######OpenITI# #META# URI: 1414ZakiNajibMahmud.DavidHume.Hindawi16138579 #META# Tags: philosophy #META# ID: 16138579 #META# Title: ديفد هيوم #META# AuthorID: 64904748 #META# Author: زكي نجيب محمود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # سيرة الفيلسوف‏ # فلسفته‏ # نصوص مختارة‏ # مؤلفات ديفد هيوم‏ # مراجع‏ # مقدمة‏ # سيرة الفيلسوف‏ # فلسفته‏ # نصوص مختارة‏ # مؤلفات ديفد هيوم‏ # مراجع‏ # | ديفد هيوم # | ديفد هيوم # تأليف # زكي نجيب محمود # | مقدمة # يعد «ديفد هيوم» # David Hume # أبا لحركة فلسفية ~~تعاصرنا اليوم ونعاصرها، وهي الحركة التي يطلق عليها أنصارها اسم «الوضعية المنطقية» حينا، ~~واسم «التجريبية العلمية» حينا آخر؛ وإلى هذه الحركة الفلسفية أنتمي؛ على أن «هيوم» وإن ~~يكن أصلا تفرعت عنه المدرسة التجريبية العلمية القائمة بيننا اليوم، إلا أن بينه وبينها ما ~~بين الأصل وفرعه من اتفاق في الأساس واختلاف في تفصيلات الورق والثمر. # والأساس الذي وضعه لنا هيوم فجئنا اليوم نبني عليه، هو التفرقة الفاصلة الواضحة بين ضربين ~~من المعرفة: المعرفة التي تنحصر أطرافها في رأس صاحبها؛ إذ تكون تحديدا للعلاقات القائمة ~~بين فكرة وفكرة، كأن يدرك أن إحدى الفكرتين نتيجة تلزم عن الأخرى؛ والمعرفة التي تنبئنا عن ~~أمور الواقع، فليس الأمر ها هنا مقتصرا على تحليل الأفكار الذهنية لتحديد ما بينها من ~~علاقات، بل إنه يجاوز حدود الذهن ليمد أطرافه إلى العالم الخارجي، فيغترف من حوادثه ووقائعه ~~تقريرا عما يدور حولنا. # هذان ضربان من المعرفة مختلفان جد الاختلاف، ففي الضرب الأول منهما يقيم المفكر فكره بغض ~~النظر عما يقع في العالم الخارجي أو لا يقع، كما هي الحال في العلوم الرياضية وما لف ~~لفها، فما على المفكر ها هنا إلا أن يبدأ شوط تفكيره من فكرة بعينها، ولتكن فكرة المثلث - ~~مثلا - ثم يأخذ في تحليل الفكرة واستخراج ما يكمن في جوفها، فإذا كانت الفكرة الأصلية ~~مقدمة نبدأ منها، فهذه العناصر التي نستخرجها منها هي النتائج التي تلزم عن تلك المقدمة ~~لزوما منطقيا ضروريا؛ كأن أقول مثلا إنه ما دام المثلث سطحا مستويا محوطا بثلاثة ~~أضلاع، إذن فلا بد أن تكون زواياه ثلاثا كذلك، وإذا كان كذا، إذن فلا بد أن يكون كيت ... ~~وهكذا؛ ها هنا تكون النتائج التي نصل إليها يقينا حتى ولو لم يكن في العالم بأسره مثلث ~~واحد؛ لأننا ms001 لا نتعرض فيها إلى نبأ ننبئ به عن الطبيعة الواقعة بحيث يجوز علينا الصواب ~~والخطأ، بل إننا بمثابة من يكرر الفكرة الواحدة مرتين؛ إذ نقول الفكرة الأولية ثم نحللها ~~لنستخرج من خيوطها خيطا نبرزه، فليس هذا الخيط الذي انتزعناه من النسيج الأولي شيئا ~~جديدا، بل هو كشف عما هناك. # لا عجب إذن أن تكون الاستدلالات الرياضية يقينية النتائج إذا ما سلمت خطوات الاستدلال، ~~لكن ما هكذا يكون الأمر في النوع الثاني من معرفتنا، وأعني به ما يصف لنا العالم الخارجي، ~~كأن نعلم - مثلا - أن البرودة تجمد الماء، وأن السباع لا تأكل العشب، وأن الأجسام تتجاذب ~~على نحو معين وهكذا؛ هنا يتحتم علينا أن نتلقى من الخارج انطباعات معينة على حواسنا لنعلم ~~ماذا عسى أن يكون في الطبيعة من وقائع وأحداث؛ فليس الفكر الخالص وحده بقادر على أن يعلم أن ~~البرودة تجمد الماء وأن السباع لا تأكل العشب، بل لا بد في مثل هذه الأمور من النظر إلى ما ~~يحدث، كما تدلنا عليه خبراتنا التي مارستها حواسنا من رؤية وسمع ... إلخ، ذلك لأن الفكر ~~الخالص غير المعتمد على الخبرة الحسية ليس لديه ما يمنع أن يتصور نقائض هذه الحوادث، فليس ~~محالا على العقل أن يتصور الماء تذيبه البرودة وتجمده الحرارة، وأن يتصور السباع آكلة ~~للعشب والخيل آكلة للحوم؛ فالذي حملنا على قول ما نقوله عن وقائع الطبيعة هو الخبرة الحسية ~~التي أحاطتنا بما يقع فعلا؛ فإذا كنا نقرر أن البرودة وتجمد الماء حادثان متصاحبان ~~دائما، فما ذلك إلا لأننا رأيناهما متصاحبين فعلا؛ إننا لم نتناول فكرة «البرودة» في ~~أذهاننا لننصرف إلى تحليلها إلى عناصرها، كما فعلنا في فكرة «المثلث» ونحن نفكر تفكيرا ~~رياضيا؛ لم نتناول بالتحليل الذهني الصرف فكرة «البرودة» لنقول بعدئذ إن في جوف هذه ~~الفكرة عنصرا هو أنها تجمد الماء؛ كلا، فليست العلاقة بين الطرفين - البرودة وتجمد الماء ~~- رابطة عقلية تحليلية ضرورية الحدوث، بل الأمر مرهون بالملاحظة الحسية وحدها، فنلاحظ ~~ملاحظة متكررة أن الطرفين متصاحبان، يتحقق أحد الطرفين إذا ms002 تحقق الآخر بغير تخلف، فنستفيد ~~بهذه الخبرة أن نتوقع حدوث أحد الطرفين إذا ظهر لنا الآخر؛ وإذا ما قلنا إن بين هذين ~~الطرفين علاقة «سببية» فلسنا نريد بهذه الكلمة إلا هذه المصاحبة التي خبرناها فيما مضى ~~ونتوقع لها أن تعود إلى الحدوث في المستقبل على نحو ما حدثت في الماضي. # هذه التفرقة الفاصلة بين نوعي المعرفة السالفين، وضع لنا أساسها هيوم، فجئنا اليوم ~~نبني عليها ونمضي في طريقها إلى غاياته المنطقية، ومن هذه الغايات المنطقية - ومن أهمها - ~~أن وضحنا بقدر ما وسعنا التوضيح أن «المعرفة» بمعناها الصحيح، أي بمعناها الذي يمكن به أن ~~يتبادل الناس معارفهم، يستحيل عقلا أن تخرج عن هذين ~~النوعين - مع تبين الفرق بين النوعين - وهما العلوم ~~الرياضية من جهة والعلوم الطبيعية من جهة أخرى؛ وأما ما عدا ذلك من صنوف الكلام فمقبول إذا ~~أراد به صاحبه أن يخرجه تعبيرا ذاتيا عن دخيلة نفسه لا يريد غيره أن يناقشه فيه، أو ~~بعبارة أخرى، إن ما عدا هذين النوعين من «المعرفة» لا يكون من المعرفة في شيء؛ حتى إن ~~قبلناه على أنه تعبير فني كالقصيدة من الشعر مثلا، فإنما نقبله في هذه الحالة، لا على أنه ~~«معرفة» موضوعية يجوز فيها الجدل والمراجعة، بل على أنه حالة انفعالية هي أقرب إلى ضحكة ~~الضاحك أو صرخة المتألم؛ وعلى هذا الأساس نحذف الأقوال الميتافيزيقية كلها من مجال ~~«المعرفة»؛ لأنها لا هي باعتراف أصحابها مجرد تحليلات فكرية لا تمت إلى العالم الخارجي ~~بسبب، ولا هي معتمدة على خبراتنا الحسية، نحذفها من مجال «المعرفة»، ولأصحابها - إذا شاءوا ~~- أن يعدوها تعبيرات فنية كقصائد الشعر وما إليها من فنون القول، على أن يكون الحكم في ~~قبولها أو رفضها هو الناقد الفني لا صاحب المنطق العقلي؛ يقول «هيوم» في ختام كتابه «بحث في ~~العقل البشري» (نشر «سلبي بج»، ص165): «إننا إذا ما استعرضنا المكتبات مزودين بهذه ~~المبادئ، فيا لها من إبادة تلك التي نضطر إلى فعلها! فلو تناولنا بأيدينا كتابا كائنا ما ~~كان، كتابا في اللاهوت ms003 أو في الميتافيزيقا المدرسية - مثلا - فلنسأل: «هل يحتوي هذا ~~الكتاب على تدليلات مجردة بالكم والعدد؟ لا؛ هل يحتوي على تدليلات تجريبية خاصة بأمور ~~الواقع والوجود الفعلي؟ لا؛ إذن فألق به في النار، لأنه يستحيل أن ينطوي على شيء غير ~~سفسطة ووهم.» # إلا أننا - نحن التجريبيين العلميين المحدثين - إذا كنا على اتفاق مع رائدنا الأول في ~~أمثال هذه الأصول، فإننا نختلف وإياه في طريقة السير، وفي مجال النشاط؛ فبينا هو يحلل الفكر ~~الإنساني تحليلا «نفسيا»، ترانا نحلله تحليلا «منطقيا»، ومن ثم تسمية مدرستنا ~~المعاصرة بالوضعية المنطقية؛ فرائدنا هيوم يتقصى بالتحليل الوحدات الأولية التي منها ~~يتألف المحصول العقلي - إذا صح هذا التعبير - حتى يقع في نهاية الأمر على تلك العناصر ~~الأولية المنشودة، وهي الانطباعات الحسية، أي ما تنطبع به حواسنا الخارجية والداخلية على ~~السواء انطباعا مباشرا، كأن ترى بعينك لمعة من الضوء أو أن تحس خوفا، حتى إذا ما أزيلت ~~المؤثرات الخارجية التي طبعت حواسنا، تخلفت لنا صور ذهنية هي نفسها تلك الانطباعات ~~الأولى بعد أن زالت مؤثراتها، وهذه الصور المتخلفة هي ما يسميه هيوم ب «الأفكار»؛ وإذن ~~فالمحصول العقلي عند الإنسان يرتد إلى هذه العناصر الأولية: انطباعات وأفكار، أو إن شئت فقل ~~إنها انطباعات وما يتخلف عنها من صور ... هكذا يجعل هيوم مجال تحليله «نفسيا»، فلا فرق ~~بينه في الحقيقة وبين عالم نفسي يحلل التفكير الإنساني؛ أما أتباعه المعاصرون فلا شأن لهم ~~بالمجال النفسي، وإنما شأنهم كله في العبارات الكلامية التي فيها يتجسد التفكير؛ فالذي ~~يحلله المحدثون هو «اللغة» التي تقع عليها أعيننا مكتوبة أو تطرق آذاننا مسموعة؛ ولذلك ~~فالوحدات التي ينشدونها بتحليلهم هي «قضايا» أولية، لا «حالات نفسية» أولية كما كانت ~~الحال عند هيوم. # إنني لا أريد أن أستطرد في هذه المقدمة استطرادا يخرج بها عن حدودها، لأنني أريد للقارئ ~~أن يطالع «هيوم» نفسه؛ وإنما أقول «يطالع هيوم» لأنني في هذا الكتاب قد حرصت على أن أترك ~~الحديث لصاحبه، فاعتمدت في كل ما ذكرته على مؤلفات هيوم، حتى يحس القارئ ms004 كأنما الفيلسوف ~~نفسه يعرض عليه بلسانه خلاصة وافية لفلسفته. # وحسب القارئ ليعلم مكانة هيوم في الفلسفة أن يعلم أنه شق في أرضها طريقا جديدا؛ ~~وعزف على أوتارها نغمة لم تألفها الأسماع قبله؛ نغمة أيقظت جبار الفلسفة الحديثة - ~~عمانوئيل كانت - من سباته، فهو القائل عن هيوم: «إنني لأعترف صادقا أن ما استذكرته من ~~تعليم ديفد هيوم كان هو على وجه التحديد العامل الذي أحدث - منذ أعوام كثيرة - أول هزة ~~أيقظتني من سبات جمودي الاعتقادي، ووجه أبحاثي في مجال الفلسفة التأملية وجهة جديدة» ~~(من كتابه «مقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة»). # وإني لآمل أن يحدث هذا الكتاب عند دارسي الفلسفة عندنا هزة - كالتي يذكرها «كانت» - ~~توقظهم من سبات جمودهم الاعتقادي، ولو فعل لكان ذلك لكاتبه خير الجزاء. # زكي نجيب محمود # الجيزة، في 9 سبتمبر 1957م # | سيرة الفيلسوف # (1) نشأة مجهولة # لم يكن قد بقي ل «ديفد هيوم» إلا فترة قصيرة قبل ختام حياته، حين كتب «حياتي». # 1 # وكان آخر ما كتب؛ لكنه أوجز كأنما أراد أن يقص للناس عن نفسه دون أن يكشف ~~لهم عن نفسه! وكم كنا نود أن يكتب عن نشأته فيطيل ويسهب، ليروي لنا عن المؤثرات التي ~~عملت في نفسه بحيث أخرج كتابه الرئيسي الذي يحتوي على لباب فلسفته كلها قبل أن يبلغ ~~الخامسة والعشرين من عمره! بل إن الفكرة قد اختمرت كلها في عقله - كما يقول - وهو لم ~~يزل طالبا لم يبلغ العشرين ... إننا قد نفهم أمثال هذا الإنتاج المبكر في عالم الفن - ~~مثلا - أو في الرياضة، فلسنا نعجب لفنان أو لعالم رياضي يكتمل نتاجه في سن مبكرة؛ لأن ~~الموهبة المطلوبة للعبقرية الفنية أو الرياضية هي لمعات من الإلهام أو لمحات من الذكاء ~~قد يوهبها صاحب السن الصغيرة؛ أما الفلسفة فالأرجح ألا تتكامل لصاحبها إلا بعد أمد ~~يطول بعض الشيء، لكي تتهيأ له فرصة التأمل الطويل والدراسة المتشعبة والمقارنات الكثيرة ~~والخبرة الواسعة ... لكن ها هو ذا فيلسوفنا هيوم ينتج فلسفته المبتكرة التي غيرت مجرى ~~الفكر من بعده، ينتجها في سن العشرين ms005 أو نحوها، دون أن يحدثنا عن العوامل التي فعلت في ~~ذلك فعلها. # ولد ديفد هيوم في إدنبره - باسكتلندا - في السادس والعشرين من أبريل عام 1711م من ~~أسرة وسط بين الفقر والغنى، وكان هو ثالث إخوته، يكبره أخ وأخت، ومات أبوه و«ديفد» لم ~~يزل بعد رضيعا، فألقي على الأم عبء تربية أبنائها، مستمدة أسباب الرزق من ضيعة ~~صغيرة كانت لزوجها في الريف. # ولسنا ندري كيف تلقى «ديفد» تعليمه ولا أين؛ فكل ما يرويه في هذا الصدد في كتابه ~~«حياتي» هو هذه العبارة الموجزة: «لقد اجتزت بالتوفيق شوط التعليم المعتاد.» وهي عبارة ~~لا تكاد تدلنا على شيء؛ لكننا نستطيع أن نجمع شذرات عنه من هنا وهناك، فنعلم منها أنه ~~قد أكمل دراسته وهو في الرابعة عشرة من عمره، ولم يظفر من كليته بشهادة، لا عن تقصير، ~~ولكنه العرف إذ ذاك لم يكن يلقي بالا للشهادات العلمية في كثير أو قليل؛ وكذلك نعلم ~~عنه وهو في سني دراسته أنه تأثر بعلم «نيوتن»، لكننا لا ندري إن كان ذلك قد وقع له في ~~الفصل الدراسي أم في قراءته الخاصة؛ ثم نعلم عنه كذلك أنه أغرم منذ سنه الباكرة ~~بالأدب، وهو غرام لم يتحول عنه طيلة عمره، فحتى حين شغلته الفلسفة لم يكن ذلك داعيا ~~إلى هجران الأدب، بل قسم العاشق عندئذ وقته بين معشوقتيه قسمة عدل وإنصاف. # لكن ضرورة العيش نادت، فلا الأدب ولا الفلسفة مما يأتيه بقوت يومه، وكان لا بد له من ~~سبيل إلى ذلك القوت، لأن أخاه الأكبر قد استأثر بضيعة أبيه كما هو العرف في الوراثة ~~عندهم؛ فأي سبيل يختار كسبا لرزقه؟ يقول إنه اختار المحاماة مهنة، وأخذ يدرس القانون ~~استعدادا لذلك، ولا نعلم كيف كانت تلك الدراسة، وعلى كل حال لم يطل مقام الغريب في أرض ~~الغربة، فما أسرع ما دب الملل في نفسه دبيبا، فأسرع عائدا إلى وطنه العقلي الأصلي، ~~وما ذلك الوطن عنده إلا الفلسفة والأدب؛ عاد إليهما يعب منهما عبا كأنما أراد أن ~~ينتقم للفترة القصيرة ms006 التي قضاها على أرض غير أرضه ؛ وراح ينفق أيامه في قراءة شيشرون ~~وفرجيل. # ولكن لقمة العيش ما زالت تلح عليه بالعمل في سبيل تحصيلها، وكذلك أمه ما زالت به تملأ ~~أذنيه بالنصح أن يقلع عما لا يفيد إلى ما يفيد؛ كانت الأم عملية المزاج تنظر بكلتا ~~عينيها إلى الحياة في مجراها السائر يوما بعد يوم، فيأخذها القلق الشديد على ابنها؛ ~~إذ ماذا يجدي عليه الأدب وماذا تجدي عليه الفلسفة حتى إن بلغ منهما الذروة العليا؟ لم ~~يكن مألوفا في بلاده - اسكتلندا - عندئذ أن تهيئ الفلسفة أو أن يهيئ الأدب من أسباب ~~الرزق شيئا يغني من جوع. # غير أن صاحبنا إذا ما قالت له أمه أو قال له صديق إن الفلسفة التي اختارها مشغلة ~~حياته شيء لا يفيد من الناحية العملية، أجاب: بل هي نافعة من هذه الناحية العملية نفعا ~~ليس وراءه نفع؛ لأنه يمارس قواعدها في ضبط شهواته، فأي شيء أكثر إيغالا في الحياة ~~العملية من ضبط الشهوات؟ أيكون تفكيرا نظريا ذلك التفكير الذي يعلو بصاحبه على مجرى ~~الحوادث العابرة بما فيها من تفاهة وصغار؟ أيكون سابحا في أحلام ذلك الرجل الذي ~~يستعين بفكره على كوارث الزمن، فينعم في حياته بالسكينة والحرية وعزة النفس واستقلالها، ~~بما أوتيه من قدرة على ازدراء الثراء والقوة والجاه؟ # لكن شابا لم يكن بعد قد بلغ الثامنة عشرة، يأخذ نفسه أخذا صارما بمبادئ يخلقها ~~لنفسه خلقا بمحض تفكيره الفلسفي العميق، لا بد أن ينتهي أمره سريعا إلى علة مضنية؛ ~~لأن العبء أثقل من أن تحتمله نفس لم يكد يكتمل لها نموها؛ وهكذا مرض فتانا واعتل، وهو ~~يفسر ذلك بقوله إن التأمل الفلسفي إذا ما نسج خيوطه في الفراغ، منعزلا عن دنيا النشاط ~~والعمل، أصبح خطرا على صاحبه، لأنه ينهك قواه؛ ف «التفكير العقلي إذا لم يجد جبهة ~~عملية تقاومه، تبعثر في الخلاء وحدث له ما يحدث للذراع حين تمتد لتمسك بشيء ثم يفلت ذلك ~~الشيء وتضرب الذراع في الهواء.» # 2 # نعم إن فيلسوفنا الشاب لم ms007 يأخذ نفسه اليافعة بشيء من الرفق، بل واصل الدرس والتفكير، ~~فلم تقع فلسفة عصره ولا ديانة عصره منه موقع الرضى؛ إنه لم يجد فيهما تعبيرا عن الحق ~~يطمئن إليه، فأحس في نفسه رغبة جامحة - هكذا يروي لنا عن نفسه - في أن يشق لنفسه ~~طريقا جديدا يلتمس به الحق كما يرضيه؛ وكان في عامه الثامن عشر حين لمعت في ذهنه ~~المتوقد فكرته الجديدة، «فكنت كأنما انداح أمامي أفق جديد من آفاق الفكر، نقلني إلى هدف ~~لم أكن أحلم به.» # 3 # تمكنت فكرته الجديدة هذه من عقله وتشبثت به حتى لم يعد في مقدوره أن يترك التفكير ~~فيها لحظة واحدة، ودفعته النشوة - نشوة خلق فكر جديد - إلى الانغماس في أغوار التأمل ~~حتى غص به وأقعده المرض؛ فلم يكن له بد من الراحة والعناية ببدنه وعافيته، حتى إذا ~~ما استرد قليلا من قواه الذاوية، اقتضته الحكمة أن يغير من حياته بما يناسب حاله ~~الطارئة؛ وهو في ذلك يقول إنه في أعوامه الماضية قد عاش حياة تتناوبها الدراسة حينا ~~والاسترخاء حينا، فكان لهذا المركب أثره في هدم صحته، فكان لا بد له من تجربة مركب ~~آخر لحياة يتناوبها النشاط العملي حينا والتنزه حينا ... ومن ثم جاءت عزيمته على أن ~~يبدأ شوطا جديدا من حياته ينفقه في ميدان عملي كالتجارة، فقصد من فوره إلى أحد ~~البيوت التجارية في مدينة «برستل». ~~(2) هيوم الفيلسوف # لم يطل مقامه في «برستل»، فلا المدينة صادفت منه هوى ولا العمل التجاري وقع في نفسه ~~موقعا حسنا؛ فشد الرحال إلى فرنسا، وصمم أن يكتفي بدخله الضئيل مهما اقتضاه ذلك من ~~شظف وضيق، وذلك لينصرف بجهده كله إلى دراسته وتأمله؛ وانتهى به المطاف في فرنسا بمدينة ~~«لافليش» التي أذاع شهرتها أن ديكارت كان قد تلقى فيها علومه بكلية الجزويت، وقد كان ~~خليقا بهيوم أن يذكر هذه الحقيقة في حياته، لكنه لم يفعل، كأنما مقامه في بلد أنشأ ~~ديكارت من قبله ليس من الحوادث التي تستوقف النظر؛ فما الذي أغراه - إذن - باختيار ~~«لافليش» يقيم ms008 فيها ليكتب رسالته الرئيسية؟ لعله هدوء المكان أو عيشه الرخيص، أو لعلها ~~كلية الجزويت هناك وما فيها من معينات على القراءة والدرس، ففي أبهاء ذلك المعهد ~~الهادئ كان فيلسوفنا الشاب يتمشى يوما مع أحد القساوسة يتبادلان الحديث في «المعجزات»، ~~فكان هذا الحديث بداية تفكيره الذي انتهى فيما بعد إلى مقالته المشهورة في هذا ~~الموضوع. # يقول هيوم في خطاب أرسله إلى صديق إنه أثناء مقامه في فرنسا، في «ريمس» أولا وفي ~~«لافليش» ثانيا، فرغ من كتابه «رسالة في الطبيعة البشرية»، ثم يصف هذه «الرسالة» بأنها ~~مشروع ضخم «وضعت خطته قبل أن أبلغ الحادية والعشرين، وأنشأته قبل أن أتم الخامسة والعشرين.» # 4 # أما وقد أتم هيوم «رسالته» فلم يعد هنالك ما يدعوه إلى إطالة الإقامة في «لافليش»، ~~ولهذا غادرها مقيما في فرنسا نحو العامين قضاهما هنا وهناك، ثم عاد إلى لندن في سبتمبر ~~من عام 1737م، وهنالك أخذ يسعى عند الناشرين، حتى نشر له الجزءان الأول والثاني من ~~«الرسالة» عام 1739م، ثم نشر الجزء الثالث عام 1740م؛ وكان وهو في انتظار النشر لا ~~ينفك مراجعا لما كتب، ليخفف من الآراء الدينية والأخلاقية، وليصقل الأسلوب ويصلح ~~العبارة؛ ومع ذلك الحرص كله فقد أسف فيما بعد أسفا شديدا على تسرعه في النشر؛ لأنه ~~رغم هذا الحرص وهذه العناية، فقد صدرت «الرسالة» وفيها كثير جدا من فجاجة الشباب ~~وسذاجته ... يقول في ذلك: «لقد عاودني الندم مئات المرات ومئاتها على تسرعي بالنشر.» قال ~~ذلك في إحدى رسائله، وفي رسالة أخرى يقول إنه نادم على نشر «الرسالة» إطلاقا، فلم يعد ~~موضع الندم منصبا على مجرد التسرع، وأن التمهل كان أولى، بل إنه ود فيما بعد لو لم ~~ينشر هذا المؤلف قط؛ وهو يعلل إقدامه على النشر تارة بأنه خشي أن يسبقه سابق إلى نشر ~~أفكار شبيهة بأفكاره، وكان يريد لنفسه أن يكون المعلن الأول لهذا الطريق الفلسفي ~~الجديد، وتارة أخرى بأنه خجل أن يظهر أمام أهله وأصدقائه بمظهر من أضاع وقته سدى، فلا ~~أقل من تبرير غيابه ms009 وانقطاعه عن العمل بكتاب يقدمه لهم حجة على أن وقته لم يضع ~~هباء. # ومهما يكن من أمر، فقد اشتد به القلق على قيمة عمله؛ إذ هو في انتظار نشره فلم يدخر ~~وسعا في تعديله هنا وتحويره هناك، وحذف هنا وإضافة هناك؛ وكلما اقترب وقت الصدور ~~اشتد به الهلع حتى وصف نفسه بالجبن، كأنما هو لا يقوى على مواجهة الناس برسالته؛ ولكنه ~~مضى في إصلاح عمله مسرعا قبل أن تتناوله المطبعة، قائلا لنفسه إنه لا ينبغي أن يأخذه ~~الزهو بعمله بحيث يتركه معيبا، فلئن كان يزدري مثل هذا الطيش في الآخرين فما أحراه أن ~~يزدريه في نفسه؛ وكتب في خطاب لصديق عندئذ يعبر عن خواطره فقال إن «رسالته» هذه ترفعه ~~آنا فوق السحاب زهوا وشموخا، لكنها آنا آخر تقبضه من الخناق وتملؤه بالشكوك ~~والمخاوف. # وحفزه الحرص والخوف معا أن يستطلع رأي «بتلر» - القسيس والفيلسوف الأخلاقي المعروف ~~في تاريخ الفكر الإنجليزي - فاعجب لهذا الثائر على الفلسفة الدينية والأخلاقية الشائعة ~~في عصره يستشير قسيسا أخلاقيا في قيمة مبادئه! لكنه فعل، وأعجب من ذلك أنه لم يتردد ~~في تغيير ما اقتنع بأنه واجب التغيير. # وأخيرا صدرت «الرسالة في الطبيعة البشرية» # 5 # لا تحمل اسم صاحبها ولا أي اسم آخر من أسماء العظماء الذين اعتاد المؤلفون ~~أن يستندوا إليهم؛ فقد أراد هذا الفيلسوف الشاب الذي لم يكن قد جاوز الثامنة والعشرين ~~عندما نشر في الناس مؤلفه العظيم، أراد أن يواجه القارئ بكتابه مواجهة مباشرة فيرفعه ~~أو يخفضه تبعا لما يراه في ذاته من قيمة كبيرة أو صغيرة، دون أن يتأثر بهذا الاسم أو ~~ذاك ... ترى هل كان هذا التخفي جبنا أم شجاعة؟ هل جفل الفيلسوف المتردد من مواجهة ~~القراء بشخصه أم أنها شجاعة منه أن يقذف بفلسفته في وجه القراء غير مستندة إلى ناصر ~~أو شفيع؟ # وعلى أي حال فقد «ولدت الرسالة ميتة من المطبعة، لم تستثر حتى ولا الهمس بين من ~~يتحمسون لها.» على حد ما قاله هيوم نفسه عنها؛ مع أنه كان يعلق ms010 عليها آمالا ~~كبارا، وكان يظن أن عالم الفكر سيرتج لها ارتجاجا؛ لأنها في الحق قد جاءت بالمبتكر ~~الجديد، لكنها «ولدت من المطبعة ميتة» كما يقول؛ ولما أن اشتد به القلق لهذا الإخفاق، ~~لم يطق صبرا على البقاء في المدينة يرقب كتابه كيف يكون وقعه في الناس، فآثر أن يأوي ~~إلى بلده في الريف ريثما تقرر الأيام مصير الكتاب الذي طلع على الناس - كما يقول هيوم ~~نفسه في إحدى رسائله عندئذ - بالرأي الجديد، «فإذا ما استقر به القرار فسيكون من شأنه ~~أن يغير مجرى الفلسفة تغييرا شاملا كأنه الثورة، وأنت تعلم أنه ليس من اليسير ~~استحداث ثورة من هذا القبيل.» # 6 # لكن الكتاب لم يلق رواجا عند صدور جزأيه الأولين، وكان الرواج والنجاح - عند ~~هيوم - أمرين مرتبط أحدهما بالآخر، فلا نجاح لمذهبه بغير رواج كتابه؛ وقل ما شئت عما ~~أخذه من ضيق نفسي لهذه الهزيمة التي لم يكن يتوقعها، ومع ذلك فقد مضى يعد جزأه ~~الثالث، غير أنه هذه المرة آثر أن يلجأ إلى ناشر آخر، مستعينا في ذلك ب «هتشسن» ~~الذي كان أستاذا للفلسفة في جامعة جلاسجو، وهو الفيلسوف المعروف بمذهبه في ~~الأخلاق. # لا، بل إن الأمر لم يقف عند حد امتناع الرواج، فجاوزه إلى اضطهاد من يقرأ هذا الكتاب ~~من أبناء الجامعات! وإنه ليروي في هذا الصدد أن آدم سمث (صاحب الكتاب المشهور في ~~الاقتصاد) كان تلميذا ل «هتشسن»، فأوصاه أستاذه هذا أن يقرأ «رسالة» هيوم، ففعل، ثم ~~حدث له بعدئذ أن انتقل إلى جامعة أكسفورد، فرآه المشرف عليه هناك يطالع «الرسالة» ~~فوجه إليه أشد اللوم وألذع التقريع؛ لأنه يقرأ كتابا بعيدا عن العرف الجامعي في ~~طريقة البحث وأسلوب التفكير. # أوى هيوم إلى الريف لائذا بهدوئه من الخيبة التي أصابته في كتابه، وجعل يكتب «مقالات ~~في الأخلاق» والسياسة حتى أعد منها ما يصلح كتابا، ودفعه إلى النشر فلقي من الرواج ما ~~لم يكن لكاتبه في حساب! فحفزه ذلك إلى كتابة جزء ثان من هذه «المقالات»، وتحرك الأمل ~~في صدر ms011 هيوم من جديد، راجيا أن يكون رواج «المقالات في الأخلاق والسياسة» سببا في لفت ~~الأنظار إلى «الرسالة» التي أهملت ظلما من أئمة الفكر وقادته؛ وعلى كل حال فقد كانت ~~هذه «المقالات» من سمو الفكرة وطلاوة الأسلوب ما استحقت به البقاء؛ ولعلها كانت أول ~~إنتاج أدبي ينتجه كاتب اسكتلندي فيجاوز به حدود إقليمه ليتحدث عنه القراء في سائر أجزاء ~~إنجلترا، بل وفي فرنسا مركز الثقافة في ذلك الحين. # بهذا النجاح الجزئي اكتسب هيوم ثقة بنفسه، ولم يعد يتوارى عن الناس كما كان يفعل؛ ~~وعلى أساس هذه الثقة تقدم إلى كرسي الأستاذية في الفلسفة حين خلا في جامعة إدنبره؛ لكن ~~الجامعة رفضته بسبب آرائه التي وردت في «رسالته»، وعينت «هتشسن» لولا أنه اعتذر بضعف ~~صحته؛ والعجيب الذي يستحق الذكر هنا هو أن «هتشسن» هذا كان بين من أوصى جامعة إدنبره ~~ألا تعين هيوم في كرسي الأستاذية، على الرغم من أنه كان بين الأساتذة القلائل الذين ~~قرءوا «الرسالة» وأعجبوا بها وشجعوا مؤلفها على المضي في بقية أجزائها، لكنه - فيما ~~يظهر - لم يرد أن يشغل الأستاذية من جاءهم من خارج «المهنة» بالرأي الجديد. # وحدث بعد ذلك بقليل أن طلبه قائد عسكري ليكون كاتما لسره في رحلة سيقوم بها في بعض ~~أنحاء أوروبا؛ حتى إذا ما ارتحل معه، عاد وفي نفسه قرار حاسم بأن يتولى «الرسالة» ~~بالمراجعة والتعديل، معترفا بأنه قد تهور في نشرها مستعجلا شهرته، وبأنه كان مدفوعا ~~في عمله ذاك بالشكل أكثر منه بالموضوع، ولو وضع الموضوع نصب عينيه، لتمهل حتى يتقن ~~ويجيد، ويقول: «لقد اقترفت خطيئة يقترفها كثيرون، وأعني بها حماقة الذهاب إلى المطبعة ~~قبل الأوان ...» ولكي يكفر عن هذه الخطيئة أعاد أجزاء «الرسالة» بحيث أخرج كل جزء منها ~~في كتاب مستقل، بعد أن راجعه وجوده؛ بادئا بالجزء الأول الذي أطلق عليه في الإخراج ~~الجديد اسم «بحث في العقل البشري». # 7 # كان هيوم في «الرسالة» طموحا مسرفا في طموحه؛ إذ أراد أن يطبق مبدأه الجديد على شتى ~~نواحي الطبيعة البشرية من عقل ms012 وعاطفة وسلوك؛ لكنه أراد الآن أن يخرج كل موضوع من هذه ~~الموضوعات الثلاثة - وهي التي تكون على التوالي أجزاء «الرسالة» الثلاثة - في بحث خاص ~~مستقل، فقد يجد أن المبدأ الذي ينطبق على المجال العقلي لا ينطبق على العواطف، وأن ما ~~ينطبق على هذه قد لا ينطبق على مجال الأخلاق، وإذن فليختص كل موضوع بكتاب. # وبدأ تنفيذ مشروعه الجديد ب «البحث في العقل البشري» الذي كانت مادته في أساسها هي ~~نفسها مادة الجزء الأول من «الرسالة في الطبيعة البشرية» لكنه كان يختلف من حيث الأسلوب ~~وجودة العرض، حتى إن هيوم مع اعترافه بألا اختلاف في المادة بين «البحث» و«الرسالة» إلا ~~أنه كان يحرص أشد الحرص على أن يقرأه القارئ في الأولى دون الثانية، وكان يريد للنقاد ~~أن يتناولوه في «البحث» لا في «الرسالة» اعتقادا منه بأن ما جاء في «الرسالة» فجا ~~ملتويا قد ورد في «البحث» ناضجا مستقيما. # ومع ذلك فقد ورد في «البحث» موضوعان لم يكونا في «الرسالة»، وهما موضوع «المعجزات» ~~وموضوع «النتائج العملية للديانة الطبيعية»؛ وقد أثارت آراؤه في «المعجزات» ضجة شديدة، ~~ولعله أراد لهذه الضجة أن تثور حتى يستيقظ له من لم يكن قد أيقظته «الرسالة»، أو لعله ~~لم يرد شيئا أكثر من إثبات رأيه مهما يكن متعارضا مع الرأي السائد. # ومهما يكن من أمر فقد أخذت شهرته الآن في الذيوع، وتحرك له النقاد، فنزل ذلك كله من ~~نفسه منزل النشوة؛ وهم بالخطوة الثانية من مشروعه الجديد، وهو إعادة أجزاء «الرسالة» ~~في كتب مستقلة؛ فأخرج في عام 1751م كتابه الثاني «بحث في مبادئ الأخلاق» # 8 # يعيد به مادة الجزء الثالث من أجزاء «الرسالة»؛ ولقد عبر فيما بعد عن ~~عجبه أن صدر هذا البحث في مبادئ الأخلاق دون أن يسترعي من النقد ما هو جدير به من ~~اهتمام، مع أنه في رأيه أعظم جزء في إنتاجه كله بشتى أنواعه من فلسفة وأدب وتاريخ؛ بل ~~إن المقارنة - في رأيه - لا تجوز بين هذا البحث وأي جزء آخر من إنتاجه؛ لأن ms013 بعد ~~الشقة بينهما لا يجعل سبيلا إلى المقارنة العادلة. # وكما كانت الحال في الموازنة بين «بحث في العقل البشري» وما يقابله من أجزاء ~~«الرسالة»، فكذلك الحال في الموازنة بين «البحث في مبادئ الأخلاق» وما يقابله من أجزاء ~~«الرسالة»، من حيث إن «البحث» أوضح رأيا وأجود أسلوبا وأحسن عرضا من جميع الوجوه؛ ~~فها هنا قد أوجز القول وركزه في المهم، وهو فكرة المنفعة التي كانت المحور الذي تدور ~~حوله نظريته الأخلاقية كلها، ركز القول في هذه الفكرة تركيزا أوضحها وبينها حتى لا ~~يختلط الأمر في أفهام القارئين. # وقد ألحق بكتابه «بحث في مبادئ الأخلاق» موضوعا أطلق عليه اسم «محاورة» # 9 # جعل الفكرة الرئيسية فيها تشابه الطبيعة البشرية رغم ما بين الناس من ~~اختلاف في الرأي والأخلاق والسلوك، «فنهر الراين يجري شمالا، ونهر الرون يجري جنوبا، ~~ومع ذلك فالنهران ينبعان من جبل واحد، وهما يتبعان - رغم اختلافهما في اتجاه السير - ~~قانونا واحدا للجاذبية، وكل ما بينهما من اختلاف في المجرى إنما يرجع إلى اختلاف ~~الميل في الأرض التي يجريان عليها.» # ولم يمض بعد نشره ل «البحث في مبادئ الأخلاق» إلا عام واحد، حتى نشر (سنة 1752م) ~~«مناقشات سياسية»، # 10 # فكان لها أكبر الأثر في ذيوع اسمه واتساع شهرته؛ وعن هذا الكتاب يحدثنا ~~هيوم فيقول إنه بين مؤلفاته جميعا هو الكتاب الوحيد الذي صادف النجاح فور صدوره، إذ ~~استقبله القراء خير استقبال في إنجلترا وخارج إنجلترا على السواء؛ ولعل العامل الأول في ~~نجاح هذا الكتاب مثل هذا النجاح السريع هو خلوه من الآراء الميتافيزيقية المجردة، ~~واهتمامه بالتاريخ وشواهده الواقعة. # وفي ذلك العام نفسه من حياته أخذت مسألة الدين تشغله، فأثبت آراءه في «محاورات في ~~الديانة الطبيعية» # 11 # لكنه تردد في نشرها، وزاد إحجاما عن النشر حين نصحه أصدقاؤه بألا ينشر ~~تلك الآراء في الناس؛ ومما يدل على حرصه الشديد على أن تجيء هذه «المحاورات» ناضجة ~~محكمة الرأي، لبثه عدة أعوام يراجعها حينا بعد حين، يصلح منها في هذا الموضع ويحور ~~الرأي في ذلك ms014 الموضع؛ ومع ذلك كله فقد حبسها عن النشر، فلم تصدر إلا بعد موته. ~~(3) هيوم المؤرخ # كان هيوم في الريف إذ كان يكتب «مناقشات سياسية» و«محاورات في الديانة الطبيعية»، حتى ~~إذا ما فرغ منهما قصد إلى إدنبره، وهناك وصلته الصلات برجال الكنيسة «المعتدلين» الذين ~~ألفوا جماعة تعمل على رفع رجال الدين في الثقافة وفي مراتب المجتمع؛ كما أرادوا أن ~~يقربوا مسافة الخلاف بين الدولة والكنيسة على أن يكون للقانون المدني الكلمة ~~الأولى. # ها هنا خلا في جامعة إدنبره كرسي «المنطق» الذي كان يشغله آدم سمث (المعروف بكتابه في ~~الاقتصاد) حين انتقل هذا إلى كرسي «الأخلاق»؛ فحاول هيوم للمرة الثانية أن يكون له نصيب ~~في أستاذية الجامعة، وتقدم ليشغل المنصب الذي خلا، وكان صديقه آدم ~~سمث يتمنى أن يراه زميلا له في الجامعة، ومع ذلك فلم ~~يتقدم إلى تزكيته خوفا على نفسه من قالة الناس؛ والحق أننا لا نعلم إن كانت الفلسفة قد ~~خسرت بهذا الرفض أم كسبت؟ أكان خيرا للفلسفة أم شرا عليها أن يوفق فيلسوفنا إلى ~~الأستاذية الجامعية التي كان يصبو إليها؟ أحسبها قد خسرت كثيرا، لأن صاحبنا منذ ذلك ~~الحين حتى ختام حياته لم يكد يكتب في الفلسفة شيئا جديدا يضيفه إلى ما كان قد كتبه ~~فيها من قبل ذلك، فعلى فرض أن التحاقه بالمنصب الجامعي لم يكن ليحفزه إلى إضافة جديدة، ~~فلا أقل من أن يتيح له الفرصة للتهذيب والشرح والتوضيح ... على كل حال قد انصرف هيوم ~~منذ ذلك الحين (1751م) إلى كتابة التاريخ. # ولم يكن اشتغاله بكتابة التاريخ طارئا جديدا كل الجدة على نفسه، بل قد لبث أعواما ~~قبل ذاك يدير في نفسه أملا هو أن تسنح له فرصة للكتابة في تاريخ بلاده، وها هي ذي ~~الفرصة المأمولة قد سنحت حين عين أمينا لمكتبة في إدنبره، تحيط به الكتب والوثائق، ~~ويجد فراغ الوقت بين يديه مواتيا، لأن أمانة المكتبة كانت تقتضيه عملا قليلا بأجر ~~قليل، وإنما دار في نفسه الأمل بكتابة تاريخ بلاده حين نظر فوجد - على ms015 حد تعبيره في ~~إحدى رسائله - «أن ميدان النشاط الأدبي في إنجلترا لم يبق فيه مكان خال لمن أراد ~~لنفسه مكانة أدبية إلا مكان المؤرخ.» # 12 # كتب هيوم تاريخ إنجلترا راجعا به من نهايته إلى بدايته، فأخرج أول ما أخرج منه ~~«تاريخ بريطانيا العظمى» في جزأين يؤرخ بهما للعصر الممتد بين جيمس الأول حتى عهد ~~الثورة في عهد شارل الأول، ثم عقب عليه بكتاب يؤرخ به الفترة السابقة على تلك، ~~وعنوانه «تاريخ إنجلترا في حكم أسرة تيودر»، وأخيرا أصدر كتابا ثالثا يؤرخ به للفترة ~~التي تقع بين غزوة يوليوس قيصر واعتلاء هنري السابع عرش البلاد ... وبهذه الكتب الثلاثة ~~التي ظل يكتبها في السنوات الخمس 1756-1761م كمل له تاريخ إنجلترا، كما أخذت الشهرة ~~والثروة تسعيان إليه، وإن يكن سعيهما هذا قد سار بخطوات وئيدة لم ترض رغبته في النجاح ~~السريع ... فكتبه في التاريخ، شأنها شأن كتابه الرئيسي في الفلسفة «رسالة في الطبيعة ~~البشرية» لم تقع من الناس بادئ ذي بدء بما كان يتوقعه لها؛ وكان يأخذه العجب وتأخذه ~~الحسرة؛ فلماذا لا تستوقف كتبه هذه أنظار الناس ما دام قد جاءهم فيها بالجديد المبتكر؟ ~~إنه لم يكتب التاريخ كما كان يكتبه المؤرخون من قبله؛ إذ لم يكتبه من وجهة نظر متحزبة ~~متعصبة، وكان المألوف قبله أن يكتب المؤرخ تاريخه ليزهى ويفخر؛ إنه كتبه محايدا، فما ~~للناس يهملونه كما أهملوه حين أخرج لهم فلسفة جديدة في «الرسالة»؟ لكنه نسي أن الجدة ~~قد تكون سببا في لفت الأنظار لفتا سريعا كما تكون سببا في انصراف الناس عن هذا ~~الجديد؛ فلئن كان الناس يتوقعون فلسفة من صنف معين، ثم تقدمت إليهم بما ليس يجري هذا ~~المجرى لم تكن بضاعتك مما يقبل عليه الشارون؛ وكذلك إذا كان الناس يتوقعون من التاريخ ~~أن يكون ذا صبغة أدبية، فيه تعبير ذاتي عن نزعة وطنية أو دينية أو غير ذلك، ثم جئتهم ~~بتاريخ «علمي» محايد لا يعبر لهم عن مشاعرهم انصرفوا عنك إلى سواك. # كتب هيوم كتبه التاريخية الثلاثة في ms016 خمس سنوات، كما ذكرنا، كان يتعاوره خلالها اليأس ~~والأمل كلما أخرج من تلك الكتب كتابا أو هم بكتابة آخر؛ فلما أن صدر الجزء الأول ولم ~~يأبه له الناس، أخذه الغم حتى فكر في مغادرة بلاده ليأوي إلى قرية هادئة في فرنسا حيث ~~يستتر فلا يرى أحدا ولا يراه أحد؛ لكن الرجاء يعود فيملؤه فيهم بكتابة الجزء ~~الثاني؛ فلا يجد حظا أوفر من سابقه، فيغوص في اليأس من جديد، ويكتب إلى زميل له في ~~لندن يطلب إليه أن يبحث له عن غرفة متواضعة هناك، لأنه صمم أن يترك اسكتلندا ليعيش ~~مغمورا في لندن، فلم يعد به أمل يحفزه إلى نشاط أدبي جديد، ويريد الآن أن ينعم ما بقي ~~له في الحياة من بقية، فيقرأ ويتحدث في استرخاء من لا يرقب شيئا؛ لكن الأمل عاد فعاوده ~~وكتب الجزء الثالث من التاريخ ... # على أن «التاريخ» لم يكن مشغلته الأدبية الوحيدة طوال تلك السنين، بل راجع الجزء ~~الثاني من «رسالة في الطبيعة البشرية» - وموضوعه العواطف - ليخرجه في كتاب جديد؛ لقد ~~أسلفنا للقارئ أن هذه «الرسالة» كانت أولى أعماله الفلسفية، بل هي العمل الأكبر الذي ~~ضمنه فلسفته كلها، فلما أن كسدت في السوق، صمم أن يعيد كتابتها في كتب متفرقة، بحيث ~~يخرج كل جزء من أجزائها الثلاثة في كتاب مستقل؛ وقد كان أن أخرج أولا «بحثا في العقل ~~البشري» معيدا به الجزء الأول من «الرسالة» ثم عقب عليه ب «بحث في مبادئ الأخلاق» ~~معيدا به الجزء الثالث من «الرسالة»؛ وها هو ذا الآن يتناول الجزء الثاني من «الرسالة» ~~فيعيد كتابته ليصدر في كتاب مستقل. # 13 # ومهما يكن من إهمال الناس لإنتاجه أول صدوره، سواء كان ذلك في الفلسفة أو في التاريخ، ~~فإن ما ينفع الناس مصيره أن يمكث في الأرض، ولا بد أن يأتي يوم يتداركون فيه ما قد ~~أهملوه بالأمس عامدين أو غافلين، فقد أخذ النقاد والعلماء يتنبهون شيئا فشيئا إلى هذا ~~الفكر الجديد. ~~(4) هيوم وروسو # أرسل السفير البريطاني في باريس إلى هيوم يعرض ms017 عليه أن يكون سكرتيرا للسفارة هناك؛ ~~فتردد صاحبنا أول الأمر في القبول، لأنه تصور أن ذلك المنصب سيغمسه في مجتمع فيه ~~العظماء وفيه حياة الظهور وأسباب المرح، فظن أن مثل هذه الحياة لم تعد تصلح - كما قال - ~~لمن هو في مثل سنه ومزاجه، وأولى له أن يأوي إلى الريف مرة أخرى لينصرف إلى نفسه ~~هادئا لا يزعجه أحد ولا يزعج أحدا، كما كان يدور في خلده في اللحظة التي جاءته فيها ~~دعوة السفارة. # لكنه عاد فقبل الدعوة وقصد إلى باريس ليجد عجبا؛ إذ ما كان أشد دهشته حين وجد اسمه ~~هناك يملأ الأسماع، وهو الذي ضاق نفسا بما لحظه من إهمال الناس له في بلده، لا يكادون ~~يعبئون بما يكتب على جودة ما يكتبه وجدته؛ نعم أدهشه في باريس أن يرى الجو الفكري ~~هناك مشبعا بذكره وبالإشادة بنبوغه خصوصا في كتبه عن السياسة والدين والتاريخ. # لم يكد هيوم يصل إلى باريس (1763م) حتى أسرع إليه سيدات المجتمع الأدبي، كل واحدة ~~منهن تنافس زميلاتها في أن يكون لها دونهن شرف إقامة الحفل الذي تقدم فيه هذا ~~الفيلسوف الإنجليزي إلى ذوي المكانة الأدبية في فرنسا، إنه مهما بلغ به الظن بنفسه وهو ~~في وطنه، لم يكن قد بلغ به هذا المدى كله، فمن هو حتى يرى نفسه بين يوم وليلة محاطا ~~بهذا التكريم كله من علية القوم في موطن الثقافة الرفيعة؟ ولئن دهش لذلك مرة، فقد دهش ~~كبار موظفي السفارة البريطانية مائة مرة أن يروه وهو الموظف الصغير في سفارتهم قد أصاب ~~من اهتمام القوم، بل من اهتمام القصر الملكي نفسه، بما لم يظفر به أعلام سفرائهم؟ إن ~~كبار رجال السفارة البريطانية في باريس لم يكونوا قد سمعوا به فيلسوفا ولا مؤرخا ولا ~~كاتبا سياسيا؛ ولم يسع هيوم سوى أن يكتب الرسائل إلى أصدقائه في وطنه يعجب لهم فيها ~~كيف يختلف تقدير رجال العلم والأدب في فرنسا عنه في بريطانيا. # لكن هذا التقدير الذي غمره وأسكره سرعان ما ذهبت طلاوته وجدته، وعاد ms018 صاحبنا من جديد ~~يتمنى العودة إلى اسكتلندا ليعيش الحياة الهادئة في ريفها كما كان معتزما أن يفعل حين ~~جاءته الدعوة من السفارة البريطانية بباريس ؛ ومع ذلك فقد جاءت رحلته هذه مليئة بالخبرة ~~الجديدة التي لم تكن تطوف له ببال؛ فهؤلاء هن سيدات الطبقة الرفيعة في العاصمة الفرنسية ~~يسعين إليه وهو ثابت على كبريائه وصدوده؛ وقد جعل هذه العلاقات موضوع تفكه في رسائله ~~إلى أصدقائه حينئذ؛ وكانت تأتيه الخطابات من كثيرات فيحرص - كما يقول - ألا يرد على من ~~تكون سنها دون الثلاثين؛ على أن واحدة من هؤلاء السيدات قد استدعت منه الحذر والحرص ~~بدرجة تستلفت النظر، وهي «الكونتيسة بوفليه» التي كانت قد بدأت علاقتها به حتى قبل ~~قدومه إلى فرنسا؛ إذ أخذت تراسله وهو في بريطانيا، فلما جاء إلى فرنسا زادت من صلاتها ~~به زيادة أثارت في نفسه الخوف من جهة، كما أشاعت الشائعات من جهة أخرى؛ وهو يذكر لنا ~~كيف كان يحرص كل الحرص إذا ما أرسل إليها خطابا أو إذا ما حدثها حديثا مباشرا، ألا ~~تفلت منه عبارة تدل على أنه ربما كان يحمل إزاءها عاطفة خاصة؛ وكانت «الكونتيسة بوفليه» ~~هذه هي التي وصلت حبل التعارف بينه وبين كثيرين من أئمة الفكر في فرنسا إذ ذاك، وبخاصة ~~جان جاك روسو الذي لم يكن عندئذ في باريس، فتعارفا بالرسائل أول الأمر ... وكان بين من ~~عرفهم في باريس من رجال العلم والأدب «هلفتيوس» و«بيفون» و«هلباخ» و«ديدرو»؛ أما ~~«مونتسكييه» فقد عرفه قبل قدومه إلى فرنسا. # لم يألف هيوم قبل قدومه إلى فرنسا أن يسمع الثناء عليه من حيث صفاته الشخصية؛ فقد كان ~~القليلون الذين اعترفوا به في وطنه يقدرونه أديبا ومفكرا وفيلسوفا، أما أن يجد من ~~يمتدح فيه صفاته الخلقية من تواضع وبساطة فذلك شيء لم يعرفه إلا في فرنسا؛ فلا عجب أن ~~يزداد كراهية ومقتا لإنجلترا والإنجليز مع أنهم بنو وطنه، لأنهم تنكروا له وبخسوه حقه ~~حتى أوشك أن يفقد الثقة في نفسه لولا هذه الرحلة إلى باريس. # وفي الرابع من ms019 يناير عام 1766م عاد هيوم إلى بلاده وفي صحبته روسو! ذلك أنه لبث يراسل ~~روسو وهو في فرنسا مدى عامين من الأعوام الأربعة التي أقامها هيوم هناك، وحتى حين ~~انقطعت بينهما الرسائل، فقد ظل الود بينهما قائما، على الرغم من أنهما لم يلتقيا؛ فلما ~~سمع هيوم عن روسو أنه يود لو ارتحل إلى إنجلترا ليقيم بها حينا، كتب له من فوره يبدي ~~له استعداده أن يهيئ له وسيلة السفر والإقامة، وقد كان أن أعد له هيوم غرفة في لندن ~~عن طريق أحد أصدقائه هناك، واتفقا على موعد يلتقيان فيه في باريس ليغادراها معا في ~~طريقهما إلى لندن؛ وتم اللقاء وتم السفر، وازداد هيوم بزميله الفرنسي إعجابا، كان بعض ~~الأصدقاء في فرنسا قد حذر هيوم من روسو وشذوذه في معاملة الناس، كما كان يعلم عنه كذلك ~~أنه عليل البدن؛ لكنه - بادئ الأمر - لم يجد منه إلا ما يزيده تقديرا له، ولقد أدهشه ~~أن يرى هذا «العليل» - إذ هما في السفينة من فرنسا إلى إنجلترا - يصعد إلى ظهر السفينة ~~ليقضي الليلة العاصفة الباردة في العراء دون أن يصيبه أذى. # بلغ الزميلان مدينة لندن، فبدت في عيني هيوم مدينة راكدة هامدة بالقياس إلى باريس ~~التي كانت تعج بالحياة وبالثقافة عجيجا؛ وزاد من همه أن عاد فوجد نفسه من جديد نكرة ~~مغمورة لا يحس بوجوده أحد ولا يهتم له أحد، فأين ذلك من باريس التي وضعته في أعلى مكان؟ ~~لكن عزاءه عندئذ كان أن روسو لم يزل في صحبته، وأنه قد أخذ على نفسه أن يكون له في ~~إنجلترا مرشدا ورائدا، لكن حتى هذا العزاء سرعان ما حال ثم زال، ذلك أن روسو لم يشعر ~~بالطمأنينة في لندن، وظل قلقا لا يسلس لرائده القياد في تقديمه للناس، حتى لقد اضطر ~~آخر الأمر أن يغادر لندن إلى مكان في الريف أعده له هيوم بمعونة صديق؛ وبذلك افترقا، بل ~~أخذت الفرقة بين قلبيهما تدب دبيبا سريعا. # كان روسو منطويا على نفسه بطبعه، وجاءت الحياة المنعزلة في ms020 إنجلترا فزادته انطواء ~~على انطواء، وهنا أخذ يتوهم الأوهام وتوسوس في نفسه الوساوس؛ فصور له خياله أن هنالك ~~مؤامرة يدبرها له هيوم مع آخرين؛ وكلما حدث بعد ذلك حادث، جعل منه روسو دليلا جديدا ~~يؤيد له صدق ما توهم، فمثلا، لماذا يهتم هيوم - رغم سوء الظن به - بأن يظفر لروسو ~~براتب من حكومة إنجلترا؟ هكذا أخذت أوهامه توهمه حتى بات الوهم عنده يقينا، فأرسل إلى ~~هيوم في 23 يونيو عام 1766م رسالة يقطع بها كل علاقة بينهما، ويرفض أي معونة تجيء إليه ~~عن طريقه. # روع هيوم لهذا الانقلاب العجيب الذي لم يكن عنده قط ما يبرره؛ إنه أسدى إلى روسو ~~جميلا إثر جميل، ففيم هذا النكران؟ وفكر هيوم أن يدافع عن نفسه علنا، وأعد دفاعه، ~~لكنه عاد فآثر الصمت خشية أن يجيء الدفاع عن نفسه مؤيدا للاتهام في أذهان الناس؛ لكن ~~روسو من ناحيته لم يختر الصمت وأرسل إلى ناشر بباريس مقالا عنيفا يهجم به على صديقه ~~القديم وعدوه الجديد اللدود؛ ونشر الناشر هذا المقال نشرا واسعا حتى طرق الأسماع ~~كلها، فلم يجد هيوم عندئذ بدا من نشر دفاعه الذي كان قد أعده وأمسك عن نشره؛ وفرح ~~الناشر بهذا الرد لأنه ألحقه بمقالة روسو في كتيب صغير كان له ذيوع كبير بين القراء، ~~وإن قراءة هذا الكتيب لتمتع من يريد أن يقارن رجلين من معدنين مختلفين التقيا على صعيد ~~واحد، فأما روسو فأبرع في عبارته الأدبية وأحمى في مشاعره، وأما زميله هيوم فأقوى حجة ~~وأعمق نظرا؛ ولا غرابة، ففي هذا الكتيب الصغير التقت العاطفة الملتهبة بالعقل ~~النافذ. ~~(5) الختام في إدنبره # لبثت صديقته الفرنسية «الكونتيسة بوفليه» ترسل إليه الرسائل مغرية إياه بالعودة إلى ~~باريس، لكنه أبى؛ واتصلت الخطابات بينه وبين «إدوارد جبن» - المؤرخ المشهور الذي أرخ ~~لتدهور الإمبراطورية الرومانية وسقوطها - وألح عليه «جبن» وغيره من الأصدقاء أن ~~يعود إلى كتابة التاريخ، لكنه كذلك أبى؛ لأنه آثر لنفسه أن يركن إلى حياة الدعة والراحة ~~يختم بها حياته. # وعاد إلى وطنه الأصلي وهو ms021 اسكتلندا، حيث أقام في إدنبره، يحيا الحياة التي أرادها، ~~حياة الرغد والتراخي، يشرف بنفسه على طهو ما يشتهيه من ألوان الطعام التي عرفها وأحبها ~~في فرنسا؛ يلقى الناس ويلقاه الناس في سمر وتسلية؛ ولم يكن هيوم قد تزوج، فأخذ على نفسه ~~أن يكفل ابني أخته، وترك داره الصغيرة ليستأجر بدلها دارا أكبر؛ وإنما أقول ذلك لأضيف ~~أن «بوزول» - وهو الذي كتب السيرة المشهورة في آداب العالم أجمع، سيرة صديقه صموئيل ~~جونسن - استأجر «بوزول» هذا تلك الدار الصغيرة التي تركها هيوم، واستضاف بها صديقه ~~وإمام الأدب الإنجليزي إذ ذاك صموئيل جونسن. # ففي هذا المكان الذي كان يزخر بأعلام الأدب والفلسفة وغيرهما من فروع الثقافة، عاش ~~هيوم أخريات سنيه، حتى أخذته العلة المستعصية؛ إذ أصيب في أمعائه بالسرطان، وعلم علم ~~اليقين أن لم يعد بينه وبين ختام الأجل إلا أمد قصير، فكتب سيرته في كتاب «حياتي»، ومات ~~في الخامس والعشرين من أغسطس عام 1776م، وكان قد أوصى بمكان دفنه وبالعبارة القصيرة ~~التي تكتب على شاهد قبره، فلم يشأ أن يكتب على الشاهد إلا اسمه وتاريخ مولده وتاريخ ~~وفاته. # هذا هو فيلسوفنا «ديفد هيوم» الذي وصفه واصف بقوله إن مظهره لم يكن قط يدل على حقيقة ~~مخبره، فوجهه عريض مليء وفمه وسيع، فلا يشير ذلك فيه إلى شيء إلا أنه إلى البلاهة أقرب، ~~وعيناه خاويتان لا تعبران عن روح، وتكوينه الجسماني كله يدل على أنه ريفي ساذج أكثر مما ~~يدل على أنه الفيلسوف المهذب. # 14 # وأما هيوم نفسه فيصف نفسه في كتابه «حياتي» فيقول: «إنني رجل، بل الأقرب إلى الصواب ~~أن أقول إني كنت رجلا ذا مزاج معتدل، وضبط للعاطفة، وفكاهة صريحة مرحة محببة إلى نفوس ~~الناس؛ وكان في مستطاعي أن أخالط الناس، لا أثير العداوة ولا تثيرني، وتتميز حياتي ~~العاطفية كلها بالاعتدال فحتى حبي للشهرة الأدبية، الذي كان محور حياتي العاطفية كلها، ~~لم يؤد بي إلى مرارة النفس أبدا على الرغم مما كان يصيبني من إخفاق آنا بعد آن؛ ولم ~~تكن صحبتي ms022 كريهة لمن كانوا في مقتبل أعمارهم مستهترين أو من كانوا ذوي جد في الدراسة ~~وشغف بالأدب.» # 15 # واسمع هذه القصة القصيرة لتعلم كم كان محببا إلى نفوس عارفيه، على شرط أن يلاقوه ~~ويتحدثوا إليه؛ فقد كانت تسكن إلى جواره في إدنبره سيدة ذات مكانة في المجتمع، وزادها ~~مكانة أن كانت أما لأبناء اشتهروا شهرة واسعة ببراعتهم في فن العمارة؛ كانت هذه ~~السيدة تسمع عن هيوم ولم تره، وقد طلب إليها أن تدعوه فيمن تدعوهم إلى حفلاتها فرفضت ~~مجيبة بأنها لا تدعو ملحدا إلى دارها؛ فدبر المدبرون أن ترسل إليه الدعوة باسم ~~مستعار، وذهب هيوم إلى حفلة عشاء أقيمت في دارها، وجلس إلى جوارها يتحدث، وهي لا تعلم ~~أنها تتحدث إلى من كانت تكرهه فيلسوفا وكاتبا؛ فقالت عنه فيما بعد إنها أحبت ذلك ~~الرجل الضخم المرح الذي كان يجلس إلى جوارها، وكذلك أعجب به كل من حضر الحفلة ممن لم ~~يكونوا يعرفونه؛ فلما عرفت السيدة أنه هيوم، اعتذرت عما كانت تبديه من نفور إزاءه، ~~قائلة عنه: «إنني لم أقابل في حياتي رجلا يوازيه مرحا وخفة روح وبراءة نفس.» # 16 # | فلسفته # (1) طبيعة المعرفة وتحليلها ~~(1-1) مصدر الأفكار # أولى المقدمات التي يقيم عليها هيوم فلسفته، هي التفرقة بين «الانطباعات» التي ~~ينطبع بها الإنسان انطباعا مباشرا حين يحس شيئا بإحدى حواسه، أو حين يتمرس ~~تمرسا مباشرا بحالة معينة من حالات وجدانه، وبين ما تخلفه تلك الانطباعات عند ~~صاحبها من صور ذهنية أو ذكريات، # 1 # وهو يطلق اسم «الأفكار» على أمثال هذه الصور والذكريات. # فليس منا من لا يعرف الفرق الواضح بين الإدراك العقلي عند من يعاني لذع الحرارة ~~الشديدة، أو من ينعم بالدفء، وإدراكه العقلي حين يستعيد ذلك الرجل نفسه ذكرى ما قد ~~عاناه من لذع أو ما قد نعم به من دفء؛ فهذه الذكرى إنما تجيء على غرار ما قد أحسه ~~الإنسان عند الانطباع الأول المباشر، لكنها يستحيل أن تبلغ من حيث القوة والوضوح ما ~~قد بلغه ذلك الانطباع؛ # 2 # فالتفرقة إذن واضحة ms023 بين إحساسي بالشيء حين أكون على صلة مباشرة به، ~~وبين صورته أستعيدها في ذهني حين لا يكون الشيء نفسه قائما على مشهد مني أو مسمع؛ ~~فها أنا ذا أنظر إلى الغرفة التي أنا الآن جالس فيها، فلا أتردد في أني أحسها ~~بالرؤية إحساسا مباشرا؛ ثم ها أنا ذا أستعيد في ذهني صورة غرفة في منزل صديق زرته ~~بالأمس، فلا أتردد كذلك في أن ما قد استحضرته في الذهن إن هو إلا صورة شيء ليس الآن ~~على صلة مباشرة بحواسي؛ ويستحيل أن يختلط علي الأمر في أي من الحالتين، بل إني ~~لأفرق تفرقة لا موضع فيها لشك بين ما هو «انطباع» وما هو «فكرة» «اللهم إلا إذا ~~اختل العقل عن مرض أو جنون» # 3 # فعندئذ فقط قد تتشابه علينا الحالات فلا ندري أيكون ما ندركه إحساسا ~~لشيء أمامنا أم تصورا لفكرة في رءوسنا؛ أما في الحالات السوية فالإدراكان متميز ~~أحدهما من الآخر بما بينهما من فرق بعيد في درجة الوضوح، وأقصى ما يمكن أن تبلغه ~~الصورة الذهنية، أو «الفكرة» باصطلاح هيوم، فهو أن تدنو في وضوحها من الأصل، لكنها ~~محال أن تساويه، وإن الإنسان إذا ما أراد أن يصف فكرة في رأسه عن شيء ما، فخير ما ~~يقوله عنها هو أنها تكاد تمثل له الشيء كأنه قائم بذاته على ملمس منه أو مرأى؛ ~~«وكافة ألوان الشعر، مهما بلغت من الروعة، محال عليها أن تصور الأشياء الطبيعية على ~~نحو يزيل الفرق بين الصورة والأصل المصور بحيث يختلط الأمر على القارئ فلا يدري ~~أهي صورة للمنظر الطبيعي أم المنظر الطبيعي نفسه.» # 4 # هذه التفرقة بين المدرك الحسي وصورته في الذهن، أو قل بين «الانطباع» و«الفكرة» ~~تعم بحيث تشمل سائر الإدراكات العقلية جميعا؛ ففرق بعيد بين الغاضب ساعة غضبه ~~وبينه حين يسترجع بالذاكرة انفعال الغضب الذي كان؛ وفرق بعيد بين إدراكي لعاطفة ~~الحب حين يحكى لي عنها عند شخص آخر، وبين إدراكي لهذه العاطفة نفسها حين أكابدها ~~وأعانيها؛ وهكذا قل في سائر العواطف من ms024 حيث الفارق البعيد في إدراكها بين حالتي ~~وقوعها واسترجاعها؛ فأنت حين تستعيد انفعالك بعاطفة سبق لك أن عانيتها، فقد تكون ~~الصورة المعادة أمينة غاية الأمانة بحيث تجيء طبق أصلها لا تنحرف بنقص أو زيادة، ~~ولكنها مع ذلك فلا بد أن تجيئك وقد خفتت ألوانها عما كانت عليه العاطفة ساعة وقوعها ~~وليس هذا الفرق في نصوع اللون ووضوحه بين الأصل ساعة حدوثه والصورة المسترجعة فيما ~~بعد، مما يتطلب لإدراكه دقة في الملاحظة أو عمقا في التأمل، بل هو فرق صارخ يدركه ~~حتى ذو النظرة العابرة. # 5 # وإذن ففي مستطاعنا الآن أن نقسم إدراكاتنا العقلية على اختلافها قسمين، يتميز ~~أحدهما من الآخر بالتفاوت في درجة الوضوح وقوة الأثر؛ ونريد أن نطلق اسم ~~«الانطباعات» على أكثرهما وضوحا وأقواهما أثرا، وأن نطلق اسم «الأفكار» على ~~أقلهما في الوضوح وأضعفهما في الأثر؛ فالسمع والرؤية واللمس، وكذلك الحب والكراهية ~~والرغبة والإرادة، تكون «انطباعات» حين تكون جلية واضحة عميقة الأثر أثناء مباشرتها ~~وممارستها، ثم تكون هي نفسها «أفكارا» حين نستعيدها فيما بعد باهتة اللون خافتة ~~الصوت ضعيفة الأثر. # 6 # فالفكرة من أفكارنا هي - إذن - صورة ~~لانطباعاتنا الحسية أو الشعورية؛ ويستحيل أن نجد بين أفكارنا فكرة واحدة لا يمكن ~~تعقبها إلى الانطباع أو الانطباعات التي أحسسناها أو خبرناها؛ نعم إن الفكر طليق ~~والخبرة المباشرة مقيدة بزمان معين ومكان معين، بمعنى أنني بالفكر أستطيع أن أصور ~~لنفسي كائنات ليست في شكلها الظاهر مما يوجد بين الكائنات الواقعة، على حين أني ~~بالخبرة المباشرة لا أعدو ما هو كائن فعلا؛ وبالفكر أستطيع أن أجاوز حدود مكاني ~~الذي أقيم الآن فيه، بل أجاوز الكرة الأرضية كلها وأتصور نفسي سابحا في الهواء أو ~~سائرا على ما شئت لنفسي من كواكب، أما بجسمي الذي هو موطن الخبرة المباشرة فلا ~~أعدو اللحظة الراهنة ولا المكان المحيط بي؛ أقول إن الفكر حر ينشئ لنفسه ما شاء من ~~صور، على حين أن الخبرة المباشرة مقيدة بما هو واقع هنا والآن، مما قد يوهم المتعجل ~~بأن للفكر مصادر ms025 غير الخبرة المباشرة، لكن هذا المتعجل لو أمعن في الأمر لانتهى إلى ~~أن أفكاره كائنة ما كانت يمكن تحليلها وردها خيطا خيطا وعنصرا عنصرا إلى خبرات ~~مباشرة مارسها بالحس أو بالشعور؛ فقد يخيل لنفسه جبلا من ذهب، ثم يقول ها هي ذي ~~فكرة في رأسي ليس لها أصل مما قد وقع في الحس، لكنها في الحقيقة فكرة مؤلفة من ~~عنصرين، الجبل والذهب، وكلاهما قد عرفه بالحس المباشر حين رأى جبلا وشهد ذهبا، ثم ~~جاء الآن فألف بينهما في فكرة مركبة واحدة؛ فأرسل خيالك ما شئت وصور لنفسك ~~العجائب، صور لنفسك حصانا يتحلى بالفضيلة مثلا، فأنت ما تزال في حدود خبراتك، ~~رأيت الحصان وعرفت ماذا من الفعل يكون فاضلا، ثم ألفت بين الخبرتين، «وهكذا تكون ~~كافة أفكارنا التي هي إدراكات خافتة، صورا تحاكي انطباعاتنا التي هي إدراكات ناصعة.» # 7 # تلك قاعدة عامة نقيم عليها البرهان بحجتين؛ فأولا إذا حللنا أفكارنا بالغة ما ~~بلغت من التركيب أو السمو، وجدنا دائما أنها تنحل إلى مجموعة من أفكار بسيطة كل ~~فكرة منها صورة لانطباع جاءنا في الخبرة المباشرة؛ خذ - مثلا - فكرة «الله» حين ~~نعني بالكلمة كائنا لا نهائي العقل والحكمة والخير وغير ذلك من صفات؛ فهذه ~~المجموعة من الصفات اللانهائية إن هي إلا امتدادات لنفس الصفات التي عرفناها في ~~خبراتنا الإنسانية المباشرة؛ فأنا أعلم من تجاربي متى أسمي الإنسان عاقلا أو ~~حكيما أو خيرا، لكنني أعلم كذلك من تجاربي أن الإنسان العاقل محدود في قدرته ~~العقلية وأن الحكيم محدود الحكمة والخير محدود الخير وهكذا، فما علي بعدئذ إلا ~~أن أمط هذه القدرات المحدودة لأبلغ بها في خيالي صفات لا تقف عند نهايات أو حدود، ~~حتى إذا ما تم لي ذلك جمعت الصفات في كائن أسميته «الله». # 8 # وأما الحجة الثانية التي نقيمها على صدق ما زعمناه، وهو أن الفكرة من أفكارنا ~~يستحيل ألا ترتد إلى أصول لها بين انطباعاتنا المباشرة، فهي أن من حرم حاسة حرم ~~بالتالي الأفكار التي كان يمكن أن تترتب على ms026 انطباعات تلك الحاسة المفقودة، فالأعمى ~~لا يعرف ما اللون والأصم لا يعرف ما الصوت؛ ورد للأعمى بصره وللأصم سمعه تفتح لهما ~~طريقا جديدا تنساب إليهما منه أفكار لم يكن لهما بها عهد؛ وقل مثل ذلك أيضا إذا ~~ما سلمت للإنسان حاسة معينة كالبصر مثلا، لكن بصره هذا لم يقع على شيء معين، ~~فلن تكون له عندئذ فكرة عن ذلك الشيء الذي لم يقع له في خبرته البصرية، وكذلك ~~الذوق فمن لم يذق الخمر - مثلا - لا يعرف ما طعمها؛ وليس الأمر هنا بقاصر على ~~الحواس الظاهرة من رؤية وسمع ... إلخ، بل هو كذلك واقع بالنسبة إلى حياتنا الوجدانية؛ ~~فمن الناس من لا يعرف كيف تكون العاطفة التي تدفع صاحبها إلى قسوة أو انتقام، ومن ~~طبع على الأنانية لا يتصور كيف تكون عاطفة الإيثار. # 9 # لكن الأمانة تقتضينا أن نضرب مثلا لحالة من الحالات الشاذة التي لا ينطبق عليها ~~المبدأ الذي نذهب إليه وندافع عنه، وأعني بها الحالات التي يكون لدينا فيها فكرة ثم ~~لا يكون لهذه الفكرة أصل حسي في انطباعاتنا؛ والحالة التي نسوقها مثلا لذلك هي ~~درجة معينة من درجات اللون أو من درجات الصوت، لم تقع فيما وقع للعين أو للأذن من ~~ألوان أو أصوات، ومع ذلك قد نكون لأنفسنا فكرة عنها؛ فلا شك أن العين قد انطبعت ~~بمختلف الألوان من أحمر وأصفر وأزرق وما إليها، بحيث أدركنا ما بين هذه الألوان من ~~أوجه الاختلاف الذي يجعل الواحد منها متميزا من الآخر، كما أدركنا ما بينها من ~~أوجه الشبه الذي يجعلها جميعا مما ينطوي تحت اسم واحد هو كلمة «لون»؛ وقل ذلك نفسه ~~في درجات اللون الواحد، فقد رأت عينك - مثلا - درجات مختلفات من اللون الأزرق، ~~بحيث أدركت ما بين هذه الدرجات من أوجه الاختلاف الذي يجعلها متباينة بعضها عن بعض، ~~كما أدركت ما بينها من أوجه الشبه الذي يجعلها على تباينها مما يجتمع تحت اسم واحد ~~هو كلمة «أزرق»؛ فافرض الآن أن هنالك درجة من درجات اللون الأزرق ms027 لم تقع لك أبدا ~~في خبراتك الحسية المباشرة، لكنك رأيت ما هو أكثف منها وما هو أخف منها كثافة، ثم ~~افرض أنك قد وضعت كافة درجات اللون الأزرق التي وقعت لك فعلا في خبراتك الماضية، ~~تاركا في وسطها فجوة تمثل الدرجة التي لم تخبرها فيما مضى، ألا ترى أنك تستطيع أن ~~تملأ الفجوة بخيالك، وبذلك تكون لنفسك «فكرة» عن لون معين لم يكن له انطباع حسي ~~في خبراتك المباشرة؟ # 10 # لكن مثل هذه الحالة نادر بحيث لا يجوز أن نسرف في أهميته إسرافا ~~يدعونا إلى نبذ المبدأ الذي ندعو إليه. # 11 # إنك بهذا المبدأ تستطيع أن تتخلص من كثير جدا من أشباه المدركات العقلية التي ~~يجعلها الميتافيزيقيون موضوعات لأحاديثهم على حين لا تكون في حقيقة أمرها أفكارا ~~مستندة إلى أصول انطباعية مارسناها في خبراتنا المباشرة حسا كانت تلك الخبرات أو ~~شعورا؛ فالأفكار بطبيعتها لا بد أن تكون - كما أسلفنا - أخفت لونا وأضعف أثرا من ~~الانطباع المباشر، وإذا كان ذلك صحيحا عن الأفكار التي هي صور ذهنية تحاكي ~~الانطباعات محاكاة التطابق، فهو أصح بالنسبة إلى الأفكار المجردة التي لا تطابق ~~انطباعات بعينها، بل تحتاج إلى تحليل إلى عناصر أولية، يكون كل عنصر منها صدى لأصل ~~انطباعي؛ إذن فالأفكار المجردة، التي منها تتألف الميتافيزيقا وعليها تدور مباحثها، ~~محتوم عليها أن تكون على كثير من الغموض بالقياس إلى الانطباعات المباشرة، ولذلك ~~فالانزلاق هنا هين والوقوع في الخطأ يسير؛ إذ سرعان ما يختلط علينا الأمر فلا ~~نفرق بين فكرة مجردة مما يمكن تحليله ورده إلى أصول من الخبرة المباشرة، وبين فكرة ~~أخرى مزعومة، نحاول رد عناصرها إلى أصولها الانطباعية الأولى فلا ترتد؛ ولا يخدعنا ~~أن نجد الفيلسوف الذي يستخدم أمثال هذه الأفكار المزعومة يعرفها ويحددها بسلسلة ~~من اللفظ؛ فإذا ما وقفت موقف المرتاب إزاء فكرة مما يسوقه الفلاسفة في مباحثهم، فما ~~عليك إلا أن تسأل: إلى أي انطباع مباشر نستطيع أن نرد هذه الفكرة المزعومة؟ فإذا لم ~~يدلوك على انطباع بذاته من انطباعات الحس ms028 أو الشعور كان مصدرا لتلك الفكرة، فلك أن ~~تتنكر لها وأنت على ثقة من صوابك؛ وهكذا يزول عن أفكارنا ما قد يكتنفها من غموض ~~يسبب اختلافنا في الرأي والمذهب، إذا نحن أخرجناها إلى الضوء الواضح، ضوء خبراتنا المباشرة. # 12 ~~••• # ذلك هو الأساس الأول الذي يبني عليه هيوم مذهبه الفلسفي، وهو أن كل فكرة صحيحة ~~يمكن ردها إلى انطباعاتنا المباشرة التي كانت بمثابة النوافذ التي دخلت منها الخبرة ~~التي كونت تلك الفكرة، وما ليس يمكن رده من أفكارنا إلى انطباعاته الأولية فليس هو ~~من الأفكار التي يركن إليها على أنها صواب؛ على أن أفكارنا إما أن تكون بسيطة أو ~~مركبة، ونعني بالبسيط ما لا يمكن تحليله، وبالمركب ما يمكن تحليله إلى عناصر أبسط ~~منه؛ فإن كانت الفكرة بسيطة كانت صورة لانطباع معين، كفكرتي - مثلا - عن لون ~~البرتقالة أو عن طعمها، وأما إن كانت الفكرة مركبة فينبغي أولا تحليلها إلى ~~عناصرها، لنرد كل عنصر على حدة إلى انطباعه الذي هو صورة له، كفكرتي عن البرتقالة ~~في مجموعها، فهي فكرة مؤلفة من لون وطعم ورائحة وشكل ... إلخ، فلا بد - إذن - أن أحلل ~~الفكرة إلى هذه العناصر، ليسهل رد كل واحد منها إلى أصله الحسي. # وإن هيوم ليتحدى معارضيه أن يأتوا له بفكرة لا يمكن إرجاعها على هذا النحو إلى ~~أصولها الحسية التي جاءت منها؛ ومن هم معارضوه؟ هم أولئك الذين كانوا يزعمون أن ~~لبعض الأفكار مصدرا غير الانطباعات المباشرة؛ إذ يزعمون أن الأفكار قد تخرج من ~~باطن العقل بغير حاجة منها إلى أصول تأتي من الخارج، وذلك هو مذهب «الأفكار ~~الفطرية» المشهور في الفلسفة؛ فمنذ أفلاطون لم ينفك الفلاسفة عن القول بوجود أفكار ~~تنبع من فطرة الإنسان لا تستند إلى خبرة حسية، بل هي أفكار قد نجاوز بها حدود ~~الخبرة الإنسانية كلها؛ فالأفكار الرياضية المجردة - مثلا - لم تكن عند هؤلاء ~~الفلاسفة مما يستمده العقل من خبرة، وكذلك قل في جواهر الأشياء، فهي أيضا عند ~~هؤلاء الفلاسفة لم تكن مما تجيء به الخبرة المباشرة، ms029 فالروح التي هي جوهر الإنسان - ~~مثلا - لا سبيل إلى إدراكها بالخبرة المباشرة، ومع ذلك ففكرتها - عندهم - قائمة في ~~العقل، مستمدة من طبيعة العقل نفسها؛ والعالم الروحاني كله الذي كان يقول به رجال ~~اللاهوت، لا نعرف ما نعرفه عنه بالخبرة المباشرة ، فليس لدي «انطباع» مما جاء عن ~~طريق البصر أو السمع أو اللمس، أعده أصلا لما عندي من أفكار عن الكائنات الروحانية ~~التي أظن أنني على علم بها؛ نعم إنه منذ أفلاطون والفلاسفة «العقليون» لا ينفكون ~~يذكرون لنا أمثلة من الأفكار التي لا يستمدها الإنسان من خبرته الحسية؛ فمن ذا الذي ~~رأى في خبرته الحسية نقطة أو خطا مستقيما يتحقق فيه التعريف الهندسي؟ أليست ~~النقطة الهندسية هي كائن بغير أبعاد، أي إنها لا طول لها ولا عرض ولا عمق؟ فأين ~~شهدت جزءا من مكان بغير طول ولا عرض؟ ثم أليس الخط المستقيم في تعريف الهندسة هو ~~ما له طول بغير عرض - إذ لو كان له عرض لأصبح سطحا لا خطا مستقيما - فأين شهدت ~~مثل هذا الخط المستقيم؟ وقل هذا في الحقائق الرياضية المجردة كلها، دع عنك الكائنات ~~الروحية من أنفس وعقول وملائكة وشياطين وآلهة ... هذه كلها عند الفلاسفة العقليين ~~حقائق لها عندنا أفكار لم تكن «الانطباعات» المباشرة مصدرا لها. # فإذا ما جاء هيوم يقضي ببطلان كل فكرة لا تستند في أصلها إلى انطباع فإنما جاء ~~يقول شيئا يهدم للفلاسفة كثيرا جدا مما ظنوه «أفكارا» وما هو من «الفكر» في ~~شيء، فإن هي إلا ألفاظ يرددونها بغير معنى؛ وكيف يكون للكلمة معنى دون أن تكون ~~مشيرة إلى عنصر أو عناصر مما عسى أن يقع في خبرة الإنسان؟ ماذا «أعني» إذن بهذه ~~الكلمة التي لا تشير إلى مسمى؟ # إن الوضعيين المعاصرين ليعدون هيوم أباهم الحقيقي، على الرغم من أنهم لا يتكلمون ~~نفس اللغة التي كان يتكلمها عن «الانطباعات» و«الأفكار»، بل هم يحصرون جهدهم ~~الفلسفي - لا في أبحاث نفسية معرفية كما فعل هيوم - بل في العبارات اللغوية ~~والألفاظ، يحللونها إلى عناصرها، فالأساس بينهم وبين ms030 هيوم واحد، أما طبيعة ما ~~يعملونه على هذا الأساس فمختلفة عن طبيعة ما كان يعمله؛ ذلك أن الوضعيين المعاصرين ~~حين يتناولون كلمة بالتحليل، تراهم يلجئون إلى تعريفها، لكن التعريف سيتألف من عدة ~~كلمات، ولذلك فهم يعودون إلى هذه الكلمات نفسها واحدة فواحدة يحاولون تعريفها ~~بكلمات أخرى، وهكذا ... فأين تنتهي سلسلة التعريف؟ أنظل نسير في ألفاظ بعد ألفاظ بعد ~~ألفاظ؟ كلا، بل لا بد أن تنتهي إلى كلمات يكون تعريفها لا بكلمات أخرى بل بالإشارة ~~إلى مسمياتها فيما تحتوي عليه خبرة الإنسان المباشرة؛ وإن شئت فسم هذه الكلمات ~~الأخيرة التي نعرفها بالإشارة إلى مسمياتها، باللامعرفات، أي هي الكلمات التي لا ~~يكون تعريفها بكلمات سواها؛ وبذلك تنقسم الكلمات إلى «معرفات» و«لا معرفات» ~~وبالثانية نعرف الأولى. # فماذا لو صادفت كلمة وأردت تعريفها بكلمات، ثم هذه بأخرى، والأخرى بأخرى، وهكذا ~~دون أن أجد نقطة أقف عندها لأخرج من نطاق الكلمات إلى دنيا الأشياء؟ أعني دون أن ~~أجد النقطة التي أنتهي عندها مشيرا إلى المسميات الواقعة؟ إنها عندئذ تكون كلمة ~~منتحلة مختلقة ليست بذات معنى حقيقي. # فالوضعيون المعاصرون يقابلون بين «اللامعرفات» و«المعرفات» كما كان هيوم ~~يقابل بين «الانطباعات» و«الأفكار»، الأساس واحد لكن العمل مختلف؛ الأساس المشترك ~~بينهما هو المعيار الذي أقيس به مشروعية «الفكرة» وصلاحيتها، فإن كانت الفكرة من ~~أفكاري مشروعة تحتم أن ترتد إلى مصدرها في الخبرة المباشرة وإلا فهي زائفة، هذا ~~هو المبدأ بلغة هيوم، فإذا عبرت عنه بلغة المدرسة الوضعية المعاصرة قلت: إن كانت ~~اللفظة التي أستخدمها مما يمكن تعريفه في النهاية بالإشارة إلى مسماها في عالم ~~الأشياء الواقعة، فهي لفظة مشروعة وإلا فهي لفظة زائفة. ~~(1-2) الألفاظ الكلية المجردة # لو كانت الفكرة من أفكارنا نسخة تطابق انطباعا خبريا صادفناه في حياتنا ~~التجريبية، بحيث إذا وجدنا بين أفكارنا فكرة لا نجد لها الأصل الخبري الذي هي ~~نسخة منه، كانت فكرة زائفة، أقول إنه لو كان الأمر كذلك لنشأ إشكال عسير، هو: كيف - ~~إذن - أفهم اللفظة الكلية المجردة؟ كيف أفهم - مثلا - لفظ «إنسان»؟ ms031 ماذا يرد إلى ~~ذهنك مما تعده «معنى» لهذه الكلمة؟ إن من صادفتهم في حياتك من أفراد الإنسان مختلف ~~بعضهم عن بعض في نواح كثيرة، فلا هم ذوو طول واحد ولا لون واحد ولا جنس واحد ولا ~~مجموعة واحدة من العادات السلوكية؛ لكن هؤلاء الأفراد أنفسهم هم الذين انطبعت بهم ~~حواسك انطباعا مباشرا، فإذا كانت الفكرة الصائبة هي تلك التي ترتد إلى انطباع ~~معين، فإلى من من هؤلاء الأفراد ترد فكرة «إنسان» لتقضي في أمرها إن كانت فكرة ~~صحيحة أو لم تكن؟ أتردها إلى فلان؟ لكن فلانا هذا ذو صفات خاصة به لا تتكرر في ~~سواه، فلو جاز أن ترد إليه هو فكرة «إنسان»، فكيف إذن تطلق هذه الكلمة نفسها بعد ~~ذلك على أفراد آخرين؟ إنها إن طابقته هو فلن تطابق أحدا عداه، أي إن هذه الفكرة إن ~~ارتكزت في مبررات وجودها على فلان هذا، فلا يجوز بعد ذلك أن ترتكز على غيره من ~~الأفراد الذين يختلفون عنه. # قد تقول: ولكني أطلق هذه الكلمة «إنسان» على ما هو مشترك بين هؤلاء الأفراد ~~جميعا، بعد تجريدهم من الصفات التي هي فيهم موضع اختلاف، فلا أطلق الكلمة «إنسان» ~~- مثلا - على طول بعينه أو لون بعينه أو جنس بعينه، بل أطلقها على كذا وكذا من ~~الصفات التي هي كائنة في كل فرد من الناس، كصفة التفكير العاقل مثلا ... قد تقول هذا ~~- وقد قاله فيلسوف مثل أرسطو وغيره - لكنك عندئذ تقول ما يستحيل أداؤه؛ كيف تستبعد ~~صفات وتستبقي صفات مع أن هذه وتلك مما يستحيل أن تكون إلا مجتمعة معا؟ فهل رأيت ~~فردا من الناس بغير لون حتى يجوز لك أن تتصور «إنسانا» بغير لون؟ هل رأيت فردا ~~بغير طول معين حتى تنشئ لنفسك فكرة «الإنسان» الذي لا طول له؟ # وأعود فأسأل: أين المسمى الذي أطلق عليه اسم «إنسان»؟ ليس في عالم الأشياء شيء ~~مجرد عام، كلها أشياء جزئية فردية، وكان يصح أن أطلق اسما خاصا على كل واحد من ~~تلك الأشياء الجزئية الفردية وينتهي ms032 الإشكال، فإلى أي شيء أشير إذن بالكلمة المجردة ~~العامة «إنسان»؟ # هذا هو السؤال بعينه الذي انقسم الفلاسفة حياله ثلاثة مذاهب: ففريق يتبع أفلاطون ~~في قوله إنه إذا كان اسم العلم يشير إلى فرد بعينه، فالاسم الكلي المجرد يشير إلى ~~مسمى كلي مجرد، ولكن أين هذا المسمى ولست أرى حولي إلا أفرادا جزئية؟ يجيبك هذا ~~الفريق إنه ليس هنا في هذا العالم الأرضي، ولكنه في عالم آخر، عالم قوامه كائنات من ~~نوع آخر، هي أفكار مجردة وليست هي بالأفراد الجزئية، فلفظ «إنسان» يشير إلى «شيء» ~~حقيقي قائم بذاته في ذلك العالم، هو الفكرة المجردة، أو المثال العقلي الذي صب على ~~غراره هؤلاء الأفراد الذين نراهم هنا في دنيانا هذه؛ ولذلك سمي هذا الفريق من ~~الفلاسفة بفريق «الشيئيين» وكبير مذهبهم هو أفلاطون. # وفريق آخر يتبع أرسطو، يذهب إلى أن الكلمة العامة «إنسان» بالطبع لا تشير إلى زيد ~~وحده أو إلى عمرو وحده من بني الإنسان، لكنها تشير إلى كائن مثلها فيه التعميم ~~والتجريد، لكن هذا الكائن لا هو في دنيا الأفراد الجزئية ولا هو كذلك في عالم فوق ~~هذا العالم كما زعم أفلاطون، إنما هو كائن في عقل أي فرد منا، فعند كل فرد منا ~~فكرة أو تصور مجرد، أقامه في رأسه، هو الذي نشير إليه بالكلمة العامة «إنسان»؛ ~~ولذلك سمي هذا الفريق بالتصوريين. # وفريق ثالث يختلف في الرأي عن هؤلاء وأولئك؛ إذ يرى أن ليس في العالم إلا أفراد ~~جزئية، وأنه من المحال علينا أن نستمد معارفنا إلا من هذا العالم، وبالتالي يتحتم ~~على كل معارفنا أن تجيء فردية جزئية، وإذن فليس في رأسي من الناس إلا صورة فلان أو ~~فلان، فإذا استعملت كلمة «إنسان» العامة فلست أشير بها إلا إلى واحد من هؤلاء ~~الأفراد، أتخذه ممثلا لسائر أشباهه؛ وبهذا يكون اللفظ الكلي «إنسان» هو كأي اسم ~~آخر أسمي به هذا الفرد أو ذاك، ومن ثم سمي هذا الفريق ب «الاسميين». # 13 # وكان فيلسوفنا هيوم من فريق «الاسميين» بل كان زعيما ms033 من زعمائهم؛ وتلك بالطبع ~~نتيجة تلزم حتما عن مذهبه في تحليل المعرفة إلى «انطباعات» و«أفكار»، فليست ~~«الفكرة» عنده إلا «انطباعا» بهت لونه، ليست «الفكرة» إلا نسخة من «انطباع» ~~تأذنا به، لكن الانطباع محال أن يكون إلا لفرد جزئي معين، كيف تنطبع العين - مثلا ~~- إلا بهذا الفرد الجزئي أو ذاك؟ هل ترى العين «إنسانا كليا» أو «مثلثا كليا» ~~أو «قطا كليا» أم ترى هذا الفرد أو ذاك من بني الإنسان، وهذا المثلث أو ذاك، ~~وهذا القط أو ذاك؟ وإذا كانت العين لا ترى إلا أفرادا جزئية أو مواقف جزئية، ~~فالأفكار - بالتالي - لا تكون إلا صورا ذهنية لأفراد جزئية أو مواقف جزئية ... فكيف ~~نفسر الدلالة الكلية التي تكون للفظ الكلي؟ # يجيب هيوم عن هذا السؤال # 14 # بما خلاصته أن الاسم الكلي هو اسم نشير به إلى صورة ذهنية جزئية (أي ~~«فكرة» باصطلاح هيوم) هي بدورها نسخة من انطباع انطبعنا به في خبراتنا المباشرة، ~~والانطباع - بداهة - لا يكون إلا لمؤثر جزئي بكامل فرديته، لا تعميم فيه ولا ~~تجريد. # يقول هيوم: إن الفكرة المجردة «إنسان» تمثل أفراد الناس في مختلف أحجامهم ~~وصفاتهم، وقد يقال إنه لا يمكن أن يتم لها هذا التمثيل إلا بإحدى وسيلتين، فإما ~~أننا نحشد في رءوسنا صورا لجميع أفراد الناس، ثم نشير إليهم جميعا بهذه الكلمة ~~العامة «إنسان» أو أننا نستغني عن كل هؤلاء الأفراد بحيث نجعل هذه الكلمة لا تشير ~~إلى أي منهم على وجه التخصيص؛ والوسيلة الأولى مستحيلة لأنها تقتضي عقلا ~~إنسانيا يحيط بما لا نهاية لعدده من أفراد لهم ما ليس له نهاية من مختلف الصفات، ~~وإذن فتبقى الوسيلة الثانية التي نجعل بها الكلمة الكلية لا تعني فردا معينا ~~بصفاته المعينة دون سائر الأفراد، وهي أيضا مستحيلة لأن تجريد الفرد عن صفاته التي ~~تميزه ضرب من المحال، نعم قد يقال إننا في مأزق لا مفر منه، إذا نحن أخذنا بمذهب ~~يقول إن الكلمة الكلية تشير إلى فرد بعينه ليكون ممثلا لسائر أفراد نوعه، لأننا ~~إما أن نحشد ms034 مجموعة الأفراد كلها وهذا محال على العقل الإنساني المحدود، وإما أن ~~نستغني عن الأفراد كلها فنجاوز صفاتها الجزئية الفردية المميزة وهو ما يهدم رأينا؛ ~~غير أننا نقيم برهانين على صدق ما نذهب إليه، فنبرهن أولا على أنه مما يستحيل ~~استحالة قاطعة أن نتصور أية صفة كما كانت أو كيفا، إلا إن كانت تلك الصفة جزئية ~~فردية، ثم نبرهن ثانيا على أن الفرد الذي نختاره من سائر أفراد النوع، وإن يكن ~~مختلفا عن بقية الأفراد إلا أنه من الممكن استخدامه ممثلا لها. # 15 # وسنبدأ بدعوانا بأن «العقل يستحيل أن يكون أية فكرة عن كم أو كيف إلا إذا كون ~~فكرة دقيقة عن الدرجة التي يكون عليها ذلك الكم أو ذلك الكيف» فلنا على ذلك حجج ~~ثلاث: أولاها هي أنه مما لا شك فيه أن الأشياء إذا اختلفت أمكن التمييز بينها، وأن ~~ما يمكن التمييز بينه يمكن كذلك فصل بعضه عن بعض بالفكر والخيال؛ والعكس صحيح ~~أيضا، أي إنه إذا أمكننا أن نفصل بالفكر شيئا عن شيء، تحتم أن يكون الشيئان ~~متميزين أحدهما عن الآخر، وأن يكونا بالتالي مختلفين؛ إذ كيف يمكن أن نفصل شيئا عن ~~شيء إذا لم يكن ممكنا أن أميز أحدهما من الآخر، ثم كيف أميز بينهما عل هذا النحو ~~إذا لم يكن بينهما اختلاف؟ # فإذا أردنا أن نعرف إن كان في الإمكان أن نجرد صفة من الصفات لنقيمها وحدها ~~منفصلة عن زميلاتها التي كانت مؤتلفة معها في فرد واحد، وجب أن أستيقن أولا من أن ~~هذه الصفة المراد عزلها وتجريدها هي مما يمكن عزله، وقد قلنا إن ما يمكن عزله لا بد ~~أن يكون مما يمكن تمييزه من سواه، ولا يتميز الشيء من الشيء إلا إذا كانا مختلفين؛ ~~خذ خطا مستقيما - مثلا - وانظر هل يمكن أن تعزل الخط عن طوله؟ ذلك محال، لأنه ~~لا تمييز في الخط الذي أمامك بين الخط وطوله، وإذا كان لا تمييز فلا اختلاف ~~وبالتالي لا انفصال لأحدهما عن الآخر، وإذن فلا يمكن أن ms035 أجرد «الخط» عن طوله ~~المعين، لأقول إنني سأجعل الصفة الأولى جوهرية عامة في سائر الخطوط، وسأطرح الصفة ~~الثانية باعتبارها عرضا يكون في خط ولا يكون في آخر، وهكذا قل في شتى الصفات، ~~محال أن تعزل الصفة وحدها مجردا إياها من الدرجة التي تكون عليها؛ وعلى ذلك ~~فيستحيل على إنسان أن يتصور خطا مستقيما بغير طول معين، ولا عبرة بعد ذلك بأنه ~~قد يتخذ هذا الخط ذا الطول المعين ممثلا لغيره من الخطوط ذوات الأطوال المختلفة، ~~أم أنه سيترك هذا التمثيل لخط آخر ذي طول آخر. # 16 # والحجة الثانية هي أنه محال على شيء أن يطبع الحواس، وبالتالي يمثل أمام ~~العقل، إلا إذا كان شيئا فرديا جزئيا له درجة معينة محددة من كم وكيف؛ ولما ~~كانت الأفكار كلها صورا أو نسخا من انطباعاتنا، فما يصدق على هذه يصدق أيضا ~~على تلك؛ إذ الأفكار لا تختلف عن الانطباعات التي هي أصول لها إلا في درجة النصوع ~~والوضوح وقوة الأثر، واختلاف درجة الوضوح لا يعني فيما يعنيه أن يكون الانطباع ذا ~~كم معين وكيف معين وأن تجيء الفكرة التي هي نسخة منه مجردة عن هذا التعين في الكم والكيف. # 17 # والحجة الثالثة هي أنه من المبادئ التي تقرها الفلسفة عامة أن كل شيء في الطبيعة ~~فرد متميز بفرديته، فمن السخف أن تفترض وجود مثلث في الطبيعة دون أن تكون لأضلاعه ~~وزواياه مقادير معلومة معينة بالنسبة بعضها إلى بعض، كأن يكون - مثلا - مثلثا ~~متساوي الأضلاع أو مختلفها، متساوي الزوايا أو مختلفها، وأن أضلاعه أو زواياه إذا ~~اختلفت فلا بد أن يكون اختلافها بنسبة معلومة متعينة فإذا كان افتراض وجود مثلث في ~~دنيا الأشياء الواقعة لا تكون له أضلاع وزوايا ذوات مقادير معينة محددة، أقول إنه ~~إذا كان هذا القول سخفا، فسخف بالتالي أن تقول ذلك عن «فكرة» المثلث، ما دامت ~~«الفكرة» نسخة من الانطباع الحسي، وما دام هذا الانطباع الحسي لا يكون إلا من شيء ~~قائم فعلا في دنيا الأشياء، شيء له جزئيته وفرديته ms036 ودرجته المعلومة المعينة من كيف ~~وكم. # إنه لا فرق إطلاقا بين قولك عن فكرة ما بأنها مجرد فكرة في الرأس، وقولك عنها ~~إنها فكرة تشير إلى شيء في الخارج، لأن الفكرة كائنة ما كانت - ما دامت فكرة مشروعة ~~- فلا بد بحكم طبيعة تكوينها أن يكون لها مقابل في الخارج؛ لأنه لولا وجود الشيء ~~الخارجي لما كان «انطباع» ثم لما كانت فكرة؛ ولما كان محالا على فكرة كائنة ما ~~كانت أن تصور شيئا بغير كم وكيف، فإنه محال عليها كذلك ألا يكون هذا الكم فيها ~~وهذا الكيف ذوي درجة معينة تجعل منها فكرة فردة جزئية متميزة من سواها مهما كان بعد ~~ذلك بينها وبين سواها من أوجه الشبه. # فقل ما شئت عن الفكرة التي تتخذها ممثلة لمجموعة من الفكرات الشبيهة بها، لكنه ~~محتوم عليك أن تسلم بأنها لا بد أن تكون في ذاتها فكرة جزئية؛ وإذن فما نقول عنها ~~إنها فكرة عامة أو فكرة مجردة، إن هي في حقيقة أمرها إلا فرد من سائر الأفراد، وكل ~~ما هنالك أنها اختيرت لتكون ممثلة لسائر الأفراد؛ فهذا التعميم في تطبيقها ~~واستخدامها لا يدخل في طبيعتها شيئا جديدا يغير من كيانها. # 18 # وإذا كانت طبيعة الفكرة الفردية الواحدة - فكرتي عن زيد من الناس مثلا أو عن ~~مثلث رأيته مرسوما ذات يوم - لا تقتضي بحكم طبيعتها أن تكون ممثلة لغيرها مما يقع ~~معها في نوع واحد، فكيف يحدث أن يجعل الإنسان منها نائبا ينوب عن سائر أفراد النوع ~~في التفكير؟ يقول هيوم في ذلك إننا حين ندرك شبها بين مجموعة أفراد أو مجموعة ~~أشياء، ترانا نطلق عليها اسما واحدا رغم ما بينها من اختلافات في درجة كمها أو ~~كيفها، حتى إذا ما اعتدنا أن نطلق هذا الاسم الواحد على أفراد المجموعة، كان ذكر ~~هذا الاسم بعد ذلك كافيا لاستعادة صورة ذهنية لأحد أفرادها، أو قل لاستعادة «فكرة» ~~واحد من أفرادها - إذ لا فرق بين «الصورة الذهنية لفرد ما» و«فكرتنا عن هذا الفرد» ~~- فهذا الاسم العام ms037 قد ارتبط بكل فرد من أفراد المجموعة على السواء، وهو كفيل إذا ~~ما ذكر أن يستثير صورة أي فرد منها، أو يستثير صور أي عدد منها، لكنه في الأعم ~~الأغلب يستثير في أذهاننا صورة فرد واحد، أو قل «فكرة» واحدة من بين عنقود الأفكار، ~~ويكون في ذلك ما يكفي لنفهم معنى الاسم الذي ذكرناه، اذكر - مثلا - كلمة «إنسان» ~~وسيرتسم في ذهنك صورة إنسان معين ببعض تفصيلاته الفردية لينوب عن بقية زملائه، فأين ~~تكون بقية أفكارنا عن بقية أفراد الناس الذين صادفناهم في الحياة؟ إنها موجودة ~~بالقوة، مستعدة أن تثار لو اقتضت الضرورة ذلك؛ نعم قد تكون استثارة جميع الصور ~~الكامنة التي انطبعت في نفسي عن جميع الأفراد مما يتعذر حدوثه أو يستحيل، لكنه ~~يكفينا لكي يكون الاسم العام صالحا للتفاهم أن يرتبط في أنفسنا بعادة التحفز ~~لاستعادة «فكرة» أو بضعة «أفكار» بالقدر الذي يرضي. # 19 # ذلك لأن ذكر الاسم الكلي إذا ما أثار في عقلي صورة واحدة لفرد واحد من أفراد ~~المجموعة التي أطلقت عليها ذلك الاسم، فقد تشاء المصادفة أن يرد إلى ذهني صورة لفرد ~~لا يحقق الصفات التي أجعلها موضوع تفكيري عندئذ، فها هنا أراني بطبيعتي على ~~استعداد أن أستثير صورة أخرى لفرد آخر. أو صورة ثالثة لفرد ثالث من أفراد المجموعة، ~~لعلني أجد فيه الصفات التي التمستها في الفرد الأول فلم أجدها؛ فافرض مثلا أني ~~ذكرت الاسم «مثلث» فوثب إلى ذهني صورة مثلث متساوي الأضلاع، فلو كانت هذه هي ~~الصورة الوحيدة التي يمكن للفظ «مثلث» أن يثيرها في ذهني، لظننت خطأ أن معنى كلمة ~~«مثلث» هو دائما هذا المثلث الخاص الذي تتساوى أضلاعه وزواياه؛ لكن لا، فسرعان ما ~~تزدحم على عقلي أفكار أخرى لمثلثات أخرى، فترد - مثلا - صورة مثلث متساوي ~~الساقين، وصورة أخرى لمثلث مختلف الأضلاع، كل هذه الصور سرعان ما تتعاقب على ذهني ~~إذا ما ذكرت كلمة «مثلث» فأعلم عندئذ ما معنى الكلمة الصحيح، فلا أقول إن المثلث ~~دائما متساوي الزوايا، أو دائما مختلف الزوايا، بل ms038 أعلم أمر المثلث على حقيقته، # 20 # نعم قد يحدث لأحدنا ألا يجد في خبراته الماضية صورا ذهنية فيها شتى ~~صنوف الأفراد المختلفة، التي تقع تحت اسم كلي واحد، لكن مثل هذا الرجل هو الذي ~~يتعرض للخطأ وللتفكير الناقص لأن الكلمة عنده ستعني مدى أضيق من مداها عند من اتسعت ~~خبراته وعرف إلى أي حد تتنوع أمثلة الأفراد التي نضمها معا في مجموعة ~~واحدة. # صفوة القول في تكوين الكلمات الكلية وطبيعتها، هي أننا إذا ما أردنا أن نطلق ~~واحدة منها على مجموعة أفراد متشابهة من بعض الوجوه، كان علينا أن نستعرض عددا من ~~صنوف هؤلاء الأفراد لنمثل أوجه الخلاف بقدر المستطاع؛ وبعدئذ إذا ما ذكرت تلك ~~الكلمة فربما أثارت فردا واحدا من هذه الأفراد على اختلاف الأفراد فيما بينها، ~~لكننا نكون على استعداد أن نستثير فردا آخر أو أفرادا أخرى من الصور الكامنة، ~~بقدر ما يتطلبه الموقف الذي نكون بصدده؛ على أنه لا ينبغي أن يغيب عنا أبدا أن ~~الفكرة التي يستثيرها اللفظ الكلي هي دائما فكرة جزئية في ذاتها، وإن تكن مستخدمة ~~استخداما يجعلها فكرة عامة بسبب تمثيلها لبقية أفراد مجموعتها؛ إنه لا ينبغي أن ~~يغيب عنا أن الفكرة الواحدة إنما تصبح «كلية» «عامة» «مجردة» لكونها ارتبطت ب ~~«كلمة كلية عامة»؛ الفكرة الواحدة قد تطلق عليها اسم علم تنفرد به فتكون جزئية، ~~وقد تطلق عليها هي نفسها اسما كليا لتستخدمها ممثلة لنوعها فتصبح فكرة ~~كلية. # وقد يسأل سائل: إذا كانت كل فكرة في أذهاننا هي بحكم طبيعتها فكرة جزئية فردية، ~~وأن الكلي المجرد منها لا يكون كذلك إلا بطريقة استعمالها؛ فكيف نفسر عمل العقل ~~حين يجرد جانبا واحدا من فكرة معينة مطرحا سائر الجوانب، كأن يجرد من الكرة ~~استدارتها أو من البرتقالة لونها؟ # وجواب هيوم على ذلك هو أنه محال على العقل أن يعزل الاستدارة عن الشيء المستدير، ~~أو اللون عن الشيء الملون؛ محال أن تقوم استدارة وحدها أو أن يقوم لون وحده؛ فإذا ~~ما عرضت أمامي كرة بيضاء مثلا، ms039 جاءني انطباع دائري أبيض، بحيث يستحيل علي أن ~~أدرك الاستدارة وحدها دون لونها الأبيض ولا اللون الأبيض وحده دون الاستدارة، لكنني ~~بعد ذلك قد أرى كرة سوداء ومكعبا أبيض، فأقارنهما بالكرة البيضاء لأدرك موضعين ~~للتشابه في هذه الأشياء الثلاثة، فأرى الكرة البيضاء تشبه السوداء في الاستدارة، ثم ~~أرى الكرة البيضاء تشبه المكعب الأبيض في البياض، فها هنا أبدأ في تمييز الاستدارة ~~من اللون تمييزا عقليا؛ وبعدئذ إذا ما استعدت الكرة البيضاء وحدها فإنني لا ~~يسعني سوى أن أكون عنها فكرة جزئية واحدة يندمج فيها الشكل واللون معا بغير ~~انفصال أحدهما عن الآخر، لكنني في الوقت نفسه أوجه نظري إلى ما بين هذه الفكرة ~~وفكرتي عن الكرة السوداء من شبه، وبهذا أحصل على فكرة الاستدارة؛ وكذلك إذا أردت ~~فكرة اللون الأبيض فلا يسعني سوى أن أستعيد فكرة الكرة البيضاء باستدارتها ولونها ~~معا، لكنني في الوقت نفسه أوجه نظري إلى ما بينها وبين المكعب الأبيض من شبه، ~~وبهذا أحصل على فكرة البياض؛ أما من يطلبون منا أن ننظر إلى الكرة البيضاء وحدها ~~لنجرد الاستدارة عن اللون، فإنما يطلبون منا محالا، # 21 # لأنه ليس بين الأشياء الحقيقية الواقعة استدارة قائمة بذاتها، وإذن فلا ~~يمكن أن تنطبع حواس الإنسان باستدارة قائمة بذاتها، وبالتالي يستحيل أن تكون هذه ~~الفكرة بين أفكارنا. ~~(1-3) ترابط الأفكار # إنه لا شك في أن أفكارنا مترابطة بعضها ببعض على نحو يجعل الواحدة منها إذا ما ~~حضرت أمام الذاكرة استدعت سواها بطريقة نلاحظ فيها شيئا من الاطراد والانتظام؛ # 22 # وهذا الترابط ملحوظ في سلسلة أفكارنا في جميع حالاتنا، لا فرق في ذلك ~~بين تفكير واع منظم وأحلام يقظة يترك الإنسان نفسه فيها على سجيتها تسلسل ~~الخواطر بغير ضابط، أو أحلام نوم؛ ففي التفكير الواعي المنظم ترانا نرتب أفكارنا ~~ترتيبا يجعل الفكرة اللاحقة ذات ارتباط بالفكرة السابقة، وكذلك في الأحلام ~~بنوعيها: أحلام اليقظة أو أحلام النوم، رغم انسياب خواطرنا انسيابا حرا حتى لقد ~~يبلغ في ذلك حد التخليط، فإنك إذا ما أمعنت ms040 النظر بعد ذلك في تسلسل تلك الخواطر ~~المنسابة، وجدت كل واحدة منها ذات صلة معلومة بسابقتها وبلاحقتها على السواء، كأنما ~~كل فكرة ترد إلينا تشد وراءها فكرة متصلة بها على نحو ما؛ وتتبع محادثة تجري بين ~~مجموعة من الناس أرسلوا أنفسهم في سلسلة الحديث إرسالا، فإنك لا شك واجد أن حلقات ~~الحديث - رغم أنه حديث حر ليس له ضابط - يرتبط سابقها بلاحقها على نظام معين؛ وحتى ~~إن بدا لك في أحد مواضع الحديث أن الحلقة اللاحقة مبتورة الصلة بالحلقة السابقة، ~~وخيل إليك أن حبل الحديث قد انقطع عند ذلك الموضع بأن تدخل فيه أحد المتحدثين ~~بموضوع جديد طارئ قطع الصلة بين ما فات وما هو آت؛ فسل ذلك المتحدث الذي بتر ~~التسلسل بموضوعه الطارئ هذا، تجد أن قد جرى في ذهنه خاطر أو خواطر شديدة الصلة بما ~~قد كان جاريا من أحاديث، ثم استثارت فيه هذه الخواطر الباطنية موضوعه هذا الذي ~~أقحمه على المتحدثين، وبذلك يظل التسلسل بين أجزاء الحديث قائما، وكل ما في الأمر ~~أن جزءا من السلسلة قد تم في رأس أحد المتحدثين. # وإنه لمما يلفت النظر في اللغات المختلفة، أن بينها تقابلا - على بعد ما بينها ~~من صلات قد لا تجعل أهل اللغة الواحدة منها على صلة قط بأهل اللغات الأخرى - إذ ترى ~~أن فكرة ما من أفكارنا المركبة، أعني من أفكارنا التي تأتينا عناصرها البسيطة ~~فرادى ثم تتركب داخل رءوسنا، يطلق عليها كلمة في كل لغة من اللغات، مما يدل على ~~أن العناصر البسيطة التي تجيئنا عن طريق الانطباعات تتركب داخل رءوس الناس على ~~طريقة واحدة؛ # 23 # وإلا فلماذا - مثلا - كان في كل لغة كلمة تدل على «شجرة» على حين أن ~~«الشجرة» فكرتها في الرأس مركبة، عناصرها البسيطة هي انطباع اللون وانطباع اللمس ... ~~إلخ؟ أليس ذلك دليلا على أن هذه العناصر الأشتات ترتبط بعضها ببعض في عقول الناس ~~على صورة واحدة، بحيث ترسم في رءوس الناس فكرة واحدة، أجازت لهم أن يطلقوا عليها ~~كلمة واحدة؟ ~~«وإنه ms041 على الرغم من أن الأفكار المختلفة يرتبط بعضها ببعض ارتباطا هو أوضح من ~~أنه تخطئه الملاحظة، إلا أنني لا أجد بين الفلاسفة فيلسوفا واحدا قد حاول أن يحصي ~~أو يصنف شتى المبادئ التي يجري الترابط بمقتضاها؛ وإنه لموضوع جدير باستثارة ~~الرغبة في أنفسنا لبحثه؛ ويبدو لي أن ثمة مبادئ ثلاثة فقط يجري بمقتضاها الترابط ~~بين الأفكار وهي: التشابه، والتجاور في زمن الوقوع أو مكانه، والعلة أو المعلول.» # 24 # أي إن الفكرة تستدعي فكرة إذا كان بين الفكرتين وجه من الشبه، أو إذا ~~كانتا قد وقعتا في لحظتين من الزمن متتابعين، أو وقعتا معا في لحظة واحدة، أو إذا ~~كانتا قد وقعتا في موضع واحد من المكان أو في موضعين متقاربين، وكذلك تدعو الفكرة ~~فكرة سواها إذا كانت علة لها أو معلولا. # فإذا ما نظرت إلى صورة ما استدعت الصورة إلى ذهنك فكرة الأصل الذي هذه الصورة هي ~~صورته، لما بين الفكرتين من تشابه، وذكر مسكن في عمارة يستدعي المسكن الذي يجاوره، # 25 # لما بين المسكنين من تجاور في المكان؛ ويكاد يستحيل أن تفكر في جرح ~~بغير أن تفكر في الألم الذي يصحبه لما بينهما من علاقة السبب بمسببه. # تلك هي المبادئ الثلاثة التي تترابط الأفكار على أساسها؛ يذكرها هيوم ويقول إنه ~~لا يدعي أنها هي المبادئ الوحيدة في هذا الصدد؛ فما على القارئ الذي يشك في ذلك ~~سوى أن يستعرض لنفسه ما شاء من أمثلة لترابط الأفكار في رأسه وأن ينعم النظر فيها ~~محللا ما بينها من روابط، لعله يجد مبدأ آخر ينتظم طائفة أخرى من صنوف الارتباط؛ ~~قد يجد مثلا أن «التضاد» بين الفكرتين ربما يكون داعيا لارتباطهما بحيث يستدعي ~~الضد ضده كما يستدعي ذكر اللون الأبيض اللون الأسود؛ غير أن التضاد يظهر بالتحليل ~~أنه مزيج من مبدأي السببية والتشابه؛ لأنه إذا كان ثمة ضدان فإن الضد منهما يفني ~~ضده، أي إنه يكون سببا في فنائه، وفناء فكرة ما قد يستدعي في الذهن ما قد كانت ~~عليه قبل فنائها؛ ms042 مثال ذلك الأبيض والأسود؛ فإذا ما وردت إلى خاطري فكرة الأبيض، ~~أدركت على أساس السببية أن وروده إنما كان على حساب فناء فكرة الأسود، وعندئذ أذكر ~~ما قد كان الأمر فأذكر اللون الأسود، وهكذا يتتابع الضدان في الذهن. ~~(2) الإدراك الحسي والذاكرة ~~(2-1) الانطباعات الحسية وأصولها الخارجية # سؤالان يريدان منا جوابا ؛ أولهما خاص باعتقادنا عن شيء ما ندركه بحواسنا أن ~~لوجوده استمرارا واتصالا على الرغم من أنه قد يكون حاضرا أمام الحواس آنا ~~وغائبا عنها آنا آخر، فما الذي يحملنا على مثل هذا الاعتقاد رغم أننا نجاوز به ~~شهادة الحواس؟ فهذا المكتب الذي أكتب عليه الآن موجود بشهادة الرؤية واللمس، لكنني ~~قد أخرج من الغرفة فلا أراه ولا ألمسه ولا أشهد وجوده بحاسة أخرى، ومع ذلك فإني إذا ~~ما عدت إلى الغرفة وعدت إلى رؤيته ولمسه، ملكني الاعتقاد بأنه هو نفسه المكتب الذي ~~كنت قبل ذلك أراه وألمسه، فأنى لي هذا الاعتقاد باستمرار وجوده، مع أنني لو ركنت ~~إلى شهادة الحواس وحدها لقلت إنه مكتب آخر قد بدأت لتوي أدركه بحسي؟ # والسؤال الثاني خاص باعتقادنا بوجود الشيء الذي ندركه بالحواس خارج حدودنا، أي ~~إنني حين أنظر إلى هذا المكتب الذي أمامي، يملكني الاعتقاد بأنه ليس مجرد انطباع ~~على شبكية عيني، بل هو كائن مستقل عني موجود خارج نطاقي؛ فما الذي يحملني على هذا ~~الاعتقاد إذا كنت في حقيقة الأمر لا أعلم إلا أن انطباعا حسيا واقع على جسدي؟ ~~أفلا يجوز أن هذا الذي أراه إن هو إلا هذا الانطباع وحده دون أن يكون ثمة في الخارج ~~ما يقابله، كما يحدث أحيانا حين يتوهم الواهم أنه يرى أو يسمع وليس هنالك الشيء ~~الذي يتوهم أنه يراه ويسمعه؟ # والسؤالان مرتبطان أحدهما بالآخر، لأنني إذا ما اعتقدت عن شيء ما أنه موجود في ~~لحظة لا يكون انطباعه فيها واقعا على حسي، كأن أعتقد بوجود مكتبي هذا حتى في ~~اللحظة التي أكون فيها جالسا في غرفة أخرى لا أراه ولا ألمسه، على أساس أن له ms043 ~~وجودا متصلا غير متقطع بتقطع إدراكاتي الحسية لوجوده، أقول إنني إذا ما ~~اعتقدت ذلك عن هذا المكتب، فقد اعتقدت بالتالي أن وجوده مستقل عن وجودي، وأن وجوده ~~لا يعتمد على إدراكي الحسي المباشر له وجودا وعدما؛ والعكس صحيح أيضا، بمعنى ~~أنني ما دمت قد اعتقدت أن وجود هذا المكتب مستقل عن وجودي وعن إدراكي المباشر له، ~~فقد اعتقدت بالتالي أن وجوده يظل قائما في حضوري أو غيابي على السواء ... ذانك هما ~~السؤالان اللذان نريد الإجابة عنهما لنعلم ما الذي يحملنا على الاعتقادين معا: ~~الاعتقاد باتصال وجود الشيء الخارجي، والاعتقاد بوجوده مستقلا عنا؛ أهي «الحواس» ~~نفسها التي تحملنا على هذين الاعتقادين؛ أم هو «العقل» أم «الخيال»؟ # أما «الحواس» نفسها فيستحيل أن تكون مصدرا لأي من هذين الاعتقادين؛ إذ من ~~الواضح أنني حين أكون غائبا عن هذا المكتب بحيث لا أراه وحين أحكم - رغم غيابي عنه ~~- أنه موجود، فليس هذا الحكم عندئذ مستمدا من حواسي؛ لأنني - بحكم الفرض الذي ~~فرضته - غائب عنه، فليس هو على صلة ببصري أو بلمسي؛ وإلا فلو قلت إنني أرى المكتب ~~حين لا أراه، وألمسه حين لا ألمسه، فذلك يكون مني تناقضا صريحا. # وكما أن «الحواس» لا تكون مصدرا لاعتقادي باتصال وجود الشيء الخارجي أثناء غيابي ~~عنه، فكذلك لا تكون مصدرا لاعتقادي بأن للشيء الذي أدركه بها وجودا خارجيا ~~مستقلا عن وجودي، وذلك واضح كذلك، لأن كل ما تمدني به العين حين تنطبع برؤية هذا ~~المكتب - مثلا - هو ما قد انطبعت به، أي هو الانطباع نفسه، وليس في وسعها أن تمد ~~إدراكها إلى ما وراء ذلك لترى إن كان للشيء نفسه - الذي هو مصدر الانطباع الواقع ~~عليها - وجود مستقل أو لم يكن؛ إن اللقطة الحسية الواحدة لا تدرك إدراكين في ~~وقت واحد: الانطباع والشيء الطابع؛ كل ما هنالك عند الحاسة في اللحظة المعينة هو ~~انطباعها، فإن حكمت بعد ذلك بأن في العالم الخارجي شيئا قائما بذاته هو سبب هذا ~~الانطباع، كان ذلك مني استدلالا عن طريق العقل أو ms044 الخيال؛ # 26 # وقد أصيب في هذا الاستدلال أو قد أخطئ، بمعنى أنني قد أدرك انطباعا ~~على حواسي لشيء ما فأستدل وجود هذا الشيء خارج جسمي، وإذا بالأمر وهم، فلا شيء هناك ~~كما توهمت أن يكون؛ لكن الفيصل الذي أقرر به إن كان الاستدلال صائبا أو خاطئا، أي ~~أقرر به إن كان لانطباعي الحسي أصل في الخارج أو هو من خلق أوهامي، هذا الفيصل الذي ~~أقرر به لا يكون في طبيعة الانطباع نفسه، لأن الانطباع لا يختلف في الحالتين؛ فالذي ~~توهمه الأوهام أنه يرى في الهواء طائرا إنما يدرك انطباعا على حسه كالانطباع ~~الذي يدركه إذا ما كان في الهواء طائر فعلا؛ وإذا كان الأمر كذلك فليس في مضمون ~~الانطباع ذاته ما يدل إن كان صورة لواقع أم اختلاقا من الوهم؛ ولا بد - إذن - أن ~~يكون مرجعنا في الحكم الذي نقرر به إن كان الانطباع الحسي ممثلا لشيء خارجي أو ~~لم يكن، إلى عوامل أخرى غير الانطباع نفسه، كأن نرجع إلى علاقاته بسائر الأشياء ~~المحيطة به، لأن الروابط التي تصل الانطباع في الحالة الأولى بما حوله، مختلفة عن ~~الروابط التي تصله بما حوله في الحالة الثانية. # فإذا ما قدمت لنا الحواس انطباعات معينة على أنها صور لأشياء خارجة عنا ومستقلة ~~بوجودها عن وجودنا، كان لا بد لحواسنا من أن تفرق بإدراكها بين طرفين: فالأشياء ~~الخارجية من جهة، وذواتنا المدركة من جهة أخرى، وإلا لما استطاعت أن تقارن وتوازن ~~وتقضي بأن ذلك الطرف شيء قائم بذاته مستقل عن هذا الطرف، غير أن المشكلة ها هنا هي: ~~كيف يمكن أن يكون الإنسان نفسه موضوع إدراك حواسه؟ # 27 # الحق أنه لا معنى لقولنا إن انطباعاتنا الحسية «تخدعنا» أحيانا حين ~~تحملنا على الاعتقاد بأنها تصور أشياء خارجية مع أنها لا تصور شيئا، لا معنى ~~لقولنا هذا، لأن الانطباعات - عند الوعي - على درجة سواء من حيث يقين الإدراك، فلا ~~فرق عند الإنسان المدرك بين انطباع وآخر من حيث إدراكه له ويقينه بأنه هناك في ~~وعيه؛ فها ms045 هنا لا تكون تفرقة بين ما هو وهم وما هو حقيقي، لأن كليهما انطباع حاضر ~~في الذات الواعية؛ وإذن فما مصدر الخطأ حين نتوهم أن إدراكنا الحسي يمثل شيئا ~~خارجيا عندما لا يكون كذلك؟ ما مصدر الخطأ إذا كانت الانطباعات الحسية في ذاتها ~~لا تخطئ ولا تخدع؟ # ليست هي الحواس - إذن - التي تحملنا على الاعتقاد بأن الشيء الذي نحس انطباعه ~~عليها يتصف وجوده بالاستمرار، كما يتصف باستقلاله عنا؛ لأنه إذا كانت الحواس هي ~~نفسها الدالة على أن الصورة التي تقدمها إلينا إنما هي صورة لأصل خارج عنها، لوجب ~~أن تقدم لنا الأصل وصورته معا، لكنها بداهة لا تفعل. # 28 # كلا ولا هو «العقل» الذي يحملنا على الاعتقاد بأن الانطباع الحسي الذي يطبع حاسة ~~من حواسنا إن هو إلا صورة لأصل خارج عنا؛ لأنه لو كان العقل هو وسيلة ذلك ~~الاعتقاد للزم أن تكون النتيجة مستمدة من المقدمة؛ لكن الانطباع الحسي باعتباره هو ~~المقدمة التي سنستدل منها، لا يحمل في طيه أبدا ما يلزمنا باستنتاج نتيجة تقول إن ~~وراء هذا الانطباع أصلا مستقلا خارجا عنا؛ وحتى على فرض أن الفلاسفة قد ~~استطاعوا أن يقيموا الحجة على أن الانطباع الحسي يلزم عنه وجود الأصل الذي نشأ عنه ~~ذلك الانطباع، فليست هذه الحجة هي التي تحمل الطفل والساذج بل والكثرة العظمى من ~~الناس - فنحن لا نستثني هنا إلا طائفة الفلاسفة وحدهم - أقول إن هذه الحجة ليست هي ~~التي تحمل هؤلاء جميعا على الاعتقاد بأن انطباعاتهم الحسية صور لأشياء قائمة فعلا ~~ولها وجود مستمر، لا، بل إن هؤلاء جميعا ليدمجون الشيء الخارجي في انطباعه على ~~الحس دمجا لا يسمح حتى بالتفرقة بينهما وجعلهما طرفين: أصل وصورة ... ليس هو «العقل» ~~إذن الذي يحملنا على هذا الاعتقاد، ولكنه «الخيال». # 29 # ذلك أن الإنسان إذا ما تعود انطباعا معينا يأتيه كلما وجه حاسته وجهة معينة ~~كان أيسر عليه أن يفترض أن هذه الانطباعات المتشابهة التي تعاوده من ذلك المصدر ~~المعين، إنما ترتبط كلها برباط الهوية، أي إنه ms046 يفترض أنها في الحقيقة ليست ~~سلسلة انطباعات، كل انطباع منها قائم بذاته مستقل عن سوابقه ولواحقه (كما هي الحال ~~في حقيقة الأمر) بل هي انطباع واحد بذاته يتأثر به كلما وجه حاسته إلى ذلك ~~المصدر؛ مثال ذلك إذا نظرت إلى الشمس أو إلى البحر مرة بعد مرة، فإنني في كل مرة ~~سأتلقى انطباعا حسيا هو في الحقيقة مستقل عن الانطباع الذي تلقيته في لحظة سابقة ~~أو الذي سأتلقاه في لحظة مقبلة لكنني أجد أنه من الأيسر أن أفترض أن هنالك شمسا ~~واحدة وبحرا واحدا، وأن الشمس يأتيني منها انطباع واحد، وأن البحر كذلك يأتيني ~~منه انطباع واحد، بحيث يجوز لي أن أقول إن للشمس وجودا متصلا وكذلك للبحر وجود ~~متصل، لا يتقطع بتقطع إدراكي لهما، فها أنا ذا أفتح عيني للشمس فأراها، ثم ~~أغمضها فلا أراها، لكنها هناك لا تزال في سمائها، لأنني إذا ما عدت ففتحت لها عيني ~~من جديد رأيتها؛ لو أنني اتبعت المنطق العقلي الصارم مع نفسي لقلت إن الانطباع الذي ~~جاءني من الشمس أول مرة هو غير الانطباع الذي جاءني منها في المرة الثانية، ولذلك ~~ففي حدود ما أعلمه من انطباعاتي الحسية هنالك شمسان، ما دام هنالك انطباعان ~~متتابعان، أو هنالك ألف ألف شمس إذا كنت قد تلقيت ألف ألف انطباع من هذا القبيل، ~~ولا يشفع لي أن أقول إنها انطباعات متشابهة كلها؛ لكنني لا ألتزم مع نفسي منطقا ~~صارما هنا، وأدع نفسي للخيال يخيل لي أن هذه الانطباعات كلها هي انطباع واحد، ~~وأنه ما دامت الشمس لا يغير منها أن أفتح عيني أو أغمضها فلا بد أن تكون هنالك ~~شمس واحدة متصلة الوجود، خارجة عني ومستقلة عن إدراكي. # 30 ~~(2-2) مبدأ الذاتية # قلنا إن الإنسان إذا ما جاءته سلسلة انطباعات على لحظات من الزمن متتابعة شديدة ~~الشبه بعضها ببعض، فإنه يميل بخياله إلى دمجها بحيث تصبح وكأنها انطباع واحد يدل ~~على شيء واحد؛ فالشمس - مثلا - أراها مرة بعد مرة، وفي كل مرة تطبع عيني بانطباع ms047 ~~هو في الحقيقة مستقل عن الانطباع الذي تطبعني به في المرة التالية، لكن الانطباعين ~~يكونان على تشابه شديد، فأدمجهما بحيث أجعلهما وكأنهما انطباع واحد مبعثه شيء واحد ~~في الخارج هو الشمس؛ هذا التوحيد الذي أدمج به ما هو في الحقيقة متعدد، هو الذي ~~يسمى في الفلسفة بمبدأ الهوية أو مبدأ الذاتية. # فلو كان ما أراه انطباعا واحدا في لحظة واحدة، لما كان ثمة داع لهذا المبدأ، ~~لأن المبدأ يقتضي أن تكون هنالك حالتان أو انطباعان على الأقل، يتلو أحدهما الآخر ~~في لحظتين مختلفتين، ثم أقول عن الانطباع الثاني إنه هو هو بعينه الانطباع الأول؛ ~~بعبارة أخرى لو كان هنالك وحدة واحدة لما كانت هنالك «ذاتية» أو «هوية»، لأن ~~الوحدة واحدة بحكم تعريفها، فليس فيها التعدد الذي نحكم على وحداته بأنها تكون ~~فردا، وبالتالي فليس فيها الإشكال الذي يحاول الفلاسفة أن يفسروه بمبدأ ~~الذاتية. # وكذلك لو كان هنالك عدة حالات أو عدة انطباعات، مهما يكن بينها من تشابه، دون أن ~~أزعم لها أنها في الحقيقة ذات واحدة، لما نشأت مشكلة الذاتية، لأن هذه المشكلة - ~~كما قلنا - لا تكون إلا بقيام الوجهين معا: التعدد الذي يكون وحدة. # وإذا كانت لا الوحدة وحدها ولا التعدد وحده هو ما نعنيه حين نتحدث عن علاقة ~~الذاتية، فلا بد أن تكون هذه «الذاتية» علاقة لا هي بهذا ولا هي بتلك؛ وإن يكن هذا ~~مما يبدو للنظرة الأولى محالا؛ إذ لا بد لك من أحد اثنين فإما وحدة وإما تعدد، ولا ~~وسط بين الطرفين، إلا إذا جاز لك أن تقول إن هنالك وسطا بين الوجود وعدم الوجود، ~~ذلك لأنك حين تسلم لشيء ما بأنه موجود فلا محيص لك بعد ذلك عن أحد أمرين، فإما أن ~~تفرض الوجود لشيء آخر سواه، ومن ثم تنشأ لك فكرة التعدد، أو أن تفرض أن ليس هنالك ~~شيء آخر يتصف بالوجود؛ ومن ثم تنشأ فكرة الوحدة، ولا ثالث لهذين الفرضين. # 31 # لكن فكرة الزمن تحل لنا هذا الإشكال؛ لأن الزمن بمعناه الدقيق ms048 يقتضي التتابع؛ ~~فإذا كان لدينا شيء غير متغير ثم قرنا به فكرة الزمن، صور لنا خيالنا أن هذا ~~الشيء الثابت إنما يشارك الأشياء الأخرى في تغيرها، أي في تتابع حالاتها الذي ~~تتضمنه فكرة الزمن؛ وعلى هذا فإذا ما ركزت انتباهي في شيء ثابت لا يتغير في ذاته، ~~تركيزا يدوم فترة من الزمن، فإنني على الرغم من ثبات الشيء الذي وضعته موضع ~~الانتباه، سأقارن الحالة في لحظة من لحظات تلك الفترة الزمنية، بالحالة في لحظة ~~غيرها من لحظات تلك الفترة عينها، ومن ثم ينشأ لي في خيالي فكرة الوحدة التي لم ~~تتغير على تعدد اللحظات؛ أو ربما نظرت في لحظة ثالثة إلى تينك اللحظتين المذكورتين، ~~واضعا ثبات الشيء في اعتباري، فتنشأ لي فكرة التعدد رغم وحدانية الشيء؛ وهكذا ~~يتوقف الأمر على وجهة نظرك فإذا وجهت النظر إلى واحدية الشيء خلال لحظات الزمن ~~المتعاقبة، كانت لك الوحدة رغم الكثرة، وإذا وجهت النظر إلى تعدد اللحظات على الشيء ~~الواحد، كانت لك الكثرة رغم الوحدة؛ وإذن فها هنا تتكون فكرة هي وسط بين الوحدة ~~والتعدد، أو إن شئت فقل إنها وحدة أو كثرة حسب اختيارك لوجهة النظر، وتلك هي التي ~~نسميها بفكرة «الذاتية»؛ وإذن ف «الذاتية» أو «الهوية» هي ثبات الشيء على حالة ~~واحدة خلال تغير مفروض في لحظات الزمن. # 32 # فلننظر بعد ذلك إلى موقفنا إزاء الانطباعات المتشابهة التي تأتي إلينا على فترات ~~قد تكون متباعدة، ومع ذلك نقضي بأنها ترتبط بذاتية واحدة؛ كأن أرى النهر - مثلا - ~~ثم أراه بعد حين يقصر أو يطول، فأحكم بأن الانطباع الذي انطبعت به أول مرة، ~~والانطباع الذي انطبعت به في المرة الثانية، هما في الحقيقة انطباع واحد، أو قل ~~هما انطباعان بينهما ذاتية تربط بينهما في وحدة تجعل النهر الذي رأيته في المرة ~~الأولى هو بعينه النهر الذي رأيته في المرة الثانية؛ فحقيقة الأمر هنا هي أنني إزاء ~~انطباعين لا انطباع واحد، وبالتالي فقد تكون لدي عن النهر فكرتان لا فكرة واحدة، ~~ولأن أجعلهما فكرة واحدة ms049 فهو خطأ يجاوز الواقع كما وقع. # لكن هذا الخطأ قمين أن يقع، فليس أدعى إلى أن ينظر الإنسان إلى إحدى أفكاره ~~فيظنها فكرة سواها، مما قد يكون بين الفكرتين من رابطة في الخيال بحيث يسهل ~~الانتقال من إحداهما إلى الأخرى؛ وإن صدق هذا على الروابط التي تربط الأفكار في ~~الخيال بصفة عامة، فهو أصدق وأوضح حين تكون هذه الرابطة بين الفكرتين هي ما بينهما ~~من تشابه؛ ذلك لأن الأمر في حالة التشابه بين الفكرتين لا يقتصر على أن الشبيه ~~يستدعي شبيهه إلى الذهن، بل إن الأمر ليجاوز هذا، بحيث تكون العمليات العقلية في ~~إحدى الحالتين شبيهة جدا بالعمليات العقلية في الحالة الأخرى؛ ولكي نوضح ذلك، ~~نضرب لك مثلا برابطة أخرى غير رابطة التشابه، كالتجاور المكاني، # 33 # ففكرة حديقة معينة إذا وردت على خاطرك قد تدعو فكرة شخص معين قابلته ~~فيها، بسبب التجاور أو الترابط المكاني بين الفكرتين؛ ها هنا فكرة تدعو فكرة أخرى ~~إلى الحضور، لكن العملية العقلية في حالة تصور الفكرة الأولى تختلف عن العملية ~~العقلية في حالة تصور الفكرة الثانية، بمقدار ما بين انطباع الحديقة وانطباع الشخص ~~من اختلاف بعيد، وكذلك فإن ارتباط الفكرتين هنا لا يوقعني في الخطأ بحيث يمكن أن ~~أقول إن الأولى هي بعينها الثانية؛ ولا كذلك إذا ما كانت الرابطة بين الفكرتين هي ~~رابطة التشابه، وكلما اشتد الشبه بين الفكرتين اشتد احتمال الوقوع في الخطأ بحيث ~~أظن أن الفكرة الثانية المستدعاة هي بعينها الفكرة الأولى الداعية؛ وهذه هي الحال ~~حين تكون الفكرتان معا عن شيء بعينه كالشمس مثلا؛ فالفكرة الأولى عن الشمس في ~~لحظة معينة، والفكرة الثانية عن الشمس أيضا ولكن في لحظة أخرى، فإذا ما استدعت ~~الفكرة الأولى الفكرة الثانية، كان الأرجح أن يختلط علي الأمر بحيث أظن أن بين ~~الفكرتين وحدة ذاتية؛ فالانتقال من فكرة إلى فكرة شديدة الشبه بها يكون بمثابة ~~الانزلاق الهين السهل حتى ليتعذر على العقل أن يدرك أنه قد انتقل من فكرة إلى أخرى، ~~ويخيل إليه أنه لم ms050 ينتقل، بل لبث مشغولا بفكرة واحدة لم يتزحزح عنها إلى سواها، ~~ومن ثم ينشأ الاعتقاد بأن الشيء الخارجي الذي هو مبعث الفكرتين الشبيهتين، شيء له ~~هوية واحدة، ثابت على حالة واحدة؛ وهكذا يختلط علينا الأمر بين ما هو في الحقيقة ~~حالات متتابعة وبين توحيد هذه الحالات وجعلها حالة واحدة تصور شيئا واحدا. # 34 ~~(2-3) الذاكرة والخيال # كنا حتى الآن نتحدث عن طرفين من أطراف الخبرة، أما أولهما فالانطباعات التي ~~ينطبع بها الإنسان بما يعطاه من خارج، وأما الآخر فالأفكار التي هي الصور الذهنية ~~لتلك الانطباعات بعد غياب بواعثها؛ فالفكرة هي انطباع فترت قوته وبهتت ألوانه، ~~والانطباع هو فكرة في حالة نصوعها ووضوحها؛ ها أنا ذا أنظر إلى شجرة خلال نافذتي، ~~فما عندي منها - طالما أشخص إليها ببصري - هو انطباع، ثم أحول عنها البصر ~~محتفظا بصورتها في ذهني، فما يكون عندي منها عندئذ هو فكرة. # لكن الفكرة المتخلفة في أذهاننا عن انطباع معين لا تظل على درجة واحدة من الوضوح ~~مع توالي الزمن؛ إذ قد يصيبها الوهن والضعف، أو أنها قد تحتفظ بمعظم ما كان لها من ~~قوة نصوع حين كانت انطباعا على إحدى الحواس؛ وإذن فتستطيع أن تقول إن هناك ثلاث ~~درجات متوالية في درجة الوضوح، أوضحها هو الانطباع حالة وقوعه على الحاسة، وأبعدها ~~عن الوضوح هو الفكرة حين يصيبها مر الزمن بالهزال والخفوت، وبين الطرفين مرحلة ~~وسطى، هي الفكرة حين لا يكون لها كل الوضوح الذي كان للانطباع، كما لا يكون لها كل ~~الغموض الذي يصيب بعض الأفكار؛ فإن كانت الفكرة التي تستعيدها من خبراتك الماضية هي ~~من النوع الوسط فتلك ذاكرة، وأما إن كانت من النوع الذي بهت لونه وغمضت حدوده، ~~فذلك خيال. # 35 # فإذا ما أردنا التمييز بين «الذاكرة» و«الخيال» فذلك لا يكون بالتفرقة بين ما ~~يكون كلا منهما من عناصر بسيطة، فلا نقول مثلا إن الذاكرة قوامها كذا وكذا من ~~العناصر، أما الخيال فقوامه كيت وكيت؛ وذلك لأن كليهما عناصره البسيطة واحدة، ~~مستمدة من مصدر واحد ms051 هو الانطباعات التي تقع على الحواس؛ إذ ليس ثمة من مصدر آخر؛ ~~فإن كانت الأفكار المستعادة بالذاكرة قوامها ألوان وطعوم وأشكال وما إلى ذلك مما ~~تأتي به الحواس عن طريق انطباعاتها فكذلك الأفكار التي نقول عنها إنها خيال هي ~~الأخرى قوامها ألوان وطعوم وأشكال وما إلى ذلك مما تأتي به الحواس عن طريق ~~انطباعاتها أيضا. # كلا ولا هو ترتيب تلك العناصر البسيطة ما يميز الذاكرة من الخيال، فليس من ~~الصواب أن نقول إن الخيال يختلف عن الذاكرة في أنه يغير ويبدل من ترتيب العناصر كما ~~قد جاءت بها الانطباعات أول الأمر؛ لأنه وإن يكن الخيال قد يختلف فعلا عن الذاكرة ~~في أن هذه الأخيرة تحتفظ بالترتيب الأصلي للأفكار سابقا قبل لاحق، وأن الخيال ~~يقدم في الأوضاع الأصلية أو يؤخر كيف شاء، إلا أن هذا الفرق وحده لا يكفي للتمييز ~~بينهما؛ إذ كيف تستطيع استعادة الانطباعات الأولى بترتيبها بحيث تنظر إليها مقرونة ~~إلى تذكرها، لتقول إن كانت قد احتفظت في الحالتين بترتيب واحد أو لم تحتفظ؟ ذلك ~~محال، بل هو تناقض في القول، لأنك إذا ما استعدت الانطباعات الأولى فتلك ذاكرة ~~فكأنما أنت تقرن ذاكرة إلى ذاكرة لتقيس الثانية بالأولى! # وإذا كانت الذاكرة لا تتميز من الخيال على أساس المقومات البسيطة لكل منهما، ولا ~~على أساس الترتيب الذي تتخذه الأفكار في الذهن، إذن فلم يبق إلا أنهما متميزان على ~~أساس درجة النصوع والوضوح والقوة؛ فتخيل ما شاء لك الخيال أن تتخيل من مغامرات لك ~~في الماضي، فلن يختلف ما تنشئه بخيالك عما تستذكره من الخبرات الماضية الحقيقية ~~إلا في كون الخيال أخفت وأبهت وأكثر غموضا. # 36 # فكثيرا ما يحدث لشخصين أن يشهدا منظرا بعينه، حتى إذا ما مر الزمن، استعاده ~~أحدهما بالذاكرة واضحا جليا، على حين يظل الثاني ناسيا له، فيأخذ زميله الذاكر ~~في تذكيره بتفصيلات المنظر، فيذكر له زمانه ومكانه وشتى تفصيلاته وأجزائه، ويظل ~~الناسي على نسيانه؛ لكن هذا النسيان لا يمنعه من أن يرسم لنفسه صورة بالخيال مكونة ~~من ms052 الأوصاف التي يذكرها له صديقه الذاكر؛ ويمضي الصديق الذاكر في تغذية زميله ~~الناسي بتفصيلات جديدة، ويمضي هذا في إكمال الصورة التي يرسمها لنفسه بخياله مما ~~يسمع من تفصيلات، حتى يحدث أن يذكر الصديق الأول حقيقة معينة، فتصحو الذاكرة عند ~~صاحبه بغتة، ويتذكر كل شيء؛ ها هنا تنتقل الصورة التي كان قد رسمها مستعينا ~~بالتفصيلات التي ذكرها له صديقه، تنتقل هذه الصورة من خيال إلى ذاكرة، فهل تتغير ~~تفصيلاتها بهذا الانتقال؟ أم هل تتغير العناصر في ترتيبها؟ قد لا يكون هذا ولا ذاك، ~~لكن الذي يتغير حتما بانتقال الصورة المرسومة من خيال إلى ذاكرة هو درجة النصوع، ~~ففجأة يصب عليها ضوء جديد، وإذا هي أوضح جدا مما كانت وأنصع. # 37 # الذاكرة لا تختلف أساسا عن الخيال إلا في أن فكرتها أوضح وأجلى، فإذا ما أراد ~~مصور أن يصور إنسانا ذا عاطفة معينة أو انفعال معين، كأن يصوره غاضبا أو خائفا ~~أو محبا أو حاقدا، فخير له أن يتذكر شخصا معينا وهو في الحالة التي يريد ~~المصور أن يصورها، لأن ملامح العاطفة التي يراد رسمها تكون أمامه عندئذ أوضح ~~جدا مما لو ترك نفسه للخيال وحده يحاول به أن يحدد تلك الملامح؛ نعم إنه حتى حين ~~يترك نفسه لخياله، فلن يتقيد إلا بما كانت انطباعاته قد جاءته به من خبراته الحسية، ~~لكن صور الخبرة الماضية في حالة الخيال تكون أشد غموضا منها لو استعيدت بالذاكرة ~~متمثلة في شخص معين أو موقف بذاته؛ وكلما كانت هذه الذاكرة أقرب زمنا إلى وقت حدوث ~~الانطباع كانت أكثر وضوحا؛ ولكن اترك الأعوام تمضي، وسيمضي معها وضوح ما كنا ~~خبرناه وذكرناه حيا نابضا، إنه بمر الزمن سيمحي كثير من تفصيلاته ويغمض كثير ~~من جوانبه، حتى ليحدث كثيرا أن يختلط الأمر علينا عندئذ فلا ندري أتكون الصورة ~~الماثلة في أذهاننا بهذا الفتور والضعف ذاكرة أم خيالا. # وكما يتناقص وضوح الفكرة حين تكون ذاكرة حتى تبلغ درجة من الغموض تصبح فيها ~~خيالا، فكذلك قد يزيد وضوح الفكرة حين تكون ms053 خيالا حتى تبلغ درجة من الوضوح تصبح ~~فيها ذاكرة؛ وذلك ملحوظ في الكاذب حين يكرر كذبته ويعيدها مرة بعد مرة، فتتضح ~~الصورة في ذهنه حتى ليأخذ هو نفسه في الاعتقاد بأنه إنما يذكر ما قد وقع، وليس ~~يختلق صورة من محض خياله؛ فالعادة هنا - أي التكرار - تفعل ما تفعله في مواقف أخرى ~~كثيرة، وهو أن تكسب الفكرة وضوحا كالوضوح الذي كانت تكسبه لو كان مصدرها انطباعا ~~آتيا من الطبيعة الخارجية. # 38 # على أن التفاوت في درجة الوضوح إن يكن هو المميز الأساسي فليس هو بالمميز الوحيد ~~للذاكرة من الخيال؛ بل هنالك فارق آخر وهو أن الخيال لا يتقيد بنفس الترتيب الذي ~~كانت الانطباعات قد جاءتنا به أول مرة، على حين تتقيد الذاكرة بذلك الترتيب؛ فمن ~~الواضح أن الإنسان حين يتذكر ما قد خبره من حوادث، فإنما يتذكرها كما وقعت سابقا ~~فلاحقا، فإن حدث أن خلط الأوضاع ولم يذكرها كما وقعت، كان ذلك نقصا في ذاكرته ~~وعيبا؛ فالمؤرخ - مثلا - له أن يقدم حادثة على أخرى في الوقت الذي يعلم فيه أن ~~الحادثة التي قدمها في الترتيب قد وقعت مؤخرة، لكنه لا بد - لكي يكون مؤرخا دقيقا ~~- أن يكون على وعي بما هو فاعل؛ وكذلك نفعل في خبراتنا الماضية حين نعود إلى ذكرها، ~~فلا تكون الذاكرة سليمة إلا إذا أعيدت الخبرات بترتيبها الأصلي، ما لم نتعمد لسبب ~~من الأسباب أن نقدم المتأخر ونؤخر المتقدم. # فوعينا للترتيب الذي وقعت به الحوادث صفة تميز الذاكرة من الخيال الذي يفك عن ~~نفسه هذا القيد؛ وانظر إلى القصص والشعر، تر القصصي أو الشاعر قد قلب أوضاع ~~الأشياء الطبيعية رأسا على عقب، فحيوان ينطق بما ينطق به الإنسان، وحصان يطير ~~بالأجنحة التي يطير بها الطير، وأفاع تزفر ألسنة من لهب، وعمالقة تبلغ من الارتفاع ~~ما لم يبلغه أحد من البشر ... وهكذا نتلقى العناصر الأولية عن طريق انطباعاتنا من ~~الطبيعة، لكننا نعيد ترتيبها ونغير أوضاعها حين يكون الأمر متروكا للخيال. # 39 ~~(3) يقين المعرفة واحتمالها ~~(3-1) علاقة السببية # لا ms054 يخرج الموضوع الذي يتناوله العقل بالتفكير عن أحد أمرين: فهو إما أن يكون ~~متصلا ب «العلاقات الكائنة بين فكرة وفكرة» أو أن يكون متصلا ب «أمر من أمور الواقع»؛ # 40 # والعلوم الرياضية هي من الصنف الأول، والعلوم الطبيعية من الصنف ~~الثاني؛ أو بعبارة أخرى، كل قضية نحكم بصدقها بالحدس أو بالبرهان القياسي هي من ~~الصنف الأول، وكل قضية نحكم بصدقها على أساس الخبرة الحسية هي من الصنف الثاني، ~~فقولي عن المثلث إن زواياه تساوي قائمتين هو قول أقيم البرهان على صدقه بالقياس ~~المنطقي، ولذلك فهو قول يستنبط نتيجة من مقدماتها، أي إنه يستنبط فكرة من فكرة دون ~~الرجوع إلى الأشياء الطبيعية الخارجية، ولذلك فهو قول كل ما فيه أنه تحليل لفكرة ~~معينة كي نستخرج منها فكرة أخرى تتولد عنها؛ وأما قولي عن الشمس إنها تبعد كذا ~~ميلا عن الأرض، فهو ينبني على مشاهدة الخارج ووصفه وسنرى أن المعرفة التي من ~~القبيل الأول يقينية، وأما المعرفة التي من القبيل الثاني فاحتمالية تحتمل الخطأ ~~حتى وإن رجحنا فيها الصواب. # القضية من قضايا الهندسة والجبر والحساب، كقولنا - مثلا - إن المربع المنشأ على ~~وتر المثلث القائم الزاوية مساو لمجموع المربعين المنشأين على الضلعين الآخرين، ~~أو أن خمسة مضروبة في ثلاثة تنتج عددا هو نصف الثلاثين، هي قضية تحدد العلاقة بين ~~أفكار، ولا شأن لها بالواقع كما هو واقع؛ ففي المثل الأول تحديد للعلاقة بين مربعات ~~ثلاثة نتصورها بالفكر، وفي المثل الثاني تحديد للعلاقة بين أعداد معينة نحسبها ~~ونتصورها بالفكر كذلك؛ فهذه وأمثالها قضايا نكشف عن صدقها بعمليات فكرية صرفة، دون ~~الرجوع إلى شيء مما هو واقع في أرجاء الكون؛ فلو لم يكن في الطبيعة كلها مربع واحد ~~ولا مثلث واحد ولا دائرة واحدة، لما نقصت درجة اليقين التي نحكم بها على النظريات ~~التي أوردها إقليدس في هندسته. # ولا كذلك القضايا التي نصف بها أمور الواقع كما وقعت أو كما ينتظر لها أن تقع؛ ~~ففي الوقت الذي أتصور فيه استحالة ألا يكون المربع ذا قوائم ms055 أربع، لأنها حقيقة ~~تترتب على تعريفه، أستطيع أن أتصور نقيض أية واقعة من الوقائع الطبيعية، فلا ~~استحالة عند العقل المحض أن تجري وقائع الطبيعة على غير الصورة التي تجري عليها؛ ~~وليس أعسر على العقل أن يتصور نقيض الواقعة الطبيعية من أن يتصور الواقعة كما وقعت؛ ~~فلأن تغيب الشمس غدا عن الظهور فلا تشرق، أمر لا يشق على العقل أن يتصوره، فمثل ~~هذه الصورة عنده يساوي في سهولة التصور أن تشرق الشمس غدا؛ وعبثا تحاول أن تقيم ~~برهانا عقليا على بطلان القول بأن الشمس لن تشرق غدا؛ ولو كان مثل هذا البطلان ~~مما يقام عليه البرهان العقلي، لكان في تصوره تناقض، بل لكان مجرد تصور العقل له ~~أمرا محالا. # 41 # وإذا كانت أحكامنا على وقائع العالم الطبيعي - على نحو ما أسلفنا - مما يمكن ~~للعقل أن يتصور نقيضه، وأن التجربة وحدها هي التي تنبئنا بما يحدث، وأن ما قد يحدث ~~غدا ربما جاء مخالفا لما حدث اليوم أو أمس، فلا استحالة - مثلا - عند العقل ألا ~~تشرق الشمس غدا ... أقول إنه إذا كان الأمر كذلك، فما الذي يميل بنا كل هذا الميل ~~نحو قبول أحكامنا على وقائع العالم الطبيعي كما لو كانت يقينا ثابتا؟ أيكون في ~~الأمر شيء يجاوز حدود شهادة الحواس في اللحظة الراهنة، وشهادة الذاكرة بما كانت قد ~~انطبعت به الحواس فيما مضى من خبرات؟ # يذهب هيوم إلى أن كل تدليلاتنا الخاصة بأمور الواقع إنما تقوم على أساس العلاقة ~~السببية، أي علاقة السبب بالمسبب؛ فعن طريق هذه العلاقة يجاوز الإنسان حدود شهادة ~~الحس وشهادة الذاكرة في حكمه على وقائع العالم الطبيعي؛ فسل من شئت عن علة ~~اعتقاده في أمر معين من أمور الواقع مما لا يكون قائما حاضرا في مجال الحس، ولا ~~مما تشهد الذاكرة بأنه كان ذات يوم قائما حاضرا في مجال الحس، سله - مثلا - ما ~~الذي يدعوه إلى الاعتقاد بأن صديقه فلانا هو الآن مقيم في الريف، أو هو الآن مقيم ~~في فرنسا؛ مع أن حواسه لا تشهد في ms056 اللحظة الراهنة شيئا عن إقامة صديقه ذاك، كلا ~~ولا ذاكرته تعي شيئا عن ذلك؛ يجبك بأنه أقام اعتقاده ذاك على أساس واقعة أخرى من ~~وقائع العالم الطبيعي، كأن يقيمه - مثلا - على أساس خطاب ورد إليه من صديقه، أو ~~على ما كان قد سمعه من صديقه ذات يوم أنه معتزم أن يرتحل إلى الريف أو إلى فرنسا؛ ~~لكن «الخطاب» الذي ورد إليه من صديقه أو «العبارات» التي كان سمعها منه، ليست هي ~~نفسها «الإقامة» في الريف أو فرنسا؛ إنه - إذن - يستدل حقيقة من حقيقة أخرى، ويبني ~~اعتقاده بشيء على إدراكه الحسي لشيء آخر؛ وسؤالنا الآن هو: ما الذي يبرر له ذلك؟ ~~وجواب السؤال هو - كما أسلفنا - أن المبرر هو علاقة السبب بالمسبب، فهذه العلاقة هي ~~التي نستعين بها على مجاوزة حدود الإدراكات الحسية سواء كانت قائمة الآن أو مستعادة ~~بالذاكرة من خبرات ماضية؛ إن من يجد أثناء سيره في جزيرة مهجورة ساعة أو أية آلة ~~أخرى، يحكم من فوره بأن قد كان على هذه الجزيرة المهجورة إنسان، وهكذا يقيم ~~اعتقادا ما على أساس إدراكه الحسي لشيء ليس هو نفسه موضوع ذلك الاعتقاد ... وهكذا قل ~~في سائر أحكامنا على أمور الواقع؛ وبالطبع إذا لم تكن هناك رابطة بين الواقعة التي ~~تقع على حواسنا والواقعة الأخرى التي نستدلها منها، كانت أحكامنا قائمة على أساس ~~متداع؛ إنك إذا سمعت في الظلام صوتا بشريا يتحدث حديثا معقولا، حكمت مصيبا ~~بأن هنالك إنسانا حتى وإن لم يكن في مستطاع عينك رؤيته، ذلك لأنك تربط رباطا ~~سببيا بين الحديث الذي سمعته وبين الجهاز الآدمي؛ وهكذا حلل شتى أحكامك عن أمور ~~الواقع تجدها جميعا قائمة على أساس الرابطة السببية، على أن هذه الرابطة التي تربط ~~السبب بمسببه ربطا يدعو الإنسان إلى استدلال أحدهما من الآخر، قد تكون بادية ظاهرة ~~حينا، وخافية بعيدة تحتاج إلى شيء من التحليل لإظهارها حينا آخر، كما أنها قد ~~تكون على صورة التتابع بين الحادثتين اللتين نسميهما سببا ومسببا، أو قد تكون على ~~صورة ms057 المعية في الوقوع، أي إنهما يحدثان معا في لحظة واحدة دائما، كما ترتبط ~~الحرارة والضوء في صدورهما معا في النار، بحيث يجوز لنا أن نستدل إحدى الظاهرتين ~~من وجود أخرى. # 42 # وما دامت الرابطة السببية هي حيث هي من الأهمية في أحكامنا على أمور الواقع، فلا ~~مندوحة لنا عن البحث في طريقة وصولنا إلى العلم بها؛ وأول ما أقرره في هذا الصدد، ~~مبدأ أطلقه على سبيل التعميم الذي لا يعرف الشذوذ، وهو أن علمنا بالرابطة السببية ~~في جميع حالاتها لا ينشأ عن التفكير العقلي الخالص، الذي يستغني عن الخبرة الحسية ~~في تقريره لما يقرره؛ أو بعبارة أخرى، ليس علمنا بالرابطة السببية في أية حالة من ~~حالاتها علما «قبليا» مستقلا عن مصادر الخبرة الحسية في إثبات صدقه؛ بل هو ~~علم مستمد دائما وفي جميع الحالات من الخبرة الحسية التي تقدم لنا الشيئين اللذين ~~نحكم بأن بينهما رابطة السبب بالمسبب، تقدمهما لنا متصلا أحدهما بالآخر في كل حالة ~~يقعان فيها لنا في خبراتنا؛ وإذا لم يحدث لشيء معين أن يقع لنا في خبراتنا الحسية ~~أبدا، بحيث لا ندري شيئا عن سوابقه أو لواحقه أو مصاحباته، ثم سئلنا: ماذا يكون ~~سببه أو ماذا يكون مسببه، لاستحال علينا استحالة قاطعة أن نجيب عن ذلك بشيء، مهما ~~تكن لدينا القدرات العقلية على أتم ما تكون كمالا وقوة، فآدم - على افتراض كمال ~~قدراته العقلية - ما كان ليستدل من سيولة الماء وشفافيته أنه يختنق به لو غرق فيه ~~أو يستدل من الضوء والدفء اللذين ينبعثان من النار، أنه يحترق لو وثب فيها؛ ذلك أنه ~~محال على الإنسان أن يستدل من بعض الخصائص الحسية لشيء ما بعضها الآخر، دون أن تكون ~~هذه وتلك قد اقترنتا في خبراته الماضية اقترانا يبرر له استدلال بعضها هذا من ~~بعضها ذاك؛ وبعبارة أخرى نقول إن التفكير العقلي وحده، أعني التفكير العقلي الخالص ~~الذي لا يستند إلى خبرة حسية، محال عليه أن يستدل شيئا قط عن طبيعة العالم الطبيعي الواقع. # 43 # الخبرة الحسية ms058 وحدها - إذن - لا التفكير العقلي الخالص، هو المصدر الذي نستقي منه ~~علمنا بعالم الواقع، ويستحيل علينا بغير تلك الخبرة أن نتوقع ما عساه أن يحدث من ~~حوادث ذلك العالم؛ وإلا فكيف يمكن لإنسان بعقله البحث أن يحكم على قطعتين ملساوين ~~من الرخام التصقت إحداهما بالأخرى أنهما لو جذبتا في اتجاه عمودي لتنفصل إحداهما ~~عن الأخرى فلا بد لهما من قوة عظيمة، على حين تكفي قوة يسيرة لانفصالهما إذا ما ~~دفعت الواحدة منهما دفعا أفقيا لتنزلق على الأخرى؟ كيف يمكن للإنسان بغير خبرة ~~حواسه أن يعلم شيئا عن دوي البارود إذا ما تفجر، أو جذب المادة الممغطسة للمعادن. ~~كيف يمكن بغير هذه الخبرة أن نعلم أن اللبن والخبز غذاء صالح للإنسان، وغير صالح ~~للأسد أو النمر؟ # ومع ذلك فهنالك من خصائص الوقائع الطبيعية ما يخيل إلينا أننا مدركوه بغير خبرة ~~حسية، وأن العقل الصرف قادر وحده أن يدرك بعض العلاقات السببية بين الأشياء حتى ولو ~~لم تقع لنا حالة واحدة من حالاتها في ماضي خبراتنا؛ مثال ذلك ما نتوهمه إزاء كرة ~~البلياردو حين تتحرك حتى تصدم كرة أخرى فتحركها؛ فها هنا ترانا نظن أن تحريك الكرة ~~الأولى للكرة الثانية أمر كان يمكن الحكم بوقوعه بمجرد التفكير العقلي، وأن الضرورة ~~لا تقتضي أن ننتظر حتى يحدث ذلك في خبراتنا لنحكم بعد ذلك بإمكان وقوعه؛ لكنها ~~العادة هي التي تخدعنا عن حقيقة الموقف، بأن تجعل لنا الأمر على درجة من الإلف بحيث ~~نتوهم أنه أمر ظاهر اليقين، وأن الإدراك الفطري وحده كاف للكشف عنه. # لكن العقل المحض يستحيل عليه أن يجاوز حدود الأمر الواقع بحيث يقول إنه سبب لكذا ~~أو مسبب لكذا؛ فمهما حللت بعقلك البحت واقعة ما، فلن تجد فيها ما يدل على أنها ~~كانت مسبوقة بكذا، أو أن كذا سيصاحبها أو سيلحق بها؛ السبب شيء والمسبب شيء آخر؛ ~~السبب والمسبب حادثان مختلفان وتحليل أحدهما تحليلا عقليا لا يدل وحده على ~~الآخر؛ فحركة الكرة الثانية من كرتي البلياردو حادث قائم وحده بالنسبة ms059 إلى حركة ~~الكرة الأولى، وليس في أي من الحركتين أقل علامة تشير إلى ضرورة وجود الأخرى ... اقذف ~~بحجر في الهواء، واتركه غير مستند إلى شيء، يسقط على الأرض من فوره؛ لكن لا بد من ~~الخبرة الحسية السابقة لأعلم منها هذا التلاحق بين الحادثتين، وإلا فالعقل البحت ~~وحده، مهما أمعن في تحليل الموقف، فلن يجد أن السقوط إلى الأرض متضمن بالضرورة في ~~وجود الحجر في الهواء؛ إذ ليس عند العقل الصرف ما ينفي أن يستمر الحجر في صعوده إلى ~~أعلى بدل سقوطه إلى أسفل، أو ما ينفي أن يتحرك الحجر إثر رميه في الهواء نحو اليمين ~~أو نحو اليسار؛ # 44 # وما دام العقل لا ينفي أن يتحرك الحجر في أي اتجاه، إذن فالخبرة هي ~~مصدرنا في العلم بأن الاتجاه الفعلي للحجر - بين الممكنات الكثيرة - هو الاتجاه إلى ~~أسفل. # إنني إذا شهدت كرة من كرات البلياردو متحركة في اتجاه كرة أخرى ساكنة، فهل يقضي ~~العقل المجرد بضرورة أن تتحرك الكرة الأخرى إذا ما مستها الأولى؟ ألا يمكن عقلا ~~تصور أن تسكن الكرتان معا؟ ألا يمكن عقلا أن تصدم الكرة المتحركة الكرة الساكنة ~~وبدل أن تحركها تعود هي مرتدة، أو تقفز فوقها ثم تسير في أي اتجاه؟ هذه كلها ~~أوضاع ممكنة عند العقل الصرف، ولا مبرر - من حيث التفكير العقلي الخالص - يجيز لنا ~~أن نفضل حالة على أخرى من هذه الحالات التي يتساوى إمكانها عند حكم العقل؛ وإذن ~~فيستحيل علينا الحكم «قبل» الخبرة ماذا تكون عليه الحال في مثل هذه الظروف؛ وإنما ~~الذي يقضي لنا في الأمر، بحيث نختار أحد الممكنات دون سائرها، هو الخبرة الحسية ~~التي تدلنا على ما قد يقع فعلا، فنتوقع حدوثه - لا لأنه ضرورة عقلية محتومة - بل ~~لأنه هو الذي شهدت به التجربة كما وقعت في الحس واحتفظت به الذاكرة. # 45 ~~(3-2) الحكم على أساس الخبرة احتمالي لا يقيني # إنه لا مناص من التسليم بأن الطبيعة قد أخفت عنا سرها المكنون، وأنها لم تعلن لن ~~إلا عن قليل من ms060 صفاتها الظاهرة، فهي تبدي لنا عن الشيء المعين بعض خصائصه المحسوسة ~~من لون وطعم ورائحة وشكل ... إلخ، أما القوى الخبيئة لذلك الشيء، والتي عليها يتوقف ~~تأثير ذلك الشيء في غيره من الأشياء، فلا تفصح عنها؛ إننا نعرف عن الخبز - مثلا - ~~لونه وطعمه ووزنه؛ لكن ما الذي يجعل هذا الخبز صالحا لتغذية الجسم البشري؟ ليس في ~~وسع الخبرة الحسية ولا في وسع الفكر الخالص أن يجيب عن هذا السؤال؛ إن البصر واللمس ~~يعطياننا فكرة عن الحركة الفعلية في الأجسام المتحركة، وأما تلك القوة العجيبة التي ~~تحفظ للجسم المتحرك حركته إلى الأبد، على اختلاف الأماكن التي يمر خلالها، بحيث لا ~~تزول عنه إلا إذا انتقلت منه إلى جسم آخر فحركته، فليس لنا إلى معرفتها من ~~سبيل. # لكن جهلنا هذا بالقوة الخبيئة في طبائع الأشياء، لا يمنعنا من الحكم الصادق بأنه ~~إذا تشابهت الخبرات الحسية الواردة إلينا من شيئين، كان الفعل المترتب على هذين ~~الشيئين متشابها كذلك، فإذا ما رأيت - مثلا - مادة معينة لها ما قد ألفته في ~~خبراتي الماضية من صفات الخبز لونا وتكوينا، جاز لي أن أحكم في يقين بأن هذه ~~المادة ستفعل في تغذية الجسم ما قد فعلته أشباهها في الماضي. # وها هنا ينشأ السؤال الآتي: على أي أساس عقلي أتوقع لخبرات الماضي أن تتكرر في ~~المستقبل إذا ما تكررت ظروفها؟ كيف جاز لي أن أقرر في يقين أنه ما دام خبز اليوم له ~~نفس المعطيات الحسية التي كانت لخبز الأمس، فسيكون له كذلك نفس القوى الداخلية ~~التي كانت لخبز الأمس؟ ألا يجوز أن يكون التشابه بينهما مقصورا على الخصائص ~~الظاهرة، أما طبائعهما الداخلية فمختلفة؟ # واضح أن حكمنا على المستقبل بأنه سيجري على غرار الماضي، هو حكم لا تقضي به ~~الضرورة العقلية؛ إذ لا تناقض عند العقل أن تتكرر الظواهر نفسها لشيء ما دون أن ~~تتكرر معها الطبائع والقوى؛ ومع ذلك ترانا نسير في حيواتنا على هذا المبدأ، وهو أن ~~نتوقع المستقبل على غرار الماضي، فما علة ذلك في طبائعنا؟ ms061 # فلنلحظ جيدا أن القضية التي نطلقها على خبرة الماضي ليست هي بعينها القضية التي ~~نطلقها على خبرة المستقبل؛ فليس قولنا «لقد وجدت فيما مضى أن الشيء الفلاني كانت له ~~النتيجة الفلانية» مساو بالضبط لقولنا «إنني أتوقع لسائر الأشياء التي تشبه في ~~صفاتها الظاهرة الشيء المعين الذي خبرته فيما مضى، أن يكون لها نفس النتائج التي ~~كانت لذلك الشيء»، هاتان قضيتان مختلفتان كما ترى؛ إحداهما تقص عن خبرة مضت، ~~والأخرى تتوقع خبرات مقبلة، ومع ذلك فالناس لا يترددون في استنتاج القضية الثانية ~~من القضية الأولى مع أن القضية الثانية ليست متضمنة في القضية الأولى، فكيف جاز ~~لهم هذا الاستدلال؟ ولا تقل إنه حكم العقل؛ لأن العقل لا يستنبط نتيجة من مقدمة ~~إلا إذا كانت المقدمة محتوية على النتيجة؛ وليس الأمر كذلك في الحالة التي نحن ~~بصددها؛ كلا ولا هو حكم الحدس (= العيان العقلي المباشر) لأننا إزاء حكمين مختلفين، ~~حكم عن خبرة ماضية وآخر عن خبرة لم تقع بعد، وليس في هذين الحكمين من الوحدة ~~الذاتية ما يجعلنا ندرك بالحدس أنهما حكم واحد؛ وإذن فلو زعم لنا زاعم أن توقع ~~الإنسان لخبراته المقبلة إنما هو نتيجة مستنبطة استنباطا منطقيا من خبرته ~~الماضية، كان عليه أن يبين لنا الحلقة التي تصل المقدمة بالنتيجة؛ إذ بغير هذه ~~الحلقة سيظل الطرفان مستقلا أحدهما عن الآخر، وليس هناك قنطرة يعبر عليها الفكر ~~من طرف منهما إلى طرف؛ «وإني لأعترف أنني عاجز عن إدراك طبيعة هذه الحلقة الوسطى، ~~وعلى أولئك الذين يقررون وجودها ويقررون كذلك أنها المصدر الذي نصدر عنه في شتى ~~أحكامنا على أمور الواقع، أن يظهروها لنا.» # 46 # وإذا لم تكن هنالك ضرورة عقلية تحتم أن تجيء خبرة المستقبل على غرار خبرة الماضي، ~~فتوقعنا لخبرة المستقبل استنادا إلى خبرة الماضي هو من قبيل الاحتمال لا من قبيل ~~اليقين؛ ذلك أن استدلالاتنا نوعان: استدلال برهاني أو استنباطي واستدلال استقرائي ~~أو احتمالي؛ أما الأول فيكون حين نحلل فكرة معينة لنستخرج منها أحد أجزائها المكونة ~~لها، وأما الثاني ms062 فيكون حين نحكم بحكم معين على أمر من أمور الواقع؛ ولما كانت ~~النتيجة في الاستدلال البرهاني متضمنة في المقدمة، وكل ما في الأمر أننا حللنا ~~المقدمة وأبرزنا أحد عناصرها في النتيجة، كان حتما على هذه النتيجة ألا تناقض ~~المقدمة التي عنها تولدت، وكان كذلك مستحيلا علينا أن نتصور نقيض هذه النتيجة؛ ~~وأما في الاستدلال الاستقرائي الذي يتعلق بأمور الواقع، فالنتيجة ليست مجرد إبراز ~~لعنصر كان متضمنا في المقدمة، بل هي إضافة جديدة، حكمنا بها على موضوعنا اعتمادا ~~على خبراتنا الحسية، ولذلك فلا استحالة في أن يكون الحكم نقيض ما هو الآن، لأنه لا ~~استحالة في أن يتصور العقل أن تكون خصائص الأشياء على غير ما هي عليه، فلو قلت ~~مثلا إن المثلث سطح مستو محوط بثلاثة خطوط مستقيمة، ثم انتزعت من هذه المقدمة ~~نتيجة هي أن في المثلث زوايا ثلاثا، كانت النتيجة لازمة عن المقدمة لزوما يستحيل ~~معه أن نتصور نقيضها؛ إذ لا يمكن أن يكون السطح المستوي محوطا بثلاثة خطوط ~~مستقيمة، ثم لا تكون فيه زوايا ثلاث؛ فالنتيجة هنا هي نفسها المقدمة (أو بعض عناصر ~~المقدمة) موضوعة في عبارة أخرى، فلو تصورنا نقيض النتيجة كنا كمن يتصور الشيء ~~ونقيضه معا؛ أما إذا قلنا إن الخبز يغذي الإنسان ولا يغذي النمر، فهذا حكم ~~استقيناه من التجربة، ولم يكن عند العقل ما يمنع أن يكون الأمر على خلاف ذلك؛ إذ لا ~~استحالة في أن يكون الخبز غذاء النمر دون الإنسان؛ كلا الأمرين محتمل عقلا، وإنما ~~قضينا بواحد دون الآخر استنادا إلى الخبرة وحدها. # واستدلالنا لما ستكون عليه الأشياء في الخبرة المقبلة مما كانت عليه في الخبرة ~~الماضية ليس من قبيل الاستدلال البرهاني الاستنباطي الذي يجعل النتيجة جزءا ~~محتوما من مقدمتها، بحيث يستحيل تصور نقيضها، بل هو من قبيل الاستدلال الاستقرائي ~~الاحتمالي، الذي يجعل النتيجة حقيقة مختلفة عن المقدمة، وإنما حكمنا بها على سبيل ~~الاحتمال، مقرين في الوقت نفسه بإمكان أن يجيء المستقبل على غير ما جاء به الماضي، ~~وأن تغير الطبيعة ms063 من مجراها، بحيث يصبح نفس الشيء الذي ألفناه فيما مضى ذا فعل خاص، ~~وقد تغير أمره ولم يعد له ذلك الفعل الذي ألفناه؛ أليس في مستطاعي أن أتصور تصورا ~~محددا واضحا أن جسما ساقطا من السحاب، ويشبه الثلج في كل مظاهره، ومع ذلك أجد ~~مذاقه ملحا، وأجده عند اللمس لاسعا كالنار؟ هل هناك استحالة عقلية في أن أتصور ~~الشجر وقد أورق في الشتاء وذوت أوراقه في الصيف؟ وما دام الأمر في حدود التصور ~~الواضح ، إذن فهو عند العقل ممكن الوقوع، وإذن فلا استحالة فيه ولا تناقض، ولا يمكن ~~البرهنة على بطلانه برهانا يقوم على العقل المجرد بغض النظر عن الخبرة ومضمونها. # 47 # كل أحكامنا التي نبنيها على أساس خبراتنا الماضية، قائمة على أساس التشابه بين ~~الأشياء، فإذا وقعت على شيء أراه شبيها بما صادفته قبلئذ، حكمت عليه بنفس ~~الأحكام التي صدقت على ذلك الشبيه، إذا دلت خبرتي الماضية على أن الفاكهة التي ~~من حجم معين ولون معين وشكل معين طعمها فيه حلاوة ممزوجة بقليل من مرارة، ثم وجدت ~~فاكهة شبيهة بتلك في حجمها ولونها وشكلها توقعت أن يكون في طعمها كذلك حلاوة ~~ممزوجة بقليل من مرارة ... لكن حكمي هذا وإن يكن قائما على الخبرة الماضية وحدها - ~~لا على حكم العقل الصرف - ونقضيه ممكن الوقوع، إلا أنه «لا ينازع في سلطان الخبرة ~~علينا، ولا يتنكر لهذا السند الذي يهدينا في حياتنا البشرية، إلا أحمق أو مجنون». # 48 # فلا يجوز لك أن تقول إنه ما دامت الخبرة الماضية لا تدلني على ما عساه ~~أن يقع لي في الخبرة المقبلة إلا على سبيل الترجيح الذي لا يقين فيه، إذن فلأرفض ~~هذا المصدر ولأبحث عن مصدر سواه يأتيني بالعلم اليقين؛ فقد حبتنا الطبيعة هذه ~~الهداية في العلم بما يحيط بنا من أشياء، ولا مندوحة لنا عن الاهتداء برشدها، بحيث ~~نتوقع من الأسباب المتشابهة نتائج متشابهة. # الخصائص الظاهرة للأشياء، تلك الخصائص التي تقع انطباعاتها على حواسنا، لا تدل ~~بذاتها على ما يترتب عليها من نتائج، ms064 فلون البرتقالة - مثلا - واستدارتها وطعمها ~~ليست وحدها بكافية للدلالة على مدى ما فيها من غذاء يبني الجسم الإنساني؛ فلا بد ~~إذن من التجربة والخبرة، مرة ومرة ومرة، حتى إذا ما وجدت هذه الخصائص يتبعها تغذية ~~على النحو الفلاني، استطعت في مقبل خبرتي أن أتوقع نفس النتيجة الغذائية إذا ما ~~رأيت مجموعة الخصائص الظاهرة من لون واستدارة وغيرهما؛ ونعيد هنا ما أسلفناه لك من ~~قول، وهو أن حكمك في حالة الخبرة المستقبلة ليس استدلالا يقينا لازما عن حالة ~~خبرتك السابقة، ومع ذلك فهو وسيلة لا بد منها لنسلك سبيلنا في حياتنا العملية؛ إن ~~تكرارك للخبرة المعينة آلاف المرات، ووصولك في كل هذه المرات إلى النتيجة عينها، لا ~~يجعل استدلالك للخبرة الجديدة التي من نفس النوع استدلالا يقينيا؛ لأن هنالك ~~دائما الإمكان العقلي بأن تغير الطبيعة مجراها فلا تأتي الأشياء على غرار ما أتت، ~~بل إنه قد يحدث فعلا في بعض الحالات أن تتوقع شيئا مستعينا بخبرتك الماضية، فإذا ~~هذا الذي تتوقعه لا يجيء على نحو ما توقعت له أن يجيء، وما دام هذا الانحراف ممكنا ~~أحيانا، فلماذا لا يمكن دائما؟ بأي منطق، وبأي العمليات العقلية تستطيع أن تتقي ~~هذا الخطأ الممكن؟ كيف السبيل إلى إزالة هذا الشك عما ستجيء عليه حوادث المستقبل ~~إزالة تامة؟ ولا تقل إنها خبرة الماضي تهديني سواء السبيل، لأن خبرة الماضي منصرفة ~~إلى الماضي الذي وقع وليست بذاتها دليلا على الجديد الذي لم يقع بعد وينتظر له أن ~~يقع غدا أو بعد غد؛ «إنني مثلك على أتم اقتناع بأن خبرة المستقبل يمكن قياسها على ~~خبرة الماضي، لكني مقتنع بذلك باعتباري إنسانا مثلك يسلك ليعيش، أما باعتباري ~~فيلسوفا له نصيب من التطلع - ولا أقول من التشكك - فإني أبحث عن أساس هذا ~~الاستدلال ما هو، فليس فيما قرأته، وما قمت به من أبحاث بقادر على أن يزيل عني هذا ~~الإشكال، أو يبعث في نفسي بعض الرضى في أمر له كل هذا الخطر.» # 49 ~~(3-3) نوعان من الاحتمال # انتهى هيوم ms065 - بما أسلفناه لك من جوانب مذهبه - إلى نتيجة خطيرة، وهي أن كافة ~~القضايا التي تدور حول العالم الطبيعي احتمالية لا يقينية، ولا يقين إلا إذا كانت ~~القضية قائمة على تحليل العلاقة بين فكرة وفكرة أخرى، أعني أنه لا يقين إذا ما جاوز ~~الإنسان دائرة أفكاره إلى حيث الخبرات الحسية؛ ولماذا يكون اليقين في دائرة الفكر ~~ولا يكون في مجال الحس؟ لأننا في الحالة الأولى نحلل ما هنالك ولا نضيف علما ~~جديدا؛ إذ نحلل فكرة معينة كفكرة المثلث - مثلا - لنبرز بعض عناصرها ثم نبين ~~الرابطة بين هذه العناصر الفرعية والفكرة الرئيسية التي حللناها، فكأنما نحن نكرر ~~ما قد أثبتناه في الفكرة الرئيسية، نكرره بذكرنا لبعض العناصر التي هي بين ~~مقدماتها؛ وهذا هو التفكير الرياضي وما يدور مداره، فمثل هذا التفكير الرياضي لا ~~يزيد على أن يحلل فروضا أولية ليستخرج من جوفها ما هي مشتملة عليه من عناصر، فيكون ~~هذا المستخرج المستنبط هو «النظريات» الرياضية التي يستحيل أن تكون موضع شك ما دمنا ~~قد سلمنا بتلك الفروض الأولية التي هي أصل لها، ومن ثم كان صواب النظريات ~~الرياضية لا شأن له البتة بما هو واقع في عالم الطبيعة الخارجي. # أما في العلوم الطبيعية، حيث تكون القضايا تقريرات عن خبراتنا الحسية المكسوبة من ~~مسنا لظواهر العالم الطبيعي بهذه الحاسة من حواسنا أو تلك، فالأمر على خلاف ذلك؛ ~~لأننا عندئذ لا يسعنا إلا أن نقرر عما قد خبرناه فعلا؛ فإذا ما أردنا أن نتخذ من ~~هذه الخبرات السابقة ذريعة للحكم على خبرات شبيهة بها ينتظر لها أن تحدث في مقبل ~~الأيام، جاوزنا بذلك حدود المنطق؛ لأننا عندئذ سنكون بمثابة من يقضي بأن المستقبل ~~ستأتي حوادثه على غرار الماضي، وهذا في ذاته زعم ليس لدينا ما يبرره من داخل الخبرة ~~نفسها ... وإذن، فلو حكمت على خبرة المستقبل بما حكمت به على خبرة الماضي، كان ذلك ~~على سبيل الاحتمال لا اليقين. # ولقد سبق فلاسفة آخرون هيوم في التنبه إلى هذه التفرقة بين ضربين من معارف ~~الإنسان: ms066 أولهما يقيني لأنه نابع من المقارنة بين أفكارنا العقلية وحدها، والثاني ~~احتمالي لأنه مستند إلى الحواس وانطباعاتها؛ وكان هؤلاء الفلاسفة يضنون باسم ~~«المعرفة» على هذا الضرب الثاني، ويقصرون استعماله على الضرب الأول وحده؛ إذ إن ~~المعرفة عندهم لا تكون كذلك إلا إذا كانت يقينا لا يحتمل التغير أو الشك. # ويعترف هيوم بهذه الوجهة من النظر، # 50 # لكنه يستطرد ليقول إن المعارف الاحتمالية نفسها ليست على درجة سواء، ~~فمنها ما هو احتمالي من الوجهة المنطقية، لكنه في حقيقته يجاوز حدود الاحتمال، ~~فيكون درجة أعلى من درجات الإثبات، فنحن إذ نحكم - مثلا - بأن الشمس ستشرق غدا ~~كما أشرقت ملايين المرات من قبل، فإننا لا نحكم - من وجهة النظر المنطقية الخالصة - ~~إلا بما هو احتمالي، لأننا عندئذ نبني الحكم على أساس أن الكون سيجري غدا على ~~غرار ما قد جرى عليه أمس القريب وأمس البعيد، لكن ليس بين أيدينا البرهان اليقيني ~~على صدق هذه الدعوى؛ ومع ذلك «فإن من يزعم أن شروق الشمس غدا ليس إلا احتمالا ... ~~إنما يضع نفسه موضع السخرية، على الرغم من أنه ليس لدينا ما يؤكد لنا صدق هذه ~~الحقيقة سوى خبرات الماضي.» # 51 # ولذلك لم يرد هيوم عند تقسيم المعارف ~~الإنسانية قسمين أن يقف عند هذا الحد بغير تفصيل، بل يرى ضرورة التفرقة بين المعارف ~~الاحتمالية نفسها، بحيث نميز فيها نوعين: ما هو قائم على أساس «البرهان» من جهة، ~~وما هو قائم على أساس «التخمين» من جهة أخرى ... وبهذا تصبح درجات الإثبات ثلاثا: ~~أعلاها اليقين المنطقي، ويتلوها درجة الاحتمال البرهاني، وأدناها درجة الاحتمال ~~التخميني؛ والانتقال من الاحتمال التخميني إلى الاحتمال البرهاني إنما يتم على ~~خطوتين متدرجتين: احتمال المصادفات، ثم احتمال الأسباب. # 52 # والمقصود باحتمال المصادفات احتمال يتعلق بالحوادث ووقوعها، حين تقع الحادثة بغير ~~سبب معلوم، وحين يكون هنالك أكثر من سبيل واحدة لمجرى الحوادث، كلها سواء في إمكان ~~الوقوع؛ إذ لا يكون لدينا أساس معلوم نستطيع أن نعتمد عليه في ترجيحنا لسبيل منها ~~دون سائر السبل؛ ومن قبيل ms067 احتمال المصادفات أن تقذف بقطعة النقد فيظهر أحد وجهيها ~~دون الآخر، أو أن تستخرج ورقة من بين أوراق اللعب فتخرج حمراء أو سوداء؛ ففي هذين ~~المثالين ترى أن الحادثة التي وقعت لا ترجح الحادثة التي لم تقع، بل كانت الحادثتان ~~أول الأمر على درجة سواء من احتمال الوقوع، ولم يكن لنا أساس معلوم يصح لنا أن نبني ~~عليه رجحان حادثة منهما على أخرى. # على أن هذه الاحتمالات المتساوية من حيث توقع حدوثها، تأخذ في التفاوت (من الوجهة ~~النفسية لا من الوجهة المنطقية) حين يزيد عدد الفرص في ناحية عنه في ناحية أخرى؛ ~~فلو كان لدينا - مثلا - زهرة من زهرات النرد، ذات ستة جوانب، نقش على أربع منها ~~عدد معين، ونقش على الجانبين الآخرين عدد معين آخر، كان ظهور العدد الأول عند رمي ~~الزهرة أرجح احتمالا من ظهور العدد الثاني، على الرغم من أن كل جانب على حدة يساوي ~~في درجة احتمال ظهوره أي جانب آخر. # نقول إن الأرجحية هنا ليست منطقية، لأن الأمر كله على أي حال مرجعه «التخمين» ولا ~~برهان هناك؛ أعني أننا حين نحكم برجحان ظهور العدد المكرر على جوانب أربعة، لا نصدر ~~في ذلك عن فكرة وعلاقتها بفكرة أخرى، بل نصدر عن الخبرة الحسية مباشرة، لنحكم بما ~~سيقع بناء على ما قد وقع في حالات ماضية شبيها بالحالة التي نحن بصددها. # ولكن السؤال لا يزال قائما: لماذا نرجح للعدد المكرر على أربعة جوانب، دون العدد ~~المكرر مرتين، أن يظهر عند رمي الزهرة؟ مرجع الحكم هنا نفسي، لا منطقي، فالمنطق ~~يقضي بتساوي الاحتمالات في الجوانب الستة جميعا، لكن الخيال لا يتصور طبعا أن هذه ~~الجوانب الستة ستظهر كلها معا دفعة واحدة، بل لا بد من اختيار واحد دون سائرها، ~~فماذا يكون هذا الواحد؟ سيمر الخيال بالجوانب الستة مرا سريعا، ليقع الترجيح على ~~جانب منها، وها هنا ستكون الصورة الذهنية للعدد المكرر أربع مرات أوضح وأنصع من ~~الصورة الذهنية للعدد المكرر مرتين فقط، وما مصدر الوضوح والنصوع إلا زيادة ms068 ~~التكرار؛ وبهذا يقف الإنسان إزاء فكرتين، إحداهما أقوى نصوعا في الذهن من زميلتها، ~~فتكون - على هذا الأساس - أقرب إلى الصدق، بناء على المبدأ الأولى العام في فلسفة ~~هيوم، وهو أن صدق الفكرة هو في درجة وضوحها عند ارتسام صورتها في الذهن. # 53 # إن من مبادئ التي يأخذ بها هيوم مبدأ عن الأفكار المتضادة، يذهب به إلى أن ~~الفكرتين المتضادين لا يقومان في الذهن معا بسبب أن الواحدة منهما «تمحو» الأخرى؛ ~~ولكن أي الضدين يمحو الآخر؟ المرجع هنا لدرجة الوضوح في الذهن؛ فأوضح الضدين يزيل ~~أقلهما وضوحا؛ # 54 # وتطبيقا لهذا المبدأ في حالة زهرة النرد التي نحدثك عنها، والتي نقش ~~عدد معين على أربعة من جوانبها ونقش عدد معين آخر على الجانبين الآخرين، إذا ما ~~أردنا أن نحكم أي الجوانب أرجح ظهورا، كان لدينا فكرتان متضادتان: هما فكرة العدد ~~المكرر على أربعة جوانب من جهة، وفكرة العدد المكرر على جانبين من جهة أخرى؛ ولا بد ~~لأحد هذين الضدين أن يزيل الآخر ويمحوه، وأوضحهما هو الذي تكون له الغلبة، وإذن ~~تبقى في أذهاننا فكرة العدد المكرر أربع مرات على جوانب الزهرة، فنحكم له برجحان ~~الظهور. # تلك هي خلاصة ما يقوله هيوم عن «احتمال ~~المصادفات» وأما «احتمال الأسباب» فهو ذلك الذي يحكم به الإنسان بناء على اطرادات ~~سابقة وقعت الحوادث على نسقها؛ فكلما اطرد وقوع الحوادث التي من نوع معين على نسق ~~معين، تكونت لدى الإنسان «عادة» تميل به إلى توقع نفس هذا الاطراد من جديد؛ ولما ~~كانت «العادة» - أيا كانت - تزداد مع التكرار رسوخا وثباتا، فإن الإنسان كلما ~~ازداد مشاهدة للوقوع المطرد لحادثة معينة على نسق معين، ازداد مع التكرار يقينا ~~بأن الحادثة ستقع على نفس الاطراد في المستقبل كما حدث لها في الماضي؛ وبذلك ينتقل ~~الإنسان بحكمه من مرحلة «التخمين» الدنيا، إلى مرحلة أعلى من مراحل الاحتمال، وهي ~~ما أطلق عليه اسم الاحتمال «البرهاني»؛ ويتم هذا الانتقال متدرجا في بطء بحيث لا ~~يلحظ الإنسان خطواته إلا حين يمعن به السير من ms069 طرف إلى طرف. # والعلاقة السببية بين الحوادث هي من أهم ما ~~يذكره هيوم في سياق حديثه عن الاحتمالات البرهانية؛ فعلى الرغم من أن الإنسان يبدأ ~~- إذ يبدأ خبرات حياته - باحتمال المصادفات إلا أنه ينتقل منها إلى احتمال البرهان، ~~بمعنى أنه يشاهد بادئ ذي بدء شيئا يتبع شيئا آخر في الحدوث، فتكون له هذه ~~المشاهدة في حكم المصادفة التي تجيز أن يكون الشيء اللاحق غير الذي وقع بالفعل ~~لاحقا؛ لكن هذا التلاحق بين الشيئين يطرد على مر الأيام، فتدخل العلاقة بينهما في ~~مجال آخر من مجالات المعرفة، هو مجال الاحتمال البرهاني، الذي إن لم يكن يقينا من ~~الوجهة المنطقية، فله ثبات اليقين من الوجهة التجريبية العملية. # ثم تتكون عند الإنسان «عادة» التلاحق السببي، بحيث يكفيه بعد ذلك أن يتلاحق ~~الشيئان مرة واحدة، ليربط بينهما رباطا سببيا، بحيث يتوقع النتيجة إذا وقع ~~السبب، لا لأن الشيئين اللذين هما سبب ونتيجة قد تكرر وقوعهما مرات عدة، بل لأن ~~«عادة» الحكم السببي قد تكونت في المراحل الأولى من حياة الإنسان؛ أو بعبارة أخرى، ~~لقد «تعود» الإنسان اطراد الطبيعة في تتابع حوادثها، وعلى أساس هذا الاطراد يجيز ~~لنفسه بعد ذلك أن يتوقع للمستقبل أن يجيء على صورة الماضي، فإذا ما حدثت حادثة ما، ~~كانت قد حدثت في الماضي متبوعة بحادثة معينة، فعلى أساس اطراد الطبيعة الذي «تعوده» ~~الإنسان من تجاربه، يستطيع أن يحكم على المستقبل بأنه إذا حدثت الحادثة الأولى، ~~فستحدث في إثرها الحادثة الثانية. ~~(4) بين الضرورة والعرض ~~(4-1) فكرة «الضرورة» لا أصل لها # يستهل ديفد هيوم حديثه عن فكرة الإنسان عن العلاقة الضرورية # 55 # التي يحسبها قائمة بين شيء وشيء، كالعلة ومعلولها مثلا، بقوله إن ~~الميزة الكبرى التي تمتاز بها العلوم الرياضية على العلوم الأخلاقية، هي أن الأفكار ~~في العلوم الرياضية واضحة ومحددة؛ فإذا ما كان ثمة أدنى اختلاف بين فكرة وأخرى أمكن ~~للإنسان إدراكه فورا؛ والمصطلح الذي يطلقه الرياضيون على فكرة من أفكارهم يظل ~~ثابتا على معناه الواحد الواضح المحدد، فلا اختلاف ولا ms070 غموض؛ فيستحيل على أحد أن ~~يخلط بين الشكل البيضاوي والدائرة مثلا، أو بين المثلث المتساوي الأضلاع والمثلث ~~المختلف الأضلاع، لأن كل شكل من هذه الأشكال الهندسية له خصائصه الواضحة المميزة، ~~ولا كذلك الأمر في الفضيلة والرذيلة أو في الصواب والخطأ، فها هنا ترى المعالم ~~الفاصلة قد انبهمت، وجاز أن يزل الإنسان بحيث يظن فضيلة ما ليس منها، وصوابا ما هو ~~خطأ. # في الهندسة لا يشق على الباحث أن يضع مكان الكلمة تعريفها في أي موضع من أي سياق؛ ~~فأينما وجد كلمة «مثلث» - مثلا - استطاع أن يضع مكانها «سطح مستو محوط بثلاثة ~~خطوط مستقيمة»؛ كما لا يشق عليه أن يقرن الكلمة إلى الشكل الذي جاءت الكلمة لتسميه؛ ~~فلا موضع لتردد أو خلاف؛ أما ما يدور في النفس من عواطف، وأما ما يختلج به العقل من ~~عمليات، فعلى الرغم من أن كل واحدة منها لها ما يميزها من سواها فإن الفوارق بينها ~~لا تعصمنا من خلط إحداها بالأخرى؛ وليس في مستطاعنا دائما أن نستعيد لأنفسنا الأصل ~~الانطباعي الذي عنه نشأت هذه العاطفة أو تلك، وقامت هذه العملية العقلية أو تلك؛ ~~وهكذا يتسرب غموض المعنى إلى أمثال هذه الأفكار، حتى لتختلط علينا الأشباه فنظن ~~الواحدة منها هي عين الأخرى حين لا تكونان إلا شبيهتين مع اختلاف من بعض الوجوه؛ ~~وينتهي بنا الأمر إلى نتائج هي أبعد ما تكون النتيجة عن مقدماتها التي تبررها. # 56 # على أننا إذا ما وازنا بين العلوم الرياضية من جهة والعلوم الأخلاقية من جهة ~~أخرى؛ استطعنا أن نقرر في ثقة بأن بكل منهما من المزايا والنقائص ما يعوض بعضه ~~بعضا فيتعادلا؛ فلئن كان في إمكان العقل أن يحتفظ بالأفكار الرياضية - كما في ~~الهندسة مثلا - واضحة محددة، دون أن يجد في سبيل ذلك عسرا، فلا بد له من جهة أخرى ~~أن يجتاز في انتقاله من فكرة إلى فكرة طريقا طويلة كثيرة الخطوات دقيقة الثنايا ~~والانحناءات، لكي يضمن لنفسه الصواب؛ ولئن كانت الأفكار الأخلاقية قمينة أن تنحدر ~~بنا إلى الخلط والغموض، ms071 فهي مقابل ذلك لا تكلفنا عناء كبيرا في انتقالنا من فكرة ~~من أفكارها إلى فكرة أخرى؛ إذ المراحل التي يجتازها العقل من المقدمة إلى النتيجة ~~أقل جدا من المراحل التي يجتازها إذا ما كان بصدد علم رياضي. # 57 # ومهما يكن من أمر، فإن العقبة الكأداء في سبيل ارتقائنا في العلوم الأخلاقية أو ~~الميتافيزيقية، هي غموض أفكارها وتعدد معاني ألفاظها؛ فإذا كانت الفلسفة الأخلاقية ~~قد تلكأت في تقدمها عن العلوم الرياضية والطبيعية، فذلك معناه أننا يجب أن ننفق ~~مجهودا أكبر وعناية أكثر لإزالة ما يعوق تقدمها من عقبات . # 58 # ولئن كانت الميتافيزيقا بصفة عامة متصفة بالغموض، فليس فيها ما هو أشد غموضا وما ~~هو أبعد عن اليقين من كلمات مثل «قوة» أو «طاقة» أو «رابطة ضرورية»، وهي كلمات لا ~~غنى لنا عنها في هذا المجال؛ فلا بد لنا - إذن - أن نحاول تحديد هذه الألفاظ ~~تحديدا يزيل عنها الغموض. # ونبدأ بتقرير هذه الحقيقة الآتية التي أسلفنا الحديث فيها، «والتي لا أظنها موضع ~~اختلاف كبير» # 59 # عند أصحاب الرأي، وهي أن أفكارنا كلها ليست سوى صور من انطباعاتنا؛ أو ~~بعبارة أخرى إنه مستحيل علينا أن «نفكر» في شيء لم يكن قد سبق لنا أن «أحسسناه» ~~بإحدى الحواس الظاهرة أو الباطنة؛ فإذا كانت لدينا فكرة مركبة، واستطعنا تعريفها ~~بسلسلة من ألفاظ وعبارات، كان ذلك نفسه معناه أننا نحاول أن نحصي ما فيها من أفكار ~~بسيطة، بحيث يكون لكل فكرة بسيطة منها الانطباع الحسي الذي يقابلها باعتباره مصدرا ~~لها»؛ إن الفكرة المركبة لتتضح وضوحا تاما كاملا محددا إذا حللناها إلى ~~أفكارها البسيطة التي منها ركبت، ثم إذا التمسنا لكل واحدة من هذه الأفكار ~~البسيطة مصدرها الحسي؛ ذلك لأن الانطباع الحسي محدد واضح لا تعدد لمعناه؛ وهكذا ~~يكون رد الفكرة المركبة إلى مقوماتها البسيطة، بحيث نعود فنرد كل واحد من هذه ~~المقومات إلى الانطباع الحسي الذي هو أصله ومصدره، بمثابة المجهر الذي نتعقب به ~~دقائق أفكارنا الأخلاقية أو الميتافيزيقية لنميز زائفها من صحيحها. # وخذ بعد ذلك ms072 فكرة «القوة» أو «الرابطة الضرورية» # 60 # وسل نفسك ما انطباعها الحسي؟ ماذا انطبعت به هذه الحاسة أو تلك، بحيث ~~بقي الانطباع في أنفسنا فكرة، هي التي نقول عنها إنها فكرة «القوة» أو «الرابطة ~~الضرورية»؟ # إننا إذا ما تلفتنا حولنا متجهين بأنظارنا إلى الأشياء الخارجية، باحثين فيما ~~نسميه من تلك الأشياء «أسبابا» لنرى ما فعلها، فلن نجد في أية حالة من الحالات ~~كلها ما يكشف لنا عن «قوة» أو «رابطة ضرورية» بين السبب ومسببه، إننا لن نجد أبدا ~~صفة تنطبع بها حواسنا، وتكون هي الصفة التي تربط المعلول بعلته رباطا يجعل ذلك ~~المعلول نتيجة محتومة لعلته، يتبعها دائما ولا يتخلف عنها؛ إن كل ما نراه هو أن ~~النتيجة تتبع سببها فعلا؛ فنرى - مثلا - أن كرة البليارد المتحركة إذا ما صدمت ~~كرة أخرى كانت ساكنة، فإن هذه الثانية تتحرك كذلك؛ إن الذي ينطبع على حواسنا ~~«الظاهرة» هو كرة أولى تتحرك وكرة ثانية تعقبها في الحركة؛ وليس هنالك من الحواس ~~«الباطنة» ما يطبع العقل بانطباع آخر له علاقة بتعاقب هاتين الحادثتين؛ وإذن فلا ~~الحواس الظاهرة ولا الحواس الباطنة تأتينا بانطباع يوحي بفكرة «القوة» أو «العلاقة ~~الضرورية». # إن الصورة التي يظهر فيها الشيء لنا لأول مرة، يستحيل أن تنبئنا بالحالة التالية ~~التي سيكون عليها ذلك الشيء؛ إذ إن مظهر الشيء في حواسنا لا يكفي وحده أن يعيننا ~~على معرفة ما سيعقبه بحيث يجوز لنا أن نقول إن هناك رابطة ضرورية تحتم أن يعقب ~~الشيء الفلاني، على اعتبار أن ما يحدث منهما أولا فيه من الطاقة الطبيعية ما ينتج ~~الشيء الذي يحدث منهما ثانيا؛ ولو كان في مستطاع العقل أن يكشف في «السبب» عن قوة ~~أو طاقة، لاستطاع بالتالي أن يتنبأ ب «النتيجة» قبل وقوعها دون أن يعتمد في ذلك على ~~خبرة حسية؛ نعم كان يكفي العقل عندئذ أن يتأمل «فكرة السبب» ليستنتج منها ~~استنتاجا منطقيا صرفا «فكرة المسبب». # إنه ليس في مادة الكون كلها جزء يكشف بما يبديه من خصائص محسوسة عن قوة يخفيها؛ ms073 ~~كلا ولا هو يمدنا بالأساس الذي يبرر لخيالنا أن يتصور أنه لا بد أن ينتج كذا وكذا ~~من النتائج بحكم طبيعة ذلك الشيء نفسها؛ فللأشياء - مثلا - صفات الصلابة والامتداد ~~والحركة، وكل صفة من هذه الصفات قائمة بذاتها لا تعتمد في إدراكنا لها على صفة ~~أخرى، لكنها في الوقت نفسه لا تدلنا أبدا على أية نتيجة مما يتحتم أن يترتب عليها؛ ~~نعم إن مشاهد الكون دائبة التغير، يتبع شيء منها شيئا في تعاقب لا ينقطع؛ لكن ~~هيهات لحواسنا أن تكشف عن القوة الخفية التي تدير هذه الآلة الكبرى من وراء ستار ؛ ~~فالصفات الظاهرة للأشياء والتي ندركها بالحواس، ليست بذاتها تدل على قوة وراءها؛ ~~إننا نعلم من واقع الحال أن الحرارة دائما تصاحب لهب النار، لكن ليس في وسع الخيال ~~البشري أن يقرر ماذا تكون العلاقة الرابطة بين الحرارة واللهب؛ وهكذا يستحيل على ~~الإنسان أن يستنتج شيئا عن «فكرة القوة» من مجرد تأمله للظواهر كما تقع له في ~~الحس، ذلك لأن ظواهر الأجسام لا تشف أبدا عن قوة وراءها، بحيث تكون هي الأصل ~~الذي استقينا منه فكرتنا عن القوة. # 61 # قد يقال إن الرابطة الضرورية التي تصل بين الحوادث لاحقها بسابقها، وإن تكن غير ~~بادية للحواس فيما يقع للحواس من انطباعات جزئية، يمكن لنا إدراكها إذا ما تأملنا ~~عقولنا وهي في فاعليتها ونشاطها؛ نعم قد يقال ذلك، استنادا إلى أن الإنسان في كل ~~لحظة من لحظات حياته الواعية مدرك لهذه القوة الباطنية وهي تفعل فعلها في ربط السبب ~~بالمسبب؛ فانظر إلى نفسك وأنت تهم بتحريك ذراع أو قدم، أليست إرادتك تأمر، وأعضاء ~~البدن تطيع؟ وإذن فها هنا قد أدركنا القوة التي تربط معلولا بعلته، ومن ثم ~~استطعنا أن نعمم القول بأن بين كل سبب ومسببه مثل هذه الرابطة الخفية التي وعيناها ~~في دخيلة أنفسنا حين وعينا الإرادة وهي تحرك جارحة في أبداننا أو تستثير فكرة في ~~ذاكرتنا؛ فليس بنا حاجة إلى التماس «فكرة القوة» أو فكرة «الرابطة الضرورية» في ~~انطباعاتنا الحسية، ما ms074 دمنا قد وجدناها عند التأمل في عقولنا وهي تعمل، وفي إرادتنا ~~وهي تحدث الأحداث. # قد يقال هذا، وإذن فلا بد من وقفة نحلل فيها هذه القوى الباطنية المزعومة، كقوة ~~الإرادة مثلا، أعني قدرتها على تحريك أعضاء البدن؛ وأول ما نقرره في هذا الصدد هو ~~أن تأثير الإرادة في هذا لا سبيل إلى إدراكه إلا إذا مارسناه بأنفسنا وأصبح بهذه ~~الممارسة خبرة من خبراتنا، شأنه في ذلك شأن الحوادث الطبيعية كلها، التي لا سبيل ~~إلى معرفتها إلا إذا باتت جزءا من خبراتنا؛ أريد أن أقول إن الإرادة هنا باعتبارها ~~سببا يسبب تحريك هذا العضو أو ذاك من أعضاء الجسم، شأنها شأن أي حادثة أخرى من ~~حوادث الطبيعة، ومما نعده سببا لحادث يتلوه، لا بد لنا من تجربة تدلنا على هذا ~~التتابع بين الحادثين لنقول عنهما إنهما سبب ومسبب، وليس في طبيعة الحادثة الأولى ~~نفسها ما يدل على أن الحادثة الثانية ستتلوها، وكذلك قل في الفعل الإرادي، حين يكون ~~هنالك إرادة من ناحية وجزء من الجسم يتحرك تبعا لها من ناحية أخرى، فليس في ~~الإرادة ذاتها ما يدل على أنه من الحتم أن تتبعها من حركة بدنية. # نعم إننا في كل لحظة من لحظات حياتنا الواعية ندرك أن حركة البدن تتبع أوامر ~~الإرادة، لكن هل نعي شيئا في أنفسنا غير هذا التتابع بين الأمر الإرادي وتنفيذه ~~الجسدي؟ هل نعي رابطة بينهما بحيث نقول إنها الرابطة الضرورية التي تحتم أن يكون ~~الطرف الأول متبوعا بالطرف الثاني؟ كلا؛ إذ لو وعينا العلاقة بين الجانب الإرادي ~~من جهة والجانب الجسدي من جهة أخرى، إذن لانحل لنا لغز من أعقد وأغمض ما يصادفنا ~~في الطبيعة كلها من ألغاز، ألا وهو العلاقة بين النفس والجسم، التي يقال فيها إن ~~عنصرا روحانيا فينا له القدرة على التأثير في عنصر مادي، أو بعبارة أخرى، إن ~~الفكر الخالص من ناحية له القدرة على تحريك المادة من ناحية أخرى؛ فليس تحريك ~~إرادتك لذراعك بأعجب من أن تجلس مفكرا في الجبل مريدا ms075 له أن يتزحزح من مكانه، ~~فيتزحزح الجبل تنفيذا لفاعلية فكرك ... أقول إنه لو كان في مستطاعنا أن ندرك في ~~أنفسنا «قوة» هي التي تصل الإرادة بفعلها لاستطعنا بالتالي أن نعرف علاقة النفس ~~بالجسد، أو علاقة الفكر بالمادة وكيف يؤثر الأول في الثانية. # 62 # لا، ليس في مستطاع الإنسان أن يدرك في نفسه «قوة» كهذه، وكل ما يدركه إذ هو يقوم ~~بفعل إرادي، هو عزمه الإرادي من ناحية، ثم الحركة الجسدية المترتبة على ذلك العزم ~~من ناحية أخرى؛ وأعيد القول بأنه ليس في الإرادة ذاتها ما يدل على أنها لا بد أن ~~تتبعها حركة الجسم تنفيذا لعزمها؛ بدليل أننا لا نستطيع أن نحرك بالإرادة إلا بعض ~~أجزاء الجسم دون بعضها الآخر؛ ولو سئلنا قبل الخبرة: أي أجزاء الجسم في مستطاع ~~الإرادة تحريكه، وأيها تعجز الإرادة عن تحريكه؟ لما كان في وسعنا أن نجيب؛ إذ لا بد ~~أن ننتظر الخبرة لتدلنا ماذا نستطيع تحريكه من أجزاء الجسم بالإرادة، وماذا لا ~~نستطيع؛ لماذا يكون للإرادة قدرة تحريك اللسان والأصابع ولا يكون لها قدرة تحريك ~~القلب والكبد؟ كنا نجيب عن هذا السؤال لو كان لنا علم بقوة معينة موجودة في الحالة ~~الأولى وغائبة في الحالة الثانية، لكن ليس لدينا مثل هذا العلم؛ نعم، لو كان لنا ~~علم بقوة باطنية معينة - كما يزعم الزاعمون - لعلمنا بالتالي، وقبل الخبرة، ماذا ~~تستطيع تلك القوة وماذا لا تستطيعه. # إن من يصيبه الشلل بغتة في ساق له أو ذراع، ليحاول بإرادته أن يحرك العضو ~~المصاب كما ألف أن يحركه من قبل؛ إنه يحاول ذلك وهو على أتم وعي بعزمه الإرادي، ~~تماما كما كان على وعي بعزمه الإرادي حين كان يريد تحريك ساقه أو ذراعه قبل أن ~~يصيبهما شلل؛ ولو كانت هذه القوة المزعومة (التي تربط بين الإرادة وفعلها) مما ~~يستطيع الإنسان إدراكه، لعرف هذا المشلول قبل محاولته الإرادية في تحريك العضو ~~المصاب أنه لن يستطيع ذلك لأن القوة قد غابت عنه؛ لكنه لا يدرك هذا العجز إلا بعد ~~أن ms076 يحاول دون جدوى؛ ومعنى ذلك أن الخبرة وحدها هي التي تدلنا إن كان العزم الإرادي ~~سيصحبه الفعل المعين أو لا يصحبه، وليس في العزم الإرادي نفسه ما يدل على ذلك قبل ~~الخبرة؛ الخبرة وحدها هي الدالة على أن حدثا معينا يتبع حدثا، دون أن تدلنا على ~~موضع الرابطة الخفية التي تربط بين الحدثين بحيث تجعل الحدث الثاني أمرا محتوما ~~في تبعيته للحدث الأول. # 63 # وما قلناه عن الإرادة في تحريكها لجزء من أجزاء البدن، من حيث إننا ندرك الطرفين ~~ولا ندرك ما بينهما من رابطة، نقوله أيضا عن الإرادة واستحداثها لفكرة معينة، ذلك ~~أنك قد تستطيع بعزيمة إرادية أن تحضر إلى الذهن فكرة لم تكن حاضرة فيه؛ وها هنا ~~كذلك يمكنك أن تدرك عزمك الإرادي من ناحية، والفكرة التي استحضرتها إلى ذهنك من ~~ناحية أخرى، ولكنه محال عليك أن تدرك الرابطة التي بينهما؛ # 64 # وإذن فكل ما يجوز لك أن تتحدث عنه هو طرف السبب وطرف المسبب أما أن ~~العلاقة بينهما هي كذا أو كيت فمما يجاوز حدود مستطاعك. # وكما أن الإرادة في استحداثها لحركات الجسد محدود بحدود، بحيث يمكنها تحريك بعض ~~الأعضاء دون بعضها الآخر لعلة لا ندريها سوى أن الخبرة هكذا تدلنا على الإرادة ~~وحدود فعلها؛ فكذلك الإرادة في استحضارها للأفكار في الذهن محدودة أيضا بحدود، ~~فيمكنها أن تستحضر هذه الفكرة ولا يمكنها أن تستحضر تلك، لعلة لا ندريها، سوى أن ~~هذه هي خبرتنا وما تدل عليه، إننا لنلاحظ عن أنفسنا أننا أقدر على استحضار الأفكار ~~في أذهاننا في بعض الحالات دون بعضها، فنحن أقدر في حالة الصحة منا في حالة المرض، ~~وأقدر في حالة هضم الطعام منا في حالة التخمة، فهل يستطيع أحد أن يدلنا على علة هذا ~~كله غير معتمد على خبرته؟ هل يستطيع أحد أن يسبق الخبرة بحيث يقرر بادئ ذي بدء أنه ~~أقدر على استحضار أفكاره في حالة الجوع منه في حالة الشبع؟ أم لا بد له أن ينتظر ~~خبرته لنفسه وهو جائع ثم ms077 خبرته لنفسه وهو مليء، ليقول بعدئذ عما قد عرفه في نفسه ~~بالخبرة ... وإذن فالخبرة وحدها هي المصدر الذي نستقي منه العلم بأن كذا من الظواهر ~~يتبع كيت، دون أن نعلم شيئا قط عن علاقة ضرورية تربط بينهما ربطا محتوما يجعل ~~الطرف الأول وحده كافيا للدلالة على أن الطرف الثاني سيتبعه، سواء وقع لنا ذلك في ~~الخبرة السابقة أو لم يقع. # إنه لا مراء في أن الإرادة فعل عقلي نحن له مدركون، فتدبر لنفسك هذه الإرادة ~~ماذا تكون؟ أدرها في فكرك لتنظر إليها من شتى نواحيها، فهل تجد فيها ما يجعلها قوة ~~خالقة تخلق الفكرة الجديدة من عدم؟ هل تجد لها قدرة هي كقدرة خالقها الذي أوجد ~~ظواهر الطبيعة من لا شيء؟ الحق أن الإنسان مهما تأمل إرادته فلن يجد فيها شيئا ~~كهذا، وهو بحاجة دائما إلى خبرة يمارسها ليعلم ماذا في وسع الإرادة أن تستحدثه ~~وماذا يجاوز وسعها. # 65 # ليس من العسير على الإنسان بصفة عامة أن يعلل الظواهر المألوفة له في الطبيعة، ~~كسقوط الأجسام الثقيلة ونمو النبات وتوالد الحيوان وتغذية الأجسام بألوان الطعام؛ ~~والناس في كل هذه الظواهر يألفون أن يتبع حدث حدثا، حتى ليظنون أن ما يعدونه في ~~الظاهرة المعينة سببا إنما يستتبع حتما ما يعدونه فيها مسببا؛ فإذا ما ظهر لهم ~~السبب قطعوا بالحكم قطعا جازما حاسما بأن المسبب سيكون في إثره، ولا يكاد يطوف ~~بعقولهم أدنى الشك بأن ذلك السبب سيستتبع مسببا غير الذي ألفوه فيما مضى ... ولكن قد ~~يحدث أحيانا أن يقع ما لم يتوقعوه من الظواهر الشاذة غير المألوفة، كأن تزلزل ~~الأرض تحت أقدامهم وقد ألفوها ثابتة، أو أن ينتشر فيهم وباء بغير علة معلومة أو أن ~~تلد الأمهات أمساخا، وعندئذ تأخذهم الحيرة في تعليل ما وقع؛ إن الحيرة لم تأخذهم ~~في مألوف الظواهر لأنهم «اعتادوا» أن يروا حوادث الطبيعة تجري هذا المجرى، أما أن ~~تجري على غير مألوفهم، فذلك هو مدعاتهم إلى الحيرة في التعليل، فلماذا يا ترى حدثت ~~هذه الأحداث الشاذة، وماذا ms078 عسى أن تكون الأسباب التي سبقتها فأحدثتها؟ إنهم ها هنا ~~سرعان ما يلتمسون التعليل في سبب خفي يدبر الأمور بعقله تدبيرا على غير مألوف ~~الطبيعة كما عهدوها؛ فكأنما الكثرة العظمى من الناس تقسم الظواهر قسمين: قسم لا ~~يتعذر فيه إدراك الأسباب لأنه مألوف، وقسم يتعذر فيه ذلك لأنه شاذ يستوقف الفكر ~~ويستدعي التأمل والنظر - أما الفيلسوف فشأنه آخر، لأنه بإمعان النظر في ظواهر القسم ~~الأول، لا يراها مختلفة عن ظواهر القسم الثاني؛ لأنه لولا العادة التي أغمضت أعيننا ~~لرأينا في كل ظاهرة - مهما تكن مألوفة لدينا - ما يستدعي التفكير: لماذا تتبع ~~النتيجة سببها؟ ولا جواب عن هذا السؤال من طبيعة السبب نفسها، وإنما الجواب يلتمس ~~في الخبرة السابقة، فهكذا جاءتنا خبراتنا السابقة بتتابع الحوادث والظواهر حتى أصبح ~~تتابعها على هذا النحو دون سواه عادة مألوفة لنا؛ فلئن كانت الظاهرة الشاذة خلوا ~~من علاقة ضرورية تربط بين مقدماتها ونتائجها، فهكذا الحال في كل ظاهرة من الظواهر ~~المألوفة نفسها؛ لأن الخبرة السابقة لهذه الظواهر المألوفة إنما دلت على «تجاور» ~~بين ما أسميناه سببا وما أسميناه مسببا، لكنها لم تدل على «رباط» ضروري ينبع من ~~طبيعة السبب نفسه ويستلزم أن يتبعه المسبب على النحو الذي نرى. # وما أكثر الفلاسفة الذين أدهشتهم العلاقة بين السبب ونتيجته، بحيث راحوا يلتمسون ~~التعليل في كائن غيبي مدبر عاقل يفسرون به كل ارتباط بين الأسباب ونتائجها؛ فبينما ~~يقصر عامة الناس هذا الالتجاء إلى المبدأ الغيبي على الظواهر الشاذة وحدها، ترى ~~هؤلاء الفلاسفة يرجعون إلى نفس المبدأ في الظواهر المألوفة والظواهر الشاذة على ~~السواء؛ وهو لا يقتصرون في ذلك على أن يجعلوا الكائن الغيبي العاقل سببا أولا ~~فحسب، أتت بعده سلسلة الحوادث أسبابا ومسببات؛ بل يجعلونه سببا مباشرا لكل حادثة ~~جزئية تقع؛ فلئن كانت الظاهرة المعينة من الظواهر المألوفة لنا، تقع دائما مسبوقة ~~أو محاطة بظروف معينة تواضعنا على أن نطلق عليها «أسباب» تلك الظاهرة، فهؤلاء ~~الفلاسفة لا يرون في هذه الظروف التي تسبق أو تحيط بالظاهرة إلا فرصة ms079 سانحة فقط ~~لحدوث تلك الظاهرة، أما «سبب» الحدوث دائما فهو «الكائن الأسمى» الذي شاءت إرادته ~~أن تكون هذه الظاهرة المعينة مصاحبة دائما لمثل تلك الظروف التي تصاحب وقوعها؛ ~~فإذا كانت الكرة المتحركة من كرات البليارد قد صدمت أخرى ساكنة فحركتها، فتعليل ~~هذه الظاهرة عند هؤلاء الفلاسفة هو أن الله قد شاءت إرادته أن تتحرك الكرة الثانية، ~~وأنه قد عين لها هذه الحركة بأن جعل الكرة الأولى تصدمها على نحو ما فعلت، وذلك ~~بناء على قوانين عامة سنها لنفسه لكي يحكم العالم بمقتضاها؛ ثم يمضي هؤلاء الفلاسفة ~~أنفسهم في منطقهم هذا، فيقولون إننا إذا كنا نجهل القوة الحقيقية التي تسبب ما بين ~~الأجسام من تفاعل، فنحن أشد جهلا بالقوة التي تسبب التفاعل بين العقل والجسم، أو ~~بين الجسم والعقل؛ فليس في إدراكاتنا الحسية ولا في إدراكاتنا لمجرى شعورنا الباطني ~~ما يدلنا على تلك القوة السببية في أي من الحالتين؛ وإذن فالنتيجة التي ينتهون ~~إليها في حالة العقل والجسم، هي نفسها النتيجة التي انتهوا إليها في حالة تفاعل ~~جسمين، وهي أن الله هو السبب المباشر الذي ينتج الصلة بين العقل والجسم؛ فإذا رأيت ~~بعينيك شيئا، فلا تقل إن حاسة البصر منك هي التي أحدثت ما قد حدث فيك من إحساس ~~بصري، بل قل إنها إرادة الله القادر على كل شيء والخالق لكل شيء فهو الذي أثار فيك ~~ذلك الإحساس، وهيأ له حركة معينة في حاستك البصرية؛ وكذلك إذا عزمت بإرادتك أن ترفع ~~ذراعك ثم رفعتها؛ فلا تقل - من وجهة نظر هؤلاء الفلاسفة - إن الإرادة سبب أحدث رفع ~~الذراع، بل قل إنه الله الذي شاءت إرادته أن ترتفع ذراعك في تلك اللحظة، ولذلك فهو ~~الذي أعان إرادتك - وإرادتك في ذاتها عاجزة - على أن ترفع الذراع، ولو أرجعت حركة ~~ذراعك إلى قوة إرادتك أخطأت السبب الحقيقي، فنسبت إلى نفسك ما كان ينبغي أن تنسبه ~~إلى الله؛ ولا يقف هؤلاء الفلاسفة عند حد الإحساس والإرادة، بل يجعلون الله كذلك ~~سببا في أي فكرة تمثل في ms080 العقل، فما أفكارنا إلا وحي يوحى به من عند الله؛ فلو ~~رأيت نفسك تتجه بفكرك نحو شيء معين، فأنت مخطئ - عند هؤلاء الفلاسفة - إذا زعمت أنك ~~قد فعلت ذلك بإرادتك، لأنك لا تستطيع أن تخلق لنفسك فكرة مهما تكن، إنما يخلقها لك ~~الله خالق الكون كله، بأن يكشف لك عنها، ويهيئ لها وسائل المثول أمام عقلك. # 66 # هكذا ترى أولئك الفلاسفة يدخلون الله في كل شيء، لا يرضيهم أن يكتفوا بالمبدأ ~~القائل إنه لا وجود لشيء إلا بإرادة الله وإنه لا قوة لشيء إلا بمشيئته، بل يريدون ~~فوق ذلك أن يسلبوا الطبيعة وكل ما فيها من كائنات مخلوقة ما لها من قوة، ليجعلوا كل ~~شيء معتمدا على الله اعتمادا مباشرا وكاملا ومحسوسا وهم لا يدرون أنهم برأيهم ~~هذا إنما يحدون - بدل أن يزيدوا - من الصفات التي أخذوا أنفسهم بتعظميها، كأنما هم ~~يستهدفون هدفا لا يعرفون الوسيلة الصحيحة إليه؛ إذ لا شك أننا نقيم الحجة أقوى على ~~قدرة الله إذا تصورناه وقد أذن لمخلوقاته بدرجات متفاوتة من القوة، منا لو جعلناه ~~مسيطرا بقوته المباشرة على كل شيء كبر أو صغر؛ إننا نقيم الحجة أقوى على حكمة الله ~~إذا تصورناه وقد صمم الإطار العام لهذا الكون، وعرف بسابق فكره أنه لو ترك العالم ~~وشأنه بعد هذا التخطيط العام، فسيجري على نحو يرضي حكمته، منا لو تصورناه في كل ~~لحظة يعيد إحكام الأشياء بعضها مع بعض ليتسق سياقها ويستقيم مجراها؛ إننا نقيم ~~الحجة أقوى على حكمته لو تصورناه وقد أعد الآلة الكونية ثم تركها تسير على نحو ما ~~قدر لها، منا لو تصورناه ينفخ كل لحظة في عجلاتها لتدور. # 67 ~~(4-2) الجبر والاختيار # لبث المتنازعون على اختلاف في الرأي بالنسبة إلى بعض المشكلات منذ أن نشأ عند ~~الإنسان علم وفلسفة؛ ولو قد اتفق هؤلاء على معاني ألفاظهم لكان الأرجح أن ينحسم ما ~~بينهم من اختلاف؛ لأنه اختلاف في استخدام الألفاظ أكثر منه اختلافا في موضوع ~~المشكلة التي هي موضع النزاع بينهم؛ وقد كان ms081 يكفي هؤلاء المتنازعين أن يروا مشكلتهم ~~التي يتنازعون عليها قائمة كما هي على مر الزمن، لا تحلها المناقشات، ليعلموا أنه ~~لا بد أن يكون في العبارات المستخدمة بشأنها غموض، وأن المتناقشين لا بد أن يكونوا ~~قد استخدموا اللفظة الواحدة بمعان مختلفة، لأنه ما دام الناس يتشابهون في ملكاتهم ~~العقلية - وبغير هذا التشابه لم يكن ليجدي أحدا أن يناقش أحدا في شيء - فقد كان ~~الأرجح للمتناقشين المتنازعين حول المشكلات القائمة الدائمة أن ينتهوا فيها إلى حل ~~يرضيهم جميعا، لو كانوا على اتفاق تام فيما بينهم على معنى واحد محدد لكل لفظة يستخدمونها. # 68 # ومن المشكلات التي طال قيامها بين الناس واتصل نقاشهم فيها بسبب غموض المعاني ~~المقصودة بالألفاظ المستخدمة في بحثها، مشكلة الحرية والجبر؛ فتلك مشكلة لو كانت ~~ألفاظها قد تحددت معانيها بتعريفات حاسمة، لزال منها موضع الإشكال؛ وفيما يلي عرض ~~جديد للمشكلة يتبين منه القارئ كم كان الأمر كله يدور حول ألفاظ، وأما الموضوع نفسه ~~فلا خلاف عليه، ولنبدأ بفكرة «الجبر» ثم نعقب عليها بالفكرة الأخرى، فكرة ~~«الحرية». # ليس بين الناس من لا يعترف بأن المادة في كل عملياتها إنما تتأثر بفعل قوة ~~ضرورية، بحيث تجيء الظاهرة من ظواهر الطبيعة متعينة محددة الصورة معلومة الدرجة، ~~بحكم فاعلية سببها، حتى ليستحيل لهذا السبب نفسه أن يستتبع نتيجة غير النتيجة ~~المتعينة المحددة المعلومة؛ فالجسم المتحرك - مثلا - إنما يتحرك في اتجاه معين ~~وبسرعة معينة، حتى لتأخذنا الدهشة إذا ما وجدناه يتحرك في اتجاه آخر وبسرعة أخرى ~~غير ما نتوقع له بحكم السبب الذي أحدث الحركة فيه؛ وإذن فلو أردنا أن نكون ~~لأنفسنا فكرة مضبوطة دقيقة عن «الضرورة» أو «الجبر» كان حتما علينا أن نتعقب ~~المسالك التي منها تسللت إلينا فكرتنا عن الأجسام المادية بحيث أصبحنا نتوقع لها ~~سلوكا معينا في ظروف معينة. # إنه لو كانت ظواهر الطبيعة من التغير والتباين بحيث لا تتشابه فيها حادثتان وبحيث ~~تجيء كل ظاهرة فريدة في نوعها، ليس بينها وبين سابقة لها أدنى شبه، بل تكون جديدة ~~كل ms082 الجدة، لاستحال علينا - في مثل هذه الحالة - أن نكون لأنفسنا أقل فكرة عن ~~«الضرورة» أو عن الرابطة المحتومة التي نفرض وجودها بين الأشياء والظواهر؛ إننا في ~~مثل هذه الحالة ما كنا لنقول عن أي شيء مما يحدث أو أية حادثة مما يقع إنها جاءت ~~لاحقة لكذا وكذا من الأشياء أو الحوادث السابقة، دون أن نفرض البتة أن الحادثة ~~السابقة قد «أحدثت» أو «أنتجت» الحادثة اللاحقة؛ أو بعبارة أخرى، لو كانت هذا هي ~~الحال، لما عرف الإنسان شيئا عن سبب ومسبب أو علة ومعلول، لأنه لم يكن ليربط ~~الحوادث المتتابعة بمثل هذه العلاقة؛ وبالتالي لم يكن ليستطيع الإنسان أبدا أن ~~يستنتج شيئا عن مجرى الحوادث في الطبيعة، وكانت الحواس والذاكرة وحدهما لتصبحا ~~معين معرفته الوحيد؛ فلا وجود إلا لما يطبع حواسه في اللحظة الراهنة أو ما تدله ~~الذاكرة على أنه قد طبع حواسه في لحظة سابقة؛ أما أن «يتوقع» حدوث شيء في المستقبل ~~على أساس ما قد وقع في الماضي، فذلك لم يكن ليدخل في حدود مستطاعه؛ وإذن ففكرتنا عن ~~ضرورة الحدوث أو السببية قد نشأت بحذافيرها من الاطراد الذي لاحظناه في وقوع ~~الحوادث في الطبيعة؛ إذ لاحظنا أن الظواهر المتشابهة تكون دائما مرتبطة بغيرها على ~~نحو واحد، وبهذا نشأت للعقل عادة الحكم بتوقع ظهور اللاحق إذا رأى السابق قد حدث؛ ~~فلو لاحظنا - مثلا - أن الظاهرة «س» تحدث دائما متبوعة بالظاهرة «ص»، اعتدنا هذا ~~الرباط بينهما حتى إذا ما حدثت بعد ذلك «س» توقعنا بعدها «ص»؛ فإذا ما قلنا إن حدوث ~~«ص» بعد حدوث «س» أمر ضروري، كان المعنى المراد ب «الضرورة» هنا هو أن الاطراد ~~بينهما قد لوحظ فيما مضى، وأن عادة عقلية قد نشأت لدينا من هذا الاطراد الملحوظ ~~بينهما؛ أعني أن «ضرورة» الحدوث ليست ناجمة من طبيعة «س» ولا من طبيعة «ص» بل من ~~طبيعة الإنسان في تكوين عاداته فلا ينبغي لنا - إذن - أن نفهم من لفظ «الضرورة» أو ~~لفظ «الحتم» أو لفظ «الجبر» أو ما في معناها، ms083 أي شيء أكثر من أن الاطراد بين ~~الحادثتين اللتين نقول عنهما إن بينهما ضرورة ارتباط، قد كان دائم الوقوع ولم يشذ، ~~وأن العادة التي تكونت عند الإنسان من ملاحظته لهذا التتابع المطرد بينهما قد مكنته ~~من أن يتوقع أو «يستدل» حدوث الحادثة اللاحقة إذا ما حدثت الحادثة السابقة. # ولو طبقنا هذا المبدأ على أفعال الإنسان الإرادية وعلى عملياته العقلية، وجدنا ~~ألا خلاف بيننا على معنى «الجبر» أو «الضرورة» حين نستعمل هذه الكلمة في هذا ~~المجال، وأنه إذا كان بيننا خلاف فهو على معنى كلمات كهذه، لا على الموضوع نفسه ~~الذي أطلقت عليه تلك الكلمات. # 69 # ففيما يختص باطراد الوقوع في الحوادث المتشابهة، نلاحظ بين الناس اتفاقا عاما ~~على أن الأفعال الإنسانية فيها اطراد إلى حد كبير، مهما اختلف الزمان الذي عاش فيه ~~الإنسان، أو اختلفت الأمة التي ينتسب إليها؛ إذ الطبيعة الإنسانية تظل على حالها من ~~حيث المبادئ وطرائق السلوك؛ فدوافع معينة تؤدي دائما إلى أفعال معينة؛ وحوادث ~~معينة تتبع دائما أسبابا معينة؛ فالطموح والجشع وحب النفس والغرور والصداقة ~~والكرم والإيثار ... هذه كلها عواطف يمتزج بعضها ببعض بدرجات متفاوتة وتنتشر في أفراد ~~المجتمع وتصبح - كما كانت منذ نشأة الإنسان - هي الدوافع التي تدفع الناس إلى ~~السلوك الذي يسلكون؛ فهل تريد - مثلا - أن تعرف شيئا عن اليونان أو الرومان من ~~حيث عواطفهم وميولهم ومجرى حياتهم؟ إذن فأمعن النظر في هذه الجوانب عند الفرنسيين ~~اليوم أو الإنجليز؛ ولن تزل في خطأ كبير إذا ما نسبت لأولئك معظم ما قد شاهدته في ~~هؤلاء؛ فبنو الإنسان على مقدار كبير جدا من التشابه؛ بغض النظر عن مكانهم ~~وزمانهم، حتى ليكاد التاريخ لا يحدثنا بشيء جديد في هذا الصدد، والفائدة الرئيسية ~~التي نستفيدها من دراسته هي اكتشافنا لمبادئ الطبيعة البشرية وإنها لمبادئ تعم ~~وتطرد؛ وذلك بأن نستعرض الناس في شتى صنوف المواقف والظروف فندرك إلى أي حد تتشابه ~~أفعال الإنسان وسلوكه إذا ما تشابهت الدوافع؛ فلا فرق بين العالم حين يستدل علمه ~~بالنبات أو المعادن أو ms084 غيرهما مما يشاهده في أشياء الطبيعة، وبين السياسي أو ~~الأخلاقي حين يستدل سلوك الإنسان مما يطالعه به التاريخ عن الأسلاف في حروبهم ~~ودسائسهم وانقساماتهم وثوراتهم، فالتراب والماء وغيرهما من عناصر الطبيعة التي ~~بحثها أرسطو وهبقراط من فلاسفة اليونان وعلمائهم، ليست بأشد شبها بما نراه اليوم ~~من هذه العناصر نفسها، أقول إنها ليست بأشد شبها مما بين رجال الأمس كما وصفهم ~~«يوليبيوس» و«تاسيتوس» وبين رجال اليوم؛ فلئن احتفظت عناصر الطبيعة بخصائصها فكذلك ~~يحتفظ الإنسان بخصائصه. # 70 # إنه لو عاد إلينا رحالة من رحلة له في بلد بعيد، ليقص علينا من أنباء الناس هناك ~~ما يجعلهم على أتم اختلاف عن الناس كما ألفناهم، فيروي عنهم - مثلا - أنهم ناس خلت ~~طبيعتهم خلوا تاما من الجشع والطموح والانتقام، لا يعرفون من ألوان المتعة إلا ~~متعة الصداقة وكرم النفس والإيثار، لحكمنا من فورنا على مثل هذا الرحالة بالكذب، ~~كما نحكم بالكذب على من يزعم لنا إنه وجد هناك الغيلان والوحوش الخرافية التي تنفث ~~اللهب وما إلى ذلك؛ فلو أردت أن تكذب خبرا رواه لك التاريخ، فليس لديك حجة أقوى ~~من أن تقيم البرهان على أن سلوك الناس كما يصفهم هذا التاريخ الذي تعارضه، يختلف ~~عما تجري به الطبيعة البشرية، افتراضا منك بأن للإنسان طبيعة ثابتة دائمة، يؤدي ~~فيها الدافع المعين إلى نوع معين من السلوك؛ # 71 # ولو لم يكن سلوك الإنسان مطردا - اطراد الظواهر الطبيعة - لاستحال ~~علينا أن نحكم على أحد، لأن خبراتنا الماضية عندئذ لا تجدي شيئا في توقع ما سيكون ~~عليه سلوك الناس في المواقف المقبلة؛ لكننا نتعلم بالخبرة شيئا كثيرا عن طبيعة ~~الإنسان، وذلك لاطراد تلك الطبيعة وثباتها، تماما كما يتعلم المزارع من خبرته ~~الماضية في فلاحة أرضه، لاطراد فعل الشمس والمطر والتربة في إنبات الزرع. # غير أنه لا يجوز لنا أن نفترض بأن هذا الاطراد في أفعال الإنسان عندما تتشابه ~~الظروف اطراد شامل كامل لا ينحرف قيد أنملة عن خطه المرسوم؛ دون أن نحسب حسابا ~~لتنوع الشخصيات الإنسانية في ردها على ms085 مؤثرات البيئة؛ فمثل هذا الاطراد الذي لا ~~ينحرف قيد شعرة في أية تفصيلة من التفصيلات، لا وجود له في الطبيعة بأسرها؛ فنحن إذ ~~نلاحظ سلوك الناس، إنما نلاحظ تنوعا في سلوكهم حتى في الظروف المتشابهة، فننتهي من ~~ذلك إلى مجموعة من مبادئ تجرى على نسقها أفعال الناس، بدل أن ننتهي إلى مبدأ واحد؛ ~~لكن هذه المبادئ الكثيرة المنوعة التي ننتهي إليها، هي في حد ذاتها دليل على أن ~~الطبائع البشرية على درجة من الاطراد تسمح لنا باستخراج تلك المبادئ، ولو كانت تلك ~~الطبائع من التنوع بحيث تخلو من كل اطراد، لاستحال علينا أن نفهم حالة على أساس ~~فهمنا لحالة أخرى. # إننا - مثلا - نلاحظ اختلافا في سلوك الناس باختلاف عصورهم وبلادهم فهل نستنتج ~~من ذلك ألا اطراد؟ كلا، بل نستنتج قاعدة عامة عن أثر العادة والتربية في تشكيل ~~سلوك الإنسان؛ وكذلك لو لاحظنا اختلافا بين سلوك الرجل وسلوك المرأة في الظروف ~~المتشابهة، أو لاحظنا اختلافا في سلوك الفرد الواحد في مراحل عمره المختلفة، فذلك ~~كله أدعى إلى استخراج القواعد العامة منه إلى الظن بأن الأمر فوضى يجري على غير ~~قاعدة؛ وإذا لم يكن في شخصية الفرد الواحد اطراد، لتعذر علينا أن نعامل الناس، فأنت ~~في تعاملك مع زيد من الناس أو عمرو، ترجح لمن تعامله صورة معينة في سلوكه تتصرف ~~معه على أساسها، فإن كان بخيلا أو كريما، شجاعا أو جبانا، علمت أنه سيظل على ~~بخله أو كرمه، وعلى شجاعته أو جبنه، لأنك تفرض فيه ما تفرضه في ظواهر الطبيعة نفسها ~~من ثبات على طبيعة واحدة. # نعم إنه لا شك في أن بعض أفعال الإنسان يجيء وكأنما هو مقطوع الصلة بكل ما قد ~~عهدناه من الأفعال التي تصدر عن دوافع معلومة لنا، حتى لنحكم عليها بالشذوذ عن ~~المألوف والخروج على الاطراد المعروف؛ لكنها في حقيقة أمرها شبيهة بحوادث الطبيعة ~~التي تختلف عن المجرى المعتاد لوقوع الحوادث حتى لنحكم عليها بالشذوذ عن قوانين ~~الطبيعة، فإذا ما بحثنا الأمر بدقة وجدناها تندرج تحت ms086 قوانين أخرى غير القوانين ~~التي تندرج تحتها الحوادث المألوفة. # إن أصحاب النظر السطحي كثيرا ما يرجعون الحوادث التي تبدو شاذة في ظاهرها إلى ~~عدم اطراد القوانين الطبيعية اطرادا شاملا؛ أما عند النظرة الفلسفية فهذه ~~«الشواذ» هي نفسها كالحوادث المألوفة سواء بسواء في كونها تجري وفق قوانين أخرى ~~خاصة بها، وإن تكن هذه القوانين من الدقة بحيث يخطئ الإنسان إدراكها إلا إذا دقق ~~البحث وأمعن في النظر؛ فالطبيعة ملأى بمصادر السلوك، ندرك بعضها ولا ندرك بعضها ~~الآخر، فإن رأينا سلوكا معينا لظاهرة معينة دون أن نرى مصدره، كان واجبنا أن ~~نبحث عن مصدره الخبيء، بدل أن نزعم متعجلين بأنه سلوك سائب بغير مبدأ يصدر عنه أو ~~قانون ينظمه؛ ولنضرب مثلا لذلك قرويا ساذجا وقفت ساعته فيصف هذه الظاهرة بأن ~~الساعة لا يستقيم سيرها، فآنا تخطيء وآنا تصيب؛ كأنما يفترض فيها أنها تتحرك بغير ~~قانون؛ أما صانع الساعات الذي يعرف لماذا تقف تروس الساعة ولماذا تسير، فحكمه آخر؛ ~~إذ هو يدرك أن عدة الساعة من زنبرك وبندول وغيرهما إن سارت منتظمة، فعلت ذلك وفق ~~قوانين مطردة، وكذلك إن وقفت عن السير، وقفت وفق تلك القوانين المطردة نفسها؛ فقد ~~تكون هنالك ذرة من غبار - مثلا - تقف دون حركة السير؛ وهكذا الأمر في كل ظواهر ~~الطبيعة، ما يبدو منها سويا وما يبدو شاذا، كلها تجري على روابط مطردة بين ~~أسباب ومسبباتها. # وقل هذا نفسه فيما يختص بالإنسان وسلوكه؛ فسلوكه يجري على اطراد؛ وإذا بدا من ~~سلوكه جانب شاذ، فهذا الشذوذ نفسه يرتد إلى اطراد سبب عند النظرة المتعمقة الفاحصة؛ ~~وكثيرا ما تعاورت الجسم الإنساني أحداث تبدو غاية في الشذوذ عند من لا يعلم من أمر ~~الجسم شيئا كثيرا، لكنها تبدو طبيعية عادية عند الطبيب الذي يعرف كيف تدور آلة ~~الجسم المعقدة؛ والخلاصة هي أن الحوادث الشاذة، سواء وقعت في حياة الإنسان أو في ~~ظواهر الطبيعة، إنما هي شاذة عن النظرة السطحية، ولكنها ليست كذلك عند النظرة ~~النافذة العالمة ببواطن الأمور وخوافيها. # 72 # وإذا أراد ms087 الفيلسوف لأحكامه أن تتسق وأن تخلو من التناقض، كان حتما عليه أن يطبق ~~هذا المنطق نفسه بالنسبة إلى الأفعال الإرادية عند الكائنات العاقلة فلو صدر عن ~~إنسان معين فعل إرادي بلغ الغاية في شذوذه وخروجه عن الأفعال الإرادية المألوفة عند ~~سائر الناس؛ كان الأرجح ألا يبدو كذلك عند من يعرف شخصية صاحب ذلك الفعل بكل ~~دقائقها، كما يعرف الموقف الذي أحاط بذلك الفعل بكل تفصيلاته؛ لأنه عندئذ سيجد ~~أمرا طبيعيا ما رآه غيره شاذا غريبا ... ألا إن مفاجآت السلوك البشري لشبيهة ~~بمفاجآت الظواهر الجوية، كلاهما قد يبدو كأنما هو يسير على غير قانون، لكن قانونه ~~الخبيء ينكشف لمن يعلمون دقائق الأمور، فليست أفعال الإنسان المفاجئة الشاذة بأغرب ~~من تغيرات الريح والمطر والسحاب وغيرها من العناصر الجوية؛ فهل نقول عن هذه إنها ~~تسير على غير اطراد بين الأسباب والمسببات؟ هكذا قل في سلوك الإنسان. # 73 # فيبدو لنا - إذن - أن الرابطة بين الأفعال الإرادية وبين دوافعها هي من الاطراد ~~والانتظام بنفس الدرجة التي تكون عليها الرابطة بين السبب والمسبب في أي جزء من ~~أجزاء الطبيعة؛ لا، بل إنا لنضيف إلى هذه الحقيقة حقيقة أخرى، وهى أن هذا الاطراد ~~في الرابطة بين الأفعال الإرادية ودوافعها أمر مسلم به من أفراد البشر جميعا، ولم ~~يكن قط موضع نزاع لا في مجال التفكير الفلسفي ولا في مجال الحياة الجارية؛ فكما ~~أننا في شتى خبراتنا الماضية نستدل ما عساه أن يحدث في المستقبل، فنحكم على الحوادث ~~التي شهدناها دائما مرتبطة على نحو معين، بأنها ستحدث في المستقبل - إن حدثت - ~~مرتبطة على تلك الصورة بعينها؛ فكذلك نحكم على الناس في سلوكهم كيف سيكون فيما هو ~~آت بناء على خبرتنا الماضية؛ ولولا أن الناس يفرضون في السلوك البشري نفس الاطراد ~~الذي يفرضونه في الظواهر الطبيعية لاستحال أن يركن بعضهم إلى بعض في معاملاتهم ~~ومبادلاتهم واتصالاتهم؛ إن صاحب المصنع ليكاد يتوقع الاطراد في سلوك عماله كما ~~يتوقعه في سلوك آلاته، وإن وقع من الأولين ما يختلف عما توقعه، فكذلك ms088 قد يحدث في ~~الآلات؛ إنني قد أستقبل الصديق الأمين في داري فأثق بأنه لن تمتد يده إلى قتلي كما ~~أثق بأن جدران داري لن تهدم إبان زيارته، ولو قيل إن ذلك الصديق قد تصيبه لوثة ~~مفاجئة فيفعل ما لم نكن نتوقعه منه، قلنا إنه كذلك قد تحدث هزة أرضية مفاجئة فتنهدم ~~جدران المنزل على نحو لم نتوقعه. # هكذا تطرد أفعال الإنسان اطرادا نركن إليه في حياتنا العملية، وليس هناك بين ~~الفلاسفة أنفسهم من لم يركن إليها كأي رجل عادي في غمار الناس؛ إذن فلماذا نركن من ~~الوجهة العملية إلى اطراد السلوك الإنساني، ثم نأبى الاعتراف بذلك من الوجهة ~~النظرية؟ لماذا نتصرف دائما على أساس أن أفعال الإنسان تجري مجرى الضرورة كبقية ~~حوادث الطبيعة، ثم نرفض الاعتراف النظري بأن إرادة الإنسان مقيدة بهذه الضرورة؟ ~~لماذا نسلك طريقا في أفعالنا غير الطريق التي نسلكها في نظرياتنا؟ أظن أن تعليل ~~ذلك هو كما يلي: # لو تأملنا عملياتنا الجسدية، متتبعين علاقة السبب بالمسبب في تلك العمليات، وجدنا ~~أنه محال على قدراتنا الإدراكية جميعا أن ترى في تلك العلاقة السببية شيئا سوى أن ~~أحداثا معينة لوحظت مرتبطة دائما بأحداث معينة أخرى، ومن ثم تتكون لدى ~~العقل عادة أن ينتقل من الأحداث الأولى إذا ما ظهرت إلى الأحداث الثانية التي كانت ~~دائما مرتبطة بها؛ إنه لا حتم هناك بأن يحدث الأمر على هذا التعاقب، لكن هكذا حدث ~~التعاقب في الماضي، وهكذا نتوقع له أن يحدث في المستقبل؛ لكن الناس عادة لا يرضون ~~بهذا ولا يكتفون به، ويدعون أنهم قادرون على النفاذ وراء هذا التعاقب الظاهر ~~ليروا رابطة ضرورية حتمية تجعل الشق الأول من الظاهرة يخلق الشق الثاني خلقا ~~وينتجه إنتاجا، وهكذا تميل بهم عقيدتهم إلى أن السبب والمسبب ليسا مجرد حادثين ~~تعاقبا في خبراتنا الماضية، بل إن في طبيعة السبب ضرورة تقتضي أن تستتبع المسبب ~~حتما؛ ثم ينظرون إلى أنفسهم من باطن، فلا يرون هذه الرابطة الحتمية الضرورية في ~~سلوكهم؛ إذ يرون أن الدافع النفسي الذي ms089 يتبعه فعل معين، ليس فيه ما يقتضي حتما أن ~~يستتبع ذلك الفعل، وكل ما في الأمر أن الدافع والفعل قد لوحظا متعاقبين فيما مضى؛ ~~فها هنا تراهم يحكمون على أنفسهم بما لا يحكمون به على حوادث الطبيعة؛ إذ يقولون ~~إننا وإن كنا لا نرى في الجانبين معا (السلوك الإنساني وحوادث الطبيعة) رابطة ~~ضرورية تحتم أن يستتبع السبب مسببه، إلا أننا نزعم أن هذه الرابطة الضرورية ~~موجودة بالنسبة لحوادث الطبيعة وغير موجودة بالنسبة لسلوك الإنسان؛ بعبارة أخرى هم ~~يحكمون على حوادث الطبيعة بأنها مجبرة على السير كما تسير، أما بالنسبة إلى سلوكهم ~~فلا إجبار هناك، بل الأمر لا يزيد على تعاقب ألفناه، وقد يتغير نظامه في أي حين ~~... لكن المنطق يقتضيهم أن يحكموا على السلوك الإرادي بنفس الذي يحكمون به على حوادث ~~الطبيعة، ما داموا في كلتا الحالين لا يلاحظون إلا حوادث تتعاقب في اطراد، دون أن ~~يروا إلى جانب ذلك ضرورة داخلية في طبائع الأشياء نفسها تقتضي ذلك الاطراد؛ أقول إن ~~المنطق يقتضيهم أن يحكموا على أفعال الإنسان بما يحكمون به على حوادث الطبيعة، من ~~أن الأمر لا يعدو عادات تعودناها؛ إذ تعودنا أن نرى شيئا يتبع شيئا، فاعتدنا ~~بعدئذ أن نتوقع ظهور التالي إذا ظهر المقدم، سواء كان ذلك التالي فعلا بشريا ~~أو حادثة طبيعية، وسواء كان هذا المقدم إرادة إنسانية أو شيئا في الطبيعة ~~الخارجية، إن مثل هذا الكلام لا يعجب فلاسفة كثيرين ممن يريدون أن يفرقوا بين ~~الفعل البشري من جهة والحادثة الطبيعية من جهة أخرى؛ لكن هؤلاء الفلاسفة أنفسهم لا ~~يترددون لحظة في حيواتهم الخاصة أن يجروا على ألا اختلاف، حتى إذا ما ارتدوا إلى ~~فلسفاتهم النظرية قرروا ذلك الاختلاف بين الإنسان والطبيعة بأن جعلوا في حوادث ~~الطبيعة ضرورة حتمية لم يجعلوا مثلها في أفعال الإنسان الإرادية؛ وعلى كواهل هؤلاء ~~الفلاسفة تقع تبعة الإثبات، فيدلونا من أين جاءوا بهذه العقيدة؟ كيف عرفوا أن بين ~~السبب والمسبب في حوادث الطبيعة ضرورة حتمية ليس لها نظير بين السبب ms090 والمسبب في ~~أفعال الإنسان، إذا كانوا لم يلحظوا لا هناك ولا هنا إلا اطرادا في تتابع الحدوث؟ # 74 # الظاهر أن الناس في موضوع الحرية والجبر يبدءون من حيث كان ينبغي لهم أن ينتهوا؛ ~~فهم يبدءون طريق التفكير بالبحث في قدرات النفس وفي تأثير العقل وفي عمليات ~~الإرادة؛ مع أنه كان الأجدر بهم أن يبدءوا ببحث ما هو أيسر، وأعني به عمليات ~~الأجسام المادية التي لا أنفس فيها ولا عقول ولا إرادة، فيحاولون في هذا المجال أن ~~يلتمسوا مصدرا للفكرة القائلة بأن بين السبب والمسبب رابطة ضرورية حتمية، ~~وسيجدون أن ليس ثمة إلا اطراد في تتابع الظواهر، يترتب عليه اعتياد بأن نتوقع حدوث ~~الشق الثاني من أجزاء الظاهرة إذا ما ظهر شقها الأول؛ فإذا كانت «الضرورة» في حدوث ~~الحوادث الطبيعية لا تعني إلا هذا الاطراد الذي تعودناه، والذي نحكم بناء عليه بما ~~عساه أن يقع في المستقبل؛ أقول إنه إذا كانت الضرورة المزعومة في عالم الأشياء ~~المادية لا تعني إلا هذا، ثم إذا كان هذا نفسه هو ما نتفق جميعا على أنه الحال ~~بالنسبة للأفعال الإنسانية التي تتبع عزماتنا الإرادية، انحسم الخلاف في أمر ~~«الضرورة» أو «الجبر»، وأدركنا أن نقطة الخلاف كانت لفظية فحسب، ذلك أن أنصار ~~«الضرورة» في حدوث الحوادث الطبيعية سيجدون أن تفسير هذه «الضرورة» هو هو بعينه نوع ~~الارتباط الذي يقع في الإرادة الإنسانية ويسمونه «حرية»؛ أما أن نتفق جميعا على أن ~~نوع الرابطة التي نراها بين حوادث الطبيعة هو نفسه نوع الرابطة التي نراها في ~~الإرادة الإنسانية وما يتبعها من أفعال، ومع ذلك يصر فريق منا على زعمه بأن وراء ~~هذه الرابطة الظاهرة قوة حتمية في الطبيعة بغير نظير لها في الحياة الإنسانية، فذلك ~~تعنت يستحيل معه أن ينتهي المختلفون إلى حسم ما بينهم من نزاع. # 75 # وننتقل إلى «الحرية» التي يوصف بها سلوك الإنسان الإرادي دون سلوك الأشياء ~~المادية، فنسأل: ماذا يراد بهذه الكلمة؟ يقينا أن القائلين بها لا يقصدون أن أفعال ~~الإنسان لا يربطها رباط ms091 بدوافعه وميوله وظروفه، بحيث تجيء وكأنما هي لا تتبع تلك ~~الدوافع والميول والظروف على نحو فيه درجة معلومة من الاطراد؛ لأن الرابطة بين ~~الجانبين أمر معترف به متفق عليه؛ لكنهم يقصدون ب «الحرية» هنا أن الدوافع والميول ~~والظروف المحيطة قد تكون كلها قائمة، ومع ذلك فالإنسان قادر على أن يتصرف وفقها كما ~~أنه قادر على أن يمسك عن مثل هذا التصرف؛ أو بعبارة أخرى، إنهم يقصدون بحرية ~~الإرادة أن الظروف المحيطة كلها قد تكون قائمة، لكن لدى الإنسان قدرة بعد ذلك على ~~أن ينشط وعلى أن يظل ساكنا، فله أن يختار بين الحركة والسكون؛ فإذا كان هذا ما ~~يقصدونه، فليس هناك من يخالفهم في هذا المعنى، فما لم يكن الإنسان سجينا مغلولا ~~بالقيود، فله أن يختار في كل ظرف بين حركته وسكونه؛ ولكن السؤال المهم هنا هو: على ~~أي صورة يتحرك إذا ما تحرك؟ الجواب الصحيح هو أنه يتحرك على نفس الصورة التي ألفنا ~~الناس يتحركون بها في مثل هذه الظروف القائمة. # 76 ~~(5) المكان والزمان # مهما يكن الموضوع الخاص الذي يضعه هيوم موضع البحث والتحليل، فهو دائما يرتد إلى ~~الأساس العام الذي جعله مبدأ لفلسفته كلها، والذي بسطناه للقارئ في الفصل الأول من ~~هذا الكتاب، ومؤداه أن معرفة الإنسان مستمدة كلها من الانطباعات التي تنطبع بها حواسه ~~الخارجية وحواسه الداخلية، فطالما كان مصدر الانطباع قائما أمام الحس، لبثت الحاسة ~~منطبعة بأثره عليها، حتى إذا ما توارى ذلك المصدر ولم يعد قائما أمام الحس؛ بقيت صورة ~~الانطباع في الذهن نسخة من أصلها، لا تختلف عنه إلا في درجة الوضوح، وهذه الصورة ~~الذهنية التي تتخلف من الانطباع الحسي المباشر هي ما يسمى ب «الفكرة»؛ وإذن فكل ~~أفكارنا ينبغي أن تكون صورا لأصول حسية، غير أن هذه الأفكار لا تظل في رءوسنا بسيطة ~~فرادى كما جاءت أول الأمر، بل يمتزج بعضها ببعض ويتألف منها أفكار مركبة، فإذا أردنا أن ~~نختبر أية فكرة من هذه الأفكار المركبة لنرى مدى مشروعيتها، كان لزاما علينا أن ms092 نحلها ~~إلى الأفكار البسيطة التي منها تركبت، ثم نرى إن كانت هذه الأفكار البسيطة كلها ~~مصورات لانطباعات حسية انطبعت بها حواسنا أم أن بينها أفكارا بغير أصل حسي، فإن ~~استطعنا ردها جميعا إلى أصولها الحسية كانت فكرة مشروعة ذات معنى، وإلا فهي مختلقة لا ~~تقوم على أساس سليم ... وإذن فلنطبق هذا المبدأ نفسه على فكرتي المكان والزمان. # يحلل هيوم فكرتي المكان والزمان، فينتهي به التحليل إلى أنهما لا يشيران إلى انطباعات ~~حسية مستقلة بذاتها، أي إنه ليس بين انطباعاتنا الحسية انطباع تلقته الحواس عن شيء اسمه ~~«مكان» أو انطباع تلقته الحواس عن شيء اسمه «زمان»، لكن كلمتي «المكان» و«الزمان» ~~تشيران إلى طريقة ترتيب الانطباعات الأخرى ، و«طريقة الترتيب» ليست بالطبع واحدة من ~~الانطباعات التي تخضع لهذا الترتيب، فكما ترتب مجموعة من الكتب - مثلا - على «طريقة» ~~معلومة دون أن تكون «طريقة ترتيب» الكتب كتابا آخر يضاف إلى الكتب المرتبة، فكذلك ~~«المكان» و«الزمان» طريقتان لترتيب انطباعاتنا الحسية؛ أما «المكان» فهو اسم نطلقه على ~~طريقة ترتيبنا لانطباعاتنا التي انطبعت بها حاستا الرؤية واللمس؛ وأما «الزمان» فهو ~~كذلك اسم نطلقه على طريقة ترتيبنا لانطباعاتنا الحسية، ولا يقتصر الأمر هذه المرة على ~~نوعين فقط، هما انطباعات الرؤية وانطباعات اللمس، كما هي الحال في «المكان»، بل يجاوز ~~ذلك ليشمل جميع انطباعاتنا الحسية، سواء كانت الحاسة المنطبعة خارجية أو داخلية. # وهاك ما يقوله هيوم # 77 # في تحليل فكرة «المكان»: # إنني إذا ما فتحت عيني ووجهتما نحو الأشياء المحيطة بي، أدركت بهما مرئيات كثيرة، ~~فإذا ما أقفلتهما وتأملت المسافة التي تفصل هذه المرئيات حصلت على فكرة الامتداد؛ ولما ~~كانت كل فكرة مستمدة من انطباع معين على الحس بحيث تكون الفكرة على أتم شبه بالانطباع ~~الذي منه استمدت، كان لزاما أن تكون الانطباعات المشابهة لفكرة الامتداد إما إحساسات ~~جاءتنا عن طريق البصر، أو انطباعات داخلية نشأت عن تلك الإحساسات. # وما انطباعاتنا الداخلية إلا عواطفنا وانفعالاتنا ورغباتنا أو نفورنا؛ ولست أظن أن ~~أية واحدة من هذه الانطباعات الداخلية يمكن أن يقال ms093 عنها إنها النموذج الذي جاءت فكرة ~~«المكان» على غراره؛ وإذن فلا يبقى أمامنا إلا انطباعات الحواس الظاهرة، فهي التي يمكن ~~أن تمدنا بفكرة «المكان»؛ فأي الانطباعات الحسية يصلح أن يكون مصدرا لهذه الفكرة؟ هذا ~~هو السؤال الرئيسي الذي إذا أجبنا عنه جوابا صحيحا، جاء الجواب حلا حاسما يوضح ~~طبيعة فكرة «المكان». # وحسبي أن أتخير شيئا واحدا مما تقع عليه عيناي، وليكن هذه المنضدة التي أراها أمام ~~بصري، فهي وحدها كفيلة أن تمدني بفكرة «المكان»؛ وإذن فهذه الفكرة لا مصدر لها سوى ~~الانطباعات التي تطبعها المنضدة على حاسة البصر؛ لكن حاسة البصر لا تنقل إلي من ~~المنضدة إلا انطباعات عن نقط ملونة رتبت على نحو معين؛ ولو زعم لي زاعم بأن العين ~~ترى من المنضدة غير هذه النقط الملونة كما تنطبع عليها، فعليه أن يهديني إليه؛ أما إذا ~~عجز الزاعم عن الإشارة إلى شيء يجاوز هذه الانطباعات كان لنا أن نستنتج نتيجة يقينية هي ~~أن فكرة الامتداد ليست إلا صورة لهذه النقط الملونة بالترتيب الذي ظهرت به ~~لعيني. # وإذا فرضنا أن الشيء الممتد، أو قل التركيبة المؤلفة من مجموعة النقط الملونة - ~~فالعبارتان بمعنى واحد - إذا فرضنا أن هذه النقط الملونة التي استقينا منها بادئ ذي ~~بدء فكرة الامتداد، كانت أرجوانية، فإنه يتحتم بعدئذ كلما أعدنا إلى أذهاننا فكرة ~~الامتداد كما جاءتنا من تلك النقط، ألا نعيدها بنفس الترتيب الذي جاءتنا به عندما وقعت ~~أبصارنا على الجسم الممتد فحسب، بل إنه لن يسعنا بالإضافة إلى ذلك إلا أن نعيدها إلى ~~أذهاننا بنفس لونها الذي رأيناها به، وهو الأرجواني؛ لكن خبراتنا لن تقف بعد ذلك عند حد ~~هذا الشيء الممتد ذي اللون الأرجواني، بل سيقع لنا في خبراتنا من مجموعات النقط الملونة ~~ما هو بنفسجي أو أخضر أو أحمر أو أبيض أو أسود إلى آخر صنوف اللون؛ وعندئذ سنلحظ ~~تشابها في تكوين النقط من حيث علاقاتها بعضها ببعض، رغم اختلاف ألوانها، فنحذف بقدر ~~مستطاعنا صفة اللون من هذه التركيبات الامتدادية، ونبقي فكرة مجردة ms094 عن طريقة التركيب ~~وحدها بعد تخليصها من لون نقاطها، وطريقة التركيب متشابهة فيها جميعا، فتخلص لنا بذلك ~~فكرة الامتداد المكاني، ثم لا نكتفي في تجريدنا لفكرة الامتداد المكاني بحاسة البصر ~~وحدها، بل نضيف إليها حاسة اللمس، فنلمس نفس الشيء الذي رأينا نقاطه الملونة مرتبة على ~~نحو معين، نلمسه بأيدينا، فندرك أن انطباعنا اللمسي شبيه - من حيث ترتيب الأجزاء - ~~بانطباعنا البصري؛ ومن أجل هذا الشبه بينهما تصبح الفكرة المجردة عن الامتداد صالحة ~~لتمثيل الانطباعين معا في آن واحد: الانطباع البصري، والانطباع اللمسي للشيء الممتد؛ ~~وها هنا نعيد ما قد أسلفناه عند حديثنا عن الأفكار المجردة (راجع الفصل الأول من هذا ~~الكتاب) من أن الفكرة المجردة ، كائنة ما كانت، هي على كل حال صورة جزئية لفرد واحد من ~~أفراد المجموعة التي نمثلها بالفكرة المجردة، وغاية ما في الأمر أننا نطلق على هذه ~~الصورة دون زميلاتها وشبيهاتها اسما كليا، فتصبح بفضل هذا الاسم الكلي بمثابة الفكرة ~~الكلية التي لا تمثل نفسها فقط بل تنوب كذلك عن سائر أفراد نوعها؛ وعلى ذلك ففكرة ~~الامتداد التي نستخرجها من رؤية هذه المنضدة وحدها كافية لتمثيل الامتداد المكاني أيا ~~كان الجسم الممتد. # وهكذا تكون فكرة «المكان» عند هيوم مستمدة من الانطباعات البصرية واللمسية التي ~~تطبعها الأشياء على حاستي البصر واللمس، وأما فكرة «الزمان» فهي كذلك مستمدة من تينك ~~الحاستين مضافا إليهما كل أنواع الإدراك الأخرى أفكارا كانت أو انطباعات، وسواء كانت ~~هذه الانطباعات على الحواس الظاهرة أو الحواس الباطنة ... فكرة «الزمان» مستمدة من تتابع ~~إدراكاتنا، مهما يكن نوعها؛ وهي كأية فكرة مجردة أخرى تتمثل في أذهاننا بفكرة جزئية ~~لشيء محدد متعين الكم والكيف، والذي يجعلها كلية هو إطلاقنا اسما كليا عليها لتقوم ~~بتمثيل زميلاتها وشبيهاتها. # وكما أن فكرة المكان مستمدة من الطريقة التي رتبت بها الأشياء المرئية والملموسة، ~~أعني أنه ليس ثمة شيء قائم بذاته اسمه «مكان» يطبع حواسنا كما تطبعها - مثلا - هذه ~~المنضدة، بل «المكان» طريقة ترتيب الأشياء التي نحسها بالبصر واللمس، فكذلك فكرة الزمان ~~مستمدة، ms095 لا من شيء مستقل قائم بذاته اسمه «زمان» تنطبع به حواسنا، بل هي مستمدة من ~~تتابع المحسوسات، فترانا ندرك بالحس انطباعا إثر انطباع، أو ترد على أذهاننا الأفكار ~~فكرة بعد فكرة، فمن هذا التتابع تتكون فكرة الزمن. # إن الغارق في نعاسه، أو المنشغل بفكرة معينة تستنفد انتباهه ووعيه، لا يحس مر الزمن ~~ولا يدركه، وذلك لأنه عندئذ لا يعي تتابعا في إدراكاته، وبالتالي فهو لا يعي الزمن؛ ~~وعلى نفس الأساس تستطيع أن تقول إن الإنسان ليحس مر الزمن مسرعا أو مبطئا حسب سرعة ~~تتابع إدراكاته أو بطئها؛ إنه حيث لا تتابع في إدراكاتنا فلا زمن؛ فحتى لو كان هنالك ~~تتابع في وقوع الحوادث الخارجية ، لكنه تتابع أسرع من أن يلاحقه إدراكنا، فسيكون أمام ~~حواسنا بمثابة الشيء الثابت، وبالتالي لا يكون لإدراكنا له حلقات متتابعة، وإذن فلا ~~إدراك عندئذ للزمن؛ وعلى ذلك فالنتيجة التي ننتهي إليها هي أن الزمن ليس شيئا قائما ~~بذاته يعرض نفسه على العقل مستقلا عن سواه، بل وليس شيئا يعرض نفسه أمام العقل ~~مصحوبا بشيء آخر ثابت لا يتغير، بحيث ندرك حركته بالقياس إلى هذا الثابت، بل هو دائما ~~وفي جميع حالاته عبارة عن إدراكنا للتتابع الذي تتلاحق به الأشياء في تغيرها. # 78 # وإثباتا لهذا الذي قلناه عن حقيقة «الزمن» نضيف الدليل الآتي، وهو أن الامتداد ~~الزمني مهما قصر أمده مؤلف من لحظات، أي من أجزاء، لأنه لولا ذلك لما كان في إمكاننا ~~التفرقة بين فترتين زمنيتين من حيث الطول، فنقول عن إحداهما إنها أطول أو أقصر من ~~الأخرى؛ وبديهي ألا تكون هذه الأجزاء متآنية بعضها مع بعض، أعني أنها لا تتعاصر بحيث ~~تقع كلها معا في آن واحد، لأن تعاصر الأجزاء، أو قل قيامها معا في آن واحد، هو من ~~خصائص أجزاء المكان لا أجزاء الزمان؛ وإذن فمن هاتين المقدمتين (وهما: أن الامتداد ~~الزمني مؤلف من أجزاء، وأن هذه الأجزاء لا تكون متآنية) نخلص إلى نتيجة وهي أن الشيء ~~الذي لا يتغير يستحيل أن يمدنا بفكرة ms096 الزمن؛ إذ لو كان هنالك شيء ثابت، كان معنى ثباته ~~أن أجزاءه متآنية، لا يتلو بعضها بعضا، أي إنه لا يكون ثمة تعاقب في حالاته، وبالتالي ~~فلا تكون لدينا منه فكرة «الزمن»؛ إن هذه الفكرة - كما قلنا - لا بد لها من تعاقب ~~وتتابع، أي لا بد لها من تغير يصيب الأشياء بحيث تجيء حالة وتذهب حالة؛ إنه لو أصيب ~~العالم بسكون تام يجعله ذا حالة واحدة قائمة دائمة، لما كانت فكرة «الزمن» بين ~~مدركاتنا. ~~(6) حقيقة الاعتقاد # يفرق هيوم بين فكرتنا عن الشيء واعتقادنا فيه، # 79 # لأنه وإن تكن فكرتنا عن شيء ما شرطا أساسيا لاعتقادنا فيه، إلا أنها ~~ليست كل شيء في هذا الاعتقاد؛ ولنا - إذن - أن نسأل: ما طبيعة الاعتقاد؟ ماذا هناك من ~~المقومات حين نكون إزاء فكرة لدينا نعتقد في صوابها؟ # الفرق واضح بين مجرد تصورنا لفكرة معينة، وبين أن نحكم بوجود الشيء الذي تمثله هذه ~~الفكرة، فتستطيع - مثلا - أن تتصور فكرة عن كائن ذي صفات محددة معلومة، دون أن تضيف ~~إلى هذا التصور اعتقادا في وجود ذلك الكائن وجودا عينيا في عالم الأشياء؛ ومع هذا ~~الفرق الواضح بين الحالتين، فليس الفرق هو في إضافة عناصر جديدة في الحالة الثانية إلى ~~ما كانت عليه الفكرة في الحالة الأولى، بحيث تصبح الفكرة اعتقادا؛ ذلك أن فكرة ~~«الوجود» لا تختلف في شيء قط عن فكرة الشيء الذي ننعته بالوجود؛ تصور شيئا ما، ثم تصور ~~أن ذلك الشيء موجود وجودا حقيقيا، فلن تجد فرقا بين الحالتين، أي إن تصورك لذلك ~~الشيء باعتباره موجودا وجودا عينيا، لا يزيد ولا ينقص ولا يختلف عن مجرد تصورك له ~~تصورا عقليا؛ وتطبيقا لهذا نقول إننا حين نقرر أن «الله» موجود فلسنا نضيف شيئا ~~ولا ننقص شيئا ولا نغير شيئا من مجرد تصورنا لفكرة «الله»؛ بعبارة أخرى، إن «الوجود» ~~ليس صفة تضاف إلى سائر صفاته التي منها تتكون فكرتنا عنه، فلو فرضنا مثلا أن فكرتنا ~~عنه قوامها هذه العناصر: ا، ب، ج؛ فإن اعتقادنا في وجوده ms097 لا يزيد من هذه العناصر شيئا، ~~فستظل الفكرة - بعد الاعتقاد في وجوده كما كانت قبل الاعتقاد في وجوده - مكونة من ~~العناصر ا، ب، ج؛ وإذن ف «الوجود» ليس له فكرة خاصة به، تضاف أو تحذف من فكرتنا عن شيء ~~معين نقول عنه إنه موجود، ومع ذلك كله فلا نزال نقرر أن ثمة فرقا واضحا بين أن أتصور ~~فكرة معينة لكائن معين، وبين أن أعتقد في أن ذلك الكائن الذي تصورت فكرته في ذهني ~~موجود؛ ولما كان هذا الفرق - كما أوضحنا - ليس في مقومات الفكرة نفسها، إذن فلا بد أن ~~يكون ناتجا عن «الطريقة» التي نتصور بها الفكرة؛ أي إن صورة الفكرة ترتسم في أذهاننا ~~على نحو ما فتكون مجرد فكرة، ثم ترتسم على نحو آخر فتصبح اعتقادا في وجود الشيء الذي ~~تمثله تلك الفكرة. # إذا زعم لي زاعم من القضايا ما لست أعتقد في صوابه، فقال لي - مثلا - إن قيصر مات في ~~مخدعه، أو أن الفضة أكثر قابلية للانصهار من الرصاص، أو أن الزئبق أثقل من الذهب، فعدم ~~اعتقادي في صدق هذه الأفكار لا يغير من قوامها في ذهني، فمن الممكن أن أتصورها كما ~~يتصورها زميلي الذي زعمها لي، بحيث لا يكون ثمة فرق بين صورها في ذهني وصورها في ذهنه؛ ~~وإذن فالاعتقاد أو عدم الاعتقاد لا شأن له بعناصر الفكرة ذاتها، فليست الأفكار في ذهن ~~المعتقد في صوابها بأكثر في عناصرها منها في ذهن غير المعتقد؛ لكنه لا مراء في أن ثمة ~~فرقا بين الفكرة في حالة الاعتقاد وحالة عدم الاعتقاد في صوابها، وأعود فأسأل: ماذا ~~عسى أن يكون الفرق بين الحالتين؟ والجواب عن هذا السؤال يسير حين يكون اعتقادنا في صدق ~~الفكرة، أو صدق القضية التي نتصورها، مستمدا إما من الحدس أو من البرهان الاستنباطي، ~~لكنه يحتاج إلى شيء من التوضيح حين يكون اعتقادنا ذاك مستمدا من علاقة السبب بمسببه ~~أي حين يكون اعتقادنا خاصا بأمور الواقع، وليس محصورا في عالم الأفكار وحدها يستدل ~~فكرة من فكرة. # ذلك ms098 أن هيوم يقسم القضايا - صادقها وكاذبها على السواء - قسمين: فقضايا تقرر عن شيء ~~معين أنه موجود الآن، أو كان موجودا ذات يوم أو سيظهر في حيز الوجود بعد حين؛ وقضايا ~~لا تقرر الوجود عن شيء، ومن القضايا التي ليس من شأنها أن تقرر وجود الشيء الذي تتحدث ~~عنه قضايا الرياضة كقولنا إن 2 + 2 = 4، أو إن زوايا المثلث تساوي قائمتين، ومنها كذلك ~~القضايا التي لا تخرج عن كونها إثباتا لمعاني الألفاظ التي نتحدث عنها، كقولنا مثلا ~~إن الأسود والأبيض ليسا متشابهين، ويرى هيوم أن الشروط اللازمة للحكم على أمثال هذه ~~القضايا التي لا تتحدث عن وجود شيء مختلفة عن الشروط اللازمة للحكم على النوع الآخر من ~~القضايا التي تقرر أن شيئا ما ذو وجود فعلي حقيقي. # أما القضايا اللاوجودية (أي التي لا يقتضي صدقها أن يكون الشيء الذي تتحدث عنه ~~موجودا وجودا فعليا) فنحكم عليها بالصدق بإحدى وسيلتين: فنحكم بالصدق على بعضها ~~بالحدس (أي العيان العقلي المباشر) ونحكم بالصدق على بعضها الآخر بالبرهان الاستنباطي ~~الذي يبرهن على صدق النتيجة بالإشارة إلى المقدمة التي لزمت عنها تلك النتيجة لزوما ~~ضروريا، كما نفعل في الرياضة مثلا ... فاعتقادنا في صواب القضية اللاوجودية - عند هيوم ~~- ينبني على إدراكنا الحدسي أو على إقامة البرهان الاستنباطي؛ وهو ينبني على الإدراك ~~الحدسي، حين لا يقتضي منك الأمر إزاء القضية التي تحكم بصوابها سوى أن تفهم ألفاظها، ~~وهذا وحده كاف لتدرك من فورك أنها صادقة أو غير صادقة كأنما أنت عندئذ ترى بعين عقلك ~~رؤية مباشرة؛ ومن قبيل ذلك ما يسمى في الرياضة - مثلا - بالبديهيات، كأن نقول مثلا إن ~~الأشياء التي يتساوى كل منها مع شيء معين، تكون بالتالي مساوية بعضها لبعض؛ فحسبك هنا ~~أن تدرك معنى «التساوي» لتدرك على الفور أن الجملة صواب، لأن صوابها واضح بذاته كما ~~يقولون؛ وأما الصواب المنبني حكمه على البرهان الاستنباطي فهو - كما أسلفنا - أن تقدم ~~مقدمة صدقها مفروض، ثم تستخرج منها حقيقة كامنة فيها، فتكون هذه النتيجة المستخرجة ~~صوابا ما دامت ms099 مقدمتها صحيحة. # هكذا يقول هيوم عن القضية اللاوجودية إن طريقة الاعتقاد في صوابها يسير هين، ولكن ~~الأمر يحتاج إلى توضيح وشرح بالنسبة إلى النوع الآخر من القضايا، القضايا الوجودية التي ~~تقرر الواحدة منها عن شيء ما معين أنه موجود وجودا فعليا، أو أنه - إذا لم يكن ~~موجودا هذه اللحظة الراهنة - فقد كان موجودا في لحظة مضت أو سيكون موجودا في لحظة ~~آتية؛ فما سبيلنا إلى الاعتقاد في أمثال هذه القضايا؟ # هناك حالات ثلاث: فإما أن أكون في حالة إدراك حسي مباشر للشيء الذي أقول عنه إنه ~~موجود، كأن أحكم على القلم الذي في يدي الآن بالوجود لأني أراه بعيني وأحسه بأصابعي؛ ~~وإما أن أحكم على الشيء بأنه كان موجودا لأنني أستعيد في ذهني صورة ذهنية لانطباع حسي ~~وقع على إحدى حواسي في تلك اللحظة الماضية، كأن أذكر أنني بالأمس رأيت صديقي فلانا أو ~~سمعت صوته، والحالة الثالثة - وهي ليست ببساطة الحالتين المذكورتين - وهي حين أحكم ~~بوجود شيء وجودا فعليا، لا لأن له انطباعا مباشرا على إحدى حواسي، ولا لأني أستعيد ~~في ذهني فكرة عن مثل هذا الانطباع الذي ربما يكون قد وقع لي في الماضي، بل لأنه يرتبط ~~ارتباطا سببيا بشيء مما قد انطبعت به حواسي، بحيث أستطيع أن أقول إنه يستحيل أن تكون ~~حاسة البصر - مثلا - قد انطبعت بكذا وكذا دون أن يكون الشيء الفلاني موجودا أيضا، ~~لأنه يرتبط بانطباعاتي الحسية ارتباطا سببيا؛ مثال ذلك أن أرى ضوء القمر في غرفتي - ~~ولا أرى القمر نفسه - فأحكم بوجود القمر وجودا فعليا، لا لأني رأيته مباشرة، بل لأن ~~انطباعي الحسي - أعني ضوء القمر في غرفتي - لم يكن ليوجد بغير وجود القمر نفسه، لأنهما ~~مرتبطان معا ارتباطا سببيا. # 80 # إننا نبحث الآن عن حقيقة «الاعتقاد» وطبيعته، حين تكون في رءوسنا فكرة معينة «نعتقد» ~~أنها صواب؛ وقد قلنا بادئ ذي بدء ألا فرق من حيث عناصر الفكرة ومقوماتها بين مجرد تصور ~~الفكرة على أنها فكرة وكفى، وبين «الاعتقاد» بأنها فكرة صائبة؛ ولكن هنالك ms100 بالبداهة ~~فرقا بين الحالتين، فماذا عسى أن يكون هذا الفرق إذا لم يكن فرقا في عناصر الفكرة ~~ومقوماتها؟ # وفي الإجابة عن هذا السؤال قلنا إن الفرق كائن في «طريقة» التصور، لا في مادته ~~ومضمونه؛ لكن هذه التفرقة وحدها لا تكفي لتوضيح «الاعتقاد» وطبيعته، فلنمض في محاولتنا ~~تحديد الموقف وحقيقته حين يحكم الإنسان على فكرة معينة لديه بأنها صادقة. # إن مبدأنا العام في المعرفة الإنسانية كلها هو أنها نوعان لا ثالث لهما، فهي إما ~~«انطباعات» تقع على الحواس مباشرة، أو أفكار تكون هي نفسها الانطباعات بعد أن تزول ~~محدثاتها من أمام الحس فتبقي صورا ذهنية لا تختلف عن الانطباعات في حالتها الأولى ~~إلا من حيث درجة الوضوح والنصوع؛ الفكرة هي الانطباع الذي أحدثها، أو إن شئت فقل هي ~~نسخة من الانطباع الذي أحدثها، لا تختلف عنه في أجزائها ومضمونها، بل في قوتها فحسب، ~~فبينما الانطباع جلي ناصع تكون الفكرة أقل وضوحا وأبهت لونا؛ فلو كانت الفكرة مختلفة ~~عن انطباع معين، لم تكن هي فكرة ذلك الانطباع، بل فكرة الانطباع الذي يساويها في ~~المضمون والفحوى، من هذا كله يتبين أن «الاعتقاد» في فكرة ما لا يغير من مضمونها ~~وأجزائها، وكل ما يصنعه فيها هو أن يزيد الفكرة وضوحا ونصوعا؛ «الاعتقاد» في فكرة ~~معينة يضيف إلى قوتها وحيويتها، لكنه لا يغير منها شيئا؛ وإذن ففي مستطاعنا أن نعرف ~~«الرأي» أو «الاعتقاد» أدق تعريف بقولنا إنه «فكرة ناصعة متصلة أو مرتبطة بانطباع حسي راهن.» # 81 # ومعنى ذلك هو أن اعتمادنا في الحكم على فكرة ما بالصواب - رغم كونها فكرة ~~لا تمثل بذاتها انطباعا حسيا - قائم على أن تكون هذه الفكرة مرتبطة أو متصلة بانطباع ~~حسي، فيخلع عليها هذا الانطباع الحسي الذي يتصل بها أو يرتبط بها على نحو ما، وضوحا من ~~وضوحه ونصوعا من نصوعه. # هذه نقطة بالغة الأهمية في فلسفة هيوم، وهي من الأسس التي تجعله رائدا للمدرسة ~~التجريبية العلمية المعاصرة لنا اليوم، نعيدها ونوضحها للقارئ، فنقول إنه إذا كان ~~الإنسان إزاء قضية ms101 تتصل بالوجود الفعلي الواقعي لشيء ما (أي إنها ليست مجرد قضية ~~تحليلية تكرارية كقضايا الرياضة مثلا) فلا بد من اتصالها على وجه من الوجوه ~~بانطباعاتنا الحسية، فهي إما تتصل بتلك الانطباعات اتصالا مباشرا، بمعنى أنها عندئذ ~~تكون صورة أو نسخة لانطباع حسي أو أكثر، وإما أن تكون مرتبطة بفكرة أخرى مما يقوم ~~مباشرة على انطباع حسي أو أكثر؛ بعبارة موجزة نقول: إنه لا مناص من الرجوع إلى خبراتنا ~~الحسية على نحو ما إذا ما أردنا إثبات الصدق لقضية تنبئ عن إحدى الموجودات الفعلية ~~الواقعية، ولا يجوز لأحد أن يتحدث عن كائن ما، يزعم له الوجود الفعلي، دون أن يكون في ~~مستطاعه إسناد حديثه هذا إلى خبرة حسية، من بصر أو سمع أو لمس ... إلخ، أما أن تدعي ~~الوجود الفعلي لكائن معين، ثم تعجز عن هدايتنا إلى الحاسة التي جاءنا العلم به عن ~~طريقها، فذلك تناقض صريح، كأنك بمثابة من يقول: إني أرى ولا أرى، أو إني أسمع ولا ~~أسمع. # إذا استنتجت وجود شيء ما من وجود شيء آخر، فلا بد أن يكون هنالك سند لهذا الاستنتاج ~~مما يقع الآن على حواسنا، أو مما وقع على حواسنا في لحظة ماضية لكن صورته الذهنية لا ~~تزال قائمة في الذاكرة؛ أما أن تستنج شيئا من شيء آخر، وهذا الآخر من شيء ثالث، وهذا ~~الثالث من شيء رابع، وهكذا إلى ما لا نهاية، دون أن تقف هذه السلسلة الاستنتاجية بخطوة ~~ترتد بها إلى خبرتك الحسية، فذلك تسلسل في الاستنباط لا يعرف نهاية معلومة يقف عندها، ~~وبالتالي لا يجد الحلقة الرابطة التي تصله بمجرى الوجود الواقعي. # والحق أن العقل الخالص - الذي لا يستند إلى خبرة حسية - محال عليه أن يستنتج وجود شيء ~~معين من وجود شيء آخر؛ إنه لا يستطيع - مثلا - أن يستنج لون البرتقالة من شكلها، فإذا ~~ما رأينا أنفسنا نستنج شيئا كهذا، فليس هو «العقل» الذي يهدينا، لكنها «العادة» أو ~~«الترابط»؛ إذ اعتدنا أن نرى لون البرتقالة الأصفر مرتبطا بشكلها المستدير، بحيث يكفي ms102 ~~بعد ذلك أن تنطبع حواسنا بأحد الجانبين لننتقل إلى الآخر استنتاجا؛ وترانا «نعتقد» في ~~صواب النتيجة التي استنتجناها على أساس وضوحها في الذهن لارتباطها بانطباع حسي ذي وضوح؛ ~~وهكذا نعود إلى تعريفنا الذي أسلفناه لاعتقاد، بأنه «فكرة ناصعة متصلة أو مرتبطة ~~بانطباع حسي راهن». # وعد إلى خبرتك وانظر؛ فقارن بين حالتين: حالة تحكم فيها بواقعية الفكرة التي في رأسك، ~~وحالة أخرى تعلم فيها أنك إنما تحلم، وستجد أنك في الحالة الأولى، حالة اعتقادك بأن ~~أفكارك متصلة بالواقع الفعلي، إزاء أفكار واضحة ناصعة، وأما في الحالة الثانية، حالة ~~الأحلام والأوهام، فأنت إزاء أفكار على شيء من الغموض ... أو اقرأ التاريخ مقارنا إياه ~~بوقائع القصة الخيالية، تجد دائما أن اعتقادك في صدق التاريخ ليس مستمدا من أن ~~الأفكار فيه من نوع مختلف عن الأفكار الواردة في القصة الخيالية، بل الفرق كل الفرق هو ~~في درجة الوضوح الذهني: الأولى أكثر وضوحا لأنها مرتبطة بأسانيد وقعت على الحواس، ~~والثانية أقل وضوحا لأنها لا ترتبط بخبرات حسية مباشرة. # 82 # ولنضرب لك بعض الأمثلة التي توضح مبدأ هيوم في طبيعة الاعتقاد وحقيقته، حين يكون ~~الشيء الذي أعتقد في وجوده وجودا فعليا ليس قائما أمام حواسي قياما ~~مباشرا: # إنني «أعتقد» أن في رأسي مجموعة عصبية ذات صورة معينة ووظائف معلومة، هي التي نطلق ~~عليها كلمة «مخ»؛ فعلى أي أساس بنيت هذا الاعتقاد، ما دمت لا أرى مخي ولا أحسه إحساسا ~~مباشرا بأية حاسة من حواسي؟ بنيت هذا الاعتقاد على أساس أن هذه الفكرة التي أعتقد في ~~صوابها مرتبطة بشيء آخر تنطبع به حواسي الآن، وهو - مثلا - هذه الحركات التي تتحركها ~~يدي ممسكة بالقلم إذ أكتب هذا الذي أكتبه؛ هذا إدراك حسي مباشر، وعلمت بالخبرة الماضية ~~أنه ما كانت لتحدث مثل هذه الحركات اليدوية وهذه الكتابة التي أكتبها إلا إذا كان هنالك ~~جهاز عصبي من نوع معين؛ علمتني الخبرة الماضية أن هنالك شيئين مرتبطين دائما، وهما: ~~أمثال هذه الحركات التي تتحركها يدي، ووجود مخ في الرأس، فربطت بينهما ms103 ربطا يتيح لي ~~الآن أن أستنتج الجانب الذي لا أراه من الجانب الآخر الذي أراه؛ وبهذا يكون الاستنتاج ~~قائما على خبرة حسية مباشرة، ويكون «اعتقادي» في صوابه مستندا إلى وضوح هذا الذي أراه ~~الآن رؤية مباشرة. # مثل آخر: إنني أعلم أن قيصر مات مقتولا في روما، فعلى أي أساس بنيت هذا العلم ما دمت ~~لم أره بنفسي، وما دمنا قد جعلنا شرط المعرفة أن تنطبع حواسنا بما نعرف؟ بنيت علمي ~~بذلك على أساس كتابات قرأتها، أي على أساس انطباعات حسية مباشرة، ولدي من الروابط ما ~~يجعلني أستدل وجود الشيء الذي أقرأ عنه من الأسطر التي أقرؤها ... لكن ماذا لو كانت ~~الرابطة بين ما أرى الآن وبين ما «أعتقد» في وجوده استنتاجا ، لم تكن في خبرتي الماضية ~~مطردة الحدوث؟ هنا يكون حكمي على درجة من «الاحتمال» تتناسب مع تكرار الحدوث في خبراتي ~~السابقة، فتزيد درجة احتمال الصدق فيما أعتقده كلما زادت درجة تكرار حدوث الطرفين ~~المرتبطين في الظروف الماضية. # 83 ~~(7) ذاتية النفس # إذا كان علم الإنسان بأي شيء - كائن ما كان - قوامه انطباعات وأفكار، ثم إذا كانت هذه ~~الانطباعات والأفكار هي كحلقات السلسلة تتوالى بحيث لا يكون حاضرا منها إلا حلقة واحدة ~~في كل لحظة واحدة، فعلمنا ب «النفس» - كعلمنا بأي شيء آخر - هو كذلك مؤلف من انطباعات ~~وأفكار تتوالي دون أن يكون هناك «ذات» قائمة دائما إلى جانب تلك الحالات المتوالية؛ ~~وبهذا تكون «النفس» الإنسانية مجموعة من حالات، واحدة تعقب واحدة، وليست هي بالكائن ~~الذاتي الواحد الذي ننطبع به كما ننطبع بهذه المنضدة مثلا، أو كما ننطبع بإحدى عواطفنا ~~الداخلية؛ إنني قد أحس إحساسا مباشرا حالة «الغضب» أو حالة «العزيمة الإرادية» أو ~~حالة «الحب» أو «الكراهية» كما قد أحس إحساسا مباشرا لون الورقة التي أمامي ولمسة ~~القلم بين أصابعي، ولذلك فهذه كلها «كائنات» موجودة وجودا فعليا، أحسست بعضها بحواسي ~~الظاهرة وأحسست الأخرى بحواسي الباطنة؛ لكنني لا أحس «النفس» إحساسا مباشرا، لا بحاسة ~~ظاهرة ولا بحاسة باطنة. # يقول هيوم في ذلك: ms104 # 84 # إن هنالك فئة من الفلاسفة يصور لها الخيال أن الإنسان في كل لحظة شاعر ~~شعورا قويا وثيقا بما نطلق عليه كلمة «نفس»؛ وأنه يحس وجودها ويحس استمرار ذلك ~~الوجود استمرارا متصلا، ولذلك فهو دائما على يقين لا يتطرق إليه الشك بأن له ذاتية ~~كاملة، وأن هذه الذاتية بسيطة التكوين، وليست هي بالمركبة من مجموعة عناصر؛ وتلك الفئة ~~من الفلاسفة لا تحمل نفسها مشقة البرهان على صدق ما تزعم؛ إذ إن كل ما قد يساق برهانا ~~على هذه الحقيقة - في رأيهم - هو أضعف منها وأقل صلة بنفوسنا، فما من شيء على الإطلاق ~~هو ألصق بشعورنا من وجود «النفس الإنسانية»، أي من وجود ذواتنا، فلو كان ثمة انطباع ~~حسي، فالنفس هي التي تنطبع به ، وإذا كان ثمة عاطفة معينة، فالنفس هي التي تنفعل بها لذة ~~أو ألما، فبماذا إذن نقيم البرهان على وجودها؟ إننا لو شككنا في وجود «النفس» - هكذا ~~يقول أولئك الفلاسفة - لشككنا بالتالي في كل شيء، ولم يعد ما يمكن أن يعلم علم ~~اليقين. # لكن هيوم يأسف لهذا الموقف من أمثال هؤلاء، ويسألهم: أي انطباع حسي كان مصدر هذه ~~الفكرة - فكرة «النفس» - عندكم؟ إن أية فكرة لا تكون إلا نسخة من انطباع حسي سبق وقوعه ~~على إحدى الحواس - ظاهرة كانت تلك الحواس أو باطنة - فأي انطباع تكون فكرة «النفس» ~~صورته؟ إنه لا بد من الإجابة عن هذا السؤال إذا أردنا أن تكون فكرة «النفس» واضحة ~~مفهومة؛ إنه لا مناص لأية فكرة - كائنة ما كانت - من أن يكون لها أصل بين انطباعات ~~حواسنا، ذلك لو كانت الفكرة جديرة باسمها هذا، ولم تكن مجرد لفظ نقوله ولا نعني به ~~شيئا محددا واضحا؛ ولو كانت «النفس» كائنا دائم الوجود ما دام صاحبها موجودا، لزم ~~أن يكون هنالك انطباع حسي دائم التأثير على هذه الحاسة أو تلك، بحيث يكون لفظ «النفس» ~~اسما نطلقه على ذلك الأثر الحسي، لكننا لا نجد بين انطباعاتنا الحسية انطباعا يدوم ~~على حالة واحدة لا يتخلف ولا تصيبه زيادة ms105 ولا نقصان، فنجعله أصلا لهذه «النفس» ~~المزعومة التي نزعم لها الدوام وعدم التغير؛ إن حياتنا الإدراكية سلسلة من حالات لا ~~تتجمع كلها معا في لحظة واحدة، فالألم واللذة والحزن والسرور وشتى العواطف والإحساسات ~~تتعاقب واحدة في إثر واحدة، ولا يمكن أن تكون فكرة «النفس» مستمدة من واحدة وحدها من ~~هذه الحالات، وإذن فالفكرة نفسها من خلق الوهم وليس لها وجود. # أنقول إن «النفس» ليست حالة معينة من هذه الحالات المتعاقبة، ولكنها هي النواة التي ~~تتعلق بها تلك الحالات الجزئية وإليها تنتمي؟ لكنا نسأل: كيف تتعلق وعلى أي نحو تنتمي؟ ~~إن حالاتنا الإدراكية كلها مختلفات، نستطيع أن نميز بينها ونفرق بين واحدة وواحدة، بل ~~نستطيع أن نتصور وجود كل حالة منها على حدة غير معتمدة في وجودها على سواها، وغير ~~مستندة إلى دعامة تقيمها، فبأي صورة - إذن - تنتمي هذه الحالات المفردة المتتابعة إلى ~~نواة واحدة؟ «أما عن نفسي، فإنني إذا ما توغلت في هذا الذي أسميه «نفسي» توغلا أحاول ~~به أن أكون على صلة مباشرة بها، فلا أراني دائما إلا عاثرا على هذا الإدراك الجزئي أو ~~ذاك، كأن أقع على إدراك لحرارة أو لبرودة، أو نور أو ظل أو لحب أو كراهية، أو لألم أو ~~لذة، ولم أستطع قط أن أمسك ب «نفسي» في أية لحظة من اللحظات دون أن يكون هنالك حالة ~~إدراكية معينة، ثم لم أستطع أبدا أن ألحظ من نفسي إلا تلك الحالة الإدراكية وحدها؛ ~~فإذا ما زالت إدراكاتي لفترة معينة، كما يحدث مثلا في حالة النوم العميق، فإني لا أكون ~~عندئذ على وعي ب «نفسي» حتى ليمكن حقا أن يقال عني إني لست موجودا؛ ثم لو زالت كل ~~إدراكاتي بالموت، بحيث لا يعود في مستطاعي أن أفكر أو أن ألمس أو أن أبصر أو أن أحب أو ~~أكره، بعد تحلل جسدي، فإنني عندئذ أكون قد محيت محوا كاملا.» # 85 # فإذا زعم لي زاعم بعد هذا أنه يختلف وإياي في الرأي، وأنه يستطيع أن يجد له ~~«نفسا» غير ms106 الإدراكات الجزئية التي تعرض له، «فإنني أعترف بأنني عاجز عن المضي معه في ~~حجاج عقلي، وكل ما أسلم له به هو أنه قد يكون على صواب كما قد أكون أنا على صواب، وأننا ~~مختلفان اختلافا جوهريا في هذا الموضوع، إنه قد يكون مدركا لشيء متصل الوجود بسيط ~~التكوين، يقول عنه إنه «نفسه»، أما أنا فلست أشك في أنني لا أجد عندي شيئا كهذا.» # 86 # هكذا ينكر هيوم أن يكون في جوف الإنسان كائن واحد متصل اسمه «نفس»، ويمضي في حديثه ~~بعد هذا الإنكار ليقرر وهو مطمئن لصدق ما يقرره، يقرر أن الإنسان ليس إلا «حزمة أو ~~مجموعة من الإدراكات يعقب بعضها بعضا في سرعة هائلة لا يتصورها خيال، وهي إدراكات لا ~~تنفك في حركة وتدفق لا ينقطعان.» # 87 # إن العين إذا ما دارت في محجرها تغير إدراكها، ولئن كان تغير الإدراكات ~~البصرية بهذه السرعة وبهذا التنوع، فإن تغير الإدراكات الفكرية أشد سرعة وأكثر تنوعا؛ ~~وقل مثل هذا في شتى حواسنا، كلها تدرك إدراكات متلاحقة سريعة التغير، بحيث لا تظل قوة ~~واحدة من قوى الإدراك ثابتة على مدرك واحد لحظة واحدة؛ إن العقل الإنساني لأشبه شيء ~~بالمسرح، تتعاقب عليه الإدراكات المختلفة الكثيرة تعاقبا سريعا واحدا في إثر واحد، ~~وهي لا تفتأ في مرها هذا السريع يختلط بعضها ببعض لتتكون منها تركيبات لا نهاية ~~لاختلافها ولا حد لصنوفها وأوضاعها، حتى لنستطيع أن نجزم بأن «النفس» لا تكون نفسا ~~واحدة بسيطة مدى لحظة واحدة من زمن، كلا ولا هي تؤلف «ذاتية» واحدة تصب العناصر ~~المختلفة في كائن واحد، على الرغم مما نتوهمه في أنفسنا من أن كيان الإنسان قوامه نفس ~~بسيطة لها ذاتية فريدة واحدة، «على أن تشبيهنا العقل بالمسرح لا ينبغي أن يضللنا؛ إذ ~~ليس العقل إلا الإدراكات المتوالية، دون أن يكون لهذه الإدراكات مكان معين لظهورها.» # 88 # فإذا كان الإنسان حلقات متتابعة من إدراكات لا تربطها وحدة، فما الذي أوحى إليه بهذا ~~الوهم العجيب، وهو أن هذه الإدراكات المتتابعة إنما تنتمي ms107 كلها إلى «ذات» واحدة يستمر ~~وجودها ويتصل من أول الحياة إلى آخرها، ما الذي أوهم الإنسان أن له «نفسا» أو «روحا» ~~أو «ذاتا» لا تنفك قائمة منذ لحظة ميلاده إلى لحظة موته، مع أنه إذا ما نظر إلى باطنه ~~ليلحظ ما هنالك، لم يجد إلا حالات فرادى يتلو بعضها بعضا، وليس بينها خيط يربطها في ~~ذات واحدة؟ # إنه لما كان الشبه شديدا بين الذاتية التي نخلعها على حياتنا الفكرية، والوحدانية ~~التي نصوغ فيها مجموعة الحالات التي يتألف منها فرد من أفراد النبات أو الحيوان، بحيث ~~نقول عن شجرة معينة أو عن كلب معين - مثلا - إنها «شجرة واحدة» رغم اختلاف حالاتها، ~~وإنه «كلب واحد» رغم تنوع حالاته، أقول إنه لما كان الشبه شديدا بين الذاتية التي ~~نخلعها على أنفسنا والذاتية التي نخلعها على فرد معين من أفراد النبات أو الحيوان، ~~فلنتحدث عن النبات والحيوان أولا على سبيل الشرح والتوضيح. # إنه لا شك في أن لدينا فكرة محددة عن أي شيء معين كيف أنه يظل شيئا واحدا مدى فترة ~~من الزمن، لا يتعاوره خلالها تغير ولا يتقطع فيها مجرى وجوده، على الرغم من أننا نعلم ~~أن هذه الوحدانية والاستمرار اللذين نخلعهما على ذلك الشيء المعين لا ينفيان أن لحظات ~~الزمن المختلفة تتعاقب عليه بما تحمل من تغيرات؛ بعبارة أخرى، إن لدينا فكرة محددة عن ~~شجرة معينة أنها تظل هي هي مدى فترة معينة من الزمن، رغم ما يتعاورها من تغيرات مع ~~تعاقب اللحظات الزمنية عليها، وهذه الوحدانية الكامنة وراء الظواهر المتغيرة هي ما ~~نسميه بالذاتية أو بالهوية؛ وإلى جانب هذه الفكرة المحددة التي لدينا عن وحدانية الشيء ~~الواحد، يكون لدينا فكرة محددة أخرى عن «تعدد» الحالات التي تتعاقب عليه، كأنما كل حالة ~~من تلك الحالات الكثيرة كائن قائم بذاته لا علاقة بينه وبين سابقه أو لاحقه أو مصاحباته ~~... هاتان فكرتان محددتان عندنا عن أي شيء معين: فكرة أن له وحدانية في ذاتيته واستمرارا ~~في وجوده، وفكرة أنه ذو حالات كثيرة وظواهر متعددة ms108 يتصل بعضها ببعض على نحو ما لكننا ~~نستطيع تصور كل حالة على حدة كأنما هي كائن مستقل بذاته؛ غير أن هاتين الفكرتين على ~~تميز إحداهما من الأخرى سرعان ما تختلط إحداهما بالأخرى في خيال الإنسان بحيث تتعذر ~~التفرقة بينهما، وتصبح الكثرة هي نفسها الذات الواحدة، كما تصبح وحدانية الذات هي نفسها ~~الحالات الكثيرة التي تتعاقب متصلا بعضها ببعض؛ وسر ذلك هو أن فعل الخيال الذي نوحد به ~~الشيء هو نفسه الذي نستعرض به الكثرة؛ فترى العقل ينتقل من حالة من حالات الشيء المعين ~~إلى التي تليها ثم التي تليها، انتقالا يزداد سهولة ويسرا كلما كثر تكرار هذه العملية ~~إزاء ذلك الشيء الذي يستعرض العقل سلسلة حالاته، فيتوهم الإنسان - لسهولة انزلاقه على ~~سلسلة الحالات المتتابعة - أنه إنما يدرك شيئا واحدا لا كثرة من حالات؛ وإن هذا الوهم ~~ليرسخ في أنفسنا رسوخا إلى حد أننا قد ندقق النظر آنا فندرك أننا في الحقيقة إزاء ~~حالات متعددة حين نظن أننا إزاء شيء واحد ذي ذات واحدة، لكننا سرعان ما نعود إلى وهمنا ~~الأول، فنثبت للشيء مثل هذه الذاتية الموهومة؛ ثم سرعان ما ننسى أننا منذ لحظة كنا قد ~~دققنا النظر في الأمر وعلمنا ألا ذاتية هناك ولا اتصال في الوجود، ننسى ذلك ويغلب علينا ~~الاعتقاد بأن الشيء الذي نحن بصدده ليس حالات كثيرة متتابعة وكفى، بل إن وراء هذه ~~الكثرة وحدانية ذاتية تمسكها كلها معا لتجعل منها كائنا واحدا، وها هنا ترانا نشطح ~~في الوهم بحيث نفرض أن ثمة مبدأ خفيا وراء الظواهر المتغيرة الكثيرة في الكائن ~~الواحد، وأن هذا المبدأ الخفي هو السر في ذاتية الشيء وفي اتصال وجوده، ثم نخطو بعد ذلك ~~خطوة فنطلق على هذا المبدأ المزعوم اسما فنسميه «نفسا» أو «روحا» أو «جوهرا»، ولا ~~نلبث أن ننسى أن هذا المبدأ المزعوم هو من خلقنا نحن، وأن ليس هنالك إلا الحالات ~~الكثيرة المتتابعة التي ضممناها معا بالخيال وفرضنا لها وحدانية واتصال وجود؛ لا بل ~~إننا قد نجاوز هذا الوهم إلى ms109 وهم آخر في حالة النبات والحيوان، فلا نكتفي فيهما بمبدأ ~~الذاتية الذي نستعين به على أن نجعل الشجرة «الواحدة» أو الحيوان «الواحد» كائنا ~~واحدا، بل نضيف إلى ذلك حقيقة ملغزة مبهمة نتخذ منها رباطا يربط أجزاء الشجرة ~~«الواحدة» في كائن عضوي «واحد». # 89 # أوهام هي إذن هذه الأشياء الخفية التي نسميها بالذاتية أو بالنفس أو بالروح أو ~~بالجوهر؛ وليس قوام الشيء الذي نعده شيئا «واحدا» إلا مجموعة كبيرة من حالات كثيرة ~~منوعة، ارتبطت معا فيما ظنناه شيئا «واحدا» بمبدأ من مبادئ الترابط، كالتشابه أو ~~التجاور أو تلازم السبب والمسبب؛ وما مشكلة «الذاتية» أو «النفس» أو «الروح» أو ~~«الجوهر» إلا مشكلة ألفاظ انتحلناها انتحالا دون أن تكون لها مسميات مما يمكن أن نقع ~~عليه بين انطباعاتنا أو أفكارنا. # الذاتية التي نخلعها على الشيء هي من خلق خيالنا وليست هي بذات وجود واقعي في الشيء ~~نفسه؛ فحيث يسهل انتقال العقل من إحدى حالات الشيء إلى حالة أخرى، نزعم أن بين الحالتين ~~ذاتية توحد بينهما، وأما حيث يتعذر على العقل مثل هذا الانتقال السهل فها هنا ترانا ~~نتشكك في أن تكون بين الحالات المختلفة ذاتية توحد بينها؛ فانظر مثلا إلى كتلة من ~~الصخر، ثم افرض أن زيادة طفيفة أضيفت إليها بحيث يتعذر عليك إدراك الفرق بين الحالتين، ~~قبل الزيادة وبعدها، فعنذئذ يسهل على العقل أن ينتقل من حالة الصخر الأولى إلى حالته ~~الثانية، ولذلك نحكم بأن الصخرة التي نحن بصددها «واحدة» ذات وجود متصل؛ أما إذا أضيفت ~~إلى الصخرة إضافة كبيرة ملحوظة، أو قطعت منها قطعة كبيرة ملحوظة، بحيث لا يسهل الانتقال ~~بين الحالتين انتقالا فيه انزلاق لا تعثر فيه، لما بين الحالتين من اختلاف ظاهر، ~~فعندئذ نقول عن الصخرة إنها لم تعد هي هي، وإنها فقدت ذاتيتها واستمرار وجودها. # والأمر في الجزء المضاف أو الجزء المحذوف، هل هو كبير ملحوظ أم هو صغير غير ملحوظ، ~~أمر نسبة، فقد تضيف جبلا بأسره إلى كوكب ومع ذلك تقول إن الكوكب لم تتغير ذاتيته ولم ms110 ~~ينقطع وجوده المستمر على حالة واحدة، بينما قد تضيف جزءا صغيرا أو تحذف جزءا صغيرا ~~من جرم صغير فيظهر التغير ظهورا واضحا يحملنا على القول بأن ذلك الجرم لم يعد هو هو، ~~بل أصبح شيئا آخر ... الأمر كله موكول إلى سهولة انتقال الفكر بين الحالة قبل حدوث ~~التغير والحالة بعده، فإن كان انتقالا سهلا، حكمنا بأن الشيء ما يزال محتفظا ~~بذاتيته، وإن كان متعذرا متعثرا حكمنا بزوال ذاتيته. # يؤيد هذا أن التغير الطارئ، حتى إن كان تغيرا جسيما في النهاية، لكنه حدث متدرجا ~~في بطء لم نتمكن معه أن نلحظ التغير إلا بعد أن تبعد الشقة بين الطرف الأول والطرف ~~الأخير، فإننا خلال تغير كهذا نظل نحكم بأن الشيء محتفظ بذاتيته وذو وجود متصل؛ ذلك لأن ~~انتقال الفكر من حالة إلى الحالة التي تليها سهل بحيث لا نتنبه عند كل مرحلة أنها مرحلة ~~جديدة تختلف عن سابقتها؛ هكذا نظل خلال التغيرات المتدرجة، حتى إذا ما بعدت الشقة بين ~~الحلقة الأولى والحلقة الأخيرة، فها هنا نستيقظ إلى ما قد حدث من اختلاف، ونأخذ في ~~الارتياب والتشكك بأننا في الحقيقة قد أصبحنا إزاء شيء آخر مختلف عن الشيء الأول، وأنه ~~لم تعد بين الشيئين ذاتية تمسكهما معا في كائن واحد. # وكذلك مما يميل بخيالنا إلى توهم الذاتية في أجزاء الشيء الكثيرة، أن يكون لهذه ~~الكثرة من الأجزاء هدف واحد، فافرض مثلا أننا قد غيرنا بعض الأجزاء في سفينة، فإننا ~~سنظل نقول عن السفينة إنها هي هي لم تتغير، لأن أجزاءها - قديمها وجديدها - ما زالت ~~مجتمعة على هدف واحد، ومن ثم يسهل على الفكر أن ينتقل من حالة السفينة قبل إصلاحها إلى ~~حالة السفينة بعد إصلاحها، فيحكم عليها بالتالي أن لها ذاتية واحدة لم تتغير. # ولئن كان الشيء الجامد - كالسفينة في المثل السابق - ترتبط أجزاؤه في ذاتية واحدة ~~بسبب اشتراك تلك الأجزاء في هدف واحد، فإن الكائن الحي - نباتا كان أو حيوانا - ليضيف ~~إلى هذا الاشتراك في الهدف عنصرا آخر، وهو أن الأجزاء ms111 معتمد بعضها على بعض، وبهذا ~~يزداد خيالنا إمعانا في توهمه بأن أجزاء النبتة الواحدة أو الحيوان الواحد مصبوبة كلها ~~في ذاتية توحد بينها في كائن واحد، حتى إن النبتة الواحدة أو الحيوان الواحد قد يصيبه ~~من التغير على مر الزمن ما يجعله جد مختلف عما كان عليه في كثير من الوجوه، ومع ذلك يظل ~~الإنسان يحكم عليه بأنه ما يزال هو هو لم يتقطع مجرى وجوده، ولا زالت عنه فرديته ~~وذاتيته؛ فشجرة البلوط التي تنمو من نبتة صغيرة حتى تصبح شجرة جبارة، نقول عنها إنها ما ~~زالت - رغم هذا الاختلاف البعيد بين الطرفين - هي هي شجرة البلوط الواحدة، مع أنه لم ~~يعد من وجودها الأول ذرة واحدة على حالها، ولا احتفظت بشيء من هيئتها الأولى؛ وقل ذلك ~~بعينه في الرضيع يصبح رجلا، وفي الرجل تزيد بدانته أو يصيبه الهزال، فسنظل نقول عنه ~~إنه هو هو بعينه ذلك الذي كان؛ إذ نزعم له ذاتية واحدة دائمة متصلة. # 90 # مبدؤنا - إذن - هو أن الذاتية التي نخلعها على أي شيء لنجعل منه كائنا واحدا، على ~~الرغم من أنه في حقيقته مجموعة كبيرة من حالات مختلفة، إنما تنشأ حينما يكون انزلاق ~~الخيال خلال هذه الحالات سهلا يسيرا، فتوهمنا سهولة الانتقال من حالة إلى الحالة التي ~~بعدها فالتي بعدها وهكذا، بأن هذه الحالات في حقيقتها كائن واحد ذو ذاتية واحدة؛ ولا ~~نستيقظ إلى حقيقته المتكثرة إلا حين يعسر هذا الانتقال. # ولنضرب بعض الأمثلة الموضحة: إذا سمعت صوتا متقطعا تفصل أجزاءه فترات من سكون، ~~فهذه كثرة من أجزاء ولا شك، لكنك ستقول عن هذه الأجزاء المتعاقبة المتقطعة إنها صوت ~~واحد، وذلك لما بين الأجزاء الصوتية من تشابه يسهل على خيالك الانتقال من جزء صوتي إلى ~~الجزء الذي يليه؛ مع أن حقيقة الأمر هي أن الأجزاء الكثيرة لا تصبح خطا صوتيا ~~واحدا بسبب التشابه، بل تظل أجزاء كثيرة كما هي، لكنه وهم الإنسان سرعان ما يحول ~~ذاتية التشابه إلى ذاتية عددية، أي إنه سرعان ما يجعل من ms112 الأجزاء التي تربطها صلة الشبه ~~جزءا واحدا متصلا. # ومن هذا القبيل نفسه أن تقول عن كنيسة معينة - مثلا - إنها لا تزال هي هي الكنيسة ~~التي كانت بادئ ذي بدء، على الرغم مما قد يحدث من هدمها وإعادة بنائها؛ فقد تكون ~~الكنيسة في حالتها الأولى مبنية بالطوب الأحمر، ثم تهدم ويعاد بناؤها بنوع آخر من ~~الحجر، بل قد يعاد بناؤها على طراز آخر من فن البناء، ومع هذا الاختلاف بين حالتيها في ~~مادة البناء وطرازه، لا بأس عندك في أن تقول عنها إنها هي هي الكنيسة هدمت وأعيد ~~بناؤها، لمجرد كونها تنتمي - مثلا - إلى فئة معلومة من الناس، أو إلى إقليم كنسي معين؛ ~~فإلى هذا الحد البعيد قد يتجاهل الإنسان وضع الأمور على حقيقتها، وهو أنهما كنيستان لا ~~كنيسة واحدة ، ليوحد بين الحالات المتعاقبة في ذات واحدة إن كان لخياله ما يبرر هذا ~~التوحيد. # وانظر إلى النهر كيف يتغير ماؤه وتتغير شطآنه تغيرا سريعا، حتى ليستحيل أن يظل على ~~حاله يوما واحدا، ومع ذلك ترانا نغضي عن هذه الحقيقة لنضم هذه الحالات المختلفة ~~المتعاقبة في نهر واحد ذي ذاتية واحدة؛ فيكفي - مثلا - أن يكون التغير أمرا متوقعا ~~في ماء النهر ليمضي هذا التغير دون أن يثير اهتمامنا ويوقظ انتباهنا، ولو كان التغير ~~مفاجئا وملحوظا لجاز لنا أن نتنبه لحقيقة الحال فنعلم أننا إزاء حالات كثيرة لا إزاء ~~حالة واحدة مستديمة ثابتة؛ وهكذا كلما سنحت الفرصة لفكر الإنسان أن يغضي عن التغير ~~الحادث في الشيء، كان أميل إلى الاعتقاد بأن ذلك الشيء كائن واحد ذو ذات واحدة ووجود واحد. # 91 # وننتقل بعد ذلك إلى موضوعنا الرئيسي، وهو الذاتية الشخصية التي ننسبها إلى الفرد ~~الواحد من الإنسان، وسنرى أن الأمر لا يختلف هنا عنه في النبات والحيوان والأشياء ~~الجوامد من طبيعي ومصنوع؛ فالذاتية التي نصف بها عقل الإنسان، بأن نقول عن ذلك العقل ~~إنه كائن واحد ذو وجود متصل، هي الأخرى وهم كالذاتية التي ننسبها وهما لسفينة أو منزل ~~أو شجرة أو نهر. ms113 # انظر إلى نفسك من باطن، وستلحظ حالات فرادى من حالات الإدراك، وسترى في وضوح كل حالة ~~من هذه الحالات وهي مفردة قائمة بذاتها، متميزة من سواها، مختلفة عن سابقتها ولاحقتها، ~~ولو كانت «الذاتية» رباطا يربط كل هذه الحالات الإدراكية في «عقل» واحد لما كانت ~~الفوارق والمميزات بينها بكل هذا الوضوح؛ إن ما نسميه ب «الذاتية» ليس دمجا لهذه ~~الإدراكات المختلفة المتتابعة، بل هو لا يعدو أن يكون نوعا من الترابط بين أفكارنا، ~~بحيث تجتمع أو تفترق، دون أن تضيع فردية كل فكرة على حدة؛ فمهما اشتدت الرابطة بين ~~فكرتين، كرابطة السببية مثلا بين الفكرة التي نقول عنها إنها سبب والفكرة التي نقول ~~عنها إنها مسبب لها، فإن هذه الرابطة الشديدة لا تجعل من الفكرتين فكرة واحدة، بل تظل ~~كل فكرة كائنا قائما بذاته، يمكن أن نراه وحده مستقلا معزولا عن غيره؛ إن أفكارنا ~~لترتبط بعضها ببعض، ويدعو بعضها بعضا على أسس ثلاثة: فإما أن يكون بين الفكرتين تشابه، ~~أو أن يكون بينهما تجاور، أو أن ترتبط إحداهما بالأخرى بالرباط السببي (على أن نفهم ~~«السببية» بالمعنى الذي يقصد إليه هيوم)؛ وليست «الذاتية» رباطا آخر يضاف إلى هذه ~~الروابط الثلاثة، بل هي كلمة كل معناها في الواقع هو أننا حين ننتقل بخيالنا من فكرة ~~إلى فكرة، يكون الانتقال ميسرا سهلا، لشدة ما بين هذه الأفكار من صلة سلست بالتكرار ~~والتعود؛ والذي أسلس هذه الصلة بين الأفكار ومهد الفواصل بينها بحيث أصبحت كأنها ليست ~~قائمة هناك تعوق الانتقال من فكرة إلى فكرة، هو - كما قلنا - تشابه الأفكار حينا، ~~وتجاورها حينا آخر، ورابطة السببية بينها حينا ثالثا. # 92 ~~(8) العاطفة وتحليلها ~~(8-1) تقسيم العواطف # لعل البحث في العواطف أن يكون أضعف جانب في فلسفة هيوم، وربما أحس بهذا الضعف ~~هيوم نفسه؛ فقد كان اختص موضوع العواطف بكتاب من الكتب الثلاثة التي كان يتألف ~~منها مؤلفه الأول «رسالة في الطبيعة البشرية»، وكانت هذه الكتب الثلاثة على التوالي ~~هي: الكتاب الأول في العقل البشري، والكتاب الثاني في ms114 العواطف، والكتاب الثالث في ~~الأخلاق؛ ولكن «الرسالة» لم تصب نجاحا عند القراء أو عند النقاد، فصمم هيوم على ~~أن يعرض آراءه نفسها التي في «الرسالة» عرضا آخر، لعله يسترعي به الأنظار هذه ~~المرة، فأخرج الجزء الخاص بالعقل البشري بادئ ذي بدء، أخرجه في كتاب مستقل جعل ~~عنوانه «بحث في العقل البشري»، وذلك بعد أن لخص آراءه وركزها وزادها توضيحا؛ ثم ~~عقب على ذلك بعد حين بالجزء الخاص بالأخلاق؛ إذ أخرجه كذلك في كتاب مستقل جعل ~~عنوانه «بحث في مبادئ الأخلاق»، وترك الجزء الخاص بالعواطف، لم يفكر أول الأمر في ~~إعادة نشره، حتى أصبح مسموع الصوت واسع الشهرة، فأخذ عندئذ يراجع الجزء الخاص ~~بالعواطف من «رسالته» لعله مستطيع أن يخرجه هو الآخر في «بحث» مستقل كما فعل في ~~«العقل» وفي «الأخلاق»، لكنه آخر الأمر اكتفى بأن يلخص آراءه عن «العواطف» - لا في ~~كتاب مستقل - بل في مقال يضيف إليه مقالات أخرى في موضوعات مختلفة، وهاك خلاصة ~~موجزة لوجهة نظره في موضوع «العواطف». # يستخدم هيوم لفظ «العواطف» بمعنى كان سائدا في أيامه، وهو يختلف عن المعنى ~~المعروف للكلمة بين علماء النفس في يومنا هذا؛ إذ يستعمل اللفظ ليشمل كل صنوف ~~الغرائز والدوافع النفسية والميول والرغبات والانفعالات بالإضافة إلى ما يسمى اليوم ~~ب «العواطف»؛ لا بل إن هيوم ليستعمل هذا اللفظ ليشمل هذه الجوانب كلها في الإنسان ~~والحيوان على السواء؛ ومع ذلك فهو لا يريد للفظ «العواطف» أن يشمل في معناه الشعور ~~باللذة والشعور بالألم؛ # 93 # إذ يجعل هذين الشعورين ضربين من ضروب «الانطباعات الحسية» يختلفان عن ~~سائر الانطباعات وإن يكونا مصاحبين لها؛ ذلك أن «هنالك ثلاثة أنواع من الانطباعات ~~الحسية تحملها لنا الحواس؛ أولها تلك الانطباعات التي تطبعنا بها الأجسام من حيث ~~شكلها وحجمها وحركتها وصلابتها؛ وثانيها الانطباعات التي تحدثها الألوان والطعوم ~~والروائح والأصوات والحرارة والبرودة؛ وثالثها مشاعر الألم واللذة التي تنشأ من ~~التقاء الأشياء بأجسامنا، كالألم الذي يحدث - مثلا - إذا ما جرح الجسم قاطع من ~~الصلب وما شابه ذلك»، # 94 # لكنه ms115 يعود في موضع آخر من «الرسالة» فيضيف إلى هذا النوع الجسدي من ~~اللذة والألم نوعا آخر ينشأ عن تأملنا لفكرة في أذهاننا وما إلى ذلك من حالات ~~نفسية تشيع في الإنسان شعور الطمأنينة والرضى، أو شعور القلق والنفور؛ على أن شعور ~~اللذة والألم - جسديا كان أو نفسيا - ليس دائما من طراز واحد، بل هو صنوف ~~كثيرة مختلفة، إن كان بينها من التشابه ما يبرر لنا أن نطلق عليها جميعا اسما ~~واحدا، هو «اللذة» أو «الألم»، فإن بينها بعد ذلك اختلافات بعيدة، «فالقطعة الجيدة ~~من الموسيقى، والزجاجة من الخمر الجيد، كلاهما يحدث فينا شعورا باللذة، بل إن ~~جودتهما نفسها إنما تتقرر بهذه اللذة التي يحدثها كل منهما، لكن هل يجوز لنا بناء ~~على ذلك أن نصف الواحدة منهما بما نصف به الأخرى، فنصف الخمر بأنه منسجم النغم، ~~ونصف الموسيقى بالنكهة الطيبة؟» # 95 # ونعود إلى «العواطف» بمعناها المقصود عند هيوم (وليس بينها الشعور باللذة والشعور ~~بالألم) فنجدها بدورها تنقسم أنواعا؛ فأولا هنالك الشهوات الفطرية التي ينشأ عنها ~~جانب كبير من متعتنا؛ فمن الجوع تنشأ لذة الطعام، فها هنا ترى «الجوع» عاطفة فطرية ~~(باصطلاح هيوم) هي الشرط اللازم تحققه لتتحقق معه لذة من لذائذنا؛ والجوع بدوره ~~مشروط بحالات الجسم، وهذه الحالات بدورها متوقفة على مجموعة كبيرة من الظروف؛ ولكن ~~«عاطفة» الجوع رغم اعتمادها على ظروف جسدية معينة، إلا أنها غريزية في ذاتها، أعني ~~أنها لا تتوقف في حدوثها على خبرة لنا سابقة بلذة أو ألم؛ «فأمثال هذه العواطف - أي ~~الشهوات الجسدية - تحدث اللذة والألم، ولكنها لا تنشأ عنهما»، # 96 # وفي رأي هيوم أن هذه المجموعة الجسدية من العواطف، أي الشهوات وما ~~إليها، تشمل إلى جانب الجوع وشهوة الجنس، حب الحياة، والرأفة بالأطفال والحنو عليهم ~~وغير ذلك؛ فكلها عواطف لا تنبني على خبرات سابقة بلذة أو ألم، بل إنها تنبثق من ~~الفطرة رأسا بغير علة ظاهرة، ولذلك يسميها بالعواطف الأولية. # والمجموعة الثانية من «العواطف» (باصطلاح هيوم) تشمل الحالات الوجدانية، التي إن ~~اتفقت مع الغرائز ms116 الفطرية - كالجوع وشهوة الجنس - في أنها هي الأخرى مميزات تصف ~~الطبيعة البشرية، وأنها كذلك تتوقف في حدوثها على تركيب الفطرة الإنسانية، إلا أنها ~~تعود فتختلف عن الغرائز في أن السبب المباشر لحدوثها هو دائما خبرة سابقة بلذة أو ~~ألم؛ فمثلا إذا أحسسنا جوعا، وكنا في سابق خبراتنا قد أكلنا طعاما معينا أشبع ~~فينا حالة مماثلة من حالات الجوع، فقد نتذكر الآن هذا الطعام، فيثير هذا التذكر ~~شعورا باللذة، هو الشعور الذي كنا قد نعمنا به في تلك الخبرة السابقة؛ وهذه ~~اللذة المستثارة بدورها تثير فينا انطباعا متميزا مستقلا قائما بذاته، هو الذي ~~نطلق عليه اسم «الرغبة»، فإن هذه «الرغبة» الحاصلة هي من قبيل عواطف المجموعة ~~الثانية، وهي عواطف - كما أسلفنا - تشبه عواطف المجموعة الأولى في أنها ناتجة عن ~~الفطرة الحيوانية أو الإنسانية، لكنها تختلف عن عواطف المجموعة الأولى في أنها ~~مسبوقة بخبرات ماضية من لذائذ وآلام؛ ولذلك يسميها بالعواطف الثانوية، فلئن صح أن ~~نسمي المجموعة الأولى ب «الغرائز» فقد يصح أن نسمي المجموعة الثانية ب «الحالات ~~الوجدانية»؛ ومن قبيل هذه الحالات الحزن والفرح والأمل والخوف واليأس ثم الإرادة ~~مضافة إلى كل منها؛ هذه هي «عواطف» المجموعة الثانية التي يصفها هيوم بأنها ~~«العواطف المباشرة». # 97 # ومجموعة ثالثة من العواطف تنشأ - كما تنشأ عواطف المجموعة الثانية - نتيجة ~~لاستثارة خبرة ماضية خبرناها من حيث الشعور باللذة أو الألم، إلا إن هذا الشعور - ~~في هذه الحالة - حين تستثار ذكراه، يجيء مصحوبا بأفكار بينها وبين «النفس» صلة أو ~~صلات؛ ومعنى ذلك أن العاطفة في هذه الحالة حين يترتب حدوثها على خبرة ماضية باللذة ~~أو الألم، فإنها لا تجيء وحدها، بل تجيء مصحوبة بصفات أخرى، ويصف هيوم هذه المجموعة ~~الثالثة من العواطف بأنها «العواطف غير المباشرة» وعددها أربعة: الزهو والضعة، ~~والحب والكراهية، وسنعود بعد قليل إلى ذكرها وتحليلها. # ولما كانت العواطف المباشرة وغير المباشرة على السواء ناتجة عن خبرة ماضية بشعور ~~اللذة أو الألم، فإن هذين النوعين من العواطف قد يحدثان معا في وقت واحد؛ إذ ms117 يجوز ~~- مثلا - أن تنتج عن الخبرة الماضية باللذة أو الألم إحدى العواطف المباشرة كالحزن ~~أو الفرح، كما تنتج في الوقت نفسه - بسبب وجود صفات أخرى غير مجرد اللذة أو الألم - ~~إحدى العواطف غير المباشرة كالحب أو الكراهية، فيكون الموقف الواحد باعثا على ~~الفرح والحب معا، أو على الحزن والكراهية معا؛ بل إن نوعي العواطف - المباشرة ~~وغير المباشرة - إذا ما استثيرا معا في موقف واحد، كان كل منهما عاملا على ~~الزيادة من قوة الآخر. # 98 # وهنالك - أخيرا - مجموعة رابعة من العواطف، تختلف عن المجموعات الثلاث التي ~~أسلفنا ذكرها، في أمرين: تختلف عنها أولا في أنها هادئة دائما، لا تتسم بما تتسم ~~به أنواع العواطف الأخرى من عنف وشدة، ولعل هدوءها هذا - كما يقول هيوم - هو السبب ~~في أنها كثيرا ما كانت تعزى إلى العقل بدل أن تعزى إلى الشعور ، كأنما هي من قبيل ~~الأحكام العقلية والاستدلالات المنطقية لا من قبيل العواطف؛ ثم هي تختلف - ثانيا - ~~عن سائر أنواع العواطف في أنها تنشأ نتيجة لمجرد تأملنا للجمال أو القبح الذي يكون ~~في الأفعال أو الأشياء؛ فهي عواطف أقرب إلى أن تكون بمثابة الرضى أو السخط يبديه ~~الإنسان إزاء فعل معين أو كائن خارجي معين؛ # 99 # إنها هي العواطف التي نحسها حين ننتشي برؤية الجميل وحين ننفر لرؤية ~~القبيح، وهي هي بعينها العواطف التي نحسها إذ نثني على فضيلة أو نذم رذيلة؛ ولما ~~كانت أمثال هذه العواطف إنما تنشأ «مباشرة» عن حالة التأمل، كان الأنسب لها أن تضم ~~إلى العواطف المباشرة، لا إلى العواطف غير المباشرة. # تلك هي أقسام «العواطف» الأربعة في رأي هيوم، نلخص مميزاتها فيما يلي: فهي تنقسم ~~بادئ ذي بدء إلى «أولية» و«ثانوية»، أما العواطف الأولية فهي التي تنشأ عن الفطرة ~~الغفل، وعن الدوافع الغريزية، غير معتمدة على سابق خبرة من لذة أو ألم، وتلك هي ~~شهوات البدن من جوع وما إليه؛ وأما العواطف الثانوية فهي التي وإن تكن ناتجة عن ~~الدوافع الفطرية الغريزية، إلا أنها تعتمد أيضا على خبرة ms118 سابقة من لذة أو ~~ألم. # وتعود العواطف الثانوية فتنقسم قسمين: مباشرة وغير مباشرة؛ أما المباشرة منها فهي ~~التي لا تحتاج عند استثارتها إلا إلى الخبرة السابقة من لذة أو ألم، وأما غير ~~المباشرة فهي التي تحتاج إلى جانب اللذة أو الألم إلى صفات أخرى، والعواطف المباشرة ~~صنفان: عنيفة وهادئة؛ فالعنيفة هي عواطف الإقبال نحو شيء أو النفور من شيء، والفرح ~~والحزن، والأمل والخوف، ثم الإرادة مضافة إلى كل منها، والهادئة هي التي تنشأ عن ~~تأمل الأفعال والأشياء تأملا يستحسن منها جانبا ويستقبح آخر؛ والعواطف غير ~~المباشرة، التي تنشأ من الخبرة السابقة بلذة أو بألم مضافا إليها صفات أخرى، ~~أربعة: الزهو والضعة والحب والكراهية # 100 # وهذه هي العواطف التي سنتناولها الآن بحديث خاص. ~~(8-2) الزهو والضعة، والحب والكراهية # الزهو والضعة - عند هيوم - هما بمثابة الانطباعات «البسيطة» ولذلك فهما لا ~~يعرفان بشيء سواهما، بل لا بد من ممارستهما ممارسة مباشرة، وكل ما في مستطاعنا ~~أن نقوله عنهما هو أن نصف بعض الظروف التي تحيط بهما، وتكون شرطا لحدوثهما؛ وأول ~~هذه الظروف وأبرزها وأوضحها هو علاقة هاتين العاطفتين بالنفس أو الذات؛ لأنه حيث لا ~~تدخل ذات الإنسان المدرك عنصرا من عناصر الموقف، فلا يكون ثمة زهو أو ضعة، ~~«فالذات في جميع الحالات هي طرف الغاية من الزهو أو الضعة» بمعنى أن الإنسان إذ يحس ~~شعور الزهو أو شعور الضعة، فلا بد أن يكون الموقف مرتبطا بذاته على نحو ما. # إن عاطفة الزهو في ذاتها، أو عاطفة الضعة في ذاتها، لا تحتوي بين مقوماتها نفس ~~الإنسان صاحب هذه العاطفة أو تلك؛ إنك إذا ما حللت أيا من هاتين العاطفتين في ~~حدود نفسها وفي داخل كيانها فلن تجد نفس الإنسان عنصرا من عناصرها؛ لكن كلا من ~~هاتين العاطفتين إذا ما استثيرت، فلا تلبث أن تلوي أبصارنا إلى فكرة النفس أو ~~الذات، وتركز انتباهنا على تلك الفكرة؛ وليس معنى ذلك أن عاطفة الزهو أو عاطفة ~~الضعة تخلق فكرة الذات خلقا وتولدها توليدا، بل إن هذه الفكرة ms119 قائمة أبدا أمام ~~عقولنا وكل ما في الأمر هو أننا بحاجة إلى ما يوجه التفاتنا إليها، ومثل هذا ~~التوجيه هو ما تفعله هاتان العاطفتان. ~~«واضح أن الزهو والضعة، رغم ما بينهما من تضاد، يتجهان نحو هدف واحد بعينه، وذلك ~~الهدف هو الذات (أو النفس) أو إن شئت فقل هو ذلك التتابع الحادث بين أفكار ~~وانطباعات يرتبط بعضها ببعض على نحو ما، وتكون موضع تذكرنا ووعينا؛ فهاتان ~~العاطفتان إذا ما استثيرت إحداهما فينا، ركزت انتباهنا في تلك النفس» # 101 # ووجهت أنظارنا إليها؛ أو بعبارة أخرى، إن عاطفة الزهو عند الإنسان ~~المزهو، أو عاطفة الضعة عند من يحس الضعة، إنما تلفت نظره إلى «نفسه»، بحيث يجوز ~~لنا أن نقول إن «النفس» هي الهدف الذي تستهدفه هاتان العاطفتان من وجهة سيرهما، أو ~~قل هي طرف النهاية الذي ينتهيان عنده. # وأما طرف البداية الذي تنشأ عنده كل من هاتين العاطفتين، أو إن شئت فقل «العلة» ~~التي عنها تصدر عاطفة الزهو أو عاطفة الضعة، فهي ما يطلق عليه هيوم اسم «موضوع ~~العاطفة»؛ وإذن فهنالك لكل من عاطفتي الزهو والضعة، موضوعها الذي تبدأ منه وهدفها ~~الذي تنتهي إليه؛ وبديهي أنه على الرغم من التشابه بين هاتين العاطفتين من حيث إطار ~~التكوين وطريقة السير، فمحال أن يكون ما يسبب حدوث الأولى هو نفسه ما يسبب حدوث ~~الثانية، ومحال - بالتالي - أن تكون «النفس» هي علة حدوث هذه أو تلك، لأنها لو كانت ~~علة، لاجتمع الضدان في علة واحدة ... نعم إن «النفس» أو «الذات» لا تكون علة للزهو ~~ولا علة للضعة، وإن تكن الهدف الذي ينتهيان إليه معا؛ إنها لا تثير هذه العاطفة أو ~~تلك، لكن العاطفة إذا ما استثيرت، جعلت النفس غايتها التي تتجه إليها بالتفات ~~صاحبها؛ تثور عاطفة الزهو أو عاطفة الضعة، فينتقل الإنسان منها إلى فكرة أخرى ~~سواهما، هي فكرة «النفس» التي هي نفسه؛ «فكأن العاطفة موضوعة بين فكرتين، إحداهما ~~فكرة العلة التي تحدثها، والأخرى هي فكرة «النفس» التي تنتهي إليها.» # 102 # وليس الطرف الذي هو ms120 مبعث العاطفة مؤلفا من الصفة التي تعمل على توليد العاطفة ~~فحسب، بل إن هيوم ليفرق بين هذه الصفة وبين «الموضوع» الذي تكون هذه الصفة قائمة ~~فيه؛ ولا بد في جميع الحالات أن يكون هذا «الموضوع» مركبا من عدة عناصر، تكون ~~إحداها فكرة النفس؛ إذ ما الصفات التي تثير فينا عاطفة الزهو؟ إنها تكون واحدة من ~~ثلاثة أنواع: فهي إما أن تكون صفة نفسية من صفات النفس ذاتها، كالفطنة والرأي ~~الثاقب والعلم والشجاعة والعدل؛ وإما أن تكون موهبة جسدية تتصف بها النفس أيضا، ~~كالجمال والقوة وإجادة اللعب بالرمح وما إلى ذلك؛ أو أن تكون صفة تصف شيئا أو ~~شخصا - ليس هو النفس ذاتها - ولكنه متصل بها على نحو ما، كالأبناء والأقرباء ~~ومنازلنا وحدائقنا والوطن الذي ننتمي إليه وهكذا، في هذه الأنواع الثلاثة من الصفات ~~التي تثير فينا عاطفة الزهو، نلاحظ أن «الصفة» التي هي مثار العاطفة تكون قائمة في ~~«موضوع» مما يتصل بالنفس على صورة من الصور، كأن تكون النفس جزءا منه، أو أن يكون ~~هو في حيازة النفس أو على علاقة بها؛ مثال ذلك حين يشعر صاحب منزل بالزهو بمنزله، ~~فالصفة التي تثير فيه هذا الزهو هي الجمال - مثلا - لكن هذا الجمال لا بد أن يكون ~~قائما في موضوع الزهو الذي هو المنزل في هذه الحالة، فما كل جمال في أي منزل يثير ~~في الرائي زهوا، بل يتحتم أن يكون «الموضوع» على صلة بالنفس، فالمنزل في هذا المثل ~~ملك للنفس الشاعرة بالزهو، ولو لم تكن هنالك هذه العلاقة لاكتفى صاحب النفس ~~بالتمتع بالجمال، ولم يكن في الموقف عاطفة الزهو بموضوع ذلك الجمال؛ فإذا أريد ~~للشعور بالنشوة إزاء الشيء الجميل أن يقترن بالشعور بالزهو، فلا مناص من أن تكون ~~نفس صاحب هذا الشعور جزءا من الموضوع الباعث عليه. # ونقيض الصفات التي ذكرناها باعثة على الشعور بالزهو، هو صفات - إذا ما وجدت في ~~شيء ما - بعثت على الشعور بالضعة؛ أعني أنه إذا وقف الإنسان إزاء شيء فيه ما يدل ~~على الغباء وخطل ms121 الرأي والجهل والجبن والظلم والقبح والرذيلة ... إلخ، ثم إذا كانت ~~نفسه متصلة على نحو ما بذلك الشيء الذي تكون تلك الصفات صفاته، أثار فيه الشعور ~~بالضعة. # وهكذا يجعل هيوم «نفس» الإنسان عنصرا من عناصر الموقف عند الشعور بالزهو أو ~~الشعور بالضعة، وذلك بمعنيين، فهي عنصر في الموقف باعتبارها جزءا من الموضوع الذي ~~يثير ذلك الشعور، ثم هي كذلك عنصر في الموقف باعتبارها الهدف الذي يستهدفه ذلك ~~الشعور؛ أو إن شئت فقل إن «النفس» - نفس الإنسان الشاعر بعاطفة الزهو أو الضعة - هي ~~جزء من سبب تلك العاطفة، وهي وحدها المتعرضة لما تحدثه تلك العاطفة من أثر. # فكأنما الشعور بالزهو أو بالضعة مرحلة تبدأ من النفس وتنتهي إلى النفس، تبدأ منها ~~باعتبارها جزءا من موضوع مركب متعدد العناصر، هو الموضوع الذي يثير العاطفة، ~~وتنتهي إليها وهي قائمة وحدها؛ وبين البداية والنهاية خطوتان شعوريتان، أولاهما ~~الشعور بالنشور والارتياح في حالة الزهو، وبالانقباض والقلق في حالة الضعة، ~~وثانيتهما اقتران تلك النشوة أو هذا الانقباض بالذات بحيث يتولد في النهاية زهو أو ~~ضعة. # هذا التحليل لعاطفتي الزهو والضعة هو نفسه الذي يطبقه هيوم على عاطفتي الحب ~~والكراهية، مع فرق واحد، وهو أن «النفس» التي يتحتم أن تكون جزءا من الموضوع ~~الباعث على العاطفة، كما يتحتم أن تكون هدفا تنصب عليه العاطفة، هي نفس صاحب ~~العاطفة في حالة الزهو أو الضعة، لكنها تكون نفس شخص آخر في حالة الحب أو الكراهية؛ ~~فأنت تزهو بنفسك أنت وتشعر بضعة نفسك أنت، لا بنفس إنسان سواك، لكنك إذ تحب أو تكره ~~فإنما تصب الحب أو الكراهية على نفس أخرى لا نفسك أنت. # لا بد في حالة الحب أو الكراهية - كما هي الحال في حالة الزهو والضعة - من موضوع ~~خارجي يثير العاطفة، والموضوعات التي تثير الحب والتقدير كثيرة، منها الفضيلة ~~والمعرفة والفطنة والرأي الصائب وروح الفكاهة الجيدة؛ وأضداد هذه الموضوعات تثير ~~الكراهية والازدراء. # 103 # وكذلك يثير الحب والتقدير صفات جسدية معينة كالقوة والجمال والرشاقة وما إليها، ~~وأضدادها تثير كذلك الكراهية ms122 والازدراء. # على أن هذه الموضوعات الكثيرة المختلفة لا بد أن تشترك كلها في أنها تكون على صلة ~~سببية بالشخص المحبوب أو المكروه، كما تشترك كلها كذلك في أن من خصائصها ما يبعث ~~على الشعور باللذة والارتياح أو بالألم والقلق. # والخلاصة هي أن عاطفتي الزهو والضعة من ناحية، وعاطفتي الحب والكراهية من ناحية ~~أخرى تتشابه في أمر وتختلف في أمر، فهي تتشابه في أنها عواطف تثير الارتياح (في ~~حالتي الحب والزهو) أو تثير القلق (في حالتي الكراهية والضعة)، وهي تختلف في أن ~~الزهو والضعة يتصلان بنفس الشاعر بهما، وأما الحب والكراهية فيتصلان بنفس إنسان آخر ~~غير من يشعر بهما، أي إن الإنسان يشعر بالزهو أو الضعة إزاء نفسه، ويشعر بالحب ~~والكراهية إزاء إنسان سواه. ~~(8-3) المشاركة الوجدانية # تتصل المشاركة الوجدانية بموضوع العواطف وإن لم تكن في ذاتها عاطفة بعينها؛ فمن ~~خصائص الإنسان الفطرية أن يشارك الناس بعضهم بعضا فيما يحسونه من عواطف، وهي خصيصة ~~يقول عنها هيوم: ليس في طبيعة الإنسان كلها ما هو أهم منها وأخطر، وهو يعرف ~~«المشاركة الوجدانية» بأنها ذلك الميل الفطري الذي يميل بالإنسان نحو أن ينقل لنفسه ~~ميول الآخرين وعواطفهم، مهما يكن من اختلاف، بل من تضاد، بينها وبين ما عنده هو من ~~ميول وعواطف؛ وطريقة هذا الانتقال هي كما يأتي: يشاهد الواحد منا في الآخر ظواهر ~~معينة، فتكون هذه المشاهدة انطباعا على حواسه؛ ثم عن طريق الترابط تستدعي هذه ~~الظواهر الجسدية المرئية ما كان قد ارتبط بها في خبرته هو الماضية من عاطفة؛ فمثلا ~~يرى الواحد منا في شخص آخر اصفرارا في الوجه وارتعاشا في الأطراف ... إلخ، فيتذكر ~~من خبرته الماضية ما كان قد حدث له هو نفسه من ظواهر شبيهة بما يرى الآن في سواه، ~~ولما كانت تلك الظواهر في خبرته الماضية قد ارتبطت عنده بالخوف، بحيث ارتبطت «فكرة» ~~هذه الملامح الجسدية عنده ب «فكرة» الخوف، فإن الانطباع الذي تنطبع به حاسته الآن ~~مما يرى في سواه، تستدعي عنده عاطفة شبيهة بالعاطفة التي كانت ms123 قد صحبت عنده مثل هذه ~~الظواهر الجسدية، أي إنها تستدعي في نفسه شعور الخوف؛ أو بعبارة موجزة واضحة، تكون ~~المراحل التي تنتقل بها المشاركة الوجدانية كما يلي: رؤية علامات جسدية معينة في ~~شخص آخر، فيستدعي ذلك عندنا «فكرة» عاطفة معينة مرتبطة بتلك العلامات الجسدية، ثم ~~تستثير هذه «الفكرة» العاطفة نفسها التي تكون هذه «الفكرة» صورتها الذهنية؛ وبهذا ~~تنشأ عند الرائي نفس العاطفة التي يتأثر بها الشخص المرئي؛ فإن كان الشخص المرئي ~~مرحا، نشأت عند الرائي عاطفة المرح، وإن كان حزينا، نشأت عند الرائي عاطفة الحزن ~~وهكذا. # وفي شرح عملية الانتقال الوجداني هذه من شخص إلى آخر، يستخدم هيوم مبدأ عاما ~~عرضه في تحليله للجانب العقلي من الإنسان (وقد أسلفناه لك في هذا الكتاب عند الحديث ~~عن حقيقة الاعتقاد في الفصل السادس)، ومؤداه أن الإنسان إذا ما انطبعت إحدى حواسه - ~~كحاسة البصر مثلا - بانطباع معين ، فإن هذا الانطباع تبعا لقوانين الترابط، ~~سيستدعي ما يرتبط به من «أفكار»، ثم على حسب قوة الانطباع وشدة وضوحه تكون قوة ~~«الفكرة» المستدعاة وشدة وضوحها؛ فإن كان الانطباع الراهن قويا ناصعا، كانت ~~الفكرة التي يستثيرها في أذهاننا قوية ناصعة كذلك، حتى ليظن الإنسان عندئذ أنه ليس ~~إزاء «فكرة» في ذهنه، بل إزاء انطباع حسي. # 104 # وها هنا نلاحظ شبها قريبا بين «المشاركة الوجدانية» في مجال العواطف، وبين ~~«الاعتقاد» في مجال الأفكار العقلية؛ فكما أن «الاعتقاد» في صواب فكرة معينة ليس هو ~~نفسه فكرة بين الأفكار، بل هو «طريقة» مثول هذه الفكرة في الذهن، فكذلك «المشاركة ~~الوجدانية» ليست عاطفة بين العواطف، بل هي «طريقة» حدوث العاطفة في نفس الشخص ~~العاطف؛ أو بعبارة أخرى لو أردت تحليل المحصول الفكري عند الإنسان إلى عناصره ~~ومقوماته، فلن تجد «الاعتقاد» واحدا منها، وكذلك لو حللت عواطف الإنسان إلى ~~مفرداتها فلن تجد «المشاركة الوجدانية» عاطفة منها؛ لأن كليهما «طريقة» مثول أو ~~حدوث وليسا هما بالعنصرين القائمين بذاتيهما بين مفردات «الأفكار» أو مفردات ~~«العواطف»؛ فما «الاعتقاد» في مجال الأفكار من ناحية، و«المشاركة الوجدانية» ms124 في ~~مجال العواطف من ناحية أخرى، سوى انتقال قوة وضوح انطباع راهن إلى الفكرة التي ~~يستدعيها في الذهن ذلك الانطباع، حتى إذا ما كانت الفكرة المستدعاة قوية الوضوح، ~~عملت في الإنسان كما لو كانت انطباعها الأولي الأصيل. # 105 ~~(9) في الأخلاق # إنه ليس مما يحتمل الشك أننا إذ نحكم على الناس بما يرفعهم أو يخفضهم في أنظارنا، ~~فإنما نصدر في هذه الأحكام عن صفات نلتمسها فيمن نحكم عليه، كما أننا نلجأ في أنفسنا ~~إلى أساس نحتكم إليه، وسؤالنا الآن هو هذا: بأي معيار وعلى أي أساس نحكم بالفضل أو ~~بعدمه في هذا الشخص أو ذاك؟ أنقيم حكمنا على أساس من العقل أم على أساس من العاطفة؟ هل ~~تكون أحكامنا الخلقية نتيجة حجاج منطقي وبرهان عقلي أم تكون صادرة عن شعور باطني نحسه ~~في أنفسنا إحساسا مباشرا؟ هل تكون تلك الأحكام من قبيل القضايا العقلية - كنظريات ~~الهندسة مثلا - التي يتفق عليها الناس جميعا ما دام برهانها مقبولا عند العقل، أم ~~تكون من قبيل إدراكنا للجمال والقبح إدراكا يختلف فيه فريق منا عن فريق اختلافا ~~يسببه اختلاف التربية والظروف؟ # إن الفلاسفة الأقدمين - كما يقول هيوم # 106 ~~- على الرغم من أنهم يؤكدون بأن الفضيلة ليست سوى مطاوعة العقل في أحكامه، ~~إلا أن تأكيدهم ذاك لم يعد مجرد القول؛ لأنهم غالبا ما يتحدثون عن الفضيلة وكأنما ~~هي مستقاة من الذوق والعاطفة لا من العقل والمنطق؛ ومن الناحية الأخرى ترى الفلاسفة ~~المحدثين على عكس ذلك، يدافعون عن وجهة النظر القائلة بأن الأحكام الخلقية قائمة على ~~الذوق والعاطفة، شأنها في ذلك شأن الجمال، إلا أنهم يعودون فيحاولون إقامة الحجة ~~العقلية على ما يقولون؛ فلا القدماء ولا المحدثون خلوا من هذا التناقض، فكلا الفريقين ~~حائر: أيجعل الأخلاق وأحكامها من شأن العقل وحده أم من شأن الذوق وحده أم يتردد في قوله ~~بين العقل والذوق، يأخذ بهذا مرة وبذلك مرة؟ # أما هيوم فالرأي عنده صريح واحد، وهو أن الحكم الخلقي قائم على الذوق أو العاطفة، على ~~أن يقوم العقل ms125 ببيان تفصيلات الموقف لكي يتاح للإنسان أن يميل بعاطفته أو ينفر. # يستحيل أن يكون العقل وحده مصدرا لحياتنا الخلقية؛ لأن المعرفة العقلية لا يترتب ~~عليها عمل، والأخلاق صميمها عمل؛ ذلك أن المعرفة العقلية نظرية، وقيام الرأي النظري في ~~العقل لا يكفي وحده أن يحرك الإنسان في دنيا الفعل والسلوك، إننا في المجال الفكري ~~النظري نحكم على الفكرة المعينة بالصواب أو بالخطأ، أما في المجال السلوكي العملي فنحكم ~~على الفعل بالخير أو بالشر، وهكذا يختلف نوع الحكم في كل من المجالين. # لكن ماذا يراد بكلمة «العقل» عند هيوم، هذا العقل الذي يقول عنه إنه وحده عاجز عن حمل ~~صاحبه إلى مجال السلوك والعمل؟ إنك لتستطيع أن تستخلص مما أسلفناه لك في الفصول الأولى ~~من هذا الكتاب معنى «العقل» عند هيوم على وجه التحديد، # 107 # فهو يصرف هذه الكلمة إلى إحدى عمليتين، فإما أن يقتصر الإنسان على تحليل ~~الأفكار التي في رأسه ليحدد العلاقات القائمة بين فكرة وفكرة، وفي هذه الحالة لا ينصب ~~تفكيره على شيء من أشياء العالم الخارجي الواقع، ويكون طريق سيره في تفكيره هذا ~~استنباطيا صرفا، بمعنى أنه يستولد فكرة من فكرة، وتكون النتيجة التي يصل إليها ~~صادقة، لا لأنها تشير إلى واقعة من وقائع العالم الخارجي، بل لأن عملية الاستنباط قد ~~سلمت من الخطأ؛ والعلوم الرياضية هي التي تقوم على هذا النوع من التفكير، وأما العملية ~~الثانية التي يطلق عليها هيوم كلمة «العقل» أيضا، فهي عملية استدلال وقوع المسبب إذا ~~وقع سببه؛ فها هنا ليس الأمر مقتصرا على تحليل الأفكار وحدها بحيث أستنبط فكرة من فكرة ~~بغض النظر عن دنيا الواقع، بل الأمر متصل بما يقع فعلا في دنيا الواقع، فأضع قطعة ~~الثلج - مثلا - قريبا من النار، فأتوقع - بناء على خبراتي الماضية - أنها ستذوب ماء ~~سائلا بفعل الحرارة؛ ومثل هذا الاستدلال السببي هو أساس العلوم الطبيعية. # هاتان هما العمليتان الوحيدتان اللتان تكونان «العقل» عند هيوم، فلا يجوز إطلاق هذه ~~الكلمة على أي حكم لا ينطوي تحت واحدة منهما؛ ms126 وهو إذ يقول بمناسبة حديثه عن مبادئ ~~الأخلاق إن «العقل» وحده عاجز عن حمل الإنسان على السلوك والعمل، وبالتالي فهو لا يكفي ~~وحده أن يكون مصدرا للأخلاق، فإنما يريد بهذا القول على وجه التحديد أن كلا من هاتين ~~العمليتين الفكريتين لا تتضمن بطبيعتها أن يصحبها عمل. # أما العملية الأولى، فهي - كما قلنا - مقتصرة على ربط أفكارنا بعضها ببعض، كأن أربط - ~~مثلا - بين فكرتي «المثلث» و«الزاوية» بحيث أقول عن المثلث إن زواياه مجموعها لا بد أن ~~يكون قائمتين، لماذا؟ لا لأني قست مثلثا معينا فوجدته كذلك، فأنا أستطيع أن أقول هذا ~~عن المثلث حتى ولو لم يكن في العالم الواقعي كله مثلث واحد؛ إنما أقول هذا عن المثلث ~~نتيجة لتحليل «الفكرة» في ذاتها وإبراز خصائصها ومقوماتها التي منها أن زواياه مجموعها ~~قائمتان؛ هذه نتيجة تلزم بالضرورة عن تعريف المثلث ذاته، وتعريف المثلث «فكرة» في رأسي؛ ~~وإذن فالتفكير الذي هو من هذا النوع التحليلي - كالرياضة - لا شأن له بالعالم الخارجي، ~~وبالتالي فلا شأن له بالسلوك العملي، أي إنه - وحده - لا يكون مصدرا لحياة الإنسان ~~الخلقية كما يزعم الفلاسفة العقليون. # إن الإنسان في تفكيره الرياضي كله لا يلجأ إلى «الخبرة العملية» ليقيم البرهان على ~~صدق تفكيره؛ لأن القضية من قضايا الرياضة شرطية دائما، بمعنى أننا بمثابة من يقول: ~~«إذا سلمنا بصدق كذا وكذا من الفروض، نتج كذا وكذا.» مثال ذلك قولنا: «إذا كان ثمة شيء ~~على شكل مثلث فإن زواياه تساوي قائمتين.» وليس في هذا القول بالطبع اعتراف أو تسليم بأن ~~هنالك شيئا ما على شكل مثلث، لكن «إذا» تحقق الفرض، تحققت معه النتيجة؛ الخبرة العملية ~~هنا هي التي تنبئنا إن كان ثمة شيء ما على شكل مثلث أو لم يكن، لكن هذا النبأ في ذاته ~~لا يضيف قوة إلى البرهان الرياضي بأن زوايا المثلث تساوي قائمتين؛ ولما كان الجانب ~~العملي السلوكي من حياتنا متصلا بالأشياء الفعلية الواقعية، ثم لما كانت «الأخلاق» ~~متصلة بهذا الجانب العملي السلوكي، كانت العلاقة مبتورة - كما ترى - بين ms127 التفكير النظري ~~الذي هو من النوع التحليلي الرياضي وبين الجانب الإرادي الفعلي السلوكي الذي هو جانب ~~الأخلاق. # إذن فهذا معنى من معنيي «العقل» قد فرغنا منه، وننتقل إلى المعنى الثاني لهذه الكلمة ~~عند هيوم، وهو - كما قدمنا - الحكم بأن شيئا معينا سيحدث ما دام قد حدث شيء آخر؛ ~~لأننا قد عرفنا من خبراتنا السابقة أن الشيئين مرتبطان في الحدوث، ونحن نزعم أن «العقل» ~~بهذا المعنى أيضا لا يمكن أن يكون مصدرا كافيا للفعل الخلقي؛ ذلك لأن كل ما تدلنا ~~عليه خبراتنا هو أن الأمور هكذا تقع، لكنها لا تدلنا على أن في الأمر «وجوبا»؛ ولما ~~كانت القضية من قضايا الأخلاق فيها معنى «الوجوب» دائما، فنقول: «يجب أن تفعل كذا ~~وألا تفعل كيت.» ثم لما كانت خبراتنا الحسية الماضية خالية من فكرة «الوجوب» هذه، إذن ~~فليس «العقل» - بهذا المعنى الثاني - مصدرا للأحكام الخلقية # 108 # وفيما يلي عبارة هامة يقولها هيوم في هذا الموضوع: ~~«في كل فلسفة مما قد صادفته حتى الآن من فلسفات الأخلاق لاحظت دائما أن المؤلف يمضي ~~في حديثه حينا ما مستطردا في تدليلاته على الطريقة المألوفة، فيؤكد وجود الله، أو ~~يثبت بعض ملاحظاته عن شئون البشر؛ ولشد ما أدهش إذ أراه فجأة، بعد أن يكون في قضاياه ~~مقررا لما هو كائن أو ما ليس بكائن، ينتقل إلى طائفة من قضايا مشتملة كلها على «يجب» ~~أو «لا يجب»؛ إنه انتقال قد يخطئه النظر، لكنه بالغ الأهمية؛ لأنه لما كانت لفظة «يجب» ~~أو «لا يجب» تشير إلى نوع جديد من علاقات الإثبات، كان من الضروري أن نضعها موضع البحث ~~والتفسير، كما يتحتم في الوقت نفسه أن نبين ... كيف تسنى لهذه العلاقة الجديدة أن تستنبط ~~من غيرها الذي هو مختلف عنها كل الاختلاف.» # 109 # بعبارة أخرى موجزة، يريد هيوم أن يقول إن «الوجوب» الذي تراه في الأحكام ~~الخلقية لا يستمد من أحكام العقل بنوعيها؛ لأن أحكام العقل تقرر ما هو كائن، وإذن فهذا ~~«الوجوب» إضافة ليست تستند إلى مقدمات عقلية. # وإذا ms128 لم يكن «العقل» وأحكامه مصدر أحكامنا الخلقية، فما مصدرها إذن؟ على أي أساس أحكم ~~بأن هذا الفعل فضيلة وذلك الفعل رذيلة؟ إن هيوم ليصر على أساس يقيم عليه الأخلاق لأنه ~~لا يقر الشكاك على وجهة نظرهم القائلة بألا أساس للأخلاق، وأن لكل فرد أن يفعل ما ~~يشاء ويهوى؛ فلئن كان إنكاره أن يكون «العقل» سندا لأخلاق ومصدرا لها مما يؤيد ~~الشكاك في وجهة نظرهم هذه، فهو لا يريد أن يترك الأمر عند هذا الإنكار حتى لا يعد ~~واحدا منهم؛ فإذا لم يكن «العقل» عنده هو أساس الأخلاق فليلتمس هذا الأساس في جانب آخر ~~من الطبيعة البشرية. # 110 # وحين يلتمس هيوم في الطبيعة البشرية أساسا للأخلاق، يحاول ألا يخرج عن حدود مذهبه ~~بأن ليس ثمة عند الإنسان إلا «انطباعات حسية» و«أفكار» - و«الأفكار» عنده هي نفسها ~~«الانطباعات الحسية» بعد زوال المؤثرات التي أحدثتها - ولذلك تراه يبحث عن أساس للأخلاق ~~بحيث لا يتناقض مع مذهبه الرئيسي، وهذا لا يكون - بطبيعة الحال - إلا إذا كانت ~~«أفكارنا» الخلقية - كغيرها من الأفكار - صورا لانطباعات حسية؛ ولكن ماذا عساها أن ~~تكون تلك الحاسة التي تنطبع بمؤثر معين بحيث تكون صورة هذا الانطباع فيما بعد فكرة ~~خلقية عن فضيلة أو رذيلة؟ إنها بالطبع لا تكون العين ولا الأذن ولا اللمس، وإذن فلا بد ~~أن تكون لدينا «حاسة خلقية» يكون أمرها كأمر بقية الحواس في كونها تنطبع انطباعا ~~مباشرا بمؤثرات معينة، فإذا انطباعاتها هذه - بعد زوال المؤثرات - هي نفسها «أفكارنا ~~الخلقية»، إن لكل حاسة من حواسنا المعروفة مؤثرات خاصة بها، فللعين مؤثراتها المعينة ~~التي لا تؤثر في السمع أو في اللمس، وللأذن مؤثراتها التي لا تؤثر في حاسة الإبصار أو ~~الشم، وهكذا؛ وإذن فلهذه الحاسة التي يزعم هيوم أنها «حاسة خلقية» مؤثراتها الخاصة بها ~~والتي لا شأن لسائر الحواس بها؛ أعني أن هنالك معطيات حسية من نوع فريد، فلا هو ضوء ولا ~~هو صوت ولا رائحة ولا طعم، هو الذي يصح أن نقول عنه إنه معطيات الحاسة الخلقية ~~المزعومة؛ ms129 ولنا أن نسأل: ما طبيعة هذه المعطيات؟ يقول هيوم في ذلك: «ليست حاسة الفضيلة ~~عندنا إلا أن «يحس» الإنسان إحساسا من نوع فريد بالرضى حين يمعن الفكر في شخصية معينة؛ ~~وهذا «الإحساس» نفسه هو ما نبديه من ثناء وإعجاب؛ إنه لا خطوة وراء هذه الخطوة؛ فلسنا ~~نبحث بعدئذ عن علة هذا الرضى، كلا، ولا نحن نحكم بالفضيلة على تلك الشخصية استنتاجا ~~من شعورنا إزاءها بالرضى؛ بل إن مجرد شعورنا بمثل هذا الرضى الذي هو من طراز فريد كهذا، ~~هو نفسه شعورنا بصفة الفضيلة.» # 111 # ومعنى ذلك أن «الخير» أو «الشر» عند هيوم هو إحساس معين باللذة أو إحساس ~~معين بالألم، على أن تكون اللذة أو الألم «من طراز فريد» هو الذي يجعلها لذة أو ألما ~~من نوع «خلقي»، بحيث يستحيل علينا أن نصف مثل هذا الإحساس بغيره، أو أن نحلله إلى عناصر ~~من شيء سواه؛ أي إن «الخير » و«الشر» عنده مقولتان أساسيتان في الطبيعة البشرية، أو قل ~~هما لونان من الانطباعات الحسية التي تطبع فينا حاسة مستقلة بذاتها عن سائر الحواس، هي ~~الحاسة الخلقية، ندرك بها ما هو خير وما هو شر، كما ندرك الألوان بالعين والأصوات ~~بالأذن؛ فلقد نشاهد شجيرة من السنط وهي تكبر إلى جوار أمها ثم تكبر وتكبر حتى لتطغى ~~بوجودها على وجود الأم فتمحوها محوا، لكن هذه المشاهدة هي مما تنطبع به العين ولا ~~تنطبع به «الحاسة الخلقية»؛ إذ لا نحس إزاءها بالسخط على هذه الوليدة الناشئة وهي تقتل ~~أمها؛ بل إننا قد نحس نوعا من الألم لزوال الشجرة الأم بفعل وليدتها، ولكنه لا يكون ~~أبدا هو نفسه نوع الألم الذي نتألمه إذا ما شهدنا ولدا يقتل أباه من بني الإنسان، ~~فهذا الألم الأخير من نوع «خلقي» على خلاف الألم الأول؛ نعم إن لذائذنا وآلامنا كثيرة ~~منوعة، تنبعث فينا لأسباب كثيرة منوعة كذلك، لكن ما كل لذة وما كل ألم هو من النوع ~~الخلقي الذي نحسه حين يكون الموقف خلقيا نشهد فيه فضيلة فيشيع في أنفسنا ms130 رضى، أو ~~رذيلة فيشيع سخطا من طراز فريد؛ وهذه المواقف الخلقية لا بد أن تكون مما يتصل بأفعال ~~الإنسان أو بخلاله أو بشخصيته. # لم يكن هيوم في مذهبه الأخلاقي من جماعة الشكاك؛ فهو - كما رأينا - إن يكن قد ~~أنكر على «العقل» أن يكون مصدرا للأخلاق فقد حاول أن يجد لها مصدرا آخر يصلح أن يكون ~~أساسا مكينا لبناء قوي متين؛ ولكي يزيد هذا البناء قوة لجأ كذلك إلى رأي له آخر في ~~اطراد السلوك الإنساني (راجع القسم الثاني من الفصل الرابع في هذا الكتاب)؛ ذلك أنه لا ~~يرى ما يراه الشكاك من حيث إن الأخلاق تتغير بتغير الأمم والعصور، تغيرا لا ~~يجعل لها قواعد عامة إنسانية ثابتة؛ وهو في ذلك يقول إنه لولا أن الطبيعة الإنسانية ~~نفسها فيها ما يميز بين الخير والشر لما جاز أن تكون هنالك ألفاظ بعينها يتفق الناس ~~جميعا على معانيها، كالشرف والعار ، والسمو والدناءة، وما إلى ذلك من كلمات تراها في كل ~~لغة على الإطلاق، وترى الناس على اتفاق في مدح جانب وذم آخر؛ فاطلب ممن شئت من أفراد ~~الناس أن يحكم لك على شخص معين أو على فعل معين حكما لا يتأثر فيه إلا بمحض طبيعته، ~~تجده في حكمه هذا على اتفاق تام مع أي إنسان آخر ينظر إلى الشخص نفسه أو الفعل نفسه في ~~الظروف نفسها؛ وإذن فالمبادئ الأخلاقية حقيقة واقعة لا موضع فيها لاختلاف أو نزاع؛ ف ~~«الانطباع» الذي تنطبع به حاسة الإنسان الخلقية في موقف أخلاقي معين، لا يتغير من فرد ~~إلى فرد ما دامت الظروف المنطبعة على نفس الإنسان المدرك واحدة؛ وليس يعني هذا - بطبيعة ~~الحال - أن يجيء الانطباع الخلقي في موقف ما متفقا دائما مع الصالح الشخصي، بل كثيرا ~~ما ترى الإنسان يدرك لنفسه إدراكا واضحا أن كذا وكذا من المواقف أو من الأفعال خير، ~~لكنه يحس في الوقت نفسه أنه لا يحقق صالحه الشخصي، وعندئذ يتوقف أمر اختياره لما هو ~~خير أو لما هو في صالحه على تربيته ms131 وشخصيته؛ والمهم عندنا الآن هو أن نبرز هذه النقطة ~~في مذهب هيوم الأخلاقي، وهي أن الأخلاقية لا تنبني على المصالح الشخصية، بل هي متوقفة ~~على إدراك حسي مباشر من طراز خاص. نميز به بين الخير والشر؛ بل إن هيوم ليذهب إلى ما هو ~~أبعد من ذلك؛ إذ يقرر أن الحكم الأخلاقي على شخص أو فعل معين لا تتم جوانبه إلا إذا خلا ~~الموقف خلوا تاما من أي صالح شخصي لمن يصدر الحكم. # 112 # هكذا يبني هيوم مذهبه الأخلاقي على فطرة مجبولة في طبيعة البشر، وهي الشعور المباشر ~~بالرضى أو بالسخط إزاء الأشخاص والأفعال، دون أن يكون هذا الرضى أو السخط صادرا عن ~~مصلحة شخصية ذاتية؛ ولهذا فلا يجوز أن نسلك هيوم من حيث مذهبه الأخلاقي في جماعة ~~«المنفعة»؛ لأن المنفعة الناتجة عن فعل معين ليست هي على وجه الدقة مدار الحكم الأخلاقي ~~على ذلك الفعل، بل مداره هو ما يبعثه في النفس من رضى أو سخط؛ ولماذا يرضى الإنسان أو ~~يسخط؟ إنه يرضى أو يسخط لغير سبب وراء الموقف ذاته، إن الرضى والسخط إدراكان مباشران ~~كإدراكنا للضوء أو للصوت؛ إنك لا تسأل إذ تفتح عينيك على زرع أخضر: لماذا أرى لونا ~~أخضر؟ لا تسأل سؤالا كهذا، لأن رؤية اللون إدراك مباشر لمعطيات حسية تطبع حاسة البصر؛ ~~وهكذا يكون انطباع الحاسة الخلقية بالرضى أو بالسخط إزاء الصفة الخلقية التي تكون في ~~الشيء أو الفعل الذي نحكم عليه؛ على أنه مما ينبغي ملاحظته في مذهب هيوم أن هذه الحاسة ~~الخلقية وحدها لا تكفي لتحريك صاحبها إلى العمل الخلقي؛ فلا يكفي أن أعلم - عن طريق هذه ~~الحاسة الخاصة - أن الموقف الفلاني فضيلة لأدنو من فعله، أو أن الموقف الفلاني رذيلة ~~لأنفر منه؛ بل الذي يدفع الإنسان لفعل هذا وترك ذلك حافز آخر ليس هو على وجه الدقة ~~الصفة الخلقية في الشيء أو في الفعل، والتي من أجلها يراد عمل الفضيلة ونبذ الرذيلة؛ ~~فالحافز الذي يحفز الإنسان إلى العمل، والصفة الخلقية المعينة التي تبرر ms132 العمل، شيئان ~~مختلفان، الأول حالة نفسية بحثها من شأن علم النفس، والثانية وحدها هي التي تعنى بها ~~النظرية الأخلاقية. # 113 # ولكن ما تلك الدوافع التي تحفز الإنسان على العمل الخلقي؟ هي العواطف التي تثيرها في ~~نفس الإنسان ظروف الموقف الذي يكون محيطا به؛ ولقد أسلفنا لك القول عن تحليل «العاطفة» ~~عند هيوم (انظر الفصل السابق في هذا الكتاب) بأن الأمر فيها ذو طرفين، فطرف يبدأ من ~~الموضوع الذي يثيرها، وطرف ينتهي إلى النفس التي تنصب عليها العاطفة، سواء كانت هذه ~~النفس نفس صاحب العاطفة (كما في حالتي الزهو والضعة) أو نفس شخص آخر (كما في حالتي الحب ~~والكراهية)؛ وأما الموضوع الذي يثير العاطفة فيتألف دائما من عدة عناصر، أحدها لا بد ~~أن يكون عنصر اللذة أو الألم، أو إن شئت فقل إنه عنصر الارتياح أو القلق؛ أي إنه لا ~~عاطفة - مهما يكن نوعها - ما لم يكن الارتياح أو القلق أحد مقومات الموضوع الذي يثيرها؛ ~~ولما كان الحافز على العمل هو دائما «عاطفة» ما، إذن فلا عمل إلا إذا كان في الموقف ~~الحافز عليه شعور بالارتياح أو شعور بالقلق، أي شعور باللذة أو شعور بالألم؛ وهكذا تكون ~~الفضيلة عملا مبطنا بالشعور الأول، والرذيلة عملا مبطنا بالشعور الثاني؛ وعلى هذا ~~الأساس يمكن أن نعد هيوم في الفلسفة الأخلاقية نصيرا للمذهب اللذي النفسي، الذي ~~يجعل معيار التفرقة بين ما هو فضيلة وما هو رذيلة من الأفعال، ما يصحبه من شعور بالرضى ~~أو شعور بالسخط عند الإنسان. # الحافز على العمل الخلقي - إذن - هو في نهاية التحليل الشعور باللذة أو الألم؛ ~~والغاية منه هو إحداث الشعور باللذة أو التخلص من الشعور بالألم، سواء كان الأمر في ذلك ~~متعلقا بالقائم بالعمل نفسه أو بغيره من أفراد الإنسان؛ حتى إذا ما تم الفعل وتأمله ~~الإنسان بفكره، أحس إحساسا مباشرا بالرضى أو بالسخط، وهو الإحساس الذي قلنا عنه إنه ~~من قبيل الانطباعات الحسية المباشرة، تنطبع به حاسة خاصة هي الحاسة الخلقية. # ها هنا نقطة دقيقة لو أفلتت منا ms133 أفلت معها الفهم الصحيح لمذهب هيوم في الأخلاق؛ وهي ~~التفرقة بين مذهبه ومذهب اللذيين الذين يجعلون هدف الأفعال الخلقية كلها هو إحداث ~~اللذة والتخلص من الألم، وعندهم أن اللذة المستحدثة هي نفسها «الخير» والألم المنجو منه ~~هو نفسه «الشر»؛ فاللذة عندهم هي «الخير»، أي إن هاتين اللفظتين مترادفتان، فالفعل الذي ~~تصفه بأنه لذيذ تصفه في الوقت نفسه بأنه خير؛ وبمقدار ما يزيد الفعل قدرة على استحداث ~~اللذة يزيد جانب الخير منه؛ أما نظرية هيوم فتتفق مع المذهب اللذي في أن الإنسان ~~تحفزه اللذة ويهدف إلى اللذة، بل تتفق في أن اللذة المستحدثة هي نفسها خير في ذاتها؛ ~~لكنها تختلف عن المذهب اللذي في أنها تفرق ها هنا بين اللذة «النفسية» التي تحدث ~~عن تحقيق إحدى الرغبات الطبيعية الفطرية، وبين لذة أخرى يهملها المذهب اللذي ~~ويضيفها هيوم ويجعلها محورا أساسيا جوهريا في نظريته، وهي الشعور بالرضى الذي يحدث ~~عند تأمل الإنسان لما قد فعل، فهذا الشعور هو «الخير الخلقي» بأدق معناه؛ وبهذا نفرق ~~بين الخير النفسي والخير الخلقي، يقتصر اللذيون على النوع الأول، ويعترف هيوم ~~بالنوعين معا. # ومثل هذه التفرقة نفسها يقوم بين المذهب المنفعي في الأخلاق، ومذهب هيوم، فأنصار ~~«المنفعة» يقولون إن الفضيلة هي الفعل الذي يحقق أكبر نفع ممكن، لكن كلمة «النفع» نفسها ~~لا يكون لها معنى إلا بما يحققه ذلك النفع، فأي شيء هذا الذي إذا ما تحقق قلنا إن ثمة ~~نفعا قد تحقق، وبالتالي حكمنا على الفعل الذي حققه بأنه فعل فاضل؟ ها هنا تعود فكرة ~~اللذة من جديد، فالنافع هو الذي يحقق اللذة أو المتعة أو الطمأنينة والرضى؛ هكذا يقول ~~«المنفعيون»، وبهذا نفسه يقول هيوم، لكنه لا يكتفي به، بل يضيف إليه خطوة أخرى، هي ~~الاتجاه نفسه الذي يميل بإنسان معين أن يعمل ما فيه نفع، أي ما يستتبع لذة ومتعة؛ ~~بعبارة أخرى؛ هنالك جانبان متميز أحدهما من الآخر، الجانب الأول هو المنافع نفسها التي ~~تتحقق، والجانب الثاني هو النشوة لأي منفعة تتحقق بغض النظر عن ms134 نوعها؛ والجانب الأول هو ~~ما يقتصر عليه المذهب المنفعي في الأخلاق، وإضافة الجانب الثاني هي ما يميز مذهب هيوم. # 114 # الأشياء النافعة والمؤدية إلى شعور بالمتعة كثيرة، لكنها قد تكون مرضية من الناحية ~~الخلقية وقد لا تكون؛ نعم إنه لا بد لجانب المنفعة والمتعة أن يتحقق فيما نحكم عليه ~~بالامتياز الخلقي، لكن ذلك الجانب وحده لا يكفي، بل ينبغي أن يضاف إليه هذا النوع من ~~الإحساس المباشر بالرضى الذي حدثناك عنه بأنه كأي إدراك حسي آخر، تنطبع به النفس ~~انطباعا مباشرا؛ لكن ما الذي يهدينا في الموقف الذي نكون إزاءه أن الأمر منته إلى ~~منفعة، وبالتالي يكون جديرا بالاستحسان الخلقي؟ الذي يهدينا إلى ذلك هو «العقل»، وهنا ~~تتضح مهمة «العقل» في الأخلاق، فليس العقل هو الذي يقضي على فعل معين بأنه فضيلة؛ ليس ~~العقل هو مصدر الأخلاق، ليس العقل هو الذي يحمل الإنسان على فعل شيء وترك آخر؛ بل مهمة ~~العقل في هذا الصدد مقتصرة على تحليل عناصر الموقف الذي نحن إزاءه في لحظة معينة؛ ومن ~~تحليله هذا نعلم أنه موقف قد ينتهي بنا إلى نفع. إلى هنا لا «أخلاق» في الأمر، ولكن ~~بعدئذ تأتي «العاطفة» بما تثيره فينا من شعور بالرضى أو بالسخط، باللذة أو بالألم، ~~بالطمأنينة أو بالقلق، وعلى أساس هذا الشعور العاطفي نتحرك نحو الفعل أو ننفر منه؛ ~~وبهذا تكون العاطفة - لا العقل - هي المصدر الحقيقي للأخلاق، وإن تكن مهتدية في سيرها ~~بما يقدمه لها العقل من تحليل وتوضيح. # 115 ~~(10) في السياسة # أراد ديفد هيوم أن يكون في نظريته السياسية محايدا كما ينبغي للفيلسوف أن يكون، فلا ~~يتأثر في الرأي بصالح هذا الحزب السياسي أو ذاك؛ لكن نظريته السياسية قد جاءت - عن قصد ~~أو عن غير قصد - مسايرة لاتجاه الحزب الذي كان الفيلسوف يناصره، وأعني به حزب ~~المحافظين، ومناهضة للحزب الآخر الذي كان يقف منه موقف المقاومة، وهو حزب الأحرار؛ فلقد ~~كان مما يخدم حزب الأحرار أن يقال في النظرية السياسية إن الحكومة قد نشأت بين الناس ms135 ~~أول ما نشأت بتعاقد بين الأفراد، فالأفراد هم الذين أرادوا لأنفسهم نوع الحكومة التي ~~تشرف على مصالحهم المشتركة، وما دام الأمر كذلك، فلهؤلاء الأفراد أنفسهم حق الثورة على ~~الحكومة إذا لم تقم بواجبها إزاءهم؛ أقول إن حزب الأحرار كان يستند إلى مثل هذه ~~النظرية السياسية في تقريره لحقوق الأفراد الطبيعية في إقامة الحاكم أو عزله، ولما كان ~~«هيوم» أميل إلى حزب المحافظين منه إلى حزب الأحرار، فقد جاءت نظريته السياسية - عن قصد ~~أو عن غير قصد - معارضة لهذا الرأي منكرة لصواب منطقه. # 116 # ولقد بسط «هيوم» آراءه السياسية في مقالات عدة، لعل أهمها هي مقالته التي عنوانها ~~«في العقد الابتدائي»؛ # 117 # أي العقد الذي يقال إنه تم بين أفراد الجماعة عند بداية تأليف المجتمع، ~~وفيما يلي خلاصة لرأيه كما ورد في هذا المقال. # كان في إنجلترا على عهد هيوم - كما لا يزال بها حتى اليوم - حزبان سياسيان رئيسيان، ~~هما حزب المحافظين من جهة وحزب الأحرار من جهة أخرى، ويلاحظ هيوم في فاتحة مقاله أن ~~كلا من الحزبين يبحث لنفسه عن مبدأ فلسفي نظري يستند إليه في مذهبه السياسي؛ أما حزب ~~المحافظين فيلتمس أصل الحكومة الأول عند الله، وذلك بأن يجعل الحكم حقا إلهيا يتمتع ~~به الحاكم، فالله هو الذي أراد للحاكم أن يحكم، وإذن فمن الخروج على مشيئة الله وإرادته ~~أن يتوجه ناقد بالنقد إلى الحكومة، مهما بلغت من الطغيان في حكمها، وبالتالي لا يكون ~~عزل الحكومة من حق الشعب، لأن الشعب لم يكن هو الذي أقامها في مناصبها؛ إنه الله هو ~~الذي شاء لها أن تتولى مقاليد الأمر، وهو الله الذي يشاء لها أن تزول؛ وأما حزب الأحرار ~~فيرد الأمر إلى تعاقد أولي بين الأفراد، فأعضاء الجماعة عند أول تكوينها هم الذين ~~أرادوا لأنفسهم وتعاقدوا معا على أن يولوا حاكما معينا على أمورهم، وبالتالي يكون ~~لهم حق مقاومة هذا الحاكم وعزله إذا ما اقتضت مصالحهم هذا العزل أو تلك ~~المقاومة. # ويستطرد هيوم فيقول إن كلا هذين المبدأين صواب ولكن ms136 بمعنى غير المعنى الذي قصد إليه ~~الحزبان المتعارضان؛ وكلا المبدأين تقتضيه الحكمة على شرط ألا يبالغ في تأويلهما كما ~~بالغ أنصار الحزبين المتعارضين. # أما أن الله هو صاحب الإرادة الأولى في تأليف الحكومة وتكوينها فيستحيل أن يشك في ذلك ~~أحد ممن يسلمون بأن حكمة الله شاملة للكون بكل ما فيه ومن فيه، بحيث تجيء حوادث ~~العالم بأسره، صغيرها وكبيرها على السواء، وفق خطة مدبرة ومستهدفة لغاية مقصودة منشودة؛ ~~فلما كان محالا على الجنس البشري أن تقوم له قائمة في حياة آمنة وادعة إلا في ظل حكومة ~~تشرف على أموره وتتولى حمايته ورعايته، كان من الحتم أن تكون الحكومة نتيجة تدبير إلهي ~~حكيم؛ وإنه ليكفينا أن نعلم أن كل مجتمع - مهما يكن زمانه أو مكانه - قد قامت عليه ~~حكومة ما، لنعلم في يقين أن الأمر لم يكن متروكا للصدفة العابرة، بل هو تدبير من عليم ~~حكيم يريد الخير بعباده أجمعين؛ لكن الله إذ أراد للناس نظاما معينا في الحكم، إنما ~~أراد ذلك من حيث المبدأ العام، ولا يجوز أن نستدل من ذلك أن الحاكم يمثل إرادة الله في ~~كل عمل صغير يقوم به أثناء قيامه بالحكم؛ فشأن الحاكم في ذلك شأن قوى الطبيعة كلها، ~~أرادها الله من حيث المبدأ العام، لكنا نسرف إذا قلنا إن كل فعل من أفعال تلك القوى ~~قد استند في وقوعه إلى إرادة إلهية قائمة بذاتها؛ ولو جعلنا أفعال الحاكم الجزئية يوما ~~بعد يوم وساعة بعد ساعة معبرة عن مشيئة الله الخاصة، لتحتم أن نقول هذا القول نفسه في ~~أفعال الناس جميعا، فلا يقضي قاض بحكم، بل لا يقترف لص جريمة السرقة ولا يعتدي معتد ~~باعتداء إلا ومشيئة الله من ورائه. # وأما عن المبدأ القائل بأن الحكومة بادئ ذي بدء قد نشأت نتيجة لتعاقد تم بين الناس، ~~فهو كذلك مبدأ مقبول على شرط ألا نبالغ في تفسيره؛ ذلك أننا إذ نلاحظ أن الناس متقاربون ~~جدا في قواهم الجسدية بل وفي قواهم العقلية؛ لا يسعنا إلا أن نقرر ms137 بأنهم حينما أرادوا ~~الاجتماع بعضهم ببعض أول الأمر، كان يستحيل على سلطة أن تفرض عليهم سلطانها بغير ~~موافقتهم ورضاهم؛ إذ ما كان ليتاح لأحد منهم أن يفرض سلطانه بالقوة على بقيتهم، مع أنه ~~على وجه التقريب مساو لأي واحد من هؤلاء في قدراته البدنية والعقلية معا؛ إننا لو ~~تعقبنا أصول الحكومات إلى جذورها الأولى في الغابات وفي بيداء الصحراء، وجدناها قد قامت ~~بإرادة الناس؛ أقاموها برغبة منهم ورضى لتنشر فيهم الطمأنينة والنظام؛ وهم الذين ~~تنازلوا طواعية عن حرياتهم الفردية لواحد منهم، هو في الأصل مساو لكل منهم، وذلك بغية ~~أن يقضي فيهم بما يحقق لهم سلاما وأمنا؛ فلو كان شيء كهذا هو ما يراد عند التحدث عن ~~«عقد ابتدائي» تم بين أعضاء المجتمع عند أول تكوينه، لم يكن لنا بد من التسليم بصوابه؛ ~~فليس هو بالتعاقد الذي نراه مرقوما في وثيقة مخطوطة، لأنه حدث قبل الكتابة، بل قبل أن ~~تبدأ الحياة المتحضرة بشتى ألوان فنونها؛ بل هو تعاقد نستدله استدلالا من طبيعة ~~الإنسان، ومن تساوي الأفراد في قدراتهم الفطرية أو ما يشبه التساوي؛ وما تلك القدرات ~~الفطرية إلا قوة الأبدان وقوة البأس، فما نحسب فردا واحدا قادرا بقوته الفطرية وحدها ~~أن يغلب جماعة على أمرها، ولا يمكن لهذه الجماعة أن تخضع لواحد من أفرادها إلا بإرادتها ~~ورضاها. # وبالطبع لم يجتمع أفراد الجماعة ذات يوم ليقولوا: هذا هو منذ اليوم صاحب السلطان ~~فينا، بل لا بد أن يكون الأمر قد تم تدريجا وفي ظروف طبيعية كأن تضطر جماعة من الناس - ~~مثلا - أن ترد عنها عدوا مهاجما، فيقتضي هذا أن تكون القيادة لواحد من أفرادها، ~~وتنتهي المقاتلة فتزول عن القائد صفته المميزة، ولكن سرعان ما ينشأ طارئ آخر، فيسهل على ~~أفراد الجماعة أن يلقوا بزمام أمرهم إلى الرجل نفسه؛ وهكذا تظل الطوارئ تتوالى، فتتوالى ~~معها رئاسة هذا الرئيس، حتى تصبح رئاسته عادة مألوفة، ويصبح خضوع الأفراد لأحكامه أمرا ~~صادرا عن مشيئتهم. # فإذا ما طال العهد بالحاكم وسلالته من بعده، كان حق الحكم ms138 قائما على الإلف والعادة، ~~لا على موافقة الناس واختيارهم، لقد كان اختيارا وموافقة في أول الأمر، ثم انتهى إلى ~~عادة مقررة آخر الأمر، ويخطئ الفلاسفة السياسيون إذا ظنوا أنه ما دام الحاكم قد استند ~~في أول نشأة المجتمع إلى موافقة الأفراد، فلا بد أن يكون الآن كذلك مستندا إلى مثل هذه ~~الموافقة؛ يخطئون لو ظنوا أن الناس اليوم لا يزالون - كما كانوا أول نشأة المجتمع ~~والحكومة - يولدون سواسية، لا فرق فيهم بين فرد وفرد، وأنهم يولدون أحرارا من كل فرض ~~يوجب عليهم الولاء لحاكم أو حكومة، اللهم إلا إذا تعهدوا طواعية بمثل هذا الولاء؛ ولما ~~كان الإنسان لا يتعهد لغيره بولاء إلا إذا كان له من وراء ذلك كسب مساو لما تنازل عنه ~~من حقوقه الفطرية، كان ولاء الفرد لحاكمه أو حكومته متضمنا ضرورة أن تقوم تلك الحكومة ~~أو الحاكم بحماية مصالحه، وإلا كان له الحق في نقض ولائه الذي تعهد به. # إن الذين يزعمون أنه ما دامت مشروعية الحكومة قد قامت في أول أمرها على رضى الأفراد، ~~فلا بد أن تظل قائمة على رضى الأفراد الآن وفي كل حين، أقول إن الذين يزعمون هذا الزعم ~~ما عليهم إلا أن يرسلوا أبصارهم إلى دنيا الواقع، ليروا أن ما هو واقع فعلا لا يطابق ~~هذه الآراء النظرية التي يأخذون بها؛ فأينما يوجهون أبصارهم يرون حكاما يملكون رعاياهم ~~كأنما هؤلاء الرعايا ملك أيديهم، ويؤسسون ملكهم هذا - لا على أساس موافقة هؤلاء الرعايا ~~ورضاهم - بل على أساس الفتح الحربي أو الحق الشرعي الموروث للولد عن أبيه وجده؛ وسيجدون ~~الرعايا أنفسهم يقرون لحكامهم بهذا الحق؛ إذ يقررون أنهم - أي الرعايا - إنما ولدوا ~~وعليهم واجب الولاء والطاعة لولي الأمر منهم، كما يولد الولد وعليه واجب فطري بالولاء ~~نحو والديه اللذين أنسلاه؛ وليس الأمر في هذا كله مقصورا على بلد دون بلد، أو عصر دون ~~عصر، بل هو شامل للعالم كله في كل زمان أو مكان؛ تراه في فارس والصين، كما تراه في ~~فرنسا وإسبانيا وفي ms139 هولندا وإنجلترا؛ إن طاعة الرعية لراعيها وحاكمها أمر قد بلغ من ~~رسوخه في النفوس حدا لم يعد مقبولا معه أن يفكر أحد حتى في مجرد البحث عن أصوله ~~ونشأته، وعن سببه وعلته، فكأنه قانون طبيعي كالجاذبية مثلا، نقبلها أمرا واقعا رضينا ~~أو كرهنا، ولو قمت في الناس هاديا يهديهم إلى أن الروابط السياسية بين الحاكم والمحكوم ~~إنما تقوم على رضى المحكوم وموافقته، لقضي عليك بالسجن، لأنك ستكون عندئذ في رأي ~~القضاة - في كل بلاد العالم - مضللا يعمل على فصم عرى الولاء والطاعة التي لا مندوحة ~~عنها بين المحكوم وحاكمه؛ لا بل إن أصدقاءك أنفسهم لن ينتظروا القضاة حتى يزجوا بك في ~~السجن، لأنهم سيحكمون عليك قبل ذاك بالتخليط والجنون؛ أمن المعقول أن يكون أفراد الناس ~~هم الذين تعاقدوا وتعاهدوا على أن تقوم فيهم حكومة بعينها، ثم لا نجد منهم فردا واحدا ~~يتذكر ما قد تعاقد عليه وتعهد به؟ أيكون أفراد البشر جميعا في أنحاء الأرض كلها قد ~~أصابهم النسيان فلم يعد أحد منهم ذاكرا لفعل يقال لنا إن جميع الأفراد قد تعهدوا به ~~وتعاقدوا عليه؟! # لكن هذا التعاقد الذي تم بين الأفراد على الحكومة التي أقاموها على أمورهم باختيارهم، ~~هو تعاقد تم في بداية نشأة المجتمع، هو «تعاقد ابتدائي» كما يقول لنا أصحاب هذه ~~النظرية، وعلى ذلك فهو أقدم عهدا من أن يظل عالقا بذاكرات أبناء العصر الحاضر؛ ويرى ~~هيوم في هذا الصدد أنه إذا كان المقصود بالتعاقد الاجتماعي ما قد تم بين أعضاء الجماعة ~~الهمجية عند أول التقائهم في مجتمع، فذلك أمر مقبول غير منكور؛ أما وقد طال العهد جدا ~~بمثل ذلك التعاقد الابتدائي، حتى لقد عفى عليه ما قد وقع من تغيرات وحوادث تعد ~~بالألوف، فألوف الحكومات قد تتابعت، وألوف الأمراء قد تناولوا الحكم، فإنه محال أن يكون ~~ذلك العقد الابتدائي ما يزال محتفظا بشيء من قوته؛ ولو أننا أصررنا على أن تدوم للعقد ~~الابتدائي قوته منذ أول نشأة المجتمع حتى يومنا هذا، لكان معنى هذا فرض إرادة ms140 الآباء ~~الأولين الأقدمين على أبنائهم وأبناء أبنائهم إلى يوم الدين؛ ذلك فضلا عن أن التاريخ ~~والخبرة كليهما يشهدان ببطلان هذا القول بطلانا تقوم عليه الشواهد في كل عصر وفي كل ~~بلد على طول التاريخ وفي أرجاء العالم أجمع. # إن كافة الحكومات القائمة بيننا اليوم - هكذا يستطرد هيوم في قوله - وكافة الحكومات ~~التي يسجل التاريخ أخبارها من العصور الماضية، توشك أن تكون قائمة كلها إما على أساس ~~الاغتصاب أو على أساس الغزو أو على الأساسين معا، دون أن يكون هنالك أقل علامة تدل على ~~موافقة الرعية المحكومة بإرادتها وبمحض اختيارها على الحكومة القوامة على أمورها؛ فإذا ~~ما وضع رجل ماكر جريء على رأس جيش أو حزب، فكثيرا ما يسهل عليه - بالعنف حينا ~~وبالتضليل حينا - أن يؤسس سلطانه على شعب يفوق في عدده عدد أتباعه مائة مرة، فتراه لا ~~يبيح لأعدائه أن يجتمع بعضهم ببعض حتى لا يدركوا في يقين مدى عددهم أو قوتهم؛ ولا يجيز ~~لهم أن يحشدوا جهودهم ضده؛ وحتى أنصاره الذين ساعدوه على تأسيس سلطانه اغتصابا، قد ~~يتمنون بعد ذلك سقوطه، لكن المباعدة بينهم تحول دون أن يعلم بعضهم نيات بعضهم الآخر، ~~وبذلك يظل السلطان آمنا مطمئنا؛ بمثل هذه الوسائل قويت حكومات كثيرة، وذلك هو «العقد ~~الابتدائي» الذي يفاخر به أنصار النظرية السياسية التي تجعل للأفراد حق اختيار الحاكم ~~وعزله! # إن وجه الأرض لفي تغير دائم لا ينقطع، فممالك صغيرة تكبر حتى تصبح إمبراطوريات عظيمة، ~~وإمبراطوريات عظيمة تنحل إلى ممالك صغيرة، ومستعمرات تقوم هنا وهناك، وقبائل تهاجر، ~~فهل ترى في هذه الحوادث كلها علامة واحدة لشيء غير القوة والعنف؟ أين تجد في هذا كله ما ~~يزعمونه لنا من تعاقد بين الناس يتم بإرادتهم الحرة على الحكومة التي تقوم عليهم وتسيطر ~~على شئونهم؟ # لا بل إنه كثيرا ما يحدث للأمم أن تتلقى حكامها عن طرق لا تشرفها، وذلك حين يتولى ~~أمور الأمة حاكم جاءها نتيجة لزواج أو تحقيقا لوصية، ففي مثل هذه الحالات لا تكون ~~الأمة المحكومة في الواقع سوى ms141 مهر يدفع لعروس، أو تركة يرثها وارث، ولا يكون ذلك إلا ~~على هوى حكامها دون أن يكون لأبناء الأمة نفسها إرادة ولا شبه إرادة. # ثم افرض أحسن الفروض الممكنة، افرض أن قيام الحاكم قد تم باختيار أبناء الأمة ~~المحكومة، فكيف وقع هذا الاختيار فعلا؟ أليست حقيقة الأمر هنا أن فئة قليلة العدد من ~~أعلام الناس وأعيانهم قد قرروا واختاروا نيابة عن المجموعة كلها؟ أو ربما كانت حقيقة ~~الأمر هي أن جموعا من الشعب قد التهبت غضبا وثورة بفعل زعيم مضلل لا يعرفه حق المعرفة ~~إلا قليلون من المحيطين به، وبذلك لا يكون ارتقاؤه إلا نتيجة وقاحته وجرأته، أو نتيجة ~~نزوة مؤقتة عند أصحابه ... أفتكون لأمثال هذه الانتخابات المضطربة - ومع ذلك فهي نادرة ~~الحدوث - من قوة الأثر بحيث نعدها الأساس الشرعي الوحيد لكل حكومة وكل ولاء؟ ألا ما ~~أبعد المسافة بين الواقع كما يقع وبين الأفكار النظرية التي يحلم بها فلاسفة ~~السياسة! # ويمضي هيوم في قوله على هذا النحو، ثم يقرر أنه لا يريد أن يحذف موافقة الرعية فلا ~~يجعلها أساسا عادلا بين غيرها من الأسس التي يمكن للحكومة أن تقوم عليها؛ بل كل ما ~~يدعيه هو أن مثل هذه الموافقة الشعبية على الحكومة القائمة قلما يحدث فعلا ولو إلى ~~درجة محدودة، ويستحيل أن يحدث بأكمل معانيه وإلى أبعد حدوده، وإذن فلا مندوحة لنا عن ~~الاعتراف بأسس أخرى غير هذا الأساس، تقوم عليه الحكومة. # إنه لو كان الناس جميعا مهيئون بطبعهم أن يعامل بعضهم بعضا بالعدل والإنصاف فلا ~~يجحف أحد منهم بأحد ولا يسطو أحد على ملك أحد، لظلوا إلى الأبد متمتعين بحرية مطلقة لا ~~يخضعون لحاكم ولا ينخرطون في سلك جماعة سياسية؛ لكن هذه درجة من الكمال لم تتهيأ لها ~~طبيعة البشر؛ وكذلك لو كان الناس يتمتعون بقدرة عقلية تمكنهم من إدراك مصالحهم، لامتنع ~~قيام حكومة فيهم إلا ما أرادوا لأنفسهم بمحض اختيارهم، لكن هذه أيضا درجة من الكمال ~~تقصر دونها طبيعة البشر؟ وهكذا ترى العقل والتاريخ والخبرة كلها دالة ms142 على أن اختيار ~~الناس لم يكن هو الأساس في قيام حكوماتهم؛ ولو استعرضت مراحل التاريخ في أمة من الأمم ~~لتتبين متى كان اختيار الناس في أقل درجاته وأضيق حدوده، وجدت أنه يكون كذلك عند قيام ~~الحكومات الجديدة إثر الثورات والحروب وما إليها؛ فبدل أن يكون اختيار الناس واضحا عند ~~قيام حكومة جديدة في فاتحة عهد جديد، كما يدعي أنصار العقد الاجتماعي، ترى هذا ~~الاختيار في أدنى درجاته عند تلك اللحظات التاريخية ذاتها، حتى إذا ما استقرت الأمور ~~للعهد الجديد وللحكومة الجديدة، فعندئذ قد يقوم في الناس دستور ينظم استشارة الناس ~~فيما يريدون لأنفسهم؛ وأما إبان الثورات والغزوات والانقلابات فالكلمة تكون للقوة ~~العسكرية أو للدهاء السياسي، بحيث لا يكون للناس في أمرهم خيار. # إنه إذا ما قامت حكومة جديدة بوسيلة من الوسائل كائنة ما كانت، فالأرجح ألا يرضى ~~الناس عنها؛ فتراهم يطيعونها عن خوف وضرورة أكثر مما يطيعونها عن عقيدة في الولاء أو عن ~~شعور بالإلزام الخلقي؛ وهنا ترى الحاكم الجديد على حذر يتخذ الوسائل التي تمنع قيام ~~الغاضبين في ثورة على حكومته، ولكن الزمن يمضي فيزيل شيئا فشيئا كل ما قد كان قائما ~~في وجهه من عقبات، ويعود الأمة على اعتبار الحاكم الجديد وأسرته حكاما شرعيين، مع ~~أنهم هم أنفسهم الذين كانوا أول الأمر غزاة أو مغتصبين؛ وهكذا ترى أن ليس في الأمر ~~اختيار ولا تعاقد ولا عهد ولا وعد، بين حاكم ومحكوم، بل يبدأ الأمر بفعل القوة وينتهي ~~بالإذعان بحكم الضرورة والعادة، وحين يصبح لحاكم حق شرعي في ملكه، فلا يكون ذلك أبدا ~~نتيجة اختيار الناس له أو تعاقدهم معه، بل يكون نتيجة لطول عهد ذلك الحاكم بملكه مما ~~يكسبه حقا شرعيا فيه. # وقد يقال إن كل فرد من أفراد الشعب هو في حكم من أبدى رأيه بالموافقة على قيام ~~الحكومة القائمة؛ لأنه لو كان معارضا ورافضا لترك البلاد إلى غيرها، لكن هذا القول ~~لا يعني شيئا ما لم يكن للفرد قدرة فعلية على ترك البلاد إذا أراد، أما ms143 إذا كان بحكم ~~الظروف عاجزا عن ذلك، فلا محل إذن للقول بأنه يستطيع مغادرة البلاد إذا لم يكن راضيا ~~عن الحكومة القائمة؛ وهل يستطيع أحد أن يزعم جادا بأن الفلاح الفقير أو الصانع حر ~~الاختيار في ترك بلاده إذا شاء، مع أنه لا يعرف لغة غير لغته ولا لونا من العيش إلا ~~اللون الذي ألفه ونشأ عليه، ومع أنه كذلك يعيش على رزق يوم بعد يوم؟ إن من يدعي ذلك هو ~~بمثابة من يقول لرجل حمل إلى سفينة حين كان غارقا في نعاسه، ثم أقلعت به السفينة إلى ~~عرض البحر، وقيل له بعد ذلك إنه إذا لم يكن راضيا بحكم الربان، فله - إذا شاء - أن ~~يترك السفينة، مع أنه لا يستطيع تركها إلا إذا وثب في البحر وهلك لساعته. # وماذا لو أراد فرد من الناس أن يغادر البلاد فرفض الحاكم؟ وهل يخطئ الحاكم إذا ما وجد ~~الناس نازحة عن بلاده زرافات أن يحول دون ذلك حتى لا يحل الخراب بالبلاد؟ كلا، إن ذلك ~~يكون منه سدادا وحكمة، ولكنه مع ذلك قيد على حرية الأفراد. # وفضلا عن ذلك كله، فلو كانت الأجيال تتعاقب كما يتعاقب دود القز والفراش، أنه لو كان ~~معنى تعاقبها هو أن تنمحي جماعة لتحل محلها جماعة جديدة، لجاز أن نقول إن من حق هذه ~~الجماعة الجديدة أن توافق أو لا توافق على نظام الحكم الذي كان سائدا في الجماعة ~~القديمة، لكن الأجيال يتداخل بعضها في بعض، ففي كل ساعة يضاف إلى الجماعة عضو جديد ~~ويخرج منها عضو قديم، ويستحيل أن يتحقق استقرار للحياة على هذه الصورة إلا إذا سار ~~الوافدون الجدد على الدرب الذي سار عليه الأسلاف، وأما ضروب الإصلاح - ولا بد منها - ~~فيتحتم أن تجيء عن طريق الهداية البصيرة والإقناع، ولا تجيء أبدا عن طريق العنف ~~والقوة. # وبعد أن يسوق هيوم أمثلة من التاريخ ليدلل بها على صدق ما يذهب إليه، يعود إلى تفنيد ~~فكرة «العقد الابتدائي» على أساس نظري فلسفي فيقول إن الوجبات «الخلقية» كلها ms144 يمكن ~~تقسيمها نوعين: النوع الأول قوامه واجبات تدفع إليها غرائز فطرية وميول طبيعية مباشرة، ~~فترانا نؤديها بغض النظر عن أي إلزام أو نفع يترتب على أدائها، ومن قبيل ذلك حب ~~الوالدين للأبناء، والاعتراف بالجميل لصاحب الفضل، والإشفاق على من ألمت به ملمة؛ نعم ~~إن أمثال هذه المشاعر تصادف عند المجتمع استحسانا ورضى، لكننا نندفع إليها بمحض الفطرة ~~بغض النظر عن هذا الاستحسان والرضى. # وأما النوع الثاني من الواجبات الخلقية فلا يستند إلى غريزة أو فطرة، لكنها تؤدى ~~بدافع من الإلزام الذي تقتضيه ضرورات الحياة الاجتماعية التي لا قيام لها ولا نجاح بغير ~~تلك الواجبات؛ ومن هذا القبيل «العدالة» أو عدم الاعتداء على ملك الآخرين، و«الوفاء ~~بالعهد»؛ فهذه وأمثالها فضائل نلتزم بها صيانة للمجتمع على الرغم من أنها ليست جزءا من ~~الفطرة؛ إذ من الواضح أن كل إنسان يحب نفسه أكثر مما يحب أي شخص آخر، ولذلك فهو بفطرته ~~مدفوع إلى الإكثار من مقتنياته بقدر المستطاع، ولا يحد من ميله هذا إلا التفكير والخبرة ~~اللذان يهديانه إلى النتائج السيئة التي تترتب على سلوكه ذاك، وبهذا تراه يفرض القيود ~~على دوافعه الفطرية الغريزية. # و«الولاء» الذي هو واجب سياسي أو مدني، هو من هذا النوع الثاني من الواجبات الخلقية ~~التي تستدعيها الخبرة ولا تحتمها الفطرة؛ لأننا لو استمعنا إلى إملاء الغرائز الفطرية ~~وحدها، لاستبحنا لأنفسنا حرية بغير قيد أو حد، ولالتمسنا السيادة على الآخرين؛ لكنه ~~التفكير العقلي هو الذي يقتضينا أن نضحي بهذا الذي تميله علينا العواطف الفطرية، لكي ~~نحقق للمجتمع أمنا ونظاما؛ وإنه لتكفينا الخبرة القليلة لنعلم ألا قيام لمجتمع بغير ~~قضاة يردون المعتدي، ولا خير في قضاة لا يجدون من الناس طاعة لقضائهم، ومن ثم وجب على ~~الفرد في المجتمع «الولاء» لحكومته وما تقرره عليه من قيود. # من ذلك ترى أن «الولاء» السياسي و«الوفاء بالعهد» كليهما من الواجبات المكتسبة لا ~~الواجبات الفطرية؛ وإذن فليس من الصواب أن نجعل الولاء السياسي نتيجة مترتبة على الوفاء ~~بالعهد، كما يظن أصحاب نظرية «التعاقد»؛ إذ ms145 يقولون إننا نطيع الحاكم بناء على عهد ~~قطعناه ضمنا على أنفسنا إذ قبلنا قيام ذلك الحاكم فينا وليا على أمورنا؛ لأننا ~~نستطيع أن نسألهم قائلين: وما الذي يلزمنا بالوفاء بعهودنا؟ إنه ليس من غرائزنا الفطرية ~~أن نفي بالعهد، فما مصدر الإلزام هنا إذن؟ فإذا أجابوا بقولهم: إنه المجتمع وضرورة ~~قيامه هو الذي يفرض علينا الوفاء بالعهد، كان اعتراضنا عندئذ هو أن هذا المجتمع نفسه ~~وضرورة قيامه هو الذي يستوجب كذلك الولاء السياسي، وإذن فهذا الولاء إنما يقف في نفس ~~المنزلة التي يقف فيها الوفاء بالعهد، ولا ضرورة هناك تحتم علينا أن نجعل الولاء فرعا ~~عن الوفاء ونتيجة مترتبة عليه؛ إن المجتمع ومصالحه هي التي تفرض الواجبين معا. # فلو سأل سائل: لماذا وجبت الطاعة على الشعب لحكومته؟ أجاب هيوم بقوله: لأنه لا بقاء ~~للمجتمع بغير هذه الطاعة، أما معارضو هيوم فيجيبون بقولهم: لأن أفراد الشعب قد تعهدوا ~~بهذه الطاعة فوجب عليهم الوفاء بما تعهدوا، ومن رأي هيوم أن هذه الإجابة ناقصة؛ لأننا ~~نستطيع أن نسأل القائلين بها سؤالا يتعذر عليهم جوابه، وهو: ولماذا يجب الوفاء ~~بالعهود؟ من الذي أوجب ذلك؟ كلا، إنه لا عهود هناك ولا وعود، أو بعبارة أخرى، لا تعاقد ~~هناك بين حاكم ومحكوم؛ إنما للولاء واجب للحكومة على الشعب ليظل النظام الاجتماعي ~~قائما. # لكن السؤال المشكل العسير حقا هو هذا: لمن ~~يجب الولاء؟ أو بعبارة أخرى، من ذا يكون سلطاننا الشرعي؟ ولعل أيسر إجابة على هذا ~~السؤال تتحقق حين يجد الشعب سعادته في الاعتراف بحكومته القائمة وفي سلطانه الراهن، على ~~اعتبار أنه الوريث الشرعي لآبائه وأجداده ... إن الشعب إذا ما وجد سعادته في هذا ~~الاعتراف، كان من العسير على المعترض أن ينبهه إلى ما في هذه الإجابة من مشكلات؛ ذلك ~~لأن مثل هذا المعترض يستطيع أن يعود بالسلطان الراهن راجعا إلى الوراء خطوة بعد خطوة ~~حتى يتبين أن جده الأول كان مغتصبا لعرش لم يكن له فيه حق موروث ... وها هنا يشير هيوم ~~إلى حقيقة عامة، وهي أنه ms146 وإن تكن الفضيلة تقتضي ألا يعتدي أحد على ملك سواه، إلا أنك ~~إذا ما تتبعت ما شئت من أملاك الناس، كيف تداولته الأيدي مالكا بعد مالك، فلا بد أن ~~تنتهي عند خطوة كان هذا الملك فيها نتيجة نهب وسرقة واعتداء؛ ولا فرق في هذا بين ~~الملكية الخاصة والملكية العامة، أي بين أن يملك مالك قطعة من الأرض مثلا وبين أن يملك ~~أمير قطرا من الأقطار بما فيه ومن فيه. # إن «وضع يد» المالك على ما يملك - في الحياة الخاصة وفي الحياة العامة على السواء - ~~برهان قوي في أعين الناس على مشروعية ذلك الملك، مهما يكن الأصل القديم الذي عنه تفرعت ~~هذه الملكية في اللحظة الحاضرة ... هذا هو الرأي العام الشائع بين الناس، ويستحيل علينا ~~أن نغمض أعيننا عن الرأي العام في أمثال هذه المشكلات؛ فلئن كان رأي الناس عامة لا يصلح ~~حكما في المسائل العلمية النظرية، فلا شك أنه صالح في المسائل العملية كالأخلاق ~~والنقد، بل إنه لا رأي في أمثال هذه المسائل العملية إلا رأي عامة الناس؛ وإذا أردت أن ~~تدحض مذهبا في الأخلاق أو السياسة - مثلا - فلن تجد لرفضه برهانا أقوى من أن الذوق ~~لا يستسيغه ولا يستسيغ النتائج التي تترتب عليه؛ وعلى هذا الأساس نرفض النظرية السياسية ~~القائلة بأن مشروعية الحكومة قائمة على تعاقد تم بين أفراد الشعب عند أول قيام تلك ~~الحكومة فيهم؛ نرفض هذا المذهب السياسي لأنه مجاف لما تعتقده عامة الناس في كل العصور ~~وفي كل الأمم. # 118 ~~(11) في الدين ~~(11-1) الديانة الطبيعية # يعرض هيوم رأيه في الدين في مؤلفين رئيسيين، أحدهما هو «التاريخ الطبيعي للدين» ~~والآخر «محاورات في الديانة الطبيعية» والمقصود بكلمة «طبيعي» هنا هو نشأة العقيدة ~~الدينية من أصول في طبيعة الإنسان وفطرته، مفرقا في ذلك بين هذا الرأي الذي يرد ~~الدين إلى طبيعة الإنسان، وبين الرأي الآخر الذي يرده إلى التأمل العقلي من جهة، ~~والرأي الثالث الذي يرده إلى الوحي والتقليد من جهة أخرى؛ فالقائل بأن الدين نابت ~~من طبيعة الإنسان ms147 لا يحتاج في تدعيمه إلى البرهان العقلي ولا إلى وحي هبط إلى ~~الإنسان من خارج طبيعته. # على أن «الطبيعة» الإنسانية التي قد نقول إنها أصل العقيدة الدينية، ليست تعني ~~عند هيوم «الغرائز»، فليست العقيدة الدينية بهذا المعنى غريزة من الغرائز الأولية، ~~بدليل أن الغرائز متشابهة دائما عند بني الإنسان جميعا، على حين أن العقيدة ~~الدينية يتغير مضمونها من فريق إلى فريق، ومن عصر إلى عصر؛ بل العقيدة الدينية فرع ~~عن الغرائز، بمعنى أنها تنشأ عنها وإن لم تكن واحدة منها، فهي إذن ثانوية وليست ~~أولية في جبلة الإنسان وفطرته، شأنها في ذلك شأن طائفة من الفضائل الخلقية ~~والسياسية، كالعدالة أو الوفاء بالعهود أو الولاء لولي الأمر وما إلى ذلك، فهذه ~~كلها فضائل متفرعة عن أصول في الطبيعة الإنسانية، وليست في ذاتها أصولا؛ وإنما ~~الأصول التي تفرعت عنها أمثال هذه الاتجاهات في سلوك الإنسان، هي طائفة من عواطف ~~وانفعالات أولية؛ وكما قدمنا لك في الحديث عن تحليل العواطف الأولية (راجع الفصل ~~الثامن) يكون لكل منها طرفان: سبب وهدف؛ فالشيء الذي منه تبدأ العاطفة سيرها يكون ~~سببها، والنهاية التي تنتهي إليها تكون هدفها؛ وكذلك الأمر في العقيدة الدينية التي ~~هي - كما قلنا - مستمدة من العواطف الفطرية؛ فأصل هذه العقيدة هو السبب الذي ~~يستثيرها، وما ذاك السبب إلا آمال الإنسان ومخاوفه الناشئة عن اهتمامه بمجرى حوادث ~~الحياة؛ والآمال والمخاوف التي هي التربة التي تنبت فيها العقيدة الدينية هي ~~وجدانات أولية فطرية في طبيعة الإنسان؛ لكن لا هذه الوجدانات الأولية في ذاتها ~~(الأمل والخوف) ولا مثيراتها (حوادث الحياة) هي ما نسميه بالدين؛ بل لا بد من إضافة ~~الهدف أو طرف النهاية الذي تنصب عليه وترتبط به تلك الوجدانات الأولية، فإن ارتبطت ~~آمالنا ومخاوفنا - مهما يكن الشيء الذي يثيرها - بقوة كونية عقلية غيبية، نشأ عن ~~هذا ما نطلق عليه اسم العقيدة الدينية؛ بعبارة أخرى، يمكن تحليل الشعور الديني إلى ~~مقومات ثلاثة؛ بداية تثير فينا وجدانات من خوف وأمل، ثم هذه الوجدانات نفسها وهي ~~فطرية غير ms148 مكتسبة، وأخيرا نهاية تتعلق بها وجدانات الخوف والأمل، على أن تكون هذه ~~النهاية قوة خفية عاقلة؛ وإنه لإجماع بين أفراد البشر جميعا أن تتعلق طبائعهم بتلك ~~القوة الخفية العاقلة التي وإن تكن بذاتها جزءا من فطرة الإنسان إلا أنها متعلق ~~تتعلق به تلك الفطرة. # على أن أفراد البشر وإن أجمعوا على وجود هذه القوة الخفية العاقلة، إلا أنهم ~~يختلفون في طبيعتها وخصائصها باختلاف ثقافاتهم ودرجة علمهم، ومن ثم كانت العقائد ~~الدينية المختلفة، وها هنا يأتي دور «العقل»، فبالعقل نحدد ماذا عسى أن تكون خصائص ~~تلك القوة الخفية العاقلة، أما وجودها فلا شأن للعقل به؛ وعلى هذا الأساس ينكر هيوم ~~موقف الملحد إنكارا تاما، ذلك إذا أريد بالإلحاد الشك العقلي في «وجود» الله؛ ~~لأن «الوجود» الإلهي - كما قلنا - أمر ناشئ عن الوجدانات الفطرية ولا شأن للتفكير ~~العقلي به؛ كل ما يستطيعه العقل هنا هو أن يثبت لله هذه الصفة أو تلك دون أن يمس ~~«وجوده». # وهذه الفكرة الأخيرة هي مدار النقاش في «محاورات في الديانة الطبيعية» # 119 # فها هنا محاورات تدور بين ثلاثة أشخاص ذوي نزعات مختلفة، هم «ديميا» ~~الذي يمثل رجل اللاهوت في تعصبه وجموده ورفضه أن يخضع موضوع الدين للعقل وتحليلاته، ~~و«كلينثيز» العقلي الذي يركن إلى العقل ويؤمن بقدرته في الوصول إلى الحق ما دام ~~يحصر نفسه في حدود الخبرات البشرية وتأويلها، و«فيلو» المتشكك الذي لا يريد أن يؤمن ~~لا بالدين ولا بالعقل؛ وإن مؤرخي الفلسفة ليختلفون أحيانا فيمن يمثل هيوم من هؤلاء ~~الأشخاص الثلاثة. لكننا نرجح بل نكاد نوقن بأنه يجري آراءه على لسان «كلينثيز» الذي ~~يجعل للعقل حق البحث في خصائص الله، أما وجود الله فحقيقة لا مندوحة للإنسان عن ~~الاعتراف بها بحكم طبيعته. # وتبدأ المحاورة بين المتحاورين الثلاثة: «ديميا» المتدين بإيمان أعمى، و«كلينثيز» ~~المتدين مهتديا بالعقل، و«فيلو» المتشكك؛ تبدأ المحاورة بينهم بالنظر في موقف ~~«فيلو» الذي يثير الشك في قدرة العقل على الوصول إلى أي شيء يقيني كائنا ما كان؛ ~~فالعقل البشري - في رأيه - ضعيف وأعمى ms149 ومحدود بحدود هي أضيق الحدود، وهو حتى في ~~شئون الحياة اليومية - ودع عنك شئون العلم - مضطرب الأحكام متناقض النتائج إلى غير ~~حد معلوم؛ وواضح أن هذه الوجهة من النظر إلى العقل قد تؤدي - بالنسبة للدين ~~- إلى إحدى نتيجتين، فإما أن يرتمي الإنسان في ~~أحضان الإيمان الساذج ما دام العقل لا يغني عنه شيئا، وإما أن يرفض الإيمان رفضا ~~تاما ما دام العقل لا يستطيع أن يهديه إلى شيء يطمئن إليه؛ أعني أن التشكك في ~~قدرة العقل قد تحمل بعض الناس على الإيمان الديني الخالص، كما تحمل بعضهم الآخر على ~~الإلحاد الديني الخالص؛ أما الموقف الأول فهو موقف «ديميا» وأما الموقف الثاني فهو ~~موقف «فيلو»؛ وأما «كلينثيز» (ورأيه هو على الأرجح رأي هيوم) فيرى أن موقف الشك ~~الشامل في قدرة العقل مرفوض من أساسه لأنه مستحيل، فحتى صاحب الشك نفسه تراه يتصرف ~~في شئون حياته بما ينفي عنه الشك في كل شيء كما يدعي؛ فبدل أن نشك في قدرة العقل ~~شكا كاملا شاملا عاما، ينبغي أن نبحث في قدرته في كل موقف جزئي على حدة، ~~وعندئذ سيتبين لنا أنه إن كان عاجزا في بعض المواقف، فهو قادر في بعضها ~~الآخر. # والموضوع المعروض الآن أمام المتحاورين الثلاثة ليس هو وجود الله - لأنهم جميعا ~~متفقون على وجوده - بل هو مدى ما يعلمه الإنسان عن طبيعة الله وخصائصه؛ وها هنا ~~يتفق «ديميا» و«فيلو» معا على أن الإنسان يستحيل عليه أن يعرف عن تلك الطبيعة ~~الإلهية شيئا مستعينا بعقله وحده؛ ولكن «كلينثيز» لا يوافقهما على ذلك، ويقول إن ~~الإنسان في وسعه - مستعينا بعقله - أن يقيس طبيعة الله على طبيعة الإنسان لما بين ~~الطبيعتين من تشابه؛ فالعالم كما تشهده أبصارنا دال على أنه يسير على خطة مرسومة، ~~وهو في هذا شبيه بآلة يصممها الإنسان ويرسم لها طريق سيرها، فيعد أجزاءها بحيث ~~يلائم بعضها بعضا لتتعاون على أداء ما أريد منها أن تؤديه، وإذن فما دامت صنعة ~~الله شبيهة بصنعة الإنسان من حيث توافق الأجزاء والسير إلى ms150 غاية منشودة، فمن ~~المعقول أن نهتدي على أساس التشابه والتماثل إلى خصائص الله مستنتجة من خصائص ~~الإنسان، وعندئذ يكون الفرق بين الجانبين في الكم وحده لا في الكيف. # هنا يلتفت المتحاورون إلى هذا النوع من الاستدلال القائم على التمثيل: هل يجوز أو ~~لا يجوز؛ وبالتالي هل يجوز أن نحكم على الله بما نحكم به على الإنسان؟ ويحاول ~~«فيلو» المتشكك أن يهدم حجة «كلينثيز» هذه في تصوير العالم على غرار الآلة يصنعها ~~الإنسان؛ فلماذا لا يكون العالم - مثلا - شبيها بالكائن العضوي في تكامل أعضائه ~~وفي نمائه؟ لماذا لا يكون العالم أشبه بالشجرة في تكوينها منه بالآلة؟ وإذا كان في ~~العالم نظام ملحوظ، فماذا يبرر أن ننسب هذا النظام لكائن أسمى ولا ننسبه لطبيعة ~~المادة نفسها؟ # هكذا يظل الحوار قائما حول إمكان معرفة الإنسان لطبيعة الله، ويخرج «ديميا» ~~المتدين المؤمن من النقاش، ويبقى الآخران «فيلو» و«كلينثيز» كل منهما يحد من إسراف ~~الآخر في وجهة نظره حتى ينتهيا إلى الاعتراف الذي يلخص الموقف كله، وهو أن مبادئ ~~«فيلو» المتشكك أرجح صوابا من مبادئ «ديميا» المؤمن، على أن مبادئ «كلينثيز» أشد ~~رجحانا في صوابها من مبادئ زميليه معا، فبالعقل - كما يقول كلينثيز - يمكن أن ~~نهتدي إلى خصائص الله وصفاته. # 120 ~~(11-2) المعجزات # 121 # الحجة التي يستند إليها القائلون بمعجزات المسيح التي أيد بها صدق رسالته هي ~~شهادة أتباعه الذين قالوا إنهم رأوا بأعينهم تلك المعجزات تحدث أمام أبصارهم؛ وإذن ~~فالأساس الذي نقيم عليه صدق الديانة المسيحية أوهى من الأساس الذي نقيم عليه صدق ما ~~تدلنا على صدقه حواسنا نحن، ذلك لأن من يقوم بالرؤية أقرب إلى الصدق ممن تروى له ~~رؤية سواه؛ فأتباع المسيح قد رأوا شيئا ثم رووه، ثم أخذ الرواة على مر السنين يروي ~~بعضهم لبعض حتى انتهت إلينا نحن شهادة الشهود الأولين، فهي شهادة رؤية فعل فيها ~~الزمن فعله، ولذلك فهي أضعف من شهادة حواسنا نحن إذا ما شهدنا بها شيئا؛ ولما كانت ~~الحجة الأضعف لا ترجح الحجة الأقوى، كان حتما ms151 علينا ألا نصدق شهادة حس نقلت إلينا ~~عن سوانا من زمن قديم إذا تعارضت مع شهادة حسنا نحن في لحظتنا الراهنة. # ولئن كانت خبراتنا الحسية هي مرشدنا الوحيد فيما نعلمه عن أمور الواقع فلا بد - ~~مع ذلك - من الاعتراف بأنها مرشد غير معصوم من الخطأ؛ فقد يكون الإنسان (في ~~إنجلترا) على حق إذا توقع أن يكون الجو في أي يوم من أيام يونيو أحسن منه في أي يوم ~~من أيام ديسمبر، لأن خبرته قد دلت على ذلك في سنيه الماضية، لكن ذلك لا يعني ~~استحالة أن يقع في الخطأ حينا، فيجد يوما من شهر ديسمبر أحسن جوا من يوم في شهر ~~يونيو؛ ومع ذلك فلا يكون هذا الخطأ مدعاة إلى نبذ الخبرة والاهتداء بها؛ لأن الخبرة ~~نفسها هي التي تدله كذلك أن أمثال هذا الشذوذ في اطراد الحوادث قد يقع؛ فمن الخبرة ~~بالحوادث يتعلم الإنسان أن ليست الأحكام كلها سواء في درجة اليقين، فمنها ما يرجح ~~صدقه ومنها ما يقل فيه الترجيح وهكذا. # فلا يسع العاقل - إذن - سوى أن ينسب درجة الصدق في اعتقاداته إلى درجة الشواهد ~~التي تدعمها؛ فحينا يقطع بأن شيئا معينا سيقع في ظروف معينة لأنه قد وقع في مثل ~~هذه الظروف بلا تخلف، وحينا آخر يتوقع وقوعه في شيء من الحذر، لأن وقوعه لم يطرد ~~إلا بدرجة محدودة؛ وإذا ما احتمل الموقف حكمين متضادين، كان عليه أن يزن الشواهد ~~في كل من الجانبين ليأخذ بأرجحهما أخذا فيه من الشك والتردد بمقدار ما في الرجحان ~~من كثرة أو قلة؛ فوقوع حدث معين مائة مرة فيما مضى، ووقوع ضده خمسين مرة، يجعل ~~الحدث الأول أكثر رجحانا في توقع حدوثه بالنسبة إلى حدوث ضده بمقدار الضعف ~~وهكذا. # ولما كان لا غنى للناس في حياتهم اليومية عن الأخذ بشهادة الآخرين، كان حتما ~~عليهم أن يقيسوا نسبة الصدق في تلك الشهادة بنسبة ما قد عرف عن أصحابها من التزام ~~الصدق فيما يقولون، نعم قد يقال إن من صدق غالبا فيما مضى ms152 قد لا يصدق الآن، ~~ولكننا في هذه الحالة شأننا في كل حالة أخرى نحكم فيها على أمر من أمور الواقع، لا ~~يسعنا أن نحكم إلا على أساس الاطراد في الوقوع، فما قد اطرد وقوعه على تتابع معين ~~فيما مضى، نتوقع أن يحدث على نفس التتابع فيما هو آت، على الرغم من جواز ألا يقع في ~~المستقبل ما قد وقع في الماضي؛ وعلى هذا الغرار نحكم على من ثبت صدقه فيما مضى بأنه ~~على الأرجح صادق فيما يقول الآن أيضا، والعكس صحيح كذلك، وهو ألا نثق بالقول إذا ~~صدر عن رجل عرف عنه الكذب في حياته الماضية. # وموازنة الشواهد في الموقف الذي نكون بصدد الحكم عليه، شيء مألوف لنا، فترانا نزن ~~شواهد الإثبات وشواهد النفي ليتاح لنا الحكم الذي نطمئن إلى صوابه، فلو اتفق رواة ~~التاريخ - مثلا - على حادثة معينة كان الصواب أرجح، وأما إذا اختلفوا بحيث أثبت ~~فريق منهم شيئا نفاه الآخرون، كان علينا أن نوازن بين الكفتين من حيث أمانة الرواة ~~في كل من الجانبين؛ لكن افرض أن الرواة قد أجمعوا على وقوع شيء قلما يقع له نظير في ~~خبراتنا نحن؛ فها هنا ترى الموازنة بين خبرتنا الحسية من ناحية وخبرة غيرنا من ~~ناحية أخرى، ولما كانت خبرتنا الحسية الخاصة المباشرة أقوى شاهدا من خبرة حسية ~~لغيرنا يرويها لنا، فلا بد لنا في مثل هذه الحالة أن نرفض خبرة غيرنا إذا ما تعارضت ~~مع خبرتنا نحن المباشرة. # وننتقل الآن بحديثنا إلى المعجزات التي ~~يرويها لنا الرواة عن شهود أقدمين؛ فنقول إن المعجزة هي خروج على قوانين الطبيعة؛ ~~ولما كانت هذه القوانين قد أثبتتها لنا خبرات مطردة، كنا أمام المعجزة المروية لنا ~~إزاء احتمالين: فإما أن نصدق حكما دلت عليه خبراتنا باطراد لم نشهد له استثناء، ~~وإما أن نصدق خبرات غيرنا من السلف نقلها لنا الرواة على مر الزمن؛ وها هنا لا مناص ~~من الأخذ بالبديل الأول دون البديل الثاني، ما دمنا قد سلمنا بأن الخبرة هي أساس ~~الأحكام كلها؛ ms153 فلماذا نوشك على اليقين إذ نحكم بأن الموت لاحق بكل حي، وبأن ~~الرصاص لا يظل عالقا في الهواء، وبأن النار تأكل الخشب وتنطفئ بالماء؟ لماذا نحكم ~~هذه الأحكام كلها؟ أليس ذلك لاتفاقها مع قوانين الطبيعة التي شهدت بصدقها الخبرة ~~المطردة، وأن «المعجزة» هي أن تنكسر هذه القوانين ويقف اطرادها؟ إن ما يجري وفق ~~مجرى الطبيعة المألوف لا يقال عنه إنه «معجزة»؛ فليس «معجزة» أن يموت فجأة إنسان ~~تظهر عليه الصحة وسلامة البدن، على الرغم من أن مثل هذا الموت نادر الوقوع بالنسبة ~~لحالات الموت الأخرى، لكنه مع ذلك مما قد ألفنا وقوعه حينا بعد حين؛ ولذلك لا نعد ~~وقوعه من «المعجزات»، لكننا نعد من «المعجزات» أن يرتد ميت إلى الحياة من جديد لأن ~~مثل ذلك الحدث لم يقع في مشاهداتنا أبدا، فلم يشهده إنسان في أي عصر وفي أي بلد؛ ~~وعلى ذلك فالواقعة لا تسمى «معجزة» إلا إذا خرجت عن مألوف خبراتنا المطردة، ولكن ~~لما كانت خبراتنا المألوفة المطردة هي نفسها البرهان على احتمال وقوع حادثة ما؛ ~~كانت بالتالي هي نفسها البرهان على عدم احتمال وقوع ما يتنافى معها، أو بعبارة أخرى ~~هي البرهان على عدم احتمال وقوع ما يسمونه بالمعجزة، ولا يمكن إقامة البرهان على ~~إمكان وقوع «المعجزة» إلا ببرهان أقوى ترجيحا من برهان الخبرة المطردة الدالة على ~~نقيض تلك المعجزة. # 122 # ونستدل من هذا الذي أسلفناه أن البرهان الذي نسوقه تعزيزا وتأييدا لمعجزة ما لا ~~يكفي أن يكون برهانا إلا إذا كان بطلانه أشد إعجازا من المعجزة نفسها التي نقيم ~~عليها هذا البرهان؛ فإن قال لي قائل إنه شهد بعينيه ميتا يرتد إلى الحياة، سألت ~~نفسي قائلا: أيهما أقرب إلى احتمال الوقوع: أن يكون هذا الرائي قد خدع أو ~~انخدع، أم أن تكون قد وقعت هذه الواقعة التي يرويها، والتي تخرج عن مألوف ما قد ~~شهده الناس جميعا في كل زمان وكل مكان من أن الموتى لا يرتدون إلى الحياة؟ إنني ~~خليق ها هنا أن أوازن بين هاتين ms154 المعجزتين أيهما أكثر إعجازا؛ معجزة أن يكون ~~الرائي خادعا أو مخدوعا، ومعجزة أن يكون الميت قد ارتد إلى الحياة، وأيهما يبدو ~~لي أكثر إعجازا يكون عندي أبعد عن القبول والتصديق؛ فلأن يكون الميت قد ارتد إلى ~~الحياة أبعد عن القبول والتصديق من أن يكون الرائي الذي يروي هذه الواقعة قد خدعته ~~عيناه فيما رأى أو قد أراد أن يخدع غيره بما لم ير. # 123 # ثم يمضي هيوم في عرضه موضوع «المعجزة» ليبين أن الإيمان بوقوع المعجزات إنما هو ~~إيمان لا يستند إلى أساس مما يصح الركون إليه بحال من الأحوال؛ فأولا: يلاحظ أن ~~ليس هنالك معجزة واحدة مما يروى قد شهدها عدد كاف من الشهود الذين نطمئن إلى رجاحة ~~عقولهم وارتفاع منزلتهم من التربية العلمية ارتفاعا يعصمهم من الوهم، وثانيا: إن ~~من طبيعة الإنسان نفسها ما يغريه بالاستماع إلى ما يثير العجب والدهشة، فما أهون ~~عليه أن يستمع إلى غريب الأحداث ليشبع بها خياله؛ فعلى الرغم من أنه في حياته ~~العملية تراه يزن صدق الرواية على أساس خبراته الماضية، إلا أنه حين تمعن الرواية ~~في بعدها عن الواقع، تراه يستغني عن الخبرة ومقياسها في التصديق أو التكذيب، وينصت ~~بقلبه لا بعقله. وثالثا: إنه مما لا ريب فيه أن حديث المعجزات يكثر بين الشعوب ~~الجاهلة والمتأخرة؛ وحتى إذا وجدت شعبا متحضرا لا يزال يروي شيئا عن هذه ~~المعجزات، فستجده قد ورثها عن أسلافه أيام جهلهم وتأخرهم، وقد نقلها السلف إلى ~~الخلف بعد أن أحاطها بشيء من الرهبة حتى لا يعبث بها عابث. # | نصوص مختارة # النص رقم 1 # في أصل أفكارنا # إدراكات العقل البشري بأسرها تنحل من تلقاء نفسها إلى نوعين متميز أحدهما من ~~الآخر، وسأطلق عليهما لفظتي «انطباعات» و«أفكار»؛ وينحصر الفرق بين هذين ~~النوعين في درجات القوة والحيوية اللتين يطبعان بهما العقل ويلتمسان بهما ~~الطريق إلى فكرنا أو شعورنا: فأما الإدراكات التي ترد إلينا بأبلغ القوة ~~والعنف، فلنا أن نسميها ب «الانطباعات» وإني لأجمع تحت هذا الاسم كل إحساساتنا ~~وعواطفنا وانفعالاتنا ms155 عندما تظهر للمرة الأولى في النفس؛ وأما لفظة «الأفكار» ~~فأعني بها ما يكون في التفكير والتدليل العقلي من صورة خافتة لتلك الإحساسات ~~والعواطف والانفعالات ... وأعتقد أن توضيح هذا الفرق (بين الانطباعات والأفكار) ~~لا يتطلب بالضرورة الملزمة إضافة في القول؛ ذلك أن كل إنسان مستطيع بنفسه أن ~~يدرك في غير عسر الفرق بين الإحساس والتفكير؛ إذ من اليسير أن نميز بينهما ~~عندما يكونان في درجاتهما المألوفة؛ ولو أنه ليس محالا في حالات معينة أن ~~يقترب أحدهما من الآخر اقترابا شديدا؛ مثال ذلك في حالات النعاس والحمى ~~والجنون، والحالات التي تتعرض فيها النفس إلى أي انفعال شديد العنف، فعندئذ قد ~~تقترب أفكارنا من انطباعاتنا؛ وكذلك الأمر من ناحية أخرى قد يحدث أحيانا أن ~~تبلغ انطباعاتنا من الخفوت والضعف حدا يتعذر علينا معه أن نفرق بينها وبين ~~أفكارنا؛ غير أنه رغم هذا التشابه القريب ~~بينهما في حالات قليلة، إلا أنهما بصفة عامة يكونان من التباين بحيث يستحيل على ~~أحد من الناس أن يتردد في أن يضعهما في قسمين مختلفين، وأن يخصص لكل منهما ~~اسما ليبرز ما بينهما من اختلاف. # وكذلك تنقسم إدراكاتنا انقساما آخر يجمل بنا ملاحظته، وهو انقسام يمد حدوده ~~إلى الانطباعات والأفكار كليهما، وأعني به انقسام الإدراكات إلى «بسيطة» ~~و«مركبة»؛ أما الإدراكات - أي الانطباعات والأفكار - البسيطة فهي تلك التي لا ~~تقبل تمييزا أو فصلا (في عناصرها)؛ وأما المركبة فعلى خلاف ذلك ويمكن تحليلها ~~إلى أجزاء متميز بعضها من بعض؛ فإنه وإن يكن اللون الخاص والطعم والرائحة كلها ~~صفات متحد بعضها مع بعض في هذه التفاحة؛ فمن اليسير أن ندرك أنها مختلفة إذ ~~يمكن على الأقل أن نميز بعضها من بعض. ~~«رسالة في الطبيعة البشرية» ~~(نشر سلبي بج) ص1-2 # OF THE ORIGIN OF OUR IDEAS # All the perceptions of the human mind resolve themselves ~~into two distinct kinds, which I shall call Impressions and Ideas. The ~~difference betwixt these consists in the degrees of force and liveliness ~~with which they strike upon ms156 the mind, and make their way into our ~~thought or consciousness. Those perceptions, which enter with most force ~~and violence, we may name ''impressions’’; and under this name I ~~comprehend all our sensations, passions and emotions, as they make their ~~first appearance in he soul. By ''ideas’’ I mean the faint images of ~~these in thinking and reasoning; ... I believe it will not be very ~~necessary to employ many words in explaining this distinction. Every one ~~of himself will readily perceive the difference betwixt feeling and ~~thinking. The common degrees of these are easily distinguished; tho’ it ~~is not impossible but in partieular instances they may very nearly ~~approach to each other. Thus in sleep, in a fever, in madness, or in any ~~very violent emotions of souls, our ideas may approach to our ~~impressions: As on the other hand it sometimes happens, that our ~~impressions are so faint and low, that we cannot distinguish them from ~~our ideas. But notwithstanding this near resemblance in a few instances, ~~they are in general so very different, that no-one can make a scruple to ~~rank them under distinct heads, and assign to each a peculiar name to ~~mark the difference. # There is another division of our perceptions which it will ~~be convenient to observe, and which extends itself both to our ~~impressions and ideas. This division is into Simple and Complex. Simple ~~perceptions or impressions and ideas are such as admit of no distinction ~~nor separation The complex are the contrary to these, and may be ~~distinguished into parts. Tho’ a particular colour, taste and smell are ~~qualities all united together in this apple, ’tis easy to perceive they ~~are not the same, but are at least distinguishable from each ~~other. # A Treatise of Human Nature ~~(ed. Selby-Bigge) # pp. ~~1-2 # النص رقم ms157 2 # في الأفكار المجردة # لقد أثير سؤال بالغ الأهمية عن الأفكار «المجردة» أو «العامة»: «أتكون عامة ~~أم جزئية في تصور العقل لها؟» ولقد نازع فيلسوف عظيم (يقصد باركلي) الرأي ~~التقليدي في هذا الصدد، وقرر أن كل الأفكار العامة إن هي إلا أفكار جزئية ربطت ~~باسم معين يخلع عليها دلالة أوسع مدى، ويجعلها تستشير - إذا ما لزم الأمر - ~~أفرادا أخرى شبيهة بها؛ ولما كنت أعد هذا كشفا من أعظم وأنفس الكشوف التي تمت ~~إبان الأعوام الأخيرة في عالم الآداب، فسأحاول هنا أن أؤيده ببعض الحجج التي ~~أرجو أن تجاوز بالموضوع كل حدود الشك والجدل. # فواضح أننا في تكويننا لمعظم أفكارنا العامة، إن لم يكن كلها، نجردها من الكم ~~والكيف بجميع درجاتهما الجزئية؛ وواضح كذلك أن الشيء (الذي نشير إليه بالفكرة ~~العامة) لا يبطل انتماءه إلى نوع معين ما قد يطرأ عليه من اختلافات يسيرة ~~في امتداده المكاني أو الزماني أو غير ذلك من الخصائص؛ ولذلك فقد يقال إن ثمة ~~إشكالا صريحا فيما يختص بطبيعة تلك الأفكار المجردة التي أثارت كل هذا الذي ~~أثارته بين الفلاسفة من تأملات نظرية؛ فالفكرة المجردة عن الإنسان تمثل الناس ~~على اختلاف أحجامهم واختلاف صفاتهم، وهو تمثيل لا تستطيع القيام به إلا بإحدى ~~طريقتين، فإما أن تمثل دفعة واحدة كل ما يمكن تصوره من أحجام ومن صفات، وإما ~~ألا تمثل فردا جزئيا على الإطلاق؛ أما وقد عد سخفا أن نتصدى لتأييد ~~الافتراض الأول لكونه يقتضي أن يكون العقل ذا قدرة لا نهائية، فقد كانت النتيجة ~~المستخلصة غالبا في صالح الافتراض الثاني، وبهذا كان الفرض هو أن أفكارنا ~~المجردة لا تمثل كما ولا كيفا في أية درجة جزئية محددة؛ لكنني سأحاول أن ~~أبين أن هذا الاستدلال خاطئ، وذلك - أولا - بالبرهنة على أنه يستحيل استحالة ~~قاطعة على إنسان أن يتصور كما أو كيفا دون أن يكون لنفسه فكرة دقيقة عن ~~درجة ذلك الكم أو الكيف، وثانيا بأن أبين بأنه وإن تكن قدرة العقل ليست ~~باللانهائية، إلا أنه في وسعنا ms158 أن نكون فكرة عن كل الدرجات الممكنة للكم ~~وللكيف دفعة واحدة، على نحو مهما يكن بعيدا عن الكمال، إلا أنه على الأقل قد ~~يحقق كل الأغراض التي نستهدفها بالتفكير وبالنقاش. ~~«رسالة في الطبيعة البشرية» ~~(نشر سلبي بج) ص17-18 # OF ABSTRACT IDEAS # A very material question has been started concerning ~~'abstract’ or 'general’ ideas, 'whether they be general or particular in ~~the mind’s conception of them’. A great philosopher has disputed the ~~received opinion in this particular, and has asserted, that all general ~~ideas are nothing but particular ones, annexed to a certain term, which ~~gives them a more extensive signification, and makes them recall upon ~~occasion other individuals, which are similar to them. As I look upon ~~this to be one of the greatest and most valuable discoveries that has ~~been made of late years in the republic of letters, I shall here ~~endeavor to confirm it by some arguments, which I hope will put it ~~beyond all doubt and controversy. ~~’Tis evident, that in forming most of our general ideas, if ~~not all of them, we abstract from every particular degree of quantity ~~and quality, and that an object ceases not to be of any particular ~~species on account of every small alteration in its extension, duration ~~and other properties. It may therefore be thought, that here is a plain ~~dilemma that decides concerning the nature of those abstract ideas, ~~which have afforded so much speculation to philosophers. The abstract ~~idea of a man represents men of all sizes and all qualities; which ’tis ~~concluded it cannot do, but either by representing at once all possible ~~sizes and all possible qualities, or by representing no particular one ~~at all. Now it having been esteemed absurd to defend the former ~~proposition, as implying an infinite capacity in the mind, it ms159 has been ~~commonly inferred in favour of the latter; and our abstract ideas have ~~been suppos’d to represent no particular degree either of quantity or ~~quality. But that this inference is erroneous, I shall endeavour to make ~~appear, first, by proving, that ’tie utterly impossible to conceive any ~~quantity or quality, without forming a precise notion of its degrees: ~~And secondly by showing, that tho’ the capacity of the mind be not ~~infinite, yet we can at once form a notion of all possible degrees of ~~quantity and quality, in such a manner at least, as, however imperfect, ~~may serve all the purposes of reflection and ~~conversation ~~. # A Treatise of Human Nature ~~(ed.selby-Bigge) pp. 17-18 # النص رقم 3 # الوجود المتصل المتميز لا ينشأ أبدا عن الحواس # لكي نؤكد هذا [أعني أن الفكرة عن وجود متصل ومتميز لا تنشأ أبدا عن الحواس] ~~نلاحظ أن ثمة أنواعا ثلاثة مختلفة من الانطباعات التي تنقلها إلينا الحواس؛ ~~أولها هو الانطباعات التي تمثل الأشياء المادية شكلا وحجما وحركة وصلابة؛ ~~والثاني هو الانطباعات التي تمثل الألوان والطعوم والروائح والأصوات والحرارة ~~والبرودة؛ والثالث هو الآلام واللذائذ التي تنشأ عن اتصال الأشياء بأجسادنا، ~~كما تحز لحم الإنسان بقطعة من الصلب مثلا أو ما شابه ذلك؛ أما النوع الأول من ~~الانطباعات فهو عند الفلاسفة وعند عامة الناس على السواء يمثل أشياء موجودة ~~وجودا متميزا ومتصلا؛ وأما النوع الثاني فعامة الناس وحدهم هم الذين يعدونه ~~مماثلا تمام المماثلة للنوع الأول؛ ثم يعود الفلاسفة فيتفقون مع عامة الناس ~~إزاء النوع الثالث إذ يجعلونه مجرد إدراكات، وبالتالي فهو يمثل كائنات متقطعة ~~الوجود ومعتمدة في وجودها على وجود من يدركها. # غير أنه من الواضح أنه مهما يكن من أمر المذهب الفلسفي الذي نذهب إليه فإن ~~الألوان والأصوات والحرارة والبرودة كما تبدو لحواسنا، لا تختلف في طبيعة ~~وجودها عما تكون عليه حركة الأجسام وصلابتها [كما تبدو لحواسنا] وأن وجه ~~الاختلاف الذي نفرق بينهما على ms160 أساسه من هذه الناحية لا ينشأ عن إدراكنا لهذا ~~وذلك؛ فالطائفة الأولى من الصفات [الألوان والأصوات ... إلخ] إنما تمثل عند الناس ~~أشياء موجودة وجودا متميزا متصلا، وإنهم ليأخذون بهذه العقيدة أخذا يبلغ من ~~قوته أن الفلاسفة المحدثين إذا ما تقدموا إليهم بالرأي المضاد في هذا الصدد، ~~كادوا يفندون رأي الفلاسفة هذا تفنيدا يعتمدون فيه على شعورهم وخبرتهم، حاسبين ~~أن حواسهم نفسها تنقض مثل هذه الفلسفة غير أنه كذلك من الواضح أن الألوان ~~والأصوات وما إليها هي في أسسها شبيهة بالألم ينشأ عن حز أجسادنا بجسم صلب، ~~وباللذة تنشأ عن الدفء ينبعث من النار، وأن الفرق بين هذه وتلك لا ينبني على ~~إدراك الحس ولا على العقل، ولكنه وليد الخيال؛ لأننا ما دمنا نعترف لكلا ~~النوعين معا بأنهما ليسا سوى إدراكات حسية تنشأ عن الطريقة الخاصة التي تتشكل ~~بها أجزاء الجسم وتتحرك، فمن أين يمكن أن يجيء ما بينهما من اختلاف؟ إننا ~~نستطيع - إذن - أن نستنتج على وجه الجملة أنه في حدود ما تحكم به الحواس فلا ~~فرق بين الإدراكات الحسية في شتى أنواعها من حيث طريقة وجودها. ~~«رسالة في الطبيعة البشرية» ~~(نشر سلبي بج) ص192-193 # CONTINUED AND DISTINCT EXISTENCE ~~NEVER ARISES FROM THE ~~SENSES # To confirm this (that the opinion of a continu’d and of a ~~distinct existence never arises from the senses) we may observe, that ~~there are three different kinds of impressions convey’d by the senses. ~~The first are those of the figure, bulk, motion and solidity of bodies. ~~The second those of colours. tastes, smells. sounds. heat and cold. The ~~third are the pains and pleasures, that arise from the application of ~~objects to our bodies, as by the cutting of our flesh with steel, and ~~such like. Both philosophers and the vulgar suppose the first of these ~~to have a distinct continu’d existence. The vulgar only regard the ~~second as on the same footing. Both philosophers ms161 and the vulgar, again, ~~esteem the third to be merely perceptions; and consequently interrupted ~~and dependent beings. # Now ’tis evident, that, whatever may be our philosophical ~~opinion, colours, sounds, heat and cold, as far as appears to the ~~senses, exist after the same manner with motion and solidity, and that ~~the difference we make betwixt them in this respect, arises not from the ~~mere perception. So strong is the prejudice for the distinct continu’d ~~existence of the former qualities, that when the contrary opinion is ~~advanc’d by modern philosophers, people imagine they can almost refute ~~it from their feeling and experience, and that their very senses ~~contradict this philosophy. 'Tis also evident, that colours, sounds, ~~etc. are originally on the same footing with the pain that arises from ~~steel, and pleasure that proceeds from a fire; and that the difference ~~betwixt them is founded neither on perception nor reason, but on the ~~imagination. For as they are confest to be, both of them, nothing but ~~perceptions arising from the particular configurations and motions of ~~the parts of body, wherein possibly can their difference consist? Upon ~~the whole, then, we may conclude, that as far as the senses are judges, ~~all perceptions are the same in the manner of their ~~existence. # A Treatise of Human Nature ~~(ed. Selby-Bigge) pp. ~~192-193 # النص رقم 4 # في أفكار الذاكرة والخيال # إن الخبرة لتدلنا على أنه إذا ما مثل للعقل انطباع ما، فإن ذلك الانطباع ~~يعود إلى الظهور في العقل باعتباره فكرة، وإنه ليفعل هذا بإحدى وسيلتين، فإما ~~أن يتم له ذلك حين يحتفظ في ظهوره الجديد بدرجة ملحوظة من حيويته الأولى، بحيث ~~يكون كأنما هو وسط بين أن يكون انطباعا وأن يكون فكرة؛ وإما أن يتم له ذلك حين ~~يفقد تلك الحيوية الأولى فقدانا تاما، فيصبح فكرة بأكمل معاني الكلمة؛ ~~والملكة التي نستعين بها ms162 على إعادة انطباعاتنا في الحالة الأولى تسمى ب ~~«الذاكرة »، وتسمى الأخرى ب «الخيال»؛ وواضح من النظرة الأولى أن أفكار الذاكرة ~~أشد جدا في حيويتها وقوتها من أفكار الخيال، وأن الملكة الأولى تصبغ ~~موضوعاتها بألوان أكثر تميزا من تلك التي تستخدمها الملكة الثانية؛ فنحن إذا ~~ما تذكرنا حادثة ماضية، تدفقت فكرتها في العقل تدفقا فيه قوة دفع، على حين ~~يكون الإدراك في حالة الخيال ضعيفا فاترا، ولا يستطيع العقل إلا في عسر أن ~~يحتفظ به ثابتا مطردا لفترة من الزمن ذات امتداد ملحوظ؛ وإذن فهذا فرق محسوس ~~بين نوعين من الأفكار. # وهنالك فرق آخر بين هذين النوعين من الأفكار، ليس أقل من الأول وضوحا، وهو ~~أنه على الرغم من أنه لا أفكار الذاكرة ولا أفكار الخيال، لا الأفكار الحية ولا ~~الأفكار الخافتة تستطيع أن تحقق لنفسها ظهورا في العقل ما لم تكن قد سبقتها ~~ومهدت لها الطريق انطباعات مقابلة لها، إلا أن الخيال ليس مقيدا بنفس ~~الترتيب والصورة اللذين جاءت عليهما الانطباعات الأصلية، على حين أن الذاكرة ~~مقيدة بهما على نحو ما، دون أن يكون في مستطاعها إحداث شيء من التغيير. ~~«رسالة في الطبيعة البشرية» ~~(نشر سلبي بج) ص8-9 # OF THE IDEAS OF THE MEMORY AND ~~IMAGINATION # We find by experience, that when any impression has been ~~present with the mind, it again makes its appearance there as an idea; ~~and this it may do after two different ways: either when in its new ~~appearance it retains a considerable degree of its first vivacity, and ~~is somewhat intermediate betwixt an impression and an idea; or when it ~~entirely loses that vivacity, and is a perfect idea. The faculty, by ~~which we repeat our impressions in the first manner, is called the ~~Memory, and the other the Imagination. 'Tis evident at first sight, that ~~the ideas of the memory are much more lively and strong than those of ~~the imagination, and that ms163 the former faculty paints its objects in more ~~distinct colours, than any which are employ’d by the latter. When we ~~remember any past event, the idea of it flows in upon the mind in a ~~forcible manner; whereas in the imagination the perception is faint and ~~languid, and cannot without difficulty be preserv’d by the mind steady ~~and uniform for any considerable time. Here then is a sensible ~~difference betwixt one species of ideas and ~~another. # There is another difference betwixt these two kinds of ~~ideas, which is no less evident, namely that tho’ neither the ideas of ~~the memory nor imagination, neither the lively nor faint ideas can make ~~their appearance in the mind, unless their correspondent impressions ~~have gone before to prepare the way for them, yet the imagination is not ~~restrain’d to the same order and form with the original impressions; ~~while the memory is in a manner ty’d down in the respect, without any ~~power of variation. # A Treatise of Human Nature ~~(ed. Selby-Bigge) pp. 8-9 # النص رقم 5 # فكرة السبب والمسبب # افرض أن شخصا - رغم كونه موهوبا بأقوى ملكات العقل والتفكير - قد جيء به ~~فجأة إلى هذا العالم؛ فإنه وإن يكن سيلاحظ من فوره تتابعا في الأشياء متصلا، ~~وأن حادثة تتبع أخرى، إلا أنه لن يستطيع أن يلحظ وراء هذا الحد شيئا؛ فلن ~~يستطيع للوهلة الأولى أن يدرك فكرة السبب والمسبب مهما تكن وسيلته العقلية إلى ~~ذلك؛ وذلك لأن القوى الخاصة التي بفعلها تتم العمليات الطبيعية كلها، لا تظهر ~~أبدا للحواس؛ وليس من المعقول أن نستنتج أنه ما دامت حادثة ما في سياق معين قد ~~سبقت أخرى، إذن فلا بد أن تكون الأولى سببا ~~والثانية مسببا، إذ قد يكون ارتباطهما جزافا وعرضا؛ وقد لا يكون هناك مبرر ~~من العقل أن نستدل وجود إحداهما من ظهور الأخرى؛ وبعبارة موجزة فإن مثل هذا ~~الشخص؛ إذ لم تزدد ms164 خبرته، فيستحيل عليه أن يستعين بالتخمين أو بالتدليل العقلي ~~ليعلم شيئا عن أي أمر من أمور الواقع، أو أن يستوثق من أي شيء يجاوز ما هو ~~حاضر حضورا مباشرا أمام ذاكرته وحواسه. # ثم افرض أنه قد حصل خبرة أوسع، وعاش في العالم أمدا أتاح له أن يلاحظ أن ~~الأشياء أو الحوادث المألوفة إنما يرتبط بعضها ببعض ارتباطا لا يتخلف، فماذا ~~ينتج عن هذه الخبرة؟ إنه لا يلبث أن يستدل وجود شيء ما من ظهور شيء آخر، ومع ~~ذلك فإن خبرته كلها لا تمكنه من إدراك أية فكرة أو معرفة بالقوة الخفية التي ~~بها ينتج الشيء السابق شيئا لاحقا، كلا وليس هنالك عملية عقلية واحدة تضطره ~~أن يستدل ظهور اللاحق من وجود السابق، ولكنه رغم ذلك يجد ألا محيص له عن هذا ~~الاستدلال، وعلى الرغم من وجوب اقتناعه بأن العقل لا دخل له في هذه العملية، ~~إلا أنه مع ذلك يمضي في نفس هذا المجرى من التفكير؛ فثمة مبدأ آخر يضطره أن ~~ينتهي إلى مثل هذه النتيجة. # هذا المبدأ هو «العادة»، ذلك أنه حيثما أدى تكرارنا لفعل معين أو عملية معينة ~~إلى ميل فينا نحو العودة من جديد إلى أداء الفعل نفسه أو العملية نفسها، دون أن ~~يكون ثمة دافع من تدليلات العقل أو عملياته، قلنا دائما عن هذا الميل إنه أثر ~~«العادة»؛ وإننا حين نستخدم هذه الكلمة فإننا لا ندعي بأننا قد وقعنا بذلك على ~~العلة التي لا علة وراءها لمثل هذا الميل؛ بل إننا لا نفعل بذلك سوى أن نبرز ~~مبدأ من مبادئ الطبيعة البشرية، يعترف به كل إنسان، وهو مبدأ نعرفه جيد ~~المعرفة بآثاره؛ وقد لا يكون في مستطاعنا أن نمضي في طريق البحث وراء هذه ~~النقطة، أو ندعي بأن في مقدورنا أن نعين علة لهذه العلة؛ لكننا لا بد أن نرضى ~~بهذه النهاية مطمئنين، على أن نعدها المبدأ الذي لا مبدأ وراءه - مما نستطيع أن ~~نحدده - من مبادئ تفسر كل ما ننتهي إليه من نتائج في حدود ms165 خبراتنا، وإنه ~~لتكفينا هذه الدرجة من الطمأنينة أن استطعنا بلوغ هذا الحد (في طريق البحث)، ~~فلا مبرر للتبرم من ضيق ملكاتنا العقلية لعجزها عن السير بنا إلى ما وراء هذه ~~النهاية التي انتهينا عندها؛ وليس من شك أبدا في أننا ها هنا نقدم قضية معقولة ~~جدا على أقل تقدير، إن لم نقل عنها إنها قضية صادقة، وهي القضية التي نثبت ~~بها أنه إذا ما ارتبط شيئان ارتباطا لا تخلف ~~فيه - كالحرارة واللهب مثلا، أو الثقل ~~والصلابة - فإن العادة وحدها عندئذ تقتضينا أن نتوقع أحد الشيئين إذا ما ظهر ~~الآخر؛ وإنه ليبدو لي أن هذا الفرض هو الفرض الوحيد الذي يفسر لنا هذه المشكلة، ~~وهي: لماذا نستدل نتيجة من ألف مثل (لظاهرة ما) على حين أننا نكف عن مثل ~~هذا الاستدلال من مثل واحد لا يختلف عن تلك الأمثلة الألف في شيء؛ فليس في ~~مستطاع العقل أن يفرق مثل هذه التفرقة؛ إذ النتائج التي يستدلها من بحثه في ~~دائرة واحدة هي نفسها النتائج التي يستدلها من استعراضه لكل ما في الكون بأسره ~~من دوائر؛ لكن أحدا من الناس لا يستطيع - بعد أن يرى جسما واحدا يتحرك نتيجة ~~لدفعه بجسم آخر - أن يستدل من ذلك أن كل جسم آخر سيتحرك إذا ما تعرض لمثل هذا ~~الدفع نفسه؛ وعلى ذلك فكل الاستدلالات التي نقيمها على الخبرة إنما هي نتيجة ~~العادة لا نتيجة التدليل العقلي. # العادة إذن هي المرشد العظيم للحياة البشرية؛ فهذا المبدأ وحده (أي العادة) ~~هو الذي يجعل خبرتنا ذات نفع لنا، ويتيح لنا أن نتوقع في المستقبل سلسلة من ~~الحوادث شبيهة بسلسلة الحوادث التي ظهرت فيما مضى؛ وبغير تأثير العادة نكون على ~~جهل تام بكل أمر من أمور الواقع فيما يجاوز الحاضرات حضورا مباشرا أمام ~~الذاكرة والحواس؛ وعندئذ كنا لا ندري أبدا كيف نوفق بين الوسائل وغاياتها، ~~أو كيف نستخدم قوانا الطبيعية في إحداث أي أثر نريد أن نحدثه؛ وعندئذ أيضا ~~تنتهي فورا كل قدرة لنا على العمل، كما تنتهي قدرتنا ms166 على القيام بالجزء الأكبر ~~من تأملاتنا النظرية. # وقد يكون من الملائم أن نلاحظ في هذا الموضع أنه على الرغم من أن النتائج ~~التي نستخرجها من خبرتنا تجاوز بنا حدود ذاكرتنا وحواسنا، وتؤكد لنا أمورا من ~~الواقع حدثت في أبعد الأماكن عنا وفي أنأى العصور عن زمننا، إلا أنه لا بد ~~دائما من أن تكون واقعة ما حاضرة أمام الحواس أو الذاكرة، تكون لنا نقطة ~~بداية للسير في طريق استنتاجنا لتلك النتائج، فإن من يجد في أرض يباب آثار ~~مبان شامخة، ليستنتج أن تلك الأرض قد كانت في العصور القديمة مأهولة بسكان ~~متحضرين؛ أما إذا لم يصادف في تلك الأرض شيئا من هذا القبيل، فقد كان يستحيل ~~عليه أن يقوم باستدلال كهذا، إننا نحيط علما بحوادث العصور الماضية من ~~التاريخ، لكننا في هذه الحالة لا بد لنا أن نقرأ الكتب الحاوية لهذه المعلومات، ~~بحيث نجعلها نقطة ابتداء لاستدلالاتنا التي نسير بها من شاهد إلى شاهد، حتى نصل ~~في النهاية إلى شهود العيان والرائين الذين رأوا تلك الحوادث البعيدة؛ وبعبارة ~~موجزة، إننا إذا لم نبدأ سيرنا من واقعة معينة حاضرة أمام الذاكرة أو الحواس، ~~كانت تدليلاتنا العقلية فرضية خالصة، ومهما تكن - بعد ذلك - الروابط التي تربط ~~الحلقات الجزئية، فإن سلسلة الاستدلالات بصفة عامة تكون بغير دعامة تستند ~~إليها، ويكون محالا علينا أن نصل بوساطتها إلى معرفة بأي وجود حقيقي؛ إنني إذا ~~سألتك لماذا تعتقد في وقوع أمر من أمور الواقع مما تروي لنا عنه، تحتم عليك أن ~~تدلني على سبب يبرر ذلك، ولا بد أن يكون هذا السبب واقعة أخرى مرتبطة بالواقعة ~~التي تروي عنها؛ ولما كنت لا تستطيع أن تمضي على هذا النحو [راجعا بواقعة إلى ~~واقعة] إلى ما لا نهاية، فلا مندوحة لك عن أن يكون ختام سيرك واقعة ما تكون ~~حاضرة أمام ذاكرتك أو حواسك، وإلا وجب عليك الاعتراف بأن اعتقادك ذاك لا ~~يستند إطلاقا إلى أساس. ~~«بحث في العقل البشري» ~~(نشر سلبي بج) ص42-46 # THE IDEA OF CAUSE ms167 AND EFFECT # Suppose a person, though endowed with the strongest ~~faculties of reason and reflection, to be brought on a sudden into this ~~world; he would, indeed, immediately observe a continued succession of ~~objects, and one event following another; but he would not be able to ~~discover anything farther. He would not, at first, by any reasoning, be ~~able to reach the idea of cause and effect; since the particular powers, ~~by which all natural operations are performed, never appear to the ~~senses; nor is it reasonable to conclude, merely because one event, in ~~one instance, precedes another, that therefore the one is the cause, the ~~other the effect. Their conjunction ~~may be arbitrary and casual. There may be no reason to infer the ~~existence of one from the appearance of the other. And in a word, such a ~~person, without more experience, could never employ his conjecture or ~~reasoning concerning any matter of fact, or be assured of anything ~~beyond what was immediately present to his memory and ~~senses. # Suppose, again, that he has acquired more experience, and ~~has lived so long in the world as to have observed familiar objects or ~~events to be constantly conjoined together; what is the consequence of ~~this experience? He immediately infers the existence of one object from ~~the appearance of the other. Yet he has not, by all his experience, ~~acquired any idea or knowledge of the secret power by which the one ~~object produces the other; nor is it, by any process of reasoning, he is ~~engaged to draw this inference. But still he finds himself determined to ~~draw it: And though he should be convinced that his understanding has no ~~part in the operation, he would nevertheless continue in the same course ~~of thinking. There is some other principle which ms168 determines him to form ~~such a conclusion. # This principle is custom or Habit. For wherever the ~~repetition of any particular act or operation produces a propensity to ~~renew the same act or operation, without being impelled by any reasoning ~~or process of the understanding, we always say, that this propensity is ~~the effect of 'Custom’. By employing that word, we pretend not to have ~~given the ultimate reason of such a propensity. We only point out a ~~principle of human nature; which in universally acknowledge, and which ~~is well known by its effects. Perhaps we can push our enquiries no ~~farther, or pretend to give the cause ~~of this cause; but must rest contented with it as the ultimate ~~principle, which we can assign, of all our conclusions from experience. ~~It is sufficient satisfaction, that we can go so far, without repining ~~at the narrowness of our faculties because they will carry us no ~~farther. And it is certain we here advance a very intelligible ~~proposition at least, if not a true one, when we assert that, after a ~~constant conjunction of two objects-heat and flame, for instance, weight ~~and solidity-we are determined by custom alone to expect the one from ~~the appearance of the other. This hypothesis seems even the only one ~~which explains the difficulty, why we draw, from a thousand instances, ~~an inference which we are not able to draw from one instance, that is, ~~in no respect, different from them. Reason is incapable of any such ~~variation. The conclusions which it draws from considering one circle ~~are the same which it would form upon surveying all the circles in the ~~universe. But no man, having seen only one body move after being ~~impelled by another, could infer that every other body will move after a ~~like ms169 impulse. All inferences from experience, therefore, are effects of ~~custom, not of reasoning. # Custom, then, is the great guide of human life. It is that ~~principle alone which renders our experience useful to us, and makes us ~~expect, for the future, a similar train of events with those which have ~~appeared in the past. Without the influence of custom, we should be ~~entirely ignorant of every matter of fact beyond what is immediately ~~present to the memory and senses. We should never know how to adjust ~~means to ends, or to employ our natural powers in the productions of any ~~effect. There would be an end at once of all action, as well as of the ~~chief part of speculation. # But here it may be proper to remark, that though our ~~conclusions from experience carry us beyond our memory and senses, and ~~assure us of matters of fact which happened in the most distant places ~~and most remote ages, yet some fact must always be present to the senses ~~or memory, from which we may first proceed in drawing these conclusions. ~~A man, who should find in a desert country the remains of pompous ~~buildings, would conclude that the country had, in ancient times, been ~~cultivated by civilized inhabitants; but did nothing of this nature ~~occur to him, he could never form such an inference. We learn the events ~~of former ages from history; but then we must peruse the volumes in ~~which this instruction is contained, and thence carry up our inferences ~~from one testimony to another, till we arrive at the eyewitnesses and ~~spectators of these distant events. In a word, if we proceed not upon ~~some fact, present to the memory or senses, our reasonings would be ~~merely hypothetical; and however the particular links might be connected ms170 ~~with each other, the whole chain of inferences would have nothing to ~~support it, nor could we ever, by its means, arrive at the knowledge of ~~any real existence. If I ask why you believe any particular matter of ~~fact, which you relate, you must tell me some reason; and this reason ~~will be some other fact, connected with it. But as you cannot proceed ~~after this manner, in infinitum, you must at last terminate in some ~~fact, which is present to your memory or senses; or must allow that your ~~belief is entirely without foundation. # An Enquiry Concerning Human ~~Understanding ~~(ed. Selby-Bigge) pp. 42-46 # النص رقم 6 # في الحرية والضرورة # إنه لمما يسلم به الناس جميعا أن المادة - في كل عملياتها - إنما تتحرك في ~~فعلها بقوة ضرورية، وأن كل نتيجة إنما تتحدد على وجه الدقة بفاعلية سببها، إلى ~~الحد الذي لا يجيز لأي نتيجة أخرى، في مثل هذه الظروف عينها، أن تنتج عن ذلك ~~السبب؛ إن كل حركة إنما تتقرر من حيث ما لها من درجة واتجاه. بقوانين الطبيعة، ~~على نحو من الدقة، بحيث إن جاز لنا أن نقول إن كائنا حيا يمكن أن ينشأ عن ~~مجرد اصطدام جسمين، جاز لنا كذلك أن نقول إن اصطدام جسمين قد يولد حركة لها من ~~الدرجة والاتجاه ما تختلف بهما عن الدرجة والاتجاه اللذين يتولدان فعلا عن ذلك ~~الاصطدام؛ وعلى ذلك فلو أردنا أن نكون فكرة دقيقة مضبوطة عن «الضرورة» وجب ~~علينا أن نبحث عن مصدر تلك الفكرة حين نستخدمها في الأجسام وفعلها. # إنه لواضح - فيما يبدو - أنه لو كانت شتى مناظر الطبيعة في تغير متصل حتى ~~ليمتنع على أي حادثين أن يتشابها بأي وجه من الوجوه، بحيث يجيء كل شيء جديدا ~~من شتى نواحيه، لا يحمل أدنى شبه بأي شيء آخر مما قد سبق للإنسان أن رآه؛ فقد ~~كان يستحيل علينا في مثل هذه الحالة أن ندرك فكرة الضرورة أقل إدراك، ms171 ولا أن ~~ندرك فكرة الارتباط الذي يربط هذه الأشياء بعضها ببعض، وكان يجوز لنا - على ~~أساس هذا الفرض - أن نقول إن الشيء أو الحادث المعين قد أعقب شيئا أو حادثا ~~آخر، لا أن نقول إن شيئا قد أحدث شيئا آخر؛ وهكذا كانت علاقة السبب والمسبب ~~تكون مجهولة أتم الجهل للناس؛ وبهذا كان يبطل قيام الاستدلال والتدليل فيما ~~يختص بعمليات الطبيعة، وكانت الذاكرة والحواس تصبح هي المسالك الوحيدة التي ~~يمكن أن يتسرب منها إلى العقل علمنا بأي وجود حقيقي؛ وعلى ذلك ففكرتنا عن ~~الضرورة والسببية تنشأ كلها عن الاطراد الذي نلحظه في عمليات الطبيعة، حيث ما ~~تنفك الأشياء المتشابهة يصاحب بعضها بعضا، ويتحتم على العقل بفعل العادة أن ~~يستدل شيئا إذا ما ظهر شيء آخر [كان مصاحبا له دائما]؛ ومن هاتين الحالتين ~~تتكون تلك الضرورة بأسرها التي نعزوها إلى المادة؛ فليس لدينا أية فكرة عن أي ~~نوع من الضرورة أو الارتباط، تجاوز نطاق «المصاحبة» المتصلة بين الأشياء ~~المتشابهة، وما يترتب عليها من «استدلال» مصاحب من مصاحبه. # وعلى ذلك فإن تبين أن الناس جميعا قد سلموا دائما - بغير أدنى شك أو تردد ~~- بأن هاتين الحالتين تتحققان في أفعال الناس الإرادية، وفي عمليات العقل؛ لزم ~~عن ذلك حتما أن الناس جميعا كانوا دائما على اتفاق في الرأي عن الضرورة، وأن ~~ما بينهم من نزاع في هذا إن هو إلا نتيجة لما بينهم من سوء التفاهم. ~~«بحث في العقل البشري» ~~(نشر سلبي بج) ص82-83 # OF LIBERTY AND NECESSITY # It is universally allowed that nature, in all its ~~operations, is actuated by a necessary force, and that every natural ~~effect is so precisely determined by the energy of its cause that no ~~other effect, in such particular circumstances, could possibly have ~~resulted from it. The degree and direction of every motion is, by the ~~laws of nature, prescribed with such exactness that a living creature ~~may as soon arise from the shock of two bodies ms172 as motion in any other ~~degree or direction than that is actually produced by it. Would we, ~~therefore, form a just and precise idea of “necessity”, we must consider ~~whence that idea arises when we apply it to the operation of ~~bodies. # It seems evident that, if all the scenes of nature were ~~continually shifted in such a manner that no two events bore any ~~resemblance to each other, but every object was entirely new, without ~~any similitude to whatever had been seen before, we should never, in ~~that case, have attained the least idea of necessity, or of a connexion ~~among these objects. We might say, upon such a supposition, that one ~~object or event has followed another; not that one was produced by the ~~other. The relation of cause and effect must be utterly unknown to ~~mankind. Inference and reasoning concerning the operations of nature ~~would, from that moment, be at an end; and the memory and senses remain ~~the only canals, by which the knowledge of any real existence could ~~possibly have access to the mind. Our idea, therefore, of necessity and ~~causation arises entirely from the uniformity observable in the ~~operations of nature, where similar objects are constantly conjoined ~~together, and the mind is determined by custom to infer the one from the ~~appearance of the other. These two circumstances form the whole of that ~~necessity, which we ascribe to matter. Beyond the constant “conjunction” ~~of similar objects, and the consequent “inference” from one to the ~~other, we have no notion of any necessity or ~~connexion. # If it appear, therefore, that all mankind have ever ~~allowed, without any doubt or hesitation, that these two circumstances ~~take place in the voluntary actions of men, and in the operations of ~~mind; it must follow, that all mankind have ms173 ever agreed in the doctrine ~~of necessity, and that they have hitherto disputed, merely for not ~~understanding each other. # An Enquiry Concerning Human ~~Understanding ~~(ed. Selby-Bigge) pp. 82-83 # النص رقم 7 # في الذاتية الشخصانية # هنالك فريق من الفلاسفة يتصور أننا في كل لحظة نكون على وعي وثيق بما نسميه ~~فينا «نفسا»، حتى لنحس وجودها واستمرارها في ذلك الوجود، وأننا على يقين يجاوز ~~حدود الأدلة البرهانية من أن تلك النفس تتصف ببساطة التكوين وبالذاتية الكاملة ~~في آن معا؛ ويزعم هؤلاء الفلاسفة أن أقوى أحاسيسنا، وأعنف عواطفنا، بدل أن ~~يصرف أنظارنا عن هذا الرأي، يزيده رسوخا وثباتا، ويحملنا على أن ننظر إلى ~~تأثيرها [الإحساس القوي والعاطفة العنيفة] على «النفس» بما تحدثه فيها من ألم ~~أو لذة؛ وكل محاولة لإقامة برهان آخر [على ذلك الرأي] تعد إضعافا له؛ ذلك لأنه ~~محال علينا أن نستمد برهانا من واقعة كائنة ما كانت بحيث نكون منها على وعي ~~يوازي وعينا بالنفس قربا منا؛ كلا ولن نجد شيئا قط نبلغ في إدراكه مبلغ ~~اليقين إذا نحن شككنا في هذا. # غير أن هذه التوكيدات الإيجابية كلها - لسوء الحظ - مضادة لتلك الخبرة نفسها ~~التي يحتكم إليها [أنصار الرأي السابق] برهانا على صدق ما يقولون؛ فليس لدينا ~~أية فكرة عن «النفس» على النحو الذي أسلفنا شرحه؛ وإلا فمن أي انطباع حسي أمكن ~~لهذه الفكرة أن تجيء؟ إنه محال علينا أن نجيب عن هذا السؤال بغير الوقوع في ~~تناقض ظاهر وسخف؛ ومع ذلك فهو سؤال لا بد من الإجابة عنه، فلا محيص لنا عن ذلك ~~إذا أردنا أن نجعل فكرة النفس واضحة مفهومة؛ إنه لا بد لكل فكرة حقيقية أن تنشأ ~~عن انطباع حسي واحد معين؛ لكن النفس أو الذات الشخصانية ليست انطباعا بذاته من ~~الانطباعات الحسية، بل هي ذلك الشيء الذي يفترض فيه أنه المرجع الذي تستند ~~إليه انطباعاتنا وأفكارنا على اختلافها؛ ذلك لأنه لو كانت فكرة النفس قد نشأت ~~عن انطباع واحد معين للزم أن يظل ذلك الانطباع على ms174 حاله دائما لا يتغير إبان ~~فترة حياتنا كلها؛ لأن المفروض في النفس أن يكون وجودها قائما على هذا النحو؛ ~~لكن ليس هنالك انطباع واحد متصف بالدوام وعدم التغير، فالألم واللذة، والحزن ~~والسرور، والعواطف والإحساسات كلها يتبع بعضها بعضا، ويستحيل عليها أبدا أن ~~يتحقق لها الوجود كلها دفعة واحدة؛ وإذن فلا يمكن لفكرة النفس أن تستمد ~~من أحد هذه الانطباعات أو من غيرها، وبالتالي فليس هنالك فكرة كهذه. # وإني لأجاوز هذا الحد فأقول: ماذا يتحتم أن يكون مصير إدراكاتنا الجزئية لو ~~صدق هذا الفرض؟ إن هذه الإدراكات الجزئية كلها مختلف بعضها عن بعض ومتميز بعضها ~~من بعض، يمكن للواحد منها أن يعزل عن الآخر بحيث ننظر إليه على حدة، وبحيث ~~يمكن له أن يقوم وحده لا حاجة به إلى أي شيء ليستند إليه في وجوده؛ وما دام ~~الأمر كذلك فعلى أي صورة تنتمي هذه الإدراكات الجزئية إلى النفس؟ وكيف تكون ~~الروابط بينها وبينها؟ أما أنا فإنني إذا ما أوغلت داخلا إلى صميم ما أسميه ~~«نفسي» وجدتني دائما أعثر على هذا الإدراك الجزئي أو ذاك، كإدراكي للحرارة أو ~~البرودة، وللضوء أو الظل، وللحب أو الكراهية، وللألم أو اللذة؛ إنني لا أستطيع ~~أبدا أن أمسك ب «نفسي» في أي وقت بغير إدراك ما، كما أني لا أستطيع أبدا أن ~~أرى شيئا على الإطلاق فيما عدا ذلك الإدراك؛ حتى إذا ما أزيلت إدراكاتي لفترة ~~من الزمن، كما يحدث في حالة النعاس العميق، فإنني أكون طوال تلك الفترة غير ~~حاس ب «نفسي» حتى ليمكن أن يقال عني بحق إني لست موجودا؛ فإذا ما أزيلت كل ~~إدراكاتي بالموت بحيث يمتنع علي التفكير والحس والرؤية والحب والكراهية بعد ~~تحلل جسدي، فإنني عندئذ أكون في حالة من العدم التام، فلست أتصور ماذا ~~يطلب غير هذا ليتحقق انعدامي انعداما كاملا؟ فإذا ظن ظان - بعد تفكير ~~جاد بريء من الهوى - أن لديه فكرة عن «نفسه» تختلف عما قد وصفت، فلا بد لي من ~~الاعتراف بأنني عاجز عن المضي في محاجته ms175 أكثر مما قد فعلت؛ وكل ما أعترف له به ~~هو أنه قد يكون على صواب كما قد أكون أنا على صواب، وأننا مختلفان اختلافا ~~جوهريا في هذا الموضوع، فربما استطاع أن يدرك كائنا بسيطا ذا وجود متصل، ~~يسميه «نفسه» ولو أنني على يقين أن ليس عندي مثل هذا المبدأ. ~~«رسالة في الطبيعة البشرية» ~~(نشر سلبي بج) ص251-252 # OF PERSONAL IDENTITY # There are some philosophers, who imagine we are every ~~moment intimately conscious of what we call our SELF; that we feel its ~~existence and its continuance in existence; and are certain, beyond the ~~evidence of demonstration, both of its perfect identity and simplicity. ~~The strongest Sensation, the most violent passion, say they, instead of ~~distracting us from this view, only fix it the more intensely, and make ~~us consider their influence on 'self’ ~~either by their pain or pleasure. To attempt a farther proof of this ~~were to weaken its evidence; since no proof can be derived from any ~~fact, of which we are so intimately conscious; nor is there any thing. ~~of which we can be certain, if we doubt of this. # Unluckily all these positive assertions are cortrary to ~~that very experience, which is pleaded for them, nor have we any idea of ~~'self’, after the manner it is here explain’d. for from what impression ~~cou’d this idea be deriv’d? this question ’tis impossible to answer ~~without a manifest contradiction and absurdity; and yet ’tis a question, ~~which must necessarily be answer’d if we wou’d have the idea of self ~~pass for clear and intelligible. It must be some one impression, that ~~gives rise to every real idea. But self or person is not any one ~~impression, but that to which our several impressions and ideas are ~~suppos’d to have a reference. If any impression gives rise to ms176 the idea ~~of self, that impression must continue invariably the same, thro’ the ~~whole course of our lives; since self is suppos’d to exist after that ~~manner. But there is no impression constant and invariable. Pain and ~~pleasure, grief and joy, passions and sensations succeed each other, and ~~never all exist at the same time. It cannot, therefore, be from any of ~~these inpressions, or from any other, that the idea of self is derived; ~~and consequently there is no such idea. # But farther, what must become of all our particular ~~perceptions upon this hypothesis All these are different, and ~~distinguishable, and separable from each other, and may be separately ~~consider’d, and may exist separately, and have no need of anything to ~~support their existence. After what ~~manner, therefore, do they belong to self; and how art they connected ~~with it? For my part, when I enter most intimately into what I call ~~'myself’, I always stumble on some particular perception or other, of ~~heat or cold, light or shade, love or hatred, pain or pleasure. I never ~~can catch 'myself’ at any time without a perception, and never can ~~observe anything but the perception. When my perceptions are remov’d for ~~any time, as by sound sleep; so along am I insensible of 'myself’, and ~~may truly be said not to exist. And were all my perceptions remov’d by ~~death, and cou’d I neither think, nor feel, nor see, nor love, nor hate ~~after the dissolution of my body, I should be entirely annihilated, nor ~~do I conceive what is farther requisite to make me a perfect non- entity. ~~If any one upon serious and unprejudic’d reflexion, thinks he has a ~~different notion of 'himself’, I must confess I can reason no longer ~~with him. All I can allow him is, ms177 that he may be in the right as well as ~~I, and that we are essentially different in this particular. He may, ~~perhaps, perceive something simple and continu’d, which he calls ~~'himself’; tho’ I am certain there is no such principle in ~~me. # A Treatise of Human Nature ~~(ed. Selby-Bigge) pp. ~~251-252 # النص رقم 8 # في العاطفة الخلقية # لما كان المفروض أن أحد الأسس الرئيسية للثناء الخلقي إنما يقع في النفع ~~المترتب على أية صفة أو فعل، كان من الواضح أن «العقل» لا بد أن يدخل إلى حد ~~كبير في كل القرارات التي من هذا القبيل؛ ذلك لأن هذه الملكة ~~وحدها [ملكة العقل] هي التي تستطيع أن ~~تهدينا إلى ما قد ينجم عن الصفات والأفعال، فتبرز لنا نتائجها النافعة للمجتمع ~~ولصاحبها؛ إذ في حالات كثيرة يكون هذا الأمر موضعا لجدل كثير؛ فقد تنشأ الشكوك ~~وقد تتعارض المصالح، بحيث يتحتم أن نعرف كيف نفضل جانبا على جانب، من هذه ~~الآراء التي قد تدق بينها الفوارق إلى حد بعيد، فلا يرجح أحدها الآخر ~~في النفع إلا بقدر يسير؛ وإنا لنلحظ هذا بصفة خاصة في المسائل المتصلة ~~بالعدالة؛ إذ من الطبيعي حقا أن يطرأ على الذهن ما عساه أن ينشأ من اختلاف ~~الرأي في نوع المنفعة التي تصاحب هذه الفضيلة [فضيلة العدالة]؛ فلو كان كل مثل ~~جزئي من أمثلة العدالة - كالإحسان مثلا - نافعا للمجتمع، لكان الأمر من أهون ~~جوانب الموضوع، ولقل أن يتعرض إلى كثير جدل؛ ولكن لما كانت الأمثلة الجزئية ~~للعدالة غالبا ما تكون مؤذية في نتائجها الأولى المباشرة، ثم لما كانت فائدة ~~المجتمع لا تنتج إلا بعد مراعاة القاعدة العامة، ومن التقاء مختلف الأشخاص ~~واشتراكهم في السلوك العادل الذي لا يختلف عند أحدهم عنه عند الآخر، فقد أصبحت ~~المسألة أكثر تعقدا وتعقيدا؛ فالظروف المختلفة التي تحيط بالمجتمع، ~~والنتائج المختلفة التي تترتب على أي فعل معين، والمصالح المختلفة التي قد ~~يقدمها أصحابها، كل هذه تكون في حالات كثيرة مثارا للشك وموضوعا لنقاش ms178 وبحث ~~كبيرين؛ والقوانين المدنية إنما تستهدف غاية هي أن تحسم الأمر في مسائل العدالة ~~كلها؛ وهي نفسها الغاية التي يستهدفها المواطنون من مناقشاتهم ورجال السياسة من ~~تأملاتهم، وسوابق التاريخ والمدونات العامة؛ وكثيرا ما يكون الأمر بحاجة ماسة ~~إلى «عقل» أو «حكم» غاية في الدقة، لنقرر به القرار الصائب وسط أمثال هذه ~~الشكوك الشائكة التي تنشأ عن غموض المنافع أو تضاربها. # ولكن على الرغم من أن العقل إذا ما لقي من المعونة والتقويم أكمله، كاف ~~لهدايتنا في التفريق بين ما هو ضار وما هو نافع من الصفات والأفعال، فليس وحده ~~بكاف أن ينتج لنا الاستهجان أو الاستحسان في مسائل الأخلاق؛ فما المنفعة إلا ~~وسيلة إلى غاية معينة؛ فلو كانت الغاية غير ذات خطر بالنسبة لنا لأحسسنا تجاه ~~الوسائل المؤدية إليها بعدم مبالاة كذلك؛ فلا مندوحة لنا ها هنا عن «عاطفة» ~~تكشف عن نفسها، لتعيننا على تفضيل الوسائل النافعة ~~على الوسائل الضارة؛ ولا يمكن أن تكون هذه ~~العاطفة إلا الميل بشعورنا نحو سعادة النوع الإنساني، والنفور مما يشقيه، لأن ~~هذين هما الغايتان المختلفتان اللتان تتجه الفضيلة والرذيلة نحو تحقيقهما؛ إذن ~~فها هنا «العقل» يهدينا الطريق في مسالك السلوك المختلفة، وأما «الشعور ~~الإنساني» فيميز بينها ليفصل منها ما هو نافع ومفيد. ~~«بحث في مبادئ الأخلاق» ~~(نشر سلبي بج) 285-286 # CONCERNING MORAL SENTIMENT # One principal foundation of moral praise being supposed to ~~lie in the usefulness of any quality or action, it is evident that ~~'reason’ must enter for a considerable share in all decisions of this ~~kind; since nothing but that faculty can instruct us in the tendency of ~~qualities and actions, and point out their beneficial consequences to ~~society and to their possessor, In many cases this is an affair liable ~~to great controversy: doubts may arise, opposite interests may occur; ~~and a preference must be given to one side, from very nice views, and a ~~small overbalance of utility. This is ms179 particularly remarkable in ~~questions with regard to justice; as is, indeed, natural to suppose, ~~from that species of utility which attends this virtue. Were every ~~single instance of justice, like that of benevolence, useful to society; ~~this would be a more simple state of the case, and seldom liable to ~~great controversy. But as single instances of justice are often ~~pernicious in their first and immediate tendency, and as the advantage ~~to society results only from the observance of the general rule, and ~~from the concurrence and combination of several persons in the same ~~equitable conduct; the case here ~~becomes more intricate and involved. The various circumstances of ~~society; the various consequences of any practice; the various interests ~~which may be proposed; these, on many occasions, are doubtful, and ~~subject to great discussion and inquiry. The object of municipal laws is ~~to fix all the questions with regard to justice: the debates of ~~civilians; the reflections of politicians; the precedents of history and ~~public records, are all directed to the same purpose. And a very ~~accurate 'reason’ or 'judgement’ is often requisite, to give the true ~~determination, amidst such intricate doubts arising from obscure or ~~opposite utilities. # But though reason, when fully assisted and improved, be ~~sufficient to instruct us in the pernicious or useful tendency of ~~qualities and actions; it is not alone sufficient to produce any moral ~~blame or approbation. Utility is only a tendency to a certain end; and ~~were the end totally indifferent to us, we should feel the same ~~indifference towards the means. It is requisite a 'sentiment’ should ~~here display itself, in order to give a preference to the useful above ~~the pernicious tendencies. This sentiment can be no other than a feeling ~~for the happiness of mankind, and a resentment of their misery; ms180 since ~~these are the different ends which virtue and vice have a tendency to ~~promote. Here therefore 'reason’ instructs us in the several tendencies ~~of actions, and 'humanity’ makes a distinction in favour of those which ~~are useful and beneficial. # An Enquiry Concerning the Principles of ~~Morals ~~(ed. Selby-Bigge) pp. ~~285-286 # النص رقم 9 # في العقد الابتدائي # تكاد جميع الحكومات القائمة اليوم، أو التي احتفظ لنا الرواة بمدونات عنها ~~أن تكون قد نشأت بادئ ذي بدء إما على أساس الاغتصاب أو الغزو أو كليهما، دون أن ~~تدعي مجرد ادعاء بأنها تستند إلى موافقة عادلة من الشعب أو إلى خضوع ذلك ~~الشعب خضوعا اختاره بإرادته؛ فإذا ما وضع رجل ماكر أو جريء على رأس جيش أو ~~حزب، فغالبا ما يتيسر له - باستخدامه للعنف تارة وللدعاوى الباطلة طورا - أن ~~يبسط سلطانه على شعب أكثر عددا من أتباعه مائة مرة؛ وهو لا يسمح باتصال علني ~~يتيح لأعدائه أن يعلموا في يقين كم عددهم أو ما مدى قوتهم؛ ولا يفسح لهم من وقت ~~الفراغ ما يمكنهم من الاجتماع بعضهم ببعض في هيئة تتألف لمعارضته؛ وحتى كل ~~أولئك الذين هم أدوات اغتصابه، قد يتمنون سقوطه، لكن جهل بعضهم بنوايا بعضهم ~~الآخر يوقفهم جميعا موقف المرتاع، فيكون ذلك هو المصدر الوحيد الذي يستمد منه ~~الحاكم أمنه؛ هكذا أقيمت حكومات كثيرة بوسائل كهذه، وهي وحدها «العقد ~~الابتدائي» الذي لديهم ويزهون به. # إن وجه الأرض دائب التغير، فممالك صغيرة تزداد لتصبح إمبراطوريات عظيمة، ~~وإمبراطوريات عظيمة تنحل لتصبح ممالك أصغر، ومستعمرات تخلق، وقبائل تهاجر؛ ~~فهل ترى في كل هذه الحوادث شيئا سوى القوة والعنف؟ أين الاتفاق المتبادل أو ~~الاجتماع الإرادي الذي كثر التحدث عنه على النحو الذي نرى؟ # وحتى أيسر السبل التي تتلقى بها أمة ما سيدا أجنبيا، بالزواج أو بالوصية، ~~ليس مما يشرف الشعب شرفا عظيما، بل إنها لتفرض أن الشعب مما يمكن أن يصرف ~~أمره - كما هي الحال في مهر أو في وصية - حسب هوى حكامه ومصلحتهم. ms181 # وحيث لا تعترض القوة مجرى الحوادث، ويجرى انتخاب، فما حقيقة هذا الانتخاب ~~الذي يهللون له؟ إنه إما أن يكون التقاء نفر قليل من عظماء الرجال يقضون في ~~الأمر نيابة عن المجموع، ولا يسمحون بصوت يعارض، أو أن يكون غضبة جمهور ~~يضلله رئيس عصابة قد لا يكون معروفا لاثني عشر شخصا من بين ذلك الجمهور كله، ~~ولا يدين بصعوده إلا إلى سلاطته أو إلى ما قد اعترى زملاءه من نزوة ~~طارئة. # أفتكون هذه الانتخابات المهوشة - ومع ذلك فقلما تحدث - من قوة السلطة بحيث ~~تكون الأساس الشرعي الوحيد لكل حكومة وكل ولاء؟ ~~«في العقد الابتدائي» ~~(النص الكامل موجود في مجموعة مقالات ~~أخلاقية وسياسية لهيوم نشرها فردريك واتكنز ~~بعنوان «هيوم: نظريته السياسية».) ~~ص198-200 # OF THE ORIGINAL CONTRACT # Almost all the governments which exist at present, or of ~~which there remains any record in story, have been grounded originally ~~either on usurpation or conquest, or both, without any pretence of a ~~fair consent or voluntary subjection of the people. when an artful and ~~bold man is placed at the head of an army or faction, it is often easy ~~for him by employing sometimes violence, sometimes false pretences, to ~~establish his dominion over a people a hundred times more numerous than ~~his partisans. He allows no such open communication that his enemies can ~~know, with certainty, their number or force. He gives them no leisure to ~~assemble together in a body to oppose him. Even all those who are the ~~instruments of his usurpation may wish his fall; but their ignorance of ~~each other’s intention keeps them in awe, and is the sole cause of his ~~security. By such arts as these, many governments have been established; ~~and this is all the original 'contract’ which they have to boast ~~of. # The face of the earth is continually changing, by the ~~increase of small kingdoms ms182 into great empires, by the dissolution of ~~great empires into smaller kingdoms, by the planting of colonies, by the ~~migration of tribes, Is there anything discoverable in all these events, ~~but force and violence? Where is the mutual agreement or voluntary ~~association so much talked of? # Even the smoothest way by which a nation may receive a ~~foreign master, by marriage or a will, is not extremely honourable for ~~the people; but supposes them to be disposed of, like a dowry or a ~~legacy, according to the pleasure or interest of their ~~rulers. # But where no force interposes, and election takes place, ~~what is this election so highly vaunted? It is either the combination of ~~a few great men, who decide for the whole, and will allow of no ~~oppositions, or it is the fury of a multitude that follow a seditious ~~ringleader, who is not known, perhaps, to a dozen among them, and who ~~owes his advancement merely to his own impudence, or to the momentary ~~caprice of his follows. # Are these disorderly elections, which are rare too, of such ~~mighty authority as to be the only lawful foundation of all government ~~and allegiance? # Of The Original Contract, ~~(Hume, Theory of Politics, ed. ~~Frederick Watkins) pp. ~~198-200 # النص رقم 10 # وجود الله وطبيعته # قال «ديميا»: لا بد لي من الاعتراف يا «كلنثيز» # 1 # بأن شيئا لا يثير دهشتي بقدر ما يثيرها هذا الضوء الذي عرضت ~~فيه هذا النقاش منذ بدأناه؛ فالمستمع إلى ~~حديثك قد يتصور من كل ما ورد في سياقه أنك إنما تعتقد في وجود إله وتدافع عن ~~ذلك ضد مغالطات الملحدين والكفار، وأنك بهذا قد التزمت أن تكون بطل الدفاع عن ~~هذا المبدأ الذي هو مبدأ للعقيدة الدينية بأسرها؛ ولكن هذا - فيما أرجو - ليس ~~موضع اختلاف بيننا بأي وجه من الوجوه؛ إذ إني على اعتقاد بأنك لن ms183 تجد إنسانا، ~~أعني إنسانا يتمتع على الأقل بإدراكه الفطري، قد ساوره الشك جادا في حقيقة ~~لها كل هذا اليقين والوضوح الذاتي؛ فليست المشكلة خاصة ب «وجود» الله، بل ب ~~«طبيعته»؛ فإني أؤكد - مستندا إلى ما في العقل البشري من أوجه العجز - أن هذه ~~الطبيعة (طبيعة الله) غير مفهومة ولا معلومة لنا قط؛ فجوهر ذلك العقل السامي، ~~وصفاته، وكيفية وجوده، وحقيقة ديمومته نفسها؛ هذه الأشياء وكل ما عداها مما ~~يتصل بهذا «الكائن» (الإلهي) الذي له كل هذا القدر من الألوهية إن هي إلا مسائل ~~ملغزة عند الإنسان؛ فما دمنا مخلوقات محدودة بنهايات، وضعيفة، وعمياء، فلزام ~~علينا أن نذل أنفسنا في حضرته المجيدة؛ ثم ما دمنا على علم بأوجه الضعف ~~فينا، فحتم علينا أن نمجد في صمت كمالاته اللانهائية، التي لم ترها عين ولا ~~سمعتها أذن، كلا ولا دخلت قلب إنسان فيتصور بعقله كيف تكون؛ إنها مغطاة ~~بسحابة كثيفة تخفيها عن الإنسان في تطلعه؛ وإنه لمن انتهاك الحرمات أن نحاول ~~التغلغل خلال هذه المعميات المقدسة؛ فالذي يتلو إنكار وجود الله في درجة البعد ~~عن التقوى هو أن تدفعنا القحة إلى التسلل في طبيعة الله وجوهره وأحكامه ~~وصفاته. # ولكن خشية أن يحملك الظن على أن «تقواي» قد غلبت «فلسفتي» على أمرها، فسأدعم ~~رأيي - إن كان بحاجة إلى تدعيم - برجل هو حجة من أعظم الثقات؛ ففي مقدوري أن ~~أستشهد بكافة رجال الدين تقريبا منذ أن نشأت المسيحية، الذين عالجوا هذا ~~الموضوع أو غيره من موضوعات اللاهوت؛ لكنني سأحصر نفسي ها هنا في رجل اشتهر في ~~عالم التقوى وعالم الفلسفة على حد سواء، وأعني به «الأب مالبرانش» الذي عبر عن ~~رأيه - فيما أذكر - بالعبارة الآتية: # 2 # إنه لا يجوز لأحد (هكذا يقول) أن يسمي الله روحا لكي يعبر بهذه ~~التسمية تعبيرا إيجابيا عن هويته، بقدر ما يطلق عليه هذه التسمية ليدل ~~بها على أنه ليس مادة؛ فالله كائن كامل كمالا لا نهائيا، ليس في ذلك موضع ~~عندنا لشك ... # فأجاب «فيلو»: إنه إزاء رجل حجة له ms184 هذه المكانة العظيمة كالذي استشهدت به، ~~وألف غيره من الثقات ممن تستطيع أن تستشهد بهم، قد يبدو سخفا مني أن أضيف ~~شعوري (حيال الموضوع) أو أن أعبر عن استحساني لمذهبك؛ ولكنه لا جدال في أنه حين ~~يعالج ذوو العقل المتزن هذه الموضوعات، فيستحيل أن يكون موضع الإشكال هو «وجود» ~~الله بل «طبيعته» فحسب؛ ذلك لأن الحقيقة الأولى - كما قد لاحظت فأصبت الملاحظة ~~- واضحة بذاتها وليست مما يجوز فيه اختلاف الرأي؛ إذ لا موجود بغير علة والعلة ~~الأولى لهذا الكون (مهما تكن) هي ما نسميه ب «الله»، ثم تحملنا التقوى على أن ~~نعزو إليه كل ضروب الكمال؛ ومن يساوره الشك في هذه الحقيقة الأساسية يستحق كل ~~عقاب يمكن أن ينزل بالفلاسفة، وأعني به أقصى درجات السخرية والازدراء ~~والاستهجان؛ ولكن لما كان الكمال كله أمرا نسبيا بكل معاني الكلمة، لزم ~~علينا ألا نتصور أبدا أننا نفهم الصفات التي ننعت بها هذا «الكائن» الإلهي، ~~وألا نفترض أن ضروب كماله مما يحمل أي مماثلة أو شبه بضروب الكمال التي يتصف ~~بها المخلوق البشري؛ ف «الحكمة» و«الفكر» و«التدبير» و«المعرفة» صفات ننسبها ~~إلى الله صوابا؛ لأن لهذه الكلمات منزلة الشرف بين الناس، وليس لدينا لغة أخرى ~~ولا مدركات عقلية أخرى نستطيع بها أن نعبر عن تمجيدنا له؛ ولكن لنكن على حذر، ~~خشية أن يذهب بنا الظن إلى أن أفكارنا هذه تقابل ضروب كماله بأي وجه من الوجوه، ~~أو أن صفاته تشبه أقل شبه أمثالها مما نطلقه على أفراد الناس؛ فهو أجل بدرجة ~~لا حد لها من إدراكنا ونظرنا المحدودين؛ وهو إلى أن يكون موضع عبادة في المعبد، ~~أقرب منه إلى أن يكون موضوع جدل في المدارس. # ومضى «فيلو» قائلا: إنه في الحق يا «كلينثيز» لا حاجة بنا إلى اللجوء إلى ~~ذلك الشك المصطنع، الذي يلقى منك ما يلقاه من سخط، لكي نصل به إلى هذه ~~الخاتمة؛ فأفكارنا لا تمتد أبعد من حدود خبرتنا؛ وليست لدينا خبرة بصفات الله ~~وأعماله؛ ولا حاجة بي إلى استخراج النتيجة من ms185 هذا القياس. وتستطيع أن تنتزع ~~بنفسك نتيجة الاستدلال؛ وإنه ليسرني (وأرجو أن يسرك كذلك) أن الاستدلال العقلي ~~المستقيم، والتقوى السليمة، يلتقيان هنا في نتيجة واحدة، وأن كليهما ينهض دعامة ~~لطبيعة «الكائن الأسمى» التي يحيط بها إلغاز محبب، والتي هي فوق إدراك ~~أفهامنا. # فقال «كلينثيز» مخاطبا «ديميا»: بغير أن أضيع وقتا في الدوران حول المعنى ~~المقصود، وبغير محاولة الرد على الخطبة الحماسية الورعة التي ألقاها «فيلو» - ~~فإذا لم أكن راغبا في الدوران حول المعنى المقصود، فأنا أقل رغبة في الرد على ~~«فيلو» - سأشرح في إيجاز وجهة نظري إلى هذا الموضوع؛ انظر حول العالم، وتأمل ~~المجموع وكل جزء منه، فلن تجده إلا آلة عظيمة واحدة، تتفرع إلى ما لا نهاية ~~لعدده من آلات أصغر، ثم تعود هذه الأقسام الفرعية فتنقسم فروعا تبلغ حدا ~~يجاوز ما تستطيع الحواس والملكات البشرية أن تتعقبه وتوضحه؛ وكل هذه الآلات ~~المختلفة، بل كل أجزائها البالغة أقصى حد من الصغر، مهيأ بعضها لبعض في دقة ~~تروع بالإعجاب كل من تأملها من بني الإنسان؛ فهذه المواءمة العجيبة بين الوسائل ~~وغاياتها، في أرجاء الطبيعة كلها، تشبه أتم شبه - ولو أنها تفوق إلى حد كبير - ~~منتجات الصناعة الإنسانية ، تلك المنتجات التي ينتجها الإنسان بتدبيره وفكره ~~وحكمته وذكائه؛ وعلى ذلك فما دامت المسببات يشبه بعضها بعضا، فنحن مضطرون إلى ~~الاستدلال بكل قواعد استدلال المثيل من مثيله، بأن الأسباب كذلك يشبه بعضها ~~بعضا؛ وأن «خالق الطبيعة» شبيه - على نحو ما - بعقل الإنسان ولو أنه ذو ملكات ~~أوسع بكثير لتتناسب مع عظمة العمل الذي أداه؛ بهذه الحجة المستندة إلى الخبرة ~~البشرية، وبهذه الحجة وحدها، نقيم البرهان في آن واحد على وجود إله وعلى شبهه ~~بعقل الإنسان وذكائه. ~~«محاورات في الديانة الطبيعية» # جزء 2 (نشر بروس ميوين) ص26-31 # THE BEING AND THE NATURE OF GOD # I must own, Cleanthes, said Demea, that nothing can more ~~surprise me, than the light, in which you have, all along, put this ~~argument. By the whole tenor of your ms186 discourse, one would imagine that ~~you were maintaining the being of a God, against the tavils of Atheists ~~and Infidels; and were necessitated to become a champion for that ~~fundamental principle of all religion. But this, I hope, is not by any ~~means a question among us. No man; no man, at least, of common sense, I ~~ampeusr aded, ever entertained a serious doubt with regard to a truth, ~~so certain and self-evident. The question is not concerning the BEING, ~~but the NATURE of God. This I affirm, from the infirmities of the human ~~understanding, to be altogether incomprehensible and unknown to us. The ~~essence of that supreme mind, his attributes, the manner of his ~~existence, the very nature of his duration; these and every particular, ~~which regards so divine a Being, are mysterious to men. Finite, weak, ~~and blind creatures, we ought to humble ourselves in his august ~~presence, and conscious of our frailties, adore in silence his infinite ~~perfections, which eye hath not seen, ear hath not heard, neither hath ~~it entered into the heart of man to conceive them. They are covered in a ~~deep could from human curiosity: It is profaneness to attempt ~~penetrating through these scared obscurities: And next to the impiety of ~~denying his existence, is the temerity of prying into his nature and ~~essence, decrees and attributes. # But lest you should think, that my 'piety’ has here got the ~~better of my 'philosophy’, I shall support my opinion, if it needs any ~~support, by a very great authority. I might cite all the divines almost, ~~from the foundation of Christianity, who have ever treated of this or ~~any other theological subject: But I shall confine myself, at present, ~~to one equally celebrated for piety and philosophy. It is Father ~~Malebranche, who, I remember, ms187 thus expresses himself. 'One ought not so ~~much (says he) to call God a spirit, in order to express positively what ~~he is, as in order to signify that he is not matter. He is a Being ~~infinitely perfect: Of this we cannot doubt ...’ # After so great an authority, Demea, replied philo, as that ~~which you have produced, and a thousand more, which you might produce, ~~it would appear ridiculous in me to add my sentiment, or expressmy ~~approbation of your doctrine. But surely, where reasonable men treat ~~these subjects, the question can never be concerning the 'Being’, but ~~only the 'Nature’ of the Deity. The former truth, as you well observe, ~~is unquestionable and self-evident. Nothing exists without a cause; and ~~the original cause of this universe (whatever it be) we call GOD; and ~~piously ascribe to him every species of perfection. Whoever scruples ~~this fundamental truth, deserves every punishment, which can be ~~inflicted among philosophers, to wit, the greatest ridicule, contempt ~~and disapprobation. But as all perfection is entirely relative, we ought ~~never to imagine, that we comprehend the attributes of this divine ~~Being, or to suppose, that his perfections have any analogy or likeness ~~to the perfections of a human creature. Wisdom, Thought, Design, ~~knowledge; these we justly ascribe to him; because these words are ~~honourable among men, and we have no other language or other ~~conceptions, by which we can express our adoration of Him. But let us ~~beware, lest we think, that our ideas any wise correspond to his ~~perfections, or that his attributes have any resemblance to these ~~qualities among men. He is infinitely superior to our limited view and ~~comprehension; and is more the object of worship in the temple, than of ~~disputation in the schools. # In reality, Cleanthes, continued he, there is ms188 no need of ~~having recourse to that affected scepticism, so displeasing to you, in ~~order to come at this determination. Our ideas reach no farther than our ~~experience; We have no experience of divine attributes and operations: I ~~need not conclude my syllogism: you can draw the inference yourself. And ~~it is a pleasure to me (and I hope to you too) that just reasoning and ~~sound piety here concur in the same conclusion, and both of them ~~establish the adorably mysterious and incomprehensible nature of the ~~Supreme Being. # Not to lose any time in circumlocution, said Cleanthes, ~~addressing himself to Demea, much less in replying to the pious ~~declamations of philo; I shall briefly explain how I conceive this ~~matter. Look round the world: contemplate the whole and every part of ~~it: you will find it to be nothing but one great machine, subdivided ~~into an infinite number of lesser machines, which again admit of ~~subdivisions, to a degree beyond what human senses and faculties can ~~trace and explain. All these various machines, and even their most ~~minute parts, are adjusted to each other with an accuracy, which ~~ravishes into admiration all men, who have ever contemplated them. The ~~curious adapting of means to ends, throughout all nature, resembles ~~exactly, though it much exceeds, the productions of human contrivance; ~~of human design, thought, wisdom, and intelligence. Since therefore the ~~effects resemble each other. we are led to infer. by all the rules of ~~analogy, that the causes also resmble; and that the Author of Nature is ~~somewhat similar to the mind of man; though possessed of much larger ~~faculties, proportioned to the grandeur of the work, which he has ~~executed. By this argument a posteriori and by this argument alone, do ~~we prove at once the existence of a ms189 Deity, and his similarity to human ~~mind and intelligence. # Dialogues Concerning Natural ~~Religion # part II. (ed. Bruce M’Ewen) pp. ~~26-31 # | مؤلفات ديفد هيوم # (1) # Treatise of Human Nature, 1738, # وله عدة طبعات، أنفعها الطبعة التي نشرها # L. A. ~~Selby-Bigge # لفهرسه المفصل الدقيق. ~~(2) # An Enquiry Concerning Human Understanding, ~~1748 ~~. ~~(3) # An Enquiry Concerning the principles of Morals, ~~1751. # ولهذين الكتابين عدة طبعات، أنفعها الطبعة التي تنشرها # L. A ~~Selby-Bigge # إذ نشرهما في مجلد واحد، وقدم لهما بمقدمة طويلة يقارن ~~فيها بين المادة التي وردت فيهما والمادة التي وردت في «رسالة في الطبيعة البشرية»؛ فهذان ~~الكتابان هما إعادة في صورة جديدة لنفس المادة الموجودة في الجزء الأول والجزء الثالث من ~~«الرسالة». ~~(4) # Essays, Moral and political, 1745. # يمكن الرجوع إليها في مجموعة مؤلفات هيوم التي نشرها # Green and ~~Grose ~~. ~~(5) # The history of Great Britain, 2 vols., ~~1756. ~~(6) # History of England under the House of Tudor, ~~1759. ~~(7) # History of England from the Invasion of Julius cœsar to the ~~Accession of Henry VII, 1761. ~~(8) # Natural History of Religion, 1756-61 # ويمكن الرجوع إليه في مجموعة مؤلفات هيوم التي نشرها # Green and ~~Grose ~~. ~~(9) # political Discourses, 1756-61. # ويمكن الرجوع إليه في مجموعة مؤلفات هيوم التي نشرها # Green and ~~Grose ~~. ~~(10) # Dialogues concerning Natural ~~Religion. # نشر هذا الكتاب بعد موت هيوم وله طبعة مفيدة بمقدمتها التحليلية الطويلة، وهي الطبعة ~~التي نشرها # Bruce M’Ewen ~~. ~~(11) # My own Life. # كتبه قبيل وفاته، ونشر بعد موته ويمكن الرجوع إليه في مجموعة مؤلفاته التي نشرها # Green and Grose ~~. ~~(12) # The Letters of David Hume. # وله عدة طبعات، منها الطبعة التي نشرها # J. Y. T. ~~Greig ~~. # | مراجع # Norman kemp smith, The philosophy of David Hume, ~~1941. # C. W. Hendel, studies in the philosophy of David Hume, ~~1925. # I. Hedenius, Studies in Hume’s Ethics, ~~1935. # E. A Shearer, Hume’s Place in Ethics, ~~1915. # J. Laird, Hume’s Philosophy of Human Nature, ~~1932. # B. M. Laing, David Hume, 1932. # R. M. Kydd, Reason and Conduct in Hume’s Treatise. ~~1946. # H. D. Aiken, Hume’s Moral and ms190 political philosophy, ~~1948. # H. H. Price, Hume’s Theory of the External World, ~~1940. # D. G. C. Mac Nabb, David Hume, 1951. # A. E. Taylor, David Hume and the Miraculous, ~~1927. ms191