######OpenITI# #META# URI: 1414ZakiNajibMahmud.AyyamFiAmrika.Hindawi30624697 #META# Tags: biographies #META# ID: 30624697 #META# Title: أيام في أمريكا #META# AuthorID: 64904748 #META# Author: زكي نجيب محمود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة الطبعة الأولى‏ # مقدمة الطبعة الثانية‏ # 1 - في الطريق، وفي الجنوب‏ # 2 - في واشنطن‏ # 3 - في نيويورك‏ # 4 - عودة إلى الجنوب‏ # 5 - من الجنوب إلى الغرب‏ # 6 - في الغرب‏ # مقدمة الطبعة الأولى‏ # مقدمة الطبعة الثانية‏ # 1 - في الطريق، وفي الجنوب‏ # 2 - في واشنطن‏ # 3 - في نيويورك‏ # 4 - عودة إلى الجنوب‏ # 5 - من الجنوب إلى الغرب‏ # 6 - في الغرب‏ # | أيام في أمريكا # | أيام في أمريكا # تأليف # زكي نجيب محمود # | مقدمة الطبعة الأولى # هذه أيام من عام 1953-1954م قضيتها في أمريكا أستاذا زائرا باثنتين من جامعاتها: ~~إحداهما جامعة كارولاينا الجنوبية في الجنوب، والأخرى جامعة ولاية واشنطن في أقصى الشمال ~~الغربي؛ إذ أقمت في كل منهما فصلا دراسيا، فأتيح لي بذلك أن أقطع البلاد من شاطئ ~~المحيط الأطلسي شرقا إلى شاطئ المحيط الهادي غربا. # لكن أكثر اليوميات - بطبيعة الحال - قد كتبت في مدينتي: كولمبيا بولاية كارولاينا ~~الجنوبية حيث أقمت الفصل الأول من العام الجامعي؛ وبلمان بولاية واشنطن حيث قضيت الفصل ~~الثاني؛ هذا فضلا عن زيارتي لواشنطن العاصمة، ونيويورك ونيو أورلينز ولوس أنجلس وسان ~~فرانسيسكو وسياتل، وغيرها. # إن من أظلم الظلم أن تحكم على شعب بأسره حكما ما ~~وأنت واثق من صدقه؛ ذلك لأن الناس أفراد يختلف كل فرد منهم عن سواه، وقد يتعذر جدا - بل ~~يستحيل أحيانا - أن تدرك أوجه الشبه السارية في الجميع، والتي جعلت من مجموعة الأفراد أمة ~~واحدة ذات طابع معين يميزها ... وإذا فخير ما تستطيع قوله وأنت مطمئن إلى صدق قولك، هو أن ~~تصف خبرتك الشخصية مستندا إلى الأفراد الذين كانوا لك مصدر تلك الخبرة؛ فهؤلاء الأفراد ~~فيما يقولونه لك وما يتصرفون به في وجودك، هم الأساس الذي يمكنك من تكوين فكرة يجوز لك في ~~حذر أن تعممها على بقية أفراد الشعب الذين لم ترهم ولم تسمع عنهم. # في هذه اليوميات سجلت بعض خبرتي تسجيلا أمينا صادقا؛ فوصفت من صادفته وما صادفته من ~~الأشخاص والحوادث، بالإضافة إلى ما أحسسته إزاء أولئك ~~الأشخاص وهذه الحوادث، وأردت أن أشرك القارئ العربي ms001 في خبرتي؛ فنشرت هذه اليوميات، ~~راجيا أن يجد فيها القارئ شيئا مما يود أن يقرأه عن الحياة في أمريكا، والحياة الفكرية ~~بنوع خاص. # زكي نجيب محمود # | مقدمة الطبعة الثانية # إنني إذ أتقدم للمرة الثانية إلى القراء بهذه «الأيام»، أقرر حقيقة قد غابت - على ~~وضوحها - عن بعض الذين تفضلوا بنقد الكتاب في طبعته الأولى، وتلك هي أن في هذا الكتاب ~~«انطباعات» انطبعت بها حاسة البصر أو حاسة السمع أثناء مقامي في الولايات المتحدة عام ~~1953-1954م أستاذا زائرا، كنت أثبتها يوما فيوما؛ وليس «الانطباع» مما يوصف بالخطأ، ~~بمعنى أنه لو حدث لزائر آخر أن يرى غير الذي رأيت أو يسمع غير الذي سمعت؛ لكان كلانا ~~مصيبا بمقدار ما أصاب في إثبات انطباعه على الورق؛ ليس الأمريكيون رجلا واحدا، بل هم ~~مائة وستون مليونا أو يزيد، ولا يستطيع الزائر - بداهة - سوى أن يتحدث إلى عدد قليل جدا ~~من هؤلاء، فكل واجبه - إذا أراد أن يكتب عن خبرته - ألا يجاوز حدود ما قد سمع منهم، ويجوز - ~~بل يرجح - ألا يكون هؤلاء أنفسهم هم الذين يلتقي بهم ويتحدث إليهم الزائرون الآخرون، ~~وإذا فلا تناقض في أن يسافر اثنان إلى بلد واحد، كل منهما يسمع شيئا غير الذي سمعه ~~الآخر، أو يرى شيئا غير الذي رأى. # لقد حرصت جهدي عندما كتبت هذه اليوميات أن أكون أمينا في وصف خبراتي، ولست أدعي أنها ~~الخبرات الوحيدة التي لا بد أن يصادفها كل كاتب آخر، وحسب قارئي أن يعلم أني صدقته الخبر ~~في حدود خبرتي الخاصة، فأتحت له فرصة العيش معي أياما عشتها هناك. # إن لكل كاتب طابعا خاصا، ولعل طابعي الخاص يتميز بالنقد الذي قد يشتد أحيانا معتمدا ~~على صدق نيتي وإخلاصي؛ ولا أظن أن قارئا يخطئ هذا الجانب مني إذا قرأ لي «جنة العبيط» ~~و«شروق من الغرب» و«الثورة على الأبواب» و«قشور ولباب» - وكلها مجموعات من مقالات تنحو هذا ~~المنحى على تباعد فترات نشرها؛ فإذا وجدني القارئ في هذه اليوميات التي أقدمها له الآن ~~كثيرا ما أميل - عند ms002 مقارنة الأشياء بعضها ببعض - إلى ذكر أوجه النقص عندنا، فليحمل هذا ~~النقد بصدر رحب، وله بالطبع كل الحق في ألا يأخذ بما أخذت به من وجهات النظر ... إنني أقول ~~ذلك لأن ناقدا فاضلا كان قد لامني على ما وجهته إلى الحياة المصرية من نقد هنا وهناك ~~بمناسبة ما كنت أراه أو أسمعه أثناء زيارتي للولايات المتحدة؛ ولو أنصف في نقده لأوضح ~~لي موضع الخطأ في رأيي، وليس أحب إلى نفسي من أن أرى ما يراه عن اقتناع كلما اختلفت ~~بيننا الآراء؛ إن المصري إذ يكتب للمصري هو أخ يتحدث إلى أخيه، فقد يتفقان وقد يختلفان، لكن ~~كلا منهما - على كلتا الحالين - يريد الخير للآخر. # أرجو أن يجد قارئ هذا الكتاب ما قد أردته له من فائدة ونفع. # زكي نجيب محمود # الجيزة، يوليو 1957م # الفصل الأول # | في الطريق، وفي الجنوب # الأربعاء 16 سبتمبر 1953م (في الطائرة) # غادرت القاهرة ظهر اليوم، وجلست في الطائرة إلى جوار شاب في مقتبل العمر حسبته ~~عراقيا، لكنه سرعان ما تبين أنه من نيكاراجوا، هو القنصل العام لبلده في شرق الأردن ~~وإسرائيل، يتكلم العربية متعثرا ... وما كدنا نعلو في الجو فوق قطع السحاب الخفيف ~~المبعثر فوق أرضية صفراء هي أرض الصحراء الغربية، حتى مرت بنا المضيفة باسمة توزع ~~علينا قطع النعناع، وبعد أربعين دقيقة أعلن الميكروفون في الطائرة أننا الآن فوق مدينة ~~الإسكندرية، فنظرت فإذا بالإسكندرية لا تزيد على خطوط رفيعة مرسومة بالقلم الرصاص على ~~الورق، وهنا ذكرت من أعرفهم هناك من أهل وأصدقاء، وقلت لنفسي: إذا كانت المدينة ~~الضخمة قد استحالت إلى هذه الخيوط الرقيقة، فبأي منظار يمكن أن أرى الناس؟ والإنسان في ~~هذه الحالة أميل إلى التسرع بالحكم على نفسه بالتفاهة والضآلة؛ فقليل من الارتفاع ~~في الجو يمحوه؛ فماذا يكون أمره عند الرائي من أفلاك أخرى وأكوان أخرى؟ لكن الخطأ هنا ~~هو نسيانه أن الطائرة التي مكنته من الصعود هي من صنعه ووليدة فكره وطموحه وخياله ~~الوثاب. إن أول سطر ينبغي أن يكتب في كتاب ms003 ثورتنا وأن يقرأ ألف مرة كل يوم، هو أن ~~نقرر لأنفسنا عن عقيدة قوة الإنسان وجبروته، وأن نمحو من صفحات أذهاننا هذا الوهم ~~الذي ما ينفك يعاودنا ويخيفنا، وهو أن الإنسان مخلوق تافه ضعيف. # غادرنا صفرة الرمال إلى زرقة الماء، فودعت بذلك وطني، وهبطنا في أثينا وفي روما ~~وفي زيورخ وفي باريس وفي شانن بأيرلندة، ومنها عبرنا المحيط الأطلسي؛ ولهذا وقفت ~~المضيفة تشرح لنا كيف تلبس معاطف النجاة إذا اضطرت الطائرة إلى الهبوط فوق ~~الماء. # ركب الطائرة في باريس قسيس أمريكي وجلس إلى جانبي، طويل الجسم عريضه، حليق اللحية، ~~لا يدل على أنه من رجال الدين شيء في مظهره سوى الصدار الأسود؛ فكان هذا أول أمريكي ~~أتحدث إليه في رحلتي إلى أمريكا؛ إنني مقدم على هذه الرحلة معتزما أن أخبر الشعب ~~الأمريكي عن كثب، لا أتأثر في حكمي إلا بما أراه وما أسمعه؛ ولما كان الشعب هو مجموعة ~~أفراده، فمن الأفراد الذين سألتقي بهم وأحدثهم ستتكون فكرتي الخاصة عن الأمريكيين، ~~وإذا فلأنصت جيدا إلى كل حديث، ولأقرأ جيدا كل ما أراه على الوجوه من تعبير؛ فهذا ~~القسيس الأمريكي قد بدت منه علامات الطيبة القلبية منذ اللحظة الأولى، كان على أسرع ~~استعداد أن يعين كلما اقتضى الأمر أن يقدم معونة إلي، ولما شكرته ذات مرة على قدح ~~القهوة الذي تناوله من المضيفة وناولني إياه، اطرد بيننا الحديث، فسألته هل ذهبت ~~إلى مصر؟ فقال: لا، إن أبعد ما وصلت إليه في أسفاري هو روما، لقد عبرت المحيط مرتين ... ~~ولما عرف أني مصري سألني: ما حقيقة الموقف بينكم وبين الإنجليز؟ ثم سرعان ما تدارك ~~قائلا: معذرة، فأظنكم على صلة بالفرنسيين لا بالإنجليز، فصححت له الخطأ وأفهمته أن ~~المشكلة الرئيسية هي بيننا وبين الإنجليز، فسألني: إذا فأنتم خاضعون لبريطانيا، وأنتم ~~لا تريدونها أن تحكمكم، أهذا هو الموقف؟ فابتسمت قائلا: ليس في الأمر خضوع ولا حكم، ~~إننا دولة مستقلة حرة، والأمر كله قائم على وجود قوة عسكرية لهم على جزء من أرضنا هي ~~منطقة قناة ms004 السويس، ونريد إخراج تلك القوة من هناك، فانتقل فجأة إلى سؤالي عن عدد ~~الكاثوليك في مصر ... ومضينا في الحديث، فعجبت إذ رأيت بدايته الدالة على جهل شديد ~~بمصر، قد انتهت إلى نهاية دالة على كثرة معرفة وسعة اطلاع، ولولا أنه مشغول العقل ~~بالكاثوليكية إلى حد أعجزه عن التفكير في شيء إلا إذا مزجه بالكاثوليكية؛ لكان رجلا ~~رفيع الثقافة. # قدم لي سيجارة فاعتذرت شاكرا؛ لأني لا أدخن، فقال: ولا أنا أدخن السجائر إلا ~~في رحلة كهذه، لكني بالطبع أدخن السيجار. وعرف أني مشتغل بالفلسفة فسألني عن الوجودية ~~من جهة، وعن الوضعية المنطقية من جهة أخرى، وطلب مني أن أشرح له وجهة نظري في علاقة ~~هاتين الفلسفتين المعاصرتين بالكاثوليكية، فهو يريد أن يعلم إن كان هو قد أصاب الرأي ~~حين رأى أن هاتين الفلسفتين خطر على الدين، فشرحت له رأيي في الوجودية وفي الوضعية ~~المنطقية، لكني رفضت أن أقول شيئا في علاقتهما بالدين، تاركا له هذه الناحية من ~~الموضوع يفيض فيها الحديث ما شاء؛ لأنها تشغله أكثر مما تشغلني، وتهمه أكثر مما ~~تهمني. # وانتقل الحديث إلى الشيوعية، فراح يستنكرها في حماسة عجيبة؛ فقد ثار هنا ثورة ~~انفعالية لا يتوقعها السامع من رجل ديني طابعه الهدوء، وقال - وكأنه يخطب جمهورا ~~كبيرا أمامه مع أنه يتحدث إلى شخص واحد في طائرة تشق ظلام الليل على ماء المحيط: ~~إنني أعلنتها مرارا في كنيستي، بأنني مستعد لجمع التبرع من أهل دائرتي الكنسية؛ ~~لأعطي المال المتجمع لأي إنسان يحس في نفسه الرغبة في اعتناق الشيوعية، فيسافر إلى ~~الروسيا على حساب كنيستي، وإذا استطاع الدخول فله الحق في اعتناق المذهب الشيوعي الذي ~~تمناه لنفسه، أما إذا أوصدت دونه أبواب الروسيا وعاد بخفي حنين، ففيم إذا ~~استمساكه بمذهب لا يريد أصحابه أن يفتحوا له أبوابهم لينضم إلى صفوفهم؟ # أطفئت المصابيح داخل الطائرة، وراح المسافرون يصلحون من مقاعدهم ليناموا، ~~وأسندت رأسي ونمت ثم صحوت بعد ساعتين، وشعرت ببرد خفيف فتدثرت ببطانية صغيرة موضوعة في ~~أعلى مقعدي، ثم نمت مرة أخرى ms005 نحو ساعة ... الركاب نائمون أو هم يتخذون ظواهر النوم ... ~~ونظرت إلى المحيط، فلم أر محيطا بالطبع؛ لأننا على ارتفاع شديد، لكني رأيت جوا ~~مفضضا؛ فالظاهر أنها كانت ليلة مقمرة، وأن ضوء القمر كان منعكسا على السحاب من ~~تحتنا فأحدث هذا اللون الفضي ... إنني الآن أشعر برئتي حين أتنفس، ولست أدري أهي نتيجة ~~محتومة بسبب الارتفاع، أما أنها ظاهرة خاصة بي وحدي. # ظللت أنظر إلى الجو الفضي خلال الزجاج، وقلت في نفسي: ما أبعد الفرق بين إنسان ~~وإنسان! قارن بينك الآن وأنت تعبر المحيط على هذا النحو، وبين كولمبس وهو يعبر ~~المحيط نفسه؛ لتعلم كم يكون الفرق بين الفرد المبدع الخلاق المبتكر وبين الأفراد الذين ~~يجيئون بعد ذلك فيتبعونه! إن خيال رجل واحد وجرأته فتحت للناس عالما جديدا، وشقت ~~لهم طريقا جديدا، وسرعان ما يختلط علينا الأمر فنظن ألا فرق بين من يبدع ومن يتبع! ~~سرعان ما يختلط علينا الأمر في مصر فلا ندرك فرقا بين مبتكر الطائرة مثلا وبين من ~~يركب الطائرة على نموذج أمامه! سرعان ما يختلط علينا الأمر في مصر فلا نرى المسافة ~~الشاسعة بين عالم يبحث ويصل إلى النتائج الجديدة وينشر هذه النتائج، وبين من يأتي بعد ~~ذلك ليقرأ هذا المنشور ويدرسه ويفهمه، فنقول لأنفسنا: إن منهم علماء ومنا علماء، ولا ~~فرق بين شعب وشعب ولا بين شرق وغرب! ... لكن الفرق يا صاحبي هو نفسه الذي يقع بيني وبين ~~كولمب في عبور المحيط، عبره هو لأول مرة مغامرا مخاطرا متخيلا متعقلا، وعبرته ~~بعده تابعا، فلا مغامرة ولا مخاطرة ولا خيال ولا فكر. # الخميس 17 سبتمبر سنة 1953م # أخذت تباشير الصبح تنتشر حولنا بعد أن قطعنا في سواد الليل أكثر من خمس عشرة ساعة؛ ~~لأننا نتجه غربا كما تتجه الشمس، فنحن والشمس نسير في اتجاه واحد كأنما نحن معها في ~~سباق لا نريدها أن تلحق بنا، لكنها في سيرها أسرع من طائرتنا، فلحقت بنا بعد ظلام طويل، ~~ونظرت عند إشراقها فإذا نحن سائرون فوق سحاب كثيف: منظر غاية ms006 في الروعة والجمال، فكأن ~~ما تحتنا من سحاب جبال من رغاوي الصابون، أو أكداس من دخان أبيض. # بدأت الحديث مرة أخرى مع القسيس الذي يجلس إلى جواري، ولم نكد نتحدث حتى طرق ~~الكاثوليكية من جديد يحدثني فيها، ويطلب مني في إلحاح أن أقابل القسيس الكاثوليكي في ~~البلد الذي سأحل فيه، وهو كولمبيا من ولاية كارولاينا الجنوبية، وعاد مرة أخرى يستوثق ~~مني الرأي في بعض نواحي الفلسفة المعاصرة من وجودية ووضعية منطقية؛ ليرى كيف يمكن للدين ~~أن يتقي مواضع الخطر، وقال لي آخر الأمر: إنك لن تجد الأمريكيين كلهم من أمثالي، ~~تحدثهم مثل هذا الحديث العالي فيفهمونك، فقد تقول لهم: «وضعية منطقية»، فيسألونك: كم ~~طابقا تكون هذه العمارة؟ فأنبأته بأن زعماء هذه الحركة الفلسفية هم اليوم في أمريكا، ~~ونحن إنما نتبع ولا نجيئهم في ذلك بجديد. # وصلنا مطار نيويورك بعد طيران دام ثلاثا وثلاثين ساعة، وكنت قد احتفظت في ساعتي ~~بوقت القاهرة، فكانت الساعة عليها عندئذ الثامنة، فأرجعتها ست ساعات لتدل على وقت ~~نيويورك، ووجدت سيدة تسأل عني جاءت لتستقبلني ووجدت معها قائمة بأسماء الغرباء الذين ~~ينتظر وصولهم اليوم، أعطتها إياها وزارة الخارجية، وسرعان ما علمت أن السيدة تنتمي ~~إلى جمعية تطوعية جعلت مهمتها استقبال الغرباء من أساتذة وطلاب؛ ليمهدوا لهم طريق ~~الاستقرار في بلادهم حتى لا يضلوا السبيل كما يضل كل غريب ليس له هاد يهديه، وقد يظن ~~السامع أن هذه هي الجمعية الوحيدة التي أخذت على نفسها هذه المهمة الإنسانية؛ لأنه في ~~الحقيقة يكفي أن تفكر جماعة واحدة في التطوع لمثل هذا العمل، لكنني دهشت حين أعطتني ~~السيدة قائمة بأربعة وثلاثين عنوانا لأربع وثلاثين جمعية تطوعية، كلها تألفت لهداية ~~الزائرين الغرباء! # خرجت من مكان التفتيش الجمركي، ووقفت أنتظر السيارة العامة التي تنقل المسافرين من ~~المطار إلى المدينة، وهنا جاءني الشرطي فحياني بقوله: لا شك أنك مغتبط لعودتك إلى ~~أرض الوطن؛ فهذا شعور أحسست به أنا لما عدت إلى الوطن بعد غيبة. فقلت له: أنا مغتبط ~~لوصولي، ولكني زائر وليست ms007 أمريكا بوطني. فراح الشرطي يحدثني حديثا يفيض ودا وطيبة ~~قلب عما ينبغي أن يكون بين الناس من إخاء مهما اختلفت أوطانهم، وسأل متعجبا: لماذا ~~تنشأ حرب بين قوم وقوم كالحرب الكورية مثلا؟ ألا يريد كل رجل أن يعيش بين أهله؟ وقال ~~لي الشرطي - فيما قال - إنه إيطالي؛ فلم أفهم لأول وهلة ماذا يريد، ولو أنه بالطبع يقصد ~~أنه من أصل إيطالي، لكني لم أخل عندئذ من دهشة أن يذكر الأمريكي أصله الأوروبي ~~أول ما يذكره عن نفسه من حقائق، وجاءت السيارة فأعانني في حمل حقائبي وأوصى السائق بي ~~خيرا، ودله على أقرب مكان للفندق الذي علم أني سأقيم فيه. # لقد تحدثت حتى الآن مع ثلاثة: القسيس في الطائرة، والسيدة المتطوعة في المطار، وهذا ~~الشرطي، ولو كان هؤلاء عينة للشعب الذي جئت لزيارته، فهو إذا شعب ودود كريم طيب ~~معين. # الجمعة 18 سبتمبر # صحوت مبكرا، نزلت لأرى شوارع نيويورك وهي في هدوء الصباح، ولبثت أطوف على مهل، ~~شاخصا ببصري هنا، لامسا بأصابعي هنا، واقفا عند مفترق الطرق هناك! حتى إذا ما حان ~~موعد العمل في المكاتب قصدت إلى مؤسسة جون وتني في المبنى الضخم بميدان روكفلر، وهي ~~المؤسسة التي منحتني منحة سخية لأقيم في أمريكا عاما دراسيا، أحاضر في اثنتين من ~~جامعاتها: في جامعة كارولاينا الجنوبية بكولمبيا خلال النصف الأول من العام، وفي كلية ~~الدولة بولاية واشنطن في النصف الثاني من العام. استقبلتني الآنسة «ل» وهي فتاة في نحو ~~الخامسة والعشرين من عمرها، أو قد تزيد قليلا، سمحة الوجه، جميلة الملامح، مهندمة في ~~أناقة واحتشام، تبدو عليها علائم التهذيب والثقافة، استقبلتني بترحاب شديد، وأعطتني ~~القسط الأول من منحتي المالية، ودعتني على الغداء مع مدير المؤسسة الدكتور «و» ... ~~وفي الدقائق القليلة التي صحبتني فيها الآنسة «ل» لتعينني على صرف راتبي من مصرف في ~~أسفل البناء، أنبأتني عن جون وتني صاحب المؤسسة ومانحي المنحة المالية أنه رجل فوق ~~الأربعين بقليل، وقد كسب أمواله من سباق الخيل، حتى اقترن اسمه بالسباق في أرجاء البلاد ms008 ~~كلها، فأراد أن يغير منحى حياته ليكسب لنفسه شهرة عن طريق آخر، وبدأ عدة أعمال ~~من أهمها إنتاج الطعوم المثلجة المعبأة، وهو الآن في هذا المجال التجاري قد بلغ أوج ~~الشهرة ... تذكرت عندئذ أنني حين كنت أتحدث في الطائرة إلى جاري القسيس، وأنبأته أنني ~~أستاذ زائر بمنحة من جون هيي وتني صاحب الملايين، سألني القسيس: أهو وتني رجل السباق؟ ~~فقلت له: أي سباق؟ لا أظن ذلك؛ فهو رجل كل ما أعلم عنه أنه مشجع للعلم ~~والعلماء. # تركت الآنسة «ل» لأعود إلى مكتب المؤسسة ساعة الغداء، وقبل أن أسير في شوارع المدينة ~~جلست على مقعد قريب، ونشرت الخريطة أمامي لأرى أين أسير، وحددت لنفسي ثلاثة مواضع ~~أزورها هذا الصباح: عمارة إمباير ستيت التي هي أعلى بناء في العالم، والمكتبة العامة ~~وبناء جمعية الأمم ... الحق أنك لا تلبث في نيويورك أن تتعود ناطحات السحاب، كأنما أنت ~~مقيم فيها منذ أول نشأتك! فهي كما عهدناها في الصور وعلى الشاشة حتى ليخيل إليك ألا ~~جديد. # دخلت المكتبة العامة فإذا بها فوق كل خيال من الأناقة والفخامة والنظافة والذوق، وقد ~~رأيت على بابها إعلانا عن معرض لمخطوطات إمرسن، فجعلته هدفي من الزيارة، ووقفت في ~~غرفة المعرض أنظر إلى الصفحات المنشورة في صناديق الزجاج بخط إمرسن، وقرأت له بضعة ~~خطابات وجدت خطه فيها غاية في الوضوح. إن القارئ ليعجب أن يقرأ للأديب العظيم مثل ~~إمرسن خطابات خاصة كأنه رجل عادي له ما لسائر الناس من توافه وصغائر في حياته! ~~... # إنني أنظر إلى الناس في الطرق، فلا أجد ما توقعته من علامات السرعة والانشغال؛ فقد ~~كنت قرأت لكاتب مصري زار نيويورك وكتب لنا عنها أنه كلما سأل أحدا في الطريق سؤالا ~~امتنع عن الإجابة معتذرا أو بغير اعتذار؛ لأن الجميع في رأيه يسيرون وكأنهم يعدون ~~عدوا، ليس لديهم الوقت الذي يقفون فيه ليجيبوا السائل عن سؤاله ... إنني لم أشهد شيئا ~~من ذلك؛ فهم ناس كسائر الناس ذوي القلوب الطيبة، تسأل من شئت منهم فيقف لك محتملا ~~لغتك ms009 المتعثرة، ليفهم قولك ثم يهديك بقدر ما في مستطاعه أن يهدي. # تناولت الغداء مع الدكتور «و» والآنسة «ل» من مؤسسة وتني، وكان حديثنا على مائدة ~~الغداء يدور معظمه حول سؤال سألني إياه «و»، وهو: ما رأي المصريين في الأمريكيين؟ فقلت ~~له صادقا: رأي المصريين عن الأمريكيين لسوء الحظ مأخوذ من السينما؛ فالأمريكي عندهم - ~~كما هو عند العالم أجمع - رجل غني قليل الثقافة غريب النزوات؛ وأضفت إلى ذلك قولي: ~~إن تقدير المدنية الأمريكية مختلف عليه؛ فمن الناس من يرفعها ومن الناس من ~~يخفضها، فقال الدكتور «و»: التبعة في ذلك كله واقعة على من يستعمل الألفاظ بغير ~~تحديد لمعانيها، فما معنى «مدنية أمريكية»؟ من هو «الأمريكي» أولا؟ وما هي «المدنية» ~~ثانيا؟ أتظن أن الأمريكيين كلهم سواء؟ إنك ذاهب إلى الجنوب، وسترى طرازا من الناس ~~ولونا من العيش ووجهة للنظر تختلف كثيرا عما تراه في نيويورك، وعما تراه في وسط ~~البلاد وفي غربها، فمن هو «الأمريكي» من هؤلاء؟ ثم ماذا يقصد على وجه التحديد ~~بقولهم «مدنية أمريكية»؟ ... ومضى «و» في حديثه على هذا النحو، فوجدته يتفق مع طريقتي في ~~التفكير كل الاتفاق؛ لأنني من القائلين بوجوب تحديد هذه الألفاظ الغامضة التي تلقى ~~في الحديث جزافا ... # قلت له: إن المتحدثين عن «المدنية الأمريكية» يقصدون على الأرجح مدنية تقوم على ~~العلم دون الجانب الإنساني من عقيدة وفن وما إلى ذلك؛ فقالت الآنسة «ل»: هذا لسوء الحظ ~~رأي شائع عنا في أنحاء العالم كله؛ ولذلك ترى أولي الأمر منا يبذلون اليوم جهود ~~الجبابرة في زيادة الاهتمام بالإنسانيات في التربية والتعليم. # وسئلت عن رأي رجال العلم عندنا في الإنتاج العلمي الأمريكي، فقلت صادقا مرة أخرى: ~~إن رجال العلم عندنا أميل إلى اتهام الإنتاج الأمريكي بالضحولة مع أنهم مخطئون؛ فقد ~~قال لي يوما رجل من المشتغلين بعلم النفس في مصر عن علماء النفس الأمريكيين إنهم ~~سطحيون، مع أنك لا تراه يقرأ إلا مراجع أمريكية! قالت الآنسة «ل»: وبماذا تعلل هذه ~~التهمة إذا؟ قلت: لعلها مسألة نسبة؛ فالأمريكيون ينتجون ms010 أكثر من غيرهم، وبالطبع ~~يستحيل أن يكون كل الإنتاج جيدا، فإذا فرضنا مثلا أن كل خمسة كتب بينها كتاب واحد ~~جيد، فيكون الأثر على المتتبع لهذا الإنتاج هو أن القلة جيدة والكثرة رديئة، مع أن ~~هذا القليل الجيد هو في ذاته أكثر مما ينتجه أي بلد آخر ... فأعجب الدكتور «و» بهذا ~~التعليل وقال: مصداقا لما تقوله أضيف ما يأتي: الأمريكيون أغنى من سواهم؛ فالنتيجة هي ~~أن يخرج منهم لزيارة البلاد الأخرى عدد كبير من أوساط الناس، فإذا فرضنا مثلا أن كل ~~خمسة أشخاص يزورون البلاد الأجنبية بينهم شخص واحد ممتاز وأربعة من الأوساط الوسطى، ~~فسيكون أثر ذلك على الشعوب الأخرى هو أن أقلية قليلة من الأمريكيين ممتازة، وأما كثرتهم ~~الغالبة فدون مرتبة الامتياز في ثقافتها وأخلاقها، ولما كانت البلاد الأخرى - كإنجلترا ~~مثلا - لا يستطيع الخروج منها إلا الممتاز، فستقول عنهم الشعوب الأخرى إنهم شعب ~~ممتاز. # هكذا تحدثنا على مائدة الغداء، حتى إذا ما فرغنا علمت أن الآنسة «ل» قد أعدت لي ~~زيارة لقسم الفلسفة بجامعة كولمبيا بنيويورك، وقالت: إني سأقابل هناك الأستاذ إرون ~~إدمان الذي يريد أن يتحدث إلي؛ فسررت كل السرور أن تتاح لي فرصة لقاء رجل كنت أقرأ ~~له وأنا في القاهرة، ولو أنني لا آخذ في الفلسفة مأخذه؛ وكان موعد اللقاء الساعة ~~الثالثة. ركبت السيارة العامة وقصدت إلى الجامعة، وفي الساعة الثالثة تماما نقرت على ~~باب غرفة الأستاذ، وجاء الأستاذ وتلقاني لقاء عجيبا؛ فقد كان يظن أنني طلبت لقاءه ~~لأستفسر عن شيء معين، وكنت من ناحيتي أظن أنه طلب لقائي ليستفسر عن شيء معين، وهكذا ~~بدأت الزيارة بسوء تفاهم عند الطرفين، ولم تكن زيارة موفقة، ولعل أهم ما دار فيها من ~~حديث أنه سألني عن اتجاهي الفلسفي. فلما قلت له: إنني وضعي منطقي، قال: إنني لسوء الحظ ~~مصاب بالعمى نحو الوضعية المنطقية فلا أرى فيها شيئا؛ فأنا مختص بعلم الجمال، وليت ~~الأستاذ فلان كان هنا لتلتقي به؛ لأنه يتجه في الفلسفة وجهتك، وودعته وانصرفت. # الإثنين 21 سبتمبر ms011 # غادرت نيويورك بالطائرة قاصدا إلى كولمبيا بولاية كارولاينا الجنوبية حيث أحاضر في ~~الفلسفة مدة النصف الأول من العام ، ومررت في طريقي مرورا خاطفا بواشنطن حيث قابلت ~~الدكتورة «إ» وتحدثت معها فيما أنا مكلف بعمله أثناء زيارتي، كما مررت مرورا سريعا ~~بأصدقائي في مكتب البعثات والسفارة ... واستأنفت الطيران إلى كولمبيا فبلغتها عند ~~الغروب، وكان يستقبلني في المطار العميد «ن» والدكتور «ش»، وهما من رجال الجامعة ~~الأعلام، فما كان أشد دهشتي - بل حيرتي - حين رأيت هذين الأستاذين الجليلين يسبقانني ~~إلى حمل حقائبي ووضعها في سيارة الأول، ثم صحباني إلى الفندق الذي نزلت فيه ... الحق ~~أنني ساعتئذ تخيلت أستاذا أمريكيا يزور مصر كما أزور أنا اليوم أمريكا، ثم سألت ~~نفسي: من من رجال الجامعة عندنا يفكر في استقباله في المطار كما استقبلني هذان ~~السيدان، ويظل يرعاه حتى يطمئن على استقراره؟ ... لكننا نغمض الأعين عن هذه الأمثلة ~~الإنسانية، ونصر على أن نمضي في صياحنا - لأن الأمر لا يعدو الصياح - بأن هؤلاء الناس ~~يعيشون في مدنية مادية ليس فيها شيء من القيم الإنسانية، أما نحن فنترع وننعم بمدنية ~~روحية! # الظاهر أن الفنادق هنا متشابهة التأثيث والإعداد، فغرفتي في هذا الفندق الذي نزلت ~~فيه شديدة الشبه بالغرفة التي نزلت بها في نيويورك، وحسبي الآن من أوجه الشبه وضع ~~الإنجيل على المكتب في كلتا الغرفتين، إنني لأرجو ألا تفلت مني أمثال هذه الأشياء ~~الصغيرة الدالة على مغزى كبير؛ فها أنا ذا أرى الأدلة تتراكم على أنني إزاء شعب ~~متدين، وقد كنت أظنه غير ذلك ... ترى ماذا يقول زائر أمريكي في مصر لو نزل في فندق ~~سميراميس مثلا، فوجد القرآن موضوعا أمامه في كل غرفة؟ # لم أكد أستقر في غرفتي دقائق حتى دق التلفون، والمتكلم هو الدكتور «ف» أستاذ ~~الفلسفة بالجامعة يهنئني بسلامة الوصول، ويقترح اللقاء إذا لم يكن عناء السفر يحول دون ~~ذلك، فرحبت بزيارته ... الدكتور «ف» من الذين أكسبتهم الدراسة الفلسفية تنبها ~~ذهنيا وصحوا فكريا تراهما في لمعة عينيه؛ فالدراسة - فيما شهدت من خبرة الحياة - ~~إما ms012 أن تؤدي بصاحبها إلى هذا التنبه والصحو، وإما أن تميل بصاحبها نحو الفتور والذهول ~~... والدكتور «ف» من الصنف الأول، رحب بمقدمي وأخذني في سيارته إلى مكتبه بالجامعة، ~~ومكتبه هناك هو نفسه مكتبته - كما هي الحال بالنسبة للأساتذة جميعا - فجدران المكتب ~~الأربعة مغطاة برفوف الكتب؛ مكتبه هو مكان عمله ودراسته على السواء؛ لكل أستاذ مثل هذا ~~المكتب الذي وضع فيه عدته من كتب وأوراق، فإذا قيل للأستاذ أن يتصل بطلابه كان للقول ~~معنى؛ لأنه مستقر هناك، وللطالب الذي يريده أن يسعى إليه في مقره ذاك؛ فهل يمكن أن أرى ~~ذلك وألا أقارنه بحالنا في القاهرة؟ أساتذة الفلسفة جميعا محشورون في غرفة واحدة لا ~~تسع إلا منضدة واحدة! أين يجلس الأستاذ ليعمل؟ أين يجلس حتى لا يجد نفسه مضطرا إلى ~~العودة مسرعا إلى منزله بعد إلقاء محاضراته؟ أين يجلس ليقال له بحق أن يتصل بطلابه؟ ~~إننا نقول كلاما لا نعنيه. # تحدثت مع الدكتور «ف» في المحاضرات التي سألقيها عن الفلسفة الإسلامية، فوجدت أن ~~الناس يرقبون هذه المحاضرات ليعلموا بها ما لم يكونوا يعلمون عن الإسلام وعن العرب وعن ~~الشرق الأوسط بصفة عامة؛ كثير من الأساتذة رتبوا حضورهم هذه المحاضرات، بل كثير من ~~أفراد الناس خارج الجامعة طلبوا الحضور. لقد أعلنت الجامعة قبل حضوري عن محاضراتي في ~~الفكر العربي، فكان ذلك حافزا لكثيرين جدا من الناس أن يعدوا أنفسهم لها. # الثلاثاء 22 سبتمبر # خرجت مع الصباح الباكر، فوجدت مدينة كولمبيا على نمط واشنطن مع الفارق في اتساع ~~الرقعة؛ فهي مبان وطيئة نظيفة، وشوارع غاية في الاتساع، وكل منزل من ~~منازلها - ومنازلها خشبية مطلية باللون الأبيض - تحوط ~~به الحدائق؛ فأمام المنزل حديقة وخلفه حديقة، وله حديقة في كل من جانبيه؛ لهذا تنظر - ~~خصوصا إذا نظرت من رابية عالية - فترى المنازل البيضاء تطل من الخضرة إطلال الزهور ~~البيضاء في بستان فسيح. # دق التلفون في غرفتي عصرا، وإذا بالمتكلم عربي يقول: الحمد لله على السلامة ~~يا أستاذ، أنا فلسطيني هنا وأريد رؤيتكم؛ فنزلت فورا، وجدت شابين، ms013 هذا الفلسطيني ~~يصحبه لبناني؛ أما الأول فممن شتتت الحوادث الأليمة أسرته في فلسطين، فجاء إلى هذه ~~البلاد يسعى نحو الرزق والعلم في آن معا، إنه يعمل في الصيف ليكسب قوت العام ونفقات ~~الدراسة خلال أشهر الشتاء والربيع، إنه رجل بكل معاني الرجولة الصلبة القوية؛ وأما ~~زميله اللبناني فعلى كثير جدا من رعونة الصبيان مع أنه لا يصغر الفلسطيني عمرا، ~~حياته ميسرة نسبيا، وقد علمه اليسر أن يتميع. على كل حال فرحت بلقائهما والحديث ~~معهما ساعة من زمان؛ إن إخاء العربي للعربي أمر لا يشعر به الإنسان على شدته وقوته إلا ~~في مطارح الغربة، فعندئذ يبدو في وضوح كيف أن العربي والعربي شقيقان، بالقياس إلى سائر ~~الشعوب. # كنت في غرفتي في المساء أقرأ وأكتب، وإذا بي أسمع دقا شديدا على باب الغرفة ~~المجاورة لغرفتي، وأسمع نداء عاليا، ثم تحول الدق إلى باب غرفتي، فقمت وفتحت ~~الباب، وكنت إذ ذاك أرتدي ملابس النوم (البيجاما) وإذا بي إزاء ثلاثة رجال في حالة من ~~المرح الشديد، ولعلهم أرادوا - مدفوعين بمرحهم هذا - أن يشركوا سواهم معهم؛ فلما فتحت ~~الباب صاحوا: ها أنت ذا يا جو؛ وأخذوا يجذبونني من يدي جذبا لم أقو على مقاومته، ~~فجعلت أرجوهم أن يتركوني لعملي، لكنهم يمضون في شدي قائلين: تعال هنا يا جو، حتى ~~أخرجوني أمام غرفتي؛ ولما رأوا على وجهي علامات الانقباض - مع أنهم كانوا يتوقعون مني ~~ضحكا ومرحا - تركوني قائلين بعضهم لبعض: الظاهر أن ليس له نصيب في حياة المرح ... ~~عدت إلى غرفتي وأقفلتها، لكني لبثت مدة طويلة لا أستطيع استئناف ما كنت أكتبه. # الأربعاء 23 سبتمبر # اليوم مشرق جميل، كل شيء يبدو أمام عيني رائعا، وأحس قلبي ينبض نبضة النشوة ~~والفرح؛ قمت مبكرا وأخذت أتطلع من وراء النافذة، وللنافذة غطاء من السلك وقاية من ~~البعوض؛ كل شيء مشرق راقص، وفتحت الراديو لأسمع موسيقى فتضيف إلي نشوة هذا ~~الصباح. # وألقيت اليوم أول محاضراتي عن الفلسفة العربية؛ جعلت المحاضرة تحليلا لخصائص الفكر ~~العربي، إن كانت له خصائص تميزه عن ms014 فكر الغرب، وأحسست بنجاح وثقة في نفسي وفيما أقول ~~... وكان بين الحاضرين السيدة «ش» التي استرعت انتباهي منذ اللحظة الأولى بل قبل اللحظة ~~الأولى؛ لأنها جاءتني قبل بدء المحاضرة تسألني عن المكان الذي سأحاضر فيه. عرفتني ~~بنفسها تعريفا وافيا وطلبت مني أن أنطق لها باسمي لتنطقه صحيحا، وقالت: إنها هي ~~وزوجها - وهو ضابط في مستشفى عسكري بسلاح الطيران - قد وضعا خطة حياتهما على أن يقيما ~~بمصر حينا، وهما يريدان أن يعلما عن مصر كل ما يمكن العلم به؛ عليها علامات الذكاء، ~~ولا بد أن أضيف إلى ذكائها جاذبية الأنوثة فيها؛ وكل شيء في ثيابها وحليها ينم عن ذوق ~~جميل ... الظاهر أنه مهما كان الكاتب صريحا فلا بد أن تنقصه الصراحة؛ لأنني أشعر برغبة ~~في أن أخفي شيئا من شعوري، وهو أنني اغتبطت في نفسي لما وفقت إليه من طلاقة لسان، ~~وحضور بديهة في المحاضرة الأولى لأظفر بالرضى من هذه السيدة التي جعلت هدفها ~~مصر. # طاف بي الدكتور ش - وهو رئيس الفلسفة وأستاذ لعلم النفس - على مدير الجامعة وعمدائها ~~ومن كان من أساتذتها بنادي الأساتذة. وفي النادي جلسنا نحو ساعة هناك حيث شربنا ~~القهوة وتحدث إلي الحاضرون وتحدثت إليهم، وكاد الحديث كله أن يكون عن الثورة المصرية ~~ورجالها، وجعلت أشرح لهم بعض ما غمض عليهم من نواحيها. # الأحد 27 سبتمبر # ذهب أفراد الأسرة التي سكنت بمنزلها إلى الكنيسة، وبقيت وحدي، فجلست في الشرفة ~~الخارجية أقرأ الجريدة المحلية الصباحية؛ ففي كولمبيا جريدتان أساسيتان: إحداهما تصدر ~~في الصباح والأخرى في المساء، وجريدة الأحد ضخمة تبلغ حجم جريدة الأهرام نحو عشر ~~مرات. # نظرة سريعة إلى هاتين الصحيفتين المحليتين كفيلة أن تدل على مدى اللون الإقليمي؛ فهي ~~تعنى أولا بشئون الولاية - ولاية كارولاينا الجنوبية - وبعد ذلك تأتي شئون سائر ~~الولايات وشئون العالم الخارجي. # كنت وأنا في مصر أضيق صدرا بالروح القبلية الشائعة في صحفنا حتى المهم منها، ~~فتراها تخصص فراغا كبيرا لأخبار الأفراد: هذا سافر، وهذا تزوج، وذاك وافته منيته، ~~وهؤلاء ارتقوا في مناصب الدولة ms015 ودرجاتها، وما إلى ذلك مما لم يكن ينبغي أن يشغل فراغا ~~من صحيفة تعلو على أمثال هذه التوافه؛ فلما وجدت شيئا قريبا من هذا في الصحيفة ~~المحلية هنا - وبالطبع ليس الأمر كذلك في صحيفة كبرى مثل نيويورك تايمز التي تصدر في ~~نيويورك - أدركت أنه كلما ضاقت دائرة اهتمامات الناس في مجتمع ما؛ جاءت صحفهم ملونة ~~بلون إقليمي محلي كأنها نشرات، أما إذا اتسع الأفق وارتفعت الثقافة؛ نشرت الصحف بالتالي ~~شباكها حول العالم، وأهملت الصغائر من أخبار الأفراد. # فالناس هنا كما رأيتهم - من اللمحات السريعة التي أتيحت لي حتى الآن - يكادون يغلقون ~~نوافذهم للعالم الخارجي، لا يعلمون عنه إلا القليل وأقل من القليل، بل لا يكادون يأبهون ~~بما يجري في الولايات الأخرى البعيدة من الولايات المتحدة نفسها؛ وصحيفتاهم: # The State # الصباحية، و # Columbia ~~Record # المسائية مرآة لهذا كله؛ فأهم للصحيفة وللناس أن تملأ صفحة ~~بأسرها أو صفحات كاملة كل يوم بصور العرائس اللائي تمت خطبتهن أو تم زواجهن من أن تنشر ~~أنباء الثورة المصرية مثلا على شيء - ولو قليل - من التفصيل. # جلست في شرفة الدار عصرا، فجاءت سيدة الدار وفي يدها طعام ملفوف في ورقة صفراء، ~~وقفت تقول لي: إنها ذاهبة إلى الحديقة لتطعم الديدان؛ فنظرت إليها نظرة فيها دهشة ~~وسؤال، فقالت: إني أطعم الديدان، في حديقتي مجموعة كبيرة منها أواليها بالطعام، إنني ~~أعطف عليها، كنت منذ سنوات أقشعر منها وأخشاها؛ لأنها ستأكل جسدي بعد الموت، لكني الآن ~~أعطف عليها؛ فأقل ما يقال فيها: إنها تنفع تربة الأرض للزراعة دون أن يلحقنا منها ~~أذى، قليلة هي الأشياء التي تنفع ولا تؤذي؛ لهذا أذهب كل يوم إلى حديقتي وأطعم مجموعة ~~كبيرة من الديدان هناك. # قلت لها: إنني أسمع مواء قطة لا ينقطع، يأتي إلى غرفتي من النافذة الخلفية، فهل في ~~الحديقة قطة حبيسة؟ فقالت: لا، هذا طائر صوته يشبه المواء؛ إنني لا أطعم القطط ولا ~~أحبها لسبب واحد وهو أنها تأكل العصافير، إن لي صديقا اسمه كذا يحب العصافير حبا ~~جما؛ ولهذا ms016 ألف جمعية تعمل جهدها للتخلص من القطط صيانة للعصافير وحماية لها، لكن ~~الجمعية جعلت مبدأها ألا تؤذي قطا، بل هي تجمع القطط في مكان ما استطاعت إلى ذلك ~~سبيلا، وبهذا تعيش القطط وتعيش العصافير، وصديقي هذا يعطي دولارا (ريالا) لكل من ~~أعطاه قطة يضمها إلى معسكر القطط. # الثلاثاء 29 سبتمبر # صاحب البيت قسيس متقاعد، كان واعظا في كوريا والصين؛ حيث قضى الشطر الأكبر من حياته، ~~واسمه «م» ... ما أعجب هذا الرجل في شدة طيبته وتواضعه واستعداده الحقيقي للخدمة ~~والمعونة! وقد ذكرني بالقسيس الذي التقيت به في الطائرة من باريس إلى نيويورك، فهل ~~يجوز لي من هذين المثلين أن أعمم الحكم وأقول إن رجل الدين في المسيحية رجل دين ~~حقا من حيث التواضع والتضحية بالنفس في سبيل غيره؟ هل يجوز لي أن أقول بناء على هذه ~~الخبرة القليلة مع هذين الرجلين إن رجل الدين عندهم لا يعتقد في دينه فقط، بل يحياه ~~ويتمثله؟ ... وهنا كدت أكتب: «وأما رجل الدين عندنا ...» لولا أنني اعترضت على نفسي قائلا: ~~ليس عندنا «رجل دين» بالمعنى الدقيق لهذه العبارة؛ فكل مسلم رجل دين؛ بمعنى أن كل مسلم ~~مسئول عن دينه أمام ربه ... وعلى كل حال أراني مدفوعا إلى كتابة هذه العبارة: «إن من ~~يسمون عندنا برجال الدين قوم حفظوا قواعد الدين ودرسوها كما تدرس الرياضة أو ~~الجغرافية، لكنهم قل أن يحيوها بحيث تتمثل حية في أشخاصهم.» # اتصل بي الدكتور «ش» رئيس قسم الفلسفة بالجامعة؛ لينبئني أنه سيرتب أربعة اجتماعات في ~~منزله في أيام حددها لي، بحيث يدعو في كل اجتماع مجموعة من الأساتذة ليعرفوني ~~وأعرفهم، فشكرته في حرارة وإخلاص على هذا الكرم الأصيل ... إن الدكتور «ش» مثل نادر ~~للرجل المهذب المؤدب، إنني والله كلما رأيت رجلا كهذا كيف يقدم لي المعونة مضحيا ~~بوقته وجهده؛ أعجب لنفسي أشد العجب أن يشيع عن القوم أنهم ماديون في نزعاتهم وفي ~~حياتهم، وأننا - نحن المصريين - روحانيون! ليس الأمريكيون معنى مجردا في الهواء، بل ~~هم ناس، فإذا أردت أن تقول عنهم ms017 شيئا فأمسك القول حتى ترى أفرادهم وتتحدث إليهم ~~لترى بنفسك إن كان «الدولار» وحده هو دائما رائدهم في سلوكهم كما يشيع عنهم، أم أنهم ~~مدفوعون إلى سلوكهم في كثير جدا من الأحيان بمعان إنسانية سامية نبيلة ... لماذا جاء ~~الدكتور «ش» هذا مع العميد «ن» ليقابلاني في المطار؟ لماذا يتسابقان على حمل حقائبي؟ ~~لماذا يرتب لي هذه الحفلات الأربع في منزله؟ لماذا يحمل إلي بنفسه الكرسي الثقيل من ~~طابق في البناء إلى طابق حتى يعد لي مكانا مريحا؟ لماذا يدور بي في سيارته ساعات ~~ليبحث لي عن سكن أستقر فيه؟ هذا أمريكي، فهل دفعه إلى هذا السلوك كله حب «الدولار»؟ ~~أم دفعه قلب كبير وشعور نبيل؟ إنني في هذه اليوميات لن أكتب إلا خبرتي الشخصية ~~المباشرة، وسأصم أذني بعد الآن حتى لا أسمع هذه الأحكام الجائرة التي يلقيها الناس ~~جزافا على شعوب بأسرها. # لو سئلت عن الأمريكيين لأجيب في حدود خبرتي؛ لقلت بغير تردد: إنهم يمتازون بحسن ~~العشرة وكرم الضيافة؛ فيستحيل أن أجلس في مطعم ثم يأتي من يشاركني في المائدة دون أن ~~يحيي تحية طيبة وأن يبدأ الحديث، وإذا انقطع حبل الحديث بيننا فانقطاعه دائما يكون من ~~ناحيتي لا من ناحيته. # الأربعاء 30 سبتمبر # كان الدكتور «ز» قد لاحظ لي - وأنا في القاهرة - قائلا: إن المشكلة الجنسية في ~~أمريكا محلولة بالزواج المبكر، والظاهر أنه قد أصاب في ملاحظته؛ فالطالبات اللائي ~~يحضرن لي محاضراتي كلهن متزوجات، وكثيرون جدا من الطلبة متزوجون؛ وملاحظاتي في ~~هذا الباب تزداد اتساعا، فأزداد بذلك وثوقا أن الزواج هنا إنما يكون في سن مبكرة ~~جدا، في العشرين أو نحوها، وأنك تكاد لا تعثر فوق هذه السن على رجل واحد أو امرأة ~~واحدة غير متزوجة، وقد جاء ذلك الزواج المبكر بنتيجتين: أولاهما استقامة الأخلاق ~~استقامة لا تطرأ ببال أحد خارج البلاد الأمريكية! ألا ما أظلم الناس في أنحاء العالم ~~حين يحكمون على الأمريكيين بتحلل الأخلاق! لكنها السينما هي التي أوحت إلى الناس أن ~~الحياة في أمريكا كلها مصورة ms018 في حياة الممثلين والممثلات على الشاشة البيضاء! ... ~~الأخلاق في أمريكا أقرب إلى التزمت منها إلى التحلل، والسبب الأول في ذلك هو ~~استمساكهم بالدين لدرجة لا يحلم بها إنسان من الشعوب الأخرى، ثم تفرع عن ذلك سبب ~~ثان وهو الزواج المبكر واستتباب الأسرة. # وأما النتيجة الثانية للزواج المبكر فهي أن يتزوج الزوجان في سن متقاربة إن لم تكن ~~متساوية، وذلك مقبول حين يكونان في العشرين والثلاثين، أما حين تتقدم بهما السن إلى ~~الأربعين والخمسين، فالرجل يظل على شبابه على حين تهرم المرأة، فترى الزوجين ~~عندئذ فيخيل إليك أنك إزاء رجل ووالدته لا رجل وزوجته، ومن هنا كثيرا ما ينشأ ~~الطلاق في سن متأخرة؛ ولذا تسمع عن نسبة عالية في الطلاق بين الأمريكيين. # لم أكن أتصور أن تبلغ الإذاعة هنا هذه الدرجة كلها من السخف بسبب الإعلانات ~~التجارية؛ فلست أبالغ إذا قلت: إنه بعد كل إذاعة تستغرق خمس دقائق يذاع إعلان تجاري؛ ~~الإعلان يتخلل الأحاديث والغناء والموسيقى، فلا يمكن أن تفتح الراديو وتستمتع بإذاعة ~~متصلة في شيء واحد مدة نصف ساعة مثلا؛ بل إن الذي يتولى البرنامج الإذاعي كثيرا ما ~~يكون هو المحل التجاري الذي يعلن عن نفسه؛ فمثلا تعلن سيارات شفروليه عن نفسها في نصف ~~ساعة، فتعد لذلك برنامجا إذاعيا، فيه أغان وفيه موسيقى، وبعد كل بضع دقائق من ~~الأغاني أو الموسيقى يقطع المذيع مجرى الشيء المذاع ليقول شيئا عن سيارات شفروليه ~~وهكذا، حتى الأخبار تتولى إذاعتها شركات تجارية لتنتهز فرصتها وتعلن عن نفسها خلال ~~إذاعة الأخبار. # أضف إلى ذلك أن الإذاعة تصبغها صبغة محلية إقليمية؛ ففي كولمبيا وحدها أربع محطات ~~إذاعية، كلها محطات تجارية، أعني أنها ملك أفراد أقاموها لتكون مصدر كسب، وبطبيعة ~~الحال يكون الكسب من الإعلانات التجارية، وإذا فالبرامج الإذاعية قائمة على هذا ~~الأساس؛ ولا بد أن تكون معظم الشركات المعلن عنها في كولمبيا أو ما يجاورها من ~~بلاد. # وبصفة عامة ألاحظ أن النزعة الإقليمية قوية جدا في أمريكا؛ فأهل كارولاينا الجنوبية ~~يتعصبون لها أولا باعتبارها هي الوطن ms019 المباشر، كالذي نسمع عنه أحيانا في مصر من ~~تعصب أهل الصعيد لصعيدهم، وأهل الوجه البحري لبلادهم، أو من تعصب أهل المديرية الفلانية ~~لمديريتهم. # الأحد 4 أكتوبر # كنت أقرأ جريدة الصباح في شرفة المنزل، وجاء الأب «م» (رب الدار التي أسكنها) تصحبه ~~سيدة في نحو الثلاثين من عمرها؛ تبادلنا التضحية، وسألتني السيدة: من أي بلد أنت؟ فقلت: ~~من مصر. دخلا المنزل، وبعد قليل عادت السيدة وحدها واستأذنت في الجلوس، وبدأت الحديث ~~معتذرة إذا كانت قد قطعت علي قراءتي ... ولم نكد نبلغ من الحديث شوطا قصيرا حتى ~~علمت أنها ابنة الأب «م» نفسه، وأنها مصابة بمرض عقلي؛ ولذا فهي تقيم في المستشفى ~~إقامة شبه دائمة؛ إذ هي هناك منذ ثلاث سنوات؛ وأخذت المسكينة تشكو إلي من سجنها في ~~المستشفى الكريه، قائلة: إنها لا تطلب سوى أن يقولوا لها في أمانة وإخلاص ما علتها، ~~ثم سألتني: أتظنهم يجرون علي التجارب؟ ترى هل يبقونني في هذا السجن بقية عمري؟ ... ~~إن حديثها عادي لا أثر فيه لانحراف عقلي، ولولا أنها أنبأتني نبأها لما ظننت بها مرضا، ~~لو استثنيت عبارة واحدة قالتها فدلت بها على اضطراب عقلها، وذلك أني سألتها: أنت ~~إذا ابنة الأب «م»؟ فقالت: يقولون ذلك، لكني أراني أقرب شبها بخالي، فلا يبعد أن ~~أكون ابنته! # جاءت أمها عائدة من الكنيسة، فاحتضنتها في حرارة وقبلتها في حنان؛ فالذين يظنون ~~في مصر أن حب الأمومة مقصور على المصريات يكفي أن يروا كيف استقبلت هذه الأم ~~ابنتها. # قالت لي «ب. م» (وهو اسم فتاتنا المريضة): إنها ترى أحلاما مزعجة كل ليلة. قلت لها: ~~وبماذا تحلمين؟ قالت: أحلام فظيعة، كثير منها عن الرجال ... قلت في نفسي: ما أتعس حال ~~الإنسان بما فرض على نفسه من قيود جنسية تحتج عليها الطبيعة في مثل هذه ~~المسكينة! # وجاءت ساعة العصر فأرادوا أن يعيدوا فتاتنا المريضة إلى مستشفاها وهي تضرع إليهم ألا ~~يفعلوا؛ إنها تبكي وتقبل أقدامهم أن يبقوها بينهم وألا يعيدوها لتكون مجنونة من ~~المجانين، والوالدان يديران وجهيهما بأعين باكية ms020 حتى لا يريا ضراعة ابنتهما؛ وأنا ~~الغريب لم أحتمل المنظر فصعدت مسرعا إلى غرفتي ... ها هنا صراع بين عاطفة وعقل؛ إنني من ~~أشد أنصار العقل على العاطفة، لكن ذلك في الكلام والكتابة، أما في سلوكي العملي فأضعف ~~من أن أحتمل منظرا كهذا، وأقسم أني لو كنت ذا أمر لأبقيت فتاتي معي وليكن من سلوكها في ~~داري ما يكون ... لكن الأب «م» استعان بابنه الشاب على ابنته الضارعة، فأخذ الأخ أخته في ~~سيارته وانصرف بها إلى المستشفى. # جلس معي الأب «م» وزوجته في شرفة المنزل، وسرعان ما فتحا موضوع بنتهما «ب» فتحدثنا ~~طويلا في أمرها، أنبآني أن مرضها شدة في الخيال حتى لتتوهم الأوهام وتحسبها حقائق ... ~~سألت الوالدين: هل في الأمر مشكلة جنسية؟ فانطلقت الزوجة تؤكد أن ابنتها كانت متروكة ~~حرة التصرف في أمر نفسها، ولم يكن لهما دخل في حياتها، فلم يعملا على كبت طبيعتها ~~وغريزتها، وقالت: إن «ب» كانت تدرس في واشنطن، وكانت على أتم حرية في اتصالها بالأصدقاء ~~الشبان، لكن الغريب في أمرها هو أنها حتى الخامسة والعشرين من عمرها - وهي الآن في ~~الحادية والثلاثين - كان يتودد إليها الشبان فلا تلقي لهم بالا، وبعد أن أصابتها ~~هذه المصيبة أخذت تهذي بالرجال! فقلت لها: الأمر واضح؛ فقد كانت مكبوتة بحكم ضواغط ~~التربية لا بحكم أنكما ترقبانها أو تمنعانها، نشأت في جو ديني أوحى لها بالتزمت، ثم ~~نادت طبيعتها فعجزت عن متابعة المستوى الخلقي الذي يطلبه المجتمع. # إن أمثال «ب. م» هذه من المصريات آلاف، بل عشرات الآلاف؛ إننا نظن أننا ما دمنا قد ~~كممنا الأفواه فلا تنطق بالرغبة الطبيعية، وما دمنا قد حبسنا الأجساد فلا تنطلق ~~مدفوعة بالغرائز، فقد حل الإشكال وانتهى الأمر؛ لكننا بغرائزنا المكبوتة مرضى لا نفكر ~~تفكيرا سليما ولا ننتج إنتاجا قويما. ألا فليعلم من لا يعلم أن فقرنا العلمي ~~والفني وأن قلقنا الاجتماعي كله راجع - ولو إلى درجة ما - إلى عدم تنظيم العلاقة بين ~~الشبان والشابات؛ إن الله قد أراد لنا أن نكون مجتمعا ذا ms021 جنسين، فمن أراد له أن يكون ~~غير ذلك فليحتج على الله، وليمسك عن كل أمل في إصلاح حقيقي يتناول المجتمع من أسسه ~~وأصوله. # المنزل الذي أسكنه مجاور لمتحف الفنون، وقد رأيت المتحف مضاء عند عودتي من مشية ~~قصيرة، فدخلته لأنظر ما به من معروضات فنية، وإذا بالمتحف حفلة افتتاح؛ فقد وقف عند ~~المدخل صف طويل من الرجال والسيدات يستقبلون الزائرين، والبيانو يعزف أنغاما حالمة، ~~وعلى مائدة طويلة أنواع من طعام وشراب ... والمعروض الذي يحتفلون بافتتاحه الليلة هو ~~لفنان اسمه يوجين تومسن، ولوحاته تعرض في ولاية كارولاينا الجنوبية لأول مرة، وهو ~~ليس من رجال المدرسة الحديثة في التصوير، بل هو أقرب جدا إلى الفن في صورته ~~الكلاسيكية، وأعني بذلك أنه يرسم الأشياء والأشخاص كما تبدو لعينه، وليس غرضه من ~~التصوير تأليفا بين الألوان كما هي الحال عند أصحاب المدرسة الحديثة. # لكن الدور العلوي من المتحف مليء بإنتاج الفنانين المحدثين من أهل الولاية نفسها؛ فها ~~هنا تجد الاتجاهات الحديثة متمثلة كلها جنبا إلى جنب، فترى فنانا يتبع بيكاسو ~~ومدرسته، وآخر يرسم على طريقة الانطباعيين، وثالثا يرسم على طريقة الفن المنقوط وهكذا ~~... إنه لا حق لي حتى الآن أن أحكم على الفن الأمريكي؛ لأنني لم أر منه إلا القليل، ~~وفي عزمي أن أدرسه دراسة أوفى حين أزور المتاحف الكبرى في واشنطن ونيويورك وشيكاجو، ~~لكني أقولها الآن متحفظا، وهي أن الأمريكيين لم ينشئوا لأنفسهم مدرسة فنية خاصة بهم، ~~بل نقلوا المدارس الأوروبية وتابعوها، ثم ظهرت فردياتهم وشخصياتهم في حدود المدارس ~~الأوروبية. # الجمعة 9 أكتوبر # قرأت قصة جيدة في مجلة «بوست» عنوانها «رجل بين فتاتين»، وخلاصة القصة التي يهمني ~~تسجيلها، هي أن إحدى الفتاتين كانت لا تميل بطبعها إلى البقاء في البيت زوجة وأما ~~لأطفال، وتريد إذا ما تزوجت أن يكون العمل ميدان نشاطها، وهي فوق ذلك لعوب تحب السهرات ~~الأنيقة والمطاعم الفاخرة وما إلى ذلك، وأما الفتاة الأخرى فتعمل انتظارا للزواج، ~~وتؤثر لنفسها إذا ما تزوجت أن تجعل من دارها مملكة لها؛ الفتاتان تعملان ms022 مع الفتى في ~~مكتب واحد، والأولى تبادله الحب علنا، والثانية تحبه ولا تفصح عن حبها؛ وبعد تحليل ~~رائع يشرح النفوس الثلاث، انتهى بنا الكاتب إلى موقف وقف فيه الفتى موقف الذي يختار، ~~لكنه لم يلبث أن اختار لحياته الفتاة الثانية، فتاة البيت التي ترى عزتها وسعادتها في ~~زوجها وأبنائها، ولا تزيغ بصرها الحفلات والسهرات والارتقاء في ميادين العمل ~~الخارجي. # والمهم عندي هو أنه إذا كانت هذه القطعة الأدبية تصور الأمريكي في ميوله ونزعاته، ~~كان الأمريكي أميل إلى زوجة لا تعمل؛ وإذا فلا يزال الرجل هو الرجل أينما كان، ولا ~~يزال المثل الأعلى الذي يطمح إليه الزوج أن يكون هو عائل الأسرة ليكون سيدها. # السبت 10 أكتوبر # الأب «م» وزوجته يشرفان على نشاط اجتماعي في الكنيسة التي يتبعانها كل سبت في ~~المساء؛ أعلم ذلك ولا أدري على وجه الدقة ما نوع هذا النشاط، وقد دعاني الأب «م» اليوم ~~أن أصحبه إلى كنيسته، وهي الكنيسة البرزبتيريانية ففعلت ... ذهبت فإذا بي أرى ما لم ~~أتوقعه في كنيسة؛ إذ رأيت ندوة ملحقة بالكنيسة، وعرفت أنها مكان لنشاط اجتماعي كل ~~مساء، وأما مساء السبت فهو خاص بالجنود؛ ففي كولمبيا معسكر كبير للجنود وهم في مرحلة ~~التدريب، فتوجه إليهم الدعوة أن يحضر منهم من يحضر إلى ندوة الكنيسة في هذا الموعد، ~~وتدعى طائفة كبيرة من الفتيات ليكون الاجتماع طبيعيا مؤلفا من الجنسين؛ وما هو ~~إلا أن دارت أقراص الحاكي بالموسيقى ودار معها الرقص! وفي الندوة استعداد للألعاب ~~المختلفة كالبنج بونج والشطرنج؛ وكذلك أعدت مائدة كبيرة عليها القهوة والشاي ~~والكوكاكولا وأنواع الشطائر والفطائر لمن يريد شرابا أو طعاما بغير ثمن. # وقال لي الأب «م» وهو يشرح لي أوجه نشاطهم في كنيستهم هذه: إن كثيرا من الكنائس ~~الأخرى لا توافق على أن نقيم في الكنيسة رقصا، ولكن كنيستنا لا ترى أبدا ما يمنع أن ~~يحيا الإنسان حياة مرحة ما دامت حياة شريفة. # الإثنين 12 أكتوبر # في المساء ألقيت في النادي الفلسفي محاضرة عن الوضعية المنطقية ... إنني أصبحت لا ms023 ~~أستريح إلى الدكتور «ف» أستاذ الفلسفة؛ لأن له ملاحظات أشك في أنها تنطوي على قصد ~~طيب؛ فمثلا أشاع أنني لولا دراستي في إنجلترا لما أبديت الذي أبديته من قدرة، فما كان ~~- في رأيه للناس - أن تخرج مصر دارسا مثلي؛ مما اضطرني يوما أن أعلن في محاضرة ~~قلتها، أنني بخيري وشري صناعة مصرية، ذهبت إلى إنجلترا بعد أن بلغ سني الأربعين وبعد ~~أن أخرجت ستة عشر كتابا ... وكان اليوم له تعليق أثار غيظي لكني كتمت الغيظ في نفسي ~~وناقشته بأعصاب يبدو عليها الهدوء؛ وذلك أنه في المناقشة التي أعقبت محاضرتي في النادي ~~الفلسفي، انتهز فرصة ذكري لأوجست كونت فقال: إن أوجست كونت لا يظن خيرا بالمدنية ~~العربية كلها ... فأجبته بعد صمت قصير استجمعت فيه هدوئي: أنا لا أعرف أنه قال شيئا من ~~ذلك، وسأفرض أنه قال فأحكم عليه في هذه النقطة بأنه قد بعد عن كل روح فلسفي صحيح، ~~فليست المدنية كلمة ترسل إرسالا بغير حساب، المدنية دين وأدب وفن وحكومة وعلم ونظام ~~عيش وغير ذلك، فكم قرأ أوجست كونت من الديانة الإسلامية ليحكم؟ وكم قرأ من الأدب العربي ~~في أصوله ليحكم؟ وهل درس دقائق الفن العربي وتفصيلات الحكومة العربية ليحكم؟ أم قالها ~~قولة من لم يدرس ولم يحلل؟ إن كان قد فعل ذلك فليس هو بالفيلسوف المسئول في قوله ~~هذا ... وبالطبع كنت في ذلك بمثابة من يقول إياك أعني واسمعي يا جارة؛ فالدكتور «ف» ~~إنما يحتمي بأوجست كونت، لكنه يريد أن يقول هو عن المدنية العربية هذا الحكم، ولو قاله ~~عن دراسة لما كان ثمة ما يدعو إلى لوم، لكن أسباب الدراسة بالطبع لم تتهيأ له؛ لأنه - ~~على الأقل - لا يعرف اللغة العربية ليقرأ أصول المدنية العربية. # إن من أظهر المعالم التي يلاحظها الإنسان في الأمريكيين مما يثير دهشته أول الأمر؛ ~~نسبة الأمريكي نفسه لأصله الأوروبي؛ فكلما أخذت في التحدث إلى واحد منهم كان الأرجح ~~أن يذكر لك في حديثه أنه إنجليزي أو إيطالي أو فرنسي ... إلخ. فلا غرابة أن ms024 تجد في ~~صحافتهم اتجاها نحو تقوية «التأمرك»، وفي ذلك قرأت مقالا للكاتبة المعروفة لنا ~~بشدة عطفها على الشرق الأوسط «دوروذي تومسن» تقول فيه: إنهم بحاجة إلى بث الدعاية لروح ~~«التأمرك» هذه في نفوس الأمريكيين؛ فلو فرضنا مثلا أن حربا قامت في تشيكوسلوفاكيا - ~~هكذا قالت الكاتبة - فليس من الإنجليز أو الفرنسيين من يحس أن حربا قامت في وطنه ~~وبين بني جنسه، أما الأمريكيون فغير ذلك؛ لأن منهم من لا يزال إخوته وبنو عمومته هناك، ~~فهو أمريكي بقوميته وجزء من شعوره، لكن الجزء الباقي من شعوره ملتفت إلى أهله ~~الأولين، وكيف ينسى وهم لا يزالون معه في تراسل وتزاور؟ # وقد جمعتني الصدفة على مائدة عشاء بسيدة إيطالية الأصل ورجل إيطالي الأصل كذلك؛ بعد ~~أن عرف كل منهما الآخر راحا يتحدثان عن إيطاليا بما يدل على شدة حنينهما؛ قالت ~~السيدة: إنها تزور إيطاليا في إجازاتها مرة كل سنتين، فقال إنه كذلك يفعل؛ الرجل صانع ~~لثياب السيدات، وله مصنع به مائة عاملة، فسألته السيدة: كم إيطاليا في مصنعك؟ وهي ~~تقصد بالطبع كم عاملا من أصل إيطالي؟ فقال: كلهم بالطبع إيطاليون؛ وفهمت من الحديث أن ~~السيدة مشتركة في جمعية تجمع الإعانة للمشردين من أبناء إيطاليا، وأقامت الجمعية في جهة ~~بإيطاليا بلدا جديدا يكون مجالا لتربية هؤلاء الأبناء ... هذان أمريكيان، لكن هل يعقل ~~أن يخلو من كل عطف على إيطاليا إذا ما نشبت حرب مثلا بين إيطاليا وأمريكا؟ # كل ذلك دعاني إلى التساؤل: هل تكون «أمريكا» أكثر من أرض بها مصالح أهلها، يحبونها ~~بمقدار ما هي مصدر نفع لهم؟ بعبارة أخرى: هل أصبحت أمريكا «وطنا» لأبنائها بالمعنى ~~الذي يفهم من كلمة «الوطن» في العالم القديم؟ # السبت 17 أكتوبر # كم نتعجل أحكامنا على الشعوب حين نلقي القول جزافا بغير سند أو دليل! إن الحكم على ~~رجل واحد هو - عند من يحاسب نفسه - أمر عسير، فما بالك بالحكم على شعب قوامه مائة ~~وستون مليونا من الأنفس؟! فكثيرا ما سمعت من مصريين زاروا أمريكا قبل أن أزورها أن ~~روابط ms025 القربى هنا ضعيفة، حتى ليكاد الوالد يهمل ولده والولد يتنكر لوالده؛ لكنني لم ~~أشهد علامة واحدة تدل على ذلك، بل كل ما شهدته دليل ناهض على أن روابط الأسرة قوية ~~متينة ... أقول هذا بمناسبة ما رأيته اليوم في جريدة الصباح؛ إذ رأيت صورة لوالد يجلس على ~~مقعد في الطريق، والمقعد موضوع بحيث ينظر الرجل من نافذة بناء إلى جواره - والبناء هو ~~مستشفى - فيرى ولده المريض وهو على سريره في المستشفى؛ وقالت الصحيفة: إن الرجل قد لبث ~~- حتى صدور صحيفة هذا الصباح - يومين كاملين في جلسته تلك ناظرا إلى ابنه لا يتحول ~~عنه، وسئل الوالد: ماذا يدعوك إلى هذا العناء كله؟ إنك قد تعرض نفسك للأذى بهذا ~~الجلوس في العراء ليلا ونهارا، فبكى الرجل وقال: قال لي فلان (وهو ابنه) حين جيء به ~~إلى هنا: «ابق معي يا أبي» فلا يسعني سوى البقاء إلى جانبه كما أرادني أن أفعل، وإذا ~~كان مقامي إلى جواره في المستشفى متعذرا فأقرب نقطة إليه هي هذا المكان من الشارع ~~بالقرب من نافذة غرفته؛ قيل له: لكنك بحاجة إلى النوم والراحة بعد يومين كاملين لبثت ~~فيهما جالسا على هذا النحو المضني! فأجاب: ليس بي أقل رغبة في نوم ... # أهذه مشاعر أب يعيش في شعب لا يعبأ بالعواطف الأبوية؟ # دعاني مستر «ه» إلى مصاحبته في رحلة إلى الريف لنقضي عطلة الأسبوع، وحدد لي موعدا ~~في الساعة الواحدة أمام متحف الفنون. لم أكن قد رأيت هذا الرجل العجيب، إنما تم التعارف ~~بالتلفون؛ فلما جاء الموعد رأيتني إزاء رجل في الخامسة والستين ممتلئا بالحيوية ~~والنشاط، لا تمضي عليه دقيقة واحدة دون أن يضحك من كل قلبه؛ تظهر عليه البساطة الشديدة ~~في حديثه وثيابه ونكاته، لكنك لا تلبث أن تنفذ ببصرك إلى قلبه فترى قلبا مليئا ~~بالهموم، وقد ظن أن الضحكات المتوالية قادرات على إزالة همومه ... رحب بي ترحيبا ~~كريما، ودخل بي إلى متحف الفنون من بابه الخلفي الخاص بموظفي المتحف، وصاح بأعلى صوت: ~~أين هؤلاء البنات؟! فعجبت أول الأمر ms026 أن أراه يستبيح هذا الصياح في مكان كهذا؛ لأنني لم ~~أكن أعلم على وجه الدقة مع أي رجل أنا الآن ... أجابه الدكتور «ك» (وهو مدير المتحف) من ~~داخل المتحف صائحا بعبارة لم أتبينها؛ فعاد مستر «ه» إلى صياحه: لا، أنا لا أريدك أنت ~~ولا أسعى إلى رؤيتك، فما لك من قيمة عندي، إنما أردت البنات! وكنا في هذه اللحظة قد ~~بلغنا مكتب الدكتور «ك» مدير المتحف، فسلمنا، وعندئذ جاءت فتاة فصاح صديقنا «ه»: ~~«أهلا»، وقال: ها هي ذي «م»؛ تعالي يا «م» فهذا هو ضيفنا الدكتور محمود جاءنا من مصر، ~~سيصحبنا في رحلة اليوم ... و«م» هذه فتاة في الثالثة والعشرين، تحمل درجة في الفنون ~~الجميلة، وتعمل في المتحف، وفنها هو زخرفة الخزف؛ وهي وسط في جمالها، مليئة الجسم ~~نوعا، لو قيل لي إنها مصرية لصدقت؛ لأنها تشبه مصريات كثيرات في بشرتها وسواد ~~عينيها؛ ودقائق قليلة جدا تكفيك أن تعلم كم بلغت «م» من قوة الشخصية والثقة بالنفس؛ ~~فهي تنظر إلينا نحن الكهول بالنسبة لها، وتحدثنا كأنها تنظر وتتحدث إلى صغار! صوتها ~~واضح، وتعبيرها واضح؛ لا يغرها أنها تعلم، ولا يخجلها أنها تجهل. # خرجنا من المتحف نحن الثلاثة: فتاتنا «م» ومستر «ه» وأنا، وركبنا سيارة «ه»، وبعد ~~قليل وقفت بنا السيارة أمام منزل في الطريق، فنزلت «م» صامتة، وعادت ومعها سيدة عمرها ~~بين الخمسين والستين، هي السيدة «ب»، فسلمنا وتعرفنا؛ وقد عرفت أنها مديرة المطبعة ~~في الجامعة؛ فهي المسئولة عن كل ما تخرجه الجامعة من مطبوع ومنشور؛ والسيدة «ب» هي ~~الزميلة الرابعة في رحلتنا اليوم. # لست أدري في الحقيقة ماذا أقول وماذا أدع من ألوف التفصيلات التي انطبعت في ذهني من ~~هذه الرحلة؛ ولذلك فإني سأترك القلم يكتب ما يطفو على سطح الذاكرة من تفصيلات؛ وأول ما ~~أبدأ به هو شخصية هذا الرجل العجيب مستر «ه» أمرح مخلوق على ظهر الأرض؛ يستحيل أن ~~ترافقه دقيقة واحدة دون أن ينفض عنك الخجل ويدفعك إلى الضحك وإلى المرح دفعا؛ إنه لا ~~ينقطع عن ms027 الصياح والزئاط كأنه الطفل الصغير يلعب على شاطئ البحر في الرمل والماء؛ وهو ~~من أغنياء المنطقة، ويعتز بأسرته التي هبط منها؛ فهو وحده الآن يملك نحو ستين ألفا من ~~الفدادين، ويدير عملا واسعا في كولمبيا؛ ثم هو فوق ذلك محام وعضو في مجلس شيوخ ~~الولاية ومشهور في الناس. # جلست إلى جانبه في السيارة، وجلست السيدة «ب» والآنسة «م» في المقعد الخلفي، وهو ~~ترتيب يخالف التقاليد؛ إذ كان ينبغي أن تجلس سيدة في المقعد الأمامي، لكنهم اتفقوا على ~~ذلك لتتاح لي فرصة الرؤية الكاملة، والاستماع إلى ما يقوله مستر «ه» تعليقا على ~~مشاهدات الطريق. # أشار إلى شجرة تحتها صخرة، وقال: إن لهذه الصخرة قصة محزنة؛ ففي الحرب الأولى فقدت ~~أم ابنها وجاءها خبر موته؛ فلم تلبث أن مسها الجنون، وصور لها جنونها أن قد ~~جاءها من ولدها خطاب يقول لها فيه إنه آت إليها في الطريق راكبا إحدى السيارات ~~العامة؛ ولذلك فهي تنتظر قدوم تلك السيارة العامة التي تحمل ولدها؛ تنتظرها يوما بعد ~~يوم، وقد ظلت خمسة عشر عاما لا تنقطع يوما واحدا عن المجيء إلى هذه الصخرة، والجلوس ~~طول النهار حتى مغرب الشمس؛ معها قليل من طعام، وإبرة وخيط؛ وكلما مر بها إنسان في ~~الطريق، قالت له: «إنني أنتظر ولدي، إنه قادم في سيارة عامة، كتب إلي يقول هذا ...» ~~إنني أكتب هذه القصة دليلا على الأواصر العاطفية الشديدة التي تشد قلوب الأسرة الواحدة ~~بعضها إلى بعض؛ فليس الأمريكيون كما يقول عنهم الناس قوما في صدورهم قلوب من حجر، ~~يعبدون «الدولار» وحده ويسبحون بحمده! # في تاريخ هذه الولاية - ولاية كارولاينا الجنوبية - قائد مشهور اسمه ماريون، تراه ~~مخلدا في التماثيل، ومذكورا في أسماء الشوارع، ويطلق اسمه على بحيرة كبيرة ... وقد ~~مررنا على مزرعة كبيرة، فقال مستر «ه»: إنها مزرعة كانت لأسرة ماريون، ورثها الولد ~~الأكبر حسب قانون الوراثة السائد عندنا؛ وكان القائد ماريون هو الولد الثاني في أسرته، ~~فلم يرث شيئا، ولولا ذلك لما خرج للحرب واشتهر. ثم أخذ مستر «ه» يدافع ms028 عن ذلك النظام ~~في الوراثة على أساس أنه من جهة يحافظ على ملك الأسرة فلا يتجزأ؛ ومن جهة ثانية ~~يهيئ فرصة الظهور في الميادين الأخرى أمام الأبناء الآخرين؛ وكان موفقا في ضرب ~~الأمثلة من أسرات كثيرة، ذاكرا أسماء رجال اشتهروا لأنهم كانوا الأبناء الثواني أو ~~الثوالث، فخرجوا يسعون في الأرض عملا وإنتاجا وذيوع صوت ... لكن هذا النظام قد تغير ~~الآن هنا، وأصبح الميراث قسمة متساوية بين جميع الأبناء. # الطريق كله - وقد قطعنا طريقا يقرب من المسافة بين القاهرة إلى الإسكندرية قاصدين ~~إلى خزان على بحيرة اسمه خزان سانتي كوبر - الطريق كله خضرة وأشجار باسقة؛ ومررنا ~~بحقول مزروعة قطنا وقصبا؛ فهذه ولاية تزرع قطنا وتنافس مصر في قطنها، لكن شتان بين ~~قطن وقطن؛ فالنظرة السطحية تدلني - ولا أستطيع أن أنظر إلا هذه النظرة السطحية السريعة؛ ~~لأنني قليل الخبرة بالزراعة - تدلني على أن قطنهم ظاهر الضعف بالنسبة إلى قطننا؛ ~~فلست ترى حقل القطن وقد نضجت ثماره غزيرة المحصول غزارة القطن المصري، والأرض حمراء ~~كأنها مغطاة بمسحوق الطوب الأحمر. # وصلنا بالسيارة إلى باب خشبي يعترض الطريق، مفتاحه مع مستر «ه»، وهو إذا ما انفتح ~~دخل الداخل في غابة كثيفة الشجر؛ وطلب مستر «ه» من الآنسة «م» أن تفتح الباب وقد ~~ناولها المفتاح؛ فهممت أنا أن أفعل ذلك لأوفر على الآنسة عناء النزول، فقال لي مستر ~~«ه» ضاحكا مازحا: اسمع مني الرأي؛ فأنا أكبر منك وأخبر بالنساء، يخيل إلي أنك ~~قليل الخبرة بهن؛ فها أنت ذا قد أحضرت معك صندوقا من الشكولاتة، وأخذت توزع على ~~هاتين المرأتين من حلواك طول الطريق، ظانا أن الحلوى تكسب النساء، لكن كسب النساء ~~له طريق واحد، وهو إذلالهن بالعمل، وأنا أحب تشغيل النساء بما أكلفهن من أعمال يؤدينها ~~... والتفت إلى «م» وقال في لهجة الجد المصطنع: «م» انزلي وافتحي الباب! ونزلت «م» ~~وضحك الجميع. # دخلنا إلى طريق ضيق يشق الغابة الكثيفة، ووقفنا عند بيت في قلب الغابة كان على ~~شرفته سيدة متقدمة في السن نوعا ما، اسمها «س»، ms029 وفتاة وفتى وطفل صغير؛ فتصور هذا ~~الرجل المرح كيف دخل البيت صائحا مهللا، يمسك هذه ويقبل تلك ويرحب بهذا؛ ~~جلسنا على الشرفة نضحك كلنا لكل لفظة يقولها «ه» ولكل حركة يتحركها ، وأتوا لنا بأكواب ~~الشراب؛ وبينا نحن جلوس استعادوني النطق باسمي؛ فلفظة «محمود» صعبة جدا عليهم أن ~~ينطقوها، فما هو إلا أن أخرج مستر «ه» من جيبه حزمة من قصاصات؛ واسمي مكتوب على كل ~~قصاصة منها! وبعثرها بين الجالسين قائلا: هاكم! توقعت أن يسألني كثيرون أثناء الرحلة ~~عن اسم الدكتور محمود، فطلبت من سكرتيرتي أن تدق اسمه على آلة الكتابة في عشرين أو ~~ثلاثين صورة؛ فكلما سألني سائل عن اسمه أخرجت له واحدة من هذه القصاصات ... أضحكني هذا ~~المنظر ... عرفت أن السيدة «س» هي صديقته، والفتاة هي ابنتها، والفتى هو زوج ابنتها، وهو ~~فنان يشتغل في متحف كولمبيا مع الآنسة «م». # قال مستر «ه» هلموا بنا لعلنا ندرك ساعة من ضوء النهار نستحم فيها في البحيرة، ~~والظاهر أنه خلق هذا العذر لنترك هذه الدار ونقصد إلى أكشاكه الخشبية على شاطئ ~~البحيرة؛ حيث سنبيت الليل، لكن أصحاب الدار دعونا على العشاء، وطلبوا منا أن نذهب لنعود ~~إليهم في الساعة السابعة. # ذهبنا إلى مكان منعزل على شاطئ البحيرة، فيه نحو ستة أكشاك خشبية، فيها كل ما يتصوره ~~الإنسان من أسباب الراحة؛ لكن هذه الأشياء مهوشة الترتيب إلى درجة تضحك؛ فلو تعمد ~~إنسان أن يضع الأثاث في خلط وهرجلة لما عرف كيف يبلغ هذه الدرجة منهما؛ لكنك تجد كل ما ~~تريد: آلات التبريد وآلات التدفئة لا عدد لها، وأطباق وأوان وطعام إلخ ... إلخ؛ خصص ~~كشكا للسيدتين، وآخر لي، وكان له هو كشك كبير أقرب إلى المنزل الصغير، فيه غرفة ~~الطعام والمطبخ وشرفة للجلوس وغرفة للكتب. إن الزائر لا يملك سوى أن يضحك ضحكا ~~متواصلا لما يراه في منزل مستر «ه» هناك؛ لأنه يجمع فيه أشياء عجيبة، يضعها على ~~المناضد ويعلقها على الجدران؛ فلا بأس عنده مثلا من أن يضع قطعة من الحديد الصدئ، ms030 أو ~~يعلق حذاء باليا على الجدار! ومن هذه الأشياء ترى، لا أقول مئات، بل ألوفا، كأنما ~~منزله هذا دكان يبيع منوعات قديمة! وهو يضحك معك على نفسه، ويقول: إنه يجمع معظم هذه ~~الأشياء من أكوام القمامة. # جاء وقت العشاء فذهبنا إلى منزل الأسرة الداعية، والمنزل من الداخل آية من آيات الفن ~~وحسن الذوق في بساطة: هدوء وعزلة في قلب الغابة، كأنما أنت في محراب راهب عابد، ~~والأضواء في غرفة الجلوس وغرفة الطعام خافتة توحي بالاسترسال في حلم جميل، وعلى مائدة ~~الطعام وضعوا الشموع، وبدأنا طعامنا بالصلاة - كما هي العادة التي لم تشذ مرة واحدة على ~~أية مائدة شهدتها - وكان معظم الحديث معي أولا عن الفلسفة واتجاهاتها، ثم عن الفن ~~المصري القديم، يسألونني عنه في خبرة وفي دقة؛ لأن بيننا اثنين من دارسي الفن، وحسبوني ~~ملما بدقائق الفن المصري ما دمت مصريا، وعلى كل حال فقد وفقني الله في إجابة معظم ~~ما وجهوه إلي من أسئلة في هذا الباب. # عدنا بعد العشاء إلى أكشاكنا على شاطئ البحيرة، مارين بأقرب مدينة لنشتري طعاما ~~للغد، مستر «ه» معروف للناس جميعا، يقابلونه بالترحاب والتكريم، قال لي صاحب الدكان ~~الذي وقفنا فيه نشتري حاجاتنا: إن مستر «ه» هذا رجل عجيب، يحب صرف ماله على الناس، لا ~~تراه في أي مكان أو في أي بلد إلا ومعه جماعة من ضيوف؛ إنه ثري كثير الكسب لكنه ~~كثيرا ما يقول - وهو ينفذ ما يقوله: إن المال إنما كسب ليصرف. ولما تركنا الدكان ~~قال لي مستر «ه»: هل رأيت هذا التاجر؟ إنه قاتل! قتل على الأقل خمسة أشخاص، ومع ذلك لم ~~تثبت عليه جريمة، كان فقيرا معدما، وكسب من جرائمه مبلغا لا يقل عن نصف مليون دولار، ~~وبدأ تجارته هذه واطرد نجاحه وأصبح ذا اسم في المجتمع ... ثم سكت مستر «ه» قليلا وقال: ~~أليس هذا من سخرية القدر ومضحكاته ومحزناته معا؟ # جلسنا العشية في شرفة مستر «ه»؛ الظلام ضارب من حولنا فلا نعرف البحيرة القريبة منا ~~إلا من أصوات ms031 موجها، واستأنفنا الحديث الذي بدأناه في منزل السيدة «س» عن الفن، إلا أنه ~~الآن حديث عن الفن المعاصر، وكان «ه» والسيدة «ب» يعارضان - في تهكم - ألوان الفن ~~المعاصر، وانطلقت مدافعا في حرارة كأنما أنا واحد من هؤلاء الفنانين المعاصرين، وظلت ~~الآنسة «م» صامتة لا تنطق إلا بالقليل حينا بعد حين ... لم أكن أدري أن حديثي في الفن قد ~~غزا قلب «م» غزوا، وأصبحت تنظر إلي نظرة الإعجاب الشديد، وتتلمس من شفتي كل كلمة ~~أقولها، وما أكثر ما يكون الحب عند هؤلاء الناس قائما على مثل هذا الإعجاب! # إنني كلما ازددت معرفة بمستر «ه» عرفت أنه عالم بأسره، عالم غريب، قال لي: كان ~~لأبي مكتبة كبيرة وفيها كتب ذات قيمة أثرية عظيمة، ويكفي أن تعرف أن كتابا واحدا ~~عرض لي فيه عشرة آلاف دولار، ومع ذلك رفضت بيعه، وأهديت المكتبة بأسرها إلى جامعة ~~كارولاينا الجنوبية؛ وكذلك ترك أبي وجدي صورا فنية ذات قيمة عظيمة - أخذ يذكر بعضها ~~بالاسم - فأهديتها إلى متحف الفن بكولمبيا، وهي هناك الآن تملأ أكثر من غرفة (ومن هنا ~~أدركت سر دالته على المتحف وأهله) ... ثم أضاف قائلا: إنني رجل صريح مع نفسي؛ إنني لا ~~أميل ميلا حقيقيا إلى الكتب أو الصور، فلماذا أبقيها في داري غير منتفع بها؟ لماذا ~~لا أمتع بها أكبر عدد ممكن من الناس؟ كانت زوجتي تختلف معي في النزعة؛ فهي تميل إلى ~~الأرستقراطية والظهور، وأما أنا فرجل بسيط، أريد أن أعيش كما تريدني طبيعتي أن أعيش، لا ~~تكلف ولا تصنع. # أردنا ونحن جلوس في الشرفة أن نشرب القهوة، فكان لا بد أن يقوم بإعدادها أحدنا وأن ~~يتعهد بغسل الأقداح آخر؛ فألححت في أن أشترك في هذا أو في ذاك، فقال مستر «ه» مازحا: ~~بالله لا تتلف علينا النساء بأدبك، أنت وأنا رجلان، مهمتنا أن نجلس هنا في الشرفة نشرب ~~الشراب وندخن السيجار، وأما هاتان فامرأتان تؤديان لنا واجب الخدمة في ولاء، أليس كذلك ~~يا بنات؟ فتجيب السيدتان في ضحك: ألا شك في ذلك. ms032 # وسأل مستر «ه»: من ذا يقوم غدا بإعداد الإفطار؟ فعرضت كل من السيدتين أن تقوم ~~بهذه المهمة، فينظر إلي مستر «ه» ضاحكا وهو يقول بمرحه المعهود: هل رأيت؟ اقعد ~~مستريح البال ، أنت وأنا رجلان، نشرب وندخن السيجار، وهما تطهيان لنا وتغسلان الأطباق ~~والأقداح، هيا يا بنات! # الأحد 18 أكتوبر # أقرب قرية إلى مكان أكواخنا الخشبية هي قرية بنوبولس، وباسمها يعرف المكان، ~~والذاهب إلى الأكواخ على شاطئ البحيرة يمر بمكتب بريد ريفي قديم يقع على حافة الغابة ~~التي نتخللها لنصل إلى البحيرة، فكلما مررنا بالسيارة أمام هذا المكتب في جولاتنا، أشار ~~مستر «ه» إلى مكتب البريد ضاحكا ضحكا عاليا وقال: صندوق الخطابات هنا فتحته ~~عمودية (العادة طبعا أن تكون فتحة الصندوق أفقية) هذه الحقيقة البسيطة يقولها مستر «ه» ~~كلما مررنا هناك، وفي كل مرة يضحك ضحكا عاليا، لا يمل من التكرار، ولا ينقطع عن الضحك ~~في كل مرة كأنه في كل مرة يكشف كشفا جديدا؛ وهذا كله دال على بساطة نفسه وعدم ~~التعقد في نفسيته، والحق أني أصبحت الآن أميل إلى وصف الشعب الأمريكي كله بهذه ~~الصفة، وهي انطلاقه انطلاقا حرا في التعبير عن نفسه (ذلك بالطبع إذ نصف جاز أن شعبا ~~بصفة من الصفات)؛ الأمريكي ذو نفس شفافة أقرب إلى نفس الطفل في شفافيتها، ليس فيها ~~القيود الداخلية التي تمنعه من القول والسلوك على نحو حر طليق يعبر عن فردية الفرد ~~إلى أقصى حد مستطاع في مجتمع؛ لا غرابة أن يلبس رئيس جمهوريتهم قميصا مشجرا ~~ملونا، ولا غرابة في أن يضحك مستر «ه» لما هو تافه في نظر المأزوم من الوجهة ~~النفسية، الذي يلجم نفسه عن المرح والضحك إلى أن تهتز له الأرض وما عليها من ~~أثقال! # أعدت لنا السيدتان «ب» و«م» طعام الإفطار، فلما جلسنا على المائدة طلب مني مستر «ه» ~~أن أصلي صلاة الطعام على طريقتنا، والصلاة المقصودة دعاء بأن يديم الله نعماءه وبركاته؛ ~~فتمتمت بالبسملة ... بدء الأكل بالدعاء أمر لا بد منه حتى عند مستر «ه» الذي ms033 يخيل ~~إليك أن قد خلا قلبه من كل إيمان! # وأبدت الآنسة «م» رغبتها في سباحة وتجديف، فأسرعنا بسيارة مستر «ه» إلى منزل صغير في ~~جوف الغابة، يسكنه الحارس على أملاك مستر «ه» في هذه المنطقة؛ ليطلب إليه أن يجيء إلى ~~البحيرة بقارب، وقال لنا مستر «ه» عن هذا الرجل إنه مكثار في العيال؛ فله في كل عام ~~مولود جديد، تعالوا نسأل الرجل وزوجته كيف يستطيعان إنشاء مولود جديد في كل عام ... يقول ~~ذلك مستر «ه» مرة بعد مرة، ضاحكا فرحا مرحا ... وما هو إلا أن جاء إلى شاطئ ~~البحيرة هذا الحارس في سيارة نقل كبيرة تحمل القارب المطلوب، وجلست إلى جانبه زوجته ~~وطفلان من أطفاله الكثيرين. # وفي الضحى ذهبنا إلى محطة توليد الكهرباء المقامة بين البحيرتين؛ مشروع جبار، فقد ~~رفعوا مستوى الماء في إحدى البحيرتين بطرق صناعية؛ ليصب ماؤها في البحيرة الأخرى ~~متدفقا مولدا الكهرباء ... أخذ المهندسون يشرحون لنا ما يستحيل على مثلي أن يفهمه، ~~حتى لقد قالت السيدة «ب»: إني والله لأعجب أن يكون في الدنيا إنسان واحد يفهم عنهم هذه ~~الأشياء التي يشرحونها! # الحق أني قد امتلأت بشعور حقيقي لا تكلف فيه، أنني واحد من فئة لا فائدة منها، ~~وأعني أولئك الذين قضوا حياتهم في دراسات نظرية لا تشبع جائعا، ولا تكسو عاريا، ~~ولا تتقدم بها الدنيا قيد أنملة أو تتأخر قيد أنملة. أنظر إلى هذه الأنابيب التي تلتوي ~~على بعضها كأنها أمعاء حيوان ضخم، وإلى هذه المصابيح، وهذه المفاتيح، وهذا الصوت الذي ~~يطن في جنبات المكان، وإني لأقول لنفسي إذ أرى وأسمع: أي مجنون في الدنيا يرى هذه ~~الأشياء تصنع وتقام، يصنعها العقل البشري، ثم يختار لحياته أن تقضى في تحليلات ~~لفظية وشطحات خيالية نظرية كما أقضي حياتي؟! كان المهندسون كلهم شبانا صغارا، ومع ذلك ~~أنبأني مستر «ه» أن أقل راتب للواحد منهم هو ثلاثون دولارا في اليوم؛ أي نحو اثني عشر ~~جنيها أو يزيد! # كان مستر «ه» موضع احترام الناس هناك؛ فهو رئيس المشروع، يعرف عنه ms034 كل شيء على الرغم ~~من أنه محام درس القانون ولم يدرس هندسة؛ جاءه مهندس وعرفه بنفسه قائلا: ألا ~~تذكرني يا مستر «ه»؟ أنا الذي جئتك في مكتبك بنيويورك عام كذا؛ لتوقع لي على إذن ~~الصرف؛ صرف مليون ونصف من الدولارات لهذا المشروع؛ أتدري يا مستر «ه» ماذا كنت أقول ~~لنفسي وأنت توقع الأوراق؟ كنت أقول: توقيع هذا الرجل الذي أمامي يساوي ملايين ~~الدولارات، فهل يأتي يوم أرى فيه توقيعي بمثل هذه القيمة؟ وجعلت ذلك منذ ساعتئذ أملي ~~ومرتجاي ... وأخذ مستر «ه» يحكي لنا كيف استغرق التوقيع يوما بأكمله من الصباح إلى ~~المساء؛ إذ كان لا بد من توقيع كذا ألفا من الأوراق، ومن كل ورقة اثنتا عشرة نسخة، ~~فكان يستخدم لذلك قلما كهربائيا، إذا أماله في يده مال معه اثنا عشر قلما أخرى ~~بطريقة آلية، وإذا وقع على ورقة بالقلم الذي في يده، وقعت بقية الأقلام على بقية ~~النسخ بصورة آلية. # خرجنا من محطة توليد الكهرباء، فقلت وأنا أزفر زفرة المتحسر: ما أتفه دراستي أمام ~~هذه المنشئات العظيمة! فقالت لي السيدة «ب»: أنا لا أوافقك؛ فدراستنا إنسانية، وبغير ~~مشاعر الإنسان لا تساوي هذه المنشئات شيئا، فلولا أن النساء قد أحببن الماس لصار الماس ~~حجرا خسيسا. # كثيرون وقفوا بقواربهم يصطادون السمك قرب السد الذي يفصل البحيرتين؛ فالسمك كثير ~~جدا هناك، تراه جماعات جماعات قرب سطح الماء؛ وقفنا ننظر، ولكن ما أبعد الفرق بين نظر ~~ونظر! فرجل كمستر «ه» يرى حين ينظر، أما أنا فأنظر ولا أرى! فمثلا يهبط طائر أبيض يطير ~~هابطا صاعدا، أما عند مستر «ه» فهو الطائر الفلاني، ينزل ليتلقط السمك الصغير ويطير ~~به مسرعا، وأنظر إلى السمك يتلوى قريبا من سطح الماء، فلا يزيد هذا المنظر في عيني ~~على ذلك، أما عند مستر «ه» فهو سمكة من النوع الفلاني قد التقمت سمكة من النوع ~~الفلاني، ثم يضيف قائلا: إن السمكة الآكلة تعرف كيف تأكل فريستها؛ فهي تبدأ بالرأس لا ~~بالذيل، حتى تقضم الرأس فتقضي على المقاومة، ولا تتعرض ms035 لضربات الذيل داخل ~~حلقها. # عدنا إلى أكواخنا الخشبية في مكانها الهادئ على البحيرة، ورأيت في الطريق عددا ~~كبيرا من السيارات التي تجر وراءها قوارب الصيد، فترى صاحب السيارة قد انطلق ووراءه ~~قارب مركب على عجل كعجل السيارة نفسها، قاصدا إلى حيث يصيد السمك في عطلة الأسبوع. ~~ولما لمحت سيارة تقودها فتاة وحدها، وتجر وراءها قاربا مشدودا إلى سيارتها، قلت ~~لنفسي: ما شاء الله كان! فهي صاحبة سيارة أولا؛ وتعرف كيف تقودها ثانيا؛ وثالثا لها ~~قارب؛ ورابعا تعرف كيف تشد القارب إلى السيارة؛ وخامسا تعرف على الأقل رياضة واحدة من ~~سباحة أو سماكة أو تجديف؛ وسادسا هي فتاة وحدها فلا حارس ولا رقيب ... وعلقت على ذلك ~~لنفسي قائلا: هذه هي المدنية الغربية متمثلة في فتاة. # قالت السيدة «ب» تعليقا على كثرة السيارات في الطريق: إن عدد السيارات يزداد ~~ازديادا شديدا؛ فأجابها مستر «ه» بأن أمريكا رغم ذلك لا يزال أمامها في هذا المضمار ~~طريق طويل حتى تنتج لكل فرد سيارة، فبينما الإنتاج الآن هو سيارة واحدة كل خمس ثوان؛ ~~(أي 288 سيارة في اليوم) فإنها تنسل من السكان سبعة آلاف كل يوم. # هموا أن يسبحوا في البحيرة، ووزع علينا مستر «ه» أردية السباحة، فقلت: إني لا ~~أسبح، وسأقف لكم على الشاطئ أنظر ... فانفجر مستر «ه» ضاحكا وراح يبلغ هذه النكتة ~~الكبرى لزميلتينا «ب» و«م» كأنما هي أعجوبة من أعاجيب البشر! # لو استرسلت في تفصيلات الرحلة لما انتهيت من وصفها، حسبي ذلك منها. # وبدأنا طريق العودة عصرا، وبينا نحن عائدون انعرج بنا في الطريق مستر «ه» إلى جوف ~~الغابة في موضع ما، فسألناه: إلى أين؟ قال: زرعت شجرة جوز هنا في التاريخ الفلاني، ~~وأرعاها كلما مررت في هذا الطريق؛ ونزلنا عند الشجرة، فراح يقلمها هنا ويهذبها ~~هناك، وقال: إن أحب شيء إلي أن أزرع شجرة في هذا الموضع، وأخرى في ذلك الموضع من ~~المواضع التي أرتادها في رحلاتي، محاولا أن أحصل على أكبر جوز في الولاية؛ سألته ~~السيدة «ب»: فيم هذا التقليم ms036 والتشذيب؟ لماذا قطعت كل هذه الفروع؟ فأجابها: لكي تركز ~~الشجرة جهدها كله في تكبير الثمار بدل أن تنفق عصارتها في تغذية فروع لا فائدة منها؛ ~~وكذلك نزلنا في موضع آخر يجاوره منزل وحيد على حافة الغابة، زرع به شجرة أخرى؛ فراح ~~مستر «ه» يقلم الفروع وينادي سكان المنزل بأعلى صوت، فخرج الرجل وزوجته ورحبا بنا ... ~~هنا كان بعض الجوز ساقطا على الأرض، فالتقطه مستر «ه» وهو يصيح في مرح ليس بعده مرح، ~~كأنه الطفل الصغير في فرحته بلعبة جديدة، وأخذ يناول كلا منا جوزة أو جوزتين مما ~~التقط، ويصيح: قولوا بصراحة أيها الأصدقاء، ما رأيكم في هذا الجوز العجيب؟ فقال قائل: ~~ما ألذ! وقال آخر: ما أروع ... من ذا يلومني إذا أحسست عندئذ بالحسرة العميقة حين ~~قارنت تربيتي بتربية رجل كهذا؟ أي نوع من البشر أنا؟ وأي نوع من النشأة نشأت؟ بماذا ~~أزيد على البهيمة غذيت لتنمو ثم تموت إذا جاءها الأجل؟ إنه بغير هذا الشغف بالحياة ~~فلا حياة؛ بل إنه بغير هذه الرغبة في استطلاع الطبيعة والقدرة النفسية على الدهشة ~~والتعجب لكل ما تبديه الطبيعة من كائنات، فلا ثقافة؛ فليس المثقف مكتبة متنقلة خزنت في ~~جمجمة الرأس، إنما المثقف رجل حي يقف من الدنيا وقفة المشترك في تطورها ونموها، ~~والمستطلع لسرها وخبيئها. # الإثنين 19 أكتوبر # في صحيفة اليوم حادث له غرابته: ذهب طالب في الجامعة أمس ساعة الغروب إلى منزله، وضرب ~~أمه حتى قتلها؛ ثم أخذ السيارة وذهب بأعصاب باردة هادئة إلى أبيه في مكان عمله، زاعما ~~أنه إنما أراد أن يعود به إلى المنزل في السيارة كأنه الابن المشتاق؛ لكنه يضمر عزما ~~أن يقتل أباه؛ وكان أبوه - بمصادفة عجيبة - مطلوبا في قسم البوليس لأداء الشهادة في ~~حادث ما، فعرج الابن بأبيه على قسم البوليس، بل واستطاع الابن بأعصابه الحديدية أن ~~يستخدم تلفون البوليس ليقول لأحد أصدقائه - الذي كان معه على موعد يذهبان فيه إلى ~~السينما: إنه قد يتأخر قليلا عن موعده، لكنه ذاهب معه لا محالة فلينتظره، وأخيرا ms037 صحب ~~الوالد ولده إلى الدار، والوالد لا يدري من الأمر شيئا؛ ودبر الولد أن يدخل بأبيه من ~~الباب الخلفي حتى لا يمر بالغرفة الملقاة فيها جثة أمه القتيل؛ ولم يكد الوالد والولد ~~يدخلان حتى انهال الولد على والده ضربا فأفقده النطق، ولم يستطع الإجهاز عليه؛ لأن ~~الجيران أحسوا حركة فجاءوا يستطلعون الأمر فوجدوا ما وجدوا ... والعجيب أن قد سئل ~~زملاء الطالب في الجامعة، فأجمعوا على أنه كان من أهدأ الطلاب خلقا وأطيبهم سلوكا! ~~فكم في هذه الدنيا من مآس لا يعلم الدوافع إليها إلا الله وإلا علماء النفس إن أراد ~~الله لعلم النفس أن يكون علما يركن إلى أحكامه ونتائجه. # دعاني مستر «ه» أن أذهب إلى لقائه مساء في فندق كولمبيا، ولم أدر لماذا ولا إلى ~~أين نذهب، لكني أحببت هذا الرجل الذي يشيع في نفسي قبسا من مرحه كلما التقيت به، ~~فاستقبلني في بهو الفندق بحفاوة، وراح كمألوف عهده يضحك ويصيح لا يأبه إن كان في ~~الفندق ناس أو قطع من الحجارة! وكان في وسط البهو امرأة جالسة في نحو الأربعين من ~~عمرها، لكنها على درجة عالية من الجمال؛ فأخذني ودنا منها وقال: إنني يا سيدتي لا أعرفك ~~لكني مع ذلك أريد أن أقدم لك هذا الضيف من مصر؛ ثم قال لها: إني أرجح أنك قد جئت ~~إلى كولمبيا في اجتماع القساوسة الذي ينعقد الليلة؛ لأني رأيتك في صحبة قسيس، فقالت: ~~نعم، هذا القسيس هو زوجي جئت معه؛ فأجابها مازحا: لا شأن لي إن كان زوجك أو أخاك، ~~إنما شأني هو أنك رائعة الجمال. # وما هي إلا أن صعدنا السلم إلى غرفة فسيحة صفت بها الموائد، فعرفت عندئذ أنه ~~احتفال يقيمه ناد اجتماعي شبيه جدا بنادي الرواد عندنا في مصر، مهمة أعضائه: الخدمة ~~الاجتماعية، والغاية من الاحتفال أن يقدم الأعضاء زوجاتهم حتى يعرف الجميع بعضهم ~~بعضا، وصاحبي مستر «ه» مدعو ليكون خطيب الحفلة، فطلب من الداعين أن يعدوا لي مقعدا ~~بجواره، وقدمني إلى أعضاء النادي ... وجاء دور أخينا مستر ms038 «ه» ليقول كلمته فهز القاعة ~~هزا بالضحك؛ فهو ظريف الملاحظة في فكاهة مستملحة، أراد أن يقول للحاضرين كم تغيرت ~~مدينة كولمبيا عن ذي قبل، فوضع هذا المعنى في أسلوب فكاهي يثير الضحك ؛ إذ قال: تغيرت ~~الدنيا في هذا البلد تغيرا عجيبا أيها الإخوان؛ فقد كانت العادة أيام طفولتي أن يأكل ~~الأطفال أجنحة الدجاج وأرجله، أما صدورها فللكبار، فلما كبرت فرحت لأنني كنت أرتقب ~~العهد الذي أكون فيه من أكلة الصدور، لكن شاء لي الحظ الأنكد أن يذيع رجال الطب في ~~الناس أن الأطفال يجب أن يعطوا صدور الدجاج ليتغذوا غذاء جيدا، وحسب الكبار أجنحة ~~وأرجل؛ وإذا فقد ضاعت فرصتي في العهدين معا! ... تغيرت الدنيا يا إخواني، وإني لأدرك ~~مدى التغير عن عهد طفولتي حين أقف على ناصية الطريق يوم ريح، فعندئذ أرى النساء ~~مشغولات بإمساك الشعر على رءوسهن مخافة أن يختلط ويضيع تصفيفه، وللريح بعد ذلك أن ترفع ~~عنهن الثياب ما شاءت فينكشف من أفخاذهن ما ينكشف، وأما في عهد طفولتي فقد كانت المرأة ~~يوم الريح العاصف تمسك بثوبها بين ركبتيها اتقاء للعري، وليحدث لشعر رأسها بعد ذلك ما ~~يحدث ... وهكذا وهكذا. # إن الإنسان ليكسب قلوب الناس بخفة روحه أكثر جدا مما يكسبها برجاحة عقله. # الأحد 25 أكتوبر # الساعة التاسعة صباحا جاءني مستر «ه» ومعه الدكتور «ت»، وهو في السبعين من عمره، كان ~~أستاذا للأدب الإنجليزي بصفة عامة، ومختصا بأدب شيكسبير بصفة خاصة، في جامعات ~~مختلفة، منها جامعة شيكاجو وجامعة تكساس وجامعة كارولاينا الشمالية؛ وله كتب كثيرة عن ~~شيكسبير، أحدثها كتاب ظهر هذا العام، عنوانه: «مقالات لشيكسبير»، جمع فيه آراء شيكسبير ~~في الموضوعات المختلفة؛ آراءه التي وردت في مسرحياته نثرا، فجعلها كأنها مقالات كتبها ~~شيكسبير تحت عنوانات مختلفة ... إن كل شيء يذكر الدكتور «ت» بسطر أو أسطر من شيكسبير، ~~ويخيل إليك أنه قد حفظ شيكسبير بأسره عن ظهر قلب. # انطلقت بنا السيارة نحو مدينة أوجستا بولاية جورجيا، وهي تبعد عن كولمبيا نحو مائة ~~ميل؛ وكان أول حديثي مع الدكتور «ت» ms039 في السيارة عن هذه المدنية العلمية؛ إذ بدأ «ت» ~~بقوله: إنني أمقت هذه المادية الصارخة، وأتمنى أن أعيش عاريا في جزيرة، وإني لأتعجب ~~لماذا يتسابق الناس وراء الآلات الحديثة التي تهون الحياة؟ إنني لا أملك ولا أحب أن ~~أملك معظم هذه الأدوات الحديثة؛ ليس لي مذياع مصور ولا أريد أن يكون لي. # قلت له: إني لا أوافقك؛ ورحت أدافع له عن هذا الذي يسمى مدنية مادية؛ لأنه في ~~الحقيقة مدنية علمية، وليس «العلم» مادة بقدر ما هو تفكير؛ فالسيارة مثلا عقل مجسد، ~~من الخطأ تسميتها «مادة»؛ لأن كل جزء فيها قد بلور تفكيرا عقليا، وماذا يكون التفكير ~~إن لم يكن روحا؟! # فقال الدكتور «ت»: امض في حديثك؛ فإنما أردت بما قلته أن أبدأ حديثا لأسمعك ~~... # كم يحز في نفسي أن أرى كل يوم ألف دليل على مقدار جهل هؤلاء الناس بنا وبعقيدتنا ~~الدينية! إنني أبعد ما أكون عن التعصب الديني الأعمى، لكني في الوقت نفسه أكره الظلم في ~~الحكم الذي ينبني على جهل بالحقائق؛ فليقولوا في الإسلام ما شاءوا إلا أنه عبادة أصنام! ~~... فقد مررنا في الطريق بكنيسة، فكانت باعثا لمستر «ه» أن يسألني ما عقيدتي الدينية؟ ~~وإلى أي كنيسة أنتمي؟ - وهو سؤال يستحيل ألا يوجه إليك كلما قابلت أحدا؛ فالكنيسة ~~تملأ رءوسهم، وتشعب المذاهب يشغل بالهم - فقلت له: إني مسلم؛ فقال: لقد سمعتك تجيب ~~بهذا الجواب مرات عدة، ولم أفهم ماذا تعني كلمة «مسلم»؟ أهي تتبعك للكنيسة الأرثوذكسية ~~أم البروتستانتية أم ماذا؟ قلت له: لا شيء من هذا؛ فأنا مسلم، وقد جاء الإسلام بعد ~~المسيحية بسبعة قرون، فهو تعديل لها من بعض الوجوه، وعلى كل حال فهما متشابهان في ~~الأصول؛ لأن اليهودية والمسيحية والإسلام فروع ثلاثة من أرومة واحدة، هي العقيدة في إله ~~خالق ... # فقال مستر «ه»: لم أسمع قط بكلمة «مسلم» هذه، أتكون «محمديا»؟ فقلت له: نعم إلا أني ~~لا أحب أن تسمى عقيدتنا بالمحمدية كما تسمونها؛ لأن لها اسما هو «الإسلام» من ~~«السلام» ... صحيح أن الديانات تنسب ms040 لأنبيائها؛ فالبوذية لبوذا، والمسيحية للمسيح، وقد ~~تسأل لماذا لا تكون المحمدية لمحمد؟ لكني أحس في استعمالكم لكلمة «محمدية» معنى آخر، ~~وهو أنها عقيدة أنشأها رجل ولم يوح بها من الله. # قال مستر «ه » - ووافقه الدكتور «ت»: لكن معذرة، أليست المحمدية تعبد شيئا غير الله؟ ~~فقلت له: لو كان الإسلام قد جاء بشيء واحد، فهو تأكيده عبادة الله الواحد الذي لا يتعدد ~~ولا يشاركه أحد. # يحفظ الدكتور «ت» كثير جدا من الأدب عن ظهر قلب، وقد ذكرنا «إمرسن» فقلت له: إني ~~أخي في مصر يترجمه إلى العربية؛ فسألني: أهو يترجم المقالات أم الشعر أم كليهما؟ فقلت: ~~المقالات؛ فراح يحدثني عن خصائص إمرسن حديثا فيه لفتات جميلة، ومما أعجبني من ~~ملاحظاته عن أسلوب إمرسن أنه يكتب كتابة تهتز اهتزاز البندول؛ فهو يهبط ثم يعلو ثم ~~يهبط، وذكر لذلك مثالا عبارة يقول فيها إمرسن: «إنني ضئيل كالجزر، إنني إله، إنني ~~نبتة صغيرة على الجدار.» فهو يشعر بضآلته ثم بعظمته ثم بضآلته مرة أخرى، ويعلق ~~الدكتور «ت» على ذلك بقوله: إن هذه الحركة البندولية في شعورنا مألوفة لكل واحد منا، ~~كلنا يحسها في نفسه. # أخذ مستر «ه» يجول بنا في أراض زراعية فسيحة هي أرضه وأرض أسرته؛ إن أهل كارولاينا ~~الجنوبية يعتزون بالأسرة وبالحسب شأن البلاد الزراعية العتيقة؛ فمستر «ه» فخور ~~بآبائه وأجداده ومكانة أسرته واتساع ملكها؛ فهذه ثلاثة وستون ألفا من الفدادين، هي ~~أرض جده لأبيه، وهذه خمسة وثلاثون ألفا هي أرض جده لأمه، وهذه قطعة مساحتها ثمانون ~~فدانا في وسطها مبنى صغير أهداها من أرضه للنادي الزراعي ... ثم أخذنا إلى مقبرة ~~كبيرة وسط الشجر الكثيف، هي مقبرة أسرته، قبورها كلها من المرمر، تتفاوت جدة وتاريخا، ~~لكن وحدة الأسرة بادية فيها؛ فعلى كل قبر اسم من فيه: فلان «ه»، أو فلانة «ه»؛ وهكذا ~~يتبعثر أفراد الأسرة في حيواتهم ويتفرقون ثم يعودون فيلتقون في مقبرة واحدة أسرة ~~واحدة. # وكان مستر «ه» يعرج بنا في الطريق إلى جوف غابة هنا وقلب مزرعة هناك، مشيرا إلى ms041 ~~بيوت منعزلة قائمة وحدها بغير جيران، فيقول هذا منزل ابن عمي فلان، أو فلان أو فلان؛ ~~وحدث أحيانا أن رآه سكان هذه المنازل فخرجوا إليه مرحبين، لكننا لم ندخل من هذه ~~الدور إلا دارا واحدة قال عنها إنها لابنة عمه فلانة، وهي تحتفظ بمجموعة قيمة من ~~الصور الفنية النادرة أراد لنا أن نراها؛ فاستقبلتنا في هذه الدار سيدة نصف جميلة، ~~لم يكن في الدار غيرها وغير ابن لها في نحو العاشرة من عمره جلس إلى مكتب صغير يذاكر ~~دروسه؛ البيت قائم وحده في جوف غابة، لا جار له إلى مسافة بعيدة جدا، وهو يبلغ درجة ~~الكمال نظافة وأناقة وحسن ذوق، أخذت السيدة تدخلنا غرف الدار واحدة بعد أخرى؛ ~~لتطلعنا على الصور الفنية التي تقتنيها، وهي لأشهر الفنانين الأمريكيين في القرن ~~التاسع عشر، وكثير منها صور لأفراد أسرة «ه». # وكنت في الطريق قبل بلوغنا هذه الدار، قد سألت الدكتور «ت» ما معنى كلمة «يانكي» التي ~~يوصف بها أهل الشمال؛ فبين أهل الشمال وأهل الجنوب حزازات إلى اليوم لا يدرك مداها إلا ~~من زار أمريكا، فأهل الجنوب يمقتون أهل الشمال الذين هزموهم في حرب تحرير العبيد، وأهل ~~الشمال لا يخلون من احتقار خفيف للجنوبيين، ولا تزال الفوارق بعيدة بين أهل الشمال ~~وأهل الجنوب، خصوصا في مسألة الزنوج؛ فيريد الشماليون ألا تكون هناك تفرقة بين أبيض ~~وأسود، ويصر الجنوبيون على أن ينشق المجتمع نصفين لا يختلطان ولا يمتزجان ولا يتماسان ~~بأي وجه من الوجوه: البيض والسود ... على كل حال، سألت الدكتور «ت»: ما معنى «يانكي» ~~التي تصفون بها أهل الشمال؟ فلم يعرف، ولما وصلنا إلى دار هذه السيدة، قال الدكتور «ت» ~~للسيدة: أعندك قاموس أبحث فيه لهذا السيد عن معنى «يانكي» وأصلها؟ فأجاب الغلام الذي ~~يذاكر دروسه قائلا: هي تحريف كلمة «إنجليزي» فلما هاجر الإنجليز لأول مرة إلى أمريكا ~~حرف الهنود الأصليون كلمة «إنجليزي» وجعلوها «يانكي» ... وفتحنا القاموس فوجدنا هذا ~~المعنى الذي قاله الغلام، وإلى جانبه احتمال آخر، وهو أن تكون مأخوذة من ms042 «يان كي» التي ~~هي كلمة هولندية. # وانتهت بنا الرحلة إلى غايتها المقصودة، وهي الدار الصغيرة التي يسكنها قريب لمستر ~~«ه» هو القاضي «ه» وعمره ستة وثمانون عاما، كان قاضيا وهو الآن يقضي شيخوخته وحيدا ~~في هذه الدار. # دار القاضي «ه» في ضاحية مدينة أوجستا، وهي مدينة تساوي كولمبيا مرة ونصف مرة، يسكنها ~~الأغنياء، ويقصد إليها المستشفون من داء الصدر لحسن جوها؛ لما اقتربنا من الغابة التي ~~سننفذ خلالها إلى حيث دار القاضي «ه» قال لي مستر «ه»: إننا يا دكتور محمود قادمون على ~~بيت ابن عمي القاضي «ه»، وهو رجل مسن متهدم ضعيف؛ ولذلك فلن نطيل المكث عنده، فإذا ~~رأيتنا نسرع في الرجوع وإذا رأيته لا يعبأ بذلك، فاعلم أن السبب هو ضعف شيخوخته. # وصلنا إلى الدار الصغيرة القائمة وسط أشجار باسقة، وحولها فضاء صغير قطعت أشجاره ~~ونشأت فيه بركة ماء تسبح عليها بجعتان؛ المنزل صغير جدا، غرفتان صغيرتان ومطبخ ~~وحمام، في الغرفة الأولى مكتبة على جدرانها الأربع، وفي وسطها منضدة صغيرة متينة جديدة، ~~قال عنها القاضي «ه» إنه صنعها من خشب أشجاره؛ وفي الغرفة الثانية سرير صغير ومنضدة ~~محملة بأكداس المجلات، مجلات هذا الأسبوع أو هذا الشهر، ثم كتاب مفتوح عنوانه ~~«الماء»؛ وأخذ يقص علينا القاضي «ه» خلاصة ما قرأه حتى الآن في هذا الكتاب، وهو خاص ~~بمشكلة الماء في ولاية كارولاينا الجنوبية؛ فالزراعة فيها معتمدة على المطر، لكن قد ~~يحدث أحيانا أن يمتنع المطر فتتعرض الزراعة للخطر، وهذه هي المشكلة التي يعالجها ~~الكتاب. # وجاء إلى القاضي «ه» ونحن معه ضيف يحمل إليه زهورا من أنواع نادرة، فراح القاضي ~~الكهل ينظر إليها واحدة واحدة كأنه يتفرس في لوحات فنية ويستطلع أسرارها، وانصرف ~~الضيف والتفت إلينا القاضي بحديثه، فإذا حديثه سلسلة لا تنقطع من النكات والطرائف، وهو ~~في ضحك مستمر غير أن شيخوخته لم تمكنه من الضحك العالي القوي كما يفعل قريبه الأصغر ~~مستر «ه»؛ وقد كانوا حدثوني عنه أنه لا يشرب الخمر أبدا - على عكس قريبه مستر «ه» الذي ms043 ~~لا يكاد يمسك عن الشراب لحظة؛ فزجاجة الخمر معه أنى ذهب - فما كدنا نستقر مع القاضي ~~في داره الصغيرة حتى أخرج مستر «ه» زجاجة خمره، فكانت مثار نكات القاضي فترة ~~طويلة. # وقد أدهشني أن أرى القاضي «ه» - مع الدكتور «ت» - يتلو أسطرا من شيكسبير في كل ~~مناسبة؛ كان يبدأ هو الأسطر فيسايره فيها الدكتور «ت»، أو يبدأ الدكتور «ت» فيلاحقه ~~القاضي، كأنما كانا يتسابقان أيهما يحفظ أكثر من زميله وأجود، وأيهما يغوص في بحر ~~شيكسبير اللجي ليعود ومعه لؤلؤة تناسب الموقف والسياق. # أصر القاضي الكهل على شيخوخته أن يطوف معنا في أرضه وبين أشجاره؛ فأول خروجنا من ~~داره كان يحمل قطعة من الخبز في يده، فقال إن البجعتين لن يلبثا أن يريا الخبز في يدي ~~فيقبلا علي؛ لكن البجعتين لم تأبها، فراح القاضي يقول النكات على نفسه؛ ثم انتقلنا ~~إلى بركة أخرى قال إنها مليئة بالسمك، وإنه قد عود السمك أن يطفو على الماء ~~زرافات كلما ألقى إليه بفتات الخبز، لكنه جعل يلقي الفتات في الماء فلا يأبه له السمك، ~~فاستأنف القاضي الفكه نكاته، فقد عصاه البجع والسمك لسبب لا يدريه. # وللقاضي في غابته حديقة زهور بها كثير من أشجار الكاميليا، قيل إنها أكبر زهور ~~للكاميليا استطاع إنسان أن ينبتها في الولاية كلها؛ ولهذه الأشياء عندهم قيمة أي ~~قيمة! وراح القاضي يحدثنا عن كل شجرة، بل عن كل زهرة كأن هذا الزهر بنوه وبناته؛ إنه ~~لا يتحدث عن زهوره بالجملة، بل يتحدث عنها فردا فردا؛ لأنها أحياء في ذهنه ينميها ~~ويربيها ويتعقبها بالعناية والملاحظة والرعاية كل يوم. # وقد كان يستحيل ألا يجيء ذكر مصر في الحديث؛ فسألني القاضي «ه» السؤال الذي يستحيل ~~ألا يسأله كل إنسان هنا، كما يستحيل ألا يأخذني الغضب والانفعال كلما أجبته، فما استطعت ~~مرة واحدة أن أجيب عنه وأنا هادئ الأعصاب، وهو: إنكم تطلبون من الإنجليز أن يتركوا قناة ~~السويس، فهل إذا تركوها تستطيعون الدفاع عن أنفسكم؟ فأجيب دائما بقولي: لأن نستطيع أو ~~لا نستطيع الدفاع ms044 عن أنفسنا فإنما ذلك من شأننا وحدنا، وليس من حق مخلوق على ظهر الأرض ~~أن يسألنا سؤالا كهذا؛ فضلا عن أننا إذا دافعنا عن أنفسنا فضد الإنجليز، وإذا خفنا ~~على أرضنا فمن الإنجليز ، ولا يعقل أن نستريح لدفاع الإنجليز وهم عدونا الأول؛ ~~الإنجليز عدو قائم فعلا، والروس عدو محتمل الوقوع، ومن البلاهة أن تستبقي عدوا ~~حقيقيا اتقاء لعدو محتمل. # فقال القاضي «ه»: إنه يصارحني بشعوره، وهو أنه كلما قرأ عن رغبة المصريين في استرداد ~~قناة السويس، كاد الدمع يطفر من عينيه؛ لأن الإنجليز قد بنوها بمالهم وحرسوها بمالهم، ~~فكيف يجيء المصريون الآن فيقولون: نريد القناة؟ فلما أفهمته أن المال مالنا حتى وإن ~~بقي بعضه دينا علينا، وأن الأرض أرضنا، وأن السواعد المصرية هي التي حفرت القناة في ~~أرض مصرية، قال القاضي إما جادا أو متهكما: هذا كشف جديد لي في السياسة أن أعلم من ~~هذا السيد أن القناة لم ينفق عليها الإنجليز. # وجاء في حديثهم ذكر التفرقة اللونية بين البيض ~~والزنوج، وقد جعلت خطتي أن ألزم الصمت كلما ذكر هذا الموضوع؛ فهو موضوع حساس في ~~ولايات الجنوب، بل هو شغلهم الشاغل ومصيبتهم الكبرى! إن البيض والزنوج يكادون يتساوون ~~عددا في ولايات الجنوب؛ والتفرقة بين اللونين في هذه الولايات تفرقة تامة في كل شيء ~~كأنهما خطان متوازيان لا يلتقيان مهما امتدا! أحياء لسكنى البيض وأخرى لسكنى ~~الزنوج، مدارس وجامعات للبيض وأخرى للزنوج، مطاعم للبيض وأخرى للزنوج، في السيارات ~~العامة خصصت المقاعد الأمامية للبيض والخلفية للزنوج، بل للبيض باب في السيارة ~~وللزنوج باب آخر، للبيض باب في محطة السكة الحديدية واستراحة خاصة، وللزنوج باب آخر ~~واستراحة أخرى، للبيض عربات في القطار وللزنوج غيرها، إذا كان البيض والزنوج يعملون ~~معا في مصنع مثلا، فللبيض صنابير ماء وللزنوج أخرى، وكارثة الكوارث في نظري أن يكون ~~للبيض كنائس خاصة بهم وللزنوج كنائسهم، مع أن الجميع قد يكونون مسيحيين تابعين لمذهب ~~واحد! # التفرقة اللونية بين السود والبيض في ولايات الجنوب هي مركب النقص الذي لا يجوز ms045 ~~لغريب مثلي أن يمسه بحديثه؛ لأن البيض هناك - كأي ناس في أنحاء العالم - يعلمون أن ~~مثل الإنسانية الأعلى هو ألا يكون فرق بين إنسان وإنسان، لكن العقيدة شيء وممارستها ~~شيء آخر؛ فمن العسير جدا على نفوسهم أن يمتزجوا مع من كانوا حتى أمس القريب عبيدهم، ~~اشتروهم بمالهم ليفلحوا لهم أرضهم، فلا يمكن بين يوم وليلة أن تقول للسيد إنك أنت ~~وعبدك الذي اشتريته بمالك على قدم المساواة لا فرق بينك وبينه، إنهم يقولون: إن ~~المساواة شيء والامتزاج شيء آخر؛ فللسود علينا أن لهم كل الفرص التي للبيض، لهم علينا ~~أن يكون لهم من المدارس والمستشفيات وكل وسائل الحياة الحرة الكريمة ما للبيض سواء ~~بسواء، لكن هل هذه المساواة في المنافع تقتضي حتما أن نمتزج معا ونعيش معا؟ لماذا ~~تنشد سعادة السود ولا تبالي بسعادة البيض؟ فإن كان الزنوج يسعدهم أن يمتزجوا مع ~~البيض، فالبيض يسعدهم ألا يمتزجوا مع الزنوج ... وهكذا وهكذا، وباختصار: إن هذه المشكلة ~~عندهم هي الداء الذي ينغص عليهم العيش ولا يعرفون له دواء؛ فبالعقل يرون شيئا ~~وبالشعور يريدون شيئا آخر، وسيظل الإنسان إلى أبد الدهر نهبا بين عقله من ناحية ~~وشعوره من ناحية أخرى. # قلت إنهم - القاضي «ه» ومستر «ه» والدكتور «ت» - راحوا يتحدثون عن الزنوج، فلزمت ~~الصمت كعادتي إذا ما دار الحديث عن الزنوج؛ لأنني بطبيعة الحال لا أوافق أن يقوم بين ~~اللونين تفرقة كائنة ما كانت، وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن أكون ضيفا يلدغ مضيفه ~~بالنقد، فضلا عن أنني أحاول أن أشعر بشعور هؤلاء وهؤلاء ... قال الدكتور «ت» بمناسبة ضجة ~~في النقد الأدبي قامت حول كتاب أخرجه كاتب زنجي: إننا نحتفل لإنتاج الزنوج أكثر جدا ~~مما نحتفل لمثله من إنتاج البيض، فلو برع لاعب زنجي في الكرة وبرع إلى جانبه لاعب ~~أبيض، ظفر الزنجي بمعظم التمجيد، وكذلك قل في ميادين العلم والأدب والسياسة؛ ثم قال ~~متهكما: وددت أن أكون زنجيا إن كان هذا هو حظ الزنوج! وردد النغمة نفسها مستر «ه» ~~والقاضي «ه». # وجاء ms046 حديث الزنوج مرة أخرى ونحن في السيارة عائدون، فقال الدكتور «ت»: ليس الاختلاف ~~بين البيض والزنوج مقصورا على البيئة والتربية، بل هناك اختلاف أصيل موروث؛ ولهذا ~~فهما جنسان مختلفان في كل شيء ... حتى نوع الجرائم التي يرتكبها أفراد هذا الجنس أو ذاك ~~تختلف؛ فالجريمة التي يرتكبها الزنجي تختلف في هدفها وفي وسيلتها عن الجريمة التي ~~يرتكبها الأبيض؛ الزنجي يقتل مدفوعا بالغضب والغيظ، وأما الأبيض فقد يقتل لغير هذا، هو ~~يدبر الجريمة قبل ارتكابها، على حين أن الزنجي يستثار لها فيندفع إلى ارتكابها فورا ~~... ومضى يقول: لما كنت أستاذا في جامعة شيكاجو كان البيض هناك يقترفون جرائم عجيبة، ~~فمثلا حدث مرة أن أمسك بعضهم برجلين عنوة وخصوهما، لا لشيء سوى التفكه الأثيم، أما ~~الزنجي فيستحيل أن يقترف جريمة كهذه؛ الأبيض قد يخطف الطفل من أبويه ويقتله ويطلب من ~~أبويه فدية (كانت أمريكا عندئذ ترتج ارتجاجا لحادث خطف طفل من أبويه الثريين وقتله ~~الخاطف وأخفى قتله، ثم طلب من أبويه ستمائة ألف دولار فدية، وأخذ الفدية، وبالطبع لم ~~يعد والدا الطفل يسمعان شيئا)، وأما الزنجي فليست هذه جريمته، لكن حرك الزنجي ~~يقتل ... وفي هذا لا بد من الاعتراف بأن الزنجي أشرف وأنبل وأشجع؛ إني أقول ذلك ~~تقريرا للحق، مع أني لست من محبي الزنوج، ولا أحب أن يقال عني أبدا أنني أعطف على ~~الزنوج؛ فإنني أعتقد أن وجود الزنوج في بلادنا هو نكبتنا الكبرى. # واستطرد الدكتور «ت» في حديثه عن الجرائم، فقال: إن آخر إحصاء قد دل على أن ~~المجرمين الشباب معظمهم من المتعلمين، ثم سأل في حماسة: أليس ذلك لأن طريقة التربية ~~عندنا خطأ في خطأ؟ إنني الآن أكتب كتابا في هذا، وأضرب ضربات قاسية من النقد لنظامنا ~~التعليمي كله؛ إذ لم تعد الشخصية وتكوينها والأخلاق وبناؤها هي الهدف الهام في ~~تعليمنا ... # وانتهزت فرصة حديثنا في المجلات الأدبية، فسألت الدكتور «ت»: أي المجلات الأمريكية في ~~رأيك أعلاها ثقافة؟ فما كان من الدكتور «ت» إلا أن راح يندد بموقف الثقافة في أمريكا ms047 ~~قائلا: إنه حتى أرقى مجلاتنا ثقافة قد أصبح يتودد إلى القراء الأوساط في ثقافتهم، ~~فيستميلهم بقصص كلها قائم على الغرائز الجنسية ... وسألته عن أجور النشر في المجلات، ~~فما كان أشد دهشتي حين علمت أن المقالة الواحدة أو القصة الواحدة في مجلة مثل «بوست» ~~أو «لايف» أو «نيويوركر» قد يبلغ أجرها ثلاثة آلاف دولار؛ أي أكثر من ألف جنيه مصري! ... ~~لكن إلى جانب ذلك عرفت أن الكثرة الغالبة من المجلات العلمية والأدبية التي تعلو ~~بمستواها فيقل مدى توزيعها لا تعطي الكاتب شيئا، وحسبه فخرا أن المجلة قد نشرت ~~له ما كتب! # الإثنين 26 أكتوبر # عقدت اليوم ظهرا في نادي الأساتذة جلسة لمناقشة السياسة الدولية مع زائر سياسي ~~دعته الجامعة، وهو مستر «و. د» وهو عضو في البرلمان الإنجليزي من حزب المحافظين، ومراسل ~~لجريدة الديلي تلجراف اللندنية، عمره حول الأربعين وهو متكلم من الطراز الأول، رجحت أن ~~يجيء ذكر مصر فذهبت إلى الاجتماع مصمما أن أتدخل في المناقشة إذا دعا الأمر إلى ~~التدخل. # جلس في وسط حلقة كبيرة من أساتذة الجامعة، وراح ~~كل يسأل ما عن له من أسئلة في سياسة العالم فيجيب مستر «و. د» إجابة الخبير، وهو ~~ممتلئ ثقة بنفسه، وحدث ما توقعت؛ إذ سأله سائل عن الموقف في قناة السويس، فقال ~~مغيظا: إنه يستحيل علينا أن نسحب قواتنا من هناك بغير بديل نطمئن إليه؛ فنحن لا نثق ~~بالمصريين، وهم قوم متعبون يصعب الاتفاق معهم على حل معقول ... فتدخلت قائلا: ~~يا سيدي، لست من رجال السياسة، ولكني مصري أولا، ورجل من رجال المنطق ثانيا، وأحب أن ~~أناقشك في ألفاظك التي استخدمتها ... وأولها كلمة «الثقة» في قولك: إنكم لا تثقون ~~بالمصريين، ما معناها؟ إنني أفهم معناها لو كان المصريون قد أخذوا من أرضكم أرضا، وقيل ~~لكم «اتركوهم في أرضكم» فتجيبون بالرفض قائلين إنكم لا تثقون بهم؛ أما أن تعتدي على أرض ~~غيرك وتقول إنني سأظل هنا لأنني لا أثق بصاحب الأرض فقول يستحيل أن يقبله عقل سليم؛ ~~لأنه قول ينفي عن ms048 الألفاظ معانيها المألوفة ... وأما أن المصريين «متعبون» فإني أؤكد لك ~~أن المصريين إذا أسفوا على شيء فذاك أنهم لم يكونوا «متعبين» بالدرجة الكافية ~~لإخراجكم من بلادهم. # قال مستر «و. د» أنا لا أعرف أين يكون الفرق بين أن تساعدنا الولايات المتحدة ~~بقواتها، وبين أن نساعدكم نحن بقواتنا! فقلت له: إن الفرق هو كالفرق بين الأرض والسماء؛ ~~فقد اخترتم أن تساعدكم الولايات المتحدة، وأما نحن فلم نختر مساعدتكم، وفي حرية ~~الاختيار يكون الفرق بين الحر والعبد؛ فسكت ونظر إلى قدميه، وقال: نعم، أظن أن هذه نقطة ~~جديرة بالنظر ... ولما انفض الاجتماع جاءني مستر «و. د» يصافحني قائلا: إنني لا أعتذر ~~إليك، لكنني أحييك وأقول لك: إنني كنت أعرف أن مصريا موجودا بين الأساتذة، فلما ~~سئلت عن مصر أردت أن أكون صريحا، فأقول في حضوره ما كنت أقوله في غيابه؛ وأكد لي أنه ~~ربما وصل الفريقان إلى اتفاق عما قريب. # الخميس 29 أكتوبر # لماذا أتتبع أخبار الطفل المريض الذي جلس أبوه إلى جوار المستشفى ينظر إليه خلال ~~النافذة؟ لماذا يشتد حزني هذا الصباح إذ قرأت أن الطفل قد مات ليلة أمس بعد أربعة عشر ~~يوما أنفقها أبوه على كرسي فوق طوار الشارع لا يعبأ بجوع أو برد؟ ... هل يمكن أن ~~يكون مثل هذا الوالد من شعب يعبد «الدولار»؟ ألا ما أظلم الناس في أحكامهم على ~~الناس! # نعم، لبث الوالد المزارع في المدينة إلى جوار ابنه المريض، لا يعود إلى مزرعته بل لا ~~يكاد ينتقل عن كرسيه الذي وضعه في العراء لينظر إلى ابنه؛ لأن ابنه طلب إليه ألا ~~يتركه، وكان متعذرا على الوالد أن يدخل معه في غرفته، فجلس على الطوار ينظر إليه ~~خلال النافذة لا يكاد يأكل أو ينام ... ولما نشر في الصحف نبأ هذا الوالد، جاءت إليه ~~تبرعات كثيرة منوعة؛ فتبرع متبرع بمقعد طويل مريح يستلقي عليه الوالد، وتبرع ~~مطعم بتقديم الوجبات للوالد مدة إقامته في المدينة، وتألفت جماعة تتناوب الجلوس مع ~~الوالد للتسرية عنه، وتبرع آخر براديو ... إلخ إلخ. ms049 هذه نزعة إنسانية فيها شبه كبير ~~بعواطفنا الشرقية الحادة، لكنها تزيد على عواطف الشرقيين بكونها تنتقل إلى المعونة ~~العلمية ولا تكتفي بالتعبير اللفظي الذي لا يغني من برد أو جوع. # لكن يشاء الله أن أرى إلى جانب هذه العاطفة الإنسانية النبيلة عاطفة أخرى خسيسة ~~دنيئة، تتجلى في حكم أصدره اليوم قاض على قاتل أبيض قتل زنجيا؛ حكم القاضي على ~~القاتل (الأبيض) بالسجن سنتين؛ لأنه قتل ذلك الزنجي، ولست أريد أن أعلق على عدم ~~التناسب بين العقوبة والجريمة؛ فقد لا يكون ذلك من شأن رجل لم يدرس القانون، ولم يدرس ~~تفصيلات الموضوع، لكن الذي يدعو إلى العجب الشديد هو «حيثيات» الحكم كما نشرت في ~~صحيفة اليوم؛ إذ جاء في الحيثيات ما تأتي ترجمته بالحرف الواحد: # إنني أحكم على فلان بالسجن سنتين ليتعلم درسا، وهو ألا يخالط الزنوج، لقد ~~خلقنا الله مختلفين، فلماذا نسلك كما لو لم يكن بين الناس اختلاف؟ لقد كان فلان ~~يستطيع أن يجد من أمثاله البيض من يقضي معهم وقت الفراغ والتنزه ... # ومعنى ذلك أن القاضي لا يعاقب المجرم القاتل على جريمته، بل يعاقبه على شيء آخر وهو ~~أنه اختلط مع زنجي، فهذا عند القاضي أخطر من القتل! ترى بماذا كان يحكم هذا القاضي ~~نفسه على زنجي قتل رجلا أبيض؟! # الجمعة 30 أكتوبر # ذهبت إلى نادي الأساتذة في الفترة التي تقع بين المحاضرتين، وأخرج الدكتور «ك» أستاذ ~~تاريخ القانون من جيبه قصاصة، وقرأها للحاضرين، وإذا هي الحكم الذي أصدره القاضي على ~~القاتل الأبيض الذي قتل زنجيا فحكم القاضي عليه بالسجن عامين، وقال في تبرير الحكم: ~~إنه قد قضى بسجنه ليعلمه درسا ألا يختلط بعد ذلك بزنجي. # فدار الحديث بين الأساتذة حول التفرقة بين البيض والسود، وهو موضوع حساس يشغل الناس ~~هنا كبيرهم وصغيرهم، ويستحيل أن يذكر هذا الموضوع أمامي إلا وأظل صامتا لا أنبس ~~بحرف واحد ... وعرفت من حديث الأساتذة ما اشتد له عجبي؛ إذ عرفت أن من تقاليد الصحف ~~المحلية هنا ألا تنشر صورة لرجل أسود أو ms050 امرأة سوداء، وألا تذكر زنجيا أو زنجية بلقب ~~«السيد فلان» أو «السيدة فلانة». # قال الدكتور «ك» وهو ساخط على هذه التفرقة: إنني أذكر أن رجلا أبيض كان مخمورا فدخل ~~على امرأة زنجية في دارها وقضى معها الليل، فلما افتضح أمره في الصباح، أطلق البوليس ~~على التهمة «إخلالا بالأمن»، وحكم على الرجل بغرامة بضعة دولارات، أما إذا حدث العكس، ~~فدخل رجل زنجي على امرأة بيضاء في دارها، فالجريمة عندهم يكون اسمها «اغتصابا جنسيا» ~~ويكون الحكم فيها بالإعدام! # وقال الدكتور «ك» بعد ذلك: قولوا ما شئتم، أما أنا فتؤذيني هذه التفرقة في العدالة، ~~ولا بد أن تسوى العدالة بين الجميع ... لكن بقية الأساتذة كانوا أميل إلى الاعتراف ~~بالفوارق القائمة بين البيض والسود، وإن يكن معظمهم كان يخفف القول بزعمه أن الأمر ~~مرهون بالزمن، وأن الحال يزداد صلاحا، والفوارق تزداد زوالا على مر السنين. # كان منتصف الساعة الثامنة مساء موعدي مع السيدة «ج» أرملة العالم الأثري الأستاذ ~~الدكتور «ج» - وقد كان مديرا لمعهد الآثار الأمريكي، وأستاذا للدراسات القديمة في ~~جامعة نيويورك، ومؤلف كتاب «الفئوس السحرية» - فقد دعتني كما دعت الأب «م» وزوجته ~~... # ضغطنا على جرس الباب الخارجي، فلاحظت أن صوت الجرس الذي أسمعه يدق داخل الدار ليس ~~كسائر أجراس البيوت، بل هو أقرب إلى أجراس المدارس، وجاءت سيدة في الخامسة والثمانين من ~~عمرها ففتحت لنا الباب، وهي السيدة «ج» التي تقوس ظهرها، وعيناها واسعتان عليهما ~~شبه غشاء من ماء، ويداها مرتعشتان. # وأول ما يصادف الداخل إلى دارها أجراس معلقة على حائط البهو في هيئة عقود كبيرة، مائة ~~جرس على الأقل أشكالا وألوانا؛ فهذا من نحاس وذلك من حديد، هذا أصفر وذلك أزرق؛ وقفت ~~بنا عند هذه الأجراس وأخذت تقول: إنني أحب الأجراس، اشتريت هذا الجرس في روما، وكان هذا ~~الجرس معلقا في لجام جمل عند أهرام الجيزة في مصر، وهذا الجرس كان هو جرس بيتنا أيام ~~طفولتي، وهذا وهذا وذلك ... إنني أحب الأجراس! كنت في روما أعلق عقود الأجراس على فروع ~~الشجر أمام ms051 شرفة منزلي، فكلما هب الهواء واهتزت الفروع سمعت رنين الأجراس أنغاما ~~مختلفة جميلة؛ إنني أحب الأجراس ... # ودخلنا بعد ذلك غرفة الجلوس إلى يميننا؛ كل المقاعد خشبية غليظة متينة، وبها منضدة من ~~خشب غليظ متين كذلك، فهذا المقعد كتلة خشبية وضعت على ثلاث قوائم تركت على صورة ~~فروع الشجرة التي لم ينجرها قادوم أو مساحة، صنعته السيدة «ج» بيدها من أشجار ~~حديقتها، وذلك المقعد قطعة من جذع شجرة لا قوائم لها وهكذا، وراحت السيدة تقص علينا ~~تواريخ مقاعدها واحدا واحدا، أين صنعته وكيف صنعته، وتعلق تعليقات عاطفية نحو ~~أثاثها كلما قصت علينا تلك التواريخ؛ فهي تحب هذه المنضدة، وهي تحنو على ذلك المقعد، ~~وذلك الكرسي عزيز عندها. # وجدران الغرفة مليئة «بالمعلقات» صنوفا غريبة: أطباق ملونة وصور وتحف ومصابيح ... ~~وخرجنا من غرفة الجلوس لندخل غرفة مقابلة لها هي المطبخ وفيه مائدة الطعام، وقفت السيدة ~~«ج» وعلى كتفيها خمسة وثمانون عاما، وأمسكتني من ذراعي وقالت: في هذه الغرفة حياتي؛ ~~فها هنا أعمل وها هنا أطعم وها هنا أقرأ وها هنا أعيش. # وتنظر حولك في هذا المطبخ فترى العجائب، حتى لا يسعك أحيانا إلا أن تضحك من كل قلبك؛ ~~وابدأ من الباب: فقد كتبت السيدة «ج» على باب مطبخها - أعني على خشب الباب نفسه - ~~وصفات لأكلات، ووقفت تشرح لي لماذا ملأت الباب بهذه الكتابة الفريدة في نوعها، فهي تقف ~~أمام الفرن هكذا، وتلتفت بوجهها هكذا دون أن تتحرك، فترى كم من الدقيق تضع وكم من ~~السكر أو البيض أو اللحم؟ فلماذا لا أوفر على نفسي عناء كتاب أفتحه كلما أردت الكشف ~~عن شيء أثناء الطهي؟ ... وانظر إلى نافذة المطبخ تجد عند قمتها رفا رصت عليه ~~عشرون زجاجة صغيرة مختلفة الشكل، وكلها ملئ بالزيت، فتسألها: هل هذه صنوف مختلفة من ~~الزيت؟ فتقول: لا، كلها نوع واحد، إذا لماذا تضعين الزيت في هذا الصف الطويل من زجاجات ~~صغيرة؟ فتجيب: لأني أحب شكلها هكذا صفا من زجاجات. # لم تكن السيدة «ج» في عيني حتى الآن سوى امرأة ms052 كهلة أقرب إلى البلاهة، وربما أصابها ~~شيء من الخرف، لكن سرعان ما خاب ظني؛ فلم ألبث أن رأيت فيها امرأة من عجائب ~~البشر: # هيا بنا نصعد إلى الطابق الأعلى؛ فتصيح بنا السيدة «ج»: احذروا السلم، كل منكم ~~يعد خمس عشرة درجة حتى لا يعثر فيقع، صعدنا فوجدنا أنفسنا في ممر يفصل غرفتين: ~~أما يمناهما فمكتب ومكتبة غاية في حسن الذوق وخصوبة المحتوى، جدران الغرفة الأربعة ~~مغطاة من أسفلها إلى أعلاها بخزائن الكتب ورفوفها، والمكتب موضوع في وسط الغرفة في وضع ~~مبتكر، وعليه كتب ومجلات تدل على أن يدا كانت تقلب فيها منذ دقائق، وأما يسراهما ~~فغرفة للجلوس على جدرانها صور فنية رائعة؛ وقفنا ننظر في إعجاب، فلاحظت من الحديث ~~أنها قد تكون من تصويرها هي، فأردت التأكد وسألت: تصوير من هذه؟ قالت السيدة: إنها ~~لي، وهذه؟ وهذه؟ وتلك؟ ... إذا فالسيدة «ج» فنانة، وبدأت أنظر إليها هذه النظرة، فعرفت ~~لماذا علقت عقود الأجراس عند مدخل دارها، ولماذا جعلت مقاعد غرفة الاستقبال في ~~الطابق الأسفل من جذوع الشجر وفروعه، ولماذا رصت زجاجات الزيت صفا طويلا! إنها ~~انحرافات فنانة لا تحيا بالمألوف المعروف، بل تريد أن يكون طابعها متميزا في كل جزء ~~من حياتها، حتى في التوافه، وتلك هي فردية الفنان وشخصيته. # لكن السيدة «ج» لم تكن فنانة فحسب، فما هو إلا أن كشفت فيها عن جانب آخر؛ فهذا مجلد ~~ضخم قوامه قصاصات من صحف ألصقت على نحو جميل فوق ورقات سوداء، هي مقالاتها التي ~~أمدت بها الصحف والمجلات، ولم يكن أمامي فرصة لقراءة شيء منها، لكني اكتفيت بقراءة ~~العنوانات، وهذه وحدها كافية للدلالة على أنك إزاء كاتبة تنشد في كتابتها - كما تنشد ~~في تصويرها وفي أثاث بيتها - الطابع الفريد المميز. # بعد قليل من حديث، طفقت السيدة تقص علينا من ماضي حياتها: كانت قد تقدمت بي السن ~~بغير زواج، وقلق علي أهلي، وكان زوج أختي يأتينا بضيف آنا بعد آن لعل الضيف أن ~~يتحول إلى خاطب! فكنت أقابل هذه المحاولات بالمقاومة الشديدة والعناد ms053 الشديد، وذات ~~يوم جاءنا بضيف، وركبت رأسي ألا أحضر استقباله؛ لأن لدي موعدا آخر لم أرد تفويته ~~على نفسي، فرجاني زوج أختي أن أبقى معهم ساعة واحدة، ودخلت الغرفة - غرفة الضيوف - ~~والعفاريت تملأ نفسي ورأسي، فإذا أنا أمام رجل، لا أقول إنه جميل، ولكني أقول إنه رجل! ~~هذا هو «ر» هذا هو زوجي، كان «ر» عندئذ أستاذا للدراسات القديمة في جامعة نيويورك، ~~فقلت في نفسي: هذا محال! محال أن يقبلني «ر» زوجة له، أين أنا منه؟ لقد بلغ الرجل قمة ~~العلم، وأما أنا! أنا امرأة لا تعرف رأسها من قدمها، لكن ماذا أقول؟ لقد تمت المعجزة ~~وتزوج مني «ر»، إنني في عجب، لم أنقطع طول حياتي معه عن العجب، ولا أذكره بعد موته ~~إلا ويعود إلي العجب: كيف كنت زوجة ل «ر»؟ لكني كنت جميلة، إنكم الآن تقولون في ~~أنفسكم: كاذبة؛ إنكم الآن تضحكون في أنفسكم، افعلوا ما شئتم مع أنفسكم، لكني كنت عندئذ ~~جميلة ... ذهبت مع «ر» إلى نيويورك، وكنت قد أخلصت له قبل الزواج كل الإخلاص؛ إذ كاشفته ~~بشعوري، فأطلعته على دهشتي من قبوله لي زوجة له وهو العالم وأنا الجاهلة، وقلت له: إني ~~سأعطيك عاما كاملا تتردد فيه، إنني قد قطعت بقبولك زوجا لي، لكني أظلمك لو أصبحت ~~زوجة لك ... غير أن «ر» أتم الزواج رغم هذا كله، تزوج مني «ر» وذهبت معه إلى نيويورك ~~وسكنت معه بيتا جميلا، كان أول ما فعلته في البيت أن طليت بابه باللون القرمزي، طليته ~~بيدي، فهل تعجبون إذا علمتم أن أصحاب المنازل كلها على طول الطريق سرعان ما قلدونا ~~وطلوا أبوابهم باللون نفسه؟ الحق أنه كان لونا جميلا ... والله إني لفي عجب كيف تزوج ~~مني «ر»! لكنه تزوج مني وكنت جميلة عندئذ ... كنت أنظر أمس إلى ولدي (لها ولد شاب ~~عمره فوق الثلاثين وهو مهندس) وأتفرس فيه، فصاح قائلا: لماذا تنظرين إلي هكذا؟ فقلت ~~له: إني لا أنظر إليك يا أحمق! أنا أنظر إلى أبيك في وجهك، إنني أحببت «ر» ms054 وسأحبه ~~إلى أن ألتقي به بعد موتي، لو قيل لي إن «ر» سيلقاني بعد الموت حقا، لمت الليلة ~~لألقاه، إنني ما زلت في عجب كيف تزوج مني «ر»! # وبعد أن مضت السيدة «ج» على هذا النحو تقص ~~علينا قصة زواجها، نظرت إلي قائلة: سمعت أنك أعزب، اسمع نصيحتي، أنا لا أكذب، إنني ~~أقولها لك قولة حق وصدق صادرة من هنا (وأشارت بيدها إلى قلبها) تزوج! تزوج غدا، بل ~~تزوج الليلة، بل تزوج الآن! إنك إذا ما تزوجت شعرت بندم على كل سنة قضيتها بغير زوج، ~~ستندم على كل يوم، على كل ساعة! آه، إنه إذا كان الزواج هو ما رأيته مع «ر» فهو النعيم ~~بعينه، وجدت سعادتي مع «ر». # هنا قالت السيدة «م» عني إنني أظن أنني كهل قد فاتني سن الزواج، عمره ثمانية وأربعون ~~ويظن أنه كهل! فقالت السيدة «ج»: ثمانية وأربعون هي السن التي تعرف فيها كيف تحب يا ~~أبله! قلت لها: وكم يكون سنها هذه التي أتزوج منها يا سيدة «ج»؟ فقالت في صوت المتعجبة: ~~كم يكون سنها؟! اسمعوا هذا الرجل! إنها هي المرأة التي تحبها ولا تسأل بعد ذلك كم سنها، ~~ولكني أؤكد لك أنك ستحبها صغيرة، فلا تبال صغرها، ولا تبال إلا شيئا واحدا، وهو ~~قلبك، أنصت إلى قلبك جيدا، إلى قلبك وحده. تزوج! وستندم على أنك لم تتزوج قبل ~~الآن، ستندم على كل لحظة فاتتك بغير امرأة! قل لي بحق السماء: ماذا تريد من حياتك أمتع ~~من امرأة تحبها وتعيشان معا تتحدثان تضحكان معا ثم ... ولا تنس أبدا هذا الذي سأقوله ~~... ثم تعتركان! نعم ما كان ألذ اعتراكي مع «ر»، عراك الزوج ممتع ممتع؛ أين أنت الآن يا ~~«ر» لنعترك ونتشاتم ونملأ الدنيا صياحا! تلك هي جنة الفردوس بعينها! # وبعد حديث طال، قلنا: نقوم؛ فقالت السيدة «ج»: أتقومون ولم تروا صورة «ر»؟ وتركتنا ثم ~~عادت ومعها صورة لزوجها الراحل. # الخميس 5 نوفمبر # خرجت تحت المطر إلى الغداء في المطعم القريب، ولم أجد مكانا على ms055 مائدة، والمكان ~~الخالي الوحيد هو النضد العالي ذو المقاعد العالية غير ذوات الظهور، فجلست هناك وكنت ~~عندئذ على مقربة ممن يعدون الطلبات، فأمعنت النظر في هذه السرعة الخاطفة التي يؤدي ~~بها هؤلاء الناس أعمالهم: أمامي رجل يعد لحما مشويا في شطائر، فكأنما ذراعاه ~~متصلتان بأسلاك كهربائية، لا يقف عن الحركة ثانية واحدة، ولا يتحرك حركة بغير فائدة؛ ~~يقلب قطع اللحم على النار ثلاثا ثلاثا، ثم ينحني بسرعة البرق يقطع الخبز ثم يعود ~~فيقلب قطع اللحم ثلاثا ثلاثا، ثم ينحرف يمينا يقطع الطماطم بالسكين في حركة لا ~~تكاد تتبعها العين لسرعتها، وإلى جانب هذا كله يكلمه الزبون الذي يجلس بجواري فيرد ~~عليه ويضحكان، والظاهر أنها كانت نكتة وردها، لكني لم أفهم لا النكتة ولا ردها ... ~~وانظر إلى هؤلاء الفتيات المناولات، كلهن في ثياب بيضاء، وقتهن بالثانية أو بجزء من ~~الثانية، يسمعن منك الطلب وهن ينزلقن مع الهواء، يكتبن ما يطلبه هذا الزبون وهذا وذلك ~~دفعة واحدة ... تذهب المناولة لتعود وبخبطة واحدة على النضد تضع أربعة أكواب من الماء ~~أمام أربعة من الزبائن، وبخبطة تالية على النضد تضع أربعة فناجين القهوة، وبحركة ~~واحدة كأنها تبعثر حبا تقذف أمام الزبائن الأربعة على النضد بأربعة لفائف، كل ~~لفيفة قوامها فوطة ملتفة على شوكة وسكين وملعقة ... فلا عجب أن يدخل هذا المطعم الصغير ~~ساعة الغداء مئات ويخرجون في غير ضجة ولا إبطاء ... والمطاعم هنا كلها تقريبا على غرار ~~واحد من التأثيث؛ فهي مؤثثة على هيئة مقصورات عربات القطار. # كنت قد ألفت هذا المطعم أول حضوري إلى هنا، أرتاده كل يوم، ثم انقطعت عنه حينا ~~إلى سواه، ثم عدت إليه بعد ثلاثة أيام، فكان استقبال صاحبته لي ترحيبا حارا خجلت ~~له، وسألتني أين كنت هذه المدة؟ فكان جوابي لجلجة صوتية في غير ألفاظ ... صاحبة المطعم ~~على شيء من بدانة الجسم، لا تزيد عن الخامسة والثلاثين، أو قل إنها قاربت الأربعين، ~~بشرتها غاية في الصفاء وردية اللون، فلا هي بالبيضاء الشاحبة، ولا هي بالممتقعة في ~~احمرارها، وهي ms056 تتميز عن المناولات بلون ثوبها ... هذه السيدة البدينة تنسل بين الموائد ~~كأنها النسيم، وبعين لماحة تكمل الموائد بما ينقصها، ثم تجري كأنها الريح إلى حيث ~~تقبض النقود من الخارجين ... # الجمعة 6 نوفمبر # تحدث إلي طالب من طلبتي حديثا طويلا، فقال فيما قال إنه سيدرس القانون تحقيقا ~~لرغبة أبيه، ولكنه في الواقع لا يميل أبدا إلى حياة تضعه على مكتب وأمامه أوراق وكتب، ~~ثم قال: إنني مصمم منذ الآن على أن تكون لي مزرعة؛ إن لأبي مزرعة فسيحة، وأنا أحب ~~العيش فيها، وأتشوق إلى عطلة الأسبوع لأقضيها في رحابها، أصيد الطير ... هل عندكم في مصر ~~طير وصيد؟ قلت: قليل، وذلك في منطقة البحيرات الشمالية على الأغلب؛ فقال: إني أود أن ~~آتيك بمجموعة من السمان الذي أصيده هذا الأسبوع، نظيفة معدة للطهي إذا كان لديك استعداد ~~للطهي؛ فشكرته معتذرا لانعدام وسائل الطهي في سكني؛ قال لي عن أبيه إنه درس القانون ~~واشتغل بالمحاماة حينا، ثم تركها وتفرغ لمزرعته، وقد كان أول الأمر يزرع القطن، ثم ~~تبين له أن ربحه قليل، فقلب أرضه كلها مرعى للماشية؛ لأنها أكثر ربحا؛ وراح يشرح ~~لي تفصيلات كثيرة عن تربية الماشية على وجه مريح. # ودهشت حين سألني هذا الطالب أسئلة نافذة رأيتها أكبر من سنه، ومنها هذا السؤال: ~~هل المعونة المالية التي تغدقها الولايات المتحدة على العالم كمشروع النقطة الرابعة وما ~~إليه، تثير الحب بقدر ما تثيره في النفوس من بغض وحسد؟ ... وعقب على ذلك برأيه، وهو ~~أن تكف أمريكا عن هذه السياسة الخارجية؛ لأنها - في رأيه - تهريج كثير لا ينطوي إلا ~~على لباب ضئيل. # مما قرأته اليوم وأسكرني بالمتعة الفنية، مقالة أدبية في مجلة بوست لهذا الأسبوع، ~~عنوانها: «إذا فأنتما متخاصمان؟!» فيها تحليل من أبدع وأروع وأجمل وألذ ما يمكن أن ~~يكتبه كاتب في الدنيا عن موقف الزوجين حين يتخاصمان، لا يكلم أحدهما الآخر، ومع ذلك ~~يقضيان شئون الحياة من زيارات واستقبالات وغيرها من أوجه النشاط الاجتماعي ... يسأل ~~الزوج صديق له: وكيف يا أخي تطيق العيش ms057 مع زوجتك بغير كلام طول هذه الأيام؟ فقال ~~الزوج: ولم لا؟ ليس هناك أكثر إغاظة لخصمك من صمتك عنه، على شرط أن تفعل ذلك وأنت ~~مالك لزمام أعصابك فلا غضب ولا انفعال؛ قال الصديق: لكن العبوس المستمر سيئول بك إلى ~~حال أقرب إلى الغلظة البدائية؛ فأجاب الزوج: حذار أن نخلط بين حالتين: الخصومة من ~~ناحية، والعبوس من ناحية أخرى؛ فالصمت عن الحديث لا يستتبع حتما حالة العبوس، أنا ~~وزوجي لا يعبس أحدنا في وجه الآخر أثناء الخصومة التي ينقطع فيها كل منا عن التحدث ~~إلى الآخر، وفي هذا يقع الفن كله ... هي قطعة أدبية ممتازة، وإني لأشعر بالحسرة كلما ~~وقعت على أمثال هذه الآيات الأدبية المبتكرة؛ لأنني عندئذ أستعرض أدبنا وأدباءنا، ~~فأسأل نفسي: هل يصنع هؤلاء - كبيرهم وصغيرهم على السواء - سوى أن يقرأ الواحد منهم ~~كتابا أو جزءا من كتاب، قديما كان هذا الكتاب أو حديثا، ثم يعلق أو يلخص أو ~~ينقد؟ ... لقد حرمنا الله نعمة الابتكار، وكان الله بالسر عليما. # كذلك قرأت في مجلة «لايف» مقالا مصورا له ~~دلالته، مؤداه أنه قد حدث في مدينة شيكاجو أن سكنت أسرة زنجية في عمارة بقية سكانها ~~بيض، كان هذا بالطبع يستحيل حدوثه في ولاية جنوبية مثل كارولاينا الجنوبية التي أقيم ~~فيها؛ لأن ولايات الجنوب تمنع ذلك الاختلاط بقوة القانون، أما في الشمال فالقانون لا ~~يمنع شيئا، غير أن القانون شيء، ومشاعر الناس شيء آخر؛ فالبيض الذين يسكنون العمارة ~~قد أغاظتهم جرأة هذه الأسرة السوداء، فأخذوا يقذفون أفرادها بالطوب والطماطم كلما خرجوا ~~من البناء أو دخلوا، وحطموا لهم زجاج نوافذهم؛ مما اضطر الأسرة الزنجية أن تسد ~~نوافذها بألواح مسمرة من خشب ... وأقامت الحكومة حراسة قوية من الشرطة لتحمي هؤلاء ~~السود من اعتداء البيض ... # إن مشكلة الزنوج في أمريكا نكبة نكب بها الأمريكيون وليس لهم منها خلاص؛ فألف عام ~~لن تكفي للفوارق أن تزول زوالا تاما، ولقد مجدت في نفسي تلك الأسرة الزنجية التي ~~صممت ألا تتحول مهما لاقت من إيذاء؛ فبمثل هذه ms058 الشجاعة، وبمثل هؤلاء الرواد تتقدم ~~الإنسانية نحو الكمال. # الإثنين 16 نوفمبر # قرأت في مجلة «هاربرز» لشهر نوفمبر قصة للكاتب «ولمر هاملتن» عنوانها «صديق ~~بالتراسل»، خلاصتها أن كاتبا في سن الخامسة والستين لم يتزوج، وقد اعتزل الناس في ~~بيت ريفي صغير، لا عمل له إلا القراءة والتأليف، تزوره أخته آنا بعد آن، وقد جاءت له ~~أخته بخادمة على شيء من الجمال وقليل من التعلم، وبعد أشهر طويلة عرف الكاتب عن ~~خادمته أنها تراسل صديقا لم تره تراسلا منتظما مطردا؛ إذ قرأت ذات يوم إعلانا في ~~مجلة تصدرها إحدى الكنائس يقول فيه صاحبه: «أشعر بوحشة ووحدة، وأريد أن تراسلني فتاة ~~حتى تقل وحشتي؛ أنا مسيحي.» فشعرت الفتاة أنها في مثل وحدته ووحشته وأخذت تراسله، ولا ~~تعلم إلا ما يرد في خطاباته من آراء، وهي آراء كانت تدل على أن الشاب مثقف مهذب ... ~~وأخيرا أرسل الفتى إلى الفتاة يسألها إن كانت توافق على لقائه يوما في المدينة، فتأتي ~~في قطار الصباح وتقضي معه بقية اليوم ثم تعود إلى ريفها في المساء، واتفقا على أن يكون ~~ذلك في يوم محدد ... لم يكن يعرف الكاتب المخدوم شيئا من أمر الفتاة، لكنها طلبت أن ~~يجيزها يوما وقصت عليه قصتها مع الفتى، وكيف بدأ التراسل بينهما إثر إعلان نصه ~~كذا وكذا؛ فتعجب الكاتب من ذكر الفتى في إعلانه «أنه مسيحي» لماذا يقول ذلك؟ فتقول له ~~أخته ألا غرابة في الأمر ما دام الإعلان منشورا في مجلة كنسية، لكن الكاتب أبصر بطبيعة ~~البشر من أن يرى ذلك أمرا لا غرابة فيه. # أعدت الفتاة ثوبا بمعونة الأخت؛ فقد كان في رأي كل منهم - الكاتب وأخته والخادمة ~~- أن اللقاء المنتظر قد يكون وسيلة زواج، ولو أن أحدا من الثلاثة لم يقل شيئا من هذا ~~صراحة. # ذهبت الفتاة وعادت في المساء تحمل غما ثقيلا، ولم يجرؤ الكاتب أو أخته أن يفاتحها ~~بالكلام لاضطراب نفسها، وذهبت إلى المطبخ، وهناك سرعان ما راحت تجهش بالبكاء ... ماذا في ~~الأمر يا ترى؟ هل علمت أن ms059 الفتى متزوج فضاع أملها؟ هل قابلها ولم تعجبه فهرب ~~منها؟ # وبعد أيام كانت تقدم الشاي إلى مخدومها، وكانت الأخت قد سافرت، وتلكأت قليلا فعرف ~~الكاتب أنها تريد قولا، فشجعها على القول، وعندئذ طفقت تقص عليه قصة اللقاء لتطلب ~~منه المشورة ... ولم تكد تمضي الفتاة في وصف اللقاء حتى عرف الكاتب أن الفتى زنجي أسود! ~~هو زنجي متعلم لا يجد فتاة يأنس إليها، وأحس بوحشة، وهنا يأتي لباب القصة وهدف ~~التحليل، وهو أن هذا الزنجي كان يعلم أن الفتيات البيضاوات ينفرن منه؛ لأنهن يرين سواده ~~قبل أن يرين علمه وثقافته، فلو استطاع أن يظهر تهذيبه وتثقيفه قبل أن يظهر سواده، ~~فربما وجد البيضاء التي تحبه، ومن ثم الإعلان والتراسل أولا، ومن ثم ذكره في ~~الإعلان أنه مسيحي، كأنما أراد أن يقول إني واحد من هؤلاء الناس، أدين بدينهم ~~وأتثقف بثقافتهم، وليس بي من نقص إلا لون جلدتي ... # طبعا أخذ الفتاة هم حين رأت فتاها الزنجي ينتظر في المكان المحدد وفي الموعد ~~المضروب، لم يكن يخطر ببالها أنه زنجي؛ فكان ارتباك وكان اضطراب، وقد سألها الفتى ~~عندما همت بالعودة إن كانت ستمضي في مراسلته كما كانت تفعل؟ فأجابته في تردد: نعم، ~~حينا بعد حين وبغير انتظام ... وهي الآن تطلب المشورة من مخدومها: هل هناك ضرر في العودة ~~إلى التراسل مع ذلك الصديق بعد أن تبين أنه زنجي؟ # تحليل الزنجي في موقفه ومشاعره، وتحليل الفتاة في موقفها ومشاعرها، وتحليل الكاتب في ~~خواطره ... كل ذلك آية من آيات الفن، ورائعة من روائع الأدب؛ ولنلاحظ أن الكاتب لم يختر ~~لتحليله الأدبي موضوعا غليظا مألوفا بحيث لا يستدعي براعة ولا بصرا نافذا، لكنه ~~اختار موقفا فيه طرافة وفيه لطف، ويحتاج إلى دقة إدراك وبراعة تحليل ... هذه هي الكتابة، ~~وهذا هو الأدب؛ فمن ذا يلومني إذا ما سألت نفسي ماذا يكتب أكبر أدبائنا في مصر؟ من ذا ~~جعل تحليل النفس البشرية في مواقفها المختلفة موضوعه الأدبي؟ ... لا، أديبنا الكبير يقرأ ~~كتابا أو جزءا من كتاب، ويلخص ما ms060 قرأ وينقده، فيصبح بذلك أديبا! # أديبنا الكبير يكتب عن مجانية التعليم أو عن الطب عند ابن سينا، فإذا هو عندنا ~~الأديب العظيم! # وكذلك قرأت في المجلة نفسها قطعة أخرى لكاتبة أمريكية هي «كاترين آن بورتر»، وهي على ~~ما أرى في طليعة رجال الأدب ونسائه في أمريكا ... القطعة وصف لناحية من العلاقات ~~البشرية، ومكان الحوادث ظهر سفينة؛ فبين المسافرين طفلان توءمان: ولد وبنت، أقلقا ~~الناس «بشقاوتهما»، فهما مثلا يريان رجلا وامرأة في مزاح فيهددانهما بالفضيحة إذا لم ~~يعطياهما شيئا من المال ... هذان الطفلان كانا يوما في ركن خفي من السفينة يمزحان، ~~وأدت بهما المعركة المازحة إلى وضع مريب، فيمر ضابط من ضباط السفينة، ويمسك كلا ~~منهما بيد، ويجذبهما ليوقع عليهما العقاب، فمر بهما أمام رجل وامرأة جالسين وحدهما ~~يتحدثان: الرجل طبيب لكنه مريض بقلبه وهو مسافر للراحة، والمرأة مسافرة عابرة جلست ~~تتحدث إلى هذا الطبيب، لكنها فيما يظهر قد وضعت عينها عليه بغية الزواج ... سألت هذه ~~المرأة الضابط البحري والطفلان في يده: ماذا صنع هذان الطفلان؟ فيجيب الضابط في شيء من ~~التألم والتأفف: صنعا فظاعة لا أستطيع وصفها ... فتقول له المرأة: لا تبالغ يا أخي ~~في هفوات الأطفال، فكلنا كان طفلا، وكلنا قد أتى في طفولته أمثال هذه الأشياء ... ويمضي ~~الضابط ومعه الطفلان. # وهنا تبدأ المناقشة البديعة بين الطبيب والمرأة عما اقترفاه إبان الطفولة من هفوات ~~جنسية، أما الطبيب فينكر في سذاجة أنه قد اقترف شيئا من هذا، لكن المرأة تتهكم على ~~سذاجته هذه وتشجعه على أن يبوح بذكرياته، فتبدأ هي بقولها عن نفسها: إنني نشأت بين ~~طائفة من أولاد أعمامي، وكانوا من «العفاريت» «الأشقياء»، فاتصلت بهم جميعا صلة ~~جنسية وأنا لم أزل في الخامسة من عمري؛ ولست بنادمة على ذلك، ولو عادت طفولتي لعدت إلى ~~ما فعلته. فيرد الطبيب قائلا: إنني لم أقترف من أمثال هذه الشنائع في طفولتي إلا ~~قليلا، هما مرتان اثنتان في طفولتي كلها، فمرة وأنا في السادسة أغويت طفلة في مثل سني، ~~ومرة أخرى وأنا في ms061 السن نفسها أغرتني بنت في التاسعة، وفيما عدا هاتين الحادثتين كانت ~~طفولتي بريئة ... ويمضي الطبيب والمرأة في مناقشة تحليلية عن مدى الاتصال الجنسي بين ~~الناس في الخفاء، لكن الطبيب كان دائما يمثل الرجل المغفل الذي لا يفتح عينه ~~للحقائق ، وتمثل المرأة الشخص الذي فتح عينيه مبصرتين؛ سألته قائلة: ألم تخن زوجتك ~~أبدا؟ فقال في حماسة: أبدا! فسألته ألأنك لا تريد خيانتها أم لأنك مريض بقلبك؟ ~~فقال: لست أدري. قالت: ألم تشعر بالملل من عدم الخيانة؟ فقال: طبعا، ومن ذا الذي لا ~~يشعر بذلك؟ وكذلك زوجتي لم تخني أبدا، لكنها بالطبع تشعر بالملل من هذه البراءة ~~... # وعلى كل حال، كان معظم التحليل منصبا على عدم براءة الأطفال؛ فقلت في نفسي: هذه ~~خبرة ليس منا واحد لم يمر بها عدة مرات في طفولته، فأين هذه الخبرة على أقلام أدبائنا؟! ~~لا يزال الأديب منا كالأبله يتحدث كما يتحدث رجل الشارع الأعمى عن «براءة الطفولة»؛ ~~فأديبنا عاجز عن الملاحظة الصادقة والتحليل الصادق لمشاعر الناس ونفوسهم ~~وخواطرهم. # الثلاثاء 17 نوفمبر # رفعت جماعة من أولياء أمور الطلبة الزنوج، في ولايات أربع من ولايات الجنوب التي ~~تفرق بحكم قوانينها بين البيض والسود في المدارس، فتجعل لهؤلاء مدارس ولأولئك مدارس، ~~بحيث لا يقبل أسود في مدرسة البيض، رفعت قضية إلى المحكمة العليا في واشنطن تطلب ~~إلغاء الفصل اللوني في المدارس التي تنفق عليها الدولة، وهي التي تسمى ب «المدارس ~~العامة»، فما دامت الدولة للجميع، فلا يجوز بعد ذلك أن يختص البيض بمدارس والسود ~~بمدارس أخرى؛ وهم في قضيتهم يستندون إلى التشريع المسمى «التعديل الرابع عشر للدستور» ~~الذي كان فيما مضى قد صدر ليقضي بإلغاء كل وضع من شأنه أن يخلق الشعور بالنقص بين ~~الزنوج. # وخشية أن ينتهي الأمر بالمحكمة العليا إلى الحكم بامتزاج اللونين في مدارس الحكومة، ~~استعدت ولايات الجنوب التي يستحيل عليها أن تقبل هذا الامتزاج، بتشريعات مضادة إذا ما ~~وقعت الواقعة. # كذلك قرأت عن قضية رفعها زنجي إلى المحكمة العليا ضد شركة من شركات السكة الحديدية ms062 ~~في الجنوب؛ لأنه أراد أن يأكل في عربة الأكل فمنع من ذلك حتى لا يأكل مع جماعة من ~~البيض تحت سقف واحد ... لقد فهمت مما قرأته اليوم عن هذه القضية أنها رفعت لأول مرة ~~عام 1942م، وهي حتى الآن بين أخذ ورد في محاكم الاستئناف؛ لأن المحكمة كانت حكمت ~~عندئذ أن يسدل ستار على جزء من عربة الأكل بحيث يخصص ما وراء الستار للزنوج، ~~وبهذا يأكلون إذا شاءوا دون أن يختلطوا بالبيض في عربة واحدة اختلاطا ظاهرا، لكن ~~الزنجي الذي رفع القضية لم يقبل هذا الحكم واستأنف. # وبهذه المناسبة أقول: إنني قرأت منذ أيام أن وزير البحرية قد أعد قانونا يبيح ~~للبيض والسود أن يختلطوا في ناد واحد؛ وذلك أنه في نادي رجال البحرية من ميناء ~~شارلستن (بولاية كارولاينا الجنوبية) لم يكن السود يؤذن لهم بالدخول مع أنهم يعملون ~~مع البيض في سلاح واحد وعلى سفن واحدة ... وقد خطب أيزنهاور خطبة يشيد فيها بشجاعة ~~الوزير في هذا القرار، ويرحب بكل مجهود يقوم به أي رجل من رجال حكومته نحو إزالة ~~الفوارق بين اللونين. # الحقيقة أن مسألة التفرقة اللونية هي هنا - في ولايات الجنوب بصفة خاصة - الدمل ~~الحساس الذي لا يحتملون أن يمسه ماس، ويخيل إلي أن هذه المشكلة الكبرى هي التي ~~تنغص عليهم حياتهم، ولولاها لكانت حياتهم جنة خالصة ونعيما صرفا ... لكن الزمن يمضي ~~قدما، والزنوج يكسبون على مر الزمن، بفضل ما قد يظهر بينهم من شجعان حينا بعد حين، لا ~~يرضون بالأوضاع القائمة؛ فيثيرون الضجة ويقيمون القضايا حتى يكسبون الحقوق واحدا بعد ~~واحد. # في منتصف الساعة التاسعة مساء كان موعد محاضرة عن الفن الحديث، يلقيها في المتحف ~~الدكتور واتسن، الناقد الفني المعروف في أمريكا، وهو يعمل في معهد الفنون ومتحفها ~~بمدينة شيكاجو، وقد جاء إلى كولمبيا بدعوة من المتحف ليلقي محاضرات ثلاثا؛ هذه ~~أولها. # ذهبت إلى المتحف في الموعد المحدد، وما إن جلست حتى جاءت الآنسة «م» وجلست إلى ~~جانبي، فشكرتني على تذكرة الأوبرا التي أرسلتها إليها لاحتفال يوم ms063 السبت المقبل، ~~وعرفتني بصديق لها مشغوف مثلها بالفن ومسائله. # بدأ الدكتور واتسن محاضرته التي دامت ساعتين كاملتين، وكانت مصحوبة بالفانوس السحري، ~~فيعرض علينا صورا فنية ويعلق عليها، وفي رأيي أنه قد أجاد إجادة ليس بعدها زيادة ~~لمستزيد، ولولا أن المقاعد خشبية تؤلم خصوصا وقد طالت المحاضرة إلى ساعتين، لقلت إنني ~~قد ظفرت الليلة بمتعة أنا سعيد بها ... بدأ المحاضرة بحديث عام في الفن الحديث، وكيف ~~أنه ملائم لروح العصر الحديث؛ ففي عصرنا الحديث آلة تصوير تستطيع أن تصور الطبيعة ~~تصويرا أمينا، وإذا فلا بد أن يلتمس الفن سبيلا غير تصوير الطبيعة ... كان المصورون ~~السالفون يصورون الطبيعة؛ لأنهم كانوا وحدهم أداة ذلك، أما الصورة الحديثة فليست ~~تصويرا لشيء خارج الفنان، إنها موسيقى؛ فالموسيقى تنسق موجات الصوت السبعة، والتصوير ~~ينسق موجات الضوء السبعة (كنت ذات يوم في حديثي مع الآنسة «م» قد دافعت لها عن الفن ~~الحديث، فقلت لها هذه الفكرة عينها وبنص هذه الألفاظ، فأحسست بالزهو الليلة حين قال ~~المحاضر ذلك وهي تجلس إلى جانبي)؛ إنك لا تسمع الموسيقى لتسأل: صوت أي شيء هذا؟ لأن ~~الموسيقي لا يحاكي بموسيقاه صوتا في الطبيعة كما هو، وإنما يؤلف الصوت كما يشتهي ~~فيكون التأليف جميلا، وكذلك مهمة المصور الحديث، إنه لا يريد أن يصور شيئا في ~~الطبيعة كما هو، بل مهمته التأليف بين الألوان تأليفا يمليه ذوقه ومزاجه، وغايته هي أن ~~يقدم للعين مزيجا لونيا جميلا. # إن الشرط لأي فن هو أن يكون مستقلا بذاته، فلا يجوز للتصوير مثلا أن يعتمد على ~~الأدب في شرحه، ولا يجوز للأدب أن يعتمد على التصوير؛ ومن هنا كان الإنجليز مقصرين في ~~ميدان التصوير؛ لأن مصوريهم يعتمدون في الغالب على شيء في الأدب يفسره، أما في سائر ~~القارة الأوروبية - كفرنسا مثلا - فهنالك تجد قادة الفن بالمعنى الصحيح، هنالك ترى ~~الصورة مستقلة بذاتها، تفهمها وحدها وليست هي بمستندة على شيء إلى جانبها يشرحها ~~ويفسرها. # وجعل المحاضر يعرض على الحاضرين صورا من كل مذهب ومدرسة، قديمة وحديثة، ويشرح أين ~~يكون ms064 موضوع جمالها، وكثيرا ما كان يربط الصورة بقطعة موسيقية من عصرها نفسه؛ ليبين أن ~~التصوير والموسيقى في العصر الواحد يكونان ذاتي طابع واحد، وذلك بأن يدير أسطوانة ~~فونوغرافية والصورة أمامنا ... وإني لأعترف أنني لم أكن أفهم أبدا كيف يمكن أن تكون ~~هنالك علاقة بين الصورة التي أراها والموسيقى التي أسمعها، فذلك شيء بعيد عن ثقافتنا، ~~إلا مرة واحدة كانت الموسيقى فيها هي موسيقى الوالتس، وأعرف كيف أميز أجزاءها ~~الموسيقية ذات الضربات الثلاث؛ فقد لحظت من فوري علاقة الشبه بين الصورة والموسيقى، ~~كلاهما مؤلف من وحدات كل وحدة فيها تفعيلات ثلاث إذا صح هذا التعبير؛ ثم عرض المحاضر ~~صورة أخرى من الفن التكعيبي قائلا إنها هي الأخرى تلائم الدور الموسيقي الذي نسمعه؛ ~~هنا لم أفهم لماذا، لولا أنه أشار بالعصا إلى التتابع اللوني في الصورة قائلا: أبيض ~~أصفر أسود، أبيض أصفر أسود، فظهر كالشمس وجه الشبه بين النغم الموسيقي والتناغم اللوني، ~~خصوصا حين أشار المحاضر فوق ذلك إلى أن الصورة مؤلفة من مثلثات، فوق تأليفها من ألوان ~~ثلاثة. # خرجت بعد المحاضرة، وكنت من أول الخارجين، فدهشت إذ رأيت السيدة «أ. و» أستاذة تاريخ ~~الفنون بالجامعة واقفة وحدها خارج بناء المتحف، مسندة ظهرها إلى عمود البهو تدخن ~~سيجارتها، فسألتني رأيي في المحاضرة، فقلت لها ما أعتقده فيها، وهو أنها محاضرة ممتازة؛ ~~فظنتني ساخرا، ولما عرفت أني جاد، انطلقت تهاجم المحاضرة بأبشع الشتائم؛ فهي في رأيها ~~محاضرة تافهة، والمحاضر جاهل يقول عن فلان إنه أول من رسم بالتكعيب وهو ليس كذلك، ~~وملاحظاته كلها جديرة بأطفال إلخ إلخ. قلت لها: ربما رأيت فيه هذه التفاهة؛ لأنها مادة ~~اختصاصك، أما أنا فقد تمتعت واستفدت إلى أقصى حد أريده؛ فقالت: إني لا أصدق أن ~~محاضرا ممتازا مثلك يقول هذا الرأي في محاضر كهذا، تعجبت جد العجب أن يختلف حكمها ~~وحكمي إلى هذا الحد البعيد. # الأربعاء 18 نوفمبر # اليوم احتفال لجماعة غريبة تطلق على نفسها اسم «أصحاب ~~المزار» # Shriners # تأتي من أطراف الولاية لتجتمع هنا في العاصمة ms065 - أعني في مدينة ~~كولمبيا، وقد عرفت أنها جماعة تنتشر في سائر أنحاء الولايات المتحدة، وهي فرع من ~~الماسونية، تهدف إلى الخدمات الاجتماعية الإنسانية كإنشاء المستشفيات الخيرية، لكنها ~~تمزج نشاطها هذا بالمرح الشديد الذي قد يصل إلى عبث الصبيان، والذي يلفت النظر بصفة ~~خاصة هو أن أعضاءها في مثل هذه الاحتفالات يلبسون أردية غريبة، منها أنهم يلبسون ~~الطرابيش على رءوسهم، لكنها طرابيش ذات أزرار طويلة، وعليها زخارف براقة بألوان ذهبية ~~أو فضية، و«أصحاب المزار» هؤلاء فريقان، لكل منهما اسم يميزه: «عمر» و«حجاز»! وليست ~~هي جماعة قليلة العدد؛ فالمجتمعون اليوم في كولمبيا وحدها أربعة آلاف، فإذا كان هذا بعض ~~أعضاء الجماعة من ولاية واحدة، فلك أن تضرب هذا العدد في ثمان وأربعين ولاية لتعلم كم ~~عددها على وجه التقريب. # لا تفتأ السيدة «م» أن تصفني بالرهبنة، ولما عدت ظهر اليوم نبهتني إلى مقال في ~~الصحيفة اليومية عنوانه «أنت كذلك تستطيع أن تكون راهبا - إذا وجدت صومعة»، والمقال ~~لكاتبة تكتب كل يوم بانتظام في الصحيفة اليومية، وهي اليوم تعلق على كتاب أصدرته ~~الكاتبة «هلن إرسكن» عنوانه: «خارج هذا العالم» كتبته عن أعلام الرهبان الذين تركوا هذه ~~الدنيا واعتزلوا الحياة؛ وذلك لأنها هي نفسها تتمنى هذه العزلة لنفسها؛ فتقول الصحفية ~~كاتبة التعليق: وأنا كذلك - كمؤلفة الكتاب - أتمنى أن أعتزل المجتمع ولو إلى حين؛ فتلك ~~متعة لا أنعم بها حتى في الحلم، نعم أتمنى أن أنعم بعزلة لا يدق فيها التلفون وأنا في ~~الحمام مغطاة الجسد برغاوي الصابون، ولا تأتيني خطابات تحيرني وتربكني، ولا تدق لي ~~الساعة حينا بعد حين، ولا تكون ورائي المواعيد الدقيقة التي ترهف أعصابي بانتظارها ... ~~لكن المشكلة الكبرى هي: أين عساك أن تجد المكان الذي تعتزل فيه هذا العالم الواسع؟ إن ~~معظم المعتزلين إنما اعتزلوا العالم إما عن اضطهاد أو عن إهمال الناس لشأنهم، أو لأن ~~الأيام قد حطمت لهم آمالهم، لكن حتى هؤلاء - حين التمسوا لأنفسهم صوامع في قلب ~~الصحراء أو في جوف الجبل - لم يكن اعتزالهم حلا لإشكالهم؛ لأنهم ms066 أخذوا معهم آلامهم، ~~وستظل معهم إلى أن يدركهم الموت ... فربما تكون طريقة غاندي في الصوم عن الكلام يوما في ~~الأسبوع هي أفضل طريقة ممكنة للعزلة، وكذلك من طرق الاعتزال الممكنة اتخاذ الهوايات، ~~كأن تفلح بستان بيتك أو ترعى الطيور أو تجمع طوابع البريد؛ لأنك وأنت مشغول بهوايتك ~~إنما تكون بمثابة من يبني حول نفسه حائطا لا يتخلله صوت المجتمع. # ويشاء لي الله أن أقرأ هذا المقال وأنا في حالة حنين شديد إلى عزلة تامة، فقلت لنفسي ~~لما فرغت من قراءتي للمقال: إنني أضيف إلى مؤلفة الكتاب وكاتبة المقال شخصا ثالثا ~~يتمنى العزلة، ذلك هو شخصي، أتمنى العزلة من صميم نفسي، العزلة التي تقطع كل أسلاك ~~الصلة بالعالم الذي حولي، فإذا كانت عزلة الصحراء أو جوف الجبل لا تكفي، فلتكن عزلة في ~~حفرة القبر، هذه هي الرغبة الحقيقية التي يرن بها معدن طبيعتي، وكل ما عدا ذلك تمثيل ~~خادع وتقليد للناس فيما ينشطون فيه ... لكن لأترك هذه النغمة الحزينة ولألتفت إلى تيار ~~الحياة. # ذهبت إلى نادي الأساتذة بعد الغداء، فوجدت الدكتور واتسن الذي ألقى أمس محاضرة عن ~~الفن الحديث، وجدته هناك يشرب القهوة مع لفيف من أساتذة الجامعة، وكانوا عندئذ يتحدثون ~~في الأثاث وتطور الذوق فيه؛ فقال واتسن: كان يراعى في الأثاث القديم أن يكون جميلا، ~~وأما الأثاث الحديث فيراعى فيه النفع والراحة حتى لو أدى ذلك إلى قبح، وعندئذ ~~تذكرت رأي أولدس هكسلي في ذلك؛ إذ يقول إن الأثاث يسير مع الديمقراطية منتقلا من ~~جمال المظهر بغض النظر عن الراحة، إلى الراحة بغض النظر عن جمال المظهر. ثم أضاف ~~الدكتور واتسن قوله إن فلانا يبذل جهده الآن في أن يحتفظ في الأثاث بالراحة والنفع مع ~~إضافة جمال المظهر ولو إلى حد محدود، وهو يعتقد أن فلانا هذا سيوفق إلى خلق اتجاه ~~جديد في فن الأثاث. # وحضرت في المساء محاضرة أخرى للدكتور واتسن عن «الحدائق في أمريكا وأوروبا»، عرض ~~فيها صورا لأشهر الحدائق مع التعليق المفيد للذين يهتمون بهذا الموضوع؛ فمما ms067 قاله ~~مثلا أنه يحسن دائما أن يكون للزهور البيضاء نصف ما في الحديقة من الزهور، وعرض ~~صورا لحدائق مختلفة روعي في بعضها أن ينتشر فيها الزهر الأبيض فكانت جميلة، ولم ~~يراع في بعضها الآخر هذا المبدأ فبدت أقل جمالا ... وفي الحدائق العامة لا بد أن ~~يتعاون فن النحت مع إنتاج الطبيعة، وعرض صورا لحدائق انتثرت فيها التماثيل فكانت ~~رائعة، وأخرى افتقرت إلى التماثيل فكانت أقل جمالا، ولاحظ المحاضر أن حدائق أمريكا ~~بوجه عام لم تدخل فن النحت فكانت أقل جمالا من نظائرها في أوروبا. # وكان مما عرضه صورة حديقة لأسرة متوسطة في جهة ~~ما بأمريكا، كانت منها موضع عناية ورعاية وهواية بحيث تغير طلاء نوافذ المنزل وأبوابه ~~عدة مرات في العام الواحد حتى يتناسب لونها مع لون الزهور التي تزدهر في الفصل المعين ~~من فصول العام ... وما هذا المثل إلا واحد من أمثلة كثيرة ساقها ليدل بها على صدق مبدأ ~~وضعه في محاضرته، وهو وجوب التناسب بين تنسيق الحدائق وفن البناء الذي يجاور تلك ~~الحدائق، وراح يطلعنا على أشهر الحدائق العالمية التي روعي فيها الاتساق بين الحديقة ~~والبناء، في طليعتها حديقة فرساي. # ومن جميل ما قاله: إن الناس يختلفون في أيهما يتبع الآخر: أننشئ الحديقة وفقا للبناء ~~المجاور لها، أم ننشئ البناء وفقا للحديقة وتنسيقها وأزهارها؟ الفرنسيون يأخذون بالشق ~~الأول، وعندهم أن الزهور هي التي تأتي في ختام القائمة لكي نختارها على أساس ما حولها؛ ~~فهي كالقرط عند السيدات: تزدان السيدة بثيابها وتصفيف شعرها وبسائر حليها، وآخر ما ~~تعمله هو أن تختار القرط الذي يناسب المجموعة بصفة عامة، وهكذا تأتي الأزهار في لونها ~~ونوعها قرطا في أذن حسناء. # الخميس 19 نوفمبر # من أجمل الدعوات التي دعيتها حتى الآن، هذه الدعوة التي لبيتها؛ دعوة نادي ~~السيدات الشابات لألقي فيهن كلمة عن المرأة المصرية وحالتها الاجتماعية؛ فهؤلاء ~~السيدات الشابات قد أنشأن ناديهن منذ عامين، منسلخات به عن نادي السيدات المتقدمات في ~~العمر لما رأين أن السيدات الكهلات يستأثرن بالنشاط كله، وقد جعل ms068 السيدات الشابات ~~أربعين عاما حدا أقصى لعمر المرأة العضو ... ومن لطيف ما قالته لي السيدة «س» (وهي في ~~السبعين من عمرها وعضو في نادي السيدات الكبريات ولا تنقطع فكاهتها) حين سألتها: وماذا ~~تصنع السيدة من الشابات حتى تبلغ الأربعين؟ هل تستقيل لبلوغها أرذل العمر؟ ضحكت وقالت: ~~لا يأخذنك الهم؛ فلن تبلغ منهن واحدة سن الأربعين، بل هناك ما هو أمر وأنكى؛ وذلك أن ~~كثيرات من أعضاء نادينا قد انضممن إلى الشابات ليقلن بذلك للناس إنهن دون الأربعين، مع ~~أنهن فوق الخمسين فيما أعلم علم اليقين! # كانت الدعوة في أجمل فنادق المدينة، استأجر الشابات مكانا هناك ليكون ناديهن، وهن من ~~الطبقة العليا في المجتمع كما هو ظاهر من ثيابهن وحليهن وسلوكهن: فها أنا ذا أرى مجموعة ~~قد تبلغ المائة من آيات الجمال الرائع، قد بدون في ثياب السهرة التي تخطف الأبصار ~~فتنة وسحرا، وقد لبس كثيرات أنواعا من الأساور العريضة التي تشنشن منغومة كلما ~~تحركت الأذرع، والأقراط في الآذان، كلها فن، وكلها عجب يسرق الألباب ... الاجتماع فواح ~~بالعطور متلألئ بالزينة منغوم بالصوت الجميل، فيه كل ما يشبع البصر والشم والسمع ~~والأنفس والعقول والألباب. # لما جاءتني اثنتان من هؤلاء تأخذانني بسيارة إحداهما إلى الفندق حيث الاجتماع، جلست ~~إلى جانب صاحبة السيارة، وكان القمر ابن ليلتين أو ثلاث، فلم أدر كيف أفتح الحديث - ~~قبل أن تتحرك السيارة - سوى أن سألت جارتي: كم عمر هذا القمر؟ فضحكت وقالت: لا أستطيع ~~أن أراه من مكاني إلا إذا رأيته خلال فروع الشجر، ولا أريد أن أنظر إليه خلال فروع ~~الشجر؛ لأنه يقال إن الواحدة لو رأت القمر خلال الشجر أصابها الحظ السيئ ... تلك بالطبع ~~خرافة اعتقدت فيها هذه السيدة الفاتنة الجميلة التي شبهتها أول ما رأيتها بالفاتنة ~~المصرية «خ»، فكلتاهما مترعة بالأنوثة في كل نبرة وفي كل لفتة، فلما رأيت السيدة «ف» ~~معتقدة في خرافة القمر والشجر زادت أنوثة على أنوثة وفتنة فوق فتنة! اللهم إني لمفتتن ~~بالمرأة التي تعتقد في الخرافة أكثر ألف مرة من ms069 ~~فتنتي بامرأة تجلس إلى جانبي لتحدثني في الهندسة وعلم الفلك! إنني أشتهي المرأة حين لا ~~يكون العلم الجاف جمد عقلها وجعلها كالصخرة الناشفة التي لا يرجى عندها قطرة ماء، ~~أريد امرأة يكون في عقلها رخاوة كرخاوة جسمها، أريدها ضعيفة لكنها ذكية ... # في الجريدة اليومية التي أقرؤها محررة ترد على الرسائل التي ترد إليها من ~~قرائها وقارئاتها، وكثيرا ما تكتفي المحررة بسؤال واحد لتجيب عليه في إطناب، وقد لفت ~~نظري موضوع اليوم؛ لأنه متصل بالفكرة التي ذكرتها الآن عن المرأة التي تستهويني ... ~~فالسؤال من طالبة في مدرسة ثانوية، أرسلت تسأل المحررة رأيها في الصفة التي تكون ~~أكثر استهواء للشبان، فتقول: إن طريقة تربيتي مختلفة كل الاختلاف عن تربية زميلاتي؛ ~~فقد عنى والدي أن يربياني بحيث أنشأ امرأة لا تتشبه بالرجال، فعلماني كيف أمشي ~~وكيف أتكلم وكيف أتلفت، وكيف أجلس وكيف أستقبل وكيف أودع ... أما زميلاتي فيهزأن بي، ~~ظانات بي التأخر والرجعية؛ فهذا العصر عندهن عصر لا ينبغي للمرأة فيه أن تختلف عن ~~الرجل في شيء؛ فهن يصحن في الحديث ويصفرن ويدخن ويسترجلن في الحركة والكلام ... إن ~~زميلاتي ينذرنني بأن سلوكي المتخلف عن عصره سيكون منفرا للشبان، وبذلك فلن تكون لي ~~صداقة مع واحد منهم، وبالتالي لن يكون لي زواج ... # فأجابتها المحررة قائلة إن سلوكها هذا هو خير سلوك في اجتذاب الصديق والزوج، وأكدت ~~لها من خبرتها الطويلة أن المرأة كلما بعدت عن التشبه بالرجال زادت للرجال استثارة ~~واستمالة؛ لكنها تحذرها تحذيرا شديدا ألا تخطئ فتمزج ترفعها بالعجرفة، قائلة ~~لها: اعلمي أنه ليس أقتل لغريزة الرجل إزاء المرأة من عجرفتها ... # وقرأت في مجلة كوليرز لهذا الأسبوع مقالة دهشت لها دهشة عميقة، كدت لا أصدق عيني ~~فيما تريان على صفحات المجلة؛ ذلك أن المقالة عن طائفة من الناس في ولاية يوتا من ~~ولايات الغرب يطلق عليها اسم «المورمون» تبيح للرجال منها أن يتزوج الرجل من زوجات ~~عدة، و«المورمون» طائفة مسيحية لكنها تختلف عن سائر المذاهب المسيحية من بعض الوجوه؛ ~~وعنوان المقالة التي قرأتها ms070 اليوم «لماذا أعاشر خمس زوجات» وهي حديث صحفي مأخوذ من رجل ~~اسمه «إدسن جيسوب» يدين بعقيدة المورمون، ويتزوج من خمس نساء دفعة واحدة، وقد استتر هو ~~وأسرته الضخمة في مكان خفي من ولاية أرزونا؛ لأن حكومة الولايات المتحدة لا تجيز تعدد ~~الزوجات على أرضها مهما تكن عقيدة الزوج، فاكتشف رجال الحكومة مكمن هذا الرجل ~~وقبض عليه وحوكم وحكم عليه بالسجن، لكن الرجل ~~عندما وجه إليه الصحفي سؤاله كان قويا في إجابته مؤمنا بعقيدته، سأله الصحفي: هل ~~يمكنك أن تحب زوجاتك الخمس؟ فقال: «لقد سمعت هذا السؤال مرارا كأنه لغز لا تستطيعون ~~حله، وجوابي دائما على هذا السؤال هو الآتي: هل يمكن لرجل أن يحب خمسة من أبنائه ~~دفعة واحدة؟ هل يمكن أن يحب خمسة من أصدقائه دفعة واحدة؟ هل يمكنه أن يحب خمسة من إخوته ~~دفعة واحدة؟ أروني رجلا واحدا ممن يدعون أنهم يلتزمون بنظام الزوجة الواحدة، لا ~~تكون له امرأة أخرى يبادلها الغرام وتبادله! ونحن المورمون لا نحب سرا، إننا لا نحب ~~حبا يلفه العار، بل نحب جهرا وعلانية حبا يزدان بالشرف، ليس بيننا المرأة التي ~~تحمل جنينها في خفاء من القانون ثم تضع حملها إجهاضا، فنساؤنا جميعا يحملن الأجنة من ~~أزواج، ويلدنهم أطفالا ذوي نمو كامل.» # وذهبت في الساعة الثامنة إلى الجمعية التاريخية لأشرح التطور التاريخي للمسألة ~~المصرية، وكان بين الحاضرين سيدة واحدة؛ إنني لأوشك أن أقول إن هذه ظاهرة في الحياة ~~هنا؛ أعني عدم امتزاج الرجال بالنساء إلا على نطاق ضيق محدود، فلولا أنني أعلم أنني ~~الآن في أمريكا حيث الاختلاط بين الجنسين تام، لقلت إن مشاهداتي الشخصية تدل على غير ~~ذلك ... فالاجتماعات الأربعة التي عقدها لي الدكتور «ش» في داره عند أول قدومي لم يكن ~~فيها امرأة واحدة، ولم تحضرها زوجته؛ والاجتماع الذي حضرته في منزل العميد «ن» لم يكن ~~فيه امرأة واحدة ولم تحضره زوجته؛ ولم أر في نادي الأساتذة امرأة إلا مرة واحدة، وفي ~~كل مطعم أرتاده لم أجد أبدا رجلا يجلس مع سيدة ms071 على منضدة واحدة إلا إذا جاءا إلى ~~المطعم معا، فكثيرا ما يكون هنالك مقعد خال على منضدة تجلس إليها سيدة، فلا يجلسك ~~صاحب المطعم على ذلك المقعد الخالي، ويطلب منك الانتظار حتى تخلو منضدة، أو يخلو مقعد ~~على منضدة يجلس إليها رجل؛ كل النوادي التي دعيت إليها حتى الآن إما أن تكون للرجال ~~دون النساء أو للنساء دون الرجال ... لست أدري إلى أي حد تكون هذه قاعدة في الحياة ~~الأمريكية، لكن تلك هي مشاهدتي على كل حال. # الأحد 22 نوفمبر # المآسي البشرية تحدث كل يوم، لكن بعضها يلفت النظر لغرابته، أو لأنه أمس بالشعور؛ ~~وقد حدثت مأساتان في نيويورك: الأولى تستوقف النظر بغرابتها؛ والثانية تسترعي الانتباه؛ ~~لأنها تمس الشعور الإنساني في صميمه. # أما الأولى فهي: أن زوجة ضربت زوجها بالقادوم - وهو نائم - على رأسه حتى قتلته، أو ~~حتى ظنت أنه قتل، وجذبت ابنها بسرعة إلى المطبخ، وفتحت صنابير الغاز لتختنق هي ~~وابنها، ولكن حدث وهي في المطبخ مع ابنها أن سمعت زوجها يئن، فعادت إليه مسرعة وضربته ~~بالكرسي على رأسه حتى مات، وعادت لا لتجد ابنها حيث تركته، بل لتجد أن ابنها قد فر ~~صارخا إلى الجيران يطلب النجدة، وجاء الجيران ونادوا رجال الشرطة وقبضوا على المرأة، ~~فقصت قصتها: وهي أن زوجها لم يدع الأسرة تستقر في مكان واحد شهرا على شهر؛ فهو ~~ينتقل بهم من ولاية إلى ولاية، ومن مدينة إلى أخرى، فحذرته من الانتقال مرة أخرى، حتى ~~يجد ابنهما فرصة يضرب فيها بجذوره في الأرض، فيكون المعارف والأصدقاء؛ لأنه حتى الآن ~~بغير صديق، لكن زوجها عاد أمس يقول لها: نحن راحلون إلى ولاية أورجون (في أقصى غرب ~~الولايات المتحدة)؛ فقالت له: لسنا براحلين؛ فقال: بل سنرحل، وقد اتفقت فعلا على عملي ~~الجديد ... قالت المرأة للشرطة: فانتظرت حتى نام وقتلته، وأنا الآن مستريحة الفؤاد؛ إذ ~~لا انتقال للأسرة بعد اليوم! # وأما الحادثة الثانية فهي: أن رجلا متزوجا وله طفلة، يسكن مع أسرته في نيويورك، وقد ~~فقد وظيفته ويحاول البحث ms072 عن أخرى منذ ستة أشهر ولكنه لم يوفق، واشتد خجله من زوجته، ~~فأفهمها أنه قد وجد عملا، وظل يخرج في الصباح حيث لا يعود إلى داره إلا في موعد انصراف ~~الناس عن أعمالهم، وفي هذه الأثناء يبحث عن عمل فلا يجد، وكان كل شهر يسحب من توفيره ~~مبلغا يساوي ما يمكن أن يكون راتبه، فيعطيه إلى زوجته، بل كان أحيانا يعطيها زيادة ~~على اعتبار أن راتبه قد زاد، لكن المدخر قد نفد، فكتب خطابا إلى زوجته يقص عليها فيه ~~قصته، وترك الخطاب في البيت، وخرج إلى غير عودة؛ لأنه انتحر ... أليس عجيبا أن يخفق ~~إنسان كل هذا الإخفاق في أمريكا المليئة بالعمل والنجاح؟! لكن هكذا الدنيا وهكذا الناس: ~~يسر لبعض وعسر لبعض. # ومن أغرب ما قرأت اليوم من أنباء هذا النبأ الذي أثار دهشتي لما فيه من دلالة عميقة، ~~وأعني النبأ القائل بأن «إنسان البلت داون» الذي كان معروضا في المتحف البريطاني ~~بلندن، والذي كشفت عظامه في جنوبي إنجلترا واتخذت دليلا على الحلقة المفقودة ~~بين القردة والإنسان في نظرية التطور، قد تبين أنه خدعة علمية كبرى! فقد اقترف العالم ~~الذي أعلن كشفها غشا وتزويرا بأن تناول عظاما حديثة وطلاها وزور أجزاءها على نحو ~~يوحي بأنها هي العظام القديمة المنشودة! إنني لفي عجب شديد أن يبلغ التزوير العلمي كل ~~هذا الحد، ولماذا؟ ليقال عنه إنه خليق بالتمجيد؛ أليس هذا إمعانا وإسرافا في الرغبة ~~في الشهرة حتى وإن قامت الشهرة على زيف وغش؟ ... لكن ~~فيم العجب وأمثال هذا الزيف عندنا في مصر بالقناطير المقنطرة؛ فما أيسر على المصري أن ~~ينقل غيره ويكتم خبر النقل ليشتهر بالعلم على حساب غيره ... ليست الشهرة الزائفة في ~~المحيط العلمي أمرا غريبا في مصر، لكنها في الحق جد غريبة في بلد كإنجلترا؛ وقد مر ~~أربعون عاما تقريبا والعظام معروضة في المتحف البريطاني بلندن، والعالم كله ينظر ~~إليها على أنها الأساس العلمي المتين الذي يدعم النظرية التطورية، ويكتب المجد العلمي ~~لمكتشفه ... هذا أقوى دليل على أنه لا علم ms073 بغير أخلاق. # الثلاثاء 24 نوفمبر # أذعت اليوم أولى إذاعاتي عن مصر وعن الإسلام، وسأذيع سلسلة منها هنا بغير أجر ~~دعاية لوطني الذي يجهله الناس جهلا لا يطوف لنا ببال ... لكن طريقة الإذاعة لم تعجبني؛ ~~فهي تجارية إلى درجة لا يطيقها عاقل؛ كنت لا أطيقها مستمعا وها أنا ذا اليوم أجربها ~~من الداخل فلا أطيقها مذيعا؛ ذلك لأن إذاعتي مسمار تتعلق عليه طائفة من إعلانات ~~تجارية! تسألك المذيعة سؤالا عن بلدك، فتحسب السؤال بريئا لوجه الله فتجيب، وإذا بها ~~تستدرجك في مهارة عجيبة حتى تذكر لها في إجابتك شيئا تريده لتقول عنه إعلانا في يدها؛ ~~مثال ذلك أن تسألك إن كنا نزرع الفاكهة في مصر والتفاح بوجه خاص، لينتهي بها الأمر أن ~~تقرأ صفحة كاملة في يدها عن «تفاح بيرو» أين يباع وبأي ثمن يباع، وما ميزاته على سائر ~~أنواع التفاح ... وهكذا، وبذلك لا أظنني قد تحدثت عن مصر أكثر من اثنتي عشرة دقيقة من ~~نصف الساعة الذي سمح لي به، وبقية الزمن إعلانات قرأتها المذيعة في مناسبات خلقتها ~~خلقا أثناء حديثها معي عن مصر. # الأربعاء 25 نوفمبر # قرأت تحليلا أدبيا لزوج عن زوجته، ولم يسعني إلا الضحك لشدة ما رأيت من شبه بين ~~الزوجة الموصوفة - وهي أمريكية - والزوجات عندنا في مصر، كأنما الإنسان هو الإنسان في ~~كل زمان ومكان؛ ذلك أن الزوج يذكر عن زوجته فيما يذكره نقطتين: الأولى أنها تشتري من ~~البائعين الذين يطوفون البيوت، معتقدة أرسخ العقيدة أنها ما دامت قد اشترت على الباب، ~~فلا بد أن تكون الصفقة رابحة! وعبثا يحاول الزوج إقناعها أنها مخطئة أحيانا على ~~الأقل؛ فالأطباق التي اشترتها بخمسة وستين سنتا للطبق تباع بثمن أرخص من هذا في ~~الدكاكين، لكن هيهات أن يتغير اعتقادها ... والنقطة الثانية أنها كثيرا ما تبالغ في شراء ~~الأشياء التي قد تستغني عنها الأسرة، فإذا ما ضاق الزوج ذرعا بهذا التصرف الأحمق، ~~زعمت له أنها لم تدفع الثمن من حساب المصاريف، فلا حق له أن يضيق صدرا، بل دفعته من ms074 ~~المال المتجمع في «الحصالة» ... ثم يشرح الزوج الكاتب قائلا: والمال المتجمع في ~~«الحصالة» إن هو إلا قطع من النقود تسقطها زوجتي كل يوم في صندوق مثقوب من أحد ~~جوانبه، وهي بذلك تتوهم - وتريد أن تقنعني بصدق وهمها - أن النقود لم تعد نقودي ولا هي ~~من حساب المصاريف، ما دامت قد تجمعت في «الحصالة»! ... ولم يسعني سوى أن أضحك في مرح؛ ~~لأنني تذكرت السيدة «ح» التي كأنما كتب الكاتب ليصفها، مع أنه أمريكي وهي مصرية! ~~فالزوجات كلهن سواء. # لست أدري ما الذي حول مزاجي في القراءة هذا التحول العجيب فلم يعد يلذ لي إلا ~~قراءة القصص، أقرؤها بشغف شديد، وإنما أعني بطبيعة الحال القصص التي يكتبها ذوو الأقلام ~~المجيدة، والتي أجد فيها من تحليل الطبائع البشرية ما أستمتع به متعة فنية كبرى؛ لم أعد ~~أستسيغ ولا أطيق المقالة «الحاف» التي تتكلم بلغة التعميم، خذ مثلا المقالة التي ~~قرأتها الآن توا عن سيرفانتيز، فكيف يمكن أن تقاس المتعة التي أستمدها من قراءة هذه ~~المقالة بالمتعة التي كنت أستمدها لو قرأت ولو جزءا يسيرا من سيرفانتيز؟ # على كل حال؛ إن فكرة قوية تلعب في رأسي صباحا ومساء، وهي أن أهم بكتابة القصة؛ ~~إنني أشعر بغيرة شديدة حين أقرأ قصة قصيرة أجاد كاتبها في التحليل؛ لماذا لا أكتب مثل ~~هذا؟ هذه وحدها هي الكتابة، هذا وحده هو الأدب؛ والحياة مليئة بالموضوعات؛ فكل شخص ممن ~~أعرفهم يمكن أن أستخرج من حياته مواقف تحليلية تضع الطبائع البشرية في ضوء الشمس؛ وكل ~~يوم من حياتي بغير استثناء فيه مواقف يصح أن تذكر، كم موقف يمكن استخراجه - مثلا - ~~من حياة «ح» و«ع» و«ه» و«س» ... إلخ إلخ؟! لقد قرأت اليوم قصتين قصيرتين بارعتين: الأولى ~~تحلل فتى ريفيا في طباعه أراد أن يشتبك في علاقة غرامية مع فتاة مصقولة من فتيات ~~المدن، وهو جاد وهي هازئة ... أليست حياتي الشخصية مليئة بمثل هذه الخبرات فيمن أعرف من ~~الناس؟ فلماذا يقع الكاتب هنا على موقف كهذا فيجيد تحليله، ولا نقع نحن مع ms075 أنه كان في ~~صميم حياتنا؟ ... والقصة الأخرى كاتبتها امرأة، هي قصة فتاة تسابق على حبها شابان: ~~أحدهما محتال دجال والثاني مخلص صادق، ولم تفعل الكاتبة سوى أن عرضت صورتين للشابين: ~~كيف يتصرفان إزاء الفتاة ... هذه هي الحياة نراها ونعيشها فلماذا لا نكتبها؟! # الخميس 29 نوفمبر # اليوم «عيد الشكر» وهو عيد أمريكي يغلب فيه أن يكون الديك الرومي محور الغداء، وأنا ~~مدعو اليوم عند الكابتن «ش» وزوجته السيدة «ش» التي تحضر لدرجة الأستاذية في الفلسفة، ~~وتحضر لي محاضرات الفلسفة الإسلامية، وهما يسكنان في «سمتر» في داخل مطار حربي ~~هناك، وهي مدينة تبعد عن كولمبيا نحو خمسين ميلا. # جاءت السيدة «ش» وزوجها ليأخذاني بسيارتهما، وقد كانت السيدة كعادتها دائما ~~معنية بلبسها وبقرطها، وهي اليوم تلبس عقدا من نوع القرط، وكلاهما من فضة مرصعة ~~بما يشبه فصوص الماس ... حدثاني في الطريق عن حياتهما، فكلاهما تخرج في جامعة تكساس، ~~كانا زميلين، غير أن السيدة قد سبقت زوجها في التخريج بعام، وكنت أقدر لهما من العمر ~~ثلاثين عاما، لكني لما علمت اليوم أنها تخرجت منذ عامين، رجحت أن يكونا أصغر من ذلك ~~بكثير، والوجوه كثيرا ما تخدع عند تقدير الأعمار. # دخلنا في قلب المطار الحربي حيث يسكنان؛ فهناك مجموعات من المنازل لرجال المطار، ~~والكابتن «ش» وزوجته يسكنان منزلا ذا غرفتين هما غاية في الأناقة والبساطة وحسن الذوق، ~~ويسكن بجوارهما شاب وزوجته وطفلتهما، الشاب هو الآخر كابتن في الطيران، غير أن اختصاصه ~~هناك هو التنبؤات الجوية، ولم نكد نصل حتى جاء هذان الزوجان؛ فهما كذلك مدعوان معي على ~~الغداء في منزل «س». # تركنا الزوجتين تعدان الطعام، وذهب ثلاثتنا للطواف بالمطار، وكان أول مكان زرناه ~~هناك هو المكان الذي يعمل فيه الكابتن «ك» في التنبؤات الجوية: صفوف من الآلات شبيهة ~~كلها بالآلات الكاتبة، تدق كما تدق الآلات الكاتبة، تدق وحدها بطريقة آلية، وتنظر في ~~المكتوب فتجد أن الآلات ترصد حالة الجو في أنحاء الولايات المتحدة كلها في تلك اللحظة؛ ~~فالحرارة الآن في نيويورك كذا، وفي ميشجان كذا ms076 ... إلخ، وكل آلة مختصة بشيء ترصده: هذه ~~للحرارة وتلك للضغط الجوي وثالثة لاتجاه الريح، ومن هذه الورقات التي تخرجها الآلات ~~ترسم الخرائط فورا، لتعرض على نحو يمكنك في نصف دقيقة أن تنبئ عن الجو في أي مكان من ~~الولايات المتحدة كلها. # وأخذنا للكابتن «ك» بعد ذلك إلى حيث صفوف الطائرات رابضة، وأطلعني على الطائرات ~~النفاثة والطائرات ذوات المحركات العادية، وطلبت منه أن يفرق لي تفرقة مختصرة واضحة ~~بين النوعين من الطائرات ففعل، وعرفت منه في وضوح أن الطائرة النفاثة تخلخل الهواء ~~وراءها، وهذه الخلخلة من تلقاء نفسها تدفع الطائرة إلى أمام. # عدنا إلى المنزل وجلسنا إلى مائدة الغداء، وقبل أن نبدأ الطعام شبكنا أيدينا ~~وطأطأنا رءوسنا ريثما يدعو الكابتن «ش» دعاءه الديني، فقال عبارة خيل إلي أنه ~~أعدها وحفظها لمناسبة وجودي: «أشكرك يا رب على ما أمامنا من طعام، وأدعوك يا رب أن تعطي ~~من ليس عنده مثل ما عندنا من طعام وثياب ومأوى، أشكرك يا رب على أن جعلت لنا هذه ~~البلاد وطنا، فنتمتع بما فيه من حرية رأي وديمقراطية، وأدعوك يا رب أن تهب البلاد التي ~~لا تتمتع بمثل هذه الحرية مثل ما وهبتنا ...» # دار حديثنا بعد الغداء في السياسة، وكانت ~~البداية أن سألتني السيدة «ش» إن كان المنتظر أن يعدم مصدق في إيران؟ قلت: لا أدري، ~~لكنهم لو أعدموه فإني أحزن عليه؛ فقالت: وكذلك أنا، فإني أحزن عليه أشد الحزن؛ قال ~~الكابتن «ك»: إن أكبر عيب في مصدق هو رأيه في أن تستقل إيران عن العالم، وليس هناك دولة ~~في الدنيا تستطيع لنفسها هذا الاستقلال؛ فقلت: على شرط أن تختار كل دولة طريقة اتصالها ~~بالدول الأخرى. وسرعان ما جذب الحديث قناة السويس، وطبعا أخذتني الحماسة واشتد بي ~~الانفعال وأنا أتحدث عن مصر وإنجلترا، وما كان لي أن أفعل؛ لأننا في جلسة عائلية ضيقة ~~لا يجوز فيها مثل هذا الانفعال. # غربت الشمس، واستعد كابتن «ش» وزوجته لإعادتي بالسيارة إلى كولمبيا، وقد سمعتهما ~~يبديان رغبة أن يذهبا هناك إلى ms077 سينما، فدعوتهما لمشاهدة فلم مارتن لوثر الذي بدأ ~~عرضه في المدينة منذ قريب ... لا زلت أعجب لشدة تعلق الناس هنا بعقيدتهم الدينية، فما ~~كان أشد ارتياح كابتن «ش» وزوجته بالفيلم الذي رأيناه عن مارتن لوثر والبروتستانتية، ~~مذهبهما في الدين، فليس ارتياحهما ناشئا عن مشاهدة فيلم جميل أو قصة جيدة، بل ناشئ عن ~~شعورهما الديني رغبة في انتصار المذهب الذي يدينان به ... ومما هو جدير بالذكر في هذه ~~المناسبة أن الكنيسة البروتستانتية تنشط في توزيع تذاكر مخفضة القيمة؛ ليشهد هذا الفيلم ~~أكبر عدد ممكن، وقد جاءتني ثلاث تذاكر منها هي التي استخدمتها في دخولنا الليلة. # أخذت الكابتن «ش» وزوجته إلى مطعم ليشربا معي القهوة بعد خروجنا من السينما، وهو ~~المطعم الذي اعتدت ارتياده، فلما قدمت لنا المناولة أقداح القهوة، سقطت قطرات منها ~~في أحد الأطباق، وعرضت أن يكون هذا طبقي إكراما لضيفي، لكن المناولة أصرت أن تجيئني ~~بفنجان آخر، قائلة: أنت ضيفنا جميعا، وضيوفك ضيوفنا، فليس الأمر مقصورا على أنه مطعم ~~وزبائنه، بل هو أكثر من ذلك، هو علاقات إنسانية قبل كل شيء ... شكرتها، ولما انصرفت ~~استأنفنا ما كنا فيه من حديث، وهو بعض مذكراتي التي أكتبها عن أمريكا، فسألني الكابتن ~~«ش» ماذا أجد في يوم كهذا لأكتبه؟ فقلت له: كل ما رأيته عندك من ضيافة جدير بالتسجيل، ~~ثم ألم تسمع ما قالته هذه المناولة الآن؟ إنه جدير بالتسجيل بالخط العريض؛ لأن هذه هي ~~أمريكا الحقيقية التي لا يقرؤها الناس في الصحف! # الجمعة 27 نوفمبر # في صحيفة اليوم قصة عجيبة: اختفى رجل منذ اثنين وعشرين عاما، وكانت سنه إذ ذاك ~~ثمانية وعشرين، وكان متزوجا وله ثلاثة أولاد، وبعد اختفائه بقليل اختفت سكرتيرته التي ~~كان عمرها إذ ذاك اثنين وعشرين عاما، ولم يعثر أحد لهما على أثر طوال هذه المدة، حتى ~~لقد اعتبرهما القانون «ميتين بحكم القانون» فتزوجت زوجة الرجل المختفي من رجل آخر، ~~وكان للفتاة المختفية إرث يبلغ مقداره مليونا من الدولارات فتحول إلى أقرب أقربائها ~~وهو ابن عمها، وكان للرجل ms078 في شركة التأمين خمسون ألفا من الدولارات فأخذته زوجته ~~وأولاده على اعتبار أنه قد «مات بحكم القانون» ... حتى كان أمس، أعلن الرجل المختفي ~~«وزوجته» - بعد أن اختفيا وتخفيا اثنين وعشرين عاما - أعلنا حقيقة أمرهما، وهي أنهما ~~تحابا ولم يستطع أحدهما أن يستغني عن الآخر؛ فاتفقا على الفرار والاختفاء؛ ليعيشا ~~معا في مأمن من المجتمع والقانون، ولم يكن معهما إذ ذاك إلا الثياب التي تغطي جسديهما، ~~فغامرا ولقيا أصعب الصعاب، حتى استقر بهما الحال وتزوجا باسمين منتحلين، وأنسلا ستة ~~من الأبناء والبنات، وتزوجت كبرى بناتهما وأنسلت لهما حفيدا، وثاني أولادهما الآن في ~~الخدمة العسكرية ... # بماذا نحكم عليهما؟ لا شك أن سلوكهما يخالف القانون والشرع المسيحي، لكن ألم يعيشا ~~معا سعيدين اثنين وعشرين عاما؟ ألا تكون إباحة الطلاق من جهة وإباحة تعدد الزوجات ~~من جهة أخرى أمرا قد تكون له ضرورته في ظروف استثنائية كهذه؟ فلو كان مباحا للرجل أن ~~يتزوج من اثنتين لهانت الصعاب ولتزوج من حبيبته إلى جانب زوجته الأولى إذا أرادت هذه ~~البقاء معه ... الحق أني لا أدري بماذا أحكم عليهما؛ لأنني أمقت الطلاق وألعن تعدد ~~الزوجات، لكن الحياة وظروفها والقلوب ومشاعرها أوسع جدا من كل قانون وتشريع. # أراد الصحفيون أن يوجهوا الأسئلة إلى الزوجة الثانية - وعمرها الآن أربعة وأربعون ~~عاما - فأجابتهم جوابا واحدا: إني سعدت مع حبيبي اثنين وعشرين عاما، ولا أزال سعيدة ~~معه، وسأظل سعيدة معه حتى أموت، ولمن شاء بعد ذلك أن يقول ما شاء. # السبت 28 نوفمبر # حدث هنا في مدينة كولمبيا حادث بسبب التفرقة اللونية؛ فهنا معسكر حربي فيه جنود من ~~البيض ومن السود على السواء، وقد جاء بعض الجنود السود من ولايات أخرى لا يحرم ~~قانونها اختلاط اللونين، فخرج اليوم أحد هؤلاء من معسكره إلى المدينة، فركب سيارة عامة، ~~وجلس في النصف الأمامي المخصص للبيض وحدهم، محتجا بأنه لا يعترف بهذه التفرقة ~~اللونية؛ فهو من ولاية كذا من ولايات الشمال التي لا تفرقة فيها بحكم القانون بين أبيض ~~وأسود؛ لكن السيدة التي جلس ms079 إلى جانبها في السيارة طلبت منه أن يغادر مكانه إلى النصف ~~الخلفي المخصص للسود، فرفض الجندي ذلك، فتدخل السائق وطلب منه الطلب نفسه لكنه رفض ~~القبول، فنودي شرطي، وسرعان ما نادى الشرطي زملاءه بواسطة اللاسلكي في سيارته ~~البوليسية، فجاءت فرقة كبيرة ... في هذه الأثناء انضم إلى الجندي الأسود الثائر عدد كبير ~~من زملائه الجنود السود، وانضم إليهم ضابط زنجي، ظن أنه - بحكم رتبته العالية - يستطيع ~~أن يأمر البوليس بالانصراف فيطيعوا، لكن رجال البوليس قبضوا بالقوة على الثائرين الزنوج ~~وعلى رأسهم الضابط، وحوكم الجميع فورا، فحكم عليهم بغرامات مختلفة، أعلاها الغرامة ~~التي حكم بها على الضابط؛ إذ حكم عليه بغرامة قدرها مائتا دولار. # وأذاعت قيادة المعسكر في رجالها بيانا تقول فيه إنه على الرغم من أنه ليس في داخل ~~المعسكر تفرقة لونية، إلا أن القيادة تنتظر من رجالها أن يحترموا قانون الولاية التي هم ~~على أرضها إذا ما خرجوا عن حدود معسكرهم، فعندئذ ينبغي أن ينطبق عليهم ما ينطبق على أي ~~مواطن آخر. # الأحد 29 نوفمبر # الجو رائع، لا يكون أروع منه جو في الدنيا بأسرها، فاستخسرت أن يضيع هذا الجو ~~الجميل وأنا سجين غرفتي ... وقفت أمام المرأة الكبيرة، وقلت لصورتي فيها: أنت في أمريكا ~~والجو رائع هذه الروعة كلها، فكيف تظل سجين غرفتك؟ فقالت لي صورتي: قبل أن تكيل اللوم، ~~قل لي أين أذهب؟ فقلت: أخبط في الشوارع مشيا كما اتفق! فقالت صورتي: لكن الشوارع ~~خالية، اليوم يوم الأحد؛ البيوت مقفلة على أصحابها، والدكاكين مغلقة على بضائعها ... ومع ~~ذلك فاصبر قليلا، اصبر ساعة ونصف ساعة، وستخرج إلى الغداء، فامش بعد الغداء حتى ~~تشبع قدميك مشيا، وأراهنك أنك ستعود بعد مشي لا يدوم أكثر من دقائق. # وماذا أصنع في هذه الساعة ونصف الساعة التي بقيت إلى موعد الغداء؟ أحضر محاضرات ~~الغد؟ السم الزعاف أهون ... أقرأ؟ لقد قرأت أمس عشر ساعات متوالية، فرحمة بعينيك ... أكتب؟ ~~إي والله هذا خير ما أصنع؛ ماذا تكتب؟ ... أكتب أي شيء، ما أول خاطر يأتيك؟ أول خاطر ms080 هو ... ~~هو ... لا خواطر! # لا، فكر قليلا، واكتب في أول خاطر يرد إلى ذهنك على أي نحو يجري به قلمك، وماذا ~~يكون أول خاطر سوى هذا الذي يعاودني ألف مرة، هو جناية الآباء على أبنائهم؛ إذ ~~يخرجونهم إلى هذا العالم بعد أن يحطموهم، فيخرج الابن محطم النفس ليصير بدوره أبا ~~ينسل البنين، فيحطم البنين بدوره ... من الذي يمسك لساني حين أريد الكلام؟ ومن الذي ~~يقيد ذراعي حين أريد الحركة؟ ومن الذي يغل قدمي حين أريد السير؟ من فعل ذلك ~~كله غير الذي رباني فأخرجني إلى العالم مغلول اللسان والذراع والقدم؟ إن نفسي لتقطر ~~مرارة! # كنت أوجه هذا الحديث إلى صورتي في المرآة، فاستمعت إلي وفكرت، ثم قالت: أمسك ~~القلم واكتب ما أمليه: # كان الفتى في سن الثامنة عشرة، وكانت الفتاة في الخامسة عشرة من عمرها، وأمسك ~~الفتى بالفتاة وضربها على رأسها ضربة أفقدتها وعيها، ثم بحبل رفيع خنقها، وأمسك ~~بمقص يقص عنها ثيابها وهو في نشوة ... وهنالك أمسكوه مجرما، وحوكم وقضي عليه ~~بالموت سفاكا خطيرا، فلم يلبث أن تلقى القاضي الذي أصدر هذا الحكم خطابا ~~من فتاة في الخامسة والعشرين، هي طالبة في الدراسات العليا بإحدى الجامعات، ~~تقول فيه: لقد أكل الدهر على القانون وشرب، تقدم العلم ولم يتقدم القانون ~~ليساير الزمن! والقضاة جهلة قساة ... ما أكثر ما يكون المجرم فريسة تنوء تحت عبء ~~ثقيل، هو العبء الذي ألقته على كتفيه الأيام والظروف! ... أنا أخت هذا الفتى الذي ~~أعدمتموه، وسأقص عليك شيئا عن الظروف التي نشأت فيها مع أخي لتدرك إلى أي حد ~~أنتم تظلمون! إن الإنسان لا يفقد صوابه ورشده بين عشية وضحاها، بل لا بد له من ~~مقدمات طويلة تمتد على سنوات طوال؛ فإني لأذكر أخي وهو بعد طفل صغير يعاني من ~~أبويه ما يعاني، كان يضحك فجأة أو يبكي فجأة، ولا يفهم الوالدان لذلك سببا، ~~فيضربانه ضربا مؤلما، أو يغمسانه في حوض ~~ملئ بالماء الساخن ليهدأ، ومضى وقت طويل قبل أن تشاء الظروف أن يفحصه طبيب ~~فيجد ms081 أن جزءا من مخه تالف، هو الجزء الذي يستخدمه الإنسان في ضبط نوازعه ~~الحيوانية ... إن طفلا كهذا كان لا بد أن يتعذر عليه الملاءمة بين نفسه وبين ~~أسرته، حتى لو كانت أسرته سعيدة، فما بالك والأسرة التي نشأ فيها جهنم وجحيم؟ ~~وسأسوق نفسي مثلا. # فلست كأخي مريضة ولا معتوهة، ولدت سليمة العقل، بل إني فوق المتوسط المألوف ~~في ذكائي؛ إنني لا أريد الآن أن أتواضع، فليس هذا أوان التواضع الزائف، لكنني ~~لقيت من أبوي ما لقيته من قسوة وجهل بطبائع الطفولة ما ملأني مرارة، وكنت ~~أحاول أن أفر من هذا الجو المسموم بالقراءة وبصحبة الأصدقاء، وهو ملاذ لم ~~يجد أخي المريض سبيلا إليه، كان في مدرسته أضحوكة الضاحكين من زملائه، وكان في ~~البيت موضع سخط الوالدين الغاضبين دائما، المعتركين دائما ... كان أبي أو كانت ~~أمي تضربه بكتبه على رأسه؛ لأنه ولد خائب يجلب على أبويه العار. # بلغت من عمري السادسة عشرة، وكنت كلما كبرت عاما من الزمن، ازددت ثورة ~~نفسية وازددت مرارة وسخطا، حتى عجزت عجزا تاما أن أجر قدمي إلى ~~المدرسة، وأذكر ذات مساء أن خلعت أمي عن جسدي الثياب وضربتني على ظهري بحزام من ~~الجلد، وما كادت تتركني حتى هممت بالانتحار خلاصا من هذا العالم الوبيء، فلم ~~أستطع ... أفتدري ماذا صنعت بعدئذ؟ تحولت منذ الصباح التالي عاهرة تعرض ~~جسدها على كل من أراد أن يستمتع به من زملائي، لم آخذ من أحد مالا على متعته، ~~ولا أقول إني كنت في ذلك أنشد المتعة الجسدية، فما أقل ما وجدتها حينئذ! وما ~~أكثر ما شقيت! ولكني لم أزل عارضة جسدي كل يوم على من شاء ... وأسأل نفسي الآن: ~~لماذا؟ وأجد الجواب حاضرا: لأجد كل يوم شخصا يظهر لي علامات الحب حتى ولو كان ~~زائفا، كان ذلك مني ضربا من الانتقام من والدي. # حاجة الإنسان إلى عطف هي - يا سيدي القاضي - أشد وأقوى ما يدفع الإنسان في ~~هذه الدنيا إلى سلوكه الذي يسلك. # وقضيت في انتقامي العاهر أعواما، ثم قابلت فيمن ms082 قابلت شابا عرفني، ولعله ~~لمس قلبي وما يكنه من أخلاط المشاعر والدوافع، فطلب الزواج مني وقبلته ~~زوجا، حيث نعيش الآن زوجين ... لا أظنني كنت أحبه عندئذ حب المرأة للرجل، ~~لكني قبلته زوجا لأفر مما كنت فيه، ومنذ ذلك الحين مضيت في دراستي الجامعية، ~~أزيح عن نفسي قليلا قليلا ما تركه أبواي من رواسب السم. # لقد حكمت على أخي بالموت - يا سيدي القاضي - وها أنا ذا قصصت عليك تاريخي ~~لتعلم في أي بيئة نشأنا؛ إن أخي قد قتل فتاة في جسدها، فحكمت عليه بالموت، ~~وأنا أسألك الآن: ماذا أنت صانع بوالدين تآمرا على قتل نفسين: نفسي ونفس ~~أخي؟ أم أن قتل النفوس عندكم في القانون حلال مباح؟ ... # أملت علي صورتي في المرآة هذا كله، فسألتها: أنى لك هذا؟ فقالت: وما جدواك ~~أن تعرف من أين؟ إن هذه القصة إن تكن من الحياة الواقعة فهي واقع، وإن تكن خيالا فهو ~~خيال يشبه الواقع. # مضت ساعة وبقيت نصف ساعة على الغداء، سأكتب فيها شيئا قرأته الآن، هو خلاصة حديث ~~أدلت به زوجة الكاتب المعروف «ول ديورانت» - الذي أدين له بشيء كثير - فقد ذكرت الزوجة ~~في حديثها كيف كان لقاؤها مع زوجها لقاء أنتج الزواج؛ وهو حديث قالته الزوجة بمناسبة ~~صدور جزء جديد من سلسلة المجلدات التي يخرجها «ول ديورانت» في «قصة الحضارة». # قالت «آريل» - زوجة ديورانت: نشأت في نيويورك وكرهت المدرسة التي كنت أرتادها، حتى ~~لقد كنت أنحرف من نصف الطريق إلى المدرسة، وأذهب إلى حيث أقضي الوقت في اللعب، وكنت ~~ألعب ذات يوم في الحديقة العامة، فجاءت امرأة ومعها مجموعة من أطفال، وقيل إنها مدرسة ~~وهؤلاء تلاميذها، فلم أصدق؛ لأن العلاقة بينها وبينهم كانت علاقة أم بأبنائها، وأحببت ~~أن أرافقهم فجلست معهم، ولما سئلت من أنا؟ قلت: إذا كانت هذه مدرسة فأنا من ~~تلميذاتها ... وهكذا ظللت أياما أجلس بين تلميذات هذه المدرسة التجريبية التي أحببتها ~~حتى ذهبت يوما غابت فيه المدرسة وجاء مكانها رجل هو هذا (وأشارت إلى زوجها ول ~~ديورانت) وهو ms083 الذي أصبح زوجي، وكونت معه أسرة لم أر أسعد منها، كانت سنه عندئذ ~~ثمانية وعشرين عاما، وكنت في الخامسة عشرة، كان الفرق بيننا كبيرا، لكن كلانا أحب ~~الآخر، فليس مستحيلا أن تحب فتاة عمرها خمسة عشر عاما رجلا عمره ثمانية وعشرين؛ كان ~~زوجي يقول إن أرسطو من رأيه أن المرأة تسبق الرجل في النضوج بخمس عشرة سنة، ~~فإن كان ذلك كذلك، فقد كنت زميلة لزوجي في درجة ~~النضوج، كنت طفلة في بعض نوازعي، فتعهدني بالتربية حتى أحببت كل ما يحبه هو ... إنني ~~أعتقد أن زوجي من نوابغ القرن العشرين، ولم يكن يسيرا على أي امرأة أن تشارك مثل هذا ~~الرجل حياته؛ لكن الحياة معه جديرة بالعيش! # مشيت بعد الغداء نصف ساعة أو نحوها، وكان الجو جميلا رائعا: شمس مشرقة، وسماء صافية ~~وبرد خفيف يمكن من المشي، لكني عدت إلى غرفتي ثقيل القلب محزون الفؤاد، ولست أدري ~~لهذا الغم سببا، فلماذا تكون الشمس مشرقة والنفس غائمة؟ إني أشعر بضيق شديد، أشعر ~~بوحشة وعزلة؛ فتحت الراديو ساعتين كاملتين، وبرامج الإذاعة يوم الأحد هنا تكون عادة ~~جيدة الاختيار، فسمعت لأشهر المغنين في برنامج يسمونه «الأصوات الذهبية» ويذيعونه كل ~~أحد؛ كذلك سمعت قراءات أدبية ممتازة، ينطق بها أشهر الممثلين وأشهر القراء؛ فسمعت نجوى ~~هاملت المشهور: «أبقاء أم فناء؟ تلك هي المشكلة» يقرؤها جون باريمور قراءة غاية في ~~الجودة، ثم قراءة من الإنجيل عن جنة عدن يقرؤها تشارلس لوتن، من أبدع وأروع ما يمكن أن ~~يسمعه إنسان في حياته، وكذلك سمعت قراءات من الشعر الإنجليزي يقرؤها قراء ~~مجيدون. # كلها أشياء من طبيعتها أن تسري عن النفس، لكن الغم قائم لا يزول، أعددت لنفسي الشاي ~~وشربت ثلاثة أقداح منه، وتحسنت حالي بعض الشيء، لكني قلق لا تستقر بي جلسة ولا رقدة ... ~~لقد سمعت قصة الشجرة المحرمة منذ دقائق يقرؤها تشارلس لوتن من الإنجيل، فسمعت فيها أن ~~آدم وحواء كانا عاريين ولم يكونا يشعران باستحياء من ذلك العري، كان ذلك قبل أكلهما من ~~الشجرة المحرمة، شجرة المعرفة، ms084 معرفة الخير والشر، فلما أكلا منها كان أول ما أحساه ~~خجلا من عريهما، فغطيا نفسيهما بورق الشجر، لكن العري لا يزال باديا، والخجل لا يزال ~~قائما، وهنا ناداه ربه: يا آدم؛ فأجاب آدم من بعد واستحيا أن يقابل ربه عاريا؛ فقال ~~له ربه: إذا كان قد أخذك الخجل من عريك، فلا بد أن تكون قد ميزت الخير من الشر، وإذا ~~فلا بد أن تكون قد أكلت من الشجرة المحرمة، فلماذا عصيتني فيما أمرتك به ...؟ # وإني الآن لأطبق هذه القصة على نفسي، وعلى القلق الذي ألم بي وغمني، فأقول: إنني ~~كلما ازددت معرفة بنفسي ازددت يقينا بما يملؤها من عقد، وكلما أدركت أنها نفس ~~مريضة ازددت قلقا بل ازددت خجلا، قلت لنفسي إنك لم تكن بهذا العجز كله فيما مضى، ~~وأخذت أتذكر أيام طفولتي وشبابي، فلم أتذكر إلا ~~جرأة على المجتمع ... والآن قد عرفت لماذا يزداد ارتباكي كلما كبرت، وكان العكس أحق أن ~~يقع؛ فالسبب هو أني عرفت نفسي حين ألقت بها الظروف في أوساط مختلفة ... أتكون معرفة ~~الإنسان لنفسه وتحليلها مصدرا لشقائه، كما كانت معرفة آدم للخير والشر بداية ~~لعنائه؟! # الثلاثاء أول ديسمبر # قرأت في مجلة «لايف» موضوعا شائقا بالصور الجميلة عن الحيوانات البحرية كيف تعيش ~~في جوف المحيط: كيف تعيش في ظلام القاع الذي لا ينفذ إليه شعاع من ضوء؟ كيف يفتك بعضها ~~ببعض؟ كيف أعد كل نوع منها بطرائق التخفي وأساليب الهجوم والدفاع؟ ... كل ذلك معروض ~~عرضا يجعله أقرب إلى القصص الممتع منه إلى الوصف الطبيعي الصادق. # ويكفي أن أفكر في موضوع واحد كهذا، ماذا صنعت المجلة لتجمع مادته، ثم أسأل نفسي: ~~ماذا تفعل مجلة مصرية في الموضوع نفسه إذا أرادت أن تنشر عنه شيئا؟ أقول إنه يكفي أن ~~أفكر في موضوع واحد كهذا في مجلاتهم ومجلاتنا لأدرك لب الفرق بين شعب وشعب؛ فمجلة ~~«لايف» هي التي أرسلت المصورين، وهي التي جمعت المختصين بدراسة الحيوانات البحرية، ولبث ~~عملاؤها ثلاثة أعوام في رحلات بحرية، يغوصون في قاع المحيط ويلاحظون ms085 ويصورون ويصفون ... ~~فالمسألة كلها من أولها إلى آخرها من تدبير المجلة، تفكير وابتكار ومغامرات وعلم وكتابة ~~وتأليف وتنسيق ... أما المجلة المصرية فماذا تصنع؟ تنقل عن مجلة «لايف» ما كتبته ~~وصورته، ثم يقول لك الناقل بعد ذلك إنه أديب! خلط وجهل وادعاء ... ها هنا كل الفرق ~~بيننا وبينهم؛ فليس الفرق المهم هو ثراءهم وفقرنا، بل هو ابتكارهم وعجزنا ... يستحيل أن ~~نتقدم تقدما حقيقيا إلا إذا كان لنا ابتكار، إلا إذا بدأت الأفكار من عندنا ~~أحيانا، أما أن يبتكروا هم الطيارة ونحن ننقلها ونقول إن لدينا مهندسين كمهندسيهم، وأن ~~يبحث علماؤهم في الطب والفيزيقا والنفس وما إلى ذلك، فنحفظ ما كتبوا ثم نقول إن منا ~~العلماء في الطب والفيزيقا والنفس؛ فإغماض لأعيننا عن سر التقدم وسر المدنية ~~كلها، بل سر الإنسان وهو الابتكار؛ يعوزنا إدراك هذه الحقيقة في وضوح، وهي أن الفرق ~~بعيد بعد ما بين الأرض والسماء، بين المبدع الخلاق المبتكر وبين من يسير بعد ذلك ~~في الطريق، وقد شق وعبد بمغامرات المغامرين وتفكير المفكرين، الفرق بين هذا ~~وذاك هو نفسه الفرق بيني في رحلتي إلى أمريكا وبين كولمبس حين ارتحل مخاطرا مغامرا ~~مفكرا مدبرا. # الأربعاء 2 ديسمبر # ذهبت مع الدكتور «ف» إلى ناد هو عضو فيه: «نادي الكتاب الخالد»، وأعضاؤه جماعة تجتمع ~~مرة كل أسبوعين، وهي تقرر في كل مرة كتابا من الكتب الخالدة العظيمة يقرؤه الأعضاء ~~ثم يجتمعون للمناقشة فيه؛ وقد علمت منهم الليلة أن مثل هذه الجمعية موجود في كل أنحاء ~~الولايات المتحدة؛ والكتاب الذي قرأه الأعضاء وناقشوه في هذه الجلسة كتاب للأديب ~~الفيلسوف الروماني «لوسيان» ... وعند انصرافهم قرروا للجلسة الآتية كتابا لتوماس ~~الأكويني. # ولما عدت إلى غرفتي في المساء، قرأت في مجلة «بوست» أولى مقالتين عن الرحلة التي قام ~~بها بعض الرحالة محاولين بها الصعود إلى قمة جبل قره قورم في باكستان؛ وهي القمة التي ~~تتلو قمة إفرست ارتفاعا ... وصف الرحلة دقيق مليء بالحياة والحركة، ولا يسعك وأنت تقرأ ~~إلا أن تشارك الكاتبين (فقد اشترك في المقالة ms086 كاتبان من بين الرحالة أنفسهم) في ~~الصعود وفي الصعاب التي لاقاها الرحالة، وفي الفرح الذي شعروا به كلما حققوا شيئا في ~~رحلتهم. # ومرة أخرى أسأل نفسي: ما الفرق بين هذا الموضوع يكتب في مجلة أمريكية وبينه هو ~~نفسه يكتب في مجلة مصرية؟ والجواب هو: إن الذي يكتب هنا هما كاتبان اشتركا فعلا في ~~هذه الرحلة؛ فهما يكتبان خبرات خاصة، ويصفان جهدا خاصا نبض له قلباهما ... وأما إذا ~~كتبته مجلة مصرية فلا حيلة لها سوى أن تلخص ما كتبته المجلة الأمريكية - وأقول ~~«تلخص» ولا أقول، «تنقل»؛ لأن من يقوى على متابعة التفصيلات بين قرائنا يعدون ~~على أصابع اليدين - والمصيبة الكبرى أن من يلخص عن المجلة الأمريكية سرعان ما يقول ~~عن نفسه - وقد يقول عنه الناس - إنه أديب! ... وأعود فأقول يائسا ألا فائدة من هذه الحال ~~ولو قضينا ألف ألف عام! فستظل المدنية مدنيتهم، والجهد جهدهم، والتفكير تفكيرهم، وأما ~~نحن فسننقل من هذا كله لمحات عابرة، وكفى الله المؤمنين شر المغامرة والمخاطرة والجهد ~~والتفكير! # الخميس 3 ديسمبر # عرفت مدى حبي لمصر حين رأيت كيف أخذتني النشوة عندما قرأت هذا الصباح لأول مرة نتيجة ~~الانتخابات في السودان التي جاءت مشرفة باهرة؛ نشوة كأنما هبطت علي ثروة مفاجئة، فنبض ~~قلبي وقمت عن مقعدي لأجلس مرة أخرى، ثم قمت لأجلس على الكنبة، ثم قمت فأعددت فنجانا من ~~القهوة ... قلقت قلق المسرور الفرح ... وكتبت مجلة «تايم» في ذلك متهكمة ساخرة؛ إذ قالت ~~في أول مقالها: «في الجنوب الاستوائي - وعلى الضفة اليسرى من النيل الأبيض - جلس ملك ~~الشلوك تحت شجرة من أشجار المانجو مرتديا ثوبا أبيض، وماسحا بكفه على لحيته ~~الخشنة، وجاء رعايا جلالته الأميون فقبلوا قدميه السوداوين، وسألوه: لمن نعطي ~~أصواتنا؟ فأجاب الملك: اسألوا الرجل الأبيض.» # وكان هناك بريطاني في سراويله الكاكية القصيرة، واقفا على مقربة منهم في كوخ من ~~الطين ذي سقف من القش؛ هذا الكوخ هو مركز الانتخاب، وتردد الناخبون الشلوك وهم ~~يتقدمون نحوه، وراحوا يلعبون بأصابعهم في خرزات اللحم التي برزت من جباههم، ms087 والتي ~~صبغوها بصبغة حمراء؛ وجعلوا ينظرون إلى صف من صفائح البنزين الفارغة - وهذه الصفائح هي ~~صناديق الانتخاب ... وأخيرا وجه أحدهم سؤاله للرجل الأبيض: في أي الصفائح نضع هذه ~~الورقة المسحورة؟ فأجابه الرجل الأبيض: لكم أن تختاروا ... فانطلق الشلوك يلقون بأوراق ~~انتخابهم في الصفائح جزافا ...» # لو كان نصيب الإنجليز - والأمريكيين المتعصبين للإنجليز - هو هذه المرارة، ونصيبنا ~~قلوب السودانيين، فلنا الكسب وعليهم الخسران. # اجتمع عدد كبير من أساتذة الجامعة في الغداء، وخطب فيهم بعد الغداء الدكتور فرانسز ~~كوكر أستاذ النظريات السياسية في جامعة ييل، والذي دعوه أستاذا زائرا هنا ... وموضوع ~~خطبته هو واجب الأستاذ الجامعي إزاء لجنة التحقيقات ... وهي لجنة يؤلفها الكونجرس ~~للتحقيق مع المتهمين بالشيوعية، وبناء على الدستور الأمريكي يجوز للمسئول أمام أي لجنة ~~للتحقيق ألا يجيب حتى لا تكون إجابته سببا في إدانته؛ فكثيرون ممن تناديهم لجنة ~~التحقيق المذكورة يسكت عن الإجابة، والدكتور كوكر في كلمته اليوم يقول: إن واجب الأستاذ ~~الجامعي أن يعين لجنة التحقيق على أداء عملها بأن يجيب عن أسئلتها ... # إنني في الحق لفي دهشة لا تنقضي من هذا الذعر الذي رأيته يملأ الناس هنا من الشيوعية! ~~إنه يستحيل على أحد خارج الولايات المتحدة أن يتصور مدى فزعهم إلا إذا جاء هنا ليعيش ~~بينهم حينا، فيقرأ الجرائد ويسمع الراديو ويتحدث إلى الناس، فعندئذ يلمس في قوة كم ~~يعيش الناس في هلع وفزع من الشيوعية ... إنني الآن لا أستطيع أن أتصور أمريكيا واحدا ~~- مهما بلغت جرأته - يستطيع أن يعتنق شيئا من المذهب الشيوعي في صراحة؛ فكيف إذا لا ~~أسأل نفسي: ما الفرق بين هذا الجو الفكري وبين ما يقولونه عن الروسيا من إرغامها الناس ~~على قبول مبدأ واحد، ثم تكم الأفواه عن نقد ذلك المبدأ والخروج عليه؟ ستظل الدنيا ~~إلى أبد الآبدين في هذا الضلال العقلي، وهو أن تظن كل جماعة أن دينها خير دين، ومذهبها ~~السياسي خير مذهب، وأصلها أشرف الأصول! # من الملاحظات التي تبرز لعين الرائي بروزا واضحا جهل الأمريكيين بالعالم الخارجي ~~جهلا عجيبا، وقد عثرت ms088 اليوم في مجلة «تايم» على ما يؤيد هذا؛ إذ أجرى معهد الصحافة ~~الدولي هنا بحثا علميا نشره هذا الأسبوع في 266 صفحة، وهو بحث خاص بكيفية تلقي ~~الأمريكيين للأنباء الخارجية ومدى اهتمامهم بها، وقد تناول البحث 177 صحيفة يومية، ~~وخمسا وأربعين شركة من شركات الأنباء، ومئات من المراسلين والمحررين ... إلخ؛ ونتيجة ~~البحث هي أن القارئ الذي ينفق في قراءة صحيفته اليومية ثماني عشرة دقيقة في اليوم، يخصص ~~من هذه المدة دقيقة للأنباء الخارجية؛ ولذلك يجهل القراء شئون الخارج جهلا شديدا؛ ~~فأكثر من 56٪ لم يعرف من هو «سنجمان ري»، و40٪ لم يعرفوا من الذي خلف ستالين في ~~روسيا، و27٪ فقط هم الذين عرفوا أي حزب يحكم الآن في بريطانيا ... ومن المصادفات أن من ~~بين العنوانات الصحفية التي عرضت للبحث العنوان الآتي الذي نشر حين نشر بالخط ~~العريض: «إسرائيل تدرس الاقتراحات التي قدمتها مصر»، فوجد أنه لم يقرأ هذا النبأ في ~~الجريدة قارئ واحد! # ويقول التقرير إن الدراسة قد دلت على أن اهتمام القراء في أمريكا مقصور إلى حد كبير ~~جدا على البيئة المحلية القريبة؛ فيعنى القارئ أكثر ما يعنى بشئون الولاية التي يعيش ~~فيها، وحسبه ذلك في معظم الأحيان. # وهذا ما قلته مرارا للذين أتحدث إليهم هنا؛ إذ عبرت عن دهشتي من مدى النزعة ~~الإقليمية بين الناس؛ ففي كولمبيا مثلا لا يكاد يقرأ قارئ واحد أي صحيفة غير الصحيفة ~~المحلية التي تصدر في كولمبيا؛ فإذا حللت هذه الصحيفة وجدت تسعة أعشارها عن ولاية ~~كارولاينا الجنوبية نفسها من تجارة ومشروعات وسياسة وتعليم وزواج ووفيات. # الجمعة 4 ديسمبر # المجلات الأدبية كلها تعلق في استفاضة على كاتبهم المسرحي «يوجين أونيل» بمناسبة ~~موته منذ أيام؛ كان أكبر كاتب مسرحي عندهم، وهو الذي ظفر بجائزة نوبل عام 1936م، وله ~~ثمان وأربعون مسرحية ... وقد أردت أن أحييه عند رحيله فقرأت له ثالوثه المسرحي ~~«إلكترا». # كان أرسطو قد رأى أن يكون بطل المأساة ذا هيبة وجلال ومكانة عالية، ثم يهبط إلى هوة ~~يتناسب سحقها مع الرفعة الأولى، وبهذا ms089 الانتقال من القمة إلى الحضيض تتألف المأساة في ~~صميمها ... لكن هذا الرأي في المأساة لم يكن ليتفق مع فن يوجين أونيل؛ لأنه لا يتفق ووجهة ~~النظر الأمريكية إلى أفراد الناس والحياة، فليس بين الأمريكيين من ينظر إليه الناس ~~وأعناقهم مشرئبة؛ إذ ليس فيهم من يعلو على بقية الشعب علوا يجعله في رفعة ويجعلهم في ~~حضيض؛ فالأمريكيون من أشد شعوب الأرض اعترافا بقيم الأفراد وبالمساواة بين الرءوس؛ ~~فأعظم عظيم فيهم قد يخاطبه الناس بالجزء الأول من اسمه حتى لا يبقوا له على وقار خاص، ~~وقد تنشر له الصحف صورا في حياته الخاصة، يأكل أو يلعب بحيث يبدو للناس على حقيقته ~~بشرا، وإذا فيستحيل على مسرحي في أمريكا أن يجعل مأساته قائمة على سقوط العظيم كما ~~أراد أرسطو وكما كانت السنة عند رجال المسرحية فيما مضى من زمن ... وقد قيل في إحدى ~~مسرحيات «أونيل» إن الشخصيات تبدأ مجموعة من سكارى وتنتهي كما بدأت مجموعة من سكارى؛ أي ~~إنه لا ارتفاع ولا هبوط. # فلئن كانت المأساة اليونانية قائمة على استبداد «القدر» بمصاير الناس، يتحكم فيهم ~~نحسا وسعدا؛ ولئن كانت مأساة شيكسبير قائمة على الشخصية وتكوينها ومصارعة الإنسان ~~لنفسه؛ إذ تتحكم إرادة الإنسان في مصيره، وإذا فالصراع الحقيقي للبطل هو بينه وبين ~~إرادته؛ فقد كانت المأساة عند «يوجين أونيل» قائمة على التحليل النفسي والتكوين ~~الفسيولوجي؛ لأن مصير الإنسان مرهون بما في جسمه من غدد وإفراز، وما في نفسه من عقد ~~ودوافع ... وهكذا ترى بطل المأساة في أدب القرن العشرين كله ضحية الظروف ... كانت المأساة ~~اليونانية والمأساة عند شيكسبير تجعل البطل يعاني الآلام ليكفر للآلهة أو للقدر عما ~~فعل، أما المأساة في أدب القرن العشرين - وخصوصا على أيدي «يوجين أونيل» - فتجعل البطل ~~يعاني من تكوينه النفساني والجثماني؛ فهو هو الذي يعذب نفسه ويتعذب. # يستحيل أن يكون الأديب إلا ناقدا لعصره ساخطا على أوضاعه، وهكذا كان «يوجين أونيل» ~~بالنسبة لعصرنا بصفة عامة، وللأمريكيين بصفة خاصة ... عنده أن عصرنا هذا مصاب بمرض أطلق ~~عليه «مرض العصر»، وظواهره ms090 في الحياة الأمريكية - من وجهة نظر أونيل - هي أن الحب قد ~~غاض في القلوب لتحل محله الرغبة في التملك، وحنين الإنسان إلى الفئة التي ينتمي إليها ~~- أسرة كانت أو أصدقاء أو أمة - قد زال واندثر في عصر الآلات الذي نعيش فيه، وذبل ~~الإيمان في القلوب ... أو إن شئت فقل كما يقول «أونيل» إن الإله القديم قد مات، ولم يعد ~~في السماء إله يقوم مقامه ويملأ فراغه؛ فإن كان الأمريكيون اليوم يعبدون شيئا، فذاك ~~وثن اسمه «النجاح»؛ النجاح في التجارة وفي الصناعة وفي جمع المال. # هذا رأي أديبهم العظيم «يوجين أونيل» الذي مات منذ أيام، ولا أراه مطابقا كل ~~المطابقة لما أصادفه عند الناس من حب وتدين إلى جانب إيمانهم بالنجاح الذي أشار إليه ~~«أونيل»، لكن «أونيل» هو بالبداهة أصدق مني نظرا وأصوب رأيا، خصوصا فيما يتعلق ~~بقومه. # السبت في 5 ديسمبر # افتتاحية مجلة هاربرز لهذا الشهر هي كلمة ألقاها مدير جامعة هارفارد - وهي من أهم ~~الجامعات الأمريكية - وهو «ناثان بوزي» عين مديرا لهارفارد هذا العام، فأراد أن ~~يلقي كلمة يستهل بها إدارته لهذه الجامعة الكبرى، فماذا قال؟ # وجد أن مديرا سابقا لهذه الجامعة - هو «إليت» - كان قد ألقى سنة 1909م كلمة ~~بمناسبة توليه هذا المنصب، فجعل عنوان كلمته إذ ذاك «ديانة المستقبل»، قال فيها: إن ~~المبدأ الذي يعتزم إدارة الجامعة على أساسه هو أن يجعل العقيدة الدينية عند الناس هي ~~الخدمة الاجتماعية، والانصراف إلى البحث العلمي في شتى نواحيه؛ فالدين الذي أراده ~~«إليت» هو أن يذهب عامل جريح إلى جراح يضمد له جرحه بشاشة معقمة، وأن تغير ~~الدولة طريقة العيش التي يعيشها الفقراء في مساكنهم القذرة وملابسهم الممزقة ... إلخ؛ هذا ~~عنده هو الدين الذي لا دين سواه. # فجاء المدير الحالي لجامعة هارفارد، وألقى كلمة يعارض بها كلمة «إليت» فجعل عنوانها ~~«ديانة الوقت الراهن»، قال فيها إن المبدأ الذي ينوي أن يدير الجامعة على أساسه هو ~~توكيد الدين في النفوس والعناية بالكنيسة؛ فهو يعتقد أن هذا جانب لا بد منه إلى ms091 جانب ~~المعرفة العلمية، وأن ما ينقصنا الآن ليس هو في العلم بمقدار ما هو في الدين. # فإذا كانت هذه هي نغمة الحديث على لسان مدير جامعة هارفارد، أفلا يكون صوابا أن نقول ~~إن الاتجاه الديني طابع الأمريكيين؟ # الإثنين 7 ديسمبر # اليوم بداية ما يسمونه «أسبوع الاهتمام ~~بالدين»، وهو أسبوع تخصصه الجامعة كل عام لنشر الدعاية للدين بكافة الوسائل، التي أهمها ~~دعوة فئة من كبار المتكلمين في الشئون الدينية ليقضوا الأسبوع كله في الجامعة يحاضرون ~~ويناقشون؛ وقد حضرت اليوم كلمتين من هذا النوع: الأولى في الصباح ألقاها عضو في ~~الكونجرس دعوه هنا ليلقي هذه الكلمة، فتحدث عما يمكن أن تؤديه الديانة المسيحية في ~~مجال الإخاء الإنساني ... كلام كله فارغ؛ وإني لأزداد إيمانا بأن العالم كله لا يزال من ~~هذه الناحية في دور الهمجية والخرافة الفكرية. # والكلمة الثانية كانت خاصة بالأساتذة وحدهم، ألقيت ساعة الغداء، وألقاها أحد ~~المتخصصين في الدين، وقد جاء أيضا بدعوة من الجامعة ... تكلم في وجوب تكوين جمعيات ~~دينية بين أساتذة الجامعات، مهمتها أولا أن تؤاخي بينهم، وثانيا أن يوجد الأساتذة - ~~كل فيما يتخصص فيه - العلاقة بين ميادين أبحاثهم العلمية والديانة المسيحية! ما شاء ~~الله كان! يعني يريد مولانا أن يجد عالم الطبيعة وعالم الكيمياء وعالم النبات ... إلخ ~~العلاقة بين ما يقولونه من نتائج علمية وبين ما ورد في الإنجيل! إنني بعد الآن لن ألوم ~~متعصبا دينيا في مصر إذا قال ما شاء في وجوب سيطرة الدين على العلم، ما دمت أرى هذا ~~في أمريكا رائدة البحث العلمي في عصرنا! # وكذلك يقترح المحاضر ضرورة النظر في إدخال التعليم الديني في مناهج الجامعات، مهما ~~تكن الكلية ونوع دراستها، طبا كانت أو هندسة أو فلسفة، ولا يكفي أن يكون للاهوت كلية ~~مستقلة، وقد ذكر أنه في طول البلاد وعرضها حركة شديدة اليوم في هذا الاتجاه، وهي تسمى ~~«جمعية الأساتذة المسيحيين في الجامعات». # الثلاثاء 8 ديسمبر # بدأت المحكمة العليا في واشنطن أمس النظر في القضية المرفوعة من أولياء الأمور ~~الزنوج في بعض ms092 ولايات الجنوب، يطلبون الحكم بعدم دستورية الفصل اللوني في المدارس، بحيث ~~لا يجوز أن يكون للبيض مدارس وللسود أخرى ... أما محامي الزنوج فيقول ببساطة واختصار إن ~~هذا الإجراء مناقض للتعديل الرابع عشر للدستور، وهو تعديل يقضي بألا يكون هناك في أية ~~ولاية من الولايات شيء من شأنه أن تكون هناك تفرقة؛ ويرد مقدما على محامي البيض؛ إذ ~~يتوقع أن يلجأ هذا المحامي إلى العبارة المشهورة التي تسمعها هنا في كل مناسبة تثار ~~فيها مسألة الفصل اللوني، وهي «انفصال مع المساواة»؛ أقول إن محامي الزنوج يرد مقدما ~~على هذه العبارة قائلا إن مجرد الانفصال ينطوي على عدم المساواة. # ويأتي دور محامي البيض فيطيل في الكلام؛ فهو أولا يقول إن المحكمة العليا لا حق لها ~~في النظر في هذه القضية، وإلا كان اعتداء على حقوق الولايات التشريعية؛ إذ لكل ولاية ~~تشريعها الخاص، فلكل ولاية أن تشرع ما تشاء في تعليم أبنائها، على أن تحافظ طبعا على ~~الخطوط الرئيسية لدستور البلاد؛ وهنا ينتقل إلى النقطة الثانية، وهي أن انفصال اللونين، ~~كل لون في مدارسه الخاصة، لا اعتداء فيه على الدستور؛ لأن التعديل الرابع عشر يقضي بألا ~~تكون هناك تفرقة لونية، ونحن لا نريد تفرقة، بل نريد مساواة مطلقة بيننا وبين الزنوج، ~~لكن هل انفصال كل لون في مدارسه فيه شيء من عدم المساواة؟ إذا كان لكل طفل ما لزميله ~~من حقوق التعليم، ولكل مدرس ما لزميله من حقوق مالية، فأين تكون التفرقة؟ إن هدف ~~القانون إسعاد الناس، فهل تظنون أن مدرسة بها - مثلا - سبعة وأربعون طفلا أسود ~~وثلاثة أطفال من البيض، أو العكس، تزيد من درجة تعليم الأطفال ما داموا قد امتزج ~~أسودهم بأبيضهم؟ هل يزيد هذا من سعادتهم؟ كلا، بل سيشعر هؤلاء وأولئك بالحرج، وتكون ~~النتيجة تضحية الاطمئنان النفسي من أجل لا شيء ... # وتقول الجريدة التي قرأت فيها تفصيلات الدفاع: «وختم المحامي الكهل - الذي بلغ ~~الثمانين من عمره - دفاعه وهو على وشك البكاء، منذرا القضاة بشر النتائج إذا هم قضوا ~~بإلغاء الفصل ms093 اللوني في المدارس.» # صدر اليوم حكم المحكمة في جماعة المورمون التي ~~كانت تباشر تعدد الزوجات حسب عقيدتهم، والتي اعتزلت في ناحية قصية من ولاية أرزونا ~~... وقد حكم عليهم بمدد متفاوتة من السجن مع إيقاف التنفيذ؛ وقال القاضي في ذلك إنه لا ~~يود أن ينفذ فيهم حكم السجن حتى لا يخلق منهم أبطالا ... كان المتهمون قد زعموا أن ~~تعاليم الإنجيل ليس فيها ما يحرم تعدد الزوجات؛ فقال القاضي في صيغة الحكم إنه راجع ~~نصوص الإنجيل - خصوصا الإصحاح السادس من سفر التكوين - فوجد فيه رفضا صريحا ~~لتعدد الزوجات، «ففعلكم هذا مناف لكلام الله ... والرجل الذي يدفع فتاة صغيرة إلى زواج ~~مشترك إنما يفرض عليها العبودية؛ فإن قال قائل إنها تتزوج بمحض اختيارها كان هذا القول ~~لفظا أجوف بغير معنى.» # الخميس 10 ديسمبر # لست أشك في أن الأمريكيين يمتازون بروح من الفكاهة نادرة بين شعوب الأرض كلها؛ لأن ~~فكاهتهم لها خصائص هي في نظري الخصائص التي تميز فكاهة الطفل؛ فهي مرح لا ينطوي على ~~خبث كما أظن في فكاهة الفرنسيين ممثلة في رجل كفولتير؛ ولا تنطوي على عمق نظر في ~~متناقضات السلوك الإنساني كما أظن في فكاهة الإنجليز ممثلة في أديب مثل «شوفت»؛ ولا ~~تنطوي على مرارة و«غلب» كما أظن في فكاهة المصريين بصفة عامة ... يخيل إلي أن ~~الأمريكي يتصيد الفرصة للضحك؛ لأنه منبسط النفس وذو طبيعة بسيطة؛ الأمريكي رجل شبع ~~واكتسى وتزوج وأنجب الأطفال، مهما تكن سنه ومهما تكن ظروفه؛ ولذلك فهو قليل الانقباض ~~والعبوس، فلم أر حتى الآن وجها واحدا عابسا؛ كنت أظن الأمريكي جادا في عمله؛ ~~بمعنى أنه يتجهم إبان عمله ولا يدخل فيه المزاح، لكني وجدته يمزج المزاح بالعمل ~~كلما أمكن ذلك. # وقد لفت نظري بهذه المناسبة إجابة جندي أمريكي كان قد وقع أسيرا في أيدي الشيوعيين ~~في الحرب الكورية؛ وقد عاد أخيرا بين من عادوا؛ وهناك لجان تسألهم كيف كانوا ~~يعاملون أثناء أسرهم؛ فقال هذا الجندي: إن أكثر ما ضقت له من هؤلاء الشيوعيين ~~انعدام روح الفكاهة عندهم؛ ms094 فهم أبدا عابسون، أبدا متزمتون؛ وإني لأعتقد أن عاملا ~~من العوامل التي تساعدنا نحن الأمريكيين على النصر والفوز هو أننا ننظر إلى الجانب ~~المضحك من الأشياء والمواقف، فنضحك ونسري عن أنفسنا ... إني لا أفهم أبدا شخصا لا ~~يضحك؛ فهؤلاء الذين لا يضحكون هم في نظري من الأموات. # إنني حين ألاحظ ملاحظة عن الأمريكيين مما يكون مخالفا لرأي الناس عنهم، ثم أجد هذه ~~الملاحظة بعينها قد وردت على لسان زائر آخر، أشعر باطمئنان على صدق حكمي ... ألم ألاحظ ~~مرارا أنني أرى اختلاط الرجال بالنساء في الحياة الاجتماعية هنا محدود، وفي نطاق ضيق ~~وعلى كثير من التحفظ؟ قلت ذلك وأنا متردد؛ لأنه يناقض ما يقال عن الأمريكيين من ~~اختلاط بين الجنسين لا يقف عند حد مشروع ... لكني وجدت اليوم أن كاتبة فرنسية قد أصدرت ~~كتابا عن زيارتها لأمريكا، وهي «سيمون دي بوفوار»، والكتاب عنوانه «أمريكا يوما بعد ~~يوم»، ومن ملاحظاتها «أن العلاقة بين الرجال والنساء عسيرة في أمريكا؛ فالرجال يوصدون ~~دون أنفسهم أبواب نواديهم، وكذلك يفعل النساء في نواديهن، ويخيل إلي أن الإخفاق ~~الجنسي مما يميز الأمريكي والأمريكية؛ فكانت النتيجة أن بردت العاطفة في نسائهم، وقلت ~~الخبرة في رجالهم؛ ولهذا تراهم كثيرا ما يلجئون إلى الشراب وسيلة لتحطيم الحواجز ~~والموانع النفسية التي تحول بين الجنسين ...» # الإثنين 14 ديسمبر # حضرت في المساء اجتماع الندوة الفلسفية في منزل الدكتور «ف»؛ حيث ألقى الدكتور «ب» ~~أستاذ الأدب الألماني كلمة يلخص بها قصة للكاتب الأوروبي «هرمان هس»، وهو كاتب لا ~~يزال حيا بلغ الآن عامه الثمانين، والقصة من جزأين في أصلها الألماني، وعنوانها في ~~الترجمة الإنجليزية «ماجستر لودي» - والعنوان الأصلي معناه الحرفي هو «لعبة الخرز» ... ~~وملخص القصة أن جماعة في دير يفكرون تفكيرا نظريا، وقد جعلوا موضوع بحثهم هو ~~الأصول المشتركة بين الموسيقى والرياضة، ثم الأصول المشتركة بين العلوم كلها، كما جعلوا ~~لغة البحث رموزا رياضية، لكنهم على شدة ما بلغوا من أعماق عميقة في أبحاثهم تلك، ~~كانوا مقطوعي الصلة بالعالم الخارجي العملي الواقعي؛ وجاءهم ذات ms095 يوم رجل من هذا ~~العالم، فكانت الهوة السحيقة التي تفصل وجهة نظره عن وجهات أنظارهم - أي تفصل بين أوضاع ~~الحياة العملية عن التفكير النظري - مدعاة إلى رئيس الجماعة أن يخرج من ديره إلى ~~العالم الصاخب، واختار لنفسه مهنة التعليم حرفة، فتولى بالتربية طفلا هو ابن الرجل ~~الذي كان قد زار الدير ... وحدث يوما أن خرج الأستاذ وتلميذه الصغير حتى جاء إلى بحيرة ~~مثلوجة، واستطاع الطفل الناشئ أن يعود فينجو؛ أما الأستاذ الذي تعمق الأبحاث النظرية ~~إلى أغوارها فقد غرق ومات. # ودارت مناقشات طويلة عميقة بين الحاضرين حول الفكرة الرئيسية التي أدار عليها الكاتب ~~قصته، وهي الموازنة بين البحث النظري والحياة العملية، أين يلتقيان وأين ~~يفترقان؟ # ويشاء الله ألا يتم هذا الاجتماع العلمي الثقافي الذي كان ينبغي أن يخلو من ترهات ~~الإنسان وتفاهاته، بغير هفوة من أحد الحاضرين أثارت ثائرتي على الرغم من ضبطي لأعصابي ~~وإمساكي لزمام نفسي؛ فلست أرى كيف أدى الحديث إلى الإسلام، وهنا سألني من الحاضرين ~~سائل: أتعدون قصة ألف ليلة وليلة بما فيها من شهوات جنسية قصيدة الإسلام الكبرى؟ ... ~~فجلست لحظة صامتا أنظر إليه وأقبض على زمام نفسي، وأستجمع أطراف تفكيري الذي أذهله مثل ~~هذا السؤال من أستاذ جامعي المفروض فيه علو الثقافة واتساع المعرفة ورقة الذوق؛ ثم ~~قلت: # الشهوة الجنسية في ألف ليلة وليلة - يا سيدي الأستاذ - هي أحلام الشباب المراهق في أي ~~بلد من بلاد العالم؛ ألف ليلة وليلة مجموعة من القصص فيها تصوير للنفس الإنسانية في ~~وجه من وجوهها، وقل فيها بعد ذلك ما شئت من نقد أدبي يرفعها أو يخفضها؛ لكن ما دخل ~~الإسلام في ذلك؟ # ولست أدري ماذا قال هذا الأستاذ مما أثار انفعالي، وجعلني أقول له: يجب أن تعلم أن ~~الإسلام قد ظهر بعد المسيحية بسبعة قرون، وقد ظهر في نفس المكان الذي ظهرت فيه المسيحية ~~- أعني الشرق الأوسط - وإذا فهو تحسين وتطور وتقدم وليس هو بالنكسة ~~والتأخر. # وهنا تدخل الأستاذ - الذي قرأ البحث - ليعين زميله، فقال كلاما بدأه بقوله: «إن ms096 ~~الثقافة الأوروبية مسيحية ...» فقاطعته قائلا: هذا خطأ؛ نعم هي عبارة تكررونها آلاف ~~المرات، وخطؤها واضح؛ فالثقافة الأوروبية وثنية في صميمها وليست هي بالمسيحية في شيء؛ ~~الثقافة الأوروبية الحاضرة قائمة على ثقافة النهضة، وهذه الأخيرة قد أقيمت من حيث ~~الأدب والفن على اليونان، ثم أقيمت إلى جانب ذلك على العلم الذي هو قبل كل شيء اهتمام ~~بالطبيعة لا بالإيمان الديني. # فقال: ألا يمكن القول إن المسيحية طابع التفكير الغربي؟ قلت له: خطأ أيضا؛ لأن ~~المسيحية ليست إنتاجكم، بل هي إنتاج الشرق الأوسط انتقل إليكم، وعلى أحسن الفروض بعد ~~ذلك، أخذتم الإنتاج وترجمتموه وقبلتموه، وحتى على هذا الفرض، فالكتاب إنما يدل على ~~كاتبه لا على مترجمه أو قارئه؛ فنحن أهل الشرق الأوسط بمثابة من أنتج كتابا ثم أرسله ~~إليكم ... ومع ذلك فليس الفرض صحيحا؛ لأنكم لم تقبلوا المسيحية في الواقع، بل تظاهرتم ~~بقبولها، وما زلتم تتظاهرون بقبولها؛ فالمسيحية حب وسلام، وأوروبا من بين بقاع العالم ~~كله أكثر أجزاء الأرض قتالا داخل حدودها وخارج حدودها على السواء ... # على أنني بعد ذلك كله أحب أن أنبهك إلى ما لم تكن عالما به، وهو أن الإسلام ~~والمسيحية لا يختلفان إلا في نقطة جوهرية واحدة، هي التثليث المسيحي الذي جعله الإسلام ~~توحيدا ... # وهكذا استطرد الكلام فترة طويلة، كان محدثي أهدأ مني، لكني كنت أقوى منه حجة وأسرع ~~فكرا، وانتقل الحديث إلى فرويد والمسيحية، فتركته لهم وجلست صامتا حتى ~~النهاية. # لست متعصبا في الدين، لكني بعد هذه الزيارة لأمريكا، وبعد ما سمعته من ملاحظات عن ~~الإسلام تدل على أن هؤلاء الناس يظنون بالإسلام شر الظنون، فهو عندهم وثنية أو شر من ~~الوثنية، وهو عندهم همجية وتأخر، أصبحت الآن أرى وجوب اتخاذ الوسائل كلها لنشر جوهر ~~التعاليم الإسلامية مبسطة؛ ليفهم هؤلاء الناس أننا لسنا في الدين من التخريف بحيث ~~يظنون. # الثلاثاء 15 ديسمبر # ذهبت إلى السينما وشاهدت فيلما جيدا حقا، فيه اللمسة الإنسانية غاية في القوة: ~~فتاة يموت أبوها وهي بعد طالبة ولا يعولها أحد، فتشتغل بالتدريس في ms097 الريف، وكان أبعد ~~ما يتصوره خيالها أن تتزوج من فلاح فقير، لكن حدث أن أحبها فلاح وأحبته، وعاشت معه فيما ~~يشبه الفقر الشديد، وأنجبا طفلا ومات الوالد، وجاهدت الأم جهادا تمثلت فيه المثل ~~الإنسانية العليا، حتى تخرج ولدها مهندسا للعمارة، وكانت الأم في شبابها مغرمة ~~بالموسيقى؛ فهي تقدر الفنون، وتقدر أن يعيش الإنسان بفن منها؛ ولذلك أفرحها أن ~~يكون ابنها من رجال الفنون في كسب عيشه ... # لكن الفتى أراد الزواج، فتزوج من فتاة لا تفرق بين العمى والسما، ولا يهمها إلا أن ~~يكسب الزوج مالا، وفن هندسة العمارة قد يكون بطيء الكسب، فدفعته دفعا أن يترك فنه ~~ليكون سمسارا يصل ما بين مهندسي العمارة وبين من يريدون البناء، وكسب عن هذا الطريق ~~ألوفا، لكنه لم يكسبها عن طريق فنه، فلما عرفت أمه ذلك؛ تحطم قلبها من أجل ولدها؛ ~~فقال لها: كنت أظنك يا أماه تفرحين حين تعلمين أنني أكسب كذا ألفا من الريالات في ~~الأسبوع الواحد؛ فأجابته أمه إجابة رائعة، هي التي جعلتني أثبت خلاصة القصة لأثبت تلك ~~الإجابة، قالت له: الفرق يا بني بعيد بين من يقطع التذاكر في شباك الأوبرا وبين من ~~يدخلون ليشاهدوا الأوبرا، مهما كسب الأول وخسر الآخرون فهو في خارج البناء وهم في داخله ~~يشاهدون، وعملك في السمسرة مهما أكسبك الألوف، هو عندي بمثابة قاطع التذاكر، وكنت أحب ~~أن تمارس فنك مهما كان كسبك من ورائه ضئيلا ... # فأحسست إحساسا غامضا أني قد قضيت شطرا طويلا من عمري قاطعا للتذاكر أعطيها ~~لغيري فيدخلون ويشاهدون ... ولم أدرك تماما ما وجه الشبه بيني وبينه، لكنها على كل حال ~~حكمة بالغة، فلأن يعيش الإنسان بفنه أو بعلمه - ولو كسب منه القليل - خير ألف مرة من ~~أن يجعل من نفسه وسيطا لأصحاب الفنون والعلوم، مهما جاءته هذه الوساطة من مال ~~وجاه. # الأربعاء 16 ديسمبر # كنت أحاضر في جمهورية أفلاطون، وذكرت ما ورد فيها عن الأطفال أن يكونوا أبناء الدولة، ~~فاعترضت الآنسة «ج» وهي طالبة ذكية، قائلة: إن هذه التربية للأطفال ms098 مستحيلة؛ لأنها تخلي ~~محيط الطفل من عاطفة الأمومة، ولا حياة لطفل بغير عاطفة، فقلت لها: الأمر يحتاج إلى ~~تجربة ... فقالت: قد أجريت في ذلك بعض التجارب التي لها دلالتها، فقلت لها: أين قرأت عن ~~هذه التجارب؟ فأجابت: في مقال سأبحث لك عنه. # وجاءتني اليوم بمجلة فيها تقرير عن تجربة قام بها عالم في اللغات، وهي أنه جمع بضعة ~~أطفال من اللقطاء، وعهد بهم إلى مربيات طلب إليهن ألا يكلمنهم أبدا، بل يطعمنهم وهن ~~صامتات، فمات الأطفال على مر الأيام، ولم تتم للعالم تجربته ... وعلى الرغم من أن التجربة ~~ليست قائمة على موضوع عطف الأمومة بالذات، لكنها - كما قالت الآنسة «ج» - تجربة لها ~~دلالتها وتستحق أن تذكر. # وقرأت اليوم قصة طويلة في مجلة «بوست» أعجبتني فكرتها، لكن حوادثها لم تمتعني؛ لأنها ~~تفصيلات عن تربية الأغنام التي لا علم لي بها، وذلك أن حوادثها تدور في مرعى للغنم ... ~~القصة عنوانها: «حمى العروس» وهي تحليل للشعور بالمقاومة التي تشعر بها العروس ~~شعورا خفيا حين يتقدم إليها الخاطب ... ورثت فتاة عن أبيها مرعى كبيرا من الغنم، ~~وكان أبوها قبل موته قد وضع خطة لزواج ابنته من شاب رباه ودربه على رعاية الغنم؛ ~~ومات الوالد وجاءت الفتاة من جامعتها إلى حيث المرعى، فكان الشاب يعلم أنها في حكم ~~خطيبته، حتى لقد أعد خاتم الخطبة انتظارا لقدومها، لكن الفتاة أرادت إثبات شخصيتها، ~~فقالت له إنها ستتولى المرعى بنفسها مدة من الزمن، وإنها لم تقرر بعد الزواج منه؛ ~~وأراد الشاب أن يرد عليها بما يقرر سلطانه عليها، فقالت له الفتاة في كبرياء: على ~~رسلك يا هذا! أحسبتني غنمة من الغنم؟ # ترك الشاب مرعاه، واستعانت الفتاة براع يرعى لها الغنم ويعلمها رعايته، وكان ~~الراعي يعلم ما بين الشاب والفتاة من عناد، ويعلم كذلك بطبائع الإنسان والغنم على ~~السواء؛ قال لها ذات يوم في خبث وهو يشير لها إلى غنمة تترك صغارها لتجري وراء كبشها: ~~هذه طبيعة الغنم، وطبيعة الناس! فالمرأة طبيعتها أن تنسل إلى حضن الرجل ولا تستريح ms099 ~~بالا إلا وهي تحت جناحه، إنها تفعل ذلك لكنها إذا قيل لها هذا الحق غضبت وثارت ~~لكرامتها، كأنما تكره أن يذكرها أحد بطبيعتها ... # وثارت عاصفة هوجاء، وضاع كثير من غنم المرعى، وجاء من الجبل فهد مفترس، واشتدت الأزمة ~~ووقعت الفتاة في حيص بيص لا تدري ماذا تصنع والكوارث آتية على مرعاها من كل ناحية ~~... وهنا جاء الشاب الخاطب مارا في طريقه مصادفة ودفعته النخوة أن ينقذ الأمور، وأحست ~~الفتاة في وجوده أمنا وطمأنينة، فذابت بين ذراعيه وهي تقول: لك أن تشرف على المرعى كما ~~كنت تشرف، وأن تدخلني في رحابك، وتضعني تحت سطوتك وسلطانك، واعتبرني منذ اليوم غنمة من ~~الغنم! # قلت لنفسي: إن كاتب هذه القصة أمريكي، والفتاة التي يحللها أمريكية، وإذا فالأمريكي ~~كالمصري، كأي إنسان في الدنيا، من طبيعته أن ينتشي لطاعة المرأة، والأمريكية كالمصرية، ~~كأية امرأة في الدنيا، من طبيعتها أن تذل للرجل وتخضع، ولذلك كله حدود يمكن معرفتها ~~بالإدراك السليم؛ فمجاوزتها طغيان والانتقاص منها غباء وحمق. # الجمعة 18 ديسمبر # رغب الطلبة اليوم في أن أحدثهم عن مصر بدل أن أحاضرهم في الدرس؛ فاليوم هو آخر ~~الأيام قبل إجازة عيد الميلاد؛ فحدثتهم عن مدى الخطأ الذي يخطئونه في فكرتهم عنا، ومصدر ~~الخطأ خيانة كتابهم ومخرجي الأفلام السينمائية؛ فهؤلاء جميعا يهمهم أن يصورونا في ~~صورة غريبة أكثر مما يهمهم أن يصفوا الحق والواقع؛ فالفكرة العامة عند الأمريكيين هي ~~أننا حفنة من العرب نغوص في الجهل والشهوة؛ قلت لهم: ها أنا ذا أمامكم، فهل رأيتموني ~~أتكلم أو أفكر أو أسلك على صورة تدل على أنني إنسان أقل من متوسط الناس عندكم؟ فأنا هو ~~مصر، لست في بلدي إلا واحدا من أوساط الناس، أنا في عالم الثقافة والتفكير في بلدي من ~~غمار الأوساط؛ فقد يسأل سائل منكم عشرة آلاف مصري يختارهم عفوا من المثقفين في مصر: هل ~~تعرفون فلانا؟ وسيجد إجابتهم: من فلان هذا؟ ... # الحق أني قد تركت فيهم أثرا أعتقد أنه لن يمحى من أذهانهم؛ قال لي أحدهم، وهو ~~طالب ms100 حاصل على درجة الجامعة وعلى درجة الأستاذية ويحضر رسالته للدكتوراه، وهو غاية في ~~النضوج العقلي: أقول لك مخلصا إنني قبل أن أراك لم أكن أتصور «العربي» إلا إنسانا ~~أقرب إلى الهمجية في ثيابه الواسعة ولحيته الكثة وجهله المطبق، وأظن أن مجرد وجودك ~~بيننا تحاضرنا وتتحدث إلينا قد بدد هذه الخرافة، لا أقول عندي وحدي بل في الجامعة ~~كلها، كلهم يقولون عنك ذلك ... وقال طالب آخر: لا بد أن تفكروا في وسيلة تنشرون بها حقيقة ~~شعبكم، إن رجلا مثلك يستطيع أن يوسع من صلاته في أمريكا وقتا ما، وذلك وحده عامل ~~قوي في ذاته ... # كنت أتعشى الليلة في المطعم المألوف، وحدث ما لم يحدث إلا نادرا، وهو أن جلس زوجان ~~معي على مائدة واحدة، هما صغيران، فلا أحسبهما يزيدان على العشرين، وعليهما علامات ~~السذاجة، كأنما جاءا إلى كولمبيا من الريف؛ أوشك الشاب أن يبدأ طعامه، فرفع الشوكة ~~والسكين، فابتسمت له الزوجة قائلة: ألا تنوي الصلاة يا عسل؟ فترك الشاب سكينه وشوكته ~~وطأطأ الرأس، وطأطأت الزوجة رأسها، وتوجها بالدعاء إلى الله أن يبارك لهما في ~~طعامهما، وأن يجعل لهما الرزق موصولا. # الفصل الثاني # | في واشنطن # السبت 19 ديسمبر # قامت الطائرة التي تقلني إلى واشنطن لقضاء عطلة عيد الميلاد في منتصف الساعة ~~الحادية عشرة صباحا؛ وكان يجلس أمامي في الطائرة زوجان صغيران في السن؛ فالزوج لا يزيد ~~أبدا عن العشرين، ولا يمكن أن تزيد الزوجة عن الثامنة عشرة، ولم يكونا يستطيعان الصبر ~~على عدم التقبيل فترة طويلة؛ وإني لأرجح أنهما عروسان في طريقهما إلى مكان يقضيان ~~فيه شهر العسل ... كانا يميلان أحدهما على الآخر، فيتلاصق الخدان أو يتساند الرأسان، ثم ~~يهوي الشاب على زوجته الطفلة تقبيلا في عنقها وذراعها وخدها وشفتها؛ وتنتظر هي قليلا ~~ثم ترد له التقبيل تقبيلا مثله ... هكذا قطعا الطريق إلى واشنطن، فأخذتني والله حسرة ~~شديدة على مصر؛ فهذه علامات لا أستهين بها في التدليل على ما في المجتمع من صحة نفسية؛ ~~لماذا يا ربي لا يجوز هذا في مصر؟ ms101 أنا لا أريد أن يكون هذا بين العاشقين، بل أريده بين ~~الزوجين ... من ذا الذي ابتلانا بهذه الصرامة الظاهرية التي حطمت أعصابنا وخربت ~~عقولنا وأتلفت تفكيرنا، وجعلت عيشنا كله سلسلة من تحريمات؛ تحريم إثر تحريم؟ # كانت الشمس غاية في الإشراق واللمعان، وكان الجو غاية في الصفاء، وغاية في البرودة ~~إلا في الأماكن المغلقة طبعا؛ لأن كل مكان هنا فيه تدفئة ... # وأعود إلى الزوجين الشابين فألاحظ أنهما من ذوي المناظير، وكنت آسف لهما حين يدنوان ~~بوجهيهما للتقبيل فيصطك منظار بمنظار؛ إن لبس المنظار يهدم جزءا كبيرا من حلاوة الغزل ~~بالعين، وينقص من لذة التقبيل؛ وإني لأحسدكم يا من سلمت عيونكم فلا تلبسون المناظير، ~~أحسدكم على أن أعينكم تتلاقى كما أراد لها الله أن تتلاقى بغير حواجز من زجاج. # وصلت إلى واشنطن في الساعة الواحدة، ولم أكد أقذف بحقيبتي في غرفتي بالفندق حتى خرجت ~~كالنهم يريد أن يرى كل شيء في لحظة واحدة! ... نظرت إلى خريطة المدينة وصممت لنفسي ~~طريقا أسير فيه؛ فأنا في المدن التي أزورها لا أركب بل أسير على قدمي ساعات وساعات ~~لأرى كل شيء أستطيع رؤيته. # مررت بالبيت الأبيض لأنه مجاور للفندق، وعبرت الميدان الواسع ... فالسعة في الشوارع ~~والميادين قد بلغت حدا يتحدى المشاة! ... عبرت الميدان الواسع الواقع أمام البيت ~~الأبيض قاصدا إلى النصب التذكاري لواشنطن، وهو على شكل مسلة كبيرة عالية، تصعد ~~إلى قمتها من داخلها بمصعد أو بسلم؛ وصعدت بالمصعد إلى قمة المسلة، وفي المصعد مذياع ~~يدير شريطا مسجلا يستغرق الزمن الذي نقطع فيه المسافة إلى القمة، ويحكي للزائرين عن ~~هذا النصب التذكاري بعض تفصيلات؛ ومن قمة المسلة أشرفت على واشنطن في هذا الجو ~~الرائق المشرق ... # وقصدت بعد ذلك إلى متحف التاريخ الطبيعي الذي يبهر العين بناء ومحتوى، ولست أنوي ~~كتابة تفصيلات ما رأيته هناك، وحسبي أن أذكر قاعة وقفت عند معروضاتها الفنية مسحورا ~~مفتونا؛ قاعة كتب عليها اسم «هربرت وورد» وهو نحات (1863-1919م)، وفي هذه القاعة ~~عرضت بعض التماثيل التي نحتها الفنان ليمثل بها بعض ms102 جوانب الحياة في القبائل ~~البدائية؛ فسبحان من أنطق الحجر تحت إزميل هذا الفنان العجيب! تمثال «شيخ القبيلة» ~~جالسا القرفصاء وحربته في يده، وتمثال «حاملة الحطب» لامرأة تحمل على كتفها حزمة من ~~حطب، وتمثال «الهاربون» وهو رجل حمل طفليه وراح يعدو فزعا، وتمثال «الساحر»، وتمثال ~~«الحزين» وهو رجل وقف مطأطئ الرأس مسندا إياه على زنديه، وتمثال «أفريقيا النائمة»: ~~زنجية مستلقية في استرخاء، وتمثال «واضع الخطة»: رجل جلس القرفصاء، وراح يخطط الأرض ~~بإصبعه ... # الأحد 20 ديسمبر # أخذت أتصفح في الصباح جريدة «واشنطن بوست»، وجدتها على نفس النظام والتقسيم الذي ~~وجدت عليه الجرائد المحلية في كولمبيا بولاية كارولاينا الجنوبية؛ فالجريدة ذات عشرة ~~أجزاء، كل جزء منها يساوي حجم «الأهرام» عندنا حين تكون في أكبر حالاتها: قسم عام ~~للحوادث السياسية، وقسم للسيدات، وآخر للألعاب، وآخر للفنون والآداب، وآخر للأطفال، ~~وآخر للأسواق التجارية، وآخر لوسائل التسلية من إذاعة وسينما ومسرح ... إلخ إلخ. # وهذا موضوع يحسن عنده أن أذكر حقيقة عن المقالة الصحفية هنا كيف تتولى توزيعها ~~شركات صحفية خاصة؛ وكنت قد قرأت عنها في مصر لكني لم أفهمها فهما جيدا إلا هنا ... ~~فهنالك شركات تشتري من الكاتب الصحفي مقالته، فلا تكون العلاقة بين الكاتب والصحيفة ~~علاقة مباشرة، بل يكون بينهما هذه الشركة تجمع مقالات الكتاب وتوزعها على الصحف في ~~شتى أنحاء البلاد، وبهذا يتاح للمقالة الواحدة أن تنشر في وقت واحد في ثلاثين أو ~~أربعين صحيفة في شتى الجهات؛ وهنالك تنظيم للتوزيع من شأنه ألا تنشر المقالة الواحدة ~~في جريدتين تصدران في بلد واحد؛ وبهذا يمكن للجرائد المحلية أن تنشر مقالات أكبر ~~الكتاب في نفس اليوم الذي تصدر فيه المقالة في صحف واشنطن ونيويورك؛ لأن ثمن المقالة ~~بالنسبة للجريدة يكون عندئذ أقل جدا مما كانت تدفعه لو كتب لها الكاتب وحدها، وفي ~~الوقت نفسه يكون أجر الكاتب عن المقالة الواحدة مبلغا جسيما؛ لأنه حين يبيعه لشركة ~~النشر فإنما يبيعه لينشر في عشرات الصحف مرة واحدة. # هل يمكن قيام نظام كهذا في مصر؟ فيكتب الكاتب مقالة ms103 لتنشر في كل جرائد الأقاليم، ~~وبهذا ترتفع جرائد الأقاليم من جهة، ويزداد إيراد الكاتب من جهة أخرى؟ ... إنك تسأل هذا ~~السؤال فسرعان ما يأتيك الجوانب، وهو أن ذلك مستحيل عندنا الآن، لسبب بسيط وهو ألا ~~قراءة ولا قراء؛ وبالتالي ليس هناك في الأقاليم صحف تذكر، وبضع جرائد قليلة تصدر في ~~القاهرة كافية أن تغطي حاجات القطر كله! ... ربما نجح المشروع لو فكرنا فيه على أساس ~~اتخاذ البلاد العربية كلها وحدة صحفية. # لا تكاد الآن تدخل دكانا أو مطعما أو بيتا إلا وجدت فيه زينة عيد الميلاد أشكالا ~~وألوانا؛ وقد ذهبت عصرا مع الأستاذ «خ» إلى مطعم بعيد في مكان جميل هادئ منعزل ~~لنشرب الشاي في ذلك الفردوس الأرضي! فكان المطعم مزدان النوافذ بكرات ملونة؛ مزدان ~~الجدران والموائد بالألوان الفاقعة ... وذلك يثير سؤالا كبيرا عن الذوق الأمريكي في ~~وجوه كثيرة، فلا شك في ميل الأمريكيين إلى الألوان الصارخة التي هي من علامات الذوق ~~البدائي، أفيكون إذا لوجود الزنوج بينهم أثر في تشكيل أذواقهم؟ إنك ترى هذه الزخارف ~~الزاعقة في ألوانها، وتسمع موسيقى الجاز التي هي في صميمها موسيقى زنجية، وتشهد الرقص ~~الذي يرقصه كثيرون من الشبان الأمريكيين وهو قريب جدا من الرقص الزنجي، ثم تجد ~~الألوان الصارخة في ثيابهم؛ فأربطة الرقبة فاقعة غريبة التلوين والرسوم، والجوارب تميل ~~إلى الألوان العالية؛ فهي شديدة اللون الأحمر أو اللون الأزرق ... إلخ، وأقراط النساء ~~فيها نزوع ملحوظ نحو الفن البدائي ... أفلا يجوز - كما قلت - أن يكون هذا كله نتيجة وجود ~~الزنوج؟ قد يكون، وقد يكون ذلك نتيجة تفرعت عن مبدأ أعم وهو أن الأمريكيين شعب لا يضع ~~على نفسه الضواغط النفسية، ولا يقيد نفسه بالحواجز بغير موجب ولا داع؛ هو شعب في ~~نفسه انطلاق في التعبير، فإن كان من طبيعة النفس إذا تركت على سجيتها أن تحب هذه ~~الألوان التي لا تزمت فيها، ففيم التحفظ والتكلف وردع الطبائع باللجم ~~والشكائم؟! # الإثنين 21 ديسمبر # قصدت هذا الصباح إلى متحف الفن، فكان أول ما لقيت فيه بهوه ms104 الأوسط؛ وهناك وقفت ~~مشدوها أمام هذه العظمة وهذا الجلال، لو كنت تركت لخيالي أن يصور لنفسه بهوا يبلغ ~~من الجلال أقصاه، لما استطاع الخيال أن يتصور شيئا يذكر بالقياس إلى هذا الواقع ~~الذي أراه الآن وألمسه: هذه العمد الرخامية السوداء، وهذه الأرض الرخامية السوداء، ~~وهذه النافورة في الوسط وفي أعلاها تمثال صغير أسود، والماء منبثق يتلألأ بأضواء ~~ملقاة عليه من مصادر لا تراها ... # وقفت لحظة أفكر لنفسي ماذا أرى من أجزاء المتحف؟ وكيف أرى؟ وسرعان ما صممت ألا أكون ~~جشعا؛ لأن ذلك قد يقتضي أن أنظر بالعين إلى أشياء كثيرة دون أن أعي شيئا، والأفضل ~~أن أتخير القليل، ثم أتقن النظر إلى ما أتخيره، وأخذت لنفسي فن القرن التاسع ~~عشر والقرن العشرين؛ في أمريكا أولا، وفي إنجلترا ثانيا، وفي فرنسا ثالثا ... إذا كان ~~المتحف ونظامه يتيح لي هذا التقسيم. # كان الفن الأمريكي في النصف الأول من القرن التاسع عشر أميل إلى تصوير أشخاص، ~~استرعى نظري من بينها صور رسمها «ستيوارت» ... ولاحظت مما رأيت من صور أن الفن الأمريكي ~~قد أخذ في نهاية القرن يميل تدريجا نحو رسم الطبيعة بدل الأشخاص، كصورة «منظر أمريكي» ~~للفنان «إنس»، وكالصور الكثيرة التي رسمها فنانهم العظيم «هومر» عن البحر وما يتصل ~~به؛ ومن أجمل ما رأيته ل «هومر» صورة وقفت أمامها مدة طويلة من شدة إعجابي بها، وهي ~~صورة بطتين طائرتين: إحداهما في وضع معتدل، والأخرى في وضع مقلوب. # نتاج الفن الأمريكي ليس مجموعا كله في مكان واحد من المتحف؛ فعليك أن تتعقبه بين ~~مزيج من نتاج كثير مختلف الأصول، وأكثر ما تراه ممتزجا به هو نتاج الفن الإنجليزي؛ إذ ~~ترى آيات من هذا الفن معروضة هناك، رسمها الفنانون «رينولدز» و«جينز بره» و«رومني» ~~و«ريبرن» و«تيرنر» وغيرهم. # وطابع الفن الإنجليزي - كما هي الحال في الفن الأمريكي - في القرن التاسع عشر هو ~~الصور الكبيرة لأشخاص من علية القوم حينئذ؛ وتعليل ذلك بالطبع هو أن القرن التاسع عشر ~~كان عصر أرستقراطية تتركز اجتماعاتها في «الصالونات» لا في الطبيعة ms105 المكشوفة، ~~والمنازل إبان تلك الفترة - أعني منازل الكبراء - كانت فسيحة الغرف عالية الجدران؛ ولما ~~كان الفن دائما - أعني قبل عصرنا الحالي - خادما للطبقة الممتازة في المجتمع، فقد كان ~~الشغل الشاغل لفناني ذلك العصر أن يصوروا أفراد تلك الطبقة لتوضع صورهم على جدران ~~منازلهم؛ وإذا فقد كان حتما أن تكون الصور كبيرة متناسبة مع الغرف الفسيحة والجدران ~~العالية ... لست أدعي أنني ذو ذوق ممتاز في التقدير الفني، لكنني على كل حال أثبت ~~خبرتي، وهي أني قليل الإعجاب بالفن الذي يصور أشخاصا مهما يبلغ من الجودة ~~والإتقان. # وانتقلت من مجموعة القرن التاسع عشر إلى مجموعة أخرى من الفن الحديث وما سبقه بقليل، ~~فكان الانتقال مفاجئا والاختلاف بين المجموعتين بعيدا، وهنا أطلت الوقوف، وأمعنت ~~النظر عند بعض الفنانين بغية أن أتشبع بخصائص الفن الجديد. # أطلت الوقوف جدا عند صور «بيكاسو» و«ماتيس» وكلاهما - كما هو معروف - من رواد ~~الحركة الجديدة في التصوير، وحاولت أن أفهم وأن أقدر ما أراه ... والمفتاح في تقدير ~~الفن الحديث هو ألا تسأل عن الصورة التي تنظر إليها: «صورة ماذا؟» خذ الصورة على أنها ~~نهاية في ذاتها، هي صورة كما أن الشجرة شجرة، والنهر نهر، والقمر قمر؛ فليست الصورة ~~تصور شيئا من وجهة النظر الحديثة في الفن، بل هي صورة بمعنى أنها تقدم للعين ~~مزيجا متسقا متناغما من ألوان، فإن وجدت عينك في الصورة هذا الاتساق اللوني ~~فهي جميلة، وإذا فالسؤال الرئيسي عن أي صورة حديثة هو: «هل يسرني أن أنظر إلى هذه ~~الصورة؟» ... وإنه من لطيف ما يروى في هذا الصدد ما قاله «ماتيس» لسيدة وقفت تشهد صورة ~~رسمها، والصورة لامرأة كما هو ظاهر، لكنها امرأة مرسومة على نحو بعيد عن واقع الحياة ~~بعدا لا يستسيغه من لا يستسيغ الفن الحديث؛ فسألته السيدة متعجبة: كيف يمكن أن تقول ~~إن هذه امرأة؟ فأجابها «ماتيس»: يا سيدتي ليست هذه امرأة، إنها صورة. # أقول إني أطلت الوقوف عند «بيكاسو» و«ماتيس»، وحاولت الفهم والتقدير أولا، فأعجبني ~~كثير من نتاجهما؛ فلا يزال منطبعا في ms106 ذهني صورة لامرأة عارية الظهر تصفف شعرها، من ~~رسم «ماتيس» وصورة «مأساة» من رسم «بيكاسو» ... لكن هناك صورا كنت أعجب عجبا لا ~~ينقطع: ماذا فيها مما يجعلها فنا ممتازا؟ مثلا صورة «بيكاسو» لزوجته، وهي صورة ~~يخيل إليك أن مبتدئا قد رسمها بالطباشير، وصورة «لبيكاسو» أيضا اسمها ~~«عاشقان». # وكذلك أطلت الوقوف والدراسة عند جماعة «الانطباعيين» لدرجة أني بعدئذ أخذت أختبر ~~نفسي، فأحكم على الصورة لأي فنان هي قبل أن أقرأ اسم فنانها، وكثيرا ما كنت أصيب ~~الحكم؛ لأني ركزت انتباهي في الخصائص التي يتميز بها كل من هؤلاء «الانطباعيين»: ~~«ديجا» و«رنوار» و«سيزان». # هدني التعب من كثرة المشي والوقوف؛ فقد كنت أستخسر الجلوس دقيقة واحدة حتى أستغل ~~وقتي فلا يضيع ... لكن هدني التعب، وأحسست الألم في عظامي وعضلاتي حتى أوشكت أن أفقد ~~القدرة على الحركة ... ودخلت مطعما للغداء، فجلست أمام النضد الكبير، وجلست على ~~المقعد المجاور لي سيدة شديدة الجاذبية تستلفت النظر بهندامها وعطرها، وما كادت تأتي ~~المناولة من خلف النضد لتسألها ماذا تريد حتى أسرع مناول وسمعته يهمس للمناولة ~~أن تترك له هذه الزبونة يخدمها هو؛ فتركتها له وهي تبتسم ابتسامة الفاهمة؛ وجاء ~~المناول وانحنى قليلا كأنما هو ينصت لما تطلبه الزبونة، والورقة والقلم في يده على ~~هيئة من يكتب ما يملى عليه، لكن المرأة بدأت حديثها للمناول همسا، تقص له في ~~اهتمام أمرا خاصا بينهما؛ وكان المناول يسمع في انتباه شديد ويدعي أنه يكتب ~~«طلبات الزبونة» في الورقة التي بيده، ثم يذهب ليعود فيسمع جزءا آخر، وهكذا. # الثلاثاء 22 ديسمبر # جعلت غايتي اليوم زيارة «قاعة فلب التذكارية» وهي معرض للفن الفرنسي والأمريكي ~~الحديث ... وقاعة فلب هذه منزل كبير جيد التأثيث - أعني أنه ليس في بنائه على هيئة ~~المعارض - علقت على جدرانه في غرف الطابق الأرضي والطابق الأول صور لعدد كبير من ~~الفنانين، لكل فنان غرفة على وجه التقريب، وكان مسلطا على كل صورة ضوءان: من أعلى ~~ومن أسفل، وهذه الأضواء هي كل ما في البيت من إضاءة؛ ولذلك فالضوء خافت ms107 يتناسب مع ما ~~فرش به المنزل من أثاث وسجاجيد، وتعاون كل شيء هناك على أن يجعل من «القاعة» دارا ~~هي الفتنة كلها والسحر كله. # للفنان الفرنسي «موريس أوترلو» معرض يملأ غرفتين، وهي كلها صور رسمها بين عامي 1903م ~~و1914م، وهي فترة تسمى في حياته بالفترة البيضاء؛ لأن اللون الأبيض غالب على الصور ~~كلها، وكلها تقريبا رسوم لشوارع وكاتدرائيات في باريس ، وهو من رجال المدرسة الانطباعية ~~في الفن؛ ولقد أعجبت أشد إعجاب بكل صورة من مجموعة صوره ... كنت أقف أمام كل صورة ~~وأتخيلها قد علقت على هذا الجدار أو ذاك من منزلي بالقاهرة، فأتصور أنها ~~تكسب البيت كله جمالا وروعة؛ فالمزيج اللوني في الصور غاية في الاتساق، وتشعر ~~بالنغم اللوني شعورا قويا، مما يؤكد وجهة النظر الجديدة في فن التصوير، وهي أن تكون ~~«موسيقى للعين». # انتقلت إلى غرفة بها مجموعة لفنان حديث هو «براك» يغلب على صوره اللون القاتم: ~~الأسود أو الرمادي القاتم أو البني الغامق، وتلوينه يشبه أن يكون حائطا مطليا بالجير ~~... جلست على مقعد أمام إحدى صوره، فيها صورة منضدة معوجة القوائم متموجة الأجزاء في غير ~~انتظام، ولا تدري ماذا على المنضدة؛ فعليها بقع لونية مختلفة، تتبين خلالها سكينتين ... ~~إنني أشعر بدافع يدفعني أن أقوم لأقرأ اسم الصورة أسفلها، وهذا معناه أني لم أتشرب ~~بعد بروح الفن الحديث؛ لأنني لو تشربت هذا الفن لما اهتممت أبدا ماذا يكون اسم ~~الصورة، خشية أن أنخدع فأظن أن اسمها دال على ما تصوره، مع أنه لم يعد الفنان ~~الحديث يصور بصورته شيئا خارج نفسه؛ الصورة الحديثة مزيج من ألوان يحدث نغما ~~منظورا، ومن ثم فليس هناك ما يمنع الفنان أن يرسم المنضدة معوجة القوائم متموجة ~~السطح؛ لأنه لا يصور منضدة، إنما يتخذ من المنضدة وما عليها تكأة يعتمد عليها في ~~مزج الألوان كما توحي بذلك نفسه ومزاجه وذوقه الخاص. # وكذلك أعجبتني صورة ل «براك» فيها كرسي من كراسي الخيرزان مقعده خشبي، والكرسي ~~منظور إليه من أعلى، وعلى قرصه الأحمر دورق وكوب، ويتدلى ms108 على المقعد ما يشبه الحبال ~~المعقدة بعقد بيضاء، ويمتد على جانبها فرع من ورق الشجر الأخضر ... الصورة لا تمثل ~~شيئا من الواقع، هذا بديهي ظاهر، وإذا فهي مزيج لوني، وعلى الرائي أن ينظر إليها ~~من هذه الوجهة وحدها ... وسيجدها مزيجا لونيا بلغ الغاية من جمال التناسق ~~والتناغم. # ودخلت غرفة رابعة فيها مجموعة لفنان حديث اسمه «بول كلي» فلم أستسغ منها صورة، على ~~الرغم من رياضتي لنفسي على استساغتها، على أنه قد لفت نظري أسماء صوره؛ فصورة اسمها ~~«الأغنية العربية»، وأخرى اسمها «ممثل المسرح الشرقي». # وغرفة خامسة دخلتها فرضيت عن نفسي حين وجدتني أنظر إلى أول صورة فيها وأقول: لا بد ~~أن تكون هذه للفنان الأمريكي «هومر»، ثم أجدني قد أصبت، وإلى الصورة الثانية وأقول: ~~وهذه تشبه فن «إنس» فأصيب الحكم مرة أخرى. # ودخلت غرفة سادسة فيها صورة ل «فان جوخ» و«رنوار» و«ديجا»، وها هنا أيضا لم أخطئ ~~الحكم في صورة واحدة؛ فقد كنت أحكم على كل صورة قبل أن أقرأ اسم صاحبها، محاولا أن ~~أستغل خبرتي ودراستي في تمييز الأعمال الفنية بخصائصها. # وعدت فنزلت إلى الطابق الأرضي حيث طفت ببعض غرفه، وهناك رأيت صورة «ديجا» ~~المشهورة التي تصور تمشيط الشعر؛ ففيها ثلاث نساء في أوضاع مختلفة، أمسكت كل منهن ~~بشعرها ومالت بجسدها فوقفت وقفة من تمشط شعرها؛ وصورة صغيرة أخرى ملأتني فتنة ~~وإعجابا لفنان اسمه «سيورا» واسمها «كاسر الحجر»، وهي تصور عاملا أمسك بفأسه وانحنى ~~يكسر بها الحجر، ليس في الصورة تفصيلات؛ فهي تكاد لا تزيد عن بقعة من اللون بغير أجزاء؛ ~~ومع ذلك فالحياة والحركة فيها يراهما حتى من ليست له خبرة بالنقد الفني. # وجلست أستريح في هذا الجو الفاتن الساحر، كأنما يصعب على نفسي أن تخرج من هذه الدار ~~التي أترعت بالفن بناء وأثاثا وجدرانا. # لم أكد أفرغ من الغداء حتى بدأت جولة كبيرة رأيت فيها مراكز الحكم والثقافة في ~~واشنطن ... وأول دار زرتها هي دار المحفوظات؛ تدخلها من مدخل فخم تقوم فيه العمد ~~الضخمة، فإذا أنت في ms109 بهو مستدير تعلوه قبة عالية، ومع دوران البهو يدور صف من ~~صناديق الزجاج المضاءة، عرض فيها أهم الوثائق التاريخية في حياة الولايات المتحدة، ~~صدرت بالوثيقة الكبرى وثيقة الاستقلال التي هي أساس الدستور، والتي تبدأ: «نحن الشعب ~~...» وعند المدخل داخل البهو صفان من أعلام، هي أعلام الولايات الثمانية والأربعين ~~بحثت فيها عن علم كارولاينا الجنوبية كأني من أهلها، فرأيته بما عليه من نخلة تتخذها ~~شعارا لها؛ وخرجنا من البهو الدائري إلى ممر طويل ينحني بانحناء البهو الذي تعلوه ~~القبة، وفي هذا الممر فجوات في الحائط على الجانبين، مغطاة بألواح الزجاج ومضاءة، لكل ~~ولاية منها فجوة تضع فيها أهم وثائقها الإقليمية. # وقصدت بعد ذلك إلى مبنى المحكمة العليا - وهنا ألاحظ أن القائمين بالحكم في الولايات ~~المتحدة هيئات ثلاث: رئيس الجمهورية ورجاله، والكونجرس بمجلسيه للشيوخ والنواب، ثم ~~المحكمة العليا - وبناء المحكمة العليا حديث أقيم سنة 1935م، وهو من المرمر الأبيض، ~~وقيل إنه صنع من المرمر ليكون رمزا لصفاء القضاء ونقائه، وقد بنيت الدار على ~~النمط اليوناني الروماني في فن العمارة، هذا النمط الذي يسحق نفسك سحقا، أو إن شئت فقل ~~هو النمط الذي يسمو بنفسك سموا بفخامة عمده وبما في أجزاء البناء من تناغم واتساق؛ ~~تصعد إليه بسلم عريض، وتجد عند المدخل تمثالين رائعين، حتى إذا ما دنوت من الباب ~~وجدت عند أعلاه هذه العبارة: # مساواة في العدالة في ظل القانون ... # وادخل معي إلى هذه الصالة الفسيحة وكلها - كسائر البناء - من المرمر الأبيض الناصع؛ ~~وانظر إلى كل شيء أمامك وعلى جانبيك وفوق رأسك؛ انظر إلى صفوف العمد المرمرية ~~الجميلة، وإلى السقف وقد زخرف بمربعات حمراء، كل مربع منقوش نقشا بارزا بزهرة ~~اللوتس، وإلى صفين من ثريات مضاءة ... انظر إلى هذا كله وقل: ما أجل الإنسان وما ~~أعظمه! # وهنا تولانا أحد رجال المحكمة فطاف بنا في أرجائها ... والمحكمة العليا مؤلفة من تسعة ~~قضاة، وهي لا تنظر إلا في القضايا التي يكون فيها احتكام لقواعد الدستور؛ ولذلك لا يأتي ~~إليها جناة ولا شهود وليس فيها ms110 محلفون؛ كل ما فيها تسعة قضاة ومحامون. # ودخلنا قاعة المحكمة، هذه القاعة التي تضطرك إلى حبس أنفاسك في صدرك لروعتها التي ~~تأخذ بالألباب! هي قاعة مستطيلة تتدلى على جوانبها كلها ستائر من القطيفة الحمراء ~~السميكة؛ وفرشت أرض القاعة بالقطيفة الحمراء السميكة التي تغوص فيها القدم، وصفت ~~فيها المقاعد مكسوة بالقطيفة الحمراء؛ جلست هناك ونظرت أمامي إلى ما يشبه مصطبة ~~المسرح، وضع عليها منضدة كبرى، وخلف المنضدة رصت مقاعد تسعة للقضاة التسعة؛ وأول ~~ما تلاحظه فيها هو اختلاف تلك المقاعد شكلا وحجما ... لماذا؟ لأن لكل قاض عند تعيينه ~~أن يجيء بالكرسي الذي يريحه؛ لهذا ترى مقعدا كبيرا وآخر صغيرا، ترى مقعدا عاليا ~~وآخر وطيئا ... وقال لنا محدثنا هناك متفكها إن يابانيا زار واشنطن وعاد إلى بلاده ~~يكتب ملاحظاته في سلسلة من مقالات، فقال عن هذه المقاعد إنهم في الولايات المتحدة ~~يتيحون للأكفاء أن يختاروا كراسيهم، وليست الكراسي عندهم هي التي تختار الرجال؛ ~~والكاتب بالطبع يلعب على كلمة «كراسي» التي تعني «وظائف» كما تعني «مقاعد». # ومقاعد القاعة كلها، والحاجز الذي يفصل المقاعد عن المنصة، صنعت جميعا من الخشب ~~الماهوجني الجميل، والسقف مزخرف بمربعات حمراء برزت فيها نقوش وردية اللون تمثل زهور ~~اللوتس. # وانتقلنا من قاعة المحكمة إلى قاعة المداولات، وهي قائمة صنعت جدرانها الداخلية من ~~خشب لا تشبع من جمال منظره، ووضع في وسطها مربع من مناضد خضراء أحيطت بمقاعد ~~جلدية ضخمة فخمة، وتدلى من سقف القاعة نجفتان بلوريتان كبيرتان جدا، وقد قيل لنا ~~إن هذه الغرفة أصبحت تسمى «غرفة المداولات الدولية»؛ ففيها اجتمع مندوبو الأمم المتحدة ~~لأول مرة حين أرادوا وضع دستور الأمم المتحدة عقب الحرب الماضية. # وذهبت بعد زيارتي للمحكمة العليا إلى الكابتول الذي يجتمع فيه مجلسا الشيوخ والنواب: ~~والكابتول هو سرة واشنطن؛ أي أن المدينة صممت على أن تتلاقى طرقها عند مبنى ~~الكابتول؛ وللكابتول جانبان: أحدهما للشيوخ، والآخر للنواب. # بدأت بزيارة جناح الشيوخ، عليك أن تصعد إليه سلما رخاميا عظيما، أمامه تمثال ~~كبير ل «فرانكلن»، ثم تصعد أول جزء ms111 من السلم فترى صورة على الحائط؛ أعني رسما ~~حائطيا، إلا أنه محاط بإطار فخم جميل، وهي تصور موقعة مع الإنجليز ... الجمال والروعة ~~والفخامة والضخامة حولك من كل ناحية، فلا تدري أين تجيل البصر ... # دخلنا قاعة الشيوخ، وجلسنا في مقاعد الزائرين، وهي مغطاة كلها بالحرير الأحمر ~~المزخرف، والمقاعد في شرفة تدور مع الجدران الأربعة، وتطل من حيث أنت إلى أسفل إلى أرض ~~القاعة حيث يجلس الأعضاء؛ والأعضاء يجلسون على مكاتب منفصلة وليست مقاعدهم بالصفوف ~~المتلاصقة المقاعد؛ وعدد الشيوخ ستة وتسعون شيخا، لكل ولاية من الولايات شيخان ينوبان ~~عنها مهما اختلفت الولايات في عدد سكانها، وتنقسم القاعة قسمين بينهما ممشى؛ فالجزء ~~اليمين للجمهوريين، والجزء اليسار للديمقراطيين، وفي المقدمة مقعدان: أحدهما لزعيم ~~الأغلبية والآخر لزعيم الأقلية؛ ويجلس الأعضاء بترتيب أقدميتهم في العضوية، فيجلس ~~الأحدث في الصفوف الخلفية ويجلس الأقدم في الصفوف الأمامية، وكلما قدم العهد بعضو وخلا ~~له مكان أمامي تقدم إليه ... وعلى مقربة من السقف وبامتداد الجدران الأربعة وضع ~~عشرون تمثالا نصفيا لأول عشرين ممن تولوا رئاسة هذا المجلس؛ ورئيس الشيوخ هو ~~دائما نائب رئيس الجمهورية، وفي وسط السقف مصباح مربع الشكل في مسطح واحد مع السقف ~~نفسه، وعليه نقش هو نفسه النقش الذي يمثل الخاتم الرسمي للدولة، فإذا أضيء المصباح ~~ظهرت خطوطه ... وبين الشيوخ امرأة واحدة، وليس فيهم أحد من الزنوج. # قصدنا بعد ذلك إلى مجلس النواب في الجناح الآخر من مبنى الكابتول، وفي طريقنا بين ~~المجلسين مررنا تحت قبة البناء، قبة الكابتول العالية ... قف هنا تحت القبة وانظر، إنني ~~لم أر الدنيا كلها لكني لا أعرف كيف يمكن أن يكون في الدنيا بأسرها بناء يضارع هذا ~~البناء في فخامته المعجزة؟! القبة عالية علوا لا يطوف ببال من لم يقف تحتها؛ ~~جدرانها من الداخل زخرفت بلوحات زيتية كبيرة جدا تمثل سلسلة من مناظر تاريخ ~~الولايات المتحدة: وصول كولمبس إلى الأرض الجديدة، وصول الحجاج المهاجرين لأول مرة من ~~أوروبا إلى أمريكا، الحرب مع الإنجليز واستسلام الإنجليز ... إلخ؛ وكذلك ترى حول حافة ~~القبة ms112 السفلى - عند بدء اتصالها بالقاعدة - نقوش بارزة تمثل أيضا مشاهد من تاريخ ~~الولايات المتحدة ... لا يسع الرائي بالطبع سوى أن يتذكر قبة كنيسة القديس بطرس في ~~روما، وقبة كنيسة القديس بولس في لندن، ولا أذكر أن إحدى هاتين تفوق قبة الكابتول ~~فخامة وجمالا. # اجتزنا هذا البهو الذي تغطيه القبة الكبرى، ودخلنا من باب على جانبه تمثالان ضخمان من ~~البرنز : أحدهما لواشنطن والآخر لجفرسن، ودخلنا في بهو آخر تعلوه قبة أخرى، لكنها طبعا ~~أصغر من الأولى ... هذا البهو الدائري قد رص حول دائرته ستة وتسعون تمثالا كلها ~~بالحجم الطبيعي، لكل ولاية من الثمانية والأربعين تمثالان اختارتهما الولاية من عظماء ~~أبنائها؛ ولذلك سمي البهو ببهو التماثيل. # وبعدئذ صعدنا سلما رخاميا إلى حيث مجلس النواب، وكما هي الحال في السلم المؤدي ~~إلى مجلس الشيوخ ترى أمامك وأنت صاعد صورة حائطية كبيرة، إلا أن الصورة هنا تمثل ~~زحف الأمريكيين غربا زحفا ينهزم أمامه الهنود الأصليون من سكان البلاد، فترى في ~~الصورة معركة دائرة على قمم جبال روكي، وهنالك على أعلى قمة منها وقف رائد ينظر إلى ~~وادي كالفورنيا كأنما يبشر قومه بزحف جديد نحو الغرب ... # نحن الآن في قاعة مجلس النواب: قاعة مستطيلة في أعلاها وعلى مدار جدرانها شرفة ~~للزائرين؛ ومقاعد النواب صفوف متلاصقة المقاعد، رصت في أنصاف دوائر، وتنشق نصفين ~~يفصلهما ممشى، الجزء اليمين للجمهوريين واليسار للديمقراطيين؛ ومقعدان أماميان لرئيسي ~~الأغلبية والأقلية؛ والنواب يبلغون - فيما أذكر - 435 نائبا ليس لهم ترتيب في طريقة ~~الجلوس أماما وخلفا، ما دام العضو يجلس في النصف المخصص لحزبه؛ وليس بين الأعضاء إلا ~~محايد واحد، وفيهم إحدى عشرة امرأة؛ وبين النواب زنجيان؛ وعلى مقربة من السقف وعلى طول ~~الجدران الأربعة حفرت في الحوائط تماثيل على شكل الأنواط لكبار المفكرين في تاريخ ~~البشر بصفة عامة ممن أنتجوا شيئا من باب القانون والتشريع ... وفي هذه القاعة يجتمع ~~المجلسان حين يجتمعان معا، وفيها يخطب رئيس الجمهورية حين يلقي خطابه في ~~الكونجرس. # خرجت من الكابتول وأنا في حالة تشبه الذهول من هذه ms113 العظمة كلها، ونظرت من الخارج إلى ~~البناء في مجموعه، فرأيت هناك على قمته وعلى رأس القبة الكبرى تمثال امرأة تمثل ~~الحرية، كأنما ارتفعت هكذا في السماء لتتعاقد مع الآلهة ألا يدخر الإنسان جهدا في سبيل ~~حريته. # وعدنا الطريق بعد ذلك إلى حيث مكتبة الكونجرس، وهي مقابلة للكابتول، بنيت في ~~أول القرن التاسع عشر (1803م) ... هي أكبر مكتبة في العالم، هكذا قال دليلنا - ولم يستثن ~~حتى مكتبة المتحف البريطاني بلندن - ففيها عشرة ملايين من الكتب، ولها ملحق جديد خصصوه ~~للأقسام الشرقية، ومنها القسم العربي. # تصعد إليها سلما عريضا إلى حيث مصطبة فسيحة تقوم عليها صفوف مع عمد رفيعة ~~نهضت في واجهة البناء جليلة، ثم تدخل خلال باب من أبوابها الثلاثة الضخمة ... ليتني ~~ادخرت كل ما في جعبتي من ألفاظ التفخيم والتضخيم والجمال والجلال والروعة لأقولها كلها ~~في وصف وقفة تقفها في هذه المكتبة العجيبة! ماذا أقول؟ مهما قلت فلن أعين خيالا على أن ~~يتصور الواقع؛ فلا بد من رؤية العين، وحتى إن رأت العين، فلن ترى إلا جزءا من ألف ~~جزء مما في هذه المكتبة من روعة فنية. # تدخل أول ما تدخل في بهو فسيح، وتنظر إلى سقفه وإلى جدرانه فيذكرك بصالة بنك مصر في ~~القاهرة من حيث الزخرف، وقد وضعت وسط هذه الصالة شجرة عيد ميلاد مضاءة بثريات ~~الكهرباء، فأينما دخلت في واشنطن هذه الأيام ألفيت شجرة عيد الميلاد مزدانة ~~مضيئة. # أصعد السلم الرخامي الجميل إلى بهو فيه معروضات في صناديق مغطاة بالزجاج، أهم ما ~~فيها وأول ما تراه منها نسخة من إنجيل مطبوع، هي أول طبعة للإنجيل (سنة 1455م)، ~~ويقابلها في صندوق آخر نسخة خطية مكتوبة في نحو الزمن نفسه، لكن الكتابة الخطية على ~~صورة الطباعة حتى ليفوتك أنها مخطوطة إذا لم ينبئوك بهذا؛ وعمد هذا البهو تذكرك ~~بقصر فرساي في جانب منه، ومن هذا البهو تدخل إلى شرفة دائرية تطل منها على حجرة ~~المطالعة، وهي قاعة تعلوها قبة كبيرة وها هنا الوقفة التي لا يكفيها كل ما في ms114 لغات ~~الأرض من ألفاظ تصف الجمال والجلال ... # اللهم إني آمنت بأن عظمة الأمم في عظمة فنونها؛ إن أمريكا بلاد جديدة ليس فيها ما في ~~أوروبا من قصور وكاتدرائيات، لكن الأمريكيين بجديدهم الذي أقاموه وشيدوه قد أقاموا ~~الدليل على أنهم - إلى جانب تفوقهم العلمي - في طليعة الطليعة من حيث فن العمارة في ~~مختلف أشكاله. # الأربعاء 23 ديسمبر # كانت غايتي صباح اليوم أن أزور «متحف كور كوران للفن»، وهو معرض للفنانين الأمريكيين ~~بصفة خاصة، بالإضافة إلى آثار كثيرين من رجال الفن في أوروبا ... ليس البناء ملفتا للنظر ~~بفخامة أو جمال، وهو يقع خلف البيت الأبيض، به طابقان، خصص أولهما لرجال الفن في ~~واشنطن نفسها؛ فهو معرض محلي صرف، يعرض في كل عام حصيلة الفن في منطقة واشنطن؛ وأما ~~الطابق الثاني فهو معرض عام. # طفت بالطابق الأول مسرعا بعض الشيء؛ لأن نظرة سريعة تدلك على أن الفنانين جميعا ~~بغير استثناء يرسمون لوحاتهم في جو المدرسة الحديثة، التي تراعي البناء اللوني في ~~الصورة أكثر من أي شيء آخر. # ثم صعدت الطابق الأعلى، ولم أكد أفرغ من قاعة عرض فيها لوحات مستعارة من الفن ~~الأوروبي، حتى تبينت أن الساعة قد جاوزت الحادية عشرة، فلا بد أن أسرع بالذهاب إلى ~~الدكتورة «ز» حسب الموعد، ثم أعود إلى المعرض بعد المقابلة لأدرس محتواه على ~~مهل. # قابلت «ز» ... ما أسرع ما تصبح المرأة العجوز شابة والمرأة الشابة عجوزا! إن الإنسان ~~في هيئته يتغير ألف مرة في العام الواحد ... لقد كنت رأيت «ز» منذ ثلاثة أشهر فرأيتها ~~إذ ذاك امرأة متقدمة في السن حتى لتكاد أن تخرج من عداد النساء؛ لكني رأيتها اليوم ~~فدهشت للشباب الذي دب فيها، ولا أعلم إن كنت مصيبا في نظري إليها هذه المرة أو تلك ~~... كانت اليوم مرحة بدرجة ملحوظة؛ وأعتقد أن الوجه في حالة المرح يزيل عن ملامحه ~~كثيرا جدا من آثار السنين، وفي حالة العبوس يضيف إلى السن سنا أخرى. # وعدت إلى معرض كور كوران لأستأنف دراستي على مهل؛ رأيت غرفة بأسرها ms115 تعرض صور الفنان ~~الفرنسي «كورو»، وصوره كلها ذات طابع واحد، حتى ليخيل إلي الآن أني أميز صوره لو ~~رأيتها؛ فالصورة عنده كتلة متداخلة الأجزاء من شجر ~~لا تميز فيه فروعا ولا أوراقا، واللون الأخضر فيها دائما يميل نحو ظل خفيف من ~~الاصفرار، ثم يغلب أن يضع شخوصا إنسانية صغيرة الحجم في وسط الصورة، ومن هذه الشخوص ~~يتخذ اسم صورته، كصورة «ركوب القارب» وصورة «التهامس بالسر» وصورة «رقص الحور» ... وله ~~بين الصور صورة تختلف عن البقية تصميما وإن لم تختلف عنها روحا، هي صورة «الغجرية ~~تعزف على الماندولين». # لم أكد أنتقل مسرعا بعد ذلك من سائر الغرف التي عرض فيها الفن الأوروبي إلى ~~اللوحات الأمريكية حتى أحسست بالنقلة المفاجئة من جو إلى جو؛ فها هنا - في أول غرفة ~~دخلتها من غرف الفن الأمريكي - مجموعة من الصور معظمها مضيء باللون الفضي اللامع، وقد ~~كان اللون السائد في اللوحات الأوروبية أميل إلى القتام. # على أن الفن الأمريكي ليس كله متشابها؛ لأنني أرى من فنانيهم كل مدرسة وكل مذهب، ~~كأنما يساير الفن الأمريكي الفن الأوروبي خطوة في إثر خطوة؛ فالفن الأمريكي في القرن ~~التاسع عشر يتجه اتجاهات الفن الأوروبي إذ ذاك: فرسم لأشخاص في النصف الأول من القرن، ~~وتدرج بعد ذلك إلى رسم المناظر الطبيعية في النصف الثاني ... خذ مثلا صورة «أمازون ~~وطفلاها» للفنان «لويتزة» (1816-1868م)، وصورة «الشاطئ عند باترسي» للفنان «وسلر» ~~(1834-1903م)، وصورة «السيدة والكلب» للفنانة «كاسات»، وغيرها وغيرها ... لماذا لا تكون ~~هذه أو تلك لفنان أوروبي؟ # لست أرى حدودا قومية تفصل الفن الأمريكي وتميزه من سواه، يتأثر بنفس المؤثرات التي ~~تؤثر في الفن الأوروبي، فتجد من رجال الفن الأمريكي في القرن التاسع عشر فريق الواقعيين ~~وفريق الانطباعيين وفريق العاطفيين ... ولماذا نتوقع شيئا غير هذا ما دامت الأمة ~~الأمريكية نفسها خليطا من أوروبيين؟ إنني لا أرى الأمة الأمريكية قد أحست بعد ~~«بأمريكيتها» إحساسا قويا، فما بالك بإحساسهم في القرن التاسع عشر؟ إنني حتى اليوم ~~أسمع الناس ينسبون أنفسهم إلى أصولهم الأوروبية في أول ms116 حديث لهم معك؛ كنت بالأمس مع ~~السيدة «د» فكان أول ما قالته لي عند نفسها إنها أيرلندية. # ومن أكثر الصور التي وقفت عندها وقفة الإعجاب الشديد، صورة ل «إنس» واسمها «الخريف ~~في مونتكلير» وصورة ل «ونزلو هومر» واسمها «ضياء على البحر»؛ ففي هذه الصورة ترى امرأة ~~وقفت وحدها في إجلال على شاطئ البحر ويملأ جسم المرأة حيزا كبيرا من الصورة، حتى لترى ~~البحر وراءها وكأنه «أرضية» فقط لإبراز شخصها، كأنما يريد الفنان أن يضع الإنسان بجماله ~~وقوة إرادته وجلال شخصه إلى جانب الطبيعة بموجها وصخرها؛ لتكون الغلبة للإنسان! فمن ~~ذا ينظر إلى هذه الصورة ويقول إن البحر أقوى أو إن صخور الشاطئ أصلب؟ ... إنه الإنسان ~~صاحب القوة والسطوة والجمال. # وتنظر بعد ذلك إلى الفن الأمريكي في القرن العشرين، فتنتقل نقلة واضحة لا تخطئها عين ~~الأعمى، وأنا أعد نفسي من عميان النقد الفني ولا ريب ... فهنا يغلب على الصورة أن ~~تكون «صورة» لا «تصويرا»؛ إذ إن الألوان هنا لا تستخدم لتقلد الطبيعة في ~~أزهارها وحقولها وغروب الشمس وشروقها، بل تستخدم لإحداث التناغم اللوني من ناحية، ~~والتعبير عن مزاج الفنان من ناحية أخرى ... كيف كان يمكن أن نقول عن فنان يرسم صورة لرجل ~~من الأغنياء والنبلاء ليتقاضى أجر رسمه إنه كان يعبر عن مزاجه في فنه؟ إن الفنان لم ~~يكن يعبر عن شيء كثير من نفسه الخاصة اللهم إلا قدرته على التصوير، كأنه آلة كاميرا ... ~~لكن ما هكذا الفنان في عصرنا الحاضر، الذي يمزج الألوان ليعبر عن مزاجه هو دون أي شيء ~~آخر، مهما يكن محتاجا إلى مال: إنه يمزج الألوان بنفس الروح التي يلعب بها الطفل برمال ~~الشاطئ. # فهذا مثلا «إفر جد» (1901م-...) في صورته «الجانب المشمس من الطريق» التي ترى فيها ~~شارعا وفيه بضعة زنوج، وترى امرأة بيضاء واحدة وقفت على سلم دارها، ثم ترى تخطيطا ~~كثيرا بالطباشير الأبيض على الأرض، وتبحث في الصورة عن «الجانب المشمس» فلا تراه؛ إذ ~~لا شمس هناك ولا ظل، لكن أثر هذا الطباشير الأبيض، ms117 ووجود الفتاة البيضاء في ركن الصورة، ~~يوحي إلى الرائي بهذا المعنى؛ معنى الضوء مجاورا للظلام؛ فمن ذا أراد الفنان أن ~~يرضيه بصورته هذه؟ لا أحد، إنما أراد أن يمزج اللون ويبني أجزاء الصورة على نحو يسره ~~هو ويمتعه قبل أن يسر ويمتع أحدا سواه. # ومن أعجب الصور التي رأيتها صورة ل «جيميسن» (1912م-...) اسمها «الأسرة»، رسمها على ~~هيئة خليط متداخل من جلود الثعابين، لا تتبين فيها شيئا بذاته أبدا، حتى إذا ما بعدت ~~عنها تبين لك في خفوت واختلاط صورة رجل نام على جنبه متكئا على ذراعه وهو عاري ~~الجسد، وامرأة نامت في نفس الوضع تقريبا من الناحية المضادة، بحيث يكون رأس كل منهما ~~في طرف من طرفي الصورة يمينا وشمالا، وعند تلاقي جسديهما في الجزء الأوسط صورة ~~طفل. # وحملت في ذهني هذه الصورة، حتى انتقلت إلى غرفة أخرى ورأيت صورة أخرى لفنان آخر هو ~~«مانجرافيت» (1896م-...) واسمها أيضا «أسرة» فيها سيدة شابة وعلى حجرها قطة وأمامها ~~طفلتها، وظهر في جانب الصورة كتف الزوج من جانبه الخلفي ... فأي الفنانين يا ترى أعمق ~~نظرا في حقيقة الأسرة؟ أهو «جيميسن» الذي رآها اتصالا عاريا بين رجل وامرأة ينتج ~~طفلا؟ أم هو «مانجرافيت» الذي رآها «مجتمعا» صغيرا أساسه الإلف والحب والعشرة التي ~~جمعت الإنسان بالإنسان، بل جمعت الحيوان (القطة) بالإنسان؟ وطبعا ظاهر في صورة ~~«مانجرافيت» أنه يرى المرأة في الأسرة أعظم مكانة من الرجل؛ فليس للرجل في الصورة إلا ~~كتفه ظهرت من خلفها. # حسبي هذا من زيارتي لمعرض كور كوران، غير أني أحب أن أذكر ذكرا عابرا ثلاث صور ~~يستحيل علي ألا أذكرها لعمق أثرها في نفسي: صورة ل «جاربر» (1880م-...) اسمها «الغرفة ~~الجنوبية» فيها ركن من غرفة، ونافذة دخلت منها أشعة الشمس، وشاب يجلس على كرسي، وفتاة ~~وقفت تقرأ خطابا ... والله إني لأوشك أن أقول إن هذه الصورة هي أجمل ما رأيت في الوجود ~~بكافة ما فيه من طبيعة وفن؛ وصورة ل «بيرشتاد» ~~(1830-1902م) عنوانها «نهاية ثور» فيها قتال بين فارس وثور؛ ms118 ثم صورة ثالثة ل «ماير» ~~(1827-1899م) واسمها «الفراغ والعمل» فيها سيد ثري اتكأ بكتفه في استرخاء وكبرياء على ~~جانب باب الإسطبل، وإلى جانبه كلبه، وعامل يجثو ليضع حدوة لجواده. # الخلاصة التي أحب أن أوجز بها رأيي المتواضع، هي أن الفن الأمريكي يسير جنبا إلى جنب ~~مع مدارس الفن في أوروبا، وأكاد أقول إنه يساير الفن الفرنسي أكثر من مسايرته للفن ~~الإنجليزي؛ ولست أدري على وجه الدقة بماذا نجيب إذا سألنا أنفسنا هذا السؤال: كيف ~~يعبر الفن عن الحياة الاجتماعية في الوقت الحاضر؟ سوى أن نقول بصفة عامة إن تحرر ~~الأفراد وزيادة استقلالهم الفردي في الحياة الجديدة، وعدم تبعية الفقير للغني على نحو ~~ما كان تابعا له فيما مضى، كل ذلك يظهر أثره في الفن الحديث على صورتين: فأولا أصبح ~~الفنان لا يرعى إلا مزاجه الشخصي حين يمزج الألوان بعضها ببعض، وحين يختار موضوعه، فلا ~~عبرة عنده لغني أو أمير؛ وثانيا أصبح صميم الحياة الشعبية مصدرا لكثير جدا من ~~موضوعات الفن، ومن أوضح الأمثلة على ذلك: صورة «بعد الغداء» بريشة «موريس ستيرن»، وصورة ~~«اثنان وأربعون طفلا» بريشة «بلوز»، وصورة «غرفة الانتظار في محطة السكة الحديدية» ~~للفنان «سوبر» ... وبعبارة واحدة مختصرة أقول: إن الفن الأمريكي - مع الفن الأوروبي - ~~يسير نحو التعبير الذاتي والبعد عن الموضوعية، والنقل عن الطبيعة الخارجية. # الخميس 24 ديسمبر # السماء أصفى من البلور، والشمس ناصعة الضياء، والبرد ألواح من الثلج تسد عليك ~~الفضاء الشفاف ... # جلست ساعة الضحى في بهو الفندق أقرأ، فقرأت تعليقا على كتاب للأطفال عنوانه «الريح ~~في الصفصاف» ومؤلفه «كنث جراهام» سكرتير بنك إنجلترا، وفي هذا التعليق نقف من مقدمة ~~المؤلف لكتابه، وهي مقدمة تحتوي على لمحات عجيبة، ولفتات تدعو إلى الإعجاب من حيث ~~تحليلها لوجهة نظر الأطفال إلى آبائهم وأولي أمرهم من الكبار؛ فهؤلاء الكبار هم في نظر ~~الأطفال مصابون بالجنون والعته، تعوزهم أبسط قواعد المنطق السليم، والأطفال يتعجبون ~~إذ يرون مقاليد الأمور قد ألقيت في أيدي هؤلاء الكبار المرضى بفقر الدم، البطاء في ~~حركتهم ونشاطهم، ms119 المغلولين إلى مقاعدهم، السجناء في بيوتهم، الذين استبدت بهم عاداتهم ~~التي يكررونها في غفلة تكرارا مطردا ممولا، ولطالما يعجب الأطفال بأي عقل في الدنيا ~~يفضل الكبار جلوسهم في منازلهم مع أن أمامهم متع الحياة وملاذها، كتسلق الأشجار ~~والخوض في برك الماء؟ وإذا كانوا قد فقدوا صوابهم فيما يختص بأنفسهم، فليتركوا ~~الأطفال وشأنهم يغوصون في هذه المتع والملاذ. # يقول الكاتب إن دنيا الحيوان أقرب إلى فهم الطفل من هؤلاء الكبار؛ فالطفل يرى في ~~تصرف الفأر مثلا سلوكا أكثر قبولا عند العقل السليم من تصرف أبيه وأمه؛ ولذلك ~~يمتعه أن يرقب الحيوان وأن يحاكيه، ولا يمتعه أن يرقب والديه وأصدقاءهما من ~~الكبار. # ويجعل الكاتب في هذا الكتاب شخصيتين تدور حولهما الحوادث والأحاديث هما: «السيد ~~الفأر» و«السيد الضفدع»، وهو يعتقد أن هذين الحيوانين من أحكم مخلوقات الله تصرفا في ~~حياتهما؛ فهما كالإنسان قبل سقوطه من الجنة، لا تفلت منهما فرصة للتمتع بالحياة إلا ~~انتهزاها. # ومدار شخصية الطفل - وكذلك الفأر - أن يجمع بين المغامرة والمأوى الآمن، كالذي يحب أن ~~يجول في الغابة المجهولة الثنايا، على شرط أن يظل قادرا على العودة إلى الطريق المؤدية ~~إلى منزله، وكذلك الفأر يحب لنفسه المأوى الآمن في جحره، فيخرج إلى مغامراته ثم ~~يعود. # قرأت ذلك كله، وأعجبني فيه صدق التحليل، وعجبت بدوري لماذا يلقى بزمام الأطفال في ~~أيدي الكبار؟ للأطفال طبائع غير طبائع الكبار؛ وليس من العدل أن تسحق طبيعة ~~أخرى. # الجمعة 25 ديسمبر # اليوم عيد الميلاد ... # جلست في بهو الفندق أقرأ جرائد الصباح على مهل؛ فالمدينة خالية الشوارع، ولا خروج ~~أثناء النهار؛ وبعد قراءة الصحف جلست أتفرس الوجوه وأقرأ أفكار الناس وعواطفهم من ~~ظواهرهم. # الظاهر أني أب بالطبع؛ فإني لا أتأثر لشيء أقرؤه بمقدار ما أتأثر إلى درجة تقرب من ~~البكاء إذا ما قرأت عن طفل أصيب، خصوصا إذا وقعت الإصابة في ظروف غريبة؛ فقد قرأت ~~اليوم عن صبي في الثانية عشرة من عمره، كان أمس يساعد جدته في ترتيب شجرة عيد الميلاد ~~بما يوضع في ثنايا ms120 فروعها من هدايا، وكانت أمه في جولة شرائية ... وبعد أن فرغ الصبي من ~~ذلك، ذهب مع زميل له إلى شاطئ النهر حيث أشجار الصنوبر، فأراد أن يقطع من إحدى الشجرات ~~فرعا يأخذه إلى المنزل ليجعل منه شجرة ميلاد أخرى، واقتضاه ذلك أن يصعد على حاجز حجري ~~على حافة النهر، وكان الحاجز مغطى بالنبات الزلق، فانزلق الصبي إلى الماء المثلوج إلى ~~غير عودة ... عادت جدته وأمه إلى البيت تحملان جثة الفقيد في وقفة العيد، ونظرتا إلى ~~هداياه الموضوعة تحت شجرة عيد الميلاد، فلما تصورت هذه الهدايا هناك تنتظر إلى الأبد ~~من لم تمتد له يد بعد الآن لأخذها، دمعت عيناي. # وقرأت مقالا غاية في الجودة وسمو العاطفة لكاتبة اسمها «دكي تشابل» معظمه عن أهل ~~الشرق الأوسط والهند وما هم فيه من فقر فظيع، ورغم أني حساس جدا لما أقرؤه عن الشرق ~~الأوسط، إلا أنني لم أشعر للكاتبة إلا بالتقدير والإعجاب؛ لأنها شحنت أسطرها بالعطف ~~والعاطفة والدراية والفهم، فكان من بين ما قالته إن فكرة الجمال النسوي تختلف باختلاف ~~وفرة الطعام؛ فحسان هوليوود نحيفات لدرجة المرض؛ لأن الأمريكيات يحيط بهن الطعام ~~الموفور، وجمال المرأة هو في أن تمتنع؛ وأما نجوم السينما في أوروبا الجائعة - هكذا ~~قالت - فتراهن مليئات الأجسام بدرجة يمجها الذوق الأمريكي؛ وذلك لأن الطعام قليل هناك، ~~فلا يتصور الناس كيف يمكن لإنسان في هذه القلة أن يمتنع عن طعام ... وقل ذلك أيضا في ~~الشرق وأهله، فالجميلة هي البدينة، والناس هناك لا يكادون يفهمونك إذا قلت لهم إني أقلل ~~من السمن؛ فهذا كلام غير مفهوم في بلاد كل الأمل عند أهلها هو أن يجدوا ~~الطعام. # وأحسن ما في هذا المقال - بل هو صلب المقال من أوله إلى آخره - هو أن الكاتبة تبذل ~~جهدها في إقناع بني قومها أن الفقر هو القاعدة الغالبة في بلاد العالم أجمع، وأن ثراء ~~الأمريكيين هو الشذوذ وهو معجزة التاريخ، فليس في الأمر ما يبعث على التقزز إذا علمت أن ~~الناس يسكنون بيوتا من طين، فهكذا الدنيا ms121 بأسرها، وليس في الأمر ما يبعث على التقزز ~~إذا علمت أن الناس مرضى؛ لأن القاعدة السائدة في معظم بلاد العالم هو ألا طبيب ولا ~~دواء، وليس في الأمر ما يدعو إلى التقزز إذا علمت أن الناس معظمهم جياع؛ لأن القاعدة ~~الغالبة في أرجاء العالم كله هي أن يأكل الناس الطعام الذي ينتجونه بأيديهم، فإذا حدث ~~بسبب الظروف الجوية أن شح الطعام وقل كان الجوع نتيجة حتمية؛ ليس الناس في سائر ~~أنحاء الأرض كالأمريكيين يشترون طعامهم من الدكاكين، وليس هناك في سائر أنحاء العالم ~~هذه المشكلة اليومية التي تصادف الأمريكي كل صباح: ماذا نأكل اليوم؟ ففي أمريكا من ~~الكثرة ما يجعل أمام الناس مجالا للاختيار. # لم يسعني هنا سوى أن أتذكر فلاحنا المصري وطعامه؛ إنه لا يفكر ماذا يأكل في ~~الغداء؛ لأن طعامه في الغداء معروف. # الفصل الثالث # | في نيويورك # السبت 26 ديسمبر # غادرت واشنطن بالقطار إلى نيويورك فبلغتها بعد أربع ساعات وربع ساعة ... الانتقال من ~~كولمبيا بولاية كارولاينا الجنوبية إلى واشنطن، ثم من واشنطن إلى نيويورك، كالانتقال من ~~منزل إلى مكتب، ثم من مكتب إلى دكان ... نيويورك بمثابة دكان كبير زاخر بالمعروضات، نشيط ~~بما فيه من حركة بيع وشراء، تحب أن تستعرض أجزاءه، لكنك لا تحب أن تقضي الليل فيه ... ~~نيويورك مدينة فريدة في نوعها بما فيها من ناطحات السحاب، إنها مدينة لا تكاد عينك تقع ~~فيها على شيء قديم، كأنها شيدت منذ أعوام قلائل ولم يمض عليها في الحياة إلا زمن ~~قصير؛ لهذا لا تحس فيها بجلال التاريخ ... تتحرك فيها من شارع إلى شارع فيكون انتقالك من ~~مكان إلى مكان، لكنك لا تنتقل من زمن إلى زمن، كما تفعل لو انتقلت في القاهرة - مثلا - ~~من مصر القديمة إلى مصر الجديدة أو من الحي الحسيني إلى الزمالك. # الشوارع في نيويورك بين هذه الناطحات تبدو ضيقة، أو لست أدري لماذا تضيق الصدر ~~ولا تشرحه؛ فالأرجح أن يشعر الإنسان - وهو سائر بين هذه العمالقة المعمارية - بأنه تافه ~~ضئيل بدل أن يحس أنه ms122 عظيم جبار أقام هذه العمائر العالية ... لا عجب أن يكون هذا هو ~~الشعور الدفين في نفس الأمريكي الفرد؛ فهو على اعتزازه بفرديته وشخصيته يخشى على نفسه ~~أن يهصر ويعصر ويطحن ويكسر أمام جبروت الأعمال الكبيرة والمباني ~~الكبيرة ... ذلك ظاهر من فرحة الناس التي لا تنقطع برؤية الأفلام السينمائية ~~الكاريكاتورية الرمزية التي تجعل الفأر الضئيل في خطر من القط الكبير المفترس، لكن ~~الفأر ينجو بنفسه دائما! فرحة الناس بهذا المعنى - وهو مكرر في آلاف الأفلام - تعكس ما ~~هو دفين في نفوسهم من الخوف أن يفتك الجبار بالتافه، مهما يكن نوع الجبروت ونوع التفاهة ~~... والجبروت في نيويورك هو جبروت الناطحات، والتافه هو الفرد يمشي في الشوارع بين هذه ~~الشوامخ. # العمارة في نيويورك رائدها المنفعة لا الجمال، ولو أن المنفعة والجمال قد تلاقيا فليس ~~في ظاهر البناء زخرف ولا نقش ولا بروز ولا انحناء، إنما هي خطوط مستقيمة عالية تضم ~~بينها ثقوبا هي النوافذ، كل نافذة منها في غرفة ... قارن ناطحة السحاب في عصرنا ~~بالكاتدرائية في القرون الوسطى تدرك ما أعنيه بقولي إن الغرض المقصود من عمارة الناطحات ~~هو المنفعة، على حين كان الغرض المقصود من فن العمارة فيما مضى هو الجمال. # الأحد 27 ديسمبر # جعلت اليوم مقصورا على زيارة متحف الفن الحديث ... وهو بناء أقيم هو نفسه على أساس من ~~فن البناء الحديث! فتراه بسيطا غاية البساطة: الجدران والسقوف كلها بيضاء ساذجة ~~البياض، فلا زخرفة ولا نقش، والغرف يفتح بعضها على بعض من غير أبواب خشبية، والأرض بلاط ~~منقوط بغير غطاء، والمقاعد كنبات بسيطة في أواسط الغرف. # طلعت بالمصعد إلى الدور الثالث لأبدأ من أعلى فنازلا، فوجدت جزءا كبيرا من الطابق ~~الأعلى مخصصا لفنان واحد هو «ليجيه»، وهو فنان حديث، تواريخ صوره تقع في الثلث الأول ~~من هذا القرن على نحو التقريب، وله طريقة في الرسم واحدة متميزة متكررة في كل صوره على ~~كثرتها، ولا تراها عند فنان سواه، وهي أن يرسم الصورة في خطوط وأقواس يملؤها ببقع من ~~اللون، ويصل الأجزاء ms123 بعضها ببعض على نحو يجعل الصورة في النهاية - إن كانت صورة إنسان ~~مثلا - تبدو كأنها إنسان آلي، لكن الصورة مع ذلك تكون تركيبة لونية تستوقف النظر، ~~تنظر إليها فتتمنى - مثلا - أن تكون لك سجادة بهذا التلوين وهذا التكوين. # أقول هذا لأن هذه الفكرة طافت بذهني وأنا أتفرج على رسوم «ليجيه» وهي: لماذا يضحك ~~الناس من هذا الفن الحديث مع أنهم أدخلوه في أذواقهم مرغمين أو مختارين؟ أدخلوه في ~~أذواقهم على نطاق أوسع جدا مما يظنون ... انظر إلى السجاد الذي نسميه في مصر بالسجاد ~~الإفرنجي، ما رسومه؟ أليست تكعيبات وأشكالا لا غاية منها سوى أن تتناغم ألوانها؟ ثم ~~انظر إلى كثير جدا من الإعلانات؛ أعني الإعلانات الجيدة الرسم الملفتة للنظر، أليست ~~قائمة في معظم الحالات على أسس الفن الحديث من أن المصور يهمل التفصيلات ويعنى بوقع ~~الرسم على عين الرائي وفكره ونفسه؟ ثم انظر إلى كثير جدا من الأثاث، كيف يتخذ أحيانا ~~أشكال الدوائر والخطوط على نحو هو بذاته اتجاه الفن الحديث، وانظر إلى ملابس السيدات ~~وكيف تكون زخرفتها في حالات كثيرة على أساس من ذوق الفنان الحديث وهكذا وهكذا ... روح ~~الفن الحديث قد تغلغلت في صميم حياتنا، ومع ذلك أسمع الناس من حولي في هذا المتحف، فلا ~~أسمع إلا السخرية من الاتجاهات الحديثة، كأنها ليست في ثيابهم وفي أثاثهم وفي بنائهم ~~وفي زخارفهم على اختلافها. # وسأذكر من صور «ليجيه» ثلاثا، ولو أنها ليست أحسن من سائر صوره، فكلها كما قلت روح ~~واحدة ... له صورة كبيرة اسمها «لاعبو الورق»، وأخرى اسمها «الزفاف»، وثالثة «ثلاث سيدات ~~ساعة الإفطار» ... ولو سألنا: لماذا يركب «ليجيه» أجزاء الصورة على هذا النحو الآلي؛ ~~لما أخطأنا الجواب إن قلنا: لأنه يصور المدنية الآلية التي نعيش فيها. # نزلت من الطابق الأعلى إلى الطابق الأوسط على سلم رخامي أسود جميل بغير زخرفة ولا ~~زركشة، ووقفت وسط السلم لأنظر إلى صورة لبيكاسو علقت هناك، هي «فتاة أمام المرآة» ~~... بالطبع لا تنتظر أن ترى فتاة واضحة الأجزاء والمعالم أمام مرآة واضحة ms124 الشكل والحدود، ~~بل لا تنتظر أن ترى الصورة في المرآة شبيهة كل الشبه بالفتاة، وإلا لما كان بيكاسو من ~~رواد الفن الحديث، إنما هي بناء لوني قائم على شكل تقريبي لفتاة مكررة مرتين بمزيجين ~~مختلفين من اللون، بحيث يكون في النهاية نغم لوني، وهذا هو أساس الفن الحديث ~~كله. # دخلت الطابق الأوسط فوجدته زاخرا بصور الفن الحديث على اختلاف مدارسه؛ كنت اليوم ~~نهما جشعا، فكدت أدرس كل صورة بقدر ما وهبني الله من قدرة على الدراسة؛ وعلى كل ~~حال فالمهم في استعراض الآيات الفنية هو أن أنظر إلى القطعة الفنية لأحس نشوة قوية أو ~~ضعيفة، فليس المهم في التمتع بالفنون أن يتفلسف الرائي أو المستمع ... أقول إني كنت ~~نهما جشعا، فقضيت في هذا الطابق من البناء أربع ساعات كاملة ... دخلت أول غرفة على ~~يميني، فكانت أول صورة هي «مراكب الصيد» ل «سيورا» الفنان الفرنسي؛ هي فاتحة في لونها ~~هادئة في نغمها، إنها ليست ملونة بالفرجون، بل هي نقط تتزاحم أو تتباعد لتعطي اللون ~~المطلوب، ومن ثم تسمى هذه المدرسة بمدرسة الفن المنقوط، فإذا لاحظنا أن «الصناعة» ~~جزء أساسي في تقدير القطعة الفنية، وأن الصناعة في هذه الصورة قد بلغت الغاية في ~~الإتقان؛ عرفنا ارتفاع قدر هذه الصورة، و«سيورا» من الانطباعيين الذين يتركون حدود ~~الأشياء في رسومهم مبهمة؛ لأن أثر المرئي في الذهن يستحيل أن يكون إلا مبهما ~~هكذا. # وانتقلت إلى الصورة التي بعدها؛ ولا داعي لقراءة اسم صاحبها، فقد بلغت الآن من ~~المعرفة ما يدلني على أنه «فان جوخ» الهولاندي الذي أصبحت الآن لا أخطئ له صورة؛ فأنا ~~أعرفه على الأقل بألوانه التي تميل إلى الاصفرار دائما، مهما يكن موضوعه ... وانتقلت إلى ~~الصورة التي بعدها، وهي لفنان بلجيكي اسمه «إنسور» لم أكن قد رأيت له صورا قبل ذلك، ~~الصورة تمثل بضعة أشخاص على هيئة الأمساخ؛ فالوجوه بشعة أقرب إلى وجوه الحيوان، لكن ~~لا، فوجوه الحيوان لها جمالها: وجه الحصان مثلا ووجه الكلب ووجه القط، هذه وجوه جميلة، ~~أما الوجوه التي ms125 في الصورة فأمساخ مرذولة، واللون الغالب على الصورة هو الأحمر الناري ... ~~ما هذا؟ هؤلاء ناس لا كالناس الذين تراهم في الطريق، بل هم الناس كما يراهم هذا الفنان؛ ~~فالإنسانية في رأيه هي بهذه البشاعة، واللون الناري يتركك في جو يوحي إليك بالجحيم، ~~وما الجحيم إلا هذه الحياة التي هؤلاء الناس هم أحياؤها ... إذا كنا نبيح لكاتب مثل ~~«جوناثان سوفت» أن يصور الإنسانية في صورة بشعة (في كتابه رحلات جلفر) شاءتها له ~~كراهيته للبشر ، فلماذا لا يكون للمصور هذا الحق نفسه؟ ليس الفنان آلة تصوير، لكنه فنان ~~يتأثر ويعطيك الأثر. # وتتلوها صورة لرجل من أتباع مدرسة بيكاسو هو «جوجان»، في الصورة ثلاثة صفوف من أشياء؛ ~~ففي الجزء الأعلى ثلاث قطط، كل قطة تشرب اللبن من وعاء أمامها، وفي الجزء الأوسط ثلاث ~~كئوس، وفي الجزء الأسفل ثلاث مجموعات من الفاكهة ... وقد يسأل من لم يألف الفن الحديث: ~~ما هذا الكشكول العجيب؟ قطط وكئوس وفاكهة في صورة واحدة؟! والجواب هو أن الصورة فيها من ~~هذه الأجزاء زخرف جميل، وقد يعود السائل فيعترض قائلا: لكن ما هكذا تكون القطط في ~~الواقع ولا الكئوس ولا الفاكهة! فلماذا يرسم المصور هذه الأشياء على غير حقائقها ~~الواقعة؟ والجواب دائما هو: ليس الفنان آلة تصوير تحاكي الواقع في أمانة، بل مهمته أن ~~يقدم للعين نغما لونيا كما يقدم الموسيقي للأذن نغما صوتيا. # وأول نظرة للصورة التي بعدها كانت كافية لأقول من فوري هذا «سيزان»: مجموعة من ~~الفاكهة، سيزان لا يرسم التفاحة - مثلا - لكي يقلد برسمه تفاحة الطبيعة، بل يرسم ~~التفاحة ليجعلها مدارا لبنائه اللوني، المهم عنده - كأي فنان حديث - إبراز خصائص ~~اللون. # وانتقلت إلى غرفة أخرى، فكانت أول صورة من رسم «إنسور» الذي تحدثت عن «أمساخه ~~البشرية» منذ قليل؛ هذه الصورة الثانية اسمها «القديس أنطوان» هي غاية في الجمال، وترى ~~سماءها مليئة بالبقع اللونية، فإذا ما أمعنت النظر في هذه البقع وجدتها شخوصا مختلفات، ~~والعجيب هو أن الفنان يستعمل في هذه الصورة أيضا اللون الأحمر، وهو نفس اللون ms126 الذي ~~استعمله في رسمه للأمساخ البشرية، ترى هل يقصد إلى القول بأن مادة الشر هي نفسها مادة ~~الخير، والذي يجعل الخير خيرا والشر شرا ليس هو اختلاف العنصر بقدر ما هو اختلاف ~~النسبة؟ فالطعام خير لكنه كذلك قد يكون شرا، والمرأة والشراب ... حتى القراءة قد تنقلب ~~شرا إذا ملأت رأس القارئ بالضلال ... لا أدري إن كان تفسيري هذا مقبولا، لكني أسارع ~~فأسأل: مقبول ممن؟ إن في ميدان التأويلات الفنية لمتسعا للجميع. # وهاتان صورتان ، كل منهما صورة نافذة تطل على الخارج، إحداهما من رسم «ماتيس» ~~والأخرى من رسم «دران» وكلاهما من رجال الفن الحديث ... # وانتقلت إلى الغرفة التي تليها، فبدل أن أنظر إلى الصور بترتيبها على الحائط، جذبتني ~~صورة هناك في الوسط، فذهبت نحوها فورا: فيها ثلاثة شخوص، رسموا بجرات غليظة من ~~الفرجون، وهي للفنان «روولت» واسمها القضاة الثلاثة، ومرة أخرى أقول إن من لم يعطف ~~بعد على الفن الحديث سيسخر من هذه الشخوص التي ظهرت أمامه في الصورة، وسيسأل قائلا: ~~هل هذه صور لرجال؟ والجواب هو ما أجاب به «ماتيس» على المرأة التي سألته مرة عن إحدى ~~صوره: هل هذه امرأة؟ فقال: يا سيدتي، هذه صورة وليست بامرأة ... انظر إلى هؤلاء القضاة ~~الثلاثة وسل نفسك أي شعور يدور في نفسك؟ هل من شك في أنك إذ تنظر إلى بشاعة هذه الوجوه ~~تحس بصداها في دخيلة نفسك شعورا بالتقزز والنفور؟ وإذا فلا بد أن يكون الفنان لأمر ~~ما قد استبشع العدالة في هذه الدنيا، فاستفز الناظر إلى الصورة وحفزه إلى مشاركته هذا ~~المقت وهذا النفور مما يسمونه على هذه الأرض عدالة وقضاة، ولكي يزيد الفنان من كآبة ~~الأثر الذي تتركه الصورة في نفس رائيها؛ أحاط شخوص القضاة بخط من اللون الأسود ~~الحالك. # وعدت إلى «بيكاسو» من جديد: غرفتان أو ثلاثة مليئة بمختلف الصور من رسم «بيكاسو» ... ~~كم صورة رسمها بيكاسو؟ كم مائة، بل كم ألف صورة رسمها بيكاسو؟! في كل متحف صور لهذا ~~الفنان؛ ولهذا طاف بذهني هذا الخاطر وهو: هل ms127 يستطيع الشخص العادي من الناس - هل أستطع ~~أنا مثلا أن أخلق أكثر من عشرين أو ثلاثين شكلا دون أن أكرر نفسي؟ إذا فجانب هام من ~~نبوغ هؤلاء الناس هو هذه الخصوبة في الخيال ... انظر كم خليطا لونيا خلقه بيكاسو، وكل ~~خليط منها جميل! وإذا أنا أثبت هنا كل ما دار في نفسي من خواطر حين استعرضت صور بيكاسو؛ ~~لاستطرد الحديث، فيكفي أن أسجل اسمين أو ثلاثة لتذكرني بما وقع مني موقع الإعجاب ~~الشديد من صور هذا الفنان: «الموسيقيون الثلاثة»، و«صيد السمك في ضوء القمر»، و«آنسات ~~أفنيون». # وهنالك بضع صور لفنان روسي هو «تشاجال» لها طابعها المميز عن الصور جميعا؛ هو رسام ~~يحلم على لوحته! انظر إلى هذه الصورة التي يسميها «عيد الميلاد» وفيها امرأة ممسكة ~~بطاقة من الزهر، وراحت تجري في غرفتها في سبيل إعداد العدة لحفلة المساء، وصورة زوجها ~~معلقة في الهواء من خلفها، بادئة من التقاء الشفاه، أعني أن شفتي الزوج على شفتي زوجته، ~~ثم امتد جسمه طائرا في الهواء وراءها كأنه «تلفيعة» تلفعت بها فطارت في الهواء وراءها ~~وهي مسرعة في السير! أيكون معنى الصورة أن الزوجة تحمل معها قبلة زوجها أينما سارت؟ إن ~~الرجل أحيانا يقبل امرأة ويظل طعم القبلة عالقا على شفتيه مدة طويلة، وإذا فيجوز ~~أن تكون الصورة تعبيرا عن هذا المعنى ... وتستطيع أن تفسر الصورة تفسيرا آخر، فتقول ~~إنها امرأة اكتسحت زوجها اكتساحا؛ فهو بالنسبة إلى شخصيتها كالزائدة أو «كشرابة ~~الخرج» - كما يقولون - فهي وحدها الشخصية التي تسيطر داخل دارها، وما زوجها إلا تكملة؛ ~~فهو يقبل ويحب لتنشأ الأسرة التي هي عمادها النشيط الفعال ... واضح جدا أن هذه صورة من ~~الأسلوب الذي يسمونه في الفن بما فوق الواقع «السير ريالست»؛ لأنه ليس في واقع الأشياء ~~شيء كهذا؛ ليس هنالك في دنيا الواقع امرأة تحمل زوجها على هذا النحو وتسير به عالقا ~~وراءها في الهواء، لكننا إذا لم نكن قد رأينا هذا الشكل بحذافيره، فقد شعرنا هذا ~~الشعور، سواء كان التفسير الأول صحيحا أو ms128 التفسير الثاني؛ وما الفن إلا تصوير لمشاعر ~~الإنسان أولا وقبل كل شيء. # وروسي آخر اسمه «كاندنسكي» (مات 1944م) له صورتان متجاورتان وليس فيهما إلا مزيج ~~لوني، لم يحاول حتى أن يجعل مدار ألوانه شيئا يختاره بين الأشياء التي يراها كمقعد أو ~~منضدة، بل ترى الصورة عنده وكأنها ألوان سكبت، مما يدل أقوى دلالة على أن الصورة في ~~الفن الحديث هي نغم لوني لا تصوير، ويزيد ذلك وضوحا أن ترى الفنان قد كتب على صورتيه ~~اسميهما هكذا: «إنشاء لوني رقم 1» و«إنشاء لوني رقم 2» على نحو ما تسمى المقطوعات ~~الموسيقية التي ليست سوى تأليفات صوتية ... وقد تسأل نفسك وأنت تنظر إلى صورتي ~~«كاندنسكي»: لكن ما العاطفة التي يريد هذا المصور أن يصورها أو أن يثيرها في نفس ~~الرائي؟ أليس الفن تصويرا للعواطف؟ والجواب هو شبيه بما نجيب به في الموسيقى، فإنه ~~يقال إن القطعة الموسيقية لو أحدثت في السامع عاطفة محددة معلومة كانت موسيقى من ~~النوع الساذج؛ لأنها تكون واضحة الغرض، مع أنه لا يجوز للقطعة الفنية أيا كان نوعها ~~أن تكون واضحة الغرض، وإلا كانت درسا لا فنا؛ أما الموسيقى الراقية الرفيعة فهي التي ~~تخلق «جوا عاطفيا» معينا، دون أن تحدد العاطفة تحديدا قاطعا، إنها مثلا لا ~~تثير «الكراهية» بشكل محدد، بل تثير «جو القلق» ... وهكذا قل في صورتي «كاندنسكي» ~~وأمثالهما؛ فالمزيج اللوني الفني يثير ارتياحا أو نفورا أو ما شاكل ذلك ... الفن الحديث ~~موسيقى للعين لا تصوير للأشياء. # وأريد أن أختم حديثي عن متحف الفن الحديث بما رأيته في غرفة وضعوا لها عنوانا هو «فن ~~المستقبل»، والصور المعروضة هنا هي لفنان إيطالي اسمه «بالا»، فله صورة عنوانها ~~«السيارة المسرعة»، وأخرى عنوانها «المدينة تنهض»، وفيها رموز واضحة لنهضة صناعية كأنما ~~هذا الفنان الإيطالي قد سئم أن تكون إيطاليا بلد الجمال الذي يزوره السائحون، كأن ~~إيطاليا بأسرها تحفة في متحف؛ وهو يريد أن يكون المستقبل في بلده انقلابا صناعيا ~~... ما أحوجنا في مصر إلى هذا الفن «المستقبلي» ينفض عنا غبار القدم! # أما ms129 بعد، فأين الفن الأمريكي في هذا كله؟! إنه قليل جدا، ومعظم هذا القليل في الفن ~~هو من نوع «ما فوق الواقع» (السير ريالست)؛ فهنالك الفنان «تانجاي» بصورته «نحو الشمال ~~في بطء»، وهي صورة مما فوق الواقع صور فيها مركبا في بحر هادئ، وصورة أخرى غاية في ~~الجمال عنوانها «أماه! أبي جريح» وقفت أمامها مدة طويلة أحاول أن أرى أين تكون الأم أو ~~الأب الجريح؟ فلم أجد من ذلك شيئا، وحسبي أنها جميلة، وهنالك أيضا ترى فنانا ~~أمريكيا آخر هو «ماكس إرنست» بصورتيه: «نابليون في التيه» و«امرأة ورجل كهل ~~وزهرة». # الإثنين 28 ديسمبر # زرت اليوم متحف المتروبولتان بنيويورك، وهو بناء فخم ضخم؛ فهو ليس بناء من نوع متحف ~~الفن الحديث في بساطته ... أول ما يصادفك داخل المتحف بهو عظيم تعلوه قبة البناء ~~الرئيسية، فانحرفت إلى اليمين لأبدأ زيارتي بالقسم المصري، وهو يشغل عشر غرف ~~متتابعة. # لم أكد أجاوز الغرفة الأولى إلى ما بعدها - والغرفة الأولى خاصة بما قبل التاريخ - ~~حتى مرت مجموعة كبيرة من الطالبات، كل منهن تحمل لنفسها مقعدا، ومعهن مدرسة جاءت ~~معهن - على الأرجح - لتحاضرهن في موضوع يتصل بما في المتحف من آثار ... فأحدث الفتيات ضجة ~~حين مررن بالغرفة التي كنت بها، حتى إذا ما غادرنها نظرت إلي سيدة في نحو الثلاثين من ~~عمرها، أميل إلى الجمال وعلى ملامحها علامات الثقافة، وفي عينيها بريق جذاب، وقالت: ~~ما رأيك في جماعة من الناس تمر في متحف الفرض فيه أن يكون هادئا صامتا ساكنا، فيحدثن ~~مثل هذا الضجيج؟ فقلت لها وقد لمحت في عينها لمعة تشجع على التفكه في الحديث: لولا ~~أنك امرأة لقلت لك ماذا تتوقعين من مجموعة من نساء إلا صخبا وضجة؟ فقالت: قلها ولا ~~تبال، فإني أقولها معك ... وبعد لحظة نظرت خلالها إلى معروض قالت: أنا مفتونة بالفن ~~المصري، انظر إلى هذا الانسياب في نحت التمثال! وكانت تشير إلى تمثال من الخشب واقف إلى ~~جانب تمثال «الكاتب الجالس»، فقلت لها: وربما ازددت رفقا بالفن المصري حين تعلمين أن ms130 ~~من تحدثينه الآن مصري! # اهتم كل منا بالآخر؛ اهتمت بي لمصريتي، واهتممت بها لدرايتها بالفنون؛ فقد تعارفنا ~~فعرفت عنها أنها من أهل نيويورك، تخرجت في جامعتها، وحصلت على درجة جامعية في ~~الموسيقى أساسا وفي الفنون إطلاقا، وهي تدرس في ولاية جورجيا (في أقصى الجنوب)، وأغرب ~~ما علمته منها أنها تدرس في كلية للزنوج هناك؛ ذلك لأني لم أكن أعرف أن البيض قد ~~يقبلون العمل في مدارس السود، وإذا كانت هذه السيدة لا تدعي ما ليس حقها، فهي تقول ~~إنها اختارت عامدة أن تدرس عامين في مدرسة للزنوج؛ لأنها تعطف عليهم وتقف إلى جانبهم في ~~مشكلتهم مع البيض، وأرادت أن تضع نفسها في المسرح الذي تدور عليه المشكلة في صميمها؛ ~~وأعني به ولايات الجنوب، لترى بعينها الحقائق عن كثب ... راحت تشرح لي كيف أن الموقف أصعب ~~جدا من ناحية الزنوج منه من ناحية البيض؛ لأن الأبيض ما عليه إلا أن يغير رأيه عن ~~الأسود فتنتهي المشكلة بالنسبة إليه؛ أما الأسود فهو يغلي من الغل والكراهية لانعزال ~~البيض عنه تكبرا، مع أنه في الوقت ذاته لا يرضى أن يندمج البيض في السود، ويريد ~~لنفسه العزلة! سألتها: ولماذا يريد السود أن يظلوا في عزلتهم اللونية؟ فقالت: لأنهم ~~يخشون منافسة البيض؛ فافرض مثلا أن كلية من كليات الزنوج فتحت أبوابها للمدرسين ~~جميعا أبيضهم وأسودهم على السواء، وافرض أن البيض أقبلوا على التدريس فيها، فسيكون ~~الموقف دائما هو أن بين البيض من هم أكفأ وأعلى في الدرجات العلمية، وبذلك يملئون ~~الوظائف ويسدون الطريق أمام الزنوج ... ثم قالت: إن الزنوج لا يقبلون على العمل ~~إقبالنا نحن البيض عليه ... # ومن أغرب ما سمعته منها ولم أكن أعلمه، أن تلاميذها يعرفون عنها داخل الكلية أنها ~~شديدة العطف على الزنوج وتحبهم وتشجعهم، ومع ذلك كله فبمجرد ما تخرج من أبواب الكلية، ~~يمتنع تلاميذها عن التحدث إليها في الطريق، وحتى إن شجعت طالبا رأته في الطريق بأن ~~تبدأ هي بالحديث، خاف الطالب وراح يتلفت حوله قبل أن يتحدث إليها؛ خشية ms131 أن يكون هناك ~~شرطي على مقربة منه؛ لأن الشرطي يقبض على الزنجي بحكم القانون إذا رآه يتحدث في ~~الطريق مع بيضاء! # اسم هذه السيدة «أ. و» جاءت إلى نيويورك لتقضي مع أهلها عطلة عيد الميلاد، وهي واسعة ~~الدراية بالفنون إلى درجة تستلفت النظر، مشينا معا في حجرات القسم المصري، فكانت ~~لها تعليقات أفادتني في الفهم فائدة عظيمة، كان أول ما رأيناه معا في الغرفة التي كنا ~~بها أوان فخارية بينها «زير » على حامل من الحديد، شديد الشبه جدا بما يستعمل ~~حتى اليوم في الريف المصري، فقالت: هذا شبيه ببعض الآثار الفخارية في المكسيك، والذي ~~حرت في أمره هو: لماذا يصنعون هذه الآنية الفخارية بغير قاع مسطوح ترتكز عليه فوق ~~الأرض؟ لماذا يجعلون لها هذا القاع المكور بحيث يحتاج في رفعه عن الأرض إلى حامل من ~~حديد؟ فقلت لها: هذه الآنية الفخارية لا تزال مستعملة في ريفنا المصري لتبريد الماء، ~~والفكرة هي أن جدار الآنية ليس مصمتا، بل هو ذو مسام يرشح منها الماء ويسيل على ~~الجوانب، وإذا فلا بد أن ترفع الآنية عن الأرض ليتجمع الماء السائل في الطرف الأسفل ~~ويتبلور في نقطة ماء تسقط في إناء موضوع تحت الزير. # وانتقلنا إلى الغرفة المجاورة، فكانت هناك لوحات حجرية عليها رسوم حمراء لأشخاص في ~~أوضاع مختلفة؛ وهنا دار بينها وبيني حديث مفيد ممتع في فن التصوير عند المصريين ~~القدماء؛ وذلك أني نظرت إلى الصورة وقلت في شيء من المجازفة - خشية أن يكون قولا ~~دالا على جهل معيب: إنني أرى في هذا الرسم المصري القديم بعض أصول الفن عند «ماتيس». ~~ثم سألت قائلا: فلماذا يعد هذا الفن بدائيا بينما يعد فن «ماتيس» آخر طراز ~~في الحداثة؟ فقالت: فن «ماتيس» قائم بالطبع إلى حد كبير على الفن الأفريقي (هكذا)، ولكن ~~من ذا الذي قال إن هذا الفن الأفريقي بدائي؟ وراحت تشرح لي ما أفادني، وهو أن الرسم ~~المصري قائم على أساس حقيقة المرئي كما هو في الواقع، لا على صورته في عين الرائي؛ ms132 فهم ~~يرسمون الرجل - مثلا - بصدره كله، ويلفتون الرأس إلى أحد الجانبين، وفي الوقت نفسه ~~يرسمون العين كاملة على الصدغ الظاهر، مع أنهم لو رسموها كما يراها الرائي تحتم أن ~~يرسموا نصفها لاختفاء نصفها الآخر ما دام الوجه ملتفتا إلى جانب ... المصور المصري ~~القديم لا يأبه لما تراه عينه من الشيء المرسوم، بل يرسم ما يعلم أنه حقيقة الشيء في ~~الواقع، يندر جدا أن يرسموا الشخصية من جانبه؛ لأن ذلك يضيق الصدر في الصورة، وكذلك ~~يندر جدا أن يرسموا الوجه ناظرا إلى أمام مع الصدر؛ لأن ذلك لا يعطي للأنف كامل ~~هيئته، وكذلك القدمان يرسمهما الرسام دائما كاملتين مهما كان وضع الشخص المرسوم ... أخذت ~~السيدة تشرح لي كيف أن المصري في رسمه للأشياء على هذا الأساس لم يكن جاهلا بقواعد ~~المنظور في الرسم؛ فهو يبدي دقة كبيرة في رسم التفصيلات مما يدل على قدرته وبراعته، ~~بحيث يستحيل بعد ذلك أن نقول: إنه إذا رسم العين كاملة - مثلا - مع أن الوجه ملتفت إلى ~~جانب ولا يظهر العين كاملة كان ذلك جهلا منه بالرسم وقواعده! لكن الأمر أمر «مبدأ» ~~فني يصدرون عنه؛ فقد أرادوا - كما أراد «ماتيس» في عصرنا الحاضر - ألا يتقيد الفنان ~~بقواعد المنظور، على اعتبار أن الصورة الفنية ليست صورة فوتوغرافية تنقل الشيء كما يرى ~~... ولحسن الحظ كان أمامنا صورة أخرى معلقة إلى جانب الصورة التي كانت موضوع الحديث، في ~~هذه الصورة الثانية شخص ممسك في يده بعدد من الطير، يمسكها من أرجلها فتتدلى رءوسها إلى ~~أسفل صفا على هيئة مروحة أو على هيئة الزهرة، والرجل في الصورة متمنطق في وسطه بالثوب ~~المصري التقليدي، لكن الرسام أظهر في الصورة خطوط فخذيه، مع أن فخذيه يغطيهما الثوب فلا ~~يظهران للرائي، فقالت السيدة لي: انظر إلى هذه الصورة مثلا، فلو كان الفنان متقيدا ~~بقواعد المنظور؛ لأخفى خطوط الفخذين لاستتار الفخذين وراء الثوب، ولا يمكن أن نقول إن ~~ذلك جهل منه في التصوير؛ لأننا إذا نظرنا إلى مجموعة الطير في الصورة، وجدنا الفنان قد ms133 ~~راعى فيها قواعد المنظور التي حسبناه يجهلها، فجعل الطائر الأعلى يخفي الطائر الذي خلفه ~~وهكذا ... لماذا؟ لأن هدف الفن المصري هو إظهار «القالب» أو «التكوين» أو «الفورمة»؛ فهو ~~يظهر فخذي الرجل بغض النظر عن الثوب؛ لأنه يريد إظهار «تكوينهما»، أما في حالة ~~الطير فلم ير حاجة إلى إهمال قواعد المنظور؛ لأن «التكوين» أو «الفورمة» قد تحققت له ~~في رءوس الطير التي تدلت على هيئة الزهرة ... والخلاصة أن أساس التصوير المصري هو إظهار ~~«التكوين»، بحيث يستبيح الفنان لنفسه مجاوزة قواعد رسم المنظور إذا ما تعارضت مع إبراز ~~«التكوين»، أما إذا لم يكن ثم تعارض بين المنظور و«التكوين» راعى قواعد ~~المنظور. # واستطردت السيدة في شرحها فقالت: إن المصريين في تماثيلهم لا يلجئون إلى تغيير شيء من ~~المرئي؛ لأنهم في النحت ليسوا بحاجة إلى تغييره؛ إذ تتلاقى قواعد المرئي مع حقيقة الشيء ~~في الواقع، لكن التصوير هو الذي أحدث هذه المشكلة في عصور التاريخ الفني كلها؛ لأن ~~المادة المرسوم عليها ذات بعدين، على حين أن الشيء المرسوم ذو ثلاثة أبعاد، فكيف ~~نتصرف إزاء البعد الثالث؟ أما المصريون واليونان معا، ومعهم الفنان الحديث على أيدي ~~«بيكاسو» و«ماتيس» وغيرهما، فيهملون البعد الثالث ليكونوا أمناء في استخدام المادة التي ~~يرسمون عليها، وبذلك ظهرت رسومهم مسطحة لا محاولة فيها لإبراز البعد الثالث؛ وأما الفن ~~الأوروبي منذ عصر النهضة إلى القرن العشرين، فهو وحده دون سائر عصور التصوير كلها في كل ~~مكان وفي كل زمان، هو وحده الذي خرج على التقليد الفني، وحاول أن يلجأ إلى «التظليل» في ~~الصورة ليظهر البعد الثالث، وكان ذلك خطأ فنيا عظيما، ومجهود المدرسة الحديثة في ~~الفن أن تزيل هذا الخطأ وتعود إلى الطريق الصواب؛ فإذا كنا نريد إظهار الشيء بأبعاده ~~الثلاثة فعلينا بالنحت، أما أن تكون لوحة التصوير مسطحة ذات بعدين، ثم نحاول أن نبرز ~~على سطحها بعدا ثالثا، فخروج على ممكنات المادة التي يعالجها الفنان. # إنه بغض النظر عن هذه اللمحات القوية التي استفدتها من هذه السيدة في فهم الفن ~~المصري ms134 وتقديره، فوالله لقد وقفت مبهوتا أمام المعروضات المصرية؛ إنه لا جديد فيما ~~أرى؛ فقد ألفت أعيننا هذه الأشياء، لكن لا تنظر النظرة العابرة؛ وقف أمام شيء ~~واحد، وادرس تفصيلاته لتدهش وتعجب ... لقد كنت أمس في متحف الفن الحديث، ورأيت تماثيل ~~نحتها قادة هذا الفن في عصرنا، وإني لأقول إذ أقارن بين ما أراه الآن وما رأيته ~~أمس: شتان ما بين الثرى والثريا! ... طاف ذلك بخاطري، لكني لم أقله لزميلتي خشية أن ~~أكون كالطفل الذي يباهي، حتى وقفت هذه السيدة من تلقاء نفسها أمام تمثال جميل وقالت: لو ~~خيرت بين هذا التمثال وحده وبين متحف الفن الحديث كله بما فيه من أرضه إلى سمائه، ~~لاخترت هذا التمثال، يا له من إعجاز في الفن! # وانظر إلى الحلي المعروضة نظرة مدقق، وقل لي أين الفرق بين هذه الأقراط الكبيرة ~~المستديرة التي أراها الآن، وبين ما أراه في أرقى معروضات الطريق الخامس في نيويورك؟! ~~وانظر إلى الأواني الدقيقة الرقيقة ذات «التكوين» البديع الرشيق الرائع ... إن كل آنية ~~منها كأنها فتاة من باريس تعلمت كيف تقف وكيف تتلفت في رشاقة ودلال. # وقفت مع زميلتي الفنانة أمام رأس نفرتيتي (وهي بالطبع نسخة من الأصل المحفوظ في ~~برلين)، وراحت الزميلة تبدي إعجابها الشديد، قائلة إن أستاذها الذي علمها الفنون ~~كان قد درس في برلين، وكان يقول لهم إنه من شديد إعجابه برأس نفرتيتي أحب نفرتيتي حبا ~~جنسيا كما يحب الرجل المرأة يشتهيها ... ثم قالت: وأنا لا ألومه على حبه ذاك، انظر إلى ~~هاتين الشفتين! إن الشفاه في تماثيلكم كلها من أبدع الشفاه في البشر جميعا ... فقلت لها: ~~لولا أن شفتي نفرتيتي تبديان قليلا من شهوة، فقالت: نعم، هذا صحيح، لكنها شهوة في ~~تحفظ الحياء، وفي هذا سر جمالها. # ودعتني الزميلة الفنانة لنلتقي بعدئذ على عشاء ... ورحت أستعرض وحدي بقية المتحف، ~~لكن هل يمكن أن أستعرض كل هذا العالم الزاخر في جزء من يوم؟ فهذه آثار اليونان، وتلك ~~آثار العصور الوسطى، وأخرى آثار العصر الأول في أمريكا وهكذا ms135 وهكذا، كلها معروض في ~~أبهاء فسيحة قوية البناء جميلة التنسيق ذات هيبة وجلال. # وحسبتني قد كدت أفرغ من المتحف، لكني وقعت فجأة على جناح بأسره خصص للفن الأمريكي ~~في التصوير ... فيئست من التتبع والتعقب والدراسة، أقول إني يئست من أن أحيط بأكثر من ~~النزر اليسير من العلم بالفن الأمريكي، فجلست على كنبة هناك لأستريح؛ فقد كان التعب ~~هدني هدا. # وعدت في المساء فالتقيت بالزميلة الفنانة، وحضرنا معا ملهاة سينمائية جميلة ~~عنوانها «جنة القبطان»، ثم تعشينا في مطعم صيني، وهناك على مائدة العشاء دار بيننا حديث ~~ثقافي طويل بلغنا به أعلى ما يمكن لمثلنا أن يبلغه من ارتفاع، وكان الموضوع هو هذا: هل ~~يستطيع الفنان أن يقيد نفسه بقوانين المجتمع وأوضاعه؟ # أما أنا فقد أخذت بوجهة النظر القائلة بأنه يستحيل على فنان أصيل أن يخضع لأي قانون ~~غير ما يشرعه لنفسه من نظام، ومن ثم اتهامه عادة بالشذوذ أو بالجنون؛ فالفنان العظيم ~~هو أولا وقبل كل شيء إنسان ذو خيال قوي يحطم قيود الزمان والمكان، فلا هو يرتبط بعصره، ~~ولا هو يتقيد بتقاليد بلده وقومه، فإذا تخيل الفنان طريقة للعيش ولم يعش وفق خياله ~~كان فنانا ناقص التكوين أو ضعيف العقيدة. # وأما زميلتي الفنانة فقد دافعت بقوة وبراعة وسعة اطلاع عن الفكرة القائلة إن الفنان ~~العظيم لا بد له كسائر الناس من قيود، وضربت لذلك أمثلة كثيرة من الموسيقيين بصفة خاصة، ~~ثم أمثلة أخرى من رجال الأدب؛ فملتن مثلا رجل متدين عميق الإيمان، ولم يمنع ~~استسلامه للعقيدة الدينية من أن يكون شاعرا عظيما، لا بل إنه كان شاعرا عظيما بسبب ~~عقيدته الدينية ... ثم قالت: إنهم صغار الفنانين هم الذين يتظاهرون بالخروج على كثير من ~~الأوضاع والقواعد ليكملوا بهذا الشذوذ نقصا في شخصياتهم؛ وهنا أخذت تسوق أمثلة كثيرة ~~من أدب «توماس مان» خصوصا قصته «موت في البندقية»؛ لأنها قصة عن فنان أعزب أبى أن ~~يتزوج، وأخيرا طفحت به غريزته فمالت به إلى شذوذ حتى أحب غلاما في باريس. # ثم تحدثنا عن الفن ms136 الأمريكي وهل له خصائص تميزه من الفن الأوروبي، فوافقتني على أن ~~الفن الأمريكي يساير المدارس الأوروبية خطوة خطوة ... لكن حديثي معها قد أظهرني على سعة ~~اطلاع عجيبة؛ لأنها تعرف الشيء بتفصيلاته، ولا يكفيها المعلومات العامة كما هي الحال مع ~~معظم مثقفينا في مصر؛ فلو قالت مثلا: إن الفن الفرنسي يتميز بكذا وكذا، راحت تسوق ~~الأمثلة الجزئية من لوحات معينة وهكذا. # وسألتني عن رأيي في نيويورك، وكانت شوارع نيويورك عندئذ تتلألأ بأنوارها، خصوصا وأن ~~زينة عيد الميلاد لا تزال قائمة بروعتها وفنها وجمالها على واجهات المباني الكبرى، فقلت ~~لها: إن من يدرك الفرق بين الكلمتين الإنجليزيتين: # House # و # Home ~~(وأقترح ترجمتها إلى العربية بكلمتي: «منزل» و«مسكن» على التوالي، على اعتبار أن الأول ~~دار للنزول بغض النظر عن سكينة النفس أو عدم سكينتها، وأن الثاني دار تتوافر فيها سكينة ~~النفس وطمأنينتها) يدرك الفرق بين نيويورك وسائر البلاد التي رأيتها؛ فنيويورك «منزل» ~~جميل جدا رائع جدا، نظيف جدا، مصقول جدا، لكن كل شيء فيه يوحي بأن الإقامة هنا ~~موقوتة مرهونة بظروف، وليست هي بالإقامة الدائمة التي تضرب فيها الأسرة بجذورها أجيالا ~~متعاقبة. # إنني أستطيع أن أقول إن نيويورك - بل إن الولايات المتحدة كلها - قد ركزت روائع ~~حياتها في ثلاثة شوارع، هي شوارع «برودواي» للسينمات والمسارح، و«الطريق الخامس» ~~لكبريات المحلات التجارية، و«بارك آفينو» (أو «طريق البستان» إن شئت ترجمة عربية لهذا ~~الاسم) لفنادق ومساكن الطبقة العليا ... ولكل شارع من هذه الثلاثة خصائصه، وأعتقد أن من ~~يدرس بدقة هذه الشوارع الثلاثة فقد درس جانبا مهما من الحياة الأمريكية والذوق ~~الأمريكي حين يبلغ أقصى مداه ... وليس لمثلي أن يقول شيئا عن «طريق البستان»؛ لأنه لن ~~يتاح لي أن أدخل منزلا فيه أو فندقا من فنادقه، وليس الشارع هو ظاهر مبانيه، بل هو ~~ما تحتويه تلك المباني ... لكني أقول عن شارع «برودواي» إنه لا يزيد على شوارع المسارح في ~~المدن الأخرى إلا في الدرجة لا في النوع؛ فلافتات السينما كبيرة تعشي البصر بأضوائها ~~الوهاجة، وحتى المتاجر والمطاعم ms137 في برودواي تساير هذا البريق المتوهج، والناس في هذا ~~الشارع في زحام لا ينقطع، وأعقاب التذاكر تملأ الأرصفة ... وأما «الطريق الخامس» فهو ~~مختلف عن أمثاله في النوع، فلا تستطيع مثلا أن تكبر بالخيال شارعا في مصر ثم تقول إن ~~هذا هو «الطريق الخامس» بنيويورك؛ فليس هو بالمختلف عن ضريبه في القاهرة في أنه أوسع ~~وأن عماراته أعلى ومحلاته التجارية أكبر ... لا، بل هنالك فرق في النوع أيضا، هنالك فرق ~~في الروح، في الذوق البديع البادي في معروضات النوافذ التجارية، وفي جودة الأصناف ~~المعروضة وغلاء أسعارها ... حتى الناس الذين تراهم سائرين في هذا الشارع ساعة الضحى هم - ~~كما يخيل إلي - من صنف مختلف؛ إذ ترى كثيرات من سيدات بمعاطف الفراء يفحن ~~بالعطور ... هن مختلفات عمن ترى في برودواي؛ لأنك ترى في برودواي أخلاطا من ~~الناس. # الانتقال من شارع إلى شارع في نيويورك هو انتقال في المكان لا في الزمن ... ليس في ~~نيويورك غزارة زمنية، ليس فيها رواسب الأيام والقرون، الانتقال بين الشوارع الثلاثة ~~التي ذكرتها: طريق «البستان» و«الطريق الخامس» و«برودواي» - التي تمثل كما قلت جانبا ~~هاما من نواحي الحياة الأمريكية - هو انتقال يدل في امتدادات الزمن على يوم واحد؛ ~~فللطريق الخامس ساعات الضحى، ولبرودواي الساعات الأولى من المساء، ولطريق البستان ~~الحفلات الساهرة التي تقضي ما بقي من الليل وراء ستر من الجدران. # الثلاثاء 29 ديسمبر # ذهبت عصر اليوم إلى متحف «وتني» للفنون، وهو متحف للفنانين المحدثين من الأمريكيين، ~~وكنت في هذه الزيارة على موعد مع زميلتي الفنانة «إ» وصديق لها اسمه «ه» هو وزوجته، ~~وكلهم من المشتغلين بالفن إنتاجا وتدريسا، أخذ كل منا يتفرج وحده، لكني سرعان ما ~~التقيت بزميلتي الفنانة عند صورة عجبت والله كيف يمكن أن يكون فيها أي شيء من الفن ~~لتعرض في معرض كهذا! فهي لا تزيد أبدا عن «شخبطة» يخطها طفل على ورق كما اتفق! وحتى ~~المزيج اللوني لا جمال فيه؛ فالأرضية سوداء وخليط الخطوط عليها بيضاء؛ فقلت لزميلتي ~~«إ»: ما رأيك في هذه الصورة؟ فقالت: ms138 هي من أبدع معروضات المتحف! قلت لها: أتوسل إليك ~~أن تبصريني بمواضع الجمال فيها؛ فلا لون ولا حسن تقسيم ولا شكل، فما جمالها؟! فقالت ~~في استخفاف: آه! جمال! أنت إذا تبحث في الصورة الفنية عن جمال؟! إذا فبينك وبين أن ~~تفهم الفن الحديث مراحل ومراحل؛ فأقل ما ينبغي أن تعرفه هو ألا شأن للفن بالجمال! كون ~~الفن يعرض جمالا هذه فكرة ذهبت وذهب زمانها، إلا إذا أردت أن تنبذ الفن الحديث ~~وتتنكر له كله من تصوير ونحت وموسيقى! قلت لها: هذا شيء عجيب! ماذا إذا تريدين من ~~الفن أن يعرضه إذا لم يعرض جمالا؟ فقالت: أريد شيئا واحدا، هو حرية التعبير، لا أكثر ~~ولا أقل؛ فهذه الصورة التي تسألني عنها فيها حرية التعبير، انظر إلى البساطة التامة في ~~الخطوط والدوائر ... قلت لها: لكن الطفل حين يخطط على الورق كما اتفق يفعل ذلك ببساطة ~~وحرية! فقالت: عندئذ يكون عمل الطفل فنا وإن لم يكن ذا جمال! # هنا انقلب تصوري للأمر رأسا على عقب؛ فقد كنت حتى الآن مستريحا إلى مبدأ أتفرج به ~~على الصور وأقدرها على أساسه، وهو أن أرى جمالا في البناء اللوني للصورة، وفي البناء ~~التخطيطي، وها هي ذي زميلتي الفنانة «إ» تقول: لا، ليس هذا بالأساس الصالح ... أنا لا ~~أقول إن «إ» قد أصابت حتما كل الصواب فيما قالت، لكنها على الأقل قد أفسحت عندي مجالا ~~جديدا للشك والتفكير؛ فأقبح المخلوقات قد يكون موضوعا لصورة فنية أو لتمثال، دون أن ~~يقال إنه ليس فنا بسبب قبحه؛ وإذا فالجمال والفن قد لا يلتقيان أبدا. # خرجنا من المتحف، وصحبنا الفنان الشاب «ه» إلى المبنى الجديد من جامعة نيويورك، وكنا ~~عندئذ على مقربة منه؛ فنحن الآن في حي الجامعة الذي هو شديد الشبه بالحي اللاتيني في ~~باريس ... أطلعنا «ه» في المبنى الجديد للجامعة على رسم حائطي رسمه على أعلى حائط المدخل ~~ويمتد ما امتد الحائط، فعندئذ عرفت أنه - على حداثة سنه البادية - فنان معترف به ما ~~دامت الجامعة قد وكلت إليه ms139 أن يزخرف بناءها الجديد بزخرف تشيع فيه روح الفن ~~الحديث. # أخذت «إ» تبدي لصديقها الفنان بعض ملاحظاتها، وكان يتقبل قولها بصدر واسع رحب، وقد ~~ورد في حديثهما تعليق عني؛ إذ قالت لصديقها: لا يزال الدكتور محمود ممن ينظرون إلى ~~الصورة ويسألون: أين الجمال؟ فضحك الفنان الشاب ضحكة العطف على هذا الذي لم يدخل بعد ~~دنيا الفن الحديث! فقلت له كأنما أعتذر عن فضيحة كبرى: اعتبرني في مرحلة التطهير التي ~~وردت في جحيم دانتي؛ تلك المرحلة التي يجتازها المنتقل من الجحيم إلى الجنة. # الأربعاء 30 ديسمبر # دخلت كنيسة القديس باترك في «الطريق الخامس»؛ إن الروعة لتصادف الداخل حتى لتنحبس ~~منه الأنفاس ويهتز القلب ... النوافذ الملونة غاية في الجمال، والعمد القوطية والأضرحة ~~المرمية البديعة! على كل عمود في الممشى الرئيسي علق إكليل من الصنوبر مزخرفا بشريط ~~حريري أحمر ليرمز إلى شجرة عيد الميلاد، وفي المربع المسور وسط الكنيسة طاقات وطاقات ~~من الزهر الأحمر الجميل، وهنالك في محراب الكنيسة مسرح أقيم من طين على هيئة البيت ~~المتواضع حيث ولد المسيح؛ فيه شخوص تمثل ساعة مولده، وعلى طول المماشي صفوف من ~~الشمع الموقد، كل شمعة في كوب من الصيني ... مئات الناس يدخلون ويخرجون؛ فنيويورك في ~~أزحم أيامها في العام كله بسبب عيد الميلاد ... # جلست هناك على مقعد أنظر: هذه امرأة وطفلاها، ركعت هي وركع معها طفلاها في خشوع أمام ~~أحد الأضرحة المرمية؛ إنني لا أعرف ماذا يدور في رأس المرأة، لكنني أتصور في وضوح نوع ~~الشعور الملغز الغامض الذي يدور في نفس هذين الطفلين، والذي هو أقرب إلى الخوف منه إلى ~~التقديس ... كيف يمكن بعد هذا لمثل هذين الطفلين أن يقبلا أو يتسامحا في أية عقيدة أخرى؟ ~~إذا كان قد بدءا يركعان منذ الآن أمام ضريح من الحجر! # وهذه فتاة راكعة وهي في كامل زخرفها وزينتها من تظليل للجفون إلى تلوين للأظافر، وإنه ~~ليبدو على وجهها أنها جاءت تستغفر زلة أو زلات؛ وهذه امرأة عجوز وقفت في خشوع تضيء ~~الشموع التي انطفأت، وهي بذلك ms140 تعبد الله ... هذا رجل غاية في الوقار وحسن الهندام، ركع ~~أمام مقعده وأخرج من جيبه إنجيلا صغيرا وراح يقرأ لنفسه ... على كل حال، يستحيل لآدمي ~~أن يجلس ها هنا، في هذا الجو الفني من عمارة ونوافذ وتماثيل وأضرحة وأنغام للأرغن خافتة ~~تتردد أصداؤها، دون أن يخشع لمن هو أكبر منه، دون أن يشعر بأنه صغير؛ صغير على الأقل ~~بالنسبة لهذه العمد الرفيعة وهذه القباب العالية ... إنه إذا كانت العقيدة الدينية ~~أكذوبة ضرورية، فيحسن أن تساق الأكذوبة في فن جميل. # خرجت من الكنيسة وقصدت إلى «طريق البستان» ومشيت فيه الهوينا، أنظر إلى الحديقة ~~التي امتدت في وسطه - وهو فيما أظن الشارع الوحيد في نيويورك الذي تمتد في وسطه حديقة - ~~وأنظر إلى أشجار عيد الميلاد العالية المزخرفة التي غرست في وسطه صفا يمتد بامتداده ~~... وصلت في سيري إلى فندق «والدورف آستوريا» المشهور، فدخلت وجلست في بهوه لأستريح ~~أولا، ولأرى الناس يدخلون ويخرجون ... سجاد وزينة وفخامة وضخامة! قلت في نفسي: أفي هذه ~~الأبهة كلها كان مندوبو مصر دائما ينزلون على حساب الفلاح الذي يأكل الخبز الخشن ~~مغموسا في المش، وهو سعيد لو وجد منهما ما يكفيه؟ إي والله، كانوا ينزلون هنا يخبون ~~خبا في هذا العز الذي كان ينبغي أن يترك لأبناء أمة فلاحها يأكل ويكتسي ويسكن إلى ~~بيت! # حضرت الليلة رواية تمثيلية غنائية في مسرح «زيجفلد» اسمها «قسمت» قائمة على الجو ~~الساحر في ألف ليلة وليلة، وهي رواية من فصلين: كل فصل منها ذو سبعة مناظر؛ أما الفصل ~~الأول فمناظره تتدرج من ساعة الفجر إلى سوق في الضحى إلى مناظر في حديقة قصر الوزير؛ ~~وأما الفصل الثاني فتتدرج مناظره من الغروب إلى الفجر، أغلبه «حريم» ورقص وما يظن أنه ~~حياة الوزراء والخلفاء في الإسلام ... المناظر كلها من الفتنة بحيث تنقلك إلى جو من ~~الأحلام؛ إنني إذ أقول ذلك أخشى أن تحمل ألفاظي على المبالغة اللفظية التي لا تعني ~~شيئا من واقع، ولا أدري ماذا أقول لأصف هذا الفن الذي أخرج المناظر واحدا ms141 في إثر آخر ~~إخراجا يسلبك عقلك ووعيك ويتركك سابحا في حلم ... # لكن هل كان يمكن لهذا الجمال كله وهذه الفتنة كلها أن تغرقني في حلم لا أصحو منه ~~حينا بعد حين محزون الفؤاد، مغموم النفس، ضيق الصدر؟! فكم مرة ذكر القرآن في سخرية، ~~وكم مرة ذكر الإسلام في ازدراء، وكم مرة ذكر محمد في استخفاف وتحقير؟ ... كيف جعلوا ~~الوزير المسلم لا يتصرف إلا أن يكون في تصرفه كالأبله المجنون؟ وكيف جعلوا الخليفة لا ~~يتكلم إلا كما يتكلم المجاذيب بغير عقل؟ ... كنت في وسط هذا الجمال كله من مناظر وغناء ~~وموسيقى، ووسط هذا السحر كله من أضواء وظلال تتعاقب وتتغير في لطف وحسن ذوق ورفعة فن ~~إلى درجة لم أكن أتصورها في الإخراج المسرحي؛ كنت وسط هذا كله يعاودني الألم الممض ~~مما أرى وما أسمع، فأتصور نفسي وقد وقفت وسط المسرح صائحا: حرام عليكم أن تنظروا إلى ~~الإسلام وإلى القرآن وإلى محمد هذا النظر بغير دراسة ولا قراءة؛ أمن أجل الإخراج ~~الفني البديع تفتكون بأنفس ملايين من البشر؟! ... وتذكرت عندئذ ما رأيته في واشنطن: ~~مسجد لم يكمل بناؤه لامتناع الدول العربية أن تمده بالعون، وله طابق تحت سطح الأرض، ~~وفي هذا الطابق مركز للثقافة الإسلامية، فيه رجل واحد أو رجلان للدعوة للإسلام في ~~أمريكا! # كم ألف ألف خطبة، وكم ألف ألف مقالة، وكم ألف ألف رجل نحتاجه ليزيل من أذهان ~~الأمريكيين أثر هذه الرواية الواحدة؟! لقد خرج الناس من المسرح مأسورين مبهورين ~~مفتونين، وتلكأت في السير بين جموعهم لأسمع تعليقاتهم، فلم أسمع إلا إعجابا وعجبا ~~من هذا الفن كيف بلغ كل هذا المدى ... وبالطبع في قلب هذا الفن كله لباب سيظل عالقا ~~بأذهانهم لن يزول عنها إلا مع آخر أنفاسهم، وهو أن الإسلام هو هذا الذي استخلصوه مما ~~رأوه وما سمعوه: هو حماقة عقل، وشهوة للمرأة لا تنقضي ولا تنقطع ... فذلك هو شغل الوزير ~~الشاغل وشغل الخليفة الشاغل، بل ذلك هو القرآن وهو محمد ... والمسلمون يصلون في حركات ~~هستيرية تثير الضحك، ms142 والعبادة كلها يشار إليها بما يبعث على الاستخفاف. # وما زلت أفكر في الأمر مهموما، حتى جعلت من نفسي رجلين: رجل يعزي رجلا، فقال ~~الأول للثاني: إذا كانت هذه الحياة التي يسخرون منها لا تعجبهم، فلماذا يتخذون منها ~~معينا لا ينفد ولفنهم؟ فهم ما ينفكون يستمدون من حياة ألف ليلة وليلة النفائس تلو ~~النفائس للسينما وللمسرح؛ إنها حياة لها سحرها رغم أنوفهم، ولولا ما فيها من سحرها لما ~~أحبوها وعرضوها على هذا النحو البديع ... ماذا يغضبك؟ ليت حقيقة حياتنا كانت كل هذا ~~الحرير وكل هذه البدور والحور وكل هذا الشعر والخيال. # الخميس 31 ديسمبر # ذهبت في الصباح إلى ما يسمى «بالمناسك» في الطرف الشمالي من نيويورك، وهو بناء فيه ~~مجموعة أجزاء من أديرة قديمة من أديرة العصور الوسطى، نقلت أحجارها من أماكنها ~~الأصلية في أوروبا، وأعيد بناؤها هنا على ما كانت عليه في إبانها، وأغلب هذه المناسك ~~يرجع إلى الفترة الواقعة بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر؛ أي قبل أن يسمع العالم ~~بشيء اسمه أمريكا. # لأول مرة في نيويورك - بل لأول مرة في الولايات المتحدة - أجد نفسي في مكان ينقلني ~~قرونا إلى الوراء؛ فالنقلة الزمنية هنا بعيدة المدى، تقفزها قفزا بمجرد دخولك هذه ~~المناسك التي قام بناؤها على نحو شبيه بالحصن، فوق قمة صخرية مرتفعة تطل على نهر ~~هدسن؛ تدخل فترى نفسك في غرف ذوات جدران حجرية سميكة، ترن فيها أصداء الصوت؛ وتنتقل ~~من غرفة إلى غرفة إلى معبد إلى محراب إلى حديقة مربعة صغيرة مكشوفة يحيط بها ممر ذو ~~عمد فوقها أقواس قوطية ... نسقت الغرف والأبهاء بآثار قليلة لكنها تفوح بجلال ~~التاريخ والزمن؛ فهي بأسرها من بقايا العهود الدينية في العصور الوسطى، هذا مذبح كان في ~~كنيسة كذا بإيطاليا، وذلك تمثال لمريم العذراء مع وليدها المسيح كان في كنيسة كذا ~~بفرنسا، وهذه الشخوص تمثل تدشين الملك الفلاني على يدي البابا، وهكذا ... المكان كله ~~متحف من نوع فريد في بابه، لحسن اختيار موقعه، ولأنه دليل على القدرة والإرادة والذوق، ~~وأي إرادة ms143 هذه التي تنقل أبنية بأسرها من قارة إلى قارة؟ الأمريكيون يحسون نقصهم في ~~عراقة الزمن؛ لأنهم بلد جديد ناشئ، فراحوا «يشترون» بأموالهم قدم الزمن وجلال التاريخ ~~وروعة الفن ... إنني لا أبالغ إذا قلت إن هذه المناسك هي أفضل ما يزوره الزائر في ~~نيويورك، من حيث غزارة الشعور الذي يكتسبه هذا الزائر وهو واقف هنا أو جالس هناك أو ~~سائر بين أجزائه. # خرجت من المناسك مصمما على أن أقطع نيويورك - أعني مانهاتن - من شمالها إلى جنوبها؛ ~~إذ قررت أن أزور تمثال الحرية وهو في أقصى الجنوب، فركبت قطار ما تحت الأرض ابتغاء ~~السرعة، فلما خرجت على وجه الأرض عند البحر حيث ميناء نيويورك وجدت الجو عاصفا شديد ~~الريح والبرد، يتساقط الثلج خفيفا بحيث لا يتراكم على الأرض؛ لأنه يذوب فور ~~وصوله. # ركبت «المعدية» البخارية إلى جزيرة «بدلو» التي ينهض عليها التمثال، وهي جزيرة ~~صغيرة ليس عليها إلا التمثال ولواحقه ... إنه تمثال بلغ من الضخامة حدا يستحيل تصوره ~~إلا إذا رأته العين ومارست القدمان صعوده؛ فيكفي أن أقول إنك تصعد بمصعد عدة طوابق هي ~~القاعدة، ثم تصعد بعد ذلك سلما حلزونيا داخل التمثال نفسه، عدد درجاته 186 درجة ... ~~فلما بلغنا القمة التي هي تجويف رأس التمثال من داخله، عددت الواقفين في ذلك التجويف ~~وحده فوجدتهم سبعة وعشرين! وفي تجويف الرأس نوافذ من زجاج لتطل منها على ناطحات ~~مانهاتن؛ لا ينبغي أن نطيل الوقوف هناك؛ لأن سيل الصاعدين يتزايد، ولا بد أن نخلي ~~المكان فنبدأ بالنزول ليقف من جاءوا بعدنا؛ الصعود والنزول على هذا السلم الحلزوني ~~فيه كثير من العسر؛ ولذلك تراهم قد أعدوا ثلاثة مخارج في وسط الطريق لمن لا يستطيعون ~~المضي في الصعود، وكان كثيرون يأخذهم التعب فيهربون من هذه المنافذ، لكني مضيت إلى ~~القمة مع من استطاعوا ... وأعجب ما عجبت له أني رأيت هناك أما تحمل رضيعا على ~~ذراعيها، فلا أدري كيف استطاعت الصعود به، وكيف ستستطيع النزول؛ لأنني وجدت من الضروري ~~أن أستخدم كلتا يدي لأطمئن إلى ثبات قدمي ms144 على درجات السلم الضيقة الزلقة ... في تجويف ~~الرأس وعند إحدى نوافذ الزجاج وقف حبيبان ولهانان، كل حركة وكل لفظة وكل نظرة وكل لفتة ~~منهما كانت صارخة بالحب الشديد؛ وقف العاشق الولهان محوطا حبيبته بذراعيه، ومال ~~برأسه إلى أسفل كي يجعله في مستوى رأسها، كأنه يريد أن ينظر بعينيها لا بعينيه، يعز ~~عليه ألا يرى ما تراه هي بالضبط والدقة، وأظنه ود لو استطاع أن يدخل معها في إهاب واحد، ~~وبعد أن نظروا إلى البحر وإلى نيويورك وما يجاورهما ملء عيونهما، قبلها وبدءا ينزلان ~~السلم؛ إنه لم يرد أن تفلت منه هذه الوقفة النادرة دون أن يخلدها في حياته ~~الشعورية بقبلة. # تمثال الحرية - كما هو معروف - هدية أهداها الشعب الفرنسي إلى الشعب الأمريكي، وقد ~~أقيم في مكانه عام 1886م، وقوامه امرأة تمثل الحرية عند مدخل القارة الجديدة، حطمت ~~عن يدها قيدا تراه ملقى عند قدميها، ورفعت بيمناها شعلة الحرية، وخطت بإحدى قدميها ~~خطوة إلى أمام، وحملت في يسراها قرصا كبيرا كتب عليه «4 يوليو 1776م» (وهو اليوم ~~الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة استقلالها). # وفي المساء ذهبت إلى دار الأوبرا حيث شاهدت رواية «فلادرماوس» - ومعناها الوطواط - ~~ولقد بلغت قاعة الدار حد الكمال من الروعة والفخامة؛ فقد كسيت الأرض كلها بالقطيفة ~~الحمراء الجميلة ... وظهرت في الفصل الأوسط من فصول الأوبرا راقصة عجيبة هي «ماركوفا» ~~التي قيل لي عنها إنها أبرع راقصات العالم ... وإن براعة رقصها لم تكن تحتاج مني إلى شدة ~~فهم في الفنون، فتستطيع كل عين أن ترى خفة هذه الراقصة العجيبة في رقصها، كأنها ريشة في ~~مهب النسيم؛ إنها حقيقة جسم بغير ثقل ولا كثافة، إنها هواء طائر ... سبحانك ربي! ما هذا؟ ~~أليس هناك قانون للجاذبية يتحكم في جسم هذه الراقصة كما يتحكم في سائر الأجسام؟! # وخرجت من دار الأوبرا قبيل منتصف الليل، وعدت في طريقي إلى الفندق، مصمما أن أتلكأ ~~حتى ينتصف الليل وأنا في «برودواي» لأرى ماذا يحدث أول قدوم العام الجديد ... ولم ألبث أن ~~رأيت نفسي في كتلة ms145 بشرية مصمتة لا أتحرك فيها بإرادتي، إنما هي التي تدفعني هنا أو هناك ~~... وبعد أن كافحت كفاحا مرا لأخرج من الزحام الذي خيل إلي أنه يمتد إلى ما لا ~~نهاية، وصلت إلى حاشية الزحام ... تسعة وتسعون من كل مائة في هذه الزحمة رجال، وكانوا ~~كلما رأوا في الجموع الحاشدة امرأة تزاحموا عليها ليظفروا منها بقبلة العام الجديد، على ~~أن أهم ظاهرة رأيتها، بل الظاهرة التي لا ظاهرة سواها، هي الزمارات؛ فكل رجل في فمه ~~زمارة يزمر بها، حتى أنتج ذلك الأمر خليطا صوتيا عاليا مزعجا، وكان بائعو ~~الزمارات على أرصفة الشوارع يبيعون للناس في سيل لا ينقطع ... لكي أعطي صورة رقمية ~~دقيقة، أقول إني لم أر في هذه الألوان المتزاحمة من قبل امرأة إلا ثلاثة؛ وانتصف ~~الليل فلم تطفأ الأنوار كما توقعت، ولم يحدث التقبيل على النطاق الواسع الذي يحدث في ~~لندن عند كنيسة القديس بولس إذا ما دقت ساعة الكنيسة الثانية عشرة ليدخل الناس في سنة ~~جديدة. # إن من يأتي إلى أمريكا ثم يعود حاملا معه رأيا غير أن الأمريكيين من أشد الناس ~~تحفظا في أخلاقهم وتزمتا في العلاقة بين الرجل والمرأة، فهو كذاب يصر على أن يقول ما ~~لم تر عيناه، جاء إلى أمريكا وملء رأسه إشاعة، وعاد دون أن يأذن لملاحظته الشخصية أن ~~تصحح إشاعة خاطئة. # الفصل الرابع # | عودة إلى الجنوب # الأحد 3 يناير # الشمس غاربة والجو رائع والسماء صافية؛ فأخذتني الآنسة «أ. ر» التي تعد عدتها ~~للذهاب إلى مصر عاما دراسيا؛ حيث طفنا بسيارتها حول كولمبيا لنرى الطبيعة وهي في ~~أروع حالاتها: غابة نشقها بالسيارة لنبلغ بحيرة ساعة الغروب، والغروب في كولمبيا جميل ~~دائما؛ فهو قرمزي اللون على نحو نادر؛ ثم مررنا على بستان للزهور - هو الآن خال من ~~زهوره لبرد الشتاء - ونزلنا ودخلنا البستان وصاحت الآنسة منادية، فخرج من بيت صغير هناك ~~رجل كهل لكنه متورد الوجه، وصحته جيدة ونشاطه موفور، وهو مالك البستان يشرف فيه على ~~إنبات زهور الكاميليا، وضع على كل شجرة ورقة ms146 كتب عليها ما يدله على حقيقة تلك الشجرة ~~وتاريخها وما إلى ذلك ... الطريقة التي أبدت بها الآنسة «أ. ر» اهتمامها بالزهور، ~~والتي يبدي بها الناس اهتمامهم بها تثير العجب حقا؛ فاهتمامهم خاص لا عام؛ أي أن ~~الأمر ليس عندهم أمر «زهور» بصفة عامة - وهذه هي أعلى درجة يبلغها مصري يدعي أنه محب ~~للطبيعة - بل اهتمامهم بزهرة معينة في ظروف معينة بالكاميليا مثلا أو بالأزاليا، كيف ~~تكون في الشتاء، وكيف يحول البرد أحمرها إلى لون قرمزي وهكذا وهكذا، حتى ليكادوا ~~يعطون كل زهرة اسما بمفردها، على نحو ما نطلق على كل طفل اسما خاصا إمعانا في ~~التخصيص والتفرد؛ والحق أنه لا اهتمام بغير هذا التخصيص في العاطفة التي تربط بين ~~الشخص وبين من يهتم به أو ما يهتم به، لا عجب أن ترى هنا في كولمبيا وحدها نحو مائة ~~ناد للزهور، كل ناد يتخصص في شيء يحبه أعضاؤه ... والذي يهتم بزهرة معينة كالكاميليا ~~مثلا، يغلب أن يكون على اتصال بمن يهتمون مثل اهتمامه حتى لو كانوا على بعد أميال ~~منه، وتراه يعرف الفروق الدقيقة بين هذه الزهرة في حديقته وبينها في حديقة فلان في ~~البلد الفلاني ... فلقد قلت لهذا الرجل الذي استقبلنا في بستانه وطاف بنا بين أشجاره: ~~إنني رأيت زهورا رائعة كبيرة الحجم من زهور الكاميليا في بستان رجل اسمه القاضي «ه» في ~~مدينة أوجستا، فوجدته يعرفه ويعرف بستانه، وراح يذكر أدق الفروق بين الكاميليا عنده ~~وبينها عند القاضي «ه». # الإثنين 4 يناير # لبيت في المساء دعوة الدكتور «ب» الطبيب، وكنت واحدا من كثيرين مدعوين، لكني كنت ~~موضع اهتمام خاص لمصريتي ... قالت لي زوجة الطبيب متفكهة إنني المصري الثاني الذي صادفته ~~في حياتها، أما الأولى فكليوباتره! ... سئلت في هذا الجمع أسئلة عن مصر دالة على جهل ~~السائلين بها جهلا غير مألوف: فهل مصر تقع في المنطقة الأفريقية التي بها ذباب تسي ~~تسي؟ ... # جلست معي الآنسة «م» ابنة الطبيب، وهي في نحو الأربعين من عمرها، وتعمل في وظيفة ~~حكومية في بولتيمور، ms147 كانت مثلا قويا واضحا لضرورة اتساق أجزاء الثياب والزينة مع ~~الشخصية؛ فقد كانت تلبس قرطا كبيرا يملأ نصف صدغها، وبه أجزاء تتدلى منه لتشنشن مع ~~حركة الوجه شنشنة توحي بأنوثة لابسته؛ لكن الآنسة «م» مسترجلة الوجه ناشفة النظرات، ~~عريضة الصوت حادة اللفتات؛ وإذا فقد كان هذا القرط في أذنها صارخا يقول بأعلى صوت: ~~ليس هذا مكاني. وكذلك كانت تلبس فستانا للسهرة لم يصنع إلا لسيدة فيها رخاوة ~~الأنوثة ورقتها؛ فهو نشاز على رجل أو من تشبه الرجل، وكان خيرا لهذه الآنسة المسترجلة ~~أن تلبس ثوبا بسيطا وتتحلى بحلي صغير الأجزاء بسيط كذلك. # ثم جاءت بعدها آنسة أخرى تحدثني، هي الآنسة «ن»، راحت تحدثني عن شغفها بتربية الماشية ~~وقد كانت منذ طفولتها تحب رعاية الماشية وهي - كما تقول - محبة للحيوان حبا غير مألوف ~~في أوساط الناس؛ فهي تحب البقر والخيل والكلاب والقطط، وهي تجيد ركوب الخيل وفخورة ~~بكلابها، وعندها قطتان، وقد رغبت بشدة في أن أزور معها مرعى أخيها. # كلتا الآنستين «م» و«ن» واسعة المعرفة بالعالم الخارجي؛ لأنهما سافرتا إلى الخارج عدة ~~مرات؛ ذهبت الآنسة «ن» إلى معظم البلاد الأوروبية كما ذهبت إلى اليابان؛ وكذلك سافرت ~~«م» ابنة الطبيب إلى أوروبا مرات كثيرة، كانت في كل مرة تقضي إجازتها مشيا على قدميها ~~ومتاعها على ظهرها. # نظرت إلى الغرفة التي كنا بها، فوجدتها لا تستلفت النظر بأي شيء غريب فيها، لكني سألت ~~نفسي: هل يمكن أن تجد غرفة كهذه في بيت مصري؟ وكان الجواب: هذا محال؛ لأن ذوق التأثيث ~~مختلف عندنا؛ فعندنا يكون تصنيف الأثاث بين غرف المنزل تصنيفا حاد الفواصل فلا ~~اختلاط في الأمر؛ غرفة الجلوس هي غرفة للجلوس في كل أثاثها، وكذلك غرفة الأكل وغرفة ~~النوم وغرفة المكتب ... لكن انظر إلى هذه الغرفة مثلا، تجد رفوف المكتب على جدرانها، ~~وتجد بها الراديو (الراديو عندنا حسب قواعد تصنيف الأثاث لا يكون في غرفة استقبال ~~الضيوف)، وتجد الكراسي مختلفة أشد اختلاف وكذلك المناضد؛ أما عندنا فالأثاث يشترى ~~طاقما طاقما ... فما معنى ذلك؟ ms148 معناه الواضح هو أن هؤلاء الناس يجعلون الأثاث ينمو مع ~~الزمن قطعة قطعة؛ إذ ليس من المعقول أن يشتري صاحب البيت هذه الكراسي المختلفة وهذه ~~المناضد المتباينة كلها في يوم واحد! أما نحن «فنجهز» المنزل عند الزواج تجهيزا ~~كاملا، ثم يتدهور الأثاث مع الزمن. # ومعناه كذلك أن الناس هنا يحتكمون إلى أذواقهم فيما يشترون، ويراعون المكان وما ~~يناسبه؛ وأما نحن «فالجهاز» في واد والمكان الذي يوضع فيه في واد آخر؛ وقد يحدث أن ~~يشترى «الجهاز» قبل أن يعرف أين يوضع ... ولم أذكر شيئا عن التحف الفنية من ~~صور وقطع صغيرة تملأ أرجاء الغرفة؛ الفن والذوق جزء لا يتجزأ من أثاث البيت، وليس هو - ~~كما هي الحال عندنا - شيئا ثانويا يفكر فيه بعد أن يكتمل في الجهاز كذا طاقما من ~~أدوات الشاي وكذا مفرشا للسرير وكذا حشية ووسادة! لماذا لا ننقص المفارش مفرشين لنشتري ~~تحفة؟ لا على أن التحفة «مظهر» بل على أنها بنفس الضرورة التي نشتري بها الكراسي ~~والأطباق؛ لأن المكان الذي نعده بيت لا دكان ... هل رأيت في الدنيا - ما عدا مصر - ~~شيئا اسمه غرفة الضيوف؟ تقفل ولا تفتح إلى حين يأتي الزائرون؟ لماذا ندفع أجرا ~~شهريا لغرفة لا نجلس فيها كل يوم؟ # إن المقارنة بين غرفة واحدة هنا ونظيرها في مصر كفيلة أن تظهر الفرق بين حياتين ~~وعقلين ووجهتين للنظر ... إن في هذه الغرفة التي كنا بها دفئا عاطفيا ينم عن الحياة، ~~مصدره كثرة ما فيها مما يعبر عن شخصيات أهلها، بمعنى أنك لن تجد في معرض للأثاث - ~~مثلا - غرفة بهذا التنظيم وهذه المحتويات؛ أما «غرفة الجلوس» عندنا في مصر فلا فرق ~~بين أن يكون طاقمها في المنزل أو في دكان الأثاث، نشتريها من الدكان هكذا، ثم لا نضيف ~~إليها ولا ننقص منها؛ ليس فيها أثر لأهل الدار؛ أعني أنها خالية من علامات الحياة، ~~فلا فرق بين أن يكون في البيت سكان أو لا يكون؛ إنها غرفة بغير تاريخ، لم تتراكم على ~~محتوياتها آثار الزمن إلا بمعنى واحد، ms149 وهو أنها جديدة أو بالية؛ إنها غرفة لم تنم ~~مع حياة الأسرة، إنها لم تزد عنها في بدايتها ولم تتطور ولم تتغير، سوى أنها بعد أن ~~كانت تلمع لجدتها انطفأت لمعتها مع القدم؛ إن الغرفة عندنا جزء من «منزل» وليست ~~جزءا من «مسكن» (وأنا أريد أن تعبر هاتان اللفظتان عن الكلمتين الإنجليزيتين: # house # و # home ~~)؛ فهو ~~«منزل» للجسم ينزل فيه، لكنه ليس «مسكنا» تسكن إليه النفس وتهدأ وتطمئن ~~وتستريح. # إذا قلنا إن التفكير الإنساني إزاء العالم نوعان: نوع يفترض أن العالم قد بدأ كاملا ~~ولا جديد فيه إلا أن تتحرك أجزاؤه من مكان إلى مكان؛ ونوع آخر تطوري يفترض أن ~~العالم ينمو ويزداد ويكبر ويحمل في ثناياه آثار الزمن والخبرة والذكريات؛ فإن الغرفة ~~المصرية دالة على عقلية من النوع الأول، والغرفة التي كنا بها مساء اليوم دالة على ~~عقلية من النوع الثاني؛ غرفتنا كعقلنا راكد جامد كقطعة الحديد البارد، وغرفتهم كعقلهم ~~متغير متطور حي؛ غرفتنا صنعتها أدوات النجار فإن دلت على صناعة فهي لا تدل على فن، وأما ~~غرفتهم فقد صنعتها أمزجة تختار وأذواق تنتقي، فلا عجب أن يروي المضيف إلى ضيفه عن أثاثه ~~قطعة قطعة، أين ظفر بها، وما العلاقة في اللون أو في الذوق أو في الشكل بينها وبين ~~القطع الأخرى؛ وأما نحن فلا نستطيع أن نقول عن أثاث بيتنا تاريخا، كل ما نستطيعه هو أن ~~نقول إننا اشتريناه من الدكان الفلاني؛ تأثيث المنازل عندنا أشبه بتأثيث العيادات أو ~~الفنادق أو مكاتب الحكومة، المهم فيه أن يكون هناك كذا مقعدا وكذا منضدة وكذا سريرا ~~وكذا من مفارش وفوط، ونباهي عند «تجهيز» العروس أننا لم ننس من لوازم البيت شيئا ... ~~وكم يحدث عندنا أن يشترى الأثاث دون أن يراه من سيستعملونه؛ إذ قد يسافر والد العروس ~~مثلا إلى دمياط ليشتري «الأخشاب» ... إي والله، جهازنا «أخشاب» يرص بعضها إلى بعض، ~~وتدخل العروس ويأتي الزائرون المباركون، فيفرجونهم على «المعرض»، يفرجونهم على ~~الدكان الجديد الذي افتتحوه ... # ولكن لماذا نعجب والأمر كله مرتبط ms150 بعضه ببعض؛ فالزواج نفسه عندنا لا حب فيه؛ إن ~~الزوج لم يختر كما لم تختر الزوجة، المهم في الزواج أن يكون في البيت رجل وامرأة، فإذا ~~كان الرجل ذا دخل معين أو وظيفة معينة، انتهى الإشكال كله، كذلك ينتهي الإشكال بالنسبة ~~إلى الزوجة إذا كانت ابنة فلان وشكلها كيت وكيت ... يقولون: ممن تزوجت فلانة؟ والجواب: ~~من دكتور! يعني أن أي دكتور فيه الكفاية؛ وكذلك يقولون: ممن تزوج فلان؟ والجواب: من بنت ~~فلان! يعني أن المهم هو أبوها وظروفه؛ فهل ينتج عن ذلك إلا منزل يؤثث على أساس ~~الاستغلال وبغير ذوق ولا حياة؟ أقول الاستغلال؛ لأن العريس يريد لنفسه أكبر كمية ممكنة ~~من السلع، فذلك نفسه هو أساس اختياره لزوجته ذاتها ... ليس الزواج عندنا ازدواجا بين قلب ~~وقلب أو اتحادا بين عقل وعقل، بل مزاوجة بين مجموعتين من الظروف. # وأعود إلى غرفة جلوسنا وغرفة جلوسهم، فأقول إن الفرق بينهما هو الفرق الكبير العميق ~~الواسع العريض بين عقل وذوق يبتكران وعقل وذوق يقلدان؛ كل غرفة هنا تحمل طابع ~~أصحابها، فلا تستطيع أن تتنبأ بطريقة تأثيث البيت قبل أن تراه، وأما عندنا فيمكنك أن ~~تحكم على البيت غرفة غرفة كيف أثث؛ لأننا لا نختار بأذواق شخصية، ونترك معظم ~~الاختيار للنجار الذي صنع «الطاقم»، والنجار بدوره ناقل ينسخ ما هو مرسوم في ~~النموذج. # الخميس 7 يناير # كنت في دار الإذاعة اليوم، سألتني المذيعة في حوارها معي حوارا مذاعا: أين قضيت ~~إجازة عيد الميلاد؟ فلما قلت لها إني قضيتها في واشنطن ونيويورك، طلبت مني أن أحدثها ~~- وأحدث المستمعين معها - عما استرعى نظري من خصائص في هذين البلدين ~~الكبيرين. # فقلت: إني أستطيع أن ألخص الخصائص الأمريكية كما شاهدتها في كلمة واحدة هي ~~«الانطلاق»، الانطلاق الذي لا يعرف الحدود بل الذي يتحدى كل الحدود، الانطلاق في كل ~~شيء؛ فإذا كانت الشوارع في بلاد العالم قد حددها العرف باتساع معين، فالشوارع هنا ~~تضرب هذا الاتساع في ثلاثة أمثال أو أربعة؛ وإذا كانت المباني في بلاد العالم قد حددها ms151 ~~العرف بارتفاع معين، فالمباني هنا تضرب هذا الارتفاع في عشرة أمثال أو عشرين ... وهذا ~~الانطلاق النفسي من قيود العرف المألوف قد وجد سبيله كذلك في بريق الألوان؛ فالألوان ~~أينما سرت كانت تستوقف النظر، بل كانت تخطف البصر: بريق الأقراط في آذان السيدات، ~~وبريق أربطة الأعناق على صدور الرجال، والجوارب في سيقانهم بألوانها الزاعقة، وبريق ~~الزينات التي علقت في كل مكان بمناسبة عيد الميلاد، وكادت كل سيدة أن تضع على صدرها ~~طاقة من ورد صناعي مزخرف فيه كرات ملونة بألوان صارخة، ثم متاحف الفن، إذا ما دخلت ~~غرفة بها لوحات من الفن الأمريكي كان الأرجح أن أرى ألوانا غاية في السطوع واللمعان ... ~~إذا شئتم فسموا هذا الانطلاق حرية في التعبير عن النفس، حرية لا تكتم نفسها بالضوابط ~~المصطنعة من غير داع؛ يضحك الأمريكي من كل قلبه، فليس هو كالإنجليزي يضحك من رأسه ~~ضحكا مكبوتا؛ ويعبر الأمريكي عن نفسه تعبيرا واضحا في لغة واضحة من غير لف أو ~~دوران. # سألتني المذيعة فيما سألت: لا بد للإنسان في حياته من نسق في الحياة يجري على مبادئه ~~وسننه، هكذا يقولون، فما معنى ذلك؟ # قلت لها: هذا الكلام مشكوك في صحته؛ فلا ينبغي أن يكون لأي إنسان نظام معين إلا إذا ~~أراد أن يجعل من نفسه آلة صماء؛ وهنا تجب التفرقة بين حياة الإنسان العلمية وحياته ~~العادية التي تبلغ مداها في الحياة الفنية ... نعم، إنه في الحياة العلمية يجب أن يكون ~~منطقيا صارم المنطق، وبذلك يبني نظاما مسلسل الخطوات؛ أما الحياة العادية فلا بد أن ~~تكون حرة؛ لأن الحياة لدنية تلقائية، ومعنى ذلك أنها حرة فيما تأتي به اللحظة ~~القادمة؛ الحياة لا تعرف النظام الصارم؛ فشجرة الورد لا تحدد نفسها إلا في حدود ~~عريضة، وهي أن تنتج وردا، أما كم وردة تنتج وكم فرعا وكم يكون ارتفاعها، فذلك كله فيه ~~كثير من المفاجأة؛ الحياة في حريتها هذه كالنهر المتدفق، إذا قسنا ماءه وسرعته فذلك ~~على سبيل التقريب، وهناك دائما مجال للاختلاف نحو الأكثر أو الأقل ms152 ... الإنسان رغبات، ~~وكل ما يطلب من نظام وتنظيم الرغبات ألا تهدم صاحبها، وبعد ذلك لا بد أن يترك ~~للإنسان حرية التعبير عن هذه الرغبات تعبيرا يقوى حينا ويضعف حينا، ويشذ حينا ~~ويستوي حينا؛ إن في هذا الفرق بين الدول الدكتاتورية والدول الديمقراطية؛ فالدول ~~الدكتاتورية تريد أن تجمد الحياة في «نظام»؛ وأما الديمقراطية فتترك المجال واسعا ~~للاختلاف والتغير، لو كانت الحياة خاضعة لنسق منظم لكانت كلعبة الأطفال التي ترص ~~فيها مكعبات الخشب ليكون منها منزل، فإذا ما رصت المكعبات مرة واحدة تم كل شيء إلى ~~الأبد، ولم يعد مجال لتجديد أو خلق وابتكار. # السبت 9 يناير # من أخبار الفن هذا الأسبوع خبر فيه دلائل كثيرة على الخلق الأمريكي، ومؤداه أن ~~أمريكيا ثريا اشترى ديرا قديما في إسبانيا، بناه الملك ألفونسو السابع عام 1141م ~~في قرية ساكرامنيا، وفك بناء الدير حجرا حجرا (به خمسة وثلاثون ألفا من الأحجار)، ~~وشحنت الأحجار إلى الولايات المتحدة حيث أقيم من جديد عند مدينة ميامي على شاطئ ~~فلوردا، تلك المدينة المشهورة التي يؤمها ألوف إبان فصل الشتاء، وسيتم افتتاح الدير ~~هذا الأسبوع، وسيكون دخوله بأجر قيمته دولاران للشخص الواحد. # أقول إن هذا النبأ دليل على أشياء كثيرة من الخلق الأمريكي: ففيه جرأة التفكير ~~وغرابته، وفيه انتباه إلى الآثار الفنية مع عين تنظر إلى الجانب المادي من الموضوع، ~~وفيه رغبتهم الشديدة في جعل أمريكا تحمل من الآثار الدالة على تقادم الزمن ومر التاريخ؛ ~~لتكون أمريكا ذات آثار تاريخية كسائر البلاد! ... إنني وأنا على سطح عمارة «إمباير ستيت» ~~في نيويورك - وهي أعلى عمارة في العالم بها 102 طابق - ورد على خاطري الفرق بين ~~الأمريكيين والأوروبيين في الأعمال الهندسية؛ فحين أرادت فرنسا - مثلا - أن تقيم ~~دليلا على المهارة الهندسية، أقامت برج إيفل الذي يدل على القدرة لكنه لا يفيد، وأما ~~الأمريكيون حين أرادوا إظهار القدرة الهندسية فقد أقاموا هذه العمارة الجبارة لتفيد ~~وتدر المال. # الأحد 10 يناير # الليلة موعد الكلمة التي سألقيها في جماعة «التوحيديين» عن مبادئ الإسلام؛ ~~و«التوحيديون» جماعة ms153 مسيحية تنكر بنوة المسيح لله، وهم قليلون نسبيا في أمريكا ~~بالقياس إلى أتباع المذاهب المسيحية الأخرى، لكنهم مرتقون في ثقافتهم بصفة عامة. # إنني فخور بنفسي فخرا أحسه الآن في دورة الدم وفي التنفس! إنني مليء بالزهو؛ لأنني ~~في محاضرة اليوم عن مبادئ الإسلام قد بلغت - فيما أعتقد - أكمل ما يتمناه متكلم لنفسه ~~في بسط وجهة نظره، وقد بدأت كلمتي بشيء من التحدي، قائلا إنني يا سادة ربيت في ظل ~~الإسلام ونشأت في أحضانه وعلى مبادئه؛ لذلك فربما أكون قد عميت عن نقائصه، وسأشرح لكم ~~الليلة مبادئه، وإني لأعترف لكم بالفضل ما حييت لو تفضلتم بعد كلمتي ففتحتم عيني على ~~النقائص التي ربما عميت عنها، فإن لم تجدوا كان لزاما عليكم - لا أقول أن تدينوا بدين ~~غير دينكم - بل أن تكفوا عن الاستخفاف بديانة يصعب عليكم أن توجهوا إليها النقد ~~والتجريح. # وبعد ذلك فصلت الحديث في المبدأ الأول للإسلام، وهو التوحيد الذي جاء الإسلام به ~~محققا لاستمرار الديانتين السابقتين الكبريين، وهما اليهودية والمسيحية، لكنه صحح ~~أخطاءهما؛ أعني أخطاء الناس في تأويلهما؛ أما اليهودية فالإسلام مثلها يريد أن يكون ~~الله واحدا وحدانية مطلقة غير مشروطة بأي شرط، لكن الإسلام لم يجعل الله - كما جعله ~~اليهود - إقليميا محليا خاصا بشعب معين مختار دون سائر الناس؛ إذ يريد الإسلام ~~أن يكون الله للبشر كافة بغير تفريق. # وكانت المسيحية قد حققت هذا التعميم الإنساني للدين، لكنها من جهة أخرى عددت الله ~~في تثليث، فجاء الإسلام يأخذ بما أخذت به من تعميم بغير تمييز، لكنه وحد الله ولم ~~يثلث. # وبعد إفاضة القول في التوحيد الذي يميز الإسلام، شرحت في اختصار سائر مبادئ الإسلام ~~من صلاة وصيام وزكاة وحج، مبينا قدر استطاعتي ما ينطوي عليه كل مبدأ من فلسفة ~~وراءه. # وبدأت المناقشة، وهي التي ملأتني زهوا بنفسي؛ فقد هوجمت بأسئلة من كل أرجاء القاعة، ~~فوهبني الله قدرة على الرد السريع لكل سؤال ردا مفحما، حتى لقد قال لي أحد ~~الموجودين إنه يعجب لماذا لم أشتغل بالمحاماة لأكسب ms154 ملايين الدولارات؛ لأنه - هكذا قال ~~لي - لم ير في حياته رجلا بهذه السرعة في الإدلاء بالحجة التي تدفع الخصم ~~دفعا. # سئلت عن الإسلام أسئلة شتى: الإسلام والحب، الإسلام والحرب، الإسلام والمرأة ... إلخ ~~إلخ، وكنت دائما موفقا، وكال لي الحاضرون إعجابا وتقديرا، وجاءتني السيدة «ب» ~~- وهي من أكثر الناس أرستقراطية وترفعا - ولبثت تبدي لي من الإعجاب ما ملأني ~~زهوا، كما جاءت السيدة «س» تبدي إعجابها هي الأخرى، قائلة إن طريقتي في رد الاعتراضات ~~التي وجهت كانت معجزة؛ فقلت لها: يا سيدتي ليس في الأمر إعجاز، إنما المسألة كلها ~~هي أن الناس لا يعرفون الإسلام وأنا أعرفه؛ الناس يحكمون على الإسلام دون أن يقرءوا عنه ~~حرفا واحدا ... # رأيي هو أن المسلمين لو أرادوا لدينهم دعاية في البلاد المسيحية، ولا أقصد تبشيرا ~~يثني الناس عن عقائدهم؛ لأن العقائد عندي كلها سواء فيما تؤديه للقلب من إشباع عاطفي، ~~بل أقصد الدعاية التي تجعل الأمم المسيحية تدرك مجرد إدراك أن الإسلام دين في مستوى ~~المسيحية واليهودية، ويزيد عليهما أنه جاء بعدهما فأدرك ما لم يدركاه من سلامة توحيد مع ~~اتساع أفق ليسوي بين البشر أجمعين؛ فأكمل خطة هي أن يبرز متكلمونا أوجه الشبه بينه ~~وبين تينك العقيدتين لا أوجه الاختلاف ... والحقيقة أنها ديانات ثلاث كالأفرع من شجرة ~~واحدة، كلها سامي وكلها يدين بإله هو هو نفسه في العقائد الثلاثة ... فهل يأتي يوم ~~يتآخى فيه البشر بقلوبهم كما أراد لهم الله أن يتآخوا؟ # الإثنين 11 يناير # مطر متصل مع جو دافئ؛ جاءني طالب في مكتبي بالجامعة، وهو ممن يحضرون لي محاضرات ~~الفلسفة اليونانية، وهو معيد بالجامعة في قسم الرياضة ... وطلب مني أن يحدثني حديثا ~~خاصا فيما يشغل باله من شكوك دينية؛ جلس والقلم الرصاص على ظهر أذنه كما هي حاله ~~دائما، والسيجارة في فمه. # قال: أنا لا أومن بالمسيحية؛ فقلت له: وماذا تريدني أن أصنع لك في هذا؟ قال: إما أن ~~تؤيدني في شكي هذا، أو أن تهديني فلسفيا إلى الطريقة التي يمكن بها أن أقتنع ms155 وأومن ~~بهذا الكلام الفارغ الذي يقولونه في الكنائس ... فأخرجت له قطعة من الورق، ورسمت خطا ~~يقسم الورقة قسمين، وكتبت له في قسم منهما كلمة «وجدان»، وفي القسم الآخر كتبت كلمة ~~«منطق»، وقلت له: اسمع، الكلام الذي يقوله الناس قسمان: قسم يخضع للمنطق وهذا تجوز فيه ~~المناقشة؛ وقسم يخضع للوجدان والمشاعر والذوق وهذا لا تجوز فيه المناقشة، فإذا قرأت عن ~~المسيحية وسمعت عنها فتأثر قلبك واهتزت مشاعرك فاعتقد فيها، وأما إذا فعلت ولم تتأثر ~~فلا تعتقد، وليس لمخلوق عليك من سلطان؛ لأنك قد سمعت ما يقولونه فلم تتأثر، إذا فقد ~~انتهى الإشكال. # قال: لكن لموقفي هذا نتائج كثيرة؛ قلت: ماذا؟ فقال: إني خاطب، والناس هنا متزمتون ~~في الدين، فأول زيارة زرتها لأسرة خطيبتي في الريف، واجتمع أهلها معي على عشاء، دار ~~الحديث كله تقريبا على حسرتهم العميقة؛ لأن واحدة من أسرتهم البروتستانتية ستتزوج من ~~شاب كاثوليكي، واعتبروا فتاتهم هذه في حكم من ماتت ... فلما خلوت إلى خطيبتي قلت لها: ~~اسمعي، إني لا أومن بالمسيحية كلها من أولها إلى آخرها، فانظري في أمرك وقرري؛ ومنذ ذلك ~~اليوم ونحن في جدل كل يوم، خصوصا ما نريده لأطفالنا حين يكون لنا أطفال؛ فأنا مصمم على ~~أن يكون الاتفاق صريحا منذ الآن ألا ينشأ أطفالي على خرافات دينية فارغة، بل ~~يتركون حتى يشبوا، ولهم أن يختاروا لأنفسهم بعد ذلك ما شاءوا؛ وأما هي فمصممة على ~~أن نكون مسيحيين قبل كل شيء. # قلت له: إذا استمر الخلاف بينكما على هذا النحو، فهل يؤدي إلى فسخ الخطبة؟ فقال: لا، ~~لا أظن ذلك؛ لأننا نحب أحدنا الآخر، لكني لا أريد التساهل في هذه الأمور منذ الآن؛ إنها ~~امرأة ككل النساء تريدني أن أصحبها إلى الكنيسة وأنا لا أحب ذلك؛ فالمرأة لا تحب أن ~~تذهب إلى الكنيسة وحدها، وهي تقول لي: واجبك أن ترافقني إلى الكنيسة يوم الأحد لأستمد ~~منك القوة، فأجيبها بقولي: كيف أمدك بما ليس عندي؟ إنني غير معتقد، فكيف أبث فيك ~~العقيدة؟ ... وقد أردت التفريج عن ms156 كربها مرة، فذهبت معها إلى الكنيسة، فما ازددت إلا ~~نفورا؛ لماذا أذهب لأسمع رجلا يتكلم دون أن تكون لي فرصة مناقشته فيما يقول؟ ما معنى ~~أن يتكلم هو وأنا أسمع؟! فقلت لخطيبتي بعد خروجنا: هذه أول مرة وآخر مرة في حياتي أدخل ~~الكنيسة فيها بصحبتك. # السبت 16 يناير # إن كل ما أقرؤه هنا عن مصر يحز قلبي حزا، وإني لأتمنى للمصريين أن يغتربوا واحدا ~~واحدا، ليقرءوا عن مصر في غربتهم فتحز نفوسهم، ثم يعودون لعلهم يصنعون شيئا في ~~سبيل الثورة على أنفسهم ثورة لا تبقي من القديم شيئا ولا تذر ... فقد قرأت كتابا ~~عنوانه «حيث يلتقي النهر بالشارع الرئيسي» لكاتب اسمه «هودنج كارتر»؛ وهو كتاب أقرب ~~جدا إلى مذكرات، وفيها ذكرياته أيام أن كان في مصر إبان الحرب؛ كتب ذكرياته عن مصر ~~تحت عنوان «تلفون الهرم 5664»، ووصف وصفا تفصيليا ليلة دعاهم فيها أعرابي اسمه ... ~~وقد كتب على بطاقته التي أرسلها إلى المدعوين أنه يبيع الجمال ويؤجرها للركوب أو ~~للإخراج السينمائي ... كان المدعوون خمسة عشر، معظمهم ضباط أمريكيون وفيهم بولنديان ~~ونيوزيلندي ... انتظرتهم الجياد عند الهرم وركبوا نحو خمسة أميال في الصحراء إلى حيث خيام ~~الشيخ ... دخلوا الخيمة الأولى حيث ينتظرهم الوسكي في كثرة أذهلت الأمريكي! وراح الكاتب ~~يصف السجاد الفاخر الذي فرشت به الخيمة، ثم انتقلوا إلى خيمة مجاورة حيث مائدة ~~العشاء؛ وهنا أخذ يصف الأصناف قائلا إن المائدة كانت تحمل ثلاثين صنفا على الأقل؛ ففي ~~وسط المائدة خروف محمر بأكمله، تحف به صفوف من الدجاج والسمك واللحم المشوي، وأكوام ~~من الفاكهة، وأطباق لا عدد لها من كذا وكذا ... وبينما هم يستعدون للرحيل بعد العشاء ~~مرت فرقة من البوليس الإنجليزي رئيسها جاويش، وهنا يصف الأمريكي كيف أهان الجاويش ~~الإنجليزي الشيخ ... وطلب منه رخصته التي تبيح له أن يقيم الحفل - وكما يقول الكاتب - ~~«كأنما الأرض ليست وطنا للشيخ ... وآبائه وأجداده قبل أن يسمع الجاويش وآباؤه وأجداده ~~شيئا اسمه مصر!» ... يقول الكاتب: كرهنا من الجاويش أن يعامل مضيفنا في حضورنا هذه ~~المعاملة المهينة، ms157 فأسر النيوزيلندي الذي كان معنا في أذن الجاويش شيئا، فانصرف ... ~~ويمضي الكاتب قائلا: إن القوات الأمريكية أقامت بعد ذلك حفلا للعشاء دعي إليه ~~الضيوف أنواعا وأشكالا وألوانا، وكنا على علم سابق بهذا الحفل، فوعدنا الشيخ ... ~~أننا سنرسل إليه الدعوة إلى العشاء ليلتئذ، وقبل الرجل مسرورا، لكن - لسبب لا ~~أعلمه - رفضت السلطات الأمريكية توجيه الدعوة إلى الشيخ ... مع أننا أبلغنا أولي الأمر كم ~~كان الرجل كريما في دعوته لخمسة عشر ضابطا منا ... ثم يختم الكاتب هذا الجزء من ~~ذكرياته في مصر قائلا: «لما قرأت بعد ذلك بثمانية أعوام عن حرق القاهرة، حرق الأماكن ~~التي طالما ارتدناها، والتي ظن الغربيون أنها ملكهم المقدس، حرق فندق شبرد ونادي ~~تيرف وبنك باركليز وجروبي - ذلك المكان العظيم فيما يقدمه من مثلجات - وسائر الأماكن ~~التي يمتلكها الأجنبي الذي ذهب إلى مصر لينتفع ثم يشمخ بأنفه، لا ليفيد البلد الحزين ~~وينقذه؛ لما قرأت عن التخريب الأهوج الذي حدث، تذكرت الشحاذين الذين ألقى بهم التيفوس ~~صرعى في مواخير القاهرة، وتذكرت جاويشا إنجليزيا على ظهر جواده، وتذكرت صحراء ~~جرداء لا تنتج قمحا، وتذكرت ثلاثين صنفا من الطعام في خيمة مفروشة بفاخر السجاد، ~~وتذكرت دعوة (للشيخ ...) رفض إرسالها أولو الأمر، فلم أكن بعد هذا كله بحاجة إلى سياسي ~~يحلل لي أسباب الجنون الذي أحرق القاهرة.» # الفصل الخامس # | من الجنوب إلى الغرب # نيوأورلينز: الإثنين 25 يناير # وصلت صباح اليوم إلى نيوأورلينز، وهي مدينة ذات طابع خاص تختلف به عن سائر مدن ~~الولايات المتحدة جميعا، وطابعها ذاك إنما يستمد معظمه من وجود الحي الفرنسي بها؛ فقد ~~كانت تابعة للفرنسيين قبل أن تشتريها الولايات المتحدة من فرنسا في أول القرن التاسع ~~عشر، فبقيت بها إلى اليوم روح المدن الفرنسية مما جعلها مختلفة متميزة، بل جعلها ~~مقصدا لألوف الزائرين، حتى ليقال إنها المقصد الثاني للزائرين في الولايات المتحدة ~~كلها، لا يفوقها في عدد الزائرين إلا نيويورك. # لم أكد أصل المدينة حتى أسرعت إلى الحي الفرنسي لأنفق في ربوعه أكبر وقت ممكن من مدتي ~~القصيرة ms158 التي سأقضيها في هذا البلد، فسأقضي به يوما واحدا بغير ليلته ... واجهات ~~المباني في هذا الحي تبرز منها الشرفات، ويصطف على طولها أعمدة خشبية، وتزخرف حوافيها ~~إطارات من خشب، وهي أشياء لا وجود لها في أمريكا بأسرها؛ لأن البيت الأمريكي المألوف ~~الشائع مصنوع من خشب على هيئة ما نسميه بالفلات في ضواحي القاهرة ... وكذلك تختلف ~~نيوأورلينز عن سائر المدن الأمريكية بضيق شوارعها؛ فهي في ذلك كله مدينة أوروبية ~~قديمة. # سرت في الشارع الرئيسي في هذا الحي الفرنسي - وهو شارع رويال - فرأيت على جانبيه ~~الدكاكين السياحية؛ فليس ما يباع هنا سوى التحف والتماثيل والصور وقطع الأثاث ~~القديم وهكذا، حتى المكتبات في هذا الشارع مهتمة بالكتب القديمة. # ومدينة نيوأورلينز بصفة عامة تفوح برائحة المواني الكبرى؛ فهي ليست نظيفة، وتشم فيها ~~رائحة البحر المنعشة، يخترقها نهر مسسبي عند مصبه في خليج المكسيك، ومع ذلك فهي بعيدة ~~عن الخليج نفسه بما يساوي ساعة ونصف ساعة بالسيارة؛ ونهر المسسبي عريض جدا عند مصبه، ~~ويشبه أن يكون جزءا من البحر؛ والميناء مليئة بالبواخر الكبيرة، وقد علمت أنها الميناء ~~الثانية في أمريكا كلها، تفوقها ميناء نيويورك وحدها، ووقوعها عند مصب المسسبي هو الذي ~~أضفى عليها أهميتها؛ لأن المسسبي طريق رئيسي يصل البحر بداخل القارة إلى مسافة ~~بعيدة. # بعد أن جلت وحدي جولة واسعة في أنحاء نيوأورلينز استنفدت ساعات الصباح كلها حتى ~~وقت الغداء، تغديت ثم اتصلت فورا بالتلفون بالسيد «ف» الذي أعطاني عنوانه الدكتور ~~«ب» وزوجته في كولمبيا، وأوصياني أن أتصل به؛ لأنه خير من يطلعني على خفايا نيوأورلينز ~~وروحها المتميز، كما أنهما أرسلا خطابا إلى صديقهما هذا ينبئانه بموعد قدومي. # دعاني إلى منزله، ومنزله في الحي الفرنسي، فذهبت ... ضغطت على جرس الباب الخارجي - وعلى ~~الباب صف طويل من الأجراس كتب أمام كل منها اسم ساكن من السكان - فجاءني رد الجرس ~~صوتا يشبه صوت التلفون، فرجحت أن تكون هذه علامة تدلني على أن الباب الخارجي قد ~~انفتح، فدفعت الباب ودخلت إلى حديقته الضيقة المرصوفة بالبلاط الكبير القديم، ms159 وسرعان ما ~~خرج السيد «ف» يستقبلني، وسرعان ما عرفت أنه هو مالك البيت، وأنه قد قسمه شقات ~~للإيجار، وسكن هو في الطابق الأرضي من البناء. # كانت المنازل في الحي الفرنسي قد آلت إلى ما يشبه الخراب؛ فصدر أمر من حكومة الولاية ~~- ولاية لويزيانا - منذ عشرين عاما يحرم هدم المنازل الفرنسية الطراز؛ احتفاظا بهذا ~~الطابع التاريخي للمدينة، الذي يجعل منها مدينة تختلف عن سائر المدن، فتجعلها بالتالي ~~مقصدا للزائرين ... ومنذ صدر ذلك القانون، أخذ الحي الفرنسي في الانتقال من طور إلى طور؛ ~~إذ تنبأ له ذوو البصيرة النافذة أنه سرعان ما يكون المكان الممتاز من أحياء المدينة ~~كلها، وأقبل أصحاب الأموال يشترون بيوته ويجددونها بحيث يحتفظون لها بطرازها الفرنسي في ~~كل شيء، وهو الآن حي الطبقة الممتازة بمالها أو بثقافتها. # ومضيفي السيد «ف» من هؤلاء الذين استغلوا أموالهم في تجديد منازل الحي الفرنسي؛ وإذا ~~فالبناء فرنسي الطابع، أحاطه بحديقة صغيرة، نباتها كله أخضر، فليس فيها زهرة واحدة ذات ~~لون آخر، واحتفظ على أرض الحديقة بالبلاط القديم، وبنى سور البيت من الطوب الأحمر الذي ~~كان في البناء قبل تجديده، وأبقى في الأبواب والحواجز الحديدية نفس الأجزاء الحديدية ~~التي كانت في البناء منذ العهد الفرنسي (كانت نيوأورلينز مدينة إسبانية قبل أن تكون ~~فرنسية، ثم انتقلت من فرنسا إلى الولايات المتحدة عن طريق الشراء سنة 1803م)، وأنبأني ~~السيد «ف» أنه جعل نبات حديقته أخضر كله؛ لأن الشمس لا تطل على الفناء المزروع إلا فترة ~~قصيرة بحيث لا يمكن إنبات الزهور؛ وقد وضع هناك مجموعتين من مقاعد حول منضدتين، وطلاها ~~جميعا باللون الأبيض، فجاء هذا البياض إلى جانب اخضرار النبات بالأثر المطلوب، وأصبح ~~المنظر غاية في الروعة. # وبعد ذلك أدخلني شقته في الطابق الأرضي، فإذا هي غرفة واحدة ألحق في أحد أركانها دورة ~~للمياه، وفي ركن آخر مطبخا لا يسع أكثر من شخص واحد واقف على قدميه؛ وفي الغرفة بعد ~~ذلك كل ما يتطلبه الإنسان من سرير ومكتب ومنضدة وصوان ومكتبة. # وبعد قليل خرجنا معا ms160 لنطوف بالحي الفرنسي ... إن السيد «ف» هذا يعرف تاريخ كل عمود وكل ~~نافذة وكل باب في الحي الفرنسي؛ فقد وقف بي عند عدة منازل مجددة ليشرح لي كيف كانت وكيف ~~أصبحت، والقاعدة العامة في هذه المباني ألا ترى من خارج البيت إلا واجهة ذات شرفة، فإذا ~~دخلت وجدت في الداخل فناء به حديقة جميلة؛ واللون الأخضر الغامق هو الغالب على جميع ~~الحدائق المنزلية. # السيد «ف» من أهل الجنوب، أصله من ولاية ألاباما - التي تقع بين ولايتي جورجيا ~~ولويزيانا - ولذلك تراه يتحمس للجنوب كأهل الجنوب جميعا ... قال لي في موضوع الكراهية ~~الدفينة بين أهل الجنوب وأهل الشمال: إن سببها هو أن الشمال حين انتصر في الحرب الأهلية ~~مع الجنوب اتخذ إزاء الجنوب موقف الظافر المنتصر، وضم الجنوب إليه كما يضم البلد الذي ~~غزاه غزاة من الخارج، لا كما يضم جزء من البلاد إلى سائر الأجزاء، مع أن الجنوب كان ~~أغنى من الشمال، وهو الآن ناهض نهضة سريعة، وله أمل كبير أنه سيستعيد تفوقه على ~~الشمال. # مررنا ببناء كبير - هو الآن مدرسة - فقص علي السيد «ف» عن هذا البناء قصة لطيفة؛ ~~فقد كان ديرا، وحدث أن كان الفرنسيون وهم ينشئون مستعمرتهم هنا أكثر رجالا من نسائهم؛ ~~فأرسلوا إلى حكومتهم في فرنسا يطلبون النساء ليتزوج منهم رجال المستعمرة؛ حتى لا يندثر ~~الفرنسيون هنا، فأرسلت الحكومة الفرنسية عددا من البنات استطاعت جمعهن وإغراءهن ~~بالسفر، وأمدت كل واحدة منهن بثياب العرس، وأرسلتهن إلى نيوأورلينز، فلما جئن هنا نزلن ~~في هذا الدير تحت حراسة الراهبات حتى يتم لقاؤهن مع الرجال، ويتم اختيار الأزواج ~~للزوجات ... سمعت ذلك من السيد «ف» فقلت له: ما أجدر هذا بأديب يتناوله لينشئ على أساسه ~~قصة جيدة! # نيوأورلينز مليئة بالشخصيات الأدبية الهامة في الأدب الأمريكي؛ فقد مررنا على المنزل ~~الشتوي للسيدة كيز وهي من طليعة أدباء القصة في أمريكا، وفي هذه المدينة عاش أديب ~~الأمريكيين الأكبر «فوكنر» الذي نال جائزة نوبل في الأدب منذ حين قريب، وفيها يعيش ~~الآن «تنسي وليمز» صاحب ms161 كتاب «مركبة للترام اسمها دزاير» الذي أخرجته السينما منذ ~~قريب، وكانت له ضجة كبرى لما أحدثه من ابتكار في الإخراج والتمثيل؛ وحوادث القصة تدور ~~في هذه المدينة: مدينة نيوأورلينز. # سرنا معا إلى ميدان رئيسي اسمه ميدان جاكسن، تملأ فضاءه حديقة مربعة؛ وللميدان ضلعان ~~متقابلان، ينهض على كل منهما بناء واحد ضخم بني بالطوب الأحمر، وصاحبة البنائين ~~عند أول إنشائهما هي البارونة بونتالبا الإسبانية؛ فقد أقيم البناءان في عهد الإسبان، ~~وهما أقدم بناءين في أمريكا بأسرها من المباني ذوات «الشقق» الإيجارية، وضلع ثالث من ~~أضلاع الميدان به كاتدرائية جميلة البناء بسيطة، يجاورها عن يمين ويسار بناء ضخم قديم، ~~وكان كلا البناءين مقرا للحكومة الإسبانية أيام أن كانت هذه الأرض مستعمرة إسبانية ... ~~وأما الضلع الرابع من الميدان فجانب مكشوف على نهر المسسبي، غير أن النهر نفسه لا يظهر ~~من الميدان، وعليك أن تخترق خطوط السكة الحديدية وتدور حول مخازن المحطة لتجد نفسك ~~واقفا في الميناء الكبير على هذا النهر العريض الفسيح. # رأيت في ميدان جاكسن - على رصيف الحديقة الوسطى - رسامين فنانين عرضوا رسومهم مسندة ~~على جانب الحديقة ومسطوحة على الأرض، مما يذكرك بزملائهم على ضفة السين بباريس ... رأيت ~~ثلاثة منهم يرسمون «الزبائن»، جلست سيدة أمام أحدهم وسيدة أخرى أمام آخر، ورجل أمام ~~ثالث ... الفن مذل حين يهوي إلى الشوارع، فما أشبه الفنان - وقد جلس أمامه الزبون على ~~الطوار - بحلاقي الأرصفة في بعض ربوع القاهرة! الفن مذل حين يوشك أن يتخذ ~~وسيلة للسؤال: حين يعزف الموسيقي أمام المقاهي طلبا للعيش، أو يغني المغني في مثل ~~هذه الظروف أو يرسم المصور ... كرامة الفن في أن يكون التقاؤه بكسب العيش التقاء ~~عارضا. # ويطل على الميدان مقهى على النظام الفرنسي - أو المصري أحيانا - قديم قدم العهد ~~الفرنسي، واحتفظ به حتى الآن ليزيد المدينة طابعا، وهو مفتوح نهارا وليلا لا يغلق ~~أبوابه ساعة واحدة ... جلسنا هناك أنا والسيد «ف» وشربنا القهوة مرة بعد مرة. # هنا ونحن جالسان على ذلك المقهى بدأ حديث ممتع بيني وبين السيد «ف»، ms162 سأثبت من ~~تفصيلاته ما استطعت تذكره؛ لأنه بغير شك صورة لأمريكي قد يكون ممثلا في وجهة نظره ~~وفي روحه وفي مزاجه لكثير من الأمريكيين. # قص علي طرفا من تاريخ حياته؛ فقد اشترك في الحربين (ولو أنه يبدو أصغر من ذلك ~~بكثير)، وهو متخرج في إحدى جامعات الشمال حيث تخصص في فن العمارة، وبدأ حياته معدما ~~لا يملك مليما واحدا، لكنه ادخر وادخر، وحرص على ماله، حتى أصبح له الآن هذا البيت ~~الذي رأيته وقيمته مائة ألف من الدولارات، وله منه دخل يضمن له العيش المريح حتى لو لم ~~يعمل شيئا مربحا بعد ذلك. # أخذ يوجه النقد الشديد للأمريكيين بصفة عامة في بعثرتهم لأموالهم قائلا في انفعال ~~شديد: إنه لا بد من التفرقة بين «الاستثمار» و«الإنفاق»؛ ففي مستطاع الإنسان أن يعود ~~نفسه على إنفاق ماله في مقتنيات تغل المال بدورها، فلا يضيع المال هباء؛ فلا ينبغي ~~- في رأيه - أن ينفق مال إلا فيما يعود بمال. # ليس لهذا السيد «ف» سيارة، وهو الذي يطبخ لنفسه طعامه، وينظف لنفسه مسكنه بالرغم من ~~ثرائه هذا، ويدهش لهؤلاء الذين يزودون بيوتهم بالثلاجات والأفران والغسالات الكهربائية، ~~بل يزودونها بآلة غسل الأطباق، مع أنهم يشترون هذه الأشياء كلها بالتقسيط، وإذا ~~فالأمريكي المتوسط مطالب بأقساط شهرية جسيمة قد لا يحتملها من أجل أن تكون له هذه ~~الأدوات؛ فبالله عليك - هكذا وجه إلي السيد «ف» الحديث - أي عقل في الدنيا يجيز ~~لأسرة مكونة من زوجين بغير أطفال أن تكون لديها غسالة كهربائية للأطباق؟ # وهنا انتقل بحديثه إلى الرئيس روزفلت، وكيف أنه أنزل الخراب على أمريكا؛ لأنه كان ~~رجلا يميل إلى الاشتراكية؛ فلكي يغري الناس بالتصويت له، أخذ يعدهم ويتورط في ~~وعوده بأن الحكومة ستعمل كذا وكذا، حتى عود الناس تدريجا على أن العبء إنما يقع على ~~الحكومة لا على الأفراد، مع أن الحياة الصحيحة - في رأيه - هو أن يكون كل إنسان نفسه ~~كما فعل هو. # وانتقل الحديث إلى الزواج، قال إنه كان متزوجا، أما الآن فلو عرض عليه الزواج ms163 من ~~أغنى وأجمل امرأة في الدنيا لرفض ... قال: إنني الآن حر كالهواء، أقرأ إلى الساعة ~~الثانية بعد منتصف الليل إذا أردت، أسافر حين أريد وأقيم حيث أريد ... إن مديرا لجامعة ~~من أكبر وأهم جامعاتنا قد ألقى خطبة منذ قريب في الطلبة الخريجين، فقال لهم في صراحة ~~غريبة إن ستين من كل مائة شخص - رجالا ونساء - لا يصلح بطبيعته للزواج؛ ولذلك لا ~~ينبغي لهؤلاء أن يورطوا أنفسهم في النظام الزوجي ... ويمضي السيد «ف» فيقول: إنني توقعت ~~أن تقوم الجرائد بضجة كبرى ردا على هذا الحديث الخطير من مدير جامعة مهمة، لكني عجبت ~~إذ قابلته الصحف كلها بالصمت، وربما كان ذلك لأنها لم تدرك مدى النتائج المترتبة على ~~قوله هذا، فمما يترتب عليه من نتائج - وهي نتيجة كانت بالطبع في ذهن المدير الجامعي وهو ~~يلقي خطابه - أن هؤلاء الستين في كل مائة، الذين لا يصلحون للحياة الزوجية، لا بد ~~بطبيعة الحال ألا يهملوا غرائزهم الجنسية، وإذا فلا مندوحة من قيام علاقات جنسية غير ~~مشروعة من وراء ستار ... # قال لي السيد «ف» بعد حين: تعال معي أطلعك على نموذج من الأماكن التي تستخدم للجلوس ~~في الصيف، والتي تقوم عندنا مقام المشارب التي قلت لي عنها إنها موجودة في باريس وفي ~~القاهرة ... وأخذني إلى بناء تدخل فيه إلى حديقة فنائه؛ الحديقة جميلة، وكلها نبات أخضر؛ ~~أعني أن ليس بها زهر مختلف اللون إلا صفا واحدا من زهور كبيرة حمراء ... وكان إلى ~~جانبنا جماعة من الشباب يضحكون ويضحكون في صوت عال ومرح ظاهر؛ فقلت للسيد «ف»: هذه ~~جماعة من الغرباء ويستحيل أن يكونوا من أهل هذا البلد؛ فقال: لا ريب في هذا ... قلت: إني ~~عرفت ذلك من الضحك الذي يضحكونه والصخب الذي يصخبونه؛ فقال: أما أنا فقد عرفته من نوع ~~الشراب الذي يشربونه، فهم يشربون ما لا يشربه أهل نيوأورلينز. # وتحدثنا بعد ذلك حديثا طويلا طليا عن الخلق الأمريكي، كان السيد «ف» في معظم ~~الأحيان يتكلم وأنا أسمع، فوجدته يقول أشياء تتفق حرفا بحرف مع ms164 مشاهداتي؛ فقد حدثني ~~عن مسارعة الأمريكي إلى نسبة نفسه إلى أصله الأوروبي، فيقول مثلا إنه إنجليزي أو ~~ألماني أو إسباني ... إلخ، والسيد «ف» يتهم بذلك أهل الشمال وحدهم، مع أني لاحظت المشاهدة ~~نفسها في الجنوب كذلك؛ وهو يعتقد أن أهل الجنوب أعرق حسبا وأعمق تأمركا من أهل ~~الشمال؛ ففي الشمال أسرات كثيرة جدا لم يمض عليها في أمريكا أكثر من جيل واحد أو ~~جيلين، فلا عجب أن يظل أصلهم الأوروبي عالقا في أذهانهم. # ومما لذ لي سماعه من السيد «ف» تحليله التفصيلي لعلاقة الأمريكيين بالإنجليز من حيث ~~المشاعر الحقيقية؛ فقد زعم لي أنهم يمقتون الإنجليز مقتا شديدا، كما أن الإنجليز ~~يكرهونهم، على الرغم من كل هذا الرياء والنفاق، ويقول: لا عجب؛ فنحن نمقتهم لأنهم ~~يستخفون بنا، ويظنون بنا السذاجة والتفاهة والحداثة؛ وهم يكرهوننا لأننا أول من بدأ ~~لهم طريق التدهور؛ فالثورة الأمريكية هي الفصل الأول من انحلال الإمبراطورية ~~البريطانية؛ إن البريطانيين - في رأي السيد «ف» - يتصفون بالبلادة والكسل؛ جاءت إلى ~~أمريكا أثناء الحرب سيدة إنجليزية، ورأت عندنا أكداسا من البصل، فأشفقت على نفسها ~~وعلى أمتها وبكت، قائلة إن البصل هنا مكدس كأنه أكوام من الحصى والتراب، ونحن في ~~إنجلترا لا نكاد نجد بصلة واحدة ... لكن أحدا من الحاضرين لم يعطف عليها رغم بكائها، ~~فلماذا لا يزرعون ما شاءوا من البصل وغير البصل في أرضهم التي يتركونها بغير زرع؟ لقد ~~كنت في الجزء الأوسط من إنجلترا إبان الحرب ورأيت فدادين الأرض بعد فدادينها متروكة ~~بغير زراعة؛ ذلك لأن الإنجليز يريدون من الشعوب الأخرى أن تمدهم بالطعام كما تمدهم ~~بأدوات الحرب؛ إنهم لا يريدون أن يعملوا، بل هم ينتظرون من غيرهم أن يعمل من أجلهم؛ نحن ~~مختلفون عن الإنجليز اختلافا أساسيا جوهريا؛ فهم يجعلون الأهمية الاجتماعية لصاحب ~~الحسب والأصل؛ ونحن نجعل الأهمية لصاحب العمل والإنتاج؛ المهمون في تاريخنا وفي مجتمعنا ~~هم روكفلر وروتشيلد وأضرابهما من الرجال، لا اللورد فلان ولا الإيرل علان؛ فالأساس ~~مختلف عندنا عنه عندهم؛ إنه لو زارتنا ملكة الإنجليز ms165 - مثلا - فيستحيل أن تجد ~~أمريكيا واحدا ينحني لها؛ لأننا لا نحني ظهورنا لأحد كائنا من كان، بل قد نجد ~~الأمريكي الأصيل البسيط يرحب بها مبتسما قائلا: أهلا يا ملوكة! كيف ~~الحال؟ # واستطرد السيد «ف» يقول: قد تدهش لما سأقوله لك الآن لكنه صحيح؛ فنحن أقرب إلى ~~الألمان في روحنا منا إلى الإنجليز؛ ففي أيام الحرب، وعلى الرغم من الحرب بيننا وبين ~~الألمان، كان الأمريكي لا يشعر في ألمانيا أنه غريب بقدر ما يشعر بالغربة في إنجلترا؛ ~~لأن البيت العادي في ألمانيا والحياة العادية فيها هي نفسها الحياة التي تعودها ~~الأمريكي في بلاده؛ فالشوارع عريضة ونظيفة، وفي كل بيت ثلاجة كهربائية وغسالة ... إلخ، ~~فلما ذهب جنودنا إلى ألمانيا وجدوا هذه الأشياء في البيت الألماني، فوجدوا الصورة التي ~~ألفوها في بيوتهم؛ وكذلك وأهم من ذلك، وجدوا استعدادا عند الألماني أن يعمل، وهذا هو ~~فهم الأمريكي للحياة؛ أما في إنجلترا فلم نجد عندهم طعاما ولا وجدنا في بيوتهم شيئا ~~من المعدات الحديثة، ولا رأينا الطرق وتخطيط المدن على الطراز الحديث، ثم ما هو أهم من ~~ذلك كله، وجدناهم شعبا يريد أن يستريح على حساب عملنا نحن وعمل غيرنا من الشعوب ... إني ~~أحب لك أن تقرأ كتابا قيما في هذا الموضوع لكاتب اسمه # James Truslo ~~Adams # وعنوانه «الأمريكي»؛ ففيه يحلل هذا الكاتب ما بيننا وبين ~~الألمان من قرابة نفسية وروحية، وكيف نبعد عن الإنجليز ونختلف عنهم ... كان لي صديق ~~بكباشي في الجيش الأمريكي أيام الحرب، أرسل إلي خطابا وهو لم يزل محاربا في ~~ألمانيا، فلم يتردد حتى في تلك الظروف أن يمجد لي الألمان بكل قلبه؛ فهم بمجرد ~~هزيمتهم انصرفوا فورا إلى الأرض يزرعونها وإلى الحياة ينشئونها، قل لي بربك: لماذا كان ~~الإنجليز بغير طعام ولم يزرعوا أرضهم؟ كنت تعبر بحر المانش آتيا من إنجلترا إلى ~~فرنسا، فترى الناس يزرعون ويملئون أسواقهم بالطعام، ثم تعود فتعبر البحر إلى إنجلترا ~~فلا ترى إلا قلة في الخيرات وكثرة في الصلف والكبرياء! # وانتقل السيد «ف» إلى الحديث ms166 عن الفكر الأمريكي الخاص بهم من أدب وفلسفة، فقال: إنهم ~~ليسوا مجرد أتباع مقلدين؛ فأين في آداب العالم شبيه ب «إدجر ألن بو» أو ب «إمرسن» ... ~~إن الذي خلق منا شعبا هو أعظم شعب شهده التاريخ، هو أننا صفوة من عدة شعوب، فكأنما ~~خرجت من هذا المزيج عجينة فيها أحسن ما في الأجزاء كلها؛ هذا إلى أننا بدأنا تاريخنا من ~~نقطة البداية، فلم يكن وراءنا تقاليد بالية تعوقنا وتعطل سيرنا، وليس بيننا تفاخر ~~بالأسر مما يكون من شأنه أن يعرقل مساواة الفرص أمام الجميع. # عدنا إلى منزل السيد «ف» ليغير ثيابه استعدادا للعشاء الذي تفضل فدعاني إليه، ~~وهناك أطلعني على كتاب لم يكن يعلم أني قرأته، هو كتاب «ثورة الجماهير» للكاتب «أورتيجا ~~إي جاست» ... قال: إن غاية هذا الكتاب هي أن يبين كيف نما وعي طبقات الشعب بنفسها؛ ~~فقلت له: إن في ذلك رائحة ماركسية؛ فقال: وهل كل ما قاله ماركس خطأ؟ لقد أعجبني من ~~روزفلت مرة أنه قال في إحدى خطبه - وكنا لا نزال عندئذ في قتال مع إيطاليا: إن ~~موسوليني بطل حقيقي وإيطالي عظيم لكن إلى حد معين من مجرى حياته، غير أنه جاوز ذلك الحد ~~فبدأ الخطأ ... ومضى السيد «ف» في كلامه فقال: إنك تستطيع أن تقول شيئا كهذا عن ماركس ~~وأضرابه ممن يأتي خطؤهم من تجاوز الحدود. # كان حديثي مع السيد «ف» على مائدة العشاء يدور حول بعض الأدباء الأمريكيين المحدثين ~~والمعاصرين، خصوصا من استمدوا إلهامهم من «نيوأورلينز»؛ فكان ممن ذكرهم «مرغريت متشل» ~~كاتبة «ذهب مع الريح»، قال: إننا جميعا هنا كنا نعرف القصة - يقصد الحوادث الحقيقية ~~التي بنيت عليها القصة - ونعرف المناظر، ومعظمها في مدينة أتلانتا (بولاية جورجيا) ... ~~دهشت حقا حين رأيت الحماسة والانفعال الذي يتكلم بهما السيد «ف» كيف أن رجال السينما ~~قد صفعوا الجنوب صفعة قوية على وجهه حين لم يقع اختيارهم على ممثلة من أهل الجنوب لتقوم ~~بالدور الرئيس في «ذهب مع الريح»، فما دامت القصة كلها والكاتبة وكل شيء ينتمي إلى ms167 ~~الجنوب، فلماذا لا تقوم بالدور الرئيسي ممثلة من الجنوب؟ ألأن الجنوب لم يخرج ~~ممثلات من أبرع الممثلات؟ ألم يخرج الجنوب فلانة وفلانة وفلانة وهن جميعا من الصف ~~الأول بين ممثلات العالم براعة وقدرة؟ لكن أهاننا القائمون بصناعة السينما، ولكي ~~يستروا هذه الإهانة الكبرى جاءوا بممثلة أجنبية، فلا هي من الجنوب ولا هي من الشمال (هي ~~فيفيان لي الإنجليزية) ... هذا فضلا عن خديعتهم للكاتبة مرغريت متشل حين أعطوها خمسة ~~وسبعين ألفا من الدولارات، ولما كانت المسكينة لا يهمها المال أبدا ولا تفكر فيه لم ~~تناقشهم الحساب، وأخذت ما أعطوها إياه، مع أن هذا الفيلم السينمائي كان ينبغي ألا يقل ~~أجر كاتبه عن مليون دولار ... هنا أبديت دهشتي من ضخامة المبلغ قائلا: مليون دولار؟! ~~فقال: معلوم! لم لا؟ نعم مليون دولار، إن «تنسي وليمز» قد أخذ ربع مليون في كتابه ~~«مركبة الترام المسماة دزاير» ... ألا تعلم أن «ذهب مع الريح» هو أعظم فيلم أخرجته ~~هوليوود في حياتها الفنية جميعا؟ # وانتقل السيد «ف» بحديثه إلى نقد الأمريكيين في جهلهم بالعالم الخارجي، فقال: إن ~~تعليمنا ناقص؛ فالأمريكي يوشك ألا يعرف عن العالم الخارجي شيئا، وكل أمريكي يتوهم أن ~~ما في أمريكا من أشياء إنما هي منقطعة النظير في العالم، تراهم في جهل وسذاجة يفخرون ~~بضخامة دليل التلفون في مدينة نيويورك، مع أنني لما ذهبت إلى باريس وجدت دليل التلفون ~~هناك ضعف هذا الحجم ... الأمريكي يفخر فخر الأطفال بضخامة الحجم، فتراه يقول إن ارتفاع ~~العمارة عندنا هو كذا طابقا، واتساع الشوارع كذا مترا، وننتج من السيارات كذا ألفا ... ~~وهكذا. # هنا رددت عليه مدافعا عن العقل الأمريكي - وجزء من الدافع أن أرضيه - فكان ينصت إلى ~~ثنائي على الأمريكيين في نبوغهم وقدرتهم، وعلى فمه ابتسامة الفرح وفي عينيه لمعة ~~الزهو. # مشينا قليلا بعد العشاء في شارع كانال الذي هو أوسع شارع تجاري في أمريكا بأسرها، ~~وبالطبع يكون أكبر شارع في نيوأورلينز، فوجدته في إضاءة الليل يكاد يتقد اتقادا من ~~الوهج، وهو في هذا الوهج شبيه بشارع برودواي ms168 في نيويورك ... إنني لا أحب هذا الوهج الشديد ~~في الإضاءة، وكان يعجبني «الشارع الرئيسي» في كولمبيا من ولاية كارولاينا الجنوبية؛ ~~فلست أدري كيف كانت تمتزج ألوان الضوء فيه من أحمر وأبيض وأزرق امتزاجا ~~جميلا؟! # الثلاثاء 26 ديسمبر # قام بنا القطار الذاهب إلى «لوس إنجلس» (وهوليوود هي إحدى ضواحيها) على الساحل الغربي ~~ليلة أمس عند منتصفها، فنمت في غريفتي بالقطار فور قيامه؛ لأني كنت متعبا من عناء ~~النهار، مع أني كنت أود أن أرى الكوبري الطويل الذي يعبر عليه القطار نهر مسسبي إلى ~~ضفته الغربية؛ إذ يبلغ طوله أربعة أميال ونصف ميل ... فلما صحوت في الصباح كنا قد خرجنا ~~من ولاية لويزيانا إلى ولاية تكساس؛ كان المنظر ساعات الصبح والضحى حقولا زراعية ~~ومراع، فولاية لويزيانا وجزء من ولاية تكساس هما أشهر بقاع أمريكا في زراعة القصب ~~وصناعة السكر، ومن ثم أطلق اسم «وعاء السكر» على ملعب الكرة المشهور في الجنوب، ~~الذي يقصد إليه في مباريات الشتاء ألوف الألوف من شتى أنحاء البلاد ... وكذلك ترى حقول ~~القطن والأرز، حتى إذا ما انتصف النهار دخلنا تدريجا في منطقة صحراوية ليست هي بالرمال ~~الصفراء، بل هي أرض على شيء من الصلابة، تغطيها شجيرات صغيرة متناثرة رمادية اللون جافة ~~... في هذا المنظر الصحراوي لبثنا ساعات بعد ساعات كلها في ولاية تكساس، حتى إذا ما غربت ~~الشمس بدأت الأرض تتموج قليلا، وإذا فهي بدايات جبال روكي. # الأربعاء 27 ديسمبر # لا بد أن نكون قد قطعنا ولاية «المكسيك الجديدة» أثناء الليل؛ لأنني إذ أصبحت وعندما ~~كنت أفطر في مطعم القطار وقفنا عند هذه المدينة العظيمة، مدينة فينكس وهي في ولاية ~~أرزونا ... الأرض منبسطة سهلا، فلا تل فيها ولا شبه تل، وإذا فلا بد أن نكون الآن على ~~سطح الهضبة، وهو حقول مزروعة، أو مراع للماشية التي ترى حظائرها بين حين وحين غاية في ~~حسن النظام والتنسيق، فتعلم أن رعاية الماشية هنا لا بد أن تكون موردا ضخما من موارد ~~الثروة. # وقبيل الظهر بقليل وصل القطار عند مدينة ms169 «يوما» التي تقع عند حدود ولايتي أرزونا ~~وكالفورنيا، تقع على نهر كلورادو، تعبر النهر فتخرج من أرزونا وتدخل في كالفورنيا ... لكن ~~مدينة «يوما» تثير الخواطر وتثير التفكير، فعندها يقف القطار عشر دقائق، وينبهك خادم ~~العربة إلى ذلك، فتنزل إلى الرصيف إذا شئت ... # نزلت إلى رصيف محطة «يوما» فوجدت على مسافات متقاربة نساء جالسات على الأرض، هن من ~~البقية الباقية من الهنود الحمر، السكان الأصليين، وكل منهن قد رصت أمامها قليلا ~~من العقود وما شابهها، هن نظيفات جدا، تبدو عليهن الوداعة، لا ينظرن إلى أحد، فكل ~~منهن قد أحنت رأسها نحو الأرض، لا تنظر حتى لمن يشتري من بضاعتها شيئا؛ فقد رأيت ~~سيدة تشتري من إحداهن عقدا، لم تسألها عن الثمن بل أخذت العقد وناولتها نقودا، فمدت ~~الهندية يدها وأخذت النقود وعيناها لا تزالان تنظران إلى الأرض! كل ما هنالك أنها هزت ~~رأسها بالقبول. # الهنود الحمر - السكان الأصليون للبلاد - يقيمون الآن في محابس منتشرة على طول ~~الولايات المتحدة وعرضها، فقد حصروا مجموعات مجموعات، وسمح لكل مجموعة محصورة في ~~محبسها أن تزرع أرضها هناك وتستغل ما فيها من موارد الثروة بقدر مستطاعها، لكن هؤلاء ~~الهنود (وهم في أمريكا يسمون بكلمة «الهنود» وحدها) لا يعدون من المواطنين؛ فليس ~~لهم مثلا حق التصويت والانتخاب. # وبالقرب من مدينة «يوما» هذه التي وقف عندها القطار حينا، محبس من هذه المحابس ~~الهندية ... والخاطر المقلق الذي ملأ رأسي عندئذ هو هذا: إنه منذ مائتي عام أو نحوها كان ~~هؤلاء الهنود هم أصحاب البلاد، لم تكن هناك أمريكا التي نعرفها الآن! في مائتي عام أو ~~نحوها خلقت هذه الأمة العظيمة خلقا من العدم؛ في هذه الفترة الوجيزة جدا ملئت ~~هذه القارة الواسعة تعميرا واستثمارا ومدنية وحضارة، ملئت علما وفنا وسياسة، ~~إنها غزت العالم غزوا ... أتقول إنه لم يكن من العدل لهؤلاء الدخلاء أن يغتصبوا البلاد ~~من أهلها، وهذه هي نتيجة الاغتصاب؟! هل نحكم على الحركات التاريخية بنتائجها أم ~~بمبادئها؟ هذه أمة عظيمة خلقت، ولا تدعي أنها تستند إلى ماض، ms170 اللهم إلا ماضيها ~~الديني؛ نعم فقد جاءت ومعها مسيحيتها، بل جاءت بسبب مسيحيتها ... فهل بعد ذلك نقول: إن ~~النهوض لا يكون إلا بالاستناد إلى تراث الأقدمين؟ هذا كلام يصلح للإنشاء في كراسات ~~التلاميذ، أما من يريد أن يكون جادا في تفكيره، فسيجد الواقع صارخا ببطلانه؛ أم ~~نقول: إن الثقافة الأوروبية هي نفسها ماضي أمريكا الثقافي؟ على كل حال، فحتى على هذا ~~الفرض، فليس هناك ماض قومي، إنما هو ماض إنساني. # إنه يستحيل أن تمر هذه الخواطر على رجل من الشرق الأدنى دون أن يتذكر العرب وإسرائيل، ~~فمن يدري كيف ينحرف مجرى التاريخ؟! لكن ليحذر العرب! ليفتحوا أعينهم إلى الحقائق ولا ~~يدسوا رءوسهم في الرمال؛ فليس مستحيلا في منطق التاريخ أن يكون الإسرائيليون ~~النازحون إلى الشرق الأوسط بمثابة من نزح إلى أمريكا أول مرة! ليس مستحيلا في منطق ~~التاريخ أن يكون العرب بمثابة الهنود الحمر، يتضاءلون ثم ينتهي مصيرهم إلى محابس ~~ينحصرون فيها، ثم إلى انقراض؛ فالحياة لمن هو أكثر علما وفاعلية ونشاطا، وليس وراء ~~هذه الحقيقة حقيقة أعلى. # بعد مدينة «يوما» دخلنا مدينة كالفورنيا، وسرنا عدة ساعات لا نرى إلا صحراء كصحرائنا ~~في مصر: رمال وكثبان؛ وبعد حين وحين ترى مجموعة من النخيل؛ وقد علمت أن في هذه الصحراء ~~الرملية تقوم الشركات السينمائية بتمثيل الأدوار التي تحتاج إلى صحراء وإلى عرب ... وإني ~~أكتب هذه السطور - بل هذا السطر بالذات - في اللحظة التي وقف فيها القطار عند محطة «بام ~~سبرنجز» (أي عيون النخيل) وهي مشتى مشهور؛ وقد بدت في الأفق الغربي البعيد جبال ~~عالية، تغطي قمم بعضها ثلوج بيضاء، تبدو غريبة في هذا الجو الدافئ داخل القطار، وأمام ~~هذه الشمس الساطعة خارجه ... فلعلها أن تكون الحافة الغربية من جبال روكي، بل لعلها أن ~~تكون على وجه التخصيص قمة سان برنار دينو التي هي في هذا المكان من جبال روكي، وتغطيها ~~الثلوج صيفا وشتاء. # نزلت في محطة «لوس أنجلس»؛ للمحطة فناء على الطراز الأندلسي الإسلامي، فأثر الإسبان - ~~على ما يبدو - لا يزال ms171 قويا في هذا المكان؛ إذ كان في أيدي الإسبانيين قبل أن يئول ~~إلى الولايات المتحدة ... فالضاحية التي وقفنا بها قبيل وقوفنا عند المحطة الرئيسية ~~اسمها «الهامبرا»، وهي الكلمة الإفرنجية لكلمتنا العربية «الحمراء»؛ والمدينة نفسها ~~اسمها: «لوس أنجلس»، وهي العبارة الإسبانية التي معناها «الملائكة» ... ردهة المحطة وغرفة ~~الانتظار بها قد بلغتا من العظمة والفخامة حدا يجعل ألفاظ التفخيم تافهة بغير ~~معنى. # لم أكد أقذف بحقيبتي في الفندق الذي نزلت فيه لأقضي هذه الليلة في لوس أنجلس، حتى ~~خرجت كالنهم إلى الشوارع أطوف مسرعا ببعضها، وكانت الساعة عندئذ الخامسة بتوقيت ~~الساحل الغربي (وهي تكون الآن الثامنة مساء في كولمبيا على الساحل الشرقي، وفي مصر ~~الثالثة بعد منتصف الليل). # وأهم ما استوقف نظري العابر في هذه المشية السريعة، هذا العدد الضخم من الواقفين على ~~جوانب الشوارع من رجال ونساء، وقفوا وظهورهم مسندة إلى جدران المحلات التجارية، ينظرون ~~متفرسين في المارة، وعليهم جميعا علامات التعطل وأمارات الملل والضجر، وانتهى بي ~~الطواف إلى متنزه صغير فيه تمثال لبيتهوفن، وفي ركن من المتنزه ازدحم الناس جماعات ~~جماعات، ووقف في كل جماعة خطيب كأنها «هايد بارك» أخرى. # إنني لا أشك في أن عددا كبيرا من المزدحمين في هذا الميدان يكنون في صدورهم ~~استعدادا للجريمة؛ فذلك باد في ملامحهم: ترى الواحد منهم وقد أمال قبعته على جبهته ~~ونظر بعينه إلى أعلى من تحت إطار القبعة، ووضع سيجارة مهملة في فمه المعوج قليلا إلى ~~أحد جانبيه يبدو الاستهتار، بل اليأس على كثيرين منهم؛ فالظاهر أن كثيرين من هؤلاء قد ~~جاءوا إلى «لوس أنجلس» يبحثون عن عمل ... فلم أخل من خوف خفيف وأنا أقتحم هذا الزحام ... ~~كان هناك جماعة احتدت المناقشة بين أعضائها، فوقفت بينهم أسمع، وكان المتكلم حين ~~وقفت زنجيا، كان يتكلم إلى ثلاثة آخرين: زنجي آخر ورجل وامرأة أبيضان، فقال الزنجي ~~بحرارة وانفعال إن الله إذا أراد له ألا ينتحر فليبعث إليه بشيء من الخبز، أما أنه لا ~~يرسل خبزا ثم لا يسمح بالانتحار فاستبداد منه ... فرد عليه ms172 الزنجي الآخر داعيا إياه إلى ~~صدق الإيمان بالله، وإلى النظر إلى الأمور من جانبها المضيء، قائلا له: إنك كمن يبحث ~~في هذا العالم عن ثقوب يضع فيها عنقه، ولكن اعلم جيدا أن من يضع عنقه في ثقب من هذه ~~الثقوب اختنق وقضى ... هنا تكلمت المرأة البيضاء بحرارة تؤيد الزنجي الأول في يأسه، وعاد ~~الزنجي الأول إلى استئناف حديثه موجها الكلام إلي، وممسكا بذراعي بيده، فضغطت ~~بذراعي على محفظة نقودي، وما كاد يترك ذراعي حتى انصرفت. # الخميس 28 يناير # اشتركت منذ الصباح في رحلة إلى هوليوود التي هي ضاحية قريبة من ضواحي لوس أنجلس ... ~~مرت السيارة الكبيرة على الفنادق تلتقط الزائرين المشتركين في الرحلة، حتى إذا ما تكامل ~~العدد سارت بنا نحو غايتنا، والميكروفون أمام سائق السيارة ينبئ الركاب بما أراد أن ~~ينبئهم به عن الطريق ومعالمه؛ قال عن منظر مررنا به إن مخرجي السينما كثيرا ما ~~يستخدمون هذا المكان حين يريدون مناظر الرفييرا لأنه شبيه بها ... وهكذا أخذ يعلق لنا ~~عن كل ما نراه على جانبي الطريق حتى وصلنا إلى هوليوود. # ظننت أني سأجد هوليوود مكانا صاخبا بالملاهي وبالنجوم الحسان، وإذا أنا في منطقة ~~أهدأ ما تكون المناطق، فلا مارة في الطريق ولا ملاهي ولا مقاهي ولا حسان ولا شبه ~~الحسان! إنني لا أرى شيئا إلا مباني وطيئة امتدت على جوانب شوارع فسيحة، والصمت شامل ~~والهدوء كامل، كأنني بين حي هادئ رحل آهلوه إلى مشتى أو مصيف وأغلقوا أبواب ~~ديارهم. # كان سائق السيارة يسمي الأماكن التي نمر بها: هذا ستوديو والت دزني، وهذا ستوديو ~~كولمبيا، وهذا منزل «بب هوب» وهكذا. # ولما وصلنا إلى ستوديو يونيفرسال دخلنا إليه بالسيارة لنطوف في أرجائه؛ فهو أيضا ~~مكان هادئ كأنما هو مكان مهجور، وكل ما رأيناه هناك «مناظر» معدة للإخراج السينمائي ~~... الحق أني لم أكن أتخيل أن الخداع السينمائي يبلغ هذا الحد البعيد: فهذه بحيرة صغيرة ~~جدا شبيهة بالبحيرة التي تحف بجزيرة الشاي في حديقة الحيوان بالقاهرة، وإلى جانبها ~~مجموعة من الغاب المزروع ونخلة ms173 أو نخلتان، وهنا تؤخذ مناظر أواسط أفريقيا! ... وترى ~~ركنا آخر على سفح جبل كل ما فيه ثلاثة منازل أو أربعة، هي منازل صغيرة جدا، بل قل ~~هي نماذج للمنازل، ثم يقال لك هذا هو المنظر الذي مثلت فيه رواية كذا! ... ترى ~~فنطاسا فيقال لك إن في هذا الفنطاس تمثل مناظر ما تحت الماء من غواصات وغيرها! ... ~~ترى عربة قطار صغيرة جدا وقاطرة صغيرة جدا كذلك، وإذا بهذه «اللعبة» هي القطار الذي ~~يستخدمونه إذا أرادوا قطارا؛ في ركن من أركان الاستوديو أكداس من ألواح الخشب كأنها ~~بقايا بيت مهدم، هذه الألواح الخشبية التي يقيمونها لتكون الشوارع والمدن! ... ترى هناك ~~بيتا صغيرا من الطوب الأحمر، هو الكنيسة التي يمثلون فيها حفلات الزواج؛ إذا أرادوا ~~ثلجا متساقطا أسقطوا في الهواء رقائق الخبز المقدد بعد طلائه لونا أبيض فتتطاير ~~الرقائق خفيفة في الهواء كما يتطاير ثلج الشتاء ... كل شيء غاية في البساطة، وإني لأدهش ~~دهشة لا حد لها كيف يمكن تأليف المناظر العظيمة التي يؤلفونها في الأفلام السينمائية من ~~هذه البسائط الساذجة؛ فالظاهر أن الخداع السينمائي أكثر مما كنت أظن بألف ألف ~~مرة. # خرجنا من الاستوديو وقصدنا ما يسمونه «وعاء هوليوود» وهو منخفض على هيئة الوعاء، ~~تعقد فيه الحفلات الموسيقية الكبرى حيث تستخدم جدران «الوعاء» لجلوس المستمعين ~~على مقاعد تتدرج مع تدرج الجدران. # عدت إلى مدينة «لوس أنجلس» أجول في أرجائها؛ فدخلت المكتبة العمومية، وبناؤها شديد ~~الشبه بنادي الأطباء في القاهرة، يجد الداخل على يساره غرفة للمجلات امتلأت مقاعدها ~~بالقارئين، وعلى يمينه غرفة للصحف اليومية امتلأت مقاعدها كذلك، ثم تدخل إلى بهو أوسط، ~~فترى جدرانه مغطاة برفوف عليها أحدث الكتب صدورا، وكل مجموعة من رفوف وضعت إلى ~~جانبها مقاعد تمكن من الاطلاع السريع على هذه الكتب الجديدة؛ وبعدئذ دخلت غرفة ~~فسيحة خصصت للمؤلفات التي كتبت باللغات الأجنبية (أي غير الإنجليزية) فتتبعت كل ~~ما أذكره وما لا أذكره من لغات الأرض، لكني لم أجد بينها كتابا واحدا باللغة العربية ~~كأننا لسنا من هذا العالم الذي ms174 نعيش فيه ... وهكذا جعلت أنتقل في المكتبة من غرفة إلى ~~غرفة لأجدها مليئة بالقارئين، ولأجد اليسر كل اليسر في القراءة؛ فالكتب كلها على رفوف ~~مكشوفة، وللقارئ أن يستعرضها كيف شاء، وأن يأخذ منها ما شاء، ثم يجلس بما اختار من كتب ~~حيث شاء في القاعة، ويقرأ ملء شهوته، ويترك الكتب حيث هي على المنضدة، حتى تمر العاملة ~~تدفع أمامها عربة صغيرة، لتلتقط الكتب المتروكة وتردها إلى أماكنها. ~~«لوس أنجلس» بما فيها ضاحية هوليوود مدينة غير طبيعية، فيها أشياء كثيرة تدل على أن ~~أهلها مجتمع مصطنع؛ أعني أنهم مجموعة من سكان لا يجمعهم روح الانتماء إلى مدينة واحدة، ~~هم جماعة تأتي إلى المدينة باحثة عن عمل أو منجزة لعمل، ثم تمضي عنها، وليسوا هم كأهل ~~كولمبيا (بولاية كارولاينا الجنوبية) مثلا يضربون في المكان بجذور عميقة، حيث يسكنون ~~بيوت آبائهم وأجدادهم؛ في كولمبيا مجتمع طبيعي؛ ولذلك تحس فيه حرارة الحياة، وأما هنا ~~في لوس أنجلس فالمدينة أشبه بالاستوديو السينمائي الذي شهدته في هوليوود، تقوم فيه ~~المدن المصطنعة قياما سريعا بغية أداء غرض معين، والأمر كله من أوله إلى آخره «تمثيل» ~~... لكن «لوس أنجلس» مع ذلك مدينة عامرة بما فيها من ازدحام الناس ونشاط العمل. # الجمعة 29 يناير # وصل بي القطار في الصباح الباكر إلى محطة سان فرانسسكو، وفي دخول القطار إلى حظيرة ~~المحطة لمحت ماء المحيط الهادي لمحة سريعة، ورأيت مركبا كبيرا، فكانت هذه أول نظرة ~~ألقيها على المحيط الهادئ، وكانت السماء غبشاء بسحاب الصبح وضبابه ... محطة سان فرانسسكو ~~لا جمال فيها، وهي شبيهة بمحطة بادنتن في لندن، وهناك مشيت في غمرة المسافرين إلى حيث ~~ذهب تيارهم، فانتهيت معهم إلى غرفة انتظار قبيحة المنظر، مقاعدها خشبية مطلية باللون ~~الأزرق، ومن هناك ركبنا معدية بخارية كبيرة عبرت بنا الخليج إلى حيث مدينة سان فرانسسكو ~~... وهو الخليج الذي يصل طرفيه كوبري أوكلاند المشهور؛ لأنه أطول كوبري في العالم، طوله ~~ثمانية أميال وربع الميل؛ وكانت المعدية تسير بنا عبر الخليج بحذاء الكوبري، وكانت ~~مياه الخليج ms175 عندئذ هادئة جدا، فكأنها لوح مصقول من زجاج أزرق، فهل كان ذلك لأن ~~الخليج مستور بالجبال؟ أم لأنها ساعة الصبح الباكر حين يهدأ البحر؟ أم لأن المحيط ~~«هادئ» بطبعه دائما؟ # أول ما فعلته فور وصولي إلى الفندق الذي نزلت فيه - فندق سان فرانسز - أن جلست في ~~البهو أدرس خريطة البلد؛ لأصمم لنفسي طريقة السير؛ فطريقتي دائما هي السير على الأقدام ~~فيما استطعت أن أطوف به من أجزاء المدينة التي أزورها. # كان أول مكان قصدت إليه في سان فرانسسكو بقعة يتلاقى عندها شارعان كبيران: شارع «فان ~~نس» وشارع «ماك ألستر»، فها هنا مجموعة من الأبنية العامة، فأولا هناك ما يسمونه «بناء ~~الحكومة» وهو يشغل ضلعا بأسره من ميدان مربع تتوسطه حديقة جميلة في وسطها نافورة بديعة ~~حط على حافاتها وحول جدرانها عشرات من الحمام ومن طيور الماء البيضاء؛ وقفت وسط ~~الحديقة ونظرت مبهورا إلى واجهة «دار الحكومة» فرأيت بناء فخما تعلو وسطه قبة عالية ~~كبيرة كقبة الكابتول في واشنطن، ومدخله مكون من عدة أبواب حديدية تمتد فوقها شرفة، ~~والأبواب والشرفة مذهبة الأطراف على نحو جميل ... دخلت البناء ووقفت تحت قبته الرفيعة في ~~البهو المصقول الرائع الذي قام في كل من أركانه الأربعة نجفة كبيرة على حامل، والنجفة ~~وحاملها مذهبان بما يتناسب مع زركشة القبة من الداخل، كما يتناسب مع أبواب ~~المدخل. # عدت فعبرت الميدان إلى الجانب المقابل لدار الحكومة، فهناك بناء المكتبة العامة؛ ~~تدخل فيلاقيك بهو، وترى أمامك في صدر البهو سلما عريضا مسطوح الدرجات تعلوه أعمدة، ~~وسقف السلم مقوس مزخرف ببروز في حجر البناء نفسه ... اصعد هذا السلم مسحورا مبهورا ~~لتجد أمامك غرفة البطاقات (الفيش): هي قاعة فسيحة نظيفة مصقولة لامعة ساطعة هادئة ~~منظمة، تتدلى من سقفها نجفة كبيرة جدا من البلور؛ ومن غرفة البطاقات تدخل غرفة ~~المطالعة، وهي بدورها قاعة طويلة لا يقل طولها عن خمسين مترا، رصت جدرانها برفوف ~~الكتب، وجلس على مقاعدها قراء متناثرون هنا وهناك، فما نزال في ساعة مبكرة من الضحى؛ ~~والإضاءة في غرفة المطالعة ms176 مصدرها ثلاثة أشرطة تمتد بامتداد القاعة: ضوء هادئ وذوق هادئ ~~... البناء كله مصمم على أساس الذوق الهادئ؛ فالجدران لونها لون الحجر الجيري بغير ~~طلاء، والبلاط بني اللون في اصفرار، إنه مصقول مصقول مصقول، كل جزء في الأرض مرآة من ~~الحجر ... # هناك وقفت متذكرا غرفة البطاقات في مكتبة باب الخلق بالقاهرة؛ حيث جلس الموظفون أمام ~~مناضد تكدست عليها أوراق قذرة؛ وحيث أحاط بالجدران صواوين قذرة، وملأ الأدراج بطاقات ~~قذرة ... وقد يقول قائل: على رسلك يا أخي، إننا شعب فقير، فلا تقارن بين أمريكا ومصر؛ ~~وأنا أجيب قائلا: ما شأن الفقر بالحاجز الخشبي الأدكن القذر القبيح الذي أقاموه في ~~غرفة البطاقات هناك ليحجز جزءا من القاعة خاصا بالسيدات، حتى أصبح المكان كله كومة ~~من قبح الذوق وقلة الثقافة وقذارة الطباع وتأخر التفكير؟! إن هذه الأماكن العامة هي ~~غرفة الاستقبال بالنسبة إلى الشعب كله؛ أعني أنها من البلد بمثابة غرفة الاستقبال في ~~المنزل، هي أنظف ما فيه، وأجمل ما فيه، هي العنوان هي الذوق العام، هي الأمة كلها عند ~~الزائر الغريب؛ لأن الزائر لا يدخل البيوت وإنما يزور الأماكن العامة. # خرجت من المكتبة وعدت فعبرت الميدان راجعا إلى دار الحكومة، فاخترقت بناءها ~~لأخرج في الشارع من الناحية الأخرى، وهناك تجد عند خروجك بناءين توءمين حديثين بينهما ~~حديقة لها بوابة واسعة مذهبة تتناسب مع الزخرفة الذهبية التي تزخرف دار الحكومة ~~المقابلة لها ... وأحد هذين البناءين التوءمين دار الأوبرا، والآخر يسمى «بناء ~~المجاهدين»، وكلا البناءين قد أقيما لتخليد ذكرى شهداء الحرب، وفي «بناء المجاهدين» ~~اجتمع مندوبو الدول عقب الحرب العالمية الثانية؛ حيث أعدوا الوثيقة التي على أساسها ~~أنشئت منظمة الأمم المتحدة. # وبعدئذ سرت حتى بلغت «متنزه البوابة الذهبية»، وظننت مخدوعا أنني سرعان ما أعبر ~~هذا المتنزه سائرا على قدمي لأبلغ حافة المحيط، فمن ذا أدراني أن «متنزه البوابة ~~الذهبية» تبلغ مساحته أكثر من ألف فدان، وأنه يمتد طولا ثلاثة أميال ونصف ميل؟ # في المتنزه متحف لنباتات المناطق الحارة ومتحف للأسماك ومتحف للتاريخ الطبيعي ومتحف ~~للآثار ms177 والفنون وحديقة يابانية للشاي، وقد كنت أريد أن أطوف بهذه الأماكن كلها ... لكني ~~مشيت ومشيت ومشيت ولم أبلغ شيئا، حتى لقد ظننت أني ربما كنت أدور في مماشي المتنزه فلا ~~أتقدم، وأردت أن أسأل أول من ألاقيه من مارة ... لا أحد في الطريق يمشي لأسأله، كل ما ~~تراه عقد متصل الخرزات من سيارات تنساب في المماشي ... وأخيرا هذا رجل هناك بين الشجر ~~يتنزه، فقصدت إليه أسأله، فوجدته أصم لا يسمع، فكتبت له السؤال على الورق، فراح يحدق ~~بعينه التي كاد يلصقها بالورق، ثم اعتذر عن عدم إمكان رؤية المكتوب، وهو في اعتذاره لم ~~ينطق، بل أشار بيده إشارات دالة على ما يريد، وإذا فهو كذلك أبكم ... أصم وأعمى وأبكم، ~~هذا هو الرجل الوحيد الذي صادفته ماشيا في الحديقة يتنزه. # استعنت الله واستأنفت السير، وما لي وما يؤدي إليه السير؟ إنني أخترق جنة على ~~الأرض؛ فهذا المتنزه لا بد أن يكون وحيد نوعه في العالم! لقد كانت هذه البقعة من الأرض ~~حتى سنة 1870م كثبانا رملية صحراوية جرداء، وبفضل رجل واحد أقاموا له تمثالا في وسط ~~المتنزه هو «جون مكلارن» أنبتت هذه الجنة على الأرض؛ انظر إلى مدى ما يستطيع رجل واحد ~~أن ينشئه! ويقال إن في الحديقة أكثر من أربعة آلاف نوع من أنواع النبات، جيء بها من كل ~~أنحاء العالم. # وأخيرا وصلت إلى مكان المتاحف من هذا المتنزه الفسيح، أولها «دي ينج» للآثار ~~والفنون، طفته مسرعا، وهو متحف على كثير من الطرافة؛ فمثلا تجد غرفة كل ما فيها ~~من معروض هو أن سقفها منقول من كنيسة بإسبانيا، وغرفة أخرى نافذتها منقولة من كنيسة ~~بأوروبا، وثالثة جدرانها هي نفسها جدران غرفة فرنسية من العصر الفلاني؛ وفي المتحف غرفة ~~مصرية فيها بعض الأواني الأثرية، وفيها مومياء وجدت في الفيوم، وهي من عهد البطالسة ~~وأهداها إلى المتحف «دي ينج» الذي سمي المتحف باسمه. # ورأيت في طريقي إلى متحف الأسماك تماثيل هنا وهناك لرجال الموسيقى والأدب: تمثال ~~لبيتهوفن، وتمثال ل «فردي» (صاحب أوبرا ms178 عايدة)، وتمثال جميل ل «سير فانتيز» (مؤلف دون ~~كيشوت) أقيم على كومة من الحجر، وركع أمامه فارسان لعلهما يصوران دون كيشوت وسانكو ~~بانزا ... # ثم دخلت الحديقة اليابانية لأستريح وأشرب الشاي؛ فقد صممت خطتي منذ بداية الصباح أن ~~أجعل هذه الجلسة راحة بين جهادين ... الحديقة يابانية في نباتها، ويابانية في تماثيلها، ~~وفي الأعمدة المنتثرة في أرجائها، وفي الكباري المقامة على قنواتها، وفي تمثال كبير ~~لبوذا أقيم فيها ... وأخيرا دخلت «كشك» الشاي، وهو كشك أمامه فضاء مربع صغير، تعلوه ~~مظلة يابانية، رصت تحتها مناضد حمراء السطوح سوداء القوائم، وحولها مقاعد كأنها ~~مناضد صغيرة بنفس التقسيم والتلوين، وتجيئك من الكشك فتاة يابانية بشاي على الطريقة ~~اليابانية. # السبت 30 يناير # ذهبت إلى الحي الصيني بسان فرانسسكو ... هو حي بأسره: اللافتات مكتوبة بالكتابة ~~الصينية (وتحتها ما يساويها بالإنجليزية) حتى الكنيسة هناك، وجمعية الشبان المسيحيين ~~كتب اسمها بالصيني، ومعظم المباني صينية الطراز، أو قل إن معظمها قد طلي بألوان ~~ورسوم يبديها على هيئة الطراز الصيني في البناء؛ وأهم شارع هناك - شارع جرانت - تراه ~~عامرا بالمطاعم والدكاكين الصينية ... تركت الحي الصيني مصمما أن أعود إليه لجمال وقعه ~~في نفسي. # الحقيقة أن سان فرانسسكو بصفة عامة هي الآن معشوقتي بين بلاد العالم التي رأيتها، ~~وإنه ليخيل إلي أنها أخف بلاد الأرض دما وأحلاها طعما ... ليس إعجازها في ضخامة ~~مبانيها؛ لأن مبانيها ليست ضخمة، ولا في كبر حجمها واتساع رقعتها، لكنها مدينة ذات طابع ~~جذاب، ولا أدري أين على وجه الدقة موضع الجاذبية منها؟ أهو شوارعها الصاعدة الهابطة مع ~~سفوح الجبل؟ أهو موقعها على شاطئ المحيط؟ أهو هذه المطاعم الكثيرة والمراقص الكثيرة ~~والفنادق الكثيرة، وكلها بالإجماع حسن الذوق؟ أهو في كثرة زائريها، وللزائرين روح مرحة ~~يشيعونها في الشوارع والدكاكين والفنادق؟ أم هو في هذه الأشياء كلها مجتمعة؟ السعيد ~~السعيد من أراد له الله أن يقيم في سان فرانسسكو. # تركت الحي الصيني مؤقتا، ذلك الحي الذي خلع على سان فرانسسكو ما يوهم بالقدم، ~~وبالتالي خلع عليها مسحة من جلال الزمن، ms179 فتميزت بذلك من سائر بلدان الولايات المتحدة ~~التي طابعها الأول هو الحداثة ... # وقصدت إلى كوبري سان فرانسسكو الجبار - كوبري أوكلاند - ظانا أنني مستطيع أن أسير ~~عليه لأستمتع بلمسه، وهو كوبري يكاد يبلغ طوله ما يساوي المسافة بين وسط القاهرة وهرم ~~الجيزة، يرتكز في وسطه على صخرة، واعتماده بعد ذلك على التوازن وارتكاز نصفيه أحدهما ~~على الآخر ... وبعد أن سرت تجاهه نحو ساعة، التمست طريقي مهتديا بالخريطة حينا ~~وبالسؤال حينا، وجدت ألا مكان به للمشاة! ... وبينما كنت أتحدث - وأنا في طريقي إلى ~~الكوبري - مع رجل استفسرته الطريق، جاء رجل أسود وخاطب محدثي قائلا : اسمح لي بكلمة ~~واحدة ... فقاطعه الأبيض قائلا: لا مال ... عاد الأسود يقول: اسمح لي بكلمة واحدة ... فقاطعه ~~الأبيض قائلا: لا مال ... فانصرف الزنجي، ومشيت أحدث الأبيض فقال لي هذا: مساكين ~~هؤلاء الزنوج؛ إنهم مرضى، هذه هي العلة الأساسية لتدهورهم، قد تسمع من كثيرين قولهم بأن ~~الزنوج لا يصلحون للعمل، وأنهم بغير كفاية، وما إلى ذلك، لكن لا، هم مرضى لا أكثر ولا ~~أقل، ولو عولجوا لصلح أمرهم. # صممت أن أذهب إلى طرف المدينة الشمالي، إلى حيث شاطئ المحيط، وركبت سيارة عامة إلى ~~هناك ... «الكورنيش» عند نقطة نزولي من السيارة العامة شبيه جدا «بالكورنيش» في ~~الإسكندرية عند سيدي بشر، لكن الشارع ضعف شارع الإسكندرية اتساعا؛ هناك «لونابارك» ~~ودكاكين ومطاعم ومحلات للهدايا ولعب الأطفال ... المكان بصفة عامة لا يليق بجمال سان ~~فرانسسكو ... وعلى شارع المحيط آنا بعد آن ترى منظارا مقربا مثبتا على قائمة، فتضع ~~فيه قطعة من النقد إذا شئت أن تستخدمه لرؤية المحيط عند أبعاد لا يأتي إليك بها نظرك ~~المجرد. # كنت في نشوة أن أراني سائرا إلى جانب المحيط الهادي، وتمنيت عندئذ أن أتذكر ~~القصيدة الإنجليزية «عند أول نظرة إلى المحيط الهادي» ... جزء كبير من شارع المحيط يحف به ~~حائط الجبل صخرا خشنا لا أظنه يصلح للصعود، على جزئه الأعلى خضرة وشجر، وترى في حضن ~~الحائط الجبلي طواحين هوائية ... وبعد مشية قصيرة وصلت إلى «بيت الصخرة» الذي ms180 يقال إنه ~~معروف في العالم كله بجودة طعامه وحسن موقعه ... دخلته، ومن المصادفات السعيدة أن دخل في ~~اللحظة نفسها عروسان بثياب العرس، ومعهما مجموعة من الأصدقاء تحمل طاقات من الزهر ~~الجميل، فاستبشرت بذلك. # على مقربة من «بيت الصخرة» وفي وسط ماء المحيط صخرتان كبيرتان تعرفان باسم «صخرتا ~~سباع البحر»؛ لأنهما تموجان بما عليهما من سباع البحر ... وأمام «بيت الصخرة» في الشارع ~~تمثال كبير لبوذا، لكنه بوذا بثياب الحرب! ولا أفهم لهذا معنى إلا أن يكون المقصود أن ~~هذه هي البوذية التي جاء بها الصينيون إلى هذه البلاد، بوذية كفاح أو شيء كهذا ... وكذلك ~~يقوم على جانب التمثال عمود طويل جدا يمثل الفن الهندي القديم (أعني فن الهنود ~~الحمر، سكان البلاد الأصليين)، وهو عبارة عن أمساخ ركب أحدها فوق الآخر حتى يتكون ~~من سلسلتها عمود طويل. # وزرت الميناء حيث عشرات السفن أحجاما مختلفة، وأردت أن أعود من الميناء إلى وسط ~~المدينة بالترام؛ ففي سان فرانسسكو ترام «أثري» يحتفظون به ليكون معلما من معالم ~~المدينة، وهو الترام الذي يطلق عليه «عربات الحبل»؛ لأنه يشد بحبل معدني ضخم ~~ممتد تحت الأرض تسمع كركرته تحت القضبان، الحبل يتحرك تحت الأرض بقوة الكهرباء، ويكفي ~~لسائق الترام أن يزيح مفتاحا قابضا لتمس العربة ذلك الحبل المتحرك، فيسير مع ~~حركته. # ركبت هذا الترام في شارع صاعد فكنت كأنني في عربة من عربات «اللونابارك»، والشارع ~~صاعد إلى قمة تسمى «تل نب»، وأصل التسمية أنه على هذه القمة كان يسكن أثرى الأثرياء ~~الذين أنشئوا الخطوط الحديدية في أمريكا، ولما كانوا يسكنون القصور الفخمة هناك، أطلق ~~الناس على هذه البقعة اسم «نابب» (التي هي كلمة كانت تطلق على أمراء الهند)، ثم ~~اختصرت الكلمة مع الزمن فأصبحت «نب»، ولا يزال التل معروفا بهذا الاسم، على الرغم ~~من نزوح الأثرياء عنه. # عدت إلى الفندق عصرا لأستريح، وطلبت مفتاح غرفتي رقم 561، فبحث الرجل عنه ولم ~~يجده، فلما أكدت له أني تركته عنده في الصباح أعطاني مفتاحا احتياطيا، وطلعت إلى ~~غرفتي - أو على الأصح ms181 ما ظننتها غرفتي - رقم 561، ودخلت فوجدت الأثاث مختلفا في وضعه ~~وترتيبه عن أثاث غرفتي كما تركتها، ثم لم أجد من أمتعتي شيئا، ففزعت وأسرعت إلى ~~الخادمة أسألها عن أشيائي في غرفة 561؛ فقالت: إن 561 غرفة سافر صاحبها اليوم وهي ~~خالية، فهرولت جازعا إلى المصعد، ونزلت إلى الإدارة، لكني فجأة رأيت أن أتأكد أن هذا ~~هو رقم غرفتي، فوجدت بعد البحث أني أخطأت الرقم، وأن غرفتي هي 1061، فأخذت المفتاح ~~الصحيح وطلعت لأجد غرفتي وأشيائي سالمة كاملة ... فافرض - وهو فرض كان قريب الوقوع - ~~أنني دخلت الغرفة 561 بالمفتاح الاحتياطي الذي أخذته، فوجدتها مسكونة بأصحابها، فمن ~~يصدقني عندئذ أنني أخطأت رقم غرفتي؟ إن الحياة الواقعة فيها من المصادفات ما قد يظنه ~~الواحد منا مستحيل الوقوع، ثم ترانا نأخذ في التحليل والتعليل، وكثيرا ما يكون الواقع ~~أبسط جدا من الظنون. # خرجت قبيل الغروب قاصدا إلى ما يسمونه بالقمتين التوءمين، وهما جبلان متجاوران ~~متشابهان، تغطيهما البيوت إلا عند القمتين اللتين تركتا خضراوين بما عليهما من شجر ~~... صعدت الجبل بالسيارة العامة في طريق يدور صاعدا حول السفح الصاعد، وعدت بالسيارة ~~نفسها؛ فقد اكتفيت أن أنظر منها إلى سان فرانسسكو في ضوء الغروب العنبري اللون: منظر ~~تنحبس له الأنفاس في الصدور؛ السفوح كلها مغطاة بالمنازل التي يغلب عليها اللون الأبيض؛ ~~إن المنازل تموج مع موج الجبال ارتفاعا وانخفاضا ... ها هنا إلى جانبي - وأنا على مقربة ~~من القمة العالية - منازل صغيرة جدا، وفي هذا المكان المرتفع، ومن هذا المنزل الصغير ~~المنعزل خرجت سيدة تحمل طاقة من الزهر لفتها بقرطاس من الورق ... أقسم بالله أني ~~عندئذ ما تمنيت في الدنيا إلا أن أسكن منزلا من هذه المنازل سكنى الإقامة الدائمة، ~~مهما يكن عيشي بعد ذلك من الشظف؛ لقد قال الخيام: إن أعز ما في دنياه هو ظل شجرة منعزلة ~~في الفلاة، ليس معه فيه إلا رغيف ودن خمر وامرأة، وأنا أعدل قليلا في أمنية ~~الخيام: فأعز ما في الحياة عندي هو أن أعيش في بيت صغير كهذا، على هامش ms182 مدينة جميلة ~~كهذه، ويكفيني بعد ذلك رغيف، ولست بحاجة إلى دن الخمر الذي اشتهاه الخيام، بل لست ~~بحاجة إلى المرأة التي تمناها، إلا أن تكون امرأة أحبها، فما عادت كل امرأة تصلح ~~للزمالة في مثل هذه الحياة البسيطة التي أرجوها لنفسي. # وقصدت بعد القمتين التوءمين إلى «برج كويت» على قمة تسمى «تل التلغراف» ... وقصة هذه ~~القمة والبرج الذي يقوم عليها هي أنه في أول نشأة المدينة - أعني عند أول انضمامها إلى ~~الولايات المتحدة - كان على هذا الجبل مكان لمراقبة السفن الداخلة في الخليج، وحدث ذات ~~يوم أن أقبلت على المدينة قافلة من السفن تحمل نزلاء جددا، فأسرع المراقبون من فوق قمة ~~الجبل إلى تبليغ أهل المدينة، فتنبه هؤلاء وصدوا الخطر الداهم، ومن ثم سمي ~~المرتفع بتل التلغراف، ثم جاءت بعد ذلك سيدة ثرية اسمها «كويت» وأقامت هذا البرج العالي ~~فوق هذه القمة، فسمي البرج باسمها ... وفي البرج مصعد كهربائي يصعد إلى قمته حيث يمكن ~~للرائي أن يشرف على سان فرانسسكو بأسرها؛ لكني لما وصلت إلى مكان البرج كان الليل قد ~~أقبل، فلم أصعد إلى قمته؛ لأن المصعد كان قد انتهت ساعات عمله، واكتفيت بوقفتي على ~~قاعدة البرج حيث أطللت على سان فرانسسكو، فكانت بأضوائها بهجة أي بهجة، ورأيت من مرتفعي ~~ذاك الجسرين العظيمين: كوبري أوكلاند يمتد على جانبيه عقدان طويلان من مصابيح؛ وفي ~~الناحية الأخرى من المدينة رأيت كوبري البوابة الذهبية ... إن هذين الجسرين لمن الأعمال ~~الهندسية التي تشهد بجبروت الإنسان في هذا الكون. # وعدت إلى الفندق مارا في طريقي بميدان بور تسموث، وله أهمية تاريخية وأهمية ~~أدبية، فأما أهميته التاريخية فهي أنه أول مكان نصب فيه العلم الأمريكي عند ~~استيلاء الولايات المتحدة على سان فرانسسكو سنة 1846م على يدي رجل يدعى مونتجومري؛ ~~وأما أهميته الأدبية فهي أن روبرت لويس ستيفنسن - مؤلف جزيرة الكنز - كان كثيرا ما ~~يقيم هناك؛ ولذلك أقاموا له تمثالا في الميدان (وبهذه المناسبة أذكر أن الصخرة التي ~~تتوسط كوبري أوكلاند فيرتكز عليها جانبا الكوبري في توازن ms183 وتساند، تسمى جزيرة الكنز) ~~... وكذلك أوحت سان فرانسسكو إلى أديب أمريكي عظيم بكثير من أدبه، وأعني به «مارك ~~توين». # سأخلف سان فرانسسكو صباح الغد وفي القلب حسرة؛ إنها مدينة تحب، هي كالمرأة ~~الجذابة في غير عهر، كالمرأة حيث تضحك فتملأ المكان مرحا دون أن تقهقه في تسفل ~~مرذول، كان يخيل إلي دائما وأنا سائر في طرقاتها ذات الأضواء البهيجة أن أهلها في ~~عيد؛ إذ لا يمكن أن تكون هذه هي الحياة الرتيبة الكئيبة التي ألفها الناس في سائر ~~أنحاء الدنيا خلال ساعات العمل والكفاح، ومع ذلك فهي المدينة الثانية - بعد نيويورك - ~~من الوجهة المالية في أمريكا كلها، بها حي مركزه شارع مونتجومري ويسمى - على سبيل ~~المجاز - شارع وول، ليقابل بذلك نظيره شارع وول في نيويورك، هذا مركز المال على الساحل ~~الشرقي، وذلك مركز المال على الساحل الغربي. # الأحد 31 يناير # تركت الفندق في سان فرانسسكو في الصباح الباكر؛ لأن القطار يغادرها قبل الساعة ~~الثامنة، وبيني وبين المحطة مسافة طويلة فيها عبور للخليج ... كان القطار الذي جئت به من ~~لوس أنجلس إلى سان فرانسسكو يدعى «البومة»، ولعل هذه التسمية راجعة إلى أنه يقطع ~~الطريق في ظلمة الليل؛ إذ يغادر لوس أنجلس ساعة الغروب ويصل إلى سان فرانسسكو ساعة ~~الشروق، أما القطار الذي سأسافر به اليوم من سان فرانسسكو قاصدا إلى مدينة سياتل فاسمه ~~«شاستا في ضوء النهار»، و«شاستا» اسم بحيرة في الطريق، وكذلك اسم سلسلة جبلية من أعلى ~~الجبال في روكي، و«ضوء النهار» جزء من الاسم مقصود؛ لأن عربات القطار قد صممت على ~~أساس أن يرى المسافر كل ما تمكن رؤيته من الطريق الجبلي الذي سنمر فيه. # وصلت إلى مكاني من القطار، وهو في العربة الأخيرة التي تسمى «الصالون»، والعربة ~~كلها عبارة عن شرفة من زجاج لاتساع نوافذها، وليس بها مقصورات ولا حواجز، كل ما فيها ~~صفان من المقاعد ذوات الأذرعة، تدور على محاور في قواعدها، فبأقل جهد يستطيع الجالس ~~أن يدور بكرسيه ليتجه به إلى أي وجهة شاء؛ حتى يرى ms184 المنظر كله من يمين وشمال وأمام ~~ووراء. # غادرنا سان فرانسسكو حين كان ضباب الصبح الكثيف يحول دون الرؤية؛ لكن ما هي إلا أن ~~طلعت الشمس رويدا وانجاب الضباب، وتمتعنا بنهار مشرق كالبلور الصافي، فكانت فرصة نادرة ~~مكنتني من رؤية الطريق الجبلي الذي كنت أتوق إلى رؤيته. # في هذا القطار وسائل كثيرة للراحة والمتعة، فعدا «الصالون» الفخم الذي كنا نجلس فيه، ~~كانت هناك طبعا عربة المطعم، ثم عربة للشراب، ثم عربة ثالثة يسمونها المقصف حيث ~~تشرب القهوة وتؤكل الوجبات الخفيفة لمن أرادها ... هذا القطار هو «أمريكا» من نواح ~~كثيرة، من حيث العلم والراحة في الحياة والفخامة والغنى. # ظللنا مسافة طويلة بعد مغادرتنا لسان فرانسسكو ومياه الخليج عن يسارنا وحافة الجبل عن ~~يميننا؛ وبعد قليل كنا ننساب في أرض زراعية إلى مدى البصر، لا أثر فيها للجبال ولا ما ~~يشبه الجبال؛ فالمنظر شبيه بما يراه المسافر في الدلتا المصرية، ألسنا في جبال روكي؟ ~~أين هي جبال روكي؟! # فلما قضينا أربع ساعات أو خمسا تغير المنظر، وبدأنا نزحف في وسط الجبال إلى نهاية ~~الرحلة ... الجبال أول الأمر يغطي قممها قليل من بياض الثلج كأنه جير متناثر، وبقية ~~السفوح تغطيها أشجار الصنوبر ... اقتربنا من بحيرة شاستا، والجبال تطوقها من كل أقطرها، ~~من أمام وخلف ويمين وشمال، وكلها أخضر بما عليها من شجر يغطي السفوح كلها من القمة إلى ~~الوادي؛ نفذنا خلال الجبل في نفق معتم طويل، وخرجنا منه لنعبر بحيرة شاستا على كوبري ~~قيل إنه أعلى كوبري في العالم؛ إذ يزيد ارتفاعه على ستمائة قدم ... المنظر ونحن على ~~الكوبري عبر البحيرة ومن حولها الجبال من كل ناحية - بعضها مثلوج القمم - منظر سويسري ~~صرف، وانتهينا من البحيرة لننفذ خلال جبل آخر من نفق يخترقه، ولم نخرج من النفق إلا ~~لندخل نفقا ثانيا فثالثا. # هذه هي جبال روكي كما كنت أتمنى أن أراها؛ فالقطار يزحف عليها زحفا ويخترق بعضها ~~اختراقا، كل الفرق بين ما تخيلته وما رأيته هو أنني كنت أتخيل جبال روكي صلعاء ~~الصخور، فوجدتها ms185 مغطاة بالشجر في معظم أجزائها. # القطار لا يستقيم له الطريق خمس دقائق كاملة؛ فهو يتلوى كالثعبان، ينثني ثم يعتدل ~~لينثني من الناحية الأخرى؛ الانثناء قد يبلغ أحيانا من الحدة أن يتقابل طرفا القطار، ~~فتكون القاطرة مقابلة للعربة الأخيرة التي هي عربة الصالون التي أجلس فيها، خصوصا في ~~موضع عند منبع نهر ساكرامنتو ... كنا على فترات متقاربة نقطع نهرا ضيقا سريع الجريان هو ~~نهر ساكرامنتو، يعبره القطار من يمينه إلى يساره ثم من يساره إلى يمينه. # إنني في نشوة مما أرى، فكم مرة رأيت هذا المنظر وأشباهه في السينما وفي الصور، لكنه ~~لم يحرك النفس جزءا من ألف ألف جزء مما تحركها الطبيعة الحية، ذلك هو الفرق بين ~~الطبيعة الحية الطازجة والطبيعة المحفوظة في العلب، ولأنحرف قليلا عن وصف رحلتي لأقول ~~إن هذا هو بعينه الفرق بين ثقافتنا وثقافتهم، وعقليتنا وعقليتهم؛ هم يفكرون «على ~~الطبيعة» - كما يقول المهندسون - ونحن نفكر تفكيرا «مجففا»، ومن ثم كانت الأصالة ~~عندهم والتقليد عندنا؛ ثقافتنا طبيعة محفوظة في علب تعفنت من طول ما حفظت، وثقافتهم ~~تساير الطبيعة وتواجهها فتتجدد معها في كل ربيع. # هناك في جوف الوادي بيت قائم وحده؛ إنني لأستغني عن كل ما لدي من حبي لوطني ~~واعتمادي على وظيفتي وما أملك من مال قليل بل من ثياب وأثاث، لأعيش في هذا البيت ~~المعتزل؛ أنا صادق في هذه الرغبة، فإذا مررت بمدينة كبيرة لا يطوف ببالي أمنية كهذه، ~~لكنها أمنية تطوف كلما رأيت بيتا قائما في الخلاء وحده بعيدا عن كل آهل ~~ومأهول. # تصور روح الكشف التي دفعت نفرا قليلا من الناس إلى ارتياد هذا الجزء الغربي الجبلي ~~من القارة الأمريكية، ولم تكن بهم حاجة إلى مال؛ فقد كانوا ذوي ميسرة في أوطانهم من ~~الساحل الشرقي، لكنه الكشف وروح المغامرة ... لهذا أتوقع أن أجد اختلافا كبيرا في ~~أخلاق الناس هنا في الغرب عنها في شرق الولايات وجنوبها ... أهل الغرب لا يزال يطلق ~~عليهم حتى الآن اسم «رواد الحدود»؛ لأنهم ارتادوا هذه الأصقاع، فكان عليهم ms186 أن يقاتلوا ~~الهنود الأصليين من سكان البلاد، كما كان عليهم أن يذللوا هذه الطبيعة المستعصية إلا ~~على ذوي الإرادة الحديدية القوية. # إنه لا عجب في أن يكون من أقوى ما يطبع الروح الأمريكي روح المغامرة، فكيف بدءوا ~~حياتهم؟ ألم تكن بدايتهم هجرة من أوروبا فرارا من الاضطهاد الديني وحرصا على حريتهم؟ ~~جاءوا إلى هذه الأرض الجديدة لينشئوا لأنفسهم حياة جديدة في بلد جديد كانوا يجهلونه، ~~وكان عليهم أن يرتادوه وأن يمهدوه ... بدأت المغامرة في الخلق الأمريكي منذ البذور ~~الأولى، أتمها هذا النفر من رواد الحدود الذين زحفوا من شرق البلاد إلى غربها، وفي أقل ~~من مائة عام صنعوا هذا كله. # وأعود فأقول ما أبعد الفرق بين الرائد الكاشف وبين من يمشي بعد ذلك في الطريق ~~الممهدة! إن الإنسان ليقاتل الطبيعة أول الأمر حتى إذا ما أذعنت له عاد بدوره فأذعن لها ~~وسكن إليها سكون العابد في محرابه، فذلك البيت الصغير المعتزل هناك في جوف الوادي لا ~~يكون إلا لعابد خشع للطبيعة وهي متشحة بكل هذا الجلال. # القطار ما يزال ينثني ويعتدل ثم ينثني؛ إنه يدور حول السفح في شبه دائرة كأنه لعبة ~~الطفل. # الثلج يزداد كثافة كلما سرنا نحو الشمال، كان المنظر بادئ ذي بدء أكثره خضرة وأقله ~~بياض، فأصبح الآن أكثره بياض وأقله خضرة. # أمامي الآن جبل يختلف عن كل ما مررنا به من جبال؛ لأنه جبل عاري الصخور مدبب القمم، ~~في أعلاه قمم ثلاث كل منها مربع الشكل مدبب الأطراف، إنه يشبه أن يكون قلعة من قلاع ~~العصور الوسطى ... سألت إن كان لهذا الجبل اسم، فقيل لي إن اسمه «جبل القلعة» ... القطار ~~الآن ينثني أحد انثناءة له في الطريق حتى ليكاد ينطبق على بعضه نصفين، وتسمى هذه ~~الانحناءة «بالقنطرة»، وهي عند منبع نهر ساكرامنتو، وليس ببعيد أن تكون «القنطرة» كلمة ~~مأخوذة من مثيلتها في اللغة العربية، جاءت إلى هنا على ألسنة الإسبان. # يسير القطار مع نهر ساكرامنتو عند منبعه في انعراجاته وانثناءاته؛ إذ لا يسعه غير ~~هذا؛ فالنهر ms187 عند منبعه مجرى ضيق في واد عميق، تحف به جدران الجبل من ناحيتيه، فليس ~~أمام القطار إلا بطن الوادي عند مجرى النهر ... # زادت كثافة الثلج حتى لترى أطراف الأشجار العليا بارزة من أكداس الثلج كرءوس الحراب، ~~وبقيتها غريق في الثلج، كما يحدث لأعواد الذرة في مصر حين يدركها فيضان النيل، فيغرقها ~~الماء إلى شواشيها ... عجيب منظر الثلج يملأ الدنيا عاليها ووطيئها رغم إشراق الشمس بكل ~~هذا الصفاء والوهج؛ إنني لا أكاد أصدق أن الدنيا خارج القطار باردة كل هذا البرد الذي ~~يملأ الأرض والجبال ثلجا؛ إن بيني وبين الثلج المتراكم لوح من زجاج، أرى الثلج خلال ~~زجاج النافذة وأنا في مكاني الدافئ، ألا إنه لبرهان أقوى برهان على أن رؤيتك للشيء لا ~~علاقة لها بإحساسك بذلك الشيء، فهكذا الغنى والفقر والصحة والمرض؛ الغني يرى الفقير ~~ويعلم أنه موجود، ويعلن أنه شاعر بشعوره حاس بإحساسه، مع أن ذلك ضرب من المحال، إلا ~~أن يوهب الإنسان عبقرية لا حد لها في مشاركة الناس مشاعرهم وإحساسهم، وإلا فهل يمكن ~~لي الآن في مكاني هذا الدافئ أن أرتعش من البرد لمجرد أنني أرى الثلج خارج زجاج ~~النافذة؟ هذا مستحيل، مهما حدقت النظر في الثلج الذي لا يبعد عني إلا بوصات ~~قليلة. # القطار يغطس في الأنفاق المظلمة ثم يطفو ثم يغطس ويطفو، كأنه الطائر على سطح البحر ~~يطير ثم يهبط لينغمس في الماء لحظة ثم يعود إلى الظهور ليطير ... على شفة بارزة من سفح ~~الجبل امتد طريق السيارات، تراها جارية واحدة بعد واحدة تلمع في ضوء الشمس ... ليس في ~~أمريكا كلها مكان مهجور مهما بدا في الظاهر أنه كذلك. # القطار ما ينفك في انثنائه ودورانه؛ إنني لا أحب لونه الأحمر لأنه شبيه بلون قطارات ~~البضائع في مصر، ولولا هذا لقلت إن الإنسان حين يحلم برحلة في قطار تبلغ حد الكمال ~~الذي ليس بعده كمال، فلا يمكن أن يطير به خيال الأحلام إلى ما هو أبلغ من هذا وأروع ~~وأبدع ... كيف يمكن في الدنيا أن تكون ms188 الرحلة بالقطار أجمل من هذه الرحلة: هذا الصالون ذو ~~المقاعد الدوارة وجدران الزجاج، وعربة المطعم وعربة الشراب وعربة المقصف وجزء من عربة ~~للمكتبة، ثم المناظر التي نخوض فيها خوضا منذ ساعة الظهر حتى أظلم الليل! ثم هذه الشمس ~~الساطعة التي جعلت الهواء شفافا لامعا كأنه كتلة من البلور، وهذا الثلج وهذا الشجر ~~الغارق في أكداس الثلج ... إن تصور ما هو أروع من ذلك مستحيل على الخيال، إلا أن ~~يكون خيالا يشبه خيال هؤلاء الذين خلقوا هذه الأشياء من عدم: فالجبال كشفوها وشقوها ~~ومهدوها، والقطار صمموه وأعدوه وأجروه باسم العلم والعقل المفكر منسابا في أمن وثقة ~~وطمأنينة نفس وراحة جسم. # لا يزال الثلج يزداد انتشارا وكثافة كلما سرنا نحو الشمال، كان المنظر عند أول ~~دخولنا جبال روكي - عند مدينة «ردنج» الزراعية - أخضر صرفا، ثم أصبح أخضر مبقعا ~~بأبيض كأنه جير، وهو الآن أبيض مبقع بنقط خضراء هي رءوس الشجر الغارق في أطباق الثلج ~~الكثيف. # الظاهر أننا قد هبطنا الآن بعد ارتفاع؛ لأننا دخلنا فجوة كالصحن الكبير، تخلو من ~~الثلج أو تكاد؛ فها هنا قل الشجر وزادت الصخور الكالحة الجرداء، فجوة الصحن الكبير ~~تحتنا هناك عميقة بعيدة، وقد تكونت على فوهتها أشرطة من سحاب أبيض كأنها مجاري الماء ... ~~إن هذه الفجوة الكبيرة من الأرض المنخفضة وعليها هذا السحاب شبيهة بوعاء كبير يغلي به ~~ماء، ثم انكشف عن الوعاء غطاؤه فجأة فتكورت فوقه لفائف صاعدة من البخار المتكاثف، ~~وبطانة الصورة عند الأفق الخلفي هي سلسلة الجبال التي خلفناها وراءنا بثلوجها على ~~القمم والسفوح. # لا نزال ساعة العصر، وقد غفوت ربع ساعة صحوت بعدها لأجد الثلج غزيرا والضباب ~~كثيفا تتعذر معه رؤية شيء ... لا بد أن نكون قد دخلنا - في هذا المتحف الطبيعي الكبير ~~- إلى غرفة أخرى بعد أن خرجنا من غرفة كانت قليلة الشجر معدومة الثلج ... لكن الوقت لم ~~يطل حتى انجاب هذا الضباب وظهر الخبئ؛ وهو مسطح من الماء المتجمد، هو سطح بحيرة ~~كلاماث؛ وهو مسطح سرنا خلاله ساعة أو نحوها كله ms189 لوح واحد من الثلج كأنه أرض أعدت ~~للانزلاق، ويحيط بهذا المسطح الثلجي جبال من كل النواحي، غطاها الثلج (ألا يكفي اللغة ~~العربية فقرا ألا نعرف كيف نميز فيها بين هذين النوعين من الثلوج # Snow # و # ice ~~، ~~فالبحيرة سطحها لوح من # ice ~~، والجبال من حولها يغطيها # snow ~~، لكن كله عند العرب «ثلج»). # وأعود فأقول إنني لا أتصور كيف يمكن أن تكون الدنيا خارج القطار بهذا البرد كله، إن ~~عربات هذا القطار ليست فقط مدفأة تدفئة صناعية، بل أعدت على نحو يجعلها تحتفظ ~~بدرجة واحدة من أول الرحلة إلى آخرها؛ فآلة التدفئة في القطار تزيد من درجة التدفئة أو ~~تقلل كلما نقصت درجة الحرارة الخارجية أو زادت ... ومما هو جدير بالذكر أيضا أن زجاج ~~النوافذ في هذا القطار معدة بحيث يستحيل أن يتراكم عليها ضباب لكي تكون الرؤية ~~واضحة دائما. # جاء الليل ولم يعد ما نراه، وبدأ الملل يدب في نفسي بسرعة لأن الرحلة طويلة، وقد ~~كانت المناظر الطبيعية أثناء النهار تلهيني عن طول الطريق، أما وقد أقبل الليل بسواده، ~~فلم يعد إلا أن أنصرف بنظري إلى الداخل، إلى داخل نفسي، فأتتبع الملل وهو يزداد ... ~~وصلنا بورتلاند في منتصف الثانية عشرة مساء، بعد أن قضينا في القطار ست عشرة ساعة، ~~فانتقلت إلى القطار الآخر الذي سيقلني إلى «سياتل»، بحيث يصل إليها في ساعة مبكرة من ~~صبح الغد، وكان لي بهذا القطار الثاني «غريفة»، فلم أكد أنتقل إليه حتى أنزلت ~~سريري في غريفتي ونمت نوما عميقا. # الإثنين أول فبراير # وصلت مدينة «سياتل» في الصبح المبكر، وظللت بها النهار بطوله؛ إذ غادرتها في التاسعة ~~مساء إلى «سبوكان» التي أصلها صبيحة الغد. # لما وصلت إلى «سياتل» ودخلت غرفة الانتظار بالمحطة، كانت الدنيا أشبه ما تكون بساعات ~~الفجر، فضباب معتم ومصابيح موقدة ... أين أذهب في هذه الساعة المبكرة؟ جلست في غرفة ~~الانتظار أكتب مذكراتي، وما كادت أضواء الصبح تشيع في الفضاء حتى خرجت أسعى في المدينة ~~طائفا، وكان أول ما استوقف نظري لافتة كبيرة تضيء مصابيحها ms190 وتنطفئ، فإذا أضاءت أبانت ~~بضوئها ما يدل على الوقت وعلى درجة الحرارة، وكان المكتوب عندئذ الساعة 8,50 ودرجة ~~الحرارة 42 (فهرنهايت، وهي تساوي 5 مئوية). # أخذت خريطة المدينة من إحدى محطات البنزين، ووقع نظري صدفة على مبنى المكتبة العامة، ~~فدخلتها ونشرت الخريطة على منضدة في قاعة المطالعة لأدبر لنفسي طريق السير أثناء ~~النهار، ثم خرجت مستعينا بالله على مشي متصل طول النهار. # سياتل! من ذا يسمع في مصر عن سياتل إلا المختصون في الجغرافيا؟ ومع ذلك تعال فانظر ~~كيف تقف الأنفاس لما ترى! مدينة واسعة شاسعة نظيفة ليس بها بناء واحد لا يدل على العظمة ~~والثراء، الثروة الثروة الثروة! هذا هو ما تنطق لك به سياتل: عشرات الألوف من الناس ~~تسير مسرعة في الطريق؛ فهنا لأول مرة في أمريكا أرى ما يقولون عنه من أن الناس في هذه ~~البلاد يسرعون الحركة ويشغل العمل رءوسهم وخواطرهم ... عشرات الألوف من الناس ليس فيهم ~~واحد أو واحدة على ثيابه أو ثيابها آثار البلى أو ما يشبهه، حتى نيويورك لم تكن كذلك، ~~واشنطن لم تكن كذلك ... قف دقيقة هنا، على هذه الناصية، وانظر: عشرات الألوف من الناس ~~تسير مسرعة، لا تسمع إلا وقع أحذيتهم على الأرض؛ معاطف، قفازات، قبعات؛ معاطف، قبعات، ~~تلفيعات من الصوف حول الأعناق؛ معاطف، قبعات، مظلات في الأيدي؛ معاطف، قبعات، أقراط ~~جميلة في الآذان ... أريد أن أرى معطفا واحدا، قبعة واحدة، قفازا واحدا، تلفيعة ~~واحدة، عليها آثار البلى؛ أريد أن أرى من هذه الألوف شخصا واحدا مشعثا ممزق ~~الثياب ... لا بد أن تكون الثروة هنا بالهيل والهيلمان. # مشيت ثلاث ساعات أو نحوها من شارع إلى شارع أنظر وأتعجب؛ الفنادق الفاخرة من الطراز ~~الأول لا يكاد يحصرها عدد؛ المحلات التجارية العظيمة من الطراز الأول ليس لها حصر؛ كل ~~شارع من هذه الشوارع التي تعد بالمئات لا تعرف كيف يمكن أن يكون أكثر من ذلك دلالة ~~على الغنى. # ركبت سيارة عامة قاصدا إلى الجامعة - جامعة واشنطن - فمررت في طريقي ببحيرة ~~الاتحاد؛ هي بحيرة ms191 تنحدر شواطئها، وتقوم المنازل على هذه الشطآن المنحدرة ... لبثت في ~~السيارة ساعة، ذهبت كلها في ركن صغير من أركان البلد، ومن هذا تعلم كم تمتد ~~سياتل. # نسبة الجمال هنا مرتفعة إلى درجة نادرة، فضم الجمال إلى الغنى في هذا البلد العجيب! ~~أنا لا أعرف من الناحية الإحصائية كم يكون ثراؤها، لكني أكون أعمى البصر والبصيرة إذا ~~لم تكفني نظرة واحدة هنا لأقول إن هذا البلد غارق إلى ذقنه في الذهب! وليس عندي شك - ~~بعد أن تفرست في الوجوه ما تفرست - أن أهلها يختلفون عن الناس في البلاد الأخرى، ~~هنا الجد باد كالشمس الواضحة: سرعة المشي في الشوارع، وانعدام التلكع والتسكع ~~والتلكؤ ؛ إنك لا ترى من يقف مسندا ظهره إلى الحائط ناظرا إلى المارة كما ترى في ~~«لوس أنجلس»، ولا تجد من يبدو عليه أنه قد جاء للتنزه والتمتع كما تجد في ~~«نيوأورلينز» أو «سان فرانسسكو» ... هنا عمل عمل، هنا جد جد جد، هنا ثروة ثروة ~~ثروة ... وهنا جمال فاتن في النساء؛ هذه هي «سياتل». # الفصل السادس # | في الغرب # الأربعاء 3 فبراير ~~(من مدينة بلمان بولاية واشنطن في أقصى الشمال الغربي للولايات المتحدة؛ حيث أقمت ~~أستاذا زائرا بجامعتها فترة الربيع.) # دعاني الدكتور «د. و» إلى حفلة مسائية في داره، كما دعا كثيرين من أساتذة الجامعة ~~ليعرف بعضنا بعضا، ولو حللت هذا الاجتماع وحده وقارنته بنظيره في مدينة كولمبيا ~~(ولاية كارولاينا الجنوبية)؛ لتبين الفارق البعيد بين أهل الجنوب وأهل الغرب، إنهما ~~روحان مختلفان كل الاختلاف ... إنني أقارن النظير بنظيره؛ فقد كان الدكتور «ش» في كولمبيا ~~قد جمع أربعة اجتماعات في داره، ودعا في كل اجتماع منها عددا من الأساتذة ليعرفوني ~~وأعرفهم، وإذا فلنقارن اجتماع الليلة بتلك الاجتماعات لنتبين الفروق: # أولا: # المدعوون هنا الليلة جميعا كانوا مصحوبين بزوجاتهم، أما الدكتور «ش» ~~في كولمبيا فلم يدع الزوجات، بل أكثر من هذا، وهو أن زوجته عندما ~~كانت سمعت أول نقرة على الباب، وعرفت أن القادم هو من المدعوين، ~~أسرعت إلى داخل الدار كأنها امرأة في ms192 حريم شرقي، مع أنها كانت موظفة ~~إلى عهد قريب في الجامعة نفسها، وعلى علم تام بالأساتذة المدعوين، ~~وإذا فهناك في الجنوب تزمت وطول تفكير وتدبير في مسألة اجتماع ~~النساء بالرجال في الدعوات والحفلات، متى يكون ومتى لا يكون. # ثانيا: # قدم لنا الليلة أنواع الشراب المختلفة ليطلب من شاء ما شاء ~~منها، وأما في كولمبيا، في الدعوات التي أقامها الدكتور «ش» في منزله، ~~فلم يقدم إلا القهوة فقط، كأنما تقديم الشراب يزيل الكلفة وهم هناك ~~لا يريدون إزالة الكلفة بسرعة ... هذا الفارق عندي هو من أهم الفوارق؛ ~~فإن الكلفة والتكلف والمجاملة والتصنع لم تزل بيني وبين رجال ~~الجامعة في كولمبيا حتى تركتها؛ لم يحدث أبدا أني اندمجت مع أحد منهم، ~~كما اندمجت هنا في بلمان مع أعضاء قسم الفلسفة منذ الدقيقة الأولى؛ ~~فالناس هنا في الغرب يتصرفون التصرف الذي لا تكلف فيه. # ثالثا: # كان الحديث تلقائيا حرا في اجتماع الليلة؛ وأما في اجتماعات ~~كولمبيا فقد كان الحديث يدور دورانا مدبرا حول أسئلة عن مصر؛ ذلك ~~لأنهم لم يريدوا هناك أن يجعلوها جلسة صداقة وود؛ فمثلا كان يستحيل ~~عليهم أن يتبادلوا النكات ما دمت غريبا بينهم، مع أن اجتماع الليلة ~~لم يخل من النكات المرحة، مثال ذلك: قال أحدهم إن في جامعة سماها ~~تمثالين لأسدين على سلم المدخل، وكانوا يقولون وهم في تلك الجامعة إن ~~هذين الأسدين يزأران لو مرت بينهما فتاة عذراء (يعني أنه لا عذراء ~~بين الفتيات) ... فقال أستاذ آخر: هذا شبيه بما كنا نقوله كذلك في ~~جامعتنا؛ فهناك تمثال لرجل جالس، وكنا نقول إن التمثال ينهض واقفا لو ~~مرت به فتاة عذراء ... هذه نكات كانت تقال في اجتماع الليلة مع وجود ~~الزوجات، بل كان الزوجات يشتركن في التعليق والضحك. # رابعا: # طبعا دار حديث طويل عن الشرق الأوسط بمناسبة وجودي، فيكفي أن تسمع ~~الأسئلة الدقيقة المستنيرة التي كانوا يسألونها، والتي تدل على أنهم ~~ليسوا في عماء وجهالة كالتي رأيتها في كولمبيا بالنسبة للعالم الخارجي، ~~لتعلم الفرق البعيد بين إقليم وإقليم، ms193 بين الجنوب من ناحية والغرب من ~~ناحية أخرى ... يسألونك هنا مثلا عن حركة الإخوان المسلمين، وعن حركة ~~الدروز في سوريا، وعن قوة الشيشكلي أو ضعفه، وعن عزم الباكستان أن تكون ~~دولة دينية، أعني دولة ثيوقراطية، وعن مصر هل تنوي أن تفعل ذلك في ~~دستورها الجديد؟ وآثار ذلك إذا كانت له آثار؛ وإذا ورد ذكر الإسلام، ~~فمنهم من كان يعلق تعليق الفاهم فيقول أحدهم مثلا: إن الفرق بين ~~المسيحية والإسلام هو فرق في المسيح لا في الله؛ فالديانتان إلههما ~~واحد بعينه، لكن المسلمين يفهمون المسيح فهما يختلف عن فهم المسيحيين ~~... وهكذا وهكذا، فما أبعد هذا الجو المستنير عن مثيله في كولمبيا حين ~~كان الناس يسألونني أسئلة كلها سذاجة وقلة اهتمام بأمور الدنيا ~~الخارجية. # الخميس 4 فبراير # ذهبت بعد الغداء مع الدكتورة سنثيا شستر - أستاذة الفلسفة - إلى مكان تسجيل الطلبة ~~للنصف الثاني من العام الدراسي، فوجدته منظرا يكاد يبعث على الضحك؛ ففي الملعب الكبير ~~المسقوف مدت مناضد على شكل حدوة الحصان، وجلس ممثلو الأقسام المختلفة في الجامعة، ~~وكتب أمام كل منهم لافتة باسم القسم، مثلا «فلسفة» أو «طبيعة» أو «لغة إنجليزية» ~~... إلخ، ويأتي الطالب فيسأل ممثل القسم الجالس: ماذا أستطيع أن أتلقى عندكم من أشواط ~~دراسية؟ فيوضح له ممثل القسم أنواع الدراسات التي عنده ... والذي أضحكني هو أن المنظر كان ~~أشبه بمنظر الدلالين الذين ينادون على بضاعة يريدون بيعها؛ فممثلو الأقسام حريصون كل ~~الحرص على أن يلتحق الطلبة بأقسامهم؛ ولذلك هم يعرضون ما عندهم بشكل فيه إغراء للطالب ... ~~ويسأل الطلبة أحيانا أسئلة تضحك، فمثلا جاء طالب إلى ممثلة قسم الفلسفة الدكتورة ~~شستر، وكنت واقفا إلى جوارها، فسألها: ماذا في القسم من دراسات تصلح لي؟ فقالت له: ~~كذا وكذا وفلسفة إسلامية؛ فسأل في دهشة: فلسفة إسلامية؟! ما هذه وما عساها أن تكون؟ ~~(يلاحظ أن الفلسفة الإسلامية أضيفت إلى الدراسات هذا النصف الثاني من العام بمناسبة ~~وجودي فقط وستزول بعد سفري) فقالت له الدكتورة شستر: هي دراسات عن الإسلام، ومن المفيد ~~لنا أن نعرف ms194 عن ثقافات العالم المختلفة ... إلخ إلخ؛ فسألها الطالب: وما موعد هذه ~~المحاضرات؟ فقالت له: أيام الإثنين والأربعاء والجمعة من الساعة الواحدة والثلث؛ فصفر ~~الطالب وقال: واحدة وثلث! إني أكون عندئذ أنزلق على الجليد، لا، هذا لا ينفعني، ماذا ~~عندكم غير هذا؟! وهكذا وهكذا، والطالب لا يعجبه شيء في قسم الفلسفة فيستعرض أقساما ~~أخرى ليرى ماذا يروق له لينتقيه ... وترى الأساتذة في قلق أضحكني، فمثلا إذا كانت هناك ~~مادة لم يتقدم إليها أحد، وجدت ممثل القسم مشغول البال، يبحث جادا عن طلبة لها، ~~ويوصي زملاءه في الأقسام الأخرى أن ينصحوا الطلبة بالتقدم إلى هذه المادة المهجورة ~~وهكذا. # الجمعة 5 فبراير # دعانا الدكتور «د. و» وزوجته إلى مشاهدة رواية تمثيلية ... المسرح غرفة من فندق، وهو ~~شيء لم أشهد له مثيلا، ولو أنه يقال إنه نوع من المسارح انتشر في الولايات المتحدة ~~وخصوصا الولايات الغربية، ويسمونه «مسرح الحلبة»، وذلك أن تصف المقاعد صفوفا على ~~جوانب ثلاثة من جوانب الغرفة، ويترك الجانب الرابع مؤديا إلى الأبواب التي يدخل ~~منها الممثلون ويخرجون، والمسرح هو وسط الغرفة، فإذا انتهى فصل أطفئت الأنوار كلها ~~لحظة قصيرة ثم أضيئت على الفصل الثاني. # أحسست بغرابة في أن يكون التمثيل قائما بين صفوف الجالسين، ولكني كذلك أحسست عمق ~~الأثر وصدقه؛ لأنك سرعان ما تنسى أنك إزاء مسرح وتمثيل؛ لانعدام الوسائل المصطنعة؛ ~~فالأمر في حقيقته لا يزيد ولا يقل عما لو كنت جالسا في بهو فندق وأمامك الناس يتكلمون، ~~هم في حالهم وأنت في حالك، لكنك تسمع ما يقولون وترى ما يصنعون لقربهم منك؛ وإذا فهذا ~~النوع الغريب من المسرح التمثيلي تنقصه ما في المسرح المألوف من جو مسرحي خاص، لكنه في ~~مقابل ذلك يزيد عن المسرح المألوف في عمق الأثر وصدقه. # الرواية التي شهدناها رواية مشهورة، عنوانها «ولدت بالأمس» وخلاصتها أن فتاة ~~لعوبا مغرية كانت جاهلة ساذجة، فاستغلها ثري يجمع ثراءه بالغش مستعينا في ذلك برشوة ~~عضو في الكونجرس، وعن للثري أن يعلم غانيته هذه حتى تصلح للمجتمع الذي يتحرك ms195 ~~فيه؛ فجاءها بمعلم خاص ظل يعلمها حتى جاوزت الحد المطلوب إلى حد جعلها تفهم ~~حقائق الأمور وتثور عليه وتفضحه ... ويقال إن للرواية أساسا حقيقيا في عهد الحكومة ~~الماضية؛ إذ استطاع رجل أن يثرى ثراء ضخما برشوته لأصحاب النفوذ ... وحدث أن أحبت ~~الفتاة معلمها وأحبها المعلم فتزوجا، وإذا فهي قائمة على نفس الأساس الذي تقوم عليه ~~رواية «بجماليون» لبرناردشو؛ وعلى كل حال فالموضوع قديم قدم اليونان: حب الفنان ~~لفنه؛ ففي أسطورة بجماليون الأصلية أحب النحات تمثاله الذي نحته، وبعدئذ راح رجال ~~الأدب يستمدون من الأسطورة تخريجات أخرى، من أشهرها أن يكون الفنان معلما وأن يكون ~~الأثر الفني متعلمة، وأن يقع الحب بين الفنان وأثره؛ أي بين المعلم وتلميذته. # والممثلون والممثلات في مسرحية الليلة كلهم من الهواة، ولعل هذا أعجب ما في الأمر ~~كله؛ لأن تمثيلهم قد بلغ حدا من الجودة يستحيل أن يبلغه إلا ممثلون وممثلات من الطراز ~~الأول؛ وليس يخامرني شك في أن الفتاة التي مثلت دور الغانية سيكون لها في عالم ~~التمثيل شأن كبير؛ وقد سألت فعلمت أنها تعمل بائعة في نادي الاتحاد - اتحاد الطلبة - ~~وهي في الوقت نفسه طالبة. # ذهبنا بعد مشاهدة التمثيل إلى منزل الدكتور «د. و»، وظللنا نتحدث إلى قرب الساعة ~~الواحدة بعد منتصف الليل؛ إنني كل يوم أزداد إيمانا بالفارق البعيد بين الغرب والجنوب ~~في وجهات النظر؛ فقد تحدثنا الليلة في مشكلة الزنوج، فوجدتهم يستبشعون الفصل اللوني ~~السائد في ولايات الجنوب. # وسألني الدكتور «د. و» هل توقعون في مصر يمين الولاء؟ قلت له: ولاء لمن؟ قال: ~~لبلادكم؛ قلت: ولاء المصري لمصر متضمن في كونه مصريا؛ فقال متهكما على ما هو سائد ~~في أمريكا اليوم: نعم، وكان ولاء الأمريكي لأمريكا متضمنا في كونه أمريكيا، ثم ~~تبدلت الحال معنا وأصبح الأمريكي في حاجة إلى أن يوقع يمينا بالولاء لبلاده. # السبت 6 فبراير # قرأت في مجلة «العالم الأمريكي» مقالين كل منهما غاية في الامتياز، وكل منهما ~~غاية في جرأة التفكير ... أما أحدهما ففكرة جريئة فيما تعودت ألا أسمع ms196 عنه في ولايات ~~الجنوب شيئا إلا دلائل الخوف والجزع، هو مسألة «الولاء للوطن» التي حدثني عنها أمس ~~الدكتور «د. و»؛ فكل أستاذ جامعي في هذه البلاد (وقد يكون كل موظف حكومي على الإطلاق) ~~يوقع وثيقة ولاء لبلاده، يتعهد في الوثيقة أنه لم يكن في يوم من الأيام ولا هو الآن ~~ولا ينوي أن يكون في المستقبل منتميا إلى أي نشاط شيوعي، وبغير هذا «الولاء» لا يجوز ~~أن يظل في منصبه. # أول المقالين الجريئين اللذين قرأتهما اليوم هو في هذا الموضوع، وعنوانه «الولاء ~~والحرية»، يقول فيه كاتبه - وهو أستاذ في جامعة هارفارد: إن هذا «الولاء» حبس للحرية ~~الفردية، وقد قام الدستور الأمريكي - بل المجتمع الأمريكي بأسره - بادئ ذي بدء على حرية ~~الفرد، وكل شيء بعد ذلك إنما يستمد وجوده من تلك الحرية الفردية، ولن تكون للأفراد حرية ~~إذا سيقوا جميعا في مجرى فكري واحد تنطمس فيه أوجه الاختلاف بين الأفراد، وإلا فما ~~الفرق بيننا وبين روسيا الشيوعية في ذلك؟ # نعم، إني أعيد هنا ما لاحظته فيما مضى، وهو أن الأمريكيين في جزع وفزع ورعب وخوف من ~~الشيوعية، ويستحيل على الأجنبي أن يحس إحساسهم هذا إلا إذا جاء ليعيش بينهم حينا، ويرى ~~كيف يتكلمون في هذا الموضوع همسا، يتكلمون وهم يتلفتون يمينا ويسارا خشية أن يسمعهم ~~سامع دخيل ... قد لا يكون معنى ذلك أنهم راغبون في شيوعية، لكن معناه أنهم ساخطون على هذه ~~الحركة العنيفة التي يقوم بها ماكارثي في البلاد كلها درءا للشيوعية، مما اقتضاه أن ~~يطغى على حرية الأفراد وكل حرية عزيزة على الأمريكي، ولا يرضى بغيرها بديلا. # وأما ثانية المقالتين، فكانت هجمة عنيفة على الذوق الفني في أمريكا؛ إذ يزعم الكاتب ~~أن الفن لا يجري في عروق الأمريكيين، بل هم يضيفونه إلى حياتهم إضافة الزائدة. # دعيت إلى القهوة عصرا في منزل الدكتور بتر مع السيد «ش» وزوجته الدكتورة ~~الفيلسوفة «س. ش» ... والدكتور بتر كان رئيسا لقسم الفلسفة فيما مضى، وهو الآن متقاعد، ~~يبلغ من السن حول الخامسة والسبعين، وكذلك ms197 زوجته تبلغ ما يقرب من هذه السن. # منزل الدكتور بتر أمنية يتمناها أي إنسان في الدنيا له شيء من الثقافة وحسن الذوق؛ ~~رأيت منه بهوا وغرفة المكتب وهي التي جلسنا فيها ... البهو فسيح نوعا ما ومؤثث في بساطة ~~وجمال ليس بعدهما زيادة لمستزيد؛ وأما غرفة المكتب فصغيرة بطنت جدرانها بالخشب، وفي ~~هذه البطانة الخشبية ذاتها رفوف تدور مع جدران الغرفة الأربعة، ملئت كلها بالكتب، ~~وأربعة مقاعد أو خمسة مختلفة الشكل واللون والحجم اختلاف التباين الجميل؛ وقد أوقدت ~~نار المدفأة وأضيئت المصابيح الخافتة ذات المظلات المنقوشة في هدوء ورقة. # قالت الدكتورة «س. ش» إن هذا المنزل في رأي كثيرين من الناس هو «المسكن» الوحيد في ~~مدينة بلمان؛ أما بقية البيوت «فمنازل» (إنني أستعمل كلمة «مسكن» لتقابل لفظة # home # ولفظة «منزل» لتقابل لفظة # house ~~) ... وهنا وجدت أنا الفرصة سانحة لأعبر عن ~~شديد إعجابي بجمال الذوق في كل شيء حولي، وبالروح الدافئة النابضة التي تشيع في كل جزء ~~من أجزاء المكان، ثم سألت: ما الذي يجعل «المنزل» «مسكنا»؟ فأجابتني السيدة بتر ~~(صاحبة الدار) قائلة: أظن أن أهم عامل هو أن يكون المنزل قديما في بنائه وفي أثاثه ... ~~وهنا هبط علي ما يشبه الوحي، وعرفت لماذا تخلو منازلنا المصرية من الروح، عرفت لماذا ~~تتصف منازلنا بهذه البرودة التي تقشعر لها الأجسام؛ ذلك لأنها - على عكس ما قالت السيدة ~~بتر - قد فرشت بالجديد اللامع البراق! إنني كلما رأيت «مسكنا» من هذه «المساكن» ~~الدافئة بروحها، انتقل خيالي فجأة إلى «منزلي» بالقاهرة، وأحسست البرودة تسري في مفاصلي ~~وعظامي، أحسست بالبرودة تسري على سبيل الحقيقة لا على سبيل المجاز. # السيدة بتر - مثل زوجها - غزيرة الثقافة جدا، فلا هم لهذين الزوجين الكهلين سوى ~~القراءة وخدمة الدار! إي والله، فلا خادم عند هذين الكهلين ولا خادمة، تراهما يسعيان في ~~أنحاء دارهما يعدان للضيوف ما يعدانه، وينظفان ويغسلان ويمسحان ثم ... يقرءان! ~~ومن لطيف ما قالته السيدة بتر أنها تعلمت من خبرة الحياة أن بعض الرجال يؤذيهم أن ~~تأمرهم امرأة، فإذا أرادت ms198 امرأة من رجل أن يؤدي عملا فعليها أولا أن تستوثق من أن ~~الرجل ليس من أولئك الذين لا يحبون الائتمار بأمر أنثى ... وهنا علق السيد «ش» بأنه رجل ~~من أولئك، مع أنه المثل الوحيد الذي شهدته في حياتي لرجل يقيم في المنزل بلا عمل إلا أن ~~يعد الطعام وينظف الدار، على حين تقوم زوجته الدكتورة «س. ش» بكسب الرزق لهما ~~معا! # وبعد أن فرغنا من زيارة الدكتور بتر وزوجته، انتقلنا - السيد «ش» وزوجته وأنا - إلى ~~دار هذين حيث دعواني على العشاء ... لهما قط يعزانه إعزازا يدعو إلى العجب، وقد أجلسته ~~الدكتورة «س» على حجرها، وراحت تربت له بكفها، وتقص علي قصة القط العزيز ... أخذته ~~صغيرا ولما شب وعرف لذائذ الحياة الليلية أخذ يموء ويصرخ لنطلق سراحه بالليل، ~~فأشفقنا عليه وفتحنا له الباب وذهب إلى ما لست أدري أين، والظاهر أنه في الليلة الأولى ~~قد غرق في المتعة طيلة الليل فلم يعد إلينا إلا مع الصبح، وعاد متعبا ورقد على الأرض ~~منهوكا يغط في نعاسه طول النهار، وما هو إلا أن ظهرت عليه بعد حين كل الدلائل الدالة ~~على «عقدة أوديب» - أي الدالة على حبه لأمه حب الذكر للأنثى - فقد حاول مرات عدة أن ~~يتصل بأمه، لكن أمه استعصت عليه وكانت تفلت منه هاربة إلى حيث لا يستطيع اللحاق بها، ~~ولم يلبث أن دارت معارك دامية بينه وبين أبيه، كان يعود بعدها دائما مهزوما يقطر الدم ~~من جراحه ... (وهنا تنظر الدكتورة الفيلسوفة إلى قطها مخاطبة إياه قائلة: كان ينبغي أن ~~تتعلم بالخبرة بعد معركة أومعركتين) ... # هنا سألت الدكتورة الفيلسوفة إن كانت حقا ترى أن «عقدة أوديب» لها أثرها في ~~الآدميين (وبالطبع لم أفهم حديثها عن القط إلا على سبيل المزاح) فهل تدل مشاهدة الحياة ~~اليومية على أن الرجل يشتهي المرأة التي هي على طراز أمه؟ أم هي نظريات لا تتفق والواقع ~~الملحوظ؟ فقالت الدكتورة «س»: إن العجيب في هذه النظرية هو أنها تتأيد بالإيجاب والنفي ~~معا، فإذا كان الرجل يشتهي الأنثى ms199 على غرار أمه كانت النظرية صادقة، وإذا هو اشتهى ~~الأنثى من طراز مختلف كانت النظرية صادقة أيضا؛ لأنه في هذه الحالة يشعر بتحريم شديد ~~نحو أمه ونحو سائر من يشبهها من نساء، إلى حد يفقده الرغبة في طرازها، وما التحريم ~~الشديد إلا دليل على وجود الرغبة الشديدة في أول الأمر، رغبة لم يقتلعها من نفسه إلا ~~تحريم شديد ... ولذلك نرى بعض الناس تشتد شهوتهم للغرباء عن جنسهم، بمعنى أن تتقرر رغبة ~~الرجل لامرأة من وطن غير وطنه، إمعانا منه في البعد عن طراز أمه، وكذلك قد تشتد شهوة ~~الرجل إلى امرأة تختلف عنه لونا، ومن ذلك ما يقال عن جورج واشنطن أن في أوراقه الخاصة ~~ما يدل على أنه في الوقت الذي لم يستطع فيه الاقتراب من امرأة بيضاء - مع شدة إعجابه ~~بكثير منهن - أشبع شهوته الجنسية في نساء سوداوات. # الأحد 14 فبراير # جاءتني في الصباح السيدة «ج» لتأخذني إلى «مدرسة الأحد - ففي الكنائس أيام الآحاد ~~يجتمع الأطفال في أعمار مختلفة ليتلقوا دروسا، ويسمون هذا النظام في الكنيسة «بمدرسة ~~الأحد» - فهي متطوعة للتدريس في كنيستها أيام الآحاد، وأرادت أن تعرضني على أطفالها ~~نموذجا لرجل جاء من أرض الإنجيل أو ما يجاورها ... الأطفال في فرقتها تقع أعمارهم في ~~التاسعة أو العاشرة، وكان هناك أربعة من رجال وسيدات - عدا السيدة «ج» - كلهم منوط بهم ~~الإشراف على هذه الفرقة الدراسية ... الغاية في جمع الأطفال هذا في الكنيسة هي تعويدهم ~~ارتياد الكنيسة منذ الصغر؛ ولما كانت الصلاة أمرا قد يتعذر أداؤه وفهمه وتقديره على ~~هذه الأعمار الصغيرة، رأيتهم يجمعون الأطفال في فصول دراسية ملحقة ببناء الكنيسة ذاتها، ~~بل رأيت كنائس ملحقا بها أبهاء للعب الأطفال الذين هم دون سن الدراسة، فترى هناك ~~الكرات والعرائس والعجلات وما إلى ذلك، ومجموعة الصغار يلعبون ويصيحون. # وقفت السيدة «ج» أمام مجموعة أطفالها - وكانوا حول الثلاثين طفلا، ويجلسون على تخوت ~~مدرسية - وأعلنتهم أن زائرا معهم اليوم، جاءهم من مصر القريبة من الإنجيل، وأن هذا ~~الزائر سيحدثهم عن بعض ما ms200 رآه بنفسه في البلاد المقدسة. # وعندئذ بدأ مدرس يعرض الصور بالفانوس السحري عن القدس وتل أبيب ويافا وغيرها من بلاد ~~فلسطين، وكنت كلما طاف برأسي شيء خاص بإحدى هذه الصور مما قد يلذ للأطفال أن يعلموه ~~تحدثت عنه ... ومن الصور التي عرضت صورة أسماها «البوابة الذهبية»، وقال لهم مدرسهم إن ~~هذه البوابة مغلقة، أغلقها المسلمون، وهم يقولون إن الوادي الذي ينتهي إلى هذه البوابة ~~مشدود فيه سلك رفيع، وسيمشي الناس على هذا السلك يوم القيامة، وعندئذ ستنفتح البوابة ~~لمن يستطيع الوصول ... فأثارت هذه القصة اهتمام الأطفال، وأخذوا يسألونه: أين هو السلك؟ ~~هل مشى على السلك أحد؟ من الذي أغلق البوابة؟ وكيف ستفتح البوابة حين تفتح؟ وما ~~سمك السلك على وجه الدقة؟ ... إلخ إلخ. فلما أزهقوا المدرس بأسئلتهم وهو في كل رد يرد به ~~على سؤال يقول لهم: هذه عقيدة المسلمين وعلينا أن نحترم عقائد الناس؛ أقول: إنهم حين ~~أزهقوا المدرس بأسئلتهم قال لهم: مهما يكن من أمر هذه القصة فنحن باعتبارنا مسيحيين لا ~~شأن لنا بها، وكل ما يجوز لنا أن نقوله إزاءها هو أنها عقيدة المسلمين، وأننا نحترم ~~عقائد الناس، لكننا لا نلتزم بها. # فلما انتهى من عرض صوره قال لهم: ربما تفضل زائرنا الآن بالتحدث إليكم؛ فقمت ~~وقلت لهم: ما دامت قصة السلك قد أثارت اهتمامكم فأحب أن أقول لكم إن السير على سلك ~~رفيع أو ما يشبه السلك الرفيع، يراد به الرمز إلى العمل الصالح؛ وانفتاح البوابة لمن ~~يستطيع الوصول رمز لدخول الجنة جزاء العمل الصالح؛ فالعمل الصالح كثيرا ما يكون ~~عسيرا صعبا؛ لأن الإنسان يقاوم به شهواته ورغباته؛ ولذلك شبهوا أداءه بالمشي على سلك ~~رفيع ... فوقفت السيدة «ج» وقالت: إذا فهذا شبيه جدا بما قاله المسيح وورد في ~~الإنجيل، وهو أن الطريق إلى الجنة ضيق، وأما الطريق إلى جهنم فواسع عريض. # وأخذ الأطفال بعد ذلك يمطرونني بأسئلة عن مصر: عن الهرم وأبي الهول والجمال والصحراء ~~والجيزة، وأرواق البردي ومقابر القدماء ... إلخ. # ثم جاءني مدرس يلح علي ms201 في أن أصعد معه إلى الطابق الأعلى لأتحدث إلى تلاميذه، وهم ~~أعمار تتراوح بين الثالثة عشرة والخامسة عشرة، وقد علمت أن هؤلاء الأيفاع يعدون ~~لمهمة التبشير ... لفت نظري في هذا المدرس أنه رث الثياب إلى درجة لم أرها على أمريكي ~~آخر، فحذاؤه ممزق فعلا، وبدلته بالية، ووجهه يدل على إهمال وفقر، ولغة كلامه لا تدل ~~على أن صاحبها قد ظفر بشيء من التثقيف. # صعدت إلى فرقته وقوامها ستة أولاد وأربع بنات؛ أما البنات فقد جلسن هادئات في ركن من ~~الغرفة، وأما الأولاد فعجب من العجب هم شرذمة من المجرمين! كل واحد منهم بغير استثناء ~~جلس جلسة فيها كثير جدا من الشذوذ والتحدي، فوقفت أمامهم أبتسم، فأي نبات يا ترى ~~سيخرج من هذه البذور؟ أهو النبات الصالح الذي يعدونه للتبشير بالمسيحية بما فيها من ~~سماحة وحب؟ إنهم فريق من الأطفال المشردين الذين بدءوا حياتهم بالجريمة، وإن كانت خبرتي ~~الطويلة بالتلاميذ قد علمتني شيئا، فلا شك عندي في أن هؤلاء الأولاد الستة جميعا ~~ستنتهي حياتهم بالجريمة كما بدأت ... ومع ذلك فشتان بين أسئلتهم التافهة وأسئلة الأطفال ~~الصغار في الطابق الأسفل. # ولما فرغت من هؤلاء وأردت الخروج جاءتني فتاتان من الفتيات الأربع اللائي كن في ~~هذه الفرقة وسألنني سؤالا عجيبا - وكان مدرسهن واقفا معي - وهو: إذا كان آدم وحواء ~~قد أنسلا ولدين هما قابيل وهابيل، ثم قتل قابيل هابيل، فمن أين أتى قابيل بزوجة ~~يتزوجها ليستمر النسل ويتكاثر البشر؟ ... فضحكت وقلت لهم: إني لست حجة ولا شبه حجة ~~فيما ورد في الإنجيل من قصص، فربما يكون هذا الذي أشرتما إليه نقصا في تكوين القصة، ~~ولكني أرجح أن هذه الأسماء: «قابيل» و«هابيل» ... رموز لقبائل بأسرها لا أسماء لأفراد، ~~وقتل قابيل لهابيل معناه فتك قبيلة بقبيلة، وإذا فبقاء قابيل هو بقاء قبيلة بأسرها ~~فيها الرجال والنساء يتزاوجون ويتناسلون ... فبهذا التفسير ننقذ القصة التي وردت في ~~كتابكم وكتابنا. # الثلاثاء 16 فبراير # دعاني السيد «ه. ه» وزوجته أن أقضي معهما المساء، فذهبت إليهما في صحبة السيد «ش»؛ ms202 ~~فتحت السيدة «ب. ه» الباب ورحبت، وكان زوجها واقفا على مقربة منها مرحبا، كلاهما في ~~سن الخامسة والثلاثين أو ما يقرب منها؛ أما السيدة «ب» فمن أجمل وأروع نساء الدنيا ~~أجمعين، هي أميل إلى الطول، مليئة الجسم إلى حد الكمال، لها بشرة شفافة رائقة، ووجه ~~باش سمح، ثم هي كثيرة الضحك في خفة دم ونشوة روح. # جلسنا نتحدث، وما هي إلا أن قدمت لنا «ب» ما صنعته من قهوة وشاي وكعك ... بدأ حديثنا ~~بالهنود الأصليين وما بقي منهم في المحابس التي تحصرهم هنا وهناك، وذلك بمناسبة ذكرنا ~~لبعض البلاد التي تحمل أسماء هندية؛ فالكثرة العظمى من البلدان والأنهار والجبال لا ~~تزال تحمل الأسماء الهندية القديمة؛ فسألتهم: أين آثار هؤلاء الهنود الأصليين؟ فكان ~~السؤال غريبا عليهم، وقالت السيدة «ب» إنه من العجب أن هذا السؤال لم يطرأ لها من قبل، ~~وأجمعوا على أنه ليس للهنود الأصليين من أثر؛ فسألت قائلا: وكيف يمكن عقلا أن يترك ~~نظراؤهم في المكسيك آثار مدنية لا بأس بها، والهنود في هذه البلاد لا يتركون شيئا؟ ~~فعللت السيدة «ب» هذه الظاهرة بكثرة الخيرات في أرض الولايات المتحدة، مما صرف سكان ~~البلاد الأصليين عن كل أوجه النشاط، كما هي الحال - مثلا - في القبائل البدائية في ~~أفريقيا الوسطى. # وانتقل الحديث إلى المقارنة بين الاستعمار الفرنسي والاستعمار الإنجليزي بمناسبة ما ~~قلته لهم مما كنت أقرؤه لتوي قبيل زيارتهم من أن الفرنسيين الذين هاجروا إلى ~~الولايات المتحدة خالطوا الهنود الحمر وتزوجوا منهم في أول الأمر، ثم وقفت هذه الحركة ~~حين تمت السيادة للإنجليز ... وجعلت أحدثهم في استفاضة عن الاستعمار الإنجليزي وكيف ~~أنه أنكب ما نكب به تاريخ البشر، فوجدتهم متشككين في صواب هذا الحكم، وكان الحديث ~~عندئذ بيني وبين السيدة «ب»، فقلت لها: خذي أي قبيلة بدائية مما خضع للإنجليز مائة عام ~~أو مائتين، ثم اختاري أي مقياس للتقدم تشائين، اختاري المستوى الاقتصادي أو الثقافي ~~أو ما يحلو لك أن تختاري، وطبقي مقياسك هذا على هؤلاء الناس؛ لتعلمي أنهم اليوم كما ms203 ~~كانوا عند أول استيلاء الإنجليز عليهم عريا وجهلا وفقرا وهمجية، فماذا صنع لهم ~~الإنجليز إذا؟ ... ولم أدع الفرصة تمضي حتى شرحت لهم كذلك فظائع الفرنسيين في بلاد ~~المغرب؛ ليعلموا كيف يمنع حماة الحرية الإنسانية دخول الصحف العربية والكتب في بلاد ~~المغرب، بل كيف منعت فرنسا إعانة القمح التي أرسلتها مصر إلى مراكش منذ بضع سنين حين ~~اجتاحتها مجاعة؛ لأن الفرنسيين يفضلون أن يموت المراكشيون جهلا وجوعا على أن يشعروا ~~بأواصر القربى بينهم وبين سائر البلاد العربية. # وانتقل الحديث بعد ذلك إلى نقد التربية والتعليم في أمريكا، وكان السيد «ش» من أقسى ~~الناقدين، زاعما أن المستوى الجامعي في أمريكا أدنى منه بكثير في إنجلترا وفرنسا ~~وألمانيا، وهي بلاد عاش فيها سنوات طويلة جدا من عمره ... وقد ذكروا جميعا أن حكومة ~~الولايات المتحدة قلقة من الضعف العلمي بين الطلاب؛ فهنالك سطحية علمية بين المتعلمين ~~لا شك فيها ... ثم عاد السيد «ش» إلى الحديث، وقارن الأمريكيين بالألمان وعمقهم في البحث ~~قائلا: إن الألمان لا يزالون يحافظون على النظرية التي سادت العصور الوسطى - وهي ~~النظرية الصحيحة في رأيه - من أن واجب رجال العلم أن يبحثوا للعلم في ذاته، بغض النظر ~~عن جانبه التطبيقي، أما هنا في أمريكا فقد ألهاهم التطبيق وسرعته عن التعمق في البحث ~~النظري لذاته. # فاعترضته قائلا: وكيف يمكن التطبيق بغير سابق علم نظري؟ لكننا لم نوف هذا ~~الاعتراض حقه من الحديث؛ ثم سألت قائلا: بماذا نعلل نزوع الألمان إلى التعمق العلمي؟ ~~فأجابني السيد «ش» بقوله: إنها في الحقيقة نزعة إلى التصوف؛ فلماذا يزهد الحكيم الهندي ~~عندكم (السيد «ش» يعلم جيدا أني مصري ولست بهندي، لكن الشرق كله كثيرا ما يختلط في ~~الأذهان بعضه مع بعض) فينصرف عن شواغل الدنيا إلى جمع الحكمة لذاتها؟ # ولعل أعلى قمة ارتفع إليها حديثنا كانت حين انتقلنا إلى الأدب الأمريكي، وهل له ~~مميزات خاصة به؛ وقد سألني هذا السؤال السيد «ه. ه» بمناسبة قولي لهم إن الفن الأمريكي ~~لا يتميز عن الفن الأوروبي، فهو امتداد لمدارسه ms204 واتجاهاته؛ فقلت: إني في الحقيقة لم ~~أقرأ من الأدب الأمريكي إلا مجموعة من قصص قصار، بالإضافة إلى التعليقات النقدية التي ~~تنشر عن الكتب الجديدة، وأستطيع أن أقول في حدود هذا العلم الضئيل إن الأدب الأمريكي ~~له مميزاته، التي من أهمها أن يدور التحليل حول أشخاص عاديين في ظروف عادية من الحياة، ~~وسرعان ما انتقل الحديث إلى المسرحية؛ لأنني ذكرت شيئا مما قرأته عن مسرحيات يوجين ~~أونيل، وهنا دارت المناقشة الجيدة بين السيد «ش» في ناحية، وبيني أنا والسيد «ه. ه» ~~وزوجته «ب» في ناحية أخرى؛ فنحن نقول إن المأساة قد أصبح لها معنى جديد يختلف عن ~~معناها على يدي شيكسبير، وهو أن يكون البطل رجلا عاديا أو امرأة عادية، ولم تعد ~~هناك ضرورة إلى أن يكون البطل ذا مكانة عالية في المجتمع؛ نتيجة للديمقراطية السائدة ~~التي سوت بين الأشخاص في القيم إلى حد كبير، حتى إن اختلفوا في المناصب والثروة ... ~~لكن السيد «ش» أجاد الدفاع عن وجهة نظره إجادة منقطعة النظير قائلا: إننا لم نعد نكتب ~~المأساة على نحو ما كتبها شيكسبير عجزا منا لا بسبب تغير الظروف الاجتماعية؛ إنه ~~يستحيل على المأساة أن يتم معناها الأدبي إلا إذا كان البطل «نبيلا» ثم هوى: فليست ~~المسألة مسألة اختلاف في معنى الكلمة بحيث نقول إن كلمة «مأساة» كان معناها كذا أيام ~~شيكسبير، وأصبح معناها كذا في أيامنا؛ بل لب المسألة هو أن في الفطرة الإنسانية نزوعا ~~غريزيا نحو «النبل» تعجب به ثم تأسى له حين يهوي؛ إنني إذا قرأت مأساة عن رجل مثلي ~~فكل ما يحدث هو أن أعطف عليه وأشاركه الشعور بالحزن، لكن الوجدان الأساسي في المأساة هو ~~سقطة الرفيع - وليس ذلك مجرد عطف على ما أصابه ومشاركته في حزنه - بل هو ميل في الطبيعة ~~الإنسانية نحو أن ترتفع وأن تأسى إذا هوت ... إننا نحن المسيحيين قدسنا المسيح؛ لأنه ~~أشبع بقصته ميلا فطريا فينا، وهو رغبة التكفير عن الخطيئة، وكذلك بطل المأساة يشبع ~~فينا ميلا فطريا على هذه الصورة عينها ms205 ... لقد أجاد شيكسبير تصوير فولستاف - مثلا - ~~كما أجاد تصوير هنري الرابع في مسرحية واحدة، فلماذا لم يجعل فولستاف بطل الرواية؟ كان ~~هذا مستحيلا عليه؛ لأنه ينقض فكرة المأساة في صميمها؛ فمصير فولستاف مهما ساء لا يشبع ~~فينا ما يشبعه مصير هنري الرابع، كأنما المتفرج على الرواية يقول لنفسه: أنا مثل ~~فولستاف؛ فليس مصيره بما يهمني، لكن أين أنا من هنري الرابع؟ فلأتعقبه بنظري إلى حيث هو ~~في ارتفاعه، حتى إذا ما هوى كان لهويه حسرة تختلف في طبيعتها عن مشاركة فولستاف في أساه ~~إذا تأسى لسوء أصابه. # فقال السيد «ه. ه»: خذ مثلا رواية «من هنا إلى الأبد»، فالبطل في هذه الرواية جندي ~~بسيط، وأصابه ما أصابه من عنت، فترى المتفرج يحزن لمصابه أشد الحزن؛ لأن ذلك الجندي ~~رياضي ونحن شعب يمجد الرياضة؛ وإذا فمعنى العظمة قد تغير في أنظارنا، نتألم ~~للرياضي يصيبه السوء أكثر مما نتألم لملك يهوي عن عرشه ... فوافقته أنا بقوة؛ لأنني ~~شاهدت الرواية وأدركت فيها هذا المعنى؛ أما السيد «ش» فقال إنه لم يشهدها؛ ولذلك يحسن ~~بنا أن نبحث عن مثل آخر. # ثم أضفت أنا نقطة نظرية إلى الموضوع، فقلت: إن التحليل النفسي منذ فرويد قد ساعدنا ~~على كشف الخبيء من النفس البشرية، فكنا بمثابة من هتك الستر عمن كانوا موضع ~~رفعة، وبهذا يسقط جانب هام من مقومات المأساة عند شيكسبير، حين عرفنا أن الرفيع في ~~ظاهره قد يكون مدفوعا في حياته بأحط الدوافع ... لكن أحدا لم يعلق على هذا الرأي، ~~وانتقلنا بالحديث إلى مصر في ثورتها الحاضرة. # الأحد 21 فبراير # أزحت الستار عن النافذة فرأيت سحابا من فوقه سحاب، وفوق السحاب سحاب ... ظللت في ~~غرفتي حتى جاءني الدكتور «ه. و» ظهرا ليستصحبني إلى داره في سيارته حيث دعاني إلى ~~الغداء مع أسرته، وقد كانت جاءتني الدعوة عن طريق زوجته التي تحضر لي محاضراتي في ~~الفلسفة الإسلامية. # وجاء مع الدكتور «ه. و» ابنه الصغير، في نحو التاسعة من عمره، أعجبني طلاقته في ~~الحديث وجرأته؛ قال لي ms206 حين ركبت معهما السيارة إن مدرستي بالقرب من منزلك، وأنا أقطع ~~الطريق بين منزلنا والمدرسة مشيا؛ فسألته وكم من الزمن يستغرق منك هذا الطريق؟ فقال: ~~خمس عشرة دقيقة لو كنت ماشيا، وخمس دقائق لو كنت جاريا، وأكثر من خمس عشرة لو قابلني ~~في الطريق أحد أصدقائي واستوقفني ليتحدث إلي في شيء! ... فلم يسعني إلا أن أضحك لهذه ~~الإجابة العجيبة يجيب بها هذا الطفل الصغير. # قال لي الدكتور «ه. و» - مشيرا إلى ولده هذا - عندما وصلنا إلى داره واستقبلتنا ~~زوجته: عندنا ثلاثة أطفال، هذا أوسطهم؛ وأصغرهم مريض في الفراش؛ وأما أكبرهم فمشغول ~~الآن في بيع الجرائد، وعشمي أن يوفق إلى الحضور في موعد يتيح له أن يراك ... هذا الولد ~~الأكبر الذي يبيع الجرائد عمره اثنا عشر عاما، هو تلميذ في مدرسة ابتدائية، لكنه يستغل ~~فراغه في توزيع الجرائد، فإذا لاحظنا أنه ابن أستاذ - بل رئيس لقسم بأسره من أكبر ~~أقسام الجامعة - لمسنا فارقا من أهم الفوارق وأعمقها بين هذا الشعب العامل النشيط وبين ~~أي شعب آخر. # كان مدعوا معي مدرس في الجامعة شاب وزوجته، وكان أهم ما تحدثنا فيه بعد الغداء ~~الروح الفنية بين الأمريكيين بالقياس إلى شعوب أخرى كأهل الصين واليابان، وقد كان ~~الدكتور «ه. و» يدرس في الصين لبضع سنوات ومعرفته بالشرق الأقصى واسعة عميقة ~~دقيقة. # فذكرت لهم فيما ذكرت من ملاحظاتي أن الأمريكيين لم ينشئوا فنا خاصا بهم، ~~وأنهم تابعون للاتجاهات الفنية الأوروبية، بل اجترأت - بعد طلب المعذرة من السامعين - ~~أن أكون صريحا، فقلت إن الفن لا يتغلغل عميقا في حياة الأمريكي؛ فالأمريكيون - بصفة ~~عامة - يضيفون الفن إلى حياتهم إضافة من خارج دون أن تمس منهم القلب والصميم، فترى ~~الرجل منهم وقد أثرى وجمع الملايين، دون أن يعيش حياة فيها التفات جاد إلى الفن، تراه ~~يشتري بكذا مليونا من الدولارات صورا أو تماثيل يهديها إلى هذا المتحف أو ذاك، كأنما ~~يكفر بهذا عن خطيئة إهماله الطويل للفن في حياته العادية اليومية، وضربت مثلا آخر ~~يوضح هذا الاتجاه، وهو ms207 إقامة «المناسك» في شمال مانهاتن في نيويورك؛ إذ جاءوا بجدرانها ~~وسقوفها وسائر أجزائها من مواضع مختلفة بأوروبا وأقاموها على أرضهم ليكون لهم كما ~~للبلاد القديمة أثر قديم! وكذلك ذكرت نبأ الدير القديم الذي اشتراه ثري أمريكي من ~~إسبانيا ونقله حديثا جدا إلى فلوريدا بعد أن فكت أجزاؤه حجرا حجرا ونقلت ~~وأعيد بناؤها، ثم جعلت متحفا يدخل إليه الزائرون بأجر معلوم ليستعيد الثري ماله ~~وزيادة ... وسألت الحاضرين قائلا: هل وجود هذين البناءين على أرض أمريكية يدل على روح ~~فني في أمريكا؟! إنهما أضيفا إليها من الخارج، ولم تنبع من نفوسهم الداخلية تعبيرا عن ~~خوالجهم ومشاعرهم، وهكذا الفن في أمريكا يشترى أكثر مما يكون جزءا من الحياة؛ إنه ~~لا يستساغ شفطة شفطة مع أيام الحياة وساعاتها، بل يجتلب اجتلابا بالجملة كأنه سلعة ~~من السلع التي تباع في أسواق الجملة. # ذكرت في هذه المناسبة مقالا قرأته عنوانه «أمريكا والفن» لكاتب أمريكي ناقد اسمه ~~«لويس كروننبرجر» يقول فيه إن الأمريكيين ليسوا شعبا فنيا كأهل الصين واليابان ~~وفرنسا؛ وذلك لأن الأمريكي منبسط وليس هو بالمنطوي على نفسه؛ فانبساطه النفسي يخرجه ~~من حدود نفسه، ومن ثم يكون رجل أعمال ولا يكون فنانا، يكون مخترعا للآلات لكنه لا ~~يكون راسما للصور ولا ناحتا للتماثيل، فذلك أمر طبيعي ما دام الأمريكي يرى أمامه قارة ~~واسعة تنتظر من يكشف كنوزها ويستغل مكنونها، وإذا فهو مشغول بالمغامرة والكشف في خارج ~~نفسه، وليس هناك ما يدعوه إلى الانطواء على دخيلة نفسه ... إن الفن لا يوجد إلا حيث تقل ~~الموارد الطبيعية، فعندئذ «يتفنن» الإنسان في القليل الذي عنده؛ خذ مثلا المرأة ~~الفرنسية، فهي أقدر نساء الدنيا اختيارا للزينة والثياب؛ وذلك لأن الطبيعة قد سلبتها ~~جمال الفتيات الطبيعي الذي تراه مثلا عند الإنجليزيات والأمريكيات، فراحت «تتفنن» في ~~القليل الذي عندها ... عند الأمريكيين وفرة طبيعية، فليسوا هم بحاجة إلى أن يستعيضوا عن ~~الطبيعة فنا، وعن المادة الحقيقية صورة، وعن الموضوع الحي خيالا ووهما. # فوافق الحاضرون على ضحولة الحياة الفنية في أمريكا، وأخذ الأستاذ الداعي ms208 وزوجته ~~يشرحان لنا كيف يكون الفن جزءا من حياة الصيني أو الياباني، ومما يدل على هذا الاندماج ~~التام بين الحياة والفن أنهم يكتبون كتاباتهم العادية بفرجون الفنان، فإذا اشتريت من ~~الدكان شيئا، وكتب لك البائع «فاتورة» بما اشتريت، كتبها بفرجون وبنوع من المداد ~~يستحيل إزالته وتكاد تكون القاعدة أن يخط الكاتب خطوطه بالفرجون دون أن يخطئ في خط ~~واحد ... إن الصيني إذا رسم فلا يأخذ ألوانه وعدته ليجلس بها أمام ما يريد تصويره، بل ~~تراه يجلس وحده في المنظر الذي يريد تصويره، يجلس هناك ناظرا متأملا أياما بل ~~أسابيع، حتى إذا امتلأ بموضوعه، رسم الصورة في بضع دقائق، فتراه يجلس على الأرض في ~~غرفته، ويخطط بالفرجون، فإذا الصورة هناك ، صورة الطبيعة التي شربها شربا، لا كما هي ~~في الواقع المحس، بل كما امتزجت في نفسه. # وجاء ذكر الفن العربي، فقال لي الشاب مدرس التاريخ: إنني زرت إسبانيا ولفت نظري ~~في الآثار الفنية العربية هناك أن ليس بينها رسوم تصور الحياة؛ أعني أنني لم أر ~~على الجدران أو السقوف رسما لطائر أو حيوان، وكل ما رأيته هناك من الطبيعة المرسومة ~~النجوم وما إليها، فبماذا تعلل ذلك؟ فقلت: أولا كان الدين يحرم إخراج الأحياء في ~~نحت أو تصوير، وثانيا - وهو الأهم - لم يكن العرب بأصحاب ذوق فني إلا في شعرهم، كانوا ~~صناعا ولم يكونوا بفنانين، يستخدمهم السلطان أو الغني ليبنوا له المسجد أو المنزل ~~ويزخرفوه له، فلم يكن عند الفنان شيء خاص يضطرب في نفسه ويريد التعبير عنه، كان الفنان ~~«يصنع» كأي صائغ أو نجار ... نعم، كانت صناعته على درجة كبيرة جدا من المهارة، لكنها ~~صناعة على كل حال، تتم في الخارج ولا ترن بأصداء النفس الداخلية. # الجمعة 26 فبراير # قرأت في مجلة «أتلانتك» لشهر مارس مقالا جيدا جدا في موضوعه، كتبه «هارولد ستوك» ~~الذي كان مديرا لجامعتي نيو هامبشير ولويزيانا، وهو الآن عميد لكلية الخريجين في ~~جامعة واشنطن بمدينة سياتل؛ والموضوع هو موقف الجامعات إزاء الطلبة الذين يشتركون في ~~الألعاب الرياضية ms209 اشتراكا يصرفهم عن المحاضرات العلمية. # وقبل أن ألخص هذا المقال الممتاز من حيث طرافة الفكرة لا بد أن أذكر ما يستحيل أن ~~يعرفه من لم يأت إلى هذه البلاد، وهو مدى اهتمام الناس بالمباريات الرياضية؛ سيقول ~~القائل: لكن أليست هذه هي الحال في إنجلترا مثلا؟ فأجيب قائلا: لا وألف مرة لا؛ فقد ~~كتبت في يومية سابقة، يوم أن قامت مباريات الكرة بين جامعة كارولاينا الجنوبية في ~~كولمبيا وبين كلية كلمسن في نفس الولاية، كيف وجدت الناس يومئذ في المطاعم ~~والدكاكين والشوارع يتحدثون عن المباراة ونتيجتها كأنهم يتحدثون عن أخبار حرب قائمة، أو ~~كما يتحدث المصريون في القرى عن أسعار القطن وقت حصاد القطن ... # ففي هذه البلاد ملاعب عامة يجتمع فيها المتبارون من الجامعات، وأهم هذه الملاعب يقع ~~في ولايات الجنوب؛ وذلك لدفئها في الشتاء، فبذلك تجتذب ألوان الناس من أنحاء أمريكا ~~كلها ليقضوا عطلة فيها متعة الجو الدافئ ومتعة التفرج على المباريات؛ ومن أهم هذه ~~الملاعب أربعة: وعاء الورد، ووعاء السكر، ووعاء القطن، ووعاء البرتقال. وإنما يطلقون ~~على الملعب «وعاء»؛ لأنه يشبه الوعاء في تكوينه؛ فله قاع هو أرض اللعب، وجدران منحدرة ~~حول القاع هي التي ترص على جنباتها صفوف المقاعد؛ ثم يصفون «الوعاء» بأهم محصول في ~~منطقته، ومن ثم يصفون الملاعب بقولهم «وعاء القطن» و«وعاء البرتقال» ... إلخ. ومما ~~يعين على تقدير أهمية المباريات الرياضية بين الجامعات أن مدرب الفرقة يتقاضى عادة ~~أكبر راتب في الجامعة كلها، قد يساوي في راتبه مدير الجامعة وقد يفوقه أحيانا؛ ذلك لأن ~~الجامعة تعلق أهمية كبرى على كسبها للمباريات؛ لما فيها من كسب مالي وذيوع للشهرة؛ ~~ولذلك ترى الجامعات تتنافس منافسة حامية على اجتذاب الرياضيين المعروفين إليها حتى لقد ~~يصل الأمر إلى رشوة هؤلاء اللاعبين بالمال. # كتب هذا الكاتب مقالته الجريئة في تفكيرها؛ ليرد بها على ألسنة النقد التي لا ~~تفتر في كل جامعة بين الأساتذة والطلاب جميعا، معبرة عن القلق الشديد الذي يساورهم: ~~لماذا يعامل اللاعبون في الجامعة معاملة فيها محاباة؟ لماذا تتساهل ms210 الجامعة معهم ~~عند تقدير مستوياتهم العلمية؟ وهكذا ... فقال هذا الكاتب ما خلاصته: إننا يجب أولا أن ~~نضع أمامنا مقدمة أولية نبني عليها تفكيرنا، وهذه المقدمة هي أن اللاعبين الرياضيين في ~~الجامعة قد تغير وضعهم عن ذي قبل، فبدل أن كانت المباريات المدرسية مقصودا بها تربية ~~الطلاب ورفاهيتهم، أصبحت اليوم وسيلة لتسلية الجمهور، كأي فرقة مسرحية ... الجمهور ~~الأمريكي الآن يدفع ملايين الدولارات ليتفرج على المباريات بين الجامعات، وأصبحت هذه ~~الملايين جزءا رئيسيا في الإنفاق على التعليم، ثم أصبح من واجبات الجامعة الاجتماعية ~~أن تقدم للجمهور هذه التسلية، وإذا فالنتيجة هي أن نفرق في أذهاننا تفرقة تامة بين ~~اللاعبين الرياضيين في الجامعة وبين سائر الطلبة؛ أعني أن اللاعبين الرياضيين لا ~~يعدون طلابا وإن كانوا يعدون من أبناء الجامعة التي ينتسبون إليها؛ فليس كل ~~من ينتمي إلى الجامعة طالبا، فهناك الأستاذ وهناك الإداري وهناك من يقوم بأبحاث ~~علمية دون أن يكون في هيئة التدريس ولا في جماعة الطلبة، وهنالك الرياضي الذي يلعب باسم ~~الجامعة ليشهد الجمهور اللعب فتكسب الجامعة مالا من جهة، وتهيئ للجمهور تسلية يحبها ~~من جهة أخرى. # إن موقف الجامعة من الرياضيين يختلف فعلا عن موقفها من الطلبة الآخرين، فلماذا نحاول ~~جعل الفريقين نوعا واحدا؟ تقبل الجامعة الطالب العادي لتعلمه ما لم يكن يعلم، لكنها ~~تقبل الرياضي لأنه بالفعل يعلم ما يعلمه من مهارة في اللعب؛ الطالب العادي يتعلم في ~~الجامعة شيئا سيفيده ويفيد المجتمع بعد تخرجه لا أثناء وجوده طالبا في الجامعة، أما ~~الرياضي فيمارس شيئا ينفع المجتمع أثناء وجوده في الجامعة لا بعد تخرجه، بل قد يبطل ~~النفع بعد التخرج؛ وظيفة الجامعة هي أن تخدم الطلبة العاديين، أما الرياضيون فهم ~~الذين يخدمون الجامعة التي ينتسبون إليها، فنتيجة هذه الفوارق كلها هي أن الطلبة ~~العاديين نوع، والرياضيين نوع آخر، تراعي في النوع الأول مبادئ التربية، وتراعي في ~~النوع الثاني مبادئ الأعمال في سوق التجارة؛ إن الألعاب الرياضية مورد كسب كبير لمعاهد ~~التعليم، فقد كسبت معاهد التعليم هذا العام (1953-1954م) من ms211 المباريات مائة مليون من ~~الدولارات؛ إن الجمهور لا يعلم، وربما هو لا يريد أن يعلم من الذي عين مديرا ~~للجامعة في بلده، لكنه يهتم كل اهتمام لمن يعين مدربا للفرقة الرياضية؛ الفرقة ~~الرياضية في الجامعة كأي فرقة مسرحية مثلا، تلعب للناس فتكسب الشركة التي تلعب الفرقة ~~باسمها، وإذا لم يكن الأمر كذلك، فلماذا تعقد الجامعات الأمريكية أكبر مبارياتها في ~~ملاعب الجنوب في فصل الشتاء؟ أليس معنى ذلك أنها تضع عينها على المشاتي التي يقصدها ~~الناس فتلعب لهم هناك في مشاتيهم لتستدر منهم مالا؟ إذا فهي تنظر إلى الأمر نظرة ~~مدير الملهى حين يتعقب المتفرجين في مصايفهم أو مشاتيهم؛ فخطأ كبير أن نطالب القائمين ~~بهذه «الملاهي» الرياضية باسم الجامعة بتحقيق شروط هي نفسها الشروط التي نطالب بها ~~الطلبة العاديين. # فإذا كان رجال التربية قد حيرهم التوفيق بين مقتضيات التربية وبين حياة الرياضيين ~~من طلاب الجامعات؛ فذلك لاضطرابهم في التفكير وغموضهم في تحديد الأغراض، أما إذا وضحوا ~~الأمر لأنفسهم على هذا الوجه زال الإشكال؛ فالتربية ومبادئها للطلبة العاديين، والمطلوب ~~مبادئ أخرى لنوع آخر من الناس هم اللاعبون الرياضيون؛ إنهم يظنون أنه ما دام اللاعبون ~~قد أتوا مع سائر الطلاب من المدارس الثانوية، ودخلوا معهم جامعة واحدة، وهم يتساوون مع ~~هؤلاء في السن، فلا بد إذا أن يكون الجميع صنفا واحدا خاضعا لشروط بعينها؛ لكن لا، ~~فبين النوعين فرق في العمل الذي يؤدى وفي الغاية المقصودة، إن كان المطلوب من الطلبة ~~العاديين أداء امتحانات والحصول على درجات ... إلخ؛ فالرياضيون لم يأتوا إلى الجامعة ~~طلبا للعلم كسواهم، إنهم ليسوا بحاجة إلى علم بل إلى تدريب ... لماذا يقلقنا المستقبل ~~العلمي لشاب دخل الجامعة ليلعب الكرة؟ قبلته الجامعة على هذا الأسس، وهو التحق ~~بالجامعة على هذا الأساس، فالجامعة والطالب متفقان معا على الهدف، فما مبرر القلق على ~~تحصيله العلمي؟ فلنتذرع بالشجاعة في تفكيرنا، ونعترف بأن الجامعة قد قبلت اللاعب ~~الجيد لأنه لاعب جيد لا لأنه طالب جيد، وعلى هذا الأساس ينبغي أن تكون معاملته بغير قلق ms212 ~~أو تردد. # ولو أراد لاعب رياضي أن يكون طالبا علميا إلى جانب ذلك فلا مانع طبعا، لكننا ~~عندئذ نحمله تبعة ذلك، سنطلب منه ما نطلبه من اللاعبين، فإذا وجد أن التدريب ~~المطلوب يستحيل أن يساير المحاضرة والمذاكرة، فعليه أن يختار: إما لاعب أو طالب، وقد ~~يقول قائل: ماذا تريد؟ أتريد أن نقبل هؤلاء اللاعبين بغير شرط؟ والجواب هو: الشروط ~~لقبولهم يضعها مدربو الألعاب ومنظمو المباريات، ولا شأن لهيئة التدريس بها. # الطبيب المجيد هو الذي يراجع تشخيصه للمرض إذا وجد أن الدواء لم يفلح، والعالم ~~المجيد هو الذي يراجع النظرية العلمية إذا وجد أنها لا تفسر الظواهر التي يريد ~~تفسيرها، وكذلك رجل التربية المجيد هو الذي يغير رأيه في قواعد التربية إذا وجد أن ~~ظروف الحياة قد تغيرت؛ وقد تغيرت الظروف في أمريكا من حيث إن الفرق الرياضية ~~أصبحت فرقا لتسلية الجمهور؛ فعلى هذا الأساس الجديد ينبغي أن نعيد إليها ~~النظر. ~~••• # تقع بين محاضرتي ساعة من فراغ، قضيتها في نادي الأساتذة أشرب فنجانا من القهوة، ~~فلما كنت في طريقي إلى هناك، قابلت الدكتور «ف. ب» هذا العالم الجليل الشيخ الذي كان ~~رئيسا لقسم الفلسفة ثم تقاعد، وهو يحضر لي محاضراتي بغير تخلف، قابلته في طريقي إلى ~~نادي الأساتذة، فدعوته أن يحتسي معي فنجانا من القهوة ... وكان بين ما قاله لي ونحن ~~جالسان في النادي: إننا نحن الأمريكيين نعيش تحت ضغط فكري لم نشهد له مثيلا؛ إن رجلا ~~واحدا مثل ماكارثي بمحاكماته وتحقيقاته قد أحدث فينا جميعا نوعا من الرعب والفزع، ~~فأصبح كل إنسان منا جبانا في تفكيره السياسي، فلا يجرؤ أحد مثلا أن ينطق بكلمة عن ~~الشيوعية؛ ثم مضى الدكتور الفيلسوف يوجه النقد المر للحالة الفكرية التي تسود أمريكا، ~~ووصفها بالتفاهة والسطحية، قال: إن نفسي لتموع كل صباح حين أقرأ الصحيفة اليومية، تموع ~~نفسي مما أرى في الصحيفة من تفاهات وسخافات ... ثم أشار إلى صحيفة في يده، وكان في صدرها ~~عنوان بالخط الكبير، وهو: «لنعد إلى الله، هكذا يقول أيزنهاور» (وهي ms213 عبارة وردت في خطبة ~~ألقاها أيزنهاور أمس)، قال الدكتور: انظر مثلا إلى هذا العنوان «لنعد إلى الله، هكذا ~~يقول أيزنهاور» وحللها تجد سخف العقل كامنا وراءها، فهل نعود إلى الله لأن أيزنهاور ~~يقول لنا ذلك؟ هل ترجح كفة الإيمان بالله؛ لأن أيزنهاور قد آمن؟ أم ماذا يريد هذا ~~الصحفي الذي نشر عنوانا ضخما كهذا يستوقف به الأنظار؟ بل ماذا يريد أيزنهاور نفسه ~~بعبارة كهذه يسوقها في خطاب سياسي؟ أهو حاكم أم قسيس واعظ؟ أم أن الأمر كله تهريج في ~~تهريج؟! # وقلت للدكتور «ف. ب» في مناسبة أخرى من سياق حديثنا: إنني أزداد إيمانا بأن المرأة ~~أقوى من الرجل شخصية مهما بدا من الظواهر التي تدل على غير ذلك، وبرهاني هو : افرض أن ~~رجلا وامرأة يحب أحدهما الآخر بقدر متساو، ثم اختلفا على أمر، أليس الأرجح جدا أن ~~يذعن الرجل آخر الأمر للمرأة في رأيها؟ فقال الدكتور ضاحكا: حدث منذ قريب أن اختلفت ~~مع زوجتي على لون السجادة التي نشتريها: هي تريدها خضراء، وأنا أريدها حمراء، واشتد ~~الخلاف بيننا واحتد العناد رغم تفاهة الموضوع، فلما رأيت الأمر بيني وبينها يسير من ~~سيئ إلى أسوأ؛ وافقتها على اللون الأخضر، وسميت تصرفي هذا عندئذ «توفيقا بين وجهتي ~~النظر» مع أنه لا توفيق هناك، فهزيمتي صريحة ونصرها قاطع. # السبت 27 فبراير # يوم مشمس جميل، جلست ساعة الضحى مع شاب أمريكي في مقصف نادي الاتحاد، فأنبأني بأنهم ~~افتقدوني ليلة أمس في الاجتماع الأسبوعي الذي ينعقد في منزل الدكتور «ف. ب»؛ فأسفت لذلك ~~أسفا شديدا؛ لأني نسيت الموعد، فلم يكن أحب إلي من هذا الاجتماع بما يسوده من دفء ~~العاطفة وارتفاع التفكير ... سألته: وماذا كان موضوع المناقشة ليلة أمس؟ فقال: قرأ علينا ~~أستاذ الاجتماع بحثا في ضرر الموجة الماكارثية التي تطغى على البلاد الآن وتهدد حرية ~~الرأي فيها تهديدا خطيرا، وهنا تحدثت مع الشاب - هو مدرس ويحضر في الوقت نفسه رسالة ~~الدكتوراه - في مدى الحرية التي يجوز أن يسمح بها لسواد الناس في تبادل الآراء، وكنت ms214 ~~متحفظا في رأيي لأنني ضيف على البلاد، فلا يجوز أن أقول ما عساه أن يعد نقدا ~~خارجا، غير أني ذكرت له مقالة قرأتها في مجلة «بوست» لهذا الأسبوع، كتبها المحرر نفسه ~~ليفتتح بها العدد، ورد فيها أن أستاذا في جامعة منسوتا قد ألقى بحثا علميا في ~~الاقتصاد انتهى فيه إلى أن الأسعار يجب أن تحدد في بعض الحالات، فشم بعض أولي ~~الأمر في هذا البحث رائحة الشيوعية، فقدموه إلى لجنة جامعية تحاكمه، لكن الجامعة ~~انتهت من المحاكمة بإعلان براءة الأستاذ الباحث، معلنة بأنها تريد أن تجعل نفسها ~~مركزا لحرية البحث العلمي، وبعد أن انتهى محرر المجلة من عرض الأمر على هذا النحو أدلى ~~برأيه ورأي مجلته، وهو أن الجامعة قد خلطت الأمور وضلت سواء السبيل؛ فحرية الرأي - في ~~نظر المحرر - حق مباح ندافع عنه، لكن لا إلى الحد الذي يجعلنا نعتنق مبادئ تنتهي آخر ~~الأمر إلى هدم الحرية نفسها التي ندافع عنها؛ ولهذا فرأي المحرر هو أن الأستاذ كان ~~ينبغي فصله من الجامعة جزاء ما أذاع من نتائج خطيرة على الحرية! # لا شك عندي أن هذا تعنت وتزمت، وقد كان آخر ما أتصوره عن أمريكا أن يقيد فيها ~~الرأي العلمي إلى هذا الحد البعيد. ~~••• # جاء إلى غرفتي ساعة العصر الدكتور «ك» وهو صاحب المنزل الذي أسكن فيه، وسألني إن كنت ~~أحب أن أرافقه هو وزوجته في رحلة بالسيارة إلى مدينة لوستن - وهي تبعد عن مدينة ~~بلمان ثلاثين ميلا - فرحبت بالدعوة شاكرا. # هذه أول مرة يحدثني فيها الدكتور «ك» منذ قدومي، مع أنني أسكن معه في منزل واحد! إنه ~~شاذ بغير شك، وكنت قد بدأت أكرهه؛ لأنه لم يتعمد زيارتي طول هذه المدة، بل كنت ألاحظ ~~أنه يتجنب لقائي إذا وجد أن المصادفات قد تؤدي إليه! ... هو خنزيري الملامح، يقفز في ~~مشيته قفزا لا رشاقة فيه، وكنت حكمت عليه من هيئته بالغباء، لكني وجدته اليوم أثناء ~~حديثي معه خلال رحلتنا بالسيارة من أحد الناس التفاتا إلى ثنايا الحديث، ودقة في ~~المعلومات، ms215 ومنطقا في الرد والاعتراض. # جلسنا - الدكتور «ك» وزوجته وأنا - في الكرسي الأمامي من السيارة، والشمس لا تزال ~~مشرقة والجو ما زال شفافا، والرؤية فسيحة الأفق؛ الأرض أمواج من تلال هي رءوس الجبل، ~~والذي لم أكن أتخيله قبل أن أراه هو أن تكون هذه الأمواج الجبلية كلها مزروعة قمحا، ~~ولم تألف عيني أن ترى القمح مزروعا على سفوح جبلية ليس فيها أدوات الري ولا قنوات ~~الصرف؛ فالمنظر يختلف اختلافا بعيدا عن منظر حقول القمح عندنا في مصر. # تحدثنا في موضوعات عدة، منها أن سألني الدكتور «ك» عن رأيي في إنجلترا وسياستها، ~~قائلا إنه شخصيا من المدافعين المتحمسين عن كل ما هو إنجليزي، فقلت له في انفعال ~~شديد إن إنجلترا في سياستها الاستعمارية هادمة للمدنية، وأخذت أعرض الأمر كما أراه، ~~لولا أن زوجته انحرفت بالحديث؛ ولا أدري أكانت متعمدة أم جاء ذلك عفوا، فسقط الموضوع ~~وبدأنا غيره وغيره. # انتهزت فرصة إدراكي لدقة هذا الرجل في معلوماته، وسألته عن أمر كنت أحب أن أزداد به ~~علما، وهو: إذا كان الأمريكيون خليطا من مهاجرين أوروبيين، فما الذي جعل المهاجرين ~~الفرنسيين والهولنديين والإسبان يتكلمون الإنجليزية، بحيث أصبحت الإنجليزية هي لغة ~~الأمريكيين قاطبة؟ فقال: جاء الأمر تدريجا، فمر على ثلاث درجات: خطوة كان كل قبيل ~~يتكلم لغته الأصلية؛ وخطوة ثانية كان الأطفال يتعلمون فيها الإنجليزية في المدارس ~~ويتكلمون اللغة الأصلية في المنازل، وإنما يتعلمون الإنجليزية في المدارس لكثرة ~~المهاجرين الإنجليز كثرة عددية بالنسبة لسائر المهاجرين؛ وخطوة ثالثة أصبحت الإنجليزية ~~فيها هي لغة المدارس والمنازل في آن معا ... على أن هناك بعض جماعات ظلت إلى زمن قريب ~~جدا تتكلم اللغة الأصلية، وقال: سأشير لك الآن في طريقنا إلى بلد سنمر عليه اسمه ~~«يونين تاون»، سكانه من المهاجرين الألمان، ظلوا يتكلمون الألمانية إلى أن كنت أنا ~~طالبا في المدرسة الثانوية، والناس في ولاية نيومكسكو إلى الآن يتكلمون الإسبانية في ~~كثير من المواضع، بل إن قانون ولاية نيومكسكو يجعل الإسبانية لغة رسمية إلى جانب ~~الإنجليزية، كذلك في ولاية لويزيانا ms216 لا يزال كثيرون هناك يتكلمون الفرنسية وخصوصا ~~الكهول. # أشرفنا فجأة على حافة واد عميق جدا واسع، يلتقي فيه نهران: نهر «سنيك» (الثعبان) ~~ونهر كلير ووتر (الماء الصافي)، فترى من الارتفاع الذي كنا عليه التقاء النهرين، كما ~~ترى مدينة «لوستن» في قاع الوادي؛ الفرق بين المرتفع الذي كنا عليه وجوف المنخفض ~~الذي سنهبط إليه ألفا قدم، والانتقال في المنظر مفاجئ حتى ليدهش الرائي الذي لا يتوقع ~~أن يرى ما رآه؛ والنزول من القمة إلى الوادي يكون على طريق هو معجزة في تعبيد الطريق: ~~طريق يدور مع السفح في دوائر وانثناءات، هابطا تدريجيا مع دورانه وانثناءاته حتى تصل ~~إلى بطن الوادي، وعندئذ تدرك انتقالا مفاجئا في درجة الحرارة؛ ففي الوادي دفء شديد ~~بالنسبة إلى القمة التي هبطنا منها. # ودرنا بالسيارة في أنحاء البلد؛ كانت «لوستن» غريبة في عيني حتى لقد أحسست أني ~~انتقلت إلى عالم آخر لا إلى بلد قريب، ولعل هذا الشعور مصدره طريقة النزول إليه ~~منزلقين على طريق يذهب ويجيء في حضن الجبل، ووقوعه في جوف إناء من الأرض فسيح القاع ~~جدرانه جبال محيطة بقاعه ... مدينة لوستن قريبة جدا من أحد محابس الهنود الأصليين؛ ~~فالهنود الأصليون محصورون في محابس منتثرة هنا وهناك في أرجاء الولايات المتحدة، وليس ~~معنى انحصارهم في محابسهم أنهم محرم عليهم الخروج والسفر، بل معناه أن الحكومة قد ~~اختصت كل مجموعة من مجموعات الهنود الأصليين بمساحة من الأرض يستغلونها دون أن يلتزموا ~~بالضريبة، ولا يجوز لأحد من البيض أن ينافسهم في أرضهم تلك ولا ما يقع فيها من أنهار ~~وأشجار وغيرها؛ وفي مقابل هذه الحقوق يضيع على الهنود حقهم في التصويت، أو بعبارة أخرى: ~~يضيع عليهم حقهم في أن يكونوا مواطنين؛ غير أن لكل هندي - كما أفهمني الدكتور «ك» في ~~هذه الرحلة - الحق في التنازل عن امتيازاته تلك إذا أراد أن يكون مواطنا له ما ~~للأمريكيين وعليه ما عليهم، والكثرة الساحقة منهم يؤثرون امتيازاتهم على أن ينخرطوا في ~~سلك المواطنين. # رأيت ونحن ندور بالسيارة في أنحاء البلد ms217 أفرادا من الهنود يسيرون في الطرقات، لكني ~~رأيتهم بالثياب العادية المألوفة نساء كانوا أو رجالا، وكنت أظن أن الهنود الأصليين ~~لا يرتدون إلا الملابس التي أراهم فيها حين أراهم في السينما مثلا، فسألت الدكتور «ك»: ~~أين الريش الذي يتميزون به على رءوسهم كما ألفناهم في الصور؟ فضحك وقال: إنهم لا ~~يلبسون ثيابهم الوطنية الأصلية إلا في مناسبات، وهم عادة لا يلبسونها إلا إذا تقاضوا ~~أجرا لقاء ذلك، كأن يلبسوها مثلا لمخرج سينمائي أو نحو ذلك، وإذا فهي مورد كسب لا ~~أكثر ولا أقل. # وعدنا فصعدنا بالطريق المنثني إلى القمة التي هبطنا منها، وسرنا في مرتفعنا شطر ~~مقرنا «بلمان»؛ وفي طريق عودتنا فتح الدكتور «ك» موضوع الإنجليز واستعمارهم مرة أخرى، ~~فحدثت بيني وبينه طوال الطريق مناقشة بدت فيها سرعة البديهة بالنسبة لكلينا؛ ~~فالدكتور «ك» - على غبائه البادي في ملامح وجهه وطريقة مشيته - عسير في مناقشته، غير ~~أني أعتقد أنني كنت أقوى منه حجة، لا بسبب ضعفه في المناقشة، بل بسبب ضعف القضية التي ~~يدافع عنها، وقضيته هي أن الإنجليز قد بلغوا في استعمارهم حد الكمال، ومن أضعف جوانب ~~مناقشته المثل الآتي، أسوقه لأدل به على مدى التحيز في نظرة الإنسان مهما كان ~~عالما كالدكتور «ك». # قال: سأترك الآن قناة السويس؛ لأن عاطفتك متصلة بها ولا تصح فيها المناقشة، وأنتقل ~~إلى جبل طارق، فهل ينكر أحد أن إنجلترا قد صانت هذه النقطة الهامة لصالح العالم ~~كله؟ # قلت: أنا لا أحب الكلمات العائمة المبهمة، فما معنى «العالم» في هذا السياق؟ أيشمل ~~«العالم» الصين والروسيا مثلا؟ # قال: لا، بل الولايات المتحدة. # قلت: كأن تعريف العالم عندك هو بلدك الذي تعيش فيه؟ # قال: وما الضرر في أن أنظر إلى الموضوع من وجهة نظري؟ ألا يجوز أن تكون هي أيضا وجهة ~~نظر «العالم»؟ # قلت: إنك تذكر كلمة «العالم» مرة أخرى، هل تظن أن الإسباني ينظر بنفس هذا ~~المنظار؟ # قال: لا، استثن الإسبان، تجد غرب أوروبا كله يرى الرأي نفسه. # قلت: ولماذا تجعل غرب أوروبا والولايات المتحدة ms218 هما «العالم»؟ # وانتقل بنا الحديث إلى الهند، فقال: إن هنودا ممن كانوا يسخطون على الإنجليز وهم ~~يحكمونهم، يعترفون الآن أن الفضل في تقدم الهند راجع إلى الإنجليز. # فقلت له: لست هنديا لكني لا أوافق على رأي هؤلاء الهنود؛ لأنه يكفي أن تذهب ~~إنجلترا إلى الهند وهي وحدة تاريخية جغرافية، وتخرج منها وهي شعبان يتقاتلان: الهند ~~وباكستان؛ فقد أبرزت إنجلترا ما بينهما من خلاف ديني، وأغرقت ما بينهما من نقط اتفاق لا ~~تعد ولا تحصى. # قال: لكن هل من شك في أنهم تركوا هناك القانون الإنجليزي؟ # قلت: كأن المدنية عندك مرهونة بالقانون الإنجليزي، وإذا فالولايات المتحدة نفسها ~~بهذا المقياس ليست متمدينة ولا فرنسا متمدينة كذلك؟ # وهنا وصلنا إلى المنزل، فشكرت لهما هذه الرحلة التي كانت في الحق ممتعة من حيث مناظر ~~الطريق، لكنني لا أستخف دمهما، وخصوصا الدكتور «ك» وقد حد هذا بالطبع من متعة ~~الرحلة. # الأحد 28 فبراير # مر علي في الصباح الدكتور «ج» ليأخذني إلى الكنيسة المنهجية التي دعيت أن أقول ~~فيها للمجتمعين «موعظة» الأحد، وكانت «موعظتي» هي شرح مبادئ الإسلام! وطريقتي دائما في ~~كل الأماكن التي شرحت فيها مبادئ الإسلام أن أبين بوضوح أن اليهودية والمسيحية ~~والإسلام كلها فروع من جذع واحد؛ حتى لا يخلط السامعون - كما هم يخلطون - بين الإسلام ~~والديانات الهمجية، ظانين ألا ديانة جديرة بالاحترام إلا المسيحية أولا واليهودية ~~ثانيا؛ وبعد أن أشرح كيف تتشابه هذه الديانات السامية الثلاثة، أبين كيف أن ~~الإسلام إنما جاء يسد النقص الذي في الديانتين الأخريين، من حيث أنه جعل الدين ~~عاما لا خاصا كما هو عند اليهود، ثم جعل الله واحدا لا ثلاثة كما هو عند ~~المسيحيين. # ودارت مناقشة بعد الفراغ من كلمتي، فسألتني سيدة في نحو الأربعين من عمرها، سمحة ~~الوجه وعليها بساطة الطهر ونقاؤه (وقد علمت بعد خروجنا من الكنيسة أنها فقدت زوجها منذ ~~خمس سنوات، ولها خمسة أطفال، وهي مدرسة لمادة التدبير المنزلي في أحد أقسام الجامعة ~~لتعول هذه الأسرة الكبيرة) سألتني قائلة: إذا كان الإسلام ms219 قريبا كل هذا القرب من ~~المسيحية كما شرحت لنا، فكيف تعلل هذا التفاوت البعيد بين الثقافة المسيحية والثقافة ~~الإسلامية؟ فقلت لها: إنني يا سيدتي رجل فلسفة بصفة عامة، ورجل منطق بصفة خاصة، ومدقق ~~في معاني الألفاظ بصفة أخص، فماذا تعنين بعبارة «ثقافة مسيحية»؟ الثقافة مركب من ~~علم وفن وموسيقى وأسلوب عيش وطريقة بناء للبيوت وارتداء لملابس ... إلخ إلخ، فهل تريدين ~~أن تصفي كل هذا المركب المعقد بكونه مسيحيا؟ ثم ماذا يكون المعنى بعد ذلك؟ أما ~~إذا أردت أن تقولي إن هناك اختلافا في المركب الثقافي بين البلاد التي أضيفت ~~إليها العقيدة المسيحية والبلاد التي أضيفت إليها العقيدة الإسلامية، أجبتك بأنه خلاف ~~لا دخل للمسيحية أو للإسلام فيه، فلو بدلنا الموقف وأعطيناكم الإسلام وأخذنا ~~المسيحية؛ لظلت خيوط المركب الثقافي في الجانبين على ما هي عليه تقريبا؛ أنا لا ~~أقول ألا أثر للدين في تشكيل وجهة النظر، بل أقول إن المسيحية والإسلام في هذا سواء، ~~فلا اختلاف في النتيجة بين أن يشرب المجتمع جرعة من مسيحية أو جرعة من إسلام، ما دام ~~كل منهما في أساسه دينا يعتقد في إله ذي صفات متفق عليها بين العقيدتين. # قالت: لكننا نلاحظ أن المسيحية دفعت الشعوب المسيحية إلى رفع مستوى معيشتها، على حين ~~أن الإسلام لم يفعل ذلك في شعوبه؛ فقلت لها: أي شعوب مسيحية تقصدين هذه التي دفعتها ~~العقيدة المسيحية إلى رفع مستوى معيشتها؟ أتكونين مسيحية أكثر من المسيح ذاته؟ والمسيح ~~لم يأبه بمستواه الاقتصادي! إنه لم يفكر في أن تكون له ثلاجة كهربائية وسخان كهربائي ~~وسيارة! أم المثل العليا المسيحية كما تمثلت في الرهبان والزهاد والأديرة ~~والصوامع؟ وهؤلاء بالطبع هم المسيحية في أصفى وأنقى صورها؟ فهل كانت العقيدة دافعة لهم ~~أن يرفعوا مستوى معاشهم؟ وأنت طبعا تقصدين برفع مستوى المعيشة هذه البحبوحة المادية ~~من مال ومتاع، إنني لأكاد أقول إنك تزدادين مسيحية كلما نزلت بمستوى معيشتك! تزدادين ~~مسيحية كلما خشنت ثيابك وهزل مسكنك وقل طعامك كما وكيفا، تزدادين مسيحية كلما ~~قاومت رغبات الجسد ms220 - هكذا قال قادة المسيحية من رسل وفلاسفة - وما إشباع رغبات الجسد ~~إلا ما تسمينه أنت رفعا لمستوى المعيشة ... إن مستوى المعيشة في أمريكا قد ارتفع ~~لعوامل في أرضها من معادن ونبات وحيوان، لا لأن أهل أمريكا مسيحيون. # إذا يا سيدتي فلا الإسلام أفقر أهله ولا المسيحية أغنت أصحابها، بل العكس أولى؛ ~~فالمسيحية إن دعت إلى شيء من ذلك فهي تدعو إلى الزهد والرهبانية، والإسلام إن دعا إلى ~~شيء من هذا القبيل فهو يدعو ألا رهبانية، وأن الدنيا جديرة أن ينظر إليها الإنسان كأنما ~~هو سيعيش فيها أبدا. # قالت: وماذا تقول في أثر الإسلام في معاملة المرأة من حيث الحجاب وما إلى ذلك؟ أليس ~~ذلك ثقافة إسلامية؟ # فقلت: لا، هذه ثقافة اجتماعية، كان الأمر كذلك قبل الإسلام، وكان يكون كذلك بغير ~~الإسلام؛ إنك لو رأيت مسيحيا يأكل بالشوكة والسكين فلا تقولين إن المسيحية دعته إلى ~~ذلك، بل تقولين إنه أسلوب عيش اجتماعي يأتي عليه أي دين فلا يغيره ... وعلى كل حال ~~فاعلمي أن ليس في أصول الإسلام سطر واحد يقضي حتما بحجاب المرأة، وأن زوجة النبي قد ~~خرجت معه للقتال، فليس الإسلام مسئولا عن أصول اجتماعية لم يقرها بل عمل على ~~زوالها. # فاعترضت سيدة أخرى، راجعة بالحديث إلى نقطة رفع المستوى المعاشي بسبب العقيدة، قالت: ~~لكنك أفهمتنا أن الزكاة من أصول الإسلام، وهي إعطاء نسبة معينة للفقير، فإذا لم يكن ~~الدين عاملا على رفع المستوى الاقتصادي، فلماذا نعطي الفقير إذا؟ # فقلت لها: إن أقل ما أجيب به هنا هو - على رأي أرسطو - ألا أخلاق بغير حد أدنى من ~~ظروف مادية؛ فلكي يصلي المتدين فلا بد له من أنفاس يرددها في الصلاة، وهذه لا تكون ~~بغير طعام ولا شراب، فهذا الحد الأدنى هو الذي نراعيه حين نحث على طعام المسكين. # وانتهى الاجتماع وكان لكلمتي ومناقشتي وقع عميق جدا في نفوس السامعين رأيته في ~~نظرات الدهشة، وفي تحية الإعجاب التي حيوني بها وأنا منصرف. # الجمعة 19 مارس # كنا في منزل الدكتور «ف. ب» ms221 عصر اليوم، في الاجتماع الأسبوعي الذي يعقده في داره كل ~~أسبوع؛ ومتكلمة الاجتماع اليوم هي الدكتورة «س. ش» وموضوعها «العقيدة المسيحية»؛ وذلك ~~ليحدث شيء من التقابل والتوازن مع كلمتي التي ألقيتها في الاجتماع نفسه يوم الجمعة ~~الماضية عن مبادئ الإسلام ... دار الدكتور «ف. ب» كعهدي بها قد بلغت حد الكمال من حيث ~~الروح التي تشيع فيها أثاثا وكتبا وسقوفا وجدرانا، كل شيء فيه فواح بالعاطفة ~~الإنسانية في أسمى معانيها وفي شتى نواحيها؛ فيه دفء القلب إلى جانب الفكر والدراسة، ~~فإذا نسيت تجاربي كلها فلن أنسى السيدة «ب» وقد أحنت الأيام ظهرها تجلس على كرسيها كأنه ~~العرش، وأمامها أدوات القهوة والشاي، ونتقاطر إليها هذا يطلب قهوة، وذلك يطلب شايا، ~~والدكتور الكهل العالم المتواضع «ف . ب» يدور على الحاضرين بوعاء الفطائر التي خبزها هو ~~اليوم بيديه! # كانت الدكتورة الفيلسوفة «س. ش» غاية في جرأة التفكير في كلمتها عن المسيحية؛ فبدأت ~~بقولها إن المسيحية ديانة تعدد لا ديانة توحيد، وهي لا تعني فقط تثليث المسيحية، بل ~~أضافت إلى ذلك كيف يتحدث المسيحيون عن قديسيهم؛ فهذا قديس خاص برعاية الزرع، وآخر ~~بالملاحة وهكذا، ثم أخذت تشرح أساس الأخلاق المسيحية كما كانت في العصور الوسطى - وهي ~~أنقى عصورها - وهو الزهد والتواضع وحب الإنسان لأخيه، وسألت قائلة: هل هذا هو ما ~~يتخلق به المسيحيون فعلا؟ وهنا راحت تذكر نتائج المسيحية على الحضارة الإنسانية، ~~فبدأت بقولها إنها كانت سببا في الحروب أكثر منها سببا في السلام، وأخذت تذكر ~~الحروب والشناعات التي حدثت في أوروبا باسم الدين، ثم انتقلت إلى أثرها على العلوم ~~فقالت إنها كانت نكبة على التقدم العلمي، وراحت تذكر أمثلة تفصيلية للاضطهاد في دائرة ~~العلم والعلماء، ثم شرحت فكرة ذكرها فرويد في أحد مؤلفاته، وهي أن ثلاثة أرباع القوى ~~العقلية عند الناس قد ضاعت بسبب الدين؛ ذلك أن الطفل يندفع إلى السؤال عن شيئين في ~~طفولته، وهما: الله والجنس، فيصده الدين عن المضي في كليهما مضيا صريحا؛ فلا هو يبيح ~~حرية السؤال عن الله بصراحة، ms222 ولا هو يبيح له حرية السؤال عن العلاقة الجنسية وأعضائها، ~~وبهذا تنطمس الرغبة الطبيعية عند الطفل في السؤال والبحث، ويتعلم منذ طفولته - بسبب ~~التضييق الديني - أن ينخرط مع الناس في خرافاتهم؛ واستطردت الدكتورة في ذكر رأي فرويد ~~من أن الدين قد سبب للناس من الشقاء بقدر ما سبب لهم من السعادة ألف مرة؛ لأنه كان ~~سببا في الكبت الجنسي وما يترتب عليه من آثار عميقة تحطم الشخصية وتلويها ... لكن ~~الدكتورة المتحدثة عادت فذكرت للدين بعض فضائله، ومنها أن الكنيسة قد أتاحت للإنسان ~~فرصة انضمامه إلى جماعة تتعاطف ولو إلى حين، فيكسبه ذلك شعورا بالطمأنينة، ثم كانت ~~العقيدة الدينية حافزة أحيانا على البحث العلمي، بدليل ما ذكره نيوتن في كتابه «أصول ~~الطبيعة» من أنه إنما أدى بحثه هذا ليكشف به عن خصائص الله، ثم كان للعقيدة الدينية أثر ~~في الفنون تراه في كاتدرائيات العصور الوسطى وتصويرها ونحتها ... ثم عادت الدكتورة إلى ~~هجومها مرة أخرى، قائلة وهي تختم كلمتها: إن المسيحية قد علمت الناس النفاق، بأن ~~جعلتهم يعتقدون أنهم ذوو أخلاق معينة، مع أن حياتهم العملية هي أبعد ما تكون عن هذه ~~المبادئ، ولو عاش المسيح اليوم في أمريكا لحكم عليه بالسجن متهما بعشرين تهمة؛ لأن ~~أخلاقه ستكون متضادة مع القانون الأمريكي في كثير من نواحيه؛ والكنيسة المسيحية فوق هذا ~~كله تمنع تطور الأخلاق؛ لأننا إذا اعتقدنا أن هناك مبادئ خلقية معينة لا تتغير، أنكرنا ~~بالتالي ما يقتضيه تطور المجتمع من تطور خلقي، وكذلك الكنيسة عقبة في سبيل ~~الديمقراطية الحقيقية، وضربت مثلا لما تعنيه ما يجري في الانتخابات الأمريكية من أن ~~المرشح الفلاني لا أمل له في الدائرة الفلانية لأنه كاثوليكي وأهل الدائرة بروتستانت، ~~أو لأنه بروتستانتي وأهل الدائرة من الكاثوليك وهكذا؛ وإذا فالمواطن الأمريكي متأثر في ~~أداء واجبه الانتخابي بأشياء لا علاقة لها بكونه مواطنا أمريكيا، وذلك بسبب عقيدته ~~الدينية. # كنت أتوقع بعد كلمة الدكتورة «س. ش» أن أسمع مناقشة حامية، لكن الذي أدهشني هو أن ~~كل من تكلم بعد ذلك ms223 من الحاضرين، إنما تكلم ليضيف إلى مساوئ العقيدة الدينية سيئة ~~جديدة، ومن أحسن من تكلموا شاب اتهم الديانات بأنها تجعل من الناس مرضى في نفوسهم؛ ~~لأنها تصيبهم بالعلل العصبية بما تخلق فيهم من عقد نفسية بالخطيئة، فتراهم يمتنعون ~~عن العيش عيشا سعيدا بما غرس فيهم الدين من تحريمات لا مبرر لها. ~~••• # كانت الليلة موعد الحفلة الراقصة الكبرى التي أقامها طالبات السنة الثالثة من الجامعة ~~بشتى أقسامها لانتخاب ملكة الجمال فيهن، وبالبداهة من ينتخب هم الطلاب الذكور، وقد ~~تمت عملية الانتخاب أمس، لتعلن النتيجة في هذه الحفلة التي تقام الليلة، إنها حفلة ~~مشهورة بين حفلات العام كله بأنها لا تقتصر على الجامعة بل تشمل ألوفا جاءوا من أنحاء ~~الولاية كلها، وأنا أستعمل «ألوفا» لأعنيها ؛ فقد قدروا أن من جاء إلى الحفلة الليلة ~~عشرة آلاف راقص وراقصة. # كان لمن شاء أن يشتري تذكرة للفرجة دون الرقص، على أن يجلس في شرفة الصالة الفسيحة، ~~فاشتريت تذكرة وجلست في الشرفة أنظر من أعلى إلى هذه الألوف المتزاحمة من فتيات وفتيان ~~في أبهى حلة يرقصون ... منظر نادر الوجود في الدنيا بأسرها؛ الفتيات كلهن بغير استثناء ~~قد لبسن فساتين السهرة أشكالا وألوانا، والكثرة العظمى من تلك الفساتين تكشف عن نصف ~~الظهر بالكتفين وجزء كبير من الصدر، وفي ضوء المكان الخافت ظهرت هذه الأعالي العارية من ~~ظهور وأعناق وصدور وأذرعة كأنها شهد وورد! بل لا أدري ماذا أقول، فما الشهد وما الورد ~~حتى نقارن به هذه الأجساد البشرية الجميلة الشفافة التي تتدفق شبابا وحياة وفتنة ~~وروعة؟! وكان معظم الطلاب قد ارتدوا حلل السهرة أيضا ... حين كانت تعزف الموسيقى ~~أنغاما ناعمة خافتة، كنت أسمع حفيف الفساتين يضيف إلى الموسيقى نغما آخر هو في ذاته ~~أجمل من الموسيقى، لكن الأدوار الموسيقية العالية كانت تغرق ذلك الحفيف، وتستبدل به ~~فتنة أخرى، هي حركة الرقص السريعة التي تذكرك - إن كنت قد نسيت - أنك من هذه الشرفة ~~إنما تطل على شباب في عز الشباب! ... كان «نيتشه» عليل البدن قصير النظر، وقد وقف ms224 ذات ~~يوم إلى جانب الطريق حين مرت أمامه فرقة من الجيش الألماني تدق الأرض دقا بأقدامها ~~القوية، فتحسر على نفسه وعلى بدنه العليل الهزيل، الذي لا يستطيع أن يمشي مثل هذه ~~المشية الفتية العنيفة، وعندئذ تمنى للإنسان ألا يكون إلا هكذا قويا، ومن ثم ~~نبتت في رأسه فكرة فلسفته كلها؛ وأعني بها فكرة «الإنسان الأعلى» ... وقد تذكرت ذلك وأنا ~~أنظر من شرفتي إلى هذه المئات من الشباب الجميل يتلاصق حبا، وتنظر العيون إلى العيون ~~غراما، تذكرت وتحسرت أنني لست واحدا من هؤلاء، ثم تمنيت للدنيا كلها ألا تكون إلا ~~هكذا شباب وجمال وحب؛ قارن هذه المجموعة بأية مجموعة أخرى في أي وجه آخر من أوجه ~~الحياة: عمال في مصنع مع عاملات، طلبة في جامعة مع طالبات، متفرجون في مسرح مع متفرجات، ~~شارون في متجر كبير مع شاريات ... فلن تجد ما هو أروع في هذه الجماعات كلها من هذه ~~المجموعة: مجموعة الراقصين والراقصات في هذه الثياب وفي هذا الشباب ... إن الذي قال إن ~~الدنيا قد خلقت للعمل قد كذب، أو خلقت للدراسة قد كذب، إنما خلقت الدنيا للحب، ~~الحب في إبانه، على شرط أن يكون المحبون من أصحاب الجمال وصاحباته. # وقفت الموسيقى، وصاح صائح مع ضربات طبلة دوت في المكان: «ملكة السنة الثالثة لهذا ~~العام ...» أنصتت الآذان لتسمع من ذا يعلن عنها «ملكة» ... ثم أكمل الصائح صيحته ناطقا ~~بالاسم، هي «مارثا» فدوى المكان بتصفيق حاد كادت ترتج له الجدران، طبل يدوي ~~وزمارات تزمر في انفعال؛ الجو كله قد امتلأ بالفرح كأن نبيا جديدا قد أرسلته السماء ~~ليهدي الناس فوق الأرض! # وعجبت أنا حينا كيف لم تنتخب «سوزان»؟ أنا لا أعرفها فليست من طالباتي، لكن رأيت ~~إعلاناتها في الأسبوعين الأخيرين تسد الفضاء، تعترضك في الطريق وعلى الجدران وفي فصول ~~الدراسة وعلى موائد المقصف والمطعم، وفي المذياع تسير به السيارات تشق به سكون مدينة ~~بلمان الهادئة: «صاحب الوجدان ينتخب سوزان»، وغير ذلك من العبارات التي أجادت صياغتها ~~لتجيء مجموعة منغومة، جاعلة من اسمها ms225 «سوزان» مرة و«سوزي» مرة أخرى و«سو» مرة ثالثة ... ~~فمن ذا قد تحجر قلبه بعد هذا كله ولم ينتخب «سوزان»؟ إذا فلأرقب لأرى كيف تكون ~~«مارثا» الظافرة بعرش الجمال ... # ها هم الراقصون والراقصات قد أفسحوا طريقا، وفجأة رأيت عربة العرش مارقة من وسط ~~الزحام، لست أدري من أين جاءت؛ عربة زخرفوها بستائر من قماش مرصع باللوامع وزينوها ~~بالزهور، وجلست «مارثا» على حافتها الخلفية عالية ظاهرة، وجلس أمامها أربع وصيفات ممن ~~كن ينافسنها أمس في عرش الجمال، وكان يدفع العربة من الخلف شابان بثياب السهرة ~~السوداء؛ البنات الخمسة كلهن بثياب السهرة البيضاء؛ الكل يصفق لمارثا وهي مارة في ~~الطريق الذي أفسحوه لعربتها التي سارت بغير صوت كأنها صنعت من الهواء! دارت العربة ~~حول القاعة حتى ذهبت إلى حيث فرقة الموسيقى، وهنا أخذ المذيع يذيع اسمها من جديد، ثم ~~وضع على رأسها تاجا جميلا من الزهر الأبيض ثم ناولها أشياء مختلفات، الواحد تلو ~~الآخر؛ هذه كأس وهذا ما لست أدري ماذا، ودقت الطبلة دقات اهتزت لها القلوب، وعلا صوت ~~الموسيقى، وبدأت العربة في دورة جديدة حول القاعة، هذه المرة كانت الملكة قد تم ~~تتويجها، «مارثا» في هذا الجمال النادر هي الليلة ربة الجمال؛ ضع هذا الجمال الإلهي في ~~ثوب غاية في الرونق، ثم ضع على هذا كله تاجا جميلا من الزهر الأبيض، وأجلس أمامها ~~أربع فتيات هن فتنة لكنهن دونها؛ لأنهن جلسن عند قدميها، وهن اللائي كن منذ يوم ~~واحد يسابقنها وينافسنها في الجمال، رأيت هذه المرة «سوزان» بين الوصيفات، رأيتها بكل ~~إعلاناتها وصخبها قد جلست الآن ساكنة عند قدمي «مارثا» خضوعا لجمالها وخشوعا. # وانتهت الدورة وعاد الرقص إلى مجراه، وكانت الساعة قد بلغت منتصف الليل، فخرجت ~~وتركت هذه الدنيا الزاخرة الحافلة بالشباب وبالجمال وبالفن الذي تبدى في الشباب وفي ~~الرقص وفي الموسيقى والغناء، وستظل الحفلة قائمة إلى الثانية بعد منتصف الليل، خرجت ~~وشاء الله أن يبدأ المغني أغنية وأنا في طريقي إلى الباب، بدأت بهذه العبارة: «أنى لي ~~امرأة تقبلني، امرأة تضمني ms226 إليها ضما لصيقا، ثم تسرق قلبي وتمضي!» # الجمعة 7 مايو # كنت في نادي الأساتذة صباحا أجلس مع أستاذين كانا يتحدثان عن سقوط «ديان بيان فو» ~~(في الهند الصينية)؛ وانتهى الحديث إلى ذكر «أخلاق الحرب» والاختلاف في فهمها بين ~~الشرقيين والغربيين، فقال أحدهما - وهو شاب: إن أخلاق الحرب تختلف في نظر أهل الشرق ~~الأقصى عنها في نظر الغربيين (ولعله صب حديثه على الشرق الأقصى لوجودي، وإلا لجعل ~~حديثه عاما على الشرق أقصاه وأدناه معا)؛ فالشرقيون - في رأيه - لا يفهمون أبدا ما ~~معنى أن يكون عليهم واجب نحو أسرى الحرب، قال: إنني عندما كنت هناك تحدثت إلى كثيرين ~~منهم فوجدتهم جميعا يعتقدون بأن الحرب قتل، فلماذا يشغلون أنفسهم بعبء الأسرى طعاما ~~وثيابا ورعاية، مع أنهم من الأعداء؟ فأجاب زميله قائلا: نعم، إن الشرقيين لا يفرقون ~~بين الجندي باعتباره إنسانا والجندي باعتباره عضوا في جيش محارب، وإنه إذا ما كان في ~~موقف يزيل عنه العضوية في الجيش المحارب ويجعله إنسانا صرفا وجب عندئذ تغيير النظرة ~~إليه ... فعاد الأستاذ الشاب إلى الحديث فقال: إن أخلاق المدنية الغربية المسيحية هي أنه ~~إذا قابلك قاطع طريق مسلح ورفعت له ذراعيك استسلاما امتنع عن قتلك، فإن كان هذا هكذا، ~~فالحصن الذي يستسلم أو الطائرة التي ترسل إشارة إلى أرض العدو بأنها ستهبط عجزا ~~واستسلاما، وجب الامتناع عن إيقاع الأذى بجنود الحصن أو ملاحي الطائرة؛ إنني لما كنت ~~أتحدث في ذلك إلى أهل الشرق الأقصى، وجدتهم يجيبونني بالقنبلة الذرية التي ألقاها ~~الأمريكيون فوق هوريشيما، ويذكرون لي كيف فتكت تلك القنبلة بمئات الألوف دفعة واحدة، ~~وهم يذكرون ذلك ليدلوا على أننا نحن الغربيين كذلك نقتل الناس غير المحاربين ما دمنا في ~~قتال، وهم لا يدركون أنه بدل أن نرسل جنديا يحارب جنديا، فقد اكتفينا بإرسال جندي ~~ليحارب مدينة بأسرها؛ وذلك لأنهم لا يزالون يتصورون أن الحرب هي نزال بين جندي وجندي ~~... وهنا توجه الأستاذ الشاب إلي يطلب رأيي في هذا كله - ولم يكن لي رغبة ساعتئذ في ~~الحديث - فقلت ms227 له: إن مسألة «أخلاق الحرب» بأسرها مسألة اعتبارية، فلم ينزل وحي من ~~السماء يقول إنه ينبغي أن تكون للحرب أخلاق هي كذا وكذا، وما دام الأمر كذلك فقولوا ~~أنتم ما شئتم ولأهل الشرق الأقصى أن يقولوا ما يشاءون، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أنت ~~تتحدث كأنما الأمر من ناحية الغربيين كله براءة وشهامة، واتخذت هوريشيما علامة على عدم ~~فهم الشرقيين لروح القتال الحديث، وفي موقفك تناقض صريح؛ لأنه إن كان الغرب يساير روح ~~القتال الحديث في أن يرسل جنديا واحدا كما تقول ليهلك مدينة بأسرها، فيها ~~المحاربون وغير المحاربين، إذا فالغرب باتجاهه هذا قد ناقض «أخلاق الحرب» التي تزعم ~~أنها من مبادئه، ولم يصبح فرق بينكم وبين أهل الشرق الأقصى في فهمهم للقتال بأنه ~~قتل ... وانتهى الحديث فجأة لبدء موعد الدروس. # الجمعة 21 مايو # بعد الظهر بقليل بدأنا الرحلة إلى مصيف رجال الجامعة، وأصفه بهذه الصفة لأنه مكان ~~منقطع في غابة بعيدة، ليس فيه إلا كابينات للأساتذة، بدأنا الرحلة، والراحلون هم: ~~الدكتور «و» وزوجته وطفلاهما، وشاب هندي يحضر للدكتوراه في الكيمياء الزراعية وأنا؛ ~~والجهة المقصودة هي «بريست ليك» (أي بحيرة القسيس، وسميت كذلك لأن قسيسا معروفا ~~عاش هناك معتزلا وذاع اسمه وصوته، فنسبت إليه البحيرة والنهر الذي يخترقها)، وبحيرة ~~القسيس هذه تقع في الطرف الشمالي من ولاية أيداهو الملاصقة لولاية واشنطن، والبحيرة ~~قريبة جدا من حدود كندا. # وصلنا البحيرة بعد خمس ساعات في السيارة أو يزيد، وهناك عند نقطة التقائنا بالبحيرة ~~تركنا السيارة لنركب زورقا بخاريا يملكه أيضا الدكتور «و»، ونقلنا إلى الزورق معظم ~~ما حملناه معنا من طعام، وقد حملنا مقدارا كبيرا يكفينا أربعة أيام في ذلك المكان ~~النائي المنعزل، وأبحرنا في الزورق البخاري شمالا نحو ساعة كاملة، قطعناها في أجمل ~~مكان شهدته عيني؛ فالبحيرة ضيقة طويلة، طولها ثلاثون ميلا، ولا يزيد عرضها فيما أظن عن ~~ميل واحد، وتحفها من جميع جهاتها جبال مشجورة بكثيف الصنوبر الفارع، والقمم لم تزل ~~معممة بثلوجها ... إني لأعجز عجزا تاما عن وصف ms228 هذا الجمال الطبيعي الذي لا يطوف ~~بأحلام حالم ... ماذا أقول؟ يستحيل أن يوجد في الدنيا مكان يدنو من هذا المكان جمالا، ~~وإني لأقارنه بمنطقة البحيرات في شمالي إنجلترا فأجده يفوقها؛ لأن الجبال هنا تغطيها ~~أشجار الصنوبر الكثيفة، أما هناك فالجبال إما عارية أو تغطيها خضرة خفيفة ... # في هذه الجنة لبثنا أربعة أيام كنت فيها كالحالم ... وعدنا يوم الثلاثاء 25 مايو ~~والمطر هاطل والبحيرة هائجة مائجة والسماء ملتفة بالضباب؛ إن الجبال عند رحيلنا قد ~~اتخذت صورة أخرى غير الصورة التي استقبلتنا بها حين كان الجو رائقا صافيا؛ الجبال عند ~~رحيلنا كانت كأنها من ظلال، لا أرى منها إلا سوادها، فلا خضرة الأشجار بادية، ولا أبيض ~~الثلج عند القمم ظاهر. # الأربعاء 26 مايو # المطر نازل طيلة النهار ، ثم تحول إلى ثلج مدة ساعتين أو ثلاث من ساعات الظهر؛ عجيب ~~أن ينزل الثلج في آخر مايو! جلست طول الصباح في نادي الأساتذة أقرأ مقالا ممتعا في ~~مجلة نيويوركر الصادرة يوم 15 مايو، نبهتني إليه السيدة «ت» التي تحضر لي محاضراتي ~~في الفلسفة الإسلامية ... هو مقال يقارن فيه الكاتب الأصل العبري للإنجيل بترجماته إلى ~~اللغات الأوروبية، قائلا: إن للغة العبرية خصائص يستحيل ترجمتها إلى الإنجليزية ~~مثلا، مع أنها خصائص دالة وهامة في تلوين اللغة تلوينا معبرا. وراح يحلل هذه ~~الخصائص، وإذا بي ألاحظ انطباقها على اللغة العربية، وهي لفتات من الكاتب قوية جدا ~~عميقة جدا، ولا بد أن أقرأ المقال مرة أخرى قراءة أدق ... وأهم ما اهتممت له في المقال ~~هو الفكرة التي عرضها الكاتب في علاقة اللغة وفكرة الناس عن الزمن؛ فليس في العبرية ~~لحظة حاضرة، كل ما فيها ماض أو مستقبل؛ فلما قرأت ذلك أدركت من فوري أن ذلك أيضا في ~~اللغة العربية، ليس هناك «فعل» يدل على اللحظة الحاضرة؛ لأنه حتى الفعل المضارع عندنا ~~لا يشير إلى اللحظة الحاضرة بمقدار ما يشير إلى فعل لم يتم بعد؛ فالمتحدث بالعربية ~~لا يضع نفسه في لحظته الحاضرة ثم ينسب الحوادث الماضية والمستقبلة بالنسبة ms229 إلى تلك ~~اللحظة، كما نرى في اللغة الإنجليزية مثلا حين نستخدم «الفعل المضارع الكامل» أو ~~«الفعل الماضي الكامل» ... على أن هذه ملاحظات سريعة لا تدل على شيء مفيد إلا إذا فكرت في ~~الموضوع تفكيرا مفصلا شاملا، فأرجو أن أتمكن من دراسته يوما ما. # بعد أن فرغت من محاضرتي في الفلسفة الإسلامية اليوم، دعاني أعضاء الفرقة التي ~~أحاضرها - بما فيها من طلبة ومستمعين - إلى حفلة صغيرة أعدوها توديعا بمناسبة انتهاء ~~الفصل الدراسي؛ وهناك قام الدكتور «ه» أستاذ الأدب الإنجليزي - وقد حضر لي جميع ~~محاضراتي بغير استثناء - فألقى كلمة تقدير اهتزت لها نفسي، ثم قدم لي هدية كتاب ~~«محاورات ألفرد نورث وايتهد» الذي صدر هذا الأسبوع، وقد وقع الحاضرون على غلافه من ~~الداخل، بعد أن كتب نيابة عنهم الدكتور «ه» عبارة على الغلاف سأعتز بها ما حييت ... إنني ~~والله كلما تذكرت ما لقيته في هذه البلاد من تقدير يكاد الدمع يسح من عيني؛ فقد عشت ~~في وطني ما عشت، وجاهدت فيه ما جاهدت، ولم أجد إلا بخسا واستصغارا واستخفافا، حتى ~~لقد فقدت الثقة في نفسي، وقد جئت إلى أمريكا فأعاد الناس إلي ما فقدته في أرض ~~الوطن. # الأحد 30 مايو # أراد لي الله أن أرى الجنة قبل أن أغادر مدينة بلمان، رأيتها مرة في «بريست ليك» ~~ورأيتها اليوم مرة أخرى في صورة أخرى؛ إذ قضيت اليوم كله في مكان يسمونه سويسرة ~~الولايات المتحدة؛ حيث تنهض جبال يطلقون عليها اسم «الألب الصغيرة»، وهو مكان يقع في ~~ولاية أورجون التي تجاور ولاية واشنطن من جهة الجنوب، ويبعد عنها ما تبعد الإسكندرية عن ~~القاهرة. # فقد مر علي الأستاذ منو جرينوفلد بسيارته الساعة الخامسة صباحا، فسرنا مارين ~~أولا بمدينة «لوستن» التي كنت قد زرتها مرة وكتبت عنها، وأغرب ظواهرها أنك ترى نفسك ~~فجأة قد أقبلت على حافة منخفض عميق واسع يهوي عن سطح المرتفع الذي أنت فيه ألفي قدم؛ ~~وفي هذا المنخفض تقع مدينة «لوستن»، تنظر إليها من أعلى فكأنك تنظر إلى مدينة في قاع ~~بعيد؛ ms230 وطريق السيارات الهابط إلى هذا القاع يلف على سفح الجبل في ثنيات تروح وتجيء في ~~حضن الجبل. # تركنا لوستن - وكنا لا نزال في ساعة مبكرة من الصباح - ولبثنا نسير على أرض هي موجات ~~ضخمة مغطاة بالخضرة التي لا شجر فيها؛ والخضرة هنا في معظم الحالات قمح في طريق النمو؛ ~~فهذا الإقليم - كما قيل لي مرارا - يعد أغنى بقاع أمريكا في محصول القمح. # وبعد مسير قليل صعدنا جبلا على نفس الصورة التي هبطنا بها إلى لوستن؛ أعني أننا ~~صعدنا في طريق يلتوي وينثني على سفح الجبل، ليصعد الصاعد متدرجا حتى بلغنا القمة؛ ~~والقمة هضبة مسطحة تنسيك أنك في منطقة جبلية؛ على هذه الهضبة المسطحة المستوية التي ~~تمتد ما امتد البصر، والتي زرعت كلها قمحا، سرنا نحو ساعة، وصلنا بعدها إلى جنة ~~الله على الأرض، ولبثنا في هذه الجنة سائرين في السيارة نحو ساعتين، حتى بلغنا المكان ~~المقصود، وهو بحيرة «والوا» ومن حولها جبال الألب الصغيرة. # في هذه الجنة الأرضية مررنا على ما يسمى «متنزه فيلد» وهي حديقة بستانيها هو الله! ~~لم تنسقها يد البشر، ومع ذلك يستحيل أن تقبل عليها ولا ينفتح فوك من دهشة وتقول كما ~~قلت أنا - دون سابق علم: إن هذا المكان فيه علامات التنسيق والتشذيب كأنه حديقة مصنوعة، ~~لا جزء من الطبيعة المرسلة، وعندئذ تعلم - كما علمت أنا من زميلي - أنه فعلا يسمى ~~«متنزه فيلد»؛ لأنه كالمتنزه الذي أتقن تنسيقا وتشذيبا وتهذيبا ... وتدخل في مماشي ~~هذه الحديقة الإلهية فترى الحكومة قد أضافت إلى الطبيعة إعدادا ينفع المتنزهين؛ إذ ~~أعدت مكانا للطبخ ومكانا للأكل وأمكنة للنوم وهكذا. # استأنفنا طريقنا في هذه الجنة الفيحاء؛ فطريق السيارة ممهد على السفح عند وسط ~~الجبل، فعن يسارنا ينهض حائط الجبل إلى قمته، وهو مغطى كله بأشجار الصنوبر الضخمة ~~العاتية؛ وعن يميننا مباشرة واد عميق، وعبر الوادي أمواج من الأرض الخضراء، لكن ~~الخضرة هنا ليست قمحا بل حشائش، وظهور الموج يلاحق بعضها بعضا تبدو كأنها ظهور الخيل ~~نظر إليها من الخلف وهي تعدو ms231 زرافات، ولولا أن تشبيه الأرض الخضراء بالمخمل قد ~~ابتذل حتى فقد معناه؛ لقلت إن المنظر عبر الوادي شبيه جدا بمساحة واسعة من ~~المخمل الذي كأنما يغطي تحته أشياء ذات أطراف وزوايا؛ لأن المخمل ينثني هنا ويلتوي ~~هناك، وعند انثنائه والتوائه يتغير لون الخضرة كما يتغير لون المخمل تماما حين ~~ينثني ويلتوي ... هذا الوادي الذي لم يخلق الله أجمل منه في الدنيا يسمى وادي جراند ~~روند ... ها هو ذا طريق السيارات يهبط بنا إلى جوف الوادي، يهبط بنا درجة درجة على ~~السفح، حتى بلغنا القاع لنبدأ في الصعود من جديد درجة درجة على السفح المقابل من ~~الناحية الأخرى، وصعدنا إلى سطح هضبة مستو، لكن الهضبة هنا مغطاة كلها بالشجر، وقد ~~شق طريق السيارات بين كتلة الشجر خطا مستقيما يمتد أميالا، فتسير وعن يمينك ~~ويسارك جداران من الشجر؛ وفجأة ينتهي جدار الشجر الذي على يسارنا، ونرى لوحة تنبه ~~المسافر إلى بقعة جميلة ينبغي الوقوف عندها فوقفنا. # هي نقطة بارزة تطل منها على «وادي يوسف» فمن يوسف هذا؟ هو زعيم من زعماء الهنود ~~الحمر، حارب الأمريكيين حربا يشهدون له فيها بالبراعة التي انقطع نظيرها في تاريخ ~~الحروب، من حيث قدرته على الانسحاب السريع ثم الالتفاف السريع، ثم التفكير في مائة خدعة ~~وخدعة يوقع بها عدوه في حصار مفاجئ لا يتوقعه. # عدنا فاستأنفنا الطريق بين جداري أشجار الصنوبر على هذا المنبسط الأرضي العالي، ~~ويسمونه «متنزه والوا»، حتى إذا ما خرجنا من هذه الغابة انبسطت أمامنا أمواج وطيئة من ~~الأرض الخضراء، بما عليها من قمح ... وبدت في الأفق البعيد جبال الألب الصغيرة التي ~~ترتفع في بعض أجزائها اثني عشر ألفا من الأقدام؛ لكن ساء حظنا فكانت القمم العالية ~~ملتفة بالسحاب، فلم نر فيها إلا أسافلها الخضراء بشجر الصنوبر ... كان السحاب أحيانا ~~يشف في بعض الفتحات الصغيرة، فيكشف عن بقع مضيئة من القمم العالية الناصعة بثلجها ~~الأبيض. # سرنا متجهين نحو الألب الصغيرة، حتى بلغنا مدينة «إنتر برايز» وهي على ارتفاع خمسة ~~آلاف قدم، وصلناها في الساعة ms232 العاشرة صباحا؛ أي بعد خمس ساعات بالسيارة؛ نزلنا بها ~~وشربنا قهوة ثم عدنا نسير عددا قليلا من الأميال مارين بمدينة صغيرة اسمها «يوسف»، ~~وأخيرا بلغنا بحيرة «والوا» التي تحيط بها جبال الألب الصغيرة ... ها هنا جنة الله التي ~~وعد المؤمنين! ليس جمال المنطقة هنا من نوع الجمال الذي شهدته في «بريست ليك» على الرغم ~~من أن التكوين واحد: بحيرة حولها جبال مشجورة بالصنوبر، ولكن «بريست ليك» جمالها في ~~حوشيتها وعزلتها، وأما هنا فمقصد كثير من الزائرين؛ ولذلك تجد الطرق ممهدة معبدة، ~~وتجد مطعما ودكانا يبيع الصور التذكارية، وتجد الحكومة قد أعدت مكانا للطهي ~~ومكانا للأكل وهكذا. # تركنا السيارة عند حافة الغابة، وتخللنا نحو مسقط ماء مشهور؛ بين حين وحين يصادفك ~~في قلب الغابة «كابينة» يسكنها مصطاف، ليست الكابينات متلاصقة بل ليست متقاربة، إنما ~~تبعد الواحدة عن الأخرى مسافة بعيدة، ترى الكابينة قد أحاط بها الشجر، بل تراها هي ~~نفسها خضراء كأنها نابتة من الأرض كالشجر الذي حولها، فتحسبها عشا للعصافير ... أأقول ~~«تحسبها» ...؟ بل هي عش للعصافير، فانظر من ذا خرج من هذه الكابينة عند مرورنا ... ~~فتاتان رائعتان هما عصفورتان! # الأرض داخل الغابة طرية بما عليها من بلل؛ الدنيا كلها من حولنا مبللة ببقايا الندى ~~أو بأوائل المطر ... سرنا محاذين نهيرا متدفقا سريع الجريان جدا، رائق الماء كأنه ~~البلور، ظهرت الصخور على قاعه كأنها تحت لوح من زجاج ... وبعد ميل أو ميل ونصف قطعناها في ~~صعود تدريجي داخل الغابة، وصلنا مسقط الماء؛ فهذا النهير يسقط ماؤه في الفضاء نحو ~~ستين قدما خارجا لا تدري من أين؛ لأن السحاب الذي يلف قمة الجبل يخفي أجزاءه ~~العليا كلها، فلا تستطيع أن تتعقب النهير إلى منبعه بالنظر، فيفجؤك ماؤه متدفقا من ~~بين الصخور والسحاب، هابطا في الهواء ستين قدما، محدثا بذلك صوتا يملأ ~~السمع. # وعدنا إلى بلمان ساعة الغروب، فكأنه آدم نزل من الجنة إلى الأرض. ms233