمة، وحل الشراب القوي عقدة لسان زوجة ~~استيوبنكو فأخذت تقص علينا أقاصيص فيها حنين لوطنها عن خيول خرافية، وتقصها بنفس الألفاظ ~~التي سمعتها من جدتها. # ولما عدت إلى دنيبروبترفسك بدا لي أن اللجنة الإقليمية راضية عن عملي، ولكنني لم أستطع أن ~~أثير اهتمام أي إنسان بتقريري عن أرشينوف، فقد كانوا يقولون لي: إنهم يعلمون أن فيه عيوبا، ~~ومن من ms181 الناس لا عيب فيه؟ ولكن أحدا لا ينكر عليه أنه يحصل من عمله على نتائج طيبة! ~~وأرسلت رسالة إلى جريدة برفدا في موسكو عن حادث وحشي يسوئ سمعة الحزب في القرى، ولكن ~~الرسالة لم تنشر ولم أتلق عنها ردا. # وكان من نتائج ما قضيته في القرية من وقت طويل أن تأخرت في دراستي، وأردت أن أعوض ما ~~فاتني، فبذلت في هذه الدراسة غاية جهدي، وكلما شغلت نفسي بكتبي الفنية قل ما لدي من الوقت ~~الذي أقضيه في أفكاري المؤلمة وشكوكي، حتى أصبح العمل لدي مخدرا أتجرع منه جرعات ~~كبيرة . # في الحرب لا يستوي المجاهدون في ميدان القتال والقاعدون في بيوتهم، بل إن بين الطائفتين ~~بونا شاسعا لا يمكن إزالته بزيادة المعلومات عنها أو بشدة العطف على من يكتوون بنارها؛ ~~لأن هذا الفرق مستقر في الأعصاب لا في العقول. # ومن أجل ذلك أصبح الشيوعيون الذين تورطوا بأنفسهم في فظائع النظام الجماعي رجالا ~~يعرفون بسيماهم، فقد تحملنا نحن الأعباء الثقال وقاسينا الأهوال، وامتزنا من غيرنا ~~بصمتنا وبتجنبنا كل مناقشة عن «جبهة الفلاحين»، نعم إننا كنا نتحدث عن هذا إذا خلا بعضنا ~~إلى بعض، كما فعلت أنا وسريزها بعد عودتنا من رحلتنا، ولكننا كان يبدو لنا أن حديثنا لمن لم ~~يكابدوا الأمر بأنفسهم لا يجدي نفعا؛ ذلك أننا لم يكن بيننا وبين هؤلاء الأحداث ألفاظ ~~مشتركة مشتقة من تجاربنا الماضية نتفاهم بها فيما بيننا. # ولست أشير بطبيعة الحال إلى أرشينوف ومن على شاكلته، فهؤلاء هم الجلادون ورجال الشرطة في ~~ظل كل نظام سياسي، ولكني أشير إلى الشيوعيين الذين لم يفقدهم استهتارهم بما يحدث من حولهم ~~كل حواسهم، ومهما حاولنا إقناع أنفسنا بأن ما يرتكب في هذه الأيام من فظائع هو الثمن ~~الذي نشتري به سعادة آلاف من الناس في الغد، فإننا لم نجد لهذا القول معنى، وتعذر علينا ~~أن نجد ما يبرر الإرهاب السائد في الأقاليم الزراعية. # ولما اجتمعت لجنة الحزب المركزية في شهر يناير من عام 1933م نشر ستالين في طول البلاد ms182 ~~وعرضها أن نظام المزارع الجماعية تم بنجاح، وأن «هذا العهد قد قضى على التسول والفقر في ~~القرى، وأن عشرات الملايين من الفلاحين الفقراء ارتفعوا إلى درجة كبيرة من الطمأنينة ... لقد ~~كان الفلاحون في العهد القديم يعملون لخير النبلاء وكبار الزراع والمضاربين وكانوا يعملون ~~ويجوعون ليثرى غيرهم، أما في عهد الزراعة الجماعية فإن الفلاحين يعملون لأنفسهم ولمزارعهم ~~الجماعية.» # وجاء في وصف الصحف لهذا الاجتماع أن المكان دوت فيه عاصفة من التصفيق، وصاح المندوبون: ~~«ليحيى الأب والمعلم الحكيم الرفيق ستالين!» # وقرأت هذا الوصف فجال بخاطري منظر بدجردنوى وأهلها المعذبين، وأرشينوف يضرب الفلاحين ، ~~والمرأة المخبولة تشعل النار في بيتها، والخلائق ذوي الثياب الممزقة يحشرون في الأفنية ~~الخلفية لينفوا من بلادهم. وكنت أدرك كما يدرك كل من في أوكرانيا أن قحطا لا يقل ~~فظاعة عن القحط الذي قاسيته منذ عشر سنين أو أكثر كان في هذا الوقت الذي يخطب فيه ستالين ~~يجتاح أرض «المزارع الجماعية الكاملة» و«الحياة السعيدة الراضية». # كلا! إن ألفاظ ستالين لم تكن لتهدئ نفوسنا الثائرة، ولم يكن ثمة شيء يعيد إلينا إيماننا، ~~أو على الأقل يحول بيننا وبين القنوط إلا أن نحول أبصارنا عن القرية، ونفكر في غيرها من ~~أجزاء الصورة التي صورها لنا الزعيم، إلى الجهود الصناعية مثلا أو إلى «مراجل الثورة التي ~~تغلي في البلاد الرأسمالية». # وقال لي سريزها: «إنك لتعلم يا رفيق فكتور أندريفتش أني قرأت مرارا كثيرة خطب ستالين في ~~الاجتماعات العامة للجنة المركزية التي تعقد في شهر يناير من كل عام، وإن ما يقوله عن ~~القرى ليقشعر منه بدني: الآن تتمتع القرى «بحريتها» ... وقد محي الفقر من القرى. وهو يقول ~~هذا بعد الذي رأيناه فيها أنا وأنت رأي العين!» ~~- «لكن انظر إلى الجهود الصناعية يا سريزها؛ تر لها قصة أخرى، فكم من مناجم فتحت، ~~ومصانع ومصاهر وسدود ومحطات كهربائية شيدت! إن الإنسان ليسر حين يشعر بأننا نخطو إلى ~~الأمام بخطى سريعة جبارة، وأنا لن نصبح بعد اليوم أمة استعمارية متأخرة، إن المهندسين ~~الأكفاء في أمريكا نفسها ms183 يبيعون التفاح وأربطة الأحذية في شوارع المدن، أما هنا فإني أنا ~~وأنت نجد في الدرس؛ لأن بلادنا في حاجة إلى أكثر مما عندها من المهندسين، فهناك التعطل، ~~وهنا نقص في الأيدي العاملة.» ~~- «فليكن هذا ما يكون يا فكتور أندريفتش، ولكني لن أنسى قط فظائع بدجردنوي ...» ~~- «وأنا أيضا لن أنساها يا سريزها.» # وأخذ خطباء الحزب يذيعون خطبة ستالين في خلايا الحزب وفي مجتمعات المراكز، وكانوا يقولون: ~~إن الثمن الذي تؤديه البلاد ثمن غال بلا شك، ولكن انظروا إلى المشروعات الجديدة وإلى ~~السرعة التي تنمو بها، انظروا إلى مجنى تستروي ودنيبروستروي ، ومصنع ستالين للجرارات، وإلى ~~المصاهر المتحدة، وإلى عشرات المصانع الأخرى، وبينا نرى العالم الخارجي الرأسمالي لا ينجو ~~من أزمة إلا ليتورط في أزمة نرى العالم السوفيتي يسير إلى الأمام بخطى ثابتة، وإن حلت به ~~أزمات فهي أزمات نمو لا أزمات انحلال. # وكانت التعزية الكبرى التي تعزي بها الروسيا نفسها عن جهودها المضنية هي أنها سوف تحطم ~~الرأسمالية، وتقضي على ما تستمتع به من «ثبات قصير الأجل». لقد كانت الدولة توزع ما لدينا ~~من أطعمة مطردة النقص بالبطاقات، أما في القرى فقد عم القحط وغصت السجون والمعازل ومعسكرات ~~الاعتقال «بأعداء الشعب»، وكان لا بد من تطهير البلاد من آلاف من رجال الفكر - من مهندسين ~~وموظفين بل وشيوعيين مشهورين - لأنهم يعطلون الإنتاج، ولأنهم «عمال للحكومات الأجنبية»، ~~ولكن الطبقة العاملة في جميع الدول توشك أن تثور! كما قال ستالين، و«نجاح مشروع السنوات ~~الخمس يحشد كل القوى الثائرة لطبقات العمال في جميع بلاد العالم». # ولم يمض على خطبة ستالين إلا ثلاثة عشر يوما بالضبط حتى قبض هتلر على زمام السلطة في ~~ألمانيا! وانفجرت في وجوهنا تلك الفقاعة التي كانت سلوتنا الوحيدة. # لقد ظلت الدعاوة الروسية عدة سنين تعلن على رءوس الملأ أن ألمانيا هي أولى الدول ~~الرأسمالية التي ستحذو حذو روسيا السوفيتية، وكان هذا الحلم هو القوة المعنوية التي تتراءى ~~لأعضاء الحزب ليلا ونهارا، لتشد من عزائمهم وتحيي آمالهم. # وكان يقال لهؤلاء الأعضاء: إن الاشتراكيين ms184 الديمقراطيين «صنائع طبقة الملاك» قد أفلسوا، ~~على حين أن الحزب الشيوعي ينال ملايين الأصوات في الانتخاب. # فلا عجب والحالة هذه إذا روعتنا تلك الأنباء وصعقنا عند سماعها، وقضينا جميعا عدة أيام ~~عاجزين عن التفكير، ثم شمرت الدعاوة عن ساعد الجد، فلم تكد الدوائر العليا في موسكو تستقر ~~على تفسير رسمي لهذا الحادث الجلل حتى أخذت تدفعه دفعا في عقول جمهرة أعضاء الحزب، فقام ~~كبار الموظفين يخطبون في المجتمعات الإقليمية، وصغارهم ينشرون الرسالة في مجتمعات الأقاليم، ~~والدعاة المتنقلون يحملونها إلى خلايا الحزب الصغيرة. # وخلاصة ما كان يقال لنا أن ما نالته الفاشية من انتصار في ألمانيا ليس في حقيقة أمره إلا ~~نصرا مقنعا للثورة العالمية، فهو آخر جهد تبذله الرأسمالية، وآخر أنفاسها تلفظها قبل ~~موتها، لقد انقضى عهد البرلمانات المهرجة في الديمقراطيات الزائفة، ولم يعد في وسعها أن ~~تصعر للناس خدها، وليس في مقدور الرأسماليين أن يسيطروا على الجماهير الغاضبة ولو ~~استعانوا عليها بالأتباع الأذلاء من الاشتراكيين الأحرار، ورأوا ألا بد لهم من أن يستعينوا ~~على هذه الجماهير بالإرهاب السافر وأن يتخذوا الفاشية أداة لهم في هذا الإرهاب. # وقال لنا خطيب في المعهد: «إن الفاشية الألمانية هي رأس الحربة تسددها الرأسمالية ~~العالمية إلى الصدور، لقد أسفرت الرأسمالية آخر الأمر عن وجهها، ولم يبق أمام عمال العالم ~~في هذه الأيام إلا أن يختاروا بين الفاشية والشيوعية، وهل ثمة إنسان يشك فيما سيختارون؟ ~~والاتحاد السوفيتي وحده هو الذي يقف في وجه الفاشية، تؤيده في ذلك الكتلة العاملة في جميع ~~بلاد العالم، أيها الرفاق إن موسوليني في إيطاليا، وهتلر في ألمانيا ليسا إلا نذيرين من نذر ~~ثورتنا العالمية، وهم بعد أن أماطوا اللثام عن حقيقة الرأسمالية الفاشية سيدفعون الجماهير ~~دفعا لأن تدرك الأمور على حقيقتها، وما أصدق القول المأثور: اشتدي أزمة تنفرجي.» # وهكذا أصبحت هزيمة الروسيا في ألمانيا نصرا لمشروع السنوات الخمس، وكنا فإذا خلا بعضنا ~~إلى بعض، أو اجتمعنا في حجراتنا، كنا أبعد الناس عن تصديق هذه الأقوال، فقد كانت الأحزاب ~~الديمقراطية الاشتراكية ms185 وأحزاب الأحرار ونقابات العمال الرجعية نفسها، كانت هذه كلها هي ~~والأحزاب الشيوعية تحل وتصفى في ألمانيا، ألم يكن في أقوال الزعماء السوفيت خطأ وتناقض ~~بين؟ وهل كانت الضرورة تقتضينا أن نبدد قوانا كلها في محاربة الاشتراكيين والديمقراطيين، ~~وقد كان في وسعنا إذا ضممناهم إلى جانبنا أن نصد تيار النازية؟ وهل كان حتما مقضيا أن ~~تنضم البلاد الرأسمالية وبخاصة إنجلترا إلى ألمانيا الهتلرية ضد روسيا السوفيتية في الحرب ~~المقبلة؟ # الحق أنه لم يكن في مقدورنا أن نجيب عن هذه الأسئلة إلا بالرجوع إلى المعلومات الضئيلة ~~التي كانت تبيحها لنا الحكومة، فقد كانت الصحف والمجلات الأجنبية ممنوعة عنا. نعم إن رجال ~~الحزب كان يباح لهم أن يطلعوا على ما لا يطلع عليه جمهور الشعب، وذلك من نشرات خاصة يصدرها ~~هو، ولكن غذاءنا العقلي كان مع ذلك يختار وينسق، ولم يكن أحد يشك في أن الأخبار ~~السرية نفسها التي تذاع من المصادر العليا كانت في الأعم الأغلب تصنع وتنظم تنظيما ~~دقيقا ثم تجري علينا كما يجري الطعام على الجنود. # غير أن التفسير الرسمي لهذه الضربة الهتلرية لم يرق في أعين معظم الشيوعيين، بل كان ~~الأثر الذي تركته في صفوف المؤمنين، وقد جاءت في أحرج ساعات الحياة السوفيتية، كان هذا ~~الأثر هو ازدياد روح الكآبة التي أخذت تنتشر انتشارا سريعا في صفوف الشيوعيين الصادقين، ~~وشرعت صحف الحزب تندد بروح التردد والهزيمة، وتدعو إلى استئصال شأفتها، وكانت الأسس توضع ~~لإجراء تطهير عظيم في الحزب يخرج من صفوفه كل المتشككين المتحذلقين الذين أتخمت حياتهم ~~بتعذيب الناس وسفك دمائهم، حتى لم يعودوا يطيقون منها مزيدا. # الفصل التاسع # | حصاد في جحيم # لم تكن أحداث العالم أو حوادث الوطن عند الشيوعيين العاملين أمورا موضوعية مما لا يتصل ~~بمجرى حياتهم اتصالا مباشرا، بل أوشك الحد الفاصل بين ما هو خاص وما هو عام من شئون ~~الحياة أن يمحى في بلادنا، وتدخلت الحياة اليومية في التطورات السياسية تدخلا جعل منهما ~~وحدة، فالنصر يحرزه هتلر، والأرقام الدالة على المزارع الجماعية وافتتاحية «برافدا» ms186 في ~~عددها الأخير، كل هذه كانت عناصر من قصة حياتي. # وإن الرجل من خارج روسيا ليتعذر عليه أن يصدق روايتي إذا ما رويت له الحقيقة الواقعة، ~~وهي أن أمثال هذه الوقائع السياسية أعمق أثرا وأشد وضوحا في ذكرياتي عن ذلك العهد، من ~~زواجي من «زينا» الذي لم يدم إلا أمدا قصيرا. # التقيت ب «زينا» قبل رحلتي إلى الريف بشهرين، وقد كان جمالها هادئا رقيقا كالزهر، فلم ~~يكن بها ما ب «جوليا» من عاطفة وشهوة، وهما الصفتان اللتان جذبتاني إلى هذه الأخيرة، كانت ~~«زينا» رقيقة نحيلة ناعمة الصوت مرهفة المشاعر، لكن جسمها هذا الرقيق كان يغلف لبا ~~صليبا من أثرة؛ فبينا كانت الكثرة الغالبة من فتياتنا السوفيت منبسطات النفوس، إذ كن ~~بسيطات قويات، كما كان لهن وعي اجتماعي - على حد التعبير الذي جرى به العرف الاصطلاحي بيننا ~~في الحزب - كانت «زينا» تنطوي على نفسها. # لم يكن لشيء وجود في رأي «زينا» إلا ما ارتبط بعواطفها الخاصة أو اتصل بهواها، ولقد ~~أنذرني أصدقائي بأنها مترفعة بطبعها، والحق أن فتنتي بها كانت منذ البداية يشوبها شيء من ~~وخز الخطيئة، فما عتمت - حتى قبل تسجيل زواجنا - أن أظهرت عدم ارتياحها لما كان يقتضيه مني ~~الحزب من أعمال كثيرة، وكأنما لسان حالها يقول محتجا: «وأنا؟ أين منك نصيبي؟ لا أظنك ~~مستطيعا أن تفرغ لي من وقتك شيئا.» ولئن أنطقتها بالشكاة شواغلي، فلم تكن أقل شكاة من قلة ~~مالي ومن اضطرارنا أن نعيش مع أسرتي، وأحس أهلها بخيبة الرجاء في زواجها، ولم يجعلوا من ~~شعورهم هذا سرا مكنونا. # فلما أمرت بالسفر إلى منطقة من مناطق المزارع الجماعية، شعر كلانا كأنما انزاح عن ~~صدره كابوس جاثم، إذ جاءت غيبتي تلك قطيعة صادفت من نفسينا ارتياحا، وقد كانت مدة انفصالنا ~~- ولو أنها لم تزد على قليل من أسابيع - كفيلة أن تفصم عرى الزوجية بيننا، حتى إذا ما عدت ~~من الريف مهدود القلب مشتت الفكر، لم تأبه «زينا» لروايتي لها عن رحلتي، فوقع مني ذلك موقع ~~الإيذاء، ولم ألاحظ ms187 بادئ ذي بدء أنها تأنقت في لباسها؛ فثوب من حرير، بل وأحجار ~~كريمة. # وكان الطلاق عندئذ أمرا بسيطا يأتي من جانب واحد، فما عليك إلا أن تسجل ختام زواجك، ~~فتعلن زوجتك بطلاقها ببطاقة ترسل إليها بالبريد، ولقد علمت - بعد أن حللت عرى زواجي ب ~~«زينا» - أنها كونت لنفسها «أصدقاء جددا تحلو لها معهم الصلات»، وكأنما هدتها فطرتها ~~الأثرة سواء السبيل، إذ كان بين هؤلاء الأصدقاء رجل ذو مركز ممتاز، تربطه الروابط بالطبقة ~~العليا من أصحاب القوة والنفوذ، فكان في مقدوره أن يشبع لها ميولها المترفعة، فلم يكد ~~زواجنا تنفصم عراه حتى تزوجت منه. # هكذا تبين أن ما كان ل «زينا» من جمال الزهر الرقيق، إنما هو ترف فضفاض بالنسبة إلى ~~طالب مفلس، بل هو أوغل في الترف بالنسبة إلى شيوعي جاد في عقيدته، ولبثت أعواما بعد ذلك ~~أصادفها في المسرح وحفلات الموسيقى، فما رأيتها قط إلا أنيقة الثياب، مترفعة عن غمار الناس، ~~محشورة في زمرة اللامعين من أبناء مجتمعنا الجديد، وكنت لا أكاد أحتمل مجرد الذكرى بأني قد ~~كنت يوما لها بعلا. # كان الموت أول ما حصدناه من مزارعنا الجماعية، وشاع بين الناس ما أصيبت به روسيا الجنوبية ~~وآسيا الوسطى من مجاعة فاتكة، على الرغم من أن الصحف السيارة لم تذكر كلمة واحدة عن هذه ~~المأساة، بل كان الناس يستنكرون هذا النبأ على أنه «دعاية ضد السوفيت»، مع أنهم كانوا على ~~يقين أنه الحقيقة الصارخة. # وعلى الرغم مما اتخذته الشرطة من تدبير عنيف لكي تحصر صرعى المجاعة في ديارهم، فقد اجتاحت ~~جموع من عمال المزارع مدينة «دنيبربتروفسك» وهم يتضورون جوعا، واستلقى على الأرض منهم ~~كثيرون حول محطات السكة الحديدية لا يملكون حراكا، خارت قواهم حتى عن سؤال الإحسان، وأوشك ~~أطفالهم أن يكونوا هياكل انبعجت منها معدات منتفخة، لقد كانت العادة فيما مضى أن يرسل الأهل ~~والأصدقاء من الريف رسائل الطعام إلى ذويهم في الحواضر، أما الآن فقد انعكس الوضع، وعلى كل ~~حال فقد كان نصيبنا من الطعام من القلة والاضطراب ms188 بحيث لم يستطع أن يستغني عن شيء من زاده ~~إلا قلة يسيرة. # ولما كانت هذه المجاعة قد وقعت في نفس الوقت الذي بلغنا فيه ختاما ظافرا لأول مشروع ~~وضع ليتم في أربعة أعوام، فقد طفقت الصحف فيما يشبه الهوس، تعلن في ازدهاء «جليل ~~أعمالنا»، لكن هذه الدعاوة التي تصم الآذان بصياحها، لم تستطع أن تطمس في عجيجها أنات ~~الذين كانوا يكابدون الموت، وقد رنت هذه الصيحة «بالحياة السعيدة» الجديدة في أسماع فريق ~~منا رنين الصراخ تبعثه الشياطين، ويروع النفوس أكثر مما تروعها المجاعة نفسها. # وكان الأمر كله مرهونا بالحصاد الجديد، أفيكون لهؤلاء الزراع المتهافتين جوعا، ~~أفيكون لهم من القوة والعزيمة ما يحصدون به وما يدرسون، والموت ضارب حولهم بجرانه؟ لكي يضمن ~~أولو الأمر جمع الحصاد، ويحولوا بين الفلاحين أعضاء المزارع الجماعية وبين أن يدفعهم القنوط ~~إلى التهام الزرع وهو بعد أنجم خضراء، ويصونوا نظام المزارع الجماعية من أن يتداعى بنيانه ~~إذا ما دب دبيب الفوضى، ويقاتلوا أعداءه. لكي يحققوا ذلك كله؛ أنشئوا في القرى أقساما ~~سياسية يديرها رجال من الشيوعيين الأكفاء، فمنهم رجال الجيش والموظفون وأصحاب المهن ورجال ~~القسم السياسي والطلاب، وهكذا جندت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي جيشا يربى على مائة ~~ألف من الصناديد، جندتهم في ربوع هذه المزارع الجماعية، ليكون واجبهم صيانة الحصاد ~~الجديد، وقد كنت أحد هؤلاء المجندين، اجتمع منا عند مقر اللجنة الإقليمية ثلاثمائة جيء ~~بهم من هيئات مختلفة من المدينة، وألقى فينا الخطاب الرئيسي أمين سر اللجنة، وهو من طليعة ~~الشيوعيين في أوكرانيا، وأعني به الزميل هاتايفش، ولم يخف في خطابه ما عسانا ملاقوه في ~~القرى من صعاب، وكان يعيد في خطابه مرة بعد مرة ذكر «التطهير» الذي وضع الحزب خطته بحيث يتم ~~في زمن معين من ذلك العام، فكان تلميحه هذا أوضح من أن يخطئه سمع سامع، فبقاؤنا السياسي ~~مرهون بما يصيبه في مناطق المجاعة من فشل أو نجاح. # أعلن فينا محذرا: «إن ما تعملونه في القرى هو برهان ولائكم للحزب وللرفيق ستالين، وهو ~~مقياس ms189 ما تضمرونه من ذلك الولاء، ليس أمامنا للتخاذل من سبيل، كلا، ولا في هذا الميدان موضع ~~لمتهافت، فلا مندوحة لكم عن معدات قوية وعزيمة من حديد، ولن يقبل الحزب عذرا إذا ما فشل في ~~المهمة فاشل.» # بهذه السلطة التي سلمتني بها اللجنة المركزية، أخذت سمتي نحو إقليم «بياتيخاتسكي» ~~يرافقني «يوري» وهو زميل في الدراسة وصديق، فوجدنا أولي الأمر في ذلك الإقليم قد نفد صبرهم ~~لما خاضوه من عقبات، وأخذنا نستفسر عن المحصول الجديد، فلم يجيبوا إلا بنبأ المجاعة التي ~~تفتك بالناس جماعات جماعات، وبنبأ التيفوس وقد تفشى، وبأخبار الناس يقتاتون على لحوم ~~البشر. # وكانوا إذا ما استنهضتهم يوافقونك قائلين: نعم لا بد من إعداد أنفسنا لحصد الغلة الجديدة ~~ودرسها، أما كيف يبدءون فقد كان ذلك فيما يظهر فوق عزائمهم التي كأنما أصابها شلل، وغصت ~~مكاتب الشرطة كما غصت السجون بالمزارعين سيقوا إليها من القرى المجاورة، متهمين بجمع غلال ~~لم يأذن لهم الحاكمون بجمعها، وكانت تهمتهم الرسمية في ذلك هي «التخريب» و«سرقة أموال ~~الدولة». # بلغنا قرية كبيرة - بتروفو - عندما دنت ساعة الغروب، فوجدنا صمتا كصمت القبور قد ساد ~~المكان، وكان معنا فلاح يهدينا الطريق إلى القسم السياسي، فقال: «لقد أكل الناس الكلاب ~~جميعا، وهذا هو السر فيما ترون من سكون.» ثم أضاف إلى ذلك قائلا: «إن الناس لا يطيلون ~~المسير، فليست لديهم قوة تعين على ذلك.» وقابلنا رئيس القسم السياسي، ومن ثم بعث بنا إلى ~~كوخ لفلاح حيث نقضي المساء. # لم يكن يضيء الدار إلا سراج ضئيل، وكانت صاحبة الدار فلاحة شابة، خيل إلي أن ~~قسماتها التي شفها الجوع، قد غاض منها كل الشعور، فلم يبق لها منه شيء حتى شعور الحزن ~~والخوف، كانت قسماتها بمثابة قناع من الحياة يخفي وراءه الموت، وعلى مخدع ضيق في ركن من ~~أركان الدار، رقد طفلان رقادا ساكنا كأنما فارقتهما الحياة، فلم يكن فيهما من علائم ~~الحياة إلا عيون تنظر، فكنت إذا ما التقت تلك العيون بعيني، أهتز من ألم. # قال «يوري»: «يؤسفنا أن نقحم ms190 أنفسنا عليك إقحاما، لكننا لن نسبب لك عناء، وسنغادر ~~الدار مع الصباح.» قال هذا بصوت متكلف خفيض كأنما كان يتحدث في غرفة مريض أو بين ~~القبور. # قالت الشابة: «لقد حللتم أهلا، وإنما يؤسفني ألا أملك ما أقدمه إليكم، فلم تشهد دارنا ~~لقمة من خبز طيلة أسابيع طوال، لدي قليل من بطاطس، لكني لا أجيز لنفسي أن نمضي في أكلها ~~فنأتي عليها في وقت أقصر مما ينبغي.» ثم قالت وهي تبكي في صوت خافت: «ألهذه الغمة نهاية ~~تنقشع بعدها، أم أنه لا منجاة لي ولصغاري من الموت كسائر الناس؟» # فسألتها: «وأين زوجك؟» ~~- «لست أدري، أمسكوه! ولعلهم أبعدوه، كما أبعدوا أبي وأخي، لست أشك في أنهم قد خلفونا ها ~~هنا لنلاقي حتفنا جوعا.» # عندئذ قال «يوري» إنه يريد التدخين، وغادر الدار من فوره، وإني لعلى يقين أنه إنما خشي ~~أن تخذله قواه فينفجر باكيا أمام هذه الفتاة. # وقلت لها: «أي عزيزتي، لا تستسلمي لليأس، أنا عليم بصعوبة الأمر، لكنك إذا أحببت أطفالك ~~كان لزاما ألا تيأسي من الجهاد، أحضري أطفالك إلى المائدة، فإن معي وصديقي شيئا من الطعام ~~جئنا به من المدينة، وستشاركوننا - أنتم جميعا - طعام العشاء.» # عاد «يوري» ووضعنا على المائدة كل ما كان لدينا من زاد، وأكلنا - أنا و«يوري» - قدرا ~~ضئيلا؛ لنبقي للآخرين أكثر ما نستطيع، ونظر الأطفال إلى لحم الخنزير والسمك المقدد ~~والسكر والشاي بعيون فازعة، وطفقوا يلتهمون الطعام التهاما شرها سريعا، كأنما أوجسوا ~~خيفة أن يختفي عن أبصارهم بغتة كما هبط عليهم بغتة، وبعدئذ أرقدت الأم صغارها، ثم أخذت في ~~الحديث. # قالت: «لن أحدثكم عن الموتى، فأنتم بذلك عالمون لا ريب، لكني سأحدثكم عن أنصاف الموتى ~~وأشباههم، فهم أبعث على الأسى؛ ففي «بتروفو» مئات يتضورون من جوع، وليت شعري كم من هؤلاء ~~يلاقون حتوفهم كل يوم، وكثير من الناس قد هدهم الهزال بحيث لم يعودوا يغادرون ديارهم، ~~فتمر علينا عربة آنا بعد آن لتجمع أجساد الموتى، ولقد أكلنا كل ما استطاعت أن تصل إليه ~~الأيدي، أكلنا الهررة والكلاب ms191 والجرذان والطير، وسترون إذا ما أصبح الصباح أن الأشجار قد ~~عريت عن قشورها، فقد أكلنا كذلك هاتيك القشور، بل أكلنا كذلك روث البغال.» # وقع مني هذا الكلام - فيما أرجح - موقعا أظهرني في هيئة الفزع المرتاب. ~~«نعم، أكلنا روث البغال، بل إنا لنعترك عليه؛ لأن فيه أحيانا حبوبا كاملة من ~~غلال.» # كانت هذه أول مرة يزور الريف صديقي «يوري»؛ فخشيت أن يشتد اضطرابه لوقع هذه المفازع في ~~نفسه لأول مرة، فطلبت إلى المرأة أن تمسك عن روايتها، وأصرت أن نأوي جميعا إلى مخادعنا ~~لننام، لكني و«يوري » لم ننم إلا غرارا، وسرنا أن أصبح الصباح. # فلما أن بلغنا «القسم السياسي» بعد شروق الشمس بوقت قصير، لم نجد هناك سوى الخبير الزراعي ~~لمزرعة الدولة، وتبين أنه صديق قديم؛ لأنه كان طالبا في مدرسة الزراعة ب «آراستوفكا» فضمني ~~ضم الصديق لصديقه، وسألته عن زميله «ياشا جرموف» الذي كان قد زاملني في العمل في المصنع ~~لبضع سنوات خلون. ~~- «سيأتي بعد قليل، أأنتما مقيمان في «بتروفو» أم أنتما في الطريق إلى مكان آخر؟» # فأجبته قائلا: «سنواصل السفر إلى بلد ليس ببعيد، إنما نزلنا ها هنا لنقضي المساء ولنعرف ~~الناس، وإني لأرجوك رجاء لعلك متفضل به علي، أي زميلي «باشماكوف» فهل لك أن تستغني لي عن ~~شيء من زادك؟» ~~- «هل تريده لنفسك؟» ~~- «ليكن ذلك، وعلى أية حال سأدفع لك ثمنه.» ~~- «تدفع لي! كأنما المال هو موضع الإشكال، اصحبني إلى الدار، وإنها لعلى مقربة من هذا ~~المكان، لعلي مستطيع أن أستغني لك عن قليل.» # ولما كنا في طريقنا إلى داره، قال: «إني لعلى يقين أنك تريد الطعام لبعض هؤلاء الفقراء ~~المناكيد، ولست على ذلك بلائم، لكن - أي زميلي «كرافتشنكو» - لن يرجى منك نفع لو أحللت ~~الرأفة مكان السياط، إنه لا مندوحة لك عن تدريب نفسك على أن تطعم أنت حتى لو رأيت الجوع قد ~~أشفى سواك على الهلاك، وإلا لما وجدت من الناس من يجمع لك الحصاد، فنصحي إليك كلما رأيت ~~مشاعرك قد غلبت على حزمك، أن تقول ms192 لنفسك: «إن الوسيلة التي لا وسيلة سواها للقضاء على هذه ~~المجاعة، هي أن نضمن المحصول الجديد.» ولا تحسبن أني قد هيأت نفسي لمثل هذا بغير عناء، ~~فلست بالحيوان الذي يخلو من حنان.» # ومع ذلك فقد أعطاني قطعة من لحم الخنزير وزجاجة من زيت، وشيئا من الدقيق وكيسا صغيرا ~~من رقائق الخبز، فشكرته وحملت هذا كله إلى الدار التي كنا قضينا فيها المساء، فكأنما نزلت ~~بالمرأة صاعقة أمسكت لسانها أن يتحرك بالشكر، وفررت من عرفانها لجميلي كأنما كان اعترافها ~~بالفضل تقريعا أليما. # وسرت يصحبني «يوري» خلال القرية، فأحسسنا من جديد بضائقة تلم بصدرينا لما ساد المكان من ~~سكون غير مألوف، وسرعان ما انتهى بنا السير إلى مكان مكشوف لا بد أن قد كان فيما مضى ساحة ~~السوق، وفجأة أمسك «يوري» بذراعي وضغط حتى آلم، ذلك أن وقعت عيناه على جثث طرحى على أرض ~~المكان، جثث لرجال ونساء وأطفال، سترت بغطاء رقيق من قش قذر، وقد عددتها سبع عشرة جثة، ~~وبينا نحن واقفان نرسل البصر إذ جاءت عربة وأخذ رجلان يقذفان على سطحها بأجساد الموتى كأنما ~~هي جذوع من حطب. # ذهب «يوري» إلى مزرعة الدولة ليهيئ للنقل أسبابه، وعدت أنا إلى «القسم السياسي»؛ لأتحدث ~~مع «جروموف» فسر لرؤيتي سرورا كانت له في نفسه نشوة، فالزائر كائنا من كان يأتيهم من ~~خارج حدود هذه المجاعة، يحل عندهم أهلا لأنه تذكرة لهم بأن الدنيا لم يزل بها أصقاع تجري ~~فيها الحياة على نحوها المألوف، وأخذني إلى مزرعة الدولة، وهي نموذج لمشروع تملكه الدولة ~~وتشرف على سيره، لا يشاركها في ذلك سواها، وفي مثل هذا الضرب من المزارع يؤجر المزارعون، ~~وبهذا يختلف عن المزارع الجماعية التي يديرها المزارعون جماعة. # وبينا نحن سائران خلال حقول القمح والشعير التي لم يكتمل نضجها، قلت لزميلي: «ياشا، لقد ~~كنت في ساحة السوق هذا الصباح، و...» ~~- «نعم، أعلم ما تريد يا «فيتيا»، كم وجدت هذا الصباح؟ سبع عشرة جثة فقط! إن العدد ليزيد ~~على ذلك أحيانا، وماذا ترانا صانعين إلا ms193 أن نجمع الأجساد لنواريها القبور! إن الحكومة قد ~~استلبتهم كل غلتهم في الحصاد الماضي، والقليل الذي بقي لهم أجرا على عملهم أو الذي ~~استطاعوا أن يخفوه، قد استهلكوه منذ أمد بعيد، إنها حال تبعث على الحزن والفزع، اصحبني إلى ~~الدار لنمضي في الحديث، فقد طال بي الزمن الذي احتبست فيه أفكاري لنفسي طولا جاوز ~~المعقول.» # إن حديث الموت من جوع حديث مملول، حديث معاد مكرور، وإنه لمما يبعث على الحسرة أن نستخدم ~~الألفاظ التي تلوكها الألسن في الحياة الجارية، أن نستخدمها بنفسها حين نصف ما هو قطعة من ~~الجحيم، فلم يكن ما قاله لي «ياشا» سوى ما كانت قالته لي الشابة الفلاحة في الليلة السابقة، ~~وما شهدته بعيني في ساحة السوق، وقد أخذت بالفعل أتعود هذا الجو تملؤه المفازع، وكان ينمو ~~في نفسي رويدا رويدا شعور دخيل بالمناعة إزاء الحقائق الواقعة، بحيث أشهدها ولا أتأثر ~~بها، تلك الحقائق التي ما كدت أسمع عنها أمس القريب حتى تحطمت لسمعها قوائمي. # امتد بنا السمر حينا طويلا، وأخذ «جروموف» يصف لي الناس الذين سأزاول معهم مهمتي في ~~القرى التي كلفت بالعمل فيها، ووعدني المعونة ما استطاع إلى المعونة سبيلا، ولوح ~~بيده مودعا حين أقلتني مع «يوري» عربة صغيرة وضعتها مزرعة الدولة رهن أمرنا. # كانت الشمس آيلة للغروب والسماء ملطخة بالدماء، وسمعت الرجل الكهل الذي كان يسوق لنا ~~العربة يوجه الحديث إلى جياده قائلا: «امضيا أيها الصقران الصغيران، امضيا بنا أيها ~~العزيزان!» # وقدمت له لفيفة تبغ، فأحدث تبغها الجيد - فيما يظهر - نشوة في نفسه ومد ذراعه يقلب فيها ~~تحت مقعده، وأخرج مزمارا من غاب، وطفق يغني ألحانا شعبية أوكرانية حزينة. # قال له «يوري»: «الظاهر يا أبت أنك تستمتع بعيش سعيد.» # فأجاب: «أي والله! كلنا ها هنا نعيش عيشة الأمراء، زوج واحد من السراويل لكل رجلين، وكل ~~إنسان ها هنا حي حتى يموت، ليس منا فقراء ولا أغنياء، كلنا سائلون إحسانا، يا صقري ~~الصغيرين عليكما بذلك التل! أخرجا ما لديكما أمام أهل الحضر! أي صغيري!» ms194 # فسألته: «ومن أنت يا جدي؟» ~~- «ليس في هذا المكان من يجهل من أنا، كان الناس يطلقون علي «كوزما أفانوفتش» حين كانت ~~لدي مزرعتي وحين كنت في وفرة من قوت، أما وقد أصبحت اليوم حوذيا، فهم ينادونني باسم ~~«كوزكا»، لم يبق لي إلا هذا المزمار، فتراني أعزف عليه، لقد ماتت زوجتي العجوز في الشتاء ~~الماضي، ماتت جوعا، وتزوجت ابنتي واشتغلت في المناجم، وأرسل اثنان من أبنائي مع أسرهم إلى ~~سيبيريا، أرسلهم هناك الرفقاء ... ولعلهم إذ رأوني كهلا لا يخاف له بأس، استخدموني حوذيا ~~في مزرعة الدولة ، لقد لبثوا طويلا يرفضونني ظنا منهم أني قد أدبر تلفا للمزرعة، ولكن ~~فيم إتلافي لهم شيئا؟ لقد بت من الموت قاب قوسين. # إني أصدع بكل ما يأمرونني به، ومتعتي في حياتي هي هذان الجوادان، أعنى بهما خير عناية، ~~نعم إنهما ملك الحكومة، لكني أخيل لنفسي أنهما لي، إنهما أسرتي التي لا أسرة لي غيرها الآن؟ ~~إني أغذوهما وأنظفهما وأتحدث إليهما، إنهما يفهمان عني، يفهمان كل كلمة أقولها، إنني ~~بهذين الجوادين لا أزال «كوزما إيفانوفتش» ولست «كوزكا» مجردة عن الألقاب، إن كل رجائي هو ~~أن يدفن جسدي إلى جانب زوجتي العجوز إذا ما جاءت منيتي، لقد رجوت ناسا من أطيب الناس ~~أن يذكروا ذلك، فوعدوا أن يحققوا لي الرجاء، فأنا - كما تريان - خلي من الهموم.» # ثم استأنف عزفه على المزمار. # ولما بلغنا الغاية المقصودة، وهي القسم السياسي في القرية، كان قد أمسى المساء، وقد كان ~~مقر القسم السياسي دارا جميلة في نهاية طريق محصوب تحف جانبيه أشجار من حور، وكان في ~~القسم كثير من الموظفين يرقبون قدومنا فرحبوا بنا، وبعد أن قدم كل منا نفسه للآخر، ~~صحبناهم إلى كوخ كان يقيم به مساعد الرئيس، وكان المكان نظيفا، والعشاء شهيا كافيا رغم ~~بساطته. # لم يكن يسيرا عليك وأنت جالس إلى المائدة المليئة بصنوف الطعام، ومصباح الغاز يرسل ~~شعاعا بهيجا من الضوء، لم يكن يسيرا عندئذ أن تتخيل أن الجوع والموت قد استوليا على ~~المنازل المحيطة بنا جميعا، ms195 لقد أخذت أمعن النظر في هؤلاء الرجال الذين سأزاول معهم مهمتي، ~~ولم يكن خافيا أنهم كذلك بدورهم يمعنون في النظر. # كان «سومانوف»، رئيس القسم السياسي، رجلا من رجال الجيش، كان بكباشيا في المدفعية، هو ~~قصير مليء سنه حول الأربعين، ووجهه هادئ يشيع في ملامحه شيء من العطف، ولم أكد أراه حتى ~~أحببته، أما مساعده - وهو صاحب الدار - فكان مديرا لمصنع من مصانع المعادن في حوض الدونتز، ~~كان أنيق الملبس كثير الجلبة ثرثارا يفيض فيضا بنكاته، وأما المساعد الثاني فضابط شاب من ~~الشرطة السرية، وهو أسود الشعر والعينين أنيق الثياب، كان لا يتكلم إلا قليلا، لكنه يرهف ~~السمع إنصاتا للحديث، ثم عضو رابع من القسم السياسي كان محررا في إحدى الصحف جاء من مدينة ~~في الإقليم الذي كنت من أبنائه. # أخذ كل منا يقلب النظر في الآخرين، وعرفت كيف أسوق في الحديث عرضا أسماء أصدقائي الذين ~~يحتلون مكانة عالية، بل أشرت تلميحا إلى معرفتي الشخصية بالوزير «أورزنكدز»، ولما ألقيت في ~~حديثي أسماء معارفي من رجال الشرطة السياسية في المدينة التي نشأت فيها، وجه الضابط الشاب ~~الذي ينتمي إلى هذه الفرقة انتباها لقولي واعتدل له بجسمه اعتدالا اندفع إليه بلا شعوره، ~~فمهما يكن من أمر المهمة التي تنتظرني، فقد كان لا بد لي من أن أحشد كل قطرة أستطيع حشدها ~~من المكانة في أعين الناس حتى أستطيع أداء مهمتي. # ولما فرغنا من عشائنا عقدنا اجتماعا رسميا، وأخذت أنا و«يوري» نزداد معرفة بطبيعة ما ~~نحن مقدمان عليه من عمل، وتفضل علينا الحاضرون بوصف موظفي ذلك الإقليم ومختلف شخصياتهم، ~~أعني موظفي المزارع الجماعية التي ألقيت تبعتها على عاتقينا، والظاهر أن قد شاء لنا ~~حسن الحظ أن تكون المحصولات مبشرة بوفرة وجودة، فكانت مهمتنا إذن أن نصونها وأن نرعى جمعها ~~رعاية تضمن للحكومة نصيبها كاملا، وحدد اليوم الأول من سبتمبر تاريخا أقصى للحصاد، ~~وقد جمع ما بيننا اشتراكنا في التبعة، على الرغم من أن كلا منا خصص له جزء معين يكون ~~تحت رعايته. # وفي صبيحة ms196 اليوم التالي دعاني الرفيق «سومانوف» إلى مكتبه الخاص. # قال لي: «إن خبرتك بالزراعة أوسع من خبرة الكثرة الغالبة من «الممثلين الرسميين» وذلك شيء ~~محمود، لكني أحب أن تكون على حذر، سيصادفك كثير من ألوان الشقاء، وستكون صاحب الكلمة لأني ~~لن أشير عليك كيف تتصرف فيما عساه أن يصادفك من مواقف، لكن شيئا واحدا أريد أن أشير عليك ~~به، وذلك ألا تتخاذل إزاء ما ترى، وإلا كنت عديم النفع لنفسك ولمهمتك، اعمل ما تظنه لازما ~~ولا تأبه لما عدا ذلك من ضروب التدخل، إن كل سيئة قمينة أن تجد الغفران لو أنك نفذت الخطة ~~في إحكام ودقة، وإلا ... ماذا أقول وكلنا يعرف النتائج، إن لك مني كل معونة مستطاعة، وفي ~~انتظارك الآن رؤساء المزارع الجماعية ورئيس السوفيت في القرية، فأتمنى لك حظا ~~سعيدا!» # وما هو إلا أن عدت مع «يوري» إلى استئناف السفر، وكانت قراه تبعد عن قراي ما يقرب من ~~ثمانية أميال، فلما بلغنا «لوجينا» التي ستكون مركز إقامتي، نزلت من العربة أمام مقر ~~السوفيت وواصلت العربية سيرها تحمل «يوري» وحده. # كان مركز السوفيت صغيرا لكنه نظيف، وكان الاجتماع معقودا ساعة وصولي، فقدمت نفسي ~~للأعضاء وأبرزت وثيقة انتدابي «ممثلا رسميا ينوب عن القسم السياسي» و«اللجنة الإقليمية»، ~~وألحفت في أن يواصل المجتمعون عملهم، وكان رئيس الاجتماع - فيما علمت - يدعى «بلوسوف» ~~ولم يكن خافيا ما كان يستولي عليه من رعب إزاء أمين الحزب الرفيق «كوبزار»، كذلك كان بين ~~الحاضرين مدير محطة الجرارات الآلية واسمه «كاراس». # قال «كوبزار»: «أيها الرفيق كرافتشنكو، أنت ها هنا الآن صاحب الأمر، فتول رياسة هذا ~~الاجتماع.» ~~- «لا، لا، امضوا فيما أنتم ماضون فيه، وإذا سمحتم فسأجلس منصتا، ولن يكون منذ الآن - أيها ~~الرفاق - «نحن» و«أنتم» فلا بد لنا من تعاون، فأنتم أدرى مني بمشكلات هذا الإقليم، وستكونون ~~في كل شيء عمادي، لكني في الوقت نفسه مسئول عن الأمر، وسيكون لي القول الفصل، سأعقد أول ~~اجتماع لي غدا، وأحب أن تحضروا جميعا مزودين بما يلزم من حقائق، وأريد من ms197 كل رئيس لمزرعة ~~جماعية - بوجه خاص - أن يأتيني بخطة عمله، وإلى أن يحين الغد، امضوا فيما أنتم مشتغلون به ~~الآن كائنا ما كان.» # استأنف الأعضاء اجتماعهم، وكانت الكلمة لرؤساء المزارع الجماعية واحدا بعد واحد، فأكدوا ~~جميعا أن مزارعيهم لن يقووا على جمع الحصاد إذا لم يجدوا ما يقتاتون به من طعام. # قال أحد هؤلاء الرؤساء: «إن من أشرف عليهم يتضورون جوعا، إنك لتراهم طرحى في منازلهم ~~من هزال، فليس لنا أن نعد هؤلاء من الأيدي العاملة، وسيزداد هؤلاء العاجزون عددا، وسيمضي ~~الموت بعدد قبل أن يبدأ الحصاد، فماذا نحن صانعون؟» # أجاب «بلوسوف» و«كوبزار» إجابات مهمة وأشارا إلى أوامر الحزب، فأدركت أنهما مهوشان يسيران ~~على ضلال، وأنهما في أعماقهما لا يهمهما من الأمر كثير أو قليل، فقلت لنفسي: «الظاهر أني ~~سأجعل المزارعين أنفسهم عمادي، فهم أرسخ عمادا من هؤلاء الموظفين.» فقد تبين لي في وضوح أن ~~السوفيت وما للحزب من أداة تنفيذية قد تعودوا المجاعة حتى عميت أبصارهم، وأنه لا أمل في ~~جمع الحصاد إذا لم أنفض عن هؤلاء ما خيم عليهم من عدم اكتراث. # قال لي «بلوسوف» عندما ختم الاجتماع: «تعال فنم في منزلي، فلا بد أن قد أنهكك السفر، ~~وأظنني قادرا على إمدادك بما يرد لك النشاط.» # ثم قال أحد رؤساء المزارع الجماعية: «يسرني أن تصحبني إلى داري، اسمي «شاداي» وأسرتي ~~صغيرة العدد، ونستطيع أن نخلي لك غرفة.» # فقررت على الفور أن أقبل دعوة «شاداي»؛ لأنني أحسست أنني كلما ازددت قربا من رجال ~~المزارع الجماعية، كنت أقرب إلى الصواب، فصافحت الحاضرين جميعا، وصحبت «شاداي»، وهو رجل ~~متوسط العمر فيه بساطة وذكاء، كان حليقا وسيم المحيا، ورافقنا رئيس آخر من رؤساء تلك ~~المزارع هو «دمشنكو». # وصلنا الدار فابتسمت قائلا: «لنقصد أولا إلى حظيرة الجياد أيها الصديقان، فقد علمني جدي ~~في «اسكندروفسك» ألا آوي إلى مخدعي قبل أن أستيقن أولا أن الخيل لم تهمل.» ~~- «إذن فأنت سليل أسرة مزارعة؟» ~~- «لست على وجه الدقة كذلك، أيها الرفيق «دمشنكو» لكني أطلت المقام في ms198 المزارع.» # واستطعت أن أرى على ضوء مشكاة أن الجياد في مرابطها، لكن لم يكن في مذاودها دريس، ولم تكن ~~حظيرتها على ما ينبغي لها من نظافة. # قال «شاداي» في اضطراب: «لقد أهمل ابن الكلبة تنظيف الحظيرة مرة أخرى؛ لأرينه الجحيم ~~غدا.» # قلت: «لست أدري من ذا وكل إليه هذا العمل، لكني أرى أنك أنت أولى بهذا الجحيم، فأنت ~~الرئيس، والخطأ خطؤك أنت كلما وقع، وفي هذا وحده معنى الرياسة.» # ووافق «شاداي» في خشوع: «لقد أصبت القول، ومع ذلك فليس الأمر سهلا هينا، فكيف يعمل ~~الناس بغير قوت؟ إنهم لا يستطيعون حصر أذهانهم في أعمالهم إذا ما كانوا جياعا.» # ووافق «دمشنكو» على ذلك قائلا: «هذا صحيح، ليس الأمر هينا، عما مساء، وسأراكما في ~~الصباح.» # دخلت الدار حيث زوجة «شاداي» وأطفاله، وعلى الرغم مما بدا عليهم جميعا من هزال وضعف، فقد ~~كان جليا أن ظروف العيش ها هنا لم تبلغ ما بلغته في دور الفلاحين من سوء. # قلت: «أي رفيق «شاداي»، حدثني حديث رجل لرجل، حدثني حديثا بعيدا عن الأوضاع الرسمية، ~~كيف حال الناس؟ ماذا أعددتم من خطة لجمع الحصاد؟ كيف حال الآلات؟ لا تخف عني شيئا، بل ~~كن معي مخلصا صادقا فنحن كلانا معنيان بشيء واحد.» ~~- «لست أدري أين أبدأ الحديث أيها الرفيق «كرافتنشكو» ليس المحصول سيئا، والآلات صالحة على ~~الرغم من فقدان بعض أجزائها، وبغير هذه الأجزاء المفقودة سيقف دولاب العمل.» ~~- «اكتب لي قائمة بما تريد، وسأرسل في طلبه من القسم السياسي في «بتروفو».» ~~- «شكرا فذلك عون عظيم، وشيء آخر في حالة من السوء، وهو موقف الجياد، فليس لدينا علف ~~لها، ويعوزنا ولو قليل من الشوفان. طبعا نستطيع أن نحصد لها بعض شوفان المحصول الجديد، لكن ~~ذلك تحرمه الأوامر تحريما قاطعا.» # قلت: «لا عليك من الأوامر، فسيكون لك ذلك إذا لم تر طريقا آخر، وستكون التبعة كلها ~~علي وحدي، سيكون ذلك في طليعة مهامنا غدا، ماذا نحن صانعون بغير جياد، وهل تكون جياد ~~بغير شوفان؟» # فحذرني «شاداي» قائلا: «لا أظن ms199 أن «بلوسوف» و«كوبزار» سيوافقانك على ذلك.» ~~- «دعني وإياهما.» ~~- «وأخيرا، وأهم من ذلك كله أيها الرفيق «كرافتشنكو» حال الناس أنفسهم، إنهم ليموتون ~~كأنما هم الذباب يتساقط، ومن لم يمت فهو من الضعف والهزال بحيث لا يستطيع حراكا، من ذا ~~سيحصد لنا الغلال، لقد توسلت إلى «السوفيت» أن يعيرونا شيئا من حبوب، فأرسلوا إلي ~~مقدارا ضئيلا، ولست أنا بموسى ولا عيسى حتى أطعم ألوف الناس على مثل هذا القدر الضئيل، ~~لقد شهدت أيها الرفيق الموت والدماء حين كنت في الجيش، لكني فيما شهدت لم تقع عيناي على شيء ~~يوازي في بشاعته هذا الذي أراه ها هنا في قريتي.» # ونظر إلي محدجا، ولمع في حزنه بريق من أمل. ~~- «أيها الرفيق، وأنت الممثل الرسمي، لو أردت حصد المحصول فلا بد لك أولا من إنقاذ هؤلاء ~~الناس من براثن الجوع، أضف إلى ذلك أني لم أعد أحتمل النظر إلى هذا البؤس من حولي، كلا، لم ~~أعد أطيق رؤيته لحظة واحدة.» ~~- «لست بمستطيع أن أعدك شيئا أيها الرفيق «شاداي» سوى أن أبذل وسعي، سننهض من فراشنا ~~غدا مبكرين، وسننتقل من دار إلى دار، لا بد أن أشهد الحال بنفسي قبل أن أصمم ~~العمل.» # إن ما رأيته ذلك الصباح، حين أخذت أزور المنازل مع «شاداي» لأبشع من أن تصوره العبارة، ~~فالرجال في ميدان القتال يموتون في لحظة، وهم يردون قتالا بقتال، ولهم في ذلك سند من ~~الزملاء والشعور بالواجب، أما ها هنا فالناس يموتون في عزلة بعضهم عن بعض، وهم يموتون موتا ~~متدرجا بطيئا، الناس ها هنا يموتون على نحو بشع فظيع، دون أن يكون لموتهم مبرر كأن يكون ~~دفاعا عن مبدأ، لقد صيدوا ها هنا في فخ أغلق من دونهم، ثم تركوا هناك ليموتوا جوعا، كل ~~في داره وحيدا، وصائدهم في هذا الفخ إنما هو قرار سياسي اتخذه الرؤساء في عاصمة بعيدة، إذ ~~هم جالسون حول مائدة يتشاورون الرأي أو يأكلون ويشربون، ولو كان زوال هذه المفازع أمرا ~~محالا، لكان في هذه الاستحالة شيء من العزاء، ms200 لكن الأمر يخلو حتى من هذا العزاء. # وأبشع ما كانت تقع عليه الأبصار هم الأطفال الصغار بأطرافهم الهيكلية مدلاة من بطونهم ~~المنتفخة كأنما هي البالونات، لقد طمس الجوع من وجوههم كل علائم اليفاعة وأحالهم أمساخا ~~شاهت مما لاقته من ألوان التعذيب، ولم يكن بهم ما يذكرك بطفولتهم إلا آثار بقيت في عيونهم، ~~كنا حيثما أدرنا البصر نرى الرجال والنساء طرحى وقد انتفخت منهم الوجوه والبطون وغاضت من ~~أبصارهم كل معاني الحياة. # طرقنا بابا فلم نسمع جوابا، وطرقنا الباب مرة أخرى ، ثم بيد واجلة دفعت الباب ودخلنا في ~~ممشى ضيق يؤدي إلى الغرفة الواحدة التي يحتوي عليها الكوخ، واتجهت عيناي أول ما اتجهتا نحو ~~سراج في أيقونة في أعلى السرير العريض، ثم صوبت النظر إلى جثمان امرأة في منتصف العمر ~~مسجى على ذلك السرير، وقد ربعت ذراعيها فوق صدرها على صدار أوكراني مطرز نظيف، ووقفت عند ~~حافة السرير امرأة عجوز كما وقف على مقربة منها طفلان: ولد في الحادية عشرة أو نحوها وبنت ~~تقرب من العاشرة، كان الطفلان يبكيان في غير صوت مسموع، وينشدان في صوت حزين أغنية ريفية ~~«أماه يا أماه العزيزة»، ثم أدرت البصر فإذا بالبصر يقع على جسد منتفخ متصلب لرجل ممدود على ~~حافة الفرن. # لم تكن بشاعة المنظر في الجثة الراقدة على السرير بقدر ما كانت في حالة الأحياء ~~المشاهدين، فساقا المرأة العجوز انتفختا إلى حد جاوز كل معقول، ولم يكن ثمة من شك في أن ~~الرجل والطفلين كانوا في آخر مراحل الحياة بفعل الجوع، فعدت مسرعا وبي خجل من سرعة ~~عودتي. # ورأينا في المنزل المجاور رجلا في نحو الأربعين من عمره، رأيناه جالسا على دكة يصلح ~~حذاء، كان الرجل منتفخ الوجه، وكان إلى جواره صبي صغير مرتب الهندام استحال إلى ما يشبه أن ~~يكون هيكلا من عظام، كان هذا الصبي يقرأ كتابا، وإلى جانب الموقد امرأة شاحبة مشغولة ~~بطهيها. # سألها «شاداي»: «ماذا تطهين يا ناتالكا؟» # أجابت في صوت غاضب يشف عن رغبة في انتقام: «أنت تعلم ms201 ماذا أطهى.» # وجذبني «شاداي» من كمي وغادرنا الدار. # سألت «شاداي»: «فيم كانت غضبتها؟» ~~- «لأنها ... ماذا أقول؟ إنه ليخجلني أن أنبئك، «فكتور أندريفتش» ... إنها تطهى روث خيل ~~وأعشابا.» # كان أول ما بدا لي أن أفعله هو أن أعود إلى الدار فأمنع المرأة عن طهيها، لكن «شاداي» ~~أمسك بي قائلا: «كلا لا تفعل، نشدتك الله، إنك لا تدري كم يحس الناس من ألم الجوع، إنها قد ~~تقتلك يأسا إذا ما سكبت لها ما في قدرها.» # وبعد أن زرنا ما يقرب من اثنتي عشرة دارا، استمعت لنصيحة «شاداي» في الاكتفاء بما شهدناه ~~إذ قال: «سترى ما رأيت أنى سرت، فقد عرفت الآن ما يكفيك.» # اتضح لي الآن ما يجب أن أصنعه، فالموقف من سوء الحال بحيث لا يحتمل أنصاف الحلول، فلا بد ~~من إهمال الأوامر والقوانين مهما يترتب على ذلك من نتائج بالنسبة إلى نفسي، فإذا لم أرد ~~لهؤلاء المزارعين قواهم، ضاع منا كل شيء، ولما عدنا إلى دار «شاداي» كتبت خطابا إلى ~~الرفيق «سومانوف» وهو رئيس القسم السياسي الذي كنت تابعا له، وأرسلت الخطاب مع رسول خاص، ~~ولما اقترب المساء جاءني الرسول يحمل رد الخطاب. ~~«أنا على أتم العلم بالحالة، وإني لأود أن تعاود التفكير في الأمر من جديد وأن تزن كل ~~جوانب الموقف، فإن ما تقترحه فيه عصيان خطير لما لدينا من أوامر صريحة، ومع ذلك فإذا لم ~~يهدك التفكير إلى مهرب آخر، فلك أن تفعل ما تراه حتما لازما، وسأحاول أن أجد لك بعض ~~الغلال، لكني أصارحك أنني لست كبير الرجاء في التوفيق.» # اطمأننت لهذا الجواب، فهو على الأقل لم يكن جوابا يحمل كلمة «لا»، ولم يكن ما اقترحته ~~سوى أن أجمع بعض الشوفان لنطعم الخيل، وأن أحصد قليلا من الشعير النامي على حفاف الحقول ~~ليأكل الناس، لكن مثل هذا الحصد السابق لأوانه كان في رأي جريدة «إزفستيا» المنشورة أمامي ~~«سرقة لأموال الدولة» و«ضربا من التخريب»، ولقد ألقي القبض على الفلاحين وأرسل بهم ~~إلى مطارح النفي عقابا على مثل هذه ms202 «الجرائم». # كانت الظروف في المزرعة الجماعية الأخرى لا تختلف عن ظروف هذه المزرعة جوهرا، فقد بقيت ~~لبعض الفلاحين أبقارهم لكنهم كانوا يرسلون اللبن كله إلى مصنع الزبد التابع للدولة، وحتى ~~هؤلاء الناس الذين لبث لهم من القوة ما يجولون به هنا وهناك، كانوا في حالة من الضعف واليأس ~~والقنوط. # طلبت من «شاداي» و«دمشنكو» أن يستحضرا معلمي القرية وطبيبتها وبعض النساء ممن لهن شجاعة ~~وذكاء في المزرعة، ثم أرسلت في الوقت نفسه إلى «بلوسوف» و«كوبزار» و«كاراس» آمرهم بالحضور، ~~فلما اجتمع شملهم، جلسوا حول المنضدة يرقبون لا يدرون أي مفاجأة أنا مباغتهم بها من أوامر ~~الحزب، ولم يستطع بعضهم - وكوبزار بصفة خاصة - أن يخفي ما يجول في نفسه من ريبة. # بدأت الحديث قائلا: «لقد دعوتكم للحضور أيها الرفقاء وبخاصة السيدات؛ لأنني بحاجة إلى ~~نصحكم، وإنه ليسرني أن أرى بين الحضور الرئيس السوفيتي، وأمين الحزب، ومدير محطة الجرارات ~~الآلية، لقد كنت أنتقل من دار إلى دار، وعرفت ماذا هناك، ولئن أفزعني كل ما رأيت، فقد ~~أفزعتني حالة الأطفال على وجه خاص، كيف نطالب الناس بالعمل إذا كان أطفالهم يتضورون في ~~المنازل جوعا؟ # والآن هاكم خطتي، فقد أنبأني «شاداي» أن في القرية بعض المنازل الخالية، وأريد منكن أيتها ~~السيدات أن تنظفن هذه المنازل وتبيضن جدرانها وتجعلنها صالحة للكائنات البشرية، وسنبدأ ~~بالأطفال، سنعد لهم هذه الأماكن يعيشون فيها حتى يتم الحصاد، فاجمعن الأطفال واحلقن لهم ~~شعرهم ونظفن أجسادهم واحقنهم وقاية من التيفوس، أنا أعلم أيها الطبيب أن لديك بعض الأدوية ~~الضرورية، أعددن مناضد في حدائق تلك المنازل، واجمعن آنيات كبارا لطهي الطعام، هل أنتن على ~~استعداد للمعونة؟» # قالت امرأة: «إننا على استعداد لا شك فيه، لكن ماذا عندك ليطهى؟» ~~- «سأنبئكم بذلك فيما بعد، ولكني أحب أن أعلم الآن من تظنونه أكثر الناس جدارة بالركون ~~إليه في الإشراف على هؤلاء الأطفال نيابة عنكم؟» # أجابت أصوات عدة: «كونوننكو إيفان بتروفتش، المعلم.» # فلما أشير إلى الرجل الكهل المقصود، وجهت إليه الخطاب قائلا: «إيفان بتروفتش، ما دام ~~الناس قد ms203 وثقوا فيك، فلك مني الثقة كذلك، أنت المنوط بأمر الأطفال لا يشاركك في ذلك سواك، ~~خذ من تشاء ليعاونك، ولك أن تعتمد على معونتي إلى أقصى الحدود، وإذا ما تدخل أحد في عملك ~~فبلغ أمره لي.» # قال المعلم في صوت يختلط بالعبرات: «أنا على أتم استعداد، وكيف لا أكون وهؤلاء عشيرتي، ~~هيئ لنا الطعام أضمن لك كل ما تريد.» ~~- «شكرا لك يا إيفان بتروفتش، ابدأ عملك مفترضا أن الطعام هيئت أسبابه، اركن في ذلك ~~إلى صدق وعدي.» # أذنت للحاضرين بالانصراف إلا الموظفين، فقد جمعتهم في غرفة أخرى وأغلقت من دوننا ~~الباب. # قلت: «أيها الرفقاء، لنشمر السواعد للعمل، لا يفزعنكم ما أنا قائله، فأنا أعرف الأوامر ~~كما تعرفونها، بل ربما كنت بها أتم منكم علما، ومع ذلك فإني سأصدر الأوامر الفلاحين أن ~~يجمعوا الشوفان ليطعموا الجياد، وكذلك سآذن لهم بجمع الشعير من حفاف الحقول ومن حيث تم ~~للشعير النضج، ابدءوا في درسه من فوركم، وأعدوا منه ما يكفي أن يوزع على الناس بحيث يصيب ~~الواحد منهم في كل يوم كيلوجرام من شعير مجروش، وامضوا في زيادة هذا المقدار رويدا رويدا، ~~بحيث إذا ما بدأ الحصاد كان للناس من القوة ما يعينهم على العمل، وأمدوا «إيفان بتروفتش» ~~بقدر كاف من هذه الغلة الجديدة ليعنى بالأطفال، وإني لآذن لكم أن تذبحوا من خنازير ~~المزرعة الجماعية ما يكفي أن يطعم الأطفال من لحم ودهن جنبا إلى جنب مع مجروش ~~الشعير.» # وبينا أنا أتحدث كانت تبدو على وجوه هؤلاء الموظفين التابعين للإقليم علامات الريبة التي ~~جعلت تتحول تحولا سريعا إلى فزع، فكأنما لغة عيونهم كانت تقول بأفصح مما تستطيعه الألفاظ: ~~هل جن جنون هذا الرجل؟ هل يريد بنا وبنفسه الهلاك رميا بالرصاص. # وبدأ «كوبزار» الحديث فقال: «لكن أيها الرفيق كرافتشنكو ...» ~~- «ليس في الأمر «لكن» بل افعل ما آمرك به والتبعة واقعة علي وحدي.» # ونهض «بلوسوف» مضطربا وقال: «إن واجبي يحتم علي أن أبلغ القسم السياسي.» # فقال مدير محطة الجرارات الآلية مؤيدا لموقفي: «لقد أخطأت أيها ms204 الرفيق «بلوسوف» إذا أمر ~~الممثل الرسمي للجنة الإقليمية أمرا، إذن فهو يرمي إلى هدف يريده، وما علينا جميعا إلا ~~الطاعة.» # ثم قلت أنا: «لست أمنعك من تبليغ من شئت، ذلك من حقك، لكنك إذا لم تنفذ ما آمرك به، كنت ~~مسئولا عن هذا العصيان، أما أنت أيها الرفيق «كوبزار» فإنك لتقامر بمركزك في الحزب إذا لم ~~تعمل على تنفيذ خطتي بغير إبطاء، هذا كل ما أريده منكم أيها الرفقاء.» # وبينا نحن خارجون واحدا في إثر واحد ، أحسست يدا تضغط على يدي ضغطة الشاكر وكانت تلك يد ~~«شاداي»، ثم لحق بي «دمشنكو» وهمس في صوت أجش قائلا: «سأكون في عونك وإن كلفتني معونتك ~~حياتي، أما وقد بدأت المغامرة، فما رأيك في مواصلة السير في طريقك بأن تفحص مخزن التعاون، ~~تعال معي أقدمك إلى مديره ماكارنكو.» # كان المخزن قذرا مهملا، فلو استثنيت تماثيل نصفية لستالين وأكداس من صور مطبوعة لغيره ~~من الزعماء، وجدت الرفوف خالية، وأما «ماكارنكو» فقد كان رجلا ضئيلا ذليلا ماكرا ~~مسترضيا، فأنبأته في إيجاز عما قررته بشأن إطعام الأطفال في القرى، وطلبت منه ~~المعونة. ~~- «أنا أعلم أنك تخفي قدرا من مواد الغذاء، ولا مندوحة لك الآن عن إخراجها وتسليمها، حتى ~~إذا ما تم لنا الحصاد سنرد لك الدين غلالا، ولن يصيب أحدا شيء من الأذى.» # صعق الرجل، وألفى نفسه موزعا بين أمرين: فهذه هي أوامر المركز الرئيسي من ناحية يقابلها ~~خوفه أن يسيء إلي باعتباري ممثل الحزب. ~~- «نعم أيها الرفيق، إن لدي شيئا من ملح وسكر نباتي، وحب مجروش وسمك مدخون وقليلا من ~~صابون، فإذا تعهد رجال المزرعة تعهدا مكتوبا بأن يردوا هذه الأشياء غلة ودريسا وافقت على ~~تسليمها، لكن قبل تسليمها لا بد أن أستأذن مكتب الإقليم وسأنبئك بالقرار غدا، وكذلك أحب أن ~~أقدم لك شيئا من النصح، لماذا لا تطرق محطة الزبد؟» ~~- «ماذا تعني؟» # فقال دمشنكو شارحا: «إنه يعني المكان الذي نسلم فيه كل ما لنا من لبن ليصنع هناك ~~زبدا للتصدير.» ~~- «للتصدير!» ~~- «نعم أيها الرفيق كرافتشنكو، ms205 لإرساله إلى الخارج، إنهم يلفونه في ورق عليه كلمات من لغة ~~أجنبية غريبة، نعم فموت الناس من الجوع شيء، وتبادل التجارة مع الخارج شيء آخر.» # كان مصنع الزبد يبعد عن القرية مسافة قصيرة، وكان مديره رجلا من رجال الحزب، وديعا، في ~~نفسه غم دفين، فصحبني خلال المصنع ليريني أجزاءه، فرأيت الزبد في إحدى الغرف يقطع شرائح ~~مستطيلة ويلف في ورق كتب عليه بالإنجليزية: «تصدير الزبد التابع للاتحاد السوفيتي ~~الاشتراكي.» # قال المدير: «أنا أعلم أن الفلاحين يتضورون جوعا، وفكرة إرسال هذا الزبد ليطعم أجانب قد ~~أحسن غذاؤهم تمزقني تمزيقا كأنها السكين الماضية، ولكن ماذا أصنع؟ أنا مأمور لأطيع، بل إني ~~متأخر جدا في إنتاج ما يجب إنتاجه وفقا للخطة؛ ولذلك فعقابي آت لا ريب فيه، إن الفلاحين ~~يسرقون اللبن لأنهم جياع، والأبقار لا تحلب لأنها لا تجد ما يكفيها من علف.» # فأجبته: «ومع ذلك كله فلا بد من معونتك لي، لا بد من تغذية الأطفال، ولست أشك في أن صناعة ~~الزبد تترك من المخلفات ما يمكن أن نستفيد منه.» ~~- «من اليسير عليك أن تقول ما أنت قائل، لكني - مثل ماكارنكو - لست مطالبا فقط بتحقيق ما ~~تضعه الإدارة المركزية من خطط، بل لا بد لي إلى جانب ذلك من إطعام الموظفين في الإقليم، ~~فكلهم - كوبزار وبلوسوف وأعوانهم الكثيرون - يأخذون مني الزبد واللبن.» # فقلت: «سينصرف اللبن المخيض كله منذ اليوم إلى مشروع الأطفال الجديد.» ~~- «لا بأس بقرارك هذا من ناحيتي، لكني لا بد أن أتلقى موافقة على ذلك من رؤسائي.» قال ~~مدير المصنع ذلك ثم سكت لحظة كأنما يستجمع كل ما في جعبته من شجاعة مدخرة، وقال: «لا، لن ~~أستأذن في ذلك أحدا، مر رجالك أن يحضروا غدا ليحملوا المخيض، إنني كذلك والد ~~لأطفال.» # ثارت في نفسي ثورة الغضب إذ أنا عائد بالعربة إلى القرية، إنهم يصدرون الزبد وسط هذه ~~المجاعة! لقد صور لي الخيال كيف ينعم أهل لندن وبرلين وباريس بأكل الزبد الذي طبعت ~~عليه العلامة التجارية السوفيتية، كما صور لي الخيال ms206 كذلك أنهم إذ يأكلون زبدنا لا بد ~~قائلون: «إنهم في روسيا يتقلبون في النعيم ما دام في مستطاعهم أن يرسلوا هذا الزبد خارج ~~بلادهم، ها هو ذا أيها الأصدقاء برهان الاشتراكية في صورة عملية.» # لم أسمع خلال عودتي بين الحقول أحدا يتغنى بأناشيد أوكرانيا الحبيبة إلى فؤادي، لقد نسي ~~الناس كيف يكون الغناء، لم أسمع سوى أنات قوم يلفظون أرواحهم، وإلى جانبها في أذني رنات ~~مصمصة الأجانب البدينين وهم يستمتعون بزبدنا. # لما بلغت المزرعة التي كنت أشرف عليها، وجدت الناس يحصدون الشوفان والشعير، كما وجدت أن ~~بضع مئات من الأطفال قد جمعوا من القرى ووضعوا في الحدائق ليتم لهم الغسل والتنظيف، ~~وقد عرف «إيفان بتروفتش» كيف يوحد العمل، وكان يعاونه نحو عشرين رجلا وامرأة، وكانت زوجة ~~شاداي - وهي مضيفتي - مشغولة مع غيرها من النساء في تبييض المنازل، فأذاب حبي لهؤلاء الناس ~~في بساطتهم ما كان يتأجج في رأسي من أفكار الغضب، لقد شهدت هؤلاء الناس تكرههم على العمل ~~عذبات السياط وطلقات البنادق، وها أنا ذا أراهم مدفوعين في إيثارهم لأداء عمل مشترك لا ~~يخالطه شيء من الوعيد. # ولما كنا على مائدة العشاء في ذلك المساء، جاء رجل من حظيرة الجياد ينبئ «شاداي» أن ~~حصانا قد مات لتوه، فأمره «شاداي» أن يسلخه وأن يرمي الجثة بعد ذلك بعيدا عن القرية ~~بمسافة طويلة، وأن يصب عليها غازا (كيروسين) ثم يغطيها بالجير المحترق، ثم اتجه لي شارحا ~~أنه إن لم يفعل ذلك جعل القرويون الجياع من اللحم الموبوء طعاما لأنفسهم، وبعدئذ جاءنا ~~المعلم والطبيبة وأنبآنا أن الأمور تجري على نحو طيب، فالشعير الجديد قد جفف في الأفران ~~ليوزع على أبناء المزارعين في اليوم التالي فيأكلوا بذلك أول إفطار جيد يقدم لهم، كذلك ~~ذبح عدد من الخنازير. # قال «إيفان بتروفتش»: «لقد علمنا بنبأ المخيض، لكن ذلك لا يكفي؛ لأن بعض الأطفال قد ساءت ~~حالهم إلى حد بعيد، لا بد لنا من اللبن ذاته.» # فكرت لحظة، وكنت حينئذ قد بلغت حدا بعيدا في الخروج على ms207 القواعد وفي «التخريب» حتى ~~إنه ليسهل أن أمضي في الطريق خطوة أبعد. # قلت: «يا شاداي، ها أنا ذا أفوض لك بصورة رسمية أمام هؤلاء الشهود ألا تعطي لبنا بعد ~~الآن للموظفين الذين جروا على أخذه، وأن تحتفظ بثلث الإنتاج كله لإرساله إلى منزل الأطفال، ~~وعليك أن تبلغ «دمشنكو» أن ينفذ هذا الأمر بعينه في مزرعته.» # ولما أويت إلى مخدعي في المساء أخذت أفكر في هذه الطبقة الجديدة الممتازة في القرية، أعني ~~رجال الحزب ورجال السوفيت الذين كانوا يستولون على اللبن والزبد والمؤن من المخزن التعاوني ~~في الوقت الذي كان الناس فيه من حولهم يموتون جوعا، إن هؤلاء الموظفين كانوا يتلقون ~~الأوامر من المركز الرئيسي فيتقبلونها في طاعة العبيد غير آبهين للآلام التي كان يعانيها ~~الشعب من حولهم، إنه لمما يحز في النفس أن ترى ما يؤدي إليه الامتياز من فساد الخلق، فهؤلاء ~~الرجال الذين كانوا منذ أعوام قلائل من الفلاحين الفقراء، قد زالت عنهم بالفعل آخر علامة من ~~علامات الشبه بينهم وبين جيرانهم، وأصبحوا طبقة ممتازة بعيدة عن الناس، يعيشون في زمرة ~~وحدهم يتآخى أفرادها ويعين بعضها بعضا ويتحدون معا عصبة تناهض الشعب. # ذهبت في اليوم التالي لأشاهد الحاصدين والدارسين وآلات الذر، وكانت الأجزاء البديلة التي ~~أرسلت في طلبها لإصلاح الآلات قد وصلت وأخذ الرجال يصلحونها، وبينما كان عضو من أعضاء ~~اللجنة الإدارية للمزرعة يقص علي ما يصادفه من صعاب، جاء فلاح وأسر في أذنه ~~شيئا. # فقال عضو الإدارة: «ارفع صوتك حتى يسمع قولك الممثل الرسمي.» ~~- «إذن فاسمع قصتي أيها الرفيق المندوب من الهيئة الرسمية، مات حصان ليلة الأمس، فسلخ ~~جلده ثم غمست الجثة في غاز (كيروسين) وغطيت بالجير المحترق، لكنهم حين ذهبوا صباح ~~اليوم لدفنها لم يجدوا لها أثرا، فقد حمل الناس أثناء الليل هذا اللحم الفاسد الموبوء، يا ~~إلهي! إلى أية حال وصل بنا الأمر أيها الرفيق؟!» # دنا يوم الحصاد، وشاع في القرية روح جديد، فالكثرة الغالبة من الأسر كان لكل منها في روضة ~~الأطفال التي يشرف عليها ms208 «إيفان بتروفتش» طفل أو أكثر، ووزع شيء من الشعير على أعضاء ~~المزرعة جميعا، وبعد أن انفض الاجتماع، بقيت لأتحدث إلى الناس، فأخرج أحدهم عودا، وعزف ~~فلاح على زامرة، فعادت أناشيدنا الأوكرانية إلى سمعي من جديد، واطمأن إلى ذلك قلبي. # وجاءني شاب يحمل إلي رسالة لم يستطع أن يجري بها لسانه لكنه جاهد حتى أخرجها ~~تمتمة. ~~- «أيها الرفيق الممثل الرسمي! أنت مطلوب في مكتب السوفيت، شخص هناك يريد لقاءك، شخص من ... ~~من ... الشرطة السياسية.» # فسكت عن الغناء أولئك الذين كانوا على مقربة منا بحيث يسمعون ما يقال، وقعت هذه الكلمات ~~المخيفة وقع الصواعق، ودار الخبر بين الحضور أني مطلوب لمقابلة رجال الشرطة السياسية، ~~فخيم عليهم سكون وتوقع الجميع كما علمت من رؤساء المزرعة؛ توقع الجميع في القرية أنني ~~سألقى عقابي جزاء ما هيأت للناس من قوت. # فلما أن ذهبت إلى مكتب السوفيت، وجدت ضابط الشرطة السياسية الأنيق الذي كنت قد لقيته في ~~القسم السياسي، وكان هناك كذلك «كوبزار» و«بلوسوف»، فوجهت الخطاب إلى «كوبزار» قائلا: ~~«لماذا لم تحضر اجتماع اليوم وقد طلبت إليك الحضور؟» # فقال مجيبا في تمتمة وتجهم: «آسف فقد شغلتني شواغل أخرى.» # ثم قال ضابط الشرطة السياسية: «أريد أن أتحدث إليك على انفراد أيها الرفيق ~~كرافتشنكو.» # قلت: «لا مانع من ذلك، فاصحبني إلى مكتبي في المزرعة.» وبينا نحن في طريقنا ثم بعد أن ~~استوينا إلى مقعدنا في المكتب، دار بيننا حديث عام عن شئون القرية واحتمال أن يجيء المحصول ~~جيدا وما إلى ذلك من أمور. # ثم قلت له آخر الأمر: «أيها الرفيق سكوبين، خير لنا أن نأخذ في الكلام عن الحقيقة ~~العملية، ما الذي جاء بك إلى هنا؟» # قال: «إذن فاعلم أن قد وصلنا كثير من الأنباء والتقريرات الرسمية عما صنعته هنا، وصفوة ~~هذه الأنباء والتقريرات كلها هي أنك لا تقف عند حدود القانون، تتجاهل أوامر الحزب ولا تبالي ~~بالسلطات المحلية.» ~~- «ماذا تعني حين تقول «وصلنا»؟ هل تشير بذلك إلى رئيس القسم السياسي؟ أهو الذي طلب إليك ~~الحضور ها هنا؟» ms209 ~~- «هذا خارج عن الموضوع.» ~~- «كلا بل هو أساس الموضوع كله، هل خول لك أولو الأمر أن تراجع فعلي؟» ~~- «بل جئت ها هنا لأتحدث إليك حديث الصديق مع صديقه، وليس في الأمر مراجعة.» ~~- «أيها الرفيق سكوبين، إنني أفعل ما أراه حقا، ولست بمستطيع أن أناقش معك ما يبرر ~~فعلي، هنالك شخص واحد في مستطاعه أن يوجه إلي السؤال، وذلك هو رئيس القسم السياسي، أنا ~~هنا الممثل الرسمي للجنة الإقليمية وأنا مسئول أمام تلك اللجنة وحدها عما أصنع، وواجب ~~السلطات المحلية أن تعينني، ولكن رجالها بدل أن يساعدوا تراهم لا يصنعون شيئا سوى أن ~~يملئوا بطونهم بالطعام الجيد، في الوقت الذي يموت الناس فيه جوعا، وعندي قوائم أثبت فيها ~~ما أخذه كل موظف من المزرعة ومن مخزن القرية لاستعماله الخاص، أنا أعلم علم اليقين من ~~هؤلاء الذين يستنكرون صنيعي، ولكني أعلم كذلك ما هم غارقون فيه من شراب ومجون، لقد علمت عن ~~ذلك شيئا كثيرا.» ~~- «صدقني أيها الرفيق «كرافتشنكو» أنني هنا بمحض مشيئتي، وأن الرئيس لا يعلم عن هذه ~~الزيارة شيئا، فقد رأيت أن أحدثك حديثا قصيرا قبل أن أقدم الوثائق للرئيس، فقد بلغني أنك ~~أخذت مقدارا من مصنع الزبد ومن المخازن التعاونية، وأنك تتصرف في إنتاج اللبن التابع ~~للدولة، فتجريه في غير ما أريد له من مسالك، وأنك تحصد الغلة قبل أوان حصدها، وهذه كلها ~~أمور خطيرة.» ~~- «إذا شئت فارفع تقريرك إلى القسم السياسي، وقل لهم: إنني مصر على فعلي، وسأذهب هناك ~~غدا لأقرر أمري بنفسي، وبعد، فهل تريد أن تجول في القرية جولة أيها الرفيق ~~سكوبين؟» ~~- «لا، لا يتسع وقتي لذلك، مع السلامة - إذن - ولست في هذا إلا مؤديا واجبي كما ~~أراه.» ~~- «مع السلامة أيها الرفيق، وسأراك غدا.» # وذهبت في اليوم التالي فقابلت الرفيق «سومانوف». # قال لي: «كنت على أتم صواب حين رفضت الحديث مع «سكوبين» دون استئذاني بذلك، إن هؤلاء ~~الكسالى في قراك ليستنكرون ما تصنع فيما يكتبون؛ ليكون ذلك بمثابة التأمين لأنفسهم إذا ~~ارتبكت معك الأمور، أنا أعلم ms210 أنك بذلت مجهودا، وأعلم ما أقدمت عليه من مخاطر، وسأحمل معك ~~تبعة ما صنعت، فإذا ما أجرينا الحصاد وأسلمنا المحصول للدولة في الوقت المحدد، ذهبت كل ~~معالم الخطر، وإلا فقد طاح رأسانا معا.» ~~- «أيها الرفيق سومانوف، لقد صارحتك بكل شيء، فلم أخف عنك شيئا مما صنعت، لكني أريد أن ~~أحمل عبء التبعة وحدي، وهاك الرسالة التي بعثت بها إلي وفوضت لي فيها - وإن يكن تفويضا ~~في عبارة غير قاطعة - أن أصنع ما أشاء، ها أنا ذا أردها إليك.» # أخذها ووضعها في جيبه ثم صاح رفيقي «سكوبين»! وعندئذ دخل الضابط. ~~- «هات لي من فضلك ملف الأوراق والإقرارات الخاصة بالرفيق كرافتشنكو.» # وأحضر «سكوبين» ملفا ضخما، أعطانيه «سومانوف» بدوره، وغادر المكان، ولبث خارج الغرفة ~~حتى فرغت من قراءته، وقد كتبت مذكرة بأسماء المخبرين التابعين للقسم السياسي الذين قرروا ~~في غير صالحي، وأسماء الموظفين الذين استنكروا فعلي، ووعد «سومانوف» بعدئذ أن يبيد الملف، ~~ووضعه في خزانته حتى يحين يوم إبادته. ~~- «سأزورك في لوجينا غدا، فاجمع الموظفين هناك، وسأرينهم الجحيم الذي يستحقون.» # ولما عدت إلى القرية راجعت أسماء المخبرين على القائمة الرسمية بأسماء سكان المكان، فوجدت ~~أنهم موزعون في أنحاء الإقليم توزيعا فيه شيء من العناية، فواحد في دكان التعاون، وآخر في ~~مصنع الزبد، وثالث في إدارة المزرعة، ورابع يشتغل سائقا في محطة الجرارات الآلية، وهكذا ~~كان للشرطة السياسية عيونها وآذانها أعدت بحيث يصبح كل شيء منها على مرأى ومسمع، وإذن ~~فقد كان خلف أصحاب الأمر الاسميين ومديري الاقتصاد الصوريين شبكة من الجواسيس، بعضهم ينتمي ~~إلى الشرطة السياسية، وبعضهم الآخر ينتمي إلى الحزب، فكل لا يدري شيئا عمن عداه، وهكذا ~~وجدت أن وراء الحكومة الظاهرة حكومة أخرى بمعنى الكلمة الدقيق. # وفي ساعة متأخرة من ذلك النهار، صادفت «إيفان بتروفتش» في بعض الطريق، فكان يتهلل بكثير ~~من البشر الذي أثاره في نفسه ما يؤديه من عمل. # قال لي إذ نحن سائران معا: «ما أجمل أن ترى الأطفال في طريقهم إلى العافية! ما أجمل أن ~~ترى طفولتهم ms211 تعود إليهم من جديد! إننا نعلم جميعا ما أنت مجازف بنفسك فيه من خطر، ولئن ~~أردت صراحة، فاعلم أن القرية كلها يساورها القلق لهذه الدعوة التي جاءتك من ضابط الشرطة ~~السياسية.» # فابتسمت قائلا: «لا يساورنكم قلق فالآلهة ترعاني، أو هي قد رعتني حتى الآن في أقل تقدير، ~~لكني مغتبط أن أرى الفلاحين على دراية بالموقف، وها قد آن لهم أن يردوا لي صنيعي جميلا ~~بجميل، فيحسنوا إلى أنفسهم إذ يحسنون إلي؛ ذلك أن الحصاد قد دنا موعده، وأريد منكم أن ~~تذيعوا في الناس أنني لا أريد منهم شكورا، إنما أريد العمل، أريد العمل النشيط، أريد العمل ~~موصولا في الليل والنهار، إذ قد يكون من الناس من يركن إلى التراخي. # بلغ الناس هذا: يا أعضاء المزرعة الجماعية هل تريدون أن تبقوا للرفيق كرافتشنكو على ~~حياته؟ إذن فاجمعوا الغلة وادرسوها وقدموها وفقا للخطة المرسومة، إنني لا أحسن الشفاعة ~~أرجوها لنفسي، ولكنكم أنتم تحسنون.» ~~- «كن على يقين أني فاعل لك ما تريد، فلك في هذا البلد أعوان، صدقني فيما أنبئك به، إن ~~من يتراخى في أداء واجبه خير له أن يصلى نار الجحيم، فلن نخلي بين أحد منا وبين ~~التراخي.» # ولما ذهبت إلى مكتب السوفيت في اليوم التالي، كان «سومانوف» قد وصل، فقد سمعت جلجلة صوته ~~من بعيد، وكان موظفو الإقليم جميعا وبينهم مدير المخزن حاضرين. # قال رئيس القسم السياسي وكأنما يضع للسامعين قاعدة هي القانون: «إن الرفيق كرافتشنكو ها ~~هنا هو صاحب الأمر، والقانون هو ما يصدره لكم من أوامر، إن الزمن ليمضي سراعا، وليس لدينا ~~مدخر من الجهد ننفقه في الإنصات إلى لغوكم، فهيا إلى العمل وعاونوه، اذهبوا إلى الحقول ~~بأنفسكم، فإن في ذلك خيرا لأبدانكم، وها هو ذا الممثل الرسمي قد أتانا بشخصه!» # حياني تحية المشتاق كأنما قد غبت عنه السنين، وقد أراد بهذه المظاهرة الودية أن يؤثر في ~~أعدائي، وغادرنا معا مكان الاجتماع، وذهبنا إلى مقر إدارة المزرعة الجماعية. # قال: «فكتور أندريفتش، إني سليل أسرة مزارعة، وما يعانيه أهلي ms212 يحز فؤادي، ليس هناك إلا ~~الدموع والدماء والموت والنفي، ولماذا؟ إن الأرض خصبة والقوم جادون، فلماذا نراهم يتضورون ~~جوعا ويموتون ويردون موارد الهلاك ثم نغضي؟ إنني كلما ازددت في الأمر تفكيرا ازددت حيرة، ~~سأرسل لك بعد يوم أو يومين مزيدا من الدقيق ومزيدا من أجزاء الآلات الدارسة. # لكن ليس ذلك ما أردت في حقيقة الأمر أن أنبئك به، إنما أردت أن أعبر لك عن عظيم تقديري ~~لما صنعت، وخاصة ما صنعته للأطفال.» قال ذلك ثم وقف في الطريق بغتة وعاد يقول: «فيكتور ~~أندريفتش، كلانا شيوعي، لكننا كذلك إنسانان من البشر، سأدفع عنك الأذى كما أدفع الأذى عن ~~شخصي.» # ومضى بعد ذلك يومان فكان كل شيء على أتم إعداد، وما أن لمعت تباشير الصبح حتى جست بالعربة ~~خلال الحقول، فوجدت أعضاء المزرعة رجالا ونساء، قد سبقوني إليها، يجمعون أعواد الغلال ~~ويحزمونها، وبعد قليل جاءنا موظفو الإقليم يعرضون ما في وسعهم من معونة، فقد فعلت الخطبة - ~~فيما يظهر - فعلها في نفوسهم، ساد الجميع شعور الجد والنشاط، وكما يعرف سائق السيارة أن ~~سيارته ستحسن السير حين يسمع لآلاتها دمدمة يعرفها، فكذلك أنا في ذلك الصباح، استطعت أن ~~أحكم بالبداية التي رأيتها أن كل شيء على ما يرام. # كانت المئونة من زاد وماء قد أرسلت على عربات إلى الحقول في الليلة السابقة، وأقيمت ~~للأطفال الخيام، فهؤلاء الفلاحون يؤثرون لأنفسهم أن يقيموا في الخلاء بعيدا عن دورهم حتى ~~يتم الحصاد، وها هم أولاء يعملون الآن ما اعتادوا في الأيام السوالف أن يفعلوه، وأذنت لهم ~~أن يذبحوا ثورا وعددا من الخنازير، وعلى الرغم من أن بين هؤلاء المئات من الرجال والنساء ~~الذين لم يجدوا في هذا الطعام ما يشبع بطونهم، وعلى الرغم من أنه لم يكن بين هؤلاء المئات ~~إلا عدد قليل لم يدب في أجسادهم الضعف أو لم يهدهم المرض بالفعل، فقد أخذ الجميع في غناء ~~ومزاح وعمل منذ شروق الشمس حتى غروبها. # وهمس «إيفان بتروفتش» في أذني قائلا: «كن مطمئنا، فكلهم راغب في إنقاذك ms213 من الموت.» ~~فضحكت وضحك. # ولما جاء اليوم التالي أنفقت النهار في المزرعة الجماعية التي يشرف عليها «دمشنكو»، فوجدت ~~أن الحصاد قد بدأ هناك كذلك بدءا طيبا، وأن الروح السائدة ليس بعدها زيادة لمستزيد، ولم ~~تمض أيام قليلة، وكان جمع المحصول لم يزل قائما، حتى بدأت جماعات جديدة في درس الغلال، ~~وأخذ الحب يندفق اندفاقا في عربات مملوءة نحو الآلات الروافع. # وحدث ذات يوم - إذ كان الحصاد في ذروته - أن ركبت إلى مزرعة «دمشنكو» فوقع بصري على إحدى ~~آلات الحصاد وقد وقف دولابها وتعطلت، عندئذ أسرعت نحوها لأستفسر عن السبب في تعطلها، فإذا ~~أنا أعلم أن عاملها قد سقط في غيبوبة من شدة الإجهاد، وأحاط به عدد كبير من النساء يحاولن ~~رد شعوره إليه، فأمرتهن أن يحملنه إلى القرية، وأخذت مكانه بنفسي من الآلة الحاصدة، وكان قد ~~طال بي العهد منذ آخر مرة عملت فيها على مثل تلك الآلة، فأشاع العمل في نفسي لذة، وأسعدني ~~أن أواصله ساعة بعد ساعة. # ولما دنا شفق الغروب، أخذ العمل عني عامل آخر، وعندئذ كشفت عن خسارة فادحة ألمت بي، ~~وتلك أني فقدت محفظة نقودي، فلم يحرك من نفسي شيئا أني فقدت كل ما كنت أملك من مال، إنما ~~الذي اضطربت له هو أن وثيقة انتدابي قد ضاعت كذلك، وضاعت معها تذكرة الحزب، وبحثنا في ~~الحقول ذلك المساء وفي اليوم الذي تلا، لكننا لم نجد للمحفظة الضائعة أثرا، فأبلغت القسم ~~السياسي واللجنة الإقليمية، وتوقعت أن يكون لهذا الحادث أسوأ الأثر في حياتي مدى أعوام ~~طوال. # ثم تبع هذا الغم غم آخر، وهو أني تلقيت من القسم السياسي هذا الأمر: «بناء على تعليمات ~~اللجنة المركزية التنفيذية، عليك أن تعد كنيسة القرية مخزنا لغلة الحكومة، وينبغي أن يتم ~~هذا الإعداد في ثمان وأربعين ساعة، حتى إذا ما أتممت هذه المهمة أبلغت بذلك.» # اضطربت لهذا الأمر يصدر إلي، إذ لم يساورني شيء من الشك فيما يقابل به الفلاحون مثل هذا ~~الفعل من شعور، إنه فعل سخيف كأنما دبر ms214 ليكون حجر عثرة يقف عندها دولاب العمل في حصاد هو ~~للبلاد بمثابة الحياة، لكن «كوبزار» و«بلوسوف» وغيرهما أثلجت صدورهم بمثل هذا؛ لأنهم أخذوا ~~رويدا رويدا وفي تدرج غير محسوس، ينقلبون للناس في ذلك الإقليم أعداء لا لشيء سوى أنهم ~~يستمتعون بالعمل الذي يمقته الناس في سائر القرى، هم أعداء الناس لهذا السبب وحده (أعني ~~لأنهم يؤدون واجبهم في اغتباط)، وجردت الكنيسة من تعاليقها ومصابيحها وتحفها، جردها بعض ~~الشيوعيين الشبان. # وسرى النبأ في الحقول سريان النار في الهشيم، فما أن سمعه الناس حتى رأيت عشرات من ~~الفلاحين يقذفون بأدواتهم ويهرعون إلى القرية مسرعين، يستنزلون اللعنة تارة ويستعطفون ~~ويبكون طورا عندما شهدوا ما نزل من نفوسهم منازل التقديس يزول من مواضعه، إن قدسية هذه ~~الأشياء في نفوسهم لم تكن إلا جزءا مما أنزل في قلوبهم الأذى، إنما آذاهم حقا ما أحسوه ~~في الأمر من إهانة صريحة لكرامتهم الإنسانية. # وسمعت فلاحا كهلا يقول: «لقد أخذوا منا كل شيء ولم يتركوا لنا شيئا، وها هم أولاء ~~يزيلون عنا آخر ما بقي لنا مما يبعث الطمأنينة في نفوسنا، فأين عسانا بعد اليوم منصرون ~~أبناءنا ودافنون موتانا؟ أين عسانا بعد اليوم متجهون بأبصارنا إلى شيء من العزاء فيما نحن ~~فيه من ألوان الأسى؟ لعنة الله عليهم من مجرمين! لعنة الله عليهم من كافرين!» # لم يكن لي إزاء هذا حول ولا قوة، ولقد تذرعت وتذرع «إيفان بتروفتش» بكل ما لدينا من جهد ~~وبلاغة لكي نعيد للعمل اطراده، وفي اللحظة التي ظننا أن قد كلل مجهودنا بالنجاح وقعت ~~حادثة جديدة فقلبت لنا كل شيء رأسا على عقب من جديد، وقعت هذه الحادثة يوم الأحد التالي، ~~وهي أن أمين الهيئة الشيوعية للشبان - وهو شاب بليد الحس شائه الوجه يدعى «شز» - ظهر ~~فجأة في الطريق، وكان يعزف على العود وإلى جانبه صديقته، وكان يغني أناشيد تهزأ عباراتها ~~بالدين، وكان ذلك في ذاته منظرا مألوفا، ولكن الذي أثار الثائرة هو ما كان على هذين ~~الصديقين من رداء، فقد لبس هذا الشاب ms215 وصديقته قميصين من الحرير الأحمر الناصع، يمسكهما عند ~~الخاصرة خيوط مذهبة وأفواف من حرير، ولم تكن هذه إلا تعاليق الكنيسة المنزوعة، رآها ~~الفلاحون فعرفوها من فورهم، وثارت في نفوسهم نار الغضب التي سرعان ما انقلبت إلى روح اعتداء ~~عنيف على الشاب وصديقته، ولم ينقذهما من الموت إلا أنهما كانا أسرع عدوا ممن تعقبوهما من ~~الفلاحين الكهول، فأويا إلى الدكان التعاوني، وبذلك سلما من أيدي الشعب الثائر. # ولما جاءني نبأ هذه الحادثة أرسلت إلى «شز » أدعوه للحضور. # وصحت في وجهه: «لماذا سرقت تعاليق الكنيسة؟» ~~- «لست لها بالسارق، إنما أخذتها علنا، وقد فعل مثل فعلي كثير سواي من الرفقاء.» ~~- «إذن فلا بد لك ولسائر هؤلاء الرفقاء أن تردوا كل شيء إلى مكانه، هل تسمع ما آمرك به؟ ~~وإن لم تفعلوا بعثت بكم إلى الشرطة مصحوبين بكل مجرم يناصركم، وشيء آخر، ما دمت ها هنا فلن ~~أسمح بأغنية تهزأ بالعقيدة الدينية تنشد في الطريق العام، هذا مني أمر واجب ~~الطاعة.» # ومضت أيام قلائل بعد ذلك، وذبح الفلاحون ثورا كبيرا، وملحوا لحمه وحفظوه في برادة ليكون ~~طعاما في أيام تالية، فلما أقبل المساء جاءني «شاداي» ينبئني أن جزءا من اللحم قد سرقه ~~سارق، فدعوت كاراس إلى الحضور من محطة الجرارات الآلية، وقبل أن يعاونني في الأمر، ~~فانتظرنا جميعا حتى انتصف الليل أو كاد، وعندئذ حمل «شاداي» و«كاراس» بندقيتين من بنادق ~~الصيد وحملت أنا مسدسا، وكان لكل منا شيء من الحدس النافذ عمن عسى أن يكون السارقون، ~~واعتزمنا أن نتابع البحث في غير إبطاء. # قلت: «لنقف في عرض الطريق فنصطحب «كوبزار» كاتم السر، فلا بد له أن يكون عالما بما يقع ~~في منطقته.» # كانت داره معتمة، وطرق الباب «شاداي» فلما لم نسمع جوابا دفعه بيده، وهنا فوجئنا بأصوات، ~~فدخلت الدار وأضأت مصباحا يدويا معي، فصاحت امرأة، وأدرت ضوء المصباح نحوها، فرأيت شابة ~~عارية من رأسها إلى قدمها، رأيتها تحاول أن تستر وجهها برداء، وأخذت تصيح فزعة، ثم خرجت على ~~هذا النحو مسرعة من الدار حيث ms216 يسترها ظلام الليل. # أضأت مصباحا كان على المنضدة، فرأيت زجاجة من شراب الفودكا وإلى جانبها رأيت كأسين وقطعة ~~كبيرة من الشواء، وكان «كوبزار» جالسا على السرير وقد أوشك جسمه أن يكون عاريا عما يستره، ~~منفوش الشعر مأخوذا، ورأيت في إناء خشبي على أحد المقاعد قلب ثور كبير. # سألته: «أنى لك هذا اللحم؟» # قال: «اشتريته ... من الدكان التعاوني ... ولك أن تحقق صدق ما أقول.» ~~- «سأفعل بلا تردد، هيا معي يا رفيقي، ولنتركه حتى يفرغ من طعامه، بما فيه من قلب الثور ~~الذي أرى.» # سار «شاداي» أمامنا وتبعناه في طريقنا إلى أعلى التل حيث دار في أطراف القرية وكانت تلك ~~الدار - فيما روى الناس - مقر «العربة» التي كان يتحدث بها الفلاحون حديث الممرور، ومشينا ~~في حذر وصمت حتى دنونا من الدار، ونظرت خلال كسر في شيش النافذة إلى غرفة كبيرة، فرأيت ~~منضدة قد أثقلتها حمولة من الزجاجات واللحم وألوان الخضر، كما رأيت رجالا ونساء تلاقوا ~~كما يتلاقى العاشقون، ثلاثة رجال هم: مدير الدكان التعاوني ووكيله والطحان، وثلاثة نساء على ~~درجات متفاوتة من العري. # وقف «كاراس» عند الباب الأمامي، ووقف «شاداي» عند الباب الخلفي، ونقرت أنا على ~~النافذة. # فصاح صائح في فزع: «من الطارق؟» ~~- «أنا ممثل الحكومة الرسمي، افتح توا وإلا رميتك بالرصاص.» # وفتح الباب فإذا مجمع اللهو قد انقلب مشهدا للاضطراب والجزع، وأخذ النساء في البكاء، ~~فقالت إحداهن: «إنما جئت إلى هنا مدفوعة بالجوع.» وقالت أخرى باكية: «لقد دفعوني إلى الحضور ~~دفعا.» فأمرت النساء أن يرتدين ثيابهن ويغادرن المكان، ثم طلبت إلى رفيقي أن يفتشا ~~الدار، فوجدا مقدارا من اللحم وكثيرا من الزبد والجريش والعسل، كما وجدا عددا كبيرا من ~~أكياس الدقيق. # صحت صيحة غاضبة: «بينا يموت جيرانكم جوعا، تسرقون من أفواههم الطعام أيها القعدة؟ ثم ~~تسمون أنفسكم شيوعيين! احملوا هذه المؤن على ظهوركم وسيروا بها الآن إلى دار ~~السوفيت!» # سرت خلف الرجال الثلاثة حتى بلغنا دار السوفيت في القرية، ولما أصبح الصباح جاء فريق من ~~الجند وساقوا اللصوص الثلاثة إلى المحاكمة ms217 في عاصمة الإقليم «بيانيخانكي»، ولما شاع النبأ ~~في القرية سخط له الفلاحون. # قال لي كثير منهم: «ما كان ينبغي لك إرسالهم للمحاكمة، فنحن أعلم من المحكمة بما يجب أن ~~يلاقوه.» # ولما بدأنا تسليم محصول الغلال إلى مخازنه القريبة من محطة السكة الحديدية، كشفت عن حقيقة ~~وقعت فظاعتها من نفسي وقوع الصواعق؛ ذلك أني وجدت في تلك المخازن مقدارا هائلا من غلة ~~العام السابق! كانت هذه الغلة المخزونة ما أمرت به الدولة من احتياطي يحفظ لهذا الإقليم، ~~فانظر إلى هذا المقدار من الغلال يأمر الموظفون الرسميون بإخفائه عن أعين القوم وهم يموتون ~~من الجوع! لقد مات مئات من الرجال والنساء والأطفال في هذه القرى، ماتوا من قلة الغذاء، في ~~الوقت الذي خزنت فيه الغلال قاب قوسين من دورهم أو أدنى! # وحين كشفت عن «احتياطي الدولة» من الغلال، كان معي طائفة من الفلاحين، فحدقوا الأبصار لا ~~يكادون يصدقون ما هم مبصرون، ثم أخذوا يسبون في ثورة من غضب، وبالطبع لم ألمهم على سبابهم ~~ذاك، لكني استحلفتهم ألا يذيعوا النبأ في الناس حتى لا تتحطم فيهم القوة المعنوية فتتأثر ~~بذلك حركة الحصاد، وقد علمت فيما بعد أن هذا الأمر بنفسه وقع في كثير من أنحاء البلاد، ~~فتخزن الحكومة الغلة احتياطا، وبموت الناس من جوع، فيم هذا الفعل؟ إن الجواب عند حاشية ~~ستالين السياسية وحدها وهي لا تجيب. # تم الحصاد فخرجت أشق الحقول ذات يوم رخي في عربة صغيرة، وكانت الشمس قد مالت للغروب، ~~فسمعت على مبعدة أنشودة الحصاد يغنيها رجال ونساء اختلطت أصواتهم في امتزاج جميل، فها هم ~~أولاء يرسلون أصواتهم بالغناء مرة أخرى بعد كل ما شهدوه من موت وشقاء، الله لهؤلاء الناس من ~~أهل التربة الأوكرانية في بساطتهم المباركة وطيبتهم التي ليس لها حدود! # وما هو إلا أن رأيت المنشدين يسيرون نحوي موكبا وعلى رأسه المعلم «إيفان بتروفتش»، فما ~~كان أوقعه في القلب من منظر: الرجال في أبهى حللهم والنساء في أرديتهن المطرزة التي يلبسنها ~~في مواسم العطلة، وعلى رءوسهن أكاليل ms218 من ورود الحقول، وفي وجوههن علائم الفرح الذي لا تشوبه ~~شائبة، فأوقفت الجواد وترجلت، ودنا موكب الناس مني ثم وقف، وقد كان قوامه ما يقرب من مائتي ~~فلاح وفلاحة. # قال المعلم في صوت يسمعه الحضور جميعا: «فيكتور أندريفتش، لقد وفينا ما وعدنا، فالحصاد ~~في مخازنه قبل الموعد المضروب بعشرة أيام، وقد رأيت بعينيك كيف كان منا العمل، وإنك لتعلم ~~أن كثرتنا الغالبة كانت جائعة ضعيفة من شتاء فربيع كلاهما فظيع، وإن ذلك منا البطولة ~~بعينها.» # فأجبته قائلا: «أشكرك يا إيفان بتروفتش، وأشكركم جميعا يا رفاق.» # وانفرط الموكب وعزفت الزامرات ورقص الشباب، وجاء «شاداي» و«دمشنكو» فوقفا إلى جواري، لقد ~~مات ما يقرب من نصف سكان الإقليم في العام المنقضي منذ الحصاد الماضي، ماتوا من الجوع ومن ~~الأمراض التي تتفشى بسبب الجوع، وها هم أولاء أحياؤهم قد جددوا للحياة مجراها، ولئن كانت ~~الدولة تستولي على معظم الغلة الجديدة، فجودة الحصاد ستجعل مما يبقى مئونة تقرب مما يكفي ~~لحفظ أود الحياة عاما جديدة. # وأدب الناس مأدبة في فضاء الحقول التي كان يشرف عليها «دمشنكو»، فلما وجه إلي الدعوة ~~لزيارتهم لم يسعني إلا القبول، على الرغم مما كان ينتظرني من واجب تحرير خطابات لا بد من ~~تحريرها في غير إبطاء، وهناك التف مئات من الفلاحين حول الموائد، وأضاء المكان قناديل ~~ومشاعل، وبعد ساعات قضيناها في الترحيب وتبادل التهنئة وإلقاء الخطب، انتهت حفلة العشاء إلى ~~عزف ورقص، فها هنا أيضا تبدى الرجاء في عودة الحياة إلى مجراها من جديد. # وفي مساء ذلك اليوم كتبت في غرفتي تقريرا ختاميا رفعته إلى القسم السياسي، منبئا ~~بتمام مهمتي قبل الموعد المضروب بعشرة أيام، كما أنبأت كذلك بأني ألقيت القبض على اللصوص ~~وأوصيت بطرد «كوبزار» و«شز» وكثير غيرهما من الموظفين. # وحدث بعد ذلك بأيام قلائل أني كنت أفتش حقلا، فسمعت فجأة صوت سيارة، ونظرت فإذا أمامي ~~سرب من سيارات كبيرة أنيقة جاءت منسابة على طول الطريق، فلم أشك في أنها جاءت تحمل طائفة من ~~أهم الزائرين، واستحثثت جوادي وعدوت ms219 صوب السيارات فوقفت ونزل منها ستة رجال، ودنا مني ~~أحدهم، فعرفت فيه الرفيق «هاتايفتش» فنزلت عن جوادي وسرت إليه. # تصافحنا، ثم قال لي في لهجة الجاد: «أيها الرفيق كرافتشنكو، متى فرغت من الحصاد؟» ~~- «فرغت منه منذ ثلاثة أيام، أي قبل الموعد المضروب بعشرة أيام.» ~~- «هكذا سمعت، كما سمعت أشياء أخرى، فمثلا، من ذا أذن لك أن تقطع الشوفان والشعير وأن ~~تتصرف في ملك الحكومة من إنتاج اللبن؟ لماذا حرمت أن يعمل الناس ما ينافي العقيدة الدينية؟ ~~أأنت عضو نظامي في الحزب أم أنت ضرب من ضروب الدعوة إلى الفوضى؟» # فأجبت في هدوء: «أيها الرفيق «هاتايفتش»، لم يسعني سوى أن أصنع ما صنعت، كان الأطفال ~~يلفظون الروح وكانت الجياد في طريقها إلى الهلاك، ولم يكن لدى مزارعي الحقول الجماعية من ~~القوة ما يستطيعون به حصادا، وها هي ذي الدولة قد تسلمت غلتها وافية وقبل الموعد المضروب، ~~نعم، قد كلفني ذلك مقدارا من غلال، لكني بمثابة من استثمر هذا المقدار من الغلال ليحصل ~~أضعاف أضعافه، فإن كان ذلك جرما فأنا على استعداد أن أحمل تبعته.» # فأمسك «هاتايفتش» بذراعي، وضغطها ضغطة فيها دليل الرضى على عكس ما دلت عليه ألفاظه ~~الغلاظ، فلا بد أنه كان يبدي شيئا ويخفي آخر، تظاهرا أمام الذين صحبوه حتى لا تسود ~~صحيفته، ثم سار في خطو بطيء حتى بعد عن مسامع أصحابه وحارسيه: «لقد أنبئت أنك صائر ~~إلى أعمال الهندسة، وأنك من خيرة رجال الحزب، ولكني أشك في أنك قد أسأت فهم ما كان يجري من ~~أمور، فبين الفلاحين ونظام الدولة حرب شعواء، إنها حرب حتى الفناء، وقد كان هذا العام ~~امتحانا لقوتنا وقدرتهم على الاحتمال، ولم نتخاذل أمام المجاعة حتى ندلهم من يكون في ~~البلاد سيدا، نعم دفعنا لذلك ثمنا ملايين النفوس التي أزهقها الجوع، لكن نظام المزرعة ~~الجماعية باق، وبهذا خرجنا من القتال ظافرين. # أغلب ظني، أي رفيقي كرافتشنكو، أن قلبك أقوى من عقلك، فلو لان الجميع كما لنت لجاز ألا ~~نظفر بالنصر في هذا القتال، ms220 ولا تحسبن أني بذلك أنحو عليك بلائمة، كلا بل إني لأعتقد أنك ~~أديت مهمة تستدعي كل إعجاب، فلا بأس من أن أسر في أذنك أن قلبي - كقلبك - يقطر دما من ~~أجل الفلاحين المساكين، لكني مع ذلك أحب أن تذكر أني وجهت إليك النقد، فإن سألك سائل فلا ~~تنس أني حاولت أن أؤدبك بحيث تنطوي تحت طاعة القانون.» # فيظهر أنه حتى «هاتايفتش» الجبار يخشى على صحيفته في الدولة أن تسوء، كما يخشى من حركة ~~«التطهير» القادمة. # وإن هي إلا دقائق معدودات بعد ذلك حتى أحاط به معاونوه وحارسوه المدججون بسلاحهم، وتحركت ~~السيارات صوب القرية المجاورة فأثارت في الفضاء غماما من تراب، وركبت جوادي وعدت إلى دارى ~~أتساءل: من ذا يا ترى قد وشى بي إلى «هاتايفتش»؟ لقد كنت على يقين أن «سومانوف» لم يكن هو ~~الذي اقترف هذا الجرم مجاوزا به ما بيننا من عرى الود، فلا بد أنه «سكوبين» الذي كان في ~~الظاهر خاضعا لأوامر «سومانوف»، أما حقيقة الواقع فهي أنه مسئول أمام الشرطة السياسية ~~رأسا، وهي صاحبة السلطان الحقيقي في بلادنا، ولا شك كذلك أن «سكوبين» حين وشى، لم يكتف ~~بالوشاية إلى واحد، بل أرسل عدة صور إلى أشخاص آخرين، وسيعلن المستقبل عن صدق هذا الرأي ~~فيه، حين يحين يومي في حركة «التطهير». # تأهبت للرحيل، وكانت فورة النفوس التي نتجت عن توفيقنا في الحصاد قد هدأت، بل أخذ ~~الفلاحون في إعلان تذمرهم من قلة نصيبهم من المحصول؛ ذلك أنه لم يبق إلا النزر القليل بعد ~~أن دفع للدولة مقدار لقاء استخدام الآلات، ومقدار يسد النقص في الاحتياط المخزون، وبعد أن ~~تسلمت الحكومة حقها كاملا من المحصول، فكانت نسبة ما بقي للمزارعين هي أربعة أرطال ونصف ~~الرطل، أو يزيد قليلا، عن كل يوم في العمل لكل شخص، وهو مقدار يروعك بضآلته، أين هو مما ~~يكفي لإطعام أسرة كاملة بله أن يمكن أصحابه من شراء الثياب وسائر ضرورات الحياة مدى عام ~~كامل. # نعم، إنهم كانوا يأخذون بالإضافة إلى ذلك شيئا من ms221 أنواع الحبوب الأخرى ومقدارا من ~~الخضر، ولكن ماذا كان في مستطاعهم أن يشتروه بما يحصلونه من كدح عملهم؟ إن أرخص حذاء يلبسه ~~ريفي في ذلك الوقت كان ثمنه ثمانين روبلا، وأبسط رداء قطني كان ثمنه مائة، فبالأثمان ~~الرسمية التي كانت الدولة تشتري بها الغلال، لم يكن الفلاح ليستطيع أن يشتري بأجوره مدى عام ~~كامل أكثر من حذاء ورداء واحد! ولما كان النظام الحكومي نفسه هو الذي يشرف على شراء الغلال ~~وبيع الحذاء سواء بسواء، ولما كان ذلك النظام يقتضي أن تحدد الأثمان في كلتا الحالين بما ~~يلائم مصالح الحكومة، فقد كان ذلك النظام في حقيقة أمره استغلالا ذا حدين، وإلى جانبه رجال ~~الشرطة السياسية والمستبدون من أعضاء الحزب يفرضون أنظمة اقتصادية لا تعرف شيئا من الرحمة ~~الإنسانية. # كان بعض الفلاحين أميا لا يعرف القراءة، لكنهم جميعا، من يقرأ منهم ومن لا يقرأ، ~~كانوا يفهمون الظلم بأوفى معانيه، ولطالما قالوا في نغمة الساخر: «اشتراكية، خير لك أن ~~تسميها سرقة ونهبا، فتلك تسمية أدل على المراد.» # قابلت «يوري» خلال تلك الأشهر مرات عدة، وحدث ذات مرة أني تدخلت لصالحه في القسم السياسي ~~فمنعت عنه عقابا، ولقد أيأسه ما صادفه من مر التجربة، وأحزنه أن يرى حركة الحصاد في ~~مزرعته متأخرة عنها في مزرعتي بمسافة طويلة من الزمن، على أن علاقة الود بيننا كانت تقرب ~~بين قلبينا، فكيف يسبق إلى ظني أنه سيصبح بعد أعوام واحدا من جماعة توجه إلي التهم حين ~~كنت في موقف سياسي لا أحسد عليه؟ لست أشك في أنه صنع ما صنع مدفوعا بإرغام لم يكن له ~~قبل برده. # ولما آن رحيلي أوشك أهل القرية جميعا أن يخرجوا لتوديعي، وقد سالت العبرات على وجه ~~«إيفان بتروفتش» ذلك الكهل الرفيق، واستوعدني «شاداي» وأسرته أن أراسلهم، وأخيرا فرقع ~~الحوذي بسوطه لجياده، فلوحت للمودعين مودعا. # الفصل العاشر # | أول ما رأيت من حركة التطهير # لم يكن يسيرا علي أن أوائم بين نفسي وبين مجرى الحياة المألوفة بعد عودتي من أقاليم ~~المجاعة، فالفصول الدراسية ms222 في المعهد، والمؤتمرات التي تعقد في المصنع، والاجتماعات ~~المركزية بل ومكرورات الحياة اليومية في المنزل، كل هذه بدت لعيني تافهة بالقياس إلى ما عدت ~~به من ذكريات، لقد كنت ثائرا قلقا، وحاول أبي أن يسترويني قصة كاملة عما شهدته، لكنه حاول ~~عبثا فأمسك، وسرعان ما تنمو عند الشيوعيين مناعة تحول بينهم وبين التأثر بما تردده الصحف ~~والمذياع والاجتماعات من ألوان اللجاجة الجوفاء، أما أنا فقد عدت من ثورة النفس بحيث كانت ~~هذه الأشياء تحرك في صدري شجنا أوشك أن تكون له لذعة الألم ينزل بالبدن. # وإذ أعود الآن بالذاكرة إلى ذلك العهد، أراني أميل إلى العقيدة بأني إذ ذاك كنت قد بدأت ~~في طوية نفسي وثنايا ضميري، أن أعتزل الحزب، فالمفازع التي شهدتها في الريف تركت في نفسي ~~جروحا هيهات أن تندمل، ومع ذلك، فلهذا السبب عينه أخذ عقلي الواعي يتلمس تلمس اليائس ~~طريقا يهادن به ضميري، وما أحسب أن قد كان أمامي طريق آخر، في ظروف تحتم عليك إذا أردت ~~أن تعيش، أن تذعن للأمر الواقع الذي لم يكن منه مهرب لهارب. # ومع ذلك فلم يكن في مقدور إنسان أن «يترك» الحزب حين يشاء، بل لم يكن في مقدور إنسان أن ~~يتراخى في نشاطه إزاء الحزب أو أن يبدي من الأمارات ما ينم عن ضعف إيمانه فيه، فإذا ما ~~التحق إنسان بالحزب فقد وقع في الفخ إلى الأبد، نعم يجوز للحزب أن يطرده، ويكون معنى ذلك أن ~~تنزل به الكوارث، لكن ليس في وسعه هو أن يتنحى منشقا عليه، فلو كنت أظهرت ما يدور في ~~صدري من عواطف على حقيقتها؛ لكانت النتيجة إبعادي عن المدرسة ووصمي بالعار وتعقبي بألوان ~~الاضطهاد، بل ربما كانت النتيجة المحتومة أن يزج بي في معسكرات الاعتقال أو ما هو شر من ~~ذلك وبالا. # كان لزاما علي أن أكتم عواطفي بين جوانحي، كان لزاما علي أن أدسها دسا في أعماق ~~فؤادي، هذا إلى ما بذلته جاهدا أن أستعيد للحزب ولائي، فلئن كان ذلك ضرورة في ms223 الظروف ~~المعتادة، فقد كان عندئذ أشد ضرورة؛ لأن حركة التطهير قد نشرت قلاعها للريح. # عينت مئات من لجان التطهير، ولم يكن ليمضي طويل وقت قبل أن تعقد تلك اللجان ~~اجتماعاتها العلنية في المصانع والمكاتب ودور الحكومة والمعاهد، وكان على كل شيوعي في ~~البلاد أن يذعن لما يطالب به من محاكمة واعتراف، واشتد شعورنا عندئذ بأننا محاطون من كل ~~جانب بالعيون الرواصد والآذان المنصتة، تلك العيون والآذان التي تخفى عن النظر لكنك تحس ~~وجودها في كل مكان، وكذلك اشتد شعورنا بالأضابير الضخمة التي سجلت في أوراقها دخائل ~~حياتنا الخاصة ومكنون أفكارنا، وبأعدائنا الذين قد ينتهزون مثل هذه الفرصة فيبرزوا ما لنا ~~من سقطات، ما هو حقيقي منها وما هو من نسج الخيال. # كان السؤال الذي يسبق إلى ذهني وإلى ذهن كل شيوعي إذ ذاك هو هذا: ترى هل تمضي عني موجة ~~هذه المحنة سالما؟ هذا سؤال رن صداه في كل وجه من وجوه نشاطنا، وفي كل عبارة من ~~أحاديثنا، لم نعد ندبر للمستقبل سبيلا، فلا مستقبل هناك إلا إذا اجتزنا في سلام تلك ~~العقبة الكأداء. # كنت ترى في كل طابق من طوابق معهد سبك المعادن صندوقا خاصا أعد لتلقى به ~~«الإقرارات» عن الشيوعيين، ممهورة بتوقيع مرسلها أو غفلا من التوقيع، وواصل أعضاء «القسم ~~الخاص» خلف بابهم الحديدي ليلهم بنهارهم يرتبون تلك الشكاوى ويبوبونها ويقارنونها بعضها ~~ببعض، فوقت التطهير هو الموسم الذي يتيح لكل إنسان أن يتصيد من يكن له ضغينة، هو الموسم ~~الذي يفسح المجال للحاسدين والناقمين والمرائين. # كانت كل لجنة من لجان التطهير تتألف عادة من عضوين أو ثلاثة أعضاء وعليهم رئيس، كلهم من ~~رجال الحزب الذين لا تشوب ولاءهم شائبة، ومثل هذه اللجنة تكون بمثابة المحكمة، لها حق ~~الاتهام وحق القضاء في آن معا، وكان رئيس اللجنة التي عقدت في المعهد رجلا اسمه الرفيق ~~«جالمبو»، وهو رجل ارتفع فيما بعد إلى منصب وزير الشعب لصناعة سبك الحديد. # فإذا ما تبين لإحدى اللجان عن أحد أنه معيب سحبت منه تذكرة ms224 الحزب وأصبح عضوا سابقا، وهو ~~أمر يختلف كل الاختلاف عن كونه لا ينتمي إلى الحزب عضوا من أعضائه، فمن ينعت بأنه عضو ~~سابق فهو طريد لن يكون أهلا للثقة حتى ختام حياته، ولا سبيل أمامه للرقي، وإذا ما حزب ~~البلاد أمر، عد هذا العضو السابق خطرا على الشعب، إن أفظع ما ينزل بعضو الحزب من نكبات ~~هو أن يطرده الحزب من عضويته؛ لأن ذلك يجعل منه مجذوما سياسيا يجتنبه الأصدقاء السابقون ~~وينكره الأقرباء الذليلون، وإذا ما التقيت به عرضت نفسك لخطر سياسي وهو أن توضع في القائمة ~~السوداء. # إذن فقد كان هناك من الأسباب ما يكفي لتبرير هزة الخوف التي ارتجف بها المعهد كله حين ~~اقتربت منه موجة التطهير، وكان ذلك حين دنا عام 1933م من ختامه، وإنه لخوف كانت به مسحة من ~~هوس، فالصحف تنشر القوائم بمن جاء دورهم في التطهير وأين ينتظر أن تقع عليهم الواقعة، ولكل ~~إنسان أراد الوقيعة بمن دنا دوره أن يرسل اتهاما إلى لجنة التحقيق فيضاف إلى ما جمعه الحزب ~~فعلا في ملفاته وفي «ملفات» الشرطة السياسية، ولئن كان من الطبع الإنساني أن تغتبط إذا ما ~~نزلت النوازل بجيرانك الذين يعلونك مقاما أو يسبقونك في الحياة نجاحا، فلقد زادت الآن هذه ~~الحركة التطهيرية تلك الميول الفطرية شدة وسعيرا. # وبالطبع كان الشرط الأول لاحتفاظك بعضوية الحزب هو أن تكن للقادة ولاء لا ذبذبة فيه، ~~وأن يكون ولاؤك ناصعا لا تشوبه شائبة ل «ستالين» بوجه خاص، وإنه ليكفي أن يقول عنك فلان عن ~~فلان عن فلان تلميحا خفيفا يفيد «انحرافك» عن جادة الولاء الخالص، لكي تورد موارد ~~الهلاك، بل إن أخص خصائص الحياة الداخلية لمن وقع عليه التطهير، وما يدور في رأسه من خواطر ~~في كل الشئون كائنة ما كانت، استهدف لهجمات الناس علانية دون أن يروا في ذلك ما يعاب، ~~وكانت إجراءات التحقيق تحتوي على أفظع الفظائع التي عرفت في حمل المتهم على الاعتراف، ~~وفي جعله عرضة لشهادة الزور وفريسة لألوان التعذيب على أيدي الشيوعيين، ms225 أما الفريسة القنيصة ~~فقد كانت ترى وقت المحاكمة محنة رهيبة، وأما النظارة فكانوا في أغلب الأحيان كأنما يشاهدون ~~مسرحا لترويض الوحوش، وكان حضور هذه المحاكمات خلال أسابيع التطهير كلها إلزاما محتوما ~~على كل من ينتمي للحزب، وأما من ليسوا في الحزب أعضاء من غمار الشعب فيغرونهم بالحضور ~~بشتى وسائل التشجيع. # ولم يكن أحد من الشيوعيين ليخطر قبل محاكمته بالتهم التي يكون في النية توجيهها إليه، ~~فكانت هذه القلقلة أشد ما يحرج الصدر من عناصر المأساة، إذ كان عليك أن تتحسس طريقك في ~~الظلام لتكون على أهبة لما عسى أن يفجأك من مباغتات، فتستعرض ماضيك مرة بعد مرة متسائلا: ~~ترى من أين يأتي الخطر؟ # ألم يحدث مرة أنك أفرطت في الحديث ذات مساء منذ ثلاثة أعوام مدفوعا في حديثك بما بعثته ~~روح الزمالة في نفسك من طمأنينة؟ قد يكون واحد من هؤلاء الزملاء الذين ركنت إلى حسن طويتهم ~~وشى بك منبئا بما أفرطت به من ملاحظات. إن أحد أعمامك كان ضابطا في عهد القياصرة، نعم قد ~~لا تكون التقيت به أبدا، ولكن ماذا لو حدث أن أحدا استخرج هذا الشبح من مكمنه وإذا أنت ~~متهم «بإخفائه» عن الحزب، إن امرأة كنت أحببتها قبض عليها بعد حبك إياها بتهمة الانحراف ~~نحو اليمين؟ ماذا لو فوجئت بتهمة يقذفونك بها قذفا لعلاقة نشأت بينك وبين من يعادي النظام ~~الاجتماعي؟ إن «بافلوف» ينتظر له الإبعاد من الحزب، فكيف أنسلخ عنه قبل أن يجرني معه إلى ~~مهوى الدمار؟ انج بجلدك على أي نحو ومهما تكن الظروف؛ لأنك ها هنا إنما تخاطر بالحياة ~~نفسها. # بدأ التطهير في معهدنا بصورة رسمية بخطبة طويلة مملة ألقاها الرئيس «جالمبو»، قال: «إن ~~حزبنا العزيز قد امتلأت شعابه «بعناصر غريبة» وأعداء متلونين ووصوليين ومنشقين مقنعين ~~وأفراد يقاومون نظامنا الاجتماعي مقاومة حقيقية، وواجبنا أن نخرجهم من بين صفوفنا فننتزع ~~أقنعتهم من على وجوههم ونعرض خبثهم في ضوء النهار، إن البلاد قد فرغت لتوها من تأميم ~~المزارع ومحو المالكين الزراعيين باعتبارهم طبقة اجتماعية قائمة ms226 بذاتها، وقد ختمت مشروع ~~السنوات الخمس الأول وحالفها فيه التوفيق، وها هي ذي تبدأ مشروعا آخر لسنوات خمس أخر، ~~فهؤلاء الذين يداخلهم الريب في أننا نسير في طريق قويم مؤد إلى الاشتراكية الكاملة ~~والحياة السعيدة هم أنجاس عقدوا الخناصر مع أعداء البلاد، فلا بد من اقتلاعهم من جذورهم ~~ليسلم الحزب وزعيمه الأكبر وأبوه الرفيق ستالين المحبوب!» # وكان كلما ذكر اسم الزعيم؛ دوى المكان بالتصفيق لبضع دقائق يسودها قلق في ~~النفوس. # وأخيرا دارت عجلة التطهير دورتها، وهاك وصفا للإجراء الذي اتبع: يجلس أعضاء اللجنة ~~خلف منضدة ملفوفة بغطاء أحمر، وفوق منصة تزينها صور الزعماء كما تزينها عبارات مما تجري به ~~الألسنة دفاعا عن الحزب، وفي أبرز مكان يوضع تمثال نصفي لستالين، تزخرفه عقود من الزهر، ~~فإذا ما بدئ في محاكمة شيوعي، نودي إلى المنصة، حتى إذا ما بلغها سلم تذكرة الحزب التي ~~معه، وأخذ يقص قصة حياته، فتجيء القصة بمثابة التقرير السياسي والاعتراف الروحي؛ لأنه كان ~~يدلي بمختصر عن أصله ونشأته وسيرته واهتماماته، ويعترف خلال ذلك بما اقترف من خطايا وأشباه ~~الخطايا، وما زل فيه من عثرات، وإنه لمن الخير لك أن تنبئ بنفسك عن أخطائك، لو شككت في أن ~~اللجنة قد يكون لها علم بها، «فإخفاء» شيء كائنا ما كان عن الحزب يضاعف من وزر الجريمة ~~التي أخفيتها. # فإذا ما فرغ المتهم من اعترافاته، أخذ أعضاء اللجنة ومن شاء من النظارة يوجهون إليه ~~الأسئلة، فيذكرونه بما قد أهمل ذكره في روايته، ويوقعونه في أقوال ينقض بعضها بعضا، وكان ~~لمن شاء من الرفقاء أن يتكلم في صالحه أو في غير صالحه، فإذا كانت اللجنة تميل إلى جانبه، ~~جاءت المحاكمة قصيرة في العادة وصورية لا جد فيها، أما إذا أحس النظارة أن المتهم لا ~~يتمتع من اللجنة بالرضى، أو أنه منها على السفود، فإنهم يثبون عليه وثبا، ويدقونه ~~بأقدامهم دقا بغير رحمة، وخصوصا أصدقاءه والمتصلين به، فهؤلاء يأخذهم الخوف على أنفسهم ~~ويسارعون إلى رشقه بألفاظ غلاظ مع الراشقين؛ حماية لأنفسهم من الأذى، ms227 وقد تدوم المحنة نصف ~~ساعة، وقد تطول مساء بأسره، وأحيانا يستطيع المتهم أن يرد عدوانا بعدوان، وأن يناقش ~~ويدلي ببرهان براءته، ويبكي ولكنه أحيانا أخرى ينعقد لسانه من شدة الهجوم فيظل في صمت ~~رهيب. # أما من اجتاز التطهير آمنا فترد له تذكرة الحزب ويهنئه الأصدقاء الذين انزاح عن صدورهم ~~هم ببراءته عبء فادح، وكانت اللجنة أحيانا تؤجل حكمها حتى تزداد للقضية بحثا، وأما من ~~انتهت محاكمتهم بالطرد من الحزب فيهملون ويجتنبهم الناس ، فتراهم يقفون في عزلة يتلفتون ~~حولهم في حيرة فلا يرون أمامهم إلا عالما تحطمت قوائمه، ثم ينسلون خارج القاعة يملؤهم ~~الشعور بأنهم طريدو القانون منبوذون، وما أكثر ما كان هؤلاء المطرودون يزهقون أرواحهم ~~بأيديهم. # أمثال هذه اللجان التطهيرية لم يخل منها موضع من بلاد السوفيت على رحبها، ريفها والمدن، ~~وكانت الصحف والمذياع تذيع مقتطفات من هذه المعارض الصاخبة، وكانوا يصفون هذه الحركة في ~~جملتها بأنها «ديمقراطية حزبية»، لكني إذ كنت جالسا في قاعة المحاضرة في المعهد، أخذني ~~شعور عجيب بأن هذا الذي أرى إن هو إلا جزء صغير من مسرحية كبرى يمثل فيها ملايين الرجال ~~والنساء، ومسرحها هو سدس اليابس على هذا الكوكب الأرضي. # أخذ اضطرابي العصبي يزداد رويدا رويدا، إذ كنت أنتظر في قلق دوري على المسرح. # صاح الرئيس جالمبو: «الرفيق سانين، من فضلك.» فتقدم إلى المنصة بخطوات سريعة رجل أشقر ~~الشعر، تقع سنه بين الثلاثين والأربعين، وسلم تذكرته. كان نحيلا وسيم المحيا يلبس ~~منظارا، كلنا نعرفه ونحبه، هو محاضر في الرياضة، محبوب لقليل من الضعف فيه، ولأنه لا يغالي ~~في الدقة، وأخذ يروي قصة حياته، فهو ابن فلاح، بدأ سيرته في الشيوعية بالتحاقه عضوا في ~~هيئة الشباب الشيوعي، واستهل حياته المهنية عاملا بسيطا يعمل على المخرطة في أحد ~~المصانع، ثم التحق بالمعهد وقام فيه ببحث، وانتهى أمره إلى التدريس. # كانت سيرة حياته التي رواها كأنما هي المثال يحتذى، وأخذ السأم يدب في نفوس النظارة ~~مما يسمعون، لولا أن قوطعت هذه السيرة النقية بسؤال وجهه عضو في ms228 اللجنة. # قال في صوت خافت: «أيها الرفيق سانين، هل حدث مرة أن وقعت برنامجا يقوم على أساس مذهب ~~تروتسكي مع طلاب آخرين أيام دراستك؟» # هنا حدثت حركة بين النظارة وأخذ الناس يتهامسون ويتبادلون النظرات. ~~- «نعم، لقد فعلت، لكني عدت فتبرأت منه منذ أمد طويل، وكل الناس يعرفون موقفي ~~منه.» # فقال عضو اللجنة في إصرار: «إذن فقد وقعت ذلك البرنامج ولست بمنكر هذا؟» ~~- «بالطبع لا أنكر ذلك، فلم أكتم ذلك سرا عن الناس ، إن كل زملائي ليعلمون، وإن الحزب ~~ليعلم، أنني زللت في هذا الخطأ، وأنني اعترفت به فيما بعد.» ~~- «قد يكون ذلك أيها الرفيق سانين، ومع ذلك فإني لا أزال أتساءل إذا كنا قد عرفنا عنك كل ~~شيء، إني لأتساءل هل يعلمون عنك أنك لا تزال تدين بمبادئ ينكرها الحزب ويبرأ منها الشعب ~~السوفيتي؟» # ازداد اهتمام الناس في القاعة على نحو ملحوظ، كأنما شم الجمهور رائحة الدماء، وأخذ الهم ~~يستولي على من كانوا مع «سانين» صحبة منذ دقائق، وجعلوا يرشقونه بالأسئلة صديقا في إثر ~~صديق، ولم تخف غايتهم من ذلك، فقد أرادوا أن «يوقعوه» بأسئلتهم لعلهم بذلك ينقذون رقابهم، ~~وكلما ازداد الزميل به صلة، ازداد حماسة في محاولة إدانته، حتى يبين للناس أنه لم يكن ~~يسايره في شنيع «جرائمه»، ولأنهم يعرفون منه أوجه النقص والضعف، أخذوا يتلاعبون به حتى ~~ارتبك ولم يعد قادرا على أن يقول دائما ما يريد حقا أن يقول. # قال في دفاعه عن نفسه: «أيها الرفاق أعضاء اللجنة، لقد أعلنت منذ أمد طويل براءتي مما كنت ~~قد زللت فيه، إنني لم أؤيد أنصار «تروتسكي» قط تأييدا ذا خطر، فلم أساهم أبدا في هيئتهم، ~~ولم يحدث إلا مرة واحدة في لحظة من لحظات الضعف، أني أغريت بتوقيع ورقة، ثم لم ألبث أن ~~أعلنت براءتي منها، إن هؤلاء الناس الذين يتهمونني ليعلمون عني هذا علم اليقين، ولست أدري ~~لماذا يقلبون الحقيقة فيما يقولون ...» # لكن الرئيس لم يمهله حتى يتم حديثه، وكان في صوته سخرية ظاهرة. # قال: «لا عليك، لا ms229 عليك، إننا نعلم علم اليقين كيف تتلونون أيها التروتسكيون يا أعداء ~~الحزب، إن لدينا من الحقائق ما يثبت أنك لم تتغير في باطنك، وليس مما يخلو من المغزى أن ~~يثير أخلص خلصائك حولك الشكوك.» ثم توجه إلى النظارة وقال: «من يريد الكلام؟» # لم يعد إلى الشك إلا سبيل ضئيل في أن ما يصيب «سانين» أصبح قضاء محتوما، فأما وقد انتهى ~~فيه الرجاء فقد تدافع أصدقاؤه ليركلوه ويدفعوه من ذروته إلى الهاوية، كنت تراهم ينهضون في ~~أماكنهم ليقولوا: إن «سانين» مخادع، يظهر الولاء للحزب ويبطن انشقاقا خبيثا، ولا تسمع ~~منهم أحدا يخصص الاتهام بنقط معينة، بل هم يلقون الاتهام جزافا في عبارات محفوظة، وظلوا ~~كذلك حتى وقع ما لم يكن في الحسبان، فكأنما أحدث بوقوعه هزة كهربائية؛ وذلك أن مهندسا ~~يعرفه المعهد كله ويجله المعهد كله، طلب الكلام. # بدأ يقول: «لقد كنت أصغي في انتباه إلى كل ما قيل في هذا المكان، فلم أسمع نقطة واحدة في ~~صميم الموضوع حقا، أيها الرفاق، إننا الآن نقضي في أمر عضو من أعضاء الحزب، فسنحكم عليه ~~بحياة أو موت من الوجهة السياسية، أين التهم المحددة التي وجهت إليه؟ لم أسمع منها ~~شيئا!» # فلم يقع هذا الدفاع إلا موقع المزيد من الوقود يلقى به في النار، فقد احتدت العواطف، ~~وأمعن زملاء «سانين» في وصمه بما يشين وفي قذفه بألوان السباب، شجعهم على ذلك أعضاء اللجنة ~~الذين كانوا بغير شك قد اتخذوا قرارهم في شأن «سانين» قبل انعقادهم، وقضي الأمر وطرد ~~الرجل من الحزب. # وما هو إلا أن بدأنا نسمع طالبا يقص قصة حياته، كان أسود الشعر كثيفه، فيه الملامح ~~السامية، وهو شاب سيرة حياته قصيرة، فلم تلبث المحكمة أن انتقلت به إلى مرحلة ~~الاستجواب. ~~- «قل لي، أيها الرفيق شلمان، ماذا كانت منزلة أبويك من المجتمع قبل الثورة؟» ~~- «كان أبي خياطا، وكانت أمي زوجة تدير دارها فحسب.» # هنا صاح أحد النظارة قائلا: «إنه كاذب.» # وهنا سرت في الحضور هزة عصبية، وبدا أن جلسة المحكمة هذه المرة ms230 ستكون ممتعة بعد ما أحس ~~به النظارة من سأم، فالمتهم «شلمان» من ذلك الطراز المكتئب الغارق في كتبه، ليس له من ~~الأصدقاء إلا نفر قليل. # توجه «جالمبو» بالكلام إلى الرجل الذي صاح من النظارة، وكان واضحا أن صيحة الرجل لم ~~تكن مفاجأة للجنة، قال جالمبو: «كيف تستطيع أن تقيم البرهان على أن عضو الحزب الذي نحن بصدد ~~اتهامه، قد خدع اللجنة والحزب جميعا؟» ~~- «برهان ذلك يسير، ف «شلمان» وأنا من مدينة واحدة هي «شركاسي»، وقد التحقت منذ أمد قصير ~~بالمعهد فكان لي بذلك أن شهدت «شلمان» لأول مرة، لكنني أعرف أسرته وأعرف أن أباه كان صاحب ~~دكان للخياطة، وأنه كان يستخدم عددا من العمال، فكان بذلك ممن يستغلون الأيدي العاملة، ~~وكان دكانه في شارع ألكساندروفسكي، أنا أزعم لكم ذلك وأعلم صدق ما أنا زاعمه، ف «شلمان» - ~~باعتباره ابنا لرجل استغل الأيدي العاملة - يجب طرده من حزبنا المحبوب.» # اصفر وجه المتهم وأخذ في اضطرابه العصبي يطقطق أصابعه، فقد دارت عليه دوائر الحوادث على ~~نحو لم يتوقعه، وأوشك ألا تكون له القدرة على ترتيب ألفاظه. # نقر الرئيس على المنضدة يأمر بحفظ النظام، وسأل المتهم متجهما: «هل أنت من ~~شركاسي؟» ~~- «نعم، هذا صحيح، وقد ذكرت ذلك.» ~~- «هل كان لأبيك دكان للخياطة في العنوان المذكور؟» ~~- نعم هذا صحيح، لكنه لم يستغل أحدا، كان سائر العمال بمثابة الأعضاء في شركة وأبي ~~رئيسهم، إني أقسم لكم أيها الرفاق إن الأمر كان تعاونا اقتصاديا بينهم، أضف إلى ذلك ألا ~~شأن لي بالأمر إطلاقا، فأنا قد اشتغلت عاملا في مصنع في مدينة أخرى.» ~~- «ألم يكن هو أباك؟» ~~- «يقينا، يقينا، إنه أبي.» ~~- «إذن فقد أخفيت عن المحكمة أنك سليل أسرة من المستغلين.» ~~- «أنا لا أخفي شيئا، كان الأمر شركة تعاونية اقتصادية، وعن نفسي أنا فقد اشتغلت في ~~مصنع، وصحيفتي باعتباري عضوا في الحزب وباعتباري طالب علم لا عيب فيها.» # كانت الطريقة التي يتحدث بها في غير صالحه؛ لأنه كلما ازداد اضطرابا ازدادت نبرته ~~اليهودية وضوحا وبروزا، وطافت بالقاعة موجة ms231 خفيفة من الضحك، ثم أخذنا نسمع صيحات، فواحد ~~يصيح «أخرجوه» وآخر يصيح «اطردوه إنه خدع الحزب!» وغادر «شلمان» المنصة فتعثر؛ لأن ~~عبراته قد أعمت ناظريه، ولم يكن يخفى على أحد أنه سيطرد من المعهد وأن مستقبله قد ~~انهدم. # وجاء بعد ذلك عدد من المتهمين جرت محاكمتهم على صورة مكرورة مألوفة، ثم ردت لهم تذاكر ~~عضويتهم، وبعدئذ جاء دور الرفيق «تسارف» فكان محط الأنظار، لقد كان في نحو الأربعين لكنه ~~لم يزل طالبا ، وكانت جبهته وصدغاه قد تغضنت بفجوات عميقة، وكنت ترى في حركاته سرعة ~~وعسكرية، ثم سرعان ما كشف اعترافه عن خدمته بالجيش أعواما عدة، وأنه ساهم بنصيب موفور في ~~الحرب الأهلية، ثم ينتهي أمره إلى أن يكون موظفا في مصنع، وبعد ذلك بعامين اجتاز مرحلة ~~الدراسة الثانوية في المعهد، وقال إنه متزوج ذو طفلين. # سأل الرئيس: «قل لي أيها الرفيق «تسارف» ماذا ارتأيت في نظام المزارع الجماعية، أي موقف ~~اتخذته حيالها على وجه الدقة؟» ~~- «أي رفيقي، لقد اشتغلت في القرى وعاونت في حل طائفة المالكين الزراعيين باعتبارهم طبقة ~~اجتماعية قائمة بذاتها، وإني لأعترف أنني وجدت من الإجراءات ما أحدث في نفسي حيرة وضيقا، ~~لكني كنت راضيا عن الحركة من حيث المبدأ.» ~~- «الظاهر أنك لم تفهم سؤالي، أيها الرفيق «تسارف»، أو ربما آثرت لنفسك ألا تفهمه، فلست ~~الوحيد الذي أحس حيال هذا المشروع العظيم ضيقا، لكنني أحب أن أعرف استجابتك للمشروع من ~~وجهة النظر السياسية.» ~~- «لم أقف إزاء الحزب موقف المعارض قط.» # فلوح عضو اللجنة ببضع أوراق في يده الله أعلم ماذا تكون، وقال: «ليس ما تقول صوابا لسوء ~~الطالع، فلدينا ها هنا من الحقائق ما يثبت أنك إبان تسريح المالكين الزراعيين بدرت منك ~~إشارة استحسان لما كان قرره «بخارين» من أوجه النقد للرفيق «ستالين»، أيها الرفيقان ~~«كاساريك» و«سوموف» تقدما وأيدا أمام اللجنة ما قررتماه في هذا الشأن.» # كان كثير منا يعرف هذين الطالبين، فهما ممن يدرسون قليلا ويتكلمون كثيرا، وها هما ~~يتقدمان إلى صدر القاعة ويعيدان من الذاكرة ما ms232 حفظاه من اتهام مؤداه أنهما حين كانا في ~~الريف مع «تسارف» سمعاه يتحدث بلسان النقد عن سياسة المزارع الجماعية على وجه الإجمال، وهما ~~يسوقان مقتطفات بنصها مما يزعمان أنه كلام المتهم، وكنت ترى «تسارف» يحاول المقاطعة، لكن ~~محاولاته كلها في هذا السبيل ذهبت هباء، ولم يك ثمة سبيل إلى الشك في أن قضيته ~~خاسرة. # هنا تصبب العرق البارد من جبيني، فالسلوك الذي سلكه «تسارف» في الريف، بل وألفاظه ~~بنصها، تذكرني بما سلكت وما نطقت. # واتجه الرئيس نحوه قائلا: «تسارف، ألا تزال تنفي عن نفسك الخروج على مبادئ ~~الحزب؟» ~~- «نعم، وإنهم ليبالغون، أضف إلى ذلك أن النقد ليس بالضرورة خروجا على الحزب، فلست إلا ~~إنسانا من البشر، وقد كان حولي من صنوف الألم ألوان وأشكال.» # فصاح «جالمبو» ليسكته خشية أن يقول ما لا ينبغي أن يقال: «إن من يضمرون الولاء من أعضاء ~~الحزب يثقون بلجنتهم المركزية وزعيمنا المحبوب الرفيق ستالين.» فصفق هنا الحاضرون، «إن ~~الحزب لا يفسح من صدره مكانا لأمثالك ممن تبلغ بهم القحة أن ينكروا أخطاءهم.» وهنا صفق ~~الحاضرون مرة أخرى، «مطرود.» # فصاح «تسارف» قائلا: «سأرفع شكاتي إلى اللجنة المركزية، إن صحيفتي إبان الحرب لتعلن عن ~~مجدها، وأصبت نجاحا فيما وكل إلي في الريف من مهام، لقد أرقت دمي في سبيل الثورة، ~~وليس لكم الآن أن تقوضوا بنيان حياتي.» # ولكن أعضاء اللجنة أداروا لهذا القول آذانا صماء، وأخذوا يعدون ملفات القضية التالية، ~~كان «تسارف» في المعهد مقربا إلى القلوب جميعا، أما الآن فهم يجتنبونه، إذ هو يغادر ~~المنصة، إنه يوشك ألا يصدق ما قد حدث، ما قد حدث له وهو من هو بين سائر الناس! # وتلاه على المنصة «ديخوفتسف» الذي جعل يشتغل بيديه عاملا منذ أن كان في الثامنة من عمره ~~وأصبح رئيسا لطائفة من العمال، ثم وقع عليه الاختيار من بين «الألوف» ليكون مهندسا، ولقد ~~جاء حديثه الآن بحيث يترك في السامعين أعمق الأثر، وكانت إجاباته عن الأسئلة السياسية التي ~~وجهت إليه، وعن الأسئلة التي أريد بها اصطياده ms233 في الفخ فيما يتعلق بالحزب وتاريخه، كانت ~~إجاباته كلها بغير شائبة تشوبها. # سأله «جالمبو» سؤالا كأنما هو عابر: «هل أنت متزوج أيها الرفيق ديخوفتسف؟» ~~- «نعم!» ~~- «متى تزوجت؟ ومن زوجتك؟» ~~- «تزوجت في العام الماضي، وزوجتي ابنة وراق، وهي تشتغل الآن بصناعة التمريض في أحد ~~المستشفيات.» ~~- «قل لي: هل سجلت زواجك أو لم تسجله؟ بعبارة أخرى: كيف جعلت من زواجك زواجا ~~شرعيا؟» # احمر وجه «ديخوفتسف» وأخذ يتململ في ارتباك وحيرة، ثم أشرقت عليه فجأة علة التماس هذا ~~السؤال، واشرأبت أعناق النظارة وأرهفت منهم الآذان، وساد المكان سكون تام، وأخيرا تكلم ~~المتهم بصوت خافت، فاعترف بالحقيقة المروعة. # قال مطأطئ الرأس: «تزوجت في الكنيسة.» # وبهذا القول انفجر الصخب من جوف السكون السائد، إذ ضحكت النظارة في قهقهة اهتزت لها ~~أجسادهم. # وعلا «ديخوفتسف» بصوته فوق الضحك، وقال: «أنا أعلم يا رفاقي أن مثل هذا الكلام يبعث على ~~الضحك، إنه مهزلة مضحكة وأنا بذلك أعترف. إن الحفل يعقد في الكنيسة ليس يعني عندي شيئا، ~~صدقوني فيما أقول، لكني شغفت بزوجتي حبا وأبى والداها علي زواجها إلا إذا قبلت مهزلة ~~الكنيسة، إنهما رجعيان، وليست زوجتي بأقل مني استخفافا بالخرافات، لكنها الابنة الوحيدة ~~لأبويها ولم ترد أن تؤذي الأبوين الشيخين. # ناقشتها ورجوتها وأنذرتها أن ذلك لن يؤدي إلى خير نرجوه، لكنها لم تذعن، ولم أستطع العيش ~~بغيرها، فانتهى أمرنا إلى زواج عقدناه في كنيسة ريفية بعيدة، ولما كنا في طريقنا عائدين، ~~أخفيت برقع العرس وزهوره في محفظة أوراقي.» # لم يملك الحاضرون إلا مضيا في زئاطهم، ونقر الرئيس يطلب النظام، ولا نظام، وفقد ~~«ديخوفتسف» اتزانه فازداد بصوته ارتفاعا: «أؤكد لكم أننا بالله كافران، إن زوجتي عاملة ~~وأنا ماض في دراستي ولنا طفل، أتوسل إليكم يا رفاقي أن تصفحوا عن زلتي، إني أعترف أنني قد ~~أذنبت بما أخفيت من هذه الجريمة عن الحزب.» # وحاول كثير من الناس أن يدفعوا عنه الأذى، لكنه طرد، فليست جريمته تنحصر في عقد زواجه ~~بالكنيسة فحسب، بل ما هو أخطر من ذلك، وهو أنه قصر ms234 فلم ينبئ رؤساءه بمثل هذا العدوان ~~الفظيع على مبادئ حزبه. # هكذا مضت حركة التطهير بوما بعد يوم، فتبدأ الجلسة بعد الفراغ من الدراسة فورا، أي نحو ~~الساعة الخامسة عصرا، ثم تظل منعقدة حتى تضرب في أحشاء الليل، وفي ختام الأسبوع الأول، وقد ~~أصبح الأمر مشهدا لأفظع المآسي، بما يصاحبه من عبرات وضحكات ولهو العابثين، فوجئنا بما ~~هزنا فأيقظنا؛ ذلك أن معلما موهوبا وإخصائيا في البحث العلمي، وهو الرفيق «بطرس ~~بولكين» نودي للمحاكمة، إننا نعلم عنه أنه من أب قسيس، وهي حقيقة تزعزع موقفه، ولو أن أباه ~~بطبيعة الحال قد برئ من الكنيسة، بل والتحق بجمعية «الكافرين بالله» ليمحو من صحيفة أبنائه ~~نقطة سوداء. # وما كان «بطرس» ليقبل عضوا في الحزب بغير انسلاخ أبيه عن الكنيسة، على الرغم من أنه ~~عالم بارع، لقد أخلص الرجل للعلم إخلاصا نسي فيه نفسه، فواصل العمل ساعات بعد ساعات، يشير ~~على كثير من المصانع، ويقف أمام مخابير العامل، ويشرف على طلابه في حجرات الدرس، فكأنما ~~أسرف في حماسته للعلم على هذا النحو ليمحو «عارا» يصمه من تاريخ أسرته. # وتصادف أني قابلته في البهو صباح اليوم السابق ليوم محاكمته في التطهير. # سألته: «كيف حالك يا بطرس؟» ~~- «ليست حالي أطيب حال يا «فيتيا»، فما أدري أيصيب السهم مني مقتلا فأسقط صريعا أم يخطئ ~~فأنجو.» # وضحكت قائلا: «أوهو! ما دمت قد جعلت تتمثل بشعر من نظم «يوجين أونجين» إذن فقد ملأ صدرك ~~الهم.» # أخذ يروي قصة حياته على مسمع من الحضور الذين زاد عددهم عن المألوف، ولعله فيما أظهر من ~~براعة في طريقة الاعتراف قد استفاد من أصله الكنسي، فقد صرح أنه لم يستر قط وصمة العار في ~~حياته، زد على ذلك أن أباه قد طلق العقيدة الدينية تطليقا أعلنه للناس في الصحف، ومضى ~~فقال: إنه لم يكن يسيرا أن يمحو القديم ليستبدل به جديدا، بل اقتضاه الأمر مجهودا شاقا ~~طويلا لكي يقضي على كل أثر من آثار الخرافة التي تلقاها إبان الطفولة، لكنه فعل ذلك ~~ووفق فيما ms235 فعل أيها الرفاق، وها هو ذا قد كرس كل فكره للبحث العلمي، فالبحث العلمي - ~~فما يرى - خير وسيلة يستطيع أن يخدم بها الحزب وستالين. # قال «جالمبو» الرئيس: «قل لي أيها «الرفيق بولكين» هل طال عهد اتصالك ب «سانين»؟» ~~- «نعم، عرفته منذ أمد ليس بقصير، كنا زميلين في الدراسة، وتخرجنا في المعهد معا، وها ~~نحن أولاء زميلان في التدريس ها هنا.» ~~- «هل علمت أن «سانين» وقع على وثيقة تتشيع لمذهب تروتسكي؟» ~~- «نعم علمت ذلك كما علمه كثيرون من الحاضرين الآن.» ~~- «لست أسألك عن سواك، بل أسألك عن نفسك.» ~~- «نعم، علمت ذلك عن «سانين»، ولست بمنكر ذلك.» # هنا رفع «جالمبو» صوته في غضب: «وإذن فلماذا لم تنبئ لجنة التطهير أنك كنت تعلم ~~ذلك؟!» ~~- «لم أجد ما يدعو إلى مثل هذا النبأ، لقد بلغ من شيوع العلم بهذه الحقيقة ما أبعد ذكرها ~~عن روايتي، إن «سانين» نفسه قد استنكر زلته علنا، وقد مضى على الحادث وقت طويل.» ~~- «اسمع يا «بولكين» إنك لا تنكر أنك كنت على صلة وثيقة ب «سانين» وإنك بين أعضاء الحزب ~~لرجل عليم ببواطن الأمور، وكان ينبغي عليك أن تعرف كيف يخفي أعداء الحزب - سواء منهم من ~~يجنحون إلى يمين أو شمال - حقيقة أمرهم، فهل أظهرت ما يدل على يقظة بولشفية فيك؟ هل بلغت ~~الحزب بما كان يقوله «سانين» من كلام كلنا يعرف الآن ما هو؟» ~~- «إنه لم يقل شيئا من هذا القبيل على مسمع مني قط، وليس لدي ما أقوله غير ~~هذا.» ~~- «هذا جميل، وهل عرفت بونوموريف؟» وبونوموريف هذا عضو آخر من أعضاء الجماعة التي تهاجم ~~الحكومة. ~~- «نعم عرفته، وقد وقع هو كذلك على البيان الذي يدعو إلى سياسة تروتسكي.» ~~- «وهل أنبأت لجنة التطهير بأمره؟» ~~- «لا، لم أفعل لنفس الأسباب التي أبديتها في حالة سانين.» ~~- «وبعبارة أخرى أنت لم تقتصر على أن يكون لك أصدقاء من أنصار مذهب تروتسكي، بل زدت على ~~ذلك أن أخفيت دسائسهم الحقيرة عن الحزب.» ~~- «أولا ليس هؤلاء المعلمون أصدقاء شخصيين لي، لكنهم زملاء المهنة، ms236 أي أنهم معي في هيئة ~~التدريس لا أكثر ولا أقل، وثانيا لم يكتم أحد منهم ماضي حياته سرا.» ~~- «يظهر أيها الرفيق بولكين أنك لا تدري أن الحزب يجاهد في مناهضة المنشقين عليه، إنك ~~فيما يبدو تنظر إلى هذا الكفاح كله نظرة استخفاف، أليس كذلك؟ فليس من الخطر في رأيك أن يكون ~~أصدقاؤك تروتسكيين مقنعين، هذا أمر لا يعنيك، فكيف إذن يجوز لنا أن نثق فيك؟» # فقال بولكين في صوت رزين: «لست أرى أين جريرتي!» # فقال جالمبو: «وهذا مما يزيدك في رأينا سوءا.» # هكذا أخذت محاكمة «بطرس» تنحرف في اتجاه يخشى عليه منه، فلما أدرك الناس اتجاه التيار، ~~نهض منهم كثيرون ليغمسوا رأس هذا العالم في الماء فيغرقوه، وقد حدث لواحد من هؤلاء أن أدرك ~~إبان حديثه أنه إنما يفتري كذبا، فغلبه شعوره بالخيانة، والتاث عليه القول في منتصف ~~عبارته، وتلعثم لسانه، ثم انفجر قائلا: «إنني أقول لغوا، إن الرفيق بولكين زميل ممتاز ~~ورجل عظيم.» # فهبط السكون على أرجاء القاعة كلها، كأنما أصيبت بشلل من جراء هذه الصدمة التي وقعت ~~عليها من هذا الفعل الجريء، واضطر أعضاء اللجنة أن ينفقوا خمس دقائق في أقوال خطابية يلهبون ~~بها عواطف أنفسهم بحيث يلبسون لبوس الغضب من جديد، وسحبت من «بولكين» تذكرة الحزب، فدهش ~~لهذا جل الحاضرين. # ولقد علمت فيما بعد أن هذا الطرد قد انتهى إلى سحق أسرته، ثم ازداد الموقف سوءا بطرد ~~أخته - وهي طالبة في معهد آخر - لا لشيء سوى أن أخاها قد ارتكب إثما، وإذن فتضحية أبيهما ~~بعقيدته الدينية لم تنتج نفعا، وتحطمت حياة شخصين، لكن حدث بعد بضعة شهور لم ينقطع خلالها ~~بعض الأعلام من الزملاء من استئناف الحكم الذي صدر ضد «بولكين»؛ لأنهم قدروا فيه نبوغه، أن ~~أعيد الرجل إلى عضوية الحزب، فعادت أخته إلى معهدها تبعا لازما لذلك. # ومضت اللجنة في محاكماتها، وخرج منها أربعة أو خمسة من الزملاء سالمين، ثم جاء دور طالبة ~~نعرفها جميعا ونقدرها جميعا لذكائها وإخلاصها، فنوديت إلى المنصة. كانت سوداء الشعر ~~والعينين، ms237 في نظراتها التماع وفي صوتها رنين، هي من هؤلاء النسوة اللاتي يجذبنك دون أن يكون ~~لهن أدنى درجات الجمال، قالت عن نفسها إنها لأب صانع يشتغل بالنجارة، وإنها عملت في مصنع ~~وهي في أوائل العقد الثاني من عمرها، وإنها أنفقت أمساءها في الدرس حتى وقع عليها الاختيار ~~أخيرا للالتحاق بالمعهد حيث تتلقى في الهندسة منهجا دراسيا. # سألها الرئيس: «أيتها الرفيقة جرانك، هل تزوجت؟» ~~- «نعم!» ~~- «وكم مضى على زواجك؟» ~~- «خمسة أعوام.» ~~- «ومن زوجك؟» ~~- «هو صانع سابق، التقيت به في مهنته، ثم رقي بعد ذلك رئيسا لعمال في مصنع من مصانع ~~صهر الحديد.» ~~- «هل هو عضو في الحزب؟» ~~- «كلا، ليس هو الآن عضوا، لكنه كان فيما مضى.» # وهنا تشمم النظارة رائحة الدم تفوح في الهواء مرة أخرى، فعاد فريق منهم كانوا في طريقهم ~~إلى البهو للتدخين، عادوا إلى مقاعدهم، واشرأبت الأعناق. ~~- «لماذا خرج من الحزب، هل أخرج منه مطرودا؟» # فقالت جرانك في صوت هادئ: «طرد زوجي من الحزب لاشتراكه في حركة المعارضة ~~العمالية.» ~~- «وهل طلقته عندئذ؟» ~~- «كلا!» ~~- «أين زوجك هذا الآن؟» ~~- «ألقي عليه القبض وأودع سجن الشرطة السياسية.» # ها هنا توترت الأعصاب في الحاضرين، فهم الآن إزاء مسرحية بكل معناها، فمن المواقف ~~المألوفة في المسرحيات السوفيتية أن تكون المرأة التي هي عضو في الحزب زوجة لرجل خارج عليه، ~~ونرى الكاتب المسرحي دائما يعمل فنه بحيث تختار الزوجة حزبها دون حبها. ~~- «هل هذه هي أول مرة يلقى فيها القبض على زوجك؟» ~~- «كلا، بل المرة الثانية.» ~~- «ومع ذلك فلم تطلقيه بعد؟» ~~- «لا، لم أطلقه.» ~~- «هل زرته في السجن؟» ~~- «نعم، أزوره كل أسبوع.» ~~- «لماذا؟» ~~- «لماذا؟ لآخذ له معي شيئا من الطعام وثيابه النظيفة وسجائره.» ~~- «أليس هناك من يأخذ له هذه الأشياء سواك؟» ~~- «أظن أن هناك من يستطيع ذلك سواي، فله أم وأخت.» ~~- «إذن فنبئينا لماذا تزورينه في سجنه، إنك عضو في الحزب أليس كذلك؟ ومع ذلك فليس في ~~ضميرك ما يردعك عن معاونة رجل عدو للحزب.» ~~- «إنه زوجي.» ~~- «أوه! إنه زوجك! لكن أليست سلامة الحزب ms238 أعظم خطرا من المصالح الشخصية التافهة؟» ~~- «لست أوافقه من الوجهة السياسية، وأحاول أن أناقشه في الأمر لأرده إلى الصواب، وكلما ~~التقينا دار النقاش بيننا إلى حد العراك.» ~~- «أوه! إذن أنت لا تذهبين إلى السجن إلا مغايظة له؟» # هذه السخرية التي يبثها «جالمبو» في عباراته قد أرخت من الأعصاب المتوترة في جمهور ~~النظارة، فكنت تسمعهم يضحكون آنا بعد آن، ثم أخذت ترتفع من هنا وهناك صيحات: «حسبنا هذا! ~~اطردوها!» # رفعت الفتاة صوتها وقالت: «معذرة أي رفيقي الرئيس، أهذه لجنة لتطهير الحزب أم هي حلقة ~~ألعاب بهلوانية؟ إنني أطالبك بأن تقرر ما يوجه إلي من تهم سياسية، وأمنعك من أن تجعل من ~~حياتي الشخصية نكاتا تضحك بها هؤلاء المتفرجين.» ~~- «إذن فلماذا لم تجيبي إجابة صريحة فتنبئينا على وجه الدقة لماذا تزورين كل أسبوع رجلا ~~هو عدو الحزب ومن الخوارج عليه؟» ~~- «لقد أنبأتك بما تريد، فليس هو زوجي فحسب، بل هو كذلك من بني الإنسان، ومن الجبن ~~والخيانة أن أطلقه حين تحل به الصعاب، إنني لا أتفق معه في وجهة النظر، لكننا عملنا جنبا ~~إلى جنب، ودرسنا جنبا إلى جنب، وعشنا تحت سقف واحد، ويحس كل منا عاطفة إزاء الآخر، فالحق ~~أنا حبيبان!» # فقوبل هذا الاعتراف بضحكات عالية، شيوعية تعلن ولاءها لحزبها وهي تحب سجينا في محبس ~~الشرطة السياسية! # ولخص «جالمبو» الموقف فقال: «اختصارا، باعتبارك عضوا في الحزب، ترفضين حتى الاعتراف ~~بخطئك في الاتصال برجل هو عدو الشعب، ورأيي أن النتيجة واضحة: إن مواطنتنا «جرانك» لا تستحق ~~البقاء في صفوف الحزب، إننا لن نأذن لها بعد ذلك أن تساهم في مصالح بلادنا.» # وقوبل الحكم بالاستحسان وبصيحات: «هذا حق! أخرجوها!» ومع ذلك فقد سرت في الجمهور موجة من ~~العطف عليها حين غادرت المنصة مرفوعة الرأس مرتعشة الشفتين، وسارت في الممشى الأوسط حتى ~~خرجت من القاعة، وهمس في أذني طالب جلس بجانبي قائلا: «إنني لا أدافع عن «جرانك»، لكني رغم ~~ذلك أرى الأمر متعلقا بحياتها الخاصة، ولا ينبغي لنا أن نعالجه على هذا النحو.» فظللت ms239 ~~صامتا؛ إذ من أدراني إن كان جاري قد ثارت نفسه حقيقة أو دفعه إلى قوله حافز خفي آخر، ~~فأراد أن يثير صدري فأنطق بما يودي بي إلى الخطر. # ولما نودي اسم «سريوزا تفتكوف» أخذ قلبي يثب في صدري، إذ لا شك في أن شهادته ستعرض لما ~~صادفه في الريف، وهذا قد يؤدي إلى ذكري، وقد كنت أعلم أنه رجل ذو عاطفة، يخشى على سلامته ~~وسلامتي. # وقف على المسرح وانعقدت عليه الأبصار ، فبدا للعين من اليفاعة وضعف الحيلة بحيث لم يصلح ~~لتلك الوقفة، بل كانت يفاعته بمثابة السبة الشائنة في ذلك المحيط المتجهم، كانت تبدو عليه ~~أمارات الاضطراب واضحة، ومع ذلك فقد أخذ يروي عن نفسه قصة موصولة الحلقات وإبان حديثه لم ~~يزحزح عينيه من ركن القاعة الأقصى، فتعقبت نظرته وإذا هي تنتهي عند أبيه الذي كان يبتسم له ~~مشجعا، ولما بدأ يقص قصة عمله في القرية قاطعه الرئيس: «أيها الرفيق تفتكوف، هل أبوك عضو ~~في الحزب؟» ~~- «نعم، وقد مر خلال محنة التطهير سالما.» ~~- «قل لي كيف كان شعورك إزاء حركة المزارع الجماعية في الريف؟» ~~- هنا رأيت وجه «سريوزا» قد شحب لونه، ووجه نظراته إلي وقال: «أديت الهمة التي كلفتني ~~بها اللجنة الإقليمية، لكنني أعترف أن موقفي إزاء حوادث معينة وقعت في القرية كان موقفا ~~سلبيا.» # فمضى «جالمبو» يقول: «عندنا من الأدلة ما يثبت أنك لم تكن من الحزم بحيث ينبغي أن تكون، ~~وأنك أظهرت ترددا وتباطؤا في البت في أمورك في مناسبات كثيرة، فماذا أنت قائل؟» # هنا شعرت أن «تفتكوف» ستخور قواه فيتهافت ساقطا إذا لم يسعف بما يشد بنيانه، ولم يكن ~~بد من إفساح الفرصة أمامه ليستجمع قواه، فكأنما دفعتني الغريزة دفعا أن أنهض فأطلب ~~الإذن بالكلام. # قال الرئيس: «ما سؤالك؟» ~~- «أطالبك بإعلان اسم الشخص الذي وشى بهذا الزميل.» ~~- «هو موظف في مكتب النائب العام.» ~~- «ذلك لا يغير من الموقف يا رفيقي، إن اسمه مهم هنا، فقد كنت في الريف مع الرفيق تفتكوف ~~وأعلم الحقائق.» ~~- فوافق الرئيس قائلا: «إذن ms240 فاسمه أرشينوف.» ~~- «ذلك ما رجحت أن يكون.» قلت ذلك في نغمة الظافر فكأنما أثرت بذلك في «سريوزا» حبل ~~الحديث، هذا إلى أن فترة المقاطعة هيأت له فرصة تهدأ فيها نفسه الثائرة، فمجرد ذكر اسم ~~«أرشينوف» قد استثار فيه الغضب - فيما يظهر - وأعاد له الثقة بنفسه. # قال: «أرشينوف! أؤكد لكم أن تقرير هذا الرجل زائف ولا قيمة له؛ لأن دافعه إلى كتابته شخصي ~~بحت، إنه خشي أن أبلغ ما أعرف عنه، فقد اتخذ اتهامي وسيلة لوقاية نفسه، كانت هذه أول مرة لي ~~في الريف، وطبيعي أن كانت تنقصني التجربة، وأنه من الجائز أن أرتكب بعض الأخطاء في عملي، ~~هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد اصطنع «أرشينوف» من الأساليب ما يصمه بالعار، تلك الأساليب ~~التي استنكرها الحزب وهاجمها منذ ذلك الحين، ولما عدت قدمت تقريرا عن سلوكه إلى اللجنة ~~الإقليمية، فلست أنا المجرم، إنما الذي أجرم هو «أرشينوف» هذا بعينه.» ~~- «لكن أليس صحيحا أن «أرشينوف» ضرب رقما قياسيا في تسليم الغلة، وأنه فعل ذلك حيث ~~منيت أنت بالفشل أحيانا؟» ~~- «نعم، ذلك صحيح في مناسبات كثيرة، لكن ذلك لا يستتبع بالضرورة أن أجاوز تعليمات الحزب ~~فأسلك على النحو الذي سلك.» ~~- «هذا جميل، من ذا يريد الكلام؟» # فوقفت وأشار لي الرئيس أن آخذ في الحديث. ~~- «لقد عملت مع الرفيق تفتكوف والرفيق أرشينوف في «بودجورودنوي» وسأذكر تفصيلات ذلك حين ~~يأتي دوري، لكني أريد الآن أن أقول: إنني وجدت الرفيق «تفتكوف» رجلا شريفا متعاونا ~~ووجدته شيوعيا يحاسبه ضميره على ما يفعل، إنه شخص مهذب بوجه عام، ولو أنه لا يزال قليل ~~الخبرة، فلا ينبغي أن نجعل منه فريسة لأساليب «أرشينوف» هذا، لو كان هنا لمزقته إربا، ولو ~~أذنتم لي لأنبأتكم ببعض أعماله التي تعد الآن من جلائل الأعمال.» # صاح بعض الحاضرين: «لنسمع ما يقوله عنه! امض في الحديث!» لكن الرئيس بدت عليه علامات ~~الفزع واضحة؛ لأنه لا يريد ذكر شيء من مفازع الريف. ~~- «أيها الرفاق، نحن الآن بصدد البحث في ماضي «تفتكوف» لا «أرشينوف»، فهذا ms241 الزميل المتحدث ~~من بين النظارة يمكنه أن يتقدم ها هنا ليروي قصته همسا للجنة.» # ذهبت إلى المنصة وأخذت في قصتي عن فظائع «أرشينوف» الوحشية في صوت خفيض، وكنت كلما قلت ~~شيئا سجل أعضاء اللجنة نقطا في مذكراتهم، ولن أدري إلى الأبد هل كانوا يفعلون ذلك عن جهل ~~بأنباء «أرشينوف» أم كانوا يفعلونه على سبيل إيهام النظارة أنهم جادون، لقد كنت قبل ذلك ~~قدمت تقريرا مفصلا عن هذه الحقائق، لكن لم يكن مستحيلا أن يكون لأرشينوف أصدقاء من ذوي ~~السلطان بحيث يبعدون تقريري فلا يقع في أيدي لجان التطهير. # شجع دفاعي عن «سريوزا» كثيرين غيري، فتكلم في صالحه ثلاثة رجال وامرأتان، وبعدئذ أعيدت ~~له تذكرته، فأتى من المنصة رأسا إلي، وضغط على يدي ضغطة المعترف بالجميل وعيناه تغرورقان ~~بالدموع، ثم ذهب إلى أبيه الذي ضمه إلى صدره. # كان رجائي أن أنادى لمحنتي بعد «تفتكوف» مباشرة، ولو حدث ذلك لجاز أن أفيد بالاتجاه الطيب ~~الذي خلفه وراءه، فيما يظهر، لكن الاسم الذي نودي به هو «الرفيق جرنتشنكو» الذي كان يحاضر ~~في مذهب «ماركس» ومذهب «لينين» في معهدنا، فكان بحكم وضعه هذا بمثابة المبشر «الروحي» - على ~~نطاق مصغر وبمعنى من معاني الكلمة - المبشر الذي يذيع مبادئ المذهب الجديد بين الناس، فلو ~~كان في قائمة رجال المعهد رجل واحد يجل عن النقد بحكم عمله، لكان هو هذا الرجل المديد ~~القامة، البسيط المحيا، لقد كان رأينا فيه أنه أقرب إلى بث الملل في النفوس باعتباره ~~معلما، أما باعتباره إنسانا فقد كان في رأينا ممتازا إلى حد يستحيل أن يفوقه فيه ~~سواه. # كان «جرنتشنكو» يحاضر باللغة الأوكرانية، وهي لغته الأصلية، على الرغم من أن أوضاع هذه ~~اللغة القديمة قد أهمل استعمالها، لا بل عدت ضربا من ضروب «الخروج على الوطن»، إنه ~~شيوعي متعصب، يقول عنه طلابه: «إنه يرافق ماركس كل ليلة في مخدعه.» ولأننا لم نكن ندري عن ~~قصة حياته إلا قليلا فقد أنصتنا في انتباه زائد إلى اعترافه. # هو سليل أسرة فقيرة من الريف، ولبث ms242 يعمل في إحدى الضياع الواسعة خادما في إصطبل حتى قامت ~~الثورة، وكان قد بلغ من العمر عامه التاسع عشر حين سقط القيصر، فالتحق بصفوف البلاشفة من ~~فوره، وصعد في الجيش الأحمر حتى بلغ مرتبة «قائد فرقة»، وأثخن في ميدان الحرب بجروح ~~كثيرة، ولما أن وضعت الحروب الأهلية أوزارها درس النظرية الشيوعية في أحد معاهدها الخاصة، ~~وها هو ذا يحاضر في مذهب لينين، حقا إنها لسيرة سوفيتية لا تشوبها شائبة من فساد . # وختم روايته قائلا: «ومع ذلك فلا بد لي من الاعتراف للجنة وللحاضرين من الرفاق بما زللت ~~فيه من أخطاء في موضوع الخروج على الوطن، فقد ترسمت خطى «سكربنك» وغيره ممن شوهوا النظرية ~~الشيوعية كما تعرف في صورتها المألوفة، تلك حقيقة من ماضي حياتي المرير، وهي حقيقة آسف لها ~~وإن يكن قد محاها النسيان محوا تاما.» # فقاطعه الرئيس بلهجة أوضح ما تكون اللهجة توعدا بالشر، وتوترت أعصاب الحاضرين جميعا: ~~«تقول محاها النسيان؟ ولكن ألا تزال على صلة بأفراد من أمثال ...» وذكر له ثلاثة أسماء أو ~~أربعة. ~~- «نعم، ربما أكون قد صادفتهم هنا أو هناك، فما يستطيع أحد أن يجتنب هذا اللقاء العابر، ~~لقد كانوا فيما مضى من الوطنيين في أوكرانيا ولست معهم الآن على صلة من الود.» ~~- «ألم يكن بينك وبينهم قط تبادل الرسائل؟» ~~- «لا.» ~~- «ألم تقابل هؤلاء الرجال بعد أن عفا عنك الحزب عفوا كريما؟» ~~- «لا، وإذا لم تخني الذاكرة، فقد التقيت مرة برجل هو صديقي وصديقهم، ولكني لم أتحدث ~~معه في السياسة.» ~~- «هل تعلم أين هؤلاء الوطنيون الآن؟» ~~- «سمعت تقريرا عن بعضهم أن قد ألقي عليه القبض، ولكني لا أعلم من.» ~~- «ممن سمعت هذا التقرير؟» ~~- «من الصديق المشترك الذي قابلته عرضا.» ~~- «لقد ذكرت لنا الآن توا أنك لم تتحدث معه في السياسة، فكيف حدث أن أنبأك تقريرا بأمر ~~القبض على هؤلاء؟» ~~- «ربما أكون قد استعملت كلمة خاطئة حين قلت «سمعت تقريرا»، فلم تكن أكثر من ملاحظة ~~عابرة.» ~~- «أيها الرفيق جرنتشنكو، أنت ساذج إذا ظننت أنك مستطيع أن تذر ms243 في أعيننا رمادا، فنحن ~~نعلم أنك - مثلا - حين سمعت بأمر من قبض عليهم، قابلت الخبر باستياء.» ~~- «يؤسفني أن أقول: إن من بلغ عني ذلك قد افترى علي كذبا.» ~~- «الأمر على نقيض ذلك تماما، فلدينا من مصادر عدة ما يثبت أنك ما تزال «أوكرانيا» ~~أولا، «لينينيا» ثانيا، فلدينا اتهامات مقدمة من رجلين هما من ألصق زملائك بك.» وذكر ~~اسمهما. # فوقع هذا القول على «جرنتشنكو» وقع الصاعقة، إذ لم يكن يخفى عن أحد منا أن هذين الرجلين ~~لم يعودا بعد أحرارا من القيد. # وتمتم جرنتشنكو قائلا: «لا أستطيع أن أفهم غايتهما من الوشاية بي بمثل هذا الكلام، لقد ~~كانا حقا من خيرة الأصدقاء.» # فقال أحد أعضاء اللجنة: «وأظن أنك يا «جرنتشنكو» لم تقل شيئا ضد المزارع ~~الجماعية.» ~~- «لا، ربما أكون قد تحدثت في نقد ألوان بعينها من الإسراف في تطبيقها، لكني لم أقل قط ~~في حياتي كلمة أهاجم بها ما اتخذه الحزب في هذا الصدد من قرارات.» ~~- «حسبنا منك هذا، ولنسمع الآن ما عسى أن يقوله في شأنك الحاضرون.» # ونهض الأساتذة الذين يحاضرون في مذهبي «ماركس» و«لينين» واحدا في إثر واحد لينزلوا ~~بزميلهم الضربات، وأخذوا يلقون الخطب تباعا ليقولوا: إن الروح الوطنية (التي يتهمون بها ~~جرنتشنكو إزاء وطنه أوكرانيا) تتنافى مع الشيوعية، وجعل هؤلاء الزملاء ينكتون رءوسهم لعلهم ~~واجدون فيها ما يقذفون به زميلهم المتهم من ألوان الاتهام، فكانوا يعثرون في أعماق ذاكراتهم ~~على نتف من أحاديث زميلهم لا تسعفهم الذاكرات بنصها الصحيح، وكانوا فيما يذكرونه عن ~~زميلهم من وقائع لا يحددون لها التواريخ، بحيث جاء ما قالوه بمثابة المسامير التي تدق في ~~نعشه السياسي، حتى لو كان ما قالوه يرجع تاريخه إلى زمن لم يكن شعور «جرنتشنكو» الوطني تجاه ~~بلده أوكرانيا مما يحرمه قانون الشيوعية، بل كانت الحماسة الوطنية عندئذ ضربا من ~~الإلزام. # وهكذا حشر «جرنتشنكو» في زمرة المطرودين الذين يجللهم العار، وهو ذلك الرجل المتعصب ~~لمذهب «لينين» بذهنه الأوكراني الصافي، وبهذا بلغت سيرته ختامها. # وكنت أتساءل: ترى ماذا عسى أن ms244 يلحق بهذا الرجل من أحداث حين سمعت اسمي ينادى به، فأسرعت ~~إلى المسرح وقصصت قصة حياتي: في المزرعة الجماعية، وفي مناجم دونتز، وفي المصنع، وعلى حدود ~~فارس، ثم في المصنع من جديد، وأخيرا في المعهد، وكنت أحس إبان الحديث أنني إنما أدلي بسيرة ~~تستثير في السامعين إعجابا، فآبائي من طبقات الشعب إلى حد مقبول، ومناشطي شيوعية الاتجاه ~~لم تنحرف عن مبادئها قط، وذكرت نبأ تفتيشي في «نيقوبول» وزيارتي الطويلة ل «أورزنكدز»، ذكرت ~~هذا النبأ متعمدا لكني جعلته يبدو كما لو كان شيئا ذكر عرضا في سياق الحديث. وأخيرا ~~غامرت بذكر تقرير موجز عن مهمتي اللتين أسندتا إلي في المناطق الزراعية، إذ إنني ~~كنت على يقين أن أمري هناك قد وشى به واش، فلا بد لي إذن ألا أخفي ما اتخذته من قرارات ~~جريئة، ثم بينت أنها قرارات أملتها علي ضرورة الموقف. ~~- «في أي الظروف ضاعت منك تذكرة الحزب؟ هل تعلم أن ضياعها فيه هدم خطير لقوانين ~~الحزب؟» ~~- «أعرف ذلك وآسف له أيها الرفاق، ضاعت مني ونحن في معمعان الحصاد، فقد أصيب عامل زراعي ~~بإغماء مفاجئ فحللت مكانه في العمل، وبينا نحن في اضطرابنا هذا فقدت محفظتي، وها هي ذي ~~شهادة من القسم السياسي في ذلك الإقليم تثبت ذلك.» # فحصت اللجنة عن الشهادة المقدمة، وأضافتها إلى ملف أوراقي، واستأنفت استجوابي. ~~- «لدينا ما يثبت معارضتك للتدابير الفعالة التي تطبق في جمع الغلال، وأنك أنكرت ممثلا ~~رسميا للحزب.» ~~- «الواقع عكس ذلك يا رفاقي، إنه هو الذي أساء إلى الحزب، أقول ذلك على زعم مني بأنكم ~~تعنون «أرشينوف» الذي حدثتكم عن أساليبه.» ~~- «لنفرض معك أننا نعني أرشينوف.» ~~- «وإن كان ذلك كذلك، يا رفيقي الرئيس، فها هي ذي صورة من تقرير عنه قدمته إلى اللجنة ~~الإقليمية وإلى جريدة برافدا، وسترى أن هذا الرجل وصم بالعار الشيوعية والشيوعيين، لقد بذلت ~~جهدي في سبيل صيانة الحزب وسمعته الطيبة من أفعاله؛ ولهذا يحاول أن يحفر الأرض من تحت قدمي، ~~لقد كان مما استخدمه «وسائل بدنية».» # فسأل أحد النظارة: ms245 «أي ضرب من الوسائل البدنية؟» # فقال الرئيس مسرعا: «قد ألمت اللجنة الآن إلماما كاملا بالوقائع، فخير لنا الآن أن ~~تحدثنا عن شيء من أساليبك أنت أثناء الحصاد في لوجينا.» قال الرئيس ذلك بسرعة ليغير موضوع ~~الحديث. # وقصة الحصاد في «لوجينا» هي أكبر عقبة أمامي، وقد رتبت في رأسي كيف أسلسل حوادث القصة، ~~ووعيت ذلك في رأسي أياما لأقوله ساعة الاتهام، لكن القصة التي رتبتها في رأسي ذابت الآن ~~على نحو لا أدريه، وتدخلت الحوادث تدخلا لم أستطع معه وضعها في خط واحد مستقيم، فاعترفت ~~بأنني جمعت الشوفان والشعير إنقاذا للحصاد، وبأنني أقمت دارا جماعية للأطفال، وأنني لجأت ~~إلى «وسائل حازمة» في إطعام هؤلاء الأطفال وفي إنقاذ الناس وإنقاذ الموقف جميعا. ~~«لقد شكرني الرفيق هاتايفتش بنفسه على ما فعلت في الحصاد الذي أتممته قبل الموعد المضروب ~~بعشرة أيام، وها هي ذي شهادة رسمية من القسم السياسي تثبت حسن صنيعي.» وناولتهم الشهادة: ~~«ماذا أقول بعد هذا؟» # أخذت الرئيس حيرة؛ لأنني جئت إليهم مدعما بالوثائق، فلو كان في عزمه أن يسير القضية على ~~نحو يضرني، فهو الآن في حالة من التردد، وانفتحت الطريق أمامي للنجاة، ثم سار بالأمر في ~~طريق أخرى جديدة تنفست معها الصعداء. ~~- «ما وظيفة أبيك؟» ~~- «يشتغل في مصنع «بتروفسكي-لينين» ويشتغل معه هناك أخي الأصغر، أما أخي الأكبر فهو حاسب ~~في مصنع كيميائي.» ~~- «هل أبوك عضو في الحزب؟» ~~- «لا.» ~~- «وأخواك؟» ~~- «لا.» ~~- «لماذا كان أبوك سجينا قبل الثورة؟» ~~- «لأعمال ثورية. في ثورة 1905م وبعدها أيضا.» ~~- «لأي الأحزاب كان ينتمي؟» ~~- «لم ينتم إلى حزب في حياته.» ~~- «أواثق أنت مما تقول؟» ~~- «كل الوثوق أي رفيقي جالمبو.» ~~- «إذن فهل لأحد هنا من الحضور أن يقول شيئا؟» # ونهض من الرفقاء ثلاثة ليهاجموني، كما نهض كثيرون آخرون ليثنوا علي، وكان بين هؤلاء ~~«سريوزا»، وعلى كل حال لم يكن في الأمر ما يثير الاهتمام، فأخذ الناس ينسلون خارج القاعة ~~التدخين، فهي قضية سخيفة. وأعطيت تذكرتي. # وقبل مغادرتي للمنصة سألت أعضاء اللجنة عمن وجه إلي الاتهام في الفترة التي ms246 أقمتها في ~~«لوجينا»، ونظروا إلى ملفات الأوراق مما يدل على أن صاحب الاتهام لم يطلب إخفاء ~~اسمه. # فقيل لي: «صاحب الاتهام عضو في الحزب، هو الرفيق سكوبين.» ~~- «هذا على وجه الدقة ما ظننت.» قلت ذلك مبتسما، وهكذا لم ينس لي ضابط الشرطة السرية في ~~القسم السياسي أني رفضت الحديث معه! # أحاط بي الأصدقاء، وضغطوا على يدي، فما زالت حياتنا مفتوحة الطريق أمامنا، لا نزال رجالا ~~في الحزب ذوي مركز حسن . # وفي أوائل سنة 1934م أعلن «الرفيق لا زار كاجانوفتش» في موسكو أن 182500 عضو طردوا من ~~الحزب، ولا بد أن تزيد الأرقام النهائية على ذلك العدد؛ لأن عملية التطهير لم تكن قد انتهت ~~بعد في بعض المناطق، وهكذا انتهت على هذا النحو سير مائتي ألف من الناس، وزعم ~~«كاجانوفتش» أن الحزب قد تم «تنظيفه» بذلك وأنه قد أصبح الآن حزبا ذا عقيدة واحدة، لكن هذه ~~النتيجة لم تلزم عن تلك المقدمات. # بل إن هذه المقدمات انتهت إلى نقيض هذه النتيجة كما أشاهد الأمر في نفسي، فعلى الرغم من ~~أن المحنة ذهبت عني موجتها فليس إلى الشك من سبيل في أني أصبحت أكثر ارتيابا في الحزب ~~وأكثر قلقا في أعماق نفسي من ألوف الرجال والنساء الذين قذف بهم فوق كومة المهملات ~~السياسية، وما هو صحيح بالنسبة إلي كان صحيحا بالنسبة إلى عشرات الألوف سواي، فليقل ~~الزعماء لأنفسهم ما شاءوا من «أن آخر ما تبقى من آثار الخروج على الحزب ومعارضة مجراه قد ~~زال»، ليقل الزعماء في ذلك ما شاءوا، لكن الصفوف الدنيا من أعضاء الحزب كانت أعلم بالأمر من ~~هؤلاء الزعماء. # الفصل الحادي عشر # | سر إلينا # توارت من المعهد، طلابه ومدرسيه، وجوه كثيرة بعد التطهير كنا قبل ذلك قد ألفنا أن نراها، ~~لكن من بقي في المعهد أطلقوا لأنفسهم في عملهم حرية أوسع ونشاطا أكبر، ما دامت أصابع الرعب ~~قد زالت عن حلوقهم، وكنت عندئذ في آخر أعوام دراستي، وكان قد مضى علي أمد منذ أخذت في ~~معالجة مشكلات هندسية عملية ms247 في مصنع المعهد، أنفق فيها بعض وقتي باعتبارها جزءا من منهج ~~دراستي، حتى إذا ما تخرجت كان لي أن أتطلع إلى منصب رئيسي في صناعة المعادن التي كان يتسع ~~نطاقها. # ولم ألبث بعد حركة التطهير أن التقيت ب «إلينا»، وقد عرفت ما تعانيه من آلام، فسرعان ما ~~صيرت كيمياء الحب آلامها جزءا لا يتجزأ من حياتي، فأصبحت تكون فصلا من قصة سيرتي، بل إن ~~ما ألم بي من أحداث إلماما مباشرا قلما ترك في نفسي أثرا أعمق مما تركته هذه الأحداث ~~التي وقعت ل «إلينا» وغيرت من نظرتي إلى حكومة السوفيت. # لطالما أخذني العجب مما تفعله المصادفة البحتة في تقرير حياة الإنسان، لقد حدث لما انتقلت ~~إلى «دنيبروبتروفسك» أن سكنت «إلينا» في شقة من منزل يقع على مقربة من مسكني، وكانت تذهب ~~إلى عملها في الصباح في نفس الوقت - تقريبا - الذي كنت أذهب فيه إلى المعهد، فنشأ عن ذلك ~~أننا كثيرا ما كنا نركب عربة واحدة، وقد كنت لحظتها أول مرة ذات يوم ثارت فيه عاصفة ثلجية ~~شديدة، إذ كان كلانا واقفا ينتظر على طوار السيارة الكهربائية الحجري، ومعنا نحو اثني عشر ~~رجلا وامرأة تلاصق بعضهم في بعض. # تلك كانت حادثة عابرة، كذلك كان لقائي الثاني بها ولقائي الثالث فيما تلا ذلك من أسابيع، ~~كلها كانت من قبيل المصادفات، لكني بعدئذ أخذت أبحث عن هذه الفتاة الممشوقة ذات الشعر ~~الأسود، وأخيرا جعلت أنتظر قدومها، فكنت أترك سيارات كثيرة تمضي فلا أركبها ارتقابا لها، ~~وعلى غير أساس من منطق سليم كنت أغضب إذا ما تأخرت، حتى إذا ما لمحتها بطرف عيني قادمة ~~بقدها الأهيف؛ نبض قلبي نبضة أو نبضتين، وحسبت - وكان حسابي صوابا كما علمت فيما بعد - ~~حسبت أنها كانت شاعرة أتم الشعور باهتمامي بها، وأنها لم تكن إزاء اهتمامي تقف موقف التي لا ~~تأبه بالأمر كثيرا أو قليلا، وكثيرا ما ضحكنا معا فيما استقبل من الأيام، ضحكنا معا من ~~هذا الغزل الذي يتم بغير كلمات وعلى طرف من سيارة عامة. ms248 # ولما قدمت لها في نهاية الأمر - وكان ذلك أيضا مصادفة - أحسسنا معا كأنما طال عهد ~~تعارفنا، كان ذلك في ساعة متأخرة ذات مساء، وكنت عائدا من جلسة طويلة عقدتها اللجنة ~~الإقليمية، وكانت القاعة معبأة بالدخان، والنقاش يبعث الملل، فما كان أحلى الخروج عندئذ ~~إلى الهواء الطلق حيث أستنشق الهواء البارد وأحس لسع الصقيع، وبينما كنت أخطو مسرعا في ~~طريقي، ناداني مناد، فقد مررت لتوي بسيدتين أوشكت ألا أراهما. # درت ببصري إلى خلفي فعرفت منهما طبيبة كانت عالجتني في المستشفى بعد خدمتي على الحدود ~~الفارسية، وأما التي معها فهذه الجميلة التي لم أكن عرفتها بعد. # حيتني الطبيبة تحية حارة، وقالت: «كيف كانت حالك هذه الأيام يا فكتور أندريفتش؟ إنني ~~لمغتبطة حقا أن أراك، لقد كنت أتابع قراءة مقالاتك في الصحف، وكنت أتتبع أخبار تقدمك في ~~الحياة من أصدقاء لي هم كذلك أصدقاؤك، معذرة، فإني أقدم إليك صديقتي الشابة «إلينا ~~بتروفنا».» # فكادت الطبيبة أن تفزع لهذا الشوق الذي بدا في «إلينا» وفي حين تصافحنا، ولهذه الحيرة ~~التي نطق بها لسان حالنا، فما كان يدور بخلدها أن قد مضى علينا شهر أو نحو شهر ونحن لا ~~نحلم إلا بمثل هذا اللقاء ليصل مسافة الخلف بيننا، ولا شك أنها ازدادت دهشة حين التمسنا ~~سبيلا لتوصيلها إلى سيارة عامة حتى نمشي وحدنا، ولم يكن عسيرا علينا أن نخلق علة لذلك، ما ~~دمنا نسكن معا في منطقة واحدة. # الأناقة والرشاقة كانتا أول ما يخطف البصر من جمال «إلينا» الفريد، نعم كان لها وجه رائع، ~~لكن لو أراد فنان أن يصورها لما عن له قط أن يرسم وجهها وحده على لوحته، بل إن طبيعة ~~الموقف تملي بنفسها عليه الرغبة في أن يصورها كاملة، كانت «إلينا» في ذلك المساء الذي تم ~~فيه لقاؤنا الأول على صورة رسمية، تلبس معطفا من فرو أسود، يضيق عند الخاصرة، وتحته رداء ~~يسطع بلونه على نحو ما اعتاد أهل القفقاس، وعلى رأسها قبعة لم تطرز حوافيها، وعليها قليل من ~~فرو أبيض، وكانت القبعة ms249 مرتكزة على شعرها الفاحم، ماثلة على نحو يستوقف النظر، فأظهرت طولها ~~النحيل، وعلى حاجبيها بضع رقائق من الثلج المتساقط، لمعت كأنها من كريم الأحجار. # مشينا نحو الساعة ذراعا في ذراع، نتحدث عن نفسينا وعن العالم ثم عن نفسينا من جديد، فقد ~~كانت هي كذلك آتية لتوها من اجتماع في مكان عبئ هواؤه، وأرادت أن تسترد نشاطها ~~بالبرد القارس والهواء الذي يلمع كأنه البلور، أنبأتني أنها كانت في «دنيبروبتروفسك» لأول ~~مرة، وأنها كانت مهندسة معمارية في مكتب للتخطيط الهندسي يتبع الحكومة، وكانت ترجح لنفسها ~~أن يطول بقاؤها في هذا البلد، ولقد تخرجت منذ أربع سنوات في معهد الفنون «بخاركوف» حيث ~~تخصصت في فن العمارة. # قلت لها في موضع من سياق الحديث: «ما أسعدني بلقائك، إني لأحس أن هذا اللقاء سيزدهر ~~بصداقة صحيحة.» # فقالت مبتسمة: «وهذا ما أحسه أيضا، لكني أصارحك بأني لا أريد هذه النهاية حرصا عليك، ~~فلو كنت عاقلا يا «فكتور أندريفتش» لجعلت هذا اللقاء الأول لقاء أخيرا.» # فأزعجتني هذه العبارة منها على الرغم من أنها ضحكت بعدها، فقد شككت للوهلة الأولى أن ~~الأمر أخطر مما يبدو من طريقة حديثها، شككت أن يكون حديثها ذاك مشيرا إلى مأساة لها في ~~حياتها الخاصة، فقد ابتسمت لكن ابتسامتها خلت من كل علامات المرح، وكمن في عينيها اكتئاب ~~عجيب تفاعل مع جمالها منذ اللحظة الأولى فزاد أثره قوة على قوة. # قلت لها: «سأتعرض لكل خطر في سبيل صداقتك.» ~~- «لكني أنذرك فاذكر نذيري.» ~~- «لا بأس فسأذكره، لكن لا بد لك مقابل هذا أن تنبئيني عن نفسك أكثر مما أنبأتني، فمثلا ~~...» # فقاطعتني قائلة: «لا تسلني، نعم أنا متزوجة، وزوجي رجل طيب لكنه منكود الحظ، وكلانا نعيش ~~تحت سقف واحد، وأعنى به عناية الأخت بأخيها، أما فيما جاوز ذلك فنحن زوج وزوجة بالاسم وحده، ~~أنا لا أحبه ... وبهذا المعنى ... أنا مسرورة بلقائك، لقد استوحشت بوحدتي.» ~~- «استوحشت بوحدتك؟ أنت؟ بكل ما لك من دار وعمل ناجح وجمال ...» ~~- «أوه، إنني أعرف ناسا كثيرين، بل ربما كانوا أكثر عددا ms250 مما ينبغي، ومع ذلك فأنا ~~أغبطك؛ لأن لك بيتا حقيقيا وأما، لقد مات أبي، وأمي تعيش في «كيف»، ولست أخلو من ~~الغبطة لهذا، ففي هذه الأيام يمر علينا من الأحداث ما لا يجوز لأحد أن يتحدث عنها لأحد حتى ~~لأمه، ثم أغبطك كذلك لما تعيش فيه من أوهام، إذ لا شك أنك شيوعي يخلص لمذهبه.» # قلت: «يستطيع الإنسان أن يكون مخلصا لمذهبه حتى بعد أن يطرح بعض أوهامه، لكن دعينا من ~~السياسة الآن، حدثيني عن زوجك أكثر مما فعلت ...» ~~- «أرجوك ألا تطلب هذا، فلو كنت حقا تريد أن تعاود رؤيتي فهنالك شرط واحد أشترطه عليك، ~~وذلك هو أن تتصرف معي على فرض أنه غير موجود، والواقع أن ليس له وجود بمعنى الوجود الصحيح، ~~لكني أعود فأنذر، إنك مليء بالأمل والإيمان، أما أنا فلا أمل لي ولا إيمان، فأنا من القافلة ~~في ذيلها على حين أنك من الموكب في طليعته، وسيسهل عليك السير إلى أمام لو كنت في سيرك ~~وحيدا.» ~~- «لن أستمع إلى نذيرك هذا، وفي نيتي أن أراك كثيرا مهما كلفتني هذه الرؤية من ثمن.» ~~وهنا افتعلت هيئة المرح ومضيت أقول: «لن أندم على صلتي بك حتى وإن لقيت في سبيل ذلك نيران ~~الجحيم عذابا.» # فابتسمت ابتسامة حزينة وقالت: «أسمعتك تقول نيران الجحيم؟ لست أدري شيئا عن نيران ~~الجحيم، لكني أعرف كثيرا عن نيران هذه الحياة الراهنة، وأين منها نيران الجحيم، ما دامت هي ~~تصيب الناس في حياتهم لا بعد أن يلحق بهم الموت.» # تركتها عند باب دارها بعد أن تم الاتفاق بيننا على اللقاء في المتنزه مساء السبت المقبل، ~~واشتريت تذكرتين لحفلة موسيقية ممتازة كانت ستقام في ذلك المساء، وسيشترك فيها أعلام ~~الفنانات من فرقة الرقص التمثيلي الموسيقي بموسكو، من أمثال «فكتورينا كريجر» و«جوليوين»، ~~كان انتظار السبت عذابا أليما، ومع ذلك فقد اجتنبت لقاءها على طوار العربة العامة، وكان ~~كلما آن وقت النوم من كل ليلة، فرحت لأن معناه أننا اقتربنا خطوة من موعد اللقاء ~~المضروب. # ولكم سرني حين ms251 التقينا أن أدرك من ضغط يدها على يدي ومن تورد وجنتيها أن «إلينا» ~~كذلك كانت تنتظر هذا اللقاء الثاني بصبر نافد، مشينا وتحدثنا ثم ذهبنا إلى مسرح الأوبرا، ~~وكانت فيما يبدو من هزة الفرح بمثل ما نعهده في الطفل يوم العيد. # همست في أذني بينما كانت «جوليوين» ترقص دور كورسير: «إنني لأنسى كل همي وأنا في ~~جوارك.» # لم تعد «كريجر» بالشابة الصغيرة، ومع ذلك فلم يزل رقصها رائعا، وكانت تصادف من الناس ~~إعجابا في طول الروسيا وعرضها، وكانت تلك الليلة ترقص مناظر في دورها المشهور من رواية ~~«بحيرة التم»، وصفق لها النظارة تصفيقا عاصفا، ثم تبعتها مغنية أخذت تنشد: «فكوا أساري، ~~ألا فكوا أساري، وسأعرف كيف أمحو عاري، وسأعيد في الناس سمعتي وفخاري ...» فضغطت «إلينا» على ~~يدي ضغطة شديدة حتى آلمتني. # قالت في صوت منخفض فيه اضطراب: «فكتور أندريفتش، أنصت إلى هذه الكلمات فإن لها لأعمق ~~الأثر في نفسي ونفوس كثيرين بل كثيرين جدا سواي.» # ثم جاءت امرأة بدينة فغنت أنشودة «ليزا» من رواية «ملكة البستوني» فأحسست كأنما ذهبت عن ~~«إلينا» كل فرحة بالحفلة الموسيقية، وأخذت تتململ في كرسيها وتتنهد، فلما بلغت المغنية من ~~أنشودتها هذه العبارة: «وجاءت السحابة الصغيرة فاستتبعت في ذيلها الصواعق وحطمت قوائم ~~السعادة والأمل ...» نهضت «إلينا» من فورها وجذبتني معها. # قالت: «أرجوك الانصراف يا فكتور أندريفتش، أرجوك لم يعد في وسعي أن أنصت أكثر مما ~~فعلت.» # ولما خرجنا إلى الهواء الذي يلفحه الصقيع، هدأت ثورة نفسها، ولم أسألها شيئا، واعتزمت ~~ألا أستكشف هذا السر المقبض الذي يعتم حياتها بظله، مهما يكن نوعه. # قلت: «هيا إلى مطعم فنسمع شيئا من العزف البهيج.» ~~- «لا بأس، لكني أشترط شرطا واحدا، وهو أن أدفع حسابي، فأنت طالب وأنا أعمل وأكتسب، ~~وليس ثمة ما يبرر أن تدفع أنت.» # وبعدئذ جرت العادة خلال الأشهر التالية أن نلتقي مرة على الأقل في كل أسبوع، وكثيرا ما ~~التقينا في الأسبوع أكثر من مرة، وانقضى الشتاء وأقبل الربيع، وقدمت «إلينا» لأمي؛ فأحبت ~~كلتاهما الأخرى منذ ms252 النظرة الأولى، وأخذتا بعد ذلك تلتقيان كثيرا حتى ولو لم أكن ~~معهما. # قالت لي أمي: «إنها امرأة لطيفة وهي تحبك حبا جما، وأنا أعلم كيف تحس نحوها، لكن في ~~حياتها شيئا يبهظ فؤادها بحمله الثقيل.» ~~- «أعلم ذلك يا أماه ولم أعثر على شيء أفسر به سر شقائها، ولقد وجدت أن تحسس السر من ~~أصوله إنما يؤذي شعورها، فكففت عن السؤال.» ~~- «لقد أصبت يا «فيتيا» إنها فتاة طيبة ولا عليك إذا ركنت إليها، وأيا ما كان هذا الذي ~~يعنيها فلن يكون مما يسيء، فهي من الناس الذين لا يحبون أن يؤلموا أحدا إلا نفسها.» # وحدث ذات ليلة أن تعشت «إلينا» مع أسرتي ولبثت تقضي المساء، فأخذنا في القراءة معا ~~وجلسنا نستمع إلى المذياع معا، وعرف كل منا، دون أن نتبادل في ذلك الكلمات، أنها لا تريد ~~العودة إلى دارها. # قالت «إلينا»: «هذه ليلة زواجنا يا فكتور، فأنا أحبك بكل قلبي ونفسي، وأرجو أن تصدقني إذا ~~ما قلت: إنك الرجل الأول والرجل الأوحد الذي التقيت به في حياتي منذ ذهب عن فؤادي حبي ~~لزوجي.» # مضت شهور و«إلينا» ما فتئت تزورنا في دارنا حتى كادت تصبح فردا من الأسرة، وكان أبواي ~~وإخوتي يجلونها إجلالا لما كان يحيط بها من هالة مجد تشع النور إشعاعا في نفوس أهلي ~~جميعا، ورغم ذلك كله لم أكد أخلو من قلق مقض لعلمي أن جزءا هاما من حياتها ما زال عني ~~خبيئا، وكان يخيل إلي أحيانا أنها تعيش في حالة من الهلع الذي لا ينقضي، كأنما كانت ~~تسكن من هذه الدنيا دارا توازن بنيانها على شفا هاوية توازنا قد يختل لأضعف المؤثرات ~~فتهوي بها في القرار. # وذات يوم وجد هذا الهم الحائر في نفسي بؤرة يتركز فيها، ولقد عللت لها ريبتي بأنها قلق ~~مني على سعادتها، لكنها كانت ريبة ترجع في أكثرها إلى غيرة الرجال المألوفة على من أحبوا من ~~نساء. # ذلك أنه حدث ذات عصر بعد أن فرغت من محاضراتي أن صحبت طائفة من زملائي في الدراسة ms253 إلى ~~مباراة في كرة القدم كانت تجري في ملعب المدينة، فلما أن انتصف وقت اللعب بفترة من الراحة ~~اندفعنا مسرعين إلى المقصف لنجرع أكواب الجعة، فوجدنا - كما هي الحال دائما - صفا طويلا ~~من المنتظرين أمام النضد، وأخذنا من الصف مكاننا، وبينا أنا واقف في الصف أرسل نظرات هائمة ~~خلال الباب إلى مطعم ملاصق، إذا وقع بصري على «إلينا» وقد تأنقت في ثيابها تجالس رجلين لم ~~أشك في أنهما أجنبيان عن البلاد، وكان ثلاثتهم يشربون النبيذ ويسمرون في مرح، وخيل ~~إلي أن الرجلين ينظران إلى «إلينا» نظرات فيها جرأة وشهوة. # وبقيت في الملعب حتى انتهى اللعب، لكني لم أشهد منه شيئا. # ماذا كانت «إلينا» تصنع في صحبة هذين الأجنبيين؟ ولما انتهى اللعب رأيتها تغادر الملعب ~~محروسة بذينك الرجلين، وركبوا جميعا سيارة أجنبية كبيرة، فظللت بقية اليوم تائه الفكر ولم ~~يغمض جفناي طيلة الليل. # وفي اليوم التالي قدمت «إلينا» إلى داري للعشاء كسابق اتفاقنا، فحدجت فيها بصري ونحن ~~جالسان إلى مائدة الطعام، لكني لم أعثر فيها على علامة واحدة تنم عن التحول، أيكون هذا ~~الاتصال بالأجانب - وهو أمر خطير في بلادنا - جانبا مألوفا لها في حياتها بحيث لا تتأثر ~~له؟ ولما خلا لنا المكان ذكرت في سياق الحديث العابر أنها كانت في مباراة كرة القدم في ~~اليوم السابق. # قالت: «طلب إلي رئيس مكتبي أن أصاحب زائرين إلى هناك، يا لهما من ثقيلين!» # لم أنبس بكلمة عن رؤيتي لها في الملعب، ولما غادرت غرفتي ذاهبة إلى المطبخ لحظت حقيبتها ~~مفتوحة ولمحت فيها أوراقا، وكانت نار الغيرة والشك لا تزال تتأجج في صدري فعبرت بنظري ~~عبورا سريعا على تلك الأوراق، فوجدت ورقة منها مكتوبة بالألمانية، وعرفت - على جهلي ~~بالألمانية - أنها تحوي أشياء فنية وإشارات إلى مقاييس وآلات، وكانت الورقة الأخرى مكتوبة ~~بالروسية، تبدأ بالعبارة الآتية: «إذ أرسل إليكم طي هذا الخطاب تقريرا فيه المعلومات، أود ~~أن أذكر ...» هنا سمعت وقع خطاها قادمة فأعدت الأوراق مكانها مسرعا. # لم يعد عندي مجال للشك في أن لهذه ms254 الأوراق صلة ما بذينك الأجنبيين، وأن القصة كلها إنما ~~تشتمل على مفتاح سر حياتها الغامض، فلما أن افترقنا في ساعة متأخرة من ذلك المساء سألتها ~~متى يكون لقاؤنا التالي. # قالت: «الجمعة مساء.» ~~- «عندي محاضرة - لسوء الحظ - هذه الجمعة أيضا، فليكن لقاؤنا يوم الخميس.» ~~- «آسفة يا حبيي؛ لأني أتوقع أن تشغلني مشغلة هامة يوم الخميس.» # وكانت ريبتي قد أرهفت حسي، فأشرقت علي عندئذ حقيقة لم أتبينها قبل ذلك الحين وهي أن ~~«إلينا» من عدة أشهر لم تخل لي يوم الخميس من كل أسبوع، فاعتزمت أن أتعقبها هذا الخميس - ~~إذا استطعت ذلك - لعلي أعلم من أمرها شيئا. # وجاءت ليله الخميس مظلمة ممطرة مما يسر عملية التعقب على رجل لم يحترف مثل هذا العمل، ~~فلما أبصرت بها تعتلي سيارة عامة وثبت على سلم السيارة الخلفي، حتى إذا ما نزلت بالقرب من ~~وسط المدينة، نزلت وتابعتها على مبعدة في الجانب الآخر من الطريق، فرأيتها تدنو مما بدا لي ~~كأنه دار خاصة، ودقت الجرس وفتح لها الباب رجل يرتدي حلة، فأدخلها وتلفت يمنة ويسرة في حذر ~~ثم أغلق من دونه الباب. # ووقفت إلى جوار باب بحيث أتمكن من رؤية الدار واضحة، وظللت أرقبها ما يقرب من ساعتين، ~~فرأيت داخلها ناسا يجيئون ويذهبون، وكان هنالك من أضواء المنازل المجاورة ومن الضوء الذي ~~انبعث من الباب عند فتحه ما مكنني من رؤية وجوههم، وكان الرجل ذو الحلة كلما فتح الباب نظر ~~إلى الطريق نظرة فاحصة كأنما يريد أن يستوثق أنها تخلو من المشاهدين، ومعظم من قصد الدار ~~كان من النساء، عرفت منهن عددا، فإحداهن سيدة معروفة في المدينة بأسرها، معروفة بجمالها ~~وفتنة حديثها حين تستضيف الأضياف، وهي زوجة طبيب مشهور، وأستاذ في أمراض النساء، وأخرى كانت ~~مغنية ذائعة الصيت في دار الأوبرا من المدينة، وكان من القادمين مهندس بارع طالما رأيته في ~~المؤتمرات الفنية عضوا، وقد عرفت من الزائرات طائفة، عرفتهن إذ كن واقفات أمام الباب ~~ينتظرن أن يفتح لهن، فعرفت فيهن سيدات كثيرا ما رأيتهن في ms255 المسرح ومباريات الرياضة ~~البدنية وهن في «دنيبروبتروفسك» بمثابة سيدات الطبقة الراقية. # وأخيرا جاءت «إلينا» من داخل الدار يصحبها رجلان يرتديان معطفين من معاطف المطر، التي ~~يلبسها المدنيون، لكن أحدهما فتح معطفه ليخرج سيجارة من جيبه الداخلي، فرأيت أنه يرتدي حلة ~~عسكرية لم تدع لي مجالا لشك في أن صاحبها من الشرطة السرية، فعرفت عن «إلينا» كل ما أردت ~~أن أعرف، فهي تنتمي بغير شك إلى فرقة الجواسيس التي انبثت في كل ثنية من ثنايا مجتمعنا ~~السوفيتي! # فاضطرب رأسي اضطراب الهلع، وأخذت أتقلب في سريري ذلك الليل، أحاول ترتيب خواطري، فما كان ~~لي من الوجهة النظرية - باعتباري شيوعيا - أن أنقم على الشرطة السرية في تجسسها الذي ~~تغلغلت به في كل ركن من أركان البلاد، ولم يكن هنالك من جديد بالنسبة إلي في أن ألوف ~~الناس يبدون كأنما تشغلهم في الحياة هذه المشغلة أو تلك، وهم في حقيقة أمرهم لا يشتغلون إلا ~~بالتجسس، ولكن على الرغم من ذلك كله، فقد دهشت دهشة عميقة إذ علمت أن الفتاة التي أحببتها ~~كانت فيما يظهر من أعضاء الشرطة السرية، فكأنما ظهرت مني غريزة دفينة تمقت التجسس، فاهتز ~~كياني من جذوره هزا عنيفا. # كان منا نحن الشيوعيين من يعلم علم اليقين أن ألوفا من الأبرياء رجالا ونساء يزج ~~بهم في السجون أو يدفع بهم إلى معسكرات العمل الشاق، لكننا ندس مثل هذا العلم في أعماق ~~رءوسنا فلا يطفو، وقد كنا نفسر لأنفسنا هذه الحالة بأنها تدبير «وقائي»، أو كنا نغضي عن ~~الجانب الخلقي من الأمر إغضاء ونأبى أن ننظر إلى الأمر بأبصار زالت عنها الغشاوة، أيمكن أن ~~تكون «إلينا»، وهي القريبة من فؤادي الحبيبة إلى نفسي قد أنزلت بالأبرياء عذابا وموتا؟ ~~كنت كلما فكرت في هذا الكشف الفظيع، ازدادت حالتي يأسا، فقد مزقني الجذب من جانبين: فحب ~~هنا وهلع هناك. # أرسلت إلى «إلينا» رسالة قصيرة في الصباح التالي أنبئها أن قد اضطرتني ظروف إلى مغادرة ~~المدينة نحو أسبوع، وانتقلت إلى دار أحد الأصدقاء خشية أن تجيء ms256 إلى دارنا بحثا عني، أو أن ~~أصادفها في الطريق في الحي الذي نسكنه معا، حتى إذا ما أقبل الخميس التالي كنت في مخبئي ~~عبر الشارع أرقب تلك الدار وما يحيط بها من سر عجيب، فرأيت «إلينا» هناك للمرة الثانية، كما ~~رأيت آخرين، معظمهم نساء، واتضح لي الآن ما يعملون وعلى أي نظام يسيرون، فكل هؤلاء - بمن ~~فيهن من زوجات الموظفين الأعلام - كن يقدمن تقاريرهن عما عملن طيلة الأسبوع، ولعلهن كذلك ~~كن يتلقين الأوامر، فدار خاصة كهذه جعلت مثل هذه المهمة أيسر وآمن من الاجتماع في المركز ~~الرسمي للشرطة السرية. # عدت إلى داري ذاك المساء، وكتبت إلى «إلينا» أقول: إن أسبابا لا قبل لي بالإفصاح عنها ~~تضطرني اضطرارا ألا أراها بعد ذاك، وقلت كذلك: إن كل ما بيننا من صلات قد بلغ الآن ختامه، ~~وإني لأشكر فضلها إذا ما قبلت قراري في هذا الأمر ولم تحاول أن تستأنف العلاقة التي كانت ~~تربطنا، والتي استحال عليها أن تعود فتربطنا من جديد. # وكان هذا القرار كأنما هد قوائمي هدا بحيث لا أستطيع عملا أو تفكيرا واضحا، ~~وانقطعت عن المعهد وأخذت أذرع شوارع المدينة ساعات بعد ساعات، أحاول عبثا أن أنسى عذابا ~~أليما، على أن حالتي هذه إنما كانت تخفي وراءها شوقا مضنيا لرؤية «إلينا» كما كانت تخفي ~~وراءها قلقا مؤرقا خشية أن أكون في ظني بها آثما. # وبعد ذلك بأيام، عدت من المعهد فناولتني أمي خطابا. # قالت أمي: «تركت إلينا لك هذا الخطاب، وقد ظهرت عليها علامات الحزن العميق، وتورمت عيناها ~~بالبكاء، إنني لا أحب يا «فيتيا» أن أتدخل في شئونك الخاصة لكني آمل أن تتبصر ما أنت صانع، ~~إن الجراح التي ينزلها بنا أحباؤنا هي آلم الجراح جميعا.» # كان خطاب «إلينا» قصيرا: «حبيي فيتيا، أرجوك فضلا أخيرا، قابلني مساء الغد في محطة ~~السكة الحديدية الساعة السادسة، إني لأتوسل إليك أن تهبني هذه المكرمة الأخيرة قبل أن نفترق ~~إلى الأبد.» # ذهبت قبلها فانتظرتها حتى جاءت تحمل حقيبة صغيرة للملابس، وحز قلبي ما رأيته ms257 على وجهها ~~الجميل من علامات الألم كأنما هو السكين الماضية. # قالت لي: «سنذهب معا إلى نهر سامارا وسنأكل معا ونسمر معا في طلق الهواء، لقد أعددت ~~تذكرتي القطار.» # ودار الحديث بيننا في القطار حول أمور توافه، فتحدثنا عن إعدادي للامتحان الأخير في ~~المعهد، وعن مشروع بناء كانت مشتغلة هي بتصميم خطته، ووصلنا محطة صغيرة وسرنا في طريق ريفي ~~حتى بلغنا ضفة النهر، واجتنب كلانا أن يفتح بالحديث موضوعا خطيرا، كأنما كنا نؤجل عامدين ~~تلك اللحظة التي من أجلها جئنا ها هنا، ودنا الليل وقرقعت السماء على مبعدة بصوت ~~الرعود. # قلت مقترحا: «دعينا نسبح في الماء لحظة قبل أن تصب السحائب ماءها.» # ونضونا ثيابنا وارتمينا في الماء، حتى إذا ما انتعشنا بالسباحة عدنا فارتدينا الثياب، ثم ~~فرشت غطاء مائدة ونشرت عليه طعاما، وكانت قد أحضرت معها كذلك زجاجة من نبيذ ~~ناباريلي. # قالت «إلينا»: «لقد شربنا نخب التقائنا منذ أمد بعيد، فلنشرب الآن نخب افتراقنا.» قالت ~~ذلك وقد اغرورقت عيناها بالدموع، ثم مضت تقول: «تذكر أنني قلت لك آنئذ: إنه يحسن ألا ~~نعاود اللقاء، فها أنا ذا على وشك أن أفقد صحبتك، وسأعتزل وحيدة مرة أخرى.» # لم يأكل أحد منا شيئا من الطعام، لكننا شربنا النبيذ. ~~- «قل لي يا «فيتيا» ماذا حدث على غير ارتقاب؟ لماذا أمسكت عن حبي؟» ~~- «إني أحبك الآن كما أحببتك دائما، وذلك ما جاء بي ها هنا، وإنما جئت معتمدا على ~~إخلاصك يا «إلينا»، فهل لك أن تكاشفيني بسرك؟ فلن أساق بعد الآن كما يساق يافع ~~مأفون.» ~~- «ماذا تريد أن تعلم عني، أهو عن زوجي ما أردت أن تعلم؟» ~~- «لا بل عنك أنت، فأنا أعلم لماذا تصحبين الأجانب، وأعلم من اجتماعاتك مساء كل خميس في ~~الدار التي تقع في شارع ب ... فماذا تريدينني بعد أن أقول؟» # فتنهدت باكية وأخذت تقول: «رباه يا رباه، ماذا أنا صانعة، ماذا أنا صانعة؟» # ولمعت السماء بالبرق، وأخذت قطرات المطر الكبيرة تسقط من السماء، فلجأنا إلى كوخ سماك ~~مهجور كان منا على مقربة، ms258 وفي ذلك الظلام الذي أخذ يزداد حلوكا، وعلى كومة من الدريس ~~اليانع العبق، قصت علي «إلينا» قصة سرها. # قالت: «أحبك حبا لا أستطيع معه أن أضحي برفقتك، فحاول يا حبيب الفؤاد أن تنصت إلى حديثي ~~بعقل فسيح الأفق، سأنبئك بما لم أنبئ به إنسانا آخر، بل بما لم أنبئ به أمي، ودع عنك زوجي ~~المسكين، فإذا ما سمعت قصتي حتى ختامها، فلك بعد ذلك أن تقرر لنفسك طريقا.» # وها هي ذي قصة «إلينا» عن حياتها، أسجلها بألفاظها كما بقيت في الذاكرة. ~~«كنا نعيش في «كيف»، وكانت أمي فيما مضى تشتغل بالتدريس، كما كان أبي أستاذا للهندسة ~~معروفا بين الناس، يشتغل في شركة في «كيف» ويكسب مالا كثيرا، وكنت ابنة والدي الوحيدة، ~~فنعمت بطفولة سعيدة، لم أحرم خلالها شيئا، وتعلمت عزف الموسيقى واللغات ونشأت خلية ~~البال من كل هم، وكان الرسم هوايتي التي آثرتها على كل شيء سواها. # وكان لجيراننا ابن هو «سرجي» يطلب العلم في معهد الفنون الهندسية في «خاركوف»، وكان يقضي ~~عطلة الصيف بين ذوبه فتصادقنا، ثم أثمرت الصداقة حبا حين تقدمت بي السن، فتقدم إلى خطبتي ~~ولم أكن قد أربيت على السابعة عشرة إلا بأمد قصير، فقبلت زواجه وانتقلت معه إلى «خاركوف» ~~حيث هيأت لي الفرصة أن أتابع الخطى نحو ما أطمح إليه من هدف، فدخلت معهد الفن الجميل وفيه ~~تخرجت عام 1930م. # ولا شك أنك لا تزال تذكر أن هذا هو العام الذي اتهم فيه كثير من المهندسين ~~والإخصائيين بالتخريب، ولقد حدث أني كنت في زيارة أهلي في «كيف» حين وصل ضباط الشرطة ~~السياسية وألقوا القبض على أبي، وفتشوا كل ما في الدار فمزقوا الصور والأرائك والحشايا، ولم ~~يجدوا بالطبع شيئا، والحق أن من العجائب أن يدور في خلد إنسان عن أبي وهو الرجل الوديع ~~البحاثة أنه ممن يعملون على التخريب، وقد كان اتهامه هذا من الغرابة بحيث تعزينا - أمي وأنا ~~- بفكرة أنه لا محالة لن يلبث حتى يطلق سراحه. # وكان من الطبيعي أن أظل في «كيف» ms259 لأعاون أمي حتى تنقشع عنها تلك المحنة، فحياتنا السعيدة ~~قد بلغت ختامها، ولم ندر قط ماذا عسى أن تكون التهمة الموجهة إلى أبي، ولم يأذنوا لنا ~~بزيارته، ولبثت أسبوعا بعد أسبوع، ثم شهرا في إثر شهر، أذهب كل مساء إلى باب السجن لأبعث ~~إليه بلفائف الطعام، وكنت كل مرة أقف ساعات في صف المنتظرات وهن مئات من البائسات الأخريات، ~~وقد يهطل على رءوسنا المطر تارة، ويسفعنا الثلج طورا، وكذلك كنت كثيرا ما أتردد على مكاتب ~~الشرطة السياسية خارج السجن، يحدوني رجاء اليائسة في معاونة أبيها. # وقصدت إلى مكتب الشرطة السياسية ذات يوم، فطلب إلي أن أدخل مكتب الرئيس، وعجبت فيم ~~أرسل الرئيس في طلبي، ولما أن دخلت وجدت هناك رجلا في منتصف العمر لطيف الترحيب باعثا على ~~احترامه، فأخذت ألتمس العفو عن أبي وأخذ يصغي، ثم قال: «أصغيت إليك فأصغي أنت الآن إلي يا ~~«إلينا بتروفنا» أنت فتاة رشيقة بل أنت ربة جمال، بل لك فوق جمالك ثقافة واتزان، وتلك هبات ~~قد تكون ذات نفع عظيم لبلادنا، ولست بحاجة إلى القول بأنها قد تنفعك وتنفع أباك، ففي ~~مستطاعنا أن نعينك على شرط أن تبادلينا معونة بمعونة، ولن أضيف على ما قلته شيئا، فلا حاجة ~~بي إلى ذلك؛ لأني ألمح فيك ذكاء وفطنة، كلا، لا تعبسي ولا تجزعي، فإن ما أقترحه عليك ليس ~~في خسة الحياة نفسها، فأنا لا أطالبك بمضاجعة رجل في فراشه، وإن من أعواننا لنساء نطلب ~~إليهن ذلك، ومنهن أفراد بلغن في مدينتنا منزلة عالية من التقدير، لكنك ستخدميننا دون أن ~~يمس طهارتك شيء أو ينال من شرفك نائل، سنطلب إليك أن تلاقي من الناس من لا يسوءك أن ~~تلاقيهم، حيث تسمعين عنهم كثيرا مما تريد حكومة بلادنا أن تحيط به علما، وطبيعي أنك ~~ستؤجرين على عملك أحسن الأجر، وسنحميك وسنحمي معك من تحبين.» # وقدم إلي سيجارة اعتذرت عن عدم أخذها، فأخرج من درج مكتبه صندوقا من الحلوى وعرض أن ~~آخذ منه ما شئت، فنظرت إليه نظرة لا ms260 تنم عن سذاجة. # ثم قلت: «بعبارة أخرى: كل ما تريدونني أن أصنعه هو أن أقدم لكم طائفة من الأنفس البشرية، ~~وربما كان من أقدم لكم أصدقاء أبي أو معارفه، فأتيح لكم بذلك أن تطبخوا عددا آخر من ~~القضايا التي تستثير اهتمام الناس؟ فإذا فعلت ذلك أطلقتم سراح أبي، فهل أصبت في الإفصاح عما ~~تريد؟ ذلك ما تريده وما ترشوني من أجله ببضع قطع من الحلوى لعلي أستجيب؟» # فضحك وقال: «ذلك تبسيط للصورة فيه إسراف.» ~~- «إذن فيؤسفني ألا أستطيع القيام بما تطلبون.» ~~- «لا تتسرعي في اتخاذ هذا القرار يا «إلينا بتروفنا» فليس بنا حاجة إلى سرعة، فلديك من ~~المهلة ما تشائين لتفكري في الأمر مليا ثم تعودين، وإلى أن تعودي إلينا بقرار، فلا ينبغي ~~أن يعلم أحد عن هذه المقابلة شيئا مهما يكن صغيرا، وإلا حبسنا العصفور الصغير في قفص قد ~~يلبث فيه أمدا طويلا بالغا في الطول، من فضلك وقعي على هذه الورقة.» # وكان ما وقعته استمارة يتعهد فيها صاحب التوقيع ألا يخبر أحدا بما دار من حديث، وينص ~~فيها على عقوبة مخيفة لو خالف ما تعهد به. # مضى الزمن في حزن عميق يا «فيتيا»، فها هي ذي فرصة قد أتيحت لي لأشتري حرية أبي بثمن هو ~~أن أكون أداة للشرطة السرية، فكاد يغلبني إحساس بإجرام إذا ما تركته يعاني في سجنه، ولو أنه ~~من حسن حظي أنني كنت أعلم عنه أنه لو عرف موقفي لكان آخر إنسان في الدنيا يتوجه إلي ~~بلائمة، لكني عانيت روحا وبدنا، ثم دعيت مرة أخرى إلى مكتب رئيس الشرطة السياسية، فلم ~~أجد فيه هذه المرة ظرفا في الترحيب، كلا ولا قدم لي هذه المرة حلوى أو سجائر. # دخلت فتشاغل بالنظر إلى أوراق وتظاهر بعدم رؤيتي، وبينا أنا واقفة هناك وقفة الحائر سمعت ~~صرخات مفزعة في مكان ما من البهو، فصرخت من خوف صرخة لم تكن لي إرادة فيها، فرفع بصره ~~إلي. # قال: «أهو أنت هنا ثانية؟ أيزعجك هذا الضجيج الذي تضيق له النفس؟ أنت ms261 في ذلك على حق، شخص ~~يحفزونه بذلك على تذكر ما قد نسيه ... نعم إن مهمتنا مهمة شاقة، تتطلب أعصابا من الصلب، ~~والآن هل تقبلين ما عرضته عليك؟» ~~- «لا، لا أقبله، ليس في وسعي أن أقبله.» ~~- «أذلك قرار حاسم منك؟» ~~- «نعم، إنه قرار حاسم.» ~~- «إذن فأنا آسف من أجلك ومن أجل أبيك، ولا زلت أرى أنك قد تغيرين من رأيك، نهارك ~~سعيد.» # ثم تشاغل من جديد بتلك الأوراق، وتركته وانصرفت. # وفي مساء ذلك اليوم، حين جاء دوري فسلمت حزمة الطعام لأبي في قفص قريب من بوابة السجن، ~~أعاد الموظف المسئول اسم أبي بعد أن ذكرته له: «لادينين؟ لا، ليس في وسعي قبول حزمتك.» ~~فوقفت إزاءه جامدة من الهلع. # صحت له: «ماذا جرى؟ إنه أبي، هل مات أبي؟ هل أرسلوه إلى طرح بعيد؟» ~~- «لا علم لي بشيء، عني! من بعدها!» ~~- «لكنه رجل كهل، إنه بريء، ولا بد أن أعلم ماذا أصابه.» ~~- «عني وإلا أبعدتك بالقوة، إنك سبب في تعطيل الصف كله.» # ذهبت إلى نافذة أخرى كتب عليها «استعلامات» فقلت للحارس: إني أريد أن أعلم ماذا أصاب ~~أبي، وأعطيته الاسم، فأقفل النافذة ورأيته يتحدث بالمسرة، فأرهفت أذني لأسمع، لكني لم أسمع ~~إلا لفظة واحدة هي «مستشفى» ففتح النافذة وقال: «آسف لا نبأ عنه.» # درت لآخذ سمتي نحو الدار مع أني أوشكت أن أعجز عن تحريك قدمي، وأعطيت حزمة الطعام لسائل ~~حتى لا أزعج أمي، ثم حاولت في اليوم التالي أن أقابل طبيبا يعمل في مستشفى السجن يحدوني ~~أمل غامض أني ربما سمعت عن أبي خبرا، وبدأت بحثي بعدة أطباء كانوا أصدقاء أسرتنا، فكان كل ~~منهم يحيلني على آخر، فلما مضت علي في هذا البحث ساعات أعطاني شخص اسم طبيب له - فيما ظن ~~- علاقة بالسجن في «كيف». # ذهبت إليه فأدخلني ظنا منه أني مريضة، لكنه لم يكد يغلق الباب من دوننا حتى جثوت أمامه ~~على ركبتي وصارحته بما ذهبت إليه من أجله والدمع يتساقط من عيني، وكان رجلا طيب القلب، لكن ~~قصتي التي رويتها ms262 له أفزعته حتى أطارت صوابه، وتوسل إلي أن أنصرف عنه، قائلا: إن عمله في ~~السجن سر لا يفشى فلا يستطيع أن ينبئني بشيء. # قال: «اذكري من فضلك يا عزيزتي أنني رجل ذو زوجة وأبناء، ولا أستطيع أن أعرض نفسي للخطر، ~~الحق أني آسف، لكني لا أستطيع إزاءك شيئا، لا أستطيع شيئا، بالله اتركيني وإذا كنت تكنين ~~الحب لأسرتك فلا تجلبي الشقاء لأسرتي.» # لكني أبيت أن أتركه، وأخذت أبكي تارة وأتحدث طورا حتى غلبته على أمره فوافق أن يعين لي ~~موضع أبي إن كان حقيقة في مستشفى السجن، واتفقنا أن أتصل به بعد ثلاثة أيام عن طريق المسرة ~~من تليفون عام. # وظلت أمي تعد لفائف الطعام لأبي، وظللت آخذ هذه اللفائف فأعطيها للسائلين، وأخذت أرقب ~~الموعد المضروب بيني وبين الطبيب، حتى إذا ما آن، اتصلت به خلال المسرة. # قال لي منذرا: «تشجعي وتملكي نفسك، فلدي أخبار لا تسر، أبوك في المستشفى، وأرجح ظني أن ~~حالته لا تبعث على رجاء لأن رئتيه ملتهبتان ... زيدي على ذلك ...» وهنا تردد قليلا «إن بجسده ~~كدمات خطيرة، مع السلامة، أنا شديد الأسف.» # ذهبت إلى مكتب الشرطة السياسية كارهة، وأرسلت اسمي للرئيس، فلم يلبث أن دعاني للدخول، ~~وقابلني عند الباب يبتسم ابتسامة عريضة. ~~- «ماذا أتى بك من جديد؟ هل اتخذت قرارا حاسما؟» # قلت: «كلا، فقبل أن أحسم قراري لا بد أن أرى أبي.» ~~- «إن تدبير ذلك عسير، ولست أريد لك اضطرابا، فأبوك في المستشفى، وليس في حالة تسمح ~~بزيارته.» ~~- «أرجوك، أرجوك أن تأذن بزيارتي إياه، فأنت إنسان من البشر أيا ما كانت الحال ...» ~~- «ليس من هنا ناس من البشر يا «إلينا بتروفنا»، بل هنا رعاة الثورة، ليس هنا مكان ~~لعاطفة، وما أدواتنا التي نقاتل بها أعداء الدولة سوى العذاب والموت، وخير لك أن تتبيني هذه ~~الحقيقة عاجلا والشر في التسويف، سآذن لك برؤية أبيك على أساس واحد وهو أني أريد معونتك، ~~اذهبي إلى السجن، ففي طريقك إليه سأرسل أمري بذلك، وفكري في الأمر الذي أعرضه عليك ودعي ms263 عنك ~~هذه البلاهة الحمقاء.» # ساروا بي إلى عنبر حيث كان أبي وحده في غرفة نقلوه إليها استعدادا لزيارتي، كان راقدا ~~على سرير من الحديد، ساكنا سكون الموت، وقد طالت له لحية بيضاء في هذه الشهور التي افترقنا ~~خلالها، لم يبق له من جسده إلا جلد وعظام، ورأيت على جبهته وعلى صدغيه الغائرين أشرطة ~~قبيحة من الجلد، كما رأيت أربطة على أصابعه وذراعيه، دنوت من سريره فلم يكن لديه من العافية ~~ما يعينه على ابتسامة الترحيب، ولما أخذ في الحديث رأيت ما راعني إذ رأيت أن أسنانه ~~الأمامية قد خلعت عن فكه خلعا. # قال بصوت متكسر: «لا تبكي يا يولوشكا.» هذا هو الاسم الذي كان يدللني به منذ ~~طفولتي. # كنت قد أوصيت أن أتحدث في أمور عائلية وألا أعرج بالحديث على شئون السياسة، لكن الحارس ~~الذي صحبني هاله ما رأى فأدار وجهه عنا تلميحا لنا بأنه لن ينصت إلى الحديث، وأشار أبي ~~إلي بإصبعه أن أنحني إليه، ثم همس في أذني: «ها أنت ذي تشهدين حالي يا «يولوشكا»، لقد ~~جعلوا يضربونني يوما بعد يوم، فأداتهم هي التعذيب، ومئات ممن سجنوا في «الحجر المنفردة» ~~ها هنا يجلدون بالقطائل المبتلة ولا يخلى بينهم وبين النوم أسابيع متوالية، أو هم يوضعون ~~في غرف هي الجليد في بردها، لقد ضربوني في غير رحمة لأسمي لهم شركائي في المؤامرة. # فماذا أقول إن لم تكن هناك مؤامرة؟ لم يكن هناك مؤامرة إلا في خيالهم الجامح، إنهم بمثابة ~~من يرى أشباحا، لطالما تمنيت أن يكون هناك ما أعترف به، ولقد تذكرت أخطاء ليست بذات خطر، ~~فاعترفت بها على أنها ضروب من أفعال التخريب، وحبكت لهم حوادث تخريب لم تقع، لكنهم لم ~~يزدادوا إلا ضربا؛ لأن ما نسجت لهم بخيالي من أباطيل كان من السذاجة بحيث لم يستقم أمام ~~عقولهم، وفيم استرسالي معك في هذا الحديث؟ لقد كنت سمعت عن الشرطة السرية وأساليبها لكن ~~أسوأ ما كان يصوره لي الخيال لم يكن إلى جانب الواقع شيئا مذكورا، ليس هؤلاء ms264 بشرا، إنما ~~هم نفر من الشياطين، أواه يا ابنتي يولوشكا، إن ما صنعه هؤلاء الناس ...» ~~- «ستبرأ يا أبت مما ألم بك، وسأخرجك من هذا الجحيم، إني أعدك ...» ~~- «لا يا ابنتي فلا أمل هناك، لقد صارحني الأطباء بحقيقة أمري، فقد تندمل الجراح التي ~~أثخنها التعذيب في جسدي، لكن رقادي في مكان بارد قد أنزل العلة برئتي، والبرء في ظروف ~~كهذه وفي سن مثل سني ليس قريب الاحتمال، ولن تمضي أيام قلائل حتى يدركني الموت، فانسي هذا ~~ما استطعت إلى النسيان سبيلا، وامضي في عملك كأن لم يحدث من ذلك كله شيء، وكوني كريمة في ~~معاملة أمك وزوجك سرجي.» ~~- «مواطنتي، لقد انتهت الخمس الدقائق ولا بد لك من الخروج.» # ومات أبي بعد أيام، وذهبت إلى زوجي في خاركوف.» # استوقفت «إلينا» في قصتها. ~~- «لا عليك يا حبيبتي، لست أريد أن أعرف منك أكثر مما عرفت، فأسفي شديد عليك وخجلي عظيم ~~من نفسي، فسامحيني على ما بدر مني من سلوك أحمق.» # قالت: «لا، لا، فما دمت قد بدأت فلا بد لك أن تسمعني حتى النهاية المرة، أريد لك أن تعلم ~~وأن تقدر الظروف، فما ذاك إلا بداية الأهوال.» ثم استرسلت في قصتها المروعة: «انقضى عام ~~1931م وانقضى كذلك الشطر الأعظم من 1932م، وكان زوجي حينئذ قد تخرج وعمل في مصنع كبير، ~~وكان في فزع لا ينقضي خشية القبض عليه، شأنه في ذلك شأن غيره من الإخصائيين الفنيين في ذلك ~~الحين، فعلى الرغم من أنه لم يقترف إثما يزجره ضميره عليه، كان يفزعه ذلك الخوف الذي لا ~~ينتهي والذي لا يرتكز على أساس يبرره؛ لأنه رأى بعينيه سائر رفقائه يتخطفهم هذا القضاء ~~واحدا في إثر واحد. # ومع ذلك فلم أكد أصدق النبأ حين أنبئت أن القبض قد ألقي عليه فعلا، لقد كنت ~~أعرف أصدقاءه جميعا، وآراءه جميعا وأفعاله جميعا، فما عرفت فيه إلا براءة لا تشوبها ~~شائبة من عداوة، بل إن فكرة العداوة نفسها لم تدر في رأسه، فعاودت الوقوف في الصفوف الكئيبة ~~من جديد، ms265 صفوف الألوف من النساء، عاودت الوقوف في تلك الصفوف لأبعث برسائل الطعام إلى ~~السجين. # وتذرعوا بذريعة سخيفة لطردي من وظيفتي؛ لأن رؤسائي بالطبع لم يريدوا إلى جانبهم زوجة ~~مهندس سجين، فأخذت أبيع كل ما ملكت يدي شيئا فشيئا لأشتري الطعام لنفسي ولزوجي السجين، ~~وأعطيت في الموسيقى دروسا، وعاونني بعض الأصدقاء بشيء من المال على وعد قطعته لهم على نفسي ~~كلما أحسنوا إلي بشيء ألا أبوح لأحد أني رأيتهم أو أنهم عاملوني في شيء من الرحمة؛ ذلك ~~لأني ما دمت زوجة «عدو الدولة» فقد أصبحت على هذا الاعتبار طريدة المجتمع منبوذة من ~~الناس. # ولما قضى «سرجي» بضعة أشهر في سجنه، رفضت رسالة الطعام التي أخذتها له عند بوابة ~~السجن، فخيل إلي أني أرى شريطا سينمائيا مليئا بالفظائع مرة ثانية بعد أن رأيته ~~بعينه فيما مضى، ذهبت إلى نافذة أخرى وطلبت مقابلة الرئيس، فوقفت أنتظر ساعتين أخذت ~~بعدهما إلى مكتب الرفيق «ت» الذي كان فيما سبق عونا من أعوان رئيس الشرطة السياسية في ~~«خاركوف»، وهو رجل طويل وسيم أشقر، يدل جسمه على أنه ينعم بغذاء جيد، وكان السحر يشع ~~منه. # قال إذ صافحني وقدم لي مقعدا في شهامة الرجال: «آه، لقد كنت أتوقع منك زيارة، وما أحب ~~إلى نفسي أن تزورني جميل الغانيات، هذا فضلا عن تقرير واف جاءني عنك من مكتبنا الرئيسي في ~~«كيف»، ويؤسفني أن نتلاقى في مثل هذه ال... ماذا أقول؟ أأقول هذه الظروف الرسمية؟ ومع ذلك ~~فأنا مغتبط لهذه الفرصة السعيدة.» # فأجبته: «هل تعني أنك دبرت الفرصة تدبيرا برفضك قبول رسالة الطعام التي أتيت بها إلى ~~زوجي؟» ~~- «أرفضوا حقا أن يأخذوا منك رسالة الطعام؟ يا لهم من حمقى آثمين! سأنظر في الأمر من ~~فوري.» # وضغط على زر فدخل ضابط أنيق، وأمره أن تؤخذ رسائل الطعام التي آتي بها لزوجي، ثم خرج ~~الضابط. ~~- «صدقيني يا «إلينا بتروفنا» إذا ما قلت: إني آسف لهذا الشتاء الذي تتعاورك أسبابه، ~~ولكني مع ذلك أرى الأمر مرهونا باختيارك، ولعلك تعلمين أن ما عرض ms266 عليك في «كيف» منذ ~~عامين لا زال قائما، فنحن رجال الشرطة نفي بوعودنا.» # فأجبته: «لماذا سجنتم زوجي؟ إنك تعلم كما أعلم أنا أن زوجي بريء، ولو كان لك أم أو أخت ~~لأخذتك الشفقة علي، ليس في مقدوري أن أتجسس لكم؛ لأن التجسس ليس من خلقي، وإن الموت لخير ~~لي منه، لكني مستعدة أن أعمل أي شيء تريدون مني غير ذلك إنقاذا لزوجي؛ لأني كلما تصورت ~~آلامه مادت بي الأرض.» # ومضيت في الكلام لا أسكت، فأقول وأعيد ما أقول مرات، أتوسل مرة وأتهم مرة، وجعل هو ينصت ~~إلى قولي في صبر جميل، حتى إذا ما أرهقني الكلام إرهاقا لم أستطع معه الاسترسال فيه، دنا ~~مني وربت على كتفي تربيتا توشك ألا تجده إلا من والد. # قال: «إن الحياة قاسية يا «إلينا بتروفنا»، وإذن فلا بد للإنسان أن يواجه الواقع، وواجبك ~~أن تفكري في نفسك أولا، ففيم هذا العناء؟ لماذا ترفضين العمل معنا؟» ~~- «إذن فاسمع لماذا، فقتل أبي البريء سبب لهذا، وقتل ألوف الناس من أمثاله ألوف من ~~الأسباب كذلك، ولن أحمل ضميري عبء ما تسفحه سائر الزوجات والأمهات من دماء وعبرات حتى ~~ولو كانت الغاية سلامة زوجي، هذا هو السبب.» # قال: «أفهم جزعك هذا من الدماء والعبرات، لكن كوني عاقلة ما استطعت، فلن نكلفك أعمالا ~~تؤدي إلى دماء ودموع، وكل ما نطلبه هو أن تعملي مع الأجانب، فبلادنا تحيط بها ضباع ~~الرأسماليين التي تعوي رجاء أن تثور الثورة وتنسفح الدماء، ولست أبغي عليك الآن ضغطا، لكنك ~~إذا ما غيرت من رأيك فأنا رهن إشارتك في كل وقت، إن أباك قد مات ويستحيل لما فات أن يعود، ~~لكن زوجك لا يزال يحتاج إلى نجاة، ونجاته متوقفة عليك لا علي.» # ومع ذلك فقد وعد أن تصل إلى «سرجي» ما أبعثه إليه من رسائل الطعام، حتى يقضى في أمره ~~بصورة رسمية وينفى، ولم يمض بعد ذلك إلا أسابيع قلائل حتى أنبئت أن قد حكم عليه ~~بعشر سنوات ينفقها في عمل شاق بمعسكر من معسكرات ms267 الاعتقال في جبال أورال. # لبثت أمدا طويلا أحارب في نفسي إغراء الالتحاق بالشرطة السرية، وكنت أكابد الشوق إلى ~~«سرجي» وكان الكفاح قد نال مني فأجهدني، فلماذا أسبح في الخيال على نحو ما فعل دون كيشوت ما ~~دام العصر الذي أعيش فيه يسوده الباطل والإجحاف؟ وكم من مرة صممت أن أخطو الخطوة القاضية، ~~لكني في كل مرة كنت أسمع في اللحظة الأخيرة صوتا في طوية نفسي، صوتا أعمق جذورا من أن ~~يجد عند العقل تعليله، كنت أسمع هذا الصوت يقول: «لا، لا ينبغي لك أن تفعلي.» إن فكرة ~~التجسس، التي من شأنها أن تتظاهري بالصداقة لمن تدبرين له أن ينتهي إلى الموت، كانت تثير في ~~نفسي امتعاضا، حتى لقد أصابتني بالعلة في جسدي. # وظللت نحو عام كامل أبعث بالرجاء في إثر الرجاء إلى نواح مختلفة من الحكومة، طالبة أن ~~يعاد النظر في قضية زوجي، وبالطبع لم يثمر رجائي، ثم حدث بعد ذلك حادث، وذلك أني كنت أزور ~~معرضا من معارض التصوير الأوكراني مع صديق صادقته أيام الطلب في مدرسة الفن الجميل، وإذا ~~أنا أرى وسط الزحام الرفيق «ت» وفي صحبته امرأة رائعة الجمال، وأدركت من موقفه إزاءها أنه ~~كان في قبضتها ولم تكن هي في قبضته، فجعلت أرقبهما في اهتمام فوجدتها رعناء ووجدته مصغيا ~~لها مطيعا كأنما هو غلام أحب وهجره الحبيب. # إذن فها هو ذا موظف الشرطة السياسية الذي لا تعرف الرحمة إلى قلبه سبيلا، والذي في يده ~~تصريف القضاء لعشرات الألوف، ها هو ذا ينساق كالشاة لامرأة وضاءة المحيا! فلعل هذا ~~التناقض فيما رأيت قد أوحى إلي بما أوحى، ولقد بدت لي الفكرة الطارئة شديدة الغرابة ~~والشذوذ، لكني صممت على تنفيذها. # ولم يكن عسيرا علي أن أعلم من ذا تكون هذه الصديقة التي شهدتها مع الرفيق «ت»؛ ~~فتعقبتها في محل سكنها وارتقبتها عند مدخل العمارة الجديدة التي كانت تسكن فيها، ثم تتبعتها ~~إذ هي تصعد السلم، وبينا هي تحرك المفتاح في باب شقتها دنوت منها في شجاعة وبدأتها ~~بالكلام. ms268 # قلت لها: «نشدتك الله يا سيدتي أن تأذني لي بالكلام معك بضع دقائق.» # أخذها مني الفزع أول الأمر، لكنها ما لبثت أن صوبت بصرها في وصعدت، حتى رأت - فيما ~~يظهر - أنني لم أكن أريد بها الأذى. ~~- «لست أدري ماذا تريدين، هيا فادخلي فلا يجمل بنا الوقوف ها هنا في الردهة.» # دخلنا غرفة استقبالها التي أثثتها بذوق ممتاز، وكان بها بيان في ركن من أركانها، ولقد ~~بدت علي - فيما أرجح - علامات التعب والإعياء بعد ساعات وقفتها منتظرة في الطرق. # فقالت لي السيدة: «اخلعي معطفك يا ابنتي واجلسي، وسأصنع لك فنجانا من القهوة فأنت فيما ~~تظهرين أقرب إلى الموتى منك إلى عالم الأحياء.» # وضعت يدها في يدي وجعلتها تصغي إلى قصة متاعبي، فرويت لها عن موت والدي وعناء أمي ونفي ~~زوجي، وطلبت منها ما يعوزني من معونتها، ففي مقدورها أن تحصل لي من صديقها الضابط السياسي ~~على إذن بزيارة زوجي، فلم يعد في يدي ما أقدمه لزوجي سوى الزيارة، وقد كان ألمي من العمق ~~بحيث وجد إلى قلب السيدة سبيله، فأخذت هي الأخرى في البكاء. # سألتني أسئلة كثيرة ثم أخذت تذرع الغرفة المفروشة بالبسط جيئة وذهابا، مفكرة في أمري، ~~وبينا هي في انتباهها الموزع جلست إلى بيانها تعزف بعض الألحان. # ثم قالت آخر الأمر: «إلينا بتروفنا، يؤسفني ألا أستطيع لك وعدا إلا وعدا ببذل ما ~~أستطيع، وإنك بالطبع لتعلمين أنه لا ينبغي لك أن تذكري أمر هذه الزيارة بأي حال من الأحوال، ~~لا تذكريها في حديثك معي في المسرة.» # وقبلتني قبلة حنان أدهشتني، فرجحت ألا تكون سعيدة، بل ألا تكون مستمتعة بحياتها الدنيوية، ~~كما يبدو عليها، وذهبت إلى الكنيسة ذلك المساء وأخذت أدعو الله دعاء طويلا، فعلى الرغم من ~~أني لا أومن بالله يا فيتيا، فإني إذا ما حزبني الأمر تراني أنقلب على عقبي إلى ما نشأت ~~عليه في طفولتي، ومهما يكن من أمر فقد دعوت الله في إخلاص كما يدعوه المؤمن، ثم تلفنت ~~معشوقة «ت» فعلمت منها أن دعوتي قد أجيبت، ms269 وطلبت مني أن أذهب إليها من فوري، فلما وصلت ~~إليها بكيت من فرحتي وقبلت يديها، فأمرتني أن أكتب طلبا رسميا آخر ألتمس فيه مقابلة ~~زوجي، وأكدت لي أن طلبي مجاب هذه المرة، أما عن حقيقة أمرها هي فلم تفصح لي بأكثر من ~~التلميح. ~~- «الحياة هي الحياة يا إلينا بتروفنا، لقد مضى علي عهد لم يكن فيه العيش مترفا كالذي ~~ترين الآن من ترف، لكني كنت إذ ذاك أسعد مني الآن بكثير، فلا أقل من أن أنعم لحظة قصيرة حين ~~أعلم أنني استطعت أن أخفف قليلا من عبء الشقاء عنك وزوجك، إنه لمما يشرح الصدر أن أصنع ~~الخير مرة على سبيل التغيير من مجرى الأمور المألوف، ورجائي ألا تذكري أبدا أننا التقينا، ~~لا ينبغي لك أن تتلفني إلي مرة أخرى، أو أن تظهري بمعرفتك لي إذا ما رأيتني.» # وهكذا لم تمض إلا أسابيع قليلة حتى كنت في القطار آخذة سمتي نحو جبال الأورال، وحملت معي ~~حزمات كبيرة، إذ أنفقت كل ما أملك من مال لأشتري طعاما وثيابا تحتية من الصوف، وأحذية ~~وتبغا، وصور لي الخيال لقاءنا وفرحة «سرجي» ووجهه المشرق وما سنقضيه معا في سعادة من ~~لحظات قصار، فلما جاوز القطار «سفرد لوفسك» نزلت في محطة صغيرة، وكان مطر من مطر الخريف ~~يتساقط، ولاح لي كأنما هبطت في ذلك المكان، عالما من قذر ووحل عميق، وكان معسكر الاعتقال ~~يبعد أميالا عن محطة السكة الحديدية، ولبثت أحاول جهدي مع فلاح لعلي أستميله فيركبني عربته ~~إلى هناك، وسارت بنا العربة ساعات بين غابات كثيفة وصخور وعرة، حتى بلغنا في نهاية الأمر ~~نجدا فسيحا مكشوفا تحيط به أسوار عالية من الأسلاك الشائكة. # ورأيت وراء الأسوار صفوفا مديدة من الثكنات بنوافذها الضئيلة ذات القضبان، كما رأيت ~~الحراس منبثين في أرجاء المكان وبينهم طائفة يتبعها كلاب في وجوهها علائم الشر، وبينا أنا ~~واقفة أمام البوابة تحت المطر أنتظر الإذن بالدخول، جاءت فرقة يقرب عددها من ثلاثمائة سجين، ~~جاءت تسير رباع رباع عائدة من الغابة إلى المعسكر، ms270 ولم أكن شهدت في حياتي قبل ذاك ناسا من ~~البشر قد بلغ بهم ما بلغ بهؤلاء من مهانة وتهافت، فما رأيت فيهم رجالا لكني رأيت أشباحا ~~للرجال، رأيت صورا شائهة لآدميين تسترهم هلاهل وتنفر من رؤيتهم العين، طالت لحاهم وذوت ~~أجسادهم وأخذوا يشدون أقدامهم شدا خلال الوحل في هذه المرحلة الأخيرة من مراحل يوم ذاقوا ~~فيه طعم الموت من نصب وإعياء، وكيف لي يا «فيتيا» أن أجد ألفاظا تعبر لك عن بؤس ما شهدت ~~لتشعر بما شعرت؟ # ودخلت غرفة الحراسة فقدمت أوراقي وجاء ضابط فسألني أسئلة كثيرة ثم أمر امرأة حارسة أن ~~تفتشني، فلم تبحث في ثيابي فقط بل بحثت في جسدي كذلك، وأخذوا ما كان معي من أقلام وأوراق، ~~بل أخذوا مقصا صغيرا لأظفار اليد كان في حقيبتي، وبعد ذلك كله لم يأذنوا لي بأخذ ما معي ~~من لفائف الطعام، وكل ما سمحوا بإدخاله هو التبغ والسجائر والصابون. # صاح الضابط في وجهي قائلا: «أيتها المواطنة، ليس هذا المكان مصيفا ولا مصحة يرتادها ~~المستشفون، فيكفيهم ما نعطيهم إياه من طعام وثياب، إنهم أعداء الدولة.» # جلسنا في الغرفة الصغيرة القذرة انتظارا ل «سرجي» فرأيت على الجدران صورة عليها بقع من ~~الذباب ل «ستالين» و«دزرزنسكي» و«ياجودا»، كما رأيت شريطا مهلهلا من قماشة راية كتب ~~عليه «البعث عن طريق العمل»، ظللت أرقب من النافذة فما لبثت أن شهدت رجلا كهلا نحيلا يدنو ~~من الغرفة ووراءه حارس شهر مسدسه، وكان الرجل ذا لحية مشعثة بيضاء ورأسه يشتعل بالشيب، كما ~~كان جسده ذاويا يفزع الرائي لرؤيته وعلى إحدى عينيه رباط من خرقة قذرة، وبالجملة كان كأنما ~~خرج لتوه من أرض العذاب، فتحرك قلبي لهذا المخلوق الذي يبعث في النفس الحزن ودرت ببصري ~~نحو الضابط. # قلت: «هل ترى أيها الرفيق ذلك الرجل الكهل؟ أرجوك أن تعطيه هذه العلبة من ~~السجائر.» # كان ذلك كل ما أستطيعه لأعبر به عن عطفي على ذلك المسكين، فانفجر الضابط مقهقها وأخذ ~~يضرب فخذه بكفه من فرط السرور. ~~- «جميل والله! أتسخرين مني ms271 أم أنك حقا لا تعرفين زوجك إذا ما رأيته؟» # فجمدت من الجزع، وانفتح الباب ودخل الكهل، فلما أن دنا مني تبينت أنه «سرجي» حقيقة، لكنه ~~محطم مسن يوشك ألا يكون إنسانا من البشر، كيف أصدق هذا الذي أرى؟ لكني ذهبت إليه وضممته ~~بذراعي وهمست قائلة: «سريوزا يا حبيبي، سريوزا يا مسكين.» # نظر إلي مشدوها وارتجف بالعاطفة وجهه الذي شاه من العذاب، وما هو إلا أن جثا على ~~ركبتيه وأخذ ينهنه بالبكاء ويقبل ثوبي وركبتي ويدي، فهدأت من نفسه وأجلسته على الدكة ~~بجواري، وكان ما سمح لي به عشر دقائق لا تزيد، بعد رحلة قطعت بها نصف البلاد الروسية، ~~وأنذرونا ألا يدور بيننا حديث في غير الشئون الخاصة، فما كدنا نأخذ في الحديث حتى صاح بنا ~~صائح: «انتهى الزمن، بقيت دقيقة واحدة للوداع.» # همس لي «سرجي» المسكين: «إلينا يا عزيزتي، أنقذيني لو كان ذلك في حدود المستطاع، الحياة ~~هنا أبشع مما يصوره الخيال لكائن من كان خارج هذا المكان، إنها أسوأ مما كان يصوره لي ~~الوهم، إنهم يعاملوننا معاملة العجماوات لا معاملة الآدميين، ويلقى المسجونون حتوفهم كل ~~يوم كأنهم الذباب، هم يضربوننا ويميتوننا من جوع، «إلينا!» «إلينا» أنقذيني، يستحيل أن ~~ينقضي علي عام آخر في هذا الجحيم وأنا حي من الأحياء.» # فصاح به الحارس: «اسكت يا وغد!» # وعدته أن أبذل وسعي، وعدت إلى خاركوف يملأ ناظري هذا المشهد المؤلم لحطام إنسان كان فيما ~~مضى زوجي، وها هنا زال عني كل أثر للتردد، فما كان لي أن أدعه هناك لأشبع كبريائي وأنقذ ما ~~لي من طهارة الأخلاق، فذهبت إلى الرفيق «ت» وتمت بيننا الصفقة، قبلت عبودية الشرطة السرية ~~ثمنا أشتري به حرية «سرجي». ~~- «أؤكد لك تأكيدا تؤيده كلمة الشرف أقولها بنفسي، إنك يا «إلينا بتروفنا» لن تكلفي ~~عملا مما عسى أن يؤدي إلى «دماء ودموع» - على حد تعبيرك ذات يوم - لكنك لقاء ذلك ستدفعين ~~حياتك ثمنا إذا ما كشفت لأحد بأقل تلميح عن علاقتك بنا.» # فأجبته قائلة: «ضع دائما نصب عينيك أنني ms272 لن أنقذ زوجي بحيث أبعث بزوج امرأة أخرى أو ~~أبيها أو أخيها إلى مثل هذا القضاء، إنك لتعلم علم اليقين أن «سرجي» بريء وأن الكثرة ~~الغالبة ممن زج بهم في ذلك المأزق الجهنمي أبرياء، وسآذن لك بقتلي قبل أن آذن لنفسي ~~بالمساهمة في مثل هذا الظلم الصارخ، وكذلك أحتفظ لنفسي بحق الخروج من هذا العمل حين أشاء، ~~ولا بد أن آخذ تعهدا مكتوبا بذلك.» ~~- «أقدر ما تقولين، وها أنا ذا قد أعطيتك وعدا بذلك أصونه بشرفي، لكنني لا أستطيع أن ~~أتعهد لك بشيء مكتوب، ثقي بصدق وعدي، فسيكون لك حق الانسحاب، والآن فلنوقع الصفقة بيننا، ~~فخذي هذه الاستمارة واملئيها.» # كان ما أعطانيه قائمة بأسئلة تملأ عشر صفحات لم تدع شيئا عن حياتي وآرائي وعن حياة ~~أقربائي وأصدقائي وآرائهم إلا سئلت عنه، جلست أجيب عن أسئلتها فترة طويلة ثم وقعتها بعد أن ~~فرغت منها، ففحصها مساعد رئيس الشرطة السرية الرفيق «ت» وكتب على هامشها بعض ملاحظات ثم ~~حفظها في خزانته وارتدي معطفا وقبعة مدنيين وغادرنا مكتب الإدارة معا. # وركبنا سيارة بلغت بنا موضعا يبعد عن «فندق السائحين» بضع عمارات، حيث نزلنا. # قال: «سأسبقك مفردا، وعليك أن تتبعيني بعد ثلاث دقائق لا تقل ولا تزيد، واصعدي إلى ~~الطابق الخامس من الفندق «وذكر لي رقم الغرفة» سأكون هناك في انتظارك ولا تظهري هكذا بمظهر ~~المأخوذ، فأنا الآن ضابط من الشرطة السرية لا إنسان من الناس فلا حاجة بك إلى ~~الجزع.» # وبعد دقائق كنا معا في الغرفة المعينة، ولما طرق الباب خادم الفندق بما جاء به من طعام ~~ونبيذ، اختفيت في غرفة مجاورة فهنأني رئيسي بعد أن عاد الخادم: «ما أذكاك من فتاة! لكن ~~الفطنة ها هنا ليست بذات نفع كبير؛ لأن كل من يعمل في فنادق السائحين من مدير الفندق ~~فنازلا إلى الخادمة التي تمسح الأرض من أعوان الشرطة السرية.» # وإذ كنا نتناول العشاء، أخذ يرشدني بتعليماته الأولى، ويلقي علي درسا سريعا في أساليب ~~الشرطة السرية. # وقال يشرح موقفه إزائي: «يؤسفني أن أقول: ms273 إنك لن تعملي معي في الوقت الحاضر، لكن سيأتي ~~يوم - بعد عودتك إلى خاركوف - يتاح فيه لنا معا أن نفعل الأعاجيب.» ~~- «إلى أين أنا ذاهبة أول الأمر؟» ~~- «ستمكثين في خاركوف بضعة أشهر، إذ لا مندوحة لك عن تعلم شيء كثير، ثم سنبعث بك إلى ~~«دنيبروبتروفسك» وهو بلد جميل، يجتمع فيه كثير من الأجانب بسبب الخزان الكبير هناك وبناء ~~المصانع وغير ذلك من الأعمال القائمة، وستجدين بين هؤلاء الأجانب مهندسين من أمريكا ~~وإخصائيين من ألمانيا، فواجبنا هنالك كبير، وأحب أن تعلمي أنني أوصيت بك بنفسي، فأصبحت بهذا ~~مسئولا عنك، فلو انحرفت عن جادة الصواب بشيء من الألاعيب وقع اللوم على عاتقي، وربما ظننت ~~أنك في قبضة يدي، لكن حقيقة الأمر على عكس ذلك يا عزيزتي، فأنا الآن تحت سلطانك، وسنغفر لك ~~كل زلة تصدرين فيها عن طوية سليمة، أما إذا حاولت خداعنا أو حاولت «الانحراف إلى اليسار» - ~~كما يقولون - كان الله في عونك حينئذ، نعم أنا الآن تحت سلطانك، وذلك هو ما جعلني أوثر ~~الآن أن أتحدث إليك على هذا النحو الودي الصريح.» # قلت: «ها أنا ذا أصغي إليك.» ~~- «أول ما أسديه إليك من نصح يا «إلينا بتروفنا» هو أن تدربي ذاكرتك وخصوصا فيما يختص ~~بالوجوه، لا تكتبي شيئا، بل أمسكي كل شيء على صفحة الذهن بحيث لا يفلت، وذلك شيء يستفاد ~~بالتدريب، فالأوراق والمذكرات لها خطورتها، فاحفظي عن ظهر قلب ما تحسين الحاجة إليه: ~~الأسماء والعنوانات وأرقام التليفون والوقائع، إن أداتك الأولى هي الذاكرة. # ولغاتك الأجنبية استخدميها، فهي كذلك أدوات نافعة، وكذلك جمالك، فأنت من أشد النساء ~~اللائي يخدمننا فتنة، وجانب من مهمتك الرسمية أن تحتفظي لنفسك بهذه الفتنة، فلا تقتري على ~~نفسك في شراء الثياب ومساحيق الزينة، فهذه ألوان من الإنفاق لها من الأسباب ما ~~يبررها. # وسيحدث لك أن تلتقي حينا بعد حين بسواك ممن يعمل في خدمتنا، فلا تثقي بأي منهم ولا تنبسي ~~ببنت شفة مما قد يدل على طبيعة مهمتك مهما يكن ذلك على سبيل السياق العابر، ms274 وإذا دعت الحال ~~أن تعملي مع غيرك من أعضاء الشرطة السرية في إنجاز مهمة واحدة اتبعي الأوامر فيما يخص ~~الجانب الذي عهد إليك به، مهما بدا لك أنها أوامر سخيفة، فليست التبعة الملقاة عليك إلا ~~هذا. # ونصيحة أخرى يا عزيزتي لها قيمتها، لا تقبلي قط شرابا إلا إذا صب في حضرتك وإلا إذا ~~شرب منه المضيف أولا، ولا ترتبطي بصلات الصداقة مع أي رجل في خدمة الشرطة السرية إلا إذا ~~وافق رئيسك موافقة صريحة على هذه الصلات، وبلغي أول الأمر عن كل صلة تنشأ بينك وبين كائن ~~من كان، مهما بدت لك هذه الصلة تافهة وعابرة، وسيكون لك الحق في الانتفاع بالدكاكين الخاصة ~~بنا وفي قسائم تبيح لك من الطعام والثياب قدرا أكثر مما يصيب سائر أبناء الوطن، فالقائمون ~~على حراسة الوطن حتى يكون بمنجاة من العدوان لا ينبغي أن ينقصهم شيء، والآن فأنت واحدة ~~منا.» # فقاطعته قائلة: «أريد سؤالا واحدا آخر، متي يعود زوجي إلى داره؟» ~~- «لا عليك، فنحن لا نخلف الوعد، سنعطيه وظيفة طيبة في «دنيبروبتروفسك» وستكونين أنت ~~مهندسة معمارية.» # وعاد «سرجي» بالفعل بعد ما يقرب من شهرين، وإنه لرجل عاقل طيب القلب، فهو يعلم أنني لا ~~أكن له سوى الإشفاق، أما الحب القلبي بمعنى الكلمة القديم، فلم يكن له بيننا وجود، ولعل ~~النظام السوفيتي هو الذي قتل فينا مثل هذه الرابطة، لم يسألني قط كيف استطعت إنقاذه، ومن ~~يدري؟ لعل ما يتوهمه في ذلك من شكوك أشد بشاعة من الواقع على ما اتصف به ذلك الواقع من ~~سواد. # ألا ما أفظع هذا القرار الذي أخذت به نفسي آخر الأمر، لكنك يا «فيتيا» لو رأيت معسكر ~~الاعتقال، وما انتاب «سرجي» من تحول مخيف؛ لعرفت لماذا استسلمت في النهاية بعد أعوام من ~~الإباء، وما أنا إلا واحدة من ألوف أجبروا على هذا النحو أن ينفذوا أوامر الشرطة السرية، ~~ولا يتصل عضو بعضو من هذه الألوف، فيستحيل على أحد منا أن يرى أحدا في الدار التي رأيتني ~~فيها، فكل منا ms275 يساق إلى غرفة وحده بحيث يستحيل أن يرى أحد أحدا حتى بالمصادفة، ومع ذلك ~~فقد صادفت بعض هؤلاء الناس خلال أداء مهمتي، وإن من بينهم لزوجات لكبار الموظفين وأعلام ~~الرجال بصفة عامة. # فأحيانا تقع الواحدة منهن في الفخ لضعف حيلتها فتقبل العمل تحت شيء من الوعيد، وأحيانا ~~يغري رجال الشرطة السرية بعض هؤلاء النساء بفعل السوء وبعدئذ يضطرونهن إلى العمل معهم وإلا ~~وشوا بفساد سيرتهن إلى أزواجهن، وأعتقد أنه كثيرا ما يتهم بعض هؤلاء بجرائم لم يقترفنها، ~~فتصاغ هذه الجرائم على نحو محبوك بحيث يستحيل على أزواجهن أن يشكوا في إثمهن، فتراهن لهذا ~~يستسلمن مجبرات، فهنالك من أقذر الأساليب مئات وألوف لينشئوا جيش الجاسوسية يا «فيتيا»، ~~وقليلات جدا أولئك اللائي يعملن هذا العمل لمال أو لسلطان؛ إذ العادة أن يتم الأمر تحت ~~ضغط لا يقاوم، فالقصة كما ترى مليئة بألوان الوحشية وصنوف البشاعة.» ~~- «وإذن فهذا سبب قدومك إلى «دنيبروبتروفسك» يا إلينا؟» ~~- «نعم يا «فيتيا»، وهذا هو سبيل لقائي بك بعد نحو شهر من قدومي من خاركوف، ولقد بلغت عن ~~صلتي بك، فلم يكن أمامي في ذلك سبيل للاختيار، لكني لم أذكر شيئا أكثر من مجرد الصلة، أي ~~حبيبي فيتيا.» ~~- «وهل قال لك رؤساؤك شيئا عني؟» ~~- «بالطبع، لكنهم لم يقولوا شيئا يسيء، فصحيفتك فيما يظهر نقية من الشوائب في الجانب ~~الذي يعنيهم، أما تزال دهشا جازعا لاشتغالي بالتجسس؟» ~~- «نعم، إذا أردت أن أكون صادقا فلا بد لي من زمن ينقضي حتى تتهيأ نفسي لهذه ~~الصدمة.» ~~- «ومع ذلك يا «فيتيا» فأنت شيوعي، وواجبك على هذا الاعتبار أن تبلغ كل شيء مما عسى أن ~~يكون ضارا بالحزب، سواء أرضيت ذلك أم كرهت، فهل ترى من فارق كبير بين هؤلاء الملايين من ~~الجواسيس المختارين وبين أولئك الذين اضطروا اضطرارا أن يتجسسوا؟ أليس كلانا مصيدا في ~~الشبكة القذرة بعينها؟» ~~- «إن فيما تقولين شيئا من الصدق، وإن تكن الموازنة - ماذا أقول؟ - ساذجة، فالواقع أن ~~كلانا يدفع الأذى عن نظامنا السياسي، سواء أكان ذلك كرها أم طواعية.» ms276 ~~- «أما وقد جازفت يا حبيبي فأنبأتك بقصتي، فقد باتت حياتي في يديك، فإذا أردت أن تكون ~~شيوعيا صالحا؛ وجب عليك أن تكاشف أولي الأمر بما سمعت، ومع ذلك فلست أرتاب لحظة واحدة في ~~أنك لن تفعل ذلك، وما أهون علي أن أذهب إلى أقصى الأرض لأنجو من فخاخ الشرطة السرية، لكن ~~هذه الشرطة السرية متناولها بعيد المدى، فلا مفر منها إلا بالموت، ولكم فكرت في الانتحار ~~على أنه الوسيلة التي لا وسيلة سواها للخلاص. # فيتيا يا حبيبي كن على حذر، فنحن نعيش في بلاد كل من يحيط بنا من أهلها يلبس قناعا، فلا ~~تثق بإنسان كائنا من كان بحيث تسر له بمكنون نفسك، ولست أقصر حديثي على البوابين ~~والمتسمعين خلال ثقوب الأبواب، إنما أعني أكثر الناس في هذا البلد احتراما، فطريق السلامة ~~الوحيد هو في افتراض أن الناس جميعا بغير استثناء ينقلون الأخبار ثم ينقلونها وينقلونها ... ~~أواه يا «فيتيا» لقد بلغ مني الإعياء واليأس مبلغا عظيما، وسأظل على حبك حتى لو نبذتني ~~نبذ النواة.» # فقلت في انفعال عاطفي إزاء هذه الفتاة التي وقعت في الشرك: «إلينا أمسكي عن هذا ~~الهراء، إنه ليشقيني الآن شيء واحد، وذلك أني عاجز عن معونتك، فكم يثير صدر الرجل أن يرى ~~نفسه عاجزا عن مساعدة المرأة التي يحب.» # فقالت إلينا: «هيا نسبح فتذكري لما انتابني من صعاب يجعلني أحس كأنما تلزج مني ~~الجسد.» # كان الماء دفئا، وسبحنا في الظلام وتحت المطر، وسط لمعات من البرق وقرقعة من الرعد، نعم ~~إن ذلك الفعل منا جاء دليلا على شيء من الحماقة وعدم الحرص، لكنني رأيت السباحة عندئذ ~~ضرورة لكي أزيل بالماء بشاعة القصة التي روت، ثم حملتها خارج الماء حيث وضعتها في حظيرة ~~السماك ونشفت جسدها كأنها الطفل، ولففتها في مخدع من الدريس العاطر، ولما كانت منهكة بما ~~تحرك في نفسها من انفعالات خلال ذلك اليوم العجيب، فقد استغرقت في النعاس من فورها. # ولما أصبح الصباح عدنا بالقطار إلى المدينة. # وهمست في أذني قائلة: «الحق يا «فيتيا» ms277 أني أحس الآن خيرا مما كنت وأنقى مما كنت، ما دام ~~هذا السر المخيف قد ارتفع من بيننا، فلو دمت على حبك إياي فسأكون بذلك أسعد مني في أي لحظة ~~مما مضى.» # وبعد ذلك بأسابيع قليلة ذهبت «إلينا» إلى «كيف» لزيارة أمها حيث لحقت بها، وذات نهار مشمس ~~قصدنا معا إلى المقابر، وهنالك اقتلعت الأعشاب عن قبر أبيها وزينته بالورود، وكنت قد أحضرت ~~معي علبة من الطلاء فطليت الحاجز الذي يحيط بالقبر والصليب الحديدي الذي يقوم عند طرفه، ~~وأما «إلينا» فلم تبك بل أخذت تقص لي عن أبيها وعن طفولتها السعيدة بينا كنت أنا أقوم ~~بعملية الطلاء. # قالت لي إذ نحن في الطريق عائدين إلى الدار: «لو علمت الشرطة السرية يا فيتيا أنك زينت ~~القبر لألقت عليك القبض، فإنه من الخطر أن تبدي شعورا طيبا نحو أبي المسكين البريء حتى ~~بعد موته، لكن هذا العمل الإنساني الذي قمت به على ضآلته قد زادني شغفا بك.» # فقلت: «إذن فالعمل جدير بأن أخاطر في سبيله.» ~~- «لكن ألا يقلقك مثل هذا العمل باعتبارك شيوعيا مخلصا؟» ~~- «كلا، إنه لا يثير في نفسي قلقا، وربما كنت شيوعيا مخلصا بغير هذا المعنى.» # وذهبنا معا إلى متنزه في «كيف»، وكانت هنالك جوقة موسيقية تعزف في الحديقة التي كانت ~~تسمى فيما مضى بحديقة القيصر، وكانت الأغنية الشائعة عندئذ نغمة سخيفة تمجد «الحياة المرحة ~~السعيدة» التي يحياها أبناء السوفيت، ونظر كلانا - إلينا وأنا - كل إلى عيني زميله، وكان ~~حسبنا النظرة عن كلمات نتبادل بها ما يدور في رأسينا من خواطر. # الفصل الثاني عشر # | مهندس في نيقوبول # كانت الفرقة النهائية في معهدنا تعد نفسها للامتحان الختامي في شيء من القلق، وكان من ~~شروط الحصول على الإجازة الدراسية أن يتقدم الطالب بمشروع هندسي توافق عليه لجنة حكومية، ~~وقد بذلت مجهودا لا يعرف التراخي حتى أعددت مشروعي، وكان علينا بالإضافة إلى ذلك أن ننفق ~~بعض الوقت في مصانع صهر المعادن على سبيل التدريب، وأكثر ما كنا في حاجة إليه هو قليل من ms278 ~~طمأنينة النفس، وراحة مؤقتة من شئون السياسة، لكن أبى علينا القدر هذا المطلب؛ فجاءت تلك ~~الأشهر الأخيرة مليئة بالأحداث السياسية. # فلم تعرف حياتنا العلمية في المعهد إلا قليلا من الهدوء، ذلك على أحسن الفروض، فما كنا ~~نكلف به من أعمال خارج المعهد، وما كانت تفعله بنا حركات التطهير، قد امتص نشاطنا امتصاصا، ~~حتى لقد كان يبدو لنا أحيانا أن الدراسة لم تكن إلا وجها إضافيا من أوجه النشاط التي ~~نقوم بها ، وها نحن أولاء نحرم حتى هذا الهدوء القليل الذي بقي لنا بعد ذلك كله، وذلك أنه ~~في مستهل ديسمبر عام 1934م أطلقت رصاصة من مسدس في «لننجراد» البعيدة عنا، لكنها أصابت ~~حياتنا في «دنيبروبتروفسك» إصابة زلزلتها من أساسها. # أطلقت تلك الرصاصة في دهليز البناء الذي كان فيما مضى «معهد سمولني» والذي هو الآن ~~مقر رياسة الحزب في لننجراد، وأطلق الرصاصة شاب شيوعي يدعى «نيقولاييف»؛ فأصابت «سرجي ~~كيروف» الذي كان عضوا في الهيئة السياسية العليا والمشرف الحقيقي على الجزء الشمالي من ~~روسيا، فسقط صريعا عند قدمي «نيقولاييف»، ولبثت أصداء تلك الطلقة تتردد في الأرجاء أعواما ~~طوالا، وقبل أن تسكن تلك الأصداء لاقى مئات الألوف من الناس ما لاقوا من عناء وموت، وشقيت ~~أنا أعواما دفعتها ثمنا لتلك الفعلة الإرهابية التي اقترفتها يد شاب مجهول. # جاء «ستالين» ومعه «فوروشيلوف» مسرعين إلى لننجراد، وشاعت في دوائر الحزب أخبار تنبئ بأن ~~«ستالين» أشرف بنفسه على استجواب «نيقولاييف» استجوابا بلغ من الدقة حدا بعيدا، وبالطبع ~~لم يعلم أحد خارج هيئة المحاكمة بما علمه «ستالين» من المتهم، لكن سلوكه فيما بعد نهض ~~دليلا على أن «ستالين» فزع لما سمع فزعا بلغ به حد الجزع. # وقبض على مئات ممن حامت حولهم الشبهة في لننجراد، وقتلوا رميا بالرصاص في حينهم ~~بغير محاكمة، وسيق مئات آخرون من أعماق السجون التي زجوا فيها لأعوام خلون، ثم أعدموا رمزا ~~من الحكومة على انتقامها من أعداء الحزب، وغصت سجون الأقاليم بداخليها، وحملت قطارات ~~البضاعة ألوفا وألوفا من «العناصر الدخيلة من الوجهة ms279 السياسية» حيث خرجت بهم من المدينة ~~إلى مطارح النفي النائية، ثم امتد هذا الإرهاب حتى شمل موسكو وكيف وخاركوف، وأخيرا طفت ~~موجته على البلاد بأسرها. # وكان أول ما أذيع من أخبار موت «كيروف» هو أن القاتل كان أداة في أيدي طائفة من الأجانب ~~الأنذال من أستونيا وبولندا وألمانيا ثم من بريطانيا، وبعدئذ تتابعت التقارير الرسمية ~~معلنة أن «نيقولاييف» كان يرتبط على نحو غامض بأتباع - حاضرين وسابقين - «لتروتسكي» ~~و«زينوفييف» و«كامينيف» وغيرهم من البلاشفة القدامى الذين خرجوا على الحزب، وأخذت في كل ~~ساعة تقريبا، تتسع دائرة الذين فرضت فيهم صلة بالأمر على نحو مباشر أو من الوجهة ~~«المعنوية» حتى شملت تلك الدائرة كل إنسان حدث له يوما أن أثار أدنى الشكوك في سياسة ~~ستالين. # وأطلق للدعاوة حبلها على الغارب، كأنما نسي الزعماء ونسيت صحافتهم ما كانوا يفاخرون به ~~أمس القريب من أن الحزب قد أصبح موحد العقيدة على نحو لم يسبق له مثيل، فراحوا الآن يصرخون ~~صرخات الهوس بأن الحزب قد اندس فيه الخونة والمنشقون والمخادعون والمخربون، وكنت تسمع ~~تلميحا منذرا بالسوء آنا بعد آن بوجود مؤامرات وتدبيرات في الخفاء، قد عقدت صلاتها ~~بالعالم الرأسمالي الذي يأخذ أهبته لشن الحرب على الوطن السوفيتي، ومن كان منا ذا دراية ~~يسيرة باتجاه الريح السياسية في البلاد أدرك أن إراقة الدماء إراقة على نطاق واسع كالذي ~~عهده التاريخ على يدي جنكيز خان، كانت على وشك الوقوع، ولم نخطئ الحساب، إذ جاءت الأعوام ~~القليلة التالية تحمل لنا في طيها أفظع حركة إرهابية حكومية شهدتها الروسيا في تاريخها ~~كله. # وانتشرت الشائعة في دوائر الحزب بأن فعلة «نيقولاييف» لم تكن سياسية إطلاقا، وأنه إنما ~~أطلق الرصاص على «كيروف» في ثورة من الغيرة؛ لأن «كيروف» قد أفسد عليه زوجته الجميلة، ~~وتعاونت أمثال هذه الهمسات المحرفة مع وسائل الدعاوة المنظمة بحيث أحاطت الجريمة بالغموض ~~والتخمين فلم تعرف حقيقتها حتى اليوم، وفي الوقت الملائم أصدرت اللجنة المركزية «خطابا ~~سريا» قرئ في اجتماعات خاصة من أكثر أعضاء الحزب نشاطا في أرجاء البلاد ms280 كلها، وذلك بعد ~~أن تعهد هؤلاء الأعضاء بكتمان الأمر سرا في صدورهم، وقد صور هذا الخطاب مقتل «كيروف» على ~~أنه تعبير عن حركة بعيدة الغور يقاوم بها أنصارها من أعداء الثورة سياسة الحزب ~~وزعماءه. # ومهما يكن من أمر العلة المباشرة أو الباعث البعيد الذي حفز «نيقولاييف» على إطلاق ~~الرصاص، فقد كانت هذه الحادثة في رأي المفكرين من الشيوعيين علامة تدل على ما في النفوس من ~~ضيق شديد دفين تحت سطح الحياة في بلادهم، ذلك السطح الذي يقوم على حراسته رجال الشرطة، فكل ~~واحد منا كان يحس في طوية نفسه المرارة واليأس، وكانت تبلغ بنا الجرأة، أحيانا أن يكاشف ~~بعضنا بعضا بتلك الوساوس على ألا تزيد جماعتنا عن اثنين أو ثلاثة، ولقد كان لا بد من مقتل ~~رجل هو من أقرب المقربين لستالين، حتى نستيقظ لنعي أن كروبنا الخاصة إن هي إلا موجات من نهر ~~عظيم من السخط تجري أمواهه تحت سطح الأرض دفاقة فتنفذ إلى صميم القلب في أمة كثيرة ~~النفر. # كان كل شيء هادئا في الظاهر، فقد بطش بألسنة النقد من «المياسرة» ومن «الميامنة» على ~~السواء، وسطع ستالين «شمسنا» في سمائه مطمئنا فوق حزب موحد النزعات، وأما الفلاحون فقد ~~ألهبتهم السياط ليخضعوا على غيظ كظيم تحت ضغط البنادق والمجاعة، فلم تعد تسمع صوتا باحتجاج ~~على حركة التحول الصناعي التي فتكت بحياتهم، وعلى ما يعانونه من قلة الطعام ومصاعب الحياة، ~~وقبض الشرطة عليهم بنسبة عالية، هذا في الظاهر، أما في الباطن فقد كان كثيرون من أعضاء ~~الحزب وأبناء الأمة يتميزون من غيظ، فتحت هذه الغفوة البادية من عدم المبالاة، وتحت ~~طبقة رقيقة من اليأس الصامت، كانت تتأجج نيران الغضب الهائج كأنها حمم البراكين. # ينبغي أن يتبين العالم هذه الحقيقة في وضوح إنصافا للشعب الروسي، فقد كان هؤلاء الروس من ~~شقاء العيش بحيث عجزوا عن النهوض، شلت فيهم الحركة عشرون عاما قضوها في حروب وثورات وقلة ~~في الغذاء ومطاردات الاضطهاد، دوختهم أقوال الدعاوة وحيرتهم الأكاذيب، وقطعت الأسباب بينهم ~~وبين العالم الخارجي، ms281 ومع ذلك كله لم يذعنوا قط عن رضى لفظائع حكامهم، وكان الشعور بالحرارة ~~على أشده في الحزب نفسه؛ لأنها كانت ممزوجة في نفوس أعضائه بشعور الخطيئة، وكان يزيد من ~~المرارة عند هؤلاء الأعضاء شعورهم بالعجز إزاء الحكام وما لهم من نفوذ وسلطان. # ولم يكن من قبيل المصادفات أن يكون «نيقولاييف» ومن اتهم معه بالاشتراك المباشر في جريمته ~~جميعهم من الشباب الذين أخرجهم عهد السوفيت، وكانت كثرتهم الغالبة من الطلاب، لقد جرى ~~التقليد بأن تكون المدارس العليا في الروسيا هي أوكار المذهب الثوري في صورته المثلى، فباتت ~~هذه الصورة المثلى من المذهب تعد مناهضة للثورة، لكنها لم تزل على سابق عهدها لم ~~تتحول. # لم يكن يغيب على أحد من الشيوعيين أن آلاف الطلاب قد قبض عليهم وأن مئات منهم قد ~~قضي عليهم بالموت بعد مقتل «كيروف»، ومع ذلك لم تذكر الصحف من ذلك شيئا، فقد كان يكفي ~~لتحريك الريبة في صدور الشرطة السرية أن يجتمع عدد من الطلبة في دار واحد منهم ليقضوا معا ~~سهرة راقصة يسرون فيها عن نفوسهم. # فإذا ما فوجئنا في المعهد بغياب عدد من الطلاب لم يقع ذلك منا موقع الشذوذ في مجرى الحياة ~~المألوف، ولا دعا أحدا منا إلى التساؤل، بل كنا نغضي عن عمد كأننا لم نلحظ شيئا، لكن ~~قلوبنا كانت دائما تميل بعطفها نحو الزملاء الذين قبضتهم أيدي الشرطة، ولم يحدث قط أن كان ~~هوانا مع الشرطة في ذلك، ولقد أخذ كل منا نفسه بأن يشدد الرقابة على لسانه؛ لأنه إذا ما ~~انطلق بحديث صريح، كان معنى الصراحة هنا «عداوة للشيوعية». # كان ما أحسسته في نفسي من خيبة الرجاء أعمق مما أستطيع أن أصارح به نفسي، بله أن أصارح به ~~الناس، ولهذا السبب عينه تجنبت المشاركة في المناقشات السياسية، لكنني إنسان من البشر، ~~وروسي إلى أخمص القدم، فكنت أجد نفسي حينا بعد حين أفرط في الحديث مع أصدقاء وثقت فيهم، ~~وبعدئذ كنت أقضي أسابيع في قلق وهم خشية أن يكون قد بلغ عني واحد ms282 من هؤلاء. # فلما وقع الاغتيال في لننجراد، اهتزت نفوس الطلاب اهتزاز الأمل الذي بعثه فيهم وهم ~~الخيال، أفيكون هذا العمل الإرهابي تعبيرا عن حركة شعبية حقيقية؟ أيمكن أن تكون الشرطة ~~السرية بكل ما لها من قوة قد فشلت في اقتلاع جذور المعارضة المستورة؟ فنحن بعد هذا كله لم ~~نزل جزءا من أمة نشأت على ذكريات الحركات الثورية السرية والمؤامرات السياسية وقذف القنابل ~~في سبيل الحرية. # لكن حادث الاغتيال قد بعث في نفوسنا إلى جانب الرجاء رعشة الخوف التي تغلغلت فينا إلى ~~الصميم، فلم يكن لنا إزاءه محيص عن حركات تطهيرية أخرى، بل قد حدث بالفعل أن سارعت الهيئة ~~الحاكمة إلى الإعلان عن نواياها، إذ أعلنت أن كل تذاكر الحزب لا بد من مراجعتها وتجديدها، ~~ولم يطلقوا على الحركة المعتزمة اسم «التطهير» لكنها ستكون في حقيقة أمرها حركة محاكمات ~~تعود إلينا من جديد قبل أن يكتمل عام واحد بعد حركة التطهير السياسية التي شملت أرجاء ~~البلاد جميعا. # كان صديقي في الدراسة «م» واحدا من الشيوعيين القلائل الذين كنت أبيح لنفسي معهم أن أعلق ~~برأي صريح على الشئون السياسية، فقد أحسسنا حالة نفسية مشتركة بيننا بثت فينا الجرأة كلما ~~انفردنا معا، فلم يلبث «م» بعد موت «كيروف» أن دعاني للقاء طائفة من الأصدقاء في منزل ~~«أندريه س» وهو طالب لم تكن قد توثقت بينه وبيني الصلات، «سنشرب الشاي ونشقق أطراف الحديث.» ~~هكذا قال لي، لكنني ترددت في الذهاب؛ لأنني شممت رائحة الخطر في مثل هذه الدعوة العابرة، ~~غير أن حب الاستطلاع من ناحية وحالتي العقلية المضطربة من ناحية أخرى جذباني في نهاية الأمر ~~إلى الذهاب في الموعد المضروب. # كان «أندراي» مديد القامة شاحب اللون في نحو الثلاثين من عمره، سمح المحيا أزرق العينين ~~غائرهما، وكان واسع الاطلاع ذرب اللسان حتى في الموضوعات التي لا توحي بالإفاضة في الحديث ~~مثل مراحل صنع الصلب، فكان محبوبا من الجميع محترما من الجميع. # وجدت «م» في غرفة «أندراي» الصغيرة ذلك المساء، ومعه طالبان من معاهد غير ms283 معهدنا، ~~وتحلقنا حول وعاء الشاي المتوهج في ضوء الغرفة الخافت الذي كان مصدره مصباحا واحدا ~~صغيرا، وأخذنا نتنقل في الحديث على غير نهج مرسوم، نطوف حول الموضوع الذي كان يشغل عقولنا ~~جميعا، دون أن نقع فيه، كأنما كان كل منا يسبر غور الآخرين، ولقد لحظت شيئا عجيبا وهو أن ~~الحاضرين أخذوا ينادون بعضهم بعضا بأسماء زائفة، فكانت هذه الحقيقة وحدها كفيلة أن تصبغ ~~جماعتنا بصبغة التآمر، وهي صبغة تشيع في النفس فزعا، لكنها في الوقت نفسه تغري بالمضي في ~~الطريق، فاللعب بالنار عند كثير من الروس مما يخلب الألباب. # كنت حديث عهد بهذا الحديث السياسي الخطر، أما الآخرون فقد كانوا فيما يظهر يألفونه منذ ~~بعيد، وما هو إلا أن نسينا ما اصطنعناه من حرص، وحمي النقاش بيننا رويدا رويدا في حادث ~~اغتيال «كيروف» فاحتدت الأصوات تدريجا، وازدادت الأعين بريقا، وازددنا بفعل كلامنا ~~التهابا، وأخذنا نتحدث عن «طاغية الكرملن» ونبدي علائم العطف على «الشعب الروسي المظلوم»، ~~فخيل إلي على نحو ما أنني أعود بالذاكرة إلى حياة طفولتي من جديد؛ حيث كان يجتمع أبي ~~مع أصدقائه الثائرين في دار استقبالنا المتفرعة من «طريق بوشكين» على نقاش سياسي محتدم في ~~موضوع الظلم القيصري. # قال أندراي: «نحن نعتبر رصاصة» نيقولاييف بمثابة الفاتحة لانقلاب.» فرنت كلمة «نحن» هذه ~~التي قالها رنين المنذر بالخطوب، ولم أدر قط من هؤلاء الذين يعنيهم بهذه الكلمة، «نعم إنها ~~بمثابة الفاتحة لانقلاب، فقد كانت رصاصة لا تدعو إليها الضرورة ثم كانت مجلبة للأذى، فلا بد ~~لستالين أن يلتمس ثغرة ينفذ من خلالها إلى مذبحة تطهيرية يشنها على فريق المنشقين من الحزب، ~~وها هو ذا قد وجد الثغرة مهيأة، فلم يعد الأمر أمر «نيقولاييف» وحده، بل قضي الأمر فيه ~~وفي أصدقائه جميعا، الموقف الآن هو أن عصبة الكرملن قد بات في يدها أقوى المبررات للإجهاز ~~على نقدة الحزب ومعارضيه إجهازا لا يبقي منهم أحدا.» ~~- «اذكروا قولي هذا يا رفاق، إن مئات الألوف، لا بل قد يبلغون ألوف الألوف، أولئك الذين ~~سيدفعون ms284 الثمن لرصاصة «نيقولاييف»، لئن جاز لنا حتى الساعة أن نحلم بالحرية والديمقراطية ~~تسودان الحزب، فهذا الحلم قد تقشع وزال، تقشع وزال، ها أنا ذا أعيدها لكم، لقد تبددت ~~آخر ذرة من الأمل! إنه لن يمضي طويل وقت حتى ترون الروسيا تدمى إلى حد الفناء!» # وأخذ يذرع الغرفة بخطاه وهو منفعل، وسرعان ما تأثرنا جميعا بانفعاله وجيشانه، وأحسسنا ~~إحساس ركاب السفينة التي أخذت في الغرق، ودوامة الماء باتت قاب قوس من خياشيمهم، وسكت ~~«أندراي» برهة ثم مال في ترنح المخمور، ومضى يقول: «كان «ستالين» و«فوروشيلوف» حاضرين حين ~~كان «نيقولاييف» يسام العذاب، لقد شاءت لي المصادفة أن أعلم ذلك يا رفاقي، لقد كانوا يريدون ~~منه أسماء ناس، تتلوها أسماء وأسماء ... أرادوا منه أسماء ناس يكونون غذاء لسعير نيرانهم، ~~وليس ما يهمنا الآن هو أي الأسماء قد اعتصرها المستجوبون من «نيقولاييف»، فهؤلاء سيكتبون ~~تقريرهم على النحو الذي يشتهيه ستالين، كائنة ما كانت الأسماء، وبعدئذ تسيل الدماء دفاقة ~~في هدوء، تستند إلى مبررات نظرية.» # كان أصغر عضو في جماعتنا طالبا ضئيل الجسم شاحبا، وما كان أجمله حين نهض فوقف فجأة ~~بجسمه النحيل وأخذ ينشد مقطوعة من شعر «رايلييف»: # إني لأعلم أن الموت يرتقب # من يجعل من نفسه طليعة النهوض # ضد الطاغية الذي بغى بالشعب # وأعلم أن قد حم في القضاء # سأموت في سبيل وطني الحبيب # إني لأعلم ذلك وأحسه ... # وكأنما تبدلت سحنته وهو يقلص وجهه إذ هو ينشد هذه الكلمات، فبدا كأنه شخص من شخوص ~~«دستويفسكي» أو «جوركي»، تلك الشخوص التي تعرفها في مناظر الثورة الرائعة من قصص هذين ~~الكاتبين، بدا كأنه شخص من تلك الشخوص دبت فيه الحياة، وعلى الرغم من أن ما شهدته عندئذ ~~كانت له في النفس روعة توحي بما توحي، فقد شعرت مع ذلك بأسف عميق إذ أبحت لنفسي أن أنساق ~~إلى هذا الاجتماع، فقد كانت تسوده روح من السذاجة التي بلغت حدا توجست منه خيفة، ولم يكن ~~في اتجاهه عمليا ولا مفيدا، لا بل إنني لم أفهم قط فيم ms285 انعقد هذا الاجتماع، ولقد حدث أن ~~قرئ لنا فيه كتيب صغير صادرته الحكومة، بقلم رجل من أعلام المعارضين - هو «سلبكوف» - ~~فطبعت منه نسخ على الآلة الكاتبة كهذه النسخة التي قرئت لنا، وكان فيها هجوم عنيف على ~~طاغية الكرملن وعصابته، فكان ما سمعته من هذه الرسالة هو ما كسبته في هذا الاجتماع العجيب ~~من علم مفيد، ولم أدر كيف استطاع «أندراي» أن يحصل على هذه الرسالة الخطيرة، ومهما يكن من ~~أمر، فمجرد قراءتها - لو علمت الشرطة السرية بذلك - كان كفيلا أن يطوح بي إلى مطارح النفي ~~في سيبيريا. # وانفض اجتماعنا عند مطلع الفجر، فلم أتبين فداحة ما أقدمت عليه إلا حين خرجت في ضوء ~~الصباح الشاحب، أخب في الطريق المثلوج، لقد كنت واحدا من جماعة متآمرة طالما قضى أمثالها ~~على ألوف الطلاب في أرجاء الروسيا، فسلبتهم الحرية أو حرمتهم الحياة بأسرها، فلو علم ~~السلطان طرفا من الأمر لكان في ذلك قضائي المحتوم، ومع ذلك فقد أخذت صبح ذلك اليوم في ~~المعهد أبحث عن «أندراي» ورأيتني منجذبا إليه بسبب ما نستهدف له من الخطر، لا على الرغم ~~منه، فقد كنت مشوقا أن أعلم من هؤلاء الذين أشار إليهم ليلة أمس بكلمة «نحن» وظل يتحدث ~~عنهم طيلة الليل. # وما بلغت الساعة الواحدة حتى طلب إلي الذهاب إلى مكتب الحزب، فوجدت هناك غيري من ~~الناس وبينهم «م» وتجهم أمين سر الحزب وهو يغلق من دوننا الباب ويتجه بنظره إلينا، فتوقعت ~~من الأمور شرها. # قال: «أيها الرفاق، إن ما لدي لخبرا محزنا، وآثرت أن أنبئكم به في غير إبطاء، وذلك أن ~~رفيقا من أعز رفقائنا علينا قد أزهق نفسه بيده هذا الصباح في غرفته، وقد يكون دافعه إلى ~~ذلك هو الحب، أو غير ذلك من مآسي الحياة.» # فسألته: «من هو ذاك؟» ~~- «أندراي س، لقد كان طالبا مجدا وشيوعيا مخلصا، إنها لخسارة ...» # وبينا نحن في طريقنا إلى الخارج واحدا في إثر واحد، تحسس «م» حتى صادف يدي فضغط عليها، ~~وكانت عبراته تنحدر فوق خديه، إذن فلم ms286 يكن هذا الجيشان النفسي الذي رأيناه في «أندراي» ~~المسكين تمثيلا زائفا يخدعنا به، ولقد ظلت عبارته التي قالها: «لقد تبددت آخر ذرة من ~~الأمل، ولن يمضي طويل وقت حتى ترون الروسيا تدمى إلى حد الفناء!» ظلت عبارته هذه تتردد ~~أصداؤها في ذهني أشهرا طوالا، ومن حسن حظنا جميعا أن هذا الاجتماع الليلي الذي سمعنا ~~خلاله نشيدا من شعر «رايلييف» ظل سرا مكتوما طوال سنوات التطهير التي طغت على البلاد ~~بعد ذلك. # لم يعلم أحد على وجه الدقة لماذا انتحر «أندراي»، ومع ذلك فقد كثر اللغط في أرجاء المعهد ~~رجما بالغيب، وأحس كل من بالمعهد أن موته كان متصلا على نحو غامض بحادث الاغتيال في ~~لننجراد وبموجة الرعب التي كانت وقتئذ تجتاح الحزب كله والهيئة الحاكمة السوفيتية ~~جميعا. # ولم تكن مراجعة تذاكر الحزب علنية كما كانت حركة التطهير من قبل، بل اتخذت صورة التحقيق ~~البوليسي، فنودينا للاستجواب واحدا بعد واحد، ولما جاء دوري دخلت مكتب الشرطة في حالة من ~~الجزع تندى بها جسمي كله بالعرق، فماذا أنا صانع لو كان أمر الاجتماع في غرفة «أندراي» قبل ~~موته بساعات قليلة قد كشف عن سره؟ لكن مثل هذا السؤال الذي ألقيته على نفسي لم يكن له سند ~~من المنطق؛ لأنه لو كانت الشرطة السرية قد أحاطت بالأمر علما لكان القبض قد ألقي علي ~~قبل ذلك بزمن طويل، غير أن الخوف الشديد - كالحب الشديد - لا يعرف منطقا. # قال الرجل الجالس خلف المكتب: «اجلس أيها الرفيق كرافتشنكو، أرني تذكرة الحزب التي ~~لك.» # كنت أعرف عن هذا الرجل أنه شيوعي عامل في «دنيبروبتروفسك»، وكان معه اثنان آخران، لم أعرف ~~أحدهما لكنني أيقنت أن ثانيهما - رغم ما كان يرتديه من ملابس المدنيين - من هيئة الشرطة ~~السياسية، واستجوبني من لم يكونا من الشرطة، لكن كان الشرطي بمثابة القاضي هذه المرة، ~~وكان أمامه ملف أوراق - لعله ملف أوراقي - فكان ينظر إليه آنا بعد آن، ثم رأيته حينا بعد ~~حين يناول الجالس إلى المكتب هذه الورقة أو تلك. # وأخذت المحاكمة ms287 مجراها المألوف، فرواية على النحو المعهود لقصة حياتي وأصدقائي وأقربائي ~~وما أديته من مهام الحزب، وهذا العمل المكرور على ما في تكراره من ملل، كان بتكراره هذا ~~مطمئنا للنفس، وأرادوا هذه المرة أن يعلموا مرشحي حين التحقت بالحزب؛ فأدليت لهم ~~بأسمائهم. ~~- «ألا يزالون أعضاء في الحزب؟» # فأجبت قائلا: «نعم، هذا ما أعلمه عنهم.» ~~- «هل حدث يوما أن كان أحدهم شريكا على أي صورة من الصور في إحدى حركات ~~المعارضة ؟» ~~- «لو كان ذلك فليس لي بالأمر علم.» ~~- «رفيقي كرافتشنكو، أليس عجيبا أن تكون وحدك دون سائر أفراد أسرتك عضوا في الحزب؟ ~~لماذا اعتزل صفوفنا أبوك وإخوتك؟» ~~- «وأي عجب في ذلك؟ أليس واقع الأمر أن في البلاد خارج الحزب عددا أكبر من أعضاء ~~الحزب؟» # فقاطع رجل الشرطة السياسية قائلا: «كان أبوه ذا نشاط سياسي قبل الثورة، لكن يظهر أن ~~البلاشفة ليسوا على هواه.» # فقلت: «أنا آسف يا رفاقي، لكنه ليس من العدالة في شيء أن تزعموا لأنفسكم مثل هذه المزاعم ~~لا لسبب ظاهر سوى أن بعض الناس لم ينضموا إلى الحزب.» # فقال الشرطي في ابتسامة ساخرة: «أوه، أنا لم أقصد إلى مهاجمة أبيك، إنما أردت أن أسرد ~~الواقع فحسب.» # ودام الاستجواب نحو ساعة، وكان كلما سار خطوة ازددت سيطرة على نفسي، إذ كان من الجلي أن ~~ملف أوراقي لم يزل نقيا، ونجوت مرة أخرى، وردت إلي تذكرتي بعدما فرغوا من استجوابي، ~~لكن الإجراءات التي تم بها الاستجواب تركت في نفسي مرارة، فمن الوجهة النظرية كنا نحن ~~الشيوعيين أصحاب السيادة في البلاد، إذ نحن «صفوة الصفوة» من بناة العالم الجديد، أما من ~~الوجهة العملية فقد كنا قطعا من قطع الشطرنج التي لا حول لها ولا قوة، يحركها اللاعبون في ~~جو من النظام الشرطي رسمته مجموعة من قوانين سنها رجال الشرطة أنفسهم لأنفسهم. # وطرد من الحزب ألوف الشيوعيين من أهل المدينة، وحدث مثل ذلك في كل بلد من بلاد الروسيا ~~جميعا، وكان الطرد من الحزب هذه المرة معناه الحبس فورا. # لم يكن المشروع الهندسي ms288 الذي حصلت به على إجازتي الدراسية - وقوامه وصف وتصميم لآلة ~~لخراطة الأنابيب، وهى ابتكاري الخالص - لم يكن ذلك المشروع في تقدير الممتحنين ممتازا ~~فحسب، بل ازداد على امتيازه شرفا حين اشترت الحكومة حق الانتفاع به، نعم إن الآلة لم تخرج ~~قط من دائرة الرسم إلى دائرة الواقع، لكنها مع ذلك وضعتني - من الوجهة النظرية على الأقل - ~~في صف المخترعين الفنيين. # ولم أكد أفرغ من الامتحان التحريري حتى جلست لامتحان شفوي أمام لجنة حكومية من الممتحنين، ~~وكان ختام حياتي المدرسية حفلة أقيمت لتكريم المتخرجين، فملأنا بطوننا طعاما وشرابا ~~وأخذنا نغني ونتغنى بالعبارات الشائعة في تمجيد الوطنية السوفيتية، وطفق خطيب بعد خطيب يذكر ~~لنا أننا تلقينا العلم على حساب الأمة، وأن واجبنا الآن هو أن نشرع في رد هذا الدين مائة ~~ضعف بمعاونتنا لمشروع السنوات الخمس لنشيد للحزب مجدا مؤثلا. # وهكذا أصبحت في نهاية الأمر، في النهاية التي طال انتظارها، مهندسا ذا مؤهلات رسمية، وقد ~~كان هذا الهدف منذ سنوات أربع يتبدى لعيني محوطا بهالة من مجد، ولست أدري كيف رأيته الآن ~~وليس يزخرفه من المجد شيء، فقد أظلم هاتيك الهالة التي كان رسمها الخيال، ما رأيته في الريف ~~من أهوال ومن مجاعة كاسحة، وما شهدته في حركة التطهير التي قام بها الحزب، وما أحسسته حولي ~~من موجات التشاؤم، ولئن كان قد تبقى لي قليل من ضوء المجد المرتقب، قليل من ضوء يشوبه ~~الأسى، فقد انمحى هذا القليل بعد أن سمعت من «إلينا» قصتها، وبعد أن علمت بانتحار «أندراي»، ~~وبما كان سائدا في النفوس من يأس وشعور بالعبث، ولعله من هذا اليأس وهذا الشعور بالعبث ~~جاءت قصة «إلينا» وجاء انتحار «أندراي» نتيجة لازمة. # إن أسرة من غمار الشعب كأسرتي لتعد من دواعي فخارها أن يكون من أبنائها مهندس ذو مؤهلات ~~عالية، فتظاهرت بفرح لم أكن أحسه، ولا شك أن أمي نفذت ببصرها خلال ما تقنعت به من فرح ~~مفتعل، لكنها أغضت بدورها وتظاهرت بمثل ما تظاهرت به أنا من علائم السرور، وأما ms289 أبي فقد كان ~~يعلم علم اليقين أن الطريق الذي يسلكه مهندس سوفيتي، إنما هو طريق مليء بمواضع الزلل من ~~الوجهة السياسية، لكنه كان رجلا كتوما فطوى نفسه على همه، وأما أخواي «يوجين» و«قنسطنطين» ~~اللذان كانا لا يأبهان بالسياسة، فلم يريا في إجازتي الدراسية إلا فرصة تفتح أمامي طريق ~~التقدم من حيث حالتي الاقتصادية. # وشعرت «إلينا» بزهو مشوب باكتئاب، واستطاعت بما تكنه نحوي من حب وعطف أن تهدئ من اضطراب ~~خواطري، كانت تتوقع لنفسها النقل إلى «خاركوف»، وها أنا ذا أتوقع لنفسي أن أعين في مركز ~~لصهر المعادن بعيد، وكلانا لم يكن بالمستهتر الذي لا يبالي الحوادث، فضلا عما زاد الآصرة ~~بيننا من سلسلة الخطوب التي مرت بنا، فكانت تتأرجح بين الغبطة تارة والأسى طورا، فعلمي ~~بأنها كانت عضوا في الشرطة السرية ظل شبحا يلقي ظله على مباهج حبنا، وعبثا حاولت أن ~~أقتلع هذا الشبح من نفسي. # وأرسلت نسخة من رسالتي في الهندسة التي اجتزت بها الامتحان إلى «الوزير أورزنكدز» وجاءني ~~منه رد عطوف، فقد لبثت مدى أعوام الدراسة متصلا به، حتى أخذت الروابط الرسمية بيننا تتحول ~~شيئا فشيئا إلى صداقة شخصية. # وحدث مرة في عام 1933م أن عرضت رأيا بإقامة معرض سوفيتي دائم للصناعة لا يختلف كثيرا عن ~~المعارض في ألمانيا، وعرضت هذا الرأي في مقالات نشرتها الصحف مصحوبة بصورتي وبثناء من هيئات ~~التحرير على مثل هذا «الابتكار بين البلاشفة»، فأخذت عندئذ أضع للفكرة وصفا مفصلا مدعما ~~بالمصورات الإيضاحية، وأسلمت كل هذا إلى «أورزنكدز»، ولم أعد أسمع شيئا عن مشروعي هذا سوى ~~أن ظهيري من بين حاشية الكرملن قد اغتبط له، وأبلغني هذا الاغتباط على طريقته العاطفية ~~القفقاسية، فأتبعت ذلك المشروع بمشروع آخر شبيه به، وهو اقتراح بإقامة معرض زراعي، فلقي هذا ~~الاقتراح حظا أسعد من زميله إذ رأيته نافذا بالفعل بعد حين، ولو أن فضلي في ابتكار ~~الفكرة لم يكن له ذكر على الإطلاق. # كان في مقدوري أن أقدم طلبا بالتعيين إلى «أورزنكدز» مباشرة، بوصفه الرجل الذي لا يعلوه ms290 ~~إنسان في عالم الصناعة السوفيتية، لكني آثرت ألا أستغل صداقته، فأسلموني إلى «رياسة صناعة ~~التعدين» وهي المكلفة بصناعة أنابيب الصلب وغيرها من مصنوعات الصلب للبلاد بأسرها، وكان ~~رئيسي بها «يعقوب إيفانتشنكو» الذي كان حينا مديرا لمصنع «بتروفسكي- لينين» فعرفني معرفة ~~جيدة، وتقرر في اجتماع انعقد في مكتبه في «خاركوف» أن أعين في مصنع معدني جديد ينشأ في ~~«نيقوبول» فرض له أن يبدأ العمل في أبريل. # ولم أكن قد نسيت ما كنت شهدته في «نيقوبول» - حين ذهبت إليها مفتشا من قبل الحزب - من ~~قذارة واضطراب ومرارة، وكانت الذكرى وحدها كفيلة أن تشيع الهم في نفسي، ولم أكد أصدق أن ~~المصنع سيبدأ إنتاجه بعد قليل، رغم كل ما هنالك من إسراف وما يلاقيه الناس من عذاب، فقد ~~كانت «نيقوبول» في رأيي مثالا لحركة التحول الصناعي في البلاد كلها، فهي مسرفة فيما تهلكه ~~من حياة ومن مواد، وحشية في طرائقها التي خلت من كل حذق ومهارة، ومع ذلك فهي تتقدم لسبب لا ~~أدريه. # وقفت أمي و«إلينا» تودعاني وتلوحان لي من رصيف الميناء حتى اختفت عنهما السفينة التي ~~أقلتني إلى «نيقوبول» إذ دارت حول الحنية التي في نهر دنيبر، وأحسست حينئذ إحساسا ~~عميقا أن صفحة جديدة من حياتي قد بدأت، فقد بلغت من العمر إذ ذاك تسعة وعشرين عاما، وهي ~~سن متقدمة بالنسبة إلى مستقبل رجل سيشتغل بأعمال الهندسة، لكن كان يعوض ذلك أني بدأت الشوط ~~من نقطة قريبة من النهاية؛ ذلك أني بدأت رئيسا من الرؤساء المشرفين على مشروع هندسي عظيم، ~~وهكذا أصبحت بين عشية وضحاها رجلا من «الصفوة» الممتازة في المجتمع السوفيتي، إذ أصبحت ~~فردا من عدد يقرب من المليون من الموظفين ومديري الصناعة ورؤساء الشرطة الذين كانوا ~~يكونون بمجموعتهم الطبقة الأرستقراطية الجديدة في الروسيا. ~~«نيقوبول» مدينة قديمة على نهر دنيبر، تفوح في هوائها رائحة النهر وتحيط بها غابات يانعة ~~وحقول فسيحة من القمح، وهي في إقليم يعرف عنه العالم كله أنه من أخصب مصادر المانجنيز الذي ~~هو معدن لا غنى عنه في ms291 صناعة الصلب، وعلى مقربة منها بعض مناجم الحديد الهامة مما جعلها ~~مركزا طبيعيا لصناعة التعدين، وكانت الشوارع والمنازل في «نيقوبول» تحرك في قلبي حنينا ~~نحو أعوام الطفولة التي قضيتها مع جدي «فيودور بانتليفتش» في مدينة «إسكندروفسك» التي باتت ~~الآن تعرف باسم «زبرزهي». # لكن المصنع نفسه كان - لسوء الحظ - بعيدا عن المدينة، إذ كان قائما في مكان قفر موحش، ~~وكانت الكثرة الغالبة من عماله الخمسة الآلاف لا تزال متزاحمة في ثكنات حقيرة، نعم كانت ~~ثكنات العمال إذ ذاك خيرا مما رأيته فصعقت له إبان زيارتي الأولى، لكنها مع ذلك كانت لا ~~تزال أصلح لسكنى الحيوان منها لإقامة الآدميين، وكان غمار العمال يتناولون وجباتهم في مقصف ~~ضخم نتن الرائحة لم تراع فيه أصول الصحة، ثم كان لرؤساء العمال والمهندسين مطعم أنظف من ~~ذلك المقصف وأملأ منه بألوان الطعام، ثم مطعم ثالث حديث الطراز أعد لنفر قليل من كبار ~~الموظفين الذين كانوا يتزودون - فضلا عما ينعمون به في المطعم - بوفرة من الطعام في ~~منازلهم يستمدونها من محصول ما ينبت في أرض المصنع، فهكذا جرى التقليد في الروسيا أن يكون ~~بين الطبقات هذه الفوارق البعيدة، بحيث لم يدرك غرابة وجودها في بلد «تحكمه طبقات الشعب» ~~إلا الأجانب. # أما عن نفسي فقد أسكنوني في منزل فسيح ذي غرف خمس يبعد عن المصنع نحو ميل، وكان أحد ~~ثمانية منازل على طراز واحد أعدت للطبقة العليا من الموظفين، وكان منزلي ذاك محوطا ~~بأشجار عالية وله حديقة أزهار ممتعة أحسنت العناية بها كما كانت له حديقة خلفية ~~للفاكهة، وكان في المنزل حوض للاستحمام ومذياع، بل كان به كذلك ثلاجة كبيرة، وكان لي سيارة ~~في حظيرتها، وجوادان من طراز ممتاز، كل هذه بالطبع ملك للمصنع، لكنها تكون تحت تصرفي وحدي ~~ما دمت في منصبي كما لو كانت ملكي الخاص، وكان لي بالإضافة إلى دار السكنى سائق لسيارتي ~~وسائس لجوادي وفلاحة فيها خشونة الريف تهيئ لي الدار وتطهى الطعام، وكنت أدفع أجر ~~الخادمة، أما السائق والسائس فأجرهما من حساب المصنع. ms292 # وكان راتبي يتراوح بين 1500 و1800 روبل في الشهر الواحد، ولو أنه كثيرا ما كان يبلغ ~~الألفين أو يزيد بعد إضافة العلاوات، وتستطيع أن تفهم معنى هذه الأرقام في الظروف القائمة ~~في الروسيا إذا عرفت أن رؤساء العمال ومهرة الصناع الذين كانوا تحت إدارتي لم يكد يزيد راتب ~~أحد منهم على أربعمائة روبل، وأن غير الفنيين من العمال رجالا ونساء لم يزد أجر الواحد ~~منهم على قدر يتراوح بين 120 و175، وهكذا ترى أن صفوف الشعب التي تدار جماعة السوفيت ~~باسمهم، لم ينعموا طبعا بشيء مما كنت أنا أنعم به، وقد ينعم به معي عشرة آخرون من رجال ~~المصنع جميعا. # ضاعفت في العمل جهدي ولم أرخ العنان قط لنفسي، بحيث كنت أعد اليوم الذي ألبث فيه داخل ~~المصنع اثنتي عشرة ساعة يوم عطلة، بل مرت أيام كنت أواصل خلالها عملي في وظيفتي ثمانيا ~~وأربعين بل اثنتين وسبعين ساعة، لا أذوق فيها النوم إلا ساعات قليلة أخطفها خطفا فأستلقي ~~على أريكة في مكتبي، ومع ذلك الجهد كله فقد كنت إذا ما خلوت إلى نفسي في داري الجميلة بما ~~فيها من خادمتي «باشا» القوية البنية الحمراء الوجه، إذ هي تعد لي في المطبخ أكلة طيبة، ومن ~~البستاني الذي أعدته لي الدولة إذ هو يروي حديقتي، ومن ثلاجة مليئة بالخضر الطازجة والشمام ~~والكفيار والقشدة المحمضة، كنت إذا ما خلوت إلى نفسي في داري بما فيها من كل هذه الأشياء؛ ~~أشعر بتأنيب الضمير. # فقد كنت أفكر في العمال الذين يسكنون الثكنات، وأفكر في أبنائهم وفي حياتهم المظلمة، كيف ~~أنحو إليهم بلائمة إذا ما فعلوا ما توهمت أنهم لا بد فاعلوه نحوي من مقاومة بل من مقت، ~~باعتباري سيدا من بين سادتهم الجدد؟ كيف لي أن أفهمهم أن هذا الذي يرونه من فارق بين ~~شقائهم ونعيمي لم يكن من صنع يدي، وأنني كنت بدوري ترسا لا حول له ولا قوة في عجلة ضخمة، ~~وأن رغدي منحة وهبتني إياها الدولة وتستطيع الدولة أن تحرمني إياها متى ms293 شاءت لغير سبب وبغير ~~إنذار؟ # لقد أردت في إخلاص أن أصل ما بيني وبين العمال بصلات من الود والصراحة، فقد كنت أفهم ما ~~هم عليه، وكانت حاجاتهم وآلامهم قريبة من قلبي، لكن مهندسا في مثل منزلتي لو خالط صفوف ~~العمال، فإنه بذلك إنما يجرح كبرياءهم؛ لأن مثل هذه المخالطة فيها معنى الإشراف، هذا فضلا ~~عن أن الهيئة الرسمية لن ترضى عن مثل هذا الإخاء بيني وبينهم باعتباره عاملا يفسد النظام، ~~فنحن من الوجهة النظرية نمثل «سلطة العمال»، أما من الوجهة العملية فنحن طبقة غير طبقاتهم، ~~فبين دنيا الكلام ودنيا العمل هوة سحيقة. # كان الرفيق «براتشكو» الذي كلف بناء المصنع هو نفسه الذي أسندت إليه الآن إدارته، ~~ولقد رقق مر الأيام من خشونة أخلاقه وجعل منه زميلا أمتع بكثير مما كان، ولم يكن يعلوني ~~في الإدارة الفنية إلا «براتشكو» هذا، وكبير المهندسين «فشنيف»، أما من الناحية السياسية ~~فيما يختص بالإشراف على المصنع، فقد كان من بيدهما الأمر «ألكسي كوزلوف» رئيس اللجنة ~~الحزبية المشرفة على المصانع، والرفيق «ستاروستين» رئيس نقابة العمال. # كان «كوزلوف» متقدما في السن، شديد العطف على الناس، معنيا بكل قلبه برفاهية العمال، ~~أما «ستاروستين» فقد كان رجلا من الطراز الأول من حيث مقدرته على الصعود في سلم الوظائف، ~~أما فيما عدا ذلك فهو بليد الذهن، وكان منظره - كمخبره - غليظا قذرا، ولحسن الطالع لم يكن ~~له من النفوذ بقدر ما كان له من ضخامة المنصب، وذلك بحكم كونه موظفا في نقابات العمال، فلم ~~يكن لرجال نقابات العمال أدنى الخطر؛ لأنه لم يكن في وسعهم أن ينبسوا ببنت شفة، بله أن ~~يتخذوا قرارات فيما يعرض من الشئون، دون استئذان الحزب. # كان النظام كله، الذي يضع شئون العمال في يد حاكم مستبد، أثرا عجيبا باقيا على الزمن ~~منذ الماضي البعيد، ولم يكن هذا الوضع من المخادعة في شيء؛ إذ لم يكن بين الناس أحد خدعته ~~ألاعيب الاجتماعات والقرارات، وأبعد الناس انخداعا بمثل هذه الأشياء هم العمال أنفسهم، ~~فأعضاء النقابات من هؤلاء العمال ms294 لم يعرفوا سوى أن النقابات تتقاضاهم رسوما تقتطعها ~~اقتطاعا من أجورهم الضئيلة، فإن كان هذا شأن النقابات، فلا غرابة أن يبلغ نفوذ «ستاروستين» ~~من الضعف حدا بحيث لا يأبه له رجل من كبار الموظفين، أما «كوزلوف» فكانت كل كلمة تنحدر من ~~شفتيه بمثابة القانون. # كنا نحن الزعماء بطبيعة الحال على صلة شديدة بعضنا ببعض، فعرف كل منا عن الآخر جوانب ضعفه ~~وشذوذه، مما أدى إلى عدم ارتياحنا بعض لبعض، وكان ثمة رجل يدعى «برودسكي» وهو أمين سر ~~اللجنة المحلية في نيقوبول، التي هي فرع من الحزب، كان هذا الرجل كذلك شديد الرقابة لما ~~يدور في مصانعنا، ولئن كانت له في ذلك عين واحدة، فقد كان لرجل آخر - هو «دوروجان» رئيس ~~الشرطة السياسية في نيقوبول - مئات العيون يرقبنا بها، مستعينا في ذلك «بالإدارة الخاصة» ~~و«القسم السري» في مصنعي، وطوائف من المخبرين المحترفين والمتطوعين والمجبرين ممن تراهم في ~~كل «مصنع» أو مكتب أو مصلحة. # كان «دوروجان» فظا سريع الغضب، له وجه كوجه الكلب الإنجليزي، فهو رجل كأنما صاغه الخالق ~~من الحجر الأعبل ليكون شرطيا في أي نظام حكومي كائنا ما كان، وإني لأذكر رجالا من ~~أمثاله أيام أن كانت الشرطة السياسية تطارد أبي في عهد القيصر، وكانت الشرطة السياسية قد ~~غيرت اسمها منذ عهد قريب، فلم تعد كما كانت «القسم السياسي التابع للدولة»، بل أصبحت تسمى ~~«هيئة الشئون الداخلية»، وأصبح اختصارها هذه الأحرف: # N. K. V. ~~D. # وهكذا تبدلت عليها الأسماء واحدا بعد واحد ~~( # cheka # ثم # G. P. U. # ثم # N. K. V. D. ~~)، لكن تبدل الأسماء لم يغير شيئا لا من ~~أساليبها ولا من الاسم المخيف الذي شاع في النفوس عن «سيف الثورة المسلول» الذي يتمثل في ~~هذه الهيئة، ولبث المشتغلون بهذه الإدارة الشرطية ينعتون بأول أسمائها، وهو اسم التشيكيون # Chekists ~~، كما لبث الروس أعواما يطلقون عليهم ثاني ~~الأسماء # G. P. U. # حتى بعد أن تغير الاسم بحيث أصبح # N. K. V. D. ~~. # كانت صلتنا برجال الشرطة السرية المحلية تتفاوت شدة، ms295 فهي أضعف برئيسها «دوروجان» منها ~~بمساعده النشيط «جرشجورن» الذي كان منوطا به القسم الاقتصادي من تلك الشرطة السياسية ~~الخاصة بمدينة نيقوبول وما حولها، وإن «جرشجورن» هذا ليحتل مكانا خاصا بين مجموعة من ~~يجللهم العار في ذاكرتي، فهو رجل بدين، له عينان صغيرتان سريعتا الحركة، ركزتا في وجه مليء ~~حليق، ورأسه كذلك حليق فترى جمجمته صاعدة في تدرج حتى تبلغ نقطة كأنها قمة الجبل، وكان إذا ~~ما تحدث أخذ يسترضي أو يهاجم بالسباب حسب طبيعة الشخص الذي يتحدث إليه، ولئن كان في تركيب ~~هذا الرجل ذرة واحدة من كرم النفس الإنسانية ، فلم يتح لي أن أراها في الأعوام التي عرفته ~~فيها معرفة كان يضيق لها صدري. # كان أهم ما خصصت له الشهر الأول من أعمال هو جمع الآلات وغيرها من الضروريات الأولية ~~لتنظيم الإنتاج، وكان هناك فرعان ثانويان من المصنع خصصا لخراطة الأنابيب في كل منهما ~~نحو ألف وخمسمائة من العمال والعاملات، ولم ألبث طويل زمن حتى أسندت إلي إدارة أحد ~~هذين الفرعين، فما دنا شهر يونيو من ختامه حتى كانت عجلة الإنتاج دائبة السير، إذ صادف ~~تكليفي بهذا المنصب وتبعاته هوى من نفسي على الرغم مما فيه من مخاطر، فلم أكد أفسح لنفسي من ~~فراغ الوقت ما يكفي للنوم حرصا مني على أن تتصل حركة العمل على أساس ثلاث نوبات في اليوم ~~الواحد. # وكنت كلما سرت آنا بعد آن في أرجاء المصنع وأدركت أن كل ما فيه يطن طنينا سويا شعرت ~~بسعادة تعز عن التعبير، وفي مثل تلك اللحظات كنت أفهم فهما صادرا من أعمق أعماق نفسي معنى ~~قولهم: «لذة العمل»، فما كان أجمل هذه الحياة لو قل الجواسيس عددا وقلت الريبة وذهبت عن ~~الناس حالة الفزع التي تشل عقولهم عن التفكير وتضيق الخناق على أنفسهم أيما تضييق! # لقد كنت أعلم علم اليقين أن كل خطوة أخطوها لها أعين ترقبها وتسجلها، ولست أعني سلوكي في ~~المصنع فحسب، بل كذلك ما يتعلق بحياتي الخاصة، ولم أشك لحظة في أن أمينة سري ms296 واسمها ~~«توفينا» - وهي امرأة نصف صارمة قادرة - كانت تقدم عني التقارير، كما كان يقدم عني ~~التقارير كذلك سائق سيارتي وخادمة داري، وواحد على الأقل - إن لم يكن أكثر من واحد - من ~~مساعدي في العمل، لكني تجاهلت علمي بهذا تجاهلا لم ينسني إياه نسيانا تاما، فقد كان ~~لي بمثابة الواخز الذي يؤرقني إذا ما عملت أو فكرت. # فلطالما تبين لي أن كل كلمة مما كان يدور في اللجان العادية التي نعقدها للنظر في شئون ~~الإنتاج، كانت تبلغ «هانتوفتش» رئيس الإدارة الخاصة، وهذا بدوره يبلغها بالطبع إلى ~~«جرشجورن» صاحب العينين المترجرجتين، ولم يكن ما يدور في هذه اللجان سرا، كلا ولا كان ~~فيها شيء مما يستوقف النظر، ولكم كان يسرني أن أدون محاضرها لكل من يريد أن يعلم عنها ~~شيئا، ولم يكن يضايقني أشد الضيق إلا أساليب التجسس؛ ذلك لأني لم أستطع أن أتخيل نفسي قط ~~عاملا من عوامل التخريب؛ فلذلك كانت محاولات التجسس تسوءني أشد الإساءة حتى لأعدها إهانة ~~وسبابا. # إنه ليستحيل على أي عمل صناعي أن يسير في دقة مطلقة، فالآلات قد تفسد، والأغلاط قد تقع، ~~والعمال المتعبون قد يزدادون إهمالا، وخطط الإنتاج قد يصيبها التعديل، ولئن صح هذا عادة، ~~فهو صحيح بصفة خاصة إذا ما كان المصنع حديث الإنشاء، وآلاته واردة إليه من خارج البلاد، ~~وعماله إلى حد كبير يتألفون ممن جاءوا من الريف توا ولا خبرة لهم، ومع ذلك فقد كانت كل ~~حادثة طارئة مما يحدث تجيء برجال القسم السياسي مسرعين، يتشممون في قلق لعلهم واجدون رائحة ~~شيء من التخريب والتدمير، فيجرون تحقيقا علنيا في مكاتب «القسم السري» أو يجرون تحقيق ~~مسائيا سريا تهتز له رئاسة القسم السياسي في المدينة. # ولقد أصدرت أمري بأن أستدعى في الحال إذا ما حدثت حادثة مهما تكن تافهة، حتى لو أدى ~~ذلك إلى إيقاظي من النوم في منتصف الليل، ولكني مهما أسرعت في الذهاب إلى مكان الحادثة، كنت ~~أجد رجال القسم السياسي قد سبقوني إلى هناك، يتجهمون ريبة، ويتهمون في سخرية. # ذلك ms297 هو الجو الذي عملنا في ظله منذ البداية، وقد كان المهندسون والموظفون الإداريون ~~القدامى يرونه جوا طبيعيا للصناعة السوفيتية، وكانت تدور بينهم نكات خاصة عن «كتاب ~~العرائض» الذين ينبثون في كل ركن من أركان المصنع، أما أنا فلم أستطع قط أن أوائم بين نفسي ~~وبين هذا الجو، وكان لا بد لهذه الحالة أن تزداد سوءا كلما تقدم الزمان شهرا، فاشتدت في ~~قوتها حركة التطهير الأعظم التي أعقبت موت «كيروف»، فلم يكد يمضي عام واحد على نيقوبول حتى ~~تحولت بحيث أصبحت أقرب إلى أن تكون مجالا للصيد يجول فيه رجال الشرطة وأعوانهم من المخبرين ~~السريين، منها إلى أن تكون مؤسسة صناعية. # جاءت أمي تزورني فأعجبها منزلي الأنيق بما فيه من أثاث جميل ومن أسباب الراحة الكثيرة ~~الحديثة، ثم أعجبها بوجه خاص أن تكون في الدار خمس غرف لي كلها وحدي، فلم يعد أمامها سبيل ~~إلى الشك في أن ثاني أبنائها قد «شق طريقه في الحياة!» وكان المطبخ بثلاجته الكبيرة وخيراته ~~الوفيرة يجذبها كأنه المغناطيس، وحدث أن دعوت بعض زملائي للعشاء ولإقامة حفل صغير تكريما ~~لأمي، فألحت أمي أن تطهى هي الطعام بنفسها، ووقفت خادمتي «باشا» تنظر في إعجاب إلى أم ~~مخدومها وهي تعد له أصنافا خاصة تعرف أنه يحبها منذ طفولته. # ولما فرغنا من العشاء مر بداري بعض أضياف آخرين، بينهم رئيس العمال وكثير من عمال المصنع، ~~وكان كل منهم يبدي من ضروب الشهامة أعلاها في ترحيبه بهذه السيدة القليلة في حجمها ذات ~~الشعر الأبيض والقد المتناسب، وقد حدث ما جعل أمي تهمس في أذني قائلة: «أرى يا «فيتيا» أنك ~~محبوب لدى الناس، أرى ذلك من طرائق سلوكهم إزاءك، وهذا جميل، جد جميل!» # وفي الصباح التالي قبلت أمي مودعا، وطلبت إليها ألا تدع الملل يتسلل إلى نفسها؛ إذ إني ~~لن أعود إلى الدار قبل ساعة متأخرة من الليل، ولم يدر في خلدي حينئذ أنها كانت قد دبرت ~~لنفسها خطة تقضي بها النهار، فلما كانت ساعة الأصيل من ذلك اليوم جاءتني الأنباء ms298 عن بوادر ~~نشاطها، إذ أنبأني مهندس أنه رأى أمي في المقصف تتحدث إلى الطاهيات والمناولات، فالظاهر ~~أنها وجدت من يعطيها تذكرة مرور بحيث استجابت لدافع التطلع من أنوثتها والتمست سبيلها فورا ~~إلى المطبخ. # وعدت إلى الدار ذلك المساء في ساعة متأخرة فوجدت أمي قد أوت إلى مخدعها، وفي اليوم التالي ~~أنبئت مرة أخرى أن أمي كانت في بعض أنحاء المصنع تتسلل خلسة هنا وهناك وأوراق مذكراتها ~~في يدها، على حد تعبير رئيس عمالي، وسمعت أنها طافت بالثكنات ومخازن التعاون ومراضع ~~الأطفال، لكني كنت في ذلك اليوم من الإجهاد في عملي بحيث لم يبق لي من فراغ التفكير ما ~~يجعلني أهتم لهذا «التسلل» الذي سمعته عن أمي، فما أن بلغت الدار في المساء حتى وجدتها ~~جالسة إلى مكتبي بمنظارها ذي الإطار المعدني مرتكزة على أرنبة أنفها الدقيق، تكتب في كراسة ~~على نحو ما يكتب أصحاب الأعمال إذ ينهمكون في أعمالهم، فلم أتوجه إليها بسؤال، وانتظرت ~~قليلا في شيء من القلق، لعلها تبدأ هي الحديث، فلما انتهينا من طعام العشاء، وأزالت «باشا» ~~عن المائدة أطباقها، قالت لي أمي: «أريد الآن يا «فيتيا» أن أتحدث إليك حديثا ~~جادا.» ~~- «افعلي يا أماه، فماذا يؤرقك؟» # فأخذت تحدثني على نحو ما يتحدث مجلس الإدارة للجمعية العمومية إذ يرفع إليها تقرير ~~العام، فأنبأتني أنها قامت بتفتيش المصنع تفتيشا دقيقا، ففحصت مساكنه ومراضعه ونواديه ~~ووسائل الاستحمام وغيرها من الوسائل الصحية، وكان صوتها إذ هي تحدثني ينم عن كثير من ~~اللوم. # ولخصت تقريرها قائلة: «لقد صعقت لما رأيت، هل تدري كيف يعاملون عمالك ها هنا؟ ففيما يختص ~~بما لديك من مديرين وموظفين ترى كل أسباب العيش الرغيد موفورة، أما إذا هبطت إلى صفوف ~~العمال فلن تجد إلا قذارة وإهمالا، فالمطبخ يقزز النفس وقائمة الطعام تتكرر صنوفها تكرارا ~~يغم الصدور، وأما الثكنات قل لي: أتظن حقا أن هذه الثكنات تصلح لسكنى العمال ~~السوفيت؟» ~~- «ولماذا تلقين التبعة على عاتقي؟ إني أبذل كل جهدي، وليس من الإنصاف أن تلقي التبعة ~~علي.» ~~- «إنك ms299 من القادة هنا يا «فيتيا» ولا مندوحة لك عن الشعور بالتبعة، انظر كيف تعيش أنت، ~~ألا يحرك ضميرك قط أن ترى هذا الفارق البعيد بين عيشك وعيشهم؟» ~~- «أخشى يا أماه أن تكون حقيقة الأمر قد غابت عنك، فلسنا نحن الموظفين رؤساء بالمعنى ~~القديم لهذه الكلمة، إنما تأتينا الأوامر من الرياسة العليا ونحن إزاءها مقيدون لا نستطيع ~~حراكا، لقد أمرت بتبييض المقصف وألححت في أن تغسل أرضه ثلاث مرات كل يوم، مرة بعد كل نوبة ~~من نوبات العمل، أما إذا جاوزت أمثال هذه الصغائر فلا حول لي ولا قوة، إذ الأمر بعدئذ يصبح ~~مرتبطا بسلم الأجور ومشروعات المساكن والميزانيات والأسعار المحددة للملابس والأحذية، وهذه ~~كلها أمور تتقرر في موسكو، وكل عملي ها هنا هو صناعة الأنابيب.» ~~- «لا أقل من أن تعرف الحقائق! لقد دونت مذكرات فهاك ما دونت، أتدري أن النساء لا بد ~~لهن أن يركبن أو يمشين أربعة أميال أو أكثر إلى المدينة ليستبضعن؟ فلماذا لا تقام سوق هنا ~~حيث يجيء مزارعو المزارع الجماعية بمنتجاتهم للبيع؟ إن لك وحدك - فيما أرى - حماما جميلا ~~أبيض، أما العمال وهم يعدون بالألوف فليس لهم سوى جحر قذر لا يستحق أن يسمى حماما، وحتى ~~هذا الحمام على ما فيه من سوء، تالف لا يعمل! في مشروع كهذا يكلف عشرات الملايين، لماذا ~~لا تعد حمامات نظيفة للرجال ومثلها للنساء؟ وخذ مثلا آخر يا فيتيا: مراضع الأطفال، لا ~~تجد فيها الكفاية من «بياضات» أو دواء أو أي شيء آخر.» # فقلت في صوت المتخاذل الموقن بصدق ما تقول أمي: «لقد رسمت الصورة أسود مما هي في ~~الواقع.» ~~- «لست يا بني بلائمتك على ذلك، لكنك إذا ما عرفت حقيقة الأمر وعرفها سائر المديرين، ~~فربما أنقذتم في الموقف شيئا.» # هنا لم تعد أمي قادرة على الاحتفاظ بروح الجد العملي التي كانت تخاطبني بها، فقد كانت هذه ~~الروح قناعا سترت وراءه طبيعتها ولم تستطع أن تطيل له الأمد، بل اغرورقت عيناها بالدموع إذ ~~آلم نفسها ما رأت، آلمها حتى هذا ms300 الفارق بين ما يتمتع به ابنها من رغد في العيش وبين حياة ~~الآخرين. # وبعد أن سافرت أمي إلى «دنيبروبتروفسك» ببضعة أيام، عقد الرفيق «كوزلوف» اجتماعا من ~~الموظفين الفنيين وموظفي الحزب ونقابة العمال، فلما ذهبت إلى مكتب الحزب حيث الاجتماع، كان ~~المكان قد غص بالناس، ولم يكن في جدول الأعمال إلا موضوع واحد - كما أعلن كوزلوف - وهو ~~«الظروف التي يعيش العمال فيها»؛ فاهتزت نفسي لذلك، فها هي ذي الفرصة السانحة - سنحت في وقت ~~أقرب مما توقعت - فأبسط الحقائق أمام الإدارة بسطا كما صورتها لي أمي! وقلت لنفسي: يا لها ~~من مصادفة سعيدة! # وتكلم ناس كثيرون كلاما فيه تعميم تدعو إليه طبيعة الموضوع، نعم إنه لا جدال في أن ~~الظروف من البشاعة بمكان، لكن ماذا نحن صانعون حيالها؟ فلما جاء دوري في الكلام استطعت أن ~~أنزل من التعميم إلى التخصيص، وطفقت أعيد على السامعين ما كشفت لي عنه أمي، إذ كان ما ~~حدثتني به لم يزل حاضرا في ذهني. # ولم أكن في كلامي صدى مرددا لما روته أمي من وقائع فحسب، بل مرددا كذلك لنغمة غضبها ~~وحزنها وتقريعها، وبديهي أن الكثرة الغالبة ممن استمعوا إلى حديثي قد تأثرت نفوسهم كما ~~تأثرت نفسي قبل ذلك ببضع ليال، فقلت فيما قلت: إن في وسعنا أن نصنع شيئا كثيرا على الرغم ~~من قلة ما بين أيدينا من وسائل، على شرط ألا تشغلنا «شواغلنا الخاصة» على نحو ما تشغلنا ~~الآن، ثم استحفزت السامعين قائلا: هيا منذ الآن ننظر إلى مشكلات العمال في حياتهم اليومية ~~نظرتنا إلى «شواغلنا الخاصة». # وسأل سائل: «من أين ل «كرافتشنكو» كل هذه المعلومات؟» # فصاح «ستاروستين» رئيس نقابة العمال قائلا في نغمة الساخر: «أوه! إنها أمه يا سيدي، ألا ~~تدري؟ لقد نصبت نفسها جاسوسة لا تني فاحصة متشممة لكل شيء كأنما هي سيدة تشرف على ضيعة لها ~~... إن «السيدة الرفيعة» قد حسبت أنها تملك نيقوبول ما دام ابنها بين الرؤساء، إننا نفهم مثل ~~هذا التدخل ... إنها تكون بذلك لابنها رصيدا في عالم السياسة!» ms301 # وعم المكان ضجيج مرتفع إذ تكلم الجميع في وقت واحد، فصعد دمي إلى رأسي، وانعقد لساني عن ~~الحديث بفعل الغضب، فضغط «كوزلوف» على ذراعي ليضبط جماحي. # وضرب على مكتبه وقال: «صمتا أيها الرفاق! إن الرفيق ستاروستين يتكلم كلام المأفون، ليست ~~أم كرافتشنكو «سيدة مترفعة»، وإنه ليعلم ذلك، بل هي زوجة رجل عامل فيما مضى، زوجة بطل من ~~أبطال 1905م في صحيفته ما يشرفه من سجن في سبيل الثورة، إنه لعار عليكم أن تهاجموها بنقدكم، ~~أفلا يجوز أن يكون هجومكم هذا غطاء تسترون به ما أصابكم من كسل وعدم مبالاة بحالة ~~العمال ؟» # وقهقه الحاضرون قهقهة عالية، فرئيس نقابة العمال له في نفوس معظم الناس من الازدراء بحيث ~~إذا ما سنحت فرصة للضحك منه تصادف هوى في نفس أمين سر الحزب، فهيهات أن يدعوها تفلت من ~~أيديهم. # ومضى كوزلوف يقول: «لقد شاءت لي المصادفة أن أعلم أن هذه السيدة الكهلة قد حاولت أن تراك ~~أيها الرفيق ستاروستين لكنك أبيت عليها ذلك اللقاء، لا شك أنك لم ترد أن يزعجك مزعج بأمور ~~توافه مثل وجود حشرات البق في ثكنات العمال وقذارة البياضات في مراضع الأطفال، لكنني ~~حادثتها لقد رأيت لديها ضربا من الأصالة السوفيتية مما يكون له أبعد النتائج.» # وهكذا علمت أن أمي لم تكتف بفحصها عن الأمور، بل ذهبت إلى كبار الرؤساء فأطلعتهم على ما ~~كشف لها عنه بحثها! ولم تكن قد أنبأتني بذلك الجانب من نشاطها، وعلى ذلك فلم يكن ذلك ~~الاجتماع مصادفة، بل جاء نتيجة مباشرة «لتدخلها»، لله هذه النزعة الخيرة وهذا القلب الجريء ~~من تلك المرأة! لقد طفح قلبي حبا لها على الرغم مما عرضتني له من مواقف مربكة. # ولقد آتت دعوات أمي الساذجة أكلها في الأشهر التي أعقبت ذلك، إذ أقيمت سوق زراعية ~~قريبا من المصنع، ونظفت مساكن الأطفال وزودت بكمية أوفر من البياضات، وأعلنت ~~خطة ترمي إلى إنشاء حمام جديد، وأجريت بضعة إصلاحات صغيرة أخرى، وانتشرت بين العمال قصة ~~«مسز كرافتشنكو» وحملتها في سبيلهم، فقاسمها ابنها هذا ms302 «المجد» المتواضع. # حدث ذات ليلة أن صادفت أمينة سري المنطبعة بطابع العانس التي تقدمت بها السن، الرفيقة ~~«توفينا»، صادفتها خارجة من بناء القسم السياسي في نيقوبول، ولم يكن يدور في خلدي أدنى شك ~~أنها ترفع عني التقارير، نعم أنا أعلم أن التجسس على الرئيس هو المهمة الرئيسية لأمناء السر ~~في بلاد السوفيت، لكن علمك بالأمر شيء، ووقوعك على برهان وجوده شيء آخر، فما أقبل اليوم ~~التالي حتى أصدرت أمري لقسم المستخدمين أن ينقل هذه المرأة من مكتبي وأن يوصي لي بغيرها، ~~وآثرت أن يكون بديلها رجلا. # وبعد بضعة أيام جاءني رجل في نحو الثانية والثلاثين ومعه مذكرة من رئيس المستخدمين، كانت ~~هيئته تستوقف النظر، فأول عبارة وردت على ذهني حين رأيته هي «نصب لتخويف الطير»، فقد كان ~~في هيئته هيكلا تدلت فوقه هلاهيل الثياب، حذاؤه ممزق وسراويله مرقعة وسترته مصنوعة من ~~«خيش» وفصلت في صورة غليظة، فهذا طراز من القذارة التي بلغت أقصى حدودها، حتى في ظروف ~~الحياة السوفيتية، ومع ذلك فقد كانت ملامح وجهه الذي امتصه الجوع محددة التقاطيع بل كانت ~~جذابة يعلوها شعر ضارب إلى الحمرة شاب عند العارضين. # قال: «أنا أعرف ما هيئتي أيها الرفيق كرافتشنكو، لكني أتوسل إليك ألا تحكم علي بهيئتي، ~~فاعلم أنني جئت لتوي من معسكر اعتقال قضيت فيه أربعة أعوام، وإن قسم المستخدمين ليعلم ذلك ~~عني فلو هيأت لي الفرصة فلا شك عندي أنك ستجد من عملي ما يرضيك.» # كان كلامه يشبه ما يتكلم به المتعلمون، فتحول شعور التقزز الذي بدأت به إلى إشفاق، إذ لا ~~ريب في أن المسكين قد مرت به محنة قاسية، وسارعت فدققت الجرس لأطلب له شايا وشطائر، ولما ~~قدمت إليه حاول أن يكبح زمام نفسه فلا يأكل إلا قليلا قليلا كأنما هو شيء عارض، لكن الجوع ~~كان قد نال من جسمه على نحو لا تخطئه العين، وبينا نحن آخذان في الحديث دق التليفون، وكان ~~المتحدث هو «رومانوف»، موظف محبوب له أهميته يعمل في قسم آخر، ولقد كان «رومانوف» ms303 هذا يتمتع ~~بثقة الإدارة من «كوزلوف» فنازلا، على الرغم من أنه لم يكن من رجال الحزب. # قال: «فكتور أندريفتش، إني لأعدها مكرمة منك نحو شخصي إذا أنت استخدمت الرفيق «جرومان» ~~الذي هو في مكتبك الآن، فهو على الرغم مما صادفه من حظ منكود شخص يركن إليه.» ~~- «هل عرفته منذ طويل؟» ~~- «لا، لكني في موقف يدعوني إلى الرجاء من أجله.» ~~- «شكرا، فجميل منك أن تحيطني بذلك علما.» # وذهب «جرومان» إلى غرفة الاستقبال ينتظر، فتلفنت القسم السياسي واتصلت ب «جرشجورن»، إذ ~~كان من واجبي أن أحيطه علما ما دام أمين سري سيتناول في عمله أوراق رسمية هامة، فلما ~~أنبأته بالأمر طلب إلي أن أنتظر هنيهة، ثم ما لبث أن عاد إلى التليفون يؤكد لي أنه لا ~~يمانع في تعيينه إذا وجدت أن الرجل مقبول من سائر نواحيه. # فلما أنبأت السجين السابق الذي تحطم بنيانه، أنه يستطيع البدء في عمله بعد يوم أو يومين، ~~ابتسم لأول مرة، وأبدى من علائم عرفانه بالجميل ما أخجلني، أعطيته شيئا من المال مقدما، ~~وأمرت مخازن المصنع أن تصرف له الملابس الضرورية، ثم عاونته - مستعينا في ذلك بمساعدي - ~~على أن يجد لنفسه غرفة تصلح للسكن في منزل من منازل المصنع. # وسرعان ما أقام «جرومان» الدليل على كفايته وذكائه معا، فاستطاع بهذا أن يزيح عن كاهلي ~~حملا ثقيلا من التفصيلات، ولقد خيل إلي أن الرجل يعود إلى الحياة من جديد حين حسنت ~~ثيابه وأخذت عظامه تكتسي باللحم وعيناه تلمعان بنور الحياة، وكثيرا ما كان يحضر إلى منزلي ~~من أجل العمل، وقد يحدث أحيانا أن أعيده إلى داره في سيارتي بعد الفراغ من عمله، فكانت ~~العلاقة بيننا قائمة على أساس إنساني لا يقيم في وجهينا العراقيل، وشكرت «رومانوف» على ~~توصيته بهذا الأمين؛ لأنه في هذا الباب من الطراز الأول. # ومضت أسابيع تتلوها أسابيع، حتى إذا ما كان الصباح ذات يوم، لم يحضر «جرومان» إلى عمله ~~كعادته، فظننت به مرضا، فلما لم يحضر في اليوم التالي، شغلت عليه وقررت أن أرسل ms304 رسولا ~~إلى منزله في ختام العمل من ذلك النهار ليرى ما خطبه، إذ لم يكن له تليفون في داره، وبينا ~~أنا أقلب بعض الأوراق المكدسة في أدراج مكتبي، صادفت حزمة منها مكتوبة باليد ومدبسة في ربطة ~~واحدة، فعرفت في الكتابة خط «جرومان» فما كدت أقرأ كلمات الافتتاح حتى دفعتني غريزتي ألا ~~أمس هذه الأوراق، وقد بدأت بالكلمات الآتية: «عزيزي فكتور أندريفتش، حين تطالع هذه ~~الكلمات لن أكون في نيقوبول؛ لأني أحاول الفرار من هذه البلاد، بلاد الفظائع، فالموت نفسه ~~آثر عندي من أن أحيا حياة العبيد ...» # فتندى جسدي بعرق بارد، وأقفلت باب غرفتي في حركة عصبية ووضعت على يدي قفازها وتناولت ~~الخطاب، فوجدته وثيقة نادرة، وإني وإن كنت قد نسيت ألفاظه التي كتب بها، لا أزال أجد ~~مادته منقوشة في ذهني نقشا: «أشكرك على كل ما تفضلت علي به شكرا صادرا من أعماق قلب ~~روسي مخلص، فقد أيقظت رأفتك في نفسي شعورا إنسانيا كنت ظننته قد برد إلى حيث لا يعود، ~~والحقيقة أن ذلك هو أحد الأسباب التي جعلتني أعتزم الفرار، وسأعبر الحدود إن شاء الله، وأما ~~إذا قبضوا علي قبل ذلك فبالطبع كان في ذلك موتي رميا بالرصاص. # إني لأمقت النظام السوفيتي بما فيه من نظام شرطي مقتا ليس بعده مقت، فعلى الرغم من أني ~~لم أقترف جرما - اللهم إلا إن كان حب الحرية جرما - فقد عانيت في قاعات التعذيب ما عانيت ~~وزج بي في غرف السجن الضيقة الانفرادية وحيدا، حتى إذا ما أطلق سراحي تبين لي أن ~~حريتي لن يطول بها الأمد، بل تبين لي أنني قد لا أجد عملا إلا إذا وضعت نفسي رهنا لإرادة ~~من أنزلوا بي التعذيب. # ففي الليلة السابقة ليوم لقائي بك، كنت قد وصلت لتوي إلى نيقوبول قادما من معسكر ~~الاعتقال، وقد جئت إلى نيقوبول تنفيذا لما أمرت به، وذهبت إلى القسم السياسي فسيق بي ~~إلى «جرشجورن»، وهكذا رسم لي طريق الحضور إليك، فكان كل ما حدث - بما في ذلك توصية رومانوف ~~- جزءا ms305 من مهزلة قبيحة كنت أنت ضحيتها. # لم يكن يهمني أن أتجسس على الناس، فلأني أمقت الشيوعيين جميعا، وجدت - فيما بدا لي - في ~~التجسس فرصة سانحة أستطيع بها الانتقام لنفسي بأن أوقع في الشر نفرا من هؤلاء الشيوعيين، ~~وكلما ازدادوا بذلك شقاء ازددت أنا انتقاما فارتياحا، ونظرت إليك نظرتي إلى من سيكون ~~الضحية الأولى، لكنني ما لبثت أن أحسست نحوك باحترام، ونحو نفسي بالكراهية لما كانت قد دبرت ~~ضدك من خطط. # وأحب أن تعلم أنه ما مضى قليل وقت حتى أصبحت أنا أول من يبلغ عنك أنباءك، فما دام الرجل ~~منا قد قاسى أهوال التطهير على يدي القسم السياسي، فهو عندهم بعد ذلك موضع اطمئنان وثقة، ~~فإن هؤلاء الشياطين ليعلمون أن الخوف أداة تصون الولاء فيمن يتخذونهم من الناس أعوانا، ~~فكان يجيئني كل يوم وكلاء القسم السياسي الذين ينبثون في كل ركن من أركان مصنعك ومكاتبك، ~~فيبلغونني ما وقعوا عليه من أخبار، فأجمع هذه الأخبار جميعا مرة في كل أسبوع تقريبا، ~~وأصوغها في تقرير شامل عن عملك وقولك وأصدقائك، بل عما تدل عليه ملامح وجهك، وكذلك عما يبدو ~~من أوجه النقص في عمل مصنعك. # لم يكن هؤلاء الجواسيس يعرف بعضهم بعضا، لكني كنت أعرفهم جميعا، فأقل ما يجب علي نحوك ~~- اعترافا لك بما أسديته نحوي من عطف - هو أن أكشف لك عن هؤلاء.» # وأعقب ذلك قائمة بأسماء كان بينها اسم «رومانوف»، «رومانوف» الأصيل الذي أحببناه جميعا ~~ووثقنا فيه جميعا لأساليبه الأبوية اللينة، وكذلك كان بين الأسماء كثيرون من ألصق الزملاء ~~بي صلة في المصنع، فمنهم فريق من رؤساء العمال، وفريق من العمال والكتبة، فكان المخبرون ~~شبكة انتشرت عيونها في كل «ورشة» أو مكتب في المصنع، بحيث تشمل كل مراحل العمل الفني الذي ~~نقوم به. ~~- «حذار من هؤلاء الناس يا فكتور أندريفتش! إنهم لا يحترمون الحقيقة في قليل أو كثير، ~~حياتهم في وظائفهم معتمدة على كشفهم عن المؤامرات، ويغريهم أن يخترعوا بخيالهم مؤامرات ~~ليكشفوا عنها، ولتعلم أن من عمل القسم السياسي على ms306 تحطيم أبدانهم وهدم نفوسهم هدما لا يبقي ~~لهم خلاقا، لا يتورعون عن عمل مهما يكن، ويعترفون بكل ما يطلب إليهم أن يعترفوا به، ~~ويلقون الاتهام على أي إنسان، ومن هؤلاء الناس كثيرون ممن يحيطون بك - ثم أعطى جملة أسماء - ~~ولم أكن في ذلك وحدي.» ~~- «أكبر ظني أنك سترتاب في أن يكون هذا الخطاب فخا نصبته لك، ولست على ذلك بلائمك، وكل ما ~~أستطيعه هو أن أقسم لك بالله وبأمي الورعة التقية إنني أقول لك قول الصدق، وإنني أحاول أن ~~أكفر عن أسابيع قضيتها متجسسا على رجل عطف علي واحترم في الآدمية ، وسأترك لغريزتك أن ~~تهديك إلى تصديق هذا الذي أقول أو تكذيبه. # إذا أنت أطلعت «جرشجورن» على هذا الخطاب فسيقول لك إني كاذب وسيعمد من فوره إلى إعادة ~~توزيع المخبرين، أما إذا استطعت الركون إلي وأتلفت هذا الخطاب وتظاهرت بالغضب لاختفائي ~~الذي يحيط به الغموض، إذا فعلت ذلك فلن تأخذهم ريبة في أن أكون قد كشفت لك سترهم. # ومهما يكن قرارك الذي تنتهي إليه، فإني أستحلفك كل عزيز لديك أن تهيئ لي مهلة يوم واحد ~~على الأقل قبل أن تبلغ أولي الأمر عن غيابي، فقد يكون هذا اليوم هو الحد الذي يفصل موتي ~~عن حياتي، إني لأجثو أمامك على ركبتي ضارعا يا فكتور أندريفتش. # وأشكر لك كل ما تفضلت علي به، أشكر لك أن عاونت في إحياء إنسان من البشر له شيء من ~~كرامة النفس كان طغاة التعذيب قد محوها محوا، فلو بقيت حيا فسأدعو لك الله في غير ~~انقطاع.» # فحفزني شعور دخيل أن أثق في هذا الهارب، وربما دعاني إلى الوثوق فيه قبل ذلك ما تكشف لي ~~من صفحة نفسه في حديثنا العابر خلال الأسابيع الماضية، ولكن على الرغم من هذا الصوت الباطني ~~الذي يطمئن نفسي، فقد أحسست كأنما كنت أقامر بحياتي كلها إذ أخذت في نقل الأسماء التي ~~دونها لي في خطابه، ثم أحرقت الخطاب وأخفيت في حرص شديد كل أثر للرماد. # ولما دنا النهار من ختامه أرسلت ms307 رسولا إلى «جرومان» حيث يقيم، فجاءني الرسول في صبيحة ~~اليوم التالي ينبئني أن الأسرة التي يساكنها «جرومان» قد قررت له أنه لم يذهب إليهم منذ ~~يومين، فاتصلت فورا بقسم المستخدمين وسألت موظفيه في غضب مفتعل لماذا لا يبعثون إلي ~~بأمين سر يكون أكثر جدارة بالركون إليه من ذلك الذي بعثوا به أول مرة، ثم قلت لهم متذمرا ~~في غير إفاضة في الشرح: إن ذلك هو ثالث أيام غيابه عن عمله. # ولم تكتمل بعد ذلك ساعة واحدة حتى جاءني «جرشجورن» بنفسه مصحوبا برجل يرتدي حلة رسمية، ~~وكان في حالة من الاضطراب الشديد ، وسألاني أسئلة، وقلبا كل ما يحتوي عليه مكتب «جرومان» ~~ثم عادا، ولم يكن ثمة من سبيل أعلم به هل الهارب قد لاذ فعلا بالفرار، فالاحتمال ضئيل ~~جدا أن يستطيع الهاربون التسلل خلسة عبر حدود السوفيت، ومع ذلك فمئات من الناس قد ~~وفقوا في هذا العمل الجسيم. # ولقد أفادني ما علمته من أمر المخبرين المنبثين حولي، إذ استطعت أن أكون على حذر في شأن ~~نفسي، وأن أعمل على حماية الآخرين، فلو أردت لشيء أن يبلغ مسامع الشرطة بغير إبطاء، فلا ~~علي سوى أن أذكره ذكرا عابرا على مسمع من المخبر العامل في الأفران، أو المخبر العامل ~~في قسم الآلات، أو رئيس قسم عمليات الصقل، أو المهندس «ماكاروف» أو رئيس العمال «يورافين» ~~أو موظف نقابة العمال «إيفانوف» الذي كان مساعدا لرئيسه «ستاروستين»، وأصبح اتصالي ب ~~«رومانوف» في أوقات الفراغ تكليفا أليما على نفسي أقوم به بين آونة وأخرى، إذ لم يكن في ~~مستطاعي أن أجتنبه اجتنابا تاما دون أن أثير الشكوك. # وجاءت بعد «جرومان» خلفا له، فتاة شابة جميلة نشيطة كانت عضوا في الهيئة الشيوعية ~~للشباب، ولا شك أنها استأنفت أعمال التجسس حيث تركها «جرومان» المنكود. # وكان اسم سائق سيارتي في القائمة التي تركها لي «جرومان» فكدت لا أدهش لذلك، وكان عليه أن ~~يقرر عني ما يشاء رأسا لقسم المخابرات من المكتب السياسي، لا للقسم الاقتصادي الذي يشرف ~~عليه «جرشجورن»، أما ms308 خادمتي «باشا» فلم يكن اسمها في القائمة. # لكني عرفت فيما بعد أن حذف اسمها من القائمة كان سهوا من «جرومان» أو أن «جرومان» لم يكن ~~له علم بنصيبها من التجسس. # وعدت ذات يوم بعد زيارة لموسكو، وكانت «باشا» قد أمضت في خدمتي ما يقرب من سنة كاملة، ~~فساعدتني في تفريغ حقيبتي، وكنت قد اشتريت لها عددا من الهدايا، اشتريت لها لفاعة زاهية ~~الألوان، وبضعة أزواج من الجوارب القطنية، وكوثا منزليا، فخيل إلي أنها أخذت هذه ~~الأشياء في تحفظ غريب. # فسألتها: «ألا تعجبك هذه الأشياء يا «باشا»؟» ~~- «نعم، تعجبني يا فكتور أندريفتش ، وإني لجد شاكرة.» # لكن «باشا» في تلك الليلة نفسها، بعد أن خدمتني في تناول عشائي، جاءت إلى غرفة الطعام ~~تحمل الهدايا وتبكي في صوت عال كما يفعل أهل الريف من الفلاحين، فنظرت إليها فزعا ~~متسائلا، قالت وهي تنهنه بالبكاء: «لا أستطيع قبول هذه الأشياء يا فكتور أندريفتش، أرجوك، ~~أرجوك أن تستعيدها.» ~~- «لا بأس، لكن خبريني لماذا؟ ما السر في هذا؟» # فأشارت على صدرها بعلامة الصليب وقالت: «اللهم غفرانك، لا أستطيع أن أخبرك بشيء، وكل ما ~~أرجوه ألا تضطرني إلى أخذ هذه الهدايا.» # لكني أخذت أستحفزها على الإفصاح، وأتعهد لها بكتمان سرها، فأنبأتني، ثم أضافت إلى النبأ ~~قولها: إنها لا تستطيع أن تقبل الهدايا من رجل طيب القلب بينما هي مكلفة بالإخبار عنه بما ~~ليس في صالحه. ~~- «نعم، منذ اللحظة الأولى التي جئتك فيها ها هنا، لبثت أرفع عنك تقريرا كل أسبوع إلى ~~القسم السياسي، لقد جئت من الريف وأعطيت هذا العمل، لكني ما كدت أستقر في دارك حتى أمرت ~~بالذهاب إلى القسم السياسي حيث رسم لي ما ينبغي أن أفعله، فرفضت وبكيت وقلت: إن ذلك ~~ينافي ديانتي، لكن الرجل صاحب الحلة الرسمية لم يجب إلا بقوله: «لا تكوني حمقاء يا ~~«باشا» ألا ترغبين في عودة أبيك من منفاه؟ إذن فاخدمينا في دقة وإخلاص ننظر لك في عودة ~~أبيك.» ~~- «أذهب مرة كل أسبوع إلى دار خاصة في نيقوبول وأبلغهم كل ms309 ما عرفته عنك، وبصفة خاصة ما ~~عرفته خلال الأسبوع عن زائريك وما يقولون، وكانوا يسألونني: ألا يلعنون الحكومة؟ فكنت ~~دائما أشير بعلامة الصليب على صدري وأجيب: كلا، بل هم على عكس ذلك، وإنهم يضحكون مني إذ ~~أشير بعلامة الصليب، ألا لعنة الله عليهم من كافرين!» # فأكدت للمسكينة «باشا» أنني عفوت عنها، وأنني لن أذكر لأحد قط ما أنبأتني به، على شريطة ~~أن تمسك هي بدورها عن ذكر ما دار بيننا، بل إني أقنعتها أنه خير لها أن تقبل هداياي ما دامت ~~قد وضعت ثقتها في. # ولبثت «باشا» تبلغ عني ما بقينا معا في تلك الدار، ولم يحدث قط أن ذكرنا ما اعترفت لي به ~~وهي تذرف العبرات، لكنها كثيرا ما كانت تسألني أسئلة أرادت بها - فيما أعلم علم اليقين - ~~أن تستوثق مني هل أريد لها أن تبلغ عن حوادث بعينها، فوضحت لها في جلاء أنني لا أخفي شيئا، ~~وأن ما لا تخبر به هي سينقله آخرون غيرها على كل حال. # كنت ترى عادة في نيقوبول عددا من المهندسين الأجانب، أمريكيين وألمان، ليقوموا بتركيب ~~الآلات الواردة من خارج البلاد، وليعملوا على رفع كفايتها في الإنتاج، وقد كان هؤلاء ~~الأجانب عند الروس - عاليهم وسافلهم - موضع فتنة تستثير الاستطلاع، كما كانوا مصدر خوف في ~~آن معا، فمن الخطر أن تخالطهم؛ لأنه من الخطر أن «تتصل بأعداء الشعب»، لكن هذا الجو الذي ~~كهربته معاني الخطر كان في ذاته مثيرا لهؤلاء الأجانب الذين كانوا يبدون بحسن هندامهم ~~وبغرابة حديثهم وسلوكهم، كأنما هم مخلوقات جاءتنا من كوكب آخر، ولعل أهم ما كان يستوقف فيهم ~~الأنظار انعدام الخوف من نفوسهم بحيث يعملون ويتكلمون بل وينقدون إلى حد محدود، كأنه ليس ~~هناك قسم سياسي ولا «جرشجورن» ولا مخبرون. # فلما اقترح الرفيق «براتشكو» أن آخذ اثنين من الأمريكيين في داري، لم أكتم ما أحدثه ذلك ~~الرأي من الرعب في نفسي، وكان هذان الأجنبيان قد استدعيا من «ينجستون» ليقيما في ~~نيقوبول بضعة أشهر بحكم المهمة التي جاءا من أجلها، ولما ms310 كان الفندق المحلي من القذارة ~~بمكان، ولما كنت عزبا يسكن وحده دارا فسيحة، لم أجد مبررا لرفض استضافتهما في منزلي، ~~لكنني خشيت ما عسى أن يترتب على هذا الاتصال الذي فرض علي فرضا «بعناصر غريبة عن ~~طبقات شعبنا». # كان «لاري» و«جو» طويلين أشقرين طيبين، يضيق صدراهما لقذارة ما حولهما ويحنان إلى الوطن ~~حنينا ظاهرا، ولقد توثقت بيني وبينهما صلات الود في الأشهر التي استضفتهما خلالها على ~~الرغم مما اعترضنا من مشكلة التفاهم من حيث اللغة، ولم يحدث قط أن مس أحد منهما موضوعات ~~السياسة بالحديث، ولم يكن هذا الإهمال لشئون السياسة مما يعز على التصديق، فحسب عند الرجل ~~الروسي الذي كادت السياسة والحياة أن يكونا له شيئا واحدا، بل كان يعده شذوذا لا يجري ~~مع طبائع الأشياء، لكن هذين الأمريكيين حصرا اهتمامهما في عملهما، فإذا ما فرغ الحديث في ~~العمل أخذا يقصان القصص ويلعبان الورق ويبحثان عن «حفلات»، ولما كانت لهما طبيعة الاجتماع ~~بالناس والصراحة في الحديث صراحة لا تخفي شيئا، لم يفهما قط لماذا ينفض الناس من حولهما ~~بحيث يتركان وحيدين، ولماذا لا يحدث إلا نادرا أن يدعوهما من يعملون معهما في مصنع ~~واحد. # وقد حدث ذات صباح أن تلفنني «جرشجورن»، وكان «لاري» و«جو» عندئذ قد قضيا معي بضعة ~~أسابيع. # قال لي منبئا: «ضيفاك الأمريكيان سيطلعان للصيد هذا النهار.» ~~- «أهو كذلك؟ وما شأني بهذا؟» ~~- «أريدك أن تتلفنني بمجرد مغادرتهما لدارك، وقل لخادمتك إن يومها يوم عطلة، فليس عليها ~~أن تعود إليك قبل الخامسة.» # فلما فرغنا من الإفطار، بدأ الأمريكيان رحلتهما نحو التلال وقلباهما يفيضان بشرا، ~~وخبطاني على ظهري على نحو ما يفعل الأمريكان في زئاطهم، ووعدا أن يأتياني بما يصطادانه ~~كائنا ما كان، ولم يكن لي بد من تلفنة القسم السياسي، فما جاءت الساعة الحادية عشرة حتى ~~قدم «جرشجورن» ومعه آخر، ودخلا داري كأنها دارهما، وطافا بأنحائها كأنما يعرفان كل جزء من ~~أجزائها، حتى لقد خطر لي خاطر أزعجني، إذ قلت لنفسي: يجوز أن يكونا قد فحصا هذا المكان ms311 ~~مرارا في غيبتي! # وطفق وكيلا القسم السياسي يفتشان الغرفة التي كان يشغلها الضيفان تفتيشا دقيقا، فبحثا ~~داخل الجيوب وفي أحزمة السراويل وأكمام القمصان وثنيات الستر ونعال الأحذية وكل ما يتوهم ~~العقل أنه يجوز أن يكون مخبأ، ففحصا كذلك الكتب والمجلات والمذكرات والخطابات فحصا ~~دقيقا، وصورا بعض هذه الأشياء، ونقلا كل ما صادفاه من أسماء أمكنة أو أرقام تليفونية، ~~ورأيت «جرشجورن» إذ اعتراه ارتباك ملحوظ إزاء عدة الحلاقة الأمريكية، فأخذ يضغط على أيدي ~~آلات الحلاقة ويهزها ويدرس الفراجين ويخبر باللمس أنابيب الصابون، فلعله آمن أن هذه الأشياء ~~هي ما يحتمل جدا أن تكون مخابئ ما لدى الأمريكيين من أسرار، ولم يكن زميل «جرشجورن» من ~~موظفي القسم السياسي المحلي، ولقد أظهر معرفة جيدة بالإنجليزية. # وانتهى التفتيش في الساعة الرابعة، ولم يعثر الشرطيان على شيء؛ إذ لم تبد على وجهيهما ~~علامات السرور التي تنم عن نشوة الكشف. # وقال لي جرشجورن: «أنت تعلم بالطبع أيها الرفيق كرافتشنكو أنه لا يجوز لك قط أن تنبس ببنت ~~شفة عما حدث، فإذا ما تسرب النبأ فسيعدك القسم السياسي مسئولا بصفة مباشرة، وقع على هذا ~~التعهد.» # وكان ما قدمه لأوقعه استمارة يألفها كل من كانت له صلة بالشرطة السرية، فهي تعهد ~~«اختياري» يأخذه المرء على نفسه بألا يقول شيئا، وما أن تركني الرجلان حتى طفقت أطوف ~~بأنحاء الدار محزون النفس؛ لأنني غريب في مسكني، وأخجلني أن أواجه الأمريكيين عند عودتهما ~~فالتمست مبررا أعزز به غيابي عن الدار تلك الليلة. # وإني لعلى يقين من أن كليهما لم يرتب أقل ريبة في أن تكون أشياؤه قد فحصت، أو أنه ~~في كل دقيقة يقضيها في الروسيا مراقب تسجل عليه كل حركاته، وحدث أن مرت «بجرشجورن» لحظة ~~من التفريط بعد أن غادر الأمريكيان «نيقوبول» بزمن طويل، فأطلعني بلمحة سريعة على ملف ~~أوراقهما، فوجدت بين ما فيه من أوراق صورا شمسية لهذين الأجنبيين إذ هما في حالات اتصال ~~خاص ببعض النساء في فندق بموسكو، ولم يكن بالطبع قد دار في خلدهما إذ هما ms312 في تلك الغرفة من ~~الفندق أن رجال آلة التصوير قد تستروا يسجلون حركات ذلك الغرام العابر. # وكان «جرشجورن» يمص شفتيه الغليظتين إعجابا وهو يناولني تلك الصور واحدة بعد ~~أخرى. # سألته: «لكن ما حاجتكم إلى هذه الصور، والأمريكيان الآن في بلادهما؟» ~~- «نعم، قد عادا إلى أمريكا، لكن ثق وثوقا لا يتطرق إليه أدنى الشك أنهما لن يكتبا شيئا ~~يهاجمان به وطننا الاشتراكي هجوما عنيفا، كما يفعل بعض الأمريكان المناجيس بعد أن يأخذوا ~~ذهبنا الثمين وأحسن ما لدينا من طعام.» # وكان هنالك كذلك مهندس أجنبي آخر لا تزال مغامراته الحمقاء عالقة في ذهني، وأعني به ~~«لنتز»، وهو ألماني ضخم البدن تثنى عنقه الغليظ ثلاث ثنيات متميزة إحداها عن الأخرى، ~~وإنما أرسل إلينا ليقوم بتركيب مجموعة من الآلات وردت من الخارج، ولقد كنت أوثر أن أتفاهم ~~معه بوساطة رجل من رجال مصنعي - هو يورف - الذي كان يتكلم الألمانية قليلا، على الرغم من ~~أن «لنتز» كان يصحبه مترجمتان. # كانت إحدى مترجمتي «لنتز» من نساء الشرطة السرية في «دنيبروبتروفسك» جاءت إلى نيقوبول ~~لهذه المناسبة، ولم يكن عسيرا عليها أن تؤدي مهمتها خير أداء، فقد كانت في الثلاثين من ~~عمرها مليئة بالحياة وليست تخلو من جمال، ولم يلبث أن شاع في الناس ما كان الغرض فيه أن ~~يكون سرا مكتوما، وهو أن «ألكساندرا» كانت تزامل «لنتز» في حياته الخاصة، فكانت ترى ~~مرتدية جوارب حريرية، حاملة حقيبة في يدها مما ورد من الخارج، وغير ذلك من الهدايا التي ~~يثور حولها القال والقيل، ومع ذلك فالظاهر أن القسم السياسي قد رأى أن امرأة واحدة لا تكفي، ~~فأضاف إليها امرأة أخرى هي «ناتاشا». # كانت «ناتاشا» ابنة قسيس أرسل إلى مطارح النفي قبل ذلك بأعوام كثيرة؛ ولذلك كان ~~معروفا في المدينة، ولم تكن «ناتاشا» قد بلغت عشرينها بعد، وكان جمالها من طراز رقيق كجمال ~~الأطفال، ولقد علمت من «يورف» أن «ناتاشا» قد ألزمت إلزاما أن تكون مترجمة ل «لنتز» إذ ~~تهددوها في أبيها ووعدوها أن يأذنوا له بمكاتبتها. # وذات «أحد» ms313 جميل قصد الألماني ومترجمتاه ورجل قيل إنه صديقهم، وقيل إنه من هواة السيارات، ~~قصدوا جميعا إلى رحلة نهرية في نهر «دنيبر» وكان معهم طعام كثير ونبيذ وفودكا في القارب ~~البخاري الذي ركبوه، ولكي يضيفوا إلى جمال الرحلة أخذوا معهم حاكيا وعددا من الأسطوانات ~~الروسية والألمانية، وبعد أن سمروا وأكلوا في مكان منعش جميل على شاطئ النهر، وبعد أن أصغوا ~~إلى ألحان الموسيقى، استصحب «هاوي السيارات» كبرى الفتاتين إلى مشية قصيرة، وأما «لنتز» ~~الذي كان عندئذ قد صعد فعل النبيذ إلى رأسه شيئا فشيئا، وزاد على النبيذ فعل النساء ~~والغناء الألماني، أقول: أما «لنتز» فقد بقي وحده مع «ناتاشا» التي تسيل اللعاب. # وحدث ما توقعوا له أن يحدث، وهو أن أخذ الرجل بأسباب الغزل فصدت الفتاة تلك الأسباب، ~~وهي بين الإثارة لشهوته والحياء من القبول، لكن المهندس «لنتز» لم يزد إلا إلحاحا، وفي ~~اللحظة التي خلع الألماني للفتاة قميصها فعرى ثدييها الناضرين، خيل إليه أنه يسمع صوتا ~~في الشجيرات القريبة، فألقى فريسته من يديه وبقفزة واحدة ذهب إلى مصدر الصوت بين الشجيرات، ~~ليجد «هاوي السيارات» على وشك أن يصور فيها بآلته صورة ثانية لمنظر الألماني وهو يعابث ~~الفتاة. # فعاد إلى «لنتز» صحوه فورا، وجذب آلة التصوير جذبا سريعا وحطمها تحطيما وألقى بها في ~~النهر، وأمطر السباب على «هاوي السيارات» الذي أرسله القسم السياسي، وعاد إلى داره، ولما ~~شكا الأمر إلى الإدارة في اليوم التالي، مهددا بأن يبلغ القصة كلها إلى السفارة الألمانية، ~~أكدوا له أن ذلك لم يزد على مهاذرة أصحاب في يوم عطلة، وليس له أي معنى من معاني السياسة ~~على الإطلاق، لكن «لنتز» لم يكن من الحمق بهذا المكان. ~~«أنا أحسن تصويرا من شرطيكم.» قال ذلك في نغمة المزهو ثم قهقه ضاحكا: «انظر إلى هذه ~~المجموعة.» # وعرض صورا له مع ألكساندرا في عدة مواقف غزلية. # ثم قال: «لو أرادت حكومتكم صوري مع «ناتاشا» لسرني أن أقدمها لها، ولم يكن ثمة ما يدعو ~~أن تكلفوا أنفسكم قاربا بخاريا ورحلة نهرية، ms314 فها أنتم أولاء ترون أني من رجال التصوير ~~الشمسي أيضا.» # فلم يلبث «لنتز» أن طلب إليه مغادرة الروسيا، وأغلب ظني أنهم أجزلوا له العطاء ماركات ~~ألمانية ثمنا لكتمانه الأمر عن السفارة الألمانية، وعادت «ألكساندرا» إلى «دنيبروبتروفسك» ~~حيث يتسع لها المجال لإظهار مواهبها في المهندسين الفنيين الأجانب، وإنهم في تلك المدينة ~~لكثيرون، ولست أدري هل كوفئت «ناتاشا» على صنيعها بأن أذن لها أن تكاتب أباها، وأما ~~«يورف» فإنه لما قبض عليه بعد ذلك بعام، اتهم بأشياء كثيرة بينها «الاتصال بالفاشيين ~~من الألمان»، وكان كل أساس هذه التهمة أنه كان حينا بعد حين يترجم ل «لنتز». # الفصل الثالث عشر # | السرعة السرعة! # في شهر سبتمبر من عام 1935م حدثت «معجزة» في منطقة الفحم من حوض الدنتز، وتلك هي أن ~~عاملا يدعى «ستاخانوف» استعدن 102 من أطنان الفحم في نوبة واحدة، وهو مقدار يساوي ما ~~يستخرجه العامل الواحد في المتوسط أربع عشرة مرة! ولن تجد من أحداث التاريخ الحديث إلا ~~عددا قليلا صادف ما صادفته هذه الحادثة من تهليل وتكبير، بحيث ظلت تذاع أمدا طويلا وفي ~~كثير من الهوس والأساليب المسرحية، غير أن المعجزة لم تجاوز حدود ما يمكن فعله في ظروف هذه ~~الحياة الجارية، ولم تخل من أوجه النقص التي تشوبها، فلم يكن من العسير على مهندس عملي أن ~~يتبين في الأمر عوامل الخداع، إذ كان من الجلي الواضح أن قد أعدت ظروف خاصة وأدوات خاصة ~~وبعض المعاونة بحيث يتمكن «ستاخانوف» من الوصول إلى هذا الرقم القياسي، وإذن فقد دبرت ~~المعجزة تدبيرا ليتخذ الكرملن منها وسيلة لإذاعة ديانة جديدة، ديانة عقيدتها السرعة في ~~العمل. # فما فعله «ستاخانوف» يستطيع كل عمال المناجم أن يفعلوه! وما يستطيع فعله عمال المناجم، ~~إنما تستطيعه كذلك سائر الصناعات! وفي هاتين العبارتين تتلخص لك العقيدة الجديدة، وأما من ~~تشكك في هذه العقيدة، فقد حق عليه العذاب، ولم يكونوا ليمهلوه حتى ينتقل إلى الحياة الآخرة ~~فيصلى نار الجحيم بما قدمت يداه، وإذن فكل فني يبدي اعتراضات في طرائق التنفيذ إنما ms315 يحشر ~~في دعاة الهزيمة وأعداء «العقيدة الإستاخانوفية»! ومن لم يبلغ مثل الإنتاج الذي ضربه عامل ~~الدونتز، كان من المتكاسلين. # وصاحت «موسكو» صياحا عاليا بعبارات تذيع بها في الناس هذا المذهب «الإستاخانوفي»، وأخذت ~~تتدفق رسائل البرق إلى «نيقوبول» آتية من «خاركوف» و«موسكو» تحمل الأوامر من مكاتب الرياسة، ~~وكان كل أمر من هاتيك الأوامر بمثابة التهديد الصريح، فواجبنا كما تمليه الأوامر هو أن نكون ~~في الحال فرقا «ستاخانوفية» تضرب المثل في سرعة العمل لمن يتراخى، فإذا ما اعترض معترض من ~~المهندسين أو الملاحظين عد عاملا من عوامل التخريب. # لم يكن قد مضى على مصانعنا في العمل ستة أشهر كاملة، ظلت تعمل خلالها ثلاث نوبات كل يوم ~~على الرغم مما يحيط بذلك من عقبات، فلم يكن الصلب وغيره من المواد الخامة مما يبعث على ~~الرضى لا كما ولا كيفا؛ وذلك لأن معظم العمال كانوا حديثي عهد بالصناعة، ومعظم المشرفين ~~عليهم بغير خبرة كافية، زد على ذلك ضعفا في الحيوية البدنية عند العمال لقلة غذائهم وسوء ~~أحوال معاشهم، ولئن مست بنا الحاجة إلى شيء فذلك هو تنسيق عمليات الإنتاج، أما أن تزيد من ~~عبء العمال أو تزيد الضغط على الآلات، فلئن جاز أن نطالب به في أية لحظة أخرى، فلم يكن ذلك ~~ليجوز في ذلك الوقت، فوسيلة الإنتاج المطرد ليست هي الحركات العنيفة المفاجئة لضرب الأرقام ~~القياسية، بقدر ما هي في التعاون والانسجام، وكيف تستحث ألفا وخمسمائة عامل أو يزيدون، ~~يعملون معا عملا مشتركا، تتداخل كل خطوة من خطواته في الأخرى، كيف تستحثهم على الإسراع ~~بغير خطة محكمة دون أن يصاب العمل كله بالفوضى والاضطراب؟ # لكنها أوامر ولا بد من تنفيذها، ووجه زعيم الحزب «كوزلوف» و«المدير براتشكو» دعوة ~~بالحضور للمهندسين ورؤساء الأقسام، وكان الرفيق «برودسكي» يمثل «اللجنة المحلية»، ولم يكن ~~مستبعدا أن تأخذ الأوهام رجلين مثل «برودسكي» و«كوزلوف» - باعتبارهما من غير رجال الصناعة ~~- لم يكن مستبعدا أن تأخذهما الأوهام من حيث تطبيق «المذهب الإستاخانوفي» في مصانعنا، لكن ~~«براتشكو» كان رجلا من رجال الصناعة العمليين؛ ms316 ولذلك فقد أدرك ما في الأمر من سخف إدراكا ~~واضحا كما أدركته أنا، ومع ذلك فلم يكن بوسع أحد منا سوى أن ينشئ فرق السرعة الإستاخانوفية ~~مهما يكن ما يكلفه ذلك من خسارة في الكفاية والنظام. # وسأل أحد المهندسين قائلا: «أيأذن لي الرفيق براتشكو بسؤال؟» ~~- «سل ما تشاء يا لازار بتروفتش.» ~~- «أنا رئيس قسم فيه مائة وثمانون عاملا، فلو أسرع عامل واحد عن بقية زملائه تعقد حبل ~~العمل في القسم كله، فهل تتفضل بأن تشرح لي في صورة عملية كيف أستطيع أن آخذ الأسلوب ~~الإستاخانوفي؟» # ولم يستطع «براتشكو » أن يشرح له ما يريد بطبيعة الحال، وكل ما كان في وسعه هو أن يعيد ~~الأقوال التي تطبل بها موسكو وتزمر، فيوقع نفسه في لغو سياسي لا غناء فيه؛ فأسفت له لأني ~~رأيته ضحية الإسراف في وضع الخطط النظرية التي ترمي إلى بعيد وتهمل الواقع، بل كنا جميعا ~~ضحايا هاتيك الخطط. # ولقد اضطررت في نهاية الأمر أن ألجأ في جانب المصنع الذي كان مسندا إلي إلى أسلوب في ~~الإسراع لم تكن تمليه طبيعة العمل، فكنت أعده في صميم نفسي جريمة في حق الآلات والعمال في ~~آن معا، وجاءتني أوامر صريحة من لجنة الحزب أن أعيد تنظيم عمالي بحيث أضع خيرة العمال ~~ورؤساءهم والمهندسين في نوبة واحدة، ثم انتقينا من الأدوات والمواد أحسنها، وخصصناها لتلك ~~النوبة من نوبات العمل، وبعد أن أعددنا عدتنا على هذا النحو، أصدرنا كلمة الأمر لهذه اللعبة ~~الخادعة أن تبدأ شوطها. # وذات مساء في الساعة الحادية عشرة، وبحضور طائفة من الصحفيين والمصورين، بدأت النوبة ~~«الإستاخانوفية» عملها، فزادت في إنتاجها عن الإنتاج المادي بمقدار ثمانية في كل مائة، ~~وكانت الزيادة متوقعة، فصدرت الصحف بأسطر من الخط العريض، وجاءت التهاني من الموظفين في ~~العواصم، فتنفسنا نحن الصعداء لأننا استطعنا أن نحول عن أنفسنا ضوء المصباح الكشاف، ولقد ~~خصني من المدح شيء كثير باعتباري الرئيس الفني المسئول. # لكن هذا «النصر» الذي ظفرت به في الجبهة الصناعية، تبعه في النفس حزن عميق، فهذا ms317 النصر ~~الصناعي غش في أساسه ولا بد أن يرتد سهم الغش إلى نحري، فالنوبتان الأخريان قد حرمتا خيرة ~~الرجال وأحسن الأدوات فخسرتا في إنتاجهما خسارة أكبر مما كسبت النوبة الرابحة، وظهر رجال ~~هاتين النوبتين - بالموازنة مع رجال النوبة الممتازة - بمظهر ذوي الهمة الضعيفة، بل ظهروا ~~بمظهر «الكسالى»، وطبيعي لم تطمئن نفوسهم لهذا الوضع الذي جعل منهم أمثولة، فصبوا سخطهم على ~~زملائهم الذين أسعدهم الحظ وعلى الموظفين في آن واحد. # ولم تلبث موجة الإسراع أن تحولت في طول البلاد السوفيتية وعرضها إلى حملة شعواء تعمل ~~عملها في الجو المألوف من ضغط وإرهاب، وفصل من العمل ألوف المديرين، وقبض على كثير ~~منهم بتهمة إنزال الخسارة «بالإنتاج الاشتراكي» الجديد، وبتهمة «الفشل في تهيئة الظروف ~~الإستاخانوفية الصميمة»، ووقعت تبعة التأخير في الإنتاج - كائنا ما كان - على عاتق ~~المهندسين والفنيين، وصور للرأي العام أن العمال يتحفزون لزيادة الإنتاج، غير أن مديري ~~المصانع يدبرون الخطط عمدا لتعطيل ما يبتغيه العمال. # وهكذا باعدوا بين العمال وهيئات الإشراف الفني. # ولم يكن يخفى حتى على أبسط عمال المصانع أو المناجم عقلا، أن هذه الأرقام القياسية التي ~~يبلغونها بوسائل الإسراع المفتعلة لن تلبث أن تصبح «معيارا» يقيسون به كل عامل. # ولما بلغت هذه الموجة الإسراعية ذروتها في نوفمبر، دعي إلى موسكو مؤتمر وطني قوامه ~~قادة «الإستاخانوفيين» وخطبهم ستالين فأمطرهم ثناء، مقارنا حماستهم بتلكؤ العمال الآخرين، ~~وأصبح هؤلاء «الإستاخانوفيون» منذ ذلك الحين يكونون صفوة ممتازة بين العمال، يتقاضون أجورا ~~أعلى كثيرا من أجور زملائهم، ويتمتعون بكل ضروب المزايا - وخاصة من حيث الطعام والثياب - ~~مما لم يكن يتمتع به العمال بصفة عامة. # وكذلك باعد الكرملن بين طوائف العمال المختلفة، فكانت القاعدة القديمة «فرق تسد» تطبق ~~على أمة بأسرها تحت راية «إقامة البناء الاشتراكي». # ولم يطل بنا الانتظار حتى شهدنا أسوأ ما يساور العمال من قلق يصبح حقيقة محسوسة، فقد جاءت ~~الأوامر التي ليس إلى ردها من سبيل بأن تراجع «معايير» الإنتاج - التي كانت تقدر ~~الأجور على أساسها - فترفع من عشرة في المائة ms318 إلى عشرين، ولم يكن هذا الأمر إلا تعبيرا ~~ملتويا لو وضع في عبارة مستقيمة لكان معناه أن نبتز من العمال عملا أكثر مما يعملونه ~~بمقدار عشرة إلى عشرين في المائة نظير الأجور عينها التي يتقاضونها، فقد كان في مصنعي - ~~وعماله يبلغون ألفا وخمسمائة - ما يقرب من مائتين من «الإستاخانوفيين» أو ملوك السرعة، أما ~~الباقون فقد كانت مراجعة معايير الإنتاج بالنسبة إليهم معناها خفض خطير في مقدار كسبهم، ~~فشاع في الناس امتعاض صامت عابس لا يخطئه النظر. # ولكي يضيفوا إلى الإيذاء إساءة طالبوا بأن تقدم المعايير الجديدة إلى العمال ليقبلوها ~~«بأنفسهم» ولم يكفهم أن يجيء ذلك «تطوعا»، بل أرادوا أن يصدر عن حماسة، ومثلت المهزلة ~~حتى ختامها في سلسلة من الاجتماعات، بدأناها باجتماع عام ضم كل من كان في المصنع من قادة ~~الحزب ورؤساء العمل الفني ونقابة العمال و«البارزين» من صفوف العمال أنفسهم، فقد كان واجب ~~هؤلاء أن يرشدوا غمار العمال إلى «فهم» طرائح الإنتاج الجديدة وقبولها. # وأعد كل شيء وعملت تجاربه مقدما، فقرئت خطبة ستالين التي ألقاها ثناء على ~~«الإستاخانوفيين»، ونهض «ستاروستين» عن النقابة و«كوزلوف» عن الحزب وآخرون عن الموظفين ~~الفنيين، فشرحوا - تعلو وجوههم أمارات الجد - كيف أن معايير الإنتاج الوطيئة التي كانت ~~سائدة عندئذ إن هي إلا بمثابة الإهانة للحماسة الاشتراكية والعبقرية الإنتاجية التي عرف ~~بها حزبنا ومصانعنا، وكذلك قام الشيوعيون الطموحون الذين كانوا ينشدون الظهور والرقي، قاموا ~~فاستغلوا هذه الفرصة في تأكيد عبادتهم لستالين تأكيدا عبروا عنه بأقوال مكرورة رددوا بها ~~ما تقوله الصحافة والإذاعة ترديد الصدى. # وقرئ في النهاية قرار باقتراح زيادة طرائح الإنتاج زيادة كبيرة، فووفق عليه ~~«بالإجماع». # وبعدئذ عقدت اجتماعات من فروع المصنع المختلفة، حضرها العمال كلهم، وأعلن زعماء ~~السياسة ورؤساء العمل الفني - يعاونهم في ذلك «البارزون» من العمال - ما كانوا قد أعدوه من ~~عبارات واقتراحات، فلما اجتمع رجال القسم الذي أديره من أقسام المصنع، جلس العمال عابسين ~~صامتين لا تكاد تلمح فيهم علامة من علامات الاهتمام، وكانوا كلما ذكر اسم ستالين صفقوا ~~تصفيقا آليا، ms319 ولم يستطع رجال الحزب الهتافون الذين انتشروا في أجزاء القاعة أن ينفخوا ~~في المجتمعين ما أرادوه لهم من تحمس حار، فمعظم الحاضرين من رجال ونساء كانوا قد فرغوا ~~لتوهم من عمل مجهد دام ثماني ساعات، فكانوا متعبين قلقين لا يريدون إلا أن تنتهي هذه ~~المهزلة التي أمامهم ليذهبوا إلى منازلهم. قرئ عليهم تقرير عن العمل المجيد الذي أداه ~~«الإستاخانوفيون»، وأعلنت لهم الطرائح التي اقترح إنتاجها منذ عهد قريب، ثم وقف بعض أعضاء ~~الصفوف الخلفية في نقابة العمال، وتكلموا كما أريد لهم أن يفعلوا حسب خطة وضعت من قبل، ~~فاستحثوا الناس على الأخذ بنظام الطرائح الجديدة في الإنتاج، وبدأت عملية التصويت. # وصاح رئيس نقابة العمال بما طلب إليه من قبل أن يصيح به، فقال: «أقترح أيها الرفقاء أن ~~توافقوا على القرار بالإجماع.» # من الموافقون؟ فارتفعت أيد كثيرة غير حافلة لما ارتفعت له. # ومن المعارضون؟ صمت، وهنا ارتفع صوت امرأة ارتفاعا مفاجئا: «أيها الرفيق الرئيس، إن ~~كيريوشكين ها هنا لم يصوت.» # بهذا انبعثت الحياة في الاجتماع لأول مرة، أفي جماعتنا ثائر؟ أبين الأرانب ليث؟ فها هو ذا ~~رجل مغمور اسمه «كيريوشكين» - كائنا من كان - بلغت به الجرأة ألا يرفع يده بالموافقة، ~~وبهذا اكتشفت جريمته ضد الاشتراكية! فالثورة في طرف، واليقظة الساهرة في طرف، والبلاد ~~يجيئها الإنقاذ في آخر لحظة ممكنة. # سأل الرئيس في صوت المغيظ: «أيها الرفيق كيريوشكين ألست من المصوتين؟» # فوقف رجل نحيف وديع المحيا، وكان وجهه ملطخا بالزيت لكنه ينم عن رزانة، وقال في صوت ~~وقور: «لماذا يتحتم أن أصوت؟» قال هذا وهز كتفيه هزة يعبر بها عن عاطفته: «إن المعايير ~~الجديدة نافذة على أي وجه من الوجوه، إن مهمتي هي أن أعمل، وها أنا ذا أعمل، ماذا تريدون ~~مني غير هذا؟ أهو واجبي أن أرفع يدي موافقا؟ لا بأس، فهذه هي يدي أرفعها.» ورفع فوق رأسه ~~يدا غير آبهة لما تفعل: «إن زوجتي وأطفالي يريدون مني زيادة في الكسب، وهذا الذي نصوت له ~~معناه قلة فيما أكسبه ...» # وضحك بعض ms320 الحاضرين، لكن الكثرة الغالبة ظلت صامتة متأثرة بما قاله الرجل وبالطريقة التي ~~تكلم بها. # وصاح صائح: «أيها الرفاق، إن كيريوشكين يستخف بالاجتماع ويلطخ الحركة «الإستاخانوفية» ~~بالوحل! إنه لا يحس بواجبه نحو الجماعة.» # فهز كيريوشكين - الذي كان ما زال واقفا - كتفيه مرة أخرى وقال: «واجب نحو الجماعة! لست ~~أدري ماذا تريد، إنني أحس أن أجري كل شهر مائة وأربعين روبلا فقط، ولدي زوجة وأطفال ~~يريدون القوت.» ~~- «كفانا مهزلة! هيا إلى الموافقة على القرار!» قال الرئيس ذلك مقاطعا، غير أن العامل ~~الوديع غلبته جرأته فقال مخاطرا بنفسه: «ماذا تعني بقولك مهزلة؟!» ثم رفع صوته على نحو لم ~~يكن يتوقعه السامعون: «انظر إلي، هذه الحلة التي أشتغل بها هي الحلة الوحيدة عندي، ولن ~~تلبث أن تصبح هلاهيل، وأسرتي جائعة لا تكفي لإطعامها هذه المائة والأربعون روبلا التي ~~أتقاضاها كل شهر، فإن كانت هذه مهزلة، إذن فكيف تكون المأساة؟» # وجلس، ولم يضحك من الحاضرين إلا قليلون. # وكانت مهمتي في هذا الاجتماع أن أشرح للحاضرين من وجهة النظر الهندسية أن معيار الإنتاج ~~الجديد ممكن وعادل في آن معا، ولم يكن لي بد من أداء مهمتي، وبينا أنا ألقي على ~~الحاضرين حديثي، كدت أقنع نفسي - وإن لم أقنع السامعين - أننا قادمون على حياة جديدة أوفر ~~ثراء من حياتنا الراهنة لو عرف كلنا كيف يجيد العمل فينتح إنتاج الأكفاء، فقلت فيما قلت: ~~إننا عشنا قرونا في خمول وتأخر، ولا بد لنا أن نعوض هذا كله في جيل واحد قصير الأمد، وقد ~~أحسست حينئذ بالأسف لنفسي ولهؤلاء الرجال والنساء المنهوكة قواهم، الذين هم بمثابة عشيرتي، ~~فنحن الجيل الذي شاء له التاريخ - إن حقا وإن باطلا - أن يحمل التضحية والعناء. # وكان في قرارة نفسي إذ أنا ألقي حديثي وأزداد في إلقائه حرارة، فكرة استقرت لا تتزحزح، ~~وهي: «لا بد لي من مساعدة كيريوشكين ...» # وختمنا اجتماع العمال، وكان ختامه تصفيقا من هنا وتصفيقا من هناك، وتفرق الناس، حتى إذا ~~ما جاء اليوم التالي رأيت في صحف نيقوبول وصفا للاجتماع بلغة ms321 الرياء التي نعهدها في ~~مبالغات الكتابة السياسية: «طالب أمس عمال الشعب في مجموعة الصناعة التعدينية في نيقوبول ~~وسط حماسة عاصفة، بأن تراجع معايير الإنتاج القديمة التي لم تعد تلائم الزمن في تطوره، ~~وأعلنوا بالإجماع أن ...» ولم تذكر الصحف سطرا واحدا عن كيريوشكين. # أرسلت إلى كيريوشكين أن يجيء إلى مكتبي في نهاية العمل ذلك اليوم، فلما انتهت نوبة العمل، ~~سمعت حركة في غرفة استقبالي. # سمعت أمينة سري تقول: «أين أنت ذاهب؟ إن الرفيق كرافتشنكو مشغول بحيث لا يستطيع ~~لقاءك.» ~~- «صدقيني لست أريد لقاءه، لكنه هو الذي أرسل يطلب حضوري.» ~~- «ماذا بينك وبينه؟» ~~- «ماذا عسى أن يكون بيني وبين الرئيس؟ إنه يطلب مني الحضور فأحضر.» # فدققت جرسا لأمينة سري وأخبرتها بأن تسمح للزميل بالدخول، ودخل كيريوشكين ممسكا قبعته ~~بيده. # قلت: «تفضل بالجلوس.» ~~- «شكرا، أستطيع الوقوف.» ~~- «ولكن فيم الوقوف؟ تفضل بالجلوس.» # وجلس إلى مكتبي من ناحيته المقابلة لي، فسألته كيف حال العمل معه؟ # فأجاب: «حال العمل معي هو حاله مع كل عامل آخر، فأنا أعمل ما بقيت في جسدي قوة ~~تعمل.» # عرفت منه أنه جاء إلى المصنع منذ عامين، جاء من الريف بعد أن ضمت مزرعته إلى المزارع ~~الجماعية، وعرفت كذلك أنه كان يخدم قبل ذلك في الجيش الأحمر، وأنه أحضر معه بعض المتاع لكنه ~~باعه لحاجته إلى المال. ~~- «إن زوجتي تمسح أرض الغرف في منازل بعض الموظفين، فيأتينا ذلك بما يعين، وهي تغسل ~~الثياب كذلك، لكن لي أطفالا ثلاثة وليس من السهل أن أدبر نفقات عيشهم ولكن فيم الشكاة ~~وليس بين العمال من هم خير حالا مني؟» # كان يتكلم في أناة، يزن كلماته وزنا وينظر إلي وجها لوجه، ولم يكن في سلوكه غطرسة ولا ~~خور، لم يبد إلا أسفا عميقا أسلم زمامه لتصريف القضاء. ~~- «نعم يا فكتور أندريفتش، ماذا عسى أن أقول؟ إنك أنت، أنت واحد من الرؤساء، تستمتع بحياة ~~طيبة، إنك تحيا في دنياك وأحيا أنا في دنياي، إنك لن تفهم حالة الناس الذين هم على ~~شاكلتي.» ~~- «لا تزعم ما لا ms322 تعرف أيها الرفيق كيريوشكين، فقد أكون على فهم بحالة هؤلاء أكثر مما ~~تظن، لكن دع عنك هذا الآن وقل لي، هل تريد أن تعمل في الآلة القاطعة، إن أجرك هناك سيرتفع ~~إلى مائتين وعشرين روبلا أو أكثر، وسيكون من حقك بعض الثياب: حلة وحذاء.» ~~- «بكل سرور، لا بد للإنسان أن يعيش.» # فأصدرت أمري أن ينقل إلى عمله الجديد، فشكرني وانصرف، وسرني من أعماق قلبي أن أراه من أول ~~الأمر إلى آخره محتفظا لنفسه بكرامتها دون أن يبدي أقل علامة من علامات الزيغ، واستدعيت ~~«ستاروستين» واتفقت معه أن يدبر له شيئا من المال يأخذه من «رصيد المساعدة المتبادلة»، ثم ~~أمرت زيادة على ذلك أن تصرف له مجموعة من ملابس العمل وحذاء. # كانت مسافة الخلف الاجتماعي بين رجل مثل «كيريوشكين» وبين «أرستقراطي» من نوع «إستاخانوف» ~~أبرز في شعور الناس من المسافة بين العمال والإدارة، وذلك بسبب الصلة اليومية الدائمة بين ~~من هم من قبيل «كيريوشكين» ومن هم من النوع «الإستاخانوفي»، والظاهر أن السياسة الرسمية ~~كانت تعقد النية على توسيع هذه الفوارق وعلى خلق أسباب أخرى مما يبث العداوة والريبة بين ~~الناس ما استطاعت إلى ذلك سبيلا. # كان المهندسون ورجال الإدارة في الصناعة يلقون ازدراء يزداد يوما بعد يوم لما زعموه ~~فيهم من «رجعية» ومن «تعطيل» للذين يضربون لغيرهم الأمثال في سرعة الإنتاج، وقد ساهم رجال ~~الهيئة التنفيذية من الحزب في هذا الإيقاع بالإخصائيين في أفخاخ المهاجمين، وذلك لئلا يتجه ~~اللائمون نحوهم بلائمة، وهكذا أخذ نفوذنا ينهار انهيارا لا ينقطع، فلما أحس بعض المهندسين ~~ورؤساء العمال بل وبعض الأيدي العاملة الصغيرة، أن الكلمة العليا أصبحت لهم دون رؤسائهم، ~~راحوا يتخذون قرارات جزافية يزيدون بها من أجورهم، وكثيرا ما كان ذلك يؤدي إلى أفدح ~~النكبات بالإنتاج على وجه الإجمال. # ونفخت السياسة في أبواق الكفاية الإنتاجية فاتخذت لنفسها حق التصرف في الشئون الصناعية، ~~فكثيرا ما كانت الكلمة النهائية في هذه الشئون للموظفين الشيوعيين أو لرجال الشرطة دون ~~المهندس أو مدير المصنع، حتى لو كان الأمر ms323 متعلقا بمشكلات فنية خالصة، فكنا في صميم عهد من ~~عهود الفوضى والحرب الأهلية في دائرة الصناعة، ووقعت بين حدبن: التعليمات الآتية من ~~موسكو من جهة، وارتياب الأدنين من جهة أخرى بين شاق الأعمال وتدهور النظام، حتى أصبح ~~الاضطراب العصبي والإرهاق صفة حياتي العادية أو كادا. # وأيقظني التليفون ذات مساء، فإذا بي أعلم أن إحدى الآلات أصيبت بعطب فجأة فتعطل نصف الفرع ~~الذي أشرف عليه من فروع المصنع، فتمتمت لنفسي قائلا: «وهذا وجع رأس جديد.» ثم ارتديت ~~ملابسي، حتى إذا ما بلغت المصنع وجدته يموج بألوان الموظفين ، فرئيس القسم السياسي في ~~نيقوبول قد حضر بنفسه، كما حضر «دوروجان» و«جرشجورن» وغيرهما من المساعدين، وأخذ «كوزلوف» ~~و«ستاروستين» ومهندسون كثيرون يهرولون حلقات حلقات، بينما جلس الإخصائيون من رجال الشرطة في ~~مكتبي يستجوبون من حامت حولهم الشبهات ويدونون مذكراتهم. # ولم ألبث طويلا حتى تبينت ما حدث، فلا بد أن بعض «الإستاخانوفيين» المتحمسين وأحد ~~المهندسين، قد قرروا على غير أساس أن يزيدوا من سرعة دوران المخرطة، ولما كانت هذه الآلة ~~الأسطوانية لم تصطبغ بالعقيدة في ستالين انكسر منها جزء كبير عند الحزام الرئيسي وتعطلت آلة ~~عن العمل، وكان الأمر على كثير من الخطورة؛ لأن الآلة المكسورة كانت صناعة ألمانية فلم يكن ~~في الإمكان إصلاحها أو تغييرها قبل زمن طويل. # كان الموظفون الذين تكاثروا هناك حينئذ يتجهون بتفكيرهم اتجاها بوليسيا، فلم يعنهم ~~إصلاح ما فسد بقدر ما عناهم ضبط المسئولين عن هذا الحادث، فانبث المحققون في أرجاء ~~المصنع، وقامت استجوابات سرية في المكتب الرئيسي للقسم السياسي، سادها التهديد والشتائم، ~~ولقد دعيت عدة مرات ووجهت إلي أسئلة، بحيث لم يمض ذلك المساء بما فيه حتى خارت قواي ~~ولم أعد كثير النفع في مباشرة العمل، فالتعليلات البسيطة الواضحة لم تكن لتقنع «جرشجورن» ~~لما اتصف به من التواء وعجز في تفكيره، فكنت تراه يصيح ويرغي ويزبد ويطالب ب «دليل» على ~~اتهام هذا الشخص أو ذاك، وكلما ذكر اسما رأيت ملف أوراق يبرز فورا من مكمنه. ولم يكفهم أن ~~يفرضوا الرقابة ms324 على كبار الموظفين، بل فرضوها كذلك على الصفوف الدنيا من العمال. # وصرخ جرشجورن قائلا: «كرافتشنكو، لست أراك بالمعين لنا فيما نحن بصدده، وصدقني إن قلت ~~لك: إنك قد تدفع ثمن ذلك! فمن أجل نفسك أنت ينبغي أن تساعدنا على ضبط عوامل ~~التخريب.» # وإذ نحن في معمعان هذه الأيام المليئة بأسباب الاضطراب، جاءني عامل ميكانيكي ماهر - هو ~~دوبنسكي - يصحبه مساعده شباشنسكي، فبينما كان الآخرون في هياجهم يحققون، كان هذان ~~الميكانيكيان العظيمان يخبران المعادن ويجريان التجارب الحرارية ويخططان التصميمات، وانتهى ~~بهما البحث إلى الرأي بأن في مستطاعهما أن يصنعا بديلات للأجزاء المكسورة، لكنهما أرادا ~~ضمانا بأنه في حالة فشلهما لا تقع تبعة الزمن الضائع والمادة المفقودة على ~~عاتقيهما. # وبعد دراسة ما قدماه من رسوم وأرقام، قررت أن التجربة التي يقترحانها جديرة بالاختبار، ~~فأبلغت قراري «لبراتشكو» و«كوزلوف» و«بروسكي» وقاية لهذين الرجلين وحماية لنفسي، وكذلك ~~أمليت تقريرا وافيا أرسلته ل «رياسة صناعة الأنابيب» في خاركوف ثم عينت للتجربة ما يلزمها ~~من رجال ومادة وأمرت بالبدء في إجرائها. # لكن على الرغم من كل ما اتخذته من أسباب الحرص السياسي، فقد كان يشغلني قلق عميق، إذ ~~تصادف لي أن أعلم من مجرى التحقيق في مكتب القسم السياسي أن «دوبنسكي» هذا لأمر لا أدريه ~~كانت تكتنفه غمامة من الريبة من قبل الهيئة الرسمية، مع أنه كان رجلا مسنا هادئا ~~وقورا قادرا، وكان من الجميع موضع الإعجاب، لكنه لما كان قد علم نفسه بنفسه واتسعت ~~مطالعاته، فقد كان يمثل الرجل المثقف من نمط ما قبل الثورة، وهو نمط أخذوا ينظرون إليه ~~عندئذ بأنه يميل بشكل ظاهر نحو الذبذبة السياسية، ولقد كان «دوبنسكي» عضوا في الجماعة ~~«المنشفية» من فريق الديمقراطيين الاشتراكيين برياسة القيصر، ولم يكفه ثمانية عشر عاما ~~يقضيها في عمل يخلص له تحت إشراف السوفيت ليمحو هذه الوصمة الشنيعة من صحيفته. # وقبل كل شيء وأهم من كل شيء، فلقد خيل إلى هؤلاء الذين اصطبغت عقولهم بالصبغة ~~الشرطية، الذين لا يحيون إلا إذا أثاروا الفزع في النفوس، الذين يصعدون ms325 على أكتاف غيرهم ~~والذين يتصيدون الأبرياء كما كان الناس يتعقبون السحرة في قديم الزمان، خيل إليهم أن ~~«دوبنسكي» هدف جميل يمارسون فيه أساليب الاضطهاد، وأراد القدر الساخر أن يكون «دوبنسكي» هو ~~الرجل الوحيد الذي تقدم بفكرة عملية في سبيل إعادة الإنتاج إلى مجراه، فلو فشلت تجربته، ~~فالأرجح عندي أن يتخذ «جرشجورن» وعصبته من هذا الفشل فرصة هم في انتظار مثلها؛ لأنهم عندئذ ~~يتهمون هذا الذي كان في ماضيه عضوا «منشفيا» بتهمة التعطيل المتعمد. # ظللت في المصنع مع «دوبنسكي» و«شباشنسكي» أربعة أيام ، ووقف المخبرون التابعون للقسم ~~السياسي جانبا يرقبون، لينزلوا بنا الثبور إذا ما حادت بنا الأمور عن الجادة المستقيمة، ~~لكن أمرنا انتهى إلى عاطفة تضطرب في صدورنا حين اختبرنا الآلة بعد تركيب الأجزاء الجديدة ~~التي صنعت لها حديثا، فإذا الآلة تدور! لقد دارت عجلة الإنتاج دورتها من جديد. # ومع ذلك كله فقد مضى التحقيق في سبيله بضعة أسابيع أخرى، فإن الشرطة لما فشلت في إيجاد ~~شخص أو أشخاص تمثل بهم لما أصاب الآلة عن عطب، أخذها الغيظ وأحست خيبة الرجاء كأنما قد ~~خدعت عن فريستها المشروعة، ولا أظن أن علاقتي برجالها قد حسنت بما تم من إصلاح؛ إذ ~~إنني لم أحافظ تمام المحافظة على كتمان رأيي فأعلنت أن الأمر كله في نظري حادث بسيط لا ~~يستحق كل هذه اليقظة من رجال الشرطة. # كلا ولا حسنت علاقتي على الأيام بمندوبي نقابة العمال أو الحزب، فكاد ألا يمضي أسبوع يخلو ~~من صدام بين حماستهم السياسية وبين وسيلتي في إدارة الإنتاج بعقل فطري سليم، وها أنا ذا ~~أختار من عشرات الحوادث التي وقعت بيني وبينهم عددا قليلا مما أبقته لي الذاكرة، ولا ~~أختار ما أختاره إلا جزافا. # فقد حدث ذات صباح أن وجدت الفرع الذي كنت أشرف عليه من فروع المصنع قد أصابه اضطراب عجيب، ~~فقد حدث شيء من الخلل وأحسست كأنما شحن الجو بالكهرباء، وسرعان ما شهدت السبب، ففي ركن ~~من أركان المكان، وعلى مرأى من كل من كان في المصنع، رصت ms326 بعض الأنابيب رصا فنيا ~~ووضع عليها لافتة ضخمة كتب عليها ما يأتي: «يجب أن يعلم عمال هذا القسم ومهندسوه من ~~ذا يعطل الحركة الإستاخانوفية.» # ثم تبع ذلك قائمة طويلة بأسماء، فالظاهر أنهم وجدوا عددا من الأنابيب التالفة، فأرادوا ~~أن يذلوا طائفة المسئولين على هذا النحو، مع أن الأسماء المثبتة في القائمة - فيما أعلم - ~~كلها لعمال مخلصين لا يؤخذ عليهم شيء من التقصير، والعيب في الأنابيب قد يكون راجعا إلى ~~شوائب في صفاء الصلب ولا يمكن إلقاء التبعة جزافا على هؤلاء الناس فأمرت بهذه الأنابيب ~~«المعروضة» وما عليها من لافتة أن تزال عن مكانها، وغضب «ستاروستين» لذلك غضبا شديدا، ~~وقرعني تقريعا على تدخلي في عمله، وهو تربية أعضاء النقابة «تربية سياسية»، ولمح لي ~~تلميحا فيه نغمة التهديد بأنني أغض من شأن ما ينبغي أن يكون ذا شأن. # ولم يمض بعد ذلك طويل وقت حتى شهدت «ماكايف» الذي ابيض شعره مع تقدم السن - وهو عامل ~~كان له في نفسي منزلة لجودة عمله - شهدته يبكي في صمت إذ هو قائم بعمله، فلما سألته ما ~~الخبر، أشار إلى الحائط المقابل، فنظرت فإذا بصورة «هزلية» لهذا العامل قد علقت وكتب ~~تحتها: «متلف للحركة الإستاخانوفية.» # وضرع إلي قائلا: «فكتور أندريفتش، خلصني من هذا العار، فإني أعترف بأني ربما اقترفت ~~إثما، والحقيقة هي أن زوجتي مريضة ولم تغمض لي عين مدى أيام عدة، فلست إلا بشرا ولعل في ~~هذا ما اقترفته من إثم، ألا يكفيهم أن يأخذوا مني لقاء التلف ما اقتطعوه من أجر؟ ألا بد أن ~~يضيفوا إلى ذلك هذا التعريض بي لهزء الآخرين؟» # فناديت رئيس العمال. # سألته: «من ذا الذي علق هذه اللافتة؟» ~~- «رئيس نقابة العمال المنوط به قسمنا.» ~~- «انزعها فورا وأرسلها إلى مكتبي.» ~~- «لا أستطيع يا رفيقي كرافتشنكو، فلو فعلت ذلك لجلبت على نفسي المشكلات.» ~~- «قل له: إن الأمر أمري وأنا متحمل تبعته.» # وأزيلت اللافتة المسيئة، لكنه لم يمض على ذلك بضع دقائق حتى جاءني عدد من موظفي نقابة ~~العمال ومن متهوسي الحزب، فتزاحموا ms327 حولي، وأخذوا جميعا يتكلمون في وقت واحد، يتهمونني ~~بتعطيل «التربية السياسية» وتشجيع التدهور، كما يتهمونني بأنني «أهدم نفوذ النقابة والحزب»، ~~وهددوا بأنهم رافعون شكاتهم مني إلى خاركوف بل إلى موسكو. # قلت: «هذا جد جميل يا رفاق، اشكوا ما رضيت نفوسكم بالشكوى، أما من وجهة نظري فأنتم الذين ~~تتهمون بالتعطيل بما تقدمون من إساءة إلى رجالي، وبما تهدمون من قوة العمال المعنوية، ~~أنا رئيس هذا المكان، وأجدر بكم أن تعاونوني بدل أن تعاكسوني، ولأقلها لكم كلمة قبل أن ~~أنساها: إن بعضكم كان يجب أن يكون الآن عاملا بدل الوقوف ها هنا مجادلين.» # ولما تقدم ذلك النهار أرسل «كوزلوف» يطلب حضوري، فقد وصلت إليه الشكاوى التي قدمت في ~~شأن «ماكايف»، وإنه في رأيهم لخطر «عظيم»، فعرضت رأيي وسرني أن أراه موافقا لوجهة نظري، ~~ووعد أن يكون ظهيري إذا ما استثارت حماقة هؤلاء الناس بعض الدوائر العليا، وشاع الخبر بأني ~~أقف إلى جانب العمال ضد متهوسي السياسة، فأشاع في النفوس هزة رفعت مكانتي في قلوب العمال، ~~لكن كان ذلك مسيئا إلى من شئت من الموظفين ومن رجال الحزب ذوي النفوذ. # وحدث كذلك حادث استنفد من وقتي ومجهودي عدة أسابيع، وذلك أن عطبت آلة من صناعة ألمانية، ~~وشق علينا أن نستبدل بالجزء المكسور جزءا جديدا، فتعطل جانب من مصنعي عن عمله ثلاثة أيام ~~أو أربعة، فدهم القسم من جديد رجال الشرطة و«أصحاب السلطان» من ذوي الوجوه الجاهمة. # ودرست الحالة دراسة صورت لي الأمر على حقيقته تصويرا سرعان ما انتهيت إليه، فقد حدث ~~أثناء الليل، وكان الضوء رديئا، ولا بد أن يكون أحد العمال قد تناول خطأ قطعة من الصلب لم ~~تكن هي القطعة التي قصد إلى تناولها، فقد كانت الآلة معدة لنوع من الصلب يكون ما فيه من ~~الكربون قدرا ضئيلا، أما إذا وضع فيها صلب يحتوي من الكروميوم على 18 إلى 20 في ~~المائة، ومن النيكل على اثنين في المائة، فإنها تصاب بالعطب، هذا هو الأمر على حقيقته ولم ~~يكن ثمة من لغز ms328 عويص. # لكن القسم الاقتصادي لم يقتنع بسلامة تعليلي لما حدث، فقد كان لا يزال يتعقب ما توهمه من ~~مؤامرات التخريب التي لم يتمكن بعد من ضبطها، فراح يحلل الصلب على النحو الذي يرضيه، ~~ويستجوب عشرات من العمال، ويستدعي الإخصائيين من خارج المدينة، ويحصل على تقارير من أستاذ ~~التعدين في معهد دنيبروبتروفسك، وبدا هذا الإجماع على رأي واحد في التقارير «غريبا» في رأي ~~الشرطة، ترى ماذا تكون «وجهة النظر السياسية» التي يعتنقها هذا الأستاذ الذي اتفق مع ~~كرافتشنكو؟ أيكون بينهما صلة من التعارف ؟ فعدت من جديد أنفق الليالي الطوال في جدال كنت فيه ~~على حذر؛ لأن أية كلمة أنطق بها غافلا، أية هفوة من هفوات اللسان، قد يكون مؤداها أن تعود ~~بالخراب على مهندس أو عامل، ولا أقول على نفسي، وحاول «جرشجورن» هذه المرة أيضا كما حاول ~~في المرات السابقة أن يضيق نطاق الاتهام بحيث يحصره في «دوبنسكي»، لكني دافعت عن هذا ~~الميكانيكي في كل موضع من مواضع الحديث. # وجاءني أمر مستعجل بصناعة أنابيب لا يأتيها الصدأ، وكان الأمر مذيلا بإمضاء «أورزنكدز»، ~~ولم يكن مصنعنا معدا لمثل هذا الأمر، ولم تكن لنا خبرة بمثل هذا النوع من العمل، فقبلناه ~~بعد أن أنذرنا أولي الأمر ألا يتوقعوا منا في هذا الصدد أكثر مما ينبغي، فأرسلت لنا من ~~موسكو فرقة تعيننا على ذلك قوامها رجال خبروا هذا الضرب من ضروب الأنابيب، كما خبروا ~~الصناعة الكيميائية التي طلبت من أجلها هذه الأنابيب، وكان بين رجال تلك الفرقة إخصائي في ~~التعدين اسمه «تيموشنكو»، وهو رجل نحيل صغير السن، يلبس منظارا وقد أخذ الشيب يدب في ~~شعره، وخيل إلي أنه في حالة من الذعر المتصل، وقيل لي إنه ابن أستاذ مشهور يسمى بهذا ~~الاسم، كان وقتئذ يعيش ويحاضر في الولايات المتحدة. # وكان العمل بطيء الخطى بادئ ذي بدء كما توقعنا له أن يكون، ولم يكن مما أنتجناه أول الأمر ~~من هذه الأنابيب أكثر من 10 في كل مائة يصلح للاستعمال، بل مرت أيام كان كل ما ms329 أنتجناه ~~خلالها معيبا، وجاءنا خبراء من نواح كثيرة ليرشدونا، وعقدنا اجتماعات كثيرة فبحثنا خلالها ~~درجة الحرارة ومقدار السرعة في السير في العمل، وأنماط الصلب وأنواع الالتحام، وكان كلنا ~~حريصا على أن ينجز ما أمرنا بصناعته، قلقا لما أصابنا من تعطل، فمهما يكن من أمر ~~العقيدة السياسية التي نكنها في صدورنا، فقد أحسسنا جميعا أن ستالين قد يجيء وستالين قد ~~يمضي، أما الروسيا فباقية إلى الأبد، وما هو الآن معرض أمامنا للخطر، إنما هو مستقبل ~~الروسيا الصناعي، أما ما كان يعنى به المخبرون الذين تكاثر علينا عديدهم، فهذا شيء واحد ~~فقط: ماذا عسى أن يكون هناك من عوامل التخريب الخافية؟ # وانتهى بنا الأمر إلى حل مشكلاتنا الفنية، ووفقنا في صناعة الأنابيب التي لا تصدأ ~~بحيث صادفت قبولا لدى «جماعة كيمورفو الكيميائية»، ووزعت مكافآت طيبة علينا جميعا، ~~غير أن «جرشجورن» وزملاءه ظنوا أنهم قد وقعوا على فريسة فثبتوا فيها أنيابهم لا يدعونها ~~تمضي، وكانت الفريسة بالطبع هي «تيموشنكو» الشاب ومعه طائفة من المهندسين أرسلتهم الشركة ~~الصناعية إلى خاركوف، فحدث ذات مساء أثناء جلسة عاصفة انعقدت في منتصف الليل، أن أخذ ~~«جرشجورن» يصب لهيب غضبه على رأسي المكدود، فلماذا أقف موقف «الحامي من ابن وغد عاق لحزبه؟ ~~ألم أعلم أن «تيموشنكو» كان على اتصال بأبيه الذي أسلم ما عنده للرأسماليين؟» # فقلت مؤكدا: «كل ما أستطيع أن أقوله لك عنه هو أنه شاب قدير، بذل وسعه وأدى واجبه غير ~~منقوص، نعم إننا قد صادفنا مصاعب كثيرة، لكني أؤكد لك أنه لم يخطئ أبدا بحيث كان خطؤه ~~سببا في شيء من تلك المصاعب.» ~~- «إنك تلعب بالنار يا كرافتشنكو! أذكر أن هذا الأمر مما يهم الصناعة الكيميائية، فهو إذن ~~أمر يتعلق بالدفاع الوطني، ومع ذلك فلست أراك تحرك إصبعا في معاونتنا على حصد عوامل ~~التخريب!» # ولم يقلع «جرشجورن» عن غيه إلا حين دفعني الناس دفعا أن أهدد بالاتصال ب «أورزنكدز» ~~تليفونيا لأطلعه على هذا التدخل في عملي من رجال الشرطة، وهكذا كانت الحسنة الوحيدة في ~~هذا ms330 الموقف كله هي أن قد كان لي ظهير أستند إليه، ولو وضعت مهندسا في مثل هذا الموقف بغير ~~ظهير كهذا يؤيده لألقى نفسه منذ زمن طويل في أحد السجون، أو في معسكر من معسكرات ~~السخرة. # ولما دعاني «أورزنكدز» إلى موسكو في أوائل عام 1936م، خيل إلي أن هذه الدعوة بمثابة ~~الدرع الواقية أرسلتها الملائكة لحمايتي، ذلك أن علائقي بالقسم السياسي كانت قد بلغت حدا ~~بعيدا من التحرج ولم يعد أمامي ثغرة للمروق، وباتت حياتي في نيقوبول من الصعوبة حدا لا ~~يحتمل؛ لأني أبيت أن أتهم الأبرياء أو أن أغضي عن أفعال الشرطة التي تدفعهم إليها الظنون ~~الخاطئة، أما وقد دعيت لمقابلة «الوزير» فقد أخذت أستجمع شجاعتي لعلي مستطيع أن أبسط ~~الوقائع بين يديه، فتلك فرصة سنحت قد لا تعود. # حياني «أورزنكدز» تحية ودية، ثم أنبأني فيم دعاني، فقال: إن الحاجة قد مست إلى نوع خاص ~~من الأنابيب لصناعة استخراج البترول في «باكو»، وإن الخطة المرسومة للبترول تتوقف كلها على ~~السرعة التي نستطيع بها إنتاج مقدار معين من تلك الأنابيب. # قال: «إنني أتجه إليك يا صديقي لأنني أعلم أنك ممن أستطيع الركون إليهم، وسيكون بين يديك ~~ما تريد من آلات ومواد وأيد عاملة، فإذ أصبت التوفيق كافأتك بسيارة وسام، وكافأنا زملاءك ~~جميعا بالعلاوات.» ~~- «لا شك أني باذل جهدي لا أدخر وسعا، وإنه ليسرني أنك عالم بما يعوزنا من آلات، ولكني ~~أحب أن تعلم يا «جريجري كونستانتينوفتش» أنني أعمل في ظروف من تدخل القسم السياسي تجعل ~~الحياة ضربا من المستحيل؛ لذلك ينتابني اليأس.» ~~- «ماذا تعني؟» # فأخذت أقص في تفصيل كيف يتعقبون أعمالنا الفنية كما يتعقب الصائد فريسته، وكيف تأخذهم حمى ~~الاضطهاد والاتهام مما حول مصنعي - وسائر المشروعات في نيقوبول - إلى قاعة من قاعات ~~التطهير، وأنبأته عن «دوروجان» و«جرشجورن» كيف يحاولان أن يجعلا من الحوادث الجارية مؤامرات ~~على التخريب يخلقها لهما خيالهما، وكيف يجبران الناس على اتهام الأبرياء مثل «تيموشنكو» ~~و«دونبسكي». # وختمت حديثي قائلا: «لا أحب الكلام في هذه الأمور لكني لم أعد ms331 أستطيع السكوت، فمن ذا ~~الذي يدير صناعة التعدين؟ أهي رياسة الصناعات الثقيلة أم القسم السياسي؟ كيف نستطيع تجريب ~~الجديد، كيف نستطيع تنفيذ الأوامر التي يقتضي تنفيذها إجراء التجارب، كيف نستطيع أن نخطو ~~إلى الأمام خطوة واحدة، إذا عد كل ما يصيبنا من فشل وكل ما نزل فيه من خطأ في بداية ~~العمل الجديد مؤامرة على الإتلاف والتخريب؟ بل كيف يستطيع إنسان أن يؤدي عملا كائنا ما ~~كان إذا وجد نفسه تحت «مراقبة» لا تنقطع من مخبري الشرطة ولجان الحزب وطوائف النقابة وأنصار ~~السرعة الإستاخانوفية وغيرهم ممن يعدون بالمئات؟ # ما الذي يمنعنا من وقف هذا الإرهاب الجاسوسي بحيث ندع الناس يعملون في طمأنينة وهدوء؟ إن ~~الجيل القديم من مهندسين وإخصائيين كاد أن يفنيه الموت أو تقضي عليه التصفية، وأصبحنا اليوم ~~من أنصار السوفيت، نشأت كثرتنا الغالبة نشأة هيأها الحزب كما يشاء، فإذا لم نكن أهلا ~~للثقة بحيث نعمل مدفوعين بعوامل من ضمائرنا، فأين الرجاء في رقي بلادنا؟ أما عن نفسي أيها ~~الرفيق الوزير فلم أعد أطيق العمل في مثل هذه الظروف، فهؤلاء الأوغاد لا ينفكون يديرون رأسي ~~دوارا كأنني نحلة تدور، فكيف تريدون الرجل أن ينتج إذا كان دوارا في دوامة لا تقف ولا ~~تسكن؟» # كان «أورزنكدز» تعلو وجهه الكآبة، يعض على شفتيه آنا بعد آن، وكانت الشيخوخة قد دبت في ~~جسمه دبيبا سريعا في العام الأخير أو العامين الأخيرين، ولم يعد يسارع إلى الضحك كما كان ~~يفعل قبل، ولم يعد يفور بالمرح الصادر من قلبه عن تفاؤل الواثق كما كان يفعل قبل، ومهما يكن ~~من أمر مشاعره إذ ذاك فقد كاد ألا يفصح عن شيء مما في نفسه إلى مرءوس له مثلي من مديري ~~المصانع، ولا عجب فهو على كل حال عضو في «الهيئة السياسية العليا»، أعني عضوا من اثني عشر ~~عضوا أو نحو هذا العدد من الرجال الذين كانوا أقرب ما يكونون صلة بستالين. # قال لي في صوت خافت: «هدئ من نفسك يا صديقي، ولست ألومك على تحدثك إلي ms332 بمثل ما تحدثت، ~~فهنالك أشياء كثيرة تخفى عليك فلا تراها من حيث أنت، ولن أخفي عنك أنك واحد من مئات آخرين ~~من قادة المهندسين الذين هم أعضاء في الحزب، وأفضوا إلي بمثل هذه الشكاة وفي هذا المكان ~~بعينه ... أما عنك خاصة فإني أعدك أنني ما دمت حيا، وما دمت أنت مخلصا لواجبك، فلن يمسك ~~أحد بسوء، هذا وعد مني إليك.» # ولم ينتظر حتى أخرج، بل تلفن من فوره الرفيق «هاتايفتش» أمين اللجنة الإقليمية في ~~دنيبروبتروفسك، الذي تقع منطقة نيقوبول تحت إشرافه، وأخذ - على مسمع مني - يعنف ~~«هاتايفتش» تعنيفا قاسيا، وأمره بأن يكف القسم السياسي في نيقوبول عن مضايقة الرفيق ~~«كرافتشنكو» وإلا فلتبلغ له أسباب ما يصنعون. # ووضع السماعة مبتسما وقال: «هل يرضيك هذا؟» ~~- «أشكرك شكرا جزيلا، لكن ذلك لا يكاد يزيل من الإشكال الأكبر شيئا، إذ لا يزال هذا ~~النظام المخيف قائما.» # ولم يحدث قط منذ ذلك اليوم حتى مات «أورزنكدز» فجاءة أن دعاني القسم السياسي أو ~~استجوبني شيئا، نعم ظل المخبرون حولي يعملون في نشاطهم المعهود - «ماكاروف» و«رومانوف» ~~و«يودافين» ومئات غيرهم - لكني لم أمس منهم بسوء، فمهما ثارت في نفوس رجال الشرطة السرية ~~من شكوك وامتعاض فيما يخصني، فقد كتموها في صدورهم مؤقتا بناء على أوامر ظهيري في موسكو، ~~وقد يجيء اليوم الذي يتيح لهم أن يفلتوا فجأة من هذه القيود، فيغرقوني في خضم مخيف. # عدت إلى نيقوبول فجمعت كبار رجال المصنع والإدارات الفنية فيه، وبسطت أمامهم المهمة التي ~~عهد بها إلي «أورزنكدز»، وكلفت عددا منهم بواجبات معينة، وجاءتنا العدد والمواد كما ~~وعد الوزير، وسرعان ما أخذت عجلة العمل في دورانها، وظللت بعد ذلك أسابيع أنام في مكتبي ~~أكثر مما أنام في منزلي، حتى استطعت أن أنتج من الأنابيب اللازمة ل «باكو» بنسبة أسرع مما ~~وضعت الخطة على أساسه، فجاءت التهاني من جديد منهالة على المصنع من «خاركوف» و«موسكو» ~~ونشرت صورتي في الصحف، وطار إلي «إيفانتشنكو» من «خاركوف» ليشكرني بنفسه. # وقد اهتزت نفوسنا هزة الغبطة الحقيقية حين استطعنا أن ms333 نقهر ما قام في سبيل هذا المشروع ~~الصناعي العسير من صعاب، وكانت فرحتنا بتغلبنا على ما اعترض سبيلنا من ألوف المشكلات أعظم ~~من غبطتنا بما اعترفت لنا به الهيئات الرسمية من تقدير، وما منحته من مكافآت مالية. # ولما كان «إيفانتشنكو» في نيقوبول دعاني ذات ليلة لعشاء، فقد تعارفنا منذ سنوات، وكنت أثق ~~في إخلاصه، وإني وإن كنت خلال الفترة التي قضيتها عندئذ في المصنع - وهي تزيد على عام - قد ~~ارتفعت منزلة بفضل تأييد الوزير فإنني كنت أتلوى من عذاب في فخاخ الجاسوسية، وجعلت أروي ل ~~«إيفانتشنكو» مثلا في إثر مثل لأبين له كيف يؤدي تدخل الشرطة وتوهم وجود مؤامرات على ~~التخريب، إلى قتل روح الابتكار وتعطيل الإنتاج. # فأجابني في نغمة حزينة: «أدرك هذا الذي تشعر به يا «فكتور أندريفتش» ولا تحسبن أن ~~الأعلين من الرجال أوفر من ذلك حظا، فها أنا ذا رئيس لمنطقة صناعية من أكبر المناطق، وعضو ~~في الحكومة، وشيوعي قديم، ورجل ساهم في تقويض بناء «ونتر بالاس» في ثورة أكتوبر، فقد يسبق ~~إلى وهمك إزاء هذا أنني محل للثقة، لكن لا! فهذه الجموع من النمل والحشرات قد تكاثرت بحيث ~~تشيع في نفسي الفزع، أنا الذي لم يعرف ما الفزع في حومات الوغى حين تتعرض الحياة للخطر، لقد ~~حيروني بتحقيقاتهم وشكوكهم حتى لم أعد أعلم من أين أسير وإلى أين، ففيم هذا كله؟ ما أظن ~~أحدا من الناس يعلم مجرى الأمور إلا «الرئيس».» # لما انزاح عن صدري مؤقتا كابوس الشرطة، أحسست باستقلال لشخصي إحساسا موهوما لم يدم ~~طويلا، فتهيأ لي بفعل هذا الوهم أن أنظر بعين المتفائل إلى «دستور ستالين» الذي كان قد ~~أذيع حديثا، فقد بدا لي أن بقاء السلطة مركزة في أيدي حزب واحد أقل خطرا وأهمية من ~~الضمانات التي نص عليها نصا صريحا بحيث تكفل للناس حقوقهم المدنية، بل تكفل لهم ما هو ~~أهم من هذا، وهو تقييد أنواع السجن والقبض، فلو كان هذا الدستور الجديد دليلا على اتجاه ~~التفكير في الدوائر العليا، إذن فلا ms334 شك أننا قد اجتزنا أخبث مراحل الإرهاب. # فلا بد لحياة الإنسان من رجاء يتعلق به كما لا بد له من هواء يتنفسه، ولقد تحسست الطريق ~~التي قد تؤدي إلى الزيادة من الحقوق الإنسانية التي يتمتع بها المواطنون السوفيت، كما تحسس ~~الطريق إلى ذلك ألوف الألوف من الناس، وكنا في ذلك نلتمس النجاة لأنفسنا من غرق قد يغوص بنا ~~إلى أعماق أعماق اليأس، كنا في ذلك نلتمس النجاة بكل بادرة من بوادر الأمل تبدو أمامنا مهما ~~قل شأنها، وإذن فلو استثنينا عددا قليلا ممن رانت على قلوبهم غشاوة كثيفة من تشاؤم، فلم ~~يروا في الدستور الجديد إلا خدعة جديدة، أقول: لو استثنينا هذا النفر القليل لصح لنا أن ~~نقول: إن الشيوعيين تقبلوا الدستور تقبل من تتوق نفسه إلى تحقيق ما فيه. # فقد كان إحياء الأمل في نفوسنا حينا بعد حين شرطا لازما لبقائنا أحياء، لقد كنا نريد ~~أن نسلم أنفسنا إلى إيمان مهما يكن فيه من إسراف، كنا نريد أن نخدع عقولنا ونغالط حواسنا، ~~فكنا نحارب شكوك المتشككين في إخلاص، وكنا نلتمس المعاذير، ويمني بعضنا بعضا بما يصوره ~~لنا التفاؤل من آمال لم نكن نؤمن بإمكان تحقيقها إذا ما خلا كل منا إلى نفسه، «فخير ما على ~~الأرض من دساتير ديمقراطية» لم يخلق في صحرائنا السياسية إلا سرابا. # أيكون قتل «كيروف» هو الذي أفزع السادة فحملهم على شيء من التساهل؟ فأوروبا كانت - فيما ~~بدا - سائرة نحو الحرب، فهذا هو اغتصاب إيطاليا للحبشة اغتصاب اللصوص قد أعقبته حرب أهلية ~~في إسبانيا، وهذا هو هتلر يهز سيفه النازي، أيكون السادة - إذن - قد صمموا إزاء ذلك على أن ~~يوحدوا صفوف الشعب الروسي وراءهم بما يتفضلون به عليه من فتات الحرية؟ هكذا أخذنا ننفخ في ~~صدورنا جذوة الأمل، ونجحد في أذهاننا نوازي الارتياب، ولم يكن يسيرا علينا أن نبقي جذوة ~~الإيمان مشتعلة في وقت أخذت ريح الإرهاب الأعمى تهب فيها عاتية على نحو لم نعهده من قبل، ~~وكان لا بد للإنسان من إغماض عينيه إغماضا ms335 يكاد يكون صحيحا بمعناه الحرفي، حتى يبقي ~~لنفسه على آخر بصيص من الأمل. # كان العمل جاريا لتوسيع مجموعتنا الصناعية في نيقوبول، فأدت جموع العمال الذين كانوا ~~يقومون بالبناء الجديد إلى تقليل موارد طعامنا وتضييق محال سكنانا على نحو لم نشهد له ~~مثيلا، وحدث ذات يوم، في الوقت الذي كان صدري يجيش فيه بالأمل في تغيير يسير بنا نحو ما هو ~~أفضل، حدث أن رأيت فرقة من جنود القسم السياسي تحوم حول مكان البناء الجديد، فلم يكن لذلك ~~إلا معنى واحد، وهو أنهم قد جاءوا للعمل برجال سخروهم لذلك تسخيرا. # ودنوت من المكان فوجدتني لم أخطئ التخمين؛ إذ وجدت أربعمائة أو خمسمائة من الرجال والنساء ~~أضناهم الشقاء، وجدتهم يعملون تحت الحراسة المسلحة، وجدتهم جماعة من الكائنات البشرية على ~~وجوهها من علائم الأسى ما لم أشهد له مثيلا في كل ما عشت من سنين، فقد كانوا من هلهلة ~~الثياب والقذارة وانحطاط الأجساد في صورة بشعة، لكن سكونهم في غير ابتسام كان أشد بشاعة من ~~ذلك كله، وراحوا يعملون كأنهم ناس ضربت عليهم مسكنة وذلة، فقدوا كل اهتمام بالحياة حتى ~~لم يعودوا ينظرون إلى ما حولهم نظرة الفاحص، أو يختلطون بالعمال الأحرار الذين كانوا يعملون ~~على مقربة منهم. # كان هؤلاء المسجونون في نهاية كل يوم يصفون ثم يساقون إلى ثكنات خصصت لسجنهم تبعد ~~عنا بضعة أميال، وبعد بحث دقيق علمت أن هؤلاء العمال قد تم «الاتفاق» على استخدامهم بين ~~الموظفين القائمين على بناء هذه المنشآت وبين رجال القسم السياسي في مفاوضات رسمية، بحيث ~~يدفع للقسم السياسي عن كل سجين مبلغ يقرب مما يدفع للعمال الأحرار، وهكذا كان القسم ~~السياسي يسخر الملايين من المسجونين السياسيين تسخيرا مباشرا - في استخراج الملح أو ~~استنجام الذهب أو في مد السكك الحديدية واحتطاب الخشب من الغابات وتجفيف المستنقعات وبناء ~~المواني - حتى إذا ما تبقى من المسجونين السياسيين فيض بعد ذلك كله؛ استغلوه رقيقا في ~~مشروعات سوفيتية أخرى. # وحدث في عطلة الأسبوع إبان الصيف أن استقللت قاربا بخاريا مع ms336 صديق وسبحت به في نهر ~~الدنيبر، وكان معنا كثير من الطعام وزجاجة من النبيذ، فلما بلغنا مكانا من الشاطئ بليل ~~الهواء تظلله الأشجار، جلسنا فأكلنا، ثم مشينا بعد ذلك مشية طويلة في طريق يمتد حذاء الشط، ~~وإذا نحن فجأة نسمع صوتا أمامنا، حتى إذا ما جئنا إلى حنية في الطريق وجدنا منبسطا فسيحا ~~تغطيه المستنقعات، ورأينا بضع مئات من رجال ونساء يشتغلون تحت حراسة مسلحة. # عندئذ أحسست كأنما أقحمت نفسي على فاحشة، وكان أول ما بدا لي أن أصنعه هو أن أنسحب ~~متظاهرا بأني لم أر مما رأيت شيئا، لكن دافعا جذبنا جذبا نحو المكان، حيث العمال في ~~هلاهيلهم يغوصون في الطين والماء إلى ركبهم، فلا تكاد تتبين منهم شيئا من صفات الإنسان، ~~وأخذت سحائب من بعوض المستنقع تموج فوق رءوسهم، فقد أشعل الحراس المشاعل ليذبوا عن أنفسهم ~~البعوض، وأما المسخرون فالظاهر أن قد اعتادت أجسادهم لسع الحشرات، واستقر بصري آخر الأمر ~~على فتاة على ملامحها سحنة الأموات، اسود وجهها ويداها بفعل البعوض، لكنها لم تنفك عاملة ~~بمجرافها لا تحفل بشيء، كأنها لم تكن تدري أنها تؤكل أكلا وهي لا تزال على قيد ~~الحياة. # ودنا منا ضابط. # قال: «لماذا لا تنصرفان إلى سبيلكما أيها المواطنان؟ ليس هذا معرضا للمتفرجين.» # قلت: «أنا من رجال الحزب ورئيس أحد المصانع، وهذا الذي أراه مما يهمني من الوجهة الفنية ~~الخالصة، فماذا يصنع هؤلاء؟» ~~- «إننا نجفف المستنقع.» # سألته: «أهو مشروع يقوم به القسم السياسي؟» ~~- «كلا، بل يقوم به السوفيت في نيقوبول، لكنهم «تعاقدوا» مع القسم السياسي على إمدادهم ~~بالأيدي العاملة.» # وعدنا في صمت إلى القارب البخاري حيث أخذنا سمتنا نحو الدار، فقد شعرنا بأن استئناف ~~الرحلة بعد الذي رأيناه ضرب من النذالة الخلقية، وكنا قد أنفقنا الصباح كله نتحدث في ~~الدستور وفي إمكان تحقيق ما وعدنا به، أما بعد هذا الذي رأيناه فلم نستأنف ما كنا قطعناه ~~من حديث. # كان قد حدث بيني وبين والدي شيء من القطيعة أخذ يزداد على مر الأيام منذ التحقت ms337 بالحزب، ~~فكنت إذا ما تحدثت في حضرته أحس كأنما يلزمني الواجب أن ألتمس المعاذير لضروب السياسة التي ~~لم أضمر لها في نفسي إلا مقتا وكراهية، فقد كان مما يضيق له صدري على صورة لا أستطيع أن ~~أتبين تعليلها على وجه الدقة أن أسمع والدي يضرب المثل العليا التي يجب أن تحتذى، ويعيد ~~ويكرر المبادئ الإنسانية، وأن أراه عاجزا عن مسايرة الضرورات العملية بحيث ينزل عن شيء من ~~تلك المعايير، وها أنا ذا أعود بذاكرتي إلى الوراء فأعلم علم اليقين الآن ما كنت حينئذ لا ~~أجاوز فيه حدود الارتياب، وذلك هو أن أبي إنما كان أمامي بمثابة الضمير قد تجسد في إنسان، ~~وأن ما كان بيني وبينه من خلاف إنما هو خلاف بيني وبين ما يمليه ضميري علي إذا ما أردت أن ~~أصف الواقع وصفا أدنى إلى الصواب، فبدل أن ألزم نفسي إلزاما أن أسوي ما بيني وبين ضميري ~~من خلاف، رحت أحاول التوفيق بيني وبين والدي في وجهة النظر. # وكان أبي ينبئني أحيانا أثناء زياراتي لهم عمن قبض عليه و«اختفى» من بين الرجال الذين ~~عرفناهم معا أعواما طوالا في مصنع «دنيبروبتروفسك»، وأحسست كأنما يعدني أبي مسئولا ~~شخصيا - باعتباري عضوا في الحزب - عن كل ما يقع من إجحاف، وأمسكت عن تبليغه ما يحدث ~~شبيها بذلك من حوادث القبض في «نيقوبول»، وما أراه من جماعات المسخرين من المسجونين، وما ~~أعانيه من فعل الجواسيس. # وكلما أحسست في نفسي هذا الحافز على إخفاء ما أعلمه عن أبي دون سائر الناس جميعا، وهو ~~حافز لا يبرره سند من العقل، ثارت نفسي على نفسي غضبا وخجلا؛ لأن ذلك في حقيقة الأمر إن ~~هو إلا بمثابة إخفاء ما أعلمه عن نفسي. # لم أكن شديد الرغبة في أن يزورني أبي في «نيقوبول»، ولم أشأ أن أصف له فخامة العيش الذي ~~كنت أعيشه هناك، حتى لا أعرض أمام عينيه الفاحصتين صورة قد لا يرضاها، ومع ذلك فقد ألححت في ~~رجائي إياه أن ينفق معي بضعة أيام، فوافق على زيارتي ms338 بعد إلحاح، ولما كان يجوب أنحاء منزلي ~~الفسيح بما أمامه من حديقة للزهور وما خلفه من حديقة أخرى للفاكهة، وما له من حظيرة ~~لسيارتي، أخذ يزداد في نفسي شعور القلق والحيرة، وكان كل ما قاله أبي: «إنك تعيش عيش السادة ~~النبلاء.» # واعترتني الحيرة نفسها التي لا يبررها سند من العقل، حين طلب إلي جوازا يدخل به ~~المصنع، فقد كرهت أن يتناول أبي بمعاييره الخلقية القاسية ما لا بد أن يراه من ظروف العمل ~~في المصنع، ومع ذلك فقد اضطرني واجب البنوة أن أوقع له على عدد من جوازات الدخول، ولم أعد ~~أراه إلا قليلا خلال بضعة الأيام التي تلت، ولقد توثقت عرى الود بينه وبين كل من صادفه ~~أثناء تجواله، إذ كان هذا الرجل الرشيق المكتهل بملامحه الدقيقة الواضحة المعالم، وعينيه ~~الشابتين الجادتين، على أتم ما يكون الإنسان ارتياحا، كلما وجد نفسه بين طوائف العمال، وقد ~~كان العمال يقبلونه واحدا منهم في غير تكلف ولا عناء، حتى لقد لبث العمال رجالا ونساء ~~عدة شهور بعد زيارة أبي يسألونني عنه بلهجة تنم عن عاطفة ساذجة صادرة من قلوبهم. ~~-قال لي «دوبنسكي» الكهل يوم أن رأى أبي: «أي رفيقي «كرافتشنكو»، إن أباك رجل لطيف، لطيف ~~حقا، إنه يوحي إلى الإنسان أن يزهى بكونه عاملا يشتغل بساعديه، وفي رأيي أنه يعلم من أمر ~~الآلات ما لا يعلمه معظم مهندسينا.» # فوافقته قائلا في شيء من التكلف: «نعم، فقد كان أول من علمني الصناعة.» # وفي نهاية ذلك اليوم كنت في مكتبي أراجع تصميما مع بعض زملائي، فإذا أنا أسمع ضجة في ~~حجرة استقبالي، ورفعت أمينة سري صوتها: «أنا أسألك أيها المواطن لماذا تريد أن تقابل الرفيق ~~كرافتشنكو؟» # وسمعت صوت أبي يرتفع على صوتها: «أمن شأنك أن تعلمي ذلك؟ أهو حاكم مستبد أم رفيق حتى ~~ليضطر الإنسان أن يتوسل توسلا ليؤذن له برؤيته؟ أليس لديكم ها هنا إلا جوازات للدخول ~~واستئذان قبل المقابلة!» ~~- «إذن فلن آذن لك بالدخول أيها المواطن، فلا بد من طاعة القانون.» ~~- «الله ms339 الله على قانونكم!» صاح أبي بهذه العبارة ثم دفع الباب دفعا ودخل مكتبي، أخجله ~~أن يرى معي ناسا آخرين، لكنه لم يستطع كظم غيظه: «أي نوع من القانون هذا يا فيتيا؟ ما هذا؟ ~~إن الرجل في أيام القياصرة من أسرة «رومانوف» نفسها لم يكن ليتعذر عليه لقاء الرئيس، لكني ~~ألتمس المعذرة، فقد ظننتك وحيدا هنا.» # وقدمت أبي للحاضرين، ثم طلبت إليه الخروج، وكان أبي ممن لا يخطئون بغير التماس ~~المعذرة. ~~- «لقد أبديت شيئا من القحة فألتمس منك العفو عما بدر مني، والحق أن هذه الرسميات كلها ~~وهذه الفوارق كلها التي تباعد بين غمار الناس وبين الموظفين لمما يضيق له صدري ضيقا ~~شديدا.» # فلما أن طمأنته بكلماتي التمس مني مكرمة، وهي أن أتفضل فأطلعه على دفاتر القيد الخاصة ~~بمصنعي؛ لأنه بعد أن شاهد ضروب العمل هناك بضعة أيام أراد أن يعلم كم نؤجر القفالين ~~والخراطين وعمال الكهرباء وغير هؤلاء وأولئك من العمال، كما أراد أن يعلم كم رجلا تمتع ~~باستراحات الحكومة خلال عطلته وبأسباب الراحة الأخرى خلال العام المنصرم، ولما لم تكن هذه ~~المعلومات المطلوبة سرا مكتوما، دققت الجرس أطلب رئيس مكتب القيد وأمرته أن يضع دفاتره ~~تحت تصرف أبي. # ولبثت بعد ذلك عدة ساعات في المصنع، حتى إذا ما عدت إلى الدار وجدت أبي قد سبقني إليها، ~~فلما اجتمعنا على العشاء بدت على وجهه علائم الهموم، لكننا أخذنا نشقق الحديث في أمور ~~مطروقة لا نتعمد اختيارها، غير أني أدركت أن أبي كان قد ادخر في نفسه ما أعد من قنابل ~~فيفجرها في حديث «جاد» نبدؤه فيما بعد، وقد أدركت ذلك في يقين حين اقترح علي أن أصرف ~~«باشا» عن الدار ذلك المساء، وقد أضاف والدي إلى ذلك قوله: «لا حاجة بنا إلى آذان غريبة ~~عنا.» # جلست على أريكة في غرفة مكتبي وأشعلت لفافة وأعددت نفسي لأسمع منه ما يقول. ~~- «وبعد يا أبت، ماذا يشغلك؟» ~~- «لقد لبثت يا بني زمنا طويلا أتمنى الفرصة التي أحدثك فيها حديثا مكشوفا صريحا، ~~إنك عزيز ms340 علي، لا باعتبارك ولدي فحسب، بل كذلك باعتبارك إنسانا شهدته يتفتح خلال أعوام ~~ثلاثين، ومع ذلك فكلما كرت الأعوام ازدادت الصراحة بيني وبينك عسرا، وإن ذلك لعلامة سوء؛ ~~لأنها علامة على المخاوف التي تكتنف حياتنا هذه الأيام.» ~~- «يؤسفني ذلك يا أبت، ولكني أسائل نفسي ترى هل يساير أبي التاريخ في خطاه؟ أعني أنني أشك ~~في أنك لا تزال تحيا في جو عصر غبر.» ~~- «أنا معترف يا «فيتيا» بأنك أغزر مني علما بحوادث السياسة الجارية، فأنت رجل من رجال ~~الحزب العاملين وموظف له خطره في الدولة، إذ تشرف على ألف وخمسمائة عامل، وتدير إنتاجا ~~تقدر قيمته بعشرات الملايين من الروبلات، ومع ذلك كله فأحسبني أكثر منك علما بغمار الناس، ~~العمال منهم والمزارعين، فما أسرع ما يجرف الإنسان تيار الحوادث بحيث لا ينظر إلى غمار ~~الشعب إلا من طرف المنظار الخاطئ، وكان واجبه أن ينظر إليهم من طرفه الآخر، فلديك وفرة من ~~المال وألوان الراحة والسيارات والخدم ...» ~~- «لست يا أبت فيما أرى حقيقا بهذا التقريع، فما سرقت شيئا، إنما هي أشياء أعطانيها ~~نظام الحكم القائم، فتراني مقابل ذلك أعمل أكثر مما يعمل الفلاح.» ~~- «لست أريد لك تقريعا بما قلت، فأرجوك ألا تسيء فهم ما أقول، لكني لا يسعني سوى أن ~~يأخذني الهم خشية أن تكون قد أضعت من قلبك شعور الإخاء مع سواد الناس، ولأقلها في عبارة ~~أصرح: إني أخشى أن تكون من هؤلاء الحاكمين (البيروقراطيين) الذين ترضى نفوسهم كل الرضى إذا ~~ما رأوا أنفسهم رؤساء يتحكمون في أفراد الشعب الروسي الذين لم يسعدهم الحظ.» ~~- «لست أفهم في جلاء ماذا تريدني أن أصنع، فما أنا إلا ترسا ضئيلا في آلة كبرى، الحق يا ~~أبي أني أبذل في العمل جهدا لا يبقي لي من وقتي فراغا ولا من قوتي فضلا بحيث أشغل نفسي ~~بالمبادئ الأولى، إنني في عملي كمن دفن في رمسه.» ~~- «واختصارا فأنت تتحول شيئا فشيئا إلى نعامة تخفي رأسها في الرمال فتختفي بذلك جميع ~~المشكلات، إنك تقول: ليس الخطأ خطئي ولست ms341 أنا بالمسئول عن صيانة إخواني من سائر الناس، ~~وليكن بعد ذلك ما يكون، نعم فلقد شهدت الأيام الغابرة كذلك ناسا من هذا الطراز، إن آلام ~~بني وطنك لم تعد تمس من قلبك الشغاف.» ~~- «استمع إلي يا أبت، لا تحسبن أني غافل عما يقع، أو أني قد أحنيت ظهري للنظام القائم، ~~فأنت على كل حال لا تدري ماذا يدور في نفسي ويدور في نفوس ألوف الألوف من سائر الشيوعيين، ~~ولكن ماذا عسى أن أصنع؟ أأخرج في الطرقات فأصيح: الغوث الغوث! أمسكوا القاتل! وفضلا عن ذلك ~~فلا تنس أن هنالك عناصر إيجابية كذلك، فهنالك مصانع جديدة ومناجم جديدة وسكك حديدية ~~...» ~~- «طبعا يا فيتيا طبعا، لكن الثورات لا تثور من أجل المصانع والسكك الحديدية، إنما تثور ~~من أجل الشعب، إن جوهر الأمر كله هو حقوق الإنسان وما يتمتع به من حرية، وبغير هذه الحقوق ~~وهذه الحريات، بغير هذه الكرامة الإنسانية، فالناس عبيد ولا عبرة بعد ذلك بالصورة التي ~~تحول إليها سجنهم بفعل التحول الصناعي، فأنتم أيها الشيوعيون حين تزهون بالمصانع الجديدة، ~~فإنما تعنون بذلك أن الناس قد حسنت أحوال عيشهم، وإذن فالسؤال هو: هل حسنت أحوال العيش ~~بالفعل لأهل بلادنا؟» ~~- «أظن ذلك لو قورنت حياتهم الآن بما كانوا يعانونه من شقاء أيام القياصرة.» ~~- «فيتيا! لماذا تخدع نفسك؟ ألا تذكر حياتك في بيت جدك وفي بيتي حينما كنت غلاما؟ لم نكن ~~أغنياء، لكننا لم يعوزنا قط الخبز واللبن والثياب الضرورية، بل قد كانت لك ولإخوتك مرضعة ~~خاصة، لقد عشنا عيشا لا يعاب، ولو عدت بذاكرتي إلى الماضي لوجدت حياتنا إذ ذاك حياة مترفة ~~بالقياس إلى حياة أسرة من الطبقة العاملة الآن، كم عاملا له اليوم بيت يسكنه من طراز ~~البيوت التي سكناها؟ إن حياة الجوع والهزال التي تحياها أكثرية الناس اليوم، لم يشق ~~بها في الماضي إلا نفر قليل. # إنني حين طلبت إليك اليوم أرقاما عن مصنعك، إنما فعلت ذلك لسبب، فلأمر ما لا أزال أذكر ~~جيدا ما يقابل هذه الأرقام من أيام ما ms342 قبل الثورة، فالقفالون في نيقوبول يتقاضون اليوم ~~أجرا يتراوح بين مائة وخمسة وأربعين روبلا ومائتين في الشهر، بينما كانوا يتقاضون قبل عام ~~1917م أجرا يقع بين خمسة وثلاثين روبلا وخمسين، وكان الخراط الماهر عندئذ يتقاضى أجرا ~~يتراوح بين خمسة وأربعين وخمسة وثمانين روبلا، وهو اليوم يتقاضى ما بين مائتين وثلاثمائة ~~وخمسين، فلو أدخلنا في حسابنا صنوف العمال الأخرى من قلابين وصهارين وعمال الكهرباء، ~~فمتوسط الأجور اليوم هو مائتان وأربعون روبلا، بينما كان المتوسط خمسة وخمسين روبلا في ~~الأيام الغابرة . # ولقد يحسب من يسمع هذه الأرقام أننا قد صلحت أمورنا، لكن ما حقيقة الروبل في تلك الأيام ~~وما حقيقته اليوم؟ فقد كان الكيلوجرام الواحد من الخبز يساوي خمس كوبكات، # 1 # فماذا يساوي الآن؟ يساوي شيئا يقع بين روبل وعشرين كوبكا وروبلين، ~~والكيلوجرام من اللحم كان يساوي من خمسة عشر كوبكا إلى عشرين، وأما اليوم فإذا وجدت لحما ~~يباع، فالكيلوجرام الواحد منه يساوي اثني عشر روبلا، وهو ما يساوي سعر الماضي ستين ~~مرة! # كم دفعت ثمنا للحلة التي ترتديها؟» ~~- «ثمانمائة روبل.» ~~- «ثمانمائة روبل! هذا أجر عامل صهار ماهر في ثلاثة شهور أو أربعة! أتدري ماذا كانت هذه ~~الحلة تساوي في الأيام الغابرة؟ من خمسة عشر روبلا إلى عشرين على أكثر تقدير، وإذن فهذه هي ~~الصورة أمامك فانظر، ارتفعت الأجور النقدية بحيث أصبحت من ثلاثة أمثال إلى خمسة أمثال ما ~~كانت عليه، وهم يطنطنون بهذه الزيادة على أنها تقدم اقتصادي عظيم، لكن تكاليف العيش لم تزد ~~مقدار خمسة أمثال ما كانت عليه، بل زادت بحيث أصبحت خمسة عشر مثلا بل أربعين بل خمسين ~~مثلا، لقد كان القفال الذي يتقاضى في الماضي خمسين روبلا يعيش في بحبوحة، وهو اليوم يكسب ~~مائتي روبل ويعيش عيش المشردين الأشقياء.» ~~- «لكنك قد نسيت ما يتمتع به اليوم من مزايا: عطلات بأجور ورعاية طبية ومدارس لحضانة ~~أطفاله ...» ~~- «هذا جميل، فلننظر إلى هذه المزايا، إنك تسميها منحات بالمجان، وأنت تعلم أن جزءا ~~كبيرا يقتطع من أجور العمال لتغطية ما تكلفه ms343 هذه المزايا من نفقات، إذ يقتطع من أجر ~~العامل من عشرين إلى خمسة وعشرين في كل مائة مما يكسب، ليدفع رسوم النقابة والقروض ~~الإجبارية وما إلى ذلك، فالعامل في الماضي كان في مستطاعه أن يدفع من عشرين إلى خمسة وعشرين ~~في كل مائة من أجره ليحصل بها لنفسه على ما يريد من معونة طبية وعطلات، دون أن يوضع من ~~الحكومة موضع من أحسن إليه. # لماذا نحتاج إلى دور لحضانة الأطفال؟ لأنه لا يستطيع من الزوجات أن يبقى في الدار لرعاية ~~الأطفال إلا عدد قليل، كان العامل فيما مضى يستطيع أن يعيش مع أسرته عيشا لا بأس به ولا ~~يكلفه أكثر من خمسين روبلا في الشهر، أما اليوم فإن تقاضى مائتي روبل، فلا بد له إلى جانب ~~ذلك أن يرسل زوجته وأبناءه الكبار ليعملوا حتى تتعادل مكاسبه ونفقاته، وأما عن الرعاية ~~الطبية التي يظفر بها العمال، فخير لنا ألا نمسها بحديث، أإذا مرضت يا فيتيا تذهب إلى ~~العيادة الحكومية؟» ~~- «كلا، بل أستعيد الدكتور جوركين عيادة خاصة.» ~~- «طبعا، وهكذا يصنع كل من يستطيع إلى ذلك سبيلا، فأنت تعلم كما أعلم أن السبيل الوحيدة ~~- إن أردت علاجا مفيدا - هي أن تدفع أجرا، فالعناية الطبية، شأنها شأن كل شيء آخر، قد ~~أفسدتها الإدارة المستبدة (البيروقراطية) كما أفسدها عدم الاكتراث، ولكن ما قصة هذه ~~الاستراحات التي يقضي فيها العمال عطلاتهم والتي تطنطن بها الصحافة الشيوعية؟ إن في مصنعك ~~يا فيتيا ألفا وخمسمائة عامل، فهل تعلم كم من هؤلاء قد استفاد بهذه الاستراحات خلال العام ~~المنصرم؟» ~~- «لست أدري، وأظنهم بضع مئات.» ~~- «أخطأت، فقد راجعت الأرقام اليوم ولم أجد في المصنع كله إلا سبعة وخمسين تمتعوا بذلك ~~الامتياز، ومعنى ذلك أن الألف والخمسمائة عامل قد دفعوا كلهم جزءا من أجورهم نظير هذه ~~المتعة، لكن لم يتمتع بها فعلا سوى سبعة وخمسين، وبالطبع كانت الاستراحات مليئة طول الوقت ~~بزائريها، مليئة بالمديرين ورجال الحزب وكبار «الإستاخانوفيين» وغير هؤلاء ممن تخصهم الدولة ~~برعايتها، نعم إني أرى ضرورة التأمين الاجتماعي والعناية ms344 الطبية وما إلى ذلك، على شرط أن ~~تمنح هذه الامتيازات للعمال منحة تنفق عليها الدولة من أرباحها باعتبارها مالكة المصانع ~~والقائمة على إدارتها، أعني الأرباح التي كان يجنيها الرأسماليون فيما مضى، ولا تقتطع ~~النفقات من أجور العمال أنفسهم، وفي هذا وحده أساس الثورة كلها. # لكن أين تذهب أرباحكم؟ إن صناعتكم بل إن اقتصادكم كله ينتهي بكم إلى خسارة، وعلينا نحن ~~المواطنين جميعا أن نسدد هذه الخسارة، إن ما يؤلم يا بني هو أنكم تعطون التوافه ثم تزهون ~~كأنما أعطيتم شم الجبال، إنه ليؤسفني أن أقول: إن التقدم الاقتصادي ضئيل إذا قيس بما ~~بذلناه من أجله وما ضحينا به في سبيله. # إنه لا يصدق ما أنتم زاعموه من حكايات خلقتها أوهامكم إلا الأجانب الذين خلصت نواياهم، ~~وإلا الشباب الذين لم يعيشوا في الماضي ليذكروه، إن الوقائع المادية لا تساوي - فيما أرى - ~~الحقائق السياسية والروحية، لكنكم في دعايتكم لا تذكرون إلا ما أديتموه في عالم المادة؛ ~~ولذلك فأنا أقيس أعمالكم بمقياسكم أنتم للأمور.» ~~- «لو كان كل شيء في الماضي جميلا يا أبت، فلماذا رحبت بالسجن وعملت على إثارة ~~الثورة؟» ~~- «لا تتكلم كلاما فارغا من المعنى! إنك تعلم أني لا آسف على شيء، وأني أعيد كل ما ~~عملته لو عادت الأمور من جديد، لقد جاهدنا لنمحو الشرور، وخاطرنا بأرواحنا في سبيل إزالة ~~الطغيان السياسي والظلم الاقتصادي، وليس معنى ذلك أننا مستعدون أن نفخر بالشرور نفسها إذا ~~ما تغيرت أسماؤها، إن تبرير ألوان العسف القائمة اليوم بيننا على أساس ما كان في ماضينا من ~~شرور لمن قبيل التهريج الشعبي الرخيص.» ~~- «لكن كل شيء اليوم ملك للشعب، وليس بيننا الآن رأسماليون ولا مستغلون.» # وكنت أزداد حرجا في صدري كلما أخذنا في الحديث، وعلة ذلك على وجه الدقة هي أنني كنت من ~~صميم قلبي أوافق أبي على كثير مما قال. ~~- «لا تتظاهر بالغفلة يا فيتيا، إن العامل الذي لا يجد ما يكفيه من قوت، على الرغم من أنه ~~يشتغل هو وبعض أفراد أسرته في كثير من ms345 الأحيان، لا يعنيه في كثير من ذا يستغل جهده، أهو ~~مالك من الأفراد أم هي الدولة، إنه إذا ما سيق إلى السجن فلن يجد العزاء في كونه يساق إلى ~~السجن باسم الشعب الذي هو فرد منه، فمهما يكن من أمر الرأسماليين، فقد كان في مقدوري إذا ما ~~قصر الرأسمالي في أجري أو في تهيئة ظروف طيبة يسير فيها العمل أن أغير عملي، وكذلك كان في ~~مقدوري عندئذ أن أبث ما شئت من دعاية في زملائي العمال، وأن أدعوهم لاجتماعات كيما نعلن ~~احتجاجنا، وأن أدبر الإضراب وأنضم إلى ما شئت من أحزاب سياسية وأنشر ما أعارض به الحكومة، ~~أما اليوم فافعل شيئا من هذا تجد أن قد انتهى بك الأمر إلى معسكر للاعتقال أو ما هو شر ~~منه، صدقني إن زعمت لك أن مجال الحياة كان أوسع نطاقا حينما كان لدينا مائة ألف من أصحاب ~~رءوس الأموال الذين يستخدمون الأيدي العاملة، منه اليوم حين يقوم على أمورنا مخدوم واحد هو ~~الدولة، لماذا؟ لأن الدولة لها جيش وشرطة سرية وسلطان لا تحده الحدود، لقد لبثت طول عمري ~~أكافح الرأسمالية، وما زلت عدوا لها، لكن ذلك لا يعني أن أهلل مكبرا للاشتراكية التي ~~تقوم على رجال الشرطة.» # لم أنبس بكلمة وما وسعني سوى أن أعبس بوجهي. ~~«كان في مقدورنا على الأقل أن ندير في رءوسنا من الخواطر ما نشتهي، فقد كان هنالك أحزاب ~~سياسية كثيرة وشيع وآراء منوعة، وإني لأرى الحكم المطلق الذي كان فيما مضى قائما على الرغم ~~من كل غلظته؛ أراه أكثر سماحة بالقياس إلى ما أشاهده اليوم، نعم كانت الشرطة القيصرية تضرب ~~المضربين، بل كانت أحيانا ترميهم بالرصاص، وكثيرا ما قتلت أو طوحت إلى النفي بالثائرين، ~~لكن ذلك كله كان يتم على نطاق أضيق مما تتم عليه نظائر هذه الأشياء اليوم، فقد كنا نعد ~~المسجونين السياسيين بالألوف وأما اليوم فنعدهم بالملايين، وكان إذا ما وقع بأحد شيء من ~~الإجحاف قابله الناس بالاحتجاج والمظاهرات والاجتماعات الحافلة، أما اليوم فليس في وسعنا ms346 ~~إلا صمت القبور. # خذ ما يسمى نقابات العمال، ما هذه النقابات إن لم تكن أداة جديدة تفرض بها الحكومة ~~أوامرها فرضا، وتستنزف منا ما وسعها أن تستنزفه من مجهود في العمل؟ لقد شهدنا يوما كانت ~~فيه منظمات العمال هيئات تعبر حقيقة عن آراء العمال، فكانت بذلك مدرسة سياسية تعلمنا في ~~رحابها كيف نطالب بحقوقنا ونجاهد في سبيلها، أما اليوم فمن ذا الذي يستطيع أن يرفع صوته ~~باحتجاج كائنا ما كان؟ إن الصحافة التي تتخذ أسلوب المتحدث بلسان الرأي العام، هي اليوم ~~ملك للحزب وملك للدولة، فليست تعكس على صحائفها إلا آراءهم هم. # وشيء آخر يا بني، إنك تعلم أني ما آمنت قط بالدين، لكنني كنت دائما أقدر ما للناس من حق ~~في عبادة الله إن شاءوا، فكم بقي من هذا الحق الآن؟ إذا شاءت لك المصادفة أن تكون ممن ~~يختلفون إلى الكنيسة، فماذا تستبقي لنفسك من احتمال بقائك في منصبك ومضيك في سيرتك العملية؟ ~~إن ذلك يصبح ضربا من المستحيل! # لقد كان للناس حق الرحلة خارج البلاد حتى في أسود عهود أسرة «رومانوف»، أما اليوم فقد ~~أغلقت دوننا الأبواب، وكل من يحاول عبور الحدود يرمى بالرصاص كأنه كلب من الكلاب، ~~لا، بل لا يقتصر العقاب على من يحاولون ذلك، إنما يعدوهم إلى أفراد أسرهم كذلك، أتريد أن ~~تغادر البلاد؟ هيهات! إنكم ها هنا تربطون العمال إلى آلاتهم والفلاحين إلى أراضيهم كأنما هم ~~عبيد.» ~~- «لماذا تحدثني بضمير المخاطب كأن هذه الأشياء كلها مما صنعت يداي؟!» ~~- «عفوا يا فيتيا، لكنك لا تستطيع أن تتنصل من قسطك في التبعة باعتبارك ~~شيوعيا.» ~~- «هل تراني عضوا في القسم السياسي أم تراني رجلا من رجال الهيئة العليا ~~الحاكمة؟ # إنك يا أبي واقعي في كل شيء إلا هذا الأمر؛ لأنك فيما يبدو لي لا تستطيع إدراك الحقيقة ~~الواقعة، وهي أن الشيوعيين المسئولين أنفسهم - ودع عنك سوادهم - هم من ضعف الحيلة بما يصيب ~~سائر أفراد الشعب، بل قد يكونون أضعف من هؤلاء سلطانا.» ~~- «لست أريد الإجحاف بأحد يا ms347 فيتيا فأنا أعلم جيدا كيف يعجز أي فرد كائنا من كان عن ~~تنفيذ شيء إلا في حدود ضئيلة، أنا لا أريدك أن تصيح: «الغوث! أمسكوا القاتل!» لكني على ~~الأقل أحب أن أشعر أن تنشئتي لك لم تكن فشلا ذريعا، وأنك على الأقل عالم بحقائق ~~الأمور.» ~~- «نعم إني عالم بها، بل أكثر علما بها مما تظن، فكن مطمئنا من هذه الناحية، لكنني لا ~~أزال أتلمس للأمل بصيصا، إني أوثر ألا أنظر إلى الأشياء نظرة سوداء، فمثلا أحب ألا أنظر ~~نظرة سوداء إلى الدستور الجديد، فقد نظفر بمزيد من الحرية على كل حال ...» ~~- «وددت لو استطعت مشاطرتك هذا الإيمان، ولكن ما قيمة كلمات على ورق ما دامت الشرطة ~~السرية قائمة تدير الأمور على هواها، وما دامت البلاد لا ترى إلا حزبا واحدا بصحافته ~~وبربه الأعلى - ستالين - وبمحاكمه، وما دام كل رأى مخالف يعد إجراما؟ إني من الكهولة ~~بحيث لم تعد تخدعني الأوهام في حياتي، لو كنت أرى أقل علامة تدل على زوال شيء من الإرهاب ~~القائم، تدل على انبثاق فجر الحرية الصحيحة، لكنت أول من يكبر لها مهللا في فرح صادق، ~~ولكني لم أر بعد علامة تدل على شيء من هذا، إنني يا فيتيا كلما قرأت عبارات زهوكم أو قرأت ~~دستوركم الجديد، لم يسعني سوى أن أذكر هذين البيتين من شعر فولتير: # إنك لن تجد أجمل يدا من هذه ولا أرحم، # هذه اليد التي تسبغ على الناس فقاقيع الصابون. # لا تحسبني مستسهلا هذا الحديث الذي أفضيت به إليك، إنه ليشقيني أن أرى ولدي بين طائفة ~~المستغلين الجديدة، حتى وإن لم يكن هو بمقترف الخطأ، وربما جاء يوم نزداد فيه ~~تفاهما.» # ولقد جاء ذلك اليوم أسرع مما توقع أو توقعت. # الفصل الرابع عشر # | التطهير الأعظم # انفض اجتماع اللجنة المحلية للحزب فاستقللت سيارتي إلى داري، مستصحبا صديقا حميما من ~~رجال الإدارة في المصنع، وكان قد عاد من موسكو صباح ذلك اليوم نفسه حيث اتصل بكثير من ~~الدوائر، فالأرجح أن قد عاد وفي جعبته أخبار، ms348 فقد أعلن عن قرب محاكمة من قبض عليهم ~~وأعني «زينوفيف» و«كاما نيف» وغيرهما من البلاشفة الأقدمين، فأرهفت أذني، كما أرهف سائر ~~الناس آذانهم، لأتسقط كل نبأ جديد، وهل يمكن للخيال أن يتصور رجال «أركان الحرب إبان ~~الثورة» الذين كانوا تحت إمرة «لينين» في أعماق السجون؟! ألا ما أبشعها من فكرة وما أبعدها ~~عن التصديق! # وإذا حكمت بما رأيته في عمال «نيقوبول» كان لي أن أقول: إن غمار الشعب لم يكترث كثيرا ~~لمثل هذا الخلاف الذي دب بين السادة الجدد ؛ لأنه خلاف - في رأيهم - وقع بين أفراد أسرة ~~واحدة وليس لهم أن يتدخلوا في أمره؛ ولهذا لم تتحرك قلوب الناس بعاطفة معينة إزاء ما أصاب ~~زملاء «لينين» من فوادح. # أما أعضاء الحزب، والموظفون الذين لا ينتمون إلى الحزب، ورجال الصفوة الحاكمة بصفة عامة، ~~فقد تحركت نفوسهم من أعماق أعماقها؛ ذلك أن «حراس لينين القدامى» لبثوا حتى ذلك العهد مصونة ~~حياتهم من أيدي الفاتكين، فللناس أن يقللوا من شأنهم، أو أن يطرحوا بهم إلى مطارح النفي أو ~~أن يكيلوا لهم أشنع التهم، أما حياتهم فكانت فوق متناول الأيدي العابثة، حتى «ليون تروتسكي» ~~نفسه - بعد أن خبا نجمه - لم يصبه سوى أن أبعد إلى «ألما آتا» في وسط آسيا، ثم نفي ~~إلى تركيا، أما الآن فرجل مثل «جورج زينوفيف» الذي كان يوما رئيسا ل «الشيوعية الدولية»، ~~والذي كان خطاب منه (وربما كان الخطاب مزورا) كافيا لتحويل الاتجاه في الانتخابات في ~~إنجلترا، مثل هذا الرجل هو الذي يحاكم الآن علنا بتهمة الخيانة العظمى! فليس من سبيل إلى ~~الشك في أن هذه لم تكن بوادر عاصفة محلية فحسب، بل بداية إعصار سيجتاح الحزب كله والهيئة ~~الحاكمة كلها والبلاد كلها، تاركا وراءه أثرا عميقا من الموت والخراب. # قال لي صاحبي في صوت خفيض خشية أن يسمعه السائق أمامنا: «فكتور! ألك عنق قوي؟» ~~- «ماذا تعني؟» ~~- «أعني أنه لن يمضي طويل زمن قبل أن تطاح رءوس كثيرة عن أجسادها.» ~~- «لكن ماذا عسى أن يصيب رأسي؟ لست من المعارضين ms349 ولم أكن قط معارضا، بل إني لألزم عملي ~~لا أتزحزح عنه ولا أتدخل في السياسة.» ~~- «ألا بارك الله من كان في مثل إيمانك، عش وازدد علما.» # كان في ألفاظه رنين التهكم، لكن لهجته كانت جادة على نحو تنفطر له القلوب. ~~- «دعنا نسر بقية الطريق، فالليلة جميلة قمراء.» قلت ذلك لصاحبي غامزا إياه بمرفقي، ~~فأخلينا سبيل السيارة؛ لأن الحديث لا يبلغ من الأمان ما يبلغه أثناء المشي، ما دامت البلاد ~~قد ركبت لجدرانها آذانا تسمع وتسجل، وما دامت الكثرة الغالبة بين سائقي السيارات تعمل إلى ~~جانب وظيفتها تلك عمل مخبرين للشرطة السرية. # سألت صاحبي: «ماذا هناك؟ حدثني لا تخف عني شيئا.» ~~- «إن موسكو مقلوبة رأسا على عقب، ويقال: إن لننجراد ليست بخير منها، فالناس يقبض ~~عليهم بالألوف، ولم يعد في الأمر إخفاء، فترى الشيوعيين ومن لا ينتمون إلى الحزب سواء ~~بسواء، ينتزعون عن مكاتبهم انتزاعا على مرأى من كل إنسان. لقد قصدت إلى ستة أو نحو ذلك ~~من قادة الحزب، وممن أقصد إليهم كلما ذهبت إلى موسكو، فلم أجد لهم أثرا، إذ اختفوا على نحو ~~يكتنفه الغموض، فرجال القسم السياسي قد صعدوا إلى قمة السلم وأخذوا يطيحون برءوس القوم ~~وأصحاب المناصب العليا ومديري الأعمال الصناعية والجماعية بل ببعض من يعملون داخل الكرملن ~~نفسه. # إن كل إنسان تعلوه الكآبة ويجمد من الفزع، وكل إنسان تراه كأنما أصابه شلل، وتعتقد طائفة ~~من الرفقاء أن «زينوفيف» و«كامانيف» سيقتلان وأن كثيرا غيرهما سيلحقون بهما. ليس من ~~اليسير على عقل أن يصدق هذا الذي أقول، فليس له معنى يفهمه عاقل، لكنه الواقع! سيعاملوننا ~~بمثل ما عاملوا به أصحاب الأراضي الزراعية والروس البيض.» ~~- «من ذا يكون أول اللاحقين؟» ~~- «لا علم لي بما لا تعلم، لكني أرجح ألا يفلت منا أحد، أعني أن كلا منا ستطويه سحابة ~~الغموض، إن اثنين من مهندسينا - ذكر اسميهما - قبض عليهما ليلة أمس، وهذا مفروض فيه أنه ~~سر مكتوم، إذ أمر المدير «براتشكو» أن يبعث بهما إلى موسكو في قطار معين، لكنهما لما ms350 ~~بلغا من الطريق محطة «زبرزهي» نقلهما رجال القسم السياسي وقذفوا بهما في سيارة هناك، لقد ~~شاءت المصادفة لصديق من أصدقائي أن يكون ساعتئذ في المحطة فيرى كل ذلك، إن الأمور ستجري ~~بعد الآن جريا سريعا فافتح عينيك تشهد!» # وحدث فعلا أن سارت الأمور سيرا سريعا، فما كدت أبلغ المصنع في الصباح التالي حتى أسر ~~إلي أحد مساعدي نبأ المهندسين اللذين قبض عليهما، فسرعان ما شاع هذا النبأ في أرجاء ~~المصنع كله كما تشيع «أسرار» السوفيت في كثير من الأحيان، وفي غضون الصباح جاءتني رسالة ~~تليفونية من «لنسكي» الأمين الثاني للجنة الحزبية الخاصة بالمصنع، وطلب إلي الذهاب إليهم ~~رأسا، فلقد كان «لنسكي» هذا معروفا بقسوة قلبه على الرغم من حلاوة حديثه ونعومة مظهره ~~ووداعة محياه التي تبديه في مظهر المعلم الريفي. # بدأ حديثه معي قائلا: «أيها الرفيق كرافتشنكو، أريد استشارتك في أمر غاية في الدقة، يخص ~~«أركادي لمانسكي»، فقد راقبت عمله وتزاورتما في منزليكما، أفلم يحدث قط أن حادثك في أمور ~~سياسية؟ ألم يحدثك قط عن ماضيه السياسي في لننجراد مثلا؟» ~~- «كلا، فلم نكد نتحدث في شيء غير العمل، فمصنعه ومصنعي يتعاونان إلى حد كبير في العمل، ~~وذلك ما ينشئ الصلة بيني وبينه، لكني لا أذكر أن قد دار بيننا حديث في السياسة ~~أبدا.» # وكان هذا الذي قلته صوابا في أساسه، ففي ظل الحياة السوفيتية قل من الناس من تجمع ~~بينهم ظروف العمل بحيث تبلغ بهم صلات الود حدا يبيح لهم أن يتبادلوا الرأي في الأمور ~~«الدقيقة»، ولم نبلغ هذا الحد من صلات الود، أعني نفسي «ولمانسكي»، لكن «لنسكي» لم يرضه ~~قولي، ولست أشك أبدا في أنه سجل في ذاكرته أني «أستر» رجلا مشتبها في نقاء مذهبه، ~~وأبلغني إذ ذاك أن مكتب الحزب سيجتمع ذلك المساء ليبحث في «أمر لمانسكي»، وحذرني ألا أبوح ~~بما استشرت به في ذلك الأمر حتى يحين موعد ذلك الاجتماع. # وجاء «لمانسكي» إلى اجتماع ذلك المساء في روح مرح، ولم يدر في خلده قط أن المهمة التي ms351 ~~من أجلها استعجل الاجتماع خاصة به، كان «لمانسكي» هذا رجلا مليئا في نحو الخامسة ~~والثلاثين من عمره، به شغف خاص بحسن الهندام، وقد حدث له ذات مرة أن غادر البلاد في مهمة ~~رسمية لشراء أشياء من ألمانيا، فأصبح منذ ذلك الحين يميل بخياله إلى أن يعد نفسه رجلا ~~وطنه العالم، ولم يخل من ازدراء الأفق الضيق السائد في «نيقوبول» الذي ينحصر في حدود الوطن ~~الواحد. # كانت قاعة الاجتماع معبأة بدخان التبغ، وكان رئيس الاجتماع هو «لنسكي»، وجلس إلى جانبه ~~رجل غريب عنا بدين من كثرة ما أكل، حليق الرأس بحيث لم يبق من شعره إلا ما يقرب من جذوره، ~~ويعلو محياه عبوس ظاهر، وعلى الرغم من أنه كان يرتدي حلة مدنية، فإن حركاته في سرعتها ~~وحسمها قد كشفت فيه عن شرطي منقوع في مهنة الشرطية، ولقد أمسك بحقيبة أوراقه على فخذيه وشدد ~~عليها قبضته بحيث يشعر الرائي أن مثل هذه الحقيبة إنما احتوت على شر بالنسبة إلى بعض ~~الناس. # قال لنسكي: «أيها الرفاق، بدأت جلسة مكتب الحزب، ولدينا في جدول أعمالنا الليلة موضوع ~~واحد: هو موضوع رئيس لفرع من فروع المصنع وعضو شيوعي، ألا وهو «أركادي فاسيلفتش ~~لمانسكي».» ~~- «أنا؟» بهذه الصرخة صاح لمانسكي واقفا على قدميه، وشاعت على وجهه ابتسامة فيها بلاهة، ~~فقد كانت الضربة من المفاجأة بحيث لم يظهر أثرها فورا. ~~- «نعم أنت! اجلس حتى ينادى اسمك.» # فهبط لمانسكي في استرخاء حتى جلس على كرسيه، وخيل إلى الرائي أن وجهه قد طارت عنه كل ~~نقطة من دمائه، وأخذ يمسح جبينه بمنديله. ~~- «أعند أيكم يا رفاق ما يعلق به على موضوع البحث؟» فلم يجب أحد. ~~- «إذن فما دامت هذه هي الحال، فقف يا «لمانسكي» وقص علينا أنباء مناشطك، وخصوصا حين ~~كنت في لننجراد.» # وكان «لمانسكي» المسكين عندئذ قد انتهت به الحال إلى رعشة كأنه محموم يعاني أعنف ضروب ~~الحمى، إنه رجل إذا ما تركته على فطرته ألفيته ذرب اللسان واثقا بنفسه، لكنه فجأة لم يكد ~~يجد في نفسه القدرة على ms352 متابعة الحوادث، فأخذ يتلعثم وينعرج بالحديث في سيرة حياته، فيذكر ~~حقيقة من هنا وحقيقة من هناك، ثم يعود من حيث بدأ، فكان في اضطرابه هذا يذكر من الوقائع ما ~~ليس له علاقة بالموضوع، ومن قبيل ذلك أنه أشار إلى زواجه، فاشتد قلق الغريب. # قال الغريب: «ليس يعنينا من أمور حياتك الخاصة شيء، إننا نريد أن نسمع عن ماضيك ~~السياسي.» ~~- «ليس ماضي السياسي بسر مكتوم يا رفاقي ... فقد بسطته مائة مرة ... أما عن لننجراد فقد كنت ~~عندئذ على شيء من التردد ... لقد اعترتني ذبذبة واختلطت ببعض أنصار تروتسكي، ليس ذلك سرا، ~~وقد تفضل الحزب علي وعفا عني، نعم، لقد وثق في الحزب وكان لي بعد ذلك صفحة مجيدة، ولكم ~~أن تسألوا في ذلك من شئتم من الحاضرين، وفضلا عن ذلك يا رفاقي فقد وقع هذا كله منذ أمد ~~بعيد ...» # فقال «لنسكي» في نغمة الساخر: «منذ أمد بعيد! كذلك كان الدنس الذي اقترفه «زينوفيف» ~~و«تروتسكي» وغيرهما من وحشي الكلاب، كان هذا كله منذ أمد بعيد، مثل هذا الدفاع لن يفلح بعد ~~اليوم في نجاة أعداء الشعب، خبرني يا «لمانسكي»، ألم يحدث أبدا أن هاجمت في كلامك اللجنة ~~المركزية وزعيمنا المحبوب الرفيق ستالين؟» ~~- «كلا، بالطبع لم أفعل مثل ذلك.» # وهنا أشار «لنسكي» بأصبعه إلى الشرطي فأخذ هذا يهدر كالرعد قائلا: «أيها المواطن ~~لمانسكي، إنك تخدع الحزب خداعا جريئا، ألم تنطلق بلسانك مهاجما لبعض العاملين من رجال ~~الحزب في اجتماع عقدوه في إقليم «ن» ... في أغسطس؟» # كانت مخاطبته بكلمة «مواطن» بدل «رفيق» مما ينذر بسوء. # وتمتم «لمانسكي» في جوابه قائلا: «نعم، إني لآخذ في التذكر الآن.» قال ذلك ممسكا بكرسي ~~ليثبت جسده في وقفته. ~~- «خير لك أن تتذكر ما هو أكثر من ذلك، فمن ذا عرفت في لننجراد ممن كانوا مثلك قد ~~«اعترتهم ذبذبة» و«كانوا على شيء من التردد»؟» ~~- «من الصعب أن أتذكر هذا ... بعد أن انقضت أعوام طوال، ولكن انتظر فلعلي أتذكر شيئا.» ~~وهنا ذكر ما يقرب من ستة أسماء. ~~- «وأين هؤلاء الأجلاء ms353 اليوم؟» ~~- «لا أعلم عنهم شيئا ... أظنهم يعملون.» ~~- «إذن فسأنبئك بأمرهم، إن كل من ذكرت مقبوض عليهم، وأريد أن أسألك هذا السؤال قبل أن ~~أنساه: هل وقعت معهم عريضة تعارضون بها الحكومة؟» ~~- «كلا ... أريد أن أقول: إنني لا أظن أني فعلت ذلك.» ~~- «إذن فاسمح لي بأن أجدد لك ما ضاع من ذاكرتك، فها هنا صورة شمسية، تعال فانظر إليها، ~~ربما تعرف هذا، أليس هذا توقيعك أنت؟» # نظر «لمانسكي» إلى الورقة ثم عاد إلى مقعده يتعثر في مشيته كأنه أعمى. ~~- «لكنك لا تتذكر، ألم تقل ذلك؟ إن ذهنك مشغول بأنباء زواجك وأخبار رحلتك إلى برلين بحيث ~~لا تستطيع أن تتذكر، أليس كذلك؟» ~~- «لقد كانت هذه عريضة خاصة، ولم تكن سياسية بأي معنى من معاني الكلمة، وحدثت منذ أمد ~~بعيد ...» # دام استجواب المتهم حول نصف الساعة، ولما كان «لمانسكي» قد ضعفت روحه المعنوية أثناء ~~الاستجواب، فقد أنكر بعض الحقائق التافهة دون أن يكون هنالك ما يضطره إلى الإنكار، ثم عاد ~~إلى إثباتها حين ووجه بالبراهين، فعلى الرغم من أن كل ما ذكر من مفردات كان في ذاته ~~تافها، فإن المفردات حين تجمع بعضها إلى بعض، وحين قرأها الشرطي بالنغمة التي تهول من ~~أمرها ثم تبعه «لنسكي» في ذلك، تكون من مجموعها في نهاية الأمر شيء ذو خطر. وأعقبت ذلك ~~مناقشة من النظارة كان فيها شيء من التكلف، فقد نهض أفراد يدافعون عن المتهم، كما نهض أفراد ~~أكثر من هؤلاء عددا يكيلون له التهم، وأخيرا أصدرت اللجنة المجتمعة حكمها بإجماع أعضائها ~~ومؤداه أن يطرد المتهم من الحزب وأن يطلب إلى اللجنة المحلية أن تؤيد الحكم، وغادرنا ~~المكان دون أن ينبس منا أحد ببنت شفة، بل اجتنبنا النظر بعضنا إلى بعض. # ولما كنت في طريقي إلى داري رأيت ضوءا خلال نافذة مكتب «لمانسكي» فحفزني حافز أن أدخل ~~دون أن أطرق الباب، فوجدته جالسا إلى مكتبه وقد غمس وجهه في راحتيه وأخذت كتفاه العريضتان ~~تهتزان بفعل العبرات التي حبسها دون السكوب، لقد كان منذ ساعة واحدة ms354 موظفا له سطوته وثقته ~~بنفسه، ولم يكن يخلو من مسحة خفيفة من عنجهية الحاكمين، فإذا هو ينقلب بغتة إنسانا محطما ~~يدعو إلى الإشفاق. # نظر إلي في دهشة وقال: «فكتور أندريفتش؟ أشكر لك دخولك الآن، هذه هي النهاية! طرد ثم ~~حبس، ثم ماذا؟ زوجتي ... أواه يا رباه! إنه لخير لي أن أزهق روحي بغدارتي.» # لم يجد معه عزاء، وهو في ذلك مصيب، فسرعان ما أيدت اللجنة المحلية الحكم عليه بالطرد، ~~ثم ما هو إلا أن نقل إلى منصب صغير في مصنع بخاركوف، ولم يمض بعد ذلك طويل وقت حتى ~~ألقي القبض عليه، ولم يعلم أحد في «نيقوبول» بعد ذلك ماذا كان مصيره. # وحدث بعد ذلك أسبوع أو أسبوعين من ذلك الوقت أن كان لي عمل مع مساعد «براتشكو» وهو رجل من ~~رجال الحزب يدعى «ألكسي سوخين»، فدخلت بخطى سريعة في غرفة استقباله وكنت على وشك أن ~~أدخل مكتبه، لولا أن أوقفتني أمينة سره. ~~- «أرجوك الانتظار أيها الرفيق «كرافتشنكو»؛ لأن الرفيق «سوخين» جد مشغول.» ~~- «وأنا مشغول كذلك.» قلت ذلك في غضب واقتحمت المكتب داخلا. # لكني وقفت فجأة عند عتبة الباب؛ إذ رأيت «سوخين» جالسا إلى مكتبه وإلى جانبه «جرشجورن» ~~البدين وهو يتندى من العرق، وأخذ يلوي شفتيه في سخرية، وهي حركة كثيرا ما تلازمه، ثم رأيت ~~عن يمينهما وشمالهما صفا من المهندسين، يقرب عددهم من عشرة أو اثني عشر، ولم يكن بينهم من ~~أعضاء الحزب إلا قليلون، هنا أخذني الارتباك فألقيت تحيتي على الجميع، لكن لم يرد التحية ~~إلا «سوخين»، وبعدئذ لحظت أربعة من رجال القسم السياسي في حللهم الرسمية واقفين في حراسة ~~المهندسين. # انسحبت في ارتباك وأخذت سمتي فورا إلى مكتب «براتشكو». # فسألته: «ما الخبر يا بيوتر بتروفتش؟» ~~- «لم أعد أفهم شيئا عن شيء، اثنا عشر رجلا في يوم واحد! وثمانية أمس! فإن صار الأمر ~~على هذا المنوال ... إن رأسي يدور يا فكتور أندريفتش.» # ولقد كان يبدو على «براتشكو» وكأنه اكتهل بين عشية وضحاها، فاتسعت عيناه على نحو شاذ ~~وترنح من ms355 قلة النوم. # غادرت مكتبه وذهبت إلى قسم السجلات لأبحث عن أرقام كنت بحاجة إلى معرفتها، ولبثت في ذلك ~~القسم عشر دقائق، ثم حدث فجأة أن صاح كاتب كان يجلس بجوار النافذة صيحة مذعورة: «يا إلهي! ~~انظر إلى ذاك!» فاندفعنا جميعا إلى النوافذ وإذا إحدى عربات القسم السياسي القاتمة المغلقة ~~واقفة أمام البناء، وهي عربة مما يسميه الناس «بالأفاعي السود»، ورأيت المهندسين والفنيين ~~الذين كانوا يملئون مكتب «سوخين» رأيتهم عندئذ يتقاطرون خلال الباب إلى الخارج، فأخذ رجال ~~الشرطة السياسية يقذفون بهم في جوف العربة واحدا في إثر واحد، وهم شاهرون مسدساتهم. # وبينا نحن وقوف نشاهد، سمعنا صرخة جنونية تنبعث من امرأة، ثم ساد السكون من جديد، وكان ~~الذي حدث هو أن زوجة أحد هؤلاء الرجال، وهي عاملة في المصنع أيضا، ذهبت إلى النافذة لتنظر ~~مع الناظرين دون أن يدور بخلدها قط أنها سترى زوجها بين المسجونين، فكان اقترابها من ~~النافذة في نفس اللحظة التي يلقى فيها زوجها في جوف «الأفعى السوداء» فصرخت ثم سقطت ~~مغشيا عليها. # ولما تمت تعبئة العربة بالمهندسين، أغلق بابها إغلاقا كان له صوت مسموع، ثم سارت، وركب ~~«جرشجورن» وزملاؤه في عربة أنيقة من عربات السياحة، وساروا بها في إثر عربة المسجونين، ووقف ~~عشرات من الناس بجوار نوافذ المكتب ينظرون في دهشة إلى آثار العجلات التي تخلفها السيارتان ~~وراءهما على سطح الأرض المثلوج. # وكان بين عمال مصنعي يهودي ألماني شيوعي لاذ بالفرار إلى الروسيا بعد اعتلاء هتلر مقعد ~~الحكم، وهو رجل ضئيل نحيل شاحب اللون يسمى «زلمان»، وكانت تذكرته الحزبية قد استردها منه - ~~لسبب ما - المكتب الشيوعي الدولي في موسكو؛ إذ الشيوعيون الأجانب قلما يوثق بهم في مقر ~~الشيوعية، وإخلاصهم لستالين دائما موضع شك. وكان «زلمان» هذا هادئا منطويا على نفسه ~~وكأنما كان في ذعر متصل، تزوج من فتاة سوفيتية وبدت عليه علائم الرضى عن حياته في ~~«نيقوبول»، وقد كان موضع ثقتي الكبرى في تعليم العمال الجدد؛ لأني وجدت فيه رئيسا للعمال ~~على درجة من المهارة نادرة المثال. ms356 # ونودي «زلمان» ذات يوم إلى مقابلة رجال القسم السياسي، فلما عاد بعد ساعات كان مصفر الوجه ~~اصفرارا شديدا كمن يرتعشون من خوف، واستحال فيه الحياء المألوف إلى فزع مميت، وأنبأني في ~~روسيته الضعيفة أن قد صدرت له الأوامر أن يغادر البلاد من فوره عائدا إلى ألمانيا! ~~- «ساعدني أيها الرفيق كرافتشنكو، هل تعلم ما معنى أن أؤمر بالعودة إلى ألمانيا؟ فلست ~~يهوديا فحسب، بل إني شيوعي كذلك، ولست شيوعيا فحسب بل إني يهودي كذلك، قل لهم يرسلوني ~~إلى سيبيريا أو إلى السجن، لكن لا يرسلوني إلى ألمانيا، لا يرسلوني إلى ألمانيا!» # لم يعد «زلمان» إلى العمل بعد ذلك اليوم، وتقصيت الأخبار فلم أجد من يعلم شيئا علم ~~اليقين سوى أن اللاجئ الألماني وزوجته قد أبعدا عن «نيقوبول». # إن ذاكرتي لتنوء تحت حملها إذا ما تذكرت الأشهر الأخيرة من عام 1936م قبل أن يدفع بنا إلى ~~التيار الجارف من عوامل الكبت التي ألمت بنا، وها أنا ذا أروي لك حكايات قليلة أستخرجها ~~كما اتفق من مجموعة ما حدث إذ ذاك عن تداخل حوادث ذلك العهد واضطرابها، ها أنا ذا أعرض ~~نتفا من أنقاض عالم فقد توازنه وخيل إلينا أنه ينحل ويتهافت حين أرسلنا إليه البصر في ~~فزع شديد. # لست أدري لماذا ترسخ على صفحة ذهني ذكرى المهندس «ستسفتش»، ثم لا أذكره أبدا دون أن أذكر ~~معه أمه، وهي تلك المرأة العجوز النحيلة الحلوة القسمات، وقد كان «ستسفتش» وأمه وزوجته ~~الجميلة من أصل بولندي، ولما كان هذا المهندس تقوم في وجهه عقبات قد لا يقوم مثلها في وجه ~~غيره، وهي أنه لم يكن من أعضاء الحزب، ثم كان من أصل بولندي، فقد اجتنب السياسة وأخلص لعمله ~~فأحسنه وأتقنه، ولم يخالط زملاءه إلا قليلا. # وجاءني ذات يوم رجل من رجال «جرشجورن» يسألني عن عمل «ستسفتش»، فعرفت أن الرجل في خطر، ~~ولم أجد ما أقوله عنه إلا الثناء، لا يحدوني في ذلك إلا كل إخلاص، وقد كانت هذه نقطة أخرى ~~سوداء في صحيفتي عند القسم ms357 السياسي، فرفض «التعاون» معهم في الحملة التي شنوها على ~~«المخربين» كان هو التهمة الأساسية الرئيسية التي أخذوها علي، ولم يلبثوا بعد ذلك أن ~~قبضوا على البولندي، وأخرجوا أمه وزوجته من مقر سكناهم. # وكنت ذات مساء في طريقي إلى «نيقوبول» في سيارتي، فرأيت أمامي في الطريق، على بعد ثلاثة ~~كيلومترات من المدينة، امرأة عجوزا احدودب ظهرها وأخذت تدب في سيرها خطوة وراء خطوة، وتحمل ~~في يدها حزمة، فلما حاذيتها بسيارتي تبينت أنها أم «ستسفتش»، فأوقفت السيارة ودعوتها ~~للركوب ، على الرغم من علمي بما يتهددني من خطر إذا ما أبديت شيئا من الرحمة إزاء من حكم ~~عليه قانون البلاد، فهذه امرأة والدة رجل «أخرجه القانون» فضلا عن أنه كان منهما بالتجسس ~~لبولندا، لكنني لم أبال بذلك كله حينئذ، فلم يكن يسعني إلا معاونتها على الطريق بسيارتي ~~حتى لو كان عقاب ذلك هو الموت. # قالت: «شكرا، شكرا، يا «فكتور أندريفتش» لا أرى الله أمك من العذاب ما ألاقيه، ولا حكم ~~عليك الله أن تعاني ما يعانيه الآن ولدي، أنا الآن في طريقي إلى القسم السياسي، وسأظل هناك ~~واقفة أنتظر، فقد يأذنون لي بإرسال هذه الحزمة إلى ابني، إن النساء الأخريات قد أخبرنني أنه ~~سيكون بين طائفة سيشحنونها في سفينة إلى «دنيبروبتروفسك اليوم». # فلما وصلنا المدينة ألحفت في طلبها أن تنزل عن سيارتي حتى لا تكون سببا في متاعبي، ~~فالتفت إلي السائق وقال: «أيها الرفيق الرئيس، قد أكون كلبا دنيئا لا يمسك في نفسه ~~شيئا يراه أو يسمعه إلا بلغه، أما الآن فصدق أو لا تصدق، ها أنا ذا أقسم لك بأمي أنني لن ~~أبلغ عنك هذه المرة، إن أمي امرأة ساذجة وليست هي بالسيدة الأنيقة مثل هذه السيدة لكني ~~أحبها، وعلى كل حال فإني أشكرك يا «فكتور أندريفتش»، أشكرك شكر روسي لروسي.» # ولما أقبلت أعوام محنتي لم تؤخذ علي هذه الحادثة قط، ولو أنني ووجهت بما هو أقل منها ~~خطرا مما اقترفت من «جرائم»، فقد يظهر أن السائق كان هذه المرة عند وعده. ms358 # كان كلما مضى يوم ازداد الجو في المصنع الجماعي بنيقوبول إجحافا على إجحاف، فقد «نقل» ~~كوزلوف - أمين الحزب - إلى مدينة «كريفوارج»، ولم نلبث أن سمعنا بأن القبض قد ألقي عليه ~~هناك، وأخذ يختفي عنا موظف إداري بعد آخر، فلا يظهرون في مقار مناصبهم بحجة «المرض»، وهذا ~~المرض المزعوم كان يتبين لنا مع الأيام أنه مرض لا يزول. # وكان غمار العمال بادئ ذي بدء يتخذون موقف من ينظر إلى هذه الأعمال الغريبة على أنها ليست ~~تدخل في نطاق اهتماماته، لكن موقفهم تغير حين أخذ يختفي عن أبصارهم رجال ونساء ممن يتصلون ~~بهم اتصالا وثيقا، ممن يشتغلون معهم في سلك واحد هو سلك العمال، تغير موقفهم لأن الأمر لم ~~يعد الآن كما كان، وأخذ الفزع يضرب بجذوره عميقا حتى كان له أكبر الأثر في كميات الإنتاج، ~~إذ تحطمت الروح المعنوية في المصنع تحطما ملحوظا. # فلما انعقدت جمعية خاصة من أعوان الحزب في نيقوبول، ذهبنا إلى الاجتماع بقلوب يائسة، ~~وهناك فحصت أوراقنا عند الباب فحصا دقيقا، مع أننا كنا نعرف بعضنا بعضا معرفة ~~الصداقة، لكن معنى الزمالة القديم لم يعد له وجود في مثل تلك الاجتماعات، ولو حدث مثل هذا ~~الاجتماع قبل ذلك ببضعة أشهر لسمعت صيحات الترحيب عالية «أهلا أهلا بالرفيق كرافتشنكو!» ~~«يا مرحبا بزميل الحرب القديم!» ولرأيت كذلك الزملاء يتبادلون في ود الأصدقاء ما يعرفون من ~~إشاعات وحكايات وأخبار العمل وسياسة الحزب، أما الآن فلم تشهد على الوجوه إلا رزانة قلقة، ~~وأخذنا نبعد أحدنا عن الآخر كأنما يجتنب كل منا عدوى المرض من زميله، وإنك لتكاد تسمع ~~الخواطر تدور في رأس كل منا قائلة له: «انج بنفسك! انج بنفسك! اجتنب جيرانك!» # رأيت الرفيق «برودسكي» - أمين اللجنة المحلية - وهو من عهدته حاسما جم النشاط، فوجدته ~~اليوم يبدو كأنه لم يذق طعم النوم أمدا طويلا، فعيناه منتفختان، ويداه مرتعشتان، وصوته ~~متهدج أجوف كأنه يتكلم خلال مزمار، ولم يشك منا إلا قليلون بأن ذلك الاجتماع سيكون آخر ~~اجتماع يشهده «برودسكي»، وأن هذا الرجل القوي ms359 الفوار لن يطول به العهد قبل أن يرمي نفسه في ~~«زنزانة» القسم السياسي، ومعه معظم هؤلاء الذين يجلسون معه الآن على منصة الرياسة. # وأعلن «برودسكي» أننا قد دعينا لهذا الاجتماع لنسمع خطابا سريا من اللجنة المركزية ~~في موسكو، وقرأه على مهل قراءة فيها عاطفة يبين فيها ما أراد بقوة أن يبينه من موافقته ~~التامة على ما جاء بالخطاب، موافقته التي لا قبل له بنقضها، وكان ذلك قبل الحكم على ~~«زينوفيف» و«كامانيف» وسائر إخوانهما فإعدامهم جميعا، وإذن فالظاهر أن هذه الرسالة التي ~~جاءتنا من موسكو إنما أريد بها أن تهيئ أعصاب رجال الحزب لهذه الصدمة، وأن تبث الخوف في ~~كل قلب قد يدفع صاحبه إلى القلق والشك. # وجاء في الخطاب المذكور أنه «قد نهض البرهان» على أن الشياطين من أنصار «تروتسكي» ~~و«زينوفيف» قد اتحدوا في عراكهم ضد السلطة السوفيتية مع الجواسيس الأجانب كما اتحدوا مع ~~مثيري القلاقل وأصحاب الأملاك القدماء والمنشقين والبيض والمخربين وأعوان الرأسمالية؛ ولهذا ~~وجب على كل أعضاء الحزب أن يدركوا تمام الإدراك ما نحن بحاجة إليه من يقظة قصوى ... ثم ورد في ~~الخطاب كذلك أن برهان البلشفي الصادق في عقيدته سيكون منذ الآن قدرته على استخراج أعداء ~~الشعب الذين يتخفون وراء تذكرات الحزب ثم التشهير بأمرهم في غير رحمة ... لم يعد لدينا مجال ل ~~«التسامح الكريه» أو ل «الرقة البرجوازية». # وهكذا كان مضمون الرسالة جليا واضحا، فسرت في الحاضرين رعشة الفزع، فكما كنا فيما ~~مضى نبحث عن «الأعداء» بين صفوف الشعب، وجب علينا اليوم أن نبحث عنهم بصفة خاصة بين صفوفنا ~~نحن! وسيكون مقياس الجدارة بعد اليوم هو عدد من توجه إليهم التهمة من زملائك ~~الأقربين. # أما الضعفاء الرعاديد الذين يقدمون صداقاتهم الخاصة على مصلحة الحزب فسيلقون جزاء هذا ~~التذبذب. # وأخذ «برودسكي» يتحدث في تفصيل شديد عن أهمية الأوامر السرية، وراح يكيل لستالين الصفات ~~كأن حياته نفسها كانت تتوقف على عدد الصفات التي يمكن خلعها على ستالين وعلى فخامة مدلولها، ~~فجعل يمدح ستالين العبقري، شمس وطننا الاشتراكي، الزعيم ms360 الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه، فغرزت أظفاري في راحتي لأجتذب لهما دما. # وطلب بعض الحاضرين الكلام ليتهموا أنفسهم وحزب نيقوبول ب «التقصير في اليقظة الواجبة» وب ~~«التراخي إزاء الخطر الداهم»، وعم الهرج بسبب الرفقاء الذين تحرقوا شوقا للإعلان عن أنفسهم ~~وللحط من قدر أنفسهم، لكي ينقذوا أنفسهم، وبينا نحن في معمعان هذا الفيض الدافق من وحل ~~الخطابة المفحشة، إذا حركة عند الباب؛ فلوينا أعناقنا جميعا لنرى. # وصل «الرفيق هاتايفتش » أمين اللجنة الإقليمية، وعضو اللجنة المركزية الرئيسية التي تضم ~~أجزاء الاتحاد جميعا، وكان يخطو في الممشى سائرا نحو المنصة، ويحيط به رجال من الشرطة ~~لحراسته، فكان هذا جانبا جديدا، بل لعله أشد الجوانب تحريكا للفزع في النفوس، حراس ~~ومسدسات في اجتماعات الشيوعيين العاملين! حراس ومسدسات تحمي الزعماء من «صفوة الصفوة» من ~~أبناء الأمة! # كان الإجهاد يبدو على «هاتايفتش»، فكان وجهه رخوا تظهر عليه خطوط عميقة، وصوته يخيل ~~إلى سامعه أنه آت من مكان بعيد، خطب فينا خطبة تساير النقط الأساسية الواردة في خطاب ~~موسكو، لكنه لم يستطع إخفاء ما يحس به من غم، ولقد ذكرت - إذ أنا أستمع إليه - ذلك الموقف ~~في حقول القمح أثناء حملتنا على المزارع الجماعية، حين شكرني هذا الرجل «هاتايفتش» بنفسه ~~على إنجاز الخطة المرسومة قبل الموعد المحدد لإنجازها، وحين استحثني على فهم حاجة البلاد ~~إلى سياسات «قوية»، ذكرت ذلك كما ذكرت اجتماعاتنا به في اللجنة الإقليمية، فقد كان حينئذ ~~قوي البنية واثقا بنفسه. # أصبح من عوامل «الشرف» - منذ ذلك اليوم - أن تتهم «الأعداء المتنكرين» بين رجال الحزب وأن ~~تشهر بهم، فلم يعد يجرؤ أحد أن يتحدث إلى أقرب أصدقائه إليه، فما الذي يمنع أن يكون هؤلاء ~~الأقربون مصابين بهذا الوباء السياسي، الذي يجتاح البلاد كلها، أو أن يكونوا من حملة ~~جراثيمه؟ ونسي الإنسان أن قد جاء على الناس عهد فيما مضى كانوا يعرفون فيه معنى صلابة الخلق ~~والوفاء والصداقة. # كان إذا ما سقط عن مكانته زعيم أو موظف كبير، استتبع ms361 سقوطه هذا أن يتناول التطهير كل ~~معارفه والمحسوبين عليه، فبعد القبض على «برودسكي» أخذت عربات «الأفاعي السود» والسيارات ~~المقفلة التابعة للقسم السياسي، تجمع أعوانه وأصدقاءه رجالا ونساء ممن كان هو السبب في ~~تعيينهم في مناصبهم في «نيقوبول» بكافة أنحائها، فسقط في وفاض الصائد قائد حامية نيقوبول، ~~ثم تبعه النائب العام للمدينة وكل من حوله من موظفين قضائيين، وأخيرا سقط رئيس السوفيت في ~~«نيقوبول» نفسه، وتناولت أيدي «التنظيف» المصرف المحلي والصحيفة اليومية وكل المنشآت ~~التجارية، فكنت ترى أشخاصا جددا يتولون المناصب أينما وجهت النظر، ثم لا يمضي بعدئذ ~~أسبوع أو شهر حتى يحدث في معظم الأحيان أن يقع هؤلاء أنفسهم في شبكة الصياد. # وراح الناس يتهامسون الأنباء عن اعتقال رئيس السوفيت وهو أعلى موظف مدني في نيقوبول، وقد ~~كان هذا الرئيس فيما مضى عاملا في المناجم وله صحيفة تشرفه عما قام به في الحرب الأهلية، ~~ذهبوا فأيقظوه في منتصف الليل، وفزعت لذلك زوجته وأبناؤه فجعلوا يصيحون صياحا أيقظ ~~الجيران. # صاح الرئيس في وجه الرجال الذين جاءوه في حللهم الرسمية قائلا: «إنني أمثل السلطة ~~السوفيتية في نيقوبول، فليس لكم الحق في القبض علي! أروني ما معكم من أمر يبيح لكم ~~هذا!» ~~- «هيا معنا أيها الكلب القذر! سنريك من له الحق في هذا أو ذاك.» بهذه العبارة زمجر ~~الضابط الذي ألقى القبض على الرئيس ودفعه خارج الباب دفعا. # وبعد طرد الرئيس من منصبه، دارت الدوائر على معظم كبار الموظفين في المدينة، وكان بينهم ~~مدير الإدارة الاشتراكية ورئيس المطافئ ورئيس معهد الادخار، بل كان بينهم كذلك رئيس الشئون ~~الصحية. من هؤلاء فريق قبض عليه في منازله في ظلمة الليل، وفريق آخر قبض عليه في ~~مكاتبه علنا. # وجاءنا رجل اسمه «لوس» ليحل محل «كوزلوف» ولم يكن قبل من رجال مصنعنا، كان بليد الذهن ~~ضيق الأفق، قويا فجا كما يكون شراب الفودكا إذا عتق تعتيقا «بيتيا»، وراح «لوس» ~~هذا يتصيد المذنبين تصيدا متحمسا حارا بحيث تبخرت في حرارته آخر قطرات بقيت من شعور ~~الود بين الزملاء، ms362 فكنا نحن الموظفين الفنيين أو رجال الحزب إذا ما التقينا في فناء المصنع ~~أو أبهائه نظر بعضنا إلى بعض نظرة المبهوت «أما زلت حيا بين الأحياء؟» كان هذا هو السؤال ~~الذي تنطق به نظراتنا. # كانت رياسة القسم السياسي - وهي كائنة في أحد الشوارع الرئيسية - تسطع تلك الأيام ~~بأضوائها طول الليل وفي كل ليلة، فهذا القسم السياسي يشتغل في كل يوم أربعة وعشرين ساعة، ~~وكانت سوقها عندئذ نافقة منتعشة، وكان «دوروجان» و«جرشجورن» وأعوانهما في جاه عريض، ينال ~~منهم الإعياء لكن ينفخهم الزهو، فهم بمثابة القادة في معركة حربية تسير إلى نصر مظفر، ولم ~~يكن المقبوض عليهم ليظلوا تحت القبض أمدا طويلا، إذ لم تكن «نيقوبول» على كل حال إلا ~~فرعا ثانويا بالقياس إلى المكاتب الرئيسية القائمة بهذا العمل؛ لهذا كان المقبوض عليهم ~~سرعان ما يشحنون شحنا إلى «دنيبروبتروفسك» ومنها إلى «خاركوف» أو غيرها من المراكز ~~الرئيسية ليفسحوا المجال لغيرهم ثم غيرهم. # ولم تكن «نيقوبول» إلا جزءا ضئيلا من طريق أخذ يضرب فيه منجل التطهير الأعظم فيتسع مداه ~~شيئا فشيئا، وأخذت تجيئنا التعليمات من رياسة مصنعنا ومن الرياسة العليا في موسكو، ~~موقعة بأسماء لم تألفها آذاننا، وأخذت هذه الأسماء الجديدة تزداد مع الأيام عددا؛ ذلك ~~لأن منجل التطهير قد حصد طائفة كبيرة من الموظفين القدامى، وقبض على «هاتايفتش» وفئة من ~~زملائه رجال اللجنة الإقليمية، وكان ل «هاتايفتش» من أهمية المكانة ما جعل الصحف المحلية ~~تفرد لسبه نصف عمود من أنهارها، وهكذا مضى الأمر يوما بعد يوم حتى ليتعذر عليك أن تساير ~~هذا الفيضان الدافق من مثيرات الشعور والمآسي ومر المفاجآت، ولتسبح الإشاعات بخيالها ما ~~شاءت فلن تكون شيئا بالقياس إلى الحقيقة الواقعة. # ووقف العالم الخارجي يرقب المحاكمات المتعددة التي تريق دماء التطهير، والتي اتخذت مكانها ~~في قاعة كانت فيما مضى «قاعة الأشراف» في موسكو، ولم يكن ذلك العالم الخارجي ليعلم، بل ~~إنه لا يعلم حتى هذا اليوم، أن محاكمات موسكو لم تكن إلا صورة ظاهرة، أو معرضا في واجهة ~~دكان، تتكدس وراء ms363 ستارها أكداس من المفازع الحقيقية التي تبلغ في ارتفاعها سامق الجبال، ~~فلئن كانت المحاكمات العلنية قد تناولت عشرات قليلة من الضحايا الذين أحسن اختيارهم ~~وأجيد التدريب على مجرى محاكمتهم قبل وقوعها علنا، فإن حركة التطهير قد تناولت مئات ~~الألوف، إذ بلغ العدد في النهاية ما يقرب من عشرة ملايين أخرجوا من صفوف الناس ~~وأبعدوا في غير إبطاء، فهؤلاء يزج بهم في السجن، وهؤلاء يطوح بهم إلى النفي، ~~وهؤلاء يبعث بهم إلى أعمال السخرة، وهؤلاء يعدمون. # واحتشدت جماهير من النساء والأطفال حول المبنى الذي يقيم فيه القسم السياسي في «نيقوبول» ~~بحيث كنت تراهم في كل ساعة من ساعات اليوم رغم البرد الشديد، فكان رجال القسم السياسي ~~يفرقونهم، لكنهم لا يلبثون أن يعودوا إلى حيث كانوا باكين صارخين منادين بأسماء آبائهم أو ~~أزواجهم أو إخوتهم، وكان كثير من هؤلاء النساء من سكان «نيقوبول» نفسها، لكن كثيرين آخرين ~~جاءوا من القرى المجاورة حيث كان منجل التطهير يطيح برؤساء اللجان السوفيتية الريفية، ~~وبأمناء الحزب في القرى وزعماء الشبيبة الشيوعية ورؤساء المزارع الجماعية. ولن أنسى أبد ~~الدهر هذا الذي رأيته خارج مبنى القسم السياسي، فلو أراد نابغ من أعظم نوابغ الأدب المسرحي ~~أن يصور اليأس وقد طفت موجته على جماهير الناس، والأسى وقد اتسع نطاقه واسودت غمامته، لما ~~استطاع بخياله أن يصور شيئا أشد إثارة للفزع في نفس الرائي من هذا الذي كان. # ووسط هذه العاصفة وبين عويل المصابين وألم المعذبين، أخذ المذياع وأخذت الصحف تنشر ~~التصديق الرسمي على «أعظم ما شهده العالم من الدساتير الديمقراطية» في نوفمبر عام ~~1936م. # بلغ هذا الهوس حدا كان يضطر معه رجال الحزب أن يأووا إلى فراشهم مرتدين ثيابهم «إذ من ~~يدري؟» وأعددت كما أعد معظم الناس حقيبة صغيرة ملأتها بما قد أحتاج إليه في السجن، فوضعت ~~مقدارا زائدا من الملابس التحتية والجوارب والمناديل و«بطانية». # سألتني «باشا» سؤالا بريئا حين وجدت الحقيبة تحت مخدعي: «أذاهب أنت إلى مكان ~~ما؟» # فتنهدت قائلا: «من يدري يا «باشا» من يدري؟» # وكان الرفيق ms364 «براتشكو» قد زار دنيبروبتروفسك ليقضي شأنا، فعاد مثقلا بمروع الأنباء، ~~ففي تلك المدينة التي هي موطني، بلغ الفزع حدا لم يبلغه في «نيقوبول» لو كان في الإمكان ~~أن تسوء الحالة عما كانت عليه في «نيقوبول»، فقد سمع «براتشكو» أن عدد من قبض عليهم ~~هناك من رجال مصنعي القديم زاد على خمسمائة، وكانت «عربات الأفاعي السود» لا تزال فاغرة ~~أفواهها لمزيد، وكثير من زملائي في الدراسة في معهد المهندسين أمثال «برتزكوي» و«كاتس» ~~و«رشتر » وآخرين لا يحصيهم العدد، اختطفوا اختطافا أثناء أدائهم لأعمالهم الهندسية، وكانت ~~عربات الماشية تغادر كل يوم مدينة دنيبروبتروفسك مثقلة بحمولتها البشرية، وقد أغلقت من ~~دونهم أبوابها وختم على أقفالها من خارج، أمثال هذه التعبئات البشرية التي تحرك في ~~النفوس أعمق الأسى، كانت منذ أربعة أعوام تتألف من فلاحين، أما الآن فقد علا صنفها وباتت ~~تتألف من شيوعيين وكبار رجال الحكومة والجيش والأعمال الفنية والموظفين الذين لا ينتسبون ~~للحزب، «ماذا عسى أن تكون النية التي عقدها في هذا الصدد «ستالين» وأعضاء الهيئة السياسية ~~العليا؟ إن الأمر ليبدو ضربا من الجنون المتصل.» هكذا قال لي «براتشكو» ثم أسف على قوله ~~ذاك كما تبين لي من نظراته الفازعة. # ماذا عسى أن تكون النية التي عقدها «ستالين» وأعضاء الهيئة السياسية العليا؟ هذا بالضبط ~~هو السؤال الذي كان لا يني يتردد على ذهني، ثم هممت بعمل كان دليلا على حماقتي، وذلك أني ~~صممت أن أرسل خطابا إلى عضو الهيئة السياسية العليا الذي كنت أعرفه لأستفسره معنى ما نشاهد ~~من أحداث متلاحقة، فأخذت أنفق شطرا طويلا من الليل لعدة ليال متتابعات في إنشاء هذا ~~الخطاب إلى الوزير «أورزنكدز». # جعلت أقص في هدوء - كأني أنشئ تقريرا فنيا - قصة الحوادث التي كانت تقع في «نيقوبول» ~~و«دنيبروبتروفسك» و«كريفوارج» وغيرها من بلدان إقليمنا، وأخذت أذكر أسماء معينة وأدافع عن ~~ولاء أفراد اختطفوا اختطافا أثناء قيامهم بمهام أعمالهم، وأنذرته أن مثل هذه الحوادث لو ~~لبثت تجري مجراها لما وجدنا بيننا بعد قليل من الزمن رجلا واحدا قادرا على إدارة ms365 الصناعة ~~في إقليمنا، فالإنتاج قد تحللت عراه بالفعل، ولم يعد أحد يجرؤ على ابتكار الجديد، أو ~~يجازف باتخاذ قرارات حاسمة في شئون عمله. # أرسلت الخطاب عن طريق خاص وعرفت في يقين أنه وصل إلى يد الوزير، لكنني لم أظفر منه بجواب، ~~ولما جاء دور محاكمتي في حركة التطهير لم يوجه إلي سؤال بشأن هذا الخطاب، فعرفت شاكرا ~~أن «أورزنكدز» لم يرسله إلى رجال الشرطة، فكل فقرة من فقرات «عريضتي» كانت كفيلة وحدها أن ~~تنتهي بي إلى موت سريع. # جاء دوري في نوفمبر عام 1936م. # وكان في مفاجأته شبيها بمحاكمة «لمانسكي»، لكن الميزة النفسية التي ظفرت بها من دونه هي ~~أني توقعت الضربة وأني مرنت عدة مرات على ما ينبغي أن أقوله مستفيدا بغيري من الرفقاء ~~الذين كانت في أيديهم أهم الأعمال، وقد حدثت نفسي قائلا: إن أهم ما يجب أن أراعيه هو ألا ~~يسقط من يدي زمام قواي العقلية، وأنفقت عددا لا ينتهي من الليالي لا أذوق فيها طعم النوم، ~~أدير في رأسي كل التهم التي يمكن توجيهها إلي، وأفكر فيما عسى أن تكون «جرائمي»، أتكون ~~شيئا مما قلت أو فعلت منذ عام واحد أو خمسة؟ أتكون شيئا مما يتصل بعملي في المصنع؟ # ولو أبعدت ما يدور في رأسي من شك وما يعتلج فؤادي من هم لما وجدت جريمة واحدة اقترفتها ~~ضد الدولة السوفيتية، فلما أزيح الستار عن ذنوبي وجدتها تختلف كل الاختلاف عما قدرت لها ~~أن تكون. # عقدنا اجتماعا حزبيا في المسرح التابع لندوة المصنع، وكانت الليلة قاسية في بردها ~~وثلجها، فغطيت الأرض في مكان الاجتماع بالوحل حتى باتت زلقة مما تساقط عليها من ~~أحذيتنا، وعلقت في هواء القاعة سحائب زرقاء من دخان التبغ المتصاعد، ولا أحسبني سأنسى قط ~~تلك القاعة ولا تلك الليلة بما شابها من قذر؛ لأن هذه الأشياء كلها كثيرا ما عاودتني آنا ~~بعد آن في أحلامي المفزعة، وهي التي لونت نظرتي إلى العالم فيما تلا ذلك من حياتي، كما ~~تلون الفاتحة في مسرحية «فاجنر» كل ms366 ما يلحقها من فصول. # وكان كثير من الأعضاء قد جاء على اتهام، والذي شق هذا الطريق - طريق اتهام الأعضاء أنفسهم ~~- هو الأقسام الشيوعية المحلية التي أظهرت ما لها من «أصالة وابتكار» ومن «يقظة بلشفية» بأن ~~ناهضت أعضاءها فبادرتهم بالاتهام قبل أن يسمع بهم رجال الشرطة، فكأنما كانت بمثابة الطلائع ~~الكشافة للقسم السياسي. ولقد قرر المجتمعون في حالات ثلاث مما عرض عليهم من القضايا طرد ~~المتهمين، وبهذا أوشك الاجتماع على فض جلسته فيما دلت الظواهر. # لكن «لوس» وقف فجأة يطلب الكلام، وكنت في تلك اللحظة أفكر في شيء أبعد ما تكون الأشياء عن ~~هذا الاجتماع القبيح، فإذا فحوى كلام المتكلم ينزل علي نزول الصاعقة، لقد دقت ~~الساعة. # بدأ «لوس» الحديث قائلا: «أيها الرفاق، أقترح أن نطرح على بساط البحث قضية مدير قسم ~~خراطة الأنابيب، أعني العضو الشيوعي «فكتور أندريفتش كرافتشنكو»، فلدينا تقارير هي غاية في ~~الخطورة من حيث ما توجه من الاتهامات إلى هذا الزميل في مناشطه الماضية والحاضرة.» # وصاح صوت من الصفوف الخلفية في القاعة قائلا: «قل للمتهمين يدلوا باتهاماتهم ~~فنسمع.» # فقال «لوس»: «طبعا، فيستطيع المهندس «جرجوري ماكاروف» أن يتحدث الآن.» # فلما كان «ماكاروف» في طريقه إلى المنصة، وقف الزميل الذي كان يجلس إلى يميني وغادر ~~المكان وهو يتمتم بعض الكلمات التي أراد بها أن يقول «إنه خارج ليدخن لفافة»، وكذلك غادر ~~مكانه الزميل الجالس إلى يساري، وهكذا تحولت في أعينهم مجذوما وأحاطني الخلاء من كل ~~النواحي. # لقد عرفت «ماكاروف» منذ أيام الدراسة في معهد الهندسة، فعرفت فيه رجلا عاجزا ضعيف ~~الحيلة يعيش على استغلال ما يستدره من عطف زملائه، ولما كنت أنا الذي عينه في منصبه في ~~«نيقوبول» وهيأ له مكانا للسكن، فقد فرضت دائما فرضا لم أشك في صحته أنه لا بد معترف لي ~~بهذا الجميل، لكن هذا الافتراض مني كان أساسه سذاجتي. # أخذ يقول: «لقد عرفت «كرافتشنكو» من سنوات كثيرة، كان عضوا في مكتب اللجنة الحزبية في ~~معهد التعدين، ولقد قبض على أكثر من كانوا يلازمونه في ms367 تلك الهيئة، أخص بالذكر منهم ~~«برتسكوي» الذي كان له صديقا و«كاتس»، وإني لأتساءل أيها الرفاق: أيكون ذلك من قبيل ~~المصادفات؟ إن «كرافتشنكو» هذا له أصدقاء كثيرون و«معارف» في موسكو، حتى لقد دخل المعهد ~~بتوصية من الرفيق «أورزنكدز» نفسه، واسمحوا لي أن أقول خلال الحديث: إن بعض هؤلاء «المعارف» ~~في موسكو قد افتضح أمرهم وظهر أنهم أعداء الشعب. # ولكن هذا كله عرض أذكره عابرا أيها الرفاق، أما ما أردت أن أقوله فهو أن «كرافتشنكو» ~~خلال هذه الأعوام كلها التي كان فيها عضوا في الحزب، قد افترى على الحزب كذبا؛ ذلك أنه ~~أخفى عن الحزب حقيقة غاية في الخطورة، أخفى عنه ماضي أبيه في السياسة! لماذا لم يعترف للحزب ~~أن أباه كان «منشفيا» عاملا قبل الثورة، وأنه حرك العمال اللاحزبيين على سياسة «زعيمنا ~~المحبوب»، ولم يزل محركا إياهم منذ ذلك الحين؟» # فقال قائل مقاطع: «تكلم عن «كرافتشنكو» لا عن أبيه.» # فصاح «لوس» في وجه القائل: «إن التفاحة لا تتدحرج بعيدا عن شجرتها، امض في حديثك أيها ~~الرفيق ماكاروف.» # فواصل «ماكاروف» الحديث قائلا: «لقد أصاب، إن التفاحة لا تتدحرج بعيدا عن شجرتها، فليس ~~«كرافتشنكو» خيرا من أبيه، إنه يحيط نفسه بعناصر أجنبية، أتظن أنه من قبيل المصادفات أنه ~~جمع حوله هذا العدد الكبير من اللاحزبيين في قسم المصنع الذي يقع تحت إشرافه؟ من مساعدوه؟ ~~من هم رؤساء العمال لديه؟ من يكون «رونبسكي» المنشفي الذي قبض عليه؟ من يكون الفاشي ~~الألماني الذي قبض عليه، أعني «زلمان»؟ إن في وسعي أن أذكر كثيرين غير هؤلاء وكلهم من ~~اللاحزبيين أو من الأعداء الحقيقيين الذين كشف القسم السياسي عما يقترفونه من إثم في عرقلة ~~الإنتاج.» # فقلت لنفسي، وأنا إذ ذاك في محنتي: إذن فهذا هو الذي يحز في نفسه، أنني لم أرفعه إلى منصب ~~مساعد! # قال عامل يقاطع المتكلم: «أيها الرفاق، إن «زلمان» يهودي وشيوعي ألماني، فكيف تسمونه ~~فاشيا؟» # فقال ماكاروف: «هذا جد جميل، إنك تقول: إنه يهودي وشيوعي، ألم يرسل هتلر إلى هذه البلاد ~~ألوفا من ms368 المضللين والجواسيس؟ فأين عساه أن يجد خيرا من هذا قناعا لهؤلاء، أعني أن يرسل ~~لمثل هذه المهمة يهوديا وشيوعيا؟ وأين عساه أن يجد درعا لوقاية هذه القذارة خيرا من ~~رجل مثل «كرافتشنكو» بما له من «معارف» ذوي منزلة عالية في موسكو؟» # هنا تكلم الرفيق براتشكو: «أيها الرفيق «لوس» أقترح أن يلتزم المتحدث حدود الوقائع وألا ~~يخبط في قذارة ولغو باطل.» ~~- «سأقدم لك وقائع أيها الرفيق «براتشكو»، سأقدم لك منها عددا وفيرا، ارجع بذاكرتك إلى ~~الوقت الذي وضعت فيه معايير الإنتاج الجديدة بحيث تتمشى مع الحركة الإستاخانوفية المجيدة في ~~سرعة الإنتاج، ألم يكن واضحا لنا جميعا أن «كرافتشنكو» يناهض الإصلاح؟ إن الجحود لم يبلغ ~~حد مهاجمة المعايير الإنتاجية الجديدة إلا مع عامل واحد، هو «كيريوشكين» فماذا صنع إزاء ذلك ~~«كرافتشنكو» هذا القلب الإنساني الكبير؟ لقد كافأ «كيريوشكين» على جحوده بترقيته إلى منصب ~~أعلى! نعم إني أتهمه بحماية العناصر المعادية للسوفيت المنبثة بيننا، ثم أتهمه فوق ذلك ~~بخداع حزبنا المجيد في إخفاء مبدأ أبيه المنشفي.» # فلما غادر المنصة سمعت صيحات «صدقت! أحسنت!» وصيحات أخرى «أكاذيب! كلها أكاذيب! كلام ~~فارغ!» # وأعلن «لوس» قائلا: «المهندس «شايكفتش» عضو الحزب له الكلمة الآن.» # كان «شايكفتش» رجلا ضئيل الجسم له وجه متغضن صغير كوجه القرد وعينان صغيرتان ~~حادتان. # قال بصوت رفيع مسحوب كأنه السلك: «أيها الرفاق، أنا كذلك بعثت باتهام الرفيق كرافتشنكو، ~~لقد ظللت أرقبه عن كثب مدة طويلة، نعم إن الصحف والمذياع قد رفعته بما أثنت عليه حتى بلغت ~~به أوج السماء، فكم من مرة نشرت صورته في الصحف! ولكن ماذا أنتم قائلون لو تبينتم أن كل ~~هاتيك الخدمات لأمته لم تكن إلا ستارا يخفي هذا الرجل وراءه ما يقوم به من عمل ~~دنيء؟» # فصاح براتشكو: «نريد الحقائق، لا مجرد البلاغة في الكلام.» # فأغاظ الخطيب ما قوطع به من اعتراض، فرفع صوته المتسلخ فزاده تسلخا على تسلخ وقال: «إن ~~كرافتشنكو لممن تطوف برءوسهم الوساوس والشكوك، فلما كان في المعهد أخذ ينقد نظام المزارع ~~الجماعية، وكلنا يعرف ms369 عنه ذلك، وكذلك كان أمره في المصنع، تراه دائما متجهما عابسا، لا ~~يعجبه العجب! بل إن أمه في زيارتها له، جاءت متجسسة في منطقة المصنع تتلقى الشكاوى، فيم ~~هذه المنزلة كلها التي أنزلتموه فيها؟ لأن له أصدقاء في موسكو وخاركوف! ليس السر في قدرة ~~يمتاز بها، إنما السر فيما له من معارف!» # فصاح «براتشكو» من جديد قائلا: «هذا كذب يا رفاق! إن كرافتشنكو عين في منصبه برأي ~~الرفيق «إيفانتشنكو » بعد استشارتي في الأمر، إنه من أقدر المهندسين في جماعة صناعة ~~الأنابيب، ولطالما عهد إليه الوزير نفسه مشروعات خاصة كانت غاية في الخطورة.» # فدوى الصوت المتسلخ في نغمة الظافر: «لكنك لا تستطيع أن تنكر أيها الرفيق «براتشكو» أنه ~~من أب يعادي السوفيت وأنه أخفى عنا ذلك! لقد حرم الترقية على كل شيوعي مخلص في ولائه ~~للشيوعية ممن يعملون في قسمه من المصنع ...» # وها هنا تذكرت أني كنت أعطف على هذا المخلوق الضئيل «شايكفتش» الذي تحطمت آماله وخانه ~~التوفيق، ولكم حاولت أن أستر له أغلاطه، لكني في نهاية الأمر لم أملك - بعد بحث الموضوع مع ~~«براتشكو» - سوى أن أنقله إلى قسم آخر لا يتطلب العمل فيه ما كان يتطلبه عمله الأول مما لا ~~يتكافأ مع علمه المحدود. # ووقف «يودافين» - بعد أن فرغ «شايكفتش» - ليلخص الاتهام، فتكلم بصوت الواثق من صدق ما ~~يقول، وهو صوت تعرفه في رجال القسم السياسي، ولقد كنت أعلم عن «يودافين» هذا أنه من أعوان ~~الشرطة ولذلك اجتنبته، وها هو ذا يرد لي اللطمة يدفعه الهوى. # قال: «أيها الرفاق، إني لا أكتفي بتأييد من سبقوني إلى الكلام فيما انتهوا إليه من نتائج، ~~بل إني لأضيف نقطة هي أخطر ما يكون الاتهام، وتلك هي أن «كرافتشنكو» عامل على ~~التخريب!» # فانفجرت هذه اللفظة المخوفة كأنها المدفع المدوي، وجمد الحاضرون صامتين، وأما أنا فقد ~~ملكت زمام نفسي حتى ذلك الحين، أما وقد سمعت هذه الكلمة فقد تصببت عرقا، وأخذ قلبي يدق ~~دقات سريعة عالية الصوت حتى لقد حسبت أنها تغطي على صوت ms370 «يودافين»، ترى إلام يشير حين قال ~~هذه الكلمة عني؟ ترى ماذا كان هذا الشرطي المتنكر يلفق لي من الاتهام مع سيده ~~«جرشجورن»؟ ~~- «نعم، إنه عامل على التخريب! إن هذا الرجل «كرافتشنكو» قد جمد عامدا ما قيمته مليون ~~روبل من العملة الروسية، وكيف صنع ذلك؟ طريقة بسيطة، هي غاية في البساطة! لقد أرسل يطلب ~~صنوفا شتى من الآلات الغالية ثم كدسها في مصنعه، حتى لترى قسمه الآن غاصا بأجزاء ~~الآلات الثمينة ولم يستعمل جزءا واحدا منها، بل إن بعضها لم يفض غلافه بعد! وإني لأتهمه ~~بأن ذلك كله متعمد وأنه دبر إيقاع الأذى بالحكومة والبلاد!» # أما وقد أعلن عن موضوع الاتهام فقد انزاح عن صدري ما جثم فوقه من هم ثقيل، فلقد أحسست ~~أن تهمته فيها من التلفيق الواضح بحيث تهدم نفسها بنفسها، ولما كان «لوس» - شأنه في ذلك شأن ~~الحاضرين جميعا - قد أخذه القلق وأراد أن يفض الجلسة ليعود إلى داره، فقد كفاني ذلك شر ~~اتهامات أخرى، وناداني للتعليق على ما سمعت، فاستجمعت كل مدخر من قوة إرادتي واعتليت ~~المنصة. # قلت: «أيها الرفاق أعضاء الحزب، أريد أن أحدثكم في صراحة مهما تكن نتائج هذا الحديث ~~الصريح، لقد لبثت الآن في الحزب ثماني سنوات وإن صحيفتي لتنطق بنفسها عن نفسها، ولست إلا ~~بشرا له ضعف البشر، فلي من الأخطاء ما لي، فربما رفعت ناسا إلى مناصب أعلى لم يكونوا بها ~~جديرين، وربما أقصيت آخرين لم يكن من العدل إقصاؤهم، إن من يلقى في يده بزمام السلطة لا ~~بد أن يتخذ قرارات في شئون عمله، ولما كان صاحب السلطان إنسانا لا أكثر، فلا بد أن يكون ~~بعض قراراته التي يتخذها خاطئا، فأنتم تعرفون جميعا أن «ماكاروف» و«شايكفتش» لديهما أسباب ~~شخصية تدعوهما إلى السخط، فليس ثمة ما يبرر أن ندخل في تفصيلات؛ ذلك لأن كل من له علم ~~بشئون هذا المصنع يعلم ذلك علما لا يشوبه غموض. # إنني أؤكد أنني بغير ذنب! ثم أؤكد ما هو أهم من ذلك، وهو أني لا أخشى ms371 شيئا، ولست ألتمس ~~منكم إلا شيئا واحدا وهو أن تمهلوني حتى آتيكم بالأدلة التي تبرهن لكم على أن هذه التهم ~~تلفيقات من رجال السوء، شكلوا لجنة تبحث في التهم، فإذا لم أستطع إقناع اللجنة فأنا مستعد ~~لتحمل التبعة. # إن العاصفة كلها قد أثيرت حولي؛ لأن أبي فيما زعموا كان منشفي المذهب، واسمحوا لي أن أوضح ~~لكم موقفي توضيحا جليا، إنني لا أنكر أبي بل إني لأحبه وأقدره، فهو أبي الذي غرس في نفسي ~~تلك المبادئ الشعبية العليا التي انتهت بي إلى منظمات الشبيبة الشيوعية ثم إلى عضوية الحزب، ~~إن أبي لا ينتمي إلى الحزب، لكن خدماته للطبقات العاملة لا يجحدها عليه إنسان، إنه ينزل ~~منزلة عالية من نفوس العمال الذين يعرفونه جيدة، أعني عمال دينبروبتروفسك. # إن الحقيقة المجردة عن الهوى هي أن أبي لم يكن قط في حياته منشفيا، بل لم يكن قط في ~~حياته عضوا في أي حزب آخر، إنه لم يزد على كونه ثائرا مخلصا في ثورته ضد القيصر ~~والرأسماليين، لكنه لم يلبس قط لبوس الأحزاب السياسية، لقد حمل السلاح وراء الحصون عام ~~1905م وعمل جنبا إلى جنب مع المنشفيين، كما عمل جنبا إلى جنب مع البلاشفة أيضا، وجاور في ~~السجن كل ضروب المجاهدين من الثائرين، هذا كله أقيم لكم الدليل على صحته لو أمهلتموني وقتا ~~كافيا. # أما ما قيل عن كوني عاملا على التخريب والإتلاف فهراء في هراء. نعم إن في القسم الخاضع ~~لإشرافي من أقسام المصنع كمية كبيرة من الآلات، لكن الوزارة تحيط علما بكل ذرة منها، لقد ~~قدمت عنها التقارير المتتابعة في انتظام ووضعتها تحت تصرف المجموعة الصناعية التي نحن أحد ~~أجزائها، وكان في وسعها أن تأخذ منها ما تشاء في أي وقت تشاء، ولم نطلب قط شيئا من هذه ~~الآلات إلا لنسد به حاجة مست، فكيف حدث أن تجمع لدي هذا المقدار الكبير من الآلات ~~الثمينة التي لا نستخدم بعضها إلا قليلا؟ الجواب هو أن قد عهد إلي في حالات كثيرة القيام ~~بمهام خاصة ms372 تتطلب آلات خاصة، فمثلا لعلكم تذكرون ما استعجلونا في صناعته من الأنابيب ~~الضرورية لآبار البترول في باكو، ثم حدث أن نقصت الكميات التي كانوا يطلبونها من تلك ~~الأنابيب بادئ ذي بدء، وأحيانا كان يحدث أن نكلف بصناعة شيء معين ثم يلغى هذا التكليف ~~لتغيير يطرأ على الخطط الموضوعة، وعلى هذا النحو تكدست الآلات الثمينة عندي، واحتفظنا بها ~~لأن الحاجة قد تدعو إليها مرة أخرى على وجه من السرعة لا يحتمل إبطاء، لكن هذا كله كان ~~مكشوفا على مرأى من الجميع، ولم يتم في الخفاء كما يؤكد المتهمون، هذا كله نتيجة قرارات ~~اتخذت في موسكو ولم تكن من بنات أفكاري. # فتفسير ذلك على أنه تخريب وإتلاف أمر يثير الضحك يا رفاق، إنني أستطيع إقامة البرهان ~~مستندا إلى وثائق بحيث أدلكم كيف ومتى ثم لماذا - وهو الأمر المهم - أتينا بكل جزء من ~~الآلات المخزونة، وأما ما قيل عني غير هذا فتافه لا أريد أن أجيب عنه في تفصيل ينفد صبركم، ~~إنني أستأذنكم في التدليل على براءتي هنا في هذه القاعة، لا في أي مكان آخر، ولكن ليكن ما ~~يكون من أمري، كل ما أريدكم أن تذكروه هو أني لم أقترف إثما.» # فلما عدت إلى مقعدي، انبعثت أصوات استحسان كان أصحابها قد حبسوها في أنفسهم وأمسكوا عن ~~إخراجها، لكن كان كذلك إلى جانب ذلك صيحات: «اطردوه! إنه منشفي! إنه متلاف! إنه يستند إلى ~~«معارفه»!» # ونهض عامل في نحو الستين من عمره، هو الرفيق «سلينين» لم أعرفه إلا عرضا، نهض وأعلن عن ~~نفسه وقال: «ما دام الرفيق كرافتشنكو رئيسا للقسم الذي يشرف عليه من أقسام المصنع، فمن ~~الخطأ أن نقف في سبيل عمله، فهذه قضية يبدو فيها كثير من عوامل الشك، فلماذا نتصرف تصرف ~~العجلان المذعور؟ سيكون لديكم من الوقت أيها الرفاق ما يكفي لطرده واتخاذ الإجراءات ~~الإدارية إزاءه، إن ما اقترحه عليكم «كرافتشنكو» نفسه لرأي صائب، فأقترح أنا كذلك أن نطلب ~~إلى اللجنة المحلية تعيين لجنة التحقيق، وعلى الرفيق أن يقدم لها ما ms373 لديه من برهان.» # ووافق الحاضرون على الاقتراح، وكان ممن صوتوا ضده «يودافين» و«شايكفتش» و«ماكاروف» ~~وغيرهم، ولما خرجنا من قاعة المسرح حيث كان الاجتماع، لم يجرؤ على الدنو مني إلا «براتشكو» ~~و«سلينين»، ومنذ ذلك اليوم حتى ختام محنتي - وهي مدة تربى على ثمانية عشر شهرا - ظللت ~~«منبوذا» معزولا كما تكون الحالة مع من يصاب بالطاعون الأسود. # الفصل الخامس عشر # | بداية محنتي # فتحت جريدة «نيقوبول» في صباح اليوم التالي لأجدني موضعا للتشهير، وكأنما أرادت الصحف ~~المحلية أن تمحو ما كان يوجه إلي من ثناء حينا بعد حين، فأخذت تهاجمني في نفس المكان ~~من أنهرها الذي اعتادت أن تذكرني فيه بالثناء، وذكرت عني أشنع ما وجه إلي من التهم في ~~الليلة السالفة، ثم أضافت إليه ملاحظات تسود بها اسمي، كما أضافت كل ما كان يدور على ~~ألسنة السوفيت من أنواع الشتائم المحفوظة، وكان مما قالته عني: «علمنا من مصدر موثوق بصحته ~~أن هذا الرجل «كرافتشنكو» قد نجح خلال هذه الأعوام كلها في أن يخفي عنا أن أباه كان فيما ~~مضى من أصحاب الأملاك الواسعة وأنه كان يستغل الأيدي العاملة.» وقالت عنى في موضع آخر إنني ~~من «البيض»، وإنني اتخذت من نفسي مدى زمن طويل «تابعا» لأعداء الشعب، وإنني احتضنت بعض ~~العناصر المعادية للحزب وعملت على حمايتهم، وإنني مشتغل بتدبيرات تؤدي إلى التخريب ~~والإتلاف. # فشممت رائحة الإيحاء إلى الصحف من جهات خارجية، شممت ذلك في الاستهتار البادي فيما تروي ~~عني من أخطاء، وفي كثرة ما كالته إلي من ألوان التهم. # كان من خلف «برودسكي» في اللجنة المحلية رجلا اسمه «فيلين»، ولقد أدهشني أن يدق على ~~التليفون ذات صباح وأنا آكل طعام إفطاري أكلة العجلان. # قال لي: «لدينا تقرير واف عن اجتماع الأمس، وقرأنا جرائد الصباح، لكني أرجوك ألا تهتم ~~بشيء من هذا أيها الرفيق «كرافتشنكو» فامض في عملك ودبر أمرك بحيث تساير في إنتاجك ما ~~وضعناه من خطط، فلن يمسك أحد بسوء في الوقت الراهن.» # فأزاح عن صدري هذا الحديث كابوسا جاثما، وشكرته لذلك، ms374 فأنا بمنجى من الخطر فترة من ~~الزمن على الأقل، فهذا الرجل «فيلين» لم يكن ليجرؤ أن يطمئنني على هذا النحو إذا لم يكن هو ~~ومن حوله يرون أن «القضية» التي اتهمت فيها قضية خاسرة. # فلما ذهبت إلى المصنع وجدت هناك لجنة التحقيق التي أمر «فيلين» بتشكيلها قد أخذت تؤدي ~~مهمتها، وكان بين أعضائها «لوس» الذي كان وجوده فيها علامة لا تطمئن، لكن كان كذلك بين ~~أعضائها «براتشكو» مما استبشرت به خيرا، كما كان بين أعضائها أيضا «فشنف» كبير المهندسين، ~~وكان هؤلاء جميعا في غرفة المعرض يختبرون الآلات «المخزونة» هناك. # حياني «لوس» تحية الصباح في برود مصطنعا في حديثه معي نغمة النائب العام إذ هو يوجه ~~اتهاما لمتهم: «عم صباحا، هيا نأخذ سبيل العمل من فورنا، أأنت الرجل الذي يطلب آلات لهذا ~~المصنع؟» ~~- «نعم.» ~~- «إذن فلست بمنكر أنك قد طلبت هذه الآلات المكدسة ها هنا؟» ~~- «بالطبع لست بمنكر هذا.» ~~- «ومن ذا الذي اعتمد لك هذا الطلب من رجال المصنع؟ من ذا الذي وقع معك الأوراق ~~بالموافقة؟» ~~- «الرفيق فشنف باعتباره كبيرا للمهندسين.» # هنا فزع «فشنف» فزعا ظاهرا للعيان. # قال فشنف في اضطراب عصبي: «كلا، كلا، فلا أذكر أنني صنعت ذلك، وإذا كنت قد صنعته فلا بد ~~أن قد كان بمقتضى أمر من الوزارة.» ~~- «من الذي أعد القائمة الأولى للآلات التي ينبغي طلبها؟» ~~- «أعدها المهندس الميكانيكي كرافتشنكو مستأذنا الرفيق فشنف.» # فاضطرب «فشنف» مرة أخرى، وأخذه الهم أكثر مما أخذني، وراح ينكر مؤكدا أنه لا يذكر أن ~~قد صنع في الأمر شيئا. # قال براتشكو: «إذن فسبيلنا إلى معرفة الحقائق هي الأوراق نفسها.» # فقلت واعدا: «سأحاول أن أجد هذه الأوراق، ولكنني لا أظنني واجدا في الملفات إلا الصور ~~المنسوخة عن الأصول، وأما الأصول نفسها فربما وجدتها في موسكو.» # وشغلني البحث عن هذه الأوراق أسابيع بعد أسابيع بحيث كان ذلك البحث في طليعة ما أهتم له ~~من عمل، وكأنما استحالت هذه الأوراق أشباح شياطين لا أكاد أظنها قد تبدت حتى تعود فتفلت، ~~فلو قد استطعت إمساكها ms375 لشددت عليها قبضتي وبينت بها أن الآلات - وخصوصا شحنة كبيرة ~~جاءتنا من أمريكا ولم يستخدم منها شيء قط - كانت في رأينا ضرورية لإنجاز ما أمرت موسكو ~~بصناعته، وأن المقادير المطلوبة حسبت حسابا دقيقا بالقياس إلى مقادير الأنابيب التي ~~طلب إلينا صناعتها. # لم أجد الصور المنسوخة عن الأصول، والتي كانت محفوظة في ملفات المكتب، ولم يكن لدي سبيل ~~أعلم بها، هل ضاعت تلك الصور كما تضيع الأشياء بفعل الحوادث الجارية أو امتدت إليها يد الشر ~~لتخفيها عن عمد، وأذن لي «براتشكو» و«فيلين» فسافرت في ذلك اليوم نفسه إلى «خاركوف»، كما ~~أذنا لي أن أسافر إلى «موسكو» إن دعت الضرورة إلى ذلك، بحثا عن البراهين التي تدل على أن ~~شراء هذه الآلات المختلفة الثمينة لم يكن عملا شيطانيا أريد به مجرد الإتلاف. # إنه اتهام لا يسيغه عقل، وإنها لرحلة لا يبررها منطق، لكن السخافات إذا ما نظر إليها ~~معكوسة على مرايا ذلك اليوم المحموم، وهي مرابا تهوش ما تعكسه من صور، وجدت لها منطقا ~~خاصا بها، فلئن جاز لهم أن يقولوا عن «تروتسكي» إذ هو ينظم الجيش الأحمر إنه «جاسوس ~~ألماني»، ولئن جاز لهم كذلك أن يقولوا عن العمالقة الذين أثاروا الثورة جنبا إلى جنب مع ~~«لينين» إنهم في حقيقتهم «كلاب متوحشة» مأجورة لدى الرجعية الأجنبية، فلماذا لا يقولون عن ~~«كرافتشنكو» وهو ها هنا في ركن من نيقوبول إنه يحاول أن يقوض البناء السوفيتي بشرائه آلات ~~لا ضرورة لها لصنع الأنابيب، بحيث أضاع في شرائها مليون روبل؟ إن من يستخف بمثل هذا الفرض ~~إنما هو عدو للشعب! # لم يكن لي في حيرتي ما يبعث شيئا من الطمأنينة في نفسي إلا ما كان يظهر لي «فيلين» من ~~علامات الود، ولقد أخبرته قبل سفري أنني سألبث قليلا في «دنيبروبتروفسك»؛ لأجمع أدلة تبرهن ~~على أن أبي لم يكن أبدا من أنصار المنشفية. # ولم أتردد هذه المرة في أن أثق بأفراد أسرتي ثقة لا تحفظ فيها ولا شروط، وزال ما كان ~~بيني وبين أبي من توتر ms376 نفسي باعد بيننا زمنا، وسدت الفجوة التي كانت تفصلني عنه، بحيث ~~هيأت بين نفسينا السبل للاتصال من جديد، وأصبحت منذ ذلك الحين أجد العزاء في صميم محنتي، ~~وكان عزائي هو أن ما كان بيني وبين أبي من جفاء قد زال آخر الأمر، وما هو إلا أن أحسست نفسي ~~قريبا من والدي لاصقا بهما كأنني عدت طفلا صغيرا من جديد، فلم أعد ما كنته من «بلشفي ~~مكين». # ولما نقلت لهما أنباء نيقوبول وجدت لديهما أخبارا تكافئها فداحة مما حدث في بلدي، ذلك أن ~~جنون التطهير قد طاح في ليلة واحدة بثلاثة رءوس لثلاث أسرات من جيراننا، وكانوا جميعا ممن ~~لا ينتمون إلى الحزب، عرفناهم أعواما طوالا، وشاركناهم في العمل في ظروف مختلفة، شاركهم ~~أبي وإخوتي كما شاركتهم أنا. # فأما أحدهم فرجل يدعى «زرافين» كان رئيسا للعمال في أحد المصانع، وكان أحد ولديه ~~جراحا والآخر مهندسا في التعدين، ولم يعلم ولداه ولا زوجته فيم ألقي القبض على رأس ~~أسرتهم الذي تقدمت به السن، فقد جاءه رجل القسم السياسي فدفعه إلى «عربة الأفعى السوداء» إذ ~~هو يترنح في نعاسه ولا يكسو جسده إلا بنصف ثيابه، دفعه دفعا وهو يصيح في وجهه «أسرع يا ~~قذر»، وكانت هذه العبارة منه بمثابة ما قدمه من تصريح رسمي بالقبض على «زرافين»، بل كانت ~~كذلك بمثابة الاتهام وبمثابة التبرير الذي يبين سبب إلقاء القبض على الرجل، إذ لا تعلم أسرة ~~«زرافين» غير هذه العبارة التي سمعوها، لا تعرف سواها تصريحا بالقبض، ولا تبريرا ولا ~~اتهاما، فهي كل ما عرفوه من الأمر. # وثاني هؤلاء رجل بولندي اسمه «كاشلسكي»، وهو رجل سهل المعاشرة نشيط محبوب لدى جيرانه، ~~وكان ابنه عضوا في لجان الشيوعية الفرعية، ولقد صادفته اتفاقا في زيارتي تلك. # قال لي في حيرة نفسية: «ولكن كيف يمكن لأبي أن يكون «جاسوسا بولنديا» أيها الرفيق ~~كرافتشنكو؟ إنه رجل من البساطة والصراحة بمكان معروف، وإنه لمن الجنون أن يظن به هذا ~~الظن، لقد كنت وثيق الصلة بأبي، ولو كان في سلوكه ms377 ما يدعو إلى الريبة في أمره فكيف كانت ~~تخطئه عيناي؟» # وثالث الثلاثة الذين قبض عليهم في تلك الليلة الواحدة من جيراننا الأقربين بل وأكثر ~~هؤلاء الثلاثة تحريكا للأسى في النفس هو «بلينوف»، لقد كان في «ورشتي» أيام اشتغالي في ~~مصنع «بتروفسكي-لينين»، وهو رجل طويل وسيم غاية في المهارة، وينزل من قلوب زملائه العمال ~~منزلة الاحترام، ولما كان هو وزوجته لم ينجبا، فقد تبنيا يتيمة صغيرة أفقدتها المجاعة ~~أبويها، فوهبا هذه الطفلة حياتهما. # فلما ساقه رجال الشرطة السياسية في تلك الليلة أخذت زوجته تصيح حتى أيقظ صياحها الجيران، ~~وخرجت في ثوب نومها حافية القدمين صارخة خلف العربة المقفلة المشئومة، وأخذت تلاحقها في ~~الثلج الكثيف حتى توارت عن بصرها، وبعدئذ عادت إلى غرفتها وشنقت نفسها، وأما الطفلة ~~المتبناة التي يتمتها المجاعة التي خلقها الإنسان بسوء صنيعه، فقد تيتمت مرة أخرى بفعل ~~عاصفة هوجاء أثارها الإنسان بسوء صنيعه أيضا. # ولما كان أبي وأمي يعيشان وسط هذه المآسي وأمثالها، تتكرر أمام أبصارهم مئات المرات ليلة ~~بعد ليلة، فقد كان من الطبيعي أن ينظرا إلى حالي نظرة متشائمة سوداء، ولم يكن أبي حينئذ ~~عاملا، بل كان يتقاضى معاشا يتقاضى مثله من خدم عددا من السنين كالتي خدمها أبي، لكنه ظل ~~على صلات الود مع زملائه في «الورشة» وعن طريقهم كان يجيئه المعلم بمدى ما يقع من إرهاب بين ~~موظفي مصنعه الإداريين منهم والفنيين، فأبلغوه أن مجرد الاتهام كان معناه في تسع وتسعين ~~حالة من كل مائة رهانا قائما على الإدانة، ومع ذلك فقد دفعنا اليأس أن نتعلق بخيط ضئيل من ~~أمل، وهو أنني ربما شاءت لي المعجزات أن أكون أنا الحالة المائة التي تنجو من ~~الإدانة. # كان نومى لماما فزعا بما فيه من أحلام مزعجة، ولقد حدث ذات مرة أن أزحت عن صدري ~~كابوسا مؤلما صحوت بعده فرأيت ضوءا في غرفة أمي، وقصدت إليها ماشيا على أطراف أصابعي ~~لأستطلع الخبر، فرأيت أمي جاثية على ركبتيها أمام «الأيقونة» تدعو ربها مقفلة العينين دافعة ~~برأسها إلى الوراء، ms378 وكانت قطرات من العبرات منسابة على خديها، لكن وجهها رغم ذلك بدا ~~هادئا مشرقا بضوء انبعث فيه من داخل، وسمعتها تتمتم باسمي، فقفلت راجعا إلى غرفتي على ~~أطراف أصابعي، وأويت من جديد إلى مخدعي حيث استغرقت في نعاس مطمئن هادئ لأول مرة منذ ~~شهور. # وتحدثت مع أبي في الصباح حديثا طويلا كاد خلاله يتميز من الغيظ. # وأخذ والدي يقول مرة بعد مرة: «إذا كنت قد أخطأت في شيء فلماذا لم يمسكوا بي؟ لماذا يصبون ~~وزري على عاتق ولدي؟ أيكون الابن مسئولا عن فعل أبيه؟ يا لها من وحشية وحماقة! إنني حين ~~كنت أقاتل في الثورة وقبض علي رجال الشرطة لم يتعذب من أجل ذلك إلاي، ولم يدر في أذهان ~~الشرطة القيصرية أن تعذب أبي أو أخي أو أسرتي، أما الآن - يا لها من قحة! - فالآباء ~~والأبناء والزوجات كل منهم يحمل وزر الآخر، صدقني إن كل ما أبداه القيصر من ألوان التعذيب ~~كان رحمة بالإنسان إذا قيس إلى ما يفعله رجال القسم السياسي في أيامنا هذه!» ~~- «إن غضبتك يا أبت لن تعين أحدا على شيء، والذي علينا أن نصنعه الآن هو أن نجمع الأدلة ~~التي تثبت أنك لم تكن من أنصار المنشفية.» # قال: «كأنما الانتساب للمنشفية جرم من الجرائم! إن نفرا من أشجع شجعان الثورة كانوا من ~~أنصارها.» # وأخذ أبي في ذلك اليوم يطوف بكثير من مشاهير الشيوعيين القدامى الذين كانوا من أبناء جيله ~~والذين كانوا يذكرون له مناشطه، فكتب له كل من هؤلاء إقرارا اعتمدته الهيئة الرسمية، ضمنه ~~ما يعرفه عن «كرافتشنكو» الوالد، وشهد فيه أن الرجل لم يكن يوما عضوا في حزب من الأحزاب، ~~وبعد ذلك صحبته في زيارة لأرملة الدكتور «كارافايف». # كانت عجوزا طويلة رفيعة ذكية شيباء، وكان زوجها عضوا في مجلس «الدوما» وهو الذي أعد ~~مشروعا لقانون الإصلاح الزراعي، وقد قتل اغتيالا بأيدي أعوان القيصر، إذ هو في منزله، ~~وكانت هذه السيدة تعيش على راتب يجريه عليها السوفيت، ولها من الأصدقاء عدد لا بأس به من ~~كبار ms379 البلاشفة أخذت تذكرهم لنا، ولقد كانت تعرف أبي منذ أكثر من ثلاثين عاما وحيته بفرحة ~~قلبية خالصة، فكل رجال الثورة الذين كانوا يؤلفون صحبة زوجها الأكرم كانوا يبدون في عينيها ~~وحولهم هالات من النور، كأنما هؤلاء الرجال جميعا سواهم الله من طينة الآلهة. # ضمته إلى صدرها وقبلت وجنتيه قائلة: «ما أجمل أن أراك من جديد! ألا ما أجمل ذلك! وهذا ~~ابنك الصغير «فتينكا» قد شب رجلا واشتغل مهندسا.» # وعلى الرغم من كل أصدقائها من رجال الطبقة العليا، فقد كانت تعيش هي في عالم يأفل نجمه ~~معزولة عن دنيا الواقع، فلم تصدق قط بادئ الأمر أننا نريد منها «دليلا» على أن أبي لم ~~يكن ينتمي للمنشفية. # قالت: «هذا سخف ما بعده سخف! فالانتساب للمنشفية في تلك الأيام كان يتطلب صلابة الأبطال، ~~كان معناه أنك تخاطر بحياتك كل يوم، أظنني قد هرمت بحيث لم يعد في مستطاعي أن أفهم ما يجري ~~هذه الأيام وما يصيب عقول القوم، لا بد لي أن أتحدث في هذا الأمر مع «كروبسكايا» إذا ما ~~ذهبت إلى موسكو!» # لكنها جلست وكتبت لنا خطابا مستفيضا وجهته إلى اللجنة المحلية في «نيقوبول»، وذكرت فيه ~~ما أبداه أبي أيام الثورة من براعة وشهدت بأنه كان طوال سنيه «رمحا طليقا» يأبى أن يخضع ~~لقيود حزب من الأحزاب. # وفي ذلك الوقت نفسه كنت أمي تنفق الساعات في قسم المحفوظات من أوراق الحزب في ~~«دنيبروبتروفسك»، وأخذت تضرع إلى الموظفين أن يبحثوا لها في سجلات الشرطة القيصرية عما ~~لاقاه أبي في تلك الأيام من قبض وسجن، فسيتبين بالطبع من هذه السجلات أن أبي لم يكن ملحقا ~~بحزب معين من الأحزاب، لكن الموظفين توجسوا خيفة من مثل هذا البحث بغير أن يجيئهم بذلك طلب ~~من الحزب، فاضطررت أن أتلفن إلى «فيلين» الذي تلفن بدوره إلى رجال الحزب في ~~«دنيبروبتروفسك»، وبعدئذ وافقوا على البحث عن السجلات الهامة التي ننشدها. ~~- «وهكذا نستعين بالشرطة القيصرية على إنقاذ ولدي من الشرطة الاشتراكية.» هكذا قال أبي ~~وعلى وجهه ابتسامة صفراء، والحق ms380 أن في قوله هذا لفكاهة حزينة. # كانت بضعة الأيام التي مكثتها في بلدي عاملا على تعميق إحساسي بالفزع، فزع العيش في عالم ~~قوامه الأحلام وأساسه الغرابة والتعذيب، وظل هذا الفزع الذي أحسست به عميقا إذ ذاك يلازمني ~~أعواما طوالا، وزرت مصنعي القديم لأجد أن كثيرين من أصدقائي قد اختفوا لغير عودة، وسألت ~~عنهم من هناك فأخذوا يجيبون إجابات ملتوية أدركت منها ما أصابهم. # ولم يكن قد قبض على مدير المصنع «ستيفان برمان»؛ لأن رجال الشرطة السياسية حين ذهبوا ~~إليه وجدوه غارقا في بركة من دمائه، فقد قطع عروقه لينجو من التطهير. # كان «برمان» مجريا اعتلى منصب الوزارة في حكومة شيوعية قامت في وطنه تحت رياسة ~~«بيلاكون» ولم تدم إلا قليلا، ولقد كان وسيما ذكيا مخلصا لعمله، تولى سلسلة من أهم ~~المناصب الحكومية والصناعية في الروسيا التي اتخذها لنفسه وطنا بعد وطنه الأول، وعلى هذا ~~النحو عاش سيرة جليلة بأعمالها، أخذت تقفز به وثبة بعد وثبة حتى انتهت به إلى ~~الانتحار. # وقبل أن يقطع عروقه في رسغه، كتب خطابا وجهه إلى اللجنة المركزية العليا، هاجم فيه ~~هجوما عنيفا ما كان يقترفه ستالين من ضروب الوحشية، ولم يكن هذا أول خطاب من نوعه كتبه ~~كاتب، بل إن من هذا القبيل ألوفا أو عشرات الألوف، وكان الناس يتبادلون سرا بعض هذه ~~الخطابات فيتناولونها بأيد راجفة كأنما يتناولون مفرقعات على وشك أن تنفجر، لكن غمار الشعب ~~لم يسمع بخطاب واحد من تلك الخطابات. # لقد بلغني فيما بلغني أن قد كان بين «هؤلاء المساكين» رجل يدعى «يوسف ماناينكوف» وهو ~~عضو نابه في السوفيت الأوكراني، أحبه العمال لما بذله في سبيل إصلاح حالهم من جهود، وكانت ~~زوجته شيوعية عاملة لها قيمتها بغض النظر عن قيمة زوجها، ولم تكن قد مضت بضعة شهور مذ ترددت ~~جوانب «دنيبروبتروفسك» بأصداء ما ظفرت به هذه السيدة من شرف ومجد، حتى لقد صورت في ~~الكرملن واقفة إلى جانب ستالين مباشرة! هذه المرأة أيضا تناولتها يد القبض، كما تناولت ~~المهندس «زرانوف» على ms381 الرغم من أنه كان منذ قريب جدا قد ظفر بأوسمة الشرف لما بذله نحو ~~مشروعات السنوات الخمس. # وكنت أينما سرت في مصانع المدينة سمعت القصة عينها، فلقد قبض على «فلنكوفسكي» ~~و«كنزالوف» و«سوشان» و«بوستوفويتزف» ومئات غير هؤلاء سمعت أسماءهم وهي أسماء لم تكن تعني ~~شيئا للناس، أما بالنسبة إلي - وقد اشتغلت معهم ودرست معهم وجلست معهم في اجتماعات الحزب ~~- فقد كانت «تصفيتهم » من قائمة الحياة العاملة مما وسع دائرة الخلاء حولي وزادها عمقا، ~~ولم يبق واحد من قادة الاقتصاد والهندسة والسياسة في بلدي «دنيبروبتروفسك» ممن شاءت لي ~~المصادفة أن أتصل بهم اتصالا شخصيا، لم يبق واحد من هؤلاء بمنجى من الأذى، وكان بالطبع ~~كثير من هؤلاء لا ينتمون إلى الحزب. # سافرت إلى خاركوف وودعتني أمي على المحطة، فقالت وهي تودع: «املك زمام نفسك، ولن حيث ~~ينبغي أن تلين، فمهما يكن من أمرهم فهم ناس من الناس، ولا بد لهم أن يعلموا ...» # كانت الفوضى وكان الذعر في رياسة مصنع الأنابيب في خاركوف باديين لا يخطئهما النظر، ~~وتخدرت أعصاب الناس - فيما يظهر - بفعل الإرهاب، إذ لم تكن تصادف بين الناس أحدا يعلم عن ~~نفسه في يقين هل كان يومه آخر أيامه في مكتبه، أو آخر أيامه طليقا في حريته، ولقد رغب كثير ~~من الموظفين الذين تتبعوا عملي مدى أعوام في معاونتي معاونة مخلصة على البحث عما أريد من ~~وثائق، ولكنهم لم يجدوا منها شيئا، وتلفنوا في هذا الأمر بلادا بعيدة بغير جدوى، ولما ~~تلفن أحد هؤلاء الموظفين إلى موسكو مستعلما، أجابوه بأن الرجل الوحيد الذي ربما أعان في ~~ذلك هو الوزير أورزنكدز الذي بلغت به العلة حدا لا يسمح لأحد بالحديث معه، فدفعني اليأس ~~أن أتصل ب «براتشكو» في «نيقوبول». # قلت له: «لم أجد شيئا يا «بيوتر بتروفتش» فإن ما عهدناه في الأمور من فوضى قد زاد وفاض ~~بفعل حركة التطهير، فهل أستأنف السفر إلى موسكو لعلي واجد هناك شيئا؟» # فأجاب: «كلا، كلا، بل عد إلينا فورا.» ~~- «وفيم العجلة؟ ماذا حدث؟» ~~- «لا أستطيع ms382 الدخول في تفصيلات الأمر خلال المسرة فارجع مسرعا ما وسعك الإسراع، الأمر ~~خطير.» # وفي صباح اليوم التالي كنت في مصنعي. # كان هنالك ما يبرر الفزع الذي أبداه رفيقي «براتشكو» فلقد استغل المتهوسون والوصوليون ~~وأعدائي الشخصيون فرصة غيابي. # فأولا كان القسم السياسي قد «طهر» أعواني من الموظفين إذ قبض على «دوبنسكي» و«شبانشسكي» ~~والمهندس «باكو» وكثيرين غير هؤلاء حتى لقد بهت العمال مما رأوا، أضف إلى ذلك أن أمين ~~الشعبة الحزبية التي كنت أنا عضوا فيها، وهو رجل اسمه «ياسينيف»، قد أغراه نفر من ذوي ~~السلطة العليا بأن يحمل طائفة من عمالي على أن يهاجموني، وكان أساس خطته في مهاجمتي هو ~~العبارة التي سهل تداولها وهي «تكديس الآلات والمواد». # وجاءني رجال كل على حدة، وكلهم ممن أنفقوا في المصنع زمنا طويلا، جاءوني فرادى واعترفوا ~~لي والخجل والأسف باديان على وجوههم بأنهم وقعوا عرائض في شكواي، وإنها لعرائض نسجت ~~كلها من تلفيقات وأكاذيب، وإنما حملهم على التوقيع دائما ما تهددوهم به من «عواقب وخيمة»، ~~ثم سمعت فضلا عن هذا أن «لوس» الذي لا يهده الكلل قد أرسل الرسل إلى «دنيبروبتروفسك» ~~ليجمعوا «مادة اتهام» عني وعن أبي، وكان الذي يرمي إليه بصفة خاصة هو أن يبين أني كنت على ~~قدم المساواة مع «كاتس» و«برتسكوي» و«برلين» و«رشتر» و«بوريسوف» وغيرهم ممن كانوا طلابا في ~~معهد المهندسين، والذين هم الآن في قبضة الشرطة السياسية، وما داموا كذلك فهم أعداء الشعب؛ ~~لأن «قبضة الشرطة السياسية» لا تعني إلا هذا. # كان «لوس» يدفع اضطهاده لي دفعا سريعا لا يسيغه إلا من مسه الجنون، فلا بد له - ~~فيما رأى - أن ينجز قضية «كرافتشنكو» في أقصر وقت مستطاع، ولم تكن إدانتي ليقتصر أمرها على ~~شخصي، بل كان العزم أن تتخذ مشجبا يستند إليه في توجيه اتهامات إلى جماعة من الناس ~~كانوا على اتصال بي بوجه من الوجوه؛ لهذا راد «لوس» وأصدقاؤه أن «يأتوا علي» دون أن تعترض ~~سبيلهم عقبات تعكر عليهم صفوهم، فذلك في رأيهم أمر متعلق بشرفهم، كما أنه ضرورة ms383 سياسية ليس ~~عنها محيص، فلم تمض أيام قلائل حتى عقدوا اجتماعا خاصا سريا من لجنة الحزب التي تختص ~~بشئون المصنع، وطلبوا إليها أن تستأنف البحث في قضيتي، عندئذ أحسست كأنني صيد حصرته الكلاب ~~النابحة، وأخذت دائرة الحصار تضيق، ونباح الكلاب يدنو مني شيئا فشيئا. # وكان الاجتماع هذه المرة أيضا في قاعة المسرح التابعة لندوة المصنع، وجلس الموظفون صفا ~~على عتبة المسرح تعلوهم البيارق وصور زعماء الحزب، وتلقي عليهم المصابيح السفلى الضوء ~~وهاجا، فكان هذا المنظر عاملا يؤكد ما قد يطوف بالوهم من أن رواية مسرحية - رواية عجيبة ~~سوفيتية مما يسمى في الفن المسرحي بالرواية الأخلاقية - كانت على وشك الظهور. كان الجو ~~السائد مما يجمد الدم في العروق، فعلى الرغم مما أخذت نفسي به أن أتماسك وأن أحتفظ بوقاري، ~~فقد أخذتني رجفة وشعرت بهزة في كل أعضائي، ولاحظت أن من كانوا منذ أسابيع قليلة يتوددون ~~إلي، أخذوا الآن يتجاهلون رؤيتي، فلم أبدأ أحدا بتحية خشية ألا ترد التحية بمثلها، وجلست ~~في آخر الصفوف معتزلا بائسا. # ولم يجرؤ على الدنو مني إلا زميلان هما: «سيلينين» و«جوشين» وكلاهما من صفوف العمال ~~الدنيا وممن أنفقوا في عملهم زمنا، والظاهر أن كهولتهما كانت لهما درعا واقية من الإسراف ~~معهما في وسائل التربية التي تأخذ الناس «بالحزم البلشفي». # وأمسك «جوشين» بيدي في قبضته وقال: «لا يأخذنك الهم يا رفيقي كرافتشنكو، فإذا هم اتهموك ~~ها هنا فإن اللجنة المحلية سترد إليك اعتبارك المفقود، وإلا فستفعل ذلك اللجنة الإقليمية، ~~على شرط، بالطبع ...» وهنا تلعثم في الحديث. # فسألته ولو أني كنت أعرف الجواب: «على شرط ماذا؟» ~~- «على شرط ألا يلقى عليك القبض قبل ذاك.» # كان «لوس» هذه المرة قد حبك خطته بحيث يتجنب التدخل الذي قد يعرقل ما صمم عليه في ~~جنون، وهو أن يسحق عاملا آخر من عوامل «الإتلاف»، وكان قد أعد لكل فرد من هؤلاء الممثلين ~~الجالسين على المسرح ما يقوله من كلمات وما يتنبه إليه من رموز، وكذلك أقاموا في البهو ~~مقصفا قصد إليه كثيرون من ms384 كبار الممثلين قبل بداية الرواية وعبوا الشراب عبا حتى ~~أصبحوا في حالة نفسية تزين لهم القتال، فذلك أدى إلى أن يمثلوا أدوارهم في حماسة أحمى، ~~وبينا أنا أدور في المكان ببصري إذا عيناي تلتقيان بعيني «براتشكو» فابتسم لي مشجعا وأشار ~~إلي إشارة معناها: «شد حولك فلا يزال الأمل هناك». # افتتح «لوس» الجلسة بكلمة كانت آية في خطابة التلميح واستثارة السوقة، فقال: إن جريمتي قد ~~نهض عليها البرهان «أو كاد»، وإن أبي كان في «حالة عداء مع السوفيت»، وإنه كان منشفيا ~~عاملا «ليس في ذلك شك»، وإن تفصيلات تهمتي بالإتلاف ستحدد ب «وسائل أخرى» وفي «أماكن ~~أخرى»، ولكن أليس من المصادفات التي تستوقف النظر أن يكون سيف الثورة المسلط، أعني سيف ~~القسم السياسي وشرطته، قد أجهز على كثير من زملائي في العمل وأصدقائي في المصنع وفي معهد ~~المهندسين وفي جماعتنا الصناعية؟ # قال في نغمة تدل على أن الحقائق نفسها ليست مما يأتيه الشك، وأن الدليل على صحتها أمر ~~مرهون بالزمن، قال: «لم نظفر بعد بالحقائق التفصيلية التي تبرهن على أن «كرافتشنكو» كان ~~شريكهم في السوء! لقد جاءتنا عرائض لا عدد لها تتلخص كلها في أن «كرافتشنكو» عدو للشعب قد ~~أجاد التخفي عن عيون الراصدين، لكنه عدو يناهض الشيوعية ويحيط نفسه بأعداء الشعب، فهل يريد ~~أحدكم الكلام؟» # ارتفعت أيد كثيرة، وكان من المتكلمين «ماكاروف» و«شايكفتش» و«يودافين» وقد أحكموا سياق ~~قصصهم هذه المرة، ثم انضم إليهم «ياسينيف»، وكذلك انضم إليهم مندوب النقابة في مصنعي وهو ~~«بالابين» الذي لم ينس لي قط ما «خربته» له من «تربية سياسية»، وأخذ يروي للسامعين في صوت ~~مخيف كيف أني نزعت عن الجدران في مصنعي لافتات كان هو قد علقها هناك، وأنني إذ نزعت ~~اللافتات كنت بذلك أقي أعداء الحركة «الإستاخانوفية» التي تقصد إلى سرعة الإنتاج، وكان ~~يتوسط خطب الخطباء صياح كصياح الجوقة في المسرحية اليونانية، صياح يرتفع من جمهور الحاضرين ~~قائلا: «هذا حق! أبعدوه! اطردوه!» # سأل «لوس» قائلا: «هل يريد أحد أن يتكلم في جانب كرافتشنكو؟» ولم ms385 يكن بحاجة إلى أن يضيف ~~إلى ذلك نذيره «إذا تكلم أحد في جانبه فإنما يعرض نفسه للخطر.» فهذا النذير كان باديا في ~~نغمة حديثه، ولم يكن به حاجة إلى التعبير عنه في كلمات صريحة. ~~- «أريد الكلام في جانبه.» قال ذلك «جوشين» ووقف فاستدارت الأبصار كلها لتقع عليه في دهشة ~~وغضب وإعجاب. ~~- «أريد الكلام في صالحه؛ لأن التهمة كلها التي وجهت إلى هذا الرفيق الشاب القدير إن ~~هي إلا باطل لفقه رأس فيه تخليط، إن «كرافتشنكو» ابن عامل وثائر قديم، وكل ما يقال غير ~~ذلك عن أبيه افتراء بالكذب ونسيج خيوطه من ماء، هذا فضلا عن كونه في ذاته رشيدا مسئولا ~~عن نفسه، لكني أريد أن أشير إلى غير هذا، أريد أن أنبئكم أيها الرفاق أن «ياسينيف» ناداني ~~إلى مكتبه وطلب إلي أن أكتب عريضة أتهم بها «كرافتشنكو»، فلما أبيت ذلك تهدد وتوعد، وهذا ~~يدلكم على مبلغ القيمة التي يجوز أن تزنوا بها أمثال هذه الاتهامات!» # فزأر «ياسينيف» قائلا: «هذا كذب!» # ثم ردد الصدى «ماكاروف» وعصبته: «أكاذيب! يا لك من ضليل صفيق!» ~~- «كلا بل هو الحق يا رفاق، إنكم لتعلمون أني من الكهولة ومن رسوخ القدم في البلشفية بحيث ~~لا ألفق مثل هذا القول تلفيقا، أنا عامل يؤيد الحزب، لكني أقول: إن مناهضة رجل من أقدر ~~المديرين وأشرفهم عار أي عار.» # وهنا انفجر المكان في هرج ومرج كأنه بيمارستان، وراح الناس رجالا ونساء يصرخون بآرائهم ~~صراخا، وخرجت من الصدور نفثات الزجاجات التي عبها الشاربون في المقصف، ومن صور علقت ~~على الجدران فوق الرءوس وبقعها الذباب، أطل «ستالين» و«مولوتوف» و«كالينين» على الحضور ~~وهم عبوس، وهكذا انقلبت المسرحية الأخلاقية رأسا على عقب بأن تدخل رجل جموح من النظارة في ~~جماعة الممثلين على المسرح. # ولما استتب النظام من جديد، طلب «براتشكو» الكلام وأخذ يدفع عني تهمة الإتلاف، قائلا: ~~«كل الآلات الموجودة في مصنعي قد طلبت لأن الحاجة كانت مست إليها، ولئن ظل بعضها بغير ~~استعمال فما ذاك إلا بسبب تغير طرأ على خطط الإنتاج ms386 ولم أكن مسئولا عن ذلك التغير.» ~~- فقاطعه «لوس» قائلا: «نريد الحقائق! أين هذه الوثائق التي رددتم ذكرها؟» ~~- «نعم، ليست الوثائق معي الآن لكني واثق أننا واجدوها، ولئن اعتبرتم «كرافتشنكو» مذنبا، ~~كنت أنا معه مذنبا كذلك باعتباري رئيسا له، وكان أيضا «فشنف» مذنبا؛ لأنه كبير ~~المهندسين، بل كانت الرياسة في خاركوف، والرياسة الشعبية في موسكو مذنبة معنا؛ لأنها مسئولة ~~عن عملنا. # إني لأنظر إليكم يا رفاقي والخجل يملؤني، ما هذا الذي أرى؟ أهو اجتماع للحزب أم هي سوقة ~~اجتمعت عطشى للدماء؟ أنحن أتباع «لينين» أم نحن جماعة من غلاظ القلوب القساة؟ ومن ذا الذي ~~أذن ببيع الخمر هذه الليلة واجتماع الحزب قائم؟ إني لأرجوكم أيها الرفاق أن تفيقوا لأنفسكم، ~~فليس ذلك مهرجانا لمجرد المرح، بل إن الأمر ليمس رفيقا من الرفاق في حياته أو ~~موته!» # وها هنا انفجر صوت عريض في طرف القاعة الخلفي، فأغرق في موجاته هذا الدفاع العاطفي الذي ~~كان يوجهه «براتشكو» وأسكت كل صوت في القاعة، فاستدار كل إنسان على مقعده ليرى من ذلك ~~المتكلم، وإذا هو «دوروجان» رئيس القسم السياسي في نيقوبول يقف عند الباب، وهو رجل ضخم ~~مربرب اللحم غليظ القسمات كبيرها، عيناه باردتان لا تعبران عن شيء، ووقف هناك كأنه تمثال ~~ضخم أريد به أن يكون صورة رمزية، وقف مفصول الساقين مرتكزا على عقبيه، ويترنح يمينا ~~ويسارا في بطء كأنه طوق النجاة يتأرجح في النسيم، وقف هناك ويسراه على غدارته ويمناه ممسكة ~~بلفيفة تبغ على شفتيه، كان «دوروجان» يبتسم ابتسامته التي لا فكاهة فيها، وينظر نظرات ~~الازدراء. # ثم قال في صوت عال: «أتحتكم إلى العواطف يا رفيقي براتشكو؟ جميلة والله هذه اللحظة التي ~~اخترتها لهذا الهراء تقوله!» # قال ذلك وأخذ يرسل بصره خلال الحضور في بطء، فختم «براتشكو» كلمته مسرعا بحيث جاءت ~~مبتورة بعض الشيء، وأخذ «لوس» يتعجل ختام المهرجان، فشأنه شأن كل إنسان آخر ممن كانوا في ~~القاعة، في أنه لم يشك في أن «دوروجان» إنما جاء ليلقي علي القبض بعد الفراغ من هذه ms387 ~~«المهزلة المسرحية». ~~- «هذا يكفي، فلنختم هذه المهزلة بطرد هذا العدو.» # هكذا صاح صوت، هو صوت «ماكاروف» فيما ظننت. # لكن «لوس» أعلن قائلا: «كلا يا رفاقي بل إن من حق «كرافتشنكو» أن يتكلم كلمة أخيرة إذا ~~أراد، فله خمس دقائق.» # فمشيت إلى المسرح، وكنت في خواطري قد أعددت نفسي لهذه اللحظة، لكني لم أتوقع أبدا أن ~~تكون فرصتي بهذا القصر، ولم يسعني سوى أن أضغط حججي في حيز صغير، فأضعفتها بغير شك وشعرت ~~أني لم أكن أستغل هذه الفرصة استغلالا يبلغ حده الأقصى، وكنت أثناء حديثي أنظر إلى ~~«دوروجان» لا أستطيع أن أتحول عنه، ولم يزل واقفا يهتز في ازدراء، وكنت على يقين أن كل ~~سامع بين الحضور وكل جالس على المسرح لم ينصت إلى كلماتي بقدر ما كان مشغولا بهذا الرمز ~~الحي الذي وقف هناك يمثل الدولة التي أمسكت الشرطة بزمامها. # ختمت حديثي قائلا: «إنني لا يأخذني استحياء من أبي، بل إني به لفخور، وليس لدي ما ~~أقوله اعتذارا عما سميتموه آلات «مخزونة»، فقد تكون هذه الآلات دليل العجز الفني - منسوبا ~~إلي أو إلى سواي - لكنها لا تدل على نية الإتلاف، ولو كنت مذنبا، إذن فكل جماعتنا ~~الصناعية مذنبة، وكل الرياسة العليا مذنبة؛ لأنهم هم الذين يقررون كم ننتج، ولكن اسمحوا لي ~~أن أختم لكم الحديث بهذا القول، ليس الأمر مقصورا على «كرافتشنكو» فلب الموضوع هو أنكم ~~تهدمون ناسا أبرياء، إني أعلن أني لست بمذنب، أمهلوني عشرة أيام أخرى لا تزيد، أجمع لكم ~~عددا أكبر من أدلة الإثبات.» # وأخذت الأصوات إذ كنت سائرا في الممشى في طريق الرجوع، وعيناي تحدقان في «دوروجان» ~~الذي كان مجرد وجوده عاملا يبعث الإرهاب في النفوس، فلم يصوت ضد طردي إلا ستة، أهملهم ~~«لوس». # وأعلن «لوس» قائلا: «إن هذا الاجتماع ليوصي اللجنة المحلية بإجماع الأصوات أن تفصل ~~«فكتور أندريفتش كرافتشنكو».» # فسألني «دوروجان» حين دنوت منه: «أفي عزمك أن تستأنف الحكم؟» # فأجبته: «نعم، ليس في ذلك ريب، سأبرق الأمر إلى الرفيق «أورزنكدز» وسأرفع احتجاجات إلى ~~خاركوف ms388 وموسكو، وسأستأنف الحكم غدا لدى اللجنة المحلية.» ~~- «كرافتشنكو.» نطق باسمي يريد الكلام لكنه نفخ دخان لفيفته من فمه نفخا بطيئا قبل أن ~~يعود إلى خطابي، ثم قال: «صدقني إنه لمما يؤسف له أن تقلق كل هؤلاء الناس، نعم إنه شيء يؤسف ~~له.» # خرجت من القاعة في ظلمة الليل، ولقد كانت ليلة بردها قارس، ومع ذلك فقد شغلني همي حتى عن ~~زر معطفي، ويظهر أني فقدت القدرة على الإحساس البدني، وتلفت حولي متوقعا في غير شك أن ~~أجد عربة من عربات القسم السياسي في انتظاري، وأسرع من القاعة نفر كثير ليرى مقبضي، ولقد ~~بدا عليهم شيء من الاضطراب بل من خيبة الأمل حين لم يروا شيئا من هذا، وأخذت سمتي ماشيا ~~نحو داري، فإذا أنا فجأة أشهد رجلين واقفين إلى جوار عمود مصباح، ولم أستطع أن أتبين ~~وجهيهما، أيكون هذان الرجلان واقفين ليسوقاني إلى حيث أوضع تحت الرقابة؟ فوقفت في طريقي ~~تعلوني دهشة غامضة. # قال أحد الرجلين: «فكتور أندريفتش، نحن ها هنا، إننا صديقاك.» وكان الرجلان هما «جوشين» ~~و«سيلينين». ~~- «شكرا لكما، فلا شك أنكما صديقان ما دمتما تنتظرانني في لحظة كهذه.» # رافقاني بعض الطريق، يعبران لي عن شعورهما نحوي ويحاولان تهدئة ثائرة نفسي، ولما وصلت ~~الدار أخذت أطوف بغرفها الكثيرة كأني سأجد سلواي في إحدى هذه الغرف، وكتبت برقية إلى ~~«أورزنكدز» ثم عدت فمزقتها، ليحدث ما عساه أن يحدث فما أنا إلا واحد من ملايين، ففيم ~~اختلاف حالتي عن حالاتهم؟ ماذا عساي أن أقول لرجل من أعضاء الهيئة السياسية العليا التي ~~تحيط بستالين مما لا يعلمه؟ وعندئذ أخذت أقلب أوراق مكتبي كما فعلت مائة مرة من قبل لعلي ~~واجد قصاصة يصح أن أقدمها «برهانا مكتوبا»، لكن علام أريد إقامة البرهان؟ ألقيت هذا ~~السؤال على نفسي فلم أحر جوابا. # وأخيرا هدني التعب فارتميت على سريري ولم أنزع ثيابي، ففيم أنضو ثيابي وأنا أتوقع ألا ~~يمضي طويل وقت حتى أراني مضطرا إلى ارتدائها من جديد لأسير متبوعا بشرطي إلى قضائي ~~المحتوم؟ لم يأخذني ms389 نعاس في رقادي، أو إن شئت فقل: إن جسدي قد أخذه النعاس، أما عقلي فقد ظل ~~يقظان واعيا شديد النشاط، يحلل فكرة واحدة من نواحيها جميعا، هي فكرة واحدة أخذ عقلي يلعب ~~بها لعبا كاد يقرب من اللعب العطوف الذي يكون أحيانا بين اللاعب ولعبته، وبدأ يغمرني شيء ~~هو أقرب ما يكون إلى مرح جنوني، وأما الفكرة فهي أن أهشم رأسي بالرصاص، ولا أزال حتى يومي ~~هذا أعتقد أنه لولا ما أصاب جسدي من شلل بسبب ما كنت فيه إذ ذاك من نعاس يقظان، لولا ما كان ~~لجسدي إذ ذاك من إرادة خاصة به - إن صح هذا التعبير - لأزهقت روحي بيدي ذاك المساء. # لم يكن لي قبل ذلك عهد بهذا الانفصال العجيب بين العقل والجسد بحيث يظل كل منهما ~~مستقلا بإرادته الخاصة به، كأنما سدت عليهما حظيرة ليقتتلا من أجل السيادة اقتتالا ~~عنيفا، لكني ألفت هذا الجانب من نفسي بعد ذلك، وكنت أقف لأرقب القتال بينهما كأنني ~~متفرج، أو كأنني حكم ثالث بين لاعبين لا يميل بهواه نحو هذا أو ذاك، ولا يأبه بمن عساه أن ~~يكون كاسب المباراة، أما في هذه اللحظة التي أحدثك الآن عنها، فقد كنت مستلقيا على سريري، ~~كامل الثياب، وكان عقلي يهدهد الفكرة التي ما زالت تتبدى له لتغريه فكأنما يقول لنفسه: اضغط ~~على زناد مسدسك تخلص من كل شيء، حرك إصبعك حركة واحدة خفيفة تقض على «دوروجان» والقسم ~~السياسي والهيئة السياسية العليا في موسكو جميعا، إنهم يصبحون ولا حول لهم ولا حيلة، ~~وتتحول فيهم هذه العجرفة كلها إلى فكاهة تبعث على الضحك لو أنك بإصبعك الوسطى من كفك اليمنى ~~ضغطت ضغطة خفيفة على قوس معدني صغير. # وبينا كنت أدير في رأسي هذا الحلم الذي امتزجت مرارته بحلاوته، سمعت نقرة على نافذتي، ~~سمعتها من فوري على الرغم من ضآلة صوتها؛ لأني كنت أتوقعها مذ عدت إلى داري، فاستجاب لها ~~جسدي استجابة من يكيد لعقلي وينتصر عليه في المعركة الحامية التي نشبت بينهما من أجل ~~السيادة. ms390 # ها هم أولاء قد جاءوا إلي وانتهى الأمر ... ومشيت نحو الباب في يقظة تامة، بل في عزم ~~مصمم، وفتحت الباب في عنف، فلم أر رجل الشرطة السرية في حلته الرسمية كما توقعت، بل رأيت ~~العامل «كيريوشكين»، وهو الرجل الذي يعبر عن نفسه تعبيرا مختصرا مباشرا، والذي كان فيما ~~سبق فلاحا كما كان جنديا في الجيش الأحمر، وهو الذي بلغت به الجرأة ألا يرفع يده عندما ~~أخذوا الأصوات على «المعايير» الجديدة في مقادير الإنتاج. # فصحت به صيحة من أخذته هزة بالغة من الفرح: «ادخل، ادخل يا رفيقي «كيريوشكين» ماذا أتى ~~بك ها هنا في منتصف الليل؟» # قال: «يحسن فيما أظن ألا أدخل لأنني سأتلف البساط لو فعلت، فلقد جئت لتوي من العمل، ~~وجئت ماشيا، وإنها لليلة ليلاء.» ~~- «إلى الجحيم بالبساط، ادخل، هات معطفك، ماذا تقول في كوب من الشاي؟ كيف عرفت ~~داري؟» ~~- «ليس من العسير أن أعرف طريقك يا «فكتور أندريفتش»، إنما يكون العسر عليك أنت لو أردت ~~أن تعرف طريق مسكني في الثكنات، على كل حال، سأدخل.» ~~- «لا تقل كلاما كهذا، لما كنت أشتغل في المناجم، سكنت في ثكنات أسوأ حالا من التي ~~تسكنها أنت الآن، زد على ذلك أني لن ألبث أن أغادر هذا المسكن إلى سواه، إلى حجيرة رشيقة ~~في السجن.» ~~- «وهذا هو ما جاء بي إلى هنا يا «فكتور أندريفتش»؛ فلقد شاعت بين العمال القائمين بدور ~~العمل في الليل أنباء متاعبك التي تعانيها، فأحدثت الهم في نفوسهم جميعا؛ لأنهم يحترمونك ~~ويأسفون لك، أما أنا - ماذا أقول؟ - إنك لتملأ في حياتي جانبا كبيرا، وليس ذلك للترقية ~~التي نلتها على يديك ولو أني أحسن عيشا الآن مما كنت، أرجو أن تصدقني فيما أنا قائل، بل ~~التعليل الصحيح هو أنك جعلتني أشعر بنفسي شعور الإنسان بإنسانيته في نفس اللحظة التي غصت ~~فيها إلى أبعد أغوار الهموم، إنني يا «فكتور أندريفتش» لم أنل قسطا من التعليم، لكني أفهم ~~بمقدار لا بأس به؛ لأن لي عقلا يدرك، فأحيانا أفكر في الثورة وفي ms391 الخطب وما إلى ذلك ~~فيؤذيني أن أرى كل هذا النفاق في الحياة، ثم أفكر في الطريقة التي عاملتني أنت بها فيزول ~~عني بعض الشعور المؤلم؛ إذ أقول لنفسي: ليس الأمر كله هشيما، بل إن في الهشيم لبعض ~~الغلال.» # صببت الشاي وقدمته مع سكر وليمون، فأخذ «كيريوشكين» يتحساه على مهل. # قال : «أتدري أن هذه أول مرة أشرب فيها الشاي بالليمون خلال الأربع السنوات الماضية؟ ولكن ~~لماذا جئتك الآن؟ على كل حال فأنا رجل تقدمت به السن وأصغر من أن يستوقف النظر، وليس لدي ~~ما أفقده فليس لدي ما أخشاه، أو كيف تعبرون عنها أيها الشيوعيون، ليس لدي ما أفقده إلا ~~ما يكبلني من الأغلال، إن الفأر ليستطيع أحيانا أن يفعل ما لا يقوى على فعله الأسد، على كل ~~حال، لقد جاء دوري الآن لأساعدك كما ساعدتني من قبل يا «فكتور أندريفتش»، وها أنا ذا مستعد ~~لمعاونتك بكل ما أستطيع. # لقد فكرت لنفسي قائلا: ربما كان الآن في حاجة إلى صديق مخلص إلى جانبه، ولست أدعي أنني ~~بطل مغوار، لكنني مستعد أن أخاطر إذا دعت الحال إلى مخاطراتي، فربما أردت أن تخفي شيئا أو ~~أن ترسل إلى أحد شيئا من الوثائق أو من الرسائل التي قد ينبعث عنها خطر، وإني وإن كنت لا ~~أفهم نظريات السياسة، فإني أعرف أمورها العملية، وها أنا ذا رهن إشارتك، ولك أن تثق ~~في.» # فضحكت رغم ما أعانيه من هم، فكم كان في هذا العامل الساذج المتواضع من خير ومن حساسية! ~~فلقد افترض على نحو ساذج يتفق وبساطة نفسه أنني ربما كان لدي ما أريد أن أخفيه، وأنني قد ~~أحتاج إلى شريك في المؤامرة. ~~- «استمع إلي يا «كيريوشكين» وصدق ما أقوله، لست متلافا وليس لدي ما أخفيه، وليأت ~~رجال الشرطة السياسية فلن يجدوا شيئا مما يؤخذ علي، لا في دارى ولا في ضميري.» ~~- «وهل قلت عنك إنك متلاف؟ لكن ربما ...» ~~- «أحب أن تعلم يا «كيريوشكين» أنك الآن قد تفضلت علي فضلا كبيرا، وسأظل أذكرك ما ~~حييت، وستكون ms392 زيارتك هذه أغلى ما أحمله معي من نيقوبول.» # وأراد الخروج لكني استبقيته وأخذت أحادثه في حياته وفي زملائه من العمال مدة أربت على ~~ساعة، دق التليفون خلالها مرات عدة، وكان المتكلمون لا يفصحون عن أشخاصهم لكنهم رجال من ~~المصنع أرادوا أن يستفسروني شعوري وأن يسألوا هل لا أزال في داري ، ولم أكن أسأل المتكلمين ~~ما أسماؤهم، فالطريقة المألوفة حين تريد أن تسأل عن شخص يهمك لتعلم هل وقع في أيدي الخطر أو ~~لم يقع بعد، هي ألا تعلن عن نفسك، وخرج «كيريوشكين» ففكرت في أمره مليا، إن بين أهل ~~الروسيا التي أحبها الملايين بل عشرات الملايين من أمثال «كيريوشكين»، وهؤلاء جميعا لا ~~يضمرون من الحب أكثر مما أضمره أنا نحو رجال من طراز «دوروجان» و«جرشجورن» والرؤساء في ~~موسكو، لكنهم يرقبون الفرصة التي تتيح لهم أن يستولوا على حقوقهم فليسوا من الغفلة بحيث ~~جازت عليهم الخديعة، كلا ليسوا من الغفلة في شيء. # لقد أنعشني الحديث الطويل مع «كيريوشكين» وما عرضه علي من استعداد غريب لمواجهة الخطر ~~في سبيلي، وإنه لخطر كالذي تجري بذكره الأساطير، واعتزمت أن أبحث في داري من جديد، لتكون ~~آخر مرة أجري فيها بحثا عن الوثائق المنحوسة التي كنت أنشدها، فكأنني هذه المرة قد اهتديت ~~بقوة خفية من نفسي، إذ قصدت من فوري إلى حجيرة تكدست فيها المهملات تكديسا في غير ترتيب، ~~فرأيت في أعلى كومة المهملات حقيبة أوراق، كنت قد استعملتها لآخر مرة منذ بضعة شهور في رحلة ~~قمت بها إلى العاصمة، فلما عدت أفرغتها وألقيت بها جانبا، ففتحتها في غير قصد معلوم؛ لأني ~~أردت ألا أدع مكانا من الدار لا أنظر فيه، ووجدتها فارغة فأقفلتها من جديد وكنت على وشك أن ~~ألقي بها في الحجيرة كما كانت. # ثم ترددت لغير سبب معقول، وفتحتها مرة أخرى، ونظرت هذه المرة في كيسها الداخلي، فرأيت - ~~إنها لمعجزة المعجزات! - رأيت مسودات الخطابات التي طلبنا بها الآلات والصور الكربونية التي ~~كنت أنشدها، فحدجت النظر ذاهلا في هذه الأنصاف من «فروخ» الورق ms393 التي تثنت على شكل أذن ~~الكلب وأصابها الوسخ والتلف، فعرفت عندئذ كيف تكون مشاعر الرجل حين يربح النمرة الأولى في ~~أوراق اليانصيب الكبير. # وكان بين الأوراق نسخ تحتوى على عمليات حسابية قام بها أولو الأمر في رياسة صناعة ~~البترول، على أساس خطط وضعوها بادئ ذي بدء ثم أنقصوا مداها ، فهذه العمليات الحسابية برهان ~~قائم لكل ذي عقل سليم على أن الأجزاء البديلة والآلات الخاصة التي كنا طلبناها يبررها أوفى ~~تبرير ما في هذه الأوراق من مواصفات وضعت أول الأمر قبل أن ينالها شيء من التعديل، وكانت ~~الطلبات الأصلية معتمدة بإمضاء «فيشنف» كما رجحت، وبهذا الذي وجدته تحطمت المأساة كلها التي ~~نشأت عن اتهامي. # لم أستطع بعد ذلك نعاسا لشدة ما أرقني من رغبة في حمل هذا النبأ السار إلى «براتشكو» ~~ثم إلى «فيشنف» بصفة خاصة، وهو الذي ارتبط مصيره بمصيري في أرجح الظن، وجعلت زيارتي الأولى ~~إلى مكتب «براتشكو» وألقيت بالأوراق على مكتبه متظاهرا بأني إنما زرته بطريق ~~الاتفاق. # قلت: «وبعد، فهاك هذه الأوراق يا «بيوتر بتروفتش».» ~~- «ماذا؟ أهي الوثائق؟» ~~- «نعم، هي الوثائق عليها لعنة الله.» # نظر المدير إلى الوثائق التي قدمتها إليه فأطال النظر، وأخذ يلمع وجهه لمعة الإشراق كلما ~~مضى في قراءتها، وأخيرا ابتسم ابتسامة النشوان. ~~- «إنك أسعد الناس حظا يا «فكتور أندريفتش»! لا بد أن قد جاء مولدك تحت نجم ذي سعود، لا ~~بد أن نحمل النبأ فورا إلى «فيشنف» المسكين، فإنه يكاد يجن جنونه، إني لشديد الغبطة من ~~أجلك ومن أجل «فيشنف» ومن أجل نفسي.» # ولما ذهبت إلى «ورش» المصنع أخذ العمال يحملقون في بنظرات الدهشة الصريحة، إذ انتشرت ~~شائعة عني أثناء الليل خلال المدينة كلها أن الشرطة قد أمسكت بي، فابتسم إلي كثيرون ~~ابتسامة التشجيع، وانتهز كثيرون هذه الفرصة أو تلك ليعبروا لي عن إخلاصهم وودهم وأنا في ~~طريقي أمر أمام أنضاد العمل. # صورت تلك الوثائق الثمينة وأرسلت مجموعة منها إلى «براتشكو» وأخرى إلى «فيشنف»، وأعطيت ~~ثالثة إلى صديق حميم وأرفقت بها إقرارا عنيت بإنشائه ms394 فبينت فيه بإيجاز التهم التي ~~وجهت إلي وكيف جاء الرد عليها في هذه الوثائق على نحو يقوضها من أساسها، وطلبت إلى ~~ذلك الصديق أن يقدم أدلة براءتي تلك إلى اللجنة المركزية العليا في موسكو إذا ما حدث أن ~~ألقي علي القبض. # وكتبت إلى الوزير «أورزنكدز» أنبئه بموقفي، كما أرسلت إلى «أيفانتشنكو» رئيس مجموعة ~~الأنابيب لأبلغه كيف لفقت التهم علي تلفيقا جزافا، وبعدئذ قدمت استئنافا رسميا ~~إلى اللجنة المحلية لتنقض ما قضت به علي لجنة المصنع، فدعا الرفيق «فيلين» إلى اجتماع من ~~أعضاء اللجنة المحلية بغير إبطاء. # وكانت قضية «كرافتشنكو» قد شاع أمرها في نيقوبول، وكان من بين العوامل التي عملت على ~~شيوعها أهمية منصبي باعتباري مديرا لأكبر مجموعة صناعية تقوم بصناعة الأنابيب، لكن عاملا ~~آخر أهم من ذلك ساعد على جريان قضيتي في الأفواه، وهو عامل اكتسب أهميته من ندرة وقوعه، ~~وأعني به ما أبديته في الدفاع عن نفسي من شدة وعنف. # وإني لأميل إلى الاعتقاد بأني مدين لهذا الشيوع الذي اكتسبته قضيتي بنجاتي التي ظفرت بها ~~آخر الأمر، بل أنا مدين له بحياتي نفسها؛ ذلك لأنه لما كان اتهامي قد بدأ على ملأ من الناس، ~~فقد بات مخزيا لرجال الشرطة ورجال الحزب أن يستأنفوا مراحل الاتهام تحت طي الكتمان، فقد ~~كانت نية أولي الأمر أن يفتكوا بي علنا فتكا يقرهم عليه القانون، ظنا منهم أنهم قد ~~أمسكوا بي متلبسا بالجريمة، جريمة أن يكون لي والد منشفي المبدأ، وجريمة أن يكون لدي ~~ثروة مخزونة من أجزاء الآلات والعدد، وجريمة أن يكون تحت جناحي «جماعة من أعداء الشعب»، ~~ولقد جاء ذلك منهم خطأ شنيعا في إحكام خططهم الحربية نحوي، وهو خطأ لم يسع «دوروجان» ~~و«لوس» وأعوانهما إلا أن يعترفوا لي بأنهم آسفون لوقوعهم في مثله أسفا شديدا. # ومهما يكن من أمر فقد اجتمع كافة أعضاء مكتب اللجنة المحلية في بناء الحزب الواقع في ~~الشارع الرئيسي من نيقوبول على شاطئ نهر دنيبر، وكان الأعضاء كلهم جددا ما عدا «دوروجان» ~~و«براتشكو»، ففي أقل ms395 من شهرين، قضى التطهير على أعضاء أعلى هيئة للحزب في منطقة صناعية على ~~جانب عظيم من الخطر. # قام «لوس» يعرض قضية اتهامي بادئا - بالطبع - بوالدي واعتناقه للمبدأ المنشفي، واستمع ~~إليه «فيلين» حتى فرغ من حديث الاتهام، وعندئذ قرأ الخطابات والإقرارات التي كان والدي قد ~~جمعها. # قال: «هذه إقرارات كتبها شيوعيون مخلصون لا يتفقون مع «كرافتشنكو» الوالد في وجهات نظره ~~السياسية، مما يزيد من قيمة شهادتهم في صالحه، ولكني يا رفاقي من أعضاء المكتب، قد تسلمت ~~كذلك في بريد اليوم بعض المخطوطات المحفوظة التي تثير الاهتمام، إذ جاءتني نسخ من تقارير ~~كان كتبها رجال الشرطة السرية أيام القيصر، ومدونات من مدونات السجن خاصة بما قام به والد ~~رفيقنا هذا من أعمال ثورية، وها هي ذي تلك المخطوطات لمن أراد أن يطالعها، ولقد درستها ~~درسا دقيقا، فأيقنت يقينا لا يأتيه شك بأننا من هذا الرجل إزاء بطل عظيم من أبطال ~~الثورة، لا إزاء تابع من أتباع المبدأ المنشفي.» # فعبس «دوروجان» وزفر زفرة غاضبة، ترى ماذا كان يدور في رأسه من خواطر وخطط؟ هذا سؤال لم ~~يبرح طوال الاجتماع قائما في ذهني، إن اتهامي من أوله إلى آخره لم يكن لتجتمع عناصره بعضها ~~إلى بعض بغير اشتراك القسم السياسي ورجاله، ليس في ذلك أدنى شك، أفيرضى «دوروجان» لنفسه أن ~~تفلت فريسته من يديه؟ # بعدئذ اتجه «لوس» بعنايته إلى الاتهام الرئيسي فقال: إن «كرافتشنكو» و«براتشكو» كليهما ~~قد حدثانا عن وثائق تنفي عن المتهم تهمة التخريب والإتلاف، لكنه مجرد كلام لا تسنده ~~الوثائق نفسها. # فقاطعه «براتشكو» قائلا: «لا، لا، يا رفيقي «لوس» لدينا وثائق الإثبات، هذه هي!» # ففزع «دوروجان» لذلك فزعا حتى وثب على قدميه، ولعله بعدئذ قد استعاد صوابه فجلس ثانية، ~~أما «لوس» فقد لبث مفتوح الشفتين دون أن ينطق بكلمة، ونشر «براتشكو» الصور الكربونية على ~~المنضدة وبين في إيجاز كيف تهدم تلك الأوراق ما وجه إلي من تهم، وبالتالي ما وجه ~~إلي «فيشنف» كذلك. # ولم يخف «فيلين» علائم ارتياحه ورضاه. # قال: «في رأيي ms396 أن الأمر جلي واضح، فهذه الأوراق تبرئ كرافتشنكو.» # ظل الاجتماع قائما عدة ساعات، إذ أخذ «لوس» يقرأ قائمة طويلة من أسماء مهندسين وفنيين ~~وموظفين قبض عليهم، وكانوا أصدقائي فيما قال وأكد، لقد بلغت حماسة هذا الرجل في محاولة ~~إدانتي من الشدة والغلظة حدا جعل «دوروجان» يحس كأنما جرحت كبرياؤه المهنية، فتمتم ~~قائلا: «ما هذا يا «لوس» إنك بمثابة من ينتزع اللقمة من فمي.» # وضحك الحاضرون جميعا إلا «لوس» الذي احمر وجهه خجلا، فها هو ذا أبعد مشروعاته ~~«البوليسية» طموحا، قد بدت عليه علامات الانهيار، فأشقاه ذلك الفشل شقاء ظاهرا، فإذا كان ~~قد رسم خطته هذه ليرفع بها سوقه في الحزب وفي القسم السياسي بأن يمسك لهم بسمكة كبيرة في ~~ماء التطهير العكر، فهو في طريقه إلى الفشل الذريع. # أما وقد قدمنا «دليل الإثبات» فقد أخذ كثير من أعضاء المكتب يدلون بآرائهم في الموضوع، ~~وكانت كثرتهم الغالبة في صالحي وترى «رد اعتباري»، لكن الحقيقة المؤلمة هي أن تلك الوثائق ~~التي تبرهن على براءتي، وتفاهة التهم الموجهة إلي، لم تكن هي العوامل التي حملت الأعضاء ~~على تغيير رأيهم في قضيتي، بقدر ما أثر فيهم موقف «فيلين» حين نوه بكلماته عن براءتي ~~فتبعه الباقون، وأخيرا نوديت لأقول كلمتي. # قلت: «ليس لدي ما أضيفه إلا قليلا يا رفاقي، نعم إن عددا كبيرا جدا ممن كانوا ~~يشتغلون معي وبالقرب مني قد ألقي عليهم القبض، ولكني رغم ذلك لا أزجر الناس ولا أطردهم ~~إلا بما عملت أيديهم، وليس في وسعي أن أراجع ماضيهم السياسي، فأنا في ذلك أعتمد على ~~المختصين، أي رفيقي «دوروجان»، لينجزوا ما يلزم من أمور لا تمس ما نكله إلى هؤلاء الناس من ~~عمل. # لكني أحب أن أتخذ مثلا من قضيتي، فماذا لو لم أجد هذه الوثائق؟ ماذا لو كانت محفوظات ~~العهد القيصري قد أصابها التلف؟ إذن للقيت عقابي حتى وإن كنت بريئا، إني لآمل أن نكون أكثر ~~من ذلك حذرا، وأشد من ذلك تحفظا، إذا ما أردنا أن نلقي بالتهم الخطيرة جزافا ms397 لتصيب ~~أهدافها من رفاقنا.» # فأبدى «دوروجان» علامة استياء. # واقترح «براتشكو» في صورة رسمية أن يحكم بنقض القرار الذي اتخذته لجنة المصنع بشأن فصلي، ~~فوافق الأعضاء إلا «دوروجان» و«لوس» فلم يصوتا، وهنا قدم عضو آخر اقتراحا آخر، وهو أن ~~يوجه اللوم إلى كرافتشنكو، فعلى الرغم من أن التهم الخطيرة قد سقطت عني - هكذا قال - فقد ~~جاوزت حدود اللياقة في مخاطبة موظفي الحزب ونقابة العمال، ولا بد من تأديبي، كان هذا ~~الكلام نفاقا واضحا أريد به ترضية «دوروجان» لما أصابه من جرح في كرامته. # فلشد ما دهشت أن أرى حتى «فيلين» يصوت تأييدا لاقتراح تأنيبي، ولم أستطع تعليل ذلك إلا ~~بما رأيته على وجه «دوروجان» الغليظ من عبوس أخذ يزداد تجهما، ولما كان «فيلين» شيوعيا ~~محنكا، فقد رأى أنه ما دام قد أيدني في قضيتي، فواجبه الآن أن يسترضي رجال القسم السياسي، ~~واحتججت على التأنيب، لكن بغير جدوى. # ركبت أنا و«براتشكو» سيارة معا في طريقنا إلى الدار، وكان سرورنا عظيما بالنتيجة التي ~~انتهينا إليها، لكن التأنيب عكر من صفونا بعض الشيء، فهو وصمة في صحيفتي قد لا يكون من ~~اليسير محوها. # قال لي «براتشكو»: «نشدتك الله يا «فكتور» أن تهمل الأمر كله إهمال المزدري، لقد نجوت ~~بحياتك وهذه هي النقطة الهامة، الحمد لله على أنك ما زلت حيا طليقا!» # وجلست في ساعة متأخرة من الليل أكتب الرسائل لأصدقائي وأهلي ورؤسائي في خاركوف وموسكو ~~أنبئهم «بحسن حظي»، لكني لم أكن قط مفرطا في تفاؤلي، فإنه لإيغال في الوهم أن تتوقع من ~~القسم السياسي أن يخليني وشأني آمنا مطمئنا. # هذا الانحراف الذي عرج بقضيتي إلى النجاح يعد شذوذا، إذ كانت حركة التطهير في طول ~~الروسيا وعرضها لا تزال تجمع لنارها وقودا، وكانت المحاكمات الصورية قائمة في موسكو ~~بالنسبة لرجال أمثال «رادك» و«سروكولنيكوف» و«بياتاكوف» وغير هؤلاء من البلاشفة القدامى، ~~ولبثت الصحف سبعة أيام تنشر صفحات بأسرها تفصل فيها «اعترافات» هؤلاء الناس التي تثير ~~الفزع في النفوس، ثم أعقب ذلك ما لا بد منه، وهو الحكم ms398 بالإدانة فالإعدام. # وحدث في مصنعنا - كما حدث في كل مؤسسة ومنشأة أخرى في البلاد كلها - أن دعونا العمال ~~جميعا إلى اجتماع ليحتفلوا بإعدام هؤلاء المخربين الجواسيس، هؤلاء «الكلاب المتوحشة»، وقدم ~~«لوس» قرارا بلسان المجتمعين كان قد أعده قبل الاجتماع. # وكان نص القرار ما يلي: «نحن عمال مصنع التعدين في نيقوبول ومهندسيه ومستخدميه نؤيد ~~قرارات المحكمة السوفيتية التي اتخذتها في شأن أعداء الشعب، إن يقظة الحزب والحكومة قد ~~اجتثت الجواسيس والخوارج وأعوان الرأسمالية الذين كانوا يتهددون حياة شعبنا السعيدة في ظل ~~دستور ستالين، فليحي زعيمنا ورائدنا المحبوب الرفيق ستالين.» # ورفع مئات الحاضرين من رجال ونساء أيديهم بالموافقة خانعين، وعزفت الفرقة الموسيقية ~~«النشيد الدولي»، وكانت البيارق الحمراء حول جدران القاعة تعبر عن أمجاد «الحياة السعيدة» ~~لهؤلاء العمال الذين أضناهم العمل وشفهم الجوع فراحوا لا يأبهون لشيء، لهؤلاء العمال ~~الذين باتوا أجسادا بغير أرواح، فأخذ بعضهم يتثاءب، واستغرق بعضهم في نعاسه بينما كان ~~الخطباء يرددون في خطبهم ما ملأت به صحف الصباح مقالاتها الافتتاحية، وهذه الصحف نفسها كانت ~~قد رددت في مقالاتها تلك ما كانت صحف موسكو قد كتبته في مقالاتها الافتتاحية، وأخيرا انتهى ~~الاجتماع الصوري الذي أشبهت أوضاعه شعائر العقيدة، وعاد الناس إلى دورهم أو إلى مصانعهم، ~~دون أن يقتنعوا بصدق ما قيل، أو يحسوا لأنفسهم بمصلحة خاصة في الأمر يهتمون لها. # لو كان هنالك إنسان واحد في الروسيا قد آمن بصدق ما جاء في «الاعترافات» العجيبة، فأنا - ~~على الأقل - لم أصادفه، ولم أعلم إلا بعد ذلك بسنوات كثيرة حين سافرت إلى خارج الروسيا، أن ~~الأجانب - وبخاصة الأمريكيين «الأحرار» - قد تقبلوا في سذاجة هذه الأضحوكة السوداء، فصدقوا ~~كل ما جاء فيها، وأن شركة سينمائية رأسمالية كانت قد أخرجت بالفعل شريطا ينطوي على جهل ~~وبلادة ذهن، وتقوم قصته على افتراض صدق الحكايات الخرافية التي رواها لهم القسم السياسي في ~~الروسيا! # كان أقرب المتهمين في محاكمات موسكو الأخيرة صلة بي، هو «بياتاكوف»؛ لأنه كان يشتغل ~~مساعدا أول ل «أورزنكدز»، ولطالما زرته شخصيا في شأن ms399 من شئون العمل، واشتركت في اجتماعات ~~كان يرأسها، فهو طويل القامة ذو وقار، وله لحية طويلة مستقيمة، وجبهة محدبة كجباه المفكرين، ~~وكان دائما جادا أمينا فيما يتخذ من قرارات، سواء اتخذها بعد مداولة خاصة أو بعد اجتماع ~~عام، وكان لا يكتفي أبدا بما يقال له عن الأمور الفنية من آراء، بل كنت تراه يتناول مسطرته ~~الحاسبة ويأخذ في العد والحساب والمراجعة في عناية شديدة قبل أن يأذن بعمل أو بصرف شيء من ~~المال. # لم يكن «بياتاكوف» الذي عرفته يشبه في شيء على الإطلاق ذلك «المجرم» الذي صورته المحاكمة، ~~أو ذلك الهراء الذي قرأته عنه دهشا في قصة أمريكية عنوانها «بعثة إلى موسكو»، لقد كنت ~~بطبيعة عملي وبسبب اتصالاتي الفنية أقابل مئات ممن لهم صلة وثيقة بالصناعة وبالمصانع ~~المعينة التي زعموا أن «تخريب» «بياتاكوف» قد أصابها، ولم أجد من هؤلاء المئات بطبيعة الحال ~~رجلا واحدا يصدق كلمة واحدة مما وجه إلى «بياتاكوف» من التهم، ولو أن كثيرين منهم ~~كانوا يبررون تلك المحاكمات على أسس سياسية. # كان «التخريب» الذي اعترف به «بياتاكوف» عن نفسه يقع في الصناعة الإنشائية بوجه خاص، ~~والموظف الذي يشرف إشرافا مباشرا على كل الصناعات الإنشائية تحت رياسة «بياتاكوف» هو رجل ~~يدعى «س. ز. جنزبرج» رئيس الإدارة الرئيسية للعمل الإنشائي في الصناعات الثقيلة، فكانت ~~تعرض على «جنزبرج» هذا كل تفصيلات هذا الضرب من العمل، وإذن فقد كان يستحيل استحالة ~~مادية أن يقع التخريب على النطاق الواسع الذي قرره الأستاذ «فشنسكي» عاما بعد عام دون أن ~~يكون «جنزبرج» على علم به فيغض عنه النظر. # ومع ذلك لم يقبض على «جنزبرج» وروعي ألا يرد اسمه أبدا في محاضر المحاكمة على الرغم من ~~أن المشروعات التي كان يشرف عليها إشرافا شخصيا هي التي كانت موضع المناقشة المفصلة ~~تفصيلا لم يترك شاردة ولا واردة، حتى إذا ما انتهت المحاكمة عينه «ستالين» رئيسا ~~للصناعة الإنشائية، ولما رأيت «جنزبرج» آخر مرة وجدت صدره مثقلا بحمل من الأوسمة والأنجم ~~والأنواط، وقد كان جميع من يعملون في ms400 دائرتنا الصناعية يعلمون علم اليقين أن «جنزبرج» هو ~~الذي قام بأهم دور في توجيه الاتهامات، وأن هذا المنصب الممتاز الذي احتله في صناعة الإنشاء ~~كان نتيجة ما أداه من شهادة في مجرى المحاكمات، فقد كان هذا الرجل هو الذي يحرك الأستاذ ~~«فشنسكي » من خلف الستار. # وبرز في المحاكمات شخص آخر عرفته من أعوام كثيرة خلت، وهو «نيكولاي جوليوبنكو» الذي ~~أعدم في «خاركوف» دون أن يلجئوا في ذلك إلى رسميات المحاكمة، إذ أسندت إليه تهمة هي ~~وليدة الخيال، فاتهموه بأنه يرأس «جماعة إرهابية» أخذت على نفسها أن تغتال رجال الهيئة ~~السياسية العليا، وزعموا عنه بصفة خاصة أنه اعترف عن نفسه بأنه دبر مؤامرة يغتال بها عضوا ~~من أعضاء تلك الهيئة العليا، وهو «كوسيور»، وأن يغتال كذلك أمين الحزب الشيوعي الأوكراني ~~«بوستيشيف»، ولم يمض طويل وقت بعد إعدام «جوليوبنكو» لهذه «الجريمة» حتى قبض رجال القسم ~~السياسي على «كوسيور» و«بوستيشيف»، ولم يستطع رجال الحزب الذين أدهشهم القبض على هذين ~~الرجلين أن يجدوا تعليلا لهذا سوى أن هذين الصديقين الحميمين لستالين قد تعاونا مع ~~«جوليوبنكو» في إعداد مؤامرة قتلهما. # ظل «جوليوبنكو» حينا من الدهر مديرا لمجموعة «بتروفسكى-لينين» الصناعية في ~~«دنيبروبتروفسك»، ولقد التقيت به وتحدثت إليه مرارا، فوجدت فيه رجلا جريئا صريحا، ~~وجريمته الحقيقية أنه عارض استمرار إراقة الدماء، ولما قابلته آخر مرة - وكان عندئذ رئيسا ~~لجماعة السوفيت في دنيبروبتروفسك - كان قد علم عن نفسه أن القضاء قد حم فيه وأنه لم يعد ~~أكثر من جثة تتحرك بين الأحياء، ولولا ذلك لما كلمني بالصراحة التي كلمني بها. # قال لي ما ملخصه: إن هذه «المذبحة» التي تجري في الحزب الشيوعي لم تكن سوى خطوة أخيرة ~~للقضاء على كل فكر حر، بل كل شعور حر في بلادنا. ثم أضاف إلى ذلك قوله: إن ستالين كان ~~بأعماله تلك يرمي إلى مناهضة ما قامت به الثورة، إذ أراد أن يمحو ما بقي من سلطة في أيدى ~~لجنة الحزب المركزية، وما بقي من سمعة ومنزلة قومية لأبناء الجيل الذي قام ms401 بالثورة، أراد أن ~~يمحو ذلك كله ليكون للهيئة السياسية العليا - وهذه العبارة معناها ستالين نفسه - سلطان ~~الحاكم الدكتاتوري المطلق. # لم يكن «جوليوبنكو» رئيسا ل «جماعة إرهابية»، ولو كان لمثل هذه الجماعة وجود لارتكبت ~~عملا واحدا من أعمال الإرهاب على الأقل ، لكنه عارض هذه الحركة المعارضة للثورة واحتقر ~~الحاكم المطلق، وإذن فاغتياله اغتيالا رسميا لم يكن بغير معنى مقصود أو دليلا على رعونة ~~حمقاء، بل كان عملا حربيا قام به ستالين في حملته الأخيرة الدامية التي شنها ليظفر ~~بالسلطان المطلق من القيود. # كان «جوليوبنكو» و«بياتاكوف» وربما جاز لنا أن نضيف إليهما «كوسيور» و«بوستيشيف» «مجرمين» ~~بمعنى واحد، وهو أنهم أبوا أن يذعنوا في خنوع للحكم المطلق الذي أراده ستالين لنفسه، لا بل ~~حتى هذه «الجريمة» لم يستطيعوا إثباتها على ملايين الأنفس التي لا تعرف أسماؤها، ممن ~~كانت لقوم ينتمون للحزب الشيوعي أو لا ينتمون لحزب من الأحزاب، والتي لقيت حتوفها في حركة ~~التطهير الأعظم، ولكم روعني بعد ذلك بأعوام أن أعلم أن هؤلاء الضحايا قد أسماهم المغفلون ~~والحمقى في خارج الروسيا باسم «الطابور الخامس»، «طابور خامس» قوامه تسعة ملايين أو عشرة، ~~بينهم من ستين إلى ثمانين في كل مائة من طليعة زعماء الحزب وقادة هيئاته الفرعية والقوات ~~المسلحة ورجال الحكومة والصناعة والزراعة والثقافة القومية، إن مجرد ذكر هذا الهراء ليكفي ~~لبيان ما فيه من خطأ فاحش. # وحدث في غضون محاكمة «بياتاكوف» أن اتهم رجل يسمى «شستوف» بالتآمر على قتل «ب. إيش» ~~أمين الحزب في سيبيريا، وأعدم «شستوف» ثم لم يلبثوا بعد قتله أن قبضوا على من كانوا ~~جعلوه ضحيته الموهومة، وهو «إيش»، ولقد قام «ماتولفتش» - المساعد النشيط الذي كان يعاون ~~النائب العام فشنسكي - بفعلة تنم عن دهاء وغلظة قلب، حين قام بإعداد المتهمين لقتلهم ~~رميا بالرصاص، لكن المحاكمة لم تكد تنتهي، حتى قبض على «ماتولفتش» نفسه، وكانت المحاكمة ~~كلها من طبخ رجل لا يعرف الرحمة، هو «هنري ياجودا» رئيس القسم السياسي، لكن ما أسرع ما جاء ~~دور «ياجودا» نفسه وكبار أعوانه فقبض ms402 عليهم وأعدموا، وكان معظم الذين ساهموا في ~~إعداد «دستور ستالين» قد أصابهم الإعدام أو السجن إذ ذاك، ثم لم يلبثوا كذلك أن «حاكموا» ~~أعلام قواد الجيش الأحمر، وبينهم الجنرال «توخاشفسكي» الذي طبقت شهرته آفاق العالم أجمع، ~~حاكموهم في الخفاء وأعدموهم، ولم يمض وقت طويل بعدئذ حتى حان حين «قضاته» جميعا ~~فأعدموا، فيظهر أن «الطابور الخامس» كان يشمل أبناء البلاد جميعا ما عدا «ستالين» ~~و«مولوتوف» و«السفير الأمريكي ديفز». # فعلى الرغم من براءتي في تلك المحاكمات - إذا استثنينا ما وجه إلي من لوم - فقد عذب ~~نفسي أن أرى هذه الأهوال من حولي، وهذا القبض يلقى على الناس، وهذا الإبعاد للرجال الذين ~~يعملون في مصنعي ومكتبي، مما اتصل اتصالا لا ينقطع، عذب نفسي هذا الذي رأيته حولي فانغمست ~~في العمل انغماسا، إذ كنت أواصل العمل أحيانا أربع عشرة ساعة أو ثماني عشرة أو عشرين، حتى ~~أجنب نفسي التفكير فيما أرى فأصون صوابي، لم تكن لي إذ ذاك حياة خاصة، ولم أجد الرضى في ~~عملي، ولم يكن لي أمل في مستقبلي أو مستقبل بلادي. # وهكذا أقبل اليوم المشئوم من شهر فبراير سنة 1937م، كنت يومئذ جالسا إلى مكتبي أكتب ~~تقريرا عن إنتاج المصنع لأرفعه إلى «إيفانتشنكو» في «خاركوف» وإلى «أورزنكدز» في موسكو، ~~وإذا مساعد من مساعدي يندفع إلى مكتبي والدمع ينهمر من مقلتيه. # قال في صوت متقطع بالبكاء: «فكتور أندريفتش، لقد مات «سرجو أورزنكدز» يا له من حظ ~~أنكد!» # فجلست لا أتحرك ولا أتكلم كأنما صابني شلل، وانحدرت العبرات على وجنتي، فقد فقدت بفقده ~~صديقا راعيا، وفي اليوم التالي بغير إبطاء، تلفن إلي «جرشجورن» قائلا: «يا لها من ~~مأساة! «لقد مات راعيك في موسكو» قد يحسن أن نلتقي سريعا وأن «نسمر» بالحديث «في هذا وذاك» ~~من الأمور.» # لقد انهدم حائط الخزان واندفعت تيارات الماء الداوية تدور من حولي. # الفصل السادس عشر # | بحث عن العدالة # طلب إلي أن أتكلم في اجتماع عمال المصنع تكريما لذكرى «أورزنكدز»، فكانت هذه أول مرة ~~أبعث فيها الكلام من سويداء ms403 قلبي في اجتماع سوفيتي، فلقد مضت سبعة أعوام مذ اختارني ~~«أورزنكدز» للتدريب على أن أكون أحد «الصفوة المختارة من رجال الهندسة الصناعية في بلادنا»، ~~ولبث خلال هذه الأعوام السبعة يشجعني ويحميني بعطف يدنو من عطف الوالد على ولده، وأتيح لي ~~بطبيعة الحال أن أعرف أنني واحد من ألوف الرجال الذين وضعهم في حمايته واستخدمهم في صوالح ~~الوطن. # ولا بد أن أكون قد نقلت إلى نفوس السامعين ما يضطرب في نفسي أنا من شعور بفداحة الخسارة؛ ~~لأن عشرات منهم أخذوا يبكون في غير إخفاء، وإذن فهذه الجموع من غمار الناس، التي شهدت ~~الجلسات الرسمية الصورية التي ووفق فيها على محاكمات أريقت فيها الدماء، وعلى دستور ~~وهمي، أقول: إن تلك الجموع من غمار الناس التي شهدت تلك الجلسات في عبوس وتجهم، لم تكن تخلو ~~من شعور شريف، وإذن فالينابيع الأولى التي كانت معينا تدفق منه الشعور الروسي لم تكن قد ~~نضبت بعد. # ونشرت الجرائد رثاء طويلا ذكرت فيه مناقب الوزير الفقيد، ووقعه ستالين ومعه تسعة عشر ~~آخرون من علية القادة، وعينت الهيئة السياسية العليا لجنة من سبعة أعضاء كلهم من رجال ~~الصناعة ورجال الحكومة الممتازين لينظموا جنازة رسمية، وشهد أربعة من كبار الأطباء بأن موت ~~الفقيد يرجع إلى «شلل في القلب»، ولقد رسخت في ذهني هذه الأرقام لما تنطوي عليه من إشارة ~~إلى ما ساد ذلك العصر من مر الحوادث؛ ذلك لأنه قبل أن ينقضي عام واحد، لم يكن قد بقي من ~~العشرين الذين وقعوا الرثاء في الصحف متمتعا بحياته أو بحريته إلا تسعة، وأما الآخرون ~~فقد قضي على حياتهم رميا بالرصاص، أو أزهقوا أرواحهم بأيديهم، أو زج بهم في السجون حيث ~~ينحدرون إلى الفناء رويدا، وكذلك لم يبق حيا أو طليقا إلا رجلان من السبعة الأعضاء ~~الذين طلب إليهم إعداد الجنازة، وأما الباقون فثلاثة منهم أعدموا، وانتحر رابع ~~ودفن الخامس حيا في إحدى مناطق الأشغال الشاقة، وكذلك لم يبق من الأطباء الأربعة إلا ~~واحد أخذ ينفق أيامه في فزع لا ينقضي ms404 مما عساه أن يصيبه في حركة التطهير. # لماذا لزمت شهادة الأطباء بما فيها من تفصيل عن موت الوزير؟ لأن الشعب الروسي - وأعضاء ~~الحزب بصفة خاصة - لم يعودوا يصدقون أن أصحاب المناصب العليا في الحكومة يموتون ميتات ~~طبيعية ، إذ كان من أثر الحوادث الغريبة التي وقعت أن أخذ كثير من الناس ينظرون نظرة المرتاب ~~لما يجري من أمور، ومما يجدر ذكره في هذا الصدد موت زوجة ستالين قبل ذلك ببضع سنوات، إذ ~~كانت لا تزال شابة صغيرة، وهي «نادزدا أللويفا». # فلقد بذلت مجهودات ضخمة إذ ذاك لإخفاء موتها المفاجئ، ومع ذلك فقد شاع في الناس كثير ~~من الحقائق التي تثير المشاعر، أو هي على الأقل شاعت في الدوائر العليا من رجال ~~الحكم. # كانت «أللويفا» ابنة رجل من رجال الثورة فيما قبل عام 1917م، ويظهر أنها قد ورثت عن أبيها ~~بعض ميوله الإنسانية التي ذهب زمانها والتي تقشعر من الأعمال الإرهابية التي تنزل بالناس ~~على نطاق واسع، فلم تحتمل الحركة الوحشية التي أدى إليها إنشاء المزارع الجماعية، لم تحتمل ~~تلك الوحشية حتى من رجل هو والد طفليها، ولم تقصر التعبير عن جزعها على محيط الأسرة، بل ما ~~فتئت تهاجم سياسة زوجها في اجتماعات الحزب التي كانت تنعقد في المعهد العلمي الذي كانت ~~تتلقى فيه بعض الدروس في الهندسة الصناعية. # إن مجرد الإشارة إلى هذه الحقائق كان وحده كفيلا أن يلقي بالمذنب إلى أعماق السجون، ومع ~~ذلك فقد أخذت تتقطر أنباؤها في المحيط الأعلى من أصحاب السلطان، حيث الفضائح والدسائس ~~والحوادث المثيرة تملأ الجو بمثل ما كانت تملؤه أيام بلاط «رومانوف» الغابرة، فلما أعلن عن ~~موت «أللويفا» إبان ثورتها التي قامت بها وحدها كان الشك الوحيد الذي اختلج في الرءوس هو هل ~~قتلت نفسها بيدها أو دس لها السم بإشارة من ستالين. # لهذا أخذت الشكوك حول موت «أورزنكدز» تشيع في الناس على الرغم من بيان الأطباء الأربعة، ~~ومن المصادفات أني أعلم الصدق فيما يتصل ببعض ما أحاط بالأمر من ظروف، لكن الوقت لم ms405 يحن بعد ~~للكشف عن مصادر علمي؛ لأن إعلان الأسماء معناه الفتك بأصحابها والقضاء على حياتهم، لكن لما ~~كانت الأعوام الأخيرة من حياة هذا الوزير الفقيد مرتبطة بحياتي ارتباطا وثيقا، فإني أشعر ~~أن من واجبي أن أسجل هنا في إيجاز بعض الحقائق. # لبث «أورزنكدز» أمدا طويلا يعاني من أزمة صدرية حادة ومن عطب في الكلية اليمنى، ولطالما ~~جعل من أمراضه موضوعا لفكاهته، وحدث لي أكثر من مرة أن رأيته وقد أنهك نفسه بالعمل إنهاكا ~~أسقطه من الإعياء بعد يوم مليء بالمجهود المتصل رغم ما يحسه من ألم شديد، ولما بدأت حركة ~~التطهير الأعظم سنة 1936م تكتسح بموجتها ألوفا من أصدقائه الأقربين وزملائه في الحزب وفي ~~الصناعات الثقيلة، رفع احتجاجه لستالين وأثار العواصف الحامية في اجتماعات الهيئة السياسية ~~العليا، وقاتل رجال القسم السياسي قتال النمر فساءت صحته، ثم أعقبت ذلك صدمة القبض على ~~«بياتاكوف» أقرب زملائه إلى نفسه، فأرقدته مريضا لا يرجى شفاؤه. # كان صديق من أصدقائي في مكتب الوزير لما جاءه رسول يحمل نبأ القبض على مهندس ممتاز كان ~~رئيسا لإحدى الجماعات الصناعية الكبرى التي تقع تحت إشرافه، فاحمر وجه الوزير من الغضب ~~وانتفخت عيناه وأخذ يرغي ويزبد بمقدار ما يبيح لنفسه رجل عاطفي من جورجيا أن يرغي وأن يزبد، ~~وكان «ياجودا» رئيس القسم السياسي وأهم عامل في تنظيم حركة التطهير الأولى وما جرى فيها من ~~محاكمات قد أعدم قبل ذاك، وحل محله «يزوف» في رياسة محاكم التفتيش السوفيتية، وهو رجل ~~ممقوت كريه، فتلفن «أورزنكدز» إلى «يزوف» وأرسل لنفسه العنان في حديثه معه مطالبا بمعرفة ~~السبب الذي دعا إلى القبض على المهندس دون أن يستأذن في أمره. # وسمع صديقي الوزير وهو يصيح قائلا: «كيف استبحت لنفسك أيها القذر الحقير أن تفعل ما ~~فعلته؟ إني أطالبك بإرسال وثائق هذه القضية، أرسلها كلها بغير إبطاء!» # ثم تلفن إلى ستالين بالخط المباشر الذي يربط رجال القيادة في تلك الحكومة الدكتاتورية ~~بعضهم ببعض، وعندئذ كانت يداه ترتعشان وعيناه محمرتين، وأخذ يضغط بيده ذلك الموضع من ms406 ظهره ~~الذي جعل يحس فيه وجع الكلية المعطوبة. ~~- «كوبا! لماذا تأذن لرجال الشرطة السياسية أن تقبض على رجالي دون أن أحيط بالأمر ~~علما؟» # هكذا سمع صديقي الوزير يقول في صوت عال في حديثه التليفوني إلى ستالين، و«كوبا» هو ~~الاسم الخاص الذي ينادى به ستالين من خلصائه. # وساد الصمت مدة طويلة كان ستالين يتكلم خلالها من الطرف الآخر، ثم قاطعه «أورزنكدز» ~~قائلا: «إني أطالبكم بوقف هذا التحكم، فأنا ما زلت عضوا في الهيئة السياسية العليا! كوبا! ~~إنني سأثيرها حربا شعواء حتى ولو أدى ذلك إلى موتي!» # وأنزل «أورزنكدز» السماعة بضربة قوية، وجلس إلى مكتبه في حالة من اضطراب الغضب الذي لا ~~يجدي. # أمثال هذه المواقف كانت تحدث كل يوم حتى امتصت من ذلك الرجل عصارة حياته، ولقد كان هذه ~~المرة عند تهديده فأثار الفضائح في اجتماع الهيئة السياسية العليا، وكان «كرسيور» ~~و«رودزتاك» و«شوبار» و«أنتيبوف» يناصرونه عادة، ولقد ألقي القبض على أربعتهم واختفوا عن ~~الأنظار خلال أيام التطهير، ثم ما هو إلا أن أعجز المرض «أورزنكدز» عن حضور الجلسات، لكنه ~~لبث من غرفة مرضه يبعث بالرسائل التليفونية الثائرة بسورة الغضب التي ما انفك يطالب بها ~~أن ترد الحرية أو الحياة لرجاله الذين كانوا يعملون تحت إشرافه وكانوا منه موضع ~~ثقته. # لم يسمح لزوجة «أورزنكدز» - واسمها «زنيدا» - أن تزوره إبان مرضه الأخير، وقد كان يضمر ~~لها أعمق الحب، فرجال الشرطة السياسية الذين تظاهروا بحمايته، كانوا في الحقيقة يحولون بين ~~أصدقائه وبينه وهو في سرير المرض، ولم يؤذن لأحد بزيارته إلا ل «ميكويان» و«فوروشيلوف» ~~وكلاهما عضو في الهيئة السياسية العليا، ولقد حاولا عدة مرات أن يحملاه على مهادنة ستالين ~~بأن يعترف له بضرورة التطهير الأعظم، لكن هذه الزيارات كانت دائما تنتهي بمعارك ~~حامية. # ولقد كان من العلة بحيث تستحيل عليه الحركة، إلا أن مرضه مع ذلك لم يبلغ به حافة الموت، ~~فلم يكن ثمة ما يمنع أن يظل مقعدا عدة أعوام، وأخذ وهو في سريره يملي الرسائل للجنة ~~المركزية والهيئة السياسية العليا يتهم فيها ms407 ستالين ويطالب بعقد جمعية عمومية للجنة ~~المركزية للنظر في حالة البلاد وإيقاف هذا التيار الجارف من حوادث القتل والتخريب، فكان ~~يملي رسائله تلك بعاطفة وإيمان، ولو سلمت تلك الرسائل من التلف لوجد مؤرخو العصور المقبلة ~~اتهاما مفصلا للثورة المضادة التي أثارها ستالين، نطق به الرجل الذي قام بتنفيذ مشروعات ~~السنوات الخمس في أول دور لها. # فما انقضى بعد ذلك يومان حتى مات «أورزنكدز» على غير توقع من أسرته ومن الأطباء الذين ~~يشرفون عليه، وهناك من الناس من يرجح أنه جرع السم في لحظة من لحظات يأسه، ويعتقد آخرون أن ~~دكتور «لفين» هو الذي أماته مسموما، ولفين هو الطبيب الذي اعترف فيما بعد بأنه دس السم ل ~~«مكسيم جوركي»، فليس ثمة من سبيل إلى الشك - فيما أعلم - أنه مات غيلة، وأن نهايته لم تكن ~~«طبيعية». # فلو صدق هذا الزعم، لكانت جنازته الحافلة، ونشر رثائه في طول البلاد وعرضها لذكر مناقبه، ~~جزءا من مهزلة يمجها الذوق السليم، ونشرت صور للجنازة وقفت فيها أرملة الفقيد إلى جانب ~~ستالين، وهي التي حرمت رؤية زوجها إبان مرضه، ثم أخذوا خلال الأعوام القليلة التالية ~~يدفعون إلى النسيان اسم «أورزنكدز» شيئا فشيئا، حتى جاء وقت لا يكاد يذكره فيه ذاكر، ~~وجعلوا يغيرون أسماء المدن والشوارع والمصانع التي كانت تحمل اسمه، حتى إن صغار الشباب ~~الشيوعي اليوم يوشك ألا يعرف من هو «أورزنكدز». # وخلف «أورزنكدز» في رياسة الصناعة «فاليرين مزلاوك»، ولشد ما دهشت حين أرسل إلي رسالة ~~خاصة يطلبني إلى موسكو، فالظاهر أن «مزلاوك» كان يجمع حوله من أمكنه أن يجمعهم من ~~المهندسين الفنيين الذين أنقص التطهير عددهم بشكل ظاهر، وذلك حين وكل إليه أن يمسك بزمام ~~الصناعة الثقيلة في البلاد. # كان قوي البنية وسيم الطلعة، عاش بعض وقته خارج البلاد، فكان له مظهر الرجل الأوروبي ~~وأخلاقه على السواء، وعلى الرغم من قدرته في الإدارة، لم يكن له من القوة أو النفوذ السياسي ~~إلا قليل، فلعل ستالين أراد ألا يقترف الخطأ مرة أخرى بأن يجعل رئيسا آخر «حر ms408 الرأي» في ~~منصب رفيع. # قال: «إني أفكر في تعيينك رئيسا لمصنع من أكبر مصانعنا يا رفيقي «كرافتشنكو»؛ فصحيفتك في ~~«نيقوبول» تبرر ذلك، فماذا ترى؟» ~~- «اسمح لي أن أسألك يا رفيقي الرئيس من ذا الذي رشحني لهذا؟» ~~- «ولماذا تريد أن تعرف ذلك؟» ~~- «لأني محوط بكثير من المتاعب السياسية في نيقوبول، فلقد وجهت إلي تهمة الإتلاف ~~المتعمد وغيرها من الذنوب، فلعله من المفيد أن تعلم عني هذا قبل أن ترقيني إلى منصب أهم من ~~منصبي الحالي.» # وأخبرته في شيء من التفصيل عما صادفته حديثا من متاعب. # فهز «مزلاوك» كتفيه وقال: «هذا غريب، غريب أنهم لم يخبروني بذلك، إني أعلم أن «أورزنكدز» ~~كان لك شديد التقدير، وقد تكون مصيبا في رأيك، فلنترك الأمر كما هو الآن مؤقتا.» # ولقد حدث فيما بعد ما جعلني أحمد نجمي السعيد الذي ولدت تحت سمائه، فما هو إلا أن ~~ألقي القبض على «مزلاوك» فاختفى كأنما ابتلعته أمنا الأرض في جوفها، ثم سرعان ما أعقبه ~~أخوه «إيفان»، فلو أنه نصبني في مكان هام لدفعت بغير شك ثمن هذا الفضل غاليا. # وفي الأيام الأولى من مارس ألقى ستالين خطابا ضافيا في اجتماع اللجنة المركزية، ونشر ~~الخطاب كاملا، ثم أخذ مأجورو الحزب - كما هي العادة - يلوكون كلماته في اجتماعات حزبية ~~وشعبية لا نهاية لعددها، وجعلت الصحف والإذاعة تقتبس من الخطاب نتفا تذيعها كل ساعة ~~بلهجة الإعجاب، لكن هذه التغطية كلها لم تستطع أن تخفي عن الأنظار لب الخطاب، فلب رسالته هو ~~أن التطهير - على بشاعة ما ظهر منه - لم يكن حتى الآن إلا بداية، وأن البلاء منه ما هو أشد ~~وأفظع. # قال ستالين: «إن الإتلاف والتهاون قد شملا، أو كادا يشملان، كل نواحي العمل في بلادنا على ~~اختلاف في الدرجة هنا وهناك.» ثم أخذ يؤنب الحزب قائلا: «إنه قد نسي أن سلطان السوفيت لم ~~يغز من العالم إلا سدسه، وأن خمسة أسداسه لا تزال في أيدي الرأسماليين ... وطالما بقيت بلادنا ~~مطوقة بالرأسمالية، فلن ينقطع من بيننا المتلفون والمتهاونون والجواسيس ...» # فكاد هذا ms409 الخطاب ألا يخفي ما وراءه من عزم، وهو إعلان الحرب على كل منظمات البلاد، وعلى ~~كل من حدثته النفس اليوم أو غدا أن يعارض كلمته المطلقة، فالجد في العمل، بل النبوغ فيه لا ~~يجوز أن يقبلا دفاعا - هكذا أنذر ستالين في خطابه - عن متهم أعوزه الإيمان، «إن المتلف ~~الحقيقي لا بد حينا بعد حين أن يبدي علائم النجاح في عمله؛ لأن مثل هذا النجاح هو السبيل ~~الوحيدة التي يستطيع بها أن يتابع إتلافه وراء ستار ... لا بد لنا أن نجتث هؤلاء الناس من ~~جذورهم، وأن نسحقهم سحقا بغير إبطاء ويغير مداورة؛ لأنهم أعداء الطبقة العاملة، إنهم ~~خائنون للوطن.» # فكان هذا التلميح بمثابة الإشارة لغلاظ القلوب ومشتعلي الصدور بالحماسة في كل مجتمع من ~~أهل البلاد أن يبدءوا نشاطهم، وبهذا شق الطريق أمام القسوة لتبدأ سيرها، وأحسسنا بنتائج ~~ذلك فورا في جماعتنا، فبعد أن أذاع ستالين خطابه بأيام عدة ألقي القبض على مدير مصنع ~~كبير للآلات الزراعية، كما قبض على كل إخوانه، وقضي على الكثرة الغالبة من رجال ~~الإدارة والهندسة في مناجم المنجنيز في نيقوبول، وفي كل مشروع آخر من مشروعات تلك ~~المنطقة. # ولما ذهبت إلى المصنع ذات صباح وجدت «براتشكو» في انتظاري وقد أخذ منه الهلع. # قال في صوت حزين: «فكتور أندريفتش»، لقد قبض على أمين سر اللجنة المحلية الرفيق ~~«فيلين» أثناء الليل.» # وخلال ذلك اليوم نفسه، ناداني الرفيق «لوس» ولم يكد يستطيع أن يخفي رنة النصر في ~~حديثه. # قال لي مغتبطا: «لا بد لنا من عرض قضيتك من جديد أمام اللجنة المحلية، فأنت تعلم أنك ~~نجوت في المرة الماضية بمعونة «فيلين»، وإنه لمن أعداء الشعب، ولكنك الآن تحت رعايتنا فلا ~~تخف!» # وإذن فمحاكمتي التي حسبتها قد انتهت، لم تكن إلا بادئة. # لم يمض وقت طويل حتى دعيت إلى «الحديث القصير» الذي وعدني إياه «جرشجورن»، فلما وصلت ~~بناء القسم السياسي في الساعة الحادية عشرة مساء كما أمرت، لم يكن هو قد جاء بعد، ~~فانتظرته في غرفة الاستقبال التي ازدحمت بالزائرين، يضطرب ms410 رأسي بشتى الآراء الهوجاء، فأي فخ ~~شيطاني قد نصبوه لإيقاعي يا ترى؟ أيكتب لي أن أغادر هذه الدار التي امتلأت ~~بالمفازع؟ # اقتربت الساعة من الواحدة حين جاء «جرشجورن» آخر الأمر بصدغيه السمينين وقد حلقهما ~~و«بدرهما» لتوه، وبرأسه الأصلع المستدير في احديداب يلمع بالضوء، جاء منتعشا نشيطا ~~مستعدا «للعمل»، فتبعته إلى مكتبه الفسيح الخالي من الأثاث، الذي كنت قد ألفته لكثرة ما ~~اختلفت إليه، لم يكن في هذا المكتب من أثاث سوى نضد من خشب الكابلي المصقول وقليل من مقاعد ~~وخزانة ضخمة وأريكة، فكان عري المكان من الأثاث ونظافته يوحيان إليك - على نحو ما - أنك في ~~حجرة طبيب جراح. # بدأ الحديث رئيس القسم الاقتصادي وكان يتكلف المرح فقال: «استمع إلي يا «كرافتشنكو»، ~~أنا أثق فيك وأود لو تفاهمنا في غير عناء، لقد استطعت حتى الآن أن تخلص بنفسك عند الحزب من ~~مشكلتك بتلك القصاصات السخيفة التي قدمتها، لكن هذا الخلط والتهويش لا يجديان فتيلا في ~~القسم السياسي، فسوف نغوص في الأمر حتى نصل إلى أعماقه فنعلم كل ما يتعلق بمسألة الآلات ~~المخزونة ومبدأ أبيك المنشفي وعلاقاتك بأفراد نعرف عنهم أنهم أعداء الشعب.» # في هذه الليلة الأولى التي أعقبتها ليال كثيرة، استعرض «جرشجورن» كثيرا من النقط التي ~~كانت قد استعرضت في المحاكمة العلنية، وأشار في حديثه إلى ملف أوراق مليء بالتقارير ~~التي كتبها عني وكلاؤه الذين يحيطون بي أينما سرت، فأعاد ذكر حوادث كانت قد وقعت في المصنع، ~~كما أعاد ذكر حالات لم نكن فيها موفقين في إنتاجنا بحيث نسد ما طلب إلينا، وكان كلما ذكر ~~عني شيئا، وخصوصا فيما يمس علاقاتي ببعض أفراد ألقي عليهم القبض أو قضي في أمرهم ~~على نحو ما، أقول: إنه كان كلما ذكر عني شيئا يحاول أن يشتم منه رائحة اتهامي بمحاولة ~~الإتلاف، ثم يحاول في دهاء أن يوقعني في متناقضات واعترافات. # ودام استجوابي على هذا النحو حتى الساعة الرابعة صباحا، وكان معظم ما دار حوله الحديث ~~شئون أفراد غيري ممن يشتغلون في صناعة التعدين، فلقد ms411 أراد القسم السياسي أن يعلم مني شيئا ~~مما يصح أن يقوي وجهة نظره في اتهام هؤلاء الموظفين الذين كانوا تحت قبضتهم، كما أنه بغير ~~شك كان لا يدخر وسعا في جمع معلومات وآراء عني تمكنه من تأييد اتهامي. # ولو كان أي من هؤلاء الناس الذين ساء حظهم قد جعل الإتلاف همه حقيقة، لرأيت منه ما يدل ~~على ذلك؛ لأن ما رسموه من خطط وما أنتجوه وما أنجزوه وما اقترفوه من خطأ، كل ذلك كان ~~منعكسا في مصنعي، لكني لم أشهد قط علامة واحدة من علامات الإتلاف المتعمد، نعم كان هناك ~~دلائل كثيرة تنم عن عجز في القدرة واضطراب وتعطيل، لكن هذه كلها لم تكن سوى أمراض لا بد ~~منها لصناعة وليدة كتلك الأمراض التي يتعرض لها الأطفال بحكم تكوين أجسادهم، ولم يكن في ~~وسعي مهما بذلت من جهد أن ألوي الحقائق بحيث تظهر في صورة البراهين التي تدل على تخريب ~~مقصود. # وضاق «جرشجورن» صدرا لما رآه من «عنادي»، وكنا كلما تقدمت بنا ساعات الليل، ازداد هو ~~قلقا وازداد سخطا، وتبدل الأدب الظاهري الذي بدأ به في أول الليل وقاحة وإهانة صريحتين ~~تدريجا، عطرهما بتوابل من الشتائم الروسية الخالصة، إذ خيل إليه أنه من قبيل الإهانة ~~الشخصية له أن تبلغ بي الجرأة حدا أقاوم معه كل ما بثه في حديثه من تلميحات، وأفسد له ~~كل ما بناه لنفسه من نظريات غريبة، لا بل إنه تصرف على نحو أراد به أن يبين أنه هو الضحية، ~~وأنني أستغل طيبة قلبه بحيث أضطره اضطرارا إلى هذا الموقف الذي جعله يتندى بالعرق وينطق ~~بالشتائم بسبب عنادي في رفض «التعاون معه». # تركت بناء القسم السياسي عند فلق صبح جديد، وكان سطح الماء في نهر دنيبر رخيا ناعما ~~بموجاته الصغيرة كأنه الدمقس المتثني، فلماذا لا أغوص في جوفه فأتزمل إلى الأبد بدثار من ~~النسيان؟ فقد كان يستحيل علي أن أغادر بناء القسم السياسي الكئيب مرة واحدة دون أن أحس ~~في نفسي شوقا إلى أنعم الموت، «لماذا لا ms412 يدعونني وشأني؟ لست أريد إلا العمل وإلا أن أعطي ~~خير ما أستطيع، لماذا لا يدعونني وشأني؟» هكذا كانت خواطري تترنح كما كان جسدي، فلم تستطع ~~أن تطرد في خط مستقيم من التفكير، ولا إخال من رآني من الناس - وهم عدة - إذ كنت ماشيا ~~في الطريق ذلك الصباح البارد ذا الضباب الكثيف، لا إخال هؤلاء إلا موقنين بأنني كنت إذ ذاك ~~مخمورا. # ذهبت إلى عملي في المصنع ذلك النهار بعد نعاس قليل، فذهبت في غفوة النعسان، تكاد جبهتي ~~تنشق عند جانبيها من الألم، وجعلت أرقب قدوم الليل لأجد فيه راحتي من عنائي، لكن العصر لم ~~يتقدم بنا قليلا حتى دق التليفون من مكتب «جرشجورن»، وطلبت للذهاب مرة أخرى في الساعة ~~الحادية عشرة لنستأنف «حديثنا» القصير، وذهبت هناك كما أمرت، ذهبت متعبا مضطرب الأعصاب ~~ممرور النفس، ودام استجوابي على هذا النحو شهرا كاملا لم ينقطع إلا فترة قصيرة، فكان ذلك ~~بداية محنة أصابتني من عدم النوم، وهي محنة يستحيل على إنسان أن يتصور مدى فداحتها إلا إذا ~~أصيب بمثلها في جسده وأعصابه. # وعوت ذئاب نيقوبول تنشد دمي - وما ذئاب نيقوبول إلا «دوروجان» و«جرشجورن» و«لوس» ومن ~~إلى هؤلاء - واشتد بهم القلق يريدون تمزيقي إربا إربا، فكنت تكاد ترى بعينيك لعابهم وهو ~~يسيل من جوانب أفواههم اشتياقا للوليمة المرتقبة، لماذا؟ لماذا؟ ماذا يحرك نفوسهم ضدي ولم ~~أسئ إلى أشخاصهم على أي وجه من الوجوه؟ # كان لهذه الأسئلة ردود منطقية، فما داموا قد قضوا على عشرات من الناس في مصنعنا وغيره ممن ~~كانت مناشطهم تتدخل في مناشطي تدخلا وثيقا، فالاطراد المنطقي يقتضي المطالبة بحياتي، فما ~~دمت حرا طليقا فستظل صورة التطهير في المنطقة الخاضعة لإشرافهم شائهة؛ لأن «غمار الناس» ~~سيعتورهم شك شديد في صدق ما وجه إلى هؤلاء الضحايا من اتهام، وسيزدهر هذا الشك في نفوسهم ~~ولن يهدأ إلا إذا سدت هذه الثغرة الباقية في البناء الذي ركبوا أجزاءه بعضها إلى بعض، ~~وفضلا عن ذلك فإنهم قد بدءوا قضيتي وأعلنوا عنها، وإذن فمن سوء السياسة ms413 أن يجعلوا لي ~~طريقا أفلت منه؛ لأن ذلك مما «يزعزع نفوذهم» على حد التعبير السوفيتي الذي كان ~~شائعا. # بيد أن الردود المنطقية تقف من الأمر عند ظاهره ولا تغوص إلى الأعماق لتجد الأسباب ~~الحقيقية لهذا الاتهام المقصود في الحمأة الدنيئة الوطيئة من فطرة الإنسان التي تنحرف به عن ~~جادة المنطق، فلقد انقلب الأمر إلى صيد يشوق النفس، ولن يطيب الصائد نفسا حتى تقع الفريسة ~~بين يديه، ولا شك أنهم بدءوا بغير أن يكون في صدورهم عاطفة معينة إزائي، كائنة ما كانت، ~~لكنهم لما أخذتهم حرارة التعقب لفريستهم، وفي اللحظات التي كانوا يصابون في صيدهم بالفشل، ~~أخذت تتولد في نفوسهم كراهيتي، لقد أرادوا أن يكلل سعيهم بالنصر، بحيث يضيفون جلدي إلى سواه ~~مما جمعوه من علائم النصر في كومة تسيل بالدماء. # ويظهر أن الصائدين أرادوا في الوقت نفسه أن يستمسكوا بقواعد الصيد على الأقل في الظاهر، ~~وهي رغبة تدل أيضا على انحراف الفطرة البشرية، فإذا هم قبضوا علي ورموني بالرصاص في إحدى ~~حجيراتهم الزلقة، ظهروا في أعين «نيقوبول» بمظهر يثير السخرية، ولقد أصبحت قضيتي من تلك ~~القضايا التي لا بد فيها من صيد الفريسة علنا وعلى مرأى من الناس بحيث يعترف المجرم ~~بجريمته فيسمع الجميع اعترافه. # لبثت عدة أسابيع لم يتح لي فيها أن أذوق للنوم طعما، ألاقي في غضونها من ألوان التعذيب ~~والإهانة ما ألاقي في الجلسات السرية، وفي الوقت نفسه مضوا في إجراءاتهم العلنية في اتهامي، ~~وأعادوا كل الخطوات التي اتخذوها حينما قضوا بفصلي أول مرة، كأنه شريط ملفوف يعودون إلى حله ~~من جديد، فمن جديد ألفوا لجانا للتحقيق، ومن جديد أخذوا يجمعون الحزب للتداول وينشرون ~~تجريحي في الصحف، ولقد جعلت أتلقى هذه الخطوات المتتابعة لا يؤرقني إلا شوق شديد للنوم ~~والراحة، فأحيانا كنت أحس كأنما ملئ جسدي بالرصاص الثقيل الذي يقعدني عن الحركة بثقله ~~الجسيم، وفجأة أحس به خفيفا كالريشة ويخيل إلي أنه وشيك السبح في الهواء، وأخذت موجات ~~من الحرارة والبرودة تنتابني على التوالي، وأضافوا إلى قائمة ms414 اتهاماتي القديمة اتهامات ~~جديدة، وسعوا في تهمة الإتلاف وعمموها إذ وجدوا أن حصرها في أنواع معينة ييسر دفعها، ~~وكذلك غيروا نسبة اهتمامهم بالتهم المختلفة في القائمة الجديدة عما كانت عليه أولا ، فمروا ~~سراعا على التهم الخاصة بأفعالي الشخصية، لكنهم أطالوا الوقوف عند تهاوني مع رجال ثبتت ~~عليهم بالفعل تهمة الإتلاف، وإذا لم يكن ذلك تهاونا مني، فهو على الأقل تسامح غادر ونقص في ~~يقظتي، وبالطبع كلما ازدادت التهم تعميما بغير تخصيص، ازداد دفعها عسرا. # فلما طال أمد تعقبي على هذا النحو، أنسيت بالفعل سبب هذا التعقب، ولم أعد أشعر بشيء ~~أبدا سوى ما بي من تعب وبؤس ودوار وحيرة، ودفعني اليأس إلى اعتزام البحث عن العدالة في ~~مكان آخر، لعلي بهذا على الأقل أغير مجرى الاتهام الرتيب الممل، أو لعلي على الأقل أنجو ~~ولو إلى أمد قصير من هذه الجلسات الليلية مع «جرشجورن»؛ فعرضت خطتي على المدير ~~براتشكو. # قلت: «لقد أنهكني التعب إنهاكا مميتا يا «بيوتر بتروفتش»، إن رأسي يدور وأعصابي تكاد ~~تتمزق، فلا أنا أستطيع عملا ولا طعاما ولا نوما، ولا بد أن يكون ثمة مكان آخر أجد فيه ~~أثرا باقيا من الصدق والعدل الخالص، وفي نيتي أن أحاول البحث عنه، فسألجأ إلى اللجنة ~~الإقليمية، وإلى اللجنة المركزية العليا، وإلى أفراد معينين من الرفقاء، وسأقص مأساتي على ~~كل من يعيرني أذنا مصغية، فقد أجد إنسانا واحدا في مكان ما يعينني بنصحه ومساعدته، فأنا ~~رغم كل اتهاماتهم لي لم أقترف ذنبا، فلماذا يتعقبونني كما يتعقبون مجرما؟ لماذا يدفعون بي ~~خلال هذه المفازع مرة ثانية فثالثة إذا كانت براءتي قد ثبتت في المرة الأولى؟ نعم، إني مصمم ~~على البحث عن جواب لهذه الأسئلة.» # أخذ الهم «براتشكو» لما علمه من موقفي ومن نيتي، فلم يكن لديه أدنى علم بهذا التحقيق الذي ~~يجري معي كل مساء، فلقد أخذوا علي تعهدا بالكتمان لقاء عقاب شديد، لكنه أحس مما قلته له ~~أن ثمة ما يبرر يأسي هذا أكثر من هذه الأسباب الظاهرة. # فأكد لي قائلا: ms415 «إن هذا الذي تنشده سخيف ولا يجديك نفعا، فضلا عن أني لا أكاد أرى ~~شيئا من الحكمة في سفرك الآن من نيقوبول؛ لأنهم سيستغلون غيابك استغلالا يفيدهم، ولكني ~~أراك من ناحية أخرى متعبا إلى حد لا يحتمل، وربما كان الأفضل أن تخرج من هذا البلد بعض ~~حين، فإذا أردت ذلك فسأدبر لك عملا تكلف بالقيام به في مكان ما.» # وهكذا بدأت رحلتي باحثا عن العدالة بحثا تحطم له فؤادي، فقد كان لزاما علي أن أقابل ~~عشرات من الأفراد والهيئات، ولم يكن أحد من هؤلاء يعرف مكان إقامتي. # بدأت بمسقط رأسي في «دنيبروبتروفسك» حيث كان أحد زملائي في الدراسة أمينا ثانيا للجنة ~~الإقليمية، ومعنى ذلك أنه رجل له وزنه السياسي وهو «سوشنيكوف»، وكان من بين مرءوسيه زميلان ~~لي أيام معهد الهندسة: أحدهما يدعى «سوفوروف» الذي كان أيام الدراسة فقيرا إلى حد يستدر ~~الإشفاق، ولطالما أخذته معي إلى دارنا لتطعمه أمي وتصلح له ثيابه المهلهلة، وأما الآخر فهو ~~«بولاسفتش» الذي لم تهيئه الطبيعة للدراسة، فكنت مع غيري من الأصدقاء أجلس معه الساعات ~~لأفهمه ما صعب عليه من الدروس. # كان هؤلاء الثلاثة جميعا يعملون في بناء الحزب الذي قصدت إليه، يفرغون حكمتهم إلى ~~«السوقة»، إذن فقد يكون من المفيد أن آخذ إقرارات من مثل هذا الثالوث الذي يحتل مثل هذه ~~المكانة العالية، حيث يشهدون لي باستقامة سيرتي في الحزب. # كان «سوشنيكوف» قد سمن وترهل في الفترة التي غبت فيها عنه، وجدته جالسا إلى مكتب ضخم في ~~حجرة فسيحة مؤثثة بفاخر الأثاث ومفروشة بوثير البسط، وعلق فوق رأسه صورة باسمة للزعيم، ولبث ~~دقيقة كاملة لا يرفع إلي عينيه مما كانتا تنظران إليه من أوراق أمامه، وهي علامة معهودة ~~مألوفة لمن أراد من الموظفين أن يثبت أهميته وخطر مكانته، وأخيرا نظر إلي وقال في برود: ~~«أهو أنت يا رفيق كرافتشنكو، ماذا تريدني أن أصنع لكم؟» واستعمل كلمة «لكم» بدل الكلمة ~~المألوفة «لك». ~~- «منذ متى قد أسقطت من حديثك كلمة «لك» إذ تحدث زملاءك في المعهد؟ ms416 بالله نبئني لماذا ~~تتحدث على هذا النحو كأنك من السادة الأعلين؟» # ارتبك «سوشنيكوف» واعتذر بكثرة العمل وفداحة التبعات، فقررت أن أدخل في الموضوع بغير ~~مقدمات. # قلت: «إنني في إشكال.» ~~- «هكذا سمعت ...» ~~- «قل لي في صراحة: هل شهدت مني علامة من علامات الإتلاف والتخريب أيام أن كنا معا في ~~المعهد؟» ~~- «كلا بالطبع، ما هذا الهراء؟» ~~- «إذن فأحب أن تقرر لي هذا في إقرار مكتوب للجنة نيقوبول، توقعه أنت و«سوفوروف» ~~و«يولاسفتش». # فتلوى في جلسته وعدل من أوضاع جسده السمين، ومسح ما تندى به من عرق جديد وحاول أن يغير ~~الموضوع، وأخيرا دق الجرس يطلب زميليه الآخرين، والظاهر أنهما كذلك قد سمعا عن متاعبي، ~~فكانت تحيتهما لي على شيء من الود لكنها تحية الحذر، الحذر الشديد، فاستمددت من حرجهم لونا ~~من المتعة المرة، وبعد مداورات طرأت لهم فكرة أخرى وهي أنه لا بد لي من الصعود إلى طبقات ~~أعلى منهم فألجأ إلى معونتها، وأنه ليس مما يليق برجال متواضعين في مثل منزلتهم أن يتدخلوا ~~في أمور عظيمة تمس حياة الأمة وسلامتها. ~~- «أشكر لكم نصيحتكم، وأعتقد أنكم واثقون مما أنتم عليه الآن من جبن وخسة.» قلت لهم ذلك ~~وخرجت بغير توديع. # ولا شك أن هذا الثالوث قد عرف كيف يصون حياته من الخطر، إذ حدث فيما بعد أن عين ~~«سوشنيكوف» رئيسا للقسم السياسي في إقليم «إتشليابنسك» وعين «يولاسفتش» أمين لجنة محلية ~~في أوكرانيا الغربية، كما رقي «سوفوروف» إلى منصب أعلى من منصبه. # وبينما كنت في البهو أبحث عن مكتب الأمين الجديد الرفيق «مارجولين» إذ سمعت اسمي ~~ينادى. ~~- «فكتور أندريفتش» أهلا يا رجل! كيف حالك؟ ما أجمل أن أراك مرة أخرى!» # فدرت ببصري وإذا المتكلم «إيفان زولكين» الذي زاملته في العمل في مصنع ~~«بتروفسكي-لينين»، فكان مما سرني أن ألتقي بزميل من زملاء تلك الأعوام الماضية، حين كان ~~الشباب وكانت بساطة الحياة، وقبل أن أصبح مهندسا وعاملا «مسئولا» ويخيل إلي أنه ~~اغتبط حقيقة لرؤيتي. # سألني: «كيف دنياك يا فيتيا؟ لماذا أراك شاحب اللون أعجف الوجه؟ هل ms417 كانت بك علة أو ما إلى ~~ذلك؟» # فابتسمت قائلا: «كانت بي علة بمعنى من معانيها، إذ مسني الوباء القومي. تهمة الإتلاف وما ~~إليها.» ~~- «أواه يا عزيزى «فيتيا» ما أبشع ما تقول! يا له من موقف تشمئز منه النفوس! على كل حال، ~~مع السلامة، فلا بد لي من الإسراع لأني على موعد، فأرجوك قبول المعذرة.» # واندفع مسرعا حتى غاب عني، ولقد حدث لي أن التقيت به بعد ثلاثة أعوام كاملة في الكرملن، ~~فلم أدهش لذلك لأن هذا اللقاء القصير في البهو في «دنيبروبتروفسك» لم يدع لي مجالا للشك في ~~أن «إيفان زولكين» سيشق طريقه بعيدا في بلادنا المباركة، وآخر ما عرفته عنه هو أنه رئيس ~~قسم هام في اللجنة المركزية العليا للحزب، ولعله لا زال يتولى هذا المنصب حتى اليوم. # كان الحراس في حللهم الرسمية وغير الرسمية يحرسون غرفة الاستقبال العظيمة التي يشغلها ~~الأمين «مارجولين»، وكان هؤلاء الحراس يرقبون الناس في جيئتهم وذهابهم، ولقد سألوني قبل ~~الدخول هل أحمل معي سلاحا، وأخذوا يصعدون أبصارهم المدربة ويصوبونها ليروا هل في جسدي ~~انبعاج يدل على شيء خبيء يدعو إلى الريبة. إن الموظفين السوفيت تقوم عليهم حراسة قوية - على ~~الأقل قبل أن يلقى عليهم القبض - فقتل هؤلاء الموظفين السوفيت احتكار للقسم السياسي، وهو ~~احتكار لا يقبل فيه رجال هذا القسم منافسا. # وبينما كنت جالسا أنتظر في غرفة كانت فيما مضى غرفة الانتظار للقاء «هاتايفتش» تذكرت أن ~~«هاتايفتش» كان هو الآخر محروسا بهذه العناية الكبيرة لما رأيته آخر مرة في اجتماع الحزب ~~في «نيقوبول» فأين هو الآن؟ إني أعلم أنه حينئذ كان مقبوضا عليه، لكن ألا يزال حيا يا ~~ترى؟ لقد كنت أعرف الكثرة الغالبة من موظفي مكتبه، لكني لم أر واحدا منهم بين موظفي ~~المكتب الآن، فلا شك أنهم عانوا ما عاناه رئيسهم من قضاء. # لم أكن أعلم شيئا قط عمن خلف «هاتايفتش» في منصبه، ولم أكن قد رأيته قط من قبل، ومهما ~~يكن من أمر فقد هيأت أعصابي لصد جديد بعد الذي لقيته ms418 من صدود، ولشد ما دهشت حين وجدت ~~«مارجولين» يلقاني لقاء إنسان لإنسان، ولم يكفه أن يحسن الإصغاء إلى حديثي حتى نهايته، بل ~~زاد على ذلك أن عبر لي عن عطفه صريحا. # قلت راجيا: «أريد معونتك يا رفيقي «مارجولين»، لماذا يعيدون النظر في قضيتي لا لسبب سوى ~~أن «فيلين» قد ألقي عليه القبض؟ ما علاقتي به؟ لقد برئت أول مرة على أساس من ~~وثائق.» # فأجابني «مارجولين» في صوت خفيض: «اصبر يا رفيقي، فما يحدث لك إذا ما فكرت فيه وجدته ~~هينا، فنحن في مرحلة انتقال دقيقة من مراحل الثورة، وواجبنا أن نساعد الحزب لا أن ~~نتوجه إليه بالنقد، ومع ذلك فسأرسل تعليمات خاصة بقضيتك للجنة المحلية.» ~~- «أشكرك، وسأحفظ لك الجميل إذا ما كنت عند وعدك.» ~~- «لا تشكرني يا رفيقي، فليس يعلم أحد منا أين يكون غدا.» # قال العبارة الأخيرة في ملاطفة تنم عن سخرية بالحوادث، لكني نظرت إلى عينيه ولم أجد ~~فيهما أثرا من آثار الفكاهة، ولما عدت إلى «نيقوبول» وجدت أن «مارجولين» كان عند وعده وأنه ~~أرسل رسالة يوصي بها أن يراعى في شأني العدل والإنصاف، لكني ما كدت أصل إلى «نيقوبول» حتى ~~كان قد قبض عليه، وإذن فتدخله في قضيتي سيكون عقبة في سبيلي أمدا طويلا، وسيتخذونه ~~«برهانا» آخر خطيرا على اتصالي الوثيق بأعداء الشعب! # فجعلت «خاركوف» مرحلة ثانية في سبيل بحثي عن العدالة، واعتمدت اعتمادا كبيرا على معونة ~~«إيفانتشنكو» إذ كان أحد النفر القليل البارز الذي يتولى قيادة الصناعة في البلاد، وقد كان ~~على قسوته وشدته وعدم تهاونه في المطالبة بجودة العمل وفي معاقبة الجهل والتراخي، رجلا ~~مرهف الحس طيب القلب، وكنت أعرف فيه هذا الجانب، كما كنت أعرف أنه لن يتردد في مؤازرة ~~مرءوسيه إذا ما كان الحق إلى جانبهم. # لكنني حين ذهبت إلى رياسة صناعة الأنابيب وجدت روح الفزع سائدة، وكان «إيفانتشنكو» قد ~~دعي إلى موسكو في شأن عمل رسمي فيما زعموا، و«إيفانتشنكو» هذا هو بطل من أبطال الثورة، ~~ظفر بكل ما يستطيع الكرملن أن يهبه ms419 للناس من أوسمة وأنواط، ولبث عاملا في الحكومة أعواما ~~طوالا، فلما وصل إلى موسكو، رأى في استقباله شرذمة من رجال القسم السياسي خطفته خطفا إلى ~~السجن، وإنما جعلوا قبضه في موسكو؛ لأنه كان مرموقا من أهل «نيقوبول» بأعين الاحترام ~~الزائد، وفي نفس الوقت الذي أمسكوا به فيه، قبض على زملائه الرئيسيين في المكتب الرئيسي ~~لصناعة الأنابيب: «شبتلي» و«ستربتوف» و«سيرنج» وغيرهم، وكلهم من غير رجال الحزب. # لم أجد من الصحبة التي أستطيع معها الكلام إلا عددا قليلا، أما معظم المناصب فقد احتلها ~~ناس جدد تلمح الخوف في نظراتهم، ومع ذلك فقد قصصت قصتي على مهندس عطوف، أنصت إلي ثم هز ~~رأسه مؤنبا: «اسمع يا «كرافتشنكو»، إنك تظن أنك في عناء! فهل جاءك نبأ الذي جرى ل ~~«قنسطنطين تشبلي» أو لصاحبنا الكهل «سبرنج»؟» # كان «تشبلي» و«سبرنج» مهندسين ممتازين، ولقد قرأت مؤلفاتهما ودرستها، وكان اسماهما ~~محاطين بالسحر في مسامع رجال الصناعة الناشئين من السوفيت، وها أنا ذا قد علمت أنباء القبض ~~عليهما، كيف انتزعا انتزاعا من مخدعيهما، وكيف أساء إليهما رجال الشرطة في وقاحتهم، ~~وقذفوا بهما قذفا بين حمولة بشرية حملتها العربات إلى السجون، فغادرت رياسة صناعة الأنابيب ~~كما يخرج الإنسان من فناء المقبرة ... مقبرة لا تزال بعض الجثث تتحرك في أرجائها زاعمة لنفسها ~~الحياة. # ولما كنت في طريقي إلى رياسة اللجنة الإقليمية، مررت ببناء كأنه الخلية يموج بالطلاب ~~الذين اتخذوه مسكنا، والذي كنت فيه ذات يوم شخصية يشار إليها بالبنان، فقررت أن أمر ~~بداخله مرورا عابرا، فجست خلال قيعانه ونظرت إلى الغرفة التي سكنت فيها أيام الطلب، فلم ~~أجد من النظافة والنظام اللذين كنت أعمل عليهما وأجاهد في سبيلهما إلا قليلا. كان المكان ~~لا يزال على عهدي به منذ سبع سنوات، يموج بالطلاب الذين لا يختلفون كثيرا عما كانوا عليه ~~في أيامنا، لم يحسن غذاؤهم وكساؤهم، لكنهم كانوا مع ذلك - بنين وبنات - مشغوفين بالعمل تلمع ~~أعينهم ببريق الإيمان والطموح. # وذكرت «جوليا» لأول مرة منذ أعوام طوال، «جوليا» الفاتنة الذكية التي كانت فيما ms420 مضى حبيبة ~~فؤادي، أين هي الآن؟ أهي حية بين الأحياء؟ أهي تذكر من حين إلى حين ذلك الشاب الشيوعي الذي ~~عرفته في مسكن الطلاب ؟ # ولما اقتربت من رياسة اللجنة الإقليمية سمعت صوتا ألفت رنينه. ~~- «فيتيا! فيتيا! قف يا رجل، إلى أين أنت ذاهب؟» وكان المتحدث هو «سينيا فولجن»، «سينيا» ~~بعينه الذي أخذ منذ أعوام كثيرة مضت، يجادل أبي بعد زيارة «راكفسكي» للمصنع، والذي كان ~~يشاركني في تحرير جريدة المصنع، والذي وجهت إليه اللوم مرة في الجريدة لإقامته حفلا للشراب ~~في أماكن السكن. ~~- ««سينيا»! ما أشد غبطتي أن أراك بعد هذا الزمن الطويل!» # فألقى ذراعيه حول عنقي وقال: «إني لشديد الغبطة يا فيتيا، يا صديقي العزيز، دعني ~~أقبلك!» ~~- «حذار يا «سينيا» فقد تأسف على هذه القبلة، فأنا الآن ذو عدوى، إذ سارت أموري في ~~طريق المتاعب ...» ~~- «ماذا تقول يا أخي؟! لا بد أن تقص علي قصتك بكل تفصيل، فلست من هؤلاء الذين يفزعون ~~فيهربون، اسمع! أتذكر ماذا كان يسميني أبوك؟ «كتكوت الربيع» الذي لا يستطيع أن يعلم دجاجة ~~عجوزا مثله كيف تجري السياسة! ووالله لقد أصاب!» # جلسنا على دكة في متنزه كان يسمى «متنزه بوستشف» حتى أسابيع قليلة مضت، أما الآن ف ~~«بوستشف» مقبوض عليه؛ ولهذا بات المتنزه بغير اسم. كان «سينيا» مرتديا حلة عسكرية، وفي يده ~~حقيبة أوراق يدل منظرها على ارتفاع قدر صاحبها، وقد كان «سينيا» عندئذ قد شاب في عارضيه، ~~ولم تكن الطهم الرسمية لتلائمه؛ إذ لم يزل ضئيلا ساذجا متواضعا. # أخذ كل منا يصور ما حدث له خلال الأعوام التي انقضت مذ كنا معا آخر مرة، ولقد علمت أن ~~«سينيا» كان يشغل عندئذ منصبا رفيعا في اللجنة الإقليمية. ~~- «نعم يا «فيتيا»، إنك تجالس الآن زعيما شعبيا ممتازا ... إنك تجالس رجلا يناصر ~~ستالين بكل قلبه، هلا رأيت الذبائح عالقة في دكان جزار؟ وهلا رأيت على أفخاذها بصمات بهذه ~~العبارة: «مفحوص وقابل للأكل»؟ هذا هو أنا يا «فيتيا»، فأنا مفحوص وقابل للأكل، أما هل يأتي ~~الآكلون بالفعل، ومتى يأتون، ms421 فلست أدري.» # فقلت له: «ليس هذا وقت النكات يا «سينيا» لكنه وقت البكاء.» ~~- «لقد بكيت أكثر من نصيبي في البكاء حتى لم تعد في مقلتي دموع، فهذا صديق آخر قد لقي ~~قضاءه، ثم هذا ثالث يتلوه ... ثم هذا دوري آت بعد حين قليل ... ليس لي ما أزهى به عليك، إلا أن ~~لي ملاذا للعزاء أركن إليه واثقا، وذلك هو زجاجات الشراب، نعم هذا حق، فقد أمعنت في ~~الشراب حتى أسرفت، لكن صدقني إن قلت لك: إنني أشفق عليكم أيها الممتنعون عن شراب الخمر في ~~هذه الأيام السود.» # وأخذنا معا نتذاكر معارفنا ونقارن ما يعلمه عنهم وما أعلم، فوجدنا أن كثرتهم الغالبة ~~مقبوض عليها. ~~- «وماذا نحن صانعون يا «فيتيا»؟ أنبكي؟ كلا، فلا خير في بكاء، تذكر الأغنية القائلة: «إن ~~ما مضى فات ولن يعود، كما انقضى الصيف لغير رجعة»؟ أتذكر «جريشا» ذا الشعر الأحمر إذ كان ~~ينشدنا هذه الأغنية؟ كان يغسل ثيابه التحتية بنفسه في النزل، فماذا يصنع إلى أن تجف سوى ~~أن يغني إذ هو يرقب جفافها؟ كان يلبس معطفا ويجلس على مقعد وطيء وينقر على قيثارته ويغني، ~~لقد ألقي القبض على «جيشا» هذا المسكين منذ أسابيع قلائل، وأما أنت وأما أنا فلا نزال ~~في مرحلة الانتظار، فليكن لدينا من سلامة العقل ما يتيح لنا الغناء.» # وافترقنا بعد أن تعاهدنا تعاهدا مخلصا على عودة اللقاء بعد حين قريب، لكن هذا اللقاء قد ~~استحال إذ أمسك رجال القسم السياسي ب «سينيا» بعد ذلك بنحو شهرين، ولقد أنبأتني أسرته أنه ~~كان غارقا في سكره حين جاءته الشرطة السياسية لتقبض عليه، وكان يغني بأعلى صوته في جوف ~~الليل، فأردت أن أعلم أية أغنية كان يغني إذ ذاك، فكان جوابهم أنها أغنية قديمة محببة إليه ~~وهي: «إن ما مضى فات ولن يعود ...» # لم يكن القطار إلى موسكو ليقوم قبل ساعة متأخرة من ذلك المساء، وكنت قد اشتريت التذاكر، ~~فعن لي أن أبحث عن «إلينا» لأرى هل ما زالت تسكن المدينة، فتلفنت دارها، وأجابت هي ms422 ~~بنفسها، وأعجب ما عجبت له أن صوتها لم يحركني كما توقعت له أن يفعل، فالظاهر أن آلامي وما ~~يجيش في صدري من يأس قد قضى على المشاعر الرقيقة من نفسي، فسألت نفسي جزعا على نفسي: أيكون ~~هؤلاء الأوغاد قد أتوا على كل ما كان يعمر قلبك من مشاعر قديمة؟ أيكونون قد محوا فيك ذلك ~~الخيط الرفيع من أحلام الخيال وقد كان جزءا من فطرتك؟ # قابلتني «إلينا» في فندق، فوجدتها لم تزل على جمالها ورشاقتها المتناغمة العجيبة التي ~~كانت تنفذ إلى قلبي كأنها السكين الماضية، لكن ترقيم السنين قد بدا عليها، وظهرت في عينيها ~~أمارات الحزن أعمق مما عهدتها في أي وقت مضى، وأنبأتني أن زوجها قد قبض عليه وأرسل ~~إلى معسكر اعتقال للمرة الثانية، وأنها تسكن مع أمها، وتشغل منصبا متواضعا في مكتب ~~للهندسة المعمارية، فلم أسألها هل لا تزال تابعة للقسم السياسي. # وتنهدت قائلة: «آه يا «فيتيا»، لقد ساءت أموري ولم تسر بي الأيام إلى ما هو أحسن، وإني ~~لأعلم ما أنت فيه من متاعب، فلعلك لا تدري أنني حيثما ذهبت إلى «دنيبروبتروفسك» - وذلك لا ~~يحدث إلا نادرا - حاولت أن أرى أصدقاءك وأصدقائي، فلقد نسيتني ولكنهم لم ينسوني، فما أعجب ~~أن ترى ناسا يقيمون على سلامة نفوسهم فلا يصيبها دنس في هذه السنين السود التي نعانيها، ~~حقا إنها لمعجزة.» # ولما جاءت تودعني على محطة السكة الحديدية تواعدنا على عودة اللقاء، لكننا كنا على يقين ~~أن مثل هذا الوعد لا سبيل إلى الوفاء به. # ما قضيت حينا في موسكو حتى أحببتها، وليست هي بالمدينة الجميلة أو الرشيقة، فهي لا تزال ~~«أكبر قرية في الروسيا» على الرغم مما استجد بها من «ناطحات السحاب» وما اتسع من شوارعها، ~~ويخيل إلي أن نهر موسكوفا الذي يتثنى مجراه خلال المدينة قد فرض ما فيه من صفة التثني ~~على المدينة بأسرها بكل ما فيها من حارات ضيقة ملتوية، وميادين عليها طابع الريف، وما ~~يفاجئك بها حينا بعد حين من لمحات بيزنطية، كلا، ليست موسكو بالمدينة ms423 الجميلة في مرأى ~~العين، لكن جمالها يتبدى للروسي من خلال قلبه. # إن ما مس قلبي وما يمس قلب الروسي كائنا من كان إذ هو في موسكو هو هذا الذي تراه باديا ~~فيها من أدلة عجيبة على قدمها واستمرار وجودها، لقد كانت قائمة قبل أسرة رومانوف، ولبثت ~~قائمة بعد زوال تلك الأسرة، وكانت قائمة قبل الشيوعيين، وستظل قائمة بعدهم أمدا طويلا ~~بالغ الطول، فإن لها لخصيصة يعز منالها على السياسة بل يعز منالها على ما يضعونه لها من ~~تمدن حديث، ولست أدري كيف تتضاءل من الإنسان همومه الشخصية وتصغر أحزانه حتى لتكاد تمحى، ~~إذا ما ألفى نفسه بين جنبات هذه المدينة الخالدة. # لم أشأ أن أسجل اسمي في فندق من فنادقها، فذلك أشد ما يكون شبها بوضع نفسي في إناء من ~~آنية السمك على رف رخامي في غرفة القسم السياسي، وآثرت أن أطلب إلى رفيقي «ميشا» وزوجته أن ~~يستضيفاني في دارهما بضعة أيام. # كان «ميشا» من رجال الثورة القدامى المعروفين، وكان عمله عندئذ متصلا بجمعية تعنى ~~بالمسجونين السياسيين في العهد القيصري القديم، ولقد هيأت له الحكومة مسكنا مريحا وأجرت ~~عليه راتبا يكفيه هو وزوجته في شيخوختهما، وكان قد حارب في الحصون مع أبي جنبا إلى جنب، ~~وقضى في سجن «إسكندروفسك» أكثر من عشر سنوات مغلولا بالأصفاد حتى جاءته الثورة ففكت عنه ~~أغلاله، ولطالما عاملني هو وزوجته معاملة الوالدين، واغتبطا أشد الغبطة لضيافتي، ولو أن ~~شحوبي وهزالي الباديين قد أثارا في نفسيهما الفزع. ~~- «وكيف حال صديقي «أندراي»؟ ألا يزال يسعى كعهدي به؟» ~~- «نعم، إن أبي بصحة جيدة، تراه ناقما على الحياة وأوضاعها كما كان دائما.» ~~- «إن جيلنا هذا جيل طويل العمر، ليتني أراه من جديد لنتذاكر العهد الذي مضى.» # ولما كان على مائدة العشاء أخذت أنبئه بما جاء بي إلى موسكو، ولم أخف عنه شيئا، ~~فالرفيق «ميشا» قد عرف «لينين» و«بخارين» وغيرهما من عمالقة الثورة معرفة شخصية، وكان لا ~~ينادي زعماء العصر الحاضر من ستالين فنازلا إلا بأسمائهم الخاصة دليل ارتفاع الكلفة، ms424 ~~وكثيرا ما كان يلتقي بأرملة «لينين»: «كروبسكايا»، وهكذا كان السادة الجدد يعاملونه كما ~~يعاملون فردا منهم، على الأقل كان ذلك قبل التطهير الأعظم . # فلما قصصت قصتي، وبخاصة ما يتعلق منها بالتهم الموجهة إلى أبي، أخذ الغضب في صدر زميله ~~الذي حارب معه في الحصون، وأعني «ميشا» الذي تقدمت به السنون، أخذ الغضب في صدره يزداد ~~شيئا فشيئا، فدفع كرسيه إلى الوراء ساخطا، وخطا خطوة فسيحة صوب حجيرة هناك وجذب منها ~~سلسلة ثقيلة صدئة، ورفعها وهي تجلجل بحلقاتها، رفعها بيديه فوق رأسه الأشيب وأخذ يهزها في ~~غضب أفلت منه زمامه. # ثم صاح قائلا: «لقد كبلت بهذه الأغلال عشر سنين لأني آمنت بالحق والعدل ورجوت للناس ~~حياة أسعد! وها هم أولاء الأوغاد - الذين يسمون أنفسهم رجال الثورة - يعذبون أبناءنا! لعنة ~~الله عليهم! لعنة الله على هؤلاء القساة الذين يثخنون بلادنا الروسيا بالجراح.» # كان «ميشا» طويلا نحيلا عليلا، ألا ما كان أفظع منظره وهو واقف هناك رافعا بيديه ~~أغلاله الصدئة، حتى لقد تعاونت مع زوجته على تهدئة نفسه. # ثم قلت له بعدئذ: «الذي لا أفهمه يا رفيقي «ميشا» هو لماذا يلزمهم كل هذا الإرهاب؟ ~~يستحيل أن نكون جميعا جواسيس ومتلافين، أتكون البلاد كلها من جواسيس ومتلافين؟ أتكون كل ~~البلاد على هذا النحو إلا أعضاء الهيئة السياسية العليا؟» ~~- «كلام فارغ، ليس لك أن تستثني أحدا، فكثير من أعضاء الهيئة السياسية العليا قد قبض ~~عليهم، وفصل أكثر من ثلاثة أرباع أعضاء اللجنة المركزية العليا، فلقد ألقي القبض على ~~«كوسيور» و«زوروتاك» و«شوبار» و«بوستشف»، وقضي على كثيرين ممن كانوا على اتصال وثيق ~~بالهيئة السياسية العليا: «أنتيبوف» و«مزلاوك» و«بوبنوف» وكثير جدا غير هؤلاء، وكذلك لحق ~~هذا القضاء ب «ياكوفلف» و«ستستكي» وغيرهما من خيرة أعضاء اللجنة المركزية، فالمذبحة تريق من ~~دماء الطبقة العالية بمقدار ما تريقه من دماء الطبقات السفلى. # إن ستالين وعصبته يريدون حزبا لا رأي له، فهو يريد لجنة مركزية تطيع الأوامر طاعة عمياء، ~~كما يريد هيئة سياسية عليا تتفق معه في الرأي دائما، وهو مستطيع أن ms425 يجد ما يريد، فهو يعالج ~~الأمر على النحو الذي كان يعالجه به بطرس الأكبر، أعني بجذ الرءوس .» # وجلسنا فترة المساء نتبادل الرأي فيمن عسانا نلجأ إليه ليتدخل في صالحي، بالطبع لا ينبغي ~~أن نلجأ إلى «كروبسكايا»؛ لأنها لم تنج من القبض إلا لأنها أرملة «لينين»، وكرهها لستالين ~~وأساليبه معروف للجميع، بحيث إذا قالت لأحد كلمة طيبة، كان عليه الوبال جزاء وفاقا لما ~~سمع، وكذلك كان بعض أصدقاء «ميشا» الحميمين في مواقف لا يركن إليها لقلقلتها، ثم ما هو ~~إلا أن هبط عليه شيء كأنه الوحي. # فقد صاح قائلا: «يارسلافسكي! نعم فإذا لم يكن أميليان قد لحقه الفساد فسيصغي إلى ~~شكاتنا.» # كان «يارسلافسكي» هذا أحد البلاشفة القدامى الذين ما زالوا ذوي نفوذ - وهم قلائل - وكان ~~يعد الفقيه الرسمي للحزب، وينظر إليه ستالين نظرته إلى قسيس رفيع المكانة، وكان رئيسا ~~لجمعية الملحدين، وله مقالات عميقة يشرح بها ويبرر الغضبات التي يثور بها ستالين كلما غضب؛ ~~ولذلك لم أكن كبير الرجاء في اتجاهنا إليه، لكن الرفيق «ميشا» كان يتكلم بلهجة المتفائل ~~الذي يرجو من وراء ذلك شيئا عظيما، ألم يكن على صلة الصداقة بيارسلافسكي أعواما طوالا؟ ~~ألم يقاتلا القيصر جنبا إلى جنب؟ ثم ألم يزج بهما معا في سجن واحد؟ # وعلى ذلك تلفن إليه في الصباح الرفيق «ميشا» وحدد معه موعدا للقاء، وذلك في ذاته يعتبر ~~نتيجة باهرة، فلما ذهبنا إلى مقر اللجنة المركزية كانت جوازات المرور تنتظرنا على الأبواب، ~~ودخلنا فوجدت «يارسلافسكي» مرتديا قميصا روسيا، واستقبل الرفيق «ميشا» معانقا ومقبلا، ~~وصافحني مصافحة ودية، لهذا تحرك في نفسي الأمل لحظة، فها هنا رجل صديق من الطابع القديم، ها ~~هنا رجل من جيل أبي الذي استمسك رجاله بالمثل العليا. # لكن الرفيق «ميشا» لم يكد يفصح له عن الغاية من زيارتنا، حتى علت علائم الفزع وجه ~~«يارسلافسكي» وجمدت هناك، وأخذ يعض بأسنانه شعرات شاربيه المتفرقات اللائي قد اصطبغن بصبغة ~~التبغ، مدفوعا إلى ذلك بقلق عصبي أخذ يزداد معه شيئا فشيئا. # واختتم الرفيق «ميشا» حديثه قائلا: ms426 «هذه هي قضيتنا كاملة يا «أميليان»، فإذا مددت لنا يد ~~المعونة أحببتك حبي لأخي الشقيق، أما إذا أحجمت عن المعونة فسأعلم أنك يا «أميليان» - حتى ~~أنت - قد نال منك الفساد ...» # فأجابه «يارسلافسكي» في صوت أصحاب المناصب الرسمية: «اسمح لي يا ميشا أن أقول: إنك إذا ~~جئت إلي كما يجيء صديق إلى صديق فهذا شيء، أما إذا جئتني باعتباري زعيما مسئولا عن ~~قيادة الحزب فذلك شيء آخر يختلف عن ذاك، إن واجبي هو حماية الحزب وزعيمه من الأعداء، فليس ~~ثمة من سبيل إلى صداقة أو مراعاة للخواطر، إننا لا نستطيع أن نمسك بزمام الأمر لو ضعفنا، هل ~~تفهم ما أقول؟» ~~- «نعم أفهمه، ولكن فيم هذه الخطابة كلها؟ لست أنا في اجتماع شعبي انعقد بين يديك، ولا ~~أنا ساذج غر، أنا أسألك سؤالا أريد عنه جوابا صريحا، أأنت معيننا فيما جئنا من أجله أم ~~لست بالمعين؟» ~~- «لا يأخذنك اضطراب يا صديقي العزيز، هل لك يا رفيقي «كرافتشنكو» في تركنا لحظة لأستطيع ~~الكلام في حرية أكثر؟» # فصاح الرفيق «ميشا» قائلا: «لا، لا، بل يبقى معنا يا «أميليان» فلن أفسح صدري لشيء من ~~أسراركم ودسائسكم التي ابتدعتموها حديثا، أنحن رفقاء أم لسنا كذلك؟» # فهز «يارسلافسكي» كتفيه قائلا: «إذن فافعل ما بدا لك.» # وخرجنا من مكتبه برأسين مطأطئين وقلبين كسيرين، وغشيت عينا الرفيق «ميشا» بالدموع حتى لقد ~~اضطر أن يمسك بإحدى ذراعي لأهديه الطريق. ~~- «وإذن فحتى «أميليان» قد مات، وإنما أردت «أميليان» الصريح الجريء الذي كان ذات يوم ~~رفيقي، إني أعوذ بالله يا «فيتيا»، لشد ما يسرني أنني شيخ كهل فلن يكون لي من أعوامي أمد ~~طويل أرى فيه كثيرا من هذه البشاعة.» # ولقد أبدى «يارسلافسكي» علامة واحدة من علامات الصداقة، وتلك أنه أمدني بأسماء طائفة من ~~كبار موظفي اللجنة المركزية وأرقام تليفوناتهم، كما أذن لي أن أستغل اسمه لأظفر بالدخول ~~إليهم، فأنفقت الأيام القليلة التالية في مقابلة هؤلاء الناس، وقد استنتجت من الطريقة ~~الرسمية التي قابلوني بها - فقد قابلوني جميعا مقابلة ودية باسمة لكنها ms427 مقابلة رسمية صارمة ~~- استنتجت أن «يارسلافسكي» لا بد أن يكون قد اتصل بهم وأوصاهم أن يحسنوا لقائي دون أن ~~يعملوا في أمري شيئا، فحتى هؤلاء الرجال الذين كانوا أشد ما يكون الناس صلة بستالين، لم ~~يكن في مستطاعهم - فيما يظهر - أن يقدموا «للمتلاف» معونة أو طمأنينة. # وراجعت قائمة العنوانات التي كانت معي لمن أعرفهم بموسكو، أيكون بين هؤلاء شخص يجب أن ~~ألجأ إليه؟ وقرأت الأسماء وأخذت أستبعد كثيرا منها، فهذا مات، وهذا انتحر، وهؤلاء الآخرون ~~في السجن، وأخيرا انتهيت إلى اسم وقفت عنده وقفة قصيرة. # قلت لنفسي: «لازارف! سأذهب للقائه، فهو الرجل الذي قد يعد من العوامل التي دفعتني في ~~طريق حياتي التي انتهت بي إلى هذه الخاتمة المغلقة، ألم يكن هو الذي شجعني - حين كنت لا ~~أزال عاملا بمناجم الفحم في حوض الدونتز - على الالتحاق بهيئات الشباب الشيوعي؟» # دققت جرس بابه فجاء يفتح الباب امرأتان عجوزان، فما سألتهما عن «لازارف» حتى حدجا ~~نظراتهما في جازعتين، وطفقت إحداهما تبكي. ~~- «لقد مات ولدي المسكين ... مات منذ عام تقريبا ... ألم يبلغك ذلك؟ قالوا عنه: إنه عدو ~~الشعب، هؤلاء الكفرة، هؤلاء الفجار.» # وهكذا عرفت أن أول من أدخلني في الحركة الشيوعية قد حشر هو أيضا في زمرة الخوارج، ~~فلعله كان بذلك يدفع ثمن ظهور جانب منه في صورة تولستوي التي رسمها جنبا إلى جنب مع ~~«لينين» و«كارل ماركس». # ولما أنهكني ما صادفته في تلك الأيام من الأسى وخيبة الأمل، وجدتني مضطرا إلى زيارة ~~أسرة «أ»، وكنت دائما أثق في «زوجة أ» وأركن إليها هي وابنتها الفاتنة «تانيا» في قضاء ساعة ~~أو ساعتين تبعثان السرور في نفسي، وذلك أنهما على الرغم مما أصابهما من مآس كثيرة قد لبثتا ~~محتفظتين بقليل من متعة الحياة الطبيعية بالنسبة إليهما، فالرفيق «أ» كان قد فر مع زوجته ~~وابن صغير إلى أمريكا بعد 1905م لينجو من الشرطة القيصرية، فولد لهما أبناء آخرون في ~~الولايات المتحدة، إذ أنجبا ولدا وابنتين نشئوا كما ينشأ صغار الأمريكيين. # ثم عادت الأسرة إلى الروسيا ms428 بعد الثورة، ورحب بها «لينين» نفسه، وقام «أ» بدور هام في ~~الحروب الأهلية، وبينما كان يقود كتيبة من المواطنين الحمر في وجه البيض واليابانيين في ~~الشرق الأقصى، وقع أسيرا في أيدي الأعداء، وقطع جسده إربا إربا وألقي به في ~~النار على مرأى من الأسرى جميعا، فلما وضعت الحرب الأهلية أوزارها انتقلت الأسرة الكسيرة ~~إلى موسكو، حيث خصص لها «لينين» مسكنا وأجرى عليها راتبا اعترافا منه بخدمات «أ» التي ~~شهدت ببطولته، وتخرج ابنهم الأكبر مهندسا، وعن طريقه عرفت العائلة، لكنه منذ أعوام مضت ~~أرسل إلى معسكر اعتقال، وبقي الجانب النسائي من الأسرة وحده. # فقصدت دارهم خالي الذهن، وكانت دارا على جدرانها آثار البلى، فوجدت بابها مغلقا ~~ومختوما بالشمع، واستطعت أن أتبين على الختم هذه الأحرف المخيفة التي تدل على القسم ~~السياسي، وعندئذ أطلت جارة برأسها لترى من الزائر؟ ~~- «أواه أيها الشاب، كان الله في عوننا، إن مواطنتي «أ» هي وابنتها قد ألقي عليهما ~~القبض وأرسلتا إلى المنفى!» # وأسرعت إلى إغلاق بابها خشية أن تكون قد أفرطت معي في الحديث، فتركت مكان الدار وأنا ~~أرتجف ارتجافا، فما سرت بضع خطوات حتى تبينت أن متعقبا يقتفيني، فنظرت نظرة إلى حذائه ~~عرفت منها في يقين أنه من رجال الشرطة السياسية على الرغم من المعطف المدني الذي كان ~~يرتديه، وإذن فالقطرة الواحدة التي بقيت لي بحيث تترع كأس أحزاني، هي أن يرفع عني تقرير ~~بأني جئت لزيارة أسرة قضت الحكومة في أمرها! # ولحسن حظي مرت بي في تلك اللحظة سيارة خربة من سيارات الأجرة، فوثبت فيها ورجوت السائق أن ~~يسرع بي إلى محطة السكة الحديدية زاعما أني تأخرت عن موعد القطار، فلما بلغنا المحطة دفعت ~~له أجره واستأجرت عربة أخرى نقلتني إلى مكان يبعد عن بيت الرفيق «ميشا» بضع مبان، فلما ~~أنبأت مضيفي الشفوقين نبأ الحادثة، طار عن عمي «ميشا» صوابه من جديد. # فصاح قائلا وهو يذرع الغرفة من قلق: «يا لهؤلاء الأوغاد! لسنا أحسن حالا من عصر القيصر، ~~لا بل لقد ساءت حالنا عن ms429 عهد القيصر، ساءت حالنا ألف مرة عما كانت عليه إذ ذاك، فقد كان لنا ~~في تلك الأيام الحق في المحاكمات واستخدام المحامين والدفاع عن أنفسنا في سبيل النجاة، وإذا ~~ما أحاطت بنا في عهد القيصر مشكلات سياسية لم يجد أصدقاؤنا في أنفسهم دافعا لاجتنابنا، بل ~~الأمر على عكس ذلك، فقد كان أصدقاؤنا يزوروننا ويملئون الدنيا صياحا من أجلنا، وكان الناس ~~يجتمعون للاحتجاج، وترفع الاستئنافات للحكومة وللصحف، وتلقى الخطب في مجلس «الدوما»، ~~أما الآن فلن تجد أنى سرت إلا صمتا فظيعا وخوفا وجبنا. # وأمر آخر يا «فيتيا»، كان العالم كله فيما يخيل إلي في صفنا عندئذ، كان أنصار ~~الديمقراطية والحرية في إنجلترا وفرنسا وأمريكا يهاجمون بأقوالهم الطغيان، وكانوا بذلك ~~يبعثون في نفوسنا شيئا من الطمأنينة المعنوية، أما اليوم فقد سدت دوننا الأبواب كأننا ~~في السجن، إن العالم الخارجي - فيما يظهر - لا يعرف ماذا يجري ها هنا، إن نفس الأشخاص الذين ~~كنا نتوقع أن يكونوا في جانبنا، غالبا ما تراهم يناصرون جانب الطغاة القساة، ويشاء القدر ~~الساخر يا ولدي أن يسمي هؤلاء الأشخاص أنفسهم أصدقاء الاتحاد السوفيتي.» # فقلت: «لو أطلق هؤلاء الحمقى على أنفسهم اسم أنصار الاستبداد لكان ذلك أدنى إلى ~~الصواب.» ~~- «إني لأصادف أحيانا يا «فيتيا» صحفا فرنسية وإنجليزية في مكتبتنا الخاصة، وبالطبع هم ~~لا يبيحون الدخول إلا لما يريدون له الدخول من تلك الصحف، فهل تصدق أن هذه الصحف تتحدث عن ~~«الديمقراطية» و«الحياة الجديدة الرائعة» في الروسيا؟! أنا لا أقول لك هذا بقصد الفكاهة، ~~لقد صادفني مرة كتاب أمريكي عن بلادنا، فقرأت منه صفحات ثم لم أصدق ما تراه عيناي، إن ~~المؤلف المأفون جاء إلى الروسيا لكنه لم ير منها شيئا ولم يفهم عنها شيئا، فجعل يصف ~~بلادنا التي تدمى من جراحها كأنما يصف فردوسا على الأرض، هؤلاء الحمقى! هؤلاء ~~المهرجون!» ~~- «لكن يستحيل أي عمي «ميشا» أن يكون العالم كله جاهلا حقيقة بهذا الذي يجري في بلادنا، ~~إنه يستحيل أن يكون العالم كله قد جن جنونه.» ~~- «نعم، إن ذلك من ms430 غير المعقول، لكني إذا فرضت أن في العالم الخارجي شخصا واحدا يفهم ~~الحقيقة عنا، فلا بد لي أن أرى الدليل الناهض على صدق هذا الفرض، لقد حدث لي أن ساهمت في ~~لجان كثيرة جدا مما كانت تشكله الحكومة لاستقبال الزائرين الأجانب، ومنهم الوفود عن ~~العمال وعن رجال التربية وعن الطلاب، فكان يتضح لي من حماستهم ومن أسئلتهم الساذجة أنهم لا ~~يعرفون شيئا عن الفظائع التي يعانيها الشعب الروسي، إنهم لا يعرفون شيئا عن رد الفعل ~~المتمثل فيمن قبضوا على زمام أمرنا، «فيتيا» إن الأمر ليشيع الفزع في الصدور ...» # قال ذلك وجلس، ثم أدار وجهه عني وأخذ ينهنه بالبكاء. # وكان آخر ما فعلته في بحثي الفاشل عن العدالة، هو أن قصدت إلى رياسة الصناعة الثقيلة، ~~فوجدت الجو الذي يملأ المكان روحا من البؤس الذي لا حد له، البؤس الذي لم يحاول أحد قط أن ~~يخفيه، فقد وجدت هناك بعض الأحياء ممن كنت أعرفهم، ولما بثثت لهم متاعبي، أحسست أني أكاد ~~أجاوز حدود اللياقة بذلك؛ لأني أفرض همومي على موظفين لم يخفوا أنهم هم أنفسهم إنما يقفون ~~بين الأحياء على أساس متهافت، نعم أحسست أني أكاد أجاوز حدود اللياقة ببث همومي في مكان ~~يضطرب هواؤه بأشباح من طاح بهم التطهير من كبار الموظفين وصغارهم، ومن الشيوعيين وغير ~~الشيوعيين. # ولقد علمت من الموظفين القلائل الذين ما زالت لهم جرأة التحدث إلي، علمت من هؤلاء أكثر ~~مما كنت أعلم عن مدى إغارات القسم السياسي على الصناعة السوفيتية، فقد فصل «م. بارينوف» ~~ومرءوسوه ومساعدوه، وهو الرجل الذي كان له فضل توسيع مصادر البترول عند السوفيت، وكذلك ~~فصل «البيروفيش» ومساعده «ستبانوف» وكانا يشرفان على صناعة مناضد الآلات، كما فصل ~~غيرهما كثيرون جدا آخرون، وأودع السجن كل أعوان «أورزنكدز» تقريبا: مثل «إسكندر جورفيش» ~~و«روخيموفيش» و«بافلنوفسكي»، ولقد كان «جورفيش» رئيس صناعة التعدين كلها في البلاد، وعلمت ~~عنه بعدئذ أنه أصيب بالعمى في السجن ومات بين جدرانه، كذلك كان ممن قبض عليهم «أنطون ~~توكنسكي» الذي يعتبر أحد قادة المهندسين ms431 الروس، ولم ينج من عاصفة الإرهاب إلا نفر قليل من ~~كبار رجال الإدارة ورؤساء الأقسام ومديري الجماعات الصناعية والمعاهد. # ولكي أنقل للقارئ شيئا مما يدل على مدى المذبحة، أود أن أثبت قائمة بأسماء نفر قليل ممن ~~أصابهم التطهير، وكانت لي بهم صلات شخصية، فأسماؤهم قد لا تعني شيئا لرجل يعيش خارج ~~الروسيا، أما نحن الذين نشتغل بالصناعة الروسية، فهذه الأسماء معناها عندنا صفوة العقول ~~الفنية في البلاد. ~~«أ. بندارنكو» مدير مصنع الآلات بخاركوف، «قنسطنطين بوتنكو» رئيس المجموعة الصناعية في ~~«كوزنتش»، «جانشين» الذي أشرف على صناعة استخراج البترول في الشرق، «جواخاريا» مدير مصنع ~~«ماكايف» في حوض الدونتز، «أوسيبوف شمت» رئيس صناعة المطاط الصناعي، «مخايلوف» مساعد مدير ~~سد «دينبروستروي» المشهور، «س. ماكار» المعروف الذي شيد «ماجنيتستروي»، «س. شوارتز» البلشفي ~~القديم الذي هو في طليعة القائمين على صناعة الألواح الحجرية، «جيجل» مدير اتحاد «آزوف» ~~لصناعة الصلب في «ماريوبول»، «أ. كوسيور» وهو شقيق عضو الهيئة السياسية العليا الذي تناوله ~~التطهير هو المسئول عن صناعة الشرق الأقصى كلها، «م. فلاسوف» رئيس مصنع صهر الحديد في «شليا ~~بنسك»، «ج. كرزمنسكي» رئيس صناعات المنجنيز في «نيقوبول»، «نيقولاي رادين» مدير أحد مصانع ~~«ماريوبول» الكبرى، «فيودر لجيوكو» رئيس مصنع «نزنى-دنيبروفسكي»، «زفاين» مدير مصنع «لزفا» ~~في الأورال، «إيزال رد جوشفسكي» مدير مصنع الصلب في «زاباروش»، «نيقولاي دنسكوف» رئيس مصنع ~~الصهر في «شوسوفايا»، «خازانوف» رئيس صناعة الصهر في الأورال كلها، «تراختر» رئيس صناعات ~~التعدين في «كريفوارج». # إني أختار هذه الأسماء اختيارا يكاد يكون جزافا، وأستطيع أن أمضي في قوائم الأسماء ~~صفحات بعد صفحات من الذاكرة، ولكن الأسماء التي أختارها هي الأسماء اللوامع وحدها. # حدث وأنا في القطار عائد من موسكو، أن التقيت مصادفة بصديقي (يعقوب فسنك) الذي كان عندئذ ~~مديرا لصناعة الصهر في «كريفوارج»، فلم آبه لكلماته بما كانت تستحق من عناية، لكنها رسخت ~~في ذاكرتي لسبب لا أدريه، وأخذت تضخم في رأسي وتزداد مغزى كلما مر الزمن، و«فسنك» هذا كان ~~من كبار رجال الثورة كما كان بناء له أهميته، وهو ms432 بلشفي قديم أبى أن يذعن لأساليب ~~الاستبداد الجديدة، وهو ممن كانوا يحملون على صدورهم أعلى أوسمة الجيش الأحمر، فلما أن ~~نقلوه إلى ميدان الصناعة كان وثيق الصلة «بأورزنكدز» و«مولوتوف» وغيرهما من قادة الكرملن، ~~وكثيرا ما عهد إليه تمثيل بلادنا في الخارج في مهام اقتصادية خطيرة. # ولقد اغتبط لهذا اللقاء العابر، وتبين أنه كذلك كان في موسكو ليدفع عن نفسه ما كان يتهدده ~~من قبض عليه، وكانت زوجته الجذابة «يوجينيا» التي امتازت هي الأخرى بما لها من صفات، قد ~~رسمت صورتها وهي مع ستالين في الكرملن، فكان نشر هذه الصورة - فيما خيل للناس - ضمانا ~~لحمايتها وحماية زوجها، أما «فسنك» فلم يذهب مع الناس في هذه الأوهام. # قال لي: «إني أتوقع أن يقبضوا علي عند عودتي إلى «كريفوارج»، ولقد وجدت أنا كذلك كما ~~وجدت أنت أن موسكو لن تسعفنا فيما نحن فيه من خطر، بل لعل الخطر كله آت من القمة العليا، ~~فنحن رجال «الحرس القدامى» الذين حاربوا تحت قيادة «لينين» نستهدف لهجماتهم بتهمة الخيانة ~~وغيرها من المؤامرات الدولية التي تصورها لهم أوهامهم، فتراهم لا يتورعون عن تسميتنا ~~بالخونة وبأعداء الشعب، ولا يغيبن عنك أن هذه الاتهامات الباطلة إن هي إلا ستار يخفون ~~وراءه شيئا آخر؛ لأن ستالين والحزب لا يستطيعون أن يواجهوا سواد الناس بالحقيقة، وهي أن ~~ثمة شقاقا بين صفوف الحزب؛ لأن الناس إن عرفوا ذلك انشقوا إلى أحزاب تناصر هذا الفريق أو ~~ذاك، وإن ستالين ليخشى أن تظفر الأغلبية بالنصر عليه.» # هكذا مضينا في الحديث مدة طويلة، ولقد ذكر خلال حديثه رحلاته التي ارتحلها خارج البلاد، ~~ثم نظر إلي محدجا وقال: «إذا أتيح لك يوما يا «فكتور أندريفتش» أن تنبئ العالم ~~الخارجي عن الأهوال التي تشهدها بلادنا، فواجبك أن تفعل، ففي مثل المرحلة التي نجتازها، ليس ~~في وسع روسي يحب أهله وبلاده أن يؤدي خدمة أعظم من هذه، ولا ينبغي أن نقف جهادنا في سبيل ~~تحرر الروسيا، ولن نقفه.» # ولقد تحقق ما توقعه لنفسه من قبض عليه، وكذلك قبض ms433 على زوجته، على الرغم من مجدها القصير ~~الأمد، الذي ظفرت به حين ظفرت برسمها في صورة واحدة مع الزعيم، ولقد جاء اليوم الذي وجدت ~~كلمات صديقتي هذه ترن في أذني رنين النبوءة بما يكنه الغيب. # كان المساء قد أمسى حين وصلت «نيقوبول» بعد رحلة فاشلة، وأحسست عندئذ بخيبة الرجاء، فلما ~~دنوت من بيتي، عجبت لماذا لا يضيء فيه مصباح، أين «باشا» يا ترى؟ لقد كتبت لها منبئا ~~بقدومي وكان لا بد أن تكون في انتظاري، وأردت فتح الباب لكني وجدته مقفلا، فطرقته، وأخذت ~~أزيد في طرقه شدة ولا مجيب، وما هي إلا أن أحسست أصابع الرعب قد امتدت إلى حلقي فشدت ~~عليه. # اختنق صوتي حتى أوشكت أن أعجز عن الإفهام بما أردت حين ذهبت إلى بيت جاري - وقد كان ~~موظفا في المصنع - ونظر إلي هذا الجار حين ذهبت إليه، نظر إلي في دهشة كأنه ينظر إلى ~~شبح. # قال هامسا: «فكتور أندريفتش! أحقا هو أنت؟ ألا تزال حيا؟ ألم يقبض عليك؟ الحمد ~~لله.» ~~- «ماذا جرى؟ أين «باشا»؟ لقد كنت في موسكو أقضي عملا رسميا لا أكثر ولا أقل.» ~~- «ألم يبلغك يا فكتور أندريفتش أنك فصلت من منصبك، وطردت من دارك، ولست أدري أين ~~متاعك، فقد جاءت عربة ونقلته ...» # فاستأذنته أن أتلفن إلى براتشكو. # قال المدير: «كم يسرني أن أسمع بعودتك يا فكتور.» ~~- «لكن ماذا جرى يا «بيوتر بتروفتش»؟ لماذا طردت من داري؟» ~~- «لا يأخذنك الهم واملك زمام نفسك، فقد صدر إلي أمر اللجنة المحلية بأن أعفيك من مهام ~~منصبك، فأسندت إليك الإشراف على القسم الفني من المصنع، ولعلك تقدر أني في ذلك غير مختار، ~~وأني إزاء ذلك أشعر في قلبي بحسرة.» ~~- «أنا أعلم ذلك بالطبع يا «بيوتر بتروفتش»، لكن أين أقضي ليلتي؟» ~~- «لقد حجزت لك غرفة في فندق المصنع بنيقوبول، وليست هي بالغرفة اللائقة لكنها كل ما ~~استطعت الحصول عليه.» # فعدت إلى المدينة حيث وجدت مدير الفندق في انتظاري، ولقد أبدى نحوي عطفه إذ كان يعلم مدى ~~ما أصابني من تدهور ms434 بعد دار فاخرة بما لها من مرأب للسيارة وحديقة؛ لذلك جعل يعتذر لي حين ~~أدخلني في الغرفة، بل في الحجيرة التي تشبه «غرف» السجون الضيقة، والتي كان يغطي جدرانها ~~ورق تقشر في كثير من المواضع. # وقدر لتلك الغرفة أن تكون «داري» بقية إقامتي في «نيقوبول»، ولقد ألقي في أركانها ~~بكتبي وسائر متاعي على غير نظام، وكان في الغرفة - عدا السرير - منضدة صغيرة وخزانة للملابس ~~ومرآة صغيرة وصورة كالحة اللون لستالين علقت على الحائط، ولم يكن هناك غرفة للغسل بل ~~لم يكن هناك حوض لهذا الغرض. # لكنني كنت متعبا، أنهكني التعب بحيث لم يعد لدي من القوة ما أفكر به أو أشعر، فنمت حتى ~~ساعة متأخرة من صباح اليوم التالي. # الفصل السابع عشر # | تعذيب بعد منتصف الليل # سقط قلبي في جوفي حين سمعت صوت «جرشجورن» في التليفون. ~~- «الله! الله! إذن فقد عاد الطائر الصغير بعد رحلته الطويلة ... لعلك مسرور بمقامك الجديد ~~في الفندق ... تعال فقابلني في منتصف الليل.» # كان علي أن أنتظر قدومه كما هي العادة، وكان ذلك أول يوم توليت فيه منصبي الجديد رئيسا ~~للقسم الفني من المصنع، وكنت قد ملأت يومي بالعمل حتى ساعة متأخرة واقفا على قدمي معظم ~~الوقت، ومع ذلك فلم ينل مني هذا المجهود الجسدي بقدر ما نال من أعصابي ما أصابها من توتر ~~انفعالي بسبب ما لقيته من حط في قدري وطرد من منزلي، ومهما يكن من أمر، فقد كنت متعبا ~~يائسا في حالة شبيهة بالدوار، حين دعاني «جرشجورن» آخر الأمر للدخول في مكتبه. # فابتسم في خبث وقال: «هيه يا «كرافتشنكو»، آمل أن تكون قد نعمت برحلة مفيدة، إننا لا نحب ~~لمجرى تحقيقنا أن يضطرب على هذا النحو.» # فقلت: «لقد استأذنت بما يقتضيه الواجب.» ~~- «أعرف ذلك، أعرف ذلك، ولقد علمت أنك ذهبت بحثا عن رجل يحميك؛ فتشفعت بناس أمثال: ~~«إيفانتشنكو» و«مارجولين» أليس كذلك؟ لكنهما وا أسفاه مقبوض عليهما الآن؛ لأنهما من أعداء ~~الشعب!» ~~- «نعم يا رفيقي «جرشجورن»، فقد أردت معونة من «إيفانتشنكو» ولم لا؟ لقد ms435 كان لي رئيسا ~~عدة أعوام، وهو عضو في الحكومة، وأما «مارجولين» فقد كان أمين الحزب في ذلك الإقليم عندئذ، ~~ومهما يكن من أمرهما فلم أكن أنا الرجل الذي عينتهما في منصبيهما.» ~~- «بالطبع لم تعينهما أنت في منصبيهما، لكنها مصادفة عجيبة: أن يتبين أن كل أصدقائك ~~وحماتك من الخونة: «فيلين» و«مارجولين» و«إيفانتشنكو» وكثير غيرهم، قل لي: كيف حدث أن كتب ~~«مارجولين» خطابا في صالحك إلى اللجنة المحلية، طبعا باعتباره صديقا قديما لك؟» ~~- «لم أر الرجل إلا مرة واحدة في حياتي، وذلك يوم رأيته ذاك النهار في مكتبه.» ~~- «لست على يقين من صدق ما تقول ... لكن دع هذا الآن، فيهمني قبل ذلك هذا المتلاف القذر ~~«إيفانتشنكو»، ولقد كان لك صلة بالخائن مدة طويلة ...» ~~- «نعم، لكني لم أكن أعرف عنه أنه خائن.» ~~- «ألم تلاحظ قط شيئا مما كان يفعله في سبيل التخريب والإتلاف، مع أنك كنت تشتغل معه عن ~~كثب، وكنت شديد الصلة به؟» ~~- «لا، لم ألاحظ قط شيئا.» ~~- «ماذا تستطيع أن تنبئني به عنه فيما له علاقة بصناعة خراطة الأنابيب؟» # فأخذت أعيد له ما عرفته عنه، بل عرفته عنه الأمة كلها، فعلت علائم الغضب وجه «جرشجورن» ~~السمين المتألق، وأخذ ينقر بأصابعه الغلاظ على منضدته نقرات تنم عن نفاد صبره، وقد لاحظت أن ~~أصابعه قد شذبت أظفارها في عناية شديدة. ~~- «كرافتشنكو، حذار من هذا الهذر، فأنت تعلم أن هذه المعلومات التي ترويها ليست هي ما ~~أريد؟» ~~- «لكنها هي كل ما أعلم.» ~~- «أظن أننا مستطيعون إعانتك على تذكر كثير مما قد نسيت قبل أن تلجئنا الضرورة إلى ~~«ترويضك»، فقد مر بنا زبائن كثيرون كان لهم مثل عنادك، والآن قل لي: ماذا تعرف عن علائق ~~«إيفانتشنكو» ب «كابالوف»؟» ~~- «كان «كابالوف» حتى يوم القبض عليه أمين الحزب في الأورال، وكان عضوا في لجنة الحزب ~~المركزية العليا، وبالطبع كان لا بد ل «إيفانتشنكو» أن يقابله كثيرا، لكنني لا أعلم شيئا ~~يستوقف النظر لشذوذه عن المألوف.» ~~- «معنى هذا أنك لا تريد أن تصرح لنا بشيء.» ~~- «كان يسرني أن ms436 أفعل، لكني لا إخالك مطالبي بتلفيق معلومات من خيالي.» # كانت تباشير النهار الجديد قد تبدت من النافذة، لكن «جرشجورن» لم يزد إلا صياحا وسبابا ~~كلما ازداد تعبا، وجعل يدقني بمطرقته دقا. # ثم قال فجأة في وسط سؤال آخر كان يلقيه: «قل لي يا «كرافتشنكو»: لماذا تخشى أن يقبض عليك ~~إلى هذا الحد؟ لماذا تتصيد المعونة من كل مكان حتى من الرفيق «يارسلافسكي»؟ ألا يكون ذلك ~~لأنك تشعر في أعماق نفسك أنك على خطأ؟» ~~- «أرجوك العفو، فالساعة الآن الخامسة صباحا، وعلي أن أكون في عملي الساعة الثامنة، ~~فإذا لم أكن الآن في أيدي القبض، فالساعة لا تسمح بالبدء في مناقشات فلسفية.» ~~- «هذا صحيح، هذا صحيح ... إن بيننا معا لأمسية كثيرة نجول خلالها في نواحي الموضوع ~~لنستكشف نواحيه، فأنا رجل درس النفس الإنسانية، لكني درستها على طريقتي الخاصة، فأنت ~~باعتبارك مهندسا تقيس مقاومة المعادن ودرجة مرونتها وما لها من خصائص تميزها، أليس كذلك؟ ~~وأنا باعتباري شرطيا ماهرا، أخبر مقاومة بني الإنسان ودرجة مرونتهم السياسية وما إلى ~~ذلك، إذن فاذهب مع السلامة حتى اللقاء الثاني.» # فنهضت واقفا، لكني كنت من الإعياء بحيث ترنحت في مشيتي، وأمسكت بحافة المكتب من شدة ~~التعب، وخاطبته قائلا: «استمع إلي يا «جرشجورن»، لقد عرفتك أعواما طوالا وعرفتني، فهل ~~تعتقد حقا وصدقا أنني متلاف؟ أرجوك أن تجيبني.» ~~- «طبعا، ها أنا ذا أجيبك، نحن رجال الشرطة نبدأ بالعقيدة في صدق الاتهامات وإلا لما ~~انتهينا إلى غاية أبدا، فبالنسبة إلي: كل إنسان مذنب حتى تثبت براءته، حسبنا هذا الليلة، ~~لك أن تذهب الآن.» # وفي ساعة متأخرة من عصر ذلك اليوم كنت لا أزال جالسا إلى مكتبي في مكاني الجديد الذي لم ~~أكن قد ألفته بعد، وعبثا حاولت أن أركز انتباهي في التقارير الفنية التي أمامي لما أصابني ~~من خدر بسبب السهاد، وما ألم بي من ألم في عضلاتي كلها، ومن لذع محرق في عيني، وهنا دق ~~التليفون وكان المتحدث «براتشكو» لكن صوته كان من الانكسار بحيث لم أتبينه. ~~- «لقد جاء دوري ms437 يا فكتور أندريفتش، فها هي ذي لجنة المصنع قد فرغت لتوها من اجتماعها، ~~وانتهت إلى قرار طردي من الحزب! طردوني بعد مدة تربى على عشرين عاما.» ~~- «يستحيل ذلك يا بيوتر بتروفتش ...» ~~- «نعم هذا صحيح، وستجتمع هيئة الحزب في المصنع هذا المساء اجتماعا سريا لتتم الأمر ~~إلى نهايته، وأريد أن أطلب إليك - ماذا أقول؟ - لكني على يقين من أنك تفهم ما أريد، أريد أن ~~أطلب إليك ألا تتحدث دفاعا عني؛ لأن ذلك لن يؤدي إلا إلى تسويء الأمور.» # وذهبت إلى الاجتماع بعد بضع ساعات قضيتها في نعاس قلق، وكان الأمين الجديد للجنة المحلية ~~هو «كندراشين» الذي كان مهندسا في القسم الذي كنت فيه، وقد عرفت فيه رجلا ماكرا حذرا، ~~فكانت له تلك الموهبة التي لا حد لنفاستها في ظل النظام السوفيتي، ألا وهي اجتناب التبعة، ~~ولقد ترك للرفيق «لوس» - ذلك الشاب الظامئ للسلطان - ترك له الإشراف على القضية المرفوعة ضد ~~«براتشكو». # فأخذ «لوس» في خطاب طويل مشتعل بالعاطفة، بلغ الغاية من الخلط والتهويش، يلقي على ~~«براتشكو» كل ما أثبته التطهير الأعظم في قائمته من خطايا، فاتهمه بسوء المساكن وارتفاع ~~نسبة التلف، وانخفاض الأجور، والعدد الضخم الذي ألقي عليه القبض من رجال المصنع في كل ~~أقسامه، كل هذا في منطق «لوس» الذي أشعله بعاطفته تقع تبعته على «براتشكو»، كل هذا برهان ~~على إتلاف شيطاني مقصود! # فصاح صائح بالعبارة الآتية، وردد الصيحة آخرون: «اطردوه! لقد حان الحين لطرده، ليسقط ~~المتلفون!» ولقد لحظت أن بين أكثر الصائحين صياحا فريق من العمال الذين يسكنون الثكنات، ~~فيستحيل عليهم بطبيعة الحال أن يعلموا شيئا عن عمل المدير أو شخصيته، وهو مدير جماعة ~~صناعية كبرى، إن هم إلا تروس ضئيلة فيها، فلم يكونوا إلا معبرين عن سخطهم الشخصي، ملقين ~~غضاضتهم على أكبر موظف ممن كانت بيدهم الأمور، ففي ذلك راحة لنفوسهم، ولم يقفوا لحظة ~~ليذكروا أن الأجور والأسعار وإعداد مساكن العمال إنما يقرر أمرها أولو الأمر في ~~موسكو. # وسأل «لوس» قائلا: «هل يريد أحد الكلام؟» # فنهض يطالب بطرده ms438 عضو من الحزب في إثر عضو، وكلما نهض منهم واحد أضاف تهما جديدة إلى جبل ~~الاتهامات الفارغة التي تكدست بالفعل، ثم وقفت للكلام عاملة لم يشك أحد في ~~إخلاصها. # قالت: «أيها الرفاق، إني أشتغل في الجماعة الصناعية التي تقوم على صهر المعادن في ~~نيقوبول، وها أنا ذا قد تبينت آخر الأمر لماذا نعيش في هذه المسغبة التي نعيش فيها، لماذا ~~لا نجد نحن العمال بيوتا لسكنانا، ولماذا نسير لا تسترنا ثياب تليق بنا؛ ذلك لأن هؤلاء ~~الناس الذين هم من طراز «براتشكو» يتقلبون في النعيم، فلا يصيبهم شيء من المحن التي يقاسيها ~~سواد الناس، فاطردوا هؤلاء المتلفين، وكفانا ما لقينا منهم من استهتار الساخرين!» # فاستثار كلامها المركز عاصفة من التصفيق والهتاف. # وأخيرا وقف «براتشكو» يلقي كلمته، وكان يعلم أن قضيته خاسرة، وأن كلماته لن تفيد شيئا ~~في هذا الاجتماع الهائج، فهؤلاء الناس جياع مما يشبعهم من انتقام، وهم يريدون متنفسا يصبون ~~خلاله ما تضطرب به نفوسهم من أسباب السخط، بدأ «براتشكو» كلمته بأن ذكر لهم عشرين عاما ~~قضاها شيوعيا مخلصا، وأنبأهم كيف استطاع قبل الثورة، أيام أن كان ضابطا يحارب في الصفوف ~~الأمامية، وبلشفيا يعمل للبلشفية من وراء ستار، كيف استمال الجند إذ ذاك إلى جانب قضية ~~العمال، لكنهم قاطعوه بكلمات ساخرة وعبارات قذرة: «لا تلعب بعواطف الناس! كفانا ما سمعناه ~~من هذه القذارات! اطردوه!» # فانحدرت العبرات على وجنتي «براتشكو» الغائرتين، لكن أمثال هذه العبارات التي قيلت له، ~~أثارت فيه روح القتال، فرفع صوته فوق أصوات المقاطعين، وما هو إلا أن ساد القاعة الفسيحة ~~صمت الحائرين، صمت من أحسوا بما اقترفوه من ذنب، ورفع «براتشكو» قبضتيه فوق رأسه وقال: «أنا ~~«براتشكو» حطمت بهاتين اليدين «قصر الشتاء» الذي كان مقرا لقياصرة الروس! لقد حاربت البيض ~~كما حاربت كل من حاول الوقوف في سبيلنا! وها أنا ذا أحمل على جسدي اثني عشر جرحا تلقيتها ~~إبان الثورة! ثم أنفقت بعد ذلك خمسة عشر عاما واصلت فيها العمل ليلا ونهارا، أنشئ ثم ~~أنشئ ثم ms439 أنشئ رغم ما كان يعترض سبيلنا من عقبات كأداء. # وها أنا ذا الآن أقف بين أيديكم فأراكم تتحفزون لتمزيقي إربا إربا، لماذا؟ إنكم ~~تلومونني على سيئات هي نفسها التي جاهدت في محوها جهادا لم أدخر فيه جهدا، إني لا أطلب ~~إليكم شيئا ولا أتوقع منكم شيئا، فامضوا في سبيلكم وافرغوا من فعلتكم القذرة التي أنتم في ~~سبيل إنجازها، إنني أعلم علم اليقين أنني قد انتهيت مهما يكن ما تقررونه في أمري ها هنا، ~~لكنني أحب لكم أن تفكروا فيما أنتم صانعون، إني أترك أمري لضمائركم، فلن يغير شيء مما ~~قلتموه، ومما قذفتموني به من سباب، لن يغير شيء من هذا حقيقة الواقع وهي أني من كل ذنب ~~براء. # صدقوني أو لا تصدقوني يا رفاق، إنني أحب أهل هذه البلاد وإنها لوطني، لقد خاطرت بحياتي من ~~أجلهم ألف مرة، فإذا ما أرادوا الآن أن يكافئوني بالقضاء على هذه الحياة بأيديهم، فسأتلقى ~~جزاءهم بقلب الجندي الباسل، وهذا كل ما أردت أن أقول.» # وأخذت الأصوات فكادت تجمع على طرده، فتركت الاجتماع وسقت سيارتي إلى منزل ~~«براتشكو»، حيث أدخلتني خادمته، وما هو إلا أن جاء كأنه الشبح تهتز كتفاه اهتزاز من ينهنه ~~بالبكاء بغير دموع. # قال لي: «لقد أحسست أني سأجدك في انتظاري يا فكتور أندريفتش، وإني لأشكرك من أعماق قلبي، ~~ولا تنس إذا ما سنحت لك الفرصة يوما، وإذا ما كتب لهذا الجنون أن تهدأ ثورته، لا تنس ~~أن تنبئ كل من يعيرك أذنا مصغية أن ما رموني به لم يكن إلا أكاذيب رعناء.» # ولم يدعني أمكث في داره إلا بضع دقائق؛ لأنه لو رآنا رجال الشرطة السياسية معا؛ لساء ~~حالنا معا، ولم يكن لديه شك في أنه سيقبض عليه، وكأن رجال القسم السياسي قد دبروا موافقة ~~«شعبية» في هذه القضية قبل أن يبدءوها؛ لأن ذلك مما يسهل عليهم مهمتهم في نيقوبول. # ولم يحضر «براتشكو» لمزاولة عمله في الصباح التالي، وسمعت أنه قرر السفر إلى ~~«دنيبروبتروفسك»؛ ليستأنف الحكم لدى اللجنة الإقليمية، لكنه لم ms440 يجاوز في رحلته مدينة ~~«زاباروزهي»، إذ أخرجوه هناك من القطار، ولم أره قط منذ ذلك الحين، ولا أعلم حتى اليوم ما ~~مصيره، وحدث بعد ذلك بيومين أن قبض على زوجته وأختها أمين سره، ولم ينج من القبض إلا أمه ~~العجوز ومعها بنت أخته وهي طفلة في عامها السادس كانت تعيش معهم، لكنهما أخرجتا من الدار، ~~وكان لهذه المأساة وقع شديد على نفس الأم العجوز، فراحت المسكينة تجوس خلال الطرقات في ~~نيقوبول شهورا عدة، تسأل الناس: هل رأيتم «عزيزي بيوتر» الذي «ضاع»؟ ثم ما هي إلا أن اختفت ~~هي الأخرى عن الأنظار. # وفي الأسبوع نفسه استأنفت اللجنة المحلية نظرها في «قضية كرافتشنكو» من جديد، وكان الرأي ~~السائد عني أني وشيك الوقوع، لكن نجمي السعيد لم يزل له سحره، وإني لأذكر أن «براتشكو» هو ~~أول من ذكر لي هذا النجم الأسطوري حين وجدت ما كنت أفتقده من وثائق، فقد حدث ذلك اليوم نفسه ~~أن نشرت مقالة طويلة في الصفحة الأولى من جرائد نيقوبول، تتهم فريقا من المهندسين في ~~مصنعنا بتهم سياسية مختلفة، وخصوصا بتهمة الإساءة إلى العمال، وكان على رأس المجرمين - ~~بناء على ما ذكر في المقالة - «ماكاروف» و«شايكفتش» وهما في طليعة من رماني ~~بالاتهام! # وهكذا أرادت المعجزات أن تنحرف عني الضربة التي سددت إلى نحري، ولا شك أن «لوس» قد أحس ~~بأنه من غير اللائق أن يعود إلى اتهامي الذي طال عليه الزمن، بعد أن وجه الاتهام إلى أكبر ~~من كان يعتمد عليهم من شهود، ونسيت اللجنة قضيتي بعد أن أدخلتها في برنامج عملها، وتوجهت ~~بعنايتها إلى هذا المثير الجديد، وطرد من الحزب «ماكاروف» و«شايكفتش» كلاهما، ولقد نمي ~~إلي فيما بعد أن نشر المقالة في ذلك اليوم بعينه لم يكن مصادفة، بل جاء تدبيرا أحكمه ~~«سلنين» الكهل وغيره من أصدقائي. # كان القبض على «براتشكو» مبعث تيارات جديدة من الخوف في أرجاء المصنع؛ إذ لا مندوحة ~~لهؤلاء الذين كانوا على صلة وثيقة به، هؤلاء الذين اتخذهم له أصدقاء، لا مندوحة لهؤلاء عن ms441 ~~الوقوع في أيدي الشرطة، خذ لذلك مثلا رئيس المهندسين «فشنف» الذي أخذته حالة نفسية متشائمة ~~سوداء، فلما أن قابلته ذات يوم في شأن مشكلة تخص العمل في القسم الذي كنت أشرف عليه، لم أكد ~~أحادثه قليلا حتى تبين لي أن عقله لم يكن في حالة سوية، فقد جلس إذ ذاك إلى مكتبه مرتديا ~~خير ما لديه من ثياب، ومرصعا صدر سترته بوسام «لينين»، وأخذ يبكي بكاء متصلا كما يبكي ~~الصغار. # قال لي: «ألست ترى يا فكتور أندريفتش أنهم إذا ما جاءوا ليقبضوا علي، فسيقبضون بالتالي ~~على «لينين»؟ لقد أمسك الناس عن التحدث إلي ولم يعد أحد يعترف بأني رئيس المهندسين، لم ~~يعد يحدثني سوى لينين.» # وسمعت بعد ذلك بعامين من أحد أصدقائي أن عقل «فشنف» الذي اكتنفته سحائب الاضطراب، تفككت ~~عراه تفككا لم يبق له على شيء من صوابه لما لقيه من ألوان التعذيب، وظن رجال الشرطة ~~السرية أن جنونه «حيلة» احتالها ليجتنب «الاعتراف»؛ ولذلك واصلوا تعذيبه حتى آمنوا بأن ~~جنونه حقيقي لا تصنع فيه. # وذات مساء بعد ذلك الحين ببضعة أسابيع، أيقظوني من نعاسي لأرد على التليفون في بهو الفندق ~~وهو في طابقه الأسفل، فارتديت ثيابي ونزلت، وإذا المتحدث هو «جرشجورن» يأمرني بالذهاب إلى ~~القسم السياسي على عجل. # فعاودت الجلوس في مكتبه الذي أشبه عيادة الجراح، وحسدته على ما بدا في وجهه من لمعة تدل ~~على الصحة والراحة، فيا ليت حيويتي الجسدية التي كانت لي فيما مضى تعود ... فانقطاع النوم ~~الذي بلغ حدته والهم والفوضى الموئسة التي ضربت أطنابها في المصنع، كل ذلك امتص قوتي وتركني ~~في حالة من امتعاض النفس وضعف الجسد. # قال «جرشجورن» وكأنه يزهى أمامي بصحته ونشاطه: «لنبدأ في حديثنا القصير، وآمل أن تكون ~~أكثر من المرات السابقة سداد رأي، وأكثر تعاونا.» ~~- «ماذا تريد مني؟» # فضرب بيده على المنضدة ولوح بيده في وجهي وصاح قائلا: «نحن هنا نسأل الأسئلة، وليس لك ~~إلا أن تجيب عنها، أتفهم ما أقول؟» ~~- «أفهم ... ولكني أحب أن أذكرك أني لم يلق ms442 القبض علي بعد، وأني ما زلت عضوا من ~~أعضاء الحزب، لي ما للعضو من مكانة ...» ~~- «هذا لا يعنينا هنا، فأنت في نظرنا متلاف، وها أنا ذا أعيد السؤال عليك: ماذا تعرف عن ~~مناشط «إيفانتشنكو» في سبيل الإتلاف؟ لقد أمهلتك وقتا يكفي للتفكير في الجواب.» ~~- «لا علم لي بشيء.» ~~- «اسمع يا «كرافتشنكو» إنه لخير لك، وأهون علي إذا ما استطردت معي في الحديث، إن لدينا ~~لطرائق وأساليب تحمل الناس على الكلام بحيث تحيلهم إلى طراوة الحرير وليونة الزبد، أتفهم ما ~~أقول؟» وهنا كان صوته يرن رنين الشهوة، وكدت أقول رنين الغزل. ~~«لو أنك عرفت قيمة وجهك المليح - فلست بقبيح المحيا - لكنت لنا أكبر عونا من موقفك هذا ~~...» ~~- «أنا أقول الصدق، ولا أستطيع أن أحدثك بأشياء لا أعرفها، أو بأشياء أفتريها عليك ~~كذبا.» ~~- «إذن فلست تريد الكلام؟» # هنا دق التليفون، وكان طالبه هو «دوروجان» - كما قال لي جرشجورن - ولذلك طلب إلي أن ~~أتفضل بانتظاره في البهو، وخرجنا معا من غرفته، وسلمت إلى شرطي في حلته الرسمية. # قال جرشجورن: «خل هذا المواطن في انتظاري.» # وكان في البهو إذ ذاك أربعة رجال أو خمسة، أداروا وجوههم إلى الحائط وشبكوا أيديهم وراء ~~ظهورهم. # فدفعني الشرطي دفعا تجاه أولئك الرجال وقال: «أيها المواطن، اذهب معهم وقف مثل ~~وقفتهم.» ~~- «لكنني لست سجينا، فأنا هنا بطلب من الرفيق جرشجورن.» ~~- «اخرس، اصنع ما آمرك به، واجه الحائط وشبك يديك وراء ظهرك، وإياك أن تدور برأسك إلى ~~خلفك، كلا، ولا تسند رأسك إلى الحائط.» # فوقفت بالقرب من هؤلاء الرجال، ولم يكن في مقدورنا أن يرى بعضنا بعضا في نور البهو ~~الخافت، ولا كان في مستطاعنا أن نعلم شيئا عما يدور وراء ظهورنا، ووقفت هناك أربع ساعات، ~~جاء خلالها ناس آخرون ووقفوا في الصف، وكنت قد سمعت بهذا الضرب من التعذيب، وهو من أهون ~~ألوان التعذيب التي يحتويها قاموس القسم السياسي، وها أنا ذا أعانيه في جسدي عذابا. # ويستحيل على إنسان لم يرغم على مثل هذه الوقفة التي يواجه فيها عدما ms443 ساعة بعد ساعة، أن ~~يتصور ما عساه شاعر به إذا ما وقفها، فيداك وذراعاك وقدماك تزداد ثقلا، وتزداد تصلبا كلما ~~مرت عليك دقيقة وتحس كأن كل جزء من جسمك، كل إصبع فيه، كل مفصل من كل إصبع، كأنه شيء منفصل ~~له ثقله عليك ... فتحس من الهموم التي تسحقك سحقا أحمالا فوق أحمال، وتشعر أنك لا تستطيع ~~احتمال هذا العبء، ومع ذلك تظل حاملا إياه ... # وجاءت من الغرف التي تفتح على البهو صرخات تحطم القلب تحطيما، جاءت من تلك الغرف ~~صرخات ولعنات، وصوت ضربات ووقع أجساد على الأرض، ففي تلك الغرف أشخاص يسألون ويضربون ~~ويتهددونهم بالويل، ولست أدري كم وقفت وقفتي تلك حين سمعت وقع أقدام وأصواتا آتية من طرف ~~البهو، وأخذ رجل يغني: # لقد أينعت في بستاننا شجرة التفاح # فامتلأت قوة وشذى ورقة. # فصاح شرطي: «سد حلقك هذا، تالله لأجعلن جسمك أنت يانعا إذا لم تسد هذا الحلق.» ~~- «لا فائدة من صياحك له، فهو مجنون جنونا مطبقا.» # هكذا قال قائل للشرطي، إذ كانت تلك الجماعة من الناس تبعد عنا إلى حيث لا أدري. # تندى جسدي بعرق بارد، وسالت من عيني دموع الإذلال دون أن أشعر بها، وأحسست في جسدي كله ~~إحساس من يريد لجلده حكا، حتى لم أعد أحتمل ما أحس به، فلما فككت يدي لأحك جلدي، أمرني ~~الحارس أن أعيد يدي كما كانتا وإلا هشم لي رأسي تهشيما، وكأنما أراد أن يوضح لي ما ~~أراد بتهديده ذلك، فسمعت عواء لا يشبه ما تسمعه على هذه الأرض من عواء، عواء يكاد يستحيل ~~أن يكون مصدره إنسانا من البشر، وسمعت هذا العواء آتيا من خلفي من مكان لا أدري أين كان ... ~~وأخذ ضوء النهار يتسلل إلى البهو فقد رأيته منعكسا على الحائط الرمادي. ~~- «تعال يا كرافتشنكو، وإني لآسف على إطالة أمد انتظارك، فلدينا من الأعمال أكداس، لدينا ~~منها أكداس.» # وكان المتكلم هو «جرشجورن»، كان يتكلم في صوت عذب مرح، فأدرت له وجهي ثم تبعته وكأني في ~~غشية لا أعي، وجلست في ms444 مكتبه، لكني لم أحس في جلستي بالراحة تعود، بل كنت كأنني لا أزال ~~واقفا، كأنني لا أزال مسمرا إلى الأرض بأحمال فوق أحمال من التعب، وأخذ «جرشجورن» يسألني ~~أسئلة، فلم أسمع منها إلا كلمات متفرقة، لم تحمل إلي معنى مفهوما. ~~- «حسن، اذهب الآن إلى دارك ونم قليلا فأنت في حاجة إلى النوم، وسأعود إلى طلبك من جديد ~~... بعد فترة وجيزة، ولا تنس أن هذه الأحاديث القصار ليست من شأن أحد غيرك وغيري، إنها سر ~~مكتوم بيننا، فإذا ما أفلت منك شيء عنها لأحد؛ فستندم ولات ساعة مندم.» # فلما عدت إلى الفندق، غسلت جسدي بماء في برودة الثلج واستلقيت في غير نعاس على سرير لم ~~يجد من ينظم فراشه حتى جاءت ساعة العمل، وهناك وجدت رسالة من القسم السياسي في انتظاري، ~~تأمرني بالذهاب إليهم في منتصف الليل. # وكان «جرشجورن» في تلك الليلة مؤدبا على نحو لم أعهده، بل كاد في أول الأمر أن يكون ~~إزائي كما يكون الصديق الصدوق إزاء صديقه، وذهب في ذلك إلى حد أن قدم إلي شايا وفطائر، ~~لكني أبيت قبولها، فقال لي: إني أعامله في غير رأفة أو لياقة، وأضطره اضطرارا أن يسلك نحوي ~~سلوك الوحش الكاسر، مثال ذلك: حين أطال أمد انتظاري في البهو، مع أنه في حقيقة أمره لم يكن ~~أبدا هذا الوحش الكاسر، وسألني هل تظن منصبي هذا مما يبعث في النفس متعة؟ هل تظنني أستمتع ~~بأداء مهمتي؟ ولكن ماذا يفعل إنسان خلقه الله ذا شعور قوي بواجبه؟ # ثم قال: «إنك الليلة تستطيع أن تعاوننا بعض العون يا كرافتشنكو، وسيقدر لك القسم السياسي ~~ما تقدمه له من صنيع، كما سيقدر لك الحزب هذا الصنيع، ولن نطلب إليك فنسرف في ~~الطلب.» ~~- «وأي عون تريدون؟» ~~- «لا شيء سوى توقيعك، توقيعك الذي تكتبه مخلصا حرا بوصفك مهندسا، ومديرا من رجال ~~السوفيت، وعضوا في الحزب، وسترى أن الأمر خطير لأنه يتعلق بأمر الدفاع، فلقد أرسل مصنعكم ~~أنابيب إلى مشروعات الدفاع الكيميائية في صناعتها شوائب، وليس الخطأ في ذلك ms445 خطأك أنت ~~بالطبع، إذ لم تكن أنت الذي صنع المعدن، والأمر غاية في الوضوح، فهو تآمر منظم على الإتلاف ~~بدأ في موسكو وأخذ يهبط حتى وصل إلى خاركوف ثم إلى «زابوروزستال» حيث مدير المصنع ~~«روجوشفسكي» كان عدوا للشعب وهو الآن مقبوض عليه، وهنالك صهر المعدن الذي أرسل إليكم ~~لصناعة الأنابيب.» # فلم ألبث أن أتبين أن الفكرة كلها وهم شنيع خلقه خيال الشرطة، فالمعدن الذي كان يرسل ~~إلينا كثيرا ما كان معدنا من طبيعة رديئة، ولطالما بعثت في ذلك التقارير والاحتجاجات، ~~وكان «براتشكو» و«فشنف» يشعران أحيانا بشيء من اليأس في إصلاح هذا الخطأ، لكن كان في الأمر ~~أخطاء فنية بسيطة يعرفها كل المعرفة «أورزنكدز» و«بياتاكوف» و«إيفانتشنكو»، وهي أخطاء ~~مبعثها قلة الخبرة عند العمال القائمين على صهر المعادن، لا سوء النية. # فقلت: «أولا يا رفيقي جرشجورن لست أبدا على يقين من أن شوائب المعدن ورداءة صنفه يرجعان ~~إلى إتلاف مقصود، وثانيا أود أن أقرأ هذه الوثيقة التي تريدني أن أوقعها.» ~~- «ها هي ذي اقرأها كما تشاء.» وناولني حزمة من أوراق تقرب من عشرين ورقة كبيرة ضربت ~~على الآلة الكاتبة في أسطر متلاصقة. # فأخذت أقرؤها على مهل ساعة أو نحوها، وكلما مضيت في القراءة تعاورتني موجات من حرارة ~~وبرودة، إذ وجدتها مزيجا عجيبا من أنصاف الحقائق والأكاذيب الصريحة، تألف بعضها مع بعض ~~على نحو يدل على حرص وذكاء، بحيث كان منها في النهاية نموذج طيب «لمأساة مضحكة» حبكت خيوطها ~~حبكا محكما، ولكي تتخذ الوثيقة صبغة الصدق، ذكرت فيها أسماء هنا وهناك، عرفت منها ~~كثيرا، إذ كان بينها أسماء لأعلام المهندسين في صناعتي الكيمياء والصلب في بلادنا، وأخرى ~~لمديري مصانع ورؤساء عمال؛ وكان بينها كذلك اسم «إيفانتشنكو» وأسماء موظفين يعملون في ~~إدارات مختلفة، واسم «بياتاكوف»، وبالجملة كان فيها «مزيج» عجيب من قوم مشهورين وآخرين ~~مغمورين. # كانت القصة المؤلفة في تلك الوثيقة تجري مع سياق منطقي خاص، إذ كانت أطرافها تتسق بعضها ~~مع بعض، على شرط أن تسلم تسليما أعمى بصحة المقدمة التي بنيت عليها ms446 القصة، ألا وهي أن ~~هؤلاء الناس الذين تمسهم حوادث القصة، من المشهورين الأعلام في الهيئات العليا في موسكو، ~~إلى عمال الصهر في «زابارزهي» ورؤساء العمال في نيقوبول، كانوا جميعا يؤلفون مؤامرة واحدة، ~~كل أعضائها تناولهم التدريب المتقن، وتميز أعضاؤها جميعا بالجرأة ومهارة الشياطين. # فلما فرغت من قراءتها قلت: «لا أستطيع توقيع مثل هذه الوثيقة، لقد صنعت أنابيب من الصلب ~~الذي أرسل إلي، وكان الصلب أحيانا مشوبا بشوائب، هذا كل ما أعرفه وهذا كل ما يمكنني ~~أن أوقعه.» ~~- «جد جميل، لماذا إذن وقعها رجال هم من خيرة الأساتذة في البلاد أو في الطليعة بين ~~مديري المصانع، هل تضع نفسك في منزلة فوق منزلة هؤلاء في الخبرة والتخصص؟» # والحق أن الوثيقة كانت تحتوي على توقيعات لطائفة من علماء السوفيت البارزين والمهندسين ~~النابهين، وكان الحكم الذي أجمع عليه رأيهم هو «الإتلاف المقصود»، لكني لم أجد عسرا في أن ~~أصور لنفسي كيف حصلوا من هؤلاء الناس على توقيعاتهم، غير أني في هذا الصدد لم يكن في وسعي ~~سوى أن أكرر أنني لن أشهد على شيء ليس لي به دراية شخصية. # فقلت: «لا مانع عندي من الشهادة بأن المعدن كان مشوبا، إذا أردت مني مثل هذه ~~الشهادة!» ~~- «هل تهاذرني بنكاتك الآن يا «كرافتشنكو»؟ أنسيت أين أنت الآن؟ شوائب! لسنا نريد منك ~~شهادة على ذلك، وإنما نريد منك إثباتا لتهمة الإتلاف؛ لأن إنتاج الأنابيب كان تحت ~~إشرافك.» # فلبثت صامتا، وأخذ «جرشجورن» يحاج ويصرخ في وجهي حتى مطلع الفجر، وأخذ يقرأ لي فقرات ~~ويبين لي كيف أن الأمر من «البداهة» بمكان، وهو أن المتهمين كانت عندهم نية الإتلاف، لكني ~~لم أر إلا شيئا واحدا رؤية البداهة - على الرغم مما كان يغشاني من تعب - وهو أن القسم ~~السياسي في نيقوبول قد أمر أن يحصل مني على توقيع هو في حقيقة الأمر بمثابة اعتراف مني غير ~~مباشر، إذ كانت شهادتي تلك حلقة مفقودة في سلسلة الحلقات التي فرضها لهم خيالهم الجامح، ~~فإذا ما وافقت على سد هذه الثغرة الشاغرة ms447 بحيث تتم للسلسلة حلقاتها، فقد أوقعت نفسي في ~~شباكها، وإذن فلم أصدر عن بطولة حين رفضت التوقيع، لكني رأيت في جلاء أن توقيعي معناه إمضاء ~~تصريح بموتي. # وأخيرا طلب إلي الخروج وشيعني بالشتائم التي أخذ يلحق بعضها بعضا، وتوعدني الويل ~~إذا لم أفكر في الأمر مليا. # وعلى هذا النحو مضت شهور طوال، فأستدعى إلى رياسة القسم السياسي ليلة بعد ليلة، حيث ~~يعاودون استجوابي وتوعدي ووعدي بأساليب الإغراء، ولقد دبروا لي هذه المحنة - محنة انقطاع ~~النوم عني - ليحطموا كياني، فكنت أعمل طيلة النهار فلا أسمح لنفسي بالتراخي في منصبي ~~الجديد؛ لأن أي خطأ أو فشل سيفسرونه بأنه «دليل» جديد على تهمة الإتلاف التي رموني بها، ثم ~~كنت أنفق معظم الليل في مثل ذلك التعذيب. # وأخذ دولاب العدالة في الحزب يدور بعجلاته إبان ذلك الوقت، إذ رفعت لجنة تحقيق جديدة ~~تقريرها وهي كارهة بأن التهم الموجهة إلي تدحضها الأسانيد، وأيد رئيس اللجنة ~~«كوندراشين» ما كان «فيلين» قد حكم به في قضيتي، وعلى الرغم من أن هذا الأمين الجديد كان ~~وصوليا جبانا، فإنه لم يأسف لهذه النتيجة التي انتهت إليها لجنة التحقيق، فانتظر حتى خلا ~~المكان من الناظرين وضغط على ذراعي مهنئا، وكنت حينئذ لا أزال معدودا من أعضاء الحزب، بل ~~كنت من الوجهة النظرية معدودا من «خيرة الخيرة» ومن الصفوة الممتازة بين حكام ~~البلاد. # لكن هذا التعذيب الليلي البغيض لم ينقطع عني، وأخذوا يقذفونني بتهم جديدة كل مساء، ~~فمثلا: ما صلاتي بهؤلاء «الكلاب الوحوش»: مارجولين وبراتشكو وفشنف وإيفانتشنكو وفيلين ~~وروزنجولتز؟ ألم يحدث أني وقفت إلى جانب دوبنسكي «الجاسوس المنشفي»؟ ألم أهيئ أسباب المعونة ~~والراحة ل «الجاسوس الفاشي» زلمان؟ وكان كل اسم جديد من هذه الأسماء وكل موضوع جديد من هذه ~~الموضوعات يتيح لجرشجورن مادة جديدة يظل فيها ساعات مستجوبا ومهددا، حتى لقد دار رأسي ~~دوارا وأصاب حواسي الخدر وأحسست بالألم في كل أعصابي وعضلاتي. # إن من حارب في حومات القتال من الجنود ليعلم كيف يكون أثر اليقظة التي لا يتخللها النعاس، ~~فقد ms448 شعرت بما يشعر به السابح على الماء وقد أبعده الجزر عن الشاطئ مسافة طويلة، فأخذ يحرك ~~أطرافه في تهافت، ولبث سابحا على سطح الماء، لكنه كلما لطمه الموج لطمة آلمته، تدفقت من ~~جسده آخر قطرة من قطرات قوته. # وحدث ذات مساء أن تركوني واقفا في البهو أربع ساعات أو خمسا أواجه الحائط، وبعدئذ أذن ~~لي جرشجورن بالعودة إلى منزلي بغير استجواب، قائلا: إنه يأسف إذ لم يجد في وقته فسحة للمضي ~~في «محادثتي»، ثم رماني في الليلة التالية بتهمة جديدة لم تذكر قط من قبل. ~~- «ألم يسكن معك يا كرافتشنكو رجلان أمريكيان؟» ~~- «نعم، كانا يعاوناننا في تشغيل بعض الآلات الأمريكية.» ~~- «ولماذا أسكنهما الخائن «براتشكو» معك أنت بالذات، ولم يختر سواك؟» ~~- «ربما كان ذلك لأني أعزب وكنت أسكن وحدي في منزل كبير.» ~~- «قل لي: ألم يحدث قط أن شكوت لهذين الأجنبيين من نظام الحكم السوفيتي؟» ~~- «كلا بالطبع لم أشك لهما شيئا، وهما لا يزالان في الروسيا وتستطيع أن تحقق ~~ذلك.» ~~- «لا تقل لي ماذا أستطيع أن أصنعه، فقد سئمت وقاحتك، ماذا كان يربطك بهذين الأمريكيين من ~~صلات سياسية؟» ~~- «لم يكن بيني وبينهما أية صلة سياسية، ولقد عاملتهما معاملة رقيقة كما كان يحتم علي ~~واجبي أن أفعل.» ~~- «لكن إيفانتشنكو هو الذي أمر بتوريد تلك الآلات من الولايات المتحدة.» ~~- «نعم.» ~~- «وإذن فمن الجائز أن يكون إيفانتشنكو والمصنع الأمريكي قد دبرا معا خطط ~~الإتلاف.» ~~- «لا علم لي بشيء من ذلك.» ~~- «لا علم لك؟ فأنت في براءة الحمل وسذاجته، ولكن ...» # وهنا أخذ يتكلم في هدوء وفي نغمة المنذر بالويل كأنه على وشك أن يفصح عن حقيقة تحطم ~~بنياني تحطيما، «لكنك زرت هذين الأمريكيين في خاركوف، أليس كذلك؟» ~~- «نعم، لاقيت أحدهما مصادفة في الطريق فألح في أن أذهب معه إلى فندق كرازنايا، ولم أستطع ~~رفض دعوته دون أن أخرج على حدود اللياقة.» ~~- «ثم قابلتهما مرة أخرى في فندق بموسكو؟» ~~- «كلا، فقد كنت آكل في فندق متروبول وحدي، وكان الأمريكيان على منضدة أخرى في الجانب ~~الآخر يشربان ms449 مع فتاتين، فناديا باسمي في قاعة الأكل، ولم يكن أمامي سبيل سوى أن أذهب ~~إليهما وأقبل ما قدماه لي من شراب، فجلست معهما خمس دقائق أو نحو ذلك ثم انصرفت.» ~~- «ولماذا طار أحد صاحبيك الأمريكيين في رحلة مفاجئة إلى استوكهلم؟ ولماذا أحضر لك ~~هدية؟» ~~- «كل ما أعلمه هو أنه ذهب هناك لشئون خاصة، ولم يكن ثمة ما يبرر أن ينبئني بأسباب سفره، ~~وأما عن الهدية فقد كانت قطعة من الصلب الخاص ومواد أخرى خاصة بقياس الحرارة مما لم يكن في ~~وسعنا صناعته في بلادنا، فكان ذلك منه فضل أسداه إلي وإلى مصنعنا.» ~~- «لكنه إلى جانب ذلك أحضر إلى «إيفانتشنكو» تعليمات في مناهضة السوفيت، أحضرها من دوائر ~~تقاوم تعاليم الثورة في استوكهلم، أليس كذلك؟» ~~- «لا علم لي بشيء من ذلك.» # استغرق استجوابي عن الأمريكيين بضع ساعات، وإذا الباب يفتح فجأة ويدخل «دوروجان» بجسمه ~~القبيح وهو في سورة الغضب، وكانت شفتاه الغليظتان منحرفتين في هيئة بغيضة، ووقف له ~~«جرشجورن» احتراما. ~~- «جرشجورن، كم من الوقت تبغي أن تنفقه في تركك لهذا المتلاف فرصة أن يلفك حول خنصره؟ ~~أأنت شرطي من القسم السياسي أم خرقة بالية قذرة؟ لقد أخطأنا كل الخطأ في عدم القبض عليه منذ ~~عام مضى، بدل التهاون مع اللجنة المحلية بحيث تركناها تخبط في قضيته.» # فبدت علامات الفزع على «جرشجورن» ولم يكن خافيا أنه يرتعش في حضرة رئيسه. ~~- «يا رفيقي الرئيس، لقد بذلت كل وسعي، وجعلته مادة عملي كل ليلة مدى شهر كامل، فإذا أردت ~~أن نستخدم معه أساليب أشد صرامة ...» # فأهمله «دوروجان» وجعل ينظر إلي من عليائه. ~~- «حذار يا كرافتشنكو وإلا نزلت بك الإصابة في الصميم!» # قال ذلك وخرج وهو يضرب الباب من خلفه ضربة قوية، فلما أطلق «جرشجورن» سراحي بعد ذلك بساعة ~~أو نحوها، قررت بيني وبين نفسي أن أتحدث إلى «دوروجان» إذ أردت لهذه المحنة أن تنتهي على أي ~~وجه من الوجوه، فأعطيت اسمي للحارس الواقف عند بابه، وجاءني الإذن بالدخول. # فصاح بي دوروجان: «هيه، ماذا تريد من ms450 لعنات الجحيم؟» ~~- «أردت أن أسألك ماذا تريدون مني، لقد قاسيت العذاب أمدا طويلا ... وفي كل ليلة يطلعون ~~علي باتهام جديد من نسج خيالهم، إنك يا رفيقي «دوروجان» عضو في مكتب اللجنة المحلية، ~~وتعلم أني برئت مرتين، وإني لألتمس منك باعتبارك شيوعيا ...» ~~- «باعتباري شيوعيا!» صاح بهذه العبارة وهجم علي كأنه الثور الهائج، ولطمني بكفه على ~~خدي لطمتين، وجذبني من حلقي وجعل يضغط بأصابعه حتى أختنق، وجعل في الوقت نفسه يهزني هزا ~~عنيفا ذات اليمين وذات اليسار، وكان رجلا قويا فكانت يداه مقابض من حديد زرت على حلقي ~~شيئا فشيئا واشتد زرها، حتى أخذ كل شيء يسود في عيني ... ~~- «اخرج قبل أن أفتك بك!» سمعته يقول هذه العبارة قبل أن يدفعني من باب غرفته ~~دفعا. # فترنحت حذاء الحائط وظللت هناك بضع دقائق حتى تراخت عن عنقي قبضة الحديد، ولا أكاد أدري ~~كيف استطعت الرجوع إلى الفندق الذي كنت أقيم فيه، وصعدت السلم في ألم ثم ارتميت على السرير ~~واستغرقت في نعاس عميق. # وذات يوم حول الساعة الواحدة بعد الظهر، انفتح باب مكتبي ودخل «جرشجورن» وهو ينفض الثلج ~~عن معطفه، فقلت لنفسي: «لقد جاء ليمسك بك!» ~~- «أهلا يا كرافتشنكو.» هكذا قال فجاءت كلمة «أهلا» باعثا على الاطمئنان «أين المهندس ~~فالنتين بتشكوف رئيس معملكم الكيميائي؟» ~~- «هو الآن في قسم الصب إذ يشتغلون الآن في الصاهر الكهربائي.» ~~- «ابعث في طلبه حالا، حالا، ولا تقل له السبب.» # فطلبت «بتشكوف» على المسرة واستدعيته للقائي، فقال: إنه لا يستطيع أن يترك عملية الصهر، ~~وتوسل أن أمهله حتى يفرغ من مهمته. ~~- «أنا آسف، فاترك كل شيء لأن الأمر هام.» قلت ذلك وأنزلت السماعة. # وسألت جرشجورن: «هل لي أن أعرف لماذا جئت تطلب بتشكوف؟ لأنه على كل حال ممن يقعون تحت ~~رياستي.» ~~- «اسمع يا كرافتشنكو، ألم يكن ما أنزله بك دوروجان تلك الليلة درسا كافيا لك؟ إنك عسير ~~الترويض، تعال إلى مكتبي الليلة في الساعة الحادية عشرة.» ~~- «ألا يمكن أن أستريح ليلة واحدة فأنام؟» ~~- «وقع ما نريدك أن توقعه، وتعاون ms451 معنا قليلا، تنم ملء جفنيك.» # وجاء «بتشكوف» وهو لا يتوقع لنفسه شرا، وكان مرتديا ملابس العمل، يتصبب عرقه ويلوث ~~وجهه الرماد. ~~- «نهار سعيد يا فكتور أندريفتش.» قال لي ذلك محييا ثم لحظ زائري ولم يكن بعد يتوقع ~~لنفسه شرا، فأضاف إلى تحيته تحية أخرى: «نهار سعيد يا رفيقي جرشجورن.» ومد بده ليصافح ~~جرشجورن، لكن جرشجورن أغضى عن يده. ~~- «لا تخاطبني بكلمة «الرفيق» أيها المتلاف!» ~~- «ما الخطب يا رفيقي جرشجورن؟ ألست تعرفني؟» ~~- «أعرفك جيدا، ما اسمك؟» ~~- «بتشكوف.» ~~- «وما أسماؤك الأولى؟» ~~- «فالنتين إيفانوفتش.» ~~- «أنت مقبوض عليك بتهمة التخريب، تعال معي!» ~~- «لكن ماذا جرى؟ لست أفهم شيئا.» # فأخرج جرشجورن مسدسه وصوبه نحو سجينه وقال: «اعتدالا! إلى الأمام سر.» # فسار المهندس الشاب وهو في حيرة من أمره، يتبعه موظف القسم السياسي. # فأقفلت باب مكتبي إذ لم تعد لدي ذرة من قوة، أليس من الخير أن أوقع على أي شيء وكل ما ~~يريدونني أن أوقعه؟ ما فائدة العصيان؟ أي فرصة أرجو إزاء هؤلاء الغلاظ الذين أسكرتهم ~~القوة؟ # ولم تمض بعد ذلك ساعة حتى جاءت زوجة بتشكوف الشابة تريد لقائي مستصحبة معها طفلتهما التي ~~كانت في عامها الثاني من عمرها؟ جاءت زوجة بتشكوف - وإنها لذات جمال - جاءت تبكي بكاء من ~~مسها جنون، وكانت ابنتها تبكي كذلك، فأردت أن أسكتهما وأن أنزل الطمأنينة عليهما ... فلما كان ~~الليل، كنت مزدوج التعب لما شهدته من حوادث اليوم فضلا عما كنت أعانيه من متاعبي الخاصة، ~~ومع ذلك قضيت جلسة استجوابية طويلة كانت شديدة الوقع على أعصابي فزادتها توترا على ~~توتر. # وجاءتني زوجة بتشكوف مرة أخرى بعد ذلك بثلاثة أيام أو أربعة، فيظهر أن قد ضاع من مكتب ~~زوجها آلة تصوير وساعة توقيت وغير ذلك من أدوات المصنع مما كان زوجها يحتفظ به في مكتبه، ~~فأبى القسم المالي أن يدفع لها استحقاق زوجها السجين حتى ترد الأدوات الضائعة، فناديت ~~مساعد بتشكوف، وسألته فأقسم إنه لا يعلم من أمرها شيئا، لكني شككت شكا قويا في أنه ~~سرقها، واضطررت أن أتصل بجرشجورن مدفوعا ms452 إلى ذلك بحالة المرأة وطفلتها. ~~- «أرجوك أن تسأل بتشكوف أين وضع آلة التصوير والساعة وغيرهما من أدوات.» هكذا قلت ~~لجرشجورن متوسلا. # فأجابني جرشجورن قائلا: «سله أنت، تعال من فورك وسآذن لك بالحديث معه.» # ولم أدر لماذا أراد أن يدبر هذا اللقاء بيني وبين المهندس الكيميائي السجين، ولم تمض ~~ساعة حتى كنت في القسم السياسي، فدق جرشجورن الجرس للحارس وأمره أن يحضر السجين «من ~~الزنزانة»، وما هو إلا أن عاد شرطيان وبينهما «بتشكوف» لا تكاد تعرفه من هيئته، فاهتز جسمي ~~لرؤيته، كان وجهه متورما مليئا بالكدمات، وإحدى عينيه مقفلة، وكانت حلة شغله - وهي الحلة ~~التي قبض عليه وهو مرتديها - ممزقة ملوثة بالدماء، ويداه كانتا مضرجتين بالدم، وفاحت منه ~~رائحة كريهة، هي رائحة السجن والمرض، فلم أصدق أن هذا المخلوق المحطم هو بعينه ذلك المهندس ~~الشاب الوسيم الذي جاء إلى مكتبي منذ أيام قلائل. # وعرفت لماذا طلب إلي جرشجورن الحضور، فقد أراد أن يطلعني على لمحة مما يحدث لأولئك ~~الذين يرفضون «التعاون» معه. # فقلت وأنا أميل بنظراتي عن هذا المنظر الموئس: «أين تركت آلة التصوير وساعة التوقيت ~~وغيرهما من أدوات المصنع يا فالنتين إيفانوفتش؟» # فأجاب في صوت متهدج، صوت الرجل وهو يعاني من ألم: «كل هذه الأشياء يا فكتور أندريفتش ~~تركتها عند مساعدي، فقد كان يستخدمها في العمل.» ~~- «شكرا، فذلك كل ما أردت أن أسألك عنه.» ~~- «فكتور أندريفتش ... زوجتي وابنتي ... حبيبتي المسكينة ماريوزا ...» قال ذلك وأخذ يبكي بصوت ~~مسموع. # فضرب جرشجورن على سطح مكتبه بقبضة يده التي يغطيها الشعر وقال: «حسبنا هذا يا بتشكوف، ~~لسنا نريد هذه الحركات المسرحية وإلا بدأنا ترويضك من جديد، فما أظنك قد بكيت حين سممت ~~العمال الذين يشتغلون في قسمك، اخرج من هذا المكان.» # وإذن فتلك كانت التهمة التي وجهت إلى «بتشكوف»، فقد كنا منذ عهد قريب نشتغل في صناعة ~~أنابيب من صلب ساذج وكان لا بد من نقشه بحامض النيتروس في أحواض من الخشب لم تعد لذلك، ~~فبين بتشكوف للعمال ما يجب أداؤه وفقا للتعليمات التي ms453 تتبعها كل المصانع ، فحدث لأربعة من ~~العمال أن خالفوا تعليماته فأصابهم تسمم ونقلوا إلى المستشفى، وها هم أولاء - فيما يظهر ~~- يتهمون بتشكوف «بتسميم» العمال عن عمد! فكانت هذه أحدث التهم ابتكارا، والغاية المقصودة ~~منها هي حشد العمال لمناهضة المهندسين، ولم تكن التهمة غير معقولة فحسب، بل كانت ضربا من ~~الجنون. # ولما عدت إلى المصنع استدعيت مساعد «بتشكوف» الذي كان رجلا من رجال الحزب، في حين لم يكن ~~«بتشكوف» من رجاله، فأنذرته بإرساله إلى القسم السياسي بتهمة السرقة إذا لم يرد الأشياء ~~المفقودة إلى مكتبي في عشر دقائق، فما مضت دقيقتان حتى كانت تلك الأدوات على مكتبي، ولما ~~جاءت زوجة بتشكوف لتأخذها فتسلمها إلى مكتب الإدارة أنبأتها أني رأيت زوجها. # وكذبت قائلا: «فالنتين بخير وتبدو عليه علامات الراحة، وبالطبع قد استوحش لغيابك عنه، ~~لكنه طلب إلي أن أطمئنك فلا تأخذنك الهموم، وهو يرسل لك ولابنتك حبه وقبلاته.» # وماذا أقول غير ذلك لتلك المرأة المنكودة؟ فشكرتني وانصرفت، ولم أرها قط بعدئذ، ولست ~~أدري ماذا أصاب زوجها. # ظللت معظم أيام الخريف لا يؤرقني القسم السياسي أثناء الليل إلا في فترات متقطعة، فلما ~~اقترب عام 1937م من ختامه، استأنفوا محاكمتي على نحو موصول غير مقطوع، ولم يتعذر عليهم قط ~~أن يجدوا موضوعات جديدة ل «التحدث» معي فيها، فكلما قضي بالفصل على طائفة جديدة من رجال ~~الصناعة استتبعت مضاعفات كان لا مندوحة لهم عن طلب شهادتي فيها، وعندئذ فقط خطوت الخطوة ~~التي طالما اجتنبتها خشية الإساءة إلى رجال التحقيق. # كتبت لهيئة المراقبة من اللجنة المركزية العليا في مقر فرعها الكائن بمدينة ~~دنيبروبتروفسك، أشكو لها ما يصيبني من مطاردة بتهمة الإتلاف التي لا يؤيدها دليل، ولم أذكر ~~في شكواي القسم السياسي؛ لأنهم أنذروني مائة مرة أن أحفظ هذه المحاكمات الليلية سرا ~~مكتوما حتى عن الحزب، فهيئة المراقبة - من الوجهة النظرية على الأقل - من واجبها أن ترعى ~~حقوق أعضاء الحزب وتحافظ لهم على كرامتهم، وبنيت طلبي من الوجهة الشكلية على التأنيب الذي ~~وجهوه إلي وأثبتوه في صحيفتي، ms454 فطلبت إلى الهيئة أن تمحو عني هذه الوصمة. # فجاء محقق بعد أيام قلائل، فقال لي: إن اللجنة المحلية قد برأتك فلماذا تشكو؟ # فقلت له: «لا يزال ثمة تأنيب مثبت ضدي وينبغي أن يزول، وأحب أن تراجع هيئة المراقبة ما ~~يوجه إلي من تهم.» ولخصت له التهم الرئيسية التي يقذفونني بها ليلة بعد ليلة. # فأنفق المحقق عدة أيام يتنقل فيها من هنا إلى هناك ويقابل هذا وذاك في إدارة الحزب وفي ~~المصنع، ثم سافر، لكن استجوابي الليلي مضى في طريقه لا ينقطع إلا نادرا، فنحل جسدي والتهبت ~~عيناي التهابا دائما، ولم يكد أصدقائي الذين غابوا عني مدة طويلة يعرفونني إلا في ~~مشقة. # وكانت نيقوبول في ذلك العهد غاصة باللافتات عن «الانتخابات الديمقراطية» الأولى في ~~الروسيا في ظل الدستور السوفيتي، فكان المفروض أن يباشر أهل الروسيا في الثاني عشر من ~~ديسمبر عام 1937م حقهم الذي يفاخرون به، وهو انتخاب أعضاء الهيئة السوفيتية العليا بطريقة ~~الاقتراع السري، وكانت الإعلانات المعلقة على الجدران والصحف ومكبرات اللاسلكي في شوارع ~~نيقوبول وفي مصانع التعدين ومناجم المنجنيز تنشر هذه الأخبار السارة نشرا يهتز له ~~الفضاء. ~~«اجتمعوا حول الحزب وأيدوه! صوتوا في جانب الحياة الاشتراكية السعيدة! لا ينبغي لأحد أن ~~يتهاون في استعمال حقه في الاقتراع السري! أمعن الدساتير في روحه الديمقراطية! فليحي رائدنا ~~وزعيمنا المحبوب الرفيق ستالين!» # فكان كل هذا يلوح لي مهزلة ساخرة من آلامي وآلام ملايين الناس غيري، وبالطبع لم ينظر أحد ~~إلى هذه «الانتخابات» نظرة الجد، فشأنها شأن الاجتماعات الشعبية وما يتخذ فيها من قرارات، ~~هي عبارة عن شعائر شكلية ينفذها الناس كما رسمت لهم، مدفوعين إلى ذلك بالخوف، فتراهم ~~يذهبون وعليهم علامات الملل ظاهرة لا يحاولون إخفاءها، بينما ترى القائمين على الحركة وتسمع ~~أبواق اللاسلكي مدوية بالعبارات الجوفاء، وفي ذلك الوقت نفسه كان يلقى القبض على آخرين ~~من جماعتنا الصناعية، فقبض على رئيس قسمنا المالي «ب» وعلى كبير الكهربائيين ~~«رومانتشنكو» وغيرهما. # وفي اليوم الثاني عشر من ديسمبر وقفت في صف طويل في المدينة ms455 حتى تسلمت آخر الأمر «بطاقة ~~الاقتراع السري»، فوجدتها تحتوي على قائمة واحدة من أسماء كتبها الحزب، ولم يكن على البطاقة ~~من الفراغ ما يسمح حتى بكتابة «نعم» أو «لا»، ولا كان فيها فراغ لكتابة أسماء أخرى، وقالوا ~~لنا: إننا إذا كنا لا نوافق على اسم من هذه الأسماء المكتوبة فلنا الحق في حذفه، فدخلت ~~الحجيرة المقفلة وثنيت قطعة الورق ورميتها في صندوق الاقتراع، وأظن أن أحدا من الخمسة ~~الآلاف الذين ذهبوا من مصنعنا لإعطاء أصواتهم، لم يجرؤ على حذف اسم واحد، وراحت الصحف تزهى ~~بهذه الموافقة الإجماعية على «الحياة السعيدة». # جعلوا يوم الانتخابات عطلة عامة، فكان يوما يجتمع فيه الناس وينعشون أنفسهم بما شاءوا، ~~أما «جرشجورن» فقد جعل احتفاله بذلك اليوم أن يتركني واقفا في البهو عدة ساعات، وأن يشتط ~~في وحشيته وهو يستجوبني، وفهمت من أسئلته أن «إيفانتشنكو» متهم بالإتلاف في صناعة خراطة ~~الأنابيب، فلكي يتمموا صورة الاتهام التي رسمها القسم السياسي كان لا بد من «اعترافي» ~~بالتعاون معه على اقتراف ذلك الجرم. # فما فتئت أكرر له قولي: «بصراحة لا أستطيع أن أنبئك أكثر مما أعلم.» ~~- «إلى الجحيم بهذه الصراحة، إن ما أريده منك هو الحقائق ولست أريد هذه الصراحة الملتوية، ~~يا لها من خسارة، إننا لم نوقعك في الفخ في الوقت الملائم، إذن لكنت الآن لينا مرنا بما ~~نشتهي.» # كانت مقاومتي في طريقها إلى التراخي؛ لأنني كنت أتحرق شوقا لنهاية هذا العذاب الطويل، ~~وأوشكت أن أقبل لهذه النهاية ما شاءوا من شروط، وكنت أحيانا أحلم في يقظتي حتى يجرفني ~~الحلم في تياره فأرى نفسي وقد وقعت اسمي بأحرف كبيرة عريضة ... وأسمع صوت النشيد الشيوعي ~~العالمي يعزف لي ... وأرى نفسي وقد أخذوا بيدي في مجد الظافر إلى سرير وثير حيث تلفني ~~بالغطاء أمي وجدتي «ناتاشا» ... وسواء أدرك ذلك مني من كانوا قائمين على تعذيبي أو لم يدركوه، ~~فقد عرفت في نفسي أنني في حالة نفسية تميل إلى التسليم، فأسبوع أو أسبوعان آخران من هذا ~~التعذيب الأليم، وعلقة أو علقتان ms456 مما أعانيه، ثم أسلم ولتكن نتائج التسليم ما تكون، فوا ~~أسفاه لم يخلقني الله من صلب صليب. # وبينما أنا في ذلك الموقف، جاءني «سلنين» الكهل ليزورني في فندقي، ترى هل دله حدسه على ~~أنني أدنو من نهاية احتمالي وأنني ربما أسلمت لأعدائي؟ ترى هل كان يرقبني من بعيد فرجح بظنه ~~ما كان يحدث لي، وعرف أني بحاجة إلى من يشد من أزري؟ # بدأ الشيخ حديثه معي قائلا: «لماذا أرى العلة بادية عليك؟ قل لي حقيقة أمرك وكن صريحا، ~~وعلى كل حال فأنا أقدر الأمر على أسوأ احتمالاته، وتستطيع أن تثق بأمانتي.» # ولم أكن في حاجة إلى إلحاف منه في الرجاء، فقد كان شوقي لحكاية أمري إلى إنسان بحيث أنفض ~~ما يعتلج في قلبي الجريح، كأنه ظمأ الصادي إلى الماء، فقصصت عليه كل شيء، قصصت عليه قصة هذه ~~الأشهر الكثيرة كيف قضيتها بغير نوم، وكيف قدمت لي أوراق مختلفة تحتوي على اتهام أشخاص ~~لكي أوقعها لهم. # فقال سلنين: «أرجوك يا رفيقي ألا توقع لهم شيئا، لقد صمدت طويلا فاصمد إلى النهاية، إن ~~إمضاءك لن ينجيك من الأذى، بل سيكون بمثابة الفخ الذي تقع فيه فتضيع إلى الأبد.» ~~- «لكن إلى متي؟! إلى متى يستطيع الجسم البشري وتستطيع أعصاب الإنسان أن تتلقى هذا ~~العذاب؟» ~~- «نعم، نعم يا عزيزي، فما أكثر ما شهدته في حياتي الطويلة، وما قاسيت من ألم، لكني أرى ~~حركة التطهير تهون شدتها، إذ لم يعد أمامهم كثيرون ممن يريدون تطهيرهم، فلقد تناولت الحركة ~~ما يقرب من أربعين في كل مائة من مجموع الشيوعيين في منطقة نيقوبول، تناولتهم طردا وقبضا، ~~وكان يقابل كل عضو من أعضاء الحزب يصيبه التطهير ثمانية على الأقل من غير رجال الحزب ~~يلقى عليهم القبض، لكني علمت من شخص يشتغل في اللجنة المحلية - ولو أنني لا أملك ما أحقق ~~به الخبر - أن قد جاءتهم تعليمات جديدة مؤداها ألا يقبض بعد الآن على شيوعيين دون ~~موافقة الحزب، فنشدتك الرحمة أن تصمد قليلا، فلقد اقترح «دوروجان» موضوع القبض عليك ms457 خمس ~~مرات على الأقل أمام اللجنة المحلية، وهو يغلي نقمة، فإذا استسلمت لهؤلاء الأوغاد الآن، ~~خيبت رجاءنا جميعا.» # فوعدته ألا أفعل، وإنما ردني عن الاستسلام وقد كنت على وشك الوقوع فيه إيمانه بي، لا نصحه ~~الذي أسداه إلي ولا تفاؤله بانفراج الضيق. # قال سلنين: «والآن فلنشرب نخب العام الجديد.» # ولم أكن تبينت حتى تلك اللحظة أننا كنا في ليلة اليوم الأول من العام الجديد، فقد لبثت في ~~القسم السياسي ذلك المساء من الساعة الحادية عشرة إلى الساعة الثالثة صباحا واقفا في ~~البهو المعتم، أواجه الحائط الذي كلح لونه، وأستمع إلى صيحات الضحايا وما يوجهه إليهم ~~معذبوهم من سباب، ولم يأتني لا جرشجورن ولا دوروجان، فهما لا شك كانا يحتفلان ببداية عام ~~1938م مع أسرتيهما وأصحابهما. # وفي الأيام القليلة التالية نشطت حركة القبض على رجال المصنع من جديد، ففي كل مرة يبدو ~~لنا أن المذبحة آخذة في الزوال، يتبين لنا بعد قليل أن فتور نشاطها لم يكن سوى استعداد ~~لهجمة جديدة، فكأن موت «أورزنكدز» كان بمثابة ترك الحبل على الغارب، فلا كابح ولا ضابط، إذ ~~لم يكن لخلفه «كاجونوفتش» شيء مما كان لأورزنكدز من دقة ومحاسبة للضمير، ولم يمانع في ~~«التعاون»، ولهذا أخذ القبض على رجال الصناعة والهندسة يزداد زيادة سريعة، وكان بين من ~~أبعدوا عن مصنعنا «ميرون راجوزا» المدير التجاري لجماعتنا الصناعية، وأخرجت زوجته ~~وابنته المتبناة من مسكنهما. # وحدث في الأسبوع الأول من يناير أن قدم لي جرشجورن وثيقة جديدة، وكانت هذه الوثيقة هي ~~إقراري الذي تطوعت بكتابته، والذي هو بمثابة اعتراف مني، ولقد كان إقرارا طويلا مليئا ~~بالاستطراد وبه كثير من الغموض والإبهام، سجلت فيه جرائم أصدقائي ورؤسائي ومرءوسي ~~بجرأة، ولم يمس نصيبي من التبعة إلا مسا رفيقا وبصفة عابرة، إذ ذكر متضمنا ولم ~~يذكر في عبارة صريحة، فظنوا أن هذه الوثيقة ستهون استسلامي لهم وتزيد من إغرائي ~~بالإذعان. # قال لي جرشجوون وأنا أقرأ صفحة في إثر صفحة من هذه الحكاية الخيالية الفنية: «أرجوك أن ~~تفهم أن هذا هو ms458 الحد الأدنى الذي يتوقعه منك القسم السياسي، ولم يعد بعد ذلك مجال للمساومة، ~~فإذا لم توافق على هذه الوثيقة كان ذلك منك بمثابة إعلان الحرب على القسم السياسي ولن تنجو ~~من براثنه، واعلم أن هذا التحقيق الذي استطال على هذا النحو قد أتعبني كما أتعبك، فكن ~~معقولا هذه المرة، هل توقع بقلم الرصاص أو قلم الحبر؟» ~~- «لا بهذا ولا بذاك، إن الأشياء التي أعرفها مما ورد في هذه الوثيقة لم تذكر على ~~وجهها الصواب ... وبقية ما ورد فيها لا أعرف عنه شيئا، أنا لم أعترف بشيء مما أجريته على ~~لساني هنا.» ~~- «وأنا أقول: إنك ستوقع أيها المتلاف، ستوقع كما وقع بتشكوف وكما وقع ~~إيفانتشنكو.» ~~- «افعل ما بدا لك، لن أعترف بجرائم أنا منها بريء.» # فوقف جرشجورن في غضبة مفاجئة وهجم علي صارخا: «أيها المتلاف المخرب، أيها الوغد! خذ ~~هذه اللطمة وهذه.» # وأخذت قبضتاه الكبيرتان تطيحان بوجهي كأنهما ذراعا آلة حلت ضوابطها، وانبثق الدم من ~~أنفي وملأ فمي سائلا دفيئا تقززت له نفسي، «والآن هل لك أن توقع؟» ومن جديد، عاد ~~فأمطرني لطمات ورفسات، فسال الدم في عيني حتى غشيتا. # وسمعت - أكثر مما رأيت - «دوروجان» يذرع أرض الغرفة داخلا، فقد مرنت أعصابي على إدراك ~~خطوته القوية، فما بلغني حتى جعل هو كذلك يدقني دقا بقبضتيه، فسقطت على الأرض وتدحرجت إلى ~~البهو كأنني كنت أنكمش حابيا داخل إهابي، وعندئذ أخذت أربع أقدام لبست أحذية ثقيلة قاسية ~~ترفسني وتركلني. # أننت من وقع الألم، وأحسست بالحراس يحملوني، فلا بد أن قد دق جرشجورن لهم جرسه ~~ليحضروا. # وزعق بهم دوروجان: «أبعدوا هذا الوغد! اقذفوه في الخارج.» # وبينا كانوا يجذبونني جذبا خلال الباب، شعرت بقبضته تضرب قفاي، وساقني الحراس إلى حجيرة ~~حيث تركوني أضمد جراحي، وهناك لبثت جالسا نحو ساعة أو ساعتين، فكان الزمن يمضي كأنه ألم ~~بغير أبعاد، ولم أستطع أن أتبين في رأسي أفكارا معينة، بل لم أتبين في نفسي شيئا من ~~الغضب. # ثم دخل جرشجورن: «والآن هل فكرت في الأمر مليا أو لا ms459 تزال في حاجة إلى إقناع جديد ؟ ~~فلدينا من وسائل المحاجة ما هو أشد إقناعا من هذا الذي ذقت مرارته هذا المساء.» ~~- «كلا لن أوقع، اقتلوني إذا شئتم لكني لن أوقع.» ~~- «سأمهلك ثلاثة أيام تفكر فيها، أما الآن فاخرج.» # وخرجت على هذه الحال، وكانت تذكرتي الحزبية ما زالت في جيبي ... # وألفيت نفسي في الطريق أتعثر في عاصفة ثلجية قاسية، وأخذت العاصفة تضرب وجهي الممزق بألف ~~سوط، فحبوت داخل الفندق، حتى إذا ما كنت في بهوه، وقعت عيناي بطريقة آلية على كلمات فوق ~~لافتة كبيرة كانت من بقايا الانتخابات: «آزروا ستالين في سبيل الحياة الاشتراكية ~~السعيدة.» # رقدت على سريري دون أن أنضو ثيابي، وكنت أينما قلبت جسدي على السرير وقعت عيناي على صورة ~~ستالين فوق ورق الجدران المقشور، فما فكرت في الألم الجثماني بل حصرت ذهني في هذا الإذلال، ~~ووجهت الخطاب إلى صورة ستالين قائلا: «والآن يا رفيق ستالين، لقد تم التعارف بيني وبينك، ~~ولم يعد بيني وبينك سر تكتمه أو أكتمه، إذ وضح بيننا كل شيء، فتحياتي إليك يا رفيقي ~~ستالين.» # وملأني حزن عميق، حزن لم يكن منصبا على شخصي، بل هو حزن من أجل الإنسانية كلها، فقد ~~شعرت بإذلال في سبيل البشر جميعا: «إنني أتألم في سبيل وطني وشعبي ... في سبيل وطني المسكين ~~روسيا الاشتراكية.» # وأحسست بالألم كأنه يتناقص، فالإشفاق كان لجراحي بلسما، الإشفاق الذي فاض على روحي، ~~والذي لم يكن إشفاقا على نفسي، بل رحمة بالعالم كله. # إنك يا جرشجورن، وأنت كذلك يا دوروجان، وزعيمكما القائم في الكرملن، ليس في وسعكم الآن ~~إيذائي، إنكم لا تفهمون أني لن أوقع؛ لأني ما دمت صامدا لكم فثمة شعاع من أمل، إنكم لا ~~تفهمون أن مصير بلادنا، بل ربما كان مصير العالم كله، موقوفا على مقاومتي هذه ... لست رخوا ~~مطواعا، بل إني كقطعة الصلب تلين ولا تنكسر، وفي وسعي أن أبادلكم ضربة بضربة، وسأبادلكم ~~ضربة بضربة ... # وأخذتني حينا سنة من النوم حملتني فيها الأحلام بعيدا على ظهر سحابة كبيرة لينة، ثم ~~صحوت ms460 لأجد الألم قد تدفق تياره ثانية في جسدي الممزق، ونظرت إلى عيني ستالين الباردتين ~~وهما عالقتان هناك على الجدار فكرهته وكرهت نظامه بدرجة لم أكره بها أحدا أو شيئا من قبل، ~~وها هنا عاودني الخيال القديم الذي ما انفك يعاودني، ذلك الخيال الذي امتزجت فيه الحلاوة ~~بالمرارة، وأعني به فكرة الانتحار التي تسلطت عندئذ على عقلي وجسدي، لكن جسدي أبي علي ~~الحركة، وكنت من الإعياء بحيث لا أستطيعها إلى حيث كانت حقيبة ملابسي فأفتحها وأستل منها ~~مسدسا فأحرك زناده، فعلت كل هذا بعقلي، أما جسدي فقد ظل راقدا لا يتحرك فوق سرير لطخ ~~بالدماء. # وغرقت في نعاس تظللني عينا ستالين وهما ترقباني، لكن جانبا من عقلي لم يزل يقظان يستمع ~~إلى وقع خطوات في البهو، سيحضرون الليلة ليأخذوني، ها هي ذي تلك! إني أعرف وقعها، ورنت ~~الخطوات بوقعها في نومي، وسمعت طرقا على بابي، وفتحت عيني، ونهضت متألما وتعثرت في ~~طريقي إلى الباب، وأمسكت بمقبض الباب بضع لحظات، لعلها آخر لحظات أكون فيها طليقا ... ثم ~~فتحت الباب. # وإذا أمامي امرأة واقفة بشعرها الأشيب ومعطفها الشتوي غطاه الثلج، تبينتها في الضوء ~~الخافت، ورأيت في يدها حقيبة ملابس، ولم أفهم بادئ ذي بدء من كل ذلك شيئا، حتى لقد ظننت ~~أني في حلم من أحلام اليقظة، لكني تبينت موقفي. ~~«أماه! أماه يا عزيزتي!» صحت بهذه الكلمات وارتميت بين ذراعيها. # غسلت أمي جراحي وضمدتها، وأمسكت عينيها عن البكاء، بل أمسكت لسانها عن السؤال، وأخذت بدل ~~ذلك تحكي عن نفسها، فقد عرفت بغريزتها كيف تصرف إشفاقي عن نفسي وهمومها بحيث توجهه إلى ما ~~كانت تصادفه هي من هموم، حقا لقد كانت امرأة ذات إرادة بلغت من القوة حدا ~~بعيدا. # قالت لي: «معذرة يا «فيتيا» أن جئت إليك على هذا النحو دون تبليغ سابق بقدومي، فقد أحسست ~~أن في الأمر شيئا، ولعله قلب الأم يهدي، ومشيت على قدمي أربعة أميال من المحطة خلال هذه ~~العاصفة الفظيعة؛ لأني لم أجد عربة للركوب، بل لم أجد عربة ms461 فلاح أركبها، ومرت بي سيارات ~~كثيرة ، لكنها لم ترنى حين صحت بها أن تقف، وأربعة أميال في هذه العاصفة مسافة طويلة إذا ~~مشيتها وأنت تجر حقيبة ملابسك في يدك، فما أظنك يا «يافتينكا» كنت تحسب أمك العجوز بقادرة ~~على مثل هذا المجهود، لكننا نحن النساء الصغيرات الأجسام، أشد الأمهات أجسادا.» # وكانت قد جاءتني بجوارب من الصوف و«بطانية» وقمصان صوفية ... وهي الأشياء التي قد يحتاج ~~إليها المرء في السجن أو معسكر الاعتقال، فعلى الرغم من أني لم أنبئ أسرتي بشيء من محنتي، ~~فإن أمي قد أدركت ما هنالك، ولم يكن بها حاجة إلى أسئلة توجهها لتعلم ... وسرعان ما تسلل في ~~الغرفة ضوء النهار الجديد منعكسا على الثلج المكوم فوق عتبة النافذة. # تنهدت أمي وهي تفرغ الحقيبة وقالت: «نعم يا فيتيا، فقد علمتني التجارب؛ إذ كنت أعد هذه ~~الأشياء عينها لأبيك لما اعتقلوه سجينا ... إن الأعوام لتمضي، أما السجون فباقية، هاك هذا ~~القفاز من الفراء، وكان الله في عوننا.» # وأخيرا سالت من عينيها الدموع على خديها. # ونسيت ستالين لما أخذتني نشوة اللقاء بأمي، لكنه لم يزل هناك ينظر إلي من عل، وما هو ~~إلا أن طفح قلبي بغضبة اختنقت لها، حتى إذا ما غادرت أمي الغرفة حينا، نزعت صورة ستالين عن ~~جدارها، نزعتها على مهل وفي ثبات المتعمد، كأنني كنت أؤدي شعيرة دينية صعبة الأداء ورهيبة ~~الأداء في آن معا، وأخذت في جد المتعبد، أخذت أمزقها قطعة قطعة، ولم يكن بي فرح لما أصنع ~~بل كان بي أسف وغم، ثم أخذت أمزق القطع الصغيرة قطعا أصغر، ثم حملت هذه القطع الصغيرة من ~~الورق في عناية كأنها كانت ذخرا نفيسا ثمينا، حملتها إلى دورة المياه في البهو، وقذفت ~~بها في جوف المرحاض وجذبت السلسلة. # ووقفت أسمع غرغرة الماء، وأيقنت عندئذ أنني لن أشعر إلى أبد الآبدين بما كنت أشعر به ~~إزاء الحزب وإزاء الزعيم وإزاء قضية البلاد، فقد قطع إلى الأبد ذلك الحبل السري الذي ~~كان يربطني بتلك الأفكار والرموز رغم كل شيء، ms462 فلن أرفض ما أكلف به من عمل للحكومة، وسأقبل ~~ما يناط بي من مهمات الحزب، وسأخطب إذا طلب إلي أن أفعل، لكني سأفعل ذلك كله فعل ~~الممثل على المسرح، أو فعل الجندي يضع لنفسه خطة للقتال، مرتقبا في صبر فرصة تسنح للفرار: ~~الفرار! لقد فكرت في الفرار لا ليكون خاتمة جهادي، بل ليكون فرصة أبدأ فيها الجهاد ~~جادا. # حاولت في المصنع أن أرد عني سيل الأسئلة الودية التي كانت توجه إلي استفسارا عن عيني ~~المتورمتين وجسدي المكدوم، بحكاية لفقتها عن حادثة وقعت لي، لكني رأيت في أعين القوم أنهم ~~لم يؤمنوا بصدق ما زعمت لهم من سبب، ولقد وجدت في انتظاري إعلانا جاءني من دنيبروبتروفسك ~~بأن هيئة المراقبة هناك ستنظر في قضيتي بعد باكر، وأنها لذلك ترجوني الحضور؛ لكن الرفيق ~~«شالاكوف» - مدير المصنع الجديد - رفض أن يأذن لي بالغياب، فقررت بيني وبين نفسي أن أذهب ~~بغير إذنه. # ودعت أمي على المحطة ذلك المساء، وطمأنتها ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وأنبأتها بأني ~~سأذهب إلى زيارتهم بعد يومين. # وسافرت إلى دنيبروبتروفسك دون أن أنبئ أحدا بشيء عن نظر قضيتي أمام هيئة المراقبة، وكانت ~~تلك الليلة التي سافرت فيها هي ختام الأيام الثلاثة التي أمهلنيها جرشجورن فظل ينتظرني ~~عبثا، لقد استمتعت بالنوم ليلتين كاملتين متعاقبتين، فاسترددت بذلك شيئا من قوتي، ~~واسترجعت مع قوتي المردودة أملا جديدا. # رأيت شرطيا يقوم بالحراسة في غرفة الاستقبال التي كانت لهيئة المراقبة في مكتب الرياسة ~~للحزب في ذلك الإقليم؛ ووثب إلى ذهني خاطر أفزعني، وهو أن وراء ذلك الباب العريض ذي ~~المصراعين ستقرر مصيري جماعة لا تعرف من أمري شيئا، وكان في غرفة الاستقبال سواي ثمانية ~~رجال أو عشرة، جلسوا على دكة عليها حشية، امتدت ما امتد الجدار، ومن نظراتهم الحزينة أدركت ~~أن لكل منهم مشكلة لا تختلف عما أنا فيه، وعندئذ خرج من قاعة الجلسة محقق الحزب الذي كان ~~قد جاء إلى نيقوبول، فعرفني. # فقال وهو يبتسم ابتسامة هدأت من روعي قليلا: «آه، يسرني أنك ها هنا ms463 يا رفيقي ~~كرافتشنكو.» ثم خرج عضو آخر من القاعة وصاح باسم، فقام مضطربا رجل طويل ملتح وسيم ~~المحيا في نحو عامه الأربعين، ذو شعر خشن على رأسه، فأدخله العضو إلى القاعة الداخلية، ~~ومضت خمسون دقيقة أو نحوها، عاد بعدها مصفرا اصفرار الموت، يمسح عرقه ويضطرب اضطرابا ~~ظاهرا، واستأنف جلسته بين المنتظرين على الدكة ذات الحشية. # وفجأة دخل غرفة الانتظار رجلان من رجال القسم السياسي بحلتيهما الرسميتين، وفي بديهما ~~مسدسان مشهوران، ونادى أحدهما الاسم نفسه الذي كنا سمعناه قبل، فوقف الرجل الملتحي ~~مبهوتا. # فأعلن رجل الشرطة السياسية قائلا: «أنت مقبوض عليك، تعال معنا.» ~~- «لكن ذلك مستحيل ... لا بد أن يكون في الأمر خطأ ... إن هيئة المراقبة تنظر في قضيتي ~~...» ~~- «تعال معنا وتعال بسرعة، وإلا حملناك حملا.» وخرج الشرطيان ومهما السجين، ولبث ~~الباقون في الغرفة صامتين، لا يجرؤ أحد منهم أن ينظر إلى أحد. # وأخيرا نوديت للدخول إلى حيث هيئة المحاكمة، فوجدت نفسي في غرفة فسيحة يسطع ضوءها، ~~ورأيت خمسة رجال جالسين خلف منضدة طويلة فرش سطحها بغطاء أحمر، وكنت من اضطراب الأعصاب ~~بحيث لم أستطع أن أدرك كل ما حولي دفعة واحدة، غير أن أول ما أدركته هو أنه لم يكن بين ~~الحضور أحد على وجهه ابتسامة، فكل ما حولي عبوس لا مرح فيه. # قال لي من يظهر أن قد كانت له الرياسة: «نهارك سعيد يا رفيقي كرافتشنكو، اجلس، أجب عن ~~الأسئلة إجابة مختصرة وواضحة ولا يأخذنك الهم.» # فلما جلست نقلت عيني في الوجوه الخمسة، وفجأة لحظت بينها رجلا يبتسم ويومئ برأسه ~~إيماءة من يعرفني «الحمد لله، إنه جريجوريف.» وكان جريجوريف بلشفيا من القدامى من صنف ما ~~قبل الثورة، وقد عرفني منذ الطفولة، واشتغل مع أبي في مصنع «بتروفسكى- لينين» (وهو الآن ما ~~يعرف بمصنع «لينين» فقط، أما «بتروفسكي» فقد حذفت)، فانزاح عن صدري كابوس لأن ثمت ~~رجلا واحدا على الأقل سيفهم موقفي؛ لأنه يعرف أنني لم أكن من قبيل الرجال الذين يدبرون ~~الإتلاف، ويعرف أن كرافتشنكو الكبير (أبي) لم يكن قط ms464 منشفيا، فذلك كان لي بمثابة الدعامة ~~التي يستند عليها عقلي وقلبي ليثبتا ما فيهما من راجف، فكانت لي بعدئذ شجاعة الكلام في ~~صراحة أكثر ووضوح أجلى. # وأخذت أجيب عن أسئلة مدة أربت على ساعة، وكان بين السائلين رجل أسمر اللون من جورجيا، ~~له وجه الرجل الممعود وصوته رفيع حاد، هذا الرجل كان فيما يبدو يقف مني موقفا معاديا، أما ~~الرئيس وأما العامل «جريجوريف» فقد كانا فيما يظهر في جانبي، وكان بين ما أجبت عنه أسئلة عن ~~أبي، وعن الآلات «المخزونة» وعن صلاتي بقائمة طويلة من «أعداء الشعب»، ولما كنت لا أريد أن ~~أخفي شيئا، فقد كنت أجيب بغير تردد، وفي الموضوع الذي يسأل عنه. # وفي موقف من المواقف، نزع «جريجوريف» عن نفسه مسوح المحققين الرسمية وقال بغتة: «رفيقي ~~كرافتشنكو، لقد عرفتك وعرفت أسرتك زمنا طويلا، قل لنا في صراحة ما شعورك إزاء الحالة في ~~جملتها؟» # فقلت: «إني أقول لكم في صراحة أيها الرفقاء، إني أشعر شعور الناقم، فأنا أعاني ألوان ~~العذاب لمدة زادت الآن على حول كامل، أنا أعاني العذاب ألوانا، أتفهمون ذلك أيها الرفقاء؟» ~~وهنا ارتفعت يدي لا شعوريا إلى وجهي المكدوم، «ويجب أن تعلموا أني جئت إلى هنا بغير إذن، ~~ولست أدري ماذا ينتظرني حين أعود.» # فسألني الرجل من جورجيا في صوته الحاد: «ومن ذا الذي ينزل بك العذاب؟» ~~- «لا أستطيع الجواب ...» # فتدخل الرئيس بسرعة وقال: «لا عليكم، لا عليكم، فلنمض في تحقيقنا.» # وسرعان ما عدت إلى غرفة الاستقبال، فجلست حيث جلس الرجل الذي كان ألقي عليه القبض، ~~وأشعلت لفافة وبدأت أدخن، وكلما انفتح الباب الخارجي أيقنت أن رجال القسم السياسي جاءوا ~~ليقبضوا علي، لكن لما مضت خمس عشرة دقيقة أو نحو ذلك، عانيت فيها ما عانيت، دعيت أمام ~~هيئة المحاكمة من جديد. # فأعلن الرئيس وهو يبتسم ابتسامة عريضة: «أيها الرفيق كرافتشنكو، قررت المحكمة تأييد ما ~~قررته اللجنة المحلية في نيقوبول، وفضلا عن ذلك، قررت أن تلغي ما وجه إليك من لوم، ~~فتستطيع أن تعود إلى عملك، ولن ms465 يتدخل بعد ذلك أحد في أمرك، لكني أقترح أن تغير مكان عملك، ~~فتبدأ بداية جديدة في مكان آخر، ولتكن قوي الإيمان بحزبنا وبزعيمنا، مع السلامة أيها ~~الرفيق، وأتمنى لك حظا سعيدا.» # وبالطبع لم يكن يدري إذ ذاك أنه سيقبض عليه هو و«جريجوريف» بعد شهرين على اعتبار أنهما ~~«من أعداء الشعب»! # وصافحني الرجال الخمسة وخرجت، لكني لم أشعر بمثل ما شعرت به أيام التطهير الأول وأنا طالب ~~في المعهد من فرح شديد ببراءتي، نعم كنت عندئذ حرا آمنا، لكني فقدت ما كان في قلبي من ~~إيمان، وحل محله مقت وكراهية. # وقضيت تلك الليلة في منزل أسرتي حيث نمت نوما عميقا ليس فيه أحلام، فلما أن كان الصباح ~~تلفنت لأحد رؤسائي في مركز صناعة الأنابيب موسكو، وشرحت له كيف برأتني هيئة المراقبة براءة ~~تامة، وأفهمته أنني بناء على اقتراح تلك الهيئة أود الانتقال إلى مدينة أخرى، فوافق على ~~وجهة النظر وأبرق إلى مدير نيقوبول بأني مطلوب فورا إلى اجتماع استشاري في العاصمة. # ولم يعد جرشجورن يطلبني إذ كنت في نيقوبول، وتجاهل «شاكالوف» مدير المصنع خروجي على ~~النظام في سفري بغير استئذانه، إذ أرعبته الرسالة التي جاءت عني من موسكو، وبعد أن نظرت في ~~بعض الأمور المعطلة في قسمي، سافرت إلى العاصمة. # كان الذي خلف «أورزنكدز» في منصبه «لازار كاجانوفتش» عضو الهيئة السياسية العليا، الذي ~~عرف عنه أنه بين أصحاب ستالين أكثرهم نصيبا من ثقته، وكان الطريق إلى مكتبه مفتوحا ~~أمامي، وذات مساء في ساعة متأخرة من الليل، بعد أن قضيت بضع ساعات منتظرا كما هي العادة، ~~أدخلوني في حضرة الرئيس الرهيبة. # كنت قد رأيت «كاجانوفتش» مرات عدة قبل ذلك في سيرة حياته، فكان يرخي لحية سوداء قصيرة ~~وكاد يكون نموذج الرجل المثقف في هيئته، أما الرجل الذي التقيت به إذ ذاك فقد تغير عن عهدي ~~به تغيرا شديدا، فاللحية ليس لها وجود، وحل محلها شارب من طراز شارب ستالين، وازداد ~~وجهه ثقلا وغلظا ووحشية، ولم يكن التغير كله في البدن، بل إن ms466 الرجل الكامن في إهابه قد ~~اختلف عما كان، وتحول الرجل المثقف فيه إلى رجل يحب مظاهر النفوذ، وأخذ أثناء حديثي معه ~~ينفس عن حركة أصابعه العصبية بلعبه في خيط من الكهرمان، وكان ذلك بدعا فاشيا بين الموظفين ~~إذ ذاك، كأن ذلك الخيط الكهرماني بمثابة المسبحة للبلاشفة. # ورويت له رواية موجزة عن متاعبي في نيقوبول التي بلغت عندئذ ختامها فيما يبدو. # قال كاجانوفتش في نغمة يظهر بها أهميته: «إن الحزب والشعب معا ينظفان جسديهما من ~~الأعداء، ولا مناص من وقوع الضربات أحيانا في المواقع الخطأ، فإذا ما اقتلعت أشجار الغاية ~~لم يكن لك مندوحة عن تطاير الشظايا من الخشب.» ~~- «لكن ذلك لا ييسر لي الصعب يا لازار مويسفتش.» ~~- «إن البلشفي يجب أن يكون قويا شجاعا صليب العود، مستعدا للتضحية بنفسه في سبيل ~~الحزب، نعم يجب أن يكون مستعدا لا للتضحية بحياته فحسب، بل كذلك للتضحية بكرامته وحساسية ~~شعوره، فلا تنس أننا محاطون بسباع الرأسمالية، ولا بد لنا من آن إلى آن أن نفحص عن صفوفنا ~~لنستبعد منها أنصار الرأسمالية، نستبعدهم بالنار والسيف إذا دعت الضرورة إلى ذلك.» # لم أناقشه فيما قال، فلو كان ذلك «أورزنكدز» لقدر ما أعانيه من ألم، ولقال لي كلمة اعتذار ~~ومواساة، أما هذا الرجل «كاجانوفتش» بعينيه الباردتين اللتين كانتا كأنهما خلقتا من ~~الصلب، وبكلامه ذلك الممجوج، فأين هو من ذاك؟ ألا ما أشد سأمي بأمثال هذا التهريج في القول، ~~هذا الاستحثاث الورع، هذا اللغو السقيم الذي يغطون به آلام البشر. # واقترح الرئيس بادئ ذي بدء أن أكون كبير المهندسين للجماعة الصناعية في نيقوبول، لكنني ~~استطعت آخر الأمر أن أقنعه بأنني لا يمكنني بذل وسعي كله في ذلك المكان الذي يثير في نفسي ~~أسوأ الذكريات، فقال: إنه سيترك الأمر إلى رياسة صناعة الأنابيب، ولما خرجت من عنده تذكرت ~~العبارة التي أشاعها هو في العامين الماضيين، وهي قوله: «إننا سنهشم رءوسهم.» قالها في ~~كلامه عن أعداء الشعب والمتلفين. # وقبل مغادرتي لموسكو، نيطت بي رياسة مصنع «أندربيف» للتعدين في تاجانرج. ms467 # ولما عدت إلى نيقوبول ذهبت إلى مكاتب اللجنة المحلية لأنقل تبعيتي للحزب من فرع نيقوبول ~~إلى فرع «تاجانرج»، فكان مما رأيته أن تودد إلي كاتم السر «كندراشين» توددا سمجا، ~~فأنبأني بهمسة في الأذن أنه قاوم مقاومة الأبطال ما كان يتلقاه من ضغط «دوروجان» في شأن ~~القبض علي، وأراد بذلك أن يحملني هذا الفضل منه، فمن يدري؟ فربما جاء يوم لهذا الرجل ~~المحطم «كرافتشنكو» بحيث يكون فيه ذا منصب ينجيه من خطر ليرد جميلا بجميل، ففي الروسيا ~~الحديثة لا بد للإنسان من ادخار أفضال يقدمها للناس لعلها تفيده في يوم أغبر من أيام ~~السياسة المتقلبة. # ولما خرجت من مكتب رئاسة اللجنة المحلية قابلت «دوروجان» وجها لوجه. # فقال ساخرا: «وهكذا لذت بالفرار إلى «تاجانرج»؛ لا تزأط فرحا فلن تبعد عن متناول ~~أيدينا أنى ذهبت، فليس على وجه الأرض مكان تستطيع فيه أن تنجو من قبضتنا إذا أردنا ~~ذلك.» # فقلت له: «هذا شأنك ولا دخل لي فيه.» ~~- «لشد ما آسف أني لم أقذف بك في السجن فورا بدل أن أسمح للحمقى باتخاذ إجراءات فصلك على ~~صورة علنية ...» ~~- «لكن قل لي يا «دوروجان» لماذا تمقتني كل هذا المقت ولم يصبك مني سوء أبدا؟» # فقال مستنكرا ومضى غاضبا: «هذا شأني ولا دخل لك فيه.» # وذهبت إلى المصنع حيث ودعت عمالي، ولقد تأثرت أبلغ الأثر لما أبدوه من سذاجة وإخلاص، فهم ~~وإن لم يعلموا شيئا من تفصيلات ما حدث لي، كانوا يحسون عمق ما أعانيه من عذاب، وكانوا ~~يشاركونني بعطفهم، وأما «سلنين» فقد ضمني ضمة عبر بها عن شعور حقيقي، وكذلك فعل «جوشين»، ثم ~~لمحت «كيريوشكين» ينشف يديه في غطاء ثيابه، فذهبت إليه وأمسكت بيده وصافحته ضاغطا عليها ~~لأدله على شعوري الصادق، ولم يكن بيننا ما يستلزم أن نتبادل الألفاظ في تبادل ~~المشاعر. # قال لي: «مع السلامة يا فكتور أندريفتش، ولحظتك رعاية الله، ومهما يكن من أمر، فاذكر أن ~~ملايين الناس من أمثالي هم مؤيدوك، مؤيدوك دائما ... ولو أننا بغير حول أو قوة.» # كنت قد جئت ms468 إلى نيقوبول في أوائل عام 1935م يحدوني الرجاء ويحفزني التحمس أن أبدي البراعة ~~في أعمالي باعتباري مهندسا وموظفا من هيئة التنفيذ الصناعية، وذلك خدمة لبلادي وشعبها، ~~وها أنا ذا أتركها بعد ثلاثة أعوام تقريبا، مجردا من الأمل خاليا من الطموح، جريح القلب ~~مما لقيته من إهانة، ولم أكن لأتردد لحظة في أن أستبدل براتبي الكبير وما يسمونه بمزايا، لم ~~أكن لأتردد في أن أستبدل بهذه المزايا وذلك الراتب حياة مغمورة في صفوف العمال. # وإذا سألت: ما أهم عمل عملته في هذه الأعوام الثلاثة، إذا ما وزنت الأمر بنتيجته ~~الختامية، أجبت بأن أهم عمل هو أني بقيت طليقا حيا بينما الملايين من الناس الذين كانوا ~~في مثل براءتي قد وردوا الموت أو حكم عليهم بالعمل الشاق في سبيل دولة لا ترحم، أو ~~طردوا من مناصبهم. # لقد مضى يوم على بلادي كانت فيه حركة التحول الصناعي بمثابة المحرك لنفوس الشباب، ولقد ~~أحببت الهندسة واهتزت نفسي لحركة الإنتاج الصناعي في نغماتها وشدتها ونظامها وجرأتها، اهتزت ~~نفسي للمادة الخامة يلقى بها في طرف، فتخرج مصنوعات في الطرف الآخر، أما الآن فقد استل من ~~نفسي هذا الحافز نحو الخلق والإبداع، وحل محل الرأي الفني الجريء خوف وحذر وارتياب، فلقد ~~بات تدريبي الفني ومواهبي فخا أتعثر في شباكه، ووقعت في ذلك الفخ إلى الأبد، وكتب ~~علي أن أتحمل التبعات التي تعرضني للخطر لكنها لا تعود علي بغبطة. # الفصل الثامن عشر # | العمال أحرارهم وعبيدهم # «تاجانرج» - في إقليم روستوف - تقع على بحر آزف، وهي مدينة نظيفة كانت تأخذ أمور الحياة ~~على مهل، وكانت بها الحدائق والبساتين الفسيحة، أما الآن فقد غصت بمشروعات السنوات ~~الخمس، وأصبحت مدينة يغبرها الدخان والرماد وروائح السمك المنبعثة من مصانع الطعام ~~المحفوظ، أصبحت مدينة تمتد أميالا بعد أميال من البيوت والثكنات الجديدة التي بنيت حول ~~مصانع الطائرات والدراجات ومصانع التعدين والأحذية. # كان بها مصنع «أندريف» - وقد سمي باسم أحد أعضاء الهيئة السياسية العليا - وهو يقوم ~~بصناعة عجلات السكك الحديدية وصفائح المدن والأنابيب وغيرها من ms469 منتجات الصلب، وكان قسم ~~الأنابيب بالطبع هو الذي سيقع تحت إشرافي، وخصصت لي «شقة» مريحة في مبنى الإدارة، حيث ~~كانت مساكن الصفوة الممتازة. # ترى هل كان القائمون على بناء المدينة منصرفين باهتمامهم إلى إبراز مسافة الخلف التي ~~تباعد بين طبقتي السوفيت العليا والدنيا؟ لا أظن ذلك، ومع هذا فقد كان هذا الفارق بارزا ~~صارخا بحيث يؤرق جنبيك، كان هنالك صفوف من الشجر البديع أخفت وراءها المصنع وما حوله من ~~ثكنات، وكانت تمتد على الجوانب مماش من حصباء تحفها شجيرات البنفسج، وتمتد إلى بركة ماء ~~للسباحة وللتنزه بالزوارق (كانت خاصة بالموظفين بالطبع)، حيث كان الشاطئ على أحسن ما يكون ~~تمهيدا، وكان هناك كذلك ملاعب التنس وغرفات البليارد وغرفة للطعام جميلة لا يستعملها إلا ~~الخواص. # لم يكن ينقص هذه الأبهة كلها إلا وجه باسم أو طلعة بهيجة، فلئن كانت أسوأ مراحل التطهير ~~قد زالت بجنونها، فقد تلكأت خلفها أعقاب من دخان، فنصف موظفي الإدارة تقريبا - من رجال ~~الحزب وغيرهم - اكتسحتهم موجة التطهير، وأما من ظلوا منهم بمنجاة فقد كانوا في حالة من ~~القلق والجزع، يكادون يحسون في أنفسهم استحياء؛ لأنهم أفلتوا من براثن الخطر كل هذا الزمن، ~~وألقي بزمام لجنة رستوف الإقليمية في يد أمين جديد هو «دفنسكي» الذي كان فيما سبق في ~~مكتب ستالين نفسه، جاء من موسكو مباشرة لتولي منصبه، وكذلك جاء مدير جديد لمصنعنا، هو ~~«سميون رسنيكوف»، لكن أشباح القادة الذين أصابهم التطهير كانت لا تزال تحوم حولنا. # كان من عادة «أورزنكدز» أن يسدي النصح للمهندسين فيقول: «عليكم بدراسة الثقافة ~~والنظافة في الأعمال الهندسية الفنية من بوريس كولسنيكوف.» # وقد كان مصنع التعدين في «تاجانرج» الذي ظل كولسنيكوف مديره عدة أعوام، تحفة للناظرين ~~بفضله؛ ذلك لأنه عاش في الولايات المتحدة وكان لا يدخر وسعا في إدخال النظام الأمريكي ~~وكفاية الأمريكيين حتى لقد بلغ بهذه «الأمركة» حدا ظنه أصحابه إسرافا يتعذر معه لأعوانه ~~أن يتابعوه فيه، ومع ذلك كله فقد ألقي القبض على «كولسنيكوف» هذا وزوجته، وشاعت الشائعة ~~أنه هو وزوجته ms470 قتلا رميا بالرصاص، وأن أبناءهما زج بهم في سجن خاص بالأحداث في ~~خاركوف. # ولما وصلت المصنع لم يكن قد مضى على فصل كولسنيكوف ومعظم أعوانه إلا أشهر قلائل، ومع ذلك ~~فلم يبق من آثار «الأمركة» التي صبغ بها المصنع في حماسة مشتعلة إلا القليل، وهكذا لم يبق ~~من عمله الذي ظفر بسببه بحمل من الأوسمة وعلام التقدير إلا أنقاض خربة، وشاع في أرجاء ~~المصنع الخمول والفوضى، وتعطلت حركة الإنتاج حتى لقد روعني وروع المدير «رسنيكوف» ما كان ~~ينتظرنا من عمل. # وتبين لي من مقابلتي لموظفي الحزب في لجنتيه الإقليمية والمحلية أن سمعتي قد سبقتني إلى ~~مقري الجديد، إذ أرسلت اللجنة في نيقوبول وأرسل «دوروجان» معلومات وافية عني كأنهم أبوا ~~علي أن أبدأ بصحيفة بيضاء، وسرعان ما أوحى موظفو الحزب في الإقليم إلي شعورا بأنني تحت ~~الرقابة وأنني في قبضة يدهم، وأخذوا يتحسسون خواطري وميولي تحسسا كثيرا ما كانوا فيه ~~غلاظا بغير تهذيب، لعلهم يجدون مواضع ضعف تمكنهم من مهاجمتي دون أن أكون منهم على ~~حذر. # والحق أن بدايتي هناك لم تكن بداية تبشر بأمل كبير، وفضلا عن ذلك، لم أكد أجد هناك ما ~~يطمئنني بالا؛ لأن أعمال السخرة هناك كانت أبرز ظهورا منها في نيقوبول بدرجة واضحة، ~~فطائفة كبيرة من أرقاء القسم السياسي كانت هي التي تقوم بالعمل الشاق في شحن أثقال مصنعنا ~~وتفريغها، وكانوا يشتغلون تحت الحراسة من عشر ساعات إلى اثنتي عشرة ساعة كل يوم، وكذلك كانت ~~طائفة أكبر من هذه عددا تشتغل في أعمال الإنشاء الجديدة في مصانع التعدين بسولنسكي ~~المجاورة لنا، وكثيرا ما كنت أصادف هؤلاء الأرقاء زرافات في الطريق الرئيسي الممتد بين ~~تاجانرج ورستوف. # إن منظر هذه المخلوقات الذاوية في أسمالها البالية بحيث يكاد يستحيل عليك أن تحشرها في ~~زمرة البشر، قد أخمد من قلبي كل ما قد يكون باقيا فيه من شرارة من التحمس شاردة بين ~~جنباته، فما كان أشده ألما على نفسي أن أعلم أن ألوف الألوف من هؤلاء العبيد كانوا يعملون ~~ويألمون ms471 ويموتون كما يتساقط الذباب المتهافت في طول الروسيا وعرضها؛ لذلك لم أزل أدفع بهذه ~~الحقائق إلى مؤخرة ذهني حتى أنصرف لسواها؛ لكني كلما صادفت مثلا جديدا من هذه الحقائق ~~المرة كانت لي بمثابة الصدمة الجديدة، ولعل ما زاد في مرارتها على نفسي كلما أبصرت بمثل ~~منها، شعوري بأنه لولا المصادفة العمياء لكنت أنا كذلك بين هذه الزمرة من البائسين، وعلمي ~~علم اليقين أني على كل حال سأكون واحدا منهم بعد حين قصير. # وذات مساء في ساعة متأخرة من الليل دعيت إلى رئاسة القسم السياسي في تاجانرج، ولم يكن ~~قد مضى على إقامتي في ذلك الإقليم إلا أسبوعان لم أكد خلالهما أفرغ من الإحاطة بما يتطلبه ~~منصبي وما يقتضيه من تنظيم، واستقبلني في مكتب القسم السياسي مساعد رئيس الجانب الاقتصادي ~~من ذلك القسم، وهو رجل لا أذكر اسمه الآن، وكان رجلا لا تشوبه شائبة، ومتحفظا على طريقة ~~خاصة به، ولم أكد أرسل بصري على الأوراق المنشورة على مكتبه حتى تبينت من فوري أنها ~~«المادة» التي أعدها له عني زملاؤه في نيقوبول. # فقال لي: «إن مهمتي الخاصة هي أن أرقب مصنع خراطة الأنابيب الذي يقع تحت إشرافك، فعن ~~لي أنه من المستحسن أن يتعرف أحدنا بالآخر، إذن فقل لي شيئا عن نفسك.» واستند إلى كرسيه ~~كأنه طفل هيأ نفسه لينصت إلى حكاية تروى له قبيل النوم. ~~- «لست أدري ماذا أقول لك عن نفسي، فيخيل إلي أنك تعرف الآن عني كل شيء.» ~~- «لا، لا يا عزيزي كرافتشنكو، يستحيل على إنسان أن يعرف عن إنسان كل شيء، فهل لك مثلا ~~أن تقول لي منذ متى عرفت المهندس «نيقولاي م...؟» وما المناسبة التي عرفته فيها؟» # وكان م... مساعد كبير المهندسين في المصنع، وكنا قد تزاملنا في العمل في مناسبات كثيرة، ~~وفكرتي عنه طيبة، وسألني الشرطي السياسي قائلا: «ما الدور الذي قام به في تعيينك ~~هنا؟» ~~- «لم يقم في ذلك بشيء على الإطلاق، بل إني لم أكن أعلم أنه يشتغل ها هنا.» ~~- «ولماذا إذن تحدث عنك ms472 م... إلى رسنيكوف، بل تحدث حديث المتحمس؟» ~~- «لا أدري عن ذلك شيئا قط، ولكنه ربما كان من الطبيعي أن يذكر له صلته بي ما دام ~~يعرفني.» ~~- «نحن هنا في القسم السياسي لا نرى ذلك من الطبيعي أبدا، بل الأمر على عكس ذلك تماما، ~~فالأمر عندي يدعو إلى غاية العجب، إذ كيف يحدث - وأنت عضو في الحزب - أن يحتضنك رجل لا ~~ينتمي إلى الشيوعية، وولاؤه - بيني وبينك - مشكوك فيه؟» # ثم غير موضوع استجوابه إلى مدير المصنع السابق وهو كولسنيكوف. # فقلت له في شيء من الحرارة: «استمع إلي يا رفيقي، لقد أجبت عن هذه الأسئلة مئات المرات ~~في مدة تقرب من عام ونصف عام إذ كنت أعاني عملية التطهير، لقد أجبت عنها في محاكمات القسم ~~السياسي، وأمام اللجنة المحلية ثم لجنة المراقبة، حتى مللتها وسئمتها، لقد أرسلتني موسكو ~~إلى هذا البلد لأعمل، إن براءتي قد نهض عليها البرهان، هلا تركتني وشأني؟» # فنظر إلي نظرة ارتباك كأنني حشرة سامة وضعت أمامه في زجاجة، وقال: «ماذا جرى؟ اضبط ~~أعصابك يا رفيقي كرافتشنكو، وأرجوك أن تتذكر بأنه من الجائز أن يقوم البرهان على براءة ~~إنسان من كل شائبة، وبعدئذ - هب! - تراه مقبوضا عليه لشيء جديد.» # ففهمت ما يعنيه، وجعلت في سأم أثبت له ما أثبته مرارا، وأنفي ما نفيته مرارا خلال ~~العام المنصرم، إذ كان عقلي وذاكرتي المكدودين يعتصران اعتصارا بهذا النفي وذلك الإثبات، ~~وأخذ هذا الموظف يلعب بي ساعة بعد ساعة كما يلعب الطفل الخبيث بخنفساء، ولم يكن له - فيما ~~بدا لي - قصد محدد واضح، فكنت تراه يترك موضوعا يستجوبني فيه ثم يعود إليه فجأة، وهي حيلة ~~قاسيتها فيما مضى مرات عدة. # والشيء الذي فهمته من أسئلته أن الأمر هنا - كما هو في نيقوبول - هو أن كل مهندس وكل مدير ~~يحيط به الجواسيس في عمله وفي داره على السواء، ومما لا شك فيه كذلك أن القسم السياسي في ~~تاجانرج كان عاكفا على طبخ قضية يتهم فيها هذا الرجل «م ...» ورجحت أن المسكين على الرغم ms473 من ~~حريته الظاهرة، لا بد أن يكون في محنة من «الترويض» الليلي الذي ذقت مرارته بنفسي. # وبعد نوم لم يطل أكثر من ساعتين أو ثلاث، كنت في أقسام مصنعي مع الصباح، أصدر القرارات ~~في إنتاج يكلف الملايين من الروبلات، يا لها من سخرية مريرة! # ولم تدم إقامتي على شطئان بحر آزف إلا أمدا جد قصير، فقد دعاني المكتب الرئيسي لصناعة ~~الأنابيب إلى موسكو دون أن يبين لذلك سببا، وقال لي رئيس تلك المؤسسة «ميركلوف» على مسمع ~~من مساعده «كوزفنكوف»: إن الرئيس الأعلى «كاجارنفتش» والحزب على وشك أن يثنيا علي ثناء ~~عظيما. # قال لي: «إن مصنع الأنابيب الجديدة في أورال ما فتئ مباءة تخريب وإتلاف، وقد طهرناه من ~~معظم هؤلاء الأوغاد، وسنقبض على بقيتهم بيد من حديد، ونود أن ندعم إدارته بأشخاص قادرين ~~مؤهلين ممن نعتمد عليهم في الناحية السياسية.» # فابتسمت قائلا: «ولست من هؤلاء، فأنا آثم يا رفيقي مركلوف، إذ نالتني حركة التطهير ثم ~~ظهرت براءتي، ولا تزال التهم الخطيرة تكتنفني من قمة الرأس إلى أخمص القدم.» ~~- «نحن نعرف كل شيء، لكننا نثق فيك.» # وأضاف إلى ذلك كوزفنكوف قائلا: «دع هذا يا فكتور أندريفتش، ولا تحفظ في نفسك شعورا ~~بالإساءة على ما فات.» # ثم استأنف ميركلوف الحديث فقال: «وعلى كل حال فقد قضينا بتعيينك رئيسا لأكبر مصنع فرعي ~~لصناعة الأنابيب، وهو ليس أكبر مصنع في اتحاد السوفيت وحده، بل في أوروبا بأسرها.» ~~- «لكني لا أحب الذهاب إلى أورال، فأنا متعب وليس بي حاجة إلى ذلك المكان ~~الفظيع.» # لم يكن أحد من المتصلين بالصناعة في بلادنا يجهل بشاعة مصنع الأنابيب الجديدة في ~~برفولوفسك، وهي تبعد أربعين ميلا عن سفردلوفسك، فهو مصنع أنشئ في مكان مهجور، تقطع فيه ~~أميالا بعد أميال دون أن يصادفك شيء من العمران، وهو يقع في قلب منطقة من المستنقعات وسهول ~~من الطين، وتكتنفه غابات الصنوبر ومعسكرات الاعتقال، وقد أداروا هذا المصنع ليأخذ في ~~الإنتاج قبل الوقت الملائم بسنوات، إذ أداروه قبل أن تتم أقسامه الرئيسية وقبل أن ms474 تهيأ له ~~القوة الكافية لإدارته، فكان ما ينتجه في هذه الظروف قليلا رديئا، ومن يسوء حظه بحيث يرسل ~~لإدارة هذا المصنع يفقد في العادة حريته لقاء أخطاء لم يقترفها سوى أولئك الذين وضعوا ~~للمصنع تدابيره في موسكو. # فقال لي ميركلوف: «نحن على يقين مما يكتنف مصنع برفولافسك من فوضى، ولذلك سنؤيدك بكل ~~وسيلة ممكنة، وسيكون الرفيق كاجانوفتش نفسه ظهيرا لك، وسندفع لك أكبر ما يدفع من مرتبات، ~~ثم نكافئك بعلاوة عن كل نسبة معلومة مما تدخله من تحسين، وسنعطيك سيارة جديدة، بل سنعطيك كل ~~ما تريد.» ~~- «لست أطلب سوى بقائي في تاجانرج.» ~~- «أنا آسف، فقد توقعت أن تبدي علامة ارتياح لما وضعه فيك الحزب من ثقة وتعيينك أمر ~~محتوم، إذ قضت في أمره اللجنة المركزية العليا.» # وكنت بعدئذ وحدي مع كزهفتيكوف فلم يسعني إلا أن أقول له: «إذا حسبت أن الحب القهري يؤتي ~~ثمرة، وما دمت تتهددني بإجراءات تأديبية إذا رفضت منصبي ذاك، فسأقبله وسأبذل فيه قصارى ~~جهدي.» # فضحك وقال: «هذا جميل، لعلك تدري أن الحب عادة تكتسب، فالقسر يأتي أولا، ثم تتلوه ~~العادة، ثم يتلوها الحب آخر الأمر، وعلى كل حال فقد تم بيننا الاتفاق، والآن فلنأخذ في ~~العمل.» # وقابلت المدير الجديد للجماعة الصناعية كلها في إقليم أورال واسمه «أوسادش» وهو رئيسي ~~الأوحد في ذلك الإقليم، كما قابلت غيره ممن عينوهم حديثا للعمل معنا هناك، وهكذا اجتمعت في ~~موسكو هيئة جديدة بكل أعضائها لإدارة ذلك المصنع، لكن لم يرد اسم واحد لمهندس أو لموظف ممن ~~سيقومون بالعمل في الجماعة الصناعية، وكنت أرقب مهام عملي الجديد بقلب تملؤه وساوس الناقم، ~~وقد كان مصنع الأنابيب الجديدة ذاك لا ينتج سوى كمية تتراوح بين 35 و40 في المائة من ~~الإنتاج الشهري الذي فرض له، وما فتئت الصحافة وما فتئ أولو الأمر في خطبهم الرسمية ~~يذكرون ذلك المصنع مثلا من أسوأ الأمثلة التي تساق على سوء الإدارة والإتلاف، وإذن فقد كنت ~~بمنصبي ذاك بمثابة من ورث صداعا في الرأس هو من أفظع ما ms475 يتصدع به رأس الصناعة التعدينية في ~~البلاد كلها. # وفضلا عن ذلك فقد كان الجو في موسكو وقتئذ كأنما أعد إعدادا محكما ليزيدني تشاؤما، ~~كنا وقتئذ في الأسبوع الثاني من مارس سنة 1938م، وهو الوقت الذي وقعت فيه حركة التطهير ~~الثالثة، وهي أشد من سالفتيها تحريكا للمشاعر وإزهاقا للأرواح بمحاكماتها، وقد كانت ~~البلاد حينئذ قد ألفت أن تسمع أبشع الاتهامات توجه إلى آباء الثورة، بل ألفت أن تسمع ما هو ~~أبشع مما يسمونه ب «الاعترافات»، ومع ذلك فقد وقفت البلاد دهشة مرتابة؛ ذلك لأن المتهمين ~~كان من بينهم «بخارين» و«رايكوف» و«كرستنسكي» وغيرهم ممن ترتبط أسماؤهم ارتباطا وثيقا ~~باسم لينين. # كان «نيكولاي بخارين» رجلا ذكيا زاهدا من الطراز الأول، أو قل كان «قديسا بلشفيا»، ~~فكان للشباب الشيوعي في أيامي وثنا يعبدونه، ولقد عادت إلي ذكريات لقائي به أول مرة في ~~مكتب أورزنكدز، ثم مقابلاتي له بعد ذلك في مكتبه الخاص، وكانت له مكانة بحيث ظل الناس حتى ~~بعد طرده من الهيئة السياسية العليا وبعد أن عرف عنه أنه فقد منزلته، ظل الناس يهتفون له ~~كلما ظهر في الاجتماعات العامة هتافات لا يفوقها إلا هتافاتهم لستالين، وأما «ألكسي رايكوف» ~~فهو الذي خلف لينين في رياسة مجلس وكلاء الشعب، وكان يتعصب لمبادئه إلى حد الهوس، وله لحية ~~مشعثة وعينان تلفظان الشرر، وعلى الرغم مما عرفه عنه الناس جميعا من إدمانه الخمر، فلم ~~ينقص ذلك شيئا من حبهم له، هؤلاء هم الرجال وأمثالهم الذين اعترفوا على أنفسهم والذين ~~خرجوا على مكانتهم المعبودة من قلوبنا، هؤلاء هم الرجال الذين رموهم الآن بالرصاص؛ لأنهم ~~يعملون لصالح الرأسماليين والخونة! # أشهد أنني ما قابلت في موسكو أحدا ينظر إلى اعترافاتهم نظرة الجد، فلقد قبل هؤلاء الرجال ~~على أنفسهم أن يقوموا بأدوار الدمى في مسرحية تعليمية لا تصور الحق الواقع بأي وجه من ~~الوجوه، كان ستالين يفتك بأعدائه الشخصيين، ونجح في إلزامهم بالمساهمة في إذلال أنفسهم ~~وإعدام أنفسهم، ولشد ما دهشنا للأساليب التي استخدمها ليصل إلى غايته، لكن أحدا حتى ms476 من ~~أعضاء الحزب أنفسهم لم يكن لينظر إلى ما ورد في المحاكمة من أقوال نظرته إلى الشهادة التي ~~يوثق بصدقها حرفا بحرف، فلو آمنت بصدق هذه الأقوال لكنت في عرف الشيوعيين بمثابة من يعترف ~~على نفسه بالبلاهة الفطرية، وأكثر ما نتوقعه منك في هذا الصدد هو أن تأخذ هذه الأشياء ~~بمعانيها الرمزية المجازية. # كان لهذه الحوادث أسوأ الأثر على رفيقنا الكهل ميشا الذي زرته أثناء رحلتي، فلقد عرف ~~هؤلاء القتلى من الزعماء معرفة الصديق لأصدقائه، عرفهم قبل الثورة وبعدها وقد كان له شرحه ~~الخاص لاعترافاتهم، وهو شرح لم يكن ليقنعني، لكنه كان مع ذلك أقرب ما سمعته من شروح لسلامة ~~المنطق في تفسير تلك الظاهرة، وقد بنى ميشا شرحه على أساس معلومات سمعها من أصدقائه ~~الكثيرين في الكرملن. # قال لي: «أولا اعلم يا فيتيا أن الأكذوبة تظل أكذوبة بغض النظر عمن يعترفون بصدقها، ~~ولندع جانبا فصاحة الكلام، إن «بخارين» و«رايكوف» وغيرهما رغم ماضيهم المجيد، لم يكونوا ~~سوى كائنات بشرية من لحم ودم، ولقد قلت لي بنفسك كيف كدت توقع على طائفة من أكاذيب تحت ~~تأثير الضغط في نيقوبول، وما عانيته أنت من ألم هو لعب أطفال إذا قورن بما وقع على هؤلاء ~~الزعماء من ضغط أدبي ومن ضغط جسدي كذلك في أغلب الظن.» ~~- «لكن هؤلاء الرجال أنفسهم يا رفيقي ميشا قد صمدوا للاضطهاد والتهديد الذي وقع عليهم من ~~شرطة القيصر في عهدهم.» ~~- «لسوء الحظ لا سبيل إلى المقارنة، فالشرطة السرية القيصرية كانت لم تزل بدائية في ~~أساليبها إلى حد بعيد، ولم تكن تقيم عملها على أساس علمي كهذا الذي تصطنعه شرطة اليوم، ولم ~~يكن رجال الشرطة حينئذ من مهارة الشياطين التي نراها في نظام اليوم في شيء، ولست أدري كم ~~منا نحن الثائرين القدامى كان يستطيع الصمود إذا كانت الشرطة السرية عندئذ تنزل بنا ما ~~ينزله رجال الشرطة السياسية اليوم من ألوان التعذيب. # وشيء آخر لا يقل عن ذلك أهمية يا «فيتيا»، كان هؤلاء الرجال في الأيام الماضية يستمدون ~~القوة ms477 من إيمانهم العميق، فأنت تعلم أن الناس لا يترددون في التضحية بأنفسهم، بل بما هو أشق ~~من ذلك، أعني بالتضحية بمن يحبون، في سبيل إيمان بمبدأ عظيم أو رجاء تعلقت به عواطفهم، لكن ~~ماذا يمدهم بالقوة إذ هم يعانون عذاب القسم السياسي اليوم أو عذاب السجن المنفرد؟ لا أمل ~~لهم يرجونه ولا إيمان، لقد زال عنهم خداع الأوهام، إذ نظروا حولهم فإذا بالبناء الذي أنفقوا ~~أعمارهم في تشييده محطم يعز على الإصلاح، فلماذا يلعبون دور البطل من أجل قضية ميتة؟ لماذا ~~يواصلون القتال بعد أن لم يعد أمامهم أمل يرجى؟ قدر هذه الظروف تجد من الهين عليك أن ~~تفهم لماذا انقلب أبطال الأمس رجالا ذوي ميوعة وطراوة ولم تعد لهم ذرة من كرامة.» ~~- «وهل تصدق الحديث الذي يروونه عما دار بين المتهمين وبين هيئة الاتهام من ~~مساومات؟» ~~- «أعتقد أنه صحيح، واعلم أنني إنما أقيم عقيدتي هذه على أساس من المعلومات الموثوق ~~بصدقها، فأنت تعرف أن القسم السياسي يندر أن يفصل في أمر رجل دون أن يفصل كذلك في أمر ~~أسرته، فهل تظن حقا أنه من المصادفات أن تظل ابنة «رايكوف» طليقة على قيد الحياة، مع أنه ~~كان ينزلها من حبه منزلة فوق سائر الناس؟ وأنه من المصادفات ألا يمس بأذى والد «بخارين» ~~وزوجة «روزنجولتز» وبعض أقربائه الأقربين؟ أما أنا فلا أتردد في العقيدة بأن هؤلاء الرجال ~~قد لوثوا صحائف أنفسهم - فقاموا بتمثيل الأدوار التي طلب إليهم تمثيلها في المهزلة الباكية ~~- لكي ينقذوا أحباءهم أولئك. # واسمح لي أن أنقل إليك ما أعلمه من رفقائي الذين يتصلون ب «يزوف» الذي كان يصرف هذا الأمر ~~القبيح منذ فصل «ياجودا»، فقد أعدت بطانة الصورة المسرحية على أيدي رجال القسم السياسي بأمر ~~من ستالين شخصيا، وحفظ كل ممثل دوره حرفا حرفا قبل أن يرفع الستار: من رجال النيابة ~~والمتهمين والشهود والقضاة، فأما المتهمون الذين أبوا أن يتعاونوا في تمثيل المسرحية فقد ~~قتلوا في الظلام، وأما من تعاونوا معهم فقد كان جزاؤهم ألا يقتل أبناؤهم وزوجاتهم ms478 ~~ووالدوهم وأصدقاؤهم الأقربون، ثم وعدوهم فوق ذلك أن يكون لهم حق الاستئناف لمحاكم عليا، بل ~~للهيئة السياسية العليا نفسها، وفي مثل هذه الظروف ترى الأمل الضئيل يحفز صاحبه إلى أمد ~~بعيد. # وكانت المساومات أكثر تحديدا في حالة «إيكوف» و«بخارين» و«كرستنسكي» وآخرين غيرهم، إذ ~~وعدوهم بأن يخفف حكم الإعدام إلى نفي في جهات نائية إذا هم مثلوا أدوارهم كما كتبوها لهم، ~~بل إن ستالين حرك فيهم شعور الكبرياء، فقال لهم: إنه لن يسمح بقتلهم وهم الذين لأسمائهم ما ~~لها من وزن في صحائف التاريخ. # وهكذا قام هؤلاء الضحايا بتنفيذ ما أريد لهم أن ينفذوه، لكن ستالين لم يف بوعده، ~~وواضح أنه لم يكن ينوي الوفاء بوعده، فما انقضت بضع ساعات بعد المحاكمة حتى نفذ الإعدام ~~ومات «بخارين» و«رايكوف» وهما يستنزلان اللعنة على ستالين، لقي هؤلاء الناس حتوفهم وهم ~~وقوف، ولم يموتوا وهم يتمرغون على أرض سجنهم يسفحون عبراتهم كما فعل «زينوفيف» ~~و«كامايف». # وهاك خبرا آخر آتيك به ممن يعلمون دخائل الأمور، وهو أن ستالين ألف لجنة لتكتب للحزب ~~تاريخا جديدا، وبذلك سيعيدون كتابة التاريخ وسيلوون الحقائق بحيث تتفق مع شطحات الخيال ~~التي جرت في هذه المحاكمات، ولئن أضحكتك هذه التشويهات في كتابة حقائق التاريخ وأضحكتني، أو ~~أبكتك وأبكتني، فإن جيلا جديدا ينشأ وليس في ذاكرته وعي بحوادث الماضي، وهم الآن قائمون ~~بتنظيف المكتبات من كل كتاب أو مقالة قديمة تناقض هذا الذي ابتكره خيالهم السخيف في هذه ~~المحاكمات، وستصبح هذه الأكاذيب المفجعة هي الحقيقة الرسمية، وبذلك سيكتب النصر للكذب، ~~يا إلهي يا فيتيا، ومن أجل هذا أنفقت عشر سنوات مغلولا بالأصفاد في حجيرات السجون ~~القيصرية.» # تلك كانت الحالة في موسكو حين خلفتها إلى مصانع أورال بكل ما يكتنفها من قاذورات ~~وأوساخ. # قابلني موظف من موظفي مصنع «الأنابيب الجديدة» على محطة السكة الحديدية في «سفردلوفسك» ~~(وهي ما كانت تسمى قبل بإكاترنبرج وشهرتها هي أن آخر القياصرة قتل فيها هو وأسرته)، ومن ~~حسن حظي أن ذلك الموظف كان ممن أعرفهم معرفة جيدة، فشجعه ms479 ذلك أن يكون في حديثه معي صريحا، ~~فأخذ يروي لي أحداث المصنع حتى أحدثها وقوعا إذ نحن في السيارة نقطع الأربعين ميلا التي ~~كانت تؤدي بنا إلى «برفولارسك»، وعلى الرغم من أنه لم يقل لي كل شيء، فإن ما قاله كان ~~كافيا لتأييد أسوأ ما دار في وهمي من ظنون. # كانت مهمتي أن أنظم الإنتاج في مصنع تسوده الفوضى المادية كما يسود عماله انهيار معنوي، ~~فقد كان هنالك عدد يقرب من ستة آلاف عامل وأسراتهم، فكان المجموع سبعة عشر ألفا أو ثمانية ~~عشر ألفا، يعيشون جميعا في حالة يرثى لها، ولم يكن بينهم من تستطيع أن تثق في عدم ~~جنوحهم للفرار سوى هؤلاء الذين ولدوا في ذلك الإقليم والذين يعملون بالسخرة في المشروعات ~~الإنشائية، أما الموظفون الفنيون أو من بقي منهم بعد حركات التطهير، فقد كانوا بغير قوة ~~معنوية، وكانوا بطبيعة الحال يجتنبون تحمل التبعات، ولقد أحسوا أنهم بمثابة المنفيين بسبب ~~ما كانوا يعيشونه من حياة بغيضة، وما كان يحيط بهم من ظروف سيئة في العمل، وكان كل أملهم أن ~~ينقلوا إلى مكان آخر. # ولما كنت على مسافة سبعة أميال أو ثمانية من «برفورالسك» رأيت فجأة سور الأسلاك الشائكة ~~يحيط بمعسكر الاعتقال على بعد بضع مئات من الأمتار عن الطريق، فأوقفنا السيارة لأملأ ~~البصر من هذا المنظر، فرأيت المعسكر يشغل رقعة فسيحة وتقع في بقعة من الغابة اقتلعت ~~أشجارها، وقامت فيها ثكنات كئيبة، ويخيل إليك إذا ما نظرت إلى المعسكر أنه مهجور يسوده صمت ~~القبور، والسور المحيط به مسدس الأضلاع، يقوم في كل ركن من أركانه الستة برج للحراسة مجهز ~~بالأنوار الكاشفة والمدافع الرشاشة. # فسألت زميلي: «أين المعتقلون؟» # فقال: «هم الآن في العمل، كثير منهم يعملون في مصنعنا، وبقيتهم تعمل في مصانع أخرى ومناجم ~~ومشروعات إنشائية، إني أراك يا فكتور أندريفتش حديث عهد بأورال، فخير لك أن تدرب عينيك على ~~منظر المسجونين أينما أدرت البصر.» # واستأنفنا المسير، فيا لها من بداية جميلة لحياتي الجديدة! كان «أوسادشي» - المدير الجديد ~~- قد سبقني ms480 إلى هناك، ورأيته فإذا هو رجل متجهم؛ لأن نظرة واحدة إلى المجموعة الصناعية في ~~ذلك المكان كانت تكفي لإخماد جذوة الحماسة التي أشعلها في نفسه إذ كان في موسكو. # وسرنا معا خلال الأبنية المختلفة وأجزاء المصنع، فتنهد قائلا: «اسمع يا رفيقي ~~كرافتشنكو، لا شك أن أمامنا مهمة علينا أداؤها، وإن هذا المصنع ليحتاج إلى أعوام طوال قبل ~~أن يقوم على قدميه، فليس لدينا هنا أفران كهربائية لصناعة الآلات، والقوة الكهربائية أقل ~~كثيرا مما نتطلب، ومحطة الغاز بعيدة جدا عن تمامها، وليس لدينا وسائل لطلي الآلات ~~بالكرونيوم، ومجمل القول أن هذا الذي نراه ليس مصنعا على الإطلاق، بل هو بداية لمصنع ليس ~~غير.» # وأكدت عيناي قصته، إذ رأيت القسم الميكانيكي أضحوكة ضاحك، ولم يكن مصنع الكهرباء ~~الغلوانية جديرا باسمه، ولم يتم إعداد مخازن الحديد بعد، فتركت في العراء ألوف الأطنان من ~~الصلب ومن غيره من المعادن، وتكدست المعادن أكواما فيها خليط من كل صنف ومن كل طراز دون أن ~~يبذل في سبيل تنظيمها أقل مجهود، وأما آلات خراطة الأنابيب نفسها فقد كانت من آخر طراز ~~أمريكي وألماني، وأنفق في شرائها ملايين الروبلات، لكن ما فائدتها بغير لواحقها الضرورية؟ ~~بل إن هذه الآلات التي استوردوها من الخارج، قد علتها طبقة من الوسخ وأصابها العطب، ~~وأينما وجهت بصري ألفيت أكداسا من الأدوات الثمينة وأجزاء الآلات الغالية بارزة من الطين ~~مغطاة بالصدأ. # وتم يأسي حين زرت حي العمال، فما كانت الثكنات التي لمحتها وراء الأسلاك الشائكة قائمة ~~تحت فوهات المدافع الرشاشة تختلف كثيرا عن تلك الصناديق الخشبية الكئيبة المرطوبة القذرة ~~التي اكتظت بعمال مصنعنا الأحرار. # وجعلت أتحدث إلى بعض النساء فوجدتهن ساخطات، ولا شك أنهن كن ينظرن إلينا على اعتبار أننا ~~المسئولون عن حالتهن السيئة، لا على أننا زملاء العمل، ولم يكن بمنطقة الأورال من الأراضي ~~المزروعة إلا قليل؛ ولذلك لم يستطع أن يظفر بمئونة كافية من «سفردلوفسك» إلا نحو ستة رجال ~~هم كبار الموظفين بسياراتهم تحت تصرفهم، أما العمال فغذاؤهم الرئيسي هو الخبز ms481 والخضر ~~المحلية والبضائع المحفوظة، وإذا ما جاء فصل الصيف القصير حميت تلك المساكن كأنها الأفران، ~~وكانت معظم سقوفها مخرمة بحيث يتسلل المطر فينفخ بمائه الجدران الخشبية، حتى إذا ما أقبل ~~شتاء الأورال الطويل لم تكن تلك المنازل وقاية من البرد القارس. # وبعد أن قضيت ساعة في مساكن العمال، حمر وجهي خجلا حين عدت أنظر إلى شقتي ذات الغرف ~~الأربع التي تقع في طابق من أحد المنازل ذات الطوابق الثلاثة المشيدة بالطوب الأحمر، ~~والقائمة وسط أشجار في الناحية الأخرى من المصنع، نعم، إن مسكني ذاك كان يعد في أي مكان آخر ~~- حتى في نيقوبول أو تاجانرج - مسكنا قذرا أشعث، أما في برفورالسك فقد كان يبدو كأنه آخر ~~ما يصل إليه الترف، ويكفي أن يكون فيه حمام خاص، وأن تكون أرضه مفروشة بالبسط، وأن يحتوي ~~على أثاث جيد ومطبخ جيد، ولقد ورثت عن سلفي في هذا المسكن «دونيا» وهي امرأة فلاحة نصف لا ~~تعرف حسن الترتيب، وكانت مهمتها الطهي والغسل. # كانت السيارة الفخمة التي وعدوني إياها تنتظر قدومي، كذلك كانت لي سيارة صغيرة من طراز ~~«فورد»، وهذه كانت أنفع من الأولى في الأيام التي يكثر فيها الوحل، كذلك خصصت لي طائفة ~~من الجياد الكريمة، وكان راتبي الأساسي ألفا وخمسمائة روبل في الشهر، لكنه كان يصل إلى رقم ~~قريب من ثلاثة آلاف إذا أضفت العلاوات والزيادات التي يصرفونها للتشجيع، وتستطيع أن تفهم ~~معنى هذه الأرقام إذا عرفت أن العامل العادي يتقاضى مائة وخمسين روبلا، وأن العامل ~~الميكانيكي الحاذق يتقاضى نحو مائتين وخمسين، وأن المهندسين ذوي المؤهلات يتقاضى الواحد ~~منهم راتبا يبلغ نحو ستمائة روبل. # إذا أراد مهندس أن يشتري حلة عادية كان لا بد له من دفع مرتب شهر كامل، غير أن هذه الحسبة ~~نظرية صرفة؛ لأن «برفورالسك» لم يكن بها ملابس تباع، بل إن سفردلوفسك نفسها لم يكن فيها ما ~~يباع من الملابس إلا نزر يسير، ولم يستطع شراء الأحذية والثياب إلا الأقلون الذين كان في ~~مقدورهم بحكم أعمالهم الرسمية أن يذهبوا ms482 إلى موسكو أو لننجراد حينا بعد حين، وأما البقية ~~فلا يصيبها إلا قدر ضئيل تتصرف فيه الإدارة، فكنا نوزعه بين من يستحقونه من المهندسين ~~ورؤساء العمال بل والعمال أنفسهم. # ولم أكن قد قضيت في عملي أسبوعين حين جاءني رئيس الحسابات بكشف المرتبات عن نصف شهر ~~لأوقعه، فلما درست ما به من أرقام، استوقف نظري بند عجيب وهو مبلغ ضخم «لرجال القسم ~~السياسي». # فسألت في حيرة: «فيم صرف هذا المبلغ؟» ~~- «هذا بمقتضى العقد الذي وقعناه لاستخدام العمال المائة والستين الذين خصوا مصنعك من ~~العمال المسخرين، فنصف رواتبهم من حق رجال القسم السياسي.» ~~- «هل ينتمون إلى أحد معسكرات الاعتقال؟» ~~- «لا، لا، يا رفيقي كرافتشنكو، فهذا قسم آخر من أقسام الشرطة السياسية، فالعمال الذين تم ~~عليهم التعاقد يسكنون هنا كما يسكن العمال الأحرار، غير أن لهم ثكناتهم الخاصة، وهم رجال ~~جيء بهم إلى هنا لشتى الجرائم.» # ولقد أنبأني بعدئذ مديرو الأقسام الأخرى أن في كل قسم من أقسام المصنع طائفة من هؤلاء ~~العمال المسخرين، ففي قسم مائتان وخمسون، وفي آخر ثمانون، وفي ثالث خمسون، ولم يكن العمال ~~الأحرار يخالطونهم، ولم يكن يتعذر عليك في أي مكان من أرجاء المصنع أن تخرجهم من صفوف ~~العمال لما يتميزون به من منظر يستثير الإشفاق. # وحدث ذات يوم أن تحدثت إلى واحد من هؤلاء المسخرين كان يشتغل في آلة خراطة الأنابيب، وكان ~~قصيرا على وجهه سيما الأموات، فلم يكن يسيرا علي أن أجر الرجل إلى السير في الحديث، إذ ~~لا بد أن يكون هؤلاء المنكودون قد أمروا بشدة ألا ينبسوا ببنت شفة، لكني عرفت منه أنه ~~كان رئيس عمال في مصنع بلننجراد، وقد أصابه التطهير قبل ذلك بثلاثة أعوام. # فسألته: «وما الذي يمنعك من الفرار؟» # فهز رأسه هزة تنم عن حزن وقال: «فرار! وإلى أين يكون الفرار؟ أين تختفي وإلى متى؟ وأحب أن ~~أنبهك أيها الرئيس أن هذا الحديث ليس محمود العواقب لأي منا.» # بدأنا في مهمتنا الفادحة وهي أن نشق لأنفسنا طريقا نخرج به من تلك ms483 الفوضى الضاربة ~~بأطنابها، فأفران الكهرباء كانت ملقاة في أرجاء المكان لا يلتفت إليها أحد، فأخذنا في ~~تنظيفها، وواصلنا المجهود المضني أسابيع متعاقبة، وكان اليوم الذي نعمل فيه أربع عشرة ساعة ~~بمثابة يوم العطلة، وبعدئذ أمكننا أن ندير واحدا من تلك الأفران، وأنشأت قسما ~~ميكانيكيا كبيرا وطلبت إلى العمال ذوي المؤهلات أن يعلموا زملاءهم كيف يديرون الفرن ~~الكهربائي، وكذلك أنشأت قسما لقياس الحرارة ورتبت سبيلا لتعليم العمال المبتدئين كيف ~~يديرونه، واستطعت بناء قسم لطلي المعادن بالكروميوم وإعداده بالأدوات اللازمة، جمعتها نتفا ~~من هنا وهناك، ولما كان الإنتاج في الأعوام الماضية بطيئا لانعدام الاتصال التليفوني بين ~~أجزاء المصنع وبين المصنع والخارج، فقد أنشأت ما سد هذا النقص على الرغم مما قام في وجهي من ~~عقبات لا يستطيع تقديرها إلا فني، وفضلا عن ذلك كله فقد أقمنا ما لم يكن لنا غنى عنه من ~~أفران ومناضد للعمل. # وفضلا عن هذا الحد الأدنى من المنشآت التي تقتضيها الضرورة الفنية، كلفت مئات من الرجال ~~والنساء بالتنظيف ومسح الأرض ودهان الجدران وإزالة الأقذار المتجمعة؛ لأني كنت على يقين أن ~~لا أمل في زيادة الإنتاج بغير أساس من نظام ونظافة، إنهم يتهمون هذا المصنع بالإتلاف ~~والتخريب! ورأيي أنها معجزة من المعجزات أن هذا المصنع استطاع أن ينتج حتى هذا الذي أنتجه، ~~أي 35 إلى 40 في المائة من المقادير التي قررتها مكاتب الرياسة. # ولم يمض غير شهرين حتى تبدل المكان بحيث كادت تتعذر المقارنة بينه وبين ما كان، وسرت ~~عدواي إلى زملائي فيما كنت عليه من عزم، ثم سرت عدوى زملائي في إقبالهم على العمل إلى ~~صفوف العمال حتى بلغت أدناهم مرتبة ممن يقفون على مناضد العمل أو يكنسون الأرض، حتى إذا ما ~~أقبل علينا شهر مايو، كنا قد استطعنا رفع الإنتاج إلى 80 في المائة - وهو عمل كان يبدو لي ~~أول قدومي أنه مستحيل - وليس ذلك فحسب، بل وفقنا كذلك إلى تجويد النوع، وهبطت نسبة ~~الشوائب فيما نصنعه من أنابيب إلى مقدار يتراوح بين خمسة في ms484 المائة وستة، بعد أن كان ~~متوسطها 12 في المائة. # وطبيعي ألا يترك لي هذا المجهود الجبار فضلا من الوقت أنفقه في حياتي الخاصة، ففضلا عن ~~إشرافي على الإنتاج، كنت مسئولا شخصيا عن المساكن والغذاء والتدريب الفني والعلاج الطبي ~~للألفين من العمال وأسراتهم الذين كانوا تحت إشرافي المباشر، وعلى الرغم من أن عددا كافيا ~~من الموظفين كان يقوم بمساعدتي في تلك المهام، وعلى الرغم من أن بعض هؤلاء المساعدين كان ~~قديرا، فإن التبعة في نهاية الأمر كانت تقع على عاتقي، وكاد ألا يمضي يوم لا تنحرف فيه ~~مجهوداتي عن صميم العمل إلى مشكلات لا تتصل اتصالا مباشرا بالإنتاج. # ولم تكن «هستيريا» التطهير قد دنت من ختامها، فجاء وبالها ضغثا على إبالة؛ ذلك لأنهم ~~كانوا يتخطفون مني رجالا أكفاء حين كنت أحوج ما أكون لعملهم، وحتى أولئك الذين لم تصبهم ~~ضربات التطهير إصابة مباشرة، كانوا يحيون ويعملون في جو من الفزع الذي لا يعرف للطمأنينة ~~طعما، وكنت عندئذ قد دربت نفسي تدريبا على تجاهل ما يحيط بي من تجسس وشكاوى مما لا يقع ~~تحت الحصر، ودربت رأسي وأعصابي على تركيز الانتباه في المهمة التي بين يدي دون أن أبعثر ~~مجهودا عصبيا في غضبات لا تجدي فتيلا، ومع ذلك كله فقد كان يهزني هزا، بل كان يشلني ~~شللا تاما عن العمل أحيانا في مواقف عصيبة أن أعلم أن القسم الاقتصادي من مكتب الشرطة ~~السياسية قد عرف بعض تفصيلات العمل، وتفصيلات القرارات الفنية حتى قبل أن يجيئني نبؤها، فبث ~~ذلك في نفسي شعورا بأني عار مكشوف لا وقاية لي تحميني. # كان القسم الخاص في مصنعنا برياسة الرفيقين «كلبين» و«ستوفين» بمثابة أعين الشرطة السرية ~~وآذانها، ففضلا عن أنهما كانا يتلقيان نسخات من كل ما يصدر من أوامر وتقارير فنية، فقد كان ~~لهذين الرجلين بما لهما من إرادة قوية أعوان في كل مكتب وكل جانب من جوانب المصنع، وعلى كل ~~حال لم يكن ذلك سوى المجرى المألوف للرقابة والتجسس، لكن بالإضافة إلى هذا كله، كانت ~~جماعتنا ms485 الصناعية ترتج ارتجاجا وتترنح ترنحا تحت العبء الفادح الذي كانت تعانيه من لجان ~~التحقيق الخاصة التي لم يكن لعددها حصر، ومن حملات المراقبين ومن المفتشين يأتون إلينا ~~فرادى، وكان هؤلاء وأولئك يأتون إلينا - في هدوء حينا وفي ضجة الطبول الرسمية حينا - من ~~اللجنة الإقليمية ومن اللجنة المركزية العليا في موسكو ومن رياسة صناعة الأنابيب في موسكو، ~~ومن رياسة الصناعة الثقيلة ومن هيئات غير هذه تعد بالعشرات. # وليت الأمر وقف عند هذا الحد، بل إن الأوامر التي كانت تصدر بصناعة الأنابيب، والتي كانت ~~الهيئات العليا في موسكو تعمل على اضطراب تنفيذها، كانت تصدر عادة من القائمين بصناعات ~~أخرى، وعلى ذلك كان هؤلاء يرسلون لجانا من عندهم تشرف على خطوات سيرنا، فكانت تلك اللجان ~~تقذف رءوسنا المنهوكة باتهامات التقصير والإتلاف، فقد كنا نصنع الأنابيب للدبابات وللطائرات ~~وللمدفعية وللسفن ولمنشآت البترول وللمصانع التي تدور آليا، ولغير هذه من الأغراض ~~الكثيرة، ولما كانت الطلبات التي ترد إلينا دائما أكثر مما نستطيع إنتاجه بما تحت أيدينا ~~من وسائل، ثم لما كان إنتاجنا النهائي قليلا ما يطابق الأوصاف المطلوبة مطابقة دقيقة، فقد ~~كنت ترى القائمين على تلك الصناعات التي تطلب الأنابيب، مضافا إليهم ممثلو الهيئات ~~العسكرية، يرسلون إلينا سيلا من الاحتجاجات ثم يتبع الاحتجاجات تفتيشات وتحقيقات كما ~~يتبعها بالطبع وباء جديد من أوبئة «اليقظة» الشرطية من رجال القسم السياسي. # ولم يكد يمضي أسبوع بغير سلسلة طويلة من المراقبين والمندوبين يرسلهم هذا المكتب أو ذاك، ~~وفي أيديهم سلاح من التفويض يبعثون به الفزع في النفوس، فيتشممون بأنوفهم في أرجاء المكان ~~لعلهم يجدون أثرا من آثار العاملين على الإتلاف والتعطيل، فكانوا يشغلون وقتي، ويدخلون ~~مكتبي ويملئونه بألفاظهم النابية، ويعقدون فيه اجتماعات لا تنتهي، وقد كان يصيبهم ضيق بملل ~~الحياة في ذلك المكان النائي، وضيق بما في مهمتهم التي كلفوا القيام بها من سخف، فكنت ~~ترى كثيرين منهم يزيحون عن أنفسهم شعورهم بالأسف بشراب الفودكا أو بألعاب الورق يقامرون ~~فيها بمبالغ طائلة. # حتى إذا ما أويت آخر الأمر إلى ms486 مخدعي بعد يوم من عمل طوله يتراوح بين أربع عشرة ساعة وست ~~عشرة ساعة، لم أكن لأطمئن إلى نعاس لا تقلقه المزعجات، فآنا أدعى على التليفون لأجيب ~~متكلما من موسكو، يكلمني في العمل راجيا مرة ومهددا مرة، وآنا أدعى إلى الشرطة في شئون ~~تتصل بحركة القبض التي لا تنتهي، وبعد ذلك كله لا أكاد آخذ في نعاسي حتى يدق لي التليفون من ~~أحد العمال الذين يعملون في نوبة الليل ينبئني بحادثة وقعت أو آلة أخطئ تركيبها أو إنتاج ~~أصابه التلف. # ولقد استطعت - مستعينا بما سمعته من حديث يدور في الأفواه من حولي - أن أرسم لنفسي صورة ~~عن الفوضى البشعة التي أحدثها التطهير قبل قدومي إلى مصنع الأنابيب الجديدة، وهي فوضى ~~تناولت ذلك المصنع كما تناولت كل منجم وكل مصنع آخر في الإقليم، ولا تزال القصة التي سمعتها ~~عن «سميون ماجريلوف» - وهو مدير مصنع آخر لصناعة التعدين في مدينة برفورالسك نفسها - عميقة ~~الأثر في نفسي بحيث يستحيل نسيانها. # فقد كان المصنع الذي يشرف عليه من أقدم المصانع في الروسيا على الأرجح، إذ تروي الأساطير ~~عند أهل ذلك الإقليم أن منشئ ذلك المصنع هو بطرس الأكبر نفسه، وكان عماله رجالا خلفوا فيه ~~آباءهم وأجدادهم، وكانوا يسكنون في منازل خاصة صغيرة نظيفة، ولهم فيها حدائق يفلحونها ~~وخنازير يرعونها وطيور دواجن، حتى لقد أوشكوا أن يصلوا بمستوى عيشهم ما كان معروفا في عهد ~~ما قبل الثورة، وإذن فحين أرسل الحزب «ماجريلوف» لإدارة هذا المصنع، كان ذلك في حقيقة الأمر ~~بمثابة مكافأته بمنصب يتقاضى مرتبه ولا يقتضيه عملا؛ ذلك أنه كان من أعضاء الحزب ذوي ~~المكانة التي دامت أمدا طويلا، وكان على طول السنين وثيق الصلة بأرملة لينين وأخته «ماري ~~إليانوفا»، وكان لذلك معدودا من أكثر الرجال نفوذا في ذلك الإقليم. # لكن عاصفة التطهير الجنونية لم تخطئه، فراح القسم السياسي المحلي يتعقبه بالاتهامات، ~~فاتهمه بالإتلاف وبحماية غيره من المتلفين، ولما دام تعقبه بضعة أشهر على هذا النحو؛ استسلم ~~لليأس، وأغلق من دونه باب مكتبه وصوب ms487 مسدسه نحو حلقه وجذب الزناد ... وترك خطابا طويلا يعلن ~~فيه براءته ويوجه حملة نحو الإرهاب، وعلى الرغم من أن رجال القسم السياسي قد استولوا على ~~الخطاب، فقد ذاع نبؤه على نحو ما بين عمال المصنع وعرفوا فحواه، ولما دارت الشبهة حول عدد ~~ممن كانوا على صلة بماجريلوف بأنهم قرءوا رسالة المنتحر، «اختفوا» عن الأنظار ولم يتركوا ~~وراءهم أثرا. # ولم يكن في مأساة ماجريلوف شذوذ عن المألوف إلا لمكانة من ألمت به المأساة، فلقد سمعت ~~أنباء مئات - وأقول مئات وأقصد الكلمة بمعناها - مئات من الناس ألقي عليهم القبض أو ~~أصابهم التعذيب في جلسات أقيمت لذلك أو أزهقوا أرواحهم بأيديهم، لكني لم أدع هذا الذي ~~سمعته يؤثر في عملي؛ لأني تعلمت بالتجربة الطويلة أن أمحو من نفسي أثر الأنباء المزعجة، ~~وليس ذلك بالسهل اليسير، لكنه فن لا بد من اكتسابه إذا ما أراد رجل من رجال الصناعة أن ينجو ~~من الشر في روسيا السوفيتية، وأما الذين لا يستطيعون أن يكبحوا جماح عواطفهم بجماح قوي، ~~الذين لا يستطيعون أن يكتموا عواطفهم في صندوق مغلق محكم الإغلاق من نفوسهم، فلا مندوحة لهم ~~عن انهيار يقضي عليهم أو جنون. # ولحظت موسكو ما أصاب مصنع الأنابيب الجديدة من تحسن ظاهر، وانعقد في موسكو اجتماع من ~~أنصار الحزب العاملين في بناء الرياسة العليا، حضره كاجانوفتش، فنوه بعملي وأثنى عليه، ~~وجاء في صحيفة «في سبيل التصنيع» أن المصنع كان يتدهور حتى أدركه «كرافتشنكو وهو مهندس شاب ~~نشيط وعضو في الحزب» فغير الموقف. # زارني الرفيق «بارشين» رئيس القسم السياسي في برفورالسك الذي كنت قد قابلته قبل ذلك في ~~اجتماعات الحزب، وأسرف في الثناء على «المعجزات» التي قمت بها في زيادة الإنتاج، ولما كان ~~طبع الشرطي يغلب عليه، فقد أنفق ساعات أضاعها من وقتي في أسئلة عن الطلبات التي كان المصنع ~~يشتغل لإنجازها، وعن «اللون السياسي» الذي يصبغ أفرادا معينين ممن كانوا يشتغلون تحت ~~إشرافي، ولم يكن يسيرا علي أن أخفي ما أحسست به من ضيق نفسي لهذا المدى البعيد ms488 الذي ~~امتدت إليه معرفته بتفصيلات عملي؛ لأن ذلك كان بمثابة البرهان القاطع على أن ثمة عددا ~~كبيرا من المخبرين من حولي. # وقال لي آخر الأمر: «لا شك أنك تمحو آثار الإهمال الذي اقترفه أسلافك.» فكان هذا القول ~~منه أكبر ما يمكن أن يتصوره الخيال من ثناء؛ «ولذلك فإني أكره أن أضيع عليك وقتك يا فكتور ~~أندريفتش، لكني أطلب إليك الليلة مكرمة، وسأتصل بك بعد حين لأنبئك متى يطلب إليك ~~الحضور.» # وضرب لي الموعد أن أذهب في الساعة الثانية صباحا، وكان القسم السياسي في بناء جميل ذي ~~طابقين هو أكثر الأبنية لفتا للنظر في الطريق الرئيسية المغطاة بالوحل في برفورالسك، وعلى ~~الرغم من أن الوقت كان في الهزيع الأخير من الليل، فقد رأيت ضوءا في كل نافذة من النوافذ، ~~مما يدل دلالة واضحة على أن العمل قائم على قدم وساق، ولما وصلت حياني الرئيس تحية ودية ~~وصحبني إلى مكتبه. # قال لي: «خذ راحتك في جلستك فإني أخشى أن يطول بك المقام ها هنا بعض الشيء.» ~~- «وماذا تريدون مني؟» ~~- «اسمع القصة إذن، لقد قبضنا على أحد أعداء الشعب وهو متلاف من قمة رأسه إلى أخمص قدمه، ~~إذ اتضح لنا أنه مسئول عن كثير من الفوضى التي وجدتها في مصنعك، لكنه رجل عنيد، وخطتي ~~الليلة أن أستجوبه في حضورك؛ لأن وجود أخصائي مثلك يسد عليه طريق التضليل في الإجابات عما ~~أوجه إليه من أسئلة.» # فقلت له في صوت حزين: «أصارحك بأني لا أحب هذا التكليف إطلاقا.» ~~- «هذا غريب منك، وإني لأدهش لهذا القول تقوله أنت، ألم يقل لينين: إن كل شيوعي صالح ~~ينبغي أن يكون شرطيا؟ إذن فلنبدأ العمل.» ودق الجرس لكاتم سره وقال له: «قل لرجال الحراسة ~~أن يأتونا بالسجين من الحجرة الانفرادية رقم 7.» # وأخذ الرئيس يستعد لمثول السجين بين يديه، فجذب من خزانة ضخمة عددا من الملفات المنتفخة ~~بأوراقها، ووضع مسدسا بشكل ظاهر فوق مكتبه، ولما جلس يرتقب قدوم سجينه بدت عليه علامات ~~التوتر كأنه النمر على وشك أن ينقض على ms489 فريسته، وما هو إلا أن انفتح الباب ودخل حارسان ~~شاهرا السلاح وبينهما حطام كان ذات يوم إنسانا من الناس، ثم انسحب الحارسان وتركا ثلاثتنا ~~في الغرفة. # وتلفت السجين حوله كأن به دوارا، وقال في صوت خافت: «أحييكم.» # ولم يرد بارشين التحية، لكني رددتها، ولم يكن السجين يزيد إلا قليلا عن هيكل عظمي غطته ~~أسمال، ووجهه رمادي لزج كأنه قناع الموت، وامتد على صدغه من جانب جبهته إلى ما يقرب من ذقنه ~~جرح حديث العهد أرجواني اللون بما تكثف عليه من دماء، وقف ويداه وراء ظهره ورأسه ~~منحن. # وجعل الشرطي يتلو اتهام السجين؛ لكي يطلعني على حقائق القضية، وعرفت وقتئذ أن السجين قد ~~لبث في سجنه ما يربى على ثلاثة عشر شهرا، ولم يكن في سنه يزيد على الحلقة الرابعة لكنه ~~بدا وكأنه في الستين من عمره، وقد كان رئيس المهندسين الإنشائيين في مصنع الأنابيب الجديدة ~~إلى أن بدأ المصنع في مرحلته الإنتاجية، ولما نظرت إلى الرجل لم يسعني سوى أن أقول لنفسي: ~~«لولا رحمة الله لكان هذا الواقف أمامك هو فكتور كرافتشنكو.» # قلت في صوت منخفض: «رفيقي بارشين، هلا أذنت للسجين بالجلوس؟» # فأجابني قائلا: «هذا عملي، نحن في القسم السياسي ولسنا في مصيف نستجم فيه.» # ولما فرغ بارشين من قراءته خاطب السجين بصوت جهوري: «سأوجه إليك أسئلة عما قمت به من ~~أعمال تخريبية في مصنع خراطة الأنابيب، فلتكن في إجابتك واضحا دقيقا ولا تخلط الأمور ~~بعضها ببعض، فأنت الآن في حضرة مهندس محنك يعرف المصنع ولا تستطيع بعد أن تضللني، والسؤال ~~الأول هو: باعتبارك رئيس لجنة الإنشاء الرئيسية في المصنع، لماذا أقمت سقوفا خشبية فوق ~~الأفران، وهي سهلة الاشتعال؟» # فأجاب السجين في رقة مدهشة بالنسبة إلى حالته الجسدية: «كان ينبغي للسقوف أن تكون من ~~الحديد وفقا للخطة الموضوعة، لكن جاءنا أمر رسمي وقعه الرئيس أورزنكدز نفسه باستعمال ~~الخشب بسبب ما كان في الحديد وقتئذ من نقص شديد، وقد طبق الأمر على مصنعنا وعلى عشرات ~~غيره، وإن مكتب الرياسة ليستطيع إثبات ms490 هذا في غير مشقة بما لديه من وثائق، لقد كان ذلك ~~الأمر في رأيي خطأ فنيا، لكن لم يكن لي من النفوذ ما أعارض به تعليمات الرئيس الصريحة، ~~خاصة وأنا أعلم بقلة المعادن الموجودة.» # فالتفت إلي الرئيس وقال: «ما رأيك؟» # فبدأت في الجواب: «إن المواطن ...» ~~- «ليس هو بالمواطن ولكنه عدو الشعب.» ~~- «إذن فالسجين على صواب تام، فقد أقمنا سقوفا خشبية في مصنع نيقوبول وللسبب عينه، ولو ~~أن مكانها الآن سقوفا من حديد، ولقد تصادف وجودي في اجتماع عقد في مكتب الرفيق جنزبرج ~~حين وافق على السقوف الخشبية في كل المصانع ما عدا مصانع الصهر ومصانع مارتتز، وكانت ~~موافقته تلك بإذن من أورزنكدز.» # فضاق صدر الشرطي بعض الشيء وقال: «أرجو أن تتذكر أنك ستكون مسئولا عن شهادتك.» # فقلت: «أنا أعلم ذلك حق العلم.» # ثم التفت ثانيا إلى السجين وقال: «السؤال الثاني: لماذا أقمت مصنعا كبيرا لصناعة ~~الأنابيب بغير أن تنشئ معه أقساما كهربائية وحرارية وميكانيكية، وبغير إعداد للإصلاحات، ~~وبغير تهيئة الوسائل لصناعة الآلات اللازمة لدقة القياس؟» # فأجاب السجين قائلا: «كان المشروع أن تنشأ مجموعة صناعية حديثة كبرى، وكل الأقسام التي ~~ذكرت كان لا بد لها أن تكون خارج جوانب المصنع الأساسية بحيث تتركز في مصانع أخرى لإجراء ~~الخدمات الخاصة، ولم توفق لجنة التصميمات الرسمية ولا رياسة الصناعات العليا إلى توفير ~~المال أو المواد والأدوات الضرورية لهذه المصانع الخاصة بتلك الخدمات الملحقة بالمصنع ~~الرئيسي، وهكذا حدث أن فرغنا من إعداد المصنع الرئيسي قبل أن تخطو المصانع الملحقة أكثر من ~~خطوة البداية، ثم جاءنا أمر أثار دهشتنا، وهو أن نبدأ الإنتاج، وكان ذلك عندي أمرا بعيدا ~~عن الصواب كل البعد، ثم بعدئذ ألقي علي القبض.» # قل ما شئت في أثر الثلاثة عشر شهرا التي قضاها ذلك الرجل في العذاب الأليم على قواه ~~العقلية، لكنه لم يزل سليم التفكير في المسائل الفنية، حتى لقد قلت عنه لنفسي حينئذ: إنه ~~عقل هندسي من الطراز الأول. # وسألني الرئيس: «ماذا تقول في هذا؟» ~~- «السجين على أتم صواب، ms491 فقد بدأ المصنع عمله قبل الوقت المفروض بزمن طويل، بل إنه الآن ~~أبعد ما يكون عن التمام، فلو كنا لننتظر حتى نفرغ من كل شيء حسب الخطة الأصلية، لما كان في ~~مستطاعنا أن ننتج شيئا لمدة عام كامل، ورأيي الشخصي أنه كان من الخطأ ألا ينشئوا أقسام ~~الخدمات الملحقة في داخل المصنع الرئيسي نفسه، لكن ذلك كان من شأن موسكو أن تقرره، ولست أشك ~~في أن إتمام المنشآت قبل الأقسام الملحقة لم يكن أبدا من قبيل الإتلاف المقصود.» ~~- «هل أنت على يقين تام مما تقول؟» ~~- «على أتم يقين ... هل لي أن أعطي السجين لفيفة تبغ؟» ~~- «لك ذلك.» # فناولت الرجل علبة اللفافات كلها، لكن الرئيس لم يسمح لي بذلك، وصاح قائلا: «لفافة واحدة ~~تكفي، لو وقع على إتلافه واعترف به لكان له أن يدخن كما يشاء.» ولما مد المهندس يده من ~~وراء ظهره رأيتها ملفوفة في خرقة ملوثة بالدماء. # ودام الاستجواب بضع ساعات، وكنت في كل مرة أراني مؤيدا للمهندس مخالفا لضابط الشرطة، ~~ولم يكن يحدوني في ذلك إلا كل إخلاص، ولما كانت الساعة الخامسة والنصف، سقط السجين من ~~الإعياء وسط ما أخذ بارشين يلفظه من شتائم وزعيق، ولحظت السجين إذ هو يهوي إلى الأرض رويدا ~~كأنما كنت إزاء شريط سينمائي في حركة بطيئة، وبعد أن استعاد وعيه بصب ماء بارد عليه، جاءه ~~الحراس بمقعد، ثم استؤنف استجوابه، ولم يخلوا سبيل هذا المنكود إلا بعد أن جاوزت الساعة ~~السادسة، ولن أنسى ما حييت ما لمحته في عينيه من نظرات الاعتراف بالجميل إذ هو ينظر إلي ~~من عند الباب. # قال بارشين: «سأكتب تقريرا عن هذه المحاكمة وسأرسله إليك بعد أيام قلائل لتوقعه، وإني ~~لآسف أن عطلتك كل هذا الوقت.» # فقلت له: «ما دام الوقت لم يعد يسمح لي بنوم، فهلا صحبتني في أرجاء هذا المكان ~~لأراه؟» # فتردد حائرا إزاء هذا الطلب الغريب، ثم قال آخر الأمر: «ليس ثمة ما يستوقف النظر بحيث ~~يستحق الرؤية، لكن إذا أردت ... فربما حملك ما ترى على ms492 تقدير التبعة التي تحملها بإجاباتك ~~الصادقة الصحيحة ...» # ومشط شعره ولبس القبعة المسطحة التي يلبسها الضباط بتاجها الأحمر وقمتها الزرقاء، وغرز ~~المسدس في جيب سراويله الخلفي، ولبس كلانا معطفه، وسرنا يصاحبنا حارس فرأيت ما يستحيل أن ~~تبلى جدته في ذاكرتي ما حييت، دخلنا فناء، وفتح لنا باب من حديد، ثم هبطنا سلما ~~إلى طابق تحت سطح الأرض، وهنا لفحتني رائحة كريهة فكانت صدمة أحسست بها في كياني كما لو ~~أهوى علي ضارب بعصاه، وكان في البهو مصباح كهربائي ضئيل. # ولاحظت أن الحارس الذي وثب ليقف وقفة الانتباه حين دخلنا، كان يقرأ حلقة من «تاريخ الحزب» ~~الذي كانت تنشره جريدة برافدا في سلسلة متتابعة، وأذكر أني وقتئذ عجبت لهذا الرجل يعيش ~~محاطا برائحة المذهب الستاليني الكريهة فعلا، ومع ذلك لم يفت ذلك في عزمه على دراسته ~~نظريا ... # وبدأت حركة في صفي الزنزانات اللذين كانا يمتدان على جانب البهو إذ صاح صائح: «ضيوف ذوو ~~شأن!» وفتح الحارس أحد الأبواب وصاح «قف!» فوقف شبان في العشرين من عمرهم، وكانوا طوال ~~اللحى يستدرون العطف لدرجة تعز على كل وصف، وعلى كثرتهم الغالبة علامات الضرب في أجسادهم، ~~وكل ما كان في الغرفة من «أثاث» دلو فيه ماء ربط فيه كوز من صفيح، وكان في ركن الغرفة القصي ~~دلو آخر لقضاء الحاجة، وكذلك رأيت في الغرفة ألواحا غليظة من خشب، هي الأسرة للمسجونين، ~~ورف خشبي وضع المساجين عليه أسمالهم ولفائفهم، ولو وضعت في تلك الزنزانة خمسة لغصت بهم ~~فماذا تقول في عشرين؟ # ولم تكن الزنزانات الأخرى بأقل من تلك فظاعة حتى لقد فقدت كل رغبة في رؤية ما تبقى منها، ~~وكان من الزنزانات عدد خصص للنساء. # قال الرئيس للشرطي الشاب الواقف عند الباب ونحن خارجان: «التهوية عندكم هنا ليست سليمة، ~~حتى ليظن من في داخل المكان أنه في قبر.» # وقال لي في ابتسامة المرح: «إذا ما فرغت من عملي في هذا المكان كل يوم ذهبت إلى الحمام ~~العام وإلا منعتني زوجتي من الدخول في البيت، فأدوات التهوية ms493 هنا معطلة منذ أمد ~~طويل.» # ولما خرجت من البناء وجدت سائق سيارتي نائما وهو جالس إلى جانب عجلة القيادة، ~~فأيقظته. # قال لي: «لقد طال بك المكث في هذا المكان يا فكتور أندريفتش حتى بدأت أسائل نفسي ... إننا ~~إذا ما نقلنا في سياراتنا رجالا لهم قيمتهم إلى هذا المكان، فيستحيل أن نكون على يقين هل ~~نرجعهم أو أنهم سيدخلون بغير أوبة.» ~~- «أنا جد تعبان يا «بتيا» لكن امض بنا فورا إلى المصنع فلا نوم لي هذا المساء.» # وفي عصر ذلك اليوم جاءني رئيس المساعدين ليستأذن في غيابه ثلاث ساعات، وبعد بحث قليل عرفت ~~أنه مطلوب للقسم السياسي. # فقلت له: «لا أستطيع الاستغناء عنك أثناء ساعات العمل، فاتصل بهم تليفونيا وقل: إنك ~~ستكون هناك بعد الساعة السادسة، ولا تنس أن تعود إلي بعد أن تفرغ من زيارتك هذه.» # وجاءني في ساعة متأخرة من ذلك المساء، لكنه لم يستطيع أن ينبئني بما حدث له هناك لأنهم ~~أنذروه بالكتمان، غير أني خلال حديثي معه لمحت ما دعاني إلى افتراض أنه إنما دعي ~~لاستشارته في القضية نفسها. # فسألته كأنني أسأل عرضا: «هل كنت تعرف رئيس مهندسي الإنشاء قبل أن يلقى عليه ~~القبض؟» ~~- «نعم، لكني يا فكتور أندريفتش لم أستطع أن أتعرفه ...» وسكت فجأة عن الكلام لأنه أدرك أنه ~~بذلك يفشي السر الذي أراد كتمانه. # ومضي يومان ثم جاءني ستوفين - موظف القسم الخاص - بالتقرير الذي قيل لي إنهم سيرسلونه ~~لي. # قال لي: «أسرع ووقعه لأني عجلان في طريقي به إلى برفورالسك.» ~~- «أولا لن أوقعه قبل قراءته قراءة دقيقة، وثانيا لن أعطل عملا هاما من أجله؛ ولذلك ~~فسأقرؤه بعد ساعات العمل.» ~~- «لكن الأوامر الصادرة لي هي ألا أتركه بعيدا عني، كلا لا أستطيع ...» ~~- «تلفن رئيسك الآن وقل له هذا الذي قلته لك، وهذا يبرئك.» # فتلفن القسم السياسي وهو يرتعش من خوف، وثارت ثائرة بارشين، فأشفقت على ستوفين الذي بلغ ~~منه الخوف مبلغا اهتزت له أوصاله، فأخذت منه سماعة التليفون. # فصرخ لي بارشين قائلا: «كرافتشنكو ينبغي أن تكون ms494 أكثر احتراما للقسم السياسي وخصوصا ~~بعد زيارتك لزنزانات المسجونين!» # فأجبته: «وأنت ينبغي لك أن تكون أكثر احتراما لرئيس هذا المصنع، فإذا لم توقف هذا العنت ~~الذي تلقيه في طريقي فسأتصل بكاجانوفتش فورا لأبلغه عمن يحول دون اطراد الإنتاج.» # ونجحت في تهديدي إياه؛ لأن بارشين لم يلبث أن أعتذر قائلا: إنه منهوك بكثرة العمل ويستحق ~~مني شيئا من الرفق، ثم قال إنني بالطبع لا بد أن أقرأ التقرير قبل توقيعه، وأن أقرأه في ~~الوقت الذي يناسبني بطبيعة الحال. # وفي نهاية ساعات العمل، جلست أقرأ ما فرضوا أنه تلخيص للشهادة التي أدليت بها ليلا في ~~القسم السياسي، وكان ستوفين ينتظر فراغي من قراءتها بوجه عابس في مكاتب القسم الخاص، فما أن ~~قرأت حتى وقف شعري من الفزع، إذ وجدت أن كل ما قلته قد قلبوه إلى نقيضه عمدا، ونسبوا إلي ~~عبارات لم أقلها في اتهام السجين ببعض الجرائم، وتناولوا إجابات المتهم وتعليقاتي عليها ~~بالتعديل والتحريف بحيث تجيء في صورة تؤيد مزاعم التخريب المقصود. # وكان على كل صفحة من صفحات التقرير تحذير بالخط العريض أن التغيير لا يجوز، ورغم ذلك فقد ~~غمست قلمي في المداد الأحمر وأخذت أراجع في عناية عبارة بعد عبارة حتى كتبت الوثيقة من ~~جديد، وحدث في كثير من الحالات أن أعدت صياغة الأسئلة نفسها التي أصابها التحوير حتى تبطل ~~الإجابات، وفي كثير من الحالات أيضا لم يكن بي حاجة إلى التغيير أكثر من إضافة كلمة النفي ~~«ليس»؛ لأن المعنى بغيرها يكون كذبا صريحا. # فلما دعوت ستوفين وناولته التقرير الذي رقمته ترقيما جعل المداد الأحمر في كل صفحة أكثر ~~من المداد الأسود، برزت عيناه من الفزع، فما عهد قط في حياته شيئا أكثر كفرا بقواعد ~~النظام من هذا الذي يرى، وشحب لونه شحوبا بينا. # وقال في صوت باك: «لكن هذا لا يجوز يا رفيقي المدير، هذا فظيع.» ~~- «أعطه لرئيسك والتبعة على عاتقي أنا.» # ولم أسمع شيئا بعد عن هذا الموضوع، لكني كلما التقيت ببارشين بعدئذ لوى شفتيه وعلا وجهه ~~الذي ms495 يشبه وجه الحصان شيء من تجهم الغضب، وشاع خبر في أرجاء المصنع بعد ذلك بنحو ثلاثة ~~أسابيع أن مهندس المنشآت السابق قد أطلق سراحه بعد أن قضي في زنزانات القسم السياسية ~~الكريهة الرائحة أربعة عشر شهرا، ومما لا شك فيه أن تدخلي في الأمر لم يكن هو العامل على ~~إطلاق سراحه، فلا بد أن يكون كثيرون غيري قد أدلوا بمثل ما أدليت به من إجابات، والمهم في ~~الأمر هو أن هؤلاء الموظفين بكل ما أبدوا من حماقة ووحشية، بحيث أذلوه وعذبوه أمدا يزيد ~~على عام، لم يصبهم لقاء ذلك حتى كلمات اللوم على ما فعلوا إزاءه، بل ظلوا في مناصبهم يحكمون ~~بأنوف شامخة ويقبضون على من شاء لهم هواهم أن يقبضوا عليه. # كان المهندس الشاب «بانوف» - الذي نيطت به نوبة الليل - من أكثر زملائي شعورا بدافع ~~ضميره في عمله، وقد كان يترك فيمن يقابلهم من الناس أثر حسنا بما له من ملامح معتدلة ~~وتواضع وكبح للنفس فيما يقول وما لا يقول، ومما كان ينغص عليه العيش أن نوبته في العمل لم ~~تكن لتنتج مقدارا يتعادل مع المنسوب المطلوب، فزاد من ساعات عمله لعله يزيد من ~~إنتاجه. # والذي أثار تطلعي في أمر «بانوف» هو ما كان يبدو على محياه من علائم البؤس الشديد، ~~فشحوب وجهه يدل على قلة غذائه، وحلته الواحدة كاد يبليها الاستعمال، ولم يكن ينتعل إلا ~~خفا من قماش مهما تكن حالة الجو من صيف أو شتاء، فلما استفسرت الأمر لم ألبث أن ألممت ~~بسبب فقره، فلم يكن ليتبقى له من مرتبه البالغ خمسمائة وخمسين روبلا في الشهر إلا ~~أربعمائة، وتذهب المائة والخمسون في الضرائب والقروض وغيرهما مما كان عليه أن يؤديه، وكان ~~يعيش على ما يتبقى له من مرتبه ذاك هو وزوجته وطفلته وأمه العجوز التي كانت تسكن معه في شقة ~~قوامها غرفتان في منازل الإدارة. # فأمرت أن يصرف لبانوف حذاء وحلة للعمل من مخازن المصنع، فلما تحركت نفسه شكرا على ما ~~أبديته نحوه من عناية، استجمع شجاعته ms496 وأخذ يحدثني عن متاعبه. # فجلس في مكتبي وسألني: «هل لي أن أتكلم إليك في صراحة يا فكتور أندريفتش؟» ~~- «بالطبع.» ~~- «إذن فقد جئتك لأتوسل إليك أن تنقذني من هذا الجحيم، وإن لي لبعض الوسائط التي تزيد من ~~أملي في أن أظفر بمنصب هندسي في الجيش، لكني أريد معونتك.» ~~- «ولكن ما الذي يزيد من سخطك ها هنا يا بانوف؟ إنك شاب ولك هنا فرصة التدريب في ظروف ~~عصيبة، وإنها لفرصة نادرة، أتدري بماذا يسمون هذا الفرار من العمل الصعب بلغة أتباع ~~الحزب؟» ~~- «نعم، نعم ... يسمونها انتهازا للفرص، وجبنا وما إلى ذلك من أسماء، لكن انظر إلى وجهة ~~نظري إلى الأمر، لقد قضيت في معهد الهندسة خمسة أعوام قاسيت خلالها البرد والجوع، وكانت ~~زوجتي التي تزوجت منها أيام الدراسة ترقب في شغف هذا الوقت الذي تراني فيه مهندسا كاملا، ~~ولكن ماذا كسبت وقد أصبحت مهندسا كما تمنت؟ زادت جوعا ووحشة وفقرا مدقعا، وإني لألحظ ~~فتور حبها لي في هذه الظروف القاسية، وأود لو استعدت ذلك الحب قبل أن يزول، أريد أن أنقذ ~~طفلتنا التي لا يصيبها ما يكفيها من اللبن، فهل تلومني على محاولتي إنقاذ حياتي ~~العائلية؟» ~~- «إن كان الرأي رأيي يا بانوف، فلست ألومك على ذلك، وأستطيع تقدير ما تقول.» ~~- «إنني إذا ما التحقت بالجيش مهندسا فسأتقاضى سبعمائة وخمسين روبلا فضلا عن حلة ومسكن ~~وغذاء بالمجان، وبهذا يمكنني أن أخصص مرتبي كله تقريبا لأسرتي، زد على ذلك أني سأخصص نفسي ~~للدفاع، وهو عمل له خطورته كذلك.» # فوافقت آخر الأمر على معاونته في تركه للمصنع، ولقد علمت من الصحف بعد ذلك بأعوام أنه ~~أبدى براعة ممتازة في القتال، ولو بقي في الأورال بما كان يسودها من ظروف لاستحال إلى رجل ~~مهدم ممرور النفس بعد حين قصير، وقد كنت أوقن أن غيره من الناس الذين طابت سرائرهم كانوا ~~يفسدون بفعل هذا الضغط الأحمق الذي كانت تضغطه الحكومة لزيادة الإنتاج متجاهلة ما وراء هذا ~~الإنتاج من كائنات بشرية لها راحة يجب أن تتوفر وعافية ينبغي ms497 أن تراعى. # وزيادة على المتاعب الجسدية الفتاكة التي كان يعانيها الناس، فقد كانوا يعانون ما هو أشد ~~فتكا، وأعني به الريبة في إخلاصهم ريبة لا تنقضي ولا تنفك تسيء إلى مشاعرهم، ومهما بلغنا ~~من الجد والنشاط في العمل، فقد كان النظام كله يهدف إلى غاية واحدة وهي الافتراض أننا خونة ~~أوغاد نعمل على تخريب ما صنعناه بأيدينا لولا ما سلط علينا من رقابة تدوم كل يوم أربعا ~~وعشرين ساعة. # حدث ذات مرة أن جاءتني لجنة خاصة بشأن طلب أرسلته إدارة الصناعات الدفاعية رقم 14 تطلب ~~فيه أنابيب على درجة بالغة من الدقة حدها الأقصى، ولم تكن في الحقيقة على استعداد تام ~~لإنتاج ذلك النوع من الأنابيب الدقيقة، حتى لقد رفضته مصانع كثيرة أخرى على أساس أن ليس في ~~مقدورها صنعها، فجمعت اجتماعا من رؤساء المصنع وعرضت عليهم المسألة بحضور ممثلي إدارة ~~الدفاع، وانتهينا إلى قرار بأننا سنحاول إجابة الطلب، لكننا في القرار توقعنا كثيرا من ~~الصعوبات تقوم في وجوهنا مما قد يؤدي إلى الفشل، وتنفيذ المشروع كان يتطلب إعداد الآلات ~~إعدادا جديدا سريعا وتهيئة أنواع من الصلب الخاص، ثم العمل المتواصل الذي لا يعرف هوادة ~~ولا راحة. # ولم أقبل الطلب إلا بعد أن تعهدوا لي كتابة أنهم يعلمون مقدما بأن النتائج ليست مؤكدة ~~الضمان، وتسلمت مبلغ عشرين ألف روبل توزع علاوات إذا ما أتممنا العمل في الوقت المحدد، ~~وأدرك الموظفون الفنيون والعمال على السواء خطورة العمل وما فيه من تحد فصبوا فيه أفئدتهم ~~ونفوسهم صبا. # وأتممنا المطلوب في خمسة عشر يوما، ولقد مرت بي أيام كنت أقضي في المصنع ثلاثة أيام أو ~~أربعة متواصلة آكل وجباتي في المكتب وأتخطف سويعات نومي بين طنين الآلات، ولم يكن المساعدون ~~أقل مني جهدا، بحيث يستحيل أن يدور في رأس إنسان أدنى خاطر بالشك في إخلاصنا، ومع ذلك لم ~~يكن يمضي يوم واحد دون أن يأتينا مفتشون من القسم الخاص أو من إدارة الدفاع يتشممون آثار ~~إهمال وتعطيل، حتى لقد أوذيت إلى حد الثورة ms498 كرامتنا الإنسانية وكبرياؤنا الفنية ، فلا ~~العلاوات ولا فيضان الرسائل البرقية الذي جاءنا بالتهنئات استطاع أن يمحو المرارة التي ~~خلفتها تلك الريبة في نفوسنا. # وكنت ترى «كلبين» و«ستوفين» وموظفي الفرع الاقتصادي من القسم السياسي، بل وأمين اللجنة ~~المحلية «دفبنكو»، كنت ترى كل هؤلاء منتفخين زهوا بأنفسهم لهذا «النصر» الذي ظفروا به في ~~إجابة ذلك الطلب، وحاولوا أن يظهروا بذلك أن العامل في النجاح لم يكن مهارة العمال ~~والمهندسين وما صبوه من عرق الإجهاد، بقدر ما قاموا به هم من رقابة تحرك السخط في ~~النفوس. # وسألت بارشين: «فيم كل هذه الريبة؟ فيم كل هذا الفرح بأن أحدا لم يحاول الإهمال ~~والتعطيل؟» # لكنه لم يفهم لهذه الأسئلة معنى أو كاد، فالتجسس عنده أمر طبيعي، بل هو عنده أهم جانب في ~~العمل مهما يكن نوع العمل! # وقال لي قول الواثق بإخلاص من يتحدث إليه: «وفضلا عن ذلك يا فكتور أندريفتش فإن نجاحنا ~~في هذه المهمة يضع مهمة أخرى أمام الفرع الاقتصادي من قسمنا، إذ واجبنا الآن أن نبحث عن ~~الأسباب التي من أجلها رفضت المصانع الأخرى أن تقوم بهذا العمل! لقد أقمنا الدليل على أن ~~العمل ممكن فلماذا إذن أبى هؤلاء المديرون أن يمسوه؟ ربما كانوا مخلصين في رفضهم ذاك، لكن ~~يجوز أيضا أن يكون في أنفسهم نية الوقوف في سبيل الصناعة الدفاعية، ولعلك ترى الآن مقدار ~~ما لمنصبنا من خطر ...» # وأمثال هذه المهمة الخاصة كثير كان يتم في جو من التوتر - يسوده دائما شكوك وتهديد وتجسس ~~يتغلغل في كل شيء - وحسنت سمعة مصنع الأنابيب الجديدة وأخذت تزداد بسرعة في حسن سمعتها، ~~وكتب مراسلو «في سبيل التصنيع» وغيره من الصحف مقالات وصفية حماسية يصفون فيها كيف أزيلت من ~~مصنع الأورال كل آثار التخريب، لكن إنتاجنا لم يزد على ثمانين في المائة، وظلت موسكو ~~تطالبنا بمائة في المائة لتظهر ما لها من «عزم بلشفي»، فكان معنى ذلك أن ما أصبناه من نجح ~~كان جزاؤه في نفوسنا غما وكمدا. # ما أكثر ما كانت تدعوني الظروف إلى ms499 تذكر النصيحة التي أسديت إلي يوم وصولي، وهي أن ~~أهيئ نفسي لرؤية المسجونين أينما سرت، ومعسكرات الاعتقال وعمال السخرة جماعات جماعات؛ ذلك ~~لأننا في بروفورالسك وما يحيط بها إنما كنا في وسط إقليم فسيح من أقاليم العمل المسخر في ~~روسيا «الاشتراكية»، فيستحيل عليك أن تسير بعيدا عن السكة الحديدية الرئيسية في أي اتجاه ~~دون أن تصادف هذا الفزع. # لو كان ذلك في مكان آخر لجاز أن يحاط الموضوع بشيء من التكتم الذي تمليه الحكمة، أما ها ~~هنا فالحقيقة أكبر وأقرب إلى البصر من أن يتكتمها المتكتمون، فتراك تقول في حديثك العابر ~~بغير أدنى تكلف «هنالك مكان جميل لصيد السمك في نهر تشاسوفايا، يبعد كيلومترا واحدا أو ~~نحو ذلك من عمال السخرة التابعين للقسم السياسي وأنت سائر في هذا الاتجاه.» أو تقول: «خير ~~لك أن تتابع ذلك الطريق نحو اليسار مارا بمعسكر الاعتقال.» # كنا نستعمل وقودا لمحطة الغاز من حطب تمدنا به جماعة مختصة بذلك في الأورال، فإذا ما ~~سنحت لي فرصة الشكوى من نقص كميات الغاز، بادر موظفو تلك الهيئة إلى تلفنة الجماعة العاملة ~~في حطب الأورال، وهذه تعود بدورها فتتلفن القسم السياسي لتشرح السبب لموظف ذلك القسم ~~المختص، ذلك كان هو الطريق الطبيعي عندهم للاتصال الرسمي؛ لأن ألوف السجناء من رجال ونساء ~~كانوا يشتغلون بقطع ذلك الحطب وضغطه في إقليم سفردلوفسك، وكذلك كان هذا اللون من الحطب هو ~~مادة الوقود لمحطة القوة في أورال، وهي المحطة التي كانت تمدنا بالقوة الكهربائية. # وكنت أحاول جهدي أن أجتنب رؤية هذا المنظر؛ لأني إذا ما رأيته أشاع في نفسي الغم مدى ~~أسابيع، فقد كنت أصاب بما يشبه الغثيان إذا ما ثار في نفسي الخوف من احتمال أن أرى نفسي ~~ناظرا بعيني إلى عيني شخص ما أكون قد عرفته وأحببته؛ ذلك لأن مئات ومئات من أصدقائي قد ~~ابتلعتهم موجة التطهير الأعظم، وحدث ذات يوم إذ أنا في رحلة خارج البلد مع زميل، أن ~~مررنا بمسطح فسيح كئيب من المستنقعات، كان يشتغل فيه ما ms500 يقرب من ثلاثمائة سجين معظمهم ~~نساء، وكان هؤلاء المناكيد كلهم في درجة من القذارة يعز وصفها، وكلهم يرتدي أغلظ الثياب، ~~ويخوض إلى ركبتيه في ماء وطين، وكانوا جميعا يشتغلون في صمت لا تسمع فيه صوتا، ولم تظهر ~~عليهم علامة اهتمام بهذين الغريبين القادمين. # كان المنظر مما يصح أن يرد في جحيم مثل الجحيم التي وصفها دانتي، لم أستطع أن أمحوه من ~~ذاكرتي شهورا عدة، وأصبحت كلمة «حطب الوقود» تحدث في نفسي قشعريرة الجزع. # ولما كنت أركب سيارتي في سفردلوفسك وإليها، فقد ألفت عيناي منظر المعسكر الكبير الذي وقفت ~~لأراه يوم وصولي هنا، كان مدخله الرئيسي في ضلع السور السداسي المواجه للطريق، يعلوه إفريز ~~خشبي دقيق الصنع يميل في فنه إلى الذوق الحديث، وفيه ركبت صورة بيضية الشكل لستالين، ~~وكثيرا ما كانوا يكتبون بعض العبارات الدائرة على الأفواه بقطع من قماش الأعلام يعلقونها ~~على ذلك الإفريز، حتى إذا ما أظلم المساء أناروا بعض المصابيح الكهربائية الملونة لتلقي ~~ضوءا على صورة ستالين وعلى تلك العبارات المكتوبة بالرايات. # ولو سار غريب في سيارته مارا بالطريق في ذلك المكان؛ لظن أن مؤسسة اشتراكية سامية ~~الأغراض كانت تقيم وراء هذه البوابة المزخرفة، أما نحن الذين كنا نعيش في المنطقة فقد كنا ~~نعلم أن ذلك البناء السداسي المخيف كان يحصر ألفين وخمسمائة رجل فيقطعهم عن عالم الأحياء، ~~وكانت الأنوار الكاشفة المنبعثة من الأبراج الستة تدور بأضوائها على المعسكر طوال الليل ~~دورانا آليا واحدة بعد واحدة كأنها منارات السفن، وكانت تلك الأعمدة الضوئية التي تحرك ~~أضواءها عبر السماء في ظلمة الليل، ترسم أشكالا زخرفية رائعة لمن لا يعرف ما ~~وراءها. # وكان هؤلاء السجناء يشتغلون في المصانع والمناجم والمشروعات الإنشائية في الإقليم المحيط ~~بهم؛ لذلك كان معظمهم يمشي ستة أميال أو سبعة كل يوم وفي كل ألوان الجو، في طريقه إلى مكان ~~العمل ومنه، وهذا معناه أنهم بالإضافة إلى عملهم اليومي الذي يمتد عشر ساعات أو اثنتي عشرة ~~ساعة، كانوا يمشون حول ثلاث ساعات، وقليل منهم من كانت ms501 له أحذية ملائمة لمثل هذه المشيات ~~الطويلة المفروضة عليهم فرضا. # كانت مدينة «رايفدا» - وهي مقر مصنع آخر للتعدين - تقع على مقربة من برفورالسك، فكلما ~~ذهبت إلى هناك مررت بمعسكر اعتقال يسع نحو ألفي سجين، يشتغل منهم عدد كبير في المصنع إذ ~~كانت عملية الإنشاء لا تزال قائمة، أما بقيتهم فكثرتها الغالبة كانت تشتغل في رصف الطرق أو ~~في مناجم النحاس القريبة. # ومعسكر آخر لا يحتوي على أكثر من ألف سجين أو نحو ذلك، كان يقع على شاطئ نهر تشاسوفايا، ~~وهو نهر جميل سريع الجريان في بقعة رائعة تكثف فيها غابات الصنوبر على سفوح التلال ~~المتماوجة، وكان موظفونا ومهندسونا أثناء شهور الصيف يستصحبون عائلاتهم إلى شطآن نهر ~~تشاسوفايا للسباحة أو السماكة أو الاستحمام، فكانوا يحرصون على أن يبعدوا بمسافة طويلة عن ~~المعسكر، حتى لا يعكروا صفو رحلتهم بما يثير في رءوسهم أسوأ الذكرى. # فلما سمعت ناسا كثيرين يحلمون بجمال هذا النهر، قررت آخر الأمر أن أستكشفه، وكان يراسلني ~~اثنان كلاهما مثلي حديث عهد بالإقليم، وإذن فلم يكن أحدنا يعرف شيئا عن هذا المعسكر ~~المعين، وبينا نحن سائرون في سيارتي «فورد» نتحدث في شئون المصنع، إذ نحن نجد أنفسنا بغتة ~~على رأس تل صغير يشرف على سور الأسلاك الشائكة الذي يحيط بمنبسط من الأرض أزيلت عنه أشجار ~~الغابة ويبعد عن حافة النهر ببضع مئات من الياردات، وكان هناك - كما هي العادة دائما - ~~أبراج أربعة قائمة في أركان المكان الأربعة، وعلى مرأى البصر وقف الحراس شاهري السلاح، وقد ~~كان بضع مئات من السجناء رجالا ونساء يشتغلون ساعتئذ في الطرف الأبعد من مكان المعسكر، ~~يبنون صفا جديدا من الثكنات. # فانتهت رحلتنا فورا، إذ غاضت في نفوسنا الرغبة في رؤية أجزاء أخرى من النهر، وعدنا ~~بالسيارة إلى برفورالسك صامتين. إن الحقيقة الواقعة هي أن أخلص الشيوعيين إيمانا وأصفاهم ~~طوية يحتقرون في أعماق قلوبهم هذا النظام القائم على التسخير في العمل، بل ويرونه وصمة عار ~~تدعو إلى الخجل، وحتى إن تحمس بعض الرفاق في دفاعهم عن ms502 ذلك النظام، فكثيرا ما كنت ألحظ ~~شيئا من القلق يساور نفوسهم، إذ هم في أحمى درجات حماسهم، فهم حين يسبون الضحايا بشنيع ~~الشتائم - المستغلون المخربون المناجيس القذرون - إنما كانوا يحاولون أن يفرقوا بتلك ~~الشتائم ما كانوا يحسونه في أنفسهم من ازدراء للنظام القائم، وكل منهم يعلم علم اليقين أنه ~~إذا ما دارت عجلة السياسة دورة، وطغت موجة التطهير على البلاد مرة، فما أهون أن يكونوا هم ~~كذلك بين طريدي القانون الذين يبنون لنا بسواعدهم هذا البناء الاشتراكي العجيب. # الفصل التاسع عشر # | بينما يدون التاريخ # حين أعود بذاكرتي إلى مدة إقامتي في الأورال - بما يتخللها من ذكريات كريهة على نفسي - ~~أجد بينها حادثة برزت بين سائر الحوادث حتى طغت عليها. # وخلاصة القصة أنها خدعة ضللوا بها الرأي العام الروسي، هي خدعة كبرى اشترك في حبكتها صغار ~~الموظفين وكبارهم في موسكو وبرفورالسك على السواء حتى يخدعوا بها الناس، ولقد حبكوها حبكا ~~محكما وركبوا الأكاذيب في بناء واحد متسق على نحو لا يستطيعه إلا خبراء، وذهبوا في هذه ~~البراعة حدا مكنهم حتى هذا اليوم من ذكر «النجاح العظيم الذي أصابه مصنع الأنابيب ~~الجديدة» على أنه مثال للمعجزات التي تتم بفضل «الحماسة الاشتراكية». # وبدأت القصة بقدوم كتيبة من أعوان الحزب المتحمسين من موسكو إلى حيث كنا، وهو مكان يقع في ~~مدخل الأورال، ويمتد على مساحة واسعة في غير نظام، جاءت تلك الكتيبة من موسكو مزودة ~~بالتعليمات أن تبث في مصنعنا القائم بخراطة الأنابيب معايير الإنتاج الإستاخانوفية، فقد كنا ~~عندئذ ننتج خمسة وثمانين في المائة من ذلك المعيار، وإذن فلا بد لنا - في رأيهم - من دفعة ~~تأتينا من موسكو لعلنا نصعد إلى قمة الإنتاج بحيث ننتج مائة في المائة من ذلك المعيار ~~المثالي أو نزيد عليه، فإذا ما صحت العزيمة وجدت سبيل الوصول إلى الغاية المنشودة، وليس ~~لدينا نحن البلاشفة ما يستحيل أداؤه، فالمستحيل يتم مع التعاون، فاعملوا معا يا رفاق في ~~سبيل زعيمنا ورائدنا. # وقبل أن تغادر هذه الكتيبة الملهبة للحماسة في العمال، قبل ms503 أن تغادر موسكو ، ذهب أفرادها ~~فقابلوا «لازار كاجانوفتش» بحضور ممثلي الصحف، وجاءوا إلى برفورالسك مسلحين بقوة عظيمة، ~~مزهوين بأنفسهم في جهل تام بمشكلاتنا، وما هو إلا أن تحطم نظام الإنتاج الذي كدحت كدحا ~~حتى هيأت أسبابه، فقد جمعت تلك الكتيبة اجتماعات حضرها العمال، والمهندسون الفنيون، وأخذوا ~~يصبون في أسماعنا خطبا طويلة كلها تهريج، وكنت ترى جدران مصانعنا ومكاتبنا كلها، وجدران ~~المطاعم وقاعات الجلوس في أوقات الراحة، مليئة بعبارات حمراء من عبارات الدعاوة، وبغتة سكت ~~الجميع عن الكلام، وطفق الجميع يصيحون. # فهز العمال أكتافهم وأغلقوا نوافذ رءوسهم حتى لا يهوشها ذلك الصياح، أما المهندسون ~~والموظفون الإداريون فقد اكتسحتهم تلك الموجة إلى حد الجنون، لقد هنأونا بالأمس القريب على ~~بلوغنا خمسة وثمانين في المائة من معيار الإنتاج المثالي، ثم جاءت عوامل الضغط الخارجي ~~اليوم تلهبنا لنبلغ مائة في المائة، وبلغ الألم أعماق نفوسنا لهذا العبث، وأخذ المدير ~~«أوسادشي» يطوف أرجاء المكان بوجه عابس. # قال لي وهو يتحسر: «لا بد لنا من عمل جريء يا فكتور أندريفتش، إن الصحف في موسكو تطنطن ~~بهذا التهريج الذي يقومون به ليبلغوا بالإنتاج إلى المعيار الإستاخانوفي، ولا أحسبنا ~~مستطيعين أن نقصر دون ذلك المعيار، إن حياتي - وحياتك أيضا - مصيرها إلى العدم في حالة ~~التقصير.» # كان «أوسادشي» مثلا من مديري المصانع الشائع جدا في بلادنا، وأعني به ذلك النمط الذي ~~بطبيعة تكوينه العقلي يقدم الجانب السياسي منه على الجانب الهندسي الفني، ويهمه الثناء ~~الرسمي أكثر مما يهمه الإنتاج الحقيقي، إنه يعنى بالأرقام الإنتاجية أكثر مما يعنى بجودة ~~الإنتاج، فقد كان يعوض نقصه في المعرفة الفنية «باتصالاته الهامة» بكبار القوم خير العوض، ~~وكان مما يميزه ميل قليل نحو الإسراف في اشتهاء النساء، وكانت له جاذبية يقنص بها غواني ~~سفردلوفسك. # فقلت له ردا على كلامه: «لكن ماذا في وسعنا أن نصنعه؟ إنك تعلم كما أعلم أنا أننا لا ~~نستطيع أن نعتصر المصنع اعتصارا ينتج لنا أكثر مما ينتجه الآن، فالخطابة الفصيحة لا تغني ~~شيئا عن الآلات والمعادن.» # لكن «أوسادشي» كان ms504 قد أغرق نفسه بالفعل إلى عنقه في مشروع يخلب العين ببريقه، فطلب إلي ~~أن أزوده بقائمة مفصلة من الأنابيب التي تم صنعها والتي كانت مخزونة في مخازن المصنع، وقد ~~كانت كمية تلك الأنابيب فيما يظهر عظيمة، إذ كان هناك مقادير منها أنتجت في العام ~~السالف دون أن يكون لأحد بها حاجة، فزودته بالأرقام التي أراد. # ولم أعلم إلا بعد ذلك بأيام لماذا طلب تلك الأرقام، فلما علمت السبب جزعت له، فقد تآمر ~~«أوسادشي» مع أعضاء الكتيبة وأرسل من لدنه رسولا خاصا إلى موسكو، اتفق سرا مع ~~«كوزفنكوف» الذي كان عندئذ رئيسا لصناعة الأنابيب، وكان من نتائج ذلك الاتفاق السري أن ~~دبر «كوزفنكوف» أمورا مع الإدارة المركزية التي من شأنها تزويد الصناعات بما تحتاج إليه ~~من معادن، وعاد رسولنا إلى برفورالسك ومعه حزمة من الطلبات التي تأمر بصناعة أنواع مختلفة ~~من الأنابيب ترسل إلى مخازن الأنابيب في طول البلاد وعرضها. # وجاءت الطلبات مطابقة تطابقا عجيبا للأنابيب المخزونة عندنا مقدارا ونوعا، وما علينا ~~سوى أن ننظفها ونزينها ونرصها في صناديق، ثم نسجلها في قائمة الإنتاج الجاري! وبشيء من ~~تلفيق الدفاتر تلفيقا بارعا أمكن إنقاذ الموقف شهرا كاملا. # وكانت هذه أكذوبة عارية مكشوفة، ومع ذلك فكنت ترى «أوسادشي» واللجنة المحلية واللجنة ~~الإقليمية، بل كنت ترى كل إنسان فرحا بها، وأغضى كل إنسان عن هذا الاحتيال، إلا رجال ~~الشرطة السرية فقد شمروا عن سواعدهم؛ إذ علموا أن هذا الخداع يتيح لهم سوطا يسلطونه على ~~طائفة أخرى من صفوة رجال الصناعة في إقليمهم، بهذا كله كان النصر في متناول أيدينا، ولا ~~أقصد النصر بالحصول على إنتاج مائة في المائة فحسب بل بالحصول على أية نسبة مئوية ~~أردنا. # وبدأ الشهر الأعظم شهر يونيو، وأخذت أرقام الإنتاج تظهر كل يوم على المعيار ~~«الإستاخانوفي» الخلاب، وجاءت لي الرسائل من موسكو تستحثني قائلة: «حافظ على هذا المستوى ~~بغير هبوط»، لكن أحدا لم ينبس ببنت شفة عن الحقيقة الواقعة وهي أننا في بعض الأيام كنا ~~نضيف خمسة وعشرين في المائة ms505 إلى إنتاجنا المزعوم من الأنابيب المخزونة عندنا، وبالطبع لم ~~تجز هذه الخدعة على العمال ورؤسائهم، فكانوا يقرءون الأرقام التي تحصي إنتاجنا كل يوم وكل ~~أسبوع ... لكنهم كانوا يعرفون الحقيقة. # وكلما تقدم الشهر أخذت غبطة المتآمرين يمازجها شيء من القلق إذ دب في نفوسهم قليل من ~~الخوف مما صنعت أيديهم، خاصة وأن «نجاحهم» قد أحدث ضجة عظمى في الصحف والإذاعة، وتبينوا أن ~~حيلتهم قد ينكشف عنها الغطاء يوما فترتد إلى نحورهم اتهاما «بأنهم خدعوا الحكومة والحزب» ~~فوحد بينهم جميعا - كتيبة موسكو والموظفين المحليين - شعورهم بالاشتراك في جريمة واحدة وفي ~~الاستهداف لخطر واحد. # ورفضت رفضا قاطعا أن أساق إلى عصاباتهم، وانتهيت مع نفسي إلى قرار هو أنني - إذا ما ~~وضعت في اعتباري كل الظروف - آمن جانبا إذا لم أساهم في هذه الحركات البهلوانية التي ~~تتلاعب بالأرقام، وبخاصة لأني كنت أعلم أن هذه الأرقام المصطنعة عن شهر يونيو ستضع لي ~~معيارا يستحيل علي تنفيذه في الأشهر المقبلة. # لذلك لما دنا الشهر الإستاخانوفي من ختامه، جمعت الوثائق الهامة وكتبت عن هذه الأرقام ~~القياسية تقريرا وافيا أكشف فيه عن الخدعة، وأرسلته إلى الرئيس الأعلى كاجانوفتش وإلى ~~«كوزفنكوف» في رياسة صناعة الأنابيب، وإلى «أوسادشي» وإلى الرفيق «دفنبكو» أمين اللجنة ~~المحلية في برفورالسك، كما اختزنت من التقرير نسخا تحوطا مني لما عسى أن تأتي به ~~الأيام. # ودب دبيب الخوف في «أوسادشي» و«دفبنكو» فتلفنا من فورهما - فيما علمت - لشركائهما في ~~موسكو من رجال رياسة صناعة الأنابيب، ولما طمأنهما ما سمعاه من تلك الرءوس العليا استدعياني ~~للجنة المحلية. # فانفجر دفبنكو صارخا: «هل جن جنونك يا كرافتشنكو؟ إن كل شيء يسير على خير ما يرجى، ~~و«كاجانوفتش» في أشد الغبطة لسيرنا في العمل، وها أنت ذا تريد أن تلقي في عملنا ما يسيء ~~سمعته، ماذا علينا لو اصطنعنا حيلة أو حيلتين إذا كانت غايتنا المنشودة هي رفع الروح ~~المعنوية بين صفوف العمال؟ أليس لديك من ضميرك ما يحفزك على أداء واجبك؟» # وكان إذ ذاك يذرع أرض مكتبه غاضبا، وأما «أوسادشي» فقد ms506 لبث يعض شفتيه ليكبت في نفسه ثورة ~~غضبه. # قلت: «يؤسفني أن أختلف وإياك في الرأي، إنني لم أساهم في الموضوع، ولن أحمل شيئا من ~~تبعته، وإني لأنذركم أننا بعد أن تتلاشى أصداء هذه الضجة سنعود إلى نسبة الإنتاج القديمة، ~~وسيلوموننا على التقصير بالقياس إلى شهر يونيو.» # فقال دفبنكو: «ألا لعنة الله! إننا إذا ما وصلنا إلى هذا الموقف المشكل فسنعرف كيف ~~نجتازه، إنك يا كرافتشنكو تسير على أرض خطرة وتسبق بأفكارك أفكار سواك، إنك تحط من شأن ~~الكتيبة التي أرسلها رئيسنا الأعلى، وهو عضو في هيئة الحكم العليا! إنك بهذا تلعب ~~بالنار.» # وتدخل أوسادشي فقال: «إن الإسراف في الإخلاص أحيانا معناه إسراف في الغباء، فيلزمنا قليل ~~من حكمة تنفع في هذه الحياة الدنيا.» # لكني رفضت سحب تقريري. # وسرعان ما انتهى الشهر العظيم، بإنتاجه الجليل الذي بلغ مجموعه 114 في المائة من المعيار ~~المثالي! ورنت جوانب موسكو وسفردلوفسك وبرفورالسك بأصداء النصر، وفاضت أنهار الصحف بأنباء ~~«النصر العظيم الذي ظفر به مصنع الأنابيب الجديدة»، وجاءتني برقية من موسكو في صبيحة اليوم ~~الأول من يوليو هذا نصها: # نهنئك على نصرك العظيم، ونشاطرك السرور به، ونخول لك صرف مكافآت للعمال، ~~ويقيننا هو أن الخطة ستوفى بما يزيد على تمامها من الآن فصاعدا. # وقدم إلينا مراسلو الصحف طائرين من موسكو وراكبين سياراتهم من سفردلوفسك ليصفوا معجزة ~~الإنتاج على المعيار الإستخانوفي، فمصنع الأنابيب الجديدة الذي كانت مؤامرات الإتلاف قد ~~انحطت بإنتاجه إلى 35 في المائة أو أربعين منذ أشهر قلائل، قد صعد الآن فخورا بنفسه إلى ~~114 في المائة بإشراف رئيسه البلشفي الجديد الأمين الرفيق كرافتشنكو، وجاءت وفود من مصانع ~~برفورالسك الأخرى لتهنئ رفاقهم الظافرين. # كان الفرح يرفرف في كل مكان إلا قلبي فقد ساده اليأس؛ لأني جعلت - كارها - جزءا من ~~تدليس مدبر، ودفعت دفعا إلى قبول الشكر والمكافآت المالية على ما قمت به من نجاح، لكني ~~أخذت من وراء ستار وبمعونة مساعدي الثلاثة ورئيس الحسابات، أحسب الإنتاج الحقيقي إبان ذلك ~~الشهر، فوجدته بعد طرح الإنتاج ms507 المزيف الذي أخذناه من المصنوعات المخزونة، قد بلغ سبعة ~~وثمانين في المائة، وهو مقدار أكثر بقليل جدا من الإنتاج المعتاد، وأثناء قيامي بهذه ~~العملية الحسابية التي أحزنت قلبي، دعيت ست مرات لأتلقى تهنئات من موسكو، وأخذت برقيات ~~الثناء تتراكم، وبينها برقية من «كاجانوفتش» نفسه. # وبدأت تلك الليلة في إعداد تقرير دقيق مفصل جدا عن التدليس الذي حدث، ورفعته إلى ~~«كاجانوفتش». # وفي الوقت نفسه دعي العمال جميعا إلى اجتماع ليحتفلوا بنجاحهم العظيم، وأقيمت منصة ~~ملفوفة بالقماش الأحمر في فناء المصنع، وزينت بصور ضخمة لزعماء الكرملن، وطفقت فرقة ~~موسيقية تعزف في مزاميرها النحاسية بغير انقطاع، وحشدت ألوف من العمال والموظفين - وكثير ~~منهم كان على علم بالخدعة - أمام المنصة، ولا أحسبني مخطئا إذا قلت: إنهم كانوا يسخرون ~~سخرية مقصودة إذ صفقوا تصفيقا حارا وهتفوا هتافات عالية «لأوسادشي» و«دفبنكو» وممثلي ~~الحزب الإقليمي وأعضاء الكتيبة التي جاءتنا من موسكو حين ألقوا خطبهم على هذا ~~التعاقب. # وقرأ «أوسادشي» بعض رسائل التهنئة، وقال: إن العمال بما أظهروه هذا الشهر من نجاح قد ~~أخرسوا ألسنة المتشككين والمهاجمين، وأجابوا إجابة مدوية على أفعال المتلافين المناجيس ~~والمنشقين على الحزب، وها هنا صرخ هاتفا: «ليحي حزبنا وليحي زعيمه المحبوب، ليحي رائدنا ~~ووالدنا ورفيقنا ستالين! صيحوا بالهتاف يا رفاق.» # فهتفت ألوف الحناجر وعزفت الموسيقى نشيد الشيوعية الدولية. # ووقفت على المنصة مهنئا نفسي على الخلاص من محنة إلقاء خطبة في تلك الظروف، لكن يظهر أن ~~«دفبنكو» أراد متعمدا أن يورطني علنا في الاشتراك في «النصر» فأعلن قائلا: «والآن نريد ~~أن نسمع كلمة الرفيق الذي كان لرياسته الفضل في بلوغ الغاية المظفرة وهي إنتاج 114 في ~~المائة، الرفيق كرافتشنكو!» # نهضت ولم أشر أبدا إلى إنتاج يونيو، بل جعلت أتحدث عن المشكلات التي تنتظرنا في طريقنا، ~~وضرورة بذل المجهود المنظم المطرد، وشكرت العمال على ما صنعوه، وأكدت أن فورة واحدة من ~~فورات المجهود لا تكفي؛ لأن الإنتاج لا بد له من الاستمرار، وقوبلت بتصفيق حاد وتركت المنصة ~~شاعرا بأن بعض المستمعين - على الأقل - قد أدرك ms508 ما أردت أن أقول . # وختم الاجتماع بأن قدم ممثل الحزب في الإقليم راية حمراء لمصنعي تقديرا له، وتسلمت منه ~~الراية بغير ابتسام، ولما عاد أعضاء الكتيبة إلى موسكو، قابلوا الرئيس على مرأى من مندوبي ~~الصحف هذه المرة أيضا، وقد ظفر هؤلاء الأعضاء بأوسمة وامتلأت جيوبهم بالمكافآت المالية، ~~وخصصت صحيفة «في سبيل التصنيع» صفحة كاملة لمعجزة مصنع الأنابيب الجديدة، وكتبت صحف أخرى في ~~افتتاحياتها عبارات المدح والثناء، وكانت برقيات الثناء لا تزال تنهال علي حين قذفت في ~~البريد بتقريري إلى «لازار كاجانوفتش». # ومضت أسابيع قلائل بعد ذلك، فانتحلت عذرا للذهاب إلى موسكو آملا أن أجتذب إلى جانبي ~~رياسة صناعة الأنابيب فيما خشيت أن ينفجر دويه في البلاد من فضيحة وطنية، فأما ~~«كوزفنكوف» فلم يخف استياءه مني؛ لأن سيرته في منصبه كانت في خطر بوصفه عضوا من مدبري ~~المؤامرة. # قلت له راجيا: «حاول أن تفهم وجهة نظري، كيف أستطيع مواجهة العمال وهيئة المهندسين إذا ~~ما عرفوا جميعا أو إذا ما داخلهم الريب أن النصر العظيم لم يكن إلا أكذوبة كبرى؟ إنك على ~~يقين أننا في الأشهر القادمة لن نستطيع أن نساير هذا الرقم القياسي المصطنع، إذن فلن يفيد ~~العمال شيئا، فما معنى هذه الحركة كلها؟» # فأجابني في برود: «هون على نفسك يا فكتور أندريفتش، إن موقفك هذا - اسمح لي أن أقول - ~~غاية في السذاجة، فينبغي في مثل هذه الأمور أن ترمي ببصرك إلى بعيد، إن الحزب إذا ما رأى ~~ضرورة الترويج لضرب معين من ضروب النشاط - وهذا الضرب هو في هذه الحالة الحركة ~~الإستاخانوفية - أصبح من الضرورات السياسية أن يتم هذا الترويح الذي تبرر الغاية فيه كل ~~وسيلة، فجزعك الآن لا معنى له.» # فأكدت له قائلا: «لقد أخطأت، فيستحيل أن نبني على أساس الأكاذيب؛ لأنها قمينة أن ترتد ~~إلى نحورنا.» # هنا كاد كوزفنكوف يفقد زمام صبره. ~~- «سأسدي إليك نصحا يا رفيقي كرافتشنكو، أمسك عن الكلام في هذا الموضوع وإلا أوذيت في ~~سبيلك.» # عندئذ قصدت إلى محرر «في سبيل التصنيع» الذي تظاهر بالجزع ms509 حين بسطت أمامه حقائق التدليس ~~الذي حدث، واستحثني على كتابة مقال قبل مغادرتي موسكو، ففعلت ما أراد، وأرسلت نسخة من ~~المقال إلى صحيفة برفدا، لكني لم أسمع قط شيئا من هذه الصحيفة أو تلك، كما لم أسمع كلمة من ~~كاجانوفتش. # ولما عدت إلى المصنع وجدت العمال ورؤساءهم والطبقة الدنيا من المهندسين في حالة امتعاض ~~شديد، ودار بينهم نقاش كثير حول المكافآت التي صرفت، فهؤلاء الناس كانت تدفع لهم أجورهم ~~على أساس الكمية التي أنتجوها وفقا لما تقرره القواعد الرسمية لذلك، ولما كانوا لم ينتجوا ~~في الواقع إبان ذلك الشهر أكثر من إنتاجهم العادي، فقد كان جزاؤهم الوحيد قسطا من الضجيج ~~وشطرا من الراية الحمراء، أما الموظفون الإداريون بما في ذلك «أوسادشي» وأنا نفسي، فقد ~~تقاضوا مكافآت لا بأس بها، إذ تقاضى كل منا مائة وخمسين في المائة من مرتباتنا الأساسية، ~~فلو أضفت هذه المكافأة إلى مرتبي عن شهر يونيو، كان مجموع ما تقاضيته عن ذلك الشهر أربعة ~~آلاف روبل، وهو جزاء طيب لأكذوبة كنت أحاول عبثا أن أكشف عن سرها. # وتردد في جنبات برفورالسك صدى ما بذلت في موسكو من مجهودات، فثارت نفوس أولي الأمر هناك ~~بالغضب الشديد، فاتهموني في اللجنة المحلية بحضور بارشين ضابط القسم السياسي، ولهذا ما له ~~من مغزى؛ اتهموني أمام تلك اللجنة «بالإساءة إلى سمعتهم» وإلا فلماذا أحاول خلق مشكلات لهم ~~جميعا؟ لماذا أحاول «أن أشعل نارا قد خمد بالفعل أوارها؟» # ومضت شهور قبل أن ينسى هؤلاء الموظفون وقبل أن ينسى زملائي في المصنع ما قدمت إزاءهم من ~~«خيانة» بحيث عادوا فابتسموا لي من جديد، لكني لم آسف قط لما فعلت، فمهما يكن من أمر ما ~~حدث، فقد كانت صحيفتي بيضاء، والواقع الذي لا تشوبه شوائب الهوى، هو أنه لم يحدث شيء، إذ ~~اشترك في هذه الفعلة التهريجية عدد كبير جدا من كبار الموظفين ذوي النفوذ، وأصبح «النصر ~~العظيم» تاريخا يروى رواية الحق الصحيح. # كان نشر «تاريخ جديد للحزب الشيوعي» عام 1938 بمثابة إسدال الستار على ms510 حركة التطهير ~~الأعظم. # ولست أقصد بهذا أن الإرهاب قد امتنع، وأن عربات الأفاعي السود قد بطل استخدامها، فالقبض ~~«العادي» على ألوف الناس، والإعدام بغير محاكمة، والنفي التعسفي «للعناصر البغيضة» الذين ~~كانوا بحاجة إلى عملهم في الأقاليم النائية المهجورة، وألوان التعذيب ومحاكمات التفتيش، كل ~~ذلك ظل قائما كما كان، بل تضاعف عدد معسكرات الاعتقال وجماعات السخرة على نحو لم نعهده قط ~~من قبل، فكنت تسمع من الشيوعيين المتصلين بعرش الكرملن همسا بأن عدد من يسخرون كالعبيد قد ~~زاد على خمسة عشر مليونا، وسيبلغ العدد عشرين مليونا في السنوات القليلة القادمة. # إنما الذي قصدته بقولي هو أن الحملة الخاصة التي شنوها لتطهير الحزب وهيئة الحكم عقب ~~اغتيال «كيروف» قد أوشكت على نهايتها، فما كنت لترى مكتبا واحدا أو مشروعا واحدا، وما ~~كنت لتصادف هيئة ثقافية أو اقتصادية واحدة، وما كنت لتجد قسما واحدا من أقسام الحكومة أو ~~الجيش أو الحزب، إلا وجدت زمامه قد ألقي في أيد تكاد أن تكون كلها مستحدثة، فلو فرضنا أن ~~غازيا أجنبيا تسلم مقاليد الحياة السوفيتية ونصب أعوانه في مراكز الإدارة كلها، لما كان ~~التغيير الناشئ عن مثل هذا الانقلاب أشمل ولا أقسى من التغيير الذي أحدثته حركة ~~التطهير. # إن العالم الخارجي لم يدرك قط مدى ما عانته البلاد من فزع، بل ربما كان ذلك الفزع أوسع ~~مدى من أن يتاح للعالم إدراكه بأية وسيلة من الوسائل، فقد كانت الروسيا حومة بعثرت في ~~أرجائها جثث القتلى، وانتثرت في أنحائها حظائر حبس فيها الملايين ممن ساء حظهم من «سجناء ~~الحرب» فأخذوا يشقون هناك بعملهم ويعانون الآلام ويلاقون الحتوف، ولكن أيمكن لعين الخيال أن ~~تمتد لترى كل هذا المدى الفسيح؟ إن كل ما يستطيعه الإنسان هو أن يرسل بصره إلى هذا الركن أو ~~ذاك، ثم يعمم الحكم بناء على هذه الأجزاء، ولقد استطعت أن أظفر من الكرملن على أرقام رسمية ~~قليلة لا تصور الواقع كله، لكنها تدل بعض الدلالة على مدى ما امتد إليه ذلك الواقع ومقدار ~~فداحته. # لم ms511 يبق من أعضاء مجلس «وزراء » الشعب إلا «مولوتوف»، وأما الباقون فقد أصابهم القتل أو ~~السجن أو الطرد، واللجنة المركزية للحزب - التي تعد نظريا قلب الهيئة الحاكمة ورأسها ~~المفكر، والتي تتألف من مائة وثمانية وثلاثين عضوا - لم يبق من هؤلاء إلا نحو عشرين عضوا ~~بعد أن تمت حركة التطهير الأعظم، وأما اللجنة التنفيذية المركزية التي يصفونها في الخارج ~~أحيانا بقولهم: إنها «برلمان» الروسيا، والتي قوامها سبعمائة وسبعة وخمسون عضوا، فلم يبق ~~من أعضائها بعد العاصفة إلا بضع عشرات من الأعضاء. # ثم كان الخراب أعمق فداحة فيما يسمونه «بالجمهوريات» المستقلة أو الأقاليم القائمة على ~~حكم نفسها بنفسها، فتستطيع أن تقول بغير استثناء: إن رجال الحكومة وأعضاء الهيئات الحزبية ~~قد انمحوا على بكرة أبيهم بأوامر موسكو، وذلك دليل كاف على مدى استقلالها المزعوم، وقل مثل ~~ذلك في الصناعة والهيئات الهندسية الفنية، والفنون والتعليم والصحافة وقوات الجيش، فكل ~~هاتيك الجوانب قلبت رأسا على عقب وقتل زعماؤها وخيرة رجالها الموهوبين رميا بالرصاص، أو ~~زجوا في السجون أو طوح بهم في مطارح النفي، أو جردوا من نفوذهم على أحسن ~~تقدير. # إن المستعرض للحوادث ليغريه أن ينظر بين أكداس الأهوال إلى الضحايا البارزين ذوي المكانة ~~الممتازة، مع أن الذبائح قد امتد نطاقها بحيث شملت سكان البلاد جميعا، فالحزب الحاكم ~~طرد من أعضائه وطالبي العضوية فيه مليون وثمانمائة ألف، أي أكثر من نصف المجموع، وكان ~~الطرد في معظم الحالات معناه معسكر اعتقال أو ما هو أسوأ من ذلك حالا، وقضي في أمر ~~ثمانية ملايين على الأقل غير هؤلاء، من أعضاء هيئات الشباب الشيوعية ومن غير المنتمين ~~للحزب؛ فكل من هؤلاء قد أصابه موت أو نفي أو طرد من منصبه. # وهذه الأرقام على جسامتها لا تلخص المأساة تلخيصا وافيا، فهي أرقام جسيمة حقا، لكنها ~~أرقام باردة، بل إن جسامتها في ذاتها تخلع عليها شيئا من الخيال غير الواقع، فعليك أن تفكر ~~في هؤلاء الضحايا بغير لغة الأرقام التي لا تعني ناسا من البشر، بل على أنهم أفراد، وعليك ~~أن ms512 تتذكر أن كل فرد من هؤلاء الأفراد الكثيرين له أقاربه وأصدقاؤه وأبناؤه ممن كانوا ~~يشاطرونه آلامه، وأن لكل فرد منهم آماله وأمانيه وأعماله التي يصيبها الهدم والتحطيم، هذه ~~إحصاءات لمؤرخ الغد وللعالم الاجتماعي اليوم، أما بالنسبة لي - أنا الذي عاش في غمرتها - ~~فهذه الأرقام لها عندي أبدان وعقول وأرواح، كل منها أصيب بالأذى أو بالاعتداء أو ~~بالإذلال. # بل إني لأعلم فوق ذلك أن ملايين ممن تخلصوا من التطهير قد أصاب عقولهم خلل ونفوسهم أذى ~~لما صادفهم من مخاوف ومفازع وحشية عاشوا خلالها، ولست أعلم في التاريخ البشري كله ما يقرب ~~في مداه ما بلغه هذا الاضطهاد العنيف المدبر الذي اكتوى بناره عشرات الملايين من الروس ~~بطريق مباشر أو غير مباشر، إن جنكيز خان لم يكن بالقياس إلى ستالين إلا بمثابة الهاوي إذا ~~قيس إلى المحترف، أو المبتدئ اللاهي إذا قورن إلى من مهر في صناعته، إن عصابة الكرملن قد ~~أثارتها حربا شعواء على بلادها وعلى بني وطنها. # كان ظهور هذا التاريخ الجديد دالا على ختام تلك الحرب الطويلة، وإن هذا التاريخ لوثيقة ~~قد لا يكون لها مثيل سابق، فقد روجع فيه نصف قرن من تاريخ الروسيا مراجعة جريئة لا تعرف ~~الحياء، بل لا تكلف نفسها عناء التعليل لما تقول، ولست أريد بهذا أن أقول: إنه تاريخ كل ما ~~فيه من عيب هو أنه زيف بعض الحقائق أو أنه فسر الحوادث تفسيرا جديدا، بل أريد أن أقول ~~إنه قلب التاريخ رأسا على عقب، وحذف حوادث حذفا وأضاف أخرى اخترعها اختراعا، وحرف الماضي ~~القريب - وهو ماض لا يزال حيا في ذاكرات الملايين - بحيث صبه في صورة جديدة مهوشة ليتفق ~~مع تفسير الحوادث كما ظهر في محاكمات التطهير الدموي، وفي الدعاية التي سايرت تلك ~~المحاكمات. # جاء هذا التاريخ بمثابة القصة الخيالية الجريئة في خيالها التي لم يكن للضمير أو الحقائق ~~ذرة من اعتبار عند كاتبيها، ولا شك أن فيها ما يروع ويبهر وهو ما يشيع فيها من روح السخرية ~~ومن تحد لسلامة إدراك ms513 الشعب الروسي، ففي هذه القصة شاهت أعمال الزعماء البارزين أو ~~محيت محوا واختلقوا لهم مكانها أعمالا أخرى، فهذا «ليون تروتسكي» الذي كان أحد ~~المنشئين للجيش الأحمر، صوروه في صورة الخائن المنجوس الذي أخذ يعين الرأسمالية الأجنبية، ~~وجاهد في سبيل بيع بلاده، وكان معه في ذلك «رايكوف» و«بخارين» و«زينوفيف» و«كامنيف» ~~و«ببنوف» و«كرستنسكي» و«بياتاكوف»، وإن شئت فقل كل آباء الثورة البلشفية، وبالطبع خلصوا إلى ~~نتيجة أن «جوزيف ستالين» كان هو الزعيم الأوحد في الروسيا قبل الثورة، وأنه الرجل الوحيد ~~الذي صادق لينين صداقة حميمة جعلته موضع ثقته بعد الثورة، واختفت من البلاد كلها كافة الكتب ~~والمقالات والوثائق ومعروضات المتاحف التي كان من شأنها أن تناقض هذا الخيال الشاطح العجيب ~~الذي نحلوه وقالوا: إنه التاريخ، ومعنى ذلك أن اختفى معظم المطبوعات والوثائق التاريخية ~~والسياسية. # ثم حدث ما هو أكثر من هذا، وذاك أن أزيل من الوجود كل الشهود الأحياء. # فأزيل أصحاب الرأي والتدبير في معهد «ماركس» و«إنجلز» و«لينين» في موسكو، وهم الذين ~~اختزنت رءوسهم نظريات الثورة على حقيقتها، ثم أخذوا أبرزهم وسجنوهم أو قتلوهم رميا ~~بالرصاص، وكذلك حدث شيء كهذا في فروع المعهد في كافة أنحاء البلاد، ولقد شاءت لي المصادفة ~~أن أعلم علم اليقين قصة واحد من أعلامهم البارزين في المعهد، وهو الأستاذ «سورين» وهي قصة ~~يخيل إلي أنها تلخص كل هذا العهد القذر المفجع، عهد الأكاذيب والأباطيل. # كان «سورين» قد وجه إليه اتهام علني من ستالين؛ لأنه لم يخش أن يكتب قائلا: إن ~~«دكتاتورية الشعب» لم تكن في الروسيا سوى «دكتاتورية الحزب»، ثم «اعترف» المجرم «بأخطائه»، ~~فنصبه ستالين واحدا من أعوانه في انتحال الأكاذيب عن نظرية ماركس، وجعل يطبخ له الخطب ~~والمقالات التي يذيلها ستالين باسمه، ثم جعله مساعدا لمدير معهد «ماركس- إنجلز-لينين» حيث ~~أخذ يبحث في نشاط عن الوثائق والشواهد التي تؤيد أية سياسة شاء ستالين أن يفرضها على ~~البلاد، وبهذا عاش «سورين» هانئا سعيدا فيما يظهر. # لكن بلغ الأمر حدا لم يعد «سورين» المذعن بعده يصبر على إذعانه، نعم، إنه ms514 لم يمانع أن ~~يجد لهم ما شاءوا من نصوص، لكنه فرق بين «تلفيق» النصوص وبين «تزييفها»؛ لذلك جاءت إحدى ~~عربات القسم السياسي ذات ليل من ليالي الشتاء إلى مسكن الأستاذ سورين، وكان مسكنا جميلا، ~~وحملته إلى حيث لم يعد، ولم يبق له أثر، وأخرجت زوجته وابنه من البيت حيث تركا ليلتمسا ~~سبيلا إلى مسكن آخر، وشحنت كل كتب الأستاذ ووثائقه ومذكراته في عربة إلى مركز القسم ~~السياسي. # وكذلك سجنوا غير «سورين» من أساتذة المعهد الذين كانوا أدق علما بتاريخ الشيوعية وآرائها ~~النظرية من أن يغضوا عن الشروح الخاطئة لتلك الآراء، وكان بين من سجن رئيس إدارة المعهد ~~«أدوراتسكي»، كما قبض على «ستتسكي» مدير قسم الدعاوة في الحزب وألوف غير هؤلاء من «جبهة» ~~المؤرخين ورجال السياسة والأدب، قضي عليهم بأن يسيروا في الطريق الواحدة التي تنتهي ~~بصاحبها إلى النسيان الأبدي، وهكذا أزيلت عن الطريق كل عقبة عساها أن تعرقل تزييف الحقائق ~~تزييفا لا يقف عند حد، وبذلك أصبح «التاريخ» الجديد في أعين الناس صورة جائزة ~~الوقوع. # ولكي يغوصوا بهذه الوصمة إلى أعماق عقولنا، جعلوا «دراسة» هذا التاريخ في صورته الجديدة ~~فرضا لازما على كل مسئول من أعضاء الحزب، فكانت دروس التاريخ تلقى كل ليلة تقريبا من ~~ليالي ذلك العهد، وكان يأتي إلى مدينتنا محاضرون من سفردلوفسك ليعينوا على غرس هذه الأكاذيب ~~في نفوس السامعين، بينما كانت كثرتنا الغالبة تغلي من الغيظ، هكذا أذلوا كل ما عسى أن يكون ~~قد بقي في نفوسنا من آثار الكرامة الإنسانية، وإن أضخم أكذوبة لقمينة أن تمتد بجذورها في ~~العقول إذا ما اطرد تكرارها، هذه حقيقة أدركها ستالين قبل أن تنكشف لهتلر، ونظرت فإذا بأبشع ~~الأباطيل تفرض على الناس بادئ ذي بدء بتأثير الضغط والقوة، ثم تصبح «حقائق» لا يأتيها ~~الباطل، وخاصة بالنسبة للناشئين الذين لم يكن في تجارب حياتهم ما ينقض لهم صواب هذه الحقائق ~~فينغص عليهم هدوء العيش. # وإن ما يعني العالم الخارجي بصفة خاصة من هذا التاريخ الزائف لهو الإرشاد الذي ذكروه في ms515 ~~مقدمة الكتاب، والذي جاء فيه: «إن دراسة تاريخ الحزب الشيوعي من شأنها أن تقوي يقيننا ~~بالنصر النهائي الذي سيكلل مجهودات حزب «لينين-ستالين» وهو نصر للشيوعية في العالم كله»، ~~فعلى الرغم من الاتجاه الجديد الذي يتجهونه نحو القومية الروسية، فهذه المقدمة التي تعلن ~~الأمل في الشيوعية العالمية لا تزال في صدر الكتاب، بل إنهم حين زعموا أن «الشيوعية ~~العالمية» قد أقلع عنها إقلاعا تاما، لم يشاءوا أن يراجعوا أو يتخلوا عن رأيهم في ثورة ~~ستالينية عالمية، وإذن فهذا التاريخ لا يزال تاريخا رسميا، لا بالنسبة للشيوعيين في ~~الروسيا وحدها بل كذلك بالنسبة للشيوعيين في أمريكا وإنجلترا والصين وغيرها من بلاد ~~الأرض. # ولقد كلفوني ذات مرة أن ألقي «محاضرة» في إحدى مراحل هذا التاريخ الذي يؤرخ للحزب، ~~على أعضاء الحزب المسئولين في إقليم برفورالسك، وبالطبع لعبت دوري في هذه المهزلة؛ لأن ~~الأمر صدر لي من اللجنة المحلية فلم أملك رفضه، وكان موضوع محاضرتي هو «الحزب الشيوعي في ~~نضاله نحو تحويل الزراعة إلى جماعات اشتراكية»، فحظفت عن ظهر قلب عبارات تلائم الموضوع ~~اقتبستها من التاريخ الرسمي، وقرأت خطب ستالين في الموضوع، ثم وقفت في قاعة مليئة بالناس ~~وجعلت ألقي عليهم أكاذيب مدة تزيد على ساعة تنفيذا للأمر. # كانت كل أكذوبة نطقت بها تفتق الجروح التي لم تكن قد اندملت بعد، الجروح التي أثخنتها ~~في حياتي الماضية إبان حملة «المزارع الجماعية» وما أعقبها من مجاعة، لقد طاف برأسي خاطر ~~وأنا ألقي تلك الأكاذيب، وهو أنني إنما أسخر من أولئك الأطفال ذوي البطون المنتفخة الذين ~~كنت أراهم حولي أيام أن كنت أعمل في الريف، وأنني أهزأ بالجثث التي رأيتها مكدسة أكواما في ~~القرى، ولم يخامرني شك إذ كنت ألقي خطبتي أن الحاضرين كانوا يعلمون كذلك أني أفتري كذبا، ~~فكانت كلماتي وتصفيقهم زيفا في زيف، وكنا جميعا ممثلين يلعبون أدوارهم المقررة لهم في ~~المهزلة السياسية المفجعة. # فلماذا استسلمت واستسلم الحاضرون لهذه المهانة؟ للسبب عينه الذي يجعلك تناول كيس نقودك ~~إلى قاطع الطريق الذي يصوب نحوك غدارته، ms516 فيا أيها الناس خارج البلاد الروسية، يا من تنعمون ~~بحقوقكم البشرية، حذار من ازدراء الروس إذا ما سمعتم أنهم يضطرون إلى «المحاضرة» كما فعلت ~~أنا، أو أنهم يضطرون إلى التصفيق كما فعل من كانوا يستمعون إلى محاضرتي. # كان الدعاة الرسميون يعتمدون في نشر دعاوتهم على «تربية» الحزبيين وغير الحزبيين بما يتفق ~~مع هذا التاريخ الملفق المنحول، كما كانوا يعتمدون إلى جانب ذلك على ناحيتين أجنبيتين لهما ~~كل الأثر: أولاهما وصف مشوه ناقص للحياة في البلاد الرأسمالية وبخاصة في الولايات المتحدة ~~وإنجلترا، فكنت ترى المحاضر يعرض على مستمعيه صورا مجذوذة من الصحف تبين العمال المضربين ~~ورجال الشرطة يضربونهم بالهراوات، أو تبين المتظاهرين من المتعطلين وقد صوبت عليهم ~~خراطيم الحريق تغرقهم بمائها، أو تبين جماعات الشعب وقد ألقيت عليهم قنابل مسيلة ~~للدموع، وكانت هذه الصور التي تعرض على الناس على أنها صورة دقيقة كاملة للرأسمالية، ~~تترك في النفوس أعمق الأثر؛ لأنها كانت توهم بأنها مستندة إلى مصادر وثيقة، معتمدة على ~~شواهد ثابتة، صحيحة لا يأتيها الباطل. # وثانيتهما ذكر هجمات الأعداء الأجانب على اتحاد السوفيت، هجمات يكيلون فيها الإهانة ~~والاحتقار للشعب الروسي، فهذه الهجمات النقدية لا يفرق أصحابها بين الشعب الروسي وبين ~~النظام السوفيتي؛ ولذلك كانت تثور في صدور الناس كرامتهم الإنسانية وعزتهم القومية في آن ~~معا. # ومما يستحق الذكر كذلك من نتائج التطهير الأعظم، أن كل شيوعي كان يحمل تذكرة الحزب التي ~~تكون له بمثابة جواز المرور أو شهادة بحقه السياسي، وكان ذلك الدفتر الصغير يحتوي على ~~معلومات شخصية عن حامله كما يحمل على غلافه إمضاءات موظفي اللجنة المحلية للحزب الذين ~~أصدروه، فلما كان معظم القادة من موظفي الحزب قد أصابهم التطهير، قيل: إن معظم الشيوعيين ~~يستندون في عزة موقفهم على شهادة أعداء الشعب، ولم يحتمل الكرملن أن يسمع هذه الإشاعة بما ~~فيها من سخرية لاذعة، فصدرت الأوامر أن يعاد تسجيل الشيوعيين في أواخر عام 1938م بغية ~~القضاء على كتابة هؤلاء الذين لاقوا حتوفهم أو زجوا في السجون، والقضاء على ما لهم ms517 من ذكرى، ~~فصدرت تذكرات جديدة لمن كانت تذكراتهم موقعا عليها من «أعداء الشعب» الذين تناولهم ~~التطهير. # وسرعان ما تحولت هذه العملية إلى تطهير جديد، وإن يكن تطهيرا أصغر؛ لأن كل شيوعي كان ~~عليه أن يظهر أمام لجنة مكونة من ثلاثة أعضاء، لتستجوبه في شئونه استجوابا دقيقا، أضف إلى ~~ذلك أن التذكرات الجديدة لم تعد بالبساطة التي كانت عليها من قبل، إذ تطلبوا هذه المرة ~~صورا شمسية، وفضلا عن ذلك فقد أعد لكل شيوعي دفتر صغير من نسختين يحتوي على معلومات عن ~~سيرة حياته وعن أوجه نشاطه وما نال من جزاء أو عقاب، وكانت إحدى النسختين تحفظ في اللجنة ~~المحلية التي يتبعها العضو، والأخرى ترسل إلى موسكو لحفظها في اللجنة المركزية، وبهذا اتخذ ~~الوضع في جملته شكل وثائق التحقيق التي تستخدمها الشرطة أكثر منه تسجيلا لأعضاء هيئة ~~سياسية، فقد أسقطوا من حسابهم كل ما يدل ولو ظاهرا على أننا أعضاء جمعية واحدة من الرفقاء ~~اجتمعوا بمحض اختيارهم. # وخشية أن يكون الوهم لا يزال يزين لأحد ما ليس بواقع في هذا الصدد، صدر قانون جديد يحتم ~~على العضو الذي يريد أن يغادر مدينة أو إقليما ليقيم في مدينة أخرى أو إقليم آخر - حتى لو ~~كان الانتقال بأمر من هيئة عليا - أن ينتظر أولا حتى تتخذ اللجنة المحلية قرارا رسميا ~~يبيح له هذا الانتقال، وإذن فقد أصبح الحزب الحاكم في حقيقة الأمر سجنا آخر، سجنا زود ~~بوسائل الراحة وبآلاف المزايا التي لا يتمتع بها نزلاء السجن الأكبر الذي يسمى الروسيا، ~~لكنه مع ذلك سجن بكل ما يعنيه هذا اللفظ. # وحدث ذات يوم شعرنا فيه بأول أنفاس الشتاء في الأورال، أن أنبأني كاتم السر دفبنكو بأنني ~~سيكون لي شرف القيام بمهمة كبرى في «الانتخابات» القادمة لمجلس السوفيت الأعلى؛ ذلك أن ~~اللجنة المركزية للحزب قد انتخبت الرفيق «كوزمين» ليكون مرشحا في الانتخاب عن إقليم ~~برفورالسك لعضوية السوفيت الأعلى، وإنه لحسن حظي قد وكل إلي أن «أرشح» هذا الرجل بصفة ~~رسمية في اجتماع عام للناخبين. # فسألته: ms518 «ولكن لماذا أرشح كوزمين؟ إنه لم يقم قط في هذا الإقليم ولا يعرفه أحد، إنه بحكم ~~كونه نائبا لرئيس الصناعات الثقيلة يقيم ويعمل في موسكو، أضف إلى ذلك أني لا أكاد ~~أعرفه.» # لكن اعتراضاتي صادفت أذنا صماء، فما دام مصنعي يحتل الآن مكانا من انتباه الرأي العام ~~لظفره بالراية الحمراء، إذن فأنا الرجل المناسب لتقديم «كوزمين» للناخبين أصحاب السيادة، ~~وبالطبع لن يكون في الإقليم مرشح سواه، فليس مما يجول قط بخاطر إنسان كائنا من كان أن يكون ~~للمعارضة مرشح ينافس مرشح الحزب، فذلك أمر لم يسمع به قط أبناء الجيل الجديد. # وزودوني بملف أوراق فيه معلومات عن الرجل الذي سيكون مرشحي أنا، فعكفت عدة ليال على ~~دراسته لأعد خطبة الترشيح التي أثنيت فيها على كوزمين بعبارات التهريج السوفيتي المكرورة ~~المعادة، فقلت: إنه «ابن حقيقي للحزب وللشعب» لما قدمه من خدمات للثورة وما أبداه من الولاء ~~للزعيم، وقرأ «دفبنكو» وزملاؤه مخطوط الخطبة وأجروا فيها بعض تعديلات، ثم أعربوا بعدئذ عن ~~قبولهم إياها. # وبعد ذلك بأيام وصل رتل من السيارات الأنيقة أمام مصنعنا، وخرج من سيارته «مرشحي» الذي لم ~~أكن قد سمعت بوجوده إلا على صورة غامضة قبل ذلك الأسبوع، وكان يحيط به حراسة من رجال الشرطة ~~السرية وأتباعه من رجال الحزب، كان «كوزمين» يستوقف النظر بمظهره، فهو قوي البنية ولم يحلق ~~لحيته ذلك اليوم، وملابسه رثة خلقة، وكان في قميصه الروسي المرقع عند الرقبة، وعلى رأسه ~~طاقية العمال وفي قدميه حذاء الجيش الأحمر، واختصارا فقد جاءنا متنكرا في قناع رجل من ~~غمار الشعب! # فاستنكرت منه هذا التقنع الهازل واحمر وجهي خجلا حين طاف في رأسي أنني شريك في هذا ~~الخداع، ولما بلغت الساعة الرابعة، التأم اجتماع الناخبين في الميدان الرئيسي في برفورالسك، ~~وجاءت وفود من كل المصانع المجاورة، يحملون راياتهم في أيديهم، وأقبلت كتائب من الشباب ~~الشيوعي ينشدون بأصواتهم الشابة أناشيد حماسية، نشر فوق المنبر قماش أحمر، وزينت المنصة ~~بصور «ستالين» و«مولوتوف» و«كالنين» و «فورشنوف» وغيرهم، وجلست أنا على المنصة مع ms519 «دفبنكو» ~~و«أوسادشي» و«كوزمين» وغيرهم من علية القوم، وعزفت فرقة موسيقية نشيد الشيوعية الدولية ~~وغيره من الترانيم. # ولما آن الوقت المضروب ألقيت الخطبة التي أعددتها ومدحت «كوزمين» قائلا: إنه «صفوة ~~الصفوة»، فهتف الشعب وعزفت الموسيقى عزفا قويا لتدل على القبول، وقام بعدي آخرون وألقوا ~~خطبا مما تعودتها الأسماع، وأخيرا نهض «كوزمين» وخطا إلى الأمام خطوة ليشكر الناس على ~~«ثقتهم» به ويؤكد لهم إخلاصه في خدمتهم «إذا هم انتخبوه». # وختم كلامه قائلا: «ليحي رأس الحزب وقلبه وقوته، ليحي رأس الشعوب السوفيتية وقلبها ~~وقوتها، زعيمنا ورائدنا المحبوب الرفيق ستالين!» وهنا عزفت الموسيقى مرة أخرى لتضيف إلى ~~التصفيق قوة على قوة. # وبينا نحن نغادر المنصة في طريقنا إلى العشاء الرسمي الذي أعد لكبار الموظفين، أمسك ~~«كوزمين» بيدي وقال: «لقد أجدت في كلمتك يا رفيقي كرافتشنكو، فشكرا ثم شكرا، لا بد أن ~~تزورني إذا ما جئت إلى موسكو، وسيسرني دائما أن أقدم لك بعض المعونة.» # ولم يسعني أن أتغافل عن ملاحظة أظفاره وأنا أصافحه، فقد كانت مزينة أجمل الزينة. # وسرعان بعد ذلك ما ألجأتني ظروف العمل إلى الذهاب إلى موسكو، وكان في وسع «كوزمين» أن ~~يعاونني في مهمتي إذا أراد، وذهبت إليه لأجد مكتبه ذا غرف فسيحة فاخرة الأثاث، ولم أستطع ~~لقاءه إلا بعد طول انتظار مما أثار دهشتي، حتى إذا ما دخلت غرفة مكتبه آخر الأمر، رأيت ~~رجلا لا يكاد يشبه في شيء ذلك الصعلوك الذي رأيته واقفا على المنصة في برفورالسك، فكان ~~يرتدي حلة أوروبية ورباط رقبة ناصع اللون، ولم أجد أقل أثر يدل على إهمال في ثيابه ينم على ~~تبعيته لغمار الناس، كلا لم أجد أقل أثر من ذلك في هذا السياسي الذي أسمنه حسن الغذاء، ~~والذي عني بتمشيط شعره وتجميل وجهه مما جعله نموذجا للسياسي في بلادنا. ~~- «ماذا تريد يا رفيقي؟ من أين جئت؟» قال لي ذلك بصدر ضيق إذ هو ينظر إلي نظرات ~~باردة. # فتبينت وقتئذ - والدهشة ملء نفسي - أنه قد نسي نسيانا تاما الرجل الذي أيده وقدمه إلى ~~«دائرته ms520 الانتخابية»، فكان ذلك عندي بمثابة اللمسة الأخيرة التي لمستها أنامل الفنان في ~~صياغة المهزلة، مهزلة الحزب الواحد والمرشح الواحد في الانتخابات التي تتم في ظل «أكثر ~~دساتير العالم إيغالا في الروح الديمقراطية». # لم أذكر لك إلا قليلا عن حياتي الخاصة في الأورال، وقبل ذلك في تاجانرج ونيقوبول، وأحس ~~هذا النقص في نفسي أنا، فكأني بالقارئ يسأل: «أيكون مديرو الصناعة من السوفيت - إذن - مجرد ~~آلات وليس لهم حياة خاصة بهم؟» # ولو أني أجبتك بالإيجاب لكنت مسرفا، فنحن الروس شعب يحب الاجتماع وتملأ العواطف قلوب ~~أفراده، وهم يثرثرون بالحديث، وسرعان ما تشتعل في نفوسهم روح الود والصداقة حتى لكأننا نضع ~~قلوبنا على أكمامنا، ولست ممن لا تنطبق عليهم هذه القاعدة. # والحق أني صادقت عشرات الناس بل مئاتهم إبان تلك السنين، ولا يغيبن عن ذهن قارئي أني كنت ~~شخصا له منزلته؛ لأني كنت من صفوة رجال الحزب، فكان في قدرتي أن أنفع، كما كان في بيتي ~~وفرة من الطعام ووسائل الراحة مما كان يتحرق له الناس كلهم شوقا - إذا استثنيت نفرا ~~قليلا - نعم إن مستوى معيشتي كان متواضعا بل خشنا غليظا إذا ما قورن إلى من هم في مثل ~~منصبي في أمريكا، لكني مع ذلك كنت في نيقوبول وتاجانرج وبرفورالسك بل وفي موسكو من الارتفاع ~~في مستوى العيش عن طبقة العمال بحيث خيل إلي أني أعيش في عالم وحدي، وما أقل بين هؤلاء ~~الذين كانوا يحسدون سادتهم الجدد الذين يتقاضون أجورا كبيرة، أو الذين تتاح لهم نظرة سريعة ~~يعلمون منها ما نحن فيه من عيش فاخر كئيب، أقول: ما أقل بين هؤلاء من كان يعلم فداحة الخوف ~~وانعدام الحرية الشخصية والاستقلال المهني الذي كنا نعانيه، وعدم الاستقرار فيما نحن فيه من ~~حياتنا التي يرونها ممتعة. # نعم، كونت لنفسي أصدقاء، بل كان العشق يتردد على داري آنا بعد آن مجازفا بالخطر، لكني ~~إذ أستعيد هذه الأشياء بالذاكرة، أراها من الضآلة بحيث تستثير الإشفاق بضآلتها، إن الروابط ~~الإنسانية في هذا العهد لرجل في مثل منصبي، ms521 ليس لها إلا أتفه القيمة إذ يطغى عليها فيغرقها ~~طنين العمل المتواصل وعواء كلاب السياسة التي لا تسكت عن نباحها، إن الشرر الضئيل الذي ~~يشعله الغرام لا يمكنه أن يظل على اشتعاله في عاصفة الخوف، ولم يكن منا من يشعر بالاستقرار ~~وثبات القدمين إلا قليلون، وتبدت لنا أيامنا مسرعة كأنها ظلال عابرة، تبدت لنا أيامنا ~~كأنها محطات في الطريق إلى تكليف بعمل جديد أو إلى زوال مفاجئ، فإذا ما ارتبط الواحد منا ~~بروابط الصداقة مع صديق، فإنه يحس اليأس الذي يحسه المسافرون يتلاقون لحظة قصيرة على رصيف ~~المحطة قبل أن يستقلوا قطرهم إلى وجهات مضادة. # على أن هذا لا يروي لك القصة كلها، فلئن بدت تلك الأعوام فارغة رغم ما يملؤها من ~~الحوادث الصخابة؛ فذلك لأني عشت في خلاء روحي، ولم يعد لي ما تتعلق به آمالي بعد أن فقدت ~~إيماني في «التجربة العظمى»، لم يعد أمامي سوى العمل والأمل الغامض البعيد التحقيق، أعني ~~الأمل في الفرار، فكيف يستطيع إنسان أن يحتفظ لنفسه بكرامة نفسه إذا كان المزاج المتقلب لغر ~~في موسكو، أو هوس موظف في مكتب الحزب أو مكتب الشرطة التابعين للإقليم، يكفي للقضاء على أي ~~إنسان كائنا من كان بغير إهماله دقيقة واحدة؟ كيف تستطيع أن تتعهد في نفسك الشعور بالكرامة ~~حين ترى ألوف الأعين يترصدك بها الجواسيس الغلاظ الذين كثيرا ما يكونون ذوي أنفس ~~شريرة؟ # لقد مرت بي لحظات غبطت فيها الحياة الزوجية التي كان يحياها بعض زملائي، وتساءلت ألا تكون ~~حياتي أسعد مع زوجة وأبناء، لكن سرعان ما كان يزيل عني ذلك الحسد لغيري تصوري لما لا بد أن ~~يسببه القبض من فزع مخيف للزوج والولد، وكنت في فراغ وقتي القليل أذهب إلى سفردلوفسك حيث ~~الأوبرا والمسرح، وكذلك كنت أقرأ في بعض الفراغ، أقرأ الأدب لمتعة نفسي، كما أقرأ المؤلفات ~~السياسية الاقتصادية؛ لأنها فرض واجب أمام الحزب، فليس لإنسان أن يقصر في متابعة العلم ~~بمبادئ لينين وستالين وماركس وإنجلز. # كانت أسرة «كولبوفسكي» وقوامها قنسطنطين ميخايلوفتش الذي ms522 كان في مصنعنا كبير المهندسين، ~~وزوجته الجميلة فيرا وابنتهما نينوتشكا وعمرها سبعة أعوام؛ كانت تلك الأسرة مما يثير في ~~نفسي الحنين إلى حياة زوجية عادية، لأنهم كانوا - فيما يظهر - أسرة متماسكة الأفراد تماسكا ~~طبيعيا ليس فيه الحب العنيف، حتى إنه ليستحيل عليك أن تفكر في واحد منهم دون أن يثب إلى ~~ذهنك الآخران، وكنت أزورهم آنا بعد آن، وأصبحت أدعى عند نينوتشكا الصغيرة بالعم فيتيا، ~~بما يتبع هذه العمومة العاطفية من حقوق وواجبات. # ولما ذهب «كولبوفسكي» إلى موسكو في شأن عمله قرب نهاية الصيف، طلب إلي أن أرعى له ~~أسرته، وفي الليلة السابقة ليوم عودته كانت فيرا وابنتها في منزلي يشربان الشاي ويتسليان ~~بأكل «الزاكوسكي»، وكان قنسطنطين ميخايلوفتش قد غاب ما يقرب من أسبوعين فلم تستطع أسرته ~~إخفاء الغبطة والسرور بالتئام الشمل في غد، ولم يدر الحديث إلا في هذا. # وكنت قد دعوت المدير «أوسادشي» ليمر علينا حينا قصيرا، فوصلنا بعد قليل، وحيا زوجة ~~كولبوفسكي والابنة الصغيرة تحية بدا فيها اضطرابه العصبي بعض الشيء، بل بدا فيها شيء من ~~النفور، كأنما وجودهما قد أثار في نفسه قلقا، ولم أهتم بحالته النفسية تلك وحسبتها أمرا ~~تافها ربما نتج عن متاعب العمل، لكنه سرعان ما انتحل عذرا وانفرد بي في الشرفة، وكانت ~~الليلة لطيفة الجو يعبق في هوائها عطر الصنوبر القوي الذي يفوح من الغابات المحيطة ~~بنا. # فسألني بصوت منخفض فيه حدة: «لماذا لم تنبئني أن أسرة كولبوفسكي ستكون في دارك؟» ~~- «يا له من سؤال عجيب! وما أهمية ذلك؟» ~~- «أنت لا تعرف حقيقة الأمر يا فكتور أندريفتش، فالموقف فيه ما يشبه الشذوذ، لأن كولبين ~~قال لي في تكتم شديد ...» ~~- «قال لك ماذا؟» ~~- «إن أنبأتك فلا تفش السر لأحد، وقد يكون من المستحسن أن أحيطك بالأمر علما، فسيذهب ~~كولبين وعدة من رجال الشرطة السياسية في سفردلوفسك ليلاقوا القطار السريع القادم من موسكو ~~إلى سفردلوفسك غدا، إذ صدرت لهم الأوامر أن يقبضوا على كولبوفسكي.» ~~- «هذا مستحيل! مسكينة يا فيرا، مسكينة يا نينوتشكا، لكن ما ms523 السبب؟ ما السبب؟» ~~- «أما عن السبب فلست أعلم عنه ما لا تعلمه أنت، فأنت تعرف كيف تسير الأمور ... ويحسن بنا ~~أن نعود إليهما الآن خشية أن يظنا بالأمر سوءا.» # ولم تمض إلا لحظات وتمتم أوسادشي ببعض العذر وانصرف، ولبثت فيرا ونينوتشكا بعده ساعة، ~~وكانتا زائطتين فرحتين قلقتين في انتظارهما للغد، تعدان العدة لرحلتهما بالسيارة إلى ~~سفردلوفسك. # وقالت فيرا ضاحكة: «إن قنسطنطين ليتظاهر لنا دائما بأنه لم يتوقع مقابلتنا وأنه دهش أشد ~~الدهشة للمفاجأة.» # وقالت نينوتشكا وهي تضمني من فرط سرورها: «وهل تدري يا عمي فيتيا أن أبي سيحضر لي معه بلا ~~شك عروسة جميلة وكتبا مصورة وحلوى وغير ذلك من أشياء كثيرة؟ إنه خير أب في هذه الدنيا ~~وسأهيئ له طاقة من زهرات الحقول، أنتقيها بنفسي.» # فحاولت أن أحتفظ بتماسكي وتظاهرت بمشاركتي لهما في سرورهما، حتى استنفد ذلك المجهود كل ~~قوتي، حتى إذا ما غادراني ارتميت في مقعدي مجهدا؛ لأنني تصورت ما ينتظرهما في الغد، فأحسست ~~بالطعنة حادة في فؤادي، ولم أكن لأفيدها شيئا بإنذاري لهما بما هو واقع لهما في غد، بل ~~ربما عاد ذلك بالضر على أوسادشي وعليهما وعلي جميعا. # ودق لي التليفون حول منتصف الليل: «فكتور أندريفتش، هذا كولبين يحدثك، هلا أعرتني سيارتك الفورد غدا؟ لا بد لي من الذهاب ~~إلى سفردلوفسك لأمر عاجل.» ~~- «آسف يا كولبين لأني أريدها لنفسي.» أجبته بهذا الجواب في غير مجاملة؛ لأنني لم أرد أن ~~تستخدم سيارتي لمثل هذه الغاية البغيضة. ~~- «لكن لك سيارة أخرى جديدة، أرجوك لا تخلق في الأمر إشكالا، وعلى كل حال فهذا الاتصال ~~التليفوني بك من قبيل المجاملات؛ لأني استأذنت في ذلك أوسادشي.» # فكان علمي بأن سيارتي قد نقلت ضابطا من الضباط الذين سيقبضون على صديق في المحطة، مما ~~زادني حسرة على حسرة في صباح اليوم التالي، ولم أستطع أن أبعد عن خيالي ذلك المنظر الحزين ~~حتى وأنا منهمك في العمل، ولم يكن خيالي قد شطح بعيدا عن الواقع ؛ لأن كولبين نفسه أخذ يصف ~~لي ما وقع وصفا ms524 لم يخف فيه غبطته. # وصل القطار إذ كانت الأم وابنتها منتظرتين، وكانتا ترتديان خير ما لديهما من ثياب، ~~تبتسمان في فرح، وتحملان في يديهما طاقات الزهور. ~~- «هذا هو أبي!» صاحت نينوتشكا بهذه العبارة، ثم أسرعت مع أمها للقاء كولبوفسكي ساعة ~~نزوله من القطار يحمل حقيبتيه، وكان رجلا وسيم المحيا عريض الكتفين ذا شعر كثيف أسود، ~~ولمع وجهه بابتسامة الفرح حين رأى «فتاتيه» - كما كان يسميهما دائما - تقتربان منه. # لكن توسط بين الرجل و«فتاتيه» ثلاثة رجال من الشرطة السرية في ملابسهم العسكرية ومسدساتهم ~~في أيديهم، وأبلغوا المهندس أنه مقبوض عليه، فبهت الرجل لما سمع، وأخذوا منه حقيبتيه ~~وعجلوا به إلى عربة مغلقة كانت في انتظاره، ولم يمهلاه حتى يحيي ويقبل زوجته وابنته، ~~فبكت الزوجة وبكت الطفلة بكاء بلغ بهما حد الجنون، وصاحبهما في السيارة رجل من الشرطة ~~السياسية ليفتش الدار قبل أن تتمكن «فيرا» من تغيير المعالم. # ولم يجرؤ أحد بعد ذلك على مخالطة زوجة «كولبوفسكي»، وجعل زملاء نينوتشكا يعيرونها بالقسوة ~~المعهودة في الأطفال، قائلين لها: «إن أباك عدو الشعب ولن نلعب معك بعد الآن» في صوت غنائي ~~جمعي، وإني لأذكر والألم يحز في نفسي حين كان الصغار في أيام مضت منذ أمد طويل، يعاكسونني ~~إذ كنت طفلا في «يكاترينوسلاف»؛ لأن أبي كان سجينا، وبالطبع أخرجت أسرة كولبوفسكي بعد ذلك ~~من مسكن المصنع. # كان لخبر القبض على رئيس المهندسين أثر عميق في هيئة الموظفين الفنيين جميعا، وأخذت تشيع ~~الشائعات بشتى ضروبها في أنحاء المصنع كلها، فلأني وثيق الصلة في العمل بكولبوفسكي فقد ~~توقعوا القبض علي بعد قليل، والحق أني لأعجب كيف نجوت، ولست أدري حتى يومنا هذا ماذا ~~وجهوه إليه من تهم، فعمله كان يجمع بين الإتقان والإخلاص، وكان مهندسا قبل كل شيء، فعلى ~~الرغم من أنه كان عضوا في الحزب، فقد كان لا يأبه للسياسة. # وعلمت بعدئذ أن «كولبوفسكي» قد رد له اعتباره، بعد أن قضى في السجن بضعة أشهر ، بل ~~أعيد إلى عضوية الحزب، وارتقى في مهنته رقيا عظيما ms525 حتى لقد أنعمت عليه الحكومة بالأوسمة ~~حين آن الأوان لذلك، غير أن فترة العذاب التي مر بها قد هدت منه العافية، ولم تعد له حيويته ~~القديمة كما لم يعد له فرحه السابق بالحياة. # إن الأجنبي خارج بلادنا إذا ما أراد أن يجسم سيرة الحياة الشخصية لموظف سوفيتي بحيث ~~يكسبها مظهر الحقيقة البارزة، لا بد له أن يتصور بطانة تلك الحياة في غير غموض ولا خوف، ~~وإنما قصدت البطانة التي قوامها شعب نصف جائع تكسوه الأسمال ويعاني مر العذاب ومرارة ~~الازدراء، شعب حرم حرياته الأولية سياسية واقتصادية. # قلما يمضي يوم دون أن يأتي إلي عامل أو زوجته يشكو لي فقرا أو مرضا، وكنت أبذل في ذلك ~~وسعي وإنه لضئيل ضآلة تدعو إلى الإشفاق، فكنت أوفق أحيانا إلى تحطيم الإجراءات الرسمية ~~لأظفر بزوج من الأحذية أو بحلة من ثياب العمل فأعطيها لمن يستحقها بشكل لا يحتمل إبطاء، كما ~~كنت بين آونة وأخرى أحرك رجال المستشفى تحريكا إذا ما كانت حياة طفل معرضة للخطر، لكن ~~الشرور كانت أكثر عددا وأعمق أثرا من أن يحد منها - ولا أقول يمحوها - موظفون ذوو قدرة ~~محدودة هنا وهناك، وإني إذا ما استعدت صورة الماضي، وجدت أن أسوأ هذه الشرور هو أن آلام ~~الناس كانت أمرا مفروضا كأنه ختم مكتوب ليس إلى اجتنابه من سبيل، فهو في ذلك أشبه مثلا ~~بالطين والبرد القارس اللذين يتبعان المناخ في الأورال. # وعلى الرغم من الإجراءات الرسمية التي كانت تتخذ لربط العمال بأعمالهم حتى لا تضطرب ~~فقد كان ما يحدث من قلقلة في هذا الصدد أكبر من أن يتصوره خيال، ففي مصانعي كان يختفي في كل ~~شهر من العمال البالغين نحو ألف وسبعمائة عدد يتراوح بين مائتين وثلاثمائة، ولست بحاجة إلى ~~ذكر ما كان يحدثه ذلك في استمرار عمليات الإنتاج وكفايتها من الوجهة الفنية. # ولم يكن ليحل المشكلة إلا تحسن حقيقي في ظروف العيش، فليس يدفع العامل إلى حزم متاعه ~~القليل والضرب في مناكب الأرض ليجد عملا آخر في مكان آخر إلا ms526 اليأس، فربما قال له قائل: إن ~~أسرته في مكان ما غير هذا تستطيع أن تظفر بأجر أعلى وقسط من الطعام أوفر، ومسكن أنظف تقيم ~~فيه، لكن سادتنا الجدد آثروا أن يغضوا الطرف عن الأسباب في معالجتهم للمسببات، وكانت ~~الدعاوة الحكومية تقذف بالشتائم هؤلاء المواطنين الذين يبحثون لأنفسهم عن حياة خير من ~~حياتهم، فكانت تدعوهم بالنفسيين الهاربين من جبهة العمل، وتقول عنهم: إنهم عناصر قلق ~~واضطراب، والعلاج عندها هو مضاعفة الجرعة من الدواء السوفيتي الذي لا دواء سواه لكافة العلل ~~الاجتماعية: القوة. # واتخذ العلاج صورة «دفتر للعمال» جديد نشروه بين العمال جميعا، وبدءوا في توزيعه قبل ~~منتصف يناير سنة 1939م بعدة أسابيع، ولو أن قائمة المطبوعات الرسمية قد حددت لتوزيعه هذا ~~التاريخ، وطنطنت الصحف بهذا الدفتر وعدته دليلا على «نمو الطبقة العاملة ونجاحها وإخلاصها ~~للوطن الاشتراكي الذي ينتمون إليه»، وقد كانت الهيئة السياسية العليا هي التي قررت هذا ~~الدفتر وفرضته على صفوف العمال فرضا، هؤلاء العمال الذين لم يروا فيه إلا غلا جديدا يضيق ~~عليهم سجون حياتهم، ومع ذلك فقد صوروه على أنه سهم شهره العمال أنفسهم ليقاتلوا به «هؤلاء ~~الكسالى الذين يعرقلون مجرى الإنتاج». # وأصبح دفتر العمال للعامل من الصفوف الدنيا بمنزلة تذكرة الحزب لأعضاء الشيوعية، إذ لم ~~يعد له حق ترك وظيفته دون أن يكتب له في دفتره هذا ما يخول له تركها، بحيث لا يكون له الحق ~~في عمل آخر إلا إذا تبين من دفتره إخلاء طرفه من عمله السابق، أضف إلى ذلك أن دفتر العامل ~~كان يحتوي على ما أصاب صاحبه من لوم أو عقاب أو تأخير أو أخطاء في الإنتاج أو غير ذلك من ~~ضروب الخطايا، وبهذا قضي على العامل أن يحمل معه وزر ماضيه أينما ذهب، فلا أمل له بعدئذ ~~في بداية جديدة في مدينة أخرى أو صناعة غير صناعته. # ولقد تحدثت إلى عشرات من العمال والعاملات في مصنع الأنابيب الجديدة أيام توزيع هذه ~~الدفاتر الجديدة ، فوجدتهم يمقتونها بإجماع الآراء، وأكثر العمال سذاجة وقلة شأن ms527 كان ينظر ~~إلى هذا الدفتر على أنه أحبولة نصبتها لهم الحكومة، فحتى الذين لم يكن لهم نية ترك أعمالهم ~~أخذهم الآن إحساس من وقع في فخ منصوب. # فكنت تسمعهم يقولون لي: «من الذي يفكر في ترك مصنعه إذا وجد حياته على شيء من الراحة؟ ~~ماذا يفرق بيننا الآن وبين عمال الاعتقال الذين يعسكرون ها هنا على مقربة منا؟» # لكن أساليب السوفيت المألوفة لم يكفها أن تفرض هذه الأغلال الجديدة بحيث يتكلف العمال ~~«قبولها عن طيب خاطر»، بل كان لا بد لهم من «التحمس لها»، لم يكفها أن يعاني العمال ضربات ~~السياط، بل كان لا بد لهم من تقبيل السوط قبل أن يهوى عليهم وأن يصيحوا له بالهتاف مهللين، ~~وقامت نقابات العمال «بحملة تعليمية» تبين للناس جمال هذا «النظام» الجديد، فكان رجالها ~~يجمعون العمال ويطلبون إلى من يختارونهم من بين عمال المصنع الذين ينتمون للحزب أن يمدحوا ~~حسنات النظام الجديد، فترتفع أصوات صارخة بالقبول، أصوات أعدتها اللجنة المحلية بالروح التي ~~أملتها عليها موسكو، فيوافق ذلك قبولا إجماعيا لدى الحاضرين. # وقدمت إلى مصنعنا لجنة تفتيشية لتستوثق من أن توزيع دفاتر العمال الجديدة التي أمر بها ~~ستالين قد تم على الوجه المطلوب، فوجدت بين أعضائها رجلا كان يزاملني في الدراسة أيام ~~المعهد، ودعوته للعشاء في منزلي الخاص، وبينا نحن نتحدث على مائدة العشاء، عرجنا بالحديث ~~على دفاتر العمال، فوجدت زميلي متأثرا أعمق الأثر لما لمسه في مصانع كثيرة زارها من شعور ~~النفور بين العمال. # قال لي في حسرة: «نعم، إني أخطب خطبا من نار عن هذه الآية السوفيتية الجديدة، لكني يا ~~فيتيا لا أخرج الكلام من صميم قلبي، فقد بدأ الأمر بتذاكر بوليسية تصرف لأعضاء الحزب، وها ~~هم أولاء يعقبون عليها بتذاكر صفراء للعمال!» # والعجيب أني سمعت هذا الوصف نفسه من رجل آخر، إذ جاءني في المكتب مساعد من مساعدي ليقضي ~~شأنا من شئون العمال، فقال لي وهو يبتسم: «تستطيع يا فكتور أندريفتش أن تهنئني، فقد تسلمت ~~الآن تذكرتي الصفراء كأني عاهرة من ms528 العاهرات ...» # ولما وثقت الحكومة الآن من أن أفراد الشعب لم يعد في مقدورهم الفرار، اتخذت خطوة أخرى ~~تجاه «الاشتراكية»، إذ أمرت بمراجعة عامة شاملة للبلاد كلها فيما يختص بمعايير العمل ~~والإنتاج، وكلفت نقابات العمال هذه المرة أيضا بإثارة الحماسة في النفوس، وبالطبع كان معنى ~~المراجعة في كل الحالات الارتفاع بأرقام الإنتاج، فاجتمع عمال الأقسام المختلفة من جديد، ~~ومن جديد اتخذوا قرارات «بمحض اختيارهم» أن يزيدوا من مقادير إنتاجهم، ولم يكن معنى ذلك سوى ~~انخفاض أجورهم، وراحت الصحف في برفورالسك تتغنى بوصف الحماسة العظيمة في هذا الاجتماع، مع ~~أن الحاضرين لم يروا فيه إلا رفعا آليا للأيدي في أخذ الأصوات، وتصفيقا آليا ~~للقرارات. # أما وقد فرغنا من ربط العمال إلى آلاتهم وابتززنا منهم عملا أكثر لقاء الأجور نفسها، فقد ~~تأهبنا لبرهان آخر هو أكثر الخطوات إذلالا للنفس ودليلا على ما وصلت إليه كرامة العمال في ~~ظل الدكتاتورية الشعبية، فقد ثارت عاصفة الدعاوة أول ما ثارت على النفعيين والمتأخرين من ~~العمال، فأعدت محاكمات تأديبية لمحاكمة «النفعيين»، ولو قد هبط من المريخ إنسان في ذلك ~~المكان وذلك الزمان، لما خامره الشك في أننا نحن الروس أمة من المهرجين الكسالى، نظل في ~~مخادعنا الوثيرة حتى ترتفع الشمس عالية في قبة السماء، ولأيقن أن هذا التهريج الذي نبديه ~~فيه تعليل النقائص كلها الضاربة في أحشاء البلاد. # ثم عقبت الدعاوة على ذلك بمرسوم آخر بشأن «تقوية أواصر النظام بين العمال الاشتراكيين»، ~~وأحب أن يدرس هذا المرسوم أولئك الذين يتوهمون أن في الروسيا «ديمقراطية اقتصادية» ~~و«مجتمعا عماليا»، أحب أن يسألوا أنفسهم هل يمكن لعمالهم المظلومين في بلادهم المظلمة أن ~~يحتملوا مثل هذه المعاملة التي جاء بها ذلك المرسوم. # جاء في القانون الجديد أنه إذا تأخر كائن من كان عن عمله أكثر من عشرين دقيقة فإنه يقدم ~~إلى النيابة المحلية بغض النظر عن أي ظرف، ثم يحاكم حتى إذا تبينت إدانته حكم عليه بالسجن ~~أو السخرة، وخشية أن يتهاون الموظفون «الطيبون» و«أحرار البرجوازية الفاسدون» ممن يتولون ~~الأمر في ms529 المحاكم المحلية، فقد نص المرسوم على عقوبة بالسجن والتعذيب للموظفين وغيرهم الذين ~~لا يبلغون عن العمال المجرمين، أو الذين يتسترون على «مجرمي» التأخير! ولم يكن من الأعذار ~~ما يقبلونه لغياب العامل إلا مرضه الخطير الذي يشهد عليه أطباء المصنع، أو موت أحد أفراد ~~أسرة العامل، أما أن يكون العامل قد تأخر في نومه، أو عطلته وسائل المواصلات، فليس ذلك من ~~الأعذار المقبولة. # ألا ما أكثر المصائب التي رأيتها تهوي على رءوس العمال التعساء في الأعوام التي اشتغلت ~~فيها بإدارة الصناعة، لكني ما رأيت واحدة منها قد بلغت ما بلغته هذه الضربة من مجاوزة ~~للمعقول ومن إثارة للدهشة العميقة، حتى لقد ظن الناس بادئ ذي بدئ أن هذا المرسوم يبلغ من ~~الجرأة في فظاعة الإجراءات ما يستحيل معه أن ينفذ، لكن سرعان ما رأينا أن ستالين لم يكن ~~هازلا، وأن عشرين دقيقة كانت هي الحد الفاصل بين عبودية محدودة يعيش فيها العمال «أحرارا» ~~وبين عبودية كاملة يحشر فيها العامل في زمرة المسخرين. # فكنت أجد على مكتبي كل صباح قائمة بأسماء المتأخرين مع ذكر عدد الدقائق التي تأخرها كل ~~منهم، وكانت ترسل نسخ من هذه القائمة إلى مكاتب الحزب ومكاتب نقابة العمال الكائنة في ~~المصنع، فلم يكن بد إذا من أن أوقع القائمة وأبعث بها إلى المدير الذي يرسلها إلى وكيل ~~النيابة، وما هو إلا أن يستدعى «المجرمون» إلى التحقيق في المحكمة، ولقد تعذر علينا ~~أول الأمر أن نصدق أن الرجل يكون عماد أسرته يكسب لها قوتها، فيحكم عليه بسنة أو أكثر ~~يقضيها في السخرة بعيدا عن أسرته من أجل هذه الأسباب التافهة، لكننا كنا على خطأ شنيع، ~~فعلاوة على التحذير الذي تضمنه القانون نفسه موجها لرجال المحاكم، جاءتهم تعليمات شديدة ~~ألا يعرفوا للرحمة سبيلا، وقام هؤلاء بواجبهم، ولو أنه لم يستطع إلا قليلون من هؤلاء ~~القضاة ورجال النيابة أن يخفوا شعورهم بعار ما يصنعون. # وكان عدد من حكم عليهم في الروسيا إبان الثلاثة الأشهر الأولى نحو مليون من العمال ~~والموظفين، حكم ms530 عليهم بتهمة النفعية أو بتهمة مجاوزة الدقائق العشرين في تأخرهم عن ~~العمل، فكان الآباء والأمهات ينتزعون انتزاعا من منازلهم تاركين وراءهم رضعا يموتون ~~جوعا أو يعيشون في ملاجئ الأيتام، وكل الجريمة أن العامل قد تأخر في نومه أو أن الطبيب لم ~~يوافق على أن مرضه من الشدة بحيث يعوقه عن العمل، وعلى هذا النحو كان عشرات من العمال في ~~مصنعي يحكم عليهم كل يوم، حتى لقد ارتفعت صرخة عالية من أنين الأسى واليأس، ارتفعت من ~~الثكنات والمنازل التي احتواها الغم، لكنها لم تبلغ من ارتفاع صراخها حدا تصل به آذان ~~الهيئة السياسية العليا في موسكو، بل إنها لم تصل بعد آذان هؤلاء الحمقى الذين يسعون جهدهم ~~لنشر النعيم الذي تقتضيه هذه «الديمقراطية الاقتصادية» بحيث يشمل بلادا أخرى وشعوبا ~~أخرى. # جاءني عامل خراط تقدمت به السنون، وكنت أعلم أنه عامل كفء نشيط، جاءني باكيا فعرفت شكواه ~~قبل أن ينطق بكلمة واحدة، إذ كنت قد رأيت اسمه في القائمة الحزينة اليومية. # قال لي معترفا: «تأخرت ثلاثين دقيقة لكني رجل كهل، لقد عملت هاتان اليدان أربعين عاما، ~~فما مصير زوجتي وأبنائي؟ العون العون يا رفيقي المدير!» ~~- «ولماذا تأخرت؟» ~~- «كان بي وجع شديد في أسناني سهدني طول الليل، ولم أنم إلا قرب الصبح، فلم أستيقظ في ~~الموعد المضروب، وهرولت إلى المصنع لم أكد أتم ارتداء ثيابي كأنما الشياطين كلها تتعقبني ~~لتمسك بي، ومع ذلك فقد أخطأت الموعد!» ~~- «أنا أصدقك فيما تقول يا رفيق، لكن ليس لي في الأمر خيار؛ لأني إذا ما حذفت اسمك من ~~القائمة، كان عقابي السجن، وكل ما أستطيعه أن أبعث بمذكرة للطبيب لعله يعينك.» # وكتبت المذكرة للطبيب، لكن الطبيب بالطبع لم يشأ أن يلقي بنفسه في التهلكة؛ ولهذا أرسل ~~العامل الكهل إلى المحكمة. # وجاءت عاملة ودفعت أمين السر من طريقها واندفعت داخل مكتبي وهي تبكي على نحو ما يبكي نساء ~~الريف في صوت مرتفع. # فقلت لها محسنا لقاءها: «اجلسي واملكي زمام نفسك.» وتبين أنها تأخرت نحو ساعة كاملة ~~وأنها استدعيت ms531 بالفعل إلى المحكمة، وكانت أرملة تعول طفلين: ابنة عمرها أحد عشر عاما، ~~وأخرى عمرها عامان، تعولهما بعملها في المصنع، وكانت كبرى الابنتين مريضة كما روت لنا، ~~واستدعت لها الطبيب، فما فرغ الطبيب من فحص المريضة إلا وقد فات موعد العمل. # فوعدتها أن أتصل بالطبيب في هذا الشأن، لكن الطبيب لسوء الحظ لم يكن رأيه أن البنت كانت ~~من حدة المرض بما توهمته أم تحب ابنتها؛ ولذلك لم يكن في وسعه أن يشهد مخلصا أن مرض الابنة ~~يبرر تأخير الأم عن العمل، وصدر الحكم على الأم بأن تظل عاملة في مصنعنا، لكن على أساس ~~السخرة. # وفي حالة أخرى قال العامل مدافعا عن نفسه أنه لا يملك ساعة منبهة، وأنه يستيقظ في العادة ~~على ضوء الشمس، ولما كان اليوم شاذا في ظلمته وكثافة سحابه فقد انتهى به الأمر إلى زلته، ~~لكن هذا الكلام لم ينجه من جريمته. # ولم يخامرني شك في أن مقاومة التأخر عن العمل لم تكن سوى غاية واحدة من الغايات التي يرمى ~~إليها المرسوم الجديد، أما غايته الأخرى التي ربما كانت أهم وأخطر، فهي أن يزيدوا من ~~العاملين بالسخرة، فكانت لدى المحاكم تعليمات خاصة، وأخذت عجلة «العدالة» تدور في نشاط لا ~~يفتر، بحيث كان يدخل العمال الأحرار ساحاتها من طرف، يدخلونها بعشرات الألوف ومئاتها، ثم ~~يخرجون من طرفها الآخر وقد وسموا بميسم السخرة. # وشاءت الأقدار أن تجيء هذه الإجراءات التنظيمية القاسية التي اتخذوها إزاء أفراد الشعب ~~فحطموا بها آخر أثر بقي لهم من كرامتهم الإنسانية، شاءت الأقدار أن تجيء هذه الإجراءات ~~القاسية في شتاء بلغت قسوة زمهريره حدا جاوز المألوف، وجعل العمال العبيد التابعون ~~لجماعات الشرطة السياسية في إقليم أورال يعملون في العراء رغم هذا البرد الشديد، يأكلهم ~~الصقيع، وتفري العلة أجسامهم، وينالهم ما ينالهم من تشويه، وكثيرا ما لاقى الرجال والنساء ~~في معسكرات الاعتقال القريبة منا حتوفهم بفعل البرد إذ هم يعملون في الغابات أو يقيمون في ~~ثكناتهم أو أكواخهم الطينية وراء الأسوار الشائكة، وهي ثكنات وأكواخ ليس ms532 فيها من عوامل ~~التدفئة شيء، ولقد بلغ العذاب في ثكناتنا مبلغا شديدا، وعلى وجه الجملة لم تكن برفورالسك ~~بالمكان الذي تبدو فيه علائم البشر بما نزهى به من «عمل اشتراكي». # لذلك رحبت بما علمته من نية أولى الأمر في موسكو أنهم ربما نقلوني إلى مهمة أخرى، فلم ~~يكن يفارق الإنسان وهمه بأن الحالة في غير مكانه - إن لم تكن أحسن - قد تكون أقل حلوكة ~~وسوادا. # لبثت صناعة التعدين عدة أشهر ترتج ارتجاجا بما يجيئها من تقارير عن مشروع ضخم لخراطة ~~الأنابيب يقام في سيبيريا - وعلى وجه التحديد في ستالنسك (التي كانت تسمى كوزنتسك) - حيث ~~كانت بالفعل بعض المشروعات الجديدة الضخمة قد بدأت عملها، وهذا المشروع الجديد قد يكلف ~~مبلغا يزيد على مائة مليون روبل، وكما هي العادة في السوفيت أخذت أبواق الدعاوة تملأ ~~الدنيا ضجيجا عن المشروعات قبل إنشائها بزمن طويل، ولقد تصادف أني سمعت بتلك التقارير ~~وقرأت بعض ما تقوله الدعاوة، لكني كنت أسمع وأقرأ دون أن أهتم للأمر اهتماما شخصيا، ثم ~~ما هو إلا أن تركز الأمر كله في بؤرة تمس شخصي من قريب؛ ذلك أن رياسة الصناعة العليا في ~~موسكو واللجنة المركزية للحزب قد وقع اختيارهما علي - بغير استشارتي فيما أحب وما لا أحب ~~- لأتولى إدارة المنشآت الجديدة كلها للمصنع الذي سيقيمونه في ستالنسك. # الفصل العشرون # | أكذوبة سيبيريا # أعلنت صحيفة «في سبيل التصنيع» بموسكو في اليوم الثامن عشر من شهر فبراير سنة 1939م تقول: ~~«قرر الرئيس الأعلى لصناعة تعدين الحديد أن يكون الرفيق «ف. أ. كرافتشنكو» مديرا لمصنع ~~التعدين الذي تقرر إنشاؤه في مدينة ستالنسك.» # وكان المقصود بذلك هو المشروع الجديد في ستالنسك بسيبيريا الذي وضعت خطته على أساس أن ~~ينتج مائة وسبعين ألفا من أطنان أنابيب الصلب كل عام، والمشروع من الضخامة بحيث أشار إليه ~~مولوتوف نفسه إشارة تستلفت النظر في خطابه الذي أعده للمؤتمر الثامن عشر الذي سيعقده الحزب ~~الشيوعي، والذي قال فيه: إن إنشاء ذلك المشروع سيبدأ بعد قريب وستبدأ أول أقسامه في عملية ms533 ~~الإنتاج عام 1941م. # ولأن يذكر اسمي مقرونا بهذا المصنع الجبار الذي اختصه مولوتوف بالإشارة - وإذا قلنا ~~مولوتوف فقد قلنا كذلك ستالين - فذلك أحاطني بهالة من المجد بين عشية وضحاها، وأعلن تعييني ~~على الناس باعتباره جزءا من المشروع الذي سيقدم لهيئة «المؤتمر»، وذلك الإعلان في ذاته أهم ~~من المنصب نفسه؛ لأن معناه أني قد «وصلت» وأصبحت في المراتب العليا من أرستقراطية الاقتصاد ~~والسياسة، وسرعان ما تذكر أصدقائي ومعارفي الذين كانوا يجتنبونني أيام محنة التطهير، سرعان ~~ما تذكروا أنهم كانوا يعرفونني فتسابقوا إلى التعبير لي عن زهوهم بنجاحي، وكان أمامي عمل ~~كثير أنجزه في موسكو استعدادا للعمل في سيبيريا، فخصصت لي غرفة جميلة في موسكو بفندق ~~متروبول على نفقة الحكومة، وصرف لي مبلغ كبير من المال، وكان في وسعي أن أظفر بما شئت أن ~~أظفر به، الله! ما أعظم أن يكون الإنسان مقربا لدى اللجنة المركزية العليا! الحق أن أوضاع ~~الدكتاتورية كلها تبدو لعينك في صورة مغايرة، إذ تبدو أقل كآبة وأقل طغيانا إذا ما نظرت ~~إليها من مكان تختاره إلى جانب القمة. # لا شك أن هذه هي الفكرة التي كانت تطوف برأس والدي حين حذرني جادا بعض الشيء ساخرا بعض ~~الشيء ألا أفقد الصلة بغمار الشعب ما دمت قد أصبحت واحدا من «العلية أصحاب النفوذ»، إذ قال ~~لي في خطابه: «لا تدعهم يشترونك بالألقاب والأوسمة»، فكان مما أدخل الطمأنينة إلى نفسي أن ~~أرى هذا البرهان قائما على أن الأيام لم تضعف من موقفه إزاء أصحاب النفوذ، ولو أنه غير ~~موقفه لأن ابنه قد بات واحدا منهم لأيأسني ذلك من أبي. # ولما نشرت الصحف المحلية في بلدي خبر تعييني، عرفت أمي معرفة اليقين أن محنة اضطهادي قد ~~أدبرت عني إلى غير عودة. # وكتبت إلي تقول: «أدعو الله يا ولدي العزيز أن يهبك العافية وحسن الحظ والتوفيق، وحاول ~~أن تنسى ما قد صادفته من إساءة، أرسل ناظريك أمامك، وابذل وسعك يا ولدي العزيز في سبيل ~~وطننا المحبوب وبني وطننا، أما نحن فنعيش كما ms534 عهدتنا دائما، ولا تؤاخذني إن طلبت إليك - ~~إذا ما شاءت الصدفة أن تجيئنا زائرا - أن تحضر لنا معك ما استطعت إحضاره من موسكو من ~~المواد الدهنية والسكر والشاي والسمك ... ليس هنا شيء من ذلك وا أسفاه! وما كنت لأذكر هذه ~~الحقيقة لولا ما وصلت إليه الحالة من سوء بشع فظيع.» # وجاء خطاب أبي مؤيدا لخطابها، فقال في عرض حديثه كأنما يقول عرضا: «لقد قيل لنا يا بني ~~إننا قد خلقنا لأنفسنا «حياة سعيدة»، ولكن لا تضللنك هذه الأقاويل بحيث تتردد في إحضار ~~زوج من الأحذية لأمك إن وجدت، فلعل «الحياة السعيدة» قد أخطأت دنيبروبتروفسك.» # على أن منزلتي الجديدة بوصفي موظفا وثقت به الدولة، لم تنجني طبعا من الإجراءات ~~المألوفة التي يقوم بها رجال الشرطة السياسية، فما أكثر ما أرى عند عودتي للفندق علامات تدل ~~على أن حقائبي وخزانة ملابسي قد فتشت تفتيشا دقيقا مرة أخرى، ولقد حاول معارفي الجدد ~~- كما هي الحال دائما - أن يورطوني في مناقشات سياسية خطرة، لكن لحسن حظي كنت قد تعلمت كيف ~~أشم رائحة الخطر، وهي حاسة سادسة نشأت في طبيعتي خلال الجلسات الليلية التي عانيتها في ~~نيقوبول، وأصبحت هداية لي تجعلني أزم شفتي عن الحديث إذا ما بدت على الناس شدة الرغبة في ~~فتح آذانهم. # كذلك تعلمت أن أصون عزوبتي من أنظار النساء اللائي يقمن في الفنادق الغالية واللائي ~~أطلقنا عليهن «سيدات ليوبيانكا» - وليوبيانكا هو اسم مقر الشرطة السياسية في العاصمة - ~~فهؤلاء الغانيات قد اختارهن خبراء بأجسام النساء، ووضعن هناك في ثياب أنيقة، منها معاطف ~~الفراء الفاخرة، على حساب أفراد الشعب الذين لا يرتدون إلا هلاهيل، ومن كانت تستطيع من ~~هؤلاء النساء أن تتمتم ببعض اللغات الأجنبية تخصصت في غواية الأجانب من ساسة ومهندسين ~~أمريكان وألمان ومراسلي صحف، وأما الأخريات فقد كن يسقطن على من يرونه وحيدا من رجال ~~الحكم الذين بلغت بهم المنزلة العالية حدا يسمح لهم بالسكنى في الفنادق الكبرى. # ولأضرب لك مثلا ليلة كنت قد أويت فيها إلى غرفتي لأقرأ صحيفة صناعية، ms535 فدق التليفون وكان ~~المتكلم صوت امرأة تعاتب: «يا بيوتر إيفانوفتش، لماذا لم تحيني عند انصرافك؟ أنا في غاية ~~الشوق إليك يا حبيبي.» # فأجبتها في برود: «آسف لأن هذا الاسم الذي تذكرينه ليس في هذه الغرفة.» ~~- «كفى مزاحا يا بتيا، كأنني لم أعرف صوتك!» ~~- «لست أنا «بتيا» الذي تقصدين، عني نشدتك الله.» ~~- «صحيح! لا بد أن تكون في صحبة فتاة سواي، وإذن فسأحضر إليك لأرى بنفسي.» # وطرق الباب طارق بعد عشرين دقيقة، وإذا بي أرى عند الباب غانية ممشوقة ضامرة شقراء تستوقف ~~النظر بلونها الأشقر، وكانت تلمع قطرات الثلج على قبعتها الفرائية المغرية، ولما رأتني ~~تظاهرت بالدهشة لكنها ابتسمت ابتسامة حلوة وقالت: «هل عاد بيوتر إيفانوفتش إلى ~~بلده؟» ~~- «اسمعي يا زغلولتي، إني أسكن ها هنا وليس في المكان من يدعى بيوتر إيفانوفتش فهلا ~~تركتني؟» ~~- «لكن فيم هذه القحة يا عزيزي؟ إن رجلا وسيم الطلعة مثلك يجب أن يكون أكثر أدبا في ~~حديثه مع امرأة جذابة مثلي.» ~~- «أنا مشغول فاعذريني، ولا بد لي من أن أقول لك اذهبي مع سلامة الله.» ~~- «أعوذ بالله! ما أكثر ما تخدع المظاهر ... إنك لتبدو بمظهر السيد الرقيق الأصيل ومع ذلك ~~فلا تكلف نفسك العناء بحيث تقدم لسيدة مقعدا.» ~~- «اذهبي مع السلامة.» قلت لها ذلك في حزم وأنا أقفل الباب، ثم لم أملك سوى أن أقول لها: ~~«إن أساليبك لم تبلغ بعد حد الإتقان ويلزمك كثير من مران.» # وأتيح لي أن أزور أسرتي في دنيبروبتروفسك على حساب الحكومة؛ لأني اضطررت إلى الذهاب إلى ~~هناك للتشاور مع بعض موظفي صناعة التعدين في ذلك البلد، وحجز لي ديوان خاص في عربة الدرجة ~~الأولى، وهي ما يسمونها بالعربات «الدولية»، وكنت حسن الهندام أتمتع في سفري بما يتمتع به ~~رجال الطبقة الممتازة من وسائل الراحة، فيستحيل أن يراني أحد من أهل بلادنا إلا ويدرك من ~~لمحة واحدة أنني بيروقراطي ذو منصب رفيع، ولهذا وقف مني فارز التذاكر موقف الذليل الضارع، ~~فضاق صدري لذلك إذ رأيت نفسي رمزا للتفاوت بين الناس، وهو ms536 نفس الشيء الذي كنت أمقته ~~وأزدريه. # وكانت العربات «الناشفة» أو عربات الدرجة الثالثة في الطرف الآخر من القطار، فيما وراء ~~عربة الأكل «الدولية» التي كنا بها، مزدحمة بأجساد بشرية تكتلت على مقاعد الخشب، ودفعني حب ~~الاستطلاع إلى السير خلال تلك العربات، فرأيت في أعين الناس نظرات التقريع، بل نظرات ~~الكراهية لما ترى في من علامات الاحترام، وكلما وقف القطار في محطة على الطريق، وخرجت ~~أريح ساقي، خيل إلي أني ألمح نظرات الكراهية عينها من الفلاحين المهلهلين الذين كانوا ~~يبيعون الخضر والسمك المقدد واللبن. # وما مضى طويل وقت حتى دخلنا أوكرانيا وهي موطني، فخيل إلي أن سهول الأرض نفسها كانت ~~أحنى قلبا من أقاليم الروسيا في الشمال، لكن قلبي كان يتقلص من الألم كلما وقعت عيني على ~~مشاهد البؤس والفقر بادية في كل مكان. # ولما دخلنا محطة بعد خاركوف كنت في عربة الأكل إذ ذاك فأفزعني أن أرى وجوها صغيرة كثيرة ~~تسترق النظر خلال النافذة بأعين حاسدة جائعة حزينة، وإن كانت تلك الوجوه لأبناء السبيل من ~~أولاد وبنات في خرقهم البالية المرقعة، تنظر محدجة في أحد «أعمامهم الاشتراكيين»، إذ هو ~~مطمئن في بحبوحة السادة مستظل بدكتاتورية الشعب. # هذا يحدث في أوكرانيا، التي كانت في ماضي السنين لا تكفي أهلها بطعامها فحسب، بل كانت ~~ترسل الطعام إلى شطر عظيم من أوروبا! فدفعت حسابي مضطربا، إذ اشتملني غم مفاجئ، وأسرعت ~~خارجا من عربة الأكل، فما أبعد الهوة بين الروسيا كما تصورها الدعاوة وأرقام الإحصاء، ~~والروسيا كما هي لحما ودما! ما أغرب العقل البشري من آلة في مقدورها أن تقيم بينها وبين ~~الواقع سدا منيعا من انتصارات مكتوبة على الورق وعبارات خالية من المعنى! # وخرجت مرة أخرى في محطة سنلنكوفو لأمشي قليلا في البرد الذي يبعث القوة والنشاط، فلاحظت ~~عند باب غرفة انتظار الدرجة الأولى شرطيا يقذف منها أسرة ريفية، الرجل وزوجته وبضعة ~~أطفال، وكلهم مثقل بحمل من المتاع المحزوم، قائلا لهم: «مكانكم هناك أيها المواطنون، في ~~غرفة انتظار الدرجة الثالثة.» فساروا عن المكان ms537 في خضوع الأذلاء، فما خطر ببالهم، ولا خطر ~~ببال الشرطي، إن ناسا كهؤلاء الذين يراهم العمل قد يجوز لهم أن يقتحموا حرم الدرجة الأولى، ~~في مجتمعنا هذا الذي «لا يعرف الطبقات». # وجاء عدد من الفتيات في طليعة الشباب، عليهن ملامح الريف وجماله، يغطي وجوههن النضرة ~~شيلان ملونة، جئن ليقابلن القطار، فلا شك أن مرور القطار كان من غرائب الحياة التي تهز ~~النفس في بلد ريفي مثل سنلنكوفو، فأخذت الفتيات في اضطراب المشدوهات تتطلعن خلال نوافذ ~~الدرجة الأولى، تتضاحكن وتتغامزن، فربما كان يطوف برءوسهن أحلام بأن أميرا جذابا من ركاب ~~الدرجة الأولى ذوي المكانة الممتازة قد تقع عيناه على إحداهن، فيقع في غرامها من فوره، ~~فيخطفها إلى موسكو أرض الأحلام. # كانت محطة دنيبروبتروفسك نظيفة مرتبة، وكان في انتظاري على الرصيف المزدحم الصاخب أخي ~~قنسطنطين وزوجته، ولم أكن قد رأيتها - وإنها لعضو أضيف حديثا إلى أسرتنا - لأني غبت عن ~~البلد فترة تزيد على عام كامل، فضممتهما وقبلتهما، وقد ساعداني في حمل اللفائف الكبيرة ~~التي جئت بها من العاصمة بما تحتوي عليه من طعام وثياب، وسرعان ما كنا في طريقنا إلى الدار، ~~المتاع في عربة، وثلاثتنا في عربة أخرى، فما أحلى أن تقع عيناي من جديد على ما ألفنا من ~~شوارع المدينة وميادينها ومبانيها وقد غطتها طبقات من الثلج، وسأظل إلى الأبد أذكرها في هذه ~~الصورة. # وضحك قنسطنطين وقال: «ما شاء الله يا فيتيا، إنك لتبدو في مظهر نسر حقيقي من موسكو، مظهر ~~ستالين صغير التزم الدقة ليبدو في مظهر مقصود، ألم أقل لك يا «كلافا» إن أخي رجل له أهميته ~~وسطوته؟» # وخيل إلي أني ألمح نغمة الجد وراء هذا المزاح، فقد كان أخي كلما تقدمت به السنون ~~يزداد شبها بأبي؛ إذ كان له مظهره الوسيم الجميل القسمات الضامر الجسد، كما كانت له طريقته ~~في السخرية. ~~- «فيم قولك هذا يا كوتيا؟» ~~- «لا يسيئن قولي إليك يا أخي الصغير، فأنت تبدو في مظهر فاخر باهر في عيني ~~الريفيتين، أو ماذا أقول؟ ربما كان ما ms538 أراه نظرة الطمأنينة التي تبدو على زعماء الشعب بعد ~~أن ينفقوا أعوامهم في إنكارهم لذواتهم ...» # وهنا قاطعته زوجته قائلة: «كفى يا كوتيا، إنك تنتظر قدوم فكتور أندريفتش كأنك ترتقب ~~بقدومه حبيبة فؤادك، حتى إذا ما جاء كان أول ما تصنعه إزاءه أن تهاجمه.» ~~- «اذكري أي حبيبتي كلافا أن هذه أول مرة، وقد تكون آخر مرة، تتاح لي فيها فرصة الهجوم ~~على ستالين صغير على مسمع منه!» # وضحكنا جميعا، ولما كنت أعرف أخي بطنا لظهر فلم أستخف بمزاحه كما استخفت به زوجته، وقد ~~كنت أعلم أنه يحبني حبا عميقا، فنظر إلي وكأنه قرأ ما يدور في رأسي من خواطر، فضغط على ~~ذراعي ضغطة الحب كما كان يفعل حين كنا في مدارج الطفولة، ولم تكن سخريته المرة مسددة نحوي ~~أنا، بل نحو فصيلة البيروقراطيين التي تشعر بعلو مكانتها وتستمتع بالحياة المترفة ولا تسمح ~~لشعاع من عاطفة أن يتسلل إلى قلوبها الباردة، وإنه ليخيل إلي أن أخي إنما كان يردد ~~روح التشاؤم الساخر الذي تغلغل في حياة الطبقات العاملة. # كان قنسطنطين في ثباته الرزين يمثل من وجوه كثيرة الرجل الروسي المثقف، فقد قاوم كل ما ~~لقيه من ضروب الضغط التي كانت تغريه بالانضمام للحزب، لكنه كان عميق الحب للوطن وبنيه، حتى ~~لقد أصر بعد ذلك بأعوام حين هاجم الألمان بلادنا، أن يكون في طليعة من يذهبون إلى ميدان ~~القتال، وانتهى به الأمر - وهو في رتبة الضابط - أن يسلم روحه دفاعا عن روسيا، فلتقل الصحف ~~ما شاءت من بسالة أمثال هؤلاء الرجال، ولكني كنت على يقين - حين سمعت بالخبر وأنا في موسكو ~~- أن أخي لم يقاتل ولم يسلم الروح في سبيل ستالين ونظامه، بل في سبيل أمته وبلاده ما قاتل ~~وما أسلم الروح. # ترى هل كان يتنبأ بما كتب له وللملايين في لوح القدر؟ لقد قال لي إذ نحن نتحدث أثناء ~~زيارتي تلك: «إن الوطن يا «فيتيا» شيء، وما يسوده من نظام سياسي شيء آخر ... فلا يخلطن أحد ~~بين هاتين الحقيقتين.» ولم آبه إلا ms539 قليلا بقوله هذا حين قاله - ولو أنه قول فيه تعبير عما ~~كنت أحسه أنا أيضا - لكن هذا القول أخذ يعاودني بعدئذ آنا بعد آن ولم ينقطع عني. # وجدت والدي كليهما قد بدت عليهما الكهولة مذ رأيتهما آخر مرة، ولقد كانا أحسن حالا من ~~جيرانهما؛ لأن ثلاثة أبناء يمدونهما بالمعونة المالية، ومع ذلك فقد تعذر عليهما العيش، إذ ~~استحال عليهما - حتى مع وجود المال - أن يحصلا على نوع الغذاء الذي يصلح لهما في سن ~~الشيخوخة، أضف إلى ذلك أن أبي كان يحس الألم في بدنه وأعصابه كلما سمع بضربة من الضربات ~~التي أخذت تتوالى على العمال: دفاتر العمال، ومرسوم التأخير، والمعايير التي ارتفع منسوبها، ~~وازدياد السخرة في العمل، فقد ظل أبي طوال حياته يدمج نفسه في غمار الشعب دمجا تاما بحيث ~~إذا ما أصاب صفوف الشعب أي إذلال أحس الألم هو كذلك في صميمه، على الرغم من أنه كان بمنجاة ~~من الخطر. # وبدا الهزال على أمي أكثر مما بدا على أبي حتى لقد تحطم قلبي من أجلها؛ لأن طيبة قلبها ~~كادت تبرز حتى تلمسها الأيدي، ولقد أشرق وجهها بطيبة قلبها، وازداد جمالا بها على نحو ~~يستحيل على الألفاظ أن تعبر عنه، ولطالما راقبتها بغير ملل وهي مشتغلة بإعداد طعامنا أو ~~معنية بأفراخ عشها وكلهم رجال راشدون، وكم سرني أن أرى المصابيح لم تزل مضيئة تحت ما ~~علقته على جدرانها من رموز دينية؛ لأني ما فتئت محتفظا بذكرياتها منذ الطفولة، فكأنما تنهض ~~تلك المصابيح المضيئة دليلا على أن أمي لها مصدر عزاء لا ينضب معينه، لقد كانت شديدة ~~الإيمان بأن دعواتها هي التي أنقذتني من التطهير الأعظم ولم أشأ أن أنقض لها رأيها. # وصل مع المساء أخي يوجين وزوجته، فكان التئام شملنا جديرا بأن يظل مذكورا على الدهر، ~~وأما أبي الذي لم تعلمه الأيام أبدا أن يسترخي للراحة استرخاء تاما ناسيا الدنيا ~~ومتاعبها، فقد حاول مرة بعد مرة أن يحدثنا في السياسة، لكن أبناءه الثلاثة الأصلاب استطاعوا ~~أن يكبحوا فيه هذا الاتجاه ms540 يومئذ، وكانوا في ذلك على حق؛ لأن ما يستحق الحديث غير السياسة ~~كثير، فزوجة قنسطنطين مهندسة وزوجة يوجين معلمة، وهكذا كنا جميعا نمس الحياة اليومية ~~الغليظة عن كثب. # وفي اليوم التالي ذهبت لقضاء عملي في مصنع لينين، فوجدت هيئة الموظفين الإداريين فيه ~~جديدة كلها، ولم أكن من الغفلة بحيث أذكر «بيرمان» أو «إيفانتشنكو» أو غيرهما ممن كانوا في ~~الماضي على رأس هذا المشروع الصناعي العظيم، لا بل إن «بتروفسكي» الذي كان اسمه مرتبطا ~~باسم لينين في تسمية هذا المصنع، قد أصبح اليوم اسما لا يجوز ذكره، لكني وجدت بين عمال ~~المصنع رجالا عرفوني من عشر سنوات أو خمس عشرة سنة، فحيوني تحية الود وتجمعوا حولي. # قال لي أحدهم: «لقد خلفت لنفسك اسما يا فكتور أندريفتش، وإني لفرح لك من كل ~~قلبي.» # وضحك آخر وقال: «نعم، إن ابن كرافتشنكو الكبير سيظل يرقى حتى يصبح وزيرا للشعب مع ~~الزمن.» # لكني قبل أن أغادر المكان تحدث إلي رجلان ممن تقدمت بهم السن في لهجة الجد؛ لأنهما لم ~~يكونا مغمومين بالقوانين الجديدة فحسب، بل أحسا إهانة شخصية عميقة الأثر. # وتنهد أحدهما «لارين» وقال: «إننا اليوم مغلولون إلى آلاتنا كما كان أجدادنا مغلولين إلى ~~الأرض في ظل عبودية النظام الإقطاعي، إن الحياة مرة يا فيتيا، وهي سائرة في كل يوم إلى ~~ما هو أسوأ.» ~~- «نعم قل لنا - وقد أصبحت اليوم من علية القوم - متى نبدأ آخر الأمر في العيش كما يعيش ~~البشر؟ لقد طال بنا الانتظار الآن مدى اثنين وعشرين عاما.» # فماذا كان في وسعي أن أصنعه لهم سوى أن أكرر العبارات المكرورة التي تنشرها الصحف في ~~افتتاحياتها كل يوم؟ على أنه من حسن حظي أن هؤلاء الناس لم يكونوا يسألونني لأجيب؛ لأنهم ~~كانوا يعلمون أنني مكتوف اليدين مثلهم، فلم أكن سوى ترس آخر في الآلة نفسها التي هم من ~~تروسها، والفرق هو أني ترس أكلف الدولة مالا أكثر. # ولما عدت إلى الدار وجدت أبي في انتظاري، فما كان ليرضى أن يحرم نفسه متعة حديث ms541 جدي نظري ~~مع ابنه الذي ورث دون سائر أبنائه قليلا من حماسته للسياسة، وفضلا عن ذلك فأظن أنه اعتبره ~~واجبا أبويا مقدسا أن يهديني سواء السبيل، فقد كان خوفه الأكبر أن تستهويني السلطة ~~بإغرائها كما استهوت سواي، بحيث أخون الطبقة التي نشأت منها لأغذي بلحوم أبنائها أجواف ~~الدكتاتورية. # فطمأنته في هذا الصدد، وأخذنا نتحدث ساعات؛ لأنه كان في حقيقة الأمر واحدا من عدد قليل ~~جدا من الناس أستطيع أن أنقض لهم جملة نفسي الجريحة دون أن أخشى الوشاية، كان شعور أبي ~~إزاء الحوادث التي أخذ يرقب مجراها شعور من خاب رجاؤه، أما أنا فقد جاوزت ذلك الحد بشعوري؛ ~~لأن ريبتي قد تبلورت في كراهية عميقة للحكام الجدد، وازدراء شديد لما يثرثرون به من أحاديث ~~الاشتراكية، وخوف من آلات إرهابهم التي يصبون بها ميلهم إلى إيقاع الأذى. ~~- «ولست وحدي أشعر هذا الشعور يا أبت، إن حركات التطهير التي قام بها ستالين لم تكسبه ~~شيئا، نعم إن فئة كبيرة من الطامحين قد اندفعوا إليه يقسمون بين يديه الولاء والإخلاص؛ كي ~~يملئوا المقاعد الوثيرة التي خلت بموت من مات وسجن من سجن، وإذن فهم مدينون بمناصبهم هذه ~~إلى حركات التطهير، لكن أعداء ستالين لا يزالون كثرة بين أعضاء الحزب، نعم، حتى لتراهم ~~منبثين في كل مكتب وكل مصنع بل في الكرملن نفسه؛ لأنك يستحيل أن تقتل كل هذا العدد من الناس ~~دون أن تترك أثرا داميا يدعو إلى الكراهية ويحفز على الرغبة الشديدة في الانتقام. # ولا شك كذلك أن حول ستالين الآن جيلا جديدا من الشيوعيين الذين يعتقدون حقا أن كل ~~أسلافهم كانوا خونة وأعداء للحزب؛ لأنهم لا يعرفون إلا هذا، ولا يجرؤ أحد أن يصحح لهم ما ~~يعلمون، هؤلاء هم الذين يحبونه ويثقون فيه ولا يترددون في المغامرة بأنفسهم في الأهوال من ~~أجله، إنهم قوة ستالين، لكنهم مأساة الروسيا.» # وهنا عادت الذكريات بأبي إلى شبابه الثائر، وتساءل: ماذا جرى للشعب الروسي؟ ألم يعد في ~~الروسيا شباب تلتهب صدورهم بالمثل العليا وتدفعهم الشجاعة ms542 إلى الاحتجاج؟ # فقلت له: «إن منا لعددا كبيرا يود لو استطاع أن يفصح عما في نفسه ويصيح للعالم بما يدور ~~في رأسه، لكننا نعلم أن ذلك مستحيل؛ لأن الموت يسارع إلى من يحاول ذلك فلا يمهله حتى ينجز ~~ما يريد، ولا يستطيع أن يقول الحق إلا القليلون الذين يفرون إلى خارج البلاد، أما هنا في ~~بلادنا فالإرهاب شامل كامل بحيث لا يدع ثغرة لمثل هذه المحاولة.» # وهنا وقفت عن الكلام برهة ونظرت إلى عيني أبي، ثم قلت: «إذا كتب الله لي أن أغادر البلاد ~~يوما يا أبت، وصممت على التعبير عما يجيش في نفسي بأعلى صوتي، فهل تعلم ماذا يحدث لك ~~ولأمي؟» # كان حلم الفرار يتزايد في عقلي وقلبي. # لقد تاقت نفسي إلى اطراح النير عن عاتقي، لا من أجل نفسي فحسب، بل كذلك في سبيل الوطن ~~الذي أحببت وفي سبيل بنيه، أإذا استطعت أن أنبئ العالم الخارجي بالحقيقة المخيفة كاملة، ~~أيمتنع عن الإنصات إلى ما أقوله واستيعابه؟ إني لأشك في أن حلمي قد اتخذ صورته المحدودة في ~~تلك اللحظة، ومع ذلك فهذا السؤال الذي ألقيته على أبي يدل على أن الأمر كان لا يزال يتخمر ~~في أعماق نفسي. # وأجابني والدي: «لا يأخذنك الهم إشفاقا علينا، إننا شيخان قد عاشا ما كتب لهما من ~~حياة، فاعمل دائما ما تراه واجبا يا فيتيا، ولا شيء غير هذا ينبغي أن يكون له عندك حساب، ~~إن من التوافه أن تحس أنت الألم، فآلم منه أن تعلم أنك سبب في إيلام الناس الذين يقعون من ~~قلبك موقع الحب، وإني على ما أقول يا بني لشهيد، وإلا فهل تظن أن قد كان هينا علي أن ~~أذهب إلى السجن تاركا ورائي زوجة عزيزة وأطفالا يعبث بهم الجوع؟» # ولما غادرت دنيبروبتروفسك صحبتني أمي إلى موسكو، ولم توافق على صحبتي هذه إلا بعد نقاش ~~طويل ومحاولة الأسرة كلها إقناعها بالرحلة، إنها لم تر العاصمة قط، وقد سرني جد السرور أن ~~يتاح لي مرافقتها في زيارة العاصمة زيارة الوجهاء، ms543 وكذلك قصدت باصطحابها أن أهيئ لها عطلة ~~تستريح فيها من واجباتها في الدار، وعلى الرغم من تأكيدي لها أننا واجدان في عربة الأكل ~~بالدرجة الأولى وفرة من طعام، فقد شحنت حقيبة ملابسها بمئونة من زاد للرحلة. # وكادت تصعق أمي لما في العربة «الدولية» من ألوان الترف، وللغرف الأنيقة التي حجزت لنا في ~~فندق موسكفا، ومكثنا قرابة أسبوعين، جعلت خلالهما أنظر إلى موسكو بعيني أمي اللتين لم ~~تفسدهما العادة، فرأينا مسرح الفن في موسكو ومسرح مالي، والغناء والرقص، ومشاهد الرياضة في ~~ملعب دينامو، ومعارض الفنون، ومتنزه الثقافة والاستجمام وكانت «إيرينا» تصاحبنا عادة، وهي ~~سيدة عرفتها منذ شهور. # وسألتني أمي بغير مناسبة ذات مساء إذ نحن جالسان في مطعم الفندق: «لماذا أصررت على إحضاري ~~معك إلى موسكو يا فيتيا؟» ~~- «يا له من سؤال يا أمي! إنها منحة مني إليك أردت بها أن أبين لك مقدار حبي ~~إياك.» ~~- «طبعا، طبعا، لكن ربما ...» - ونظرت إلي بابتسامة لها ما وراءها من معان - «ربما جئت ~~بي كذلك؛ لأنك أردت أن تريني إيرينا، لا، لا، لا تحمر خجلا يا فتينكا، فأستطيع أن أرى ~~الحب في عينيك.» ~~- «أعترف لك يا أماه أنك على صواب، ولكني لست على درجة الجنون في حبي لها وكل ما في الأمر ~~أني أشعر بوحشة شديدة وأجد لإيرينا في نفسي إعجابا قويا.» ~~- «كل ما أقوله لك هو أنك تدل بذلك على ذوق جميل، فهل سجلت زواجك؟» ~~- «لا، لم أسجل بعد، فإيرينا لديها عمل لا تستطيع تركه وأنا مسرور لذلك؛ لأني لا أحب أن ~~أبدأ حياة الزوجية في بلاد سيبيريا النائية.» # كانت إيرينا طويلة وسيمة لها عينان زرقاوان نجلاوان وشعر بني فاتح، وهي ابنة لوالد فرنسي ~~وأم روسية، وتكسب عيشها من ترجمة كتب أدبية من الألمانية والفرنسية لبعض الهيئات في موسكو، ~~وقد قابلتها في حفلة خاصة غص فيها منزل المضيف بالزائرين، وإنما ذهبت هناك بصحبة صديق ذي ~~مكانة عالية، فلما رأيت إيرينا تأثرت لرؤيتها أثرا عميقا ، وقد يكون ذلك لحلاوة عبارتها أو ~~لنبرة صوتها أو ms544 لمشيتها الهادئة الطبيعية، وقلما تبادلت معها الحديث تلك الليلة، لكني كنت ~~شاعرا طول الوقت بوجودها، حتى أنني حين عرضت عليها أن أرعاها إلى دارها لم تدهش لهذا ~~الغرض، كأنما كانت تتوقع ذلك منذ اللحظة الأولى. # ولم يكن في لقائي لها من المظاهر المسرحية قليل أو كثير، فلم يكن هناك شيء من التوتر ~~المحموم، ولا شيء من التفاني في التعبير بعبارات متلاحقة عن ثقتي بها، كالذي حدث لي حين ~~التقيت بجوليا أو بإلينا منذ أعوام طوال، ومع ذلك لم يمض إلا أسابيع قلائل حتى تبين لنا أن ~~حياتينا سترتبطان في وحدة، إذ كانت علاقتنا عميقة الغور بغير اضطراب على السطح، ولقد ~~شاهدتها وهي تلتقي بأمي لأول مرة في غير ارتباك، واثقة أنهما سيتبادلان الإعجاب والتقدير، ~~وخيل إلي أن إيرينا جاءت من نفس الأرومة التي جاءت منها أمي، على الرغم من اختلافهما ~~الشديد في البطانة الثقافية والتعليم والتكوين العقلي، فيظهر أن ما كان مشتركا بينهما طيبة ~~قلبية لا شعورية ومتفانية في التضحية، أضافت مجالا روحيا إلى كل كلمة نطقتا بها أو كل ~~فعل قامتا به. # ولما اتصلت بنا إيرينا بعد العشاء - لأننا اعتزمنا الذهاب في تلك الليلة لمشاهدة مسرحية ~~«الأمير إيجور Prince Igor ~~» الغنائية - أقبلت عليها ~~أمي ضما وتقبيلا فلم يكن هناك ما يدعو إلى الكلمات. # كانت أمي بادئ الأمر مهتزة النفس لرؤية موسكو كما تهتز نفس الفتاة الصغيرة، لكنها ما لبثت ~~أن ازدادت عمقا في تفكيرها، بل ازدادت كآبة في نفسها، إذ بدا لها أنه من الإجحاف أن ننفق - ~~كما ينفق آخرون - مئات الروبلات أجرا لغرف الفندق وللأكلات الفاخرة وألوان الفسحة، مع أن ~~غيرنا كثيرون لا يجدون ما يأكلونه بحيث يشبعون، ولقد اشتريت الثلاث التذاكر «للأمير إيجور» ~~من «سمسار»، فلما أنبأت أمي بثمنها قالت في دهشة: «مائة وعشرين روبلا! إن هذا المبلغ هو ما ~~تتقاضاه امرأة محصلة في سيارة عمومية في دنيبروبتروفسك مدة شهر كامل، ليس هذا عدلا يا بني، ~~كلا، ليس هذا عدلا ، ثم انظر إلى النظارة، إني ما رأيت ms545 جماعة أفرطت في ثيابها وسمنت من ~~إفراط غذائها بلغت كل هذا العدد في مكان واحد منذ أيام الثورة، لقد كنت أتوهم طوال هذه ~~السنين أن قد قامت في بلادنا ثورة.» # فتأتأت إيرينا وقالت: «كفى يا أمي حديثا في السياسة واستمتعي بالأوبرا.» ~~- «لكن تدفعان مائة وعشرين روبلا!» # وأخذتها ذات أصيل إلى المعرض الزراعي، فجعلت تفحص عن كل شيء بشغف شديد: الآلات الزراعية، ~~والجياد الأصيلة والفصائل الفائزة بجوائز المعرض من الأبقار والخنازير، ورفعت منظارها ذا ~~الإطار المعدني عن أنفها الصغير لتقرأ العبارات والإحصاءات التي ألصقتها الدعاوة على كل ~~جدار. # ثم سألتها إذ نحن في السيارة عائدين إلى الفندق: «ما رأيك فيما شهدناه يا أمي؟ لماذا ~~تجلسين صامتة؟» ~~- «فيتيا، سمني امرأة عجوزا بلهاء إذا أردت، لكني لست أرى في كل ما شهدته إلا خداعا ~~مقنعا، من ذا الذي يستفيد بشيء من هذا؟ إذا كان في البلاد كل هذا العدد من الأبقار، فلماذا ~~انعدم اللحم من دنيبروبتروفسك؟ وإذا كان هناك كل هذا المقدار من القطن، فلماذا يتعذر علي ~~شراء قميص لأبيك؟ إنه خداع مقنع يا فيتيا، وهؤلاء الذين تنكروا بهذا القناع يجب أن يخجلوا ~~من أنفسهم.» # فسكت ولم أحر جوابا. # ثم استأنفت أمي حديثها: «لولا أن مجيئي إلى موسكو كان فرصة رأيت فيها إيرينا، لقلت: إنه ~~ربما كان من الخير أن أثوى في قبري قبل أن أرى موسكو، إنها مدينة ذات وجهين، ففيها عدة من ~~الفنادق الفخمة والمسارح والمتاحف والمطاعم، لكن اترك الشوارع الرئيسية تر فقرا كالذي تراه ~~في الريف، نعم لها وجهان! فمن أبراج الكرملن تصيحون بالثورة العالمية، حتى إذا ما بعدتم عنه ~~بضعة أمتار كان الناس بغير حقوق ويحيون حياة الحرمان.» ~~- «أماه، لقد ازددت علما بالسياسة في أسبوعين ... لا تقولي هذا لأبي؛ لأنه يصدم نفسه صدمة ~~قوية، فأنا أعتقد حقيقة أنه يحيك فوق كل شيء؛ لأنك في السياسة قديمة التفكير ساذجة ~~النظر.» # الإقليم الغربي من سيبيريا حيوي للدفاع الوطني، لأنه بحكم موقعه إما أن يساعد روسيا ~~الأوروبية أو روسيا الأسيوية إذا ما ms546 نشبت الحرب في هذه الجبهة أو تلك؛ ولذلك فقد قامت وزارة ~~الحرب بدور لا يقل عن الدور الذي قامت به وزارة الصناعة في سبيل العناية بتقدم ذلك الإقليم، ~~واعتبرت ستالنسك مركزا هاما تدور حوله الخطة المرسومة للدفاع، فكنت ترى سبل التصنيع ~~الجديد بمختلف أنواعه قد انعقدت في سيبيريا الغربية: صناعة الآلات، والمحركات والصناعة ~~الخاصة بفنون الطيران والكيمياء والتعدين. # ولما كانت الرموز في روسيا الحاضرة أهم بكثير من دلالاتها، فقد كان من الحوادث الهامة ~~جدا أن يتغير اسم المدينة المركزية القديمة في سيبيريا الغربية «كوزانتسك» الواقعة على ~~نهر توم ليصبح ستالنسك، فيستحيل أن يتبرك الناس عبثا باسم ذلك الإله القوي الجورجي (من ~~إقليم جورجيا) وهو في سمائه الكرملينية، فتسمية مكان بذلك الاسم معناها أن ذلك المكان قد ~~اختصته العناية الربانية بالمجد، والحق أن العمل القليل في ستالنسك كان أحيانا يرن صداه ~~في الدعاوة القومية رنينا أوسع نطاقا من الأعمال الكبرى في مكان آخر. # لهذا رأوها زندقة مني أن أطالب بفحص المكان الذي اختاروه في خطتهم الموضوعة ليكون مصنعا ~~لخراطة الأنابيب في ستالنسك قبل أن أتولى إنشاءه، فقد أغضب هذا الطلب رفيقنا «كوزفنكوف» ~~الذي كان وقتئذ رئيس صناعة الأنابيب، فدفعني دفعا إلى الرفيق «مركلوف» الذي أصبح رئيسا ~~أعلى لصناعة تعدين الحديد. # قال مركلوف: «ماذا تبغي وراء ذلك يا فكتور أندريفتش؟ هل تريد أن تراجع بنفسك قرارا أقرته ~~الوزارة، ولجنة التصميمات الرسمية ومعهد مشروعات التعدين ووزارة الحرب واللجنة المركزية ~~للحزب والهيئة السياسية العليا؟ هل أنت محتفظ بقواك العقلية؟» # والحقيقة أن اقتراحي حين وضع في هذه الصورة بدا اقتراحا مسرفا في الحمق، لكن التجربة ~~علمتني درسا في الحرص، وهو أن المدير الصناعي في الروسيا إذا ما قبل التبعة قبولا أعمى ~~كان يقذف نفسه بذلك في أقصر الطرق إلى دماره، ولو فعل ذلك إنسان في بلد رأسمالي لكان كل ما ~~يقامر به هو ماله ومنصبه، أما في ظل السوفيت فقد كنت أخاطر بحياتي. # فقلت دفاعا عن نفسي: «ما دمتم قد عهدتم إلي إنشاء مشروع يكلف ms547 مائة وخمسين مليونا من ~~الروبلات، فلا أقل من أن تسمحوا لي بفحص المكان الذي سيقام عليه المشروع وسهولة الحصول على ~~العمال والمواد، وبالاختصار أريد أن أفحص الحالة التي سيتم فيها بناء المشروع بوجه ~~عام.» ~~- «لقد أعددنا ما يلزم المصنع من أموال، ولبث معهد المشروعات في لننجراد عاكفا على دراسة ~~التصميم عدة شهور، ولكن ما دام الأمر لا خطر فيه، فسآذن لك بالرحلة التي تريد، على شرط أن ~~تنسى يا فكتور أندريفتش أننا لا نستطيع أن نستخف بقرار اتخذه الحزب.» # وصلت إلى ستالنسك بعد رحلة استغرقت أربعة أيام في القطار، وكان يصحبني فيها كبير مهندسي ~~«جراردف»، فما وجدت في محطتها القذرة الصغيرة ما يجعلها تتناسب مع سمعة البلد التي ملأت ~~الآذان، والواقع أن القذارة والفوضى كانتا فيما يظهر متأصلتين في طبيعة هذه المدينة التي هي ~~في مدخل سيبيريا، وجعلت أسير حول المدينة أميالا بعد أميال، حيث رأيت كثيرا من المنشآت ~~التي كانت على درجات متفاوتة فيما وصلت إليه من تمام، وكما هي العادة في سائر الأجزاء، ~~بدءوا العمل هناك في مشروعات صناعية كبرى دون أن يفكروا إلا قليلا - إن كانوا قد فكروا ~~إطلاقا - في إعداد العدة للعمال حتى يعيشوا عيشا على شيء من اللياقة. # وجدت مائة وخمسين ألفا من العمال قد احتشدوا في مدينة لم تسع قبل ذلك بسنوات قلائل سوى ~~ثلاثين ألفا، أضف إلى ذلك أن «ستالنسك» اعتمدت إلى حد كبير على السخرة، فكانت تستعين ~~بثمانية آلاف عبد يستدعونهم من معسكر قريب، ورأيت بعض المباني الجديدة التي أقاموها للإدارة ~~ولسكنى الطبقة العالية من العمال أخذت بالفعل تتشقق؛ لأنهم استخدموا فيها السجناء واستحثوا ~~بناءها فأقيمت في وقت جد قصير، وكنت ترى كل بيت وكل حجر في المدينة القديمة يموج بالأجسام ~~البشرية، فوراء الأبنية الفخمة التي أعدت للإدارة ووراء البيوت الجديدة التي أقيمت ~~للعمال ذوي المؤهلات، مباءات تفوح بالروائح الكريهة، لم تكن في قذارتها وفي امتلائها ~~بسكانها خيرا من أسوأ بلد شرقي مما يتكدس فيه الناس كما يتكدس النمل في أعشاشه. # وأخذت ms548 تظهر الثكنات الجديدة ظهورا سريعا في حواشي المدينة القديمة، وأما بقية السكان ~~وهي تتألف من ألوف الأسر فقد عاشت في جحور رطبة تحت الأرض، وكانت هذه الجحور الغليظة ~~المحفورة في الأرض والمسقوفة بأسقف مصنوعة بالأيدي، منظرا مألوفا حول المشروعات الجديدة ~~التي ينشئها اتحاد السوفيت، حيث يستحيل على بناء المنازل أن يساير في سرعته زيادة السكان، ~~والجحر الواحد من هاتيك الجحور طوله في العادة ثماني عشرة قدما وعرضه ثماني أقدام أو عشر، ~~وعمقه ست أقدام أو ثمان؛ وبهذا يتسع لنوم شخصين، وكانت الأسقف تصنع من عوارض خشبية تشدها ~~بعضها إلى بعض غصون الشجر وأعواد القش والطين المحروق وغير ذلك من مواد مما عسى أن يقع في ~~متناول الأيدي، وقد يتاح للمحدودين من سكان تلك الجحور أن يظفروا ببعض الألواح الخشبية ~~يقيمونها على طول الجدار من الداخل فيمنعوا بها تساقط التراب، ويغطون بها الأرض اللزجة بما ~~يشبه الوحل. # والطريقة المتبعة عند السوفيت هي أن يبنوا المصانع ودور الإدارة أولا، وألا يقيموا منازل ~~العمال إلا آخرا، فقلت لنفسي إذ كنت أجوس خلال ستالنسك: ما أبعد الفرق بين هذه الجحور ~~البشرية، هذه «البيوت» الطينية، وبين ما تنشره الدعاوة من صور في أشرطة السينما وفي ~~المجلات! وما أقل الشبه بين ما تدعيه الدوائر الرسمية وبين ما تعلنه الحقيقة غير ~~الرسمية! # استقبلنا شيوخ مدينة ستالنسك استقبالا وديا بلغ حد الحماسة، فقد كانوا يزهون بمدينتهم ~~«المزدهرة» ويسرهم أن يروا وحدة صناعية جديدة تضاف إليها، لكني منذ اللحظات الأولى، حين ~~أخذت في مقابلة من أردت أن أقابل، لاحظت علامات القلق لما ناقشت تفصيلات المنشآت التي كنت ~~مكلفا بالإشراف عليها، وسرعان ما تبين لي ولجراروف أن هذه الربكة البادية على من كنا ~~نناقشهم لها ما يبررها. # كانت الظروف التي تحيط بمشروع خراطة الأنابيب في تلك المدينة مما يجعل التنفيذ مستحيلا، ~~ولا أقول صعبا أو متعذرا، فالمصانع التي كانت تبنى بالفعل هناك، قد تعطلت لنقص في ~~الخشب والأسمنت والطوب والوقود، وعلى الرغم من العمال الذين جاءوا من معسكرات الاعتقال، لم ms549 ~~يكن عدد العمال كافيا ولا كان هناك مكان يسكن فيه العمال، وكان أولو الأمر هناك يتخذون ~~أقوى الإجراءات ليمنعوا مديري الأعمال المختلفة من سرقة العمال بعضهم من بعض، وإذن فلم تكن ~~الأيدي العاملة الموجودة لتكفي المنشآت القائمة بالفعل، فكيف تكون الحال إذا ما أضفنا ~~المشروعات التي وضعوا الخطة لإنشائها؟ # وما أشد فزعنا حين وقعت أبصارنا على المكان الذي أعد لبناء مصنعنا، فقد كان مكانا ~~فسيحا عاريا يغطيه الوحل على شاطئ النهر، ويبعد مسافة طويلة عن المدينة، فلا خطوط ~~للكهرباء أو الغاز، ولا قضبان للقطارات ولا طريق للسيارات العامة، بل لم يكن هناك طريق يمكن ~~السير فيه، فكان الأمر أقرب إلى بناء مصنع في الصحراء، منه إلى إضافة مصنع جديد إلى منطقة ~~صناعية، وإذن فلم يكن في حدود الإمكان أن ننجز المنشأة بما خصصوه لها من مال ولا فيما خصصوه ~~لها من زمن. # وشر من هذا كله أن الأرض لم تكن تصلح قط لمنشأة يراد بها صناعة التعدين، فلم يكن بك حاجة ~~إلى أن تكون مهندسا للمباني لتدرك أن الأرض لا تحتمل البناء الضخم ولا الآلات الثقيلة التي ~~تتطلبها صناعة خراطة الأنابيب، فنظرت إلى جراردف ونظر إلي، وهز كل منا كتفيه هزة الشك ~~والريبة، كيف أمكن لهذا العدد الكبير من المهندسين واللجان أن توافق على هذا الموقع، وعلى ~~هذه الخطط؟ من ذا الذي غشي على أبصار الوزارة واللجنة المركزية؟ من ذا الذي أذن لملايين ~~الروبلات أن تنفق مقدما في سبيل مشروع مصيره إلى فشل محتوم؟ # ولم نعرف كيف نجيب عن هذه الأسئلة، لكن الذي أيقنا من صحته هو أن قبولنا لهذا المشروع ~~معناه الانتحار، فلما زرنا بناء معهد كان قائما على مقربة منا وعلى نوع الأرض الذي أريد ~~لنا أن نقيم مصنعنا عليه، تبدد كل شك في احتمال خطئنا، إذ وجدنا الحجيرات السفلى في ذلك ~~المعهد مليئة بالماء، وجدرانه مرطبة إلى حد التشبع، وكان البناء كله آيلا للسقوط مع أنه ~~بني منذ عامين. # فجمعنا ما أردنا جمعه من صور شمسية وخرائط ms550 وغيرها من المستندات، وعدنا إلى موسكو، فما كان ~~أشده على النفس من موقف ذلك الذي وقفته عند عودتي، وهو أن أخيب رجاء الحكومة في مشروع روجت ~~له ترويجا واسع النطاق، وظفر بموافقة الطبقة العليا من أولي الأمر، ومس سمعة كثيرين جدا ~~من الموظفين كبارهم وصغارهم، بل ربما أدى إلى هدم حياتهم، أولئك الموظفين الذين كان ~~استهتارهم البيروقراطي أو جهلهم الفني هو أساس هذا المشروع الفج. # فكان لتقريري الذي رفعته إلى مركلوف وهيئة موظفيه - وبينهم كوزفتكوف - رجة كأنها ~~الزلزال، فنظر كل منهم كأنما مسته صاعقة، وخيل إلي أنهم جميعا لم يفكروا إلا في طريقة ~~يخلصون بها أنفسهم من مشكلة قد تضخم حتى تصبح كارثة سياسية؛ لأني رسمت لهم صورة من الوضوح ~~ومن دقة التفصيلات بحيث يستحيل الإغضاء عنها، أضف إلى ذلك أنه سرعان ما تبين أن فئة معينة ~~كانت قد رفعت صوتها منذرة بسوء المشروع، لكن أصواتها كتمت بعوامل الخوف، ونظر إلي ~~الموظفون المسئولون نظرات الغضب والاتهام، كأن ما اكتشفته من دقائق الموقف - لا جهلهم - هو ~~السبب في هذا الإشكال. # وأعقب ذلك عدة أسابيع انعقدت فيها اجتماعات عاصفة، تهددوني في غضونها سرا - مرة بعد مرة ~~- أن موتي محقق إذا أكثرت من الحديث في هذا الأمر، لكني قاومت كل ضغط أريد به أن أقوم ~~بتنفيذ المشروع رغم ما قد يضيع فيه من ملايين الروبلات، وما يضيع فيه من مجهود، وأخيرا ~~وصلوا إلى حل يمثل لك العقلية السوفيتية أصدق تمثيل، فهو حل يستر الموظفين من الفضيحة، ~~ويخفي معالم تلك الغلطة الشنيعة بحيث لا يتسع مداها. # وذلك أن مركزا صناعيا آخر له أهميته، كان في طريق التكوين في مدينة «كمروفو» التي تبعد ~~مائة وستين ميلا عن ستالنسك، والتي تقع كذلك على نهر «توم»، وكان مشروع ذلك المركز الصناعي ~~وقتئذ قد وضعت تصميماته، وذكر على أنه مكان يليق أيضا لصناعة خراطة الأنابيب، فما هو ~~إلا أن رأيت الخوف قد دب دبيبه في الآلة الحكومية بحيث أسرعت في دوران عجلاتها، ناقلة بؤرة ~~حماستها من ستالنسك إلى ms551 «كمروفو». # وراح من بيدهم الأمر جميعا: مكاتب التصميمات والعلماء وموظفو الحزب وأولو الأمر من ~~الفنيين، راح هؤلاء يعلنون فجأة أن «كمروفو» يجب أن تكون لها الأفضلية على ستالنسك، وزعموا ~~أن «الموقف السياسي» في الخارج - وهو عبارة كان معناها عندنا علاقاتنا المتوترة مع اليابان ~~- ومصلحة تصنيع سيبيريا بصفة عامة، يقتضيان أن تكون لكمروفو الأفضلية، وأما ستالنسك فيمكن ~~أن يرجأ مشروعها، وهذا الإرجاء لا أشك قط في أنه إرجاء إلى الأبد، ولو أنه ليس بينهم رجل ~~واحد وجد الشجاعة التي يعلن بها ذلك على الملأ. # وهكذا شاع في الناس - في الاضطراب الذي لا محيص عنه فيما يظهر إذا ما كان تصميم المشروعات ~~يجري على مثل هذا النطاق الواسع - شاع أن تعييني في ستالنسك قد قذف بي إلى «كمروفو»، وطلبت ~~هذه المرة أيضا أن أفحص عن الموقع الذي تقوم عليه المنشأة، فلم يمتعض من طلبي هذه المرة ~~رجال الوزارة ولا رجال الرياسة في صناعة الأنابيب. # ولحسن الحظ وجدت «كمروفو» ملائمة كل الملاءمة، وهي مدينة سكانها نحو مائة وخمسة وعشرين ~~ألفا، شوارعها واسعة ومتنزهاتها فسيحة، وبها عمارات ضخمة للسكن، ومبان جميلة للموظفين ~~ورجال الإدارة، نعم كان هنالك ما تعودنا رؤيته من ثكنات قبيحة في طرف المدينة، بل كان هنالك ~~ما هو شر من ذلك من مباءات للبؤس، لكن الحالة بصفة عامة كانت طيبة إلى درجة تعلو على ~~المستوى المألوف، فلم أر إلا منزلا واحدا من المنازل التي يصح أن نقرنها إلى مساكن الشرق، ~~وكنت ترى في الأسواق - حيث يحضر فلاحو المزارع الجماعية نتاج حدائقهم الخاصة - كنت ترى وفرة ~~من الخضر الطازجة واللحم واللبن والزبد والطيور، والأسعار أقل منها في موسكو كثيرا، فإذا ~~قارنت الحالة هنا بالحالة في الأورال؛ وجدت هذا المكان بشيرا بالفردوس. # ولا بد أن قد كان الموقع الذي اقترحوه مكانا لمصنعنا مخصصا لمشروع آخر صرفوا عنه الآن ~~النظر، فوجدنا بعض المباني التي تم بناؤها، وسلسلة أخرى من المباني تم وضع أسسها، كما وجدنا ~~خطا حديدا وأنابيب وأسلاكا للغاز والكهرباء والماء وغيرها من ms552 الإعدادات التي من شأنها ~~أن تيسر العمل تيسيرا عظيما، وفضلا من ذلك فقد كنا في داخل المدينة ذاتها، وهذا يجعل ~~مشكلات السكن والنقل لعمالنا أيسر كثيرا؛ لهذا كله اغتبطت واغتبط «جرادوف» غبطة ~~شديدة. # وأبدى موظفو كمروفو استعدادهم للمساعدة؛ لأن مجيئنا إلى بلدهم معناه أن مائة وخمسين ~~مليونا من الروبلات ستنفق في المدينة، وصرخت الصحافة المحلية هناك صراخا عالميا ~~معلنة عن زهوها بما هو مقبل عليها من منشآت، وعلى الرغم من أن كمروفو كان بها مصنع للفحم ~~ومناجم له، ومصانع لمعدات الحرب، فإن شهرتها الأساسية (إذا استثنينا ما اكتسبته من سمعة ~~سيئة بسبب المحاكمات الدموية التي جرت في موسكو والتي سأشير إليها فيما بعد) أقول: إن ~~شهرتها الأساسية كانت بصناعتها الكيميائية، ولم يكن سرا أن الجماعة الصناعية الكيميائية ~~هناك - وهي من أكبر مثيلاتها في العالم - إنما كانت الغاية منها أن تنتج ما يلزم للضرورات ~~الحربية. # استقبلنا الرفيق سفوروف استقبالا حارا، وهو مهندس لكنه يشتغل الآن أمينا لسر اللجنة ~~المحلية للحزب، وكان موظفو القسم السياسي حاضرين في استقبالنا، متظاهرين بأن حضورهم جاء ~~مصادفة بحتة، لكني عرفت من أسئلتهم أنهم يلمون إلماما دقيقا بالفضيحة المكتومة التي ~~تكمن وراء انتقالنا المفاجئ بمنشآتنا من ستالنسك إلى مدينتهم، وسواء عرف مركلوف وكوزفنكوف ~~وغيرهما أنهم كانوا محاطين بأعين الشرطة وآذانها طوال الوقت أو لم يعرفوا، فهذه هي الحقيقة ~~الواقعة، وقدمت تقريرا لمكتب اللجنة المحلية في كمروفو بإنشاء مشروعنا في بلدهم فوافق على ~~ذلك. # عدت إلى موسكو وبعدئذ ذهبت إلى لننجراد حيث أنفقت عدة أسابع أتعاون في العمل مع معهد ~~المشروعات التعدينية الذي غض النظر عن مشروع ستالنسك وجعل يواصل العمل بسرعة ليفرغ من ~~تصميمات مشروع كمروفو، ووضعت في بنك كمروفو مبالغ كبيرة من المال لحسابنا، وأخذت سمعتي ~~صوب منصبي الجديد ترافقني هيئة الموظفين الجديدة التي ستكون في معونتي. # وجاءت إيرينا إلى محطة موسكو لوداعي، وكان مما خفف حزننا على فراقنا أننا كنا عالمين بأن ~~طبيعة عملي ستقتضي ذهابي إلى العاصمة على فترات قصار. # العمل المتصل هو الدواء ms553 المسكن لخيبة الرجاء، أو قل أن الأمر كان كذلك في حالتي على ~~الأقل، فقد انهمكت في المهمة الشاقة التي كلفت بها في كمروفو انهماكا شديدا كان مرده - ~~إلى حد كبير - ما كان يخامرني إذ ذاك من يأس، وكلما قسوت على بدني في العمل نهارا، أسرع ~~النعاس إلي بالليل، وهكذا نجحت في محو الخواطر المزعجة التي كانت تجثم على ذهني فيما يختص ~~بالبؤس الشامل الذي خيم على بلادنا، نجحت في محو هذه الخواطر الخطيرة بشغل رأسي بما هو أقل ~~منها خطرا من هموم عملي المباشر وما يتبعه من تفصيلات، والحق أني كلما ازددت مقتا لنظام ~~الإرهاب السائد في بلادنا، ازددت إخلاصا في تركيز جهودي في العمل الذي أباشره. # وعلى الرغم من أني كنت موضع ثقتهم في مشروع سيكلف في النهاية ملايين كثيرة من أموال ~~الحكومة، فإني لم أؤتمن على اختيار الموظفين الإداريين الذين سيعملون تحت إشرافي، فقامت ~~وزارة الصناعة ورئيس صناعة الأنابيب في موسكو بتعيين كبار الموظفين عندي دون استشارتي على ~~الأقل، ومن شأن هذا النظام أن يتجسس الموظفون بعضهم على بعض وألا يثق أحد في أحد ممن ~~اجتمعوا للتعاون على أداء عمل واحد، بيد أن حسن الحظ قد شاء لي أن يكون كبير مهندسي جرادوف ~~كفئا في عمله ومحببا في عشرته في آن معا، لكننا - أنا وهو - كان ينغص علينا ويعرقل سيرنا ~~ناس لا هم أكفاء في عملهم ولا هم ممن يخف وقعهم على النفس باعتبارهم الإنساني المحض، وكان ~~مما لا يخفى أن بعض من عينوهم من أهل البلد إنما عينوهم لا لشيء سوى أن يكونوا عيونا ~~مرصودة تعمل لحساب اللجنة الإقليمية في نوفوسيبرسك، وحساب اللجنة المحلية في كمروفو، وحساب ~~القسم الاقتصادي من الشرطة السياسية، وحساب الرياسة العليا لصناعة الأنابيب. # ومن أول خطوة من خطواتنا في العمل أخذت الإجراءات الرسمية والحماقة الحكومية تقف في ~~سبيلنا أحجارا نتعثر عليها، كان العمل يقتضي أن أعد أكداسا من المواد والأدوات وأن أهيئ ~~لها سبيل النقل والخزن ، وكان لا بد لي من آلاف العمال ms554 الفنيين وغير الفنيين، وبالتالي لزم ~~أن تعد لهؤلاء العمال مساكنهم وضروراتهم الأولية، ولو كانت الظروف سوية لما كان أداء هذه ~~المهمات مما يستحيل إنجازه، أما في ظل النظام السوفيتي، فقد كانت كل خطوة تحتاج إلى موافقات ~~صورية لسلسلة من المكاتب لا ينتهي عددها، كل منها حريص ألا ينتقص من حقوقه شيء، وكل منها ~~يخاف أفزع الخوف من تحمل التبعة في قرار جديد؛ لذلك كنت ترانا حينا بعد حين وقد قيدتنا هذه ~~الصعوبات الصغيرة المتكررة حتى أعجزتنا عن الحركة بفداحة أغلالها التي لا يمكن حلها إلا ~~بأوامر تأتي من موسكو، فقد كنا نعيش ونعمل فيما يشبه الغابة الكثيفة التي قوامها استجوابات ~~واستمارات وتقارير تكتب من سبع نسخات. # وسأوفر على القارئ عناء التفصيلات الفنية، لكني سأكتفي بأمثلة قليلة أسوقها لأصور له روح ~~العمل على غير خطة موضوعة، ذلك العمل المتخبط الذي يسمونه بعبارة سهلة على الأفواه، إذ ~~يسمونه «بالاقتصاد الذي رسمت له الخطط». # كنا في مسيس الحاجة إلى طوب، فكانوا يسوقون مئات المسجونين من معسكراتهم البعيدة ليعملوا ~~أربع عشرة ساعة كل يوم ليسدوا حاجة الجهات المختلفة في كمروفو لهذه المادة، ومع ذلك فقد كان ~~هناك محرقان للطوب كبيران كاملا الإعداد، لم يشتغلا لأنهما تابعان لوزارة أخرى احتفظت بهما ~~من أجل حاجتها التي ربما دعت إليها الظروف في المستقبل، وما هذه الظروف المستقبلة إلا خيال ~~في خيال، فرجوت رجاء، ثم تهددت بالشر، ثم أرسلت الرسل إلى موسكو محاولا أن أحرك هذه ~~الأفران الجامدة، لكن الإجراءات الحكومية انتصرت آخر الأمر على الإدراك الفطري، ولبث ~~الفرنان ميتين طول إقامتي في المدينة. # وفي الوقت الذي كنا نبذل فيه جهد الجبابرة لإعداد المساكن لعمالنا كانت هناك عمارة كبيرة ~~كأنما أقيمت لتحرك الغيظ في النفوس، فظلت قائمة في ضاحية المدينة لا يتممون بناءها ولا ~~يعود على أحد منها نفع، فالظاهر أن الاعتماد المالي الذي تقرر لهذه العمارة قد نفد قبل ~~تمامها، وكان عندي مال يكفي لإتمامها فتستفيد بمساكنها، لكني لم أوفق قط إلى تحطيم أغلال ~~الإجراءات الحكومية، فالهيئة ms555 التي بدأت البناء كانت على استعداد للنزول عنه، بل لم يكن هناك ~~شخص واحد يمانع في هذا، وكان يبدو دائما أن التصريح الرسمي بهذا يوشك على الصدور والنفاذ، ~~وكل ما في الأمر أنه لا صدر ولا وجد سبيله إلى التنفيذ. # وكان خلال منطقتنا من المدينة خط للترام عظيم الأهمية أوشك على التمام، يكفي لإتمامه بضعة ~~عشرات من آلاف الروبلات، وكان هذا الرصيد موجودا، لكن أولي الأمر في المدينة لم يستطيعوا ~~التصرف في ذلك الرصيد بغير استئذان هيئة أعلى؛ لأن الأمر كان يكتنفه صعوبات إجرائية في ~~الميزانية، فتدخلت في الأمر وأرسلت عشرات الخطابات المستعجلة أستحث أولي الأمر فيها أن ~~يتمموا المشروع، فكانت تجتمع لذلك لجنة الحزب المحلية ولجنة كمروفو السوفيتية فيدور بين ~~الأعضاء نقاش حاد حول الموضوع، دون أن ينجزوا عملا واحدا على مر الشهور شهرا في إثر شهر ~~في الوقت الذي كان ألوف العمال والعاملات المتعبين يضيعون فيه من وقتهم ساعتين أو ثلاثا كل ~~يوم في سيرهم المضني إلى العمل ومن العمل. # هذه المنغصات وأمثالها كانت لا تقع تحت الحصر، يتراكم بعضها على بعض، حتى لقد حولت كل عمل ~~صغير إلى مشكلة كبيرة، وعطلت مئات الموظفين عن أداء عمل مفيد، لاشتغالهم بهذا العبث، فكانوا ~~بمثابة من أجرتهم الدولة ليوسعوا من نطاق الاضطراب والفوضى، أضف إلى هذه المضايقات ~~والحوائل الإجرائية، ما زاد الطين بلة من جاسوسية حامية الوطيس وعرائض اتهام ~~وتحقيقات. # والحق أني لم أستطع أن أعلل هذه المتاعب والعراقيل بما يكمن في النفوس من حقد، ولو أنني ~~كنت أشاهد اشتغال المتناقشين في مهاجمة بعضهم بعضا وفي سب بعضهم بعضا، فالتعليل الصحيح ~~لهذا كله هو الخوف الضارب بجذوره في النفوس مما شل الناس أفرادا وهيئات. # وشاءت المصادفة لمدينة كمروفو أن تعاني من حركة التطهير أكثر مما كان ينتظر لمدينة في ~~حجمها؛ ولذلك كانت أبطأ سيرا في استعادة نشاطها، فقليلون من كبار رجالها الفنيين ~~والإداريين هم الذين استطاعوا عندئذ أن يتخلصوا مما ألم بهم من جزع بسبب ما أريق من دماء؛ ~~ذلك ms556 أن هذه المدينة كان لها مكان بارز في محاكمات موسكو؛ لأنه قيل: إن مصانعها الكيميائية ~~ومناجم فحمها كانت أهدافا رئيسية لنشاط المخربين، وقيل كذلك أن «مطبعة سرية» أقيمت في ~~كمروفو ليستخدمها زعماء المعارضة. # وكان في طليعة «المتآمرين» في هذه المدينة - فيما زعموا - الرفيق نوركين الذي كان أحد ~~المتهمين في محاكمة بياتاكوف والذي أعدم لذلك بعد المحاكمة بساعات قلائل، وكان نوركين ~~في مدينة كمروفو ممثلا لوزارة الصناعة الثقيلة، فكتب علي الآن أن أجلس في نفس المكتب ~~الذي كان نوركين يدبر فيه جرائمه - إذا أخذنا باعترافه الذي يستحيل على عقل سليم أن يؤمن ~~بصحته - ولذلك كنت على صلة دائمة ببعض الموظفين الذين عاونوه في العمل، وبكثيرين ممن شهدوا ~~عليه في المحاكمة. # فلما توثقت أواصر المعرفة بيني وبين هؤلاء الناس، كان من الطبيعي أن يرد اسم نوركين في ~~محادثاتنا آنا بعد آن، فكانوا كلما جاء ذكر اسمه أخذتهم الحيرة وغلبهم - فيما خيل إلي ~~- شعور عميق بالخجل، ولم تكن بهم حاجة أن ينبئوني - ولو أن أحدهم على الأقل قد أنبأني ~~صراحة - بأنهم افتروا على رئيسهم كذبا تحت ضغط من رجال الشرطة السياسية إنقاذا لأرواحهم، ~~وكثيرا ما كانت ضمائرهم تسيطر عليهم فتتغلب فيهم على ما تمليه الحكمة من وجوب الخلاص ~~بأنفسهم. # وحدث ذات يوم على إثر حادثة خطيرة وقعت في المصانع الكيميائية، أن وجدت نفسي في خلوة مع ~~شيوعي نابه موظف هناك، وبعد أن حدثني ببعض تفصيلات الحادث، قال فجأة بصدر ضيق: «وهذا على ~~وجه الدقة مثل من أمثلة ما أعدم من أجله نوركين وكثيرون غيره! إن «المتلافين» و«المخربين» ~~قد قضوا، لكن ها هي ذي الحوادث ما زالت تقع للآلات فتعطلها، من يدري، لعلهم يدبرون هذا ~~التخريب من قبورهم التي لا يعرف لها مكان ...» ~~- «ولكن ما رأيك في اعتراف نوركين نفسه على نفسه يا رفيقي ل...» ~~- «لا تكن ساذجا يا فكتور أندريفتش، لو أراد هؤلاء المهندسون حقا أن يحدثوا في العمل ~~اضطرابا لاستطاعوا أن يدمروا المصنع كله من أساسه فيتطاير في الهواء رمادا، لماذا يحصرون ms557 ~~أنفسهم في نطاق الذوق وحسن اللياقة فلا يحدثون إلا تلفا تافها أو عرقلة مؤقتة لمجرى ~~الإنتاج؟ لماذا يسممون العمال؟ اعترافات! يا لها من حكايات خرافية ينسجونها نسجا للأجانب ~~المغفلين!» # لم يخف على مهندس كائنا من كان أن المصانع الكيميائية - شأنها في ذلك شأن كثير جدا ~~من المشروعات السوفيتية الصناعية الجديدة - كانت تعمل في ظروف مليئة بضروب العراقيل، فإنشاء ~~المؤسسات الصناعية يتم على صورة شائهة، وفي كثير من الحالات لا يتم أبدا، والإعداد ناقص ~~والعمال لم يكمل تدريبهم، فالحق الصراح هو أن عدم الخبرة والأخطاء التي لا تنطوي على نية ~~شريرة هي أساس ما كان يحدث هناك من حوادث قبل حركة التطهير، وما زالت تسبب الحوادث بعد أن ~~أزهقت أرواح «أعداء الشعب». # قال لي الرفيق «ل...»: «إن ملفات الأوراق في وزارة الصناعة الثقيلة مفعمة بالتقارير التي ~~تصف هذه الحالة التي قد تؤدي إلى وقوع الحوادث، وكثير من هذه التقارير رفعها بعض هؤلاء ~~الذين اعترفوا على أنفسهم فيما بعد بأعمال التخريب، أمن المعقول أن يحذر المهندسون أولي ~~الأمر من كوارث هم الذين يدبرون وقوعها؟» ~~- «لا أظن ذلك.» ~~- «ثم ضع في اعتبارك هذه النقطة الآتية: ماذا يكون وقع الأمر على الرأي العام لو أن ~~الحكومة كشفت عن هذه التقارير في المحكمة؟ يا الله! خير لي أن أمسك عن الكلام، إن القلب إذا ~~أفعم فاض بما فيه.» # وما كان يصدق على المشروعات الكيميائية، يصدق كذلك على مناجم الفحم، ولقد دعاني أمين السر ~~سفروف ذات يوم إلى مكتبه في لجنة الحزب؛ لأنه حدث ذلك الصباح أن فاض الماء فأغرق منجما، ~~وشاع النبأ في المدينة بحيث اضطرب له سفروف اضطرابا شديدا. # قال لي: «لا بد لنا يا رفيقي كرافتشنكو من بضع مئات من أزواج الأحذية المصنوعة من المطاط ~~ليلبسها العمال في تفريغهم الماء الذي فاض على المنجم، وقد قيل لي: إن لديك كمية مخزونة من ~~هذه الأحذية وأريد منك التعاون.» # فوافقت بالطبع على إعارته الأحذية، ثم جذبته جذبا إلى مناقشة حول حادثة فيضان الماء في ~~المنجم، ms558 وسألته هل هي الأخرى مؤامرة على المخربين، فأجابني سفروف قائلا: «لا داعي للتسرع ~~إلى مثل هذا الاستنتاج، أرني منجما للفحم أنى شئت من جهات الأرض، في بلادنا أو خارج ~~بلادنا، لا يتعرض حينا بعد حين للانفجار أو الهدم أو فيضان الماء، إن ذلك جزء لا يتجزأ من ~~طبيعة العمل نفسها، خاصة هنا؛ لأن معداتنا لا تزال بدائية إلى حد كبير.» # فأعدت الرأي قائلا: «ومع ذلك فقد سمعنا من مجرى المحاكمات والاعترافات أن مناجم كمروفو ~~ينبث في أنحائها المخربون.» # فنظر إلي أمين السر وأطال النظر، ثم ابتسم ابتسامة ماكرة وغير موضوع الحديث. # وحدث بعد ذلك بأيام أن اجتمعت للتشاور مع موظف ربطتني به أواصر الود، في مكاتب الرياسة ~~المحلية لاستخراج الفحم، وقد طالت المفاوضة بيني وبينه حتى جاوزت مواعيد العمل اليومي، ~~وسرعان ما وجدنا أنفسنا وحيدين في المكان، فما هو إلا أن نهض لغير غرض مقصود، وذهب إلى ~~خزانة حفظت بها ملفات الأوراق، وجذب منها ملفا متين الغلاف، ناوله إلي وهو صامت، ~~ففتحت الملف وأخذت أقرأ - كلما اتفق - نسخات كربونية من تقارير رفعت إلى إدارة الفحم في ~~موسكو. # رفعت هذه التقارير قبل حدوث الانفجارات وغيرها من الحوادث التي سميت فيما بعد بأعمال ~~التخريب بزمن طويل، وكانت هذه التقارير تستحث أولي الأمر، استحثاثا صب أحيانا في عبارة ~~اليائس، منذرة بوجوب اتخاذ الإجراءات الوقائية بغير إبطاء إذا ما أريد اجتناب الخسارة في ~~الأرواح والأموال، ومغزى هذه الإنذارات واضح، وهو أن أعوان التخريب لا يعقل أبدا أن ~~يتوسلوا بكل هذه القوة إلى أولي الأمر أن يتخذوا من الإجراءات ما عساه أن يعوق تنفيذ ~~جرائمهم التي دبروها. # لقد تأيد اعتراف نوركين بوجود مطبعة سرية بما قاله أثناء المحاكمات التي جرت في «كمروفو» ~~و«نوفو سيبرسك» معتقلون آخرون، ثم ازداد تأييدا بصورة شمسية للمطبعة، ونسخات من المنشورات ~~التي أخرجتها المطبعة لمحاربة السوفيت؛ لهذا كان اعتراف نوركين من الاعترافات القليلة التي ~~ظهرت مؤيدة بالوثائق التي تثبت صحتها، حتى لقد خدعتني القصة أول ما سمعتها وظننت بها الصدق؛ ~~لذلك ms559 انتهزت كل فرصة سنحت لي إذ أنا في المكان الذي وقعت فيه حوادثها لعلي أعرف الأمر على ~~حقيقته. # أقمت في كمروفو ما يقرب من عام، استطعت خلاله أن أرسم لنفسي صورة للحقيقة كما وقعت، حتى ~~إذا ما تكاملت صورتها في ذهني لم أجد فيها قط ما يحمل على الاتهام، وليس في وسعي أن أكشف عن ~~السبيل التي سلكتها في الحصول على معلومات جزءا جزءا خلال مدة طويلة، خشية أن أضر بذلك ~~ناسا كرام النفوس، وسأقتصر على بسط الحقيقة المروعة بسطا موجزا صادقا، وإنها لحقيقة ~~بلغت من فظاعتها أني لم أصدقها أبدا حتى ثبتت لي صحتها بالدليل القاطع. # كان هنالك بالفعل مؤسسة سرية للطباعة، فقد دخلت مكانها السري عدة مرات، وكنت في كل مرة ~~أرى آثارها لا تزال باقية، وطبعت بالفعل منشورات تهاجم ستالين وتدعو إلى الثورة، لكن ~~الذي أقام المطبعة، والذي كتب تلك المنشورات، هو القسم السياسي نفسه! # ولكي يضمنوا عدم إفشاء هذه الأكذوبة القبيحة، عمل أصحابها على استخدام عمال يستحيل عليهم ~~الإفشاء استحالة مادية، إذ استخدموا طائفة من المسجونين الذين حكم عليهم بالإعدام ~~وينتظرون الموت، أو حكم عليهم بالسجن أعواما طوالا، ودبرت المؤامرة تحت ستار ~~الليل، وأقيمت الحراسة بالطبع على المسجونين، وقام بالإرشاد الفني جماعة من الشرطة السرية ~~تخصصت في مثل هذه الأمور. # وسألت رجلا ممن كانوا يعلمون هذه الحقائق: «وماذا جرى للمنشورات المطبوعة ألم توزع منها ~~ألوف في المدينة كما زعموا؟» # فأجابني قائلا: «كلام فارغ، فأنت تعلم يقينا أن من يضبط ومعه مثل هذه المطبوعات ~~يقبض عليه، ومع ذلك فما سمعت بحادثة واحدة قبض فيها على إنسان واحد بتهمة كهذه، كلا ~~ولا سمع بذلك أي إنسان هنا، فما أظن أحدا من العمال قد رأى هذه المنشورات المشهورة أو سمع ~~بها حتى علمنا بها من المحاكمات، فربما طبعها المتآمرون لغرض واحد هو أن يتسلوا بها إذا ما ~~أووا إلى مخادعهم.» # ومهما يكن من أمر، فيكفي أن كمروفو - مناجم فحمها ومصانعها الكيميائية وإداراتها التي ~~تشرف على المباني - يكفي أن تكون ms560 كمروفو قد شرفت بدور خطير قامت به في المؤامرة، ليخيم ~~عليها جو كثيف من المخاوف، فما كان لإنسان أن يتحرك من مكان إلى مكان دون أن يصرح له بذلك ~~تصريحا يوقعه ويبصمه بكل ما يضمن الأمان من الخطر ذوو السلطان في نوفوسيبرسك وموسكو، وإني ~~إذا ما استعدت بذاكرتي كل هذا، لا أكاد أصدق أننا استطعنا رغم ذلك أن ننجز ما أنجزناه قبل ~~أن تصدر الأوامر بترك المشروع كله جانبا لتغير في السياسة لم تعرف أسبابه، ولو ذكرت قصة ~~هذا التغير السياسي في هذا الموضع من الكتاب لسبقت مجرى حوادث قصتي. # الفصل الحادي والعشرون # | والقتال ناشب في أوروبا # إن معاهدة الصداقة بين أدولف هتلر وجوزيف ستالين، تلك المعاهدة التي عجلت بالحرب في ~~أوروبا ستظل إلى الأبد مرتبطة في ذهني بالبلد السيبيري الخانق الذي كنت أعمل فيه إذ ذاك، ~~فقد كنت في كمروفو حين رأيت التعاقد يلمع ضوءه فجأة عبر سمائنا ويقحم نفسه إقحاما سريعا ~~في عقول أعضاء الحزب وضمائرهم، فكنا جميعا إزاءه كالمدهوشين المبهوتين المترنحين من شدة ما ~~نرتاب في صدق ما نسمع. # وكان الصيف القصير المغبر بالتراب في سيبيريا يدنو من ختامه بأخلاط من إشاعات عن ~~مصادمات مع اليابان عند الحدود، ولم تكن نذر الحرب التي هدأها اتفاق ميونخ في العام السابق ~~قد صمت صوتها صمتا تاما، بل إن كل من أدار في ذهنه هذه المسائل لم يسعه إلا أن يدرك ~~العوامل التي تهدد بالحرب في الجانبين معا، أما أن تقوم الصداقة الحقيقية بين ألمانيا ~~الفاشية والاتحاد السوفيتي وأن تنصرف جهود السوفيت العسكرية وجهة أخرى تبعا لتلك الصداقة، ~~فذلك ما لم يخطر ببال روسي واحد؛ لأننا لبثنا أمدا طويلا نسلم تسليما لا يقبل الجدل بأن ~~للنازيين لهم عدوا حقيقيا واحدا هو النظام السوفيتي. # لكن الكرملن كان في رأيي قادرا على الخروج على الأوضاع مهما تكن صورته، إذ لم تكن ~~أساليبه عندئذ - فيما بدا لي - تختلف كثيرا عن أساليب النازيين، خصوصا في معاملته لشعبه ~~وفي تنظيمه لقوته، حتى لقد كنت أسأل ms561 نفسي كلما قرأت أو سمعت دعاوة ضد هتلر: «أين يا ترى ~~الفرق بين أساليب هتلر وبين فظائعنا السوفيتية؟» وعلى كل حال لم أصدق ما سمعته من أخبار ~~التعاهد السوفيتي الذي أطلق الحرية لهتلر في إعلان الحرب على بولندا وغيرها من بلاد أوروبا، ~~وقلت لنفسي: إنه لا بد أن يكون في الأمر خطأ ما، وكان كل من حولي يرتاب مثل ريبتي. # ولا عجب فقد بثت فينا كراهية النازية على مر الأعوام، فرأينا قادة قواد جيشنا - ومن ~~بينهم توخاتشفسكي - يعدمون بالرصاص لمؤامرة قيل: إنهم يدبرونها مع هتلر وحكومته، ~~ومحاكمات الخيانة العظمى التي قضت على أصدق أصدقاء لينين إنما ارتكزت على أساس أن ألمانيا ~~النازية وحلفاءها من دول المحور - إيطاليا واليابان - كانت تعد العدة لمهاجمتنا، ولم تكن ~~هذه الأمم في رأينا إلا بمثابة سنان الرمح الذي يستتبع وراءه اتحادا عالميا من دول ~~الرأسمالية غايته تحطيم وطننا الاشتراكي؛ ولذلك كان أقوى ما يبرر حركة التطهير الأعظم وما ~~تضمنته من أعمال وحشية، هو الهجوم الوشيك الوقوع علينا بقيادة النازيين. # هكذا سادت بلادنا عقيدة لها قوة العقائد الدينية، بأن فجور هتلر حقيقة لا تحتمل شكا ولا ~~ريبة، كما أن نقاء سريرة ستالين حقيقة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وكنت ~~ترى صبيان السوفيت يلعبون حربا «بين الفاشيين والشيوعيين»، وكانوا دائما يطلقون على ~~الفريق الفاشي منهم أسماء ألمانية، وهو الفريق الذي يمنى بالهزيمة في كل مرة يلعب فيها ~~الصبيان هذه اللعبة، ثم يأخذ الفريق الظافر في نشيد «ترنيمة الرائد الصغير» «كن مستعدا ~~دائما»، وكذلك كانت الأهداف في ملاعب الرماية في معظم الحالات صورا لنازيين في قمصانهم ~~البنية اللون وعلى صدورهم شارة الصليب المعقوف. # كنا قد استمعنا قبل إمضاء التعاقد بأسابيع قليلة إلى محاضرة عن الموقف العالمي في اجتماع ~~من اجتماعات الحزب، ولم يكن فيها إلا الحدث المألوف المملول، فصور المحاضر هتلر - كما هي ~~العادة دائما - في صورة شيخ المجرمين، الذي اتخذته البلوتوقراطية العالمية لها صنيعة ~~وأداة، فأخذ يعد العدة لضربتنا، ولما قال الخطيب: إن ms562 هتلر وحزبه طغاة مستبدون، وإن الفوهرر ~~وعصابته ينزلون أنفسهم منازل الأرباب، وإن ألمانيا النازية لا تعرف حرية الكلام ولا حرية ~~الصحافة، وإن كل إنسان في ألمانيا يعيش في خوف ورعب، لما قال الخطيب ذلك لم يسع كثيرين منا ~~أن يتساءلوا: أليس الخطيب بهذا القول يصور نظامنا نحن تصويرا دقيقا؟ # وكانت دار السينما في شارع كمروفو الرئيسي لا تزال تعرض شريطا قديما يناهض النازية، ~~واسمه «الأستاذ مملوك»، يصور هتلر وحكومته في صورة القساة الغلاظ اللصوص الذين استولت عليهم ~~فكرة لا ينثنون عنها وهي كراهية الاتحاد السوفيتي. # ولم نصدق المستحيل إلا حين رأينا في أشرطة الأخبار في السينما، وفي الصور التي تنشرها ~~الصحف، رأينا ستالين في ابتسامته يصافح فون ريبنتروب، ورفرفت في موسكو أعلام الصليب المعقوف ~~وأعلام المطرقة والمنجل جنبا إلى جنب! وسرعان ما أخذ مولوتوف يشرح لنا الموقف قائلا: إن ~~أمر الفاشية على حقيقته لا يزيد على كونه «مسألة ذوق وميل»! وجعل ستالين يحيي زميله في ~~الدكتاتورية بكلمات حارة تصف ما بينهما من «صداقة عليها خاتم من دماء»! # وإذا أردت أن تعرف مدى دهشتنا لهذا الانقلاب، فينبغي أن تعلم ما كانت تقوله الشيوعية ~~الرسمية عن النازية والفاشية بصفة عامة حتى جاء هذا التعاقد، فقد أفهمونا أن الفاشية لا ~~تختلف عن الرأسمالية في النوع، وإنما تختلف في الدرجة وحدها، فهي رأسمالية لا أكثر ولا أقل، ~~تنتهي إلى ما تنتهي إليه الرأسمالية من خنق وموت، وهي رأسمالية ليس لها ما للرأسمالية من ~~قناع «الديمقراطية» و«الخدعة البرلمانية»، نعم أفهمونا من قبل أن النظام في إيطاليا ~~وألمانيا رأسمالية اضطرت اضطرارا إلى خلع «قناعها الديمقراطي»، هي رأسمالية تركت ذئابها ~~تنهش العمال علانية، فاختلفت بذلك عن الرأسمالية في أمريكا وإنجلترا وغيرهما في أن الإرهاب ~~لم يعد يتخفى وراء أستار، ولا بد - في الواقع - من أن يحدث على مر الزمن أن يصطدم العالم ~~الرأسمالي كله على صخرة خطاياه، فيخلع هو الآخر قناع الديمقراطية الخادع ويتردى في مهوى ~~الفاشية . # لقد علمونا أن الهتلرية إن هي إلا اليد الحديدية للعالم ms563 الاستعماري الاستبدادي كله، وإذن ~~فالحرب بين ألمانيا النازية وبين رعاتها من الدول الرأسمالية لا يقبلها عقل؛ لأنها لا تتفق ~~والمنطق، أما وقد نشبت بالفعل هذه الحرب التي استبعدوها بالعقل والمنطق، فقد ظنناها ضربا ~~من الجنون، لكنه لا يقل جنونا عن اتفاق ودي يبرم بين الاتحاد السوفيتي وألمانيا، ذلك ~~الاتفاق الذي يجب أن يسمى بأسماء ستالين وأعضاء هيئته الرسمية العليا لا باسم الاتحاد ~~السوفيتي، إذ لم يؤخذ فيه رأي الحزب ولا رأي الشعب، لكن الحكومة التي سيطرت على الصحافة ~~سيطرة تامة، كما سيطرت على الإذاعة والمدارس والمنابر، وفرضت بقوة شرطتها على الناس إجماعا ~~في الرأي، مثل هذه الحكومة لا يستحيل عليها أن ترتكب أية فضيحة منطقية كائنة ما كانت، ~~فسرعان ما تمضي الأيام ويخف على الناس وقع الصدمة، فيقبلوا بصفة عامة ما اتخذته الروابط ~~العالمية من أوضاع جديدة، وعلى ذلك أخذنا إذ ذاك نقول ونعيد ونكرر أن أنصار الاستعمار من ~~الفرنسيين والبريطانيين، تؤيدهم النزعة الاستغلالية التجارية الكبرى لدى الأمريكان، وكبار ~~الملاك الزراعيين من البولنديين، نهضوا يقاتلون الألمان ليكبحوا نزعتهم الاستعمارية، ونتيجة ~~هذا الصراع لا تهمنا باعتبارنا الأمة «الاشتراكية» الوحيدة في العالم، وكان منا من أخذته ~~الوساوس بصدق هذه الصورة التي صوروا العالم بها، لكننا كتمنا شكوكنا في أعماق صدورنا حتى لا ~~يستطلعها المخبرون، وإنهم ليموجون حولنا زرافات زرافات. # وتوارت عن شاشات السينما أفلام الدعاوة ضد النازية مثل «الأستاذ المملوك» وغيره، كما ~~طهروا المكاتب من المطبوعات التي تحارب الفاشية، وتراءت لجمعية «الروابط الثقافية بالبلاد ~~الأجنبية» بين عشية وضحاها أعاجيب في «الثقافة» الألمانية، وتصادف أن زرت موسكو في شأن ~~عملي إذ ذاك، فعلمت أن قد أقيم بها معارض للفن النازي وللمجهودات الاقتصادية النازية، ~~وللمجد العسكري النازي، وأن غيرها من المعارض في طريق الإعداد. # وأخذت مسارح العاصمة تزداد إقبالا على المسرحية الألمانية، والواقع أن الجو قد امتلأ بكل ~~ما هو ألماني، وجعلت الدعاوة تعرض صورة وحشية لإنجلترا في هيئة «جون بل» ولأمريكا في صورة ~~«العم سام» وقد أجلستهما على أكياس الذهب، أما النازيين فلم ms564 يصبهم عندئذ شيء من هذه ~~الدعاوة الساخرة، وأصبحنا نرى مئات من الألمان عسكريين وتجاريين في فنادق موسكو ومتاجرها، ~~مشغولين ببرنامج ضخم مؤداه أن تقدم الروسيا معونة اقتصادية إلى هتلر يستعين بها في حملته ~~على «الديمقراطيات المتهافتة». # إن جماعة السوفيت لا تحتاج إلى حجج قوية تتقدم بها إذا ما أرادت أن تفرض رأيا يراه ~~الحزب، وإنما وسيلتهم في ذلك أن يحركوا في الناس غريزة حب البقاء، فلكي يجتنب الإنسان الخطر ~~تراه لا يكتفي بالإيمان، بل يؤمن إيمانا عميقا حارا بكل الأباطيل التي تهبط عليه من ~~عل، إن ستالين العظيم لا يخبط خبط الأعشى بل إنه ليهتدي في سيره بغاية يعرفها ويقصد إليها، ~~هذا هو ما يستجيب به الحزب في النهاية كلما جد في الأمر جديد. # وأخذنا نتحدث عن الانقلاب الجديد في مجرى الحوادث، نتحدث عنه في اجتماعات رسمية لهيئات ~~الحزب المختلفة، ونتحدث عنه حديثا خاصا في بيوتنا ومكاتبنا، وكنت تسمعنا نقول في غضون ~~الحديث صراحة أو ما معناه: كيف يتاح لنا نحن الذين نقيم في كمروفو أن نفهم مثل هذه الأمور ~~الخطيرة، إن مهمتنا هي أن نبني المصانع ونديرها، وأن نسير بعمال تلك المصانع في طريق يأمنون ~~فيها على عقيدتهم بأن «زعيمنا المحبوب» لا يخطئ، وإذن فلم يفكر في الأمر إلا أقلية ثائرة ~~النفوس، أما بقية الناس فسرعان ما طرحوا المسألة من حسابهم لا يأبهون لها، شأنهم في ذلك شأن ~~أهل البلاد جميعا، فمن المستحيل أن يكون في البلاد رأي عام بمعنى الكلمة الصحيح، بعد أن ~~خضعت للحكم الدكتاتوري اثنين وعشرين عاما. # على أن ما علمناه يومئذ علم اليقين هو أن بلادنا قد جنبت نفسها حربا دموية كانت تحطم ~~بقية أنحاء أوروبا تحطيما، وكان ذلك حسبنا فضلا نعترف به ونشكر عليه، هذا إلى أننا كنا ~~نكسب جانبا من أسلاب الحرب - نصف بولندا وبسارابيا وبعدئذ كسبنا دول البلطي الثلاث - ~~مكافأة على ما أبداه الكرملن من مهارة سياسية في موقف الحياد. # وقل منا من تنبأ بأن الروسيا ستدفع آخر الأمر إلى الحرب دفعا، ms565 بله أنها ستصاب بخسائر ~~في الأرواح والأموال أكثر مما تصاب به سائر الأمم مجتمعة، إذ آمنا إيمانا لا يقبل الجدل ~~بأن البلاد المتحاربة سيفني بعضها بعضا ويبقى الاتحاد السوفيتي سيدا حقيقيا على ~~أوروبا، وإذا وضعت هذا القول في صيغة سياسية قلت: إنه بينما يعاني الرأسماليون حر القتال، ~~سنعكف نحن على تقوية أنفسنا وتكديس أدوات القتال مستفيدين بتجارب الحرب عند الآخرين، حتى ~~إذا ما أضعفت الرأسمالية والفاشية إحداهما الأخرى ألقينا في وجه التاريخ بعشرين مليونا من ~~رجالنا المدججين بسلاحهم، وفي نفس الوقت تكون الثورات في كثير من أقطار أوروبا قد جاوزت ~~مرحلتها النظرية وبدأت شوطها العملي. # وأطلق زعماؤنا اسم «الواقعية البلشفية» على هذه النظرة المتشائمة السوداء، التي رأى فيها ~~بعضنا ما يتنافى مع الكرامة والطمأنينة، فليس من خلقنا الفطري أن نلعب دور العقاب الذي ~~يعيش على أشلاء قارة صريعة، وكنا نؤثر على ذلك أن نحيي في أنفسنا شيئا من النخوة التي ~~أبديناها في أعوام الثورة الماضية، وأخذ كثيرون منا يطمئنون أنفسهم بأنه إذا ما سارت الحرب ~~بعض شوطها، فسيثور العمال على مستغليهم، ويومئذ تنقلب الحرب الاستعمارية إلى حرب أهلية، ~~وتثور أوروبا كلها ثورة واحدة قد تعيد لنا روح الثورة والشوق إلى المثل العليا الذي عرفت ~~به بلادنا. # وعلى الرغم من أن الناس جميعا تقبلوا صداقتنا الجديدة مع النازيين، كما تقبلوا ما يبلغهم ~~من الهجمات العنيفة على البلاد الأوروبية الأخرى، فإني أشهد أن لم يكن بين هؤلاء الناس أحد ~~يحس حماسة نحو هذه الأمور، وكل ما ساد الناس إزاءها شعور حاد بحيرتهم، حتى لقد كانت ~~اجتماعاتنا السياسية التي كان خطباؤها يجيئون إليها موفدين من الهيئة المركزية لشرح الموقف ~~تتصف بالتوتر والقلق، وخاصة بعد ما غزت الروسيا فنلندا في آخر نوفمبر، فإذا ما قاتل «داود» ~~«جالوت» - أي إذا ما قاتل القزم عملاقا - فإنك قد تجد بين أنصار جالوت أنفسهم من يعطف على ~~داود الضئيل في بسالته، فكيف يمكن لأشد عمالنا سذاجة أن يصدق الحكاية الخرافية التي أذاعوها ~~على أنها تصف الحقيقة، وهي أن ms566 فنلندا الضئيلة قد هاجمت جارتها القوية دون أن تستثير تلك ~~الجارة غضبها؟ ثم زاد الناس سخطا على هذه المغامرة أن قد دفعت فيها الروسيا مئات الآلاف من ~~أرواح أزهقت وأجساد جرحت أو عضها الصقيع وأفراد وقعوا في الأسر، وكل ذلك من أجل ~~شريحة من الأرض الفنلندية كلها مستنقعات. # ولو حكمنا على الأمور في ضوء ما تمخضت عنه الحوادث من نتائج لتبينا في وضوح أن ستالين كان ~~جادا حين تعاقد مع هتلر، فلو كان الكرملين يعتقد أننا لا بد محاربون ألمانيا في نهاية ~~الأمر مهما تكن الظروف، لحاولوا أن يحتفظوا ببعض كراهية الناس نحو الألمان، ولما نفضوا ~~أيديهم نفضا تاما من الدعاوة ضد الفاشية، ولتحولوا إلى الدعاوة ضد الاستعمار (وعبارة ~~«ضد الاستعمار» معناها ضد البريطانيين والأمريكان)، أو على الأقل لظل موظفو الحزب الموثوق ~~بهم في الكرملن نفسه، والذين عرفت منهم كثيرين معرفة وثيقة، يتلقون تعليمات تدل على أن ~~الخطر النازي ما زال قائما. # لكن شيئا من ذلك لم يحدث، بل حدث عكس ذلك تماما، فقد كانت كل همسة ضد ألمانيا وكل كلمة ~~تدل على عطف القائل على ضحايا هتلر، تعد ضربا جديدا من ضروب مناهضة آثار الثورة، وفي ~~الوقت نفسه كان السباب يكال كيلا «لتجار الحروب» من فرنسيين وبريطانيين ونرويجيين. # وإذن فالنظرية القائلة بأن ستالين إنما كان «يلعب لعبة يكسب بها مهلة من الزمن»، وبأنه ~~كان في الواقع يسلح نفسه تسليحا جنونيا ليتأهب لقتال النازيين، هذه النظرية اخترعوها ~~اختراعا في زمن متأخر ليعالجوا بها الغلطة الشنيعة التي تعثر فيها الكرملن حين وثق في ~~ألمانيا وعاهدها، وكان التلفيق هنا تلفيقا «مكشوفا» حتى لقد سكت الناس عن الخوض فيه داخل ~~الروسيا إلا قليلا، ولم يتبين لي أبدا أن مثل هذه الفكرة قد تقال في سبيل الجد بحيث تصادف ~~عند الناس تصديقا إلا حين خرجت من الروسيا إلى حيث العالم الحر، وإنها لفكرة يتجاهل الآخذ ~~بها أهم جوانب الاتفاق الذي تم بين ستالين وهتلر ، وأعني به ما تعهدت به الروسيا من معونة ~~اقتصادية ضخمة ms567 استنزفت من الاتحاد السوفيتي محصولاته ومواده الخامة وكفايته الإنتاجية التي ~~كان في أمس الحاجة إليها في استعداده للدفاع عن نفسه. # والحقيقة الواقعة هي أن النظام السوفيتي لم يستغل تلك الفترة في تسليح نفسه تسليحا ذا ~~أثر فعال، ولقد كنت وثيق الصلة بالصناعات المتعلقة بالدفاع بحيث يتاح لي أن أعلم ما حدث ~~من تراخ في المجهود الحربي بعد الاتفاق، وكان الشعور العام الذي ساد أعلى الدوائر الرسمية ~~هو أننا قد نجونا من الخطر بفضل المهارة السياسية التي أبداها ستالين، ولم يدخل الريب نفوس ~~الناس في هذا الصدد إلا بعد أن سقطت فرنسا، ويومئذ فقط ارتفع منسوب الجهد الحربي من ~~جديد. # خصص لعملي في كمروفو عام 1940م مبلغ قيمته سبعة وأربعون روبلا، ذلك أنه في ختام ~~1939م كنا قد فرغنا من الاستعدادات الرئيسية بحيث لم يعد ما يمنع البدء في إقامة المباني ~~الرئيسية لمصنعنا الذي وضعت خطته. # ووكل أمر البناء نفسه - حسب الإجراء المتبع في روسيا السوفيتية - إلى موثقة خاصة تعاقدوا ~~معها على إقامته، وكانت الموثقة في هذه المرة هي موثقة «كمروفوستروي»، وكانت هذه الجماعة ~~مسئولة كذلك عن جمع العمال، لكنني بطبيعة الحال اشتركت في كل ما دار من مفاوضات بشأن حشد ~~العمال؛ لأنني كنت المكلف بسرعة إنجاز العمل وبالإشراف على جودته. # وتعهد رجال القسم السياسي بالنيابة عن رؤسائهم في ذلك الإقليم بأن يمدونا بألفي عامل من ~~المسجونين بادئ ذي بدء، وأن يزيدوا هذا العدد في الربيع، حين تتهيأ الظروف للعمل في نطاق ~~أوسع، وتم الاتفاق على التفصيلات في عدة جلسات عقدت في مكاتب المقاولين وفي مقر رياسة القسم ~~السياسي، وكثرت المساومة إبان تلك الجلسات عن أوصاف العمال الأرقاء التي يشترط توفرها فيمن ~~يقومون بالعمل وفي الأجور التي تدفع لهم، وكانت مساومة لا تعرف لهؤلاء العمال قيمة ~~إنسانية على الإطلاق، حتى لو دخل أجنبي أثناء المناقشة لما تبادر إلى ذهنه قط أنها كانت ~~تدور على رجال ونساء، ولما تطرق إليه شك في أن موضوع المساومة جماعة من خيل ~~وبغال. # أصغيت في الاجتماع ms568 الأول ولم أتكلم إلا قليلا، ولم يسعني إلا أن أدير في رأسي هذا ~~الخاطر: إذن فهذه هي الاشتراكية في صورتها العملية وفي مجتمع الحياة السعيدة التي لا تعرف ~~التفاوت بين الطبقات ... إذن فهذه هي الحياة الجديدة التي نحاول أن نفرضها بالقوة على فنلندا ~~في هذه اللحظة عينها ... واعترتني رجفة لا بد أن تكون قد هزتني هزا، فقد تخاذلت قواي، ونظر ~~إلي سفروف تعلوه علامات الدهشة وقال: «ألست موفور الصحة يا فكتور أندريفتش؟» ~~- «بلى، فليس بي من مرض أشكوه ... كل ما في الأمر أني لم أنم نوما كافيا خلال هذا ~~الأسبوع.» # وشرح مندوب القسم السياسي حقيقة الموقف فقال: إن عدد المسجونين موفور، بما في ذلك النسبة ~~المطلوبة من العمال الفنيين ورؤساء العمال، وأن في مقدوره أن يمدنا بخمسة آلاف أو عشرة آلاف ~~أو أي عدد شئنا، وكان في صوته إذ هو يقول هذا رنة الفخر بأداء مهمته على الوجه الصحيح، كأنه ~~تاجر جياد يفاخر بإصطبله المليء بصنوف الخيل، ولا يجد صعوبة إلا في أن يجد لهم مكانا ~~ينصرفون إليه، فمعسكرات الاعتقال الكثيرة في إقليم كمروفو المجاور كانت تحتوي على ما يقرب ~~من خمسة عشر ألفا والمنتظر أن تفد إليها جموع أخرى. # ودار النقاش هل نبني معسكرا جديدا ثم نسارع إلى ملئه بالمعتقلين بحيث نوفي بأغراضنا أو ~~هل الأفضل أن نقيم ثكنات جديدة في المعسكرات القائمة؟ وأخيرا انتهينا إلى قرار وهو أن نخبر ~~حظيرة هي من أوسع الحظائر المحلية مساحة، قبل أن نحسم في الأمر بكلمة نهائية. # وركبنا سيارة فاخرة في صباح يوم شديد الريح قارس البرد؛ لنفحص عن المكان، وكنا أربعة: ~~موظفا من القسم السياسي ومندوب جماعة المقاولين وكاتم سر اللجنة المحلية وأنا، وسرنا ~~بالسيارة الهوينا نشق طريقنا في الثلوج، لكننا بلغنا غايتنا بعد فترة لا تزيد على عشرين ~~دقيقة. # كان المعسكر قائما على نشز من الأرض يطل على مجرى ماء يتفرع من نهر توم، وكاد أن يكون ~~مربعا في شكله يحيط به سور عال تمتد على حافته العليا أسلاك شائكة، ms569 وفي أركانه الأربعة ~~أبراج للحراسة، وعند مدخله مقصورة خشبية للخفراء، وها هنا نزلنا من سيارتنا، وكانت الثكنات ~~الخشبية تمتد موازية لجدران الحظيرة، وتكون مربعا في وسطه فناء يشبه أن يكون أرضا ~~خصصت ليصطف فيها الجنود ساعة التمرين، وكان هذا الفناء في مرمى المدافع الرشاشة التي ~~ركبت على قمم الأبراج، بحيث إذا ما حدث ما يدعو إلى استخدام تلك المدافع أطلقت نيرانها على ~~الفور، وتقوم بالقرب من المدخل عدة دور جميلة البناء، فيها مكاتب الإدارة ومنازل ~~الحراس. # كان القائمون على الأمر هناك في انتظارنا، فما أن وصلنا حتى أدخلونا فورا إلى المكتب ~~الرئيسي حيث استقبلنا رئيس المعسكر، فلم ألمح فيه علائم الود الصادق فحسب، بل رأيت فيه كذلك ~~ما ينم على خضوع، وهو رجل قصير بدين أشقر، ملامحه أميل إلى الوسامة قد تأثرت من فعل الجو، ~~ولم يكن ليخفى على أحد أنه وقف إزاءنا يرتعد خوفا من مندوب اللجنة المحلية وموظف القسم ~~السياسي الذي كان بمثابة الرئيس لجماعتنا، ثم تبين لي سبب ذلك فيما بعد، وهو أن هذا الرجل ~~كان شيوعيا معروفا ونفي من موسكو، فعلى الرغم من أنه عين هنا رئيسا للمعسكر، فقد ~~كان هو نفسه في حكم المنفي الذي وضع في مكانه ذاك ليكون ولاؤه السياسي تحت رقابة دائمة، ~~وإذن فموظف الحزب وموظف القسم السياسي في كمروفو كانا يراقبانه ويقدمان عنه التقارير في ~~فترات منتظمة، يصفون فيها سلوكه في إدارة المعسكر. # لقد حدث لي مرات عدة أن دخلت معسكرات الاعتقال، لكني لم أكن قد ألفت الإحساس بها ~~بعد، وما زلت مدفوعا بحب استطلاع عجيب أن ألم بكل تفصيلات الحياة في المعسكر، ويستحيل ~~على إنسان أن يفهم هذا الإحساس الذي كان يعتورني، إلا إذا كان مثلي يفحص عن سجن ويتوقع أن ~~يكون فيه ذات يوم سجينا. # نظرت من النافذة فرأيت ما يقرب من خمس عشرة امرأة من المسجونات قد تزملن بالخرق البالية ~~ليتقين لذعة البرد، وأخذن يكومن حطبا بالقرب من أحد الأبنية المقامة بالطوب المحروق، ~~إحداهن غطت رأسها بكيس من ms570 الخيش، ولفت الأخريات أيديهن في أسمال بالية بدل القفازات، وما ~~هي إلا أن جاء أربع نساء أخريات يحملن دلاء يصعد منها سحاب من بخار. # فسألت الرئيس: «ماذا يصنعن؟» # فقال: «إنهن يطعمن الخنازير والطيور.» ثم أضاف في زهو: «إننا هنا نربي الحيوان والطير ~~لننتج طعاما من اللحم بأنفسنا.» ~~- «تنتجون اللحم للمسجونين جميعا؟» ~~- «المسجونون!» وضحك كأنه قال فكاهة تثير الضحك. «هل تحسبنا نطعم أعداء الشعب لحما؟ ليس ~~هذا مصحة أو مطعما، ومع ذلك فصدقني إن قلت: إن مشكلة طعامنا نحن وطعام الحراس ليست ~~بالمشكلة الهينة.» ~~- «ومن هؤلاء الرجال الثلاثة الكهول؟» # وأشرت بإصبعي إلى ثلاثة رجال ملتحين يرتدون معاطف بالية ويلفون رءوسهم بلفاعات، كانوا ~~يشتغلون على كومة من الحجر. ~~- «هم قسيسان وحبر من أحبار اليهود، لا تسعفهم قواهم أن يمشوا ثمانية كيلومترات حتى ~~يبلغوا مصانع كمروفو، فكلفوا ببعض الأعمال هنا في المعسكر ليكسبوا بها القوت.» # فقال مندوب شركة المقاولين الذي جاء معنا: «هذا عجيب، فما أيسر على القساوسة والأحبار أن ~~يمتزج بعضهم ببعض إذا ما اجتمعوا وراء الأسلاك الشائكة لمناهضتهم الثورة، لقد لحظت هذه ~~الظاهرة في معسكرات كثيرة.» # فوافقه رئيس المعسكر قائلا: «هذا صحيح، وقد استوقف نظري كذلك.» # جلسنا بعدئذ في المكتب وأخذنا نناقش ما جئنا من أجله، وقال رئيس المعسكر: إنه على الرغم ~~من أن المكان يحتوي الآن على ثلاثة آلاف سجين تقريبا، يزحمونه فوق طاقته، فإن من الممكن أن ~~نقبل ألفا رابعا، ولو أن ذلك ليس باليسير، وبين لنا أن بعض الثكنات يستخدم بالفعل ~~استخداما مضاعفا، فينام فريق في الوقت الذي يعمل فيه فريق آخر، ثم يتبادل الفريقان النوم ~~والعمل، ولم يكن هذا الترتيب لسوء الحظ ممكنا في جميع الحالات؛ لأنه يعتمد على نوع العمل ~~الذي تم التعاقد على أن يقوم به المسجونون، وكان من رأيه أن من الحلول الممكنة أن يبنى صف ~~ثالث من «الأسرة». ~~- «نعم، إن هذا الصف الثالث سيزحم المكان بعض الشيء، لكن الصف الأوسط سيكون أكثر دفئا ~~على أقل تقدير.» وضحك مرة أخرى. # ولكي يوضح لنا فكرته، ms571 دعانا إلى زيارة بعض الثكنات، فلبسنا قبعاتنا ومعاطفنا ~~وتبعناه. # رأينا في طريقنا جنود الحراسة شاكي البنادق شاهري السلاح، ووقفوا على مسافات متساوية، ~~وكانت الثكنات مصنوعة من ألواح خشبية غير مطلية بدهان، سدت فتحاتها بنشارة الخشب، ~~وغلقت أبوابها بالمزاليج والمفاتيح من خارجها. # سألت الرئيس قائلا: «كم تسع كل ثكنة من هذه الثكنات؟» ~~- «يختلف العدد باختلاف الظروف، والمتوسط يقع بين ثلاثمائة وثلاثمائة وخمسين.» # ثم قال رئيس المعسكر، والحارس يفتح باب واحدة منها: «هذه الثكنة تئوي ثلاثمائة وعشر من ~~النساء.» ~~- «وقوفا!» صاح الحارس بهذه الكلمة في القاعة الطويلة المعتمة ذات السقف الوطيء، فلبت ~~المسجونات النداء في خفة، ومن كن منهن على الرفوف العليا هبطن إلى الأرض مسرعات في خوف ~~وفزع، ولم يبق على الأسرة إلا ثلاث أو أربع، والظاهر أنهن كن مريضات لا يستطعن النهوض، وكان ~~النساء اللائي رأيت هناك من شتى الأعمار، وكن خليطا من قوميات مختلفة، ومنهن العجائز ~~والفتيات الشواب، ولم يتفقن جميعا إلا في الخرق التي ارتدينها وفي التعب البادي على ~~وجوههن، وتقززت بعض الشيء لرائحة العرق الكثيفة المنتنة ورائحة حشرات البق المفقوع، ولم يكن ~~يتسلل خلال النوافذ القذرة ذوات القضبان إلا قليل جدا من ضوء النهار، ورأيت بضعة مصابيح ~~كهربائية صغيرة مدلاة من السقف، لكنها لم تكن موقدة حينئذ. # كانت الثكنة من البرودة بحيث رأينا أنفاسنا عالقة في الهواء، ومع ذلك فكثيرات من ~~المسجونات لم تكن تغطي الثياب إلا أنصافهن، وقد لحظت واحدة هنا وواحدة هناك أخذتها زيارتنا ~~على غرة وراحت في ربكة تحاول أن تغطي ثدييها بقطعة من ثياب، أما كثرتهن الغالبة فلم يأبهن ~~للأمر وعلاهن الوجوم، فقد استنزفت منهن آخر قطرة من قطرات الحياء الطبيعي، وكان بين النساء ~~بضع فتيات صغيرات السن جدا، وبضع عجائز تغضنت وجوههن، وأما أغلبهن فتتراوح أعمارهن بين ~~العشرين والثلاثين، ولم يتعذر علي الحكم على كثيرات منهن بملامح وجوههن وبأسمال ثيابهن ~~بأنهن من المثقفات، فلا تزال آثار الثقافة والتعليم بادية على وجوههن بالرغم مما كن فيه من ~~قذارة وإعياء. # كانت «الأسرة» ألواحا خشبية ms572 عارية، عرض الواحد منها يقرب من أربع أقدام، وركبت على ~~قوائم غليظة في صفين أحدهما فوق الآخر، لا شيء سوى صفين من الرفوف الخشبية لا يغطيها أي شيء ~~من الفراش، وعلى هذه الرفوف كانت تنام المسجونات، كل منهن على رف من هاتيك الرفوف، لا ~~تغطيهن إلا ثيابهن، وتحت رءوسهن وسادات من بعض أسمالهن لففتها ووضعتها هناك مكان الوسائد، ~~وفي وسط القاعة رأيت موقدا صغيرا من الخشب المحترق، لا يسعك إذ ترى صغره بالنسبة إلى حجم ~~المكان سوى أن يأخذك العجب والإشفاق، ولو استثنيت قليلا من دلاء وضعت قرب الباب ليقضي ~~النساء فيها حاجاتهن الطبيعية، لما وجدت شيئا من وسائل الحياة، فلا مقاعد ولا مناضد ولا ~~شيئا على الإطلاق. # كان المسجونون إذا ما وصلوا إلى المعسكر يجردون مما يحملونه معهم من خطابات وصور شمسية ~~لأقاربهم وأصدقائهم وكل ما عساه أن يذكرهم بالعالم الحر خارج أسوار السجن، وكذلك تؤخذ منهم ~~أغطية الفراش، بل تؤخذ منهم أيضا حتى البسائط التوافه من أدوات العيش مثل فراجين الأسنان ~~والمقصات، ثم يعطي كل منهم كوبا معدنيا وقدحا معدنيا كذلك، وملعقة من خشب، فكانوا ~~يضعون هذه الأشياء على أسرتهم أو يعلقونها بجوارهم على الجدران، ولا يؤذون لهم قط بقراءة ~~كتاب أو باستخدام أوراق وأقلام، وبالطبع لم يكن هناك أجهزة لاسلكية للإذاعة، وهكذا كان ~~تراسلهم مع ذويهم محرما عليهم من جهة ومستحيلا من جهة أخرى. # لكني نسيت أن أذكر أن قد كان إلى جانب جدار من الجدران الوطيئة حوض من حديد فوقه حوض ~~للغسل ركبت عليه أنابيب تقطر الماء، وأشار دليلنا إلى هذا الحوض قائلا: إنه «معدات ~~الغسل»، ثم راح يشرح لنا فكرته بأنه من الممكن أن يضاف صف آخر من الرفوف بين الصفين، وبهذا ~~يمكن أن يزداد العدد مائة أخرى في تلك القاعة وحدها، كان يتكلم كأنه يدير الكلام على ماشية، ~~لا يأبه مطلقا لشعور المسجونات اللاتي وقفن هناك صامتات مصغيات إلى حديثنا، وقد لمحت ~~وقتئذ على أحد الجدران قطعة من راية حمراء كتبت عليها بالدهان الأبيض ms573 عبارة من عباراتهم ~~التي يصوغونها في صيغ الحكم: العمل، إنه طريق العودة إلى الحياة الحرة. # وبينا نحن خارجون سألت قائلا: «أكل هؤلاء المسجونات مجرمات؟» # فأجاب رئيس المعسكر: «كلا، هؤلاء هن المعتقلات السياسيات ممن يناهضن شيوعية الأرض ~~الزراعية أو يقاومن تعاليم الثورة، في ثكنات الرجال وضعنا كل الأصناف معا، أما في ثكنات ~~النساء فقد رأينا من الأفضل أن نفصل المجرمات والعاهرات عن السياسيات، إن حفظ النظام مشكلة ~~أعقد بين النساء منها بين الرجال.» # ثم أدخلنا الشرطي الحارس ثكنة أخرى، أصغر من الأولى قليلا، وكان نساء هذه الثكنة جميعا ~~من المجرمات، وبعضهن من العاهرات، كما أنبأني رئيس المعسكر الذي أخذ يزودني بالمعلومات عن ~~معسكره لما تبين أني أكثر اهتماما بها مني بأمر المفاوضات التي جئنا من أجلها. # وحدث هنا ما حدث في الثكنة الأولى إذ وقفت المسجونات احتراما للقادمين، ولا أظن أن في ~~الدنيا منظرا أفظع في عيني الرجل السوي من منظر بضع مئات من النساء القذرات العليلات ~~الممزقات الثياب؛ لأن مثل هذا المنظر يستثير نخوة الرجل إزاء المرأة، وإنها لنخوة عميقة ~~الجذور في جبلته. # وأمر رئيس المعسكر إحداهن قائلا: «ستاروستا، تعالي هنا.» # وخطت إلى الأمام «ستاروستا» - ومعناها ملاحظة الثكنة - وكانت تبدو بين الثلاثين ~~والأربعين من عمرها، ترتدي ثوبا ممزقا مرقعا، كان ذات يوم فيما مضى ثوبا أنيقا، كما ~~دلت قسماتها على أنها كانت ذات يوم فيما سلف امرأة وديعة، وقفت أمامنا مستقيمة، ويداها إلى ~~خلفها. # قالت في صوت واضح النبرات، لكنه بغير روح: «كل شيء على ما يرام هنا يا حضرة الرئيس، امرأة ~~واحدة مريضة وأما الباقيات فمستعدات لوجبة الطعام ومتأهبات للعمل.» ~~- «هذا جميل، انصرفي.» # ولمحت بعيني لوحة سمرت إلى الجدار بالقرب من الباب الذي وقفنا إلى جواره، وقرأتها ~~فإذا هي قائمة مطبوعة تشتمل على القواعد التي يجب أن تراعى بصدد النظافة والطاعة العمياء، ~~وقرأت في ختامها ما كتب بالخط العريض من ألوان العقاب: فأولا يومان بغير قوت، فإن تكرر ~~خروج السجينة على القواعد حبست في زنزانة حبسا منفردا مدة لا ms574 تقل عن أسبوع، فإن اقترفت ~~ذنبا ثالثا، مد أجل السجن بما يتراءى لأولي الأمر، أو حكم عليها «بأقصى الإجراءات ~~لحماية المجتمع»، وهي الصيغة السوفيتية التي يعبرون بها عن الإعدام رميا بالرصاص. # ولما غادرنا هذه الثكنة سألت رئيس المعسكر هل اضطر ذات مرة إلى تنفيذ حكم الإعدام في ~~سجينة؟ ~~- «لم أضطر إلى ذلك منذ ثورة العام الماضي.» أجابني الرئيس بهذا القول ظنا منه أنني لا ~~بد أن أكون عالما بالحادثة التي يشير إليها ما دمت موظفا في كمروفو. # واستصحبنا بعدئذ إلى ثكنات الرجال التي كانت شبيهة أتم شبه بثكنات النساء، هذه في جانب، ~~وتلك في جانب آخر، ولما كنت قد ألفت المناظر والروائح، فقد أتيح لي الآن أن أدرس المسجونين ~~أنفسهم دراسة أدق، كان معظم المسجونين من الروس، لكن بعضهم كان من جنسيات أخرى، فمنهم ~~الأزابكة والأتراك والتتار والأرمن واليهود والبولنديون بل والصينيون أيضا، وعلى الرغم من ~~أنهم جميعا لم يكونوا حليقي الوجوه، وأنهم كانوا في حالة يستحيل وصفها من العلة والتمزيق، ~~فقد استطعت مع ذلك أن أتعرف بينهم إلى بعض الوجوه التي نمت عن ذكاء وامتياز، وقلت لنفسي: ~~لعلهم مهندسون وأساتذة وأدباء وزعماء حزبيون أصابهم الحظ المنكود، ولحظت بينهم رجلا طويلا ~~عريض الكتفين مستقيم الوقفة، نظر محدقا في عيني، فأيقنت أنه لا بد أن يكون عسكريا، ولم ~~ينقص من يقيني ذاك أنه لم يكن في بزته العسكرية، لكن الكثرة الغالبة كانت - طبعا - من سواد ~~الفلاحين والعمال. # كان الملاحظ في إحدى الثكنات رجلا قوي البنية أجدع الأنف ذا عينين صغيرتين لامعتين ~~بالدهاء. # قال رئيس المعسكر مشيرا إليه: «هذا هو كاسر البندق.» # فسألته: «وفيم تسميته بكاسر البندق؟» ~~- «مشهور بكسر الخزائن، وقد عرف بهذا اللقب في كثير من الأقاليم.» وضحك الرئيس ثم قال: ~~«المجرمون أمهر في ملاحظة الثكنات من السياسيين؛ لأنهم لا يضعفون كما يضعف ~~السياسيون.» # وقال رجل الشرطة السياسية مبتسما: «إن معظم المجرمين من السجناء يحتقرون المعتقلين ~~السياسيين، إن هؤلاء المجرمين ليسوا من أعداء الشعب ... إنهم لا يزيدون على كونهم أوغادا ~~خرجوا ms575 على طاعة القانون.» # وسأل منا سائل: «ما نسبة المجرمين إلى السياسيين؟» ~~- «المجرمون في هذا المعسكر لا تزيد نسبتهم في العادة على رقم يتراوح بين عشرة وخمسة عشر ~~في كل مائة، وهذا العدد يشمل العاهرات، لكننا بالطبع لا نفرق بينهم في المعاملة.» # ولما كنا في طريقنا عائدين، جمعت معلومات أوفى من ضابط الشرطة السياسية، إذ علمت منه أن ~~المسجونين لا يسمح لهم بالتدخين في الثكنات، وفي العادة لا يعرف أقارب المسجون في أي معسكر ~~يكون، والقاعدة الجارية هي أن يوضع الذين صدر عليهم الحكم بمدة قصيرة في السجون أو يحشرون ~~في زمرة الجماعات العاملة بالسخرة بحيث تخصص المعسكرات - إلى حد كبير - لمن صدرت عليهم ~~أحكام بخمس سنوات أو ثمان أو عشر أو أكثر، ومن صدر عليهم الحكم بالسجن المؤبد. # والواقع أن طول مدة السجن التي حكم بها على السجين لا أهمية لها؛ لأن الذين يطلق ~~سراحهم منهم قليلون جدا، فليس يطلق سراحهم عند نهاية المدة باعتبار ذلك إجراء طبيعيا، ~~بل لا بد من استصدار أمر خاص في كل حالة من رياسة القسم السياسي في موسكو، وهذا القسم في ~~العادة يزيد من مدة الحكم على غير أساس أو مبرر إلا أنه يريد أن يحتفظ بعدد العمال المسخرين ~~كاملا، وحتى من أطلق سراحهم قلما يسمح لهم بالعودة إلى بلادهم الأصلية - إن سمح بذلك لأحد ~~منهم على الإطلاق - بل كانوا يؤمرون أمرا أن يستقروا في أقاليم تعين لهم تعيينا في ~~الأجزاء النائية من سيبيريا في معظم الحالات في الشرق الأقصى أو الشمال الأقصى؛ ولذلك ترى ~~مجتمعات بأسرها يكاد يتكون أفرادها الكثيرون كلهم من خريجي السجون. # ففي أشد المعسكرات سوءا من حيث سمعتها - أعني معسكرات الشمال الأقصى والشرق الأقصى وفي ~~أعماق سيبيريا - كان يحتوي كل معسكر على ثلاثين ألفا أو أربعين ألفا من المسجونين، ولما ~~كانت نسبة الوفيات هناك عالية إلى حد مخيف فقد خصص في تلك المعسكرات من بين المسجونين ~~أنفسهم فرق لا عمل لها سوى دفن الموتى تقضي فيه اثنتي عشرة أو أربع ms576 عشرة ساعة كل ~~يوم. # كانت كمية الخبز التي تصرف للمسجونين في المعسكر الذي زرناه لتونا - والخبز هو طعامهم ~~الرئيسي - تتراوح بين ثلاثمائة أو ثمانمائة جرام (أي من إحدى عشرة أوقية إلى ثلاثين) كل ~~يوم، وإنما تزيد الكمية أو تقل تبعا لنوع العمل الذي يكلف المسجون بأدائه ولنوع الجريمة ~~التي اقترفها ولمقادير الإنتاج التي أنتجها، ثم كان يصرف لهم فوق ذلك حساء رقيق من ~~البطاطس أو الخضر مرتين في اليوم، وكذلك طبق من البليلة، كما كان يصرف لهم سمك مقدد آنا ~~بعد آن، فإذا ما عجز المسجون عن إنتاج المقدار الذي طلب إليه إنتاجه، عوقب بتخفيض هذه ~~الكميات؛ لذلك شاعت في المعسكرات الأمراض التي تنشأ عن قلة الغذاء مثل الإسقربوط ~~والدوسنتاريا وغيرهما، كما شاع تآكل الأجساد بالصقيع، ولم يكن بين من شهدت من المسجونين إلا ~~عدد قليل خلا من القروح الدامية والعيون الملتهبة وغير ذلك من الأدلة الظاهرة على الصحة ~~المتدهورة، إنه إذا ساد بلدا من البلاد نظام الرق على صورته الحقيقية، كالذي ساد الولايات ~~المتحدة - مثلا - قبل الحرب الأهلية، فإن العبيد في هذه الحالة يمثلون نظاما اقتصاديا؛ ~~ولذلك يكون لهم على الأقل حق في كل شيء من الرعاية والحماية اللتين لا نبخل بهما على ~~الحيوان الذي يعيننا في العمل، أما الرقيق السوفيت فأسوأ من ذلك حالا بدرجة لا تقاس، ~~فموردهم يكاد لا ينفد، ومالكهم - وهو الدولة السوفيتية - يفضل من الوجهة الاقتصادية - فيما ~~يظهر - أن يلقي بهم إلى الموت زرافات على أن يتكلف نفقات غذائهم وكسائهم. # سألت: «ما هذه الثورة التي ذكرها؟» # فتطوع بالجواب كاتم سر الحزب وقال: «تلك الثورة حدثت في أواخر عام 1938م حين رفض بعض ~~المسجونين أن يخرجوا من معسكرهم للعمل ... وكانت شكواهم من سوء الطعام، فوقفت الإدارة منهم ~~بالطبع موقف الحزم الشديد، ورمي بالرصاص أربعة عشر من زعماء الحركة، منهم اثنا عشر رجلا ~~وامرأتان، وتم القتل في المعسكر على مرأى من جميع المسجونين الذين صفوا ليشهدوا، ثم اختير ~~من كل ثكنة من الثكنات من يمثلها في حفر ms577 المقابر لهؤلاء ملاصقة لسور الأسلاك الشائكة من ~~خارجه، وليس هنالك احتمال بوقوع فتنة أخرى ما دامت ذكرى تلك الحادثة حية في الأذهان، وطبيعي ~~أن يخول رئيس المعسكر حق إعدام من شاء من مسجونيه، فلسنا في زمن يسمح بأي قدر من التهاون ~~السمج في معاملة أعداء الشعب.» # وواضح أن العبارة الأخيرة كان الغرض منها أن يؤمن القائل على سلامته من الوجهة السياسية، ~~نعم، إن ضابط الشرطة السياسية الذي كان يصحبنا صديقي حميم لكاتم سر الحزب، لكن فيم التعرض ~~للخطر؟ # وقبل أن نصل إلى حل لمشكلة تهيئة المساكن لعمالنا العبيد وعددهم ألفان، أرجئ المشروع كله ~~أو «حفظ» بلغة رجال الدواوين. # لم أكن أظن أن كل ما بذلت من مجهود في «كمروفو» قد طوح به في كومة القمامة؛ لذلك سرني ~~أن تجيئني دعوة مفاجئة إلى موسكو في آخر ديسمبر؛ لأن ذلك من شأنه أن يتيح لي فرصة الاحتفال ~~برأس السنة الجديدة مع «إيرينا»، نعم كنت أظن أن خطورة الأمر لا تعدو مشاورة نهائية في ~~مشروعاتنا لعام 1940م، لكني وجدت الرفيق كوزفينكوف شديد التجهم! # قال لي: «عندي لك خبر يا فكتور أندريفتش، وهو أن قرارا أصدرته اللجنة المركزية العليا ~~يأمر بوقف العمل مؤقتا في مشروع صناعة خراطة الأنابيب في «كمروفو»، فقد اكتفوا بمليون روبل ~~تنفق على ذلك المشروع، وهو مبلغ لا يكفي أكثر من الاحتفاظ بما أتممناه منه.» # فنظرت إليه نظرة المبهوت. ~~- «هذا مستحيل، لقد بذلنا جهد الجبابرة حتى بلغنا بالأمر حدا يستثير الإعجاب بكل شيء، ~~كيف يمكن لهذا القرار أن ينفذ؟» ~~- «لا تسلني، فلست إلا رئيسا للهيئة العليا لصناعة الأنابيب، ولم تطلب مشورتي، اكتفوا ~~بتبليغي فحوى قرارهم، بيني وبينك، إنني لست أقل حيرة منك.» # فاستأنفت حديثي قائلا: «لقد أنفقت ملايين الروبلات في الإعداد، وهناك كميات هائلة من ~~مواد البناء معدة للعمل، وكل من له إلمام بالصناعة في سيبريا يعلم أن المشروع لا غنى عنه، ~~فماذا يا ترى وراء هذا كله؟» ~~- «كل ما أستطيع زعمه أن الباعث إلى ذلك هو الموقف الدولي الجديد، فما ms578 دمنا قد أصبحنا ~~الآن على صداقة مع ألمانيا، فليس ما يدعو إلى العجلة في مشروع الدفاع؛ لأننا نستطيع أن ~~نؤجلها مؤقتا.» ~~- «لكن ألم يكن مشروع «كمروفو» متصلا قبل كل شيء بأخطار الشرق الأقصى؟ إن اليابان لا ~~تزال هناك.» ~~- «نعم، لكن هذه أمور تتعلق بالسياسة العليا، وخير لنا ألا نخوض فيها، وظني هو أن التعاهد ~~الألماني السوفيتي يجعل الخطر الياباني كذلك ليس قريب الوقوع.» ~~- «وما مصيري أنا يا رفيقي كوزفنكوف؟ فمهما يكن من أمر فأنا المدير المسئول، ولقد أنفقت ~~ملايين الروبلات في أعمال التحضير، أليس من واجبي أن أبلغ الحزب رأيي في قرارهم؟» # إن حركة التطهير الأعظم قد علمتني أن أتحسس مواضع الخطر، وكنت أعلم أنه من أسهل الأمور أن ~~يقع في الفخ موظف بريء فتنصب عليه اللائمة على الأخطاء الفاحشة التي يزل فيها أولو الأمر من ~~رجال الدوائر الحكومية العليا، ووقف العمل في «كمروفو» يبدو لعيني غلطة من أفحش ~~الغلطات. ~~- «أقترح عليك الصمت يا فكتور أندريفتش، كل ما تعمله هو أن تنهي أعمالك في «كمروفو» وتعود ~~إلى هنا، ولقد أمرت هيئة المقاولين في «كمروفو» بالفعل أن نقف العمل.» # ترى هل أستمع إلى نصحه بقبولي القرار صامتا؟ ظللت أعترك مع نفسي في هذه المشكلة أسابيع ~~عدة، فلو عبرت عن رأيي لعد ذلك إساءة إلى أولي الأمر في الدوائر العليا الذين اتخذوا ~~القرار، ولأثرت بذلك العداوة ضدي، ولكني من جهة أخرى إذا وقفت موقفا سلبيا إزاء هذا ~~الأمر، قد أواجه بموقفي في تطهير قادم على أنه دليل استهتاري وبرودة حماستي تجاه البلشفية، ~~فمهما يكن من أمر هذا المشروع، فإن له لأهمية عسكرية عظمى، وكان من حقي أن أخاف تغير الموقف ~~الدولي، فيبحثون حينئذ عمن يصبون النقمة على رءوسهم تنفيسا عما يصيبهم من خسار في تركهم ~~الاستعداد والتأهب، وينزلون العذاب بهذه الطائفة الجديدة من «أعداء الشعب»، وحينئذ لا تلام ~~الهيئة المركزية العليا ولا رجال الحكم في الدوائر العليا؛ لأنهم بحكم التعريف لا يخطئون، ~~إنما يلام أمثالي ممن يقفون في براءة يشاهدون، أضف إلى ms579 هذا كله أن تفكيري في الموضوع كان ~~مصطبغا بصبغة عاطفتي الشخصية إذ ذاك، إذ كنت أحس خيبة الرجاء في وقف المشروع. # إن الإنسان ليميل بطبعه إلى أن يدمج نفسه في عمله، حتى في ظل النظام المميت الذي يتجاهل ~~طبائع الإنسان ويضع الحياة تحت تصرف الدولة ونظامها؛ لذلك قذفت بكل ما في نفسي في مشروع ~~«كمروفو»؛ لأنني اهتممت به اهتماما كبيرا لجسامته أولا ولعظيم خطره بالنسبة لمستقبل ~~سيبيريا ثانيا، فكنت تراني أجاهد وأضع التصميمات وأعارك كل صنوف الموظفين في سبيل هاتيك ~~الآلات الشامخة التي رأيتها بعين الخيال ناهضة في ذلك المكان، ولم يعد يسيرا علي أن أعلم ~~أن كل ذلك الجهد قد ذهب أدراج الرياح. # وما عدت إلى «كمروفو» حتى انجابت عني الوساوس فيما يختص بالطريق الذي ينبغي أن أسلكه؛ ذلك ~~أني وجدت شيوخ المدينة في حالة من الغم للانقلاب الذي حدث، وأعدت اللجنة المحلية واللجنة ~~الإقليمية في نوفوسيبرك تقريرين رسميين اعتزمتا إرسالهما إلى موسكو تتوسلان بهما إعادة ~~النظر في القرار الذي اتخذ، وذكرتا في تقريرهما أن المشروع قد خطا خطوات فسيحة، وأن ~~هنالك عددا كبيرا من المصانع الحيوية قد رسم خطته على أساس هذا المصدر الجديد الذي يمدهم ~~بأنابيب الصلب، ثم امتدح التقريران إدارة المشروع واختصاني بالثناء على الأسلوب الذي أدرته ~~به. # فوجدت ألا سبيل أمامي سوى أن أؤيد اللجنتين فيما طلبتا، ولقد تبين بعدئذ أنني بذلك أخطأت ~~خطأ لازمتني لعنته أمدا طويلا؛ ذلك أني رفعت تقريرا إلى اللجنة المركزية للحزب وإلى ~~الرفيق «مركلوف» وزير صناعة تعدين الحديد، ألتمس فيه الاستمرار في منشأة كمروفو. # ولما عدت إلى موسكو، لم ألبث أن وجدت أن تصرفي قد أثار علي من السخط ما لم أتوقعه، فكل ~~هيئة سوفيتية إن هي إلا ميدان للحزازات الشخصية وللطوائف المتنافسة وللغيرة المتقدة، وتوشك ~~أن تكون هذه الحالة نتيجة محتومة إذا ما كان للمهارة السياسية والنفوذ السياسي الكلمة في ~~تقرير الأمور، فهذا «كوزفنكوف» قد ثارت ثورته؛ لأني لم آخذ بنصيحته، وهذا مساعده ~~«جولوفاننكو» الذي عارضته في كثير من ms580 المسائل الهندسية كان فيما يظهر يضمر لي العداء منذ ~~زمن طويل، وها هو ذا قد وجد المتنفس الذي يخرج فيه كل مشاعر غيظه نحوي. # والظاهر أن رئيسنا الأعلى «مركلوف» كان هو الرجل الوحيد الذي يتفق معي في وجهة النظر، ~~لكنه لم يكن في الموقف الذي يتيح له أن يؤيدني، أو كاد ألا يكون، ولقد أنبأني سرا أن ~~صناعة المعادن كلها كانت موضع البحث أمام لجنة خاصة شكلتها اللجنة المركزية للحزب، وعلى ~~رأسها «مالنكوف»، وكان بين أعضائها «إيفان تيفوسيان» وهو أرمني يحظى بالثقة الشديدة لدى ~~ستالين، وقال لي «مركلوف»: إنه لا يشك في أنه قد اتجهت النية إلى اتخاذه ضحية لما تراكم في ~~صناعة التعدين من سيئات، وذلك ما حدث، إذ لم يلبث أن نقل من منصبه ليحل محله ~~«تيفوسيان». # ومضى أكثر من شهر دون أن يبلغني شيء عما رأته اللجنة المركزية إزاء تقريري، فأخذني القلق، ~~ونصحني أصدقاء ممن يتصفون بالحذر في الأمور السياسية أن أرسل نسخة من تقريري ذاك إلى مكتب ~~ستالين الشخصي، على أن هذا الإجراء إذا كان من شأنه أن يقيني شر العقوبة المباشرة التي قد ~~تهبط علي من رجال وزارة صناعة التعدين إذا كانوا قد رأوا في تصرفي إهانة لهم أو مصدرا من ~~مصادر الخطر، فلا شك أن من شأنه كذلك أن يزيد من شناعة جريمتي في أعينهم. # وقد انتقموا مني انتقاما مضاعفا دفعهم إليه صالحهم الخاص؛ ذلك أنهم لفقوا علي قضية ~~عجيبة - سأتناولها بالتعليق فيما بعد - وبذلك نجحوا في شغلي مدى عامين كاملين بأمور قضائية ~~تثير الضحك لغرابة تفصيلاتها، ومع أنهم لم يوفقوا إلى سجني؛ لأني ظفرت ببراءة تامة في ~~المحكمة العليا آخر الأمر، فقد وفقوا إلى أن يبعثوا القلق في نفسي شهورا عدة، وأن ~~يتيحوا لي فرصة أكبر مما يشتهي أي إنسان للاتصال الوثيق بدقائق التشريع السوفيتي. # لبثت أتقاضى مرتبي من رياسة صناعة الأنابيب في الفترة التي قضيتها منتظرا تعييني في منصب ~~جديد، وما كان أحلى الفراغ الذي لم أتعوده، فاصطحبت «إيرينا» كل مساء إلى ms581 المسرح وحفلات ~~الموسيقى والأوبرا والمرقص، وإني لأحب موسكو أكثر ما أحبها - شأني في ذلك شأن الكثرة ~~الغالبة من الروس - حين يسودها جو من الصمت أيام الشتاء حيث يقصر النهار ويلمع الليل كأنه ~~البلور، حين تكتنف الحياة فيها أطباق فوق أطباق من الثلج. # كانت موسكو إبان الأشهر الأولى من عام 1940م إحدى العواصم الأوروبية القليلة التي لم تضرب ~~الحرب عليها حصارا، ولطالما أعلنوا هذه الحقيقة وأعادوها برهانا على ما أوتي زعيمنا ~~ورائدنا المحبوب من حكمة بالغة، وكانوا لا ينشرون أخبار الحرب إلا بالخط الصغير في الصفحات ~~الأخيرة من الجرائد كأنما هي أخبار لا تعنينا في شيء، ومع ذلك فقد كان الناس يبدءون قراءة ~~الصحف بقراءة تلك الأخبار، وكانوا يقرءونها في تفهم، واهتدوا بغريزتهم إلى الشك في صدق ~~ما تزعمه الدوائر الرسمية بأن بلادنا يمكنها أن تظل إلى النهاية بمنجاة من ذلك الوبال ~~المنتشر، ومن يدري؟! فلعل الشعور بأن حالة السكينة لن يطول بنا أمدها هو الذي أكسب الحياة ~~الاجتماعية والحياة الفنية في العاصمة لونا خاصا ذلك الشتاء؛ إذ أكسبها حيوية لم تهدأ ~~لها حركة. # زادت الحفلات يعقدها الناس في البيوت عما ألفنا في الأعوام الماضية، وخيل إلي أن ~~أضواء الطريق واللافتات الكهربائية القليلة ازدادت توهجا، واصطبغ المنظر بصبغة عسكرية ~~لوجود الموظفين والضباط الألمان في العاصمة، وبخاصة في كبريات الفنادق والمطاعم. # وكذلك ظهرت بوادر الحرب في هذه العاصمة المحايدة على صورة أخرى؛ وذلك أن ما يسمونه ~~بالمتاجر المفتوحة - حيث تبيع الدولة سلعا معينة لمن كان في وسعه أن يؤدي أثمانها التي لم ~~تحدد لها الحكومة حدودا قصوى - قد غصت فجأة بصنوف السلع الأجنبية التي لم نألف رؤيتها: حلل ~~وأثواب وأحذية وسجاير وشكولاته وجبن وطعام محفوظ، ومئات غير هذه من السلع التي لا ريب في ~~استيرادها من غير بلاد السوفيت، فاضت علينا هذه السلع من مناطق الحدود التي احتلها الجيش ~~الأحمر، وكانت هذه الكماليات تأتينا بادئ الأمر من الأراضي البولندية والفنلندية، ثم لما ~~تقدم العام، بدأنا نعرض الغنائم التي غنمناها في دول البلطي ms582 ثم في بسارابيا. # ولو أخذنا بما كانت تقوله الدعاوة، لقلنا: إننا كنا «نحرر» هذه الأراضي من استغلال ~~الرأسماليين ومن براثن الفقر، أما من الوجهة العملية الواقعية فقد اهتزت نفوس أهالي موسكو ~~حين رأوا هذه الأعاجيب التي تنتجها البلاد الرأسمالية في متناول أيديهم داخل بلدهم ~~«الاشتراكي»، وكنت ترى ألوف الموظفين السوفيت وقد ازدانوا بهذه الرشاقة المسلوبة، كما أخذت ~~أعجب الحكايات التي كانت تسرف في المبالغة أحيانا بغير شك، والتي تقص عن الأشياء الفاخرة ~~التي كان يستولى عليها المحررون السوفيت من المناطق التي يغزونها، أقول: أخذت أعجب الحكايات ~~عن مثل هذه الأشياء تدور على الأفواه في أنحاء العاصمة. # كانت رياسة صناعة الأنابيب تبحث لي عن منصب ملائم، والمواطن السوفيتي كائنا من كان ليس ~~في وسعه بالطبع أن يرفض أي عمل يكلف به في أي مكان يعينونه له جزافا وبغير سابق إنذار، ~~ولكنهم مع ذلك يشاورون صاحب الأمر بقدر المستطاع إذا ما كان المنصب ذا مسئولية خطيرة؛ لأن ~~رضاه عن عمله شيء تقتضيه الحكمة، وقد عرضت علي الوزارة أن يكون لي الإشراف التام على مصنع ~~من مصانع التعدين في منطقة ما وراء بيكال في شرق سيبيريا، وكذلك استشاروني في منصب كبير ~~المهندسين في مصنع بأورال، وحدث أيضا أن فكروا في تعييني مديرا لمصنع للتعدين في منطقة ~~جوركي، لكن شيئا من هذا كله لم يجد سبيله إلى التنفيذ. # أما إن سألتني عما أردته لنفسي، فقد سئمت الأيام التي أنفقتها متجولا وتحرقت شوقا من ~~أعماق نفسي إلى حياة عائلية مستقرة، كنت أتمنى لو بقيت في موسكو؛ لأنها بدت أمام عيني جنة ~~بالقياس إلى سائر أنحاء البلاد، ولقد اقتضاني السعي إلى تحقيق هذه الغاية بعض مناورات لبقة ~~وشيئا من نفوذ سياسي استخدمت فيه «أندريف» عضو الهيئة السياسية العليا، حتى تهيأ لي آخر ~~الأمر أن أعين في منصب بموسكو، في مصنع تعديني في «فيلي» وهي في ضواحي العاصمة، وكان ~~منصبا متواضعا يقع أدنى بدرجتين من المناصب التي شغلتها من قبل، لكني رضيت به لأنه كان في ~~العاصمة. ms583 # كان هذا المصنع مما أنشئ قبل الثورة، لكنهم وسعوه وأدخلوا فيه الأساليب الحديثة في ~~السنوات الأخيرة، وبه نحو ألف عامل، وهو يسمى بنفس الاسم الذي يطلق على الاتحاد الصناعي ~~كله «جلافنر بستال» - أي رياسة صناعة الأنابيب - وأهم ما يصنع فيه شرائط وأنابيب من الصلب، ~~ولما كان منصبي فيه مساعدا لكبير المهندسين، فقد وقعت على عاتقي تبعة الإنتاج ~~فعلا. # كان كبار الموظفين الإداريين يعملون معا في هذا المصنع، ولبثوا في صحبتهم هذه أمدا ~~طويلا؛ ولذلك تكونت منهم عصبة وثيقة العرى، أما مدير هذا المصنع فهو «مانتروف»، وهو رجل ~~طويل أحمر الشعر قد انتثر وجهه كله بالبقع الجلدية، قوي البنية غليظها، علم نفسه بنفسه، وهو ~~يميل إلى إخفاء جهله التام بكل ما يتصل بالجانب الفني من العمل، يميل إلى إخفاء جهله هذا ~~بما يثيره من ضجة وعجيج، وكانت له بعض الشهوة اكتسبها في قتاله إبان الحرب الأهلية، ولم يزل ~~يعيش على هذا الرصيد السياسي، فعلى الرغم من أنه قام برياسة مشروعات صناعية مدى أعوام طوال، ~~فقد لبثت هذه المشروعات وكيفية سيرها لغزا لا يفهمه، بل كان أحيانا يرفض المهندسين الذين ~~تكون لهم دراية بدقائق مثل هذه الأعمال. # كان صديقه الحميم وسنده الأول هو الرفيق «يجوروف» الذي كان أمين سر الحزب فيما يمس المصنع ~~من شئون، كما كان رئيسا للقسم المخصوص بذلك المصنع، وهو رجل قصير مليء في منتصف عمره، له ~~حاجبان كبيران منفوشان، يعتز بمكانته لاتصاله بالقسم الاقتصادي من الشرطة السياسية، فإذا ما ~~اختال في مشيته خلال أجزاء المصنع ومكاتبه، مبديا ما استطاع أن يبديه من علامات النفوذ، ~~تهامس العمال وراء ظهره قائلين: «ستالين الصغير»، أنفقت في جواره عاما كان لحاجبيه ~~الهائشين خلاله أثر سيئ في قتل روحي كأنما ألقيا علي ظلا أطفأ سراج نفسي، وثالث أعضاء ~~هذه العصبة الداخلية هو رئيس قسم النقابة، الرفيق «بابا شفيلي» وهو من أهالي جورجيا، قاتم ~~اللون، في جبلته ميل نحو حبك الدسائس، أضف إلى هؤلاء الثلاثة محرر صحيفة المصنع ونفرا ~~من أنصار الشيوعية العاملين، كل ms584 هذه الطائفة كانت تلعب معا، وتكون ما يشبه أفراد الأسرة ~~الواحدة. # وفي عهد الوزير الجديد، «تفوسيان» صديق ستالين، بذلت جهود جبارة لزيادة الإنتاج، فكانت ~~تصرف علاوات كبيرة جزاء على الوفاء بما يطلب صناعته في الموعد المطلوب، ثم تصرف مكافآت ~~مالية زيادة على ذلك لمن بيدهم الإدارة على كل نسبة مئوية يزيدون بها على الإنتاج المطلوب، ~~ولما كانت العصبة الداخلية في مصنعنا لا تستطيع أن تقرر لنفسها مكافآت دون أن يمتد نطاق تلك ~~المكافآت بحيث تشمل كبار الموظفين الفنيين، فقد زودوني بوفرة من المال، حتى مرت شهور بلغ ~~فيها مرتبي مضافا إليه العلاوات ما يزيد على أربعة آلاف وخمسمائة روبل، وعلى ذلك كانت ~~مكاسبنا في الشهور الرابحة يساوي دخل العامل العادي عشرين مرة أو خمسا وعشرين. # لكن رغم هذه الثروة، كانت «الشقة» التي نسكنها تتألف من غرفتين صغيرتين في الطابق الأعلى ~~من بناء ذي طوابق ثلاثة يقع في قلب المدينة، وهو رقم 5 شارع روز درفنكا الذي كان ذات يوم ~~فندقا، وكانت طائفة من الأسر تحتل البهو بأثاثها وخدمها ومشاكلها المختلفة، فمن جيراني ~~راقصة سابقة وابنتها وهي في سن الشباب، ورئيس عمال في مصنع وزوجته، وأرملة تاجر سابق وهي ~~مترهلة الجسم ممرورة النفس، إذ لم يبق لها من ثياب سوى هلاهيل أثوابها الفاخرة فيما مضى، ~~وموظف رفيع المنصب في إحدى الوزارات، وكان لبعض الأسر خدم، أما نحن فلم يكن لنا سوى خادمة ~~لا تقيم معنا، لكنها تجيء لخدمتنا كل يوم. # وعلى الرغم من إقامتنا في جيرة ملاصقة لهذه المجموعة المتنوعة من أهل موسكو أعواما عدة، ~~إذا اشتد التلاصق بيننا حتى ما فتئنا نشتبك ونضايق بعضنا بعضا؛ على الرغم من هذه الجيرة ~~الملاصقة أعواما عدة لم نستطع التغلغل في نفوس هؤلاء الناس بحيث نعرفهم حق المعرفة، فقد ~~كانت تكتنفنا موجة الريبة التي كانت تكتنف كل جماعة من هذا القبيل، اضطرت اضطرارا أن تعيش ~~في مثل هذا التلاصق الذي يحرج الصدور، فمن كان يوهمه خياله أن الاشتراك في الشدائد يجذب ~~قلوب الناس بعضهم ms585 إلى بعض، فإنه لم يعش قط في شقة في موسكو بالاشتراك مع سواه اشتراك ~~الشيوع، بحيث يسكن المكان عدد أكبر مما يسعه المكان، كنا جميعا على كثرة أفرادنا نقتسم ~~مطبخين وحماما واحدا ودورة مياه واحدة، كما كان لنا تليفون واحد في البهو المشترك، فكنا ~~نصم آذاننا عن المشاجرات التي تنشب وعن أحاديث الغزل التي تدور وعن المناقشات التي ما فتئت ~~قائمة حولنا، إذا ما دق التلفون سارع كل منا إليه، ولك أن تضيف إلى كل هذا ما ساورنا من شك ~~في أن يكون بين هؤلاء الجيران مخبرون. # ولقد تبين لي بعدئذ بزمن طويل إبان الحرب، أن مخبر القسم السياسي في شقتنا هو أبعد ~~السكان عن ريبتنا، فقد كان ذلك المخبر هو «سلينا» أرملة التاجر، فكانت تنصت إلى محادثاتنا ~~التليفونية وتتسمع إلى كلامنا عند أبواب الغرف، ثم تقدم تقريرها بانتظام إلى القسم السياسي، ~~ولا شك في أن ما دفعها إلى هذه الحرفة هو خوفها من أن يبعدوها إلى مكان قصي باعتبارها ~~«معادية للشيوعية»، وكثيرا ما تساءلنا كيف يتاح لها أن تظفر بكميات إضافية من مواد ~~التموين، لكن هذا التساؤل عرف جوابه حين عرفت فيما بعد مهمتها في مجتمعنا الذي كان يعيش في ~~بهو واحد. # ولو استثنيت هذه المرأة، ووجدنا رغم كل المصاعب جماعة تربطها روابط الجيرة، فكنا سرعان ما ~~ننسى خصوماتنا العابرة، شأننا في ذلك شأن أهل الروسيا الصميمين، وإذا ما هبط على أحدنا شيء ~~من أسباب النكد، كنا جميعا على استعداد لمعونته. # ولا يتوهمن قارئ أننا - على الرغم مما أسلفت له - كنا نعيش عيشة الضيق بالقياس إلى ظروف ~~الحياة في المدن الروسية، فقد كانت «إيرينا» مجدودة إذ ظفرت بمثل هذه الشقة في حي ممتاز ~~بموسكو، وقاسمتها ذلك الحظ الجميل، حتى أوفق إلى مسكن في أحد المنشآت التي كانت إذ ذاك في ~~طريق البناء، فكنت لا أنقطع عن الرجاء مرة والتحايل مرة لعلي أصيب ذلك التوفيق، وكان لنا في ~~شقتنا تلك بيان وأثاث من خشب الكابلي الجيد وبسط ثمينة وبضع صور ms586 زيتية، فكان إذا ما زارنا ~~من أصدقائنا من لم يسعدهم مثل حظنا، أخذوا يغبطوننا غبطة صادرة من قلوبهم على ما نحن فيه من ~~حياة رغدة. # أقمت في هذا المكان ما يزيد على ثلاثة أعوام، استثن منها المدة التي قضيتها في الجيش ~~الأحمر، فكانت هذه الأعوام الثلاثة أقرب ما عشته من أيام في حياتي العملية إلى الحياة ~~العائلية المستقرة، كنت أشتغل في مصنع الأنابيب في «فيلي» ساعات طويلة من النهار، فكنت ~~أشتغل من منتصف الساعة الثامن صباحا إلى العاشرة أو الثانية عشرة مساء، لكني في أيام ~~العطلة، وفي الأمسيات التي أعود من العمل فيها في ساعة مبكرة نوعا ما، كنت أشعر مع ~~«إيرينا» أننا قد ظفرنا آخر الأمر بحياة عائلية سعيدة. # وكنا نستقبل أضيافنا آنا بعد آن، أما أصدقائي فمعظمهم من أعضاء الحزب ومن موظفي الكرملن ~~واللجنة المركزية العليا، ومن الأخصائيين الفنيين، بينما كان أصدقاء «إيرينا» من الدوائر ~~الفنية والأدبية في موسكو، فلم يكن من اليسير على طائفة أصدقائي وطائفة أصدقائها أن تمتزجا ~~امتزاجا تاما؛ لذلك باعدنا بينهما ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، وربما كانت هذه المباعدة ~~بين الطائفتين رمزا يدل على زواجنا الذي لم يؤد قط إلى اندماج تام عميق بيننا، حتى لقد ~~تبين لي أن الفردين من الناس يستطيعان أن يتبادلا كل حب واحترام دون أن تندمج حياتهما في ~~حياة واحدة. # وكانت مناشطي في المصنع وعملي في الحزب ومحاضراتي السياسية واجتماعاتي واهتماماتي ~~الهندسية، كل هذه الأشياء كانت مما لم تألفه «إيرينا» في نوع حياتها واهتماماتها، فكانت ~~دنياي ودنياها تتماسان لكنهما قلما تدخلتا، أضف إلى ذلك أن الموظفين السوفيت - حرصا على ~~سلامتهم - يميلون إلى إبعاد زوجاتهم عن شئونهم الخارجية، مهنية كانت أو سياسية، إذ علمتهم ~~التجربة أنه كلما قل علم الأسرة بعمل عائلها ومشاكله، كان ذلك آمن لسلامتهم في نهاية الأمر، ~~فالموظفون في الدولة المطلقة السلطان، وسيوف التطهير والسجن مسلطة دائما على رقابهم، ~~يحاولون أن يؤمنوا من يحبون، بألا يطلعوهم إلا على قليل من شئونهم، ذلك إن صارحوهم بشيء ~~منها ms587 إطلاقا. # ومهما يكن من أمر، فالواقع هو أني قلما تحدثت إلى «إيرينا» في شئون عملي الصناعي، ولم ~~أحدثها قط عن شيء من خواطري ووساوسي السياسية، على الرغم من أنها امرأة ذكية متقدة العواطف، ~~وما أكثر ما كنت أتوق إلى التخفيف من عبء متاعبي بالحديث فيها، كنت أتوق إلى «إفراغ ما ~~يضطرب في فؤادي كلاما»، لكن خوفي من أن تشاطرني خواطري السياسية «الخطرة» كان دائما يلجم ~~لساني عن الحديث. # وكثيرا ما كانت تتوسل إلي قائلة: «قل لي يا عزيزي فيتيا، ما همومك الجاثمة على صدرك؟ ~~ما الذي يشقيك؟ أيشقيك خطأ اقترفته أنا؟ أليس في وسعي أن أعينك على همومك؟ نشدتك الله إلا ~~ما أنبأتني!» ~~- «كلا يا حبيبتي، ليس لك في الأمر يد ولا إصبع، كل ما في الأمر أني أجهد نفسي في العمل ~~فوق ما أطيق، فليس ثمة ما يدعو إلى القلق ...» # كيف يمكن لإنسان أن يطمع في حياة منزلية سوية في ظل ما تلقيه الحكومة المستبدة من عوامل ~~الإرهاب في الرءوس؟ # تسلمت ذات يوم في شهر يونيو خطابا من رياسة صناعة الأنابيب يستفسرني بعض المبالغ التي ~~صرفها مساعدي للشئون التجارية أيام أن كنت في كمروفو، فاحترت في أمر هذا الخطاب، لكني لم ~~أفزع له بادئ ذي بدء؛ لأني لم أدرك للوهلة الأولى أن هذا الخطاب كان نتيجة مؤامرة محبوكة ~~للانتقام مني، دبرها «جولوفاننكو» وآخرون ممن أسأت إليهم إساءة لم أراع فيها شيئا من ~~اللباقة. # إنه بمقتضى القانون السوفيتي، يخول لطوائف معينة ممن يشغلون مناصب عالية في أجزاء نائية ~~من البلاد مثل الشرق الأقصى وسيبيريا، أن يتقاضوا مبالغ إضافية كبيرة عند تعيينهم في ~~مناصبهم، لقاء ما يتكلفونه من نفقات الانتقال وغيرها، وإنما تتحدد مقادير هذه المبالغ وفق ~~اتفاقات شخصية رسمية بين كل فرد على حدة وبين إدارة المشروع الذي يستخدمه، ولقد حدث في ~~حالات كثيرة أنه لم يكن هناك مثل هذه العقود لتحديد المبالغ التي اقتضتها الأعمال في ~~مصنعي. # ولذلك رأى مساعدي كما رأى كبير المحاسبين أن هذه العقود لم تكن ms588 ضرورة، فحسبنا - في رأيهما ~~- قانون ممهور بتوقيع «كوزفنكوف»، والواقع أنني - شخصيا - لم أستخدم هؤلاء الناس الذين ~~أثير حولهم السؤال، ولم أصرح لهم بصرف شيء من المال، ولكن ذلك لم يكن لينجيني من التبعة، ~~فباعتباري رئيسا للمشروع، عدوني مسئولا من الوجهة الفنية عن هذا السهو، واتهموني بصرف ~~مبالغ من الرصيد لا يقرها القانون، وتلك جريمة عقابها ثلاثة أعوام كاملة تقضي في غيابة ~~السجون. # وظاهر أن المؤامرة التي حبكت لإيقاعي في هذا الاتهام الذي لا يسيغه عقل سليم، قد ~~دبرت بغير علم من «كوزفنكوف»؛ لأنني حين أسرعت إليه بالخطاب بدت عليه علائم الارتباك ~~والدهشة، وقال لي: إن الاتهام لا يستند على أساس، ولا ينبغي أن يكون له في نفسي صدى، لكنه ~~أحس أنه إذا ما تدخل في الأمر كان بمثابة من يتصدى للدفاع عن إهمال في العمل وقع في الهيئة ~~التي يشرف عليها. # واقترح علي قائلا: «لا تزد على أن ترد على الخطاب بما استطعت من حيطة، ولا تفكر في ~~الأمر بعد ذلك، فلست أتصور أن الأمر سيخطو بعد ذلك خطوة، لأنه أوهى أساسا من أن ~~يفعل.» # لكنه أخطأ الظن، فقد مضى شهر وحسبت أن «الجرائم» التي وجهت إلي قد أهملت، غير ~~أني ما لبثت أن جاءني إعلان بأن وزارة التعدين قد رفعت أمري - باسم إيفان تفوسيان نفسه - ~~إلى محكمة الشعب، وهكذا وجدت نفسي متهما في قضية جنائية خطيرة في المحاكم المدنية العادية، ~~وتهمتي هي «جريمة» لم تكن لي بها أدنى صلة على الإطلاق، إلا إن كانت صلتي بها قد وقعت بغير ~~علم مني، وكان شريكي في هذه التهمة هو «مانفيف» كبير المحاسبين في مشروع كمروفو، ولم يكن ~~بين المتهمين مساعدي للشئون التجارية الذي قام فعلا بصرف تلك المبالغ. # وحاولت أن أصل إلى كثير من الموظفين في المحكمة لعلي أبطل القضية من أساسها، وكانوا ~~جميعا يتفقون معي على أن القضية ظاهرة البطلان، لكن مهما يكن من أمر بطلانها فهي اتهام آت ~~من «تفوسيان» نفسه، الذي لم يكن وزيرا من وزراء الشعب فحسب، ms589 بل كان ما هو أهم من ذلك، إذ ~~كان نجمه صاعدا في سماء ستالين، وإذن فيستحيل على عجلة «العدالة» أن تقف، ولا بد لي من ~~السير في إجراءات المحاكمة كلها، لا بل أن كل من علم بالموقف تشاءم بنتيجته؛ لأنه إذا ما ~~اتهم مواطن مواطنا آخر فله أن يؤمل في محاكمة حقيقية في المحاكم السوفيتية، أما إن كانت ~~الحكومة هي التي تتهم فردا من الأفراد، فالأغلب ألا تكون أمامه فرصة كبيرة للنجاة، إذا لم ~~تكن الغاية الأساسية التي يرمي إليها التشريع السوفيتي هي بتحقيق العدالة المجردة، بل غايته ~~«الدفاع عن الدكتاتورية الشعبية» وهي عبارة معناها الدفاع عن نظام الحكم القائم. # بدأت المحاكمة بسلسلة من التحقيقات كانوا خلالها يستحثونني على الاعتراف بجريمتي. # قال لي مرة أحد رجال النيابة التابعين للقسم السياسي: «لا تكن أحمق يا رفيقي كرافتشنكو، ~~تجنب المحاكمة وعالج الأمر بنفسك، فذلك قمين أن يخفف عنك العقوبة كثيرا.» ~~- «ولكن كيف أعترف بجريمة لم أكن أعلم عنها شيئا؟ يستحيل علي أن أسجل على نفسي جريمة ~~بسبب إجراءات سخيفة، إن المبالغ صرفت بموافقة رسمية موقع عليها من رياسة صناعة ~~الأنابيب.» # لم يكن ليدور بخلدي أن التحقيق في مثل هذه القضية يتم على أيدي رجال الشرطة السياسية لا ~~قاضي المحكمة، إذ لم يكن في الاتهام شيء يتعلق بالسياسة، لكنه حيثما يكون في البلاد حزب هو ~~الذي يسن القانون وهو الذي يقوم على تنفيذه أيضا، فتوقع كل شيء ولا تعجب لشيء. ~~- «إذن ففي هذه الحالة لا بد لك أن تواجه المحاكمة.» # وقبل موعد المحاكمة بأربعة أيام، طلبت من «هيئة محامي الدفاع الرسمية» محاميا؛ لأنه ليس ~~في بلادنا نظام قضائي فردي خاص، فعليك أن تخاطب هيئة المحامين الرسمية المختصة بالإقليم ~~الذي تقيم فيه، وهي التي تعين لك محاميا لا بد أن تقبله، ثم تدفع له الرسوم التي تقررها ~~هيئة المحامين، وبالطبع ما دام المحامي لا يؤجر كل شهر إلا راتبا ضئيلا، فالذي يحدث هو أن ~~تدفع له من عندك جزاء إذا استطعت أن تصل إليه ms590 في هذا الصدد، على ألا يعلم أحد بذلك الأمر ~~بينكما. # قابلت في هذا الشأن امرأة أخذ منها الملل كل مأخذ، تثاءبت في وجهي وأصغت إلى طلبي إصغاء ~~ما أظنها فهمت به مما أقوله كثيرا. # ثم صاحت عبر الغرفة إلى رجل دفين في أكداس من أوراق: «بتروف! هذه قضية تقع تحت بند 109، ~~والمحاكمة بعد أربعة أيام، فهل تستطيع الاضطلاع بها؟» # فصاح بتروف مجيبا: «كلا، لا فراغ عندي لها.» # فقالت: «لا بأس فسأبحث عن محام آخر.» # وأخيرا عينت لي محاميا، لم أكد أتصل به حتى أحسست بخيبة الرجاء، كان لا بأس بأدبه، ضئيل ~~الجسم، له عينان زائغتان وخدان غائران، كسير النفس يعتذر إذا ما بدرت هفوة منه، فما أن سمع ~~أن التهم وجهت إلي من «تفوسيان» حتى تغيرت ملامح وجهه في تعبيرها، فرأيت فيها معنى ~~اليأس بعد أن كنت ألمح شيئا من الفلق؛ ذلك لأن المحامي عند السوفيت لا مندوحة له إذا ما ~~أراد أن يكون بنجوة من الخطر عن مناصرة الحزب والدولة على موكله؛ لهذا لم يطمئن محامي ~~الضئيل الفزع لما كلف به من معارضته وزيرا من وزراء الشعب، لا بل صمم ألا يلعب هذا ~~الدور الخطير. # اجتمعت محكمة الشعب في غرفة مشعثة رديئة التهوية، تقع في الطابع الثاني من بناء كان من ~~قبل - فيما يظهر - مدرسة، وعلى جدرانها ذات الطلاء الأصفر الشاحب انتثر الذباب إلا حيث تقشر ~~الطلاء، وبالطبع امتلأت الغرفة في كل أرجائها بصور لستالين وغيره من الزعماء، انتظرت وإلى ~~جانبي «مانفيف» ومحاميانا، وكان معنا نيف وعشرون شخصا كانت قضاياهم مسجلة في جدول ~~المحاكمات ذلك اليوم. # وصاح حاجب بأعلى صوته: «المحكمة آتية، وقوفا.» # ووقفنا لما دخل رجلان وامرأة من الباب الخلفي وجلسوا إلى منضدة ملفوفة بغطاء أحمر قائمة ~~على منصة عالية، ولبثت عدة ساعات أرقب إجراءات المحكمة في قضايا من سبقوني إلى المحاكمة، ~~فالقاضي - وهو رئيس الجلسة - موظف قضائي دائم، وهو الذي يقوم بتوجيه معظم الأسئلة، وأما ~~الاثنان الآخران «فيمثلان الشعب»، وهو نظام شبيه بنظام المحلفين في الأقطار الأنجلو ms591 ~~سكسونية، وفي هذه الحالة بالذات كان ممثلا الشعب عاملا شابا قلقا في جلسته شديد الإحساس ~~بنفسه لما ألقي عليه من شرف حمله فادح لقواه، وامرأة تقدمت بها السن رجحت أن تكون كاتمة ~~سر في أحد المكاتب، ولم ينبس أي منهما ببنت شفة. # وبعد أن يفرغ القاضي الرئيس من استجواب المتهم، يأخذ وكيل النيابة ومحامي الدفاع في إلقاء ~~خطب مشتعلة بالحماسة العاطفية - فالخطابة العاطفية من تقاليد القضاء السوفيتي - وبعدئذ ~~ينسحب القضاة الثلاثة، ثم يعودون بعد لحظات قصار لينطقوا بالحكم. # ولما جاء دوري ودور «مانفيف» في الاستجواب، وجدت أن استجوابنا يسير في نفس الاتجاه الذي ~~سار فيه التحقيق المبدئي، وكنت قبل ذلك لا أصدق أبدا أنه من الجائز أن يزج بي في السجن ~~فعلا على مثل هذا الأساس الواهي، لكني لما رأيت مجرى المحاكمة هوى قلبي إلى أعماق جوفي، إذ ~~وجدت أن عقيدتي في براءة نفسي ليس لها بجوهر الأمر شأن كثير أو قليل، فالوضع كما يبدو لعين ~~المحقق هو أني «بددت أموال الحكومة»، هذا ما يقوله الوزير وما يظهر من كل ظروف ~~القضية. # ولما فرغ القاضي من توجيه الأسئلة إلي، أحسست كأنما أطبقت علي جدران السجن، ثم ~~تناولني وكيل النيابة، وكان رجلا بدينا ذا شعر كث على رأسه، فشعرت أنه ينظر نظرة المقت ~~لشخصي إذ رآني مرتب الهندام، كأنني مسئول بوجه من الوجوه عن كونه مطالبا بإعالة أسرة براتب ~~قدره ستمائة روبل كل شهر. # سألني في عرض حديثه: «كم كنت تتقاضى في كمروفو؟» ~~- «كان متوسط راتبي في الشهر ألفين وخمسمائة روبل، وقد أزيد أحيانا.» # فهز رأسه المشعثة هزة من عثر على دليل قوي يؤيد اتهامه لي، ونظر إلى القضاة نظرة لها ~~معنى: «وكم تتقاضى الآن؟» ~~- «ثلاثة آلاف أو أربعة، بل قد تبلغ خمسة آلاف ... الأمر يختلف.» # فهز وكيل النيابة رأسه مرة ثانية ليدل على أن كلامي قد بلغ صميم نفسه، وزم شفتيه ساخرا ~~متهما، ويخيل إلي أنه اشتم في ذلك أساسا غامضا يبني عليه اتهامه، مع أنه أساس يتصل ~~بحالته المريرة ms592 بسبب فقره، ولا يتصل أبدا بالقضية التي بين يديه. ~~- «انظروا يا حضرات القضاة في أي رغد يعيش!» # هنا لم أستطع أن أظل على كتمان ما بنفسي، فسألته: «لكن ما علاقة هذا بالتهم، إنني أدير ~~مصنعا كبيرا وأتقاضى مرتبي وفق القانون.» ~~- فأمرني القاضي الرئيس قائلا: «أرجو من المتهم ألا يقاطع المتكلم، إننا نثق بوزارة ~~الشعب التي توجه الاتهام - كما قال وكيل النيابة - أكثر مما نثق بك.» # كانت كلمة وكيل النيابة عالية الصوت شديدة الركون إلى الهوى، وكان المتكلم يحرك جسده مع ~~الكلام حركات عنيفة، ولقد نقب في صفحات الأدب تنقيبا، كما بحث في خطب «الزعيم» ليستخرج ~~الأصباغ القاتمة التي يلطخ بها هذين «الوحشين» اللذين «بددا أموال الشعب»، ولو سمع الذي قيل ~~أجنبي لا علم له بالحقائق لما تردد في افتراض أن «مانفف» المسكين وأنا قد نهبنا الملايين ثم ~~ختمنا الجريمة باغتيال المنهوب، وطلب الخطيب من المحكمة أن تعاقبنا بالسجن ثلاثة أعوام ونصف ~~عام، ولم يبين لماذا تكون المدة ثلاثة أعوام ونصف عام، لماذا لا تكون خمسة أعوام؟ بل لماذا ~~لا تكون العقوبة إعداما؟ كان الموقف كله عندي بمثابة حلم مخيف، ولم أدر متى أستيقظ ~~منه. # والحق أن محامي قد بذل في الدفاع عني جهدا جبارا، إذا تذكرنا ما تقتضيه منه عضويته ~~للحزب من واجبات، ومع ذلك فما كان يسعك إلا أن تحس إحساسه، وهو إحساس بالهزيمة قبل أن يبدأ ~~المعركة، وأنه إنما يتناول الأمر إتماما للصورة الشكلية، لم يناقش نقطة الاتهام - فحتى ~~محامي قد سلم بصحته تسليما - لكنه التمس تخفيف العقوبة نظرا لحسن نيتي فيما صنعت ~~يداي! # غاب القضاة نحو عشر دقائق ثم عادوا بالحكم: السجن سنتان مع حق الاستئناف خلال سبعة أيام، ~~وهكذا حكم علي «بالإجرام»؛ لأن شخصا ما في مكان ما من ديوان صناعة الأنابيب في موسكو قد ~~عقد إجراءات العمل! وزير وقع على قطعة من الورق وضعها على مكتبه مرءوس متحمس، وبعدئذ ~~تتابعت فصول الملهاة تتابعا آليا من تلقاء نفسها، إني لعلى يقين من بشاعة هذه الصورة ~~التي ms593 أرسمها، لكنها وا أسفاه صورة الواقع كما جرى، كان القاضي الرئيس ووكيل النيابة قبل كل ~~شيء عضوين في الحزب، ثم كانا فوق ذلك يعالجان اتهاما لم يقدمه وزير فحسب، بل هو كذلك عضو ~~في لجنة الحزب المركزية، فأين ملاذ العدالة في مثل هذه الظروف؟ # وقدم محامي استئنافا نيابة عني، وبهذا أرجئ القبض علي، ولبثت بضعة شهور أستدعى ~~للتحقيق حينا بعد حين أمام هيئات قضائية مختلفة، حتى إذا ما جاءت أوائل الربيع من عام ~~1941م عقدت جلسة في محكمة المدينة الرئيسية، وللمرة الثانية أبيت أن أعترف بجريمتي، ~~وتداولت المحكمة في قضيتي، وبعد ثلاثين دقيقة أعلنت حكمها وهو يقضي بتخفيض الحكم الأول إلى ~~عام واحد «أقضيه في عمل بالسخرة في المنصب الذي أعمل فيه الآن». # هذا ابتكار قضائي سوفيتي فريد، ومؤداه أن يظل المتهم الذي ثبتت إدانته طليقا في حياته ~~وعمله، وكل ما في الأمر أن يقتطع من كسبه عشرة إلى عشرين في المائة تصبح من حق القسم ~~السياسي، وقد حدد ما يقتطع مني بعشرة في المائة، وهكذا يضطر عشرات الألوف من الروس بهذه ~~الحيلة العجيبة أن يدفعوا شطرا من دخلهم جزية للشرطة السرية تحت ستار العقاب على ~~جريمة. # وجاء إعلان بحالتي الجديدة إلى قسم الحسابات في المصنع، فأخذوا يقتطعون من راتبي وعلاواتي ~~عشرة في المائة كل شهر، يضيفونها إلى خزانة القسم السياسي، وظلوا كذلك منذ ذلك التاريخ حتى ~~قضت المحكمة العليا ببطلان القضية من أساسها. # وأريد الآن أن أغض الطرف عن تتابع الحوادث؛ لأختم قصتي في الفترة التي كنت فيها ~~«مجرما»، ذلك أني استأنفت فورا إلى المحكمة العليا، ولو أنه لما حان حين النظر في قضيتي ~~كانت الحرب قد ظللتنا وأصبحت موسكو هدفا للمدافع النازية، وانتقلت المحكمة إلى جبال أورال، ~~فأدى هذا الانتقال إلى اضطراب الأوراق المحفوظة في المحكمة اضطرابا كان من نتائجه أن ضاع ~~استئنافي ولم يعثروا له على أثر. # وحدث أن التحقت بالجيش الأحمر في رتبة اليوزباشي بإحدى الوحدات الهندسية، مع قيامي في ~~الوقت نفسه بعمل سياسي رئيسي، لكن ms594 «إيرينا» تولت أمر قضيتي، ولم تكن العشرة في المائة هي ~~التي تحفزنا للعمل، بل حافزنا هو أن نمحو هذه الوصمة من صحيفتي، ولم ألبث بعد تركي خدمة ~~الجيش في الجزء الأول من عام 1942م أن راجعت المحكمة العليا قضية كرافتشنكو، ونقضت أحكام ~~المحكمتين الأوليين، وقضت ببراءتي التامة، وبهذا أسدل الستار نهائيا على ~~قضيتي. # ولولا هذه البراءة لكان من الجائز ألا يؤذن لي قط بالعمل ممثلا لمجلس وزراء الشعب، ولكان ~~من المحتم ألا يسمح لي بترك البلاد، ومضت الأيام ونسيت العداوة التي كانت مبعثا لتوجيه ~~تهمة «الإجرام» إلي، حتى لقد صادفت «جولوفاننكو» في ديوان صناعة الأنابيب، فكاد ألا يذكر ~~أنه غضب مني ذات يوم، لكن الشر لما فك عقاله، مضى في طريقه مدفوعا بغير دافع من خارجه، ~~حتى أوشك أن يقوض من حياتي بنيانها. # الفصل الثاني والعشرون # | حرب لم تكن في الحسبان # في صباح اليوم الثاني والعشرين من شهر يونيو سنة 1941م كانت الطائرات تلقي قنابلها على ~~المدن والمطارات السوفيتية كما كانت الجيوش السوفيتية قد استولى عليها الذعر وبدأت تتقهقر ~~أمام فرق الهجوم النازية في جبهة عظيمة الطول، ونشرت صحف العالم كله في صفحاتها الأولى ~~أخبار الهجوم الألماني المفاجئ على الروسيا بحروف ضخمة، وقبل أن تشرق شمس الصباح في ذلك ~~اليوم كانت الشرطة السوفيتية السرية تلقي القبض على عشرات الآلاف من «غير المرغوب فيهم» في ~~طول البلاد وعرضها. # ولكنني لم أكن أعرف شيئا عن الكارثة التي نزلت على رءوس المائتي مليون من أهل بلدي، ولم ~~يكن أحد من رجال المصنع الذي أعمل فيه أكثر مني علما بها حين وصلت إلى مكتبي في الصباح ~~الباكر من ذلك اليوم، وسبب هذا أن أخبار اليوم السابق كانت لا تزال تشيد بفعال جيوش هتلر ~~الباهرة وبالهزائم التي مني بها أعداؤه «الذئاب الرأسماليون» و«تجار الحرب ~~البلوتوقراطيون». # وظلت الدعاوة الرسمية في الأشهر السابقة لهذا الهجوم مباشرة - كما كانت من قبل - لم يطرأ ~~على نغمتها أقل تغيير، ولم تكن فيها كلمة عطف واحدة على الأمم التي اجتاحها النازيون، ms595 ولم ~~يجرؤ أحد على أن يوجه كلمة لوم إلى الغزاة الهتلريين؛ ذلك أننا لم نكن نستطيع أن نجهر بما ~~نشعر به من العطف على ضحايا الاعتداء النازي وإن كان آلاف الروس قد أحزنهم وآلم قلبهم ما حل ~~بهؤلاء الضحايا من بلاء عظيم، وكنت أنا نفسي قبل بضعة أيام من ذلك الصباح المشئوم أتحدث إلى ~~جماعة في مصلحة استيراد الآلات التابعة لوزارة التجارة الخارجية، وكنا وقتئذ نتناقش في ~~موضوع آلات اللحام الكهربائية المرسلة من ألمانيا إلى الاتحاد السوفيتي. # وقد ألقيت أنا نفسي خطابا عن «الحرب الاستعمارية» قبل الغزو بيومين - أي في وقت 20 يونيو ~~- على جماعة من العمال والموظفين في اجتماع سياسي عام، وسرت في خطابي هذا على الخطة ~~المرسومة، فأعدت على مسامع المجتمعين ما كان يقوله غيري من الخطباء، وهو أن ألمانيا قوية ~~الرغبة في السلم رغم انتصاراتها الباهرة، ولكن دعاة الاستعمار البريطانيين تؤيدهم الأموال ~~الأمريكية يصرون على إطالة أمد الحرب. # ولم أكن أنا ولا أي إنسان آخر خارج دائرة الكرملن الداخلية يعرف أن وزارة الخارجية في ~~واشنجتن قد لفتت أنظار قنسطنطين أو مانسكي سفيرنا في أمريكا إلى أن هتلر يستعد للانقضاض على ~~الروسيا، وأن هذا التحذير قد كرر مرة أخرى مستر سمنر ولز بعد خمسة أسابيع من ذلك التاريخ ~~وأيدته المصادر البريطانية، ولكن ولاة الأمور الروس أشاحوا بوجوههم عن هذه النذر قائلين: ~~إنها من دسائس الرأسماليين التي يقصدون بها القضاء على الصداقة المتينة التي أحكم عراها ~~ميثاق هتلر-ستالين. # وكان عيون السوفيت في ألمانيا قد أرسلوا بمثل هذه النذر إلى رؤسائهم، فأبلغوهم عن حركات ~~بالغة الخطورة تقوم بها الجيوش الألمانية في اتجاه الحدود الروسية على مدى واسع لا يمكن أن ~~يكون القصد منه مجرد حفظ الأمن في البلاد، وكان لي أنا نفسي معارف كثيرون بين موظفي المصانع ~~وإدارات التموين التي تنتج البضائع لآلة الحرب النازية، فكنت لهذا السبب على اتصال دائم ~~بالممثلين التجاريين العائدين توا من برلين، وكان هؤلاء كلهم قد حذروا من نوايا هتلر، فقد ~~قال لهم الألمان بصريح ms596 العبارة في إحدى المناسبات أن لا مفر من الصدام بين الروس والألمان، ~~ولكن ستالين وبطانته أبوا أن يصغوا لهذه النذر أيضا، وقالوا إنها كلها ألاعيب ودسائس خبيثة ~~لا يقصد بها إلا السوء، كأنهم جميعا قد استناموا لدعاوتهم. # لقد كان كل ما يسمح لجمهرة الشعب الروسي أن تعرفه عن العلاقات الروسية الألمانية هو أن ~~التعاون بين السوفيت والنازيين نعمة من أجل النعم، وأن الذين يرتابون في هذا إنما يرتابون ~~في عصمة ستالين من الزلل، وكان التحدث بأن الألمان قد يغدرون بالزعيم لا يقل شناعة عن ~~الحديث ضد الثورة، وكان الذين يجهرون بالعطف على ضحايا الإجرام النازي يعرضون أنفسهم ~~للاعتقال والتشريد. # وهكذا اقترب اليوم التاريخي المشهود دون أن تسبقه أقل شائعة تعرقل سيره السهل الرتيب، ~~وكان العمل في مصنعنا قائما على قدم وساق حين طلب إلينا أن نقفه لكي نسمع خطبة خطيرة ~~يذيعها الرفيق مولوتوف، ولم يكن ذلك من الأعمال المألوفة، فسرت في المصنع بسببه موجة من ~~الرعب، وأخذ كل منا يحزر ما عسى أن يكون موضوع خطبة وزير الشئون الخارجية، ولكن لم يكن منا ~~من صدق حدسه فتنبأ بهذا الخبر الرهيب. # فلما سمعنا الألفاظ التي نطق بها مولوتوف بلسان متلجلج وصوت تخنقه العبرات طار صوابنا من ~~هول ما سمعناه، وماذا عسانا أن نستنتج من هذا النبأ الذي أثار مشاعرنا واضطربت له قلوبنا؟ ~~لقد أطلق الفهرر المخادع الغادر الوغد الغبي كلابه الضارية على البلاد التي ظلت قرابة عامين ~~تضن على نفسها بالطعام الذي هي في أشد الحاجة إليه، وبالوقود والمعادن والزيت والذخائر ~~الحربية لتعينه على إخضاع أوروبا، لقد كنا حريصين أشد الحرص على الوفاء بعهودنا ~~والتزاماتنا، فلم نقدم للنازيين ما يلزمهم من البضائع فحسب، بل أعناهم أيضا بالدعاوة ~~الواسعة في أنحاء العالم وبالضغط الدبلوماسي؛ فكان جزاؤنا منهم ذلك الغدر الشنيع. # وما هي إلا ساعات قلائل حتى قبل علينا خطيب من خطباء الحزب، فدعونا العمال كلهم للاجتماع ~~في عطلة الغداء، وجلست على المنصة مع منتوروف مدير المصنع ومع بجوروف رئيس لجنة الحزب فيه، ms597 ~~وأخذت أتفرس في وجوه عمالنا المتعبين المكتئبين بينما كان الخطيب يندد بغدر الطاغية ~~الألماني ويمجد أمانة الطاغية الروسي، فلم أبصر في وجوه القوم سوى الغضب والفزع إلى جانب ~~الإعياء والحيرة والحزن الشديد، وأخذ بعض العمال يبكون من فرط التأثر. # وخطبنا منتورف وبجورف فكررا على مسامعنا في عبارات ضعيفة سمجة النداءات الجديدة العجيبة، ~~ولم يكن من السهل علينا ما بين عشية وضحاها أن نذكر «الدول الديمقراطية» من غير أن نسخر ~~منها، ولا أن نهاجم الألمان الذين كانوا بالأمس فقط ضحايا دعاة الحرب الاستعماريين، وبدا ~~لنا أن وصف إنجلترا وفرنسا على هذا النحو الفجائي بأنهما شريكتان لنا في قضية عامة من أعظم ~~الأمور غرابة، بعد أن ظللنا أمدا طويلا نرى فيهما أعظم المهددين لسلامتنا القومية. # وذهل العمال لهذه الأنباء وطار صوابهم، فكانوا يصفقون للخطباء في غير حماسة عند الوقفات ~~المناسبة، ثم عادوا بعد سماع الخطب وهم ذاهلون إلى مخارطهم ومكاتبهم ولوحات رسومهم، وأخذنا ~~نعمل كمألوف عادتنا إلى آخر النهار، على أن الحرب والجيوش الغازية قد أيقظت على ما يظهر بعض ~~العقول من سباتها الطويل، وشاهد ذلك أن سرجي جلفليوف أحد المهندسين الكهربائيين وأحد أعضاء ~~الحزب أقبل علي بعد الاجتماع وقال لي: «ها نحن أولاء قد جاء دورنا الآن، لقد كنا يا فكتور ~~أندريفتش طوال السنين الماضية نحيا حياة شاقة ملؤها الحرب والثورة والدمار، ومشروع الخمس ~~سنين، والجوع والتطهير، وها نحن أولاء قد عدنا الآن إلى الحرب؟ ألم يأن لنا أن نعيش كما ~~يعيش غيرنا من الآدميين؟» # فأجبته قائلا: «إن علينا أن نعمل يا رفيق جلفليوف وألا نمل العمل، وليس لنا من سبيل ~~غير هذه السبيل.» ~~- «هذا حق لا شك فيه، إن علينا أن نعمل وأن نحارب، ولكن الإنسان لا يسعه إلا أن يفكر ~~...» # فقلت له في لهجة رسمية حتى لا أعرض نفسي لشيء من الخطر: «خير لك أن تعود إلى عملك، إن ~~لهذا الحديث وقتا غير هذا الوقت.» # وأبلغت وأنا في مكتبي بعد ظهر ذلك اليوم أن فاديم ألكسندروفتش سمليا نينوف ملاحظ ms598 النوبة ~~متغيب عن عمله، وأنهم لم يستطيعوا الاتصال به تليفونيا، فأمسكت بسماعة التليفون وطلبت ~~رقمه. # وسألت: «هل هذه شقة سمليا نينوف؟» # فرد علي بعضهم ردا صارما: «هذه شقة سمليا نينوف سابقا.» ~~- «أرجو أن تدعو سمليا نينوف ليكلمني.» ~~- «من أنت؟» ~~- «أنا مساعد كبير المهندسين في المصنع الذي يعمل فيه.» ~~- «إنه ليس هنا، ولن يعود بعد الآن.» ~~- «من الذي يخاطبني؟ إني أتكلم بصفة رسمية.» # وأنا أيضا أتكلم بصفة رسمية وأنا من رجال القسم السياسي (ن. ك. ف. د. # N. K. V. D. ~~). # فألقيت السماعة من يدي، إذن لقد اعتقل صديقي سمليا نينوف واختتمت حياته الثورية الطويلة! ~~لقد كان سمليا نينوف مهندسا قديرا غزير العلم جم النشاط في الحركات الثورية، وقد أهلته ~~هذه الصفات كلها لأن يكون أمين سر لينين، ثم عين فيما بعد رئيسا لمكتب رياسة الوزراء ~~ثم رئيسا لمصلحة التعمير في مجنى تستروي، ثم رئيسا للوفد التجاري السوفيتي في الولايات ~~المتحدة، ثم مديرا لمعهد جيروفير العظيم للصناعات المعدنية، وجملة القول أنه كان من أعظم ~~الشخصيات البارزة في العهد السوفيتي، فلما كانت حركة التطهير الكبرى أخرج من الحزب، ~~وأنزل إلى مرتبة مساعد لرئيس العمال في مصنعنا، ثم ارتقى أمين سر لينين السابق حتى صار ~~على مر الأيام رئيس عمال، ثم وصل أخيرا إلى منصب ملاحظ النوبة، وأعيد إلى الحزب منذ زمن ~~قريب، وكان ابنه الوحيد جاويشا في الجيش الأحمر، وكان وقتئذ في ميدان القتال، والآن قبض ~~على سمليا نينوف. # ولكنه لم يكن إلا أول من عرفت من ضحايا عهد الإرهاب الجديد الذي بدأ في الأيام الأولى من ~~الحرب، والذي امتلأ بضروب من القسوم منقطعة النظير، فقد اختفى بعده من حولي عشرات من الناس ~~في الأيام التالية. # وكان صديق لي من رجال القسم السياسي قد أخبرني قبل هذا الوقت بزمن طويل أن جميع «العناصر ~~الخطرة» سيقضى عليها إذا نشبت حرب، وأن قوائم سوداء طويلة قد أعدت في كل قرية وبلدة ~~ومدينة، وأن مئات الآلاف من الأهلين سيقبض عليهم، ولم يكن في هذا القول ms599 شيء من المبالغة، ~~فقد كانت تصفية «أعداء البلاد من أهلها» حقيقة لا ريب فيها، وكانت هي الجزء الوحيد من ~~الجهود الحربية التي أنجزها القوم على عجل وعلى أتم وجه في المرحلة الرهيبة الأولى من مراحل ~~الكفاح المرير، لقد كانت هذه عملية تطهير للمؤخرة، سار فيها القوم على خطة محكمة، وضعت ~~مقدما بناء على أوامر ستالين نفسه. # ولقد أتيح لي بعد عدة سنين من ذلك الوقت أن أستمع إلى ذلك القول السخيف الذي لا معنى له، ~~والذي يصدقه على ما يظهر أصحاب العقول المستنيرة من الأمريكيين أنفسهم، وهو أنه لا أثر في ~~الروسيا ل «الطابور الخامس»؛ لأن عمليات التطهير الدموية الحكيمة قد استأصلت كل «الخونة» ~~مقدما، لقد قرأت هذا السخف البذيء في كتاب عجيب يمت إلى الأدب ببعض الصلة، كتبه جوسف ديفز ~~السفير الأمريكي السابق، كما قرأته في كتابات صغيرة لغيره من الكتاب الذين يظنهم الناس على ~~جانب عظيم من العلم بهذا الموضوع، وهم أشد الناس جهلا يخطط ستالين السياسية وبأساليب حكمه، ~~وما كان أشد عجبي من نجاح هذه الدعاوة الصبيانية المصدرة من موسكو بلا ريب. # وأقول «مصدرة»؛ لأن حكومتنا قد سلكت في داخل الروسيا مسلكا يناقض هذا كل المناقضة، فقد ~~أعلنت على الملأ أن أمتنا يتغلغل فيها الطابور الخامس، ولم تكد تعلن الحرب حتى أخذت الصحافة ~~والإذاعة والخطابة تنادي بإعدام الخونة من أهل البلاد، والجواسيس، والذين يعملون لإشاعة ~~الفوضى في أنحائها ويروجون الشائعات الكاذبة، ويعطلون الإنتاج القومي، وعلى صنائع الفاشيين ~~وأمثالهم، وكان جواب القسم السياسي على هذا النداء هو اعتقال الناس جماعات وإعدامهم، حتى ~~لقد انطبع في ذهني في الأيام الأولى من الحرب على الأقل أن الكرملن لم يكن يرهب رعاياه أقل ~~مما يرهب الأعداء المغيرين. # والحق أن البلاد لم يكن فيها طابور خامس إذا قصدنا بهذا اللفظ الخونة والمناصرين للألمان، ~~على الرغم من حوادث التطهير التي أغرقت البلاد في بحر من الدماء، ولكن كان فيها آلاف الآلاف ~~من الوطنيين الذين يمقتون طغيان ستالين وما جره على أهلها من ضروب ms600 الشر والفساد ، ومن هذه ~~الناحية وحدها كان خوف العصبة الحاكمة خوفا له ما يبرره. # ذلك أن الوحشية التي نفذ بها نظام المزارع الجماعية، والقحط الذي حل بالبلاد بين عامي ~~1931م، 1933م والذي كان من صنع حكامها، وما حدث في سني التطهير من قسوة يعجز عن وصفها ~~البيان، كل هذا قد ترك في صدور أهل البلاد جروحا متنسرة لا تندمل، لقد كانت البلاد كلها لا ~~تكاد توجد فيها أسرة واحدة لم تفقد أحد أبنائها في الحرب التي شنها حكامها على أهلها، ولم ~~يكن ما يشغل بال ستالين ورفاقه هو ولاء الأهلين لروسيا، بل كان الذي يقلقهم ويقض مضاجعهم هو ~~ولاء البلاد لهم دون غيرهم، وكان من حقهم أن يقلقهم ذلك ويقض مضاجعهم، ولعلهم في أحلامهم ~~المزعجة رأوا عشرين مليونا من العبيد قد حطموا فجأة جدران السجون، وقطعوا الأسلاك الشائكة ~~المنصوبة حول حظائر الاعتقال، وساروا في جحافل جرارة يدمرون ويخربون، تغلي في صدرهم مراجل ~~العداوة والانتقام. # ومهما يكن من شيء فإن قمع كل معارضة يمكن أن تنشأ في المستقبل بلا رحمة ولا هوادة كان له ~~المكان الأول في خطط الحكومة، وكان لأعمال القمع السبق على وسائل الدفاع العسكري عن البلاد، ~~وعملا بهذه الخطة قبض على المواطنين السوفيت الذين هم من أصل ألماني، مهما يكن هذا ~~الأصل بعيدا، ولم يترك منهم فرد واحد من غير اعتقال، وأخرج سكان جمهورية الفلجا ~~الألمانية على بكرة أبيهم، وكانت عدتهم نحو نصف مليون من الرجال والنساء والأطفال، من ~~البلاد التي ظلوا يعيشون فيها من أيام كاترين الكبرى، وشتتوا في أنحاء سيبيريا والشرق ~~الأقصى، ثم جاء من بعدهم دور البولنديين وسكان البلاد الواقعة على البحر البلطي، وغيرهم من ~~السكان الذين لم يتعرض لهم أحد بسوء قبل نشوب الحرب، وامتلأت المعتقلات ومعسكرات السخرة بمن ~~جاءوا إليها من الملايين الجدد، وملاك القول: إن حكامنا كانوا في ذلك الوقت أشبه بقطيع من ~~الذئاب المروعة. # وعقدت بعد بضعة أيام من نشوب الحرب «محاكم عسكرية» في موسكو برياسة الرفيق فزنيف كبير ~~قضاة محكمة ms601 المدينة السابق، وسرعان ما تفرعت من هذه الأداة الإرهابية الجديدة فروع في ~~العاصمة وضواحيها، وحذت حذوها سائر المدن الروسية، وتغلغلت الأداة الجديدة في جميع نواحي ~~الحياة السوفيتية وخولت سلطات واسعة، فكان لها أن تأمر باعتقال الناس، وأن تحاكمهم سرا، ~~وتقضي عليهم بالإعدام، وأنشئت أيضا محاكم خاصة للسكك الحديدية، وأخرى للنقل النهري ~~وغيرها للجيش، وكانت كلها تعمل تحت سلطان أخصائيين من رجال القسم السياسي، وتضطلع بذلك ~~الواجب النبيل، واجب إخماد روح التذمر وسحق المتذمرين، إن هذا العهد قد استولى عليه الفزع ~~بلا ريب. # وقد لخص ستالين نفسه بعد اثني عشر يوما من بداية الغزو واجبات هذه الهيئات الجديدة التي ~~أنشئت لتعاون الهيئات القائمة من قبل في أعمال الرقابة والقمع، لا لتحل محلها في هذه ~~الأعمال فقال: «إن علينا أن نقضي بلا شفقة ولا هوادة على جميع الذين يشيعون الاضطراب في ~~المؤخرة، وعلى جميع المنشقين، والذين ينشرون الفزع في البلاد، والجبناء ومروجي الشائعات ~~الكاذبة. # ولا بد لنا من أن نرسل من فورنا إلى المحاكم العسكرية كل الذين يعرقلون بجبنهم وبإشاعة ~~الفزع في النفوس وسائل الدفاع عن البلاد أيا كان شأنهم.» # ولست أدري أي سبب يدعو إلى هذا الخوف الشديد ممن «يشيعون الاضطراب» في المؤخرة في بلد قد ~~وحد من عهد قريب بأشد وسائل التحري والتطهير، وقيل عنه أكثر من مرة أنه أصبح كله صفا ~~واحدا لا ثغرة فيه؟ أليست تهديدات ستالين للذين ينشرون الفزع في طول البلاد وعرضها كافية ~~لأن تصور لنا الأمة الروسية على بكرة أبيها في صورة الأمة التي ينتشر فيها الفساد والغدر ~~والجبن؟ أليس هذا دليلا على أن أعداءها من أبنائها قد بلغوا من الكثرة حدا يعجز عن ~~الإحاطة به مئات الآلاف من جواسيس القسم السياسي حتى اضطر ولاة الأمور لإنشاء هذه المحاكم ~~الجديدة؟ وكيف يحدث هذا في بلد لا يزال يتغنى بنشيد «الحياة السعيدة» في ظلال دستور ~~ستالين؟ # لعل في استطاعة رجال من أمثال دفيز ودورنتي أن يرشدونا إلى حل لهذه الألغاز، ولكنني حين ~~استمعت لتهديدات ستالين التي ms602 كان يذيعها بأعلى صوته ويذيعها على مهل بلهجته الكرجية، لم أكن ~~أعرف إلا أنها لا تلتئم مع صورة الأمة التي طهرت من الخونة في بحار من الدماء، وكانت ~~الأعمال التي أعقبت هذه الألفاظ تناقض تلك الصورة أشد من مناقضة ألفاظ ستالين نفسها. # فقد أعدم في موسكو وحدها آلاف من أبنائها رميا بالرصاص في الستة الشهور الأولى بعد ~~إعلان الحرب تنفيذا لأحكام المحاكم العسكرية، وكثيرا ما كانت كلمة واحدة ينطق بها الشخص ~~وتشتم منها رائحة الشك أو الخوف أو توقع الخطر كافية لأن يساق قائلها الأثيم إلى المحاكم ~~العسكرية، وانتشر آلاف الجواسيس في صفوف طالبي الخبز والكيروسين، وفي الأسواق والحوانيت ~~والملاهي وعربات الركوب ومحطات السكك الحديدية، مفتحي الأعين والآذان لعلهم يلتقطون كلمة ~~يهمس بها إنسان، ويمكن تفسيرها بأنها تدل على اليأس أو الريبة أو الانتقاد، وكانت كل لجنة ~~من لجان البيوت عينا على سكانه، وكل خادمة عينا على مخدومها، وبلغ هذا التجسس حدا كان ~~الناس معه يخشون أن يقولوا: إنهم جياع، لئلا يتهموا بأنهم ينكرون حكمة ستالين أو يتجاهلون ~~صعاب أوقات الحرب. # وأصبح من المعروف في الدوائر الشيوعية في موسكو أن الآلاف من الرجال والنساء الذين كانوا ~~معتقلين في السجون أو في معسكرات السخرة في العاصمة من عدة سنين قد أعدموا كلهم رميا ~~بالرصاص ومن غير محاكمة حين اقترب العدو من المدينة، وكان هؤلاء هم المعتقلين السياسيين من ~~الرجال البارزين في أحزاب اليسار من الاشتراكيين وأنصار بوخارين والثوريين الاشتراكيين ~~والفوضويين والشيوعيين الأقدمين، وكانوا هم الذين يخشاهم الكرملن أشد خشية؛ لأن في وسعهم ~~إذا نشبت الثورة أن يتولوا زعامة الجماهير الغاضبة، وتراءى للعصبة الحاكمة مرة أخرى منظر ~~العشرين مليونا من العبيد يحطمون أغلالهم. # ولم يكن خافيا على أحد أن أداة التعبئة العسكرية كانت هي الأخرى تستخدم للقضاء على من لم ~~يكونوا قويي الإيمان بالحكم السوفيتي، وقلبت ملفات القسم السياسي، وشكلت لجان في كل ~~ناحية من نواحي البلاد لحصر أسماء المشكوك في أمرهم والذين لم ير ولاة الأمور ضرورة للقبض ~~عليهم، فأما الذين ms603 أشارت بأن يقضى عليهم قضاء سريعا فقد أرسلوا من فورهم إلى أشد ~~الأجزاء خطرا في جبهات القتال من غير أن يدربوا التدريب الكافي أو من غير أن يدربوا على ~~الإطلاق، وكان هذا في رأيهم نوعا من التطهير ولكنه تطهير إجرامي شنيع. # والحق أن الفزع الذي عم البلاد كان فزعا منقطع النظير، لقد كان في واقع الحرب «حربا من ~~داخل حرب» على حد تعبير سادة الكرملن عن ضعف ثقتهم بالشعب الروسي، وثمة تعبير آخر رجع فيه ~~سادة البلاد بين يوم وليلة عن المبادئ «الاشتراكية» التي عشنا في ظلها وعانينا الأمرين من ~~جرائها عشرين عاما كاملة؛ ذلك أن الحكومة بعد أن ظلت ربع قرن من الزمان تلقن الناس ~~المبادئ الشيوعية عادت في ساعة المحنة فاستغاثت - كما كان يستغاث من قبل - بالوطنية القومية ~~والولاء للجنس وحب الأرض التي نشأنا فوقها، بل إنها لجأت آخر الأمر إلى الدين فلم تدعنا ~~وقتئذ لأن ندافع عن أرض «الاشتراكية» بل دعتنا لنصد المغيرين على الأراضي الروسية وعن ~~تراث الصقالبة وعن دين الله القويم. # وليس في وسع المرء أن يتصور انقلابا في القيم التي كنا نعيش في ظلالها - وإن كان ~~انقلابا مؤقتا أرغمنا عليه إرغاما - أعظم من هذا الانقلاب، لقد سكتت الألسنة عن ذكر ~~الاشتراكية والأنظمة الجماعية، والمجتمع الخالي من الطبقات والثورة العالمية، وكلما توغل ~~الألمان في البلاد قل ذكر الناس لتلك المبادئ التي فرضت عليهم فرضا، وأرغموا على ~~اعتناقها بأشد أنواع العذاب، ولم يعد الناس إلى الشعائر السوفيتية المألوفة إلا بعد هذا ~~الوقت بزمن طويل حين صد تيار الغزو الألماني، وما من شك في أنه كان في البلاد ملايين من ~~الروس العاديين لم يتزعزع إيمانهم بالمجتمع السوفيتي الطراز، ولكن يلوح أن سادة الكرملن لم ~~يكونوا من هؤلاء. # ولنعد الآن إلى اليوم الأول من أيام الحرب. # دخلت مكتب المدير في مساء ذلك اليوم فرأيت فيه مانتروف نفسه ويجوروف ولريونوف مدير أحد ~~المصانع الفرعية، وأخذنا نتباحث في أثر الحرب، وكان المذياع مفتوحا لأنا كنا نتوق إلى ~~سماع الأخبار، فسمعنا ms604 على حين غفلة صوتا شديدا يدوي في أثناء الإذاعة الموسيقية ~~العسكرية، وقال هذا الصوت باللغة الروسية القحة: «يا أهل الروسيا! يا شعب الروسيا! اسمعوا! اسمعوا! هذا هو مركز قيادة الجيش ~~الألماني.» # ونظر بعضنا إلى بعض وهم واجمون. # وقال مانتروف: «أليس من الخير أن نغلق المذياع حتى لا نسمع صوت هذا اللعين؟» # وقال يجوروف: «فليخسأ هذا الوغد، دعنا نسمع ما عنده!» ~~- «لقد ظللتم عشرين عاما كاملة تحيون حياة الجوع والخوف، لقد وعدوكم الحياة الحرة ولم ~~تنالوا إلا الاستعباد، ووعدوكم الخبز فلم تنالوا إلا القحط، فأنتم عبيد مجردون من حقوق بني ~~الإنسان، يموت الآلاف منكم كل يوم في معسكرات الاعتقال وفي مجاهل سيبيريا المتجمدة، ولا ~~سلطان لكم على بلادكم ولا على أرواحكم، وسيدكم ستالين يسوقكم بالسياط كما يساق العبيد، ~~ومنكم ملايين في هذه الساعة ألقي بهم في غيابة السجون أو في معسكرات الأشغال الشاقة، ~~وقد قضى حكامكم على دينكم واستبدلوا به عبادة ستالين، وماذا أصاب حرية الكلام والصحافة في ~~بلادكم؟ الموت لمن يمتصون دماء الشعب الروسي، أسقطوا حكومة المستبدين!» # ثم تلت هذه لعنات وعبارات معادية للسامية وغيرها من الوقاحات التي تمتاز بها الدعاوة ~~الألمانية. # وصاح يجوروف قائلا: «أسكتوه!» # وأسرع منتروف فأدار المفتاح، وكان الصمت الذي تلا هذا صمتا رهيبا، لم نجرؤ في خلاله على ~~أن ينظر أحدنا إلى وجه صاحبه، وما هي إلا لحظة حتى افترقنا ونحن في أشد حالات ~~الارتباك. # وعدت بعد ساعة أو نحوها إلى مكتب منتروف لأستشيره فيمن يخلف سمليا نينوف بعد أن قبض ~~عليه، ودخلت عليه كعادتي دون أن استأذن يدق الباب، وما كاد أشد دهشتي حين وجدته هو ويجوروف ~~يستمعان مرة أخرى إلى إذاعة من العدو، وكنت أفهم تشوفهم حق الفهم، فقد كانت هذه أول مرة في ~~خلال عشرين عاما أمكن فيها سماع صوت يطعن جهرة على الحكم السوفيتي ولا يسمع فيها رجال هذا ~~الحكم يطعنون على غيره. # وكان صوت المذياع ينادي حين دخلت عليهما: «تعالوا إلينا وهذه النشرات في أيديكم وستكون هي ~~جواز المرور إلينا، لم ms605 تحاربون لتنصروا الاستعباد والإرهاب بينما الألمان يأتون إليكم ~~بالحياة الحرة؟» # وعاد منتروف يسب ويلعن وهو يدير مفتاح المذياع ليسكته، وخرج يجوروف من الحجرة وقد بدا ~~عليه بسبب دخولي من الارتباك ما بدا على رفيقه، وتحدثت في موضوع سمليا نيتوف وغيره من ~~الموضوعات العاجلة المتعلقة بالعمل، وقاطعني منتروف في وسط إحدى العبارات بقوله: «اسمح لي ~~يا رفيق كرافنشنكو أن أخرج عن موضوع حديثنا لأقول لك: إن من الخير ألا تذكر أننا استمعنا ~~إلى الدعاوة الألمانية في المذياع إذا ذكر شيء عنها، إن الله يدافع عن الذين يدافعون عن ~~أنفسهم.» # فقلت له: «لست أشك في أن نصف موسكو كانت تستمع إليها.» ~~- «إنهم لن يستمعوا إليها غدا، لقد تلقيت الآن إشارة تليفونية تقول: إن جميع أجهزة ~~الإذاعة ستصادر غدا.» ~~- «تصادر؟ ولماذا؟» ~~- «أظن أنها ستصادر ليحتفظ بها في مكان أمين.» # وكان هذا هو الذي حدث بالضبط في اليوم الثاني في موسكو وفي جميع أنحاء البلاد. # فقد أسلم جميع السكان - بعد أن هددوا بالعقاب الصارم - جميع أجهزتهم إلى رجال الشرطة ~~المحلية، وأبصرت بعد زمن قليل أكداسا من الأجهزة محملة على عربات النقل كما يحمل الخشب ~~لتنقلها إلى المخازن، وظل الروس طوال زمن الحرب لا يسمح لهم إلا بمكبرات الصوت متصلة ~~بمحطات الإذاعة الرسمية، ولقد كان الألمان في بلادهم وفي البلاد التي استولوا عليها يحرمون ~~على الأهلين أن يستمعوا إلى إذاعات الأعداء ويعاقبون من يستمعون إليها، أما الروس فلم ~~يكونوا يؤتمنون إلى هذا الحد، ومن أجل ذلك صودرت أجهزتهم. # وكانت هذه هي الخطوة الأولى في سبيل منع الأنباء عن الشعب الروسي منعا لم يلبث أن أصبح ~~كاملا، فالرقابة على البريد لم تقتصر على الرسائل الواردة من ميدان القتال أو المرسلة ~~إليه، بل شملت فوق ذلك جميع المراسلات المدنية، وكانت البلاغات الحربية التي تصدرها الحكومة ~~في الأسابيع الأولى من الحرب مضللة إلى حد جعل الروس لا يصدقون كل ما صدر بها بعد هذه ~~الأسابيع، فلا عجب بعدئذ إذا كان ولاة الأمور قد أقض مضاجعهم ما كان يذاع ms606 من الأنباء التي ~~كانت تشيع الفزع في أنحاء البلاد، ولم تكن هذه إلا دليلا على ما كان يعتقده الشعب من أن ~~حكومتهم كانت تكذب عليهم. # وكنا نعمل في المصنع في جو يسوده التوتر المطرد بالزيادة، فقد نقصت الأيدي العاملة نقصا ~~شديدا بسبب التعبئة العامة، وحرمنا بسبب اضطراب المواصلات من المواد الضرورية، وكانت ~~البلاد قد نعمت من الوجهة النظرية باثنين وعشرين شهرا من شهور السلم، كان في وسعها أن تعد ~~فيها عدتها لهذا الخطب المدلهم، ولكن الواقع أنها لم تعد له شيئا وأن الاضطراب كان يشيع في ~~كل ناحية من نواحي الحياة. # ولم يكن في وسعنا أن نصدق الأنباء التي كان يهمس بها الناس خفية والتي تقول: إن تيار ~~الهجوم الألماني كان يتدفق نحو الشرق بسرعة مروعة، ترى ماذا أصاب الجيش الأحمر الجبار الذي ~~كنا نفخر به على جميع الدول؟ وماذا أصاب خطوط الدفاع العسكرية الفنية التي كانوا يدعون ~~أننا قد وصلنا إليها حين دفعنا بحدودنا إلى قلب بولندا ورومانيا وفنلندا ودول البحر البلطي ~~الثلاث؟ وماذا جرى للمزايا التي قيل لنا أنا حصلنا عليها في زمن حيادنا الطويل؟ # أما البلاغات الرسمية فلم تفصح لنا عما يشفي غليلنا، أو أنها على الأصح لم تفصح لنا عن ~~شيء على الإطلاق، فزادت بذلك الاضطراب الناشئ من تيار الشائعات الجارف، وكان نطاق قوي من ~~رجال الشرطة يمنع اللاجئين من الوصول إلى موسكو ليحافظ بذلك على روح أهلها المعنوية. # ولكن هذا النطاق القوي لم يمنع عددا منهم أن يتسرب إليها فيشعرنا بهول الكارثة التي أخذت ~~تقترب منا، ومع ذلك فإن البلاغات الرسمية أبت أن تعترف بالهزيمة، بل إنها كانت بعكس هذا ~~توحي بأنا منتصرون، غير أن أسماء الأماكن التي كانت الجيوش تحارب فيها كان دليلا قاطعا ~~على أن القتال يقترب من العاصمة يوما بعد يوم. # ومما جاء في واحد منها صادر في أول يوليو: «نشبت في الليلة الماضية معارك في اتجاه ~~مرمانسك ودفنسك ومنسك ولوتسك، وقاومت جيوشنا قوات العدو مقاومة عنيفة في مرمانسك وكبدته ~~خسائر فادحة ms607 ... ونشبت في دفنسك ومنسك معارك قضت على الوحدات الأمامية من فرق دبابات العدو ~~...» # ولكن ستالين وقف لأول مرة أمام لاقطة الصوت في اليوم الثالث من شهر يوليو وأسمع الأمة ~~الروسية المروعة نبأ المجزرة البشرية العامة تنتشر مسرعة في اتجاه العاصمة. # قال ستالين: «إن جيوش هتلر قد استطاعت أن تستولي على لتوانيا وعلى قسم كبير من روسيا ~~البيضاء، وعلى جزء من أوكرانيا الغربية، وإن بلادنا مهددة بأعظم الأخطار.» # وعجبنا من هذه الأنباء حتى لم يكن في وسعنا أن نصدق آذاننا، ولكن ستالين واصل حديثه ~~قائلا: «إن الهدف الذي ترمي إليه هذه الحرب ضد المستبد الفاشي هو تحرير شعوب أوروبا التي ~~تئن تحت أقدام الفاشية الألمانية، وسيكون لنا في هذه الحرب أحلاف أوفياء من شعوب أوروبا ~~وأمريكا ... وستشترك في هذه الحرب التي نبغي بها حرية بلادنا شعوب أوروبا وأمريكا التي تجاهد ~~في سبيل استقلالها وفي سبيل الحرية الديمقراطية ...» # وهكذا سمعنا لأول مرة ستالين نفسه ينطق بألفاظ مثل الحرية والديمقراطية بمعناهما القديم ~~يقولها من عنده ولا يقتبسها من كلام غيره في معرض السخرية والاستهزاء، وخيل إلينا أن كل ~~شيء قد تحول من النقيض إلى النقيض، فقد ارتبط بقاء العهد البلشفي بين عشية وضحاها بانتصار ~~«الديمقراطيات المنحلة»، وتعهدت الدول الرأسمالية الكبيرة بأن تقدم لاتحاد الجمهوريات ~~السوفيتية كل ما تستطيع تقديمه من عون، وسرعان ما انبعث في قلوب الكثيرين من الروس أمل جديد ~~في الحرية كانت شعلته قد انطفأت فيها من زمن بعيد، وخيل إلينا أن عزلتنا عن عالم ~~الأحرار سيقضي عليها، وإن كانت هذه المعجزة لن تتم إلا بعد حرب عوان. # وقال ستالين في إحدى إذاعاته: «أيها الإخوة وأيتها الأخوات! إني أتحدث إليكم أيها ~~الأصدقاء.» وكانت هذه أول مرة في الستة عشر عاما الماضية تحدث إلينا ستالين فيها بهذه ~~اللهجة، وقد أنطقت الحماسة صديقا لي في المصنع فقال لي بصوت خافت حينما سمعها: «ما من شك ~~في أن الرئيس قد أنزله الزمان إلى الحضيض قبل أن يدعونا إخوة وأخوات.» # ولم يكن في وسعنا أن ms608 ندرك سبب هزائمنا، لقد ظللنا عشرين عاما نجوع ونعذب ونساق ~~بالعصا باسم الاستعداد الحربي، وكان زعماؤنا يفخرون بتفوقنا في عدد رجالنا المدربين وعدتنا ~~الحربية الهائلة، وها هم أولاء الآن يعزون هزائم جيوشنا الساحقة المذلة لنقص المدافع ~~والطائرات والذخائر، ولقد اجتزنا «بنجاح» ثلاث مشروعات متعاقبة من مشروعات السنوات الخمس، ~~ضحينا في كل منها بالطعام والكساء والحاجيات المنزلية في سبيل الصناعات الحربية، وها نحن ~~أولاء في أول امتحان لقواتنا نرى بلدنا الذي يبلغ عامره مائتي مليون من الأنفس يحاول صد فرق ~~دبابات العدو المهاجمة بقنينات البنزين! لقد كان عشرات الآلاف من الروس تسحقهم عجلات ~~الدبابات الألمانية؛ لأننا لم يكن لنا مدافع مضادة للدبابات بعد عشرين عاما مضت كلها ~~تقريبا في الاستعداد الحربي، إن التضحية بالخبز من أجل المدافع أمر قد نفهمه، ولكننا في ~~هذه المحنة لم يكن لدينا خبز ولا مدافع. # والحق أنا لم نجد تفسيرا معقولا للهزائم التي منيت بها الجيوش السوفيتية، ولم نجد ~~شيئا يخفف عنا آلام المذلة، لقد أخذت بولندا على غرة، وطعنتها من خلفها جارتها الشرقية، ~~وكانت فرنسا أصغر رقعة وأقل قوة من عدوها المغير عليها، ولكن كيف تسلك روسيا الضخمة بعد ~~عامين من اندلاع نار الحرب مسلك دولة متأخرة صغيرة تؤتى من مأمنها، وقد كانت تمتاز من غيرها ~~بكثرة عددها، وفسحة الوقت أمامها، وتركيز جهودها للاستعداد الحربي؟ ولو أن بلادنا لم تكن ~~أوسع رفعة من فرنسا لاكتسحت أربع مرات في الأربعة الأشهر الأولى من الحرب. # ولم تنج من الدمار إلا بفضل اتساع رقعتها وكثرة سكانها وبطولة الروس وتضحيتهم التي لا ~~نظير لها في جبهات القتال وفي المؤخرة على السواء، وبإنشاء الصناعات الجديدة ونمو الصناعات ~~القديمة وتقدمها في داخل البلاد، واستخدام آلات المصانع التي أخليت في إقامة مصانع أخرى ~~جديدة، هذه هي الوسائل التي مكنت الجيوش الروسية من أن تتقهقر هذا التقهقر الواسع النطاق ~~الذي تكبدت فيه أفدح الخسائر في الوقت الذي كانت البلاد تجمع فيه مواردها للقيام بهجوم ~~مضاد، هذا إلى أن هذا العهد قد أفلح في ms609 إيقاظ الروح القومية والوطنية وبعثها قوية في نفوس ~~الروس، ثم بدأ العتاد الأمريكي يرسل إلى البلاد بعد ستالينغراد. # وكانت التعبئة العامة لا نظير لها في سرعتها واضطرابها، فكانت القوات الاحتياطية ترسل إلى ~~ميدان القتال دون أن يتمكن أفرادها من توديع أسرهم، وكان العمال يساقون من حوانيتهم إلى ~~الصفوف دون تدريب، كان هذا كله يحدث في حين أن جيشنا العامل من أكبر جيوش العالم، وأنه قد ~~ضرسه غزو البلاد المجاورة، وحرب عوان شنت على فنلندا. # وقد أخذت الحكومة في غفلتها حتى لم تجد ما يكفي الجند من الملابس، فكان الضباط أنفسهم ~~يلاقون الموت في جلابيب مؤقتة ومن غير تدريب كاف، وكان ملايين من الجنود الجدد يدلفون في ~~الوحل في أحذية من الخيش، وأقبل الشتاء وهم يرتدون ملابس الصيف، وأبصرت مجندين جددا يدربون ~~بأيدي المكانس بدل البنادق. # وكانت لجان التجنيد تعمل من طلوع الفجر إلى غسق الليل، تحصي أسماء الذكور من سن السابعة ~~عشرة إلى الخمسين، وقد علمت من بعد أن هذه اللجان لم تكن تسترشد بالقوانين القائمة، بل كانت ~~تتبع أوامر سرية تصدرها إليها لجنة الدفاع تلقتها بعد بداية الحرب، وكان لا بد من إعفاء ~~طوائف معينة من العمال لم يكن في وسعها الاستغناء عن أعمالها، وقد أعفت أيضا في بداية ~~الحرب كل من يعول فردا أو فردين عاجزين عن العمل، أما فيما عدا هؤلاء وأولئك فقد سار ~~التجنيد سيرا شديدا لا رحمة فيه ولا هوادة، ولم يكن الكشف الطبي على المقترعين يستغرق ~~أكثر من دقيقتين أو ثلاث دقائق، وقد رأيت بعيني رأسي رجالا عورا وعرجا ومسلولين، ومصابين ~~بأمراض في القلب وقروح في المعدة، وعمالا ملتحين يزيدون على الخمسين من العمر، منهوكي ~~القوى لا تكاد تحملهم أرجلهم؛ رأيت هؤلاء جميعا يقضى بأنهم صالحون لأن يرسلوا إلى ~~جبهة القتال، ولم يكن يرفض من المقترعين لأسباب صحية إلا واحد أو اثنان في ~~المائة. # وكانت الصحف تفاخر بأن هذا دليل على ما بلغته صحة الأهلين في ظل الحكم السوفيتي. # وقبل أن يمضي على نشوب ms610 الحرب بضعة أسابيع دعا الحزب إلى إنشاء جيش من المواطنين ~~المتطوعين، وبدا لكثيرين منا أن هذه الخطوة الجديدة اعتراف خطير بنقص الاستعداد، وعاد إلى ~~ذاكرتنا وقتئذ ما قاله فوروشيلوف وزير الحربية في سبتمبر من عام 1939م بعد أن بدأت الحرب ~~في أوروبا: «لقد أثبتت تجارب الجيوش القيصرية بالدليل القاطع أن ما يسمونه جيش المواطنين ~~المتطوعين جيش عاجز ليس لديه شيء من الدربة، وهو دليل على أن الاستعداد العاجل في وقت الحرب ~~لا يجدي نفعا، فقد كان الجنود يرسلون إلى ميدان القتال من غير تدريب، وأنتم جميعا ~~تعلمون ماذا كانت العاقبة.» # وها نحن أولاء نعمل العمل نفسه، بل إننا نعمل ما هو أدهى من ذلك وأمر، لقد كنا نلجأ إلى ~~نظام التطوع في بداية الصراع، على حين أن العهد القيصري لم يفعل هذا إلا بعد بدايته بزمن ~~طويل، وكان مما قاله فوروشيلوف أيضا: يجدر بي هنا أن ألاحظ أن الزيادة العددية في الجيش ~~الأحمر والأسطول زيادة تستلزمها الأحول الدولية التي لا تغفل حكومتنا ولجنة حزبنا المركزية، ~~ولا يغفل الرفيق ستالين، عن دراستها دراسة دقيقة، ولكن ما هي قيمة هذه الدراسة إذا كانت ~~«حكومتنا ولجنة حزبنا المركزية» وإذا كان «الرفيق ستالين» يرسلون الجموع تلو الجموع من ~~السكان المدنيين إلى المجازر والهلاك المحقق من غير تدريب، وذلك بعد أسابيع قليلة من الغزو ~~الألماني؟ # واستدعيت إلى مكتب لجنة الحزب في مصنعنا صباح يوم من أيام شهر يوليو، وكلفني يجروف أن ~~أدعو إلى اجتماع لنشر الدعوة إلى التطوع، وأصررت على أن يقوم هو بهذا العمل بوصفه من زعماء ~~الحزب فقال لي: «لا، لا، يا فكتور أندريفتش، يجب أن يتولى هذا العمل رجال من الشعب لا من ~~الحزب نفسه، وأنت محبوب من العمال وهذا يجعل العمل أسهل عليك منه علي.» # وبدأ الاجتماع العام وأبصرت أمامي وجوه زملائي العمال الكالحة، وتحدثت إليهم كما يتحدث ~~الروسي لمواطنيه، وحرصت على ألا يجري على لساني لفظ الشيوعيين والاشتراكيين، وقلت لهم: إني ~~أحب بلادي كما يحبونها كلهم، وأني أعرف أنها تختلف ms611 عن العصبة التي تحكمنا وتروعنا ، واستطعت ~~أن أدعو العمال دعوة ملؤها الحماسة والإخلاص إلى التطوع في الرديف، ومن أراد أن يعرف السر ~~في أن الشعب الروسي قد حارب وأحرز النصر في النهاية فليبحث عنه في مقدرتي أنا وأمثالي على ~~استثارة حماسة الروس ورغبتهم الصادقة في النصر وكراهيتهم للمغيرين على أوطانهم، على الرغم ~~من بغضهم للحكم الشيوعي، فالروس لم يحاربوا من أجل ستالين بل حاربوا على الرغم من ستالين، ~~ولم يكن أحد يعرف هذه الحقيقة أحسن مما تعرفها عصبة الكرملن نفسها، كما تدل على ذلك كل دعوة ~~يوجهونها إلى الجهاد الوطني. # وأردت أن أضرب لهم المثل بنفسي، فكنت أول من تطوع، وحذا حذوي عشرات من عمال مصنعنا وموظفي ~~مكاتبه ورجاله الفنيين، ولكن الطبقة العليا من رجال الإدارة لم يتطوع منها أحد، فكانوا إذا ~~نظر إليهم العمال نظرات الاستفسار تهربوا من هذه النظرات ولم يبدوا أقل استعدادا لتسجيل ~~أسمائهم في كشوف المتطوعين. # وذهبت في آخر النهار لأقابل منتروف وتظاهرت بأني لا أشك في أنه سيتطوع وقلت له في مرح: ~~«متى تسجل اسمك بافيلاسلاف إيفانوفتش؟» # فاحمر وجهه حتى صار كلون شعره الملتهب، وحرك جسمه الثقيل حركة قلقة، وأخذ يقلب عينيه ~~الصغيرتين في أركان الحجرة، ثم تنحنح وقال: «إن ما سأقوم به في الحرب الكبرى مسألة تقررها ~~لجنة الحزب الإقليمية فهي التي تعرف ما علي من التبعات، وسيكون من الواجب بعد زمن قليل أن ~~نجلو عن المصنع ...» # فأجبته ملحا عليه في أن يتطوع: «إن من واجبك أن تتطوع مهما تكن الظروف، إن العمال ~~يتحدثون عنك، وإذا أراد الحزب أن يستبقيك هنا فسيفعل ذلك سواء تطوعت أو لم تتطوع، فلم ~~إذن لا تسجل اسمك حتى يقرر الحزب ما يقرره بشأنك؟» # ولكن منتروف لم يشأ أن يترك أمره رهن الظروف، وكذلك فعل يجروف، ومع هذا فقد نال كلاهما ~~بعد انتهاء الحرب أكبر الألقاب وأفخمها، وأعظم أوسمة الشرف؛ لأنهما حرصا كل الحرص على أن ~~يظلا أبعد ما يكونان عن نيران العدو، على أنهما لا يصح لومهما على ms612 هذا العمل؛ لأنهما كانا ~~يسيران على خطة اختطها لهما رجال الكرملن، فقد اعتزم ستالين أن يحتفظ بعصبته بالبيروقراطية ~~التي يعتمد عليها آخر الأمر نظام الحكم السوفيتي، وكانت هناك طائفة من الموظفين «لا يمكن ~~الاستغناء عنهم» ومن بينهم رجال القسم المخصوص من وزراء الشئون الداخلية، وحرس الزعيم الخاص ~~ممن ادخروا جميعا للمظاهرة الأخيرة أمام الشعب الروسي، وهي مظاهرة لم يقدر لها أن ~~تكون. # ولم توافق لجنة الحزب المحلية على تطوعي، وكان يسر منتروف ويجروف بطبيعة الحال أن ~~أرسل إلى جبهة القتال من فوري؛ لأنهما لم يغفرا لي قط محاولتي أن أحملهما على أن ~~يتطوعا، وإشاعة هذا بين جميع من في المصنع، وكان الذي أنقذ موقفهما في هذه المرة أن ~~كرافتشنكو وغيره من كبار الموظفين الذين تطوعوا لم يؤذن لهم بترك أعمالهم والانخراط في سلك ~~الجندية. # استولى الألمان بعد إعلان الحرب بزمن وجيز على الشريط الضيق من المناقع الفنلندية الذي ~~بذل الروس في الاستيلاء عليه عام 1940م مئات الآلاف من الأرواح؛ ولهذا باءت مغامرة ستالين ~~العدوانية بالفشل الذريع، ولم تسفر إلا عن تعجيل الفنلنديين الاندفاع في أحضان الألمان ~~المغيرين، كذلك لم يكن لانقضاض السوفيت على بولندا ولا لاختطافهم دويلات البحر البلطي إلا ~~أثر ضئيل في تأخير الزحف الألماني؛ ذلك أن «الأمن الاستراتيجي» الذي تتذرع به بعض الدول ~~لاغتصاب الأراضي المتاخمة لها قول لا معنى له في عصر الحرب الآلية ومدافع الطائرات البعيدة ~~المرمى. # ولكن الأساطير التي نبتت في منابت الدعاوة الشيوعية لم يكن بينها كلها ما هو أدنأ ولا ~~أكذب من الأسطورة التي تقول: إن ستالين قد انتفع بالاثنين والعشرين شهرا التي كسبها ~~باسترضاء النازيين في إعداد العدة لقتالهم، تلك أسطورة ما أكذبها، وهي في الوقت نفسه إهانة ~~موجهة إلى آلاف الآلاف من الروس الذين عذبوا وقتلوا؛ لأن حكومتهم أضاعت هذه المهلة ~~ولم تفد منها أقل فائدة، فلما شبت نار الحرب كانت كل حصوننا مهدمة، ولم تكن لدينا خطة ~~معقولة لإنقاذ الأهلين أو العتاد الحربي الثمين في طريق المغيرين. # وليس على الذين ms613 يشكون في صدق هذا القول إلا أن يطلعوا على محاضر جلسات المؤتمر الثامن عشر ~~للحزب، وهو المؤتمر الذي عقد في شهر فبراير من عام 1941م قبل بداية الغزو الألماني بأربعة ~~أشهر لا أكثر، فقد كانت جميع الخطب التي ألقيت في هذا المؤتمر تصور ما تواجهه البلاد من ~~صعاب وإخفاق في شئون الصناعة، وخاصة في فروع الاقتصاد المتصلة بحاجات الحرب، وقد تجمع لدي ~~في أثناء عملي الرسمي في سني الحرب من الأدلة القاطعة ما يؤكد لي أن هذه الخطب لم تتعد ~~الحقيقة حين صورت الحال بهذه الصورة الحالكة السواد. # ولم يمض أسبوع على بداية الحرب حتى لم تكن موسكو، وهي خير مدننا تموينا، تجد حاجتها من ~~الخبز، وحتى وقف الناس في صفوف طويلة ينتظرون مخصصاتهم الضئيلة، والمتأخرون منهم في هذه ~~الصفوف لا يثقون بأن هناك من الخبز والكيروسين وغيرهما من المواد الضرورية ما يكفي جميع ~~الواقفين. # ولم يكن في عاصمة الاتحاد السوفيتي مخابئ صالحة للوقاية من الغارات الجوية، ولم يخل مصنع ~~واحد من المصانع الحربية الهامة في غرب روسيا وجنوبها، بل لم تتخذ العدة لإخلاء مصنع من هذه ~~المصانع قبل الهجوم؛ ذلك أننا لم نستعد إلا للحرب الهجومية عملا بنظريات الكرملن، ومن أجل ~~هذا عجزنا عن أن نجلو في الوقت المناسب عن مساحات واسعة من البلاد، استحالت من فورها ميادين ~~قتال، وبقيت ملايين الأطنان من المواد الغفل والعتاد الحربي والحبوب والوقود - وبقي ما هو ~~أهم من هذا كله وهو عشرات الملايين من الرجال - في أكثر أجزاء الأقاليم الغربية تعرضا ~~للغزو، فسقطت كلها في أيدي الألمان. # وكنت على اتصال دائم في كل يوم بالوزارة المشرفة على المصانع والذخائر الحربية والعمال في ~~الأقاليم المعرضة إلى الغزو، وسرعان ما تبين لي أن أحدا في الكرملن لم يعن في مهلة الاثنين ~~والعشرين شهرا بوضع خطة للجلاء عن هذه الأقاليم، وإخلائها من المؤن والعتاد الحربي، ولم ~~يكن في مقدور أحد بطبيعة الحال أن يخطو الخطوة الأولى في هذه السبيل إلا الرؤساء الكبار، ~~ولو أن أحدا غيرهم ms614 أثار هذا الموضوع لعرض نفسه لأن يتهم بأنه من «دعاة الهزيمة» وممن ~~يعملون على «إضعاف الروح المعنوية في البلاد»، وإذا ما أشار أحد إلى أن الجيش الأحمر المظفر ~~قد يضطر إلى التقهقر ولو كان تقهقرا مؤقتا عدت إشارته مساسا بقدسية هذا الجيش يستحق ~~عليها أقصى العقاب. # وفي السنين التي شغلت فيها مراكز إدارية في الأعمال الصناعية كنت أحضر في كثير من الأحيان ~~والاجتماعات الخاصة بوضع الخطط السرية للتعبئة العامة، وأشترك في وضع هذه الخطط، وكنا ننظر ~~في كل ما تحتاجه التعبئة من معادن غير حديدية وزيوت وفحم وآلات ورجال، وفي مسائل تخزينها ~~ونقلها، وجمعت الحكومة على أساس هذه الخطط المحكمة البعيدة النظر مقادير هائلة من حاجيات ~~الحرب والمواد الاحتياطية الضرورية لها، ولكن ولاة الأمور كانوا مقيدين بالقيود التي فرضوها ~~على أنفسهم، والتي كررها ستالين في جميع المناسبات، فكانت من أجل ذلك أرقى من أن يتطرق ~~إليها الخلاف، وهي أن ميادين الحرب ستكون في خارج البلاد. # فلما واجهتنا الحرب الدفاعية بأعبائها الفادحة أصبحنا عاجزين كل العجز، فلم يكن لنا من ~~سبيل إلا أن نرتجل كل شيء على عجل، نرتجل الجلاء والتعبئة وحرب العصابات الدفاعية خلف جيوش ~~العدو، وأفلح هتلر وعصبته في تخدير ستالين وإنامته حتى عجزت جهود البريطانيين والأمريكيين ~~عن أن يفتحوا عينيه على الحقائق، ولو أنه اتعظ بالنذر الأولى التي وجهتها إليه وزارة ~~الخارجية الأمريكية في شهر يناير؛ لكان لديه من الوقت خمسة أشهر يستطيع فيها أن ينقل ملايين ~~من الأهالي وعشرات من المنشآت الصناعية وكميات هائلة من المؤن والمواد الاحتياطية. # لكن الكرملن أضاع هذه المهلة فغنم هتلر مغانم كثيرة بذل الشعب السوفيتي فيها دماءه وعرقه ~~ودموعه مدى خمسة عشر عاما قضاها في تصنيع البلاد، وبذلك حصل النازيون القساة على مصانع ~~ومحطات لصنع الجرارات وآلات لتوليد الكهرباء من مساقط المياه وأكداس من المؤن، هذا إذا ~~ضربنا صفحا عن عشرات الملايين من العمال الذين تركتهم الحكومة في أوكرانيا وروسيا البيضاء ~~تحت رحمة النازيين الغلاظ الأكباد. # وكان الخوف قد تأصل في البيروقراطية ms615 الروسية بعد التطهير الكبير فلم يجرؤ أحد على أن يقوم ~~بعمل من الأعمال، حتى بعد أن وجه النازيون ضربتهم القاصمة إلى البلاد. # واستولى الهلع على الموظفين المحليين والمؤسسات الصناعية الكبرى، فوضعت خططا لنقل الآلات ~~القيمة والمؤمن وإجلاء السكان، ولكن أحدا لم يجرؤ على أن يتحمل تبعة أبسط الأعمال، فاكتفوا ~~بكتابة التقريرات وإرسالها بالطرق العادية لتفصل فيها «الجهات العليا»، ثم انتظروا مكتوفي ~~الأيدي حتى يتلقوا أوامر هذه الجهات، وظلوا في معظم الحالات ينتظرون حتى وهمهم ~~الألمان. # وكان الكرملن قد أنفق أموالا طائلة قبل استيلاء هتلر على أزمة الحكم، وأموالا أكثر ~~منها بعد استيلائه عليها، للحصول على المعلومات السرية من ألمانيا ومقابلة نظام التجسس ~~الألماني في الروسيا بنظام يعارضه، وتجمعت لدى الروسيا بفضل هذا النظام معلومات كثيرة عن ~~النظم السياسية والحربية في تلك البلاد، ثم حدث في أثناء التطهير الكبير في عام 1939م أن ~~قبض على معظم رجال إدارة المخابرات السرية وسجنوا وأعدموا، وفر كثير من الباقين إلى ~~ما وراء الحدود الروسية، ولم تفد البلاد من جهودهم كلها؛ لأن ولاة الأمور حسبوها «أعمالا ~~مخربة مضادة للثورة»، فلما قامت الحرب تبين بوضوح أن إدارة المخابرات الجديدة ضعيفة عاجزة ~~عن أداء مهمتها عجزا جر على البلاد أوخم العواقب، وأخذت البلاد وقتئذ تكفر عن قسوتها ~~الوحشية في تلك السنين. # وأنشئت هيئة عليا لمواجهة هذه الأزمة، وهي لجنة الدفاع عن الدولة، واستحوذت هذه الهيئة ~~على أكبر قسط من السلطة في الدولة والحزب، وأصبحت هي العقل المحرك واليد الفعالة في جميع ~~أعمال الدفاع وفي جميع أنحاء البلاد وفي ميادين القتال، كما سيطرت هي على جميع أعمال ~~المخابرات السرية في الشئون الداخلية والخارجية، فحلت بذلك في واقع الأمر محل مجلس السوفيت ~~الأعلى صاحب السلطة العليا من الوجهة النظرية في البلاد كلها، ولم يكن مجلس الوزراء بالنسبة ~~لها إلا أداة تنفيذية يصدع بأوامر اللجنة الجديدة، ويشرف على الوزارات المختلفة، وكان ممثلو ~~هذه اللجنة في الأقاليم يتمتعون بسلطات لا حد لها، وبذلك أصبحت هذه الهيئة أعظم القوى التي ~~أنشئت في ms616 روسيا السوفيتية وأوسعها سلطانا، وأكثرها مرونة وأشدها قسوة ، وكان أعضاؤها ~~كلهم يختارون من أقوى أعضاء الهيئة السياسية العليا أو من أقوى أعضائها السابقين. # ولم يكن قد وجد للقوات الحربية قواد جدد قادرون، بعد أن قضت أعمال التطهير على قوادها ~~الأولين، أما فوروشلوف وبودني وغيرهما من القواد الذين اشتهروا بعجزهم، والذين وكلت ~~إليهم القيادة في جبهات القتال في بداية الحرب، فقد كانوا عديمي النفع، لا بل عظيمي الضرر، ~~ومع ذلك فإنهم لم يعزلوا من القيادة ولم يستبدل بهم غيرهم إلا في شهر أكتوبر، وكان ذلك ~~أيضا دليلا على عجز ستالين عن التأهب لساعة الخطر. # وكان الألمان ملمين بدقائق الآلات في تلك المصانع، يعرفون مواضع أجزائها ووظيفتها؛ وذلك ~~لأنهم قد اشتركوا في بناء معظم المصانع الهامة في أوكرانيا وتجهيزها بالعدد اللازمة لها؛ ~~ولذلك كان في وسعهم أن يلقوا قنابلهم على مراكز القوى الكهربائية، وخزانات المياه ونقط ~~الاتصال الهامة، فيعطلوا الإنتاج ويؤخروا أعمال الجلاء والإخلاء التي لم يبد بها إلا في آخر ~~الوقت. # وسوف تشيد الدعاوة السوفيتية فيما بعد بجهودها العظيمة في نقل المصانع إلى سيبيريا من ~~روسيا البيضاء ومن أوكرانيا، مع أن هذه المصانع لم ينقل منها في الحقيقة إلا عدد قليل، ~~وستسكت الدعاوة عن ذكر مئات المصانع التي تركت غنيمة لهتلر، وحسبي أن أقول: إن كل مصنع ~~عملت فيه أو كانت لي صلة به في دنييروبتروفسك وكريفوي رج وزبرزهي وتجانرج قد وقعت كلها في ~~أيدي العدو سليمة، أو لم يصبها إلا ضرر يسير، وهذا القول يصدق أيضا على مصانع كيف وأودسا ~~وخاركوف وماريو بول وستالينو ولجانسك، وكان الخطأ الذي وقع فيه ستالين بثقته بهتلر هو الذي ~~اضطرنا إلى أن نترك للعدو مصانع للصلب في مقدورها أن تخرج في العام الواحد نحو عشرة ملايين ~~من الأطنان ونحو طنين من الأدوات المصنوعة من الصلب، وعادت إليها هذه كلها بعد وقت قصير في ~~صورة دبابات ومدافع وقنابل تحصدنا حصدا، ولم تكن مآسي الصناعات الأخرى نقل عن هذه ~~المأساة. # وكان ستالين في أيام الميثاق قد ms617 أعان هتلر على فتح أوروبا بما قدمه له من المعادن ~~والفلزات والزيت والحبوب واللحم والزبد وما يحتاجه من المواد طبقا لميثاقهما الاقتصادي، ~~أما بعد الغزو فقد أعانه بما تركه له من الثروة التي لا حصر لها على شكل عتاد حربي وقدرة ~~هائلة على الإنتاج، وعشرات الملايين من الرجال، وآخرها أكبر سبة تبقى في الأعقاب. # وسيبقى عجز ستالين عن الاستعداد للغزو الألماني وصمة يصم بها التاريخ حكمه رغم ما ناله من ~~النصر آخر الأمر، لقد جثم هذا الحكم على البلاد فأزهق أرواح الملايين من أبنائها من غير ~~ضرورة، وجلب على أهلها ما لا يستطاع وصفه من البؤس والشقاء، وإلا فلم لم يجل أهل لنينغراد ~~عنها؟ إن هذا «السهو» سيضرب عنه صفحا أولئك الذين يسبحون بحمد ستالين وإن كان أكثر من ~~1300000 من أهل هذه المدينة هلكوا من الجوع والبرد حتى أول يوم من مايو سنة 1943م، وإن كان ~~الباقون من أهلها سيحملون معهم إلى قبورهم كثيرا من الشواهد الناطقة بما لاقوه من العذاب ~~في سني الحصار المروع الذي قاسوا ويلاته ثلاثة فصول شتاء موالية، إن هذه المدينة من المدن ~~الشديدة التعرض للغزو؛ ولذلك كان من الواجب أن تؤخذ الأهبة لوقاية أهلها قبل الحرب بزمن ~~طويل، ولكن هذه الأعمال لم تبدأ حتى بعد أن أعلنت الحرب، وتقع تبعة ما قاسته لنينغراد من ~~عذاب يجل عن الوصف على كاهل عضوين من أعضاء الهيئة السياسية العليا هما فوروشيلوف قائد جبهة ~~لنينغراد وقتئذ وزادانوف الحاكم الأعلى لإقليم لنينغراد. # وهذا الحكم نفسه يصدق على أولئك اليائسين الذين وقعوا في الأسر في كيف وأودسا وسبستبول ~~ومئات غيرها من المدن الغاصة بالسكان، ومنها مسقط رأسي أنا، فقد أسرت في دنيبروبتروفسك أمي ~~وكلافا وزوجة أخي قنسطنطين وابنها الصغير، ولم يحفظ على أمي المسكينة المنهوكة القوى حياتها ~~وينجيها من محنتها المروعة إلا ما كان لها من إرادة قوية، فقد تعقبها الألمان من مكان إلى ~~مكان ثم سجنوها في أحد معسكرات الاعتقال القذرة، ولكنها نجت هي وكلافا من الموت، أما أبي ms618 ~~فلست أعلم هل مات أو لا يزال على قيد الحياة . # وفي روسيا آلاف من أولئك الآباء والأمهات والأطفال أزهقت أرواحهم أو لاقوا أشد العذاب ~~بسبب هذا «السهو» الإجرامي الذي اقترفه سادة الكرملن، ولما تنبه السادة إلى ضرورة الجلاء ~~والإخلاء في آخر الأمر تجلت الخطة السوفيتية الجديدة - خطة امتياز الطبقات - في أبشع صورها، ~~فقد احتفظ «لمن لا غنى عنهم» من الأفراد بالحق الأول في الرحيل وفي استخدام وسائل الانتقال، ~~وهؤلاء الذين لم يكن ثمة غنى عنهم هم الزعماء البيروقراطيون، ورجال الحزب السياسيون، وموظفو ~~نقابات العمال، وموظفو إدارة الشرطة، وهم الذين تتكون منهم جميعا «الأداة الحكومية»، ولم ~~يسمح للآدميين العاديين بأن يحملوا معهم إلا حقيبتين من حقائب الملابس، فاضطروا بذلك إلى أن ~~يتركوا كل ما لم يستطيعوا حمله فيهما من متاعهم، أما أفراد الطبقات العليا فقد استطاعوا أن ~~يحملوا معهم كل متاعهم حتى أضخم أثاث بيوتهم، وأجلى مهرة العمال وغيرهم من الرجال الذين تمس ~~الحاجة إليهم في تشغيل الآلات المنقولة من المصانع التي أخليت، فقد رحلوا مع هذه الآلات ~~ولكنهم اضطروا في كثير من الأحيان لأن يخلفوا أسرهم وراءهم، أما الموظفون المحظوظون فقد ~~صحبهم أقاربهم الحقيقيون وغير الحقيقيين حتى الذين لا تجمعهم بهم أبعد الجدود. # وأكرر هنا ما قلته من قبل وهو أن الحجة الكبرى التي يبرر بها القوم صفقتهم التي عقدوها مع ~~النازيين - وهي كسب الوقت - أسطورة دنيئة وقصة خرافية ودعاوة باطلة ساخرة. # لقد انقضت شهور طوال لاقى فيها الشعب الروسي ما لاقى من وحشية الألمان قبل أن يستطيع ~~التغلب على الرغبة في القعود عن قتالهم، فقد كان لا بد أن يعرف هذا الشعب كيف يمقت النازيين ~~بعد أن ظلت الدعاوة الروسية تصور لهم هتلر في صورة صديق روسيا وصديق السلام، وجدير بنا ألا ~~ننسى أن فرقا كاملة من الجيش الأحمر وقعت في أسر العدو في الأشهر الأولى من الحرب دون أن ~~تقاتل قتالا يستحق الذكر. # ولو أن المغيرين أثبتوا أنهم آدميون، وأظهروا في حربهم شيئا من الحكمة السياسية؛ لجنبوا ~~أنفسهم ms619 كثيرا من حرب العصابات الوحشية ودفاعها المستميت ليلا ونهارا، وهي تلك المقاومة ~~التي لاقى منها الألمان الأمرين، ولكنهم لم تكن لهم هذه الحكمة فعمدوا إلى التقتيل ~~والتعذيب والحرق والنهب والاستعباد مدفوعين إلى هذه الأعمال بأفكارهم العنصرية الخيالية، ~~وعملا بهذه المبادئ السخيفة فرض الغزاة على المزارع الجماعية البغيضة إلى معظم الروس رقابة ~~ألمانية لا يطيقونها واستبدلوا الجستابو الرهيبة بالشرطة السرية الروسية، وبهذا أفاد ~~الألمان ستالين أعظم فائدة؛ لأنهم عملوا على إيقاظ روح العداوة في قلوب الكثرة الغالبة من ~~الشعب الروسي في الأراضي المحتلة وفي مؤخرة الجيش، وأذكوا نار الحقد في قلوب أفراد القوى ~~المسلحة، وهيئوا للكرملن أحسن الوسائل لإثارة روح البغضاء القومية للمغيرين. # لقد كان اللاجئون والأسرى الهاربون يذيعون الأنباء الرهيبة عن فظائع الألمان وإسرافهم في ~~القسوة الحمقاء، وكان هؤلاء البرابرة يعاملون جميع الصقالبة معاملة الأجناس المنحطة، وقد ~~كان حقدي أنا نفسي على الألمان سببا في إزالة ما كنت أشعر به من الكراهية لنظام الحكم ~~الروسي، وجملة القول: إن جحافل هتلر كان لها من الأثر الناجح في إيقاظ روح الوطنية الروسية ~~أكثر مما كان لجميع النداءات الحربية الجديدة التي أصدرها الكرملن لإثارة الروح العنصرية ~~والقومية. # ولو أننا كنا نحارب بلدا ديمقراطيا رحيما مستنيرا، يحمل إلينا نعمة الحرية والسيادة ~~القومية في نطاق أسرة الأمم الحرة، لتغير الموقف تغيرا تاما، ولكن الروس لم يكن لهم إلا ~~أن يختاروا بين استبدادهم الذي ألفوه وبين استبداد أجنبي يكتوون بناره، وليس من حق الطغاة ~~الروس أن يفخروا بأن الشعب قد فضل الأغلال الوطنية على النير الأجنبي. # وكان الكرملن يؤكد فيما كان يذيعه من الدعاوة بين القوى المسلحة وبين الأهلين بوجه عام أن ~~المغيرين يعتزمون إعادة الأملاك الكبيرة إلى ملاكها ورءوس الأموال العظيمة إلى أصحابها، ~~وكانت هذه وسيلة يقوون بها روح الشعب المعنوية؛ لأنها في حقيقة أمرها مبدأ مشترك يلتقي عنده ~~الشعب وحاكموه؛ ذلك أن الروس على بكرة أبيهم - اللهم إلا أقلية لا يؤبه بها - لم يكونوا ~~يرغبون في عودة الملاك والرأسماليين في أية صورة كانت، مهما ms620 كان من بغضهم للطغيان السياسي ~~والاقتصادي الذي فرضه عليهم نظام الحكم السوفيتي، وكانت التربية المعادية للرأسمالية وما ~~غرسته في قلوب الروس من كراهية لهذا النظام في ربع قرن من الزمان قد أثرت أعظم الأثر في ~~العقلية الروسية. # ولكن ملايين من الرجال الذين كانوا يبذلون أرواحهم في حرب النازيين في جبهة القتال أو في ~~حرب العصابات كانوا يحلمون بأن روسيا جديدة محررة من طغيان حزب واحد أو رجل واحد تنعم ~~بالحرية الديمقراطية ستبعث من رماد هذا اللهب، وكانت الحكومة تقوي في نفوسهم هذا الأمل ~~الكاذب وبخاصة في الأقاليم التي اجتاحها العدو طالما كانت الدائرة تدور علينا، ومن أجل ذلك ~~نشرت صحافتنا نص ميثاق الأطلنطي وحريات روزفلت الأربع، ولكنها نشرتها دون أن تعلق عليها ~~بشيء، على أن هذا النشر المجرد قد بعث فينا آمالا جديدة قوية، أما في الأقاليم المجتاحة ~~فقد استغلت الدعاوة هاتين الوثيقتين إلى أقصى حد، حتى أيقن الناس في تلك الأقاليم أنهم ~~يحاربون من أجل روسيا الجديدة لا من أجل روسيا التي غدرت بهم وسلطت عليهم العذاب وطغيان ~~الحزب الواحد، وكان الأهالي لشدة ما هم فيه من بأس وعذاب يتنسمون دخان الحيرة والقلق يظنونه ~~نسيم الحرية. # وكذلك كان الشعب والحكام يحاولون جميعا إنقاذ البلاد، ولكن آمال هؤلاء وأولئك وأهدافهم ~~كانا على طرفي نقيض، فأما رجال الحكم فقد كان همهم الأكبر أن ينقذوا أنفسهم ونظامهم ~~ليواصلوا بعد ذلك مغامراتهم الشيوعية في داخل البلاد وخارجها، وأما الأهلون فقد كان يحركهم ~~حبهم الخالص لبلادهم وأملهم في أن يحصلوا على شيء ولو قليل من الحرية السياسية ~~والاقتصادية. # ولقد صور بعض الكتاب الخياليين حرب العصابات وتخريب البلاد أمام الجيوش الغازية في ~~صورة خطة نفذها الشعب من تلقاء نفسه، ولكن الحقيقة أنها كانت خطة مدبرة ومرسومة بعناية تشرف ~~عليها موسكو في جميع الأوقات، فقد قال ستالين في خطبة له أذاعها في 3 يوليو: # يجب أن تنشأ في الأقاليم التي يحتلها العدو فصائل مسلحة راكبة وراجلة، كما يجب ~~إنشاء جماعات مهمتها تحويل العدو عن أهدافه الرئيسية ms621 بقتال وحدات جيشه، ويجب أن ~~تنشب هذه الحرب المسلحة في كل مكان، وأن تنسف الجسور والطرق، وتحطم طرق ~~المواصلات بالبرق والمسرة، وتحرق الغابات والمخازن وقوافل التموين، ويجب علينا ~~أن نعمل لنجعل مقام العدو ومن يساعدونه في الأقاليم التي يستولي عليها مستحيلة كما ~~ينبغي تعقبه وقتله في كل خطوة يخطوها، وتدمير كل منشآته. # وأمر كذلك بأن تدمر بلا قيد ولا شرط في أثناء تقهقر الجيش كل الممتلكات القيمة التي لا ~~يمكن نقلها، ولسنا نذيع سرا إذا قلنا الآن: إن كثيرين من الفلاحين وسكان المدن كانوا ~~يقاومون هذه الخطة أشد المقاومة ويضحون في سبيل ذلك بحياتهم في بعض الأحيان. # ونظمت رياسة قوة المقاومة المسلحة في العاصمة نفسها، فعين الرفيق بونومارنسكو - ~~أمين سر لجنة الحزب المركزية في روسيا البيضاء - رئيسا لأركان حرب فرق المقاومة المسلحة في ~~هذا الإقليم، وعين دميان كوروتشنكو - أمين سر اللجنة المركزية في أوكرانيا - قائدا ~~لأعمال المقاومة في أوكرانيا، وعين رجل يدعى الرفيق لتسيس لهذا الغرض عينه في ~~الدويلات البلطية، وكان هؤلاء كلهم من زعماء الحزب القدامى وإن كانت الدعاوة قد رفعت إلى ~~مكان القيادة فيما بعد أناسا مغمورين من بين الذين كانوا يتنازعون سرا على مقاليد ~~السلطة. # وبقيت وحدات من الجيش الأحمر في مؤخرة الجيوش الألمانية لتكون مراكز لحركات العصابات ~~المسلحة بناء على خطة مرسومة، وانضم إلى الفرق المسلحة بطبيعة الحال أولئك الجنود الذين ~~انفصلوا عن وحداتهم فألفوا أنفسهم مقطوعي الصلة بهذه الوحدات، وزاد عدد فرق المقاومة بمن ~~انضم إليها من آلاف الموظفين السوفيت الذين لم يكونوا من أعضاء الحزب، ومن رجاله العاملين ~~وأمثالهم ممن تخلفوا وراء الصفوف وعرفوا أنهم لن يصيبهم على أيدي النازيين إلا القتل ~~والتعذيب، وتكفل الألمان أنفسهم بقسوتهم وفظائعهم بمن لم نذكرهم من قوة المقاومة ~~المسلحة. # وثمة ناحية أخرى من نواحي المقاومة المنظمة لم يذكرها أحد غير مؤلف هذا الكتاب، وأعني ~~بهذه الناحية أعمال رجال القسم السياسي الذين تركوا عمدا وراء الصفوف في كل إقليم احتله ~~الأعداء، ليراقبوا - قبل كل شيء - سلوك المواطنين السوفيت في ms622 مؤخرة الجيوش الألمانية، فلما ~~عادت هذه الأقاليم إلى حظيرة الوطن السوفيتي فيما بعد أعدم عشرات الآلاف من الرجال ~~والنساء السوفيت، وحكم على مئات الآلاف منهم بالأشغال الشاقة بناء على التقارير التي ~~رفعها هؤلاء الرجال إلى ولاة الأمور، وانضم رجال القسم السياسي أنفسهم إلى حركة المقاومة ~~المسلحة فترعرعت بفضلهم حركة التجسس السوفيتية بين السكان الروس الذين وقعوا تحت سيطرة ~~الاحتلال الألماني، ونقلت أسر الذين تركوا وراء الجيوش الألمانية ليقوموا بهذه ~~الأعمال وأمثالها إلى الأقاليم السوفيتية غير المحتلة ليتخذوا فيها رهائن ضمانا لولاء ~~أرباب هذه الأسر. # على أننا لا يحق لنا أن نؤمن بأن سكان الأقاليم المحتلة كانوا كلهم موالين لحركة المقاومة ~~المسلحة، فقد كانت طائفة كبيرة - وإن شئت فقل أغلبية كبيرة - من سكان الدويلات البلطية ~~تستقبل الألمان بطبيعة الحال استقبال من جاءوهم ليحرروهم من النير السوفيتي البغيض، فانضم ~~هؤلاء إلى القوى الألمانية المسلحة في مطاردة العصابات السوفيتية، بل حدث أكثر من هذا إذ ~~بقيت حركة المقاومة المسلحة في بلاد الروسيا الأصلية وبخاصة في أقاليم الدن وكوبان حيث كان ~~للقحط ونظام المزارع الجماعية أفظع الأثر على السكان؛ نقول: بقيت حركة المقاومة المسلحة في ~~هذه الأقاليم ضعيفة قليلة الأثر وكثيرا ما كانت تلقى مقاومة من السكان. # وكثيرا ما انفجرت في أوكرانيا أيضا مراجل الغيظ التي كانت تغلي في صدور أهلها من زمن ~~بعيد على حكم ستالين، على أن الموقف في أوكرانيا كان معقدا تعقيدا يتطلب منا فصلا طويلا ~~برمته إذا أردنا التحدث عنه في إيجاز، وحسبنا أن نقول هنا: إنه قامت في البلاد حركات كثيرة ~~مناصرة للألمان يتزعمها مهاجرون من أهلها دربوا على الاضطلاع بواجبهم من زمن بعيد، وكانت ~~فيها فوق ذلك حركة وطنية شريفة قوية واسعة النطاق لا يقل عداؤها للنازيين عن عدائها ~~للسوفيت، وكان مبعث كثير من أعمال البطولة التي قامت بها العصابات المسلحة في هذه البلاد هو ~~حقد الأهلين على ستالين وعلى هتلر سواء بسواء، وحتى الذين تعاونوا مع موسكو مخلصين، وتلقوا ~~أوامرهم من كرنشنكو، كانت تحركهم آمال خداعة تبث ms623 فيهم عن قصد بأن أوكرانيا سيطلع عليها عهد ~~جديد، تنال فيه حقها في الاستقلال الذاتي حين يطرد الغزاة من البلاد، يضاف إلى هذا وذاك أن ~~عصابات مسلحة كانت تعمل سافرة لتنفيذ خطة مدبرة للانفصال التام عن الاتحاد السوفيتي، وترمي ~~في آخر الأمر إلى إنشاء دولة أوكرانية ذات سيادة كاملة الاستقلال. # وما من شك في أن أعمال المقاومة السرية الأوكرانية ستمجد عن جدارة في تاريخ الروسيا، ~~فقد برهنت هذه الحركة على ما يتصف به الأوكرانيون من شجاعة وعزيمة وروح وطنية متأصلة في ~~قلوبهم، وصبر في أحرج الأوقات وأشدها خطرا، ولكن من أسخف الأشياء وأعظمها ضررا أن تشوه ~~هذه الأعمال كلها وتتخذ دليلا على حب الشعب لطغيان ستالين، كما كان يوحى إلى السذج من ~~الكتاب الأجانب، وجدير بنا أن نسجل هنا خدمة للحقيقة أن كثيرا من الأعمال التي كانت ~~تحدث وراء خطوط الأعداء كانت تقوم بها قوى خاصة من بين رجال القسم السياسي دربوا تدريبا ~~خاصا على حرب العصابات، وتحويل قوى العدو عن أهدافها الرئيسية، وجهزوا بكل الوسائل ~~التي تعينهم على هذا العمل، وثمة عمل آخر جدير بالتنويه، وهو أن عددا كبيرا من الجنود ~~الذين أعدوا لأعمال التخريب كانوا ينزلون بالهابطات وراء الخطوط الألمانية. # وأصدرت الحكومة في الثامن عشر من سبتمبر قرارا يقضي بتدريب جميع الرجال بين سن السادسة ~~عشرة والخمسين ممن لم يدعوا قبل إلى التجنيد، فأما الذين لم يتجاوزوا سن السادسة ~~والخمسين فكانوا يجندون في صفوف القوات المحاربة، وأما الذين كانوا بين هذه السن وبين ~~الثامنة والخمسين فكانوا يؤخذون للعمل مع غير المحاربين، والواقع أن جميع الرجال مهما تكن ~~سنهم وحالتهم الجسمية قد طلب إليهم أن يسجلوا أسماءهم ليدربوا تدريبا عسكريا بعد انتهاء ~~عملهم اليومي الذي كان يطول في معظم الأحيان حتى يبلغ اثنتي عشرة ساعة، ولم يعف من هذا ~~التدريب إلا من كانوا عاجزين فعلا عن العمل، وامتلأت ميادين موسكو ومتنزهاتها بالرجال ~~المنهوكي القوى العمص العيون، الخمص البطون، الممزقي الثياب، يتدربون على الأعمال الحربية ~~بالعصي بدل البنادق، فإذا أريد ms624 تدريبهم على إطلاق النار أعطيت كل فصيلة من الجند بندقية ~~واحدة أو اثنتين، ولم يكونوا يعفون من هذا العمل وإن هطل عليهم المطر، أو خاضوا في ~~الوحل، بل لقد كان مما يدربون عليه أن يسيروا في الوحل أو فوق الثلج ورءوسهم وبطونهم أقرب ~~ما تكون إلى الأرض. # فلندع الكتاب القصصيين يقولوا عن هذا التدريب ما شاءوا ويتخذوا منه دليلا آخر على ~~حماسة الشعب وتعطشه للقتال، أما الصورة الحقيقية فلم تكن بهذه الروعة، فقد كان التدريب ~~إجباريا، وكان الامتناع عنه يعد فرارا من الصفوف ويحاكم الممتنع أمام محاكم الثورة ~~التابعة للقسم السياسي، ولو عرف العالم حقيقة النظام المعمول به في الجيش الأحمر، وأن أقل ~~مخالفة لهذا النظام يعاقب عليها بالإعدام من غير محاكمة، لما تغالوا إلى الحد الذي رأينا في ~~مديح القوات المحاربة نفسها، ولسنا ننكر أن الجنود الروس أقدموا على كثير من أعمال البطولة، ~~وثبتوا في مراكزهم أمام قوات تفوقهم عددا، وضحوا بحياتهم لينقذوا بلادهم ومواطنيهم ~~ورفاقهم، فالحقيقة أن رعايا ستالين كانوا يحاربون هتلر بنفس الشجاعة التي كان الرقيق ~~الإقطاعيون من رجال القيصر إسكندر الأول يحاربون بها نابليون، ولكن الذين يسيئون فهم عزيمة ~~الروس القومية، وقدرتنا على الحرب والموت في سبيل بلادنا، فيصورونها على أنها فضيلة خاصة ~~حديثة العهد تنطق بفضل الطغيان السوفيتي؛ إن الذين يفعلون هذا قوم مخادعون أو ~~مخدوعون. # فالناس في الخارج يعلمون أن فصائل خاصة «لصد المتقهقرين» كانت توضع خلف صفوف الجيش الأحمر ~~في ميادين القتال، وهي فصائل مؤلفة من جنود «الأمن الحكومي» التابعين للقسم السياسي تعمل ~~بالتعاون مع الإدارة السياسية للجيش، وكان واجب هذه الفصائل أن تعترض طريق الجنود الفارين، ~~وأن تمنع التقهقر الذي لم تقرره القيادة العليا، وكان من حق هذه الفصائل أن تطلق النار على ~~كل من يخرج من الصفوف من غير إذن مهما يكن سبب خروجه منها، ولم تكن تتردد قط في استخدام هذا ~~الحق، على أن الذي كان يحصل عادة أن هذه الفصائل كانت تسوق الجنود الذين تقبض عليهم إلى ~~المحاكم العسكرية. ms625 # وكان من المناظر المألوفة أن ترى عربات محملة بالفارين من ميادين القتال يحرسهم رجال ~~الشرطة السرية، يخرجون من السجون، ولعلهم كانوا يؤخذون إلى مكان منعزل ليعدموا جميعا، ~~وكانت رءوسهم حليقة ووجوههم ممتقعة وأجسامهم ضعيفة هزيلة، يرتجفون في حلل عسكرية بالية، ~~وأنا أعلم من مصادر وثيقة أن نسبة هؤلاء الفارين كانت جد عالية. # ومما يعيننا على فهم هذه الظاهرة - ظاهرة الفرار من الجندية - أن ملايين من الرجال الذين ~~لا يليقون للجندية إذا قيسوا بأي مقياس من مقاييس الأمم المتمدنة كانوا يعبئون للخدمة ~~العسكرية دون تمييز، ويرسلون إلى حيث يواجهون النار في ميادين القتال، دون أن يعدوا لذلك ~~الإعداد الواجب، وكان من أسباب هذا الفرار أيضا ما استولى على الجنود من خوف وهلع، إن في ~~مقدور فلاحينا السذج أن يواجهوا ما ألفوه من الأخطار ويصمدوا لها، أما الأسلحة الحديثة من ~~دبابات وقاذفات لهب وقنابل تصب عليهم من السماء فقد تركت الكثيرين منهم قبل أن يألفوها ~~في حيرة وهلع، ولما كان هؤلاء تنقصهم الأسلحة التي يستطيعون بها مقاومة أسلحة العدو الفتاكة ~~وكانوا يضطرون إلى استعمال «خليط مولوتوف» بدل المدافع المضادة للدبابات، فإن الكثيرين منهم ~~عجزوا عن تحمل هذا العبء الشديد، وكان من أسهل الأشياء على الحكومة أن تعد فرارهم الذي ~~كان نتيجة محتومة لعجزها الإجرامي جبنا منهم، ولما كانت لا تعبأ بحياة الأهلين فقد قنعت ~~بأن تواجه الحديد الألماني بلحم الروس، والوقود الألماني بدماء الروس. # وقد ذكرت الخسائر الهائلة التي منيت بها الجيوش السوفيتية آلاف الآلاف من المرات ~~واتخذت دليلا لا ينقض على ما يتصف به الروس من بطولة، ولا أقل من أن تذكر مرة واحدة ~~دليلا على وحشية الكرملن وأخطائه الشنيعة. # وبدأ الجلاء عن موسكو في شهر أغسطس، وظل جاريا في مجراه خلال الجزء الأكبر من عام 1942م، ~~حتى زال الخطر عن العاصمة، وقضيت أنا نحو شهر من الزمان قبل أن أنضم إلى الجيش الأحمر أعمل ~~في فك عدد مصنعنا وإعدادها للنقل بالطريق المائي إلى جبال أورال. # ولما اشتدت الغارات الجوية الألمانية ms626 أخذ عدد من الأهلين يخلون مساكنهم طائعين، وأخذ بعض ~~الحمقى والمتفائلين يرمون هؤلاء بالجبن وبالفرار من الميدان، فلما ازدحمت الطرق العامة ~~والسكك الحديدية حول العاصمة بهؤلاء الفارين أحزننا وحز في نفوسنا أن ولاة الأمور أنفسهم لم ~~يعنوا بتنظيم هذا الجبن وذاك الفرار من بداية الأمر. # وكان من أشق الأعمال وأكثرها إجهادا لرجالنا ونسائنا الجياع أن يرفعوا الأجهزة عن ~~قواعدها وينقلوا الآلات الضخمة من أماكنها، وكان أصعب من هذا على نفوسهم علمهم بأنهم ~~يقتلعون ويخربون أشياء ضحوا في إقامتها بالنفس والنفيس، وكانت عزيزة عليهم بعد أن أصبحت ~~رمزا للرخاء الذي طال انتظاره، وكنا نقوم بهذا العمل في ظلام حالك، ولم يكن أحد من الناس ~~حتى أشدهم طعنا في النظام السوفيتي يظن أننا سنضطر إلى الجلاء عن العاصمة ولما يمض على ~~بداية الحرب أكثر من ستة أسابيع. # وخفت ضجيج الآلات وجعجعتها في مصنعنا ثم سكن، وخيم السكون على العاصمة كأنها استحالت ~~قبورا، وكان العمال وهم بطبيعتهم أوداء طيبو القلوب يحيون حياتهم اليومية وهم صامتون ~~واجمون، يخادعون أنفسهم بالأمل الكاذب في أن الخطر قد يكون مبالغا فيه، وخيل إلينا مرة ~~من المرات أن هذا الأمل سيتحقق، فقد تلقينا أمرا من وزير الشئون الصناعية أن نقف حل ~~الآلات، وما أن ثارت حماستنا لهذا النبأ حتى تلقينا أمرا يناقضه ويطلب إلينا أن نعجل ~~بأعمال الجلاء. # واختبر عدد من الصناع الأخصائيين ليصحبوا الآلات إلى شرق البلاد، أما بقية العمال فقد ~~سرحت جموعهم بعد أن أعطوا ما يعادل أجر أسبوعين، واتبع مثل هذا الإجراء في المؤسسات ~~الصناعية الأخرى القائمة في موسكو، فكانت فظائع البطالة بعد فظائع الغارات الجوية، ونقص ~~الطعام والبرد، واضطراب عمليات المياه والكهرباء، ضغثا على إبالة. # وأصبح الجو المحيط بالعاصمة في أواخر شهر أغسطس جو المكان المقضي عليه بالسقوط وإن كان ~~النازيون لم يبلغوا ضواحي المدينة إلا بعد شهر من ذلك الوقت، وأخذ كبار الموظفين ينقلون ~~أسرهم ومتاعهم إلى سفرولفسك وغيرها من مدائن جبال أورال في السيارات والقطر الحديدية ~~والطائرات، وقبع مئات من زعمائنا في ms627 مكاتبهم وإلى جانبهم حقائبهم والسيارات الحكومية في ~~انتظارهم استعدادا للفرار العاجل، وكنا نحن نعمل طول النهار، وندرب على القتال في أوائل ~~الليل، ونقاوم آثار الغارات الجوية حتى مطلع الشمس. # وصدرت الأوامر بأن يعد جميع الموظفين المسئولين في مصنعنا وفي جميع المؤسسات الصناعية ~~في العاصمة «مجندين»، وظللت عدة أسابيع لا أذهب إلى منزلي، بل أطعم وأنام في مكان عملي، وإن ~~أنس لا أنس قط منظر الرعب والهلع - والبطولة - حين بقينا أمام آلاتنا جامدين في أماكننا، ~~والقنابل تتساقط من حولنا، والطائرات الألمانية تئز فوق رءوسنا، والنساء والشبان يصرخون ~~صراخا جنونيا في بعض حوانيتنا، لقد كان هذا المنظر امتحانا لأعصابنا أظهر فيه الشعب ~~الروسي ما يتصف به من قوة وجلد. # وفرج كربي انضمامي إلى الجيش الأحمر، فقد شعرت وقتئذ أني وضعت في موضعي الصحيح، ~~وتلقيت في أوائل سبتمبر أمرا من لجنة المجندين بأن أقدم نفسي للفحص الطبي، وكانت فترة من ~~الزمن قد انقضت منذ أن أزيل اسمي من ثبت المتطوعين، ومحا يجوروف ومنتروف اسمي من بين أسماء ~~من لا يستطاع «الاستغناء عنهم»، ولم يتطلب فحصي الطبي أكثر من دقيقتين. # وأرسلت إلى كلية الهندسة الحربية في بلشيفو على قيد عشرين ميلا من موسكو برتبة كبتن ~~(يوزباشي) وهي الرتبة التي كنت أحرزها من قبل، وانضممت إلى فرقة خاصة كان ضباطها يعدون إلى ~~الترقي لمناصب أعلى من مناصبهم، وتلقيت مع مئات غيري من المهندسين في مختلف المهن دراسات ~~واسعة في الهندسة العسكرية بالإضافة إلى التدريب العسكري نفسه. # وكانت بلشيفو هذه قريبة من العاصمة، فلم أشعر أنا وإيرينا حتى ذلك الوقت بألم ~~الفراق. # الفصل الثالث والعشرون # | الذعر في موسكو # وعينت منظما للحزب في بلشيفو فأصبحت بفضل هذا المنصب ذا مركز سياسي رئيسي بين الضباط ~~الذين كانوا زملاء لي في المدرسة، وكنت في جميع الأعمال الحربية أتلقى أوامري بطبيعة الحال ~~من أمير الألاي فافاركين ومساعدين، وألفت بين قلوبنا المأساة المروعة التي كانت تجتازها ~~بلادنا، وكان لدينا جماعة من الأولاد في العقد الثاني من عمرهم يتلقون منهجا دراسيا، لكن ms628 ~~الغرفة التي أشرف عليها كانت تتألف من رجال ناضجين ضرستهم التجارب القاسية في الأعمال ~~الصناعية والسياسية السوفيتية، رجال لا تؤثر فيهم الأوهام، ولم أدخر جهدا في مواساة رفاقي ~~جميعهم وتخفيف المصائب عنهم. # وكنت في خبيئة نفسي عدو نظام الحكم الألد، أمقت وحشيته، وزاد من مقتي إياه ما كان يتجمع ~~حولي وقتئذ من دلائل عجزه، وكان من هذه الدلائل تلك الصفقة التي عقدها ستالين مع هتلر ~~والتي نخجل كلنا من ذكراها حتى أشد الناس تعصبا لستالين، ولكنني رغم هذا كنت أحب بلادي، ~~وأعطف أشد العطف على بني وطني، وأعرف الكثيرين ممن يشعرون بنفس هذا الشعور، وكنا جميعا ~~نكظم غيظنا من ولاة أمورنا، ولا يتردد واحد منا في أن يضحي بحياته لتخرج بلادنا من هذه ~~الحرب منتصرة. # وكان تدريبنا العسكري في بلشيفو تدريبا ضعيفا لا يليق بأمة من الدرجة الثالثة، فما بالك ~~بدولة عظيمة قضت عشرين عاما تبذل كل جهودها لتصنيع بلادها؟! وكانت العدد التي سلمت لنا ~~لبناء القناطر وحظائر الطائرات من طراز بدائي ولا تكاد تزيد على فأس ومجرف، ولم نكن ندري ~~أين ذهبت المهارة الصناعية التي طالما تغنى بها الخطباء الشيوعيون، وطالما استمعت إلى ألفاظ ~~السخرية اللاذعة واللوم الصريح. # من ذلك ما قاله أحد الضباط المدربين وهو يسخر: «يجب أن نعتز بتلك العدد التي أعطيت لنا ~~لنبث بها الألغام اعتزازنا بآثارنا القومية فقد ورثناها من الماضي السحيق.» # وقلت أنا بعد أن استمعت إلى محاضرة وانفردت بالمحاضر: «ألن يصيدنا الألمان صيد الطيور ~~ونحن ننشئ أمثال هذا الجسر العوام الثقيل؟» # فأجابني المحاضر وهو يتحسر: «يؤسفني يا رفيق كرافتشنكو أن أقول إن هذا صحيح، ولكن ماذا ~~نفعل وليس لدينا من العدد إلا ما رأيت؟» # ومن سوء الحظ أيضا أن المعلمين أنفسهم كانوا من البساطة كما كانت العدد التي يعملون بها، ~~فقد كان «القائم مقام» الذي يحاضر في إنشاء الطرق ممن يصح أن يتلقوا دروسا من أي رئيس ~~لطائفة من الفعلة يقومون بهذا العمل ويفيد من هذه الدروس أكبر فائدة، ولكن حسبه أنه كان ms629 ~~شيوعيا موثوقا به، فكان يقضي كل وقته في أن يعيد على مسامعنا ما قام به من أعمال مجيدة ~~في أيام الحرب الأهلية، يضاف إلى هذا أننا بوصفنا ضباطا كان مفروضا علينا أن نقضي كثيرا ~~من الوقت في قراءة الكتب المختارة من مؤلفات لينين وستالين ومناقشة ما نقرؤه منها، كأن ولاة ~~أمورنا يفترضون أننا لا نستطيع بث الألغام أو إقامة الجسور من غير أن نلم بشرح ستالين ~~المشوه لمبادئ لينين. # ولم نتوان عن الدراسة بجد رغم ما يعترضنا من عراقيل وما يحيط بنا من مضايقات، فقد كنا ~~جميعا ندرك خطر هذه الدراسة وهذا التدريب، ونشعر في أعماق أنفسنا بأنا سنكون مسئولين عن ~~حياة الجنود الذين سوف تعهد لنا قيادتهم، وعن حل كثير من المشاكل الحربية الشائكة العظيمة ~~الخطر. # وكنت بحكم منصبي - منصب منظم الحزب - على اتصال دائم بالشئون الهامة في وحدتنا الهندسية ~~وفي العاصمة أيضا، أشهد جميع اجتماعات لجنة الحزب في المدرسة مع كبار الضباط، وكنا بذلك ~~نستمع إلى التقارير السرية، وكلها تقارير متشائمة، فتحز في نفوسنا بحق أكثر مما تحز في نفوس ~~الضباط من غير أعضاء الحزب. # وكنت كثير التردد على موسكو نفسها، فكنت لذلك معرضا لموجة اليأس التي تغطي عليها، ولما ~~جد ولاة الأمور في إخلاء المدينة لاقتراب الألمان منها سادها الاضطراب والذعر، وكلما زاد ~~الاضطراب والذعر زاد ضغط الشرطة وعسفها، وكان هذا العسف نفسه سببا في انتشار الذعر، ~~فأصبحنا بذلك في دائرة مفرغة من العسف والاضطراب والذعر والنهب حرص المسئولون على إخفائها ~~عن العالم الخارجي، وما كاد شهر سبتمبر يقترب من نهايته حتى أوشك الخوف والاضطراب أن يؤديا ~~إلى الانفجار، فقد غلت مراجل الغيظ في قلوب أهل موسكو لما صحب عمليات الإخلاء من محاباة ~~صارخة، فأصبحت أسمع لأول مرة منذ عشرين عاما اللعنات تصب على الموظفين الرسميين، وأخذ كل ~~مكتب من مكاتب الإدارة الحكومية يعد كشوفا بأسماء من يحق لهم أن يستخدموا القطر الحديدية ~~للسفر إلى كوبيبشف وسفردلوفسك وغيرهما من مدن اللاجئين، وكان أساس الاختيار نظريا إمكان ~~«الاستغناء» ms630 عن الناس أو عدم الاستغناء عنهم، أما في الواقع فقد كانت القرابة والصلات ~~السياسية هي الحكم الأخير. # واستطاع كل من له صلة بذوي السلطان والمتطفلون عليهم أن يحصلوا على أماكن لأثاث منازلهم، ~~وخزائن ملابسهم، وعشيقاتهم وأقاربهم، على حين أن آلافا من الأسر التعسة بقيت معسكرة بين ~~حقائبها ومتاعها المحزوم في محطات السكك الحديدية ترجو عبثا أن تجد مواضع لأقدامها في أي ~~قطار متجه نحو الشر، وكانت هذه الأسر نفسها أسعد حظا من سواها، فهي التي أذن لها بالهجرة، ~~وكان ثمة آلاف من الأسر فرت من وجه الأعداء سيرا على الأقدام. # وكان كل يوم يمر يزيد في عدد الفارين المجتمعين حول محطات السكك الحديدية وفي ذعرهم ~~وجلبتهم، وامتلأت المدينة بأقذارهم وفضلاتهم، وشهدت عدة لجان لبحث هذه المشكلة المنذرة ~~بأوخم العواقب، ولو أن هؤلاء السكان كانوا حيوانات لا بشرا لعنينا على الأقل بأمر طعامهم ~~في سفرهم الطويل، ولكن أحدا من المسئولين لم يفكر في إثارة موضوع توفير الطعام للفارين أو ~~في الطريقة التي يصلون بها إلى الملاجئ التي يقصدونها، وكيف يعيشون بعد أن يصلوا ~~إليها. # ولما زادت الجموع المكدسة حول محطات السكك الحديدية وتعذرت السيطرة عليها، جيء لها بعربات ~~الحيوانات وعربات الفحم غير المغطاة، وحشر فيها المواطنون السوفيت دون أن يعني أحد ~~بتطهيرها، وبدأنا رحلتنا البطيئة الرهيبة بين البكاء والعويل، وكم من طفل ضل عن ذويه، وكم ~~من أسر تشتت أفرادها، وكم من الناس اضطروا إلى ترك متاعهم العزيز عليهم، وكثيرا ما كانت ~~مشاعر هؤلاء تضطرب حتى تصل إلى حد الجنون حين تنقض عليهم طائرات العدو؛ ذلك أن محطات السكك ~~الحديدية كانت من أحب الأهداف إلى النازيين. # وكأنما كان ولاة الأمور يسخرون عن قصد بهؤلاء الفارين، فقد كانت قوافل من السيارات ~~الرسمية المريحة تخرج من موسكو محملة بأسر الصفوة المختارة وبأمتعة بيوتها، كأن الحرب ~~وأخطارها قد وسعت ما بين الطبقات من هوة وزادتها بشاعة على بشاعتها. # وبدت العاصمة في الأسبوع الأول من شهر أكتوبر وكأنها قد فقدت جميع نشاطها وحيويتها؛ ذلك ~~أن ms631 المدن كالأفراد تتحطم أعصابها في بعض الأحيان، فكانت مركبات الترام والسيارات العامة لا ~~تعمل إلا في فترات متقطعة غير منتظمة والحوانيت خالية، ولكن الناس الجياع كانوا يقفون ~~صفوفا في كل مكان ولو لم يكن فيها ما يطلبون، وحتى «إيرينا» نفسها كانت لا تجد الطعام ~~أحيانا مع أنها كانت لها صلات أحسن مما لغيرها، ولديها من المال أكثر مما لدى معظم الناس، ~~وكانت المنازل ومكاتب الموظفين لا تدفأ، والماء والكهرباء لا يصلان إليها إلا في فترات ~~متقطعة لا يركن إليها. # أما منازل رجال القسم السياسي والمحكمة العليا ووزارة الشئون الخارجية وعدة معاهد أخرى، ~~ومركز القيادة العامة للحزب، أما هذه الأماكن كلها فلم يكن الدخان ينقطع منها ليلا أو ~~نهارا، وبادر زعماؤنا إلى إتلاف السجلات ومحو كل ما يستدل منه على جرائمهم الرسمية التي ~~دامت عشرات السنين، وأكبر الظن أن الحكومة تلقت أوامر من الجهات العليا بأن تمحو آثار هذه ~~الجرائم حتى اسودت الثلوج التي تساقطت في شهر أكتوبر من رماد الأوراق المحترقة. # وحدث في إحدى الليالي أن فتح رجال القسم السياسي التابوت المحتوي على الآنية التي كانت ~~فيها جثة لينين المحنطة في الميدان الأحمر، واستخرجوا منه هذه الجثة سرا وحملوها على عربة ~~يد ثم وضعوها في سيارة خاصة سارت بها إلى مدينة تيومين في سيبريا حيث بقيت إلى نهاية الحرب ~~بعد أربع سنين من ذلك الوقت. # ونقلت كذلك إلى داخل البلاد أثمن كنوز الكرملن ودور الآثار؛ وذلك لأن الغارات الجوية ~~على موسكو أخذت تزداد عددا وهولا، وإن لم تبلغ من التدمير ما كنا نتوقع. # وفي الثاني عشر من شهر أكتوبر أمطر الألمان منطقة بلشيفو منشورات مطبوعة، وسرت على رأس ~~فرقة موثوق بها من الضباط الشيوعيين لجمع تلك المنشورات الألمانية، وكانت الأوامر الصادرة ~~إلينا تأمرنا ألا نقرأها بطبيعة الحال، وكان كل إنسان يعثر معه على منشور منها عرضة ~~للاعتقال على الفور، ولكننا رغم هذا حاولنا أن نقرأها سرا في أثناء عملنا، ولم يكن لها ~~فينا أثر ما اللهم إلا احتقارنا للأعداء، فقد ms632 بدت لي الدعاوة الألمانية غاية في الغباوة، ~~وكان ما تفيض به من كبرياء وغطرسة مما تشمئز منه النفوس، ومن أكبر الأدلة على غباوتها أنها ~~خلطت بين حب البلاد وحب ستالين. # وفي تلك الليلة نفسها صحونا من نومنا على أصوات الإنذار، وما هي إلا نصف ساعة حتى سيقت ~~ثلاث فرق من الضباط الشبان الذين لم يتم تدريبهم بعد بكامل أسلحتهم إلى أطراف موسكو ~~الغربية، وبعد ثمان وأربعين ساعة من إرسالهم رجع ثلثهم مثخنين بالجراح، يرتجفون من البرد ~~ويكادون يهلكون من الجوع، وقد استولى عليهم الجزع وضعفت روحهم المعنوية، أما بقيته فلم تعد ~~إلينا أبدا، وكان معظم هؤلاء الضباط من لجان الشباب التابعة للحزب ومن أشد الشبان تحمسا ~~وتعصبا، وقد ذهبوا إلى الميدان وهم ينادون: «من أجل ستالين، ومن أجل الحزب.» # وظللنا جميعا منذ 13 أكتوبر معسكرين وسط الثلوج في غابات بلشيفو نحرس قطاعا من الطرق ~~الموصلة إلى العاصمة من تلك الجهة التي ظن ولاة الأمور أن الجنود الألمان سيهبطون فيه من ~~طائراتهم، وكانت ملابسي الداخلية هي ملابس الصيف، وكان في قدمي حذاءان من الخيش الخفيف، ~~وعلى رأسي قلنسوة صيفية، وفوق ملابسي معطف عسكري مهلهل، وذلك كله في جو درجة حرارته أقل ~~كثيرا من درجة الصفر، أما أسلحتي فلم تكن تزيد على بندقية من بنادق التدريب وثلاث طلقات، ~~ومع أننا كنا جميعا ضباطا فلم يكن فينا إلا عدد قليل لهم من الملابس التي تقيهم البرد ~~أحسن من ملابسي، وكان أسعدنا حظا من أعطوا خمس طلقات؛ ذلك أن ما وعدتنا به القيادة العامة ~~من الذخائر الحربية لم يصل إلينا شيء منه، وكان مع الكثيرين منا بطبيعة الحال ملابس مدنية ~~مدفئة، فقد كان لدي أنا مثلا حذاءان جيدان وملابس داخلية من الصوف وغيرها من الحاجيات، ~~ولكننا أمرنا ألا نستخدم شيئا من هذه الملابس، وهكذا تجمدت أطرافنا من البرد وقاسينا ~~الأمرين لكي نرفع إلى ذروة المجد رياستنا العسكرية الغبية. # وستظل ذكرى تلك الأيام والليالي التي قضيناها بين الثلوج، والتي خرج منها كثيرون من رفاقي ~~متجمدي ms633 الأطراف محمومين، منقوشة أبد الدهر في مخيلتي، على أن حاجتنا إلى الملابس الصالحة ~~والعدد والذخائر الحربية لم تحزنا بقدر ما أحزننا منظر السيارات المملوءة بالطفيليين ~~وأمتعتهم تجري بأقصى سرعتها من موسكو، وصاح ضابط كان يرقد إلى جانبي في خندق يملؤه الثلج: ~~«إذا رأيت سيارة أخرى يركب فيها أولئك البيروقراطيون فسأطلق الرصاص على هؤلاء الأوغاد وأمزق ~~جلودهم.» # فأجبته قائلا: «خير لك أن تدخر رصاصاتك الثلاث لتطلقها على الألمان.» # وعدنا من بلشيفو بعد ليلة قضيناها في العراء متعبين جياعا متجمدي الأطراف ونحن نغني هذه ~~الأغنية الموضوعة لنا: # هيا إلى القتال في سبيل الأوطان # هيا إلى القتال في سبيل ستالين # إن شرف القتال عزيز على نفوسنا # وإن جيادنا الأصيلة لتضرب الأرض بحوافرها # ونحن نهاجم أعداء ستالين. # ولم يكن قلبي ينطوي على شيء من الحب لستالين في تلك الأوقات، ولم تكن حوافر ~~الخيل هي التي تضرب الأرض في فصل الشتاء بل كان يضربها حذائي المصنوع من الخيش والذي كان ~~ينزلق بي على الأرض، ولكنني رغم هذا كنت أغني مع المغنين، ولم تكن ألفاظ هذه الأناشيد ~~الحربية تتناغم على الدوام مع العواطف التي تنطوي عليها قلوبنا. # وأرسلت في مساء اليوم الخامس عشر من ذلك الشهر فرقتان من المهندسين أصحاب المؤهلات ~~العلمية في مهمة سرية إلى موسكو، وأبلغت أنا حقيقة هذه المهمة بوصفي منظما للحزب، على ~~أن تكون هذه الأخبار سرا لا تصح إذاعته، واتفق على أن تتبع هاتين الفرقتين فرق أخرى من ~~الوحدات الهندسية التابعة للقسم السياسي، وكانت المهمة الموكولة إلى هذه الفرق جميعها هي بث ~~الألغام في مدينة موسكو، وبناء على هذه الأوامر السرية وضعت الألغام تحت طرق المدينة ~~والمباني الرئيسية في الكرملن ومحطة توليد الكهرباء ومحطة المياه ومحطات السكك الحديدية ~~والمتاحف والملاهي ومباني المصالح الحكومية الرئيسية ووسائل الاتصال والمواقع المحصنة، ~~وقصارى القول: إن كل شيء قد أعد لنسف العاصمة، ولو تم هذا لقضي على حياة عدد كبير من ~~الألمان، وعلى حياة عدد أعظم منهم من الروس، ولم ترفع هذه الألغام إلا في صيف ms634 عام ~~1942م. # وأرسلني أمير الألاي فارفاركين إلى موسكو في صباح اليوم السادس عشر من ذلك الشهر، فلما ~~وصلت إلى المدينة وجدتها في أشد حالات الذعر والاضطراب تملأ جوها الشائعات المروعة، فقيل ~~مثلا: إن انقلابا سياسيا مفاجئا قد حدث في الكرملن، وأن ستالين قد قبض عليه، وأن ~~الألمان وصلوا فعلا إلى فيلي في أحد أطراف المدينة، وأكد بعض من ذهب الروع بلبهم أنهم ~~أبصروا الألمان ينزلون بالهابطات في الميدان الأحمر، وقال بعضهم للبعض الآخر: إن الألمان ~~كانوا بيننا في زي رجال الجيش الأحمر، وأخذت الجموع تموج من شارع إلى شارع ثم تعود إلى ~~الجهات التي بدأت منها وهي في أشد حالات الفزع. # وبدأت وقتئذ الاضطرابات وأعمال السلب والنهب، وأخذ الغوغاء يهاجمون الحوانيت والمخازن ~~وهم في أشد حالات الجنون، وانتشرت في المدينة شائعة تقول: إن المدينة قد خلت من الحكومة، ~~وإن ملايين من أهل موسكو قد تركوا وشأنهم من غير طعام ولا وقود ولا سلاح، وقصارى القول: ~~إن النظام أخذ ينهار. # واكتظت فنادق سافوي ومتروبول وغيرها من فنادق الطبقات الراقية بالنساء اللاتي تملكهن ~~الرعب وبالعاهرات، وأخذن جميعهن يحرضن على الفسق كبار الموظفين الذين لم يغادروا المدينة ~~بعد، وجرى النبيذ والفودكا من غير حساب، ولعل أخبار هذا التهتك كان مبالغا فيها ولكنها في ~~حد ذاتها دليل على ما أصاب الناس وقتئذ من انحلال. # ولقد تبين لي مما عرفته من الأخبار المفصلة أن بعض ما كان يذاع وقتئذ على الأقل كان ~~صحيحا، مثال ذلك أن كبار الموظفين في مقر مجلس الوزراء القائم على طريق سدفايا-كرتنايا ~~أحاطوا بالفتيات الموظفات وأسكروهن وظلوا يستعمون بهن عدة ساعات، وسلك غيرهم من الموظفين في ~~مئات من مكاتب الحكومة وفي مساكنهن الخاصة مسلك من يعتقد أن الساعة قد أزفت، وزادت الشائعات ~~والغارات الجوية الشديد من ذعر الأهلين حتى استحال هذا الذعر جنونا. # واستطعت أن أعود إلى بلشيفو في أثناء الليل، فوجدت طائفة كبيرة من الرعاع الصاخبين خارجة ~~من دارنا، وكان النهب قد بدأ بعيد خروجي واستمر عدة ساعات، وسرعان ما ms635 انضم إلى أهل المدينة ~~كثيرون من القرويين أقبلوا من القرى القريبة، وفر الضباط القواد، وما أن اقتحم القوم ~~المخازن العسكرية حتى انضم إلى الفرق النهابة كثيرون من الضباط لكي يحصلوا من هذه المخازن ~~على بعض ما يلزمهم من الملابس الثقيلة، وسرعان ما اختطف الغوغاء النهابون كل ما وجدوه ~~أمامهم من بطاطين وأغطية الفراش وحلل عسكرية وأحذية وأغذية، وبدا المكان كأنه مجزر، وتناثر ~~على الثلوج المحيطة به ما لم يعن الناس بانتهابه. # وأمكنني أن أصل إلى أمير الألاي فارفاركين بعد وقت قصير، وما من شك في أنه قد وصلت إليه ~~طائفة كبيرة من التقارير، وأنه كان عاجزا عن تدارك الشر، واستمع إلى ما قصصته عليه في ضجر ~~وغضب، وكان هو نفسه يمثل ما في العاصمة من ذعر، ويعتقد أن بلشيفو ستخلى بطريقة ما، وأن ~~الأفضل في هذه الحال أن ينهب الأهالي ما فيها بدل أن تترك غنيمة للنازيين ... وما أن انتصف ~~الليل حتى عاد هو وغيره من الضباط بعد أن ترك الناهبون المدينة وعاد إليها شيء من النظام، ~~ولم يمض إلا القليل حتى كنا نجثو فوق الثلج في الغابة المجاورة ونحن موقنون أن ليس لدينا من ~~القوة ولا من الإيمان ما يعيننا على مقاومة الألمان إذا أقبلوا من هذه الجهة. # وفي هذا الوقت عينه كانت جموع الخلائق من رجال ونساء وأطفال تموج في موسكو مضطربة حائرة ~~تنتقل في الشوارع وتحاصر محطات السكك الحديدية، وفي السابع من أكتوبر عاد الغوغاء إلى ~~اقتحام المخازن والأسواق والحوانيت طلبا للقوت، ووقف رجال الشرطة مغلولي الأيدي، وهجمت ~~الجموع على محال بيع اللحوم في ملكويان فلم يبقوا فيها رطلا من اللحم الطازج أو المحفوظ، ~~واقتحم الخلائق الجياع الذين تركتهم الحكومة وشأنهم مصانع الحلوى في ميدان ميكوفسكي ~~واقتسموا فيما بينهم أطنانا من الحلوى والسكر والزبد وغيرها من المواد غير المصنوعة، وحدث ~~هذا بعينه في عشرات من المنشآت الأخرى. # ودام الاضطراب طول الليل وطول اليوم الثامن عشر من أكتوبر، واعتقد آلاف من الشيوعيين أنهم ~~قد سدت في وجوههم سبل ms636 النجاة من هذه المدينة الموشكة على السقوط، فأتلفوا ما لديهم من ~~بطاقات الحزب والمطبوعات السياسية، وصور ستالين وغيره من الزعماء، وفي وسعي أن أقرر هنا ~~حقيقة رهيبة أكدها لي فيما بعد مئات المرات رجال من المطلعين على خفايا الأمور. # لقد كان في وسع الألمان أن يستولوا على المدينة في ذلك اليوم دون أن يلقوا فيها أي ~~مقاومة، ولو أنهم أنزلوا فيها فرقتين أو ثلاث فرق بالهابطات لسقطت المدينة في ~~أيديهم. # ولم تكن فيالق العمال التي جندت على عجل والتي انتشرت في أطراف المدينة حسنة التدريب ~~أو جيدة التسليح، وكان ولاة الأمور داخل العاصمة عاجزين لا حول لهم ولا طول، ولم تلق طلائع ~~الدبابات الألمانية التي وصلت إلى همكي مقاومة تستحق الذكر، ولا يعرف أحد سبب ارتداد ~~الألمان عن العاصمة فذلك سر لن يعرفه التاريخ إلا من الألمان أنفسهم، ولعلهم قد قدروا منعة ~~حصون موسكو فوق قدرها، فقرروا أن ينتظروا حتى يأتيهم المدد في الربيع، ولا يبعد أنهم حسبوا ~~أن ضعف وسائل الدفاع عن موسكو إن هو إلا شرك نصبه لهم الروس ليوقعوهم فيه، ثم ينقضوا ~~عليهم كالصواعق، تلك كلها أمور لا تعرف حقيقتها، وكل ما نعرفه يقينا أنهم لم يدر بخلدهم أن ~~العاصمة تكاد تكون خالية من وسائل الدفاع، وأنها من الوجهة النفسية قد استسلمت لهم. # وبدأت الأمور تتحسن ابتداء من اليوم التاسع عشر، فقد أخذت طلائع جيوش سيبيريا وجيوش ~~الشرق الأقصى الحسنة التدريب تصل إلى المدينة، ونفض رجال الشرطة ورجال القسم السياسي غبار ~~الكسل والتراخي عن أبدانهم، وأصدر ستالين في ذلك اليوم أمرا وقعه بإمضائه، وأرسل إلى ~~جميع الموظفين، ونفذ لساعته وإن لم ينشر على الجمهور إلا بعد يومين، وتدل لهجة هذه الوثيقة ~~على أن الزعيم يعلم أن موسكو كانت تخوض غمار ثورة غير منظمة. # واستهل الأمر بالصيغة الآتية: «رغبة في تأمين الدفاع عن موسكو من خلفها، وتقوية مؤخرة ~~الجيوش المدافعة عنها، ووضع حد للأعمال المخربة التي يقوم بها الجواسيس والمنشقون وغيرهم من ~~دعاة الفاشية الألمانية.» ثم أخذ يعدد ms637 أنواع العقاب العاجل الصارم الذي يحل بمختلف الطوائف، ~~وقال: إن «مثيري الفتن والجواسيس وغيرهم من عمال الأعداء الذين يعتقلون لمخالفة القانون ~~والنظام سيعدمون في الحال رميا بالرصاص.» # وكانت الأوامر موجهة إلى سينيلوف قائد حامية موسكو وجاء فيها أن «سيكون تحت تصرفه جميع ~~جنود الدفاع الداخلي من فرق القسم السياسي، والرديف وفرق العمال المتطوعين.» والعبارة ~~الأخيرة لفظ كان يطلق على رجال الحزب الشيوعي، وقد رأى ستالين ألا يعهد هذه الأعمال إلى ~~رجال الجيش الأحمر، فقد كان يخشى أن يرفض الجنود النظاميون أن يطلقوا النار على مواطنيهم، ~~كما حدث منذ خمس وعشرين سنة، وفضل أن يعتمد على الرعب الذي يقذفه في قلوب الأهلين اسم رجال ~~القسم السياسي، كما احتمى مستشارو القيصر في العهود الماضية بفرق القوزاق المروعة ورجال ~~الدرك. # وكانت المحاكم العسكرية جادة وقتئذ في عملها لا تنقطع عنه لحظة، واعتقل آلاف من أهل ~~المدينة وأعدموا، ولكن الرعب الذي كانت تقذفه هذه المحاكم في القلوب لم يكن الذي قضى على ~~الذعر، بل الذي قضى عليه هو ما وصل إلى الأهلين من أخبار ارتداد الألمان تحت الضربات التي ~~كان يكيلها لهم الجنود الجدد القادمون من سيبيريا والشرق الأقصى، ومن أنهم يعتزمون إعادة ~~تنظيم قواتهم وحشدها لحصار المدينة في فصل الشتاء المقبل. # هذا ما كان يحدث في موسكو، أما في بلشيفو فقد تلقينا أمرا بإخلاء المدينة، ونفذنا ما ~~أمرتنا به القيادة العليا من إحراق الأوراق السياسية والبطاقات العسكرية والمحفوظات، ولم ~~نكد نعد العدة للرحيل حتى تلقينا أوامر مضادة للأوامر السابقة، ثم تجدد الأمر بالانسحاب إلى ~~الشرق بعد بضعة أيام، وكانت هذه الأوامر الأخيرة في هذه المرة أوامر جدية. # وزاد من متاعبي الشخصية أن أصبت وقتئذ بألم شديد في أسناني، وعالجني طبيب حدث من أطباء ~~المستشفى العسكري، فحشى لي أحد الأضراس بقطن غمسه في دواء ما وغطاه بالأسمنت، وظن الطبيب أن ~~هذا الحشو سيبقى حتى أصل إلى المكان الذي أنا مرسل إليه والذي لم يكن أحد منا يعرفه، لكنني ~~قضيت الشهر التالي في آلام مبرحة ms638 كادت في بعض الأحيان أن تذهب بعقلي، وقد قضيت من هذا الشهر ~~سبعة عشر يوما مسافرا في عربة من عربات البضائع مزدحمة بالجنود، أعقبتها رحلة دامت ستة ~~أيام مشيا على الأقدام، في حذاءين من الخيش لهما نعلان من المطاط، وأخذ خدي في كل يوم ~~يزداد تورما والألم يزداد شدة كادت تتحطم منها أعصابي. # أخذت جيوش الشرق الأقصى التي ضرسها قتال اليابانيين على الحدود الشرقية، وجيوش سيبيريا ~~التي تعودت القتال في زمهرير الشتاء، أخذت هذه وتلك تتدفقان إلى غرب القارة لتصد المغيرين، ~~وأخذت فصائل أخرى أقل من الفرق الأولى عددا تنتقل انتقالا بطيئا في اتجاه مضاد للاتجاه ~~الأول، فاخترقت إقليم الفلجا وجبال أورال لتتدرب على القتال، وكانت معظم هذه الفصائل من ~~مجندين جدد، ولكنها كانت تحتوي أيضا على جنود نجوا من القتل في الهزائم الساحقة التي ~~منيت بها القوات الروسية في سائر الميادين، وضرستهم النكبات، وأرسل هؤلاء كلهم ليدربوا ~~تدريبا جديدا ويسلحوا تسليحا جديدا، وكان هذا العمل بداية الاستعداد الصحيح لمقاومة ~~الأعداء. # وتكشفت هذه الصورة عن بطء في الاستعداد الحربي يعد في واقع الأمر كارثة من أشد الكوارث، ~~واستطاع هتلر بسببه أن يجتاح من أراضي الروسيا أكثر مما اجتاحه نابليون أو غيره من الغزاة ~~القادمين من الغرب، ويزهق أرواح الملايين، ويشوه أجسام ملايين غيرهم من الروس، وكان الثمن ~~الذي دفعناه نظير أخطاء سادتنا وانهماكهم في مسراتهم ثمنا باهظا تنوء البلاد بعبئه، ولكن ~~القوات التي سيعاد تنظيمها ستصد فيما بعد تيار الحرب المتدفق، وسيكون من سخريات التاريخ أن ~~يحظى المخطئون الذين كانوا سببا في هذه الكوارث بالشرف والتقدير. # وكانت الوحدة الهندسية التي أنا تابع لها من الفرق التي سيرت إلى الشرق بعيدة عن ~~مناطق الخطر لتنال قسطها من التدريب، ولقد كان منظر القطر الحديدية الكثيرة العدد في كل يوم ~~بل كل ساعة تقريبا مما يقوي الأمل في النفوس، ويبعث فيها الثقة بالنصر النهائي، ولكنها ~~كانت إلى جانب هذا تبعث فينا الحسرة والأسى؛ لأن معظمنا كان يخالجه شعور بالإجرام لا يستند ~~في الواقع ms639 إلى أساس صحيح، ولكنه كان مع ذلك مؤلما للنفس ومعذبا لها، فقد بدا لنا أن من ~~العار أن نبتعد عن نيران القتال المتأججة وإن كنا لم نبتعد عنها إلا إطاعة لأوامر عسكرية، ~~وكنت أنا فعلا قد طلبت أن أرسل إلى جبهة القتال، وحذا حذوي معظم رفاقي. # وأرسلت سرية من الضباط إلى محطة السكك الحديدية لتتفقد القطار المخصص للجلاء، فوجدت أنه ~~قد أعدت لنا خمسون مركبة من مركبات النقل، وأن هذه المركبات كلها تقريبا قد ملئت إلى ~~سقفها بملفات ضخمة من ورق الصحف، وكانت نتيجة هذا أن قضى عدد من المهندسين الفنيين الذين ~~يحملون ألقابا عسكرية كبيرة الليل كله حتى صباح اليوم الثاني يلقون بهذه الأوراق على ~~الثلوج، ولما تم لنا هذا تفرقنا جماعات لنستولي على كل ما عسى أن نجده من المواقد والمصابيح ~~والألواح والمناضد الخشبية مما يعيننا على احتمال مشاق سفرنا، وعهد إلى بعضنا خرق ثقوب في ~~أسقف العربات ليخرج منها الدخان، وأخذ بعضنا يعاون الحمالين على وضع أدواتنا في الأماكن ~~المعدة لهذا الغرض. # وأقبلت في المساء أمهاتنا وزوجاتنا وأطفالنا لوداعنا، وشهدت المحطة المناظر المألوفة في ~~مثل هذه الظروف، ولكنها مناظر يذوب منها القلب حسرة، وشغلت «إيرينا» بورم خدي وملابسي غير ~~الصالحة فألهاها ذلك عن البكاء. # وكانت عربات السكك الحديدية السوفيتية تتسع حسب نظم أوقات الحرب إلى أربعة وعشرين راكبا، ~~لكن عرباتنا حملت خمسين راكبا أو أكثر حتى لم نجد فيها متسعا للجلوس بله التمدد في وقت ~~واحد، ولم يكن فيها أسرة للنوم ولا مناضد ولا أجهزة للغسيل ولا قضاء الحاجة، وكنا ننام فيها ~~بالتناوب. # وكان في عربتي موقد صغير يشع حرارة ضئيلة على ما حوله مباشرة، فأخذنا نتبادل الجلوس حوله ~~لندفئ أجسامنا، وكانت العربة خالية من وسائل الإضاءة، وكان بعضنا قد استولى على فانوس من ~~كوخ في بلشيفو، ولكن الشمعة التي كانت موقدة فيه ما لبثت أن انطفأت، ولم تمض إلا بضعة أيام ~~حتى كان نصف عدد رجالنا قد أصيبوا بنزلات البرد الحادة، والاضطرابات المعدية والمعوية، ~~وغيرها من ms640 الأمراض، وظلت حال فكي تزداد سوءا يوما بعد يوم. # وعلى هذه الحال قضينا في سفرنا سبعة عشر يوما اجتزنا منها مرحلة تقطعها قطر الركاب ~~العادية فيما لا يزيد على أربع وعشرين ساعة، وكنا نتحول إلى خطوط جانبية عدة مرات في اليوم ~~لنفسح الطريق لقطر الجنود والعتاد الحربي المسافرة إلى جبهة القتال، أو إلى قطر المدنيين ~~الفخمة الغاصة بالموظفين الذاهبين إلى ملاجئ أمينة على نهر الفلجا أو ما وراءه من ~~الأقاليم. # ولم يكن أحد يعرف مستقرنا إلا كبار الضباط والوزراء، وكنت أنا ممن يعرفون ذلك المستقر، ~~كنت أعرف أننا ذاهبون إلى بلدة منزلنسك الصغيرة في جمهورية التتار، وعاصمة هذه الجمهورية هي ~~مدينة قازان القديمة، وتقع منزلنسك هذه على نهر كاما أحد روافد الفلجا الشرقية. # وكنا نطعم كل يوم مرتين وثلاث مرات في بعض الأحيان في المحطات الكبيرة، ومع أن قطارنا كان ~~يقف فترات طويلة في المحطات الصغيرة وبين المحطات أحيانا فإنا لم يكن يسمح لنا مطلقا بأن ~~نخرج من العربات إلا بإذن صريح من رئيس العربة، وقلما كان يؤذن لنا بالخروج إذا طلبنا هذا ~~الإذن، وقد سبب لنا هذا التعنت الذي لا معنى له بل قل هذا التعنت المهين كثيرا من ~~الآلام، وولد في نفوسنا أشد الحقد؛ ذلك أننا لم نجد قط ما يدعو إلى وضع الضباط المسافرين ~~إلى داخل البلاد تحت هذه الحراسة الشديدة، ومن أجل هذا أخذ غضبنا يزداد كلما طالت ~~الرحلة. # وطلب صديقي الضابط نومدوف أن يؤذن له بالخروج من عربة في إحدى المحطات الصغيرة، فلما ~~رفض طلبه قال في غضب مكبوت: «ليس هذا قطارا يقل ضباطا سوفيت بل هو سجن!» ولم يسمعه ~~قائد العربة، ولكن عددا قليلا من الضباط الآخرين سمعوه ويقيني أن واحدا من الأوغاد الذين ~~معنا - وأظنه أحد الشيوعيين الذين كانوا يطمعون في منصبي وهو منصب الوكيل السياسي - نقل ~~الخبر إلى كبار ولاة الأمور من غير أن يكشف عن شخصية «المجرم» الذي نطق بذلك القول، وما من ~~شك في أن التهمة ألصقت بي بوصفي أحد ms641 منظمي الحزب بدل أن تلصق بنومدوف، ومهما يكن من ~~شيء فقد استدعيت في المحطة التالية إلى المثول أمام الرئيس الكبير «ل...». # وصرخ في وجهي قائلا: «لقد حدثت في عربتك مظاهرة مضادة للثورة، فلم لم تبلغ عنها، وهذا ~~من واجبك بوصفك منظما للحزب؟» # فأجبته: «إني لا أعلم أن مظاهرة ما قد حدثت.» ~~- «إن غيرك يعلمون بحدوثها، وإن عليك أن تبلغ عن العدو الذي قال: إننا نسافر كما يسافر ~~المذنبون.» ~~- «إني لا أعرف القائل، وفضلا عن هذا فلسنا إلا بشرا، وقد يتفوه الإنسان في ساعة غضبه ~~بعبارات دون أن يقصد بها إيذاء أحد.» ~~- «إنك يا كرافتشنكو رجل رقيق القلب أكثر مما يجب، إننا في حرب وكلما عجلت بفهم هذا ~~الموقف كان ذلك خيرا لك، هيا بنا إلى العربة ودعنا نتعرف على هذا الوغد.» # وصار الرفيق «ل...» إلى عربتي وعليه سيماء الرغبة الشديدة في الانتقام، وخطب فيها خطبة ~~غاضبة وطلب أن يبلغ فورا عن «الجاسوس الألماني»، وألقيت نظرة على نومودوف بينا كان الرئيس ~~يغلي من الغضب ويتوعد، فرأيته ممتقع اللون وعضلات وجهه ترتجف، وخشيت أن يعترف على نفسه، ~~وكنت أعرف قصته بطريق الصدفة، فقد كانت له زوجة وطفلان يحبهم حبا يقرب من العبادة، وقد ~~وقعوا أسرى في يد الألمان، وكان يبغض المغيرين أشد البغض، وها هو ذا الآن معرض لخطر الإعدام ~~رميا بالرصاص بتهمة أنه «عدو الشعب»، وأنه «جاسوس ألماني»؛ لأنه جرؤ على انتقاد قاعدة ~~سخيفة، وكان من حسن حظه أن أحدا لم يبح باسمه. # وتكررت هذه الحادثة نفسها في اليوم الثاني، وكانت في هذه المرة أوخم عاقبة منها في المرة ~~السابقة؛ ذلك أن ملازما شابا في عربتنا من الذين عادوا منذ قليل من جبهة القتال ثار ~~غاضبا حين منع من الخروج لقضاء بعض حاجته، ولم يتمالك نفسه من شدة الغيظ فصاح بصوت عال: ~~«هذا ظلم صارخ! لقد كنت في الميدان أؤتمن على قيادة كتيبة لقتال الألمان، أما هنا فإني لا ~~أؤتمن على الخروج لقضاء حاجتي!» # فلما وصلنا إلى المحطة الثانية أقبل علينا ms642 القائم مقام سرجيف - وكان قد بلغ عن هذا ~~«التمرد» - ليعاقب المذنب، وقبض على الضابط وكان شابا نحيل الجسم وسيم الوجه أشقر ~~الشعر، وانتزعت منه شارة رتبته وحزامه، وحكم عليه بأن يقف تحت الحراسة في مكان مكشوف ~~عشرة أيام كاملة، فلما صدر هذا الحكم سرى الغضب في نفوس جميع الضباط الذين كانوا ~~معنا. # وأرغم الضابط على الوقوف في عربة مكشوفة في قطار مسافر في شتاء روسيا القارس من ~~الساعة الخامسة صباحا حتى منتصف الليل، وكان حراسه يتغيرون في كل محطة، وكان إذا عاد إلى ~~عربتنا ليقضي فيها فترة الراحة القصيرة في أثناء الليل بادرنا إلى إظهار عطفنا عليه بتدليك ~~أطرافه المتجمدة، وتقديم الطعام له، ولفه بأثقل ما عندنا من الملابس وأكثرها تدفئة له، ~~وأنذرنا حراسه فضلا عن هذا بأنهم إذا شاءوا أن ينجوا بحياتهم فإن عليهم أن يسمحوا له بأن ~~يدخن ويلتف بالمشمع ليتقي به البرد بين المحطات حين يكون بعيدا عن عين الضابط ~~الكبير. # فلما مضى يومان على هذا المنظر الوحشي، لم أستطع أن أمسك لساني عن الكلام وسرت إلى الرفيق ~~ل. وطلبت إليه أن يتدخل في الأمر. # وقلت له: «إنا جميعا ندرك قيمة النظام الدقيق، ولكن أليس من واجبنا جميعا أن نحكم ~~عقولنا بعض الشيء؟ وسيطلب إلينا في يوم ما أن نقود الجنود في ميدان، وسنكون وقتئذ في حاجة ~~إلى السلطة وإلى احترام النفس، إذن فما معنى هذه الحراسة الشديدة التي يخل إلينا معها أننا ~~نتحين الفرص للفرار من الجندية؟ إن غدا هو اليوم السابع من نوفمبر، وهو عيد الثورة، ولست ~~أشك في أن كل رجل في وحدتنا سيعد العفو عن هذا الضابط الصغير هدية شخصية تقدم له في هذا ~~العيد.» # وبعد هذا الإلحاح الشديد رضي الرفيق «ل...» أن يقابل سرجيف، ثم عاد وأبلغني أن الحكم قد أجل ~~حتى نصل إلى المكان الذي نحن ذاهبون إليه، ثم قال لي: «ولكني أرجوك ألا تزج بي في مثل هذه ~~الشئون بعد الآن، إننا في حرب ولسنا في نزهة.» # وكان الضابط المؤمر ms643 علينا يرى أن من واجبنا لكي نحتفظ بأجسامنا قوية نشيطة أن نمارس ~~ضروبا من الألعاب الرياضية في كل صباح، حين يقف بنا القطار، وكان يفضل أن يكون ذلك قبل ~~شروق الشمس، وأن نعري النصف الأعلى من أجسامنا رغم البرد القطبي الشديد، وإطاعة لهذا الأمر ~~نادانا النفير إلى الرياضة البدنية عند أول محطة، فخرجنا من عرباتنا ونحن نرتجف من شدة ~~البرد ولم نفق بعد من النوم، وحتى المرضى منا لم يعفوا من هذا الواجب، ولم تنقطع هذه ~~الألعاب حتى في الأيام التي كانت تعصف فيها الريح فتحيل البرد وابلا من الإبريدوم في الجو ~~ويضرب أجسامنا، وما من شك في أننا قد ورثنا فكرتنا عن النظام من قياصرة العصور ~~الوسطى. # وحاول من كان معهم نقود منا أن يبتاعوا ما يحتاجونه من الفلاحين الجائلين في المحطات التي ~~كنا نطعم فيها، ولكننا وجدنا مع الأسف الشديد أن أثمان الحاجيات التي كانت من قبل مرتفعة قد ~~بلغت في أشهر الحرب القلائل حدا لا يمكن تصوره، فقد بلغ ثمن الزجاجة من أردأ أنواع الدخان ~~أربعين روبلا، والزجاجة هي المقياس الذي يبيع به الفلاحون الدخان، وبلغ ثمن كوب اللبن خمسة ~~وعشرين روبلا، والفرخة الصغيرة 1200 روبل أو ما يعادل مرتب الضابط منا شهرين كاملين، أما ~~الجندي البسيط الذي يتراوح مرتبه بين ثمانية روبلات واثني عشر روبلا في الشهر فكان عليه أن ~~يعمل تسع سنين حتى يستطيع شراء دجاجة صغيرة بثمن السوق في شهر نوفمبر سنة 1941م. # وسمح لنا أن نلين أرجلنا حين وقف القطار بنا في ملتقى الخطوط الحديدية قبل قازان ليمر ~~صف طويل من عربات الجند الذاهبين إلى ميدان القتال، وذهبت مع بعض رفاقي الضباط إلى غابة ~~قريبة لأرى أشجارها تقطع، فلما وصلناها خيل إلينا أن من يعملون فيها من رجال ونساء - ~~وكانوا في حال يرثى لها - لم يكونوا من الروس؛ ذلك لأن جميع ملابسهم عدا أحذيتهم الروسية ~~المصنوعة من الألياف، كانت تبدو غير روسية في مظهرها، وإن كانت قد تلطخت كلها بالأقذار، ~~وتمزقت كأحسن ما ms644 تتمزق الملابس السوفيتية، وخيل إلينا كذلك أن هؤلاء القوم لم يتعودوا ~~العمل القاسي في زمهرير الشتاء الروسي. # وسألنا في هذا أحد رجال الشرطة المكلفين بحراستهم، فعلمنا منه أنهم في واقع الأمر من غير ~~الروس، وأنهم من أهل لتفيا ولتوانيا وإستونيا وبولندا ومن اليهود، وأنهم نماذج من أعداء ~~«الطبقة العاملة» «وغير المرغوب فيهم» الذين يعدون بالملايين، والذين رحلوا من الأقاليم ~~التي اغتصبها الاتحاد السوفيتي تحت ستار ميثاق موسكو-برلين ليقوموا بأشق الأعمال، وعدنا إلى ~~القطار صامتين واجمين، فقد كان كل ما يذكرنا بهذه الصفقة النازية يحز في نفوسنا ويجرح العزة ~~الروسية القومية. # وكانت طائفة من الأطفال المشردين قد تجمعت في غيبتنا حول عرباتنا، وقد جاء هؤلاء الأطفال ~~القذرون ذوو الثياب المهلهلة، والأجسام المتجمدة من شدة البرد، والأعين الغائرة الذابلة قبل ~~الأوان في وجوه صغيرة كالحة، جاءوا ليطلبوا الخبز وهم ينشدون نشيدهم المحزن، وقد بدا هؤلاء ~~أسلس قيادا وأكثر حزنا وأقل سلفا من الأجيال السالفة من المشردين، ولعل منشأ هذا أنهم ~~حديثو العهد بهذه الحياة التي لم تتأصل بعد في طباعهم. # وتجمعت طائفة أخرى من يتامى الحرب المساكين حول جذوة نار من قاطرة واقفة، وكانوا هؤلاء ~~يغنون غنية الأطفال المشردين التي ألفنا سماعها في أيام الحرب الأهلية منذ عشرين عاما، ~~والتي أخذ يعيدها على أسماعنا أولئك الأطفال الذين يتمتهم الحرب. # آه، سأموت، سأموت، # وسأدفن، # ولن يعرف أحد # مكان قبري. # وأعطينا هؤلاء البائسين ما استطعنا أن نستغني عنه، ولم يكن هذا بالشيء ~~الكثير، وكان من حسن الحظ أن كان لدينا الشيء الكثير من الخبر، ولم يكن أحد من الروس يقسو ~~على هذه الطوائف الأفاقة المشردة وإن ألجأها الجوع إلى التلصص والإثم؛ لأنها لا تجد سبيلا ~~للارتزاق غير هذه السبيل الضالة، وقد كان وجود هؤلاء الأطفال الضالين دليلا حيا ينطق ~~بقسوة الكبار من بني الإنسان. # وكانت آخر المرحلة الأولى من سفرنا محطة تدعى أجريز وصلناها في اليوم السابع عشر من ~~هذا السفر، وقضينا الليلة في حجرات قذرة غير مدفأة في مدرسة مهجورة، وأمرنا في الصباح ms645 أن ~~نبلغ عن أنفسنا في منزلنسك قبل مضي ستة أيام، ولكن كيف السبيل إلى الوصول إلى هذا البلد؟ ~~لقد ترك لنا نحن تدبير هذا الأمر، وكل ما أمرنا به أن نصل إليه سيرا على الأقدام ~~بعد ستة أيام، وقيل لنا: إننا إذا واتانا الحظ قد يعيننا بعض الفلاحين الخيرين فيقدمون ~~إلينا دواب نقطع عليها بعض الطريق، فتفرقنا جماعات يشرف على كل جماعة منا رئيس. # أما كبار القواد فقد سبقونا في سياراتهم، وما من شك في أنهم لم يروا شيئا من التناقض ~~يبين التضييق علينا في القطار فيما مضى من الأيام وبين تركنا وشأننا في بلاد التتار القارسة ~~البرد المكسوة بالثلوج. # وسار اثنا عشر رجلا منا وأسرعوا في مشيهم ليدفئ المشي أجسامهم، وكنا نحمل حاجتنا من ~~العتاد والطعام الذي يكفينا ستة أيام، وكان هذا عبثا يزداد ثقله يوما بعد يوم، وكان في ~~قدمي حذاءان من الخيش لهما نعلان من المطاط لا يصلحان للسير على الثلج والجليد، فلم ألبث ~~إلا قليلا حتى كانت كل خطوة أخطوها تزيد آلام أسناني، ثم أخذ بعضهم يغني أغنية شعبية حزينة ~~روسية في نغمتها خففت قليلا من تعبي وآلامي. # وأبصرنا في سيرنا حقولا واسعة من القمح لم تحصد بعد، وأكداسا عظيمة من القمح المحصود ~~يغطيها الثلج، فكان ذلك مثارا لدهشتنا حتى أخبرنا فلاح بحقيقة الأمر فقال: إن جميع الرجال ~~الصالحين للعمل قد جندوا للخدمة في الجيش، وإن جميع الخيول قد سيقت إلى جبهة القتال فلم ~~يبق «سوى النساء والأطفال والأبقار»، ومن أجل ذلك ظلت كميات كبيرة من المحصول لا تجد من ~~يحصدها أو ينقلها من أماكنها. # وأدركتنا بعد وقت ما مزلجتان من مزالج الفلاحين لم تتسعا لأكثر من عشرة منا، وأصررت أنا ~~على السير راجلا بوصفي من رجال الحزب العاملين، وتطوع بمصاحبتي دمتريني وهو رجل في بداية ~~العقد الرابع من عمره صادقته في بلشيفو، وقضينا على هذه الحال يوما أغبر مقبضا نسير فوق ~~أرض تتباين مناظرها ولكنها كلها يكسوها الثلج، ولا يخفف من وحشتها وعزلتنا إلا نفخة ms646 من دخان ~~بعيد، أو نباح كلب تحمله الريح من عالم الأحياء. # وأخذنا ونحن نسير سيرا وئيدا في أواخر النهار نتحدث عن الحرب وأهوالها، وكنت قد بدا لي ~~وأنا في بلشيفو أن دمتري كان ساخطا على سياسة الحكومة بقدر ما أنا ساخط عليها. # وكان مما قاله لي: «إني أقول لنفسي كل يوم يا فكتور أندريفتش بأني أخوض غمار هذه الحرب من ~~أجل الشعب الروسي الصالح الساذج، الطيب القلب البريء، لا من أجل ستالين، وأقسم لك أنه لولا ~~هذا لضقت ذرعا بالحرب، وما من شك في أن سادة الكرملن يعلمون ذلك حق العلم، وإلا كانوا أشد ~~الناس غباوة، فهل يعتقد هؤلاء بحق أن أبناءنا مستعدون للموت دفاعا عن ستالين وبريا وغيرهم ~~من وحوش القسم السياسي؟» # فأجبته: «ليس هذا أوان الشكوى والضجر، إن الحزب والقسم السياسي ووطننا قد امتزجت كلها ~~بعضها ببعض سواء أردنا ذلك أو لم نرد، وليس ثمة وسيلة لفصل أحد هذه العناصر عن الآخر حتى ~~يطرد النازيون من البلاد، هل قرأت يا دمتري كتاب تولستوى عن «الحرب والسلم»؟» ~~- «نعم، قرأته بطبيعة الحال.» ~~- «وهل تظن أن رقيق الأرض في بلادنا الذين واجهوا مدافع نابليون كان لديهم من الأسباب ما ~~يحملهم على حب أبيهم الصغير # 1 # في بطرسبرج؟ ولكنهم مع ذلك حاربوا وماتوا وانتصروا، ولسنا نحن في هذه الأيام ~~مضطرين إلى أن نحب أبانا الصغير في الكرملن لكي نحارب ونموت وننتصر.» ~~- «ولكن ستالين لا يبالي قط بحياة الروس.» ~~- «نعم، إنه لا يبالي بحياتهم، ولو أن التاريخ قد عزا انتصار الروس مرة أخرى إلى ستالين ~~لكان هذا من سخرياته.» # ووصلنا في المساء إلى قرية من القرى الساكنة المزدحمة، ونحن منهوكو القوى من فرط التعب، ~~فطرقنا باب أول بيت في الطريق، وفتحه فلاح ملتح، وبدا الرجل في حال من البؤس الشديد، ولكنه ~~خشي على ما يظهر أن نتهمه بالبخل، فقال إن أطفاله مرضى، ودلنا على كوخ قائم إلى جانب ~~الطريق، وأكد لنا أن من فيه سيرحبون بنا، وأننا سنستمتع فيه بالراحة ونجد حاجتنا من ms647 الطعام ~~الطيب. # ولم يكن الرجل مبالغا فيما قال، فقد كان البيت المكون من حجرتين دفيئا مريحا، تغطي ~~نوافذه ستر ملونة، وعلى أعتابها أصص من الأزهار، واستقبلنا فلاح نحيل الجسم نظيف الثياب ~~وزوجته شمطاء الشعر أحسن استقبال كأنهما كانا ينتظران قدومنا من زمن طويل، وكانت بقية ~~الأسرة مكونة من ابن لهما لعله في الثانية والعشرين من عمره، وابن آخر في الخامسة عشرة ~~تقريبا، وابنة حيية في العاشرة ذات غدائر طويلة، وأسرعت الأسرة كلها لتعنى بالضيفين، ولما ~~خلع أكبر الولدين سترته رأينا أن إحدى ذراعيه مقطوعة. # وقال الأب وهو يتحسر: «لقد قطعت ذراع فانيا بالقرب من كيف.» # وأعاننا الولد الثاني وأخته على خلع حذاءينا المثقلين بالجليد، وأخذ الرجل وزوجته يدفئان ~~الماء، ثم أتيا لنا بحوض كبير من خشب، واغتسلنا لأول مرة منذ ثلاثة أسابيع، وبينا كان كلانا ~~يغسل جسم صاحبه بالصابون اطلعنا من الباب المفتوح بعضه فأبصرنا المرأة تغير غطاء المائدة ~~وتعد لنا ملابس ابنها النظيفة، ثم أخذت البنت الصغيرة تضع طعام العشاء على المائدة. # وهمس دمتري في أذني قائلا: «هذا ما أعنيه بقولي، وهؤلاء هم القوم الذين أرضي أن أموت ~~وأنا أحارب الألمان دفاعا عنهم.» # وكان مذاق حساء الكرنب وإن خلا من اللحم كأنه الرحيق بعد سيرنا الطويل، وخيل إلي أن فطير ~~الذرة مع العسل أشهى ما طعمت في حياتي، أما الخبز فقد قطع قطعا صغيرة رقيقة، وهذا التقطيع ~~عند الفلاحين دليل على الحاجة الشديدة، وأخرجت أنا ودمتري مما معنا رغيفا أسمر وسمكة مجففة ~~وشايا وسكرا، وقابلت الزوجة عملنا هذا بأن أحضرت خيارا وفلفلا، ولم يشأ زوجها أن يكون ~~أقل منها كرما فجاء بزجاجة صغيرة من الفدكا لندفئ بها جسمنا، وكانت هذه وليمة لم ننسها ~~أمدا طويلا. # ورفعت مضيفتنا كأسها وقالت: «اشرب هذا وأرجو أن يرسل على هتلر الطاعون لا قدر ~~الله.» # وسألتها: «ولم تقولين لا قدر الله يا أماه؟» ~~- «إني أقول هذا بحكم العادة.» # وقال الرجل الكبير: «لا يا أماه، إن هذا الكلب لا ينال جزاءه الحق إذا مات بالطاعون، ms648 إني ~~أريد أن أمسك به حيا، وأضعه في قفص، وأعرضه على العالم كله، وأدعو الناس أن ينظروا إلى ~~هذا اللعين.» ثم قرب كرسيه من المائدة وأخذ يخاطب ضيفيه قائلا: «إن الذي يهمني هو هذا: ~~ماذا تظنون أننا نحارب في سبيله أيها الضباط الطيبون؟» # فأجابه دمتري بقوله: «من أجل بلادنا، من أجل روسيا بطبيعة الحال.» ~~- «من أجل بلادنا الروسيا بطبيعة الحال ... إذن سأرسل ولدي المقطوع الذراع إلى الميدان مرة ~~أخرى، وسأذهب أنا نفسي لأدافع عن الروسيا، ولكن أي روسيا؟ أهي الروسيا التي سلبتنا أرضنا ~~وجوعت أطفالنا، أم هي روسيا جديدة؟» # فقلت له لأشجعه على أن يزيدني من حديثه: «إني لا أفهم ما تقول يا والدي.» ~~- «أي شيء تريد أن تفهمه؟ لقد كنت أنا نفسي في الميدان في الحرب العالمية الأولى مع ~~الألمان، وحاربت وجرحت، وأكلني القمل حيا، ثم قامت الثورة، وقالوا: إنها الحرية، ~~وقالوا: إن الأرض للفلاحين، ورفع كل إنسان عقيرته وقال: إننا سنكون ملاك الأرض لأن بأيدينا ~~بنادق، ومرت بعدئذ اثنتان وعشرون سنة ولم نجد حرية ولا أرضا وكل الذي وجدناه حرب جديدة، ~~وها هم أولاء يتملقوننا من جديد ويتحدثون إلينا بألفاظ معسولة.» # فقاطعه فانيا قائلا: «لكنها الآن قوتنا لا قوة القيصرية.» # فنظر إليه والده نظرة أسكتته، ولم نجد نحن صعوبة في أن نعرف من هو المسيطر على ~~البيت. ~~- «لا تقاطعني بألفاظك الجوفاء يا فانيا، لقد أمسكت لساني سنين طوالا، أتقول: إنها ~~قوتنا؟ إذن من هم الذين أخذوا الخبز من أيدينا بمختلف الأساليب وبالنهب الصريح؟ قوتنا! ومن ~~هم الذين قضوا على أسرة من كل خمس أسر في قريتنا ونفوها إلى سيبيريا في أثناء حركة المزارع ~~الجماعية؟ إن كل ما أريد أن أعرفه هو هذا: أنحن آدميون أم غير آدميين؟ أريد أن أعيش كما أحب ~~لا كما يأمرونني أن أعيش.» ~~- «هذا صحيح يا والدي، وأنت محق في شكواك، ولكن كيف كنت تعيش قبل الثورة؟» # فالتفت إلي مسرعا وقال: «خير من هذه المعيشة ألف مرة، إن الحقائق لا تخفى على إنسان، ~~لقد ms649 كان لي قطعة من الأرض وكنت أملك جوادا طيبا، ومهرة وبقرة وعجلا وخنزيرا وإوزا، ~~وكنت أربي النحل، ولا تنس أننا كنا من فقراء الفلاحين، ولكنا كنا نجد على الدوام ما نأكل ~~وما نلبس، ومن أجل هذا أسألك في سبيل أي روسيا بترت ذراع فانيا؟ وفي سبيل أي روسيا ~~تذهبان أيها الرجلان الوسيمان الذكيان لتقتلا الناس وتقتلا لا قدر الله؟ إذا كان ذلك في ~~سبيل روسيا نفسها التي نشاهدها في هذه السنين الأخيرة فذلك ما لا خير فيه، إني رجل طاعن في ~~السن كثير الكلام، ولكن من الخير أن يروح الإنسان عن نفسه بأن ينطق بالحق أحيانا.» # وقال الولد المبتور الذراع الذي كان ينصت إلى والده: «إنك يا أبت تتحدث عن الماضي كأنك ~~تريد أن يعود كبار الملاك ليستغلونا نحن الفلاحين كما كانوا يستغلوننا من قبل.» ~~- «لا، ليس هذا ما أريد يا فانيا، إنك من لجان الشباب الشيوعيين، ولا علم لك بالحياة ~~الماضية، وأنا لا أريد أن يعود كبار الملاك، ولكنني لا أريد أيضا أن أسعى لأدنى معيشة ~~بالعمل في المزارع الجماعية، ولم يكون لنا سادة جدد يرهقوننا ويستبدون بنا؟ فلتبق المزارع ~~الجماعية التي تحسن العمل وتستطيع البقاء، ولكن يجب ألا يرغم الناس على الانضمام إليها، ~~فليس من حق أحد أن يرغمهم على هذا.» # وطال بنا الحديث وقال مضيفنا أكثر من مرة أن كل ما يطمع فيه هو أن «يعيش كما يعيش ~~الآدميون»، وإنه لم يعد يطيق الحياة في ظل الكبت والقسر، وكانت ربة الدار قد ظلت صامتة شأن ~~الزوجات الصالحات، فلما وصل بنا الحديث إلى هذه المرحلة لم تستطع السكوت فقالت: «ولم ~~أخذت منا الكنائس قوة واقتدارا وحولت إلى مخازن؟» # فأجابها دمتري بقوله: «لست أعرف يا أماه، ولكني أعتقد أن هذا لن يحدث بعد الآن.» ~~- «لو أنني كنت واثقة من هذا لدعوت إلى ستالين ست مرات في كل يوم، ثم قل لي لم يريد أن ~~يدخل كل إنسان في دينه؟» # وضحكنا كلنا من هذا القول وبخاصة ابنها الأكبر. # وقال الأب ms650 محتدا: «اسكت يا فانيا، إن حكمة أمك أعظم من حكمتك، ولو أنها لم تدع لك كل ~~يوم لما فقدت ذراعك بل لفقدت رأسك، وأظنك تقول: إن الشباب الشيوعي كان يدعو لك.» # فأجابه دمتري قائلا: «ولكن ما مضى فات يا والدي، وليس في مقدورنا أن نرجع الأيام ~~الماضية.» ~~- «لست أريد أن أرجع الماضي اللعين يا أبنائي، ولست في حاجة إلى القيصر، ولكني مع ذلك لا ~~أريد قياصرة جددا، بل أرغب في أن أعيش إنسانا حرا أعمل في أرضي وأعبد ربي، إن إلهكم ~~السوفيتي بعيد عني بين جدران الكرملن من وراء أقفال كثيرة وحراس.» # ونمنا نوما عميقا هادئا في تلك الليلة كأننا ننام في بيوتنا وفوق فراشنا، وإن كنت قد ~~حلمت أنني عدت إلى ألكسندروفسك، وأنني أسبح في نهر الدنيبر وأستمع إلى جدي وهو يقص علي ~~قصصا عن الأتراك والأكراد، وعد لنا في الصباح فطور ساخن، وعرفنا أن المرأة العجوز ظلت طوال ~~الليل مستيقظة تغسل ملابسنا وتنظفها وتصلحها، لقد غسلت قمصاننا ومناديلنا وكوتها ورقعت ~~جواربي، وأثرت في هذه العناية حتى كدت أبكي من فرط التأثر، فعانقت المرأة وربت على شعرها ~~الأشمط وقبلت خديها. # وقلت لها: «شكرا لك يا أماه، أمد الله في عمرك ومتعك بالسعادة.» # ولم يكن دمتري أقل مني اعترافا بجميلها، ونزل مضيفنا من فوق الفرن وصاح وهو يتكلف الغضب: ~~«ويحكم لا تطلقوا العنان لعواطفكم مع زوجتي العجوز.» # وحاولنا جهدنا أن نعطي مضيفينا بعض المال ولكنهما رفضا ذلك بتاتا، وكل الذي رضيا أن ~~يأخذاه هو قطعة من الصابون وبكرة من الخيط، وخرجت الأسرة كلها لتودعنا وأحسسنا وقتئذ كأننا ~~نفارق أهلنا. # وقال دمتري وقد ثارت عواطفه وهو يقبل أصدقاءنا واحدا بعد واحد: «لن آسف إذا مت في ~~ميدان القتال دفاعا عن أمثالكم، إنكم قطعة مما أسميه روسيا، وأنتم قطعة صالحة، جد ~~صالحة.» # واتخذنا أماكننا في مزلجة أعدها فانيا ورحلنا في الصباح الباكر، وظلت المرأة العجوز ترسم ~~علامة الصليب في اتجاهنا بيمناها وتمسح الدموع في عينها بيسراها، حتى وصلنا إلى منحنى في ~~الطريق ms651 وغابت عن أنظارنا، فلما صرنا على بعد عشرة كيلو مترات من المدينة أقنعنا فانيا بأن ~~يعود، وأعطيناه شارة مهندسي الجيش المكونة من المفتاح والمطرقة، وكانت عيناه لا تنفكان ~~تنظران إليها مذ حللنا بداره وطلبنا إليه أن ينوب عنا في شكر أسرته. # وصلنا في مساء اليوم الثالث إلى بلدة كرزني بور الصغيرة القائمة على نهر كاما، وقالت لنا ~~الأسرة التي حللنا بدارها في تلك الليلة - وكانت أسرة من الصيادين - إن هذه البلدة كانت ~~تسمى قبل الثورة «بياني بور» أي «الغابة السكرى»، أما الآن فهي «كرزني بور» أي «الغابة ~~الحمراء»، ولكن سواء أكانت سكرى أم حمراء فإن الحياة فيها ليست خيرا مما كانت، واستطاع ~~دمتري أن يتحمل مشاق السفر، أما أنا فقد ساءت حالي كثيرا إذ تجمدت أصابع قدمي من شدة البرد ~~وامتلأت قدماي بالفقاقيع، ولم أعد أطيق آلام جسمي وبرح بي ألم أسناني. # ولم يطرق النوم عيني في تلك الليلة، فلما طلع النهار سرت وسط عاصفة ثلجية إلى صيدلية ~~المركز على بعد ثلاثة أميال من كرزني بور. # وتكشفت تلك الصيدلية - رغم اسمها الطنان الرنان - عن طائفة من البيوت الخشبية الحقيرة ~~تشرف عليها طبيبة كهلة من أهل موسكو، وأظنها قد جاءت منفية إلى هذا الإقليم، وسرها لهذا ~~السبب أن ترى إنسانا قادما من العاصمة، وكانت تتلهف على سماع أخبارها، وساءها في الوقت ~~نفسه أنها عاجزة عن أن تفعل لي شيئا يخفف عني ألم أسناني. # وقالت بعد أن فحصت عن أسناني فحصا دقيقا: «إنك تشكو التهابا في عظام الفك، وقد انتقل ~~المرض من السن إلى عظم الفك كله، وعليك أن تذهب إلى منزلنسك بأسرع ما تستطيع، وتتصل ~~بالمستشفى لتعالج فيه، إذ ليس في مقدوري أن أفعل لك هنا شيئا.» # وقلت لها: «ولكن في وسعك أن تخلعي لي السن المريضة.» ~~- «لا، ليس عندي مخدر، والحقن التي وجدتها في هذا المكان قد مضى عليها عشر سنوات على ~~الأقل، ولست أشك في أنها عديمة النفع، وفوق هذا فليست لدي إبر أضعها في المحقن.» # ولكني رغم هذا ms652 ظللت ألح عليها حتى رضيت بأن تخلع سني، وقد فعلت هذا بأن شقت اللحم ~~الملتهب ، وخلعتها بكلابة قديمة رديئة، وظللت خمس عشرة دقيقة في آلام مبرحة لا أجد من ~~الألفاظ ما أستطيع وصفها بها، ثم استلقيت على الفراش نحو ساعة تناولت في أثنائها جرعة من ~~النبيذ ردت إلي بعض قواي، فعدت ماشيا إلى كرزني بور، وأحسست بعد أن خلع الضرس الذي كان ~~يؤلمني أن الضغط الواقع على أعصابي قد خف قليلا، وأشار علي دمتري أن أستريح في ذلك اليوم ~~في بيت الصيادين ففعلت، وفي اليوم التالي وهو اليوم الخامس مذ غادرنا القطار عبرنا نهر كاما ~~المتجمد، والتقينا بعدة مجموعات أخرى من ضباط وحدتنا، ووصلنا في اليوم السادس إلى ~~منزلنسك. # وكانت هذه البلدة نموذجا للطراز التتاري، ذات أزقة ضيقة ملتوية تفوح منها الروائح التي ~~تمتاز بها المدن الشرقية، وأوينا إلى مدرسة قديمة لا ماء فيها ولا نور، وصودرت عدة مواقد ~~حديدية من أهل البلدة، ولكنها لم تفد كثيرا في تخفيف حدة البرد، وكانت أقدامنا جميعا ~~متجمدة من البرد مجلة من طول المشي، ينزف منها الدم أحيانا، وقد أعياني المشي والألم فلم ~~أستطع حراكا، وأمكن دمتري أن يحصل لي على حشية ومخدة من القش، فلما استلقيت عليهما خيل ~~إلي من فرط الألم أن جسمي قد ثقل حتى أصبح كالجبل، وسمعت وأنا أحس بهذه الآلام المبرحة ~~من كان حولي من الناس يسبون ما يقدم لهم من الطعام والمأوى وما صارت إليه حالهم بوجه عام، ~~واستولى عليهم الغم والكآبة حين شعروا بما ستئول إليه حالهم في منزلنسك، وكان الضباط الكبار ~~في هذه المرة أحكم من أن يعتقلوا الساخطين، وظلوا بعيدين عن المعركة. # وبقيت يومين كاملين في فراشي أتلوى من شدة الألم، ثم نقلت في اليوم الثالث إلى مستشفى ~~منزلنسك الحربي، وقد أصابتني حمى شديدة، ثم خفت حدة الألم، واستطعت أن أدرك ما حولي فرأيت ~~طبيبة وسيمة الوجه رقيقة القلب تقيس درجة حرارتي. # وتبسمت لي وقالت بلهجة الواثقة: «ستشفى يا رفيق كرافنشنكو، ولا بد لك ms653 من العودة إلى موسكو ~~لتعالج فيها حين تقوى على تحمل متاعب السفر، وإلى أن تستطيع ذلك سنبذل نحن كل ما في وسعنا ~~في سبيل راحتك.» # وعادت إلي قواي ببطء، وكان دمتري ونومدوف وغيرهما من رفاقي يأتون لي بالطعام الشهي؛ ذلك ~~بأن المستشفى نفسه لم يكن يقدم للمرضى إلا قطعا من الخبز الأسود اللزج، والشاي من غير سكر، ~~والحساء والذرة المطبوخة مرتين في كل يوم، وكنا نفترش حشيات من القش، ونغطى بأغطية من أغطية ~~الجيش الخشنة، ولكن يوجينيا فلاديميرفنا طبيبة القسم الذي كنت فيه كانت تعوض بعطفها وذكائها ~~ما نرزح تحته من أعباء، وكان الذين يشغلون الرواق الذي أنا فيه خليطا عجيبا من مختلف ~~الطبقات، كان منا جندي قروي طاعن في السن، وضابط سياسي برتبة أميرالاي، وعدد من الجنود ~~العاديين، وكنا نقتل الوقت نناقش كل ما يمكن تصوره من الموضوعات، ولم يكن منا من يختلف عن ~~زملائه حبا للطبيبة وإخلاصا لها. # وكنا كلنا في أحط درجات اليأس، فقد كان هذا في شهر ديسمبر حين كان مصير موسكو في كفة ~~القدر، ولم يكن في المستشفى جرائد ولا مذياع، ولكني أنا والضابط الكبير كنا نعرف الأخبار ~~ممن يزورنا من الأصدقاء، حتى صار رواقنا وكأنه مركز الاستعلامات في المستشفى بأكمله. # وبعد أن مضت علي بضعة أسابيع في المستشفى جاء خادم إلى رواقنا قبيل منتصف الليل يحمل ~~مصباحا، ثم أقبلت الطبيبة بعد بضع دقائق من مجيئه في ملابس مدنية وتبدو عليها مظاهر ~~الرشاقة، وقد عقصت شعرها عاليا فوق رأسها على أحدث طراز، مع أنها فيما مضى كانت تعقصه وراء ~~عنقها، واتكأ المرضى على مرافقهم وحدقوا جميعا في وجهها وهم مندهشون، ولم يكن ملبسها ~~وحده هو سبب دهشتنا، بل إنني شممت رائحة ذكية تنتشر حولها وهي تضع أمامنا أطباق اللحم ~~والفاكهة المحفوظة. # وخاطبتنا قائلة: «كل عام وأنتم بخير، كل عام وأنتم بخير.» ولما رأت الدهشة بادية في ~~وجوهنا، قالت وهي مرتبكة بعض الشيء: «لقد بدا لي أنكم قد تحبون أن تروا في أحد أيامكم امرأة ~~تزين ms654 كما يزين النساء، وأقصد أنه لما كانت هذه الليلة هي ليلة رأس السنة ... فقد يذكركم مظهري ~~هذا ببيوتكم وأهليكم.» # وقال الضابط الكبير في صوت خافت وتأثر شديد: «وما أحسنها وأعجبها من هدية تهدى إلينا في ~~عيد رأس السنة!» # وقال الجندي القروي الشيخ: «إن امرأتي التي تركتها في القرية لم تزين في يوم من الأيام ~~بهذه الزينة، ولكني أشكرك كل الشكر يا يوجينيا فلاديمرفنا، وكل عام وأنت بخير.» # وحيتنا الطبيبة واحدا بعد واحد ووزعت الطعام على كل قادر على أكله، ثم انتقلت إلى ~~الرواق الثاني، وستبقى في ذاكرتي أبد الدهر صورة تلك المرأة الروسية تتنقل في الليلة الأولى ~~من عام 1942م بين الأروقة المختلفة في مستشفى حقير في بلاد التتار قليل العدد والموظفين، ~~وتقدم الهدايا لمن فيه من المرضى الذين يحنون إلى أوطانهم. # وقبل أن ينتهي شهر يناير قررت لجنة من إدارة المستشفيات العسكرية أن أعود إلى موسكو ~~لأتم فيها علاجي، فلما جئت العاصمة لم أنزل في مستشفى من مستشفياتها، بل اكتفيت بالتردد ~~في كل يوم على إحدى العيادات الخارجية، وظللت طوال مدة العلاج أتناول وجبتين من الطعام في ~~البيت المركزي لضباط الجيش الأحمر، وأخذت صحتي تتحسن بسرعة بفضل عناية إيرينا وعطفها علي، ~~فالتأم جرح فكي، وشفي جسمي، وانقطعت عن العيادة الخارجية بعد أن أوصيت بأن أستريح فترة ~~من الوقت أستعيد فيها قوتي، وتوجهت إلى اللجنة المختصة لأتلقى منها أوامرها ففحصتني فحصا ~~لم يدم أكثر من دقيقتين، وقررت أني صالح للخدمة، وكتبت على أوراقي أنه يجب إرسالي إلى ~~جبهة القتال. # وودعت إيرينا وأنا أتوقع ألا أراها - إذا قدر لي أن أراها - إلا بعد زمن طويل، فلما ~~ذهبت إلى وزارة الحربية قيل لي: إن قرارا جديدا صدر مضمونه أن الذين تلقوا تعليما فنيا ~~عاليا سيعفون من الخدمة العسكرية لشدة الحاجة إليهم في داخل البلاد، وكان هذا قرارا ~~معقولا لا غبار عليه، ولكني حسبت أني قد حرمت فرصة المخاطرة بحياتي؛ دفاعا عن يوجينيا ~~فلاديمرفنا وعن الفلاحين والصيادين والعمال وزملائي المهندسين الذين اجتمعت بهم ms655 في الأشهر ~~الأخيرة، لقد كنت أشعر بحق أن هؤلاء بنو وطني، وأن بلادهم بلادي، وكان شعوري هذا شعورا لا ~~ترقى إليه السياسة ولا يصل إليه الإنسان بإعمال الفكر. # وكان هذا الشتاء أسوأ شتاء مر على موسكو مذ أطل نابليون على خرباتها المحترقة قبل ذلك ~~الوقت بمائة وثلاثين عاما، وعجز الأعداء المغيرون عن الاستيلاء على المدينة، وتلقفتهم سهوب ~~الروسيا المتجمدة، فأنهكت قواهم وحصدت أرواحهم، وكانت حالهم في تلك البلاد أسوأ منها في كل ~~بلد استولوا عليه، لقد كان في وسعهم أن يجدوا في بلاد البلقان الفقيرة المتأخرة ما يقوم ~~بأودهم إلى حد ما، أما في أراضي الروسيا المقفرة فإن المغيرين لم يجدوا شيئا ينتهبونه، على ~~أن ما أصاب الغزاة المحاصرين من بؤس لم يخفف من آلام المحاصرين. # وكانت المدينة المطفأة الأنوار التي عدت إليها وقتئذ جائعة يلفها الصقيع وتنتشر فيها ~~آثار قنابل العدو، وخيل إلينا أنها فقدت روحها المعنوية، وعجزت حتى عن اليأس، يتكدس ~~أهلها في النفق والسراديب والأقبية وملاجئ الغارات الرديئة التهوية والتي ارتجلت ~~ارتجالا، ويظلون على هذه الحال حتى تطلق الصفارات المؤذنة بانتهاء الغارات، ثم يذهبون ~~متثاقلين من بيوتهم الباردة ليعملوا ساعات طوالا في المصانع والمكاتب التي لا تقل زمهريرا ~~عن بيوتهم، وأخلي عدد كبير من مصانع المدينة، وفرض على ما بقي منها أن تواصل العمل ~~بالليل والنهار بأقصى طاقتها، وقامت صعاب شديدة في سبيل الحصول على المادة الغفل للأعمال ~~الصناعية المعتادة، بعد أن خسرت البلاد أغنى الأقاليم الصناعية في أوكرانيا وروسيا الغربية، ~~وبسبب الضغط الشديد على وسائل النقل، على أن العاصمة رغم هذا كله قد استحالت دار صناعة ضخمة ~~تعمل بجد للوفاء بحاجات جبهة القتال. # وكانت الكميات المقررة من الطعام دون الكفاف، ومع هذا فإن الحوانيت لم يكن فيها ما يفي ~~بهذا القدر الضئيل، وكان الجوع والبرد يهددان الأهلين أكثر مما تهددهم الجيوش الألمانية، ~~ومع أن الحرب لم يمض عليها إلا ثمانية أشهر أو تسعة فقد كان سكان المدينة، وهي عاصمة دولة ~~عظيمة، يطعمون خبزا مخلوطا بدقيق البطاطس، ms656 ويأكلون لحم كلابهم وقططهم وما يستطيعون ~~اصطياده من البقر، ألا ما أعظم استعداد ولاة الأمور للحرب ! # وحدث في هذا الوقت مثل ما حدث في أسوأ أيام الثورة، فقد حطم أهل المدينة أثاث بيوتهم، ~~وخلعوا أسوارها الخشبية في سعيهم اليائس للحصول على ما يدفئ أجسامهم، وأخذت نسبة الوفيات في ~~المدينة تزداد زيادة مطردة، وتضاعف عدد الموتى بمن قضت بإعدامهم المحاكم العسكرية ورجال ~~القسم السياسي من الخونة وناشري الذعر في البلاد الحقيقيين منهم والخياليين. # وهزل جسم «إيرينا»، وكانت تقتسم جرايتها مع من كانوا أقل منها حظا من جيرانها؛ لأنها ~~كانت تتناول كل يوم وجبة في المكتب الذي تعمل فيه، وكانت الشقة التي تسكنها خالية من وسائل ~~التدفئة، وكنا حتى في داخل البيوت نلبس معاطف ثقيلة ولفافات من الصوف وقفازات، ولم نكن نجد ~~في معظم الوقت ضوءا كهربائيا، وكثيرا ما انقطعت عنا المياه، وتجمدت في أنابيب ~~المراحيض. # وكانت الحياة شاقة كثيرة العناء، وموسكو تكفر في تلك الأيام عما قام فيها من حكم ~~بيروقراطي مضطرب وظلم سياسي دام مائة عام كاملة. # وكان نصف العمال في مصنع الأنابيب قد أجلوا عنه، أما النصف الآخر فكان يعمل ليلا ونهارا ~~في صنع الألغام والقنابل، وزيد موظفوه زيادة كبيرة، لكن منتوروف ويجوروف لم يوافقا على ~~عودتي لهذا المصنع، ورفعت الأمر إلى لجنة الحزب الإقليمية فتدخلت في الأمر، وعينت بفضل ~~تدخلها كبيرا لمهندسي برمترست وهي مواثقة تشرف على تسعة مصانع مختلفة يعمل معظمها في صنع ~~الذخائر الحربية. # وسرني هذا التعيين كل السرور وإن لم يكن هذا العمل في ذاته مما أرغب فيه كثيرا، وكان سبب ~~هذا السرور أنه يشعرني بأني أشترك عن قرب في أعمال القتال، ولم يكن يقل أهمية عن هذا ~~التعيين أني حصلت بوصفي عاملا مسئولا على ميزة تناول الطعام في المطعم المخصص لأعضاء لجنة ~~الحزب المركزية، وكانت بعض المصانع التي أشرف عليها تقوم بصنع القنابل اليدوية والألغام ~~وغيرها من أصناف الذخائر الحربية، وتخصص عددا منها لإصلاح الأجهزة الهندسية، وكنت على ~~الدوام أتلقى أوامر عسكرية بمضاعفة الجهود، ms657 فكنت أواصل العمل بجد أنا ومن كان معي من ~~الموظفين، والحق أني شعرت بأني كنت أعمل وراء «خط النار»، وحاولت أن أشعر بهذا كل من ~~حولي. # وكان العمال الذين أشرف عليهم جياعا مهزولين يفت في عضدهم علمهم بأن أسرهم تلاقي العذاب ~~ألوانا، ولكنهم رغم علمهم هذا كانوا يعملون صامتين مخلصين من عشر ساعات إلى ست عشرة ساعة ~~في الأسبوع، وكثيرا ما كانوا يقضون أياما كثيرا في المصنع لا يبرحونه أبدا، ولا ينامون ~~إلا غرارا في حجرات المصنع نفسه، وذلك إذا ما وصلتنا أوامر عاجلة، ولقد أدهشني بحق جلد ~~هؤلاء الرجال السذج والنساء والأطفال، فقد كان من كل مكان بنون وبنات بين الثانية عشرة ~~والخامسة عشرة من العمر يقومون بعمل الكبار، وأنا أراقبهم يعملون في أحد الحوانيت حين يكون ~~الحانوت المجاور له قد استحال جحيما متقدا بفعل قنبلة محرقة ألقيت عليه، وأنا أعرف ~~الآن أن هؤلاء السذج هم الأبطال الحقيقيون والقوة الحقة في الحرب الروسية، ولم يكونوا بحاجة ~~إلى نداءات تقوي روحهم المعنوية، فقد كانوا يكدحون ليقدموا كل ما يستطيعون تقديمه من عون ~~لأبنائهم وأخوتهم وآبائهم في جبهات القتال، وقد يعزو العالم الخارجي - لما على أبصاره من ~~غشاوات - الفضل فيما أحرزناه من نصر لطغاة السوفيت، ولكن الفضل كل الفضل إنما يعود إلى ~~ضحايا ذلك الطغيان، ويعود إليهم أحيانا رغم ما يتصف به هذا الطغيان من جهل وغباوة. # وأصبحت بحكم مركزي على اتصال وثيق بكبار موظفي الحكومة والإدارة العسكرية المعنيين بمشاكل ~~العتاد الحربي، وكان اتصالي بهم مستمرا لا يكاد ينقطع يوما واحدا، وكانت تتاح لي الفرص ~~لأن أعمل أحيانا مع كبار الموظفين في مجلس الوزراء الذي يستمد سلطانه من مجلس السوفيت ~~الأعلى، فكان لذلك من الوجهة النظرية على الأقل الأداة التنفيذية المشرفة على لجنة الدفاع ~~عن الدولة، وبذلك استطعت لأول مرة في حياتي أن أشترك في عدة مؤتمرات عاجلة خطيرة لبحث شئون ~~الإنتاج داخل أسوار الكرملن الحصينة. # ووجدت على مكتبي في أحد الأيام رسالة تطلب إلي أن أخاطب على الفور أحد الأرقام ms658 ~~بالتليفون، فطلبت الرقم وذكرت اسمي: «الرفيق كرافتشنكو، نرجو أن تحضر إلى مجلس وزراء ~~(جمهورية السوفيت الروسية الاشتراكية الاتحادية) في الساعة الثانية عشرة تماما، وستجد جواز ~~المرور في انتظارك.» # وهذه الجمهورية هي أكبر «الجمهوريات» التي تتكون منها الدولة السوفيتية، فهي في واقع ~~الأمر أكبر من الجمهوريات الأخرى مجتمعة، وخير ما يمكن أن يوصف به الاستقلال الذاتي الذي ~~تتمتع به هذه الجمهوريات - كما يسمونها - أنه ستار مهلهل خداع؛ ذلك أن ما لها من السلطان ~~المستقل أضعف كثيرا مما للولايات التي تتألف منها جمهورية الولايات المتحدة الأمريكية، فهي ~~في جوهرها أقسام إدارية أنشئت لتيسير حكم بلاد ضخمة كالبلاد الروسية، ولكنها تسيطر ~~عليها الحكومة المركزية أتم السيطرة. # على أن هذا الستار الخداع نفسه لا يكاد يوجد في هذه الجمهورية السالفة الذكر، وليس مجلس ~~وزرائها إلا جزءا من مجلس وزراء الاتحاد العام، وعاصمة الجمهورية موسكو، ونشاطها مرتبط أشد ~~الارتباط بنشاط أداة الحكم بأجمعها، وليس لهذه الجمهورية وزارة لشئونها الداخلية خاصة بها ~~كما لسائر الجمهوريات السوفيتية، وليس لها كذلك لجنة حزب مركزية، وعلى هذا فإنها من الوجهة ~~العملية - إن لم تكن من الوجهة النظرية - شاملة لاتحاد جمهوريات السوفيت الاشتراكية ~~بأجمعها، وهي الوحدة السياسية ذات السلطة العليا في الاتحاد السوفيتي، وفيها تركز جميع قوة ~~النظام الحكومي، ولا يفرق المواطن السوفيتي العادي بين مجلس الوزراء الأعلى للاتحاد ومجلس ~~وزراء هذه الجمهورية، وقد دلتني تجاربي على أن هذا الاعتقاد صحيح. # ولقد جئت إلى هذا البناء مرارا من قبل، وكنت لذلك على علم بالاحتياطات الشديدة التي تتخذ ~~لحماية موظفيه، فلما أقبلت عليه هذه المرة أبرزت جواز مروري وأذن لي بالدخول، فصرت أتنقل من ~~حارس إلى حارس حتى وجدت نفسي آخر الأمر في دهليز واسع ساكن، فرشت أرضه بالبسط الثقيلة، ~~على جانبيه أبواب ضخمة من خشب البلوط، ووقف خارج هذه الأبواب الضخمة ضباط من القسم السياسي، ~~ولم أكن أظن حتى هذه الساعة أن أحد هذه المكاتب سيخصص لي، وأني سأصبح من الشخصيات العظيمة ~~يحيط بي حرس يدفع عني الأخطار الوهمية. # وانتظرت ms659 قليلا في حجرة الاستقبال، ثم جاءتني إحدى أمينات السر وأدخلتني إلى الحجرة ~~الرحبة التي يعمل فيها الرفيق أندراي إيفانوفتش أنكين نائب رئيس مجلس وزراء جمهورية الروسيا ~~الاشتراكية السوفيتية الاتحادية، ورأيت هذا الرجل يجلس في كرسي كبير خلف مكتب ضخم، ومن خلفه ~~صورة زيتية عظيمة لستالين تضاءل الرجل بالقياس إليها في نظري، وإن كان في واقع الأمر ربعة ~~من الرجال متين البنية كبير البطن ذا هيبة ووقار. # وأشار إلي بالجلوس وقال: «كيف تسير الأمور معك يا رفيق كرافتشنكو؟» ~~- «لا أعرف بالضبط ما أجيب به عن هذا السؤال؛ لأني لا علم لي بما طلبت من ~~أجله.» ~~- «أقصد كيف تسير الأمور بوجه عام، كيف حال عملك؟ وكيف تعاون الحزب والبلاد في هذه ~~الحرب؟» # وحدثته عن نشاطي في الشئون التي عهدت إلي، وشرحت له بعض المشاكل التي واجهتها في المصانع ~~التسعة التي كنت أشرف عليها، ووقعت عيني وأنا أتحدث إليه على ثبت من الأسئلة ألصقت عليه ~~صورتي، وكنت قد أجبت عنها حين عينت كبير المهندسين في المواثقة. # وقاطعني الرفيق أتكين حين كنت أجيبه عن أحد الأسئلة وقال: «إنك تتحدث إلى الحكومة ولا محل ~~في هذا الحديث للكذب أو لإخفاء الحقائق والآراء عنها.» ~~- «هذا أمر طبيعي، هذا أمر طبيعي.» # ووجه إلي أسئلة وأجبت عنها بعدة خطب، ذلك أننا في ظلال النظام السوفيتي قد مرنا ~~كلنا على الأسلوب الخطابي إذا ما تحدثنا عن أنفسنا، وتحدثت كما لو كنت أتحدث عن شخص غيري، ~~كأني أصف شخصا أعرفه كل ما لي به من صلة أنني أهتم بشئونه، وبعد أن قضيت مع أتكين نحو ثلاث ~~ساعات رفع رأسه ونظر إلي نظرة فاحصة بعينيه الضيقتين الخبيثتين ووجه إلي سؤاله الأخير: ~~«ما رأيك في أن تعمل في خدمة مجلس وزراء الجمهورية؟» ~~- «هذا يتوقف على نوع العمل.» ~~- «إننا في حاجة إلى مهندس من أعضاء الحزب ليرأس الإدارة الهندسية للأسلحة الحربية، وأرى ~~أنك تليق لهذا المنصب، وليس معنى هذا أن أمر تعيينك سيقرر في هذا اليوم، بل كل ما في الأمر ~~أني أريد ms660 أن أعرف رأيك قبل أن أتخذ الخطوة الأولى لتعيينك في هذا المنصب.» # فأجبته قائلا: «لست واثقا من أنني أستطيع القيام بواجبات هذا المنصب الخطير.» ~~- «وأنا أرى خلاف هذا وأعتقد أنك ستقوم بهذه الواجبات على خير وجه؛ ذلك أن لديك من ~~التجارب ما يؤهلك للقيام بها، وقد كنا نراقب أعمالك في المواثقة.» ~~- «إذا كان هذا رأيك فليس يسعني إلا القبول بطبيعة الحال.» ~~- «في هذه الحال أودعك مؤقتا، وأرجو أن تقدم نفسك إلى إدارة المستخدمين في الطابق ~~الأسفل.» # وذهبت إلى حيث أمرت، وهناك ملأت عدة استمارات، ومضت على ذلك بضعة أيام، ثم طلب إلي ~~أن أقابل قنسطنطين بمفيلوف رئيس أتكين ورئيس مجلس وزراء جمهورية روسيا السوفيتية الاشتراكية ~~الاتحادية، ومن أكبر الشخصيات المقربة من ستالين، وكانت حجرته الواسعة وكرسيه الكبير، وصورة ~~ستالين الزيتية المعلقة فوق رأسه، كانت هذه كلها أكبر قليلا من نظائرها التي رأيتها حين ~~قابلت أتكين، كما كان أثاث الحجرة أفخم وأكثر ترفا من أثاث حجرة أتكين. # وكان بمفيلوف نفسه طويل القامة في منتصف العقد الخامس من عمره، عريض المنكبين عظيم ~~الهيبة، حليق الرأس والوجه، يلتمع رأسه كأنه كرة بليارد، وكان يرتدي ملابس أجنبية، ~~واستقبلني خلف مكتبه الضخم، وهو يضع إحدى قدميه على الكرسي ويتكئ برأسه على مرفقه، وعرفت في ~~الشهور التي تلت هذا اللقاء أن هذه هي وقفته الطبيعية في أثناء عمله ولو لم يكن في حجرته ~~أحد، ووجدت أتكين في حجرة رئيسه حين دخلتها، وقد بدا أصغر من حقيقته في حضرة رئيسه. # وألقيت علي مرة أخرى أسئلة وأجبت عنها، وكانت أسئلتي السابقة وإجاباتي عنها ~~والتقارير الخاصة بي كلها على المكتب. # وأخيرا خاطبني رئيس المجلس بقوله: «لقد شغلت مناصب ذات تبعات خطيرة يا رفيق كرافتشنكو، ~~ولكن العمل في الحكومة مسألة تختلف عن هذه المناصب كلها، فنحن خدام الحزب، والعمل في ~~الحكومة هو عمل الحزب قبل كل شيء، فالحزب هو الذي يحكم البلاد.» # وأكدت له في وداعة أنني أفهم هذا كله. # والتفت بمفيلوف إلى مساعده وسأله: «هل جاء الرد يا رفيق ms661 أتكين؟» ~~- «لم يأت بعد يا رفيق بمفيلوف.» # ورفع بمفيلوف إحدى سماعات المسرات الكثيرة المصفوفة على مائدة صغيرة من خلفه وطلب أحد ~~الأرقام: «أنا بمفيلوف، ماذا تم في مسألة كرافتشنكو؟» # وانتظر دقيقتين أو ثلاث دقائق ضايقني في خلالها سكون الحجرة الرهيب، وأحسست أن شيئا كان ~~يراجع حيث تكلم بمفيلوف. # وقال بمفيلوف آخر الأمر: «نعم ... نعم ... أليست هناك موانع؟ حسن جدا!» # ثم ألقى السماعة من يده، ولم أشك وقتئذ في أنه كان يخاطب الإدارة السابعة في وزارة ~~الداخلية وهي الإدارة التي لا يمكن أن يعين إنسان في منصب من المناصب الحكومية الهامة إلا ~~إذا وافقت على هذا التعيين، ورأيت بعيني فيما بعد دليلا قاطعا على صدق ما حدثتني به نفسي، ~~فقد عثرت مصادفة على الوثيقة التي تثبت موافقتها على تعيني في مجلس الوزراء، وأيقنت أن ~~الحزب هو الذي يسيطر على البلاد وعلى حكومتها، ولكن المناصب الرئيسية في الحزب والحكومة لا ~~يتم التعيين فيها إلا بعد بحث دقيق تقوم به الشرطة السرية التابعة للإدارة السابعة ~~وموافقتها على هذا التعيين. ~~- «والآن يا رفيق كرافتشنكو، لا أريد أن أستبقيك أكثر مما استبقيتك، وسندعوك حين ننتهي من ~~إعداد ما يلزم لتعيينك.» # ووافقت اللجنة المركزية للحزب على تعييني في منصبي بعد زمن قليل، فلم تمض إلا بضعة أيام ~~حتى أعدت لي حجرة مجاورة لحجرة أتكين بعد أن أمضيت عهدا كتابيا للإدارة الخاصة التابعة ~~لمجلس الوزراء بألا أبوح بشيء عن نظام هذه الهيئة مهما تكن الظروف، وكانت صورة ستالين التي ~~علقت وراء ظهري أصغر بطبيعة الحال من الصورة المعلقة في الحجرة المجاورة لي، ووقف في ~~الدهليز الساكن الهادئ ضابط من ضباط القسم السياسي ليحرسني بعد أن أصبح لي شأن خطير في ~~البلاد، وعين لي أمينان يجلسان في حجرة الاستقبال، وها أنا ذا أصبح من رجال الحكم بكل ~~ما تحمل هذه اللفظة من معنى فني خطير، أحمل البطاقة الحمراء الخاصة، وعليها الحروف الذهبية، ~~وهي ذلك الكتيب السحري رمز القوة والسلطان. # وكان هذا في آخر شهر مايو من عام 1942م ms662 حين بدأ الهجومي الألماني يجتاح البلاد، ويبتلع ما ~~بقي من أوكرانيا مواطن آبائي، ويتوغل في القفقاس، ويصل إلى نهر الفلجا عند مكان يدعى ~~ستالينجراد. # الفصل الرابع والعشرون # | الكرملن في أيام الحرب # للروس لفظ يطلقونه على الكرملن هو: فلاست «السلطان» ومعناه الحكومة أو السلطة العليا، ~~ولكنه يعني أيضا ستالين، والهيئة السياسية العليا، والشرطة السرية، والمقربين من ستالين، ~~سواء كانوا يشغلون مناصب رسمية أو كانوا من حاشيته الذين لا يحملون ألقابا، وإذا نطق ~~المواطن العادي بهذا اللفظ حمل إليه فوق المعاني السالفة الذكر معاني الفزع والبغض، وتضمن ~~معنى «سادتنا»، وأوحي إليه بالهوة السحيقة التي تفصل أولئك السادة عن عامة الشعب. # فلما صرت في مجلس الوزراء جلست بقرب أولئك السادة الأعلين، وأصبح في مقدوري للمرة الأولى ~~أن أطل من هذا المركز الممتاز على العالم الذي يدب على الأرض من تحتي، لقد كان في وسعي أن ~~ألاحظ ما يحس به أكابر الحكام، وهو أنهم خلقوا من طينة غير التي خلق منها سائر الناس، ~~وأنهم يتحركون في مجال أوسع مما يتحرك فيه غيرهم، وأنهم لا تنطبق عليهم المقاييس الأخلاقية ~~والإحساسات التي نبذوها من ورائهم؛ لأنها من «أهواء الطبقات الرأسمالية» ومن «مفاسد ~~الحرية»، كان في وسعي أن ألاحظ إحساسهم هذا وإن لم أشاركهم فيه. # كذلك كان في وسعي أن أفهم استخفاف هؤلاء الناس بالحياة البشرية وتصرفهم فيها - نقلا ~~وخلطا ومحوا - كأن الناس في أيديهم مواد غفل جامدة يستخدمونها في خططهم وتجاربهم ~~وأخطائهم، وها أنا ذا قد وجدت نفسي فجاءة بين أناس في مقدورهم أن يأكلوا ملء بطونهم من ~~الطعام الشهي على مرأى من الجياع، وأنهم لا يأكلون وضميرهم راض فحسب، بل يشعرون فوق ذلك بأن ~~من حقهم أن يأكلوا كأنهم يؤدون واجبا فرضه عليهم التاريخ. # وكان على رأس مجلس الوزراء قنسطنطين بمفيلوف، وهو رجل من الأخصاء المقربين، حتى أنه لما ~~مات بعد عام من دخولي في خدمته حرقت جثته ودفن رماده في سور الكرملن المطل على الميدان ~~الأحمر، وكان أندراي أتكين مساعده الأكبر يشرف على خمس ms663 مصالح كبرى أرأس أنا واحدة منها، ~~ومعنى هذا أني لم يكن بيني وبين الرياسة العليا إلا خطوتان ، وكانت المصلحة التي أشرف عليها ~~مقسمة إلى عدة إدارات تختص كل منها بعمل من الأعمال ويرأس كلا منهما أحد مساعدي. # وإذا ما سجلت هنا تاريخ عظمتي القصير، فإني لا أبغى من هذا تفاخرا بطبيعة الحال، فقد ~~رفعتني إلى هذا المركز نزوة إنسان، وقد تبعدني عنه إشارة ممن هم أعلى مني مقاما، وقد يسقط ~~هؤلاء أنفسهم إلى الحضيض إذا ما شاء ذلك رؤساؤهم بلا إنذار سابق لهم، وكم ذا رأيت بمفيلوف ~~أو أتكين يرتعد فرقا في حضرة أحد أعضاء الهيئة السياسية العليا أو أحد المقربين من رئيس ~~الدولة الأعلى، وكم من مرة سمعت ألفاظ السباب توجه إليهم كأنهم خدم صغار يزجرهم سيدهم؛ ذلك ~~أن في الدولة الدكتاتورية توازنا دقيقا بين السلطة المطلقة والخوف الذي لا حد ~~له. # واختير النفر القليل الذين يمثلون السلطان في مجلسنا - ولعلنا لم نكن نزيد على ثلاثين - ~~بطرق مختلفة من بين الطبقة الوسطى من الموظفين وممن هم دون هذه الطبقة، وكنا كلنا نقيم في ~~طابق خاص يخيم عليه السكون كأنه كنيسة، ويحرسه رجال من القسم السياسي في مرتبة الضباط، ~~وكانت حجراتنا الخاصة تفصلها عن حجرات الانتظار مجموعتان من الأبواب لا تسمح باستراق السمع، ~~ويقدم لنا على مكاتبنا الفطور والعشاء بلا ثمن، أما الغداء فكان يقدم لنا في حجرات خاصة ~~بأثمان قليلة لا تكاد تذكر، وكان الحلاقون يأتون إلى أعضاء المجلس ممن هم في مقام ~~بمفيلوف وأتكين ليحلقوا لهم لحاهم ويزينوهم في صباح كل يوم، أما أمثالنا الأقل من هؤلاء ~~شأنا فكانوا يذهبون إلى الحلاقين، ولا يأتي هؤلاء إليهم، وأما من هم دوننا مباشرة فلم يكن ~~من حقهم أن يتمتعوا بخدمة الحلاقين الرسميين، وكان هذا التسلسل الدقيق يمثل ما بين أصحاب ~~السلطان من فروق، وكان أعظم ما نلته من امتياز ممثلا في كتيب أحمر صغير يجعل من حقي أن ~~أذهب إلى مستوصف الكرملن، وأن أبتاع الدواء من صيدليته في الوقت الذي ms664 عز فيه الأطباء ~~والدواء على عامة الشعب. # بل لقد كانت لنا دورة مياه خاصة يحرم على غيرنا أن يستخدمها، وينفذ هذا المنع الضباط ~~الواقفون في الدهليز الموصل إلى حجراتنا، وكذلك كان لمن دوننا من الموظفين مرافق خاصة بهم ~~لا تضارع مرافقنا في جمالها ولا فيما تحتويه من وسائل الراحة. # وحدثت مرة في المجلس فضيحة كبرى، وكان منشؤها أن موظفا حديث العهد بالخدمة لم يألف بعد ~~ما بين الطبقات من فروق في هذا المجال وجد نفسه لسبب ما في الطابق الذي تشغله مكاتبنا واضطر ~~وهو فيه إلى أن يقضي حاجته، وخرج في هذه الأثناء واحد من الرؤساء من دورة المياه، فتسلل هو ~~إليها دون أن يراه الحراس، فلما خرج المجرم قبض عليه الشرطي المهمل وهو في أشد حالات الرعب ~~بسبب هذا الإهمال، وفحص عما معه من الوثائق ورفع أمر هذه الجريمة الشنيعة إلى رؤسائه، وجاء ~~جماعة من رجال القسم السياسي «سيف الثورة المصلت» وفتشوا المرحاض للبحث عما عسى أن يكون فيه ~~من القنابل أو غيرها من أدوات الهلاك، ثم جاءت خادمات يعملن مياومة ومعهن دلاء ومماسح وغسلن ~~المكان المقدس حتى محون منه كل آثار المعتدي الأثيم. # لعلي كنت في حياتي الخاصة إنسانا مهملا لا يهتم به أحد، أما في حياتي العامة وأنا عضو ~~في السوفيت الأعلى فقد كانت علي حراسة تحميني من كل سوء؛ لأن حياتي من أثمن ما في الدولة ~~من كنوز، فلم يكن يسمح لأحد من غير رجال المجلس أن يزوروني إلا بإذن خاص مني، فأكتب ~~بنفسي جواز مرور للطالب، وأضع عليه خاتمي، ولا يعطيه حراس الباب الخارجي إلا بعد أن ~~يخاطبوني بالتليفون لأؤكد لهم صدوره مني، ولكي يتأكد مخاطبي من أنني أنا الذي أحدثه كان من ~~واجبي أن أثبت له شخصيتي بكلمة سر لا يعرفها إلا أنا ورجال القسم السياسي، وكانت كلمة السر ~~الخاصة بي هي: «لينا رقم 17»، فإذا تسلم الزائر جواز المرور كان عليه أن يجتاز أربع مراحل ~~من التفتيش يثبت فيها جميعا شخصيته قبل أن يصل ms665 إلى حجرة الانتظار الخاصة بي، وكثيرا ما ~~كنت أخجل من هذا النظام الذي وضعه القسم السياسي، وخاصة إذا كان الزائر من أصدقائي القدامى ~~الأعزاء. # وكان هذا النظام نفسه يطبق بطبيعة الحال على كل غريب يدخل أبواب مكاتبنا، ولم يكن من حق ~~أحد أقل مني مرتبة أن يصدر جواز مرور مهما تكن أهمية العمل الذي قدم الطالب من أجله، وإذا ~~أراد أحد مساعدي أن يدعو إليه إنسانا من الخارج لعمل من الأعمال، كان عليه أن يعرض ~~المسألة علي، فإذا رأيت أن الزيارة لازمة قمت بما يلزم لها من التمهيد. # ولم يكن هذا كل ما في الأمر، فقد كان لمجلسنا وللكرملن ولجنة الحزب المركزية وأماكن أخرى ~~قليلة نظام يعرف ب «الشخمنكي» - أي لوحة الشطرنج - يرمي إلى خنق كل مؤامرة يدبرها الخونة ~~من الحراس لإدخال أحد القتلة أو الجواسيس أو المنشقين إلى مركز إحدى الهيئات السالفة الذكر، ~~ويتلخص هذا النظام فيما يأتي: كان الحراس من رجال القسم السياسي يبدلون أو يغير وضعهم كما ~~يغير وضع قطع الشطرنج على اللوحة، وكان ذلك يحدث في فترات غير منتظمة قد تكون عشر دقائق وقد ~~تكون أطول منها، ويحدث دون إنذار سابق على نظام دقيق معقد وبإشارة من نقطة إشراف مركزية، ~~وبذلك لم يكن في وسع حارس منهم أن يعرف بالضبط أين يكون مركزه في وقت من الأوقات، وبهذه ~~الطريقة لا يستطيع أربعة حراس أو خمسة أن يتواطئوا على إدخال زائر لم يصرح له ~~بالدخول. # ومبالغة في الاحتياط لم يكن يسمح لسيارات غير سيارات رؤساء مجلس الوزراء أن تمر من ~~الأبواب مهما يكن شأن الراكبين فيها، وحتى الوزراء أنفسهم كانت سياراتهم تنتظر خارج ~~الأبواب، وبذلك يتقى خطر نسف قدس الأقداس بوضع قنبلة في سيارة تنفجر بعد زمن ~~معين. # على أن رمز مكانتي الجديدة لم يكن في هذه الرقابة الشاملة، ولا في كلمة السر، بل كان هذا ~~الرمز في قطعة من الأثاث لا فرق بينها وبين أية قطعة شبيهة بها في الظاهر، ولكنها ذات شأن ~~خاص في حياة ms666 كبار موظفي السوفيت، وكانت هذه القطعة من الأثاث خزانة لا يعرف سر فتحها إلا ~~أنا وحدي؛ أستغفر الله بل يعرفه معي رجال القسم السياسي، وكان أهم شيء في هذا الرمز من رموز ~~السلطان أن أحدا لا يستطيع أن يعتدي على سريته، فكان لذلك في مقدوري أن أخفي ما أشاء عن ~~جميع الناس حتى عن رؤسائي، ولم يكن لأحد من رجال الدولة خزانات من هذا النوع سوى الذين ~~يؤتمنون على أسرار خطيرة من رؤسائهم الأعلين مباشرة، ولم يكن في الدولة كلها إلا خزانة ~~واحدة لا يعرف سر فتحها رجال القسم السياسي وتلك هي خزانة ستالين. # ووضعت خزانتي في مكان ظاهر، وكانت تمتاز بفخامتها بين سائر قطع الأثاث الجميل، وكان أتكين ~~وبمفيلوف نفسهما ينظران إليها بعين الإعجاب حين يشرفاني بزيارة بدل أن يستدعيني أحدهما إلى ~~حجرته، ولا يدريان أية مذكرات سجلتها عن أوامرهما وتعليماتهما الشفهية، واحتفظت بها في هذه ~~الخزنة. # ولكن الخزانة كانت لهذا السبب ذاته - أي لأنها ممتنعة على الناس كلهم - مربع الصيد لرجال ~~الإدارة السرية والإدارة الخاصة، فقد كان من حق هؤلاء أن يفحصوا عن أوراقي في أثناء غيابي؛ ~~ولذلك لم يكونوا يعنون أقل عناية بإخفاء آثارهم بعد تفتيش خزانتي وأدراج مكتبي، والحق أن ~~خير طريقة يوجه بها الإنسان تهمة لرؤسائه دون أن يقدم بها تقريرا مباشرا لرجال الشرطة هي ~~أن يكتب ما يريده «لنفسه» و«يخفيه» في خزانته الخاصة. # وكان أعظم ما أستمتع به من سلطان هو حقي في أن أعمل باسم الحكومة، فقد كنت أوجه نشاط ولاة ~~الأمور المحليين والوزارات بأجمعها في جمهورية الروسيا السوفيتية الاشتراكية الاتحادية في ~~جميع الشئون التي تشرف عليها إدارتي، فكان من حقي أن أطلب إلى الوزراء في هذه الجمهورية ~~وإلى مساعديهم أن يرفعوا إلي تقارير وافية عن أعمالهم، وكان في وسعي أن أصدر إليهم ~~الأوامر بل وأوجه إليهم اللوم في كل ما يتصل باختصاصي، وكان في مقدوري أن أستدعيهم إلى ~~مكتبي في كل وقت بالليل أو بالنهار، ولم يكن لهم هم مثل هذا الحق ms667 بالنسبة إلي. # وكان من حقي وحدي أن أقرر هل أتعاون مع هذا الوزير أو ذاك أو أهمل أمره، وكنت أعرف من ~~المصادر المطلعة رأي الحكومة في الموظفين المختلفين، أيهم يستحق المكافأة وأيهم يستحق ~~«الإعدام»، ولم يمض علي في منصبي إلا قليل من الزمن حتى شعرت بما يشعر به الحكام و«مطابخ» ~~الحزب وما «يطبخ» فيها، وكم من وزير يبدو في أعين الجماهير عظيما جليل الشأن ولكنه في أعين ~~المطلعين العارفين بخفايا الأمور إنسان منحط لا قدر له بل إنسان يرثى لحاله. # وإن أنس لا أنس أول يوم لي في منصبي الجديد، لقد قدمت إلى عملي في الساعة العاشرة ~~صباحا، فوجدت أمينتي سري ومساعدي قد سبقوني إلى أماكنهم، ووجدت الأوراق التي لا بد من ~~اطلاعي عليها موضوعة بعناية فوق مكتبي، ووقفت عند الباب لألقي نظرة على الحجرة الواسعة ~~الجميلة، وعلى صور الرؤساء المعلقة على جدرانها، وعلى صورة ستالين الزيتية الكبرى المعلقة ~~فوق كرسي الرياسة الذي سأجلس عليه، وما أن وقعت عيناي على هذا كله حتى استعدت في ذاكرتي ~~منظر حجرة قذرة في فندق نيقوبول حيث قذفت بقطعة من صورة مطبوعة لستالين في المرحاض، ولم ~~أكد أجلس تحت صورة ستالين الكبيرة الفنية حتى دق جرس المسرة، وكان السائل ضابطا من ضباط ~~القسم السياسي يسألني في أدب واحترام هل أستطيع مقابلته ليتحدث إلي بضع دقائق، وكانت هذه ~~أول مرة يطلب إلي فيها ممثل لهذه الهيئة الرهيبة أن آذن له بزيارتي ... ودعوته للمجيء. # فلما أقبل قال لي وهو يسلمني خاتما من المطاط: «أريد أن أعطيك هذا الخاتم لتبصم به ~~جوازات المرور لزائريك ولغيرها من الأوراق، وأرجو أن تعتني كل العناية بحفظه، وسأسمح لنفسي ~~بأن أرشدك إلى بعض النظم الأخرى لأنك حديث العهد بمنصبك.» ~~- «تفضل، وسأستمع إليك.» # وبدأ حديثه بشرح قواعد الزيارات وأبلغني كلمة السر الخاصة بي، وشدد علي في أن أحتفظ بها ~~سرا لا أطلع عليه غيري، فلا أنطق بها مثلا على مسمع من أي إنسان مهما يكن شأنه، ثم شرح ~~لي مشكلة آلات التليفون ms668 التي على مكتبي، فقال: إن إحداها متصلة بخط الدائرة الحكومية الذي ~~يربط الكرملن واللجنة المركزية والوزارات المختلفة، وهذا الخط مخصص للأعمال الرسمية، ولا ~~يمكن التحدث فيها عن طريق العدد الأخرى العادية. # ثم واصل حديثه قائلا: «وكل ورقة في مجلس الوزراء تعد سرا من أسرار الدولة، وستكون ~~أنت شخصيا مسئولا عن كل رسالة أو وثيقة أو صورة بالكربون تتركها على مكتبك معرضة لأن ~~يطلع عليها إنسان، وإذا رأيت أن تهمل وثيقة أو صورة بالكربون لأية ورقة فلا تكتف بإعدامها، ~~بل عليك أن تكتب ما تشاء على هذه الورقة وأن ترسلها إلى الإدارة الخاصة لتحرقها هي.» # وبعد أن فرغ من درسه طلب إلي أن أوقع إقرارا بأني عرفت النظم المتبعة، ثم قام ورفع يده ~~إلى رأسه بالتحية وخرج من مكتبي، وأغلق الباب وراءه في سكون وأدب وبغير الطريقة التي كان ~~جيرشجورن رئيس الدائرة الاقتصادية في القسم السياسي يغلقه بها علي. # وفي الساعة الحادية عشرة تقريبا دقت الباب أمينة سري وهي امرأة ذكية وسيمة. # وقالت لي: «أتريد الفطور يا فكتور أندريفتش؟» ~~- «نعم من فضلك، وما شأنك أنت؟ هل أفطرت؟» # فقالت وهي تتحسر: «لا حق لي إلا في قدح من الشاي وقطعة من السكر، أما الخبز فأحضره معي من ~~منزلي، بئست الحرب ... ماذا في قدرة الإنسان أن يفعل؟» # وسرعان ما أقبلت خادمة المطعم تحمل صحاف الطعام، وكانت سيدة في منتصف العقد الرابع من ~~عمرها أنيقة في ملبسها، على رأسها قلنسوة بيضاء منشاة، وكانت تؤدي عملها في صمت على خير ~~وجه، وبدأت عملها بأن فرشت غطاء أبيض على خوان صغير، ووضعت عليه صحاف الطعام، وكان مكونا ~~من بيضتين ولحم مشوي وخبز أبيض وزبد، وقدح من الشاي الساخن وعدة قطع من السكر وعدد قليل من ~~الكعك، وما من شك في أن كل ما جاءت به - عدا البيض والشاي - كان أمريكي الأصل جاء إلينا ~~بمقتضى قانون الإعارة والتأجير، وكانت يدا الخادمة نظيفتين وإن كانت آثار الكدح بادية ~~عليهما. # وقلت لها وأنا أبتسم: «أراك تدرمين # 1 # أظافرك على ms669 الدوام.» # فردت علي بقولها: «هذا طبيعي فأنا أخدم الكبار، هنيئا مريئا يا فكتور ~~أندريفتش.» # وكان في ملامحها الضامرة ما جعلني أبقي على شيء من الطعام، فتركت بيضة وقليلا من ~~اللحم وبعض الخبز وقطعة من السكر مدعيا أنه أكثر مما أستطيع أكله، ودققت الجرس فجاءت أمينة ~~سري ورفعت بقايا الطعام وذهبت بها، ولما جاءتني بعد قليل ببعض الأوراق لأوقعها تلكأت بجوار ~~مكتبي قليلا وقالت: «يخجلني أن أصارحك يا فكتور أندريفتش، ولكنك رجل ذكي تفهم ما سأقول حق ~~الفهم: لقد جرؤت على أكل ما بقي من فطورك فأرجوك المعذرة ... إن من أصعب الأشياء أن يعيش ~~الإنسان وبطنه خاو.» ~~- «لقد أحسنت فيما فعلت، بل إني ليسرني أنك فعلت هذا، ولكني أصارحك أني كنت أفكر في خادمة ~~المطعم.» # فقاطعتني قائلة: «ولكنني أنا وليزا متفاهمتان فأنا آخذ بقايا الطعام يوما وهي تأخذه في ~~اليوم الثاني وهكذا دواليك، إن الجوع كافر يا فكتور أندريفتش وهو يتغلب على الحياء ~~نفسه.» # وهكذا تعودت طوال الأشهر التي أقمتها في المجلس ألا آكل إلا نصف فطوري وأن أترك النصف ~~الآخر منه لليزا ولأمينة سري، ولقد عرفت أن ليزا تأخذ نصيبها منه إلى بيتها لتطعم به ~~طفليها؛ لأن زوجها كان في جبهة القتال، وكانت هاتان المرأتان تعيشان على الطعام المقرر ~~للعاملات في مكاتب الحكومة وهو: 400 جرام (15 أوقية) من السكر و500 جرام (18 أوقية) من ~~الحبوب، و400 جرام من الدهن في كل شهر و400 جرام من الخبز في اليوم، وإذا قدرت ثمن ما لم ~~أطعمه من فطوري في اليوم الأول بثمن ما يباع به غير المقرر من الأطعمة في السوق بلغ مائة ~~روبل على الأقل - فالبيضة مثلا تباع بأربعين روبلا - ولم تكن ليزا تكسب أكثر من مائة ~~وخمسين روبلا في الشهر. # وأقبل علي حوالي الظهر زائر رسمي جديد، وهو الرجل الذي يشرف على الإدارة السرية الخاصة، ~~أعين القسم المخصوص وآذانه في كل هيئة من الهيئات السوفيتية، ورأيته شابا في مقتبل العمر ~~وكل ما فيه حتى ملابسه المدنية ينم عن أنه ms670 من رجال الشرطة، وكان الرجل منظما مرتبا ~~فضوليا بعض الشيء، وكان مسلكه في مكتبي يدل على أنه سيد هذا المكتب. # وقال لي حين دخل: «أحييك يا رفيق كرافتشنكو، ويسرني أن أتعرف بك، وسيرى كلانا الآخر ~~كثيرا، فأنت حديث العهد هنا، ومن واجبك أن تتعلم بعض القواعد منذ البداية، إننا في حرب كما ~~تعلم، والعدو في كل مكان، ومهما بلغ حرصنا فإنه لن يزيد على الحد الواجب.» ~~- «هذا طبيعي، هذا طبيعي.» ~~- «إليك إذن القواعد التي يجب اتباعها للمحافظة على أسرار الدولة، أرجو أن تقرأها بعناية ~~على مهل، ثم تسألني ما تشاء من الأسئلة إن كان بعضها غير واضح.» # وقدم إلي إضبارة من عشر أوراق أو اثنتي عشرة ورقة مطبوعة حوت التعليمات الواجب السير ~~عليها في المحافظة على الوثائق السرية العسكرية الخاصة بالدولة وبالحزب، وكيفية حراسة مكتبي ~~وخزانتي وحجرة عملي من أعين الغرباء، وكيفية منع أمينة سري الخاصة نفسها من رؤية بعض أنواع ~~من الأوراق الرسمية، وقد كتبت هذه التعليمات كلها في صيغة الأوامر والتهديدات المألوفة في ~~التعليمات السوفيتية، وأخبرت أن في مجلس وزراء الجمهورية طائفتين من كتاب الاختزال: ~~طائفة للأمور العادية وأخرى للأمور السرية، فأما الرسائل العادية الرتيبة فيمكن إملاؤها على ~~الطائفة الأولى، وأما الشئون السرية فيجب ألا تعطى إلا للمختزلين السريين، وهؤلاء يجب ~~استدعاؤهم عن طريق الإدارة الخاصة، وتنص هذه القواعد في صيغة التأكيد على أن كل أمر يصدر ~~إلي من رؤسائي يجب أن يسجل كتابة. # وسألت في هذه النقطة: «وما العمل إذا أصدر إلي الرفيق أتكين أو الرفيق بمفيلوف أو أحد ~~رجال الكرملن تعليمات شفوية؟» ~~- «يجب عليك في هذه الحال أن تدون ألفاظهم في مذكرتك اليومية الخاصة، وهذا ينطبق أيضا ~~على موضوعات المحادثات التليفونية الهامة، فعليك في هذه الحالات ألا تتوانى عن تسجيل كل ~~شيء، وهذه خير طريقة تقي بها نفسك إذا ما حدثت صعاب في المستقبل، لقد علمنا الرفيق ستالين ~~أن نثق بالناس، ولكنه علمنا أيضا أن نكون شديدي الحذر.» # ولما انتهيت من قراءة التعليمات أخذ زائري يلقي ms671 علي محاضرة طويلة، وكان أهم ما في ~~محاضرته ألا أصدق أحدا وأن أفترض أن لا أحد يصدقني، وأن تكون لدي على الدوام أدلة كتابية ~~ومحاضر مفصلة لكل اجتماع ولكل حديث؛ ذلك أن الريبة المتبادلة ليست من الحقائق المقررة في ~~شئون الحكم السوفيتية فحسب، بل هي أيضا من الطرق المألوفة المعترف بها والواجب مراعاتها في ~~الحياة العامة، وهي السبيل الوحيدة للمحافظة على الحياة، وفي نهاية الاجتماع وقعت ورقة ~~أقر فيها بأني عرفت جميع الأنظمة والعقوبات المترتبة على مخالفتها. # ثم طلب إلي آخر الأمر أن أقرأ وثيقة سرية موقعا عليها من ستالين ومولوتوف، وأن أفكر ~~فيها طويلا، وتبين لي أن هذه الوثيقة قرار من الهيئة السياسية العليا تنص على حقوق مجلس ~~وزراء الجمهورية وواجباته، وهي وثيقة مفصلة غاية التفصيل، لا تترك مجالا للشك في أن ~~الحكومة الممثلة في هذا المجلس ليست إلا خادما ذليلا للهيئة السياسية العليا، وأداة طيعة ~~في أيديها، ووقعت القرار المعتاد الذي عاهدتهم فيه على ألا أبوح بشيء من أسرار الدولة، ~~ومع أن خضوع الحكومة للحزب في كل صغيرة وكبيرة كان أمرا معروفا لكل مواطن سوفيتي لديه شيء ~~من الذكاء فقد كان يعد أمرا سريا خطيرا. ~~«والآن أودعك يا رفيق كرافتشنكو، وما من شك في أننا سنلتقي كثيرا كما قلت لك.» # لقد كانت طبقة الموظفين التي أنتمي إليها أقل رجال الحكومة السوفيتية الأعلين حظا؛ ذلك ~~أن ما علينا من تبعات كان أكبر مما لنا من سلطان، وكنا نؤدي أشق الأعمال ويعزى الفضل في ~~أدائها إلى الرؤساء، وكانت مناصبنا من العلو بحيث لا نستطيع معها أن نتراخى قليلا كما يفعل ~~من دوننا من الموظفين، ولكننا لم يكن لنا من السلطان ما نستطيع به أن نلقي العبء واللوم على ~~كاهل غيرنا. # وكان من أعظم متاعبنا عدم قدرتنا على أن نأخذ كفايتنا من النوم، وكنت إذا مر علي أسبوع ~~أحصل فيه على خمس ساعات من النوم في كل يوم عددت هذا من الأسابيع الاستثنائية، وكانت الكثرة ~~الغالبة من موظفي مكاتبنا والأخصائيين فيها ms672 تعمل من الساعة التاسعة إلى الخامسة، وكنت ~~أحيانا أستبقي بعضهم أكثر من هذا الوقت أو آمر بعض مرءوسي بأن يعودوا في المساء ، أما ~~عملي أنا فكان يستمر من الساعة العاشرة أو الحادية عشرة صباحا إلى الساعة الثالثة أو ~~الرابعة من صباح اليوم الثاني، وإلى أكثر من هذا في بعض الأحيان، ولم أكن أختلس بضع ساعات ~~في المساء أقضيها في المنزل مع زوجتي إلا نادرا، وكنت من حين إلى حين أخاطر بغفوة من النوم ~~غير المريح ساعة أو ساعتين على أريكة في مكتبي، أغلق في أثنائها الباب وأضع سماعة المسرة ~~على أذني، حتى لا أضبط متلبسا بهذه الجريمة. # والحق أن نظام العمل الخاص بكبار الموظفين في موسكو من أغرب النظم وأكثرها شذوذا؛ وذلك ~~لأنه مرتبط بأهواء رجل واحد وعاداته هو في العمل، فستالين يبدأ عمله اليومي عادة حوالي ~~الساعة الحادية عشرة صباحا، ويواصله بلا انقطاع إلى الساعة الرابعة أو الخامسة، ثم ينقطع ~~عن العمل حتى الساعة العاشرة أو الحادية عشرة مساء، حين يعود إليه ويستمر فيه حتى الساعة ~~الرابعة أو الخامسة صباحا، والفترة المسائية أهم الفترتين. # ويفسر الناس هذا النظام الغريب الذي يجري عليه ستالين تفسيرات مختلفة، فمنهم من يقول: إنه ~~يمكنه من أن يكون على اتصال شخصي بموظفيه في جميع أنحاء دولته الواسعة على الرغم من وجود ~~فارق في الزمن لا يقل عن أربع ساعات بين أقصى مناطقها في الشرق وأقصاها في الغرب، ويقول ~~بعضهم الآخر: إنه يقصد بهذا النظام أن يصون أخلاق كبار موظفيه، وذلك بتقسيم حياتهم إلى ~~نوبات نهارية وليلية متعبة، والحق أن هذا النظام يقلل من الفرص التي تتاح لهم للاستمتاع ~~بالحياة الاجتماعية كما تقلل من مغريات هذه الحياة. # ومهما تكن أسباب هذا النظام الغريب فإن طبقة الموظفين في موسكو تنظم حياتها حسب أهواء ~~ستالين الشاذة الغريبة، وأكثر أوقات كبار الموظفين عملا هو الوقت الذي يصل فيه الرئيس إلى ~~مكتبه، ولا يقل هذا العمل إلا حين يعود إلى منزله، وهذا النظام بعينه يسود جميع الدوائر ~~الحكومية في ms673 سائر أنحاء البلاد؛ لأن هذه الدوائر على اتصال تليفوني دائم بمركز القيادة ~~العليا، وتنعكس عليها أهواء هذه القيادة ونزواتها، فحياة كبار الموظفين في روسيا بأجمعها ~~تسيطر عليها إذن نزوات ذلك الكرجي البدين صاحب الوجه الذي شوهه الجدري، ولا حاجة إلى القول ~~بأن هيئة من هيئات الحكومة لا تنقطع عن العمل طوال ساعات اليوم الأربع والعشرين، وتلك هي ~~القسم السياسي، فهي لا تتقيد بأي نظام من نظم العمل لأنها لا تنام أبدا. # فإذا كانت الساعة العاشرة صباحا من أيام العمل الرسمية انطلقت السيارات «البكار» الخضراء ~~اللون التي لا ينفذ فيها الرصاص مخترقة طريق موزايستك وطريق أرباط إلى حصن «السلطة» الحصين، ~~فإذا سمع أهل موسكو صوت الصفارات ورأوا رجال الشرطة يمنعون المرور ليفسحوا الطريق لهذه ~~السيارات السريعة، عرفوا من فورهم أن الرئيس ومولوتوف وبريا وملنكوف وميكويان وكاجانوفتش ~~وأمثالهم من الزعماء يخترقون شوارع العاصمة، وتسبق كل سيارة عربة أخرى وتتبعها عربة ثالثة ~~كلتاهما تحمل عددا من رجال القسم السياسي المدججين بالسلاح في ملابس مدنية، ولا حاجة إلى ~~القول بأن الزعماء يركبون دائما فرادى لا مجتمعين ليقل بذلك تعرضهم للخطر. # ويوزع رجال الفرع الخاص من رجال الشرطة السرية المكلف بحراسة الرؤساء الكبار على طول ~~الطريق، فتراهم في كل شبر منها، وولاة الأمور يعرفون سكان البيوت الممتدة على الطريق وهم ~~يبعدون عنها كل من يشكون فيه، ويقف آلاف من الرجال في ملابس مدنية وعسكرية في ملتقى الطرق ~~وأيديهم اليمنى ممسكة بمسدساتهم مستعدة لإطلاقها، وهم يعلمون أنهم هالكون لا محالة إذا أصاب ~~«الزعماء المحبوبين» مكروه، وأهل موسكو لا يقفون في الطريق ليطلوا على ستالين، ولا ينظرون ~~إلى رفاقه العظام إلا لماما، والعقلاء منهم يبتعدون عن طريق حكامهم، وقلما يظهرون فيها ~~أثناء مرورهم. # والموظفون الذين يقلون عن هؤلاء العظماء درجة أو درجتين - أمثال بمفيلوف وأتكين في مجلس ~~وزرائنا - يحرصون على أن يكونوا في مكاتبهم قبل أن يصل ستالين إلى مكتبه، أما أنا فكنت أحرص ~~على أن أكون في مكتبي قبل أن يصل رؤسائي المباشرون إلى أماكنهم، وكنت ms674 على الدوام أجد مساعدي ~~في انتظاري حين أصل إلى المجلس، ولم أكن أغادر مكتبي قبل أن يفرغ رؤسائي من نوبتهم الليلية ~~إلا بإذن خاص، وبذلك كنت أقضي في العمل نحو سبع عشرة أو ثماني عشرة ساعة، وكان أتكين ~~وبمفيلوف لا يشكان في أنني سأكون بجوار آلة المسرة حين ينادياني، كما كان ستالين ومولوتوف ~~يفترضان أن بمفيلوف سيلبي نداءهما على الدوام إذا ما نادياه، ولعلنا لا نجد أمة عظيمة نظمت ~~أعمالها الرسمية كلها لتوائم نزوات رجل واحد كما نظمت أعمال بلادنا كلها لتوائم نزوات ~~ستالين. # وكان مجلسنا هو الأداة التنفيذية للجنة الدفاع عن الدولة ذات السلطة الواسعة في البلاد، ~~وكانت وظيفته الرئيسية في أثناء الحرب أن يراقب تنفيذ جميع الأوامر الخاصة بالعتاد الحربي ~~في جمهورية الروسيا السوفيتية الاشتراكية الاتحادية، ويحاسب القائمين بتنفيذها، وإذا ذكرنا ~~أن الألمان كانوا يحتلون روسيا البيضاء وأوكرانيا وقسما من بلاد القفقاس أدركنا أن ~~الأقاليم التي تحت سلطان هذا المجلس كانت تشمل على وجه التقريب كل ما بقي من بلاد الروسيا ~~المنتجة وسكانها المنتجين، وأننا كنا في واقع الأمر أكبر المسئولين عن الإنتاج الحربي ~~بأجمعه في ذلك الوقت، وكان قسم من هذا العمل الضخم مركزا في الإدارة التي أسيطر عليها في ~~ذلك الوقت «إدارة التسليح الهندسي الحربي»، وهذه الإدارة تشمل الإشراف على إنتاج العتاد ~~الحربي من الدبابات والمدافع، وأجهزة الطائرات، وطرق المواصلات، وأجهزة الهابطات والتخفي ~~إلى الأقنعة الواقية من الغارات، وبيوت الإبرة وتليفونات الميان، والمجارف وما إليها مما ~~تنتجه مصانع جمهورية السوفيت الروسية الاشتراكية الاتحادية. # ولست أبالغ إذا قلت: إن مئات من الأوامر والنواهي والقرارات والشكاوى التي يوقعها ستالين ~~وأقرب المقربين إليه وبريا ومولوتوف وميكوبان وفزنسنسكي ومليشف وكسجين كانت تمر بي، وكنت ~~على اتصال تليفوني دائم بكل وزير وبكل مصنع ومكتب خاص من مكاتب الصناعات والمكاتب الإقليمية ~~في جميع أنحاء البلاد، ولربما طلب إلي في خلال ساعة واحدة أن أتبين سير الإنتاج في مدن ~~متباعدة مثل جوركي وسفردلفسك وفي نوفوسيبرسك وشليابنسك. # وأصبحت حياتي جهادا شديدا متواصلا للبحث عن ms675 المواد الغفل والوقود والعمال، ولتعجيل ~~الإنتاج في أوقات معينة، وتحريك الوزارات والمنظمات في كل مكان من موسكو إلى سيبيريا ودفعها ~~إلى العمل ، وكنت رغم هذا كله ألام وأعنف وأشتم من رؤسائي ومن رجال لجنة الدفاع عن ~~الدولة، ولعل دوائر الحكومة السوفيتية العليا يصدر فيها من فحش القول أكثر ما يصدر في سائر ~~بلاد العالم مجتمعة، ولعل فحش القول هو أكثر ما يذكر الإنسان بأصل حكامنا، وقد يكون أحيانا ~~هو وحده الذي يذكرني بأصلهم وأكثر حكامنا فحشا هو كاجانوفتش، فكان كلما طال حديثه ازدادت ~~ألفاظه فحشا، ولم يكن مولوتوف وفوروشيلوف وأندريف وغيرهم وستالين نفسه يختلفون عنه كثيرا ~~في هذا المضمار، على أني أقرر هنا أن الكثرة الغالبة من الزعماء الذين اتصلت بهم كانوا ~~رجالا قادرين يعرفون عملهم، لا يتوانون عن أدائه ولا يدخرون جهدا في سبيله. # ومرت علي أسابيع واصلت فيها الليل بالنهار لتنظيم أعمال الإنتاج في صناعات بسيطة كصناعة ~~قاطعات الأسلاك الشائكة والمجارف والفوانيس، وإن أنس لا أنس الليلة التي جاءني فيها في ~~مكتبي قائد من قواد الجيش الأحمر، وأخذ يطلب والدمع يتحدر من عينيه قاطعات للأسلاك الشائكة، ~~وقال لي: إن آلافا من جنودنا يقتلون من غير داع لنقص هذه الأداة البسيطة، فما كان مني ~~إلا أن استدعيت في أثناء وجوده بعض كبار الرؤساء في موسكو وبعض مديري المصانع في خارجها، ~~ولكن ماذا يجدي غضبي وتهديدي إذا كانت المصانع لا تجد حاجاتها من الصلب أو الأدوات أو ~~الآلات؟ # وكنت على اتصال دائم بالمارشال تافيكوف والمارشال فوروبيوف والقائدان سلفنف وفلكف وأمير ~~البحر جلر وعشرات من الزعماء العسكريين، وكثيرا ما وجدنا لشدة الأسف أن كل ما نستطيع أن ~~نفعله هو أن نندب سوء طالعنا جميعا لنقص المعدات الحربية على اختلاف أنواعها. # وهل أنسى الساعة التي صادرنا فيها آلافا من بيوت الإبرة البدائية من المدارس ووزعناها ~~بقدر على جبهات القتال المختلفة؟ ذلك أن أمرا صدر بتوقيع ستالين يطلب إعداد خمسين ألفا من ~~بيوت الإبرة العسكرية الصالحة للاستخدام في جبهات القتال، ولكنا لم نجد ms676 ما يلزمها من الصلب ~~الممغطس. # وهل أنسى المؤتمرات المتعددة والنداءات التليفونية الجنونية، والتهديدات التي لا حصر لها، ~~وفترات اليأس التي مرت بنا في فصل الصيف أثناء بحثنا عن أحذية الخيل؟ لقد هلكت آلاف الجياد ~~وهلك أحيانا آلاف الفرسان، لنقص هذه الأداة وحدها بعد أن وقف صنعها لنقص الحديد، وعجز ~~المصنعين اللذين يصنعانها في إقليم الأورال، وكان الذي طلب أحذية الخيل هو المارشال بودني، ~~وقد أتاح لي ذلك فرصة معرفة بطل الثورة العظيم، لقد أبعد هذا القائد من مركز القيادة الذي ~~تولاه فترة من الزمان، ثم اختفى اسمه فلم يعد أحد يذكره، وتناقل الناس إشاعة بأنه قد ~~قتل، ثم عرفت في هذه الأزمة أنه نقل إلى مكتب من المكاتب المختصة بمطالب ~~الفرسان. # وكانت الأدلة القاطعة على عجز بلادي عن الاستعداد لهذه الحرب العوان تواجهني في كل يوم، ~~فقد تبين لي مثلا أن عشرات الآلاف من جنودنا الأبطال قد لاقوا حتفهم لنقص في أبسط الأدوات، ~~وأن أوامر ستالين «وإجراءات بيريا الصارمة» قد عجزت كلها عن انتزاع شيء من المصانع التي ~~تنقصها المواد الغفل، والتي يعمل فيها صناع لا يكادون يجدون من الطعام ما يمسك عليهم ~~حياتهم. # وعرفت أكثر مما عرف القواد الكبار وأمراء البحر العظام ما كان للأسلحة والمواد الغفل ~~والآلات التي جاءتنا من أمريكا بمقتضى قانون الإعارة والتأجير من فضل عظيم فيما أحرزناه من ~~نصر، وقد يكون بعض الأمريكيين في شك من هذه الحقيقة حتى الآن، أما القواد السوفيت فلا ~~يخالجهم فيها أدنى ريب، فهي في اعتقادهم حقيقة مؤكدة، والله يعلم أننا أدينا ثمن هذه ~~المساعدة غاليا، أدينا ثمنها من أرواح الروس، ولكن هذا لا يغير من الحقيقة نفسها، فلولا ما ~~أمدتنا به أمريكا من طائرات وسيارات للنقل ومسرات وآلاف غيرها من الحاجيات التي كانت تنقصنا ~~لانهارت المقاومة السوفيتية، ولسنا ننكر أن الإنتاج الروسي والبطولة الروسية والتضحية ~~الروسية لها كلها المقام الأول في أسباب النصر، ولسنا ننكر أيضا أنا أحرزنا النصر في ~~ستالينجراد قبل أن يبدأ سيل الإمداد الأمريكية بمقتضى قانون ms677 الإعارة والتأجير، ولكن العون ~~الذي جاءنا بعدئذ من أمريكا ومن بلاد الحلفاء كان له أعظم الأثر فيما أحرزناه بعدئذ من ~~نصر. # وكثيرا ما كانت الأوامر التي تصل إلي من المصادر العليا أوامر جنونية غير معقولة، فإذا ~~تلقيت أمرا بطلب جزء لا غنى عنه من دبابة أو طائرة موقع من ستالين وأحد أمناء سره صحب هذا ~~الأمر على الدوام إنذار بتوقيع أقصى العقوبات إذا لم يجب الطلب على الفور. ~~«أبلغ الوزراء أن تنفيذ هذا القرار واجب حربي وسياسي غاية في الخطورة، ويجب أن يبلغ ~~النائب العام في اتحاد جمهوريات السوفيت الاشتراكية أن يشرف بنفسه على تنفيذ هذا الأمر، وأن ~~يوقع العقاب على من لا يقومون بتنفيذه مهما تكن منزلتهم.» وقد يصاغ الأمر في الصيغة ~~التالية: «يجب أن يشرف على تنفيذ هذا الأمر الوزير ببفوف، وكل من يرتكب جريمة الإهمال في ~~تنفيذه أيا كان مركزه يجب أن يرفع أمره إلينا ليحاسب على إهماله.» # ومعنى محاسبته على إهماله نقله من منصبه ومحاكمته أمام محكمة عسكرية، وقد تختتم الأوامر ~~التي يوقعها بريا الناطق باسم الشرطة السرية بالعبارة الآتية: «أبلغوا الوزراء أن ينفذوا ~~هذا القرار مهما تكن اعتراضاتهم عليه، وأن يرفعوا إلي أمر من يهمل في تنفيذه.» # هذا هو أسلوب ستالين المألوف، يحذو حذوه كل بيروقراطي في علاقته بمن هم أقل منه مرتبة من ~~الموظفين، وتلك لغة الخوف والإرهاب السافرة التي يقصد بها صراحة أن تذكرنا بمعسكرات ~~الاعتقال وفرق الإعدام رميا بالرصاص، ولم يكن ستالين يتورع عن التهديد بالاعتقال ~~والفصل. # ولم أعمل في وقت من الأوقات عملا أشق أو أطول أو أصعب في ظروفه مما كنت أعمل وقتئذ، ~~وسرعان ما اكتأبت ملامحي، وغارت عيناي، واحمر لونهما، وبدت علي الأعراض الأولية للحمى ~~التي تنشأ من الإجهاد الشديد، وكان كل من حولي من رجال ونساء يكدحون كما أكدح أنا، وما من ~~شك في أن بعضهم كان يحقد على الحكم السوفيتي كما أحقد عليه، ولكن آراءنا السياسية لم تؤثر ~~قط في إخلاصنا لقضية بلادنا وحرصنا على النصر، لقد ms678 كانت بلادنا معرضة للخطر، ولم يكن ثمة ~~شيء آخر له قيمة في نظرنا إذا قيس إلى هذا الخطر الشديد. # لقد كنا نعلم أننا إذا أفلحنا في اقتصاد يوم واحد أو ساعة واحدة، أو أرسلنا إلى جبهة ~~القتال شيئا مما ينقصها من أدوات مهما تكن صغيرة، فقد يؤدي هذا إلى إنقاذ حياة الآلاف من ~~بني وطننا، ولم يكن أحد منا في حاجة إلى دافع للعمل أقوى من هذا الدافع، ومن أجل ذلك لم يكن ~~للتهديد أي أثر فينا، فقد كنا نشعر على الدوام أن جهودنا مرتبطة أشد الارتباط بذلك الكفاح ~~المرير الذي يبذله أبناء وطننا، وإن لم نتحدث إلا قليلا عن هذا الشعور الذي يملأ نفوسنا؛ ~~ذلك أننا كنا نعالج الصعاب الواضحة الملموسة، فنصنع العتاد الحربي والعدد والآلات في ظروف ~~شاقة لا تترك لنا مجالا للتحدث عن مشاعرنا وعواطفنا. # وجرف تيار الوطنية الدافق المنبعث من أعماق التاريخ الروسي والروح الروسية جميع العاملين ~~في الأداة الحكومية من بمفيلوف إلى أصغر كاتب في الملفات؛ ولهذا فإن عملاء الدعاوة ~~الحقيرين، الذين يصدعون بأمر ستالين في داخل البلاد وخارجها، والذين يحاولون أن يعللوا ما ~~بذلناه من جهود مضنية بأنه ظاهرة بلشفية حديثة العهد بالبلاد، إن هؤلاء العملاء يظلمون ~~الشعب الروسي أشد الظلم؛ ذلك أنهم بقولهم هذا يحاولون أن يفسروا قوة أساسية أزلية كامنة في ~~طبيعة الروس كأنها ناشئة من آراء ومبادئ حزبية تافهة، لقد كانت المعجزة روسية لا سوفيتية، ~~فإذا ما فكرت في أمري وأنا أكدح كدحا شريفا متواصلا لا أدخر فيه جهدا بقيادة زعماء ~~أزدريهم ولا أثق بهم، أرى في شخصي رمزا لروسيا المحاربة. # وكانت الشهور الطوال التي قضيتها أعمل في مجلس وزراء الجمهورية متفقة في الزمن مع أشد ~~مراحل الحرب وأعظمها ضراما، فقد كانت تشمل صيف عام 1942م الذي توغل فيه الألمان في البلاد، ~~وظفروا فيه بأكبر انتصار لهم فيها، ووصلوا فيه إلى نهر الفلجا، وفيها وقعت الواقعة الرهيبة ~~التي وضعت ستالينجراد في تاريخ البشرية في مصاف مرثون ووترلو، أن في نفوس بعض ms679 الأمم عنصرا ~~أزليا شديد الصلابة، لا يلين للأحداث مهما قست، وهذا العنصر هو الذي تكشف للعالم في ~~ستالينجراد، ولم تقض عليه الفواجع والدم المسفوك، ذلك عنصر لا صلة له البتة بكارل ماركس ~~وستالين. # وظلت البلاغات الرسمية تهون من هزائمنا الساحقة، فكانت أشد هذه الهزائم هولا تمثل لنا ~~على أنها حركات عسكرية فنية، وكان العالم يعلم من أمر الكفاح الطويل المرير في إقليم ~~ستالينجراد أكثر مما يعلمه الشعب الروسي نفسه، ولكن من في طبقتا من الرؤساء في الإدارات ~~الحكومية لم يكن يسعهم أن يخادعوا أنفسهم، ولقد كانت مطالب جبهات القتال للمؤن والطائرات ~~والذخائر والجنود تقذف في قلوبنا الذعر واليأس في بعض الأحيان، ولم يكن في وسعنا أن نغمض ~~أعيننا عن أنهار الدماء المراقة في ميادين القتال. # وكانت خريطة كبيرة للروسيا معلقة على أحد جدران حجرة أتكين، وكانت الدبابيس الدالة على ~~تقدم الألمان في البلاد تتعمق يوما بعد يوم في داخلها، ويمتد بينها خط في لون الدماء يبين ~~ما نخسره من البلاد، ودخلت على أتكين في أحد الأيام فرأيته يحدق ببصره في الخريطة والقلق ~~الشديد باد في وجهه. # وقلت له بعد أن وضعت على مكتبه بعض الأوراق: «إن لدي أعمالا عاجلة يا أندراي ~~إيفانوفتش.» ~~- «إن الأوراق لن تطير، تعال إلي وانظر ما يفعل بنا الألمان الكلاب.» # ورأيت الخط الأحمر مجاورا لمزهايسك ولا يبعد عن موسكو أكثر من مائة ميل من جهة الغرب، ~~يفصل جميع أوكرانيا عن سائر البلاد ويقترب اقترابا مروعا من نهر الفلجا في اتجاه ~~ستالينجراد. ~~- «وماذا نفعل يا فكتور أندريفتش إذا ما استولوا على ما لدينا من بترول؟» # فأجبته قائلا: «إن الصورة مروعة، مروعة حقا! وكل ما يستطيع الواحد منا أن يعمله هو أن ~~يعمل ويعمل ويعمل، ومن حسن الحظ أن قد بدأ العتاد يصل إلينا سريعا بمقتضى قانون الإعارة ~~والتأجير.» # فقال أتكين في انفعال شديد: «الإعارة والتأجير! إن الذي تحتاجه هو أن تفتح جبهة ثانية، ~~ولكن الرأسماليين الكلاب لا يزالون يضيعون الوقت سدى، ولا يبالون كم من أرواح الروس ms680 ~~تزهق! إننا نؤدي أبهظ الأثمان نظير قانون الإعارة والتأجير.» # وكانت التعبئة العامة قائمة على قدم وساق من زمن طويل، وبدرجة لا مثيل لها في أية أمة من ~~الأمم المحاربة، وبلغ من شدتها أن انتزع الرجال العاملون من المصانع والمزارع في وقت بلغت ~~فيه الحاجة إلى الإنتاج غايتها القصوى. # وكنت أشغل في الحكومة مركزا أستطيع أن أبصر فيه هذه الصورة المفجعة بأجلى وضوح، فقد أصدر ~~ستالين أوامر لم تعلن جهرة تقضي بتجنيد جميع الرجال بين السادسة عشرة والسادسة والخمسين، ~~وبإغفال آخر مظهر من مظاهر الكشف الطبي الحقيقي، ومن إعفاء الذين لا تجد أسرهم من يعولهم ~~سواهم، وأعيد إلى جبهة القتال عشرات الآلاف ممن لم تلتئم جراحهم بعد، وحشد الأولاد ~~والبنات وهم لا يزالون بعد في سن الدراسة، كما حشدت الأطفال والأمهات، وانتزعت من ~~المزارع النسوة اللائي فقدن رجالهن، ليعمل هؤلاء كلهم في المصانع. # وأصبح من الضرورات الملحة في هذه الأزمة أن يستخدم الأسرى في كثير من الأعمال لتوفير ~~العدد الكافي من الرجال للعمل في جبهات القتال، تلك حقيقة يجب أن نعترف بها مهما ترتب عليها ~~من نتائج غير سارة، لقد كانت المصانع التي جند عمالها والتي أنشئت في سيبيريا وجبال ~~أورال، والوحدات الصناعية التي أنشئت حديثا في كافة أنحاء البلاد، كانت هذه كلها تخرج ~~عتادا مطرد الزيادة، ولكن الذين يقومون بالعمل فيها لم يكونوا كلهم مجندين روسا، ومن أجل ~~هذه فإن الذين يتحدثون في خارج بلادنا عن انتصار الروس، ويتخذون من هذا النصر دليلا على ~~نجاح النظام السوفيتي يكونون أقرب إلى الحقيقية إذا أثنوا على ما أحرزه من الفوز أولئك ~~الأسرى المجندون. # ولما كانت القوات المسلحة قد استنزفت جميع من في البلاد من الرجال القادرين على العمل ~~فإن الصناعة أخذت تعتمد اعتمادا متزايدا على أسرى الحرب، وقد تضخمت أعدادهم بمن ضم إليهم ~~من المعتقلين، وكانت الدوائر الرسمية تقدر عدد هؤلاء العمال بنحو عشرين مليونا من ~~الرجال، ليس منهم الأولاد والبنات الذين تتراوح أعمارهم بين الرابعة عشرة والسادسة عشرة، ~~والذين انتزعوا من ms681 بين والديهم بالقوة وأرسلوا إلى الأقاليم التي اشتدت فيها الحاجة إلى ~~الأيدي العاملة. # وكانت الصناعات الحربية في الروسيا كالصناعات الحربية في ألمانيا تعتمد قبل كل شيء على ~~السخرة، وأهم ما كان بين البلدين من فروق من هذه الناحية أن الألمان كانوا يسخرون أبناء ~~الشعوب الأجنبية المغلوبة، على حين أن الروس كانوا يسخرون مواطنيهم المستعبدين، وليس من ~~الصعب على المرء أن يتصور الأحوال الرهيبة التي كان أولئك المسخرون يعيشون فيها ويعملون، ~~لقد كان هؤلاء بضاعة رخيصة، ولم يكن رجال القسم السياسي يسألون عمن يهلكون منهم. # وكانت وزارتا الأسلحة والذخائر قد وضعتا منذ نشبت الحرب تحت سيطرة بيريا وزير ~~الداخلية، كما كان في الوقت نفسه رئيس مجلس الوزراء في جمهورية الروسيا السوفيتية ~~الاشتراكية وعضوا في لجنة الدفاع عن الدولة، وكان معنى هذا أن وزارتي الأسلحة والذخائر ~~ومجلس الوزراء كانت تحت رياسة الشرطة، وعرف هذا أوستنوف وفانيكوف المشرفان بالاسم في هاتين ~~الوزارتين، كما عرفه سائر الناس حتى أصغر الموظفين شأنا، وكان الموت العاجل أحب إليهم من ~~غضب بريا عليهم، وكان هذا الرجل وشرطته يقذفون الرعب في قلوب جميع من في المصانع والمعاهد ~~ذات الصلة القريبة أو البعيدة بصناعة الأسلحة والذخائر. # ولم يكن بيريا من المهندسين ولكنه وضع على رأس هذه الإدارات ليبعث الرعب في قلوب من ~~يعملون فيها، وطالما سألت نفسي - وما من شك في أن كثيرين غيري قد سألوا أنفسهم سرا - لم ~~أقدم ستالين على هذا العمل؟ ولم يكن في وسعي أن أجد لهذا السؤال إلا جوابا واحدا معقولا، ~~وهو أن ستالين كان ضعيف الإيمان بوطنية الشعب الروسي وشرفه القومي؛ ولهذا لم ير مناصا من ~~أن يجعل أكبر اعتماده على السود، وكان سوطه هو بيريا. # وكان ضعف الإيمان بوطنية الروس وشرفهم القوي يظهر أيضا في معظم الصناعات الأخرى، وشاهد ~~ذلك أن رؤساءهم المدنيين قد استبدل بهم رؤساء عسكريون أو رجال خلعت عليهم ألقاب عسكرية ~~وسلطات عسكرية، فإدارة النقل بالسكك الحديدية مثلا وضعت تحت إشراف القائد جروليوف نائب ~~ستالين في وزارة الدفاع، وكان ms682 جروليوف هذا يعمل بالاتفاق مع إدارة النقل التابعة لوزارة ~~الداخلية، فأدخل في إدارته النظام العسكري الشامل وأحل الخوف في نظام النقل محل التعاون ~~القائم على حب الوطن والعمل لمصلحته. # وجريا على هذه السنة رقى ماليشف المهندس الفني ومساعد رئيس الوزراء في جمهورية الروسيا ~~الاشتراكية إلى رتبة قائد وجعل له الإشراف على صناعة الدبابات، وأخضع لأمره رئيسها المدني، ~~وكذلك منحت ألقاب عسكرية لمديري المصانع وغيرهم من الشخصيات البارزة في هذه الصناعة، ~~وبذلك لم تلبث الإدارات الحكومية كلها أن صبغت بالصبغة العسكرية. # وسرعان ما امتدت يد بيريا وأيدي الإدارات التي يشرف عليها إلى العدد الأكبر من العمال ~~لتسخيرهم في الصناعات الحربية، ولكن بقي من ذلك من هؤلاء من يمكن تسخيرهم في سائر الصناعات ~~المتصلة بالاقتصاد القومي، ولقد عرفت من تجاربي وملاحظاتي الشخصية أنه لا يكاد يوجد مشروع ~~صناعي لا تعمل فيه فرق من العمال المسخرين، وأن عشرات من هذه المشروعات كان جل اعتمادها أو ~~كله على السخرة. # وكنت وأنا في المجلس أسمع الشيء الكثير من المشاكل الخاصة التي تواجه معسكرات الاعتقال ~~والسجون حين تضطر إلى إخلاء الجهات التي تقوم فيها بسبب تقدم الألمان، وكان إجلاء هؤلاء ~~المسجونين والمعتقلين أهم لدى الرؤساء المسئولين من إجلاء السكان الأحرار؛ وذلك لأن قدرتهم ~~على العمل كانت ذات قيمة اقتصادية خليقة بالإنقاذ، على أن أهم من هذا في نظر الرؤساء أن تلك ~~الفئة لا يمكن الوثوق بها، وقد تكون عونا للألمان، وكان ثمة سبب لا يمكن إغفاله وهو سبب ~~سياسي من غير شك؛ ذلك خوف ولاة الأمور من أن يعرف العالم الخارجي من هؤلاء الأسرى المعتقلين ~~بعض الأسرار الرهيبة عن مدى نظام السخرة السوفيتي وحقيقة أمره. # ومن أعضاء مجلس وزراء جمهورية روسيا السوفيتية من يعرفون عن حوادث أعدمت فيها جموع من ~~الأسرى عن آخرها حين تبين المسئولون أن هؤلاء لا يمكن ترحيلهم، حدث هذا في منسك وسمولنسك ~~وكيف وخاركوف وفي دنيبروبتروفسك مسقط رأسي وفي زبرزهي، وقد بقيت تفاصيل إحدى هذه الحوادث ~~منقوشة في ذهني، كان في جمهورية ms683 كبردينو - بلكار السوفيتية «المستقلة»، وهي جمهورية صغيرة ~~في بلاد القفقاس بها مصانع كبيرة لصناعة المولبدين # 2 # تشرف عليها وزارة الداخلية ويقوم بالعمل فيها المسجونون ، ولما ارتد الجيش ~~الأحمر عن هذا الإقليم ولم يكن من المستطاع إجلاء بضع مئات من هؤلاء المسجونين في الوقت ~~المناسب لأسباب فنية تتعلق بشئون النقل، أطلق الرفيق أنوخوف مدير المصانع المتحدة المدافع ~~الرشاشة على هؤلاء المساجين البائسين بأمر من الرفيق أنوخوف وزير الداخلية في جمهورية ~~كبردينو فلكار، وقتلهم عن آخرهم حتى لم يبق منهم رجل واحد ولا امرأة واحدة، ولما حرر ~~الإقليم بعدئذ من الألمان كوفئ أنوخوف على عمله هذا بأن عين رئيسا لمجلس الوزراء وهو ~~أرقى منصب في هذه الجمهورية المستقلة. # وكنت حين أستحث الإدارات المختلفة على أن تزيد في إنتاجها تعترضني على الدوام قلة يلحون ~~على بمفيلوف أن يمدهم بالأيدي العاملة مما لديه من احتياطي، وكان هو يستحث وزارة الداخلية ~~على أن تمده بما لديها من مسجونين ومعتقلين ليوزعهم على هذا المصنع أو ذاك، وكان في بعض ~~الأحيان يحيل المشكلة إلى فزنسنسكي أو مولوتوف أو بيريا مباشرة، وكان رئيس الإدارة ~~الرئيسية المشرفة على معسكرات عمال السخرة والمعروفة باسم الجولاج هو القائد ندوسكين أحد ~~مساعدي بيريا، وكانت تصدر الأوامر الخاصة بالعمال المسخرين إلى ندوسكين هذا من لجنة الدفاع ~~عن الدولة، وعليها توقيع مولوتوف وستالين وبيريا وغيرهم من أعضاء الحكومة، وكان عليه أن ~~ينفذها من فوره. # ولا تزال تحضرني مقابلة بيني وبين أحد كبار الرؤساء في الإدارة المركزية للعمال المسخرين ~~اجتمعت به بناء على أمر أتكين، وقد كلف هذا الرئيس بأن يبعث ببضع مئات من المسجونين إلى ~~إحدى الوزارات لشدة حاجتها إليهم، وكان بمفيلوف يستحثنا للتعجيل بإجابة هذا الطلب، ومما لا ~~شك فيه أنه هو نفسه كان يدفعه رؤساؤه الأعلون، واستدعيت أنا هذا الموظف وكلفته بإجابة هذا ~~الطلب. # فقاطعني الرجل قائلا: «ولكن أرجوك أن تحكم العقل فيما تطلبه يا رفيق كرافتشنكو، إن مجلس ~~وزرائكم ليس هو وحده الذي يلح في طلب العمال، فلجنة الدفاع هي الأخرى ms684 تطلبهم، والرفيق ~~ميكويان لا يفتأ ينغص علينا حياتنا بطلباته، وملنكوف وفزنسنسكي في حاجة إليهم، وفرشلوف يطلب ~~عمالا لإنشاء الطرق، ومن حق كل واحد منهم أن يظن أن عمله أعظم خطرا من عمل غيره، وماذا ~~نعمل نحن؟ إن الحقيقة التي لا خفاء فيها أنا لم ننفذ بعد ما وضعناه من خطط للقبض على ~~السجناء والطلب عليهم الآن أكثر من المعروضين منهم.» # خطط للقبض على السجناء! ألا ما أفظع هذا القول الرهيب الذي لا يزال يقشعر منه بدني كلما ~~تذكرته، ومما يزيد في فظاعته أن هذا الموظف الذي كنت أتحدث إليه لم يكن يحس بما في قوله هذا ~~من فظاعة، لقد أصبح القبض على الآدميين واستعبادهم من الأمور المألوفة في حياته، ولم يكن ~~الرجل يقصد بطبيعة الحال أن ثمة خططا توضع فعلا للوفاء بما يطلب من العمال، بل كل ما في ~~الأمر أنه كان يعبر عن شكواه - باللهجة السوفيتية المألوفة - من أن ملايين العمال المسخرين ~~لا يكفون ما يتلقى من الطلبات. # وقد كان العدد الضخم من الأحداث الذين يعملون في المصانع الروسية وضخامته مجهولا في ~~خارجها لسبب ما، بل إن هذا الأمر كان يحيط به في داخل الروسيا نفسها نطاق من السرية ويغشى ~~بطبيعة الحال بالرياء وبغلالة من المبادئ والألفاظ المعسولة، فإذا ما جردنا هذا النظام من ~~هذا الغشاء اللفظي الشفاف تكشف عن قسر وإرغام، فقد كان ملايين من الأطفال يخرجون من بيوتهم ~~بالرغم من آبائهم، ويحشرون في المصانع على أساس التعبئة العامة دون أن يستشاروا في نوع ~~العمل الذي يفضلونه عن غيره، ومن الخطأ أن تعزى نشأة هذا النظام إلى الحرب وضروراتها ~~وحدها، فقد نشأ في عام 1940م وظل قائما مستحكم الحلقات بعد أن وضعت الحرب أوزارها كما تدل ~~على ذلك الرسائل التي تلقيتها في هذه البلاد. # وصدر أول الأمر بتعبئة الأطفال في أكتوبر سنة 1940م، وكان يقضي بتجنيد عدد منهم يتراوح ~~بين 800000 ومليون من أبناء المدن والقرى بين الرابعة عشرة والسابعة عشرة من عمرهم؛ ~~لتدريبهم على العمل في الصناعات ms685 المختلفة، وقد أجاز هذا الأمر قبول من يتطوع من الأطفال ~~زيادة على العدد المطلوب تجنيده منهم، وكان الذين تقل سنهم عن السادسة عشرة يؤخذون في ~~الغالب ليدربوا على الأعمال التي تحتاج إلى شيء من الدربة الفنية مدى سنتين أو نحوهما، أما ~~الصناعات التي لا تحتاج إلى هذه المهارة فلم تكن مدة التدريب فيها تزيد على ستة أشهر، وكان ~~يؤخذ لهذه الصناعات من تتراوح أعمارهم بين السادسة عشرة والسابعة عشرة. # فإن أتموا تدريبهم على هذا النحو أو ذاك وزعوا كما ينص مرسوم التجنيد على المصانع ~~والمناجم ومشروعات البناء وغيرها من الأعمال حسبما تراه إدارة احتياطي العمال، ويظلون في ~~أعمالهم هذه أربع سنين، وكان هذا النظام في حقيقة أمره تجنيدا عسكريا للأطفال رغم ما كان ~~يغشاه من رياء الألفاظ والدعاوة الباطلة المموهة، فقد كان الأطفال ينتزعون من أحضان آبائهم ~~وأمهاتهم «لخيرهم» بطبيعة الحال. # وما وافى عام 1943م حتى كان العدد المطلوب تجنيده من الأطفال يبلغ مليونين في كل عام، ~~وأصبح من المناظر المألوفة في بلادنا المنكوبة أن ينتزع الأطفال بقسوة من أحضان آبائهم وهم ~~يبكون ويكافحون، وآباؤهم يعولون وينتحبون، وكان يؤتى لهم بحلل عسكرية، ويأوون في ثكنات ~~حكومية، ويخضعون لنظام قاس لا يفترق في شيء عن الأنظمة العسكرية، وكان وقتهم يوزع بين العمل ~~والدرس والتدريب الرياضي طبقا لقواعد لا تجعل منهم خداما للنظام السوفيتي طائعين فحسب بل ~~متعصبين له أيضا، ومن أجل هذا كانت التربية السياسية أهم عنصر في تعليمهم. # ولقد رأيت حتى قبل الحرب وأنا لا أزال أعمل في مصانع الأنابيب في موسكو جماعات كثيرة من ~~الأطفال انتزعوا من بيوتهم ليعملوا في المصانع، وأتيح لي في هذا المصنع أن أعرف النظام ~~كله عن كثب، فرأيت الأطفال يستيقظون من نومهم في منتصف الساعة السادسة صباحا على صوت ~~النقير أو دق الطبول ليبدءوا تدريبهم العسكري، فإذا فرغوا منه أفطروا ثم بدءوا عملهم في ~~الساعة السابعة البنون منهم والبنات طبقا للقواعد الصارمة الموضوعة لتربيتهم ليصبحوا آلات ~~تسيرها الدولة. # وثمة أمر آخر يجعل هذا النظام ms686 خليقا بالسخرية، وهو وضعه من الناحية السياسية تحت إشراف ~~نيقولاي شفرنيك رئيس نقابات العمال في جميع الدولة السوفيتية، وأحد أعضاء الهيئة السياسية ~~العليا، أما رئيس إدارة احتياطي العمال التي كانت تشرف على تدريب الأطفال المجندين وتوزعهم ~~على الأعمال في مختلف أنحاء البلاد حسب حاجة الدولة إليهم فهو مسكتوف أحد أمناء السر في ~~نقابات الصناع التي يشرف عليها شفرنيك. # وقد جرى تجنيد الأطفال بأمر من الحكومة خمس مرات في أثناء الحرب، وبذلك بلغ عدد المجندين ~~من الأولاد والبنات نحو تسعة ملايين، يضاف إليهم مئات الآلاف من الأولاد الذين لا يتجاوزون ~~الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من العمر والذين حشدوا في مدارس حربية جديدة أنشئت في ~~تلك الأيام لكي يتخرجوا منها ضباطا للجيش على النمط الذي كان يدرب عليه الأطفال الأولون ~~ليكونوا صناعا عاديين. # أما المجندون العسكريون فكانوا في معظم الحالات من المتطوعين، ولكن جموعا من أيتام الحرب ~~يؤخذ بعضهم من بيوت الأطفال وبعضهم الآخرون من المشردين الذين لا مأوى لهم كانوا يحشدون ~~هم الآخرون في هذه الصفوف، وفضلا عن هذا فقد كان الآباء الذين يعجزون عن إطعام أبنائهم ~~يرسلونهم إلى المدارس الحربية، وكان هذا في واقع الأمر تطوعا يدوم مدى الحياة، والآن أصبح ~~التعليم العالي هو والفصول الثلاثة العليا في المدارس الثانوية مقصورا على من يدفعون ~~الرسوم المدرسية، واتخذ القرار الصادر بفرض هذه الرسوم - إذا صدقنا ما يقوله الكرملن - «لأن ~~مستوى حياة الصناع في البلاد قد ارتفع إلى حد كبير ...» ومن أجل هذا يرى كثير من الأسر التي ~~تعجز عن أداء الرسوم المدرسية أن التعليم الحربي هو خير ما يجده أبناؤهم من الفرص للفرار من ~~صفوف طبقة العمال الكادحة المستغلة. # فإذا ما استمر نظام تجنيد الأطفال للعمل في المصانع - ومخايل الأمور تدل على أن هذا ~~النظام سيستمر - فلن يحل عام 1960م حتى يكون لدى الحكومة السوفيتية من أربعين إلى خمسين ~~مليونا من الأطفال المجندين بمقتضى هذا النظام العسكري، وسينشأ من هذا النظام طائفة جديدة ~~من العمال تقل عندهم إلى أقصى حد ms687 ذكريات الحياة المنزلية بين الآباء والإخوة، وذكريات ~~الماضي الحر وما فيه من مؤثرات عقلية، كل هذا لن يسمح لهم منه إلا بما يجيزه ولاة الأمور، ~~وستغرس في عقول هؤلاء العمال الجدد المبادئ الشيوعية ونظريات ستالين في الثورة العالمية، ~~وسيكونون خلائق لا عهد لهم بالحرية الشخصية أرادوا ذلك أو لم يريدوه، وسيكون هؤلاء الروس ~~المتلفون أدبيا وسياسيا قوة هائلة في أيدي النظام الحاضر يستخدمهم في داخل البلاد ~~وخارجها. # وسيضم إلى هذا العدد الضخم من المواطنين الذين أعدوا بهذه الطريقة الخاصة نحو عشرين ~~مليونا آخرين من سجناء الشرطة السرية المسخرين، وبجيش ضخم من الجنود والضباط المحترفين ~~دربوا من طفولتهم على مبادئ ستالين، مبادئ الدفاع عن النظام السوفيتي، هذا فضلا عن ~~المجندين العاديين والجنود الاحتياطيين، ويجب ألا تغفل في هذا الإحصاء عشرات الملايين من ~~الأطفال الآخرين الذين ينشئون في المدارس العادية على المبادئ الشيوعية، حيث يشغل الإخلاص ~~للنظام القائم وأساليبه المكان الأول في البرامج الدراسية. # ولقد كانت هذه الصورة الذهنية صورة الإنسانية المجندة على هذا الأساس الضخم الرهيب تعود ~~إلى مخيلتي كلما طالبت بالأيدي العاملة إجابة لمطالب الوزارات المختلفة لتمد بها المصانع ~~التي تكون في أشد الحاجة إليها، وخيل إلي أن هذا النظام أقرب النظم البشرية إلى مملكة ~~النمل أو خلايا النحل، وزاد هذه الصورة فظاعة ورهبة أنها توشي بحواش من النفاق وتتحدث عن ~~كرامة العمل وخدمة «الاشتراكية» الجماعية، وأنها يديرها ويشرف عليها «زعماء الطبقة العاملة» ~~أمثال النخاس شفرنيك، وما من شك في أن سادة الكرملن يعزون حملتي على هذا النظام إلى «مبادئ ~~الحرية الفاسدة» المتأصلة في نفسي والتي كانت أصولها أعمق من أن يستأصلها طول العهد بالنظام ~~السوفيتي. # وأحسست بنقص العتاد الحربي نقصا يرثى له من أول يوم شغلت فيه منصبي الجديد، وقد شرحت ~~لي هذه الحقائق في اجتماع عقد في الكرملن بناء على دعوة من ألكسي كازجين أحد مساعدي ~~ستالين ومن أشد هؤلاء المساعدين بأسا، وكانت موضوعات البحث في هذه الجلسة تشمل كثيرا من ~~الشئون التي تختص بها الإدارة التي أشرف ms688 عليها، ومن أجل ذلك أراد أتكين أن أكون فيها إلى ~~جانبه، لكنه أمرني ألا أنطق بكلمة في هذا الاجتماع العظيم إلا إذا وجه الكلام إلي ~~شخصيا. # وكان كازجين يمثل الهيئة السياسية العليا في الإشراف على خمس من الوزارات كما كان هو ~~المشرف على شئون التسليح الهندسي الحربي، وأقبل خمسة من الوزراء على حجرة الانتظار الكبيرة ~~قبل الاجتماع بزمن طويل، وكان الموعد المحدد له هو الساعة الواحدة صباحا، وتحللنا بعض ~~الشيء من المظاهر الرسمية في هذا الاجتماع، فقد كان المجتمعون يعرف بعضهم بعضا حق المعرفة، ~~بل لعلهم كانوا يعرفون بعضهم بعضا أكثر مما يجب؛ ذلك أن السلطة العليا هيئة وثيقة العرى ~~يسمح أعضاؤها لأنفسهم بالتفكه والتندر والسخرية والثرثرة. # وجلس في ركن من أركان الحجرة الرفيق جنزبرج وزير التعمير وهو رجل بدين قصير القامة أصلع ~~الرأس على عينيه منظاران سميكان، وأخذ يشرب الشاي ويأكل الحلوى في هدوء، وجلس في مكان آخر ~~رجل طويل القامة يلبس تحت سترته قميصا روسيا ملونا يأكل تفاحا، هذا هو أكيموف وزير ~~صناعة المنسوجات، وحذوت أنا حذوه فمددت يدي إلى وعاء الفاكهة الكبير، ورآني الرفيق لوكيين ~~وزير الصناعات الخفيفة فأشار إلي بطرف عينه وهو مشهور بين زملائه بفكاهته ومزاحه. # ويخاطب لتكين أحد رجال كزجين بقوله: «إلى متى تعذبنا في هذا المكان، إني أريد طعاما من ~~لحم وبيض مثلا، ولست أظن أن ثمة ضررا في شرب زجاجة من الفودكا تساعد على ابتلاع هذا ~~الطعام.» # ويجيبه ذلك الرجل وهو يضحك قائلا: «نعم، إنك في حاجة إلى ما يقويك في هذه الليلة، ~~فسترسل إلى الجحيم، وخير لك أن تعد نفسك لها.» # ويشترك في الضحك كل من في الحجرة عدا الرفيق سسنين وزير مواد البناء، وهو رجل طويل القامة ~~ذو وجه مكتئب شاحب اللون، ولا عجب أن يكون وجهه مكتئبا فهو يقوم بعمل لا ينال عليه شيئا ~~من الحمد، بل يتلقى تعنيف الرؤساء في كل اجتماع يحضره، وهذا الاكتئاب الذي لا يفارق سسنين ~~يقابله مرح أكويوف وزير صناعة الآلات، وقد كان هذا ms689 لرجل من وقت قريب مديرا لأحد المصانع في ~~إقليم أورال، وها هو ذا أصبح الآن وزيرا يعرف الناس عنه أنه من أقرب المقربين إلى مكويان، ~~ويعزو الناس هذا الرقي السريع في المناصب الرسمية إلى نجاحه في اختراع مدفع صاروخي يعرف ~~باسم «كاتوشا» لا يزال أمره سرا من الأسرار الغامضة، وأكوبوف هذا أرمني ضئيل الجسم، أشمط ~~الشعر، ذو وجه صغير تبدو فيه مخايل المكر والدهاء، وعينين جميلتين. # ثم يقبل المارشال فروبيوف يصحبه القائد كلياجين، وفروبيوف هو مساعد ستالين لشئون فرق ~~المهندسين من الجنود في ميدان القتال وفي شئون التموين، ولما كانت مشاكله هو الآخر تمر في ~~الإدارة التي أشرف عليها فقد أصبحت أعرفه جد المعرفة، وهو يحييني أحسن تحية، فكلانا في حاجة ~~إلى الآخر، وهو وكليمان يعرفان مقدار ما أبذل من جهود للوفاء بطلبات جبهة القتال، وتتجه ~~عقولنا إلى الباب البلوطي الكبير المؤدي إلى حجرة ألكسي كزيجين في الوقت الذي نشرب فيه ~~الشاي ونتجاذب أطراف الحديث، وأخيرا يفتح هذا الباب. # وينادي أحد أمناء السر: «ألكسي نيقولايفتش يدعوكم إلى الاجتماع.» # ويسود السكون ويظهر كل منا بالمظهر الرسمي؛ لأننا إذا كنا في حضرة كزيجين لا نبعد إلا ~~خطوة واحدة قصيرة عن الزعيم المحبوب نفسه، وهو يجلس في حجرة فسيحة عالية الجدران، بيضية ~~الشكل، علقت على جدرانها صور زيتية لجميع أعضاء الهيئة السياسية العليا على أبعاد ~~متساوية بعضها من بعض، ويلفت نظري في هذه الحجرة مذياع كبير مصنوع في خارج البلاد؛ لأن ~~أحدا من خلق الله العاديين في بلادنا لم يكن يسمح له في أيام الحرب باقتناء مذياع، وكانت ~~منضدة الاجتماع كبيرة تتسع لثلاثين شخصا يجلسون حولها وعليها غطاء أخضر. # ويجلس كزيجين في صدر المنضدة وعليه حلة مصنوعة في خارج البلاد، وتعلو وجهه نظرات ~~صارمة، وملامحه ناطقة بأنه لم ينل كفايته من النوم، وبأنه لا يقل تعبا عني، وهو يرد تحيات ~~الوزراء والقواد بإيماءة خفيفة برأسه. # ثم يأمرنا بالجلوس ويقول: إن رئيس الجفيوك سيتحدث إلينا، والجفيوك في اختصار اسم الإدارة ~~التي يشرف عليها المارشال ms690 فرينوف، وهو الذي قام ليتحدث إلينا، ولم يغب عن واحد منا المعنى ~~الكامن وراء قول كزيجين أن رئيس الجفيوك سيتحدث إلينا، بدل أن يذكر الرجل باسمه ولقبه، وكنت ~~أنا أكثر الحاضرين علما بما تتضمنه هذه العبارة من معان، فهي شاهد على أن كزيجين غاضب وعلى ~~أنها نذير سوء لنا جميعا. # ويتحدث إلينا المارشال فريبوف نحو خمس عشرة دقيقة يقرأ علينا في أثنائها في إضبارة من ~~الأوراق، ويرسم لنا صورة قاتمة عن نقص المؤن والعتاد، فيقول: إنه لا توجد لدينا سيارات ~~لعبور الأنهار، وإن هذا يكلفنا آلافا من الأرواح، وأن ليس لدينا جسور مصنوعة أو ألغام ~~لتعطيل تقدم العدو، أو سيارات مجهزة بالعدد اللازمة لإصلاح الآلات، أو عدد أسلاك تليفونية ~~أو مدافئ للخنادق أو فئوس أو مجارف للجنود المشاة. # ولم يكن كزيجين يرفع عينه عن الأوراق التي أمامه، ويكاد طوال الوقت يتميز من شدة الغيظ، ~~فعضلات وجهه ترتجف، أما أنا فكنت في هذه الأثناء أسائل نفسي قائلا: «لم لم يكن لدينا ما ~~نقاوم به هذا العدو المجهز بأحسن آلات القتال؟ ولم أضعنا هاتين السنتين اللتين كنا ننعم ~~فيهما بالسلام؟» ويواصل كزيجين قراءة ما لديه من إحصاءات، ولكن المارشال لا يستطيع أن يكظم ~~غيظه فينفجر قائلا: «إن الناس يموتون بالآلاف في جبهة القتال في كل دقيقة! ولم لا نمدهم ~~بحاجتهم من الفئوس والمجارف والعدد لقطع الأسلاك الشائكة؟ إن أبناءنا يصنعون الجسور من ~~أجسامهم الدامية؛ لأنهم تعوزهم العدد التي يقطعون بها الأسلاك، أيها الرفاق تلك كلها أمور ~~تسربلكم العار وأي عار! إنا لا نجد المصابيح بله الأنوار الكاشفة، ليست لدينا مصابيح ~~الكيروسين العادية، وقد كرر الرفيق ستالين نفسه طلب هذه المصابيح ثماني مرات في الأشهر ~~الأخيرة، ولكن شيئا منها لم يصل إلى جبهة القتال، ولا نزال في حاجة إلى أجهزة التخفي، إني ~~أضرع إليكم أيها الرفاق يا من تتولون أمور الصناعة في البلاد وأستحلفكم باسم الجندي البسيط ~~في الميدان.» # ويقول كزيجين في صوت أجش بعد أن يجلس المارشال: «كل هذا واضح لا خفاء ms691 فيه، أي أنواع ~~المصابيح تقصد؟» # ويرفع ضابط كبير يجلس إلى جانب المارشال فانوسا مستديرا ساذجا لا يزيد على إطار معدني ~~وألواح من الزجاج. # ويصيح كزيجين وهو غاضب: «ونحن لا نستطيع أن نصنع هذا الشيء الحقير.» # واتفق أن كنت على علم بهذه المشكلة نفسها فاستأذنت أتكين وقلت: «اسمح لي أن أوضح الأمر يا ~~ألكسي نقولايفتش، إن صنع الفوانيس لا يسير بالسرعة المطلوبة لأنا تنقصنا الصفائح والآلات ~~اللازمة لصنعها، والزجاج من النوع والحجم الصالحين، فمصنع الصفائح الكبير الذي أخلي في ~~نوفومسكوفسك لم يعد إلى العمل حتى الآن، وليس في وسعنا أن نحصل على الزجاج إلا من ~~كرستويارسك، ولعل في وسع الرفيق سسنين أن يحدثنا عما يمنع حصولنا عليه.» # فصاح كزيجين وهو يدق المنضدة بيده: «يجب أن تصنع الفوانيس، وأنا أقول لكم: إن هذا الإهمال ~~الإجرامي يجب أن يقف عند حده! إن العتاد الحربي يجب أن يصنع كما يطلب الرفيق ستالين، ~~ولو تطلب ذلك سلخ جلود أولئك الأوغاد! ماذا تريد أن تقول يا سسنين؟» # ونزل هذا القول على سسنين نزول الصاعقة، فتلعثم وهو يقول: إن الآلات التي في كرستويارسك ~~غير صالحة للعمل، وإن محطة توليد الكهرباء معطلة، وإن الأيدي العاملة غير متوفرة. # ويستدعي كزيجين أكموف وغيره ويدوم الاجتماع ساعات طوالا وكل تقرير نستمع له يزيد اليأس ~~الذي يسود الاجتماع شدة، ويبدو من خلاله أن العجز في المواد والآلات ووسائل النقل يزداد في ~~كل يوم عن اليوم الذي قبله، ويتحول كزيجين من الحديث ومن الأسئلة إلى الصراخ وإصدار ~~الأوامر، وتحديد الطلبات والمواعيد، دون أن يستشير أحدا، وترتجف عضلات الوزراء والقواد، ~~وتضطرب أعصابهم كأنهم صبية في مدرسة أمام ناظر غضوب، ونطرق نحن وننظر إلى مواطئ نعالنا حتى ~~لا تقع عين أحدنا على وجه زميله، ونعرف كلنا ويعرف كزيجين أن النقص حقيقة واقعة، وأن ليس ~~فينا من يقوى على الإتيان بالمعجزات. # ويدق جرس المسرة في أثناء نوبة من الغضب على جنزبرج أحد الوزراء العظام، ويتضح أن كزيجين ~~يعلم من يدعوه، وتتبدل لهجته وملامح وجهه، بل تتبدل ms692 جلسته نفسها تبدلا مفاجئا، ويلين ~~ويخضع ويتذلل ويقول: «نعم باجوزف فيسارينوفتش ... بطبيعة الحال باجوزف فيسارينوفتش ... سيكون ~~هذا! سأتخذ إجراءات عاجلة»، إنه ستالين! وتسري في أعصاب الجالسين حول المنضدة موجة من ~~الرهبة والاحترام، ونجلس كلنا كأننا خشب مسندة أو تماثيل جامدة، ويضع كزيجين سماعة المسرة ~~في هدوء وحرص شديدين كأنها مصنوعة من الزجاج، ولا يستطيع العودة إلى ما كان يصدره من أوامر، ~~وما كان يلغ فيه لسانه من شتائم، إلا بعد خمس دقائق كاملة. # ولا ينفض الاجتماع إلا في منتصف الساعة الخامسة صباحا، وقد حمل كل منا حملا ثقيلا من ~~الأوامر: نصف مليون من حلل التخفي، ومليون من المجارف، ومائة ألف لفة من الأسلاك التليفونية ~~للميدان، إلى غير هذه من الأصناف ذات الأرقام المهولة المروعة، وندرك كلنا أن الوفاء بهذه ~~المطالب من رابع المستحيلات، وأننا إذا وفينا بثلاثة أرباعها على الأكثر اغتبط بذلك الرؤساء ~~الكبار، ونلنا العلاوات وأوسمة الشرف، وندرك كلنا فضلا عن هذا أن تلك الأرقام قد بولغ فيها ~~عن قصد، حتى تستنزف آخر قطرة من دماء الصناع، وأن الحاجة أعظم كثيرا مما تستطيع الخطط ~~الموضوعة أن تفي به. # وأصل إلى البيت، وأصعد الدرج المظلمة إلى الطابق الأعلى، وأتحسس طريقي في الدهليز الحالك ~~إلى باب شقتنا، وتتحرك إيرينا وتسألني وهي نعسانة عن سبب تأخري، وهل ثمة ما يسوء، فأجيبها ~~بأن الأمور تسير على أذلالها، وأطلب إليها أن تأوي إلى فراشها، وأخبرها أن الأمر لا يعدو أن ~~يكون اجتماعا آخر، وتلوح تباشير النهار. # وأشهد في الأيام المقبلة عشرات من هذه الاجتماعات تعقد في الكرملن بدعوة من النائبين ~~عن ستالين: فرنيسنسكي وسيروف وغيرهما، ولم يكن الجو الذي يسود هذه الاجتماعات ولا الإجراءات ~~التي تتبع مما يختلف عن جو الاجتماع الذي عقده كزيجين، وعما جرى فيه، فقد كانت أوامر ستالين ~~وتوجيهاته ومطالبه التي لا تبالي بالصعاب وتلح في الحصول على النتائج، كانت هذه هي التي ~~تسود كل هذه الاجتماعات. # الفصل الخامس والعشرون # | حقيقتان # لم أكن وأنا رئيس إحدى الإدارات في مجلس الوزراء أكسب ms693 نصف ما كنت أكسبه في المصانع، ولم ~~يكن يصل إلى يدي شيء من العلاوات التي كان مديرو المصانع يمنحونها أنفسهم، ولكن المال في حد ~~ذاته كان عديم النفع في وقت عز فيه كل شيء إلى حد يبعث الخوف في النفوس، وكل ما كان يهم ~~الإنسان في ذلك الوقت هو مقدار ما خصص له من الجرايات وما في البلد من حوانيت يستطيع أن ~~يبتاع منها حصته. # وكنت أنا من هذه الناحية ضمن الطبقات العليا الممتازة، فقد كانت تفتح لي أبواب المخازن ~~الخاصة (التي تسمى في اللغة الرسمية «بالموزعات المغلقة») وأبواب مصانع الأحذية والملابس ~~المخصصة لكبار رجال الحكومة، وفي هذه المحال كنت أقابل الصفوة المختارة من رجال الحزب ~~والحكومة والشرطة والكرملن، كما كنت أقابل فيها أحيانا زوجاتهم وسائقي سياراتهم ~~وخدمهم. # ولم يكن واحدا من كل ألف روسي يعتقد أن هذه الحوانيت قائمة، وكان ولاة الأمور يديرونها ~~في حذر شديد بعيدين عن أعين الجماهير بقدر ما يستطيعون، فقد كان صف من السيارات الفخمة يقف ~~في خارج مخازن الطعام «المغلقة» مثلا، ولكن قل من كان يعرف من المارة سبب وقوف السيارات ~~أمام تلك المخازن، ولم يسعد الحظ أحدا من أهل موسكو العاديين بأن يرى، ولا أقول بأن يذوق، ~~ما امتلأ به مخزن مؤننا من طعام شهي جاءه من بلادنا نفسها ومن أمريكا بمقتضى قانون الإعارة ~~والتأجير. # ولم يكن يسمح لنا بطبيعة الحال أن نشتري من الطعام أكثر مما هو مقرر لنا، ولكن هذا الطعام ~~المقرر كان فوق الكفاية، وكان يشمل من الأصناف ما انمحت ذكراه نفسها من عقول أهل البلاد، ~~فكنت بذلك من الطائفة التي نجت من البرد والجوع، ولم أقاس منهما ما قاسته البلاد من بلاء لا ~~يقل عما حل بها في أسوأ سني الحرب الأهلية، وذلك كله بعد ربع قرن من «التعمير الاجتماعي»، ~~وبعد فترات من مشروعات السنين الخمس الناجحة. # وكانت مقرراتي الشهرية من الطعام تشمل اللحم الطري، والطعام المحفوظ، والزبد والسكر ~~والدقيق واللحم المملح - وكلها من واردات الولايات المتحدة - كما كانت ms694 تشمل من طعام بلادنا ~~السمك الطري، والدجاج والسمك المجفف والخضر والفودكا والنبيذ والسجاير، ولم تكن خمسة عشر ~~ألفا من الروبلات تكفي لأن أبتاع من السوق السوداء ما كنت أبتاعه بمائة وخمسين روبلا من ~~الحانوت «المغلق» الذي كان يقف على بابه أحد رجال الدرك، وإذا كانت زوجتي رغم هذا لم تجد ~~كفايتها من الطعام في بعض الأيام، فماذا كان نصيب خلق الله العاديين؟ أما من حيث الملابس ~~فقد خصص لكبار الموظفين عدد من الخياطين يعدون لهم الثياب من أقمشة الإعارة والتأجير ~~الواردة من أمريكا وإنجلترا، وذلك في الوقت الذي كانت فيه الحلة المستعملة تباع في السوق ~~الحرة بآلاف من الروبلات. # وكانت موجة من الربح الوفير تطوف من حين إلى حين بحوانيت الثياب «الحرة» في موسكو، وذلك ~~أنه إذا ما وصلت شحنة من الملابس الداخلية والخارجية أو ملابس الأطفال انتشرت أخبارها في ~~البلاد انتشار النار في الهشيم، وسرعان ما يقبل الناس على الحوانيت ويقفون أمام أبوابها في ~~صفوف طويلة على الرغم من أن أبسط الملابس القطنية المنزلية قد تكلف طالبها بين خمسمائة روبل ~~وألف، وأن الجورب كان يباع بثمن يتراوح بين خمسين وخمسة وسبعين روبلا، وأن الحلة العادية ~~تباع بألفي روبل وخمسمائة أو أكثر، لقد كان هؤلاء الناس يقفون أمام الحوانيت ساعات طوالا ~~وفي أيديهم حزم ضخمة من أوراق النقد البالية الممزقة القذرة يرجون ألا ينفد ما فيها قبل أن ~~يصل إليهم الدور. # وكان كل يوم يمر تختفي فيه سلع كالخيط والصابون وعيدان الثقاب والمصابيح الكهربائية ~~وأدوات المائدة والمطبخ، وارتفع ثمن اللتر من الكيروسين في السوق الحرة إلى مائتي روبل، ولم ~~يكن النور الكهربائي يدوم في بيوت موسكو أكثر من ساعتين أو ثلاث ساعات في الليلة، وكان ~~الذين لا يستطيعون الحصول على الكيروسين - وهم الكثرة الغالبة من أهل المدينة - يجلسون في ~~الظلام الحالك خلف نوافذهم المظلمة. # واضطر الناس في شتاء عام 1942-1943م إلى إحراق أثاث بيوتهم وكتبهم وكراساتهم الموسيقية ~~وكل ما يستطيعون أن يحصلوا به على الدفء بضع دقائق، وانتزعوا الألواح الخشبية ms695 من أرض الحجر ~~والعروق من سقفها ليدفئوا بها بيوتهم حتى لا تتجمد أطراف أطفالهم، وكان الناس يطوفون بأبواب ~~جيرانهم الجياع يدقونها وينادون من فيها ليعرفوا أأحياء هم أم أموات. # ووضعت أنا وإيرينا مدفأة حسنة في مسكننا، واستعنت بمجلس الوزراء لأحصل على حاجتي من ~~الخشب، وكان في وسعي أن أدخر قليلا منه لجيراني أمدهم به من حين إلى حين، وإن كان هذا يعد ~~خروجا على القانون. # وكنت أسائل نفسي أحيانا: أليس ما يبدو علي من مظاهر النعمة النسبية مما يؤلم جيراني ويحز ~~في نفوسهم، وكانت إيرينا تطهي طعامها في شقتنا على موقد كيروسين بعيدة عن أعين الناس، وكنا ~~نفعل هذا على مضض وعلى الرغم من أننا لم نكن نختص أنفسنا بهذه الميزة بل كنا نشرك فيها ~~جيراننا، وكانت هذه الأيام من الأوقات التي ألف الناس فيها رؤية الأهلين من رجال ونساء ~~يسقطون في شوارع موسكو ويموتون من فرط الجوع. # لكن الموتى كانوا يدفنون، وأنصاف الموتى يئنون ويتوجعون في بيوتهم الباردة، والأحياء ~~يكافحون آلام البرد والجوع، وكانت أعمالي الرسمية تضطرني لزيارة عدد كبير من المصانع نقص ~~فيها الإنتاج عن الحد المقرر، وما من مرة إلا وجدت أن الجوع سبب هذا النقص، وأن المصانع ~~التي كانت تقدم إلى عمالها وجبة واحدة مغذية إلى حد ما أكثر إنتاجا من التي لا تستطيع هذا، ~~وقال لي المشرفون عليها: «أعطوا العمال كفايتهم من الطعام ينتجوا لكم حاجتكم من السلع، أما ~~الآن فإن عمالنا لا يجدون في أنفسهم من القوة ما يمكنهم من الوفاء بمطالبكم ~~المرهقة.» # وأرسلني بمفيلوف مرة في سيارة خاصة إلى مدينة سلنكوجوسك القريبة من موسكو للتفتيش على ~~مصنعين فيها، وكان إنتاجهما من الدقيق قد قل لنقص المناخل بسبب حاجتها إلى الأسلاك الرفيعة ~~التي تصنع في هذين المصنعين، وكان معي في رحلتي شاب لا أعرفه قيل لي أنه مهندس، ولكنه في ~~أغلب الظن من عمال الإدارة الاقتصادية التابعة للقسم السياسي، ولم يكن سبب وجوده معي أن ~~الرؤساء تعوزهم الثقة بي فأرى في ذلك إهانة لي، ms696 بل كان ذلك عملا عاديا مألوفا. # وانطلقت بنا السيارة في إقليم احتله الألمان بعض الوقت وخربته نيران المدفعية وقنابل ~~الطائرات، وأبصرنا على جانبي الطريق دبابات وسيارات ألمانية محطمة، ومررنا بقرى ودساكر لم ~~نر فيها بيتا واحدا سليما، وتسلل من هذه الخرائب نساء وأطفال كأشباح الموتى في أسمال ~~بالية وعيون غائرة وأخذوا يمدون بالسؤال أيديهم المرتجفة، وكان معنا لفة من الطعام أعدها ~~لنا مطبخ مجلس الوزراء فتصدقنا بها كلها قبل أن نصل إلى القرية المقصودة، وشاهدنا في طريقنا ~~جماعات كبيرة من المسجونين يحيط بهم حراس كثيرون يعملون في إصلاح الطرق. # وكانت سلنكوجورسك نفسها قد نجت من الدمار، ووجدت في انتظاري مديري المصانع وكلهم راغبون ~~في التعاون معي، ووافقوني على أن من المستطاع تغيير الآلات في مصانعهم لإنتاج الأسلاك ~~المطلوبة ولكنهم كلهم أخذوا يصفون لي آلام الجوع المبرحة. # وكان مما قاله لي واحد منهم: «إن رجالنا راغبون في العمل ولكننا ليس لدينا إلا الشيوخ ~~الطاعنون في السن، والأطفال الصغار والنساء، وكلهم تنقصهم تجارب العمل في المصانع، غير أنهم ~~يبذلون في العمل كل ما أوتوا من جهد، ولا يرفضون أن يواصلوه ليلا ونهارا أياما متوالية ~~وأن يقضوا ليلهم هنا في المصنع إذا دعت الضرورة، بيد أنهم لن يجدوا القوة الجسمية التي ~~تمكنهم من العمل إلا إذا حصلوا على مقرراتهم المعتادة من الخبز على الأقل كما يحصل عليها ~~غيرهم من المدن الأخرى.» # وسألته مندهشا: «ولم لا يحصلون على هذه المقررات؟» # فأجاب: «لأننا نسكن إقليما من أقاليم الريف، وقد كان المفروض أنا ننال كفايتنا مما ~~ننتجه، ولكن هذا لا يعدو أن يكون كلاما نظريا، أما الحقيقة فهي أن الفلاحين يكادون ~~يهلكون من الجوع، ولعلك رأيتهم في طريقك إلى هذا المكان.» # ولم يكن رفيقي الشاب أقل مني أسى مما شاهده من مظاهر البؤس من المصنعين، وقال لي ونحن ~~عائدان في السيارة إنه يوافقني على أن من العبث أن نفكر في زيادة الإنتاج من مصنعي ~~سلنكوجورسك إلا إذا حللنا أولا مشكلة الطعام. # وكان الرؤساء قد غادروا مكاتبهم ms697 ليستمتعوا بفترة الراحة المسائية حين عدت إلى مكتبي، ~~فأعددت قبل مجيئهم مشروع قرار مفصل تصدره الحكومة لإعادة تنظيم المصانع واستغلالها، ~~واستقبلني بمفيلوف في منتصف الليل، وقرأ مسودة مشروعي في حضرة أتكين، فلما فرغ منه أشار ~~برأسه الأصلع وقال: «حسن ... حسن ... حسن جدا.» ولكن وجهه ما لبث أن تجهم: «ما هذا الذي تقول؟ ~~خمسمائة جرام من الخبز يوميا للعامل، ولكل فرد من أفراد أسرته؟» # فأجبته في جد: «نعم، وهذا في رأيي أمر جوهري، إن هؤلاء القوم جياع.» # وقال بمفيلوف في لهجة الآمر: «احذف هذه النقطة من المشروع.» ~~- «ولكني أرجوك يا قنسطنطين جفرلوفتش أن تتركها كما هي، لست أنكر أن لبعض العمال القلائل ~~حدائقهم الخاصة، أو أن لهم بين الفلاحين أقارب، ولكن هذا لا يحل المشكلة، إن أولئك الناس ~~يؤدون عملا ويجب أن ينالوا من المقررات ما يناله العمال.» ~~- «لست أقل أسفا عليهم منك يا رفيق كرافتشنكو، ولكن هذه النقطة يجب حذفها.» # ورجوت بمفيلوف مرة أخرى قبل أن يرسل التقرير إلى موسكو للنظر فيه أن يؤكد حاجة العمال ~~إلى الخبز ليضمن حسن سير العمل في مصنعي سلنكوجورسك، ولكن رئيس المجلس نظر إلي وهو غاضب ~~وقال: «يا كرافتشنكو، استمع إلي: أأنت مصلح اجتماعي أم بلشفي؟ إن العواطف الإنسانية مبادئ ~~خاطئة مضللة لا يصح الاهتداء بها في اتخاذ القرارات التي تمس شئون الدولة، خذ عن ستالين ~~قوله: أحبوا الشعب ولكن ضحوا بحاجاته إذا تطلب الأمر التضحية بها.» # ولم يدهشني قط أن المصنعين اللذين زرتهما لم ينتجا من الأسلاك نصف المقرر عليهما إنتاجه، ~~وإن كان فيهما ما يحتاجان من المواد الغفل. # وثمة رحلة أخرى لا تزال تفاصيلها منقوشة في ذاكرتي أوضح من آثار هذه الرحلة السالفة ~~الذكر، وليس في وسع إنسان - اللهم إلا إذا وجد في العالم رجل مثل دانتي وكان في حالة من ~~التشاؤم كما كان الشاعر الإيطالي العظيم - أن يرسم صورة صادقة للمصنع التابع لوزارة الذخائر ~~والذي يقوم بالعمل فيه العمال المسخرون. # ولم يسمح لأحد بأن يركب القطار الذي اجتاز بنا صقعا كثيف ms698 الغابات في قلب ولاية موسكو ~~الإدارية وراء مدينة بودلسك، وجاء ضباط من القسم السياسي أكثر من مرة ليطلعوا على ما معنا ~~من أوراق تثبت شخصيتنا، وكان القطار يتحرك في بطء ، وكثيرا ما رأينا من خلال النوافذ جموعا ~~كبيرة من المسجونين - ولا يمكن أن يخطئ الإنسان في التعرف عليهم - يقطعون الأشجار ويجمعونها ~~ويجرونها إلى قرب الخطوط الحديدية، ووصل القطار بنا آخر الأمر إلى نهاية هذا الخط الحديدي ~~المديد ونزلنا منه. # وهناك في بقعة في وسط الغابة أزيلت منها أشجارها أقيم مصنع الذخائر الحربية، وعلى ~~مسافة منه أقيمت تحت الأرض الحجرات الواسعة ذات المداخل الضيقة المتخفية التي يعمل فيها ~~آلاف من المسجونين وغير المسجونين في وضع المفرقعات في قوالب القنابل اليدوية وقنابل ~~الطائرات وفي صنع الألغام وغيرها من الذخائر الحربية، وكانت هذه البقعة المشتملة على ذلك ~~العالم السفلي كلها منفصلة أتم انفصال عما جاورها من الأماكن بسياج من الأسلاك الشائكة، ~~ويقوم عليها حرس مسلح من رجال القسم السياسي ومعهم كلاب ضاربة دربت على عملها تدريبا ~~خاصا. # وكنت قد جئت مع زميل لي لنسوي نزاعا بين هذا المصنع السري ومصنع آخر يمده ببعض المواد ~~اللازمة له، وبعد أن عقدنا اجتماعا حضره موظفو المصنعين خصصت لي حجرة في فندق المصنع ~~لأقضي فيها الليلة، وأردت أن ألقي نظرة على المسجونين وهم ذاهبون إلى عملهم في الصباح، ~~فاستيقظت مبكرا، وكان المطر ينهمر مدرارا والبرد قارسا، وأبصرت قبيل الساعة السادسة فرقة ~~من نحو أربعمائة رجل وامرأة كل عشرة منهم في صف أفقي، وعليهم حرس قوي يمشون نحو الحجرات ~~السرية. # وكنت قد رأيت من قبل هؤلاء العبيد البائسين مرارا كثيرة في ظروف مختلفة، ولم أكن أظن أني ~~سيقدر لي أن أرى خلائق أشقى ممن رأيتهم في جبال أورال أو في سيبريا، فلما وقع نظري على ~~هؤلاء القوم رأيت البؤس أضعافا مضاعفة، لقد كانت وجوههم صفراء ممتقعة غاض منها دم الحياة، ~~وكأن أصحابها أشباح الموتى، لقد كانوا في واقع الأمر جثثا تتحرك تسممت من المواد ~~الكيميائية المنتشرة في الدرك ms699 الأسفل من الجحيم الذي كانوا يعملون فيه. # وكان من بينهم رجال ونساء ربما جاوزوا الخمسين من عمرهم، كما كان من بينهم شبان وفتيات في ~~أوائل العقد الثالث، وكانوا كلهم يسيرون صامتين محزونين كأنهم خشب متحركة لا ينظرون يمنة ~~ولا يسرة، يرتدون ملابس غاية في الغرابة، فمنهم من ينتعلون أخفافا من المطاط شدت إلى ~~أرجلهم بخيوط، ومنهم من لفوا أرجلهم في خرق بالية، ومنهم من يلبسون ثياب الفلاحين، ومن ~~النساء من يلبسن سترا استراخانية ممزقة، وأبصرت عددا قليلا منهم على أجسامهم بقايا حلل ~~أجنبية، وبينا كان الموكب الرهيب يمر بالبناء الذي أراقبه منه إذ سقطت امرأة من بين الصفوف ~~على حين غفلة فجرها حارسان ليبعداها عن الطريق، ومر المسجونون دون أن يعيرها أحد منهم ~~التفافا، ذلك أنهم قد ألفوا البؤس حتى لم يعد له أثر في قلوبهم، كأنهم خرجوا عن نطاق ~~الآدميين. # وكانت طوائف أخرى مثل هذه الطوائف تسير في طريقها إلى الجحيم الأسفل من جهات متعددة، ~~وكلها مقبلة من مستعمرات القسم السياسي المختفية في قلب الغابات على مسيرة عدة أميال من هذا ~~المكان، وشاهدت في المساء فرقة يبلغ طولها ضعفي فرقة الصباح تدلف نحو المصانع لتتولى العمل ~~في أثناء الليل. # ولم يسمح لي بالنزول إلى الأقسام السفلى، والحق أني لم أكن أطيق رؤيتها، ولكني جمعت ~~ممن اتصلت بهم من الموظفين في اليومين اللذين قضيتهما في المكان من المعلومات ما طبع في ~~مخيلتي صورة من البؤس المكدس، ومن احتقار الحياة الإنسانية، لا تمحى منها ما حييت، لقد ~~كان المصنع القائم تحت الأرض سيئ التهوية؛ لأنه أنشئ على عجل في أوقات الذعر، ولم يعن ~~أقل عناية بصحة الذين يعملون فيه، وكانت بضعة أسابيع يقضيها العمال بين دخانه وروائحه ~~الكريهة كافية لأن تسمم أجسامهم تسميما لا يرجى منه شفاء؛ ولذلك كانت نسبة الوفيات ~~بينهم عالية، فكانت أجسام الموتى تجرف بالمجارف بقدر ما تجرف المواد الكيميائية غير ~~المصنوعة. # وكان مدير هذا المشروع شيوعيا كالح الوجه على صدره وسام، وعلى معطفه صف من النياشين، ~~ولما ms700 شرعت أوجه إليه أسئلة عن العمال نظر إلي نظرة غريبة كأني كنت أسأله عن صحة طائفة من ~~البغال صدر الأمر بإعدامها. # وقال لي: «يؤسفني أن أخبرك أن ليس بين هذه المخلوقات كثيرون من العمال المهرة، وأني أقاسي ~~منهم متاعب كثيرة، وتسألني عن المسجونين من أي صنف هم، أمن المسجونين السياسيين؟ أم ~~المجرمين الفارين؟ وجوابي أن هذا لا يعنيني بل يعني رجال القسم السياسي الذي يمدني بمن ~~أحتاجهم من العمال، وكل الذي أعرفه عنهم أنهم أعداء الشعب.» # وقضيت عدة أشهر لا أستطيع أن أطرد هذه الصورة من خيالي، وظلت في هذه الأثناء تحز في نفسي ~~على الدوام حتى في الأوقات التي كان فيها عقلي يفكر ويداي تعملان في أعمال أخرى خطيرة، ولما ~~أن انتقلت إلى ديار أخرى بعيدة في السنين التي أعقبت ذلك الوقت كانت ذكرى هذين اليومين ~~تعاودني فجأة من حين إلى حين وتلح علي إذا سمعت الأمريكيين يتمشدقون بالثناء على الشيوعية ~~الروسية، وما أفاضت على العالم من أعاجيب، ولم يكن يسعني وقتئذ إلا أن أقول في نفسي: «لو ~~أنني استطعت أن أضعكم أيها الحمقى في ذلك المصنع السفلي يومين اثنين لا أكثر لسمعتكم تغنون ~~نغمة غير هذه النغمة.» # كان السلاح الجوي هو السلاح الوحيد من بين أسلحة الدفاع القومي الذي حباه سادة الكرملن ~~بخيرة الرجال، وأفاضوا عليه جهودهم وبلاغتهم نحو اثنتي عشرة سنة كاملة، ولكن عجزنا في هذا ~~الميدان قد وضح لي وضوحا لا خفاء فيه من الوثائق التي تحمل إمضاء ستالين ومولوتوف، والتي ~~كانت تمر بالإدارة التي أشرف عليها. # وكان من أسباب هذا العجز أن كميات هائلة لا حصر لها من الصلب والنحاس والألمونيوم قد ~~أعطيت لهتلر بمقتضى الاتفاق الاقتصادي الذي وقع بعد ميثاق «الصداقة» المذل، واستولت ~~الجيوش الغازية على الجزء الأكبر مما بقي في البلاد من هذه المعادن، ولم يستطع ولاة الأمور ~~أن يخلوا مصانع الطائرات القائمة في خاركوف وكيف وزبرزهي وتجتروج وغيرها من المدن إخلاء ~~تاما، ووقعت المصانع الأخرى غنيمة باردة في أيدي الأعداء، وكان من ms701 أثر ذلك أن الطيارين ~~الروس كانوا يحلقون في الجو أحيانا في طائرات من خشب الأبلكاج تكفي بضع رصاصات محرقة لأن ~~تدمرها عن آخرها، فلا عجب أن كان القتلى من الطيارين الروس أكثر منهم في سائر الأمم ~~المحاربة، وأرادت القيادة العليا أن تعوض هذا النقص في الطائرات فجعلت الطيارين يقضون في ~~الجو أطول مما يقضيه الطيارون في سائر الأمم، على أن هذا الضغط قد خف عنهم بطبيعة الحال بعد ~~أن وصلت الأمداد من أمريكا بمقتضى قانون الإعارة والتأجير. # وأصدر ستالين في خريف عام 1942م أمرا سريا عاجلا يقضي بأن تصنع فورا مادة مقاومة ~~للحريق تطلى بها جدران جميع الطائرات، وكانت هذه المادة مركبا راتنجيا أساسها كلوريدالونيل # 1 # أشار بها معهد مواد الطيران، وكان ستالين يعلق أهمية كبرى على هذا العمل، وكانت ~~الإدارة التي أشرف عليها هي التي تصل إليها هذه المادة بعد صنعها. # وعقدت بعد ذلك الوقت اجتماعات شتى دامت عدة أسابيع، وحضرها رؤساء الصناعات الكيميائية، ~~ومكاتب الطيران المختلفة، ثم تبين أن المادة الجديدة كانت مادة تجريبية ناقصة وكوفئ رؤساء ~~المصنع آخر الأمر على جهودهم، ولو أن الحقيقة عرفت كاملة لكان الذين يستحقون المكافأة هم ~~صغار المهندسين الكيميائيين والعمال العاديين الذين ظلوا يعملون ليلا ونهارا حتى وصلوا ~~إلى ما وصلوا إليه، على أن هذه الجهود كلها مع الأسف الشديد كانت جهودا ضائعة. # وسألت ذات مرة أحد قواد الطيران في مكتبي: «فلنفرض أننا أفلحنا في تغطية جدران الطائرات ~~بهذه المادة فهل تفيد منها فائدة حقة؟» # فتلفت الرجل حوله كأنه يريد أن يتأكد من أن أحدا غيري لا يسمعه ثم انثنى نحوي وهمس ~~قائلا: «إننا نفيد منها بقدر ما يفيد الرجل الميت من الحلوى المثلجة ... إن الطائرة المطلية ~~بهذه المادة إذا أصابها الرصاص الألماني الجديد المحرق اشتعلت كما يشتعل الزغب. # ولست أخفي عنك أن المسألة كلها مسألة نفسية، فقد يقوي هذا الاختراع الجديد روح الطيارين ~~المعنوية ولو إلى حين، وهم بلا استثناء أبطال شجعان ولكنهم آدميون بطبيعة الحال، واستخدام ~~الطائرات المدنية المصنوعة من ms702 الخشب في الأغراض الحربية عمل لا تقوى عليه أعصاب هؤلاء ~~الطيارين.» # وكان علينا أن نصنع عشرات من أنواع الآلات والأجهزة الخاصة والمواد الأخرى، وأن نصنعها ~~بسرعة وفي أسوأ الظروف لكي تعد طائراتنا إلى حرب الشتاء المقبل، وكانت جسامة الخسائر التي ~~حلت بنا مما يذيب القلب أسى وحسرة، وليس أدل على صدق هذا القول من تقرير سري بعث به ~~المارشال توفيكوف إلى ستالين ووقع في يدي وقد جاء في هذا التقرير: «سيشل سلاح الطيران ~~جميعه شللا كاملا في هذا الشتاء إذا لم نصنع هذه الأجهزة والمواد الخاصة بسرعة وبالمقادير ~~المطلوبة.» # وكنت وأنا أشرف على المصانع في أوكرانيا وإقليم الأورال وسيبيريا أستشيط غضبا حين أتلقى ~~الطلبات الدائمة والبرقيات التي لا نهاية لها من موسكو وغيرها من المراكز تستحثني وتطلب ~~إلي الإسراع في إنجازها، وها أنا ذا قد أصبحت أنا الذي أطلب هذه السرعة في العمل، فكنت لا ~~أنفك أرسل الإشارات البرقية والتليفونية وألح وأتوسل، وكنت أعرف حق المعرفة ما في هذه ~~المطالب من عنت ومن عبث في معظم الأحيان، ولكنني مع ذلك لم أنقطع عنها يوما من الأيام، لقد ~~كان الوقت حينئذ كالسيف، وكنت أنا فضلا عن هذا أتحمل من رؤسائي ضغطا قويا لا رحمة فيه ~~ولا هوادة. # فإذا ما كان عجز الإنتاج ناشئا من نقص بعض المواد الأساسية أو الأجهزة أو الأيدي العاملة ~~أهبت بالإدارات التي تشرف على إنتاج هذه المواد أو صنع هذه الأجهزة أو الهيئات المشرفة على ~~العمال، وأستعين عند الحاجة بلجنة الدفاع القومي وبمنظمات الحزب وبموظفي الكرملن المختصين، ~~وكنت أحصل على ما أحتاجه بطريقة ما. # وكان أعجب ما في الأمر أن الأجهزة التي طلبها المارشال نوفيكوف قد صنع منها القدر ~~المطلوب وبالجودة المطلوبة كما أمر به ستالين، وكان مولوتوف هو الذي يشرف على جميع العمليات ~~الخاصة بصناعة الطائرات، ولكن معظم الأوامر المتعلقة بها كانت توقع بإمضاء ستالين نفسه، ~~وأردت أن أزيد من سرعة الإنتاج فرسمت خططا تقضي بإمداد العمال في بعض المصانع بالخبز ~~والوجبات الساخنة، ونفذت هذه الخطط ms703 بعد أن وقعها ستالين، وأرسلنا المناطيد المملوءة ~~بالأكسجين من جوركي إلى موسكو محملة على السيارات، كما أرسلنا بعض المواد الكيميائية ~~بالطائرات من إيفان إلى موسكو مخترقة جبهة القتال، وصنعت الأجهزة المطلوبة في نهاية ~~الأمر، وسرعان ما صدرت إلي الأوامر من الكرملن بأن أعد مشروع مرسوم بمكافأة الذين ~~أعانوا بجهودهم الموفقة على أداء هذا الواجب، ونشرت الصحف المرسوم بالصيغة التي وضعتها أنا، ~~ولم تمض على نشره إلا أيام قليلة حتى استدعاني المارشال نوفيكوف. # وقال في صوت شديد التأثر: «يا رفيق كرافتشنكو، أريد أن أشكرك بالنيابة عن طيارينا جميعا، ~~لقد أبلغت الكثيرين منهم ما بذلته من الجهد في سبيلهم، وما ينطوي عليه قلبك من الإخلاص لهم، ~~وأريد أن أبلغك أننا شاكرون لك فضلك عليهم.» # كذلك كانت مشكلة الأسلاك اللازمة للميدان مشكلة مزمنة معقدة، وكانت مسألة الاتصال ~~التليفوني في الميادين منوطة بالرفيق سبروف أحد النائبين عن ستالين، ومن أجل ذلك كنت دائم ~~الاتصال بمكتبه في هذا الشأن، على أن الأوامر الخاصة بهذا الموضوع كان يوقعها ستالين نفسه، ~~وعقد مرة اجتماع في إحدى الليالي في الكرملن برياسة سبروف وحضره عدد كبير من الوزراء، ودام ~~إلى ساعة متأخرة من الليل، وبحثنا فيه خطط الإنتاج ووسائله، وتقرر في هذا الاجتماع بعد طول ~~الجدل أن يصنع البكر اللازم للف الأسلاك من الخشب بدل المعادن لنقص الكمية التي لدينا منها ~~مخالفين في ذلك معارضة آراء رجال الحرب الشديدة. # وبعد شهر أو نحوه من هذا التاريخ اجتمع في مكتبي ممثلون لجميع الإدارات المختصة والموظفون ~~العسكريون المسئولون، وأخذ كل واحد منهم يدلي برأيه فيما وصلنا إليه من النتائج، ولم يكن ~~منهم من تبدو عليه دلائل الاغتباط إلا رجلا واحدا كان وكيلا لإحدى الإدارات ~~العليا. # فقال: «لقد حصلنا على أكثر مما كنا نأمله من الخطط التي وضعناها لحل مشكلة - وسائل ~~الاتصال - لقد بلغت النتائج 105 في المائة مما كنا نتوقع.» # وأدركت من فوري أن في الأمر سرا خفيا، وأن الإدارة التي هو تابع لها لم تقدم إلا ~~مقدارا ضئيلا من المنتجات ms704 والآلات، فأصررت في حيرة وغضب على أن يذكر لي الأرقام التي تثبت ~~هذه المعجزة، وصدع الرجل بالأمر، وسرعان ما تبين لي أن بعض أجزاء الأجهزة قد صنع منه ~~270٪ مما تحتاجه، في حين أن بعضها الآخر لم يصنع منه إلا 30٪، وكان أساس تصريحه الذي ~~يفاخر به هو متوسط ما أنتجته من أجزاء الأجهزة المختلفة، وقد جرى في هذا التقدير على ألسنة ~~البيروقراطية المألوفة في الإحصاءات الرسمية، ولا يخفى أن عدد الأجهزة التي يتم صنعها إنما ~~يقدر بأقل عدد يصنع من أجزائها، وعلى هذا تكون إدارته قد أخرجت ما لا يزيد على ثلاثين في ~~المائة من الأجهزة المطلوبة. # وضحك الحاضرون جميعا مما أصاب الرجل من خزي، وإن لم تكن المسألة مما يستحق الضحك، لقد ~~كان نقص أدوات التليفون سببا في إزهاق آلاف من الأنفس كما قال كبار القواد الحاضرين، وكان ~~في بعض الأحيان سببا في خسارة المواقع الحربية، وتبين أن النقص كله ناشئ من قلة هذه ~~البكرات، فقد كانت المصانع لا تنتج منها ما تقرر إنتاجه حتى بعد أن قرر الكرملن استبدال ~~الخشب بالمعادن. # ومن أجل هذا زرت مصنعا لإنتاج الأدوات الخشبية في أحد أطراف موسكو لأعرف بنفسي السبب في ~~قلة ما يخرجه من البكرات، فلما قدمت إليه لم أجد فيه إلا عددا قليلا من العمال يعملون في ~~إخراجها، وسألت مدير المصنع في ذلك فكان جوابه أنه لا يجد لديه العدد الكافي من مهرة العمال ~~الصالحين لهذا العمل. # وسألته وأنا أسير إلى جزء آخر من المصنع خيل إلي أن العمل فيه قائم على قدم وساق: ~~«وماذا يعمل هنا؟» # واستشطت غضبا حين رأيت ما يصنع فيه، لقد رأيت نحو مائة وخمسين رجلا يشتغلون بصنع أثاث ~~أنيق من أرائك ومكاتب، وأدوات للزينة ذات مرايا وكراسي ساندة كبيرة، معظمها من خير أنواع ~~الخشب. ~~«أتقول أن ليس لديك عمال مهرة، وها أنا ذا أرى نحو مائة وخمسين منهم يشتغلون بصنع أثاث ~~وأدوات للزينة وأرائك، ويتركون رجالنا يموتون في ميدان القتال؟ إن هذه جريمة وأنذرك أنني لن ms705 ~~أسكت عليها!» # ولم يبد على هذا المدير شيء من مظاهر الفزع بل هز كتفيه، وخيل إلي أني أشاهد ~~ابتسامة مكبوتة على جانبي فمه. # وقال لي: «لست ألومك على أنك جننت، والحق أني أكاد أنا نفسي أجن، ولكنني موظف صغير ~~كما تعلم، وماذا في وسعي أن أفعل غير إطاعة أوامر الكبار؟ تعال إلى مكتبي أطلعك على ~~الحقيقة.» # وأخرج بعض الأوراق من مكتبه وأطلعني عليها فعرفت أن الأثاث يصنع لكبار رجال الحزب ~~والحكومة وموظفي الجيش الأحمر، ومن بينهم على ما أذكر فسيلي برونين رئيس مجلس سوفيت موسكو ~~والقائد موخين وشرياكوف أمين سر اللجنة المركزية. # وعدت مسرعا إلى المجلس الأعلى، وأنا لا أزال في شدة الغضب، واندفعت إلى مكتب أتكين، ~~وأخذت أطلعه على الحقائق، وأنصت الرجل وهو لا يكاد يصدق ما يسمع. # وصاح مغضبا: «أيصنعون الكراسي الساندة بدل المهمات الحربية التي أمر بصنعها الرفيق ~~ستالين؟! إن هذا لجرم وخيانة! يجب أن يزج المسئولون عنها في السجون.» ~~- «اتفقنا، ويسرني أن رأيك متفق مع رأيي يا أندراي إيفانوفتش! ولكن مدير المصنع أطلعني ~~على الأوامر الصادرة له وعرفت منها أن الأثاث يصنع للرفيق برونين وشرياكوف والقائد ~~موخين.» # وتغيرت ملامح الرجل على الفور وزالت من عينيه نظرات الغضب التي لم تستقر فيها إلا ~~قليلا. # وقال وهو يتلوى في مقعده: «أتقول إنه يصنع ما يصنع لشرياكوف؟ دعني أفكر. نعم، تلك مشكلة، ~~وأظن أن راحة الزعماء هي الأخرى من أولى مستلزمات الحرب، دعني أفكر في الأمر.» # ودام تفكيره طويلا، وظل المصنع يشتغل بصنع الأثاث، وظل الجيش الأحمر يلح في طلب بكر ~~لأسلاك التليفون وكعوب للبنادق وما إليها، وأثرت المسألة عدة مرار ونار الحقد تتأجج في ~~صدري، ولكني لم أصل إلى نتيجة، ولم أجرؤ على أن أتخطى أتكين وأعرض الأمر على سيروف، وما من ~~شك في أن أتكين لم يكن يرغب في أن يخلق له أعداء سياسيين. # ولم يكن لي بد وأنا على رأس الإدارة الهندسية الحربية من أن أطلع على سر من أسرار الروسيا ~~المحاربة يحرص الرؤساء أشد الحرص ms706 على إخفائه، وهو في الوقت نفسه أشد الأسرار إيلاما للنفس ~~يضيق به ذرع كل من يصل إلى علمه، ولولا ما انتهت إليه الحرب من خاتمة لما كان من المستطاع ~~كشف هذا السر. # لقد كان عدد من حصلوا على القناعات الواقية من الغازات في الروسيا بأجمعها ضئيلا لا يكاد ~~يذكر، وفي موسكو نفسها لم يكن عدد من أسعدهم الحظ بالحصول على هذه القناعات يزيد على ربع ~~السكان، أما فيما عداها من البلاد فقد كان الأمر أسوأ من هذا كثيرا، ولم يحصل معظم القرى ~~والمدن الصغيرة على شيء منها على الإطلاق، ولكن المأساة لم تقف عند هذا الحد، بل إن السر ~~الرهيب الذي عرفته وقتئذ هو أن الكثرة الغالبة من هذه القناعات سواء ما كان عند الجنود وما ~~كان في حوزة المدنيين، كانت غير صالحة، وتدل التقريرات الرسمية على أن 65 في المائة من ~~القناعات التي صنعت في زمن الحرب كانت عديمة النفع بتاتا، وكان السبب الجوهري في ~~فسادها، أن انعدام المطاط قد اضطرنا إلى صنعها من الخيش المغطى بطبقة رقيقة منه، فلم تكن ~~تلتصق بالوجه لتقيه فعل الغازات، يضاف إلى هذا نقص الحديد والزجاج وغيرهما من المواد ~~اللازمة لصنع هذه القناعات. # وأكبر الظن أن الألمان لو عرفوا هذه الحقيقة لما ترددوا في استخدام الحرب الكيميائية على ~~أوسع نطاق، وإذا كانوا قد عرفوها فعلا فإن الإنذار الذي وجهه لهم روزفلت وتشرشل بأن ~~الإنجليز والأمريكيين سيطلقون عليهم الغازات السامة بلا شفقة ولا رحمة قد أنقذ حياة ~~الملايين من مواطني في ميدان القتال وفي المراكز الآهلة بالسكان. # والتقيت مرة بأحد كبار الموظفين العسكريين في قسم الحرب الكيميائية، وسألته أن يجيبني في ~~صراحة عما يضطره إلى قبول هذه القناعات العديمة النفع. # فأجابني وهو يهز كتفيه دلالة على اليأس: «وماذا أفعل غير هذا؟ أنبقى بغير قناعات مطلقا؟ ~~إن لها على الأقل قيمة من الناحية النفسية وهي تقوية الروح المعنوية.» # واتفق أن كنت في إحدى الليالي مع تكين وهو يستعد للعودة إلى منزله بعد أن مضى من ms707 الليل ~~أكثره، ورأيته يذهب إلى الخزانة الحديدية ويخرج منها عدة قناعات جديدة حسنة الصنع، ويلوح أن ~~وجهي قد نم على ما كانت تحدثني به نفسي. # فتبسم الرجل وقال: «لا تنظر إلي نظرة المتهم، إن هذه القناعات لزوجتي وأطفالي، ومن يدري ~~متى نفاجأ بحرب الغازات؟ إني لا أرى موجبا للذعر، ولكن الحكمة تقتضينا أن نكون على ~~حذر.» ~~- «لكني أسألك يا أندراي إيفانوفتش: لم لا تستخدم الأقنعة التي تصنع لجمهور ~~الشعب؟» # فصاح غاضبا: «أجننت؟» ثم قال في هدوء: «سأجتهد في أن أحصل على قناعين لك ~~ولزوجتك.» # هذا ما كان من أمر القناعات، أما المخابئ الواقية من الغازات فقد كان شأنها أسوأ من شأن ~~هذه القناعات نفسها، فقد كان العدد القليل الذي أنشئ منها في المدن الكبيرة لا يتسع إلا ~~لنسبة ضئيلة من سكانها، وكان معظمها في حالة سيئة غير صالح للوقاية، ولا حاجة إلى القول بأن ~~المدن الصغرة والقرى لم تنشأ فيها مخابئ على الإطلاق. # وفي موسكو نفسها حولت محطة كرفسكايا التي تحت الأرض إلى مخبأ من الغازات لكبار ~~الموظفين، كما أنشئت مخابئ أخرى في دور الوزارات المختلفة، وأنشئ لنا في مقر مجلس ~~الوزراء مخبأ فرش بالبسط وأعد فيه مقصف ومكتبة، أما المواطن العادي فلم ينل مثل هذه ~~الرعاية، ولم تكن الوقاية من الحرب الكيميائية لتفترق عن هذا كثيرا على الرغم من أن هذا ~~القسم من الحرب قد وكلت الهيئة السياسية العليا أمره إلى جنود الهيئة الكيميائية الخاصة في ~~وزارة الداخلية. # على أننا إن كنا قد لاقينا الصعاب في الأمور الخاصة بالقناعات وتليفونات الميادين وأجزاء ~~الدبابات والأسلحة المتحركة والطائرات، فقد عوضنا هذا كله في جهة واحدة على الأقل، لقد كنت ~~ذات مساء أبحث مجموعة من التقارير فطلب إلي أتكين أن أقابله في مكتبه، فلما دخلت عليه ~~وجدته منهمكا فيما بدا لي أول وهلة أنه لعبة عجيبة، فقد شاهدت على مكتبه وعلى الكراسي التي ~~حوله قطعا من الخشب مغطاة بقماش موشي بالذهب والفضة. # وصاح الرجل في غبطة: «تلك أشرطة الجنود.» # ورأيت في جوانب ms708 الحجرة رسوما فنية للملابس العسكرية في جميع الرتب من الفريق إلى ~~الملازم، وقد ظهرت عليها هذه الأشرطة في وضعها المناسب، ولم يكن جمهور الشعب قد عرف وقتئذ ~~أن شارات الكتف العسكرية التي كانت تعد رمزا بغيضا للعسكرية القيصرية ستعاد من جديد، وإن ~~يكن مجلس الوزراء قد أصدر القرار الذي «أيده» المجلس السوفيتي الأعلى في الوقت المناسب، ~~ولكن المختصين شرعوا يصنعون هذه الشارات، وكان ما رأيته في حجرة أتكين نماذج منها. # وقال لي أتكين: «سآخذ هذه الشارات من فوري إلى الكرملن، وسيلقي الرفيق ستالين نفسه نظرة ~~عليها، ألا ترى أنها جميلة؟» # وكان في ذلك الوقت مرحا مسرورا، وسألني عما أريد أن أكون أفريقا أم أمير بحر؟ وأخذ ~~الشارة المناسبة في كلتا الحالين ووضعها على كتفي. # ثم قال في وقار فكاهي متصنع: «لا، إن هاتين الشارتين لا تليقان بك، ولعل أجمل لك أن تكون ~~أميرالاي.» # فقلت له: «ألا ترى يا أندراي إيفانوفتش أن كثيرين من الناس سيرون في هذه الشارات والحلل ~~الجديدة رجوعا إلى عهد الاستعمار القيصري؟» # فضحك الرجل وقال: «ما أسخف هذه الفكرة! ومن ذا الذي يبالي بما يراه بعض البلهاء في هذه ~~البلاد أو في خارجها؟ إن القلوب التي من تحت الأكتاف المذهبة ستظل قلوبا سوفيتية حقة متحدة ~~الضربات كما هي متحدة الشعور، وهي تحارب دفاعا عن مبادئ الرفيق ستالين.» ثم سكت قليلا ~~وأضاف إلى قوله السابق في هدوء وبصيغة التأكيد: «وفضلا عن هذا فإذا كان بعض الناس يتخذون ~~من هذه الشارات دليلا على عودتنا إلى النزعة الاستعمارية، فقد يكون في اعتقادهم هذا نفسه ~~نفعا لنا؛ ذلك أن بلادنا ستكسب به صداقة بعض الأوساط الخاصة.» # إن قلب السلطة الدكتاتورية في كل هيئة سوفيتية - صغيرة كانت أو كبيرة - هو لجنة الحزب ~~الشيوعي، كما أن ساعد هذه السلطة القوي الأيمن هو الإدارة السياسية الخاصة الممثلة لوزارة ~~الداخلية، وتعمل هذه الإدارة نائبة عن أعضاء الحزب (وهي في الأحوال العادية أقلية صغيرة في ~~المنظمات الشيوعية)، وتراقب نقاء مبادئهم الفكرية، وتشرف على النشاط السياسي للهيئة ms709 ~~السوفيتية التي تمثلها، وتوجه التفكير السياسي للموظفين، على أن هذه الإدارة لا تباشر ~~سلطتها هذه بنفسها في معظم الأحوال؛ ذلك أن سلطتها كلها مركزة في يد أمين سرها، وإن كانت هي ~~من الوجهة الرسمية صاحبة الأمر والنهي، وإن بقي هو يعمل من وراء الستار، على أننا إذا ~~استقصينا الأمور تبين لنا أن رؤساء المصانع أو الموثقات الصناعية يتلقون أوامرهم في كل ~~المسائل السياسية من أكبر موظف سياسي في الحزب الشيوعي. # وكان في مجلس الوزراء نفسه لجنة للحزب تقوم بكثير من أوجه النشاط السياسي الخالص، على أنه ~~كان بين هذه اللجنة وغيرها من اللجان فرق هام؛ ذلك أن مجلس الوزراء هو الحكومة ذاتها يستمد ~~سلطانه من الهيئة السياسية العليا للبلاد، ومن لجنة الحزب المركزية نفسها؛ ولهذا لم يكن ~~خاضعا للجنة الحزب الفرعية الخاصة به، وكان رئيس هذه اللجنة الأخيرة شيوعيا قديما ~~يدعى ميروتوف، كان هو المرجع الأعلى في كل الشئون المتصلة «بالدين» الشيوعي - إذا صح أن ~~تطلق عليه لفظ الدين - والذي يشمل الأخلاق السياسية وتحليل الحوادث وما إليها، ولكنه لم يكن ~~من حقه أن يتدخل في أعمال بمفيلوف وأتكين وغيرهما من الرؤساء غير «الدينيين» في التنظيم ~~العملي للشئون الحزبية. # وكان من شأن هذا النظام أن جعل اجتماعاتنا الحزبية أرقى في مستواها من اجتماعات غيرنا من ~~الهيئات، وقلما كنا نتعرض إلى المشاكل الخاصة بالمجلس نفسه، بل كان همنا كله موجها للشئون ~~الكبرى ومسائل الإيمان الشيوعي، ولا حاجة إلى القول بأن جميع المناصب ذات التبعة كان يشغلها ~~أعضاء الحزب الشيوعي، كما أن نسبة الوظائف الصغرى التي يشغلها هؤلاء الأعضاء كانت هي الأخرى ~~كبيرة؛ ولهذا فإن اجتماعات الحزب كانت عبارة عن اجتماعات عامة لجميع أعضاء الإدارة ~~الحكومية. # والأجانب الذين يحاولون فهم سياسية ستالين أو فهم «العقلية السوفيتية» بدراسة الصحافة ~~السوفيتية وأعمال الكرملن العامة كثيرا ما يخرجون علينا بطائفة من العبارات السوفسطائية ~~السخيفة؛ ذلك أننا لا نجد من بين هؤلاء الأجانب واحدا في الألف قد فهم حق الفهم الفكرة ~~البلشفية الخاصة بوجود «حقيقتين»: إحداهما لعامة ms710 الشعب وللعالم بوجه عام، وأخرى لأعضاء ~~الحزب المؤمنين المطلعين على الحقائق والقائمين بالأمر، وقد يحدث أحيانا حين تختط خطة ~~علنية للدعاوة أو العمل أن ترسل التعليمات إلى أعضاء الحزب بألا يعيروا هذه الخطة أية ~~عناية، بل قد يبلغ الأمر أن يؤمروا باعتقاد ما يناقضها كل المناقضة. # وعملا بهذه الخطة المرسومة رؤي من الضرورة في هذه الفترة الخطيرة من سير الحرب «أن ~~يرجع عن مبادئ لينين» من حيث الشكل لا من حيث الجوهر؛ ذلك أن الظروف كانت تتطلب استمالة ~~«العناصر الرجعية» في البلاد وفي أوروبا الشرقية بالتظاهر بالعودة إلى التمسك بالدين، وكان ~~لا بد من استغلال القيم الأدبية للروح الوطنية القومية العتيقة إلى أقصى حدود الاستغلال، ~~ورؤي فوق ذلك أن يستمال الحلفاء الرأسماليون آخر الأمر وبعد فترة من الزمن قد تقصر وقد ~~تطول «بالرجوع» عن الدولية الشيوعية. # وسرعان ما قبل العالم الخارجي ومعظم الشعب الروسي هذا القول واتخذوه دليلا على تحول ~~زعماء السوفيت عن خططهم ونواياهم الأولى، ودبجت المقالات ونشرت الكتب للترحيب بهذا ~~التحول، وعده كاتبوها برهانا على تخلي هؤلاء الزعماء عن فكرة الثورة العالمية، بل لقد ~~وصل الأمر إلى أكثر من هذا فقام جماعة من «الخبراء» يعلنون في جهل وغباوة أن الاتحاد ~~السوفيتي يوشك أن يقطع صلته بالنظام الفردي الاستبدادي، وأنه يقترب شيئا فشيئا من النظام ~~الرأسمالي، وأعلنوا في الملأ أن أساليب الحياة الديمقراطية والأساليب الاستبدادية السوفيتية ~~متجهتان في طريق واحد، وأنهما ستلتقيان في وسط الطريق. # ولو أن واحدا من أولئك الخبراء حضر اجتماعات الحزب «المغلقة» التي تضم كبار الموظفين ~~لهاله ما يسمع فيها من آراء، ولعرف أن الرجوع عن مبادئ لينين لم يكن إلا حركة فنية مؤقتة، ~~وأن التصالح مع النزعة الدينية لم يكن إلا تراضيا مذلا للحكومة السوفيتية ولكنه تراض لم ~~يكن منه بد في الظروف القائمة وقتئذ، وكان يطلب إلينا أن نقوي إيماننا بالمبادئ الشيوعية ~~واعتقادنا بأن هذه الحركات السياسية كانت خطة مدبرة وسياسة مرسومة وضعها ستالين لإحراز ~~النصر النهائي. # ولم يكن ثمة إنسان ممن تأصلت فيهم ms711 مبادئ الشيوعية يعتقد أن الحزب يكذب إذا ما أعلن السير ~~على بعض المبادئ جهرة، واعتنق ما يناقضها خفية، ولم يكن ضميره ليؤنبه على هذا الرياء أكثر ~~مما يؤنب القائد في الميدان إذا خدع العدو وأضله، وكان أركان حرب الثورة - أي زعماؤنا في ~~الكرملن - يرون أن من واجبهم أن يخادعوا، فيهاجموا تارة ويستكينوا تارة، ويرتدوا مرة ~~لينظموا صفوفهم، ويستغلوا في جميع الأوقات ما بين الأمم الرأسمالية من تنابذ وخلاف، ويسيروا ~~على هذه الخطة حتى يستحيل العالم كله إلى اتحاد سوفيتي عام يتفيأ ظلال المبادئ الاستالينية، ~~ويعتقد البلشفي «الواقعي» أن الأخلاقيين الرأسماليين الذين يتمشدقون بألفاظ النفاق والرياء ~~والغدر وما إليها ليسوا إلا بقايا من عهد بائد، وأنهم هم أنفسهم قوم مراءون يظهرون خلاف ~~ما يبطنون. # ولم يكن في أعمال الحزب أقل أثر يدل على «التغيرات العظيمة» التي يظن الناس أنها حدثت في ~~نظام الحكم السوفيتي، ولم يكن ثمة فارق بين اجتماعات دعاة الحزب وعماله في هذه الأيام ~~واجتماعاتهم فيما قبل الحرب من حيث القواعد والأساليب والروح السياسية العامة اللهم إلا ما ~~كان يدور في هذه الاجتماعات من حديث عن الحرب وتطوراتها، أما فيما عدا هذا فالاجتماع كله ~~صورة مكررة مما كان يحدث قبل الحرب. # وإلى القارئ صورة من هذه الاجتماعات الأسبوعية: # نلتقي قبيل الجلسة في الساعة العاشرة مساء ثم يعقد الاجتماع برياسة الرفيق ~~ميروفوف ويجلس تحت صورة ضخمة للينين ومن حوله على المنصة بعض الشخصيات الكبيرة ~~وضيفنا في هذه الليلة هو الرفيق بودين، وكان وقتئذ رئيس هيئات النشر الحكومية، وهو ~~الآن ممثل قسم الدعاوى الثورية في لجنة الحزب المركزية، وإذ كنا نعلم أنه من أشد ~~أتباع ستالين استمساكا بالنظريات السياسية فإنا نستمع إليه بعناية فائقة، ولا ~~تفوتنا كلمة واحدة مما يقول، وهو يتحدث في هذه الليلة عن الشئون العالمية، ولكن ما ~~ينطق به لن يكون مجرد «آراء» بالمعنى الذي يفهمه الغربيون من هذا اللفظ، بل هو ~~عقائد مقررة واتجاهات ليس منا من يجرؤ على أن يحيد عنها، بل لا أعدو الحقيقة إذا ms712 ~~قلت: إنه لا يمكن أن يدور في خلد الشيوعي المؤمن بمبادئه أن يحيد عنها قيد شعرة، ~~ويتكلم يودين بالنيابة عن ستالين وعن الحزب وعن الدكتاتورية السوفيتية. # ولكن رفيقا آخر يقوم قبله ليرسم لنا صورة عن الموقف الحربي، وهو لا يخفي عنا ما ~~منينا به من خسائر فادحة وما يتهددنا من أخطار شديدة، ويقول: إن قوتنا ستمتحن في ~~ستالينجراد، وإنا لن نهزم فيها بل لا نجرؤ على أن نهزم فيها، وإذا ما سقطت ~~ستالينجراد في يد العدو واستطاع الألمان أن يعبروا نهر الفلجا فسيحال بيننا وبين ~~آبار الزيت، وقد يكون هذا سببا في شل جميع جهودنا الحربية، وليس هذا كل ما في ~~الأمر، بل علينا جميعا أيها الرفاق أن نفهم أن ستالينجراد ليست مدينة كسائر المدن، ~~فهي المدينة التي سميت باسم ستالين الزعيم الأكبر للشيوعية في العالم بأسره، ~~وفي ستالينجراد يصطرع مبدآن من مبادئ الحياة، صراعا عاقبته إما الحياة وإما الموت: ~~أحدهما مبدأ الرأسمالية في صورتها الفاشية، وثانيهما الشيوعية، وتمثل المبدأ الأول ~~جيوش هتلر والثاني القوى التي تعتنق مبادئ ستالين، ترى لمن يكون النصر؟ إن مدينة ~~ستالين لن تسلم للأعداء ولا يمكن أن تسلم لهم مهما اقتضانا الدفاع عنها من ثمن، ~~سنتعلق بكل حجر فيها وبكل لبنة، إن جحافل عظيمة من الرجال وأكداسا من العتاد تعد ~~لهذا الصراع التاريخي، وسيغرق الألمان في بحر من دمائهم، وسيدرك العالم ما في اسم ~~ستالين المحبوب من قوة، وستظل ستالينجراد قائمة جيلا بعد جيل رمزا مجيدا لعبقرية ~~زعيمنا المحبوب. # ثم تسكن عاصفة التصفيق القوية ويعتلي الرفيق يودين المنصة، فننصت إليه لا بآذاننا فحسب بل ~~بكل مسام أجسامنا، وهو وإن كان من أشد المتحمسين للنظريات المركسية لا يرى غضاضة في أن يملأ ~~خطابه بألفاظ الهجو القذع، ذلك أن الهجو من طبيعته، يفيض به لسانه في كل وقت، وهو لا يقصره ~~على هتلر وشيعته بل يصبه على جميع العالم الرأسمالي المنحل المتعطن. # ويقول لنا يودين: إن تيارا قويا من الإيمان بالنظام السوفيتي يجتاح الجماهير في ~~إنجلترا وأمريكا ms713 في هذه الأيام، ويؤيد دعواه بمقتبسات من بريستلي ولسكي وغيرهما من الكتاب، ~~وهو تيار جارف ليس في وسع تشرشل وروزفلت والمستضعفين الأذلاء من الاشتراكيين و«العمال» أن ~~يصدوه، ففي إنجلترا كثيرا ما ينزل كلمنت أتلي الفاشي الاشتراكي ضيفا على السيدة أستر ~~الفاشية فلتستنتجوا من هذا أيها الرفاق ما يجب أن تستنتجوه! # ولم يعد خافيا على الطبقات الموسرة من الإنجليز أن الحرب قد بدلت عقلية الجماهير حتى ~~أصبح القضاء على هذا الخطر المرعب أهم عندهم من هزيمة الألمان، ولكن كيف السبيل إلى هذا؟ ~~ليس ثمة سبيل أمام الحزب الذي يطلقون عليه اسم «حزب العمال» إلا أن يهيئ وسائل اللهو للقوات ~~المحاربة ليصرفها عن الانضواء تحت راية زعماء الحزب الشيوعي البريطاني والشيوعية ~~الدولية. # وليس النزاع الظاهري القائم بين تشرشل وحزب العمال في رأي بودين إلا نزاعا صوريا ~~مسرحيا، أما الحقيقة فهي أن الحزبين يعملان معا لكبت أنفاس الكتلة العاملة، وكلاهما على ~~استعداد لأن ينشد: حفظ الله الملك. ~~«أما من حيث موقفهما من الروسيا كما يقول: فإن زعماء العمال يحبوننا بقدر ما نحب نحن ~~هتلر.» # ويضحك السامعون من هذا التهكم ويصفق له بعضهم؛ ذلك أن الطعن في العمال وأمثالهم من ~~«الديمقراطيين» الزائفين من الأساليب الخطابية التي تتردد في كل اجتماع من اجتماعات الحزب، ~~ثم تأتي بعد إنجلترا تركيا واليابان فيصب عليهما الخطيب جام غضبه وشتائمه فيقول بأعلى صوته: ~~إننا نعرف أن متسوكو - الرجل الذي تفضل الرفيق ستالين بأن ودعه على محطة السكة الحديدية ~~بنفسه - أن هذا الرجل قد حرض الميكادو على أن يعلن الحرب على روسيا قبل هجومهم على ميناء ~~بيرل في الوقت الذي كان فيه الألمان يزحفون على موسكو، وستلقى اليابان وسيلقى متسوكو ~~وأمثاله ما يستحقون من جزاء، بعد أن نفرغ من محاسبة هتلر وزمرته! ~~«أما في تركيا فإن القائد إركيلت وطائفة من الصحفيين النباحين قد شنوا - برضا الحكومة ~~وتغاضيها بطبيعة الحال - حملة شعواء على الحكومة السوفيتية، وأن اليوم الذي نحاسب فيه هؤلاء ~~الجيران الطيبين الظرفاء لآت لا ريب فيه. # وسأحدثكم الآن أيها ms714 الرفاق عن أمريكا: إن الخطة التي اختطها روزفلت في تلك البلاد والتي ~~تقضي بالتودد إلى الحكومة السوفيتية طالما كانت هذه الحكومة ذات فائدة للأمريكيين، إن هذه ~~الخطة قد أثارت معارضة شديدة، وهي معارضة طبيعية في بلاد تعد حصن الرأسمالية الحصين، ويتزعم ~~هذه المعارضة الشديدة مستر هربرت هوفر رئيس الجمهورية السابق وطائفة من أعضاء مجلس الشيوخ ~~الرجعيين وغيرهم من مأجوري مورجان وركفلر ودوبون، وتؤيدهم الصحافة الفاشية وشبه الفاشية، ~~صحافة هرست ومك كورمك وأمثالهما، وزمرة أخرى من الصحف المأجورة. # ويظن هؤلاء أن روزفلت قد باع نفسه لاتحاد جمهوريات السوفيت الاشتراكية الروسية وإن كان ~~هذا القول يبدو لنا نحن في منتهى السخف وجديرا بالسخرية، وكأن هؤلاء لا يدركون أن روزفلت ~~وآتلي هما آخر الحصون التي تعترض سبيل الشيوعية، وما من شك في أنها سوف تدك هذا الحصن عما ~~قريب، إنهم لا يدركون أن هذا الحلف الحربي مع اتحاد جمهوريات السوفيت الاشتراكية ليس إلا ~~زواجا سياسيا أملته الضرورة، أما الحقيقة فهي أننا نكره الرأسمالية بقدر كرهها لنا، ~~وأننا لن نحيد قط عن الواجبات التي رسمها لنا وللتاريخ الزعيمان: لينين وستالين!» # ويدوي المكان بالتصفيق دليلا على أننا نحن على الأقل ندرك هذه الحقائق إن لم يدركها ~~الأمريكيون. # ويواصل الرفيق يودين خطبته قائلا: «أيها الرفاق، يجب ألا يخدعكم اشتراكنا في الحرب مع ~~الأمم الرأسمالية، ويجب ألا تعلقوا على هذا الاشتراك شيئا من الآمال، إن علينا أن نستمسك ~~بمبادئنا الأساسية! إن هناك عالمين منفصلين تمام الانفصال، وقد يكون من المستطاع في بعض ~~الأحيان أن يقام جسر على الثغرة التي تفصلهما كما فعلنا نحن في هذه الحرب، ولكننا نعلم حق ~~العلم أن هذا الجسر سيتحطم في وقت من الأوقات قريبا كان ذلك أو بعيدا؛ ذلك أن العالمين - ~~عالم الرأسمالية وعالم الشيوعية - لا يمكن أن يقوم أحدهما بجوار الآخر إلى أبد الدهر، بل لا ~~بد أن يصطرعا، والمشكلة التي تواجهنا الآن والتي تواجهنا على الدوام هي: أيهما ستكون له ~~الغلبة؟ تلك مشكلة المشاكل في المستقبل. # وما دمنا نعيش والرأسماليون ms715 من حولنا فستظل الأخطار تتهددنا أيها الرفاق، تذكروا ذلك ولا ~~تنسوه أبدا، ولا تخدعنكم أعمال الإعارة والتأجير، فتبدل أفكاركم، إن المسألة لا تعدو أن ~~تكون مساومة وصفقة نؤدي نحن ثمنها غاليا هو تضحيتنا بالدماء السوفيتية والأرض السوفيتية، ~~فلا تغالوا في هذه «الصداقة» الجديدة غير الطبيعية، واذكروا على الدوام أننا نحن أعضاء ~~الحزب جنود لينين وستالين، وأننا نعرف خبيئة نفوس الرأسماليين.» # ويفرغ يودين من خطبته فنقف جميعا وننشد نشيد الدولية، ومهما تكن المعاني الخفية التي ~~فهمها غيرنا من «رجوع» زعماء السوفيت عن المبادئ الشيوعية، فإننا نحن المتصلين بالدوائر ~~العليا نعلم حق العلم أن ذلك إذعان مؤقت ألجأتنا إليه الظروف، ولا يعدو أن يكون تبدلا في ~~أساليب الحركة الشيوعية الدولية وصورها الخارجية، أما جوهرها فباق لم يطرأ عليه شيء من ~~التحول، والذين يظنون أننا قد تحولنا عن هذه المبادئ ونبذناها وراء ظهورنا بلهاء ~~مخدوعون. # وبعد أن تشد عزائمنا ويجدد نشاطنا على هذا النحو يعود كل منا إلى عمله، ولكن «الكبار» - ~~يودين وبمفيلوف ومن إليهما - يهرعون إلى المقصف لينشطوا أجسامهم، وهناك يلتهمون ما فيه من ~~طيبات الإعارة والتأجير، وهم يواصلون الحديث في موضوع الاجتماع، ويستمتعون مقدما بانهيار ~~العالم الرأسمالي. # وتمضي بضعة أيام ونجتمع مرة أخرى ليخطبنا فلاديمير بتيمكين الدبلوماسي السوفيتي الذائع ~~الصيت، وآراؤه بطبيعة الحال لا تختلف في شيء عن آراء يودين، إذ ليس في روسيا السوفيتية من ~~له آراء خاصة، بل كل من فيها يفرض عليه أن يحبذ «الخطة» المرسومة ويردد صداها على ~~الدوام، لكن بتيمكين أخصائي في الشئون الخارجية؛ ولهذا كان أكثر صراحة ووضوحا حين تحدث عن ~~مستقبل بعض الدول الأوروبية، فكانت «آراؤه» وآراء جميع أعضاء خطباء اللجنة المركزية تفصح عن ~~نظرية الحزب الشيوعي برمته. # وهم يؤكدون لنا أننا إذا رجعنا عن مبادئنا بعض الشيء فما ذلك إلا لنبني قواعد جديدة لتقدم ~~جديد، وهم واثقون من أن الشيوعية ستجد سبيلها إلى البلاد المهزومة والمحررة حين تحرر النصر، ~~ومن أجل هذا يجب علينا أن نحتفظ باحتياطي القوى الثورية وموظفيها، وأن نزيد في ms716 عدد هؤلاء ~~وأولئك، وحينئذ نهاجم الرأسمالية من أعلى عن طريق حكوماتها، ومن أسفل عن طريق العمل الذي ~~تقوم به الجماهير فيها. # وكان أكثر ما آلم الشيوعية وأخشع طرفها هو اضطرارها بسبب الحرب لتعديل موقفها في أمور ~~الدين، فقد سمح لرجال الدين أن يؤلفوا وينشروا كتابا سموه: «حقيقة الدين في اتحاد ~~الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية» أعلنوا فيه رضاءهم عن النظام السوفيتي، ولم يعلق أحد منا ~~شيئا من الأهمية على هذا الكتاب، ولكننا سمعنا أنه كان له أثر كبير في خارج البلاد، ودعا ~~ميروتوف دعاة الحزب إلى مكتبه ليوجه تفكيرهم في هذه المشكلة الشديدة التعقيد. # وبدأ خطابه لهم قائلا: «أيها الرفاق، لقد اضطررنا إلى التسليم ببعض الأمور لأنصار الدين، ~~وخاصة لأن كثيرين من رجال الجيش الأحمر قد جندوا من قرى متأخرة لا يزال للدين فيها شأن ~~كبير، وفضلا عن هذا فإن العدو يستغل موقفنا المعادي للدين في أغراض الدعاوة، وقد رأينا أن ~~تحسين علاقتنا برجال الدين يضعف موقفه من هذه الناحية، وثمة مسألة أخرى على جانب عظيم من ~~الأهمية، تلك هي أن جيوشنا ستدخل بعد قليل دولا صقلبية لم تنعم بعد بمزايا التربية ~~الشيوعية، وهل تكون للجنة الجامعة الصقلبية في موسكو أية قيمة إذا استمسكنا بسياستنا ~~القديمة مع الكنيسة؟ # وستكون سياستنا الدينية الجديدة ذات أثر عظيم في تحطيم الدعاوة التي تقوم بها الكنيسة ~~الكاثوليكية واللوثرية وغيرهما من الجماعات الدينية ضد الدولة السوفيتية؛ ولهذا أرجو ألا ~~تستخفوا بحكمة الحزب في انتهاج هذه السياسة، فهي تتيح لنا الفرصة في تقوية الرابطة بين ~~الروسيا والكنيسة الأرثوذكسية في البلاد الأخرى وتجعل من موسكو روما الثالثة.» # ثم قام أحد الحاضرين وقال: «ولكن قل لي يا رفيق ميتوروف، ألا يخشى أن تفسد الخرافات ~~الدينية عقول الجيل الجديد الذي سيحل محلنا في يوم من الأيام؟» # فأجاب مبتسما: «لا تشغل بالك بهذا الأمر، أن الدين لا يجد له مربعا أو غذاء في اتحاد ~~الجمهوريات السوفيتية، هذا إلى أن الصحافة والمسرح والإذاعة والمدارس والكتب وسائر القوى ~~التي تؤثر في العقول كلها تحت ms717 إشراف الحزب وحده، وليس هناك من يجهل أن الشاب ذا الميول ~~الدينية لا يستطيع في هذا البلد أن يشق له طريقا في الحياة، بل إنه لا يجد له مكانا في ~~الدولة إذا لم يكن معنا روحيا وسياسيا، وتلك أعظم ميزة لدينا. # ولا إخالك قد نسيت أن الكنيسة منفصلة عن الدولة، وأن الدولة هي التي تشرف على المدارس، ~~وثق أن منظمات الشباب ستكون أعظم قوة من القساوسة، وهل يصل بنا الحمق إلى ترك الجيل الجديد ~~في يد القسيسين؟» # وكان الأمر واضحا لنا كل الوضوح، لقد كان الاتجاه الديني الجديد خدعة مؤقتة يقصد بها ~~الوصول إلى أغراض معينة في داخل البلاد وخارجها، واتضح لنا كذلك أن من الواجب علينا حين ~~نناقش هذا الموضوع مع «الجماهير» أن ندخل في روعهم أن هذا التحول السياسي الجديد تحول حقيقي ~~دائم لا رجعة فيه. # ثم وجه إلينا ميتوروف هذا التحذير: «إن غير الناضجين من أعضاء الحزب أنفسهم لا يستطيعون ~~فهم كل ما تنطوي عليه هذه السياسة من أغراض؛ ولهذا يجب أن نصطنع الحذر الشديد حين نتحدث ~~إليهم في هذا الموضوع.» # ولم أكن أعمل في مجلس الوزراء حينما صدر الأمر في مايو سنة 1943م بإلغاء الدولة الشيوعية ~~في الظاهر، ولكن التفسيرات التي فسر بها هذا العمل في اجتماعات الشيوعيين الهامة ~~المغلقة كانت تتفق كل الاتفاق مع الآراء التي شرحها لنا رجال من طراز يودين وبوتكين، ومجمل ~~هذه الآراء أن هذه الهيئة العالمية لم تحل إلا من الوجهة الرسمية الظاهرية، أما الحقيقة فقد ~~كانت تناقض هذا كل المناقضة، فقد كان لا بد من تقوية الأداة التي تستخدمها هذه الهيئة، ~~وتقوية موظفيها، وتدعيم نظامها؛ لتستطيع أن تواصل عملها في الخفاء، ومن الأقوال التي كان ~~يرددها الزعماء قولهم: «اعلموا أيها الرفاق أن قوى ثورتنا في جميع أنحاء العالم تستعد ~~للكفاح وتستعد للنصر.» # ولقد نسي العالم في أثناء الضجة التي أثيرت حول إلغاء الدولية الثالثة المزعوم أن كتاب ~~ستالين «مشاكل اللينينية» قد ظل كما كان المرشد الأعلى في شئون المبادئ والأفكار ms718 الشيوعية، ~~وأن ستالين لا يترك في هذا الكتاب أثرا للشك في اعتقاده الذي لا يتزعزع في أن من حق الكتلة ~~العاملة المظفرة - ويقصد بها اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية - بل من واجبها المقدس ~~أن تستخدم القوة في إشعال نار الثورة في البلاد الأجنبية إذا ما لاحت لها الفرصة لإشعالها، ~~وأن النظام الثوري القائم يجب أن يقدم المعونة للثوار في سائر أنحاء العالم وأن «يستخدم ~~القوة العسكرية إذا لزم الأمر عند الطبقات المستغلة والدول التي تناصرها». # ولا يزال لكتاب ستالين الرسمي «تاريخ الحرب» ما كان له من أثر قبل إلغاء الدولية الثالثة ~~كما لا يزال يوزع اليوم في جميع البلاد التي يقيم فيها أتباع ستالين أو يسافرون إليها، وليس ~~في هذا الكتاب أقل غموض بل هو واضح كل الوضوح، ومما جاء في مقدمته: «إن الحزب الشيوعي صاحب ~~السلطة في جميع أنحاء الاتحاد السوفيتي قد اهتدى في ماضيه ولا يزال يهتدي في حاضره ~~بالتعاليم الثورية التي وضعها ماركس ولينين ...» وإن دراسة تاريخ الحزب لتقوي الاعتقاد في ~~النصر النهائي للهدف الجليل الذي عمل له لينين وستالين وهو «انتصار الشيوعية في العالم ~~كله». # ولما كانت هذه الآراء لا تزال هي المسيطرة على الروسيا، ولم يصدر بعد ما ينقضها، فإن ~~الإنسان لا يسعه إلا أن يفكر - وأن يقشعر بدنه من شدة الرعب حين يفكر - فيما كان يحدث لو أن ~~دولة ستالين لا الولايات المتحدة الأمريكية كانت أول من صنع القنبلة الذرية! # وليس هذا تفكيرا خياليا منقطع الصلة بالحقائق الواقعية، لقد كان العلماء والمفكرون ~~الروس بوجه عام أيا كانت مبادئهم السياسية يعملون مجدين مخلصين لكسب هذه الحرب، وقد عملوا ~~للتغلب على ما كان لدينا من نقص باختراع أدوات حربية جديدة، وبفضلهم كان لبلادهم السبق في ~~استخدام بعض الأسلحة التي أخذوا بها الأعداء على غرة، ولم يكن من الأسرار الخفية أن الأبحاث ~~الذرية كانت تسير سيرا حثيثا بأمر ستالين وتوجيهه. # ولقد أشيع في أواخر عام 1942م أن ستالين قد استقبل الأستاذ كرمروف رئيس المجمع العلمي ~~وكيتزا مدير معهد ms719 العلوم الطبيعية في اجتماع خاص بأبحاث الطاقة الذرية، وكانت إدارة ~~الاستعلامات العسكرية السوفيتية في الوقت نفسه تبذل أقصى جهدها في الحصول على ما في البلاد ~~الأخرى من أسرار خاصة بالطاقة الذرية، ولما أن عقد المجمع العلمي اجتماعه في سفرولفسك في ~~شهر ديسمبر من عام 1942م دار حديث طويل عما حدث من تقدم في استخراج المعادن النادرة ومنها ~~معدن الأورانيوم، وكانت الدوائر الشيوعية تفاخر بأن كابتزا قد وصل إلى نتائج مدهشة فيما كان ~~يقوم به من أبحاث لتفتيت الذرة. # ترى لو أن الكرملين قد صنع القنبلة الذرية قبل أن تصنعها زعيمة الدول الديمقراطية في ~~العالم، فهل كان يستخدمها ستالين لإشعال ثورات من الطراز المحبب إلى قلبه؟ إن الجواب الذي ~~أجيب به عن هذا السؤال إنما يصدر عن رأيي الشخصي ولكنه قائم على ما استقر في نفسي طوال ~~حياتي من علم بالعقلية البلشفية وجرأتها وتحللها من المبادئ الأخلاقية إذا ما دعاها داعي ~~واجبها نحو القضية الشيوعية، وهذا الجواب هو نعم. # واتفق أن زرت مخزن الكتاب الدولي، وهي هيئة لنشر الدعاوة باللغات الأجنبية، وكان ذلك في ~~الوقت الذي قيل فيه: إن الدولية الشيوعية قد حلت، وابتهجت لذلك قلوب السذج من حلفائنا ~~الرأسماليين، وشاهدت في هذا المخزن أكداسا عظيمة من النشرات الحزبية التي طبعت حديثا ~~لتوزع في البلاد التي أوشك الجيش الأحمر أن يدخلها، لقد ماتت الدولية الشيوعية من الوجهة ~~النظرية، أما من الوجهة العملية فقد كانت اللجنة المركزية للحزب تعد العدة لغزو أوروبا ~~أدبيا في الوقت الذي كانت الجيوش السوفيتية تغزوها عسكريا، وكان موظفو الدولية ~~«الملغاة» يعاد تنظيمهم على عجل استعدادا للعمل الكبير الذي سيلقى على عاتقهم في ~~ألمانيا وفرنسا وبولندا والمجر وإيطاليا وغيرها من البلاد. # لقد كانت الروسيا تعد لهذا الغزو الذي طال انتظاره مزيجا من الإيمان بالمبادئ البلشفية ~~والقوة العسكرية، وقد اختارت لهذا الغرض طائفة من رجال الشرطة السرية وأخذت تدربهم تدريبا ~~خاصا للعمل في بلاد السوفيت المحررة وفي البلاد الأجنبية، وخصصت لإقامتهم طائفة من ~~الدور في قلب موسكو، وكانوا جميعا ms720 من طبقة الضباط ومن الشيوعيين ومن صفوة رجال الشرطة، ~~وكانوا يعدون لذلك الواجب التاريخي العظيم واجب «تطهير» سكان البلاد التي خضعت للاحتلال ~~الألماني ونفوذ الألمان، و«التطهير» في معجم القسم السياسي لفظ ذو معنى رهيب. # وصحب رجال هذه الفرق الجديدة فيالق الجيش الأحمر ورجال القسم السياسي في زحفها المظفر ~~غربا، وكانوا في العادة يخفون هويتهم الشرطية بلبس الشارات العسكرية العادية بدل شارة ~~القسم السياسي القرمزية، وكان أهم ما خصصوا له من الأعمال ذلك العمل الرهيب وهو التخلص من ~~ملايين المواطنين السوفيت ممن يرى الزعماء أنهم قد يكونون «غير مرغوب فيهم» إن خرجوا مؤقتا ~~من السيطرة السوفيتية، ومعنى هذا أن رجال الشرطة السوفيتية العتاة هم الذين سيقدرون ولاء ~~الملايين التي لا حصر لها ممن خضعوا لسلطان الألمان، ويحكمون عليهم بما يرونه في هذا ~~الولاء، فمنهم آلاف يعدمون رميا بالرصاص، وآلاف غيرهم ينفون من البلاد، ويسود بينهم ~~كلهم حكم من الإرهاب؛ لأنهم متهمون بالتعاون مع الألمان، وما أكثر ما ارتكبت هذه الصفوة ~~المختارة من السفاحين من فظائع تقشعر من هولها الأبدان في فورنزه ورستوف وسمولنسك وشمال ~~القفقاس وكل إقليم جلا عنه الألمان. # فكان الرجال والنساء والأطفال الذين عملوا تحت سيطرة الألمان لكسب القوت لا لشيء سواه، ~~وكان معظمهم يعملون مرغمين كارهين، كان هؤلاء يجمعون ويقتلون بلا بحث ولا تظاهر ببحث، دع ~~عنك المحاكمة القانونية، وكانت آلاف مؤلفة من المواطنين السوفيت المساكين يحشدون في ~~عربات الحيوانات وينقلون إلى داخل البلاد ليعملوا مسخرين في المهاجر وفي معسكرات ~~الاعتقال، ولا مراء في أن مجموع هؤلاء المنفيين الذين جيء بهم ليزيدوا من عدد فيالق العمال ~~المسخرين قد أربى على كثير من الملايين، قبل أن تضع الحرب أوزارها، ولا حاجة إلى القول بأن ~~عمليات التطهير نفسها قد عملت في الأراضي غير السوفيتية التي غزاها الجيش الأحمر. # ولسنا ننكر أنه كان من بين سكان هذه الأقاليم من تعاونوا مع الألمان حقا، كما أنه كان ~~من بينهم بعض الخونة الحقيقيين الذين يستحقون العقاب، ولكن القول بأن هؤلاء الخونة قد بلغت ms721 ~~عدتهم هذا القدر الهائل الذي قضى عليه رجال القسم السياسي في الأقاليم المحررة هو إهانة ~~شديدة للشعب الروسي؛ ذلك أن دولتنا البوليسية التي لم تكن تعبأ بأرواح الآدميين ولا تقيم ~~لها وزنا قد توسعت في تعريف «التعاون» مع الأعداء و«الخيانة» حتى شملا كل من وجه كلمة نقد ~~عارضة لطغيان ستالين أو أظهر شيئا من الشك في «الاشتراكية» التي فرضها سادة الكرملن على ~~البلاد. # ولسنا نجد بدا من الاعتراف بتلك الحقيقة المرة: وهي أن ملايين من بني وطني قد ~~استبدلوا بعد جلاء الألمان الاستعباد السوفيتي بالاستعباد الألماني، وأنهم كانوا في محنتهم ~~كالمستجير من الرمضاء بالنار. # وأمكنني في حياتي السياسية أن ألم الإلمام كله بأساليب الحكم في بلادنا، وبنظم الحكومة ~~كلها، وبالأداة الحكومية على حقيقتها، وبما هناك من فرق هائل بين عمل هذه الأداة وبين ~~نظامها المسجل في دستور البلاد، وقد أخفيت تلك الحقيقة حتى لا تقع عليها أعين الأجانب وأعين ~~الشعب الروسي نفسه، وليس من المستطاع الكشف عنها في أقل من رسالة خاصة تكتب عن نظام الحكم ~~السوفيتي، وحسبي هنا أن أسجل تلك الحقيقة وهي أن حكم اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية ~~من الأعمال التي ينظمها ويتولاها الحزب الشيوعي، وما مجلس الوزراء وما مجلس السوفيت الأعلى ~~إلا فرع من فروع لجنة الحزب المركزية والهيئة السياسية العليا. # وكان منصبي في هذه الفترة التي أتحدث عنها قريبا جدا من ذروة الحكم، فاستطعت بذلك أن ~~أسمع كثيرا من الأنباء التي تعد في حكم المعلومات السرية العليا، وغير خاف أن الأنباء ~~الشفوية تروج حيث تكون الصحافة مكممة خاضعة لأشد أنواع الرقابة والسيطرة، ومن أجل هذا كانت ~~الشائعات تنتشر في موسكو أسرع من انتشارها في سائر بلاد العالم، ومن أكبر أسباب هذا ~~الانتشار عدم وجود أداة لملاحقة هذه الأخبار وتكذيبها، وكل ما كان لإنكارها من نتيجة أن زاد ~~في قوتها وتأثيرها، وكانت الأخبار غير العادية وخاصة ما كان منها سيئا محظورا يتلقفها ~~الناس ويفضون بها إلى من يثقون بهم من الأصدقاء المقربين. # وكان أهم ما يفضي به ms722 الأصدقاء إلى أصدقائهم وما يتطلع هؤلاء الأصدقاء إلى معرفته هو أنباء ~~النزاع الذي يقوم بين الرؤساء الكبار، وارتقاء بعض الموظفين، وسقوط البعض الآخر، وما يحدث ~~بين أمناء سر ستالين، وما ينطق به الزعيم نفسه من عبارات لاذعة، وكان مما عرفته أن ~~كاجانوفتش وأندرايف، وكلاهما من أعضاء الهيئة السياسية العليا، يكره كل منهما الآخر ويكيد ~~له ويعمل لأن يكون أقرب منه إلى ستالين، وعرفت أن ميكويان ومولوتوف يتنازعان المكان الأول ~~في قلب الزعيم، وأن النجم اللامع فزنسنسكي قد حقر النجم الآفل كاجانوفتش في اجتماع رسمي، ~~وأن مخليس رئيس الإدارة السياسية في الجيش الأحمر قد أقيل خفية من منصبه ذي السلطان ~~العظيم؛ لأنه أصبح بسبب دينه اليهودي غرضا تصوب إليه سهام الدعاوة النازية القوية بين ~~جنودنا الجهلاء الرجعيين، وأن فاسيلي بن ستالين المحبوب لا يفتأ يثير المشاكل بسبب سكره ~~وصلاته النسائية وتهوره في سوق سيارته. # وكان من المآسي المروعة ما حدث للمرحوم الرفيق قنسطنطين أوماتسكي سفيرنا السابق في ~~واشنجتن قبل أن ينقل منها إلى منصبه الجديد فيكون سفيرا لنا في المكسيك، وتفصيل ذلك أن ~~ابنته الشابة كانت تقيم مع شاب في مثل سنها هو ابن شاخورين وزير صناعة الطيران، وحدثت مشادة ~~ذات ليلة بينهما مبعثها الغيرة النسائية، فأخذ الشاب مسدس أبيه وأطلقه على الفتاة وسرعان ما ~~انتشر نبأ هذه الجريمة المروعة في الأوساط العليا، وظلت هذه الأوساط تتحدث عنها عدة أيام، ~~ولكن صحافة موسكو لم تشر إليها بكلمة واحدة. # على أن أهم ما كان يثير مشاعر الناس من الحديث غير المدون ما كان خاصا بستالين نفسه فقد ~~كانت كل كلمة ينطق بها تلوكها الألسن وتحللها، وكان ما يحب وما يكره، وحالته الصحية وعاداته ~~ومناقضه تثير من اهتمام حاشيته وأتباعه أكثر مما يثيره سير الحرب أو مصير الثورة العالمية، ~~وكان مما سمعته أنا نفسي أن ستالين يهوى الشطرنج والبليارد، وأنه يتقنهما إتقانا يمكنه من ~~أن يستمتع إلى أقصى حد بالمباريات التي تقوم بين أعظم أبطال الشطرنج والبليارد، وأسر لي ~~بعضهم - بنغمة خليقة بأمثال ms723 هذا السر الدولي الخطير - أن خير ما يهواه الزعيم من أنواع ~~الخمور نبيذ كاختنسكي وكاجور وكلاهما مما يصنع في بلاد القفقاس. # وكنا نعرف جميعا أن من عيوب ستالين حبه للأمثال والحكم الروسي منها والكرجي وأنه كثيرا ~~ما يستخدمها لفض المناقشات، وكان مما قيل لنا: إنه بعد أن وقع ميثاقه مع هتلر جلس صامتا، ~~بينا كان رجال الهيئة السياسية العليا يتناقشون فيما يفرضه هذا الميثاق على البلاد من ~~التزامات، وأخيرا لخص هو الحالة كلها بمثل من أمثاله المأثورة: «إني لا أضمن مذاق هذا ~~الصنف من الطعام ولكنه سيكون طعاما حارا!» وإذا ما طال بين الناس الجدل قال لهم في هدوء: ~~«اقلبوا الإوزة على جنبها الآخر وإلا شاطت!» وإذا ما عجز خطيب عن أن يوضح قصده قال له: «إنك ~~تخور كالبقرة التي جاءها المخاض ولكن أين العجل؟» # وخطب ستالين كبار رجال الدولة في اجتماع للجنة الحزب المركزية فقال: «إذا لم ينصلح عملكم ~~على الفور صفعناكم.» وبعد أن سكت برهة حتى يستقر هذا المعنى في نفوس السامعين قال: «ولا أقصد ~~الصفع بمعناه الحرفي، ولكنا سنصفعكم وكفى.» # ويذيع الناس أن ستالين يحب الموسيقى، ولكن الذي يؤسف له أن ذوقه الموسيقي لم يرق كثيرا، ~~وأن فهمه للموسيقى ضيق محدود، على أن هذا لا يمنعه بطبيعة الحال أن يحل المشاكل الموسيقية، ~~وأن يحكم على ما ينشئه الموسيقيون، وليس منا من لا يعلم كيف دفع الشاب شستا كوفتش خارج ~~حجرته وأبقاه في الظلام فترة من الوقت، ولكن الذي لا يعرفه الكثيرون هو ما فعله بالمؤلف ~~الموسيقي الشاب تيخون خرنيكوف، لقد أعجب النقاد في موسكو بمسرحيته الغنائية في العاصفة ~~واستقبلوها بحماسة شديدة، فلما أن شهد الزعيم هذه المسرحية وقال: إنه لا يحبها رجع النقاد ~~من فورهم في حكمهم فأبعدت المسرحية عن المسرح ولم يسمع أحد عنها شيئا بعدئذ. # وثمة قصة أخرى تروى عن ستالين لا أومن أنا بصحتها ولكن أخصاءه المقربين إليه لا يشكون ~~في صدقها، وخلاصة هذه القصة أنه إذا اعتزم أمرا خطيرا ذهب «ليستشير» لينين الميت ms724 في ~~تابوته المصنوع من الحجر الأعبل المدفون في الميدان الأحمر، وتقول هذه القصة: إنه يقضي ~~ساعات طوالا منفردا في هذا الضريح غارقا في أفكاره، ومما قاله لي مرة موظف كبير من رجال ~~القسم السياسي : «لست من المشتغلين بمناجاة الأرواح، ولكني أقرر الحقيقة حين أقول: إن ستالين ~~بقي بمفرده مع جثة لينين بضع ساعات قبيل نقل هذه الجثة سرا إلى ما وراء جبال أورال وقت أن ~~كان الألمان على أبواب موسكو.» # وتعتقد تلك الدوائر العليا أن ستالين يؤمن أشد الإيمان بالخرافات وتؤكد أنه طالما بدل من ~~خططه؛ لأن «الدلائل» لم تكن كما يشتهي، ولعله ينفرد بين الطغاة والسياسيين الناجحين في أنه ~~حريص أشد الحرص على عزلته، يغلق على نفسه باب حجرته، ويقضي وقتا طويلا يفكر في الشئون ~~الحربية، وهو قليل التردد على المجتمعات الكبيرة، كاره لها، لا يحضرها إلا إذا أجبرته ~~الضرورة الحربية على حضورها، فإذا فعل فقد أوتي القدرة على أن يسلك فيها سلوك غيره من ~~الأفراد. # وحدثني زميل لي حديثا مفصلا عما حدث في مأدبة أقامها ستالين لجماعة من الطيارين وغيرهم ~~من الرجال الذين امتازوا بأعمالهم في ميدان القتال. # ولما عاد هؤلاء الرجال إلى ميادين القتال تحدثوا إلى زملائهم قائلين: إن الفذهد - وهي ~~الكلمة الروسية للزعيم والمقابلة لكلمة الفهرر الألمانية - رجل ساذج غير متكبر، وأنه اشترك ~~معهم في شربهم ومزاحهم وغنائهم ولم يكتف بأن أثقل كاهلهم بالهدايا. # أما الذين يعرفونه عن كثب ويعرفونه من زمن طويل فإنهم إذا تحدثوا عنه أجمعوا على أنه رجل ~~صلب العود، لا يثق إلا بالقوة، ماكر مخادع يرى الخديعة نفسها نوعا من القوة، حقود منتقم لم ~~يعرف عنه في يوم من الأيام أنه عفا عن إساءة أو نسيها، وإذا تظاهر بالخضوع في نزاع فما ذلك ~~إلا ليقوي بهذا الخضوع مركزه ليهاجم بعدئذ عدوه ويطعنه من خلفه، ولقد عمل على أن يحيط نفسه ~~برجال من طرازه، لا يؤمنون إلا بالقوة، منتقمين لا يعفون عن إساءة لا مبدأ لهم ولا ~~ضمير. # وستالين في حقيقة أمره رجل ms725 مستوحش، وهو يعلم ذلك في نفسه، وقد شعر هو في سني حياته ~~العملية أن لا بد له من أن يقتل خاصة أصدقائه وزملائه كلهم تقريبا، ومنهم آبل بنوكدز نفسه ~~الذي نشأ معه والذي طالما كان يعده أعز أصدقائه وأقربهم مودة له، ولما اغتيل كيروف ومات ~~زميله ومواطنه الكرجي أور زنكدز ترك موتهما في حياته الخاصة فراغا كبيرا، ولقد أصبح أقرب ~~الناس إليه في السنين الأخيرة ميكويان وفور شيلوف وبيريا ومولوتوف. # ويرجع سوء ظن ستالين فيمن حوله إلى مرض في نفسه، وهو لا يستثني أحدا من سوء ظنه حتى من ~~يقربهم إليه في وقت من الأوقات، وما من شك في أنه يعتقد أن كل واحد منهم سيكون في مستقبله - ~~إن لم يكن في حاضره - متآمرا عليه يدبر له المكايد والدسائس. # لقد كانت هذه هي الشائعات التي تدور في الدوائر الخاصة عن ستالين، على أن هذا الرجل هو ~~الوحيد من بين زعماء الكرملن الذي كاد اسمه أن ينجو من أحاديث الإفك. # ذلك أن القصص كانت تروى باستمرار عن علاقة سائر الزعماء بالراقصات والممثلات وحفلات ~~السكر وما إليها، أما الزعيم فلم يرو عنه شيء من هذا أبدا، ولعل حرصه على أن يكون هو ~~المحرك لجميع نواحي النشاط في حياة البلاد القومية لا يترك له فسحة من الوقت لمثل هذه ~~الأمور، وهو يميل إلى قراءة الكتب الجديدة كمؤلفات كلوز وتز وتشيكوف وسلتيكوف، وإن معلوماته ~~عن الشئون الاقتصادية والسياسية لتدهش كل من يتصل به. # ويعتقد الكثيرون منا أن ولع ستالين بالانفراد بنفسه وبغضه للظهور في المجتمع لا صلة لهما ~~بقبح صورته، وإن كان مصوروه فيما رسموا له من صور زيتية وشمسية تعد بالملايين قد حرصوا ~~الحرص كله على أن يخفوا عن الناس أنه قصير بدين بطين، أشد سمرة وأقرب إلى ملامح الأسيويين ~~مما يعرف عنه معظم الناس، وأن وجهه يشوهه الجدري، وأن ذراعه اليسرى معوجة بعض الاعوجاج، وأن ~~أسنانه متآكلة غير متناسقة، وإذا كانت عيوبه الجسمية قد ولدت فيه عقدة من عقد النقص فقد ~~يفسر ms726 هذا حبه الشديد للملق المكشوف الذي تعافه النفس. # وقد يفسر هذا أيضا الطريقة الغربية التي بدلت بها الحقائق المتصلة بحياته الأولى حتى ~~تبدو هذه الحياة مجيدة باهرة، مثال ذلك أن محفوظات إدارة الشرطة في عهد القيصر تذكر عنه أنه ~~بائع كتب، ولقد أتيح لي أن أطلع بنفسي على هذه الوثائق، ولا يزال الرجل إلى هذا اليوم ~~محتفظا بقدرته المدهشة في العد والحساب وعمل الإحصاءات وكشوف الإيراد والنفقات، ولكن هذا ~~العمل الذي لا ينقص قط من قدر إنسان قد أخفي عن أعين الناس ولم يسمح بنشره. # وفي وسع الإنسان أن يستمع إلى كثير من الحقائق المرة عن تفضيل ستالين للقفقاسيين - أي ~~الكرج والأرمن - على سائر الروس، وقد قيل: إنه يثق بهم ويفهمهم خيرا من ثقته وفهمه للروس ~~الذين لا تجمعه بهم أية صلة من صلاة الجنس أو التعليم المبكر، والحق أن القفقاسيين - وإن ~~كانوا لا يمثلون إلا أقلية ضئيلة لا يعتد بها من مجموع سكان بلاد السوفيت - لا تخلو منهم ~~إدارة من الإدارات الحكومية، فقد كان بريا إلى عهد قريب رئيس إدارة الشرطة، وكان ميكوبان ~~الرئيس الأعلى للتجارة الداخلية والخارجية، وبوجوزيان وكفتارتزي أكبر مساعدي مولوتوف، هذا ~~إلى أن الوزيرين أكوبوف ونفزيان ونائبي الوزيرين دويان وأروتيانوف ومئات غيرهم من كبار ~~الموظفين كلهم كرج أو أرمن. ~~••• # ولما اقترب اليوم السابع من نوفمبر أخذت العقول كلها تترقب يوم العطلة؛ ذلك أن البلاد ~~كلها ستحتفل بيوم الثورة احتفالا فخما عظيما رغم الكوارث التي كانت تحل بالجيوش ~~السوفيتية في ميدان القتال، وكان الناس يتوقعون أن الحكومة الكريمة ستزيد من مقررات الطعام ~~في هذا العيد كما كانت تفعل في الأيام الماضية، وكان طبيعيا أن يطغى اهتمام الناس في هذا ~~العام بما يأكلون على كل ما عداه من الشئون. # وزينت مكاتب الموظفين، ونظفت أرضها، وعلقت على الجدران عبارات الترحيب ~~والابتهاج المعتادة في مثل هذه الأحوال، وسرت في البناء الذي كنا نقيم فيه روح الغبطة ~~والسرور، وخفف بمفيلوف من حدة غضبه على الموظفين وسبابه إياهم، وكذلك فعل كل منا ms727 من ~~التابعين له من الموظفين، ولما أقبل اليوم السادس من نوفمبر جاء صغار الموظفين وفيهم ~~الخادمات اللاتي يعملن مياومة واللاتي يغسلن الأرض، والسعاة ومن إليهم، ومع كل منهم كيس ~~مصنوع من الخيوط الشبكية، وهي من مستلزمات المواطنين السوفيت إذ يسهل عليهم أن يطووها ~~ويضعوها في جيوبهم الخلفية ثم يخرجوها ليضعوا فيها ما عسى أن يسعدهم الحظ بالحصول عليه من ~~الطعام. # ثم زفت البشرى العظيمة آخر الأمر، فأعلن أن كل موظف في مجلس الوزراء سينال في هذا اليوم ~~رطلين ونصف رطل من الخبز الأبيض، واثني عشر رطلا ونصف رطل من البطاطس، وثلاثة أرطال من ~~العسل دليلا على ما يكنه ستالين من حب عظيم لرعاياه! وسرت الحماسة في النفوس حتى تعذر ~~القيام بعمل من الأعمال، وجاء هذا السخاء دليلا على ما كان لبمفيلوف من نفوذ عظيم في ~~الدوائر العليا، وكانت لهذه الهدايا قيمة كبيرة، فإن كمية البطاطس تكفي لصناعة وجبة طيبة ~~لأسرة بأكملها، والعسل أثمن من الذهب لمن لم يذوقوا طعم السكر من زمن بعيد. # وأخذ إيفانوف غاسل الأرض النحيل الجسم الأشيب الشعر يغني طول الصباح ويقول: «ما أحلاك ~~أيتها البطاطس الصغيرة! ما أحلاك حبيبتي!» # وتبدل الرجل لساعته، فلم يعد هو القزم الحقير الذي كنا نراه ينزلق على أرض مكاتبنا ~~الجميلة المصنوعة من الخشب الأملس الثمين، فقد عهد إليه في ذلك اليوم شرف وزن البطاطس، وأثر ~~هذا العمل في نفسه فملأه بهجة وسرورا، لقد كان يكمن في بردي إيفانوف الهزيل ذي النفس ~~المتواضعة القانعة رجل آخر جريء ذكي رحيم في غير ضعف، برز الآن إلى عالم الوجود ليشرف على ~~توزيع البطاطس، فيزن لكل فرد اثني عشر رطلا ونصف رطل كاملة لا يرهب في عمله أحدا، ولا ~~يحابي أحدا، وما قيمة بمفيلوف نفسه إذا قيس في ذلك اليوم بإيفانوف ملك البطاطس؟ # وتقدمت إليه إحدى الكاتبات وقالت له: «يا عزيزي أندروشا، إن في بيتي ثلاثة آدميين ينتظرون ~~مني الطعام، وأنا لا أسألك أكثر من حقي في البطاطس، بل كل ما أرجوه ألا تعطيني كل ms728 هذه ~~البطاطس الفاسدة ...» # ولكن إيفانوف الجديد لم يكن ليتأثر بهذه العواطف بل أصبح في هذه الساعة على الأقل من ~~البلاشفة الغلاظ. # وأجابها قائلا: «سيوزع البطاطس بين الناس بالقسطاس، وسيأخذ كل منهم حقه من التالف وحقه ~~من الصالح إن كان لدينا صالح، والآن أفسحي الطريق لغيرك يا مواطنة وليتقدم من ~~وراءها!» # ولكن هذا المجد الذي ناله إيفانوف المسكين في هذا العام قد انتهى مع الأسف بكارثة؛ ذلك أن ~~البطاطس لم يكف كل الموظفين، وقال الذين لم يحصلوا على حقهم: إن هذا الرجل الغبي إنما كان ~~يصلح لغسل الأرض لا لوزن البطاطس الثمينة، ولم يدفع إيفانوف عن نفسه إلا بقوله: إن ما كان ~~لديه من البطاطس لم يكن يكفي لأن توزع منه اثنا عشر رطلا ونصف رطل لجميع الموظفين، ومهما ~~يكن من شيء فإن كمية البطاطس الفاسد منها والصالح قد نفدت فجأة، وبقي نحو عشرين موظفا ~~واقفين ينتظرون نصيبهم منها. # أما نحن كبار الموظفين فقد كنا أسعد حالا، فقد تسلم كل منا حزمة من الطعام الدسم الشهي ~~تختلف حسب منصبه. # هذا إلى أن كلا منا نال إذنا خاصا يستطيع أن يستبدل به من إحدى الصيدليات «المغلقة» ~~زجاجتين من النبيذ الجيد وزجاجة من الفودكا. # وكان الاستعداد يجري في الكرملن لإقامة مأدبة ستالين السنوية، وكانت هذه الوليمة مقصورة ~~بطبيعة الحال على الطبقة العليا الممتازة من الموظفين أصحاب النفوذ العظيم، وكانت الدعوة ~~إليها أعظم شأنا من أكبر الألقاب التي يمنحها الملوك في الدول الأخرى، وراجع رجال القسم ~~السياسي ثبت أسماء المدعوين، وظل كل منهم موضعا للبحث والتقدير عدة أسابيع قبل اليوم ~~الموعود، واستطعت أنا نفسي أن أتبين ذلك الفحص في مجلس الوزراء نفسه، فقد كنت ألاحظ بمفيلوف ~~وهو يعني أشد العناية بكتابة أسماء الوزراء ومساعدي الوزراء الجديرين بهذا الشرف العظيم، ~~ورأيته بعد أن اختار أسماء المستحقين يبعث بها إلى رجال القسم السياسي لبحثها والموافقة ~~عليها. # وأقمنا نحن مأدبة أخرى في مجلس الوزراء لم تخل أيضا من الجلبة ومن الأزهار والهتاف ~~والأعلام، ومدت الموائد في قاعة ms729 الخطابة العامة لكبار الموظفين، وكان الطعام والشراب كثيرين ~~في هذه المأدبة، فلم تجد غضاضة في الاستماع إلى الخطاب المعتاد في يوم العيد، والذي ألقاه ~~أحد كبار رجال الحزب؛ ذلك أن من واجب الإنسان أن يقبل حلو الحياة ومرها في مثل هذه الأحوال، ~~وكنا كلما ذكر اسم الزعيم وقفنا وهتفنا بأعلى صوتنا، فتقطعت الخطبة بهذا الهتاف تقطيعا ~~جميلا خفف بعض الشيء من مللنا وسآمتنا. # ولما فرغ الخطيب من إلقاء خطبته أخذنا نلتهم الطعام التهاما، وسرعان ما أتينا على ما ~~امتلأت به صحافنا منه فلم نبق فيها شيئا، وجاء الشراب بعد الطعام فشربنا أولا نخب ~~الزعيم المحبوب ثم أنخاب من يلونه من الزعماء المحبوبين أمثال مولوتوف وميكويان حتى وصلنا ~~إلى بمفيلوف، ثم عزف الرفيق مينوروف قطعة موسيقية وأخذنا نحن نغني الأغنية المألوفة: # غنوا أيها الرفاق # وحيوا أعظم الرجال # أعظم الرجال وأحبهم إلينا # غنوا لستالين! # وكنت أسعى من زمن بعيد لأحصل على أعظم ما يطمع فيه موظف كبير من أرباب ~~السلطان في الحكومة، كنت أسعى للحصول على مسكن خاص حتى نلت هذه الأمنية بعد السعي ~~الطويل. # وكان الطريق الموصل إلى مسكني الجديد هو طريق مزهسك الواسع المستقيم المرصوف الذي ~~يلقى من العناية أكثر مما يلقاه أي طريق آخر في بلاد الروسيا بأجمعها، وذلك بأنه هو الطريق ~~المؤدي إلى قصر ستالين الريفي وإلى القصور الصيفية التي يختص بها كبار رجال الهيئة السياسية ~~العليا الذين يعملون في العاصمة، وهو موضع الرقابة والتفتيش الدائمين حرصا على حياة الزعيم ~~المحبوب، ولا ينقطع مرور رجال القسم السياسي النشيطين ذوي الستر الجلدية في هذا الطريق على ~~دراجاتهم الآلية. # وشيدت عدة مبان جميلة حديثة الطراز على جانبي هذا الطريق في طرف العاصمة، واستطعت ~~بشفاعة مجلس الوزراء أن أحصل على شقة في أحد هذه الأبنية تتألف من حجرتين ومطبخ، وهي شقة ~~تعد رحبة مترفة في ظروف السكنى القائمة في موسكو، وكان لها حمامها الخاص ومدفأتها وأدوات ~~للنور من أحدث طراز، إلى غير هذه وتلك من وسائل الراحة والنعيم، ولم يكن فيها ms730 من عيب إلا أن ~~نوافذها تطل على الفناء الخلفي لا على الطريق العظيم، ولكن هذا لم يكن بالعيب ~~الخطير. # وتسلحت بأمر رسمي للاستيلاء على الشقة وبالأوراق الدالة على أني أعمل في مجلس الوزراء، ~~وببطاقة الحزب وجواز المرور، وتقدمت إلى مكتب رئيس إدارة المساكن (وهو موظف خطير له أثر ~~كبير في حياة كل مواطن سوفيتي)، وكان الرجل ظريفا تعود لقاء ذوي الشأن من رجال الحكومة، ~~وكانت هذه البيوت من الوجهة الرسمية هي «بيوت العمال»، ولكنها لم يكن يسكنها إلا كبار ~~الموظفين ذوي النفوذ السياسي العظيم، ويقيمون فيها ما داموا حائزين رضاء السلطات ~~العليا. # وقال لي رئيس إدارة المساكن: «يبدو أن أوراقك كلها كاملة؛ ولذلك يجب عليك أن تقدم نفسك ~~لمساعد رئيس القسم السياسي في هذا الجزء من المدينة، ثم تعود بعد ذلك إلي، وليس هذا إلا ~~إجراء شكليا لا يضيرك في شيء.» ~~- «ولكن ما شأن رجال القسم السياسي وهذا الأمر؟ لقد كان يبدو لي أن في هذه الأوراق أكثر ~~من الكفاية.» ~~- «إن فيها ما يكفيني أنا شخصيا، ولكن هذا طريق من طرق الحكومة ورجال الهيئة السياسية ~~العليا يمرون به كل يوم! وهذا يجعل للسكن على جانبيه شأنا خاصا إذا صح هذا ~~التعبير.» # وفهمت ما يرمي إليه من فوري، فهمت أني لن يسمح لي بأن أسكن في بيت يطل على طريق ~~فرهايسك الكبير إلا بعد أن يقر رجال الشرطة السرية بأن وجودي في ذلك المكان لا يعد خطرا ~~على حياة ستالين، حتى ولو كانت نوافذ مسكني لا تطل على ذلك الطريق. # وذهبت إلى موظف القسم السياسي المختص فألقى علي الأسئلة المعتادة وأجبت عنها ووافق ~~الرجل على طلبي. # ولكن تشاء الظروف ألا أسكن في هذه الشقة مطلقا؛ ذلك أن البناء كان بناء حديثا لم يتم ~~بعد إعداده للسكن، وكان إعداد الأثاث اللازم لحجراته يستلزم كذلك بعض الوقت، وفي هذه ~~الأثناء لاحت في الأفق فرصة تعييني في منصب خارج البلاد، وهي الفرصة السعيدة التي كنت أتوق ~~إليها وأراها في أحلامي ممتزجة بأشد الآلام، ولم ms731 يكن ثمة داع إلى الانتقال إلى المسكن ~~الجديد قبل أن يقطع في هذا الموضوع برأي. # وكان الذي أثار موضوع سفري إلى خارج البلاد أن الأعمال المتصلة بالإعارة والتأجير أخذت ~~تتسع، وتطلب هذا الاتساع إرسال مئات من الموظفين الأخصائيين في كل فرع من فروع الاقتصاد إلى ~~إنجلترا وكندا وبخاصة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وبهذا تذوق الحياة في خارج البلاد ~~عدد من الروس يفوق عدد كل من استطاعوا الخروج منها في عهد الحكم السوفيتي كله، وكنت ممن ~~يصلحون للمنصب الجديد، فأنا مهندس خبير بصناعة التعدين، واسع الخبرة متعدد نواحي النشاط، ~~ولم يكن في سجلي السياسي شيء يؤخذ علي من الوجهة الرسمية على الأقل رغم ما قاسيته في أيام ~~التطهير، بيد أنه لم يكن من حسن السياسة أن أكون أنا البادئ بإثارة هذا الموضوع، بل إن ~~إثارته من ناحيتي كانت في واقع الأمر مستحيلة؛ ذلك أنه كلما اشتدت رغبة الإنسان في السفر ~~إلى خارج البلاد في تلك الأيام زاد حرصه على إخفاء هذه الرغبة كيلا يسيء فهمها - أو يفهمها ~~على حقيقتها - المشرفون على ولائنا للعهد السوفيتي وإخلاصنا له. # واتفق أن كنت أبحث شئون الإعارة والتأجير مع موظف ذي شأن في تجارة البلاد الخارجية تربطني ~~به صداقة طويلة العهد، ووجهت الحديث الوجهة التي أريدها في حذر وحذق ولم أجرؤ على الإيحاء ~~له بأن الشخص الجالس أمامه رجل قادر على أن يقدم للبلاد بعض الخدمات في خارج حدودها، ولكنني ~~استطعت أن أدخل هذه الفكرة النيرة في عقله، وبدا له أنها فكرة قد هبطت عليه من ~~السماء. # وفاجأني بقوله: «ما قولك يا فكتور أندريفتش في السفر إلى أمريكا؟ إني أعرف أننا في حاجة ~~إلى رجال في تلك البلاد أكثر من الذين أرسلوا إليها.» # فأجبته: «إني لم أفكر في هذا الموضوع قط، هذا إلى أني أقوم بعمل خطير هنا في مجلس الوزراء ~~كما تعلم، على أنني إذا كنت ذا نفع في المجهود الحربي.» # ولم يكن صديقي هذا بالرجل الأبله ولم يخدعه ما تصنعته من مظاهر الاستخفاف وعدم ms732 المبالاة ~~فقال لي: «سأنظر في هذا الأمر، ولك أن تثق بأني سأثير هذا الأمر في الدوائر صاحبة ~~الرأي.» # وشكرت له فضله وإن لم أكن أظن أنه سيبر بوعده أو أجرؤ على الاعتقاد بأن اقتراحه سيثمر ~~الثمرة المرجوة، كان ذلك في أواخر شهر ديسمبر، وبعد أسبوعين من ذلك الحديث دعاني بمفيلوف ~~إلى حديث خاص في مكتبه، وحدثتني نفسي لحظة قصيرة بأن دعوتي قد تكون لها صلة بحلمي اللذيذ ~~حلم السفر إلى أمريكا، فثارت لذلك إحساساتي واضطربت أعصابي، ولكني كنت مخطئا في ~~تقديري. # فلما دخلت على بمفيلوف قال لي: إنه دعاني ليستشيرني في موضوع رمي به رميا؛ ذلك أن في ~~البلاد عددا من مصانع المعادن تشرف عليها إحدى الهيئات الكبرى، وهذه المصانع منتشرة في ~~شليابنسك، وتوفوزي برسك ومولوتوف وشمالي القفقاس وغيرها من الأماكن، ولكن مركز إدارتها ~~الرئيسي في موسكو، وقال بمفيلوف: إن العمل فيها لا يسير سيرا مرضيا وإنها في حاجة إلى يد ~~قوية تصلح من شأنها. # وأضاف إلى ذلك قوله: «وأنا أحتاج إلى إنسان أثق به، أعهد إليه الإشراف عليها، وأظنك هذا ~~الرجل، وأريد ألا تفهم أن في هذا تخفيضا لدرجتك، وسأعيدك إلى مكانك في مجلس الوزراء بعد أن ~~تعيد شيئا من النظام إلى هذه المصانع، فما قولك في هذا؟» # واجتهدت في أن يبدو ردي بالقبول كأنه رد عرضي جاء عفو الخاطر، بل لقد تظاهرت بأني قد ~~ساءني هذا بعض الشيء، أما الحقيقة فهي أني سررت منه، ذلك أني لم أكن أرجو أن تستغنى الحكومة ~~عن رئيس إدارة مسئول لكي يعمل في خارج البلاد، أما إذا كنت موظفا مشرفا على بعض مصانع ~~للمعادن فإن ذلك يزيد كثيرا من الفرص التي تتاح لي للعمل في الخارج. # وكان مركز إدارة هذه المصانع في بناء من الأبنية المنخفضة الطويلة المتصلة التي تكون أحد ~~جوانب الميدان الأحمر، والمطلة على الكرملن، وأعد لي مسكن في ذلك البناء، وجيء لي بعدد من ~~الموظفين، واستطعت أن أسير العمل من هذا المكان باتصالي التليفوني الدائم بمديري المصانع ~~الموزعة في ms733 كثير من أنحاء الروسيا. # ولم تكن ساعات العمل في ذلك المنصب الجديد مملة كما كانت من قبل، واستطعت أن أنال كفايتي ~~من النوم بعد أن ظللت زمنا طويلا لا أنال منه إلا القليل، وكان في وسعي أن أرى من موسكو ~~أكثر مما رأيت، وأن ألقى أصدقائي الذين أهملت رؤيتهم عملا بقواعد مجلس الوزراء الصارمة، ~~وحرصت لسبب لا أعلمه على ألا أترك ساعة تمر بي دون أن أفيد منها علما بالبلاد وأحوالها، ~~والناس وما يحيط بهم من الظروف، ولعل قوة خارجة عني قد ألهمتني في ذلك الوقت أنني لن يطول ~~بي المقام في بلادي وبين مواطني. # وتملكتني رغبة شديدة في سبر أغوار عقول من حولي من الناس لأعرف ماذا فعلت بهم الحرب، ~~وقوى ما عرفته عنهم حبي لبني وطني وتقديري إياهم، فقد أدهشتني قوة صبرهم في محنتهم ~~الشديدة، وفطنتهم وإدراكهم للحقائق السياسية، فقد كان الروس السذج يؤدون لستالين ما هو من ~~حق ستالين، وللروسيا ما هو من حق الروسيا. # وكانت الحرب قد بدأت تتحول لصالحنا، ووضع لنا هذا وضوحا لا شك فيه، وكانت المجزرة ~~الدائرة حول ستالينجراد مجزرة رهيبة لا نظير لها في التاريخ، ولقي المحاربون فيها من ~~الأهوال ما تعجز اللغة عن وصفه، على أن هول الصراع في حد ذاته كان بشيرا بالنصر؛ ذلك أنه ~~إذا كانت الحرب حرب فناء فسنكون نحن الغالبين. # لقد كانت الجيوش الألمانية بعيدة عن قواعد تموينها، وتعذر إرسال الإمداد إليها في فصل ~~الشتاء الذي اشتد برده في تلك السنة شدة غير مألوفة، فكان عليهم أن يحاربوا بمن جمعوهم في ~~الميدان من جنود، وما كدسوه فيه من عتاد، وهم جنود كثيرون وهو عتاد كثير ما في ذلك شك، ولكن ~~الجنود والعتاد إذا لم تتوال عليها الإمداد كانت عرضة للنفاد، أما الروس فكان في وسعهم أن ~~يقذفوا إلى الميدان بالدماء وبالحديد بلا انقطاع، ولم يكن الكرملن ليعترف بهزيمة الروس أمام ~~ستالينجراد، إلا إذا أفنى الألمان نصف سكان الروسيا بأجمعها، وكان خط حديدي جديد قد ~~أنشئ على امتداد ms734 نهر الفلجا استعدادا لهذه المعركة الرهيبة، وظل هذا الخط يؤدي عمله ~~بانتظام طوال الموقعة، تنقل عليه الإمداد إلى المدينة الدامية، كما كانت الجنود والعتاد ~~تنقل إليها بطريق النهر نفسه. # وانتصرنا في آخر الأمر، وغرق الألمان في بحر من الدماء: دمائهم ودماء الروس أنفسهم، وكان ~~لهذا النصر فضل آخر لا يقل في أهميته عن وقف الزحف الألماني وإن لم يذكره الناس لأنهم غفلوا ~~عنه أو لم يقدروه حق قدره؛ ذلك أن الجيش الأحمر قد غنم في هذه الواقعة من الأسلحة الألمانية ~~ما يكفي لتسليح ثلاثين أو أربعين فرقة، لقد كان كاتب ألماني هو الذي أشار على القواد ~~الألمان أن يحاربوا بأسلحة أعدائهم، ولكن القواد الروس هم الذين عملوا بهذه النصيحة بعد ~~واقعة ستالينجراد، ومن واجبنا إذن أن نضيف إلى ما جاءنا من العتاد الحربي من أمريكا بمقتضى ~~قانون الإعارة والتأجير ما كسبناه من العتاد الألماني في ستالينجراد لنفسر بذلك نجاح الهجوم ~~السوفيتي، لقد كانت غنائم الروسيا فيما بين نوفمبر سنة 1942م ونوفمبر سنة 1944م تشمل أكثر ~~من أربعين ألف طائرة وسبعة عشر ألف دبابة، وخمسة وخمسين ألف مدفع ميدان، ومائة وثمانية عشر ~~ألف مدفع رشاش، ومليونا وخمسمائة ألف بندقية، نعم إن كثيرا من هذه الأسلحة كان يحتاج إلى ~~إصلاح فأصلح وتحولت أسلحة هتلر إلى صدره. # وكنت أرقب معركة ستالينجراد وأدعو لبلادي بالنصر، شأني في ذلك شأن كل مواطن سوفيتي مهما ~~يكن شعوره بإزاء نظام الحكم القائم في البلاد، على أن هذا لم يكن يمنعني من الوقت نفسه من ~~التفكير في نتيجة ما كان يدور من بحث حول مسألة سفري إلى خارج البلاد. # الفصل السادس والعشرون # | التأهب للسفر # وأخذت أستعد للسفر إلى أمريكا في شهر يناير من عام 1943م، واستخرج جواز سفري فعلا في ~~شهر يوليو من تلك السنة، وشعرت في هذه الشهور الستة كأني حشرة نادرة على طرف دبوس في معمل ~~ضخم، ومن حولها جيوش من علماء الحشرات والحيوان والكيميائيين ومن إليهم من العلماء، ~~يدرسونها من كل ناحية ويقلبونها على كل ms735 وجه، فقد أصبحت موضع الاهتمام والبحث لمعرفة ما في ~~من عيوب خافية عن الأنظار، وكأن قوى الدولة العظيمة كلها قد حشدت لغرض واحد، هو الكشف عن ~~شخصي الضعيف وأبعاده الزمنية والمكانية، ومعرفة أهله وأصهاره ورفاقه، أيا كان مركزهم ~~وأيا كانت درجتهم. # وذهبت هذه الدولة الباحثة الفاحصة إلى أقصى حد في ارتيابها فقضت الأسبوع تلو الأسبوع وهي ~~تفحص عن عقلي وأعصابي كي تستطيع أن تكشف بهذا الفحص عن خبيئة نفسي، ومن أعجب الأشياء أن ~~هذين الفحص والاستقصاء قد انتهيا إلى غير نتيجة، وظل سري الرهيب - وهو اعتزامي الفرار من ~~اتحاد جمهوريات السوفيت الاشتراكية - مستكنا في قرارة نفسي لم يطلع عليه أحد ~~سواي. # وبدأ الفحص العظيم عن فكتور كرافتشنكو ابن أحد أفراد الشعب الروسي المغمورين، وعضو الحزب ~~الشيوعي، والمهندس السوفيتي في مكتب إدارة المستخدمين التابعة لوزارة الشئون التجارية ~~الخارجية، وكان المشرف عليه هو الرفيق شتوب، وهو رجل بيروقراطي ضئيل الجسم غريب الشكل يلبس ~~على عينيه منظارين سميكين، مؤدب في لقائه ولكنه لا يفرق قط بين أقدار الرجال الذين يتحرى ~~عنهم، فكلهم لديه سواء، كل ما يهمه من عمله أن يثبت ما يصل إليه من المعلومات ويصنفها، أما ~~ما بين حشراته من فروق دقيقة فيحددها ويفحص عنها غيره من الخبراء المختصين. # واستقصى الرفيق شتوب سيرتي من يوم مولدي، ثم انتقل منها إلى سيرة أبوي وجدي وإخوتي ~~وأقاربي وأبناء أعمامي وفروع شجرة نسبي من أقاربي وأصهاري، ووضع كل طائفة منهم في مكانها ~~الخاص، وتقصي تاريخ هؤلاء وأولئك تقصيا دقيقا، ثم أكمل الصورة التي رسمها لشخصي الضعيف ~~وتاريخي الطويل بأسئلة عن أصدقائي ورفاقي في عملي خلال السنين الطوال التي قضيتها في ~~العمل. # لقد اجتزت هذا الاختبار التاريخي الطويل عدة مرات فيما مضى من الأيام، وقد سجلت كل دقائق ~~سيرتي في سجلات الحزب، وسجلات القوى المسلحة والهيئات السياسية العليا، وفي سجلات التطهير ~~العادية وغير العادية، وهل ثمة حادثة من حوادث حياتي الماضية غفل عنها رجال القسم السياسي ~~فلم يضعوها في مكانها من ملفاتهم الضخمة؟ # لكن هذا ms736 كله لم يفد قط في تقصير المراسم الطويلة المعتادة، بله الاستغناء عنها، وسار ~~الرفيق شتوب في عمله مفترضا أن هذه أول مرة تتعرف فيها الحكومة إلى أحد رعاياها، وبلغ منه ~~أنه لم يسجل اسمي ولقبي وسني دون بحث ومراجعة، وأصبح لهذا العمل العجيب وهو الإمعان في ~~الفحص عن المواطنين السوفيت، والتعمق في بحث أسرار حياتهم من حين إلى حين، والكشف عما خفي ~~من أسرارهم وآرائهم السياسية؛ أصبح لهذا العمل العجيب في نفسه أهمية رمزية كسبها على مر ~~السنين، لقد أضحى هذا العمل في حد ذاته من المراسم التي يراد بها إذلال الفرد للإعلاء من ~~شأن المجموع، وإظهار الإنسان الخاضع المسكين الذليل الحقير أمام عظمة الدولة وأبهتها، وكان ~~إخفاء أي سر عنها مهما يكن تافها ضئيلا يعد كفرا بالدولة وتدنيسا لقدسيتها. # وكان هذا الاستقصاء محفوفا بأعظم الأخطار، فالأجوبة لا بد أن تكون متناسقة متفقة بعضها ~~مع بعض ومع ما أعطي منها في المرات السابقة، والدولة الشرطية لا تطيق تملصا من الإجابة ~~ولا خلطا فيها، فإذا خانت المستجوب ذاكرته أو ناقض نفسه تناقضا أيا كان تافها صغيرا ~~أثار ذلك أشد ضروب الارتياب والغضب، وكم من مواطن سوفيتي قضى على مستقبله اختلاف قليل في ~~التواريخ، أو خلط في الأقارب ناشئ من ضعف في ذاكرته! # وبعد أن تأكد شتوب القصير النظر ذو المنظار الضخم أن فيرا خالة زوجة أخي - والتي لم تكن ~~لي بها معرفة شخصية - ليست خطرا يهدد كيان اتحاد جمهوريات السوفيت الاشتراكية، انتقل الرجل ~~إلى النقطة الثانية من نقاط بحثه فقدم إلي طائفة من الأسئلة المكتوبة لآخذها معي في منزلي ~~وأردها إليه مكتوبة الأجوبة في اليوم الثاني، وحذرني من أن أغير فيما أكتبه أو أرمجه أو ~~أمحو شيئا منه؛ لأن هذا كله دليل على التردد، والتردد دليل على الإجرام، والباحثون شديدو ~~الاهتمام بالدقة والأناقة واحترام الأصول المرعية. # وصدعت بما أمرت ولم أحد عنه قيد شعرة، وجئت بالصور المطلوبة من الإجابات ووضعتها ~~حيث طلب إلي أن أضعها، وبعد بضعة أيام من وضعها تلقيت ms737 الرسالة التالية: «استمر في عملك ~~الحالي، وإذا دعت الحاجة إلى إرسالك خارج البلاد فسنرسل في طلبك»، ومعنى هذا في لغة السوفيت ~~ذات المعنيين أني أبحث الآن بحثا دقيقا، فإذا اجتزت هذا الاختبار فسأبحث مرة أخرى. # ومرت ثلاثة أشهر أو نحوها وكدت أفقد الأمل في المنصب الجديد، وظننت وأنا مكتئب حزين أن ~~ولاة الأمور قد وجدوا نقطة سوداء في سيرتي أو في سيرة أحد أفراد أسرتي أفسدت علي أمري، ثم ~~جئت إلى منزلي في إحدى ليالي شهر أبريل المطيرة بعد عمل مضن دام أربع عشرة ساعة، منهوك ~~القوى من شدة التعب، فوجدت رسالة غريبة في انتظاري، وقد أمرت فيها أن أطلب رقما خاصا من ~~أرقام التليفون، وكان ما في هذه الرسالة من غرابة متفقا كل الاتفاق مع مراسم الاستقصاء ~~السالفة الذكر، فقد كانت هذه الطريقة تهيئ للإنسان بضع دقائق يخفق فيها قلبه ويتناوبه فيها ~~الخوف والأمل، فقد يختلف معناها ما بين متاعب رجال الشرطة وبين الرقي إلى أعلى مناصب ~~الدولة. # واتضح أن صاحب الرقم لم يكن إلا موظفا كبيرا من موظفي وزارة الشئون التجارية الخارجية، ~~ولست أعرف أي فائدة عادت على مرسل هذه الرسالة من عدم ذكر اسمه فيها، وأكبر الظن أني لن ~~أعرف هذه الفائدة في المستقبل، وأمرت أن أوافيه من فوري على الرغم من تأخر الوقت، وقيل ~~لي: إن جوازا للمرور سيكون في انتظاري في إحدى النوافذ، وهرولت إلى وزارة الشئون التجارية ~~الخارجية وقد أذهبت عني الخوف موجة الأمل الجديد، وبعد انتظار طويل اضطربت فيه أعصابي ألفيت ~~نفسي في حجرة أخرى أتلقى طائفة من الأسئلة من موظف أكثر ذكاء وأعظم شأنا من شتوب، وإن كان ~~فيما عدا هذا شبيها به من سائر الوجوه. # وظللنا ثلاث ساعات نضرب في بيداء ماضي، ونعرج بين الفينة والفينة على مزاجي السياسي ~~وآرائي السياسية، تارة يقودني وتارة يطاردني، أو يحتال علي ببعض الأسئلة الماكرة لأزل ~~فأكبو، أو يضللني فأفصح عما عسى أن أكون قد حاولت إخفاءه، أو يعود فجأة فيلقي علي سؤالا ~~سأله من ms738 قبل لعله يأخذني على غرة. # والحق أن سائلي كان رجلا ماكرا واسع الحيلة كثير التجربة خبيرا بعمله، ولكنه كان في ~~هذه المرة ينازل شخصا لا يقل عنه تجربة، ويمتاز عليه بشدة الحيطة والحذر، وما أعظم ما ~~أفدته من الليالي التي تتلمذت فيها للأستاذين: جرشورن ودروجان وأمثالهما، وما أن وافت ~~الساعة الثانية صباحا حتى كان السائل والمسئول قد أضناهما العمل حتى عجزا عن الاستمرار ~~فيه، فانصرفت بعد أن طلب إلي أن أعود بعد بضعة أيام لملء استمارات خاصة. # وألفيت نفسي بعد بضعة أيام من ذلك الوقت أجيب بالكتابة عن طائفة من الأسئلة هي أكثر ما ~~رأيت في حياتي كلها مداجاة ومواربة، لقد كانت هذه وثيقة ساخرة في فروضها، دقيقة محيرة في ~~أسئلتها، إلى حد بدت معه جميع الاختبارات الماضية بريئة تافهة إذا قيست إليها، فهي وثيقة ~~تبدأ بالافتراض أن كل مواطن روسي كاذب مخادع، ثم تمضي بروح الاحتقار لكل ما هو إنساني، فلم ~~يحن وقت توقيعي إياها وكتابة رقم بطاقتي الحزبية فيها، حتى كان العرق يتصبب من جميع جسمي ~~وحتى ذلت نفسي وهانت علي. # فلما فرغت من الأسئلة أمرت أن أخطو الخطوة الثانية في هذه الطقوس العجيبة، وهي أن أجمع ~~كل ما أستطيع جمعه من الرسائل الدالة على شخصيتي وكفايتي ونشاطي في السياسة وفي الأعمال ~~الصناعية والتجارية من جميع منظمات الحزب التي عملت فيها، والمشروعات الصناعية التي كنت ~~أشتغل فيها أخيرا، نعم إن هذه المكاتب والمصانع لم يكن في وسعها أن تضيف شيئا إلى ما ~~تحتويه سجلات القسم السياسي من تقارير جاءتها من مصادر رسمية ومن جواسيس غير رسميين، ولكن ~~هذه الوثيقة المقدسة لم يكن من المستطاع التجاوز عنها، واستلزم هذا العمل الاتصال بطائفة ~~كبيرة من الموظفين والهيئات الذين اختلفت معهم في يوم من الأيام، والذين كان في وسعهم أن ~~يقضوا علي إذا ما سولت لهم أنفسهم ذلك. # وتقدمت أولا إلى الرفيق ميتوروف رئيس لجنة الحزب في مجلس وزراء الجمهورية الروسية ~~الاتحادية السوفيتية الاشتراكية، واتفقت معه تليفونيا على موعد اللقاء، ووصلت ms739 إلى باب ~~البناء الذي يعمل فيه في الموعد المحدد، وأطلعت الحراس على وثائقي الحزبية وجواز مروري ~~الداخلي ففسحوا عنها، وأعطيت جوازا بالمرور واجتزت فناء، وصلت بعده إلى الدار التي ~~تشغلها لجنة الحزب، وهنا فحص عن جواز سفري فحصا دقيقا، وضوهيت ملامح وجهي بالصورة ~~الشمسية الملصقة على الوثائق الرسمية، ولما وصلت إلى الطابق الذي تشغله اللجنة التقيت بحارس ~~من رجال القسم السياسي متجهم الوجه أخذ يدرس هو الآخر أوراقي وملامح وجهي دراسة أدق من كل ~~ما عرفته من قبل، فلما فرغ من هذه الدراسة طلب إلي أن أذهب إلى الحجرة رقم 503. # لقد كنت قبل بضعة أشهر من هذا الوقت لا أكثر أشغل منصبا خطيرا في هذه الهيئة نفسها، ~~ولقد رآني هؤلاء الحراس مئات المرات، ولكنهم لم يكن من حقهم أن يتراخوا قيد شعره عن الرقابة ~~المفروضة، خشية أن أكون قد غيرت لوني السياسي منذ ذلك الوقت، ومررت في الدهليز الموصل إلى ~~الحجرة برجال ونساء اشتغلوا معي وتحت رياستي، وقابلني عدد قليل منهم مقابلة ودية، ولكن ~~معظمهم كانوا متحفظين أشد التحفظ في لقائي؛ ذلك أني لم أعد أعمل في مجلس الوزراء، وليس منهم ~~من يعرف لم غادرت هذا المنصب، ولم يكن يسعهم حينئذ أن يعرضوا أنفسهم للخطر بالترحيب ~~بي. # وجاملني الرفيق ميتوروف بعض المجاملة، ولكنه لم يتعد الواجبات الرسمية الشديدة، وكان كل ~~ما أظهره من دلائل الود القديم أن سألني عن سبب ما يبدو علي من حيرة وشحوب، فصارحته بأني لا ~~أجد كفايتي من الطعام مذ تركت منصبي في مجلس الوزراء، فتبسم ابتسامة الرضا عن هذا الاعتراف ~~الضمني بأن «مجلسه» هو المكان الممتاز لأصحاب الجدارة من الزعماء، ووافقني على أن الحرب قد ~~خلقت كثيرا من الصعاب في أمور التموين، ثم طلب إلي أن نتحدث في العمل الذي جئت من ~~أجله. # وجاءت في خلال هذا الحديث امرأة ضئيلة الجسم تحمل صفحة كبيرة مثقلة بالخبز الأبيض الهش، ~~ولحم الخنزير والبيض، واللحم المحفوظ والزبد والشاي المحلى بالسكر. # وقال وهو يلتهم الطعام: «كل هذا من أمريكا ms740 وهو من ثمار الإعارة والتأجير كما ~~تعلم.» # ولكنه لم يدعني إلا الأكل معه على أساس الإعارة والتأجير، أو على غيره من الأسس، وواصل ~~أسئلته بين الدبل، # 1 # فسألني هل أنا راض عن الحاضر كما سألني عن عمل لجنة الحزب في المصانع التي أشرف ~~عليها، وما إلى ذلك من الأسئلة الفجة السمجة التي أراد بها مرة أخرى أن يستوثق من ولائي ~~للحكومة ولزعيمنا المحبوب، ولم يكن الباعث له على عمله هذا عنايته بعمله أو اعتقاده أنني قد ~~بلغ مني البله حدا يدفعني إلى الإفصاح عن بعض ما يساورني من الشكوك، بل كان يفعل هذا كله ~~تنفيذا للخطط التقليدية المرسومة. # وقال لي آخر الأمر: «أتريد مني خطاب توصية؟ سأتحدث في هذا الأمر مع الرفيق أتكين؛ ذلك لأن ~~من واجب الإنسان أن يفكر كثيرا في تلك الأمور، وعليك أن تمر علي غدا حوالي ~~الظهر.» # وجئت في اليوم الثاني وحدث معي مثل ما حدث في أمسه من بحث متعدد في أوراقي، وانتظرت في ~~حجرة الاستقبال كالعادة حتى أذن لي رسميا بالمثول في حضرة الرفيق ميرونوف، وحصلت على خطاب ~~طيب يثني على مواهبي السياسية والمعملية وجرت الأمور على ما أشتهي، وحصلت في الأسابيع ~~التالية على خطابات توصية أخرى من رئيس الإدارة العامة للمصانع التي كنت أعمل بها ومن أمين ~~شعبة الحزب فيها، وقرئت هذه الوثائق مرارا وتكرارا، وبحثت ملامح وجهي وأعيد بحثها، ~~وسبرت عقيدتي السياسية مئات المرات، ولم يكن خافيا علي أن وراء هذا البحث الظاهر كله ~~عملا أبعد منه غورا يجري من ورائي وتبحث فيه تفاصيل حياتي وعقليتي على يد الإدارة ~~المختصة التابعة لوزارة الداخلية. # وجاءني آخر الأمر الدليل القاطع على أني اجتزت الاختبار، فقد تلقيت الأمر بأن أقدم نفسي ~~للعيادة الطبية التابعة لوزارة الشئون التجارية الخارجية، ليكشف علي طبيا، ثم أذهب ~~بعدئذ لمصور هذه الوزارة لاستخراج صورة رسمية لوجهي، وبعد يومين من ذلك الوقت كلفت أن ~~أقابل الرفيق لبدف وكيل الوزارة ومن أكبر أعوان الرفيق ميكويان نفسه. # وكان يحيط بلبدف مساعدان: أحدهما عن ms741 يمينه والآخر عن يساره، وكانا يكتبان مذكرات ويقدمان ~~له أوراقا في أثناء زيارتي الأولى له، وكان يجلس خلف مكتب مزخرف قاتم لسبب لا أعلمه في ~~وسطه حجرته الكبيرة بين الطنافس الشرقية ذات الألوان المتماوجة، وتطل عليه من جدران الحجرة ~~صور ستالين ومولوتوف ومكويان وغيرهم من كبار الزعماء، ورأيت أمامه ملفا ضخما لم أكن أشك ~~في أنه يحتوي صورا من أوراق الأسئلة التي يخطئها الحصر والتي وجهت إلي، ومن التقارير ~~الخاصة التي أرسلت من مصادر خفية لا أعرفها. # وحياني لبدف التحية الرسمية ثم أخذ يوجه إلي الأسئلة من جديد، فسألني عن اسمي ومسقط رأسي ~~وتاريخ انضمامي للحزب، ولم يكن ثمة شك في أنه ليس في وسعه أن يوجه إلي سؤالا لم أجب عنه ~~عشرات المرات، ولكن وكلاء الوزارات أنفسهم لم يكن في مقدورهم أن يخرجوا على الخطط المقدسة ~~المرسومة، وأجبته بجد وحماسة كأني قد راعتني جدة الأسئلة وأذهلتني دقة صياغتها، ثم انتظرت ~~حتى قلب ملف الأوراق التي أمامه أو ألقى نظرة على فقرة في هذا المكان وأخرى في ذاك، وتبسم ~~تارة وقطب وعبس تارة أخرى، ومساعداه في هذه الأثناء يجلسان في صمت ووقار لا ينبسان ببنت ~~شفة، وكان يملي عليهما من حين إلى حين عبارات قصيرة ستكون من غير شك المحور الذي يدور عليه ~~تقريره لرئيسه. # وكان لبدف رجلا ممتلئ الجسم، عريض المنكبين، ذا عنق ضخم له طيتان، حسن المعارف، لا ~~يستنكف الإنسان أن يصف وجهه بالجمال، لطيفا إلى حد لا يتفق مطلقا مع عباراته وعاداته ~~الرسمية الجافة، وأيقنت أن الرجل غير ذي فطنة عظيمة، وعجبت كيف وصل إلى هذا المنصب السامي، ~~ثم وقع نظري على يديه، وأبصرت أصابعه الغليظة المكتنزة المكسوة بالشعر الكثيف، ولاح لي أن ~~هاتين اليدين يدان قاسيتان قادرتان على أعمال العنف. # وقال آخر الأمر في جد ووقار: «هل تقدر يا رفيق كرافتشنكو التبعات الخطيرة الملقاة على من ~~يعهد إليه عمل في خارج البلاد؟» ~~- «نعم أقدرها، وقد فكرت في ذلك طويلا.» ~~- «عليك أن تثبت أنك خليق بالثقة التي ms742 وضعها فيك الحزب.» # فأجبته في تواضع وحماسة: «سأحاول ذلك يا رفيق لبدف.» ~~- «سنبلغك ما يستقر عليه الرأي، وأرجو أن نلتقي مرة أخرى قريبا!» # وبعد خمسة أيام من ذلك الوقت علمت من مصدر سري عن طريق صديق لي في وزارة الشئون التجارية ~~الخارجية أن أنستاس إيفانوفتش ميكويان، عضو الهيئة السياسية العليا ونائب رئيس مجلس ~~الوزراء، وعضو لجنة الدفاع عن الدولة، ووزير شئون التجارة الخارجية، قد وقع بيده خطابا ~~إلى لجنة الحزب المركزية يوصي فيه بإرسالي إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وظللت مع ذلك ~~أصرف عملي في إدارة المصانع ولكن أفكاري اتجهت من ذلك الحين وجهة أخرى، وجاءتني بعد قليل ~~رسالة من الإدارة السرية التابعة للمكتب الرئيسي في مواثقتنا تأمرني بأن أطلب رقما خاصا ~~من أرقام التليفون، وتبين لي مرة أخرى أنه لم يكن ثمة ما يدعو إلى هذه السرية فقد ردت علي ~~إحدى الموظفات في وزارة الشئون التجارية الخارجية وطلبت إلي أن أذهب إلى ذلك المكان في ~~الساعة الحادية عشرة من صباح اليوم الثاني. # وقالت لي: «وليكن معك بطاقة الحزب وجواز المرور ودفتر النقابة والوثائق الحربية، وستذهب ~~إلى مكان آخر في الساعة الثانية عشرة تماما.» # ونفذت هذه الأوامر حرفيا، وبعد أن أجاز مروري أربعة حراس أو خمسة، وقابلني موظف تابع ~~للقسم السياسي أمرت أن أتجه إلى مكاتب اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العام، وكان هذا هو ~~«المكان الآخر» الذي تطلبت كرامته هذا التخفي الزائد وتلك الإجراءات الرسمية العقيمة، ~~وأعطيت جواز المرور، وسرت إلى البناء الذي تشغله لجنة الحزب، وهناك بحثت أوراقي مرة أخرى ثم ~~صعدت من فوري درجا واسعة من الرخام. # وكان على البسطة الأولى من الدرج تمثال لستالين، مصنوع من الرخام، قائم على قاعدة من ~~الرخام أيضا، وكانت نظراته النابليونية في هذه العزلة مما يدعو إلى السخرية، وأطل علي من ~~البسطة الثانية تمثال آخر لستالين لا يقل عن الأول عزلة وإثارة للسخرية، وانتظرت هنا لحظة ~~أدخلت بعدها إلى حجرة مفروشة بالبسط، رأيت فيها ستالينا ثالثا، ولكنه في هذه المرة ~~معلق على الحائط، ms743 وبقيت في صحبته حتى أقبل الموظف المختص، وما من شك في أن المثالين ~~والمصورين السوفيت لا يعدمون المواقف المتعددة لصورهم وتماثيلهم، وجلس الموظف خلف مكتبه ~~الكبير وأحدق في دقيقة كاملة ثم قال لي: «حدثني عن نفسك، وأرجوك ألا تعيد ما أعرفه عنك من ~~إجاباتك المدونة في أوراقك، فإن الذي يهمني هو نظرتك إلى الحياة ومزاجك السياسي.» # وأخذت أتحدث وألقي أقوالي خبط عشواء، وأبحث في عقلي عن حقائق أو أفكار لم تقتل بحثا ~~وتنقيبا في الأسئلة السابقة والأوراق المكتوبة، فقاطعني الرجل ووجه الحديث إلى الناحية ~~المقصودة وسألني: «هل ارتبت يوما ما في حسن السياسية التي يسير عليها الحزب؟» # فأجبته من فوري: «لم يحدث هذا قط.» وذلك لأني لم أشأ أن أسبب لنفسي متاعب لا حاجة لي ~~بها. ~~- «حتى في أوقات تنظيم المزارع الجماعية وفي أوقات التطهير حين أصابك أنت بعض الأذى؟ ألم ~~تشك أنت في سياسة الحزب العامة حتى في ذلك الوقت؟» ~~- «لا، لم أشك قط في سياسة الحزب العامة.» ~~- «ولكنك لاقيت بعض العنت في نيقوبول في عامي 1936م، 1937م فقد روقبت، وسئلت وما إلى ذلك، ~~فماذا كان موقفك وقتئذ؟» ~~- «لقد حيرني ذلك بطبيعة الحال، وغضبت غضبا ليس بالقليل، فقد كنت أعرف أني بريء وتألمت ~~لذلك بعض الألم.» ~~- «هذا مما لا يصعب فهمه، وليس في وسع إنسان أن يلومك على هذا، فقد كان ثمة شيء من التطرف ~~والتغالي وقتئذ، ولقد استؤصل أعداء رجال الدولة المسئولين، وهل بقي لديك الآن يا رفيق ~~كرافتشنكو شيء من ذينك الألم والغضب؟» # وابتسمت حين ألقي علي هذا السؤال غير المعقول، وأجبت من فوري: «كلا، لم يبق منهما ~~شيء»، وحمدت وقتئذ لجرشجورن ودرجان وأمثالهما ما لحقني منهم من إذلال ومهانة. # ودامت هذه المهزلة الساخرة المحزنة ساعتين من الزمان، وما من شك في أن الأسئلة التي كانت ~~توجه إلي في أثنائها هي الأسئلة الخطيرة المتعلقة بآرائي السياسية التي تحتمها المراسم ~~الموضوعة، كأن ثمة مكانا للصراحة في الحياة السوفيتية، أو كأن في وسع رفيقين إذا التقيا ~~لأول مرة أن ms744 يجرؤ أحدهما على أن يبوح إلى الآخر بأكثر من ألفاظ الرياء والخداع التي مرن ~~عليها أهل البلاد! وكلما طال «الحديث» بيني وبين هذا الموظف، ازددت ثقة بنفسي وأظهرت ما ~~أتقنته من مظاهر التصنع والمخادعة، وازددت رضا عن نفسي؛ لأني استطعت أن أتغلب على كل خططه ~~المرسومة، وكنت في كل هذا الوقت أحيط بأطراف المنظر الذي أمامي وأقول لنفسي: «سأهرب! سأتحرر ~~عما قليل من هذا الخداع الرهيب، وهذا الفزع الذي لا يطاق! وسيكون في وسعي أن أتحدث وأن ~~أكافح.» # واتضح أن حديثي كان له أثر قوي في سائلي، وأكبر الظن أنه قد استقر رأيه على أن عقلي من ~~الطراز المطلوب، وأنه خال من الشكوك غير المرغوب فيها، ومن الأفكار الشاذة المنفرة، ولعله ~~اعتقد أني رجل ليس في عقله إلا قليل من الأفكار، ولكنها أفكار جديرة بالتقدير يمكن الاعتماد ~~عليها وإن لم تكن من الأفكار النيرة، وشعرت حين ضغط على يدي بيده الثقيلة أنه راض ~~عني. ~~«طاب يومك، وأظنك ستعرف ما استقر عليه رأي اللجنة المركزية بعد أربعة أيام أو ~~خمسة.» # وكان القرار في مصلحتي، فقد تلقت الإدارة العامة لمصانع الأنابيب المعدنية أمرا بإخلاء ~~طرفي إجابة لطلب وزارة الشئون التجارية الخارجية، وعرضت نفسي في اليوم الثاني على الإدارة ~~العامة لاستيراد المواد الغفل التابعة لوزارة التجارة الخارجية في بلاد الاتحاد جميعها، ~~وأسلمتني هذه الإدارة مجلدات ضخمة من الأوراق السرية تحتوي على تقارير وأوامر لأقرأها ~~وأدرسها كي أكون على علم بأعمال الإعارة والتأجير، وبأحوال الصناعة الأمريكية، وبجميع ~~التفاصيل الخاصة بمصانع المعادن التي سأتصل بها وأتعامل معها في تلك البلاد. # ثم استدعيت مرة أخرى إلى المركز العام للجنة المركزية، وأعطيت في هذه المرة نشرتين ~~سريتين، وأمرت أن أقرأهما من فوري بدقة وعناية ثم أعيدهما، وأوقع وثيقة أقر فيها بأني ~~ملم بما يحتويانه، وترسم النشرتان قواعد السلوك التي يجب أن يسير عليها أعضاء الحزب في ~~خارج البلاد، وتنصان بوجه خاص على ما يترتب على مخالفتها من جزاء، وستبقى خلاصة ما قرأت ~~فيهما في عقلي أبد الدهر، ms745 ولن تمحى منه الصورة التي تتخيلها الحكومة السوفيتية لأحوال ~~العالم غير السوفيتي. # واحتوت النشرتان أوامر مشددة، توجب طاعة الرؤساء في كل ما يأمرون به، ثم انتقلنا من ذلك ~~إلى التحذير بما تتعرض له الحياة في البلاد الرأسمالية من إغراء وغواية وتضليل، ورسمتا صورة ~~مخيفة ومغرية معا للحياة في تلك البلاد، فصورتاها حياة معادية منحطة داعرة، كل همها أن ~~تحتال على المواطنين السوفيت وتحصل منهم على أسرار بلادهم، ولا غرض لحكومات تلك البلاد إلا ~~أن تقضي على ما يكنه زائروها الشيوعيون من ولاء لحكومة بلادهم. # واحتوت النشرتان فوق هذا أوامر مشددة لمن يوشكون أن يندفعوا في تيار الرذائل السياسية، ~~ويتصلوا برجال الأعمال الفاسقين والعاهرات الساحرات، تحذرهم من أن يتحدثوا إلى أولئك الكفرة ~~من غير ضرورة في أي موضوع من الموضوعات، وألا يناقشوهم في الشئون السياسية بحال من الأحوال، ~~فإذا ما تقدم إلينا بعضهم وعرضوا أن يبيعونا «وثائق» أو نحوها من الأسرار، وجب علينا أن ~~نحيل هؤلاء العارضين إلى أقرب قنصلية سوفيتية، وإذا سألنا سائل عن الحياة في بلاد الاتحاد ~~السوفيتي فلنعتقد أن هذا السائل المنقب إن هو إلا جاسوس في خدمة أعداء البلاد. # وتشدد علينا النشرتان بنوع خاص ألا نتصل بحال من الأحوال بالروس الفارين من البلاد، وألا ~~نقرأ الكتابات «المعادية» لبلادنا، ويجب أن نبتعد كل البعد عن الكتابات التي يذيعها في خارج ~~البلاد المهاجرون المعادون للثورة الروسية؛ ذلك أن الشياطين المعادين للسوفيت لا يخلو منهم ~~مكان، يذيعون الخطب «المعادية» على متن الهواء، وينشرون الصور المعادية على الشاشة البيضاء، ~~ومن واجبنا أن نفر من هؤلاء، وإلا ساءت حالنا وتزعزع إيماننا. # وتقول هذه القواعد المطبوعة: إن الرأسمالية نظام فاسد في حقيقته، ولكنه جذاب مغر في ~~ظاهره، ومن أجل هذا فإن فضائلنا السوفيتية معرضة في كل آن للهجمات الشديدة، والواجب علينا ~~إذن أن نصم آذاننا فلا نستمع لأقوال المترفين الرأسماليين، وليست خير الفنادق الرأسمالية ~~إلا ما خورات مقنعة يكمن فيها الفساد الطليق في انتظار رجال السوفيت الأبرياء، ويجب علينا ~~ونحن مسافرون إلى خارج ms746 البلاد أن نبتعد من فورنا عن منطقة الخطر إذا جاءت إلى غرفتنا أو ~~قمرتنا امرأة جميلة، فإذا حاولت امرأة ولا سيما إذا كانت تتكلم الروسية أن تتحدث إلينا وجب ~~علينا أن نفر منها لساعتنا. # وقيل عن الخمر: إنها تأتي في المرتبة الثانية بعد النساء من المغريات التي يتعرض لها ~~المواطنون السوفيت في خارج بلادهم؛ ولذلك ينبغي لنا ألا ندخل حانة أو ناديا ليليا أو ما ~~شابههما من أماكن الفساد حيث تقدم الخمور التي تحل عقدة اللسان، إلا إذا كان لا بد من ~~دخولنا فيها لعمل معين وبإذن من الرؤساء الكبار، وإذا ما اضطر المبعوث السوفيتي الصالح إلى ~~حضور مأدبة خاصة أو عامة وجب عليه أن يكون شديد الحذر حتى لا يبوح بسر من الأسرار. # ترى ما هي تلك الأسرار الرهيبة التي يجب علينا أن نحتفظ بها في حنايا صدورنا، والتي ينصب ~~العالم الخارجي شباكه لاصطيادها منا؟ إن القواعد المكتوبة لا تذكر شيئا منها، ولكن جواب ~~هذا السؤال بدا واضحا كل الوضوح، إن أخوف ما يخافه سادة الكرملن أن يصدر منا ما يؤيد ~~«الدعاوة المعادية للسوفيت»، والتي ينشرها أعداء البلاد من الكتاب والخطباء والناشرين، أما ~~«الأسرار» التي تشير إليها القواعد التي طلب إلي قراءتها فهي الحقائق المتصلة بمعسكرات ~~الاعتقال والسخرة، والظلم العام الشامل، والفساد الخلقي المنتشر في اتحاد جمهوريات السوفيت ~~الاشتراكية، وكل ما من شأنه أن يشوه الصورة التي تصورها الدعاوة السوفيتية، والحق أن هاتين ~~النشرتين لتعدان شهادة من الحكام السوفيت أنفسهم على ما ينطوي عليه حكمهم من فساد. # وهما فضلا عن هذا تتهمان الحكومات الأجنبية بكل أساليب الخداع التي يلجأ إليها القسم ~~السياسي وغيره من الهيئات السوفيتية في معاملتها للأجانب الوافدين إلى البلاد، فهما ~~تنذراننا بأن أمتعتنا ستفتش في أمريكا، وأن جوازات سفرنا ستسرق منا ليستعان بها على ~~التجسس علينا، وأن محادثاتنا التليفونية سيستمع لها، وأن النساء الفاتنات سيدسسن علينا ~~ويمكرن بنا، ولا تخفي هذه القواعد أننا في أمريكا سنقيم في بلاد معادية لنا وإن تظاهرت تلك ~~البلاد بأنها صديقة، ms747 فإذا لم نكن شديدي الحذر في كل خطوة نخطوها، فسنغرق إلى آذاننا في ~~الأوحال الرأسمالية التي ينبت فيها الطمع والترف والحقد على الوطن الاشتراكي. # وبعد أن قررت بأني فهمت كل ما حوته النشرتان من إنذار وتحذير كان علي أن أصدع رأسي ~~بالاستماع إلى خطبة أخرى يلقيها علي موظف آخر من موظفي اللجنة المركزية في مكتبه الفسيح، ~~وكان الرجل صارما أشد الصرامة في لهجته: «يا رفيق كرافتشنكو، ستعهد إليك بعد قليل مهمة ~~في بلاد أجنبية، وستصرف أمورنا التجارية في جو غير جو بلادنا، بين الرأسماليين الذين ~~نحتقرهم بحق ولا نثق بهم، ونحن واثقون من أنك لن يخدعك ما تراه من كثرة البضائع التي ~~يستهلكها الأمريكيون، ومن مغريات ذلك المجتمع الذي بلغ المرحلة الأخيرة من مراحل الانحلال، ~~ولا تنس قط رسالتك التاريخية وهي أنك تمثل الحضارة السوفيتية الجديدة. # نعم، إن أمريكا تمد لنا الآن يد المعونة، ولكننا يجب ألا ننسى قط أنها تقدم لنا هذه ~~المعونة وهي مرغمة، تضطرها إليها حاجتها الملحة، ولسنا ننكر أن بعض أهدافنا الحربية تتفق ~~في هذه اللحظة مع أهدافها، ولكن عالمنا وعالم الأمريكيين سيظلان مختلفين لا يمكن التوفيق ~~بينهما بحال، وعليك أن تستمسك بعقيدتك الثابتة وهي أن مبادئك الشيوعية تحتم عليك أن تكون ~~العدو الألد للمجتمع الرأسمالي الذي يتركز الآن في أمريكا، وأن الشيوعية والرأسمالية عدوان ~~لا يتفقان!» # وبدلت ملامح وجهي ونظراتي لكي توائم هذا الظرف الخطير، لقد كان من أسخف الأشياء أن يلقي ~~هذا الدرس البدائي على رجل من رجال الحزب المضرسين، ولكنه إنما كان يفعل هذا اتباعا ~~للمراسم المقررة والخطط الموضوعة، فهو واجبه الذي يؤجر عليه، وما من شك في أنه ألقى هذه ~~الخطبة نفسها على غيري من الناس في ذلك اليوم. ~~«وستظل بعد وصولك إلى أمريكا عاملا نشيطا تقوم بما يجب عليك للحزب الذي تنتمي إليه، ولكن ~~لا تنس أنك في علاقاتك بولاة الأمور الأمريكيين لم تكن ولن تكون في يوم من الأيام عضوا في ~~ذلك الحزب، بل يجب أن تصر في كل مناسبة ms748 على أنك لا تهتم قط بالأمور السياسية، واعلم أن ~~الهيئات التابعة للحزب الشيوعي السوفيتي تعمل في الخفاء، ولن يسمح لك بأخذ بطاقتك ~~الحزبية معك إلى أمريكا، ولكن الرجال المختصين في تلك البلاد سيعلمون أنك من أعضاء الحزب، ~~أما فيما عدا دوائر الحزب فلن تكون إلا مهندسا فحسب، فهل تفهم هذا حق الفهم؟» ~~- «نعم، أفهمه.» # وعدت في اليوم الثاني آخر يوم من شهر يونيو إلى مركز القيادة العامة للحزب بعد أن ~~«طهرت ثم طهرت» كما يقول الروس، وكان ينتظرني في ذلك اليوم موظف آخر أعظم خطرا وأشد ~~إرهابا من الموظف السابق، وكان يجلس إلى جانبه رجلان آخران: أحدهما من رجال الشرطة بلا شك، ~~وكان الموظف رجلا ممتلئ الجسم يرتدي حلة أجنبية أنيقة، وعلى معصمه ساعة من طراز أجنبي، وفي ~~جيب سترته قلم من أقلام الحبر الأجنبية، يشهد بأنه قد عاد حديثا من مجاهل البلاد ~~الرأسمالية، ولعله قد عاد من لندن أو واشنجتن. # وخاطبني وهو مقطب الوجه: «لقد وافقت اللجنة المركزية على تعيينك يا رفيق كرافتشنكو في ~~الولايات المتحدة الأمريكية، فهل تدرك كل المعاني التي ينطوي عليها ما وضعته فيك من ~~الثقة؟» # فأجبته: «نعم أدركها.» ~~- «وهل قرأت التعليمات؟ وهل تعرف ما يترتب على أخطائك أو سوء سلوكك من عواقب؟» ~~- «نعم، أعرف ذلك ولا أنساه.» ~~- «إن خير ما يقيك الخطأ هو اليقظة البلشفية والولاء التام لحزبنا المحبوب والإخلاص ~~القلبي له.» ~~- «إني أدرك ذلك كله بطبيعة الحال.» ~~- «إنك مسافر إلى بلد بلغت فيه الرأسمالية أوجها، ووصلت أقصى حد من الاعتداء على ~~الأموال والأرزاق، ونظام التجسس فيها دقيق لا يفلت منه إنسان، وقد يعرض عليك أن تخون بلادك، ~~ولن يترك الرأسماليون الأمريكيون ولا المهاجرون الروس وسيلة لإغرائك والإيقاع بك إلا ~~اتبعوها، وستحاول الصحف الرأسمالية المعادية للثورة وبخاصة صحف هرست ومك كومك بكل ما لديها ~~من وسائل أن تزعزع عقائدك. # وحذار أن تثق بمن يدعون أنهم أصدقاء بلادنا، بل ثق أن معظم هؤلاء أشد خطرا من الأعداء ~~الظاهرين، ولقد أصبح من عادة بعض المهاجرين في هذه ms749 الأيام الأخيرة أن يتذللوا ويخروا ~~سجدا لنا، وليس هؤلاء من اليساريين وحدهم بل إن منهم طائفة كبيرة من الملكيين، فلا تثق ~~بهم، واعلم أن الذي يغير مبادئه مرة لن يثبت قط على مبدأ، وإن هذا يصدق أيضا على أصحاب ~~المصارف ودور الصناعة وغيرهم من الرأسماليين الذين يسايرون الآن التيار الحديث، تيار ~~الإعجاب باتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية، ولكن إعجابهم هذا لا يساوي شروى نقير، وقد ~~يتبدل إلى خيانة سافرة بين عشية وضحاها.» # ونطقت بكلمات قصيرة دالة على أني أفهم ما يقول وأوافق عليه، وكنت في أثناء ذلك أفكر متى ~~تنتهي هذه المهزلة، ولكن الخطبة لم تكن قد وصلت بعد إلى نهايتها؛ ذلك أن الخطيب بعد أن فرغ ~~من الكلام على أعداء الحكومة من الجواسيس والمهاجرين والمذبذبين والمرائين الرأسماليين، أخذ ~~يتحدث عن الأخطار البالغة الأهمية له هو، فشرع يحذرني في صوت ثائر متهدج عن أحابيل ~~الرأسماليين، من أضواء براقة ونواد ليلية ونساء لينات المغمز غير محصنات. ~~«وتلك كلها أدلة على ما يدب في حياة البلاد الرأسمالية من فساد وانحلال يا رفيق ~~كرافتشنكو، ولكنها رغم ذلك من أشد أنواع الإغراء.» ثم أبرقت عيناه وعلا صوته وقال: «إني ~~أعرف أن صنائع الرأسمالية سيحاولون أن يصلوا إليك بكل ما لديهم من وسائل.» # وما كدت أفرغ من هذا حتى تسلمني خطيب ثالث، واتضح لي من خطبته أن إدارته أكثر صلة بالفن، ~~وأنها تهتم بما علي من التزامات، وما أمامي من فرص بوصفي مهندسا أكثر مما تهتم بما أتعرض ~~له من أخطار بوصفي فردا من أفراد الناس، وقال لي إن من أهم ما يجب علي أن أجمع كل ما ~~يعترضني من المعلومات ذات الصبغة الاقتصادية والحربية إن أمكنني هذا، وأن أتدرب على ملاحظة ~~التفاصيل الفنية، ونظام المصانع في كل بلدة أزورها، ووسائل الإنتاج وما يدخل على الآلات من ~~تجديد وتعديل، وجميع الأساليب الفنية الصناعية وكل ما لا علم لنا به. ~~- «وستكون أنت عيوننا المبصرة، وآذاننا المصغية في أمريكا، فإذا وصلت إليها فأرسل تقريرا ~~إلى الرفيق سيرف وأعطه ms750 الإيصال الذي يعطى لك حين ترد بطاقة الحزب التي لديك، فهو يعرف كل ~~شيء عنك، أتفهم ما أقول؟» ~~- «هذا واضح كل الوضوح.» ~~- «بقي شيء واحد أقوله لك: لا تذع أنك مسافر إلى خارج البلاد، ولا تفض بهذا النبأ إلا ~~للأصدقاء الذين تثق بهم من الناحية السياسية.» # ولم أكن أعرف وقتئذ لم يكون إرسال مندوب للمشتريات من الأمور السرية، ولكني بطبيعة ~~الحال لم أتطفل بشيء من الأسئلة، وقبل أن أغادر المكان أسلمت بطاقتي وأخذت بها إيصالا، ~~وشعرت بعد ذلك كأني من غير أهل البلاد أو كأني قد جرت من ثيابي، ولقد بدا لي في يوم من ~~الأيام أن حقي في الحصول على بطاقة الحزب حلم لذيذ، أما الآن فقد أسلمتها دون أسف أو ندم، ~~فقد أصبحت لا أتأثر مطلقا بالرموز السياسية، وذهبت من فوري إلى وزارة الحربية وهناك ~~أخذت مني أوراقي العسكرية وأعفيت من جميع الالتزامات الحربية، وأعطتني وزارة التجارة ~~الخارجية مبلغا كبيرا من العملية السوفيتية وأذونا تبيح لي شراء ما أحتاجه من الملابس في ~~العالم الرأسمالي المنحل الفاسد، وأعطيت فوق ذلك شيئا من العملة الأمريكية تكفي لوصولي ~~إلى واشنجتن. # وبعد أن فرغت من هذه الأمور التمهيدية ذهبت مرة أخرى إلى الرفيق لبدف، والتقيت عنده بعدة ~~أشخاص يستعدون هم أيضا للسفر إلى أمريكا، وكلهم من أعضاء الحزب، والآن وقد اجتزنا كل ~~الحواجز، وسرت في نفوسنا كل المواعظ، رأينا لبدف يبتسم لنا ويبش في وجوهنا. # وقال لنا: «لن أطيل عليكم الحديث أيها الرفاق، إنكم جميعا من الملمين بالشئون السياسية ~~فاسمحوا لي أن أضرب لكم مثلا صغيرا.» # وأخذ الرجل يقص علينا وهو بادي الانشراح قصة طويلة عن مبعوث سوفيتي أرسل إلى مهمة إلى ~~الولايات المتحدة الأمريكية، ولكنه لم يؤت من الحذر والحيطة مثل ما يرجو هو أن نؤتى كلنا، ~~وكان من سوء حظ هذا الرجل أن سمح لصنائع الأمريكيين أن يؤثروا فيه، على أنه لحسن الحظ كان ~~له من العقل ما جعله يفضي بأسراره إلى القنصلية السوفيتية، وبذلك نجا من الخطر في الوقت ms751 ~~المناسب. # وهززنا جميعا رءوسنا دلالة على أننا نفهم ما يرمي إليه، وأننا سنتقي خطر ما تنصبه لنا ~~الشرطة الأمريكية السرية من شراك. ~~«بقيت كلمة تحذير واحدة أقولها لكم قبل أن أنتهي من حديثي معكم أيها الرفاق: إن منكم من ~~سيسافرون بغير أزواجهم، وستجدون في أمريكا الطعام والشراب موفورين، وأنتم تعرفون أن ذلك ~~رخاء الحرب الزائف، وسيعقبه الكساد في القريب العاجل كما حدث من قبل، وأنتم تعلمون ما يطلبه ~~جواد السباق بعد أن يملأ معدته بالطعام، ثم أشار بعينه إشارة ماكرة وضحكنا كلنا ضحكة الخضوع ~~والامتثال، وإن كان الكثيرون منا قد أدركوا ما في عباراته من سخرية واستهزاء. # حسن، لقد أدركتم ما أرمي إليه، إنه يبدأ في الصهيل ... فاحذروا من سيقان البنات ~~الأمريكيات.» وهز أصبعه هزة التحذير، ثم واصل حديثه قائلا: «فإذا تورطتم في الاتصال بنساء ~~الرأسماليين، فاذكروا أني حذرتكم منهن.» # ثم استبدل بلهجة المزاح لهجة التهديد الشديد، وقال: إن أمريكا ليست إلا حليفا مؤقتا، ~~وإن علينا أن نصطنع في معاملتها أشد الفطنة والحذر، وستنتهي هذه الصداقة القصيرة الزائفة في ~~يوم من الأيام، وتعود الحقائق سيرتها الأولى: «فلا تتركوا فيها شيئا إلا عرفتموه، ولاحظوا ~~كل ما في وسعكم أن تلاحظوه، ولا تعطوهم في نظير ذلك شيئا.» # وعدت إلى منزلي أحمل معي كتابي الأحمر الصغير وهو جواز السفر السوفيتي إلى خارج البلاد، ~~وقد شاءت الظروف أن يكون هذا الجواز أثمن قطعة من الورق تتجه إليها مطامعي، وظللت طوال ~~الوقت أتحسسه بيدي لأتأكد من أنه حقيقة واقعة وليس سرابا بقيعة، ولما وصلت المنزل وجدت ~~إيرينا في انتظاري، وأدركت لساعتها من منظري أن كل شيء قد انتهى على خير حال، وتبينت أنها ~~تحاول أن تغالب الدموع التي توشك أن تنحدر من عينيها، وكانت تجهل كل الجهل ذلك السر الرهيب ~~الذي أكنه في صدري، فقد كنت أوقن أن خير ما أقدمه لها من رعاية وأن خير ما أستطيع أن ~~أجزيها به عن حبها لي هو ألا أبوح لها بشيء عما أنتويه، وأن تبقى جاهلة هذا ms752 السر كل ~~الجهل. # وقلت لها وقد غصصت بريقي: «إنها مهمة قصيرة الأجل لن تستغرق أكثر من أشهر قليلة، وإنها ~~مهما طالت لن تدوم أكثر من سنة واحدة.» # وكنت أحس في أعماق قلبي أني قد لا أرى بلدي وأهل وطني، فكنت في الأيام التي قضيتها قبل ~~سفري أنظر إليهم نظرة فيها كثير من الحنين المنذر بالشر المستطير، وحاولت جهدي أن أثبت ~~صورتهم في أعماق عقلي. # وكان لي بطبيعة الحال عشرات من الأصدقاء أحب أن أراهم قبل أن أغادر البلاد، ولكن الستار ~~الكثيف الذي ألقي على رحلتي جعل رؤيتي إياهم مستحيلة، على أنني رغم هذا خاطرت بنفسي ~~فزرت الرفيق ميشا وغيره من الأصدقاء القريبين مني لأودعهم، وحاولت أن أجعل وداعي إياهم ~~وداعا عاديا ليس من ورائه شيء، حتى لا تحدثهم أنفسهم بشيء مما اعتزمته؛ ولذلك فإنهم ~~ذهلوا حين أطلعتهم على جواز سفري؛ ذلك أن الخروج من البلاد والتحرر - ولو إلى فترة قصير - ~~من «الحياة السعيدة» التي نحياها في ظل ستالين كانا أصعب منالا من مناط النجم، ومن ثم كانا ~~أعظم ما يطمح إليه الإنسان. # وكان أحد هؤلاء الأصدقاء الأوفياء الذين زرتهم، والذين أطلعتهم على معجزتي الصغيرة ~~الحمراء، إخصائيا في علم الكيمياء، ويشغل وقتئذ منصبا كبيرا في الحكومة، وكان ممن ~~اضطهدوا في حركة التطهير الكبرى ثم «رد إليه اعتباره» وارتقى رقيا سريعا في المناصب ~~الحكومية رغم «اعترافه» بالاشتراك في مؤامرات التخريب التي أدت إلى محاكمات موسكو الدموية، ~~وبلغ من أمره أن أصبح صدره تلمع عليه الأوسمة التي منحها لخدماته الحربية الممتازة. # وهز الرجل يدي بقوة وبدا لي أنه يحسدني على حسن حظي، وظلت يدي مدة طويلة في قبضته. # وقال لي: «أهنيك يا فيتيا! إن الذي نلته لم ينله واحد في كل مائة ألف! ولولا زوجي وأطفالي ~~لانتحلت لنفسي عذرا أسافر به إلى خارج البلاد ... إنك سترى العالم الخارجي الغريب، وهو عالم ~~قلما يسمح لنا بأن نعرف عنه شيئا.» # وصمت قليلا وقطب حاجبيه كأنه يريد أن يعقد النية على شيء ثم قال في حركة ms753 عصبية: «هيا ~~بنا نركب عربة إلى مسكني؛ لأجتمع بك قليلا قبل سفرك؛ لأني أحس برغبتي الشديدة في التحدث ~~إليك.» # وتحدث الرجل إلي فعلا، ترى هل شجع الرجل خروجي القريب إلى بلاد بعيدة على أن يفضي ~~إلي بما أفضى به؟ أو هل أضحى عاجزا عن أن يكبت في صدره أفكاره الناهكة المضنية؟ ومهما ~~يكن من ذلك الأمر فقد أفضى إلي في عصر ذلك اليوم بأشياء لا يجهر بها في بلادنا رجل أوتي ~~ذرة من العقل قال: «يظن أولئك البلهاء يا فيتيا أنهم قد اشتروني بهذه الأوسمة اللامعة، لا ~~يا فيتيا إنهم مخطئون في ظنهم هذا، نعم إني أبذل ما أستطيع من جهد للانتصار على الألمان ~~لأني روسي صميم، ولكني لم أنس سنة العذاب الماضية، ولكن أعفو عمن عذبوني، إنني أرقى في ~~مناصب الدولة؛ لأنهم في حاجة إلى الأكفاء من الرجال، ومن أجل ذلك تراهم يعترفون بكفايتي، ~~رغم أني كنت في يوم من الأيام من نزلاء السجون، ومن يدري فقد أرقى في يوم من الأيام إلى ~~أعلى مناصب الدولة فأصبح وزيرا، وليس هذا بالأمر المستحيل. # ولكني لم أنس قط شيئا، لم أنس شيئا قط! بل أذكر كل دقيقة قضيتها معذبا مهانا، وأحتفظ ~~بهذه الذكرى ليوم الانتقام، لقد أذاقوني مر العذاب شهورا طوالا قبل أن ينتزعوا مني ~~توقيعي على ذلك الاعتراف الكاذب، لقد أبقوني فترات طويلة سجينا بمفردي في تلك الأقبية ~~المظلمة الرطبة تشاركني فيها الجرذان الكبار، فهل تعرف يا صديقي كيف كانوا يعذبونني؟ استمع ~~إلى ما سأحدثك عنه.» # فرجوته ألا ينطق بشيء وقلت له: «لا، يا جرجري لا تقل لي شيئا، فحسبي ما سمعته من غيرك، ~~وماذا تفيد من فتح جراحك القديمة؟» ~~- «إنها جراح متنسرة يا فيتيا، ولقد منعتها أن تلتئم، وأنا أصحو من نومي وعلى شفتي لعنة ~~أبعث بها إلى أولئك القوم، وأذهب إلى فراشي في كل ليلة وعلى شفتي تلك اللعنة، استمع إلي، ~~أفض إليك بما لم أفض به إلى مخلوق سواك؛ إذ ليس في مقدوري بعد الآن أن أحبس ms754 في صدري ما ~~مر بي من أهوال. # لقد سمعت عن طريقة التعذيب بالضوء، أما أنا فقد عذبت بهذه الطريقة، فهم يجلسونك في وسط ~~حجرة فيها مصابيح كهربائية قوية، يسلطونها على عينيك ولا يسمحون لك أن تنام، فإذا شرعت تغفو ~~أو تغمض عينيك أيقظك الحراس بضرباتهم، وجلست أنا هذه الجلسة اثنتين وسبعين ساعة كاملة بلا ~~نوم ولا طعام ولا شراب، وجشأت في أثنائها نفسي، واحترقت حدقتا عيني كأنهما قطعتان من فحم ~~ملتهب، وفي آخر هذا العذاب سلط علي شخص قوي الجسم مفتول العضلات يواصل تعذيبي ويحقق ~~معي. # آه، ما أعظم مهارة هؤلاء الوحوش الاشتراكيين! إنهم يعرفون كيف ينتزعون منك الاعترافات ~~الاختيارية، ولا يخالجني شك في أننا قد بلغنا الغاية في أساليب التعذيب، وأن الجستابو (شرطة ~~هتلر السرية) لا تستطيع أن تعلمنا منها شيئا، فهم يسلطون على ضحاياهم أساليب مختلفة من ~~الجوع والعطش والحر والبرد، يتقنها من يقومون بها من أمثال بدروسكي أعظم إتقان، ولقد شاهدت ~~في سجوننا أحد الموظفين يهيئ ضحاياه للتحقيق بالطريقة الآتية: قدم لهم أول الأمر طعام ~~كثير الملح كالرنجة، ومنع عنهم الماء، حتى إذا حان موعد سؤالهم كادت تذهب عقولهم من شدة ~~الظمأ، وأخذ وهو يسألهم يتجرع جرعات طويلة من الماء البارد أو البيرة والسجين المعذب يتطلع ~~إليه. # وأنا أعرف أنباء كثير من الاعترافات انتزعت من أصحابها بعد أن علقوا من معاصمهم ~~أربعا وعشرين ساعة كاملة، وأعرف عدة حالات اقتلع فيها شعر الضحايا من جذوره مع قطع من ~~جلد رءوسهم، آه ما أعظم مهارة هؤلاء السادة المعذبين! فهم يعرفون متى يسلطون علينا الآلام ~~الشديدة، ومتى يلجئون إلى أنواع التعذيب البطيء المحطم للأعصاب؟ # ولقد ضربوني أيضا، ولم يضربوني مرة واحدة بل مئات المرات، ثم كان ذلك الفزع الأكبر ~~والعذاب الأليم الذي لم أفض به لأحد غير زوجتي، فقد كان لا بد لها أن تعرفه، لقد أدخلوني ~~ذات مساء في حجرة التعذيب، وأخذوا يضربونني بقطائل طويلة مبتلة، وكان ثلاثة رجال يتناوبون ~~هذا الضرب، وبدءوا عملهم بأن انتزعوا ملابسي حتى أصبحت ms755 كما ولدتني أمي، ثم أخذوا يضربونني ~~على وجهي وفوق كليتي، ثم ألقوني على المنضدة، وأمسكني اثنان من الجزارين، وأخذ ثالثهم ~~يضربني بالقطائل المبتلة وبكل ما أوتي من قوة بين فخذي ... على عورتي. # تصور أقصى ما تستطيع أن تتصوره من الألم ، ثم ضاعف هذا ألف ألف مرة تكن لديك صورة قريبة ~~مما قاسيته من العذاب وقتئذ، إن أولئك الوحوش قوم مرضى قد خرجوا عن آدميتهم وأصبحوا وحوشا ~~ضارية.» # فهمست قائلا: «كفى يا جرجري، حسبك ما قلت.» ~~- «وغشي علي، وقضيت في غشيتي عدة أيام، فلما أفقت وجدت نفسي في مستشفى السجن، وأدركت ~~أني أصبحت لا أهتم بشيء في هذا العالم، وعجبت كيف سولت لي نفسي أن أقاومهم هذه المقاومة ~~كلها، وأخذت ألعن نفسي أشد اللعنات لأني كنت رجلا أبله، أقيم وزنا للمبادئ والأخلاق، ~~فأمضيت كل ما طلبوا إلي أن أمضيه من غير أن أقرأه أو أبالي بما عسى أن تكون عاقبته، ولما ~~أطلقوا سراحي ألفيت أن لا نفع في لزوجتي. # ويظن أولئك الحمقى أنهم عوضوني عن هذا كله بما منحوني من ألقاب وأوسمة، ويخيل إليهم أني ~~نسيت، والحق أني كلما علا قدري في خدمتهم، وكلما ازددت قربا من الكرملن، اشتد كرهي لهم ~~وحقدي عليهم وتعطشي للانتقام منهم.» # وسأضطر في الأشهر التالية في أثناء مقامي في أمريكا إلى الاستماع إلى كثير من الأقوال عن ~~«الحضارة الجديدة» في روسيا السوفيتية، وعن «اشتراكيتنا» و«ديمقراطيتنا الاقتصادية»، وأعود ~~بذاكرتي في بعض الأحيان - وأنا أستمع إلى هذه الأقوال - إلى ما فعلوه بجرجري، فتجشأ نفسي ~~وينتابني نوع من الدوار، فأحول أفكاري من فوري إلى شيء آخر، شيء يدخل على نفسي بعض السرور ~~حتى يزول عني دواري. # والتقيت في موسكو في تلك الأيام الأخيرة من مقامي فيها برجل آخر، ولا يزال هذا اللقاء ~~القريب منقوشا في ذاكرتي، ويؤسفني أني لا أستطيع أن أبوح باسم هذا الرجل، وحسبي تعريفا به ~~أن أقول: إنه من كبار الشيوعيين وأوسعهم نفوذا وأقواهم صلة بالهيئة الحاكمة في البلاد، ~~وإني قد عرضت حياتي للخطر في يوم ms756 من الأيام لأنقذ حياته، وإنه لم ينس لي هذا الصنيع، وظننت ~~أنه يحسن بي ألا أذهب لوداعه، ولكن يلوح أنه علم بأني أوشك أن أغادر البلاد فطلب هو إلي ~~أن يراني، واتفقنا على أن نلتقي لقاء يظنه غيرنا قد جاء مصادفة، في المتنزه الصغير المقابل ~~لمسرح بلشوا في ميدان تيترالني. # وما كدنا نجلس على دكة في المتنزه حتى بادرني بقوله: «وهكذا تم لك الأمر وستغادر البلاد ~~فعلا؟ أهنيك! أهنيك من أعماق قلبي.» # وقلت له: «لقد كنت أظن أن من الخير ألا أزورك مودعا! ولست أشك في أنك تعرف ~~السبب.» ~~- «ولكني أحسست أن من واجبي أن أتحدث إليك يا فكتور أندريفتش، وأنا أعرف رأيك في الأحوال ~~المحيطة بنا، نعم، إنك لم تفض إلي بشيء منها ولكني مع ذلك لا أجهلها، وهذا هو الذي بعث في ~~الرغبة في أن أزورك ناصحا ومحذرا، فنحن في هذه البلاد نمسك لساننا فلا ننطق بشيء، أما في ~~خارجها فأنت معرض لخطر الإفصاح عن شعورك؛ ذلك أن الحرية تفتن الإنسان وتسلبه عقله فإذا خرجت ~~من هذه البلاد فستحس بأنك أصبحت آمنا فتكبو من حيث لا تدري، فإذا فعلت فستدعى فجأة إلى ~~العودة بحجة طلية لا غبار عليها في ظاهر الأمر، لتستشار في أمر من الأمور مثلا، فإذا جئت ~~فلن تعود بعدها أبدا. # ورجائي إليك ألا تتأثر بالوسط الجديد فتركن إلى السلامة الكاذبة الزائفة، ولا تنس أنك ~~سيحيط بك عيون ومخبرون أكثر ممن يحيطون بك في هذه البلاد، فإذا استمسكت بهذه النصيحة وحدها ~~فستخرج من هذه التجربة سالما من الخطر، واعلم أن نظامنا كله إنما يقوم على التجسس والتحرش، ~~وهذا النظام لا يتبع في داخل البلاد فحسب، بل إنه في خارجها أشد وأدق منه في داخلها، وهو في ~~كل يوم يزداد دقة وإتقانا؛ ذلك أن سادتنا يعلمون حق العلم أننا نخفي مشاعرنا ونحيطها بستار ~~كثيف، كما تخفي الحلازين أجسامها في أصدافها، وهم يريدون أن يسبروا أعماقنا ليعرفوا ~~مخبآت صدورنا. # إن من بين كل خمسة رجال ممن يعملون هنا ms757 في مكاتب الحكومة جاسوسا يعمل لحساب إحدى هيئات ~~التجسس القائمة في البلاد، أما في البلاد التي ستذهب إليها فإنهم يكادون يبلغون واحدا في ~~كل ثلاثة، وليسوا كلهم روسا فإن لدينا كثيرين من الأمريكيين المأجورين لنا يعملون لحسابنا، ~~هذا فضلا عن المتطوعين الذين يعملون من غير أجر خدمة لقضيتنا، وهؤلاء جميعا سيلقون عليك ~~أسئلة بريئة، وستستثار حتى تتكلم وتشكو، وسيعلق من يعملون لحسابنا على ما يقرءون في الصحف ~~وما يسمعون في المذياع، ولا غرض لهم من هذا إلا أن يستدرجوك من حيث لا تعلم، فينطقوك بما ~~تخفيه في نفسك.» ~~- «أعتقد يا صديقي أني أعرف دقائق هذا النظام، وسأحتاط أشد الحيطة من أن أقع في شراكه، ~~وأنا شاكر لك فضلك ...» ~~- «وستجد يا فكتور أندريفتش من حولك أناسا ينقبون عن كل ما يتصل بك، وسيحيط بك كثيرون ~~يخافونك ويظنون أنك قد تكون أنت نفسك عينا عليهم، تلك هي الخطة الشيطانية في نظامنا ~~المحكم، وهي خطة تقضي بألا يثق الواحد منا بأخيه، وأنا أعرف أنك قد ضقت ذرعا بهذا كله، ~~فإذا شئت ألا يقضى عليك فليس يكفيك أن تفهم نصحي وتحذيري، بل يجب أن تشعر به وأن يتغلغل ~~في أعماق نفسك.» # وافترقنا وكنت كلما فكرت فيه في أيامي المستقبلة عاد إلى مخيلتي على الدوام منظرنا الغريب ~~على دكة المتنزه، وتذكرته وهو يعني بشد حافة قبعته ليخفي بها وجهه، وكيف كان يحاول تغطية ~~أكبر جزء من رأسه بطوق سترته حتى لا يتعرف عليه إنسان، ويقيني أن هذا الرجل من الرجال ~~الأفذاذ بل إنه يكاد يكون معجزة من المعجزات، فهو من الروس المهذبين الوطنيين الذين لم ~~ينجوا من أهوال التطهير فحسب، بل إنه يجلس باسما عاملا قديرا بين أرباب الكرملن. # ولم يأت لوداعي يوم سفري من محطة قازان إلا أرينا وحدها، وأخذت أواسيها وأقوي قلبها، ~~ولكنني في أعماق نفسي كنت حزينا مكتئبا يكاد يفيض الدمع من عيني، فقد كنت أعرف ما لم ~~تعرفه هي، بل ما لم تكن تستطيع أن تحرزه، وهو أن لقاءنا هذا قد ms758 يكون هو اللقاء الأخير، ولشد ~~ما أكسف هذا العلم بالي وأضرم قلبي، ولكن ماذا عساي أن أقول لها؟ لا شيء، لقد كان الخير كل ~~الخير في ألا تعرف شيئا، وأن تظل جاهلة ما اعتزمته كل الجهالة؛ ذلك أنه لم يكن ثمة شيء تسر ~~له في سفري إلى أمريكا، بل كل ما فيه آلام مبرحة وأحزان شاملة يعجز عن وصفها البيان، ولست ~~أنا الملوم لأني غادرت وطني وأهلي، بل الملوم هو ذلك النظام الوحشي الفاسد، إذ لم يكن أمامي ~~سبيل أسلكها لأحسن بها إلى بني وطني المعذبين إلا أن أفر من بينهم، ثم أحاول بعد فراري أن ~~أطلع العالم على كل ما أعرفه بخير ما أستطيع من الوسائل، تلك هي التبعة التي يلقيها علي ~~واجبي نحو مواطني الروس، وتلك هي الغاية المنطقية التي لا بد أن تنتهي إليها حياتي ~~كلها. # وكان في جزء العربة الذي أجلس فيه سريران: أحدهما لي والآخر لرجل أشمط الشعر عذب الحديث، ~~تبدو في وجهه مخايل الذكاء، وفي عينيه الرقة والحنان، وتعارفنا على الطريقة السوفيتية، فكان ~~كلانا يخفي عن رفيقه مضمر سره ويرتاب فيه، وأخرجنا ما معنا من الطعام، وأخذنا نتحدث في شئون ~~الحرب، وقلت حين سألني عن مقصدي: إني ذاهب إلى فلادفستك، وكان جوابه هو عن سؤالي نفسه أكثر ~~غموضا من جوابي فقال وهو يشير بيده إشارة إشفاق إنه مسافر إلى ما وراء جبال أورال. # ودق بابنا طارق في أثناء الليل، ودخل علينا ضابط أنيق الملبس من ضباط القسم السياسي، ~~وتوجست خيفة من دخوله فقد كانت أعصابي لا تزال متوترة لا تكاد تصدق أني خارج فعلا من اتحاد ~~جمهوريات السوفيت الاشتراكية، وإن كنت في عقلي لا يخالجني شك في أني خارج منها ~~فعلا. # وقال لنا الضابط بعبارة مؤدبة: «أرجوكما أن تبرزا أوراقكما.» # وناولته من سريري الأعلى جواز سفري، ففحص عنه بعناية، ووازن بين وجهي وبين صورتي الشمسية، ~~وأعاد إلي الكتيب الأحمر، ورفع يده بتحية خاطفة، وكانت دهشتي عظيمة حين أظهر له زميلي ~~جواز سفر خارجي شبيها ms759 بجواز سفري، فقد كنا كلانا مسافرين إلى خارج البلاد، وقد كذب كلانا ~~على زميله، وأحس كل منا بالخجل والارتباك. # ولما غادرنا الضابط قال لي: «قل لي يا فكتور أندريفتش لم يكذب كل منا على الآخر؟ ولم ~~يخافه؟ إنا روسيان يعرف كلانا من الناس والأماكن ما يعرفه الآخر، ومع ذلك فإنه يخشى زميله ~~ولا يثق به، إني لا أهتم بالسياسة، وأنا ذاهب إلى بلاد المغول الخارجية لأربي الماشية ~~اللازمة لبلادي ولأستورد منها اللحوم، وتلك هي مهمتي كلها، وما أشد أسفي لأني كذبت ~~عليك!» # وقلت له: «وأنا مسافر إلى أمريكا لأختار ما يلزم لبلادي من المصنوعات المعدنية عملا ~~بقانون الإعارة والتأجير، وأرجو ألا يسوءك أني كذبت عليك، وأنا آسف لذلك كل الأسف.» ~~- «لم يرتكب واحد منا ما يطلب الصفح عنه، وليس منا من يفضل زميله في هذا، ألا تبا لهذا ~~الارتياب الذي لا آخر له ... ولهذا التكتم الصبياني.» # ونزل زميلي من القطار بعد أن عبرنا جبال أورال ليستقل قطارا آخر، وسرعان ما حل مكانه رجل ~~كبير الجسم عليه معطف سميك من الجلد، وكان لجبا صخابا متغطرسا، اعتاد أن يأمر الناس ~~ويطيعوه ويوقروه، وجاء من خلفه رجل أصغر منه سنا يرتدي ملابس عسكرية، وإن لم تزينه شارة ~~تدل على مرتبته، وفي منطقته مسدس، وهو يحمل متاع رئيسه ويبذل جهده ليوفر له أسباب راحته، ~~وكانت هذه صورة مألوفة لي، فهي صورة موظف الحكومة الكبير وتابعه الخاص. # وعرفت القادم من فوري، فهو الرفيق برودين الرئيس السابق للجنة التنفيذية لإقليم ~~ستالينجراد، وخلع معطفه وظهرت شارة عضوية مجلس السوفيت الأعلى ووسام لينين يحليان صدره، ~~وكان كبير البطن ذا عينين صغيرتين ماكرتين، تطلان من وجه مستو لا ينم عن شيء من إحساساته، ~~وكانت يداه المكتنزتان مدرمتي الأظافر بعناية فائقة، وأخرج الرفيق برودين من جيبه مسدسا من ~~طراز بروننج ووضعه تحت وسادته، وكان حريصا في الحالتين على أن يظهر المسدس للأنظار، حتى لا ~~يخطئ أحد فيما له من عظيم الشأن وقوة السلطان، فلما أتم هذا نزل من سماء عليائه ms760 وألقى نظرة ~~على رفيقه المسافر معه. # وسألني قائلا: «ألم أرك في مكان ما؟» ~~- «نعم يا رفيق برودين، لقد رأيتني في مجلس الوزراء، ولقد شهدت عدة اجتماعات كنت أنت ~~فيها، واسمي كرافتشنكو، فكتور أندريفتش كرافتشنكو.» ~~- «حسن حسن، وإلى أين أنت ذاهب؟» ~~- «إلى أمريكا، إلى واشنجتن.» ~~- «أحق هذا؟ هذا شيء جميل جدا، إن أولئك الأمريكيين شياطين حاذقون أقوياء، ومن واجبنا ~~أن نعرفهم حق المعرفة، ومن حسن الحظ أن صناعتهم تمدنا بالمعونة.» # وكان برودين مسافرا إلى إقليم ألتاي في مهمة رسمية، وقد بدأ رحلته بالطائرة، ثم اضطر إلى ~~النزول لخلل أصاب محركها، وها هو ذا يحبو إلى مقصده حبوا بطيئا بالسكة الحديدية، وكان من ~~حسن حظه أن جاء معه بكثير من الطعام، وسيبحث فضلا عن هذا عما يستطيع أخذه من مطعم القطار، ~~وأكد لي أن رحلتنا ستكون ممتعة بلا ريب، وسألني هل ألعب الورق وهل لي في بعض الشراب؟ # وفتح التابع الذي كان برودين يعامله معاملة الرفيق إحدى الحقائب المحشوة بالطعام الشهي، ~~وأخرج منها وجبة فخمة، وقبلت دعوة رفيقي الملحة وشاركته في طعامه الشهي، ولكني أصررت على أن ~~أخرج أنا الآخر ما كان معي، وفضلا عن هذا فإن مدير عربة الطعام التي في القطار قد راعه ~~وجود برودين العظيم فأخذ يتملقه ويتذلل له، فكان يقدم لنا كل ليلة في عربته بعد أن تغلق ~~أبوابها دون خلق الله العاديين وجبة عشاء شهية، يشاركنا فيها عدد من كبار الركاب، ومنهم ~~واحد من القواد وآخر من أمراء البحار. # وكنا نجتمع فيما بين وجبات الطعام في هذا القسم من العربة أو ذاك، يلعب بعضنا الورق، ~~ونتحدث حديثا متقطعا في شئون الحرب، ومناظر الريف الطبيعية، ومزايا أنواع النبيذ القفقاسي ~~المختلفة، وما إليها من المسائل، وكنا كلما اجتمعنا للعشاء طلب إلينا برودين في جد ووقار أن ~~نشرب نخب أستاذنا وزعيمنا المحبوب. # ولم ينغص علينا سرورنا أثناء رحلتنا إلا من كنا نراهم أحيانا في المحطات من الأطفال ~~الجياع أنصاف العرايا المشردين، وقذف برودين من نافذة العربة في إحدى المحطات عظام ms761 دجاجة ~~قرض كل ما كان عليها من اللحم، فهجم الأطفال الجياع من فوره على هذا اللقية الثمينة وأخذوا ~~يتنازعون كل قطعة منها بعنف شديد، وتجهم وجه برودين وضاقت عيناه وتمتم بضع كلمات عن الحرب ~~العوان وآثارها، وغضب زعيم «الصعاليك » مما رأى، ولكنه مع ذلك أمر تابعه أن يعطي أولئك ~~المشردين بعض الخبز، ثم أنزل ستائر العربة، وأتى على ما بقي من الدجاجة. # وعرفنا أن من بين ركاب القطار الذي نستقله ضيوفا من الأجانب ذوى الشأن، وهم وفد من إحدى ~~نقابات العمال البريطانية يرأسه ولتر سترين، وكانوا يركبون عربة خاصة ومعهم عدد من الموظفين ~~السوفيت والمترجمين، ويقدم لهم الطعام من مطبخهم الخاص، ويحال بينهم وبين الاتصال المباشر ~~بشيء من الحقائق عن بلاد السوفيت، على أن ولاة الأمور لم يجدوا وسيلة يخفون بها عن أنظار ~~هؤلاء الضيوف رؤية المشردين الجياع المهلهلي الثياب في بعض المحطات، ولكم تمنيت أن يوحي هذا ~~المنظر المحزن إلى سيرولتر ورفاقه البريطانيين ببعض الحقائق المرة عن أحوال بلادنا ~~المنكوبة. # وكانت القطر المحملة بالعتاد والسلاح لا ينقطع مرورها بنا متجهة إلى جبهة القتال ~~الغربية، وكثيرا ما كان برودين يصيح قائلا: «الإعارة والتأجير» كلما مر قطار بنافذة ~~عربتنا، فكان القائد الذي معنا يؤمن على كلامه ويقول: «اختراعات أمريكية عجيبة!» وكلما ~~قربنا من فلادفستك ازداد سيل البضائع الأمريكية. # ولم يلبث الرفيق برودين أن نزل من القطار وسار من ورائه تابعه وهو يئن تحت عبء متاعه ~~الثقيل، وتنفس مدير عربة الأكل الصعداء بعد نزوله، وخيل إلي أني أسمع ما توسوس به ~~نفسه، ولم يخالجني شك في أن ما ظننته يقوله لنفسه كان عين الصواب، واحتل مكانه عضو آخر من ~~علية السوفيت لا يقل عن سابقه اعتزازا بنفسه واستمتاعا بلذيذ المأكل والمشرب، وإن كان أقل ~~منه استكبارا، وتبين لي أنه رئيس إدارة الفنون في الإقليم، وأنه موفد في «مهمة ثقافية» إلى ~~أولايود في الجمهورية المغولية. # وظلت أعصابي شديدة التوتر طوال الرحلة، فقد كنت كلما فحص عن أوراقي - وما أكثر ما كان ~~يفحص عنها ms762 - تملكني خوف لا موجب له، فلم أذق طعم النوم إلا غرارا، ولما غفوت آخر الأمر ~~رأيت فيما يرى النائم أن جماعة من أوشاب القسم السياسي أخذوا يجرونني من القطار جرا، ~~وخيل إلي في أحد هذه الأحلام المزعجة أن إنسانا يهمس في أذني قائلا: «لقد ظننت أننا ~~قد خفي علينا أمرك ... لقد حدثتك نفسك بأنا سنسمح لك بالفرار.» وأنى تلفت حولي فأبصرت ~~جرشجورن، ثم استيقظت وقد بلل العرق البارد جسمي. # ولما وصلت إلى فلادفستك نزلت في فندق السياح القادمين من داخل البلاد وأبصرت فيه فرقة ~~موسيقية لا تنقطع عن العزف، كما شاهدت النبيذ وغيره من الخمور بكميات موفورة، ورأيت النساء ~~التابعات للقسم السياسي يؤدين أعمالهن، وزرت السوق الحرة في المدينة حيث يباع الطعام ~~والثياب بأثمان السوق السوداء الخيالية، ورأيت في هذه السوق من البضائع أضعاف ما رأيته في ~~أي مكان آخر في اتحاد جمهوريات السوفيت الاشتراكية، ولم يكن خافيا أن معظم هذه البضائع ~~مستورد من أمريكا، وما من شك في أنها مسروقة من الرسالات المستوردة بمقتضى قانون الإعارة ~~والتأجير، أو أنها قد جاء بها البحارة الروس، وشاهدت حذاءين عاديين من أحذية السيدات يباعان ~~في هذه السوق بثلاثة آلاف روبل، كما شاهدت رطلين ونصف رطل من لحم الخنزير تباع بألف ومائتي ~~روبل، ورأيت العلب الصغيرة التي تحمل بطاقات أمريكية حمراء تباع كل واحد منها بمائتي روبل ~~أو أكثر. # وكانت الحركة في فلادفستك قائمة على قدم وساق، يشاهد فيها الإنسان أينما حل جماعات من ~~البحارة العسكريين في حللهم الرسمية والبحارة المدنيين في ثيابهم العادية، وكانت جبال من ~~العتاد والمؤن الأمريكية مكدسة على الأرصفة، والمدينة زاخرة بالحياة التي بعثها النشاط ~~الحربي. # ثم حل اليوم الذي انتقلت فيه أنا وغيري ممن يريدون أن يعبروا المحيط الهادي إلى جمرك ~~الميناء، وأدخلنا واحدا بعد واحد في حجرة صغيرة من حجرات المكاتب الرسمية ومع كل منا ~~متاعه، وجاء ثلاثة من رجال الشرطة السرية، واحد منهم يرتدي ملابس مدنية والآخران يرتديان ~~ملابس عسكرية، وفتحوا كل ما معنا من حقائب ms763 ولفائف، وفتشوها تفتيشا دقيقا، ثم فتشوا جيوبها ~~وبطاناتها وأخرجوا في بعض الأحيان القمصان وسائر الملابس، ثم فتشوني أنا نفسي أدق تفتيش، ~~فقلبوا كل جيب من جيوبي وكل شبر من بطانة سترتي، بمهارة منقطعة النظير، ولم يغفلوا عن تفتيش ~~محفظة جيبي، وكان أحد الرجلين اللذين يرتديان الحلة العسكرية يدون بعض المذكرات ويسجل ~~الأسماء وأرقام التليفونات. # ووجدوا معي مظروفا يحتوي على صور شمسية صغيرة لبعض أعضاء أسرتي، فأثار ذلك فضولهم، ~~وأخذوا يسألونني عن كل واحد في كل صورة. # وأشار موظف الجمرك صاحب الثياب المدنية إلى إحدى الصور وسألني قائلا: «ومن هذا ~~الضابط؟» ~~- «هو أخي قنسطنطين.» ~~- «وأين هو الآن؟» ~~- «لقد قتل في جبهة القفقاس.» ~~- «ولم تأخذ كل هذه الصور معك؟» ~~- «إنها صور أهلي، وسأكون بعد قليل وحيدا بعيدا عنهم.» ~~- «ولكنك ستعود إلى بلاد الاتحاد السوفيتي، أليس كذلك؟» # وزادت ضربات قلبي قليلا، وغصصت بريقي قبل أن أجد ما أقوله له، ولكن يلوح أن قوله هذا كان ~~رمية من غير رام؛ لأنه فرع من استجوابي وأجاز مروري، وسرعان ما كنت على ظهر السفينة كوميلز ~~القاصدة إلى فتكوفر بكندا، تحمل نحو عشرين راكبا من رجال ونساء كلهم ذاهبون للعمل في ~~الولايات المتحدة. # وخصصت لي قمرة صغيرة مريحة في جناح ربان السفينة، وسرعان ما استسلمت فيها لأفكاري، ثم ~~صعدت إلى ظهر السفينة، وأخذت أرقب منها أرض الروسيا تبتعد عني رويدا رويدا، وكانت هذه آخر ~~نظرة ألقيها على بلادي المعذبة التي يرزح فيها ملايين البائسين تحت نير حكم استبدادي لا ~~يماثله في التاريخ حكم آخر في قسوته وطغيانه المنظم، وجاءت الحرب الآن فأضافت إلى ما فيه من ~~إذلال واستبعاد شامل فظائع وأهوالا لا نظير لها في عهد من العهود، ولم يشهد شعب من شعوب ~~العالم ما شهده الشعب الروسي من بؤس وشقاء وطغيان سياسي مروع، ولم يقاس بلد من البلاد ما ~~قاسته بلادنا من أهوال تسترها أقوال ونداءات عن «تقدمه» ورقيه، ولم أطق البقاء طويلا على ~~سطح السفينة فقد غلبتني الأفكار السود والعواطف الثائرة، وكنت في قرارة نفسي ms764 أودع أصدقائي ~~وأهلي وتاريخي الماضي، وضاق بذلك صدري فعدت إلى قمرتي لأنفرد فيها بأفكاري. # وكان ما استقر عليه رأيي من عزم على مغادرة البلاد طلبا للحرية التي تمكنني من أن أجهر ~~بالحقيقة المرة عما تقاسيه بلادي من آلام ومن استعباد سياسي، وأن أعمل لتحرير هذه البلاد من ~~هذه الآلام؛ كان هذا العزم قد أخذ يختمر على مهل في أعماق نفسي، فلم أعرف متى نبتت أصوله، ~~ومهما يكن مبدؤه فقد مضى عليه الآن عدة سنين كان في خلالها خطة مرسومة مقررة ينتظر اللحظة ~~المواتية ليخرج إلى حيز الوجود، وأدركت في هذه الساعة ما للفراق من ألم لا يقل عن ألم ~~الموت، وأحسست كأنهم يحملونني إلى قبري، وعرفت أني أحب بلادي وبني وطني حبا أثار في قلبي ~~من العواطف ما لا أكاد أطيقه. # وعادت إلى ذاكرتي مناظر من عهد طفولتي وشبابي وكهولتي، ولم يكن ما فيها من لحظات السعادة ~~بأقل ألما لي من هذه اللحظة لحظة الفراق الأبدي ولحظة العذاب والمذلة، وفكرت فيما مر بي من ~~تجارب في عهد القحط الأول، وفي عهد التنظيم الجماعي، وفي عهد القحط الثاني الذي كان من صنع ~~الإنسان لا من صنع الطبيعة، وفي عهود التطهير والجوع والبرد، وفي ليالي التعذيب في نيقوبول، ~~وفكرت في معسكرات الاعتقال المنتشرة في طول البلاد وعرضها، وفي العشرات بل وفي المئات من ~~أعز الأصدقاء الذين تذبل زهرة حياتهم في السجون وفي معسكرات السخرة. # ترى أين ذهبت أمي الرقيقة القلب العزيزة النفس؟ وأين أبي الكريم الطاهر اليد القوي ~~الإرادة الشديد الولاء لمبادئ الحرية الحقة؟ هل ينجوان بحياتهما من أسر الألمان؟ وهل ~~ينتقم منهما بسبب هذا القرار الذي عقدت النية على تنفيذه؟ وماذا يفعلون بإيرينا؟ هل ~~يعاقبونها على ما فعلت أنا؟ وهل تغفر لي أني تركتها تجهل خططي كل الجهل؟ وماذا يرى أخي ~~يوجين في قراري وهو رجل لا يعبأ قط بشئون السياسة؟ # وأنتم أيها الأصدقاء والأحباء الأحياء منكم والأموات هل تدركون سبب اضطراري إلى فراقكم؟ ~~وهل تفهمون أني لا بد لي من ms765 هذا الفراق لأزداد منكم قربا، ولأحاول أن أتحدث عنكم ومن أجلكم ~~إلى عالم قد أضلته الدعاوة وأعماه التفكير المغرض. # وإذ كنت مسافرا في سفينة تخفق عليها الراية السوفيتية فقد كنت من الوجهة الرسمية على أرض ~~سوفيتية، وظل القلق الذي كان لا موجب له ينغص علي حياتي في يقظتي، ويقض مضجعي في ساعات ~~نومي؛ ذلك أن كلمة تفلت من بين شفتي في حضرة العيون المنبثين من حولي والذين لم أكن أشك في ~~وجودهم على ظهر السفينة الصغيرة، قد تكفي لتحطيم كل ما علقته على سفري من آمال وما رتبت ~~عليه من خطط. # ومررنا بشواطئ اليابان، وتملكنا الرعب حين رأينا مدمرتين يابانيتين من خلفنا، وأبصرنا ~~في اليوم الثاني طائرة حربية يابانية تحوم فوق رءوسنا، ومضت بضعة أيام رأينا على أثرها ~~أرضا تظهر عند الأفق، وقيل لنا: إنها أرض جزيرة نستطيع أن نشاهد منها بلاد أمريكا، وأثارت ~~هذه اللمحة الأولى من الأرض التي يملكها الأمريكيون مشاعر البحارة والركاب على السواء، ولما ~~اقتربنا من الجزيرة رأيت الراية الأمريكية تخفق فوق طائفة من البيوت. # واقترب منا قارب بخاري، ونزل منه إلى سفينتنا ضابطان بحريان أمريكيان، ودخلا حجرة الربان، ~~وبقي ثلاثة ملاحين في القارب، وجئنا كلنا إلى جانب السفينة لنلقي أول نظرة على الطبقة ~~الرأسمالية المعادية لطبقتنا، والتي حذرنا في بلادنا من مكرها ودهائها، فلما رأينا أفراد ~~هذه الطبقة لم نجد أن هؤلاء الشبان الطوال القامة الذين لوحت الشمس وجوههم يبلغون من ~~الخطر ما وصفوهم لنا به، وكان معنا في سفينتنا عدد من الفتيات يقمن بأعمال الترجمة إلى ~~اللغة الإنجليزية، وسرعان ما أخذنا كلنا نتجاذب أطراف الحديث. # ومن حسن حظ هؤلاء الشبان الأمريكيين، أنهم كانوا يجهلون ما يعتقده فيهم الروس من غدر ~~وخبث؛ ولذلك لم يلق علينا واحد منهم سؤالا سياسيا، واتضح لنا أن كل اهتمامهم محصور في ~~البنات الروسيات، وأن هذا الاهتمام لم تكن له أقل صلة بالسياسة، وأدار واحد منا حاكيا في ~~قمرته وأخذ يسمع الثلاثة البحارة الذين في القارب أغنيات روسية، وطلب إلينا ms766 أحدهم أن نغني ~~إحدى أغاني بلادنا، ولكنا مع الأسف لم يكن بيننا من يحسن الغناء. # ولما غادرنا القارب أخذنا نتحدث عن الأمريكيين الذين شاهدنا توا أمثلة منهم، وبلغت منا ~~الحماسة كل مبلغ، وأثرت في قلوبنا نظرات الشبان وهمتهم، وما أظهروه نحونا من دلائل المودة ~~والصداقة، حتى قام أحد الروس المتطرفين الذين لا تخلو منهم أية جماعة سوفيتية وألقى ماء ~~باردا على هذه الحماسة. # فقد قال هذا الرجل بلهجة الحازم المسيطر: «أليس من واجبنا أيها الرفاق ألا نبالغ في ~~إعجابنا بهؤلاء القوم؟ إن عليكم أن تذكروا أن هؤلاء الشبان «الحسان» «الظرفاء»، ليسوا إلا ~~خدما وأبناء لأمة رأسمالية من الأمم المعادية لنا.» # وسرعان ما أعادتنا ألفاظه إلى الحقيقة التي غفلنا عنها ساعة من الزمان، وظهرت على بعضنا ~~دلائل الخجل؛ لأنهم استسلموا بهذه السرعة للمغريات التي حذرنا منها تحذيرا ~~صريحا. # وبعد تسعة عشر يوما من بداية رحلتنا وقعت عيوننا على كندا، وجاء إلى سفينتنا مفتش كندي ~~وحيانا بلغة روسية ركيكة، وعلى وجهه ابتسامة لطيفة، وما هي إلا لحظات حتى دخلنا ميناء ~~فنكوفر، ولم تمض عشرون دقيقة حتى وصلنا إلى رصيف الميناء في غير جلبة أو اضطراب، وصعد إلى ~~سفينتنا مفتشو الجمارك الكنديون، وكانوا ثلاثة اثنان من المدنيين وثالث من الضباط البحريين، ~~ووقفنا صفوفا وأخرجنا جوازات سفرنا، وألقيت عليها نظرات عاجلة، ثم أعيدت إلينا، ولم ~~يفتش أحد حقائب ملابسنا، ولم يقلب أحد جيوبنا، أو بطانات ثيابنا ليبحث عما خبأناه فيها من ~~أوراق، وأغرب من هذا كله أن أحدا لم يلق علينا سؤالا ما، وقصارى القول أنا لم نشهد ذلك ~~الخوف من المواطنين السوفيت الذي كنا نتوقع أن نشاهده، ولم نر ما يبرر «الحذر» الذي هيئت ~~له أذهاننا. # ولم تمض على وصولنا لرصيف الميناء ساعة واحدة حتى كنا أحرارا نذهب حيث نشاء! ودهشنا ~~جميعا أشد الدهشة من هذه المعاملة، حتى أشد الشيوعيين تطرفا في الجماعة، ومنهم ذلك الرفيق ~~الذي كان سببا في إخماد روح إعجابنا بالبحارة الأمريكيين، بل إن هؤلاء الشيوعيين المتعصبين ~~قد خيبت هذه ms767 المعاملة ظنونهم، فقد كان مثلهم كمثل من يحملون المطريات ويلبسون معاطف المطاط ~~في يوم مشمس غير مطير، ترى هل كان هؤلاء القوم سذجا أو كانوا يحتقرون من يحملون إلى بلادهم ~~بذور الثورة؟ لشد ما كانت هذه الفكرة تؤلم أولئك الشيوعيين المتطرفين! # وبدا لنا أن إطلاق سراحنا بهذه السرعة لنجول في أرض كندا في زمن الحرب أمر لا يمكن أن ~~يكون، ولا يقبله العقل، بل إنه يكاد يشعر بالاستهانة بنا واحتقارنا. # وجمعنا الرفيق لوماكين القنصل السوفيتي الذي قدم من سان فرانسسكو، وأخذ يتحدث إلينا في ~~إحدى حجرات الاستقبال في السفينة، ويلقي علينا خطبة أخرى مملة غير مقنعة، يحذرنا فيها من ~~الأخطار التي نتعرض لها في البلاد الرأسمالية المضللة، ويقيني أن هذا الرجل المسكين كان ~~يقول ما يقوله أداء لواجبه، ولما فرغ من خطبته خرجنا إلى البر ولم يكن على صقالة السفينة ~~إلا حارسان: أحدهما كندي والآخر روسي. # ووقفت بضع ثوان قبل أن أنزل إلى فنكوفر، وكنت في أعماق نفسي أدرك حق الإدراك خطر هذه ~~اللحظة، فقد أصبحت للمرة الأولى في سني حياتي البالغة ثمانية وثلاثين سنة خارج حدود بلادي، ~~وصرت أو خيل إلي على الأقل أني صرت للمرة الأولى في سني كهولتي تقصر عني يد ستالين ~~ويد شرطته السرية. # الفصل السابع والعشرون # | رعايا ستالين في الخارج # ها هي ذي فنكوفر! لقد استولى علي دوار شديد وشردت أفكاري، ها أنا ذا حر طليق! ترى من ~~هو ذلك الرجل الذي قال في يوم من الأيام: إن الحرية لا يفهم حقيقة معناها إلا من كان من قبل ~~في عداد العبيد؟ لقد خيل إلي وأنا أسير في شوارع المدينة الكبرى مع جماعة من رفاقي في ~~السفينة أني لم أر قبل مثل هذا العدد من الناس الأحرار السعداء الهادئي الأعصاب البعيدين عن ~~المخاوف يجتمعون معا في مكان واحد. # وكان أكثر ما أثار أعصابنا هو نوافذ لحوانيت ووفرة ما كان فيها من غذاء وكساء وغيرهما من ~~السلع، لقد كنا أشبه بالأطفال في ملعب نعجب بأشياء لا يراها ms768 الكبار إلا أشياء مألوفة لا ~~يدهشون من رؤيتها، وظللت أقول في نفسي وأردد قولي «كأن أحلام الوفرة التي يمنينا بها ~~الاشتراكيون قد تحققت، إن هذا هو ما يمنوننا به في المستقبل الغامض البعيد بعد سلسلة مفرغة ~~من مشروعات السنوات الخمس التي لا آخر لها.» واختلطت هذه الأفكار في عقلي بشيء من الأسى ~~والحسرة، لقد خيل إلي أن هؤلاء الناس، أن حلفاءنا هؤلاء، بعيدون عن أهوال الحرب ~~وتضحياتها التي ترزح تحت أعبائها بلادي البائسة. # ودخلنا الحوانيت لنبتاع منها بعض السلع التي كانت أول ما اشتراه بعضنا من بلاد ~~الرأسمالية، ولم نكن نصدق أن في مقدورنا أن نبتاع حقا كل ما نشاء من الخبز والملابس ~~والحلوى وما إليها من الضروريات والكماليات، إن هذا أقرب ما يكون إلى السحر أو إلى ~~المعجزات، وقد بدت لنا الأثمان زهيدة تافهة، وأخذت البنات اللاتي كن معنا يتهامسن في ذهول ~~عن ثوب رأينه في نافذة حانوت وافتتن بجماله، ولو أنهن شاهدن ثوبا مثله في موسكو أو ~~فلدفستك في زمن الحرب يبلغ ما بلغه هذا الثوب من الأناقة والفتنة لسرهن أن يدفعهن فيه ألفي ~~روبل أو ثلاثة آلاف، وأجرهن في ثمانية أشهر أو عشرة، وما ادخرنه في عدة سنين، أما في فنكوفر ~~فقد كتب عليه 1498 ريالا. # واعتزمنا أن ندخل حانوت أحذية، وقوبلنا فيه بالبشاشة والابتسام، وقدمت لنا المقاعد ~~المريحة ... وصاح واحد منا محنق مغيظ: «إن هذا الكلب يعرف أننا أجانب، ومن أجل ذلك يمثل ~~أمامنا هذا المنظر الحقير»، ولكن قوله هذا لم يقنعنا لأننا رأينا أهل البلاد أيضا يعاملون ~~نفس هذه المعاملة الطيبة، وأقبل علينا عامل أنيق الملبس حسن البزة عليه ثياب شبيهة بثياب ~~الأوغاد الرأسماليين الذين تمثلهم لنا أشرطة الدعاوة السوفيتية، وعرض علينا أحذية لا حصر ~~لها مختلفة في شكلها وفي المواد المصنوعة منها، وبدت عليه الدهشة من دهشتنا، ولم يعرف لسرور ~~البنات الروسيات وابتهاجهن سببا. # وتقدمت أنا للحديث وسألت العامل على لسان أحد المترجمين: «أأنت صاحب هذا المحل؟» # فضحك وقال: «لا، بل أنا عامل فيه.» ms769 ~~- «وهل يسوءك أن نسألك كم تكسب من عملك في الشهر؟» ~~- «لا، ليس في ذلك ما يسوءني قط، إن هذا يتوقف على ما أناله من العمولة، ولعلي أستطيع أن ~~أقول إنه يبلغ 150 ريالا.» # ونسي الرجل المحنق المغيظ نفسه برهة قال في أثنائها بالروسية: «مائة وخمسين ريالا»؛ ذلك ~~أنه كان يفعل ما نفعله نحن في هذه الساعة وهو أن يعرف كم زوجا من الأحذية يستطيع الرجل ~~شراءها بالثمن الذي سمعناه، ثم قال: «إن هذا الكلب يستطيع أن يشتري ثلاثين زوجا من الأحذية ~~بمرتبه الشهري.» # وقررنا بعدئذ أن نذهب إلى حانوت كساء يبيع القمصان وأربطة الرقبة ومناديل اليد وصديريات ~~الصوف والمعاطف وكثيرا من السلع الأخرى بأثمان معتدلة، وبدا لنا أن من أغرب الأشياء ألا ~~يهجم على هذا الحانوت المشترون ويبتاعون كل ما به في لمح البصر. # وبدا لنا غريبا أن هؤلاء الرأسماليين لا يقدمون لك كل ما ترغب فيه فحسب، بل إنهم يحزمونه ~~لك ويشكرون لك أن قد أخذته منهم! وحملنا ما اشتريناه وذهبنا إلى مطعم، ولم يكن أحد يتعقبنا ~~فيما نعلم لأن أحدا لم يكن يهمه أن يعرف أين كنا، وماذا فعلنا، وماذا قلنا، اللهم إلا إن ~~كان منا نحن من يتجسس علينا، وقدم لنا من الطعام ما كملت به صورة الوفرة التي رأينا ~~بدايتها. # وأقبل علينا رجل كهل أنيق الملبس يدخن لفافة كبيرة أغراه منظر الروس الثرثارين وعرفنا ~~بنفسه قائلا إنه صاحب المطعم، وقال الرجل وهو يهز يد كل منا بعد الآخر: «إنكم أيها الروس ~~قد طعنتم الألمان فكورتموهم! وأقول لكم: إن الروسيا تعمل لإحراز النصر النهائي، وإن من حقكم ~~على حلفائكم أن يحمدوا لكم حسن صنيعكم.» # وقام واحد منا ورد عليه قائلا: «نعم، إن الواجب أن نحطم طغيان هتلر.» # فقال صاحب المطعم: «إنك محق، إني أعجب بالروس جميعهم أشد الإعجاب، وإن كنت لا أرضى عن ~~الشيوعية، ولا بد لي أن أعترف أن ستالين هو الآخر طاغية.» # وانعقد لساننا كلنا فلم ينبس واحد منا ببنت شفة، وألقى علي الشيوعي المتطرف ms770 نظرة بطيئة ~~لها ما وراءها، وقال باللغة الروسية: «ها هو ذا رجل فاشي يتظاهر بالصداقة ويبطن الكراهية ~~لبلادنا.» # وأوشكت أن أدافع عن قول صاحب المطعم، ولكنني أمسكت لساني، فقد تذكرت أني ما زلت بين ~~مواطنين سوفيت وأن حريتي ما زالت مقيدة ببعض القيود. # ولما عدنا إلى السفينة، أخذنا نفاضل بين مشترياتنا وما انطبع في عقولنا على أثر جولتنا في ~~المدينة، وقضينا هزيعا من الليل نتحدث عن عجائب هذا العالم وما فيه من ثراء وصراحة وبعد عن ~~الحرب وويلاتها، وحرصنا على ألا يزل لساننا بخطأ سياسي يؤخذ علينا، فقال بعضنا لبعض: إن ما ~~رأيناه ليس إلا مظهرا خداعا يغشى ما تحته من إرهاب واستغلال وفساد وانحلال، وأزمة مقبلة ~~تنبأ بها ستالين فيما تنبأ به عن مستقبل العالم، وقلنا لأنفسنا إن ما قيل لنا عن الرأسمالية ~~ومن نذر بألا نخدع بثرائها وترفها لم يكن مبالغا فيه. # وأخذنا بعد بضعة أيام لنركب القطار، وتنقلت في عرباته كلها لأشاهد من فيها من ~~الناس، وبدا الركاب جميعا في عيني التي ألفت المناظر السوفيتية، حتى الذين كانوا منهم في ~~عربات النهار حسني الثياب، فقد أبصرت رجالا ونساء لا يعدون أن يكونوا زراعا أو كتبة أو ~~عمالا، يرتدون أحذية متينة من الجلد وثيابا من قماش جميل متين، ومع هذا فقد خيل إلي ~~أن هذا الرخاء كله زائف ومبالغ فيه بعض المبالغة. # وجاء إلى عربتنا في اليوم الثاني أمريكي في ثياب عسكرية يصاحبه رفيق له في ثياب مدنية، ~~وألقى الرجل الأول نظرة عارضة سريعة على جوازات سفرنا دون أن تبدو في نظراته أقل ريبة مما ~~يسمح له بها، وأعادها إلينا وهو يبتسم، ولما قيل لنا: إن صاحب الثياب المدنية مفتش الجمارك ~~أخرجنا جميعا حقائب ملابسنا وفتحناها عن آخرها، فألقى على واحدة أو اثنتين منها نظرة عاجلة ~~ثم قال: «كل شيء على ما يرام، اطووا حقائبكم.» # وحيرنا ما بدا لنا من عجز سخيف، ولم نعرف ما عسى أن يكون فيه من مكيدة، وقلنا لأنفسنا: ~~إن الحرية الشخصية أمر لا ms771 غبار عليه، ولكن أليس في هذا الإهمال وعدم اليقظة ما يشعر بالفوضى ~~وسوء النظام؟ وانتظر الرجلان بضع دقائق وقد سرهما بلا ريب أن يبصرا الروس في بلادهما، ثم ~~حييانا ومشيا وهما يبتسمان، وكنت أتصور لسبب لا أعرفه أن دخولي الولايات المتحدة سيكون ~~عملا شاقا طويلا يتطلب تفتيشا دقيقا واستجوابا خلف أبواب مغلقة. # وانتظرنا قليلا في مدينة تدعى بفلو، وأفدنا من الوقت الذي قضيناه فيه لمشاهدة ~~مناظرها، وتذكرت اسم هذه المدينة لأني كنت أقرؤه على الآلات في المصانع الروسية، وأعجبني ما ~~فيها من علو مبانيها ونظافتها وانقسامها إلى مستطيلات متماثلة، ووقف بعض أهلها الأمريكيين ~~يتحدثون إلينا، ودهشنا لأن أحدا منهم لم يلق علينا سؤالا سياسيا أو اقتصاديا، وما من ~~شك في أننا سنقضي زمنا طويلا حتى نألف الاجتماع بأناس لا يهتمون بالأمور السياسية أو ~~المبادئ النظرية. # وكانت رحلتنا إلى واشنجتن مليئة بما يثير مشاعري، فقد كنت أتحرق لرؤية الأرض الجديدة، ~~وأخذت أطيل النظر، وأنا حائر مندهش في كل بلد جديد، وفي الطرق المرصوفة التي أشاهدها من ~~نوافذ القطار، وفي الزراع الأمريكيين يعملون في الحقول وهم يختلفون كل الاختلاف عن الزراع ~~الروس، ولشد ما تأثرت بالصراحة والسهولة اللتين يتحدث بهما الناس رجالا ونساء يتساءلون ~~ويتجاوبون بصراحة وبساطة أشبه بصراحة الأطفال وبساطتهم، لقد صورت لي قصص دريزر وستاينبك ~~هذه البلاد في صورة توقعت بعد قراءتها أن أرى فيها الفقر والذلة والحقد المرير، مما لم أر ~~له أثرا حتى ذلك الوقت، ولست أنكر أني سأعرف فيما بعد أن أمريكا قد أوتيت حظها من الشقاء ~~والظلم، ولكن الروسي الذي قدم حديثا من أرض «الاشتراكية» لم يكن في مقدوره أن يشارك ~~ستاينبك في حقده وغضبه على الأمريكيين، أو أن يرى أن الصورة التي رسمها للفلاح الأمريكي ~~أسوأ من صورة كثيرين من الفلاحين الروس. # ووصلت إلى عاصمة الولايات المتحدة في التاسع عشر من أغسطس سنة 1943م ووجدت مندوبا من ~~لجنة المشتريات السوفيتية ينتظرني في محطة الاتحاد، واستؤجرت لي مع أسرة أمريكية غرفة نظيفة ~~مشمسة مريحة ذات حمام ms772 خاص، وظهر على أهل الدار أنهم مسرورون حقا من أن يكون تحت سقفهم رجل ~~أجنبي - من أولئك «الروس المدهشين» - ومن عجب أنهم لم يسألوني عن «أوراقي»، وبدا لي أن ليس ~~من واجبهم أن يبلغوا عني أية لجنة من لجان البيوت، وبدا لعقلي العسكري أن هذا الإهمال دليل ~~على الفوضى إن لم يكن دليلا على ما هو أسوأ منها وهو التخبط التام، وسيعلم القارئ فيما بعد ~~أنني أنا وهذه الأسرة قد اخترعنا لنا لغة مكونة من إشارات وألفاظ محرفة تكفي للتعبير عما ~~نشأ بيننا من صلات اجتماعية قليلة، وأيقنوا - دون حاجة إلى دليل سوى اعتقادهم وحده - أنني ~~خبير بشئون الحرب، وبكل ما هو أجنبي عنهم، دع عنك كل ما هو روسي، وكان مسلكهم معي مسلك من ~~يعتقدون أن كل ظفر حربي يناله الروس من صنع يدي. # وقدمت نفسي في اليوم الثاني للسفارة الروسية لأبدأ عملي، وكان كل ما في داخل مركزنا ~~الرئيسي في واشنجتن القائم في الشارع السادس عشر سوفيتيا خالصا في مظهره، وبدا لي أنه لا ~~يسمح بشيء أمريكي بأن يدخل فيه، نعم كان فيه عدد قليل من الأمريكيين يشغلون بعض المناصب ~~الدنيا - كالعاملات على الآلة الكاتبة والمختزلين والحمالين والسعاة - ولكن جو المكان كان ~~جوا سوفيتيا خالصا لا تشوبه أقل شائبة أجنبية، يحس الإنسان فيه بالخفاء والسرية ~~والرغبة في الإيقاع بالناس، وأكاد أقول التآمر عليهم، لا نظير له إلا في بلادنا. # وكان الكولونل سيروف رجلا وسيم الوجه، طويل القامة، أسمر اللون، متين البنية، ذا شخصية ~~عظيمة الأثر فيمن تقع عينه عليه، يزين ثيابه الأمريكية الجديدة، واستقبلني بفتور ظاهر وبشيء ~~من الارتياب كما هو الواجب على الموظف البيروقراطي الحذر، وقدمت له البطاقة الدالة على أني ~~من أعضاء الحزب. # وسألني بلهجة شديدة جافة: «وما رقمك؟» # فأجبته بلسان طلق سريع أن رقمي هو 2486475؛ ذلك أن نسيان رقم الحزب يعد في عرف الدولة ~~نوعا من الخيانة العظمى، ودليلا على تزعزع الإيمان، وتلت ذلك السؤال أسئلة أخرى اقتنع ~~بعدها أنني أنا حقيقة كرافتشنكو الذي عهد ms773 إليه أن يعنى بأمره، فتبسم وسألني عما لاقيته في ~~رحلتي، وتحدث إلي قليلا عن موسكو، ولكنه كان في الوقت عينه يلقي علي نظرات فاحصة ~~قوية. # وكان سيروف المندوب المفوض للجنة الحزب المركزية في الولايات المتحدة، وكان بحكم مركزه ~~هذا صاحب المقام الأعلى بين المبعوثين الشيوعيين في هذه البلاد، ولم تكن للرجل صلات مباشرة ~~بالأمريكيين، ولم يكن يشترك إلا قليلا جدا في المفاوضات التي تجري بين أمريكا وبلاد ~~السوفيت، ولا يزيد مركزه حسب السجلات الرسمية على أن يكون واحدا من المساعدين في لجنة ~~المشتريات، ولكنه كان في واقع الأمر أقوى عمال الدولة السوفيتية في أمريكا، وكانت كلمته هي ~~القول الفصل في جميع الشئون، والحكم النافذ على كل سوفيتي في أمريكا من أصغر موظف في البلاد ~~إلى أكبر الرجال العسكريين والاقتصاديين وغيرهم من الممثلين السوفيت، وكان سيروف يتحدث باسم ~~الحزب الشيوعي، وهو الحكومة الحقة في اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية، على حين أن ~~غيره من الرجال ومنهم السفير نفسه إنما ينطقون باسم وزارة الخارجية، وكان مركزه في أمريكا ~~مركز ستالين في الروسيا في كل ما يختص بشئون جميع رعايا السوفيت المقيمين في هذه ~~البلاد. # وأخذ الرجل يكرر على مسامعي المحاضرة المملة المألوفة، يشرح لي فيها ما يتهددني من أخطار ~~وما علي من واجبات، وما وضعه الحزب في من ثقة عظيمة باختياري للمنصب الذي أصبحت أشغله، ~~ولم يضايقني هذا القول الآن كما كان يضايقني في المرات السابقة لسبب لا أعلمه، ولعل سبب هذا ~~أني أصبحت في خبيئة نفسي أتسلى بهذه الأقوال، أو أن ما أعرفه أنا وحدي من أني سألقي على ~~كاهلي بعد وقت قصير نير الاستبداد الذي قاسيته طويلا قد أكسبني حصانة أصبحت معها لا أتأثر ~~بما تنطوي عليه هذه المحاضرات والتعليمات من سيطرة تخفي وراءها أشد أنواع التهديد، بل لقد ~~جرؤت على أن أرفض ما طلبه إلي من أن أفضي إلى جماعة من الموظفين الذين معه بأحوال بلادنا، ~~معتذرا عن هذا الرفض بأني متعب في تلك الليلة، والحق أني لم يكن في ms774 وسعي أن أفضي إليهم في ~~ذلك الاجتماع إلا بما ألفته من الأكاذيب الرسمية. # وأبلغني الرفيق سيروف أن رئيسي المباشر هو رسترتشوك، وأني سأكون واحدا من عشرة أخصائيين ~~في شئون التعدين يعملون في قسم المعادن الذي يرأسه ذلك الرجل، وأن مصنوعات معدنية تقدر ~~بعشرات الملايين من الريالات تنقل على ظهر السفن إلى بلاد الاتحاد السوفيتي تنفيذا لقانون ~~الإعارة والتأجير، وأن من واجبي أن أفحص عن كثير من هذه المصنوعات لأتأكد من صلاحيتها ~~لأغراضنا، وأن أكتب المواصفات الخاصة بآلاف السلع التي نطلبها، وأن أقبل أو أرفض ما يعرض من ~~المواد العظيمة القيمة، وقيل لي أخيرا أني سأكون مسئولا عن جميع ما يمر بيدي من ~~المواد. # لم تكن بعثتنا في واقع الأمر إلا قطعة من الطغيان الروسي انتزعت من شاطئ نهر موسكو، ~~وأقيمت بقضها وقضيضها على شاطئ نهر بوتوماك. # فقد كان مئات منا رجالا ونساء يعيشون في قلب أكبر ديمقراطيات العالم عيشة الخضوع التي ~~يعيشها الناس في أعظم دولة من دول الطغيان في العالم، وظللنا كما كنا في بلادنا رعايا ~~الدولة الشرطية الخاضعين لحكم الإرهاب الشديد، فلم يكن في وسعنا أن نتمتع بما يتمتع به ~~جيراننا الأمريكيون من حرية القول وحرية الصحافة وحرية الضمير والتحرر من الخوف، إلا إذا ~~كان ذلك سرا نتعرض من أجله لأقسى عقاب. # وقد حدد لنا ما نفكر فيه وما نقرؤه، ومن الذي نجرؤ على مقابلته، حدد هذا كله وروقب كأننا ~~لا نزال داخل حدود الاتحاد السوفيتي، وكان يحيط بنا نظام من التجسس المتقن يحصي علينا كل ~~كلمة تصدر منا، وكل عمل نعمله، وكان لنا لجنة للحزب وخلية للحزب وقسم سياسي وشرطة سرية ~~وهيئة كاملة للإرهاب السياسي والرقابة شبيهة بنظائرها من الهيئات التي قاسينا منها العذاب ~~ألوانا في داخل بلادنا، وهنا أيضا ترى الخزائن الخفية الغاصة بالمعلومات والأكاذيب ~~الخبيثة عن كل واحد منا، على أن الذي كان يبدو أمرا طبيعيا نكاد نظنه محتوما في اتحاد ~~جمهوريات السوفيت الاشتراكية كثيرا ما كان يظهر شاذا غريبا قبيحا في هذا الجو ~~الأمريكي. ms775 # وكان الذي يرأس الاجتماعات التجارية الفنية المحضة هو القائد بلايف، فلما خلفه القائد ~~رودنكو كان هو الذي يرأس هذه الاجتماعات، أما اجتماعات مكتب الحزب في البعثة، وهو الذي كانت ~~تبحث فيه الخطط السياسية الهامة، فكان يرأسها ويوجهها الرفيق سيروف نفسه، وكان يحدث في بعض ~~الأحيان أن يبدأ اجتماع من الاجتماعات التي لا يحضرها إلا الشيوعيون برياسة القائد بلايف أو ~~رودنكو فيما بعد، حتى إذا انتهينا من بحث الشئون التجارية تخلى عن الرياسة لسيروف، فإذا ~~حدث هذا كانت الأبواب تغلق على الدوام حتى يجري الاجتماع الحزبي في مجراه، وكان هذا النظام ~~- نظام السلطة المزدوجة - هو المتبع في كل فرع من فروع البعثة، فكان الرفيق رسترشوك يرأس ~~الاجتماعات الفنية في قسم المعادن، فإذا كان من موضوعات البحث في هذا الاجتماع أمور خاصة ~~بالحزب نفسه رأس الاجتماع ماركوف، ونزل رسترشوك عن كرسي الرياسة وأصبح فردا عاديا في ~~الاجتماع، وليس في وسع إنسان أن يبدأ بإدراك طبيعة الحكم الدكتاتوري الحديث إذا لم ترتسم في ~~مخيلته هذه الصورة من صور الحكم الدكتاتوري التي يسيطر فيها حزب واحد على الأداة الحكومية ~~ويمسك بيده أعنة الحكم يسير بها الأمور مستترا وراء هذه الأداة. # وكان مرتبي الأساسي حوالي ثلاثمائة ريال في الشهر، ولكن دخلي الحقيقي كان يفوق هذا ~~كثيرا؛ لأني كنت أقضي معظم الوقت مسافرا، وكان يخصص لي مقدار آخر من المال لإقامة الولائم ~~حين تتطلب الأعمال التجارية إقامتها، وكان أشد ما يؤلمني من القيود من بداية الأمر هو ~~القيود المفروضة على صلاتنا بالأمريكيين. # وأعجبت أشد الإعجاب بالأسرة التي أقمت في بيتها، وخيل إلي أن أفراد هذه الأسرة ~~يختلفون عن الروس كل الاختلاف، ويختلفون لهذا السبب عن سائر الأوروبيين، فهم ليسوا من سلالة ~~مختلفة عن الروس فحسب، بل يكادون يكونون من جنس غير جنسهم، ولكننا حرم علينا أن نتخذ ~~منهم أصدقاء، وأمرنا أن نقصر صلاتنا بهم على ما بيننا وبينهم من أعمال، وكان يطلب إلينا ~~إذا ما تعرفنا بأمريكي أن نكتب عنه تقريرا مفصلا، لا يقتصر على التعريف ms776 بشخصيته، بل يشمل ~~كذلك ما ينطبع في ذهننا عن مزاجه السياسي، وما يشعر به نحو الشعب السوفيتي، وكبار الموظفين ~~وحدهم هم الذين يقررون بعدئذ هل يؤذن لهذه المعرفة أن تنمو وتستمر، وهم الذين يقررون هل ~~هذا الاتصال «مرغوب» فيه أو غير مرغوب . # على أنني لم يكن لي بد من أن أتعرف بعشرات من الناس في توكيلات الشركات المتصلة بمشروع ~~الإعارة والتأجير الواسع النطاق، ومن بين العدد القليل من الأمريكيين الذين كانوا في خدمة ~~بعثة المشتريات، وكنت أجد منهم جميعا ترحيبا وحرية في القول، واستعدادا لإطلاعي على كل ~~شيء، وكان هذا كله من أسباب حيرتي وارتباكي؛ وذلك أن الموظف السوفيتي الغارق في الدسائس، ~~والذي تملأ قلبه المخاوف، لا يسعه إلا أن يعتقد أن صراحة الأمريكيين وبعدهم عن الارتياب في ~~الناس حمق وسذاجة كسذاجة الأطفال. # وكان الخطر الذي يتهدد الإنسان إذا قابل الناس يتضاعف إذا اتفق أن كان من يقابلهم من أصل ~~روسي، أو كان بعض آبائهم من الروس، فقد كان يخشى في هذه الحالة أن يكون هؤلاء من المناصرين ~~لأحد الأحزاب المعادية لستالين، كذلك كان الإغراء قويا في أن يتعرف الإنسان بمن كانوا قبل ~~من الرعايا الروس؛ وذلك لاشتراكهم معنا في اللغة، إن لم يكن لغير ذلك من الأسباب. # وكان تيار العطف على روسيا - الذي عم الولايات المتحدة بعد انتصارات الجيش الأحمر - مصدر ~~خطر دائم على المواطنين السوفيت في هذه البلاد؛ ذلك أن الأمريكيين كانوا شديدي الحرص على أن ~~يظهروا حبهم وتقديرهم لنا؛ ولهذا أخذوا يلحون علينا في أن نزورهم في بيوتهم ونواديهم، ولم ~~يكن من السهل علينا دائما أن نتهرب من كرمهم وحسن ضيافتهم، وإذا قبلنا دعوة من دعواتهم بعد ~~إصرار منهم شديد عرضنا أنفسنا للمتاعب، ولم يكن لنا من سبيل لاتقاء الخطر إلا أن نبلغ ~~الرؤساء أخبار هذه الدعوات. # من ذلك أن سيدة أمريكية طاعنة في السن تشتغل وظيفة متواضعة في لجنة المشتريات دعتني عدة ~~مرات لأن أزورها في بيتها؛ لأنها تعلم أني لا أسرة لي في أمريكا، فأثر ms777 ذلك فيما لديها من ~~عاطفة الأمومة، لكنني كنت في كل مرة أختلق المعاذير لعدم قبولي دعوتها، وكان من سوء حظي أن ~~التقيت بها ذات مساء في أحد الشوارع، وتبين لي أننا كنا على مقربة من بيتها، وأنها كانت على ~~موعد مع عدد من الأصدقاء يزورونها في بيتها، وشعرت أني أسيء إليها كثيرا إذا رفضت أن أشرب ~~في دارها فنجانا من القهوة؛ ولذلك قبلت دعوتها، ولكنني لم أمكث في بيتها أكثر من ساعة ~~واحدة، أقبل في أثنائها بعض الضيوف وتحدثنا معا مدة قليلة. # وظللت عدة أسابيع بعد هذه الزيارة في أشد حالات الخوف والألم، أضطرب أشد الاضطراب كلما ~~دعيت إلى حجرة أمين سر الحزب، وكنت أسائل نفسي ماذا يكون مصيري إن كان أحد قد رآني و«بلغ ~~عني»، أو إن كانت هذه السيدة نفسها قد أفضت بهذه الحقيقة إلى من لم يكن يصح أن تفضي بها ~~إليه دون أن تقصد بذلك سوءا؟ ذلك أن معظم من كانوا يعملون معنا من الأمريكيين لم يكونوا ~~يعلمون ما يتحمله الروس من ضغط شديد في حياتهم العملية. # ولا حاجة بي إلى القول بأن الحظر الذي كان مفروضا علينا، والذي يحرم علينا الاتصال ~~بالأمريكيين، لم يكن يشمل من يجب علينا الاتصال بهم لأسباب تجارية أو سياسية، ففي هذه ~~الأحوال كانت توضع تحت تصرفنا اعتمادات خاصة ننفق منها عن سعة فيما نقيمه من الولائم، وكنا ~~نشجع على أن نبالغ في إكرامهم والتحفي بهم، وأن نسرف ما استطعنا في هذا الإكرام، وأن نظهر ~~لهم أننا من «رجال العصر» وأننا نمثل بلادا غنية قوية سخية. # وحدثني بعضهم عن هدايا قيمة، ومنها بعض الفراء الغالية الثمن أهديت إلى الأمريكيين ~~الذين يظن أن في كسب صداقتهم فائدة لنا، ولربما ظن الذين أهديت لهم أنهم هدايا شخصية ~~بريئة جاءت عفو الساعة، ولكن الحقيقة أن كل واحدة منها كانت نتيجة نقاش رسمي انتهى بقرار ~~وافق عليه المتناقشون. # وقد بلغ من دقة هذه السيطرة المفروضة على علاقاتنا بالأمريكيين أن بطاقات التهنئة بعيد ~~رأس السنة لم ms778 تكن ترسل للموظفين الأمريكيين ومعارفنا الذين تربطنا بهم رابطة العمل إلا ~~بعد موافقة المشرفين علينا، فقد كان يطلب إلى كل منا أن يعد ثبتا بأسماء الأشخاص الذين ~~يرغب في أن يبعث إليهم ببطاقات التهنئة اتباعا للسنن الأمريكية، وأن تذكر في هذا الثبت نص ~~عبارات التهنئة، وكانت هذه الأسماء والنصوص تبحث وتنقل، ثم تعاد إلينا ومعها تصريح ~~رسمي بإعداد البطاقات، وكانت البعثة نفسها هي التي تقوم بإرسالها حتى تتأكد من أننا لم نغير ~~شيئا في نص عبارات التهنئة التي اتفق عليها. # وكان يطلب إلينا ألا نتورع في استخدام العواطف الجنسية للحصول على ما نطلب من الأسرار، ~~أو الوقوف على خفايا أمر من الأمور، من ذلك أن موظفا كبيرا استدعاني مرة إلى مقر اللجنة، ~~وأخذ يشرح لي إحدى المشاكل التي حيرته، فقد كان يهمه أن ينجز مسألة من المسائل في لجنة ~~الإنتاج الحربي، في مكتب من المكاتب التي يعتمد في إنجازها على امرأة في مقتبل ~~العمر. # وقال لي: «وأريد منك أن تقابل هذه المرأة يا فكتور أندريفتش، وتصادقها وتصاحبها إلى ~~النوادي الليلية، وتبتاع لها الهدايا، وتحل عقدة لسانها، ولست أشك في أن ما بقي بعد هذا ~~سيكون سهلا ميسرا.» # ودهش الرجل حين رفضت رفضا باتا أن أمثل هذا الدور الحقير في تلك المؤامرة، واحتججت ~~بضعف مواهبي في مثل هذه الأمور، وبالصعاب التي لا بد أن يسببها ضعفي في اللغة الإنجليزية، ~~واستطعت في آخر الأمر أن أنجو من هذا العمل البغيض. # وعدت إلى مكتبي بعد أسبوع أو أسبوعين من ذلك الوقت، ولكني كنت أشعر بأن الحياة التي ~~أحياها في البعثة حياة لا أطيقها، وزاد من آلامها اتصالي برجال الأعمال والفنيين من ~~الأمريكيين، لقد كنت أشعر كأني سجين عاد إلى السجن بعد إجازة قضاها في خارجه، لقد كان ~~واجبا علي أن أراعي جميع القواعد الثقيلة التي كان كثير من أفاضل الروس في لجنة المشتريات ~~يرزحون تحت أعبائها، وكنا نحن الروس في خارج البلاد يفرض علينا أن نحتفظ بأسرارنا ~~لأنفسنا، لا نفضي بها لإنسان ما ms779 ولا نكشف إلا عن قسم صغير من عقولنا وقلوبنا للقليلين الذين ~~نثق بهم، ولا نكشف عن هذا الجزء الصغير إلا نادرا، ومع هذا فقد كنا إذا فعلنا هذا نعرض ~~أنفسنا لأشد الأخطار؛ ولذلك كنا نتظاهر بأنا لا نبصر ما يتمتع به الأمريكيون من حرية، وكنا ~~نعلم أن الإعجاب بأساليب الحياة الأمريكية أو مجرد الرضا بها يعرض الإنسان للانتحار ~~السياسي. # ولست أشك في أن الأمريكيين لا يستطيعون أن يدركوا حقيقة الحياة التي نحياها نحن الروس، ~~ولعلهم لا يصدقونني إذا قصصت عليهم تلك الحادثة التي حدثت لي مع ميثيا، والتي هي ملهاة ~~ومأساة معا، لقد كان ميثيا هذا مواطنا سوفيتيا في أمريكا مبعوثا من قبل منظمة أمتورج ~~التجارية السوفيتية، وضبطت هذا الرجل متلبسا بجريمة شنعاء، إذ دخلت عليه وهو يقرأ مجلة ~~متطرفة تصدر باللغة الروسية، وهي مجلة «معادية للثورة» كان محرما علينا أن تمسها ~~أيدينا. # وناديته بأعلى صوتي مدعيا أني قد هالني ما رأيت: «إذن أنت تقرأ هذه المجلة!» # وامتقع وجه صاحبي وتحدرت الدموع من عينيه، وأيقن أن مصيره قد أصبح الآن بين يدي، فإذا ما ~~سولت لي نفسي أن أكشف عن جرمه فسيدعى حتما إلى الروسيا، ويعقب هذا طرده من الحزب ~~وافتضاح أمره وعقابه، وقد يمتد هذا العقاب إلى أسرته، وحاول أن يدافع عن نفسه، وتوسل إلي ~~وهو يرتجف من الخوف أن أعفو عنه وقال: «أقسم لك بشرفي يا فكتور أندريفتش إني لم أكن أريد ~~إلا أن أعرف ما يكتبه عنا أولئك الأدنياء، وأرجو منك أن تصفح عن هذه الزلة، لقد تعارفنا من ~~سنين طوال، وإذا ما كشفت أمري فستقضي على حياتي.» # ورأيت حال الرجل فتفطر قلبي من شدة الحزن، وأكدت له أني لا أبغي قط أن أنم عنه، بل أكدت ~~له أني أنا نفسي أقرأ هذه المجلة. # وقلت في أسى وحسرة: «ألا ما أذلنا من عبيد! وما أشد ما يخشى الواحد منا رفيقه! بل ما أشد ~~ما يخشى أفكاره نفسها! وماذا يريدون أن نكون؟ جواسيس، كاذبين مزعزعي الإيمان، لا نرعى ms780 عهدا ~~ولا صداقة! لم يحرم علينا رؤساؤنا أن نقرأ ما نرغب في قراءته؟ وأي شيء يخشون من هذا؟ ~~أيخشون أن نعرف بعض الحقائق التي لا تسرهم؟ إن من أشق الأمور على النفس أن يكون الإنسان ~~عبدا ذليلا في موسكو، أما هنا في أمريكا فذلك أشق علينا ألف مرة.» # ولكن هذه الصراحة الحماسية لم تخفف من ذعره، بل زادت حيرته في أمره، وظن أني أريد أن أغدر ~~به ليفوه بأقوال خطرة يؤخذ بها فيما بعد، ولم يهدأ روعه حتى أخذته إلى حجرته في فندق ~~بنسلفانيا، وفتحت له إحدى حقائبي، وأطلعته على هذه الجملة نفسها بين أوراقي. # فلما استيقن من هذا فتح لي صدره وعرفت من خلال حديثه الجريء في الفترة الطويلة التي قضاها ~~معي في تلك الليلة أن احتقاره للحكم السوفيتي لا يقل عن احتقاري له، وأن لا شيء يمنعه من ~~الانشقاق عنه وإعلان استقلاله إلا وجود أسرة كبيرة له في الروسيا، وهممت بأن أفضي إليه بما ~~اعتزمته أنا نفسي، ولكنني أشفقت عليه فأمسكت عن ذلك لساني؛ لأني لم أشأ أن أثقل كاهله بهذه ~~المعرفة الإجرامية. # ولم يكن من الحكمة أن تقرأ جريدة نيويورك تيمز أو صحف واشنجتن، وإن لم يصدر إلينا أمر ~~صريح يحرم علينا قراءتها، أما مطبوعات هيرست واسكربس هورد فكان ينظر إليها كما ينظر إلى ~~المهربات، وكان أسلم الوسائل لنا وأبعدها عن الخطر أن نقرأ جريدة «الديلي ووكر» أو «رسكي ~~جولوس» التي تصدر باللغة الروسية، أو الصحف الأسبوعية المناصرة للسوفيت كصحيفة «ذي نيشن» أو ~~«ذي نيوريبلك»، وكانت صحيفة «ليف» تعد من الصحف المسموح بها، وخاصة بعد أن أصدرت عددا ~~روسيا حوى من الدعاوة السوفيتية أكثر مما حوى من الحقائق، واعتقادي أنها خسرت فيما بعد هذا ~~المركز الذي أصبح لها في أعين الحكام السوفيت، وخسرته فجأة، حين نشرت مقالا للسفير السابق ~~وليم ك. بولت عن الخطط السوفيتية السياسية في أوروبا. # وبينا كنت في طريقي إلى واشنجتن في عربة بولمان، أقلب صحيفة «ذي سترداي إيفننج بوست»، إذ ~~أقبل علي زميل ms781 لي من أعضاء البعثة، وجلس إلى جانبي وأخذنا نتحدث في شئون عملنا، وأشرت في ~~خلال الحديث إلى هذه الصحيفة وما فيها من صور وإعلانات، وأظهرت اهتمامي بنوع خاص بمقال رأيت ~~فيه نقدا للحكومة، وكان مما قلته في حديثي هذا: «إن هؤلاء الأمريكيين لا يترددون قط في أن ~~يقولوا ما يعتقدون في موظفيهم من الرئيس روزفلت إلى من هم دونه منهم.» # وكانت إشارة عابرة نطقت بها من غير تفكير ونسيتها بعد أن نطقت بها مباشرة، وبعد بضعة ~~أيام من ذلك الوقت استدعاني الرفيق ماركوف، أمين سر الوحدة الحزبية التي أنا تابع لها، إلى ~~مكتبه وسألني: «كيف كانت رحلتك الأخيرة؟» ~~- «كانت رحلة طيبة.» ~~- «والتقيت فيها بالرفيق «ب...»، أليس كذلك؟» ~~- «نعم، التقيت به.» ~~- «وفي أي شيء تناقشت معه؟» # فقلت في حيرة: «تناقشت؟ أنا لا أذكر أني تناقشت معه في شيء.» ~~- «أخشى أن أقول لك يا رفيق كرافتشنكو أن هذا بداية غير طيبة، وأن الأمور لن تكون بيننا ~~على ما نحب منذ اليوم، فأنت غير صريح معي، فهل تحب أن أذكرك بما تناقشت فيه؟ إنه بلا شك قد ~~نسيت أنك انتقدت الصحافة السوفيتية، وشكوت من أننا لا نهاجم الرفيق ستالين.» # فصحت قائلا: «إن هذا كذب! وأصر على أن تستدعي الرفيق «ب...» وسأرغمه على أن ينكر كذبه ~~هذا.» # ولما واجهني الرفيق «ب...» لم يؤت من الشجاعة ما يكفي لتأييد التقرير الذي قدمه عن ~~«ملاحظتي المعارضة للثورة» وعلى أثر هذا قرر أمين سر الوحدة أن تقف المسألة عند هذا الحد، ~~ولكني شعرت بعدها بشدة الحاجة إلى إمساك لساني. # وثمة حادثة أخرى صغيرة أقصها على القارئ: مرضت مرة واضطررت إلى ملازمة الفراش بضعة أيام ~~قليلة، وبعث إلي بعض الموظفين الأمريكيين بعبارات ودية قصيرة، يدعون لي فيها بالشفاء ~~العاجل، وكانت هذه عواطف إنسانية أشعرتني بما بيننا من زمالة، ولكني بعد عودتي فعلت فعلة ~~ندمت بسببها على عطفهم هذا، ذلك أن معرفتي باللغة الإنجليزية لم تكن كافية لقراءة ما في ~~رسائلهم بدقة، فجئت بهذه الرسائل إلى مكتبي وطلبت إلى ms782 أحد الأشخاص أن يترجمها لي. # ونسيت المسألة كلها بعدئذ، فلم أذكر منها شيئا حتى استدعاني الرفيق ماركوف نفسه فجاءة، ~~وأخذ يستجوبني بعنف عن علاقتي بكل واحد من الأمريكيين الذين كتبوا إلي، وعما هناك من سر ~~في هذه الأخوة بين رجل مسئول من رجال الحزب و«أعداء الطبقة العاملة» الذين من حوله، وختم ~~استجوابه بتوبيخ صارم وتحذير لي من الوقوع في الحبائل التي ينصبها لي من حولي من ~~الرأسماليين، واعتقدت أني قد أسعدني الحظ إذ لم يصبني في هذه المرة أكثر من هذا الأذى ~~البسيط. # وأوقعتني بعض الرسائل في أزمة أخرى في أثناء حياتي العملية في واشنجتن، فقد اطلع موظف ~~كبير في البعثة بطريق الصدفة على بطاقة بريد أرسلها إلي أحد الجنود الأمريكيين من ~~فلوريدا، وسرعان ما استدعيت للمثول بين يدي ولاة الأمور متهما «بالاتصال بالقوات المسلحة ~~الأمريكية» اتصالا غير مشروع، ولم أستطع إقناعهم بأن هذا الجندي ابن الأسرة الطيبة التي ~~أقيم معها إلا بجهد جهيد. # وكان مما دافعت به عن نفسي: «إن هذه الصلة لا تخرج عن أن تكون صلة صداقة إنسانية بريئة لا ~~علاقة لها البتة بالأمور السياسية، وفضلا عن هذا فإني قد امتنعت من الرد على هذا ~~الشاب.» # وكان القسم الثاني من إجابتي كذبا؛ ذلك أني أجبته فعلا على تحيته، ولو أني لم أجبه لظن ~~أن جميع الروس أجلاف لا يعرفون واجب المجاملة، ولا بأس من كذبة بريئة صغيرة يتخلص بها أحد ~~أبناء الدولة الدكتاتورية من مثل هذه الورطة. # وفي البناء الذي تقيم فيه البعثة مكتبة، وطلبت إلى أمينها في إحدى الليالي كتابين: أحدهما ~~رواية «إني أحب» تأليف أفدينكو، والثاني كتاب تاريخي لكاتب يدعى فرت ذكر فيه شيئا عن ~~القائد توخاتشفسكي، ولما لم أجد أي الكتابين استعرت بضعة كتب أخرى، وظننت أن المسألة قد ~~انتهت عند هذا الحد. # ولم يمض بعد ذلك إلا قليل من الوقت حتى استدعيت للمثول أمام كبار رجال الحزب، وتبين ~~أني ارتكبت طائفة كبيرة من الأغلاط، تبدأ بالأخطاء البسيطة، وترقى إلى الجرائم الشنيعة، فقد ~~كان ms783 اهتمامي المزعوم بقراءة شيء عن أعمال القائد توخاتشفسكي الذي أعدم لاتهامه بالخيانة ~~جريمة من أشنع الجرائم، وسئلت ألم يصل إلى علمي أن فرت مؤلف هذا الكتاب لا يقرأ الآن في ~~اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية؟ ولم يكن في وسعي أن أعتذر عن هذا بجهلي، فالشيوعي ~~الصادق في شيوعيته يجب أن يعرف من هم «أعداء الشعب»، أما الرواية التي كانت فيما مضى واسعة ~~الانتشار في الروسيا فقد حرمت قراءتها لسبب من الأسباب واحتوتها القائمة السوداء في هذه ~~الأيام، فعلام إذن كنت أرغب في قراءة هذه القصة «المضادة للثورة» في هذا الوقت بعينه؟ ~~وقصارى القول: إني أصبحت الآن موضع الريبة الشديدة في أعين الحفظة على طهارة الحزب الذي ~~أنتمي إليه. # والحق أن هذه المكتبة كانت من أهم الوسائل التي تراقب بها آراؤنا، فقد كنا مقطوعي الصلة ~~بمن نعيش بين ظهرانيهم من الأمريكيين، وكان معظمنا لا يجيدون اللغة الإنجليزية، فكنا لهذا ~~مضطرين إلى كثرة القراءة، وكان جواسيس المكتبة يراقبون ما نختار من الكتب والصحف الدورية ~~مراقبة دقيقة، وحتى الكتب التي كنا نلقي عليها نظرات سريعة في المكتبة نفسها كانت تبلغ ~~أسماؤها إلى الرؤساء، وكانت هذه كلها تتخذ دلائل تهدي إلى معرفة عقليتنا، فكانت من أجل هذا ~~تسجل في ملفاتنا. # وكان بالمكتبة فضلا عن المؤلفات الدسمة في تاريخ الحزب وغيره من البحوث الفكرية العميقة ~~كتب ذات موضوعات سهلة خفيفة، وكثيرا ما استعرت بعض المؤلفات من النوع الأول، ولم أكن أقصد ~~بذلك قراءتها، بل كان هذا لمجرد الرغبة في ألا أظهر ميلي إلى القراءة الخفيفة وحدها؛ ذلك أن ~~أخوف ما يخافه الرقباء أن تؤثر فينا البيئة الرأسمالية الرخوة الضعيفة؛ ولذلك كان همنا ~~جميعا أن نظهر لهؤلاء الرقباء أن إيماننا قوي لم يفسد ولم يتزعزع، وعمدنا بناء على اقتراح ~~سيروف إلى دراسة تاريخ الحزب، والقضايا اللينينية لستالين وما ماثلهما من الكتب رغم أننا قد ~~درسناها من قبل، وكنا في اجتماعات الحزب المغلقة نتبارى في إظهار قوة إيماننا بالحزب ~~وبالزعيم. # وكنا في أمريكا يحيط بنا جو من السرية ms784 أضيق مما يحيط بنا في الروسيا نفسها، من ذلك أن ~~أصدقاءنا في الروسيا لم يكونوا يعرفون لنا عنوانا إلا عنوان البعثة نفسها، حيث يقرأ كل ~~خطاب قبل أن يسلم إلينا وإن كان هذا الخطاب يحمل خاتم الرقيب السوفيتي، وكانت الخطابات التي ~~نبعث بها إلى الروسيا مع أشخاص مسافرين إلى تلك البلاد تسلم مفتوحة إلى البعثة لترسلها هي ~~بنفسها. # وحرمت علينا زيارة النوادي الليلية، ومشاهدة المسرحيات والأشرطة «المعادية للثورة»، ~~والاستماع إلى من يعدهم الرؤساء «معادين» للقضية السوفيتية من المعلقين على الحوادث ~~والأنباء، وكان أهون علينا أن نضبط متلبسين بجريمة القتل من أن نضبط ونحن نقرأ كتابا ~~معاديا للسوفيت، ولكننا رغم هذا كنا نرتكب كثيرا من هذه المحظورات لأننا بشر ولأن ما ~~نتعرض له من المغريات التي تدعو إلى ارتكاب هذه الجرائم السياسية مغريات قوية في البلد ~~الديمقراطي، على أننا كنا نرتكب هذه الجرائم وقلوبنا تكاد تنخلع من شدة الخوف، وما أكثر من ~~فقدوا مراكزهم وقضي على مستقبلهم بسبب هذه المخالفات. # وإن المرء ليصعق حين يفكر فيما يتعرض له الموظف السوفيتي في الخارج من تجسس معقد محكم ~~واسع النطاق، فقد كان ينتظر من كل واحد منا بوصفه عضوا مخلصا للحزب، حريصا على الدفاع عن ~~نفسه، أن يبلغ عن كل ما يريب من ألفاظ غيره وأعمالهم، وكان هذا يعد واجبا محتوما وقضية ~~مسلما بها، سواء كان في موسكو أو فلادفستك أو واشنجتن أو تشكاجو. # وكان للحزب فضلا عن هذا جيش من العمال الخصوصيين منبثين في البعثة، يشغلون مناصب فنية ~~مختلفة في الظاهر، ولكنهم في حقيقة أمرهم يتجسسون على من حولهم، ويضاف إلى هؤلاء وأولئك ~~عمال القسم السياسي الذين لا نعرفهم نحن بطبيعة الحال، ولكنهم أشد هؤلاء الجواسيس رهبة، ~~وتتكون منهم حلقة محكمة لا نستطيع الإفلات منها، وكان هؤلاء جواسيس محترفين عملهم الرسمي هو ~~التجسس، ولم يكن القائد الذي يرأس البعثة ولا الرفيق سيروف نفسه بمنجاة من هذا التجسس ~~المحكم الشامل. # وإذ كنا لا نعرف من هم الجواسيس - لأن الجاسوس نفسه لم يكن في ms785 الغالب يعرف زملاءه - فقد ~~كانت السبيل الوحيدة للسلامة أن يعتقد الواحد منا أن كل إنسان غيره عين عليه، أو سيكون ~~عينا عليه في يوم من الأيام، ومن أغرب الأشياء حقا أن هذا النظام الآثم المفسد للأخلاق ~~لم يمنع الكثيرين منا أن يتخذ بعضهم بعضا أصدقاء أوفياء مخلصين، وأن يشارك بعضنا بعضا ~~في أفكارهم واستيائهم وأحزانهم، بعد أن يتعاهدوا على أن يكتموا أسرارهم في قلوبهم، ولم يكن ~~الرفيق سيروف يعرف كم من مرءوسيه قد وفدوا من الروسيا بعد أن زالت عن عيونهم ما كان يطمسها ~~من غشاوة الخداع، وكم منهم قد سرت في نفوسهم عدوى الوباء الديمقراطي من أمريكا؛ ذلك أن ~~الكثرة الغالبة ممن يقيمون في خارج الروسيا من رعايا الطغيان كانوا خلائق آدميين، ينفرون من ~~الذل الذي ضربه عليهم نظام من الحكم قائم على الريبة المتبادلة. # وكنا إذا رأينا زميلا لنا يظهر دلائل من الود غير عادية بدا لنا أن من الحكمة أن نظن أنه ~~يحاول كسب ثقتنا لحاجة في نفسه؛ ذلك بأننا كنا نعلم حق العلم أن الرفاق المتحمسين أو العمال ~~المحترفين كثيرا ما يثيرون الموضوعات الخطرة ليختبروا بذلك قدرتنا على مقاومة البيئة ~~الأمريكية الآثمة. # وكانت السنون الطوال التي قضيتها قريبا من كبار الحكام، وبخاصة ما قضيته منها في مجلس ~~الوزراء، قد عرفتني بكثيرين من الزعماء والموظفين أصحاب النفوذ والسلطان، وما كان أشد دهشتي ~~حين وجدت عددا قليلا من هؤلاء يشغلون مناصب جد متواضعة في واشنجتن، ولم أكن أشك في أن ~~مناصبهم الظاهرة لم تكن بالضرورة عملهم الحقيقي في الولايات المتحدة الأمريكية؛ ذلك أن ~~الاتفاقات المعقودة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي لم تكن تجيز إلا لعدد محدود من الموظفين ~~السوفيت بالقدوم إلى أمريكا يحملون جوازات دبلوماسية عادية؛ ولهذا كان العدد الزائد من ~~موظفي قلم المخابرات يرسلون إلى هذه البلاد على أنهم موظفون أو أخصائيون في الشئون ~~الاقتصادية. # وكنت ذات يوم في مصعد في البناء الذي تشغله مكاتب البعثة، فألفيت نفسي وجها لوجه أمام ~~رجل كان يشغل في موسكو منصبا خطيرا ms786 نوعا ما، وسرعان ما عدت بذاكرتي فجاءة إلى الوقت الذي ~~رأيته فيه مع قائدين من قواد القسم السياسي يشاهدون مسرحية الجبهة حين كانت تمثل لأول مرة، ~~وتظاهر الرجل بأنه لم يعرفني، ولكنه في مرة أخرى أحدق في وجهي وحذرني من القول بأني أعرفه، ~~ومن الكشف عن هويته؛ لأنه إنما جاء إلى هذه البلاد في مهمة تجارية خاصة. # وأكبر الظن أن الحكومة الأمريكية لم تكن تعرف عنه إلا أنه موظف صغير من المشرفين على ~~تنفيذ قانون الإعارة والتأجير، وإن كانت حقيقة أمره أنه من كبار الموظفين في لجنة الحزب في ~~موسكو. # ومهما يكن العمل الخاص الذي يقوم به المندوب الاقتصادي السوفيتي في أمريكا، فإن جزءا ~~خطيرا من مهمته أن يحصل على كل ما يستطيع الحصول عليه من المعلومات عن الشركات الأمريكية ~~الصناعية وعما فيها من الأعمال الفنية والشئون العسكرية والعلمية وما إليها، وكانت هذه بعض ~~التعليمات الصريحة التي تلقيتها قبل أن أغادر الروسيا، ولم يكن موظفو البعثة يغفلون عن ~~تكرارها على مسامعي من حين إلى حين، ولم نكن في اجتماعات البعثة المغلقة نتردد في الجهر بأن ~~جمع الحقائق الاقتصادية وغيرها من المعلومات النافعة يجب أن يكون له المقام الأول عندنا في ~~أثناء زيارتنا للمصانع والمكاتب الأمريكية. # وكان يقال لي على الدوام: إن ضرورات الحرب قد جعلتنا حلفاء لإنجلترا وأمريكا، ولكننا يجب ~~ألا نثق بأي أمريكي لأن الديمقراطيات التي تسيطر عليها القلة الموسرة ستغتنم أول فرصة تتاح ~~لها للقضاء على نظامنا السياسي، وكان مما قاله لي الرفيق سيروف في أول اجتماع لي به: «يجب ~~ألا تخطئ في فهم علاقتنا بالولايات المتحدة، فنحن اليوم نرى أن صلاتنا بأمريكا الرأسمالية ~~صلات نافعة من الوجهتين: السياسية والحربية، ولكن هذا لا يعني أن مصالحنا يمكن أن تتفق مع ~~مصالحها، ذلك أن وسائلنا وغاياتنا في زمن الحرب نفسها وفي أوقات السلم متباينة أشد التباين، ~~فإذا عرفت هذا ولم يبرح قط من ذهنك أدركت لم يجب علينا أن نظل على الدوام مستيقظين مرتابين ~~فيهم مترفعين عنهم.» # ودعي الشيوعيون ms787 من موظفي البعثة إلى اجتماع خاص في يوم ما، وكانوا يبلغون نحو تسعين في ~~المائة من الموظفين المسئولين، ولما أغلق الباب على المجتمعين أعلن الرفيق سيروف أن ~~لديه أخبارا هامة يريد أن يفضي بها إلينا، ولاحت عليه وهو يذيع هذا مظاهر الجد، واتخذت هذه ~~الأخبار صورة وثيقة غاية في الطول، أخذ يقرأ علينا محتوياتها ببطء وبنغمة مؤثرة، ثم ~~وقعناها كلنا دلالة على أننا عرفنا محتوياتها. # وكان على هذه الوثيقة توقيع ميكويان وزير التجارة الخارجية، ولكنها من غير شك من وضع ~~القسم السياسي بالاشتراك مع قلم المخابرات الحربية، وكانت عبارة عن طائفة من الأوامر ~~المفصلة، عما يجب علينا أن نحصل عليه من المعلومات في الولايات المتحدة، وعن كيفية الحصول ~~عليها، وطريقة إخفاء وسائلنا، وإرسال هذه المعلومات إلى بلادنا، ومع أن هذه الوثيقة لا تعدو ~~أن تكون تكرارا للأوامر التي تلقيناها من قبل، فقد كان يقصد بها أن تذكرنا بأن الرؤساء ~~العظام في بلادنا يعتمدون علينا في أداء واجبنا من هذه الناحية تحت ستار الأعمال المتصلة ~~بشئون الإعارة والتأجير. # وكنت أينما ذهبت في أمريكا ألقي حظي من التقدير والإعجاب العام الذي لا حد له «بحلفائنا ~~الروس البواسل»، وكان هذا الإسراف في الثناء مؤلما في بعض الأحيان، ومع هذا فقد كان من ~~الخير أن أعرف أن الأمم الأخرى تقدر تضحيات الشعب الروسي، على أن هذا التقدير نفسه كان مع ~~ذلك منشأ متاعب كثيرة سببت لي في بعض الأحيان أشد الآلام، فقد فسرت تفسيرا غريبا بل ~~تفسيرا يدعو إلى السخرية؛ ذلك أن أهل الولايات المتحدة قد اتخذوا من الانتصارات الروسية ~~الحديثة، ومن الهزائم الساحقة التي منيت بها جيوشنا قبل هذه الانتصارات، دليلا على صلاح ~~الحكم السوفيتي، ولست أدري أي منطق هذا الذي بني عليه هذا الاعتقاد، إلا أن يكون منطقا ~~معكوسا لا يخلو من لوثة عقلية، إن انتصارات هتلر الأولى لم تكن في نظرهم إلا دليلا على أن ~~هذا الوحش الكاسر كان قويا، أما هجمات ستالين التالية وانتصاراته فقد كانت لسبب لا أعرفه ~~دليلا ms788 لا يقبل الطعن على صلاح البلشفية. # ولست أنكر أن الشعب الروسي قد قام بأعمال مجيدة، وأنا أدرك هذا خيرا مما يدركه أي متحمس ~~أمريكي؛ لأني أعرف ما لا يعرفونه هم، وهو أن ذلك الشعب كان مغلول الأيدي بما فرض عليه من ~~حكم ظالم استبدادي متخبط في أعماله، لكنني مع ذلك لم يكن في وسعي أن أغفل أننا كنا نحارب ~~فوق أرضنا، وأن من ورائنا قوة من الرجال لا تنفد، وأننا نستغل إلى أقصى حدود الاستغلال ~~مواردنا الصناعية ومعونة الأمريكيين الفنية، ولم يكن في وسعي أن أدرك كيف يعزى ما أحرزه ~~الروس من انتصارات كلفتهم أعظم الضحايا إلى العبقرية البلشفية، ولكنني لم يكن في وسعي وأنا ~~موظف سوفيتي تحت الرقابة المستمرة أن أجهر بالحقيقة، وأن أدفع عن بلادي هذه التهمة الشنيعة، ~~وأصحح الوقائع التي وضعت هذا الوضع المعكوس! وكم من مرة وجدت نفسي مرغما على كبت مشاعري ~~والاستماع في صمت مؤلم لمن يعزون إلى الطغيان السوفيتي الفضل فيما قام به الشعب الروسي من ~~أعمال مجيدة. # وكان ثمة ما هو أكثر من هذا غرابة، لقد كنا في بلادنا نستحي من ميثاق هتلر - ستالين فلا ~~نكاد نشير إليه بكلمة، وكانت الخطب والكتابات الرسمية تمر بالفترة التي قام فيها هذا ~~الميثاق مر الكرام باللغو، أما في أمريكا فقد أصبح هذا الميثاق بطريقة خفية عجيبة برهانا ~~جديدا على حكمة ستالين وبعد نظره، فكان الأمريكيون يبدون سخطهم على سياسة المسالة ~~التي اتبعها الساسة مع هتلر في ميونخ واغتباطهم بهذه السياسية نفسها التي اتبعت معه في ~~موسكو، ويرون لسبب ما أن من العار على الحلفاء أن يكسبوا الوقت بتوجيه الجهود النازية نحو ~~الشرق ضد بولندا والروسيا، وأن من الحكمة والسياسة الرشيدة أن توجه جهود الألمان نحو ~~الغرب ضد فرنسا وإنجلترا. # وكان الأمريكيون قد عقدوا العزم على أن يروا في كل شيء فضلا لستالين وعارا على الدول ~~الديمقراطية، فكانت جميع الأغلاط الدبلوماسية التي يرتكبها الكرملن، ومساوماته المزرية ~~الذليلة مع النازيين، وعجزه عن الاستعداد للحرب، وكل ما تخبط فيه ms789 وارتكبه من أخطاء - كفر ~~عنها الشعب الروسي ببحار من دمائه - كان هذا كله يمثل في الصحافة الأمريكية وفي الأحاديث ~~الأمريكية على أنه فضائل خاصة خفية لا يعرف سرها إلا الراسخون في العلم. # أما أنا فكنت أتوقع - جهلا مني وسذاجة بلا شك - أن تشعر التضحيات الروسية شعوب العالم ~~الخارجي بما يعانيه شعبنا من ويلات، كنت أتوقع أن يقول المواطنون الديمقراطيون على الأقل: ~~إن أقل ما يستحقه أولئك الروس الأبطال أن ينالوا نصيبا من الحرية والنظم الديمقراطية، ~~ولكني وجدت عكس هذا، وجدت قلوبا قاسية لا تعنيها مأساة الشعب الروسي، قسوة يعزى معظمها إلى ~~الجهل، وهو أمر قد يعذرون عليه، ولكن بعضه راجع دون شك إلى عدم المبالاة بمصائب الإنسانية، ~~وهو أمر مشين بلا ريب، لقد كانت أماني أهل كوريا والمجر وتطلعهم إلى الحكم الديمقراطي تجد ~~عطفا وتشجيعا في هذه البلاد، أما آمال الروس الديمقراطية فقد كانت تعد خروجا على ~~القانون، وينظر إليها على أنها ضرب من الخيانة والإجرام في حق الوطن. # وكان في وسعي أن أرى حتى في الأسابيع القليلة التي أعقبت وصولي إلى أمريكا أن شخصا ما في ~~مكان ما قد حول تيار العطف على الروس إلى مصلحة ستالين، حتى استحال ما يجب أن يكون بشيرا ~~للروس بالحرية مبررا للطغيان السوفيتي ومؤيدا له، وأدركت، ويا لهول ما أدركت، إن ما ~~لستالين من السيطرة على عقول الأمريكيين لا يقل قوة عما له من السيطرة على عقول ~~الروس. # وأذكر أني قلت مرة في هدوء لصديق جديد من الأمريكيين: «ولكن البريطانيين أيضا من ~~حلفائكم، ومع ذلك فقد سمعتكم توجهون إليهم مر الانتقاد، لقد قلت في يوم مضى: إن الشعب ~~الإنجليزي يجب أن يثور على المحافظين والاستعماريين، فلم لا تنتقدون الحكم السوفيتي بمثل ~~هذه الصراحة؟» # فقال: «إن ثمة فرقا بين الحالين.» ~~- «أتقصد أن الروس هم الشعب الوحيد بين شعوب العالم الذي لا حق له في أن يثور على ~~حكامه؟» ~~- «إنك الآن تستدرجني يا فكتور.» # والحق أنني لم أكن أستدرجه، ثم حاولت أن أصل إلى غرضي ms790 من طريق آخر فقلت له: «لقد حاربنا ~~نحن الروس، حرب الأبطال، وقتل منا ملايين الرجال في الحرب العالمية الأولى ضد الألمان، ~~فهل كانت نتيجة هذه الشجاعة أن أصبحتم يومئذ من المعجبين بالقيصر وحكومته، تسبحون بحمده ~~وتتحمسون في الدفاع عنه؟ وهل قلتم: إن شجاعتنا هذه دليل قاطع على أن الشعب الروسي راض ~~بالأغلال التي يرسف فيها، وفي للحراس الواقفين على أبواب سجونه؟» ~~- «لقد كانت الحال وقتئذ غير هذه الحال.» # ورأيت أن عقلية هذا الرجل لا يمكن التأثير فيها بقوة المنطق أو بضرب الأمثال، وما من شك ~~في أنه كانت في أعماق عقليته البعيدة تلك الصورة البراقة الزائفة، صورة الأمة الاشتراكية ~~الموفقة السعيدة التي فرضتها على عقول العالم الخارجي خير آلة للدعاوة في تاريخ العالم كله، ~~وكان معظم الأمريكيين يمتعضون أشد الامتعاض من أية محاولة مهما كانت صغيرة لمحو أقل جزء من ~~هذا البهرج الكاذب وللكشف عما تحته من قذارة وبشاعة أخلاقية، كأن هذه المحاولة تعرض الأسس ~~التي تقوم عليها عقائدهم الدينية لأشد الأخطار. # ولقد خيل إلي أن تطورا غريبا لا يكاد يصدقه الإنسان قد طرأ على عقول الأمريكيين، ~~فجعلهم يعتقدون أن الدكتاتورية السوفيتية والشعب الروسي شيء واحد، وبذلك أفلح الشيوعيون في ~~أن يفعلوا في أمريكا ما لم يفلحوا بعد في فعله في بلادهم، كما تدل على ذلك أعمال التطهير ~~والملايين الذين يرسفون في أغلال السجون، لقد كانت حرية القول والصحافة طليقة تنتقد غير ~~الروس من حلفاء الأمريكيين كالبريطانيين والبولنديين والتشكوسلوفكايين وتقول ما تشاء في ~~الحكومة الأمريكية وفي الطريقة التي تدير بها دفة الحرب، ولكن نوعا من الرقابة قد فرض على ~~هذه الحريات جميعها في جميع الشئون المتعلقة بالمصالح السوفيتية والكرامة السوفيتية، فرضته ~~عليها قوة أدبية عظيمة التأثير في عقول الأمريكيين، لقد رأيت رجالا ونساء لا يستنكفون أن ~~يصفوا الرئيس روزفلت بأنه طاغية مستبد، ولكنهم يفور فائرهم إذا قيل لهم إن ستالين ~~طاغية. # هذا في أمريكا، أما في الروسيا فإن الحرب لم تحدث تغييرا يذكر في الدعاوة المضادة ~~للرأسمالية داخل حدود الاتحاد ms791 السوفيتي، بل واصلت هذه الدعاوة انتقادها للسياسية الحربية ~~البريطانية والأمريكية، وكثيرا ما كانت انتقادات مرة عنيفة، ففي أمريكا كان محظورا على ~~الشعب أن تخالجه ريبة في مسلك الكرملن داخل الروسيا وخارجها، حتى وصل الأمر بناشر أمريكي ~~«حر» أن يطلب إبعاد جميع المؤلفات التي لا تحبها موسكو من دور الكتب الأمريكية! ولقد قيل ~~لي: إن غيره من الناشرين رفضوا أن ينشروا بعض الكتب لا لسبب إلا أنها قد تسيء إلى شعور ~~ستالين، ولست أدري أفعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم أم بإيعاز من ولاة الأمور، أما الصحف ~~والمجلات الأمريكية كلها إلا القليل منها فلم يكن لها من الشجاعة ما تجرؤ به على نشر ما ~~يسميه الأمريكيون مقالات «معادية للسوفيت». # وكانت «الأنباء» التي تصل إلى الصحف الأمريكية من مراسليها في موسكو عديمة الفائدة إن لم ~~نقل: إنها ضارة ضررا بليغا، فلقد تعلمنا في بلادنا كيف نسقط الجزء الأكبر مما نقرؤه في ~~الصحف السوفيتية، وكيف نفسره التفسير الصحيح، وكيف نقرأ ما بين السطور، وكان الصحفيون ~~الأمريكيون في موسكو لا ينقلون إلى صحفهم إلا مقتطفات من الجرائد التي تصدر في العاصمة ~~السوفيتية؛ لأنهم لم تكن لهم مصادر غيرها يستمدون منها معلوماتهم، ولكن قراء هذه الصحف من ~~الأمريكيين لم يكن في مقدورهم أن ينقدوا هذه الأنباء ليعرفوا صحيحها من زائفها، فكانوا من ~~أجل ذلك يصدقون كل ما فيها دون بحث أو جدال، وكانت أكاذيب الكرملن وأساليبه السياسية ~~الملتوية تصل جميعها إلى آذان الأمريكيين، وكأنها مؤيدة من السلطات الأمريكية نفسها؛ ولذلك ~~كانت تصدق في هذه البلاد أسرع مما تصدق في الروسيا نفسها، وكيف يستطيع الإنسان أن يجعل ~~الخلائق الذين ربوا على التقاليد الديمقراطية يدركون أن إذاعة «الأخبار» المراقبة التي ~~تسيطر الحكومة عليها تكون في أغلب الأحيان شرا من عدم إذاعتها؟ # من أجل ذلك كانت الآراء السائدة بين الأمريكيين عن معجزات النظام السوفيتي آراء عجيبة ~~حقا، ويلوح أن معظم ما يلازم الشيوعية من آثام كالسخرة، وطغيان الشرطة السرية، وأعمال ~~التطهير المتكررة الواسعة النطاق، وانحطاط مستوى العيش انحطاطا لا ms792 يكاد يتصوره الخيال، ~~والقحط الشديد الذي عم البلاد في عام 1932-1933م، وفظائع المزارع الجماعية، واستخدام ~~الأطفال في الصناعات بطريقة منظمة معترف بها من قبل الحكومة، يلوح أن معظم هذا قد غاب عن ~~أنظار الأمريكيين، وإن كان كله من الأعمال التي لا يخفى منها شيء على الذين يقيمون في داخل ~~البلاد الروسية، ولربما رآها بعضنا أعمالا لازمة أو محتومة لا محيص عنها، بل لقد يظنها ~~البعض أعمالا شريفة لا غبار عليها، ولكن أحدا منا لا يمر بخاطره مطلقا أن ينكرها، أما في ~~أمريكا فقد كنت إذا جرؤت على ذكر هذه الأشياء وأمثالها (وذلك حين تكون الصراحة مستطاعة لا ~~خطر منها) نظر إلي الأمريكيون نظرة المكذبين، بل لقد كان منهم من يبادر إلى إنكارها كلها ~~إنكار الواثق مما يقول. # ولشد ما أيقنت أن أعظم ما ناله السوفيت من نصر كان في ميدان الدعاوة الخارجية، وسرعان ما ~~استحالت هذه العقيدة في نفسي إلى ما يشبه القوانين الرياضية: «إذا استطاع الاتحاد السوفيتي ~~في خلال العشرين عاما المقبلة أن يصل إلى نصف المستوى الذي يضعه فيه المعجبون به من ~~الأمريكيين فإن ذلك يكون أعظم الأعمال الاجتماعية المجيدة التي قام بها البشر في عصور ~~التاريخ قديمها وحديثها.» # أما الذين يعرفون بعض الحقائق المرة عن الحياة في ظلال الحكم السوفيتي فقد كانوا شديدي ~~الميل إلى توجيه اللوم كله إلى ستالين نفسه، وكان في وسعهم بفضل هذا الميل أن يغضوا النظر ~~عن الفظائع التي ترتكب في ظلال هذا الحكم، وأن يقبلوها على أنها فترة انتقال تمهد ~~للنعيم المقبل، وكانوا يقولون: إن «الديمقراطية الاشتراكية» ستزدهر بعد ستالين، وهل ستالين ~~إلا بشر ستنقضي أنفاسه المعدودة كما تنقضي أنفاس سائر الآدميين؟ ولقد لاحظت في بلادنا نفسها ~~مثل هذا الميل إلى إلقاء تبعة هذه الآثام على عاتق فرد واحد، ولكن هذا الخداع كان في أمريكا ~~أوسع انتشارا منه في بلادنا، غير أني أقول والأسف يملأ جوانحي: إن هذه الشرور متأصلة في ~~النظام السوفيتي كله، وإن هذا النظام لن يموت بموت ستالين، بل ms793 سيظل قائما يتولى زمامه ~~طاغية آخر أو زمرة من الطغاة. # ولقد وجدت نفسي في يوم من الأيام في بلدة أمريكية صناعية صغيرة، وفي صحبة طائفة من ~~الرأسماليين، ومن أشد المحافظين وأكثرهم عداء للعمال، وكان مما قالوه لي في حديثهم معي ~~أنهم يرون من الواجب عليهم أن يجهروا بأنهم لا يرضون عن النظام السوفيتي، وأنهم في واقع ~~الأمر يبغضونه ويخشون ما قد يكون له من الأثر في تفكير الأمريكيين، ترى ماذا كانت الصورة ~~التي تنطوي عليها عقولهم لهذا النظام الذي يبغضونه؟ وأخذت أستدرجهم لأتعرف هذه الصورة على ~~حقيقتها، وما كان أشد دهشتي حين تبينت أن روسيا بلد «يحكمه العمال، ويعيش فيه الزراع في ~~مجتمع تعاوني، كل من فيه متكافئون!» وكان معنا موظف سوفيتي آخر فألفيت نفسي في وضع مؤلم لا ~~أحسد عليه؛ إذ كنت عاجزا عن أن أوضح لهؤلاء الجهلاء أن العمال في أمريكا أعظم سلطانا، ~~وأن النقابات الأمريكية أقوى نفوذا، وأن الزراع الأمريكيين أشد تعاونا، وأن الأفراد أوسع ~~حرية مما تحلم به روسيا السوفيتية، أو تجرؤ على أن تحلم به. # وعثرت في مكتبة البعثة على مجموعة من خطب هنري أ. ولاس، وقرأ لي شخص يعرف اللغتين ~~الإنجليزية والروسية أهم ما ورد في هذه الخطب عن روسيا، فلما سمعتها لم أكد أصدق ما سمعت، ~~فقد أخذ نائب رئيس الجمهورية في حكومة ديمقراطية يثني على ما يسميه «الديمقراطية ~~الاقتصادية» في دولة ستالين البوليسية! ترى هل عرف مستر ولاس تلك الحقائق التي لا يجهلها ~~إنسان في بلادنا؟ هل عرف شيئا عن الشرطة السرية والقسم المخصوص القائمين في كل مصنع ~~سوفيتي، وعن نقابات العمال التي تسيطر عليها الدولة، وعن افتقار البلاد إلى الأعمال ~~الجماعية الحقة في البيع والشراء، وعن عقوبة الإعدام التي يحكم بها على الإضراب، وعن إرهاق ~~العمال في المناجم وتكليفهم بما لا قبل لهم به من الأعمال، وعن نظام الأجر بالقطعة، وعن ~~جوازات المرور التي لا بد لكل عامل أن يحصل عليها، وعن القوانين التي تعاقب من يتأخر عن ~~عمله أكثر من ms794 عشرين دقيقة بالطرد وبالموت هو وأسرته جوعا، وعن مستعمرات السخرة؟ ألم يسمع ~~مستر ولاس شيئا عن هذه الأمور، أو أنه سمع بها ولكنها استحالت في عقله بطريقة لا نعرفها ~~إلى مظاهر «الديمقراطية الاقتصادية»؟ # وجاهدت في قراءة كتاب عالم واحد تأليف «وندل ولكي»، فقد كنت أعمل في مجلس الوزراء في ~~أثناء زيارته للروسيا، وأعرف وقتئذ أن ولاة الأمور قد سخروا كل وسائل الدعاوة البهلوانية ~~للتأثير فيه، فلم يترك أقل شيء للمصادفات، بل سار كل شيء طبقا لخطة مرسومة، فلما قرأت ما ~~كتب ذهلت وارتعت لنجاح خططنا، وعجبت كيف يستطاع تضليل إنسان ما هذا التضليل الواسع النطاق ~~في ذلك الوقت القصير؟ لقد قرأت الفصول الخاصة بالروسيا من كتابه فأحسست أنه يكتب عن بلد لم ~~تطأه قدماه، بلد لا وجود له إلا في مكان ما على سطح القمر، وقصارى القول: إن الكتاب شاهد فذ ~~على نجاح الدعاوة الدكتاتورية. # لقد أخذ مستر ولكي يصف في كتابه كيف دعا جماعة من الصحفيين السوفيت الظرفاء في أحد فنادق ~~موسكو ليتحدث إليهم حديثا صريحا لا يقصد تدوينه، وكيف أغلقوا الباب على أنفسهم، وأخذ كل ~~منهم يصارحه بما في نفسه، ولعمري لو أنني أردت أن أكتب مسرحية أندد فيها ببلاهة الأمريكيين ~~وسهولة انخداعهم حين يكونون في خارج بلادهم، لما وجدت لمسرحيتي خيرا من هذا المنظر، ~~ولوضعته كما هو دون تغيير، أحق أن مستر ولكي ومستشاريه الأمريكيين يعتقدون أن في وسعهم أن ~~يحصلوا على الآراء الصحيحة الصادقة إذا أغلقوا الأبواب، ومنعوا دخول «الموظفين؟» ألا يعرف ~~هؤلاء أن كل صحفي سوفيتي، بل كل مهندس، وكل مرشد للسياح إن هو إلا «موظف» تفرض عليه الأعمال ~~فرضا، ولا يجد من تنفيذها مفرا؟ إن مجرد التفكير في نقاش صريح «غير مسجل» مع وجود مواطن ~~سوفيتي على مسمع من مواطن آخر ليكشف عن الجهل المطبق بحقيقة ما يحدث في البلاد الدكتاتورية، ~~لقد نقل كل واحد من هؤلاء الصحفيين ما دار في هذا الاجتماع بطبيعة الحال، وأكد فيما نقله ~~دفاعه المجيد عن العهد السوفيتي وولاءه ms795 له وما كان له من شأن في الإدلاء لمستر ولكي ~~«بالآراء» المقررة المفروضة. # ذلك أنه لم يكن له سبيل يسلكها غير هذه السبيل، فكل صحفي وكل كبير في الأعمال الصناعية ~~وكل مواطن سوفيتي يضطره عمله إلى الاتصال بالأجانب يتعهد كتابة بأن يبلغ من فوره رجال القسم ~~السياسي عن كل اجتماع بهم، وينقل إليهم كل ما يفعل أو يقال في هذه الاجتماعات مفصلا أعظم ~~تفصيل، وسرعان ما عرفت الإدارة الخارجية في القسم السياسي وإدارة الصحافة في وزارة ~~الخارجية، والإدارة الخارجية في لجنة الحزب المركزية، وسائر الهيئات التي يهمها الأمر، ~~سرعان ما عرفت هذه كلها جميع ما يتبادله المجتمعون من الآراء «الصريحة» التي يفخر بها مستر ~~ولكي ويشيد بذكرها، ولم يعقد قط اجتماع سجل كل ما دار فيه بدقة أكثر مما سجل في هذا ~~الاجتماع الذي «لم يسجل شيء مما دار فيه». # ولعلي لم تمر علي في أمريكا ليلة أشق على نفسي من الليلة التي قضيتها في إحدى دور ~~الخيالة في واشنجتن، وحمدت الله أن كانت الدار مظلمة، فقد أخفى الظلام ما كنت فيه من بلاء ~~لا أشك في أنه كان باديا على وجهي يستطيع أن يقرأه كل من يراه، وكان الموظف السوفيتي الآخر ~~الجالس معي - وهو أيضا من أعضاء الحزب - يتلوى هو الآخر في مقعده، وما من شك في أنه لم يكن ~~أقل مني اضطرابا وذعرا، وكانت هذه هي الليلة التي شاهدت فيها عرض شريط يسمى «بعثة إلى ~~موسكو» أخذ موضوعه من كتاب بهذا الاسم كتبه جورف. أديفز سفير أمريكا السابق في موسكو، وكان ~~ما رأيته كله إهانة وحشية جريئة موجهة إلى الأمة الروسية، وسخرية لاذعة من ثورتها، وتهكما ~~على آلامها الطوال. # وكان في الكتاب من السخف أكثر مما فيه من الإثم، فقد كان محشوا بالجهالة والنفاق ~~والسخف، يخفف منه في بعض المواضع شعاع من الحقيقة، وكان موضوع الشريط يدور كله حول هذه ~~الحقائق القليلة المبعثرة فيه ويضيف إليها تفاصيل أخرى لا وجود لها في الكتاب؛ ذلك أن ~~«المؤرخين» في هولي ms796 وود إذا وجدوا أن لا بد لهم من أن يختاروا بين الواقع والخيال، وبين ~~الحقائق والسخف، لا يترددون في اختيار الخيال والسخف ونبذ الوقائع والحقائق، واتفق أن كنت ~~أعرف كل شيء عن المصنع السيبيري الذي كان له شأن في محاكمات التطهير ، والذي ظهر في هذا ~~الشريط، فشعرت وقت رؤية هذا المصنع أن العقل البشري لا يستطيع أن يبتدع صورة أكثر سخفا ~~وأدعى إلى السخرية من الصورة التي رسمتها له هولي وود، بل لقد خيل إلي أن الدعاوة ~~السوفيتية نفسها لا تجرؤ على الاستهتار في قلب الحقائق كما فعل القائمون على هذا الشريط، ~~ولعل الدعاة الأمريكيين قد استغلوا جهل النظارة فأطلقوا لخيالهم العنان، وفي وسعي أن أقول ~~بهذه المناسبة أن ظهور هذا الشريط كان فيه من الإهانة للأمريكيين بقدر ما فيه من إهانة ~~للروس، فلا عجب والحالة هذه إذا نظمت صحيفة برافدا الروسية عقود المدح للمستر ديفز ولكتابه، ~~وأخذت تنقل منه فقرات يشير فيها إلى العدالة السوفيتية التي لا مطعن فيها، وإلى أن أعمال ~~التطهير قد محت الطابور الخامس محوا، وأن القضاء على الذين قاموا بالثورة البلشفية عمل ~~عادل لا غبار عليه، ألا ما أغرب هذا القول وما أعظم أثره في عقول الروس الأذكياء! # لقد قضى ستالين على مؤسسي الدولة السوفيتية، ولكن الدماء التي أريقت في هذه الجريمة لم ~~تكن إلا قطرة من بحر الدماء التي أريقت في المجازر البشرية التي هلك فيها مئات الآلاف من ~~الأبرياء الرجال منهم والنساء، غير أن هذه الجرائم المروعة لم تزد في الشريط الذي وضعته ~~شركة ديفرز - وارنر على أن تكون مؤامرة ساخرة صغيرة دبرها عدد قليل من البلاشفة الهازلين ~~الطاعنين في السن، ووكلاء الأجانب الذين مثلوا في صورة «طابور خامس»، وبهذا أضحى ذلك الحادث ~~السياسي الجلل الذي تتضاءل أمامه مذبحة ليلة سنت بارثلميو وعهد الإرهاب الفرنسي، فلا تزيدان ~~على شجار يحدث في أطراف الطرق، أضحى ذلك الحادث الجلل، وقد هذبت حواشيه حتى أضحى لا ~~يزيد على مهزلة تحدث في إحدى حجرات الاستقبال. # ولقد قاسيت ms797 ما قاسيت في أعمال التطهير، فعذبت في جسمي وروحي، وإن كان هذا العذاب أقل مما ~~قساه سائر ضحايا هذا العهد، وها أنا ذا أرى محنتي ومحنة بلادي تمثل على أحد مسارح واشنجتن ~~تمثيلا هزليا ساخرا كل ما فيه زور وبهتان، وشاهدت المنظر البشع الذي يرى فيه ممثلي هولي ~~وود يركلون بأرجلهم ما حوله من جثث القتلى ويهتفون للقاتلين. # وخرجت في تلك الليلة من هذا الجحيم، ونظرت إلى يدي فوجدت أني أدميت كفي بأظافري، ونظرت ~~إلى رفيقي ونظر هو إلي، وكانت نظرة واحدة كافية، فلم نكن في حاجة إلى الكلام، وقضيت ~~الليلة مؤرقا، لم تكتحل عيني بالرقاد، تتشعبني الهموم وتتوزعني الفكر. # وشاهدت صورة أخرى تكشف عما في عقول الأمريكيين عن خرافة عن الروسيا، وكادت تذهب بلبي، ~~وتلك هي مسرحية غنائية تدعى «النجم الشمالي» تمثل منظرا في قرية خيالية أهلها زراع ~~ينعمون بطيب العيش، سعداء يقضون أوقاتهم كلها في اللهو والغناء والرقص وتبادل العشق، لا ~~يعملون عملا، وكانت قرية مسحورة يغشاها جو خيالي كالذي نقرأ عنه في الأقاصيص ~~الخيالية. # واتضح أن هذه القرية لم تكن في أرض واق الواق، بل كانت مزرعة من المزارع الجماعية في أرض ~~ستالين! # وكانت المناظر التي شاهدناها لا تقل بعدا عن الحقائق التي أعرفها عن المزارع الجماعية من ~~بعد بعثة إلى موسكو عن حقائق الثورة الروسية، وشاهدت بعدئذ صورا، وقرأت كتبا ومقالات، ~~كلها خيال في خيال، ولا تنطبق إلا على بلاد لا وجود لها على ظهر هذه الأرض، كأن الدعاوة ~~الأمريكية لم يكفها عرض الحقائق البغيضة عن الروسيا وتبريرها، بل اتخذت لنفسها طريقا أيسر ~~من هذا وأقل عليها مشقة، وهو إنكار الحقائق بتاتا، وإقامة روسيا أخرى لا وجود لها إلا في ~~مخيلة القائمين بهذه الدعاوة. # وظللت أسائل نفسي: لم يا ترى يصر هؤلاء الأمريكيون على اختراع جنان الفردوس وتعيين ~~مكانها في بلادنا المعذبة؟ ولم يجهدون أنفسهم في محو كل آثام ستالين وتبرير كل فظائع ~~البلشفية؟ # يلوح لي أنه كان في أمريكا طائفة من الرجال والنساء أمثال دورانتي ms798 وهندوس وأنا لوبز سترنج ~~وألا ونتر وألبرت ريس ووليمز وكثيرين غيرهم ممن بنوا مجدهم على إشباع رغبة السوفيت في ~~الدعاوة الباطلة، التي لا تكاد تجد فرقا بينها وبين صحف العاصمة الروسية، وكان بين ~~الأمريكيين طائفة أخرى أكثر عددا من الطائفة السالفة الذكر وأشرف منها بوجه عام، وهي طائفة ~~الشيوعيين الحقيقيين الذين كانوا يرون أن الكذب لصالح الروسيا مبرر؛ لأنه ضرب من الكفاح بين ~~الطبقات، ولأنه أقصر طريق يستولون به على زمام الحكم ولكن الذي لا أفهمه هو ما يدعو كثرة ~~الشعب الأمريكي إلى قبول هذا الكذب والإيمان به. # على أن أكثر ما كنت أدهش له هو جهل من يسمونهم «الخبراء بشئون روسيا السوفيتية» جهلا ~~مطبقا بنظام الحكم في اتحاد جمهوريات السوفيت الاشتراكية، وبكنه هذا النظام، وبدولاب ~~الإدارة في البلاد، ولكنهم على جهلهم قد نشروا الدعاوة لهذا النظام، وثبتوا أصولها في ~~أمريكا، وقد استطعت في يوم من الأيام أن أطلع على فهرس الكتب المحفوظة في مكتبة إحدى ~~الجامعات الأمريكية، وما كان أشد دهشتي حين تبينت أن أكثر ما قلبته الأيدي من الجذاذات هي ~~المحتوية على مؤلفات لينين وستالين، ولم يخالجني شك في أن بعض الناس قد عنوا كل العناية ~~بدراسة هذه الكتب؛ لاعتقادهم أنها هادية إلى عالم خير من عالمنا الحاضر ... ولم يدهشني أن ~~أتبين بعدئذ أن بعض طلبة هذه الجامعة من الأمريكيين والهنود والصينيين كانوا يعقدون الآمال ~~على أن تسلك بلادهم نفس السبيل التي سلكتها روسيا السوفيتية، أما أنا فكان كل ما أرجوه لهم ~~ألا يقضى عليهم بأن يقاسوا تلك الآلام المريرة التي قاسيتها أنا من قبلهم. # وتبينت في كثير من الحالات أني جئت إلى أمريكا في أنسب الأوقات التي أمكنتني من أن أعرف ~~أن الأمريكيين إنما كانوا يقبلون الخرافات المنتشرة عن البلاد الروسية؛ لأنهم يتخذونها ~~بديلا عن الحقائق التي تجابههم في كل يوم، فقد كانت المظالم السائدة في بلادهم تكسف بالهم ~~وتنكس أبصارهم، فكانوا من أجل ذلك في حاجة إلى ما يسليهم ويريح بالهم، مثلهم في هذا كمثل ~~الطفل ms799 المتألم يهدأ روعه باللعبة البراقة المجلجلة، فهم في هذه الحال لا يخادعون الناس بقدر ~~ما يخادعون أنفسهم، وأكثر ما تبينت هذا الحرص على الانخداع الذاتي في كتب من يسمونهم ~~الأحرار من الكتاب، وفي جرائد «ذي نيشن» و«ذي نيو ريبلك، ب . م»، وأمثالها من الصحف، ولقد ~~خيل إلي أن في موقف هذه الصحف من شئون البلاد الروسية تبديدا مروعا لنياتها ~~الطيبة. # ألا ليت هؤلاء الكتاب يؤتون من الحصافة الذهنية واتزان العقل ما يدركون بهما أن انتشار ~~المظالم في أمريكا لا يبرر تأييدهم للمظالم في غيرها من البلاد! ألا ليتهم يعرفون أن هتافهم ~~للتصفيات الدموية في الروسيا قد يريح بالهم ويفرج كربهم إلى حين، ولكنه لا يعينهم على ~~الوصول إلى الهدف الأسمى، وهو إقامة منار العدل في جميع بلاد العالم بما فيها الولايات ~~المتحدة الأمريكية! # ولقد عثرت وأنا أتنقل بين المكتبات الأمريكية على عدد من الكتب البليغة من وضع أمريكيين ~~أوتوا من الشجاعة ما حملهم على كشف حقيقة الحال في بلاد الروسيا في عهد الإرهاب القيصري، ~~ومن أمثال هذه الكتب كتاب جورج كينن عن سيبيريا، وعرفت أيضا أن في أمريكا كثيرين من الروس ~~الذين نفوا من بلادهم أمثال بطرس كريتوكين الذي فر من الجاسوسية القيصرية ليشن حملة شعواء ~~على الذين يضعون الأغلال في أعناق مواطنيهم، ولم أدر هل يطلق الأمريكيون الأحرار على هؤلاء ~~القوم اسم «أعداء الروسيا» جزاء لهم على جرأتهم وتعريضهم حياتهم لأشد الأخطار، أو أن ~~الأجيال المقبلة التي ستكون أكثر حكمة من الجيل الحاضر، وأقل منه جنونا وتأثرا بالدعاوة ~~السياسية، ستدرك أن أولئك الرجال هم أصدقاء الروسيا الحقيقيون الذين يستدرون الرحمة والشفقة ~~على الضحايا الروس المعذبين؟ # لقد عرفت تدريجا وعلى مهل ما لم أكن أصدقه لو لم أكابده بنفسي، وهو أن الذين يجرءون على ~~النطق ببعض الحقائق عن طغيان ستالين، والذين يدافعون عن الشعب الروسي وينددون بظالميه، ~~يعرضون أنفسهم للمهانة والفصل من وظائفهم، واتهامهم بأنهم «معادون للروس»، وأدركت أن ~~اعتزامي الفرار إلى العالم الحر الطليق، واستخدام هذه الحرية للدفاع عن ms800 مواطني، لن يكونا من ~~السهولة كما كنت أتصور قبل القدوم إلى هذه البلاد، لقد أدركت أن سوف يشي بي ويسخر مني أولئك ~~الأجانب ذوو القلوب الطيبة والنفوس الكريمة ممن كنت أعتمد على معونتهم. # ولقد تبينت أن دعاوة ستالين في العالم الخارجي كانت أكثر نجاحا مما خطر ببال أي واحد منا ~~نحن الروس، وأن الروس في بلادهم لا ينظرون إلى الأسطورة التي توصف فيها تلك البلاد بأنها ~~الأرض «الاشتراكية السعيدة»، إلا على أنها دعاوة بشعة تنشرها حكومتهم الطاغية، أما في ~~العالم الديمقراطي الخارجي فإن كثيرين من الذين يخلقون الرأي العام فيه - رجالا كانوا أو ~~نساء - يقبلون هذه الدعاوة بقضها وقضيضها ويؤمنون بها، ويكادون ينزلونها من نفوسهم منزلة ~~العقائد الدينية. # الفصل الثامن والعشرون # | الفرار من الظلم # جاء في الأخبار التي أذاعتها الصحف عن خروجي على الحكم السوفيتي أن انخداعي بشيوعية ~~ستالين زال بعد أن ذقت طعم الديمقراطية الأمريكية، ثم قيل تصريحا أو تلميحا: إن وجودي في ~~جو الحرية الأمريكية هو الذي حملني على قطع صلتي بلجنة المشتريات السوفيتية. # وقد أضفت هذه الأقوال وأمثالها على قصة فراري مظهرا روائيا، كما أن فيها ثناء ~~مستطابا على الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن القصة كما ترويها هذه الصحف بعيدة كل البعد ~~عن الحقيقة، وهذه الحقيقة هي أني قد قررت من زمن بعيد أن ألقي عن كاهلي نير الطغيان في ~~أول فرصة متى سنحت وأينما سنحت، ولو أني أرسلت إلى الصين أو بتاجونيا بدل الولايات ~~المتحدة لما ترددت قط في أن أحاول نيل حريتي حتى أستطيع القيام بالواجب الذي عاهدت نفسي على ~~القيام به. # ولقد عاهدت نفسي على القيام بهذا الواجب عن وعي وقصد، وإن لم أعلم بالضبط في أية لحظة من ~~حياتي اتخذت هذا القرار؛ ذلك أنه كان نتيجة لإحساسات نبتت ونضجت من داخل نفسي، نضجت على مهل ~~ولكن كان لا بد لها أن تنضج، وكان كل ما في وكل ما يحيط بي يدفعني إلى ذلك دفعا، لقد كان ~~يحيط بي في طفولتي جو مشبع بمثالية أبي ms801 القوية وإيمان أمي العميق، ولقد كان صلاحهما وحبهما ~~للإنسانية مختلفين في ظاهرهما ولكنهما متفقان بطريقة ما في حقيقة أمرهما، وما من شك في أن ~~هذه الحقيقة ذاتها هي التي لازمتني طوال حياتي. # وثمة عامل آخر دفعني إلى الإقدام على ما أقدمت عليه، وذلك هو الروح الذي أخرج من أمتي في ~~أحلك عهودها، وتحت سيطرة أقسى حكامها وأشدهم بطشا، ثوارا خرجوا على هؤلاء الحكام، ولو ~~أنني اعتقدت أن في طاقتي أن أجاهد في سبيل الحرية داخل حدود الاتحاد السوفيتي لما تخطيت هذه ~~الحدود ... ولو أنني كان لدي أمل حقيقي في أن الأمور ستنصلح في بلادي فتباح فيها الحريات ~~السياسية والاقتصادية ويتخلى زعماء هذا العهد عن البرنامج الشيوعي الدولي لما غادرت البلاد، ~~ولكني وجدت مع الأسف الشديد أنه كلما مضت السنون خطا هذا العهد خطوات لا تقربه من المثل ~~العليا التي تتضمنها مبادئ الثورة بل تبعده عنها. # وأيقنت أن الأمل في خلاص الروسيا من محنتها يضعف شيئا فشيئا، وأن مستقبلها يزداد ~~قتاما، وأن الضمانات التي لا بد منها لقيام الحريات الاقتصادية والديمقراطية تزداد في كل ~~يوم ضعفا وبعدا عن متناول أيدينا، بل إن ذكرياتها توشك أن تمحى من عقول الروس؛ ذلك أن ~~سلطان القوة الغاشمة كان يزداد كل يوم في شدته واستهتاره وغزوه للعقول، ولقد ظن بعضنا في ~~وقت من الأوقات أن بلادنا هي الأخرى ستطبق فيها المبادئ التي تضمنها ميثاق الأطلنطي وصك ~~الحريات الأربع، ولكن سرعان ما تكشفت عن أبصارنا هذه الغشاوة وانمحى من عقولنا هذا الوهم، ~~وأدركنا من فورنا أن بلادنا لن تفيد أقل فائدة من هاتين الوثيقتين، وأنهما بالنسبة لنا ~~ليستا إلا قصاصتين من الورق. # وقد يسألني بعضهم لم ظللت في خدمة الحكومة السوفيتية سبعة شهور كاملة بعد أن جئت إلى ~~الولايات المتحدة؟ والجواب أني كنت محتاجا إلى بعض الوقت أدرس فيه ما حولي وأقدر فيه ظروفي ~~النفسية قبل أن أخطو الخطوة الرهيبة، وكذلك يفعل السجين الذي يريد الفرار من سجنه، فإنه ~~يقضي بعض الوقت في دراسة عادات السجانين ms802 وطبيعة الأرض المجاورة لسجنه. # والروسي الذي نشأ في أحضان العهد السوفيتي وتحت رعايته يجد نفسه حين يخرج إلى العالم غير ~~السوفيتي لأول مرة مخلوقا حائرا لا يكاد يجد له ناصرا أو معينا، ويرى المواءمة البسيطة ~~بينه وبين حياته الجديدة مشكلة معقدة، ويتبين أن تفكيره وإحساسه يختلفان عن تفكير من حوله ~~وإحساسهم، وأنه في حاجة إلى بعض الوقت يخلع فيه عن نفسه طبقة بعد طبقة من الغشاء الدكتاتوري ~~السميك الذي غشي عقله على مر السنين، وتلك عملية معقدة غاية التعقيد. # ولقد كنت في أمريكا رجلا غريبا ليس لي فيها صديق واحد غير سوفيتي، لا أستطيع التفاهم مع ~~أهلها ولا موارد لي فيها أعيش منها، ولو كان لي في أمريكا أصدقاء ظاهرون أو مختفون بقدر ما ~~للدكتاتورية السوفيتية من أصدقاء ومناصرين، لحلت مشكلتي على أهون سبيل ... ويقيني أن تعليمي ~~الهندسي وخبرتي الهندسية سيعيناني على كسب عيشي، ولكنني حين أقطع صلتي بالبعثة سأكون شخصا ~~مفلسا، لا صديق لي ولا معين يرد عني الأداة الجبارة الرهيبة أداة الثلب والانتقام التي ~~يسيطر عليها السجانون المحنقون، ولم تكن الشهور السبعة التي قضيتها في أمريكا أتأقلم فيها ~~وأتعلم فيها بعض الألفاظ الإنجليزية، وأتصل فيها بعدد قليل من الناس، لم تكن هذه الشهور ~~السبعة بالزمن الطويل. # وكنت أعرف قبل أن أخطو الخطوة التي لا رجعة فيها بشهر كامل على الأقل أن موعد هذه الخطوة ~~هو آخر شهر مارس من عام 1944م، ومن أجل ذلك قضيت معظم هذا الشهر متنقلا في أنحاء البلاد، ~~فسافرت مرتين إلى لنسكتر وبنسلفانيا، ومرة إلى تشكاجو وكان أكثر ما يشغل بالي ألا أفعل ما ~~يضر أصدقائي وزملائي في البعثة أو في الروسيا، فلم أفش خططي لواحد منهم بالقول أو بالإشارة ~~رغم إحساسي بأني في حاجة إلى الصديق، وحنيني إلى من أفضي إليه بسري، لكنني كنت أعلم حق ~~العلم ما يصيب المواطن السوفيتي إذا علقت به أقل ريبة، وجاء رجال القسم السياسي يمعنون في ~~الفحص عن أمري. # وكان يهمني فوق هذا ألا أترك لرجال البعثة ms803 سبيلا للطعن في أخلاقي، لقد كانت سجلاتي ~~الخاصة بما عهد إلي من الأعمال الهامة المتصلة بقانون الإعارة والتأجير لا مطعن فيها ولا ~~مغمز، وكنت أحرص على أن تظل كذلك إلى آخر عهدي بها، ولهذا عنيت كل العناية بتصفية أعمالي ~~بقدر ما تسمح لي به الظروف، وتركت كل شيء منظما يستطيع من يخلفني من الأخصائيين في أعمال ~~المعادن أن يبدأ عمله من حيث انتهيت، وسويت حساباتي المالية بعناية وإتقان في صباح آخر يوم ~~قضيته في مركز البعثة العام في الشارع رقم 16، وكنت حين غادرت مقر عملي أدين البعثة بثلاثين ~~ريالا، فكان هذا من أسباب غبطتي، وإن كان كل ريال منها يعدل في ذلك الوقت ألف ريال. # ولقد وصفت فراري في الصحف الأولى من هذا الكتاب، وقلت: إني صيرت نفسي رجلا طريدا لا وطن ~~له، وأصبحت هدفا لحقد الشيوعيين الأمريكيين وزملائهم القادمين من خارج أمريكا، والذين ~~يؤمنون بأنهم على حق في مذهبهم، ثم إني جعلت نفسي فوق هذا هدفا لحقد من هم أشد خطرا من ~~هؤلاء، وهم رجال أعظم حكومات العالم بأسا وأشدهن قسوة. # وكان المستقبل أمامي حالكا رهيبا مقبضا للرجاء؛ ذلك أني أقدمت عن قصد، وعن علم بما ~~يترتب على هذا الإقدام من العواقب الوخيمة، أقول: أقدمت على اختيار حرية مزعزعة غير مأمونة ~~وفضلتها على استعباد مريح مأمون العاقبة، وليس في العالم كله من يعلم ما للدولة الدكتاتورية ~~البوليسية الحديثة من قوة ورهبة، وما تتصف به من انحطاط وفساد خلقي شامل، وما تقذفه من رعب ~~في النفوس، ليس في العالم كله من يعلم ذلك إلا رعايا هذه الدولة الذين عاشوا تحت سلطانها ~~زمانا طويلا. # وكنت أعلم وقت أن غادرت واشنجتن أن البعثة الروسية فيها قد أصدرت قرارا صدقت عليه ~~موسكو بتعييني في منصب دائم في هذه البلاد، وكان هذا التعيين بمثابة ترقية كبيرة لي، وكان ~~المقرر أن أتولى عملي في هذا المنصب الجديد بعد بضعة أيام قليلة لا تعدو اليوم الثالث من ~~شهر أبريل، وكانت موسكو تدعو لي فيه بالنجاح والتوفيق، ms804 ولعلي كنت أعود بعدئذ إلى بلادي ~~أحمل معي خبرتي في الشئون التجارية الخارجية، لأكون ابنا بارا لستالين نجا من أعاصير ~~المغريات الرأسمالية، ولم يكن ثمة حد بعد هذا للدرجات العلا التي كان في وسعي أن أرقاها في ~~سلم البيروقراطية. # ولو أني وصلت إلى هذه الدرجات العالية لبقيت مع هذا عبدا ذليلا خاضعا لسلطان القوة ~~الغاشمة، عاجزا عن خدمة بني وطني، محالفا للطاغين الظالمين، ومن أجل هذا آثرت عامدا أن ~~أبقى في خارج البلاد؛ لأني كنت في حاجة إلى الحرية كي أستطيع مصارعة الاستبداد، ورضيت أن ~~أقاسي في سبيل هذه الحرية ما لا يحصى من المتاعب وأتعرض لشتى المجازفات الاقتصادية ~~والأخطار الجسمية، وستطوى بعد هذه الساعة صفحة فكتور كرافتشنكو، وتمحى شخصيته من ~~الوجود، فقد يصبح إيطاليا أو يوغوسلافيا أو برتغاليا أو ما شئت من القوميات إلا ~~القومية الروسية، ألا ما أكثر الأسماء التي تسميت بها! وآويت إلى فندق مجهول مقبض في قلب ~~مدينة مانهتن، وفيه أعددت البلاغ الذي أرسلته إلى الصحف والذي نشر بعضه في جريدة نيويورك ~~تايمز وغيرها من الجرائد التي صدرت بتاريخ 4 إبريل سنة 1944م، وإذا ما قرأت هذا البلاغ الآن ~~بعد أن انتهت الحرب بانتصار الروس وحلفائهم، فإني لا أجد فيه ما يجب تعديله، بل إني لأجد ~~عكس هذا، أجد أن الزمن قد حقق مخاوفي وتحذيري. # لقد اتهمت الكرملن وقتئذ بأنه يعمل لأغراض تتعارض مع التعاون المزعوم بينه وبين ~~البريطانيين والأمريكيين وإن كان حليفهم في الظاهر، ولقد كتبت في ذلك الوقت أن موسكو - وإن ~~تظاهرت بحل الدولية الشيوعية - لا تزال توجه الحركات الشيوعية في جميع أنحاء العالم، وحين ~~أشرت في هذا البلاغ إلى السياسة التي يتبعها ستالين إزاء بولندا والأمم البلقانية ~~وتشكوسلوفاكيا والمجر والنمسا وغيرها من البلاد، حاولت أن أظهر أن الأغراض التي يهدف إليها ~~أغراض سوفيتية خالصة لا تتفق قط مع المبادئ الديمقراطية، ثم أضفت إلى هذا قولي: «تدعي ~~الحكومة السوفيتية أنها تعمل لإقامة صرح الديمقراطية في البلاد المحررة من نير الفاشية، ~~ولكنها لم تخط خطوة ms805 جدية واحدة نحو منح الشعب الروسي الحرية الأولية. # ولا يزال الشعب الروسي كما كان في العهود الماضية خاضعا لضروب من العسف والظلم لا يمكن ~~وصفها، ولا تزال الشرطة السرية تعمل عن طريق آلاف الجواسيس التابعين لها، وتفرض سلطانها ~~المطلق على سكان البلاد الروسية ، ولقد أخذت الحكومة السوفيتية تقيم نظامها السياسي نظام ~~العسف الخارج على كل الشرائع في الأقاليم التي حررت من الغزاة النازيين، ولا تزال ~~السجون ومعسكرات الاعتقال تعمل عملها كما كانت تعمل من قبل. # وأدرك الشعب الروسي أن ما عقده في بداية الحرب من أمل في الإصلاح السياسي والاجتماعي كان ~~مجرد أحلام وأوهام. # واعتقادي أن الشعب الروسي أشد حاجة من سائر شعوب العالم إلى الحقوق السياسية الأولية، ~~وإلى حرية القول والصحافة، وإلى التحرر من العوز والخوف، وكل ما ناله هذا الشعب من حكومته ~~فيما يتصل بهذه الحريات هو الألفاظ الجوفاء، ولقد مضت عليه السنون الطوال وهو يرزح تحت ~~سلطان الخوف والعوز، ولئن كان الشعب الروسي جديرا بنعمة الحرية فيما مضى، فهو الآن أجدر ~~بها من ذي قبل بفضل تضحياته التي تجل عن الوصف والتي أنقذت البلاد وأنقذت الحكم الحاضر نفسه ~~من الدمار، فاستطاع بذلك أن يكيل الضربات القاصمة إلى الفاشية ويقرر مصير الحرب ~~النهائي.» # ولم يحدث شيء يغير الصورة التي رسمتها في هذه العبارات وقت كتابتها، فما زال طغيان ستالين ~~قائما مركزا مسيطرا على البلاد، يحكمها بالعسف والجبروت، ولا تزال وسائل الإرهاب على ما ~~كانت من غلظة وقساوة، ولست أطمع في أن يدرك المواطن العادي في أمة ديمقراطية حقيقة العسف ~~القائم في الدول الدكتاتورية، وحسبي أن أقول: إن الذين وصفوا عرائض الاتهام ضد مجرمي الحرب ~~النازيين قد أوشكوا أن يدركوا هذه الحقيقة حين وضعوا الحكم النازي في هذه العرائض، فلما أن ~~قرأت الوثائق لم أتمالك أن صحت: ها أنا ذا أجد هنا على الأقل وصفا موجزا يليق بالعهد ~~السوفيتي، وكل ما نحتاجه فيها أن نغير قليلا من الأسماء وأن نستبدل السوفيت بالنازي، فنحصل ~~على صورة صادقة لعصابة الكرملن. # إن ms806 في هذه الوثائق لوصفا صادقا لمبادئ الزعامة النازية كما نراها في العقائد وفي ~~الأعمال الفاشية، وهي بعينها مبادئ الكرملن، تقول عرائض الاتهام: «لقد حل المتآمرون جميع ~~الأحزاب السياسية عدا الحزب النازي، وحرموا تأليف شيء منها ... وحولوا الريشستاغ إلى هيئة لا ~~تضم إلا مرشحيهم ، وقضوا على حرية الانتخابات الشعبية ... وأقاموا نظاما من الإرهاب يسلطونه ~~على من يعارضون هذا الحكم أو من يرتابون فيهم ويظنونهم من معارضيه، ووسعوا نطاق هذا النظام ~~إلى أبعد الحدود.» فلما قرأت هذه التهم خيل إلي أني أقرأ تهما موجهة للطغيان ~~السوفيتي ولجميع الدول البوليسية الدكتاتورية لا تختلف عنها إلا في أسماء الضحايا ~~والمتآمرين. # ولكن من بين أولئك الذين يحكمون على المتآمرين الهتلريين رجالا لا تطاوعهم نفوسهم أن ~~يحكموا على الذين تآمروا من الروس السوفيت على حريات الشعب الروسي؛ ولذلك لا يزال من واجبنا ~~أن ننبه الضمير العالمي إلى الفظائع التي ترتكب ضد هذا الشعب. # وسرعان ما حققت الحوادث النذر التي بدأت بها حياتي الجديدة. # ذلك أن لجنة المشتريات حين ظهرت أنباء فراري في الصحف ادعت أول الأمر أنها لا تعرفني، وما ~~من شك في أنها إنما فعلت ذلك لأنها كانت تنتظر ما ترسله إليها موسكو من التعليمات، ثم ~~اعترفت بعدئذ بوجودي وأخذت تذيع البيانات التي تسوئ بها سمعتي. # وكان أهم ما ادعته ادعاء لم أتنبه أنا إليه، وهو أني لا أزال ضابطا في الجيش الأحمر، ثم ~~حاولت بناء على هذا الادعاء أن تصف فراري السياسي بأنه هروب من الجندية، لتتخذ منه أساسا ~~لطلب تسليمي لستالين لإعدامي رميا بالرصاص، ولم يكن هذا الادعاء صحيحا، فقد انتهت حياتي ~~الحربية القصيرة قبل سنتين من ذلك الوقت في أحد المستشفيات، وأصبحت من ذلك الحين موظفا ~~مدنيا خالصا، قبل أن تفكر وزارة الشئون التجارية الخارجية في إرسالي إلى خارج البلاد، ~~وفضلا عن هذا فإني أعفيت إعفاء تاما رسميا من جميع واجباتي العسكرية قبل أن ترسلني ~~وزارة الشئون التجارية الخارجية في مهمتي إلى أمريكا، ولم يكن في وسعها أن ترسلني قبل هذا ~~الإعفاء. ms807 # وتدخلت الصحافة الشيوعية الظاهرة والمستترة في الكفاح الناشب بيني وبين الحكومة السوفيتية ~~بكل ما أوتيت من قوة، فهاجمتني جريدة الديلي ووركر الصادرة في 5 أبريل في مقال بإمضاء شخص ~~يدعى ستاروبين عنوانه قصة هارب حقير: هتلر يدعو آخر أنصاره في هذه البلاد، وكتب هذا ~~المقال بالأسلوب المألوف أسلوب السباب والشتائم الحزبية، ولكنه كانت تسري فيها كله نغمة قد ~~لا يدركها غير المطلعين، نغمة ظلت تدوي عالية في أذني التي ألفتها من زمن بعيد. # وكانت هذه نغمة التهديد المباشر، فقد أبلغ الرفيق ستاروبين الرؤساء: «نبأ خيانة حقيرة ~~أقدم عليها إنسان يدعي أنه موظف في بعثة تجارية سوفيتية» وكتب معلقا على هذا النبأ: «إن ~~أولئك الخونة من تروتسكي إلى من هم دونه من أمثال هذا الإنسان المسمى كرافتشنكو يخدعون ~~الناس إلى حين ولكن.» وهنا يبدأ الإنذار المقصود: «عين الإنسانية اليقظة البعيدة النظر ~~ويدها الشديدة البطش ستلاحقانهم وتمحوان في آخر الأمر أثرهم.» # ولما قرأت هذه الألفاظ ذكرت أن اليد التي بطشت بتروتسكي كانت تقبض على معول هشمت به رأسه ~~في مدينة المكسيك، وتلت هذه العبارة السابقة بضع فقرات قليلة كلها شتائم مقذعة عاد بعدها ~~الرفيق ستاروبين إلى نغمته الأولى: «وما من شك في أن كرافتشنكو كان يعد العدة لهذا الفرار.» ~~ثم أشار إلى ما أعلنته من أني أضع نفسي تحت حماية الرأي العام الأمريكي، وختم مقاله بقوله: ~~«إن بلادنا ليست أرضا مباحة لا أصحاب لها، يلجأ إليها أعداء حلفائنا وأعداء مجهودنا ~~الحربي ... وإذا ما أصبحت الولايات المتحدة مرتعا لهذا النوع من الحشرات، وملجأ للأشخاص ~~الذين لم يؤتوا قسطا كافيا من الرجولة يستطيعون، أن يوجهوا لشعب الاتحاد السوفيتي مباشرة ~~ما يوجهونه إلى جريدة نيويورك تايمز من الأقوال التي تلوكها ألسنتهم وهم يحتسون الخمور كان ~~ذلك اليوم أشد أيامنا نحسا.» # وبهذا القول أدخلت جريدة الديلي ووركر في روع الأغبياء من قرائها أن في مقدور كل من أوتي ~~«قسطا كافيا من الرجولة» أن يتحدث إلى شعب الاتحاد السوفيتي مباشرة، وقد جاء هذا عقب ~~قولها: إني كنت ms808 «أعتقد أن أيامي على ظهر الأرض أصبحت معدودة»؛ لأن الشرطة السوفيتية المنوط ~~بها مراقبة ما في القلوب وإن ظلت إلى ذلك الوقت تجهل آرائي، ستمحو آثاري، ولكن ذلك لن يكون ~~بيد العمال السريين لبلاد الرفيق ستاروبين الروحية بطبيعة الحال بل بيد «الإنسانية السائرة ~~إلى الأمام». # ولم أجد صعوبة في حل رموز هذه الرسالة، فقد كان معناها أنني إذا لم أعد إلى التزام الصمت ~~فإن «العين اليقظة واليد الباطشة» ستعملان عملهما، فلا تزال المعاول في الأيدي، وقد يظن ~~البعض أن هذه ألفاظ خطابية، ولكنني لسوء حظي أعلم الشيء الكثير عن أساليب العهد الذي خرجت ~~عليه وعن عماله. # ويلوح أن قلم المخابرات السوفيتية في نيويورك لم يجد صعوبة ما في تتبع آثاري ومعرفة ~~مكاني، رغم ما اتخذته من الاحتياط الشديد، وسرعان ما تبينت أن رجال هذا القلم يتسكعون في ~~الطرقات المواجهة للفندق الذي أقيم فيه، وكثيرا ما غيرت الفنادق، وتسميت بأسماء مختلفة، ~~وواسيت نفسي بأني قد اختفيت عن أعينهم، ولكني سرعان ما كنت أرى هؤلاء الرجال أنفسهم يراقبون ~~مساكني المؤقتة، وكثيرا ما كنت أغشى المجتمعات، وأركب السيارات وهي مسرعة لأتخلص ممن ~~يقتفون أثري، ولكن ذلك لم يجدني نفعا. # وأردت أن أنجو مدة وجيزة من هذه الرقابة المحطمة للأعصاب، فقبلت دعوة وجهها إلي نفر من ~~الأصدقاء الجدد لقضاء بعض الوقت معهم في مدينة وسط الأقاليم الغربية من الولايات المتحدة، ~~وكان هؤلاء الأصدقاء من الأمريكيين الذين بحثوا عني، وتعرفوا إلي بعد مقالة كتبتها في ~~جريدة الكوزمو بوليتن، وإذا كنت لم أخبر أحدا بسفري فقد ظننت أني قد أفلحت بمهارتي في ركوب ~~القطار دون أن يراني الرقباء، ولكني كنت مخطئا في ظني، فقد وجدت أصدقائي الذين كانوا في ~~انتظاري على إفريز المحطة في رعب شديد، وأشاروا إلى ثلاثة رجال ظلوا طوال الخمس عشرة دقيقة ~~الأخيرة يراقبونهم مراقبة شديدة دون أن يخفوا اهتمامهم بهم. # وما من شك في أن هذا الثالوث كان في انتظاري، ولاحظت أن أحدهم كان يضع يده اليمنى في جيبه ~~على الدوام، لا ms809 يخرجها منها أبدا، ولا يحول نظره عني مطلقا، ولما ركبنا عربتنا استقلوا هم ~~أيضا عربة أخرى، وساروا من ورائنا دون أن يحاولوا إخفاء أنفسهم عنا، وسرنا بعربتنا في ~~المدينة إلى غير مكان مقصود لعلنا نفر منهم، ولكن ذلك لم يجدنا نفعا، ولم تمر بنا السيارة ~~الأخرى وتختفي عن أعيننا إلا حين وقفنا عند مركز من مراكز الشرطة، واستطعنا أن نقرأ رقم ~~السيارة، ودلت تحرياتنا فيما بعد على أن لوحتها التي تحمل هذا الرقم لوحة مسروقة من سيارة ~~أخرى. # ورأيت هذه السيارة المشئومة نفسها عدة مرات في الأيام التالية تحوم حول البيت الذي كنت ~~أقيم فيه في إحدى ضواحي البلدة، وحدث بعد ذلك أن طلبت عدة مرار من نيويورك نفسها للتحدث ~~بالتليفون، وفي هذه الأحاديث كانت أصوات غريبة يدعي أصحابها أنهم «أصدقائي» تنذرني بأن ~~حياتي في خطر، وبأن من واجبي أن أختفي عن الأنظار، وما من شك في أن الخطة الموضوعة كانت ~~تقضي بإخافة من نزلت في دارهم ليخرجوني منها، ثم استدراجي بعدئذ إلى مكان خفي «يقضى» علي ~~فيه بسهولة، وأحسست وقتئذ كأني عدت إلى اتحاد جمهوريات السوفيت الاشتراكية، ولم أكن في ~~الولايات المتحدة الأمريكية بلاد الحرية، ولم أكن أدري هل أستطيع بعدئذ أن أعيش وأن أعمل ~~بلا خوف على حياتي؟ # واحتمل أصدقائي ذلك الضغط والإرهاب بشجاعة، وسأظل مدينا لهم بالشكر ما حييت فقد كان ~~مضيفي يأوي إلى فراشه ليلة بعد ليلة وبالقرب منه بلطة - وهي السلاح الوحيد الذي كان في بيته ~~- استعدادا للخطر المرتقب، وبرهن غيره من الأمريكيين - وبعض الروس أيضا - في أجزاء أخرى ~~من البلاد على أنهم لا يخشون الإرهاب السوفيتي ولا يترددون في المخاطرة بأنفسهم لينقذوا ~~بذلك حياتي، بينا كنت أعمل في تأليف هذا الكتاب. # وها أنا ذا قد فرغت من تأليفه، وقصصت فيه قصتي، وقد يفلح القتلة الذين يدعون أنهم ~~يعملون لخدمة: «الإنسانية السائرة إلى الأمام» في «القضاء» علي، وقد يتصرم أجلي ولكنهم ~~لن يفلحوا في محو هذا السفر المهدى إلى الشعب الروسي الذي أنشأني، والذي طال ms810 أمد ~~عذابه، والذي أرجو أن يستمتع يوما ما بالحرية الحقة والديمقراطية الاقتصادية ~~الصحيحة. # فإذا حل ذلك اليوم فسوف نقترب حقا من المثل الأعلى الذي ننشده، وهو أن يكون العالم كله ~~عالما واحدا؛ ذلك أنه ما دام سدس العالم، وقد اتسعت الآن رقعته بالضم والتسلط والغدر ~~بالأمم الضعيفة، ما دام سدس العالم عبدا ذليلا للطغيان يعيش في ظلام فكري حالك، فإن ~~السلام الذي يقوم فيه سيكون سلاما مزعزعا، هذا إذا قام فيه سلام على الإطلاق. # وليست الخطوة التالية التي يجب أن تخطوها الشعوب نحو السلام والأمن هي إقامة نظام عالمي ~~شامل - وإن كان هذا النظام سيقوم حتما في يوم من الأيام - بل هي تحرير الجماهير الروسية من ~~الطغاة الذين يستبدون بها، وما على الإنسان إلا أن يفترض أن معجزة قد حدثت فحولت الروسيا ~~إلى بلاد ديمقراطية لكي يوقن أن كثيرا من التوتر الذي يسود العالم الآن ويهدد السلام ~~العالمي سيزول من تلقاء نفسه، ويصبح التعاون العالمي الحق أمرا غير بعيد، وقد يقال لي: إن ~~تحرير الروسيا من نير الطغاة أمر يهم الروس دون غيرهم، وما أبعد أولئك الذين يظنون هذا الظن ~~عن محجة الصواب؛ ذلك أن سلامة المدنية بأجمعها، وقيام صرح السلام الدائم القوي الأركان، ~~موقوفان من وجوه عدة على هذا التحرير. # ولست من المسرفين في التفاؤل الذين يعتقدون أن هذه المعجزة ستحدث في حياة هذا الجيل، ~~ولكني أعرف عن يقين أن أول شرط لتحرير الروسيا على يد أبنائها هو أن يفهم العالم الديمقراطي ~~حقيقة الأحوال السائدة فيها، فإذا تم هذا فإن الرأي العام العالمي ومعونته الأدبية والروحية ~~اللذين يسخران في هذه الأيام لنصرة استبداد الكرملن، إن هذا الرأي وتلك المعونة سيقويان أمل ~~الروس في الحرية. # وهذا الكتاب الذي يصف قصة رجل من الروس لم ينتزع من قلبه حبه للحرية وهيامه بها، ولا ~~تختلف حياته عن حياة سائر مواطنيه، دعوة حارة ألجأ بها إلى ضمير أمريكا وضمير العالم ~~الديمقراطي. # | حاشية # بدأت في تأليف هذا الكتاب عقب فراري من بعثة المشتريات السوفيتية ms811 مباشرة، وواصلت العمل ~~فيه شهرا بعد شهر في أقسى ظروف الاضطهاد والتهديد الموجه إلى حياتي، وكنت في أثناء العمل ~~دائم الانتقال من مدينة إلى مدينة، ومن فندق إلى فندق، ومن مسكن إلى مسكن، أتسمى بأسماء ~~مستعارة، وأنتسب إلى أمم مختلفة، وأنشد «السلامة» أحيانا في بيوت الأمريكيين أو في بيوت ~~مواطني الروس، وأرى حقا علي أن أعبر عن شكري الخالص لكل من عطف علي وأمدني بمعونته ~~الأدبية. # ولو أن عملاء السوفيت قد أمسكوا بتلابيبي في خلال تلك الفترة «لمحوا» أثري من الوجود، أو ~~لفعلوا بي ما هو شر من هذا، فبعثوا بي إلى الاتحاد السوفيتي «لأحاسب» على ما جنته يداي، ~~ولكن كان من حسن حظي أن شيئا من هذا لم يحدث، ومن ثم أصبحت الآن - ولأول مرة في حياتي - ~~أشعر أني حر طليق أستطيع الدفاع عن بلدي وعن شعبي وعن نفسي. # وكانت الحرب لا تزال دائرة الرحى حين غادرت بعثة المشتريات؛ ولذلك كانت الضرورة الملحة ~~القاضية بالتعاون العسكري بين الديمقراطيات الغربية ودولة الاتحاد السوفيتي الطغيانية تفرض ~~علي أشد القيود، ولقد قبلت هذه القيود عن رضا وطيب خاطر؛ لأن الحاجة إلى النصر المشترك ~~كانت مفضلة لدي على كل شيء سواها، أما الآن وقد انتهت الحرب بنصرنا، فإني أرى من الواجب ~~المفروض علي أن أتحدث لأكشف عن كل شيء ولأكشف عنه بأعظم ما أستطيع من الصراحة والقوة، ومن ~~أجل ذلك وضعت هذا الكتاب. # وثمة سبب آخر يحتم علي أن أفصح عما في نفسي؛ ذلك أن كثيرا من الشعوب والأمم قد أخذت ~~منذ نهاية الحرب «تنحرف نحو اليسار» بعضها طائعة تفعل ذلك بملء حريتها وبعضها مكرهة تفعله ~~تحت تأثير الضغط الخارجي، ولو أنه كان من المستطاع أن يتم هذا دون أن يحدث فيه ما حدث في ~~المرحلة الأولى من مراحل الانقلاب في الروسيا، وأن يكون صورة كاملة من الشيوعية الطغيانية ~~القائمة في الكرملن، لو كان هذا مستطاعا لناديت بترك المقادير تجري في أعنتها، ولكن أشد ما ~~يؤسف له أن الانقلابات التي جرت في جزء ms812 كبير من بلاد العالم المتمدين، حيث استطاعت القوة ~~السوفيتية والمبادئ السوفيتية أن تتخذ طريقها، قد أيدت مخاوفنا، فحدث فيها مثل ما حدث في ~~المرحلة الأولى من مراحل الانقلاب السوفيتي وسادت فيها النظم السوفيتية في صورتها ~~النهائية. # إن الدولة البوليسية تقبض بيد من حديد على أبناء وطني، فلا يستطيعون أن يسمعوا العالم ~~صوتهم ليفصحوا له عن آرائهم وآمالهم وشقائهم؛ ولهذا أشعر أني إذا استطعت أن أكشف للبلاد ~~الديمقراطية وحكوماتها عن حقيقة الطغيان القائم في الكرملن، فإني بالقدر الذي أكشف عنه من ~~هذا الطغيان أعمل ولو قليلا على تحذير العالم من ضروب الخداع والأوهام؛ ذلك أن أهم ما ~~نحتاجه لبناء عالم خير من عالمنا الحاضر أن يسود التفاهم المتبادل، وتقوى أواصر المودة ~~والصداقة بين شعوب الأرض لا بين حكوماتها فحسب. # وليس الطغيان الشيوعي القائم في اتحاد جمهوريات السوفيت الاشتراكية مشكلة مقصورة على ~~الشعب الروسي وحده، ولا على الشعوب الديمقراطية وحدها، بل هي مشكلة الإنسانية بقضها ~~وقضيضها، إذ ليس في مقدور العالم أن يظل أبد الدهر غير عابئ بما يعانيه من ألوان العذاب قسم ~~كبير من بني الإنسان، منتشر على سدس سطح الكرة الأرضية، إن هذا القسم تحكمه زمرة متألهة من ~~الزعماء تعتمد على هيئة سياسية عليا من رجال الحزب البلشفي، وعلى شرطة سرية ضخمة مهولة، ~~وليس لمئات الملايين من الآدميين الذين يسكنون في اتحاد جمهوريات السوفيت الاشتراكية رأي ~~مسموع في تقرير مصيرهم، وهم مقطوعو الصلة بشعوب البلاد الأخرى وبمجرى تفكيرهم. # ويعمل زعماء الكرملن وأعوانهم المقيمون في خارج بلادهم جادين ليحملوا سائر شعوب العالم ~~على الاعتقاد بأن النظام السوفيتي ضرب من الحرية وبأن الديمقراطية الحقة ليست هي ~~الديمقراطيات «العتيقة البالية» بل هي ديمقراطية النظام السوفيتي نفسه. # ولا حاجة بي إلى القول بأني كتبت هذا الكتاب بلغتي الروسية، فكان لا بد إذن من ترجمته، ~~وأن النص الإنجليزي قد روجع فيه ما يتصل بأمريكا قبل صدوره بالإنجليزية، ولكني اشترطت في ~~هذه المراجعة أن يكون جميع ما فيه من الحقائق والحوادث والتجارب الشخصية والحادثات السياسية ~~والوصف ms813 التصويري والخصائص الفردية؛ أن تكون هذه كلها بجميع دقائقها وتفاصيلها هي بعينها ~~التي وردت في المخطوط الروسي، هذا إلى أني قد راجعت النص الأخير من الكتاب بنفسي بعد أن ~~تمت ترجمته وأشرفت على طبعه. # ولقد حاولت أن يكون الكتاب على نمط سيرة شخصية، ومن أجل هذا كان لا بد لي أن أغفل فيه ~~قسما كبيرا من المعلومات المتصلة بالنظم السياسية والإدارية والشرطية المعقدة، وبالمشاكل ~~الخاصة بالدولة السوفيتية، وفي عزمي أن أنشر ذلك كله وغيره من الشئون المتصلة به فيما ~~بعد. # ولقد اضطررت أحيانا إلى تغيير أسماء بعض الأشخاص وإخفاء أسماء بعض الأمكنة، وتحوير بعض ~~الظروف؛ لكي أحمي بعض الأشخاص الذين لم يرتكبوا ذنبا من بطش الدولة السوفيتية وانتقامها، ~~ولكني حين لجأت إلى هذا العمل الذي حتمته علي الظروف القاهرة، قد التزمت الصدق التام في ~~رواية الحوادث ذاتها ولم أخل قط بما لهذه الحوادث من أهمية في القصة. # وختاما أهدي هذا الكتاب إلى أبناء الروسيا وأنا واحد منهم، وأهديه إلى ذكرى الملايين ~~الذين قضوا وهم يجاهدون للتخلص من الاستبداد السوفيتي، وإلى الملايين من الأبرياء الذين ~~يقضون زهرة العمر في سجون الكرملن وفي معسكرات السخرة التي يخطئها الحصر، وإلى ذكرى ~~الملايين من مواطني الذين ضحوا بحياتهم دفاعا عن أرض الآباء والأجداد وهم يحلمون بأنهم ~~يهيئون لأبناء وطنهم مستقبلا مجيدا خيرا من حاضرهم. # وأهدي هذا الكتاب أخيرا إلى الشعوب الراقية المتحضرة ذات النزعة العقلية الاجتماعية ~~التي تؤيدنا في الجهاد لإقامة صرح روسيا الديمقراطية التي لا يرجى للعالم سلام دائم بغير ~~قيامها. # فكتور كرافتشنكو # نيويورك في 11 فبراير سنة 1946م ms814