######OpenITI# #META# URI: 1414ZakiNajibMahmud.CanHurriyya.Hindawi61570868 #META# Tags: philosophy #META# ID: 61570868 #META# Title: عن الحرية أتحدث #META# AuthorID: 64904748 #META# Author: زكي نجيب محمود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # القسم الأول: عن الحرية أتحدث‏ # 1 - هذه ألف باء الحرية‏ # 2 - معجزة الحياة إبداعها‏ # 3 - وهكذا انسابت خواطري‏ # 4 - شرح وتشريح‏ # 5 - رهبة المجهول‏ # 6 - حرية الفكر مرة أخرى‏ # 7 - المسلم الجديد‏ # 8 - رأس الحكمة مخافة الله‏ # 9 - التراث هو أول الطريق‏ # 10 - صورة يفزعني صدقها‏ # 11 - ضمير مكتوم‏ # 12 - تلك هي القضية‏ # 13 - فكرة الأدب وأدب الفكرة‏ # القسم الثاني: إنسانية الإنسان‏ # 14 - إنسانية الإنسان‏ # 15 - ويل للمعاصرين من المعاصرين‏ # 16 - عين فتحة عا‏ # 17 - سلطان الكلمات‏ # 18 - شيء من روح العصر‏ # 19 - يوم الثقافة العربية‏ # 20 - خطاب من مجهول‏ # 21 - كانت بالأمس شجرة خضراء‏ # 22 - سبع سنابل‏ # 23 - إرادة تأمر وعقل يأتمر‏ # 24 - كلمة حق عن هذا الجيل‏ # 25 - قوة الساحر‏ # 26 - نريدها صحوة واعية‏ # 27 - أستاذ يحلم‏ # 28 - العصور هي أفكارها‏ # 29 - ورقة مزقها طفل‏ # 30 - وللشمس شروق بعد كل غروب‏ # مقدمة‏ # القسم الأول: عن الحرية أتحدث‏ # 1 - هذه ألف باء الحرية‏ # 2 - معجزة الحياة إبداعها‏ # 3 - وهكذا انسابت خواطري‏ # 4 - شرح وتشريح‏ # 5 - رهبة المجهول‏ # 6 - حرية الفكر مرة أخرى‏ # 7 - المسلم الجديد‏ # 8 - رأس الحكمة مخافة الله‏ # 9 - التراث هو أول الطريق‏ # 10 - صورة يفزعني صدقها‏ # 11 - ضمير مكتوم‏ # 12 - تلك هي القضية‏ # 13 - فكرة الأدب وأدب الفكرة‏ # القسم الثاني: إنسانية الإنسان‏ # 14 - إنسانية الإنسان‏ # 15 - ويل للمعاصرين من المعاصرين‏ # 16 - عين فتحة عا‏ # 17 - سلطان الكلمات‏ # 18 - شيء من روح العصر‏ # 19 - يوم الثقافة العربية‏ # 20 - خطاب من مجهول‏ # 21 - كانت بالأمس شجرة خضراء‏ # 22 - سبع سنابل‏ # 23 - إرادة تأمر وعقل يأتمر‏ # 24 - كلمة حق عن هذا الجيل‏ # 25 - قوة الساحر‏ # 26 - نريدها صحوة واعية‏ # 27 - أستاذ يحلم‏ # 28 - العصور هي أفكارها‏ # 29 - ورقة مزقها طفل‏ # 30 - وللشمس شروق بعد كل غروب‏ # | عن الحرية أتحدث # | عن الحرية أتحدث # تأليف # زكي نجيب محمود # | مقدمة # منذ فتحت أبوابنا على حضارة العصر الجديد حين أدركنا - أوضح ما يكون الإدراك - أن فروسية ~~المماليك - بكل ما كانت تتصف به ms001 من براعة ومهارة - لم تنفعهم أمام فنون حربية هاجمهم بها ~~نابليون في معركة الأهرامات، وهي فنون لم يكن لهم بها عهد من قبل، أقول إنه منذ ذلك اليوم، ~~الذي لم يكن قد بقي بعده إلا عامان، ليبدأ القرن التاسع عشر، أصبحت القضية الكبرى التي ~~واجهت كل ذي فكر وصاحب قلم في بلادنا، هي قضية الملاءمة الصحيحة بين ما كنا قد ألفناه قبل ~~ذلك من صور الحياة، وما جاء به ذلك الوافد الجديد. # فإذا نحن استثنينا فريقا - وكان في الحق فريقا كثير العدد واسع الانتشار - وقف من ~~المسألة كلها وقفة الرافض، فلا هو راغب في أن يطور ما بين يديه، ولا هو قادر على دفع ~~المهاجم عن بلاده، ألفينا تيار الفكر في بلادنا قد اتجه أساسا نحو ضرب من المواءمة بين ~~الطرفين، وأخذنا نسعى إلى تجديده وتوضيحه، لكي نضمن لأنفسنا بقاء هويتنا الوطنية والقومية ~~بمنجاة مما قد يصيبها بالضياع أو حتى بالانتقاص، ثم لكي نضمن في الوقت نفسه ألا يفوتنا ~~العصر بما فيه من أسباب القوة بكل أشكالها وفروعها. # وكان أهم ما تفرع لنا عن تلك القضية الأساسية حق «الحرية»؛ إذ كانت فكرة «الحرية» قد ~~اكتسبت من الثورة الفرنسية - وما جاء بعدها من مراحل التاريخ في الغرب - أبعادا جديدة لم ~~تكن قط مذكورة في تراثنا بأكثر من كلمات مفردة هنا وهناك، وما تاريخنا الفكري الحديث ~~والمعاصر، إلا سلسلة من جهود بذلت للمطالبة بالحريات المختلفة، كما وكيفا، فكلما تحقق ~~للناس جانب من جوانب الحرية، أو تحقق لهم نوع من أنواعها بقدر قليل أو بقدر أكثر من ~~القليل؛ طالب قادة الفكر بجانب آخر، أو ينبوع آخر، وبقدر أكبر مما قد ظفر به ~~المواطنون. # وقد تجد منا اليوم من يتوهم بأنه لم يعد في الإمكان أحسن مما كان، لكننا في الحقيقة ~~ما زال يعوزنا من «الحريات» شيء كثير. # وفي هذا الكتاب محاولات، أردنا بها أن نبين - من زوايا مختلفة - بعض ما ينقصنا في سبيل ~~حياة حرة بمعناها الأكمل، وأن نوضح بشتى الصور كيف نحيا ms002 حياتنا إذا أردنا اكتساب الجانب ~~المفقود. # وبعد أن فرغنا من الحديث عن الحريات أوردنا في الكتاب قسما ثانيا، خصصناه لضرب آخر من ~~«القيم»، ليس منقطع الصلة بموضوع «الحرية»، وأعني بها إحساس الفرد الواحد بوجود «الآخرين»؛ ~~إذ لا يكفي أن يعيش الفرد حرا، بالمعاني الكثيرة التي وردت في القسم الأول، بل لا بد له ~~أن يعي وعيا كاملا بأن ثمة «آخرين » لهم حقوق كحقوقه، وإنما نقول ذلك؛ لأن ما نراه اليوم ~~في حياتنا، يوحي بأن كل فرد يسعى إلى تحقيق أهدافه حتى لو داس بقدميه على رءوس مواطنيه، ~~على أن إحساس المواطن الفرد بمن يعايشونه في وطن واحد، إنما هو «قيمة» اجتماعية عرفناها بكل ~~قوتها في تاريخنا، والمطلوب هو عودة الضال إلى طريق آبائه، وليس من شك في أن الأصيل عائد ~~إلى أصله، كما يكون للشمس شروق جديد بعد كل غروب. # وبالله التوفيق. # زكي نجيب محمود # القسم الأول # | عن الحرية أتحدث # الفصل الأول # | هذه ألف باء الحرية # المدينة هادئة # كأهدأ ما تكون مدينة في هذا العصر الذي كتب علينا أن نعيش فيه، وهي مدينة صغيرة، ~~تتوسطها بحيرة واسعة، وتحيط بالبحيرة - دائرة ما تدور - سلسلة من جبال ليست ~~شديدة الارتفاع، وعلى سفوح تلك الجبال تقوم المباني ... وكان الفندق على أسفل السفح، ~~يوشك أن يستوي مع البحيرة على مسطح واحد. # وللفندق حديقة فسيحة الأرجاء، كثر فيها الشجر صنوفا صنوفا، وغزر على أرضها ~~العشب الأخضر، وتناثرت فيها المقاعد للنزلاء، وكان النزلاء جميعا - كما بدوا لعيني - من طلاب الراحة الساكنة، تقدمت السن بمعظمهم، ولا بد أن قد كان لكل منهم ما أنقض ~~ظهره من هموم الحياة، ولقد جاء منهم كثيرون مزودين بوسائل التسلية، منها ما عهدته ~~في شعوبهم، ومنها ما لم أعهده، فلم أكن قبل ذلك قد عهدت أن أراهم يلعبون الطاولة، ~~أما هذه المرة، فقد رأيت أكثر من أسرة، تحلقت حول منضدة، حيث فتحت «الطاولة» بين ~~اللاعبين، ولأول مرة في حياتي رأيت الطاولة مكسوة كلها بالمطاط وكذلك كسيت بالمطاط ~~أحجار اللعب، وأعد كوب من ms003 المطاط ليضع اللاعب «الزهر» فيه ليقذفه على سطح ~~الطاولة، وبهذه الكسوة المطاطية التي غلفت كل شيء لم يسمع للعبة ولا لاعبيها ~~صوت، فكانوا وكأنهم صورة تشاهدها على سطح مرآة، وليسوا بشرا من البشر، جاءوا ~~ليقضوا إجازتهم في لهو صاخب. # وفي تلك الحديقة الفسيحة الهادئة قضيت ساعات الضحى من نهار جميل، فرأيت أول ما ~~رأيت «أسرة من النخل»، ولم أكن أتوقع نخلا في تلك البقعة من الأرض، وقد كن نخلات ~~ثلاثا، ملساء الجذوع شامخات الرءوس، فأحسست حيالها بشعور قوي غريب، وهو الشعور ~~بالقربى، فكأننا أبناء أسرة واحدة، لم يفرق بينها أن يكون بعض أبنائها نباتا، ~~وبعضها بشرا، والحق أنني هكذا أحس كلما رأيت نخيلا خارج الوطن العربي، وعبثا ~~أذكر نفسي بأن المسألة لا تعدو ضربا من النبات وبيئة تصلح لحياته، ولا شأن هنا ~~للقومية العربية والوطن العربي، نعم عبثا أحاول أن أذكر نفسي بذلك؛ ففي أعماق ~~نفسي شيء يربط النخل بأرض العرب، فأنظر إلى النخلة وهي في غير أرضها وكأنها - مثلي ~~- قد اغتربت عن ديارها. # كانت «أسرة» النخلات الثلاث، أول ما وقع عليه البصر مما يحيط بي، ولبث البصر ~~مركزا فيهن فترة طويلة، يصعد مع الجذوع الفارهة الممشوقة حتى الرءوس، ثم يهبط من ~~الرءوس إلى المنابت على الأرض المعشوشبة بنجيلها الأخضر ... يا سبحان الله! إنهن ثلاث ~~نخلات، ينتمين إلى أسرة نباتية واحدة، وقد اشتدت بينهن أوجه الشبه، لكن انظر! ~~انظر كيف أبت عليهن الحياة إلا أن يتميزن بخصائص تتفرد كل منهن بما يميزها من ~~أختيها؟ وذلك لكي لا يكون للكائن الحي شبيه، وتلك هي حكمة الخالق فيما خلق من ~~«أحياء»، وهي أن يكون للكائن الحي فرديته الفريدة، حتى وإن ارتكزت تلك الفردية ~~المتميزة المتفردة على بضع تفصيلات صغيرة، وكان مدار الحكمة الإلهية هنا هي أنه إذا ~~تشابه كائنان من الأحياء كل الشبه في كل تفصيلة، كان أحدهما قد خلق عبثا، وتعالى ~~الله الخالق البارئ المصور أن يجيء في خلقه ما هو عبث ... وهل كان يمكن أن تخطر ~~برأسي هذه الخاطرة، دون ms004 أن نلحق بها خاطرة أخرى، تقول لي: إذا كانت أسرة النخل، على ~~شدة ما بين أفرادها من شبه، لم تمنع أن يتفرد أبناؤها بما يطيب لكل منها أن ~~يتفرد به، وهو تفرد ينم في أعماقه عن شيء من «حرية» تركت لكل نبتة أن تمارسها، ~~كي تستطيع مقابلة مواقف حياتها بما يلائمها، فهل يجوز لأسرة من البشر أن تصب ~~أبناءها في قوالب من حديد، حتى لا يجد أي منهم متنفسا حرا إذا أراد أن ~~يتنفس؟ # أغمضت عيني قليلا، مسندا رأسي على ظهر مقعدي، وكان مقعدا مديدا من قماش، يأذن ~~للجالس أن يتخذ لجسده وضعا فيه نصف الرقاد، فنزعت بي أفكاري نحو ذكريات أليمة لم ~~أكن أحب لها أن تنزوي في الذاكرة وسط هذا الهدوء الساكن الجميل، ففتحت عيني لينشغل ~~البصر بما يراه حولي، فكان أن رأى بجانب المقعد «أسرة» من ست حمامات رمادية اللون، ~~يخالط لونها الرمادي ريشات بيضاء على الجناحين وحول العنق، ولم تكن الحمائم ساكنة ~~في مواضعها سكون النخلات في مغارسها من الأرض؛ بل كانت تتحرك كلها، بعضها حول بعض، ~~بحيث يظل لها تكوينها العام، وهو تكوين شبه دائري، وهكذا لبث لها إطار عام له شيء ~~من الثبات، برغم الحركة الدائبة التي أخذت تتحرك بها كل حمامة على حدة، وكل من عبر ~~منا البحر الأبيض المتوسط إلى أي بلد في أوروبا، لا بد أن يكون قد لحظ - في عجب - ~~كيف لا تفزع الحمائم من أبناء آدم، إذ علمتها الخبرة ألا خوف عليها من الإنسان؛ ~~فاطمأنت له، يتحرك أمامها ووراءها وإلى جوارها كيف شاء، فلا تنفر حمامة ~~لتطير. # ولما أمعنت النظر في أسرة النخل، أمعنته في أسرة الحمام، لأجد العبرة أقوى وأوفى، ~~بمقدار ما يعلو به حيوان على نبات، فقد التزمت كل حمامة جماعتها، ولم يكن لها بد من ~~أن تحصر نفسها في طبيعة الحمام، إذ ليس في وسعها أن تخرج على طبيعتها لتصبح صقرا ~~أو تنقلب عصفورا، لكنها مع هذا كله ترك لها شيء من «حرية» الحركة لتتفرد به ms005 في ~~مواجهة ما عساها تصادفه مما لا يصادف سواها، وكما ختمت حديثي عن النخل، أختمه في ~~حديثي عن الحمام، فأتساءل: أتكون الحياة وقوانينها قد أمدت كل حمامة فردية تتفرد ~~بها دون سائر أخواتها؟ ثم نجد من جماعات الإنسان من يريد أن يتنكر لهذا الحق الذي ~~أراده للأحياء خالق الأحياء، بحيث ترى هؤلاء المتنكرين وكأنهم يريدون لكل فرد معهم ~~أن يتقيد في تفكيره وفي سلوكه بقضبان من حديد، صنعوها بأوهامهم، وثبتوها على ~~الأرض بجبروتهم ... وا فضيحتاه، ووا خجلتاه! # وهنا أغمضت عيني مرة أخرى، ومرة أخرى نزع بي الفكر نحو أن تنزوي في الذاكرة صورة ~~أليمة لم أكن أريد لها أن تعكر صفو هذا الهدوء الساكن الجميل، ففتحت عيني ليشغل ~~البصر بما يرى، فرأيت تلك الأسرة البشرية التي جلست بجوارنا، وكنت قد شغلت عنها ~~بمتابعة النخل والحمام، ولقد كفاني منها لمحة أسرع من السريعة؛ لأرى والدين ~~وأبناءهما الثلاثة، الوالد يقرأ الصحيفة اليومية والوالدة تتحرك أصابعها بإبرة ~~التطريز فيما لست أعرف ماذا، وفتاة تقرأ كتابا، وفتى يشبه أن يكون قد أخذه النوم ~~على كرسيه الطويل، وطفل جلس على قماشة فرشت له على العشب، وأخذ يخرج من صندوق ~~بجانبه مكعبات، ليبني منها شيئا لست أدري ماذا عساه أن يكون. # فلو كنت مصورا فنانا، لأسرعت إلى مرسمي لأثبت على لوحة تلك الأسرة في جلستها ~~التي رأيتها؛ لأنها نموذج جيد، سواء أخذناها في حقيقتها كما تبدت للمشاهدين، أم ~~أخذناها من حيث هي رمز يشير إلى حقيقة كبرى، فأما وهي مأخوذة على الصورة التي ~~شوهدت بها، فواضح أن مجموعة أفرادها قد ترابطت في كيان يجمعها، لكنها في الوقت ~~نفسه تركت لكل فرد منها أن ينفرد باهتمام خاص، إنها «الحرية» من الداخل، الحرية ~~التي لم تشرع لها قوانين، بل شاءتها طبيعة الحياة نفسها، ولذلك هي الحرية التي ~~شملت الأحياء جميعا، من الأميبا الأولى إلى أرقى ما ارتقى إليه البشر، إنها هي، ~~الحرية التي تعني أن يعبر الكائن عن دخيلته بسلوك ظاهر، وأرجوك أن تقف لحظة عند ~~كلمة يعبر ms006 هذه؛ لأنها كلمة استطاعت بها عبقرية اللسان العربي أن تبثها معنى ضخما ~~بعيد الدلالة، فالتعبير إنما هو «عبور»، فهنالك في دخيلة الكائن الحي سره الإلهي ~~العظيم، لكنه سر لا يراد له أن ينكتم، فمهدت له وسائل «العبور» من الداخل إلى ~~الخارج، وذلك هو نفسه «التعبير». الشجرة تعبر عن سرها الذي يعتمل به جسدها من ~~الداخل، فتخرج إلى الدنيا الخارجية أوراقها وثمارها وأزهارها. الحيوان، كل الحيوان ~~يعبر عن السر الإلهي الذي يسري في خلاياه فيكون منه ما نراه في حياته الظاهرة من ~~براعة ومهارة، وأي براعة ومهارة في جمع قوته وفي بناء مأواه، وفي الوقاية من ~~الأعداء! حتى إذا ما وصلت بنا درجات السلم الصاعدة إلى الإنسان، رأينا عجبا من ~~العجب في إرادة «التعبير» أولا، ثم في ممارسته ثانيا؛ لأنه لا يقف عند الحدود ~~التي وقفت عندها صنوف النبات والحيوان، بل إن عملية «العبور» هنا لتتسع وتتسع، حتى ~~نراه - أعني الإنسان - وهو يعالج ما قد اضطرمت به نفسه من «معان»، محاولا أن ~~يمهد لها طرقا تعبر عليها من دنيا الجوانح في ظلامها وغموضها، إلى عالم النور ~~فتراها الأبصار مجسدة في رموزها، أو تسمعها الآذان أنغاما وألحانا وشعرا ~~وأدبا، وليس في وسعنا مقدما أن نتنبأ أي الطرق يستطيعها فلان هذا أو فلان ذاك ~~لإخراج كوامن نفسه، أيخرجها حديثا ساذجا يديره مع من يريد الاتصال بهم، أم هل ~~يبلغ مبلغا من القدرة الفنية والأدبية، فيخرج تلك الكوامن معزوفة، أو قصيدة، أو ~~لوحة، أو تمثالا، أو عمارة، أو ما شاء له الله أن يكون؟ ولقد كانت الأسرة التي ~~حدثتك عنها مثلا جيدا، يرمز إلى تنوع الناس في وسائل العبور من داخل النفس إلى ~~ظاهر الدنيا. # واصبر معي قليلا - أيها القارئ - لأريك كيف أن هذا الجمع بين حرية الأفراد في ~~حركاتها، وفي خلجاتها، ثم في رغبة التعبير عن تلك الخلجات تعبيرا يهيئ لها العبور ~~من محابسها لتصبح مرئية ومسموعة، أقول إني سأحاول أن أريك كيف أن الجمع بين حرية ~~الأجزاء من جهة، والتزامها حدود الكيان ms007 الذي هي أجزاء فيه، إنما هو سر عظيم في بناء ~~الكائنات جميعا، من الذرة الصغيرة إلى الكون الكبير في مجموعه، فانظر إلى الذرة ~~الصغيرة، تجدها - كما ينبئنا عنها علماؤها - مؤلفة من كهارب تدق حتى لتتعذر رؤيتها ~~بالمجاهير، وإنما هي استدلال علمي أثبت صدقه بصدق تطبيقاته العملية، أقول: انظر إلى ~~الذرة الصغيرة تجدها مؤلفة من كهارب، لكل كهرب منها فلك يجري فيه، لكنه «حر» في أن ~~يقفز من فلك إلى فلك داخل الذرة، حرية تجعل التنبؤ بها قبل وقوعها أمرا مستحيلا، ~~لكن تلك الكهارب الصغيرة، في حريتها تلك، إنما تلتزم أن يكون نشاطها ملتئما مع ~~البناء العام، الذي هو الذرة في مجموعها. # وهذا الجمع بين حرية الفرد والتزامه، تراه في كل كائن أيا كان نوعه. خذ الفرد ~~الواحد من أفراد الإنسان مثلا، تجده مؤلفا من مجموعة أعضاء، لكل عضو فيها تكوينه ~~ووظيفته وقوانينه، فالقلب يعمل من حيث هو قلب، والكبد تعمل من حيث هي كبد، والمعدة ~~تعمل من حيث هي معدة، وهكذا، لكنها في عملها إنما تلتزم حدود الكيان الكبير، وهذا ~~الذي قلناه عن الفرد الواحد من أفراد الإنسان يصدق بحذافيره على الكون العظيم في ~~مجموعه، فكل ما في الكون يسبح في فلكه، لكنه في الوقت نفسه يلتزم العلاقة التي ~~تنسق بينه وبين سائر الكائنات. # ولم نكن لنرى موضعا للعجب في هذا، إذا كان كل جزء قد رسم له الطريق رسما لا ~~يترك له مجالا آخر إلا أن يسير، لكن المعجزة الكبرى هي أن لكل جزء حريته التي هي ~~نفسها مجموع الحريات المتمثلة في الذرات الصغيرة التي منها يتألف، ومع ذلك، فهي ~~حرية لا تتنافى مع الاتساق العام. # الأساس - إذن - في نظام الكون كله مجتمعا في كيان واحد، وفي كل كائن من كائناته ~~- وبصفة خاصة وواضحة في الأحياء من تلك الكائنات - هو حرية الأجزاء، أو قل حرية ~~الأفراد، حرية مقيدة ومحكومة بطبيعة الكيان التي تكون تلك الأجزاء، أو الأفراد، ~~هي قوامه، وليس في هذا القول تناقض؛ إذ قد يقال: كيف تكون ms008 «حرية» و«مقيدة»؟ فأنت - ~~مثلا - حر في تحريك رجليك لتمشي أو في تحريك ذراعيك لتتعامل مع الأشياء، لكن ~~رجليك أو ذراعيك في تلك الحركة الحرة، محكومتان بطبيعة ما فيهما من عضلات وأعصاب ~~وعظام وغيرها مما تتكون منه الرجل أو الذراع، إن لاعب الكرة حر وهو يضرب الكرة، ~~فقد يتجه بها إلى يمينه أو يساره، أو إلى أمامه أو ورائه، لكن حريته تلك محكومة ~~بالقصد الذي يستهدف الوصول إليه بالتعاون مع زملائه، فضلا عن أنها حرية تحكمها ~~قواعد اللعبة نفسها. وهكذا تستطيع أن تسوق لنفسك من الأمثلة الموضحة أي عدد تريد، ~~لكن الذي نحب أن نضيفه هنا هو أنه كلما ازداد القيد صعوبة، ازدادت الحرية حرية، إذا ~~جاز لنا مثل هذا القول، فالشاعر وهو ينظم لفظه في قصيدة أكثر حرية ممن يقذف ~~بكلماته قذفا كما اتفق في حديث عابر؛ لأنه يضع أمام نفسه صعوبات الوزن ليغلبها ~~وكأنها ليست عقبة في الطريق. إن صاعد الجبل إذ تعترضه العقبة تلو العقبة، فيغالبها ~~ويغلبها، هو أعمق في شعوره بالحرية ممن يمشي على «سهل» منبسط، والصائم أقوى ~~شعورا بحريته من المفطر، فالمعول في الحرية هو دائما قدرة الحر على مواجهة الصعب ~~ليقهره. وإذا خلت حياة الإنسان من كل صعوبة (وهذا فرض نظري محال له أن يتحقق) لما ~~عرف ماذا تكون الحرية وماذا يكون معناها، وهكذا قل في «الأخلاق»، فليس من حق إنسان ~~أن يدعي لنفسه الفضيلة، إلا إذا عرضت له الرذيلة فقاومها وانتصر عليها، ومن يدري ~~ربما كانت الحكمة في وجود الشيطان بغوايته أن تظهر الفضيلة في الإنسان ~~الفاضل. # أما الحرية المقيدة، بالمعنى الذي شرحناه لتكون أساسا أوليا لما يشمل الكون ~~وكائناته من نظام، فالأمر فيها درجات تتصاعد بتصاعد الكائن ونوعه. فالكائن كلما علت ~~رتبته، كان أقدر على مجاوزة قيوده، حتى نصل إلى الإنسان، فنرى الحرية بمعناها الذي ~~أسلفناه قد بلغت ذروتها؛ إذ هو لا يكتفي بصعوبات تصادفه فيغلبها، بل إنه ليخلق ~~الصعوبة خلقا ليزداد شعورا بحريته - وبالتالي يزداد شعورا بإنسانيته - حين يزيح ~~العقبة من طريقه، ms009 بل إنه ليكلف بحكم عقيدته الدينية نفسها أن يصنع الصعوبة ~~ليقهرها فهو مكلف بالجهاد. وما الجهاد إلا مجاهدة لتذليل عقبات قائمة. ولعل ~~مجاهدة الإنسان في محاربة نفسه الأمارة بالسوء، أن تكون من أخص خصائص الإنسان، ~~بالقياس إلى سائر الكائنات. وقمة الحرية هي قدرة الإنسان على إلجام نفسه، ليحكمها ~~بدل أن تحكمه. # وانظر كم يحرم الإنسان من هذه الخاصية التي تميزه، إذا ما أرادت له الجماعة التي ~~يعيش فردا من أفرادها، أن يتقولب مع الآخرين في قالب واحد، كأنه قطعة من الصلصال ~~يصوغها القابض عليها في أي شكل يريد، وماذا يكون الرق إذا لم يكن هو فقدان الفرد ~~لفرديته، ليصبح عجينة طيعة بين أصابع سواه؟ وإن هذا المعنى ليبرز أمام أعيننا ~~واضحا في الأسطورة اليونانية التي تحكي لنا قصة رجل (هو بروكر ستيز) أقام نزلا في ~~طريق المسافرين، ليبيت فيه من يلحقه الليل، لكنه أعد الأسرة (جمع سرير) لتكون ~~متساوية في الطول، وصمم على أن يخضع المسافر الذي يبيت في نزله لذلك المقياس، فإذا ~~شاءت المصادفة أن يجيء المسافر مستوفيا بطبيعته لذلك الشرط المفروض، كان بها، وإلا ~~فقد جهز آلة تجز ساقي المسافر إذا كان أطول من سريره، كما جهز آلة أخرى تمط من ~~هو أقصر في قامته من طول السرير، حتى يتساوى الطولان. فصاحب النزل لم يتصور أن ~~يختلف الأفراد في أطوالهم عن المقياس الذي فرضه عليهم. وهكذا تكون الحال في مجتمع ~~يريد لأبنائه أن ينصبوا جميعا في قالب من حديد، لا يقبل من أحد أن ينقص دونه أو أن ~~يزيد عليه، وقل في مجتمع كهذا إن فردية الأفراد عليها العفاء، فتصبح حرية ~~الإنسان - بناء على ذلك - سرابا في ~~سراب. # وقد يطول بنا القول، إذا نحن أخذنا في تحليل طبيعة «الإنسان» تحليلا يبين على ~~وجه الدقة ما نعنيه، حين نطالب للإنسان بحريته، بالمعنى الذي تكون الحرية فيه ~~محكومة بقيود تؤكد وجودها، وتزيد من عمقها، لكننا نكتفي بلمحة موجزة عن جانب هام في ~~تلك الطبيعة (وليس هو الجانب الوحيد) وأعني جانب ms010 «العقل» من الإنسان، وقبل أن نتحدث ~~عن «حرية» هذا العقل لا بد من تذكير القارئ بالصفة الرئيسية التي تميز العقل عن ~~سائر القدرات البشرية، وتلك الصفة هي أنها حركة انتقالية يبدأ سيرها من شواهد ~~وبينات ومقدمات، وينتهي عند نتيجة تتولد به مما بدأ به، فليس عقلا ذلك ~~الإدراك الذي يدرك ما يدركه بلمحة مباشرة، أو بلمعة (كما يقولون)؛ لأن أمثال هذه ~~الإدراكات المباشرة لها أسماء أخرى، وطبائع أخرى، ليس هنا مكان تفصيلها، أما العقل ~~فإدراكه دائما غير مباشر؛ لأنه قدرة استدلالية، ومعنى ذلك أنه يتضمن قيام طرفين، ~~طرف نبدأ منه، وطرف آخر هو النتيجة التي ننتهي إليها. # ويكون العقل حرا في اختيار الطرف الأول، وما دام قد حدد لنفسه نقطة البدء، فلم ~~تعد له بعد ذلك حرية النتائج؛ لأن هذه النتائج تلزم بالضرورة عن نقطة الابتداء، ~~ونقطة الابتداء هذه إنما هي «فكرة ما»، يرى فيها صاحبها صلاحيتها لتوليد النتائج ~~النافعة للناس، فإذا حرمنا إنسانا من أن يتقدم بأفكاره وما يترتب عليها؛ جردناه ~~من آدميته، إذ نكون قد سلبنا منه حرية عقله حتى ألف بائها. # الفصل الثاني # | معجزة الحياة إبداعها # عن الحرية أتحدث # وليس السجين الذي نبحث له عن حريته هنا هو سجين زنزانة ضاقت حولها الجدران، ~~وضربت على بابها ونافذتها المرتفعة الصغيرة قضبان الحديد، كلا، ولا هي الحرية ~~التي سلبها من صاحبها غاصب مستبد، بل هي الحرية التي كبلتها خيوط من حرير، غزلها ~~صاحبها لنفسه على مغزله هو، ونسجها قماشة ناعمة بمنواله هو، ثم أحاط جسده كله ~~بلفائفها حتى أوشكت أن تسد له أذنيه، فلا يسمع إلا خشخشة خفيفة تجيئه منها إذا ~~تحركت أطرافها، وكادت تنسدل على عينيه، فلا يرى شيئا إلا خلالها. # إنه سجن من حرير، من شأنه إذا مست جدرانه بدن السجين أن يشيع شيء من الخدر ~~اللذيذ في جوارحه فتستريح، وفي أوصاله فتسترخي؛ ولذلك ترى السجين يقاتل من أجل ~~بقائه فيه، وإذا أحس يدا تمتد لتفك عنه الأغلال، بترها بترا إذا استطاع، وأما ~~ذلك الحرير الذي نعنيه، ms011 فهو الماضي إذا ما سرى في القلوب وفي العقول بسحره الأسطوري ~~العجيب، وموضع المفارقة في هذا الموقف المحير المربك، هو أن أي إنسان، وكل إنسان، ~~يحب أن يتمسك بماضيه، بل إنه لا اختيار للإنسان في ذلك، فهو - مثلا - لم يخلق ~~لنفسه اللغة التي يتكلم بها ويكتب، عندما استيقظ من نومه هذا الصباح، بل أخذها ~~جاهزة كما انحدرت إليه من ماضيه، وهو لم يصمم لنفسه ثيابه، وصنوف طعامه، وأساليب ~~تعامله مع الآخرين، بل هي أمور جاءته من أبناء أمسه القريب أو أمسه البعيد، ومحال ~~محال أن يخلع ماضيه عن حياته، كما يخلع ثيابه القديمة عن جسده، لا، بل إنه ليرفض ~~ذلك رفضا قاطعا حتى لو كان في مستطاعه أن يفعل، ومع ذلك فالفرق بعيد بين الإنسان ~~السوي السليم وهو يستبقي لنفسه ماضيه، والإنسان الذي أخذته في ذلك علة المرض، ~~فبينما الأول يثبت قدميه على أرض حاضره، ويستدعي الماضي لينسج من خيوطه خيوطا ~~يراها حيوية وضرورية لحياة عصره، ترى الثاني وقد خفت قدماه عن أرض حاضره فقفل ~~بجسده كله راجعا إلى حيث الأجداد ليحيا معهم حياتهم، فالقول ما يقولونه، والفعل ما ~~يفعلونه، وكل ما أبدعته العصور بعدهم من ثقافات وحضارات باطل مذموم. # ليس في هؤلاء المساكين الأبرياء ذرة من شر، فنواياهم هي أطيب ما تكون النوايا، ~~وهم فوق ذلك معذورون؛ لأن لمسة الماضي عند كل إنسان هي من لمسات الحرير، وهل رأيت ~~إنسانا واحدا إذا تلفت وراءه لم يقل إنه إنما كان عصرا ذهبيا ذلك العصر الذي ~~ذهب؟ لكن هذا الشعور الطبيعي الجميل لا يلبث أن يستر الحق عن صاحبه، فهو كشعور ~~الناعم بشفق الغروب في روعته، لا يريد للشمس أن تغيب ليظل الشفق بورده الأحمر، حتى ~~ولو قيل لذلك النشوان: إنه إذا غابت الشمس وذاب الشفق؛ فما ذلك إلا لتشرق شمس جديدة ~~في الصباح، وكيف تريد للنشوان بلحظته أن يستمع إليك، وهو لا يرى شيئا سواها، ولا ~~يرغب في أن يرى. # فأين السبيل إلى تحرير ذلك المخمور بلحظته، وقد اختارها من ms012 الماضي الذي هو دائما ~~عصر ذهبي، كان نقاء كله، وكان صفاء كله، وكان بلاغة وفصاحة، وكان طهرا واستقامة، ~~وكان حكمة وصدقا وخيرا؟ كيف تقنع النشوان بلحظته التي اختارها من ماضيه أن الزمن ~~ليس صفا من لحظات رصت لحظة «مستقلة» بعد لحظة مستقلة، بحيث يستطيع أن يختار ~~إحداها «ليسكن» فيها، بل هو سيال مستمر لا سبيل إلى تقطيعه شرائح شرائح ، وإذا كنت ~~ترانا نقسمه أعواما وشهورا وأياما ودقائق، فذلك لنيسر على أنفسنا طريق الحساب، ~~وسيال الزمن كسيال الماء في النهر الدافق، كسيال الحياة نفسها، يتجه اتجاها ~~واحدا لا رجعة فيه، فإذا تشبث إنسان بضرورة أن يرتد بسيال حياته إلى الوراء كان ~~معنى ذلك هو الموت؟ # ومعجزة الحياة في مجراها، هي أنها «تبدع» جديدا، بعد جديد، في أثر جديد، خلال ~~ذلك الجريان يموت ما يموت ومن يموت من أبنائها، فتلد الجديد، وضرب من المحال في ~~عالم الأحياء أن يولد جديد ليكون صورة مكررة بكل حذافيرها وتفصيلاتها من سالفه، ~~بدءا من أوراق الشجر التي تسقط عن شجرها أثناء الخريف والشتاء، لينبت مكانها في ~~الربيع أوراق جديدة، فصاعدا إلى الإنسان كلما جاء ولد بعد والد، ولو كان الزمن ~~لحظات متفرقات تتعاقب، وكانت الحياة أفرادا متشابهة في كل نوع من أنواعها، تجيء ~~خلفا بعد سلف؛ لأمكن أن نغير في ترتيبها، فنأتي بقديمها ليكون هو جديدها، ونرتد ~~بجديدها - ولو بمجرد الخيال - ليكون هو قديمها، لكن ذلك محال، وفي كل حالة من ~~الحالات يجيء الحاضر الجديد أكثر امتلاء بمضمونه من الماضي القديم. # وحتى لو فرضنا المستحيل، وهو أن تيار الحياة يسير بالأحياء من الممتلئ إلى ~~الهزيل، ومن الغني بمضمونه إلى الفقير، لبقي لنا أن نقول إن الحاضر الهزيل الفقير ~~إنما يكون أكثر أداء لدوره الحيوي، إذا هو صنع لنفسه حياته بنفسه، و«أبدع» جديدا ~~لم يشهد الماضي مثيلا له، وهذا «الإبداع» الذي فرضنا فيه الهزال والفقر إنما هو ~~أرفع قيمة عند الحي المبدع من كمال صنعه سواه، وذلك لأن ما يصنعه إنسان لنفسه بنفسه ~~يحقق له هويته ووجوده، ms013 في حين يبقى المستعار مستعارا. انظر إلى طفل وهو يرسم بيده ~~صورة لأي شيء يجتذب خياله، وقارن شعوره بذاته وبوجوده، بحالته إذا ما جئت له بصورة ~~رسمها فنان عظيم، إنك إذا قلت له: اترك هذا الرسم الهزيل الفقير الذي صنعته، وخذ ~~بديلا له هذه الصورة في روعتها وكمالها! إنك إذا فعلت ذلك، صرخت «الحياة» كلها على ~~لسان الطفل قائلة: ابعد عني بهذا الباطل الذي تفوه به، فالكمال الذي بين يديك هو ~~كمال صاحبه، قد أقتنيه فيكون عندي بعض ما أملكه، لكنه ليس إياي، فأنا فيما أبدعته، ~~ويحكي طاغور - شاعر الهند العظيم - حكاية غنية بمغزاها، فيقول إنه شهد طفلا جاء له ~~أبوه الغني بطائرة صغيرة من بلد ما في أوروبا كان قد سافر إليه، والطائرة قد بلغت ~~في صناعتها غاية الدقة، ثم شاءت المصادفة لذلك الطفل أن يخرج إلى الطريق العام ~~بلعبته الأنيقة، وإذا بمجموعة من الأطفال مشغولة بالتعاون معا على صنع طيارة من ~~الورق، ولبث الطفل صاحب اللعبة الجميلة يرقبهم، حتى أوشكوا على الفراغ من صنع ~~طيارتهم، فلم يسعه إلا أن يقذف بلعبته جانبا ليشارك ولو بالقليل في استكمال ما ~~تصنعه مجموعة الأطفال، حتى إذا ما فرغوا جميعا من مهمتهم، وطارت في الهواء ~~طيارتهم، وهم ممسكون بخيطها في أيديهم الصغيرة، أحس الطفل صاحب اللعبة الجاهزة، ~~بنشوة لم يحس بشيء منها وهو يلهو بلعبته الأنيقة الجميلة، التي اشتراها له ~~أبوه. # ومن هذا القبيل نفسه أذكر شيئا كان كثير الحدوث في صباي، ولا أدري إن كان ~~لا يزال قائما، وهو أن كتبا كانت تباع، فيها خطابات مكتوبة تصلح للمناسبات ~~المختلفة، فيشتريها من يشتريها، حتى إذا ما جاءت له مناسبة ليكتب خطابا، بحث في ~~الكتاب عن صورة تصلح لمناسبته، لينقلها ويرسلها، وكذلك كان من المألوف الشائع في ~~المدارس أن يحمل مدرس اللغة العربية تلاميذه على حفظ عبارات بعينها، ليدخلوها في ~~إنشائهم ... فقارن كل هذه النماذج الجاهزة مهما بلغت من درجات الجودة، وبين كلمات ~~يكتبها صاحبها مملاة عليه من نفسه، مهما بلغت بدورها من ms014 درجات الفقر والهزال. ~~أقول: قارن بين الحالتين، من حيث القدرة على تحقيق الذات وإثبات الوجود! كانت ~~والدتي - عليها رحمة الله ورضوانه - لا تكتب، فلما ذهبت إلى الحج للمرة الأولى (فقد ~~حجت سبع مرات) أرسلت إلي خطابا مطبوعا يباع جاهزا، فلما عادت بسلامة الله من ~~حجها، أبلغتها كم انقبضت نفسي لخطاب ليس فيه شيء منها، فقالت: وماذا كنت أصنع ؟ ~~أجبتها: كان خيرا لي أن ترسلي ورقة بيضاء وعليها بصمة أصبعك. نعم، الفرق بعيد بين ~~أن يكون في حياتك شيء منك، وبين أن تستعير صورة من حياة الآخرين، من المعاصرين أو ~~من الغابرين، حتى ولو بلغت ما بلغته من درجات الكمال. # لقد كان من أروع ما لفت أنظارنا إليه، من حيث القوة الإبداعية في فطرة الإنسان، ~~فيلسوف اللغة الرائد في عصرنا هذا «نوام تشومسكي» أن الطفل منذ المرحلة الأولى ~~لتعلمه اللغة لا يقف عند حرفية ما يسمعه من الذين حوله، بل هو لا يلبث حتى يأخذ في ~~التصرف الحر فيما قد سمعه، فقد تعددت التحليلات ووجهات النظر عند فلاسفة اللغة - ~~والمعاصرين منهم بوجه خاص - فمنهم من يذهب إلى أن الطفل لا يعدو أن يحاكي ما ~~يتلقاه من مفردات وتراكيب لغوية، فيتساءل تشومسكي - بحق - كيف إذن يتاح للطفل، ~~بعد قليل جدا من بدء تعلمه للغة، أن يعيد «المعنى» المعين بعدة صور للعبارة التي ~~سمعها تعبر عن ذلك المعنى؟ فمثلا قد يسمع من يقول له: فلان أخذ لعبتك، فترى ~~الطفل بعد ذلك يردد ما سمعه، ولكن بصور أخرى، إذ قد يقول: لعبتي أخذها فلان، أو ~~لعبتي فلان أخذها، وهكذا إلى ما لا نهاية، ويطلق تشومسكي على هذه الخاصية ~~«الإبداعية» في القدرة اللغوية، ثم يستطرد في تحليلاته العميقة الدقيقة، ليبين أن ~~من أهم ما يميز الإنسان في مجال اللغة، هو سرعة اكتسابه ذوقا خاصا في لغته، بحيث ~~يعرف ابن اللغة ما يجوز وما لا يجوز استعماله من تراكيب لغوية، ومن هنا نرى الفرق ~~بين ابن اللغة وبين الأجنبي الذي يتعلم تلك اللغة، فبينما ترى ابن ms015 اللغة قادرا على ~~تنويع التراكيب للمعنى الواحد بتذوق لغوي يفرق به بين ما يصح وما لا يصح، ترى ~~الأجنبي الذي تعلم تلك اللغة مقيدا بما سمعه أو قرأه، دون أن يكون له - إلا بعد ~~ممارسة طويلة - ذلك الذوق اللغوي الذي يمكنه من التصرف المبتكر في حدود ما يجوز ~~قوله عند أهل اللغة الأصليين. وبهذه المناسبة أروي قصة كنت سمعتها من المرحوم ~~الأستاذ أحمد أمين، وهي أنه أرسل نسخة من كتاب له - لعله كان «ضحى الإسلام» - إلى ~~أحد المستشرقين الكبار، فأرسل إليه الرجل خطابا باللغة العربية يشكره على الهدية، ~~خاتما ذلك الخطاب بعبارة يقول فيها: «أدامك الله لننتفع من خرارة علمكم»، فلم ~~يكن له ذوق اللغة الذي يعرف به متى يجوز استخدام كلمة «خرارة»؛ إذ هي عنده كلمة ~~مشتقة من الفعل «خر» ولا شيء أكثر من ذلك. # ولهذه القدرة الإبداعية التي أشار إليها تشومسكي في مجال اللغة، علاقة قوية - فيما أرى - بموضوعنا الذي نتحدث عنه، وهو وجوب أن يكون لكل عصر طابعه الخاص الذي ~~يميزه من أسلافه، فإذا كنا قد أخذنا اللغة العربية عن أسلافنا، وليس لنا بديل آخر ~~سوى أن تكون هي لغتنا التي نفخر بها ونفاخر، فلا بد لنا كذلك أن نمارس فطرتنا ~~البشرية في الإبداع اللغوي، بحيث تجيء عبارتنا وقد تميزت بمذاق خاص، كما تميزت ~~اللغة في العصر الأموي، أو العصر العباسي، عنها في العصر الجاهلي، مع أن اللغة في ~~كلتا الحالتين هي هي، تلتزم قواعد معينة، لكن كان لكل عصر ذوقه المتميز. # معجزة الحياة في إبداعها، سواء أكان ذلك الإبداع - في المجال الإنساني - على ~~مستوى الأفراد أم كان على مستوى الجماعات، وإن حيوية الإنسان في شتى جوانب حياته ~~لتقاس بمقدار ما أبدع، أعني بمقدار ما أضافه من ناتج جديد، أما الذي يحيا حياته ~~محاكاة لحياة غيره - من السلف أو من الخلف على حد سواء - فهو إنما يحيا صورة باهتة ~~لأصل كانت له قوته عند صاحبه. # لكن هذا القول لا يعني أن يقوم الفرد أو الجماعة كل صباح، ms016 ينقض كل ما تم غزله على ~~أيدي سواهم، ليغزلوا هم الخيوط من جديد، لكي يقال إنهم مبدعون، بل يعني أن يضع ~~الإنسان بين يديه - فردا أو جماعة - ما استطاع أن يضعه من تراث السلف، ومن إنتاج ~~المعاصرين، ليتمثل من هذا كله ما وسعت قدراته الهاضمة أن يتمثل لكي يعود فيخرج ~~منه إبداعا جديدا، فهذا هو ما حدث في كل حياة ثقافية ناهضة عندنا أو عند غيرنا، ~~ولك أن تراجع في روية وأناة ما صنعه العرب الأقدمون، إبان القرنين الثالث ~~والرابع بالتاريخ الهجري «التاسع والعاشر بالتاريخ الميلادي»؛ لترى كيف كان على ~~أطراف أصابعهم معظم ما أنتجته الإنسانية قبل ذلك من فكر وكل ما أنتجه أسلافهم العرب ~~في العصر الجاهلي، ليكون هذا كله ماثلا أمام عقولهم وقلوبهم، لا ليحفظوه حفظا ~~أصم، ويعيدوه مكرورا بحروفه كالببغاوات؛ بل ليتمثلوه ولينتجوا هم بعد ذلك نتاجهم ~~الأصيل، مشبعا بذلك الزائد الوفير، ومعبرا في الوقت نفسه عن ذوات أنفسهم، وإذا ~~أردت مثلا آخر، فراجع كذلك ما صنعته النهضة الأوروبية إبان القرنين الخامس عشر ~~والسادس عشر، وعندئذ ترى الصنيع نفسه، فلقد كانوا على إلمام واسع ودقيق بما تركه ~~الأسلاف - أسلافهم اليونان والرومان، مع أسلافنا العرب - لا ليحفظوه حفظا أصم ~~«وأقولها للمرة الثانية»، بل ليمزجوه بخبراتهم المباشرة، ليخرج لهم بعد ذلك كله ثمر ~~جديد. # ولماذا لا نضيف إلى تلك الأمثلة التاريخية الكبرى، مثلا محليا من حياتنا نحن ~~خلال المائة العام الأخيرة، فيما قبل هذه المرحلة الراهنة التي نجتازها، فقد كنا ~~على وعي شديد بضرورة أن نلم أوسع إلمام ممكن بتراثنا وأوسع إلمام ممكن بما ينتجه ~~الغرب؛ ليمتزج الرافدان في نهر واحد، نملأ أكوابنا منه، فإذا نحن قد أصبحنا أكثر ~~قدرة على إبداع شيء جديد. # إن أفتك ما يفتك بالطاقة الإبداعية في أصحاب المواهب، هو أن توضع أمامهم نماذج ~~العباقرة من أسلافنا وأسلاف غيرنا، لا ليستلهموها جديدا يبدعونه هم، بل ليضعوها من ~~أنفسهم موضع التقديس فيجلسوا أمامها فاغري الأفواه من دهشة الإعجاب، إنهم في هذه ~~الحالة ليكونون أشبه شيء بمن ms017 جلسوا في مسرح يشاهدون رواية عظيمة التأليف يقوم ~~بتمثيلها كبار الممثلين القادرين، أما هم - أعني المتفرجين - فجالسون في الظلام، ~~وأما الممثلون فهم وحدهم الذين تنصب عليهم الأضواء القوية، فيخرج المتفرجون آخر ~~الأمر وقد كادوا ينسون أنهم أحياء؛ إذ لم يعد يملأ خيالهم إلا من شاهدوهم من ~~الأبطال. # كان للفيلسوف البريطاني «هوايتهد» في ذلك ملاحظة لطيفة، إذ سئل مرة : لماذا أخرجت ~~جامعة كيمبردج عددا أكبر ممن أخرجتهم جامعة أكسفورد من أدباء وشعراء، مع أن ~~المعروف هو أن كيمبردج تغلب عليها نزعة العلوم، في حين تغلب على أكسفورد نزعة ~~الآداب؟ فأجاب هوايتهد «وهو نفسه خريج كيمبردج في العلوم الرياضية» قائلا: إن علة ~~ذلك هو أن دارس الآداب في أكسفورد توضع أمامه نماذج العمالقة من الشعراء والأدباء ~~في جو يوهمه بأن هؤلاء العمالقة كقمم الجبال العالية التي يتعذر الوصول إليها، ~~فيحدث أن تشل في الدارس موهبته إذا كان من أصحاب المواهب. وأما دارس العلوم في ~~كيمبردج إذا تصادف أن كانت له موهبة الإبداع الأدبي، فإن موهبته تنمو وتبدع دون أن ~~تعرقلها العراقيل. # أليس مما قد يفيدنا أن نسأل: لماذا كثرت العبقريات العربية في شتى ميادين الفكر ~~والأدب إبان القرون الخمسة الأولى من التاريخ الإسلامي، لتقل بعد ذلك بصورة تلفت ~~النظر؟ ففي تلك القرون الخمسة ظهر أعظم الفقهاء على الإطلاق، وأعظم الفلاسفة وأعظم ~~علماء اللغة، وأعظم الشعراء وأعظم الناثرين، وعدد ملحوظ من أعظم المتصوفة ومن أعظم ~~النقاد ومن أعظم رجال العلوم الطبيعية، ثم جاءت بعد ذلك قرون أربعة غلب عليها ~~«التجميع»، أعني تجميع ما كان قد أبدعه عباقرة الفترة السابقة، وأما بعد ذلك فتكاد ~~لا ترى إلا تكرار المحاكاة. # وقد يكون التعليل لتلك الظاهرة هو أن عباقرة القرون الخمسة الأولى لم يكن لهم ~~سابقون من أسلافهم، بلغوا من الضخامة في ميادينهم حدا من شأنه أن يخيفهم، بحيث ~~يؤثر في ثقتهم بأنفسهم، اللهم إلا في ميدان واحد، هو ميدان الشعر؛ إذ لبث الشعر ~~الجاهلي هو الذي يقيم للشعراء مقياس فحولة الشعر، ولهذا أبدع عباقرة القرون ms018 الخمسة ~~الأولى ما أبدعوه وهم أحرار من المعوقات النفسية، وأما بعد ذلك فكلما نشأت موهبة في ~~أي ميدان كان لسان الحال كأنه يصيح في وجه الموهوب قائلا: أين أنت من هؤلاء؟! ~~فتضعف قواه وتفتر همته. # وبعد هذا الذي قدمته فلننظر إلى المرحلة الراهنة التي نجتازها، ولست أظن أن ~~المتتبع النزيه لحياتنا الفكرية يستطيع أن يتغافل عن شيء من شلل المواهب في ميدان ~~الفكر الاجتماعي؛ إذ علت الصيحة التي تنادي بأن يكون لنا من نماذج الماضي وحدها ~~مصادر الهداية، أما في غير هذا الميدان فقد تركت للمواهب حرية الإبداع إلى حد ~~معقول، فأمكن فيها أن نساير الزمن بعض المسايرة، ففي ميدان السياسية نتحدث عن أفكار ~~ونظم لم يكن للسابقين عهد بها، وفي ميدان التعليم نتحرك في إطار ليس هو الإطار الذي ~~كان فيما مضى يقام فيه التعليم، وفي مجالات الفن والأدب نشأت صور جديدة جاءت في ~~معظمها صدى لما نقلناه عن الغرب، وفي ميادين العلم والصناعة وغيرها وغيرها، سايرنا ~~العصر بالقدر الذي سمحت به قدراتنا وظروفنا، إلا ميدان الفكر الاجتماعي، فبعد أن ~~استطعنا في النصف الأول من هذا القرن أن نزيح عنه جانبا من القشرة الجامدة التي ~~كانت تغلفه وتسد عليه الطريق، عدنا بعد هزيمة 1967م بصفة خاصة إلى الحيلولة بينه ~~وبين روح العصر، وقد يكون في هذه العودة شيء كثير من الرغبة في تحصين هويتنا حتى لا ~~تنهار جدرانها، فتنجرف في تيار غيرها، فتضيع، لكن هذا الفرض نفسه حتى لو صدق؛ لا ~~يمنع أن يكون مجال الفكر الاجتماعي عندنا قد جمد، بل تراجع إلى الوراء بخطوات ~~سريعة، ويخشى أن يكون للتخلف في هذا الميدان الحيوي أثره في الحد من قوة الإبداع ~~فيه وفي غيره، ونصبح كالدمى، لا تحركها أيدي الأحياء، بل يحركها سحر ~~الموتى. # الفصل الثالث # | وهكذا انسابت خواطري # عن الحرية النزيهة أتحدث # كانت الساعة في قلب الضحى، وكنت فيها أهدأ ما يكون إنسان! نوافذ الغرفة زجاجها ~~مزدوج، فلا أسمع إلا همهمة خفيفة من صخب الطريق. كانت السحب قد أفرغت ms019 ماءها، فراقت ~~السماء وشف الهواء وامتدت الرؤية خلال زجاج النافذة إلى أقصى مداها. جلست ~~مسترخيا لا أفكر في شيء، بل ولا أريد لشيء أن يشغلني فأفكر فيه، فلقد جئت هنا ~~لأستريح، أحسست في جلستي تلك كأنني وعي صاف مجرد لا يستند إلى بدن؛ إذ تحولت ~~بانتباهي إلى باطن نفسي عندئذ، لم أكن أرى سابحا على تيار ذلك الوعي الصافي ، سوى ~~ما يشبه البقايا التي تخلفها وراءها عاصفة عاتية، ولقد كانت بالفعل عاصفة هوجاء ~~ظالمة، لا عقل فيها ولا عدل، تلك التي مرت فطفت في تيار الوعي تلك البقايا. # كنت منذ ساعة واحدة، قبل تلك الجلسة المسترخية الهادئة، قد هممت بالكتابة عن فكرة ~~ألحت وتريد أن أعبر بها البرزخ الحاجز بين الداخل والخارج، ولكني شعرت بالقلم ~~يثقل حمله بين أصابعي، وكانت علة ذلك أني رأيت تلك البقايا السابحة على تيار الوعي ~~في جوفي، فهي التي حملتني عندئذ على أن أسائل نفسي: أتكتب لمن يوشكون أن يطالبوك ~~بأن تقسم لهم بأن السماء تكون زرقاء إذا صفت، وبأن في البحر ماء يضطرب بالموج إذا ~~هبت الريح؟ أتكتب لمن جعلوا قلة الأدب برهانا على قوة الإيمان؟ لكني لم ألبث إلا ~~دقائق حتى هدأت النفس واطمأن الفؤاد، فقد كان الشاتمون في غير أدب، وكان المعتدون ~~في غير حق ولا عدل، هم أهلي، ولا حيلة لي في أهل بيني وبينهم صلات الرحم. # وفي أثر ذلك كانت تلك الجلسة المسترخية الهادئة، ومددت يدي إلى منضدة صغيرة بجانب ~~مقعدي، والتقطت مذياعا أصغر حجما من الكف، وأدرت ترسه الصغير في أعلاه، فإذا ~~بحديث لمتحدث يحسن صياغة الكلمات، ويجيد النطق إجادة تستبد بالسمع، فلا تستطيع ~~لنفسك فرارا إذا أردت الفرار، وكان الحديث لمراسل الإذاعة في كوريا الجنوبية، يصف ~~للسامعين ما قد بلغته كوريا من تقدم في علوم العصر وصناعته، حتى لقد باتت منافسة ~~خطيرة، فهي إن لم تكن يابان أخرى، فهي بغير شك توشك أن تكون. # أعدت المذياع الصغير إلى حيث كان، ومررت بأصابعي على جبهة أخذت تند بالعرق الخفيف ms020 ~~برغم هبوط الدرجة في حرارة الصيف، وذهب الهدوء عن النفس الهادئة، ولم يعد الفؤاد ~~على طمأنينته التي كانت، وخرجت من شفتي آهة حزينة، يتبعها صوت يتعجب وهو يقول: ~~كوريا! كوريا! لقد تعجبنا بالأمس أن يقال لنا عن اليابان وتقدمها ما يقال، ثم ~~ألفنا أن تكون اليابان في طليعة الطليعة من دول العالم القوية الغنية العالمة ~~المبدعة الصانعة، ثم تعجبنا بعدها أن يقال عن الصين وتقدمها، وهي التي ترزح أرضها ~~تحت عدد من أبنائها زاد عن ألف مليون، ونحن الآن على وشك أن نألف أن تكون الصين قوة ~~جبارة لا يجرؤ أحد على الاستهانة بها، ولكن كوريا! من الذي يستبعد بعد الآن أن يكون ~~دور الجنس الأصفر في حمل مشعل الريادة في حضارة الإنسان الحديث قد دنا؟ # وأنت يا مصر، أين أنت في معمعة الريادة الحضارية يا مصر؟ ألم يطرق العصر الجديد ~~أبوابك منذ مائة وثمانين عاما؟ لقد فتحت له الأبواب مرحبة به، قبل أن تفعل ~~اليابان ذلك بثمانين عاما، بل قبل أن تفعل ذلك روسيا! وقبل أن تحلم الصين مجرد ~~الحلم أن تفعل ذلك، وها هي ذي كوريا تكاد تلحق بأختيها، وكأن نبوءة بسمارك قد ~~اقتربت من التحقيق، إذ تنبأ - منذرا - وهو على فراش مرضه الأخير، قائلا لمن حوله: ~~حذار من الجنس الأصفر، فهو على حافة اليقظة والوثوب! # وأنت يا مصر! افتحي صحائف التاريخ واقرئي، إن كنت قد نسيت، اقرئي لتعلمي أنه ما ~~من حضارة شهدها التاريخ - قبل حضارة عصرنا هذا - إلا وكنت أنت منها في مكان ~~الريادة، إنني إذ أقول ذلك أعرف معنى ما أقول، فحتى بعد أن ذهبت عنك ريادة المبدع ~~الأصيل بذهاب العصور الفرعونية - ولا يغيبن عنك أن مداها في ذلك الإبداع الأصيل ~~قد بلغ أربعين قرنا في أقل تقدير، بينما عصر الإبداع في الغرب الحديث مدته أربعة ~~قرون - أقول إنه حتى بعد أن ذهبت عنك ريادة الإبداع الأصيل، فقد كان دأبك بعد ذلك ~~أن تجيء إليك من خارجك ثقافة وحضارتها، فلا تلبثين طويلا حتى تتمثلي هذا ms021 الذي جاء ~~إليك من خارج حدودك، لا لتكوني بهذا التمثل واحدة من الأتباع؛ بل إنك لتتمثلينه ~~لتصبحي فيه الطليعة الرائدة، وهذا هو المعنى الحقيقي للعبارة التي نكررها بصدق، ~~وأعني القول بأن مصر كانت دائما مقبرة لغزاتها، إنها لم تكن لهؤلاء الغزاة مقبرة ~~بمعنى أنها تقاتلهم فتقتلهم فتقبرهم تحت ترابها، بل كانت مقبرة لهم بمعنى أنها تسود ~~في ثقافتهم وفي حضارتهم، حتى أصبحت تشق الطريق أمامهم وهو يتبعون. # سقطت شعلة الفكر من أيدي اليونان القديمة، فالتقطتها الإسكندرية، لا لتحاكي ما قد ~~أخذته محاكاة الولد لوالده، أو محاكاة التلميذ لأستاذه؛ بل لتتمثله ثم تضيف إليه من ~~روحها، فإذا هو نتاج جديد لم تشهد له الدنيا مثيلا قبل ذلك، فما هو ذلك الذي ~~التقطته الإسكندرية من اليونان؟ كان في الأساس علوما وفلسفة، فإذا بجامعة ~~الإسكندرية يومئذ تدفع إلى الأمام ما تلقته من العلوم «العلوم الرياضية منها بوجه ~~خاص»، ثم تنفث في الفلسفة المنقولة روحا دينية من روحها التي تدينت منذ فجر ~~الزمان، وإذا بالناتج ضرب من فلسفة متصوفة لها طرازها الفريد، وهي التي اغترف منها ~~العرب بعد ذلك إبان مجدهم ما اغترفوا، غير أنهم كانوا على ظن بأنهم إنما يغترفون ~~من إناء اليونان، ولم يفرقوا في وضوح بين ما كان مصدره اليونان، وما كان مصدره ~~مصر. # ولك أن تزور زيارة فاحصة لمتحف الفن اليوناني الروماني بالإسكندرية، لترى كم كانت ~~مصر في فترة الحكم اليوناني الروماني، مبدعة في إطار ما قد وفد إليها من الغزاة، ~~وجاء بعد ذلك العصر المسيحي في مصر، وكما هي العادة دائما مع الديانات، يبدأ الأمر ~~بإيمان مطلق، لا يريد أن يقف من موضوع إيمانه موقف التحليل الذي كثيرا ما ينتهي ~~بأصحابه إلى التشعب في مذاهب مختلفة، ثم تذهب مرحلة الإيمان المطلق هذه لتليها ~~مرحلة التحليل والتمذهب، فلما جاءت هذه المرحلة الثانية وحدث فيها اختلاف في ~~التأويل ووجهة النظر، بين مصر وغيرها، كان للمسيحي المصري وجهة نظره التي تميزت ~~بما تميزت به مصر دائما، على تعاقب عصورها، واختلاف المجالات والمواقف، ms022 وأعني ~~روح الاعتدال. # وجاءها الإسلام، فأسلمت، وتعربت مع إسلامها، أعني أنها استبدلت بلغتها اللغة ~~العربية، ولنتذكر أنه ليس كل من أسلم تعرب في لغته كذلك، فهناك من البلاد ~~الإسلامية التي لم تغير لسانها. أمثلة كثيرة: تركيا، وإيران، وباكستان، ~~وإندونيسيا، وكثير من الأقطار الأفريقية. ولقد أراد الله بالإسلام وباللغة العربية ~~خيرا، حين أسلمت مصر وحين تعربت؛ إذ أصبحت مصر على امتداد تاريخها بعد ذلك هي ~~الحصن وهي المنارة، التي لا ينازعها في ذلك منازع، ونحن إذ نقول اليوم في أحاديثنا ~~العابرة شيئا عن «التراث» الإسلامي والعربي، فإنما نشير بهذا القول - في الحقيقة - ~~إلى تلك الجهود الجبارة، التي اضطلع بها علماء مصر من رجال الأزهر الشريف؛ إذ إليهم ~~يرجع جزء كبير من الفضل في التجميع والترتيب والتبويب، فيما لو ترك بغير تلك ~~العناية لتبعثرت أجزاؤه، ولما عرفت في وضوح إلى أي شيء تشير وأنت تتحدث عن ~~«التراث». # هكذا يا مصر كان دورك الريادي في عصورك المبدعة الأولى أولا، ثم فيما جاء إليك ~~من خارج حدودك، إلا هذه المرحلة الأخيرة يا مصر! فلقد فتحت أبوابك في بداية القرن ~~الماضي - منذ مائة وثمانين عاما - مستقبلة لثقافة جديدة تولدت عن حضارة جديدة ~~وصحيح أنك ما لبثت إلا مدة لم تطل أكثر من ثلث القرن، حتى بدأت تعبين من ذلك ~~الجديد عبا: ترسلين البعثات إلى الغرب، وتستقدمين العلماء من الغرب، وتقرنين ~~ذلك بالترجمة عن الغرب جنبا إلى جنب مع ما تحبينه من تراثك الإسلامي والعربي، ~~وأخذت الثمرة من ذلك كله تتفتح زهورها، وتزداد نضجا عقدا من السنين بعد عقد، فكان ~~ما رأيناه من ثورات تلاحقت، كلها يطلب الحرية، ثم يطلب مزيدا منها، ثم يطلب مزيدا ~~من المزيد: ثورات أحمد عرابي، وسعد زغلول، وجمال عبد الناصر. # وكذلك كان ما رأيناه من طموح في ميادين التعليم، والأدب، والفن، والاقتصاد، ~~والصناعة، وغيرها، وإنه ليستحيل على المتتبع للحياة المصرية منذ أواخر القرن ~~الماضي، وإلى أن قامت ثورة 1952م وما بعد قيامها بنحو عشرين عاما ألا يشهد في معظم ~~الميادين خطوات ms023 تخطو بنا إلى أمام، ولا بد لنا عند كلمة «أمام» هذه من السؤال: ماذا ~~نعني عندما نزعم في مجال معين أننا نسير فيه إلى «الأمام»؟ ولست أجد إجابة مقنعة عن ~~هذا السؤال، إلا أن نقول إن الحركة إنما تكون متجهة إلى أمام إذا هي تحركت نحو ~~صيغة من الحياة اندمج فيها التراث مع الوافد الجديد من حضارة العصر وثقافته، ~~اندماجا يعطيه مذاقا فريدا نستطيع معه أن نقول هذه هي مصر المعاصرة. # كانت الحركة إذن تسير بنا إلى «الأمام» - بالمعنى الذي حددناه لهذه الكلمة - حتى ~~أوائل الخمسينيات وخلال الستينيات كذلك، مع شيء من النقص ساير تلك الحركة طوال ~~الطريق، وهو أننا فيما كنا نأخذه عن الغرب كنا نقطف الثمار جاهزة، دون أن نعنى ~~بأن نبث في عقولنا روح «المنهج» الذي أدى بأصحابه في الغرب إلى إنتاج ما أنتجوه، ~~فنتج عن ذلك أن لبثنا نأخذ دون أن نكتسب القدرة على العطاء لما هو مصري أصيل في ~~دنيا العلم وما ينتج عنها من صناعات ومهارات. # لكننا مع هذا النقص الذي تحفظنا فذكرناه كنا نسير إلى «الأمام» بصفة عامة، إلى ~~أن حلت بنا هزيمة 1967م، فأصبحنا حتى اليوم شيئا آخر، وهو موقف يتطلب منا في ~~تحليله ومعالجته كل ما في قلوبنا وصدورنا من نزاهة وإخلاص، وإنه لمن الطبيعي الذي ~~لا يثير سؤالا، أن يتصرف المهزوم بما يتناسب مع هزيمته، وذلك بأن ينكمش ويكمن، ~~لائذا بالعناصر القوية في مقومات شخصيته، فيجترها حتى تقوى رجلاه على حمله من ~~جديد، والأغلب في هذه الحالة أن يلتمس مصادر القوة في ماضيه، فمن أبطال الماضي يعيد ~~إلى نفسه الإحساس بالبطولة، ومن مجد الماضي يحفز ملكاته لإعادة ذلك المجد، ومن هنا ~~لم يكن أحد ليدهش في أثر الهزيمة أن يرى اتجاها قويا نحو الاحتماء في السلف، حتى ~~لا نظن في أنفسنا أننا ممن جاءوا تحت سقيفة التاريخ الحضاري بمحض مصادفة ~~عابرة. # فالموجة السلفية - إذن - كان لها ما يبررها في أثر هزيمة 1967م، لكن الذي يرفع ~~أمامنا علامات استفهام هو - أولا ms024 - لماذا لم يكن لانتصارنا في حرب 1973م ما يرد ~~عنا الشعور بالهزيمة وما قد ترتب عليه من آثار؛ إذ جاءنا ذلك النصر وذهب، لتعود ~~روح الهزيمة إلى نفوسنا حيث كانت. و- ثانيا - (وهو الأهم) لماذا نعيش الهزيمة ~~النفسية بالكلام والكتابة، ولا نعيشها في حياتنا العملية بنفس المقدار؟ بعبارة ~~أخرى: ما هي العلاقة بين الهزيمة وأثرها من جهة، ومن جهة أخرى هذه الازدواجية ~~الرهيبة التي تشق حياتنا شطرين: جعجعة متشنجة باللسان وبالقلم، تصرخ صراخ الهوس ~~منادية بالعودة إلى حياة السلف حرفا بحرف، كما وردت فيما تركه لنا ذلك السلف من ~~توجيهات في طريقة العيش، بل وفي طريقة التفكير ذاتها؟ إنه لمن حسن الحظ (في هذه ~~الحالة) أن نتكلم ونكتب في ناحية، وأن ننشط ونسلك من ناحية أخرى، فنحن - بحمد الله ~~- ماضون في البناء الحضاري بقدر مستطاعنا، نقيم المصانع على أحدث طراز، وندخل ~~الميكنة في الزراعة، ونعد للكهرباء مصادرها المختلفة من مساقط الماء إلى المحطات، ~~ونسلح قواتنا العسكرية بأكثر الأسلحة تقدما وهكذا وهكذا. ثم ترى أشد الدعاة إلى ~~العودة السلفية تحمسا يحيا هو نفسه من أول حياته اليومية إلى آخرها، مستعينا ~~ومستمتعا بما أنتجته حضارة الغرب، فها هو ذلك المسئول الكبير، الذي تقدم بمذكرة ~~رسمية إلى هيئة رسمية، يقول بين ما يقوله فيها إنه يطالب بالزيادة في تحفيظ شبابنا ~~القرآن الكريم؛ ليستطيعوا مقاومة الحضارة القائمة. مفارقة تستوقف النظر، فالقلم ~~الذي كتب به المسئول الكبير مذكرته أنتجته الحضارة القائمة، والمطبعة التي طبعت له ~~المذكرة صنعتها الحضارة القائمة، ومكبر الصوت الذي تحدث أمامه المسئول الكبير ليسمع ~~الحاضرون قوله هو كذلك من إنتاج الحضارة القائمة، والمصابيح الكهربائية التي تومض ~~بأضوائها في سقف القاعة لتمكنه من قراءة مذكرته، هي مما اخترعته الحضارة القائمة، ~~والسيارة التي انتقل بها سيادته من مكتبه إلى مكان الاجتماع أمدته بها الحضارة ~~القائمة، والله أعلم بمن نسج له قماش ثيابه التي يرتديها، فهي حتى لو كانت صناعة ~~مصرية، فهي إنما صنعت بآلات اشتريناها من أصحاب الحضارة القائمة. وإنه لفخر لنا أن ~~نتابع حضارة ms025 العصر في إنتاجها، فبأي معنى - إذن - وفي أي جانب من جوانب الحضارة ~~القائمة يريد المسئول الكبير لحافظ القرآن الكريم أن يقاوم تلك الحضارة؟ ولماذا ~~يقاومها؟ ألم يكن الأصوب أن نحمل حافظ القرآن على التزود بقوته ليتمكن من المشاركة ~~في البناء الحضاري، حتى لا نظل إلى الأبد عالة على أصحابها؟ # نعم، كان من الطبيعي بعد الهزيمة أن نكمن في ركن من أركان ماضينا المجيد حتى ~~نستعيد قوانا، ونسترجع الثقة في أنفسنا، لكنه أبعد ما يكون عن الطبيعي أن نستطيب ~~الإقامة في ذلك الركن، فنرقد بين جدرانه رقدة الموت. # أليس من الحكمة أن نستعرض في هدوء عاقل ما صنعته بلاد «الجنس الأصفر» اليابان ~~أولا، فالصين ثانيا، فكوريا ثالثا، وقد يكون هنالك غيرها من ذلك الجنس الأصفر ~~تقدم بمثل ما تقدمت به الثلاثة المذكورة، أقول: أليس من الحكمة أن ندرس في أناة ~~وموضوعية ونزاهة، ما صنعته تلك البلاد لتنهض ذلك النهوض القوي، مما لم نصنع نحن ~~مثله فلم نتقدم بمثل ما تقدموا؟ لتكن نتائج هذا ما تكون، لكني أرجح أن يكون من ~~أهم تلك النتائج أن أبناء الجنس الأصفر لم يقعوا في مثل الازدواجية المخيفة التي ~~وقعنا فيها نحن، فالكلام والكتابة في ناحية، والحياة العملية في ناحية أخرى. وقد ~~يسألني سائل قائلا: وماذا يضيرك فيما نقوله وما نكتبه، ما دامت حياتنا العملية ~~تسير في إنشاءاتها ومشروعاتها في الطريق الذي تريد لنا أن نسير فيه؟ # الإجابة عن هذا السؤال لها شقان: أولهما أن هؤلاء الذين يتكلمون ويكتبون في اتجاه ~~مضاد للتاريخ إنما هم في الحقيقة من صفوة من أنفقت مصر على تعليمهم ما أنفقت، فلو ~~أنهم تكلموا وكتبوا في الاتجاه الحضاري، لكنا بمثابة من استثمر المال الذي ~~أنفقناه في تعليمهم؛ لأنهم كانوا سيصبحون قوة دافعة إلى الأمام، بدل أن يكونوا كما ~~هم الآن قوة تسير إلى الوراء فتؤدي إلى «فرملة» السرعة التي كنا نتمنى أن نتقدم ~~بها، وأما الشق الثاني من الإجابة فهو أن هؤلاء الألوف ممن يعيشون على دعوتهم ~~الرجعية، كان يمكن أن ms026 يكونوا هم أنفسهم من البناة الذين يشيدون المنشآت الحضارية، ~~فهم على كلا الشقين قوة مهدرة على أقل تقدير، إن لم يكونوا إلى جانب ذلك قوة ~~معرقلة، ولك أن تضيف إلى شقي الإجابة المذكورين أن تلك الفئة الكبيرة التي تنفق ~~حياتها في كلام وكتابة لا يعينان أحدا على عمل إيجابي، نشيد به مسكنا، أو نخبز به ~~رغيفا من الخبز أو ننسج به ثوبا . أقول إن تلك الفئة بما تقوله وتكتبه قد تؤثر في ~~بعض شبابنا تأثيرا هداما كهؤلاء الشباب الذين يبلغ بهم التطرف حدودا نعرفها ~~جميعا، وننكرها جميعا، ونقيم لها في وسائل الإعلام ندوات بعد ندوات، لعلنا نفلح ~~في أن نمحو من أذهانهم ما كنا نحن أنفسنا الذين حفرناه في أذهانهم بما قلناه وما ~~كتبناه. # وماذا تقول في فئة من خيرة أعلامنا وهم يشغلون أنفسهم في وسائل الإعلام على ~~اختلافها، بمسائل كهذه: من الذي يشفي المريض أهو الله سبحانه وتعالى أم الطبيب ~~ودواؤه؟ من الذي انتصر في حرب 1973م، أهي قواتنا المسلحة وحدها، أم ساعدتهم على هذا ~~النصر كائنات من الغيب المجهول؟ ما الذي أدى بالطالب المتفوق أن يتفوق، أهو جهده ~~فقط أم كان هناك فوق جهده ما ليس يدريه؟ قل لي: بأي انطباع يخرج القارئ أو السامع ~~لهذه الأمثلة والمناقشات التي تدور حولها؟ أليس من المحتمل أن يؤثر ذلك فيمن هو ضيق ~~الأفق بطبعه، ضعيف الإرادة بطبعه، إلى أن يترك حياته كالسائمة السائبة في الفلاة لا ~~تعرف اتجاها لسيرها، ولا هدفا تسعى إلى بلوغه، وأحب هنا أن أكون واضحا، حتى لا ~~يسيء الفهم من يسيء عن عمد أو عن غفلة، فاعتراضي ليس منصبا على مشيئة الله ~~سبحانه وتعالى، ولا على العوامل التي تعمل على أن نوفق أو لا نوفق في حياتنا، ~~ولكن اعتراضي منصب على أن نجعل هذه الأمور موضوعا للسؤال والحيرة، فالمطلوب من ~~الإنسان أن يحيا بكل جهده وبكل قدراته. وفوق ذلك يكون من مشيئة الله سبحانه وتعالى ~~ما يشاؤه نتقبله مؤمنين. وإلا فليقل لي من يبلبلون أذهان شبابنا ms027 بأمثال هذه ~~المسائل: على أي صورة يتغير سلوك المريض، إذا أقمت أمامه السؤال الأول فيما ذكرناه؟ ~~أيذهب إلى الطبيب ويترشد بتوجيهه أم ينصرف عنه؟ فإذا كان الجواب هو أنه يجب أن يعرض ~~حالته على الطبيب؛ فماذا إذن يغير منه أن تثار أمامه مشكلة كالتي ذكرناه؟ وأمثال ~~ذلك كثير في وسائلنا الإعلامية، وعلى ألسنة أعلام من أعلامنا وبأقلامهم، فانظر إلى ~~هذا الجهد الذي يبذلونه وهم لا يريدون لأحد أن يغير من سلوكه شيئا على ضوء ما ~~يسمعه أو يقرؤه. # وهكذا انسابت خواطري، فعدت إلى قلمي الذي تركته غاضبا، حين قد ثقل بين أصابعي، ~~فأجريته ليخط على الورق هذا الذي أثاره عندي ما سمعته في المذياع الصغير عن كوريا ~~ونهضتها، مما لم أكن أعلم منه إلا أقل من القليل. # الفصل الرابع # | شرح وتشريح # عن حرية التفكير الجريحة أتحدث # إنني أوثر ألا أصل إلى بغيتي بأقصر الطرق؛ لأنني لو فعلت ذلك لأضعت على نفسي وعلى ~~القارئ معالم هامة أريد لها أن تكون موضع السمع والبصر؛ ولذلك سأصحب القارئ في خط ~~دائري يدور حول موضوع الحديث، قبل أن نمسه مسا مباشرا. وأما هذا الخط الدائري ~~الذي أعنيه فهو لمحات من المنهج العلمي؛ لأني أرى في تلك اللمحات معينا قويا ~~على مواجهة الموضوع الذي هو هدف الحديث. # أما اللمحة المنهجية الأولى فهي أن نتبين أوضح ما يكون التبين وأقواه، بأن أي ~~لفظ من ألفاظ اللغة التي تستخدمها فيما تقول وما تكتب، ليس هو «الشيء» الذي جاء ذلك ~~اللفظ ليعنيه، أي ليشير إليه، أو لينوب عنه؟ فلفظة «كرسي» ليست هي الكرسي الشيء ~~الذي تجلس عليه، وكلمة «لحم» ليس فيها شيء من البروتين الحيواني الذي يتغذى به ~~الجسم؟ وكلمة «أسد» لا تزأر ولا تفترس، إن أية كلمة منطوقة إنما هي موجات الهواء ~~تلفظها الشفتان عند مرسلها، وتتلقاها الأذن عند سامعها. # وأية كلمة مكتوبة إن هي إلا قطرة من مداد جفت على الورق، ذلك إذا كان كاتبها ~~قد استخدم لها قلم الحبر والورق. # لكن ألفاظ اللغة تلك ليست ms028 هي كل شيء، إنما هي «رموز» اصطلح عليها أصحابها، لتنوب ~~كل منها عن الشيء الذي أريد لها أن تنوب عنه، وذلك لاستحالة أن نقدم - بعضنا إلى ~~بعض - الأشياء نفسها عند التفاهم، فليس بوسعي أن أقدم لك فيلا كلما أردت أن أحدثك ~~بشيء عن الفيل، فتواضعنا أنت وأنا على أن تنوب هذه اللفظة عنه، ليتم بيننا الحديث ~~الذي أردناه. على أن من الألفاظ ما صنعناه لا ليدل على شيء بعينه، بل ليدل على ~~«علاقة» قائمة بين أشياء، مثل كلمة «بين» التي ذكرتها لتوي! فإذا قلت لسامعي: إن ~~مدينة المنيا تقع بين القاهرة وأسيوط؛ كان الموجود القائم على أرض الطبيعة ثلاث ~~مدن، هي المذكورة في الجملة، وأما «بين» فليست تشير إلى «شيء» بل تشير إلى علاقة ~~معينة تربط الأشياء على صورة محددة، وإذا أعدت النظر إلى الجملة المذكورة، وجدت ~~كلمات أخرى لا تسمي أشياء، بل تشير إلى علاقات تصل الأشياء بعضها ببعض، أو تصل ~~الأشياء بالمتكلم نفسه، وشرح ذلك يطول، ولكن يكفينا عن «حرية التفكير»، ولكي أقيم ~~الحديث عن أرض في صلابة الحديد، صممت على أن أشرك القارئ معي في «منهج» التناول ~~ومحور المنهج هنا هو أن تقف عند العبارة نفسها أولا، أعني العبارة التي جعلناها ~~موضوعا لحديثنا؛ إذ ما جدوى أن نتحدث قبل أن نتفق، بادئ ذي بدء، على حقيقة ما ~~أردنا أن ندير حوله الحديث، فالعبارة المشار إليها مؤلفة من لفظتين: «حرية» ~~و«تفكير»، على أن اللفظتين لم نرد لهما أن تكونا مستقلتين إحداهما عن الأخرى، بل ~~أضفنا إحداهما إلى الأخرى، والمضاف إليه هو «التفكير»، والمضاف هو الحرية، وإذن ~~فالتفكير وطبيعته وحقيقته هو الأساس، ثم بعد ذلك تجيء الصفة المعينة التي قصدنا ~~إليها وهي صفة أن يكون ذلك التفكير «حرا»، فماذا نعني بتلك الصفة حين تضاف إلى ~~التفكير، وذلك لأنها قد تصف أشياء أخرى كثيرة، ليست هي جزءا من موضوع حديثنا ~~هذا. # ونبدأ «بالتفكير» ماذا يعني؟ وأرجوك أن تستحضر في ذهنك ما قد أسلفناه، وهو أن ~~«اللفظة» ليست هي «الشيء» الذي ms029 جاءت اللفظة لتشير إليه، فنحن الآن نسأل عن ذلك ~~«الشيء» الذي تعنيه كلمة تفكير، وأول ما نجيب به هو أن الشيء المطلوب في هذه الحالة ~~المعينة هو «عملية» مؤداها شديد الشبه بالعملية التي يؤديها من أراد أن يقوم برحلة، ~~فرسم لرحلته المرتقبة خريطة تبين طريق السير ومراحله؛ فإذا كانت الخريطة قد رسمت ~~بدقة، جاءت الرحلة على أرض الواقع مطابقة لها مرحلة فمرحلة فهدفا منشودا، «وعملية ~~التفكير» هي من هذا القبيل نفسه، مع اختلاف الأهداف وتنويعها، ويكون التفكير سليما ~~ودقيقا؛ بقدر ما نجد أنفسنا أثناء التنفيذ موفقين خطوة بعد خطوة حتى نبلغ ختام ~~الرحلة، فإذا هو الهدف الذي ابتغيناه لأنفسنا منذ البداية، وعلى سبيل التوضيح أحكي ~~لك ما يأتي: لقد أردت لرحلتي صيف هذا العام (1984م) أن أقضي أسبوعا في مكان ما، ~~وكعادتي دائما، أردت أن أعد كل ما يمكنني إعداده من تفصيلات التنفيذ قبل أن أبدأ ~~السير، وكان بين تلك التفصيلات أن لجأت لإحدى الشركات لتحجز لي غرفة في المكان ~~المقصود، من يوم كذا إلى يوم كذا، وتم كل شيء في إعداد «الخريطة» أو قل إنني أتممت ~~عملية «التفكير»، فلما وصلت إلى المكان المقصود، فوجئت بأن الغرفة قد حجزت لي في ~~أيام أخرى غير الأيام التي أردتها، وكان ما كان من عناء، فها هنا ترى أن «التفكير» ~~لا بد أن يكون قد حدث فيه «خطأ» ما، هو الذي ظهر على الصورة التي ظهر بها عند ~~التطبيق. # وإننا لنسأل: إلى أي شيء تشير كلمة «تفكير» (ولا تنس أن الكلمة ليست هي الشيء ~~الذي جاءت لتعنيه) وها هو ذا جوابنا نعيده: التفكير عملية ذهنية نرسم بها خريطة ~~العمل المؤدي إلى تحقيق هدف ما، وبعد ذلك لتتنوع الأهداف ما شاء لها أصحابها أن ~~تتنوع، لكنها جميعا تلتقي عند هذا الأصل المشترك، فصاحب العمارة التي تنهار بعد ~~بنائها، لم يكن يريد لها أن تنهار، لكنها انهارت لخطأ وقع في عملية التفكير الأولى، ~~أي إنه حسب فأخطأ في الحساب، وخريج الجامعة الذي نراه غير مستوف ms030 للصفات التي كنا ~~نود أن نجده محققا لها، لم يكن يريد، ولا كنا نحن نريد له أن يتخرج ضعيفا في ~~مهاراته ومدركاته، لكنه خطأ وقعنا فيه عند رسم الخريطة الفكرية للتعليم الجامعي، ~~وهكذا، كما أن الجوانب الكثيرة التي جاءت ناجحة ومحققة لأهدافها إنما استمدت نجاحها ~~من دقة «التفكير» الذي سبق تنفيذه، ونحن إذ نقول عن أنفسنا - بصفة عامة - إنه ~~ينقصنا شيء كثير من دقة التفكير العلمي؛ فإنما نعني هذا الذي ذكرناه، وهو أننا ~~كثيرا ما «نفكر» فيما نريد إنجازه، فلا نحسن رسم الخرائط الذهنية لما نريده، ~~فتجيء منجزاتنا وفيها من الضعف ما ينتهي بها إلى فشل جزئي، أو أحيانا فشل ~~كامل. # هذا - إذن - هو التفكير، فماذا تكون «حريته» عندما يكون حرا؟ وللإجابة عن ذلك ~~نعود إلى تشبيهنا عملية التفكير في موضوع ما برسم خريطة لرحلة نريد القيام بها، ~~فالتفكير الحر هو الذي لا يتدخل أحد ذو سلطان في طريقة الراسم للخريطة، فهو راسمها، ~~وهو بعد ذلك مسئول عن تحقيقها لأغراضها، فافرض - مثلا - أنه قد طلب إلى مسئول أن ~~يعد خطة - والخطة والخريطة مترادفان - للتعليم الجامعي في مصر، فجلس هذا المسئول ~~«يفكر» والتفكير هو عملية رسم الخطة، فإذا به قد جعل أولى خطوات رحلته، تحديد ~~الأعداد التي يسمح لها بالتعليم الجامعي، فهبط عليه عندئذ صوت من ذي سلطان أعلى، ~~ليقول له: لا، لا بد لك أن ترسم خطتك على أساس أن لا تحديد؛ لأننا نريد لأبناء ~~الشعب كله أن يتخرجوا في جامعات إذا استطعنا، كان هذا التدخل عاملا على تقييد حرية ~~التفكير؛ لأن الخريطة عندئذ لن تستوفي شروطها التي من أجلها سميت باسمها. # ولنوضح فنقول: إن في فلسفة الرياضة ضربا من العلاقة، يطلقون عليه اسم «علاقة ~~واحد بواحد»، وذلك عندما تقول عن شيئين إن بينهما تشابها كاملا، فالشيئان ~~يتشابهان إذا كان كل عنصر من مقومات الشيء الأول يقابله عنصر مثيل في الشيء الثاني، ~~فمثلا إذا قلنا عن صورة لفرد معين من الناس إنها صورة دقيقة له، كان معنى ذلك أن ~~كل ms031 مقوم من مقومات الفرد الذي صورناه يقابله مقوم مثيل في الصورة، وهكذا تكون ~~الفكرة بالنسبة لمشروعها، ينبغي أن يكون بين الجانبين علاقة واحد بواحد، لكن افرض ~~أن الفرد الذي أريد تصويره اشترط على المصور ألا يخرجه أصلع الرأس، كما هو في ~~حقيقته، فيكسو رأسه بفروة من الشعر، جاءت النتيجة - بالطبع - محققة لرغبات صاحب ~~السلطة، وغير محققة للحقيقة في موضوعيتها، وقد حدث لي ذات يوم من عام بعيد، أن سمعت ~~سيدة تطلب من المصور الفوتغرافي أن يدخل على صورتها «رتوش»، يحيلها بيضاء ممتلئة ~~الجسم، وشيء كهذا تماما هو الذي يحدث، عندما يشترط صاحب سلطان - أيا كان نوع ~~سلطته - على المفكر أن تجيء الفكرة مطابقة لما يريده هو لها بغض النظر عن الحقيقة ~~الموضوعية كما يراها المفكر حين يأخذ في رسم خريطته الذهنية التي توصل الناس إلى ~~هدف مقصود. # إنني لأكاشف القارئ بحقيقة تصادفني مرة بعد مرة، وهي أن أجد الكاتب الذي أقرأ له ~~ممن كنت أقرأ لهم من كتاب الغرب قد عرض مشكلة اجتماعية أو تربوية أو كائنة ما ~~كانت مما أراه شبيها بعض الشبه بمشكلاتنا نحن في بلدنا، لكنني أجده قد رسم لها ~~حلولا يستحيل على كاتب مصري أن يجرؤ على مجرد ذكرها على قومه، حتى ولو كانت حلولا ~~- في رأيه - تصلح للتهذيب والتعديل، إذا لم يكن ممكنا أخذها بحذافيرها. لماذا؟ لأن ~~في بلدنا - إذا لم يكن القارئ يعلم فليعلم - فئات أعطت نفسها حق «الفيتو»، فإذا ~~قالت: لا، وجب على الشعب كله أن يردد وراءها: لا، وبهذا تنتفي حرية التفكير. # وقد لا يصدقني القارئ إذا أنبأته بأن بيننا من يصادف فكرة تعجبه عند مفكر غربي، ~~لكنه في الوقت نفسه يراها تتضمن بعض الجوانب التي قد يمارس عليها أصحاب الحق في ~~«الفيتو» حقهم في الرفض، فماذا يصنع؟ إنه بدل أن يترك الفكرة برمتها؛ نراه وقد لجأ ~~إلى حذف أجزائها غير المرغوب فيها، مع أن مثل هذا الحذف - أحيانا - يكون من ~~الخطورة بحيث تنقل الفكرة من صورتها الأصلية إلى نقيضها، ولا علينا ms032 إذا وقع ~~افتراء على المؤلف الأصلي، بل لا علينا إذا مسخت الحقيقة العلمية مسخا، ومن ~~الأمثلة العامة التي ترد الآن على خاطري «الميثاق» الذي أصدرناه سنة 1962م، وليس ~~الذي يعنيني منه هنا جانبه السياسي، بل الذي يعنيني الآن هو الجانب الذي يمس منطق ~~الفكر، فقد بني الميثاق على مذهب الاشتراكية العلمية كما فهمت تلك الفكرة عند ~~أصحابها من زاوية الفلسفة المادية الجدلية، والأساس في تلك الفلسفة هو ألا شيء ~~وراء الطبيعة المادية، وبالتالي فإذا أردنا أن نرد النظم الاقتصادية والاجتماعية ~~بصفة عامة إلى أصولها الأولى ألفينا أنفسنا وقد انتهى بنا التحليل آخر الأمر إلى ~~البيئة المادية، وما تحتوي عليه من عوامل وظروف، ومن تلك العوامل أدوات الإنتاج ~~ونوعها، إلى آخر ما يقال في هذا الباب، لكن واضع الميثاق - أو واضعيه - كما لو ~~كانوا قد تذكروا فجأة أننا شعب مؤمن بالله، ومن مقتضى الإيمان بالله أن يكون إطار ~~الرؤية العامة قائما على أساس أسبقية الفكرة على المادة؛ لأن هذه مربوبة لتلك؛ ~~فأضاف واضع الميثاق فصلا أخيرا يعلن فيه أننا مؤمنون بالله آخذون بما يقضي به دين ~~الله، فها هنا أحب لك أن تلحظ التحليل في منطق التفكير، فأنصار المادية الجدلية وما ~~يلزم عنها من اشتراكية علمية متسقون مع أنفسهم حين ينتهون آخر الأمر إلى وقفة ~~إلحادية، لا هي تؤمن بالله ولا هي تقيم سلوكها على دين الله؛ لأن هذه النتيجة مشتقة ~~من المقدمة التي تفترض أن الطبيعة المادية تفسر كل ما يحدث بين جنباتها، بما في ذلك ~~الإنسان وحياته وتاريخه. فإذا جئنا نحن لنأخذ المقدمة ذاتها ثم لنتلافى النقطة ~~الخاصة بالإيمان الديني، فأضفناها إضافة مصطنعة، وقعنا في تناقض، ولا مخرج لنا من ~~هذا المأزق إلا بأحد أمرين: فإما أن نحرص على المقدمة، وعندئذ نلتزم بنتائجها، ~~وإما أن نحرص على تلك النتائج فلا يكون لنا بد من رفض المقدمة التي كانت قد أدت ~~بأصحابها إلى ما ينقض النتائج الإيمانية التي نحن حريصون على بقائها، ولست أظن أن ~~الكثرة الغالبة منا تتردد لحظة ms033 في الاختيار بين هذين البديلين؛ إذن تختار البديل ~~الثاني. ومرة أخرى أقول: إنني لم أذكر هذا المثل لدلالته السياسية، بل ذكرته ~~لأبين به كيف نخدع أنفسنا بمسخ ما ننقله عن غيرنا من فكر مسخا يجعله في ظاهره ~~مسايرا لوجهة نظرنا، ولم يكن مثل هذا التلفيق ليضرنا في شيء، لولا أنه في أغلب ~~الحالات يتركنا أمام فكر مضطرب لا يستند إلى جذور ثابتة. # إن موضوع حديثنا هذا هو حرية التفكير، وقد أسلفت القول بأن تلك الحرية تقتضي من ~~رجل الفكر أن يرسم بفكره خريطة للسير من أجل الوصول إلى هدف منشود، وأنه إذا تدخل ~~ذو سلطان بإقحامه على الخريطة شروطا من إضافة أو حذف، كان بمثابة من يحول بين ~~السائر وبلوغه الغاية التي يستهدفها، وأود الآن أن أعرض جانبا من جوانب المنهج ~~العلمي في التفكير؛ لأنه جانب بالغ الأهمية فيما نحن بصدد الحديث فيه، وذلك هو أن ~~كل تفكير منهجي مهما يكن موضوعه لا بد أن يبدأ من أساس يوضع وضعا، إما على سبيل ~~الفرض، وإما لأنه نص مأخوذ مأخذ التسليم، فحركة الفكر لا تبدأ من فراغ، خذ المجال ~~العلمي الصرف تجد هناك مجموعتين من العلوم، لكل مجموعة منها منهاجها في السير: ~~الأولى هي مجموعة العلوم الرياضية، ومنهاجها هو أن تجعل أساسها الذي تبدأ منه سيرها ~~الاستدلالي عددا مما يسمونه بالمسلمات، لكن تلك المسلمات قابلة للتبديل على أيدي ~~العلماء المختلفين، ولا ضير في ذلك طالما التزم كل منهم مسلماته التي صدر بها ~~سيره الاستدلالي، وأما المجموعة الثانية فهي العلوم الطبيعية، وهنا يكون الأساس ~~الذي يبدأ منه الباحث سيره الاستدلالي ما يسمونه «فرضا» يبني على ما كان قد جمع ~~من شواهد ومعطيات، وهنا أيضا يجب على الباحث العلمي أن يبدل فرضه بفرض آخر إذا وجد ~~أن فرضه الأول قد أوصله إلى نتائج لا تتفق مع واقع الأشياء. # وأما في مجالات الفكر الأخرى، وفي مقدمتها الفكر الديني؛ فالأساس الذي يوضع أمام ~~الباحث العلمي ليبدأ منه سيره الاستدلالي هو النص أو النصوص التي آمن ms034 بصدقها ~~إيمانا دينيا، والفرق بين هذه الحالة والحالتين السابقتين وهما: العلوم الرياضية ~~والعلوم الطبيعية، هو أن الأساس المبدوء منه غير قابل للتبديل من باحث إلى ~~باحث. # ولقد ذكرت هذا كله لأوضح على ضوئه كيف تكون حرية التفكير في كل حالة من هذه ~~الحالات، أما في الحالتين الأوليين، فالباحث العلمي حر في فروضه التي يرى فيها ~~قابلية الوصول إلى نتائج صالحة للتطبيق، وأما في الحالة الثالثة؛ فالأغلب فيها أن ~~يكون النص أو النصوص التي تحتم على المؤمنين بها قبولها وتصديقها، أقول إن الأغلب ~~في هذه الحالات أن تكون النصوص قابلة لتعدد التأويلات في فهمها، ولهذا قد تتعدد ~~المذاهب فيما تستخرجه من أحكام ونتائج، وفي هذه الحالة لا ينال من قدرة الفقيه ~~وسمعته أن يختلف مذهبه عن فقيه آخر، ومن حق المتلقي العادي أن يقبل أحدهما دون ~~الآخر ولا يكون في ذلك خروج على مصادر إيمانه. # فإذا أردنا أن نعمم القول تعميما يشمل كل مواقف التفكير لترى متى يكون التفكير ~~حرا ومتى لا يكون، قلنا إن هنالك طرفين لكل موقف: أما أحدهما فهو الأمر الواقع، ~~وأما الآخر فهو تفسير ذلك الأمر الواقع، واستدلال النتائج التي تترتب على وقوعه، ~~ففي الطرف الأول لا مجال لحرية المفكر، فالواقع واقع، وفي المجال الثاني يكون ~~للمفكر كل الحرية في استخدام قدراته ليفسر ذلك الأمر الواقع بما يراه تفسيرا ~~مقبولا عند العقل «والتفسير معناه رد الشيء إلى ما يمكن أن يكون مصدرا لحدوثه»، ~~كما يكون المفكر حرا كذلك في استدلال النتائج التي يرى أنها يمكن صدورها عن ذلك ~~الواقع، خذ مثلا لذلك: هذه هي أرضنا التي نعيش على سطحها، تدور حول نفسها دورة ~~الليل والنهار، كما تدور كذلك حول الشمس دورة الفصول الأربعة، فليس لأحد حيلة سوى ~~أن يقبل هذا الأمر الواقع، لكن نبدأ حرية العقل في فاعليته حين يسأل: كيف حدث هذا؟ ~~فها هنا لا قيد على العقل في أن يفسر وأن يستدل طالما هو يبين في دقة كيف سارت ~~خطواته المنطقية وهو يرد ذلك الأمر ms035 الواقع إلى مصدره، ثم وهو يستدل ما عساه يحدث ~~بعد ذلك. وخذ مثلا آخر من حياتنا العملية: فهنالك أمر واقع خاص بشبابنا في هذه ~~المرحلة الزمنية الراهنة يمكن تحليلها تحليلا علميا دقيقا من حيث ميوله ونزعاته ~~ومداركه، وما إلى ذلك من جوانب حياته، وليس لأحد منا حيلة سوى أن يقبل بأن تلك ~~الصورة التي يقدمها لنا التحليل العلمي هي أمر واقع، ويبدأ نشاط العقل في عملية ~~التفكير الحرة حين يأخذ في البحث عن الأصل الذي انبثقت منه حالة شبابنا الواقع، ~~وحين يستبق الزمن لينبئ بما عسى أن يترتب على هذه الحالة من نتائج، لو أنها تركت ~~هكذا بغير تعديل، فإذا تدخلت سلطة أيا كان نوعها وحالت بين العقل وبين أن يفسر أو ~~أن يستدل كان ذلك قتلا لحرية التفكير. # وحرية التفكير إنما هي نوع واحد من صور متعددة تتبدى فيها «الحرية»، فهنالك العبد ~~يعتقه مولاه فيصير حرا، وهنالك السجين يفك القيد عن يديه أو قدميه أو يفتح له ~~باب سجنه ليخرج طليقا، وهنالك الفرد أو الشعب الذي تستبد به سلطة ما لترغمه على ~~سلوك معين أو لتحرمه من سلوك معين، وقد يثور ذلك الفرد أو الشعب على من استبد به ~~ليسلك في حياته كما يريد لنفسه أو أن يحكم نفسه بنفسه على الصورة التي اختارها، ~~وهنالك وهنالك، لكن صورة الحرية مهما اختلفت وتنوعت فأظنها تلتقي عند أصل واحد وهو ~~أن يكون هناك قيد ما أضيف بغير ضرورة ملزمة إلى القيود الطبيعية التي لا مفر منها، ~~والحرية في كل صورة من صورها هي كسر ذلك القيد، ولعل أسمى ما يسمو إليه الإنسان في ~~مدارج الحرية هو أن يكشف بالعلم سر الطبيعة في هذا الجانب منها أو ذاك، فيصبح بهذا ~~الكشف سيدها بعد أن كان سجينها؛ لأنه كلما كشف سرا من أسرارها كان له بذلك القدرة ~~على تسخيرها في المجال الذي انكشف له سره. # لكننا في هذا الحديث قد قصرنا أنفسنا على نوع واحد من الحرية، وهو حين تكون تلك ~~الحرية مضافة ms036 إلى عقل يفكر، ولقد اخترنا حرية التفكير موضوعا للحديث بعد أن ~~رأيناها قد أوشكت أن تكون شهيدة طغيان غاشم. # الفصل الخامس # | رهبة المجهول # عن الحرية المغامرة أتحدث # من يقرأ لي فيراني متلفعا بمنطق العقل رائحا وغاديا، قد لا يعلم أن لي خيالا ~~يشتعل لأتفه المؤثرات، اشتعالا يكتسح أمامه كل ما يعترض طريقه من قوى النفس ~~الأخرى، ولكم تأملت طبيعتي تلك، إذا ما انزاح من رأسي ما اشتعل فيه من سورة خيال ~~تشطح بي إلى دنيا المستحيلات والعجائب، فأحزنني عندئذ أن أجد تلك القوة العارمة في ~~فطرتي، مضيعة مع الهباء؛ لأنه وإن يكن خيالا ملتهبا، إلا أن لهبه يحرق ولا يضيء، ~~ويهدم أكثر مما يبني، ولو كان خيالا بناء مع قوته تلك، لأنتج لي أعمالا فنية ~~تستعصي على الفناء السريع، ولكنه لم يفعل، واكتفى معي بتلك الشطحات المجنونة إلى ~~عوالم أغرب من عالم علاء الدين. # ولم يتغير الموقف في ذلك كثيرا بين طفولتي وأعوام نضجي، اللهم إلا أن يكون الفرق ~~بين العهدين هو أن احتكامي إلى العقل ومنطقه أخذ مع الأيام يزداد، وربما كان ذلك ~~لرغبة أكيدة في عمق نفسي بأن يتولى العقل عني كبح الخيال إذا جمح، ولو كان خيالا ~~بناء - كما قلت - لأرخيت له العنان ليفعل فعله، لكنه جموح، وكثيرا ما شعرت ~~بشيء من النجاح فيما أردته؛ إذ كنت ألحظ أن ذلك الخيال الملجم المكبوت، يتحول معي ~~إلى أحلام هي أروع وأنصع ما تكون الأحلام عند حالم، وعندئذ ينفض الإشكال، فتوزع ~~نفسي قوتيها بين صحو ونوم، فللصحو نشاط العقل بمنطقه، وللنوم أحلام يشطح بها الخيال ~~كما يشاء. # وكان من لحظات الطفولة لحظة، حكيت فيها حكاية على مسمع مني، فحركت في جوفي ذلك ~~الخيال بأقوى قوته، حتى لقد بقيت معي شعلته حتى هذه الساعة من حياتي، ولو أن شعلته ~~تتقد حينا وتخبو حينا. وكانت تلك الحكاية تحكي عن قصر فيه أربعون غرفة، قيل ~~لساكنيه أن يرتعوا في تسع وثلاثين منها، أما الغرفة الأربعون فهي مغلقة، ويجب أن ~~تظل مغلقة حتى ms037 لا يكشف أحد عن شيء من سرها المكتوم. وانتهى الحاكي - أو الحاكية لا ~~أذكر - وبدأ الخيال يؤرقني في نهار وفي ليل: ماذا يا ترى في تلك الغرفة ~~المحرمة؟! # ومرت بي الأعوام، وتقدمت بي السن، والسؤال ما زال قائما، لولا أن نطاقه قد اتسع، ~~ولم يعد يسأل عن غرفة واحدة من أربعين غرفة، بل ازدادت الغرف المغلقة على أسرارها ~~ازديادا أشرك العقل في أمره مع الخيال، فكل ذرة في هذا الكون الفسيح العظيم منطوية ~~على سر، يكشف لنا جانبا من حقيقتها، وتخفي جانبا أو جوانب، وكأنها الحسناء ترخي ~~قناعها على شيء وتضمه عن شيء، والناس حيال حقائق الكون المكشوفة المحجوبة أحد ~~رجلين: فرجل يؤثر أن يزيد من ألغاز ما انكشف ليصبح كل شيء فوق قدرات البشر، ورجل ~~آخر يصب الضوء على ما احتجب، حتى ينكشف مع ما انكشف، فيزداد الإنسان علما بدنياه، ~~فيزداد نتيجة لذلك قدرة على أن يمسك بالعنان، وأراني من الصنف الثاني، وأرى كثيرين ~~حولي من الصنف الأول، وحول هذا المحور الانقسامي تدور حياتنا الفكرية كلها. # الإنسان بطبعه يرهب المجهول رهبته من الظلام، ويطمئن لما هو معلوم له اطمئنانه ~~للضوء، ففي الظلام تنشط العفاريت وتتحرك الأشباح، وتستيقظ كثرة كثيرة من الحيوان ~~المخيفة ومن الحشرات القارضة واللاسعة والسامة، وكذلك في ظلام الليل يسطو اللصوص ~~على فرائسهم وتحاك المؤامرات وتدبر الوقيعة، مهما قيل بعد ذلك عن الليل من حلو ~~السمر فيه ولقاء المحبين، وحقيق بالمؤمن أن يعوذ برب الفلق من شر غاسق إذا وقب، ففي ~~ستر الغسق ينزوي الشر من مكامنه، وتنفث النفاثات بسحرهن في العقد ليؤذين من أردن ~~بهم الأذى، ويدبر الحاسد شراك حسده ليهدم من يدبر له أن ينهدم، ولما كان الإنسان ~~بطبعه يرهب المجهول رهبته من الظلام، حق للمؤمن أن يعوذ برب الفلق من خطورة المجهول ~~وشره، ولكنني أرى - وا عجباه - أصحاب الفكر منا ينقسمون رأيين: فإذا كانت دنيانا ~~فيها المعلوم لنا وفيها المجهول، والمعلوم ضوء والمجهول ظلام، والأول مؤنس والثاني ~~موحش، فمنا من يتجه برأيه إلى محاولة ms038 أن يصبح الكل معلوما - ما وسع الإنسان أن ~~يعلم - ليصبح الكل نورا تطمئن له النفوس، ومنا كذلك من يتجه برأيه في الاتجاه ~~المضاد، فيحاول أن يبين للناس أن ما حسبوه معلوما إنما هو مغلق مجهول، فالكل علينا ~~ظلام في ظلام، وبين من يسعى إلى إضاءة المظلم، ومن يحاول إظلام المضيء، تقع حياتنا ~~الفكرية جدالا لا أظنه ينفع أحدا أو يشفع لأحد. # علم الإنسان بشيء معناه حريته إزاء ذلك الشيء، يصوغه كما شاء ويحركه كما شاء، ~~ومزيد من العلم به هو في الوقت نفسه مزيد من حرية الإنسان، إنه إذا بقي الإنسان ~~منحصرا في ذاته هو، لما عرف الكثير عن تلك الذات نفسها، ولما استطاع عندئذ أن ~~يتحرك إلا بمقدار ما تسعفه رجلاه على التحرك، وكان تطوره في هذا الصدد يقف عند ~~حدود الدواب التي يجد في مقدوره أن يسخرها، لكنه إذ عرف سر البخار وقدرته، كان له ~~القطار والباخرة والمصنع الذي تدور عجلاته بغير سواعد البشر، وإذ عرف الكهرباء ~~ازداد تحرره من قيد المكان، وتحولت ظلمة الليل إلى ضوء النهار، إذا أراد لها ~~الإنسان أن تتحول، ثم عرف الذرة وقوتها الحبيسة، فعرف كيف يطلق تلك القوة من سجنها، ~~فكان له ما كان من معجزات تتكشف له كل صباح. إن التحرر من قيود المكان وقيود ~~الزمان، هو من أبرز ما يميز الإنسان من سائر الكائنات الحية، فالنبات سجين موقعه من ~~الأرض، لا يتحول عنه إلى موقع آخر، فلئن كان يعلو بجذعه وفروعه في حركة رأسية، فهو ~~لا يستطيع الحركة الأفقية التي فيها أمام وفيها وراء، وفيها يمين ويسار، فيأتي بعد ~~النبات حيوان ليقهر قيد المكان، محدودا في ذلك بحركة جسمه، لكنه يظل مقيدا بلحظته ~~الزمنية، فهو لا يعرف من زمانه إلا «الآن»، ليس له أمس ولا غد، ليس له تاريخ يعيه ~~ويستلهمه، وليس له مستقبل يتسلفه ويدبر له، وأما الإنسان ففي جوهره أن يحطم قيود ~~المكان وقيود الزمان معا، دون أن تحده في ذلك حدود، فها هو ذا قد أخذ يزداد ms039 تحررا ~~في خفة حركته وسرعتها، حتى تغلب على قوة الأرض في جذبها لجسده؛ إذ جاوز حدود الأرض ~~وغلافها ومجالها، وأما قيود الزمان فقد أعانته فطرته على تحطيمها منذ خلقه الله ~~إنسانا، إن اللحظة الراهنة لا تعتقله بحدودها، فله من الخيال ما يطير به إلى ~~اللانهاية فيما هو آت أو ما يقدر هو بحسابه أنه آت - ولا يزيل عنه قوة الخيال أن ~~يخطئ في الحساب - كما أن له من قوة الذاكرة ما يسترجع به الماضي وكأنه يحيا في ~~رحابه مع أبناء ذلك الماضي. # تلك الحرية كلها مكسوبة للإنسان، مرتفعة به عن سائر الأحياء إلى فلك أرفع وأسمى، ~~وهي حرية مرهونة بفطرته البشرية أولا وبما هو في مقدور تلك الفطرة من «علم» بطبائع ~~الأشياء، ولقد ألفنا جميعا ألا نفهم من حرية الإنسان إلا الجانب السلبي وحده، دون ~~جانبها الإيجابي الذي بفضله تبنى الحضارات وتقام الثقافات، وجانبها السلبي هو ~~المرحلة الأولى التي تفك فيها القيود، ويصبح الإنسان بعد ذلك «حرا» في أن ينطلق ~~إلى حيث شاء، وها هنا يأتي الجانب الإيجابي من الحرية، فإلى أين ينطلق، وكيف ينطلق، ~~وعند هذه النقطة تأتي أهمية المعرفة بطبائع الأشياء، وعندما أمرنا في كتاب الله ~~أن نضرب في مناكب الأرض، وأن نتفكر في خلق السموات والأرض، كان ذلك التوجيه ~~الإلهي بمثابة إرشادنا إلى الشرط الأساسي الذي بغيره لا تتحقق للإنسان حريته ~~بمعناها الإيجابي البناء. وتلك الحرية - بمفهومها السلبي والإيجابي - هي بدورها ~~المقوم الأساسي لجوهر الإنسان وكرامته، وهل تكون مسئولية خلقية بغيرها، أو يكون ~~للإنسان بدونها حضارة تقام بعلومها وفنونها ونظمها وسائر عناصرها؟ # مغامرة الإنسان في مواجهته للمجهول، وهتك أستاره وكشف أسراره، ثم تسخيره وتسييره ~~إلى حيث أراد له الإنسان أن يسير، إنما هي صميم الصميم من حرية الإنسان، وقد يغنى ~~فيه أفراد من الناس عن أفراد؛ لأن الناس متفاوتون في القدرات، وتلك المغامرة في ~~مواجهة المجهول قدرة قد توهب لإنسان ولا توهب لآخر، لكنها مع ذلك قدرة يجب أن ~~نجعلها في طليعة القدرات التي نربي أبناءنا على ms040 اكتسابها، فالموهبة دائما تكون هي ~~الأساس، ولا بد لها من شحذ وتدريب وتنمية حتى تثمر، وأحسب أن ليس في البشر جميعا ~~إنسان خلت فطرته من هذه الموهبة، أو تلك، لكنه الخوف من الحرية الذي يصاب به من ~~يصاب فيشل عن المغامرة ملقيا بالعبء على سواه، وهذا السوى قد يحيل المهمة بدوره ~~على سوى آخر، وهكذا قد تتسع الدائرة حتى تصبح شاملة للأمة كلها أو معظمها، وأعتقد ~~أن هذه الحالة المتواكلة هي جزء مما أصابنا منذ القرن السادس عشر، وحتى تباشير ~~النهضة الجديدة في أوائل القرن التاسع عشر، حيث أخذت الصحوة تعلو بنا لتردنا إلى ما ~~كنا عليه في تاريخنا كله، من إبداع حضاري لم يفتر قط بمثل ما أخذه الفتور - بصفة ~~عامة - في المرحلة الأخيرة، فها هنا غمرتنا حضارة الغرب، فلم نكد نأخذ منها بنصيب ~~حتى أوهمنا من أوهمنا بأنها ليست منا ولا نحن منها، فسرى في أوصالنا «خوف» من ~~المغامرة، خوف من الحرية، خوف من الإبداع الذي نشارك به سائر الدنيا التي ~~تقدمت. # وقد تعجب من كلمة «خوف» في هذا السياق، الذي يسوقها منسوبة إلى «الحرية» كيف هذا؟ ~~من ذا الذي يخيفه أن يكون حرا؟ ألسنا نثير الثورة تلو الثورة لنظفر بالحرية في ~~جوانبها المتعددة؟ وهذا كله صحيح، لكننا لم نكد نظفر بجانب منها، حتى رأينا كثرتنا ~~الغالبة قد استثقلت عبئها، فأحالت ذلك العبء إلى أفراد منا قليلين، ليكونوا هم ~~الأحرار أصالة عن أنفسهم، ونيابة عن بقية الشعب، وأقول ذلك راجيا أن يفهم ~~بالمعنى الحضاري العام، وألا يقصر على جانب السياسة وحدها؛ لأن في الحضارة عناصر ~~كثيرة أخرى غير السياسة، ففيها علوم تقتضي منهجا خاصا في النظر إلى الأشياء، ~~فإذا كانت العلوم قد حصلها نفر وتأثر بمنهاجها، فهو نفر، أقل من القليل، ولن يكون ~~لنا نهضة حقيقية إلا إذا تسربت الرؤية العلمية الجديدة قطرة قطرة، حتى تعم الشعب ~~كله بدرجات، وتصبح طابعا يميزه عن نفسه وهو في مراحل تاريخه الماضي. # وفي الحضارة فنون وآداب وفكر، ولكل ذلك في حضارة ms041 عصرنا مذاق خاص يميزه عن أشباهها ~~في المراحل الحضارية السابقة، وفي هذا المجال - كما في مجال العلوم ومنهاجها - اقتصر الأمر على فئة قليلة، قليلة جدا، هي التي أتاحت لها الظروف أن تتذوق روح ~~العصر في تلك الجوانب المذكورة، ومرة أخرى أقول: إنه لن يكون لنا نهضة حقيقية إلا ~~إذا تقطر الذوق الجديد قطرة قطرة حتى يعم الشعب كله بدرجات، وإلا لظل هذا الشعب ~~غريبا في دنياه، غربة أهل الكهف حين استيقظوا وساروا في شوارع المدينة، فإذا كل ~~شيء حولهم ينكرهم، وإذا هم ينكرون كل شيء، على أني أحب أن أوضح هنا بأن المقصود ~~بهذا ليس هو أن نحاكي سوانا محاكاة تستغرق ذواتنا، بل المقصود هو أن ندخل مع حضارة ~~العصر وثقافته دخول من يقبل ويرفض ويعدل، أي دخول من يحاور ويجادل ويبدع، لكن هذا ~~كله يتطلب أولا إلماما بعصرنا وما يدور فيه لا إلمام من يسمع الأخبار وكأنها ~~ليست من شأنه هو، بل إلمام من يتبنى القضية لتكون جزءا من حياته، مؤيدا أو ~~مهاجما، وقد فعل شيئا كهذا جمال الدين الأفغاني في «الرد على الدهريين»، وسواء ~~أصاب أو لم يصب فيما أورده من أفكار في ذلك الكتاب، إلا أنه لم يكن ليكتب سطرا منه ~~إذا لم يكن قد ألم بقدر مستطاعه بتيارات الفكر في أوروبا في عصره، وفي ألمانيا ~~بصفة خاصة، وكذلك فعل شيئا كهذا الإمام الشيخ محمد عبده، حين كتب رده على هانوتو، ~~وحين زار فيلسوف بريطانيا إذ ذاك «هربرت سبنسر» أثناء زيارة الإمام لتلك البلاد؛ ~~لأنها لم تكن زيارة تفريج، بل كانت زيارة تتيح الفرصة لحوار يدور بين ثقافتين، وفعل ~~شيئا كهذا أيضا كثيرون جدا من أعلامنا، فأين هؤلاء جميعا ممن ينادون اليوم ~~بالفزع مما أسموه بالغزو الثقافي؟ وأين هؤلاء جميعا من ذلك المسئول الكبير الذي ~~سمعته يقول: إن في الدنيا الآن حضارة جديدة، وعلينا أن نحمل شبابنا على حفظ القرآن ~~الكريم ليقاوموا به تلك الحضارة؟! إلا أنه الخوف من مواجهة المجهول، الخوف من ~~الغرفة المحرمة في القصر ms042 المسحور، ومع الخوف من مغامرة مع المجهول حتى ينكشف يجيء ~~الخوف من أن نكون أحرارا، وكان كل نصيبنا من الحرية هو أن نهتف باسمها في ~~المظاهرات، ثم نأوي إلى مخادعنا لنغط في النوم! # الحرية مسئولية وفكر وإرادة، لأن يكون الإنسان حرا لا بد أن يضطلع بعمل يؤديه ~~أداء القادر الماهر العارف بأسرار مهنته، وهو حر بمقدار ما يكون في وسعه أن يسيطر ~~على مادة مهنته، حرية الطبيب هي أن يعرف أين يكون شفاء مريضه وكيف، حرية القاضي هي ~~أن يعرف مسالك القانون وحناياه، ليعرف أين يقع منها من قدموه إليه ليحاكمه، ~~وهكذا يكون معنى الحرية في كل ميدان من ميادين العمل، الإنسان الحر «يعرف» فيتصرف ~~على هدي معرفته تصرفا مؤديا به إلى تحقيق غايته، وغير الحر لا يعرف أنه يقف أمام ~~وقائع الحياة العملية فاغرا فاه في ذهول التائه الذي ضل الطريق. # ونحن إذ نجعل الحرية بمعناها الإيجابي، مرهونة بقدرة العامل على معالجة موضوعه ~~بحيث ينتهي به إلى غاية يريد تحقيقها، نود لفت الأنظار إلى نقطة لها الأهمية ~~الكبرى في حديثنا هذا، وهي أن روح العصر تقتضي أن يكون معظم الفكر، ومعظم العمل، ~~منصبا على «أشياء» والقليل من ذلك الفكر أو العمل، هو الذي نتجه به إلى «كلمات» ~~إلا أن تكون تلك الكلمات وثيقة الصلة بمواقف عينية فيها مواجهة لأشياء فيقتضي الأمر ~~أن نكون على معرفة علمية دقيقة بطبائع تلك الأشياء، فشعورنا بالحرية عندما نغالب ~~قفر الصحراء حتى نرغمها على أن تخضر بالزرع، أغزر جدا من شعورنا بالحرية حين ~~نبذل الجهد في حفظ صفحة كتبها سوانا، حفظا لا يحمل في طيه مفتاحا نغزو به الأشياء ~~العصية إذا استعصى علينا تشكيلها وتسخيرها لصالح الإنسان. # ولم تكن الحضارات التي شهدها التاريخ كلها سواء في الطابع العام الذي يميزها، ~~من حيث رجحان القيمة في كفة «الكلمة» أو رجحانها في كفة «العمل» فانظر - مثلا - ~~إلى الحضارة المصرية القديمة في عصر الفراعنة، بالمقارنة مع حضارة اليونان القديمة، ~~تجد الأولى أميل إلى العمل في طابعها، العمل ms043 في ميادين الصناعة والبناء والنحت ~~والتصوير والحرب، بينما الثانية أميل إلى «الكلمة»، ففيها فلسفة وفكر نظري أكثر ~~جدا مما كان فيها من صناعة وبناء إلى الدرجة التي لا يفوتنا معها أن نلحظ أمرين: ~~الأول هو أن المصري القديم حين عرف كيف «يعمل» لم يهمه كثيرا تنظير ذلك العمل ~~تنظيرا يخرج ما كمن فيه من مبادئ وقوانين وأفكار، حتى لقد جاء اليوناني بعده، ~~واهتمامه الأكبر هو مثل ذلك التنظير، وكان مما حاول استخراج الجانب النظري فيه هو ~~بعض ما كان شاهده مما يصنعه المصري، مثال ذلك ما رآه فيثاغورس اليوناني عندما كان ~~المصري يريد أن يرسم على الأرض زاوية قائمة تحدد له ركن الأرض الزراعية التي في ~~حوزته، فكان يأتي بحبل فيه اثنتا عشرة عقدة، على مسافات متساوية بين العقدة ~~والعقدة، ثم يجعل ثلاثا منها في جانب، وأربعا في جانب، حريصا على أن يرى أن طرفي ~~الحبل قد تلاقيا في جانب ثالث، فعندئذ تكون زاوية الركن بين الجانبين الأولين ~~زاوية قائمة، ولم يهتم المصري بعد ذلك بأن يبحث بحثا نظريا يعرف به لماذا نتجت ~~زاوية قائمة بهذه الحيلة العملية، أما فيثاغورس فقد جعل هذا البحث الرياضي النظري ~~مهمته، حتى أقام البرهان المعروف الخاص بالمثلث القائم الزاوية، حين يكون المربع ~~المقام على وتر المثلث مساويا لمجموع المربعين المقامين على الضلعين الآخرين. ~~وعناية اليونان القدماء بالفكر الفلسفي معروفة؛ إذ يكفي أن يكون منهم سقراط ~~وأفلاطون وأرسطو خلال عصر واحد لم يزد على مائة عام. أما الأمر الثاني مما أردت ~~ذكره في تلك المقارنة بين حضارة الكلمات وحضارة الأفعال، فهو أن اليونان قد ذهبوا ~~في مبالغتهم نحو تفضيل الفكر النظري على الفعل، حتى جعلوا «العمل» مما يشين أفراد ~~الطبقة الأرستقراطية، فهؤلاء إنما خلقوا للتفكير النظري، وأما من دونهم فيختصون ~~بالأعمال التي يستخدم فيها الجسم، والفرق بين هؤلاء وأولئك هو نفسه الفرق بين ~~الروح والجسم في المنزلة. # وجاءت الحضارة الإسلامية مزيجا من كلمة وفعل، إلا أن كفة الكلمة راجحة، ويكفي ~~أن يكون أخص خصائص العربي ms044 هو الشعر، كما ورد عند الجاحظ وهو يتناول الحضارات ~~المختلفة بالمقارنة، وإبراز الطابع المميز لكل حضارة منها. ولقد أغرى هذا الفارق ~~بين الكلمة والفعل بعض الباحثين في خصائص الحضارات أن يجعلوها نوعين: حضارات مدارها ~~«أخلاق»، وأخرى مدارها «أفعال» وهو تقسيم لا ينفي - بالطبع - أن يفيد أصحاب النوع ~~الأول من إنتاج النوع الثاني، وأن يأخذ أصحاب النوع الثاني مبادئ السلوك من أصحاب ~~النوع الأول! # وفي ضوء هذا الذي أسلفته أقدم الصورة التي أتصورها وأتمناها لحياتنا الثقافية في ~~اتجاهها العام، ولطالما عرضت هذا التصور فيما كتبته؛ لأنني مؤمن بصوابه، لكنني هذه ~~المرة أعرض تصوري مقرونا بما حدث قبل ذلك في تاريخ الفكر الإنساني وتطوره، فنحن في ~~موقفنا الحاضر نواجه حضارتين وما يلحق بكل منهما من ثقافة سايرتها، إحداهما حضارة ~~ورثنا أصولها عن آبائنا، وكان محورها الثقافي هو «الكلمة»، وهي ثقافة - كما قلنا - ~~طابعها أخلاقي، وذلك لأن محورها «مبادئ»، وأما الحضارة الأخرى التي تواجهنا فهي ~~حضارة الغرب في عصرنا الحاضر، وإنها لتختلف عن حضارتنا الموروثة اختلافا جوهريا، ~~في أساسها وفي مدارها معا، فأساسها ليس «الكلمة» بل «الشيء» ومدارها ليس «المبادئ» ~~مصوغة في ألفاظ، بل «العلم» متمثلا في منهجه أولا، وفي قوانينه التي تصور مسلك ~~الأشياء ثانيا، وإذا كانت «الكلمة» في الثقافة الأولى قد بلغت ذروتها في الشعر ~~فنا وفي مبادئ الأخلاق سلوكا، فإن معالجة «الأشياء» في الثقافة الثانية قد بلغت ~~ذروتها في الأجهزة العلمية والآلات. # ويبدو واضحا أنه لا بد لنا من الجمع بين أصول الحضارتين معا في صيغة واحدة، هي ~~نفسها الصيغة التي ترسم لنا خطة السير في ثقافتنا الجديدة، فنجمع بين الكلمة ~~والجهاز، أي بين مبادئ الأخلاق كما وردت في العقيدة الدينية، وقوانين العلم الحديث ~~بما تتضمنه من منهج جديد للنظر، وليس هذا الجمع مستحيلا، وإن لم يكن يسيرا، ولقد ~~تحقق هذا النموذج في بعض أعلامنا، كما تحقق في بعض مواقف حياتنا، وفي هذا السياق ~~أذكر المثل التاريخي الذي يوضح مثل هذا الجمع، وهو موقف أوروبا في نهضتها؛ إذ وجدت ~~نفسها ms045 أيضا بين حضارتين وما يلحق بكل منهما من ثقافة تلائمها، فمن جهة كان بين ~~يديها تراث اليونان القدماء، وهو فلسفي أخلاقي في المقام الأول، مضافا إليه عقيدة ~~دينية استولت وحدها على معظم الحياة الفكرية في العصور الوسطى، ثم كان بين يديها ~~(أعني أوروبا في نهضتها) حركة جديدة قوية، اتجهت بكل اندفاعها نحو الطبيعة تقتحمها ~~برا وبحرا وسماء، فنتج عنها علم جديد مصحوب بمنهج للنظر والبحث جديد، فما لبثت ~~أوروبا أن دمجت التيارين في نهر واحد هو ما يسمى بأوروبا الحديثة! # وربما قيل إن أوروبا حين احتفظت بتراثها الفكري لتضمه إلى الحركة الكشفية العلمية ~~أيام نهضتها، فإنما كانت تضم قديمها هي إلى حديثها هي، فلا تناقض، أما نحن إذا ~~حاولنا مثل هذا الضم، فإنما نحاول به الجمع بين قديمنا نحن وجديدهم هم، وهنا ~~التناقض فيما يظهر، لكن اعتراضا كهذا ليس صحيحا على إطلاقه، لأن الجانب الديني من ~~مقومات الحضارة الأوروبية الجديدة، لم يكن يونانيا ولا غير يوناني من السلف ~~الأوروبي، إنما هو عقيدة مسيحية - على الأغلب - هبطت وحيا على عيسى - عليه السلام ~~- وهو على أرض فلسطين، ولبثت بضعة قرون فيما يسمى الآن بالشرق الأوسط، قبل أن تعبر ~~البحر إلى روما فإلى سائر أنحاء أوروبا. # رافدان لا بد من جمعها معا في بنائنا الثقافي الجديد: موروثنا الحضاري الثقافي ~~من جهة، وما أبدعه الغرب في العصر الحديث من جهة أخرى، ولئن كان الجانب الأول ~~سيلزمنا بالدوران في نصوصه، حفظا واستدلالا، فإن الجانب الثاني لكونه يعالج ~~«الأشياء» فسوف يدفعنا دفعا إلى ارتياد الكون المحيط بنا، فننعم عندئذ بضرب من ~~الحرية لا أظننا قد ألفنا منه الشيء الكثير، وهي الحرية المغامرة في الهواء الطلق، ~~غير منحبسة في نصوص نحفظها ونشرحها ونستدل منه نتائجها، كلا الجانبين ضروري ومطلوب ~~لتولد أمة عربية ناهضة على جناحين، هما تاريخها وتراثها الحيوي من ناحية، وحاضرها ~~بعلومه وفنونه وبعض نظمه من ناحية أخرى. # تعليق على مقال شرح وتشريح # حمدي غيث # قرأت في عدد الأهرام الصادر يوم الإثنين الماضي مقال الدكتور زكي ms046 نجيب محمود ~~بعنوان «شرح وتشريح»، وأنا واحد من الذين يتابعون باستمرار كتابات ذلك المفكر ~~العظيم الذي جعل همه الأول الدعوة إلى إعمال العقل وإعلاء الفكر العلمي ليحكم ~~سلوكنا، وليكون منهجا لحركتنا الاجتماعية والسياسية، بل وسلوكنا الفردي، وهو بلا ~~شك يكابد من جراء هذه الدعوة كثيرا من العنت ويتحمل كثيرا من العذاب، ولكنه لا ~~يفصح عن هذا فيما يكتب، وإن كان المرء لا يفوته أن يدركه من خلال كلماته الصادقة ~~العميقة المفعمة بالمعاناة من أجل الحقيقة. # تحدث الدكتور في مقاله عن «حرية التفكير»، وأخذ في تشريح وشرح ما تحتمله هذه ~~العبارة من معان ومقاصد، وكان تعريفه لحرية التفكير بأنها «عملية ذهنية لرسم خطة ~~عمل نحقق بها هدفا ما»، كان هذا التعريف جامعا مانعا كما يقول المناطقة، ولكن مع ~~ذلك فليسمح لي أستاذي الدكتور أن أختلف معه في تشريحه بعد ذلك لمعنى «حرية التفكير» ~~ومضمونها. # إن مقتضى تعريفه السالف يعني أن هناك حدين لحرية التفكير هما أولا «العملية ~~الذهنية»، وثانيا «الخطة التي تحقق هدفا ما»، والدكتور ركز على أن ما يعتور حرية ~~التفكير إنما يكون فيما يحدث من تداخلات وعوائق في رسم الخطة وتحديد الأهداف، وأخذ ~~يضرب الأمثال على ذلك بمن يضع خطة للسفر، أو بمن يضع خطة للتعليم، وأنه يجب أن تكون ~~هناك علاقة واحد بواحد، أي علاقة مشاكلة كاملة بين الفكرة ومشروعها، وأنه عندما ~~يحدث خلل في هذه العلاقة لسبب ما كتدخل ذوي السلطان تنعدم الحرية عندئذ، وهذا كله ~~حق، ولكن الدكتور قصر حديثه على «الخطة» ولم يتحدث عن «العملية الذهنية» نفسها، وقد ~~يتوهم واهم أن «العملية الذهنية» - لأنها عملية حيوية - تتم داخل دماغ شخص ما لا ~~يمكن أن تخضع لصاحب سلطان، أي لا يمكن أن يكون لأحد سلطان عليها بالمنع أو الخوف أو ~~الإضافة، ولكن السلطان يفعل فعله عندما يبدأ الشخص (المفكر) في وضع «خطته»، فأنا ~~يمكن أن أرسم خطة العمل بملء حريتي في ذهني، (خطة سياسية أو اجتماعية أو هندسية أو ~~فنية) ولكن عندما أريد أن أخرج بها ms047 إلى مجال التنفيذ قد أصطدم بمن يريد أن يغيرها ~~بالحذف والإضافة، إما لأن أهدافه تختلف عن أهدافي، وإما لأن فهمه وثقافته ومعطياته ~~العقلية تختلف عما يخصني مما يترتب عليه اختلاف العملية الذهنية نفسها في ~~الأساس. # وهنا إما أن أرضخ لهذا الشخص لأنه صاحب سلطان، فأغير وأبدل وأضيف وأحذف في ~~«خطتي»، وأفقد حريتي، وإما أن أقاوم من أجل حريتي. # وعلى أية حال فإن هذا القهر الذي يقع على «الخطة» و«تنفيذها» هو أهون ألوان ~~القهر؛ لأنه تدخل في المظهر الخارجي ل «التفكير»، هو محاولة لمنع التفكير من أن ~~يحقق ذاته، ولكنه يدع «المفكر» قادرا على المقاومة، أما أسوأ ألوان القهر، وهو ما ~~لم يتحدث عنه الدكتور، فهو ما يقع على «العملية الذهنية نفسها»، هو ما يكمن في عقل ~~المفكر من عوامل الضغط والإرهاب، أو عوامل الزيف والغش والتدليس، وهي عوامل قد تكون ~~قديمة، كالتقاليد والمسلمات الدينية، التي قد تكون أقوى وجودا من المسلمات ~~الرياضية، وقد تكون آنية كالدعاية وعمليات غسل المخ الملحة التي تقع تحت تأثير أشد ~~العقول ذكاء وفهما، فتفقد الوعي دون أن تعي ذلك. # ومن هنا فإنه لكي تتحقق «حرية التفكير» لا بد من أن يكون «المفكر» حرا من الضغط ~~الخارجي المادي الذي يقع على «خطته» ومن الضغط الداخلي المعنوي الذي يقع على ~~«عمليته الذهنية»، ولا بد من أن يكون المفكر قادرا على أن يقاوم كل المؤثرات ~~التاريخية والآنية، مادية كانت أو معنوية، ليتحقق له إجراء «العملية الذهنية» ووضع ~~«الخطة» دون أي تأثير ينحرف بهذه أو تلك عن الهدف المنشود، يجب أن يكون «المفكر» ~~عاريا تماما إلا من إيمانه بالهدف الذي يريد أن يحققه. # وهذا ليس مجرد فذلكة عقلية، ولكنها رؤية محددة تساعدنا على إدراك ما قد يعتور ~~«حرية التفكير» من عوائق، فليست هذه العوائق مجرد سلطان أو صاحب نفوذ، أو أية عوامل ~~خارجية مادية كانت أو معنوية تعترض «الخطة»، ولكنها أيضا عوائق قد تخترم العقل ~~نفسه وتؤثر على «العملية الذهنية» دون أن تستثير أية رغبة في المقاومة؛ لأنها تحدث ms048 ~~بإرادة من تقع عليه أو على الأقل في غفلة منه، وتسري في دماغه مسرى السرطان الخبيث، ~~ومن أجل هذا كان النضال من أجل حرية التفكير ليس فقط نضالا «ماديا» لإزاحة عوامل ~~القهر التي تقع على «الخطة» وتنحرف بالأهداف، بل أيضا نضالا معنويا، يستهدف ~~تحرير العقل ذاته الذي يقوم ب «العملية الذهنية»، تحريره من كل عوامل القهر والتخلف ~~والقصور. # ومن هنا أيضا قد ننخدع في بعض المجتمعات ونعتبرها مثل الحرية الأعلى، حيث لا ~~يبدو لنا فيها ذلك القهر المادي الذي يقع على «الخطة والهدف»، وإنما يبلغ فيها ~~القهر مبلغا فظيعا من المكر والخبث؛ لأنه يقع على «العملية الذهنية»، يقع في ~~بساطة ويسر وبلا عنف، بل يقع على «المفكر»، أي على «الإنسان» وهو يستمتع به في ~~الصحافة والإذاعة والتليفزيون والمسرح والسينما، بل في برامج التعليم، ويقع بما ~~تحمله التقاليد والموروثات والمسلمات الفكرية، والاجتماعية الطاغية، من عوامل ~~التخلف والقهر. # الفصل السادس # | حرية الفكر مرة أخرى # لقد أعجبت إعجابا شديدا بالوضوح الناصع الذي عرض به الفنان الكبير الأستاذ حمدي غيث ~~رده على ما كنت نشرته من حديث عن حرية التفكير، ويتلخص الرد في أنه بمثابة «تكملة» أراد ~~بها الأستاذ حمدي غيث أن يستوفي بها جانبا من الموضوع رأى الأستاذ أنني أسقطته من ~~حسابي بغير مبرر، وذلك أني حين عالجت موضوع التفكير وحريته، بدأت أولا بتحليل ذلك ~~الشيء الذي نطلق عليه لفظة «تفكير» فإلى أي شيء نشير - على وجه الدقة - حين نستخدم هذه ~~الكلمة فيما نقول أو نكتب؟ حتى إذا ما فرغت من ذلك التحليل، انتقلت إلى معنى «الحرية» ~~حين توصف بها عملية التفكير. # وكانت خلاصة ما حددت به طبيعة «التفكير» أنه عملية ذهنية تنتهي بصاحبها إلى ما يشبه ~~رسم خريطة لو اهتدينا بها عند التنفيذ، بلغنا الهدف الذي من أجل بلوغه جرت عملية ~~التفكير عند من أجراها، وبمقدار ما تكون تلك الخريطة الذهنية صحيحة، تكون قوتها في ~~تحقيق الهدف المنشود، وكذلك بقدر بعدها عن الصواب، لا يترتب على تنفيذها بلوغ للغاية ~~التي يراد بلوغها، ms049 ثم تجيء «حرية التفكير» أو الحرمان منها، عند إخراج الخريطة الذهنية، ~~أو النظرية إلى حيز التطبيق، فإذا روعيت حرية المفكر، ترك ليخرج فكرته من رأسه إلى ~~دنيا العمل، لتتحول هناك من كونها فكرة في الذهن لتصبح عملا يؤدى، أو سلوكا يسلك، ~~أما إذا قيدت حرية المفكر، رأيت صاحب السلطان الذي فرض ذلك القيد، قد فرض إجراءات من ~~شأنها ألا تتم عملية الترجمة التي تحول الفكرة الكامنة في رأس صاحبها إلى واقع في دنيا ~~الناس يرونه أو يسمعونه. # تلك خلاصة شديدة الإيجاز لما عرضته، فرأي الأستاذ حمدي غيث أنه إذ يوافق على الجانب ~~الذي ذكرته من الموضوع، فهو يراني قد أغفلت جانبا آخر له أهميته وخطورته، فحديثي عن ~~الحرية أو الحرمان منها قد انصب على جانب الفعل والتطبيق، أي إنه اقتصر على النصف ~~الخارجي المنظور أو المسموع، ولكن ماذا عن الفاعلية الذهنية الداخلية نفسها؟ فإذا أجبته ~~بأن أحدا لا يستطيع أن يحرمك من فاعلية عقلك، ما دمت منحصرا في حدود رأسك لا تخرج ~~شيئا مما يدور فيه إلى الناس كلاما أو سلوكا تنشط به، أسرع فتلافى مثل هذه الإجابة ~~في رده، شارحا لنا أوضح ما يكون الشرح، بأن الذي يعنيه هو أن حرية المفكر تتعرض للخطر ~~حتى وهي لا تزال في مخبئها من الدماغ وذلك إذا كان المفكر قد وقع تحت تأثير العوامل ~~الخارجية التي من شأنها أن تشكل للإنسان المتلقي لتلك العوامل طريقة تفكيره، فهناك ما ~~نعلمه جميعا من وسائل الإعلام، وما تحدثه في تشكيلنا على نحو ما يريده لنا المسيطرون ~~على تلك الوسائل، وسواء كنا على وعي بما يقع علينا ويؤثر فينا، أو كنا في غفوة عنه ~~فالحاصل واحد، وهو أن يجد الإنسان نفسه يفكر وفقا لما شكله به من شكلوه، لا وفق ما ~~كان ليفعله إذا خلوا بينه وبين فطرته وموهبته؛ ولهذا يرى الأستاذ حمدي غيث وجوب أن يكون ~~المفكر «عاريا تماما إلا من إيمانه بالهدف»، وهذا الجانب الداخلي من حرية التفكير هو ~~الذي يأخذ على الأستاذ غيث ms050 أنني أسقطته من الحساب - مكتفيا بالجانب الخارجي، جانب ~~التنفيذ - الذي قد يتدخل صاحب السلطان في مجراه فيلغيه أو ينقص منه بالقيود التي ~~يختارها لذلك. # واعتراض الأستاذ حمدي غيث له قوته ووجاهته، لولا أنه يتمنى للإنسان أمرا مستحيلا ~~عليه بحكم طبيعته ذاتها؛ إذ إن عملية التفكير لن يكون لها وجود - مجرد وجود - إلا إذا ~~كان قد سبق إلى ذهن الإنسان شيء ما ترتكز عليه ، كفراخ الطير تخرج من بيضها مزودة ~~بأجنحتها لتطير، وإلا قبعت في أعشاشها، إن عملية التفكير - بطبيعتها - ضرب من الفاعلية ~~لا يولد إلا وله في الرأس ركيزة يتكئ عليها ليتحرك، وانظر إلى حركة الفكر في دنيا ~~«العلم» بشطريها: العلم الرياضي، والعلم الطبيعي، ففي العلم الرياضي لا بد من «افتراض» ~~مجموعة من المسلمات حتى يتاح للفكر الرياضي أن يتحرك منبثقا منها لا لأن تلك ~~«المسلمات» أمور تولدت عن العقل ذاته بما فطر عليه ذلك العقل منذ ولادته، بل لأن عالم ~~الرياضة قد «افترضها» افتراضا، وكان يجوز له أو يجوز لغيره أن يفترض سواها، ولماذا ~~وجوب افتراضها؟ ذلك ليكون لحركة الفكر محطة قيام، وإلا لما عرف القطار كيف يسير ولا إلى ~~أين يسير، وأما في العلم الطبيعي فالموقف - في جوهره - هو هو، والاختلاف مقصور على ~~الشكل؛ إذ العلم الطبيعي محطة القيام فيه هي مجموعة معلومات تجمع أولا عن الظاهرة ~~المراد التفكير فيها بطريقة علمية، ثم يعقب ذلك تفسير يضم تلك المعلومات المتفرقة تحت ~~فكرة واحدة نقدمها على سبيل الافتراض أيضا إلى أن يثبت تطبيقها على دنيا الواقع أنها ~~فكرة صحيحة فها هنا أيضا كما ترى، لا بد من ركيزة يستند إليها العقل ليتحرك. # لكنك مع ذلك قد تسأل، ويحق لك أن تسأل قائلا: صدقنا وآمنا بأن عملية التفكير لا تبدأ ~~في الحركة إلا إذا كان قد سبق ذلك في ذهن المفكر ركيزة ترتكز عليها لتسير، ولكن من الذي ~~يضع في رءوسنا تلك الركيزة، أنضعها لأنفسنا بأنفسنا، أم يضعها لنا ذو نفوذ وسلطان؟ ولقد ~~ذكر لنا الأستاذ حمدي غيث في رده ms051 أمثلة لركائز تقحم على عقولنا بغير اختيارنا، ~~كالتقاليد، وما تبثه فينا الدعاية بأشكالها المختلفة، وها هنا نكون - بحق - قد وضعنا ~~أصابعنا على نقطة بالغة الخطورة في تربية العقل تربية عملية موضوعية، وإن هذه المناسبة ~~مواتية أقول فيها إن التاريخ الفكري للإنسان يشهد في جلاء أنه لا انتقال لجماعة الناس ~~من مرحلة فكرية لم تعد صالحة للعيش المزدهر النامي، إلى مرحلة أخرى إلا إذا اقتلع من ~~رءوس الناس بعض ما ركز فيها من أفكار بليت وذهب زمانها، لتحل محلها أفكار أخرى أكثر ~~صلاحية لسير الحضارة. # ومن الأمثلة القوية لعملية الاقتلاع هذه ما بشر به فلاسفة أوروبا؛ إذ كانت على ~~مشارف نهضتها من وجوب تنقية الرءوس مما بها، لإعادة النظر فيه وتمحيصه لكي يعاد البناء ~~الفكري على أساس أقوى، وكلنا يعلم ما صنعه ديكارت في هذا السبيل حين طالب نفسه أولا ~~بأن يفرغ رأسه مما يحتويه لأنه قد تلقى كثيرا جدا من الأفكار التي تلقاها قبل أن ~~تكون له القدرة على النقد والتحليل والمراجعة والتحقيق؟ فإذا ما نحى جانبا محتوى ~~الذهن، كان في وسعه عندئذ أن يعيد البناء من جديد على أسس ثابتة اليقين، ولا تقبل أن ~~يشك في صوابها. # وفي فاتحة النهضة الأوروبية كذلك كان هنالك فيلسوف آخر أراد أن يقيم للعقل منهجا ~~سديدا، فكان أن دعا أولا إلى التخلص من مصادر الخطأ، ومن أهمها ما أسماه «أوهام ~~الكهف»، وذلك الفيلسوف هو البريطاني «فرنسيس بيكون»، ويقصد بأوهام الكهف أن كلامنا يطوي ~~في رأسه كهفا معتما مليئا بحفنة من الأفكار لا يرى سواها، فيظن أنها الحق الذي لا ~~يأتيه باطل، وإذن فأول واجب على من أراد فكرا صحيحا هو أن يتخلص من كهفه ذاك ليخرج ~~إلى النور، وجدير بالذكر هنا أن نقول إن «بيكون» قد أخذ التشبيه بالكهف عن أفلاطون الذي ~~أورد هذا التشبيه مفصلا في محاورة «الجمهورية» ليقول به إن الإنسان في حياته الفكرية ~~والمألوفة هو كمن ولد ونشأ وعاش في كهف ووجهه متجه إلى جدار الكهف الداخلي وظهره إلى ~~الفتحة ms052 التي ينفتح بها الكهف على الطريق الخارجي، فهو - أي سجين الكهف - لا يرى أمامه ~~إلا ما قد ينعكس على جدار الكهف الداخلي من ظلال ألقت بها أجساد السائرين خارج الكهف، ~~فلو قيل له إنك لا ترى أمامك إلا ظلا للحقائق لا الحقائق نفسها لما فهم معنى لما ~~يقال، فدنياه كلها هي تلك الظلال. # والمستفاد من هذا كله أن الإنسان يعبأ منذ طفولته الباكرة بأفكار وصور للسلوك يربيه ~~عليها أبواه ومن عساه يصادفه في محيطه، ثم تأتي المدرسة وتعليمها ووسائل الإعلام ~~وشحناتها إلى آخر تلك القائمة الطويلة، فإذا هو آخر الأمر إنسان «مصنوع» من الناحية ~~الفكرية على أيدي الآخرين، وأخطر ما في الموقف هو أننا لا نستطيع مقابلة هذه الحالة بما ~~يمحوها محوا كاملا، فأقصى ما نستطيعه هو أن نحسن تربية من نربيه لينشأ على استعداد ~~تام لتصحيح ما كان قد عبئ في رأسه من أفكار إذا ما وجد ما هو أصح منها دون أن يجمد ~~على محصوله القديم، وكأنه منزه عن الخطأ. # لكنه حين يستبدل بفكرة قديمة عنده فكرة جديدة أصح منها؛ فهو إنما يعيد الموقف نفسه في ~~صورة جديدة؛ لأن الأغلب هو أن يتلقى هذه المرة فكرة من سواه عاجزا في معظم الحالات عن ~~تحقيقها لنفسه تحقيقا علميا، كما تلقى في طفولته وصباه أفكارا عن سواه أخذها مأخذ ~~التسليم. # ولقد ازدادت المشكلة إشكالا في عصرنا الحاضر، وذلك من جهتين، فأولا تقدم علم النفس ~~تقدما هائلا مما جعل العلماء على قدرة كبيرة في تشكيل سلوك الإنسان وطريقة تفكيره، ~~ولهذا أصبح ما يطلق عليه اسم «غسل المخ» أمرا ميسورا، بمعنى أن يتحكم من أراد أن ~~يتحكم في تفريغ مخ الإنسان من محتواه - إذا صح لنا استعمال هذا التصوير المادي في مجال ~~العقل - لتعبئته بمحتوى آخر، وفي تشكيل سلوكه بعادات جديدة غير عاداته السابقة، ~~وكثيرا ما يحدث هذا في أسرى الحرب، بل هذا نفسه هو ما يحدث شيء منه بطريق الدعاية ~~ووسائل الإعلام إذا ما خطط صاحب السلطان لهذا الهدف، وثانيا كثرة ms053 الأجهزة التي نتجت عن ~~التطور التقني الحديث «التكنولوجيا» التي يستعان بها على شحن أي إنسان بالشحنة الفكرية ~~والسلوكية التي تراد له، وقد سبق لي أن كتبت (الأهرام في 27 / 2 / 1984م) تحت عنوان ~~«هذه الأجهزة وحرية الإنسان»، وكانت المشكلة التي دفعتني إلى كتابة ما كتبته هي الخطورة ~~الداهمة التي تصيب مسألة المسئولية الأخلاقية، فنحن إنما نتوقع للإنسان أن يكون مسئولا ~~عما يفعله بحر إرادته، فماذا وقد تمكن العلم بأجهزته أن يغير من فكر الإنسان وإرادته ~~بحيث أصبح يفكر ويريد متوهما أن الفكر فكره الحر وأن الإرادة هي إرادته، مع أن الفكرة ~~والإرادة معا قد صنعتهما له أجهزة الدعاية وأجهزة الإعلام؟ # ولا يسعنا إزاء هذا كله إلا أن نوصي ونلح في التوصية بأن نربي أبناءنا على منهج ~~التفكير العلمي حتى نحصل لهم على قدر معقول من النقد والتمحيص والموضوعية، لا أقول ~~ليتخلصوا من البلاء كله؛ بل أقول ليحصروا هذا البلاء في حده الأدنى. # وبعد هذا أعود إلى ما عرضه الأستاذ حمدي غيث في رده من وجوب أن يفكر المفكر الحر ~~«عاريا تماما إلا من إيمانه بالهدف» (هذه هي عبارته)، فأقول: إن ذلك العري الكامل ~~مستحيل نظريا وعمليا في آن واحد؛ إذ لا بد من أفكار، إما مكسوبة وإما فطرية تكون ~~متكأ لحركة الفكر، وإن الحرية الداخلية في فاعلية الفكر مكفولة لكل إنسان لا يستطيع ~~حيالها أقوى الجبابرة الطغاة أن يتعرض لها ما دامت تلك الفاعلية حبيسة الدماغ لا تتسلل ~~إلى الناس حيث يعيشون، ولذلك فإن ما يستحق أن نطالب به هو أولا أن نزود المواطنين بقوة ~~النقد والتحليل لما يتلقونه من أفكار، وثانيا أن يخرج صاحب الفكر فكره إلى العلانية ~~والتطبيق، دون أن يصيبه أذى. # الفصل السابع # | المسلم الجديد # عن بناء الإنسان الحر أتحدث # لست من فقهاء الإسلام أو علمائه، ولكنني مسلم، والمسلم أسبق في ترتيب الزمن ~~ظهورا من فقهاء الإسلام وعلمائه! إنني كما أنعم بعقيدتي، أشعر شعورا قويا بما ~~تلقيه علي من واجب، ولست أريد بذلك مجرد القيام بفرائض الدين، ms054 فذلك أمر مفروغ منه ~~ولا يحتاج إلى سؤال، فهو بمثابة أن تقام للبناء أركانه فيجيء بعد ذلك سؤال: ثم ماذا ~~بعد أن أقمت أركان البناء؟ # إن نعيمي بعقيدتي صادر من كونها عقيدة مكنتني من الشعور بإنسانيتي إلى آخر المدى ~~الذي استطاعته جبلتي، ولو كانت الطبيعة التي جبلت عليها أرحب وأعمق وأقوى، لاشتد ~~ذلك الشعور بإنسانيتي أغوارا وأبعادا، ولكن حسبي من عقيدتي أن كانت حافزا لكل ~~ذرة من قدرة ولدت بها أو اكتسبتها من عرك الحياة والتمرس بخبراتها، وقد كان من ~~الممكن لعقيدة أخرى - لو كان الله قد أراد لي عقيدة أخرى - أن تضع في طريق ملكاتي ~~البشرية قيودا وعثرات تعرقل انطلاقها ونماءها بكثرة حرامها وقلة حلالها، ولست ~~بمستطيع في بضع صفحات أن أتقصى كل الجوانب التي تجمعت لي من أصول عقيدتي وتآزرت ~~لتفسح أمامي مجال الشعور بإنسانيتي إلى آخر ذرة في طاقتي، ولكن جانبا واحدا هنا ~~يكفيني، وهو أن أتخلق بصفات ربي، فأكون واحدا أحدا، كما أنه سبحانه وتعالى واحد ~~أحد، مع الفارق اللامتناهي في حدوده بين الإنسان وربه، فتلك الصفات بالنسبة إلى ~~الخالق جل وعلا لا نهاية لحدودها، ولكنها في البشر تكون محدودة بقصور الطبيعة ~~البشرية وحدودها، هكذا قال لنا فقهاء الدين وعلماؤه، وما كنت لأقوله من عندي؛ لأنني ~~لست من الفقهاء، ولا من العلماء في مجال الدين، ولكنني مسلم أشعر - مستلهما عقيدتي ~~- بما قد يجيء الفقهاء والعلماء بعد ذلك فيتناولونه بالتحليل والتأصيل. # وأما الواحدية؛ فهي ما نعبر عنه بلغتنا الدارجة بقولنا «فردية»، فأنا بين سائر ~~البشر فرد لا يشاركني في خصائصي بكل تفصيلاتها فرد آخر؛ وهكذا شاء رب العالمين ~~للناس أن يكونوا أفرادا، لكل فرديته التي تميزه وحده، فحتى لو تشابه مع نوعه ~~في ألف ألف صفة، فهو يتوحد بفرديته ببضع خصائص، وأما «الأحدية» فهي التي قد نقول ~~عنها بلغتنا الدارجة حين نصف إنسانا سليما سويا إنه لا ينقسم على نفسه، بمعنى ~~أن قواه الفطرية لا يتنازع بعضها مع بعض، بل هي متعاونة متآزرة على السير في طريق ms055 ~~واحد، نحو غايات واضحة ونبيلة، إذ كثيرا جدا ما يقع الإنسان فريسة حرب داخلية ~~بين مختلف نوازعه: العقل يملي عليه بشيء، والعاطفة تدفعه إلى شيء آخر، وبين العقل ~~والعاطفة تأخذه الحيرة والاضطراب. # وإنها لنعمة كبرى أن يكون للفرد من الناس ما يحقق له فرديته تلك، ثم أن يجد ذلك ~~الفرد في طوية نفسه مصالحة مطمئنة بين مختلف الدوافع والقوى، وفرق بعيد بعيد بين أن ~~يكون الإنسان معتنقا لعقيدة تؤيده فيما يبتغيه بفطرته، وبين أن تشده عقيدته في ~~ناحية وتشده الفطرة في ناحية أخرى، ولست أقول بذلك إنني قد بلغت من تلك النعمة أقصى ~~مداها، كلا، فلم يشأ لي ربي أن يكون في جبلتي ذلك السواء كله، وتلك الطمأنينة كلها، ~~فالناس في هذه النعمة يتفاوتون، وإني لأحمد الله على نصيبي منها، وحسبي أن أكون على ~~وعي بها، فذلك الوعي بالنعمة هو في ذاته نعيم على نعيم. # ولقد أجمع أهل الفكر في عصرنا على أن من أبشع آفات هذا العصر آفة جاءت نتيجة ~~طبيعية مباشرة لأروع ما يتميز به من حسنات، وأعني بها نزوعه إلى «العلم» بأسرار ~~الكون، نزوعا لم يعهده الإنسان قبل ذلك في أي عصر من عصور التاريخ، وهو علم تولدت ~~عنه صناعة من طراز فريد، لم يكن يعرفه ولا يحلم به الإنسان فيما مضى من حضارات، ثم ~~تولد عن العلم وذيوله الصناعية ضرب من الحياة أفقد «الفرد» الإنساني كثيرا جدا ~~من فرديته، وكثيرا جدا من طمأنينته بنفسه التي هي ناتج الأحدية (أعني اتساق ~~القوى الباطنية فيه) فاستبد بالإنسان في هذا العصر قلق وضجر وسأم ويأس، بدرجة فاقت - هي الأخرى - ما كان قد أصاب الإنسان منها في أي مرحلة سابقة من مراحل التاريخ، ~~وإنني كلما رأيت مفكرا منهم يحلل تلك الآفة العصرية، باحثا لها عن علاج، سمعت في ~~صدري صوتا يقول إن علاج ذلك هو في شعور المسلم بواحديته وأحديته لا بدافع من فطرته ~~وكفى، بل كذلك بحض من عقيدته. # وعلى هذا النحو أنعم بعقيدتي، وإنما اكتفيت هنا بذكر مصدر ms056 واحد من مصادر تلك ~~العقيدة، وكان يمكن أن تضاف إليه عشرات، وكان لا بد لي في مقابل تلك النعمة ~~النفسية أن أشعر بقوة الدفع نحو واجب أؤديه لتلك العقيدة التي أفيء إلى ظلها ولم ~~يكن الواجب الذي تصورته سيفا أحمله، ولا حتى مالا أنفقه، ولا ضيقا في صدري نحو ~~من لا يرون رؤيتي ويعتنقون عقيدتي، بل كان «كلمة» أرددها وألح في ترديدها وأكتبها ~~ولا أمل من كتابتها، وهي الدعوة إلى القوة التي تلائم هذا العصر، وهي قوة أولها ~~«العلم» وأوسطها «العلم» وآخرها «العلم». # هي قوة أولها التزود بعلوم العصر، وأوسطها مزيد من ذلك العلم، وآخرها مزيد من ~~المزيد. # ويا لشقائنا من كلمات نملأ بها أفواهنا دون أن نحدد لها معانيها التي نريدها لها، ~~فأنت إذا دعوت إلى علم وإلى مزيد من علم جاءتك أصوات غاضبة من كل ناحية: أي علم ~~تريد يا مولانا والعلماء عندنا يعدون بعشرات الآلاف، «الدكاترة» بل الدكاترة ~~وحدهم من هؤلاء العلماء يبلغون عشرات الآلاف! إذن فكلمة «العلم» في هذا السياق تريد ~~التوضيح والتحديد، العلم بماذا؟ ولهذا السؤال ما يبرره؛ إذ إن كلمة «العلم» هذه قد ~~أطلقت على أشياء مختلفة في العصور المختلفة، بل إنها في العصر الواحد لتطلق على ~~ميادين يختلف بعضها عن بعض اختلاف الأبيض عن الأسود، فقد كان العلم في العصر ~~اليوناني القديم، ثم على العصور التي توالت بعد ذلك حتى عصر النهضة في أوروبا إبان ~~القرنين الخامس عشر والسادس عشر، أقول إن العلم خلال ذلك الدهر المديد يعني عند ~~أصحابه - في معظم الحالات - أن يكون بين يدي العالم قول ما، فيستخرج هو منه ما قد ~~كان مضمرا فيه ليجعله ظاهرا، وليس هذا بالأمر الهين؛ لأن المسألة في ذلك تحتاج ~~إلى قدرة على التحليل تنصب على القول المعين المبدوء به لتستولده معانيه الكامنة ~~فيه، فما أيسر على الإنسان العادي - مثلا - أن يقول عن البحر أو عن الجبل أو ما ~~شاء إنه «جميل»، أما الذي هو مضمر في فكرة «الجمال» من عناصر وصفات فهيهات على ms057 ~~الإنسان العادي أو من هو فوقه بقليل أن يستطيع استخراجها من جوف الموقف المشار إليه ~~بصفة الجمال، وقل شيئا كهذا عن صفة «الفضيلة»، فالكلمة جارية على كل لسان، ولكن ~~ماذا تضمر تلك الكلمة في ثناياها من معان؟ ذلك هو ما يحتاج إلى تحليل لا يقوى عليه ~~إلا «العلماء» بالمعنى المفهوم من هذه الكلمة بين القدماء. وأحب أن أوجه الانتباه ~~إلى جانب عظيم الأهمية هنا، وهو أن الفكر الرياضي كله إنما يقوم على مثل هذا الضرب ~~من التحليل، فلا عجب أن يبلغ القدماء من اليونان إلى العرب من بعدهم ما بلغوه في ~~علوم الرياضة، فلما جاءت النهضة الأوروبية كان موضع نهوضها الأساسي هو أنها أضافت ~~(وأرجوك الالتفات إلى كلمة أضافت هذه)، أضافت إلى ذلك النوع من العلم الذي قوامه أن ~~يستولد الرموز اللغوية والرياضية ما يمكن أن يتولد عنها نوع آخر كان موجودا قبل ~~ذلك في أضيق الحدود، وهو أن ينصب جهد «العلم» على الطبيعة وظواهرها انصبابا ~~مباشرا، فليس المطلوب هو فقط أن نضع بين أيدينا جملا لغوية أو تركيبات من رموز ~~الرياضة لنرى ما الذي نستطيع استخراجه منها، بل مطلوب كذلك أن «نقرأه على الطبيعة»؛ ~~لأنها بدورها بمثابة كتاب مفتوح يراد له أن تفك رموزه حتى ينكشف عن سره الغطاء، ~~ومن هنا نشأ في النهضة الأوروبية منهج جديد «يضاف إلى المنهج السابق عليه ليستطيع ~~العلماء الجدد أن يقرءوا كتاب الطبيعة كما استطاع السابقون عليهم أن يقرءوا ~~بمنهجهم ما أرادوا قراءته من صحائفهم، وأعني بكلمة قراءة هنا - كما هو واضح - ~~عمليات التحليل التي تستخرج من الشيء المعروض مضموناته الكامنة في أصلابه». # وكما كان أرسطو إماما للمرحلة الأولى كلها، وقد امتدت ما يقرب من عشرين قرنا، ~~إماما بصياغاته لقواعد المنطق ومبادئه التي بها يتم استدلال صحيح من قول مقدم إلى ~~قول ينتج عنه، كان نيوتن هو إمام المرحلة الثانية، وذلك من حيث رؤيته للكون رؤية ~~تحيله إلى مادة وحركة، وهو يخضع في كل ذلك لحتمية صارمة، فالأشياء نفسها ذات قصور ~~ذاتي رأى ms058 أنها لا تحرك نفسها بنفسها، بل لا بد للشيء إذا تحرك أن تجيء حركته بفعل ~~عوامل خارجية عنه، وذلك وفق القوانين الحتمية الصارمة التي أشرنا إليها. # وامتدت ريادة نيوتن إلى أواخر القرن الماضي، حين أضيفت (ومرة أخرى أرجو الالتفات ~~إلى كلمة أضيفت هذه) فكرة جديدة تستتبع رؤية أخرى تسد مواضع نقص كانت قد تبدت في ~~نظرة نيوتن، وذلك حين وجد أن قوانين الحركة عند نيوتن تنطبق على مجالات دون أخرى، ~~فهي لا تشمل الذرة الصغيرة من حيث حركة كهاربها، كما أنها لا تشمل الأبعاد الفلكية ~~فيما وراء المجموعة الشمسية، فظهر للمرحلة الثالثة - وهي المرحلة التي نجتازها نحن ~~في عصرنا هذا - رائد جديد برؤية جديدة هو أينشتين وفكرة النسبية. # وبهذا العلم في صورته الجديدة كان ما كان من تطور سريع في الأجهزة العلمية التي ~~هي وليد مباشر للعلم في صورته الراهنة، فهل نفتري على الحق كذبا إذا قلنا إن ~~العالم الإسلامي قد احتفظ بمنزلته الريادية طالما كان العلم منصبا على أشياء لم ~~تكن هي كتاب الطبيعة وبمنهج لم يكن هو منهج العلوم الطبيعية، أما بعد ذلك منذ رفع ~~نيوتن لواء علم جديد، ثم تبعه في عصرنا أينشتين ليرفع لواء آخر لرؤية أخرى، فقد ~~أصبحت القوة لغير العالم الإسلامي، بل أخذت أجزاء هذا العالم تهوي أمام القوة ~~الجديدة جزءا بعد جزء حتى بات العالم الإسلامي كله في أيدي من غزوه من أصحاب العلم ~~الجديد. # ونسأل عن المسلم الجديد كيف نريد له أن يكون؟ فقل لي بالله ماذا يكون سوى أن يسعى ~~إلى قوة العلم في أحدث صوره، يسعى إليه من أبوابه ومن نوافذه ومن كل ثقب إبرة يوصله ~~إلى تلك القوة، وعندئذ يسود الدنيا كما يسودها آخرون، أما علماؤنا فيما هم فيه ~~اليوم، فبرغم فضلهم وتحصيلهم ومؤهلاتهم ومؤلفاتهم فهم لم يحققوا أمرين بغيرهما ~~يتعذر علينا الوصول إلى ما نبتغيه، الأمر الأول هو أنهم في أكثر الحالات حافظون لما ~~صنعه سواهم، ينقلونه من مراجعه نقلا أقرب إلى التكديس والتجميع منه إلى التفكير ~~المبتكر ms059 الأصيل، ولا فرق بين أن يكون المنقول عنهم هم أجدادنا نحن أو أبناء الغرب ~~وثقافته وحضارته، والأمر الثاني هو أنهم يحفظون ما يحفظونه وينقلون ما ينقلونه دون ~~أن يتغير عند أكثريتهم الغالبة ذرة من حيث منهج التفكير، فيظلون ينظرون إلى الدنيا ~~كما كانوا ينظرون. # إنك إذا أردت تعريفا - أدق تعريف للعلم - فلن تجد ذلك التعريف مستمدا من ~~مضامين الموضوعات التي يبحثها العلماء؛ وذلك لأن لكل عالم منهم موضوعا مختلفا كل ~~الاختلاف عن موضوع زميله، فواحد يبحث في الضوء وقوانينه، وثان يبحث الجينات التي ~~عن طريقها تتم الوراثة، وثالث يبحث في عوامل سقوط الدولة الأموية، ورابع يبحث في ~~كيفية استخراج السماد من الهواء، وهكذا، وكل هذه الحالات هي «علم» فكيف يمكننا ~~تعريف العلم بمادة بحوثه؟ لكن ذلك التعريف ممكن إذا بحثنا في تلك الحالات كلها عن ~~نقطة تشترك فيها جميعا، وسنجد أنها كلها تلتقي في «المنهج» الذي ينتهجه الباحث. ~~وقد أسلفنا لك نبذة غاية في الإيجاز تبين كيف تميزت عصور التاريخ في هذا الصدد ~~بتغير المنهج، فقد كان على صورة معينة رائدها أرسطو، ثم أصبح إمام النهضة الأوروبية ~~على صورة ثانية (أضيفت إلى الصورة الأولى)، وكان أبرز من مارس تطبيقها هو إسحاق ~~نيوتن، ثم جاء عصرنا بصورة ثالثة قامت على استخدام الأجهزة، وأحلت الاحتمالية محل ~~الحتمية في قوانين العلم، ووقع هذا كله في ظل النسبية التي كان أينشتين رائدها، ~~ومعنى هذا كله هو أن تعريف العلم إنما يكون بمنهجه لا بمادته، فليكن موضوع البحث ~~أيا كان، فهو علم ما دام قد انتهج منهج العلوم، أما أن نقف عند موائد الآخرين ~~لننقل عنهم ما قد انتهوا إليه، ثم ننتهج في جوانب حياتنا طريقة ليست هي طريقة ~~العلماء؛ فذلك هو التلفيق والترقيع والإفلاس. # ونعود بعد هذا العرض إلى المسلم الجديد وما يراد له وما يراد منه، ولقد أسلفنا لك ~~الرأي بأن الذي يراد له ومنه إنما هو علم بمعناه الحديث ومزيد من العلم ثم مزيد من ~~المزيد، وبهذا العلم ينفتح أمامه السبيل إلى ms060 القوة وإلى السيادة وإلى المشاركة في ~~موكب العصر، فلقد سمعت ذات يوم مسئولا كبيرا - كبيرا جدا - وهو يقول في اجتماع ~~رسمي يخطط فيه الحاضرون لمستقبل شبابنا، سمعته يقول ما معناه إن في الدنيا الآن ~~حضارة جديدة، وعلينا أن نزيد من تحفيظ شبابنا القرآن الكريم ليقاوموا تلك الحضارة، ~~وكان الأصوب أن يقول إن علينا أن نزيد من تحفيظ شبابنا القرآن ليستطيعوا المشاركة ~~في حضارة عصرهم، وفي هذه الجملة الأخيرة بيت القصيد. # إن كتاب المسلم هو القرآن الكريم، الذي يحث المؤمن حثا لا ينقطع على أن يتفكر ~~في خلق السموات والأرض، وبهذا أصبح التفكير فريضة إسلامية (وقد جعل العقاد هذه ~~العبارة عنوانا لكتاب له) فماذا وكيف يكون التفكير في خلق السموات والأرض إلا أن ~~يتقصى المسلم كل شيء يستطيع أن يتقصاه ليعرف سره وليستخرج قوانينه، وتلك هي ~~العلوم وما تصنعه بمنهاجها، ربما توهم من توهم أن المراد بالتفكير هو أن يجلس على ~~كرسيه شاخصا ببصره إلى لا شيء سارحا بخواطره السائبة فيما ليس يدري هو نفسه إلى ~~أي شيء تؤدي به تلك الخواطر، لا وألف مرة لا، فليست لفظة «التفكير» رمزا بغير ~~معنى، بل هو لفظ عربي له في اللغة معناه، ثم حدد له المناطقة ذلك المعنى تحديدا ~~لم يترك لنا خيارا في طريقة فهمه، فلأن «تفكر» لا بد لك - أولا - من مشكلة مطروحة ~~عليك لتجد لها حلا «بالتفكير» في طريقة الخروج منها، أو قل إنه لا بد لك من ~~«سؤال» ملقى ينتظر الجواب ممن يستطيع أن يجيب، فإذا ظننت مرة أنك «تفكر» فعليك أن ~~تقدم لمن يسألك أو أن تقدمه لنفسك «السؤال» الذي تسعى بتفكيرك ذاك إلى الإجابة عنه، ~~إذا فكر الطبيب في علة مريضه فهو بمثابة من يسأل نفسه ماذا عساه يزيل عنه المرض؟ ~~إذا فكر الجغرافي في علة الخماسين فهو بمثابة من يسأل ماذا كانت العوامل المناخية ~~والطبيعية التي حركت الهواء وأثارت الغبار؟ وإذا فكر فقيه في حكم الشرع في الربح ~~الذي تعطيه المصارف لأصحاب الأموال المودعة فيها، كان ms061 بمثابة من يطالب نفسه بالبحث ~~عن الأسانيد التي تثبت هذا وتنفي ذاك، التفكير - إذن - موقف فيه سؤال عن شيء ما ثم ~~البحث له عن جواب، وقد يكون السؤال نابعا من المفكر ذاته، وكذا قد يأتي السؤال من ~~شخص غير الشخص الذي سيتلقاه ليبحث له عن جواب. # التفكير في خلق السموات والأرض فريضة إسلامية لا تؤدى وأنت متربع على مقعدك، ~~شاخصا ببصرك إلى فراغ، سارحا بخواطرك إلى غير هدف. كلا، ولا هي فريضة تؤدى ~~بتكرار الآيات الكريمة التي تحض المسلم على أدائها، فما من مشكلة طرحها العلم أو ~~سوف يطرحها إلى يوم الدين، إلا وهي خاصة بجزء معين من خلق السموات والأرض. ولقد ~~اضطلع السلف بكثير من التفكير في الكون وكائناته وظواهره؛ فكان منهم علماء الفلك ~~وعلماء الطب وعلماء الكيمياء وعلماء الطبيعة في هذه الظاهرة أو تلك، كما كان منهم ~~علماء الحيوان وعلماء النبات والرحالة الذين يجوبون اليابس والماء، ومع ذلك كله ~~فلا يسعنا إلا أن نلحظ في أمرهم نقطتين، الأولى هي أن معظم جهودهم العلمية قد اتجهت ~~نحو فقه الدين واللغة وعلوم الكلام والفلسفة وغير ذلك مما يدور كله حول «الكلمة» في ~~شتى أوضاعها، وأما الكون وكائناته فلم يظفر منهم إلا بالجزء الأقل في جملة ~~اهتماماتهم، والأمر الثاني هو أن العلوم الطبيعية بصفة عامة لم يكن قد آن أوانها من ~~حيث مراحل التاريخ العلمي؛ فلقد برع القدماء في علوم الرياضة بصفة خاصة وتعليل ذلك ~~هو أن «المنهج» الذي كان سائدا هو منهج الاستنباط الذي يستولد من مقدمة لغوية أو ~~رياضية نتائجها التي كانت كامنة في رموزها، فلم يكن للبحث في ظواهر الطبيعة إلا ~~نصيب أقل من القليل. # فلم يكن قصور أسلافنا في مجال العلوم الطبيعية - أعني القصور النسبي - راجعا ~~لعجز في قدراتهم، ولكن المرحلة التاريخية التي جاءت حياتهم فيها لم تكن قد شهدت إلا ~~بوادر يسيرة من ذلك الوليد الذي كتب له أن تجيء ولادته الكاملة في أوروبا عند ~~نهضتها، ومنذ ولد العلم الطبيعي وولد معه المنهج الذي يلائمه. مرت ms062 على الدنيا ~~أربعة قرون أو ما هو أكثر من ذلك قليلا، حدث خلالها من التطور في أساليب الحياة ما ~~لم يحدث مقدار ذرة منه خلال تاريخ بشري امتد قبل ذلك أكثر من ثمانين قرنا، بل ~~إنك إذا أحصيت في يومنا هذا عدد العلماء، وأعني علماء الطبقة الأولى ممن جعلوا ~~مجالهم العلوم الطبيعية، لوجدت عددهم في الجيل الواحد الحاضر يفوق بكثير عدد علماء ~~العلوم الطبيعية خلال تلك القرون الثمانين، على أنه لا بد لنا أن نلاحظ هنا أن ~~الأمر في ذلك ليس أمر تفاوت في القدرات العقلية بين أهل الحاضر وأهل الماضي، بل هو ~~مجرد اختلاف في الاهتمامات، فلو كان أفلاطون وأرسطو - مثلا - من أهل العصر الحاضر، ~~لكان الأرجح جدا ألا يتجها بعبقريتيهما نحو المسائل الفلسفية، بل يتجهان بهما نحو ~~فرع من فروع العلم الطبيعي، ولو كان الخليل وسيبويه من أبناء عصرنا لكان الأرجح ~~جدا كذلك أن يتجها بذكائهما الخارق لا إلى دراسة اللغة، بل إلى علوم الذرة ~~والكهرباء، فلكل عصر اهتماماته التي استقطبت قدرات أبنائه، وليس الفرق بين عصر وعصر ~~فرقا في درجة النبوغ عند أبناء هذا وأبناء ذاك. والمسلم الجديد مطالب كما طولب ~~المسلم القديم بالتصدي لعلوم عصره، إنه مطالب بقراءة الكون فيما يعرضه أمام حواسنا ~~من صفحات، لكنها صفحات كتبت بلغة الصوت والضوء والمغناطيسية والكهرباء. ولقد أراد ~~الإسلام للمسلم أن يكون قويا، وللقوة هي الأخرى قنوات مختلفة باختلاف العصور ~~وظروفها، وعصرنا قوته في علومه، فليسأل المسلم الجديد نفسه: كم كان نصيبه لا من نقل ~~علوم الآخرين وحفظها، بل نصيبه من البحث العلمي الأصيل الذي يقدمه إلى الدنيا ~~قائلا ها أنا ذا؟ فإذا وجد نصيبه في ذلك صفرا أو ما يقرب من الصفر، فكيف يبيح ~~لنفسه بعد ذلك أن تأخذه الدهشة، ومع الدهشة غضب وحسرة حين غفا ثم استيقظ ليجد نفسه ~~في قبضة من ليس ينتمي إلى أمته أو ملته يتحكم فيه كيف شاء مستعينا بعلومه، ولا ~~يقاوم العلم إلا علم مثله، ولا يتأتى للمسلم ذلك إلا إذا أمعن ms063 في دراسة كتاب الله، ~~لا ليقاوم به حضارة العصر كما أراد المسئول الكبير، بل ليتشارك بقوته التي يستمدها ~~منه في هذه الحضارة مشاركة الأنداد، فتكون له السيادة كما كانت لأسلافه، وليست هي ~~السيادة على أحد من البشر، بل السيادة المطلوبة هي سيادة على ظواهر الكون بقوة ~~العلم، وبذلك يظفر بالحرية مرتين: حرية القادر على تسخير الطبيعة لصالحه، وحرية ~~أخرى تفك عنه قبضة من ساده بعلمه فحكمه وتحكم فيه. # الفصل الثامن # | رأس الحكمة مخافة الله # عن الحرية المسئولة أتحدث # لا أظنني كنت قد جاوزت الثانية عشرة حين وقعت عيني على هذه العبارة: «رأس الحكمة ~~مخافة الله»، فقد رأيتها أول ما رأيتها في كراسة الخط، وفي أيامنا كان هنالك شيء ~~اسمه دروس الخط العربي، حيث تخصص لها كراسات توزع علينا، كتب في الطرف الأعلى من ~~كل صفحة فيها نموذج مطبوع ليحاول التلاميذ محاكاة ذلك النموذج فيما بقي من بياض ~~الصفحة، وقد يوضع أحيانا على السطر التالي للنموذج، مثيل له مطبوع بالنقط الخفيفة؛ ~~ليسير التلميذ بقلمه على ذلك المثيل المنقوط، لكي تعتدل يده بعض الشيء قبل أن ~~يستقل بذاته في الأسطر التالية، وأظن أن هذا كله لم يعد له وجود في المدارس، ~~وتركت أصابع التلاميذ لتعتدل في الخط أو لتعرج وفق ما تشاء لها المصادفات، وربما ~~كنت مخطئا في ظني هذا، فلست أدري على وجه اليقين ماذا هناك. # كانت عبارة «رأس الحكمة مخافة الله» هي أحد النماذج التي أجريت قلمي لأحاكيها في ~~درس الخط، فوعتها الذاكرة من تلك السن الباكرة، لكن كم وعى العقل من معناها عندئذ ~~يا ترى؟ لا أحسبه قد وعى إلا قطرة يسيرة من الإناء المليء، فما أكثر ما حفظت ذاكرات ~~الصغار مما حفظوه، ولكنها في ذلك لم تكن قد حفظت إلا رنين الألفاظ، ثم تجيء الأيام ~~بعد ذلك مترعة بخبراتها، هذه خبرة قد ملأت النفس بالحسرة والأسى، وتلك خبرة أخرى قد ~~هزت النفس بالنشوة والفرح، وهكذا تتوالى الخبرات مع الإنسان الواحد، بالنسبة إلى ~~اللفظ الواحد، حتى يصبح ذلك اللفظ ms064 مع مر الزمن وكأنه الوعاء قد امتلأ جوفه بأطياف ~~المعنى وظلاله، وهذا هو نفسه ما يجعل اللغة كائنا حيا كأي كائن حي؛ لأنها تنمو ~~أو تذبل بحسب غزارة أو ضحالة الخبرة عند المتكلمين بها، ثم كان ذلك هو نفسه الذي ~~جعل الترجمة من لغة إلى لغة أخرى ترجمة تصون المعنى المنقول بكل امتلائه ضربا من ~~المحال، اللهم إلا في مجال العلوم ذات المصطلح العلمي المحدد الدقيق . # لا، بالطبع لم أكن قد أدركت من عبارة «رأس الحكمة مخافة الله» عندما صادفتني لأول ~~مرة في كراسة الخط، وأنا في نحو الثانية عشرة من عمري، إلا رنين لفظها، وإن لفظها ~~لذو رنين لم يزل حتى هذه الساعة يهز نفسي بحلاوته، ثم جاءت أعوام الزمن تتوالى ~~عشرات بعد عشرات، وكثرت فيها المواقف التي تستوجب أن يستحضر الإنسان فيها ضرورة أن ~~يخشى الله فيما يقوله وما يعمله، وأن يخشاه فيما لم يقله ولم يفعله، في حين كان ~~الواجب الخلقي يستلزم أن يقال أو يعمل، فكنت في كثير من تلك المواقف أجد صديقتي ~~القديمة، أعني تلك العبارة الجميلة في جرسها الغزيرة في معانيها، وقد وثبت إلى ~~الذاكرة من تلقاء نفسها، وكانت - بالطبع - كلما حضرت ازدادت بالموقف الحي الجديد ~~وضوحا. # ولعل أول ما يتبادر إلى الذهن من معاني «مخافة الله» هو خوف الإنسان من عذاب ~~النار إذا هو اقترف إثما، ولهذا وجب عليه الحرص، فلا تزل قدماه في خطيئة، لينجو ~~بنفسه من عذاب أليم، وواضح أنه كلما أوشك الإنسان في موقف ما أن يزل في خطيئة، ~~فأحس خشية الله، فامتنع عن اقتراف الإثم، ازدادت حاسة الفضيلة عنده إرهافا، حتى ~~يجيء له اليوم الذي يصبح الحكم الخلقي الصحيح عنده عادة مألوفة، وكأنها جزء من طبعه ~~الفطري الذي ولد مزودا به، وتلك هي «الحكمة» بل ذلك هو رأسها. # وتمضي بي الأيام، وتكثر في طريقي مواقف الحياة وأزداد بكل ذلك خبرة لا أقتصر فيها ~~على ما قد أكتسبه من حياتي العملية اكتسابا مباشرا، بل أضيف إليها ما قد يكون أهم ms065 ~~منها وأغنى، وهو ما أقرأ عنه من خبرات الآخرين، وبين هؤلاء الآخرين من هو صاحب ~~موهبة تعلو به فترفعه - في هذا الصدد - فوق رءوس البشر من عامة الناس، بل ومن ~~الصفوة المصطفاة من هؤلاء العامة، فلقد صادفت من هؤلاء العمالقة الجبابرة الذين ~~أنعم عليهم ربهم بحاسة خلقية تطير بهم إلى الحكمة في أعلى ذراها، بلمعة من لمعات ~~البصيرة الصافية النافذة إلى الحق في صميم جوهره، ومن هؤلاء من قرأت له وهو يعوذ ~~بربه من ضعف في نفسه قد يميل به نحو أن يفعل الفضيلة ابتغاء ثواب الآخرة أو ~~اجتنابا لعذابها، فالفضيلة عند هؤلاء هي الفضيلة واجبة الأداء في ذاتها قبل أن ~~يكون لها جزاؤها. نعم، إن ثواب الآخرة وعقابها حق لا جدال فيه، لكنه حق يضاف إلى حق ~~آخر، وهو أن الفضيلة خير في ذاتها، وأن الرذيلة شر في ذاتها؛ ولذلك كان فعل ~~الفضيلة يحمل ثوابه فيه، وفعل الرذيلة يحمل عقابه فيه، ثم يضاف إلى الثواب ثواب ~~الآخرة، وإلى هذا العقاب عقاب الآخرة، يمكن توضيح ذلك بمثل هو أن ينجح ولدك في ~~الامتحان فينتج عن نجاحه نقله إلى فرقة أعلى، ثم تزيده أنت فتكافئه على نجاحه ذاك، ~~أو أن يرسب فينتج عن رسوبه حرمانه من النقل إلى فرقة أعلى، ثم تجيء أنت فتضيف على ~~ذلك الحرمان حرمانا آخر من عندك. مخافة الله تصنع من صاحبها ذا حكمة، أي تجعله ذا ~~قدرة تلقائية على تمييز الحق من الباطل بلمحة مباشرة، أو قل إنها في هذه الحالة ~~لمعة تلمع بها البصائر وذلك هو نفسه ما تعنيه بكلمة «الضمير»، فضمير الإنسان - كما ~~هو واضح من اسمه - قوة «مضمرة» في جوفه يفرق بها بين الصواب والخطأ، فحتى الذي ~~يرتكب الخطأ في سلوكه يعلم في دخيلة نفسه أنه قد ارتكب خطأ، فليس التمييز بين ~~الصحيح والفاسد في أمور الأخلاق شيئا يحتاج إلى علم غزير لمعرفته، بل هو مرهون ~~بتربية تبث في الناشئ خشية الله كلما هم بفعل لا يجوز أداؤه، سواء وقف الإنسان من ~~تلك ms066 الخشية عند الرغبة في ثواب الجنة والرهبة من عذاب النار، أو أضاف إلى ذلك ~~شعورا هو أن الصالح ثوابه فيه والفاسد عقابه فيه، ففي كلتا الحالتين يتحقق للإنسان ~~مرشد باطني هو «الضمير»، ولكنه في الحالة الثانية يكون أقوى حياة وأفعل أثرا منه ~~في الحالة الأولى، إنه في الإنسان يشبه أن تكون دفة السفينة خافية عن الأبصار، ~~لكنها موجودة تحرك السفينة إلى حيث تتحرك، وتلك الدفة الخافية في تركيب الإنسان هي ~~«حكمته» التي تتولد في نفسه من خشية ربه كلما وسوس له ضعف نفسه أن يقترف إثما، ومن ~~الإثم أن يسكت عن الحق، حتى يغمره الباطل بظلامه. # ودفة الإنسان تلك، ليست من خشب ولا من حديد، بل هي مجموعة معايير بثت في نفسه ~~يقيس بها السلوك الواجب إزاء كل موقف يعرض له في الطريق، إنها مجموعة مبادئ وهي ~~مبادئ - لحسن الحظ - لا يكاد يختلف فيها إنسان عن إنسان مهما اختلفا بعد ذلك علما ~~وثقافة، بل مهما اختلفت بينهما العقائد ذاتها، إن الظالم لا يعلن في الناس أنه ~~ظالم - بل يسمي ظلمه عدلا - لعلمه أن العدل هو مبدأ من تلك المبادئ. انظر إلى ~~جماعة اللصوص (في قصة سرفانتيز) حين اختلف بعضهم مع بعض على تقسيم ما سرقوه فنادوا ~~عابر سبيل وطلبوا منه أن يقسم ما معهم بينهم بالعدل، إنهم لصوص ومع ذلك بحثوا عن ~~«العدل». # ومن تلك المبادئ الإنسانية التي لم يختلف عليها أحد مع أحد مبدأ أن يكون الإنسان ~~حرا، وحتى لو أبت على بعض الناس نفوسهم الخسيسة أن يعيشوا أحرارا، فإنك لتراهم ~~على علم بأن حرية الإنسان هي مبدأ يوجه الضمير، لكنهم قد يعتذرون عما يسود حياتهم ~~من طغيان بقولهم إن الضرورات العملية هي التي قضت بكبت الحرية «مؤقتا» إلى أن ~~يستتب الأمن وتستقر الأمور، أو هم يعتذرون بأي عذر آخر من هذا القبيل، لكن أحدا من ~~الناس لا يجرؤ على أن ينكر حق الحرية على الناس؛ لأنه حق فرضته الديانات أولا، ~~ونادت به التشريعات البشرية ثانيا، وحتى إذا رأيت ms067 في العقائد والتشريعات ما قد ~~يبدون انعداما للحرية بمعناها المعروف فيكون المضمر في ثنايا الموقف أن ما هو قائم ~~ليس هو المثل الأعلى، وأن ذلك المثل الأعلى سيتحقق للإنسان عندما يصبح الإنسان ~~كفئا له، قادرا على حمل تبعاته. # وللحرية صور كثيرة: الحرية الشخصية، وحرية العقيدة، والحرية السياسية، وحرية الفن ~~... وغير ذلك، لكننا نقصر هذا الحديث على حرية الفكر، وهي حرية كغيرها من ضروب الحرية ~~لا بد لها - بحكم طبيعتها - أن تتقيد بقيود العقل نفسه، ومن أهمها أن العقل لا ~~يستطيع أن يتحرك في طريق استدلالاته من فراغ، أعني من لا شيء؛ إذ لا مناص له حين ~~يستدل من أن يجد الأصل الذي يستدل منه، وهذا الأصل يتغير في نوعه وطبيعته من موضوع ~~إلى موضوع، فهنالك المجال الذي تكون نقطة الابتداء فيه معلومات أولية جمعت من ~~مشاهدات الحواس أو من تجارب المعامل، وهناك المجال الذي تكون نقطة الارتكاز فيه ~~فروضا وضعت على سبيل الافتراض بأنها ربما تولدت منها نتائج صالحة للتطبيق، وهنالك ~~المجال الذي يبدأ فيه الباحث رحلته من نص مكتوب، وهكذا وهكذا، وأيا ما كان ~~الأصل الذي يضعه العقل بادئ ذي بدء ليرتكز عليه في استدلاله، فهو قيد لا بد للعقل ~~أن يتقيد به وإلا لما كان له فكر على الإطلاق، أضف إلى ذلك تلك القيود المنهجية ~~التي يلتزمها العقل في انتقاله من خطوة في بحثه إلى الخطوة التي تليها، فأين هي - ~~إذن - «حرية» الفكر ما دام العقل مكبلا في سيره بقيوده؟ الجواب على ذلك هو أن تلك ~~الحرية كامنة في أن أحدا مهما بلغ سلطانه لا يجوز له أن يفرض على الباحث نتيجة ~~معينة، أو فكرة بذاتها مقدما دون أن تكون تلك النتيجة أو هذه الفكرة قد نتجت عن ~~عملية التفكير العقلي نفسها والتي لا يقيدها إلا قيود «العقل» ذاته، ولاحظ هنا كلمة ~~«عقل» هذه لأن معناها اللغوي هو «قيد»؛ لتعلم أن حرية الفكر مقيدة بقيود نابعة من ~~طبيعتها. # أقول إن للحرية صورا كثيرة، وإنني في هذا الحديث سأقتصر ms068 على إحدى تلك الصور، وهي ~~حرية الفكر، التي أشعر بأنها في مصر - وفي الوطن العربي كله - مقيدة بغير قيودها ~~الطبيعية التي ذكرت طرفا منها؛ إذ هي معرضة للتدخل المسبق من ذوي النفوذ وذوي ~~المصالح في المجالات المختلفة، فهؤلاء كثيرا ما يفرضون - مقدما - أفكارا معينة ~~لا بد للمفكر أن ينتهي إليها بعملياته الفكرية وهم لا يقفون من الفكر الحر موقف ~~الحياد، إلا إذا كان موضوع البحث بعيدا عن مجالاتهم التي تتصل بأشخاصهم وبمصالحهم. # وإن ذلك لنقص خطير في حياتنا العقلية، وتتبدى لنا خطورته إذا علمنا أن مصر - بصفة ~~خاصة بين بلدان العالم العربي والعالم الإسلامي - قد كانت أسبق من سواها في العصر ~~الحديث إلى الأخذ بفكرة الحرية في كثير من صورها ومعانيها، فهي - مثلا - سباقة ~~إلى المطالبة بالحرية السياسية وبالحرية الاجتماعية وإلى حرية الأدب والفن، وكان ~~الأمل ألا تستثني أنواعا معينة من صور الحرية لتضع أمامها العقبات. # وفي هذه المناسبة أذكر أن الأديب الإنجليزي ج. ب. بريستلي كان قد أصدر في أوائل ~~الخمسينيات - على ما أظن - كتابا في تاريخ الأدب كنت قد اطلعت عليه فوجدته قد ~~انتهج منهجا متميزا، وهو أن يكتب ذلك التاريخ الأدبي من خلال انطباعاته هو التي ~~انطبع بها في قراءاته الواسعة، فجاء تاريخه أقرب إلى مذكرات شخصية يعلق بها على ~~الحياة الأدبية في مختلف العصور، والعصر الحديث منها بصفة خاصة، والمهم الذي من ~~أجله أذكر هذا الذي أذكره هو أنني وجدته يستخدم مفتاحا ليفهم به روح الفترة ~~المعينة التي يؤرخ لها، استوقف نظري بطرافته وفائدته، وهو أن يبحث في تلك الفترة ~~عن الفكرة أو المعنى أو اللفظة التي يجدها أكثر من سواها دورانا على أقلام ~~الكتاب والشعراء، فتكون هي التي تشير إلى أبرز ما كانت تلك الفترة المعينة تهتم ~~به، فلما صادفت تلك الطريقة التي اتبعها بريستلي في كتابه ذاك (وبالمناسبة لقد مات ~~بريستلي صيف هذا العام 1984م عن تسعين عاما) أخذت نفسي عندئذ بتطبيق الطريقة ~~نفسها على حياتنا الفكرية في مصر في تاريخها الحديث، وقمت ببعض ms069 المراجعات لطائفة ~~كبيرة من أصحاب القلم عندنا منذ رفاعة رافع الطهطاوي وإلى الوقت الذي قمت فيه بتلك ~~المراجعة، وكان ذلك في أواخر الخمسينيات على أرجح الظن، فلم ألبث أن رأيت في أجلى ~~جلاء أن فكرة «الحرية» على إطلاقها هي التي ظفرت بالنصيب الأكبر، فما من كاتب أو ~~شاعر أو مفكر في مجال السياسة أو التقدم الحضاري أو غير ذلك إلا وقد سيطرت فكرة ~~الحرية على عقله وشعوره . وأعتقد أن ما يجوز تسميته «بالمنطقة المحرمة» في عالم ~~الفكر والأدب قد أخذ يضيق حتى أصبحت تلك المنطقة المحرمة على حرية الأديب والمفكر ~~غير ذات وزن يعتد به خلال العشرينيات والثلاثينيات التي نعدها فترة نهوضنا الحقيقي، ~~لكن حدث بعد ذلك ما شجع أصحاب المصالح في المنطقة المحرمة أن أخذت تلك المنطقة ~~تتسع وتتسع حتى شملت أطرافا من حياتنا الأدبية والفكرية، لم يكن يحق لها أن تشملها ولكنها فعلت. # ومن أضر النتائج التي نتجت لنا من اتساع المنطقة المحرمة على الفكر الحر والأدب ~~الحر، نتيجة أرادها في مقدمة العوامل التي أدت إلى رجحان فترة العشرينيات ~~والثلاثينيات على هذه الفترة التي تجتازها، وذلك حين نعقد موازنة بين الفترتين، ~~وأعني بتلك النتيجة ما قد أصاب «الحرية المسئولة» من تقلص وضمور، والذي أقصد إليه - ~~على وجه التحديد - من عبارة «الحرية المسئولة» هو تلك الحرية التي يأخذها أصحابها ~~على أنها «كل» لا يتجزأ؛ فالإنسان الحر - في هذه الحالة - مسئول عن تلك الحرية ~~بالنسبة إلى سائر المواطنين، كذلك فإذا كنا - كما أسلفت - نقصر حديثنا هذا على ~~حرية الفكر، كان معنى ما أقوله عند تطبيقه على حرية الفكر هو أنه إذا رأى مواطن ~~معين أنه هو نفسه لم تحدد حريته في فكره، فذلك وحده لا يكفي إن زعم أنه حر مسئول ~~عن الحرية، بل إن تلك المسئولية تقتضي أن يتصدى للدفاع عن ذلك الآخر الذي قيدت ~~حريته في التفكير، حتى ولو كان ذلك الآخر خصما له في الرأي والحرية؛ وذلك لأن حرية ~~الفكر في أمة بعينها - وكدت أقول في الإنسانية ms070 جمعاء - هي «كل» لا يتجزأ، ولكن ~~ماذا تعني هذه العبارة؟ إنها تعني في عالم الفكر ما تعنيه حين تقال عن أي كائن حي ~~فلا يستطيع عضو معين - كالقلب مثلا أو الرئتين - أن يعمل لصيانة نفسه وحده، وليحدث ~~ما يحدث لسائر الأعضاء، وذلك لما بينه وبين تلك الأعضاء جميعا من ترابط، فإذا ~~فرضنا - في عالم الفكر - أن استقل مفكر ما بالحرية التي ظفر بها وبعده يكون ~~الطوفان، فهو لا يبالي، وجدنا أن حريته تلك هي في الوقت نفسه استبداد بالآخرين، ~~فإذا دافع عن حرية كهذه فهو في آن واحد يدافع عن الاستبداد كذلك، وعلى سبيل ~~التوضيح أعيد هذا المعنى في عبارة أخرى أقل تجريدا: افرض أن مواطنا ما قد سمح له ~~أن يسيء إلى مواطن آخر في الصحف أو في الإذاعة أو في غيرهما من وسائل النشر، ثم لم ~~يسمح لمن أسيء إليه أن يعرض وجهة نظره بالوسيلة نفسها أو بغيرها، هنا نجد أنفسنا ~~أمام طرفين كان أحدهما «حرا» في عرض فكرته، وكان الآخر وبسبب الحرية التي أعطيت ~~للطرف الأول محروما من حريته، فهل يجوز لنا في حالة كهذه أن نصف الأمة التي حدث ~~ذلك في حياتها بأنها أمة تأخذ بمبدأ حرية الفكر؟ إنها لا تستحق هذه الصفة إلا إذا ~~وجد الخصمان فرصة متساوية في عرض الرأي أو الفكرة أو المذهب أو كائنا ما كان مما ~~يتصل بالحياة العقلية، ولقد شهدت مصر إبان العشرينيات والثلاثينيات أمثلة رائعة ~~للحرية المسئولة بالمعنى الذي حددناه، وهو أن يكون الفرد الحر مسئولا كذلك عن ~~الحرية ذاتها لتكون حقا للآخرين، أما في مرحلتنا هذه التي نجتازها، فما أيسر أن ~~يلوذ المواطنون الأحرار بالصمت إذا رأوا تلك الحرية نفسها تتقلص أمام الإرهاب ~~بالنسبة لغيرهم، ولقد قالها فولتير عبارة قوية وواضحة حين قال: إنه لا يوافق على ~~رأي خصمه، لكنه مستعد أن يقاتل حتى يتاح لذلك الخصم كل الحق في أن يعرض رأيه حرا ~~وبلا قيود. # وأعود إلى «مخافة الله» التي هي رأس الحكمة في العبارة المحكمة الجميلة ms071 التي ~~صادفها الصبي مني، وهو في عامه الثاني عشر، صادفها في كراسة الخط «مشقا» (هكذا ~~كانوا يسمون النماذج التي طبعت في الكراسة لتحتذى، ولا أعرف من أين جاءتنا كلمة ~~«مشق» هذه) فالتقط الصبي العبارة بذهنه حفظا لا فهما، ولطالما التقط في طفولته ~~وصباه وبعض شبابه عبارات أو مفردات لجرسها وإيقاعها دون أن يدرك لها معنى، نعم، ~~أعود إلى عبارة «رأس الحكمة مخافة الله» لأعيد معناها ومرماها على نفسي وعلى القارئ ~~معا، فأنت «حكيم» بمقدار الصواب في «حكمك» على الأشخاص والأشياء والمواقف، (لاحظ ~~العلاقة اللغوية بين «حكمة» و«حكيم»)، وإنك لتبلغ من تلك الحكمة منتهاها الذي هو في ~~وسعك أن تبلغه إذا أنت لم تخف أحدا سوى الله، الذي هو «الحق» سبحانه وتعالى، أما ~~إذا أخذتك الرهبة أمام إنسان من البشر؛ فقد عرضت صواب فكرك للضياع، فالمهم هو ~~بلوغ الحق كما تراه مع استعدادك للتراجع بطوع إرادتك إذا رأيت أنك على باطل، ولو ~~كان ذلك الحق المنشود في عالم الفكر من الوضوح بحيث يسطع في أذهان البشر سطوع الشمس ~~على من يتجه إليها ببصره لما تشعبت المذاهب وتفرعت الرؤى، تحت الفكرة الواحدة أو ~~في رحاب العقيدة الدينية الواحدة، عد يا أخي إلى تراثنا الذي يعرف كاتب هذه السطور ~~قيمته الكبرى. لحياتنا معرفة عاقلة هي خير ألف مرة من معرفة آخرين له، التي تشبه في ~~صورتها إدراك المجنون وهو يصيح فيمن حوله قائلا إنه الإمبراطور الذي يسيطر على ~~العالمين، أقول: عد يا أخي إلى ذلك التراث في أي كتاب تقع عليه من الكتب التي أخذت ~~نفسها بتفصيل أوجه الشبه وأوجه الاختلاف بين ما كانوا يسمونه ب «الفرق» (جمع فرقة) ~~مما ينطوي تحت فكرة واحدة، فالفكرة الواحدة أو العقيدة الإيمانية الواحدة لم تفهم ~~دائما على صورة واحدة، بل تعددت فيها «الفرق بتعدد وجهات النظر». ارجع - مثلا - ~~إلى كتاب «الفرق بين الفرق» للبغدادي أو إلى كتاب «الملل والنحل» للشهرستاني، ~~لترى كم تبلغ الفوارق بين رجال الفكر في طريقة فهمهم للفكرة الواحدة، ومع ذلك قلما ~~حدث ms072 أن اضطهدت فرقة فرقة أخرى خالفتها في وجهة النظر، ودع عنك أن ترميها بما يمس ~~سلامة عقيدتها الدينية، ومعنى ذلك أن الحرية المشتركة التي أسميتها في حديثي هذا ~~بالحرية المسئولة، كانت هي المناخ السائد في سماء الفكر، فإذا دعونا إلى التمسك ~~بتراثنا في أصوله؛ فإنما ندعو إلى الأخذ بكل ما عرفه أسلافنا من دقة في تحليل ~~المعاني، ومن حرية في أن يأخذ كل بما يراه صحيحا ، وأن يعلنه في غير خوف إلا من ~~ربه ورب العالمين. # الفصل التاسع # | التراث هو أول الطريق # عن حرية العقل أتحدث # كان الفتى المراهق يتوقد ذكاء، وكان فوق ذكائه موهوبا في الرؤية الفنية، ~~وأعني بذلك أنه كان مستعدا بفطرته للسير في أي طريق شاء لنفسه، أو شاء له أهله، ~~فهو قادر على السير في طريق التعليم الجامعي بكل فروعه قدرته على السير في طريق ~~الإبداع الفني، وهو كأي مراهق آخر، دائب الحيرة بين قدراته المختلفة، أيها يختار ~~لمستقبل حياته؟ وقد سألني ذات يوم: بماذا أشير؟ فأجبته قائلا: ولماذا لا تملأ ~~حياتك بالقدرتين معا؟ فالمهنة تقيمها على إحدى الدراسات الجامعية من هندسة وطب وما ~~إليهما، والهواية تقيمها على فن من فنون؟ واعلم - يا بني - أن من مواضع القصور في ~~حياتنا أن كثرتنا الغالبة تخرج من مراحل تعليمها وليس لها إلا شيء واحد تعرفه ~~وترتزق منه، وأقل ما يقال في مثل هذه التربية المنقوصة هو أن حياة الإنسان - كل ~~إنسان - مناوبة بين ساعات للعمل وساعات للفراغ، فإذا أعددنا أنفسنا بالمهنة المعينة ~~لحياة العمل الكاسب للعيش، فلا بد لنا كذلك من هواية نختارها، أو هوايات لنجعل منها ~~مشغلة ومسلاة في ساعات الفراغ، وإن شئت يا ولدي أن أضرب لك أمثلة كثيرة لأفراد لم ~~يكن في مستطاعهم إلا مهنة أو حرفة يحبذونها ويعيشون من ربحها؛ فإذا كان فراغ لم ~~يعرفوا كيف يستخدمونه إلا نياما، لسقت لك أمثلة من هؤلاء شاء لهم الله أن يصابوا ~~فيما يعينهم على أداء المهنة أو الحرفة، فقضوا بقية حياتهم في حسرة وأسى، يثقل ~~عليهم ms073 عبء الحياة فلا يجدون بين أيديهم الهواية التي يملئون بها الفراغ الثقيل، ~~ومضت بيننا دقيقة صامتة، فكسرت حاجز الصمت بأن سألته: هلا أطلعتني على آخر ما ~~أبدعته من تكويناتك الفنية الرائعة؟ فأسرع كالطائر المرح وعاد ليطلعني على رسم مثير ~~للدهشة أولا، ومثير لسيل من الأفكار ثانيا؛ إذ هو رسم الإنسان من حروف الأبجدية، ~~بمعنى أنه أقام الشكل من تلك الحروف وحدها، بغير إضافة أي شيء آخر إليها، فمن ~~الحروف كان الرأس وكانت العينان وكانت الأذنان وكان الأنف وكانت الشفتان وكانت سائر ~~الأجزاء جميعا، ولقد تعمد أن يكون الشكل دالا على مجرد إنسان، يصلح أن يكون ~~رجلا وأن يكون امرأة في آن واحد معا. كان التكوين الفني من العناصر الأبجدية ~~بديعا ورائعا، فأخذت أتفرسه، وقد أطلت فيه النظر، فسألني الفتى: ماذا ترى؟ فخرجت ~~الإجابة من بين شفتي تمتمة بكلمات أرددها: أرى ... إلى أبعد الآماد! ففرح الفتى بما ~~قد سمعه وسأل في خفة المراهق: كيف؟ قلت له سأحاول أن أعرض عليك الفكرة في أبسط صورة ~~أستطيعها، فرسمك هذا هو أبرع ما يمكن أن نصور به الموقف الثقافي لشعب جمد عند ~~ماضيه، وأبى على نفسه التطور والنماء، وكثيرا ما شهد التاريخ مواقف ثقافية في مثل ~~هذا التحجر، وكان مصيرها بعد ذلك إلى فناء محتوم، بل إن الأمر في هذا لا يقتصر على ~~تاريخ الإنسان وثقافاته، وإنما يتسع نطاقه ليشمل الكائنات الحية جميعا، فما أكثر ~~ما جمدت أنواع حيوانية عن التكيف لظروف استحدثت في بيئاتها فأخذت تضعف جيلا بعد ~~جيل حتى اندثرت. # ونحصر حديثنا الآن - يا بني - في الإنسان وثقافته بأوسع معنى لهذه الكلمة، وألخص ~~لك الصورة قبل أن أنتقل معك إلى تفصيلاتها فأقول: إن موجة التاريخ إذا ما ارتفعت ~~بأمة إلى ذروة حيويتها ومجدها، وجدت تلك الأمة مبدعة جديدا كل يوم، فهي اليوم ~~أكثر امتلاء من الأمس، وستكون في غدها أكثر امتلاء من يومها، وقلما يحاكي إنسان ~~من أبنائها ذوي الاهتمام المعين إنسانا آخر في مجال ذلك الاهتمام محاكاة تامة، ~~ولماذا يحاكيه على ms074 تلك الصورة وهي له بمثابة إعدامه وإلغاء لوجوده؟ نعم، قد تجد من ~~يتبعون إماما لمدرسة معينة، فيكونون تلاميذه في اتجاهه ومنهاجه، لكنهم يستقلون ~~بشخصياتهم داخل ذلك الإطار، وأما إذا ما هبطت موجة التاريخ بتلك الأمة فها هنا قد ~~يحدث أحد أمرين: إما أن تستعيد الأمة حيويتها الضائعة فتعود بها موجة أخرى إلى ~~الصعود، وإما أن تعجز دون ذلك «فتحفظ» عن ظهور القلوب حفظا أصم لما خلفه لهم ~~آباؤهم من تراث، وعندئذ يصبح العالم من علمائهم هو من حمل رأسه فوق كتفيه، وكأنه ~~يحمل صندوقا مليئا بالمحفوظات، ثم يصبح التعليم كله عملية ملء للصناديق بمحفوظات - كل بمقدار ما تسعفه قوة ذاكرته - فإذا طرح سؤال على عالم أو على متعلم - ~~ابتغاء إجابة تنفع في حل مشكلة طرأت على الناس - كانت الوسيلة الوحيدة للجواب هي ~~البحث في تلك الصناديق المليئة بمحفوظاتها من مخلفات الآباء، عن قول أو جملة أو ~~لفظة مما يمكن أن يكون لها صلة بالمشكلة الطارئة، فإذا أردنا أن نرسم صورة تبين ~~ملامح الرجل من هؤلاء الذين يحملون أدمغة صندوقية ملئت بمحفوظاتها، لم نجد أبرع من ~~الصورة التي رسمتها أنت يا ولدي، وكأنك ألهمت الحقيقة دون أن تدري؛ إذ الحقيقة في ~~أمثال تلك الشعوب التي جمدت عروقها هي أن العالم فيها أو المتعلم لا يراد له ولا ~~يراد منه إلا أن يكون جسدا قوامه كله الحروف الأبجدية وزعت على محفوظات من أقوال ~~وجمل وكلمات، وأما دنيا العمل والبناء والإنشاء والإنتاج فهذه يتولاها من لم يسعدهم ~~الحظ بحفظ التراث، فيكون لهم هو الثقافة وهو المرتزق في وقت واحد. # تلك هي الصورة في مجملها يا ولدي، ولأعد بك إلى شيء من التفصيل ضاربا لك المثل ~~في المرحلتين معا: مرحلة الإبداع والحيوية، ومرحلة المحاكاة والذبول بالأمة ~~العربية في ماضيها وفي حاضرها، ففي ماضيها الذي شهد عزها ومجدها، كان كل يوم في ~~حياتها يزيد علما وخصوبة عن أمسها، وبالتالي كان غدهم يبنى على أمسهم، ثم يضيف ~~من عنده ما قد أبدعه هو في هذا المجال ms075 أو ذاك، وخذ أمثلة لذلك في مجال اللغة ~~وعلومها، وفي مجال الفقه وأصوله، وفي مجال الفلسفة وتأصيلها، وفي مجال الأدب ونقده، ~~وفي مجال العلوم الطبيعية والرياضة، وفي مجال التاريخ وتدوينه، وفي مجال الرحلات ~~والكشوف الجغرافية، وفي أي مجال آخر تشاء، ففي كل مجال تجد القرن الثاني للهجرة ~~أوفر علما من القرن الأول، والثالث من الثاني والرابع من الثالث، وقد يصل بك ~~الصعود إلى الخامس، ثم يبطئ الصعود ليلتقي رجال العلم عندئذ بعملية الترتيب ~~والتبويب في الأعم الأغلب، حتى إذا ما جاء القرن العاشر الهجري (السادس عشر ~~الميلادي) لم يكن في وسع الأبناء إلا أن يحفظ علماؤهم حفظا أصم لما تركه آباؤهم، ~~وهنا تحققت صورتك التي رسمتها، فلم يكن قوام العلماء إلا أقوالا يعيدونها مما ~~حفظوه. # وجاء عصرنا، وكدنا نوفق إلى الخروج من تلك الساقية التي تدور بأوعيتها في بئر ~~مغلقة، تمتلئ منها ثم تعود فتصب ماءها فيها، لا بل استطعنا أن نقطع شوطا في طريق ~~الإبداع - أو على الأقل - في طريق الحث عليه، لكننا يا ولدي عدنا فانتكسنا إلى حياة ~~ثقافية وعلمية، وهي الحياة التي صورتها في رسمك، فالعالم والمتعلم معا رأسه حروف، ~~وعيناه حروف، وأنفه حروف، وشفتاه حروف، وكل جذعه وأطرافه حروف، تأتلف معه في أقوال ~~وجمل خزنها في دماغ صندوقي حمله فوق كتفيه، وأما دنيا العمل والبناء والإنشاء ~~والإنتاج، فبقدر ما عندنا منها. إنما توكل إلى من لم يسعد نجمهم ليحفظوا «التراث» ~~عن ظهر قلب، ليكون لهم هو الثقافة وهو مصدر العيش معا. # والآن استمع إلي بكل انتباهك يا ولدي. إنك قد دنوت من الثامنة عشرة، وهي السن ~~التي عندها تدخل من عالم المراهقة إلى دنيا الراشدين، ثم هي السن التي يباح لك ~~عندها أن تشارك في انتخاب من ينوبون عن الشعب، وبالتالي من يحكمونه، وإنني - فضلا ~~عن ذلك - لشديد الثقة في ذكائك؛ ولذلك فسوف أخاطبك وكأنني أخاطب الشباب جميعا، ~~وأول ما أقوله هو أن تلك الحرية السياسية التي ستظفر بها وشيكا لن يكون لها كل ~~معناها إذا ms076 لم يمهد لها ويصاحبها - ويلحق بها - حريات أخرى لا تكون هي شيئا ~~بغيرها، وماذا تكون حرية سياسية نمارسها في انتخاب النواب ورجال الحكم إذا لم يكن ~~معها حرية ضمير، وحرية فكر، وحرية عقيدة، وحرية تعبير، وإن هذه الحريات جميعا التي ~~أقرها دستورنا وأقرها ديننا لتصبح هواء من هواء إذا لم نمارسها ممارسة حقيقية في ~~حياتنا العملية، فإذا صادفت يا بني من يريدون أن يجعلوا منها هي الأخرى محفوظات مع ~~سائر محفوظاتهم، يكرونها لك كرا باللسان والشفتين، حتى إذا ما نطق ناطق بما لا ~~يتفق مع هواهم حاصروه ليخنقوه؛ فاعلم أنهم هازلون. # استمع إلي بكل انتباهك يا ولدي؛ لأنني سأشرح لك نقطتين متصلتين بمنهج التفكير ~~العلمي، وهما نقطتان على شيء من الدقة، فإذا لم تركز انتباهك فقد تفلتان منك فتزل ~~في الخطأ كما يزل آخرون، ولهاتين النقطتين أهمية خاصة إذا ما كان الموضوع المطروح ~~متصلا بالحفظ الأصم لطائفة من المبادئ والقواعد والجمل والألفاظ، ثم يراد لها أن ~~تكون هي الموجهات لحياة الناس في شئونهم العملية الجارية مع جريان الزمن. # أما النقطة الأولى فهي أن الخطورة فيمن «يحفظ» تركيبا لغويا معينا ويريد له ~~أن يكون هو المرجع للفكر أو السلوك هي أنه قد ينسى أن ذلك التركيب اللغوي المحفوظ ~~ربما كان خاطئا في ذاته، فإذا استخرجنا منه نتيجة ما، كانت بدورها - في هذه الحالة ~~- نتيجة خاطئة، لكننا بما في طبيعتنا البشرية من نقص وضعف إذا ما ارتبطت حياة أحدنا ~~بمحفوظات حفظها وكررها مرة بعد مرة توهم - دون أن يدري - أنه إنما يحفظ ما هو صواب، ~~فإذا طالبته بإقامة الدليل العلمي على صواب معرفته، تشنج وأخذه الغيظ، وهي حالة ~~يعرفها المحللون النفسيون في مرضاهم، والذي أريد أن أقوله لك - ولسائر الشباب معك - ~~إنه محتوم علينا بحكم العقل الذي تميزنا به دون سائر الكائنات بأن نتثبت بكل طريقة ~~علمية ممكنة من صدق ما كنا حفظناه إذا نحن أردنا أن نجعل منه قواعد نحتكم إليها ~~في التفرقة بين الصواب والخطأ، وأحسبك يا ولدي مدركا بذكائك ms077 الفطري أنه إذا ما ~~اختلف «الحفاظ» في مسألة معينة؛ فذلك الاختلاف وحده دليل على أن محفوظاتهم تحتاج ~~إلى مراجعة نحتكم فيها إلى منطق العقل. # وأما النقطة المنهجية الثانية التي أردت تقديمها - ولعلها أصعب إدراكا من الأولى - فهي أن من كانت بضاعته محفوظات لغوية كان بمثابة من بعد عن دنيا الواقع بخطوتين؛ ~~ولذلك لم يكن من حقه أن يحكم على أمر من أمور الحياة الواقعية إلا إذا قطع تينك ~~الخطوتين راجعا من عالم محفوظاته إلى عالم الأشياء. ولماذا هما خطوتان؟ هاك شرح ~~ذلك: إن مفردات اللغة وتراكيبها إذ هي تشير إلى الأشياء والمواقف الفعلية، فهي لا ~~تؤدي ذلك على مستوى واحد بالنسبة إلى جميع الحالات، بل هي في بعض الحالات تمس ~~الواقع مسا مباشرا، وفي بعضها الآخر تبعد عن ذلك الواقع بخطوة أو خطوتين، أو أي ~~عدد من الخطوات، وذلك متوقف على درجة التجريد والتعميم التي يتحدث بها من يتحدث، خذ ~~- مثلا - هذه الدرجات الثلاث: مريض، مريض بالحمى، جاري فلان مريض بالحمى، فواضح أن ~~الجملة الثالثة تتصل بحالة معينة واقعة اتصالا مباشرا، وأما الثانية والأولى ~~فتشيران إلى «تصورات» ذهنية، لا إلى حالات معينة وقعت بالفعل، بعبارة أخرى قد تكون ~~أوضح، إن من يقول كلمة «مريض» أو يقول عبارة «مريض بالحمى» يكون مفهوما لسامعيه، ~~دون أن يكون هنالك بالضرورة مرض قائم بالفعل، وأما من يقول: جاري فلان مريض بالحمى، ~~فهو أيضا يكون مفهوما لسامعيه، لكنه فوق ذلك يجعلنا على علم بشيء حدث ~~بالفعل. # وبناء على هذا الذي قدمناه يمكن القول بأن اللغة تامة الأداء لوظيفتها الأساسية ~~حين تدلنا على ما هو واقع بالفعل، وتكون ناقصة الأداء حين تشير إلى تصورات ذهنية، ~~نفهم ما تعنيه، لكننا لا نضمن بها أن يكون هنالك في دنيا الواقع ما يقابلها، وهنا ~~نستطيع العودة بحديثنا إلى «الحفاظ»؛ فبالبداهة هم لا يحفظون عبارات مأخوذة أخذا ~~مباشرا مما هو واقع حولنا، وذلك لأنهم يحفظون أشياء استخرجوها من كتب، والكتب ~~كتبها أصحابها في عصور مضت، فهي على أحسن الفروض إذا ms078 كانت صادقة فصدقها كان مرهونا ~~بما قد كان واقعا في زمانها، وهي بعد ذلك إما أن يكون صدقها ممتدا ليشمل وقائع ~~حياتنا الحاضرة، وإما أن يكون صدقها قد اقتصر على زمانها، ومعنى هذا هو أن حفاظ ~~التراث عليهم في كل حالة على حدة أن يثبتوا أن ما قد حفظوه من الكتب عن أشباه تلك ~~الحالة يمتد بصدقه إلى حالة عصرنا ليشملها. # ربما ظننت يا ولدي أنني قد بعدت بك بعدا شديدا عما بدأنا به، فلقد كنت بادئ ذي ~~بدء أضمر في نفسي أن أحدثك عن حرية العقل، ثم جاء رسمك الذي صورت به إنسانا قوامه ~~كله حروف الأبجدية فرأيت أنا في رسمك رمية صائبة - أردتها أم لم تردها - فذلك سيان، ~~وهي رمية صائبة؛ لأن الرسم على بساطته يصور لي جانبا هاما من حياتنا الراهنة؛ إذ ~~هي حياة يراد لها أن تلقي بزمامها إلى من لا يملكون إلا حافظة وما تخزنه من أقوال ~~محفوظة، وفي ذلك خطورة خطيرة تستحق منا وقفات متدبرة متأنية، وليس يعيبنا أن نهتدي ~~بحكمة التاريخ، حتى ولو كان تاريخا يؤرخ لأمم غير أمتنا، وها هي أوروبا وما كانت ~~عليه قبل نهضتها نستطيع أن نراها بكل وضوح فيما رواه المؤرخون وفيما صوره ~~الأدباء، كانت أوروبا تجتاز عندئذ مرحلة تتحكم فيها «المحفوظات» قبل أن تتحكم فيها ~~«الأشياء» الواقعة والمواقف الحادثة بالفعل، والمحفوظات بطبيعتها تختزن الماضي، وقد ~~تصلح أو لا تصلح لما هو حادث، فجاءت قصة «دون كيخوته» إلى الناس في تلك المرحلة، ~~فكتب لها منذ الساعة الأولى أن تكون آية من آيات الأدب العالمي كله، لماذا؟ وماذا ~~تحكي تلك القصة؟ إنها بكل بساطة جعلت إنسانا، هو «دون كيخوته»، يحفظ من الكتب كل ~~شيء عن الفروسية والفرسان - وكان عهد الفروسية والفرسان قد انقضى - لكنه أعجب بما ~~قرأه إعجابا ملك عليه كل زمامه، وصمم أن يحيا حياته على نحو ما عاش الفرسان، ~~وإذا بالمسكين يصبح أضحوكة الناس، لكنهم في الحق كانوا يشفقون عليه لبراءته بمثل ما ~~كانوا يضحكون منه لسذاجته، ولقد ms079 أصبحت القصة منذ ظهورها أروع مثل يساق لمن حفظ عن ~~الماضي شيئا وأراد أن يطبقه على حاضره، بغض النظر عما قد تغير بفعل الزمن. # هي يا ولدي خطورة خطيرة على أمة من الأمم، أن تلف عقولها في أغشية من «محفوظات» ~~يعيد الناس بها كلمات وعبارات تركها السلف؛ فيحيون حياتهم في «قال» و«قيل». وموضع ~~الخطورة هو أنهم سرعان ما يجدون أنفسهم قد انفصلوا عن عالم الأشياء والوقائع ~~والمواقف والأحداث، فيفاجئهم الحادث الضخم وهم عنه غافلون، وذلك هو ما حدث لنا - ~~وأعني مصر والوطن العربي والعالم الإسلامي - مرة ومرة وثالثة ورابعة، ولعله آخرها ~~كان هو أن صحونا على شيء اسمه إسرائيل قد انغرس في الجسم العربي ونما وانتشر وازداد ~~قوة ونحن ما زلنا نلف أنفسنا في أغطية القال والقيل، وإنها لأغطية تشبه في تأثيرها ~~فعل الأشرطة العازلة للكهرباء تلف بها الأسلاك المكهربة فتصبح بردا وسلامة على ~~لامسيها. # قال الفتى: لقد تابعتك كلمة كلمة، وفهمت عنك ما أردته أحسن الفهم، لكنني أود أن ~~أعلم منك كيف - إذن - تكون الصلة بيننا وبين أسلافنا إذا كان حفظنا لتراثهم لا ~~يرضيك؟ # قلت: حاشا لله يا بني ألا يرضيني تراث آبائي وأجدادي، وهو يجري في كياني مجرى ~~الدماء في العروق، لكن المسألة هي في «كيف» أقف من ذلك التراث؟ وجوابي هو أن الأمر ~~فيه يشبه الأمر في أرض زراعية ورثتها عن أبيك، فماذا أنت صانع بها؟ إنك لا تطويها ~~لتخزنها في رأسك لتسير معك حيث تسير، بل تزرعها لتستثمرها، فالتراث الذي ورثناه لا ~~ينبغي أن يكون في حياتنا كالحبائل التي يقع فيها الصيد فلا يستطيع لنفسه فكاكا حتى ~~يمسك به صياده، بل ينبغي أن نجعل منه أول الطريق نستثمره على النحو الذي نراه ~~نافعا لنا، فمثلا قد وجدنا في تراثنا مبدأ يوصي بأن يكون أمرنا شورى بيننا؛ ~~فعلينا أن نبدأ من هنا ونسأل كيف نجعل هذه الشورى لتلائم ظروف عصرنا؟ فإذا اخترنا ~~أن يكون ذلك بمجلس لنواب الشعب المختارين، فقد يجيء سؤال بعد ذلك عن أفضل طريقة ms080 ~~نجري بها عملية الاختيار، وهكذا، فها هنا ترانا قد بدأنا من التراث ثم مضينا في ~~طريقنا نحن الذي يلائم حياتنا في عصرنا، لكن قارن ذلك بما كنا قد قرأناه منذ فترة ~~ليست بعيدة لرجل فاضل ممن يحيون التراث «محفوظات» صماء؛ إذ قال إن علينا أن نتبع ~~أسلافنا في أننا ما دمنا قد اخترنا الحاكم، فقد انتهى دورنا في الشورى، وللحاكم بعد ~~ذلك أن يفعل ما يشاء فلا رقيب عليه ولا حسيب. # وقل شيئا كهذا في «العلم» ومكانته من حياتنا، فنبدأ بتراثنا فيما أوصى به من ~~وجوب العلم ووجوب استرشادنا، لكننا من نقطة البدء هذه ننطلق فيما يلائم عصرنا، فأي ~~«علم» يكون؟ العلم بماذا؟ كان أسلافنا يوجهون الطاقة العلمية - أو معظمها - نحو ~~دراسات كانت في يومهم هي ذات الأولوية الأولى، وكان معظمها منصبا على الجانب ~~اللغوي من الفكر، ولا أعني فقط دراسة اللغة من حيث هي لغة، بل أعني أن موضوعات ~~البحث كانت صيغا لغوية على كل حال، وأما اليوم فبالإضافة إلى تلك الدراسات التي لا بد منها لكل عصر فتحت أمام الإنسان صفحة جديدة، أو هي كالجديدة، بل وأصبح لها ~~الأولوية الأولى، وأعني بها صفحة الكون وظواهره، فوجبت دراسته بالعلوم التي تصلح ~~لدراسته. # لقد كنت من أشد الناس فرحة بجامعة الأزهر في صورتها الجديدة، وكتبت لأعبر عن ~~فرحتي تلك مقالة جعلت عنوانها: «الثورة الرابعة» اعتبارا مني بأن مصر كانت قبل ذلك ~~قد حققت ثلاث ثورات، هي الثورة السياسية التي خلصتنا من الاحتلال البريطاني، وأعطت ~~المواطنين شيئا من حقوقهم السياسية، والثورة الاجتماعية التي رفعت من مكانة الفلاح ~~والعامل، فجعلتهما مساوية لأي جماعة أخرى من أبناء الوطن في القدر وفي الحقوق؛ ~~علما بأن تلك الفئة التي كانت مغلوبة على أمرها تبلغ أكثر من أربعة أخماس السكان، ~~والثورة الثالثة هي الثورة الاقتصادية التي غيرت ما غيرته من الملكية الزراعية، ~~ثم ضاعفت قطاع الصناعة الثقيلة منها والخفيفة أضعافا عدة، وها هي تلك الثورة ~~الرابعة في مجال التعليم والعلم، وأعني تطوير جامعة الأزهر لتصبح جامعة ms081 كسائر ~~جامعات الدنيا. إن وقفت وقفة مع تاريخ الفكر وتاريخ العلم؛ فيجب أن تقف وقفات مع ~~الفكر والعلم كما يعرفهما العصر الذي نعيش فيه، فليس شأني يا بني هو رفض تراثنا - ~~أستغفر الله - وها هي ذي كتبي في هذا الميدان شاهدة على ذلك. # ولكن يبقى مع ذلك سؤال جوهري لا بد لنا من الإجابة عنه إجابة عملية، وهو: كم من ~~التراث؟ وكيف؟ # على أني ألاحظ أننا نتحدث عن «التراث» وكأنه طاقية - مثلا - إما وضعناها على ~~رءوسنا وإما خلعناها، وليس الأمر كذلك، فهذا التراث عالم فسيح الجنبات كثير الأبعاد ~~عميق الأغوار، فيه أصول الدين وفيه مذاهب الفقهاء، وفيه الشعر وفيه النثر الأدبي ~~وفيه الفلسفة وفيه كتب المتصوفة، وفيه علوم اللغة، وفيه العلوم بكل أنواعها، وفيه ... ~~وفيه ... وليس موقف عصرنا من هذه الفروع الكثيرة متساويا بالنسبة إليها جميعا، بل ~~إن فيها ما يظل ماضيه هو حاضره وقديمه هو جديده، وفيها كذلك ما كان ماضيه مرفوضا ~~كله أو بعضه عند الإنسان الجديد بعلومه العصرية وبحياته التي تغيرت ظروفها. # ومن ذلك ترى - يا ولدي - أن ما ورثناه عن أسلافنا لا بد أن يكون نقطة ابتداء ننظر ~~إليه عندها نظرة جادة نظرة من يحب أسلافه ويحب نفسه، وإما وجدنا الضرورة تقتضي أن ~~نطيل وقوفنا عند تلك النقطة، وإما دفعتنا ضرورة الحياة دفعا إلى مجاوزتها إلى ما ~~قد استحدث بعدها، مع إحالتها إلى عناية المؤرخين. # الفصل العاشر # | صورة يفزعني صدقها # عن حرية الحركة أتحدث # حمار مربوط بحبل في وتد، تلك هي العناصر المادية، التي أقام عليها الشاعر العربي ~~الصورة التي رسمها في بيتين من شعره، ولست أذكر متى حفظتهما، ولا بد أن يكون ذلك ~~منذ زمن بعيد، بل ولا أذكر من هو الشاعر، لا، بل تذكرته الآن، إنه «المتلمس» وما ~~هو أهم من ذلك عندي، هو السؤال الذي طالما طرحته على نفسي في حالات التذكر التي ~~تشبه هذه الحالة، والسؤال هو: لماذا تذكرت هذا المحفوظ القديم الآن؟ إذ كثيرا ما ~~ظننت أن لا علاقة هناك بين ms082 حادثة تصادفني، وبين ما تستدعيه من مخزون الذاكرة، لكنني ~~لا أدع نفسي لتستريح إلا إذا بحثت فوجدت الرابطة بين الطرفين. # وليست العناصر المادية في الصورة التي رسمها الشاعر هي - بالطبع - كل ما يحمل ~~البيتان، بل هي الركيزة الحسية التي اختارها الشاعر ليقيم عليها ما أراد إقامته من ~~معان، وإني لأوثر أن أرجئ ذكر البيتين حتى أعرض لب المعاني التي أرادها الشاعر، ~~وذلك لأني أعلم كم بات عسيرا على القارئ اليوم أن يقرأ شعرا، فأولا: لم يرد ~~الشاعر أن يسمي «الحمار» حمارا، بل أسماه «عير الحي»، وذلك - في ظني - لأن اسم ~~«الحمار» قد ينصرف عند القارئ إلى تلك الحمر التي يركبها السادة الأثرياء، والتي ~~هي مطهمة بسروج من حرير، في حين أن الحمار الذي عناه الشاعر في صورته، إنما هو ذلك ~~الضرب الذي يستخدمه سواد الناس في نقل الحجارة أو الرمل والزلط، أو ما إلى ذلك من ~~أحمال! ولهذا فكثيرا ما ترى الحمار المسكين في هذه الحالة مسلخ الظهر، معفر ~~الجلد، ثم هو مع ذلك هزيل بارزة عظامه لسوء ما تغذى، وثانيا لا بد لنا إذا ما ~~وردت كلمة «الوتد» في البيتين أن نستحضر في أذهاننا شيئا من تاريخ الوتد؛ لأننا ~~أميل إلى إهماله ونسيانه، فالوتد هو الآن قطعة من خشب، لكنه كان أيام عزه جزءا من ~~فرع شجرة حية خضراء، ولا بد لذلك الفرع أن كان يميس مع الرياح كأنه الغادة الحسناء ~~يتأود عودها من عجب وخيلاء، وأحسب أن القارئ على علم بكثرة ما لجأ الشعراء العرب ~~إلى فروع النبات يشبهون بها الغيد الحسان. # هكذا كان الحمار، والوتد الذي ربط به، كلاهما في الصورة التي رسمها الشاعر، قد ~~أحاط بهما، وسرى في جسديهما هوان وذل، وثالثا لم يتركنا الشاعر لنتخيل في تلك ~~الحالة الذليلة ما نتخيله، إذ خشي أن يذهب بنا الظن إلى افتراض أن يكون ذل الحمار ~~وذل الوتد - كما رسمهما - قد جاءهما مصادفة، فما أكثر ما تهبط مصادفات الحياة بعزيز ~~قوم إلى مذلة في أقل من لمح البصر، ms083 لكن حالة الحمار والوتد لم تكن من هذا القبيل، ~~بل هو ذل أريد بهما عن عمد، ومع ذلك فهما مقيمان على ما أريد لهما من ضيم وكأنهما ~~راضيان به، إذ تراهما وقد شملهما هدوء وسكون، فلا قلق ولا ملل ولا سخط. رابعا إذا ~~فرضنا أننا قد التقينا بذلك الشاعر فسألناه: من أين لك هذا كله عن الحمار والوتد؟ ~~فإنه يجيب في ثاني البيتين بالبينة، إذ يقول عن الحمار إنه لم يقتصر على أن يكون ~~مربوطا «برمته» (الرمة هي الحبل تساق به الدابة)، بل إنه في وضعه ذلك «على الخسف»، ~~وأما الوتد فإن سيده الذي غرسه في الأرض أخذ يدقه على رأسه حتى شج له ذلك الرأس، ~~ومع ذلك فقد بلغ من الهوان أن أحدا من الناس لم يعطف عليه ببكاء أو رثاء. # والآن فلأذكر البيتين: # ولا يقيم على ضيم يراد به # إلا الأذلان: عير الحي والوتد # هذا على الخسف مربوط برمته # وذا يشج فلا يرثى له أحد # على أن روعة الشعر الجيد لا تنحصر في نصه، بكل ما يكون في ذلك من ~~حلاوة لفظ، ودقة تصوير، بل إنها لتجاوز به تلك الحدود لتجعله قادرا على تصوير ~~مواقف وحالات لا حصر لأنواعها، مما قد يصادف الإنسان في حياته، فلئن كانت الصورة ~~في البيتين المذكورين خاصة بحمار ووتد أصابهما هوان وذل، بسبب ما فرض عليهما من ~~قيود تشل فيهما حرية الحركة التلقائية، فإن هذه الصورة نفسها تنطبق أتم انطباق على ~~مواقف أخرى كثيرة، وكأنما كانت تلك المواقف هي المقصودة بشعر الشاعر، ومن هنا كانت ~~صورة الحمار المربوط برمته في وتد شج رأسه من قسوة الدق عليه كثيرة الورود إلى ~~مخيلتي، أستدعيها بالذاكرة من الوعاء الذي امتلأ بالمخزون، فهي صورة تقفز إلى ذهني ~~دون أن يكون فيما أراه أمامي حمار ولا وتد، فتراني - كما أسلفت لك القول - لا أدع ~~نفسي لتستريح حتى أجد العلاقة الخفية بين حادثة أراها وبين أن تقفز صورة الحمار ~~والوتد إلى ذهني. # قد لا يكون الحمار - في الموقف الحادث ms084 - حمارا ولا الرمة التي تربطه حبلا ~~(الراء في «الرمة» مضمومة)، ولا الوتد وتدا، لكنها كثيرا جدا هي تلك المواقف ~~التي تستثير في مخيلتي الصورة التي رسمها الشاعر؛ إذ يكفي أن يكون في الموقف المعين ~~«مربوط» و«رباط» و«رابط» بحيث ينتج عن ذلك الثالوث شلل في الحركة لتكون الصورة التي ~~رسمها الشاعر دالة على طبيعة ذلك الموقف، وأن أمثال تلك المواقف المشتملة على ~~مربوط ورباط ورابط (أو مربوط به) لتتراوح عندي من الحادثة الصغيرة فصاعدا إلى ~~الحضارات حين يصيبها جمود يبطل فيها حرية الحركة. # حرية الحركة هي التي كانت معيارا للتقدم في مسيرة الحياة منذ كانت في الدنيا ~~حياة! وإن أشواط تلك المسيرة الكبرى لثلاثة تعاقبت في الظهور، نبات، وحيوان وإنسان، ~~فإذا أمعنت النظر في تلك الخطوات الثلاث، وجدت أن العلاقة الفاصلة بين ما هو أدنى ~~وما هو أعلى، إنما هي القدرة على الحركة في اتجاهات مختلفة وأبعاد متفاوتة، فالنبات ~~يتحرك في نمائه حركة رأسية في مجملها، لكنه لا يتزحزح بجذعه من مغارسه على الأرض، ~~والحيوان في وسعه الحركة من مكانه إلى مكان آخر، لكنه مقيد في ذلك بحدود، فضلا عن ~~أنه في حياته مقيد بلحظته الزمنية الحاضرة، فهو لا يعي تاريخ نفسه، ولا يجاوز لحظته ~~الحاضرة إلى لحظة يتوقعها بخياله في مستقبله، وأما الإنسان فقد بلغ من حرية الحركة ~~حدودا كانت تسبق خياله، فهو لا يتقيد بمكان ولا يتقيد بزمان، فإذا عزت عليه ~~الحركة في المكان والزمان بجسده، استطاع بخياله أن يصل إلى اللامتناهي مكانا ~~وزمانا. وإنه لمن نافلة القول في هذا المجال أن نذكر ما قد أبدعه الإنسان لنفسه من ~~وسائل الحركة الحرة: سيارات، وطيارات، وغواصات، وصواريخ. # لكن القول الذي ينبغي أن يقال مرة وألف مرة حتى يرسخ بجذوره في رءوسنا إلى آخر ~~خلية فيها؛ هو أن الإنسان؛ لكونه الذروة التي ليس بعدها خطوة تعلوها بالنسبة إلى ~~كائنات الأرض، وذلك من ناحية الأجساد وأعضائها، قد انفرد - دون سائر الكائنات - بطرق يسلكها ليستأنف صعوده في مدارج الارتفاع، وأعني بذلك المسالك العقلية ms085 ~~والوجدانية من دين وعلم وفكر وفن وما شئت بعد ذلك من فروع الحياة الثقافية للإنسان، ~~ومعنى ذلك أنه إذا لم يكن هنالك وجه للمفاضلة بين إنسان في مقومات الكيان العضوي؛ ~~فتلك المفاضلة واردة في مجال الثقافة بمختلف نواحيها ومعانيها. وإني لأستغفر الله ~~إذا كنت أجاوز الحدود لو قلت إن في الجماعات البشرية ما يكاد يصبح «نوعا» آخر ~~بالنسبة لسواه، لا لأنه تغير وتطور في مكوناته العضوية، بل لأنه تغير وتطور في ~~قدراته العقلية والوجدانية على نحو مكنه من أن يقهر الطبيعة قهرا حتى خضعت له في ~~الكثير من جوانبها، ثم كان أن نتج عن ذلك سيطرته على من لم يستطع من الجماعات ~~البشرية أن يصنع صنيعه، وهي سيطرة قد تكون ظاهرة حينا وخافية في معظم الأحيان، ~~فإذا سألتني: ماذا قيد من تخلف من الجماعات البشرية فحال بينه وبين أن يصعد مثل ذلك ~~الصعود؟! أجبتك بأن هذا هو موقف من المواقف الكبرى التي كلما طافت بذهني، قفزت إلى ~~الصورة التي رسمها الشاعر العربي، وعليك أنت أن تتبين لنفسك، أين الحمار، وأين رمته ~~المربوط بها على خسف، وأين الوتد الذي ربط فيه! # إن حياة الكائن الحي مهما اختلف نوعه، ومن الكائنات الحية لغات وثقافات وحضارات، ~~مرهونة بسرعة التكيف للبيئة ومتغيراتها إن الكائن الحي يأخذ من بيئته ويعطيها، ~~وإذا لم يتحكم فيها تحكمت فيه. إنه يأخذ منها الهواء شهيقا ويرده إليها زفيرا ~~مختلفا في عناصره عن الشهيق الذي أخذه، يأخذ منها طعاما وشرابا ويرده إليها ~~فضلات، وهو يتحوط لها كلما أصابته منها صائبة احتمى بما يحميه، فإذا برد فيها ~~الهواء أكثر مما يطيق، استدفأ بالثياب الملائمة، وهكذا وهكذا إلى ما ليس له آخر ~~فيما بين الإنسان وبيئته من مداورة ومناورة وتعاون حينا وعناد حينا آخر، والفناء ~~لمن قصر في تلك اللعبة العجيبة، وإنه لمما يقال عن سبب اندثار الديناصور (وهو ~~حيوان جسيم الضخامة حتى لترى هياكله العظيمة المعروضة في المتاحف الكبرى كالتي ~~رأيتها في واشنطن وفي لندن قد بلغت من ضخامتها حدا جعلها ms086 تمتد به عدة أمتار) أقول ~~إن سبب اندثار هذا الحيوان الجبار - فيما يقال - هو أنه قصر في سرعة التكيف ~~للعوامل التي تفاجئه في بيئته، فإذا أصاب ذيله ما يؤذيه وتطلب سرعة الرد؛ أبطأت ~~الرسالة الذاهبة من الذيل المصاب إلى المخ، حتى لتستغرق في طريقها نحو ثلاثة شهور، ~~فإذا بدأ المخ في الاستجابة بتحريك البدن حركة ترد عن الذيل ما أصابه، كانت الفرصة ~~قد أفلتت، واعتدى على الذيل ما اعتدى من عدو مهاجم. # فهل ترى فرقا كبيرا بين هذه الصورة التي يذكرونها عن حيوان الديناصور وانقراضه ~~وبين أمة كان يمكنها بما لديها من مقومات ثقافية وحضارية أن تكون سريعة الحركة، ~~شديدة الوعي بما حولها، لكنها لأسباب تريد التحليل والتوضيح جمدت وخمدت فتثاءبت ~~فنامت، حتى دهمها من دهمها، ولم يقتصر الداهم على الذيل والأطراف كما حدث ~~للديناصور، بل توغل في قلبها وفي حشاياها. أقول هل ترى فرقا كبيرا بين ما أصاب ~~الديناصور وما قد يصيب أمة كالتي ذكرت، فإذا سألتني: وما الذي حال تلك الأمة دون أن ~~تتحرك كما تحرك الأحرار؟ أجبتك: وهذا ما يحيرني، وكلما أحسست الحيرة، وثبت إلى ~~ذهني من الذاكرة الصورة التي رسمها الشاعر العربي. وعليك أنت مهمة البحث، أين يكون ~~الحمار في هذه الصورة؟ وأين يكون الوتد الذي يشد إليه الحمار برمته؟ وهنا يعن لي ~~أن أثير لك سؤالا فرعيا يستحق منا وقفة قصيرة، فالشاعر العربي قد اختار أن يصف ~~الحمار والوتد بأنهما «الأذلان»، فلماذا لم يقل إنهما «الذليلان»؟ أيكون قد جعل ~~الفرق بين «الذليل» و«الأذل» أن الأول ذليل ويعرف أنه كذلك، فيحاول أن ينفض عن نفسه ~~الذلة إذا استطاع، وأما «الأذل» فهو الذليل الذي ليس له من الإدراك ما يعلم به أنه ~~ذليل؟ ربما. # إن الأمة العربية في تمزقها وتخلفها اللذين يسودان حياتها الحاضرة لو كانت ~~مدركة حقا كم تمزقت وكم تخلفت لحاولت بكل ما ورثته من مقومات الحضارة والثقافة أن ~~تتخلص مما انحدرت إليه، لكنها تزداد كل يوم تمزقا وتخلفا، فالمقياس الوحيد الذي ~~أراه معيارا للتقدم ms087 هو أن أرى كم تشارك في بناء عصرها، وإذا كان العصر تشوبه عيوب، ~~فمن المشاركة أيضا أن تتصدى لإصلاح عيوبه، باعتباره عصرنا الذي كتب علينا أن نعيش ~~فيه، وبهذا المقياس الوحيد، نرى في وضوح كم يكون مقدارنا، فلو كان المعيار عدد ~~المدارس والجامعات ومن تخرجوا فيها، لكان من الجائز أن نجد لأنفسنا ما نعتز به في ~~موكب العصر، لكن المدارس والجامعات برغم قيمتها الكبرى في تخريج أصحاب المهن ~~والحرف، فهي دون المطلوب، والمطلوب هو أن نشارك في الابتكار في عملية البناء، وإلا ~~فهل يعقل أن نشتري سلاح الحرب ممن هو عدو لنا، لو كنا لنقاتل أحدا لقاتلناه؟ هل ~~يعقل أن أطب لمرضاي بطب من هو عدوي الذي يسعى إلى محوي إذا استطاع؟ إننا نخدع ~~أنفسنا إلى الحد الذي يجعلنا نشتري من عدونا مصانع نقيمها على أرضنا، ثم نقول إننا ~~منافسوه، ولو كنا ممن تسكع على طريق الحضارة الإنسانية دون أن يضيف إليها شيئا ~~لقلنا إن ذلك - إذن - هو قدرنا في الحاضر كما كان قدرنا في الماضي، ولكننا بناة ~~حضارة كأمهر من بنوها، وينبوع ثقافة كأغنى ما عرفت الثقافة الإنسانية من ينابيع، ~~وهذا يعني أن البركة الآسنة التي نعيشها الآن لا تتطلب منا سوى أن نشق لها ~~الأخاديد لتتدفق أنهارا هادرة كالتي عشناها في معظم عصور التاريخ، لكن ما حيلتنا ~~وفينا من أخذته الغيبوبة، ثم حسب أنه هو الواعي وهو العالم، وهو الشاعر وهو الفنان، ~~وهو الرائد، وهو كل شيء في الدنيا، وماذا يعرف عن نفسه من لا يعرف إلا ~~نفسه؟! # لقد مرت في تاريخ الأمة العربية تجربتان تستحقان النظر الصادق والدراسة الجادة ~~المتأملة، كانت الأولى هي حكمها للأندلس ثمانية قرون - ومع ذلك - فقد استطاع عدوها ~~انتزاعها منها بعد تلك المدة الطويلة، والثانية هي أن استولى الصليبيون على فلسطين ~~ولبثوا فيها نحو ثلاثة قرون، ولكننا عدنا فجمعنا عزيمتنا وطردنا الصليبيين من ~~فلسطين، والسؤال الذي يتطلب منا الدراسة العميقة لنهتدي بنتائجها فيما نحن فيه ~~الآن من تمزق وتخلف هو هذا: لماذا فشلنا ms088 في تجربة الأندلس ونجحنا في تجربة ~~الصليبيين؟ # إنني في أعماق نفسي مؤمن أشد الإيمان بإمكانات الأمة العربية لو صدقت عزيمتها ~~وصحت نظرتها إلى الأمور، ولم يرتفع فيها صوت كالذي سمعته من ذلك المسئول الكبير - ~~وذكرت لك أمره في مناسبات سابقة - وذلك حين أعلن في اجتماع رسمي أنه سيعمل على ~~تحفيظ شبابنا القرآن الكريم ليستطيع أن يقاوم الحضارة القائمة، ولو هداه الله إلى ~~الصواب لقال إنه سيعمل على تحفيظ شبابنا القرآن الكريم ليستطيع به أن يشارك في بناء ~~الحضارة القائمة؛ لأنها حضارة عصر يعيش هو فيه. # إن الدراسة المستفيضة التي قام بها فيلسوف التاريخ «توينبي» عن الحضارات متى ~~تندثر ومتى يكتب لها البقاء، يمكن أن تضيء لنا الطريق فيما نحن الآن بصدد الحديث ~~عنه، فلقد تناول «توينبي» بالتحليل أكثر من عشرين حضارة عرفها التاريخ، منها ما ~~انقرض وزال، ومنها ما ثبت ودام، (وكانت حضارتنا نحن من الصنف الثاني) ومن تلك ~~الدراسة استخرج القاعدة العامة، وهي التي أطلق عليها عبارة «التحدي والاستجابة»، ~~فالحضارة المعينة قد تنشأ العوامل التي تعمل على هدمها، وعندئذ يكون الأمر بين ~~ثلاثة احتمالات: الأول هو أن يكون التحدي أضعف جدا من أن يؤثر في قوة الحضارة ~~المراد هدمها، فيزول التحدي وتبقى الحضارة، والثاني هو أن يكون التحدي أقوى جدا ~~من أن تستطيع الحضارة المراد هدمها أن تقاومه، فتزول الحضارة ويبقى ما جاء ~~ليتحداها، والثالث هو أن يكون التحدي بين القوة والضعف، فيفعل في الحضارة المراد ~~هدمها فعل التطعيم الطبي، الذي من شأنه أن يوقظ في الجسم قوة المقاومة فيقاوم فيصح ~~ويقوى ويعيش، وليس من شك في أن الأمة العربية يتهددها في هذا العصر ما يتحدى وجودها ~~نفسه، ولست أعني بوجودها مجرد وجود لأفراد يأكلون ويتكاثرون، بل أعني وجودا فيه ~~العزة والبأس الشديد، وعقيدتي هي أن التحدي هذه المرة هو من الصنف الثالث فيما ~~ذكرنا من أصنافه، أي إنه من النوع الذي لا هو من الضعيف بحيث نتجاهله ولا هو من ~~القوة بحيث يسحقنا، وإنما هو بين بين، أي ms089 من النوع الذي يمكن أن يوقظ فينا قوة ~~المقاومة لو اشتدت بنا العزيمة. # لكن العزيمة القوية وحدها لا تكفي؛ إذ هي بحاجة إلى هدف تشتد من أجل بلوغه، ~~وتلك هي علة العلل في حياتنا الحاضرة؛ لأنها حياة بغير هدف واضح، أو ربما كان ~~لكثير منا هدفه الواضح، لكنه ليس الهدف الذي يمكن قبوله ليكون هدفا قوميا ~~تماما، نعمل من أجله ونعلم أبناءنا من أجله ونفكر من أجله ونكتب الأدب وننشئ ~~الفن من أجله، ولن يكون ذلك الهدف القومي واضحا، إلا إذا استطاع خيالنا أن يتصوره ~~مجسدا في الأفراد، فماذا نريد للمواطن العربي أن تكون صورته؟ وعن هذا السؤال أجيب ~~إجابة لا أتردد فيها، وقد عبرت عنها في مناسبات كثيرة سابقة، وهي أن يكون المواطن ~~العربي الجديد ملتقى طبيعيا لموروثه من جهة ولجوهر الحضارة العصرية من جهة ~~أخرى. # على أن هذه الصورة الثقافية الجديدة لا تتحقق لنا لمجرد ذكرها فيما نقوله وما ~~نكتبه، فالدواء لا يشفي المريض لمجرد أن يكون المريض قد كرر اسمه ملايين المرات، ~~إنما هو قد يشفيه إذا هو تجرعه ليسري في كيانه، كذلك إذا استهدفنا للمواطن العربي ~~صورة جديدة كان لا بد من تنشئته على تلك الصورة، بالتعليم الخاص وبالتعليم العام، ~~وأعني بالتعليم الخاص تعليم المدارس والجامعات. وأعني بالتعليم العام تعليم وسائل ~~الإعلام كلها، وقنوات الثقافة كلها، وإنما يتحقق لنا ذلك لا بالتلقين المجرد، بأن ~~يقول المعلم، أو المذيع، أو الكاتب للمتلقي: عليك بأن تكون في حياتك تجسيدا ~~لثقافتين يلتقيان في شخصك هما كذا وكيت، بل لا بد - في أمثال هذه الحالات التي ~~يراد فيها للإنسان أن يغير اتجاهه العام - من عملية التحليل والتأصيل، التي نكشف ~~بها عن الجذر المبدئي الذي تلتقي عنده الثقافتان المذكورتان، لنبثه فيما نعلمه من ~~مواد، وما نكتبه أو نذيعه من فكر وأدب وفن وإعلام. # وأما ماذا يكون ذلك الجذر المبدئي الذي نجعل نقطة فيكون بالتالي هو الأساس النظري ~~الذي نقيم عليه البناء؟ فهو - فيما أرى، وقد يرى غيري شيئا آخر - أن نبدل ms090 ما هو ~~قائم في نفوسنا الآن، من أن السكون لا الحركة، هو الأصل، أن نبدل ذلك بنقيضه، وهو ~~أن الحركة هي الأصل، والسكون هو العرض الزائل، فنحن الآن في وقفتنا الثقافية العامة ~~كمن يرى أن الجمود على صورة الحياة السلفية لا يحتاج إلى تفسير؛ إذ هو عندنا الوضع ~~الطبيعي الذي لا يثير سؤالا، أما الذي يتطلب السؤال ويحتاج إلى تفسير، فهو أن ~~ينادي أحدنا بوجوب أن نتغير، والذي نراه هو عكس ذلك، وهو أن نربي جيلا جديدا، ~~يبني وجهة نظره على أساس أن التغير الدائب الذي لا ينقطع في كل أسس الحياة، بحيث ~~تواكب عصرها دائما، إنما هو الوضع الطبيعي للأمور، فإذا طالب أحدنا بأن نتوقف ~~ونجمد على صورة سلفت سألناه لماذا؟ # إن موضع المأساة في الصورة التي رسمها الشاعر العربي من حمار مربوط برمته إلى وتد ~~هو أن الحمار والوتد كليهما قد استسلما ورضيا بما أصابهما من تقييد للحركة، في حين ~~أنه - كما قال ذلك الشاعر - «لا يقيم على ضيم يراد به» إلا الذليل، بل ما هو أذل من ~~الذليل، ولست أجد ما أختم به حديثي هذا أكثر دلالة من صورة امرأة لفت جسدها بما ~~يشبه عباءة سوداء، من رأسها إلى قدميها، رأيتها في إحدى العواصم الكبرى وفي شارع ~~تجاري مزدحم من تلك العاصمة، وقد تعثرت في غطائها الأسود فوقعت بين الزحام، ثم ~~أسرعت مقرفصة إلى ركن المدخل من محل تجاري قريب منها، وقبعت فيه وكأنها ترتجف داخل ~~سوادها مما أصابها، وما كان يمكن أن يصيبها، فوثبت إلى ذهني الصورة التي رسمها ~~الشاعر العربي في بيتين من شعره، ولم أجد هذه المرة عسرا في أن أعرف أين الحمار ~~وأين يكون الوتد الذي ربط فيه الحمار برمته، لكني قلبي الحزين أنطق لساني بصيحة ~~ملتاعة: متى يجيء اليوم - يا رب - الذي تكون فيه هذه المرأة نفسها رائدة من رائدات ~~الفضاء؟! # الفصل الحادي عشر # | ضمير مكتوم # عن حرية التعبير أتحدث # كنت ما أزال دون الثلاثين من عمري حين أخذت أجمع كل ما ms091 استطعت جمعه من «المدن ~~الفاضلة» (الطوباويات) بادئا من «جمهورية» أفلاطون، فسائرا مع مراحل التاريخ ~~الفكري مرحلة بعد مرحلة حتى جعلت آخر المطاف كتاب ه. ج. ويلز «يوتوبيا حديثة»، وكان ~~نصيب الفكر العربي من تلك المجموعة كتاب الفارابي «آراء أهل المدينة الفاضلة»، وما ~~زلت أذكر المتعة العقلية التي نعمت بها إبان الفترة التي انصرفت فيها إلى ذلك ~~العمل؛ إذ وجدتني كلما انتقلت من «مدينة فاضلة» ابتدعها مفكر إلى مدينة فاضلة أخرى ~~ابتدعها مفكر آخر في عصر آخر، وينتمي إلى شعب آخر، إنما أنتقل من حلم منسق البناء ~~إلى حلم آخر، فللعقول أحلامها كما أن للنفوس أحلامها كذلك، وهذه الأخيرة هي التي ~~يمارسها في نعاسه كل نائم، والفرق البعيد بين أحلام العقول وأحلام النفوس هو أن ~~الأولى لا يستطيع بناءها إلا كبار الفلاسفة والمفكرين، في حين أن الثانية جزء من ~~فطرة الإنسان، كل إنسان وأي إنسان، بل أظن أن هنالك من يقولون إن لبعض صنوف الحيوان ~~أحلامها في فترات نومها، وأحلام العقل صادرة عن وعي وتفكير وروية وتدبير، وأما ~~أحلام النفس في سباتها فأطياف تتجسد في رموز، وتتعاقب لا يربط الطيف السابق بالطيف ~~اللاحق إلا ما يسمونه بقوانين «التداعي»، فالتشبيه يستدعي شبيه، والنقيض يستدعي ~~نقيضه، والصورة المعينة في الحلم تجر وراءها صورة كانت قد تجاورت معها مكانا أو ~~زمانا، أي إن أحلام العقل كما صورها أصحاب «المدن الفاضلة» من الفلاسفة والمفكرين ~~إنما تبنى على أسس منطقية، وأما أحلام النيام فتتحكم في تتابعها المصادفات، أو ما ~~يشبه المصادفات، وفضلا عن ذلك كله، فأحلام العقل تصور ما تصوره استباقا لمستقبل ~~مأمول، وأما أحلام النفس فتستعيد لحظات من ماضيها، لتحقق في النوم ما استحال عليها ~~تحقيقه في اليقظة من شهوات ورغبات. # جمعت - إذن - مجموعة من أحلام العقل عن مستقبل الإنسان كما يتمناه رجال الفكر على ~~اختلاف العصور واختلاف الأمم، وكانت قد بدت لي ملاحظات سجلتها لنفسي، في المقارنة ~~بين تلك الصور العقلية، ومن أبرزها وأوضحها أن تلك الصور أخذت - مع تعاقب العصور - ~~تتدرج من «مدينة» ms092 فاضلة كما هي الحال في «الجمهورية» لأفلاطون، و«آراء أهل المدينة ~~الفاضلة» للفارابي، إلى «جزيرة» فاضلة، كما نراها في «يوتوبيا» توماس مور، ثم إلى ~~«كوكب أرضي» فاضل كالذي أراده ه. ج. ويلز في كتابه «يوتوبيا حديثة» مما يدل على أن ~~الإنسان كلما اتسع بفكره الأفق، اتسع أمامه - بالتالي - ما يظنه المثل الأعلى في ~~حجم الوحدة القومية، فبعد أن حسب اليونان الأقدمون، بل وحسب معهم فيلسوفنا العربي ~~أبو نصر الفارابي أنه لا يجوز للوحدة القومية أن تزيد على مدينة واحدة؛ حتى يمكن ~~لأبنائها أن يترابطوا في كيان عضوي متسق، أصبحت «الجزيرة» هي ذلك الحد الأدنى، ولا ~~بأس في أن تتعدد الجزر البشرية، على أن تكون كل منها مستقلة بكيانها، ثم ازداد ~~الأفق اتساعا في عصرنا الحديث، بحيث لم يعد يتصور صاحب اليوتوبيا الحديثة إمكان أن ~~تتجزأ الإنسانية إلى شعوب، مبتورة الصلة بين شعب وشعب، ولو كنت أرجأت ذلك الجهد ~~الذي بذلته في جمع ما أمكنني جمعه من «الطوباويات» عشر سنين؛ فربما كنت أضفت إلى ما ~~جمعته، نموذجا جديدا فيه أثر العلوم الحديثة على تشكيل الجماعة البشرية، كالذي ~~قدمه أولدس هكسلي في كتابه «عالم طريف» أو كالصورة الحزينة الساخرة التي رسمها جورج ~~أورويل في كتابه المسمى «1984». # وكان مما استوقف نظري في تلك الطوباويات أنها تشترك كلها في وجوب أن يكون العمل ~~الذي يؤديه كل مواطن نابعا من طبيعته هو، ومتفقا مع مزاجه هو، وانعكاسا ~~لاستعداداته هو، وميوله هو، لا أن يكون المواطن كقطعة الحجر في يد البناء، يجذ من ~~أطرافها ما أراد له شكل الجدار الذي يبنيه، فنحن إذا تركنا للمواطن أن ينمو وأن ~~يعمل وأن يعبر عن طبيعته وقدراته، جاءت صور الحياة كلها تعبيرا عن المواطنين، كل ~~فرد منهم فيما يقول أو يعمل، وبهذا يصبح مجموع ما يعبر به الأفراد عن ذوات أنفسهم ~~هو نفسه ما يعبر به الشعب في مجموعه عما يصح أن يطلق عليه اسم «روح» ذلك ~~الشعب. # إن أصحاب تلك الصور العقلية، الذين حاولوا بصورهم تلك، أن يرسموا لأنفسهم ms093 وللناس، ~~صورا للحياة المثلى كما يرونها، قد اتفقوا جميعا على أن يحرص المجتمع المعين، في ~~تربيته لأبنائه وبناته، على أن تنمو في كل فرد منهم طبيعة «الفنان»؛ إذ الأساس في ~~طبيعة الفنان هو أن تكون العلاقة وثيقة ومباشرة بين ذات نفسه من جهة، وبين ما يصوغه ~~في فنه من جهة أخرى، كتلك العلاقة التي تراها قائمة بين رجل الموسيقى وألحانه، ~~وبين الشاعر وشعره، وبين المصور ولوحاته أو الأديب وكلماته. # والفرق بعيد بعيد بين مجتمع أفراده يعملون، ويقولون ويعزفون ويرسمون وفق نماذج ~~أمروا بالتزامها أو حتى وفق نماذج اختاروها هم من بين ما صنعه سواهم، ومجتمع آخر، ~~بني على أساس يشبه تلك الصور التي قدمها رجال الفلسفة والفكر للحياة المثلى، من ~~حيث إتاحة الفرصة لكل فرد أن يستوحي فطرته في اختيار ما ينتجه وكيف ينتجه، فنحن إذا ~~ما فعلنا ذلك أصبح كل إنسان في حياته الخاصة أو العامة «فنانا» مبدعا، حتى وهو ~~يؤدي الأعمال اليومية، التي نقول عنها إنها رتيبة «روتينية» لا ابتكار فيها ولا ~~إبداع، وبقدر ما تجيء أوجه النشاط المختلفة في مجتمع ما، من علوم وصناعات وفنون ~~وآداب، معبرة عن أصحابها حقا؛ يكون في مستطاعنا أن نصف ذلك المجتمع بما يميزه؛ ~~لأن ما قد أبدعه أبناؤه قد صدر صدورا حرا عن عقولهم وقلوبهم. # ففي مستطاعنا - مثلا - أن ننظر إلى مراحل الفكر الإسلامي في عصور إبداعه فنقول ~~عنه - بصفة عامة - إن القرن الأول الهجري ساده إيمان مطلق بغير وقوف عند مقومات ذلك ~~الإيمان لتحليلها تحليلا منطقيا، وإن القرن الثاني الهجري سادته الدراسات ~~العقلية التي من شأنها أن تعين على فهم القرآن الكريم فهما جيدا، وهي دراسات ~~كانت في معظمها لغوية وفقهية، وإن القرن الثالث الهجري غلبت عليه الرغبة في ~~الاطلاع على ما قاله أصحاب الثقافات الأخرى، وإن القرن الرابع الهجري ظهرت فيه ~~نتيجة لذلك الاطلاع على ثقافات الآخرين، إذ امتزج فيه المنقول مع الأصيل، امتزاجا ~~كاملا، أنتج ثمرات جديدة لا يشبهها شيء مما سبقها، وبالطريق نفسها نستطيع أن ننظر ~~إلى ms094 تاريخ أوروبا الحديثة، فنصف كل مرحلة بما يميزها، فقد تميز فيها القرن السادس ~~عشر بروح رومانسية قوية الخيال جريئة في مغامراتها نحو كشف المجهول من آفاق البر ~~والبحر والسماء، وتميز القرن السابع عشر بعقلانية صارمة تفصل بين الفكر أو الطبيعة، ~~فإذا ما انصب الإنسان بفكره على الطبيعة لدراستها واستخراج قوانينها، وجب الفصل ~~الحاد بين ما هو «ذات» وما هو «موضوع» وتميز القرن الثامن عشر بحركة فكرية هدفها ~~التنوير لينتهي الإنسان إلى ثورة على أوضاع سياسية وثقافية ذهب زمانها، وهي الثورة ~~الفرنسية التي نعرفها جميعا، وتميز القرن التاسع عشر بنزعته «الحيوية» التي رفضت ~~ما كان قائما في دنيا العلم قبل ذلك، من نظرة سكونية وآلية إلى الكون وظواهره إلى ~~نظرة أخرى دينامية وحيوية، وتميز القرن العشرون بالتحليل، فمن جهة الأشياء أخذت ~~الأجهزة العلمية التي لم يكن لها مثيل فيما مضى، أخذت تحلل الأشياء إلى أدق ~~دقائقها، ثم انعكست هذه النزعة التحليلية إلى الإنسان وفكره، ومن تحليل العقل في ~~عملياته الفكرية نشأ الأساس الذي قام عليه الكمبيوتر الذي لا نخطئ إذا جعلناه أبرز ~~علامة تميز عصرنا الراهن. # ولماذا استطعنا أن نميز مراحل التاريخ الفكري بعضها من بعض، بما يصف كل مرحلة ~~منها على حدة؟ سواء كان ذلك عند استعراضنا للفكر الإسلامي وهو في شبابه، أو كان في ~~عرضنا للفكر الأوروبي بعد نهوضه من عصوره الوسطى؟ # إننا قد استطعناه لأن الفكر في كلتا الحالتين جاء تعبيرا حرا لما اعتملت به ~~النفوس، ولم يجئ إملاء من أجنبي أو غريب، وإلا فهل نستطيع مثل هذا التمييز بين ~~مراحل التاريخ في جماعات النمل - مثلا - لأنه لا فرق في حياة النمل بين يومه ~~وأمسه، إنها كائنات بغير تاريخ؛ لأنها تكاد لا تؤدي عملا إلا تكرارا لما حفظته في ~~غرائزها، اللهم إلا هامشا ضيقا يترك لكل كائن حتى ليستطيع في حدوده أن يواجه ~~المواقف المفاجئة. # وإني لأزعم راجيا أن أكون مخطئا فيما أزعم، فذلك خير عندي ألف مرة من أن يكون ~~ما زعمت صوابا، أزعم بأن حياتنا نحن ms095 الفكرية، وقد اتجهت بخطوات سريعة خلال العشرين ~~عاما الأخيرة - أعني منذ هزيمة 1967م، وبرغم النصر الذي أحرزناه سنة 1973م - أقول ~~إن حياتنا الفكرية خلال هذه الفترة تسير بخطوات سريعة نحو النمط التكراري الذي لا ~~يدع لنا فرصة واسعة للتعبير الحر الأصيل عن ذوات أنفسنا، فنحن في جزء كبير جدا ~~مما نصنعه أو نقوله ونكتبه ننقل عن آخرين، فإما أن نعبر البحر بعقولنا لننقل عن ~~الغرب فكره وصناعاته وفنونه ونظمه السياسية والإدارية، وإما أن نعبر كذا قرنا من ~~الزمان، قافلين إلى سلف ننقل عنه الأفكار والنظم والحلول التي نواجه بها ما أشكل ~~علينا، وفي كلتا الحالتين لا تجيء حياتنا «تعبيرا» عن معاناة حقيقية نكابدها لنقرر ~~لأنفسنا بأنفسنا ما يثبت وجودنا من فكر وفن وأدب ونظم. وحتى لا يساء فهم ما أقوله ~~لا بدل لي من تكرار ما قد عرضته في مناسبات كثيرة سابقة، من أن الدعوة هنا ليست ~~دعوة لأن ندير ظهورنا وأن نصم آذاننا عما تركه لنا أسلافنا، أو عما يعج به الغرب من ~~كل ما ذكرناه، بل الدعوة هي أن نملأ وعاءنا حتى حافته من رحيق السلف ومن نقيع العصر ~~في الغرب الذي هو الصانع الأول لعصرنا، لكن هذا الوعاء المليء برحيق الأولين ونقيع ~~الآخرين، إنما نشربه لنتمثله تمثلا يحيله إلى دماء تكون هي دماءنا، وبهذه ~~القوة المستفادة نبدع الجديد ليضاف إلى حصيلة الإنسان. # وإنني لعلى وعي كامل بأن التعميم في أحكامنا عندما يكون الموضوع خاصا بجمهور ~~عريض إنما هي أحكام معرضة للخطأ، فنحن إذ نقول عن الشعب المصري في هذه الفترة ~~الزمنية التي يجتازها منذ ما يقرب من عشرين عاما إنه لا يعبر عن نفسه تعبيرا ~~حرا صريحا يدل حقا على خلجات نفسه (وحديثي منصب أساسا على الحياة الثقافية ~~بوجه عام)، فلا يفوتنا أنه لا بد أن يكون بين رجال الأدب والفن والباحثين في مجال ~~الدراسة العلمية من علوم النفس والاجتماع، من يطالعنا بما هو حق وصدق، لكنني أشعر ~~برغم ذلك أن الفجوة منفرجة بين ما نقوله ونذيعه ms096 ونكتبه عن أنفسنا وبين ما تضطرب به ~~جوانحنا بالفعل من خواطر ومشاعر، بحيث إذا أراد مؤرخ في المستقبل البعيد أن يرسم عن ~~عصرنا صورة مستندا إلى المنشور في الكتب والصحف، والمسجل في أشرطة التسجيل الصوتي، ~~فالأغلب أن تجيء الصورة المرسومة بعيدة بعدا شديدا عما هو كائن في نفوسنا لا ~~نقوله صريحا إلا للأقربين، ولا تقل لي إن أحدا لا يمنع أحدا من الإفصاح عن ذات ~~نفسه؛ لأنه حتى لو كان الأمر كذلك فقد بات الخوف الذاتي كفيلا وحده بأن تكون هناك ~~تلك الفجوة المنفرجة بين السر والعلن. # لقد ذكرت لك فيما أسلفته جانبا من أحلام الفلاسفة والمفكرين، في صورة المجتمع ~~الأمثل كيف تكون، وكان من عناصر تلك الصورة المثلى أن يكون هناك بين الإنسان وما ~~يعمله، تلك الصلة الحميمة المباشرة، التي تكون بين الفنان وفنه، لكي نضمن بذلك: ~~أولا أن يكون كل إنسان سعيدا بعمله؛ لأنه تعبير حقيقي عن نفسه، وثانيا أن يجيء ~~إنتاج العمل أجود ما يستطاع له أن يجيء، لكن انظر إلى حياتنا العملية من جميع ~~أطرافها تجد الشائع هو أن يكون بين العامل وعمله نفور وكراهية، فكأن العمل كله ~~تكليف وتسخير، فمنذ مراحل التعليم الفني والمهني كثيرا ما لا يوضع المتعلم حيث ~~يريد أن يتعلم إلا بالمصادفة، أما القاعدة فهي أن يوضع حيث يراد له أن يكون. # وإذا كنت لأرسم صورة توضح على وجه التقريب ما أظنه قائما في حياتنا من حيث ~~التعبير عما نفكر فيه وما نشعر به، قلت إن الأمر في ذلك أشبه بأسرة كبيرة تسكن ~~بيتا من الطراز القديم الذي كان يخصص غرفة أذكر أنها كانت تسمى بغرفة «المسافرين»، ~~وهي الغرفة التي كان الزائرون يستقبلون فيها، ولها بابها الخاص، بحيث يدخل الزائر ~~ويقيم ما يقيم، ثم يخرج وهو لم يشهد من البيت إلا تلك الغرفة، ولم يسمع من أحاديث ~~الأسرة ذاتها إلا ما يدور مع من يجالسه من أفرادها، أما الأسرة بكل أفرادها وبما ~~تتحدث عنه أو ما تشعر به من يسر أو من ms097 عسر ومن الرضا أو من السخط؛ فلن يعلم الزائر ~~من أمره شيئا، وهكذا نحن في جملة حياتنا الفكرية والشعورية ترانا قد خصصنا غرفة ل ~~«المسافرين» الغرباء هي الكتب والصحف والإذاعة مرئية ومسموعة للغرباء أن يقرءوا ~~وأن يسمعوا، لكننا قد طوينا في جوانحنا ما يسره بعضنا في آذان بعض إذا ما خلونا ~~لأنفسنا. # هناك في حياتنا عمق باطن، وسطح ظاهر، ففي العمق ترانا صادقين مع أنفسنا مخلصين ~~لهويتنا المصرية الصميمة مهما خدعتنا بعض الظواهر التي قد تدل على غير ذلك، فالمصري ~~مصري بمجموعة من الثوابت التي لا يوهنها الزمن؛ فهو مصري بشعوره الديني العميق ~~الغزير، فحتى وهو يسهو عن شعائر دينه يظل ضميره الديني على يقظته، وأعني بذلك ~~إيمانه الراسخ بأن هذه الدنيا ليست كل شيء في حياته، فبعد الدنيا آخرة تكفل للعدل ~~أن تقام له موازينه، فليكن من ظلم الدنيا وجورها ما يكون بحيث يثاب المعوج ويعاقب ~~المستقيم، فهنالك آخرة خير من الأولى، وهناك من يعمل (في دنياه) «مثقال ذرة خيرا ~~يره»، ومن يعمل (في دنياه) «مثقال ذرة شرا يره»، فالعدل مطلق. وكامل هذا الضمير ~~الديني راسخ في نفس المصري، ولا أظن أن في العالم شعبا آخر يتساوى مع المصري في ~~عمق هذا الضمير؛ لأنه ضمير نشأ مع نشأته، حيث لم يكن في العالم شعوب سواه، أو كاد ~~الأمر أن يكون كذلك، ولم يكن عالم التاريخ المصري «بريستد» لاهيا بالكلمات حين جعل ~~عنوان كتاب لعله أعظم ما كتب: «فجر الضمير»، مشيرا بذلك إلى الشعب المصري عند ~~نشأته الأولى. # ومع الضمير الديني في المقومات الثابتة الدائمة من هوية المصري علاقته بأسرته ~~وعلاقته بأرضه، وتلك هي الثوابت التي تكون من المصري عمقه الباطن الذي أشرنا ~~إليه، والذي لم تنل منه عوامل الزمن، إلا أنه اليوم في حالة مكتومة الصوت نسبيا ~~حتى ترانا فيما نسمع عنه أو نقرأ له، لا نرى منه إلا نبرات خافتة. # أما المسموع عنه في صوت جهير، والمقروء له، فمعظمه صادر عن «السطح» الظاهر، الذي ~~لا تدري فيه أين ms098 الحق وأين النفاق، أين الصدق وأين الكذب، أين ما يعبر عن ذاته نفسه ~~حقا، وأين ما أراد أن يتصيد به المنصب والراتب والرواج والازدهار، فما الذي حدث ~~في حياتنا بحيث انقسم وجودنا إلى باطن وظاهر بينهما تلك الهوة السحيقة التي تفصل ~~بينهما على هذا النحو الخطير؟ ما الذي أصابنا بحيث اختلف في حياتنا عمقها عن سطحها؟ ~~ففي العمق ما زال المصري مصريا بضميره الديني اليقظان، وأدائه للواجب نحو أسرته ~~ونحو وطنه، وأما على سطح السلوك فلم يعد المصري هو المصري الذي عرفه التاريخ ~~الطويل، أو هكذا يخيل للرائي في الخارج، فهو يمكر بمواطنيه إذا اقتضت مصالحه مثل ~~هذا المكر، وهو يجرف أرضه الزراعية التي كانت منذ الأزل موضع حبه وعزه، إذا ~~كان ذلك التجريف يعود عليه ببضعة ألوف من الجنيهات، وهو يسطو على أصحاب القلوب ~~الطيبة بطرق لا علم لهم بها، حتى لتتكدس بين يديه الملايين في غفلة الحوادث، ثم ~~يسرب تلك الملايين إلى حيث لا ندري وهو يقفز إلى مواقع القوة والنفوذ دون أن يسلك ~~إليها سبيلها المشروع، واختصارا فقد انفصل عقله المدبر عن قلبه المؤمن العابد، ~~وأصابه من الانفصام ما أصابه، ولقد شاءت له روحه الفكهة أن تصور نفسه لنفسه في ~~مرارة لاذعة كعهدنا به دائما كلما أراد أن يعالج أزماته بالمزاح الساخر، ومن ذلك ~~هذا الحوار الآتي الذي اخترعه ليصور به ذلك الانفصام النفسي الذي أشرنا إليه، وهو ~~حوار متخيل بين بقال وصبيه يوم جمعة قبيل الصلاة: # البقال ~~: # هل خلطت الجير بالدقيق؟ # الصبي ~~: # نعم قد فعلت. # البقال ~~: # وهل مزجت النشارة بالشاي؟ # الصبي ~~: # نعم فعلت. # البقال ~~: # وهل وضعت الحصى في الفول؟ # الصبي ~~: # نعم فعلت. # البقال ~~: # على بركة الله، اقفل الدكان، وتعال بنا إلى صلاة الجمعة. # وهكذا انحصر الروح الدين في شعائر العبادة بين الإنسان وربه، ولم يمتد ليشمل دنيا ~~التعامل بين الإنسان والإنسان، فجاء تعبير المصري عن نفسه منقوصا، وانقسمت شخصيته ~~على نفسها، فوجب التفكير والعمل على إعادة بنائه. لقد كان الدين للمصري طوال ~~تاريخه، مدار الحياة وصميمها، ms099 لا بمعنى أن ينقطع للعبادة فيما يشبه صوامع الرهبان، ~~وخلوات المتصوفة، بل بمعنى أن يجعل الدين متمثلا في القيم التي يراعيها وهو في ~~حقله يزرع، وفي مصنعه يعمل، وفي دكانه يتاجر، كان الدين في حياته هو عصارتها ~~وصفوتها وغذاءها ودماءها؛ إذ كانت روحه تسري في التعامل داخل الأسرة وخارج الأسرة ~~مع الأصدقاء والزملاء وسائر من يتعامل معهم من المواطنين، كانت روحه تسري في دراسة ~~الدارس وفي كلمات الكاتب، أيا كان موضوع الدراسة وهدف الكتابة، فليست روح الدين ~~مقصورة على أن يكون الدين نفسه هو موضوع الدراسة أو هو هدف الكاتب، بل إن روح الدين ~~يمكن أن يعمر قلب الباحث وهو يدرس علوم الصوت والضوء والكهرباء، ويمكن أن يسري مع ~~الدماء في شرايين الكاتب وهو ينظم الشعر ويؤلف الموسيقى ويرسم اللوحات ويكتب ~~الرواية والمسرحية والمقالة؛ لأن روح الدين إخلاص وصدق وضمير حي يهتدي ويهدي، أقول ~~إن ذلك هو ما كان ينبغي أن يقوم عليه إيمان المصري، كما كان دائما، حين كان إيمان ~~المصري ماثلا في البنيان يبنيه وفي الجدران والسقوف يزخرفها، وفي النحاس والخشب ~~ينقشه ويحفره، وفي كل صنعة يصنعها بأصابع ماهرة تحركها قلوب مؤمنة. # لكننا نلحظ اليوم شيئا آخر في تصور المصري للحياة الدينية أو المتدينة كيف تكون؛ ~~إذ يتصور أن تلك الحياة المتدينة إنما تعني أن يترك أعمال الدنيا بكل أنواعها ~~العاملة المنتجة لينصرف إلى العبادة أو ما يتعلق بها، كأن الدين قد أصبح في حياتنا ~~تمائم نتبرك بها، وكأن حقيقة الأمر هي: إما أن «تعمل» وإما أن «تتدين»، وكان ينبغي ~~للمؤمن الحق أن يدرك أن إيمانه إنما هو مجسد في طريقة أدائه لعمله، أيا كان ذلك ~~العمل من دراسة الناشئ في مدرسته ومعهده، إلى صناعة النجار والسباك والكهربائي، ~~والكاتب والأستاذ ورجل القانون والمهندس والطبيب، فكل ضرب من ضروب العمل جسده هو ~~حركات البدن التي تصاحب أداء العمل، وروحه هو الإيمان الديني بالقيم المثلى التي ~~توجه تلك الحركة البدنية نحو الإجادة والإتقان وسائر جوانب الخير. # وبهذا وذاك معا مندمجين ms100 كان المصري يعبر عن نفسه تعبيرا حرا، أو هكذا نقرأ ~~عنه ونستدل من أمجاده التي أورثنا إياها، فلما انفصل هذا عن ذاك في حياته الحاضرة ~~لأمر ما، بات واجبا علينا أن نفكر مخلصين كيف يكون سبيلنا إلى إعادة ~~البناء. # الفصل الثاني عشر # | تلك هي القضية # روى لنا الأستاذ أنيس منصور، في مقالة جعل عنوانها «بلابل وغربان على أشجارنا» (في ~~صحيفة أخبار اليوم بتاريخ 9 / 2 / 1985م)، روى عن رحلة للتنزه إلى الأقصر وأسوان، ذات ~~شتاء في أواسط الستينيات. وكانت الرحلة بدعوة من الأستاذ أحمد بهاء الدين، وقد شملت ~~الدعوة مع الأستاذ أنيس منصور، الأستاذين كامل الزهيري ورجاء النقاش، فلما بلغوا من ~~رحلتهم مدينة أسوان، التقوا بالشاعر الروسي إيفنتوشينكو، فبينما كان الشاعر الروسي ~~مستلقيا يستمتع بدفء أسوان، جلس رفقاء الرحلة يتحدثون بالعربية، فنهض لهم الشاعر الشاب ~~ليسألهم: فيم تتحدثون؟ ثم قفز بهم إلى سؤال أعم، وهو: ما الذي يتحدث فيه الأدباء ~~المصريون؟ ما هي قضيتكم؟ ما هي المشكلة التي تشغلون أنفسكم بها بحيث تقوم محاسبتكم أمام ~~الشعب على أساس ما قدمتموه لتلك المشكلة من حلول؟ وهنا يصف لنا الأستاذ أنيس منصور ~~حيرته وحيرة زملائه أمام أسئلة الشاعر الروسي، ويبين لنا في شيء من الأسى كيف كانوا ~~وكأنما أخذتهم الصاعقة، لماذا؟ لأن أسئلة الشاعر الروسي قد جاءت لتوقظهم من سبات؛ إذ ~~الكاتب في مصر إنما يكتب في غير قضية، وفي غير مشكلة، إنه لا يتأزم مع سائر الشعب بأزمة ~~تلاحقه وتؤرقه، تطالبه بألا يستريح له جنب على مضجع إلا إذا وجد حلا لمشكلة الشعب ~~التي هي مشكلته، أو التي ينبغي لها أن تكون كذلك، (وأنا هنا لا أنقل كلام الأستاذ أنيس ~~منصور بحروفه، بل أكتب ما بقي منه انطباعا في نفسي مما قرأته له) ثم مضى الكاتب بعد أن ~~وصف ذهوله وذهول رفقائه ليقول إنهم بعد فترة من ذلك الذهول أجابوا الشاعر على سؤاله ~~فقالوا: إن قضيتنا التي تشغل أقلامنا هي «الاشتراكية الواقعية»، لكن الشاعر أسرع بالرد ~~قائلا: ليس هناك شيء اسمه ms101 الاشتراكية الواقعية ... إلخ. # وكان واضحا مما كتبه الأستاذ أنيس منصور أنه هو وزملاؤه قد أدركوا عندئذ أن الكاتب ~~في مصر - وإذا قلنا «الكاتب»، فكأنما قلنا «رجل الفكر والأدب» - إنما يكتب في غير قضية ~~أساسية تكون في حياتنا الفكرية والأدبية بمثابة القطب من الرحى، فإذا كنت قد خرجت مما ~~كتبه الأستاذ أنيس منصور بانطباع صحيح إذن فقد كنت على حق فيما أخذني من عجب تملؤه ~~الدهشة من أن يكون ذلك هو الرأي في حياتنا الفكرية والأدبية على مدى مائة وخمسين عاما ~~على أقل تقدير، عند ثلاثة من ألمع من يحملون القلم، وإذا كان ذلك هو ما يرونه فينا، إذن ~~فالمسافة بعيدة بين ما يرونه وما أراه؛ وحتى لو كانوا جادين في إجابتهم على سؤال الشاعر ~~الروسي حين سألهم: ما قضيتكم؟ فقالوا: هي الاشتراكية الواقعية! لا، يا سادة، إن لنا ~~قضية رئيسية تبلورت في أذهاننا منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وكل ما في الأمر أنها لم ~~تجد منا الجواب الحاسم الذي نلتقي عنده جميعا، وسأوضح فيما يلي تلك القضية الأساسية، ~~التي لم يعرف تاريخنا خلال المائة والخمسين عاما الأخيرة كاتبا واحدا، إلا وقد جعلها ~~مشغلته الأولى، سواء أكان ذلك عن طريق التناول المباشر الصريح، أم كان عن طريق التضمين ~~غير المباشر؛ لأن طريق الأدب يحتم على الأديب ألا تجيء قضاياه في أدبه معلنة صريحة، ~~ولقد كانت تلك المشكلة الرئيسية الأولى هي: ماذا يكون موقفنا من الغرب وقد اقتحم ذلك ~~الغرب ساحتنا متمثلا في الحملة الفرنسية. تلك هي المشكلة «الأم» التي انقسمنا حيالها ~~شيعا وأحزابا، ثم تولد عنها مشكلة كانت لها بمنزلة البنت من أمها، هي مشكلة الحرية، ~~وأخيرا تولدت عن البنت مشكلات هي بمثابة الحفيدات، وكان من بينها مشكلة «الاشتراكية» ~~التي جاءت ولادتها ضمن ما جاء من نتائج ثورة 1952م، وإذن فحين قال السادة للشاعر الروسي ~~إن قضيتنا هي «الاشتراكية الواقعية» (كما وصفوها)؛ كانوا قد قدموا إحدى الحفيدات اللائي ~~ولدتهن «الحرية» ومشكلة الحرية بدورها - كما أسلفنا - قد ولدتها لنا جدة كبرى، هي بحثنا ms102 ~~عن موقف نتخذه إزاء «الغرب». أو قل إزاء «العصر»؛ إذ تكاد اللفظتان تكونان مترادفتين، ~~ولو كانت القضية الجدة، ثم القضية الأم، قد وجدتا حلولا متفقا عليها منا جميعا، ~~ولم يبق أمامنا إلا الحفيدات، لجاز للسادة أن يجيبوا الشاعر الروسي عن سؤاله، بأية ~~حفيدة يختارون، سواء اختاروا الحفيدة «الاشتراكية» أم اختاروا سواها، لكن الموقف المشكل ~~بطوابقه الثلاثة: الجدة التي هي موقفنا من الغرب ماذا يكون، وابنتها التي هي الحرية ~~وبأي معنى وفي أي حدود نطالب بها، والحفيدة أو الحفيدات، التي من بينها مشكلة ~~الاشتراكية التي وصفها الزملاء بالواقعية، أقول إن الموقف المشكل لا يزال قائما ~~بطوابقه الثلاثة، وبالتالي فما يزال هو قضيتنا التي تشغل كل مفكر منا وكل أديب، ومن ~~هذه الرؤية يكون السادة الأفاضل قد غابت عنهم الإجابة الصحيحة حين سئلوا عن قضية الفكر ~~المصري والأدب المصري: ما هي؟ وكذلك يكونون قد ظلموا أنفسهم حين أخذتهم صاعقة السؤال، ~~ظنا منهم أن مفكرينا وأدباءنا لا يصدرون فيما يكتبونه عن قضية، والآن فسبيلنا إلى شيء ~~من التفصيل. # جاءت الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون، ووصلت إلى شواطئ الإسكندرية سنة 1798م، ~~أي قبيل فاتحة القرن التاسع عشر بسنتين، وكان مع الحملة جماعة من العلماء الفرنسيين في ~~تخصصات علمية مختلفة، فكان مما صنعه أولئك العلماء أن استدعوا كبار علماء الأزهر ~~الشريف، جماعة بعد جماعة ليطلعوهم على عجائب العلوم الجديدة، من ذلك - مثلا - أن ~~يوقفوهم صفا، مشبكي الأيدي جارا مع جاره، ثم يمسون الواقف في أول الصف بسلك مكهرب، ~~فتسري رعدة الكهرباء في جميعهم، فأما هم فيأخذهم العجب، وأما العلماء الفرنسيون فيأخذهم ~~الضحك، ولقد حدث يوما أن اغتاظ من تلك الألاعيب الصبيانية أحد الشيوخ، فقال لهم ما ~~معناه: هل في علمكم الجديد ما يجعل إنسانا موجودا هنا موجودا في بلاد الغرب في وقت ~~واحد؟ فأجابوا بقولهم أن ليس في علومهم ذلك لأنه محال، فرد هو قائلا: لكن ذلك ممكن في ~~علومنا الروحانية. # وإنني لأنظر إلى تلك اللحظة التي قال فيها الشيخ ذلك الذي قاله للعلماء ms103 الفرنسيين على ~~سبيل التحدي، أنظر إليها على أنها لحظة البدء في أحد طريقين اتخذناهما من ذلك الحين ~~وإلى هذه الساعة التي أكتب فيها هذه الكلمات، فطريق منهما اختاره الرافضون للغرب، أي ~~الرافضون للعصر وما أنتجه من علوم ترتب عليها ما ترتب من حضارة جديدة، وطريق آخر اختاره ~~من أرادوا منا ألا تقفل أمام العصر الجديد أبوابنا ونوافذنا، وكانت نقطة البدء في هذا ~~الطريق الثاني هي رفاعة رافع الطهطاوي ، فإذا أنت تخيلت نفسك واقفا في «مدرسة الألسن» ~~التي أنشئت في عهد محمد علي، إبان ثلاثينيات القرن الماضي، إذن لرأيت موقف الفريق ~~الثاني مجسدا في نشاط أعضاء تلك المدرسة العجيبة، التي قد تفوق في مغزاها الثقافي ~~والحضاري، بيت الحكمة، الذي أنشأه الخليفة المأمون ببغداد في القرن الثالث الهجري ~~(التاسع الميلادي) لماذا؟ لأن مهمة مدرسة الألسن كانت مزدوجة، فبينما «بيت الحكمة» كان ~~مقتصرا على ترجمة الثقافة اليونانية إلى العربية، كانت مدرسة الألسن تعمل عملين: ~~أولهما تحقيق عيون مختارة من التراث العربي الإسلامي ونشرها نشرا جديدا، وثانيهما ~~ترجمة مجموعة مختارة من كتب الغرب (الفرنسية والإيطالية بصفة خاصة) إلى اللغة العربية، ~~فكأنما لسان الحال فيما كنت لتراه إذا ألقيت نظرة على ما كان ينشط به طلاب مدرسة ~~الألسن، برئاسة الطهطاوي، يصيح قائلا: لثقافتنا أن تنهض متكئة على ركيزتين، هما تراثنا ~~من جهة، ونتاج العصر الجديد من جهة أخرى. # إذا غضضنا النظر عن فريق ثالث، ظهر فيما بعد ولم يزد على نفر قليل جاء متفرقا، رجلا ~~بالأمس ورجلا في الغد، وكان الرأي عند ذلك الفريق الثالث هو أن نشتل شجرة الغرب في ~~أرضنا شتلا يبقيها على حالها، ويتركها لترتوي من ماء النيل، ولتتلقى من سماء مصر شمسها ~~وهواءها، وبذلك تصبح الشجرة وكأنها زراعة مصرية أصيلة، أقول إننا إذا غضضنا النظر عن ~~ذلك الفريق الثالث «المستغرب»، لقلة عدده ولضعف أثره، وجدنا أنفسنا أمام جماعتين لكل ~~منهما رؤيتها حيال هذا الغرب الجديد، فجماعة منها رافضة له بكل قضه وقضيضه، وأما الأخرى ~~فتقبله قبولا مشروطا بضرورة مزجه بما ورثناه ms104 عن أسلافنا، مزجا يخرج لنا منه مواطن ~~مصري، وعربي، جديد. # بدأ القرن الماضي - إذن - بهاتين الرؤيتين لما ينبغي أن يكون عليه موقفنا إزاء الغرب، ~~فكان هذا الازدواج في الرأي، بمثابة القضية الأولى والأساسية في حياتنا الثقافية كلها، ~~فمنذ ذلك اليوم وحتى هذه الساعة، ليست هي بالقضية التي يمكن للكاتب - أي كاتب وكل كاتب ~~- أن يتجاهلها؛ لأنه حتى لو تعمد ذلك التجاهل لما استطاع؛ إذ هو مضطر أن يختار مادة ~~قراءته، ودراسته، وكتابته، من الينابيع والمصدر التي يستمد منها التأييد والقوة في وجهة ~~نظره، سواء أكانت هي وجهة النظر عند الرافضين للغرب أم كانت وجهة النظر عند القابلين، ~~فإذا سئلنا: ما قضيتكم التي تشغل مفكريكم وأدباءكم؟ أفيكون شططا منا أن نجيب بأنها ~~هي موقفنا من الغرب الجديد، وهي قضية بدأت معنا منذ تحدي ذلك الشيخ العلماء الفرنسيين ~~بقوة علمه الروحاني بالقياس إلى علومهم الجديدة، متبوعا ذلك الموقف بموقف مضاد وقفه ~~الطهطاوي بوجوب قبول الغرب ثم المزاوجة بينه وبين موروثنا. نعم، هي قضية بدأت معنا منذ ~~ذلك الوقت البعيد، وما زالت إلى اليوم قائمة من حياتنا الفكرية والأدبية في صميم ~~الصميم. # لكن تلك القضية، التي عددناها جدة كبرى، سرعان ما ولدت ابنة لها، فكانت تلك الابنة هي ~~مشكلة «الحرية»، وإذا شئت فانظر إلى مشكلة الحرية هذه، على أنها قضية قائمة بذاتها، ~~بحيث إذا سألنا الشاعر الروسي مرة أخرى ما قضيتكم؟ أجبناه: إنها الحرية وكيف نحققها ~~كاملة لشعبنا، فذلك أصوب من أن أفزع لظني بأنه لا قضية عندي تملأ بحرارتها ساحة الفكر ~~والأدب. # ولماذا جعلنا قضية «الحرية» في حياتنا وليدة القضية الجذرية الأولى، التي هي تساؤلنا ~~عن موقفنا من الغرب الجديد كيف يكون؟ إننا فعلنا ذلك لأن قضية «الحرية» ثارت أول ما ~~ثارت - من الناحية الفكرية - عند الطهطاوي، إثر عودته من باريس، وتأثره بما رآه هناك من ~~حريات لم يكن عرفها في مصر لا قبل أن يسافر منها إلى باريس، ولا عقب عودته إليها، فكانت ~~النتيجة اللازمة عن وجهة نظره بضرورة قبولنا للغرب ms105 الجديد هي أن يبشر بضرورة أخذنا ~~بشيء من الحرية كما رأى القوم هناك يحيونها، ومنذ بدأ الطهطاوي دعوته إلى الحرية أخذت ~~تلك الدعوة تتردد على أقلام الكتاب، لكن الذي يلفت النظر، ويستدعي هنا أن نلتفت ~~إليه، هو أن مفهوم «الحرية» أخذ يزداد غزارة ويتسع رفعة جيلا بعد جيل من أجيال ~~المفكرين والأدباء، على أنه إذا كان الموقف من الغرب قد كان الشرارة التي أشعلت الرغبة ~~في الحرية عند من وقفوا من حضارة الغرب موقف القبول؛ فإن موقف الرافضين - بدوره - قد ~~أدى بهم إلى أن يفهموا الحرية المنشودة على أنها «تحرر» من ربقة المستعمرين الذين جاءوا ~~إلينا من ذلك الغرب. # نقول إن مفهوم الحرية قد أخذ يتسع ويعمق معنا على تتابع المراحل الزمنية، التي كانت ~~في الوقت نفسه هي المراحل السياسية كذلك، فكانت كل مرحلة منها تتمسك بما كسبته المرحلة ~~السابقة، ثم تضيف إليها طموحا نحو مزيد تسعى إلى تحقيقه، بحيث لو أردنا الآن أن نرسم ~~تخطيطا يصور الأطوار التي اجتزناها في طريقنا إلى الحرية - أو قل إلى الحريات المنوعة ~~الكثيرة - جاء الرسم شبيها بالعمارة الإسلامية، التي كان كل طابق علوي من البناء فيها، ~~يوسع من رقعته عن الطابق الذي تحته. # كان رفاعة الطهطاوي هو أول بذر لبذور الحرية في تاريخنا الحديث، ففيه التقى الشرق ~~والغرب على نحو صحي مقبول، ولعله كان هو صورة الالتقاء التي أقامت لنا نموذج الهدف ~~الثقافي الذي نتغياه، فمن الكتب المدرسية للطهطاوي كتاب «المرشد الأمين للبنات ~~والبنين»، وقد أورد فيه فصلا بعنوان «في الحرية العمومية والتسوية بين أهالي الجمعية»، ~~يقسم فيه الحرية خمسة أقسام، أولها قسم للحرية الطبيعية التي يتمتع بها الإنسان في ~~ضرورات حياته، كالأكل والمشي وما إلى ذلك، والقسم الثاني هو ما أسماه بالحرية السلوكية ~~وهي التي يتمتع بها الإنسان داخل إطار الأخلاق، والقسم الثالث هو الحرية الدينية، وهي ~~التي تكفل للإنسان حرية العقيدة والرأي والمذهب، بما لا يتعارض مع الدين، والقسم الرابع ~~هو الحرية المدنية في التعامل مع الناس في حدود ما قد ms106 جرى به العرف، وأما القسم الخامس ~~فهو الحرية السياسية التي هي ضمان الحريات الأربع السابق ذكرها؛ إذ إنها تتعلق بواجب ~~الدولة في أن تصون لكل فرد من مواطنيها أن يتمتع بتلك الحريات الأربع. # ولا بد لنا من أن نلحظ بوعي مستيقظ لهذا الذي قاله الطهطاوي عن الحريات، فنلحظ - ~~أولا - أنه منذ العنوان قد قرن الحرية بالمساواة، إذ لا تتحقق إحداهما إلا بالأخرى، ~~وأن نلحظ - ثانيا - أنه عند ذكره الحرية السياسية لم يذكر كلمة عن وجوب مشاركة الشعب ~~في حكم نفسه، فكأنه يكتفي بأن تكفل الدولة للمواطنين أن يتمتعوا بحرياتهم الأخرى. أما ~~ممن تتكون الدولة وكيف تتكون فليس من شأن الشعب أن يكون له رأي فيه، ومعنى ذلك هو ~~أن الولاء للحكم أمر مفترض ومفروض، ثم تجيء الحريات داخل هذا الإطار. # فلما ذهب جيل الطهطاوي ونضج الجيل الذي تلاه مغتذيا بغذائه اتسعت الحرية السياسية ~~التي أخذ الرواد يطالبون بها عندئذ، فبدل التسليم بالولاء للحكم أيا كانت هويته، ~~اكتفاء بأن يصون ذلك الحكم للناس حرياتهم الطبيعية والمدنية والدينية والسلوكية، نودي ~~بمبدأ أن يكون الولاء للشعب، ولقد تمخضت تلك الحركة عن ثورة عرابي، فكانت أول من رفع ~~الشعار القائل بأن مصر للمصريين، ولكنه شعار لم يكن يعني عند المنادين به إذ ذاك أكثر ~~من أن يكون للمصريين حق في بلادهم، دون أن ينفي بذلك تمتع غير المصريين معهم - بل ~~ربما قبلهم - بذلك الحق نفسه، أي إن مبدأ أن تكون مصر للمصريين عند أول المطالبة به لم ~~يكن يتسع ليكون معناه: مصر للمصريين ولا أحد غير المصريين. # وانتهت الثورة العرابية بالاحتلال البريطاني، فاشتدت حرارة المطالبة بالحريات، حتى ~~لقد تفرعت القيادات بتعدد الحريات وتنوعها، فهناك الشيخ محمد عبده وقد شغله تحرير ~~العقيدة الإسلامية مما دخل فيها من خرافات بسبب الجهل السائد، وهناك قاسم أمين وقد ~~انصرف إلى تحرير نصف الأمة - وهو المرأة - ليحررها من قيود اصطنعت لها من غير موجب ~~يفرضه الدين، ومن غير داع يدعو إليه تقدم المجتمع وارتقاؤه، وهناك مصطفى كامل يوجه ~~اهتمامه ms107 إلى التحرر السياسي أولا من المحتل، وهناك أحمد لطفي السيد ينادي بحريات ~~الأفراد داخل مجتمع حر، إذ قد يتخلص المجتمع من المستعمر، ويظل الأفراد داخل وطنهم ~~محرومين من حرياتهم، فأعلن أحمد لطفي السيد ألا يكون للحكومة سلطان إلا على ما ولتها ~~الضرورة إياه، وهو ثلاث ولايات هي: ولاية البوليس، وولاية القضاء، وولاية الدفاع عن ~~الوطن، وأما ما عدا ذلك من المرافق والمنافع، فالولاية فيها تكون للأفراد والهيئات ~~الحرة ، وهنا أود للقارئ أن يتنبه إلى أن ذلك الذي دعا إليه أحمد لطفي السيد إنما هو ~~جوهر المذهب السياسي الذي كان يطلق عليه اسم «الليبرالية»، ومن أهم أهدافه أن يكون ~~للأفراد أكبر قدر ممكن من الحريات على اختلاف أنواعها، ومن تفريعاته المهمة تشديده على ~~أن تكون السيادة للقانون لا للأشخاص، وأن الحاكم إنما يحكم بإرادة الشعب لصالح الجمهور ~~كله، لا لصالح فئة معينة، أو لصالح فرد بذاته، وها هنا كانت دعوة أحمد لطفي السيد بأن ~~تكون مصر للمصريين بمعناها الأوسع والأدق مما كان عليه حين رفع شعارها في الثورة ~~العرابية، فأصبحت تتضمن ألا يكون لغير المصريين حق في مصر، وبالتالي فلا ولاية للأتراك ~~ولا حقوق للجراكسة وغيرهم من الأجانب، وخلاصة الموقف الجديد بالنسبة إلى مفهوم الحرية ~~هي أنه لن تكون للوطن حرية إلا إذا تحققت الحرية للمواطنين، ثم لا تتحقق الحرية للمواطن ~~بأي معنى من معانيها، إلا إذا كفلتها حرية سياسية، ولن يكون للحرية السياسية معنى، ~~إلا إذا اشترك كل فرد راشد في حكومة بلاده اشتراكا تاما وكاملا، وبهذا وحده تكون ~~السلطة للشعب، لكن تلك الأهداف السياسية العليا تتطلب بادئ ذي بدء أن يتغير التعليم في ~~طبيعته وأهدافه، فبدل أن يقام لإعداد موظفين يعملون في الحكومة ولها، يصبح الهدف من ~~التعليم تنمية الحرية الفكرية عند الأفراد، وكلمة الأفراد هذه تشمل الإناث كما تشمل ~~الذكور، ومن ثم وجب تأييد الدعوة التي كان قبل ذلك دعا إليها قاسم أمين بوجوب أن ~~تتحرر المرأة من قيودها، إلا أن قاسم أمين وقف من ذلك التحرر عند ms108 «الحجاب» بمعناه ~~المادي، أي حجاب الوجه، فاتسعت الدعوة عند أحمد لطفي السيد لتكون دعوة إلى رفع حجاب ~~العقل والفكر كذلك، ومما يجدر ذكره هنا أنه حين صدرت مجلة «السفور» في العقد الثاني من ~~هذا القرن، كان المقصود بالسفور هنا هو سفور العقل وحرية تعبيره عن نفسه، وكأنما سفور ~~الوجه كان قد أصبح عندئذ قضية مفروغا منها، وهذه الجوانب كلها توضح لنا ما كان أعلنه ~~أحمد لطفي السيد دستورا للجامعة عند إنشائها، وهو: «حرية التفكير والنقد على وجه ~~الاستقلال، لا الحفظ والتصديق لكل ما يقال.» # بهذه الخطوات المتلاحقة عند الرواد في دعوتهم إلى الحرية، لم يقتصر الأمر على مجرد ~~التوسع في معناها على صورة أفقية، بمعنى أن تزداد أنواعها عددا فحسب، بل اتسع أيضا ~~على صورة رأسية، بمعنى أن يكون الفرد حرا من الباطن، كما هو حر من الظاهر، ومعنى ~~الحرية من الباطن أن يكون كل فرد قادرا على التفكير الناضج، حرا في فكره، وحرا في ~~التعبير عن ذلك الفكر. # وثارت مصر ثورتها سنة 1919م، عقب الحرب العالمية الأولى مباشرة، لتطالب بحريتها ~~السياسية، لكن تلك الحرية السياسية المطلوبة على المستوى الرسمي سرعان ما لحقت بها ~~دعوات مختلفة لحريات متنوعة تشمل مسالك الحياة جميعا، كما نرى فيما أنتجه رجال الفكر ~~والأدب والفن والاقتصاد وغير ذلك من أوجه الحياة الشاملة، كان ذلك خلال العشرينيات ~~والثلاثينيات، ثم نشبت الحرب العالمية الثانية، وأعقبت ما أعقبته من نتائج. # وجاءت ثورة 1952م لتوسع مطلب الحرية بحيث يشمل جوانب الحرية الاجتماعية التي لم ~~تشملها كل الدعوات السابقة، وها هنا أعلنت الاشتراكية وما استتبعته من حقوق أعطيت ~~للعاملين بكل فئاتهم وللمواطنين الذين لم يحسب لهم حساب في الدعوات السابقة. # ونعود بعد هذه الجولة إلى ما ذكره الأستاذ أنيس منصور عن نفسه ورفقائه عند التقائهم ~~بالشاعر الروسي إيفنتوشينكو في مدينة أسوان خلال الستينيات، فسألهم الشاعر: ما قضيتكم ~~يا رجال الفكر والأدب في مصر؟ فيروي لنا الأستاذ أنيس منصور في مقال أنهم شعروا بحسرة ~~عميقة في مواطن نفوسهم؛ إذ شعروا بأنه ms109 لا قضية لنا، وإننا نفكر ونكتب خطفات متناثرات ~~متفرقات لا تستهدف غاية محددة بذاتها، ومع ذلك فقد أجابوا عن سؤال الشاعر الروسي جوابا ~~يسترون به قصورهم المظنون، فقالوا إن قضيتنا هي «الاشتراكية الواقعية»، فرد عليهم ~~الشاعر الشاب بأنه ليس هناك شيء اسمه الاشتراكية الواقعية. # وقرأت للأستاذ أنيس منصور ذلك الذي رواه، فعجبت أن يكون جهاد إعلامنا في مجالات الفكر ~~والأدب، الذي لم ينقطع خلال مائة وخمسين عاما على الأقل، والذي كانت قضيته واضحة نصب ~~عينيه طوال تلك السنين والقضية كما وصفتها في موضع سابق من هذا الحديث، يمكن تصورها على ~~صورها جدة وأم وحفيدة، فكانت في أساسها قضية موقفنا من الغرب كيف يكون، وتولد عنها جهاد ~~متصل نحو تحقيق الحرية تحقيقا أخذت تتسع دائرته مع الأعوام، ثم تولد عنه في خطواته ~~الأخيرة حفيدة هي قضية الاشتراكية، ضمن حفيدات أخريات، فاكتفى السادة بذكر إحدى حفيدات ~~قضيتنا الشاملة وأنساهم الشيطان ما قد كان وما هو كائن من جهاد المجاهدين في سبيل ~~القضية الجدة والقضية الأم، فظلموا أنفسهم - وظلمونا - وظلموا عشرات من روادنا ~~الأعلام. # الفصل الثالث عشر # | فكرة الأدب وأدب الفكرة # جاءتني الرسالة الآتية من الصديق الفاضل الأستاذ أحمد بهاء الدين، أرسلها من لندن، ~~شفاه الله وعافاه، ورسالته تعليق على المقالة التي نشرتها في الأهرام بتاريخ ~~25 / 2 / 1985م، بعنوان «تلك هي القضية»، وهذه هي: قرأت كلمة الزميل الأستاذ أنيس منصور ~~عن الحوار مع الشاعر الروسي المعروف إيفنتوشينكو، وقرأت مقالكم الذي جاء تعليقا على ~~هذا الحوار، ويهمني أن أوضح لكم أمرين الأول: هو أني لم أكن داعيا للشاعر إيفنتوشينكو ~~والزملاء الأصدقاء أنيس منصور، وكامل الزهيري، ورجاء النقاش إلى أسوان بصفتي الشخصية، ~~ولكن بصفتي رئيسا لمجلس إدارة دار الهلال في ذلك الوقت، ولم يكن من حظي أن أسافر معهم، ~~وبالتالي لم أكن موجودا، عندما سأل إيفنتوشينكو - كما قرأت في مقال الأستاذ أنيس منصور ~~- ما هي القضية التي تشغل بال الكتاب المصريين، وأجابه من أجابه من الزملاء: إنها ~~قضية الواقعية الاشتراكية. # الأمر الثاني: إنني أتصور ms110 أن السؤال كان في نطاق الأدب فقط، وليس سؤالا فكريا، كما ~~علقتم في مقالكم، فإنني أذكر أن بعض نقاد الأدب كانوا مشغولين - في ذلك الوقت - بمذهب ~~الواقعية الاشتراكية، كمذهب في الأدب، وليس كمذهب في الفكر بمعناه الشامل. # وهنا أستأذنكم في أن أضيف أني لم أفهم، ولم أعترف يوما حتى في مجال النقد الأدبي، ~~بشيء اسمه الواقعية الاشتراكية، فإنني أجد أن إلحاق تعبير «الواقعية» بوصف مذهبي سياسي ~~اجتماعي تناقض شديد يلغي المعنى تماما، فإذا انتقلنا إلى الدائرة الأوسع، التي انصب ~~عليها مقالكم البليغ كالعادة وهي دائرة «الفكر»، فقد كانت عقيدتي - ولا تزال - أن ~~السؤال الفكري الأكبر المطروح على العقل المصري والعقل العربي عامة، منذ أكثر من قرن ~~هو بالضبط السؤال الذي طرحتموه، وهو موقفنا من العصر، سؤال هجس به خاطر رفاعة الطهطاوي، ~~ومن قبله الجبرتي بعد أول زيارة له لمعامل البعثة العلمية الفرنسية، في أثناء حملة ~~نابليون، وأثاره بجرأة ووضوح الشيخ محمد عبده ومن تبعه، وما زال السؤال مطروحا منذ ~~أكثر من قرن دون إجابة، أو بالأحرى أن هناك إجابات شتى، ولكن دون إجابة تصبح محل ~~اعتناق الكتلة الكبرى من مثقفينا وشعوبنا، وتسمح لنا بالانطلاق، وفي السنة الماضية ~~وحدها، عقد ما يقرب من خمسة عشر مؤتمرا في العالم العربي، تحت عنوان «الأصالة ~~والمعاصرة»، وهي كما ترى، تدور كلها حول محاولة الإجابة على هذا السؤال. # وقد أضيف أن العقل العربي يريد أن يواكب العصر بغير شك، ولكن البعض يخشى أن يكون في ~~مواكبتنا للعصر، وقبولنا للتحدي ما يفقدنا هويتنا وتراثنا وأصالتنا، ومذهبي غير ذلك، ~~ذلك أن الأساس الصميم والصحيح والنقي، من تراثنا وهويتنا، قادر على اقتحام العصر ~~والاكتساب منه، دون أن يتأثر، وهذا بالضبط ما فعله عصر النهضة الإسلامية الأول، وبنى ~~حضارة الإسلام وإمبراطوريته دون خوف ولا وجل. # أما الخوف الكامن في بعض النفوس، فسببه ما خلفته عصور الانحطاط والظلام والاستبداد، ~~التي تلت ذلك، والتي لا صلة لها بمعدن تراثنا الأصيل إنما هي التراب الذي تراكم على هذا ~~المعدن، فأطفأ لمعته، وأخفى ms111 جوهره، وخلط الإيمان بالخرافة. # وماذا نقول أكثر من قولة النبي # صلى الله عليه وسلم # منذ أربعة عشر قرنا: «اطلبوا العلم ولو في ~~الصين.» وأي وصية أبلغ من هذه الوصية، في الانفتاح على كافة علوم العصر وفنونه، بكل ~~الثقة في النفس، ثقة يعرفها من يشعر أنه ممسك بالأصل المتين والجوهر الثمين، ولا يعرفها ~~المتعلق بالقشور الغريبة، وبالفروع الطارئة. # انتهت رسالة الأستاذ أحمد بهاء الدين، وإني لأشكر له هذا الاهتمام وهذه السرعة التي ~~رد بها ، فذلك وحده دليل على حدة وعيه وشدة يقظته للأحداث الثقافية في حياتنا، مما جعله ~~منارة هادية، وأما دوري في هذا الموضوع؛ فأحسبه قد انتهى بما كتبته في مقالتي التي علقت ~~بها على ما كنت قرأته للأستاذ أنيس منصور فيما رواه عن لقائه مع الزملاء للشاعر الروسي ~~بأسوان في أواسط الستينيات، إلا أنني أود أن أذكر نقطتين وردتا في ذهني، في أثناء ~~قراءتي لرسالة الأستاذ أحمد بهاء الدين، أما أولاهما فهي أنه أدار تعليقه على عبارة ~~«الواقعية الاشتراكية»، مع أن العبارة كما وردت في مقالة الأستاذ أنيس منصور، وهو يذكر ~~لقارئه ما كانوا قد أجابوا به على سؤال إيفنتوشينكو هي «الاشتراكية الواقعية»، فهذه ~~العبارة تجعل الحديث منصبا على الاشتراكية، في حين جاءت عبارة الأستاذ أحمد بهاء ~~الدين معكوسة، فجعلت موضوع الحديث هو «الواقعية»، وكان من نتائج هذا الاختلاف أن ربط ~~الأستاذ بهاء الدين إجابة الزملاء ب «الأدب» لا ب «الفكر» بمعناه الشامل، قائلا إنه ~~يتذكر بأن تلك الفترة (أواسط الستينيات) قد شهدت في دنيا الأدب اتجاها نحو ~~«الواقعية». # وأما النقطة الثانية مما ورد إلى ذهني في أثناء قراءتي لرسالة الأستاذ أحمد بهاء ~~الدين؛ فهي التفرقة بين ما هو «أدب»، وما هو «فكر»، ولا شك في أن بينهما فرقا، إلا أنه ~~- فيما أعتقد - مغلف بكثير من الغموض عند أدبائنا ونقادنا معا، مما أدى بهم في أغلب ~~الحالات إلى الظن بأنه لا أدب إلا في الشعر والرواية والمسرحية، وجمعوا هذه الفروع تحت ~~كلمة «إبداع»، مما يوهم بأنه لا إبداع في ms112 دنيا الأدب، إلا إذا وقع الكلام تحت فرع من ~~تلك الفروع، وهو ظن بالغ الخطورة؛ لأننا إذا أخذنا به أسقطنا من الأدب كل ما كتبه ~~الأقدمون مما نسميه بالنثر الفني، فلا الجاحظ ولا التوحيدي ولا المعري (في نثره) ولا ~~أضرابهم يكون لهم الحق في دخول عالمهم الذي هو وحده عندهم عالم الأدب، فاعتزمت - وأنا ~~أقرأ رسالة الأستاذ بهاء الدين - أن أخصص ما يبقى لي من فراغ في هذه المقالة لعرض ~~محاولة سريعة قد تساعد على إقامة شيء من التحديد الذي يضبط الفواصل بين ما هو أدب، وما ~~هو فكر، وما هو علم. ~~••• # لنترك الآن ما قد يطلق عليه اسم «الفكر» وعلى صاحبه اسم «المفكر»، ولنحصر انتباهنا ~~بادئ ذي بدء، في «الأدب» من جهة، و«العلم» من جهة أخرى، فهما متضادان كامل التضاد في ~~الخصائص الجوهرية لكل منهما، فما هو أدب لا يكون علما، وما هو علم لا يكون أدبا، ولعل ~~أوسع اختلاف بينهما هو في أن العلم ينظر إلى موضوع بحثه وكأنه ليس في الوجود «إنسان»، ~~في حين أن الأدب ينظر إلى موضوع بحثه وكأنه ليس في الوجود إلا الإنسان، إن العلم حتى ~~وهو يبحث في جانب من جوانب الإنسان يتجاهل أنه إنسان، وينظر إلى الجانب الذي يبحثه ~~وكأنه مجرد ظاهرة من ظواهر الطبيعة، فلا فرق في تشريح أعضاء الجسم بين أن يكون ذلك ~~التشريح منصبا على جسم إنسان أو على جسم حيوان، ولا فرق في معامل علم النفس بين دراسة ~~ردود الفعل - وأعني ما يسمونه في علم النفس بالأفعال المنعكسة - التي قد تكون، من ~~إحدى وجهات النظر العلمية، هي الأساس الذي تبنى عليه عملية التعلم كلها، أقول: إنه لا ~~فرق في معامل علم النفس بين أن تكون الكائنات موضوع الدراسة التجريبية آدميين أو من ~~الفئران، وهكذا نرى أنه بينما العلم «يطبعن» الإنسان إذا كان هذا الإنسان موضوعا لبحثه ~~(إذا صح لنا استخدام هذه الكلمة، بمعنى أن العلم يحول الظاهرة الإنسانية التي يجعلها ~~موضوع تجاربه العلمية وأبحاثه، يحولها إلى مجرد ظاهرة ms113 طبيعية.) وأما الأدب فهو على عكس ~~ذلك تماما، «يؤنسن» الطبيعة، مرة أخرى نقول (إذا صح لنا استخدام هذه الكلمة، لتعني أنه ~~يحول الظاهرة الطبيعية في خياله إلى إنسان.) فكلنا يعلم كيف يتعامل الأديب مع أجزاء ~~الطبيعة التي يختارها ليربط الصلة بينه وبينها، فترى الشاعر - مثلا - ينفخ من حياته هو ~~حياة في الجبل أو النهر أو الزهرة أو القمر أو ما شاءت له نوازعه الشاعرة أن تختار من ~~كائنات طبيعية ليعايشها، فهو في كل حالة من تلك الحالات لا يتصور إلا أنه إنما يخاطب ~~كائنا حيا، يبادله شئونه وشجونه وخواطره ونشواته، وإنه لمن أجمل ما قرأته في كل ما ~~قرأت من شعر عربي وغير عربي، عن طبيعة الشعر نفسه، وكيف أنه هو الذي يبث الحياة ~~في الوجود بكل كائناته، ثم هو اللسان الذي تتحدث به الحياة إلى الحياة، بغض النظر عن ~~اختلاف الكائنات الحية، وجميع الكائنات في قلب الشاعر وخياله إنما هي من الأحياء، أقول: ~~إن من أجمل ما قرأته لشاعر في هذا المعنى هو ما ورد في قصيدة طويلة للعقاد، بعنوان ~~«الحب الأول»، ومما يقوله في ذلك، هذه الأبيات الثلاثة: # والشعر ألسنة تفضي الحياة بها # إلى الحياة بما يطويه كتمان # لولا القريض لكانت - وهي فاتنة - # خرساء ليس لها بالقول تبيان # ما دام في الكون ركن للحياة يرى # ففي صحائفه للشعر ديوان # فتلك إذن هي أولى الخصائص، وأوسعها، مما نميز به بين الأدب في ناحية، والعلم في ناحية ~~أخرى، فبينما العلم - كما أسلفت القول - «يطبعن» الأحياء ليجعلها عنده طيعة من الطبيعة، ~~نرى الأدب - والشعر خاصة - «يؤنسن» الطبيعة حتى لكأن كل ما فيها إنس يخاطبهم ~~ويخاطبونه. # وأول ما يتفرع لنا من تلك الخصيصة الشاملة، فارق هام بين ما هو علم وما هو أدب، ~~فالعلم ينشد القوانين العامة للظاهرة التي يبحثها، فإذا كان موضوعه - مثلا - جانبا من ~~جوانب النبات وكيف يمكن إنماؤه لينتج محصولا أوفر، فهو لا تهمه هذه الشجرة المعينة دون ~~أخواتها، بل كل الشجر عنده سواء، ما دامت من نوع واحد، ms114 وفي ظروف واحدة؛ لأن المهم عنده ~~هو استخراج القاعدة العامة المشتركة بين أفراد النوع المعين، ولذلك فهو خلال بحثه ~~العلمي يسقط من حسابه كل المميزات الفردية التي تتميز بها كل شجرة على حدة ليستبقي ما ~~هو مشترك وعام، وأما الأدب فهو على ضد ذلك تماما؛ إذ الأديب وهو يصور شخصية في رواية، ~~أو في مسرحية، أو وهو يرسم موقفا معينا تتفاعل فيه عدة شخصيات، فهو إنما يبحث عن جانب ~~التفرد الذي يجعل الشخص المعين فريدا بين سائر الأشخاص، أو الذي يجعل الموقف المعين ~~متميزا، بما يبرز طبيعته دون سائر المواقف، وهكذا ترى أن الأدب - على عكس العلم - ~~يسقط من حسابه ما هو مشترك وعام بين أفراد النوع الواحد، ليستبقي الجوانب التي تجعل من ~~الفرد فردا فريدا، فبينما العلم يبحث عن الحقيقة العلمية في تعميمها وتجريدها، ترى ~~الأدب يبحث عن اللحظات المشخصة المجسدة المتعينة المتميزة المتفردة. # وقد تصادفنا في الأدب حالات نقف أمامها حيارى: أهي تعميم كالذي يبحث عنه العلم؟ أم هي ~~تفريد كالذي يصوره الأدب؟ ومن أهم الأمثلة على ذلك «الحكمة» حين ترد في بيت من الشعر ~~أو في جملة من النثر الفني، فالحكمة بطبيعتها حكم عام، لكنها كذلك ضرب من الصياغة مما ~~يندرج في الأدب، إلا أن الخاصية التي تجعل تعميم الحكم فيما هو «حكمة» لا ينفي عن القول ~~طبيعته الأدبية ليدخله في زمرة القوانين العلمية؛ لأن الفرق هنا هو أن التعميم في ~~الحكمة نابع من خبرة الأديب أو الشاعر، وليس هو نتيجة بحث موضوعي أجراه الباحث على ~~أشياء خارج نفسه، فإذا قال زهير - مثلا - «رأيت المنايا خبط عشواء، من تصب تمته، ومن ~~تخطئ يعمر فيهرم»، أو إذا قال المتنبي: «وإذا رأيت نيوب الليث بارزة فلا تظنن أن الليث ~~يبتسم»، فكل منهما إنما ينضح بحكمته من خبرته، وفي ذلك ما يبعد به عن منهج العلم في ~~استخراج تعميماته. # وكذلك هناك حالات في الأدب، نصادف فيها أقوالا تحتوي على ما يصح أن يكون من الحقائق ~~العلمية، لكنك هنا أيضا، إذا ms115 دققت النظر في أمثال تلك الحالات وجدتها قد كسيت بما ~~يربطها بخبرة الإنسان الخاصة، فتتميز بهذا عن مثيلاتها من التعميمات العلمية، خذ مثلا ~~لذلك هذا البيت من قصيدة أبي العلاء المعري المشهورة التي مطلعها: «غير مجد في ملتي ~~واعتقادي، نوح باك ولا ترنم شاد»، وأعني ذلك البيت الذي يقول فيه: «خفف الوطء لا أظن ~~أديم الأرض إلا من هذه الأجساد»، فقد تقول: أليست حقيقة كون أجساد البشر تتحلل بعد ~~موتها فتعود ترابا من تراب الأرض، حقيقة يمكن هي نفسها أن يقولها العلم؟ والجواب هو: ~~نعم، لكن انظر إلى قوله في أول البيت: «خفف الوطء»، أي إن الشاعر يخاطبك قائلا لا تطأ ~~الأرض بقدميك في ثقل وغلظة؛ لأنك إنما تدوس على ما كان ذات يوم أجسادا بشرية، فهذه ~~اللفتة الإنسانية هي التي خلعت على الحقيقة التي تشبه حقائق العلم روح الشعر، أو انظر ~~إلى بيت آخر في القصيدة نفسها، يقول فيه: «والذي حارت البرية فيه حيوان مستحدث من ~~جماد»، فها هنا كذلك قد تجد في البيت حقيقة هي نفسها مما يقوله العلم، وهي أن الكائنات ~~الحية إذا كانت يخرج بعضها من بعض، فإن الخلية الحية الأولى، التي منها تسلسل سائر ~~الخلايا - وبالتالي سائر الكائنات الحية - لا بد أنها قد استحدثت من جماد؛ إذ لم يكن ~~سبقها إلا الجماد، لكن - مرة أخرى - انظر إلى أول البيت؛ إذ يقول فيه الشاعر ما يدلنا ~~على «حيرة الإنسان» إزاء هذا اللغز الكوني العجيب، وهو أن تخرج خلية حية من جماد موات، ~~فكذلك هنا جاءت تلك الإشارة إلى الإنسان ومشاعره لتخلع روح الشعر على حقيقة كان يمكن أن ~~تندرج في زمرة الحقائق العلمية. # أظن في هذا الذي ذكرناه للتفرقة بين طبيعة العلم وطبيعة الأدب، ما يكفي، وننتقل الآن ~~إلى أشد الأقسام غموضا، وأصعبها تحديدا، وهو ما نطلق عليه اسم «الفكر» ونطلق على ~~صاحبه اسم «المفكر»، فما هو ذاك؟ # هنالك مجموعة من المعاني لها طابع متميز، تقع وسطا بين الطرفين المتضادين اللذين ~~هما العلم في طرف والأدب ms116 في طرف آخر، وتلك المجموعة من المعاني التي أشير إليها، لا هي ~~من العلم ولا يمكن أن تكون؛ لأنها تستعصي على التعريف الدقيق الذي يحدد معالمها وحدودها ~~تحديدا قاطعا، كالذي تخضع له مصطلحات العلوم، ولا هي كذلك تنتمي إلى الأدب؛ لأنها على ~~درجة من التعميم والتجريد، مما يتنافى مع طبيعة الأدب التي تأخذ نفسها بالتخصيص ~~والتفريد، ومع ذلك فتلك المجموعة من المعاني لها في حياة الإنسان من الأهمية والخطورة ~~ما يجعلها هي وحدها - دون طرفي الأدب والعلم - التي يمكن أن تثار الحروب بين الدول إذا ~~هي اختلفت في شأن يمسها، كما قد تنشب المعارك القاتلة بين الأفراد إذا دب بينهم خلاف في ~~مجالها، فمن هذه المجموعة - على سبيل المثال - هذه المعاني: الحق، العدل، الحرية، ~~المساواة، التقدم، الخير، الثقافة ... إلى آخر هذا القبيل إذا كان لهذا القبيل آخر، ويمكن ~~تجميع هذه المعاني تحت اسم واحد شائع بين الناس هو: «القيم»، والقيم لا حصر لعددها، ~~لكنها تندرج تحت ثلاثة رءوس هي: الحق، والخير، والجمال، فأما «الحق» فمعيار تقاس به ~~معلوماتنا وعلومنا من حيث الصواب والخطأ، وأما «الخير» فمعيار يقاس به السلوك الذي ~~نتصرف به في تعامل الإنسان مع الإنسان، أو مع مختلف المواقف، من حيث المشروعية أو ~~نفيها، وأما «الجمال» فيقصد به ذلك المعيار الذي يقاس به درجة السواء أو النشاز في ~~الأشياء، طبيعية كانت أو من صنعة الإنسان. # وعلى الرغم من أنه يستحيل أن تستقيم حياة لإنسان، منفردا أو مجتمعا، إلا إذا كان ~~يملك قدرا من المقاييس التي تميز له بين ما يجوز وما لا يجوز في جوانب حياته، فإنه لا ~~سبيل إلى اتفاق الناس على تعريفات محددة لتلك المقاييس التي هي «القيم»، فكل واحدة منها ~~كأنها البئر الغزيرة الماء، يستطيع كل من شاء أن يغترف منها أي معنى أراد، ومن هنا ~~كانت أهميتها، ومن هنا كذلك كانت خطورتها، لماذا؟ لأنه ما من تغير في حياة الإنسان، إلا ~~وهو آخر الأمر مرتكز على استبدال قيمة معيارية بقيمة أخرى، فإذا أراد كاتب ms117 أن يدعو إلى ~~«التقدم» فربما وجد بين الناس من يزعم له بأن التقدم المطلوب إنما يتحقق بالرجوع إلى ~~الزمن الماضي في أوضاعه وأحكامه، فمن الذي يستطيع أن يفض الخلاف بين رجلين، كلاهما ~~يريد التقدم، إلا أن أحدهما يراه في الماضي ويراه الآخر في مستقبل لم يصنع بعد؟ وقل ~~شيئا كهذا في كل قيمة من تلك القيم المهمة جدا، الضرورية جدا، الغامضة جدا في ~~حدودها ... وفي هذا الميدان العسير يكون «الفكر» والمشتغل بالدعوة إلى تغيير الحياة نحو ~~الأفضل هو الفكر. # على أن تلك القيم عندما يعالجها المفكر، ابتغاء أن يغير من حياة الناس عن طريق تغيير ~~ما هو قائم منها مما يعرقل حركة الحضارة، ليقيم مكانها بديلا آخر يمكن أن يكون أقوى ~~دفعا للموقف الحضاري، قد يلجأ إلى وضعها في مركب فيه بعض صفات التركيب الأدبي، وعندئذ ~~تجيء كتابته جزءا من الأدب أو في هوامشه، وكذلك قد يلجأ في عرضها إلى الاتجاه المضاد، ~~فيقربها من دقة العلم، وعندئذ تجيء كتابته مطبوعة بطابع فلسفي، فمن أعلام الأدب من جاء ~~أدبه مثقلا بنقد القيم، حتى يختلط الأمر على الناس فيقول بعضهم عن شعره - إذا كان ~~شاعرا - إنه فلسفة وليس شعرا، كما هي الحال مع أبي العلاء المعري، وكذلك من أعلام ~~الفلسفة من جاءت فلسفته في قالب يشبه الأشكال الأدبية، فيختلط الأمر على الناس أيضا، ~~قائلين إنه أدب أكثر من فلسفة، كما هي الحال في بعض المحاورات الأفلاطونية، وعلى أية ~~حال فكثير جدا مما ينتج في هذا المجال، يمكن أن نسميه بأدب الأفكار؛ لأنه متميز من ~~أدب الشعر والرواية والمسرح. # على أن الشعر والرواية والمسرح، إذا جاء أدبها رفيع المستوى كتلك الآيات التي خلدت ~~على طول الزمان، تحتم أن ينطوي كل ناتج منها على مضمون فكري، مضمر في ثناياه كالدر في ~~أصدافه، وتكون مهمة الناقد الأدبي في هذه الحالة هي إخراج ذلك الدر الفكري المستتر، إلى ~~علانية تراها الأبصار. # فعالم «الفكر» الذي هو عالم «القيم» بصفة أساسية؛ قد يعرض الفكرة المعينة في عناصرها ~~العارية ms118 المجردة، وعندئذ تكون فلسفة، والفلسفة تقع مع العلم في امتداد واحد، نصف منه ~~يكمل النصف الآخر، وشرح ذلك يطول وكذلك قد يعرض الفكرة في صورة من صور الأدب، كما فعل ~~سارتر حين جسد بعض أفكاره في مسرحياته. # فلكل قطعة من الأدب الرفيع فكرتها، ولكل فكرة وسائل تتجسد بها في أدب رفيع. # القسم الثاني # | إنسانية الإنسان # الفصل الرابع عشر # | إنسانية الإنسان # ما الذي يجعل الإنسان إنسانا؟ سؤال يطرح نفسه على من يتوق إلى بلوغ ما يدنو به إلى ~~الكمال؛ وذلك لأن لكل شيء في هذه الدنيا وظيفة يؤديها، وإنه ليحقق من كماله بمقدار ما ~~يحسن أداءه لوظيفته التي خلق من أجلها، على أن ذلك الأداء إنما يجود أقصى جودته ~~عندما يصدر فعله عن طبع لا تكلف فيه، وإذا أردت مثلا لذلك فانظر إلى الشمس كيف ترسل ~~ضياءها، والوردة كيف تنشر أريجها، وإلى الطائر كيف يغرد. # وعلى هذا النحو يكون الإنسان الكامل، تجيء أفعاله انعكاسا لطبعه، فإذا ألقينا على ~~أنفسنا السؤال الذي بدأنا به هذا الحديث، وهو ما الذي يجعل الإنسان إنسانا؟ كان ذلك ~~بمثابة سؤال عن حقيقة النفس الإنسانية ما هي؛ لأن درجة الكمال في أفعالنا تتفاوت بتفاوت ~~تصويرها للنفس وهي في حالة كمالها، ولكي نزيد هذا القول وضوحا، أقول: افرض أن أمامك ~~ورقة رسمت عليها عدة دوائر، وأن هذه الدوائر لم ترسم على درجة متساوية من الدقة، ثم ~~أردت أن ترتبها بحسب درجة الدقة في كل دائرة منها، فماذا أنت صانع؟ ما هو المعيار الذي ~~تستخدمه في ترتيب تلك الدوائر؟ أليس معيارك في ذلك هو «تعريف» الدائرة كما يحدده علماء ~~الرياضة؟ أي إن للدوائر صورة مثلى يستطيع الرياضي حسابها ومعرفة أبعادها؟ وعلى تلك ~~الصورة المثلى تقاس الدوائر المرسومة أمامك على الورق، فالأكمل منها هو الأقرب إلى ~~النموذج الرياضي، أعني أنه هو الأقرب إلى «تعريف» الدائرة. # وهذا المثل يوضح لنا القاعدة التي يجب أن تتبع كلما أردنا أن نعرف - بين أفراد نوع ~~معين - أيها يكون أكمل من سواه، فالأكمل هو ما ms119 يكون أقرب إلى الصورة المثلى كما يتصورها ~~العقل بالنسبة إلى النوع المعين الذي نكون بصدد الحكم على أفراده بما في ذلك الإنسان ~~نفسه، فإذا سألنا عن مجموعة معينة من الناس، نريد أن نعرف ترتيب أفرادها في درجات ~~كمالهم، كان لا بد لمن يريد الجواب الصحيح أن يكون على علم بحقيقة النفس وما يراد لها ~~أن تكون عليه عندما تكون في صورتها المثلى، وعندئذ يسهل قياس المسافة التي يبعد بها ~~أفراد تلك المجموعة ، أو التي يقتربون بها من ذلك النموذج. # إن هنالك طريقة يستخدمونها في مصانع الصلب، التي يصنعون فيها ألواحا من المعدن يراد ~~لها أن تكون مستوية السطح استواء تاما، وتلك الطريقة هي أن يصبوا عنايتهم كلها على ~~لوح واحد يصوغونه صياغة نموذجية من حيث استواء السطح، ليتخذوه بعد ذلك معيارا لغيره، ~~وذلك بأن يطلى ذلك اللوح النموذجي بطلاء ملون، فإذا أرادوا التيقن من استواء غيره وضعوا ~~هذا الأخير فوق النموذج، فإذا وجد أن الطلاء قد شمل السطح كله؛ كان مستويا، أما إذا ~~وجد أن الطلاء قد أصاب مواضع دون أخرى؛ كان السطح غير مستو استواء كاملا، وهكذا ~~يكون الدور الذي تؤديه الصورة المثلى بالقياس إلى سائر الحالات المفردة التي يراد لها ~~أن تجيء على غرار تلك الصورة. # ونعود إلى سؤالنا الأول: ما الذي يجعل الإنسان إنسانا؟ فها هنا كما هو الحال في ~~شتى أنواع الكائنات نبحث عن صورة مثلى للإنسان ليقاس عليها سائر الأفراد. وبادئ ذي ~~بدء علينا أن نطرح من الوجود الإنساني تلك الجوانب التي يشترك فيها الإنسان وغيره من ~~الكائنات الحية، فهو يشترك مع النبات والحيوان في عمليتي النمو بالاغتذاء، ثم التكاثر، ~~نعم هي جوانب ضرورية لوجوده، لكن الذي يميزه من حيث هو إنسان شيء آخر يضاف إلى تلك ~~الجوانب، فماذا عساها أن تكون؟ إن لكل كائن كماله الذي يلائم طبيعته؛ فكمال السمكة الذي ~~تستطيع به السبح في الماء والتقاط غذائها منه، غير كمال الطير الذي يمكنه من الطيران في ~~الهواء، ومن بناء أعشاشها حيث تبينها، وهذا ms120 وذاك يختلفان في صورة الكمال عما يكون للأسد ~~والقط وهكذا، ولا يشذ الإنسان عن غيره في ذلك، فماذا عساها أن تكون صورة الكمال ~~المنشودة في الإنسان، والتي إذا ما وقعنا على عناصرها المكونة لها، نكون قد وقعنا على ~~المعيار الذي تقاس به إنسانية الإنسان، ثم يكون هو نفسه المعيار الذي تقاس به درجات ~~التفاوت بين إنسان وإنسان؛ فليس الناس سواء كلهم في الجانب الإنساني منهم، حتى لقد قيل ~~إن واحدا قد يساوي ألفا من الآخرين؟ # وفي ذلك يقول مسكويه، الذي هو أقدر من كتب في فلسفة الأخلاق من أسلافنا (توفي ~~421ه/1029م) وذلك في كتابه «تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق»: إن للإنسان قوتين، إحداهما ~~قوة عالمة، والأخرى قوة عاملة، فبالأولى يفكر الإنسان فيما يستدعي التدبر العقلي من ~~شئون حياته، وبالأخرى يعمل لتنفيذ ما كان رسمه لنفسه بفكره، ولما كان لكل قوة كمالها ~~الخاص بها، كان للإنسان وجهان من الكمال يسيران، فكمال في دقة التفكير وتسامي أهدافه، ~~وكمال آخر في إتقان التنفيذ عند التطبيق، فعندما قال من قال عن الناس: إن واحدا منهم ~~كالألف، فلا بد أن يكون ذلك الواحد الممتاز إما قادرا بفكره أن يبلغ ما يتطلب بلوغه ~~ألفا من الآخرين، وإما قادرا بفعله أن يؤدي ما يحتاج أداؤه إلى ألف ممن عداه، وإما أن ~~يكون امتيازه بالنسبة إلى الآخرين شاملا للجانبين معا: الفكر والفعل. # ويريد كاتب هذه السطور - بكل التواضع الذي تحتمله فطرة البشر - أن يضيف تصحيحا لهذا ~~الذي قاله مسكويه، فالعقل بفكره في ناحية، ثم التنفيذ والتطبيق من ناحية أخرى، مهما ~~افترضنا فيهما من درجة الكمال، لا يكفيان؛ لأن العقل بعلمه وفكره قد يخطط شيئا، لو أنه ~~انتقل مباشرة إلى دنيا التنفيذ والتطبيق لأهلك الإنسانية جمعاء، ومصداق ذلك وارد فيما ~~نسمعه اليوم من العلماء والخبراء على القوى النووية وما تستطيع أن تفنيه في مثل اللمح ~~بالبصر، لا بد من ضوابط فيما بين الطرفين، وماذا تكون تلك الضوابط إلا الأمر الديني بما ~~يشتمل عليه من قيم الأخلاق؟ فللعقل أن يفكر ما ms121 وسع قدراته أن يفكر، لكن الإنسان الكامل ~~بما يكون مزودا به من قيم خلقية يقف رقيبا قبل البدء في مرحلة التنفيذ والتطبيق، ~~ليحدد مجال الفعل بحيث تضمن لنا أن ما قد ارتآه العقل بقوة ذكائه، سيكون في صالح ~~الإنسانية إذا ما تحول إلى عمل، وليس ذلك ما هو حادث بيننا اليوم؛ إذ تركنا العقل ينطلق ~~بفاعليته الجبارة في مجال الكشف العلمي، ثم جاء الإنسان ليستغل تلك النتائج العلمية ~~في الحروب وغيرها من ضروب التنافس دون أن يردعه الضمير الخلقي نحو سلامة البشر إلا ~~قليلا، وأصبح العنف هو القاعدة في التعامل بين الفئات المتقاتلة، فيصيب في طريقه ~~الشيطاني ألوف الأبرياء بعد ألوفهم، مما دعا كثيرين من رجال الفكر في الغرب إلى اتهام ~~الحضارة القائمة بأنها حضارة عرجاء تسير على رجل واحدة، هي جانب العلم الذي يقفز قفزات ~~الجبابرة بلا قيود، وأما الرجل الثانية التي غابت فأصيبت الحضارة لغيابها بالعرج فهي ~~جانب الرادع الخلقي، فالعلم وحده قوة محايدة، لا شأن لها بالجانب الوجداني من الإنسان، ~~وإذن فلا لوم على علم وعلماء فيما ينكشف للإنسان من أسرار الكون، وإنما اللوم واقع على ~~قصور التربية الدينية وما تحمله في طيها من حاسة خلقية، فلو أن هذه الحاسة بثت في أنفس ~~الناس لكان في ذلك صمام أمن يكفل للإنسانية ألا يصيبها من نتائج العلوم الإنسانية إلا ~~حسناتها. # ونعود إلى الإطار الثنائي الذي قدمه مسكويه لنتصور على ضوئه كيف يجب للإنسان أن يكون، ~~وهو إطار - كما أسلفنا - ذو طرفين: علم يحصل عليه العقل بفكره، وعمل يتمثل في عالم ~~التطبيق، فنقول إن الإطار بهذه الصورة المفترقة تنقصه ضوابط الأخلاق التي تحصر نتائج ~~العلوم عند تطبيقها فيما هو نافع للإنسان مأخوذة كلها وكأنها أسرة واحدة كبيرة، ومثل ~~هذه الضوابط الخلقية يكفلها الدين، وهنا ينشأ أمامنا سؤال يريد الجواب المضيء، وهو: ما ~~هي الصفات الأساسية التي تشتمل عليها تلك الضوابط؟ ولعله من المفيد أن نأخذ جوانب من ~~قائمة «الفضائل» الأساسية الأربع، التي ذكرها بالتحليل والتفصيل «مسكويه»، في كتابه ~~الذي ms122 أشرنا إليه فيما سبق، وهو كتاب «تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق»، وتلك الفضائل ~~الرئيسية الأربع كان أخذها مسكويه بدوره من الفيلسوف اليوناني «أفلاطون» تراها مفصلة ~~بإسهاب في الأربعة الفصول الأولى. محاورة «الجمهورية» وتلك الفضائل الأربع هي: الحكمة ~~والشجاعة، والعفة، والعدل، ولماذا كانت هكذا؟ إنها جاءت نتيجة مباشرة لتحليل الإنسان ~~إلى ثلاثة مقومات؛ فهو ذو عقل، وهو ذو وجدان، وهو ذو حاجات تتصل بالجسد، ولكل مقوم من ~~هذه المقومات شكيمة توقفها عند الحد الملائم حتى لا تجاوز حدودها، فأما العقل فشكيمته ~~أن يلتزم حدود «الحكمة»، وأحب أن ألفت النظر هنا إلى شيء في عبقرية اللغة العربية حين ~~استخدمت كلمتي «عقل» و«حكمة»، فالعقل - لغة - معناه القيد، ونقول فلان معتقل، أي أنه ~~مقيد الحركة، وأما «الحكمة» فهي مأخوذة من أن يكون الإنسان بعقله «محكوما» بحدود ~~معينة، والقيود التي هي متضمنة في كلمتي «عقل» و«حكمة» إنما تشمل فيما تشمله أن تكون ~~الأهداف من عملية التفكير أهدافا شريفة وصالحة. # وإذا كانت فضيلة الحياة العقلية (أو العلمية) هي أن تتصف بالحكمة حتى لا تطيش سهامها، ~~ففضيلة الجانب الوجداني من الإنسان هي الشجاعة، فشجاعة الشجاع تكفل له ألا يخاف شيئا ~~في سبيل الحق، وما أكثر ما تكون حماية الحق والدفاع عنه في وجه الباطل ثقيلة الأعباء، ~~لا يقوى على حملها إلا الأقوياء بشجاعتهم وبصبرهم على المكاره التي يرجح أن يجدوها في ~~طريقهم إلى الدفاع عن الحق، ولا عجب أن نجد «الحق» و«الصبر» مقترنين في الآيات الكريمة: # والعصر * إن الإنسان لفي ~~خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ~~، وبقي الجانب الثالث من ~~مقومات الإنسان وهو جانب الحاجات الجسدية التي لا بد منها لإقامة الحياة، وهذه فضيلتها ~~«العفة» التي تكتفي بإشباع الحاجة الجسدية على قدر ما هو ضروري للجسد بغير ~~إفراط. # تلك هي مقومات ثلاثة، لكل مقوم منها فضيلته، لكن هنالك فضيلة لا تتصل بمقوم معين، ألا ~~وهي «العدالة»، وإنها لتتحقق للإنسان إذا ما تحققت له الفضائل الثلاث السابقة، أي إنها ~~«محصلة» تنتج من تلقاء نفسها، عندما ms123 يكون الإنسان «حكيما» «شجاعا» «عفيفا»، فعندئذ ~~يصبح «عادلا» أعني متعادل الجوانب متزن الصفات. وجدير بنا في هذا الموضع أن نتذكر أن ~~«العدل» اسم من أسماء الله الحسنى، فالله - سبحانه وتعالى - «عدل»، ويقول الشارحون إن ~~المعنى المقصود هو أنه - تعالى - يوازن الكون توازنا لا يجعله يهدم بعضه بعضا. # الحكمة، والشجاعة، والعفة، والعدالة، هي الصفات الرئيسية الأربع تكفل لصاحبها أن ~~يستخدم حصيلة التفكير العقلي العلمي استخداما يعود على الإنسانية بأكبر نفع ممكن ، وألا ~~يصيبها من جرائه إلا أقل ضرر ممكن، ولنلاحظ أن هذه الصفات الأربع أساسية بمعنى أن سائر ~~الفضائل تتفرع منها، فإذا قلنا إننا نريد أن نضيف تصميما على الصورة التي رسمها مسكويه ~~للإنسان الكامل، وأن هذه الإضافة تتوسط الطريق بين العلم في ناحية والعمل به في ناحية ~~أخرى، وهي تتوسط الطريق بينهما لتأخذ العلم بالوجه الذي ينفع ولا يضر، قبل أن تتسلمه ~~أيد غاشمة تطبقه بعين عشواء. # بدأنا حديثنا هذا بأن ألقينا على أنفسنا سؤالا عن إنسانية الإنسان في أي صورة من صور ~~الحياة نجدها إذ سألنا: ما الذي يجعل الإنسان إنسانا؟ ثم سرنا في طريق البحث عن ~~الجواب، منعطفين به هنا وهناك حتى بلغنا الهدف، فالإنسان إنسان بعقله، وبوجدانه، ~~وبجسده، شريطة أن يلتزم كل من هذه الجوانب حدود فضيلته، وهي الحكمة للعقل، والشجاعة ~~للقلب، والعفة للبدن، فإذا تحققت كان الإنسان وهو في أسمى درجاته، إنسانا يتسم ~~بالعدالة التي هي وضع كل قوة من قواه في موضعها المناسب، وإن ذلك لينطبق على حياة ~~الإنسان في صورتيها: الإنسان منفردا، والإنسان مجتمعا. # الفصل الخامس عشر # | ويل للمعاصرين من المعاصرين # يشتد بي الحنين آنا بعد آن إلى الأحباء من أفراد أسرتي الذين انتقلوا إلى رحاب ~~الله، فأسرع إلى المقبرة لأقرأ الفاتحة حيث يرقدون! وإن طريقي إلى هناك لينعطف من ~~الشارع العام إلى المدخل المؤدي إلى ساحة المقابر، عند مسجد الإمام الليث بن سعد، وما ~~انثنيت مرة عند ذلك المسجد إلا وطاف برأسي قول الإمام الشافعي عن «الليث» مقارنا إياه ~~في الفقه بمعاصره الإمام ms124 مالك؛ إذ يقول الشافعي في تلك المقارنة: «الليث أفقه من مالك، ~~إلا أن أصحابه لم يقوموا به.» والليث فقيه مصري، عاصر مالكا، ولكنه لم يوافقه في ~~مذهبه؛ إذ كان من رأي الإمام المصري ضرورة الجمع بين الرأي والحديث، وأرسل إلى مالك ~~رسالة يبين له فيها وجهة نظره تلك، ويقول الخبراء في هذا الميدان إن رسالة الليث قد ~~جاءت آية في الجودة، ودلت على غزارة العلم ودقة التفكير وعمقه، وعن مكانة الليث في ~~الفقه قال الشافعي فيه عبارته التي أسلفناها. # وإذا كانت عبارة الإمام الشافعي في فقه الإمام الليث تطوف برأسي كلما انثنيت بطريقي ~~عند مسجد الليث، فليس ذلك لما فيها من مقارنة في الفقه بين إمامين، بل لما قد ورد في ~~آخر عبارة الشافعي من تعليل لكون الفقه الأجود يكون أقل شهرة من زميله الذي هو أقل ~~جودة منه، وتعليل ذلك عند الشافعي، كما هو ظاهر في عبارته، أن مالكا وجد من أنصاره من ~~ينشطون في إشاعة ذكره بين الناس، على خلاف ما لقيه الليث من أصحابه، الذين ربما عرفوا ~~له قدره العظيم، إلا أنهم التزموا الصمت، ولماذا اهتممت أنا بهذا الجزء من عبارة ~~الشافعي حتى رسخ في ذاكرتي ليطوف بذهني كلما جاءت مناسبة لذلك؟ الجواب هو أن الإمام ~~الليث «مصري» وأصحابه الذين قدروه ثم كتموا تقديرهم في صدورهم هم «مصريون» على ~~الأغلب، فقام في نفسي سؤال، وما زال السؤال قائما، وهو: أيكون من خصائص المصري أن يكتم ~~أنفاس مواطنه المصري، حتى لا ينبه له ذكر، اللهم إلا أن يجد هذا المصري المسكوت عنه، ~~أهلا من ذويه الأقربين، فيتولون ذكره بالذيوع كلما سنحت لهم فرصة لدق الطبول؟ أقول إنه ~~سؤال أقمته في نفسي، وما زال قائما، لكثرة ما أجد من شواهد في حياتنا العلمية والأدبية ~~تدل كلها - أو قل معظمها - على ميل شديد فينا نحو «كبس» من بدرت فيه البوادر التي تدل ~~على امتياز، وكثيرا ما ينبه ذكر المصري النابه على أيدي الغرباء، أو على أيدي المصريين ~~أنفسهم، ولكن في ms125 جيل بعد جيل معاصريه. # ونحن إذ ندير حديثنا في هذا السياق على مصر وأبنائها، فما ذلك إلا لأنها هي حياتنا ~~وهي موضع اهتمامنا الأول، وإلا فظاهرة التنافس بين المتعاصرين تنافسا يبلغ بهم حد ~~الحسد والحقد بعضهم تجاه بعض؛ ليهدم بعضهم بعضا، إنما هي ظاهرة تمس الطبيعة البشرية ~~ذاتها، ولا ينفيها أن تجد بين الناس ضروبا من التعاون؛ وذلك لأن الأساس المبدئي في ~~حياة الإنسان هو أن يحيا أولا، وأن يسعى نحو أن تكون حياته أقوى ما تكون حياة ثانيا، ~~فإذا وجد التعاون في أمر من أموره أدعى إلى تحقيق وجوده وجودا قويا دخل مع غيره في ~~عقد التعاون، أما حيث لا يكون الأمر كذلك كان المبدأ عنده هو التنافس الذي لا يرحم. ~~أقول إن تلك النزعة «الحاسدة» جزء من طبيعة الإنسان، لكن يعود فيختلف إنسان عن إنسان في ~~تلك النزعة من حيث القدرة على إلجامها بالتربية وبتسليط «العقل» على شراسة الفطرة ليخمد ~~أوارها. # وفي هذا المعنى أود أن أسوق إلى القارئ شيئا مما كتبه أبو بكر محمد بن زكريا ~~الرازي، فيما أسماه ب «الطب الروحاني» (وهو ضمن ما ورد في مجموعة «رسائل فلسفية» جمعها ~~وحققها بول كراوس) والمقصود بعبارة «الطب الروحاني» عند أبي بكر الرازي هو تحليلات ~~لطائفة من الصفات الحميدة، ومن الصفات الذميمة، ليبين كيف تقوى الروح بالأولى، وتضعف ~~بالثانية، يقول الرازي في التنافس والتحاسد بين أبناء المجتمع الواحد في العصر الواحد ~~ما خلاصته: # إننا نرى الرجل الغريب حاكما في بلد ما، متحكما في أهله، ومع ذلك فلا يكادون يحسون ~~نحوه بكراهية، أما أن يحكمهم رجل من أهلهم، فالأغلب أن تنصب عليه الكراهية مع أنه قد ~~يكون أرأف بهم من الحاكم الغريب، وسر ذلك هو محبة الإنسان لنفسه، مما يجعله تواقا ~~إلى أن يكون سباقا لسواه من أبناء قومه، «فإذا رأى الناس أن من كان بالأمس منهم، قد ~~أصبح اليوم سابقا لهم، مقدما عليهم، اغتموا لذلك وصعب واشتد عليهم سبقه إياهم، ولم ~~يرضهم منه تعطفه عليهم ولا إحسانه إليهم.» ms126 (تلك عبارة بنصها من كلمات الرازي) ويمضي ~~المفكر الإسلامي بعد ذلك ليقول ما معناه إن الناس إذا ما ارتفع من بينهم رجل إلى مرتبة ~~الحكم، لا يرضيهم منه إلا شيء واحد، وهو أن يزول عنه ذلك السبق، وأما المالك الغريب - ~~يقول الرازي - فمن أجل أنهم لم يشاهدوا حالته الأولى، لا يتصورون قصورهم في كمال سبقه ~~لهم وفضله عليهم فيكون ذلك أقل لغمهم وأسفهم، ثم يعقب الرازي على هذه النزعة الفطرية ~~في الإنسان فيقول إنه لا بد من التغلب عليهم بالاحتكام إلى «العقل»؛ لأنه إذا كان في ~~مقدور الإنسان أن يعتصم بعقله في مقاومة «اللذائذ» فكيف والحسد لا لذة فيه؟ ومما يمحو ~~الحسد عن النفس - هكذا يقول الرازي - «أن يتأمل العاقل أحوال الناس، فإنه سيجد أن حالة ~~المحسود عند نفسه، خلافها عند الحاسد، فالإنسان لا يزال يستعظم الحالة، ويتمنى بلوغها، ~~حتى إذا بلغها لم يسر بها، إلا مديدة (تصغير مدة) يسيرة، بقدر ما يستقر فيها ويتمكن ~~منها ويعرف بها، ثم تسمو نفسه إلى ما هو فوقها، إنه عندئذ يصير بين هم وخوف، خوف ~~من النزول عن الدرجة التي بلغها، وهم لما يتمنى بلوغه.» # معذرة فقد أطلت الوقوف عند عبارة أبي بكر الرازي؛ فلقد أردت أن أستعين به أمام القارئ ~~لأضمن اقتناع هذا القارئ بصحة ما زعمناه عن الإنسان إذا ما أرخى العنان لفطرته، من أنه ~~يكره أن يرى واحدا من أهله قد سبقه في مدارج الصعود إلى قمم النبوغ، في حين أنه لا ~~يشقيه أن يعلم مثل هذا الصعود في إنسان غريب، وربما صعب على القارئ أن يتصور الصدق فيما ~~قاله الرازي؛ لأن الرازي أدار حديثه على من يملك بلدا ويحكمه، والحق أننا قد خبرنا في ~~أنفسنا كم نكره أن يتولى الحكم فينا غريب عنا، ولكن لكي يقترب القارئ من رؤية ما عناه ~~الرازي - وهو حق لا شك فيه - فليجعل مدار الحديث نبوغ النابغ في شعر أو فن أو فكر أو ~~أي فرع شئت من فروع الحياة العقلية والثقافية، ولينظر عندئذ ms127 إلى نفوس المتنافسين في ~~الميدان الواحد - هل يملؤها حب لمن نبغ - أو تملؤها كراهية؟ وإن هذه الكراهية لتزداد ~~حدة كلما نقصت قدرة الناس في بلد ما على احتكامهم إلى «العقل» فيما يقولون وما ~~يفعلون. # وللشاعر الإنجليزي العظيم ت. س. إليوت، الذي كان من حسن حظنا أن شاع ذكره بين القراء ~~العرب في عصرنا، والشعراء من هؤلاء القراء بوجه خاص، وذلك بفضل طائفة قليلة من نقادنا ~~ودارسي الأدب الإنجليزي المعاصر فينا . أقول إن لهذا الشاعر العظيم كتابا في النقد ~~الأدبي، جمع فيه عدة فصول متفرقة، منها فصل خصصه لهذه الفكرة التي نعرضها هنا، وهي ~~المنافسة الحاسدة الحاقدة التي يغلب أن تستبد بالمعاصرين إذا ما تولوا بالنقد معاصريهم؛ ~~ولذلك يميل «إليوت» إلى إهمال ما يقوله معاصر عن معاصره، مدحا كان ذلك أو قدحا؛ لأنه ~~في كلتا الحالتين مغرض على الأغلب المرجح ولا تكون للنقد قيمته إلا إذا جاء في عصر تال ~~لعصر الناقد والمنقود معا. # وإذا نحن أردنا مثلا لذلك من تاريخ الأدب الإنجليز (والمثل من عندي وليس مأخوذا من ~~كتاب إليوت)، وثب إلى ذهني ما قد حدث لأعظم شاعر عرفته إنجلترا، وهو وليم شكسبير، فكلنا ~~يعرف كيف ظهر ذلك العملاق في دنيا المسرح وكأنه الشهاب اللامع، ولم يلبث أن استقطب كل ~~الأضواء في شخصه وما يقدمه على المسرح، فشد الانتباه من الملكة ونبلائها فنازلا إلى ~~جمهور الناس، وكانت المفاجأة لافتة للأنظار بصفة خاصة لأن الرجل لم يكن قبل ذلك السطوع ~~إلا سائس جياد النبلاء الذين يقصدون إلى المسرح، فما هو إلا أن فزع رجال الأدب المسرحي ~~المحترفون من أساتذة الأدب في الجامعات، وكان من أبرزهم «مارلو» و«ناش» و«جرين»؛ فأخذوا ~~يملئون الدنيا بنقدهم الساخر، يبثون فيه ازدراءهم لمن اقتحم ميدانا لم يؤهل له، ~~فنتج عن ذلك النقد المر أن سقط شكسبير لفترة طويلة من حساب التاريخ الأدبي، برغم ~~احتفاظه بإقبال المشاهدين لمسرحه حتى آخر عهده به، وفي هذه المناسبة أود أن ألفت ~~الأنظار إلى وجوب التفرقة بين حالتين فيما يختص بالمسرح، إحداهما ms128 حالة المسرح الذي ~~يجتذب الجمهور دون أن يدرجه مؤرخو الأدب في صفحاتهم، والثانية حالة تجيء فيها المسرحية ~~أدبا أولا، يرصده التاريخ الأدبي سواء مثلت تلك المسرحية أو لم تمثل، وأقبل ~~عليها الجمهور أو لم يقبل، وخير مثل يوضح ذلك هو ما قد شهدته المسارح في مصر من ~~مسرحيات اشتد عليها إقبال المشاهدين، فيما قبل توفيق الحكيم، لكنها لم تكن لتظفر بكلمة ~~واحدة عند من يؤرخ للأدب العربي الحديث ، إلى أن ظهرت مسرحية «أهل الكهف» للحكيم، فغدت ~~أدبا يحتم على الناقد وعلى الدارس والمؤرخ جميعا أن يحسبوا حسابها فيما يكتبون، والذي ~~حدث لشكسبير على أيدي معاصريه هو أنهم وإن لم يستطيعوا أن يصرفوا عنه اهتمام الجمهور ~~بكل طبقاته نجحوا في أن يسقطوه من حساب التاريخ الأدبي، ولبث أمره على هذه الحالة ما ~~يقرب من قرن كامل، حتى قيض الله له ناقدا ألمانيا يكتشفه، فيكشف عنه غبار الزمن بكل ~~ما فيه من حسد المعاصرين وحقدهم، فإذا شكسبير هو من هو اليوم، حتى لقد قال عنه أصحاب ~~الرأي من أبناء وطنه أيام أن كانت بريطانيا تحكم الهند إن شكسبير في انتماء بريطانيا ~~إليه، أهم من إمبراطورية الهند في احتلال بريطانيا لها. # والأمثلة لا تقع تحت الحصر والعدد، إذا أردت أمثلة لما يقترفه المعاصرون من إثم ~~معاصريهم، وقد يتاح للزمن بعد ذلك أن يصحح آثامهم، ولكنه كذلك قد يغفل فتضيع موهبة ~~الموهوب في التراب مع رفاته، وإن الإنسان ليأخذه العجب كيف جرؤ المعاصرون لعبقريات تطير ~~بأصحابها إلى أجواز السماء أن يحاولوا إطفاء تلك الشموس الساطعة، كيف جرؤ أهل أثينا على ~~مهاجمة سقراط حين ضاقت به صدورهم، فحاكموه وأعدموه، مع أن الرجل لم يصنع بمواطنيه سوى ~~أن يفتح أعينهم لتشهد النور! كان الناس بمن فيهم أدعياء العلم، يملئون أشداقهم بألفاظ ~~ضخمة، كل في ميدانه، فرجل القانون يتشدق بالعدل، ورجل الأخلاق ينادي بالفضيلة، وصانع ~~الفن أو قائد الحرب أو القابض على زمام الحكم لا يشكون في دقة معرفتهم بالفن أو بالحرب ~~أو بالحكم، فإذا بسقراط في ms129 حواره معهم على النحو الذي نعرفه جميعا يفضح جهلهم بما ظنوا ~~أنفسهم يعلمونه أكمل العلم وأوضحه. # كنت قد وقعت يوما على مجموعة خطابات خاصة كتبها عالم النفس الذي يعرفه اليوم حتى رجل ~~الشارع، وهو «فرويد» صاحب النظرية المعروفة في التحليل النفسي، أقول إنني كنت قد وقعت ~~على خطابات أرسلها فرويد إلى أحد أصدقائه أيام أن كان فرويد عضوا في هيئة التدريس ~~بجامعة فيينا بالنمسا (في النصف الثاني من القرن الماضي). # وأذهلني أن أجد فرويد يشكو إلى صديقه في خطاب بعد خطاب من أن الجامعة تضطهده ولا تريد ~~أن ترفعه إلى درجة الأستاذية بها، فانظر إلى رجل يعد الآن رابع أربعة كبار، هم صناع هذا ~~العصر من الناحية الفكرية، انظر وقد تعمد معاصروه من زملائه أن يخمدوا شعلته حتى لا ~~تتوهج، وقريب من هذا المثل ما حدث في حالة الفيلسوف البريطاني «ديفيد هيوم» الذي هو ~~بغير شك في طليعة الطليعة من فلاسفة بريطانيا (عاش في القرن الثامن عشر)، فهو أيضا قد ~~حورب في عصره على صورة تثير فينا الدهشة، فمن ناحية حرمت أقسام الفلسفة في جامعة ~~أكسفورد على طلابها شغل أنفسهم بمؤلفاته؛ لأن أساتذتها لم يروا فيها قيمة تذكر، ومن ~~ناحية أخرى حورب في حصوله على كرسي الأستاذية في جامعة أدنبره باسكتلندا (وهيوم ~~اسكتلندي)، وأظن أن الذي فضلته عليه الجامعة من زملائه يومئذ هو آدم سمث، صاحب المؤلف ~~المشهور في مادة «الاقتصاد السياسي»، (وكان الاقتصاد يوصف دائما بكلمة «السياسي» فيما ~~قبل عصرنا) مع أن الأستاذية المطلوبة كانت لفلسفة الأخلاق، وعلم الرغم من أهمية آدم ~~سمث، الذي يعرفه كل دارس للاقتصاد حتى اليوم، فلا أظن مؤرخا واحدا يؤرخ للفكر ~~البريطاني يتردد لحظة في ترجيح هيوم على آدم سمث من حيث عمق الأثر، لا في بريطانيا، بل ~~وفي عالم الفكر في كل أرض بها للفكر حياة. # أمثلة لا تعد ولا تحصى لما يكيد به المعاصرون لمعاصريهم، مما يدعو إلى التفهم ~~والتسامح، حين نتجه بأبصارنا إلى حياتنا نحن المعاصرة في جوانب الفكر والفن والأدب، ms130 فإن ~~نظرة واحدة سريعة، تتعقب بها ما يسمونه ب «المعارك» الثقافية، سواء كان ذلك في الجيل ~~الماضي، أو في هذا الجيل الحاضر، لتكفي للدلالة على أنها حياة ملطخة بالدماء نابا ~~ومخلبا، هي حياة سادها الإجحاف وندر فيها الإنصاف، وحتى إذا رأيت أحد الأعلام في تلك ~~الميادين قد ظفر بما يستحق من ثناء وتمجيد، فسوف تدرك بعد الفحص الدقيق المتأني أن لذلك ~~الموقف علة، وقد تكون هذه العلة هي ما قام به ذلك العلم من ضروب النشاط الاجتماعي التي ~~لا شأن لها بمجال إنتاجه الثقافي، لكن لها الشأن كل الشأن بجذب انتباه الجمهور، وكذلك ~~قد تكون العلة فيما يؤديه من أجله أنصاره، لقتل من أرادوا قتله، أكثر مما هو للإشادة به ~~حقا وتمجيدا حقا. # وأعود بذاكرتي إلى مرحلة الشباب، وقد كنت في شبابي متابعا لكل ما يحدث في حياتنا ~~الثقافية، سواء أكانت ذات صلة بموضوع تخصصي أم لم تكن. أعود بالذاكرة إلى تلك الأيام ~~فأذكر ليلة كنت أذاكر فيها دروسي وقد تقدم الليل، وإذا بصوت بائع الصحف يدوي في ~~الشارع، فيحطم جدران السكون، مناديا بالعدد الخاص من جريدة «السياسة الأسبوعية» الذي ~~خصص نفسه للاحتفال بتنصيب أحمد شوقي أميرا للشعراء، فهرولت إلى بائع الصحف لأظفر ~~بالعدد الذي كان موعد ظهوره هو صباح اليوم التالي، ولما عدت إلى مكاني من مسكني آثرت ~~أن أنفق بقية الليل في قراءة ما نشره الكاتبون عن شوقي، وكان أول ما اخترت أن أقرأ له ~~هو المازني: فإذا أول جملة يستهل بها الكاتب مقالته، كما أذكرها حتى اليوم هي: «ليس ~~شوقي بشاعر ولا شبه شاعر»؛ لأن الشاعر إما أن يكون شاعرا، وإما ألا يكون شيئا، ولا ~~وسط بين الطرفين. # ولم يكن هذا الرأي جديدا علينا كل الجدة، فمنذ عدة سنوات قبل ذلك الموعد كان العقاد ~~والمازني يسعيان جهدهما في النقد الأدبي ليخرجا أحمد شوقي من زمرة الشعراء، وكتابهما ~~«الديوان» يشتمل على كثير مما كتباه لهدم شوقي (ولهدم المنفلوطي أيضا)، ولقد كنت في ~~شبابي وما بعد شبابي متأثرا بهما ms131 في هذه النظرة، مشايعا لهما في الحكم، لكنني أدخلت ~~لنفسي تعديلا أساسيا في فهم الشعر وتقويمه، وليس هذا مكان الحديث في ذلك، ولكنه مكان ~~أسأل فيه: هل يعقل أن يقال عن شوقي وعلى ألسنة أقدر النقاد في عصرهم إن شوقي لا هو شاعر ~~ولا شبه شاعر؟ إلى هذا الحد يبلغ ظلم المعاصرين للمعاصرين؟! # ولقد كان ظلم المعاصرين للعقاد أقسى وأفدح، ولست أنسى ساعة قابلت فيها ناقدا ~~مرموقا، أعفي نفسي من ذكر اسمه، «وكان ذلك سنة 1964م وبعد وفاة العقاد بقليل»، فكان ~~حكم ذلك الناقد على العقاد أنه «لم يقدم شيئا»، وأنه «بغير قيمة أدبية على الإطلاق»، ~~وأذكر أني أجبته في هدوء قائلا: إن هذه الأحكام الشاملة لا تنفع أحدا، وخير لك ولنا ~~أن نتناول العقاد في ميادينه المختلفة، واحدا واحدا؛ فنحكم عليه شاعرا (وله عشرة ~~دواوين) ونحكم عليه كاتبا سياسيا، ونحكم عليه كاتبا لتراجم الأبطال، ونحكم عليه ~~ناقدا أدبيا، وهكذا، فعندئذ قد نجد أن الحكم على العقاد في ميدان معين ليس هو بذاته ~~الحكم عليه في ميدان آخر، ولكن إلى هذا الحد يبلغ ظلم المعاصرين للمعاصرين. # ومن أظلم ما يحارب به المعاصرون معاصريهم في حياتنا نحن، هو أن يوجه الناقد إلى خصمه ~~أحد سهمين، أو أن يوجه إليه السهمين جميعا؛ فهو يرميه إما بالكفر - والعياذ بالله - ~~وإما أن يرميه بتهمة الخيانة للوطن والعمالة للأعداء، وكثيرا ما يرميه بالتهمتين معا، ~~ولست أريد المقارنة بيننا وبين سوانا من الشعوب - والمتقدمة منها بوجه خاص - لكنني أشعر ~~الآن بفائدة أن أنبئ القارئ بأنه يندر جدا أن يقع على إحدى هاتين التهمتين موجهة من ~~ناقد إلى كاتب أو مفكر، أما نحن فأهون وأسرع ما يلجأ إليه الناقدون الحاسدون هو قتل ~~العدو بهاتين التهمتين ارتكانا إلى حقيقة يعرفونها جيدا، وهي ضعف القدرة النقدية عند ~~الجمهور المتلقي، وبالتالي كان من العسير عليه أن يفرق بين الصواب والخطأ فيما يكيله ~~الناس بعضهم لبعض من تهم في المجال الثقافي بصفة عامة، وأقل ما يقال في تعليل ذلك هو ~~أن ms132 الجمهور كثيرا ما يسمع الأحكام ويصدقها دون أن يكون قد قرأ سطرا واحدا مما كتبه ~~المتهم في عقيدته أو في وطنيته. # إبان الخمسينيات أصدر مؤلف مصري كان معروفا - على الأقل بسبب ارتفاع مناصبه - ~~كتابا يبين فيه أثر الاستعمار في حياتنا الفكرية، ولقد رضي له ضميره بأن يوجه تهمة ~~خيانة الوطن والخروج على الدين معا إلى ثلاثة رجال - هم: طه حسين، وعلي عبد الرازق، ~~والفقير لله كاتب هذه السطور - أقل ما يقال فيهم إنهم بذلوا كل ما يستطيعونه من جهد في ~~إثراء الحياة الثقافية وترشيدها، وبعد ذلك فمن حق من شاء أن يقول عن أحدهم أو عن جميعهم ~~إنهم أخطئوا في هذا وفي ذاك مما عرضوه من أفكار، أما أن يقال عنهم إنهم عملاء للمستعمر، ~~وإنهم مارقون على دينهم فذلك - في الحق - مما يشكك في نزاهة المؤلف، أكثر مما يشكك في ~~قيمة هؤلاء الرجال، ولكنه ظلم المعاصرين للمعاصرين. # على أن أفتك سلاح يحارب المعاصرون به معاصريهم ليس هو قذفهم بمخالفة الدين وخيانة ~~الوطن؛ لأن ذلك لا ينطلي إلا على السذج، وإنما هو سلاح الإهمال والصمت عمن يريدون إخماد ~~أنفاسه حتى يموت، وذلك فيما يبدو هو ما صنعه أصحاب الفقيه المصري الإمام الليث بن سعد، ~~الذي قال عنه الإمام الشافعي عبارته التي أسلفت ذكرها، والتي رسخت في ذاكرتي منذ ~~عرفتها، وهي تقفز إلى ذهني كلما مررت بمسجد الليث: «الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه ~~لم يقوموا به.» ترى كم ليثا في حياتنا المعاصرة خذله معاصروه؟! # الفصل السادس عشر # | عين فتحة عا # معذرة إذا كنت قد اخترت لهذا الحديث عنوانا يعود بالذاكرة إلى عهد الكتاتيب، ولكن ~~عذري في اختياره مع كل ما فيه من خروج على المألوف هو كثرة ما يدون بيننا اليوم من ~~أحاديث غاضبة عن «العلمانية» - هجوما أو دفاعا - وسواء أكان المتحدث مهاجما أم كان ~~مدافعا، فكلاهما ينطق اللفظة مكسورة العين، وكأنها منسوبة إلى «العلم»، مع أن حقيقتها ~~هي العين المفتوحة، نسبة إلى هذا «العالم» الذي نقضي فيه حياتنا الدنيا، ms133 ولو كان ~~المخطئون هم من أبناء هذا الجيل فقط؛ لقلت إنها جهالة تضاف إلى جهالات، لكن موضع العجب ~~هو أني سمعت رجالا من ألمع الرجال الذين هم في الحقيقة ممن ينتسبون إلى الجيل الماضي، ~~وقد امتد بهم الأجل ليقطعوا شوطا من مرحلة هذا الجيل - مد الله في أعمارهم وبارك لهم ~~في أيامهم - ولست أدري كيف جاز لهم الوقوع في خطأ كهذا، وكلنا يعرف أن جيلنا الماضي كان ~~على كثير من صحوة الضمير العلمي، الذي يدفع أصحابه إلى المراجعة والتثبت من صحة ما ~~يقولونه أو يكتبونه؟ أو قل إن رجال الجيل الماضي كان لهم من تلك الصفات قدرا ملحوظا، ~~وبينهم وبين أبناء هذا الجيل في ذلك مسافة من السبق لا تخطئها عين، كما أنها تستوقف ~~الانتباه لتعليل حدوثها، ولقد ورد في القاموس الوسيط الذي أخرجه مجمع اللغة العربية ~~بالقاهرة عن كلمة «علمانية» (الجزء الثاني، ص630) ما يلي: «العلماني نسبة إلى العلم ~~(بفتح العين وسكون اللام) بمعنى العالم، وهو خلاف الديني أو الكهنوتي.» # ولو كان الفرق في المعنى بين أن تكون «العلمانية» مكسورة العين أو مفتوحة العين فرقا ~~يسيرا يمكن تجاهله؛ لقلنا إنه خطأ لا ينتج ضررا كبيرا، ولكن الفرق بين الصورتين في ~~نطق الكلمة فرق لا يستهان به، مما يستوجب الوقوف والمراجعة. # إنني كلما قرأت لكاتب في هذه الأيام كتب ليهاجم العلمانية وهو يشتعل بالغضب، أراني - ~~دون قصد مني - قد تذكرت قصة قصيرة لسومرست موم، خلاصتها أن شابا من هواة الفن في بلد ~~ما كان شديد الإعجاب بفنان إسباني، حتى لقد قرر السفر إلى إسبانيا ليلتقي به، فلما وصل ~~إلى حيث يعيش الفنان وعرف سبيله إلى مسكنه، ضغط على زر الجرس، وفتح له الباب، فقال ~~للخادم الذي فتح له الباب: لقد جئت للقاء سيدك، فأدخله وأجلسه في غرفة استقبال ~~الزائرين، وكان من مجلسه ذلك يستطيع رؤية الهابط على سلم الدار من طابقها الأعلى إلى ~~طابقها الأرضي، فلما أن رأى السيد على درجات السلم رأى شيخا وقورا، ابيضت لحيته، ودبت ~~في جسده ms134 شيخوخة واضحة المعالم، فأخذ الشاب يتفرسه بنظراته من بعيد، هامسا لنفسه ما ~~يؤكد له بأن هذا الوقار كله، وتلك الجبهة العريضة الوضاحة الوضاءة، وشعره الأبيض الطويل ~~الذي تهتز ذوائبه على عنقه وفوديه، كلها تدل على أن ذلك الفن الرفيع الرائع الذي عرفه ~~له وهو هناك في بلده، لا بد أن ينضح به مثل هذا الجلال الوقور والهدوء الساكن، والحكمة ~~التي يكاد ينطق بها كل ما أراه في هذا الرجل، حتى إذا ما التقيا وتلاقت كفاهما بالتحية، ~~وجلسا في صمت دقيقة أو دقيقتين قال الشاب للشيخ: كم تملؤني السعادة إذ أراني جالسا في ~~حضرة فلان الفنان العبقري العظيم. فأجابه الشيخ في هدوء أخطأت يا ولدي. ففلان الفنان ~~يسكن في البيت المجاور لبيتي. # وهكذا كلما قرأت لكاتب في هذه الأيام يهاجم العلمانية؛ إذ تكون في ظنه مكسورة العين، ~~منسوبة إلى العلم، تمنيت لو أني رأيت ذلك الكاتب جالسا أمامي، لأقول له شيئا يشبه ما ~~قاله ذلك الشيخ للزائر الشاب: لقد أخطأت الطريق يا صاحبي، فالذي تسدد إليه سهامك، ليس ~~هو العدو الذي ظننته، ولكن بينه وبينه فارقا صغيرا في الملامح، كبيرا في حساب ~~الحقائق، فهذا الذي تهاجمه مكسور العين، وعدوك الحقيقي مفتوحها، كان ذلك الخلط بين صديق ~~وعدو هو عذري في اختيار العنوان لعله يشد انتباه القارئ، فيرهف الأذن و«يفتح ~~العين». # وما هي «العلمانية» بفتح العين؟ لا أظن أن لهذه الكلمة وجودا في اللغة العربية قبل ~~عصرنا الحديث، لكنها كلمة ترجمنا بها - في عصرنا - كلمة مقابلة لها في اللغات ~~الأوروبية، والكلمة هناك لها عند القوم أهمية وتاريخ، على عكس الحال عندنا، فقد كان ~~ينبغي ألا تكون لها أهمية، وهي بحكم الأمر الواقع ليس لها عندنا تاريخ، أما أهميتها ~~وتاريخها هناك فلأن عصورهم الوسطى (التي هي الفترة الواقعة بين القرنين الخامس والسادس ~~عشر من التاريخ الميلادي) شهدت لرجال الدين سلطانا رفعوا به مثلا أعلى أمام الناس، ~~يتمثل في حياة الرهبان، فالزهد في الدنيا لا الإقبال عليها هو ما ينبغي للإنسان الكامل ~~أن يهتدي ms135 به، وذلك لأن عقيدتهم تسمح لهم بأن يفصلوا بين الأرض والسماء، بين الدنيا ~~والآخرة، وفي الأولى تكون السيادة للقيصر، وفي الثانية يكون الأمر لله، ولما كان الغض ~~من الدنيا وقيمتها ينتهي بالضرورة إلى إهمالها إهمالا يخف به وزنها في أعين الناس، ~~وبالتالي تقل الرغبة فيما يؤدي إلى الارتقاء بشئون الحياة فيها، فلا يكون علم ولا يكون ~~عمل - إذا جاز لنا مثل هذا التعميم الجارف - فكان من أبرز ما تميزت به النهضة الأوروبية ~~التي نفرت لتقضي على هذا الوخم كله أن هب الناس وكأنهم أرادوا أن يعبوا الحياة ~~النابضة في أجوافهم عبا، لم يتركوا طريقا للمغامرة إلا سلكوه في نشاط محموم، فمنهم ~~من أقلع بالسفن في بحار الظلمات ليكشف عنها ظلماتها، ومنهم من اخترق آفاق الأرض اليابسة ~~التي كانت تتناثر إلى مسامعهم أخبارها دون أن يروها، وكأنها أرض يراها النائمون في ~~أحلامهم، ومنهم العلماء الذين اتجهوا بأبصارهم نحو السماء يتعقبون أجرامها في مسالكها، ~~بل ومنهم الفلاسفة الذين أصروا على أن يغوصوا بتأملاتهم في طبيعة الإنسان ذاتها، ليروا ~~ذلك العقل المتستر في عظام الجمجمة كيف يعمل، وتلك المشاعر كيف تسري رعشاتها في ~~الجوانح، فنتج عن هذا كله بعث هو الذي خلق لهم أوروبا الحديثة كما نعرفها، ومن هنا ~~ارتفعت صيحة «العلمانية» كأنها تقول: عليكم بهذا العالم، عليكم بهذا العالم، لا ~~تهملوه! # فما لنا نحن بهذا كله، وليس في عقيدتنا ما يدعونا إلى إهمال هذا العالم؟ بل العكس هو ~~الصحيح، فقد أمرنا بأن نحتفل بالدنيا وكأننا نعيش فيها أبدا، وأن نعمل للآخرة كأننا ~~منتقلون إليه غدا، ما لنا نحن بذلك كله، والدنيا في عقيدتنا هي الفرصة التي أتيحت لنا ~~ليبلونا الله تعالى فيها أينا أحسن عملا؟ إن صيغة الحياة للأوروبي في عصوره الوسطى ~~يمكن إيجازها كما يلي: إما الدنيا وإما الآخرة ولا اجتماع بينهما، فمدينة الأرض شيء ~~مبتور الصلة بمدينة السماء، وأما صيغة الحياة عندنا فيمكن إيجازها فيما يأتي: لا بد ~~للحياة الدنيا أن تمارس على أن تظل الآخرة هدفا أسمى، فكلتاهما خير، ms136 ولكن الآخرة خير ~~وأبقى، والآخرة خير من الأولى، فهل هناك - إذن - في حياتنا وعقيدتنا ما يدعو إلى صيحة ~~تقول: عليكم بهذا العالم فلا تهملوه؟! فإذا كنا قد رأينا أنفسنا وقد أهملناه بالفعل، ~~وغفونا عنه، فأخذ منا الضعف والهزال والفقر والجهل، حتى أمسك الطغاة برقابنا، فإن ذلك ~~لم يكن ناشئا عن عقيدة تحول بيننا وبين هذا العالم، بل كان لأسباب حضارية، وهذه ~~الأسباب هي التي يجب أن نقلعها من أرضنا اقتلاعا. # تلك هي العلمانية، التي لم تكن تحتاج منا إلا أن نفتح لها العين، فإذا هي جزء من ~~حياتنا، ومقوم جوهري من مقومات تاريخنا في فترات عزه ومجده، فمن الذي يحاربه أولئك ~~الذين ركبوا جيادهم، وحملوا قسيهم ورماحهم؛ ليقاتلوا «العلمانية» حتى يقتلوها؟ أيحاربون ~~عصر الرشيد والمأمون، الذي نشطت فيه الحياة الدنيا بقوة نبضها، والتي هي في الوقت نفسه ~~الزهرة الحضارية والثقافية التي نشير إليها حين نريد أن نقول للناس: انظروا كيف ~~ازدهرنا؟ # ولست أبالي إذا كان في صدور الدعاة إلى «العلمانية» (بفتح العين) في أيامنا غل يخفونه ~~وراء ستارها؛ لأنهم إن كانوا كذلك، فلنحاربهم في أشخاصهم، ولا نحارب الدعوة إلى ~~الاهتمام بالعالم، لأن العالم هو مسرح العمل والنشاط وموطن الحضارات، وإلا فأين ~~تريدوننا أن نقيم للحضارة على أرضنا قائمة؟ # وإذا كانت مقاومة من يقاوم العلمانية بفتح عينها مصيبة، فالمصيبة أعظم فيمن ~~يقاومونها بكسر العين؛ لأن عينها إذا كسرت، كانت الإشارة عندئذ إلى العلم وإلى الحياة ~~التي تقيمها العلوم، فهل يرضيكم - أيها السادة - أن نزرع أرضنا بغير علم، وأن ندير ~~مصانعنا بغير علم، وأن ننشئ مدارسنا وجامعاتنا لغير العلم، وأن نعد عدتنا العسكرية بغير ~~العلم؟ هل يرضيكم - أيها السادة - أن نمحو أسماء العلماء من تاريخنا، فلا يكون فيهم بعد ~~اليوم جابر بن حيان ولا الخوارزمي ولا ابن الهيثم ولا ابن النفيس؟ وإذا رأيتم في هؤلاء ~~وأمثالهم مواضع فخر لأنهم رجال أقاموا للعلم قوائمه، فلماذا لا تريدون لأحفادهم ~~المعاصرين أن يعيدوا سيرتهم الأولى؟ لا، محال أن يكون هذا هو ما تبتغونه، ومحال أن ms137 تكون ~~سهامكم موجهة إلى العلم في حياتنا، وإذن فماذا يبقى للعلمانية - إذا كسرت عينها - ~~لتحاربوه، ومرة ثانية أقول إنني لا أبالي أن يكون في صدور الدعاة إلى العلمانية بكسر ~~عينها، شر مكتوم يريدون به حياتنا الدينية، على افتراض جاهل منهم بأنه إذا كان علم فلا ~~دين! فقد ذهبت عن الناس غفلة استبدت بهم حينا طويلا من الدهر في بلادنا وفي بلاد ~~الغرب كذلك حين لعب الشيطان بعقولهم فأوهمهم أن لا مصالحة بين علم ودين، فإذا قام ~~أحدهما غاب الآخر، ذهبت عن الناس هذه الغفوة لأن الإنسان إنسان بدينه وبعلمه معا، ~~وارجع إلى كتاب الله الكريم وإلى حديث رسوله - عليه أفضل الصلاة والسلام - وانظر في كم ~~موضع يأتي الحض على العلم، بل إننا لنعرف ذلك جيدا، ونعيده ونكرره فيما نكتبه وما ~~نذيعه في الناس، فقل لي بالله: من ذا الذي يحاربونه أولئك الذين يحاربون العلمانية وهي ~~مكسورة العين؟ على أنني أود أن أضيف هنا أنه لا وجود في لغتنا - قديمها وحديثها معا - ~~لهذه الكلمة، فدورانها على الأقلام - إذن - هو وهم يضاف إلى وهم، ليكتنف حياتنا وهم ~~مركب. # إن الحياة الفكرية كما عاشها أسلافنا كان معظمها يدور حول محور نعرفه جميعا ونريده ~~جميعا، ونعلمه لطلابنا، ونتحدث عنه في محاضراتنا، ونعرضه في مؤلفاتنا، وذلك المحور هو ~~محاولة التوفيق بين العقل والنقل - كما كان يقال - أما العقل فكان المراد به هو ما ورد ~~في الفلسفة اليونانية التي نقلوا الجزء الأكبر منها إلى اللغة العربية، وأما «النقل» ~~فكان المراد به قريبا جدا مما نطلق عليه اليوم اسم «التراث»، ولكن أهم ما كانوا ~~يقصدون إليه في «المنقول» هو الشريعة، فكان السؤال عندهم هو هذا: هل هناك تعارض بين ما ~~جاء في شريعة الإسلام من جهة وما ورد في الفلسفة اليونانية من جهة أخرى؟ ولم يكونوا ~~ليجيبوا عن سؤالهم هذا إجابة عشوائية، بل جاءت إجابتهم - أو قل إجابة الكثرة الغالبة ~~منهم - نتيجة دراسة تحليلية دقيقة، وخلاصتها هي أنه لا تناقض بين الطرفين، فما تقوله ~~الشريعة بلغتها هو ms138 هو نفسه ما تقوله الفلسفة اليونانية بلغتها، أعني أن الشريعة ~~والفلسفة قد تضع كل منهما ما أرادت أن تقوله في مفاهيم تتناسب مع سياقها، لكننا إذا ~~ما حللنا تلك المفاهيم عند هذه وعند تلك، وجدنا الحق واحدا بينهما، ولا غرابة فالحق لا ~~يتعدد. # فإذا أردنا اليوم أن نصنع في حياتنا الفكرية صنيع أسلافنا؛ فكيف يكون ذلك؟ الإجابة ~~عندي واضحة وضوح الشمس الساطعة، وهي أن تدور حياتنا الفكرية على المحور نفسه الذي دارت ~~عليه حياة أسلافنا، وأعني النظر في موروثنا نظرة الدارس الفاحص، وأن ننظر فيما عند ~~الثقافات الأخرى، لا سيما ما يكون منها عند صناع الحضارة الحديثة في عصرنا نظرة الدارس ~~الفاحص كذلك، لنرى كيف يكون التوفيق بين الطرفين، إذا كان ذلك التوفيق ممكنا وحيثما ~~وجدناه ممكنا، إن «أوروبا» بالنسبة إلى أسلافنا كانت هي اليونان القديمة، وثقافة ~~أوروبا في ذلك العهد أيضا كانت هي ما عرفه أهل اليونان من فلسفة وعلم (وكان لهم أدبهم، ~~لكن العرب غضوا عنه النظر)، فهل يتغير الموقف في جوهره، إذا كانت أوروبا قد مدت ~~أجنحتها عبر الأطلسي، ليصبح الغرب هو أوروبا وأمريكا معا، ثم إذا كان لهذا الغرب في ~~صورته الجديدة علوم ظهرت في صورة جديدة، تغاير علوم اليونان الأقدمين، وإذا كان له ~~فلسفة حديثة قد لا تكون شبيهة كل الشبه بفلسفة اليونان الأقدمين؟ لست أظن أن شيئا في ~~الموقف - مأخوذا بجوهره - قد تغير، وإذن يكون انتهاجنا نهج أسلافنا هو أن نلتمس صيغة ~~ثقافية جديدة، نجمع فيها رحيقا إلى رحيق في إناء واحد. # فإذا كان هذا الجمع بين الرحيقين هو نفسه ما يطلقون عليه اسم «العلمانية» بعين ~~مفتوحة، فأهلا بها، وإذا كان هو ما يسمونه بهذا الاسم بعين مكسورة، فمرحبا بها، إن ~~الأسماء لا تسكنها العفاريت فأخشاها، إنني أخشى أو لا أخشى ذلك الذي تسميه تلك الأسماء، ~~إذا وجدت في المسمى ما أخشاه، فهل أخشى أن يكون هذا العالم الجديد موضوعا لاهتمامي، في ~~علومه وفي آدابه وفي فنونه، وفي كثير من نظمه. إن حياة الحي ms139 هي أن يتفاعل مع ما يحيط ~~به، أخذا وعطاء، فما الذي يخيفني من العلمانية، فتحت عينها أو كسرت، إنه بفتحها ~~تكون دعوة إلى الاهتمام بعالمنا الذي نعيش فيه، وبكسرها تكون دعوة إلى العلم، وكلتا ~~الدعوتين معلنتان في عقيدة الإسلام وشريعته. # لست ألزم أحدا بأن يستعين في حياته الفكرية بالعادات التي نشأت أنا عليها في حياتي ~~الفكرية، ووجدت فيها عونا كبيرا في زيادة الوضوح وحسن الفهم، ومن تلك العادات أن ~~أطالب نفسي، إذا وجدتني أمام فكرة فيها بعض الغموض، بالبحث عن شخص بعينه أو موقف بعينه، ~~يجسد تلك الفكرة المراد توضيحها، وكثيرا ما أوفق في ذلك فتتحول الفكرة المجردة ~~إلى إنسان معين أعرفه وأعرف خصائصه ومميزاته، فينزاح عن الفكرة المجردة تجريدها، وعن ~~الفكرة الغامضة غموضها، فمن الذي أراه - يا ترى - يجسد لنا بشخصه المتعين ذلك الضرب من ~~اللقاء بين تراثنا ومنتجات عصرنا في دنيا الفكر؟ إن أول من يرد إلى خاطري كلما ألقيت ~~علي هذا السؤال: هو طه حسين، فإلى جانب مؤلفاته ذات القيمة الكبرى، أرى في شخصه ما هو ~~أهم منها فيما نحن الآن بصدد الحديث فيه، وأعني بذلك طريقته في الجمع بين موروثنا وروح ~~عصرنا، أما موروثنا فلا أظن أحدا يجادل في سعة إلمامه بذلك الموروث، إلماما فيه الدقة ~~وفيه الفهم، وأما روح العصر فظاهر في منهجه وفي رؤيته وتصوره، والآن فلنعد إلى موضوعنا ~~لنسأل: هل كان طه حسين «علمانيا» بفتح العين أو بكسرها، من الناحية التي يراها ~~المهاجمون بلاء يشين من صاحبه، إنه رجل كان موفور الحظ في العلم، وشديد الميل إلى ~~التفاعل مع عالمه، فهل تدرجه هاتان الصفتان فيما يراه المتشنجون حقيقا بأن يقاوم حتى ~~يزول. # وأسوق مثلا آخر لرجل جمع في شخصه الحسنيين، وربما كان أبعد من طه حسين عن إثارة ~~القلق، وهو الشيخ مصطفى عبد الرازق، فهو الآخر يلم بالموروث إلماما يجعل ذلك الموروث ~~على أطراف أصابعه، وهو في الوقت نفسه يحيط بأهم ما دار في عقول علماء الغرب، في ميدان ~~تخصصه، وهو لم يضع ms140 هذا إلى جانب ذاك، كما نضع مصوغات الذهب إلى جوار مصوغات الفضة في ~~صندوق، بل مزج الجانبين في نفسه وتكون له من المزيج منهج ورؤية وتصور. فهل هذه الوقفة ~~المتزنة تدرجه في «علمانية» مفتوحة العين أو مكسورتها، بالمعنى السيئ الذي يهاجمه ~~المهاجمون؟ إنني - حقا وصدقا - لا أدري، ولقد أنباني من أنباني أن كاتبا مصريا من ~~هؤلاء المجاهدين قد ذكرني في صحيفة عربية، أعني صحيفة مما يصدر في بلاد الخليج ، فقال ~~عني إنني واحد من هؤلاء العلمانيين، وليتني أسمع منه ما يوجهني إلى موضع الخطأ مني ~~لأصححه، أهو أني ألممت بأطراف من موروثنا وبأطراف من نتاج العصر ومزجت الجانبين معا في ~~صيغة واحدة؟ لو كان الأمر كذلك، إذن فهو تشريف لا أستحقه ومكانة لا أدعيها. # إننا إذا عدنا بالذاكرة إلى المناخ الفكري في عصورهم الوسطى، لرأينا أن النموذج ~~المجسد الذي يوضح ذلك المناخ، والذي كان هو نفسه النموذج الذي جاءت نهضة أوروبا لتطيح ~~به وتقيم مكانه نموذجا آخر، هو الراهب الزاهد، ومن هنا انبثقت الدعوة عند النهضة إلى ~~«علمانية» تفتح الآفاق واسعة لينفتح للناس أمل في مستقبل جديد، وحدث بالفعل أن انبثق ~~للأوروبيين في نهضتهم نموذج بشري آخر، هو الذي وضعناه فيما أسلفناه، وقد يدهش الأخوة ~~المهاجمون لما يسمونه بالعلمانية إذا عرفوا أن ذلك النموذج الجديد الذي ولدته النهضة ~~الأوروبية ليحل محل الراهب الزاهد كان من أهم ما يتميز به في بناء ثقافته الجديدة ~~العودة إلى الأدب الكلاسي عند اليونان الأقدمين! والعجيب الذي يلفت النظر هو أنهم ~~اعتبروا إحياء الأدب الكلاسي ذلك «رومانسية» تثير الخيال في مبدعاتهم الجديدة، ~~فالعلماني بالمعنى الذي عرفه أصحابه لا يعني التنكر للموروث، بل العكس هو الصواب؛ لأن ~~إحياء ذلك الموروث يتضمن عدة معان يكون العلماني علمانيا بها، فهناك جانب الانتماء، ~~وهناك جانب الخروج من صوامع الرهبان. # ليس في كل ما قدمته إليك هنا دفاع عن أحد ولا هجوم على أحد، ليس فيه تشيع لمذهب وتنكر ~~لمذهب، وإنما قصدت إلى هدف واحد، هو أن يكون المدافعون عن ms141 «العلمانية» بيننا، ~~والمهاجمون لها، أكثر حرصا على أن يتثبتوا ليعلموا عن أي شيء يدافعون أو ~~يهاجمون. # الفصل السابع عشر # | سلطان الكلمات # وعلم آدم الأسماء كلها ~~(سورة البقرة)، ~~يذكر ابن جني هذه الآية الكريمة في سياق حديثه في الجزء الأول من كتابه «الخصائص»، ثم ~~يجيء في تعليقه هذا التساؤل: وماذا عن الأفعال والحروف من مفردات اللغة؟ وكتاب ~~«الخصائص» هذا، أي خصائص اللغة العربية، يكاد ينفرد وحده في التراث العربي كله ، من حيث ~~تناوله للغة العربية تناولا هو أقرب ما يكون لما يصح تسميته ب «فلسفة» اللغة، دون أن ~~يورد المؤلف في كتابه الضخم هذه الصفة لما يكتبه، فلعلك تعلم أننا حين نضيف اسم ~~«الفلسفة» إلى أي جزء من أجزاء المعرفة، كأن نقول - مثلا - فلسفة التاريخ، فلسفة ~~العلم، فلسفة الفن، فلسفة السياسة، فلسفة اللغة، فإنما نعني البحث عن المبادئ الأساسية ~~العامة، الكامنة وراء مجموعة القواعد والقوانين الخاصة بالموضوع الذي نتحدث عنه، فاللغة - مثلا - لها قواعد تضبط استعمالها استعمالا صحيحا كقواعد النحو وقواعد الصرف وقواعد ~~الاشتقاق، وهكذا، فيكون السؤال هو: ما هو المبدأ أو المبادئ التي انبثقت منها تلك ~~القواعد؟ فإذا وقع الباحث على ذلك المبدأ، أو على تلك المبادئ، كان ذلك هو ما يؤلف ~~«فلسفة» اللغة، وكتاب «الخصائص» لابن جني هو أوفى ما عرفه الفكر العربي في هذا السبيل، ~~وكان من بين أسئلته المطروحة ذلك السؤال الذي أسلفت لك ذكره، والذي جاء تعليقا على ~~الآية الكريمة # وعلم آدم الأسماء كلها ~~، ~~وماذا عن بقية مفردات اللغة من أفعال وحروف؟ # ولعل ما دعا ابن جني إلى سؤاله هذا هو أن تكملة الآية الكريمة تدل دلالة واضحة على ~~أن المقصود ب «الأسماء» هو أسماء الكائنات العينية على اختلافها؛ إذ تقول الآية ~~الكريمة: # وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم ~~على الملائكة ~~، وكلمة «عرضهم» تدل على أن المسميات بتلك الأسماء ~~تشمل الكائنات العاقلة، والذي عرض على الملائكة بعد أن علم الله آدم الأسماء كلها هو ~~مسميات تلك الأسماء، ليطلب منهم أن ينبئوه بأسمائها، فإذا كانوا لا يعلمونها ms142 ويعلمها ~~آدم - عليه السلام - كان ذلك بمثابة البيان عن بعض العلة التي لا تجعل الملائكة أحق ~~بالخلافة ممن استخلفه الله سبحانه وتعالى، فقد اختص الله آدم بتعليمه ما لم تعلمه ~~الملائكة، فإذا كان الذي علمه آدم - عليه السلام - هو «الأسماء» فهنا يجيء سؤال ابن ~~جني: وماذا عن الأفعال والحروف؟ وعند قراءتي لهذا الجزء من أقوال ابن جني علقت عليه في ~~مذكراتي، بكل التواضع الذي لا يسمح لي بأن أجعل لنفسي قدرا أكثر من قدري، وكانت خلاصة ~~تعليقي هي أن ابن جني قد نظر إلى المسألة من زاوية علم النحو، ولما كانت مفردات اللغة - ~~من هذه الزاوية - تنقسم ثلاثة أقسام: اسم، وفعل، وحرف، فقد حق له أن يطرح سؤاله عن ~~الأفعال والحروف ماذا كان شأنها، إذا كان الله سبحانه وتعالى قد علم آدم - عليه السلام ~~- «الأسماء كلها»؟ # لكن السؤال لم يكن لينشأ لو أن ابن جني نظر إلى الموقف من زاوية «منطقية» لا من زاوية ~~«علم النحو»، فمن زاوية المنطق الخالص يمكن اعتبار كل كلمة من كلمات اللغة «اسما» له ~~مسماه الخاص به، فالفعل «يكتب» - مثلا - هو اسم يطلق على نشاط حركي نعرفه جميعا ~~إذا ما رأينا كاتبا ممسكا بقلمه، يحركه على الصورة التي نعرفها عن الكتابة. ولولا أن ~~أبناء اللغة المعينة قد تعلموا في لغتهم ماذا يطلقون على تلك الصورة الحركية من ألفاظ ~~لما فهم بعضهم عن بعض حين يستخدم المتكلم اللفظة الدالة على فعل الكتابة. فلا فرق بين ~~أن يعرف أبناء اللغة العربية - مثلا - أن يكون اسم الأداة المعينة هو «قلم» وبين أن ~~يكون اسم الصورة الحركية المعينة هو «يكتب»، وكذلك قل في «الحروف»، فالحرف دال على ~~«علاقة» معينة بين الأشياء، فإذا قلنا إن الكتاب «على» المكتب، كانت كلمة «على» في هذه ~~الجملة مشيرة إلى «العلاقة» بين الكتاب والمكتب، ومرة أخرى أقول إنه لا فرق بين اسم ~~نسمي به كتابا واسم آخر نسمي به علاقة معينة بين ذلك الكتاب وغيره من الأشياء، على أن ~~قولي هذا لا ينفي ما ms143 يكون بعد ذلك من فوارق بين النوعين من أنواع اللفظ من حيث الطبيعة ~~المنطقية لكل منهما على حدة، والمهم هنا أن ألفاظ اللغة جميعا، أسماءها وأفعالها ~~وحروفها، هي - من زاوية ما - أسماء كلها، برغم ما هنالك من اختلافات بين الحقائق ~~الواقعية التي يسميها كل نوع منها. # فإذا كانت الآية الكريمة تنص على أن الله سبحانه وتعالى علم آدم «الأسماء» كلها، ~~فهنالك وجه بأن تفهم على أنه - سبحانه - قد علمه «اللغة» بكل مقوماتها، فضلا عن تعليمه ~~«طبائع» الأشياء التي تشير إليها تلك الأسماء؛ إذ الأسماء بغير معرفة مسمياتها تفقد ~~دلالاتها، وإنه لمما يرجح لنا أن نأخذ الأسماء على أنها تعني مقومات اللغة جميعا، كما ~~قد تعني كذلك الاستعداد الفطري لتعلم اللغة، وهو استعداد يميز بني آدم دون سائر ~~الأحياء، أقول إنه مما يرجح لنا هذا الفهم الأوسع أن مفردات الأسماء، مهما بلغ عددها، ~~لا تتضمن عملية «التفكير»، أو «العقل»؛ وذلك لأن عملية التفكير إنما تبدأ حين نربط ~~اسمين أو أكثر برباط يجعل منهما جملة تحمل حكما ما، أي تحمل فكرة ما، فإذا نطقت بلفظة ~~«كتاب» وحدها، وبلفظة «مكتب» وحدها، فلا جملة هناك، وبالتالي فلا فكرة، أما إذا ربطت ~~الاسمين برباط دال على علاقة بينهما فنقول - مثلا - الكتاب على المكتب، فقد أصبح عند ~~السامع صورة متكاملة يمكنه أن يتصرف على أساسها إذا أراد، وقل هذا في كل فكرة عند ~~إنسان. # ولقد طال بي التمهيد الذي أردت به أن أهيئ ذهن القارئ لما قصدت إلى عرضه، والذي قصدت ~~إلى عرضه هو بدوره مستمد من آيات قرآنية كريمة، وأعني الآيات التي أشارت إلى ما أراده ~~الله سبحانه وتعالى من أن يكون لبعض الأسماء «سلطان»، قال تعالى في سورة يوسف: # ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ~~أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ~~، وقال ~~تعالى في سورة النجم: # إن هي إلا أسماء سميتموها ~~أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ~~، وقال ~~تعالى في سورة الأعراف: # أتجادلونني في أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم ما ms144 نزل الله بها من ~~سلطان ~~، فهذا كله قد يعني فيما يعنيه أن الإنسان ربما استخدم اللغة على ~~نحو يجعلها بغير «سلطان»، أي بغير قوة، وقوة اللغة إنما تكون في دلالتها، وفيما تثيره ~~تلك الدلالة عند السامع من نزوع نحو أن يؤدي عملا ما، فألفاظ اللغة، مفردة أو مركبة في ~~جمل، تتفاوت تفاوتا بعيد المدى بين من يستخدمونها، من حيث قدرتها على التعبير من جهة ~~القائل وعلى التعبير من جهة المتلقي، وإنني لعلى عقيدة بأننا إذا ما درسنا حالة اللغة ~~وطرائق استعمالها في أمة معينة، إبان عصر معين من عصور تاريخها، استطعنا أن نستدل على ~~مقدار النشاط الإيجابي المنتج في حياة تلك الأمة، من صور اللغة التي استخدمها أبناؤها ~~فيما كتبوه، وذلك لأن طريقة استخدامك للغة في محاولة التفاهم مع الآخرين، تحمل في ~~طيها الدلائل على مقدار «القوة» الكامنة فيها، وأعني بتلك القوة قدرتها على استحداث ~~التغير عند من يتلقونها، وهذا التغير قد يقف عند حد الاستنارة العقلية، وقد يتعدى تلك ~~الاستنارة إلى ما يترتب عليها من ضروب الفعل. # وفي هذه المناسبة أروي عن بحث علمي كنت قد اطلعت على تفصيلاته وأفدت منه فائدة كبيرة، ~~وهو بحث تجريبي قام به أستاذ علم الاجتماع في جامعة هارفارد، أراد به الباحث أن يعرف ~~مدى الارتباط بين المادة التي يقرؤها أطفال المدارس في مطالعاتهم المقررة وبين ما يكون ~~عليه المجتمع، ازدهارا أو ذبولا، عندما يكون هؤلاء الأطفال قد أصبحوا هم الرجال ~~والنساء الذين على عواتقهم تقوم تبعات الحياة، فالارتباط الذي بحث عنه الباحث، وهو بين ~~اللغة المقروءة في عهد الطفولة وبين ما يصيب المجتمع من تقدم أو تأخر، بعد ذلك العهد ~~بنحو ثلاثين عاما، وكانت الطريقة التي اتبعها الباحث في دراسته تلك هي أن اختار من ~~التاريخ الأوروبي فترات ازدهار وفترات انكماش، ثم ارتد بالسنين في كل فترة من تلك ~~الفترات المختارة نحو ثلاثين سنة ليستعرض بالتحليل العلمي الدقيق ما كان يقرؤه أطفال ~~المدارس عندئذ، وما هو إلا أن خرج من بحثه بنتائج فيها ms145 من الصواب رجحان حاسم، ومؤداها ~~أن الارتباط قوي بين القراءة الحاثة بمضمونها على روح النشاط والابتكار والطموح، وبين ~~ما يظهر بالفعل في حياة الناس العملية من تلك الصفات، بعد فترة القراءة لهؤلاء الأطفال، ~~بمدة يصبحون بعدها هم الممسكين بالزمام في حياة المجتمع. # للكلمات كل هذا السلطان على عقول البشر؛ لأن الكلمات هي نفسها الأفكار، لا انفصال ~~فيها بين مبناها ومعناها، وأقول ذلك لأني أعلم الخطأ الشائع بأن الكلمات كالأوعية ~~الفارغة، التي قد تأتي لها المعاني فتملؤها، أو لا تأتي فتظل فارغة، أبدا ليس هذا هو ~~حقيقة الأمر، فالكلمة تحتوي على معناها كما تحتوي الزيتونة على زيتها، أو كما تحتوي ~~الوردة على أريجها، إذا فصلنا الزيت عن الزيتونة لم تعد زيتونة، وإذا فصلنا العطر عن ~~الوردة لم تعد وردة، والذي يحدث - تقريبا - هو أن الزيتونة تترجم نفسها إلى زيت ~~والوردة تترجم نفسها إلى عطر؛ وهكذا الحال في الكلمات ذات السلطان أو ذات القوة ~~الدلالية حين تترجم نفسها إلى عمل، لولا أن الزيتونة والوردة تفنيان بعملية التحول كما ~~تفنى دودة القز في شرنقة ثم في خيوط الحرير، فأما الكلمات فتظل محتفظة بسلطانها، لتتحول ~~إلى عمل مرة ومرة وألف مرة، ما وجدت في الناس من يستجيبون لسلطانها، لكن هناك ما يشبه ~~الكلمات وليس منها لأنها كلمات خاوية تستعصي على عملية التحول من حالة اللفظ إلى حالة ~~العمل؛ لأن جوفها خواء ولا أشبه جوفها الفارغ هذا بجوف الطبلة كما تعود كثيرون أن ~~يفعلوا؛ لأن تجويف الطبلة الفارغ هو أمر مقصود فيها لتؤدي وظيفتها حين يقرعها الطبال، ~~وأما الكلمات الجوفاء فتصنع في نفسها ما لا يراد لكلمات اللغة أن تصنعه؛ إذ أريد بتلك ~~الكلمات دائما أن تكون مثقلات بالفحوى، الذي من شأنه في الحالات السوية أن يغير من ~~المتلقي قليلا أو كثيرا، ونحن هنا إنما نعني - بالطبع - كلمات اللغة حين تبنى في جمل؛ ~~لأنها وهي مفردات، تشبه المادة الخام قبل تصنيعها. # رسالات السماء كلمات، ورسالات المصلحين من البشر كلمات، والعلوم كلمات، أو هي رموز ~~كالكلمات، ms146 مبدعات الشعراء والأدباء الناثرين كلمات، لكن الكلمات في تلك الحالات كلها ~~إنما هي من ذوات السلطان، تجيء وفيها من القوة ما يدفع الناس دفعا إلى مجاهدات ~~ومغامرات، ومنشآت تنسج خيوطها بعضها مع بعض لتصبح آخر الأمر هي ثقافة الإنسان وحضارته، ~~وبين الثقافة والحضارة ما بين الروح والجسد، فالحضارة منشآت تراها الأبصار وتمسها ~~الأيدي أدت إليها ثقافة تسري فيها بقيمها وأذواقها ومعتقداتها سريان الروح في الجسد، ~~فترى الجسد ناشطا بفعلها ، لكنك لا تراها، فإذا سألتني: ومتى تكون جملة الكلمات ذات ~~سلطان على الناس؟ أجبتك بقولي: انظر إليها كم تحرك بها الناس نحو أن يغيروا ما بأنفسهم ~~ليغير لهم الله ظروف معاشهم، فإذا وجدت الجملة قد وقعت بكلمات على صمم، فقل عنها إنها ~~قد كانت - لأمر ما - كالهباء يسقط على الأجساد فلا تحسه الأجساد، فالكلمات بنتائجها، ~~وأذكر أن ابن جني الذي حدثتك عنه وعن كتابه في خصائص اللغة العربية منذ حين، أذكر أنه ~~قد فرق لنا بين «القول» و«الكلام»، بأن القول تتحرك به الشفاه، سواء أكان له أثر يدوم ~~في حياة الناس أم لم يكن، وأما «الكلام» فهو من الأصل اللغوي نفسه الذي منه جاءت لفظة ~~«كلم» (بتسكين اللام) وهو الجرح، والمكلوم هو الجريح، فالكلام هو الذي يحز الجلود حزا ~~ليدوم له في حياة الناس أثرا، وليترتب عليه - بالتالي - فعل يغير من صورة تلك ~~الحياة. # وهنا أشعر بضرورة التنبيه إلى أن مجموعات الكلمات ذوات السلطان في تغيير الحياة، ليس ~~كلها من نوع واحد، ففيها ما سلطانه مباشر على ما يراد استحداثه وتغييره، وهذه هي ~~العلوم، أو ما يدور مدارها من ضروب الكلام الذي تنصب دلالته على دنيا الواقع انصبابا ~~مباشرا، ولكن منها كذلك ما يفعل فعله بطريق غير مباشر، وتلك هي مبدعات الأدب أو ما ~~يسير مسارها؛ لأن العمل الأدبي كقصيدة الشعر أو الرواية، غايته هي أن يترك عند المتلقي ~~«انطباعا» من شأنه أن يميل به على المدى القصير أو المدى البعيد نحو أن يكون لنفسه ~~«اتجاها» معينا نحو الحياة وأوضاعها، ولكي ms147 أزيد الواضح وضوحا بمثل أقدمه أقول: قارن ~~مهندسا في تخطيط المدن وهو يجري تغييرات جغرافية على بعض شوارع القاهرة، قارنه بأديب ~~يكتب عن سلوك القاهريين نحو مدينتهم ليتبين القارئ مقدار ما يكنه أهل القاهرة من ~~ولاء نحو مدينتهم، فبينما المهندس يغير بعلمه ما يريد تغييره على أرض القاهرة في مدة ~~يعرف حسابها، ترى الأديب - إذا كان موفقا - يعرض على قارئه صورة يرسمها في روايته - ~~مثلا - لحياة الناس كما تقع فيتأثر القارئ بما قرأ، ويختزن في نفسه ذلك الأثر لينضاف ~~إليه أثر ثان من عمل أدبي آخر، وأثر ثالث ورابع، فتنسج من هذه التأثرات «حالة» ~~وجدانية، قد يشتد بها ضيقا فيتحرك ضميره ليغير من سلوكه نحو مدينته، فكلمات العلم عند ~~المهندس وكلمات الأدب عند الأديب، كلتاهما من ذوات السلطان، إلا أن الأولى تفعل فعلها - ~~كما أسلفنا - مباشرة، والثانية تؤدي عملها مرورا بأنفس القراء وتحولها التدريجي نحو ~~«اتجاه» جديد. # وربما يكون من المفيد في توضيح الصورة العامة التي أود لها أن ترسخ في الأذهان أن ~~أقول: صور لنفسك هذا العالم الذي نحيا بين جنباته وكأنه صفحتان منشورتان بين يديك، ~~إحداهما هي الكون بكل ما فيه من كائنات والأخرى هي مجموعة الكلمات التي أثبتها الإنسان ~~على طول تاريخه في كتب وصحف وما شئت أن يكون مضافا إليها مجموعة الألفاظ التي تدور بها ~~الأحاديث بيننا، فعلى يسارك أشياء وظواهرها، وعلى يمينك رموز لغوية أو ما يشبهها من ~~رموز العلوم. ثم وجه إلى نفسك هذا السؤال: متى أحفل ومتى لا أحفل بما هو موجود في هذه ~~المجموعة الضخمة من المركبات اللفظية التي تملأ الصحف والكتب وتجري على ألسنة الناس ~~أحاديث يتبادلونها بعضهم مع بعض؟ فبماذا تجيب عن سؤالك هذا؟ أما أنا فأجيب لك عنه، ~~وأقول إن المعول فيما أحفل به وما لا أحفل به هو مقدار علاقة المركب اللفظي الذي على ~~يميني بالأشياء وظواهرها (وبينها الإنسان نفسه) التي على يساري فإذا وجدت في دنيا اللفظ ~~كلمات بث فيها سلطان تقوى به على تثبيت الصالح وتغيير ms148 ما عداه حتى يصلح احتفلت بها ~~لأنها هي الأداة الفعالة التي أسلح نفسي بها عند مواجهتي لأجزاء العالم الذي أعيش ~~فيه، أما إذا وجدت في دنيا اللفظ مركبات لا تقوى على أن تغير لي شيئا أو على أن تثبت ~~لي ما أريد له أن يثبت؛ أدرت لها أذنا صماء إلا أن أجريها في ساعات اللهو دردشة ألغو ~~بها مع من ألغو في ساعات السمر. # ولكن لماذا قلت كل هذا الذي قلته؟ فعلت ذلك لأثير في نفسك - أيها القارئ - شيئا من ~~الخوف كالخوف الذي ثار في نفسي من أن يكون بين العلل الكبرى التي أدت إلى كثير من مواضع ~~النقص في حياتنا أن إحدى الصفحتين في دنيانا، وهي صفحة المركبات اللفظية التي نكتبها ~~ونقرؤها لا تمس الصفحة المقابلة لها، وأعني عالم الأشياء وظواهرها إلا مسا رقيقا، ~~فبحر الألفاظ منبسط فسيح نسبح فيه ونبلبط في لهونا وجدنا معا، وعالم الأشياء ~~وظواهرها قائم هناك على يسارنا لا نغير منه إلا القليل، ولا تغضب أيها القارئ لهذا ~~القول ولا تقذفه متسرعا بتهمة التشاؤم؛ لأنني لو كنت متشائما ليئست وتركت القلم في ~~علبته، لكنني أكتب وأتحمل الصدمات. # أراد الله تعالى للإنسان أن «يقرأ» أولا ليجيء إيمانه على ضوء ما قرأه إيمانا ~~بصيرا، وذلك رمز يراد به أن تكون للمعرفة منزلة أولى حتى يكون الإيمان إيمان العارفين، ~~فالكلمات ذوات السلطان هي كالمصابيح ويجيء الإيمان الصحيح على هداها، فإذا رأينا من ~~يعكس ترتيب الخطوات أدركنا أنه قد ضيع على نفسه نور المعرفة وقوة الإيمان معا، ولم ~~يبق له إلا طيبة قلبه، وليكن واضحا أنني قصدت بهذا الترتيب الأولوية المنطقية لا ~~الأسبقية الزمنية، بمعنى أنني قد أبدأ مع طفلي الصغير ببث روح الإيمان في قلبه، أملا ~~أن يعود في المرحلة المناسبة من عمره فيعمل على كسب المعرفة التي يقيم عليها صرح ~~إيمانه، ولقد روى لنا التاريخ الأوروبي قصة صدام نظري عنيف حدث في أوروبا عند لحظة من ~~أولى لحظات التحول مما يسمى في تاريخهم بالعصور الوسطى إلى ما ms149 يسمى في تاريخهم أيضا ~~بالعصور الحديثة، وأعني بها تلك المعركة الفكرية التي دارت بين «أبيلار» وخصومه، والتي ~~تتلخص في قول هؤلاء الخصوم بأن الإنسان لكي يعرف لا بد له أن يؤمن أولا. فكانت صيحة ~~أبيلار هي أن العكس أصوب إذ لا بد للإنسان من أن يعرف أولا لكي يؤمن مستندا في إيمانه ~~إلى عقل مستنير. # وكان أول ما نزل من القرآن الكريم هو قوله تعالى: # اقرأ ~~، ولعل في ذلك ما يتضمن وجوب أن تكون المعرفة الصحيحة أساسا ~~للإيمان الصحيح، ويبقى أن نسأل: معرفة ماذا؟ فنجيب على هدي القرآن الكريم: معرفة خلق ~~السموات والأرض وما بينهما، وهنا أعود بك إلى ما صورته لك من صفحتين واسعتين منشورتين ~~بين يديك: صفحة الكلمات من جهة، وصفحة الكون وكائناته من جهة ثانية، والحياة المثلى هي ~~أن تكون الكلمات موصولة بالكون ليكون لها على الأشياء سلطانها. # الفصل الثامن عشر # | شيء من روح العصر # كان حديثنا أجمل ما يكون الحديث وأنفعه، تضافرت فيه الفكاهة والجد، ثم الجد والفكاهة، ~~لم نقطب له الجباه، ولم نزم له الشفاه، تفتحت لنا فيه جوانب الموضوع وتفريعاته من تلقاء ~~نفسها، كأنما هو دفتر نشر بين أيدينا، وأخذت تقلب ورقاته أصابع خفية، ونحن نطالعها ~~صفحة بعد صفحة بغير عناء، لم ينفعل خلاله أحد في أحد، ولم يغضب أحد من أحد، برغم ما ~~اتسعت به هوة الخلاف في الرأي بيننا، وقد جرى حديثنا كالكرة يتلقفها لاعب من لاعب، ~~متجهة في حركتها نحو هدف تصيبه آخر الشوط، فكلماتنا كانت تنساب من شفاهنا هادئة خافتة ~~سلسة، لا شد فيها ولا جذب، ولا ضغط على حرف هنا ولا ارتفاع لحرف هناك، وكأنه لم يكن ~~طي حروفها قضية فكرية ضخمة، أثيرت بيننا ولبثت مدارا لحديثنا. # ولقد ألقت تلك القضية الضخمة بثقلها بين أيدينا، حين بدرت من أحدنا لفظة «التخلف» يصف ~~بها حياتنا في مصر، فأسرع سائل منا إلى السؤال: وما مقياسك فيمن تقدم ومن تخلف؟ أين ~~هو الموقع الذي يقترب منه المتقدم ويبعد عنه المتخلف؟ فما هو ms150 إلا أن تفرع بنا الحديث ~~بحثا عما نجيب به عن هذا السؤال، وكلما تقدمنا بالتحليل خطوة تفجرت لنا على الطريق ~~انحناءات وثنايا لم تخطر لنا أول الأمر، فهل يكون الفارق بين متقدم ومتخلف في هذا العصر ~~مقدار ما يملك من علم، أو مقدار ما يملك من سلاح، أو هي نقطة واحدة تلتقي عندها قوة ~~العلم وقوة السلاح معا؟ بمعنى أن من ازداد علما في عصرنا ازداد في الوقت نفسه قدرة ~~على ابتكار السلاح الأحدث والأقوى، ولاحظ أنني أكرر عبارة «في هذا العصر»؛ لأن معيار ~~التقدم والتخلف لم يكن هو نفسه المعيار في كل العصور، بل كان لكل عصر مناخه الثقافي ~~الخاص، الذي يوحي بالفارق بين الحالتين ماذا ينبغي له أن يكون، ولكننا هنا ندير الحديث ~~حول عصرنا ومقاييسه في درجة التحضر ارتفاعا وانخفاضا. # ولم تكن قوة العلم وقوة السلاح وحدها ما قد عرضناه معيارا للتقدم والتخلف، بل تزاحمت ~~أمامنا المعايير أشكالا وألوانا، وكلها وارد، فهنالك من يجعل المقياس مستوى العيش، أو ~~مقدار الطاقة المستهلكة، على اختلاف أنواعها: بترولية، أو كهربائية، أو ذرية، أو غيرها، ~~على اعتبار أن مقدار الطاقة المستهلكة مؤشر يبين اتساع النشاط الصناعي وغزارته، وهناك ~~من يقول ومن يقول ... آراء مختلفة لكنها ليست متعارضة في أغلب الحالات؛ لأنها في الحقيقة ~~متشابكة بعضها مع بعض على نحو يجعل الرأي منها تترتب عليه بقية الآراء، لكنك لا تعدم أن ~~يصادفك رأي يتفرد بشذوذه، فلا هو يترتب على غيره، ولا هو من شأنه أن يلد لنا رأيا، كأن ~~تجد من الناس من يقول إن التقدم معناه السير إلى الوراء. # استغرق هذا النقاش فيما يصلح أن يكون معيارا للتقدم والتخلف وقتا طويلا، حتى رسونا ~~جميعا على مرفأ ارتضيناه، هو أنه ما دامت العصور المختلفة قد تباينت في معاييرها؛ ~~فينتج عن ذلك وجوب أن يكون لعصرنا معياره الخاص المتوائم مع حضارته وثقافته، وهذا بدوره ~~يستتبع أن نبحث في هذا العصر نفسه عما ينفرد به - نسبيا - دون سائر العصور؛ فإذا ~~وقعنا عليه، كان لدينا ms151 بذلك أساس متين نقيم عليه المعيار، لكن هذا الجانب من موضوع ~~الحديث، وأعني خصائص عصرنا، ما نكاد نفتحه حتى تنفتح أمامنا متاهات هيهات لنا أن نعرف ~~أين تبدأ وأين تنتهي، ولم يكن في وسعنا إلا أن نختار خصيصة واحدة من خصائص العصر، التي ~~لا تجد بين الناس إنسانا يعجز عن أن يذكر لك بعضها عفو الخاطر. # وسادت بيننا لحظة صمت، كان كل منا يدير فكره يقع لنا على المميز الذي نختاره مدارا ~~لما بقي لنا من حديث، وكان أن فتح الله على كاتب هذه السطور بفكرة صادفت قبولا، هي ~~فكرة وجد فيها الزملاء نقطة التقاء لعناصر كثيرة وهامة من مقومات هذا العصر، وهي في ~~الوقت نفسه ليست شائعة ولا مألوفة بين الناس، مع أنها - في الحق - تضرب في أعماق الحياة ~~العصرية حتى جذورها، وهي فكرة تبدأ من صفة تميز منهج البحث العلمي في عصرنا، ثم تمتد ~~تطبيقاتها لتشمل ميادين أخرى واسعة ومتباينة، فمنها ما يمس الأدب والفن، ومنها ما يمس ~~السياسة وغيرها. # فلقد كان المألوف في كل مناهج البحث العلمي خلال العصور السابقة جميعا أن تتميز ~~الفكرة العلمية بصدقها صدقا مطلقا، لا تشوبه من عوامل الشك شائبة، ويكفي أن نضرب ~~مثلين في سرعة وإيجاز، وهما موقفان في تاريخ الفكر، كان لكل موقف منهما أثره البعيد ~~العميق لعدة قرون جاءت بعده. أولهما هو منهج الفكر العلمي كما صاغه أرسطو قديما، ~~ولبثت له السيادة من بعده نحو عشرين قرنا، أي إنه امتد من عهد اليونان القديمة حتى ~~النهضة الأوروبية في نحو القرن السادس عشر، وذلك هو «المنطق» الأرسطي، الذي كان عند ~~أسلافنا العرب شرطا لا بد من توافره فيمن يعد من جماعة المثقفين، ويندر جدا أن تجد ~~فقيها أو لغويا أو عالما في ميدان الرياضة والفلك والكيمياء وغيرها، أو عالما في ~~الطب، أو فيلسوفا، لم تكن دراسته لذلك «المنطق» ركنا أساسيا في بنائه العلمي؛ لأن ~~ذلك المنطق الأرسطي كان هو «منهج» البحث العلمي خلال تلك القرون، وإن الدارسين لهذا ~~الميدان ليعلمون مدى ms152 الدقة التي روعيت في ذلك المنهج حتى تجيء النتائج التي يصل إليها ~~الباحث العلمي في موضوعه مضمونة الصواب. # والموقف الثاني الذي أسوقه من تاريخ الفكر هو موقف فلاسفة «المنهج» في مطلع النهضة ~~الأوربية إيذانا بفاتحة عصر علمي جديد، وكان على رأس هؤلاء «ديكارت»، والدارسون في هذا ~~الميدان - أيضا - يعرفون مدى العناء والدقة التي أراد بها الفيلسوف لمنهجه أن يكون ~~هاديا إلى ما هو صحيح من المعرفة صحة مطلقة ، لا موضع فيها لشك، وكان محور ذلك المنهج ~~الجديد وجوب أن يبدأ الباحث طريق سيره من فكرة يثبت صدقها ثبوتا قاطعا لكونها بسيطة ~~لا تقبل التحليل من جهة، ولكون الإنسان من جهة أخرى يراها في دخيلته رؤية مباشرة، ولا ~~بد لي في هذا السياق من الحديث أن أشير إلى أن «الغزالي» - قبل ديكارت بأكثر من خمسة ~~قرون - قد عرض منهجا قريبا جدا من المنهج الديكارتي، وذلك في كتابه «معيار العلم»، ~~من حيث أن تكون نقطة البدء في طريق السير عند الباحث العلمي أفكارا بسيطة لا تقبل ~~التحليل، ويستنبطها الإنسان في طوية نفسه، فيراها رؤية مباشرة ويسميها الغزالي ~~أفكارا «أولية»، ولكن كل هذه المناهج - كما ترى - منصبة على دنيا الأفكار التي تتوالد ~~أو لا تتوالد داخل الدماغ، دون أن يكون شأنها بالدرجة الأولى انطباقها على عالم الأشياء ~~والظواهر والحوادث، ولهذا نشأ في عصر النهضة الأوروبية كذلك منهج آخر يساير تلك المناهج ~~الذهنية، ويغطي عالم الظواهر الطبيعية، على أن هذا وغيره يجعل المدار الأساسي هو إثبات ~~ما هو صحيح بحكم البينات والشواهد. # وجاء عصرنا بلفتة جديدة في منهج البحث العلمي، خلاصتها أن يكون الأساس الأول في قبول ~~فكرة ما على أنها علمية هو قابليتها لأن يحاول الباحث «تكذيبها»، وذلك لأن الاكتفاء بأن ~~تكون نتائجنا صحيحة من حيث استخراجها من أفكار سبقتها، لا يضمن لنا في كثير أو قليل ~~أنها ذات صلة بدنيا الواقع، فأنت تستطيع أن تستدل أوهاما من أوهام استدلالا تراعي فيه ~~كل قواعد المنطق، فما الذي يفرق لنا بين فكرة موصولة بالواقع، ms153 وفكرة أخرى تولد في ~~الأذهان وتقضي حياتها كلها، وكأنه لا واقع هناك يعيش فيه الذي يفرق لنا بين هذه وتلك، ~~هو محاولة «التكذيب» بما نجريه عليها من تجارب علمية، فيكون ذلك بمثابة مصفاة لا ينفذ ~~من ثقوبها تلك الأفكار التي هي أوهام، تبيض وتفرخ داخل الرأس، حتى تصبح عالما زاخرا ~~بكائناته الذهنية، فيقضي صاحبها سنوات عمره في ظلالها ناعم البال وهو لا يدري أنه إنما ~~يقضي عمره في واد وموكب الحياة في واد آخر. # ذلك هو المبدأ المنهجي الذي تركز عليه الانتباه في عصرنا، ولما كان لكل عصر مناخ عام، ~~في ظله تترابط أطراف الحياة كلها، سواء استطاعت أبصارنا العابرة رؤية تلك الروابط أو لم ~~تستطع، كان لا بد أن نجد لهذا المبدأ العصري ما يصله بجوانب الحياة الأخرى، وأول ما ~~يسترعي انتباهنا من تلك الروابط هو علاقة ذلك المبدأ المنهجي في البحث العلمي، والمبدأ ~~الديمقراطي في الحياة السياسية، فكون الحقيقة العلمية لم تعد «مطلقة» كما كان الظن في ~~الماضي، بل هي نسبية وقابلة للتصحيح، مضافا إلى ذلك افتراضنا المبدئي عن إمكان أن تكون ~~خلوا من الصواب الذي يدرجها في مجموعة «الحقائق»، كل ذلك سرعان ما ينعكس في رؤية الناس ~~لصاحب السلطان فهو - كالفكرة المرشحة لأن تكون فكرة علمية - إنسان فيه ما في البشر من ~~قابلية الوقوع في الخطأ، وعلى هذا الأساس وجبت مراجعته ومساءلته وتصحيح أخطائه، فإذا لم ~~يكن قابلا لهذا كله، لم يكن أمام الناس بد من إبعاده، تماما كما هي حالنا إزاء ~~الأفكار المطروحة علينا، لنضيفها إلى الحقائق العلمية إذا كانت ثابتة الصدق أو نرفضها ~~إذا تبين فيها الخطأ، إنه لضرب من المحال - أو قل إنه أمر يتعذر وقوعه - أن يظهر في ~~عهود الحكم المطلق في مجال السياسة منهج في مجال العلوم يجعل الأولوية لافتراض الخطأ في ~~الفكرة المعروضة حتى يثبت صوابها، فقبول الناس لحاكم مطلق غير خاضع لرقيب منهم أو حسيب ~~يغلب أن يستتبع قبولهم كذلك ما يقال لهم متسترا بستار اللغة العلمية، وإنهم ليقبلون ~~الأفكار ms154 التي يقدمها إليهم الحاكم المطلق، يقبلونها على أنها هي الأخرى صادقة صدقا ~~مطلقا. # إننا إذ نقول عن عصرنا هذا إنه قد بدل في حياته العلمية منهجا بمنهج فكأننا قلنا ~~كذلك - بصورة ضمنية - إن الناس في موقفهم من الحاكم قد بدلوا - كذلك - أساسا بأساس، ~~فعلينا الآن أن نسأل عن طبيعة التغير الذي طرأ على النظرة العلمية المعاصرة لنرى تبعا ~~لها طبيعة التغير الذي طرأ على صورة العلاقة الجديدة بين الشعب وحكومته، وهو تغير يقتصر ~~- بالطبع - على من يحيون حياة فيها علوم ومناهجها، مبدعة وأصيلة، لا منقولة ~~ومحفوظة. # ولعله كان من أهم ما حدث من تغير في وقفة العلم في عصرنا هو أن الباحث العلمي في ~~ظاهرة معينة، محاولا أن يخلص إلى قوانينها، بعد أن كان سلفه يبحث عما هو «يقين» مثل ~~يقين الرياضة تماما، قد أصبح يبحث عما هو «محتمل» الصواب؛ لأن يقين الرياضة لا يكون ~~إلا في الرياضة أو ما يشبهها من ضروب الفكر، وأما الظواهر الطبيعية فلا تجيء قوانينها ~~إلا في صورة احتمالية، لكنها ليست هي «اليقين» على كل حال، لماذا؟ لأن ما هو يقيني ~~يقينا مطلقا - في العلوم الرياضية أو غيرها - إنما استمد يقينه ذاك من كونه لا يضيف ~~معرفة جديدة يلتزم بصدقها بالنسبة إلى واقع الدنيا، وإنما هو يكتفي بتحليل معنى ما إلى ~~عناصره الداخلة في تكوينه، لا بحكم الأمر الواقع، بل بحكم «التعريف» الذي اصطلح عليه ~~أصحاب الشأن في مجال معين؛ فحين نقول في الرياضة - مثلا - إن «1 + 1 = 2»؛ فنحن نحلل ~~ما نقصد إليه حين نستخدم عدد «2» تماما، كما يقول: إن الأعزب هو من لم يتزوج، فمصدر ~~«اليقين» في هذه الحالة وكل ما يشبهها، إنما هو ما كنا قد اتفقنا عليه من «تعريف» ~~وتجيء الجملة بعد ذلك لتفصح عما هو مضمر في المصطلح وفقا لتعريفنا له، فإذا قلنا عن ~~الجملة التي من هذا النوع، إنها مبتدأ وخبر، كان الخبر فيها هو نفسه المبتدأ. # وأما في مجال العلوم الطبيعية؛ فالأمر فيها غير ذلك؛ إذ لا بد للخبر ms155 أن ينبئنا بشيء ~~جديد عن المبتدأ (إذا جاز لنا استخدام مصطلحات النحو في هذا المجال) وما دام الموقف فيه ~~إضافة خبر «جديد» على طبيعة الضوء - مثلا - أو طبيعة الصوت، أو طبيعة سمك القرش أو ما ~~شئت من ظواهر الطبيعة وكائناتها، فأنت معرض للخطأ؛ لأنك مضطر إلى استخلاص الحقيقة ~~التي تعرضها من «متوسطات» تحصل عليها من العينات التي تخضعها للبحث العلمي. ولقد جاءت ~~«أجهزة» البحث في عصرنا (وهي من أهم ما خلع على عصرنا طابعه المميز) جاءت تلك الأجهزة ~~لنزداد بها دقة في مقاييسنا التي نجريها في بحوثنا العلمية، فإذا أردنا - مثلا - قياس ~~درجة الحرارة في مريض، أو قياس ضغط الدم أو ضربات القلب، واستخدمنا في ذلك الأجهزة ~~الملائمة، وجدنا أولا أنه كلما ازداد الجهاز دقة تغير الرقم الذي يعطيه عن الظاهرة ~~التي يقيسها، وثانيا أننا إذا قمنا بعملية القياس عدة مرات على الحالة الواحدة خرجت ~~لنا أرقام بينها اختلافات يسيرة، فلا يكون أمامنا إزاء هذا إلا أن نستخرج «متوسطات»، ~~وإذا قلنا «متوسطات» فكأننا قلنا إن الحقيقة التي نقدمها قائمة على «احتمال» الصواب ~~بدرجة ما، لا على «يقين» ذلك الصواب، وكيف يكون الأمر في هذا «يقينا» إذا كان الجانب ~~الكمي فيه لا بد أن يتغير قليلا مع اختراع أجهزة أكثر دقة؟ # وماذا يعني هذا كله بالنسبة إلى موضوعنا؟ إنه يعني أن نظرة الإنسان المعاصر إلى ~~«الحقيقة العلمية» قد دخل عليها وجوب المراجعة المستمرة، مع استمرار الزيادة في دقة ~~الأجهزة العلمية، مما زحزحها عن منزلة «اليقين» التي كانت تحتلها فيما مضى، وبالتالي قد ~~انعكست هذه النظرة على ميادين أخرى غير ميدان العلوم، كالنظم الاجتماعية وصور الحكم، ~~فما قد كان منها يوصف باليقين المطلق، أخذ يتواضع ليصبح معترفا له باحتمال الخطأ ~~وبضرورة مراجعته وتصحيحه تبعا لذلك. # وفي هذا السياق، الذي نريد فيه أن نربط ديمقراطية السياسة باحتمالية القوانين العلمية ~~- في عصرنا - كما كان الحكم المطلق فيما مضى، قد صاحبته نظرة علمية تجعل الصواب مطلقا ~~للقوانين العلمية، قد يتبادر في أذهاننا سؤال يقول: لكن ms156 كيف نربط صورة الحكم في عالم ~~السياسة بصورة المنهج في دنيا العلم مع أننا نعلم أن منهج العلم واحد عند جميع من ~~ينتجون علما، في حين تتعدد صور الحكم السياسي بين غرب وشرق في أوروبا وأمريكا، فضلا ~~عن تعدد صوره في سائر بلدان العالم؟ والجواب هو أنه لما كانت نسبية العلم وما فيها من ~~بعد عن تصور اليقين الرياضي تستتبع وجهة نظر تتلاءم معها في دنيا السياسة كذلك وأعني ~~أنها تستتبع النظام الديمقراطي في الحكم، بدل نظام الحكم المطلق، فقد نتج عن ذلك ما ~~نراه من تمسح أشد البلاد طغيانا في نظام حكمها في اسم «الديمقراطية»، حتى أصبح الناس ~~في حيرة أين تكون الديمقراطية بمعناها الصحيح، إذا كان الجميع يدعونها، برغم ما بين ~~الدول المختلفة من تباعد في صورة الواقع؟ # وليس انعكاس الوقفة العلمية الجديدة على ميادين الحياة الأخرى مقتصرا على المجال ~~السياسي وحده، بل انعكست تلك الوقفة الجديدة على الجانب الثقافي بكل معانيه، فلقد كان ~~الرأي السائد إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى هو أن ثمة معيارا واحدا للثقافة ~~الرفيعة، ألا وهو ثقافة الغرب، وأما ما دونها من ثقافات الشعوب الأخرى فهي تكون متقدمة ~~أو متخلفة بمقدار قربها أو بعدها بالنسبة إلى معايير الثقافة الغربية. ولكن ذلك كله قد ~~تغير، خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية، وما ظفرت به الشعوب في آسيا وأفريقيا من ~~استقلال وحرية، وعندئذ ارتفع في عالم الثقافات مقياس جديد، هو «نسبية» الأحكام بحيث لا ~~يجوز الحكم على ثقافة معينة بمعايير ثقافة أخرى، فلكل ثقافة معاييرها التي تحكم عليها، ~~وكما تساوت الدول في هيئة الأمم المتحدة من الناحية السياسية (إلا في مجلس الأمن حيث ~~يكون لبعض الدول حق النقض دون بعضها الآخر)، فكذلك تتساوى من الناحية الثقافية في ~~«اليونسكو». # وإذا أردت أن تنتقل بالحديث، من «الثقافة» بوجه عام، إلى الأقسام الفرعية التي منها ~~تتألف الثقافة بمعناها العام، كالفنون والآداب؛ وجدت النتيجة عينها ماثلة أمامك، وأعني ~~«نسبية المعيار»، وما تستتبعه تلك النسبية من حرية للفنان أو الأديب، ومن ms157 ثم تفجرت ~~الصور الكثيرة التي تراها في كل جنس من أجناس الفن والأدب، فالفن التشكيلي اتجاهات ~~وتيارات يختلف بعضها عن بعض اختلافات واسعة، وكذلك قل في الشعر والرواية والمسرح وفي ~~الموسيقى، وتستطيع أن تضيف في هذا التشعب والتنوع الفكر الفلسفي في عصرنا بمختلف مذاهبه ~~وتياراته. # ها هنا قال زميل من الزملاء الذين اجتمعوا على حوار تديره الصداقة واحترام الفكر ~~وكرامة العقل، قال ذلك الزميل: أظن الوقت قد دنا من لحظة انصرافنا، لكنني أرغب في رجاء ~~أوجهه إلى فلان، على غرار ما يقوله المذيع أو المذيعة لمن يجري معه الحديث، عندما يبلغ ~~ذلك الحديث ختامه: هل لديك ما تلخص به هذا كله في جملة واحدة قصيرة تريد لها أن ترسخ في ~~عقول الشباب؟ قلت: نعم، فإني أقول لشبابنا: إن المتزمت صاحب الأفق الضيق الذي يزعم الحق ~~المطلق لما يقوله هو دون سائر القائلين، لم يعد له في عصرنا مكان. # الفصل التاسع عشر # | يوم الثقافة العربية # عدت من إجازة الصيف (1984م) لأجد خطابا من الأستاذ الدكتور محيي الدين صابر، المدير ~~العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. وقد بدأ خطابه بالعبارة التالية: ~~«يسعدني أن أنقل إليكم قرار المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم منحكم الجائزة ~~التقديرية للثقافة العربية، وهي أرفع جائزة تقديرية لدى المنظمة، وأول جائزة تقديرية ~~تقدمها لشخصية فكرية عربية متميزة. # وإني إذ أهنئ سيادتكم على هذا التقدير الذي أنتم أهل له، أشيد مع المنظمة العربية ~~بالعطاء الكبير المبدع الذي أغنيتم به الثقافة العربية، ونهلت منه أجيال من أهل العلم ~~والثقافة في الوطن العربي، وكان نعم العمل الطيب والعطاء الخير ...» وحدد للاحتفال ~~بتقديم الجائزة في مدينة تونس اليوم العشرون من شهر ديسمبر سنة 1984م، ولبثت لا أعلم عن ~~طبيعة تلك الجائزة شيئا، مكتفيا بقيمتها الكبرى، التي هي كونها قرارا إجماعيا ممن ~~يمثلون الدول العربية كافة على أنه إذا كانت مصر لم تشارك في ذلك القرار لظروف معلومة ~~لنا، فقد ظفرت منها قبل ذلك بجائزتين من جوائز الدولة، إحداهما كانت تشجيعية سنة 1960م ~~عن ms158 كتابي الذي ظهر في ذلك الحين «نحو فلسفة علمية»، والأخرى كانت «تقديرية» سنة 1975م ~~في مجال الأدب، والحمد لله رب العالمين. # وجاء اليوم الموعود فكان أول سؤال تلقيته هو من مراسل وكالة أنباء الشرق الأوسط؛ إذ ~~كنت لا أزال في المطار أنتظر حقائبي وهو: بماذا تعلق على هذه المبادرة؟ فأجبته قائلا ~~ما معناه: إنها دليل عملي على صدق ما كنت قد كتبته تحت عنوان «العروبة ثقافة لا سياسة» ~~(في الأهرام بتاريخ 27 / 9 / 1979م)، واستطردت شارحا بأن العربي عربي بثقافته التي هي ~~تعبير عن رؤيته ووجدانه قبل أن يكون عربيا لأي سبب آخر، ومضيت في توضيح هذه الفكرة ~~لمراسل وكالة الأنباء لأبين له كيف يلتقي العرب جميعا حول محور ثقافي واحد، أساسه ~~اللغة العربية وما تنطوي عليه تلك اللغة من دلالات تتفرع عنها، فليست اللغة مجموعة من ~~رموز كرموز الرياضة مثلا، مجردة عارية تتفق على مدلولاتها كل شعوب الأرض، بل اللغة ~~مشحونة بالقيم التي بثت فيها خلال العصور التي استخدمت فيها، ومن مجموعة تلك القيم ~~المبثوثة في ألفاظ اللغة العربية يتكون وجدان الأمة العربية، وأضرب لك مثلا يوضح لك ما ~~أريد: فلقد كنت ذات يوم أقارن عبارة وردت في إحدى حكايات «ألف ليلة وليلة» أقارنها ~~بترجمتها الإنجليزية، فوقفت عند جملة يدعو فيها أحد لآخر قائلا له: «أكثر الله خيرك.» ~~فترجمها من ترجمها إلى الإنجليزية من رجال الأدب عندهم، بما معناه «أكثر الله من ~~إيرادك.» مع أن الفرق كبير بين زيادة «الخير» وزيادة «الإيراد»، فالإيراد يمكن حسابه، ~~لكن إضافة «الخير» إليه تكسبه بعدا مباركا يستعصي على الحساب، وهكذا أستطيع أن أورد ~~لك مئات الأمثلة من اللغة العرية في مفرداتها وفي تراكيبها مما ينطوي على أبعاد روحية ~~ونفسية وخلقية على نحو لا نراه في ترجماتها إلى لغات أخرى. فماذا ينتج عن ذلك بالنسبة ~~إلى أصحاب تلك اللغة إلا أن يتطبعوا بوقفة ثقافية متميزة؟ وإذا كان أمرها كذلك، أفلا ~~تكون تلك الوقفة الثقافية المشتركة بين العرب مرتكزا قويا يرتكز عليه انتماؤهم إلى ~~قومية ms159 واحدة؟ على أن الأمر في هذا السبيل لا يقتصر على اللغة وما توحي به إلى أصحابها، ~~بل إن بين العرب روابط أخرى ثقافية تتمثل في اجتماعهم على فلسفة أخلاقية معينة ومتميزة ~~واجتماعهم على تذوق فني معين ومتميز وغير هذا، وذلك من جوانب الحياة الأخرى مما يحتم ~~علينا نتيجة هي أن «العروبة» نمط ثقافي ذو خصائص يمكن تحليلها وتبيانها، والعربي عربي ~~بانخراطه في ذلك النمط الثقافي، وليكن بعد ذلك ما عساه أن يكون من ضروب الاختلاف بين ~~عربي هنا وعربي هناك. # واختياري لأول جائزة رفيعة المستوى في مجال «الثقافة العربية» إنما هو دليل قاطع على ~~ما كنت زعمته في مقالة «العروبة ثقافة لا سياسة»، والذي نشرته منذ خمس سنوات، ثم أخذت ~~أكرر فكرتها بصور أخرى فيما بعد ذلك، ولقد كان مما رأيته ذا مغزى بعيد، وربما يكون قد ~~جاء عفوا ومصادفة، لكن ذلك لا يغير من قوة المغزى، أن رياسة المجلس التنفيذي للمنظمة ~~العربية في ذلك الحين كانت لأخ ليبي، وأن مهمة تقديمي يوم الاحتفال بالجائزة أسندت إلى ~~أخ سوري، فإذا كانت زاوية الاختلاف قد انفرجت بين مصر من ناحية وليبيا وسوريا من ناحية ~~أخرى؛ فما ذلك إلا في مجال السياسة وحدها، وأما عندما انتقل الموضوع إلى دنيا «الثقافة ~~العربية» فهنالك اختفت المسافة التي كانت تباعد بين ضلعي الزاوية حتى أصبح الضلعان ~~خطا واحدا، فالليبي والسوري وسائر الأعضاء الممثلين للدول العربية الأخرى اختاروا ~~للجائزة العربية مصريا! ومن ذا يجحد تلك الرابطة الفكرية والوجدانية بين أبناء الوطن ~~العربي كله من أقصاه إلى أقصاه؟! إن صاحب القلم يكتب في المغرب فيقرأ له من هم في ~~المشرق، يكتب الكاتب من الجزائر أو من تونس - مثلا - فيطالع كتابته القارئون في العراق ~~وفي عمان، ويعزف الموسيقي على أوتاره في مصر فيطرب لأنغامه العربي من المحيط الأطلسي ~~إلى الخليج العربي، ومن ذا لا يستشعر الصدق في شعر أحمد شوقي الذي أنشده عن «العروبة» ~~من حيث هي وحدة واحدة، تفرح معا، وتحزن معا، استمع إليه يقول: # كان شعري ms160 الغناء في فرح الشر # ق وكان العزاء في ~~أحزانه # قد قضى الله أن يؤلفنا الجر # ح وأن نلتقي على ~~أشجانه # كلما أن بالعراق جريح # لمس الشرق جنبه في ~~عمانه # وهكذا قل في كل كاتب وكل شاعر وكل عازف وكل مغرد بالغناء، وكل فنان ~~على اختلاف ألوان الفن، الإنتاج يتم في موضع يختاره الإلهام من الوطن العربي، والتلقي ~~يكون في ذلك الوطن العربي كله دفعة واحدة؛ فحياتنا الثقافية لم تعرف التجزؤ والانقسام، ~~لا قديما ولا حديثا، برغم ما قد يحدث بين الدول من خلاف ربما بلغ حد الصراع وحد ~~القتال، إننا أمة واحدة في الثقافة، وبالثقافة هل رأيت عربيا واحدا يرضى ألا يكون ~~المتنبي أو المعري شاعره؟ إنه لمن أقوى علامات الانتماء القومي أن يشعر الأفراد بالفخر ~~لكونهم مع شاعر عظيم أو فنان نابه، أو مفكر موهوب، في وطن واحد، وهنا لا بد لنا من ~~التفرقة بين أن تعرف لشاعر معين - مثلا - عظمة قدره وهو من أبناء أمة أخرى غير الأمة ~~التي تنتسب إليها وبين أن تشعر ب «الفخر» نحوه، فالعربي المثقف يعرف لشكسبير قدره لكنه ~~لا «يفاخر» به أحدا، لكنه إذ يعرف قدر أبي العلاء المعري فإنه يضيف إلى تلك المعرفة ~~شعورا بالفخر أنه هو والمعري منتميان إلى أمة واحدة، وبناء على هذا المقياس - وهو ~~مقياس قوي على بساطته - تستطيع أن ترى وحدة الأمة العربية في ثقافتها وبثقافتها، حين ~~ترى أبناءها يفاخرون الغرباء بمن ينبغ من العرب - قديما أو حديثا - بغض النظر عن ~~موضع ولادته في أي قطر كان ذلك الميلاد من أقطار الوطن العربي الكبير، وإذا كان شعور ~~الإنسان بالفخر دليلا على انتمائه إلى الوطن الذي يجمعه مع من يفخر به، فكذلك يكون ~~شعور الإنسان ب «الخجل» من شائنة اقترفها إنسان آخر يجمعهما معا وطن واحد؛ لأن مرتكب ~~الشائنة إذا كان من أهل غير أهلنا ذممناه ذما لا يخالطه «خجل»، وأما مرتكب الشائنة من ~~أهلنا فنذمه ونخجل بسببه أمام الآخرين، ومن هنا ترى العربي من أي قطر كان يهتم ms161 ذلك ~~الاهتمام الخاص بما يقوله أو ما يفعله ذوو الشأن في قطر عربي آخر؛ لأن شعوره بالقوة ~~التي يفاخر بها، وشعوره بالخذلان الذي يخجل له، مرهونان كلاهما بكل ما يحدث في أرجاء ~~الوطن العربي الكبير. # وجاء يوم الجائزة التقديرية للثقافة العربية في اليوم العشرين من شهر ديسمبر 1984م، ~~فلم أملك إلا أن أكون صادقا في الكلمة القصيرة التي استوجب الموقف أن أرتجلها ~~ارتجالا، فلقد كنت أعلم من قبل أنني سألقي محاضرة عامة في اليوم التالي ليوم الاحتفال، ~~ولكنني ظننت أن برنامج الاحتفال لم يشتمل على كلمات تلقى، أقول إنني لم أملك إلا أن ~~أكون صادقا فيما قلت عن «أمتي» العربية، حتى في تلك الكلمة الموجزة المرتجلة، وذلك ~~لأنها «أمتي»، وإني لأعرف ما لأمتي العربية الإسلامية من عظمة ومجد، لكنني كذلك لا أغمض ~~عيني عما يعتورها من أوجه القصور والتقصير بالنسبة إلى عصرنا الذي نعيش فيه حياتنا، ~~ولقد آثرت في معظم ما كتبته أن أعزف لأمتي على أوتار الغضب، ومن هنا جاءت دهشتي حين ~~علمت بنبأ الجائزة، فلو كنت ممن اختاروا فيما يكتبونه عن أمتنا العربية طريق الإعلان عن ~~عظمتها ومجدها - وإنها حقا لجديرة بمن يعلن لها عن ذلك - لكان من الجائز أن يقول قائل ~~عن ذلك التكريم الذي كرمتني به أمتي العربية إنهما طرفان تحابا فأخذا يتقارضان الثناء، ~~فالكاتب يمدح والأمة تكافئ! لكن أمري لم يكن كذلك في الكثرة الغالبة مما كتبته؛ لا لأني ~~أجهل جوانب تلك العظمة وهذا المجد، بل لأني كنت أشد حرصا على إبراز مواضع التقصير ~~لعلنا نلحق بمواضع الريادة من ركب الحضارة كما عودنا التاريخ وعودناه، لقد جاء الشطر ~~الأعظم من كتابتي أقرب إلى لذعات الضمير تريد للأمة أن تصحو بوعي أشد يقظة لما حولها، ~~كانت قيثارتي التي عزفت عليها من غضب وكان لحنها من نار! إنني لم أكتب سطرا واحد ~~ليكون لي مصدر رزق أعيش منه وأحيا به! بل كتبت ما كتبته بصدق المؤمن الذي عاهد نفسه ألا ~~يتملق أحدا في الحق! ومع ذلك فقد ms162 يخطئ الهدف، لكنه عندئذ يكون خطأ بريئا من الخبث ~~والخسة وموت الضمير، فقدمت لي الأمة العربية جائزتها الرفيعة لأول مرة في تاريخ المنظمة ~~العربية للتربية والثقافة والعلوم، فعاهدتها على رءوس الأشهاد أن أرد لها ذلك الفضل ~~العظيم، بالمضي فيما كنت ماضيا فيه أكثر من خمسين عاما، وهو أن أكون لها ذلك الضمير ~~اللاذع الذي كنته، وأن أظل عازفا لها على القيثارة التي عزفت عليها طوال تلك السنين ~~وإنها - كما قلت عنها - لقيثارة من غضب وإن لحنها لمن نار . # وكان اليوم التالي لاحتفال الجائزة موعدا للمحاضرة العامة المقرر إلقاؤها، وقد اخترت ~~لها أن تكون عن الخاصة الرئيسية التي أراها مميزة لجوهر الثقافة العربية، لكنني كنت ~~أستهدف بها أن يتبين من خلال الصورة المعروضة وجه القصور في تلك الثقافة إذا ما واجهنا ~~بها العصر الحاضر بظروفه الجديدة دون أن نضيف إليها ما تقتضي هذه الظروف إضافته! وفي ~~قاعة كبيرة مدرجة المقاعد مزدحمة بالحاضرين أخذت ألقي في أنفاس هادئة حديثا أصور ~~به الملامح التي أردت تصويرها، وكان محورها الرئيسي هو أن العربي مهيأ بحكم رؤيته التي ~~طبعته بها طبيعة الصحراء - والصحراء هي بيت العربي من الخليج إلى المحيط - ولا ينفي ذلك ~~أن تتناثر على ذلك الامتداد الصحراوي العظيم مساحات خضراء هنا وهناك، بما في ذلك وديان ~~الأنهار، أقول إن العربي مهيأ بحكم تلك الطبيعة الصحراوية لأن يتعلق بما هو ثابت ~~ودائم ومطلق؛ إذ هي صفات توحي بها الصحراء، وأما ما هو متغير وزائل من الكائنات ~~والأحداث التي تمر عابرة فوق ذلك المسرح السرمدي الصامد، فهي عند العربي ضرورات عيش لا ~~تستحق أكثر من أن تنزل من نفسه منزلة متواضعة، وبمقدار ما يكون الشيء أو الموقف مؤديا ~~إلى خلود الثابت الدائم المطلق تكون قيمته. # وعلى هذا المرتكز أقيم الفكر العربي في شتى جوانبه، بل وأقيمت كذلك تصورات الأدب ~~والفن، ففي كل هذه المجالات التي تولد فيها الحياة «الثقافية» وتنمو وتثمر ثمارها، يحرص ~~العربي على أن يكون في خلفية فكره وإبداعه مبدأ له ثبات ودوام، ms163 وانظر إلى كلمة «مبدأ» ~~نفسها لتدرك حقيقة ما تعنيه، فالمبدأ «لغويا» هو حيث يبدأ السير لمن يريد لنفسه ~~الحركة، وهكذا أيضا تكون «المبادئ» في حياة الفكر والإبداع، فلا يصح فكر عند العربي ~~إلا إذا انبثق من «مبدأ» ولا يسمو إبداع في أدب أو في فن إلا إذا كان وراءه «مبدأ» ~~يستند إليه، ولعلك قد رأيت أو سمعت علماء العرب إذا ما عرضوا فكرة أو حكما في مسألة ~~أخلاقية أو أدبية أو غير ذلك؛ كيف يحرصون على أن يتعقبوا «إسنادها» إلى الأصل الذي ~~تستند إليه، أي المبدأ الذي ترتكز عليه أو تنبثق منه، فذلك واضح في الأحكام الشرعية وفي ~~الأحكام اللغوية، وهو أيضا قائم في مجال الإبداع الأدبي، وإن يكن يحتاج إلى شيء من ~~التحليل ليظهر في وضوح، فقد كان الشاعر يقاس إلى نماذج القدماء إذا أراد الناقد تحديد ~~رتبته بين الشعراء، فتلك الرتبة تعلو أو تنخفض بمقدار ما اقترب الشاعر أو ابتعد عن ~~نماذج الشعر القديم، ومن هنا جاء مبدأ «عمود» الشعر، وذلك حين أخذ الشعراء فيما بعد ~~ينحرفون عن تلك النماذج، فأقيم عمود الشعر أمام أبصارهم ليحتذوه، وليس ذلك العمود ~~بمقتصر على أن يكون للقصيدة وزن وقافية - كما هو شائع بين نقاد الأدب في يومنا هذا - بل ~~هو يمتد ليشمل صفات أخرى كذلك واجبة، وأظنها تبلغ في عددها سبعا، ذكرها المرزوقي في ~~مقدمته التي قدم بها شرحه لديوان الحماسة لأبي تمام. # وإنك لتلحظ فرقا واضحا بين الفلاسفة العرب الأقدمين وبين فلاسفة أوروبا ابتداء من ~~اليونان القديمة؛ إذ ترى الفلاسفة العرب لا يقيمون بناءاتهم الفلسفية وكأنهم يقيمونها ~~من إبداع عقولهم، بل هم يرتكزون في عملهم على «نصوص» يبدءون منها، فهنالك النصوص ~~الإسلامية من جهة (وأعني القرآن الكريم بصفة خاصة)، ثم هناك النصوص التي ترجمت بها ~~الفلسفة اليونانية من جهة أخرى، ومن هذه الأصول يبدأ الفيلسوف العربي سيره ~~الفكري. # لكننا إذ نقول عن العربي إنه مهيأ للاستناد في تفكيره إلى «مبدأ» أو أصل يتصف بالثبات ~~والدوام؛ فلا بد أن يرد إلى ms164 أذهاننا تساؤل وهو: ألم يكن مفكرو اليونان كذلك يقيمون ~~بناءاتهم الفكرية على «مبادئ»؟ وإذا كانوا قد فعلوا، فما الفرق إذن بين عربي ويوناني في ~~هذه الخاصة؟ وهنا سرعان ما نجد الجواب الذي يفرق بين الحالتين، فبينما يكون المبدأ عند ~~اليوناني من افتراض العقل حتى لقد تتعدد المبادئ بتعدد الفلاسفة في العصر الواحد، يكون ~~المبدأ عند العربي إما وحيا في مجال القصيدة، وإما موروثا من الآباء في سائر ~~المجالات، مما لا سبيل فيه إلى اختلاف بين مفكر ومفكر آخر من أبناء العصر ~~الواحد. # وها هنا نأتي إلى أهم نقطة نريد إبرازها في طبيعة الرؤية العربية لنبني عليها نتيجتنا ~~الختامية، وتلك هي أن تاريخ الفكر البشري قد شهد ثلاثة أنماط ثقافية، أحدها هو ما ظهر ~~أساسا في الشرق الأقصى وهو نمط طابعه الإدراك الصوفي المباشر، وثانيها هو ما ظهر عند ~~اليونان (وفي الغرب بعد ذلك) وطابعه الإدراك العقلي الذي يستند إلى استدلال للنتائج من ~~المبادئ، وأما ثالثها فهو ذلك الذي نرى أنه قد تميزت به الأمة العربية، وهو الاشتمال ~~على نوعي الإدراك في وقت واحد، فهو قادر على الرؤية الوجدانية المباشرة، ومن هنا كان ~~إيمانه الديني وكان نبوغه في الشعر، وهو بنفس الدرجة قادر على الإدراك العقلي الذي ~~يستدل النتائج والأحكام من النصوص التي بين يديه، وتاريخ الفكر العربي شاهد على وجود ~~كلتا القدرتين وجودا بلغ ارتفاعه ذروة العبقرية، ففي مجال الإدراك الصوفي ظهر متصوفة ~~من أعظم ما شهد العالم في هذا السبيل، وفي مجال التفكير العقلي ظهر من العلماء أعلام ~~خالدون، وعلى أساس اجتماع القدرتين في الكيان العربي استطاع المسلمون العرب في عصور ~~مجدهم أن يأخذوا عن الطرفين المتناقضين؛ فأخذوا عن الهند وأخذوا عن اليونان، وتمثلوا ~~هذا وذاك معا، حتى انصهر في ثقافتهم وكأنه جزء أصيل فيها. # وننتقل الآن إلى النتيجة الختامية التي استهدفت الوصول إليها منذ بدأت حديثي، فها هو ~~ذا عصر جديد نعيش اليوم فيه، وهو عصر قائم بصفة أساسية على العلم بالطبيعة، وهو علم لم ~~يظهر ظهورا يجعل ms165 له الغلبة والسيادة إلا في القرون الأربعة الأخيرة، وكان ذلك في ~~أوروبا وحدها؛ لأن تلك القرون الأربعة ذاتها بالنسبة إلى الأمة العربية كانت هي عصر ~~الظلام، فماذا نحن صانعون بأنفسنا الآن؟ ونحن نهم بوثبة النهوض؟ هل نرى أمامنا من سبيل ~~سوى أن نقبل على العلم بالطبيعة في كل خطوة من خطواتنا على طريق الدراسة والاستنارة؟ ~~لقد كانت كل طاقتنا العلمية خلال العصور منصبة على النوع الاستدلالي الذي لم تكن الدنيا ~~تعرف سواه، وحتى في الحالات القليلة التي ظهر فيها بين القدماء علماء في الطبيعة، مثل ~~جابر بن حيان في الكيمياء نراه - برغم أن موضوعه هو جانب من ظواهر الطبيعة - نراه يصوغ ~~فكره على القالب الاستدلالي الشائع في عصره، بأن يأخذ عن القدماء مقدمات يضعها لتكون هي ~~نقطة البدء، كما فعل جابر بن حيان حين أقام علمه الكيميائي على أساس العناصر الأربعة ~~التي وردت عند أرسطو في كتابه عن «الطبيعة». # ولو كنا ممن يتعذر عليهم اتخاذ طريق المنهج العقلي في شتى صوره لقلنا إننا معذورون ~~الآن إذا كنا نعرض عن البحث في حقائق الواقع الطبيعي بالمنهج الذي يناسبها، لكننا - ~~كما أسلفنا - قد احتوينا القدرتين معا في كيان ثقافي واحد. قدرة الغرب كما تمثلت عند ~~اليونان، وقدرة الشرق كما تمثلت في الهند وفارس، فإذا كان العقل اليوناني قد عرف كيف ~~ينتقل بواسطة شعوب أوروبية أخرى من منهج الاستدلال القديم إلى منهج البحث الاستقرائي ~~لظواهر الطبيعة، بحيث يصبح المنهجان معا قطبين تدور حولهما رحى الفكر العلمي بطرفيه، ~~فماذا يمنعنا نحن من حركة انتقالية مماثلة لا سبيل إلى دخول عصرنا إلا عن طريقها؟ ولكي ~~أرد على دهشة قد تأخذ قارئا فيسألك لماذا يقول هذا الرجل ما يقوله ونحن ندرس في ~~جامعاتنا كل العلوم الطبيعية بمناهجها التي يشير إليها؟ أقول: المطلوب هو أن يتسع ~~النطاق بمنهج العلم ليصبح هو نفسه طريقة النظر عند جمهور الناس، في كل مشكلة تعترض لهم ~~على طريق الحياة الجارية. # وهكذا لم تكن الجائزة التقديرية للثقافة العربية - التي تشرفت بها - ولن ms166 تكون لتحول ~~بيني وبين أن أبين ما قد أصبح في تلك الثقافة من قصور وتقصير بالنسبة إلى العصر ~~القائم، فحقها وواجبها معا يحتمان عليها أن تبلغ في عصر المنهجين ما بلغته في عصر ~~المنهج الواحد، من قدرة وعظمة وريادة ومجد. # الفصل العشرون # | خطاب من مجهول # فضضت الغلاف فخرجت لي منه رسالة من صفحة ونصف صفحة من القطع الكبير، كتبت بإنجليزية ~~جيدة، مضروبة على الآلة الكاتبة في أحرف نظيفة، لكنها خلت من توقيع كاتبها، كما خلت من ~~تاريخ إرسالها ، ولما كنت قد فقدت اللمح بالبصر السريع، الذي كان في مستطاعه بنظرة خاطفة ~~أن يدرك شيئا يدلني على طبيعة المادة المكتوبة؛ فقد أزحت تلك الرسالة جانبا حتى ~~تأتيني اللحظة المناسبة التي أستجمع فيها كل ما عندي من قوة التركيز، وقدرة على الصبر، ~~في استعمال العدسات الكاشفة، فلست ممن يهملون الرسائل قبل التيقن من أنها تستحق ~~الإهمال. # وعدت إلى الرسالة بعد يومين، وقد كنت رجحت لنفسي أنه من ذلك النوع من الرسائل العجيبة ~~التي يأمرك فيها كاتبوها أن تنسخ منه خمس نسخات ترسلها إلى خمسة أشخاص، وإلا أصابك ~~السوء، وفي جميع تلك الحالات لا أتردد لحظة في تمزيقها وإلقائها مع المهملات، ولقد علمت ~~من بعض أصدقائي أنهم في حالات كهذه يأخذون بالأحوط، ويفعلون ما أمروا أن يفعلوه، نعم، ~~كنت ظننت أن الرسالة التي جاءتني هي من هذا النوع العجيب؛ لأني كنت استطعت قراءة أول ~~جملة فيها، وهي التي تقول: «هذا خطاب جاد، من رجل جاد وصادق.» إلا أن الرسالة لو تحقق ~~لي أنها من ذلك النوع الذي أشرت إليه، كانت الأولى في نوعها التي جاءتني بالإنجليزية، ~~وفي مثل هذه الصياغة الجيدة، والطباعة النظيفة، لكنني حين قرأتها وجدتها أبعد ما تكون ~~عما ظننت. # بدأت الرسالة المجهول كاتبها بما تكون ترجمته إلى العربية ما يلي: هذا خطاب جاد، من ~~رجل جاد وصادق، إلى أستاذ جاد وصادق وبحاثة، ولقد تركت خطابي بغير توقيع، لأنني أرتاب ~~في أن يكون بريدك مراقبا، فينكشف أمري، وهو ما لست أريده. ms167 ~~«إنك تحاول جاهدا أن تقول إننا إذا أردنا لأنفسنا البقاء، مشاركين في حضارة العالم ~~بما نضيفه إليها «كما كان شأننا في الماضي» فلا بد لنا من مزج تراثنا، أو - على الأقل - من تطعيمه بثقافات الآخرين، وبثقافة الغرب على وجه الخصوص، فإذا لم أكن أخطأت الفهم ~~عنك، فأنا مؤيدك في حملتك ابتغاء التجديد، لكنني في حيرة، كيف يمكن تحقيق هذا الحلم؟ إن ~~تراثنا إسلامي في الأساس ...» # وهنا أخذ صاحب الرسالة يضرب لي الأمثلة ليقول لي بها ما معناه أنه إما إسلام وإما ~~ثقافة هذا العصر وحضارته، أما أن يتلاقى الاثنان فضرب من اجتماع نقيضين لا يجتمعان. ~~والأمثلة التي يسوقها، بعضها يدخل في باب «العقائد»، وبعضها الآخر يقع في باب ~~«الشريعة»، وعنده أن هذا وذاك معا لا يتسقان مع العلوم المأخوذ بها في هذا العصر، فكيف ~~يكون التوفيق؟ ويذكر الكاتب في رسالته أنه مسلم، ربي على أن يكون قوي الإيمان ~~بإسلامه، لكنه لم يعد يرى كيف يتحقق له ذلك، ويظل آخذا بأسباب الحياة مع العصر في ~~حضارته وفي ثقافته، وهو ما يراه ضرورة لا مندوحة له عنها. # ولعل هذه الحقيقة الأخيرة عن صاحب الرسالة هي التي دفعته إلى الحرص بأن يبقى مجهول ~~الهوية حتى لا يتعرض للأذى، ومهما يكن من أمره فلقد شعرت شعورا قويا بعد قراءة تلك ~~الرسالة، بوجوب الرد عليها؛ لأن محور الخطأ عنده، موجود عند كثيرين غيره، ممن لا ~~يستطيعون توضيح موقفهم بمثل ما استطاع صاحب الرسالة توضيح موقفه، وأعني بذلك المحور تلك ~~الفكرة الباطلة التي كأنما أصحابها يريدون أن يقولوا: إما إسلام وإما هذا العصر بكل ~~علومه وتقنياته، وهي فكرة شاعت حتى أصابتنا بما يشبه الشلل، ولقد سبق لي في مناسبات ~~كثيرة أن قاومتها؛ لأنني أومن بأنه لو كان المسلمون في قوتهم الأولى، مع هذا العصر ~~وظروفه، لكانوا هم الذين أقاموا حضارة العصر وظروفه، لكانوا هم الذين أقاموا حضارة ~~العصر وثقافته، بكل هذا الذي نراه حولنا من اختراق للآفاق، فليس في كل مقومات عصرنا ~~الأساسية شيء يأباه الإسلام ms168 عقيدة وشريعة، والآن فلننظر إلى الأمر نظرة قريبة ~~وفاحصة. # وعلى سبيل التمهيد، أوجه الخطاب إلى صاحب الخطاب، بعد أن أحيطه علما بما قد لا يعلمه ~~عن البريد ومراقبته، وهو أنه لم يحدث قط أن فتح لي خطاب ليراجعه رقيب، وربما كانت ~~إشارة صاحب الخطاب في ذلك إلى فترة زمنية غير الفترة التي نعيش في ظلها اليوم، وأنتقل ~~إلى موضوعنا فأقول: إن خطابك يا صاحبي، باللغة الإنجليزية الجيدة التي كتب بها، يدل ~~على أنك ضالع في الثقافة الإنجليزية إلى حد بعيد، فإني أوجه إليك هذا السؤال: اختر ~~لنفسك من تشاء من رجال الثقافة في بريطانيا، بحيث تراه مجسدا بشخصه لروح هذا العصر ~~الذي نعيش فيه، ثم افترض أن من اخترته قد أسلم، فما الذي يتغير في موقفه «العصري» بسبب ~~إسلامه؟ وأرجوك أن تأخذ سؤالي هذا مأخذ الجد، فلقد بدأت خطابك معلنا أنك رجل «جاد ~~وصادق»، وتأمل سؤالي في روية وأناة، فإذا وجدت أن المثقف العصري الذي اخترته لن تنتقص ~~عصريته تلك مقدار شعرة بسبب إسلامه، كان معنى ذلك أنه لا تعارض بين عقيدة المسلم وبين ~~رؤية عصرية يتخذها لنفسه، من ذا تريد أن تختار من رجال الثقافة المعاصرين في بريطانيا؟ ~~هل توافق على اختيار علمين كانا صديقين ولكنهما اختلفا اتجاها، وأعني أولدس هكسلي ~~وتشالز سنو؟ فأولهما نزع منزع الصوفية الشرقية، والثاني فاضل بين العلم والأدب في حياة ~~الإنسان، فجعل الرجحان للعلم، وقد كان هو نفسه عالما وأديبا في آن معا! إذا وافقت ~~على هذا الاختيار المزدوج، الذي يسمح لنا بشيء من المقارنة المفيدة، وإذا فرضنا أن ~~الرجلين قد أسلما، فكيف تتأثر رؤيتهما «العصرية» بإسلامهما؟ نعم إن أساس العقيدة ~~الدينية يتغير بالطبع، لكنهما لن يجدا في عقيدة الإسلام ما يحول أيا منهما دون أن ~~يأخذ في دنيا ثقافته بما أخذ، فإذا فرضنا أن جانبا من أهم جوانب الرؤية عند أولدس ~~هكسلي هو ارتيابه في أن يكون هذا التقدم السريع للعلوم يخدم حياة الإنسان، إلى الحد ~~الذي جعله يصرخ بأن العلم يجب أن ms169 يقف في وثباته عند حد، وإذا رأينا أنه نزع إلى حياة ~~المتصوفة نزوعا قويا، فهل يجد في عقيدة الإسلام ما يصده عن تلك الرؤية وما يرده عن ~~هذا النزوع؟ ثم انظر إلى صديقه تشارلز سنو في إعلائه من شأن العلم على الأدب «وهو - كما ~~قلنا - مرموق في العلم وفي الأدب معا.» فهل يجد في عقيدة الإسلام ما يستنكر عليه هذا ~~الإعلاء للعلم على الأدب؟ إن المسلم بإسلامه يؤمن بأن الله أحد، وبأن الله صمد، وهذا ~~التوحيد هو صميم الرسالة الإسلامية، فهل تقف عقيدة التوحيد حائلا بين المؤمن بها وبين ~~الرؤية العصرية؟ # والآن فاعكس الاتجاه، واختر من شئت من المسلمين الذين عرفوا بتشربهم للثقافة ~~الغربية، وانظر في عمق إلى ما قد طرأ عليهم من تغير بسبب تلك الثقافة، ثم قل لي بعد ~~إمعان النظر إذا كان إسلامهم قد اهتز، لا، بل إني لأجد نقيض ذلك تماما، وهو أن التزود ~~بثقافة الغرب من شأنه - على الأرجح - أن يفيد صاحبه في عمق نظرته إلى الإسلام، عمقا قد ~~يؤدي به إلى فهم لا يتاح مثله لمن لم يتسع أفقه بمقارنة الثقافات بعضها ببعض، فكثيرون ~~جدا هم علماء الإسلام في عصرنا هذا، الذين نالوا درجاتهم العلمية في جامعات الغرب، ~~ولم يكن ذلك ليؤثر فيهم إلا بأن ازدادوا بإسلامهم وعيا ولإسلامهم فهما، وذلك كله لأن ~~الإسلام وثقافة العصر ليسا نقيضين، وإنما تجيء الثقافة إلى إسلام المسلم فتلقى فيه ~~رحابة صدر وحسن قبول، ومن أين يأتي التناقض والإسلام أساسا رسالة أخلاق، وثقافة الغرب ~~والمعاصرة - أساسا - ثقافة عصبها علوم، والذي بين الأخلاق والعلوم إنما هو أن تضاف تلك ~~إلى هذه، لا أن يصطرع الطرفان، وإنني لأجد المعنى غزيرا في قول الإمام محمد عبده، ~~عندما زار إنجلترا، بما معناه: لقد تركت في بلدي إسلاما بغير مسلمين، وجئت هنا لأجد ~~مسلمين بغير إسلام، فالإسلام مبادئ أخلاقية، قد يتخلق بها الإنسان إذا أحسنت تربيته، ~~دون أن يكون في عقيدته مسلما، والعكس وارد أيضا، وهو أن يكون الإنسان بعقيدته محسوبا ~~على الإسلام ms170 دون أن يعلو بتربيته إلى ممارسة المبادئ الأخلاقية التي يدعو إليها ~~الإسلام. # وننتقل مع صاحب الخطاب - بعد هذا التمهيد الطويل - إلى الخطأ الأساسي في محور التفكير ~~عنده، مما أدى به إلى الحيرة التي عبر عنها في خطابه، ثم إلى ما بعد الحيرة من اهتزاز ~~في العقيدة، وذلك الخطأ الأساسي عنده - كما أراه - هو في الخلط بين رسالة «الأخلاق» ~~ورسالة «العلم» خلطا جعله يتوقع من الأولى أن تتحدث إليه باللغة التي تتحدث بها ~~الثانية، ولو أنه فرق التفرقة الواضحة بين المجالين، لما وجد ما يدعو إلى حيرة، فضلا ~~عن أن يجد ما يدعو إلى التشكك في العقيدة، فالعلم تجريبي، يصحح نفسه بنفسه عصرا بعد ~~عصر، والعقيدة التي تحمل في طيها رسالة خلقية، مطلقة لا تتغير بتغير الزمان والمكان، ~~وإن تغيرت مواقف تطبيقها، وإذا لجأ العلم إلى «رموز» تضبط له معانيه؛ كانت هي رموز ~~الرياضة أو ما يشبهها، وأما إذا لجأت عقيدة الأخلاق إلى رموز توضح معانيها، كانت هي ~~رموز البلاغة في التصوير والتوضيح. وأقول ذلك لأنك - والخطاب موجه إلى صاحب الخطاب - قد ~~أردت - في الأمثلة التي سقتها - أن تفهم لغة العقيدة الأخلاقية على الأساس الذي تفهم به ~~لغة الفيزياء والكيمياء، فوقعت في حيرتك وما هو بعد الحيرة. # وتسألني متعجبا: كيف يمكن الجمع بين التراث - والإسلام أساسه - وبين حضارة هذا العصر ~~وثقافته، ثم تسمي ذلك المطلب «حلما» لا سبيل إلى تحقيقه، فهل ترى - على ضوء ما أسلفناه ~~- استحالة أن تجتمع «أخلاق» من هنا إلى «علوم» من هناك؟ فمفتاح الطريق إلى الصواب هو ~~هذه التفرقة، فالعلم علم كائنة ما كانت عقيدة من يتلقاه، تلقته اليابان بعقيدتها ~~البوذية، فكان منها ما كان، وتلقته اليهودية والمسيحية متمثلتين في أشخاص المتدينين ~~بهما في الغرب فلم تحل العقيدة الدينية دون أن يقيم هؤلاء من صروح العلم ما أقاموه. إن ~~في الولايات المتحدة كل صنوف العقائد، وبقيت لكل ذي عقيدة عقيدته، مع اشتراكهم جميعا ~~في روح علمية واحدة، فلماذا تراه حلما بعيد التحقيق أن تنهض أمة إسلامية فتضيف ms171 علما ~~إلى دين؟ # لقد كتبت منذ عدة أعوام فصلا قصيرا بينت فيه أن حضارة الإسلام حضارة أخلاق في ~~أساسها، وقد أقمت ما كتبته على سورة «الفجر» من الكتاب الكريم، وأراني الآن مشدودا إلى ~~إعادة بعض ما ورد في ذلك الفصل، وهدفي هو أن صاحب الخطاب إذا اقتنع بالفكرة، سهل عليه ~~بعد ذلك أن يرى إمكان الجمع بين إسلام المسلم وعلم العصر الحاضر؛ إذ لا تناقض - كما ~~قلنا - بين «أخلاق» و«علوم» تضاف إليها دون أن نقع في الازدواجية التي أشار إليها صاحب ~~الخطاب، قائلا إنها ازدواجية تقتضي من صاحبها حتما ضربا من النفاق! # وهذا هو بعض ما ورد فيما كتبته في الفصل الذي أشرت إليه: # إن الخاصة التي ميزت الحضارة الإسلامية من سائر الحضارات هي أنها أدارت رحاها ~~حول محور «الأخلاق»، فإذا كانت حضارات أخرى قد أرست قواعدها - في المقام الأول ~~- على «الفن» أو على «العلم» أو غير ذلك من أسس كالزراعة أو التجارة أو ~~الصناعة، فإن الحضارة الإسلامية قد اختارت «الأخلاق» أساسا لها. # على أننا في هذه التفرقة لا يفوتنا أن الجوانب كلها قد تجتمع في كل حضارة على ~~الإطلاق، وذلك بمقادير تتفاوت هنا وهناك، لكننا هنا؛ إذ نميز حضارة معينة بخاصة ما، ~~فإنما نريد أن تكون تلك الخاصة - أكثر من سواها - ركيزة أولى يقام عليها البناء، وبناء ~~الحضارة الإسلامية ركيزته «الأخلاق». # قف معي لحظة نتأمل فيها هذه الآيات الكريمة من سورة «الفجر»: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات ~~العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * ~~وفرعون ذي الأوتاد ~~، فأول ما يلفت النظر للوهلة الأولى، بل ~~يلفته للوهلة الثانية والثالثة والعاشرة، هو أن هذا العدد القليل من الآيات الكريمة قد ~~أوجز لنا القول إيجازا بليغا، في ثلاث حضارات سبقت ظهور الإسلام - ضمن ما سبقه - وهي ~~حضارات ثلاث تشابهت كلها في أنها جعلت «الفن» أساسا لصروحها، وإن اختلفت بعد ذلك في ~~نوع الفن الذي اختارته كل واحدة منها، فقوم «عاد» الذين عاشوا حضارتهم فيما ms172 هو الآن ~~الجزء الشمالي من الجزيرة العربية، كانت براعتهم في فن بناء المدن وأقاموا مدينة «إرم» ~~على نحو يذهل خيالك ذهولا إذا قرأت شيئا من تفصيلاته، كما ذكرها المؤرخون، فهي مدينة ~~قوامها قصور شوامخ من ذوات الطوابق، وكانت طريقتهم في بناء الطوابق العليا أن يقيموها ~~على «عمد»، والعمد بدورها تقام على أسطح الطوابق السفلى، لا على الأرض، فكانت تلك العمد ~~تبدو للقادم من بعيد وكأنها غابة كثيفة من جذوع الشجر، وصدق الله العظيم في وصفها بأنها # إرم ذات العماد * التي لم ~~يخلق مثلها في البلاد ~~. # وأما قبيلة ثمود، فقد عاشت هي الأخرى في منطقة قريبة من موطن «عاد»، وكان مقرها ~~واديا صخريا، أوشكت حياة النبات وحياة الحيوان ألا تجد لها فيه موردا للنماء، فدارت ~~براعتهم - أعني قبيلة ثمود - على فن النحت بصفة أساسية، وحتى بيوتهم نحتوها في صخور ~~الجبال، كأنها الكهوف. وأخيرا يأتي ذكر فرعون وما اختارته حضارة مصر من فن يقيمون به ~~المسلات والمعابد، التي ترتفع ك «الأوتاد» فليس هو فنا في بناء المدن، كما رأينا عند ~~«عاد» ولا هو فن النحت بالصورة التي رأيناها عند «ثمود»، بل هو فن ينصب على المعابد ~~وملحقاتها، وفيها ما فيها من قوائم ذات جبروت وشموخ. # هي إذن حضارات قامت على «فنون» ولم يكن في ذلك ما يعاب لولا أنها قرنت فنونها تلك ~~بطغيان، أعني أنها أقامت فنا عظيما في ذاته، لكنها لم تدعمه بأخلاق التعاطف بين ~~الإنسان والإنسان، فكان القوامون على تلك الحضارات هم من قال عنهم الله سبحانه وتعالى ~~في سورة «الفجر»: # الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * فصب عليهم ربك ~~سوط عذاب * إن ربك لبالمرصاد ~~، ثم نقرأ ~~في ختام سورة «الفجر» أمثلة من أخلاق السلوك التي أعوزت حضارات الفنون السابق ذكرها، ~~فهم لم يكونوا يكرمون اليتيم، ولم يكونوا يطعمون المسكين، وكانوا يأكلون التراث أكلا ~~لما، ويحبون المال حبا جما، وإذا أردت أن تضع تلك السيئات في مصطلح عصرنا، فقل إن ~~تلك الحضارات لم تعن بإقامة التكافل الاجتماعي بين الناس، ms173 ولا هي عنيت بتنظيم ~~«التأمينات» التي يطمئن بها أبناء الشعب على حياتهم وضرورات عيشهم. # من ذلك ترى «والخطاب موجه إلى صاحب الخطاب» أن الإسلام إنما هو جاء ليسد هذا النقص ~~الخطير، وهو أن يقام مجتمع على ظواهر حضارية خالصة، دون أن يعنى بما يجب أن تكون عليه ~~حياة الناس، من تعاون وعزة نفس، وتلك هي مهمة «الأخلاق»، ومن هنا كانت الأخلاق هي أعمق ~~الأسس التي بنيت عليها حضارة الإسلام، وعلى هذا الضوء نفهم قول رسول الإسلام - عليه ~~الصلاة والسلام - أنه بعث ليتمم مكارم الأخلاق. # ونعود الآن إلى القضية الأساسية التي طرحها صاحب الخطاب في خطابه، وهي عن الدعوة إلى ~~وجوب الدمج العضوي الذي ينبثق منه كيان حضاري ثقافي متكامل، يجمع بين تراثنا - ومداره ~~أخلاقيات الإسلام - وروح العصر الحاضر - ومداره العلوم وما يترتب عليها من تقنيات - فهل ~~ما يزال صاحب الخطاب يرى أن الجمع بين علوم حديثة من هناك، وأخلاق إسلامية من هنا ضرب ~~من أحلام الحالمين؟ لا، بل إني لعلى اعتقاد متين بأن مثل هذه الإضافة لو استطعناها على ~~الوجه السليم جاءت بمثابة إضافة تحدد دورنا الرئيسي في بناء حضارة العصر. # وقد تتساءل: أوليس لأصحاب حضارة العصر «أخلاق»، ربما كانت هي التي قصد إليها الشيخ ~~محمد عبده حين قال عن القوم هناك إنهم مسلمون بغير إسلام؟ سؤال وجيه، والإجابة عليه هي ~~أن أخلاقهم في صورتها الظاهرة قد لا يؤخذ عليها شيء في معظم الحالات، لكنها مقامة على ~~أساس «المنفعة»، وهو أساس قد يبنى عليه الخير للإنسان تسعا وتسعين مرة، ثم تجيء المرة ~~المائة كارثة قد تمحو الحضارة كلها محوا كالذي نراه الآن والعالم كله على شفا حفرة من ~~نار! وتصحيح الوضع هو أن نستبدل بأساس «المنفعة» في البنية الأخلاقية أساسا آخر هو ~~التعاطف بين الناس، وذلك هو ما جاء الإسلام ليرسي قواعده، فإذا كانت حضارة العصر، كما ~~لخصها الدكتور ليفس، أستاذ الآدب في جامعة كيمبردج والناقد الذي أشهره نقده الأدبي في ~~عالم الفكر الحضاري بصفة عامة، أقول: إذا كانت حضارة ms174 العصر كما قال عنها ليفس قائمة على ~~«أخلاق بنتامية وتقنيات علمية» (وبنتام هو الفيلسوف الذي رد الأخلاق إلى منفعة)، فإن ~~الصيغة الثقافية التي ندعو إليها هي: أخلاق التكافل والتعاطف مع تقنيات العلم، فهل ترى ~~هذه الصيغة ضربا من الأحلام؟ # ولقد ضربت في رسالتك «والخطاب موجه إلى صاحب الخطاب» ثلاثة أمثلة مما يدعو إليه ~~تراثنا، تستشهد بها على استحالة الصيغة الحضارية التي ندعو إليها، فأرجوك أن تراجعها ~~بينك وبين نفسك، لترى: أولا أنها مما يسهل جدا فهمها على أنها رموز تعني ما تعنيه. ~~وثانيا أنها كما هي واردة في تراثنا، فهي واردة بذاتها في تراث شعوب الغرب، فأين موضع ~~الغرابة إذن؟ وإذا كنت لم أذكر أمثلتك هنا إلا بالإشارة؛ فذلك لأني حريص على ألا أحدث ~~في أذهان القراء بلبلة لا تنفع وقد تضر. # ولقد ختمت رسالتك يا أخي بسؤال عجيب، إذ سألت: من ذا الذي يجرؤ على معارضة وحي إلهي ~~أو حتى على مناقشته؟ وأجيبك: أن من آمن بوحي إلهي، فهو بحكم ذلك الإيمان نفسه لا يخطر ~~له أن «يعارض» أو أن «يناقش»، لكن إيمانه يوجب عليه أن «يفهم» مضمون الوحي الذي آمن به، ~~ليهتدي بهديه وهو على وعي وبصيرة، وبالله يكون التوفيق. # الفصل الحادي والعشرون # | كانت بالأمس شجرة خضراء # ولدت بالريف ونشأت فيه خلال السنوات الخمس الأولى، أو ما يقرب منها، ثم أخذت أعاوده ~~كل عام في إجازة الصيف، وربما أضيفت إلى الصيف فترات أخرى من فصول أخرى إذا اقتضت ذلك ~~ظروف الحياة. وكان بي شغف شديد لقضاء بضعة أيام عند أقارب في قرى مجاورة، ممن يملكون ~~أرضا يزرعونها، ولست أنسى تلك النشوة الغامرة التي كانت تملؤني إذا ركبت النورج وهو ~~يدور دائرته ليدرس القمح، وكان لأسرة الأقارب صغار في مثل سني؛ فكنا نمرح معا ونلهو، ~~نشترك في أشياء وأنفرد وحدي بأشياء، فما كنت أحبه ولا يحبونه أن أصعد السلم الخشبي إلى ~~سطح بناء صغير ذي غرفتين، كانت إحداهما مخزنا لأدوات منوعة من فئوس ومحاريث وما إليها، ~~وكانت الأخرى جرنا ms175 يخزن فيه التبن والدريس، وأما سطح ذلك البناء فكانت تعلوه كرمة ~~تظله، وعلى ذلك السطح المفروش بكرمة العنب كنت أستلقي على كليم هناك، وأظل وحدي ساعات ~~تطول أحيانا ما طالت ساعات الضحى، أو ساعات العصر، وقد تقصر إذا أراد الجمع رواحا ~~مبكرا، وأما ما كنت أشترك فيه مع أندادي من الصغار، فهو الجلوس تحت شجرة كثيفة الظل ~~لكثافة فروعها وأوراقها، وكانت قريبة من ذلك البناء الصغير الذي أشرت إليه. # كان رب الأسرة على شيء من الجهامة والعبوس ، ولم يكن يوجه كلماته إلى أبنائه الصغار ~~إلا وهي مشحونة بما يشبه الغضب، أما أنا فقلما توجه إلي بحديث، وإذا فعل ألبس شفتيه ~~ابتسامة حتى يفرغ من حديثه المختصر، ثم يعود فيخلع تلك الابتسامة المصنوعة عن شفتيه، ~~ولم أكن قد بدأت زيارتي الموسمية لتلك الأسرة إلا بعد أن كان الرجل قد تزوج زوجته ~~الثانية وأنجب منها طفلين، وكانت الزوجة الأولى هي قريبتي، وأبناؤها هم الصغار الذين ~~كنت أرافقهم سارحا إلى الغيط وعائدا إلى الدار. # فلما جاوزت العاشرة حدث أن انقطعت عن تلك الزيارة بضع سنوات، ثم عدت إلى زيارة - ~~لعلها كانت الأخيرة - وأنا في نحو السادسة عشرة، فكان أول ما وقع عليه النظر تلك الشجرة ~~التي كنا نفترش ظلها الكثيف، وإذا بالشجرة ترقد على الأرض قتيلة وقد جفت حتى أصبحت ~~حطبا ينتظر المنشار أو الفأس، ليؤخذ منها قطعة قطعة بمقدار ما تتطلب النار من وقود. ~~لبثت شاخصا ببصري إلى الحطبة الباقية، فسألني الأنداد: ما لك؟ قلت فيما يقرب من الهمس ~~المكتوم: إنها كانت بالأمس شجرة خضراء! # وكان رب الأسرة قد أخذ منه المرض مأخذا، اصفر وجهه واصفر بياض عينيه، يجلس صامتا ~~معظم وقته، فإذا رأى ما يستوجب التوجيه، قاله في صوت عال ومرتعش، ولبث بعد ذلك فترة ~~تلحظه خلالها وكأنه يلتقط أنفاسه من رئتيه التقاطا، ولا أدري لماذا احتقرت في ذاكرتي ~~لحظة حاول فيها غلام أن يمر مع بقرتين دفعة واحدة، على معبر ضيق فوق قناة صغيرة من ~~قنوات الصرف فتزاحمت الأجساد الثلاثة، ms176 حتى كادت إحدى البقرتين تقع، وهنا صاح الرجل صيحة ~~غريبة خلته بعدها قد جمد منه النفس، وكانت العبارة التي نطق بها في تلك الصيحة أغرب في ~~كلماتها منها في قوتها وارتعاشها؛ إذ قال: «يا شيخ سقها مكلوبة»، فوجدت نفسي عندئذ قد ~~انصرفت باهتمامي إلى لفظ «مكلوبة» الذي اشتقه الرجل من كلمة «كلب»، وهو اشتقاق لم أكن ~~سمعته قبل ذلك ولا سمعته بعد ذلك، وسواء أكان جائزا في اللغة أم غير جائز، فقد أحسست ~~عندئذ - وما زلت أحس - أنه كان لفظا معبرا أقوى تعبير عن ضيق الرجل بمرضه وبالخطأ ~~الذي رآه في آن معا، وكان الرجل إذ ذاك قد أنجب من الزوجة الثانية خمسة أبناء وبنات، ~~أضيفوا إلى خمسة سواهم من الزوجة الأولى، وبعد أن رأيته آخر مرة بسنوات قليلة توفي وقيل ~~إن تكاليف علاجه قد أثقلت الأرض بالديون، فذهب بعضها وفاء لتلك الديون، وقسم الباقي ~~على عشرة من أبنائه وبناته ومعهم زوجتان، فخرجوا جميعا من الصفقة وهم فقراء، بعد أن ~~كانت أسرتهم تعد بين من سترهم قدر من الغنى! فلما سمعت ذلك، قلت لمن نقل إلي النبأ، ~~ولعله لم يفهم ما قلته: لقد كانت بالأمس شجرة خضراء! # ذلك كله تاريخ عشت أحداثه، ومن تلك الأحداث ما رسخ في الذاكرة الواعية، ومنها ما ~~اختنق مع مر الزمن، ولكن هذه التفرقة بين ما رسخ وما اختنق إنما هي تفرقة على مستوى ~~العقل وهو في وعيه، وأما إذا ما كان نوم وأحلام فلا تدري من أي القسمين يختار اللاوعي ~~ما يختاره، ليجسده كيفما شاء في رموز يبدعها لغايته، وإذا أنت حين تذكر ما ارتسم لك في ~~الحلم، أمام لوحات وأحداث لفقها الخيال من هنا ومن هناك، ومن ذلك ما رأيته منذ قريب؛ إذ ~~رأيت خليطا عجيبا من أشياء، يتوسطها في ضوء ساطع جذع شجرة مخرطا في شرائح متجاورة، ~~وقد جف الخشب وتآكلت أطرافه؛ فما إن صحوت في أثر ذلك الحلم، حتى قفز إلى ذهني شيئان ~~معا: تلك الشجرة التي رأيتها في الماضي البعيد ms177 ملقاة على الأرض في موات الحجر بعد أن ~~كنت عرفتها أغنى ما يكون الشجر فروعا وأوراقا وخضرة وظلا، وطالب جامعي معين، فرغ ~~من إجازة الماجستير، ويعد نفسه للدكتوراه، فما الذي قرن هذين الشيئين معا؟ لم أجد ~~عسرا في افتراض رابطة بينهما، أما أن يكون ذلك الافتراض صحيحا أو غير صحيح فيما يتصل ~~بتأويل الحلم كله، فأمر ذلك مرهون بتعقب سائر التفصيلات في الصورة التي رأيتها، ولم يكن ~~في وسعي أن أستعيد الصورة في وضوح لأتقصى تفصيلاتها، ولماذا أفعل؟ إن الرابطة التي ~~افترضت وجودها بين الجذع المهلهل المقطع المنخور لبابه، والطالب الذي جاءني ليستمد مني ~~هداية في موضوع بحثه إذا استطعت له هداية كافية وحدها للوقوف عندها، فلم يدر بيننا ~~الحديث إلا قليلا حتى تبين لي أن المسكين يوشك أن يكون عاجزا كل العجز عن قراءة سطر ~~واحد في لغة أجنبية، ودع عنك أن يفهم ما قرأ، وأراد أن يخفف عن نفسه فداحة الهول، فقال ~~إن موضوعه متصل بالفلسفة الإسلامية، فهو - إذن - ليس بحاجة إلى غير اللغة العربية من ~~لغات، كيف ذلك - يا ولدي - والفلسفة الإسلامية لم تكن جسما قائما وحده ومعلقا في ~~الفضاء؟ إنها قالت وسمعت ما قاله الآخرون ومزجت قولها بقول سواها لتخلص إلى نتيجة فيها ~~ما في الكائنات الحية من أخذ وعطاء، إنني على كل حال لم أعلق له بشيء مما عساه أن يحمله ~~على يأس، بل اتخذت حياله موقف التشجيع. لكن هل كان في وسعي بعد أن أنهى الطالب زيارته، ~~إلا أن أستعيد بالذاكرة نماذج ممن عرفتهم في مجال الدراسة العليا من قبل؟ بل هل كان في ~~وسعي إثر تلك الزيارة إلا أن أنظر إلى التعليم كله عندنا اليوم، الجامعي منه، وما دون ~~ذلك من درجات؟ لأقارن ماضينا بحاضرنا، إلا أن المقارنة بين ماض وحاضر قمينة أن تقدم لي ~~في الحلم ذلك الجذع المهلهل المنخور، الذي كنت عرفته قبل ذلك شجرة خضراء. # إن أحدا لا يحق له أن يلوم أحدا في هذه المأساة، فالقادة في ميدان التعليم ms178 عندنا ~~يبذلون جهد الجبابرة في إخلاص وتضحية ليس بعدهما عند إنسان من مزيد، لكن ماذا يصنع ~~الجهد والتضحية والإخلاص إذا ما طلب من المسئول أن يزحزح الجبل بذراعيه؟ لقد بلغ الخطب ~~من الفداحة حدا لم يعد بعده من علاج الكارثة إلا كارثة مثلها، على غرار ما يقال عن ~~الحديد أنه لا يفله إلا حديد مثله، وأنا أشير بذلك إلى انصراف التلاميذ وأولياء ~~أمورهم إلى جهود ذاتية في المنازل لتغنيهم عن المدرسة أو المعهد يأسا من المدرسة ~~والمعهد ، ولقد أفلحت الحيلة في تحقيق «النجاح»، لكنها أوقعتنا في شر عظيم، هو حرمان ~~المتعلم من جانب التربية بكل محتواها؛ فضلا عن أن التعلم قد تحول مع المتعلم إلى ~~مقطوعات متفرقات يصوغها المدرس الخاص بمهارته وخبرته ليتحقق النجاح للدارس، فقضى بذلك ~~على قدرة الابتكار قضاء مبرما، اللهم إلا من شاء له الله أن تكون في فطرته موهبة لا ~~يستطيع نظام التعليم إطفاءها. # إن العبء ثقيل، لكن ثقله هذا لا يمنع الأمل في أن يجد علماؤنا وخبراؤنا طريقا ~~للعلاج، فيبينون لنا أين نبدأ السير وفي أي اتجاه نسير؟ لكنني أتساءل تساؤل القلب ~~المخلص لا تساؤل العقل العارف، إذا كان جانب كبير من ذلك العبء يرجع إلى ضخامة العدد ~~وقلة الموارد وضعف الوسائل من أبنية ملائمة إلى هيئة للتدريس صالحة، فلماذا لا نستخلص ~~من ذلك الجيش الجرار من التلاميذ والطلاب نسبة مئوية تتعادل مع قدراتنا، فنقتصر عليها ~~في تكملة الطريق بعد المرحلة الابتدائية، وأما المجموعة الباقية فتخرج إلى الحياة ~~للعمل، ولا سيما ونحن ننشر الآن ضربا من التعليم يجمع بين الدراسة والعمل، إن أبناءنا ~~جميعا هم أبناء وطن واحد لا نميز بين اثنين منهم إلا بدرجة التفوق، فالعشرة في المائة ~~المتفوقة وحدها هي التي تدخل الدراسة الثانوية بكل أنواعها، فالجامعة لمن يصلح لها من ~~هؤلاء. أليس ذلك خيرا من غرق السفينة بكل ركابها؟ # ومع ذلك، فلأعد بحديثي إلى طالب الدكتوراه، الذي بلغ ما بلغه من درجات السلم ~~التعليمي، وهو لا يعرف لغة أجنبية - أو يكاد - ولا ms179 يحسن حتى لغته العربية - أو يكاد - ~~ولست أذكر اللغة الأجنبية لتكون وساما يزدان به صدر الطالب، بل لأن ذلك باب لا يمكن ~~الدخول إلى دنيا العلم على اختلاف ميادينه، إلا إذا كان ذلك الباب هو أحد مسالك الطريق، ~~وإذا شئت فانظر إلى دراسة تكون من أخص خصائص حياتنا الفكرية كالأدب العربي - مثلا - ثم ~~راجع كبار من لمعت أسماؤهم من دارسيه على مستويات الدراسة العليا، ولست أظنك واجدا ~~فيهم واحدا بلغ ما قد بلغه إلا وقد أتيح له أن يراجع ما قاله علماء الغرب في هذا ~~الميدان أو ذاك، وأما مدى إلمام الطلاب - حتى في مرحلة الدراسة العليا - باللغة العربية ~~ذاتها، فحسبك منه أن تطالع رسالة واحدة مما يتقدمون به، فماذا لو كانت دراسة الدارس ~~تقتضي مراجعة المراجع العربية القديمة؟ فهل عرفت الآن لماذا قفز إلى ذهني شيئان معا ~~كأنهما مرتبطان برباط وثيق، حين استيقظت من حلم رأيت فيه جذعا لشجرة أصابه موات وقد ~~كنت عرفته من قبل وهو شجرة خضراء! # لست أعرف في مصر مؤسسة واحدة أصابها كل ما أصاب التعليم الجامعي من تدهور وضعف، فإذا ~~أردت أن ترسم خطا بيانيا يصور ذاك التعليم منذ نشأته حتى اليوم، فأغلب ظني أن الخط ~~المرسوم سينحدر بك انحدارا مطردا، فلقد حاولت مع نفسي أن أتصور المسار متمثلا في ~~أساتذة وأعمال تمت على أيديهم، وحصرت انتباهي فيما أعرفه معرفة على كثير من الدقة ~~والوضوح، تاركا ما لست أعرفه بكل تلك الدقة وهذا الوضوح. فوجدت في المراحل الأولى ~~للجامعة رجالا يستحيل أن يؤرخ لحياتنا العلمية دون ذكرهم؛ لأنهم هم الذين كانوا ~~معالم على الطريق، كما وجدت لهؤلاء الرجال أنفسهم آثارا علمية مما يستحيل كذلك أن تصور ~~مسيرة حياتنا العلمية والثقافية، متجاهلا تلك الآثار من مؤلفات علمية وغيرها؛ لأن هذه ~~كانت هي نفسها التي صنعت لنا تلك المسيرة التي أردنا تصويرها، ثم انتقل ببصرك من هؤلاء ~~الرجال وما خلفوه لنا، إلى المرحلة الحاضرة من حياة الجامعة نجد طموح الطامحين، ربما ~~كان أشد مما كان عند ms180 السابقين وأقوى، لكنه طموح يريد أن تتحقق له الغايات بالمعارك أكثر ~~مما يتحقق بالجهد العلمي، وقد يكون ذلك الأسلوب الجديد في النبوغ العلمي راجعا في جزء ~~كبير منه إلى عوامل المعيشة وقسوتها، فأصبحت صورة الموقف هي: إما أن أحيا وإما أن أحيي ~~العلم، فترجح كفة الحياة على كفة العلم، ومن الذي لا يعذر المضطر؟ وعلى من لا يرى صدقا ~~في هذا الوصف الموجز لما هو قائم، فليتفضل بذكر ما يراه فيما ننتجه اليوم من مؤلفات ~~الجامعيين وأعمالهم العلمية، بحيث يضطر مؤرخ الحركة العلمية اضطرارا أن يذكره؛ لأنه ~~كان هو الذي صنع تلك الحياة، وإذا كان ذلك كذلك (وأرجو مخلصا أن أكون قد أخطأت التقدير ~~والتصوير) أفلا تكون هي الشجرة التي كانت بالأمس خضراء فأصبحت اليوم حطبة يابسة؟ إنني ~~لمن أشد الناس إيمانا بمصر وأبنائها، ومن أقوى الناس يقينا أن مثل هذا المجد الذي طال ~~تاريخه ما طال لمصر تاريخها، لا يفنى ليتحول إلى رماد بسبب جيل أو جيلين اشتدت فيهما ~~وطأة الحوادث على الناس حتى بدلوا خصالا بخصال، فكما أن المجد لا يشيده أصحابه في ~~يوم وليلة، فكذلك لا تستطيع الحوادث أن تفنيه في ليلة ويوم، لكنني أغالط نفسي إذا زعمت ~~أن روح التعاون الأسري التي عهدها الزمن الطويل رابطة بين المصري والمصري، لم يتحول جزء ~~كبير منها في زماننا هذا إلى شيء يقرب من غدر المصري بالمصري، أو على أقل تقدير قلة ~~المبالاة بين المصري وأخيه، إلا حيث لا نفع ولا ضرر، وأغالط نفسي إذا زعمت أن روح ~~الإتقان - لوجه الله وتمام الصنعة - وهي الروح التي عرفت في المصري ربما أكثر جدا ~~مما عرفت في سواه لم تصبها ظروف الحياة في أيامنا بضربة ارتج لها كيانها، بحيث أصبح ~~العامل المصري وأعني كل صاحب عمل يؤديه يكاد يتوهم بأنه إنما يثبت مهارته بالتراخي ~~والإهمال فيما هو صالح عام أكثر جدا مما يثبتها بالإخلاص في إتقان عمله، ومع ذلك فهو ~~حريص على أن يتلو قول رسول الله # صلى الله عليه وسلم ms181 ~~: إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه؛ ~~لأن الإيمان الديني قد تحول في عصرنا ليكون تلاوة تسمعها الآذان ولا تلبي دعوتها ~~الجوارح، ولكنني في الوقت ذاته أغالط نفسي كذلك، إذا زعمت أن تلك السيئات التي ~~استحدثتها ظروف الحياة الراهنة وقسوتها، هي المصري في حاضره، قلبا وقالبا، وجوهرا ~~وأعراضا، باطنا وظاهرا، ولأي مصري شاء أن ينظر إلى نفسه من الباطن، ويقيني أنه إذا ~~فعل وجد في طويته ضميرا يعذبه ويؤرقه، وقلبا مؤمنا مخلصا يتمنى لهذه المرحلة ~~المليئة بالضعف والأنانية والغدر واللامبالاة أن تزول، ليعود المصري مصريا كما عرفته ~~مصر وسائر الدنيا في تاريخه الطويل. # ومثل هذه المرحلة المنكوبة بظروفها، هي ما يجتازه العالم كله اليوم، وأظنني قد تناولت ~~هذه الظاهرة التاريخية الغريبة بالتحليل والتعليل في مناسبة سابقة، لا أذكر موضوعها. ~~بينت فيها كيف يمر العالم الآن في مرحلة انتقالية بين ثقافتين وبين حضارتين؛ فثقافة ~~وحضارة كانتا قد استقرتا بحياة الناس حتى الحربين العالميتين الأخيرتين، ثم حضارة ~~وثقافة ينتظر لهما أن تتكاملا لتستقرا بعد حين، وأما في هذا النصف الثاني من القرن ~~العشرين فالعالم مضطرب اضطراب من يتحول من نظام قديم إلى نظام جديد، ولا عجب - إذن - ~~أن نرى الفواصل الفارقة بين ما هو حق وما هو باطل في كل ميدان من ميادين النشاط البشري، ~~قد انبهمت معالمها، فما نقول عنه اليوم إنه حق قد نعود إليه غدا لنتهمه بالبطلان، وما ~~نصفه اليوم بأنه خاطئ قد نرحب به غدا على أنه الصواب الذي لا شبهة فيه، فليس الناس على ~~يقين ثابت أي نوع من الحكومة هو الأفضل؟ وأي نوع من نظام التعليم هو الأكمل؟ وأي نمط من ~~النشاط الاقتصادي هو الأنفع؟ إن لهم في كل يوم جوابا يختلفون به عن جواب الأمس، وسوف ~~يستبدلون به غدا جوابا آخر، وحسبنا مقياسا لاضطراب المعايير في المرحلة الراهنة أن ~~نجد كل هذا العنف في تعامل الناس بعضهم مع بعض، فلم تعد الألسنة ولا الأقلام تكفي لعرض ~~وجهات النظر، فحل محلها رصاص وقنابل وصواريخ ms182 وخطف وسلب ونهب وتعذيب وتشريد، ومما يضحك ~~ويبكي معا أن مرتكبي هذا العنف بشتى صوره هم في الحقيقة «مخلصون» لقضاياهم «العادلة» ~~وليس بينهم وبين من ينزلون عليهم صنوف العذاب شيء من عداوة لأشخاصهم، ولذلك تقرأ لهم ما ~~يصرحون به من أنهم يقترفون الظلم بضحاياهم ليحققوا للدنيا عدالة أعمق جذورا وحياة أدوم ~~بقاء. # في هذه المرحلة الانتقالية التي تجتازها الدنيا بأسرها - ومصر قطعة من دنياها - غمضت ~~الصلة بين الوسائل والغايات، ولم نعد ندري دراية المستيقن ماذا نعلم في المدارس ~~والجامعات، ولماذا نعلمه وكيف نعلمه؟ ماذا ينتج المنتجون وإلى أين يذهبون بإنتاجهم؟ ~~ماذا يرسم رجال الفن؟ وماذا يكتب أصحاب القلم؟ ونحو أي الأهداف يتجهون بنفوسهم ~~وبأفكارهم وبما يبدعونه من الآداب في شتى صورها؟ شيء من الضباب يحجب الغايات ويسد طريق ~~الرؤية الواضحة البعيدة المدى، ومن هنا حدث انفصام بين تصورات الذهن من جهة والوسائل ~~المتاحة، من جهة أخرى، وتلك التصورات الذهنية بغير معطيات الحقائق الواقعة تكون تصورات ~~جوفاء، وكذلك حقائق الواقع إذا لم تستقطبها تصورات الذهن تصبح وكأنها عمياء لا تدري إلى ~~أين تتجه. # قلت لنفسي: إذا سلمنا بأن هذا الوصف صحيح لحياة الناس في عصرنا؛ فأهم منه أن نبحث عن ~~طريق الخلاص. إن شيئا كالذي ذكرته من غموض الرؤية، ومن الانفصام بين الوسائل وغاياتها ~~هو ما قد يعلل لنا لماذا تحولت أسرة أقاربي من غنى مستور إلى فقر، ومن يدري؟ لعل ~~النذير الذي أرادت به الأقدار أن توقظ تلك الأسرة من غفلتها كان في الشجرة التي باتت ~~حطبا يابسا توقد به النار، بعد أن رأيتها في عزها قوية ظليلة خضراء، وإذا كانت قوانين ~~الحياة تأبى على الحطب اليابس أن يرتد شجرة كالتي كانت، فكيف ترى السبيل؟ # وأجبت نفسي عن سؤالها قائلا: السبيل واضح لمن يريده، وهو أن نزرع شجرة جديدة ننتقي ~~بذرتها ونتولاها بالرعاية، وما أسرع أن تكر السنون، فإذا نحن مرة أخرى مع شجرة سامقة ~~كثيفة الأوراق الخضر، تفرش لنا الأرض بظلها، كتلك التي كانت بالأمس شجرة ظليلة ~~خضراء. # الفصل ms183 الثاني والعشرون # | سبع سنابل # كنت أعلم يومئذ أن الرجل قد أكمل عمره ثمانين عاما منذ أربعة أيام. إنه جاري، ~~وقطعنا معا في ظل الجوار الحسن حينا طويلا من الدهر، لم يحدث بيننا قط خلالها ما ~~يعكر صفو الود، وربما ساعدنا على ذلك أننا إذا ما التقينا جعلنا اللقاء خالصا من أجل ~~قضايا الفكر المحايد وما يتفرع عن تلك القضايا من مسائل تستحق النظر؛ لأنها كثيرا ما ~~كانت مما يمس حياتنا الثقافية مسا مباشرا، إنني لا أزعم أن «الصداقة» كانت هي ~~الرباط الذي يصل بيننا؛ لأن الصداقة الحقيقية تقتضي أن تسقط الحواجز بين الصديقين ~~ليعيشا معا في رحب واحد، وكأنهما روح واحد في جسدين، وأما العلاقة بيني وبين جاري فلم ~~تكن كذلك؛ إذ قصرناها على جانب واحد مشترك بيننا، هو جانب الفكر وما يلزم عنه، ثم يظل ~~كل منا بعد ذلك عالما مغلقا بالنسبة إلى الآخر. # ومع ذلك، فقد كنا على تشابه شديد في الخلق وفي وجهة النظر، كلانا منطو على نفسه إلى ~~حد كبير يكاد الواحد منا إذا ما أجبرته الظروف أن يلتقي مع آخرين، أن يكون كالظل يتحرك ~~في غير صوت، وكالظل كذلك بغير كثافة كالكثافة التي تكون للأجسام، إن كلينا يتحقق له ~~وجوده وهو منفرد، وكلانا مطمع سهل لمن تعود التغذي بلحوم البشر، وهم - يا سبحان الله - ~~كثيرون. # نعم، كنت أعلم يومئذ أن صاحبي قد أكمل من العمر ثمانين عاما، وتمنيت أن أقيم له ~~لقاء مختصرا بسيطا هادئا، ولا أقول «احتفالا»، لكنني كنت على يقين أنه يموت في ~~جلده إذا ما تعرض لمثل هذا اللقاء، مهما بلغ من الاختصار والبساطة والهدوء، ولماذا ~~تمنيت ذلك؟ تمنيته لأني شعرت أن عدد الثمانين في أعوام العمر، ليس كأي عدد آخر! ~~فالأعوام لا تتساوى في رحلة العمر، بل إن بينها ما يشبه «المحطات» في طريق السفر، يحسن ~~الوقوف عندها، فعند الحادية والعشرين التي هي سن بلوغ الرشد يستحيل ألا تسري في الشاب ~~هزة كأن أحدا يوقظه قائلا له: لقد أصبحت منذ اليوم ms184 - يا ولد - رجلا بين الرجال، وعند ~~بلوغ الأربعين محطة أخرى، يستحيل ألا يسمع فيها صوتا داخليا يحذره: إنك يا صاحبي لم ~~تعد شابا! # وعند الستين محطة ثالثة، إذا لم يستيقظ لها صاحبها من تلقاء نفسه أيقظه قانون ~~«المعاشات» إذا كان موظفا في الدولة، وأما محطة الثمانين - بالقياس إلى سابقاتها ~~جميعا - فلها شأن آخر، تحركت له قلوب الشعراء الذين كتب لهم أن يعيشوا ليبلغوها، وذلك ~~لأن الثمانين «بوابة» يدخلها الداخل وكأنه قد أصبح على مشارف الأعراف (في مراحل الصعود ~~عند دانتي)، عجيبة هي تلك المشاعر التي يخفق بها القلب عند بالغ الثمانين، وهي مشاعر قد ~~يختلف فيها محور الاهتمام عند الأفراد المختلفين، لكنها تندرج جميعا تحت عنوان واحد، ~~هو أن السيرة قد بدأت الفصل الأخير من روايتها، وأما الاختلافات في محاور الاهتمام بين ~~الأفراد، فهي في أن يتعقب أحدهم ما يطرأ على أعضاء بدنه من ضعف، كذلك الشاعر الذي ~~ينبئنا في بيت من شعره بأن الثمانين قد أحوجت سمعه إلى ترجمان ليسمعه ما يقوله ~~المتحدثون؛ لأن أذنه وحدها وبغير عون يعينها لا تستطيع السمع! بينما يتعقب آخر ما قد ~~يطرأ على «نفسه» من تحولات عند الثمانين كالشاعر الذي أنبأنا في بيت من شعره بأنه قد ~~سئم تكاليف الحياة، ولم يجد في ذلك عجبا؛ لأن من يبلغ الثمانين من عمره لا بد أن يكون ~~قد أصابه السأم، وشاعر ثالث قد تجرد - وهو ينظر من ذروة شيخوخته - تجرد من حالاته هو، ~~سواء أكانت تتصل بأعضاء البدن أم كانت تتعلق بأطوار النفس، أقول إنه تجرد من حالات شخصه ~~هو لينظر نظرة أرحب أفقا، فكان كالذي سأل نفسه عن جوهر الاختلاف بين هذه الشيخوخة التي ~~هو فيها، وبين ذلك الذي كان يسمى شبابا، ما طبيعته؟ فكان الجواب عنده - في إيجاز نافذ ~~- هو أن الشباب قادر، ولكنها قدرة تنقصها المعرفة، بينما الشيخوخة عارفة، لكنها معرفة ~~تنقصها قدرة العمل، وما كان أكملها من حياة لو عرف الشباب مع قدرته، أو لو قدر الشيوخ ~~مع ما قد جمعوه ms185 من معرفة وخبرة. # محطة الثمانين في طريق السير تغري بالوقفة الطويلة المتأملة، ولهذا تمنيت لو أني دبرت ~~لقاء أحتفل فيه بجاري عندما أكمل تلك المرحلة، لولا أني كنت على يقين من عزوفه عن كل ~~هذا البهرج الذي يفرح له معظم الناس، ومرت بعد اليوم المشهود أربعة أيام، فقلت لنفسي ~~وأنا أهم بعزيمة من يريد أن يصنع شيئا قبل أن تفلت لحظته: سأطرق الباب على هذا الرجل، ~~وأفاجئه بزيارة، وسأتعمد للزيارة أن تطول، لأتحدث إليه في هذه المناسبة الفريدة ~~الموحية، وماذا في وسعه أن يفعل إزاء المفاجأة إلا أن يستقبلني بوداعته التي عهدتها ~~فيه؟ وهذا هو الذي كان. # نحن الآن جالسان في غرفة المكتب من منزله، تأخذنا الربكة الخفيفة التي تحدث عند بدء ~~الزيارة، عندما تكون زيارة مفاجئة وغير مألوفة على وجه الخصوص، فلما هدأت النفس منه ~~ومني، قلت له: أتعرف يا فلان ماذا ورد إلى ذهني الآن وأنا أستحضر بلمحة سريعة صحبتنا ~~الطويلة في دفء هذه الجيرة المباركة التي جمعتني بك، فتعلمت منها ما تعلمت؟ قال: ماذا؟ ~~قلت إن الذي ورد إلى ذهني هو قوله تعالى في كتابه الكريم: # كمثل ~~حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة ~~، ~~فلقد بارك الله لك في حياتك حتى لقد غزر حصادها، وأفاد بها الألوف من العارفين بفضلك، ~~إني لأذكر تلك اللحظات البعيدة، حين كنت يائسا من أن تنمو شجرة حياتك حتى تثمر، وأذكر ~~كيف كنت أعجب لهذا القول منك؛ لأنك كنت تبدي اليأس في اللحظة نفسها التي تدأب على العمل ~~فيها دأبا لم يعرف السأم والملل والتعب، وكنت أسألك: إذا كنت باذلا لهذا الجهد فكيف ~~تكون يائسا؟ ولكنك - بتوفيق الله - مضيت تعمل لا تبالي موجة اليأس في جوفك، وها هو ~~عملك، كما ترى بعينيك ويرى ألوف الناس معك، قد باركه الله ورعاه، حتى عاد بالخير الكثير # كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل ~~سنبلة مئة حبة ~~. # قال صاحبي: وفي أي شيء رأيت مثل هذا الحصاد الوفير عندما رأيتني؟ قلت: رأيته في ~~«حكمة» ms186 السنين، فهنالك من يقطع مشوار عمره وكأنه عاش يوما واحدا يتكرر كل صباح، فلا ~~تنضج له معرفة نضجا تتحول به أشتات المعارف إلى خبرة، أو قل إلى «رؤية»، أو إلى ~~«حكمة». أما من أراد لهم ربهم خيرا، فهم يستقطرون من المعرفة رحيقها، كما يستقطر من ~~الورود عطرها، وفي ذلك الرحيق تكون «الثقافة» في صميم صميمها، وفيه كذلك ما يستحق أن ~~يسمى بحكمة الحكماء. # جاء حديثي هذا مثيرا للتواضع عند صاحبي، فتوجه بعينيه نحو قدميه ولبث على صمته ~~وسكونه لحظة، ثم قال: لقد عهدتك حريصا على معاني الكلمات وحدودها، فماذا قصدت إليه من ~~«الحكمة» التي أكرمتني بنسبتها إلي وما هي «الحبة» التي كنت بذرتها، فزادني الله من ~~فضله فضلا، وأخرج لي من الحبة سبع سنابل في كل سنبلة منها مائة حبة؟ فأجبت صاحبي عن ~~سؤاله بقولي: أما عن الشطر الثاني من السؤال، فقد كانت الحبة التي بذرتها في مطلع شبابك ~~هي إخلاصك لعقلك إخلاصا دفعك إلى ذلك الدأب الذي لم يفتر معك طوال تلك الأعوام الطوال، ~~التي امتدت بك من العشرين إلى الثمانين، وكان مظهر ذلك الإخلاص على وجهين، أولهما حب ~~لتحصيل المعرفة بلغ حد النهم، وأما الوجه الثاني فهو إصرارك على ألا ترضى عن فكرة إلا ~~إذا عقلتها، وأما ما عدا ذلك فالأفكار إما مرفوضة لبطلانها، وإما معلقة تنتظر التوضيح ~~والتدليل أمام العقل، تلك يا سيدي هي الحبة التي بذرتها فبارك لك الله فيها، حتى أنبتت ~~لك ما أنبتته من حصاد غزير، والفضل والحمد لله، ذلك هو جوابي عن الشطر الثاني من سؤالك، ~~وأما شطره الأول الذي سألتني فيه عما كنت أعنيه بصفة «الحكمة» التي نسبتها إليك؛ فأنت ~~أعلم مني بهذا الضرب من الكلمات الهامة في حياة الناس العقلية والخلقية والوجدانية، حيث ~~تكون الكلمة منها قوية التأثير دون أن تكون واضحة المعنى ذلك الوضوح القاطع الذي نراه - ~~مثلا - في مصطلحات الرياضة، فنحن إذا قلنا لفظ «مثلث» أو «مربع» كان المعنى مقطوعا به ~~عند المتكلم وعند السامع معا، وما هكذا تكون ms187 الحال إذا تحدثنا عن «الحب» و«الخير» ~~و«الحرية» و«الجمال» و«الكرامة». وإن صفة «الحكمة» لهي أقرب انتماء إلى هذه المجموعة، ~~منها إلى مجموعة المصطلحات العلمية، في الرياضة أو في غيرها من العلوم، وعندئذ يكون ~~تحديد المعنى المراد بها أمرا يحتاج منا إلى بحث وتحليل، ورجائي لك يا سيدي أن تبدأ ~~أنت بطرح ما تراه في معنى «الحكمة» التي كثيرا ما يوصف بها نضج الشيوخ، إن الغموض الذي ~~يحيط بمعاني تلك المجموعة الهامة من الكلمات التي أشرت إليها لا يعيبها؛ إذ هو غموض ~~يتكافأ مع أهميتها في حياة الإنسان، فتصبح الواحدة منها وكأنها البئر التي يغترف منها ~~كل من شاء أن يغترف، فيجيء محصوله منها بمقدار ما اتسع دلوه وازدادت قدرته. إنني منصت ~~لما تقوله عن «الحكمة» وما تراه في معناها. # قال صاحبي: إن فكري ليتجه أول ما يتجه إلى الآية الكريمة التي تقول: # يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد ~~أوتي خيرا كثيرا ~~، وقد أردت يوما أن أبحث عما قاله الأئمة في ~~تفسيرهم ل «الحكمة»، فوجدت الآراء في ذلك مختلفة، ولكني بعد قليل من إمعان النظر في ~~مواضع الاختلاف وجدته اختلافا ظاهريا، وأما جوهر المعنى فقد بدا لي أن جميع الآراء ~~متفقة عليه، وذلك المعنى - كما رأيته - هو أن يجتمع فيمن يوصف بالحكمة جانبان، هما: ~~المعرفة من ناحية، والعمل بتلك المعرفة من ناحية أخرى، وواضح من ذلك أن تحصيل العلم ~~وحده يجعل من صاحبه عالما، ولكنه لا يجعل منه حكيما، وكذلك المهارة العملية إذا ~~توافرت لعامل، وظلت عنده مهارة لا تستند إلى معرفة المبادئ التي يستند إليها العمل، ~~تجعل من صاحبها عاملا، لكنها لا تجعل منه حكيما، فالشرط الذي يجب توافره للحكمة هو ~~الجمع بين المعرفة العقلية ثم العمل بها في مجال التطبيق وفي مجال السلوك، هذا هو ما ~~أراه نقطة التقاء بين مختلف الآراء، لكن أصحاب تلك الآراء يختلفون بعد ذلك في تحديدهم ~~للمعرفة، فبماذا تكون تلك المعرفة التي يراد أن يجيء العمل على أساسها؟ فالإمام مالك ~~يجعلها الفقه في ms188 دين الله والعمل به، والإمام الشافعي يجعلها معرفة بسنة رسول الله، أو ~~هي عنده - بتحديد أكثر - الأحكام التي أوحي بها إلى النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~فيما لم يرد أحكامه في القرآن الكريم، ويجعلها ابن عباس معرفة بالحلال والحرام، وهنالك ~~من هو أكثر تعميما في هذا السبيل، فيجعل المعرفة التي هي إحدى الركيزتين في «الحكمة» ~~علما بالشريعة في جميع أحكامها، ولعلك ترى معي أن الاختلاف في الآراء مقصور على تحديد ~~الموضوع الذي يشترط للمعرفة أن تكون معرفة به، أما في جوهر الحكمة وحقيقتها فلا اختلاف ~~في تحليلها إلى عنصرين لا بد أن يجتمعا معا فيمن يوصف بالحكمة، وهما - كما أسلفنا - ~~المعرفة بالموضوع ثم العمل بها، وذلك هو «الخير الكثير» الذي يؤتاه من شاء له الله أن ~~يؤتى الحكمة. على أنه ينبغي ألا يفوتنا أن «الصواب» في المعرفة وفي الفعل معا، شرط ~~متضمن، فليس من المعرفة بمعناها الصحيح ما هو خطأ، وليس من الفعل الذي هو خير ما هو ~~ضلال، وقد أوجز الطبري هذا المعنى عند تفسيره الآية الكريمة، حين قال ما معناه: إن الله ~~سبحانه يؤتي من يشاء من عباده الإصابة في القول والإصابة في الفعل، وإن في ذلك لخيرا ~~كثيرا. # ولما فرغ صاحبي من هذا العرض الجميل الجليل المفيد، نظر إلي وكأنه يسأل بنظرته: ~~ماذا تقول في هذا؟ فقلت: هذا رائع يا سيدي، رائع، لكنني ما زلت أرى أن اللفظة من تلك ~~الألفاظ الغنية المثقلة بمضموناتها الخصبة إنما هي - بسبب عمقها - كالبئر التي يدلي ~~فيها بدلوه من شاء أن يدلي، ثم تخرج الدلاء مليئة بما هو متفق مع الاتجاه الذي يتوخاه ~~المستقي، فالتحليل الذي قدمته يا سيدي لبيان معنى «الحكمة» إنما هو جانب من عدة جوانب ~~في حقيقة «الحكمة»، وذلك الجانب الواحد هو ما تخرج به الدلاء من البئر إذا كان أصحابها ~~من فقهاء الدين، لكن انظر إلى فيلسوف مسلم هو «ابن رشد»، حين نظر في آية كريمة أخرى وهي ~~التي تقول: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ~~والموعظة الحسنة وجادلهم ms189 بالتي هي أحسن ~~؛ تره ~~قد أخرج لنا معنى ل «الحكمة» يتفق مع رؤية فيلسوف، وذلك أنه رأى الآية الكريمة وكأنها ~~قد جمعت ثلاث طرق للإقناع، وهي طرق ثلاث يعرفها دارسو الفلسفة جيدا، أولاها طريق ~~«الحكمة» التي هي طريقة الفكر الفلسفي، وخلاصتها ألا يتقيد العقل في سيره إلا بما يفرضه ~~ذلك العقل على نفسه من فروض تقتضيها عملية التفكير، وتلك لا تصلح إلا للصفوة من العلماء ~~الذين أخذوا أنفسهم بمنطق العقل الخالص، وتتلو تلك الطريقة في المنزلة البرهانية طريقة ~~«الجدل»، بالمعنى الذي يعرفه له دارسو الفلسفة، وهو أن يسمح بأن يكون ارتكاز الفكر على ~~شيء أخذه صاحب ذلك الفكر مأخذ التسليم، كأن يكون عقيدة معينة آمن بها، ومنها يبدأ العقل ~~في استخراج دلالاتها، وتلك كانت طريقة من يسمونهم في الفكر الإسلامي ب «المتكلمين» أو ~~«علماء الكلام» (والكلام الذي هم علماؤه هو كلام الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم)، ~~وأخيرا تأتي الطريقة الثالثة التي هي «الموعظة»، وهي طريقة تعتمد على ضرب الأمثلة وعلى ~~الخطابة، لا على الخطوات الاستدلالية، كما يعرفها علم المنطق، وهذه الطريقة الثالثة هي ~~التي تناسب جمهور الناس، ومن هذا الفهم للآية الكريمة من ابن رشد ترى أنه عندما نظر ~~فيلسوف إلى مفهوم «الحكمة» عند ورودها في القرآن الكريم خرج لها بمعنى فيه لفتة ~~الفيلسوف، وأظن أن الدرس الذي نخرج به نحن هو أن الكلمة المعينة عندما تكون غنية ~~بمضموناتها لا يسهل ولا يجوز تحديد معناها بجانب واحد من جوانبها الكثيرة؛ لأن كل ~~جوانبها بغير حذف هو معناها. # قال صاحبي: لقد أصبت في هذه الإضافة التي أضفتها، وهي إضافة تفتح أمامنا بابا يوصلنا ~~إلى فهم لمعنى «الحكمة» أدق وأضبط؛ لأنه يضم تحت جناحيه عددا كبيرا من المجالات ~~المختلفة التي نستعمل فيها كلمة «الحكمة» استعمالا صحيحا، فنحن نقول - مثلا - «حكمة ~~الشرق» و«حكمة لقمان» و«حكمة المعري» و«حكمة الشيوخ»، وهكذا، وكلها معان لا يجوز ~~إغفالها إذا أردنا لأنفسنا فهما أصح، وإنما أردت بالفهم الذي هو أدق وأضبط وأكثر ~~شمولا أن نفهم «الحكمة» على ms190 أنها الوقفة العاقلة التي تلتمس وراء الكثرة البادية رؤية ~~واحدة توحد تلك الكثرة في اتجاه واحد، بمعنى أن يمر على الإنسان - مثلا - خلال حياته ~~خبرات كثيرة ومختلفة، فهو يلتقي بألوف الأفراد من الناس، لكل فرد منهم فكره ومزاجه ~~ودرجة علمه بحقائق الأمور، وهو يصادف خلال حياته ألوف المواقف التي تتطلب منه التصرف ~~بما يناسب كل موقف يصادفه، وهو يسمع آراء، ويقرأ أفكارا، ويكابد مشاعر الفرح والحزن ~~والغضب والرضى والحب والكراهية ، كل هذه الكثرة الهائلة تنصب في وعائه لتتسق أو لتتنافر، ~~فإذا استطاع أن يستخلص من هذا كله مبدأ أو مبادئ، وأن يكشف مستعينا بتلك المبادئ ~~القواعد التي تتحكم في مجرى الأحداث وفي تشكيل الإنسان، ثم إذا استطاع فوق ذلك كله أن ~~يميز فيما يراه من كثرة وتنوع أين الصحيح فيها وأين الخطأ، كان ذلك هو ما يسمى بالحكمة ~~وكان الرجل به حكيما. ~~«الحكمة» في شعر زهير وفي شعر أبي العلاء المعري وغيرهما كانت هي النظرات النافذة في ~~حقيقة الإنسان وطباعه، بحيث جاءت حكمة البيت الواحد من شعر هؤلاء الحكماء تكثيفا لعدد ~~ضخم من الخبرات الجزئية التي يمكن أن تصادفك في تفاعلك مع الآخرين. # ولعلك - يا أخي - عندما أثرت بيننا بلباقتك الماهرة الماكرة موضوع «الحكمة» ليكون ~~مدارا لحديثنا هذا، كنت تعني على وجه التحديد حكمة الشيوخ المزعومة، لتذكرني بالثمانين ~~وقد بلغتها. # وحتى لا أفوت عليك تحقيق الهدف؛ أقول إن معناها قد اتضح أمامنا الآن، فإذا توافرت ~~للشيخ حكمة، كان ذلك لأنه استطاع أن يستخلص من خبراته الماضية التي لا تقع تحت العد ~~والحصر وجهة نظر على أساسها يفرق لنفسه ولغيره بين الحق والباطل، وبين الصحيح والفاسد، ~~على أن يكون مفهوما أن تلك النظرة الحكيمة المكتسبة، إنما تنحصر حدودها في شئون الحياة ~~اليومية الجارية، فلا تجاوزها إلى ميادين لا يكون فيها القول إلا للعلم لا للحكمة، وفي ~~هذه المناسبة أقول إن لمحة مرت ذات يوم بخاطري عن العنوان الذي وضعه «القفطي» لكتابه ~~«إخبار (بكسر الألف) العلماء بأخبار (بفتح الألف) الحكماء»، قد يلفت ms191 أنظارنا إلى أن ~~هنالك فرقا بين «العلماء» و«الحكماء»، فعلم العلماء منصب على «الظواهر» لاستخراج ~~قوانينها، وحكمة الحكماء تنظر إلى الغايات. # فلما بلغت مع صاحبي هذا المدى، هممت بالانصراف خاتما لقاءنا بقولي: ألم أقل لك يا ~~سيدي إن الله سبحانه قد بارك لك في حياتك لإخلاصك لفكرك ولصدقك مع نفسك ومع الناس، ~~فازددت مع الأعوام بركة على بركة، ونعمة على نعمة، # كمثل ~~حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة ~~؟ ~~فقل الحمد لله رب العالمين. # الفصل الثالث والعشرون # | إرادة تأمر وعقل يأتمر # جاءتني رسالة من طالب في إحدى كليات الهندسة، وهو يقول عن نفسه في صدر رسالته إنه ~~«يدرس علوم الإلكترونيات والكهرباء، وهي علوم - كما تعرفون- حديثة ومتطورة بدرجة عالية ~~بحيث نستطيع القول إن حضارة اليوم مبنية عليها.» فلما قرأت رسالة الطالب إلى ختامها ~~وجدتها مثلا واضحا لرسالة تجمع الجيد والرديء في صفحة واحدة؛ أما الجيد فهو ما نحمد ~~الله عليه، وواضح أن صاحب الرسالة هو من خيرة الشباب في جامعاتنا، ومن هنا يشتد أسانا ~~عندما نجد الجانب الرديء من رسالته يشير إلى اهتزاز خطير في منهج التفكير، كما يشير إلى ~~قراءة متسرعة لما يقرؤه صاحب الرسالة، بحيث لا يرسخ في ذهنه مما قرأه إلا صورة مشوهة ~~ممسوخة، وتكون هي الصورة التي يقيم عليها أحكامه بعد ذلك. # بدأ صاحب الرسالة رسالته بقوله إنه يتابعني فيما أكتبه، فبعضه يصادف عنده القبول ~~والرضا، وبعضه الآخر لا يلقى عنده إلا الرفض، وقد لا يعلم الطالب صاحب الرسالة، أن أسعد ~~ما يسعدني من طلابي هو أن أجد فيهم مثل هذا العقل الناقد الفاحص، الذي يعرف كيف يميز ~~القمح من الشعير، حتى وإن اجتمع الصنفان واختلطا في وعاء واحد، وإن أشقى ما يشقيني من ~~هؤلاء الطلاب هو أن أراهم يعبرون على المادة المقروءة مرور الغافلين، فالصواب أمام ~~أعينهم وأذهانهم كالخطأ، وما هو مقطوع بيقينه لا يختلف عندهم عما هو موضع شك ويحتاج ~~إلى مراجعة وتحقيق، ولهذه الخصلة في طباعي، أعجبني من صاحب الرسالة ما يرويه عن ms192 نفسه ~~إزاء ما أكتبه، من أنه يقبل ويرفض، فلا هو ممن يقبلون المكتوب كله برغم ما قد يكون فيه ~~من حسنات. # وكان مما لقي عنده القبول مما أكتبه - كما يقول - هو تلك الدعوة التي ما أنفك داعيا ~~لها، وهي أن يصاغ العربي الجديد في صيغة ثقافية، تضمن بها أن يجيء ذلك العربي الجديد ~~عربيا ومعاصرا في وقت واحد وبنظرة واحدة، وبعد أن يقرر لي ذلك عن نفسه، ينتقل خطوة ~~فينبئني بأنه أراد تطبيق تلك الدعوة على شخصه. إلى هنا والنية طيبة، والاستجابة محمودة، ~~فماذا يطمع كاتب أن يحققه في قرائه أكثر من أن يأتيه النبأ من قارئ بأنه قد هم بتحقيق ~~الدعوة في شخصه؟ لكن هذا الشعور بالرضا لم يكد يسري في النفس بأطراف أوائله، حتى انعكس ~~عندما وقعت عيني على الجملة التالية في رسالة الطالب، وفيها يقول إن ما قد هم بتحقيقه ~~من دعوتي في شخصه: «لا يكون إلا بأن يجمع بطرفي العلوم الوجدانية والعلمية، كل إلى ~~جوار الآخر ...» آه! لقد زلت القدم من مهندسنا الصغير، وارتدت فرحتي به لتصبح شكا في ~~قدرته على أن يحقق شيئا مما قال إنه قد هم بفعله، فهنالك من أوجه الزلل ما قد يبدو ~~للعين الغشيمة أنه زلل خفيف، مع أن العين التي دربتها خمسون عاما في تربية الشباب ~~وتعليمه، قد ترى في تلك الزلة الخفيفة مظهرا خطرا يمس التكوين العقلي في الصميم، إن ~~مهندسنا الصغير قد تخيل أنني أدعوه إلى ما قد عبر عنه في جملته التي أسلفت ذكرها، وإنه ~~لضرب من المحال أن أكون في كل ما كتبته قد أشرت إلى شيء اسمه «علوم وجدانية»؛ لأن ~~المعنيين ينقض أحدهما الآخر، فإذا كان «علم» فلا وجدان، وإذا كان «وجدان» فلا علم، فأين ~~يا ترى قد اتجه الطالب في بحثه ليجد كتابا فيه «علوم وجدانية»؟ ثم انظر إلى قوله إنه ~~سيضع «العلوم الوجدانية» بجوار «العلوم العلمية»! فهل يعرف الطالب أن ثمة علوما غير ~~علمية، بحيث يتحوط في عبارته فيصف أحد النوعين من العلوم ms193 التي اعتزم أن يجاور بينها ~~في رأسه بأنه «علوم علمية»؟ إنه إذا كانت قطرة واحدة من ماء المحيط تكفيني لأعرف منها ~~ملوحة الماء في المحيط كله، فعبارة واحدة كهذه، بما فيها من سذاجة شديدة في استخدام ~~الألفاظ، لتكفيني للحكم على «الفصيلة» التي يندرج فيها الطالب صاحب الرسالة، من بين ~~فضائل طلاب العلم، وعندما أشرت إليه فيما أسلفته بقولي عنه إنه لا بد أن يكون من خيرة ~~الشباب في جامعاتنا، فذلك لأني رأيت فيه بشائر الطموح العلمي وإخلاص الرغبة في تثقيف ~~نفسه، وحسن النية في تحقيق الأهداف السامية، وهذه كلها صفات لا يكثر وجودها اليوم في ~~شبابنا الجامعي، مما يغرينا بالأمل في سهولة توجيهه إلى جادة الطريق، وجادة الطريق يا ~~صاحبي في مجال العلم والمعرفة إنما تكون في ضبط المعاني، وفي تكوين الحاسة الهادية في ~~تمييز السليم من الفاسد في الألفاظ الدالة على تلك المعاني، كالصراف المدرب في تمييز ~~العملة الصحيحة من العملة الزائفة. # وأود للطالب صاحب الرسالة أن يعلم بأن «العلوم» حين تنقسم فروعا وجب أن يكون كل ~~فرع من تلك الفروع «علما» تتوافر فيه الشروط الأساسية في كل تفكير علمي، ومن حقنا ~~طبعا أن نقسم العلوم بحسب موضوعاتها فنقول: علوم رياضية، وعلوم طبيعية، وعلوم ~~اجتماعية، وعلوم شرعية، وهكذا، لكن تقسيما كهذا حين نقيمه على أساس «الموضوع» لا ينفي ~~أن يكون بين الأقسام كلها جانب مشترك، هو الذي يجعل العلم علما بغض النظر عن موضوعه، ~~والجانب المشترك هو «المنهج» المتبع في البحث، ولولا أن صاحب الرسالة طالب جامعي، لما ~~استطردت في هذا الجزء من الحديث، ولو كان قد تشرب من موضوع اختصاصه العلمي، ألا وهو - ~~كما أنبأنا في خطابه - علم الإلكترونيات والكهرباء، أقول إنه لو كان قد تشرب من موضوع ~~دراسته منهاجه ودقته؛ لانعكس ذلك المنهاج وهذه الدقة في طريقة استخدامه للكلمات، وكان ~~عندئذ يجد في نفسه ما ينفر من عبارات كالتي استخدمها في قوله: «علوم وجدانية» و«علوم ~~علمية». # ثم أنتقل مع صاحب الرسالة إلى نقطة أهم، وردت هي الأخرى ms194 في عبارته التي ذكرناها نقلا ~~عنه، وهي أنه حين أراد أن يتقمص الدعوة إلى الصيغة الجديدة، الصيغة التي نريد لها أن ~~تدمج في صلبها تراثا ومعاصرة في وقت واحد، ظن أن الأمر في ذلك لا يعدو أن يضع شيئا ~~يقرؤه في كتب التراث «بجوار» (وهذه هي الكلمة التي استخدمها) بجوار شيء يتعلمه من علوم ~~العصر، وعلى وجه التخصيص يتعلمه مما يدرسه في كلية الهندسة، وإنني، وإن كنت لا أدري كيف ~~يكون هذا «التجاور» لصنوف المعرفة في رأس الدارس، فليس هو ما يحقق الهدف المطلوب في ~~بناء الصيغة الثقافية الجديدة للمواطن العربي، وعلى سبيل التشبيه أقول: انظر كيف يتغذى ~~الكيان العضوي لأي كائن حي. فانظر إلى الشجرة - مثلا - وهي تمد جذورها في الأرض، تتحسس ~~العناصر الملائمة فتمتصها دون سواها مما لا ينفع في غذائها ونمائها، وكذلك تمتص الماء ~~المطلوب لترتوي، فهل هي تفعل ذلك لتوضع العناصر المغذية عنصرا إلى جوار عنصر وتجيء ~~شربة الماء لترص مع تلك العناصر في صف واحد، أو أنها تتمثل هذا كله تمثلا تختفي معه ~~العناصر المأخوذة من تربة الأرض، وهي إذ تختفي فإنما تختفي ظاهرا لتتبدى في الأوراق ~~وخضرتها، وفي الأزهار، وفي الثمار؟ # إنك يا صاحبي تأكل في غذائك أرزا ولحما وخضرا وخبزا وفاكهة ليتحول ما يتحول من ~~هذا كله إلى دماء تجري في شرايينك فتكون لك الصحة التي تحيا بها وتدرس وتفكر. # وشيء كهذا تماما هو المطلوب إذا نحن اغترفنا من تراثنا واغترفنا من نتاج العصر، ~~لننسج ما اغترفناه نسيجا حيا في رءوسنا وفي مشاعرنا وفي مواقفنا السلوكية جميعا، ~~ولكي أضرب لك أمثلة مجسدة على هذا الذي نريده استعرض معك بعض ما صنعناه بالفعل، وجاء ~~محققا للصيغة الجديدة المنشودة، خذ - مثلا - من دنيانا الأدبية مسرحيات أحمد شوقي، ~~وتوفيق الحكيم، أو روايات نجيب محفوظ، ثم حاول أن ترسم - في أي عمل من تلك الأعمال - ~~خطا فاصلا يجعل ما أخذه هؤلاء الأدباء من التراث في ناحية، وما أخذوه من الغرب في ~~ناحية أخرى، فهل تستطيع؟ لم يكن ms195 في تراثنا الأدبي الشكل المسرحي، ولا الشكل الروائي، في ~~الإبداع الأدبي، فأخذ مبدعونا تلك الأشكال من الغرب، ثم ملئوها بمضمون من حياتنا نحن، ~~فهذه قصة الحب بين قيس وليلى، وهذه قصة أهل الكهف، وتلك قصة الحياة المصرية كما تطورت ~~خلال ثلاثة أجيال، لكن المضمون الحيوي الذي ملأنا به الشكل الأدبي المأخوذ من الأدب ~~المعاصر في الغرب، قد اندمج مع الشكل بحيث أصبحنا أمام كائن عضوي واحد. # وخذ مثلا آخر، من دنيا العلوم الطبيعية هذه المرة، وهو ما يحاوله علماؤنا في مراكز ~~البحوث المختلفة من إيجاد حلول لبعض مشكلاتنا، فكيف نستزرع مساحات معينة في الصحراء؟ ~~وماذا يمكن الإفادة منه في صنوف الأعشاب التي تنبت في أرضنا؟ وأي الأساليب أفضل في ~~معالجة المرضى بأمراض توطنت في شعبنا؟ وهكذا، إنها مشكلات في حياتنا نحن لكننا تعلمنا ~~من علوم العصر كيف نجري عليها الأبحاث العلمية التجريبية لعلنا نجد لها حلولا مناسبة، ~~فإذا ألقيت نظرة إلى واحد من هؤلاء العلماء وهو قائم بعمله العلمي، فأنت عندئذ إنما ~~تنظر إلى تراث ومعاصرة تجسدا في إنسان؛ لأن ذلك الإنسان الباحث مليء في داخله بعقيدة ~~دينية ولغة عربية وأعراف وتقاليد، ولم يمنعه شيء من ذلك من أن يكون عالما؟ وإذا شئت ~~فانظر إلى أحد العلماء في الميدان الذي أسميته أنت ب «العلوم الوجدانية» (!) انظر إليه ~~وهو يحلل نصا في وثيقة تاريخية أو أدبية أو فلسفية، أو أثرية أو غير ذلك، فسوف يدهشك ~~أن ليس في الموقف ذرة من «وجدان»، إنما هو تحليل علمي موضوعي لا نختلف في جوهره عن ~~تحليل الأجسام المادية إلى عناصرها الأولية، وهو موقف مما يمكن أن يقال عنه إنه قد دمج ~~تراثا إلى معاصرة. # والأمثلة في هذا السبيل لا تنتهي؛ لأننا - بالفعل - قد سرنا على الطريق شوطا بعيدا، ~~لولا أن شكوانا ما تزال قائمة، من أننا في معظم الحالات «ناقلون» ولم نضف بعد إلى علوم ~~العصر ما يشار إليه على أنه إضافة عربية ذات شأن، ومع ذلك فقد بقي أمامنا في صنع الصيغة ~~الجديدة ms196 جانب هو أشد الجوانب عسرا، ثم هو هو نفسه الذي نعنيه أول ما نعني حين ندعو إلى ~~صيغة ثقافية جديدة، وذلك الجانب الذي أعنيه هو أن ننشئ في أنفسنا «رؤية جديدة»، «وجهة ~~نظر» جديدة أهم ما فيها انتهاج المنهج العلمي السليم حينما كان الموضوع الذي بين أيدينا ~~موضوعا موكولا إلى العلم، ولنتذكر جيدا هنا أن العلم وموضوعاته إنما هو «جزء» واحد ~~من حياة الإنسان، وهنالك غيره أجزاء كثيرة أخرى، ربما كانت أهم منه، لكنها على أية حال ~~لا تنتمي إليه، وإذا نحن أخذنا بالعلم في مجاله أخذا جادا؛ تحتم علينا ألا نلقي ~~بالا لما يناقضه، كما أشار إلى ذلك الإمام الغزالي في كتابه «المنقذ من ~~الضلال». # ونعود إلى رسالة الطالب المهندس، فقد ورد فيها أنه حين حاول التطبيق على شخصه في ~~الجمع بين شيء من تراثنا وما يدرسه هو من علوم العصر، بدأ بقراءة صفحات عن أبي حيان ~~التوحيدي، وهي صفحات عرض فيها أبو حيان العلاقة بين «ذكاء» الإنسان و«إرادته»، ويعيد ~~الطالب في خطابه نموذجا لما قرأه عند أبي حيان التوحيدي، ثم يشعر بالعبث فيما يطالعه ~~فيلقي به، ولا أدري أين ألقى به، ليعود إلى علومه الهندسية وهي العلوم التي تبنى عليها ~~حضارة العصر كما قال، ويسأل في دهشة بما معناه: أهذا هو ما تريدنا أن نتزود به إلى جانب ~~علوم عصرنا؟ # فوجدتني أحق منه بالعجب! إن ما نقله عن أبي حيان التوحيدي عن العلاقة بين ذكاء ~~الإنسان وإرادته، وكيف أنه إذا اشتد الذكاء ضعفت الإرادة، إنما هو من أروع ما يكتبه ~~كاتب، قديما أو حديثا، عربيا أو غربيا، عن الإنسان وفطرته، وقبل أن أعرض هنا ~~مضمون الفكرة التي قدمها أبو حيان التوحيدي فأحدثت القرف والغثيان عند صاحبنا المهندس ~~الصغير (فهو على وشك التخرج) لا يسعني إلا أن أعبر عن أساي وحسرتي كلما وجدت شبابنا ~~الجامعي وحتى الصفوة من ذلك الشباب عاجزا عن القراءة إلى الحد الذي يجد بين يديه ~~كنوزا من كنوز العقل البشري، فيختلط عليه الأمر بين اللآلئ ms197 والحصى! # إنني عندما قرأت الاقتباس الذي نقله الطالب في خطابه عن التوحيدي ليبرر لي قرفه ~~وغثيانه؛ تذكرت من فوري أن الفكرة نفسها، التي تضمنها ذلك الاقتباس، قد وردت عند «ج. ك. ~~تشسترتون» (توفي 1936م عن اثنين وستين عاما)، وهو أديب إنجليزي يضعه قومه في منزلة ~~عليا من تاريخهم الأدبي، كتب الرواية، لكن مكانته العظيمة استمدت من أدب المقالة عنده، ~~وفي إحدى مقالاته تلك بسطت الفكرة نفسها التي بسطها أبو حيان التوحيدي، والتي أصابت ~~ولدنا المهندس بالنفور، ولقد كنت حين صادفت الفكرة عند «تشسترتون» قد تملكني روعتها ~~ونفاذها وصدقها، حتى ترجمتها إلى العربية لأحفظها عندي بين أعز ما أعتز به من مطالعات، ~~فلما قرأت الاقتباس الحياني في رسالة الطالب، لم أضيع دقيقة واحدة بعد أن فرغت من قراءة ~~الخطاب وقمت لأحاول البحث عما كنت ترجمته عن الأديب الإنجليزي العظيم، ولن أذكر هنا كم ~~ضاقت الدنيا أمامي، حين أخفقت جهودي في العثور على الترجمة، نعم، لقد طالت بيني وبين ~~كتابته الأعوام، لكنني ما زلت أذكر شكل الورقة التي كتبت عليها النص المترجم، أذكرها في ~~وضوح كأنني كتبتها نهار أمس، لكن ماذا يجدي هذا كله أمام مكتبة اختلطت أوراقها، وبصر ~~ضائع لا يكاد يفرق بين ورقة وكتاب؟ # لكن الفكرة عند الأديب الإنجليزي هي هي بعينها وبكل تفصيلاتها وحذافيرها الفكرة التي ~~أوردها أبو حيان التوحيدي في المقتبس الذي أرسله إلى الطالب المهندس، ليقيم به الدليل ~~على «تفاهة» تراثنا، وماذا تقول تلك الفكرة؟ # يتفق الأديبان معا - العربي والإنجليزي الحديث - على أنه إذا اتسعت المعرفة عند ~~إنسان، واشتد به الذكاء كان بذلك أميل إلى الوقوف عند الأفكار، يحللونها قبل أن يقيموا ~~عليها عملا في دنيا العمل، فما من فكرة مما هو متداول بين الناس، ويظنونه بسيطا ~~وواضحا ومفهوما، إلا وتلك الفكرة نفسها عند من اتسعت معارفه ومداركه واشتد ذكاؤه؛ ~~فاشتدت تبعا لذلك قدرته على التحليل، أقول إن الفكرة نفسها التي رآها عامة الناس بسيطة ~~وواضحة إنما تبدو على حقيقتها لأصحاب المعرفة الواسعة والقدرة على التحليل كثيرة ms198 ~~العناصر مركبة التكوين، وليست بكل الوضوح الذي ظنه بها السذج الأبرياء، فماذا يترتب على ~~هذا الفرق بين النظرتين؟ يتوقف عليه أن من قلت معرفته وضعفت قدرته على تحليل فكرة ما، ~~طالما هو لا يرى من تلك الفكرة إلا جانبا واحدا، فإنه يندفع نحو العمل على أساسها. في ~~حين أن العارف الذكي القادر لعلمه بأن تلك الفكرة معقدة بكثرة تفصيلاتها؛ فهو يتردد ~~كثيرا قبل المغامرة بعمل يقيمه على أساسها، وبعبارة أخرى نقول: إن العاجز في جانبه ~~العقلي سريع الإرادة نحو تنفيذ الأفكار التي يحسها واضحة وهي على كثير من الغموض، وأما ~~صاحب القدرة العقلية فالإرادة عنده بطيئة لتردده بين أن يعمل أو لا يعمل بناء على فكرة ~~معينة ليس هو على يقين من نتائجها. # وعلى هذا الفرق بين النمطين من الرجال، تسهل الزعامة على الصنف الأول؛ لأن الزعامة ~~مرهونة بالإرادة، والإرادة عنده سريعة الأداء لتوهمه وضوحا في رؤية النتائج، لكنها - ~~أي الزعامة - تصعب على الصنف الثاني؛ لأنه لا يريد أن ينتقل إلى دنيا العمل إلا بعد أن ~~تتضح له النتائج مقدما، ومثل هذا الوضوح يتطلب منه وقفة طويلة للبحث والتحليل، وبصرف ~~النظر عن الزعامة من يستطيعها ومن لا يستطيعها يمكن التوسع في الفكرة بحيث نقول بصفة ~~عامة إن النجاح في الحياة العملية كثيرا ما يكون لأصحاب المعرفة القليلة والإرادة ~~القوية، قبل أن يكون لأصحاب المعرفة الواسعة والإرادة المترددة، فالنسبة بين العقل ~~والإرادة كما ترى نسبة عكسية، تقل المعرفة فتشتد إرادة التنفيذ، وتتسع المعرفة فتضعف ~~الإرادة بالتردد. # تلك هي خلاصة الفكرة عند أبي حيان التوحيدي (في القرن الرابع الهجري) وعند «ج. ك. ~~تشسترتون» في عصرنا، وهي التي أصابت صاحبنا الطالب المهندس بالقرف من التراث؛ ولذلك ~~صمم على أن يهجره، ولم يكن قد خطا فيه إلا مقدار أصبع من قدم. # وربما سألني الطالب صاحب الرسالة: وبماذا ينفع الناس هذا الكلام؟ وهنا نجيبه قائلين: ~~إنه كلام يلقي الضوء على ما غمض من طبيعة الإنسان فيزداد الناس علما بأنفسهم، وبالتالي ~~فهم يزدادون مهارة في التعامل ms199 بعضهم مع بعض، أم أن هذا في ظنك حصاد قليل؟ وما دمنا ~~نتحدث الآن عن طبيعة الإنسان، وكيف تنطوي تلك الطبيعة على «تغالب بين الذكاء والإرادة» ~~(وهذه عبارة التوحيدي) فيحسن بنا أن نقف دقيقة أخيرة عند هذين الجانبين: الإرادة ~~والعقل؛ لنحدد على شيء من الدقة نوع العلاقة القائمة بينهما، لأهمية هذا التحديد في ~~مواقف كثيرة جدا من حياتنا العملية، ومن أهمها ما ينبغي أن تكون عليه الصلة بين رجال ~~السياسة ورجال العلم، فالإرادة «رغبة» من صاحبها في تحقيق هدف معين يبتغيه لنفسه، لكنها ~~لا تشتمل في ذاتها على «معرفة» الوسائل التي بها تتحقق تلك الرغبة، فيأتي أهل العلم ~~ليحددوا بعلومهم المختلفة - كل عالم منهم في مجاله - ماذا تكون وسائل التحقيق في الهدف ~~وكيف نعالج تلك الوسائل لكي توصلنا إلى ما كنا أردناه، فرجال السياسة، من حيث هم، في ~~مجموعهم، يعكسون الرأي العام، يريدون للأمة أن تبلغ غايات معينة، فهم يريدون «مثلا» أن ~~تزال الأمية، وأن يكون لكل مواطن فرصة للعلاج الطبي، وألا يقل متوسط الدخل للمواطن عن ~~كذا من الجنيهات في السنة، هم يريدون، لكن ليس من شأنهم أن يقولوا كيف يكون السبيل إلى ~~تحقيق ما يريدون؛ لأن ذلك من شأن العلماء في تخصصاتهم المختلفة، فالرغبة الأولى من ~~الرغبات التي ذكرناها، هي من شأن علماء التربية والتعليم، والرغبة الثانية من شأن علماء ~~الطب، والرغبة الثالثة من شأن علماء الاقتصاد، وهكذا يتبين لنا كيف تجيء «الإرادة» في ~~حياة الإنسان أولا، ثم يجيء «العقل» (متمثلا في العلوم) ليخدم الإرادة فيما اتجهت ~~إليه. ثم لا بد لنا من إضافة خطوة ثالثة وأخيرة، وهي أنه إذا ما وضع العلم خطته فهو ~~وحده لا يملك التنفيذ، فتعود القوة المريدة مرة أخرى لتعين في أن تتحول الخطة العلمية ~~إلى عمل، فالإرادة هي بمثابة من يأمر أولا والعقل العلمي بمثابة من يأتمر في بيانه كيف ~~يكون الوصول، وأخيرا يتعاون الجانبان في مجال العلم، فإذا سئلنا - على هذا الضوء - على ~~أي نحو ينبغي أن تكون العلاقة بين الجامعات ms200 والمجتمع، كان الجواب واضحا، وهو: المجتمع ~~يعلن عن مشكلاته ورغباته والجامعات تعرض الحلول العلمية لتلك المشكلات ولتحقيق هذه ~~الرغبات، ثم يتعاون الجميع على إخراج الخطة النظرية إلى حيز الوجود. # الفصل الرابع والعشرون # | كلمة حق عن هذا الجيل # للآباء أحيانا طريقة يتحدثون بها إلى أبنائهم كلما أرادوا أن يشحذوا فيهم الهمة ~~والطموح، وهي أن يتحسسوا فيهم مواضع الضعف فيضخموها، وأن يسكتوا عن مواضع القوة التي ~~يعرفونها في أبنائهم ، فلا يذكرونها ظنا منهم أن ذلك أدعى إلى استثارة هؤلاء الأبناء ~~إلى مزيد من الجهد وإلى ارتفاع بدرجة الطموح، لكن انظر إلى أولئك الآباء أنفسهم إذا ما ~~ساقت لهم المصادفات من يقول عن أبنائهم ما قالوه هم لأبنائهم من تضخيم لمواضع الضعف ~~وسكوت عن مواضع القوة، انظر إليهم كيف يجيبون بجواب يقلبون فيه الرأي سكوتا عن الضعف ~~وإظهارا للقوة؛ فهم عندئذ يبرزون للمهاجم الغريب ما قد أغمض عنه العين من قدرات ~~أبنائهم لائذين بالصمت عما فيهم من عجز وتخاذل، وشبيه بهذا الموقف من الآباء نحو ~~أبنائهم موقف المصري عندما يشدد كلمات النقد التي يوجهها إلى مواطنيه، حتى إذا ما سافر ~~إلى خارج وسمع نبرة نقد من غريب انبرى له موضحا ومصححا، وليس في هذا كله شيء من ~~تناقض؛ لأن التناقض لا يكون إلا إذا حكمنا بالكذب على شيء هو نفسه الذي كنا بالأمس قد ~~حكمنا عليه بالصدق، وأما ما نحن صانعوه حين ننقد أبناءنا في مواضع قصورهم غاضين أبصارنا ~~عن مواضع قدرتهم؛ فإنما نحن نتحدث عن جانب ونسكت عن جانب آخر، ومن حق المتكلم أن يختار ~~ما يتحدث عنه من الجانبين، وربما اختار لحديثه الجانبين معا. # وإنني لأعلم عن نفسي كم أهاجم هنا وكم أدافع هناك، فهنا أصطنع موقف أولئك الآباء في ~~الجانب الذي يهاجمونه من أبنائهم، وفي الجانب الذي يلتزمون عنه الصمت، وهناك أقلب ~~الأسطوانة فلا يتحرك لساني أو قلمي إلا بما أعرفه عن أبنائي من قدرات ومواهب ساكتا عما ~~هو غير ذلك، ومرة أخرى أقول إنه لا تناقض في موقف كهذا ms201 ولا كذب، بل هو الصدق في ~~الحالتين، فإذا قيل: لكنه صدق وليس هو «كل» الصدق؛ كان الشفيع في ذلك هو حب الوالد ~~لأبنائه والرغبة البصيرة في أن يراهم من الموكب الحضاري في طلائعه. # أقول هذا تمهيدا للرد على خطاب جاءني من السيد أحمد عبد العزيز أحمد متسائلا في ~~مرارة عن جيله هذا ما الذي أصابه ليجعله جيلا مسطحا ممسوح القسمات حتى ليتعذر على ~~الفاحص أن يقع له على سمات تميزه، ولماذا امتلأ الجيل الماضي بالعمالقة بينما خلا هذا ~~الجيل منهم، فلم يكونوا إلا مجموعة من أقزام. فشعرت - عندما قرأت الخطاب - أن واجب الحق ~~يقتضي أن أقول كلمة الصدق فيما تعودت أن أغمض عنه العين غالبا، ولا أهتم بذكره إلا ~~قليلا معتذرا لنفسي عن ذلك بأن جانب القوة في هذا الجيل هو جانب مكسوب، فإذا كان لنا ~~كفاح لنتجه به نحو الجانب المفقود؛ فالمقارنة بين الجيلين إذا تنزهت عن الأغراض الخاصة ~~إنما تدلنا على أن لكل جيل حسناته التي يتفوق بها على الجيل الآخر، ففي الحياة الثقافية ~~- بصفة عامة - كان الكاتبون الأعلام «قارئين أكثر منهم كاتبين»؛ إذ الكثرة الغالبة مما ~~كتبوه إنما هي عروض جيدة لما قرءوه. ولقد قرءوه من كتب التراث آنا ومن ثقافات الغرب ~~آنا آخر، وكان لهم في ذلك فضل كبير، لكنه فضل من يمهد الأرض للبناء، والبناء هو ~~الإبداع الذي يأتي أصحابه بجديد غير مسبوق لا في صفحات التراث ولا في صفحات الغرب، وجاء ~~هذا الجيل ليجد الأرض ممهدة يبني مبدعاته، ولذلك غلبت عليه وسيلة الرواية والقصة ~~والمسرحية بعد أن كانت تلك الوسيلة نادرة الظهور عند الجيل الماضي، والفرق واضح - ~~بالطبع - بين الحالتين، فبينما كانت أصابع الجيل الماضي مشغولة بتقليب الصفحات للأخذ ~~عنها، ترى أصابع هذا الجيل مشغولة بالنبض الحي تحسه في أبناء الشعب أينما كانوا على ~~اختلاف أعمالهم وتفاوت درجاتهم، وهكذا استبدلوا بكتب الجيل الماضي مطالعة لحياة ~~البشر. # وكانت تلك الخطوة نحو الإبداع عند أبناء هذا الجيل لتكون نقلة بنا نحو ما هو أفضل ~~وأبعد تقدما، ms202 لولا أن خالطها ما قيدها وأنقص من قيمتها، وذلك أن أبناء هذا الجيل قد ~~أحاط بهم ما ملأ آذانهم بضرورة توكيد المصري لذاته، وإلى هنا والدعوة خيرة ووطنية ~~ومقبولة، لكن الأمر لم يقف بهم عند هذا الحد المعقول المقبول، بل تجاوزه ليملأ آذان ~~أبناء هذا الجيل بإضافة ليست محققة الصواب، وهي أن توكيد الذات يقتضي بالضرورة كراهية ~~الآخرين، وهي كراهية تقتضي بالضرورة - كما أفهموهم - أن يتنكروا لما عند أولئك الآخرين ~~من فكر وأدب وفن، فإذا أضفنا إلى ذلك الموقف اللاثقافي واللاحضاري، بل واللاأخلاقي ~~واللاوطني أيضا، إذا أضفنا إليه جانبا آخر هو أنه حتى لو لم يكن عند أبناء هذا الجيل ~~تلك الكراهية وما تقتضيه في ظنهم من رفض لثقافة المكروه لوجدوا في أنفسهم ما يسد عليهم ~~طريق الاتصال بتلك الثقافات الأخرى، بل ما يسد عليهم كذلك طريق الاتصال بالثقافة ~~العربية ذاتها، وهي في عيونها ومصادرها، وذلك لضعف القدرة اللغوية فيما يختص باللغة ~~العربية ولانعدام قدرتهم - تقريبا - في اللغات الأجنبية فنتج عن ذلك أن أصبحوا - إذا ~~استثنينا ترجمات شائهة في معظم الحالات - مغلقين في أبراج مصمتة لا يكادون يعرفون شيئا ~~مما يعج به الغرب من فكر وأدب، اللهم إلا أسماء مؤلفين وعناوين لكتب يخطفونها خطفا ~~من هنا وهناك ليوهموا الناس بأنهم إذ يزدرون الغرب وثقافته؛ فذلك إنما يفعلونه عن علم ~~ودراية، فانتهى بهم هذا الشذوذ كله إلى نتيجة غريبة، وهي أنهم لما كانت لبعضهم مواهب ~~الإبداع فقد أبدعوا، لكنهم كذلك كانوا فقراء فكر للأسباب التي قدمناها فجاء ما أبدعوه ~~محدود القيمة إذا كانت القيمة هي أن يدوم نتاجهم لتقرأه أجيال بعد أجيال كما هي الحال ~~في البديع إذا جادت خامته. وكما كان الأدباء الأعلام في جيلنا الماضي يكتبون عما قرءوه ~~أكثر جدا مما يكتبون ما أبدعوه، وبذلك جاءت كتاباتهم وكأنها خالية من حياة الناس على ~~أرضنا، فكذلك كان شأن الدارسين أعلاما وغير أعلام؛ إذ كانوا ينشرون دراساتهم، فإذا هي ~~قد اتخذت موضوعات من أقطار الدنيا في هذا العصر أو فيما سبق ms203 من عصور، وكأن مشكلات مصر ~~الآن ليست من شأنها ولا من أخصاصها، فكان يندر أن يجد الشاب القارئ الدارس كتابا ~~عربيا حديثا في أي موضوع حيوي يعرض له ويريد أن يزداد به علما، فكان الشاب منا كلما ~~عرض له موضوع جديد ورغب في القراءة عنه؛ اتجه رأسا إلى البحث عنه في مظانه من المؤلفات ~~الأجنبية؛ إذ كان أمرا مفروغا منه ولا يحتاج منا أن نسأل عن كتاب عربي حديث في ~~موضوعنا، ولكن انظر الآن إلى ما ينتجه الدارسون في هذا الجيل في شتى الموضوعات الجديدة، ~~فما من ميدان إلا وقد صدرت فيه عدة مؤلفات لعلمائنا والدارسين من أبنائنا، فهذه - إذن - ~~نقطة محسوبة بغير أدنى شك لصالح هذا الجيل على سابقه. فالفكرة التي كان الدارس من أبناء ~~الجيل الماضي يكتفي في عرضها بمقالة في مجلة أو صحيفة أصبح الدارس من أبناء هذا الجيل ~~لا يرضيه فيها إلا كتاب. # لكننا وقد أنصفنا هذا الجيل، فاعترفنا له بأنه أكثر من سالفه لجوءا إلى الإبداع في ~~الأدب وإلى إفاضة القول في الدراسات العلمية وما يشبهها، فليس من حقنا أن نتجاهل حقيقة ~~صارخة في المقارنة بين الجيلين في هذا المجال، وتلك الحقيقة الصارخة بوضوحها هي أنه إذا ~~رأينا هذا الجيل في دنيا الأدب «أكثر» إبداعا؛ فهي كثرة عددية. ولقد عوض الجيل ~~الماضي عن ضيق المجال الإبداعي بارتفاعه في جانب الإجادة، وما زلنا نجد في هذا الجيل ~~الحاضر نفسه أو شوامخه ليسوا من أبنائه، بل هم ممن ينتمون إلى الجيل الماضي، وشاء الحظ ~~الحسن للأدب العربي أن يمتد بهم الأجل، بارك الله لهم في حياتهم وأطال أعمارهم، ~~ليظلوا منارات تشهد بقوة ضيائها أنهم أبناء جيل أخلص وأجاد. # وهذه المقارنة نفسها بين الجيلين في دنيا الأدب قلة جيدة فيما مضى وكثرة معظمها هزيل ~~فيما هو قائم حولنا اليوم، أقول إن هذه المقارنة نفسها تصدق كذلك على مجال الدراسات ~~البحثية، بمعنى أنه إذا كان دارس الجيل الماضي تكفيه المقالة أو سلسلة المقالات في عرض ~~دراسته بينما دارس اليوم ms204 يلجأ إلى وسيلة «الكتاب»، فلقد اقترنت القلة الكمية عند الجيل ~~الماضي - أحيانا كثيرة - بقوة الفكرة المعروضة وأصالتها، في حين أن مثل تلك القوة وهذه ~~الأصالة هما في كتب أبناء هذا الجيل أندر من الكبريت الأحمر كما يقال، وإذا شئت فقارن ~~أعوام العشرينيات بأعوام السبعينيات - وبينهما نصف قرن - فبينما كان العمل الفكري أو ~~الفني يصدر عن صاحبه ليشق أمام الناس دربا جديدا غير مطروق، وغالبا ما يكون الدرب ~~الجديد مصحوبا بنوع من الحرية جديد. تبحث في نتاج السبعينيات عن أمثال تلك الضربات ~~الخلاقة؛ فلا تجد منها إلا ما هو أقل من القليل، فإذا طالبتني بشرح ما أعنيه بالضربات ~~الخلاقة أجبتك بأنها الضربات التي من شأنها أن تغير طريق السير المعتاد المألوف ليصبح ~~أمام الناس معيارا جديدا ووجهة نظر جديدة. # لقد قرأت منذ فترة قصيرة عرضا موجزا وسريعا لواحد من ألمع من يحملون العلم في ~~أيامنا هذه يذكر فيه - على سبيل المفاخرة بهذا الجيل الذي هو أحد أبنائه بل أحد أفذاذه ~~- وكأنما أراد أن يقول ما معناه: انظر إلينا وقارن ما تراه فينا من براعة وقدرة ونبوغ ~~في شتى المجالات، بما قد كان قائما في الجيل الماضي، ولست أريد هنا أن أذكر الأسماء ~~التي ذكرها من أبناء عصره هذا حتى لا أسيء إلى أحد إساءة غير مقصودة بالطبع، ولكنني ~~أذكر الأسماء المقابلة لها من أبناء العشرينيات، والتي لم يذكرها الكاتب في عرضه الموجز ~~السريع، فقد كان في الشعر أحمد شوقي، وكان في الموسيقى سيد درويش، وكان في الدراسة ~~الأدبية طه حسين، وكان في الكتابة السياسية الدكتور هيكل، وكان في الشعر والنقد ~~والكتابة السياسية العقاد، وكان في فن النحت محمود مختار، وكان في فن التصوير محمود ~~سعيد، وكان في الاقتصاد طلعت حرب، وكان الأدب المسرحي على وشك الظهور على يدي توفيق ~~الحكيم، والأدب الروائي على وشك القفزة العالية بعد البدايات التي ظهرت، ولقد جاء بتلك ~~القفزة نجيب محفوظ، وكان محمد عبد الوهاب وأم كلثوم قد بدآ السير على طريق العبقرية في ~~عالم الموسيقى ms205 والغناء. تلك كانت أسماء العشرينيات وهي التي تقابل السبعينيات التي فاخر ~~بها الكاتب اللامع في عرضه الموجز السريع. # ولعل هذا الموضع من سياق الحديث هو الفرصة المناسبة للكلام عن الشعر الجديد الذي هو - ~~بغير شك - من ملامح هذا الجيل، وبادئ ذي بدء أشعر بضرورة أن أدفع عن نفسي اتهاما كثر ~~دورانه على الألسنة، وهو أني عدو لهذا الشعر الجديد عداوة مطلقة غير مقيدة بالضوابط ~~والشروط، وهو اتهام غير صحيح، فقد حدث سنة 1957م «بعد العدوان الثلاثي عام 1956م بقليل» ~~أن شرعت لجنة الشعر في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، «هكذا كان اسمه في ذلك ~~الحين ولم تكن قد أضيفت إليه بعد العلوم الاجتماعية». أقول إن لجنة الشعر عندئذ وكنت ~~عضوا فيها وكان العقاد مقررها شرعت في جمع كل ما كان الشعراء قد أبدعوه بمناسبة ~~العدوان الثلاثي لنشره في مجموعة واحدة أولا، ولإجازة من تراهم اللجنة في المراتب ~~الثلاث الأولى، وانقسمنا نحن الأعضاء لجانا ثنائية، كل لجنة تنظر في الشعر المجموع كله ~~لاختيار الثلاثة الأوائل مرتبين، الأول منهم فالثاني فالثالث. وكان معي في لجنتي ~~الثنائية المرحوم علي أحمد باكثير، ووقع اختيارنا للجائزة الأولى على قصيدة من الشعر ~~الجديد «أظنها كانت للأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي، لكن أسماء أصحاب الشعر كانت سرية لا ~~يعرفها أعضاء اللجان الفاحصون.» وجاء يوم انعقاد اللجنة بكامل أعضائها لعرض أسماء ~~المرشحين، فأولا كان مما يلفت النظر أن جميع اللجان الثنائية قد اتفقت في ترشيحاتها ~~على الثاني والثالث. وهذا الاتفاق - في رأيي - هام جدا للباحثين في فلسفة الجمال ~~الفني، وللقائمين على النقد الأدبي؛ لأنه دليل شديد الرجحان على أن مقومات الجودة في ~~مبدعات الأدب والفن أمور موضوعية موجودة في الأعمال ذاتها، وليس الأمر كله موكولا إلى ~~الأذواق الذاتية التي لا ضابط لها، وثانيا عندما دارت المناقشة على من يكون أول ~~الفائزين؛ كنا نحن وحدنا «أعني لجنتنا الثنائية» الذين خرجنا على إجماع بقية اللجان ~~الثنائية. فبينما اجتمع رأي الجميع على شاعر معين؛ كان ترشيح لجنتنا الثنائية لقصيدة من ~~الشعر الجديد، ms206 وهنا نشأ الخلاف، وهو الخلاف الذي اشتهر فيما بعد في دوائرنا الأدبية عن ~~رأي العقاد في الشعر الجديد من حيث إنه يدخل في اختصاص لجنة النثر وليس لجنة الشعر، ~~ولقد طلبت أن يثبت رأيي في محضر الجلسة - ولمن شاء أن يراجع ذلك المحضر - وهو أن الشعر ~~الجديد لا يرفض رفضا قاطعا وبلا قيد، وإنما يرفض في حالة واحدة فقط، وهو أن يكون ~~خاليا من أي «شكل» يمكن تقنينه إذا أردنا هذا - بالطبع - إذا كان المضمون ذا خصائص ~~تؤهله لأن يكون شعرا. وذلك هو رأيي إلى هذه الساعة. # ونعود إلى هذا الجيل وشعره الجديد، فأقول إن الخصوصية الحميمة التي تربط قصيدة الشعر ~~الجديد بصاحبها، هي في ذاتها امتياز يحسب حسابه إذا أردنا المقارنة بين جديد وقديم، لا ~~سيما في العالم العربي بصفة خاصة، حيث شعور الفرد بفرديته ينقصه الشيء الكثير. ومن ~~وسائل اكتمال تلك الفردية المنقوصة في بلادنا أن يجيء شعر الشعراء نموذجا في التفرد قد ~~يحتذيه الآخرون، لكن هذه الخصوصية الحميمة التي أشرنا إليها لا يجوز أن تكون على حساب ~~الجوانب الأخرى، التي منها قوة اللغة وسلامتها، ومنها عظمة الموضوع الذي امتلأت به نفس ~~الشاعر فأجراه في قصيدة من شعره، فهذان جانبان يكفلان للشعر أن يدوم جيلا بعد جيل، ~~وعندي أن قابلية العمل الأدبي للدوام هي من أهم المعايير التي يمكن للناقد الأدبي ~~استخدامها في تقويمه للشعر الذي ينقده، وقابلية الدوام هذه هي الغائبة - فيما أرى - عن ~~الشعر الجديد، حتى ما هو جيد منه، والكلام هنا - بالطبع - هو على سبيل الحكم العام الذي ~~لا ينفي وجود ما يستثنى منه. # ومن الشعر أنقل إلى الفن التشكيلي رسما ونحتا، ولقد كان من حسن حظي أن كنت لمدة عشر ~~سنوات على الأقل «1958-1968م على ما أذكر» في لجنة المقتنيات الفنية التي كان من عملها ~~أن تزور ما يقيمه رجال الفن من معارض لاختيار ما هو جدير بالاختيار لتقتنيه الدولة، ~~فكانت تلك عندي فرصة ذهبية تتيح لي مسايرة الحركة الفنية مسايرة مسئولة، ولقد أفدت ms207 من ~~الزملاء أعضاء اللجنة - وكانوا جميعا من مبدعي الفن أو على الأقل من كبار نقاده - وكنت ~~أحرص على أن أسبقهم إلى مكان العرض بنصف ساعة أو نحوها؛ لأكون لنفسي رأيا خاصا على ~~مهل قبل أن أتأثر بآراء الزملاء، وكان ذلك مني امتحانا لنفسي لأرى هل أقترب أو أبتعد ~~في الرأي عن المختصين في الفن إبداعا ونقدا، فكنت - بحمد الله - أنجح في هذا ~~الامتحان؛ إذ أراني قد اخترت منفردا ما يجيء رأي الجماعة ليقع على ما كنت وقعت عليه، ~~نعم كانت فرصة نادرة لي، أتاحت لي فرصة المتابعة، فكان يذهلني حقا تلك الخصوبة الفنية ~~الرائعة، وتلك المحاولة المخلصة الجادة في أن تجيء مبدعات الفن حاملة للروح المصرية في ~~عمق أعماقها، فإذا أقمنا مقابلة بين الجيلين كان الرجحان لهذا الجيل، لا من حيث الكثرة ~~وحدها، بل كذلك من حيث القيم الفنية العليا، مع اعترافنا بالأفذاذ النابغين من أبناء ~~الجيل الماضي. # ولقد جاءت تلك النزعة الدافعة لصاحبها نحو أن يكون ذا شخصية متفردة بخصائصها ليكون ~~الفرد فردا متميز الملامح والصفات دون سواه، وهي النزعة التي نراها ونحسها في مجال ~~الشعر الجديد، وفي مجال الفن التشكيلي الجديد على حد سواء، والتي يحاول بها كل شاعر على ~~حدة أن تكون له رؤياه الخاصة به وأن تكون له كذلك طريقته الخاصة في استخدام اللغة ~~استخداما جديدا، كما يحاول كل فنان في مجال الفن التشكيلي أن يخاطب المشاهد بلغة ~~الألوان والخطوط، أقول إن تلك النزعة المميزة لشعراء هذا الجيل ومبدعي الفن فيه إنما ~~جاءت انعكاسا للموقف السياسي كله لمصر المعاصرة «ولغيرها من أشباهها» من حيث جهادها في ~~سبيل حريتها الضائعة واستقلالها المفقود، ومن حيث إرادتها لأن تسترد هويتها بكل خصائصها ~~التي تميزها والتي تنفرد بها دون سائر الأقطار. # والحق الذي لا مراء فيه هو أن أبناء هذا الجيل أشد إيمانا بحرية الإنسان - فردا كان ~~أو مجتمعا - من أبناء الجيل الماضي، نعم، إن أولئك كانوا دعاة حريات متنوعة في السياسة ~~وفي الأدب وفي دنيا المرأة وغير ذلك، لكن ms208 هذا الجيل قد جاء ليضيف أبعادا جديدة إلى ~~معنى الحرية المنشودة، يهمنا منها في سياق هذا الحديث روح المغامرة كما هو واضح في هجرة ~~الشباب المصري لا بالمئات ولا بالألوف بل بالملايين كسبا للرزق والتماسا لظروف تمكنهم ~~من إظهار قدراتهم في شتى الميادين، وذلك ما قد تحقق لكثيرين منهم بالفعل، وإنه لمن ~~الإنصاف للدولة في مصر خلال هذا الجيل أن نقول إن تلك الروح المغامرة الطموح في شبابنا ~~ربما جاءت نتيجة مباشرة للأجهزة الكثيرة التي أنشئت لتحريك المواهب عند الموهوبين، ~~فوزارتا الثقافة والإعلام كانتا في هذا الجيل شيئا جديدا لم يعرفه الجيل الماضي، فإذا ~~أردنا تلخيصا لما تؤديه هاتان الوزارتان في حياتنا قلنا إنهما تتعقبان شرائح المجتمع ~~كلها لتقدم لكل شريحة منها زادها الثقافي المناسب الذي من شأنه أن يوقظ فيها الوعي ~~بذاتها وبوطنها، فإذا لم تكونا قد بلغتا في ذلك كل ما كنا نتمناه، فقليل الزاد خير من ~~العدم على كل حال، فقد أصبح للطفولة مكانها من الوعي القومي بعد أن لم يكن، كما أصبح ~~مثل ذلك للمرأة وللشباب وللعامل ولغير هؤلاء جميعا من مجموعات المواطنين، وكان مما ~~ساعدنا على تلك اليقظة الشاملة - بالطبع - أجهزة جديدة أمدنا بها العلم الجديد، وفي ~~مقدمتها الإذاعة مسموعة ومرئية، فضلا عن أجهزة من نوع آخر أقمناها نحن على أرضنا، ~~فسرعان ما ترددت أصداؤها في كياننا الثقافي بكل جوانبه، ومن أهمها الأكاديميات التي ~~أنشأناها: أكاديمية الفنون وأكاديمية العلوم والبحث العلمي، ثم أكاديميات أخرى لم نعطها ~~هذا الاسم، لكنها تفعل فعلها، منها: المجلس الأعلى للثقافة والمجالس القومية ~~المتخصصة. # أفبعد هذا كله يصح أن يوصف هذا الجيل بأنه خال من أية سمات تميزه؟ لكن هذا لا ينسينا ~~الفوارق البعيدة بين الجيلين، وهي فوارق تجعلهما أقرب إلى أن يكونا ضدين من أن يكونا ~~تسلسلا طبيعيا في مجرى حياة واحدة، ففي الجيل السابق - كما أسلفنا - قلة نسبية في ~~الإبداع، لكنها قلة فيها الأفق الرحب والإجادة، وفي الجيل الحاضر كثرة نسبية في ~~الإبداع، لكنها كثرة فيها الهزال وضيق الأفق، ms209 فهل يصح لنا - يا ترى - أن نتوقع من ~~التفاعل المستتر بين هذين الضدين أن ينتج لنا كيانا ثالثا فيه من الأولين ما عرفوا به ~~من إتقان وتجويد وفيه من الآخرين كثرة المواهب المبدعة وروح الحرية المغامرة تطبيقا ~~لحركة التاريخ المثلثة الخطى عند هيجل؟ # إن هذا ما أتوقع حدوثه في مستقبل حياتنا الثقافية بعد فترة لن تطول بإذن الله. # الفصل الخامس والعشرون # | قوة الساحر # رأيته وقد انكب بجذعه كله على سطح مكتبه، في يده قلم، وأمامه أوراق مرصوص بعضها فوق ~~بعض في انتظام، تراها بنظرة سريعة فتظنها مجموعة من أوراق اللعب! إذ كانت أوراقه ~~المرصوصة شبيهة بأوراق اللعب (الكوتشينة) حجما وتساويا وانتظاما، وذلك حين ترص بحيث ~~تتطابق أطرافها، وهكذا رأيته منحنيا بصدره على أوراقه، منصرفا إليها بكل وجوده، حتى ~~لقد لبثت جالسا فترة طويلة، ولم يكن بيني وبينه إلا بضعة سنتيمترات، ومع ذلك لم يشعر ~~بأن أحدا في الغرفة سواه، تحرك قلمه على الورقة العليا، بما لست أدري ماذا؟ لكنني ~~رجحت ألا تكون الحركة قد كتبت على الورق شيئا، بل هي أشبه بالحركة والقلم «يشطب ~~كلمات كانت مكتوبة»، ثم نقل الورقة العليا من مكانها، ليضعها في أسفل، واتجه باهتمامه ~~إلى الورقة التالية، لكنه هذه المرة لم يطل الوقوف، وأجرى قلمه بحركة «الشطب» التي ~~رأيتها منه في الورقة الأولى، ونطق لنفسه في صوت مسموع ووجهه لم يزل متجها نحو أوراقه ~~فقال: خلاص! لم يبق إلا أربعة. # أسمعته صوتي لأول مرة منذ دخلت الغرفة، سائلا: أربعة ماذا تلك التي بقيت؟ فحرك ~~رأسه حركة المذعور، وسألني بدوره: أأنت هنا ولم أشعر بك؟ منذ متى جئت؟ قلت: منذ دقائق، ~~ولم أرد أن أخرجك مما أنت فيه؛ لأنني ألقيت تحية عند دخولي، ولم أسمع عنها جوابا، ~~لكنك لم تنبئني عن الأربعة التي لم يبق سواها، فما هي تلك الأربعة؟ فضحك بقهقهة مفتعلة ~~عرفتها فيه، وقال: لا ولا حاجة! ومضت بعد ذلك أعوام، لم نكن خلالها في بلد واحد، ولا ~~كانت حياتنا متشابهة، فقد كان له طريق ms210 وكان لي طريق آخر، لكن المصادفات من شأنها ~~أحيانا أن تصنع المعجزات. # فقد حدث لي في البلد الذي اغتربت فيه أن التقيت بمن لم تكن تربطني به رابطة إلا ~~مصريتنا، فجرى بيننا حديث لا هدف له ولا موضوع فيه، وإذا بذلك الرفيق العابر، يقص لي ~~عن صاحبنا ذاك غرائب من حياته ونوع طموحه، فورد في كلامه عنه، أنه منذ كان في أولى ~~درجات المناصب، أعد لنفسه أوراقا سجل فيها قوائم بأسماء الموظفين معه في وزارة ~~واحدة، الذين يعلونه منصبا ويحولون - بالتالي - بينه وبين الذروة التي كان يستهدف ~~بلوغها، وإنه في الحق لرجل شديد الذكاء، فكان لا يكف لحظة عن التفكير في أولئك الذين ~~يقفون في طريق صعوده، فيفكر لكل واحد منهم على حدة، كيف يزيحه، فالناس تختلف ظروفهم ~~وتختلف معادنهم، ولهذا كانت الطريقة التي تزيح زيدا من مكانه ليست هي بالضرورة الطريقة ~~التي تزيح خالدا، وقد عرف صاحبنا لكل منهم طريقته التي تناسب ظروفه وتلائم معدنه، وهنا ~~عادت بي الذاكرة إلى ذلك الصباح الذي سمعته فيه يقول لنفسه، وهو منكب بجذعه على رصة ~~الأوراق التي كانت أمامه: خلاص! لم يبق إلا أربعة. # فما سمعت قصة الرفيق العابر، حتى وثبت إلى ذهني مسرحية ريتشارد الثالث لشكسبير، ~~فالشبيه يدعو شبيهه، وإلا فكيف تعيد لي الذاكرة شيئا كنت قرأته قبل ذلك بما لم يكن يقل ~~عن ثلاثين عاما؟ كان ريتشارد الثالث هذا مشوه الخلقة منذ ولادته، فهو يحمل على ظهره ~~قتبا ضخما، التوت به الفقرات التواء شديدا، ولذلك تدلت ذراعاه بما جعله أقرب في ~~تكوينه إلى الشمبانزي، وفوق ذلك كانت ساقاه معوجتين، فكان بهما عرج ظاهر، ولم يكن لفترة ~~طويلة من عمره وليا لعرش بلاده، فكان هنالك ملك، وكان حق ولاية العرش بعد ذلك الملك ~~يتسلسل في عدة رجال، ربما كانوا ثلاثة على التوالي، فجعل ذلك الأمير الشائه همه الأول ~~هو كيف يزيح أولئك الذين يشغلون طريق الصعود إلى العرش، حتى إذا ما عرف لكل منهم ~~طريقته، انصرف بجهده نحو الملك نفسه ليطيح ms211 به، وإني لأذكر جيدا كيف جاءت فاتحة ~~المسرحية نجوى يتحدث بها ريتشارد إلى نفسه في حسرة وأسى، ثم يختم النجوى بتصميم على أن ~~يعوض تشويه جسمه بشيطانية ذكائه، ففي نجواه أخذ يقول كلاما كهذا: لقد شاء الله ألا ~~يسوي لي جسدا كما سوى سائر الأجساد، فلم يرد لي أن أغازل صورتي في المرآة كما يفعل ~~العاشقون، وكيف لي أن أخطر مختالا أمام الغانيات كما يختال الشباب، لقد جئت إلى الدنيا ~~قبيح الشكل منقوص الأعضاء غليظ القسمات، أحدب الظهر أعرج الرجلين، وإني لأسمع الكلاب ~~يعلو نباحها كلما رأتني وأنا أحجل أمامها في كساح ظاهر، وكان خليقا بشبابي أن يضطلع ~~بالمهام الجسام، ولكن ها أنا ذا لا أجد ما أزجي فيه فراغي سوى أن أرقب ظلي مطروحا ~~أمامي، يقصر مرة ويطول أخرى، فأندب حظي، لكن لا! إنه إذا كان حظي هو هذا الجسد المحروم ~~من مغازلة الحسان؛ فسأعرف كيف أشق طريقي، ولأبدأ بالولي الأقرب إلى العرش بعد الملك، إن ~~أول جزء من اسمه هو «جورج»، إذن فلأنشر في حاشية الملك نبوءات ورؤى قالها العرافون، ~~مؤداها أن يحذر الملك من رجل اسمه يبدأ بحرف «ج»، ولتنزل علي لعنة السماء إذا لم أره ~~سجينا بعد حين لا يطول. كلام كهذا بدأت به مسرحية ريتشارد الثالث، يتحدث به ريتشارد ~~هذا إلى نفسه. ولقد نجحت خطته، وتربع على العرش كما أراد. # قلت لرفيقي العابر: إنه لم يكن على صاحبنا من حرج في أن ينشد لنفسه منازل القوة، فتلك ~~هي فطرة الإنسان لمن يستطيعها، لكن الحرج كل الحرج في أمرين: أولهما هو أن صاحبنا قد ~~استباح لنفسه أن يحكم بالموت خنقا لا شنقا على من جعلهم العدل وسوء حظهم معا يقعون ~~في طريق طموحه وصعوده، وأما ثانيهما فقصة شرحها طويل مع طول تاريخها؛ إذ هي قصة بدأت ~~سطورها الأولى منذ ما قبل الملك مينا الذي وحد الوجهين، القبلي والبحري، تحت سلطان ~~واحد، فمنذ ذلك العهد الموغل في القدم والمصري قد رتب درجات الصعود ترتيبا يجعل مناصب ~~السلطة ms212 والنفوذ ترجح كل ما عداها من ضروب القوة، فقد كان يستطيع أن يجعل القوة المنشودة ~~قبل سواها هي قوة العقل، أو أن يجعلها قوة المال، أو أن يجعلها قوة السلاح، أو أن ~~يجعلها قوة الإيمان، أو أن يجعلها قوة الأخلاق، أو أن يجعلها غير هذا كله، فضروب القوة ~~كثيرة، وكلها مطلوب بدافع من فطرة الإنسان، إلا أن ثقافات الشعوب المختلفة قد اختلفت في ~~ترتيبها تبعا لأهميتها عند هذا الشعب أو ذاك، ولو أنك درت ببصرك لتنظر إلى شعوب عصرنا ~~- مثلا - لوجدتها متباينة فيما جعلته بين ضروب القوة أسبقها وأولاها بالكفاح، إلا أن ~~المصري ثابت على عقيدته، وهي أن قوة السلطة والنفوذ أرجحها جميعا، في سبيلها قد ينفق ~~صاحب المال ماله، وقد يفرط صاحب العلم في قيمة علمه، وهكذا، فإذا كنا قد سلمنا ~~لصاحبها بالحق في أن يعلو بطموحه إلى ذروة الذرى؛ فنحن لم نكن لنعطيه ذرة من حق في أن ~~يحقق أهادفه متسلقا على رقاب البشر، أما إنه اختار قوة السلطة والنفوذ دون سائر القوى؛ ~~فليس العيب في ذلك عيبه وحده؛ لأنه صنيعة شعب، ولقد أسلفت لك أن عبادة السلطة والنفوذ ~~هي جزء حيوي من ثقافة شعبنا منذ أول تاريخه. # سألني الرفيق العابر قائلا: ما لي أراك تقرن السلطة والنفوذ كأنهما وجهان ليد واحدة، ~~مع أنهما معنيان مختلفان، فما الذي تعنيه بكلمة «النفوذ»؟ فقلت له: إنما أعني يا صاحبي ~~نفوذ المسمار من الجدار، فأنت وأنا وهو وهي وهما وهم وهن، كلنا قد يعترض الجدار ~~طريقنا، فنعلم أنه نهاية الطريق التي لا حيلة لنا فيها، وأما المسمار فالجدران لا تكون ~~نهايته، بل ربما كانت هي بداية وجوده، لأنه سينفذ خلال إسمنتها وزلطها وحديدها إلى حيث ~~يريد، وعادة ما يكون صاحب السلطة قادرا بحكم سلطته على أن ينفذ خلال العقبات نفاذ ~~المسمار في الجدار، ومن أجل هذا الاقتران المألوف بين الجانبين، اعتدت أن أجمع بينهما ~~في جملة واحدة، وإني لأجد الشبه قريبا بين هذا النوع من القوة، وبين قوة السحر وقدرة ~~الساحر. ms213 فدهش الرفيق العابر لهذه المقارنة العجيبة، وسألني: كيف كان ذلك؟ فقلت له ~~مجيبا: نعم، انظر إلى الساحر باحثا عن حقيقة ما يؤديه، تجده في جميع حالاته يلتمس ~~النتائج من غير مقدماتها، أو قل إنه يأتي بالشيء المطلوب من غير مصادره، أو هو يحاول ~~تعليل الأشياء بغير أسبابها، تلك هي طبيعة السحر وحقيقته، فمثلا إذا كان المطلوب شفاء ~~مريض من علته، فإن الطريق العلمي هو أن نلتمس الشفاء في دواء يكون بينه وبين جراثيم ~~المرض صلة، وأما الطريق السحري فهو أي شيء إلا أن تسعى إلى مقاومة الجرثومة بما يفتك ~~بها على ضوء تجارب العلم في هذا السبيل، صحيح أن الساحر هو أيضا يريد مقاومة المرض، ~~لكنه يتخذ لذلك ما شاء له خياله من تمائم أو بخور، أو تمتمة بما لست تدري وما إلى ذلك ~~من وسائل، وبعد هذا فانظر إلى أساليب الطموح الصاعد عند القادرين، تجدها قريبة جدا ~~مما يلجأ إليه الساحر، وذلك لأنه إذا كانت الوسيلة الطبيعية لتحقيق الطموح هي «العمل» ~~جعله القادرون شيئا آخر غير العمل، وقد رأينا مثلا يوضح هذا فيما يلجأ إليه ريتشارد ~~الثالث في مسرحية شكسبير المسماة بهذا الاسم، في ارتقائه عرش بلاده، وفيما لجأ إليه ~~صاحبنا في بلوغ مأربه. # إنه ليكفيك أن تكون صاحب سلطة ونفوذ، ليكون لك الحق في أن تضع نفسك حيثما أردت أن ~~تضعها، فإذا قلت إنك «عالم» ردد معك الصدى بأنك شيخ العلماء، وإذا اخترت لنفسك أن تكون ~~«أديبا» ردد معك الصدى بأنك فيما زعمته لنفسك، ولقد كان ذلك في حياتنا فارقا هاما ~~يميز صاحب الثقافة بأي جانب من جوانبها، حين يكون مثقفا وصاحب منصب، وحين يكون مثقفا ~~وكفى، فأولهما يشبه المحصن بدروعه، لا تنفذ إليه سهام المقاتلين، والثاني يشبه من دخل ~~حومة النزال عاريا إلا من ثقافته. إنني يا صاحبي أراك وكأنك في شك من صدق ما أقوله. ~~مما يذكرني بالزائر الغريب في «يوتوبيا» توماس مور، حين رأى موكبا يسير في الطريق ركب ~~السائرون في صفوفه بحسب أقدارهم، فلحظ ms214 الزائر حول أعناق الرجال في الموكب سلاسل ذهبية ~~تتفاوت حجما، فكلما تقدم الصف كانت السلسلة أكبر، فلما سأل جاره في حشد الناس الذين ~~وقفوا على جانب الطريق يتفرجون: ما هذه السلاسل الذهبية حول الأعناق؟ أجاب الرجل: إنها ~~الدالة على قدر الرجل في مدارج العظمة. وعاد الزائر إلى سؤال جاره: وماذا يحدث لو نزع ~~نازع إحدى هذه السلاسل من صاحبها؟ هل يخرج من الموكب ليقف مع جمهور الناس على جانبي ~~الطريق ؟ فأجابه الرجل بقوله: نعم هو ذاك. فعلق الزائر: أيكون الفرق - إذن - بين إنسان ~~وإنسان في القدر هو سلسلة ذهبية تلتف حول العنق ... وهكذا يا صاحب، ضع المناصب عندنا موضع ~~السلاسل الذهبية في جزيرة توماس مور، تجد أساس التمييز عندنا بين إنسان وإنسان، حتى في ~~مجال الثقافة، ولقد رأيت بنفسي كيف يرشح بعض من يرشحون لأرفع جوائز الدولة، فإذا ~~بمبررات الترشيح عند من رشحوه هي مناصبه العليا التي شغلها، فإذا أردت صبغة مختصرة تصور ~~لك الموقف، على غرار «كوجيتو» ديكارت، قلت لك إن الصبغة عندنا هي: أنا مهم بمنصبي؛ إذن ~~أنا من العلماء (أو من الأدباء أو ما شاء صاحب الشأن أن يختار)، ولا غرابة أن كنا نسمع ~~أيام شبابنا ما لم نكن نفهمه حق الفهم؛ إذ كان الساخرون يفرقون في جماعة المثقفين، بين ~~الرسميين وغير الرسميين، فللأولين صحاف الطعام كلها، حتى إذا ما شبعوا، كانت البواقي ~~لغير الرسميين، وفيم العجب؟ تلك يا صاحبي هي طبيعة الإنسان، فإما جاءت تربية سليمة ~~لتهذيب تلك الطبيعة، وإما بقيت على خشونتها وغلظتها، فالفكرة العجفاء يقدمها «المهم» ~~يرجح بها الميزان، والفكرة نفسها يقدمها الهزيل تهبط بها كفة الميزان، وكما يقول المثل ~~عند غيرنا: إن نكات الملوك تهز السامعين بالضحك، وكما يقول المثل عندنا: إن رأي السلطان ~~سلطان الآراء. # سلطة النفوذ أو نفوذ السلطة قيمة من قيم الحياة البشرية، ذلك حق لا ريب فيه، وليس في ~~الأمر ما يعيب الساعي بحياته نحو ذلك الضرب من ضروب القوة، ولكن المسألة هنا - كما هي ~~في الأمراض النفسية كلها ms215 - مرهونة بالاعتدال، أما إذا بولغ في تلك القيمة، فها هنا يكون ~~المرض، إنه لا بأس في حياة الناس العادية أن يكون للخيال نصيب منها، بل لا بد أن يكون ~~للخيال نصيب في حياة الإنسان؛ لأنه هو الذي يعين الإنسان على مجاوزة زمانه ومكانه ~~لينطلق إلى حيث يشاء له خياله أن ينطلق، وإلا أصبح - كأي حيوان - مقيدا بقيود لحظته ~~الحاضرة وبقيود موقع قدميه من الأرض، إن الحيوان لا يستطيع أن يرسم لنفسه صورا لما ~~«ينبغي» أن يكون، ليحاول بعد ذلك أن يجعل تلك الصور المثلى تحل محل ما هو كائن بالفعل ~~في دنيا الواقع، وبهذا يظل الحيوان حبيس واقعه لأنه لا يملك «الخيال»، والإنسان وحده ~~دون سائر الكائنات هو المكرم بخياله؛ فيتوسل به إلى تصور حياة أفضل من حياته، أقول إنها ~~لنعمة كبرى أن كان للإنسان قدرة على «الخيال»، لكن هب إنسانا أغرق في الخيال حتى بعدت ~~حياته عن الواقع وما فيه، أفلا نقول عنه عندئذ إنه مريض بعلة نفسية، ونعرضه على طبيب ~~لعلاجه؟ # وهكذا قل في جوانب كثيرة جدا من حياة الإنسان؛ إذ تكون صفة معينة مطلوبا لها أن ~~تكون قائمة لتستقيم للإنسان حياته، ولكن ذلك إنما يكون بالقدر الذي يتلاءم مع الصحة ~~النفسية أو الصحة الجسدية، ثم تنقلب مرضا إذا بولغ فيها، وكذلك الحال في دنيا «القيم»، ~~فقد تكون الصفة المعينة «قيمة» معترفا بها، بل وربما اشترطنا وجودها، حتى إذا ما انحرف ~~بها صاحبها عن قدرتها، كانت مرضا أو ما هو في حكم المرض، وذلك هو ما أقوله عن سلطة ~~النفوذ، فهي «قيمة» تستحق أن يسعى إليها الراغبون فيها، على أن يكون ذلك في حدود ~~التناسب الصحيح الذي تصح به الحياة، أما أن تكون السلطة المتسلطة هي القيمة الأولى بين ~~القيم، ثم أن تكون كذلك تسلطا مطلقا لا تحده حدود، ولا تردعه قوانين؛ فذلك هو المرض ~~الذي يقتضي أن يعالج أصحابه أملا في الشفاء. # إن السلطة النافذة بصاحبها خلال الصعاب، نفاذ المسمار في حجر الجدار هي في حياتنا ~~قيمة ms216 القيم، هي القيمة العليا التي لا تعلوها قيمة أخرى، فكل ما عداها يجيء بعدها في ~~الترتيب، ولقد شهدت حياتنا أمثلة كثيرة لأصحاب الثراء - والثراء قيمة - كيف يشترون ~~مواقع السلطة بمالهم، وشهدت حياتنا أمثلة كثيرة لأصحاب العلم - والعلم قيمة - شهدتهم ~~حياتنا وهم يقذفون بالعلم وراء ظهورهم ليسرعوا إلى مقاعد السلطان إذا لاحت لهم منها ~~أصبع تشير، كم أستاذا عظيما من أعلام الجامعة، أغلق خلفه رفوف المراجع العلمية وأبواب ~~المعامل، وأخذ ذيل ردائه بين أسنانه، وهرول بكل عزمه، إذا هو نودي أن تعالى لتظفر بهذا ~~أو بذلك من مناصب الإدارة، وما أسهل عليه عندئذ أن يقول: إنها الخدمة الوطنية تنادي ~~ونحن نلبي النداء، وكأن إثراء العلم ليس خدمة وطنية وإنسانية معا، وكأن تعليم الشباب ~~لحياة الوطن في جيله القادم ليس خدمة وطنية وعلمية وإنسانية في آن واحد، لكن لا وألف ~~مرة لا، فهي السلطة ونفوذها يا صاحبي، إنها في حياتنا قيمة القيم، ليس فوقها قيمة ~~سواها. # وإذا كنا لا نرى عند سوانا تلك اللهفة كلها على السلطة، أفلا يكون من حقنا أن نسأل ~~لماذا كانت تلك هي حالنا في تقويم القيم؟ لقد أشار «هيجل» في فلسفته للتاريخ إلى أن ~~مراحل التطور بالنسبة إلى «الحرية» كانت ثلاثا: في المرحلة الأولى، عندما كان الشرق هو ~~على رأس الحضارة، لم تكن الحرية إلا لشخص واحد، هو الحاكم، وأما ما دون ذلك فقد كانوا ~~جميعا يمنحون من الحرية ما يقضي به الحاكم، إذا شاء أعطاها وإذا شاء استعادها، وأما ~~المرحلة الثانية في سير التطور التاريخي، فقد أصبحت الحرية حقا لفئة قليلة، وبقية ~~الناس عبيد لهؤلاء، ثم جاءت المرحلة الثالثة والأخيرة وهي أن أصبحت الحرية حقا لكل ~~الناس في بعض الشعوب، وإني لأتساءل: أيكون التعليل لتلك اللهفة المجنونة على السلطة في ~~حياتنا هو أننا لم نبلغ بحق تلك المرحلة الثالثة التي بلغتها بعض الشعوب، وأن الحرية إن ~~هي في واقع الأمر إلا امتياز يتمتع به من ظفر بشيء من السلطة، وأن حريته إنما تكون على ~~قدر ما ms217 ظفر، لست أدري. # أم يكون التعليل شيئا آخر، قائما على أساس فكرة أخرى غير فكرة «هيجل» التي ذكرناها، ~~وذلك أن شهوة السلطة تتعالى مع الإنسان بحسب درجة ارتقائه وتحضره في ثلاث درجات أيضا: ~~أدناها أن تتجه تلك الشهوة بصاحبها نحو التسلط على بني قومه أنفسهم، وأوسطها أن يعف ~~المتسلط عن ممارسة شهوته تلك مع بني قومه، لكنه يصب عذابها على من استطاع أن يتحكم فيهم ~~من أبناء الشعوب الأخرى، وأعلاها أن يكف المتسلط عن الاتجاه بسطوته نحو أحد من البشر، ~~سواء أكان من مواطنيه أم كان من الغرباء، ثم يتجه بقوته تلك نحو «الطبيعة» كما شاء وبما ~~استطاع، فيملي عليها سلطانه بأن يكشف عن أسرارها ويعرف قوانينها، فيلجمها ويستخدمها في ~~صالح البشر، وإذا كان ذلك كذلك؛ فهل نقول إننا ما زلنا من تلك المراحل الثلاث عند ~~أدناها. # وإذا كنا كذلك وأدعو الله ألا نكون، يظل السؤال قائما: لماذا؟ وفي هذه الحالة يسهل ~~علي الجواب، وهو أن أيسر السبل لتحقيق أهداف الإنسان هي أن يلجأ نحوها إلى قوة الساحر ~~التي قوامها التماس النتائج من غير أسبابها، والمتسلط يمكنه «بشخطة» واحدة أن يظفر من ~~المشخوط فيه بما أراد، وإذا كانت قوة الساحر هي أهون السبل في تحقيق المنافع، فإن ~~أصعبها هي قوة العلم، فما الذي يضطرنا إلى ركوب الصعب، إذا كان السهل ممكنا؟ ومن ذا ~~يبيع سمسما مقشورا، بسمسم غير مقشور، كما قال ابن المقفع؟ # الفصل السادس والعشرون # | نريدها صحوة واعية # إخلاصي للقارئ، ورغبتي الشديدة في أن أكون صادقا معه في كل حرف أكتبه ليقرأه، ~~يجعلانني أشركه معي في الحيرة إذا كنت في حيرة، وفي الشعور بطمأنينة اليقين، إذا كنت ~~على يقين، بل أشركه فيما هو أخطر من ذلك. فإذا كنت أعلم أنني لست أقف - في موضوع ما - ~~على أرض ثابتة، بمعنى ألا أكون على معرفة مقطوع بصوابها في ذلك الموضوع، لكنني في الوقت ~~نفسه أشعر بأن لدي لمحات عنه؛ بدت لي وكأنها صحيحة، وأنها إذا صحت كانت لها أهمية لي ~~وللناس، ms218 بادرت بتحذير القارئ منذ الأسطر الأولى، ليكون على حيطة فيما يأخذ عني وما ~~يدع، وما أكثر ما لقيت العنت بسبب ذلك، إذ يتخذ خصومي من ذلك الصدق سلاحا يسددونه إلى ~~صدري، فيقولون: انظروا إلى رجل يكتب فيما لا يعرفه وإنه ليعترف بذلك علنا. # وإنما قدمت حديثي هذا بهذه الكلمات لأني أشعر إزاء موضوعي بشيء من الحيرة، ورأيت أن ~~أشرك القارئ معي في حيرتي، لكي نسير معا بعد ذلك خطوة خطوة ، فهو وأنا بمثابة اثنين ~~أرادا السير في غابة، لم يسبق لهما أن اخترقاها، فهما لا يعرفنا عن دخائلها شيئا، ومع ~~ذلك فهما يشعران بالرغبة في اختراقها ولا يدريان على سبيل اليقين ماذا عساهما مصادفين ~~من عقبات. # وأبدأ من البداية فأقول إنني «أحس» خللا في حياتنا الراهنة، وأنا - كما يعلم القارئ ~~عني - معني بالجانب الثقافي من تلك الحياة، قبل عنايتي بأي جانب آخر، فلا أنا من رجال ~~الاقتصاد؛ لأعرف كيف يجيء المال وكيف يذهب، وأكتفي من كل ذلك بأنني «أعيش» - بحمد الله ~~- في غير عسر ولا ضيق، ولا أنا من رجال السياسة الذين جعلوا منها سلما للصعود (أو ~~للهبوط كما تشاء لهم الخطوط) بل إني منذ خرجت من مرحلة المراهقة وضبابها، ألفيت نفسي ~~مشدودا إلى ذلك الشيء الغامض الذي يسمونه «ثقافة» مضافا - بالطبع - إلى مهنة أرتزق ~~منها، وكانت تلك المهنة لحسن الحظ ذات صلة أو صلات وثيقة بما يسمى ثقافة، ألا وهي مهنة ~~التعليم، وإذا قلنا التعليم فقد قلنا بالضرورة العلم وتحصيله، بل والمشاركة في إنتاجه ~~وفي الإضافة إليه بقدر المستطاع، وكان ذلك هو طريقي في الحياة منذ عرفت نفسي، فإذا بدأت ~~بقولي إنني أحس خللا في حياتنا الراهنة؛ كنت أقصد بذلك أول ما أقصد الجانب الثقافي من ~~تلك الحياة، وبذلك الإحساس الغامض نفسه أجدني وكأني أرى النقيضين يلتقيان معا، ففي تلك ~~الحياة صحوة لا شك في وجودها، وفيها كذلك نقص في الوعي لا شك في وجوده أيضا، فما حقيقة ~~حياتنا إذن؟ ومصدر سؤالي هذا هو أنه إذا كانت صحوة فلا ms219 بد أن يصحبها ويحيط بها وعي، ~~وإذا كان الذي هناك هو غيبة للوعي أو لجانب منه فكيف جاءت الصحوة؟ وبأي معنى جاءت؟ لم ~~يبق أمامنا إلا أن نقول إننا حين استيقظنا لم تكن اليقظة كاملة، ومع اليقظة المختلطة ~~بظلال من بقايا نعاس يجيء القصور في الوعي. # ذلك كله هو ما أحسه، وأعني بذلك أني أشعر به شعورا مبهما لم ينتقل معي إلى مرتبة ~~المعرفة العقلية الواضحة، وذلك هو أول الوعي ، ومن هذه البداية أريد القارئ أن نتعاون ~~معا على اكتساب الرؤية الواضحة، وأول ما نبدأ به هو أن نبحث من أي نوم جاءت اليقظة؟ ~~والجواب الذي أقترحه لأني لا أرى جوابا سواه هو أن فترة النوم التي نشير إليها عندما ~~نقول عن أنفسنا إننا «صحونا» هي الثلاثة القرون التي سبقت الحملة الفرنسية على مصر سنة ~~1798م، أي قبل بدء القرن التاسع عشر بعامين، وهو رأي قد لا يأخذ به آخرون، وموقفي من ~~هؤلاء هو موقف المتسائل المتعجب: من أين يا ترى يريد هؤلاء أن يبدءوا اليقظة المصرية ~~أولا والعربية ثانيا؟ إنني اذكر أن الفصل الأول من «الميثاق» الذي كنا أصدرناه في ~~أوائل الستينيات قد خصص لدحض هذه الفكرة، فكرة أن ما قبل الحملة الفرنسية كانا نعاسا ~~ثقافيا، زاعما أن الأزهر كان في القرن الثامن عشر في حركة علمية نشيطة؟ فأردت أن ~~أقطع الشك بيقين ورجعت إلى ما استطعت الرجوع إليه من مصادر، باحثا عن العلماء الذين ~~اضطلعوا بذلك النشاط، من هم، وماذا أنتجوا من فكر «جديد»، فوجدت قوائم بأسماء يتلوها ~~أسماء، ومع كل اسم لم أجد من ضروب النشاط العلمي إلا شروحا وتعليقات وملخصات لمؤلفات ~~القدماء، ومعنى ذلك أن علماء القرن الثامن عشر درسوا ما كان هناك من تراث، لكنهم لم ~~يضيفوا إليه جديدا، فإذا رأينا شيئا جديدا دخل في حياتنا منذ أوائل القرن التاسع ~~عشر، كان ذلك الجديد هو بداية اليقظة الثقافية، وكانت البداية التي يحق لنا أن ننسب ~~إليها تحريك العقل بنشاط جديد، هي قدوم الحملة الفرنسية ومن ms220 صحبها من مجموعة ~~العلماء. # ومن تلك البداية سرنا في خطوات تصيب وتخطئ، فكان ما كان من تعليم أخذ يتسع ويتنوع، ~~ومن إحياء للتراث القديم بدأناه منذ الطهطاوي، ومن ترجمة عن اللغات الأوروبية، وسفر ~~للبعثات العلمية المصرية إلى أوروبا واستدعاء لعلماء الغرب ليشاركونا فيما كنا بصدد ~~إنشائه من جوانب حضارية وثقافية، وما يتفرع عنها من ألوان النشاط، تلك - إذن - كانت ~~الصحوة وما سبقها من فترة ركود، وحتى إذا نحن لم نتفق على بداية تلك الصحوة من أين جاءت ~~وكيف جاءت؛ فذلك في الحقيقة لا يهم كثيرا فيما نريد عرضه هنا؛ لأننا على أية حال ~~متفقون على أن يقظة عقلية بدرت معنا بوادرها منذ أوائل القرن الماضي، لكن موضع الأهمية ~~هو ما قد صحب تلك اليقظة من «وعي»، فإذا نحن أخذنا هذه الكلمات بما كان يجب أن تعنيه، ~~قلنا إن اليقظة لا يكون لها معنى إلا إذا كان الوعي جزءا من معناها، وهنا تبرز أمامنا ~~المفارقة الغريبة التي أردت أن يشاركني القارئ في حل لغزها، وهي أن يقظتنا آلت إلى حالة ~~لا يحيط بها من شعلة الوعي ما يتناسب مع عمرها الذي جاوزت به قرنا ونصف قرن. # وكأني بصديقي القارئ الذي يصحبني في رحلتي الذهنية هذه يسألني ما هذا «الوعي» الذي ~~تتحدث عنه، لقد فهمنا عن الصحوة أنها اليقظة جاءت بعد النعاس، فماذا تريد بالوعي الذي ~~تراه خافت النور، وكان ينبغي له أن يتوهج؟ وعن سؤاله أجيب جوابا بسيطا واضحا، وهو أن ~~ذلك الوعي المطلوب يشبه ما يحدث للإنسان عند استيقاظه، فالحواس تعمل عملها بعد أن كانت ~~مقفلة الأبواب، العين ترى بعد أن كانت مسدلة الجفن معطلة الوظيفة، والأذن تسمع، والأنف ~~يشم، والجلد يحس ما يلمسه، وكذلك يعمل العقل بعد أن كان قد انطوى على نفسه، فيقصر نشاطه ~~على الباطن وحده كالأحلام ومعها القليل من الإدراك الذي يظل واعيا، واختصارا نقول إن ~~وعي المستيقظ من نومه يشبه فتح نوافذ الغرفة فيتدفق فيها النور؛ وكذلك الحال فيما نحب ~~أن يكون عليه الوعي الثقافي؛ ms221 فيصبح معناه أن نكون على دراية بما يحدث حولنا في سائر ~~أنحاء العالم، وأن نكون على فهم صحيح ودقيق بما يقال لنا وما يقدم إلينا من كلمات ~~المتكلم أو الكاتب، والذي «أحسه» في حياتنا الثقافية الراهنة هو أنها يقظة قليلة الوعي، ~~ونريد لها أن تكون يقظة واعية، فكأن أعيننا تنظر ولا ترى، وآذاننا تنصت ولا تسمع، ~~وعقولنا تنشط بالحركة ولكنها لا تفكر. وإليك مزيدا من إيضاح. # الوعي الذي كنا نتوقع له أن ينمو وتشتد حدته معنا بعد أن نفضنا عن أنفسنا وخم النعاس ~~هو - في بساطة - القدرة على إدراك الحقائق المحيطة بنا واستيعابها، ثم الاستجابة بالفكر ~~والسلوك الملائمين لما أدركناه واستوعبناه. إننا باليقظة وحدها قد نحقق الشطر الأول، ~~ولكننا بالوعي نحقق الشطر الثاني كذلك، وعلى ضوء هذا التوضيح - وهو على أية حال وجهة ~~نظر - أعيد طرح القضية التي هي موضوع هذا الحديث، والقضية هي أني أحس في حياتنا ~~الثقافية العامة نقصا جوهريا يصيبها بالعرج ويتلخص في أننا ربما نكون قد حققنا جانب ~~اليقظة إلى حد معقول، بمعنى أننا ندرك إدراكا كافيا حقائق محيطنا، لكننا في حالة تقرب ~~من الشلل فيما يختص باستجابتنا الذكية لتلك الحقائق بالفكر والسلوك الملائمين. # وليست هذه الاستجابة الملائمة للظروف المحيطة والتي هي جوهر الوعي مقصورة على الإنسان ~~دون سائر الكائنات الحية، بل إنها ليست مقصورة على الكائنات الحية دون سائر الكائنات، ~~والمسألة في الفروق بين هذه وهذه وتلك، هي مسألة تفاوت في الدرجة أولا، ثم ينفرد ~~الإنسان آخر الأمر بخاصية تميزه في هذا المجال، وهي أنه حين يعي ما يحيط به يعرف أنه ~~واع، في حين تكون بقية الكائنات واعية ولا تعرف أنها كذلك. إن مقياس الحرارة الترمومتر ~~إذا ما وضع في محيط على درجة معينة من الحرارة استجاب لمحيطه ذاك بارتفاع عمود الزئبق ~~فيه حتى يتعادل مع الحرارة المحيطة به. وقطعة الحجر تلقيها في مكان ما يتميز بخصائص ~~معينة كشدة الحرارة أو شدة الرطوبة لا بد أن يستجيب لتلك المؤثرات بما يتناسب معها، ~~فإذا انتقلنا ms222 إلى عالم الأحياء من أبسط مراحل النبات فصاعدا إلى عالم الحيوان بدرجاته ~~المتصاعدة في التراكيب؛ وجدنا استجابة الكائن الحي لمحيطه ذات فاعلية إيجابية واضحة، ~~فهو لا يلتقي بالموقف الذي يتلقى العوامل الخارجية دون أن يكون له حيلة فيها، بل تراه ~~يبذل من جانبه جهدا إيجابيا يبحث له عن العوامل التي تضمن له البقاء والنماء ~~والتكاثر، حتى إذا ما وصلنا في مدارج الارتفاع بالوعي إلى مرحلة الإنسان؛ وجدنا ذلك ~~الوعي قد بلغ حدا بعيدا من الدقة التي لا تكتفي بأعضاء الجسد في الاستجابة الملائمة ~~للظروف المحيطة، بل إنها لتمد من قدرات تلك الأعضاء إلى آماد بعيدة، وذلك باختراع ~~الأجهزة التي تساعدها على ذلك، فإذا كانت العين تبصر إلى مسافة معينة؛ جاء المجهر ~~«الميكروسكوب» فزاد لها من ضخامة الكائنات الصغيرة التي لم تكن العين لتراها وهي مجردة ~~فتراها، وكذلك جاء المنظار المقرب «تلسكوب»، فأتى بالأجسام البعيدة إلى بؤرة الإبصار. ~~وهكذا قل في الأذن حين يقف سمعها عند حد معين فيجيء لها الراديو والرادار لتسمع بهما ~~دبيب النمل في شتى أرجاء الأرض، ورفيف الطير في أجواز الفضاء، وانظر إلى ذلك الجهاز ~~الذي أطلقوه منذ لا أدري كم من الأعوام حتى جاوز ذلك الجهاز لا حدود الأرض وحدها بل ~~جاوز حدود المجموعة الشمسية كلها فيما أظن، وهو يرسل إليهم الرسائل عما يمر به من أجرام ~~الكون، ومع هذا الاتساع الهائل فيما أصبح الإنسان يدركه عن الحقائق المحيطة به اتسعت ~~قدراته على الاستجابة بالفكر وبالسلوك الملائمين. وبمقدار ما ازداد به الإدراك وازدادت ~~كذلك القدرة على الاستجابة، تكون غزارة الوعي. # ولا يكون إدراك الإنسان للحقائق المحيطة به ثم الاستجابة لها على صورة ملائمة، لا ~~يكون ذلك وعيا إذا بقيت تلك العوامل المدركة متفرقة فرادى لا يربطها الرباط الذي يجعل ~~منها وحدة متصلة الأطراف. فقد يعلم قروي كل شيء عن قريته وأهلها ثم يقف عند هذا الحد لا ~~يجاوزه، فلا يكون بذلك الأفق الضيق والنظرة المحدودة على وعي بالوطن المصري، دع عنك أن ~~يتسع وعيه ليشمل انتماءه ms223 العربي والإسلامي والإنساني بصفة عامة. وليس هذا الكلام كلاما ~~من قبيل الإنشاء بالمعنى الساخر لهذه الكلمة في استعمالها المألوف؛ كلا، بل إن ذلك ~~الأفق الضيق إنما ينعكس انعكاسا مباشرا على السلوك، فما لم يضع ذلك القروي قريته في ~~وطن يشملها ويشمل غيرها ثم يضع ذلك الوطن بدوره في قومية عربية، وهكذا تظل تتسع به ~~الدائرة؛ فلن تنضبط له الموازين التي يحكم بها على شئون قريته ذاتها. وإني لأذكر في هذا ~~السياق حوارا دار بيني وبين صديق طبيب كانت له مكانته الرفيعة في عالم الطب - وكان ذلك ~~منذ سنوات ربما بلغت العشرين - وكان موضوع حديثنا منصبا على الأساس الذي يجوز للطبيب ~~أن يحدد عليه أجره على عمله. وبالطبع لم تكن أجور الأطباء عندئذ قد طارت إلى ما يشبه ~~الأرقام الفلكية التي نعاني منها اليوم! فقال صديقي ذاك «رحمة الله عليه» إن الطبيب حر ~~في تقدير أجره؛ لأنه حر في المكانة التي يريد أن يضع نفسه فيها، وللمرضى بعد ذلك حريتهم ~~كذلك في الإقبال عليه أو في الإدبار عنه، فعارضته في رأيه ذاك قائلا: إنه لمن دواعي ~~ذلك الإنسان ووقوعه في الخطأ أن يحكم على الأشياء والمواقف وهي منزوعة عن ظروفها ~~ومحيطها، فليس الطبيب ومريضه حقيقتين مجردتين عن المكان والزمان، بل هما مواطنان ~~مصريان، يعيشان معا في هذه الفترة الزمنية التي نعيش فيها، ففي هذه الظروف المحددة؛ ~~نستطيع أن نجري عملية حسابية اقتصادية اجتماعية، يكون فيها من دقة الحساب العلمي درجة ~~كبيرة، فنعلم في هذه الظروف المحسوبة كم يكون مستوى الدخل في المتوسط، وبالرغم من أن ~~الأفراد يزيدون عن ذلك المتوسط حينا وينقصون حينا، إلا أنه يظل مع ذلك مرجعا ضابطا ~~نلجأ إليه لنعرف متى يكون في تقدير الطبيب لأجره شطط ومتى لا يكون، ونحن في حديثنا هذا ~~إنما نتحدث عن «الوعي»، ونقول إنه مرهون بإدراك الإنسان لعوامل محيطة، ثم الاستجابة ~~الملائمة لتلك العوامل، فلست أراه طبيبا «واعيا» ذلك الذي يعلم أن متوسط دخل المصري ~~خمسون جنيها في الشهر - مثلا - ثم يجعل ms224 أجر كشفه على المريض خمسين جنيها، ففي هذا ~~خلل واضح في علاقة الأجزاء بالكل الذي يحتوي على تلك الأجزاء، والخلل الواحد في البناء ~~لا بد أن يستتبع في جدران البناء شقوقا وشروخا حتى ينهار البناء كله على رءوس ~~ساكنيه. # نعم، إنه يستحيل الحكم على شيء معين، أو على موقف معين أو على فكرة معينة إلا بعد ~~نسبتها إلى الكل الذي يحتويها هي وغيرها في جسم واحد، والآن فلأضرب مثلا لذلك أقيمه ~~على مساحة أوسع من مساحة الطبيب ومريضه، وهو مثل أقارن فيه بين مواطن أمريكي ومواطن ~~مصري، وكيف يمكن قياس «القيمة» الواحدة المعينة من زاويتين مختلفتين: الأمريكي من زاوية ~~بيئته، والمصري أيضا من زاوية بيئته، فمن الفروق الواضحة بين الحالتين أن في أمريكا ~~أرضا واسعة وسكانا قليلين بالنسبة إليها، وأن في مصر أرضا ضيقة، وأعني الجزء المسكون ~~وسكانا كثيرين بالنسبة إليها، ذلك من حيث المكان، وكذلك نرى - من حيث الزمان - أن ~~المواطن الأمريكي قصير التاريخ، ثلاثة قرون تقريبا، وبالتالي فهو لا يحمل فوق ظهره إلا ~~قليلا جدا من قيود التقاليد، في حين أن المواطن المصري طويل التاريخ، ستون قرنا، ~~وبالتالي فهو مقيد بتقاليد لا حصر لعددها، ومعنى ذلك أننا إذ ننظر إلى الأمريكي في ~~مكانه وزمانه وإلى المصري في مكانه وزمانه كذلك؛ نرى في الحالة الأولى إنسانا لا حدود ~~في أرضه الفسيحة تحد من حركته ونشاطه ومغامراته. ثم لا قيود من تقاليده تحرم عليه ~~ضروبا من ذلك النشاط. فنتج عن ذلك أن انبثق للأمريكي من واقعه الذي يعيشه مبدأ يتواءم ~~مع تلك الحياة، وهو مبدأ النجاح بالمعنى الذي حدده الأمريكي لهذه اللفظة، وهو مقدار ~~المال الذي عاد به نشاطه ومغامراته، ولأن أمريكا «الولايات المتحدة» أصبحت هي الذروة في ~~البناء الحضاري في عصرنا، ومصداقا للقاعدة الحضارية التي صاغها ابن خلدون في مقدمته؛ ~~فقد هبط المعيار الأمريكي على سائر أقطار الدنيا هبوط الماء من قمة الجبل إلى سفوحه، ~~حتى أصبح النجاح في الحياة بالمعنى الأمريكي معيارا شائعا في سائر الشعوب، وأصبحنا ~~نحن ms225 في مصر نقيم معيار الملايين وتحصيلها كسبا حلالا أو نهبا حراما هو مبدأ من أهم ~~المبادئ التي على أساسها نحكم بالنجاح في الحياة وجودا وعدما. # لكن النجاح بذلك التعريف الأمريكي جاء نتيجة طبيعية انبثقت من مكان مطلق فسيح الأرجاء ~~يسمح بالنشاط المغامر، ومن زمان قصير لم يطل حتى الآن أكثر من ثلاثة قرون؛ فلم يفرز في ~~طبائع الناس هناك قيودا تعرقل سرعة الحركة. وأما في مصر أو ما تقرب ظروفه من ظروف مصر؛ ~~فالإطار المرجعي الذي كان ينبغي أن تنبثق منه مبادئنا الأساسية هو على نقيض الإطار ~~المرجعي في الولايات المتحدة؛ إذ المكان المعمور فيها محدود المساحة، والزمان وراءنا ~~طويل مما كثرت منه تقاليدنا، وينتج عن ذلك وجوب ألا يكون المليونير هو النموذج الأصيل، ~~بل إن ذلك النموذج في حياتنا كان ينبغي أن يكون صاحب العمق النفسي الذي يتمثل في مقاييس ~~داخلية أكثر مما يتمثل في حسابات مصرفية، وتلك المقاييس الداخلية ثقافية كلها، وعلى رأس ~~القائمة فيها عمق الإيمان الديني وصدقه وإخلاصه، بما يتضمنه ذلك الإيمان من خلافة الله ~~في الأرض لتعميرها بالعمل، مستعينا بقوة العلم ومضاء العزيمة، وما يترتب على ذلك ~~الإيمان كذلك حتما من رؤية خاصة إلى الكون ومصدره بصفة عامة، وإلى الإنسان وقيمة سلوكه ~~بصفة خاصة. # على هذا النحو يكون إدراكنا لظروف محيطنا كما تكون استجابتنا في مواءمتها لتلك ~~الظروف، فمن هذا المنظور نرى التفصيلة الواحدة من تفصيلات حياتنا لا يحكم عليها وهي ~~مفردة، بل لا بد من اتساقها مع النسيج العام حتى يحكم عليها بالصلاحية والقبول، ولو ~~أن صديقي الطبيب الذي كنت أحاوره في حرية الطبيب أو عدم حريته عند تحديد العلاقة بينه ~~وبين مريضه قد نظر إلى المسألة من هذا المنظور؛ لأدرك الإطار المرجعي الذي على أساسه ~~يكون الحكم، إنه إذا قيل إن في الولايات المتحدة عددا ضخما من أصحاب الملايين؛ لكان ~~أول ما يرد إلى خاطري هو أن ذلك قد جاء نتيجة طبيعية للظروف الخارجية التي منها يتكون ~~مسرح النشاط البشري، إلا إذا ثبت ms226 العكس في الحالات التي جاءت فيها الملايين إلى أصحابها ~~بطريق غير مشروع، أما في مصر فإذا قيل لي إن فيها الآن عددا ضخما من أصحاب الملايين؛ ~~فإن أول ما يرد إلى خاطري هو أن أفردا داسوا أفرادا آخرين بصورة ما إلا في الحالات ~~التي يثبت فيها العكس، وهو أنها جاءت إلى أصحابها بطريق الإنتاج. وها هنا أيضا يجيء ~~حكمي هذا على أساس النظر إلى النسيج العام وهل من طبيعته أن يفرز المليونير، أو أن ~~المليونير فيه أقرب إلى الورم الذي أنتجه المرض. # لقد صحونا حقا منذ أكثر من قرن ونصف قرن، بمعنى أننا أيقظنا في أنفسنا وسائل ~~الإدراك لما حولنا في بلدنا وفي سائر العالم، لكننا لم نلحق ذلك الإدراك باستجابة ~~ملائمة، فنتج أن ظلت صحوتنا بغير وعي يصاحبها، فلا نحن اتسقنا بأفكارنا وسلوكنا مع ~~حقائق الواقع على مستوى العصر في العالم كله، ولا نحن اتسقنا بتلك الأفكار وهذا السلوك ~~مع حقيقة الواقع المصري. # الفصل السابع والعشرون # | أستاذ يحلم # عرفته منذ أعوام طوال امتدت بنا معا ما امتد الجزء الأكبر من هذا القرن العشرين، ~~لكننا برغم ما بيننا من روابط الزمن والنشأة والزمالة وتشابه المراحل والأهداف، كنا على ~~مزاجين مختلفين، فهو جاد مجتهد حريص على وقته بكل دقائقه وثوانيه، وأما أنا فقد كنت ~~كثيرا ما أمزج الجد بالمزاح، والعمل بالراحة، فلا عجب أن غلبت عليه جهامة القسمات، حتى ~~ليكاد الناس لا يرونه إلا عابسا بغير داع يدعوه إلى العبوس، وكنت أنا على خلافه، باسط ~~الأسارير، مبتسما، أتصيد من الأحداث والأقوال ما يبعث على الضحك لأضحك ملء الشدقين، ~~لكن اتفاقنا على سيرة واحدة في الحياة العملية، وخطوات واحدة، وأهداف واحدة، واهتمامات ~~علمية واحدة؛ جعل اختلاف المزاج بيننا انقباضا وانبساطا يزيدنا ارتباطا أكثر جدا ~~مما يباعد بيننا. # ولقد كان موضوع حديثنا مساء الأمس حلما رآه وأخذ يرويه لي بتفصيل أضفى على الحلم ~~واقعية شديدة، حتى لقد توهمت أنه إنما يروي عن موقف وقع له بالفعل في حياته الجامعية. ~~فقد روى عن رؤياه ms227 في الحلم أنه ذهب ذات صباح إلى الكلية التي هو أستاذ بها؛ ليلقي ~~محاضرته الأولى في ذلك اليوم، وقد كان من عادته دائما أن يختار أول محاضرة في الصباح؛ ~~لأنه ممن يأوون إلى فراشهم مبكرا في المساء، ويستيقظون في ساعة مبكرة في الصباح ... ~~فواعجباه كيف وجد الكلية في ذلك اليوم، مختلفة المبنى عما قد ألف طوال حياته العاملة، ~~فهي يومئذ في منزل ذي طابقين، يقع في شارع ضيق من حي عتيق ، فأخذ الأستاذ يلتفت ~~بنظراته يمنة ويسرة وإلى أعلى، متسائلا أهو هذا البناء الذي كان يقصد إليه كل صباح؟ ~~إنه لمحال أن يكون، ولكن هؤلاء هم طلابه يطلون من نوافذ الطابق الثاني، وما يزال ~~أفراد منهم يسرعون الخطى في الطريق ليكونوا في قاعة الدرس عند دخول الأستاذ؛ إذ هم قد ~~عرفوا فيه دقة التوقيت على صورة تبعث على احترامه، وعلى الدهشة منه في آن معا، فحوقل ~~الأستاذ وبسمل ودخل المبنى، وواجهته درجات سلم حجري مرطوبة ومهشمة الأطراف، لكنه مرة ~~أخرى حوقل وبسمل (قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وبسم الله الرحمن الرحيم) وصعد، ليجد ~~غرفة الدراسة على يمينه مباشرة. # دخل الأستاذ، فوجد عددا قليلا من الطلبة والطالبات، تجمعوا بجوار النافذتين اللتين ~~كانتا على يسار الداخل، وتطلان على الطريق العام، إذ كانت الشمس قد فرشت على الأرض ~~مربعا من ضوئها إلى جانب كل من النافذتين، فوقف في ذلك المربع المشمس الدافئ كل من ~~استطاع أن يجد موضعا لقدميه من الطلبة والطالبات، فلقد كان الصباح قارص البرودة، وأما ~~ما أدهش الأستاذ عند النظرة الأولى، فلم يكن ذلك التجمع المتزاحم بجوار النافذتين، إذ ~~كانت لذلك علته، ولكن الذي دهش له هو أنه رأى المقاعد والتخوت قد تناثرت على الأرض في ~~خليط عجيب، وكان فيما سبق يراها مصطفة في نظام محكم، لكن الأستاذ لم يبد من دهشته ~~شيئا، وكل ما في الأمر أنه نظر فوجد كرسيه ومنضدته قد وضعا هناك بالقرب من إحدى ~~النافذتين، ليكونا في المربع المشمس، جلس عليهما بعض الطلبة، لكنهم ms228 فور دخول الأستاذ ~~أسرعوا بالوقوف، فقال الأستاذ في هدوء وقور: إنني أفضل الجلوس في الظل، واتجه نحو كرسيه ~~وحمله لينقله إلى الركن المقابل في الناحية الأخرى من الغرفة، ولكي يحمل كرسيه؛ رأى أن ~~يضع حقيبة كتبه وأوراق على المنضدة لتفرغ له يداه، فكان العجب أشد العجب أن وجد الذي ~~بين يديه مقطفا كبيرا، وفي أرضيته ورقة مهترئة قديمة، فوضع مقطفه ذاك على أرض الغرفة، ~~وكان ينوي أن يضع حقيبته على المنضدة ، لو بقيت له الحقيبة على طبيعتها التي ~~كانت. # حمل الأستاذ كرسيه متجها نحو جانب الظل من الغرفة، وتبعه عدد من الطلبة والطالبات، ~~وفي انتقاله ذاك من مكان إلى مكان مقابل؛ رأى ما يشبه أفعال الشياطين في الأساطير، ~~وأخذه رعب أخفاه بضحكات خفيفة؛ لأن أحدا من مجموعة الطلبة والطالبات التي تبعته لم ~~يبد علامة تدل على دهشة أو على رعب، كأن أفراد تلك المجموعة لم يروا ما هو رائيه ~~آنئذ، وهو أن الكرسي الذي يحمله بين يديه أخذ ينكمش ويتحول، انكماشا وتحولا انتهيا ~~به إلى أن يكون مقعدا خشبيا صغير وطيئا، كالذي كان يطلق عليه في طفولتنا «كرسي ~~مطبخ»؛ لأن سيدة البيت كانت كثيرا ما تجلس وهي تطهو على كرسي خشبي صغير يقترب مسطحه من ~~مسطح الأرض، ووضع الأستاذ كرسيه ذاك في ركن غرفة، لم يجدها غرفة الدرس التي تجمع الطلبة ~~والطالبات فيها، إنما هي غرفة مجاورة لها، وبين الغرفتين باب لم يوضع فيها المصراعان ~~الخشبيان، بل كان «فتحة» للمرور، وخلالها سمع زياط الطلبة والطالبات في الغرفة ~~المجاورة، وأما هو فقد جلس جلسة مقرفصة على كرسيه الخشبي الذي كاد يلصقه بأرض الغرفة، ~~ونظر فإذا هو وحده، والغرفة خالية من كل شيء، إلا بلاطها المرطوب العريان، واختفت ~~المجموعة التي كانت تسير وراءه في انتقالته، اختفت ولم يعلم متى اختفت ولا كيف؟ # سكت لحظة، فسألته: أعند هذا انتهى الحلم واستيقظت؟ # قال: لا، ليته كان؛ بل كانت له تكملة تلفت النظر إذا ما أردنا تأويل الحلم؛ ففجأة ~~وجدتني مع أسرتي: الوالدين والإخوة، وجدتني ms229 مع أفراد الأسرة، حين كنت في أول الشباب، ~~وقد كان المفروض أننا - أنا وأخي - على أهبة سفر بالطائرة إلى حيث لا أتذكر أين، ~~وأعددنا تذكرتي السفر، ورتبنا حقائبنا، وفجأة مرة أخرى، أدركنا أن موعد إقلاع الطائرة ~~لم يعد بيننا وبينه إلا ربع الساعة، والطريق إلى المطار طويل، يستغرق ما يقرب من ساعة ~~كاملة، فلم أدر إلا وقد عدوت وحدي عدوا سريعا نحو المطار، لا حقائبي معي ولا تذكرة ~~السفر، وقطع على الطريق خندق عميق، لكنني وجدت طريقا مدقوقا بالحجر الأبيض على السفح ~~النازل، وعبر قاع الخندق، ثم على السفح الصاعد إلى حيث الطريق المؤدي إلى المطار. وقفت ~~نصف دقيقة أحسب هل أنا مستطيع العبور؟ وهنا رأيت شابين يعبران وهما يضحكان بقهقهة ~~عالية، فتشجعت وعبرت في سلام، برغم صعوبة التسلق في السفح المقابل والمؤدي إلى حافة ~~الطريق المرصوف؛ إذ كان لا بد للصاعد وهو في المرحلة الأخيرة التي لم يكن بها انحدار ~~يساعد القدمين، بل كان كأنه حائط عمودي أملس. أقول إنه كان للصاعد في تلك المرحلة ~~الأخيرة أن يكون في وضع الواقف، وأن يمد ذراعيه إلى أعلى ليمسك بالحافة الأسفلتية ~~البارزة، ثم يقفز قفزة قوية تقعده على أرض الشارع، وتم ذلك كله بسلام ونجاح. لم يكن على ~~الشارع العريض مخلوق. لم يكن على مرأى البصر عمران، كانت السماء في مثل ظلمة الغسق، لا ~~لأن الليل قد أقبل؛ بل لأن السحب قد حجبت ضياء الشمس، فاستعنت بالله، وعدوت ولبثت أعدو، ~~متجها نحو المطار، كان وقت إقلاع الطائرة قد فات منذ مدة طويلة، وحتى لو لم يكن كذلك، ~~فأين هي تذكرة السفر، وأين هي حقيبتي، لكنني أخذت أعدو برغم ذلك كله، حتى هدني التعب ~~وقطع اللهاث أنفاسي أو كاد، فصحوت. # قلت: إنه حقا حلم متماسك الأجزاء، واضح الصورة. # قال: إنه يشغلني بكثرة رموزه، فهل لك أن تحاول له تأويلا؟ # قلت: أنت تعلم أن الإنسان صاحب الحلم هو أحق الناس بتأويل حلم نفسه؛ لأنه يعرف دقائق ~~حياته الفعلية، فيعرف إلى أي الأشياء تشير ms230 رموز الحلم، فحاول أنت ما استطعت، وها أنا ذا ~~مصغ إليك، وربما كانت لي محاولات مفيدة أشارك بها في عملية التأويل، فبين حياتك وحياتي ~~شبه قريب، وإن هذه المناسبة لتغريني بأن أستطرد في الحديث قليلا لأقدم رأيا في ~~الطريقة التي يبني بها الإنسان أخلاقه؛ لأنه إذا كانت هنالك آراء يقدمها علم النفس في ~~هذا السبيل؛ فأغلبها منصب على «لماذا» يحلم الإنسان؟ ثم تتعدد الإجابات بتعدد المذاهب. ~~أما ما أريد عرضه الآن فموضوع آخر؛ إذ السؤال فيه هو «كيف» يتم البناء التصويري، الذي ~~تصور به الرؤيا ما تريد تصويره؟ وهي إنما تصور - في كثير من الحالات - شعورية يعيشها ~~صاحب الحلم، وقلما تصور «فكرة» تبلورت واكتمل تكوينها عن الموضوع الذي تدور حوله رؤيا ~~الحالم. والرأي الذي أعرضه هنا لأوضح به «كيف» تبنى الصورة في الحلم، وهو أن قوة الخيال ~~المبدع، التي نراها في حياة اليقظة عند رجال الفن والأدب حين يبدعون ما يبدعونه من ~~مركبات صوتية أو لونية أو لفظية، هي هي نفسها الخيال المبدع أثناء النوم، وكل الفرق بين ~~الحالتين هو فرق في نسقية البناء بعد أن تتم عملية إبداعه، فإذا كان النعاس ينيم الجانب ~~«المفكر» من الإنسان، بما في ذلك الحواس؛ فإن النعاس لا ينيم الخيال المبدع، حتى وإن ~~نقصت فيه قوة إبداعه كثيرا أو قليلا، فهو يمضي في نشاطه، بانيا ما يبنيه من مركبات ~~تصويرية، تكون هي أحلامنا، لكن ذلك الخيال إذ ينشط بفاعليته الإبداعية تلك، إنما يلتقط ~~الأجزاء التي يقيم منها بناءه، يلتقطها من الخبرات السابقة التي وردت في حياة الحالم ~~الماضية، ثم يغلب على الخيال المبدع إذ هو يقيم البناء من تلك الأجزاء التي انتقاها ~~والتقطها من الخبرة السابقة، ألا يستخدمها في معانيها الحقيقية، بل إنه يجعل منها ~~رموزا تشير إلى معان أخرى، وهذه العملية الرامزة شائعة في كل مبدعات الأدب والفن، ومن ~~هنا كانت مهمة من يتصدى لفهم المعنى الكامن في حلم ما، شبيهة من جانب أساسي بمهمة ~~الناقد في عالم الأدب والفن، فكلاهما يقرأ ما ms231 يعرض عليه قراءة من يستشف ما قد كمن ~~واختفى وراء الظاهر. ولقد قدمت لك هذا الذي قدمته عن طبيعة الأحلام؛ لأنتهي به إلى ~~اقتراح أعرضه في سبيل التعاون معا على قراءة حلمك البديع في مبناه. واقتراحي هو أن ~~نبدأ باستخراج الأجزاء التي تبدو عليها الوظيفة الرمزية بصورة لا تحمل الشك، وعليك أنت ~~أن تذكر ما تراه في خواطرك مرتبطا بكل رمز منها، حتى إذا ما فرغنا من فك الرموز، ~~حاولنا قراءة الحلم قراءة تبين لنا حقيقة معناه. # قال: لقد أمتعتني حقا بما قلته، وها أنا ذا على استعداد لذكر ما يفيض به خاطري إزاء ~~كل رمز من الرموز التي وردت في رؤياي، فانطق بها أنت رمزا وسأجيبك بما يستدعيه عندي كل ~~رمز منها. # قلت: البيت القديم الذي كان في حلمك هو الكلية التي تحاضر فيها؟ # قال: بيت قديم كنت أسكنه أيام الدراسة. # قلت: المقطف الذي تحولت إليه حقيبة كتبك وأوراقك؟ # قال: مقطف أراه مع جامع القمامة على السلم الخلفي في العمارة التي أسكنها. # قلت: الكرسي الذي تحول بين يديك فأصبح مقعدا خشبيا صغيرا خفيضا؟ # قال: كرسي الأستاذية. # قال: بماذا توحي إليك صورتك وأنت تجري إلى طائرة أقلعت، وليست معك تذكرة السفر ولا ~~حقيبة الملابس؟ # قال: إنها توحي بالسراب الذي تحسبه ماء، حتى إذا ما اقتربت من مكانه لم تجده ~~شيئا. # قلت: إنني يا صديقي فور سماعي لرؤياك، قفزت إلى ذهني جملة كدت أنطق بها؛ إذ رأيتها ~~مترجمة لمعنى الرؤيا التي سمعتها، لكنني أمسكت عن نطقها حتى يستبين صدقها خلال حديثنا، ~~وأحسب أن صدقها قد استبان لي في وضوح. وها هي ذي أقولها، وعليك التعليق، إن رؤياك تصوير ~~لجامعة فقدت مقوماتها، ولأستاذ أصابه إحباط؛ فماذا أنت قائل؟ # قال: ربما صدقت في حكمك بشطريه، ولكنه ليس كل الصدق. فقد تجاهلت أجزاء من الصورة، لا ~~بد أن يكون لها معناها؛ ومن أهمها النافذتان في غرفة الدراسة، اللتان نفذت منهما أشعة ~~الشمس الدافئة، لتفرش الأرض بمربعين من الضوء تزاحم فيهما الطلاب، فلماذا لا ترى ms232 في ذلك ~~رمزا للأمل في أزمة تنفرج بعد حين؟ # قلت: صدقت ... وما رأيك يا صديقي في أن تغض النظر الآن عن رؤياك ورموزها لترخي لنفسك ~~العنان في حديث تنطلق فيه حرا، فتروي عن حياتك الجامعية ما يعن لك أن ترويه، على ضوء ~~ما توحي به الرؤيا، دون التقيد بتفصيلاتها؟ # قال: سأفعل ذلك، ولكن لماذا أغض النظر عن ذلك الحلم القوي في تعبيره، والواضح في ~~إشاراته وتصويره؟ وكل ما في الأمر من التغيير الذي أحدثه فيه، وهو أن أجعل جزأه الأخير ~~الخاص بالجري وراء طائرة أقلعت يأتي أولا، وبذلك تستقيم لي القصة في تسلسل فصولها. ~~فالحق أني منذ شبابي الباكر، لم تتعلق آمالي بشيء، كما تعلقت بحياة علمية وأدبية ~~أعيشها. ففي ذلك الشباب الباكر - أو قل فترة المراهقة - تعددت أمامي النماذج، فالأسماء ~~التي كانت تدوي في آفاق حياتنا كثيرة ومنوعة الأهداف، ففي دنيا السياسة نجوم سطعت، وفي ~~دنيا المناصب الحاكمة سلاطين وملوك وأمراء ووزراء، وفي دنيا المال أقطاب، وكذلك كانت ~~حياة العلم والفكر والأدب عامرة بأعلامها. فما تعلق إكباري وإعجابي إلا بهؤلاء الأعلام، ~~وما رجوت لنفسي طريقا غير طريقهم، ولا هدفا إلا من جنس أهدافهم، وبهذا رسم أمامي ~~الطريق. # سرت على ذلك الطريق سيرة كانت فيها من العثرات أكثر مما كان فيها من التوفيق، وكنت مع ~~كل عثرة أيأس بالكلام، ولكني لم أيأس قط بالفعل وبالعمل، وما أكثر ما رددت لنفسي عبارات ~~التوبيخ كلما رأيتها تبذل الجهد مضاعفا، بعد أن يكون الأوان - في ظني - قد فات، وأصبح ~~الجهد المبذول كبذرة بذرت في أرض جدباء، وأحسب أن ذلك الجزء من الحلم، الذي كنت فيه ~~أعدو لاهثا وراء طائرة أقلعت وغير مسلح بالأدوات اللازمة للسفر؛ أقول إن ذلك الجزء من ~~الحلم، قد أجاد لي التصوير لتلك الحالة الغريبة التي طال معي أمدها، والتي لم تخل ~~يوما واحدا من علاقة تتأزم بيني وبين نفسي، فجهود تبدو وكأنها ضائعة، مما كان من شأنه ~~أن يكف صاحبها يائسا ليستريح. تقابلها من الجانب الآخر عزيمة صممت على ms233 ألا يسقط من ~~قبضتها اللواء، وإني لأذكر جيدا كم حاولت إقناع الجانب اليائس من نفسي، ألف مرة بعد ~~ألف مرة بأنني إنما أعمل للعمل في ذاته، لا لنتائجه؛ لأن حقيقة الأمر في حياة العلم ~~والفكر والأدب والفن، هي أن الفاعلية المبذولة هي جزاء نفسها، فإذا أثمرت أخرى بعد ذلك ~~في الحياة العملية؛ كان خيرا من الله، وإلا ففي ذاتها جزاؤها الكافي، والعجيب يا أخي ~~هو أن بعض مقومات ذلك الجزء من الحلم، قد جاء انعكاسا حقيقيا لحياتي الفعلية التي ~~عشتها، ولكن مع تعديل لا يخلو من المغزى، فالخندق الذي صادفني في طريقي إلى الطائرة ~~السراب، كان له مقابل حقيقي في حياتي، لكنه في واقعه الماضي كان يخلو من الدرب المدقوق ~~بالحجر الأبيض الذي رأيته في رؤياي، والطريق الذي كان يعبر إليه عابر الخندق لم يكن ~~مرصوفا ولا نظيفا ولا خاليا، كما رأيته في الرؤيا، ولا أدري إن كان هذا التعديل قد ~~جاءت به الصورة الحالمة؛ لتذكرني بأن الصعب يسهل مع الزمن، وبأن القانون الإلهي لحياة ~~الإنسان هو «أن مع العسر يسرا». # وكانت الطريقة التي انكمش بها كرسي الأستاذية والتي تحول بها، قريبة جدا في ~~مدلولها، من الصورة التي وصفها «كافكا» عندما صور إنسانا أخذ أثناء الليل يتحول إلى ~~خنفساء، ولقد أراد بذلك أن يقول رأيه مختصرا فيما أصاب حياة الإنسان في عصرنا، وهو ~~يعاني جانب السوء الذي تولد عن جوانب الارتقاء. وأما أشد الرموز بشاعة، وهو الذي تحولت ~~به حقيبة الكتب والأوراق إلى مقطف يشبه مقطف جامع القمامة، فإنك لتعرف كم هو يقرب من ~~الصدق في تصويره، إذا كنت قد رأيت ما رأيته أنا ذات يوم في طالب لم يكد يفرغ من امتحانه ~~حتى جمع مذاكرته وكتبه وأشعل فيها النار، ووقف أمام الكومة المشتعلة ضاحكا بما هو شر ~~من ضحكات نيرون عندما أشعل النار في روما، ووقف في شرفة قصره ليمتع عينيه بالنظر إلى ~~صنيعة يديه الآثمتين، وإنما جاءت ضحكات الطالب المعتوه شرا من ضحكات نيرون في مغزاها؛ ~~لأن نيرون ms234 كان في بلاهته صادرا عن روح العبث، وأما الطالب فقد أحرق العلم الذي حصله ~~بدافع من روح الانتقام. ولقد انتهت بي رؤياي إلى أن وجدت نفسي على كرسي خشبي صغير وطيء، ~~في غرفة عارية أرضا وجدرانا، لكنني لن أتجاهل برغم ذلك كله ذينك المربعين المشمسين ~~المضيئين الدافئين، اللذين أنفذتهما إلى أرض الغرفة نافذتان مفتوحتان على سماء طلقة لا ~~نهائية الأبعاد، فذلك هو الرجاء المصري، كان كلما كبا في عثرة استقام له الطريق بهداية ~~من الله. # قلت: لقد رأيتها منذ اللحظة الأولى رؤية البداهة فور استماعي إليك تروي رؤياك؛ إذ ~~رأيت فيها جامعة تفقد مقوماتها وأستاذا يصيبه إحباط، لكن للشمس شروقها بعد كل ~~غروب. # وتحقق لي الأمل الذي نشدته منذ الصبا، وأتيح لي من أسباب الدراسة العلمية ما أحمد ~~الله عليه حمدا لا ينقضي، وأصبحت أستاذا بالجامعة، وها هنا يأتي الجزء الثاني والأهم ~~من رؤياي، ويشهد الله أني ما سعدت في حياتي الجامعية بقدر ما شقيت. فحقيقة الواقع كما ~~تراها بعين منزهة عن الهوى وعن الرغبة العمياء في الدفاع عن النفس، حتى إذا وجدت تلك ~~النفس على ضلال وعلى ضعف وعجز؛ أقول إن حقيقة الواقع كما تراها من الداخل بتلك العين ~~المنزهة تفزعك وتشقيك، وإني لأقولها لك يا أخي قولة حق يرتجف لها اللسان وترتعش عند ~~نطقها الشفتان، وذلك لأنها حقيقة لا يرضاها إلا من فقد الرجاء في أن نثبت وجودنا أحياء ~~بين الأحياء، وتلك هي أن رموز الرؤيا في أبشع دلالاتها لم تبعد كثيرا عن الدقة في ~~تصويرها للواقع كما يقع يوما بعد يوم وعاما بعد عام. # فإذا كنت في الحلم قد ذهبت إلى الكلية لأحاضر الطلاب، فوجدتها مبنى أجرب، ثم صعدت ~~السلم إلى الطابق العلوي، فإذا درجاته لا تحض على الصعود، ودخلت قاعة الدرس، فإذا قطع ~~الأثاث نفسها قد فقدت نظامها، وإذا الطلاب قد بردت أجسادهم، والتمسوا الدفء يأتيهم من ~~خارج نفوسهم، وما ذلك الخارج المرتجى إلا مربعان مشمسان صغيران لا يسعان جميعهم، ~~فيتزاحم بعض، ويخرج من دائرة الأمل ms235 بعض آخر، ولقد بلغ التصوير أدق حالاته، عندما رأيتني ~~في الحلم أهم بنقل الكرسي الذي أعد لجلوسي من النور إلى الظل، فمن ناحية تلك هي نوازعي ~~في حياة اليقظة، ومن ناحية أخرى، فإن تعبير الرؤيا في ذلك الصدد، هو أن العلم قد فقد ~~كثيرا جدا من مكانته في حياتنا، ولم تعد للأستاذ الجامعي تلك المنزلة العليا التي ~~كانت له في عهد الأساطين. # الفصل الثامن والعشرون # | العصور هي أفكارها # لم تكن مناسبات قليلة، تلك التي صادفتني آنا بعد آن، لأقرأ فيها لكاتب أو لأسمع ~~فيها لمتحدث، تساؤل المتعجب من دعوة تدعو إلى أن تتجه الأمة العربية في عصرها هذا، نحو ~~تربية أبنائها وبناتها، وتثقيفهم، على نحو يخرجون منه بتكوين فكري ووجداني، يظلون به ~~عربا كما هم في هويتهم بكل ما تتميز به من سائر الأمم، ثم يستطيعون به - في الوقت نفسه ~~- أن يواجهوا عصرهم الراهن بكل ما يتطلبه ويقتضيه ممن يحيون فيه. # وإن ذلك التساؤل المتعجب، ليبلغ ذروته في السخرية حين يحكم المتسائل على من يتبنون ~~دعوة كهذه بأنهم إنما يحيون في ضروب من أوهامهم تبيح لهم أن يستخدموا ألفاظا دون أن ~~يكونوا على وعي بمعانيها، وأن يتصورا تصورات تنقض نفسها بنفسها، فكيف يمكن لإنسان أن ~~يعيش في عصر معين دون أن يكون معاصرا لذلك العصر الذي يعيش فيه؟ هكذا يتساءل أولئك ~~المتعجبون حين تملؤهم دعابات الساخرين، ثم كيف يمكن لإنسان أن يحيا في يومنا هذا ولا ~~يحيا فيه معا؟ أليس الدعاة إلى صيغة حياة جديدة يدعون لإقامتها على مبدأ الجمع بين ~~«أصالة ومعاصرة» هم بمثابة من يتصور إمكان أن يقع تناقض كهذا، عندما يزعمون أن بين ~~أبناء أمتنا العربية من اختاروا العيش في الماضي ومع السلف؟ إذن فالمتعجب الساخر لا ~~يفهم دعوة الجمع بين أصالة ومعاصرة، لا يفهمها من وجهين، فهو لا يعقل أن يكون إنسانا ~~حيا في هذا العصر وألا يكون معاصرا، فذلك التناقض في القول، إنما يكون كمن يقول إن ~~فلانا من الناس يعيش سنة 1985م ولا يعيش ms236 سنة 1985م في آن واحد، وبالمنطق نفسه لا يفهم ~~المتسائل المتعجب، بل ولا يعقل أن يقال عن إنسان إنه يعيش معنا الآن، ولكنه لا يعيش ~~معنا الآن، بل عاد بأدراج الزمن حتى استقرت له الحياة مع السالفين. # وحقيقة الأمر فيما يتعجب منه المتعجبون، أبسط وأوضح مما تحدث مثل هذا التعجب كله، ~~وتلك السخرية كلها، فإذا تحدث متحدث عن عصر معين من التاريخ الحضاري، أو التاريخ ~~الفكري، فهو إنما يتحدث - بداهة - عن جانب «الحضارة » أو جانب «الفكر» من العصر الذي ~~جعله موضوعا لحديثه، فإذا قال قائل - وكاتب هذه السطور هو ممن يقولون ذلك - بأن الأمة ~~العربية في عصرنا هذا لا تعيش كلها بنظرة واحدة، بل يمكن القول بأنها تنقسم على نفسها ~~ثلاثة أقسام، فالأكثرية الغالبة منها تكون راجعة إلى الماضي لتنظر مع السلف كما كان ~~ينظر ذلك السلف، وأقلية قليلة منها تحيا مع عصرها هذا إلى حد الإسراف، الذي يسلبها ~~هويتها العربية، ومجموعة ثالثة، لعلها هي التي أخذت بيدي الأمة العربية لتخطو نحو عصرها ~~تلك الخطوات البطيئة التي حققتها في هذا السبيل، وإنها لمجموعة استطاعت أن تحتفظ للعربي ~~بجوهر هويته العربية، ثم أن تمكنه في الوقت نفسه من أن يأخذ عن العصر ذلك القليل الذي ~~أخذه، فاستطاع أن يتقدم بقدر ما أخذ. أقول: إنه إذا قال قائل مثل هذا القول، فمن غير ~~الإنصاف أن يتناول ناقد من زاوية المعنى الذي نفهم به كلمة «العصر» وكأنها سلسلة من ~~اللحظات الزمنية المفرغة من مضمونها الذي يملؤها بأحداث حقيقية، هي التي تجعلها حياة ~~ذات حضارة بعينها، أو ذات اتجاهات في الفكر والفن والأدب والسياسة، وغير ذلك من جوانب ~~الحياة المعاشة، نعم إننا إذا وجهنا النظر إلى لحظات الزمن كما تشير إليها عقارب ~~الساعات التي يلبسها المتسائلون الساخرون حول معاصمهم لكان من الخبل أن يقول قائل: إن ~~الساعة تشير إلى التاسعة صباحا، لكنها لا تشير إلى التاسعة صباحا، ومثل هذا التناقض ~~الصارخ، هو ما قد ظن بعض المتسائلين أنه قائم في القول بأن جماعة منا ms237 تعيش هذا العصر ~~(زمنا) ولكنها لا تعيش فيه (رؤية حضارية وثقافية). # وإذا كان هذا الفكر الواضح، يراد له أن يزداد وضوحا؛ فلنأخذ أمثلة حية مجسدة في ~~أشخاص كانوا ذوي أجساد من لحم ودم وعظام، وكانوا يتنفسون ويأكلون ويتحركون، وكانوا فوق ~~ذلك يفكرون ويضعون أفكارهم على الورق ليقرأ لهم القارئون، ومع ذلك فقد كانوا يعيشون في ~~زمن واحد بمقاييس الساعات التي نلبسها حول المعاصم، ولكنهم يعيشون في عصور تختلف في ~~أحدهم عن زميله، وليكن المثل هو ثلاثة رجال تزامنوا في مصر إبان العشرينيات من هذا ~~القرن، وهم: طه حسين، وسلامة موسى، ومصطفى صادق الرافعي، فعلى الرغم من أن عقارب ~~الساعات كانت تشير بأن الثلاثة أبناء عصر واحد من ناحية الزمن المجيد؛ فقد كانت ~~اتجاهاتهم الثقافية تصرخ صراخا يسمعه الصم بأن أحدهم كان من الناحية الفكرية وفي تصوره ~~للمثل الأعلى في حياة العربي كيف ينبغي له أن يكون، وهو مصطفى الرافعي يعيش في الماضي ~~مع السلف بفكره وبقلبه وبذوقه جميعا، بينما كان يقابله في النقيض الآخر سلامة موسى، ~~يريد لنفسه ولقرائه أن يعيش مع أبناء الغرب العصريين، بفكره وبقلبه وبذوقه أيضا، وكان ~~طه حسين يتوسط النقيضين وسطا، يريد لنفسه وللناس أن يحيا وأن يحيوا على ثقافة تدمج ~~الطرفين في صيغة واحدة، وهي هي الصيغة التي - لحسن الحظ - قد دعا إليها أعلام نهضتنا ~~جميعا، ولكنها أيضا هي الصيغة التي - لسوء الحظ - يقاومها جمهور الشعب، متأثرا في ~~ذلك بتحفظات من يخشون أن يكون لما يؤخذ عن حضارة العصر وثقافته تأثير سيئ على كيان ~~الهوية العربية التي يكون الإسلام ركنا جوهريا فيها. # فإذا سألنا أولئك المتعجبين الساخرين: من ذا الذي ترونه جديرا بالريادة الفكرية من ~~هؤلاء الثلاثة؟ أيكون سؤالنا هذا دليلا على خلل عقلي في رءوسنا؟ لكننا إذا سألناه عن ~~عقل سليم، فمهما تكن إجابة المجيب، فهنالك اعتراف ضمني بأن الزمن الواحد (بحساب الساعات ~~ذوات العقارب) قد يتجاوز فيه ثلاثة أنماط ثقافية: نمط منها يرتد إلى الماضي، ونمط آخر ~~يرتمي بكل وجوده في حاضر الآخرين، ms238 ونمط ثالث يفضل أن يستبقي من ماضيه ثوابت هويته ~~القومية والتاريخية، ثم يستبدل بمتغيراتها الماضية متغيرات أخرى تكون هي الأصلح لزماننا ~~هذا وظروفه، فإذا كانت اللغة والدين من الثوابت التي لا يجوز لها أن يتغير من جوهرها ~~شيء؛ فالعلوم وطائفة كبيرة من النظم الاجتماعية كأنظمة الحكم وأنظمة التعليم وغيرها، ~~مما يجوز عليه التغيير؛ لأنها جميعا متغيرات مع الزمن بحكم كونها حاصلا ينتج بالضرورة ~~عن الظروف المستحدثة، في الوقت الذي يجب أن تظل الثوابت من البناء الثقافي؛ لأنها هي ~~التي يراد لها أن تتحكم في تلك الظروف المستحدثة لتشكلها وفق مثلها العليا. # وتعالوا نحلل معا حياة الفرد الواحد في شرائح عمره التي تختلف نظرته العامة وفوق ~~اختلافها، فإذا وجدنا في تلك المراحل العمرية، ما يوجب أن تدوم في شخصية الفرد بعض ~~الثوابت التي تتصل اتصالا مباشرا بوجوده الروحي والقومي، ومعها جوانب أخرى لا بد لها ~~أن تتغير مع التغير الذي يصيب كل مرحلة من مراحل العمر، من جهة، ومن تراكم الخبرات ~~الحية المستفادة من مكابدة الحياة العملية، من جهة أخرى؛ علمنا بذلك أن ما يصدق على ~~الفرد الواحد في تدرجه مع امتداد الزمن، قد يصدق كذلك على مجتمع بأسره، إذا لم يكن في ~~الحياة الاجتماعية عناصر إضافية، تضاف إلى ما يكون طبائع الأفراد، ولئن كان أفلاطون ~~حين أراد أن يحدد حقيقة «العدل» حين يقال عن فرد من الناس إنه عادل، قد لجأ إلى تحليل ~~فكرة «الدولة العادلة» أولا، حتى إذا ما رأى حقيقة العدالة هناك، طبق ما رآه على ~~الفرد الواحد، وذلك على افتراض منه أن للعدالة معنى واحدا في الحالتين، إلا أن ذلك ~~المعنى وهو متمثل في دولة، يكون أوضح ظهورا منه وهو متمثل في فرد واحد، قائلا إن ~~الأمر يشبه قراءة ما هو مكتوب على لوحة، إذا كان القارئ ضعيف البصر، فإنه يرى المكتوب ~~إذا اقترب منه أوضح مما يراه وهو بعيد عنه، أو هو يشبه عبارة ما، كتبت بأحرف كبيرة ~~وكتبت كذلك بأحرف صغيرة، فإن قراءتها في الحالة ms239 الأولى أيسر منها في الحالة الثانية، ~~فيخيل إلي أن موضوعنا الذي نحن بصدد الحديث عنه الآن، وهو تعيين الخصائص التي يجب أن ~~تدوم، وتمييزها من الخصائص التي يجوز لها أن تتغير مع تغير الظروف، إنما يكون أوضح ~~ظهورا في الفرد الواحد، منه في المجتمع لتشابك الخيوط في نسيجه. # فلا بد أن يكون كل منا قد صادف أفرادا وهم في سن الرجولة اكتملت فيهم كل المقومات ~~البدنية، بل وربما امتازوا بحدة ذكائهم، ولكنهم مع ذلك لم يظفروا بشيء من التعليم، الذي ~~يغلب أن يصحبه شيء من الثقافة، فنحكم عليهم بأنهم لا يحيون في الناحية الثقافية بما ~~يتناسب مع مراحلهم العمرية، فأين وجه الغرابة إذا قلنا عن الأمة العربية، بكل ما لها من ~~مقومات ومن ذكاء ومن ضروب أخرى من القدرات، بل بكل ما عندها من ذخائر تراثها، بثوابتها ~~ومتغيراتها، أنها متخلفة عن عصرها حضاريا وثقافيا، لقد حدث لي منذ نحو سبع سنوات، ~~أن وجدت في بريدي كتيبا أرسله إلي مؤلفه، وكان عنوان الكتاب «الأرض لا تدور» وأخذت ~~في قراءة صفحات منه فوجدت الرجل ذا قلم ثابت بين أصابعه، ووجدته جادا كل الجد فيما ~~يعرضه على الناس، من أن كروية الأرض فكرة بثها فينا «المستعمر»، وأما الفكرة فخاطئة ~~وتقوم ضدها عدة براهين، بعضها من الدين وبعضها الآخر من العلم «الحديث»، وأخذ الرجل ~~يسوق براهينه برهانا في أثر برهان! فأحسست عندئذ أن كتابا كهذا تدور به عجلات ~~المطابع، ويتولاه ناشر بالتوزيع، ليس مجرد علامة على جهالة فرد من الأفراد، بل ربما كان ~~أقرب إلى الصواب أن نقول إنها كالطفح الذي يظهر على وجه المريض ليدل على أنه في جوفه ~~محموم، لأن كتابا كهذا يدل ولو بعض الدلالة، على نوع المناخ الفكري الذي تعيش فيه ~~الأمة العربية اليوم، فإذا قلنا عنها إنها بظواهر كهذه تعيش «في» عصرها هذا، لكنها لا ~~«تعيشه» كما نضع جائعا محروما «في» قصر من قصور الأغنياء، لكنه لا يحيا حياة القصر ~~شبعا وريا، وأسوق مثلا من نوع آخر، ما حدثني ms240 به زميل فاضل مشهود له بسعة علمه في ~~مجال تخصصه، ومجاله هو علم النفس، فقد أنبأني بأنه كان قد أجرى بحثا إحصائيا في ~~موضوع معين، وكانت العمليات الإحصائية فيه قد اقتضت منه ساعات تعد بالعشرات (بل لعله ~~قال لي إنها أيام العمل الطويلة - لا الساعات - هي التي كانت تعد بالعشرات) ثم شاءت له ~~المصادفة أن يسافر في مهمة علمية إلى إحدى الجامعات البريطانية، واصطحب معه بحثه ذاك، ~~فلما اطلع عليه أستاذ هناك، وعلم من صاحبنا مقدار ما كلفه بحثه من جهد، قال له: لو ~~أنك أجريت هذه العمليات الإحصائية على حاسب إلكتروني لأنجزته كله في نصف الساعة (وكانت ~~الحاسبات الإلكترونية في أوائل عهدها)، فإذا قلنا إن الطريق التي أدى بها صاحبنا ما ~~أداه يمكن اتخاذها مؤشرا يدل على نوع المناخ العلمي الذي يعيش فيه العلماء في مصر إذ ~~ذاك، فهل تخطئ خطأ يصل بنا إلى حد الحياة الضالة في أوهامها، إذا نحن قلنا إن حياتنا ~~العلمية عندئذ كانت «في» العصر، ولكنها لم تكن تحياه؟ # وننتقل من الخاص إلى العام، ونسأل: بماذا تتمايز العصور المتعاقبة في التاريخ؟ لا سيما إذا كان ما نؤرخ له هو الحياة الفكرية؟ الجواب الذي لا أظنه موضع شك هو أن مجموعة ~~من أفكار أساسية في حياة الناس قد استنفدت طاقاتها في إدارة عجلة الحياة، لكثرة ما ~~راكمته الأعوام من ظروف مستحدثة وطارئة، فكان لا بد أن تفرز عقول موهوبة مجموعة أخرى من ~~أفكار تكون أكثر صلاحية لمواجهة الحياة بوجهها الجديد، وعندئذ يسدل الستار على عصر ذهب ~~وولى، وينفتح عن عصر جديد، وقد لا أكون موفقا في استخدام صورة الستار ينسدل على عصر ~~ويرتفع على عصر؛ لأن الفاصل بين عصرين هو في الحقيقة أقرب إلى هامش عريض، تتداخل فيه ~~رواسب القديم وبشائر الجديد، قبل أن تخلو الساحة للجديد خالصا وحده من بقايا سلفه الذي ~~تولى وذهب ليبقى في ذمة التاريخ. # وخذ مثلا لذلك الأمة العربية نفسها، التي هي في الحقيقة مدار حديثنا ومحور اهتمامنا، ~~فلقد كانت خلال ms241 القرن الثامن عشر وما قبله، رجوعا حتى القرن السادس عشر، قد استقرت على ~~حياة فكرية لا يقلق روادها أن يكونوا مجرد حفاظ وشراح لما هو قديم، فلما فتحت ~~أبوابها لطلائع العصر الجديد آتية إليها من الغرب، منذ أوائل القرن الماضي، أخذت تتقبل ~~الوافد إليها في حذر شديد، فلا تخطو إليه بخطوات جريئة سريعة، بل غلب عليها أن تتلقاه ~~متحركا هو نحوها، وهي تكاد تظل في مكانها، وشيئا فشيئا، كلما تبين لها أن الوافد ~~الأجنبي إنما يحمل معه مما يحمل لها ضروبا من المشكلات التي لم تكن لتجد حلا عندها، ~~كأدوات القوة العسكرية، ووسائل المعالجة الطبية، وغيرها وغيرها، مدت يدها لتأخذ. إلا أن ~~المأخوذ اليوم على كثرته لم يكن كافيا بعد لتنقلها من عصر ذهب إلى عصر يجيء، وهي لا ~~تزال حتى اليوم تحيا في ذلك الهامش العريض، الذي تختلط فيه رواسب الماضي ببشائر العصر ~~الجديد، ولعل ما أبطأ حركة الانتقال، هو إصرارها إلى اليوم على أن تأخذ ثمرات العصر ~~جاهزة من أيدي أصحابه ونرفض أن نتشرب وجهة النظر التي من شأن صاحبها أن ينتج بها وفي ~~ظلها تلك الثمرات بأشجار تنمو بجهده وفي أرضه. # العصر الجديد جديد بأفكاره، لا بعقارب الساعات وما تشير إليه، فالساعات حول معاصمنا ~~تواقت الساعات التي تدور حول معاصم أبناء العصر الجديد إبداعا وإنتاجا واتجاها ~~بالفكر وبالشعور، نحو علم جديد وفن جديد، ويحسن بنا الآن أن نذكر هنا أطرافا من ~~الأفكار الأساسية التي صنعت مناخ الحياة في أوروبا وأمريكا، فأصبح الناس بها يحيون في ~~عصر جديد، وهي نفسها الأفكار التي جاءت إلينا، فانقسمنا حيالها ثلاثة أقسام، ذكرناها ~~فيما أسلفناه. أغلبية تلوي أعناقها نحو الماضي، رافضة لتلك الأفكار، وهذا الرفض منها ~~لا يتنافى مع كونها تسمح لأبنائها أن تتلقى تلك الأفكار في المعاهد والجامعات لأنه - ~~كما نعلم - ضرب من التلقي لا يجعل الفكرة المكسوبة ملكا لحافظها؛ لأنه يأخذها حفظا، ~~ولا يتشرب المنهج الكامن وراءها، فيخرج بمحفوظات معلبة ولا يخرج برؤية جديدة تتغير بها ~~حياته من جذورها، تلك ms242 هي الأغلبية من جمهورنا، تقابله أقلية تتلقى تلك الأفكار وكأنها ~~وحي من السماء يؤخذ إيمانا وعبادة، ولا يؤخذ نقدا وتحليلا وتعديلا، وفئة ثالثة هي ~~التي تهتدي بفطرتها إلى جادة الطريق، فتتلقى أفكار العصر لتعجنها عجنا مع أصولنا التي ~~أسميناها فيما أسلفناه بالثوابت، كالعقيدة واللغة والقيم الأخلاقية التي تحرض حاملها ~~على ألا يضحي بإنسانية الإنسان لأي سبب من الأسباب، تلك هي الأقسام التي تشعبنا بها ~~حيال الأفكار التي صنعت عصرنا، وسبيلنا الآن إلى ذكر بعضها وأهمها. # إذا وجهنا النظر إلى أي عصر من عصور التاريخ، مستهدفين التقاط الأفكار الأساسية التي ~~هي لذلك العصر بمثابة الأقطاب التي تدور حولها أرجاء النشاط البشري بكل صنوفه، فإنه لا ~~يجدينا كثيرا أن نأخذ في تعقب تلك الأفكار واحدة واحدة؛ لأنها قد تتعدد إلى الحد الذي ~~تستعصي معه الإحاطة بما هنالك، وإنما الجدوى في هذا السبيل تصبح ميسورة التحقيق، إذا ~~نحن اتجهنا بالبحث نحو ما يمكن أن يكون الجذع الذي تنبثق منه الفروع، أو إن شئت فقل ~~إننا نبحث عن الينبوع الرئيسي الذي منه تتدفق الروافد والجداول والقنوات، وذلك لأن كل ~~عصر في التاريخ الفكري قد اتكأ في أوجه نشاطه برغم كثرتها على مبدأ أساسي واحد، ومن ذلك ~~المبدأ الواحد تأتي مجموعة القواعد التي تنظم السير بالفكر أو بالسلوك، في الاتجاهات ~~التي تتسق مع العصر القائم وظروفه، فإذا ما حدث في الحياة ما لم يعد يتلاءم مع ذلك ~~المبدأ وما يتفرع عنه، تغير المبدأ، وبهذا يكون الناس على مشارف عصر جديد. # فالأجدر بنا - إذن - ألا نوزع انتباهنا بين أشتات الأفكار الفرعية التي تسود عصرنا ~~وتعطيه طابعه الخاص، بل الأجدر بنا هو البحث عن «المبدأ» المحوري الذي هو الأساس الذي ~~تفرعت منه سائر الأفكار الصغرى، وها هنا قد يحدث اختلاف في الرأي عما يصح أن يكون ~~«مبدأ» لهذا العصر القائم، ولكنه عندئذ يكون اختلافا في عملية التحليل النظري، الذي ~~يرد الكثرة الظاهرة إلى ما يجمعها ويوحدها، وأما وجهة النظر التي أؤيدها دون سواها في ~~هذا الصدد، فهي ms243 أن «المبدأ» الذي جاء ليجعل عصرنا هذا عصرا قائما بذاته، إنما هو ~~النظر إلى كل شيء بما في ذلك الكائنات الحية على اختلافها، بل بما في ذلك أيضا الكون ~~من حيث هو وجود شامل لكل ما هنالك. أقول إن مبدأ عصرنا هو النظر إلى كل شيء، لا على أنه ~~ذو جوهر ثابت ودائم، بل على أنه «تاريخ»، ومعنى «تاريخ» هو أن كل شيء هو سلسلة من ~~لحظات، له في كل لحظة حالة متميزة بصفاتها. فإذا سألتني عن أي إنسان، أو شجرة، أو ~~مدينة، أو أسرة، أو ما شئت أن تسأل عنه: ما هو، وما حقيقته؟ كان الجواب الصحيح إذا ~~أردناه، هو أن أقص عليك «تاريخ» الشيء الذي تسأل عن هويته وحقيقته، أي إن الجواب الصحيح ~~هو أن نتعقب لحظات الزمن المتعاقبة، التي هي هي نفسها وجود الشيء موضع السؤال، لنرى ما ~~حدث فيها من تحولات لحظة بعد لحظة، فإذا كان ذلك عسير التحقيق من الوجهة العملية، فلا ~~أقل من أن نكتفي باللحظات البارزة في سير التحول، وأيا ما كان الأمر، فالصواب هو أن ~~تتصور أي شيء تريد أن تراه على حقيقته، أن تتصوره في إطار تحولاته وتغيراته، وليس كما ~~كانت طريقة النظر فيما سبق، وهو تصور الأشياء وشتى الكائنات على أن الشيء منها أو ~~الكائن هو كالحقيقة الرياضية لا تتغير، فقد كانت في ماضيها كما هي كائنة الآن، وكما سوف ~~تكون غدا، وحتى الكون في مجموعه - من حيث هو كيان موحد - يقول عنه علم عصرنا إنه في ~~اتساع مستمر، فهو إذن في هذه الحقبة الزمنية غير ما كان عليه، وغير ما سوف يكون عليه، ~~من حيث الاتساع وما يترتب على الاتساع من نتائج، على أن سؤالا يرد هنا ويلح حتى يكون ~~له جواب مقنع وهو: إذا سالت بين أيدينا حقائق الأشياء هكذا، ليصبح كل شيء منها وكأنه ~~سيرة تنتقل من لحظة بما فيها إلى لحظة أخرى بما فيها، وهكذا، فأين نجد «الهوية» الثابتة ~~لأي كائن، بحيث نتمكن من الحديث عنه ms244 والإشارة إليه؟ فيجيء جواب ذلك قائلا: إن تلك ~~الهوية التي تميز كائنا من كائن إنما هي في «العلاقات» الرابطة بين اللحظات المتعاقبة، ~~وإنه لفي حكم المستحيل - رياضيا - أن يتشابه خطان تشابها كاملا. # ذلك هو مبدأ النظر في عصرنا، وهو بمثابة الأساس العميق الذي بنيت عليه التصورات ~~الجديدة في كل الميادين، بما في ذلك «العلوم» نفسها، في أطرها الجديدة، وحسبنا من هذا ~~كله، إذا أردنا أن نعيش عصرنا في روحه التي تميزه، أن ننظر إلى «التغيير» لا على أنه ~~صفة طارئة على ما هو كائن وقائم؛ بحيث نسأل: لماذا تغير هذا أو تغير ذاك من أوضاع ~~حياتنا؟ بل أن نجعل سكون الأوضاع على حالة بعينها، دون أن يطرأ عليها تغير يستوجبه مر ~~الزمن، هو الشذوذ الذي يستدعي منا السؤال: ما الذي حدث لهذا الشيء أو ذاك، فسكن وجمد ~~على حالة واحدة، وكان ينبغي له أن يتغير؟ # فالذين يتساءلوا، وكان في تساؤل بعضهم نبرة ساخرة، قائلين: كيف يعقل أن يعيش إنسان ~~في هذا العصر، ثم نقول عنه إنه ليس معاصرا، إلى هؤلاء نقول: إن معنى «العصر» هو أفكاره ~~ومبادئه التي تسوده، وليس معناه مجرد وجود زمني يقاس بأعوامه وشهوره ودقائقه وثوانيه، ~~وعلى هذه الخلفية الفكرية التي هي «العصر» تجيء مطالبة الناس بأن يكونوا مبدعين لا ~~تابعين. # الفصل التاسع والعشرون # | ورقة مزقها طفل # لم تزل تلك الصورة الذهنية تعاودني كلما خيل إلي أن حياتنا - في كل جانب من ~~جوانبها - قد أصابها ازدواجية خطيرة، فالروح المصرية الصميمة وهي في كامل جلالها ~~ووقارها وصلابتها وروعتها، ما زالت بحمد الله مكنونة في العمق، وأما «السطح» في تيار ~~حياتنا الجارية فقد ازدحمت على أمواجه شوائب تراها سابحة أينما وجهت البصر، مما يوهم ~~الرائي أنه لم يعد بين المصري والمصري ولا بين المصري ووطنه، ذلك الحب الذي عرفناه، ~~فكلما استيقظت مع الصباح لتطالع صحف اليوم؛ فاجأتك روايات لم تكن هي الروايات التي ألف ~~المصريون فيما قبل هذه المرحلة من تاريخهم، أن يطالعوها بعضهم عن بعض، من سلب ونهب ms245 ~~وخديعة وغدر وتعذيب وقتل، وكل ذلك كثيرا ما يقع حتى بين أعضاء الأسرة الواحدة، وعلى ~~صور لم تعرف الرحمة سبيلا إليها، فماذا أصابنا حتى ذهبت الطيبة عن المصري «الطيب»؟ أو ~~هكذا توهم الشوائب السابحة على سطح التيار رائيها. # أقول إنها صورة غامضة تعاودني، كلما حدث ما يثير في نفسي هذا السؤال: هل ذهبت عن ~~المصري «الطيب» طيبته؟ لكنني كنت في كل مرة أواجه فيها عقلي بسؤال كهذا، أحسست فيه ~~شيئا من الغموض، بأن الأمر لا يعدو السطح من تيار الحياة، وأما العمق فهناك ألف دليل ~~على أنه لا يزال هو ذلك العمق الرزين الرصين الذي عرف به المصري على طول التاريخ ... ~~فلما عاودني السؤال نفسه هذه المرة، وطمأنت نفسي بمثل تلك الإجابة، أبى العقل أن يدع ~~المناسبة تمضي كما مضت سالفاتها، ورأى أن السؤال جاد ويحتاج إلى وقفة فيها تحليل وتمحيص ~~وأمانة في الجواب، فما أيسر أن نقول إن حياتنا إنما هي كالنهر الجاري، وإنه إذا كانت ~~الشائبات قد شوهت سطحه، فذلك عارض عابر، وأما أعماق النهر فهي لم تزل على نقائها ~~وصفائها، من السهل أن نرسم لأنفسنا صورا كهذه، فتطمئن لها قلوبنا، لكنها لا تؤثر في ~~تلك الأعلاق السابحة الشائهة فتزول. # ويظل السؤال قائما: ماذا أصابنا فشطر حياتنا إلى سطح وعمق يختلفان جوهرا وعنصرا، ~~فخبث عائم على السطح، وطيبة كامنة في العمق، إذا صحت الصورة الذهنية التي لم تفتأ ~~تعاودني كلما ألقيت السؤال؟ # وشاءت لي المصادفات ذات يوم أن أترك غرفة مكتبي في المنزل لبضع دقائق، وكان فيها إذ ~~ذاك طفل في نحو الخامسة من عمره، صاحب والديه في زيارة أسرية عابرة، فعبث الطفل بيديه ~~الصغيرتين في أوراق موضوعة على المكتب، ومزق إحداها في محاولة أن يصنع منها مركبا، ~~ولما فشل في تحقيق غايته أخذه الغيظ ومزق الورقة حتى أحالها إلى مجموعة من قطع صغيرة، ~~وعدت إلى الغرفة لأشهد الأشلاء متناثرة على الأرض بعد تلك المذبحة، وعرفت أن الورقة ~~الممزقة كانت تحمل لي مذكرات من أنفس ما دونته وحفظته ms246 في خزانة، ليبقى مصونا عندي ~~عشرات السنين، وكنت قد أخرجت تلك الورقة من مكمنها منذ يوم واحد، راجيا أن أطالع ما ~~فيها لتسترجع الذاكرة فكرة أردتها، ولكن حدث الذي حدث، والأمر لله من قبل ومن بعد، ~~وغامت نفسي بسحابة خفيفة من أسف حزين، وكأنما أراد لي الله سبحانه ألا تطول تلك السحابة ~~القابضة، فتذكرت حادثة يرويها تاريخ الأدب الإنجليزي عن «كارلايل»، وهي أنه بعد أن فرغ ~~من آيته الأدبية الكبرى، التي هي تاريخ الثورة الفرنسية، أعطى أصول الكتاب إلى جارة له ~~صديقة، وكانت بدورها أديبة مرموقة، لتقرأها وتبدي رأيها فيها، فتركتها في غرفة الجلوس ~~بجوار المدفأة وخرجت لبضع دقائق، وعادت فوجدت كلبها قد عبث بتلك الأوراق ودفع بها إلى ~~النار، فلم يكن من كارلايل - وقد كادت الصدمة تصعقه بهولها - إلا أن يستجمع عزيمته ~~ليكتب الكتاب من جديد، وذلك معناه عمل متواصل لفترة طويلة من الزمن، حتى أتم كتابه في ~~صورته الثانية، وهي صورة قال عنها فيما بعد، وقال عنها كذلك أصدقاؤه الذين أطلعهم على ~~أصول الكتاب؛ إنها لم تبلغ قط ما كانت بلغته الصورة الأولى من روعة البلاغة. تذكرت ~~حادثة كارلايل هذه، فهدأت نفسي، وأخذت ألهو بالقصاصات المبعثرة على أرض الغرفة، وأقرأ ~~ما عليها من جمل مبتورة، متسائلا عند كل قصاصة منها: أين هذه الأشلاء المجزوءة من ذلك ~~الجسم الجميل عندما كان في اكتماله؟ وما إن طاف هذا الخاطر في رأسي، حتى همست: إن في ~~هذا لجوابا على السؤال الذي طرحناه عن المصري وما أصابه - على السطح - في هذه المرحلة ~~من حياته. # الورقة النفيسة التي عبث بها الطفل بيديه الصغيرتين فمزقها، كانت قوية الدلالة غزيرة ~~المعنى، وهي متكاملة موصولة الأجزاء موحدة الكيان، فلما تجزأت ورقات صغيرة مستقلة ~~إحداها عن الأخريات، بات كل جزء على حدة معدوم الدلالة مفقود المعنى، كانت الورقة وهي ~~سليمة البناء تشع نورا بفحواها، فلما تمزقت أوصالها، أصبح كل جزء من أجزائها وكأنه ~~رقعة مظلمة، وأصبح الظلام مجموعا إلى ظلام لا ينتج إلا ظلاما أو ما يشبه ms247 الظلام، إن ~~القصة يرويها الراوي مسلسلة الوقائع، يتلقاها السامع وكأنها نسيج حي من دنيا الناس ~~ونبضها، فإذا مزقها الراوي ليحكيها سطرا من هنا وسطرا من هناك، بحيث لا يكون لها أول ~~ووسط وآخر؛ انقلبت خليطا من الصوت كخليط المجانين، لقد كانت محنة بابل التي عوقبت بها ~~لعصيانها، أن تعددت اللغات بين أبنائها، وانفرد كل جزء من أجزائها بلسان، فلم يفهم أحد ~~عن أحد شيئا، فأصبحت زحاما متنافرا، ولم تعد أمة واحدة متفاهمة متجانسة . # لست كثير القراءة لما كتبه المتصوفة المسلمون، لكن القليل الذي قرأته منه قد زودني ~~بزاد روحاني هو خير الزاد، وكان من أشد المعاني التي اكتسبتها منهم نفاذا إلى نفسي، هو ~~الشرور التي تنجم عن «التجزؤ» لما هو بطبيعته وحقيقته كيان موحد، فعندئذ تصبح تلك ~~الأجزاء التي انحلت عراها وتفككت أوصالها فتبددت أيدي سبأ، تصبح الأجزاء وكأنها الحجب ~~الكثيفة التي تحول بين الإنسان وبين الحق الذي يتطلع إلى بلوغه، وكان مقصد المتصوفة من ~~هذا الكلام أو ما يشبهه، هو معرفة المخلوق لخالقه كيف تستحيل عليه إذا هو لم يعبر ~~الفجوة التي تفصل الإنسان عن ربه، ومن هنا تكون مجاهدة المتصوف ورياضته لنفسه حتى يتغلب ~~الفرد الإنساني على شعوره بجزئيته وانفراده اللذين يفصلانه عن الله سبحانه وتعالى، وإذا ~~حطم الفرد الجزئي من الناس ذلك الحجاب الذي ينحصر وراء جدرانه؛ انفتح له الطريق إلى ~~شهود المولى جل وعلا، وبذلك يكون بمثابة من خرج من ظلام إلى نور، فالجزئية حجاب، ~~والحجاب ظلام، واختراقه خروج إلى النور. # ومن هذا المعنى عند المتصوفة المسلمين، يمكننا الانتقال إلى «التنوير» وما نعنيه نحن ~~بهذه الكلمة، عندما نسعى إلى استنارة تشمل أفراد الشعب جميعا بسنائها وسناها؛ إذ ماذا ~~يكون «التنوير» إلا أن يكون انتقالا من جهل إلى معرفة؟ ثم ماذا يكون الجهل في شتى ~~حالاته إلا أن يكون الإنسان الجاهل بمثابة من لفه ظلام فحجب عنه حقائق الأشياء، حتى إذا ~~ما أزاح عن نفسه ذلك الحاجز، وخرج من ظلمة إلى نور، استطاع أن يرى ما لم ms248 يكن رآه وهو ~~خلف حجاب؟ # ربما يكون أولئك المتصوفة قد أسرفوا في نزوعهم نحو أن يحطموا جدران الطبيعة البشرية ~~ليخترقوا حجاب التجزؤ المظلم بجهالته، وليخرجوا منه إلى معرفة الله سبحانه وتعالى بطريق ~~الشهود المباشر، وإن كاتب هذه السطور - على الأقل - لا يستطيع أن يرى كيف يكون ذلك ~~ممكنا - من جهة - وكيف يكون حتى إذا كان ممكنا أمرا مرغوبا فيه من جهة أخرى؛ لأن ~~تلك الطريقة البشرية في الفرد الواحد هي المسئولية يوم الحساب عما قدمت في حياتها، لكن ~~ذلك لا يمنع أن يكون لنا من موقف المتصوفة درس بالغ الأهمية والفائدة؛ لأنه يلفت ~~أنظارنا إلى الخطر الداهم الذي يحيق بأي جماعة يتجزأ أفرادها تجزؤا يميل بكل فرد على ~~حدة أن يتصرف وكأنه هو العالم بأسره، وكأنه ليس هنالك أفراد سواه يقاسمونه وطنا ~~واحدا، وحياة واحدة. # وموقف المتصوفة يلفت أنظارنا كذلك إلى حقيقة هامة من حقائق المعرفة البشرية، والمعرفة ~~- كما أسلفنا - هي النور، لا يسطع لنا ضياؤه إلا إذا اخترقنا حجب الجهالة بظلامها، ~~وأعني بتلك الحقيقة عن المعرفة البشرية؛ كون الإنسان إذا وقف بمعرفته لشيء معين، عند ~~ذلك الشيء وحده فهو لا يعرف عنه عندئذ إلا أقل من القليل، فأنت لا تعرف أي شيء إلا إذا ~~عرفته في ذاته أولا، ثم جاوزته لتعرف كذلك ما عداه، مما هو متصل به بعلاقات، إنك قد ~~تعرف كل شيء عن الأرض التي نعيش على سطحها، ولكنها تظل معرفة ناقصة ما لم تجاوز بعلمك ~~حدود الأرض في ذاتها، لتعرف العلاقات التي تربطها بالقمر والشمس وكواكب المريخ وزحل ~~والزهرة وعطارد، إلى آخر أجزاء المجموعة الشمسية؛ لأنها جميعا «أسرة» واحدة، لا نعرف ~~واحدا من أعضائها إلا إذا عرفنا روابطه بسائر أعضاء أسرته، وهل في مستطاعك أن تعرف ~~معنى العدد سبعة - مثلا - إلا إذا عرفت سوابقه ولواحقه من سلسلة الأعداد التي هو حلقة ~~فيها؟ هل في مستطاعك أن تعرف نظرية معينة من نظريات الهندسة، ولتكن - مثلا - نظرية ~~فيثاغورس عن المثلث القائم الزاوية، إلا إذا عرفت سوابقها التي جاءت ms249 تلك النظرية نتيجة ~~لها؟ هل تزعم لنفسك معرفة بشخص ما، إذا أنت لم تجاوز شخصه إلى الأسرة التي هو عضو فيها ~~وإلى مجموعة أصدقائه، وإلى نوع العمل الذي يؤديه وهكذا؟ إن والد البنت حين يتقدم إليه ~~خاطب لابنته يشعر بضرورة أن «يسأل عنه» (كما نقول) بمعنى أن يسأل عمن هم ذوو علاقة به ~~لكي يعرفه؛ إذ إن شخصه وحده لا يكفي لمعرفة شخصه ... كل ذلك يدلنا دلالة قوية على أن ~~الفرد الواحد محال أن تكتمل له حقيقته إلا وهو منسوب للآخرين ممن يكونون معه مجموعة ~~واحدة، سواء أكانت تلك المجموعة أسرة أم جماعة أصدقاء، أم أمة بأكملها هو أحد أفرادها، ~~وربما طاف بذهنك سؤال: وماذا إذا تفرد واعتزل؟ فنقول: إن ذلك - لو كان ممكن الحدوث ~~أصلا - فهو إنما يجعل منه فردا منقوص الوجود، ومصيره حتما إلى ذبول وضمور في كل ~~مقومات حياته، كالفرع ينفصل عن الشجرة التي تغذى وجوده بوجودها. # لماذا نشترط للعمل الفني أو الأدبي أن يكون ذا وحدة عضوية؟ أود قبل الإجابة أن ألقي ~~بعض الضوء على معنى عبارة «وحدة عضوية» فأقول: إنها الوحدة التي تشبه الوحدة في أي كائن ~~حي؛ فالكائن الحي - شجرة كان أو حيوانا - مؤلف من أعضاء وأجزاء قد لا تقع تحت الحصر، ~~لكن تلك الأعضاء والأجزاء متصل بعضها ببعض اتصالا وثيقا، بحيث لا يمكن لواحد منها أن ~~تستمر له الحياة إذا بتر عن بقية الأعضاء والأجزاء، وهذا الوضع نفسه هو ما يطلب وجوده ~~في العمل الفني أو الأدبي، تشبيها له بالكائن الحي، ومن هنا تنبه كبار نقادنا منذ ~~العشرينيات إلى ضرورة مراعاة تلك الوحدة في أعمالنا مما نبدعه في دنيا الفن والأدب، على ~~زعم منهم في هذا الصدد، بأن الأدب العربي القديم قد فاته هذا الركن الأساسي من البناء ~~الفني، وجاءت قصيدة الشعر - مثلا - أبياتا متلاحقة في غير بنيان عضوي؛ لأن هذا ~~البنيان العضوي لا يتوافر للقصيدة إلا إذا كان كل بيت فيها يؤدي إلى الذي يليه، وإلا ~~إذا أخذت الحالة النفسية التي أراد ms250 الشاعر نقلها، تنمو وتتكامل في ذهن المتلقي بيتا ~~بعد بيت، حتى إذا ما فرغ المتلقي من تلاوتها، كانت الحالة النفسية التي أرادها الشاعر ~~قد اكتملت، كذلك عند ذلك المتلقي، وبعد هذا أعود إلى السؤال: لماذا نشترط مثل تلك ~~الوحدة العضوية في أعمال الفن والأدب؟ والجواب هو نفسه الجواب الذي قدمناه فيما يختص ~~باستحالة أن يكتمل لأي جزء وجوده إلا وهو منسوب إلى الكل الذي هو جزء منه. # وها هي ذي قصاصات الورق التي مزق بها الطفل اللاهي ورقة كانت مثقلة بمضمونها الفني، ~~ترى كل قصاصة منها كالعمياء لا تبصر، وكالخرساء لا تنطق. ضاع مضمونها حين انفصلت عن ~~أمها، وفقدت دلالتها حين استقلت وحدها جزءا مبتور الصلة بالكيان الموحد الذي كان ~~يحتويه، ونسأل: ماذا أصاب المصري في مرحلته التاريخية الراهنة، حتى أصبحت الصلات التي ~~تربطه بالمصري الآخر مبتورة أو كالمبتورة؟ والجواب هو أنه اجتزأ وجوده اجتزاء حصره في ~~حدود فرديته، ففقدت تلك الفردية نفسها جوهر وجودها، كالذي يحدث للعضو الواحد من أعضاء ~~البدن، يبتر ويلقى به في مكان وحده يعزله عن أصله الذي كان ينتسب إليه! لكن ذلك التجزؤ ~~في الأفراد إنما هو لحسن الحظ تجزؤ على سطح الحياة، لكنه - كما أسلفنا - لم يضرب بجذوره ~~المريضة إلى عمق وجوده، مما يؤكد أن العلة مؤقتة في حياتنا لأسباب تحتاج إلى تحليل ~~وتوضيح ولن تلبث أن تزول. # تشققت القشرة الخارجية واللب باق على حالته وسلامته بإذن الله، وكان بعض العوامل ~~التي أحدثت التشقق مما لا حيلة لنا فيه؛ إذ هي رجة عنيفة ارتجت لها شعوب الدنيا بأسرها، ~~جاءت بدايتها مع الحرب العالمية الأولى، ثم اشتدت قوتها مع أعقاب الحرب العالمية ~~الثانية، وكان ما بين الحربين عهدا شهد ثورات ودكتاتوريات قلبت أوضاعا كثيرة، ففيها ~~نشبت الثورة الشيوعية في روسيا وظهرت فاشية موسوليني في إيطاليا، ونازية هتلر في ~~ألمانيا واشتعلت الحرب الأهلية في إسبانيا، وما إن بلغت الحرب العالمية الثانية ختامها؛ ~~حتى أخذت نتائجها تتوالى - وهي لا تزال تتولى - وكان من أهم تلك النتائج قيام ms251 هيئة ~~الأمم المتحدة، وتحرر الشعوب المستعمرة ومعظمها في أفريقيا وآسيا، واستتبع هذا التحرر ~~زوال النموذجية الغربية في الحضارة والثقافة، فبعد أن كانت حضارة الغرب وثقافته هي ~~المعيار الذي يقاس به مدى ما تحضر بلد أو تثقف، ارتفعت أصوات احتجاج هنا وهناك تقول: ~~لماذا ثقافة الغرب دون ثقافات الشعوب الأخرى؟ ولماذا حضارة الغرب دون الحضارات القديمة ~~يحييها أصحابها؟ # لكن صيحات المحتجين شيء، وقوة الواقع شيء آخر، وكان ذلك الواقع القوي هو أن أخذت علوم ~~الغرب وصناعاته تمضي تقدما وارتفاعا، وماذا يجدي صياح أمام ذلك الجبروت؟ فأصبحت ~~خلاصة الموقف أمام الشعوب الضعيفة هي: إما أن تأخذ بأسباب القوة، وإما أن تنهار ~~ليتحكم فيك صاحب القوة، وإن لم يكن ذلك التحكم في صورة الاستعمار القديم؛ فليكن في ~~صورة أخرى، والصور في ذلك كثيرة، وهذا هو الذي كان، وعلى ضوء هذا التحليل (وقد يكون ~~خاطئا) انظر إلى أي بلد شئت من البلاد التي تحررت من الاستعمار القديم، ثم أخذتها ~~العزة بالضعف فأبت أن تمضي في طريق القوة كما يعرفه عصرنا، وأعني طريق العلم المبدع ~~والإدارة الصارمة في دقتها، تجد أمرين متناقضين وإن يكونا متجاورين: فهناك قشرة على سطح ~~الحياة تضطرب بنشاط، ظاهره طموح وحقيقته انتهازية وفوضى، وتحت القشة جوف جامد لا يكاد ~~يتغير من جوهره شيء! والحق أن مثل هذه الازدواجية قد تراها على مستوى دولي كذلك! ~~فهنالك هيئة الأمم المتحدة، لأمم غير متحدة، على قشرتها الظاهرة تعاون بين الدول على ~~مساواة وعدل وسلام، وتحت القشرة أمم تظن كل منها أنها فوق الجميع، وعفاء على المساواة ~~وعلى العدل وعلى السلام. # وبينما الخواطر تجري على هذا النحو نظرت إلى قطع الورق التي بعثرها الطفل اللاهي على ~~أرض غرفتي، فأخذتني الرغبة في أن أعيد بنائها، وجمعتها ووضعتها على ظهر مكتبي، وأخرجت ~~بكرة من الشريط اللاصق، وأخذت أبحث في القصاصات لكل جارة عن جارتها لأضمها معا بقطعة ~~من الشريط اللاصق، ولا تسلني كم ساعة استغرقتها عملية الترميم، وكم من الجهد الجهيد ~~بذلته بين الكلمات المتقطعة، أي الورقات ms252 تكون جارة لأيها، حتى تكاملت لي الورقة لا ~~لتصبح كما كانت، إلا كما يعود من انكسرت رجلاه، ومشى حجلا يتكئ على العصا، إلى ما كان ~~عليه وهو يمشي على رجليه مستويا، فالأجزاء الملصقة قد تركت بينها فجوات تتعثر عندها ~~عين القارئ، حتى ولو كانت عينا سليمة لا تلجأ إلى عدسات لتبصر، ولكن «إلا تكن إبل ~~فمعزى» كما كان العرب يقولون. # فلما عادت ورقتي بعد تمزقها وتجزئها إلى ما يشبه الوحدة، كانت كأنها انتقلت من ظلام ~~إلى نور، من خرس إلى نطق، من جهل إلى معرفة، من أشلاء ميتة إلى كائن حي ... وهكذا - ~~يقينا - تكون حالنا إذا ما أفقنا من الغيبوبة التي فرقتنا أفرادا يعمل كل لحساب ~~نفسه وعلى حساب الضعفاء والمعوزين، فتعود بعد ذلك التجزئة إلى وحدة حقيقية، فلا حياة ~~لجزء لا ينتسب إلى الكل الذي يحويه. # الفصل الثلاثون # | وللشمس شروق بعد كل غروب # بعنوان «شروق من الغرب» أصدرت أول أعوام الخمسينيات (أي منذ خمسة وثلاثين عاما) ~~المجموعة الثانية من مقالات كتبتها خلال الأربعينيات، وكانت المجموعة الأولى التي ~~سبقتها إلى الظهور (سنة 1947م) هي تلك التي جعلت عنوانها «جنة العبيط»، ولم ألبث إلا ~~قليلا بعد الثانية حتى أصدرت الثالثة التي أصبح عنوانها «الكوميديا الأرضية»، ثم أخذت ~~المجموعات تتوالى. فقد كان أول الغيث قطرا ثم انهمر، ولا أظنني كتبت سطرا واحدا من ~~كل ذلك لألهو، أو لأدخل المرح على نفس من ضاقت نفسه بالهموم، لا، بل إني لو رأيت من ~~خلا صدره من الهم لشككت في قدراته الحاسة؛ إذ لا بد أن يكون حسه قد خشن وغلظ وتبلد، ~~ذلك الذي يرى تلكم الأغلال التي قيدت أقدامنا، وإذا كانت الأقدام قد خلقها لنا الله ~~لنسير بها إلى الأمام، فقد جعلتها أغلالها ترتد إلى أعقابها وتنحدر إلى وراء. أقول إنه ~~لا بد أن يكون بليد الحس، ذلك الذي يرى كل ذلك ولا تتأزم له نفس أو يتأرق له فؤاد، ولما ~~كنت واحدا من آحاد الناس، يرى في قومه أقداما مغلولة وعقولا مقيدة؛ فقد ms253 جاء ما كتبته ~~في تلك المجموعة التي أخذت تتوالى صدورا وظهورا، وكأن سن القلم الذي كتبتها به مسمار ~~محمي ألهبته النار، وكأنما القلب الذي نفث الحرارة في الكلمات كان أتونا يستعر، على أن ~~تلك الثورة العارمة - يومئذ - كان لا بد لها أن تظل مكتومة في جمراتها، يحس القارئ ~~لفحتها ولا يراها، فذلك هو مما يقتضيه الفن في أدب المقالة، ويغلب أن تكون وسيلة الكاتب ~~في تحقيق ذلك، وأعني أن ينكتم اللهب الغاضب بحيث يستدله القارئ استدلالا من سخونة ~~لفحته. أقول إن وسيلة الكاتب إلى ذلك يغلب أن تكون استخدامه لروح السخرية يجريها في ~~تصويره وتعبيره. # وكان الذي أشعل في صدري تلك النار الغاضبة، أو قل الذي نفخ فيها لتزداد اشتعالا هو ~~المقارنة التي أتاحت لي الظروف أن أجريها بين الإنسان في الشعوب التي تقدمت في موكب ~~الحضارة العصرية والإنسان في الشعوب التي سمرت أقدامها في مواضعها، أو التي لم يكفها ~~الجمود فانحدرت، فماذا يعرف عن حياة أمته من لا يعرف إلا حياة أمته؟ إنما هي المقارنات ~~التي تبرز أمام الأبصار ما هنالك من حسنات الشعوب وسيئاتها، ومع تلك المقارنات التي ~~تبرز أمام الإنسان لبلده ولأهله فيصعب عليه أن يرى أهله في حندس الليل ويحسبون أن ذلك ~~هو ضوء النهار، يصعب عليه أن يرى كرامة الإنسان قد ديست فيما هو أهون من الهوان، ومع ~~ذلك فقليلا ما يتبين حقيقة موضعه، يصعب عليه أن يرى قومه كم بلغ بهم التخلف ويظنون ~~أنهم الطليعة، كم بلغت بهم الأمية في شتى صورها ويظنون أنهم المهتدون بنور المعرفة، كم ~~بعد بهم النفاق والرياء والضعف والتخاذل والتواكل ويظنون أنهم في عالم الأخلاق قديسون ~~صديقون أولياء. يصعب عليه أن يرى أمته ليست في عصرها وتظن أنها تستظل سماءه وتتنفس ~~هواءه، يصعب عليه هذا كله وأكثر من هذا كله، فمتى يقوى إنسان على صراحة الصدق إذا لم ~~يستطعها مع أسرته؟ # فلما صدرت لي مجموعة «شروق من الغرب» كان من أصدائها أن احتج كاتب فاضل، وجعل ~~عنوان احتجاجه ذلك ms254 «بل غروب من الغرب»، وكتب العقاد تحت عنوان «شروق من كل مكان»، وكتب ~~آخرون، وكنت أتمنى أن أقرأ لهم ما يقنعني بأن ما صورته في مقالة «ظلم» عما كان سائدا ~~بيننا من تجبر القوي على الضعيف، لم يحسن التصوير، وأن ما صورته عن هذا الجانب نفسه من ~~حياتنا في مقالتي «الطاغية الصغير» و«أصنام تحطمت» وغيرها، لم يكن أمينا، وكنت أتمنى ~~أن يقنعني اللائمون بأن ما صورته من حياتنا الفكرية والتعليمية من حيث البعد عن نور ~~العقل الواضح المكتشف المغامر، في مقالات مثل «الببغاء والقفص»، و«القطة السوداء»، ~~و«التصوف والمعرفة» يشوبه الخطأ والضلال، وهكذا جاء نقد الناقدين غضبة لا تستند إلى ~~تفصيلات، لماذا؟ لأنهم كانوا يريدون أن يطالعوا ثناء وإعلاء وفخرا وتمجيدا، والحق ~~الذي لا أخفيه ولا أحب أن أخفيه؛ هو أن قلبي يعمره الحب والفخر بوطني وبأهلي، لكن هنالك ~~موضعا لكلمة «لكن» فمن ذا الذي يقولها لمصر إلا مصري وللوطن العربي إلا عربي؟ فذلك ~~أضمن لأن يجيء النصح خالصا لوجه الله والوطن. # ولقد ذكرتني بهذا كله رسالة من السيدة الأديبة سهير إبراهيم عليوة، كتبتها إثر ~~قراءتها لكتاب «شروق من الغرب»، فقالت في رسالتها: # عندما حصلت على كتابكم الفريد «شروق من الغرب» تبادر أول ما تبادر في ذهني، ~~من معنى عنوان الكتاب، أن الحضارة والتقدم يأتياننا الآن من الغرب، بعد أن كان ~~الشرق هو منبع الحضارات والثقافات، فقلت في نفسي هذا الشروق من الغرب يقابله ~~غروب في الشرق، وإن كان الغروب مراحل ودرجات، فأول درجة في غروبنا، وهو غروب ~~المحبة والإخاء الديني، مما دعا الأخوة إلى الاقتتال سواء كان ذلك في العراق ~~وإيران، أم كان في لبنان، فغروب المشاعر الحلوة المقدسة أدى إلى الاقتتال، ~~فالحرب غروب للمحبة والأخوة، وتلا تلك المرحلة مراحل غروب كثيرة، فتراجع دور ~~الكلمة وفقدانها لمعناها غروب، الهجوم الدائم على كل صاحب رأي حر من الشوامخ ~~غروب، الإسفاف الفني، والتفاهة التي وصل إليها مستوى الترفيه غروب، الإعراض عن ~~حضور الندوات الجادة والأمسيات الثقافية والشعرية الراقية والتهافت على الأدنى ~~غروب، ms255 التعلق بكل ما هو أجنبي، والتمايل مع نغمات الموسيقى الغربية سريعة ~~الإيقاع، وترك موسيقانا الشرقية الأصيلة غروب، تفضيل التليفزيون على الكتب ~~الثقافية الجادة غروب، الهرب من حل المشكلات بدفن الرءوس في الرمال غروب، وفي ~~شرقنا الآن غروب للقيم والمبادئ والمثل العليا والعلوم وأسباب التقدم، فبعد أن ~~كان هذا الشرق مهدا للحضارات قديما، أصبح لحدها، وهكذا بدأنا عمالقة وانتهينا ~~أقزاما. # كانت تلك فقرة من رسالة الأديبة، أحصت فيها عددا من أنواع الغروب في حياتنا. ولقد ~~أقامتها على نتيجة استدلتها استدلالا من عنوان الكتاب الذي قرأته لي، وفرغت لتوها من ~~قراءته، وهو - كما أسلفت - كتاب «شروق من الغرب» الذي كتبت مادته في أواخر الأربعينيات، ~~ونشر في أول الخمسينيات، إذ قالت الأديبة لنفسها: إن فكرة الشروق من الغرب، تلزم عنها ~~نتيجة هي أن يتحول الغروب ليكون في الشرق، ويبدو أنها حين استخرجت لنفسها تلك النتيجة ~~وجدتها نتيجة صحيحة، وأخذت تحصي أمثلة مختلفة من ذلك الغروب، ويبدو كذلك أنني وإن كنت ~~لم أذكر تلك النتيجة، ذكرا صريحا في ذلك الكتاب؛ فقد تركتها مضمرة ومتضمنة في صفحاته، ~~فلست أجزم الآن بما كنت عليه من رأي في هذا الصدد، حين كتبت مادة الكتاب المذكور، وأقول ~~ذلك لأن النتيجة التي استخرجتها صاحبة الرسالة، وهي أن يكون في الشرق غروب، لا تلزم ~~بالضرورة عن عنوان الكتاب، فليس ثمة ما يمنع أن يكون مع الشروق من الغرب، شروق كذلك من ~~الشرق، وذلك هو نفسه ما تضمنه العنوان الذي اختاره العقاد لمقاله الذي علق فيه على ~~ذلك الكتاب؛ إذ جعل عنوانه «شروق من كل مكان». # وأيا ما كان موقفي في ذلك الزمن البعيد، فهذا هو موقفي اليوم، وهو أن شمس الحضارة ~~الجديدة قد أشرقت في عصرنا هذا من ناحية الغرب، بكل ما تشتمل عليه تلك الحضارة من علوم ~~جديدة، وأجهزة جديدة، ونظم جديدة، وفن جديد، لكن ذلك كله حين يرسل إلينا أشعته التي يجب ~~أن نتلقاها مرحبين، فإن تلك الأشعة الوافدة لن تقع عندنا على قفر يباب، بل إنها لواجدة ms256 ~~في شرقنا أصولا راسخة لحضارة أو لحضارات تعاقبت وتراكمت آثارها عميقة، ومن حسن الحظ أن ~~ميراثنا الحضاري الغزير، إنما يقع في أصعب الجوانب انتقالا واكتسابا، وأعني جوانب ~~الدين والفن واللغة والأدب، وبعض النظم الاجتماعية الصالحة للبقاء، أما الجوانب ~~الحضارية التي تأتينا من الغرب الجديد، والتي ندعو إلى قبولها وهضمها والترحيب بها، فهي ~~أيسر الجوانب انتقالا واكتسابا؛ لأنها - على الأغلب - علوم وما يلحق بها من مهارات ~~مهنية، وتلك أشياء نعلم كم هي يسيرة الأخذ إذا ما أقبل إنسان على أخذها والتمرس بها، ~~فلو أن الذي ينقصنا هو العناصر المقامة على الوجدان والإيمان، لكان اكتسابها من أصحابها ~~عسيرا إلى حد يقترب من الاستحالة، أما والمطلوب المجلوب من غيرنا هو في باب العلوم ~~أساسا، فلا عسر في الأمر، ولا ما يشبه العسر لأن العلوم قائمة على «العقل»، والعقل ملك ~~مشترك بين أفراد البشر جميعا على حد سواء، ونضرب المثل - مرة أخرى - باليابان وغيرها ~~من بعض أقاليم الشرق الأقصى؛ فلأنهم يرثون عن أسلافهم دينا وفنا، ولم يبق عليهم، ~~لتتم لهم معاصرة زمانهم، إلا العلوم وتقنياتها، فقد استطاعوا سد هذا النقص في بضع عشرات ~~من السنين. # إن ميراثنا الحضاري والثقافي - وإنه لميراث خصب وغزير - هو الذي يشجع الكاتب العربي ~~على دعوته نحو معاصرة كاملة؛ لأن المعاصرة الكاملة إنما هي بمثابة الجمع بين شروق ~~وشروق، شروق من هناك للعلم الجديد الذي هو أساس الحضارة الجديدة، وشروق آخر من هنا فيه ~~كل ما هو مطلوب بعد ذلك لحياة الإنسان الكامل، ولو كنا في حالة انعدام حضاري وثقافي لما ~~صحت لنا دعوة إلى يقظة، لأنك لا توقظ الموتى، والأمر في هذا شبيه بنعاس النائم، فمهما ~~بلغ النعاس من درجات العمق، فلا بد أن تبقى في النائم بقية من وعي ضئيل، وإلا لما ~~أيقظته طبول الدنيا بأسرها لو اجتمعت عليه، فنحن إذ نوقظ النائم بصيحة أو بهزة فإنما ~~نستند إلى بقية الوعي الكائنة فيه، مهما بلغت من الضآلة والخفوت. وعند هذا المنعطف من ~~الحديث، أجد الفرصة مواتية للرد على ms257 رسالة أخرى كانت جاءتني تعليقا على ما كتبته ردا ~~على «خطاب من مجهول» (الأهرام في 14 / 1 / 1985م) إذ كنت تلقيت رسالة بغير توقيع، كتبها ~~كاتبها بلغة إنجليزية جيدة، وعرض فيها فكرا يشهد له بنصيب موفور من الثقافة، ولقد ~~كتبها ليقول لي فيها ما خلاصته إنني في وهم الحالمين لو ظننت الجمع بين ثقافة العصر ~~وثقافة تراثنا أمرا ممكنا، وكانت خلاصة ردي هي أن الإسلام هو أهم ما في تراثنا، ~~ورسالة الإسلام أخلاقية في المقام الأول، ولما كانت ثقافة العصر إنما تستند إلى ~~«العلوم» قبل أي شيء آخر، فأين يكون موضع الوهم، أخذنا أخلاقا من هنا وعلوما من هناك؟ ~~فما أنا إلا أن جاءتني رسالة من الأستاذ محمد محمد القاضي، يعترض فيها على ما كتبته في ~~الرد على «خطاب من مجهول»، وشعرت أن اعتراض الأستاذ محمد محمد القاضي يستحق الرد، بل ~~إنه يستوجبه، فما هو، وما صاحب الخطاب الذي جاء خلوا من التوقيع، وما أنا، وما سوانا ~~ممن يحملون هموم حياتنا الثقافية في هذه المرحلة التاريخية التي نجتازها، ما نحن جميعا ~~إلا طلاب حقيقة نطمئن لها ونهتدي بها في مسيرة حياتنا، وربما كان اعتراض الأستاذ محمد ~~محمد القاضي غير مقتصر عليه، بل هو مما يساور كثيرين آخرين، وهاك قبسات مما ورد في ~~رسالة الاعتراض: # ليست المسألة مسألة حضارة أساسها الأخلاق وحضارة أخرى أساسها العلم، لو كان ~~الأمر كذلك لهان الأمر، فما على العالم من سبيل إذا اكتسب أخلاقا معينة وهو ~~يجري التجارب في معمله، أو وهو يحاضر طلبته، أو وهو ينشر علمه بين الناس، ما ~~عليه من سبيل لأنه يجمع بين أشياء يمكن الجمع بينها. # المسألة تتمثل في صعوبة الجمع بين عقلية وعقلية، وبين منهج ومنهج، إنها عقلية ~~الغيب في مقابل عقلية المشهود، وهي عقلية غير المنظور في مقابل عقلية المنظور، ~~عقلية الغيب بكل «قوانينه» إذا كان للغيب قوانين، وعقلية الحاضر المشاهد، الذي ~~يخضع للتجريب والملاحظة والاستنباط، إنها عقلية الغيب بكل شطحاته وتهويماته ~~ودروشاته، إنها العقلية التي تعتبر الأبله وليا ms258 «يعلم الغيب» وينطق بالحكمة، ~~ومن ثم يتبرك الناس به. # يا سيدي إن تفسير حادث السيارة على أنه قضاء وقدر، غير تفسيره على أنه ناشئ ~~عن أسباب أخرى، وربما تتصل بالسيارة أو بنظام المرور أو بالسائق أو بها مجتمعة، ~~والأمر على العكس في عقلية الحاضر المشهود، الخاضع للتجربة والملاحظة ~~والاستنباط، بل والتنبؤ بالسلوك كلما وضعت الظاهرة في نفس الظروف. # وإذن فهي ليست حضارة قائمة على الأخلاق في مقابل حضارة قائمة على العلم، بما ~~يستلزم عدم التنافر عند الجمع، أو الازدواج. # وأكتفي بهذا القدر من رسالة الأستاذ محمد محمد القاضي؛ لأن كل ما ورد فيها غير ذلك ~~إنما هو أمثلة وتفريعات، تزداد بها وضوحا، لكن الفكرة الأساسية تظل هي الفكرة، وأعتقد ~~أن شيئا مما رددت به على ما جاء في «خطاب من مجهول» يبقى هو نفسه أساسا للرد على ~~رسالة الأستاذ القاضي (والروح بينهما شديدة التجانس)، وذلك الأساس الذي أعنيه هو الوقوع ~~في مغالطة «إما كذا وإما كيت» عندما يكون في حدود الإمكان أن يجتمع «كذا» و«كيت» معا ~~في شخص واحد، كأن تقول - مثلا - إما أن يكون فلان أستاذا في الجامعة وإما أن يكون ~~محبا لرياضة المشي، فيتوهم السامع بأنه إذا ثبت أن فلانا المقصود أستاذ في الجامعة، ~~فيلزم بالضرورة ألا يكون محبا لرياضة المشي، في حين أن إمكان الجمع بين الطرفين جائز ~~وقريب الحدوث. # والآن فلننظر فيما أوردناه عن رسالة الأستاذ القاضي، فمحور حديثه هو المفارقة بين ~~عقلية وعقلية (على حد تعبيره) عقلية الغيب وعقلية المشهود، فكأنما يريد القول بأنه إذا ~~شغل إنسان بالبحث في ظاهرة من ظواهر العالم المشهود؛ فلم يعد أمامه فائض من حياته ~~يشغل فيه بالغيب، وها هنا نقع في المغالطة التي ذكرناها، وذلك لأن السامع هنا قد ~~يتوهم بأنه لا جمع بين أن يشغل الإنسان بما هو مشهود وبما هو غيب في شخصية واحدة، ~~لا، بل إن الموقف في هذه الحالة أقوى حجة وأشد وضوحا من الموقف الذي مثلناه بإمكان ~~الجمع في شخص واحد بين الأستاذية الجامعية ms259 وحب رياضة المشي؛ وذلك لأنه في نفس اللحظة ~~التي يقوم فيها عالم بالبحث في ظاهرة معينة، بحثا يقيمه على تجربة وملاحظة، ويكون ~~ملتزما أمام ضميره العلمي بطائفة من «القيم»؛ إذ لا بد له أن يكون «أمينا» في بحثه ~~و«صادقا» في إعلان نتيجته، والأستاذ القاضي يعلم أن أشياء ك «الأمانة» و«الصدق» وما ~~إليهما، لا تقع في أسرة المنظور، فالأمانة والصدق صورتان من صور «الأخلاق» يستعيرها رجل ~~العلم من جانبه الآخر الذي هو فيه مؤمن بالغيب، وإلا فلماذا لا يلتزم الباحث العلمي أن ~~يكون «مزورا» وأن يكون «كاذبا» في إعلان نتائج بحثه؟ فإذا قلنا إنه من الممكن للعربي ~~أن يجمع أخلاقه الدينية إلى اضطلاعه بالبحث العلمي وبمنهج ذلك البحث، لم يكن هناك محل ~~للاعتراض بأن هذه عقلية وتلك عقلية أخرى، وأقصى ما يمكن أن يقال في هذا الصدد، هو أن ~~الإنسان الواحد - وأعني كل إنسان - فيه الجانبان معا، وهما جانبان يجوز لنا أن نفرق ~~بينهما عند التحليل لنزداد فهما ووضوحا، لكن ذلك التحليل النظري لا يعني أن الإنسان ~~يمكنه الحياة حياة كاملة بأحد الجانبين دون الجانب الآخر، كأن يترك نفسه بأجمعها ~~ليستغرقها الواقع المشهود وحده، أو أن يتركها ليستغرقها الغيب وحده، إلا إذا استطاع ~~الطائر أن يطير بجناح واحد، نعم إن هنالك من لا ترى عيناه إلا محسوسات الواقع، فيتساءل: ~~وهل هناك شيء آخر غير هذا الواقع؟ كما أن هنالك من ينعم في وجدان قلبه بتأمل الغيب ~~فيتساءل: وهل هنالك ما يستحق الاهتمام غير هذا الغيب؟ لكن كلا الرجلين سرعان ما يجنح به ~~إسرافه إلى حياة مريضة تحتاج إلى من يتولاها بالعلاج لترتد حياة سوية تمكن صاحبها ~~من الجمع بين شهادة وغيب، بين عمل وإيمان، بين علم ودين. # يقول الأستاذ القاضي - فيما يورده من أمثلة توضح الفرق بين عقلية وعقلية (كما جاء في ~~حديثه) - إن تفسير حادث السيارة على أنه قضاء وقدر غير تفسيره على أنه ناشئ عن أسباب ~~أخرى. وإني لأسأله: غيره عند من؟ ثم أتبرع له بالجواب عن سؤالي، فأقول: ms260 إن ذلك التفسير ~~غير هذا التفسير عند المتعجل الذي لا يريد أن يعقل الأمور ليفهمها، ولكي نرى الأمر هنا ~~على حقيقته، يجب علينا أولا أن نفهم كلا من اللفظين: «قضاء» و«قدر» مستقلا أحدهما ~~عن الآخر، إذ لو كان اللفظان بمعنى واحد، لكان لفظ واحد منهما يكفي، ففي كلمة «القضاء» ~~معنى المشيئة التي شاءت لشيء أن يقع، وأما كلمة «قدر» فتضيف إلى ذلك الحكم جانب ~~«التقدير» أي جانب «المقدار» أي الجانب «الكمي» - بلغة العلوم - وفي هذا الجانب الكمي ~~يكون تحديد «نقطة» الحدوث أين، وتحديد «لحظة» الحدوث متى، فإذا قلنا عن حادث إنه «قضاء ~~وقدر» فكأننا أضمرنا سلسلة الأسباب التي تتصل بنقطة الحدوث وبلحظة الحدوث، وإذن فلا فرق ~~بين عقلية وعقلية (بتعبير الأستاذ القاضي) وإنما الفرق هو بين من أضمر الأسباب ومن أفصح ~~عنها، والموقفان لا يتناقضان، بل إن من أضمر يستطيع هو نفسه أن يتعلم كيف يفصل ما ~~أضمره إذا أراد ذلك. # إنه إذا كانت الأديبة سهير إبراهيم عليوة في تعليقها على كتابي «شروق من الغرب» قد ~~جمعت لنا أمثلة كثيرة من حياتنا الحاضرة، لتبين بها من أوجه مختلفة كم أصبح في حياتنا ~~الراهنة من «غروب» بعد أن كانت فيما مضى دائمة الشروق، وإذا كان الأستاذ محمد محمد ~~القاضي قد ضرب لنا من حياتنا تلك أمثلة يوضح بها كم تبعد «عقلية» جمهورنا عن «عقلية» ~~أبناء الغرب في عصرنا بحيث يتعذر الجمع بين الطرفين في كيان واحد، فليس ذلك من طبائع ~~الأشياء، نزل بنا ليبقى، بل هو كظلام الليل، لا يلبث أن ينقضي، وإنني لعلى يقين بأن ~~للشمس شروقا بعد كل غروب. ms261