######OpenITI# #META# URI: 1414ZakiNajibMahmud.BertrandRussell.Hindawi37591482 #META# Tags: biographies :: philosophy #META# ID: 37591482 #META# Title: برتراند رسل #META# AuthorID: 64904748 #META# Author: زكي نجيب محمود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # حياته‏ # فلسفته‏ # نصوص مختارة‏ # مراجع عامة‏ # مقدمة‏ # حياته‏ # فلسفته‏ # نصوص مختارة‏ # مراجع عامة‏ # | برتراند رسل # | برتراند رسل # تأليف # زكي نجيب محمود # | مقدمة # لست في الفلسفة تابعا «برتراند رسل» # Bertrand Russell # في كل ما يذهب إليه؛ ذلك أني قد حددت عقيدتي الفلسفية تحديدا جليا واضحا، وإني لأزداد ~~إيمانا بصواب تلك العقيدة كلما ازددت قراءة ودراسة وتفكيرا، وليست هي بالعقيدة التي ~~يأخذ «برتراند رسل» بكل تفصيلاتها، وإن تكن مسايرة لفكره في الاتجاه والهدف ومنهج ~~البحث. # فأنا أميل بفكري نحو «الوضعية المنطقية» التي تحرم على الفيلسوف - باعتباره فيلسوفا؛ ~~إذ قد يكون الفيلسوف عالما أيضا في هذا العلم أو ذاك - تحرم على الفيلسوف أن يقول عبارة ~~واحدة ليدلي فيها برأي في الطبيعة أو الإنسان؛ لأن الرأي كائنا ما كان، هو من شأن ~~العلماء وحدهم، يقولونه بعد ملاحظة علمية وتجارب يجرونها في المعامل. وعمل الفيلسوف الذي ~~لا عمل له سواه، هو تحليل العبارات التي يقولها هؤلاء العلماء تحليلا يوضحها ويضبطها، ~~وقد يحدث - بل إن هذا هو ما يحدث في معظم الأحيان - أن يتولى العالم نفسه توضيح ~~عباراته وتحليلها، وعندئذ يكون هذا العالم فيلسوفا إلى جانب كونه عالما، لكنه قد يحدث ~~أيضا أن ينصرف العالم إلى موضوع بحثه، دون أن يقف عند هذه الكلمة من كلماته أو تلك ~~العبارة، فيتولى ذلك عنه فيلسوف مختص، وبهذا تصبح الفلسفة تحليلا صرفا، أو إن شئت فقل ~~إنها تصبح «منطقا» بحتا، وتلقي عن عاتقها ذلك الحمل الثقيل الذي تصدت له فيما مضى، ~~حمل الحديث عن الكون في أصوله وغاياته، وهو حديث لم ينته به الفلاسفة إلى شيء، وكان ~~يستحيل عليهم أن ينتهوا إلى شيء؛ لأنه حديث في غير موضوع من هذه الموضوعات التي يجوز فيها ~~الكلام على نحو منتج مفيد. # على أن «رسل» إن لم يكن واحدا من رجال «الوضعية المنطقية»، فهو على رأس طائفة من ~~الفلاسفة المعاصرين، كانت هي التي خلقتها خلقا، وأوحت بها إيحاء مباشرا؛ لأنه منذ ~~باكورة أعماله الفلسفية قد جعل تحليل المدركات العلمية شغله الشاغل، ms001 وبوجه خاص مدركات ~~الرياضة، كالعدد واللانهاية؛ لأنه كان رياضيا ممتازا أولا، ففيلسوفا رياضيا ثانيا، ~~فكانت تحليلاته تلك منبها قويا لجماعة من تلاميذه ومن المتأثرين به، أن يجعلوا ~~التحليلات المنطقية للعبارات العلمية، بل للعبارات اللغوية بصفة عامة، هي وحدها المجال ~~المشروع للفلسفة والفيلسوف، وهو رأي أدلى به «رسل» نفسه صراحة، # 1 # وإن يكن توسع في معناه، بحيث استباح لنفسه أن يكون صاحب مذهب إيجابي في ~~الطبيعة، وفي الإنسان، مما يتناقض مع ذلك المبدأ بمعناه الدقيق. # ومهما يكن من أمر الاختلاف بين «برتراند رسل» وجماعة «الوضعية المنطقية» التي أنتمي ~~إليها، فلهذا الفيلسوف من الجوانب الرئيسية - في عمله وفي شخصه - ما يقربه من عقلي ومن ~~قلبي معا. # فهو - أولا - يريد ويلح في إرادته أن تكون الفلسفة علمية المنهج؛ بحيث تقلع عما ~~تعودته من ضرب في التأملات التي تطير إلى أجواز السماء على جناحي خيال طامح، لكنه جامح، ~~والمقصود بعلمية المنهج الفلسفي نقطتان رئيسيتان؛ أولاهما: أن يتناول الفيلسوف مشكلة ~~جزئية واحدة، ولتكن هذه المشكلة - مثلا - عبارة واحدة من عبارات الكلام، لينتهي في ~~تحليلها إلى نتيجة إيجابية، يصح أن يأتي بعده سواه، فيبني عليها عمله ونتائجه، وبهذا ~~تصبح الفلسفة - كالعلم - عملا يتعاون عليه المتعاقبون، فيزداد بناؤها طابقا فوق طابق، ~~ولا تعود - كما هي حالها على مر القرون السالفة - عملا فرديا، بمعنى أن يبني كل ~~فيلسوف لنفسه بناءه كاملا شامخا؛ ليأتي من بعده فيقوضه تقويضا ليعيد لنفسه بناء ~~جديدا، وهكذا دواليك، حتى لا ترى فرقا ملموسا من حيث التقدم والترقي بين بناء فلسفي ~~يقيمه فيلسوف القرن العشرين، وبناء فلسفي قديم أقامه يوناني في القرن الخامس قبل الميلاد، ~~بل كثيرا ما يرجح القديم الجديد عظمة وشموخا. إن هذا العمل الفردي إن جاز في الآداب ~~والفنون، فهو لا يجوز في نتاج العقل من فلسفة وعلم، نعم يجوز للشاعر أو الفنان أن يعبر ~~عن ذات نفسه كما يشاء، بغض النظر عن سابقيه، لكن مثل هذا الاستقلال الفردي لا يجوز أبدا ~~في المجال العقلي. # وأما النقطة الثانية التي قصدنا إليها ms002 من علمية المنهج في التفكير الفلسفي، فهي الأداة ~~التي نستخدمها في تحليلنا للمشكلة الجزئية التي نختارها، وأداة المعاصرين جميعا ممن ~~يهتمون بالفلسفة التحليلية - وعلى رأسهم «رسل» - هي المنطق الرياضي الذي ينصب على ~~العبارة الموضوعة تحت البحث، فإذا هي أقرب ما تكون إلى مسألة في الجبر أو الحساب، ولو ~~كملت لنا هذه الأداة، لاستطعنا أن نحقق الأمل الذي كان يحلم به ليبنتز، وهو أن نتناول ~~مشكلاتنا من هذه الزاوية الرياضية، بحيث يعود الاختلاف في الرأي أمرا ينحسم بالحساب، لا ~~نقاشا حول ألفاظ غامضة المدلول لا ينتهي إلى نتيجة، ولو امتد خلال القرون. # وثاني الجوانب التي تقرب «رسل» من عقلي ومن قلبي، هو هذا الدفاع الحار الذي ينهض به ~~في سبيل حرية الفرد من كل طغيان: طغيان التقاليد الاجتماعية، وطغيان الحكومات؛ فإني لأوشك ~~أن أرى الصدق كل الصدق في دعوى «رسل» بأن النظم الاجتماعية والسياسية كلها - في أرجاء ~~العالم أجمع، وعلى اختلاف العصور - مؤامرة كبرى يراد بها الحد من حرية الفرد التي كان ~~ينبغي أن تكون هي الأساس وهي المدار لكل نظام في اجتماع أو سياسة. وإن شئت فانظر في أي ~~بلد من بلاد العالم إلى ما يسمونه «التربية» تجدها تسابقا من الهيئات ذوات السلطان ~~للاستيلاء على عقل الناشئ ومشاعره! واستمع إلى رجال «التربية» يسألون: ما الغاية من ~~التربية؟ ثم يجيبون: هي إنتاج «المواطن الصالح»، وصلاحية المواطن هي دائما - كما ~~ينبهنا «رسل» - الموافقة على النظم القائمة، ويستحيل عندهم أن يكون معنى «الصلاحية» هو ~~الثورة على تلك النظم، وإنه لمن عجب - كما يقول فيلسوفنا - «أنه بينما تستهدف الحكومات ~~جميعا إخراج رجال من طراز يؤيد الأنظمة القائمة، ترى أبطالها من رجال الماضي هم على وجه ~~الدقة رجال من نفس الطراز الذي تحاول الحكومات أن تمنع ظهوره في الحاضر ... فالأمم ~~الغربية جميعا تمجد المسيح، مع أنه لو عاش اليوم لكان - يقينا - موضع ريبة من رجال ~~البوليس السري في إنجلترا، ولامتنعت عليه الجنسية الأمريكية على أساس نفوره من حمل ~~السلاح.» # وثالث الجوانب التي تقرب هذا الفيلسوف ms003 من نفسي: هو هذه الفرحة الكبيرة التي يفرحها كلما ~~استطاع إقامة البرهان على خطأ اعتقاد كان يظنه الناس بديهية لا تحتمل الشك والجدل؛ ~~انظر مثلا كيف ترن عبارته بالنشوة، وهو يثبت أن الجزء ليس حتما أصغر من الكل الذي ~~يحتويه؛ فالنقط التي في جزء من خط مستقيم مساوية للنقط في الخط كله؛ لأن كلتيهما ~~لانهائية العدد، والأعداد الفردية وحدها مساوية للأعداد كلها من فردية وزوجية معا؛ ~~لأنك لو وضعت سلسلة الأعداد كلها في صف، ثم وضعت الأعداد الفردية وحدها في صف تحته، ~~استطعت أن تجد لكل عدد من السلسلة الأولى عددا يقابله من السلسلة الثانية ... ومثل هذه ~~الفرحة أفرحها كلما تبين لي وجه الخطأ فيما يسلم به الناس تسليما أعمى. # قد يقال - كما قيل في رسل - إن مثل هذه النزعة انقلابية هدامة خطيرة، وإن صاحبها ~~يكون في شخصيته شبيها ب «مفستوفوليس» شيطان «فاوست»، لكنها - في رأيي - ضرورية لتمهيد ~~الطريق نحو تغير الأفكار والأوضاع الاجتماعية التي قد تتحجر، فيظن الناس أن «صلابتها» ~~تلك هي صلابة الصواب، واستحالة الخطأ. إن أصحاب هذه النزعة هم دائما بمثابة الفدائيين ~~الذين يتسللون إلى حصون العدو، فيمهدون الطريق إلى دكها وتخريبها، والفرض هنا - ~~بالطبع - هو أن ما يراد دكه وتخريبه ومحوه، بناء فاسد يستوجب التغيير ~~والإصلاح. ~~••• # أما بعد، فقد لبث برتراند رسل يكتب أكثر من ستين عاما، حاول خلالها أن يجيب عن أسئلة ~~كثيرة، وأن يحل مشكلات شتى، وبديهي ألا يستقر على رأي واحد دائما إزاء نقطة معينة؛ ~~ولذلك يتحتم على من يريد دراسته أن يتتبع أفكاره الرئيسية في تطورها وتغيرها، وألا يأخذ ~~رأيا له في موضوع معين من كتاب معين على أنه الرأي الذي لم يتناوله صاحبه بعد ذلك ~~بالتعديل أو التبديل. # وإنه لمما يلفت النظر أن فيلسوفنا لم يعرفه الناس بأهم إنتاجه؛ فالكتب التي سيخلد بها ~~في تاريخ الفلسفة، مثل «أصول الرياضة» و«أسس الرياضة» و«علمنا بالعالم الخارجي» و«تحليل ~~العقل» و«تحليل المادة»، ليست هي الكتب التي أذاعت اسمه، وأشاعت شهرته، بل الذي فعل ذلك ~~هو ms004 ما كتبه في الاجتماع والسياسة والتربية، لكنني حين كتبت هذا الكتاب، حاولت أن أهتم ~~بالمهم من فلسفته، بغض النظر عن مدى ذيوعه بين أوساط القراء، وجعلت تتابع الفصول متمشيا - ~~إلى حد كبير - مع التطور الفكري للفيلسوف، كما يظهر هذا التطور في رواية الفيلسوف عن ~~نفسه، وهي التي تراها في الفصل الأول من هذا الكتاب. # فلعلي قد أصبت شيئا من التوفيق في تقديم هذا الفيلسوف المعاصر إلى القارئ العربي، ~~تقديما يحصر إنتاجه الضخم في هذه الصفحات القلائل. # زكي نجيب محمود # | حياته # الفيلسوف يروي عن نفسه # 1 # ماتت أمي وأنا في الثانية من عمري، وكنت في الثالثة حين مات أبي، فنشأت في دار جدي، لورد ~~جون رسل، الذي أصبح فيما بعد «إيرل رسل»، ولم يكد يجيئني أحد بنبأ عن والدي، وهما لورد ~~وليدي أمبرلي، حتى لقد شاع في نفسي إحساس بأن يكون في الأمر لغز غامض لقلة ما عرفته ~~عنهما، فلما بلغت الحادية بعد العشرين أخذت في العلم بشيء من الخطوط الرئيسية في حياة أبي ~~وأمي، وما كان لهما من رأي، فكم دهشت حين رأيتني قد اجتزت المراحل بعينها تقريبا، التي ~~اجتازها أبي في تطور عقله وشعوره. # كان المنتظر لأبي أن يخوض الحياة السياسية جريا على تقليد في عائلة «رسل»، وكانت له في ~~ذلك رغبة، فدخل البرلمان لفترة قصيرة (1867-1868م)، لكنه لم يكن له من المزاج، ولا من ~~الرأي ما قد كان لا بد له منهما إذا أراد لنفسه في السياسة نجاحا، فما إن بلغ من عمره ~~الحادية بعد العشرين، حتى أحس في نفسه كفرا بالمسيحية، وأبى أن يذهب إلى الكنيسة يوم عيد ~~الميلاد، وقد جعل من نفسه تلميذا فصديقا ل «جون ستيوارت مل» الذي علمت منذ أعوام قليلة ~~أنه كان لي أبا في العماد، وكان أبي وأمي قد تبعا «مل» في آرائه، ولم يقتصرا في ذلك على ~~الآراء التي صادفت عند الناس قبولا نسبيا، بل جاوزاها إلى الآراء التي كانت عندئذ تصدم ~~الناس في شعورهم؛ كحق المرأة في الانتخاب، وضبط النسل، ms005 وما إلى ذلك. # أراد لي أبي أن أنشأ في الفكر حرا من القيود، وكذلك أراد لأخي، فأقام علينا وصيين ~~عرفا بحرية التفكير، لكن جدي وجدتي معا سعيا لدى المحكمة المختصة أن تغض نظرها عن وصية ~~أبي، فكان نصيبي أن أنشأ على العقيدة المسيحية؛ ذلك أني انتقلت بعد موت أبي إلى منزل جدي، ~~وكان ذلك عام 1876م، وكان الجد عندئذ في الثالثة بعد الثمانين من عمره، وقد نال منه الضعف ~~الشديد، فشملني بعطف متصل، ولم تبد منه علامة واحدة تدل على ضيقه بزياط الأطفال، لكنه كان ~~أشد ضعفا من أن يكون له في تكويني أثر مباشر، ثم مات جدي عام 1878م، فتولتني بالتعليم ~~جدتي التي ما فتئت تقدس ذكرى زوجها، فكانت أقوى أثرا في توجيهي من أي شخص آخر، غير أني ~~منذ بلغت رشدي جعلت أختلف معها في كثير من آرائها. # كانت جدتي متزمتة العقيدة، صارمة الأخلاق، تزدري الترف ولا تأبه لطعام، تمقت الخمر، ~~وتعد التدخين خطيئة، وعلى الرغم من أنها قد عاشت حياتها ضاربة في مناكب الأرض، حتى ~~استكن جدي في مأواه، إلا أنها لم تكن بطبعها مقبلة على الدنيا، فكانت تقف من المال موقف ~~من لا يكترث به، وهو موقف لا يستطيعه إلا الذين رزقوا منه ما يكفيهم. # أرادت جدتي هذه لأولادها ولأحفادها أن يحيوا حياة نافعة فاضلة، ولم يكن بها ميل أن ~~ينصرف أولئك الأولاد والأحفاد في حياتهم إلى ما تواضع سائر الناس على تسميته بالنجاح، كلا، ~~ولم ترد لهم أن يتزوجوا على أساس الكسب من زواجهم، وكانت بحكم عقيدتها البروتستانتية تؤمن ~~بضرورة أن يكون للأفراد أنفسهم حق الحكم على الأشياء، بحيث يكون لضمير الفرد سلطة عليا، ~~ولما بلغت الثانية عشرة من عمري، أهدت إلي جدتي إنجيلا (وما زلت محتفظا به إلى ~~اليوم)، وكتبت على الورقة التالية لغلافه بعض ما أحبت من آياته، فمنها هذه الآية: «لا ~~يجوز لك أن تتبع كثرة الناس في فعل الشر.» وهذه الآية: «كن قويا شجاعا فاضلا، لا تخف ~~ولا يأخذنك اليأس؛ فربك ms006 المولى في رعايتك أينما ذهبت.» فكان لهاتين الآيتين أثر عميق ~~في حياتي، ولا أحسب ذلك الأثر قد أصابه الوهن، حتى بعد أن أمسكت عن الاعتقاد في ~~الله. # تحولت جدتي في السبعين من عمرها إلى عقيدة «الموحدين» (الذين ينكرون ربوبية المسيح)، ~~وأخذت على نفسها في الوقت ذاته أن تنصر الحكم الذاتي لأيرلندة، وراحت تعارض الاستعمار في ~~حرارة، ولقنتني وأنا بعد في نحو السابعة أن أسيء الظن ببلادي في حروبها التي أثارتها ~~في أرض الأفغان وعلى قبائل الزولو، وأما عن احتلال مصر، فلم تحدثني عنه إلا قليلا؛ لأنه ~~من فعل جلادستون الذي وقع من نفسها موقع الإعجاب، وإني لأذكر الآن نقاشا دار بيني وبين ~~مربيتي الألمانية التي قالت لي عندئذ: «إن الإنجليز ما داموا قد دخلوا مصر، فلن يخرجوا ~~منها مهما تكن وعودهم.» فرددت عليها في وطنية مشتعلة قائلا: «إن الإنجليز لم ينكثوا قط ~~وعدا.» دار هذا النقاش منذ ستين عاما، لكن الإنجليز ما زالوا هناك. (كتب رسل هذا عن نفسه ~~في يوليو 1943م.) # كانت مكتبة جدي هي غرفة دراستي وموجهة حياتي، فكان فيها من كتب التاريخ ما أثار ~~اهتمامي، لا سيما أن لأسرتي في التاريخ الإنجليزي مكانا ظاهرا منذ أوائل القرن السادس ~~عشر، ولقد درست التاريخ الإنجليزي على أنه صراع الشعب ضد الملك بغية الحصول على الحرية ~~الدستورية، وأحسست بإعجاب خاص نحو «وليم لورد رسل» الذي أعدم في حكم شارل الثاني، ~~ونتيجة هذه الدراسة في نفسي هي عقيدتي بأن الثورة - كائنة ما كانت - كثيرا ما تكون في ~~ذاتها حقيقة بالثناء. # وحدث حادث عظيم في حياتي عندما كنت في عامي الحادي عشر، وهو أني بدأت دراستي لإقليدس ~~الذي لم يزل عندئذ هو المتن المعترف به في دراسة الهندسة، وأحسست بشيء من خيبة الرجاء ~~حين وجدته يبدأ هندسته ببديهيات لا بد من التسليم بها بغير برهان، فلما تناسيت هذا الشعور، ~~وجدت في دراسته نشوة كبرى، حتى لقد ظلت الرياضة بقية أعوام الصبا تستوعب شطرا كبيرا جدا ~~من اهتمامي، وقد كان اهتماما قائما على ms007 أكثر من عنصر واحد ؛ فهو من ناحية لذة خالصة لما ~~استكشفته في نفسي من قدرة خاصة في الرياضة، وهو من ناحية أخرى نشوة لما لمسته من قوة في ~~استدلال النتائج من مقدماتها، ثم هو من ناحية ثالثة شعور بالاطمئنان إزاء ما في الرياضة ~~من يقين، لكن كان أهم من ذلك كله (وقد كنت لم أزل صبيا) أني آمنت بأن الطبيعة تعمل وفق ~~قوانين الرياضة، وأن الأفعال الإنسانية - كحركات الكواكب - يمكن حسابها في دقة إذا ما ~~أسعفتنا القدرة الكافية لذلك! فلما بلغت من عمري الخامسة عشرة انتهيت إلى نظرية شديدة ~~الشبه بنظرية الديكارتيين، إذ شعرت باعتقاد الواثق أن حركات الأجسام الحية إنما تنظمها ~~قوانين الديناميكا تنظيما تاما، وإذن فحرية الإرادة وهم الواهمين، لكنني وقد سلمت ~~بوجود الشعور الواعي عند الإنسان على أنه حقيقة قائمة لا شك في صدقها، لم أستطع أن أذهب مع ~~المادية مذاهبها، ولو أنني أحسست نحوها بعض الميل، لما فيها من بساطة تعليل، ولأنها تنبذ ~~«الكلام الفارغ» في تفسير الكون، وكنت عندئذ لا أزال على عقيدتي في وجود الله؛ لأن برهان ~~«العلة الأولى» قد بدا لي ممتنعا على الدحض. # هكذا لبثت حتى ذهبت إلى كيمبردج في سن الثامنة عشرة، وكنت قد عشت حياة معتزلة إلى حد ~~بعيد؛ ذلك أني نشأت في داري على أيدي مربيات ألمانيات، ومديرات الدار كن ألمانيات أو ~~سويسريات، ثم انتهى أمري بعد ذلك إلى مربين من الإنجليز، فلم أخالط الأطفال إلا قليلا، ~~وحتى إن خالطتهم وجدتهم لا يثيرون من نفسي اهتماما بأمرهم، حتى إذا ما كنت في عامي الرابع ~~عشر أو الخامس عشر، اهتممت بالدين اهتماما شديدا، وجعلت أقرأ مفكرا في البراهين التي ~~تقام على حرية إرادة الإنسان، وعلى خلوده، وعلى وجود الله، وقد كان يشرف على تربيتي ~~لبضعة أشهر أستاذ متشكك، فكنت أجد الفرصة سانحة لمناقشته في أمثال هذه المسائل، لكنه ~~طرد من عمله، ولعلهم طردوه لظنهم أنه يهدم لي أساس إيماني، فإذا استثنيت هذه الأشهر التي ~~قضيتها مع هذا الأستاذ وجدتني قد ms008 احتفظت بفكري لنفسي، أدونه في يوميات بأحرف يونانية، ~~حتى لا يقرأها سواي، لهذا كنت أشقى شقاء من الطبيعي أن يعانيه مراهق معتزل عن الناس، ~~وعزوت شقائي عندئذ إلى فقداني لإيماني الديني. # ظللت ثلاثة أعوام أفكر في الدين، معتزما ألا أدع أفكاري تتأثر بأهوائي، فانتهيت بفكري ~~أولا إلى عدم الإيمان بحرية الإرادة، ثم انتهيت إلى نبذ فكرة الخلود، لكنني ظللت على ~~عقيدتي في وجود الله، حتى أتممت عامي الثامن عشر، وعندئذ قرأت في الترجمة الذاتية التي ~~كتبها مل عن حياته، هذه العبارة: «لقد علمني أبي أن سؤالي: «من خلقني؟» ليس بذي جواب؛ ~~لأنه يثير على الفور سؤالا آخر: «ومن خلق الله؟»» وفي اللحظة التي قرأت فيها تلك ~~العبارة، استقر مني الرأي على أن برهان «العلة الأولى» على وجود الله برهان باطل. # أكثرت من القراءة في تلك الأعوام، لكنها لم تكن قراءة موجهة، ولذلك ذهب كثير منها بغير ~~جدوى، فقد قرأت مقدارا كبيرا من الشعر الرديء، وبخاصة شعر «تنسن» و«بايرون»، لكني ~~وقعت آخر الأمر، وأنا في السابعة عشرة من عمري، على «شلي» الذي لم يكن قد أنبأني به أحد، ~~فظل «شلي» لأعوام كثيرة هو الرجل الذي أحببت أكثر من أي رجل آخر بين عظماء الماضي، ~~ثم قرأت كثيرا ل «كارلايل»، وأعجبت بكتابه «الماضي والحاضر»، لكني لم أحب كتابه عن ~~«الملابس»، وأما الرجل الذي كدت أتفق معه في الرأي اتفاقا تاما فهو «مل»، وكان لكتبه ~~«الاقتصاد السياسي» و«الحرية» و«خضوع المرأة» أثر عميق في نفسي، وعلقت على كتابه في المنطق ~~تعليقا مفصلا، لكنني لم أستطع قبول رأيه بأن قضايا الرياضة تعميمات من التجربة، وإن ~~كنت لم أعرف ماذا يمكن لقضايا الرياضة أن تكون إذا لم يكن مصدرها التجربة. # حدث ذلك كله قبل ذهابي إلى كيمبردج، ولو استثنيت الثلاثة الأشهر التي كان يشرف علي ~~خلالها ذلك الأستاذ المتشكك الذي أسلفت ذكره، قلت إني لم أكن قد وجدت حتى ذلك الحين من ~~أعبر له عما يجول بخاطري من أفكار، وقد أخفيت شكوكي الدينية عن أهلي، ذلك ms009 أني قلت مرة لمن ~~كان في الدار إني مؤمن بالمذهب النفعي في الأخلاق، فقابلوني بعاصفة من السخرية حملتني على ~~أن أمسك عن التعبير عن فكري أمام أهلي. # فلما ذهبت إلى كيمبردج انفتح أمامي عالم جديد من نشوة ليس لها حدود؛ إذ وجدت للمرة ~~الأولى أنني إذا ما صرحت بفكري، صادف عند السامعين قبولا، أو كان عندهم - على الأقل - ~~جديرا بالنظر، كان «وايتهد» هو الذي اختبرني في امتحان الدخول، وقد ذكرني لكثيرين ممن ~~يكبرونني بعام أو بعامين، وكان من نتيجة ذلك أنه لم يمض أسبوع واحد، حتى التقيت بمن ~~أصبحوا بعد ذلك أصدقاء العمر كله، كان «وايتهد» عندئذ في الجامعة «زميلا» و«محاضرا». ~~وكان طيب القلب إلى حد يبعث على الدهشة، لكنه كان يكبرني بعدد كبير من السنين، بحيث لم ~~يكن مستطاعا أن أتخذ منه صديقا قريبا إلا بعد أن انقضت بضع سنين، والتقيت بكثيرين ~~ممن كانوا في مثل سني، يتميزون بقدرتهم العقلية وتحمسهم وأخذهم الأمور مأخذ ~~الجد، وكانوا يتناولون باهتمامهم أمورا كثيرة خارج نطاق عملهم الجامعي، فيولعون بالشعر ~~والفلسفة، ويناقشون السياسة والأخلاق، وشتى نواحي العالم الفكري، فكنا نجتمع أماسي أيام ~~السبت لندخل في مناقشات تطول حتى ساعة متأخرة من الليل، ثم نلتقي على إفطار متأخر صباح ~~الأحد، ثم نخرج معا للمشي بقية اليوم، فلم يكن الشبان الممتازون عندئذ قد اتخذوا لأنفسهم ~~وجهة النظر المشوبة بالعجرفة والتشاؤم كالتي انتابت زملاءهم بعد ذلك بأعوام، وشاعت في ~~كيمبردج على أنها البدع الجديد، وكان المسئول عن إشاعة هذه النظرة المتشائمة فيما بعد هو ~~«ليتن ستريتشي»، لا، لم يكن الشبان الممتازون في كيمبردج على عهدنا بهذا التشاؤم وهذه ~~العجرفة، بل نظروا إلى العالم نظرة الأمل، وبدا العالم في أعينهم بغير تشويه، واعتقدنا ~~جميعا اعتقاد الواثق بأن التقدم الذي ظفرت به الإنسانية إبان القرن التاسع عشر سيمضي في ~~طريقه قدما، وأنه في مستطاعنا نحن أن نضيف إلى ذلك التقدم قسطا جديدا له قيمته، لقد ~~كانت أياما سعيدة تلك الأيام، وما أظن الشبان الذين نشئوا منذ عام 1914م ms010 بقادرين على تصور ~~تلك السعادة كيف تكون. # كان «ماكتاجارت» بين أصدقائي في كيمبردج، وهو الفيلسوف الهيجلي، وكذلك كان من أصدقائي ~~«لويس دكنسن» الذي أحبه الجميع لدماثة خلقه، و«شارلز سانجر» عالم الرياضة الممتاز الذي ~~تحول بعدئذ إلى دراسة القانون، ثم أخوان شقيقان هما «كرومتن وثيودور ليوولن ديفز»، ~~وهما ابنا أحد رجال الدين، وأبوهما هذا هو أحد اثنين ترجما معا جمهورية أفلاطون ترجمة ~~معروفة، أعني ترجمة «ديفزوفون»، كان هذان الأخوان أصغر وأقدر أسرة أفرادها سبعة، كلهم ~~غاية في الامتياز، وكانت لهما قدرة نادرة على الصداقة، راغبان أشد الرغبة في أن يكونا ~~نافعين للعالم الذي يعيشان فيه، لا يباريهما أحد فطنة، غير أن أصغرهما «ثيودور» غرق في ~~الحمام، ولم يكن بعد قد جاوز المراحل الأولى من سيرة لامعة في خدمة الحكومة، إنني لم ~~أصادف قط رجلين لهما ما كان لذينك الأخوين من حب عميق في نفوس كثير من ~~الأصدقاء، كذلك كان بين من التقيت بهم كثيرا إخوة ثلاثة من أسرة «تريفليان» هم أبناء أخت ~~«ماكولي»، اشتغل أكبرهم بالسياسة عضوا في حزب العمال، لكنه استقال من حكومة العمال حين ~~قصرت في بلوغها من الاشتراكية المدى الذي يرضيه، وأما ثاني الإخوة الثلاثة فقد أصبح ~~شاعرا، نشر - بين كتب أخرى - ترجمة لشعر «لوكريتس» تدعو إلى الإعجاب، وظفر ثالثهم - جورج ~~- بالشهرة مؤرخا، وكان «جورج مور» يصغرني بأعوام قلائل، وقد كان له فيما بعد أبعد ~~الأثر في توجيه فلسفتي. # كانت مجموعة الأصدقاء الذين صحبتهم شديدة التأثر ب «ماكتاجارت»، الذي حملنا بفطنته على ~~دراسة الفلسفة الهيجلية، وقد علمني كيف أنظر إلى الفلسفة التجريبية الإنجليزية نظرة ترى ~~فيها فجاجة وسذاجة، وكنت أميل إلى العقيدة بأن هيجل (وكذلك «كانت» بدرجة أقل) يتصف بعمق ~~هيهات أن تجد له مثيلا في «لك» و«باركلي» و«هيوم» (أئمة الفلسفة الإنجليزية)، بل هيهات أن ~~تجد له مثيلا عند الرجل الذي كنت قد اتخذته لنفسي قبل ذلك إماما روحيا، وأعني به «مل»، ~~كنت في الثلاثة الأعوام الأولى من حياتي في كيمبردج أكثر شغلا بالرياضة من أن أجد فراغا ms011 ~~أقرأ فيه «كانت» أو «هيجل»، أما في السنة الرابعة، فقد انصرفت إلى الفلسفة باهتمامي، وكان ~~أساتذتي فيها هم «هنري سدجوك» و«جيمز وورد» و«ستاوت»، وكان «سدجوك» بين هؤلاء يمثل وجهة ~~النظر البريطانية في الفلسفة، وهي وجهة أظنني قد ألممت بها، وجمعت أطرافها، ولذلك لم يكن ~~له عندي من التقدير بادئ ذي بدء بمثل ما كان له عندي آخر الأمر، وأما «وورد» الذي أحببته ~~حبا شديدا، فقد شرح لي الفلسفة الكانتية شرحا مهد الطريق أمامي لدراسة «لوتزه» ~~و«سجفرت»، وأما «ستاوت» فقد كان عندئذ مشيدا ب «برادلي» ونبوغه، حتى لقد قال عنه حين أخرج ~~«برادلي» كتابه «المظهر والحقيقة» إنه قد عرض بكتابه هذا فلسفة الوجود عرضا لا يمكن ~~لإنسان من البشر أن يبزه فيه، وكان «ستاوت» و«ماكتاجارت» معا هما اللذان جعلاني ~~هيجلي النظر، وإني لأذكر لحظة ذات يوم من عام 1894م، حينما كنت سائرا في شارع «ترنتي ~~لين» رأيت فيها بلمحة واحدة من لمحات فكري (أو حسبتني قد رأيت) أن البرهان الوجودي على ~~حقيقة الله برهان سليم، فقد خرجت يومئذ لأشتري علبة تبغ، وبينا كنت في طريق عودتي، قذفت ~~بالعلبة فجأة إلى أعلى، وصحت وأنا ألقفها من الهواء قائلا: «الله أكبر! إن البرهان الوجودي ~~برهان سليم.» عندئذ أقبلت على قراءة برادلي بشغف عظيم، ونزل من نفسي منزلة لم ينزلها ~~فيلسوف سواه. # غادرت كيمبردج عام 1894م، وأنفقت بعد ذلك زمنا طويلا خارج بلادي، فلبضعة أشهر من عام ~~1894م اشتغلت ملحقا شرفيا في السفارة البريطانية بباريس، حيث كان من واجباتي أن أنسخ ~~الرسائل المطولة لإقناع الحكومة الفرنسية بأن جراد البحر (اللوبستر) ليس من فصيلة السمك، ~~وقد أجابت الحكومة الفرنسية بأنه كان من السمك في سنة 1713م، أي في السنة التي عقدت فيها ~~معاهدة «أوترخت»، لم أجد في نفسي رغبة في السلك السياسي، وتركت السفارة في ديسمبر سنة ~~1894م، وعندئذ تزوجت وقضيت الشطر الأكبر من سنة 1895م في برلين أدرس الاقتصاد والديمقراطية ~~الاشتراكية الألمانية، ولما كانت زوجة سفيرنا هناك ابنة عمي، فقد دعيت مع زوجتي إلى ms012 عشاء ~~في السفارة، لكن زوجتي ذكرت في الحديث أننا قد حضرنا اجتماعا اشتراكيا، فأغلقت السفارة ~~البريطانية بعدئذ من دوننا أبوابها، وكانت زوجتي أمريكية من مدينة فيلادلفيا، فقضينا في ~~أمريكا ثلاثة أشهر من عام 1896م، وزرنا أول ما زرنا هناك منزل الشاعر «وولت وتمان» في مدينة ~~كامدن من ولاية نيوجرسي، إذ كانت زوجتي تعرفه حق المعرفة، وكنت أنا معجبا به أشد الإعجاب، ~~إلا أن هذا الارتحال قد عاد علي بأكبر الفائدة؛ لأنه أبرأني من مرض النظرة الإقليمية الذي ~~أصابتني به كيمبردج، فقد أتيح لي بصفة خاصة أن أطلع على مؤلفات «فيشتراس» الذي لم ~~يذكره لي أبدا أحد من أساتذتي في كيمبردج، ثم استقر بنا المقام بعد هذا الارتحال في كوخ ~~لعامل في مقاطعة سسكس في إنجلترا، وقد أضفنا إلى الكوخ غرفة فسيحة للعمل، وكان لي عندئذ ~~من المال ما يكفيني، بحيث أعيش في ميسرة بغير حاجة إلى عمل أرتزق منه؛ ولذلك استطعت أن ~~أنصرف بفراغي كله إلى الفلسفة والرياضة، ما عدا الأماسي، إذ كنا نملؤها بقراءة التاريخ ~~قراءة مسموعة الصوت. # كانت لي بين عامي 1894م، 1898م عقيدة في إمكان البرهنة بالفلسفة الميتافيزيقية على ~~أشياء كثيرة تقال عن الكون، وهي أشياء أوهمني شعوري الديني عندئذ بأنها موضوعات هامة، ~~وانتهى بي قراري إلى أن أتجه بحياتي إلى الفلسفة، وقدمت رسالة أحصل بها على درجة «الزمالة»، ~~جعلت موضوعها أسس الهندسة، فصادفت الرضا عند «وورد» و«وايتهد»، ولو لم يثنيا عليها لكنت ~~غيرت اتجاهي إلى دراسة الاقتصاد التي بدأتها في برلين، فإني لأذكر ذات صباح إذ كنت سائرا ~~في متنزه «تير جارتن» في برلين كيف وضعت لنفسي خطة مقتضاها أن أكتب سلسلة من الكتب في ~~فلسفة العلوم، صاعدا بها صعودا متدرجا نحو ما هو أكثر تعينا، فأبدأ بتجريد الرياضة، ثم ~~أنتقل خطوة خطوة إلى غاية التعين في علم الحياة (البيولوجيا)، وكذلك رجوت عندئذ أن أكتب ~~سلسلة أخرى من الكتب أعالج بها المشكلات الاجتماعية والسياسية، بادئا هذه المرة بالعلوم ~~المتعينة منتهيا بما هو مجرد، ثم أقيم آخر ms013 الأمر بناء على غرار ما قد صنع هيجل، فأكتب ~~موسوعة أجمع فيها بين النظر والتطبيق، تلك خطة أوحى بها إلي هيجل، فلما انحرفت بفلسفتي ~~بعدئذ عن الاتجاه الهيجلي، بقي لي شيء من تلك الخطة الأولى، ألا ما كان أهمها لحظة، تلك ~~التي صممت لنفسي فيها ذلك البرنامج! وما أزال حتى الآن أحس بذاكرتي ضغطة قدمي على ~~الثلج الذائب، وأشم الأرض اللينة الرطبة التي كانت بشيرا بزوال الشتاء. # لقد حدثت لي خلال عام 1898م عدة أحداث جعلتني أنفض عن «كانت» وعن «هيجل» في آن معا؛ ~~من ذلك أني قرأت كتاب هيجل «المنطق الأكبر»، فكان رأيي فيه عندئذ - ولا يزال هو رأيي إلى ~~اليوم - أن كل ما قاله هيجل عن الرياضة كلام فارغ خرج من رأس مهوش، كذلك حدث في ذلك ~~العام ما جعلني أرفض براهين «برادلي» التي أراد بها أن ينفي التكثر في الأشياء لنفيه ~~وجود ما بينها من علاقات، كما رفضت كذلك الأسس المنطقية للمذهب الواحدي، وكرهت النظرة ~~الذاتية التي ينطوي عليها «الحس النقدي» في فلسفة كانت، ولولا تأثير «جورج مور» في تشكيل ~~وجهة نظري لفعلت هذه العوامل فعلها بخطوات أبطأ، فقد اجتاز «جورج مور» في حياته الفلسفية ~~نفس المرحلة الهيجلية التي اجتزتها، لكنها كانت عنده أقصر زمنا منها عندي، فكان هو ~~الإمام الرائد في الثورة، وتبعته في ثورته وفي نفسي شعور بالتحرر؛ لقد قال برادلي عن كل ~~شيء يؤمن به «الذوق الفطري» عند الناس إنه ليس سوى «ظواهر»، فجئنا نحن وعكسنا الوضع من ~~طرف إلى طرف، إذ قلنا إن كل ما يفترض «الذوق الفطري» عندنا بأنه حق فهو حق، ما دام ذلك ~~الذوق الفطري في إدراكه للشيء لم يتأثر بفلسفة أو لاهوت، وهكذا طفقنا - وفي أنفسنا ~~شعور الهارب من السجن - نؤمن بصدق الذوق الفطري فيما يدركه، فاستبحنا لأنفسنا أن نصف ~~الحشيش بأنه أخضر، وأن نقول عن الشمس والنجوم إنها موجودة، حتى لو لم يكن هناك العقل الذي ~~يعي وجودها، ولكن ذلك لم يمنعنا عندئذ من الاعتراف أيضا بوجود عالم ms014 من المثل الأفلاطونية ~~فيه كثرة، وليس يحده زمن، وهكذا تغير العالم أمام أعيننا، فبعد أن كان هزيلا مقيدا ~~بقواعد المنطق، انقلب فجأة ذا خصوبة وتنوع ومتانة، خذ الرياضة - مثلا - فلماذا لا تكون ~~صادقة في ذاتها صدقا كاملا دون أن نلجأ إلى حسبانها مجرد مرحلة فكرية تؤدي إلى ما ~~بعدها، ولا يكمل صدقها إلا بغيرها من المراحل؟ لقد عرضت جانبا من هذا الرأي في كتابي عن ~~«فلسفة ليبنتز»، وهو كتاب جاء وليد المصادفة؛ ذلك أن «ماكتاجارت» الذي كان مفروضا له أن ~~يحاضر عن ليبنتز في كيمبردج عام 1898م، رغب في السفر إلى نيوزيلانده لزيارة أسرته، فطلب ~~مني أن أحل محله في هذه المحاضرات، فكانت بالنسبة إلي مصادفة سعيدة. # وجاء عام 1900م، فكان أهم عام في حياتي الفكرية، وأهم ما حدث لي فيه زيارتي للمؤتمر ~~الدولي للفلسفة في باريس؛ فقد كانت تقلقني الأسس التي تقوم عليها الرياضة منذ اليوم الذي ~~بدأت فيه دراسة إقليدس، وعمري لم يزد على أحد عشر عاما، ولما أخذت بعد ذلك في قراءة ~~الفلسفة، لم أجد ما يرضيني عند «كانت» أو عند التجريبيين، فلم أطمئن لقول «كانت» عن ~~القضية الرياضية إنها قبلية تركيبية، ولا رضيت بما قاله التجريبيون من أن علم الحساب ~~مؤلف من تعميمات جاءتنا بها التجربة، وذهبت إلى ذلك المؤتمر في باريس، فتأثرت بما لمسته ~~خلال المناقشات من دقة عند «بيانو» وتلاميذه، وهي دقة لم أجدها في سواهم، فطلبت منه أن ~~يطلعني على مؤلفاته فاستجاب، ولم أكد أدرس فكرته دراسة شاملة، حتى رأيتها توسع نطاق ~~الدقة التي ألفناها في علوم الرياضة، بحيث تشمل موضوعات أخرى لبثت حتى ذلك الحين نهبا ~~للغموض الفلسفي! فأقمت بنائي على الأساس الذي وضعه «بيانو»، وأضفت من عندي فكرة ~~«العلاقات»، ولحسن حظي وجدت «وايتهد» راضيا عن منهج البحث الجديد، مدركا لأهميته، فلم ~~نلبث إلا قصيرا، حتى بدأنا نتعاون معا على تحليل موضوعات معينة؛ كتعريف التسلسل، ~~والأعداد الأصلية، والأعداد الترتيبية، ورد الحساب إلى أصول في المنطق، وقد أصبنا ~~التوفيق نجاحا سريعا بعد نجاح ms015 لمدة عام تقريبا، نعم كان «فريجه» قد أدى بالفعل كثيرا ~~مما عملناه، ولكننا في البداية لم يكن لنا بذلك علم، وقد كان نصيبي الذي أديته في كتاب «أسس ~~الرياضة» (البرنكبيا ماثماتكا) نتيجة عرضت لي بادئ الأمر عرضا، وذلك حين كنت ماضيا في ~~دحض «كانت». # في شهر يونيو من سنة 1901م انتهت هذه الفترة التي امتلأت بنشوة أشبهت النشوة في شهر ~~العسل؛ فقد كان «كانتور» أقام برهانا على أن الأعداد الأصلية لا تنتهي عند عدد يكون ~~بمثابة «العدد الأكبر»، الذي ليس بعده عدد أكبر منه، فطبقت هذا البرهان نفسه على أي ~~مدرك كلي، فانتهيت إلى تناقض قائم في المدرك الكلي، حين لا يكون هو نفسه أحد الأفراد ~~الجزئية المنطوية تحت معناه، وسرعان ما تبين لي أن هذا التناقض إن هو إلا واحد من مجموعة ~~متناقضات ليس لها نهاية ... جاهدت في إزالة هذه المتناقضات، وكنت أظن بادئ ذي بدء أن الأمر لا ~~يستعصي على الحل، لكن سرابا ضللني بعد سراب، فلم أتقدم نحو هدفي خطوة واحدة خلال عامين ~~كاملين (1903-1904م)، حتى إذا ما كان الربيع من سنة 1905م قامت في وجهي مشكلة جديدة ~~ألفيتها ممكنة الحل، فكان حلها بمثابة بصيص من نور، نحو أمل في التغلب على المشكلات ~~الأولى، أما هذه المشكلة الجديدة التي أنارت لي الطريق، فهي مشكلة العبارات الوصفية؛ إذ ~~أوحت إلي الطريقة التي حللتها بها بمنهج جديد. # لقد كنت أول أمري من أتباع المذهب الواقعي، وأنا أستعمل كلمة «الواقعية» هنا بالمعنى الذي ~~قصد إليه المدرسيون في العصور الوسطى بالنسبة إلى المذهب الأفلاطوني؛ إذ «الواقعية» بهذا ~~المعنى تذهب إلى أن الكلمة الكلية لها مسمى قائم بذاته إلى جانب الأفراد الجزئية التي ~~تنطوي تحت ذلك الكلي، أقول إني كنت أول أمري واقعيا بهذا المعنى، فظننت - مثلا - أن ~~الأعداد الأصلية (1، 2، 3 ... إلخ) أشياء موجودة وجودا قائما بذاته، وكل الفرق بين وجودها ~~ووجود سائر الأشياء التي نصادفها هو أن الأعداد وجودها غير مشروط بزمن، فلا يكون لها ماض ~~وحاضر ومستقبل، بل هي ثابتة ms016 الحقائق لا يتعاورها تغير الزمن، فلما هدانا التحليل إلى رد ~~الأعداد إلى فئات من فئات، لم تعد كائنات موجودة وجودا مستقلا كما حسبتها أول الأمر، ~~بل أصبح الموجود هو فئات من أشياء، أي إن الموجود فعلا هو المعدود لا العدد نفسه، وبينما ~~كنت في شغل من تحليل الأعداد، كان الفيلسوف النمساوي «مينونج» - الذي تابعت إنتاجه باهتمام ~~- يطبق براهين المذهب الواقعي (وكلمة الواقعية هنا أيضا مستخدمة بمعناها الأفلاطوني الذي ~~شاع بين مدرسيي العصور الوسطى) على كل عبارة وصفية، بحيث انتهى إلى القول بأن أي عبارة ~~فيها وصف لشيء، فلا بد أن نفترض لذلك الشيء وجودا مهما يكن نوع ذلك الوجود؛ لأنه لو لم ~~يكن موضوع الحديث موجودا لما أمكن التحدث عنه حديثا مفهوما، خذ مثلا عبارة مثل «جبل ~~الذهب غير موجود»، فهذه لا شك قضية صحيحة، وأساس صدقها هو أنه لا وجود لجبل من ذهب، لكن ~~النقطة الهامة هنا هي: كيف استطعنا أن نصف هذه العبارة بالصدق ما لم يكن موضوعها دالا على ~~شيء؟ إنه إذا لم يكن ذا دلالة لأصبحت عبارتنا غير ذات معنى، ولاستحال بالتالي أن نحكم ~~عليها بالصدق، من ذلك يستنتج «مينونج» أن «جبل الذهب» موجود، وإن لم يكن وجوده واقعا في ~~عالم الأشياء المحسوسة، وجوده ضمني، لكنه على كل حال وجود حقيقي، وهكذا قل في سائر ~~العبارات التي تتحدث عن موضوعات خيالية، فلم يقنعني هذا القول من «مينونج»، واشتدت بي ~~الرغبة في التخلص من هذا العالم الوهمي الذي خلقه «مينونج»، وملأه بصنوف الموجودات، فلما ~~تناولت الأمر بالبحث انتهيت إلى نظريتي في العبارات الوصفية، والمهم فيها هو أنها كشفت عن ~~حقيقة، وهي أننا إذا ما حللنا جملة ذات معنى، فلا يجوز لنا الافتراض بأنه ما دامت ~~الجملة في مجملها ذات معنى، فلا بد كذلك أن يكون لكل جزء من أجزائها معناه القائم ~~بذاته؛ فلفظتا «جبل الذهب» يمكن أن تكون جزءا من عبارة ذات معنى مفهوم، لكن ~~اللفظتين وحدهما مستقلتين عن عبارتهما لا يتحتم أن تكونا دالتين على شيء، ms017 وما لبثت ~~بعد ذلك أن تبينت أن الأسماء الكلية كلها، أعني الرموز الدالة على فئات، إن هي إلا ~~عبارات وصفية، وحكمها حكم تلك العبارات، في أن الكلمة منها تكون ذات معنى، وهي جزء من ~~جملة، لكنها لا تدل بذاتها على شيء إذا استقلت عن جملتها، وقامت بذاتها. # وأدت بي نظريتي في العبارة الوصفية إلى تناول مشكلة المدلول والمعنى - وهنا أريد أن تنصرف ~~كلمة «المدلول» للألفاظ المفردة، وكلمة «المعنى» للعبارات - وإنها لمشكلة معقدة، ~~فتناولتها بالبحث في كتابي «بحث في المدلول والصدق» (1940م)، وكان لا بد أن يسوقني البحث ~~إلى علم النفس، بل إلى علم وظائف الأعضاء؛ فإنني كلما ازددت تفكيرا فيها قل اعتقادي بأن ~~المنطق مستقل بذاته تمام الاستقلال، ولما كان المنطق - في رأيي - علما أبعد تقدما ~~وأكثر دقة من علم النفس، كان خيرا لنا بالبداهة أن نلجأ إلى المنطق في حل مشكلاتنا ما ~~استطعنا إلى ذلك سبيلا، وما أمكن بحثه بطرائق المنطق لا ينبغي أن نلجأ فيه إلى علم النفس ~~مثلا ... ها هنا أدركت أن «نصل أوكام» وسيلة منهجية مفيدة. # كان «نصل أوكام» في صورته الأولى ميتافيزيقيا؛ إذ كان مبدأ يراد به الاقتصاد في عدد ~~الكائنات، بمعنى أن كل كائن يمكن الاستغناء عن افتراض وجوده، فلا بد من بتره كأنما نبتر ~~الزائدة بنصل، كنت أنظر إلى «نصل أوكام» - وما زلت - أنظر إليه هذه النظرة أثناء اشتغالي ~~بكتاب «أسس الرياضة» (البرنكبيا ماثماتكا)؛ فعند أفلاطون أن الأعداد الأصلية (1، 2، 3، 4، ~~...) كائنات قائمة بذواتها، غير أنها كائنات لازمنية، وهي هكذا في كتاب «فريجه»؛ «أصول ~~الحساب»، فلما انتهى بي تحليل العدد إلى اعتباره فئة من فئات، ثم لما تبينت أن الرموز ~~الدالة على فئات إنما هي «رموز ناقصة» - أي إنها ليست بذات معنى في ذاتها، ولا يكون لها ~~مدلولها إلا إذا جاءت جزءا من عبارة - آمنت بأنه ليس ثمة ضرورة عقلية تحتم علينا أن ~~نجعل الأعداد الأصلية كائنات مستقلة بذواتها، ولم يكن برهاني قائما على شيء من ~~الميتافيزيقا، بل جعلت أساس البحث شيئا آخر، هو ما ms018 أسميه «بالألفاظ الأولية»، أعني الحد ~~الأدنى من الكلمات التي يمكن جعلها أساسا لكل علم من العلوم، وهي الكلمات التي لا ~~تغني فيها واحدة عن أخرى، ولا يمكن تعريف واحدة بواسطة أخرى، أضرب لذلك مثلا ما صنعه ~~«بيانو» حين أرجع لغة علم الحساب كلها إلى ألفاظ أولية ثلاثة، فجاء بعده «فريجه» كما ~~جاء كذلك كتابنا في أسس الرياضة (برنكبيا ماثماتكا)، وأوضحنا كيف أنه حتى هذه الألفاظ ~~الثلاثة لا ضرورة لافتراضها أساسا نقيم عليه بناء العلوم الرياضية، إذ يمكن ردها ~~وتحليلها إلى الألفاظ الأولية اللازمة لبناء علم المنطق، وبهذا تصبح الرياضة استمرارا ~~للمنطق، ويكون كلاهما قائما على مجموعة واحدة معينة من الألفاظ الأولية، هي التي لا بد ~~منها للسير في قضايا المنطق أولا، فقضايا الرياضة بعد ذلك، وهكذا ترى استغناءنا عن افتراض ~~وجود الأعداد ككائنات قائمة بذواتها، وردها إلى ألفاظ أولية مستخدمة في علم المنطق، ~~ترى كل ذلك قائما على تحليل منطقي لا شأن له بالميتافيزيقا ومجالها. ~~••• # إنك لو استثنيت ما كتبته في المنطق الرياضي، جاز لك القول بصفة عامة بأن سائر كتبي لا ~~تمثل وجهة نظري تمثيلا كاملا؛ فنظرية المعرفة - مثلا - التي عنيت بها عناية كبرى، ~~فيها ما يدل على أساس ذاتي بدرجة لم يكن منها بد؛ لأن السؤال الذي طرحته لأجيب عنه هو: ~~«كيف عرفت أنا ما أعرفه؟» وإذن فنظرية المعرفة لا مفر لها من أن تجعل نقطة ابتدائها هي ~~الخبرة الذاتية، خبرتي أنا، ماذا أدرك من خبراتي الباطنية الذاتية، بل إن هذا الجانب ~~الذاتي من نظرية المعرفة لا يقتصر على نقطة البداية وحدها، بل يجاوزها فيشمل الخطوات ~~الأولى من طريق البحث في الموضوع؛ لأن تلك الخطوات الأولى هي أيضا منحصرة في الذات ~~العارفة، ولما كنت فيما أخرجته من مؤلفات لم أجاوز حتى الآن ببحثي تلك المراحل الأولى ~~من عملية المعرفة، فقد بدوت أمام القراء أكثر ذاتية من حقيقة موقفي، فلست أنا بالفيلسوف ~~المثالي الذي يجعل الحقيقة محصورة كلها في الذات العارفة، ولا أنا بواحد ممن يذهبون ~~مذهب انحصار الذات ms019 في نفسها، بحيث لا يكون أمام الإنسان سبيل إلى الخروج عن ذاته إلى حيث ~~العالم الخارجي، بل إني مؤمن بعالم الفيزيقا إيماني بعالم النفس، ومن الأمور التي أراها ~~واضحة بذاتها أن معرفتي تبدأ بخبرتي، والخبرة حالة ذاتية باطنية، وكل ما ليس في حدود خبرتي ~~المباشرة لا سبيل إلى العلم به إلا عن طريق الاستدلال، ويظهر لي أن الفلاسفة - خشية منهم ~~أن يقعوا في مأزق انحصار الذات في نفسها - لم يواجهوا مشكلة المعرفة الإنسانية مواجهة ~~جادة، فتراهم إما تركوا المبادئ الضرورية لعملية الاستدلال، غامضة بحاجة إلى توضيح، أو ~~أنكروا الفارق الذي يميز المعرفة المستمدة من الخبرة المباشرة من المعرفة المستمدة ~~بالاستدلال، فإذا ما أتيح لي الفراغ الذي يمكنني من الاضطلاع ببحث جاد في مشكلة ~~فلسفية، فسيكون موضوعي هو هذه المحاولة في سبيل تحليل العملية الاستدلالية التي تبدأ من ~~طرف الخبرة الذاتية، وتخرج منها إلى عالم الفيزيقا، مفترضا الصدق في تلك الاستدلالات، ثم ~~أبحث عن المبادئ التي بمقتضاها تكون استدلالاتنا من خبراتنا الذاتية إلى الطبيعة الخارجية ~~صادقة، قد يكون الحكم بصدق المبادئ المتضمنة في عملية الاستدلال أمرا مرهونا بالهوى، ~~لكن الذي لا شأن له بأهوائنا، والذي لا بد لنا من قبوله، هو ضرورة الأخذ بهذه المبادئ ~~الاستدلالية إذا أردنا ألا ينحصر وجودنا في حدود ذواتنا وخبراتها المباشرة. # وأنتقل الآن إلى ذكر ما حاولت أداءه في المشكلات الاجتماعية، فلقد نشأت في محيط سياسي، ~~وكان كبار أسرتي يريدون لي أن أسير في حياتي سيرة سياسية، غير أن الفلسفة استثارت من ~~اهتمامي أكثر مما فعلت السياسة، ولما تبين لي في وضوح أن في نفسي استعدادا لها، قررت أن ~~أجعلها مشغلتي الرئيسية في الحياة، وقد آلم جدي هذا الاتجاه مني، حتى لقد أشار وهو يحدثني ~~ذات يوم إلى بحثي في أسس الهندسة بقوله في استخفاف: «هذه الحياة التي عشتها حتى الآن!» ~~كأنما يريد أن يقول لي: هذه الحياة التي أضعتها سدى، ثم أضاف إلى ذلك قائلا في صوت ~~المتحسر: «أوه يا «برتي»، أصحيح ما سمعته أنك ms020 تكتب كتابا آخر؟!» ومهما يكن من أمر ~~انصرافي إلى الفلسفة ، فقد لبث في نفسي أثر قوي يميل إلى السياسة أيضا، فلما كنت في ~~برلين عام 1895م درست الديمقراطية الاشتراكية الألمانية التي أحببتها لمناهضتها للقيصر، ~~لكني كذلك كرهتها؛ لأنها - عندئذ - كانت تمثل الماركسية على أصولها، وظللت حينا متأثرا ~~ب «سدني وب» في ميلي إلى النزعة الاستعمارية إلى الحد الذي جعلني أناصر حرب البوير، ~~لكنني أقلعت عن هذه الاتجاه إقلاعا تاما سنة 1901م، ومنذ ذلك التاريخ لم أفتأ أحس ~~كراهية شديدة نحو استخدام القوة في العلاقات البشرية، ولو أني كنت أسلم دائما بضرورة ~~استخدام القوة أحيانا، وجدت في سنة 1903م أن انقلب «جوزف تشمبرلين» عدوا لحرية التجارة، ~~فانطلقت أهاجمه بالكتابة والخطابة، واستندت في معارضتي إياه إلى ما يستند إليه كل داعية ~~إلى التعاون الدولي، وكان لي نصيب فعال في الحركة التي أرادت للمرأة حق الانتخاب، ولما فرغت ~~من كتابي «أسس الرياضة» سنة 1910م، رغبت في دخول البرلمان، وكنت وشيك تحقيق هذه الرغبة، ~~لولا أن علمت لجنة الترشيح عني حرية التفكير فأعرضت. # وجاءت الحرب العالمية الأولى، فوجهت اهتمامي وجهة جديدة، إذ استغرقتني مشكلة الحروب، ~~واجتنابها في المستقبل، فكتبت في ذلك وما أشبهه مؤلفات وسعت من نطاق شهرتي في جمهور ~~القارئين، كان أملي والحرب ناشبة أن تجيء معاهدة السلم ضامنة لاجتناب حروب عظمى في ~~المستقبل، لكن معاهدة فرساي خيبت أملي، وراح كثيرون من أصدقائي يعقدون آمالهم على روسيا ~~السوفيتية، لكنني حين زرتها سنة 1920م لم أجد بها شيئا جديرا بحبي أو حقيقا ~~بإعجابي. # ودعيت إلى الصين، فلبثت فيها نحو عام، وقد أحببت أهل الصين، ولو أني تبينت أن كثيرا من ~~أفضل جوانب حضارتهم سيصيبه الفساد بسبب تأهبهم لمقاومة التيارات الحربية المعادية، فكأنما ~~لم يعد أمامهم - فيما يظهر - إلا أحد أمرين؛ فإما أن يتركوا أنفسهم نهبا للغزاة، وإما أن ~~يسلحوا أنفسهم بسيئات أعدائهم؛ ليتمكنوا من مقاومتهم بمثل أخلاقهم، وعلى كل حال فقد ~~أفادتني الصين فائدة كبيرة، وهي فائدة لا بد أن يفيدها الشرق لكل من ms021 يدرسونه من الأوروبيين ~~دراسة فيها عطف وحساسية، ذلك أن الصين قد علمتني كيف أفكر تفكيرا يمتد ليشمل مسافات بعيدة ~~من الزمن، وألا أدع الحاضر بسيئاته باعثا على اليأس، ولولا هذا الدرس الذي تعلمته في ~~الصين، لما احتملت العشرين عاما الماضية بما فيها من مآس على نحو ما احتملتها. # وخلال السنوات التي أعقبت عودتي من الصين، ولد لي الولدان الأولان، فكانا سببا في ~~اهتمامي بالتربية في المراحل الأولى، ولبثت فترة أختص التربية بمعظم جهدي، وقد ظن الناس ~~أني لا بد مناصر للحرية الكاملة في المدارس، لكن ذلك الظن - كظنهم بأني داع إلى الفوضى - ~~خطأ في تصوير وجهة نظري؛ إذ إني أرى أنه لا غنى لنا عن قدر معين من القسر في تربية النشء، ~~كما أنه لا غنى لنا عن مثل ذلك في الحكم، ولو أني أرى إلى جانب ذلك أن في مستطاعنا أن ~~نهتدي إلى طرائق تربوية يكون من شأنها التقليل من ذلك القسر الضروري، ولهذه المشكلة ~~نواحيها السياسية أيضا، فالقاعدة العامة بالنسبة للأطفال والراشدين على السواء، هي أن ~~الناعمين في حياة سعيدة يغلب عليهم أن يكونوا أقل ميلا إلى النزعات الهدامة، ولهذا فهم ~~أقل احتياجا إلى الضوابط عمن هم لا ينعمون بمثل تعمليهم، لكني مع ذلك لا أظن أن الأطفال ~~يسعدون بحرمانهم من الهداية، كما أني لا أعتقد في إمكان ولاء الأفراد لمجتمعهم إذا نحن ~~أرسلنا حبلهم على الغارب، إن تعويد الناشئ على النظام أمر لا نزاع فيه، لكن المشكلة هي إلى ~~أي حد يجوز ذلك؛ لأن الإسراف في الشدة قد يأتي بعكس المطلوب؛ إذ إن إحباط الغرائز ~~الطبيعية في الطفل لا بد منته به إلى تذمر من العالم وضيق به، وهذا بدوره كثيرا ما ~~ينتهي إلى العنف والقسوة؛ فقد كان مما استرعى انتباهي إبان الحرب 1914-1918م أمر صعقت ~~له، هو ما لاحظته أول الأمر من أن معظم الناس في نشوة نفسية بسبب قيام الحرب! وواضح أن ~~ذلك نتيجة علل كثيرة بعضها تربوي، نعم إن في وسع الوالدين أن يؤديا ms022 شيئا كثيرا ~~لوليدهما، لكن التربية على نطاق واسع ينبغي أن تكون من عمل الدولة، وبالتالي لا بد أن ~~تسبقها إصلاحات في السياسة والاقتصاد، ومهما يكن من أمر، فقد رأيت العالم عندئذ يسير ~~رويدا نحو الحرب ونحو الدكتاتورية، ووجدت أنني لا أملك أن أعمل عملا يفيد، فأسرعت الخطى ~~عائدا إلى حظيرة الفلسفة وتاريخ الفكر. # | فلسفته # (1) رسل في تيار عصره # التجريبية هي طابع الفلسفة الإنجليزية في شتى مراحلها، فهكذا كانت عند «بيكن» في ~~القرن السادس عشر، وهكذا كانت عند «لك» في القرن السابع عشر، وهكذا كانت عند «هيوم» ~~في القرن الثامن عشر، وهكذا كانت عند «مل» في القرن التاسع عشر، وهكذا هي اليوم عند ~~«رسل» في القرن العشرين، فهؤلاء جميعا عمادهم الأول هو الخبرة المباشرة يدركونها في ~~أنفسهم، وهو المعطيات الحسية تتلقاها حواسهم من ظواهر الطبيعة الخارجية مرئية ~~ومسموعة وملموسة ... إلخ، فإن ركب الإنسان لنفسه بعد ذلك صورة عن العالم، جعل ~~المعطيات الحسية قوامها والخبرة المباشرة لحمتها وسداها، والأمر بعد ذلك بحاجة ~~إلى تحليل نرى به كيف يرتد علمنا بأنفسنا وبالعالم إلى خبراتنا وحاضراتنا الحسية، ~~وفي هذا التحليل وضروبه يكون اختلاف السبل بين هؤلاء الفلاسفة التجريبيين الذين يلتقون ~~عند نقطة الابتداء. # على أن في هذه الصورة إسرافا في التبسيط، فإنما أردت بها قبل كل شيء أن أبرز ~~العلاقة التي تربط «برتراند رسل» بأسلافه من مواطنيه، وأن أبين في وضوح كيف جاء ~~فيلسوفنا حلقة من سلسلة تتابعت حلقاتها على تشابه بينها في الصورة العامة، وإن اختلفت ~~في تفصيلاتها اختلافا بعيدا، غير أن ظهور هؤلاء الأعلام متتابعين على مر القرون في ~~مجرى الفكر التجريبي في إنجلترا لم يمنع ظهور موجات من الفلسفة المثالية حينا بعد حين، ~~بل قد بلغت تلك الموجات المثالية أحيانا من الشدة في الفكر الإنجليزي، بحيث خيل ~~للدارس أنها قد طغت على ما عداها، فأغرقته إلى غير رجعة، لكنها كانت لا تلبث طويلا، ~~حتى يتصدى لها واحد من هؤلاء الفلاسفة التجريبيين، فما يزال بها مقاومة، حتى تنحسر ~~ويعود للفكر الإنجليزي مجراه ms023 الأصيل. # ولنضرب لهذه الموجات من الفلسفة المثالية كيف تطغى على الفكر الإنجليزي حينا لتعود ~~فتنحسر عنه ، موجتين طغتا على فترتين متواليتين إبان القرن التاسع عشر؛ أما أولاهما ~~فقد جاءت أوائل القرن على أيدي نفر من الشعراء والكتاب الذين أعجبتهم المثالية ~~الألمانية متمثلة في «كانت» و«هيجل» فراحوا ينقلونها تلخيصا وتعليقا في شعرهم ونثرهم، ~~ومن هؤلاء «كولردج» و«كارلايل»، وإذا أردنا أن نضم الفكر الأمريكي الإنجليزي في حركة ~~واحدة، قلنا إن «إمرسن» قام في أمريكا بنفس الدور الذي قام به «كولردج» و«كارلايل» في ~~إنجلترا من حيث إشاعة المثالية الألمانية في المجال الفكري، لكن لم يلبث هذا الغزو ~~الفكري أن تصدى له «جون ستيوارت مل» بفكره التجريبي، فأرجع التقاليد الإنجليزية إلى ~~تيار الفلسفة كما كانت على يدي «لك» و«هيوم»، ومن أبرز أعماله في هذا السبيل كتابه ~~في «المنطق»، وكتابه في المذهب المنفعي في الأخلاق. # لكن المثالية الألمانية عادت في أواخر القرن التاسع عشر إلى غزوة جديدة للفكر ~~الإنجليزي، وكانت غزوتها هذه المرة أشد توفيقا وأرسخ جذورا؛ لأنها هذه المرة لم ~~تجعل أداتها نفرا من الشعراء والكتاب غير المختصين بالدراسات الفلسفية، بل جعلت أداتها ~~هذه المرة أساتذة الفلسفة في جامعة أكسفورد: «جرين» و«برادلي» و«كيرد» و«بوزانكت»؛ ~~اتجه هؤلاء جميعا نحو المثالية المطلقة في فلسفاتهم، حتى لتسمى هذه الحركة الفكرية ~~إلى يومنا هذا باسم «مدرسة أكسفورد» في التاريخ الفلسفي المعاصر، والذي يقرب من ~~المعاصر، كما تسمى أحيانا باسم «الهيجلية الإنجليزية»؛ لأن فلسفة هيجل كانت أقوى ~~سطوعا في مؤلفات هؤلاء الأساتذة من أن تخطئها العين العابرة، على أن «كانت» كان له ~~كذلك في تلك الحركة أثره العميق، وما دمنا قد ضممنا الفكر الأمريكي إلى الفكر ~~الإنجليزي في الغزوة الألمانية الأولى، وقلنا إن «إمرسن» كان وسيلتها، فكذلك اجتمعت ~~أمريكا إلى إنجلترا في حركة فكرية واحدة هذه المرة أيضا، وكان من أبرز من عاونوا ~~الفلسفة المثالية الألمانية على الانتشار في غزوتها الثانية هو «جوزيا رويس» الذي كان ~~عندئذ أستاذا للفلسفة في جامعة هارفارد. # ولهاتين الغزوتين الفكريتين الألمانيتين اللتين تعاقبتا على ms024 الفلسفة الإنجليزية ~~في القرن التاسع عشر؛ أما أولاهما فقد منيت بفشل سريع ذريع على يدي «مل»، وأما ~~ثانيتهما فكانت فتحا إلى جانب كونها غزوا؛ لأنها دامت واستقرت واعتصمت بحصن فكري ~~حصين هو جامعة أكسفورد، أقول إن لهاتين الغزوتين شبها في تاريخ إنجلترا، لفت ~~الأنظار إليه الأستاذ «ه. ه. برايس» في محاضرة ألقاها في أكسفورد في شهر يوليو سنة 1947م، # 1 # فازدادت الفكرة بهذا التشابه وضوحا في الأذهان، إذ تعاقبت على إنجلترا ~~غزوتان جرمانيتان بعد انحلال المدينة الرومانية في بريطانيا، وكان بين الغزوتين ~~فترة مداها خمسون عاما أو ستون، أما أولاهما فقد أصابت البلاد بتلف سريع، لكنها لم ~~تلبث أن تصدى لها بطل من أبطال الفرسان هو «آرثر» فصد عن البلاد تلك الغزوة قبل أن ~~تثبت على الأرض أقدامها، لكن لم تمض بعد ذلك بضع عشرات من السنين، حتى جاءت غزوة ~~جرمانية أخرى كانت أكثر نجاحا وأدوم بقاء ... و«مل» هو بمثابة «آثر» في صد الهجمة ~~الألمانية الأولى، وأساتذة أكسفورد هم الذين مكنوا للهجمة الثانية من البقاء. # سادت الفلسفة المثالية المطلقة في إنجلترا (وأمريكا) حتى سنة 1920م، وكان لا بد لمنطق ~~التاريخ أن يغير مجرى الحوادث ليعود إلى الفلسفة الإنجليزية طابعها التجريبي مرة أخرى، ~~لم يكن مما يتفق وطبائع الأشياء أن يظهر في إنجلترا - معقل الفكر التجريبي - فيلسوف ~~مثل «برادلي» ويخرج كتابيه المشهورين في «أصول المنطق» و«المظهر والحقيقة» ليقول - ~~كما قال هيجل - إن العقل وحده مستعينا بمنطق فكره يستطيع أن ينبئنا عن العالم شيئا ~~كثيرا دون حاجة منا إلى الحواس وإدراكها، بل يذهب في كتاب «المظهر والحقيقة» إلى أن ~~الفاحص المدقق يرى ظواهر الكون كما تدركها الحواس متناقضة، وإذن فلا بد أن تكون ~~وهما، وأما الكون على حقيقته - إذا كان حتما أن يتسق مع نفسه اتساقا منطقيا - فلا ~~مندوحة لنا عن وصفه بخصائص أخرى غير الخصائص التي تدركها الحواس؛ فالكون على حقيقته ~~يستحيل أن يكون محصورا في مكان أو محدودا بزمان، كما يستحيل أن يكون قوامه هذه الكثرة ~~من الأشياء يرتبط بعضها ms025 ببعض بعلاقات، بل يستحيل أن يكون هنالك حتى هذه التثنية التي ~~نزعمها بين الذات العارفة والشيء المعروف؛ فما الكون - في أيه - إلا حقيقة واحدة ~~مطلقة لا تجزؤ فيها ولا فواصل ولا حدود. # أقول إنه لم يكن مما يتفق وطبائع الأشياء أن يظهر في إنجلترا فيلسوف مثالي مثل ~~«برادلي» ليذهب هذا المذهب، وكان لا بد من رجعة للفكر الإنجليزي إلى سابق تياره ~~التجريبي؛ لذلك أخذت بوادر القلق تبدو في كتابات مدرسة جديدة واقعية سيكتب لها الظهور ~~والتفوق في الحلقة الثالثة من القرن العشرين، بعد أن تعمل عوامل الهدم عملها في الفلسفة ~~المثالية التي رسخت بجذورها في الأرض منذ سنة 1880م، والتي كان قيامها على أرض ~~إنجليزية نشازا يدعو إلى القلق، فنشر «جورج مور» سنة 1903م بحثه المشهور «دحض المذهب المثالي»، # 2 # وأخرج رسل سنة 1912م كتابه «مشكلات الفلسفة»، # 3 # وفي 1914م كتابه «علمنا بالعالم الخارجي»، # 4 # كما نشر آخرون هجمات أخرى على الفلسفة المثالية، مثل «برتشارد» في كتابه ~~الذي ينقد فيه نظرية المعرفة عند «كانت»، # 5 # ولم نقل شيئا عن تيارات أخرى أخذت تحفر حفرا عميقا تحت الأسس التي يقوم ~~عليها بناء المذهب المثالي، كالتحليلات الرياضية والمنطقية التي قام بها رسل في كتابه ~~«أصول الرياضة»، # 6 # الذي أصدره سنة 1903م، وفي كتابه الذي اشترك معه فيه «هوايتهد» وهو «أسس الرياضة»، # 7 # الذي فرغ رسل من قسطه فيه سنة 1910م، وهي تحليلات كانت بعيدة المدى، عميقة ~~الأثر، ولم تكن سريعة النتائج في هدم الفلسفة المثالية، وكذلك لم نقل شيئا عن الاتجاه ~~البراجماتي في أمريكا، على أيدي «بيرس» و«وليم جيمس» كيف كان كالمعاول الهادمة للمثالية ~~السائدة في العقدين الأولين من القرن العشرين. # هذه الثورة على الفلسفة المثالية قد جاءت إلى هؤلاء الثائرين على درجات؛ فليس منهم ~~واحد لم يبدأ حياته الفلسفية مغمورا بالمثالية الكانتية أو الهيجلية، ثم أخذت تعمل في ~~نفسه العوامل الدافعة إلى رفضها، فثار عليها جميعا أو على بعضها، حتى إذا ما جاء عام ~~1920م كان الاتجاه الغالب بشكل قاطع جازم ms026 نحو واقعية جديدة، هي التي تتمثل في ~~برتراند رسل إلى حد كبير، ولما كان عدد كبير من أنصارها من أساتذة كيمبردج، سميت ~~المدرسة أحيانا «بمدرسة كيمبردج» ليتم التقابل بينها وبين «مدرسة أكسفورد» في الفلسفة؛ ~~إذ كانت أكسفورد - كما أسلفنا لك القول - مركزا للفلسفة المثالية، فقامت تناهضها ~~كيمبردج مركزا للفلسفة الواقعية التحليلية، ولقد أسلفنا لك في الفصل الأول ما رواه ~~«رسل» عن نفسه في خطوات تطوره الفكري؛ فمن ذلك قوله: «لقد حدثت لي خلال عام 1898م عدة ~~أحداث جعلتني أنفض عن «كانت» وعن «هيجل» في آن معا ... ولولا «تأثير جورج مور» في ~~تشكيل وجهة نظري لفعلت هذه العوامل فعلها بخطوات أبطأ؛ فقد اجتاز «مور» في حياته ~~الفلسفية نفس المرحلة الهيجلية التي اجتزتها، ولكنها كانت عنده أقصر زمنا منها عندي، ~~فكان هو الإمام الرائد في الثورة، وتبعته في ثورته وفي نفسي شعور بالتحرر؛ لقد قال ~~«برادلي» عن كل شيء يؤمن به «الذوق الفطري» عند الناس إنه ليس سوى «ظواهر»، فجئنا نحن ~~وعكسنا الوضع من طرف إلى طرف؛ إذ قلنا إن كل ما يفترض «الذوق الفطري» عندنا بأنه حق ~~فهو حق، ما دام ذلك «الذوق الفطري» في إدراكه للشيء لم يتأثر بفلسفة أو لاهوت، وهكذا ~~طفقنا - وفي أنفسنا شعور الهارب من السجن - نؤمن بصدق «الذوق الفطري» فيما يدركه، ~~فاستبحنا لأنفسنا أن نصف الحشيش بأنه أخضر، وأن نقول عن الشمس والنجوم إنها موجودة، حتى ~~لو لم يكن هناك العقل الذي يعي وجودها.» # وكتب للواقعية الجديدة أن تسود في إنجلترا سيادة مطلقة مدى عشرة أعوام - من 1920م ~~إلى 1930م - وبعدئذ جاورتها حركة أخرى تولدت عنها، هي حركة «الوضعية المنطقية». # ونستطيع أن نجمل المعالم البارزة في اتجاهات الفلسفة الواقعية الجديدة في ثلاث نقط ~~أو أربع؛ فهي أولا حركة تنصرف باهتمامها الأكبر إلى نظرية المعرفة بدل الميتافيزيقا، ~~إلى الإنسان كيف يعرف ما يعرفه، فلئن كان الفلاسفة الميتافيزيقيون السابقون لهم يعنون ~~بإقامة بناءات فلسفية متسقة يحاول البناء الواحد منها أن يشمل الكون كله بمن فيه ~~وما فيه، كأنه ms027 حقيقة واحدة بغير تجزئة ولا فواصل؛ فقد جاء هؤلاء الواقعيون الجدد ~~يفتتون المشكلات الفلسفية ليعالجوها واحدة بعد واحدة، دون أن يعنوا في كثير أو ~~قليل بأن تكون هذه المشكلات أو لا تكون أجزاء من مسألة واحدة كبرى، ومن هذه المشكلات ~~الجزئية، بل في مقدمتها وعلى رأسها، مشكلة المعرفة الإنسانية كيف تكون. # وأهم ما تتصف به نظرية المعرفة عندهم هو بعدها عن الذاتية بقدر المستطاع؛ فأنا حين ~~أعرف شيئا عن العالم الخارجي، فإنما أكشف عن شيء موجود فعلا خارج ذاتي، كان موجودا ~~قبل معرفتي إياه، وسيظل موجودا بعدها، ولم تغير معرفتي تلك من حقيقة الشيء المعروف؛ ~~لأنه كائن مستقل عن العقل الذي يعرفه، وإن غيرت معرفتي لذلك الشيء شيئا، فإنما غيرت ~~من نفسي أنا، لا من ذلك الشيء الخارجي الذي عرفته، وقد غيرت من نفسي حين نقلتها من ~~حالة جهل إلى حالة علم، المعرفة كشف عما هناك، وليست هي بعملية من الخلق المنطقي الذي ~~يتم تركيبه داخل عقلي بغض النظر عما هو كائن خارج العقل؛ كما يذهب المثاليون. # إنني لأكاد أوقن أن قارئ هذه الخلاصة سيبتسم لنفسه متسائلا: كيف يحتاج الأمر إلى ~~مدرسة فكرية جديدة تنهض وتجاهد، وعلى رأسها أعلام مثل «جورج مور» و«برتراند رسل» ~~وغيرهما، لتقول: إنني إذا أدركت وجود هذه الشجرة التي أمامي، فلأن هنالك خارج ذاتي ~~شجرة، وأن تلك الشجرة في واقعها الخارجي لا تتأثر بإدراكي إياها، كيف يمكن أن يحتاج ~~الأمر في ذلك إلى تحليل وتعليل وهجوم ودفاع، والأمر كله لا يتطلب أكثر من الإدراك ~~الفطري لنقول فيه هذا القول؛ فرجل الشارع في سذاجته يعلم - ولا يتطرق إلى علمه في ذلك ~~شك - بهذا الذي جاءت الواقعية الجديدة لتقرره بعد جهاد وثورة ... والقارئ المتعجب ~~بمثل هذه الأسئلة إنما يضع إصبعه على محور المدرسة الواقعية الجديدة، وهو أن ما يدركه ~~الإنسان بذوقه الفطري أساس للحق، فلو رأينا الذوق الفطري يقول شيئا، والفلسفة أو ~~اللاهوت تقول شيئا آخر، فالصادق هو الذوق الفطري، ومن هنا جازت تسمية هذه الفلسفة ~~الواقعية الجديدة ms028 بفلسفة «الذوق الفطري» (أو «الإدراك الفطري» أو «الفهم المشترك» أو ~~«الحس المشترك» أو ما شئت من ترجمة للعبارة الإنجليزية # Common ~~Sense ~~). # ولا بد لمثل هذا القارئ المستنكر المتعجب أن يذكر لنفسه أن هذا الذي يظنه ~~إدراكا فطريا لا يجوز فيه الجدل، هو بعينه الذي يتصدى لإنكاره المثاليون على كافة ~~مدارسهم؛ فالمدارس المثالية كلها مجمعة على أن الشيء المعروف ليس مستقلا عن العقل ~~العارف، وفي رأيهم أن العالم في حقيقته هو هذا الذي يعرفه الإنسان عنه بعقله لا الذي ~~يدركه من ظواهره بحسه، حتى «كانت» الذي هو من أكثر المثاليين اعتدالا وبعدا عن ~~التطرف في مثاليته، يجعل العالم صنيعة العقل ومقولاته إلى حد كبير. # إذن فنظرية المعرفة والرأي فيها والاهتمام بها هي من أهم ما يميز المدرسة الواقعية ~~الجديدة، لكن هذا الطابع فيها يستلزم مميزا آخر، هو رأيها في معيار الصدق، فمتى يجوز ~~لنا أن نقول عن عبارة إنها صادقة، سواء كان ذلك في العلم أو في الحياة اليومية؟ # كان المثاليون يأخذون بمعيار «الاتساق» أساسا لصدق العبارة، أعني أن تكون العبارة ~~على «اتساق» مع غيرها مما يقال، بحيث لا يكون ثمة تناقض فيما نقوله عن الكون؛ خذ ~~الهندسة - مثلا - لتوضح لك فكرة المثاليين، فعلى أي أساس نحكم على نظرية هندسية من ~~نظريات إقليدس بأنها صواب؟ الجواب هو: تكون النظرية صوابا لو اتسقت مع سائر النظريات، ~~ومع سائر الفروض والتعريفات والمسلمات، بحيث تجيء نتيجة محتومة لما سبقها ومقدمة ~~ضرورية لما بعدها، وإذا كان بين أجزاء البناء الهندسي مثل هذا «الاتساق» كان بناء ~~صحيحا، وكان كل جزء منه صادقا، وهكذا قل في مجموعة العبارات التي نصف بها الكون؛ ~~فهي صادقة إذا تكاملت في بناء بين أجزائه اتساق لا يسمح للواحدة أن تناقض الأخرى ... ~~وإذا نحن أخذنا بهذا المعيار في صدق العلم والفلسفة، وشتى ما ننطق به عن أنفسنا وعن ~~العالم الخارجي، نتج إمكان أن يوصد الإنسان دون نفسه أبواب غرفته، ويظل ينسج من ~~فكره أقوالا مختلفة عن العالم، لا يتحرى فيها شيئا سوى ms029 أن يتسق بعضها مع بعض، حتى ~~إذا ما تكامل له منها بناء شامل، تقدم به على أنه وصف للكون ... هذا ما يعمله الرياضيون ~~حين ينشئون نظرياتهم في الرياضة، وهذا ما يعمله الميتافيزيقيون حين يقيمون بناءاتهم ~~الفلسفية، وهذا ما يريدنا المثاليون على اصطناعه كلما أردنا تفكيرا سليما. # أما المدرسة الواقعية الجديدة، فترى في معيار الصدق رأيا آخر يتفق ورأيها في عملية ~~اكتساب المعرفة، فما دام الشيء الذي أعرفه موجودا خارج ذاتي، وكل ما أفعله إزاءه هو أن ~~أكشف عنه، ثم أضع ما عرفته عنه في عبارة أو عبارات فلا بد - لكي تكون تلك العبارة أو ~~العبارات صادقة - أن يكون ثمة «تطابق» بين الوصف والموصوف؛ معيارهم في الصدق هو ~~«التطابق» بين القول والموضوع الذي قيل فيه ذلك القول، وليس حتما أن تكون مجموعة ~~الأقوال التي أقولها عن العالم مما يكمل بعضه بعضا في بناء واحد؛ إذ قد لا يكون في ~~العالم هذه «الواحدية»، بل قد يكون - كما هو رأي الواقعيين فيه - قوامه كثرة متجاورة، ~~أو متعاقبة من أشياء أو من حوادث. # وصفة ثالثة يتميز بها المذهب الواقعي الجديد هي اهتمام أصحابه بالعلوم، وبصفة خاصة ~~اهتمامهم بعلم الطبيعة والرياضة؛ فكثيرون منهم أولئك الذين اشتغلوا بالفلسفة بعد ~~دراستهم لعلم الطبيعة أو للرياضة دراسة تخصص، وعلى كل حال فليس المقصود باهتمام الفلسفة ~~المعاصرة بالعلوم وبالرياضة أنها تسعى إلى ما يسعى إليه العلم من جمع الحقائق واستدلال ~~القوانين، بل المقصود هو أنها تأخذ من العلم مبادئه وطرائقه ومدركاته الكلية، فلئن ~~كان العلم يسعى إلى تصنيف الحقائق في مجموعات مستعينا في ذلك بالقوانين العلمية، فهذه ~~القوانين العلمية نفسها هي بمثابة المادة الخامة للفلسفة، ولكن بأي معنى؟ بمعنى أن ~~الفيلسوف المعاصر يجعل فلسفته تحليلا للعلوم في مبادئها وقوانينها، فإذا كان المبدأ ~~الذي منه يبتدئ علم ما طريق سيره هو «س»، فمهمة الفيلسوف هي أن يحفر الأرض تحت «س» ~~هذه ليرى على أي العناصر الأولية ترتكز، خذ لذلك مثلا تحليل برتراند رسل للعدد؛ فعلم ~~الحساب يبدأ سيره من سلسلة ms030 الأعداد: صفر، واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة ... إلخ، من هذه ~~الأعداد يجري عملياته جمعا وطرحا وضربا وقسمة ... إلخ، لكن ليس من شأن علم الحساب أن ~~يحلل هذه الأعداد ذواتها، ترى هل تكون سلسلة الأعداد مفروضة علينا فرضا كنقطة ابتداء ~~أم ترانا إذا ما حللناها ألفيناها ترتد إلى أوليات سابقة عليها في عملية التفكير؟ ~~لكي يجيب «رسل» عن هذا السؤال، غاص في تحليلات (ستكون موضوع الفصل التالي من هذا ~~الكتاب)، وانتهى إلى نتيجة هي أن العدد فكرة مركبة، عناصرها هي الفئات من الأشياء التي ~~يمثلها كل عدد على حدة؛ فمثلا في العالم مجموعات من أشياء قوام كل مجموعة منها ~~سبعة أعضاء، كأيام الأسبوع، والسماوات السبع، وهذه المقاعد السبعة التي في غرفتي إلى ~~آخر هذه المجموعات المسبعة الأعضاء في أنحاء العالم كله، ونريد أن نرمز إلى هذه ~~الفئات المسبعة باسم واحد؛ لنضمها كلها في مجموعة واحدة، أو في فئة واحدة؛ لما ~~بينها من شبه يجمعها، وهو كون كل واحدة منها متطابقة في عدد أفرادها مع سائرها، فإذا ~~أطلقت عليها رمز «7» كان تحليل هذا الرمز في حقيقيته هو أنه رمز دال على فئة من ~~فئات، أي مجموعة من مجموعات أشياء بينها تشابه في وجه من الوجوه ... إذن فالعدد الذي ~~يبدأ عنده علم الحساب ليس في ذاته فكرة أولية بسيطة، بل سبقته فكرة «الفئة» التي يكون ~~بين أفرادها تشابه يبرر وضعها في مجموعة واحدة، ولما كانت فكرة «الفئات» من بين ~~الأفكار الرئيسية في علم المنطق، كان علم الحساب - وكانت الرياضة كلها - نابتة من ~~جذور ضاربة فيما وراء الحساب والرياضة؛ إذ تمتد إلى أوليات المنطق. # هذه التحليلات وأشباهها في أصول الرياضة والعلم الطبيعي هي ما نعنيه حين نقول إن ~~فلاسفة الواقعية الحديثة يهتمون بالعلوم والرياضة، وينصرفون بمجهودهم إلى تحليل ~~أصولها، وبهذا المعنى ينبغي أن نفهم ما قلناه من أن مبادئ الرياضة وقوانين العلوم هي ~~المادة الخامة للفلسفة وتحليلاتها، حتى لقد صح القول بأن الفلسفة لم تعد شيئا سوى ~~المنطق التحليلي. # وهذا الاتجاه التحليلي في الفلسفة المعاصرة ms031 يسلمنا إلى صفة رابعة تتميز بها هذه ~~الفلسفة، وهي وضوح الأسلوب والتخلص من الزخارف اللغوية التي هي من خصائص العقل ~~المهوش، ولا أظنني أجاوز الصواب إذا زعمت بأن الفلاسفة المثاليين يجعلون غموض ~~العبارة شرطا للعمق الفلسفي؛ إذ كيف تكون - في رأيهم - عميق الفكر دون أن تكون صعب ~~الفهم معقد الأسلوب غامض العبارة؟ أما أصحاب الفلسفة التحليلية المعاصرة، فلا يسمحون ~~لأنفسهم بذكر كلمة واحدة بغير تحديد معناها، ولا بذكر عبارة واحدة لا تتسم بالوضوح، ~~بل بالنصوع الذي لا يدع عند القارئ مجالا للتخبط والضلال في تلمس المعنى المراد، كان ~~محالا عليهم أن يجعلوا مهمة الفلسفة الأساسية تحليلا وتوضيحا لقضايا العلوم دون أن ~~يبدءوا بأنفسهم، فلا يكتبون إلا ما هو بين واضح، وليس أدل على وضوح الكتابة ~~الفلسفية في كل ما أنتجه الفلاسفة على مر القرون، من فيلسوفنا «برتراند رسل». # هذا المنهج التحليلي نفسه، وهذه الكتابة التحليلية الواضحة التي تحدد معانيها ~~تحديدا لا يدع سبيلا إلى غموض أو التواء، هما نقطة الابتداء التي تفرعت عندها ~~مدرسة جديدة تولدت عن الفلسفة الواقعية، وقد جعلت تلك المدرسة الجديدة التحليل ~~والتحديد والتوضيح غايتها الأولى والأخيرة التي لم تعد - في رأيها - للفلسفة غاية ~~سواها، وإنما أعني بها مدرسة الوضعية المنطقية، فهي «وضعية»؛ لأنها ترفض الميتافيزيقا، ~~وهي «منطقية»؛ لأن رفضها للميتافيزيقا قائم على تحليل العبارات الميتافيزيقية نفسها ~~لبيان خلوها من المعنى، فهي - إذن - لا ترفض «ما وراء الطبيعة» على أساس مذهبي، ~~بمعنى إحلال مذهب محل مذهب، بل ترفضها على أساس منطقي، ما دامت عباراتها لا تتوافر ~~فيها شروط الكلام المقبول التي من أهمها أن تكون العبارة مما يمكن تحقيقه للتثبت من ~~صوابه أو خطئه. # وليس هذا مكان الاستطراد في تفصيلات «الوضعية المنطقية»، وحسبنا منها في هذا الموضع ~~أن نقول إن رجالها الأولين كانوا من تلاميذ برتراند رسل في كيمبردج، والحركة كلها ~~نتيجة متأخرة لما كان رسل قد قام به منذ ثلاثين عاما من تحليلات منطقية، و«رسل» هو ~~الذي قدم بمقدمة طويلة لكتاب لدفج فتجنشتين «رسالة في الفلسفة ms032 والمنطق»، # 8 # وهو كتاب يعد بمثابة الإنجيل للوضعية المنطقية، ولما مات «فتجنشتين» (29 ~~أبريل 1951م في كيمبردج) كتب عنه برتراند رسل # 9 # يقول: ~~«لما التقيت لقاء التعارف بفتجنشتين أخبرني أنه معتزم أن يكون مهندسا، وذهب إلى ~~مانشستر، وهذا الهدف نصب عينيه، غير أنه خلال دراسته للهندسة أغرم بالرياضة، ثم ~~خلال دراسته للرياضة أغرم بأصول الرياضة، وسأل الناس في مانشستر - كما أنبأني - إن ~~كان ثمة موضوع كهذا، وإذا كان قد تناوله بالدرس واحد من العلماء، فأجابوه بأن مثل ~~هذا الموضوع قائم، وأنه يستطيع أن يزداد بالأمر علما إذا هو زارني في كيمبردج، وهكذا ~~فعل ... (وأخذ في الدراسة معي) وسرعان ما تقدم في المنطق الرياضي بخطى واسعة، ولم يلبث ~~أن ألم بكل ما كان عندي من علم أستطيع تعليمه إياه، وأظنه لم يكن حينئذ يعرف ~~«فريجه» معرفة شخصية، لكنه قرأه وأعجب به إعجابا شديدا، ولم أعد أراه بطبيعة الحال ~~خلال حرب 1914-1918م، لكنني تلقيت منه خطابا بعد الهدنة بقليل، كتبه من «مونت كاسينو» ~~أخبرني فيه أنه وقع في الأسر، وكان معه - لحسن الحظ - مخطوطه (الذي هو كتابه «رسالة ~~في الفلسفة والمنطق») فاستخدمت كل ما أملك من قوة لأحمل الحكومة الإيطالية على إطلاق ~~سراحه من الأسر، ثم التقيت به في لاهاي، حيث ناقشنا كتابه «رسالة ...» سطرا سطرا ~~...» # هذه «الوضعية المنطقية» التي جاءت فرعا عن «الواقعية الجديدة»، ونتيجة متأخرة ~~للتحليلات المنطقية التي قام بها رسل في كتابيه «أصول الرياضة» و«أسس الرياضة»، هي في ~~الحقيقة مزيج من تجريبية ومنطق رياضي، فأهم ما أنتجته هذه المدرسة الجديدة هو - في ~~اعتقادي - هذا الكشف التحليلي الرائع الذي ثبت أساس الفلسفة التجريبية إلى الأبد، ~~وأعني به الكشف عن طبيعة الرياضة والمنطق بواسطة تحليل قضاياهما؛ ذلك أن أكبر مشكلة ~~كانت تقف في وجه التجريبيين هي هذه: إذا قلنا إن العلم أساسه التجربة الحسية، فبماذا ~~نعلل يقين الرياضة والمنطق مع أن قضايا هذين العلمين لا تأتي عن طريق الحواس؟ ~~فالنتيجة التي انتهت إليها «الوضعية المنطقية» في ذلك هي أنه بتحليل قضايا ms033 هذين ~~العلمين تبين أنها جميعا تحصيل حاصل، ولا تقول شيئا جديدا، فالقضية في الرياضة - ~~مثل قولنا 2 + 2 = 4 هي قضية «تكرارية»، وليست قضية «إخبارية»، إنها تكرر شيئا ~~واحدا في لفظين، وإنما اتفقنا على أن يكون اللفظان أو الرمزان بمعنى واحد بحكم ~~تعريفنا لهما، كقولك مثلا إستانبول هي القسطنطينية، والصديق هو أبو بكر، فمصدر ~~اليقين في الرياضة هو أنها لا «تخبرنا» بجديد، وإذن فلم يعد هنالك ما يبرر الاحتجاج ~~بالرياضة، ويقينها على الفيلسوف التجريبي الذي يقول إن مصدر كل علم جديد هو الحواس، ~~وبالخبرة الحسية وحدها يكون حكمنا على الكلام الذي ينطق به الناس بالصدق أو بالكذب، ~~والنتيجة النهائية التي ينتهي إليها «الوضعيون المنطقيون» هي أنه إذا لم تكن العبارة ~~التي أمامك «إخبارية» تعتمد في خبرها على الحواس، ولم تكن «تكرارية» - كما في الرياضة ~~- تحصل حاصلا، ولا تضيف علما جديدا، إذن فهي كلام فارغ من المعنى، وهذا هو ما ~~قصد إليه هيوم في عبارته التي ذكرها، في ختام كتابه «بحث في العقل البشري»: «إذا ~~تناولنا بأيدينا كتابا كائنا ما كان، في اللاهوت أو في الميتافيزيقا المدرسية مثلا، ~~فلنسأل أنفسنا: هل يحتوي هذا الكتاب على شيء من التدليل المجرد فيما يختص بالكمية ~~والعدد؟ كلا، هل يحتوي على شيء من التدليل التجريبي فيما يختص بأمور الواقع والوجود؟ ~~كلا! إذن فألق به في النار؛ لأنه عندئذ يستحيل أن يحتوي على شيء سوى سفسطة ~~ووهم.» # تيار الفكر الفلسفي المعاصر - إذن - يمكن تلخيصه في هذه العبارة الآتية: موجة ~~مثالية من فلسفة «كانت» وفلسفة «هيجل» سيطرت على إنجلترا (وأمريكا) منذ سنة 1880م إلى ~~1920م، فثورة واقعية أخذت تفعل فعلها في مقاومة تلك الموجة المثالية منذ بداية القرن ~~العشرين، حتى إذا ما كان عام 1920م كانت لها السيادة، وعلى رأس هذه الثورة «رسل» ~~و«مور»، وأضرابهما من فلاسفة «مدرسة كيمبردج»، وعن هذه «الواقعية الجديدة»، ومنهجها ~~التحليلي تفرعت شعبة أطلقت على نفسها اسم «الوضعية المنطقية»، استمدت بدايتها ~~وهدايتها من المنهج التحليلي الذي استخدمه فلاسفة «الواقعية الجديدة»، وإن تكن قد ms034 ~~استقلت وحدها بنتائج - كإنكار الميتافيزيقا - قد لا يوافقها عليها رجال «الواقعية ~~الجديدة»، ومنهم «رسل». # على أن هاتين الجماعتين: جماعة الواقعية وجماعة الوضعية المنطقية - ومنهما يتألف ~~تيار الفكر المعاصر في إنجلترا وأمريكا بوجه عام - إن اختلفتا في بعض النواحي، فلا شك ~~أنهما متفقان على روح واحدة في البحث، هي التي يمكن أن نصف بها الفلسفة المعاصرة، ~~وهي التحليل المنطقي لكثير جدا مما كان يسمى فيما مضى «بالمشكلات الفلسفية»، بحيث ~~تبين أن تلك «المشكلات» الكبرى لم تكن في حقيقة أمرها إلا غموضا في العبارات ~~اللغوية التي صيغت فيها تلك «المشكلات»، ويكفي أن تصب ضوءا تحليليا على ~~التركيب اللغوي لتلك العبارات لتنحل «المشكلات»، أو قل لتتبخر في الهواء، نعم إن ~~رجال الفلسفة التحليلية المعاصرة لا ينتهون بتحليلاتهم هذه إلى «بناءات» فلسفية ~~شامخة تبهر العيون، وتفتن الألباب كبناءات الفلاسفة الميتافزيقيين من أمثال أفلاطون ~~وسبينوزا وهيجل، لكنهم في نتائجهم «المتواضعة» أقرب جدا إلى العلماء من حيث الصلابة ~~والتعاون الذي يجعل الواحد منهم مكملا للآخر ومضيفا إليه، هذا إلى النتيجة البالغة ~~الخطورة التي انتهوا إليها في تحليل الرياضة مما أزال المشكلة الكبرى في المعرفة ~~الإنسانية: لماذا تكون تلك المعرفة يقينا في الرياضة، واحتمالا في العلوم الطبيعية؛ ~~فلقد شهد تاريخ الفلسفة اتجاهين رئيسيين قسما الفلاسفة مجموعتين مختلفتين: أما ~~أولهما فاتجاه رياضي بمعنى الرياضة عند فيثاغورس، وهو المعنى الذي تكون فيه الرياضة ~~ضربا من المعرفة قريبا من التصوف، يبلغ اليقين، ولا يستخدم الحواس في سبيله إلى ذلك ~~اليقين، وتلك هي الفلسفة المثالية التي تنسج من العقل فلسفاتها متسقة الأجزاء في ~~بناءات متكاملة على نحو ما يخرج الرياضي - كإقليدس مثلا - بناء نظرياته ~~الرياضية، وأما ثاني الاتجاهين فهو طبيعي تجريبي، يلتفت إلى الطبيعة الخارجية، ويجعل ~~تجربة الحواس وسيلة العلم، وأما الفلسفة التحليلية المعاصرة، فقد أفلحت في استخراج ~~العنصر الفيثاغوري من أصول الرياضة، وفي بيان أن الرياضة تحصيلات حاصل، وبذلك يزول ~~الألغاز في يقين نتائجها بالنسبة إلى العلوم الطبيعية، وما تنتهي إليه من نتائج تتفاوت ~~في درجات احتمالها وقربها من اليقين ms035 دون أن تبلغ قط ذلك اليقين الكامل، وبهذه ~~التفرقة الواضحة بين «القضية التكرارية» في الرياضة و«القضية الإخبارية» في العلوم ~~الطبيعية استقامت نظرية المعرفة على أيدي رجال التحليل المعاصرين «فالمدرسة التجريبية ~~التحليلية الحديثة ... تختلف عن تجريبية «لك» و«باركلي» و«هيوم» بكونها أولا أدمجت ~~الرياضة (مع العلوم الطبيعية) في بناء واحد، وبأنها ثانيا طورت في منهج البحث أداة ~~منطقية قوية، وبهذا استطاعت أن تعالج عددا معينا من المشكلات، فتقدم لها حلولا ~~محدودة عليها من طابع العلم أكثر مما عليها من طابع الفلسفة، ومن مميزاتها إذا ~~قارناها بالفلسفات التي أقام بها أصحابها «بناءات» متسقة الأجزاء، أنها استطاعت أن ~~تتناول مشكلاتها واحدة بعد واحدة، بدل أن تخلق بجرة واحدة من القلم نظرية شاهقة عن ~~الكون بأسره، إنني لا أشك أبدا في أنه إذا كانت المعرفة الفلسفية في حدود المستطاع، ~~فلا يكون ذلك إلا بأمثال هذه المناهج، كذلك لا شك عندي في أنه بفضل هذه المناهج قد ~~اهتدينا إلى حل كثير من المشكلات القديمة حلا نهائيا». # 10 ~~(2) الفلسفة الرياضية # 11 # سنقوق إلى القارئ في هذا الفصل شرحا لتحليل «العدد» عند «رسل» لنضع به أمامه نموذجا ~~مصغرا لما يقوم به فيلسوفنا من تحليلات في فلسفة الرياضة؛ إذ يتعذر أن نجعل فصلا ~~واحدا من كتاب صغير شاملا لكل ما قام به الفيلسوف في هذا الباب. # على أننا لا بد أن نقدم للموضوع بمقدمة موجزة نشرح بها للقارئ المعنى المقصود ~~«بفلسفة العلم» رياضة كان ذلك العلم، أو أي فرع شئت من سائر العلوم، فالكتاب العلمي ~~- كائنا ما كان موضوعه - إنما يتألف من عبارات كلامية وصيغ رمزية، أكثرها مما نطلق ~~عليه اسم «اللغة الشيئية»، # 12 # ونحن نعني بهذا الاسم مجموعة الرموز - من الألفاظ وغيرها - التي نصف بها ~~الأشياء الواقعة وصفا مباشرا، كأن أقول عن شعاع معين من الضوء إنه ساقط على مرآة ~~معينة، وإن زاوية السقوط تساوي زاوية الانعكاس. # ونقول إن الكثرة الغالبة من العبارات والصيغ الرمزية في كتاب علمي مؤلفة من «لغة ~~شيئية»؛ لأن رجال العلوم يستخدمون الألفاظ وما ms036 إليها من رموز ليقرروا بها أحكاما عن ~~الأشياء الواقعة، لكنك مع ذلك قد تجد في الكتاب العلمي - إلى جانب العبارات الشيئية - ~~طائفة أخرى من العبارات لا يراد بها أن تصف الأشياء وصفا مباشرا، بل يراد بها أن ~~تتحدث عن غيرها من ألفاظ وعبارات مما ورد في الكتاب العلمي نفسه أو في غيره؛ مثال ~~ذلك أن يبين المؤلف بأن العبارة «س» والعبارة «ص» متناقضتان، أو أن الواحدة منهما ~~نتيجة تلزم عن الأخرى أو ما أشبه ذلك، فها هنا لا يحدثنا المؤلف عن «الأشياء» نفسها ~~التي هي موضوع العلم الذي نكون بصدده، بل يحصر حديثه في «مدركات» ذلك العلم، أو إن ~~شئت فقل إنه ها هنا يتحدث عن «اللفظ» المستخدم في وصف الأشياء ليبين مضموناته، أو ما ~~يقوم بين أجزائه من علاقات وهكذا، وأمثال هذه العبارات التي تتحدث عن سواها - لا عن ~~الأشياء الخارجية مباشرة - تسمى «باللغة الشارحة» # 13 ~~- أو اللغة التي تتحدث عن لغة - تمييزا لها من «اللغة الشيئية» التي سبقت ~~الإشارة إليها؛ فالعبارات الشيئية في الكتاب العلمي هي التي تعبر عن النظرية العلمية ~~التي يريد العالم أن يتقدم بها، وأما العبارات الشارحة للعبارات الشيئية، فليست جزءا ~~من تلك النظرية العلمية ذاتها، بل هي تنتمي إلى ميدان آخر غير ميدان العلم نفسه؛ إذ ~~تنتمي إلى ما نسميه بفلسفة ذلك العلم، وبالطبع لا تكون أي عبارة تقال عن عبارة أخرى ~~فلسفة علمية، لكن العكس صحيح، أي إن كل جزء من فلسفة العلم هو جملة شارحة لجملة أخرى. # 14 # وبتطبيق ذلك على الرياضة يكون الفرق بين الرياضة وفلسفتها هو أن الرياضة تستخدم ~~رموزا وعلامات، مثل الأعداد وأحرف الهجاء والعلامات الدالة على الجمع والطرح والضرب ~~والقسمة والتساوي وما إلى ذلك، ثم تركب من تلك الرموز والعلامات صيغات ومعادلات دون أن ~~تقف عند هذه الرموز والعلامات نفسها بالتحليل؛ بعبارة أخرى هي التي تستخدم الرموز ~~والعلامات المعروفة مادة لحديثها، لكنها لا تصب الحديث على الرموز والعلامات ذواتها، ~~فتقول الرياضة - مثلا - إن «1 + 0 = 1»، لكنها تستبعد من ms037 مجالها تحليل معاني الواحد ~~والصفر والزيادة والتساوي، فإذا ما تناول باحث هذه الرموز ببحثه، وجعلها هي نفسها ~~موضوع حديثه، كان قوله «فلسفة رياضية». # ونضع هذا المعنى في عبارة أخرى، فنقول إننا إذا ما بدأنا السير من رموز الرياضة ~~المألوفة كان أمامنا أحد اتجاهين للسير، فإما أن نتجه من نقطة البداية إلى أعلى، أو ~~أن نتجه منها إلى أسفل، أو إن شئت فقل إننا إما أن نجعل سيرنا إلى أمام، أو أن نجعله ~~إلى وراء، أما ما نسميه عادة «بالرياضة»، فهو سير إلى أمام، أو هو بناء إلى أعلى، ~~أي إننا نمضي من الأعداد وغيرها من العلامات نحو عمليات تركيبية من جمع وطرح إلخ، ثم ~~نظل نمضي في عمليات تزداد تعقيدا وتركيبا كلما علونا في سلم الدراسة الرياضية، ~~وأما الاتجاه الثاني فهو سير من الأعداد وغيرها من العلامات إلى ما وراءها؛ إذ نحللها ~~إلى عناصر أبسط منها، فنجد أنها رغم كونها نقطة ابتداء في الرياضة إلا أنها هي نفسها ~~نتيجة لعمليات فكرية سابقة لها، فهذا الاتجاه الثاني هو بمثابة الحفر تحت تلك البدايات ~~لنهتدي إلى أسسها الأولى، وهذا هو ما نسميه بفلسفة الرياضة. # 15 # والأعداد هي نقطة الابتداء في دراسة الرياضة، عندها يبدأ الطفل دراسته، حتى ليخيل ~~إلينا أنها - كما تبدو في ظاهر أمرها - أبسط المدركات الرياضية، بمعنى أنها الأساس ~~الأول الذي لا تسبقه خطوة أخرى، مع أنها في الحقيقة على درجة بعيدة من التركيب، ولا ~~يظهر ذلك فيها إلا بعد تحليل طويل دقيق، كالذي قام به كثيرون من علماء الرياضة والمنطق ~~المحدثين، وعلى رأسهم «رسل»، الذين أظهروا بتحليلاتهم أن فكرة العدد لا تأتي إلا بعد ~~أن تسبقها خطوات عقلية أبسط منها، ثم بينوا أن هذه الخطوات العقلية السابقة إنما ~~تقع كلها في مجال المنطق، وإذن فالخطوة الأولى من التفكير الرياضي إن هي إلا مرحلة ~~متقدمة من شوط فكري يبدأ مع الأصول الأولى للمنطق، وبهذا تكون الرياضة في حقيقة أمرها ~~استمرارا للمنطق. # فإذا لم يكن العدد بهذه البساطة التي تبدو، وإذا ms038 كان في حقيقة أمره مركبا من ~~عناصر كثيرة أبسط تأتي في الفكر سابقة عليه، فلماذا - إذن - نتخذه في تعليم الناشئ ~~نقطة ابتداء؟ يجيب عن ذلك «رسل» في فاتحة كتابه «مدخل إلى الفلسفة الرياضية» # 16 # بقوله إنه كما أن أيسر الأجسام إدراكا هي تلك التي لا تكون شديدة القرب، ~~ولا تكون شديدة البعد، وهي أيضا تلك التي لا تكون شديدة الصغر ولا شديدة الكبر، ~~فكذلك أيسر الأفكار العقلية إدراكا هي التي لا تكون شديدة التركيب ولا شديدة التبسيط، ~~وهذه الشروط متوافرة في العدد؛ فلا هو شديد البساطة، ولا هو شديد التركيب، بحيث يتعذر ~~إدراكه على الناشئ الصغير، ولذلك يسهل عليه فهمه كنقطة ابتداء يمضي بعدها إلى دراسة ~~التركيبات الرياضية، ثم إذا أراد بعد اكتمال نضجه الرياضي أن يفلسف الرياضة، مضى في ~~سيره وراء العدد ليكشف عن العناصر البسيطة التي منها يتألف ويتركب. # إننا قد ألفنا العدد في دراستنا وفي حياتنا اليومية إلفا يخدعنا، بحيث نظن أنه كان ~~بهذه السهولة من الفهم والإدراك عند الإنسان الأول كما هو عندنا اليوم، لكن الإنسان ~~الأول لا بد أن يكون قد سلخ من التاريخ دهرا طويلا قبل أن يدرك أن هنالك تشابها ~~بين عصفورتين ويومين، بحيث يستخدم رمزا واحدا هو العدد «2» ليرمز به إلى هذا ~~الجانب الذي تتشابه فيه العصفورتان واليومان! # 17 # ولا بد كذلك أن يكون الإنسان الأول قد قضى شطرا كبيرا من دهره - حتى ~~بعد إدراكه للأعداد التي يعد بها الأشياء - قبل أن يدرك أن «الواحد» عدد كسائر ~~الأعداد ودع عنك هذا العسر الشديد الذي لا بد أن يكون الإنسان قد صادفه قبل أن يعلم ~~أيضا أن «الصفر» هو الآخر حلقة من سلسلة الأعداد، ولعلك لا تدري أنه لا اليونان ~~القدماء ولا الرومان قد عرفوه، فكانت الأعداد عندهم - كما هي عند كثير جدا من الناس ~~في يومنا هذا - تبدأ من «1»، وذلك على اعتبار أن الصفر لا يعد شيئا، وجاء إدراك ~~السفر متأخرا جدا في التاريخ، حتى لترجع نشأته إلى العرب. # فما هو العدد؟ ms039 يقول «رسل» إنه سؤال طالما ألقاه السائلون، ولكنه لم يجد الجواب الصحيح ~~إلا في زماننا هذا، وكان أول من قدم الجواب الصحيح هو «فريجه» # Frege # سنة 1884م، غير أن تعريف «فريجه» للعدد ظل مجهولا حتى جاء ~~«رسل»، فكشف للناس عنه سنة 1901م. # 18 # ويجمل بنا قبل أن نخوض في تعريف العدد، أن نقول كلمة مختصرة في المقصود «بالتعريف» ~~في الرياضة. # يقول «رسل» في كتابه «أصول الرياضة» # 19 # إنه إذا كانت لدينا مجموعة معينة من مدركات، ثم كان لدينا حد معين ~~يراد تعريفه بواسطة تلك المجموعة من المدركات، فإن ذلك التعريف يكون ممكنا في حالة ~~واحدة فقط، وهي أن يكون ذلك الحد المراد تعريفه مرتبطا ببعض تلك المدركات ارتباطا ~~يتفرد به دون أي حد آخر، ويمكن شرح هذا الذي يقوله «رسل» في تعريف الحدود الرياضية ~~على الوجه الآتي: افرض أننا قد بدأنا فسلمنا بأننا نعرف معاني مجموعة من الألفاظ هي: ~~«أ، ب، ج، د»، ثم افرض أننا قد أردنا أن نعرف رمزا مجهولا هو «س» بواسطة تلك ~~الرموز المعلومة لنا، فإن تعريفنا للرمز «س» يكون كاملا من الوجهة المنطقية لو أننا ~~حللنا «س» إلى بعض تلك العناصر، كأن نقول مثلا إن معنى «س» هو «أ ج» بشرط ألا يعني ~~هذان العنصران (أعني أ ج) إلا هذا الحد وحده (أي الحد «س») فلا يكون هناك حد آخر ~~غير «س» يقال عنه أيضا إنه مساو للعنصرين «أ ج». # هذا هو التعريف في الرياضة عند «رسل»، # 20 # فهو أن نبدأ بقائمة من الألفاظ الأولية التي نقبلها بغير حاجة منا إلى ~~تعريفها، وبواسطتها نعرف ما شئنا من الألفاظ الرياضية الهامة على النحو الذي ذكرناه، ~~فحين يهم الرياضي بتعريف حد من حدوده، فلا يكفيه أن يحلل ذلك الحد إلى ما شاء من ~~عناصر، بل لا بد له أن يتقيد في هذا التحليل بقائمة أمامه وضعت قبل أن يهم بتعريف ~~ما يراد تعريفه، وتشتمل هذه القائمة على المدركات الأولية التي قبلناها بغير تعريف، ~~أعني المدركات اللامعرفات، ولا ms040 بد بطبيعة الحال أن تكون هذه اللامعرفات الأولية ~~منحصرة في أقل عدد ممكن، فكما يبتغي الرياضي أن يستدل أكبر عدد ممكن من النظريات من ~~أقل عدد ممكن من الفروض، فكذلك تراه في مرحلة تعريفه لألفاظه الرياضية يحاول أن يحدد ~~معاني أكبر عدد ممكن من الألفاظ بواسطة أقل عدد ممكن من اللامعرفات. # ها هنا نستطيع أن نضع أصابعنا على المهمة التي اضطلع بها المناطقة الرياضيون ~~المحدثون أمثال «فريجه» و«رسل» و«وايتهد» وغيرهم، فقد كان الرأي الغالب - وإلى هذا ~~الرأي ذهب «بيانو» Peano ~~- وأتباعه # 21 ~~- هو أن لكل فرع من فروع الرياضة - كالحساب مثلا أو - الهندسة - ألفاظا ~~أولية خاصة، أعني ألفاظا يقبلها المشتغلون بذلك الفرع من فروع الرياضة على أنها لا ~~تحتاج إلى تعريف، وأنها هي التي بواسطتها يتم تعريف ما عداها من ألفاظ في ذلك الفرع، ~~فتكون تلك الألفاظ الأولية اللامعرفة بمثابة نقطة الابتداء التي لا تسبقها خطوة ~~وراءها، فكان الرأي إلى زمن قريب هو أن بعض المدركات الأولية في علم الحساب - وكان ~~العدد من بين تلك المدركات الأولية - لا مناص من قبولها على أنها من البساطة في ~~تكوينها والابتدائية في أسبقيتها، بحيث لا نحتاج في تعريفها إلى سواها، وبناء على ذلك ~~لم ير الرياضيون ضرورة لتعريف العدد. # أما المناطقة الرياضيون فقد ذهبوا إلى غير ذلك في تحليلهم؛ إذ رأوا أن الرياضة البحتة ~~بكافة فروعها تشترك في مجموعة واحدة من اللامعرفات الأولية، وأن هذه اللامعرفات ~~الأولية إن هي إلا المدركات الرئيسية في علم المنطق، مثل: «فئة»، «استدلال»، «صادق» ~~(أعني الصدق في القضايا) إلخ، فإذا رأيت في قضية رياضية ألفاظا لم تعرف غير هذه ~~المدركات المنطقية، كان ذلك دليلا على أنها ليست من قضايا الرياضة البحتة، # 22 # فإذا وفق المناطقة الرياضيون في بيان أن الرياضة البحتة بكافة فروعها، ~~يمكن رد قضاياها جميعا إلى عبارات لا تشتمل على غير الثوابت المنطقية مضافا إليها ~~متغيرات، حققوا بذلك ما يبتغون، وهو أن يبينوا أن الرياضة البحتة استمرار للمنطقية ~~وجزء منه. # وننظر الآن في تعريف العدد؛ لنرى ms041 كيف أمكن رده إلى مدركات منطقية: # ينبغي أولا أن نلاحظ الفرق بين ثلاثة أشياء: ~~(1) # المجموعة التي نعدها. ~~(2) # العدد نفسه الذي نعد به تلك المجموعة. ~~(3) # فكرة العدد بصفة عامة. # ولتوضيح هذه الأشياء الثلاثة التي لا بد من التمييز بينها؛ أقول: افرض أن أمامك ثلاثة ~~رجال، فهذا الثالوث من الرجال هو المجموعة المعدودة، وهو شيء غير العدد «3» الذي نعد ~~به تلك المجموعة، بدليل أن هذا العدد «3» نفسه يمكن تطبيقه على ثالوثات أخرى غير ~~الرجال الثلاثة الذين تراهم أمامك الآن، فتطلقه على ثلاثة طيور وثلاثة أحجار وثلاثة ~~مصابيح وغير ذلك، وما دمنا نطلق رمزا واحدا هو «3» على هذه المجموعات المختلفة من ~~أشياء، فلا بد أن يكون بين تلك المجموعات صفة مشتركة هي التي نقصد إليها حين نستخدم ~~الرمز «3»، ثم نعود فنفرق بين عدد معين مثل «3» أو «صفر» أو «9» وبين فكرة العدد بصفة ~~عامة، فهذه الأعداد المختلفة إن هي إلا أفراد من فئة تجمعها، وما كانت لتجتمع في فئة ~~واحدة لولا أن بينها صفة مشتركة هي التي نقصد إليها إذا ما تحدثنا عن «العدد» بصفة ~~عامة، فالعدد «3» والعدد «صفر» والعدد «9» أفراد مختلفة الدلالات بعضها عن بعض، لكنها ~~على اختلافها تنطوي تحت فئة واحدة هي «العدد»؛ لأن بينها جانبا مشتركا، وهذا الجانب ~~المشترك في سلسلة الأعداد كلها هو المعنى المراد «بالعدد» إذا استعملنا الكلمة بصفة ~~عامة، كما أن «طه» و«الحكيم» و«العقاد» أسماء لأفراد ينطوون - على ما بينهم من اختلاف - ~~تحت فئة واحدة؛ هي مجموعة الأدباء، وإذن فلا بد أن يكون بينهم صفة مشتركة هي التي ~~نقصد إليها حين نستعمل كلمة «أديب» بصفة عامة. # و«العدد» الذي سنتناول تحليله ورده إلى مدركات منطقية، هو «العدد» بالمعنى الثاني ~~من المعاني الثلاثة السابقة، أو «العدد» الذي يكون متعينا محدد القيمة مثل «1» أو «3» ~~أو «صفر»، كان الرياضيون إلى عهد غير بعيد، إذا أرادوا العدد استثنوا من الأعداد ~~العدد «1»، وجعلوه غير قابل للتعريف ليعرفوا به سائر الأعداد، فيكون العدد «2» مثلا ~~هو «1 + 1»، والعدد «3» هو «2 + 1» وهكذا، لكنها طريقة معيبة من عدة ms042 وجوه؛ فهي فضلا عن ~~أنها تفرق بين العدد «1» وبين بقية الأعداد، كأنه ليس واحدا منها، وفضلا عن أنها ~~تستخدم فكرة الجمع المرموز لها بالعلامة + دون تعريف وتحديد، كأنها لا تحتاج إلى شيء من ~~ذلك، أقول إنها فضلا عن هذين العيبين فيها، فإنها لا تنطبق إلا على الأعداد النهائية ~~دون الأعداد اللانهائية، فلئن صح أن أي عدد نهائي من سلسلة الأعداد الطبيعية مثل «7» أو ~~«532» يمكن تعريفه بتكرار العدد «1» كذا من المرات، فذلك لا يصح على العدد اللانهائي ~~مثل مجموعة النقط في الخط المستقيم. # وقد أصبح اليوم في مستطاعنا التغلب على هذه الصعاب؛ فأولا قد بلغنا بفضل ~~«كانتور» # Cantor # 23 # حدا من القدرة على تحليل الأعداد اللانهائية وفهمها يمكننا ونحن ~~نعالج البحث في الأعداد وطبيعتها، من تعريفها تعريفا ينطبق عليها جميعا، النهائية ~~واللانهائية على حد سواء. وثانيا قد مكنتنا الدراسات الحديثة في المنطق الرياضي ~~من تحليل فكرة الجمع التي ترمز لها بالعلامة +، ولم نعد نلقي بهذا الرمز إلقاء كأنه ~~شيء لا يتطلب التعريف، أو كأنه شيء يتعذر تحليله وتعريفه. وثالثا أصبح في مستطاعنا أن ~~نعرف الصفر والواحد بنفس الطريقة التي نعرف بها سائر الأعداد، ولم يعد بنا حاجة ~~إلى استثناء الواحد، وجعله شيئا قائما بذاته يستخدم في تعريف غيره من الأعداد بغير ~~أن يتناوله هو نفسه التعريف. # 24 # وللسير في محاولة تعريف الأعداد طريقان؛ كلاهما يتخلص من عيوب الطريقة التي أسلفناها: ~~طريق سلكه «كانتور» و«بيانو»، وطريق آخر سلكه «رسل» لعله أقرب إلى الكمال في تلافي كل ~~ما يمكن تلافيه من أوجه النقص. # أما الطريق الأول فهو محاولة تعريف العدد بالتجريد، ومعنى ذلك أن تفحص مجموعة أو أكثر ~~من المجموعات التي تنطوي تحت عدد معين، كالعدد «3» مثلا، فتتناول بالبحث ثلاثة رجال ~~وثلاثة طيور وثلاثة أشجار إلخ، ثم تجرد هذه المجموعات الثلاثية من الصفات الخاصة ~~المميزة لكل منها صفة بعد صفة، حتى يتبقى لديك بقية لا تكون صفة خاصة بمجموعة الرجال ~~الثلاثة أو بمجموعة الأشجار الثلاثة، فتكون هذه الصفة الباقية بعد عمليات التجريد، هي ms043 ~~التي نسميها بالعدد «3». # غير أن «رسل» يوجه إلى هذه الطريقة نقده، فيقول: إنه قد يتبقى لدينا بعد عمليات ~~التجريد صفات لا حصر لعددها؛ إحداها فقط هي الصفة التي تصف طبيعة العدد، وعندئذ لا ~~نجد بين أيدينا ما نميز به هذه الصفة الواحدة المطلوبة من سائر الصفات التي بقيت معها ~~بعد عمليات التجريد. # فبدل أن نحاول تعيين الصفة المشتركة للفئات المتشابهة عددا - والتشابه بين فئتين ~~يحدده أن تكون بينهما علاقة واحد بواحد # 25 ~~- فخير من ذلك أن ننظر إلى الفئة التي تضم تلك الفئات المتشابهة؛ ~~فأمامك الآن - مثلا - ثلاثة رجال وثلاثة طيور وثلاثة أشجار وثلاثة مصابيح وثلاثة كتب ~~إلخ، فبدل أن تحاول استخراج الصفة المشتركة بينها، لتكون هي معنى العدد «3»، ضمها ~~جميعا في حزمة واحدة، وتصور أنك قد ضممت معها في هذه الحزمة عينها كل الثلاثات ~~الممكنة في هذا العالم، يتكون لك فئة كبيرة تحتوي على فئات صغيرة، كل واحدة منها تشبه ~~الأخرى، هذه الفئة الكبيرة من الفئات الصغيرة، هي معنى العدد «3». والفرق بين هذه ~~الطريقة في تعريف العدد، وبين طريقة التجريد السابقة، هو - بلغة المنطق - الفرق بين ~~تعريف الشيء بماصدقاته وتعريفه بمفهومه؛ طريقة التجريد تعرف العدد بالمفهوم، وطريقة ~~الفئات المتشابهة في فئة واحدة تضمها، تعرف العدد بالماصدقات. # 26 # وتعريف العدد بأنه فئة من فئات متشابهة، ينطبق على كل عدد من سلسلة الأعداد بغير ~~استثناء، فهو ينطبق على الصفر كما ينطبق على العدد «1»، # 27 # فالصفر هو الفئة التي تضم مجموعة الفئات الفارغة، والفئة الفارغة هي التي ~~ليس لها أفراد، كفئة العنقاوات مثلا، فاجمع أمثال هذه الفئة الفارغة جميعا في فئة ~~واحدة، تكن هذه الفئة الواحدة هي معنى الصفر، وكذلك قل في العدد «1» فهو فئة كبيرة تضم ~~بين جنباتها مجموعة الفئات ذوات العضو الواحد، والفئة التي تكون ذات عضو واحد هي تلك ~~التي لا يكون لها إلا مسمى واحد في عالم الأشياء، مع إمكان أن يوجد غيره إذا توافرت ~~الصفات المميزة له في فرد آخر # 28 # مثل قولنا: «جرم يدور حول الأرض»، ms044 ونقصد بذلك «القمر»، فليس هنالك سوى ~~القمر جرما يدور حول الأرض، لكننا على استعداد أن نطلق العبارة الوصفية نفسها «جرم ~~يدور حول الأرض» على أي جسم آخر يتبين لنا أن هذه هي صفته، فاجمع كل الفئات ذات العضو ~~الواحد في حزمة واحدة بخيالك يكن لك بذلك معنى العدد «1». # فتعريف «رسل» للعدد على هذا النحو، هو في الحقيقة بمثابة تعريف الاسم بالإشارة إلى ~~مسماه، ولشرح ذلك أقول: افرض أنك تريد أن تشرح كلمة «أخضر» لطفل صغير، فلو حاولت أن ~~تحدد له معنى الكلمة بصفات مجردة، كنت تتبع الطريقة التي اتبعها «كانتور» و«بيانو» ~~في تعريف العدد، وهي طريقة التجريد، أما إذا أخذته إلى بقعة خضراء، وقلت له: انظر إلى ~~هذه البقعة، فاللون «الأخضر» معناه هو الفئة التي تشتمل على جميع الأشياء الملونة بلون ~~شبيه بهذا اللون الذي تراه أمامك، فهذا بعينه ما يريده «رسل» في تعريفه للعدد، إذ هو ~~يعرف أي عدد بأنه الفئة التي تشمل جميع الفئات التي تكون شبيهة بفئة معينة، فإذا ~~أردت أن تعرف معنى العدد «3» فانظر إلى ثالوث من الرجال مجتمعين معا، وقل إن العدد ~~«3» معناه هو الفئة التي تشمل كل الفئات التي تكون كل منها شبيهة بهذه الفئة من ~~الرجال التي أراها أمامي. # قد يسأل سائل: ألسنا حين نضم الفئات ذوات العدد الواحد في فئة كبيرة تشملها، فتكون ~~هذه هي معنى ذلك العدد؟ ألسنا بذلك نفرض أسبقية علمنا بمعنى العدد قبل محاولة تحديد ~~معناه؟ فنحن نقول - مثلا - إن العدد «3» معناه هو الفئة الكبيرة التي تحتوي على فئات ~~صغيرة كل منها ثالوث معين، فتصور أننا حزمنا ثلاثة رجال في حزمة، وثلاثة طيور في ~~حزمة، وثلاثة كتب في حزمة إلخ، ثم تناولنا هذه الحزمات جميعا فربطناها في حزمة ~~واحدة كبيرة، فإن هذه الحزمة الكبيرة تكون هي مدلول العدد «3»، والاعتراض الذي نقدمه ~~الآن هو هذا: كيف أتيح لنا أن نجمع هذه الثالوثات في حزمة واحدة ما لم يكن لدينا علم ~~سابق بمعنى العدد «3»؟ وإذا كان لدينا هذا العلم السابق به، ms045 فما فائدة تعريفه بعد ذلك ~~ما دمنا قد فرضنا معرفة سابقة به؟ والرد على هذا الاعتراض هو أننا لا نضم هذه الحزمات ~~الصغيرة معا على أساس عددها، بل على أساس التشابه الذي بينها، وليس التشابه هو نفسه ~~العدد، إنما تكون الفئتان متشابهتين إذا كان بين أفراد الواحدة منهما وأفراد الأخرى ~~علاقة واحد بواحد، أعني أن يكون كل حد من حدود إحدى المجموعتين مقابلا لحد واحد ~~لا أكثر من حدود المجموعة الأخرى، فمثلا إذا فرضنا في مجتمع ما أن كل رجاله وكل ~~نسائه متزوجون، وأنه لا يباح في هذا المجتمع إلا زوجة واحدة لكل زوج، وإلا زوج واحد ~~لكل زوجة، فعندئذ نحكم بأن عدد الرجال مساو لعدد النساء دون أن يكون بنا حاجة إلى ~~عد الأفراد في كل من المجموعتين؛ إننا نحكم على هاتين المجموعتين بالتشابه، أي ~~بأن بينهما علاقة واحد بواحد، ولا يقتضي ذلك منا أن يكون لنا سابق علم بعدد كل ~~منهما. # وقد يعود الاعتراض من جديد بأنه إذا كنا سنبدأ الشوط في تعريفنا للعدد بجمع الفئات ~~المتشابهة، وإذا كان التشابه معناه المنطقي هو أن تكون بين أفراد الفئتين المتشابهتين ~~علاقة واحد بواحد، فإن إدراك هذه العلاقة نفسها بين الفئات المتشابهة يفترض إدراكنا ~~للعدد «1»، لكن هذا الاعتراض لا يقوم على أساس قويم؛ لأن كل ما نطلبه لكي نحكم بوجود ~~علاقة واحد بواحد بين مجموعتين هو أن تكون لدينا القدرة على تمييز الأفراد في كل من ~~المجموعتين، وبعدئذ نستطيع أن نربط فردا من هذه بفرد من تلك، حتى إذا ما وجدنا أن ~~كل فرد من هذه المجموعة قد ارتبط بفرد من تلك المجموعة، بحيث استنفدت الأفراد في ~~كلتا المجموعتين، قلنا إن هاتين المجموعتين متشابهتان، دون أن نعلم عدد الأفراد هنا ~~أو هناك، ودون أن يكون لدينا أي علم بفكرة العدد إطلاقا. # وواضح أننا إذ نعرف العدد بأنه فئة من فئات، فالعدد «صفر» هو رمز لمجموعة الفئات ~~الفارغة، والعدد «1» رمز لمجموعة الفئات ذوات العضو الواحد، والعدد «2» رمز لمجموعة ~~الفئات ذوات العضوين ms046 كالأزواج، والعدد «3» هو رمز لمجموعة الثالوثات وهلم جرا، أقول ~~إننا إذ نعرف العدد بأنه فئة من فئات، فإننا بذلك نكون قد حللنا هذا المدرك ~~الرياضي الأساسي إلى مدركات ليست من الرياضة، بل هي مدركات من علم آخر هو المنطق؛ ~~لأن «فئة» مدرك من مدركات المنطق لا الرياضة. # هذا هو المقصود حين نقول إن المناطقة الرياضيين المحدثين يحاولون رد الرياضة إلى ~~منطق، أي إنهم يحاولون تحليل المدركات الرياضية إلى مدركات منطقية، فليس المقصود ~~بقولنا إن المناطقة المحدثين يحاولون أن يبينوا أن الرياضة استمرار للمنطق، ليس ~~المقصود بهذا أننا داخل حدود الرياضة نستخدم مبادئ المنطق في استدلال نظرية من نظرية، ~~أو معادلة من معادلة، مع بقاء الرياضة علما قائما بذاته مستندا إلى مصطلحات خاصة به ~~تكون منه بمثابة نقطة الابتداء، ولا تكون قابلة للتعريف أو التحليل؛ لأنه إذا كان هذا ~~هو المقصود كان المراد هو أن الرياضة مثل من أمثلة كثيرة يمكن فيها تطبيق المبادئ ~~المنطقية في عمليات الاستدلال، لكن المعنى المقصود بقولنا إن الرياضة استمرار للمنطق هو ~~أننا نريد أن نبين إمكان تحويلها إلى بناء منطقي خالص كأي جزء آخر من أجزاء المنطق ~~الخالص؛ وذلك بأن نبين إمكان استغنائنا عن المصطلحات الرياضية، وحلها إلى مدركات منطقية. # 29 ~~، # 30 ~~••• # كان حديثنا فيما مضى يتناول الأعداد النهائية المحددة المعلومة القيمة، وها نحن أولاء ~~نتناول الآن نوعا آخر من الأعداد، هو العدد اللانهائي؛ لنرى ماذا يكون من أمره في ضوء ~~التحليل الحديث. # ومشكلة اللانهاية قد تعد المشكلة الرئيسية في الفلسفة الرياضية؛ # 31 # ذلك أن الفئة من الأشياء حين تكون نهائية - أي ذات عدد محدد - كان أي جزء ~~منها أقل عددا من عدد الفئة في مجموعها، وأما الفئة اللانهائية - كمجموعة النقط في ~~الخط المستقيم - فلا يكون الأمر فيها كذلك؛ لأن أي جزء من الخط فيه من النقط عدد ~~يساوي عدد النقط في مجموعة الخط كله؛ لأن عدد النقط في كل من الحالتين لا نهائي، ~~واللانهائي بالطبع متساو في جميع حالاته، فمتى تكون الفئة لا نهائية؟ ms047 # افرض أن «ف» رمز لفئة ما لا نهائية، وأن «ف ~~» رمز لفئة أخرى لا نهائية تكونت بحذف أحد حدود «ف»، وليكن هذا الحد ~~المحذوف هو «س»، فعندئذ قد يحدث أو لا يحدث أن تكون الفئة الجديدة «ف ~~» شبيهة بالفئة الأصلية «ف»، فمثلا إذا كانت «ف» هي فئة الأعداد النهائية # 32 # كلها، وإذا كانت «ف ~~» هي فئة الأعداد النهائية محذوفا منها الصفر، فإننا نجد أن «ف ~~» و«ف» متشابهتان، بمعنى أننا نستطيع أن نجد لكل عدد من أعداد الفئة ~~الأولى عددا مقابلا له من أعداد الفئة الثانية، أي إنه سيكون بين الفئتين علاقة ~~واحد بواحد - ووجود هذه العلاقة بين فئتين هو معنى كونهما متشابهتين - إذ ستجري ~~الفئتان هكذا: # 0 # 1 # 2 # 3 # 4 ~~... # إلى ما لا نهاية # 1 # 2 # 3 # 4 # 5 ~~... # إلى ما لا نهاية # نقول إن هاتين الفئتين سترتبطان إحداهما بالأخرى بعلاقة واحد بواحد، أي إن كل عضو ~~من الفئة الأولى سيقابله عضو من الفئة الثانية، دون أن نضطر إلى حذف حد من حدود ~~الأخرى، ومعنى ذلك أن الفئتين متساويتان، رغم كون الأولى بادئة بحلقة سابقة على ~~الحلقة التي تبدأ منها الثانية. # لكن افرض أن «ف» هي سلسلة الأعداد النهائية حتى عدد «ن» - حين يكون «ن» نفسه عددا ~~نهائيا - وأن «ف ~~» مؤلفة من نفس أعداد «ف» ما عدا الصفر، فعندئذ «ف» و«ف ~~» لا تكونان متشابهتين؛ لأن الثانية ستنقص حدا عن الأولى، حتى إذا ~~ما حاولنا وصلهما بعلاقة واحد بواحد، بقي من حدود السلسلة الأولى حد لا نجد ما نربطه ~~به من حدود السلسلة الثانية. # ففي الحالة التي يمكن أن نحذف من «ف» حدا، بحيث تتكون لدينا بعد هذا الحذف فئة ~~جديدة هي «ف ~~»، ثم نجد أنه - رغم هذا الحذف - لا تزال الفئتان متشابهتين، قلنا عن ~~«ف» إنها فئة لا نهاية، وأما الحالة التي لا يمكن فيها ذلك، فإن «ف» تكون فئة نهائية ~~محدودة بعدد معلوم. # 33 # وكذلك تكون الحال بالإضافة كما هي بالحذف، أعني أننا إذا أضفنا إلى «ف» حدا ms048 جديدا، ~~فتكونت بذلك فئة هي «ف ~~»، ثم وجدنا أننا رغم هذه الإضافة ما زلنا نجد الفئتين متشابهتين أي ~~مرتبطتين بعلاقة واحد بواحد كانت «ف» فئة لا نهائية، أما إذا أجرينا هذه الإضافة إلى ~~«ف» فتكونت فئة جديدة هي «ف ~~»، بحيث يحدث بين الفئتين اختلاف يتعذر معه الربط بعلاقة واحد بواحد، ~~كانت «ف» فئة نهائية. # والخلاصة هي أن الفئة اللانهائية هي التي لا تتغير بحذف أحد حدودها ولا بإضافة حد ~~جديد إليها. # ومن هنا تنشأ المشكلات والنقائض في نظر الفلاسفة؛ ذلك لأنهم لا يعلمون عن طبيعة العدد ~~ما قد كشف عنه الرياضيون في عصرنا الحديث، فيحسب الفيلسوف من هؤلاء أن الأعداد كلها ~~سواء، فإن كان العدد النهائي - كالعدد 9 مثلا - يتغير بإضافة واحد إليه كما يتغير ~~بحذف واحد منه، فكذلك يتغير العدد اللانهائي - في ظن أولئك الفلاسفة - بالإضافة إليه أو ~~بالحذف منه، ومن ثم تبدأ المشكلة عندهم. # لكن «كانتور» # 34 # قد انتهى بأبحاثه في الرياضة إلى أن الأعداد النهائية تختلف عن الأعداد ~~اللانهائية في نقطتين: # فأولا: # لا تخضع الأعداد اللانهائية - كما تخضع الأعداد النهائية - لما يسمى ~~بالاستقراء الرياضي الذي خلاصته أنه إذا كان «ن» عددا نهائيا، ~~فالعدد الناتج من إضافة «1» إلى «ن» يكون نهائيا كذلك، ويكون مختلفا ~~عن «ن»، وبهذا يمكن أن نبدأ بالصفر، ثم نكون سلسلة أعداد بإضافات ~~متوالية، في كل خطوة منها نضيف «أ»، بحيث يستحيل أن يشترك عددان ~~مختلفان من أعداد السلسلة في تال واحد؛ فلكل عدد تاليه الذي يتكون ~~بإضافة «أ»، والذي يختلف عنه، أما الأعداد اللانهائية فليست كذلك، ~~فالعدد اللانهائي لا يتغير بإضافة «أ» إليه، ولا تتكون من الأعداد ~~اللانهائية سلسلة بمثل هذه الإضافات المتوالية. # وثانيا: # أن العدد اللانهائي - على خلاف في ذلك مع العدد النهائي - يساوي ~~جزءه، فالكل والجزء في هذه الحالة يكونان مؤلفين من حدود عددها في ~~الكل مساو لعددها في الجزء. # وها هنا سينفر الفلاسفة منا؛ لأنهم سيرون في هذا القول تناقضا لا يشكون فيه، إذ ~~عندهم أن الجزء لا بد حتما أن ms049 يكون أصغر من الكل الذي يحتويه، «لكن الفيلسوف الذي ~~يقول هذا لو تفضل علينا بمحاولة البرهنة على وجود التناقض المزعوم، لرأى لنفسه أن مثل ~~هذه البرهنة مستحيلة، إلا إذا سبقها تسليم بالاستقراء الرياضي ... وإذن فهو مضطر أن ~~يقول إن إنكارنا للاستقراء الرياضي أمر ينقض نفسه بنفسه، غير أن هذا الفيلسوف لم يفكر ~~في الأمر إلا قليلا، أو قل إنه لم يفكر فيه إطلاقا، ويجمل به أن يدرس الموضوع قبل أن ~~يصدر فيه حكما؛ لأنه سيعلم أن الاستقراء الرياضي يمكن إنكاره بغير الوقوع في تناقض، ~~وهكذا ستزول إلى الأبد تلك المتناقضات التي يظنها ملازمة لمشكلة اللانهائي.» # 35 # ونعيد هذا القول في عبارة أيسر فهما، فنقول إن مشكلة اللانهائي قد نشأت عند ~~الفلاسفة؛ لأنهم ظنوا أن ما ينطبق على الأعداد النهائية لا بد كذلك أن ينطبق على ~~الأعداد اللانهائية، كأنما يتحتم أن تكون الأعداد كلها من صنف واحد، وكأنما يستحيل ~~أن يكون بينها اختلاف يجيز لنا أن نقول في بعضها ما لا نقوله في بعضها الآخر. # نعم، إن القول بأن الكل وجزءه يمكن أن يتساويا في عدد الحدود، قول لا يسهل قبوله ~~عند الإدراك الفطري الساذج، كأنما الإنسان بفطرته مهيأ للحكم على الجزء بأنه أصغر ~~حتما من الكل الذي يحتويه، مهما يكن نوع هذا الكل وذلك الجزء، لكن تحليلنا للأعداد ~~اللانهائية ينتهي بنا إلى أن الإدراك الفطري لا ينبغي أن يركن إليه في هذا الموضوع؛ ~~لأن الحقيقة التي لا مناص من قبولها هي أن الكل والجزء يتساويان في الأعداد ~~اللانهائية، وأن عدم تساويهما إنما يكون محتوما في مجال الأعداد النهائية ~~وحدها. ~~(3) المنطق وعالم الواقع # 36 # أمامك ألفاظ وعبارات مكتوبة مقروءة، أو منطوقة مسموعة، وسؤالنا الآن هو هذا: إلى أي ~~حد يمكن استدلال حقيقة العالم الخارجي من هذه الألفاظ والعبارات؟ أتكون اللغة مرآة ~~للعالم الواقع أو لا تكون؟ # يلقي «رسل» على نفسه سؤالا كهذا، # 37 # ثم يسرع إلى إثبات جوابه مجملا بأن هنالك - في رأيه - علاقة بين الطريقة ~~التي تبنى بها عبارات اللغة ms050 والطريقة التي تترابط بها حوادث العالم التي تشير إليها ~~تلك العبارات، ثم يستطرد ليقول إن العلاقة التصويرية القائمة بين ألفاظ اللغة وبين ~~غيرها من حقائق الكون، قد تناولها معظم الفلاسفة فانقسموا إزاءها شيعا ثلاثا: ~~(أ) # فلاسفة يستدلون خصائص العالم من خصائص اللغة، وهؤلاء هم من بين الصف ~~الأول من كبار الفلاسفة، أمثال بارمنيدس وأفلاطون وسبينوزا وليبنتز وهيجل ~~وبرادلي. ~~(ب) # وفلاسفة يرون أن المعرفة الإنسانية كلها محصورة في دائرة ما يعرفه الناس ~~من ألفاظ وعبارات، أعني أنهم لا يرون وسيلة ينفذون بها خلال اللغة إلى ~~حيث الحقيقة الخارجية التي تعبر عنها تلك اللغة، ومن هؤلاء فريق ~~«الاسميين»، وطائفة من رجال الوضعية المنطقية. ~~(ج) # وطائفة ثالثة من الفلاسفة تذهب إلى أن ثمة جانبا من المعرفة يستحيل على ~~اللغة أن تعبر عنه، مع أنهم إذ يقررون ذلك تراهم يحاولون استخدام هذه ~~اللغة نفسها ليدلوا بها على تلك المعرفة ذاتها، ومن هؤلاء جماعة المتصوفة، ~~وبرجسون، وفتجنشتين. # فأما هذه الطائفة الثالثة، فيمكن أن نغض عنها النظر لما في موقفها من تناقض صريح، ~~وأما الطائفة الثانية فليس من اليسير قبول وجهة نظرها لما تكتنفها من مشكلات، أقل ما ~~يذكر منها هو أنني أعلم عن عبارات اللغة نفسها حقائق ليست في ذاتها جزءا من اللغة، ~~كأن أعرف مثلا أي الألفاظ قد ورد في هذه العبارة وبأي ترتيب ورد، وأما الطائفة الأولى ~~التي تعتقد أن من اللغة وتركيبها يمكن استدلال حقيقة العالم وطبيعته، فهي التي تستحق ~~النظر والتحليل، ذلك أن «رسل» يعتقد - كما يعتقد أفراد هذه الطائفة من الفلاسفة - بأن ~~للغة دلالة على حقيقة العالم الخارجي وطبيعته، غير أنه يتخذ لنفسه في هذا الاتجاه ~~موقفا خاصا به، هو الذي سنتناوله بالشرح فيما يلي. # من أهم الأبحاث التي نشرها «رسل»، فبسط فيها جانبا هاما من جوانب فلسفته، بحث نشره ~~عام 1918م، وأطلق عليه اسم «فلسفة الذرية المنطقية»، # 38 # حيث شرح وجهة نظره في التشابه الشديد القائم بين تركيب اللغة وتركيب ~~العالم، وهو إنما أطلق هذا الاسم ليعبر به عن ms051 خلاصة رأيه، فهي فلسفة «ذرية»؛ لأنه يذهب ~~إلى أن العالم قوامه كثرة من أشياء، معارضا بذلك الفلسفة المثالية التي تجعل من الكون ~~كلا واحدا متسق الأجزاء، وهذه الذرية «منطقية»؛ لأن الأجزاء التي ينتهي إليها بعد ~~التحليل هي ذرات عقلية لا طبيعية مادية بالمعنى السائر المفهوم من هاتين ~~اللفظتين. # حلل اللغة إلى وحداتها الأولية، تجد وحدتها هي «القضية» أي الجملة التي تدل على ~~«واقعة» من وقائع العالم، وما «القضية» إلا مركب رمزي قوامه رموز هي الألفاظ، والعلامة ~~المميزة للقضية هي إمكان وصفها بالصدق أو بالكذب، فالمركب الرمزي، أي اللفظي، لا يكون ~~وحدة لغوية إذا استحال علينا بحكم طبيعته أن نقول عنه إنه صادق أو كاذب، فإذا كان لديك ~~قضية كهذه: «هذه البقرة صفراء»، ثم إذا كان في عالم الأشياء بقرة صفراء هي التي تشير ~~إليها تلك القضية، كان لديك جانبان لو حللتهما ألفيت بينهما شبها كالذي يكون بين ~~شيء مصور وصورته، وماذا نعني «بالتشابه»؟ نعني به أن يكون بين الشبيهين «علاقة واحد ~~بواحد» أي إن لكل جزء من أجزاء الشبيه جزءا يقابله في شبيهه، فإذا كان الأمر كذلك، ثم ~~إذا كانت اللغة مركبة من أجزاء، وليست هي بالكائن الواحد البسيط، كان عالم الواقع كذلك ~~مركبا من أجزاء، وليس هو بالكائن الواحد البسيط. # ويسمي «رسل» القضية البسيطة التي لا يمكن تحليلها إلى ما هو أبسط منها، بالقضية الذرية، # 39 # مثل قولي وأنا أنظر إلى غلاف الكتاب الذي أمامي الآن: «هذه بقعة صفراء»، ~~فإن تركب من هذه القضايا البسيطة اثنان أو أكثر لتتكون منها جملة، كان لنا بذلك قضية ~~مركبة، # 39 # مثل قولي وأنا أنظر إلى غلاف الكتاب المذكور: ~~«هذه بقعة صفراء مستطيلة»؛ لأن هذه الجملة تنحل إلى جزأين بسيطين هما: «هذه بقعة ~~صفراء» و«هذه بقعة مستطيلة». # وليست القضايا الذرية (البسيطة) كلها من نوع واحد، بل هي تتدرج في تسلسل متصاعد ~~بالنسبة إلى عدد حدودها التي ترتبط بنوع العلاقة المذكورة فيها، ويقابل هذا التسلسل ~~المتصاعد في القضايا الذرية تسلسل متصاعد شبيه به في ms052 وقائع العالم؛ فأول الدرجات في ~~تسلسل القضايا الذرية (البسيطة) قضية قوامها شيء وصفته، كقولنا: «هذه البقعة صفراء» فها ~~هنا تجد «حدا» واحدا هو «هذه البقعة» والصفة المنسوبة إليه وهي اللون الأصفر، ويمكن ~~تسمية هذه القضية بالقضية «الواحدية»، ويتلوها في سلم الصعود قضية «ثنائية» يكون قوامها ~~حدين بينهما علاقة تربطهما، كقولي «القلم على يمين الدواة»، ويتلو هذه قضية «ثلاثية» ~~يكون قوامها ثلاثة حدود بينها جميعا علاقة واحدة تربطها في مجموعة واحدة، مثل ~~«الكتاب بين الدواة والقلم»، ويتلو هذه قضية «رباعية»، فقضية «خماسية» وهكذا. وأحب قبل ~~أن أترك هذه النقطة أن أنبه القارئ إلى حقيقة هامة، وهي أن أرسطو في «منطقه» حين ~~حلل القضايا قد فاتته هذه الفوارق، وجعل القضايا كلها من النوع الأول، الذي تكون ~~القضية فيه مؤلفة من حد واحد وصفته، أو بالاصطلاح المنطقي مؤلفة من موضوع ومحمول ... ~~وكما يكون هذا التسلسل في القضايا، يكون كذلك في وقائع العالم الخارجي، فهكذا العالم ~~مؤلف من وقائع كثيرة بسيطة، تختلف فيما بينها باختلاف عدد «الحدود»، أو قل عدد ~~«الأشياء» التي ترتبط بعلاقة ما في مجموعة واحدة. # وينبغي أن نلاحظ ها هنا إذا ما ضمت قضية ذرية إلى غيرها بأداة مثل واو العطف أو ~~كلمة «أو» أو كلمة «إذا» إلخ، فإنه يتكون لنا بذلك قضية مركبة، لا يكون لها ما يقابلها ~~بين وقائع العالم، إذ وقائع العالم كلها بسيطة، وإنما يكون ضم بعضها إلى بعض في عبارات ~~اللغة وحدها، ولكي أزيد ذلك شرحا أقول: إنني إذا شاهدت أمامي واقعتين مثل (1) غياب ~~الشمس و(2) نزول المطر، ثم ربطت بين الواقعتين في عبارة واحدة مركبة بواسطة واو العطف، ~~فقلت: «غابت الشمس ونزل المطر»، فإن ذلك لا يجعل من الواقعتين واقعة واحدة، بل سيظلان ~~في العالم الخارجي واقعتين، وبعبارة أخرى ليس هنالك في عالم الأشياء شيء يقابل «واو ~~العطف»، بل إن هذه «الواو» التي تضم حقيقة إلى حقيقة أخرى هي مجرد أداة منطقية ~~نستخدمها نحن لربط الحقائق البسيطة، دون أن تكون هي نفسها دالة على حقيقة ms053 قائمة بذاتها. ~~وخلاصة القول هي أن القضايا الذرية يقابلها في العالم وقائع ذرية، فإذا ما ركبت ~~من الذرات مجموعة كان هذا التركيب مقتصرا علي وعلى طريقتي في تركيب الكلام دون أن ~~يكون له مقابل في عالم الأشياء، فهذا العالم قوامه بسائط، ولهذا كان صدق القضية الذرية ~~البسيطة متوقفا على مطابقتها للواقعة التي جاءت تلك القضية لتصفها، وأما صدق القضية ~~المركنة، فمرهون بصدق أجزائها، كل جزء على حدة، فلو أردت التحقق من صدق العبارة ~~المركبة «غابت الشمس ونزل المطر» كان لا بد لي من حلها إلى جزأيها؛ لأطابق بين كل ~~جزء بسيط من هذين الجزأين وبين الواقعة الخارجية التي تقابله، فأتحقق من «غياب ~~الشمس»، ثم من «نزول المطر» إذ قد تصدق الأولى وحدها دون أن تصدق معها ~~الثانية. # إذا أردت التثبت من صدق عبارة صادفتك، فلا مندوحة لك عن تحليلها أولا - إذا ~~كانت عبارة مركبة - إلى بسائطها التي تتركب منها، أي تحليلها إلى القضايا الذرية ~~التي منها تتألف، ما دامت القضية الذرية وحدها هي التي يمكن المطابقة المباشرة بينها ~~وبين الواقعة الخارجية التي تقابلها، ويتحتم بالبداهة أن يكون موضوع القضية الذرية ~~اسما جزئيا، أعني أنه لا بد للقضية الذرية - لكي تبلغ آخر درجات البساطة - أن يدور ~~الحديث فيها عن كائن جزئي واحد، بحيث أستطيع أن أدير إلى ذلك الكائن الجزئي حواسي؛ ~~لأدرك إدراكا مباشرا إن كان ذلك الكائن الجزئي في الخارج على الحالة التي تزعمها ~~العبارة المقولة عنه. # وها هنا نضع إصبعنا على نوع المعرفة الذي يجعله «رسل» أساس المعرفة اليقينية كلها، ~~وأعني به «المعرفة بالاتصال المباشر»، # 40 # وكل ما عداها من صنوف المعرفة إنما هو مستدل منها، فما هي «المعرفة ~~بالاتصال المباشر»؟ هي باختصار انطباع المعطيات الحسية على أعضاء الحس منك، فإذا نظرت ~~إلى هذه المنضدة - مثلا - فليست المنضدة كلها بما يمكن معرفته بالاتصال المباشر؛ لأنك ~~لا ترى «منضدة»، ولا تحس بأصابعك «منضدة»، إنما ترى «لمعة من الضوء» هو لونها، وتحس ~~درجة معينة من «الصلابة» وهكذا، وإذن فما قد عرفته ms054 «بالاتصال المباشر» هو هذه ~~الإحساسات المباشرة، أما إذا عدت فركبت من مجموعة هذه المعطيات الحسية «منضدة»، فهذا ~~التركيب الناتج إنما يأتي خطوة ثانية بعد الخطوة الأولى، هو في الحقيقة «استدلال»، وليس ~~هو بالمعرفة المباشرة، هو - باصطلاح «رسل» - معرفة بالوصف، # 41 # وليس معرفة مباشرة، المعرفة بالاتصال المباشر هي الخبرة المباشرة التي ~~نستخدمها بعد ذلك في تركيبات عقلية، وتلك الخبرة المباشرة وحدها هي المعرفة اليقينية ~~المؤكدة، وأما ما نستدله منها بعد ذلك - كائنا ما كان - فمعرض للخطأ . # إننا نقول عن معرفتنا إنها بالاتصال المباشر أو بالخبرة المباشرة حين يكون موضوع ~~المعرفة حاضرا حضورا مباشرا، لو وقفت إزاء «العقاد» وجها لوجه كنت بمثابة من يعرفه ~~بالاتصال المباشر، أما إذا عرفته عن طريق تسميته ب «مؤلف سارة» فقد عرفته بالوصف، ~~ولما كانت المعرفة بالاتصال المباشر تقتضي أن يكون بينك وبين الشيء المعروف صلة ~~مباشرة، كانت تلك المعرفة مجرد وعي منك بوجود الشيء المعروف دون أن يكون هنالك حكم ~~منك عليه بأي وجه من الوجوه. وعيك بوجود لمعة الضوء المنبعثة من المنضدة التي أمامك، ~~هو معرفة بالاتصال المباشر، أما معرفتك بأن هذه «منضدة» فذلك «حكم»، وإذن فهو نتيجة ~~مترتبة على الخبرة المباشرة، وليس هو في ذاته بالخبرة المباشرة، نقول ذلك لأنه قد ~~يخيل إليك للوهلة الأولى أن إدراكك «للأشياء» المحسوسة من حولك كالمقاعد والمناضد ~~وما إلى ذلك هو من قبيل الإدراك المباشر، ومن ثم فهو مما يصح أن يكون موضوعات للقضايا ~~الذرية البسيطة التي هي الخطوة الأولى والمؤكدة من بناء العلم الإنساني، مع أن كل «شيء» ~~من هذه الأشياء التي تدركها بحواسك هو في الحقيقة «تركيبة» عقلية بنيتها لنفسك من ~~خبراتك المباشرة؛ إذ بنيتها مما أدركته قبل ذلك من لمعات الضوء ولمسات الصلابة ... إلخ. # 42 # وأعود الآن إلى ما بدأت به وهو أنك إذا أردت التثبت من صدق عبارة صادفتك، فلا ~~مندوحة لك عن تحليلها أولا - إذا كانت عبارة مركبة - إلى بسائطها التي تتركب منها، ~~أي تحليلها إلى القضايا الذرية التي منها تتألف، ويتحتم أن ms055 يكون موضوع القضية الذرية ~~«حاضرة حسية» أو «حاضرة عقلية» مما لا يحتاج إدراكه إلى شيء أكثر من مجرد الوعي ~~«بحضور» الموضوع المدرك، إن بناء المعرفة الإنسانية قائم على أساس هذه المعطيات ~~الأولية التي يدركها الإنسان إدراكا مباشرا، ولا تكون هذه المعطيات الأولية موضع ~~شك؛ لأنها ليست «بأحكام» تصيب فيها أو تخطئ، وجدير ها هنا بالذكر أن نقول إن «رسل» ~~حين أراد أن يعين أنواع المعطيات الأولية، لم يقتصر بادئ ذي بدء على المعطيات الحسية، ~~بل أضاف إليها أوليات أخرى؛ كإدراكنا للعلاقات، وإدراكنا للمعاني الكلية، وإدراكنا ~~للذات العارفة، # 43 # وإذا أردت عبارة تلخص لك لباب المجهود الفلسفي الذي بذله «رسل» بقية ~~حياته الفلسفية بعد هذا الموقف الذي اتخذه بادئ أمره، فقل إنه محاولة أن يبتر «بنصل أوكام» # 44 # كل الزوائد التي ظنها في بداية الأمر «أوليات» تعطى، فتقبل بغير تحليل، ~~ثم تبين له أنها «تركيبات» مستنتجة، وليست هي بالمعطيات الأولية، ولذلك وجب حذفها ~~من قائمة المعرفة المباشرة اليقينية إلى قائمة المعرفة بالوصف، هكذا فعل حين حلل ~~المعاني الكلية إلى عناصرها الأولية، وحين حلل العدد (وقد أسلفنا تحليله للعدد في ~~الفصل السابق)، وحين حلل الذات، وحين حلل الأشياء المادية، بحيث انتهى إلى موقفه ~~الأخير الذي رد فيه الكون كله إلى «هيولى محايدة» لا هي بالعقل ولا هي بالمادة ... لكن ~~هذا الإجمال في القول لا غناء فيه، وسبيلنا في الفصول التالية أن نفصل هذا ~~الإجمال. # لسنا نخطئ إذا قلنا إن مهمة الفلسفة عند «رسل» هي تحليل القضايا - وبخاصة قضايا ~~العلوم - تحليلا يرد موضوعاتها إلى الأوليات البسيطة التي منها تتألف، فإذا كانت ~~القضية تتحدث عن «س»، ثم أمكن تحليل «س» إلى عناصر أبسط هي «أ، ب، ج» وجب حذف «س»؛ حتى ~~لا تتعدد الكائنات التي نفترض وجودها كمقومات للعالم، وهكذا نظل نحذف ما لا تستدعيه ~~الضرورة إلى أن ننتهي إلى الحد الأدنى من المقومات التي لا بد من افتراضها لنفسر بها ~~العالم ... وهذا هو ما اصطلح على تسميته ب «نصل أوكام» الذي أصبحت تتميز ms056 به فلسفة ~~«رسل». # ولقد سمي هذا «النصل» بنصل «أوكام» نسبة إلى «وليم الأوكامي» الذي عاش في النصف ~~الأول من القرن الرابع عشر، وعرف في تاريخ الفلسفة بمبدئه المشهور الذي شاع في صورة ~~النص الآتي: «لا يجوز لنا أن نكثر من الكائنات بغير ضرورة تدعو إلى ذلك» غير أن النص ~~الذي ورد في كتاباته مختلف عن هذه العبارة التي شاعت عنه، وإن تكن خلاصة الرأي في ~~النصين واحدة، والنص المذكور في كتاباته هو: ~~«إنه من الخطل أن نصطنع عددا أكثر فيما يمكن أن نستغني فيه بعدد أقل.» ومعنى ذلك ~~أنه مهما يكن نوع العلم، الذي أنت مشتغل به، فإن وجدت أن تعليلك للظواهر التي هي موضوع ~~بحثك لا يستلزم منك الزعم بوجود كائن ما، فليس من الصواب أن نفترض وجود ذلك الكائن، ~~ويقول «رسل» وهو في معرض الحديث عن «نصل أوكام»: «إنني وجدت هذا المبدأ مفيدا أكبر ~~الفائدة في التحليل المنطقي.» # 45 # وتطبيقا لهذا المبدأ الهام حذف «رسل» ما حذف من الكائنات التي افترض وجودها ~~الفلاسفة بغير موجب، بل التي افترض وجودها «رسل» نفسه في بدء حياته الفلسفية، ومن هذه ~~الكائنات المحذوفة مسميات الألفاظ الكلية، ولشرح ذلك أقول: # هنالك أفراد من الناس، زيد وعمرو وخالد، لكل فرد منهم اسمه الخاص كما ترى، فلو ~~صادفنا اسم من هذه الأسماء، وأردنا أن نعرف مدلوله في عالم الواقع أشرنا إلى الشخص ~~المسمى بذلك الاسم، لكن إلى جانب أسماء الأعلام هذه توجد ألوف من أسماء كلية مثل ~~إنسان وشجرة ومنزل وكتاب، ماذا تعني كلمة «إنسان» مثلا؟ أو بعبارة أخرى: ما المسمى ~~الذي تشير إليه هذه الكلمة؟ هبني زعمت لك أني قابلت «إنسانا» في الطريق، فستفهم عني ~~ما أريد، دون أن يكون في مستطاعك أن تعلم أي فرد من أفراد الناس قابلت في الطريق؛ لأن ~~كلمة «إنسان» تنطبق على هذا وهذا وذلك من أفراد الناس، وإذن فهي كلمة بغير مدلول ~~متعين، هي اسم بغير مسمى معلوم في عالم الأشخاص، ولهذا وجد الفلاسفة المثاليون ~~أنفسهم مضطرين إلى ms057 افتراض وجود كائن عقلي يضاف إلى الأفراد المشخصة، هو الذي نقصد ~~إليه، ونسميه حين نستخدم كلمة «إنسان»، وهكذا قل في «شجرة» و«منزل» و«كتاب» وألوف ~~الأسماء الكلية الأخرى، وبهذا نخلق لأنفسنا عالما بأسره إلى جوار عالمنا هذا الذي ~~يحيط بنا ونعيش فيه، عالم الأفراد الجزئية. # أقول إن الفلاسفة المثاليين قد اضطروا إلى هذا الفرض، على أساس أن لكل كلمة من ~~كلمات اللغة مدلولها، وإلا لكانت لغوا باطلا، وما دامت هذه الكلمات الكلية مفهومة ~~المعنى حين ترد في الحديث ، فلا بد أن يكون لها مدلولاتها، ثم ما دمنا لا نجد هذه ~~المدلولات في عالم الجزئيات، فلا بد لنا من افتراض عالم فكري يحتوي على مدلولات تلك ~~الكلمات الكلية. # وقد كانت هذه تكون نتيجة سليمة لو صحت مقدماتها، وهي أن الكلمات الكلية «أسماء»، ~~وإذن فلا محيص لنا عن افتراض وجود مسميات لها، لكن ها هنا يأتي «رسل» بتحليله ~~المنطقي لهذه الكلمات ليدل به على أن الكلمة منها ليست اسما، بل هي «وصف»، وقد يوجد ~~الفرد الذي يوصف بذلك الوصف، وقد لا يوجد، أو بعبارة أخرى، كلمة مثل «إنسان» هي في ~~الحقيقة عبارة وصفية بأسرها، وليست العبارات الوصفية بذاتها دليلا على وجود أفراد ~~لها؛ إذ في مستطاعي أن أنسج من الخيال عبارة وصفية لا تنطبق على أي فرد من أفراد ~~العالم الواقع. # قارن بين عبارة تحدثك عن فرد واحد مثل «العقاد مستقيم على ساقين»، وعبارة تحدثك ~~عن اسم كلي مثل: «الإنسان مستقيم على ساقين» تجد أن العبارة الأولى قضية ذرية بسيطة ~~تقابلها واقعة ذرية بسيطة، بحيث إذا أردت التحقق من صدقها كان عليك - وفي مستطاعك - ~~أن تقارن القضية التي هي بمثابة الصورة اللفظية بالواقعة التي هي بمثابة الحقيقة ~~المصورة، كان عليك - وفي مستطاعك - أن تقصد إلى الفرد الواحد الذي يسمونه بالعقاد ~~لترى إن كان حقا يستقيم على ساقين كما تزعم الصورة اللفظية أو لم يكن، فإن كان ~~صدقت القضية وإلا فقد كذبت. # أما إذا أردت التحقق من صدق العبارة الثانية «الإنسان مستقيم على ساقين»، ms058 فلن يكون ~~أمامك سبيل إلى ذلك إلا أن تقع على فرد من مجموعة الأفراد الذين ينطوون جميعا تحت ~~كلمة «إنسان»، وإذن فأنت بمثابة من يحلل كلمة «إنسان» إلى صورة كهذه: «س إنسان» و«س ~~مستقيم على ساقين»، أعني أنك بمثابة من يقول إنه لا سبيل إلى تحقيق ما يقال عن ~~«الإنسان» إلا إذا وجدت له أفرادا أولا، ثم بعد ذلك ترى إن كان لهؤلاء الأفراد من ~~الصفات ما هو مزعوم لهم في العبارة الأصلية. # وهذه الصورة الرمزية «س إنسان» التي لا بد فيها من أن يتبدل مجهولها «س» بمعلوم من ~~الأفراد الحقيقيين في دنيا الواقع، قبل أن ننتقل إلى الخطوة الثانية، وهي النظر إلى ذلك ~~الفرد المعلوم الذي سنملأ باسمه مكان الرمز «س» لنرى إن كان ذلك الفرد يتحقق فيه أنه ~~مستقيم على ساقين، أقول إن هذه الصورة الرمزية ليست قضية كاملة، بدليل أنها تفقد شرط ~~القضية، الذي هو إمكان التحقق من صدقها أو كذبها، وبديهي أنك لا تستطيع هذا ما دام ~~موضوع الحديث رمزا مجهولا هو «س»، لا، ليست هذه الصورة الرمزية بقضية كاملة، بل هي ~~ما يسميه «رسل» ب «دالة قضية»، # 46 # ولما كانت دالة القضية لا يكون لها معنى بذاتها، حتى نستبدل فيها بالرمز ~~المجهول اسما معلوما، تبين الفرق الشاسع بين عبارة تحدثك عن فرد وأخرى تحدثك عن ~~كلمة كلية. # الكلمة الكلية بمثابة عبارة ناقصة، هي وصف ينتظر الفرد المعين الذي يوصف به، وقد ~~لا يكون لمثل هذا الفرد وجود، وعندئذ تظل الكلمة الكلية بغير مدلول، وإذن فالذين ~~يستنتجون من مجرد تحدثنا عن كلمات دالة على أوصاف عامة وجود كائنات تكون بمثابة ~~المسميات لتلك الكلمات، قد أخطئوا لخلطهم بين القضية ودالة القضية، فالجملة المحتوية ~~على كلمة كلية، أي على عبارة وصفية (لأن الكلمة الكلية هي في حقيقتها عبارة وصفية) هي ~~دالة قضية، أعني أنها رمز ناقص، ولا يجوز الحكم عليها بصدق أو بكذب إلا إذا رددناها ~~أولا إلى قضية بأن نملأ مكان الرمز المجهول باسم فرد معلوم، لو ms059 قلنا عبارة كهذه مثلا ~~عن «الإنسان»: «الإنسان فان»، وأردنا أن نجعل منها رمزا كاملا في دلالته، تحتم ~~علينا أن نضع مكان الكلمة الكلية «إنسان» اسم علم يدل على فرد معين مثل «العقاد»، ~~وعندئذ فقط يصبح الكلام مما يجوز التحقق من صدقه أو كذبه؛ إذ في مستطاعنا الرجوع ~~إلى عالم الواقع، لنجد فيه فردا اسمه «العقاد» فنلاحظه لنعلم إن كان فانيا حقا كما ~~تزعم لنا العبارة الأصلية، وبهذا نكون قد تخلصنا من كلمة «إنسان»، على حين أننا إذا ~~أبقينا كلمة «إنسان» على حالها، وظللنا نصفها بكذا وكذا، ثم رجعنا إلى عالم الأفراد ~~المحسوسة، ولم نجد بينها هذا «الإنسان» العام الذي ليس فردا بذاته من الأفراد، شطح بنا ~~الوهم إلى افتراض وجود كائن عقلي هو الذي نعنيه بكلمة «إنسان» الكلية، وافتراض أن وجود ~~ذلك الكائن الموهوم يقتضي عالما عقليا يقوم فيه، كما فعل أفلاطون مثلا في نظرية ~~المثل، هكذا نبتر بنصل أوكام مسميات الألفاظ الكلية، إذ لم نعد نرى ضرورة تستلزم ~~افتراض وجود هذه الكائنات. # معرفة الأفراد الجزئية هي معرفة بالاتصال المباشر، ومعرفة الكليات هي معرفة بالوصف، ~~ولا بد لكل معرفة بالوصف أن ترتد إلى معرفة بالاتصال المباشر إذا ما أردنا التثبت ~~من صدق دلالتها، فإن وجدنا أن التركيبة العقلية الوصفية المتمثلة في لفظة كلية لا تنطبق ~~على أفراد جزئية مما يقع في عالم الواقع لم يجز لنا أن نفرض لتلك التركيبات العقلية ~~مدلولات خارجية، وتحتم علينا أن نبقيها هكذا على حالها تركيبات منطقية بغير ~~مدلولات جزئية، فتظل رموزا ناقصة غير ذات معنى كامل، حتى تجد الأفراد الجزئية التي ~~تجعل لها معنى، فإن استحال بحكم التركيبة الوصفية نفسها أن تجد لها أفرادا جزئية مما ~~يمكن الوقوع عليه بالخبرة المباشرة، كانت تلك التركيبة الوصفية كائنا ميتافيزيقيا، ~~ووجب حذفها؛ لأنها يستحيل أن تكون بين مقومات العالم. # من هذه الكائنات الميتافيزيقية الواجب حذفها لاستحالة وقوعها في الخبرة المباشرة، ~~تلك العناصر التي افترض الفلاسفة - بل التي افترض رجل الشارع بإدراكه الفطري - أنها ~~قائمة في الأشياء لتلتف ms060 حولها ظواهر تلك الأشياء، وأضرب لذلك مثلا للتوضيح فأقول: ~~هذه منضدة أمامي، أفترض فيها أنها «شيء مادي» على درجة تزيد أو تقل من الثبات ~~والدوام، فهي اليوم ما كانت بالأمس وما ستكون غدا، فماذا يأتيني منها في تيار خبرتي ~~المباشرة؟ كل ما يأتيني منها لمعات متلاحقة من اللون تختلف درجة لمعانها باختلاف الضوء ~~الساقط عليها، وباختلاف وقفتي منها، ودرجات من الصلابة أحسها حين أضغطها بأصابعي، ~~ودرجات من الصوت أسمعها إذا ما نقرتها بيدي أو بغيرها وهكذا، إن سطحها المستطيل ~~لتختلف «استطالته» باختلاف الزاوية التي أنظر إليه منها، وإذن فالذي يأتيني منها في ~~خبرتي المباشرة هي هذه المعطيات الحسية التي تجيء متتابعة في مجموعات يختلف بعضها ~~عن بعض كثيرا أو قليلا، لكني إذا أردت التحدث عنها، فأردت مثلا أن أقول إن الدواة ~~قائمة عليها، تراني مسوقا بفطرتي إلى جعلها «شيئا» متماسكا صلبا ثابتا أطلق ~~عليه كلمة واحدة لتكون له اسما، ثم أشير إلى هذا الاسم في حديثي، فأقول - مثلا - ~~الدواة على المنضدة، كأنما «المنضدة» وكأنما «الدواة» شيئان ثابتان، وكأنهما ليستا مجرد ~~«تركيبتين» من مجموعة معطيات حسية جاءتني عن طريق هذه الحاسة أو تلك. # ولما وجد الناس، بل لما وجد الفلاسفة، أنفسهم يتحدثون عن «الأشياء» على هذا النحو، ~~بحيث يجعلون «للشيء» كيانا واحدا، ثم لما أدركوا تغير ظواهر الشيء بتغير وجهات النظر ~~إليه، زعموا أن «للشيء» عنصرا أو جوهرا ثابتا تتعلق به تلك الظواهر المتغيرة، وهذا ~~العنصر أو هذا الجوهر الثابت هو الذي أعنيه حين أستخدم كلمة واحدة أسميه بها، وإذن ~~فليس معنى كلمة «منضدة» عندهم هو هذه اللمعات اللونية، وهذه اللمسات بالأصابع، بل هو ~~ذلك المركز الخفي الذي لا تدركه الحواس، ومع ذلك يرون أنفسهم مضطرين إلى افتراض ~~وجوده ليستقيم لكلامهم معناه، وليستقيم للأشياء وجودها وثباتها ودوامها. # وبهذا تعددت الكائنات، ففي العالم - في رأي هؤلاء الفلاسفة وفي رأي رجل الشارع ~~صاحب الإدراك الفطري - جانبان: ظاهر وحقيقة، أو قل: فيه مجموعتان من الكائنات؛ مجموعة ~~المعطيات الحسية العابرة المتغيرة، ومجموعة العناصر التي تحفظ ms061 للأشياء ذاتيتها ~~وكيانها. # وتطبيقا لمبدأ «نصل أوكام» الذي نبتر به كل كائن نفرض وجوده بغير موجب يدعو ~~بالضرورة إلى ذلك الفرض، ينتهي «رسل» إلى الاكتفاء في تفسيره للعالم بمجموعات ظواهره، ~~مستغنيا عن «العنصر» أو «الجوهر» أو «النواة» التي كان يفرض وجودها في كل «شيء» ~~ليسهل تصوره «شيئا» متصل الوجود، وإذن «فالمنضدة» عند «رسل» هي ظاهرتها الحسية ~~تتجمع في مجموعات لا يربطها رباط سوى «وجهة النظر» إليها، إننا مضطرون إلى ~~الاكتفاء بهذه الظاهرات ما دمنا نحدد أنفسنا بحدود خبراتنا المباشرة؛ لأن هذه ~~الظاهرات وحدها هي التي تجيء عن طريق الخبرة المباشرة، وأعود فأذكرك بنوعي القضية ~~عند «رسل»: قضية ذرية، وقضية مركبة، وبأن القضية الذرية البسيطة وحدها هي التي يمكن ~~التحقق من صدقها، فإذا كان لدينا قضية مركبة وجب تحليلها إلى أجزائها الذرية لنقابل ~~بين كل جزء وبين ما يقابله من واقعة بسيطة في العالم الخارجي، وإذا كان ذلك كذلك، فكل ~~جملة أقولها لك عن «شيء» ما، كقولي مثلا إن المنضدة مستطيلة؛ لا بد من تحليلها إلى ~~أجزائها الذرية، وتحليل «المنضدة» إلى العناصر الأولية التي منها تركبت في ذهني ~~«شيئا»، يقتضيني أن أفتتها إلى المعطيات الحسية المتعاقبة التي جاءتني منبعثة منها، ~~بحيث أنتهي إلى سلسلة طويلة من قضايا ذرية، الواحدة منها تكون على هذه الصورة الآتية أو ~~ما يشبهها «هذه اللمعة الضوئية مستطيلة» إلخ؛ إذ من سلسلة اللمعات الضوئية، وما إليها ~~من معطيات حسية أقيمت «التركيبة» المنطقة التي أطلقت عليها كلمة «منضدة». # وهكذا قل في «الذات» الإنسانية؛ فكما جاءتك من «المنضدة» معطيات حسية متعاقبة، هي ~~كل ما جاءك منها، ثم تبرعت من عندك إسرافا بعنصر غيبي يمسك هذه الظاهرات بعضها ببعض؛ ~~ليجعل منها «شيئا» واحدا، فكذلك في الفرد من الناس، «كالعقاد» مثلا، كل ما جاءك منه، ~~بل كل ما يمكن أن يجيئك منه، معطيات حسية متعاقبة من لون وصوت إلخ، فلو اقتصرت على ~~خبرتك المباشرة عنه، لقلت إن اسم «العقاد» إنما يطلق على سلسلة طويلة من هذه المعطيات ~~الحسية، لكنك هنا أيضا ms062 تتبرع له إسرافا بعنصر غيبي تفرض وجوده داخل كيانه ليمسك تلك ~~الظاهرات الجزئية في فرد واحد له وجود متصل ثابت، و«نصل أوكام» الذي نبتر به هذه ~~الكائنات الزائدة التي نسرف في افتراض وجودها، يقتضينا أن نتخلص من هذه الفروض التي ~~ليس لها ضرورة منطقية تقتضيها. # 47 # المحور الأساسي الذي يدور حوله المجهود الفلسفي عند «رسل» هو - كما أسلفنا - أن ~~يتعقب بالتحليل صنوف الكائنات التي يفرض الناس وجودها، حتى يرد منها ما يمكن رده ~~إلى سواها، بحيث ينتهي آخر الأمر إلى أقل عدد ممكن من تلك الكائنات، أعني الكائنات ~~الأولية التي ندركها بالخبرة المباشرة، والتي لا بد من الاعتراف بوجودها أساسا ~~للكون، ولمعرفتنا بالكون، وقد بدأ «رسل» حياته الفلسفية بالتسليم بوجود عدد من هذه ~~الكائنات الأولية؛ إذ سلم في كتابه «مشكلات الفلسفة» بوجود «المعاني الكلية» و«العلاقات ~~الكائنة بين الأشياء» و«الذات الإنسانية» إلى جانب تسليمه بالمعطيات الحسية؛ ظنا منه ~~عندئذ أن المعطيات الحسية وحدها لا تغني عن افتراض وجود تلك الأوليات المزعومة، لكنه ~~راح بعدئذ يحلل هذه الأشياء ليجد أن بعضها فروض زائدة يمكن الاستغناء عنها بغيرها، ~~فالذات الإنسانية فرض لا ضرورة له ما دام التزامنا بالمعرفة اليقينية يقتضينا أن نقف ~~عند الخبرة الحسية المباشرة، وليس في هذه الخبرة المباشرة «ذات»، بل كلها معطيات حسية ~~تأتينا من صاحب تلك «الذات» المزعومة، و«المعاني الكلية» لا ضرورة لافتراض وجودها ~~كائنات مستقلة قائمة بذواتها ما دام المعنى الكلي يمكن تحليله إلى صيغة رمزية تعتمد على ~~الأفراد الجزئية في اكتسابها لمعناها، وهكذا. # فكأنما السؤال الرئيسي الذي ألقاه «رسل» على نفسه ليجيب عنه جوابا يكون صميم ~~فلسفته، هو هذا: «ما هو أقل عدد ممكن من الأشياء البسيطة التي نقبلها بغير تعريف لتكون ~~لنا نقطة ابتداء، وما هو أقل عدد ممكن من المقدمات التي نقبلها بغير برهان، بحيث ~~يمكننا من تلك الأشياء وتلك المقدمات أن نعرف الأشياء التي هي بحاجة إلى تعريف، وأن ~~نقيم البرهان على الأشياء التي هي بحاجة إلى برهان؟» # 48 # ولماذا يريد أن يصل إلى ms063 الحد الأدنى من الأوليات التي لا تحتاج إلى تعريف ~~أو برهان؟ يريدها لتكون له بمثابة البداية المؤكدة التي يمكن أن نستدل منها بعدئذ ~~سائر المعرفة استدلالا - لو كان في ذاته سليما - انتهى بنا إلى نتائج مؤكدة أيضا، أو ~~بعبارة أخرى، إن وصولنا بالتجليل إلى أوليات المعرفة يضمن لنا الحد من الأخطاء التي ~~يمكن أن نتعرض لها، «فافرض مثلا أنك قد أقمت علمك الفيزيقي على عدد معين من الكائنات ~~وعدد معين من المقدمات، ثم افرض بعد ذلك أنك تستطيع بقليل من البراعة أن تستغني عن نصف ~~تلك الكائنات ونصف تلك المقدمات، فإنك بغير شك تستطيع بذلك أن تقلل من استهدافك ~~للخطأ؛ ذلك لأنه لو كان عندك في البداية عشرة كائنات وعشر مقدمات، فإن الخمسة التي ~~تستبقيها ستكون على حالها من حيث سلامتها من الخطأ، لكن العكس غير صحيح، أي إنه إذا ~~كانت الخمسة التي استبقيتها بمنجاة من الخطأ، فالعشرة الأولى لا يتحتم أن تكون كذلك ~~بمنجاة من الخطأ، وعلى ذلك فإنك تقلل من خطر الوقوع في الخطأ كلما قللت من عدد ~~الكائنات والمقدمات، إنني حين تحدثت عن المنضدة، فقلت عنها إنني لن أفترض لها وجود ~~عنصر دائم تنطوي عليه ظواهرها، فقد كان ذلك مثالا لهذا الذي أقوله الآن؛ ذلك لأنه في ~~كلتا الحالتين [حالة افتراض وجود العنصر الذي تتعلق به الظواهر، وحالة افتراض عدم ~~وجوده، وأن ليس هناك إلا ظواهر تتعاقب]، أمامنا الظواهر المتعاقبة، فإذا استطعت أن ~~تمضي إلى النهاية بغير افتراض وجود المنضدة الميتافيزيقية الدائمة، فإن خطر الخطأ يكون ~~أقل منه في الحالة الأولى، لكن لا بد أن نلاحظ أن خطر الخطأ لا يقل بالضرورة إذا أنت ~~أخذت على نفسك أن تنكر وجود المنضدة الميتافيزيقية، تلك هي ميزة «نصل أوكام»؛ إذ إنه ~~يقلل خطر الوقوع في الخطأ». # 49 ~~(4) الإنسان ظاهرا وباطنا # 50 # يقول رسل في مقدمة كتابه «تحليل العقل» ما يأتي: «هذا الكتاب نتيجة محاولة أردت بها ~~أن أوفق بين اتجاهين مختلفين؛ أحدهما اتجاه في علم النفس، والآخر في علم ms064 الطبيعة؛ ~~إذ أراني عاطفا على الاتجاهين معا، ولو أنهما عند النظرة الأولى قد يبدوان ~~متعارضين، فمن جهة يميل كثير من علماء النفس - وبخاصة أتباع المدرسة السلوكية - نحو ~~موقف هو في جوهره مادي، على الأقل في منهجه إن لم يكن كذلك في أصوله الميتافيزيقية؛ فهم ~~يجعلون علم النفس مرتكزا على علم وظائف الأعضاء وعلى الملاحظة الخارجية، وهم يميلون ~~إلى النظر إلى المادة على أنها شيء أكثر صلابة وأبعد عن الشك من العقل، لكن علماء ~~الطبيعة في الوقت نفسه - وخصوصا أينشتين وغيره من أنصار نظرية النسبية - ماضون شيئا ~~فشيئا في جعل «المادة» أقل مادية مما كانت، وعالمهم يتألف من «حوادث» منها نشتق ~~«المادة» بطريقة التركيب المنطقي ... # والنظرة التي توفق - فيما يبدو لي - بين الاتجاه المادي في علم النفس وبين الاتجاه ~~اللامادي في علم الطبيعة هي النظرة التي أخذ بها وليم جيمس وأصحاب الواقعية الجديدة ~~من الأمريكيين، وهي نظرة مؤداها أن «هيولى» العالم لا هي بالعقلية ولا بالمادية، بل ~~هي «هيولى محايدة» منها يتكون العقل والمادة كلاهما، وقد حاولت في هذا الكتاب أن ~~أتوسع في هذه النظرة في شيء من التفصيل بالنسبة إلى الظواهر التي هي موضوع البحث في ~~علم النفس.» # 51 # ولئن كان هذا الوصف برنامجا لكتابه «تحليل العقل»، فهو كذلك صورة مختصرة لرأي «رسل» ~~في الإنسان؛ لأنه في رأيه هذا يمزج بين النظرتين؛ النظرة التي تجعل من الإنسان سلوكا ~~صرفا يخضع للملاحظة الخارجية، والنظرة التي تجعل بعض جوانب الإنسان أحداثا نفسية ~~يدركها صاحبها بالملاحظة الباطنية دون أن تظهر إلى المشاهد الخارجي في صورة سلوكية، ~~فالإنسان تتناوله بالبحث طائفة من علوم، فيتناوله التاريخ الطبيعي باعتباره حيوانا ~~كسائر الحيوان له موضعه من سلسلة التطور، ويتناوله علم وظائف الأعضاء باعتباره جسدا ~~يرد على البيئة المحيطة به ردودا تحفظ له الحياة، ويتناوله علم الاجتماع باعتباره ~~عضوا في جماعات مختلفة كالأسرة والأمة، ويتناوله علم النفس باعتباره فردا يسلك ~~ضروبا معينة من السلوك، وفي مستطاعه أن يتجه بانتباهه إلى باطن نفسه؛ ليدرك ما يدور ~~في نفسه، ولا ms065 ريب في أن هذه الملاحظة الباطنية التي يقوم بها الإنسان إزاء نفسه هي التي ~~أوحت إلى الناس بالرأي التقليدي الذي يفرق بين العقل والجسم، فالجسم هو جانبنا الذي ~~يستطيع أن يشهده الآخرون، والعقل هو جانبنا الخاص الذي لا يستطيع إدراكه إلا ~~صاحبه. # وقد جرى العرف بين الكثرة الغالبة من الفلاسفة بأن «المعرفة» شيء باطني ينظر إليه من ~~الداخل، فنلاحظه في أنفسنا بأنفسنا، وليس هو بالظاهرة البادية التي يستطيع مشاهدتها ~~الآخرون، وقد شاء لنا حسن الحظ أن يكون الناس في حيواتهم اليومية أكثر موضوعية وأقرب ~~إلى الواضع من هؤلاء الفلاسفة، فتراهم ينظرون إلى «المعرفة» نظرتهم إلى الشيء الذي ~~يمكن أن يشاهد ويختبر، ومن ثم كانت الامتحانات مثلا، وكان اهتمامنا بالطرائق ~~التي يرد بها الناس على العوامل المختلفة في بيئاتهم، فهذه الردود التي ترد بها على ~~بيئتك هي نصيبك من «المعرفة». # فإذا أردنا تحليل «المعرفة» البشرية، كان حتما علينا أن نحلل ما يحدث حين يرد ~~الإنسان على بيئته في موقف معين، ولنضرب لذلك مثالا: هبك تشاهد سباقا، فصحت في ~~اللحظة المناسبة قائلا: «بدأ السباق»، فإن هذه الصيحة منك هي رد على حوادث بيئتك، ~~فما الذي حدث حتى انتهى بك الأمر إلى هذه الصيحة؟ حدثت حادثات تقع في أربع ~~مراحل: ~~(1) # انتقلت موجات ضوئية من مصدر خارجي إلى عينيك. ~~(2) # واهتزت الأعصاب بين العينين والمخ. ~~(3) # وحدثت حوادث في المخ. ~~(4) # وانتقلت اهتزازات من المخ إلى حلقك ولسانك، فكانت منك تلك الصيحة ~~... # والمرحلة الأولى من هذه المراحل الأربع تتبع علم الطبيعة؛ لأنها تابعة لعلم الضوء، ~~والمرحلتان الثانية والرابعة تتبعان علم وظائف الأعضاء، وأما المرحلة الثالثة فهي وإن ~~تكن كذلك مما يجوز أن يبحثه علم وظائف الأعضاء، إلا أن علم النفس قد تناولها، وجعلها ~~جزءا من ميدان بحثه، ولعله فعل ذلك حين قصر علم وظائف الأعضاء في مدى دقته العلمية ~~بالنسبة إلى ما يجري في المخ من حادثات ... هذه المراحل الأربع في تلك الحادثة، وإن تكن ~~شديدة التعقيد في تفصيلاتها، إلا أنها أبسط ما يمكن ضربه من أمثلة ms066 على عمليات ~~المعرفة البشرية. # كان الرأي القديم أميل إلى قسمة تلك المراحل التي نجتازها في عملية المعرفة التي ~~ندرك بها حوادث البيئة ونرد عليها، قسمين مختلفين؛ هما «الإدراك» من جهة، ~~و«الإرادة» من جهة أخرى، فبالأول «نعرف» وبالثانية «نفعل»، على أن «الإدراك» ~~و«الإرادة» كليهما عمليتان «عقليتان» لا تقتصران على أن تكونا مجرد سلسلة من حركات ~~في موجات الضوء، أو في أعصاب الجسد، وكانت العلاقة التي تصل تلك العمليات «العقلية» ~~بالجهاز العصبي لغزا يحير الفلاسفة، أما «رسل» فرأيه أن اللغز قد زال عنه السر، # 52 # وأن موضوع «المعرفة» هو في طريقه إلى الانتقال من مجال التخمين إلى مجال ~~الدقة العلمية، و«الإدراك» و«الإرادة» مرحلتان من عملية واحدة، وما هذه العملية ~~الواحدة سوى «فعل» وحركة في هذا الجزء أو ذاك، وليس الأمر أمر تأمل أو ضرب في غيب ~~مجهول. # وقد أراد السلوكيون في علم النفس - وعلى رأسهم واتسن - أن يعللوا ضروب المعرفة ~~كلها، عند الإنسان والحيوان على السواء، بمبدأ واحد، وهو مبدأ «الأفعال المنعكسة ~~الشرطية»، أو «ردود الأفعال المكتسبة»، ونصه كما يلي: «إذا تعرض جسم حيوان أو جسم ~~إنسان مدة كافية لمؤثرين، فإن أحدهما يصبح كافيا وحده لاستدعاء الرد الذي كان ~~يستدعيه المؤثر الثاني.» وموقف رسل إزاء هذا المبدأ في تعليل «المعرفة» هو أنه لا يراه ~~وحده كافيا لتعليل المعرفة بشتى ضروبها، لكنه يوافق على أنه مبدأ غاية في الأهمية؛ ~~لأنه يفسر شرطا كبيرا جدا من عمليات التعلم، وهو ينظر إليه على أنه الصورة الحديثة ~~لمبدأ قديم، هو مبدأ «ترابط المعاني» أو «تداعي الأفكار» الذي كانت له أهمية بالغة في ~~الفلسفة، وفي الفلسفة الإنجليزية بنوع خاص، غير أن هذا المبدأ قد ظهر الآن على ضوء ~~مبدأ الأفعال المنعكسة الشرطية، فانطوى تحته باعتباره أحد نتائجه. # ذلك أن المبدأ الجديد - مبدأ الأفعال المنعكسة الشرطية - يشمل ميدانا أوسع جدا من ~~الميدان الذي يشمله مبدأ «تداعي الأفكار» القديم؛ فالذي «يتداعى» أو «يترابط» بعضه مع ~~بعض ليس «أفكارا»، بل «حركات جسدية»، وأول ما يمتاز به هذا النظر الجديد هو ms067 أن الحيوان ~~يدخل مع الإنسان في تفسير واحد إذا كان التعلم عند كليهما حركات جسدية تترابط؛ ~~لأن «الأفكار» إن جازت بالنسبة للإنسان فافتراضها في الحيوان إمعان في التخمين، هذا ~~إلى أن الحركات الجسدية يمكن إخضاعها للملاحظة الخارجية، على حين أن «الأفكار» لا سبيل ~~إلى ملاحظتها إلا من الداخل، بحيث يلاحظ الإنسان نفسه دون أن يتاح لغيره أن يشاركه ~~في تلك الملاحظة. # وإذن فهو كسب علمي كبير أن نرد «المعرفة» الإنسانية إلى وحدات حركية تترابط، أي أن ~~نردها إلى عادات جسدية، فنستغني بذلك عن «العقل» وما يحيط بافتراض وجوده من إلغاز ~~وغموض لا تدعو إليهما ضرورة علمية، غير أن «رسل» لا يريد أن يندفع وراء السلوكيين إلى ~~آخر المدى؛ إذ تراه يتحفظ فيقول: إن ردود الأفعال المكتسبة أحيانا لا تفسر بعض ~~ظواهر السلوك، فمثلا رائحة الفلفل تسبب عطاسا، فإذا ما ربطنا بين الفلفل نفسه وبين ~~كلمة «فلفل»، ثم غاب الفلفل وبقيت الكلمة وحدها، فإنها لا تسبب العطاس عند قارئها أو ~~سامعها، مع أنها كان ينبغي أن تحدث هذا الأثر لو صدق قانون الأفعال المنعكسة ~~الشرطية صدقا مطلقا. وكذلك هنالك من الأفعال - في رأي رسل - ما يأتي نتيجة للحدس ~~(أو البصيرة)، ولا يكون فعلا منعكسا. # 53 # ومهما يكن من أمر الأفعال المنعكسة الشرطية من حيث كفايتها أو عدم كفايتها لتفسير ~~السلوك بشتى ضروبه، فهي مميز واضح يميز الكائنات الحية من الأشياء الأخرى التي تشترك ~~مع تلك الكائنات في القدرة على الإحساس بالبيئة المحيطة، فليست الكائنات الحية وحدها هي ~~التي تستطيع أن تحس ما حولها وترد عليه ردودا مناسبة؛ فللآلات العلمية - مثلا - ~~كمقاييس الضغط والحرارة، حساسية دقيقة؛ ذلك أننا نصف الشيء بالحساسية لمؤثر معين إذا ~~كان سلوكه في حضور ذلك المؤثر يخالف سلوكه في غيابه، فلوحة آلة التصوير حساسة للضوء، ~~والبارومتر حساس للضغط الجوي، والترمومتر حساس للحرارة وهكذا، حتى ليجوز لنا القول في ~~هذه الحالات وأمثالها إن الآلة «تدرك» إدراكا حسيا ذلك المؤثر الذي أعدت الآلة ~~لتكون حساسة له، غير أننا نقول ذلك ms068 على سبيل المجاز، ونشعر بأن الإدراك الحسي عند ~~الكائن الحي يختلف عنه في الآلة العلمية، فأين يكون موضوع الاختلاف؟ # الجواب التقليدي عن هذا السؤال هو أن الكائن الحي يختلف عن الآلة العلمية الحساسة ~~لمؤثراتها بما لدى الكائن الحي من «شعور»، لكن هذا الجواب - سواء أخطأ أو أصاب - قائم ~~على استدلال لا على ملاحظة موضوعية خارجية؛ لأنك لا ترى «شعورا» في الكائن الحي الذي ~~يسلك سلوكا يرد به على بيئته نتيجة لما تلقاه من تلك البيئة من مؤثرات، أما ~~الإجابة التي تعتمد على الملاحظة الموضوعية وحدها، فهي أن الكائن الحي يختلف في «إدراكه ~~الحسي» عن الآلة العلمية بأنه حساس لمجموعة منوعة من المؤثرات، على حين أن الآلة ~~العلمية يغلب أن تكون حساسة لمؤثر من نوع واحد، فعلى الرغم من أن الآلة العلمية قد ~~تكون أشد حساسية من حاسة الإنسان المختصة بإدراك نفس الأثر الذي تحسه تلك الآلة ~~العلمية، فلوحات آلات التصوير تلتقط من المرئيات البعيدة ما لا تستطيع التقاطه عين ~~الإنسان، والترمومتر يسجل من الاختلافات في درجات الحرارة ما يعجز عن إدراكه الإنسان ~~بحاسة لمسه، وهكذا. أقول إنه على الرغم من ذلك، فإنه ليس من سبيل إلى ربط الصلات ~~بين آلة التصوير الميكروسكوبية والميكروفون والترمومتر إلخ، في كائن واحد يرد بطريقة ~~مطردة على مجموعة المؤثرات المختلفة التي تتلقاها «حواسه»، مع أن للإنسان هذه ~~القدرة على ربط الصورة المرئية بالصوت المسموع وبالإحساسات اللمسية. # على أن هذا الفارق بين الكائن الحي وبين الشيء المادي الحساس قد يعترض عليه بأننا ~~قد نصل بمقدرتنا العلمية في المستقبل إلى حد يمكننا من صنع الجهاز الآلي الذي ~~يشتمل على مجموعة «الحواس» في آن واحد، ويربط تأثراتها ربطا شبيها بما يتم عند ~~الكائن الحي، فها هنا نضيف فارقا آخر - لعله الفارق الأساسي، أو ربما كان الفارق ~~الوحيد - بين الكائن الحي والآلة الحساسة، وهو القدرة على القيام بأفعال منعكسة شرطية، ~~فانظر - مثلا - إلى آلة أعدت لتكون حساسة للقروش، بحيث يوضع فيها القرش فترد ~~عليه بإخراج قطعة من الحلوى، ثم ms069 حاول أن تكون فيها فعلا منعكسا شرطيا، بحيث ~~يكفي أن تبرز أمامها قرشا، أو تنطق أمامها بكلمة قرش لتخرج لك قطعة الحلوى، فالأفعال ~~المنعكسة التي تؤديها الآلة ستظل دائما أفعالا مباشرة لا يمكن أن تتم إلا نتيجة ~~للمؤثر الأصلي، وما كذلك الكائن الحي، الذي إذا قرنت له الطعام بصوت الجرس عدة مرات، ~~كان صوت الجرس بعد ذلك كافيا وحده لإحداث رد الفعل، وهو إفراز اللعاب. # الأفعال المنعكسة الشرطية، أو ردود الأفعال المكتسبة، هي من أهم المبادئ التي تستطيع ~~بها أن تفهم الإنسان فهما يقوم على التجارب العلمية، ولا يعتمد على الضرب في غيب ~~مجهول وروحانيات غامضة ملغزة، لكن «رسل» على الرغم من أنه يتجه هذا الاتجاه في تفسير ~~الإنسان وسلوكه، إلا أنه لا يراه وحده كافيا، ومن الجوانب التي يقصر فيها ذلك المبدأ ~~عن التعليل المقبول - في رأي «رسل» - جانب الذاكرة؛ كيف يتذكر الإنسان حادثا ~~مضى؟ # تستعمل كلمة «الذاكرة» بمعان مختلفة، فهي أحيانا تستعمل بمعنى واسع حين يراد ~~بها القدرة على تكرار عادة اعتدناها، فأنت مثلا تستعين بالذاكرة على ربط رباط ~~الرقبة، وعلى السباحة والمشي والكلام، لكنها أحيانا أخرى تستعمل بمعنى ضيق، بحيث ~~يراد بها القدرة على استعادة حادثة مضت، فبينا ترى المعنى الواسع للكلمة يبيح للناس ~~أن يستخدموها في حالة الحيوان - كالكلب مثلا - حين «يتذكر» وجه صاحبه، أو يتذكر اسمه ~~حين ينادي به، بل يبيح لهم أن يعللوا الأفعال الغريزية بالذاكرة؛ إذ هي في رأيهم ~~تذكر الفرد الواحد لتجارب أسلافه، وإن «دارون» ليذهب في هذا الاستعمال للكلمة ~~بمعناها الواسع إلى حد يستبيح معه لنفسه أن يتحدث عن «ذاكرة النبات»، ترى فيلسوفا ~~مثل «برجسون» يرفض هذا الاستعمال للكلمة، ولا يجعل «العادة» نوعا من الذاكرة، ويصر ~~على أن الكلمة لا تعني معناها الحقيقي، إلا إذا أردنا بها استعادة حادثة وقعت في ~~الماضي، وربما وقعت مرة واحدة، بحيث لم ينشأ عنها «عادة»؛ لأن العادة تتطلب ~~التكرار. # عند أصحاب المذهب السلوكي - وعلى رأسهم الدكتور واتسن - أن «الذاكرة» ليست إلا ~~عادات، حتى ليرون أن ms070 موضوع الذاكرة لا يحتاج إلى دراسة خاصة؛ لأنه فرع من موضوع ~~أشمل هو «العادة»، وحتى ليحرم السلوكي على نفسه أن يستخدم كلمة «ذاكرة»، حتى لا ~~يختلط عليه الأمر، فيظن أن لها معنى خاصا بها غير المعنى المفهوم من كلمة «عادة». # 54 # ومن الأمثلة التي يسوقها السلوكيون ليبينوا أن «الذاكرة» ليست إلا عادة ~~جسدية تكونت، تجربة أجريت على فأر في متاهة، فقد احتاج الفأر في المرة الأولى إلى ~~أربعين دقيقة ليخرج من المتاهة، وبعد خمس وثلاثين محاولة تعلم أن يخرج من المتاهة في ~~ست ثوان دون أن يخطئ مرة واحدة في التماس طريقه داخل المتاهة، ثم أبعد عن ~~المتاهة ستة أشهر، فلما أعيد إليها خرج منها في دقيقتين، وأخطأ في محاولته ست مرات، ~~فهذا مثل يوضح إلى أي حد استطاع الفأر أن يحتفظ بما تعلمه في المرة الأولى. # ومثل تجريبي آخر؛ قرد وضع في صندوق من صناديق التجارب، فاحتاج أول مرة إلى عشرين ~~دقيقة ليفتح الصندوق، وظل القائمون بالتجربة يعيدونه إلى الصندوق مرة بعد مرة، وفي ~~كل مرة يقل الزمن الذي يتطلبه القرد لفتح الصندوق، حتى كانت المرة العشرون استطاع أن ~~يفتحه بعد ثانيتين، ثم أبعد عن الصندوق ستة أشهر، فلما أعيد إليه استطاع أن يفتحه ~~في أربع ثوان. # هكذا يتعلم الحيوان، ويحتفظ بما تعلمه، وإنما الذي تعلمه واحتفظ به هو عادات جسدية، ~~فإن قلنا عن الفأر أو عن القرد إنه بعد ستة أشهر «تذكر» خبرة الماضي، كان معنى قولنا ~~هذا هو أن العادة التي تعودها بقيت لديه، وكذلك الحال في الإنسان؛ فهكذا يتعلم، وهكذا ~~يحتفظ بتجاربه، وفي هذا الاحتفاظ بعاداته التي تعودها يكون ما نسميه بالذاكرة، ولم ~~يكن «برجسون» على صواب حين اعترض بالحادثة التي تحدث مرة واحدة، ويستعيدها الإنسان بعد ~~ذلك؛ لأن «العادة» قد يكفي لتكوينها فعل الشيء مرة واحدة، بحيث إذا عاد المؤثر مرة ~~ثانية عاد الفعل على النحو الذي تم به في المرة الأولى. # هذه خلاصة ما قاله السلوكيون، وهو رأي في الذاكرة لا يوافق عليه رسل ms071 إلا إلى حد ~~محدود، إذ يرى أن هنالك حالات كثيرة يصعب تفسيرها بمجرد الترابط الحركي في الجسد؛ فقد ~~أتذكر حادثة وأعبر عنها بصور لفظية مختلفة، فلو كان التذكر مجرد ترابط آلي ربط بين ~~الحادثة وعادات كلامية، لاقتضى الأمر أن أعبر عن الحادثة الماضية بصيغة كلامية واحدة ~~هي التي اقترنت بها عند حدوثها أول مرة. # إنه إذا كانت الأمانة العلمية تقتضينا ألا نندفع في انتصارنا لمبدأ بعينه - كمبدأ ~~السلوكيين في الأفعال المنعكسة الشرطية وتفسيره للسلوك الإنساني - بحيث نغض النظر عن ~~الاستثناءات التي تعترض إطلاقنا لذلك المبدأ إطلاقا بغير قيد، فإنه كذلك ينبغي لنا ~~ألا نقلل من شأن مبدأ بعينه إذا رأيناه منافيا لما نود أن يثبت صوابه، فما أكثر ~~الناس الذين يتمنون أن يقال لهم عن الإنسان إنه كائن روحاني ملغز، ويكرهون أن يزعم ~~لهم زاعم بألا روحانية في الإنسان ولا إلغاز، وأنه ممكن التفسير والتعليل بمبدأ ~~تجريبي علمي كمبدأ الأفعال المنعكسة الشرطية الذي أخذ به السلوكيون، وموقف «رسل» من هذا ~~المبدأ هو أن يأخذ به إلى آخر حد يستطيع أن يذهب معه إليه، حتى إذا ما بقيت بقية من ~~جوانب الإنسان يتعذر تعليلها بهذا المبدأ، حاول تعليلها على أساس آخر. # فمن أوجه النشاط الإنساني التي كثيرا ما تؤخذ على أنها دليل على أن للإنسان ~~«عقلا»، وأن الإنسان ليس مجرد كائن عضوي يمكن تدريبه بردود الأفعال المكتسبة، بحيث ~~يصبح سلوكه كله بمثابة عادات جسدية، قدرته على استدلال نتيجة من مقدمتها، فتسمع ~~قائلا يقول: كيف يتم هذا الاستدلال إذا لم يكن هنالك «عقل» يستدل؟ إن الآلة مهما دقت ~~لا تستدل شيئا من شيء، ولو كان الإنسان آلة ترد على مؤثرات معينة ردودا معينة ~~بالغريزة أو بالتدريب، لما كان الاستدلال في مقدوره. # لكن انظر إلى الأمر نظرة أدق تجد هذا «الاستدلال» إن كان استدلالا قياسيا من ~~النوع الذي أخذ به أرسطو في منطقه، فهو بمثابة إثبات للحقيقة الواحدة في عبارتين ~~مختلفتين، إذ هو تكرار في النتيجة لما جاء في المقدمة، وليس في هذا ms072 ما يرفع الإنسان ~~عن مستوى الآلات الحاسبة، وأما إن كان استدلالا استقرائيا مستمدا من الخبرة، فهو ~~يرتد إلى الصورة الآتية، وهي: إن «أ» و«ب» ظاهرتان تلازمتا دائما، فالمرجح أنهما ~~سيظلان دائما متلازمين، بحيث إذا وقعت «أ» أمكن الاستدلال بأن «ب» كذلك ستقع معها؛ ~~مثال ذلك أن أرى وضع الورق في النار، واحتراقه متلازمين دائما، فإذا ما وضعت ورقة في ~~النار توقعت لها أن تحترق. # فإن كانت هذه هي صورة الاستدلال الاستقرائي في صميمه، لم يكن الاستدلال سوى صديقنا ~~القديم، وهو قانون الترابط، أو بعبارة أخرى هو قانون الأفعال المنعكسة الشرطية، ونعيد ~~هنا ذكر هذا القانون، وهو أنه إذا استدعى حادث معين ردا معينا، ثم إذا اقترن هذا ~~الحادث بشيء آخر، فإن هذا الشيء الآخر وحده يصبح كافيا لاستدعاء ذلك الرد الذي لم ~~يكن يستدعيه بادئ ذي بدء إلا الحادث الأول، هذا مبدأ ينطبق على الإنسان في جهازه ~~العضلي، وفي إفراز غدده، ومن ثم فهو يفسر ما للإنسان من سلوك وعواطف. فمثلا لو ~~أنزلت الأذى بطفل وثار فيه الغضب منك، فإن مجرد الطلوع عليه بوجهك بعد ذلك كاف ~~لإثارة غضبه، حتى ولو لم تنزل به أذى، ثم يكون اسمك بعد ذلك - الذي سيرتبط عند الطفل ~~بوجهك - كافيا لإثارة سخطه، وإن اقترن اسمك بعد ذلك بصناعة معينة كطب العيون، كان طب ~~العيون وحده مثيرا لسخطه، وقد يقرأ بعد ذلك فلسفة اسبينوزا، فيعلم عن اسبينوزا أنه كان ~~صانعا لعدسات المناظير فيكرهه ويكره فلسفته معه، وقد تنتقل هذه الكراهية إلى الفلسفة ~~كلها، ثم إلى اليهود؛ لأن اسبينوزا يهودي ... وهكذا يمضي الترابط في سلسلة طويلة، في كل ~~حلقة من حلقاتها يقترن المؤثر الأصلي بمؤثر مصاحب، فينتقل الأثر بعد ذلك إلى هذا ~~المؤثر المصاحب، بحيث يكفي وحده لإثارة رد الفعل الذي كان يثيره المؤثر الأصلي. # وليس في هذا الترابط شيء لا تلاحظ مثله في الحيوان، فيكفي أن تذهب إلى حيوان بطعامه ~~عدة أيام، حتى ترتبط عنده صورتك بالطعام، فإذا ما رآك بعد ذلك جرى وراءك كما ms073 يجري ~~وراء الطعام سواء بسواء، والصورة الرمزية لهذه الحالات كلها هي ما يأتي: كان المؤثر ~~«أ» ينتج رد الفعل «ج»، ثم اقترن «أ» بعامل مصاحب هو «ب»، فأصبح «ب» وحده كافيا ~~لاستدعاء رد الفعل «ج»، كما كان يستدعيه «أ» سواء بسواء، وكل شيء يمكن أن ينوب عن ~~كل شيء في إحداث الأثر المطلوب، وكلمات اللغة هي من أحسن الأمثلة التي توضح لنا كيف ~~يمكن أن يقوم شيء مقام شيء آخر في استدعاء رد الفعل نفسه، فإن كان لشيء ما عندك رد ~~فعل معين، كالخوف أو الغضب أو الحب إلخ، ثم اقترن ذلك الشيء باسمه، فإن اسمه بعد ذلك ~~يصبح كافيا لإثارة العاطفة نفسها أو الانفعال نفسه الذي كان يثيره المؤثر الأصلي، ~~فلو قال لك قائل: «إن بيتك قد شبت فيه النار» كان وقع هذه العبارة عندك مساويا لرؤية ~~النار بعينيك وهي تشتعل في بيتك. # والاستدلال الاستقرائي هو هذه العملية الترابطية نفسها، فلك إن شئت أن تسميه ~~بالاستدلال الفسيولوجي؛ لاعتماده على أعضاء الجسد، وما تؤديه من وظائف. # فعملية الاستدلال - ما أخطأ منه وما أصاب - يمكن تحليلها في كثير جدا من الحالات ~~إلى نفس المبدأ الذي رأيناه يفسر لنا جوانب أخرى من سلوك الإنسان، وهو مبدأ ردود ~~الأفعال المكتسبة الذي تتساوى فيه الكائنات العضوية جميعا من إنسان وحيوان. ~~••• # غير أن هذه المبدأ، وإن استطاع تعليل الشطر الأكبر من السلوك الإنساني، فهو - كما ~~رأينا - يعجز عن تفسير نواح من الإنسان، وإذن فلا بد - في رأي «رسل» - من النظر إلى ~~الإنسان نظرة «داخلية» نكمل بها نظرتنا إليه نظرة «خارجية» موضوعية سلوكية، أو بعبارة ~~أخرى، لا بد من إضافة «التأمل الباطني» إلى «الملاحظة الخارجية» لنظفر بالطريقتين ~~متعاونتين بحقيقة الإنسان الشاملة لشتى نواحيه. # كلنا يعرف أن يقين ما نعلمه عن طريق التأمل الباطني هو الأساس الذي بنى عليه ديكارت ~~فلسفته التي كانت فاتحة الفلسفة الحديثة؛ ذلك أن ديكارت كان حريصا على أن يبني فلسفته ~~على يقين بحت لا يداخله الشك؛ لذلك جعل يشك في كل ما ms074 أمكن أن يشك فيه، فشك في حقيقة ~~العالم الخارجي كله، لكنه لم يستطع أن يشك في وجود نفسه؛ لأنه مهما تشكك في ذلك ~~فستظل أمامه حقيقة لا مجال للشك فيها، وهي حقيقة كونه في حالة من الشك، ولو لم يكن ~~موجودا لما استطاع أن يشك، وإذن فهو موجود ما دام يشك، أو هو موجود ما دام يفكر ... ~~فلما أدرك هذه الحقيقة اليقينية أخذ يبني العالم من جديد باستدلالات يتلو بعضها ~~بعضا، ومما يلفت النظر أن عالمه الجديد الذي انتهى إليه لم يختلف في كثير عن العالم ~~الذي كان يعتقد في وجوده قبل أن يأخذ في شكه. # وها هنا نلتمس مجالا طريفا للمقارنة إذ نقارن بين «ديكارت» و«واتسن» صاحب المذهب ~~السلوكي، فكلا الرجلين يريد أن يبني على أساس سليم يقيني لا يتطرق إليه الشك، وكلا ~~الرجلين قد أدرك كم يعتقد الناس في صحة أشياء دون أن يقيموا ذلك الاعتقاد على مبرر ~~من المنطق، غير أن الرجلين يختلفان فيما يراه كل منهما جديرا باليقين، وصالحا أن ~~يكون نقطة ابتداء؛ فما اعتقد «واتسن» أنه يقيني لا شك فيه هو بعينه ما اعتقد «ديكارت» ~~أنه موضع للشك، والعكس أيضا صحيح، أي إن الجانب الذي تنكر له «واتسن» واطرحه ونبذه، ~~هو بعينه الجانب الذي جعله «ديكارت» يقينا يؤخذ به في غير ريبة ولا شك، فالدكتور ~~واتسن لا يسلم إلا بالجسد، وما يظهر عليه من سلوك، قاذفا في اليم بكل «الباطنيات» ~~الغيبية التي لا ترتكز على ملاحظة خارجية يشترك فيها كل من أراد أن يلاحظ، «كالشعور» ~~و«الفكر» و«العقل» وما إلى ذلك، على حين أن «ديكارت» قد غض النظر أول ما غضه عن ~~الملاحظة الخارجية وما تأتينا به من علم؛ لأن وسيلة تلك الملاحظة الخارجية هي الحواس، ~~والحواس قد تخدع، وجعل أساسه اليقيني هو ملاحظته الباطنية لما يدور في نفسه، فكان ~~«الشك»، أو قل كان «الفكر» عنده أساس اليقين كله ... فلئن كان «ديكارت» قد برهن على ~~وجود نفسه بفكره، فإن «واتسن» قد برهن على وجود نفسه بما ms075 يؤديه جسده من سلوك، فمقدمات ~~اليقين عنده هي الفئران في المتاهات، وهي الغدد والعضلات وما إليها، فماذا نحن قائلون ~~إزاء رجلين كهذين يوقن أحدهما بما يشك فيه الآخر؟ أي الموقفين نختار، أم أن لكل ~~منهما جانبا من الصواب وجانبا من الخطأ؟ # هذا الأخير هو موقف «رسل»؛ ليس الصواب كله في الملاحظة الخارجية التي تحصر نفسها في ~~سلوك الإنسان الظاهر، وليس الصواب كله في التأمل الباطني لحالات الشعور، إنما الصواب ~~وسيلته الطريقان معا، وليس هنا مجال النقد التفصيلي «لدريكارت» أو «واتسن»؛ فحسبنا أن ~~نقول إن «ديكارت» خرج على مبدئه في الاعتماد على التأمل الباطني منذ عبارته الأولى: ~~«أنا أفكر»؛ لأن الحالة الباطنية التي بررت له أن يقول هذه العبارة إنما هي حالة ~~واحدة جزئية من حالات التفكير، وإذن فلم يكن هناك «أنا» ولا كان هناك «فكر» بمعناه ~~الكلي، فكل ما كان له الحق في تقريره بناء على خبرته الباطنية المباشرة هو «ثمة ~~حالة شك»، أو «ثمة حالة تفكير»، إن كلمة «أنا» وكلمة «أفكر» كلاهما نتيجة لعملية ~~استدلالية، وليست هي بالمعطى المباشر، فلو اقتصر ديكارت على المعطيات المباشرة وحدها، ~~أعني المعطيات الشعورية الجزئية التي ترد على الذهن واحدة بعد أخرى، دون أن يستخلص من ~~هذه السلسلة «عنصرا» دائما ثابتا يطلق عليه كلمة «أنا»، ودون أن يطلق على مجموعة ~~الجزئيات كلمة واحدة هي «أفكر»، ثم لو جعل هذه المعطيات الشعورية الجزئية يقينية لا ~~يتطرق إليها الشك، لكان موقفه هو موقف «رسل» إزاء المعطيات الشعورية؛ لأنها عنده ~~أساس لليقين، على شرط ألا أستدل من وجودها على وجود مسمياتها الخارجية؛ فاللمعة ~~الضوئية التي تقع في خبرتي حين أصف تلك الخبرة بأنها «رؤية الشمس» يقين لا شك فيه، ما ~~دمت لا أستدل من حدوث هذه الخبرة الداخلية على وجود مؤثر خارجي هو «الشمس»، فإذا فسرنا ~~«الفكر» الذي جعله ديكارت أساس اليقين، بأنه هو الحالات الشعورية التي تقع في خبرتنا ~~الباطنية، فندركها إدراكا مباشرا، كان ديكارت على صواب حين لم يخالجه الشك في يقين ~~تلك الخبرة. # وكما ms076 يوافق «رسل» على يقين الخبرات الباطنية المباشرة، يرى كذلك أن السلوكيين قد ~~أصابوا بعض الصواب في اعتمادهم على الملاحظة الخارجية. إن موقف السلوكيين يتلخص فيما ~~يأتي: (1) أكثر الحقائق نصيبا من اليقين هي تلك التي يستطيع مشاهدتها عدد كبير من ~~الناس، أعني أنها هي الحقائق «العامة» المعروضة للجميع، وليست هي بالحقائق «الخاصة» ~~التي يدركها صاحبها وحده بتأمله الباطني؛ فمثل تلك الحقائق الموضوعية هي أساس العلوم ~~الطبيعية. (2) والعلوم الطبيعية قادرة على شرح كل الحقائق المشاهدة التي يمكن ~~ملاحظتها في السلوك البشري، أو بعبارة أخرى يمكن تفسير الإنسان بتلك العلوم وحدها. ~~(3) ليس هنالك ما يبرر الاعتقاد بأن للإنسان جوانب لا يمكن معرفتها بالملاحظة ~~الخارجية، وأنه لا بد لنا من التماس طرق أخرى غير الملاحظة الخارجية إذا أردنا العلم ~~بتلك الجوانب. (4) والتأمل الباطني بصفة خاصة، باعتباره طريقة يمكن بواسطتها ملاحظة ~~ما لا يمكن ملاحظته من الخارج، إنما هو وهم وخرافة لا بد من اقتلاعها من جذورها لكي ~~نصل إلى علم صحيح بالإنسان. (5) ونتيجة لهذا فلا مبرر يدعونا إلى الظن بأن للإنسان ~~جانبا خفيا اسمه «فكر» إذا أردنا بهذه الكلمة شيئا غير السلوك الجسدي الظاهر في شتى ~~ضروبه ومنها الكلام. # ويوافق «رسل» على الثلاثة الأولى من المبادئ الخمسة المذكورة، ويرفض الرابع والخامس ~~منها، ويعتقد أن خطأ السلوكيين راجع إلى عدم إلمامهم التام بما يقوله علم الطبيعة ~~الحديث، ولو قال السلوكيون «إن كل ما يمكن معرفته عن الإنسان تكون معرفته بنفس الطريقة ~~التي نعرف بها حقائق علم الطبيعة» لوافقهم «رسل»؛ لأنه يعتقد أن حقائق الطبيعة - ~~كحقائق النفس - إنما يكون العلم بها في الواقع عن طريق الملاحظة الباطنية، ولو أنه قد ~~يتبادر إلينا للوهلة الأولى أننا في علمنا بالطبيعة نعرف أشياء خارجية؛ ذلك لأنك حين ~~تدرك بحواسك شيئا خارجيا، فسينتهي بك التحليل لعمليتك الإدراكية حتما إلى هذه ~~النتيجة، وهي أن إدراكاتك كلها من بصرية وسمعية ولمسية إلخ، هي في رأسك، فحين تقول: ~~«أرى الشمس» فالأمر في الواقع هو إدراك لشيء حدث في باطن نفسك. # يتتبع «رسل» بعض ms077 الظواهر «العقلية» # 55 # كالصور الذهنية التي ترتسم في عقولنا دون وجود مؤثر في الخارج يطابقها - ~~كما يحدث مثلا حين نتذكر صورة غرفة وما فيها من أثاث، وكما يحدث في أحلام اليقظة ~~وأحلام النوم - وكالخيال والذاكرة، والعاطفة والرغبة والإرادة، يتتبع هذه الظواهر ~~«العقلية» بالتحليل ليبين أن المذهب السلوكي وحده لا يكفي لتفسيرها، أو بعبارة أخرى ~~لا تكفي الملاحظة الخارجية وحدها لإدراك حقائقها، ولا بد إلى جانب ذلك من الملاحظة ~~الباطنية التي يلاحظ بها الإنسان نفسه وما يدور فيها. # ففيما يتعلق بالصور الذهنية، فإن السلوكيين ينكرون قيامها، فيحسن أن نحدد المراد ~~«بالصور الذهنية» في رأي مؤيديها قبل الرد على السلوكيين بشأنها. إننا إذا أقفلنا ~~عيوننا أمكننا أن نستعيد بعض الصور البصرية عن المناظر والوجوه التي مرت بها في ~~تجاربنا الماضية، كذلك نستطيع استعادة أنغام وأصوات سمعناها فيما مضى، كما نستطيع أن ~~نستعيد الصورة اللمسية لفراء ننظر إليه دون أن نلمسه، لكننا نعلم ماذا تكون الخبرة ~~اللمسية لو مررنا عليه بأكفنا ... هذه تجارب في حياتنا لا سبيل إلى إنكارها، لكن موضع ~~الاختلاف في الرأي هو كيف نصف هذه التجارب وأشباهها. # يقول السلوكيون في تفسير الصور الذهنية إنها نتيجة حوادث تحدث في الأعصاب والمخ على ~~نحو ما حدث بالضبط حين أدركنا المؤثرات الخارجية التي تكون هذه الصور الذهنية صورها، ~~ماذا يحدث في شبكية العين مثلا حين تنظر إلى صورة لنابليون فتراها؟ الجواب عن هذا ~~السؤال هو نفسه الجواب عن السؤال الآخر وهو: ماذا يحدث حين أستعيد صورة نابليون التي ~~رأيتها في لحظة ماضية؟ فلو كان الإدراك الحسي عند وقوعه عبارة عن حركة مادية في أجزاء ~~معينة من جسم الإنسان الرائي، فكذلك تكون استثارة الصورة الذهنية في حالة غياب المدرك ~~الحسي؛ هذا تفسير، وتفسير آخر يأخذ به السلوكيون أيضا هو أنك إذ تنظر إلى صورة نابليون ~~- مثلا - تتحرك أعضاء النطق بكلمة نابليون (سواء تم النطق بصوت مسموع، أو اقتصر على ~~نطق داخلي لم يبلغ درجة الصوت المسموع)، وعندئذ يحدث ارتباط عضلي عصبي بين الحركات ~~الجسدية ms078 التي تحدث عند رؤية الصورة والحركات الجسدية التي تحدث عند النطق بالكلمة، بحيث ~~يكفي فيما بعد أن أنطق بالكلمة وحدها، فتعود الصورة لعودة مجموعة الحركات الجسدية التي ~~تؤدي إليها. # هذا ما يقوله السلوكيون في تفسير الصور الذهنية، ويراه «رسل» غير كاف للتفسير في ~~كثير من الحالات، وفي ذلك يقول إنه إذا سئل سؤالا عن غرفة مرت عليه في خبرته ~~الماضية، وأراد الإجابة عنه، وجد نفسه مضطرا إلى أن يستعيد صورة الغرفة في ذهنه ~~ليجيب ، كما يحدث تماما لو أنه سئل السؤال نفسه عن غرفة مرئية، ثم نظر إلى أثاث ~~الغرفة ليجيب، ويؤكد «رسل» أنه إذ يستعيد صورة ذهنية لتجربة ماضية، فإن الصورة تأتيه ~~أولا والكلمات المتعلقة بها ثانيا، بل إن هذه الكلمات قد لا تأتي مصاحبة للصورة ~~أبدا، مما يدل على خطأ السلوكيين في ظنهم بأن الأمر كله ارتباط بدني حركي بين ~~مجموعتين من الحركات العضلية العصبية؛ المجموعة التي تكون الكلمات، والمجموعة التي ~~تكون صورة. # وننتقل إلى موضوع الذاكرة؛ فها هنا أيضا يرى «رسل» أن النظرية السلوكية إن أمكن ~~الأخذ بها إلى حد بعيد، فهي وحدها لا تكفي لتعليل هذه الظاهرة تعليلا كاملا، إن ~~السلوكي لا يرى ضرورة لاستعمال كلمة «ذاكرة»؛ لأن الأمر فيها هو نفسه الأمر في ~~«العادات»، فإذا «تذكر» الفأر طريقه في المتاهة نتيجة لخبرته الماضية، فليس في «تذكره» ~~هذا عنصر إضافي يضاف إلى «العادات» الجسدية التي تعودها الفأر، بحيث إذا ما كرر ~~حدوثها كان له السير في الطريق الصواب، ولا فرق بين الفأر وهو يكرر هذه العادات ~~الجسدية المحفوظة وبين الطفل وهو يكرر قوله: «7 × 6 = 42»؛ فهذا التكرار اللفظي - أي ~~العضلي؛ لأن «العادة» هنا تكون في حركات اللسان وعضلات النطق إلخ - هو من قبيل تكرار ~~الفأر لمجموعة الحركات التي تؤدي به إلى التماس طريقه في المتاهة، إذن فما نسميه ~~«ذاكرة» هو عند السلوكي «عادات»، وإذا قلنا ذلك فقد قلنا إنها تتوقف على الحركات ~~الجسدية وحدها بغير داع إلى افتراض حقيقة «عقلية» تستحيل على الملاحظة ~~الخارجية. # ويسأل «رسل»: ms079 كيف إذن نستطيع أن نفسر شعورها في حالة التذكر بأن ما نتذكره حادثة ~~«مضت»؟ من أين يأتي هذا الشعور «بالماضي» مع أنه لم يكن ضمن العناصر المدركة حين وقعت ~~الحادثة أول مرة؟ لو كان الأمر في «التذكر» شبيها بتسجيل حوادث صوتية على قرص الحاكي، ~~بحيث إذا ما أدرنا القرص مرة أخرى حدثت الحوادث الصوتية نفسها في المرة الثانية كما ~~حدثت في الأولى، لما وجدنا هذا التباين في الشعور بين الحالتين؛ لأنه لا شك في أننا ~~نشعر إزاء الحادثة عند وقوعها أول مرة أنها حادثة «حاضرة»، ثم نشعر عند «تذكرها» أنها ~~حادثة «ماضية» بدليل أننا نغير في الكلمات التي نستخدمها في الوصف في كل من ~~الحالتين؛ ففي الحالة الأولى نستعمل الفعل المضارع، وفي الحالة الثانية نستعمل الفعل ~~الماضي، إن قرص الحاكي لا يفعل ذلك، فإذا سجل الآن صوتك وأنت تقول لحبيبتك: «إني ~~أحبك»، ثم أدرته بعد أيام لما غير في العبارة بحيث يقول: «إني أحببتك يوم الأربعاء ~~الماضي»، وإذن فهناك في التذكر عنصر «ذاتي»، وليس الأمر كله موضوعيا صرفا يخضع ~~للملاحظة الخارجية وحدها. # الخلاف الرئيسي بين «رسل» والسلوكيين في تفسير الإنسان، هو في اعترافه بضرورة ~~الملاحظة الباطنية للظواهر العقلية التي يستحيل ملاحظتها من الخارج، على أنه بموقفه هذا ~~لا يأخذ بما أخذ به علم النفس التقليدي من قسمة الإنسان إلى جانبين مستقل أحدهما عن ~~الآخر كل الاستقلال في طبيعته: عقل من ناحية، وجسم من ناحية أخرى، بل يرد ~~الجانبين معا إلى «هيولى محايدة» عنها يتفرع الجانبان معا، فلا هو بالمادي الذي ~~يرد كل ظواهر العالم بما في ذلك الظواهر الفكرية إلى مادة، ولا هو بالمثالي الذي ~~يرد ظواهر العالم كلها بما فيها الظواهر المادية إلى عقل، ولا هو بالاثنيني الذي ~~يعترف بجانبي المادة والعقل، ويجعلهما حقيقيتين قائمتين جنبا إلى جنب، لكنه واحدي من ~~طراز فريد، فالعالم كله مؤلف من عنصر محايد لا هو بالعقل ولا هو بالمادة، بل العقل ~~والمادة كلاهما مؤلف منه على اختلاف بينهما في طريقة التأليف، وكان الذي ms080 أوحى إليه ~~بهذه الفكرة هو وليم جيمس، فقد نشر وليم جيمس رأيه عن «الشعور» في مقال مشهور جعل ~~عنوانه: «هل «الشعور» موجود؟» # 56 # قال فيه إن ما كان يطلق عليه اسم «الروح» وتخيله الناس شبحا كائنا بذاته ~~داخل الجسم، إن هو إلا حالة يكون الإنسان فيها «عارفا» لهذا أو لذلك من الأشياء أو ~~الأفكار؛ فكلمة «الشعور» أو «الوعي» إنما هي اسم على غير مسمى، وإن كنا نقصد ~~بالمسمى كائنا قائما بذاته أو مبدأ من المبادئ الأولى، وأولئك الذين لا يزالون ~~يستمسكون بوجوده فإنما هم يستمسكون بهباء أو صدى أو صوت خافت خلفته وراءها «الروح» ~~في هواء الفلسفة بعد أن زالت هي واختفت من عالم الوجود؛ ويمضي جيمس في مقاله هذا فيقول ~~إنه لا يعني بإنكاره الشعور إنكارا «للأفكار»؛ فالأفكار لا شك في وجودها، إنما الذي ~~ينكره هو أن يكون ثمة إلى جانب «الأفكار» شعور قائم بذاته كأنه كائن بين الكائنات؛ كل ~~ما هنالك هو مجموعة أفكار ترتبط بعلاقات فتسميها في ارتباطها هذا معرفة، فإذا استعملنا ~~«الشعور» ليدل على العلاقات القائمة بين مجموعة أفكارنا، لم يكن في ذلك من بأس؛ على ~~ألا نفهم من لفظ «الأفكار» كائنات صنعت من عنصر غير الذي صنعت منه الأشياء التي هي ~~أفكار عنها؛ فالرأي عند جيمس هو أن المادة الخامة - أو الهيولى - التي صنع منها ~~العالم ليست من طرازين: مادة وعقل، بل هي هيولى واحدة ترتب على نحو فنسميها ~~عقلا، وهو يوضح رأيه هذا بتشبيه الألوان وهي في صندوقها معروضة في الدكان، ثم وهي ~~موزعة على لوحة فإذا هي صورة فنية؛ إنها في الحالة الأولى تكون «مادة» معروضة للبيع، ~~وفي الحالة الثانية تكون روحانية في أدائها ما تعبر عنه؛ وهكذا تكون الخبرة، أو قل ~~يكون كل جزء من أجزاء الخبرة، فهو في سياق ما يقوم بدور العارف وهو نفسه في سياق آخر ~~يقوم بدور الشيء المعروف، أو بعبارة أخرى فإن كل جزء من خبرتنا يكون «فكرا» حينا ~~ويكون «شيئا» حينا آخر. # ويقول «رسل» تعليقا على ms081 رأي جيمس هذا: «عقيدتي هي أن جيمس قد أصاب في رفضه الشعور ~~باعتباره كائنا قائما بذاته، وأن الواقعيين الأمريكيين قد أصابوا بعض الصواب - وإن لم ~~يكن كل الصواب - في اعتبارهم العقل والمادة كليهما مؤلفين من هيولى محايدة، لا ~~هي بالعقلية ولا هي بالمادية إذا عزلناها وحدها»، # 57 # ويمضي «رسل» في توضيح وجهة نظره فيقول إن هذه الهيولى المحايدة قد تتخذ ~~وضعا يبيح لنا أن نسميها «عقلا»، وقد تتخذ وضعا آخر يبيح لنا أن نسميها «طبيعة ~~مادية»، وقد تكون في موضع آخر يجوز فيه الوصفان؛ فإحساساتنا من مرئي ومسموع إلخ ... من ~~الصنف الثالث لأنك قد تنظر إليها من زاوية، فإذا هي تابعة لعلم النفس، أو تنظر إليها من ~~زاوية أخرى، فإذا هي تابعة لعلم الطبيعة، وأما الصور الذهنية فتنتمي إلى ما يصح أن ~~نسميه بالعالم العقلي الخالص، بينما الحوادث التي لا تكون جزءا من خبرات الإنسان ~~أبدا (إن وجد مثل هذه الحوادث)، فهي تنتمي إلى ما يكون العالم الطبيعي الخالص، وبناء ~~على هذا التقسيم ترى هنالك ضربين مختلفين من العلاقات السببية، فضرب منهما ينطبق ~~على عالم الطبيعة، وآخر ينطبق على مجال علم النفس، فمثلا قانون الجاذبية قانون ~~للطبيعة، وقانون الترابط قانون للنفس، بينما الإحساسات خاضعة لقوانين الطبيعة والنفس ~~معا، وبالتالي فهي «محايدة» بالمعنى الدقيق. # 58 ~~، # 59 ~~(5) عالم من حوادث # 60 # أول سؤال يلقيه الفيلسوف على نفسه إذا ما فكر في عالم الطبيعة هو هذا: مم تتألف ~~المادة؟ وحين يلقي «رسل» على نفسه هذا السؤال لا يجد مناصا من الإجابة عنه بما يجيب ~~به علم الطبيعة الحديث؛ «إذ ليس في وسع فلسفة أن تتنكر للتغيرات الانقلابية التي ~~طرأت على آرائنا في الطبيعة، وهي تغيرات لم يجد العلماء بدا من الأخذ بها لثبوتها، بل ~~ينبغي لنا أن نلقي بالفلسفات التقليدية جانبا لنبدأ بدءا جديدا لا ينطوي إلا على ~~قليل من التقدير للنسقات الفلسفية السابقة ... وإنه لمن التواضع الزائف أن نبالغ في قيمة ~~ما خلفته القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر من الميتافيزيقا.» ms082 # 61 # إن ما يقوله علم الطبيعة عن المادة، بل عن العالم الطبيعي بصفة عامة، مما يهم ~~الفيلسوف، إنما يقع في قسمين أساسيين هما: بناء المادة أولا، ونظرية النسبية ~~ثانيا. # أما عن بناء المادة، فقد كانت نظرياته حتى عام 1925م قائمة على الفكرة القديمة، وهي ~~أن المادة لا تتعرض للزوال، وأنها مؤلفة من ذرات صلبة لا تقبل الانقسام، ثم تغير ~~الرأي على يدي عالمين ألمانيين هما «هايزنبرج» و«شريدنجر»، بحيث أصبحت المادة ~~أبعد ما تكون عن تلك الصلابة المزعومة لها وباتت أقرب ما تكون إلى ما يقوله ~~الروحانيون عن الروح. # كانت الصورة التي اتخذتها النظرية القديمة في القرن التاسع عشر هي أن الطبيعة المادية ~~مؤلفة من عدد معين من العناصر، وأن كافة المواد مركبة من تلك العناصر الأولية، ~~فالمادة من المواد المركبة مؤلفة من مجموعات ذرية، وكل مجموعة منها مؤلفة من ذرات ~~تنتمي إلى عناصر مختلفة من تلك العناصر الأولية، فالماء - مثلا - مادة مركبة من ~~مجموعات ذرية، كل مجموعة منها مؤلفة من ذرتين من الأيدروجين وذرة واحدة من الأوكسجين، ~~ويمكن فصل هذين النوعين من الذرات أحدهما عن الآخر بالتحليل الكهربائي، وكان المفروض ~~أن الذرة الواحدة من عنصر ما وحدة لا تقبل التغير أو الزوال، والعناصر الأولية التي ~~منها كانت تتألف سائر المواد يبلغ عددها اثنين وتسعين عنصرا (أو هذا هو العدد الذي ~~كان ينبغي للعناصر الأولية أن تبلغه لو ملئت الفجوات الشاغرة في سلسلة العناصر ~~المعروفة فعلا، وكان عددها سبعة وثمانين عنصرا)، وكان لكل عنصر من تلك العناصر ~~الأولية رقم يدل عليه، فالأيدروجين أولها، والهليوم ثانيها، واليورانيوم ثالثها، وهكذا ~~حتى تبلغ العنصر الثاني بعد التسعين. # فلما أن كشف العلم عن فاعلية الراديوم، اضطر إلى تغيير نظره إلى الذرات، فلم تعد ~~الذرة - كما كانت - غير قابلة للزوال أو التغير، إذ وجد أن الذرة من عنصر معين يمكن ~~تحليلها إلى ذرة من عنصر آخر، فمثلا إذا ما تحللت ذرة الراديوم نشأ عنها نوع من ~~الرصاص يختلف بعض الاختلاف عن الرصاص الذي نستخرجه من مناجمه، ms083 هذه الظواهر وأمثالها ~~انتهت بالعلم إلى نتيجة جديدة، هي أن الذرة بناء مركب يمكن تحويله إلى نوع آخر غير ~~نوعه إذا فصلنا عنه بعض أجزائه. # وتتابعت بعد ذلك الكشوف الحديثة عن المادة وطبيعتها، فإذا هي ترتد بالتحليل إلى ~~نوعين من الوحدات هما الإلكترونات والبروتونات (أو الكهارب السالبة والكهارب الموجبة)، ~~وكل من هذين النوعين متشابه الوحدات، أي إن الإلكترونات كلها على شبه تام بعضها ~~ببعض، وكذلك البروتونات على شبه تام بعضها ببعض، والفرق بين البروتون والإلكترون - فوق ~~أن الأول يحمل كهرباء موجبة والثاني يحمل كهرباء سالبة - هو أن كتلة البروتون تساوي ~~كتلة الإلكترون 1835 مرة، ومن خصائص هذين النوعين من الوحدات الكهربية أن أجزاء كل ~~نوع منها ينفر بعضها من بعض، لكنها تنجذب للنوع الآخر، فالإلكترونات يطرد بعضها بعضا، ~~والبروتونات يطرد بعضها بعضا، لكن الإلكترون والبروتون يجذب أحدهما الآخر. # والذرة هي بناء مركب من النوعين معا؛ فذرة الأيدروجين - وهي أبسط الذرات تركيبا - ~~تتألف من بروتون واحد وإلكترون واحد يدور حوله كما يدور كوكب حول الشمس، وأما سائر ~~العناصر فالذرة منها تتركب من نواة مؤلفة من عدد من البروتونات والإلكترونات، وحول ~~هذه النواة يدور عدد من الإلكترونات، والبروتونات التي في النواة تزيد عددا عن ~~الإلكترونات التي في النواة، وهذا النقص في عدد إلكترونات النواة يعوضه الإلكترونات ~~التي تدور حول النواة، وعدد البروتونات التي في النواة هو الذي يحدد وزن ~~العنصر. # هذا ما يقوله علم الطبيعة اليوم عن تركيب المادة، والذي يهم الفيلسوف من هذا الوصف ~~هو أن «المادة» لم تعد «شيئا». بل زال عنها ذلك الشيء القديم، وأصبحت كهارب ~~وإشعاعات، وإذن فهذه المناضد والمقاعد، وهذه الأشجار والأنهار، والشمس والقمر والنجوم، ~~بل وهذا الخبر الذي نأكله، كل هذه الأشياء قد أصبحت في حقيقتها إشعاعات كهربائية، أو ~~إن شئت فقل إن كل «شيء» من هذه «الأشياء» قد فقد «شيئيته»، وبات في حقيقته سلسلة من ~~حوادث، لكننا سنعود إلى فكرة «الحوادث» هذه بعد قليل. # وأما ما يهم الفيلسوف من نظرية النسبية في علم الطبيعة الحديث، ms084 فذلك أنها قد ~~تخلصت من الزمان الواحد الذي يشغل الكون كله، والمكان الواحد الذي يمتد ما امتد ~~الكون كله، فاستبدلت نظرية النسبية بهما فكرة جديدة هي فكرة المكان المندمج في الزمان ~~اندماجا يجعلهما حقيقة واحدة يكون الزمان فيها بعدا رابعا يضاف إلى أبعاد المكان ~~الثلاثة. # الإنسان بإدراكه الفطري، وعلم الطبيعة فيما قبل النسبية، كلاهما كانت العقيدة عنده هي ~~أنه إذا حدث حادثان في مكانين مختلفين، فلا بد أن يكون هنالك جواب حاسم لهذا السؤال: ~~هل حدث الحادثان في وقت واحد؟ أما بعد نظرية النسبية، فقد تغيرت وجهة النظر إلى حقيقة ~~المكان والزمان تغيرا جعل الإجابة عن هذا السؤال محالا، فافرض وجود شخصين «أ» و«ب» ~~في نقطتين بينهما مسافة بعيدة، وقد زود كل منهما بمرآة وبوسيلة يرسل بها إشارات ~~ضوئية، فعندئذ ستتتابع الحوادث التي تحدث للشخص «أ» تتابعا زمنيا بغير شك، وكذلك ~~الحال بالنسبة للحوادث التي تحدث لزميله «ب»، أما إذا أردنا أن نقارن بين ترتيب ~~الحوادث عند «أ» بترتيبها عند «ب» فها هنا تكون المشكلة؛ فلو فرضنا أن مكان «أ» هو ~~الأرض، ومكان «ب» هو الشمس، وأن «أ» أرسل إشارة ضوئية إلى «ب»، فإن المرآة التي مع «ب» ~~ستعكسها لتعود إلى «أ» بعد مدة زمنية معينة، هي في هذه الحالة ست عشرة دقيقة، ومن ~~الطبيعي أن نقول إن الزمن الذي استغرقته الإشارة الضوئية في طريقها إلى «ب» هو نصف ~~الزمن الذي استغرقته من لحظة الإرسال إلى لحظة العودة، لكن كان يكون ذلك لو كان «أ» ~~و«ب» ثابتين في مكانيهما، أما وكل منهما يتحرك، فإنه من المحال أن نقرر في يقين ~~متى يكون وصول الإشارة إلى «ب»، وأي حادثة من الحوادث التي تحدث للشخص «أ» تكون «قبل» ~~أو «بعد»، أو «متآنية» مع لحظة وصول الإشارة إلى «ب»، وباختصار فإن مقارنة اللحظات ~~الزمنية عند «أ» لا يمكن مقارنتها باللحظات الزمنية عند «ب» مما يجعل لكل منهما ~~زمانه الخاص، بحيث لا يشتركان معا في زمان واحد شامل. # 62 # وهذه النسبية في الزمن لها ms085 مقابلها في المكان أيضا، فما المكان؟ هل مدينة لندن مكان؟ ~~إذا قلت نعم فتذكر أن الأرض تدور حول نفسها، وأن مدينة لندن تواجه الشمس آنا وتبعد ~~عنها آنا، أي إنها تدور مع دوران الأرض، ولا يكون لها مكان واحد مستقر ثابت، فهل الأرض ~~مكان؟ لكن الأرض تدور حول الشمس، فهي آنا هنا وآنا هناك، وإذن فهي الأخرى لا تستقر في ~~مكان واحد ثابت، فهل الشمس مكان؟ لكنها تتحرك بالنسبة للنجوم، وإذن فكل ما نستطيعه إذا ~~أردنا أن نتحدث عن مكان ما هو أن نقرنه بزمن معين، فنقول - مثلا - «مدينة لندن في ~~اللحظة الفلانية»، وبهذا تحدد مكانها في العالم. # هكذا أصبح المكان - كما أصبح الزمان - نسبيا، ولم يعد في الإمكان أن نتحدث عن الكون ~~كله على أنه بأسره في لحظة زمنية واحدة معينة، ومما أدت إليه نسبية المكان والزمان أن ~~وجبت مراجعة قانون الجاذبية كما وضعه نيوتن؛ لأن ذلك القانون كان يستند - فيما يستند ~~إليه - إلى كون المكانين اللذين بينهما مسافة يشتركان في لحظة زمنية بعينها، بحيث ~~تستطيع حساب الجاذبية لجسم في المكان الأول إذا ما سقط إلى المكان الثاني، وكذلك تجب ~~مراجعة الهندسة لتوضع على أساس جديد؛ إذ كانت هندسة إقليدس تفرض ثبات المكان وشموله ~~للكون كله، فالخط المستقيم - مثلا - كان المفروض فيه أنه مسار معين يمتد في مكان ~~ثابت، أجزاؤه كلها - أي نقطه - موجودة معا في آن واحد، أما الآن فقد بات ما يبدو ~~خطا مستقيما عند مشاهد لا يكون كذلك بالنسبة لمشاهد آخر في مكان آخر. # لا بد إذن من البدء في فهم العالم الطبيعي فهما جديدا، وأول طريق تسلكه لهذا الفهم ~~الجديد هو أن تزيل عن عالم الطبيعة صلابته وتماسكه، وأن تترجمه إلى لغة أخرى غير لغة ~~«الأشياء» التي كنا نستخدمها من قبل، فتترجمه إلى «حوادث»، بحيث تتحدث عن الشيء المعين ~~على أنه سلسلة متتابعة من حوادث بدل أن تتحدث عنه على أنه «جسم» له حدود متعينة ~~وثبات ودوام، فما الجسم من الأجسام المادية إلا خط طويل ms086 من حوادث، هو تاريخ يمتد مع ~~الزمن، ولا يمكن فهم وجوده إلا على هذا الامتداد الزمني المتغير لحظة بعد لحظة؛ هذه ~~المنضدة التي أمامي، أو هذا القلم الذي أمسك به، هو في حقيقته كالنغم الذي يتطلب ~~وقتا للفراغ من عزفه، بحيث لا يوجد كله في لحظة واحدة، فإذا سألت أين النغم ومتى؟ لم ~~يكن الجواب بتحديد نقطة مكانية واحدة، ولا لحظة زمانية واحدة، بل كان الجواب الصحيح ~~هو أنه سلسلة من حوادث تعاقبت في فترة زمنية، وهكذا تكون الحال بالنسبة إلى المنضدة ~~وإلى القلم وغيرهما من سائر الأشياء، فإن كنت أرى المنضدة الآن مستقرة في مكان محدد، ~~فالذي أراه هو الحالة الراهنة من سلسلة حالاتها التي تمتد من أول تاريخها، وستمتد إلى ~~آخر ذلك التاريخ، فالموجود الآن من المنضدة هو «حادثة» من مجموعة الحوادث التي منها ~~يتألف تاريخها، والذي يخلع على المنضدة وحدتها الشيئية هو ارتباط تلك الحوادث في ~~تاريخ واحد، كما أن الذي يخلع على النغمة وحدتها هو ارتباط أجزائها في سلسلة واحدة ~~من الحوادث. # 63 # عالم الطبيعة هو مجموعة كبرى من الحوادث، غير أن هذه الحوادث يرتبط بعضها ببعض ~~بأنواع من العلاقات ارتباطا يوحي إلينا بفكرتي الزمان والمكان، تتعاقب الحوادث في ~~نقطة مكانية فنقول: «ماض وحاضر ومستقبل.» وتتجاور الحوادث بحيث تكون واحدة على يمين ~~الأخرى أو يسارها أو فوقها أو تحتها، فنقول: «هذا المكان أو ذاك.» # ويكون بين الحادثتين المتجاورتين (والتجاور يكون في الزمان كما يكون في المكان) ~~مسافة يمكن قياسها، وهذه المسافة التي تفصل الحادثتين قد تكون مسافة من مكان، وقد ~~تكون فترة من زمن، وإنما تكون المسافة زمنية حين يكون الجسم الواحد بعينه موجودا في ~~الحادثتين معا، أعني حين تكون الحادثتان جزءين من تاريخ ذلك الجسم، وتكون المسافة ~~مكانية حين تكون الحادثتان في جسمين، أعني أن تكون إحداهما جزءا من تاريخ شيء ما، ~~وتكون الأخرى جزءا من تاريخ آخر لشيء آخر. # ولكي تحدد لحادثة من حوادث العالم وضعها مكانا وزمانا، يلزمنا أربعة أرقام؛ ~~أحدهما يدل على ms087 اللحظة الزمنية والثلاثة الأخرى تدل على أبعاد المكان الثلاثة، فافرض ~~مثلا أن حدثت حادثة لطائرة، فلا يتحدد وضع هذه الحادثة إلا بأربعة أرقام هي خط الطول ~~وخط العرض والارتفاع عن سطح البحر، ثم الوقت بحساب جرينتش. # إنه لا مندوحة لنا - إذا ما أردنا أن نفهم عالم الطبيعة فهما صحيحا على أساس العالم ~~الحديث - من تدريب خيالنا تدريبا جديدا، بحيث يتصور الأشياء كما يريد له العلم ~~الحديث أن يتصورها، وإنما نحتاج إلى هذا التدريب؛ لأن التصور الجديد لا يجري مع الإدراك ~~الفطري في طريق واحد؛ فالإدراك الفطري ينظر إلى المنضدة على أنها «شيء» صلب متماسك ~~متعين الحدود، وأما العلم الحديث فيريد لنا أن نتصور المنضدة إشعاعات تتابع حوادثها في ~~خيط طويل يمتد مع الزمن كما هي الحال في النغمة الموسيقية سواء بسواء، إننا حين ~~نتحدث عن «الذرة» ترانا أميل إلى تصورها شيئا ثابتا ككرة صغيرة لها حدودها ~~وأوضاعها الثابتة، مع أنها شحنة كهربائية لا تفتأ إلكتروناتها تغير من مواضعها كأنها ~~خلية من النحل لا تستقر نحلة فيها على حالة واحدة في مكان واحد، إن قولنا عن ذرة بأنها ~~موجودة هو بالضبط كقولنا إن نغمة موسيقية موجودة، فإن كانت النغمة تتطلب خمس دقائق ~~لعزفها، فنحن لا نقول عنها إنها شيء معين، فرد موجود كله طول الدقائق الخمس، بل ~~نتصورها سلسلة نبرات متصل بعضها ببعض في تعاقب، بحيث يتكون من خيطها نغمة واحدة، وهكذا ~~الذرة سلسلة من حادثات متعاقبة يتكون من خيطها حقيقة واحدة، ولئن كانت الرابطة في ~~نبرات النغم هي الوحدة الجمالية، فإن الرابطة في حوادث الذرة هي الوحدة السببية. # وها هنا نقع على كلمة خطيرة، هي كلمة «السببية»؛ إذ يستحيل أن نفهم الطبيعة فهما ~~صوابا إلا إذا غيرنا وجهة نظرنا إلى هذه العلاقة السببية التي تصل الحوادث بعضها ~~ببعض، والنقطة الجوهرية في هذا التغير هي أن نستل من «السببية» ما كنا نفرضه فيها من ~~«قوة» أو «إلزام» يربط السبب بالمسبب، فقد كنا إذا ما قرعت كرة كرة أخرى ~~فحركتها، نتصور أن ms088 الكرة الأولى قد «ألزمت» الكرة الثانية بالحركة، وأنها استخدمت ~~«قوة» في تحريكها، كذلك كنا إذا ما سقط حجر من أعلى إلى أسفل نتصور أن «قوة» الجاذبية ~~قد أرغمت الحجر إرغاما على السقوط، هكذا كنا نتصور السببية «قوة» تنتقل باللمس المباشر ~~من السبب إلى نتيجته، أو تنتقل على بعد كما هي الحال في الجاذبية. # لا بد أن تستل هذه «القوة» المزعومة من العلاقة السببية، إذ ليس هناك إلا تتابع ~~بين الحوادث لوحظ اطراده، فجعلناه قانونا من قوانين الطبيعة، نعم إن «القوة ~~السببية» طريقة يستخدمها الإدراك الفطري في فهم الحوادث، فترانا نقول مثلا إن الناس ~~يشيدون المنازل ويعبدون الطرق، ونقصد بذلك أنهم بقوة إرادتهم كانوا سببا في حدوث ~~ما حدث، ونقول عن رجل إنه «قوي» الإرادة حين نعني أن إرادته سببية في مجال واسع، ~~وترانا كذلك لا نستغرب أن تتحرك كرة البلياردو إذا دفعناها بالعصا، وأن تتحرك العربة ~~إذا شدها حصان، وأن يرتفع الحمل إذا حمله إنسان بقوة ساعديه، كل هذه أمثلة لا نستغرب ~~حدوثها؛ لأنها تقع كما يتصور الإدراك الفطري حدوث الحوادث، وهو أن يكون هناك سبب ذو ~~«قوة» يلزم عنه مسبب بحكم الضرورة، ومن أمثال هذه الحوادث التي يتدخل فيها الإنسان ~~بإرادته نشأت فكرة «القوة» في الأسباب التي تكون بين حوادث الطبيعة، أو بعبارة أخرى، ~~قد خلعنا إرادتنا البشرية على الحوادث في عالم الطبيعة، بحيث تصورنا الحادثة التي تكون ~~سببا لوقوع حادث آخر كالإنسان الذي يدفع الكرة بعصاه، أو كالحصان الذي يجر العربة ~~وراءه. # لكن لا سبيل إلى فهمك الطبيعة على حقيقتها إلا إذا أخرجت منها هذه الفكرة ~~البشرية، فكرة «القوة»؛ إذ الطبيعة كل ما فيها حوادث تتعاقب أو تتعاصر، فإذا ما ~~رأينا ضربا من التجاور بين الحوادث قد اطرد، قسنا ما بين الحوادث من مسافة ~~مكانية أو فترة زمانية واستخرجنا ما قد يكون واحدا من قوانين الطبيعة، دون أن نزعم ~~أن واحدة من الحوادث قد «ألزمت» أخرى على أن تتبعها أو تقع معها في آن واحد؛ ولذلك ~~ليس ما ms089 يمنع منطقيا أن تكون الحوادث على ترتيب آخر غير الذي وقعت عليه، وعندئذ ~~تتغير قوانين الطبيعة التي نسجل بها ما نلاحظه. # وإذا أردت أن تفهم العلاقة بين «أ» التي هي السبب و«ب» التي هي المسبب؛ كيف أنها ~~علاقة لا «إلزام» فيها، فاقلب الوضع مسببا لسبب، وذلك جائز؛ لأننا كما يجوز أن نستنتج ~~من السبب نتيجته، كذلك نستنتج من النتيجة سببها، فإذا جاءك خطاب فأنت على حق إذا ~~استنتجت من ذلك أن أحدا قد كتب هذا الخطاب، ولكنك لا ترى أن تسلمك للخطاب قد «ألزم» ~~الراسل أن يكتبه، وإذا كانت فكرة «الإلزام» منتقية بين النتيجة وسببها، فكذلك تنتفي بين ~~السبب ونتيجته، ونعود فنقول إن فكرة «الإلزام» هذه صفة بشرية لا تعرفها حوادث الطبيعة، ~~وهي ذات معنى في حياة الإنسان؛ إذ نقول عن الإنسان إنه «ملزم» بكذا وكذا من الأفعال ~~حين يضطر إلى فعله اضطرارا رغم ميوله الطبيعية ورغباته الغريزية، ولو لم يكن عند ~~الإنسان هذه الميول والرغبات التي قد يجيء ما يقاومها لما كان للإلزام معنى في ~~حياته، ولما كانت ظواهر الطبيعة ليست مما له «ميول» أو «رغبات» إذن فهي ليست مما ~~يوصف بالإلزام والاضطرار، وإذا أردت توضيحا لما نريده حين نقول إن حوادث الطبيعة ~~إنما تحدث حدوثا وتقع وقوعا، ولا «قوة» هناك ولا «إلزام» يرغمها على ذلك الحدوث وهذا ~~الوقوع، فانظر إلى صورتها في المرآة، انظر مثلا في المرآة إلى صورة رجل يدفع كرة ~~البلياردو بالعصا فتتحرك الكرة، فأنت عندئذ لا تقول إن تتابع الحوادث كما يبدو في ~~المرآة يتضمن «قوة» في العصا هي التي حركت الكرة، إنما تنظر إليها في تتابعها فقط ~~تتابعا منزوعا منه كل ضرورة واضطرار، وهكذا تكون العلاقة بين الحوادث في الطبيعة ~~ذاتها، وإن أوهمتك طبيعتك البشرية بغير ذلك. # على أنه إذا لم يكن بين مجموعتي الحوادث اللتين نطلق عليهما لفظتي «سبب» و«مسبب» ~~قوة في الأولى تضطر الثانية إلى الحدوث، فبينهما علاقات ترتبطان بها، وهذه العلاقات ~~هي التي نقيسها ونصوغ من أرقام المقاييس قوانين الطبيعة، وقد ms090 تكون هذه العلاقات السببية ~~قائمة بين ذرات الشيء الواحد، فنتوهم لارتباطها بعضها مع بعض أنها تكون «شيئا»، وهي ~~في الواقع حوادث تجمع بعضها إلى بعض، فليس هنالك فارق جوهري من حيث الشيئية أو ~~العنصرية بين الإلكترون في الذرة الواحدة وبين شعاع الضوء؛ فكل منهما في حقيقته خيط ~~من حوادث، ومع ذلك ترانا في حالة شعاع الضوء نميل إلى تصوره على هذه الصورة، على حين ~~أننا في حالة الإلكترون نود أن نتصوره «شيئا» متحركا، مع أنه لا فرق بين الحالتين، ~~وبالتالي لا فرق بين شعاع الضوء في تكوينه من سلسلة من حوادث وبين المنضدة التي هي ~~مجموعة من ذرات، كل ذرة منها كشعاع الضوء في تكوينها. # ويترتب على هذا التغير في وجهة نظرنا إلى تكوين الأشياء بعض التغييرات الجوهرية في ~~اعتقاداتنا عن العالم الطبيعي، فمثلا ترانا بحكم إدراكنا الفطري لا نتصور كيف يمكن أن ~~تكون هنالك حركة بغير «شيء» يتحرك، لكن وجهة النظر الحديثة تقتضي هذا رغم ما يوهمنا ~~به إدراكنا الفطري، والعجيب في أمرنا هو أننا نستسيغ فكرة وجود الحركة بغير وجود ~~«الشيء» المتحرك في بعض المجالات دون بعضها، فمثلا نجيز الحديث عن «الحركة» في ~~المسرحية، أو في القطعة الموسيقية دون أن نتطلب لهذه «الحركة» متحركا يكون موجودا ~~وجودا كاملا في كل لحظة من لحظات الأداء، وذلك هو ما نريد لأنفسنا أن نتصوره في ~~سائر «الأشياء»؛ لا بد لنا من تصور «الشيء» كائنا ما كان على أنه كالمسرحية أو ~~كالقطعة الموسيقية، خيط من حوادث يرتبط بعضها ببعض بعلاقات سببية معينة، فيكون بينها ~~من الوحدة ما يبرر لنا أن نطلق على «الشيء» اسما واحدا، لكن لا يجوز أبدا أن نزل ~~في الخطأ حين نرى «اسما» أو «كلمة» فنقول إن مسمى ذلك الاسم، أو مدلول هذه الكلمة لا ~~بد أن يكون شيئا واحدا بذاته، فما أطلقنا الاسم الواحد على مجموعة كبرى من الحوادث، ~~أو من الحالات، إلا على سبيل التيسير في التعبير والتفاهم، وكما نخطئ حين نتصور ~~«الشيء» وحدة واحدة متماسكة، لا ms091 خيطا من حوادث، نخطئ مرة أخرى حين نقول عن ذلك ~~«الشيء» إنه «تحرك» حين نرى مجموعة الحوادث التي هي مؤلف منها ليست في مكان واحد، ~~ولعل أبسط ما يوضح لك الموقف على حقيقته هو أن ترى شريط السينما، وطريقة تصويره ~~للحوادث، فأنت إذا رأيت رجلا يسقط من قمة بناء مرتفع، قلت مدفوعا بإدراكك الفطري إن ~~«الجسم» الواحد قد تحرك من مكان إلى مكان، لكن صور ما وقع على شريط سينمائي، تجد أن ~~ما صورته عدد كبير من الأحداث المتعاقبة، وأن ظنك الأول بأنه «شيء» واحد قد تحرك إنما ~~هو ظن خاطئ لا يصور حقيقة الواقع، فحقيقة الواقع هي هذا الذي صورته آلة السينما على ~~شريطها: حوادث تتابعت خيطا طويلا. ~~••• # وما دامت الطبيعة قد ارتدت بالعلم الحديث إلى مجموعات من حوادث بعد أن كانت «أشياء» ~~مادية لها صلابة وتماسك، ثم ما دامت الحياة العقلية هي كذلك خيط من حوادث، أو سلسلة من ~~حالات فكرية وشعورية، دون أن يكون هنالك «شيء» واحد يمسكها في وحدة مما يصح أن ~~نطلق عليه «عقلا» أو «وعيا» قائما بذاته، أفلا تكون المادة والعقل من طبيعة واحدة ~~متجانسة؟ # هكذا نشأت نظرية «الواحدية المحايدة» أو «الهيولى المحايدة» عند رسل، مستوحيا ~~إياها من المقال المشهور الذي كتبه وليم جيمس بعنوان «هل للوعي وجود؟» ~~«الواحدية المحايدة» نظرية مؤداها أن العقل والمادة ليسا ضربين من الموجودات ~~مختلفين اختلافا جوهريا، بل العقل والمادة كلاهما مشتق من «هيولى» محايدة لا هي ~~عقل ولا هي مادة، لكن أجزاءها إذا ما ارتبطت بمجموعة معينة من العلاقات أسميناها ~~عقلا، وإذا ارتبطت بمجموعة أخرى من العلاقات أسميناها مادة، وأما المادة الخامة، أو ~~«العجينة» أو المبدأ الذي منه يتكون العقل والمادة كلاهما فعلى الحياد، لا هو هذا ولا ~~تلك، لا هو عقل ولا مادة، والأمر في ذلك شبيه بأن تتناول عددا من الحصى المتجانس، ~~وترصه مرة على هيئة مربع، ثم ترصه مرة أخرى على هيئة دائرة، فالمربع والدائرة ~~بالطبع بناءان مختلفان، لكنهما معا مؤلفان من مادة بعينها لم ms092 يصبها تغير بين ~~الحالتين، وإنما الذي تغير هو العلاقات الكائنة بين قطع الحصى، كانت علاقات من نوع ~~معين، فكان الناتج مربعا، ثم كانت من نوع آخر، فكان الناتج دائرة، وهكذا قل في العقل ~~والمادة، يتألفان من مقومات هي هي بعينها لم تتغير في كلتا الحالتين، وإنما ارتبطت ~~أجزاؤها بنوع من العلاقات، فكانت «عقلا»، ثم ارتبطت بنوع آخر من العلاقات، فكانت شيئا ~~ماديا. # إن ما نسميه شيئا ماديا - كالمنضدة التي أمامي مثلا - هو كما أسلفنا خيط من ~~حوادث، فهذه المنضدة هي سلسلة طويلة من لمعات ضوئية تختلف قليلا أو كثيرا حسب النقطة ~~التي يراها منها الرائي، وهي سلسلة طويلة من لمسات بالأصابع أو براحة اليد مثلا، وهي ~~سلسلة طويلة من موجات صوتية تحدث حين تنقرها بأصبعك أو تخبطها بأي جسم آخر، وهكذا، هي ~~باختصار هذه الحزمة الكبيرة جدا من معطيات حسية تبعثرها في كل نقطة من نقط المكان ~~يصلها بها خط مستقيم، ولا تنتظر إلا جهازا عصبيا لكائن حي يوضع في أية نقطة من ~~هاتيك النقط المكانية، فيكون لها وجود عقلي عند من يدركها، فليست المنضدة إلا هذه ~~«الظاهرات» من لمعات الضوء والشكل واللمس والصوت، وليس وراء «الظاهرات» عنصر غيبي ~~خفي يمسكها في «شيء» واحد كما يتصور الإدراك الفطري. # وأما ما نسميه «بالعقل» في فرد من الأفراد، فهو أيضا سلسلة طويلة من حاضرات حسية، ~~وصور ذهنية، دون أن يكون هنالك عنصر غيبي خفي يمسك تلك السلسلة المتتابعة في وعاء ~~واحد يدوم على الزمن. # ولكي نفهم نظرية الواحدية المحايدة فهما واضحا، افرض أن العالم الطبيعي قوامه ~~شيئان فقط: كتاب نرمز له بالرمز «أ»، ومنضدة نرمز لها بالرمز «ب»، فأينما وقفت سترى ~~الكتاب وسترى المنضدة، على اختلاف يسير أو كبير في درجة اللون وفي الشكل وفي الحجم، ~~فهذه كلها ستختلف بقربك مما ترى أو بعدك عنه، فما معنى ذلك؟ معناه أن الكتاب له «ظاهر» ~~موجود في كل نقطة مكانية؛ أي إنه موجود بظواهره في كل أرجاء المكان، وكذلك المنضدة ~~موجودة بظواهرها في كل ms093 أرجاء المكان؛ الكتاب والمنضدة هما بمثابة مركزين يشعان ~~خيوطا من لون وشكل وحجم، فإذا جاء إنسان مدرك ووقف في نقطة معينة التقط ما في تلك ~~النقطة من ظواهر الكتاب، أو ظواهر المنضدة، أو ظواهرهما معا إن كانت الخيوط المنبعثة ~~منهما متلاقية في تلك النقطة؛ تلك الظواهر المنبعثة من المركزين موجودة في كل أرجاء ~~المكان غير مدركة، ثم تصبح ظواهر مدركة حيثما تلقاها بصر في كائن حي، وإذن ففي ~~كل نقطة من أرجاء الكون يتكون «منظور» للكون على استعداد أن يضاف إليه جهاز عصبي ~~وأعضاء حس، فينشأ كون مدرك ... ولك الآن أن تزيد من عدد أشياء الكون، بدل أن تقتصر ~~على كتاب ومنضدة يشعان الظواهر فتتلاقى في نقاط الكون، لك أن تزيد من عدد الأشياء كما ~~تريد، فلا يتغير الموقف؛ إذ ستظل كل نقطة من نقاط الكون مكانا «لمنظور» تتلاقى فيه ~~الظواهر المنبعثة من كافة الأشياء التي تصلها بذلك المكان خطوط مستقيمة، فإذا ما أضيف ~~إلى ذلك المكان جهاز عصبي بما فيه من أعضاء الحس، تكون كون مدرك. # فالإشعاعات التي تنبعث من الأشياء، أي الظاهرات التي تنتشر من الأشياء في أرجاء ~~المكان هي الهيولى المحايدة التي تتكون منها المادة والعقل معا، فإذا جمعت الظاهرات ~~التي انبعثت من مصدر بعينه كان لك بذلك «شيء» مادي، وإذا جمعت هذه الظاهرات كما تتلاقى ~~في نقطة معينة موضوع فيها جهاز عصبي وأعضاء حس كان لك بذلك «عقل»، فالمقومات في كلتا ~~الحالين هي هي لم تتغير، تجمع على نحو فتكون شيئا ماديا، وتتجمع على نحو آخر ~~فتكون عقلا. # بهذه النظرية المحايدة استطاع «رسل» أن يتغلب على مشكلات ثلاث مما كانت تصطدم به ~~الفلسفات السابقة؛ فهو أولا قد تخلص من الثنائية التي كانت لا تجد سبيلا إلى وصل ~~المادة بالعقل، أو العقل بالمادة، مما أدى إلى شق العالم إلى نصفين بينهما فجوة ~~مستحيلة العبور، كهذه الفجوة التي خلقها ديكارت بين المادة من جهة، والعقل من جهة ~~أخرى؛ إذ هما عنده مختلفان في الكيف اختلافا لا سبيل إلى ms094 التوفيق فيه، فالعقل في جوهره ~~مفكر لا يحل في مكان، المادة في جوهرها تحل في مكان ولا تفكر. # ثم استطاع «رسل» بفلسفته - ثانيا - أن يتخلص من العنصر الغيبي الخفي، الذي كان يلجأ ~~إليه الفلاسفة دائما في تفسير الأشياء الجوامد والأحياء على السواء؛ فهذه المنضدة ~~مثلا لم تكن مجرد مجموعة من ظاهرات لا ترتكز على شيء، بل كان لا بد للظاهرات ~~المفككة من مشجب داخلي تتعلق به وتستند إليه، حتى يكون للمنضدة ذاتية ودوام، ~~وكذلك قل في الإنسان؛ فلم يكن مقبولا عند الفلاسفة كما هو ليس بمقبول عند الإدراك ~~الفطري في الحياة اليومية أن يكون الفرد من الإنسان سلسلة من حالات، وخيطا من حوادث ~~دون أن يكون وراء ذلك «عقل» أو «وعي» قائم بذاته يمسك هذه الحالات، ويربط هذه ~~الحوادث في شخص له ذاتيته واستمراره، وثالثا حل «رسل» بنظرية «الهيولى المحايدة» ~~مشكلة قديمة هي نسبية الإدراك الحسي؛ فقد كان مما أشكل على الفلاسفة أن يكون الشيء ~~الواحد مختلفا عند مختلف الأفراد الذين يدركونه بحواسهم، بحيث لو نظر عدة أفراد إلى ~~هذه المنضدة التي أمامي، فكل واحد من هؤلاء يرى استطالة سطحها على صورة غير التي ~~يراها زميله، ويرى درجة لونها على نحو يختلف عما يرى زميله وهكذا، وهو اختلاف يتبدى ~~واضحا إذا ما هم هؤلاء الأفراد برسم المنضدة كل كما يراها، فعندئذ تجد الرسوم ~~متباينة لتباين وجهات النظر، وها هنا كان ينشأ السؤال: ما حقيقة المنضدة ما دامت تبدو ~~على هذه الصور المختلفة عند مختلف الأفراد، بل تبدو مختلفة في اللحظات المختلفة من حياة ~~الفرد الواحد؟ لكن الإشكال يزول إذا أخذنا بنظرية «الهيولى المحايدة»؛ لأن حقيقة ~~المنضدة - كما أسلفنا - هي ظواهرها المنتشرة في أرجاء المكان، ففي كل نقطة مكانية لها ~~ظاهر ممكن الإدراك، وهذه الظواهر المتعددة مختلفة باختلاف أجزاء المكان، وإذن فلو ظهرت ~~المنضدة على صورتين مختلفتين لمشاهدين عند نقطتين مختلفتين فلا إشكال هناك؛ لأنهما ~~لا يريان «شيئا» واحدا كما كان يظن قديما حين كان يظن أن الشيء المادي جسم ~~متعين ms095 المكان، أما وقد انحل إلى حوادث، أي إلى ظاهرات أو معطيات حسية، فكل حادثة ~~منها، أو كل ظاهرة، هي إحدى الحقائق الكثيرة التي من مجموعها تتكون المنضدة. ~~(6) في التربية والأخلاق والسياسة # 64 # لو كنا لنلخص الأهداف التي جاهد برتراند رسل كل هذا الجهاد الطويل في سبيل تحقيقها ~~في حياة الناس أفرادا وجماعات، كلما جعل حياة الناس موضوع بحثه وحديثه، لانحصرت هذه ~~الأهداف في كلمة واحدة؛ هي «الحرية»، حتى لقد ظن كثير من ناقديه أن الرجل قد أسرف في ~~دفاعه عن الحرية وهجومه على خصومها إسرافا حدا بهم أن يصفوه بالفوضى، فما أكثر ما ~~يقال عن «رسل» إنه يوهن بمعاوله من قوائم المجتمع، وإن الحالة التي تشيع في نفسه ~~الرضا هي أن ينمحي من المجتمع تماسكه، وأن ينطلق الأفراد أحرارا حرية مطلقة بغير ~~القيود الضابطة والشكائم الملجمة التي بغيرها لا يكون مجتمع ولا تستقر حياة، دع عنك ~~أن ترقى تك الحياة وتتقدم. # لكن ليقل هؤلاء الناقدون ما شاءوا؛ فالرجل نصير للحرية، جاد في نصرته لها، ~~فالنظام الاجتماعي كثيرا ما يكون في حقيقته مؤامرة كبرى على حرية الأفراد، فلا يكاد ~~يولد الطفل وينشأ، حتى يغمسه ذووه ومواطنوه غمسا في ثقافة المجتمع الذي جاء عضوا ~~فيه، ولا ينفكون يلقنونه ماذا يعتقد وكيف يسلك، بغض النظر عن سلامة تلك العقائد أو ~~صواب هذا السلوك، فليس المهم عندهم أن تكون العقيدة سليمة، أو أن يكون السلوك صوابا، ~~بل المهم هو أن تكون هذه هي عقائد سائر أفراد المجتمع، وهكذا يسلكون، وإذن فحتم ~~محتوم على الناشئ الجديد أن ينصب مع غيره في قالب واحد، وإلا فهو الشاذ الذي يستحق ~~أن يوضع موضع السخرية، ويكون الطفل في أعين الناس جديرا بالإعجاب والثناء، حين يكون ~~وادعا يؤدي ما يؤمر بأدائه، ولا يبيح لنفسه أن يناقش الكبار في صواب ما يأمرونه ~~بفعله، وبهذا تصبح عملية التربية قائمة على أساس التجانس بين هذا الناشئ وبين بقية ~~أفراد المجتمع، وعمل المربي - والدا كان أو معلما - هو أن يقلم في الناشئ شذوذه ms096 ~~ويشذب ما قد يبدو في منحاه من غرابة عن المألوف، نعم، فهنالك نمط معين، وعمل ~~التربية هو أن تصوغ الناشئين على غرار ذلك النمط القائم، والناشئون إنما يكونون بلا حول ~~أو قوة وهم بعد في مرحلة الطفولة، وإذن فعملية التربية هي في صميمها استغلال لهذه ~~الطفولة العاجزة، حتى عن وقاية نفسها. # لكن لصالح من يكون هذا الاستغلال؟ يجيب «رسل» بأنه استغلال لصالح الدولة من جهة، ~~والكنيسة من جهة أخرى، أي لصالح الحكومة ورجال الدين؛ فالدولة من صالحها أن تجعل من ~~النشء «مواطنين » صالحين، لكن ماذا تعني كلمة «مواطن» هنا إن لم تعن فردا ينشأ على ~~احترام الأوضاع القائمة؟ لأنه إذا نشأ ناشئ على الثورة ضد تلك الأوضاع القائمة لم يكن ~~بالبداهة مواطنا صالحا في رأي الدولة القائمة، لا بل «المواطن الصالح» هو الذي لا ~~يعترف لنفسه بوجود بالقياس إلى قيام تلك الدولة، بحيث إذا ما أصاب الدولة خطر كان ~~حتما على «المواطن الصالح» أن يضحي بنفسه في سبيلها، # 65 ~~، # 66 # وأما الدين فهو كذلك من ناحيته يكون عاملا على أن ينشأ الفرد راضيا بما ~~قسم له في الحياة الدنيا، أعني ألا ينشأ ثائرا داعيا إلى انقلاب، ومن ثم ترى ~~الدين معينا للدولة على بقاء الأنظمة القائمة، وعلى أن يصاغ النشء على نموذجها ~~وغرارها، وقد خصص «رسل» القول عن هذه النقطة في الديانة المسيحية؛ لأنها هي التي ~~تعنيه في ميدان التربية؛ لأنها هي الديانة السائدة في بلاده التي هو معني بتربية ~~أبنائها؛ يقول: «إنه لمن المقطوع بصحته فيمن يقبلون التعاليم المسيحية قبولا حقيقيا ~~عميقا، أنهم ينزعون إلى التقليل من خطورة طائفة من الشرور كالفقر والمرض، على أساس أن ~~الفقر والمرض هما من شئون هذه الحياة الدنيا، ويصادف مذهب كهذا هوى في نفوس ~~الأغنياء، وربما كان ذلك نفسه هو السبب في أن معظم قادة الحكم متدينون عميقو التدين؛ ~~لأنه لو كان هنالك حياة أخرى ولو كانت الجنة هي الجزاء الذي يعوض عن الشقاء في هذه ~~الأرض، فنحن إذن على صواب إذا أقمنا ms097 العوائق في سبيل إصلاح الحياة على الأرض، ولا بد ~~لنا من الإعجاب بهذه التضحية التي يبديها قادة الصناعة [وكاسبو المال] الذي يؤثرون ~~صالح غيرهم على صوالحهم؛ إذ يأذنون لغيرهم أن يحتكروا لأنفسهم العذاب على هذه الأرض، ~~وهو عذاب قصير الأمد، لكنه موفور الربح [في الحياة الأخرى].» # 67 # إذن فالمشكلة الرئيسية في التربية - كما هي المشكلة الرئيسية في السياسة والأخلاق - ~~هي كيف ينبغي للعلاقة بين الفرد والمجتمع أن تكون، فأمامنا الناشئ الذي نريد تنشئته ~~وتربيته من ناحية، وأمامنا من ناحية أخرى هذه الهيئات التي تتسابق إلى اغتصاب عقله ~~وقلبه، فعلى الرغم من تعدد المدارس الفكرية في التربية، فأهم ما يهمنا منها مدرستان ~~متعارضتان: إحداهما تجعل التربية مواءمة بين الطفل وبيئته وثقافة تلك البيئة، والأخرى ~~تجعل التربية تنمية لنفس الطفل واستعداداته الطبيعية؛ بعبارة أخرى، يريد الفريق الأول ~~من رجال التربية أن تكون الغاية من عملية التربية هي أن يحدث التجانس بين الطفل ~~والمجتمع المحيط به، وبديهي أن هذا التجانس لا يكون بتغيير أوضاع المجتمع ليتفق مع ~~طبائع الطفل، بل يكون بتهذيب طبائع الطفل وتغييرها، حتى تلتئم مع أوضاع المجتمع، بينما ~~يريد الفريق الثاني أن تحصر عملية التربية اهتمامها في الطفل ذاته لتنمو طبيعته بغض ~~النظر عن ملاءمة تلك الطبيعة مع ثقافة المجتمع المحيط به أو عدم ملاءمتها، أو بعبارة ~~أخرى فإن موضع الخلاف بين المدرستين هو هذا: أنربي الطفل ليكون «مواطنا» أم نربيه ~~ليكون «فردا»؟ أما النوع الأول فيقتضي أن أحد من فرديته بما فيه مصلحة الجماعة التي ~~هو عضو فيها، وأما النوع الثاني فمؤداه أن تنمو الفردية بما يحقق طبيعتها بغير أن ~~يحدد مجرى نمائها ولاء لهذا أو لذلك من مختلف العوامل الاجتماعية. # لكننا حين نهم باختيار أحد الطرفين، لا نلبث أن نتبين أن الوضع على حقيقته ليس هو ~~اختيارا لهذا الطرف أو ذاك؛ إذ الحياة لا تكون إلا جماعة، والجماعة لا تكون بغير ~~تعاون أفرادها، وإذن فسرعان ما يتحول سؤالنا فلا يصبح: أيكون الإنسان مواطنا أم ~~فردا؟ بل يصبح: كيف ms098 يمكن للإنسان أن يكون فردا ومواطنا في آن معا؟ # للإجابة عن هذا السؤال الأخير، نقول على سبيل التقديم إن خير الإنسان إنما يكون ~~بإشباع جوانبه الثلاثة: العقل والوجدان والإرادة، لقد عبر الإنسان عن أمله في نفسه حين ~~صور الله بخياله؛ لأنه إذا رسم لنفسه تلك الصورة، وضع فيها الكمال الذي يصبو إليه، ~~فكيف تخيل الإنسان صورة الله؟ تخيله «حكيما رحيما قويا» أي تخيله كائنا ذا عقل ~~يدرك الحكمة، وذا وجدان يبعث على الرحمة، وذا إرادة لها قوة العمل والتنفيذ، وهكذا ~~يريد الإنسان أن يكون. # أما جانب العقل وجانب الوجدان فلا يثيران إشكالا؛ لأن الفرد يستطيع أن يبلغ بهما ~~أقصى حدودهما دون أن يطغى بهما على سائر أفراد المجتمع، فلا ضير على هؤلاء الأفراد أن ~~تبلغ بعقلك أسمى مراتب الحكمة، ولا ضير عليهم أن يرق وجدانك، بحيث يحقق الرحمة والحب ~~والعطف، وأما الجانب الثالث - جانب الإرادة - فهو صميم المشكلة وأساسها؛ لأنك إذ تمارس ~~قوة الإرادة من نفسك كان حتما أن يتأثر غيرك من أعضاء المجتمع؛ لأنه كلما اتسع نطاق ~~تنفيذك لما تمليه إرادتك ضاق تبعا لذلك مجال الحرية عند الآخرين، إن المشكلة محلولة ~~بالنسبة لله كما تصورناه؛ لأنه وحده في الكون، فيستطيع أن ينفذ إرادته كيف شاء، فلا ~~يحتاج لشيء أن يكون سوى أن يقول له كن فيكون ... وهكذا يتمنى الإنسان لنفسه لولا أن معه ~~آخرون، فربما قال الإنسان لشيء كن، فيكون على غير ما يريده الآخرون، وعندئذ تتعارض ~~الإرادات وتتضارب؛ ولذلك كان أكثر الحالات إشباعا لطبيعة الفرد هي أن يكون دكتاتورا ~~مطاعا لو استطاع. # لو كان الفرد من الإنسان يعيش في كون وحده كما هي الحال مع الله لما كان هنالك إشكال ~~في التربية أو الأخلاق بالنسبة لذلك الفرد الواحد، فتربيته هي أن يبلغ بجوانبه الثلاثة ~~من عقل ووجدان وإرادة حدودها القصوى، ولا تلزمه «أخلاق»؛ لأنه ليس إلى جانبه سواه تتطلب ~~معاملته تحديدا لسلوكه، لكن الفرد من الناس لا يعيش وحده، وإذن فلا مناص من تحديد ~~إرادته بالتربية وبالأخلاق، حتى ms099 لا يطغى بها على سواه؛ بعبارة أخرى يمكن للفرد من ~~الناس أن يتشبه بالله في مداركه العقلية وفي عواطفه الوجدانية، لكنه يستحيل عليه أن ~~يتشبه به في ممارسة قوة إرادته. # أظننا بهذا التحليل قد أسقطنا شيئا من الضوء على مشكلتنا الأساسية، وهي كيف أربي ~~الناشئ، بحيث أوفق فيه بين الفرد والمواطن؛ لأننا وجدنا الإشكال منحصرا في مجال ~~إرادته، فمن جهة تستوجب طبيعته منه أن يكون طاغية نافذ السلطان، ومن جهة أخرى تستوجب ~~حياته الاجتماعية أن يحد من تلك الإرادة التي تريد أن تسود سيادة مطلقة ، وبهذا أصبح ~~سؤالنا الرئيسي هو هذا: كيف أوفق في الفرد بين إرادته المطلقة وإرادته المقيدة؟ وعن ~~هذا السؤال يجيب رسل بقوله أن ليس هنالك - فيما يظهر - حل حاسم، وأقل ما يجوز لنا ~~المطالبة به هو ألا تنتقص من إرادة الفرد المطلقة إلا بالحد الأدنى الذي يقتضيه كونه ~~مواطنا؛ فالفرد أولا والمواطن ثانيا، فلا نقيدن من إرادة الفرد الحرة إلا للضرورة ~~التي ليس عنها محيص. # 68 # وتطبيق هذا المبدأ متروك للمدرس في دروسه، فهو الذي يطلق العنان لطبيعة التلميذ ~~آنا لكي تعبر عن نفسها تعبيرا فرديا حرا، وهو الذي يلجم تلك الطبيعة آنا آخر ~~حرصا على صوالح الآخرين، وهو الذي يزن المقدار الذي يجرعه للطفل من ثقافة قومه، ~~بحيث لا تنطمس شخصيته الناقدة انطماسا يقضي عليها ... لكن ما أضخم العبء الذي ألقاه ~~«رسل» على المدرس؛ فما أهون أن تضع المبدأ قائلا: ينبغي أن يكون هنالك اتزان بين جانب ~~الفرد من التلميذ وجانب المواطن منه! وما أعسر أن ترسم الحدود الفاصلة عند التطبيق، ~~بحيث تخرج الناشئ فردا مستقلا بشخصيته، ومواطنا مستعدا للتضحية بشخصيته في آن ~~معا! ~~••• # والشكائم التي تفرض على الإنسان لتضبط سلوكه ضبطا يتوسط به بين فرديته من جهة، ~~ووطنيته من جهة أخرى، إن هي إلا القواعد التي تتفرع عن مبادئ الأخلاق؛ فالأخلاق هي في ~~رأي «رسل» مجموعة من مبادئ عامة تعين على تحديد القواعد التي يجري السلوك على مقتضاها، # 69 # فليس عمل الأخلاق - بمعناها الفلسفي ms100 - هو أن تحدد للإنسان كيف ينبغي أن ~~يسلك في ظروف معينة؛ لأن مثل هذا الإرشاد العملي هو من واجب الوعظ الديني وما إليه، بل ~~عمل الأخلاق هو تعقب القواعد الخلقية إلى أصولها التي تفرعت عنها. # قواعد الأخلاق تخلف باختلاف الزمان والمكان، وباختلاف الجنس والعقيدة، وهي بصفة عامة ~~تختلف باختلاف الظروف المحيطة بالعمل، فمتى يجوز الكذب مثلا؟ قد يجيب مجيب بغير ~~روية: إنه لا يجوز أبدا، لكنك تكذب إذا قابلت مغتالا يعدو في جنون وراء رجل يريد ~~أن يقتله، ثم سألك: هل رأيت إلى أين مضى فلان؟ ثم أليس الكذب مقبولا في فن الحروب؟ بل ~~ألا يكذب القساوسة حين يكتمون سر من اعترف لهم بسره؟ ألا ينبغي أن يكذب الأطباء ~~ليطمئنوا مرضاهم؟ كل هذه ظروف تقتضي الكذب، لكن الذي يقرر صواب الكذب في ظروف معينة ~~هو الوعظ والإرشاد الاجتماعي، وليس هو من علم الأخلاق. # خذ مثلا آخر لتغير القواعد الخلقية بتغير الظروف ووجهات النظر: هل يجوز أن يقتل ~~الزوج عاشق زوجته؟ تجيب الكنيسة أن لا، ويجيب الإدراك الفطري السليم أن لا، لكن ~~القانون يجيب أن نعم؛ إذ إنه كثيرا ما يبرئ القاتل في مثل هذه الظروف. # تلك أمثلة تبين كيف تتغير قواعد الأخلاق، أما مبادئ الأخلاق التي هي من شأن الفلسفة ~~أن تقررها فثابتة وشاملة، فمهما تغيرت القواعد الخلقية من عصر إلى عصر، ومن مكان ~~إلى مكان، فهي دائما تتخذ صيغة الأمر أو ما يشبهها، فترى القاعدة الخلقية توجب على ~~الناس أن يفعلوا كذا، وألا يفعلوا كيت، فماذا يعني «الوجوب» في مثل هذه الحالة؟ لو ~~استطعنا الجواب عن هذا السؤال على هذه الصورة أو تلك، فجوابنا سيكون مقررا لمبدأ ~~الأخلاق الذي نعنيه حين نقول إن مبادئ الأخلاق بمعناها الفلسفي أثبت من قواعد الأخلاق ~~وأشمل. # كان معنى «الوجوب» الأخلاقي، الذي يجعل من الفعل فضيلة، بادئ ذي بدء طاعة صاحب ~~السلطان، ولا فرق بين أن يكون صاحب السلطان الذي «يوجب» على الناس قواعد سلوكهم إلها ~~أو حاكما أو عادة من العادات التي جرت ms101 بها التقاليد، لكن الفلسفة ترفض هذا المعنى ~~للوجوب الخلقي، أعني أنها ترفض أن يكون مبدأ الأخلاق هو طاعة صاحب الأمر كائنا من ~~كان، ورفضها قائم على عدة أسباب؛ منها أن الأوامر الخلقية التي يأمرنا بها صاحب السلطان ~~- مهما يكثر عددها - فهي أقل من أن تشمل ظروف الحياة كلها، خذ لذلك مثلا الوصايا ~~العشر، فلو أخذت بهذه الأوامر العشرة على أنها أساس السلوك الخلقي، فهل تعلم إن كان ~~جائزا للناس أو غير جائز أن يتبعوا قاعدة الذهب في معاملاتهم الاقتصادية؟ وإذا أردنا ~~أن نجعل الوصايا العشر أساسا لسلوكنا إلى الحد الذي تمتد إليه تلك الوصايا، ثم لنا بعد ~~ذلك أن نتبع قاعدة المنفعة الاجتماعية في الحكم على أنواع السلوك التي لا تدخل في نطاق ~~تلك الوصايا كان ذلك مما لا يرضى عنه الفيلسوف؛ لأنه يحاول أن يجد للسلوك الصواب كله ~~مبدأ واحدا، ومن الأسباب التي تجعلنا نرفض أن يكون الوجوب نتيجة أمر من صاحب الأمر، ~~أننا إذا ما سألنا: كيف عرفنا أن هذه هي الأوامر التي أمر بها صاحب الأمر؟ كان الجواب ~~أنها تعرف بالوحي إن كان مصدرها الله، وتعرف بالعرف إن كان مصدرها التقاليد، وتلك ~~من مصادر المعرفة التي لا يقرها فيلسوف. # إذا كنا نرفض أن تكون طاعة صاحب الأمر هي مصدر «الوجوب» الخلقي، فما مصدره؟ هنالك ~~جواب ثان هو في رأي «رسل» أدنى إلى الصواب من الجواب الأول، وهو أن مصدر الوجوب نابع ~~من الداخل - داخل الإنسان - لا آت إليه من خارج؛ فالأعمال تكون خيرا لو صدرت عن كذا ~~وكذا من العواطف الإنسانية، وتكون شرا لو صدرت عن طائفة أخرى من تلك العواطف، ويمكن ~~القول بصفة عامة إن كل عمل يصدر عن «الحب» فهو خير، وأما ما يصدر عن «الكراهية» فهو ~~شر. ويعلق «رسل» على هذا الرأي بقوله إنه وإن يكن رأيا صحيحا من الوجهة العملية، إلا ~~أنه ناقص من الوجهة الفلسفية؛ إذ يراه بدوره نتيجة لمبدأ أعم وأشمل، فما الذي يجعل ~~حافز الحب خيرا، وحافز الكراهية شرا؟ # 70 ms102 # وهنالك جواب ثالث عن سؤالنا: ما مصدر الوجوب الخلقي؟ ما الذي يجعل الفعل خيرا أو ~~شرا؟ إذ هنالك فريق يجعل مبدأ الحكم على الفعل بخير أو بشر ليس هو ما سبق الفعل ~~من أمر صدر من آمر، أو من عاطفة انبثق منها الفعل، بل أساس الحكم هو ما يلحق الفعل من ~~نتائج، فهكذا يقول المذهب المنفعي في الأخلاق الذي يرى أن السعادة هي الخير، وأن أساس ~~السلوك إذن ينبغي أن يكون ما ترجح به كفة السعادة في هذه الدنيا، فإن أردت الحكم على ~~فعل ما بالخير أو بالشر ، فاسأل أولا، ما نتائجه من حيث تحقيق السعادة لبني الإنسان ~~في هذه الحياة الدنيا؟ # وهنالك جواب رابع عرف به «ج. إ. مور» وهو أن الخير صفة في الفعل تدرك إدراكا ~~مباشرا، وليست هي بالنتيجة التي نستدل عليها من مقدمات أو مؤخرات، فكما تنظر إلى هذه ~~البقعة اللونية، فتقول إنها صفراء لإدراكك المباشر للونها الأصفر، فكذلك تنظر إلى الفعل ~~الصواب، فتقول إنه خير لإدراكك عنصر الخير فيه إدراكا مباشرا، وهنا يقول رسل: «قد ~~كنت فيما سبق معتنقا لهذا الراي، ثم أقلعت عنه لأسباب منها ما قرأته لسانتيانا في ~~كتابه «رياح المذاهب»، وقد أصبح رأيي الآن هو أن الخير والشر متفرعان عن الرغبات ~~الفطرية، ولست أعني بذلك أن الخير هو ما نرغب فيه؛ لأني أعلم أن رغبات الناس متضاربة، ~~على حين أن الخير - في رأيي - هو في أساسه فكرة اجتماعية غايتها أن تقضي على ما بين ~~الناس من تضارب، وهذا التضارب لا يكون بين مختلف الأفراد فحسب، بل يكون كذلك بين رغبات ~~الشخص الواحد في أوقات مختلفة، بل وفي الوقت الواحد، حتى وإن يكن في حياته وحيدا مثل ~~روبنسن كروسو»، # 71 # وسينتهي بنا التحليل إذا بدأناه من هذه النقطة إلى أن الخير هو في إحداث ~~الاتزان بين متضارب الرغبات. # الخير بالنسبة إلى الفرد الواحد هو التنسيق بين رغباته، خذ مثلا لذلك فردا واحدا ~~يعيش وحده مثل روبنسن كروسو، تجد تضاربا عنده في بعض لحظات ms103 حياته بين التعب والجوع، ~~فهو الآن راغب في الراحة، لكنه لو استراح وأمسك عن العمل، فقد ينتج عن ذلك انعدام ~~القوت في يوم مقبل، فلا يجد ما يشبع به الجوع عندئذ، فإذا ما غلب نفسه الآن وحملها ~~على العمل، موازنا في ذلك بين رغبتين؛ رغبة حاضرة في ترك العمل، ورغبة مستقبلة في ~~الحصول على القوت، ثم غلب رغبة على رغبة على هذه الصورة التي يضحي بها رغبة حاضرة ~~أقل في سبيل رغبة مستقبلة أكبر، كان في عمله هذا كل الخصائص التي يتسم بها المجهود ~~الخلقي، وترانا أحسن ظنا بمن يبذل مثل هذا الجهد منا بمن لا يبذله؛ لأن في بذله ~~ضبطا للنفس، وتحكما فيها، وهكذا تستطيع أن تتصور الحياة الخلقية لرجل مثل روبنسن ~~كروسو كائنة في الموازنة بين رغباته، وتغليب بعضها على بعض على صورة تحقق له اتساقا ~~في شتى جوانب حياته، والظاهر أن الإدراك الفطري السليم وحده كاف لهداية الإنسان إلى ~~الحكم الصواب في أي الرغبات أولى بالتحقيق من غيرها، فمن ذا يتعذر عليه الحكم حين تكون ~~الموازنة مثلا بين رغبتين؛ إحداهما رغبة في توسيع المعرفة، وأخرى في تخدير الإنسان ~~لنفسه بمخدر؟! فكلتا الرغبتين تستهدفان شعورا بالسعادة، لكننا ندرك على الفور أن ~~السعادة المتحققة من الرغبة الأولى أدوم وأفضل من السعادة المتحققة من الرغبة الثانية، ~~فلو رسونا بغتة على الجزيرة التي يسكنها روبنسن كروسو، ووجدناه يقضي فراغه في دراسة ~~النبات على تلك الجزيرة، كان ذلك في رأينا أفضل مما لو وجدناه مخمورا، وأساس التفضيل ~~هو مبدأ اتساق الحياة. # وكذلك قل في المجتمع؛ فالخير بالنسبة للمجتمع هو أيضا قائم على أساس التنسيق بين ~~رغبات أفراده المتضاربة، وإذن فالمبدأ الأخلاقي الأسمى هو هذا: «اعمل العمل الذي ينشأ ~~عنه التنسيق بين رغبات أفراد المجتمع؛ فذلك أفضل من العمل الذي يؤدي إلى التنافر بين ~~هؤلاء الأفراد»، وهذا المبدأ ينطبق على كل مجتمع، صغر أو كبر، ينطبق على مختلف رغبات ~~الفرد الواحد، وينطبق على أفراد الأسرة، والمدينة، والوطن، كما ينطبق على العالم كله ~~إذا ms104 كان العمل الفردي ذا أثر في العالم كله. # ولتحقيق هذا المبدأ وسيلتان: الأولى أن ننشئ من النظم الاجتماعية ما يساعد على ~~التنسيق بين رغبات الأفراد، بحيث لا يعود أمامها مجال تتنافر فيه إلا بأضيق حد ممكن، ~~والثانية أن نربي الأفراد تربية تحملهم على الاتجاه برغباتهم وجهة لا ينتج عنها ~~التضارب مع رغبات الآخرين بقدر المستطاع، والوسيلة الأولى هي من شأن السياسة ~~والاقتصاد، والوسيلة الثانية هي مجال التربية. # واضح مما أسلفناه أن الإنسان إذا ما حكم على فعل بأنه خير، كانت صفة الخير هذه - في ~~رأي «رسل» - معبرة عن رغبته الذاتية في ذلك الفعل، ولم تكن صفة موضوعية في الفعل ذاته، ~~وبصفة عامة فإن الحديث عن القيم تعبير عن حالة وجدانية عند المتحدث، وليس هو بالحديث ~~الذي يصف شيئا في عالم الواقع؛ فحين يقول القائل مثلا إن الكراهية شر والحب خير، ~~فكأنما يقول: وددت لو لم يكن بين الناس كراهية، وأن يسودهم الحب، فإذا فرضنا أن شخصين ~~اختلفا في الحكم على فعل بأنه خير، فليس هنالك فيصل موضوعي يرجع إليه في قبول أحد ~~الرأيين ورفض الآخر، ولذلك كان عبثا أن يتجادل اثنان فيما اختلفا فيه من أحكام القيم، ~~ولذلك أيضا كانت وسيلة الوعظ بهذا الفعل أو ذاك مما يحسبه الواعظ خيرا، هي الخطابة ~~والتأثير في الشعور، لا الاحتكام إلى الحجة العقلية، إذ ليس للعقل من حجة يقيمها ~~ليؤيد ضربا من الأخلاق دون ضرب، # 72 # بعبارة أخرى نستخدم فيها لغة المنطق: ليست الأحكام الخلقية مما يوصف بصواب ~~أو بخطأ، وبالتالي لا يجوز لها أن تكون علما أو جزءا من علم، فليس بين وقائع العالم ~~الخارجي وحقائقه وقائع أو حقائق خلقية كما يكون هنالك - مثلا - ضوء وصوت وحرارة، ~~وإذن فليس الحكم الخلقي تقريرا عن واقعة أو وصفا لحقيقة، إنما هو انفعال معبر عن حالة ~~نفسية أشبه بانفعال الغاضب أو النشوان؛ فكل اختلاف بين الناس على تقدير الأفعال ~~تقديرا خلقيا هو من قبيل اختلافهم في الذوق، ولا سبيل إلى حسم ذلك الاختلاف بينهم ~~إلا ms105 إذا كانوا منذ البداية قد اتفقوا على مبادئ بعينها، وعندئذ ينحصر الخلاف في هل ~~تنطبق تلك المبادئ المتفق عليها على الأفعال التي اختلف في تقويمها. # ومع ذلك كله فليست العبارات الدالة على أحكام خلقية هي من قبيل العبارات الذاتية ~~الصرفة، التي لا تعدو حدود قائلها؛ لأنه مما يميز العبارة الأخلاقية أن قائلها يعبر ~~بها عن رغبة يتمنى أن يطبقها الناس جميعا في سلوكهم، وفي هذه الرغبة في تعميم القاعدة ~~ظل من الموضوعية طفيف. # وهكذا ترى أن ثمة عالمين يعيش فيهما الإنسان، يختلف الواحد منهما عن الآخر ~~اختلافا بعيدا؛ أولهما هو عالم الطبيعة، وثانيهما عالم القيم، يعيش الإنسان في عالم ~~الطبيعة جزءا منه؛ فأفكاره العقلية وحركاته البدنية خاضعة لنفس القوانين التي تسير ~~بمقتضاها الذرات والنجوم، وأما في عالم القيم فالطبيعة كلها لا تزيد على أن تكون جزءا ~~من مملكة فسيحة الأرجاء يجلس الإنسان على عرشها، ويفرض عليها ما شاء لها من معايير، ~~فهناك تكون الكلمة العليا لأذواقنا وخيالنا وتقديرنا، ولا يمكن لقوة خارج أنفسنا أن ~~تصف أحكامنا تلك بالضلال والخطأ، نحن الذين نخلق قيم الخير، وقيم الجمال، ونخلعها على ~~الأشياء، ولا سلطان علينا في ذلك، فبينما نحن في عالم الطبيعة أشياء كسائر الأشياء ~~الخاضعة لقوانين لم تكن من صنعنا، ترانا في عالم القيم، عالم الخير والجمال، ملوكا ~~ذوي سلطان نحكم بما نشاء بغير حساب. # 73 ~~••• # إذن فهذه ثنائية واضحة في النظر إلى الحياة الإنسانية؛ فللإنسان مجالان يقضي فيهما ~~حياته، وينشد فيهما مثله العليا، لكنهما مجالان بينهما هوة سحيقة يوشك ألا يكون ~~بينهما صلة تربط بينهما؛ فمن جهة هنالك عالم الطبيعة وما يقابله من علوم تنشد ~~الحقيقة العارية التي لا تعرف القيم من خير أو شر أو جمال أو قبح، ومن جهة أخرى ~~هنالك عالم القيم الأخلاقية والجمالية التي هي صنيعة الإنسان، وميوله الذاتية، ومن ثم ~~كان النتاج الفكري لهذا الفيلسوف منقسما قسمين لا يعتمد الواحد منهما بالضرورة على ~~الآخر، فله منطق تحليلي ومذهب فلسفي في الطبيعة، وتفسيرها من ناحية، وكذلك له ms106 من ناحية ~~أخرى مجموعة قيمة من آراء في الأخلاق والتربية والسياسة والاجتماع، دون أن يكون بين ~~الناحيتين رباط يربطهما في نسق واحد، ولا عجب؛ فهو أحد الفلاسفة المعاصرين الذين ~~نبذوا الفكرة التقليدية في الفلسفة، وأعني بها فكرة أن يقيم الفيلسوف من أشتات فكره ~~بناء واحدا متماسك الأطراف؛ إذ الفلسفة في رأي هؤلاء المعاصرين تحليل يواجه كل ~~مشكلة على حدة بما تقتضيه طبيعتها. # على أن هذه الآراء الكثيرة التي أدلى بها «رسل» في كثير من كتبه عن الحياة الإنسانية ~~ليست بغير محور تدور حوله على اختلافها وتعددها، فالمحور الواضح في كل تفكيره الإنساني ~~من أخلاق وتربية وسياسة واجتماع هو الدفاع عن حرية الفرد ما استطاع إلى ذلك من سبيل؛ ~~كانت حرية الفرد هي مدار فكره حين فكر في التربية، وهي مدار فكره حين فكر في ~~الأخلاق، وهي كذلك مدار فكره حين فكر في السياسة والاجتماع. # ولعل أقصر طريق نصل به إلى لباب فكره في السياسة هو أن نسأل السؤال الآتي: ما موقفه ~~إزاء المذهب الماركسي؟ ذلك لأن هذا المذهب هو بغير شك أقوى المذاهب السياسية ~~الاجتماعية التي سادت العالم في القرن الأخير، أعني في الفترة الممتدة من منتصف القرن ~~التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، ويستحيل على فيلسوف سياسي اجتماعي أن يتجاهله، بل ~~حتم عليه أن يلاقيه مؤيدا أو معارضا أو معدلا. # فإذا أردت عن هذا السؤال جوابا يلخص لك موقف «رسل» من مذهب ماركس - وبالتالي يوضح ~~فلسفته السياسية - فعليك بمبدئه الأساسي الذي ذكرناه لك فيما سلف أكثر من مرة، وهو ~~الدفاع عن حرية الفرد ضد أي عدوان مهما يكن مصدره، ومهما تكن غايته، وإذا كان ذلك كذلك، ~~فهو مناهض للماركسية بكل قوته؛ لأنها تنتهي إلى الاعتداء على حريات الأفراد، وطمسهم في ~~لجة المجموع، وهي كذلك تمجد العامل بيديه على حساب المشتغل بفكره، وفضلا عن ذلك ~~فهي تتخذ من حرب الطبقات ومن الكراهية بين أفراد المجتمع حافزا للتقدم، مع أنه محال ~~على الإنسان أن يتقدم على أساس من الحسد والحقد؛ «فليس ms107 هنالك الكيمياء التي يمكن بها ~~أن نستخرج من الكراهية وفاقا بين الناس واتساقا.» # 74 # وإذا كان قد رفض الشيوعية نظاما سياسيا واجتماعيا، فبديهي أنه كذلك يرفض النظم ~~الفاشية على اختلافها؛ ذلك لأنه في حالة الشيوعية قد يقبل الغاية منها، ولكنه لا يوافق ~~على الوسائل المؤدية إلى تلك الغاية، كما بدت هذه الوسائل في الروسيا مثلا، نعم إنه ~~قد يقبل الغاية من الشيوعية؛ لأنه لا يكتم ثورته على الرأسمالية سواء كانت في صورتها ~~التنافسية التي سادت القرن التاسع عشر، أو في صورتها الاحتكارية التي تسود اليوم، فأما ~~النظم الفاشية فهي مرفوضة غاية ووسيلة ؛ لأنها رأسمالية وهي قائمة على إشعال روح ~~القومية، وهي منافية للديمقراطية، ثم هي فوق ذلك كله تفرق بين الناس أجناسا ~~وطبقات، فالجنس الآري ممتاز عندها بالقياس إلى غير الآري، والصفوة ممتازة بالقياس إلى ~~غمار الناس وسوداهم. # وقد كنا نود من فيلسوف ناقم ناقد للأوضاع الاجتماعية والسياسية القائمة، مثل «رسل» أن ~~يفكر لنا في نظام نقيمه مكان هذه الأنظمة الفاسدة، كما فعل فلاسفة كثيرون من قبله، ~~لكنه اكتفى بالنقد وأسرف فيه، نظر إلى المستقبل، وما يمكن أن يتمخض عنه، فماذا رأى؟ ~~رأى مجتمعا سيسوده العلم وطرائقه، وهو يقصد بهذا الوصف مجتمعا يريد له أولو الأمر ~~فيه شيئا، فيدبرون له الخطط على أساس علمي، بحيث ينتج لهم ما أرادوا، وكما ازداد ~~أولو الأمر قدرة على صياغة مجتمعاتهم في القوالب التي أعدوها لها، ازدادت تلك المجتمعات ~~إمعانا في «العلمية» التي يتوقع لها «رسل» أن تسود في مقبل الأيام، فساسة المستقبل ~~سيقيمون بناء سلطانهم على نتاج العلوم في تشكيل الناس معتمدين في ذلك على الدعاية، ~~وعلى ما يسمونه تربية وعلى وسائل النشر من صحافة وسينما وراديو، كل هذه ستكون في ~~أيديهم وسائل تمكنهم من التحكم في استجابات الناس للمؤثرات المختلفة، وكل ذلك قائم ~~في حقيقة الأمر على مصدرين علميين هما التحليل النفسي ونظرية السلوكيين في الأفعال ~~المنعكسة، أو بعبارة أخرى سيعتمد ساسة المستقبل على فرويد وبافلوف، وسيكون معنى ~~الاستقرار الاجتماعي في نظر ms108 هؤلاء الساسة هو أن ينصب الأفراد جميعا في قالب واحد ~~ليخرجوا نمطا واحدا، بحيث يستشعرون في حالتهم تلك كل السعادة والرضا، # 75 # سيستمد حكام المستقبل طمأنينة نفوسهم من قدرتهم على توجيه شعوبهم توجيها ~~مدبرا محكما، وسيستمد الناس سعادتهم ورضاهم من ضروب اللهو، ومن إباحة الغريزة الجنسية ~~إباحة ستتخلص فيها من مغزاها الاجتماعي؛ ذلك لأنه لا يبعد على حكومات المستقبل أن ~~تحصر عملية النسل في نسبة صغيرة من الناس لا تزيد عن 25٪ من النساء، و5٪ من الرجال ~~ينسلون أطفالا تتولى الدولة تدريبهم وحبهم في قوالبها. # هكذا يمضي «رسل» في رسم صورة المستقبل كما يتوقعها ما لم يلجم الإنسان نزعته ~~العلمية بالقيم التي ينبغي أن يخلقها لنفسه خلقا؛ ليرسم لنفسه مثله العليا، وعلى ~~رأسها الحرية الفردية، ثم يكل إلى التربية بثها في النفوس. # قائمة بأهم مؤلفات برتراند رسل ~~(1) # German Social Democracy (v. 7 of “Studies in Economics and Political Science”.) Longman, Green & Co., 1896. p. ~~204. # وهو مجموعة محاضرات ألقيت في مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية. ~~(2) # An Essay on the Foundations of Geometry. Cambridge, at the ~~University Press, 1897. p. 201. ~~(3) # A Critical Exposition of the Philosophy of Leibniz. ~~Cambridge, at the University Press. XVI, p. 311 (Second edition: George ~~Allen & Unwin, 1937). ~~(4) # The Principles of Mathematics. Cambridge, at the University Press, 1903. IX, p. 534. ~~(Second edition (with a new introduction), 1938; George ~~Allen and Unwin.) # وهو يحتوي على ما يأتي: # الجزء الأول: # اللامعرفات في الرياضة. ~~(1) تعريف الرياضة البحتة، (2) المنطق الرمزي، (3) اللزوم وحالات اللزوم ~~الصوري، (4) أسماء الأعلام والصفات والأفعال، (5) دلالة اللفظ، (6) الفئات، ~~(7) دالات القضايا، (8) المتغيرات، (9) العلاقات، (10) التناقض. # الجزء الثاني: # العدد. ~~(11) تعريف الأعداد الأصلية، (12) الجمع والضرب، (13) النهائي ~~واللانهائي، (14) نظرية الأعداد النهائية، (15) جمع الحدود وجمع الفئات، ~~(16) الكل والجزء، (17) الكليات اللانهائية، (18) النسبة والكسور. # الجزء الثالث: # الكمية. ~~(19) معنى المقدار الكمي، (20) مدى الكمية، (21) الأعداد باعتبارها ~~رموزا تدل على المقدار الكمي: المقاييس، (22) الصفر، (23) اللانهاية، ~~اللامتناهي في الصغر والاستمرار. # الجزء الرابع: # الترتيب. ~~(24) أصول التسلسل، (25) معنى الترتيب، (26) العلاقات اللاتماثلية، ~~(27) الاختلاف في اتجاه العلاقة والاختلاف في العلامة، (28) في ms109 الفرق بين ~~السلسلة المفتوحة والسلسلة المقفلة، (29) المتواليات والأعداد الترتيبية، ~~(30) نظرية «ددكند» في العدد، (31) المسافة. # الجزء الخامس: # اللانهاية والاستمرار. ~~(32) ترابط السلسلة العددية، (33) الأعداد الحقيقية، (34) النهايات ~~والأعداد الصماء، (35) التعريف الأول للاستمرار عند «كانتور»، (36) ~~الاستمرار الترتيبي، (37) الأعداد الأصلية فيما بعد النهائي، (38) الأعداد ~~الترتيبية فيما بعد النهائي، (39) حساب اللامتناهي في الصغر، (40) ~~اللامتناهي في الصغر واللانهائي الزائف، (41) حجج فلسفية حول اللامتناهي في ~~الصغر، (42) فلسفة العنصر المستمر، (43) فلسفة اللانهائي. # الجزء السادس: # المكان. ~~(44) الأبعاد والأعداد المركبة، (45) الهندسة الفراغية، (46) الهندسة ~~الوصفية، (47) الهندسة العشرية، (48) العلاقة بين الهندسة العشرية والهندسة ~~الوصفية والفراغية، (49) تعريفات المكان بمعانيه المختلفة، (50) استمرار ~~المكان، (51) حجج منطقية ضد النقط، (52) نظرية «كانت» في المكان. # الجزء السابع: # المادة والحركة. ~~(53) المادة، (54) الحركة، (55) السببية، (56) تعريف العالم الديناميكي، ~~(57) قوانين الحركة عند نيوتن، (58) الحركة المطلقة والحركة النسبية، (59) ~~ديناميكا هيرتس. # ملحق (أ) النظريات المنطقية والرياضية عند «فريجه». # ملحق (ب) نظرية الأنماط. ~~(5) Principia Mathematica v. I, with Alfred North Whitehead. ~~Cambridge, at the University Press, 1910. X VI, p. 674 (Second edition, ~~1935). # وهو يحتوي على ما يأتي: # مقدمة: قائمة أبجدية للقضايا مشارا إليها بأسماء: ~~(1) # تفسير مبدئي للأفكار والرموز. ~~(2) # نظرية الألفاظ المنطقية. ~~(3) # الرموز الناقصة. # الجزء الأول: # المنطق الرياضي. ~~(أ) نظرية الاستنباط، (ب) نظرية المتغيرات الظاهرة، (ج) الفئات ~~والعلاقات، (د) منطق العلاقات ، (ه) جمع الفئات وضربها. # الجزء الثاني: # الحساب في الأعداد الأصلية. ~~(أ) الفئات ذوات العضو الواحد وذوات العضوين، (ب) الفئات الفرعية، ~~والعلاقات الفرعية، والأنماط النسبية، (ج) علاقات واحد بكثير، وكثير ~~بواحد، وواحد بواحد، (د) المختارات، (ه) العلاقات الاستقرائية. # ملحق (أ): نظرية الاستنباط في القضايا المشتملة على متغيرات ~~ظاهرة. # ملحق (ب): الاستقراء الرياضي. # ملحق (ج): دالات الصدق وغيرها، قائمة من تعريفات. ~~(4) Philosophical Essays, Longmans, Green & Co., 1910. ~~VI, p. 185. # وهو مجموعة الفصول الآتية: ~~(1) # عناصر علم الأخلاق (نشرت سنة 1908م). ~~(2) # عبادة رجل حر (نشرت سنة 1903م). ~~(3) # دراسة الرياضة (نشرت سنة 1907م). ~~(4) # المذهب البراجماتي (نشرت سنة 1909م). ~~(5) # تصور وليم جيمس لمعنى الصدق (نشرت سنة 1908م). ~~(6) # النظرية الواحدية في الصدق (نشرت سنة 1906م). ~~(7) # في طبيعة الحق والباطل (نشرت سنة 1906م). # ملحوظة: أعيد ms110 نشر بعض هذه الفصول في كتب أخرى، وسيلي ذكر ذلك في حينه. ~~(8) Principia Mathematica, v. II, with Alfred North Whitehead. ~~Cambridge, at the University Press, 1912, XXXI, p. 742 (Second edition, ~~1927). # وهو يحتوي على ما يأتي: # الجزء الثالث: ~~(الجزءان الأول والثاني في المجلد الأول) حساب الأعداد الأصلية. ~~(أ) تعريف الخصائص المنطقية للأعداد الأصلية، (ب) الجمع والضرب والتحليل ~~الإيضاحي، (ج) النهائي واللانهائي. # الجزء الرابع: # حساب العلاقات. ~~(أ) التشابه الترتيبي وأعداد العلاقات، (ب) جمع العلاقات وحاصل ضرب ~~علاقتين، (ج) مبدأ الفوارق الأولى، وضرب العلاقات وتحليلها الإيضاحي، (د) ~~حساب أعداد العلاقات. # الجزء الخامس: # التسلسل. ~~(أ) النظرية العامة للتسلسل، (ب) في القطاعات والأجزاء والامتدادات ~~والمشتقات، (ج) في الاتجاه نحو نقطة واحدة، ونهايات الدالة. ~~(9) # The Problems of Philosophy; Home University Library, 1912. ~~VIII, p. 255. # للكتاب ترجمة عربية بقلم الدكتور عطية هنا والدكتور عماد الدين إسماعيل، وهو يحتوي ~~على ما يأتي: # مقدمة ~~(1) المظهر والحقيقة، (2) وجود المادة، (3) طبيعة المادة، (4) المثالية، (5) المعرفة ~~بالاتصال المباشر والمعرفة بالوصف، (6) في الاستقراء، (7) في معرفتنا بالمبادئ العامة، ~~(8) كيف تكون المعرفة القبلية ممكنة، (9) عالم الكليات، (10) في علمنا بالكليات، ~~(11) في المعرفة الحدسية، (12) الحق والباطل، (13) المعرفة والخطأ والرأي المحتمل، (14) ~~نهايات المعرفة الفلسفية، (15) قيمة الفلسفة. ~~(10) Principia Mathematica, v. III; with Alfred North Whitehead. ~~Cambridge, at the University Press, 1913. VIII, p. 491 (Second edition, ~~1927). # وهو يحتوي على ما يأتي: # الجزء الخامس: ~~(بقية ما جاء بالمجلد الثاني) التسلسل. ~~(د) السلسلة الكاملة الترتيب، (ه) السلسلة النهائية واللانهائية، وكذلك ~~الأعداد الترتيبية، (و) السلسلة المحكمة، والسلسلة الجذرية، والسلسلة ~~المستمرة. # الجزء السادس: # الكمية. ~~(أ) تعميم العدد، (ب) المجموعات الموجهة، (ج) المقاييس، (د) المجموعات ~~الدورية. ~~(11) # Our Knowledge of the External World As a Field For ~~Scientific Method in Philosophy. # George Allen and Unwin, 1914. IX. p. ~~245. # وهو مجموعة المحاضرات التي يطلق عليها اسم «محاضرات لاؤل»، وقد ألقاها في مدينة ~~بوستن في شهري مارس وأبريل عام 1914م. # والكتاب يحتوي على ما يأتي: # مقدمة ~~(1) الاتجاهات المعاصرة، (2) المنطق باعتباره جوهر الفلسفة، (3) علمنا بالعالم ~~الخارجي، (4) عالم الفيزياء وعالم الحس، (5) نظرية الاستمرار، ms111 (6) مشكلة اللانهائية ~~منظورا إليها من وجهة تاريخية، (7) النظرية الوضعية في اللانهاية، (8) في فكرة السبب، ~~مع تطبيقها على مشكلة الإرادة الحرة. ~~(12) Principles of Social Reconstruction, George Allen and ~~Unwin, 1916. p. 252. ~~(Published in America under the title: Why Men ~~Fight.) ~~(13) # Justice in War-Time. George Allen and Unwin, 1916. IX, P. ~~243. # وهو مجموعة مقالات نشرت متفرقة. ~~(14) Political Ideals. New York, The Century Co., 1917. p. ~~172. ~~(15) # Mysticism and Logic and Other Essays. Longmans and Green ~~& Co., 1918, VI, p. 243. # ثم نشر في طبعات أخرى. # وهو مجموعة فصول نشرت متفرقة، ويحتوي على ما يأتي: ~~(1) # التصوف والمنطق (نشرت سنة 1914م). ~~(2) # مكان العلم في تربية حرة (نشرت سنة 1913م). ~~(3) # عبادة رجل حر (نشرت سنة 1903م). ~~(4) # دراسة الرياضة (نشرت سنة 1907م). ~~(5) # الرياضة والميتافيزيقا (نشرت سنة 1901م). ~~(6) # في المناهج العلمية في الفلسفة (نشرت سنة 1914م). ~~(7) # مقومات المادة كما ينتهي إليها التحليل (نشرت سنة 1915م). ~~(8) # علاقة المعطيات الحسية بعلم الطبيعة (نشرت سنة 1914م). ~~(9) # في فكرة السبب (نشرت سنة 1913م). ~~(10) # المعرفة بالاتصال المباشر والمعرفة بالوصف (نشرت سنة 1911م). ~~(11) # Roads to Freedom: Socialism, Anarchism and Syndicalism. ~~George Allen and Unwin, 1918. XVIII, p. 215. ~~(12) Philosophy of Logical Atomism. Monist v. 28, Oct. 1918, pp. ~~495-527; also Monist, July 1919; v. 29, pp. ~~32-63. ~~(13) # Introduction to Mathematical Philosophy. George Allen and ~~Unwin. VIII, p. 208. # ويحتوي على ما يأتي: # مقدمة ~~(1) سلسلة الأعداد، (2) تعريف العدد، (3) النهائية والاستقراء الرياضي، (4) تعريف ~~الترتيب، (5) أنواع العلاقات، (6) تشابه العلاقات، (7) الأعداد الجذرية، والأعداد ~~الحقيقية، والأعداد المركبة، (8) الأعداد الأصلية اللانهائية، (9) السلسلة اللانهائية ~~والأعداد الترتيبية، (10) النهايات والاستمرار، (11) النهايات واستمرار الدالات، (12) ~~المنتخبات وبديهية التكاثر، (13) بديهية اللانهاية والأنماط المنطقية، (14) عدم الاتساق ~~ونظرية الاستنباط، (15) دالات القضايا، (16) الوصف، (17) الفئات، (18) الرياضة ~~والمنطق. ~~(14) # The Practice and Theory of Bolshevism. George Allen and ~~Unwin, 1920. p. 192. ~~(15) # The Analysis of Mind. George Allen & Unwin, 1921. p. ~~310. # وهو مجموعة محاضرات ألقيت في لندن وبكين، ويحتوي على ما يأتي: ~~(1) أوجه النقد التي وجهت حديثا إلى «الشعور»، (2) الغريزة والعادة، (3) الرغبة ~~والشعور، (4) تأثير التاريخ الماضي على الحوادث الراهنة في الكائنات العضوية الحية، ~~(5) القوانين السببية في علمي ms112 النفس والطبيعة، (6) التأمل الباطني، (7) تعريف الإدراك ~~الحسي، (8) الإحساس والصور الذهنية، (9) الذاكرة، (10) الألفاظ والمعنى، (11) الأفكار ~~الكلية والفكر، (12) الاعتقاد، (13) الحق والباطل، (14) الانفعالات والإرادة، ~~(15) خصائص الظواهر العقلية. ~~(16) # The Problems of China. The Century Co. (New York), 1922. p. ~~276. ~~(17) # Introduction to Ludwig Wittgenstein’s “Tractatus ~~Logico-Philosophicus”, 1922, pp. 7-23. ~~(18) # The Prospects of Industrial Civilization. In Collaboration ~~with Dora Russell. George Allen & Unwin, 1928. V. p. ~~287. ~~(19) # The ABC of Atoms. Kegan Paul, 1928, p. ~~175. ~~(20) # The ABC of Relativity. Harper & Bros; Kegan Paul, ~~1925. p. 237. ~~(21) # What I believe. New York, Dutton & Co., 1925. p. 87. ~~Kgan Paul, 1925. p. 95. ~~(22) # On Education Especially in Early Childhood. George Allen ~~& Unwin, 1926. p. 319. ~~(23) # The Analysis of Matter. Kegan Paul, 1927. VIII, p. ~~408. # ويحتوي على ما يأتي: ~~(1) طبيعة المشكلة (مقدمة). # الجزء الأول: # التحليل المنطقي لعلم الطبيعة. ~~(2) علم الطبيعة فيما قبل النسبية، (3) الإلكترونات والبروتونات، (4) ~~نظرية الكم (الكوانتا)، (5) النظرية الخاصة في النسبية، (6) النظرية ~~العامة في النسبية، (7) طريقة الشد والجذب، (8) المساحة التطبيقية، (9) ~~الثوابت وتفسيرها الفيزيائي، (10) نظرية قابل، (11) مبدأ قانون التفاضل، ~~(12) المقاييس، (13) المادة والمكان، (14) التجريد في علم الطبيعة. # الجزء الثاني: # علم الطبيعة والإدراك الحسي. ~~(15) من الإدراك الحسي الأولي إلى الإدراك الفطري، (16) من الإدراك ~~الفطري إلى علم الطبيعة، (17) العلم التجريبي، (18) علمنا بأمور الواقع ~~الجزئية، (19) المعطيات الأولية، الاستدلالات، الفروض، النظريات، (20) ~~النظرية السببية في الإدراك الحسي، (21) الإدراك الحسي والنظرة الموضوعية، ~~(22) الاعتقاد في قوانين عامة، (23) الجوهر، (24) أهمية التكوين البنائي في ~~الاستدلال العلمي، (25) الإدراك الحسي من وجهة نظر علم الطبيعة، (26) ~~أشباه للإدراك الحسي من أشياء غير عقلية. # الجزء الثالث: # التكوين البنائي للعالم الطبيعي. ~~(27) الجزئيات والحوادث، (28) تكوين النقط، (29) الترتيبات الزمان ~~مكانية، (30) القوانين السببية، (31) القوانين السببية الخارجية، (32) ~~الزمان مكان الفيزيائي والإدراكي، (33) الدورية والتسلسل الكيفي، (34) ~~أنماط الحوادث الطبيعية، (35) السببية والفاصل في الزمان والمكان، (36) أصل ~~الزمان مكان، (37) علم الطبيعة والواحدية المحايدة، (38) تلخيص ~~وخاتمة. ~~(24) # An Outline of Philosophy. George Allen and Unwin, 1927. p. ~~307. # ويحتوي على ما يأتي: ~~(1) الشكوك الفلسفية. # الجزء الأول: # الإنسان من خارج. ~~(2) الإنسان وبيئته، (3) عملية التعلم في الحيوان والصغار، (4) اللغة، ~~(5) الإدراك الحسي منظورا إليه نظرة موضوعية، (6) الذاكرة منظورا إليها ~~نظرة موضوعية، (7) الاستدلال باعتباره ms113 عادة، (8) المعرفة مبحوثة من وجهة ~~نظر سلوكية. # الجزء الثاني: # العالم الطبيعي. ~~(9) بناء الذرة، (10) النسبية، (11) القوانين السببية في علم الطبيعة، ~~(12) علم الطبيعة والإدراك الحسي، (13) المكان الفيزيائي والمكان الإدراكي، ~~(14) الإدراك الحسي والقوانين السببية الطبيعية، (15) طبيعة ما نعلمه عن ~~الفيزياء. # الجزء الثالث: # الإنسان من داخل. ~~(16) ملاحظة الإنسان لنفسه، (17) الصور الذهنية، (18) الخيال والذاكرة، ~~(19) تحليل الإدراك الحسي عن طريق الملاحظة الباطنية، (20) هل هناك شعور؟ ~~(21) الانفعال والرغبة والإرادة، (22) الأخلاق. # الجزء الرابع: # الكون. ~~(23) بعض فلسفات الماضي العظيمة، (24) الحق والباطل، (25) سلامة ~~الاستدلال، (26) الحوادث والمادة والعقل، (27) مكانة الإنسان في ~~الكون. ~~(25) # Sceptical Essays. George Allen and Unwin, 1928. p. ~~256. # ويحتوي على ما يأتي: ~~(1) # تمهيد في قيمة الشك (نشرت سنة 1928م). ~~(2) # الأحلام والواقع. ~~(3) # هل يأخذ العلم بالخرافة؟ (نشرت سنة 1926م). ~~(4) # هل يمكن للإنسان أن يلتزم العقل؟ ~~(5) # الفلسفة في القرن العشرين (نشرت سنة 1924م). ~~(6) # السلوكية والقيم. ~~(7) # المثل الأعلى في السعادة عند الشرقيين والغربيين. ~~(8) # ما يقترفه أخيار الناس من شر (نشرت سنة 1926م). ~~(9) # الحاجة إلى شك سياسي (نشرت سنة 1923م). ~~(10) # الفكر الحر والدعاية الرسمية (نشرت سنة 1922م). ~~(11) # الحرية والمجتمع (نشرت سنة 1926م). ~~(12) # المقابلة بين الحرية والسلطة في التربية. ~~(13) # علم النفس والسياسة (نشرت سنة 1924م). ~~(14) # خطر الحروب المذهبية. ~~(15) # Marriage and Morals. George Allen and Unwin, 1929. p. ~~320. # ويحتوي على ما يأتي: ~~(1) ضرورة أخلاقية جنسية ، (2) حيث تكون الأبوة مجهولة، (3) المجال الذي يسيطر فيه ~~الوالد، (4) عبادة الجنس، والزهد والخطيئة، (5) الأخلاقية المسيحية، (6) حب العاشقين، ~~(7) تحرير المرأة، (8) إحاطة المعرفة الجنسية بالتحريم، (9) مكان الحب من حياة الإنسان، ~~(10) الزواج، (11) العهر، (12) زواج التجربة، (13) الأسرة في يومنا الراهن، (14) ~~الأسرة في سيكولوجية الفرد، (15) الأسرة والدولة، (16) الطلاق، (17) السكان، (18) تحسين ~~النسل، (19) الحياة الجنسية وسعادة الفرد، (20) مكان الجنس في القيم الإنسانية، (21) ~~خاتمة. ~~(16) # The Conquest of Happiness. George Allen and Unwin, 1930. p. ~~249. ~~(17) # The Scientific Outlook. New York, Norton & Co., ~~1931. X, p. 277. # ويحتوي على ما يأتي: # تمهيد # الجزء الأول: # المعرفة العلمية. ~~(1) أمثلة من الطريقة العلمية، (2) خصائص الطريقة العلمية، (3) تصور ~~الطريقة العلمية، (4) الميتافيزيقا العلمية، (5) العلم والدين. # الجزء الثاني: # الأساليب العلمية. ~~(6) بدايات الأساليب العلمية، (7) الأساليب المتبعة في المادة الجامدة، ~~(8) الأساليب المتبعة في ms114 علم الحياة، (9) الأساليب المتبعة في علم وظائف ~~الأعضاء، (10) الأساليب المتبعة في علم النفس، (11) الأساليب المتبعة في ~~المجتمع. # الجزء الثالث: # المجتمع العلمي. ~~(12) المجتمعات المتكونة بطرائق مصطنعة، (13) الفرد والكل، (14) ~~الحكومة العلمية، (15) التربية في مجتمع علمي، (16) التكاثر بطريقة علمية، ~~(17) العلم والقيم. ~~(18) # Education and Social Order. George Allen & Unwin, ~~1933. p. 245. ~~(Iin Norton’s edition, called “Education and the Modern ~~World”.) ~~(19) # Freedom and Organization 1814-1914, George Allen and Unwin, ~~1934. VIII, p. 471. ~~(20) # In Praise of Idleness, New York, W.W. Norton & Co., ~~1935. VIII, p. 270. ~~(21) # Religion and Science. New York, Henry Holt & Co., ~~1935. p. 271. # ويحتوي على ما يأتي: ~~(1) أسس النزاع، (2) ثورة كوبرنيق، (3) الثورة، (4) الخرافة والطب، (5) النفس والجسم، ~~(6) الجبرية، (7) التصوف، (8) غائية الكون، (9) العلم والأخلاق، (10) خاتمة. ~~(22) # Which Way to Peace? London, Michael Joseph Ltd., 1936. p. ~~224. ~~(23) Power: A New Social Analysis. New York, W.W. Norton ~~& Co., 1938. p. 315. # ويحتوي على ما يأتي: ~~(1) الحافز إلى القوة، (2) القادة والتابعون، (3) صور القوة، (4) قوة الكهنة، ~~(5) قوة الملوك، (6) القوة السافرة، (7) قوة الثورة، (8) القوة الاقتصادية، (9) القوة فوق ~~الرأي، (10) مصادر القوة، (11) نماء المنظمات، (12) قوى الحكومات وأشكالها، ~~(13) المنظمات والفرد، (14) التنافس، (15) القوة وقوانين الأخلاق، (16) فلسفات القوة، (17) ~~أخلاقية القوة، (18) ترويض القوة. ~~(24) # An Inquiry Into Meaning and Truth. George Allen and Unwin, ~~1940. p. 445. # وهي مجموعة المحاضرات التي يطلق عليها «محاضرات وليم جيمس»، ألقاها في جامعة ~~هارفارد، ويحتوي الكتاب على ما يأتي: # تمهيد ~~(1) ما اللفظة؟ (2) الجمل والتركيب اللفظي وأجزاء الكلام، (3) الجمل التي تصف الخبرة، ~~(4) اللغة الشيئية، (5) الكلمات المنطقية، (6) أسماء الأعلام، (7) الجزئيات المتمركزة ~~في الذات، (8) الإدراك الحسي والمعرفة، (9) المقدمات العرفانية، (10) القضايا الأساسية، ~~(11) المقدمات الواقعية، (12) تحليل المشكلات الخاصة بالقضايا، (13) دلالة الجمل: ~~(أ) نظرة عامة، (ب) التحليل النفسي للدلالة، (ج) التركيب اللفظي والدلالة، (14) اللغة كأداة ~~للتعبير، (15) ماذا «تعني» الجمل؟، (16) الحق والباطل، (17) الحق والخبرة، ~~(18) المعتقدات العامة، (19) الماصدقات والذرية، (20) قانون الثالث المرفوع، (21) الصدق ~~وطريقة التحقق منه، (22) الدلالة وإمكان التحقق من الصدق، (23) إمكان الإثبات الجائز، ~~(24) التحليل، (25) اللغة والميتافيزيقا. ~~(25) # History of Western Philosophy. George Allen and Unwin, ~~1946. p. 916. # وللكتاب ترجمة عربية بقلم الدكتور زكي نجيب محمود. ~~(26) # Human Knowledge: Its Scope and Limits. ms115 George Allen and ~~Unwin, 1948. p. 538. # ويحتوي على ما يأتي: # تمهيد # الجزء الأول: # عالم العلم. ~~(1) المعرفة الفردية والاجتماعية، (2) عالم الفلك، (3) عالم الفيزياء، ~~(4) التطور البيولوجي، (5) فسيولوجيا الإحساس والإرادة، (6) علم ~~العقل. # الجزء الثاني: # اللغة. ~~(1) استعمالات اللغة، (2) التعريف بالإشارة، (3) أسماء الأعلام، (4) ~~الجزئيات المركزة في الذات، (5) ردود الأفعال المؤجلة: المعرفة ~~والاعتقاد، (6) الجمل، المدلولات الخارجية للأفكار والمعتقدات، (8) الصدق: ~~صوره المبدئية، (9) الكلمات المنطقية والباطل، (10) المعرفة العامة، (11) ~~الوقائع والاعتقاد والصدق والمعرفة. # الجزء الثالث: # العلم والإدراك الحسي. ~~(1) معرفة الوقائع ومعرفة القوانين، (2) الانعزال الذاتي، (3) الاستدلال ~~الاحتمالي كما يمارسه الإدراك الفطري، (4) الفيزياء والخبرة، (5) الزمن في ~~الخبرة، (6) المكان في علم النفس، (7) العقل والمادة. # الجزء الرابع: # المدركات العلمية ~~(1) التفسير، (2) الألفاظ الأولية، (3) البناء التكويني، (4) البناء ~~التكويني والألفاظ الأولية، (5) الزمن: العام منه والخاص، (6) المكان في ~~الفيزياء الكلاسيكية، (7) الزمان مكان، (8) مبدأ التفرد، (9) القوانين ~~السببية، (10) المكان زمان والسببية. # الجزء الخامس: # الاحتمال ~~(1) أنواع الاحتمال، (2) الاحتمال الرياضي، (3) نظرية التكرار المحدود، ~~(4) نظرية ميزس ورايشنباخ، (5) نظرية كينز في الاحتمال، (6) درجات التصديق، ~~(7) الاحتمال والاستقرار. # الجزء السادس: # مصادرات الاستدلال العلمي ~~(1) أنواع المعرفة، (2) أهمية الاستقراء، (3) مصادرة الأنواع الطبيعية، ~~(4) المعرفة المجاوزة للخبرة، (5) الخيوط السببية، (6) البناء التكويني ~~والقوانين السببية، (7) التفاعل، (8) الاستدلال بالتمثيل، (9) خلاصة ~~المصادرات، (10) حدود الاتجاه التجريبي. ~~(27) # Authority and the Individual. George Allen and Unwin, 1949. ~~p. 125. ~~(28) # Human Society in Ethics & Polities George Allen, and ~~Unwin, 1954. p. 239. # | نصوص مختارة # من مؤلفات برتراند رسل # النص الأول: الرياضة وفلسفتها # الرياضة دراسة - إذا ما بدأناها بأكثر أجزائها إلفا لنا - أمكن متابعتها في أحد ~~اتجاهين متضادين، والاتجاه الذي نألفه أكثر من الآخر هو الاتجاه البنائي الذي ينحو ~~بنا نحو تركيب يزداد تدريجا: فمن الأعداد البسيطة إلى الكسور، ثم إلى الأعداد الحقيقية ~~فالأعداد المركبة، ومن الجمع والضرب إلى التفاضل والتكامل، وهكذا نمضي في السير إلى ~~الرياضيات العليا، وأما الاتجاه الثاني الذي لا نألفه بمثل ما نألف الاتجاه الأول، ~~فيمضي مستعينا بالتحليل نحو ازدياد مطرد في التجريد والبساطة المنطقية، فبدل أن ~~نسأل قائلين: ماذا يمكن تعريفه واستنباطه من المسلمات التي بدأنا بها، نسأل قائلين: ~~ماذا عسانا واجدوه من أفكار أكثر تعميما يمكن بواسطتها ms116 أن نعرف، وأن نستنبط ما كنا ~~قد اتخذناه نقطة ابتداء؟ هذا السير في الاتجاه المضاد، هو الذي يميز الفلسفة الرياضية ~~إذا قورنت بالرياضة المعتادة، لكن ليكن مفهوما أن هذه التفرقة ليست بتفرقة في ~~الموضوع [الذي تدرسه الرياضة وفلسفتها معا]، بل هي تفرقة في الحالة العقلية التي ~~يصطنعها الباحث، إن علماء الهندسة من الإغريق الأولين، حين انتقلوا من القواعد العملية ~~التي كان يستخدمها المصريون في مساحة الأرض، إلى القضايا العامة التي يمكن بها تفسير ~~تلك القواعد، ومن ثم انتقلوا إلى بديهيات إقليدس ومصادراته، كانوا بهذا ينتقلون في ~~مجال الفلسفة الرياضية حسب التعريف الذي أسلفناه، حتى إذا ما بلغوا في سيرهم مرحلة ~~البديهيات والمصادرات، كان استخدامهم لها في العمليات الاستنباطية - كالذي نراه عند ~~إقليدس - من اختصاص الرياضة بمعناها المألوف، إن التفرقة بين الرياضة والفلسفة الرياضية ~~إنما تعتمد على نوع الاهتمام الذي يحفز الباحث، وعلى المرحلة التي يكون البحث قد ~~بلغها، لا على القضايا التي هي موضوع البحث نفسه. # مدخل إلى الفلسفة الرياضية، ص1-2 # MATHEMATICS AND MATHEMATICAL PHILOSOPHY # Mathematics is a study which, when we start from the most ~~familiar portions, may be pursued in either of two opposite directions. The ~~more familiar direction is constructive; towards gradually increasing ~~complexity: from integers to fractions, real numbers, complex numbers; from ~~addition and multiplication to differentiation and integration, and on to ~~higher mathematics. The other direction, which is less familiar, proceeds, ~~by analysing, to greater and greater abstractness and logical simplicity; ~~instead of asking what can be defined and deduced from what is assumed to ~~begin with, we ask instead what more general ideas and principles can be ~~found, in terms of which what was our starting-point can be defined or ~~deduced. It is the fact of pursuing this opposite direction that ~~characterises Mathematical philosophy as opposed to ordinary mathematics. ~~But it should be understood that the distinction is one, not in the subject ~~matter, ms117 but in the state of mind of the investigator. Early Greek geometers, ~~passing from the empirical rules of Egyptian land-surveying to the general ~~propositions by which those rules were found to be justifiable, and thence ~~to Euclid’s axioms and postulates, were engaged in mathematical philosophy, ~~according to the above definition; but when once the axioms and postulates ~~have been reached, their deductive employment, as we find it in Euclid, ~~belonged to mathematics in the ordinary sense. The distinction between ~~mathematics and mathematical philosophy is one which depends upon the ~~interest inspiring the research, and upon the stage which the research has ~~reached; not upon propositions with which the research is ~~concerned. # Introduction to Mathematical Philosophy. pp. ~~1-2 # النص الثاني: تعريف العدد # هبنا قد وضعنا كل الأزواج في حزمة، وكل الثالوثات في أخرى، وهكذا؛ فبهذه الطريقة ~~نحصل على حزمات مختلفة من مجموعات، كل حزمة منها تتألف من كل المجموعات التي لها ~~عدد معين من الحدود، وبهذا تكون كل حزمة فئة أعضاؤها هي هذه المجموعات، أي أعضاؤها هي ~~فئات، وإذن فكل حزمة تكون فئة من فئات، فالحزمة المؤلفة من جميع الأزواج - مثلا - ~~فئة من فئات؛ إذ كل زوج منها فئة ذات عضوين، والحزمة كلها المؤلفة من أزواج هي فئة ~~قوامها عدد لا نهاية له من أعضاء، كل عضو منها فئة ذات عضوين. # فكيف يمكننا الجزم بأن مجموعتين تنتميان إلى حزمة بعينها؟ الجواب الذي يبرز نفسه ~~أمامنا هو هذا: «انظر كم عضوا تحتوي عليه كل مجموعة، وضع المجموعتين في حزمة واحدة ~~إذا كانت كل منهما محتوية على نفس العدد الذي تحتوي عليه المجموعة الأخرى»، لكن هذا ~~الجواب فيه افتراض سابق بأننا قد فرغنا من تعريف العدد، وأننا نعرف كيف نعلم عدد الحدود ~~التي تتألف منها كل مجموعة، فلقد ألفنا عملية العد إلفا قد يجعل مثلا هذا ~~الافتراض السابق يفلت منا فلا نلاحظه، ومع ذلك فالواقع هو أن العد - رغم إلفنا له ~~- عملية غاية ms118 في التركيب من الوجهة المنطقية، فضلا عن أنه لا يجدي - باعتباره وسيلة ~~للكشف عن عدد الحدود التي تحتوي عليها مجموعة ما - إلا إذا كانت تلك المجموعة نهائية ~~العدد، غير أن تعريفنا للعدد لا يجوز أن يفترض مقدما بأن كل الأعداد نهائية، وعلى كل ~~حال فنحن لا نستطيع - بغير الدوران في حلقة مفرغة - أن نستخدم العد في تعريف ~~الأعداد؛ لأن الأعداد هي التي نستخدمها في العد، وعلى ذلك فلا غنى لنا عن طريقة أخرى ~~نقرر بها متى يكون لمجموعتين نفس العدد من الحدود ... # ولما كانت فكرة التشابه هي من الوجهة المنطقية مفروضة مقدما في عملية العد، وهي من ~~الوجهة المنطقية كذلك أبسط من العد، وإن تكن أقل إلفا لنا ... ففي مقدورنا - إذن - أن ~~نستخدم فكرة «التشابه عند الحكم على مجموعتين بأنهما ينتميان إلى حزمة ~~بعينها». # المدخل إلى الفلسفة الرياضية، ص14-17 # DEFINITION OF MUMBER # We can suppose all conples in one bundle, all trios in another, ~~and so on. In this way we obtain various bundles of collections, each bundle ~~consisting of all the collections that have a certain number of terms. Each ~~bundle is a class whose members are collections, i.e. classes; thus each is ~~a class of classes. The bundle consisting of all couples, for example, is a ~~class of classes: each couple is a class with two members, and the whole ~~bundle of couples is a class with an infinite number of members, each of ~~which is a class of two members. # How shall we decide whether two collections are to belong to ~~the same bundle? The answer that suggests itself is: “Find out how many ~~members each has, and put them in the same bundle if they have the same ~~number of members.” But this presupposes that we have defined numbers, and ~~that we know how to discover how many terms a collection has. We are so used ms119 ~~to the operation of counting that such a presup-position might easily pass ~~unnoticed. In fact, however, counting, though familiar, is logically a very ~~complex operation; moreover it is only available, as a means of discovering ~~how many terms a collection has, when the collection is finite. Our ~~definition of number must not assume in advance that all numbers are finite; ~~and we cannot in any case, without a vicious circle, use counting to define ~~numbers, because numbers are used in counting. We need, therefore, some ~~other method of deciding when two collections have the same number of ~~terms. # The notion of similarity is logically presupposed in the ~~operation of counting, and is logically simpler though less familiar ~~... # We may thus use the notion of “similarity” to decide when two ~~collections are to belong to the same bundle. # Introduction to Mathematical Philosophy, pp. ~~14-17 # النص الثالث: المنطق والرياضة ~~(1) الرياضة البحتة هي طائفة القضايا التي تأخذ هذه الصورة: «ق تستلزم ك» حين تكون ~~«ق» و«ك» قضيتين محتويتين على متغير واحد أو أكثر، بحيث تكون المتغيرات في إحداهما ~~هي نفسها المتغيرات في الأخرى، وبحيث لا تشتمل «ق» أو «ك» على ثوابت البتة ما عدا ~~الثوابت المنطقية، والثوابت المنطقية كلها عبارة عن أفكار يمكن تعريفها باستخدام ~~الحدود الآتية: لزوم، علاقة حد بفئة هو عضو فيها، الفكرة التي تعبر عنها كلمة «بحيث»، ~~فكرة العلاقة، وغير هذه من الأفكار التي قد تكون متضمنة في الفكرة العامة عن القضايا ~~التي هي من الصورة المذكورة، أضف إلى هذه الأفكار كلها حقيقة أخرى، وهي أن الرياضة ~~تستخدم فكرة ليست في ذاتها من مقومات القضايا التي هي موضوع الرياضة، وأعني بها فكرة ~~الصواب. # مبادئ الرياضة، ص3 ~~(2) علاقة الرياضة بالمنطق وثيقة جدا، فكون الثوابت الرياضية جميعا ثوابت منطقية، ~~وأن مقدمات الرياضة كلها إنما تختص بتلك الثوابت، يبين لنا - فيما أعتقد - بيانا ~~دقيقا ما قصد إليه الفلاسفة حين قالوا عن الرياضة إنها ms120 قبلية، إذ الواقع هو أننا إذا ~~ما قبلنا جهاز المنطق، فإن الرياضة بكافتها تلزم بالضرورة، وأما الثوابت المنطقية نفسها ~~فطريقة تعريفها لا تكون إلا بمجرد ذكرها؛ لأنها من الأولية بحيث تكون كافة الخصائص ~~التي يمكن بواسطتها تعريف تلك الطائفة من الثوابت مما لا بد أن يفترض مقدما بعض ~~أفراد الطائفة، ومع ذلك فمن الوجهة العملية يتخذ تحليل المنطق الرياضي وسيلة للكشف عن ~~الثوابت المنطقية، إن تمييز الرياضة من المنطق أمر جزاف إلى حد بعيد، ولكن إذا كان ~~هذا التمييز بينهما أمرا مرغوبا فيه، فيمكن بيانه على النحو الآتي: يتألف المنطق من ~~مقدمات الرياضة بالإضافة إلى جميع القضايا الأخرى التي لا تتناول قط إلا الثوابت ~~المنطقية، ومعها المتغيرات دون أن تكون مستوفية لشروط تعريف الرياضة كما قدمناه ~~(انظر «أ»)، وأما الرياضة فتتألف من جميع ما يترتب من نتائج على المقدمات المذكورة التي ~~تثبت لزومات صورية مشتملة على متغيرات، بالإضافة إلى بعض تلك المقدمات نفسها؛ على ~~شرط أن يكون فيها تلك المميزات، وعلى ذلك فبعض مقدمات الرياضة، مثل المبدأ المنطوي عليه ~~هذا القياس: «إذا كانت «ق» تستلزم «ك» و«ك» تستلزم «ر»، كانت «ق» تستلزم «ر»» ينتمي إلى ~~الرياضة، على حين أن بعضا آخر مثل قولنا «اللزوم علاقة» ينتمي إلى المنطق لا إلى ~~الرياضة، ولولا رغبتنا في التزام الاستعمال الشائع، لجاز لنا أن نوحد بين الرياضة ~~والمنطق، وأن نعرف كلا منهما بأنه طائفة القضايا المشتملة على متغيرات فقط مع ~~ثوابت منطقية، لكن احترام العرف يؤدي بي إلى الأخذ بالتفرقة المذكورة، على ألا أنسى أن ~~قضايا معينة تنتمي إليهما معا. # أصول الرياضة، ص8-9 # LOGIC AND MATHEMATICS ~~(1) Pure Mathematics is the class of all propositions of the ~~form “p implies q” where p and q are propositions containing one or more ~~variables, the same in the two propositions, and neither p nor q contains ~~any constants except logical constants. And logical constants are all ~~notions definable in terms of the following: Implication, the relation of ms121 a ~~term to a class of which it is a member, the notion of 'such that’, the ~~notion of relation, and such further notions as may be involved in the ~~general notion of propositions of the above form. In addition to these ~~mathematics uses a notion which is not a constituent of the propositions ~~which it considers, namely the notion of truth. # The Principles of Mathematics, p. ~~3 ~~(2) The connection of mathematics with logic is exceedingly ~~close. The fact that all mathematical constants are logical constants, and ~~that all the premisses of mathematics are concerned with these, gives, I ~~believe, the precise statement of what philosophers have meant in asserting ~~that mathematics is # a priori ~~. The fact is ~~that, when once the apparatus of logic has been accepted, all mathematics ~~necessarily follows. The logical constants themselves are to be defined only ~~by enumeration, for they are so fundamental that all the properties by which ~~the class of them might be defined presuppose some terms of the class. But ~~practically, the method of discovering the logical constants is the analysis ~~of symbolic logic. The distinction of mathematics from logic is very ~~arbitrary, but if a distinction is desired, it may be made as follows. Logic ~~consists of the premisses of mathematics, together with all other ~~propositions which are concerned exclusively with logica constants and with ~~variables but do not fulfil the above definition ljo mathematics (I). ~~Mathematics consists of all the consequences of the above premisses which ~~assert formal implications containing variables, together with such of the ~~premisses themselves as have these marks. Thus some of the premisses of ~~mathematics, e.g. the principle of the syllogism, “if p implies q and q ~~implies r, then p implies r”, will belong to mathematics, while others, such ~~as “implication is a relation”, will ms122 belong to logic but not to mathematics. ~~But for the desire to adhere to usage, we might identify mathematics and ~~logic, and define either as the class of propositions containing only ~~variables and logical constants; but respect for tradition leads me rather ~~to adhere to the above distinction, while recognizing that certain ~~propositions belong to both sciences. # The Principles of Mathematics, pp. ~~8-9 # النص الرابع: المعرفة بالاتصال المباشر والمعرفة بالوصف # سنقول إن لدينا اتصالا مباشرا بشيء ما إذا كنا على وعي بذلك الشيء وعيا مباشرا ~~دون أن تتوسط في ذلك أية عملية استدلالية أو أية معرفة بحقائق، وعلى ذلك فحين تكون ~~منضدتي حاضرة أمامي، فأنا على اتصال مباشر بالمعطيات الحسية التي منها يتألف ظاهر ~~المنضدة؛ لونها وشكلها وصلابتها ونعومتها إلخ؛ فكل هذه أشياء أكون على وعي مباشر بها ~~حين أكون للمنضدة رائيا ولامسا، فالدرجة المعينة من الضوء التي أراها قد يقال عنها ~~أشياء كثيرة - فقد أقول عنها إنها بنية، وانها أميل إلى الدكنة وهكذا، غير أن أمثال ~~هذه الأقوال - وإن تكن تضيف إلى علمي علما بحقائق عن اللون، إلا أنها لا تجعل علمي ~~باللون ذاته أفضل مما كان عليه من قبل، فإذا ما كان الأمر أمر معرفة اللون ذاته - ~~بالمقارنة إلى معرفة حقائق عن اللون - فأنا أعرف اللون معرفة كاملة شاملة حين أراه، ~~ويستحيل حتى من الوجهة النظرية أن أضيف إلى علمي ذاك باللون ذاته شيئا، وهكذا تكون ~~المعيطات الحسية التي منها يتألف ظاهر منضدتي أشياء بيني وبينها اتصال مباشر، أشياء ~~أعرفها مباشرة في حالها التي هي عليها. # أما معرفتي بالمنضدة باعتبارها شيئا ماديا فهي - على عكس ذلك - ليست معرفة مباشرة، ~~فالمنضدة كما هي إنما أحصل على علمي بها عن طريق الصلة المباشرة بالمعطيات الحسية التي ~~منها يتألف ظاهرها، وقد رأينا [في الفصل الأول من الكتاب] أنه يمكن الشك - دون إغراق ~~في السخف - فيما لو كان للمنضدة وجود على الإطلاق، على حين أنه محال علينا أن نشك في ~~معطياتها الحسية؛ ms123 فمعرفتي بالمنضدة [باعتبارها شيئا ماديا] هي من النوع الذي ~~سأطلق عليه اسم «المعرفة بالوصف»، فالمنضدة هي «الشيء المادي الذي عنه يصدر كذا وكذا ~~من المعطيات الحسية.» هذا القول يصف المنضدة، ووسيلة الوصف هي المعطيات الحسية؛ فلكي ~~نعرف أي شيء عن المنضدة، فلا بد من معرفة حقائق تربطها بأشياء يكون لنا بها اتصال ~~مباشر؛ إذ لا بد أن نعرف أن «كذا وكذا من المعطيات الحسية صادرة عن شيء مادي»، وليس ~~هنالك حالة عقلية واحدة نكون فيها على وعي مباشر بالمنضدة [باعتبارها شيئا ماديا]، ~~وكل علمنا بالمنضدة هو في حقيقة أمره علم بحقائق عقلية، أما الشيء الواقع الذي هو ~~المنضدة فلسنا على علم به إطلاقا، إذا أردت دقة في القول؛ ذلك لأن ما نعلمه هو وصف، ~~كما نعلم أيضا أن ثمة شيئا واحدا فقط هو الذي ينطبق عليه ذلك الوصف، ولو أن الشيء ~~نفسه لا يقع في علمنا وقوعا مباشرا، وفي مثل هذه الحالة نقول عن معرفتنا بالشيء إنها ~~معرفة بالوصف. # مشكلات الفلسفة، ص73-75 # KNOWLEDGE BY ACQUAINTANCE AND KNOWLEDGE BY ~~DESCRIPTION # We shall say that we have # acquaintance # with anything of which we are directly aware, ~~without the intermediary of any process of inference or any knowledge of ~~truths. Thus in the presence of my table I am acquainted with the sense-data ~~that makes up the appearance of my table-its colour, shape, hardness, ~~smoothness, etc.; all these are things of which I am immediately conscious ~~when I am seeing and touching my table. The particular shade of colour that ~~I am seeing may have many things said about it-I may say that it is brown, ~~that it is rather dark, and so on. But such statements, though they make me ~~know truths # about # the colour, do not make ~~me know the colour itself any better than I did before: so far as concerns ~~knowledge of the colour itself, as opposed to knowledge ms124 of truths about it I ~~know the colour perfectly and completely when I see it, and no farther ~~knowledge of it itself is even theoretically possible. Thus the sense- data ~~which make up the appearance of my table are things with which I have ~~acquaintance, things immediately known to me just as they ~~are. # My knowledge of the table as a physical object, on the ~~contrary, is not direct knowledge. Such as it is, it is obtained through ~~acquaintance with the sense-data that make up the appearance of the table. ~~We have seen that it is possible, without absurdity, to doubt whether there ~~is a table at all, whereas it is not possible to doubt the sense-data. My ~~knowledge of the table is of the kind which we shall call “knowledge by ~~description”. The table is “the physical object which causes such-and- such ~~sense-data.” This # describes # the table by ~~means of the sense-data. In order to know anything at all about the table, ~~we must know truths connecting it with things with which we have ~~acquaintance: we must know that “such-and-such sense-data are caused by a ~~physical object”. There is no state of mind in which we are directly aware ~~of the table; all our knowledge of the table is really knowledge of # truths ~~, and the actual thing which is ~~the table is not, strictly speaking, known to us at all. We know a ~~description, and we know that there is just one object to which this ~~description applies, though the object itself is not directly known to us. ~~In such a case, we say that our knowledge of the object is knowledge by ~~description. # The Problems of Philosophy, pp. ~~73-75 # النص الخامس: الكون وأجزاؤه # تميل النظرة التقليدية إلى أن تتخذ من الكون نفسه موضوعا لمحمولات متعددة لا يمكن ~~حملها على أي ms125 شيء جزئي مما يحتويه الكون، وأن تجعل من وصف الكون بمثل هذه المحمولات ~~المميزة له موضوع اختصاص للفلسفة، أما أنا - فعلى عكس ذلك - أذهب إلى أنه ليس هنالك ~~قضايا مما يكون «الكون» فيها موضوعا، وبعبارة أخرى، ليس هنالك شيء اسمه «الكون»، ~~مذهبي هو أن ثمة قضايا عامة قد تقال عن كل شيء جزئي على حدة، مثل قضايا المنطق، لكن ~~ذلك لا يقتضي أن تكون مجموعة الأشياء الموجودة مكونة لكل يمكن اعتباره شيئا آخر ~~يضاف إلى سائر الأشياء، وبذلك يمكن جعله موضوعا لمحمولات، وكل ما يقتضيه كلامي هو ~~القول بأن هنالك خصائص توصف بها الأشياء جميعا شيئا شيئا، فالفلسفة التي أود أن ~~أناصرها يمكن أن نطلق عليها اسم الذرية المنطقية، أو التعددية المطلقة؛ لأنني في ~~الوقت الذي آخذ فيه بوجود أشياء كثيرة، أنكر أن يكون هنالك كل واحد مكون من هذه ~~الأشياء. # من فصل «المنهج العلمي في الفلسفة» # في كتاب «التصوف والمنطق»، ص107 من طبعة بليكان # THE UNIVERSE AND ITS PARTS # The traditional view would make the universe itself the subject ~~of various predicates which would not be applied to any particular thing in ~~the universe, and the ascription of such peculiar predicates to the universe ~~would be the special business of philosophy. I maintain, on the contrary, ~~that there are no propositions of which the 'universe’ is the subject; in ~~other words, that there is no such thing as the 'universe’ what I do ~~maintain is that there are general propositions which may be asserted of ~~each individual thing, such as the propositions of logic. This does not ~~involve that all the things there are form a whole which could be regarded ~~as another thing and be made the subject of predicates. It involves only the ~~assertion that there are properties belonging to the whole of things ~~collectively. The philosophy which I wish to advocate may be called logical ~~atomism ms126 or absolute pluralism, because, while maintaining that there are ~~many things, it denies that there is a whole composed of those ~~things. # On Scientific method in Philosophy # Mysticism and Logic, p. 107 Pelican ~~edition # النص السادس: المصطلحات الأولية في العلوم # كل ما يقال في علم من العلوم يمكن قوله بواسطة الكلمات التي تتكون منها مجموعة ~~المصطلحات الأولية؛ لأنه أينما ترد كلمة يكون لها تعريف بكلمات غيرها، يمكننا أن نضع ~~مكانها العبارة التي تعرفها، ثم إذا كانت هذه العبارة مشتملة على كلمات لها تعريف ~~بكلمات غيرها، لجأنا مرة أخرى إلى أن نضع مكانها العبارة التي تعرفها، وهكذا دواليك ~~حتى لا يبقى أمامنا كلمات يمكن تعريفها بكلمات غيرها، والواقع أن الحدود التي يمكن ~~تعريفها زوائد يجوز حذفها، بحيث لا يبقى إلا الكلمات التي لا تعريف لها، فهذه هي التي ~~لا غنى لنا عنها، أما إذا سألت: أي الحدود هي التي تعتبر بغير تعريف، وجدت أن الأمر هنا ~~جزاف إلى حد ما، خذ مثلا قائمة حساب القضايا - وهي أبسط مثل لنسق صوري وأكمله - ~~فستجد أنه في مستطاعنا أن نعتبر كلمتي «أو» و«ليس» بغير تعريف، أو أن تعتبر كلمتي ~~«واو العطف» و«ليس» - بغير تعريف، ثم لنا كذلك أن نختار من كلمتين كهاتين إحداهما فقط ~~لنجعلها بغير تعريف، وقد تكون هذه الواحدة هي هذه: «ليس هذا أو ليس ذاك»، أو «ليس هذا ~~وليس ذاك»، وهكذا يمكن القول بصفة عامة إننا لا نستطيع الجزم بأن الكلمة الفلانية لا ~~بد أن تكون واحدة من المصطلحات الأولية في العلم الفلاني، وأكثر مما يمكن قوله هو أن ~~ثمة مجموعة أو أكثر من مجموعات المصطلحات الأولية تنتمي إليها الكلمة المشار ~~إليها. # ولنضرب مثلا بالجغرافيا، وهنا سأفرض أن مصطلحات الهندسة قد تم الاتفاق عليها، ~~فبعدئذ نجد أن أول ما يحتاجه علم الجغرافيا بصفة خاصة هو طريقة لتعيين خط الطول وخط ~~العرض، ولهذا التعيين يكفينا أن يكون بين مصطلحاتنا الأولية هذه الكلمات: «جرينتش» ~~و«القطب الشمالي» و«غربي كذا»، لكنه من الواضح أن أي ms127 مكان آخر يمكن أن يقوم مقام ~~«جرينتش» كما يمكن للقطب الجنوبي أن يحل محل القطب الشمالي، وأما العلاقة «غربي كذا» ~~فليست في الحقيقة ضرورية؛ لأن خط العرض عبارة عن دائرة على سطح الأرض في مستو عمودي ~~على القطر النافذ خلال القطب الشمالي، وأما بقية الكلمات المستعملة في الجغرافيا ~~الطبيعية مثل «يابس» و«ماء» ومثل «جبل» و«سهل» فيمكن تعريفها بمصطلحات من علم الكيمياء ~~وعلم الطبيعة وعلم الهندسة، وهكذا يبدو لي أن ما يلزمنا هما كلمتا «جرينتش» و«القطب ~~الشمالي»؛ لكي نجعل من الجغرافيا علما يبحث في سطح الأرض لا أي جرم آخر؛ فبسبب وجود ~~هاتين الكلمتين (أو كلمتين أخريين تحققان الغاية نفسها) استطاعت الجغرافيا أن ~~تروي مستكشفات الرحالة، وليلاحظ أن هاتين الكلمتين متضمنتان أينما ذكرنا خط ~~الطول وخط العرض. # المعرفة الإنسانية، ص259-260 # MINIMUM VOCABULARY # Everything said in a science can be said by means of the words ~~in a minimum vocabulary. For whenever a word occurs which has a nominal ~~definition, we can substitute the defining phrase; if this contains words ~~with a nominal definition, we can again substitute the defining phrase, and ~~so on, until none of the remaining words have nominal definitions. In fact, ~~definable terms are superfluous, and only undefined terms are indispensable. ~~But the question which terms are to be undefined is in part arbitrary. Take, ~~for example, the calculus of propositions, which is the simplest and most ~~completed example of a formal system. We can take “or” and “not” as ~~undefined, or “and” and “not”; instead of two such undefined terms, we can ~~take one, which may be “not this or not that” or “not this and not that”, ~~Thus in general we cannot say that such-and-such a word # must # belong to the minimum vocabulary of ~~such-and-such a science, but at most that there are one or more minimum ~~vocabularies to which it belongs. # Let us take geography ms128 as an example. I shall assume the ~~vocabulary of geometry already established; then our first distinctively ~~geographical need is a method of assigning latitude and longitude. For this ~~it will suffice to have a part of our minimum vocabulary “Greenwich”, “the ~~North Pole”, and “West of”; but clearly any other place would do as well as ~~Greenwish, and the South Pole would do as well as the North Pole. The ~~relation “West of” is not really necessary, for a parallel of latitude is a ~~circle on the earth’s surface in a plane perpendicular to the diameter ~~passing through the North Pole. The remainder of the words used in physical ~~geography, such as “land” and “Water”, “mountain” and “plain”, can now be ~~defined in terms of chemistry, physics, or geometry. Thus it would seem that ~~it is the two words “Greenwich” and “North Pole” that are needed in order to ~~make geography a science concerning the surface of the earth, and not some ~~other spheroid. It is owing to the presence of these two words (or two ~~others serving the same purpose) that geography is able to relate the ~~discoveries of travellers. It is to be observed that these two words are ~~involved wherever latitude and longitude are ~~mentioned. # Human Knowledge; pp. ~~259-260 # النص السابع: تشابه العقل والمادة # علم الطبيعة ينظر إلى مجموعة الظواهر كلها لقطعة من المادة على أنها وحدة، بينما ~~يعنى علم النفس بطائفة معينة فقط من تلك الظواهر نفسها، وسنحصر حديثنا الآن في ~~سيكولوجية الإدراك الحسي، فنلاحظ أن الإدراكات الحسية إن هي إلا ظاهرات معينة مما ~~تظهر به الأشياء المادية، [ومن وجهة نظرنا] نستطيع أن نعرف تلك الطائفة من الظاهرات ~~بأنها هي ظواهر الأشياء حين تلتقي في أماكن تكون فيها أعضاء الحس والأجزاء المناسبة من ~~الجهاز العصبي جزءا من الوسيط المعترض في الطريق، والأمر في ذلك هو بالضبط ms129 كالأمر في ~~لوحة فوتوغرافية تتلقى انطباع مجموعة من النجوم على صورة مختلفة حين يكون المنظار ~~المقرب (التلسكوب) جزءا من الوسيط المعترض، فكذلك المخ يتلقى انطباعا [من الأشياء] ~~مختلفا حين تكون العين والعصب البصري جزءا من الوسيط المعترض، والانطباع الناشئ من ~~مثل هذا الوسيط المعترض يسمى بالإدراك الحسي، وهو مما يهتم به لذاته علم النفس؛ إذ ~~أهميته عندئذ لا ترجع إلى مجرد كونه جزئيا من مجموعة الجزئيات المترابطة التي هي ~~قوام الشيء المادي الذي ندركه بذلك الإدراك الحسي. # فهنالك وسليتان لتصنيف الجزئيات؛ إحداهما هي أن تضم معا تلك الظاهرات التي تعتبر ~~عادة ظاهرات لشيء مادي معين ظهرت في أماكن مختلفة، وهذه الطريقة هي - بصفة عامة - ~~طريقة علم الطبيعة، وهي تؤدي إلى تركيب الأشياء المادية على أنها مجموعات من أمثال تلك ~~الظاهرات، وأما الوسيلة الأخرى فهي أن نضم معا ظواهر الأشياء المختلفة كما تلتقي في ~~مكان معين، ومن ذلك ينتج ما نسميه بالمنظور، وفي الحالة الخاصة التي يكون فيها ذلك ~~المكان المعين مخا بشريا، فإن المنظور عندئذ يتألف من كل الإدراكات الحسية لفرد ~~معين من الناس في لحظة معينة، وهكذا نرى أن تصنيف الظواهر على أساس المنظورات ينتمي إلى ~~علم النفس، وهو جوهري في تعريف ما نسميه بالعقل المفرد. # تحليل العقل، ص104-105 # THE NEUTRAL ORIGIN OF MIND AND MATTER Physics treats as a unit the whole system of appearances of a ~~piece of matter, whereas psychology is interested in certain of these ~~appearances themselves. Confining ourselves for the moment to the psychology ~~of perceptions, we observe that perceptions are certain of the appearances ~~of physical objects. (From our point of view) we might define them as the ~~appearances of objects at places from which senseorgans and the suitable ~~parts of the nervous system form part of the intervening medium. Just as a ~~photographic plate receives a different impression of a cluster of stars ~~when a telescope is part of the intervening medium ms130 so a brain receives a ~~different impression when an eye and an optic nerve are part of the ~~intervening medium. An impression due to this sort of intervening medium is ~~called a perception, and is interesting to psychology on its own account, ~~not merely as one of the set of correlated particulars which is the physical ~~object of which we are having a perception. # There are two ways of classifying particulars. One way collects ~~together the appearances commonly regarded as a given object from different ~~places; this is, broadly speaking, the way of physics, leading to the ~~construction of physical objects as sets of such appearances. The other way ~~collects together the appearances of different objects from a given place, ~~the result being what we call a perspective. In the particular case where ~~the place concerned is a human brain, the perspective belonging to the place ~~consists of all the perceptions of a certain man at a given time. Thus ~~classification by perspectives is relevant to psychology, and is essential ~~in defining what we mean by one mind. # The Analysis of Mind, pp. ~~104-105 # النص الثامن: الزمن # الظاهر أن الزمن الواحد الشامل لكل شيء هو تركيبة [عقلية] شأنه في ذلك شأن المكان ~~الواحد الشامل لكل شيء، حتى لقد أصبح علم الطبيعة نفسه على وعي بهذه الحقيقة خلال ~~المناقشات التي دارت حول النسبية. # فبين منظورين ينتميان إلى خبرة شخص واحد علاقة زمنية مباشرة، بحيث يقال عن الواحد ~~منهما إنه قبل أو بعد الآخر، وفي هذا ما يوحي بطريقة لتقسيم التاريخ تقسيما يجري على ~~نفس الغرار الذي ينقسم به في خبرات مختلفة، دون أن يدخل في الموقف خبرة أو غيرها من ~~الظواهر العقلية؛ ذلك أنه في وسعنا أن نعرف «السيرة» (= تاريخ وجود شيء ما) بأنها كل ~~شيء مما يكون بالنسبة إلى «محسوس» معين قبله (مباشرة) أو بعده (مباشرة) أو متآنيا ~~معه، فهذا ms131 يكون لدينا سلسلة من منظورات، «قد» تدخل كلها في تكوين خبرة شخص واحد، ولو ~~أنه ليس حتما أن تدخل كلها، أو يدخل أي منظور منها في تلك الخبرة دخولا فعليا، ~~وبهذه الوسيلة ينقسم تاريخ العالم إلى عدد من السير؛ كل منها قائم بذاته مستقل عن ~~الآخر. # وعلينا الآن أن نربط بين الأزمنة التي تتمثل في السير المختلفة، والشيء الطبيعي ~~الذي يتبادر إلى الذهن هو أن نقول إن ظواهر شيء معين (مؤقت البقاء) في منظورين ~~مختلفين، بحيث تنتمي إلى سيرتين مختلفتين، يمكن اعتبارها متآنية، لكن ذلك يعقد ~~الأمر؛ فافرض مثلا أن شخص «أ» قد صاح لشخص «ب»، وأن «ب» قد أجاب بمجرد سماعه لصيحة ~~«أ»، فعندئذ يكون هنالك فترة زمنية فاصلة بين سماع «أ» لصيحة نفسه، وسماعه لصيحة «ب»، ~~وعلى ذلك فلو اعتبرنا سماع «أ» وسماع «ب» لنفس الصيحة متآنيين الواحد مع الآخر، لنتج ~~أننا إذن نعتبر حادثتين تكون كل منهما متآنية مع حادثة معينة، ومع ذلك لا تكونان ~~متآنيتين الواحدة مع الأخرى، وللتغلب على ذلك نزعم أن الزمن الذي يسمع فيه «ب» صيحة ~~«أ» واقع في منتصف الزمن الذي يمتد سماع «أ» لصيحة نفسه وسماعه لإجابة «ب»، وبهذه ~~الطريقة نستطيع أن نربط بين مختلف الأزمنة. # وما قلناه عن الصوت ينطبق طبعا - وبالطريقة نفسها - على الضوء؛ فالمبدأ العام هو أن ~~الظواهر - في المنظورات المختلفة - التي يتم تجميعها بحيث يتكون منها ما يصبح شيئا ~~معينا في لحظة زمنية معينة، لا ينبغي اعتبارها كلها واقعة في تلك اللحظة، بل الأمر على ~~خلاف ذلك؛ إذ الظواهر تنبعث منتشرة من الشيء بسرعات مختلفة باختلاف طبيعة تلك الظواهر، ~~ولما لم يكن هناك وسيلة «مباشرة» لربط الزمن في سيرة ما بالزمن في سيرة أخرى، كان هذا ~~التجميع للظواهر المنتمية إلى شيء ما في لحظة زمنية معينة تجميعا يقع في سلسلة الزمن، ~~أقول إن هذا التجميع للظواهر إنما يتم على أساس اتفاقي إلى حد ما، غايتنا منه أن نصون ~~مبادئ معينة كالمبدأ القائل بأن الحادثتين التي تكون كل ms132 منهما متآنية مع حادثة ~~ثالثة، تكونان أيضا متآنيتين إحداهما مع الأخرى تماما، وغايتنا منه كذلك أن نيسر ~~صياغة القوانين السببية. # علاقة معطيات الحس بعلم الطبيعة # من كتاب «التصوف والمنطق»، ص159-160، طبعة بلكان # TIME # It seems that the one all-embracing time is a construction, ~~like the one all-embracing space. Physics itself has become conscious of ~~this fact through the discussions connected with ~~retativity. # Between two perspectives which both belong to one person’s ~~experience, there will be a direct time-relation of before and after. This ~~suggests a way of dividing history in the same sort of way as it is divided ~~by different experiences, but without introducing experience or anything ~~mental: we may define a 'biography’ as everything that is (directly) earlier ~~or later than, or simultaneous with, a given 'sensible’, This will give a ~~series of perspectives, which # might # all ~~form parts of one person’s experience, though it is not necessary that all ~~or any of them should actually do so. By this means, the history of the ~~world is divided into a number of mutually exclusive ~~biographies. # We have now to correlate the times in the different ~~biographies. The natural thing world be to say that the appearances of ~~a given (momentary) thing in two different perspectives belonging to different ~~biographies are to be taken as simultaneous; but this is not convenient. ~~Suppose A shouts to B, and B replies as soon as he hears A’s shout. Then ~~between A’s hearing of his own shout and his hearing of B’s there is an ~~interval; thus if we made A’s and B’s hearing of the same shout exactly ~~simultaneous with a given event but not with each other. To obviate this, we ~~assume a 'velocity of sound’. That is, we assume that the time when B hears ~~A’s shout is half-way ms133 between the time when A hears his own shout and the ~~time when he hears B’s. In this way the correlation is ~~effected. # What has been said about sound applies of course equally to ~~light. The general principle is that the appearances, in different ~~perspectives, which are to be grouped together as constituting what a ~~certain thing is at a certain moment, are not to be all regarded as being at ~~that moment. On the contrary they spread outward from the thing with various ~~velocities according to the nature of the appearances. Since no # direct # means exist of correlating the time in one ~~biography with the time in another, this temporal grouping of the ~~appearances belonging to a given thing at a given moment is in part ~~conventional. Its motive is partly to secure the verification of such maxims ~~as that events which are exactly simultaneous with the same event are ~~exactly simultaneous with one another, partly to secure convenience in the ~~formulation of causal laws. # The Relation of Sense-Data to Physics. # Mysticism and Logic, pp. ~~159-160. ~~(Pelican edition) # النص التاسع: تحليل الشيء إلى سلسلة من حوادث # إن ما أعنيه فيما يختص بعدم دوام الكائنات المادية، ربما ازداد وضوحا إذا اتخذنا من ~~السينما أداة للتوضيح، وهي وسيلة إيضاح كانت محببة إلى برجسون، فعندما قرأت لأول مرة ~~عبارة برجسون القائلة بأن الرياضي يتصور العالم على غرار السينما، لم أكن قد رأيت ~~السينما قط من قبل، فزرتها لأول مرة مدفوعا برغبة التحقق من صدق عبارة برجسون هذه، ~~فوجدتها صادقة صدقا كاملا، على الأقل من وجهة نظري، فنحن في دار السينما إذ نرى رجلا ~~يتدحرج على سفح التل، أو يعدو فرارا من البوليس، أو يهوي ساقطا في نهر، أو يفعل شيئا ~~من هاتيك الأشياء الأخرى التي لا ينقطع الناس في مثل هذه الأماكن عن فعلها، فنحن عندئذ ~~نعلم أنه ليس في حقيقة الأمر ms134 رجلا واحدا هو الذي يتحرك، بل هي سلسلة متتابعة من صور ~~فوتوغرافية، كل منها يصور رجلا يختلف عن الآخر اختلافا مؤقتا، وإنما جاءنا الوهم ~~بأنه رجل واحد في جميع الحالات، من أن سلسلة الرجال المتتابعين على لحظات هي أشبه شيء ~~باستمرار الكائن الواحد، ما أود الآن أن أعرضه على سبيل الاقتراح هو أن السينما في ~~هذا الأمر تقوم بدور الميتافيزيقي على نحو أفضل مما يقوم به الإدراك الفطري، أو علم ~~الطبيعة، أو الفلسفة؛ فعقيدتي هي أن الرجل على حقيقته - مهما أقسم رجل البوليس بأنه ~~شاهد رجلا واحدا بذاته - إن هو إلا سلسلة من رجال كل منهم دام لحظة، وكل منهم ~~يختلف عن الآخر، لكنهم جميعا مرتبطون في وحدة، لا عن طريق الذاتية العددية، بل عن طريق ~~الاستمرار وطائفة معينة من قوانين السببية التي تدخل في طبيعة الموقف، وهذا الذي ينطبق ~~على الناس، ينطبق كذلك سواء بسواء على المناضد والمقاعد والشمس والقمر والنجوم، فينبغي ~~النظر إلى كل من هذه الأشياء، لا على أنه كائن واحد فرد يدوم على الزمن، بل على أنه ~~سلسلة من كائنات يتبع بعضها بعضا في الزمن، وكل منها يدوم فترة غاية في القصر، ولو ~~أنها على الأرجح فترة تزيد على اللحظة الرياضية [التي هي بغير امتداد]، وإني إذ أقول ~~هذا، فإنما ألجأ إلى تقسيم الزمن على نفس الصورة التي اعتدناها في تقسيم المكان، فالجسم ~~الذي يملأ قدما مكعبة هو في رأي الناس مؤلف من مجموعة من أجسام أصغر كثيرة العدد، كل ~~منها يشغل حيزا صغيرا من الفراغ، وهكذا الشيء الذي يدوم بقاؤه ساعة من زمان، ينبغي ~~اعتباره مؤلفا من أشياء كثيرة يدوم كل منها فترة أقصر؛ فالنظرة الصادقة عن المادة ~~تتطلب تقسيما للأشياء إلى جزئيات زمنية، كما تتطلب تقسيمها إلى جزئيات مكانية سواء ~~بسواء. # نهاية التحليل في مقومات المادة # من كتاب «التصوف والمنطق»، ص123-124، طبعة بلكان # ANALYSIS OF THINGS INTO EVENTS # My meaning in regard to the impermanence of physical entities ~~may perhaps be made clearer by ms135 the use of Bergson’s favorite illustration of ~~the cinematograph. When I first read Bergson’s statement that the ~~mathematician conceives the world after the analogy of a cinematograph, I ~~had never seen a cinematograph, and my first visit to one was determined by ~~the desire to verify Bergson’s statement, which I found to be completely ~~true, at least so far as I am concerned. When, in a picture palace, we see a ~~man falling down hill. Or running away from the police, or falling into a ~~river, or doing any of those other things to which men in such places are ~~addicted, we know that there is not really only one man moving, but a ~~succession of photographs, each with a different momentary man. The illusion ~~of persistence arises only touhrgh the approach to continuity in the series ~~of momentary men. Now what I wish to suggest is that in this respect the ~~cinema is a better metaphysician than common sense, physics, or philosophy. ~~The real man too, however the police may swear to his identity, is really a ~~series of momentary men, each different one from the other, and bound ~~together, not by a numerical identity, but by continuity and certain ~~intrinsic causal laws. And what applies to men applies equally to tables and ~~chairs, the sun. moon, and stars. Each of these is to be regarded, not as ~~one single persistent entity, but as a series of entities succeeding each ~~other in time, each lasting for a very brief period, though probably not for ~~a mere mathematical instant. In saying this I am only urging the same kind ~~of division in time as we are accustomed to acknowledge in the case of ~~space. A body which fills a cubic foot will be admitted to consist of many ~~smaller bodies, ms136 each occupying only a very tiny volume; similarly a thing ~~which persists for an hour is to be regarded as composed of many things of ~~less duration. A true theory of matter requires a division of things into ~~time-corpuscles as well as into space-corpuscles. # The Ultimate Constituents of ~~Matter, # Mysticism and Logic, pp. 123-124 ~~(Pelican) # النص العاشر: الإنسان فردا ومواطنا ~~(1) إنه على افتراض أن التربية ينبغي لها أن تهيئ سببا يعين على التدريب، لا أن ~~تكتفي بمجرد إزالة العوائق التي تحول دون النمو، فإن السؤال لينهض أمامنا عما إذا ~~كانت التربية من واجبها أن تدرب [النشء] ليكونوا أفرادا صالحين أو تدربهم ليكونوا ~~مواطنين صالحين؛ قد يقال - بل هكذا يقول كل من أخذ بالاتجاهات الهيجلية - إنه لا ~~تعارض هناك بين المواطن الصالح والفرد الصالح؛ إذ الفرد الصالح هو ذلك الذي ينحو نحو ~~صالح المجموع، وما صالح المجموع إلا تركيبة مؤلفة من صوالح الأفراد، ولست على استعداد ~~أن أفند أو أؤيد هذا الرأي باعتباره حقيقة ينتهي إليها التفكير الميتافيزيقي، غير ~~أننا في الحياة اليومية العملية، نرى التربية التي تنتج عن اعتبار الناشئ فردا مختلفة ~~جدا عن تلك التي تنتج عن اعتباره مواطن المستقبل؛ فتثقيف العقل الفرد ليس - كما يبدو ~~من ظاهر الأمر - هو نفسه التثقيف الذي ينتج مواطنا نافعا؛ فجيته مثلا كان مواطنا ~~أقل نفعا من جيمس وات، أما باعتباره فردا فلا نزاع في أنه متفوق عليه، وإذن فهنالك ~~صالح للفرد متميز من الشطر الضئيل الذي هو نصيبه من صالح المجتمع. # التربية والنظام الاجتماعي، ص9-10 ~~(2) المواطنون كما تتصورهم الحكومات هم الأشخاص المعجبون بالنظام القائم، والذين هم ~~على استعداد لإجهاد أنفسهم في سبيل الاحتفاظ بذلك النظام، وإنه لمن عجب أنه بينما ~~تستهدف الحكومات جميعا إخراج رجال من هذا الطراز دون أي طراز آخر، ترى أبطالها من ~~رجال الماضي هم على وجه الدقة رجال من ذات الطراز الذي تحاول الحكومات أن تمنع ظهوره في ~~الحاضر؛ فالأمريكيون يمجدون جورج واشنطن وجفرسن، لكنهم يزجون في السجن ms137 كل من ~~شاطرهما في آرائهما السياسية، والإنجليز يمجدون «بوريقيا»، لكنهم كانوا ليعاملونها ~~بالضبط كما عاملها الرومان، لو أنها ظهرت في الهند الحديثة، # 1 # والأمم الغربية جميعا تمجد المسيح، مع أنه لو عاش اليوم لكان - يقينا - ~~موضع ريبة من رجال البوليس السري في إنجلترا، ولامتنعت عليه الجنسية الأمريكية على أساس ~~نفوره من حمل السلاح، هذا يوضح الوجوه التي تجعل الولاء للوطن غير كاف وحده أن يكون ~~مثلا أعلى؛ لأنه - باعتباره مثلا أعلى - ينطوي على انعدام قوة الإبداع، وعلى الرغبة ~~في الخنوع لأصحاب السلطان أيا كانوا، أولجاركية كانت حكومتهم أو ديمقراطية، وهو اتجاه ~~يناقض الطابع المميز لعظماء الرجال، ويميل - إذا بولغ فيه - إلى الحيلولة دون ~~أوساط الناس أن يبلغوا العظمة إلى الحد الذي تمكنهم منه كفاياتهم. # التربية والنظام الاجتماعي، ص13-14 # عنوانه في الطبعة الأمريكية: التربية والعلم الحديث # INDIVIDUAL VERSUS CITIZEN ~~(1) Assuming that education should do something to afford ~~a training and not merely to prevent impediments to growth, the question ~~arises whether education should train good individuals or good citizens. It ~~may be said, and it would be said by any person of Hegelian tendencies, that ~~there can be no antithesis between the good citizen and the good individual. ~~The good individual is he who ministers to the good of the whole, and the ~~good of the whole is a pattern made up of the goods of individuals. As an ~~ultimate metaphysical truth I am not prepared either to combat or to support ~~this thesis, but in practical daily life the education which results from ~~regarding a child as an individual is very different from that which results ~~from regarding him as a future citizen. The cultivation of the individual ~~mind is not, on the face of it, the same thing as the production of a useful ~~citizen. Goethe, for example, was a less useful citizen than James Watt, but ~~as an ms138 individual must be reckoned superior. There is such a thing as the ~~good of the individual as distinct from a little fraction of the good of the ~~community. # Education and the Social Order, pp. ~~9-10 ~~(2) Citizens as conceived by governments are persons who admire ~~the status quo and are prepared to exert themselves for its preservation. ~~Oddly enough, while all governments aim at producing men of this type to the ~~exclusion of all other types, their heroes in the past are of exactly the ~~sort that they aim at preventing in the present. Americans admire George ~~Washington and Jefferson, but imprison those who share their political ~~opinions. The English admire Boadicea, whom they would treat exactly as the ~~Romans did if she were to appear in modern India. All the Western nations ~~admire Christ, who would certainly be suspect to Scotland Yard if He lived ~~now, and would be refused American Citizenship on account of His ~~unwillingness to bear arms. This illustrates the ways in which citizenship ~~as an ideal is inadequate, for as an ideal it involves an absence of ~~creativeness, and a willingness to acquiesce in the powers that be, whether ~~oligarchic or democratic, which is contrary to what is characteristic of the ~~greatest men, and tends, if over-emphasized, to prevent ordinary men from ~~attaining the greatness of which they are capable. # Education and the Social Order, pp. ~~13-14 ~~(In Norton’s edition called: Education and the Modern ~~world) # النص الحادي عشر: مصدران للأخلاق # إنه خلال عصور التاريخ المدون، قد كان للمعتقدات الخلقية مصدران مختلفان فيما ~~بينهما أشد اختلاف؛ فمصدر منهما سياسي، وأما الآخر فمتصل بالعقائد الشخصية من دينية ~~وخلقية، ويظهر المصدران في العهد القديم منفصلين أتم انفصال؛ إذ يظهر أحدهما على أنه ~~«القانون»، ويظهر الآخر على أنه «الأنبياء»، وظهر في العصور الوسطى نفس الفارق الذي ~~يميز بين الأخلاق ms139 الرسمية التي كانت تبثها السلالات الحاكمة، وبين الورع الشخصي الذي ~~كان المتصوفة الأعلام يمارسونه ويعلمونه، هذه الثنائية في الأخلاق بين شخصية من جهة، ~~ومدنية من جهة أخرى، وهي ثنائية ما زالت قائمة؛ لا بد أن تتناولها بالبحث أية نظرية في ~~الأخلاق يراد لها أن تكون مستوفية لموضوعها؛ فبغير الأخلاق المدنية تفنى الجماعات، ~~وبغير الأخلاق الشخصية لا يكون لبقاء تلك الجماعات قيمة، إذن فالأخلاق المدنية والشخصية ~~كلتاهما ضرورية على السواء للعالم الصالح. # إن الأخلاق لا تعنى فقط بواجبي نحو جاري مهما نبلغ من الصواب في تصورنا لمثل ذلك ~~الواجب؛ فأداء الواجب نحو الناس ليس هو كل ما تتطلبه الحياة الصالحة، بل هنالك أيضا ~~متابعة الإنسان للسمو بنفسه؛ ذلك لأن الإنسان وإن يكن اجتماعيا إلى حد ما، فليس هو ~~بالاجتماعي إلى كل حد، فله أفكاره ومشاعره ودوافعه التي قد تكون متصفة بالحكمة أو ~~بالحمق، بالسمو أو بالضعة، مليئة بالحب أو ملتهبة بالكراهية، ولا بد للجانب الأصلح من ~~هذه الأفكار والمشاعر والدوافع من مجال إذا أريد لحياة الإنسان أن تحتمل؛ لأنه وإن ~~يكن قليل من الناس هم الذين يستطيعون أن يسعدوا بالعزلة، فأقل منهم أولئك الذين ~~يمكنهم أن يسعدوا في مجتمع لا يسمح للفرد بحرية نشاطه. # السلطة والفرد، ص110-111 # TWO SOURCES OF ETHICS # Throughout recorded history, ethical beliefs have had two very ~~different sources, one political, the other concerned with personal ~~religious and moral convictions. In the Old Testament the two appear quite ~~separately, one as the Law, the other as the Prophets. In the Middle Ages ~~there was the same kind of distinction between the official morality ~~inculcated by the hierarchy and the personal holiness that was taught and ~~practised by the great mystics. This duality of personal and civic morality, ~~which still persists, is one of which any adequate ethical theory must take ~~account. Without civic morality communities perish; without personal ~~morality their survival has no value. Therefore civic and personal ms140 morality ~~are equally necessary to a good world. # Ethics is not concerned solely with duty to my neighbor, ~~however rightly such duty may be conceived. The performance of public duty ~~is not the whole of what makes a good life; there is also the pursuit of ~~private excellence. For man, though partly social, is not wholly so. He has ~~thoughts and feelings and impulses which may be wise or foolish, noble or ~~base, filled with love or inspired by hate. And for the better among these ~~thoughts and feelings and impulses, if his life is to be tolerable, there ~~must be scope. For although few men can be happy in solitude, still fewer ~~can be happy in a community which allows no freedom of individual ~~action. # Authority and the Individual, pp. ~~110-111 # | مراجع عامة # Bertrand Russell edited by Arthur ~~Schilpp. # Bertrand Russell’s Construction of the External World by ~~Charles A. Fritz. ms141