######OpenITI# #META# URI: 1414ZakiNajibMahmud.FiHayatnaCaqliyya.Hindawi61307902 #META# Tags: philosophy #META# ID: 61307902 #META# Title: في حياتنا العقلية #META# AuthorID: 64904748 #META# Author: زكي نجيب محمود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تيارات الفكر والأدب في مصر المعاصرة‏ # حركة المقاومة في الأدب العربي الحديث‏ # إرادة التغيير‏ # وحدة التفكير‏ # يمين الفكر ويساره: ما معناهما؟‏ # رجل الفكر ومشكلات الحياة‏ # طراز من الفردية جديد‏ # الفرد، والمواطن، والإنسان‏ # من هو المثقف الثوري‏ # ضوء على معنى الصراع الفكري‏ # أزمة القيم في عصر الانطلاق‏ # بأي فلسفة نسير؟‏ # قيادات الفكر المعاصر‏ # روح العصر من فلسفة‏ # الماركسية منهجا‏ # تيارات الفكر والأدب في مصر المعاصرة‏ # حركة المقاومة في الأدب العربي الحديث‏ # إرادة التغيير‏ # وحدة التفكير‏ # يمين الفكر ويساره: ما معناهما؟‏ # رجل الفكر ومشكلات الحياة‏ # طراز من الفردية جديد‏ # الفرد، والمواطن، والإنسان‏ # من هو المثقف الثوري‏ # ضوء على معنى الصراع الفكري‏ # أزمة القيم في عصر الانطلاق‏ # بأي فلسفة نسير؟‏ # قيادات الفكر المعاصر‏ # روح العصر من فلسفة‏ # الماركسية منهجا‏ # | في حياتنا العقلية # | في حياتنا العقلية # تأليف # زكي نجيب محمود # | تيارات الفكر والأدب في مصر المعاصرة # لم يكن قد بقي على ختام الحرب العالمية الأولى إلا وقت قصير، حين نظم عباس محمود العقاد ~~قصيدته العظيمة «ترجمة الشيطان»، التي جاءت - كما يقول الشاعر نفسه عنها في مقدمة نثرية ~~قدمها بها - لفحة من نار الحرب، وغيمة من دخانها، فكأنما جاءت هذه القصيدة - والعشرة ~~الأعوام الثانية من هذا القرن تدنو من ختامها - لتصور حالة من اليأس، استولت على شعب ظل ~~يطالب بحريته السياسية من الحاكم المستبد تارة، ومن المستعمر البريطاني الدخيل تارة، فجاءت ~~الحرب العالمية الأولى لتكمم الأفواه، وتكتم الأنفاس حينا؛ إذ لم تكن الدولة المستعمرة ~~لتأذن لمفكر أو أديب بالمضي فيما كان قد بدأه المفكرون والكتاب منذ احتلت بريطانيا مصر سنة ~~1882م، من حملات يشعلون بها النفوس ويحركون العقول، طلبا للحرية، ولما أن طالت أعوام ~~الحرب، أخذ القلق يدب في أنفس الشعب الصامت إلى حين، الصابر بمطلبه حتى تزول محنة الحرب، ~~وجاءت قصيدة العقاد تعبيرا عن هذا القلق، وهي قصيدة تستطيع أن تستبدل فيها بالمواجهة التي ~~تمت بين الله والشيطان، مواجهة أخرى بين الحاكم والمستعمر من ناحية، والمفكر الحر من ~~ناحية أخرى، لتتحول القصيدة بين يديك ms001 إلى ترجمة لكل مفكر حر لا يريد لحريته أن تحدها ~~قيود. # فإذا كانت العشرة الأعوام الأولى من هذا القرن، قد شهدت طائفة من أعلام الأدب والفكر، ~~تصوغ للناس قضية الحرية من بعض نواحيها: الإمام محمد عبده بمقالاته الإصلاحية وبدفاعه عن ~~الإسلام، يوضح كيف يمكن أن يلتقي تراثنا الفكري والديني مع روح العصر التي يسودها العلم، ~~وهو بهذا قد وضع أمامنا المشكلة الرئيسية في حياتنا الثقافية كلها خلال أعوام هذا القرن، ~~وإلى يومنا هذا، وهي: كيف نوحد بين تراثنا القومي والإسلامي من جهة، وعوامل الفكر والحضارة ~~في هذا العصر من جهة أخرى، توحيدا يدمج الجانبين معا في وحدة عضوية واحدة، تحمل الطابع ~~المحلي والطابع العالمي في آن معا، وقاسم أمين بكتابيه «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة» ~~يمد من نطاق الحرية المنشودة حتى تشمل مع الحرية السياسية حرية اجتماعية للمرأة المغلولة ~~بقيد السنين، وأحمد لطفي السيد الذي أصدر صحيفة «الجريدة» سنة 1907م؛ لتكون منبرا للفكر ~~العصري الحر، ولسانا يطالب بالاستقلال وبالدستور، وكان لطفي السيد ممن علموا على إنشاء ~~الجامعة الأهلية سنة 1908م، إيمانا منهم بضرورة الروح العلمية الجامعية لتدعيم حركة التحرر ~~الشامل؛ أقول إنه إذا كانت العشرة الأعوام الأولى من هذا القرن قد حفلت بطائفة من المفكرين ~~والأدباء، ينشرون في الناس دعواتهم صريحة في الصحف والكتب، فإن العشرة الأعوام الثانية ~~التي شهدت هول الحرب العالمية الأولى، والتي كان من نتائجها السياسية في مصر، أن أعلنت ~~الأحكام العرفية ثم أعلنت حماية بريطانيا لمصر، قد اضطرت رجال الفكر والأدب أن يغيروا من ~~أوجه نشاطهم: أحمد لطفي السيد يعتزل في الريف ليترجم إلى العربية كتاب الأخلاق لأرسطو، وطه ~~حسين ينصرف إلى دراسته الأكاديمية لينجز رسالته عن «ذكرى أبي العلاء»، و«محمد حسين هيكل» يكتب ~~أول قصة طويلة في أدبنا الحديث وهي قصة «زينب»، والعقاد ينظم القصائد المعبرة عن ذات نفسه ~~ليبلغ بها الذروة في قصيدة «ترجمة شيطان». # دعوات إلى الحرية السياسية والحرية الاجتماعية لبثت تنبعث من أقلام المفكرين والأدباء، ~~منذ القرن التاسع عشر، وأخذت آثارها تتراكم في ms002 النفوس ، حتى انفجرت ثورة سياسية عقب الحرب ~~العالمية الأولى مباشرة سنة 1919م، ثم لم تلبث هذه الثورة إلا قليلا، حتى اتسعت رقعتها ~~لتصبح ثورة تتعدى حدود السياسة والحرية السياسية والاستقلال عن بريطانيا، وتكون ثورة فكرية ~~عامة، تشمل الأدب بكل فنونه، والنقد، والفلسفة، والتعليم، وغير ذلك من جوانب الحياة ~~العقلية، وحسبنا في هذا البعث الشامل، أن نلتمس على الطريق معالمه الرئيسية، متمثلة في ~~مؤلفات أو في حركات تشير إلى الاتجاه الجديد. # وأول ما نصادفه من معالم الطريق، في العشرة الأعوام الثالثة من هذا القرن، كتاب ~~«الديوان في الأدب والنقد» الذي أخرجه العقاد مع صديقه إبراهيم عبد القادر المازني سنة ~~1921م، ليوجها به حملة نقدية في مجال الشعر، يبغيان بها التحرر من قيود التقليد، والدعوة إلى ~~شعر جديد، يكفل لصاحبه التعبير الحر عن ذات نفسه الفريدة؛ حتى لا تنطمس معالمها في سواها ~~فينمحي وجودها، وإن الشاعر بتقريره لوجوده الفردي المتميز، ليضع حجر الأساس في بناء الحرية ~~الإنسانية المنشودة. # ولكي نرى الصورة في مجال الشعر على حقيقتها، ينبغي أن نذكر حالة الضعف الشديد التي ألمت ~~به في النصف الأول من القرن التاسع عشر، نتيجة لعصور الظلمة إبان الحكم التركي، وهي عصور ~~امتدت ثلاثة قرون، إذا عددنا الحملة الفرنسية على مصر، واستيلاء محمد علي على حكم البلاد، ~~نهاية حقيقية - إن لم تكن نهاية شرعية - للعهد التركي، فلما انسلخ من القرن التاسع عشر ~~ثلثاه، ونكبت البلاد بالاحتلال البريطاني فوق نكبتها بالأسرة الحاكمة، اشتدت الرغبة عند ~~المصريين في أن يلتمسوا ملامح شخصيتهم الضائعة، وكانت أولى خطواتهم نحو هذا الهدف أن ~~يعيدوا إلى الأذهان كل ما يذكرهم بمجدهم الماضي؛ ومن ثم نشأت حركة في الشعر، يتخلص بها ~~أصحابها من ركاكة العهد التركي، ويعودون إلى النماذج العربية القديمة في قوتها ورصانتها، ~~وساعدهم على ذلك ما كانت المطبعة العربية قد أخرجته خلال القرن الماضي من دواوين الشعراء ~~القدامى، فرأوا أمامهم نماذج تحتذى، ذلك فضلا عن أساتذة للأدب في الأزهر تولوا حركة ~~الإحياء الأدبي ونخص منهم بالذكر الشيخ حسين المرصفي ms003 بكتابه «الوسيلة الأدبية » الذي أوضح ~~فيه بأسلوب جديد قواعد اللغة والنحو والبلاغة والعروض، وعرض هذه القواعد في نماذج مختارة من ~~الأدب القديم. # وكان محمود سامي البارودي هو الرائد الأول في حركة الإحياء الشعري ثم تبعه أحمد شوقي، ~~وحافظ إبراهيم، وخليل مطران الذي وفد من سوريا ليقيم في مصر، وعلى أيدي هؤلاء جميعا عاد ~~الشعر العربي إلى سابق مجده، مع تغذيته بغذاء من الثقافة الأوروبية التي اكتسبها بعض هؤلاء ~~الشعراء من صلتهم بالغرب وثقافته. # لكن هذه الحركة - برغم قوتها - كانت حركة «إحياء» للقديم، ولم تكن في صميمها «تجديدا» ~~يساير العصر الحديث؛ ولهذا سرعان ما جاء جيل جديد يتهمها بالقصور عن بلوغ ما ينبغي للشعر ~~الجديد أن يبلغه، ومن أهم الخصائص التي كانت تنقص شعر هؤلاء في نظر الجيل الجديد، وحدة ~~القصيدة من حيث الشكل، وذاتية التعبير من حيث المضمون، بعد أن كانت القصيدة العربية تجعل ~~لكل بيت منها كيانا مستقلا، ولا تهتم بأن تنسكب أبيات القصيدة الواحدة في تجربة شعورية ~~واحدة، وكذلك بعد أن كان الشاعر العربي يعبر عن الجماعة قبل أن يعبر عن ذات نفسه الفريدة، ~~أو يدفعه طغيان الحكم واستبداد المال أن ينفق جهده الشعري في مدح وهجاء وفي تهنئة ورثاء، ~~بحسب ما تقتضيه المناسبات. # وكان رواد الحركة الجديدة التي لم ترد أن يقف التجديد عند حد إحياء القديم، بل أرادت أن ~~تضيف قيما جديدة من شأنها أن تئول بالمجتمع إلى التحرر من قيوده جميعا، لا فرق في هذه ~~القيود بين ما يجيء مع إحياء التراث، وما يجيء عن ضعف الحياة في عصورها المتأخرة؛ أقول إن ~~رواد حركة التجديد هذه، كانوا ثلاثة هم: عبد الرحمن شكري، والعقاد، والمازني، الذين أخذوا ~~ينظمون الشعر خلال العشرة الأعوام الثانية من القرن، على النهج الذي كانوا يروجون له، لكن ~~أنصار الإحياء - برغم هذا - لبثوا يسدون أمامهم الفضاء، فكان لا بد من زلزلة عنيفة تهد ~~البناء القائم، فكان أن صدر الكتاب الذي ذكرناه: «الديوان في الأدب والنقد» يوجه به صاحباه ~~(العقاد والمازني) حملة مدمرة ms004 نحو أمير الشعراء عندئذ «أحمد شوقي» لعلهما بذلك أن يزيلا عن ~~الوجود الأدبي صفحة، ليفتحا للناس صفحة جديدة. # وكأنما سنة الحركات الفكرية أن تسير في خطوات مثلثة، فمن طرف إلى نقيضه إلى مرحلة تجمع ~~بين النقيضين، فرأينا رواد المدرسة الجديدة في الشعر يقفون موقفا عنيدا من شعراء البعث، ~~لكن العقد الرابع من هذا القرن لم يكد يبدأ، حتى ظهرت جماعة أطلقت على نفسها «جماعة أبولو»، ~~وكان صاحب فكرتها والداعي لها أحمد زكي أبو شادي، وقد تألفت هذه الجماعة الأدبية في خريف ~~عام 1932م، لتجمع بين أعضائها كل من أراد من الشعراء، فلا تفرقة هنا بين مذهب ومذهب من مذاهب ~~الشعر، فرأينا من أعضائها من يجري مع التقليد في شعره - مثل رجال حركة البعث أنفسهم: شوقي، ~~ومطران - كما رأينا من أعضائها كذلك من انتحوا بالشعر منحى جديدا متأثرين بما قرءوه لشعراء ~~الغرب - والرومانسيين منهم بصفة خاصة - وعلى رأس هؤلاء إبراهيم ناجي (وهو طبيب) وعلي محمود ~~طه (وهو مهندس)، ولم تكن هذه آخر الحركات في تطور الشعر، لكننا سنرجئ المرحلة الجديدة ~~التالية إلى موضع آخر من هذا المقال. # ومن معالم الطريق فيما بين الحربين، حركة عقلانية، نزع أصحابها نحو الاحتكام إلى منطق ~~العقل قبل أي شيء آخر، وقد تمثلت هذه الحركة في كثير من البحوث والكتب والمواقف، منها كتاب ~~«الإسلام وأصول الحكم» لمؤلفه علي عبد الرازق (1924م) فقد كادت مصر حينئذ أن تتورط بدافع من ~~أطماع حاكمها (الملك أحمد فؤاد) في أن يجتمع في شخص ذلك الحاكم لقب «الخليفة» - خليفة ~~المسلمين - إلى جانب لقب «الملك»، وذلك بعد أن ألغت تركيا الخلافة من عندها - وكان سلاطين ~~تركيا هما أيضا خلفاء المسلمين - على أثر ثورتها السياسية الاجتماعية بزعامة مصطفى كمال، ~~وإنما أراد ملك مصر أن يرث الخلافة بعد زوالها عن الأتراك؛ لتجتمع في يديه رياسة الدين ~~ورياسة الدولة معا، وفي هذا الجمع خطورة كبرى على حركة التقدم الذي كانت مصر قد أخذت ~~بأسبابه؛ لأن تستر الحاكم وراء قناع من الدين، من شأنه أن يطلق ms005 يده في فرض ما شاء من قيود، ~~بحجة أنها قيود تفرضها مبادئ الإسلام، فكان لا بد أن يظهر منا مفكر باحث، ليقول للناس عن ~~دراسة وتحقيق، إن الإسلام لا يحتم أن يكون للدولة خليفة، وما أغنانا عن الوقوع في مشكلات ~~كالتي وقعت فيها أوروبا حين جمعت الدين والدولة في يد واحدة. # وفي سنة 1925م أنشئت جامعة القاهرة، وأدمجت فيها الجامعة الأهلية التي كانت قد نشأت سنة ~~1908م، كما أدمجت فيها كذلك مجموعة المعاهد العليا التي كانت تتفاوت أعمارها بين قرن كامل ~~لبعضها - مثل كلية الطب - وبعض القرن لبعضها الآخر، فجاء إنشاء جامعة القاهرة علامة من أبرز ~~العلامات الدالة على نهوض الشعب بثورة عقلية تتمم الثورة السياسية، ولم يكد يمضي عام على ~~إنشائها، حتى أخرجت المطبعة للدكتور طه حسين كتابه في «الأدب الجاهلي»، الذي ظهر وكأنه ~~إعلان بقيام منهج علمي جديد، يترسم خطوات المنهج الديكارتي في البحث، فيفرض الخطأ فيما ~~توارثناه من معرفة، حتى يثبت صوابه بالبرهان العلمي، صوابا لا يرتكز على تحيز سابق لفكرة ~~معينة، فإذا كان المعلوم الشائع المتوارث هو أن الشاعر الفلاني قد عاش في العصر الفلاني ~~ونظم القصائد الفلانية، فلنفرض بادئ ذي بدء أن لم يكن لهذا الشاعر وجود، ومن ثم لا يكون ~~هو ناظم القصائد المنحولة له، ثم نمضي في البحث على هذا الأساس الحر، لننتهي إلى ما يؤدي ~~إليه السير المنهجي من نتائج ... وإنها لقفزة طويلة نحو البعث الفكري، أن تدعو الناس إلى ~~ضرورة الشك في صحة النصوص الموروثة، قبل أن تعيد إليها الصواب عن طريق البحث العقلي ~~المجرد. # وإنه لمما يدل على سريان الروح العقلية إبان الفترة التي نتحدث عنها أن نظرية التطور ~~الداروينية، وما يتشعب عنها من فروع بعد أن كان الجهر بها في نهايات القرن التاسع عشر، ~~يستدعي من رجال الفكر يقظة ليردوا على ما كان يظن أنه خطر على العقيدة الدينية - كما حدث ~~عندما نشر جمال الدين الأفغاني كتابه في «الرد على الدهريين» - أصبحت الآن مادة شائعة بين ~~طبقات المثقفين، ففي ms006 سنة 1924م أصدر إسماعيل مظهر كتابه «ملقى السبيل » (وكان مظهر قد ترجم ~~إلى العربية قبل ذلك كتاب أصل الأنواع لداروين)؛ ليكون هذا الكتاب الجديد تطبيقا للنظرية ~~على موضوعات عامة مما كان يعنى به الكتاب المصلحون عندئذ، وهو يقول في مقدمته لهذا الكتاب ~~«إن لمذهب النشوء والارتقاء من الأثر في فروع العلوم الحديثة، ما يجعلني أعتقد تمام ~~الاعتقاد بأن هذا المذهب جدير بأن يقف الإنسان أكبر شطر من حياته وجهوده في سبيل درسه ونقله ~~إلى العربية، وأبناء الضاد على أبواب انقلاب علمي أدبي، أخذت معاوله تهدم في بناء أساليبنا ~~القديمة، لتحل محلها أساليب حديثة للتفكير» ويهمنا من هذا النص هذه الجملة الأخيرة لأنها ~~تؤيد ما نصف به فترة ما بين الحربين في مصر، من الناحية الفكرية، وهو أنها فترة انقلاب علمي ~~وأدبي، تهدم أسلوبا قديما لتحل محلها أسلوبا جديدا، هو الأسلوب العلمي العقلاني القائم ~~على الدرس والتمحيص. # وهنا نذكر كاتبا آخر أصدر سنة 1925م كتابا آخر عن «نظرية التطور» - مما يدل على أن ~~الفكرة كانت عندئذ تشعل الأذهان - لكن هذا الكتاب من هذا الكاتب لم يكن عرضا طارئا في ~~حياته الفكرية؛ بل كان جزءا لا يتجزأ من طريق واحد عاشه الكاتب ليبلغ به هدفا واحدا جعله ~~نصب عينه، وأما هذا الكاتب فهو سلامة موسى، وأما طريق حياته الفكرية فهو الإيمان بالعلم ~~الحديث وما يقتضيه من ضرورة تطوير الأدب والحياة بأسرها، وأما الهدف المقصود بهذا كله فهو ~~أن يقيم بناء جديدا على أنقاض بناء قديم، فلم يأل سلامة موسى جهدا في كل ما كتب، ليقاوم ~~الأسلوب القديم في التفكير وفي الكتابة، فإذا كان التقليديون يعنون بصقل العبارة اللفظية ~~عناية تستنفد كل طاقتهم بحيث لا يبقى شيء منها لأي معنى ينقلونه إلى القارئ، فقد أراد هو ~~بما أسماه «الأسلوب التلغرافي» في الكتابة أن تجيء العبارة خادمة للمعنى المراد نقله، بحيث ~~لا تحشر فيها لفظة واحدة لا تخدم المعنى المقصود. # لقد تميزت فترة ما بين الحربين بكثير من القلق الفكري، الناتج عن إحساس المثقفين ms007 بضرورة ~~الجمع بين طرفين كانا ما يزالان يبدوان وكأنهما نقيضان لا يجتمعان، وهما: الثقافة التقليدية ~~الموروثة من جهة، والثقافة الأوروبية المنقولة من جهة أخرى، وكان السؤال قد بدأ يطرح نفسه ~~على رجال الفكر، وهو: هل من سبيل إلى الجمع بين الثقافتين في وحدة عضوية واحدة، لا تتخلى عن ~~الطابع المحلي المميز، ولا تقصر في مسايرة العالم المعاصر؟ هنا كنت تجد ثلاث إجابات تصدر عن ~~ثلاث فئات من المفكرين، وتستتبع ثلاث أساليب في الكتابة: فإجابة يتمسك بها أصحابها بالقديم ~~الموروث فكرا وأسلوبا، ومن هؤلاء مصطفى صادق الرافعي، وإجابة يريد بها أصحابها القضاء ~~الكامل على القديم الموروث والأخذ عن الثقافة الأوروبية - علما وأدبا وأسلوب كتابة وطريقة ~~حياة - أخذا مطلقا غير مشروط بشرط ولا مقيد بقيود، ومن هؤلاء: سلامة موسى؛ وإجابة ثالثة ~~يحاول بها أصحابها أن يجدوا موقفا وسطا يجمع بين الطرفين، فهم إذا كتبوا جاءت عبارتهم ~~ملتزمة قواعد الأسلوب العربي المتين، وهم إذا فكروا حاولوا المزج بين موضوعات القديم ~~وموضوعات الجديد، وكان من حسن الطالع أن وقعت في هذه الطائفة جمهرة الأعلام من رجال الفكر ~~والأدب: العقاد، طه حسين، هيكل، المازني ... وغيرهم، فلهؤلاء جميعا مجموعات من مقالات كتبوها ~~خلال الفترة التي نتحدث عنها، ثم جمعوها في كتب يكفي أن تطالع أي كتاب منها، لتجد ثقافة ~~الغرب قد جاورت ثقافة العرب الأقدمين في تآلف وانسجام، إذ قد تجد فصلا عن هومر أو شكسبير ~~أو شلي، يعقبه فصل عن امرئ القيس أو ابن الرومي أو المتنبي، وهكذا. # للعقاد في هذه الفترة «مطالعات في الأدب والحياة» (1924م)، و«ساعات بين الكتب» (1929م) ~~وللمازني «حصاد الهشيم» (1924م) و«قبض الريح» (1927م) و«صندوق الدنيا» (1929م) وإن القارئ ~~ليدرك من مجرد المقارنة بين عنوانات الكتب عند الأول وعنوانات الكتب عند الثاني، أن هذين ~~الزميلين الصديقين، وإن يكونا قد اتفقا على الهدف (وهو الجمع بين الثقافتين) فقد اختلفا في ~~طريقة التناول: الأول جاد إلى درجة التزمت فكرا وأسلوبا، والثاني جاد في فكرته ساخر تملؤه ~~روح الفكاهة في طريقة عرضه، ولهيكل من ms008 أمثال هذه المجموعات الجامعة بين الثقافتين «في أوقات ~~الفراغ» (1925م) سبقه كتاب من جزأين عن جان جاك روسو (1921-1923م) أسهم به في إثراء الفكر ~~السياسي الذي صاحب الثورة السياسية، ليكون الفعل مقرونا بالنظر، وهو في طريقة كتابته وسط ~~بين العقاد والمازني، فهو لا يبلغ من الأسلوب العابس مبلغ العقاد، ولا من الأسلوب الضاحك ~~مبلغ المازني، ويكتفي بروح سمحة منبسطة الأسارير تسري بين أسطره. # وأما طه حسين فقد كانت طريقته في الجمع بين الثقافتين، أن يعالج موضوعا عربيا قديما ~~بأسلوب غربي جديد، وأن يكون مع الدعوة إلى العقل العلمي مرة، ومع الدعوة إلى وجدان القلب ~~مرة، فانظر إليه كيف فجر قنبلته الفكرية العقلانية سنة 1926م بكتابه عن الأدب الجاهلي، ليعود ~~سنة 1933م، فيصدر رائعته الأدبية «على هامش السيرة» فيقول في مقدمته: «أنا أعلم أن قوما ~~سيضيقون بهذا الكتاب؛ لأنهم محدثون يكبرون العقل، ولا يثقون إلا به، ولا يطمئنون إلا إليه، ~~وهم لذلك يضيقون بكثير من الأخبار والأحاديث التي لا يسيغها العقل ولا يرضاها ... وأحب أن ~~يعلم هؤلاء أن العقل ليس كل شيء، وأن للناس ملكات أخرى ليست أقل حاجة إلى الغذاء والرضى من ~~العقل.» # لا عجب أن رأينا النقاد من زملائه يتصدون له بالتحليل والمقارنة، فهذا هيكل يكتب فور صدور ~~«على هامش السيرة» فيقول: «إنه (أي طه حسين) إلى حين وضع كتابه هذا، كان من أولئك الذين ~~يكبرون العقل ولا يثقون إلا به، فهذا الكتاب تطور عظيم في نفسية طه وفي نظرته للحياة، تطور ~~واضح صارخ يكفي لتبيينه أن نقرأ معا مقدمتين: مقدمة «على هامش السيرة» ومقدمة «في الأدب ~~الجاهلي» ... إن بين «في الأدب الجاهلي» و«على هامش السيرة» موضعا للمقارنة، فكلاهما يتحدث ~~عن العصر الجاهلي الذي سبق مولد النبي عليه السلام، والذي عاصر هذا المولد، والكتاب الأول ~~يهدم ما جاءت به الأساطير عن الجاهلية، بل يهدم الكثير مما ينسب للجاهلية من شعر ونثر، ~~ويراه من وضع المتأخرين لأغراض دينية أو مخالفة للدين، والكتاب الأخير يجلو هذه الأساطير ~~وينمقها، ويرى في ذلك ms009 غذاء لما سوى العقل من ملكات الناس.» # تلك كانت طريقة طه حسين في الجمع بين الثقافتين، فهو «لم يتطور في نفسيته ولا في نظرته ~~للحياة» كما يعلل هيكل لهذا الجمع، بل إن الثقافتين كلتيهما قد اجتمعتا فيه على نحو يجسد ~~لنا في رجل واحد، ما كنا وما نزال نأمل أن نبلغه من وحدة ثقافية تجمع لنا الطرفين، ولعل ~~الدكتور محمد عوض محمد كان أصدق تصويرا في تعليقه على كتاب «على هامش السيرة» حين قال عن ~~طه حسين - بطريقته الفكهة: «إن ثقافته الحقيقية هي ثقافة أزهرية متينة قوية الأسس ... وأن ~~ليست ثقافة الغربيين ... إلا رواء وطلاء، إن يبهر العين منظره، فإنه لا يذهب إلى غور بعيد، ~~وقديما قال نابليون في الروس: إنك إذا حككت الروسي بدا لك التتري، وفي وسعنا أن نقول إذا ~~حككت طه حسين برفق، بدا لك الأزهري القح الصميم بكل ما تحمله هذه الكلمة من فضل ~~وعلم.» # ولو كان طه حسين حين كتب «على هامش السيرة» قد تطور في نفسيته وفي نظرته للحياة - كما قال ~~هيكل عنه - لما رأيناه بعد «على هامش السيرة» يعود مرة أخرى فيصدر كتابه الهام «مستقبل ~~الثقافة في مصر» (1939م) ليقول به للناس إنه لا بد لنا من الأخذ عن الأصول الثقافية ~~اليونانية، استمرارا لما كان آباؤنا الأقدمون قد فعلوا في نهضتهم الفكرية، حين طفقوا ~~ينقلون ثقافة اليونان العلمية والفلسفية بغير حرج ولا تردد، ولا نترك الحديث عن طه حسين في ~~هذا الموضع من المقال، دون أن نذكر ترجمة حياته الرائعة التي كتبها سنة 1929م بعنوان ~~«الأيام»، فجاءت هذه الترجمة الذاتية من أجمل الثمار الأدبية في تلك الفترة، التي اجتمعت ~~فيها روافد الثقافة كلها من شرق ومن غرب. # هكذا قضينا أعوام العقدين الثالث والرابع من هذا القرن، نمد ذراعا إلى تراثنا فنحييه، ~~وذراعا إلى الثقافة الأوروبية فننقلها، وإنه لجدير بالذكر في هذه المناسبة، أن نشير إلى عدد ~~من المجلات التي ظهرت عندئذ وشاعت شيوعا واسعا، وكانت من أفعل الأدوات الثقافية التي ~~هيأت النفوس والعقول ms010 لتقبل نهار جديد في تاريخنا الثقافي، ستظهر بوادره بعد الحرب العالمية ~~الثانية، ويبلغ النضج بعد ثورة 23 يوليو 1952م - وأما هذه المجلات التي نشير إليها، فهي ~~«السياسة الأسبوعية» التي كان يرأس تحريرها محمد حسين هيكل، و«البلاغ الأسبوعي» الذي كان ~~يكتب فيه العقاد، و«المجلة الجديدة» التي أصدرها وكان يرأس تحريرها سلامة موسى، و«الرسالة» ~~التي أصدرها، وكان يرأس تحريرها أحمد حسن الزيات و«الثقافة» التي كان يشرف عليها أحمد أمين، ~~وأصدرتها لجنة التأليف والترجمة والنشر، وهي لجنة تتألف من جماعة من رواد الثقافة الجديدة، ~~أنشئت سنة 1914م لتدل باسمها وبنوع جهودها على اتجاهات الحركة الثقافية في هذا القرن العشرين ~~كله، إذ هي حركة تقوم على «الترجمة» عن الفكر والأدب الأوروبيين، و«النشر» لذخائر التراث ~~القديم، لتخرجها إلى النور من خزائن الكتب، و«التأليف» الجديد الذي يحمل طابعنا الحديث بما ~~فيه من أصالة تستمد غذاءها من المادة المترجمة والمادة المنشورة على السواء. # لا أحسب الحركة الثقافية التي عاشتها مصر فيما بين الحربين، تحاول فيها الجمع بين ~~ثقافتين، لا أحسب تلك الحركة تتضح معالمها بأنصع ما تتضح به في أمثلة نسوقها لبعض الموضوعات ~~التي كانت تشتجر فيها الأقلام خلال تلك الفترة، خصوصا إذا تذكرنا حقيقة هامة جدا في هذا ~~الصدد، هي أن الكاتب الواحد قد يأخذ بهذا الرأي مرة وبذلك الرأي مرة أخرى، مما يدل على أن ~~فوران الآراء والمذاهب لم يأذن لأحد عندئذ بالاستقرار على فكرة واحدة أمدا طويلا، ما ~~دامت هذه الفكرة ماسة بأركان البناء الفكري الجديد الذي كان المصريون عندئذ في سبيل ~~إقامته، ومما يدل كذلك على إخلاص المفكرين حينئذ لبلوغ غايتهم في بعث الأمة بعثا فكريا ~~شاملا، إخلاصهم لذلك إخلاصا لم يسمحوا لأنفسهم معه أن يتعصبوا لفكرة أو لأخرى، إذا أثبت ~~تطور الأحداث خطأها وتعويقها لمجرى التاريخ. # وأول موضوع نسوقه مثلا للصراعات الفكرية في عشرينات هذا القرن وثلاثيناته، هذا الموضوع ~~الأساسي بالنسبة إلى إقامة البناء الثقافي الجديد: ما هي الأصول الأولى التي نرد المصريين ~~إليها؟ أهي أصول فرعونية أم هي أصول عربية لا ms011 نجاوزها إلى ما وراءها في التاريخ؟ وقد ناصر ~~الفرعونية سلامة موسى ومحمد حسين هيكل وغيرهما إلا أن هيكلا عاد فتبين وجه الخطأ فيما بدأ ~~بالدفاع عنه، فقد بدأ هيكل - بمناسبة صدور كتاب عن «قصص البردي» لعالم أثري عصري (1926م) - ~~بدأ هيكل في ربط الصلة بين مصر القديمة ومصر الحديثة مؤكدا أن بين الحالتين «اتصالا ~~نفسيا وثيقا ينساه كثيرون ويحسبون أن ما طرأ على مصر منذ عصور الفراعنة من تطورات في نظم ~~الحكم وفي العقائد الدينية وفي اللغة وفي غير ذلك من مقومات الحياة، قد فصل بين هذه الأمة ~~الحاضرة وبين الأمة المصرية القديمة، فصلا حاسما، جعلنا إلى العرب أو إلى الرومان أقرب ~~منا إلى أولئك الذين عمروا وادي النيل في ألوف السنين التي سبقت المسيحية.» # فيرد على هذه النزعة الفرعونية كتاب يؤمنون بأن جذورنا عربية، وبأنه من العبث أن نردها ~~إلى أبعد من ذلك في التاريخ، لتضل في متاهات القرون، ومن هؤلاء أحمد حسن الزيات حين قال: ~~«اشتهر بالرأي الفرعوني اثنان أو ثلاثة من رجال الجدل وساسة الكلام، فبسطوه في المقالات ... ~~حتى خال بنو الأعمام في العراق والشام أن الأمر جد، وأن الفكرة عقيدة وأن ثلاثة من الكتاب ~~أمة، وأن مصر - رأس البلاد العربية - قد جعلت المآذن مسلات، والمساجد معابد، والكنائس ~~هياكل، والعلماء كهنة.» وبعد أن يمضي الزيات بأسلوبه العربي البليغ في التهكم من الفكرة ~~الفرعونية وأصحابها يلخص الموقف بعبارة، فيقول: «وبعد، فإن ثقافتنا الحديثة إنما تقوم في ~~روحها على الإسلام والمسيحية، وفي آدابها على الآداب العربية والغربية، وفي علمها على ~~القرائح الأوروبية الخاصة، أما ثقافة البردي فليس يربطها بمصر العربية رباط، لا بالمسلمين ~~ولا بالأقباط.» ~~••• # ونسوق مثلا ثانيا للموضوعات التي اختلف فيها رجال الفكر في الفترة التي نحللها، وكيف ~~جاء اختلافهم في موضوع الخصائص الأصلية التي يتميز بها المصريون، وهل هي أقرب إلى خصائص ~~اليونان، أو إلى خصائص العرب، ومرة أخرى ننبه إلى نقطة هامة، وهي أن المتعارضين لم يثبتوا ~~على آرائهم فيما كانوا يعرضون بالرأي فيه، ومبادلة الرأي ms012 هذه المرة كانت بين توفيق الحكيم ~~وطه حسين، فيطرح الحكيم المشكلة بقوله: إنما الأمر الذي يحتاج إلى كلام هو معرفة مميزات ~~الفكر المصري، معرفة أنفسنا، حتى تتبين لجيلنا مهمته: هذه هي المسألة (وليلاحظ قارئ اليوم ~~أن هذه نفسها ما زالت هي المسألة المطروحة أمام المفكرين، وقد دنونا من ختام العقد السابع ~~من القرن العشرين) ... ويمضي الحكيم في حديثه ليؤكد أن الروح المصرية والروح العربية ~~مختلفتان، ولقد اختلطت إحداهما بالأخرى على نحو يصعب معه فصلهما، لنميز الواحدة من الأخرى، ~~لكن هذا الفصل أمر لا بد منه، إذا أردنا أن نتبين أنفسنا، ويعرض الحكيم تحليله هو على ~~قرائه، فيبين - أولا - أن دراسة الفن المصري والفن الإغريقي كفيلة بأن تبرز الفرق بين ~~العقليتين: «ما بال تماثيل الآدميين عند المصريين مستورة الأجساد، وعند الإغريق عارية ~~الأجساد؟ هذه الملاحظة الصغيرة تطوي تحتها الفرق كله، نعم، كل شيء مستتر خفي عند المصريين، ~~عار جلي عند الإغريق، كل شيء في مصر خفي كالروح، وكل شيء عند الإغريق عار كالمادة، كل ~~شيء عند المصريين مستتر كالنفس، وكل شيء عند الإغريق جلي كالمنطق، في مصر الروح والنفس، وفي ~~اليونان المادة والعقل»، وبعد هذه المقارنة يجري الحكيم مقارنة أخرى لتتم له المقدمات، ~~مقارنة بين اليونان والعرب، فيقول إن خط الإغريق مماثل لخط العرب: «كل تفكير العرب وكل فن ~~العرب في لذة الحس والمادة، عند الإغريق الحركة، أي الحياة، وعند العرب السرعة.» والخلاصة هي ~~أنه «من المستحيل أن نرى في الحضارة العربية كلها أي ميل لشئون الروح والفكر بالمعنى الذي ~~تفهمه مصر والهند من كلمتي الروح والفكر.» و«لا ريب عندي أن مصر والعرب طرفا نقيض: مصر هي ~~الروح، هي السكون، هي الاستقرار، هي البناء، والعرب هي المادة، هي السرعة، هي الطعن، هي ~~الزخرف، مقابلة عجيبة: مصر والعرب وجها الدرهم، وعنصرا الوجود، أي أدب عظيم يخرج من هذا ~~التلقيح؟ إني أتمنى للأدب المصري الحديث هذا المصير: زواج الروح بالمادة والسكون بالحركة، ~~والاستقرار بالقلق، والبناء بالزخرف.» # ويرد طه حسين على الحكيم، رافضا أن ms013 تنسب الروح المصرية إلى أصول تبعد بها عن العرب وعن ~~اليونان، ذلك أن الغوص بالروح المصرية الحديثة إلى الأصول الفرعونية مضطر إلى الضرب في ~~مجاهل التخمين، على أن النسبة إلى العرب أمر قائم مشهود: «نحن - إذن - أمام أمرين، أحدهما ~~عرضة للشك الشديد، لا تكاد تعرف منه شيئا، والآخر لا سبيل إلى الشك فيه، أحدهما حياة مصر ~~القديمة وحضارتها العقلية - إن صح هذا التعبير - والآخر حياة العرب وحضارتهم، فإلى أي ~~الأمرين نفزع لنقيم عليه بناء أدبنا الجديد؟ أإلى الشك أم إلى اليقين؟» ويمضي الدكتور طه ~~حسين في رده على الحكيم ليخلص إلى جوهر الموضوع، وهو: مم تتكون روح مصر منذ استعربت؟ ويجيب ~~بأنها تتكون من عناصر ثلاثة، أولها العنصر المصري الخالص الذي ورثناه من المصريين القدماء، ~~وثانيها هو العنصر العربي الذي يأتينا من اللغة ومن الدين ومن الحضارة، وثالثها هو العنصر ~~الأجنبي الذي أثر في الحياة المصرية دائما، والذي سيؤثر فيها دائما، وهو هذا الذي يأتيها ~~من اتصالها بالأمم المتحضرة في الشرق والغرب، جاءها من اليونان والرومان واليهود ~~والفينيقيين في العصر القديم، وجاءها من العرب والترك والفرنجة في القرون الوسطى، ويجيئها ~~من أوروبا وأمريكا في العصر الحديث (راجع مجلة الرسالة، أعداد شهر يونيو 1933م). # ونسوق مثلا ثالثا مما كان يدور فيه القول بين الأدباء والمفكرين في فترة ما بين ~~الحربين، موضوع القديم والجديد في تصور الناس للأدب، فهنالك من ينصرفون باهتمامهم إلى صقل ~~اللغة وتجويدها دون أن تكون هنالك الفكرة التي ينقلونها بتلك اللغة، وهؤلاء هم أنصار ~~القديم، وهنالك من يهتمون بالفكرة أول ما يهتمون، وهؤلاء هم أنصار الجديد - بتعبير أبناء ~~الفترة التي نعرضها هنا - ونستطيع أن نتخذ سلامة موسى مثلا متطرفا لفريق المجددين، ~~ومصطفى صادق الرافعي مثلا متطرفا لفريق المتشيعين للقديم. كتب سلامة موسى - مهاجما يقول: «أدباء الصنعة يكتبون وكل همهم محصور في تأليف استعارة ~~خلابة أو مجاز جميل، أو كناية بارعة، أو غير ذلك من الفقاقيع، فإذا أراد أحدهم أن يؤلف ~~كتابا أو يضع مقالة، لم يعن أقل عناية ms014 بالموضوع الذي يكتب فيه، وإنما يعمد إلى الفقاقيع، ~~فيؤلف منها عبارة خلابة، فيتوبل بها إنشاءه، أو يرصها رصا، وكثير ما يعجز أمثاله عن تأليف ~~عبارة من إنشائهم الخاص» ... وكتب كذلك في موضع آخر يقول: «في مصر وسوريا طبقة من الأدباء لها ~~عيون من خلف رءوسها، فإذا نظرت لم تر سوى الماضي ثم هي مع ذلك لا ترى كل الماضي، وهي لو ~~استطاعت أن تفعل ذلك، لكان لها من ذلك بصيرة بالحاضر والمستقبل، أجل، لو كانت هذه الطبقة ~~تنظر إلى الماضي خلال تلسكوب العلوم الحديثة لاستطاعت أن تقرأ لغة الطبيعة، وتدرك أن روح ~~العالم هي روح نشوء وتطور.» # ويرد الرافعي على هذا الهجوم، فيؤكد أن علته الحقيقية ترجع إلى التمكن من لغة العرب ~~وأدبهم، فمن لم يجد في حياته الفرصة لهذه الدراسة، وشاءت له ظروفه أن يدرس لغة أجنبية، راح ~~يتهم اتهامات مصدرها عجزه عن التعبير بلغة العرب، وهنا يتدخل الدكتور طه حسين، فيناصر سلامة ~~موسى بعض المناصرة، ويصحح الرافعي فيما ذهب إليه، فيقول: «نعتقد أن الأستاذ الرافعي يسرف في ~~هذا الحكم، ولعل مصدر إسرافه ... أنه أخطأ فهم ما يكتب أنصار المذاهب الغربية، وهو إنما أخطأ ~~الفهم لأنه أخطأ الذوق وإنما أخطأ الذوق لأنه أخطأ الفهم، إن بعض أنصار المذهب الجديد ... قد ~~أخذوا من اللغة العربية وآدابها بحظ لا بأس به، وإن قوتهم في اللغة الأجنبية وآدابها لم ~~تحملهم على أن يضيعوا حظهم في اللغة العربية وآدابها، إذن فانتصار هؤلاء لمذهب جديد ليس ~~ضعفا، وليس اعتذارا لأنفسهم وليس تعصبا للأدب الأجنبي الذي تفوقوا فيه.» # وهذا مثل رابع نقدمه لما كان يشغل الأدباء والمفكرين في مصر إبان الفترة التي نتحدث الآن ~~عنها - فترة ما بين الحربين - فلم يكن يكفي أن يختلف المختلفون على أي الثقافتين يجب علينا ~~الانتماء إليها في نهضتنا الأدبية: العربية القديمة أم الأوروبية الحديثة؟ بل حدث خلاف فرعي ~~بين أنصار الثقافة الأوروبية الحديثة أنفسهم، كان السؤال هذه المرة هو: أي الثقافتين ~~الأوروبيتين يجب الأخذ بها قبل أختها؟ أهي ثقافة ms015 اللاتين أم ثقافة السكسون؟ وبدأ الحوار في ~~هذا الموضوع بمقالة نشرها العقاد تعليقا على كتاب أصدره أنطون الجميل عن «شوقي شاعر ~~الأمراء»، فجاءت في هذا التعليق موازنة بين طريقة اللاتينيين في النقد الأدبي وطريقة ~~السكسونيين، خلاصتها أن الأولين ينقدون الأدب، وكأنهم يتحدثون حديثا ظريفا في صالون، وأن ~~الآخرين ينقدون الأدب نقدا موضوعيا يضرب في لباب الموضوع بغير اصطناع الظرف الاجتماعي ~~الواجب اصطناعه في ندوات الأصدقاء، وكان العقاد فيما كتب على اعتقاد بأن ثمة فرقا بين ~~الثقافتين ينبثق من الفرق بين المزاجين، وأن هذا الفرق واضح في مفكرينا وأدبائنا أنفسهم، ~~فمن درس منهم الثقافة اللاتينية وجدته أقرب إلى أن يكون مؤرخا للأدب أو شارحا له، ومن درس ~~منهم الثقافة السكسونية وجدته أقرب إلى أن يكون هو نفسه كاتبا أديبا أو شاعرا. # وهنا تصدى الدكتور طه حسين للرد والتصحيح، زاعما أن «ليس هناك نقد لاتيني ونقد سكسوني، ~~وإنما هناك نقد فحسب، نقد يعتمد على هذا الذوق الفني العالي الذي أحدثته الثقافة اليونانية ~~واللاتينية، وورثته عنهما الأمم الحديثة على اختلاف أجناسها وبيئاتها، فكل النقاد من ~~الفرنسيين والإيطاليين والألمانيين والإنجليز قد قرءوا آيات البيان اليوناني واللاتيني، ~~وذاقوا آيات الفن اليوناني والروماني لأنفسهم، أو كونت لهم هذه القراءة ذوقا عاما ~~مشتركا بينهم جميعا يختلف في ظاهره ولكنه لا يختلف في جوهره؛ لأن هذا الجوهر واحد مستمد من ~~هوميروس وبندار وسوفوكل وأرستوفان وأفلاطون.» # هكذا كنا في فترة ما بين الحربين، نحاول العثور على الجذور العميقة التي يمكن أن ننبت ~~منها شجرة الحياة المصرية الجديدة، نحاول ذلك في الشعر، وفي النقد الأدبي وفي الفكر النظري، ~~لكن هذه المحاولة جاوزت ذلك كله، جاوزته إلى مجال الخلق الأدبي الجديد في القصة والمسرحية، ~~فلئن كان الشعر صورة مألوفة في الأدب العربي منذ أقدم العصور فلم تكن القصة - بمعناها الفني ~~الحديث - ولا المسرحية مألوفتين معروفتين، فماذا لو أجرينا عليهما المحاولات، لنتخذ منهما ~~وسيلتين جديدتين في البحث عن أنفسنا؟ لقد بحثنا عن هذه النفس في القصيدة وفي المقالة، وبقي ~~أن نلجأ إلى ms016 طريقتين أخريين في التحليل والتجسيد، التحليل الذي يتعقب سلوك الناس إلى أصوله ~~الأولى، والتجسيد الذي يبلور روح المجموع في أشخاص يصورهم كاتب القصة أو كاتب ~~المسرحية. # وكانت أولى محاولاتنا الجادة في القصة - كما ذكرنا - هي «زينب» وهي القصة التي كتبها محمد ~~حسين هيكل في منتصف العقد الثاني من القرن، كتبها ليجسد فيها دعوة قاسم أمين إلى حرية ~~المرأة، وليعرض في حوادثها عيوب المجتمع التقليدي الذي يحول دون امرأة ورجل متحابين لا لشيء ~~إلا لأنهما من طبقتين متفاوتتين من حيث الغنى والفقر. # ونمضي إلى العقد الثالث من القرن، فنرى «المقالة» قد ملأت الفراغ الأدبي كله سواء في ذلك ~~المقالة السياسية التي اشتعلت حرارة من نار الثورة، والمقالة الأدبية والفكرية التي انتقل ~~إليها الخلاف السياسي المذهبي بين الكتاب ليصبح خلافا فكريا فلسفيا - حتى إذا ما بلغنا ~~أواخر العقد الثالث هذا، صادفتنا ألوان أدبية جديدة: صادفتنا «الأيام» للدكتور طه حسين، ~~و«عودة الروح» لتوفيق الحكيم، وبعض المسرحيات الشعرية لأحمد شوقي، وهي كلها - بمعنى من ~~المعاني - محاولات في سبيل العثور على حقيقة أنفسنا: أهي تغوص بنا إلى جذور فرعونية كما ~~يذهب توفيق الحكيم في عودة الروح؟ أم هي جمع بين الثقافة العربية الأصيلة والروح الغربية، ~~كما يتمثل هذا الجمع في ترجمة طه حسين لحياته، وفي مسرحيات شوقي الشرقية المضمون الغربية ~~الشكل؟ # لقد جاءت قصة «عودة الروح» في موضعها الزمني من تاريخنا الفكري الحديث، شاهدا قويا على ~~رغبة المصري - إذ يرى نفسه في دوامة التيارات الثقافية الوافدة إليه من كل صوب - في أن يثبت ~~ذاته إثباتا يجعلها «مصرية» خالصة تتميز بطابع خاص، وهي ذات تصارع الزمن لتخلد وتستعصي على ~~الفناء، ثم هي في هذا الصراع لا تجمد ولا تخمد إلا لكي تثور حين يظهر لها من أصلابها زعيم ~~قائد، ولئن جرت الأسطورة المصرية القديمة برواية عن إيزيس وكيف طفقت تجمع أوصال أخيها ~~أوزريس الممزقة المبعثرة حتى أعادته كائنا سويا تدب فيه الروح من جديد، فهكذا تجري ~~الحياة في مصر أبدا على مر التاريخ الطويل: يمزق أشلاءها ms017 من يمزق، لكن ذلك لا يطول طويلا ~~حتى يتولاها زعيم من أبنائها فيجمع شملها ويعيدها أمة سوية ممتلئة بدوافع الحياة. # ونمضي مع الزمن إلى العقد الرابع من هذا القرن - الثلاثينيات - لنجد أنفسنا أمام حصاد غني ~~من ثمار القريحة الأدبية في القصة والمسرحية، لكن المحاولة الرئيسية لم تزل هي هي، وأعني ~~محاولة البحث عن حقيقة أنفسنا فيما نحلله من شخصيات نصورها بوحي من الواقع الملموس، كل كاتب ~~بحسب استعداده وطريقته في الخلق الفني، فإذا كان توفيق الحكيم قد لمس الصراع العنيف بين ~~المصري وتيار الزمن، لمسه في قصته «عودة الروح»، فقد عاد إليه بصورة أصرح - وأقوى - في ~~مسرحيته «أهل الكهف» (1933م) التي بناها على القصة الواردة في الكتاب المقدس وفي القرآن ~~الكريم، إلا أن الكاتب هنا قد جعل فعل الزمن أقوى من عواطف الإنسان، فهؤلاء هم أهل الكهف ~~بعد أن استغرقوا في نوم طويل، أبعدهم عن مجرى الحوادث مئات السنين، عادوا إلى الحياة من ~~جديد، وانطلقوا يبحثون عما كان يربطهم بها من روابط: الوالد يبحث عن ولده فيعلم أنه مات منذ ~~قرن كامل، فلا يطيق العيش بعد أن انفصمت روابطه بالناس من حوله، وهذا حبيب يلتمس حبيبته، ~~فيلتقي بحفيدة لها، شبيهة بها، فيحسبها الحبيبة القديمة، ويحدث أن تحبه هذه الحفيدة، لكن ما ~~إن اكتشف كلاهما حقيقة الواقع، حتى تصعقهما هذه الحقيقة، فلا يحتملانها، وهكذا قل في ~~سائرهم، كل منهم تفجؤه الفجوة بين حقيقته هو، والحقيقة الخارجية فيؤثر الموت على حياة لا ~~روابط فيها بينه وبين أهلها. # إن كاتبنا المسرحي العظيم، يؤمن في أعماق نفسه بوجود قوة غيبية لا قبل للإنسان بردها، ~~فإن أوهمه خياله - أو أوهمه العقل المحدود - بأنه قادر على أن يفرض سلطانه، حدثت الفاجعة ~~ونزلت المأساة؛ ولذلك لا مفر للإنسان إذا أراد لنفسه عيشا سعيدا، من أن يحيا في ظل إيمانه ~~وعلى دفء عاطفته، وأن يحصر المعرفة العلمية في حدودها مهما ضاقت تلك الحدود، ولعل هذا هو ~~الفارق الرئيسي بين ما يسمى بالشرق وما يسمى بالغرب - في التقسيم الثقافي ms018 لمجموعات البشر - ~~وهو أن الغرب يدعي بعلمه العقلي أكثر مما يستطيع، وأكثر مما يوفر للحياة الإنسانية هناءتها، ~~وأما الشرق، فلو ترك لطبيعته، آثر أن يستمع إلى صوت وجدانه، حتى وإن لم يعد له بالعلم ~~الكثير من هذا الكون الكبير، وإذا شئت عبارة موجزة تلخص هذا الفارق بين الثقافتين، فقل إن ~~في الغرب علما وفي الشرق تصوفا، وإن التصوف أعلى مرتبة من العلم. # هذا وهو في مسرحية أخرى له، مسرحية «شهرزاد» يجعل بطلها شهريار يبلغ من المتعة الحسية ~~الجسدية أقصى مداها، لكنه بعد ذلك لم يسترح ولم يطمئن، يريد معرفة سر الكون، لكن هذا السر ~~يستغلق على فهمه العقلي، ولم يكن له بد - إذا أراد الوصول - من أن يلجأ إلى بصيرته التي ~~تنفذ به خلال العالم المنظور، وإلا فهذا العالم المنظور ضارب حوله بنطاقه، لا يجد له منه ~~مهربا، لو جعل أدواته هي الحواس التي تشتهي، والعقل الذي يفسر ... ومن هذه الزاوية نفسها - ~~زاوية الإيمان بقصور العقل والعلم، يكتب الحكيم قصة «عصفور من الشرق» ليرد بها على غرور ~~الغرب بعلمه وآلاته: «فماذا صنع لنا العلم؟ وماذا أفدنا منه؟ الآلات التي أتاحت لنا السرعة؟ ~~وماذا أفدنا من هذه السرعة؟ البطالة التي تلم بعمالنا، وإضاعة ما يزيد من وقت فراغنا فيما ~~لا ينفع» ... ولا نترك توفيق الحكيم في ثلاثينيات هذا القرن، دون أن نذكر كتابه «يوميات نائب ~~في الأرياف» الذي يقدم صورة نضرة للحياة في الريف المصري، ومدى ما كان يفصم أهل الريف عن ~~التشريعات والقوانين، فهم لا يفهمونها ولا يدركونها، وهي لا تراعي حقائق معاشهم ومدى ~~إدراكهم. # وظهرت في الثلاثينيات قصتان للصديقين المازني والعقاد، فقصة المازني عنوانها «إبراهيم ~~الكاتب» (1932م) وهي بمثابة ترجمة ذاتية للكاتب، تحلل ظاهرة الحب التي تربط بين الرجل ~~والمرأة، كما تشير إلى صفة رئيسية في الكاتب، وهي انحصاره في ذاته، وأما قصة العقاد ~~فعنوانها «سارة» (1938م) وهي - كزميلتها - تحليل لظاهرة الحب بين الرجل والمرأة، لكن التحليل ~~هنا مأخوذ من زاوية جديدة، هي الزاوية التي يكون فيها المحب عقلا ms019 كله، والحبيبة حيوية ~~جسدية كلها ... ترى هل شغل الكاتبان في قصتيهما هاتين بتحليل الحب، نتيجة لظفر المرأة بحريتها ~~عندئذ على نطاق ملحوظ؟ وبهذا تكون هاتان القصتان مكملتين - من حيث الوظيفة الاجتماعية التي ~~تؤديانها - لقصة «زينب» التي أخرجها هيكل سنة 1914م، فكلها تجسيد للنتائج التي تترتب على ~~دعوة قاسم أمين إلى حرية المرأة: في «زينب» لم تكن المرأة قد ظفرت من حريتها إلا بقبس ضئيل ~~يتيح لها أن تحب، دون أن تجهر بحبها، وفي «إبراهيم الكاتب» تتعدد المحبوبات للحبيب، وفي ~~«سارة» تلعب المحبوبة بعقل حبيبها، كأنما في هذا إشارة إلى أن الحرية للمرأة قد زادت على ~~حدها المأمول. # وتنشب الحرب العالمية الثانية سنة 1939م، لتدوم حتى سنة 1945م، فتكون نتيجتها على تيارنا ~~الفكري شبيهة من بعض الوجوه بنتيجة قيام الحرب العالمية الأولى 1914-1918م، ففي أعوام ~~الحرب الثانية - كما هي الحال في أعوام الحرب العالمية الأولى - ينطوي الكتاب على أنفسهم، ~~لكن انطواءهم هذه المرة كان معناه العودة إلى ماضي الأمة العربية يجترونه، ويحيون أبطاله ~~إحياء قد يقيم أمام الجيل الصاعد صورة مجدهم الذي لم يكن ينبغي لفيضان الثقافة الغربية أن ~~يطغى عليه، لقد رأينا خلال الصفحات السابقة كيف تلازم خطان ثقافيان في حياتنا، فسارا جنبا ~~إلى جنب، تكون الغلبة آنا لهذا الخط، وآنا آخر لذاك، وأعني بهما الثقافة العربية القديمة ~~في ناحية، والثقافة الغربية في كل عصورها، من اليونان فنازلا، في ناحية أخرى، وكثيرا ما ~~وفق رجال الفكر والأدب إلى ضفر هذين الخطين ليجعلا منهما كيانا واحدا كما هي الحال في بعض ~~أعمال العقاد، وفي طه حسين، وتوفيق الحكيم وغيرهم، لكن قيام الحرب جاء مذكرا لنا بوجوب ~~الجد عن أنفسنا، لنخلق لأنفسنا شخصية جديدة نستعد بها للحياة الجديدة التي لا بد أن ~~تتمخض عنها الحرب العالمية. # وفي سبيل هذا البحث، طفق كتابنا ينكتون الماضي وينقبون في حناياه وخفاياه ويرسمون لنا ~~صورا قوية مشرقة لأعلام ذلك الماضي ومواقفه: هذا هو العقاد يخرج سلسلة متعاقبة الحلقات من ~~«العبقريات» الإسلامية، فيخرج «عبقرية عمر» و«عبقرية الإمام» ms020 (على) سنة 1942م، و«عبقرية ~~محمد» و«عبقرية الصديق» (أبي بكر) سنة 1943م، ثم يتابع الحلقات حتى تشمل السلسلة عددا غير ~~قليل من شخصيات الإسلام في عصره الأول الزاهر، ويكتب محمد حسين هيكل عن أبي بكر وعن عمر من ~~خلفاء المسلمين، وكان قبل ذاك قد كتب عن محمد عليه السلام، ويكتب توفيق الحكيم عن محمد، ~~ويكتب كثيرون آخرون عن بطولات الإسلام، إما مقالات في المجلات الأدبية، أو كتبا كاملة ... ~~وسيظل هذا الاتجاه قائما في حياتنا الأدبية عبر الخمسينيات والستينيات، ليضيف طه حسين روائع ~~من روائعه عن صدر الإسلام متمثلا في تضحياته وبطولاته، ومما نذكره له في ذلك كتابه ~~«الشيخان». # وقد كانت التكملة الطبيعية لهذه العودة إلى الماضي في صور أبطاله ومواقفه، أن تنصرف بعض ~~الجهود إلى تحليل العقيدة الإسلامية نفسها، وفلسفتها، وإلى بحوث علمية في تأصيل الفكر ~~الإسلامي على اختلاف عصوره وأطواره، ففي تحليل العقيدة الإسلامية يصدر العقاد عددا من ~~الكتب ويكتب مقالات كثيرة، ومن أهم كتبه في ذلك: «الله، كتاب في نشأة العقيدة الإلهية» ~~(1947م) و«الفلسفة القرآنية» (1947م)، حتى إذا ما جاءت خمسينيات القرن، أكثر من تأليفه في هذا ~~الاتجاه، ومن أهم ما أخرجه «التفكير فريضة إسلامية» (1957م) و«حقائق الإسلام وأباطيل خصومه» ~~(1957م). # كثرت الدراسات الإسلامية والعربية فيما بعد الحرب العالمية الثانية، وتفسير ذلك - فيما ~~أظن - أنه كان تمهيدا قويا لولادة جديدة، تولد فيها أمة تتعرف على سماتها العربية ~~الإسلامية، بعد أن كادت تضيع هذه المعالم في غمرة النقل عن ثقافة الغرب، فإذا كان الكتاب ~~خلال العشرينيات والثلاثينيات، قد وجدوا أحيانا ما يبرر تساؤلهم: من نحن؟ أنحن فرعونيون أم ~~عرب؟ وما إلى هذه الأسئلة من أسئلة، فهم اليوم قد باتوا على يقين لا يفسح المجال حتى ~~للسؤال، هم اليوم على يقين من أنهم أمة عربية، أو هم بتعبير أدق جزء من الأمة العربية، التي ~~تربط أجزاءها روابط قوية من لغة ودين وتاريخ ومصير، إذن فلنحلل كل هذه الروابط في دراسات ~~علمية أحيانا، وفي مقالات شعبية أحيانا أخرى، نعم لنحلل عناصر الدين ms021 وعناصر اللغة وحوادث ~~التاريخ وأهداف المصير ... تلك كلها دراسات شغلتنا بعد الحرب الثانية. # وقد شغل الناس بموضوعين عن اللغة دارت حولهما معارك فكرية هادئة حينا عنيفة أحيانا، ~~أولهما هو: أنكتب بالعامية أم نكتب بالفصحى؟ وثانيهما: أنكتب بأحرف عربية أم نكتب بأحرف ~~لاتينية؟ فأما أول الموضوعين فما زال إلى هذه الساعة قائما تدور فيه المساجلات، يدافع عن ~~الكتابة العامية فريق يضع جماهير الشعب نصب عينيه، ويدافع عن الكتابة بالفصحى فريق آخر يجعل ~~الأولوية للوحدة العربية التي تقتضي أن يكون اللسان واحدا مفهوما في مصر والعراق وسوريا ~~وتونس والجزائر وسائر أقطار الأمة العربية، ذلك فضلا عن الحفاظ على التراث المشترك، ومنه ~~القرآن الكريم. # وأما ثاني الموضوعين فقد ثار في الأربعينيات حينا، ثم مات ولم تقم له بعد ذلك قيامة، وكان ~~بطل الكتابة بأحرف لاتينية عبد العزيز فهمي في تقرير قدمه سنة 1944م إلى المجمع اللغوي، ~~مبينا فيه صعوبة التعلم باللغة العربية كتابة وقراءة، ومستشهدا بما حدث في تركيا من ~~تسهيل في عملية التعلم نتيجة لاستخدامهم أحرفا لاتينية بدل الأحرف العربية التي كانوا من ~~قبل يستخدمونها في كتابة اللغة التركية، ثم اقترح طرائق مفصلة لتنفيذ اقتراحه. # لكن اقتراحا كهذا لم يكن ليمضي بغير معارضة شديدة من جهات كثيرة، في مصر وفي غيرها من ~~أقطار الأمة العربية، ومن المعارضين محمود محمد شاكر وكان مما احتج به قوله: «إن أول ~~التضليل في رسم العربية باللاتينية أن يضيع على القارئ تبين اشتقاق اللفظ الذي يقرؤه، فإذا ~~عسر عليه ذلك صار اللفظ عنده بمنزلة المجهول الذي لا نسب له ... نعم، وإذا ضل عن تبين ~~الاشتقاق والتصريف، فقد ضل عن العربية كلها؛ لأنها لم تبن إلا عليهما، وهي في هذه الوجهة ~~مخالفة لجميع اللغات التي تكتب بالحرف اللاتيني؛ لأن الاشتقاق والتصريف يعرضان لها من قبل ~~بناء الكلمة كلها حتى تختلف الحركات على كل حرف ... إلخ» وتعرض للرد غير هذا الكاتب كتاب ~~آخرون، كل منهم يقيم الحجة من زاوية معينة. # وربما كان من أبرز الملامح في حياتنا الثقافية في ms022 الأعوام التالية للحرب الثانية، ما أداه ~~أساتذة الفلسفة الجامعيون، وكان ذلك ذا شقين: أولهما تأصيل الفلسفة الإسلامية على أصول ~~إسلامية خالصة، بعد أن كان الظن أنها نقول وشروح من الفلسفة اليونانية وعليها، وثانيهما ~~إدخال تيارين معاصرين كنا بحاجة إليهما، هما الفلسفة الوجودية توكيدا للحرية، والوضعية ~~المنطقية توكيدا للطريقة العلمية في صياغة القول وفي فهمه على السواء. # فمن باب البحث في الفلسفة الإسلامية، أصدر الشيخ مصطفى عبد الرازق كتابه «تمهيد لتاريخ ~~الفلسفة الإسلامية» (1944م) الذي وقف فيه وقفة العالم المحايد، فهو يختفي وراء نصوصه اختفاء ~~من لا يريد أن يكون له ميل مرجح سوى ما توجبه النصوص، فالكتاب يشتمل على بيان لمنازع ~~الغربيين والإسلاميين ومناهجهم في دراسة الفلسفة، فالباحثون الغربيون في طريقة عرضهم ~~للموضوع تراهم وكأنما يقصدون إلى القول بأن في الفلسفة الإسلامية عناصر أجنبية، ثم يأخذون ~~في رد تلك العناصر إلى مصادرها غير العربية وغير الإسلامية، موضحين أثرها الذي يرونه فعالا ~~في توجيه الفكر الإسلامي، وأما الباحثون الإسلاميون فيغلب عليهم أن يزنوا الفلسفة بميزان ~~الدين، لكن مؤلف «التمهيد» يتخذ لنفسه منهجا آخر في درسه لتاريخ الفلسفة الإسلامية، إذ هو ~~يتوخى الرجوع إلى النظر العقلي الإسلامي في سذاجته الأولى، وتتبع مدارجه في ثنايا العصور، ~~وأسرار تطوره والنتيجة العامة التي ينتهي إليها هذا الكتاب هي أن للمسلمين فلسفة خاصة بهم، ~~مطبوعة بطابعهم، لها بداياتها البسيطة وأدوار نموها وازدهارها - وهي نتيجة كونت مدرسة ~~بأسرها في البحث الفلسفي منذ ظهر هذا الكتاب وإلى يومنا هذا. # وأما التياران المعاصران اللذان أدخلا في حياتنا الثقافية، فهما - كما ذكرنا - الوجودية، ~~والوضعية المنطقية، الأولى لتكون فلسفة حياة، والثانية لتكون فلسفة علم، وكانت حياتنا ~~الفكرية بحاجة إلى الفلسفتين؛ ولذلك أحدث هذان التياران أصداء متفاوتة القوة، فهنا مؤيد ~~وهناك معارض، وكان أهم من قدم لنا الوجودية من زاوية جديدة، هو عبد الرحمن بدوي في كتابه ~~«الزمان الوجودي» (1944م) وأهم من قدم الوضعية المنطقية بتطبيق عربي هو زكي نجيب محمود في ~~كتابه «المنطق الوضعي» (1951م) وكتابه «خرافة الميتافيزيقا» (1953م). # إن العوامل ms023 المختلفة التي أخذت تعتمل في الثقافة العربية في مصر، منذ أواخر القرن الماضي، ~~والتي ما انفكت منذ ذلك التاريخ توسع من نطاق فعلها، فكلما امتدت إلى جانب من جوانب الحياة، ~~جاوزته إلى جانب آخر: فمن مطالبة بالحرية السياسية، إلى مطالبة بالحرية الفكرية، وبالحرية ~~الاجتماعية، أقول إن هذه العوامل المختلفة كلها، كانت طوال هذه الفترة تعمل في أنفس الكتاب ~~والمفكرين، باحثة عن شخصية عربية جديدة، تحافظ على تراث الماضي، وتضيف إليه عناصر الحاضر، ~~وكان لهذا البحث عن ذات جديدة تولد من رماد التخلف ومن أغلال المستبدين والمستعمرين، كان ~~لهذا البحث عن ذات جديدة، لحظات مشهودة، حفزتها على سرعة الحركة وحيوية النشاط: الثورة ~~السياسية سنة 1919م، وحرب فلسطين سنة 1948م على أثر إعلان الأمم المتحدة لقيام إسرائيل ~~اغتصابا من الشعب العربي، ودع عنك قيام حربين عالميتين، شبت في ختام الأولى منهما ثورة ~~سياسية تطالب بالاستقلال عن إنجلترا، وتخمرت في ختام الثانية منهما خمائر ثورة اجتماعية - تهمس ألسنتها أول الأمر، ثم تجهر - مطالبة للشعب كله - لا للفئة المحظوظة وحدها - بحق العيش ~~وحق المشاركة الفعلية في الحياة على أرضه، ولم يكن حريق القاهرة في 26 يناير 1952م إلا ~~اندلاعا لروح الغضب الكامن في الصدور، ثم جاءت ثورة 23 يوليو 1952م لتحول غضبة الغاضب إلى ~~سلوك يغير الحياة الفاسدة، ويستبدل بها أوضاعا جديدة، تحقق له الآمال التي ظلت تتراكم على ~~أقلام الكتاب وفي أذهان المفكرين. # كان الهدف الواضح الظاهر لشتى مظاهر الفكر المصري والأدب المصري هو خلق روح مصرية ~~جديدة، تتسم بطابع مميز، فلما أن نشبت الحرب العالمية الثانية، وبلغت ختامها سنة 1945م، أخذ ~~هذا الطابع المميز المنشود يتطلع إلى أفق أوسع، لا يقتصر أمره على أصحاب الحياة العلمية ~~وحدهم - أعني علية المثقفين - بل يتعداهم إلى شيء يصلح أن يتسع ليشمل الشعب كله، ثم لما ~~قامت الحرب الفلسطينية بين البلاد العربية وإسرائيل سنة 1948م، كان ذلك بمثابة أن تتحدد ~~معالم الهدف الجديد للفكر، وللأدب، وللسياسة، ولكل وجه من أوجه النشاط الذهني، وهو أن يعمل ~~العاملون ms024 وأن يفكر المفكرون، وأن يتغنى الشعراء بوحدة عربية وقومية عربية، تكون مصر جزءا ~~منها. # أخذت خيوط كثيرة تتجمع، بعد أن هدأت نيران الحرب العالمية الثانية، تشير كلها إلى وجوب ~~تغير الأوضاع من أساسها، طه حسين يكتب عن «المعذبين في الأرض» كما يكتب سواه في نفس الاتجاه، ~~إرهاصا لثورة اجتماعية اقتصادية، وخالد محمد خالد يكتب «من هنا نبدأ» و«مواطنون لا رعايا» ~~فتحدث كتاباته أثرا في رقعة واسعة من القراء؛ لأنه يلجأ إلى طريقة في الكتابة تجمع في يد ~~واحدة ثنائية الثقافة الدينية التي كانت معتزلة وراء جدران الأزهر إلى حد كبير، والثقافة ~~السياسية الاجتماعية الجديدة، هادفا إلى خلق العربي المسلم الحر المعاصر في آن معا، ويحيى ~~حقي يكتب «قنديل أم هاشم» ليؤكد ضرورة العودة إلى تربة الثقافة العربية الإسلامية، حتى وإن ~~أوغل المغترب في العلم الأوروبي، ومحمد فريد أبو حديد - منذ العشرينيات والثلاثينيات - يكتب ~~بروحه السمحة وقلمه الهادئ ليشيع فينا نفحة التجديد الذي يقيم بنيانه على أسس الثقافة ~~العربية الإسلامية الأصيلة ... خيوط أخذت كلها تتجمع لتلتقي في عزيمة واحدة، تنتظر الجذوة ~~التي تشعلها فتحركها إلى عمل ثوري يقلب التربة قلبا، ليبذر بذورا جديدة، لتنبت لنا نباتا ~~جديدا، وكانت هذه الجذوة هي ثورة 23 يوليو 1952م، التي سرعان ما أصبحت هي الثورة الأم، التي ~~تلد ثورات متتابعة رأسية وأفقية، رأسية تتناول أوضاع الحياة في مصر، وأفقية تتسع لتشب في ~~سائر أجزاء الأمة العربية. # لقد مست روح الثورة جوانب الحياة الفكرية والأدبية جميعا، وعلى صور إن تفاوتت قوتها في ~~المجالات المختلفة، فهي روح منبثقة عن توكيدنا للذات العربية في مجتمع اشتراكي يضمن للإنسان ~~كرامته مهما كان العمل الذي يؤديه، ومهما كانت درجته من الفقر أو الغنى، نعم لقد كانت ~~الخيوط الفكرية كلها - كما قلنا - تتجمع نحو هذا الهدف خلال أعوام القرن العشرين كلها، لكن ~~ثورة 1952م جاءت لتبدأ في حياتنا الفكرية طورا ثوريا، يستخدم كل عوامل الماضي، لينهض ~~بتغيير شامل. # ونستعرض صنوف الفكر والأدب خلال هذه الأعوام الثائرة، فنرى إلى أي حد تغلغلت ms025 الثورة في ~~أعماق المفكرين والأدباء، استجابة - ومشاركة في الريادة - للحركة التي شملت الشعب ~~بأسره. # ففي الشعر، بلغت البدايات الجديدة التي كان أبو حديد قد بدأها حين حاول أن يجرب الشعر ~~المرسل، الذي يحتفظ بالوزن ويتخفف من القافية، أقول إن هذه البدايات، قد بلغت الآن أوجها، ~~على أيدي نفر من الشعراء الذين أرادوا أن يفاجئونا بالجديد، في الشكل وفي المضمون معا، ~~فأما الشكل، فقد نفضوا عن أنفسهم التقليد السائد، الذي يحتم أن يجيء الوزن على صورة بعينها، ~~وأن تكون للقافية شروط تجب مراعاتها، ثم لم يكفهم هذا، فثاروا على المضمونات التقليدية التي ~~لبث الشعراء يدورون فيها مئات السنين، منذ العصر الجاهلي وإلى يومنا، حتى لقد اجترأ كاتب ~~مفكر خلال الأربعينيات هو أحمد أمين، مؤلف المجموعة المشهورة التي أرخت للفكر العربي، والتي ~~صدرت بعض أجزائها في الثلاثينيات، وأعني بها «فجر الإسلام» و«ظهر الإسلام» - أقول إن هذا ~~الكاتب المفكر كان قد اجترأ فأعلن في سلسلة مقالات - نشرها في مجلة الثقافة التي كان يشرف ~~على تحريرها، ثم جمعها مع غيرها في مجموعة مقالاته «فيض الخاطر» - أعلن أن الأدب الجاهلي قد ~~جنى على الشعر العربي جناية كبرى، حين حدد له مرة وإلى الأبد - أو ما ظنه أنه باق إلى الأبد ~~- شكلا بعينه للشعر، بل ومعاني بعينها يدور حولها الشعراء، وأن الثورة قد أصبحت واجبة على ~~الشعراء المحدثين، وها هم أولاء الشعراء المحدثون قد سنحت لهم الفرصة فثاروا على الشعر ~~التقليدي شكلا ومضمونا وكان على رأس هؤلاء - في مصر - صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي ~~حجازي، لكنه مما يلفت النظر أنه إلى جانب الصور الجديدة الثائرة في شكلها وفي مضمونها، بقيت ~~صور أخرى من الشعر، تكتفي بالثورة في المضمون الشعري، لكنها تحافظ على الشكل القديم، وترى ~~أن الوعاء القديم ما زال صالحا ليصب فيه الشراب الجديد. # وإن هذا التوازن ليظهر كذلك في التأليف المسرحي خلال أعوام الثورة، أعني أنك تجد من أدباء ~~المسرح من حطم الصورة الشكلية التقليدية للبناء المسرحي، فجاء جديدا في المضمون والشكل ~~معا، ms026 كما تجد إلى جانبهم فئة أخرى، تثور في المضمون لكنها تحافظ على الشكل التقليدي ~~القديم، بل وتجد إلى جانب هؤلاء وأولئك جماعة ما زالت تكتب كما كان يكتب أدباء العشرينيات، ~~أسلوبا ومضمونا، فالشاعر المسرحي عزيز أباظة يتابع إخراج مسرحياته الشعرية على نحو ما كان ~~يؤلف أحمد شوقي مسرحياته: مضمون يغلب عليه أن يكون من التاريخ العربي، وشكل يحافظ على الوزن ~~والقافية التقليديين، والكاتب المسرحي العظيم توفيق الحكيم - الذي امتد إنتاجه الأدبي منذ ~~العشرينيات، لم يفتر - ما زال كأول عهده، يختار البناء الكلاسيكي للمسرحية، وإن يكن قد ~~مال بالمضمون نحو المعاني الاشتراكية الجديدة، هذا إذا استثنينا محاولات جزئية يحاولها آنا ~~بعد آن، ليجرب قلمه وذهنه في الاتجاهات المسرحية الجديدة، فيكتب حينا في الأدب اللامعقول ~~مسرحية يجاري بها أهل هذا المجال، ويكتب حينا آخر شيئا يسميه جمعا بين المسرحية ~~والرواية، وهكذا، أما عبد الرحمن الشرقاوي فيكتب مسرحيات شعرية في موضوعات تساير الثورة ~~السياسية في أهدافها لكنه يتخفف في شعره من قيود القافية، وإن ظل محتفظا بالوزن الشعري ~~كما عرفه التقليد العربي. # لكن الأدب المسرحي لم يلبث أن تفجر عن فئة ثائرة ممعنة في ثورتها، أرادت أن يكون مسرحنا ~~مسرحا عربيا أصيلا، يستوحي طابعنا المحلي الخاص، فاللغة في الحوار هي العامية لا ~~الفصحى، وتتابع المناظر والفصول يجري على نسق مبتكر، بل وخشبة المسرح نفسها تعرضت للتبديل ~~والتغيير، نذكر من هؤلاء «رشاد رشدي» و«نعمان عاشور» و«يوسف إدريس» و«لطفي الخولي» و«ألفريد ~~فرج» و«سعد الدين وهبة»، ولنلاحظ عن معظم هؤلاء أنهم ممن أسهموا في أكثر من مجال أدبي، ~~فمنهم من كتب القصة إلى جانب المسرحية (مثل يوسف إدريس)، ومنهم من أسس في حركة النقد الأدبي ~~كذلك (مثل رشاد رشدي)، وهم فوق هذا وهذا ممن يشتركون بأقلامهم في الصحافة اليومية، بما يغلب ~~عليها من طابع سياسي يتابع الأحداث الجارية. # وأما القصة فقد كانت في أدبنا الحديث منذ أول القرن، وبلغت أشواطا لا بأس بها على أيدي ~~هيكل في «زينب» و«هكذا خلقت» و«المازني» في «إبراهيم الكاتب» والعقاد في ms027 «سارة» ومحمود ~~تيمور في «سلوى في مهب الريح» - وكلهم ممن غلبت فيه الثقافة الفكرية العقلية على أدبه، ~~فجاءت قصصهم تحليلا لأفكار - وخصوصا فكرة الحب، وبعض العلاقات الاجتماعية الأخرى - ثم ~~ظهرت بعدهم جماعة أخرى تكتب القصة كتابة تسودها التلقائية وعدم إطالة التفكير العقلي؛ وذلك ~~لأن الطبع القصصي عندهم أعمق وآصل، ولكنهم برواية الأحداث والتزامهم الواقع كما يقع، أكثر ~~اهتماما منهم بتحليل الأفكار والأشخاص؛ ولهذا كانت قصصهم أقرب إلى نفوس القراء الذين ~~يريدون المتعة الأدبية وحدها ولا يصبرون على جهد يبذلونه في أدب أنشأه صاحبه بعد إعمال ~~الفكر وعناية باللغة، ومن هذه المجموعة الثانية «يوسف السباعي» و«إحسان عبد القدوس» و«محمد ~~عبد الحليم عبد الله» و«يوسف غراب» - فلما قامت ثورة يوليو 1952م، ولبثت ماضية في طريقها ~~الثوري ظل هؤلاء الكتاب يكتبون، بعد أن مالوا بمضمونهم الأدبي نحو الفكر الاشتراكي الجديد، ~~ونحو إبراز المفارقات التي كانت تفسد حياتنا قبل الثورة، لكنهم - مع تجديدهم في المضمون، ~~ومسايرتهم للروح الثورية - ما زالوا يحافظون على الأسلوب الذي بدءوا الكتابة به منذ ~~بدءوا. # ويقف وحده في ميدان القصة «نجيب محفوظ» الذي بدأ إنتاجه القصصي منذ أواخر الثلاثينيات، وظل ~~يواصل الكتابة، التي استهدف بها دائما تصوير الطبقة الوسطى الطامحة إلى التشبه بالطبقة ~~الممتازة، حتى قامت ثورة 1952م، وعندئذ طفر بفنه طفرة عالية، إذ وسع من منظوره الفني توسعة ~~استطاع بها أن ينظر إلى تاريخنا القومي الحديث كله، وكأنه ينظر إلى مشهد واحد، وطفق يصوره ~~تصويرا بارعا فيه حيوية وبناء أدبي محكم، ومن خير الأمثلة لفنه الجديد ثلاثية صور بها ~~ثلاثة أجيال تتابعت في أسرة واحدة منذ ثورة 1919م، ليبرز في تطورها خلال الوالد والولد ~~والحفيد، معالم تطورنا جميعا في عصرنا الثوري الحديث. # ونترك ميدان الأدب، لننظر فيما صاحبه من نقد أدبي، فنجد هنا المدارس تتتابع منذ العشرينيات ~~حتى يومنا هذا، تتابعا يدل بذاته على معالم التغير في وجهات النظر فبعد أن تولى النقد ~~أدباء ما قبل الثورة: طه حسين، والعقاد، والمازني وغيرهم، ينقدون وكأنما في خلفية رءوسهم ~~عقيدة بأن ms028 الأدب إنما يكتب على أسس أدبية فنية صرف، نحاسب الأديب عليها دون أن نطالبه بأن ~~يكون على رأي معين في موضوع بعينه، فليكن مذهبه السياسي ما يكون، ولتكن ميوله الاجتماعية ما ~~شاء لها أن تكون، وليضع أية عقيدة أراد في أدبه، لكنه مطالب بتجويد فنه الأدبي، ثم هم بعد ~~ذلك يختلفون في الأساس الذي يحكمون به على جودة هذا الفن الأدبي: أيكون هو نجاح القطعة ~~الأدبية في التغلغل بنا إلى أعماق نفس كاتبها؟ أم يكون هو نجاحها في تصوير عصرها؟ أقول إنه ~~بعد أن كان النقد عند أدباء ما قبل الثورة قائما على أسس كهذه، جاءت الثورة فتبعها تبدل في ~~الموقف النقدي، إذ أخذت المذهبية الاجتماعية والسياسية (الأيديولوجية) شيئا فشيئا تحتل ~~مكانتها كأساس للنقد، ينظر إليها قبل أن ينظر إلى أي شيء سواها، فإذا وجدت القطعة الأدبية ~~هادفة نحو تحقيق آمال المجتمع في طوره الاشتراكي الجديد، نظرنا بعد ذلك في شكلها وأسلوبها ~~وغير ذلك، وأما إذا وجدت غير هادفة على هذا النحو، كان من العبث وضياع الوقت والجهد أن ~~نناقشها من جوانبها الفنية الأخرى، وكان من أبرز من أقاموا هذا النقد الأيديولوجي في ~~الأعوام الأخيرة «محمد مندور» وما يزال يجري عليه نقاد آخرون مثل «محمود أمين العالم»، على ~~أن المعارك النقدية ما زالت تظهر في محيطنا الأدبي حينا بعد حين، بين نقاد يؤكدون أهمية ~~«الشكل» في القطعة الأدبية، بغض النظر عن موضوعها، وآخرين يؤكدون أولوية «الموضوع» وإلا فلو ~~خلت الكتابة من موضوع يمس مشكلات الحياة الواقعة، كانت عبثا ولهوا، وهنالك نقاد يقفون في ~~نقدهم عند التقويم الفني المشبع بقراءات عريضة وثقافات متنوعة، مثل لويس عوض. # وإن الحديث عن النقد الأدبي، ليجرنا إلى الحديث عن «الفكر» بصفة عامة، فها هنا كذلك نجد ~~الأمزجة كلها متجاورة - وإن لم تكن متآلفة - فثمة من الدارسين - من أساتذة الجامعة بصفة ~~خاصة - من يعكف على دراسة القديم أو الجديد، كل بحسب ميدان تخصصه، ليخرج للناس بحوثه في ~~كتب أو في مقالات أكاديمية، أو على الأقل مطبوعة ms029 بطابع الجد الرصين، ومن أمثلة هؤلاء في ~~مجال الدراسة الأدبية «شوقي ضيف» الذي ينصرف بجهوده نحو التأريخ للأدب العربي من أقدم قديمه ~~إلى أحدث حديثه، و«سهير القلماوي » التي استطاعت بسعة أفقها وطلاوة حديثها أن توصل أعلى ~~المستويات الثقافية إلى جمهور القراء في أسلوب رفيع وبطريقة جذابة، ومن هؤلاء أيضا مدرسة ~~أدبية تجعل شعارها «الأدب للحياة» - سواء جاءت ثمارهم مطابقة تمام المطابقة لشعارهم هذا أو ~~لم تجئ - وكان على رأس هذه المدرسة «أمين الخولي» و«عائشة عبد الرحمن» التي تعرف عند ~~القراء باسم «بنت الشاطئ» وهي في مرحلتها الأخيرة أميل إلى إحياء القيم العليا من جوف ~~التراث؛ ابتغاء وصلها الجديد بالقديم. # وفي ميدان الفكر النظري، دراسات مختلفة المنزع تصدر تباعا في شتى الفروع، لكن ما يلفت ~~النظر منها هو الدراسات الخاصة بالمفهومات الاشتراكية، التي قد تضيق حتى تتناول مفهوما ~~واحدا بالشرح والتحليل، وقد تتسع حتى تشمل النظرية الاشتراكية كلها في صورتها العربية، ~~ولو أردنا أن نلتمس موضعا واحدا يلخص لنا صفوة فكرنا الاشتراكي الجديد، لما وجدنا خيرا ~~من «الميثاق» الذي صدر سنة 1962م عن مؤتمر وطني كبير، ليكون بمثابة خطة للعمل القومي السياسي ~~إلى حين. # على أن صورة الحياة الثقافية في مصر المعاصرة لا تكمل إلا بذكر جهود متفرقة كثيرة، تكون ~~الروافد التي تمد التيار الرئيسي الكبير، كل بحسب منبعه ومورده: فهنالك من ينقل إلينا ثقافة ~~الغرب - إما بالترجمة وإما بالأصالة الشخصية - نقلا يتسم بالتأييد المتحمس لها، وعلى رأس ~~هؤلاء الدكتور حسين فوزي، وأشهر كتبه «سندباد عصري» الذي يجمع في دراسته بين العلم والأدب، ~~وهنالك من يفكر في مشكلات ثقافية يختارها لنفسه، تفكيرا مستقلا أصيلا، لا يبالي أجاء ~~مصطبغا بتأييد العربي القديم أو الغربي الجديد، مثل «الدكتور محمد كامل حسين» - ومن خير ما ~~كتب قصة «قرية ظالمة» الذي يجمع هو الآخر بين الدراسة العلمية والأدبية، هنالك المؤرخ الذي ~~أخذ نفسه بالتأريخ لبلادنا في عصورها الحديثة تاريخا مفصلا، تسري فيه الروح الوطنية التي ~~تبرز صورة قومه مبرأة من الشوائب التي أدخلها عليها مؤرخون ms030 آخرون لم يكتبوا بروح الإنصاف، ~~مثل «عبد الرحمن الرافعي»، وهنالك عشرات الباحثين توفروا على نشر النصوص القديمة وتحقيقها، ~~ومئات المترجمين الذين ينقلون عن أوروبا وأمريكا ما ينتجانه حتى ليتابعوا الحركة الفكرية ~~هناك خطوة خطوة - وهنالك عدد ليس بقليل ممن جعلوا همهم جمع الأدب الشعبي والفن الشعبي في ~~مختلف صوره، وصب هذه الصور في سياق متسق من شأنه أن يوضح جانبا هاما من الروح المصرية ~~العربية الأصيلة التي لا غنى عن توضيحها إذا أردنا - كما نحن مريدون منذ أول القرن - أن ~~نبحث عن حقيقة أنفسنا، ويتزعم هذه الحركة «عبد الحميد يونس» الذي أنشئ له كرسي جامعي ليتولى ~~تدعيم الدراسة الفولكلورية على أسس أكاديمية قوية، ولقد أخذت هذه الآثار الشعبية في الأدب ~~والفن، تسري في كثير من الخلق الأدبي في القصة والمسرحية والشعر. # إنه لو جاز لنا أن نلخص تيارات الفكر والأدب المعاصرة في مصر، في عبارة واحدة، قلنا إنها ~~جميعا محاولات نحو خلق شخصية عربية جديدة، تحمل طابعا مميزا، تجتمع فيه قيم الماضي ~~العريق، وقيم الحاضر المتطور، طابعا يتسم بالإرادة الحرة، وبالنظرة العلمية، ينقل عن تراث ~~الآباء قيمه العليا، وعن الحضارة القائمة علومها وصناعتها وتياراتها الفكرية والفنية، ثم ~~يتمثل ذلك التراث وهذه الحضارة، تمثلا ينتهي إلى أصالة وابتكار. # | حركة المقاومة في الأدب العربي الحديث # لم يكد المستعمر البريطاني يمس الأرض العربية في مصر (1882م) حتى انعكس حضوره على الأدب في ~~صور شتى من المقاومة، يمكن تقسيمها من حيث الصفة الغالبة عليها مراحل ثلاثا، كان للمقاومة ~~في كل مرحلة منها خاصة مميزة، أما المرحلة الأولى فقد امتدت من لحظة الاحتلال إلى نهاية ~~الحرب العالمية الأولى، جاءت المقاومة خلالها تنبيها مباشرا للناس أن يستيقظوا للخطر ~~الداهم، الذي أحاق بالوطن وبالعقيدة، وأما المرحلة الثانية فقد امتدت خلال فترة ما بين ~~الحربين، وفيها أضيفت إلى الأدب السياسي المباشر، الذي اشتعل بالدعوة إلى الحرية والاستقلال ~~عقب الثورة الوطنية عام 1919م، أقول إنه قد أضيفت إلى هذا الأدب السياسي المباشر خلال ~~المرحلة الثانية بحوث في الحرية من ms031 حيث هي كذلك، كائنة ما كانت جوانبها وميادينها، وسرعان ~~ما ألحقت بهذه البحوث النظرية، سير لأبطال الحرية تجسد للناس معانيها في رجال عاشوها، ~~وقد اختير هؤلاء الأبطال من الغرب تارة ومن التاريخ العربي تارة، ثم جاءت المرحلة الثالثة ~~لتمتد من الحرب العالمية الثانية إلى يومنا هذا، منقسمة شطرين: في أولهما كان الاستعمار ~~عسكريا سافرا، وفي ثانيهما أخذ يتسلل في خفاء إلى حياتنا الفكرية بغير جند ولا سلاح، على ~~أن المقاومة - كما انعكست في الأدب - خلال هذه الفترة الثالثة بشطريها، قد اتسمت بطابع واحد ~~متصل، هو طابع إيجابي بالقياس إلى الطابع السلبي الذي ميز المرحلتين الأوليين، إذ اتخذت ~~المقاومة هذه المرة طريق البناء لثقافة جديدة، تحمل خصائصنا القومية الأصيلة، وتفتح أبوابها - في الوقت نفسه الحياة، ولا حياة إلا بك يا - لعوامل التطور الحضاري الحديث، وذلك رغبة منا في تقرير ذواتنا، وتحصين ~~وجودنا الشخصي المتميز الفريد. # ولم يكن الأدب العربي في مصر، خلال هذه المراحل الثلاث جميعا، ليقصر مقاومته على أرض مصر ~~وحدها، منزوعة من الوطن العربي الكبير، أو معزولة عن حركات التحرر التي أخذ مداها يتسع في ~~أرجاء مختلفة من آسيا وإفريقيا، بل كانت الأمة العربية بأسرها هي مجال الكتابة عند ~~الكاتبين، كما كانت البلاد الإسلامية، وكل بلاد أخرى تطالب بحريتها من مستعمر غاصب، موضوعا ~~لا يغيب عن سياق الحديث، كلما مس الحديث قضايا التحرر الوطني. # احتل الإنجليز أرض مصر، فرحل عنها جمال الدين الأفغاني، ونفي الشيخ محمد عبده، ثم ما لبث ~~القطبان أن التقيا معا في باريس، ليصدرا جريدة العروة الوثقى، ناطقة بالدعوة إلى مقاومة ~~الموجة الاستعمارية العارمة، التي أخذت تطغى على أقطار الشرق بعامة، وإلى تحرير مصر من ~~الاحتلال البريطاني بصفة خاصة، وإن القارئ ليطالع على صفحات الأعداد الثمانية عشر التي صدرت ~~من العروة الوثقى - وقد صدر عددها الأول قبل أن ينقضي على الاحتلال البريطاني عامان - ~~صيحات قوية تنبه من غفا، وتوقظ من استنام: «إننا لو نادينا الغافلين أن انتبهوا، والنائمين ~~أن استيقظوا، واللاهين بحظوظهم أو أمانيهم وأوهامهم أن ms032 التفتوا، ولو أنذرنا أهل مصر بأن ~~الإنجليز لو ثبتت أقدامهم في ديارهم، لحاسبوا الناس على هواجس أنفسهم، وخطرات قلوبهم، بل ~~على استعداد عقولهم لما عساه يخطر ببالهم، لقال الناس إننا نبالغ في الإنذار ونغرق في ~~التحذير» (العدد الخامس من العروة الوثقى). # وحسب القارئ أن يقرأ المقالة الأولى من العدد الأول - وكان عنوانها «مصر» - ليرى بأي ~~بلاغة عربية مبينة، وصفت حالة البلاد عندما أخذت أصابع الاستعمار تعبث بأمورها: «وا أسفا ~~على حالة الأهالي بعد هذا، حكم من لا دافع لحكمه بطرد آلاف من الوطنيين الموظفين من دوائر ~~الحكومة، وما منهم أحد إلا ويتبعه عائلة وأولاد، ولا قوت لهم إلا من مرتب عائلهم ... إن صدى ~~أنينهم يتلى في صفحات الجرائد الوطنية العربية والإفرنجية، وسيتبع السابقين منهم اللاحقون، ~~حتى لا يجد وطني منهم في البلاد من المهن، إلا ما لا يليق بالإنجليزي تعاطيه من سفاسف ~~الأمور، كما هو في البلاد الهندية، وزاد الويل بمحق الحرية الشخصية، والأخذ بالشبه - وإن ~~ضعفت - واتباع بواطل التهم - وإن بعدت أو استحالت - حتى أخذ الفزع من القلوب مأخذه، وبلغ ~~منها مبلغه، فلا ترى مارا بطريق إلا وهو يلتفت وراءه لينظر هل تعلق بأثوابه شرطي يقوده ~~إلى السجن، أو يقتضي منه فداء، وكل معروف الاسم من المصريين ينتظر في كل خطوة عثرة، وفي كل ~~نهضة سقطة ... أي شقاء ينتظره الحي في حياته أشنع من هذا؟!» # بمثل هذه النذر المفزعة الصريحة، أخذ الأفغاني ومحمد عبده يتعاونان على إطلاق الصيحة ~~الأولى من خارج البلاد، لتجاوبها في داخل البلاد أصداء تبلغ رسالتها وتزيد من قوتها، فها هو ~~ذا عبد الله النديم (1845-1896م) الذي أطلقت عليه صفات تدل على الدور العظيم الذي أداه في ~~اليقظة الوطنية، إذ أطلق عليه «خطيب الشرق» - وقد كان أول خطيب مصري يخطب قومه في شئون ~~السياسة - كما أطلق عليه «محامي الوطن»، لقد استخدم النديم في أداء رسالته كل فنون الأدب من ~~زجل وشعر إلى مسرحية وقصة، ثم إلى المقالة والخطابة، وفي نسبة هذه الفنون عنده بعضها إلى ~~بعض ms033 يقول أحمد تيمور: «... أما شعره فأقل من نثره، ونثره أقل من لسانه، ولسانه الغاية القصوى ~~في عصرنا هذا»، على أن ما يهمنا هنا من آثار النديم أدبه المكتوب، ومقالاته الصحفية ~~اللاذعة، خصوصا ما ورد منها في مجلة الأستاذ، التي صدرت في عهد الاحتلال الإنجليزي، والتي ~~لم يلبث الإنجليز أن طالبوا بإغلاقها، لشدة ما جاء فيها من هجمات النديم على خصوم الوطنية ~~والعروبة والإسلام، فكان مما قاله عن الدولة الغاصبة أنها وضعت معظم الإدارات في أيدي ~~الأجانب، حتى لا تمكن المصريين من إصلاح بلادهم، فاختلت البلاد، «فإن كان مرادها إفساد ~~البلاد فقد أفلحت، أما إذا كانت تريد صلاحها، وتسليمها لأبنائها، فكيف يحدث ذلك، وهي لا ~~تستعمل أبناءها في الحكم، وتبعدهم عن الإدارات؟» وفي مقال له بعنوان «هذه يدي، في يد من ~~أضعها؟» يقول إنه إذا لم يضع يده في أيدي مواطنيه المخلصين «فقطعها خير من وضعها في يد ~~أجنبي يستميلك إليه بوعود كاذبة، وحيل واهية، يظهر لك سعيه في صالحك، وحبه لتقدمك ... ويصور ~~لك الأباطيل في صورة حقائق؛ حتى يخدعك بها، ويحول أفكارك الشرقية إلى أفكار غربية تأخذها، ~~وتقول بها، فتكون يده القوية وعونه الأكبر على ضياع حقوقك، وإذلال إخوانك واحتلال ~~بلادك.» # وكان من اللمحات النافذة عند النديم إشاراته المتكررة إلى ضرورة التعليم وضرورة قيام ~~الصناعة؛ لأنه ما اغتصب غاصب أرضا إلا بسبب جهالة أبنائها أو بسبب انصرافهم عن الصناعة؛ ~~لأن الانصراف عن الصناعة هو انصراف عن العلم، «إن التهور والثورة مع الجهل والفراغ من ~~المعدات، لا يفيدان إلا الخذلان» ولا نجاح لثورة على استعمار إلا إذا كان أساسها التعليم ~~والصناعة: «وما نجحت ثورة تجردت جماهيرها من المعارف وبعدت عن المصانع والتفنن في الآلات، ~~واندفعت خلف الأهواء» (مجلة الأستاذ في 30 / 8 / 1892م). # ولا نترك الحديث عن أواخر القرن الماضي، قبل أن نذكر أثرا شامخا من آثار المقاومة ~~الوطنية لكل مستعمر أو دخيل، لكنه - هذه المرة - أثر إيجابي بناء، وضع البذور الأولى للنهضة ~~العربية الشاملة، التي ستزداد مع السنين، حتى تصبح ms034 في سنواتنا الراهنة حركة ثورية لتحقيق ~~الوحدة العربية، وإنما عنيت بذلك الأثر، نهضة الشعر على يدي محمود سامي البارودي (1839-1904م) إذ الأمر فيها لا يقتصر على أمر الشعر وحده، بل يجاوز ذلك ليكون إقامة لأهم دعائم ~~القومية العربية السليمة، ألا وهي دعامة اللغة القوية الرصينة، فبعد أن ضعفت العربية مع ~~الضعف السياسي والاجتماعي خلال قرون امتدت ما امتد الحكم العثماني، أراد البارودي الشاعر أن ~~تعود لنا القوة السياسية والاجتماعية بادئة من بدايتها الصحيحة، ألا وهي اللغة، وأسعفته ~~الموهبة، فربط بين قديم شامخ وجديد متطلع إلى الشموخ، ونسج نسجا لا يتخاصم فيه الحاضر ~~والماضي، ولا يتعارض فيه التجديد مع التقليد، بل هو نسج: لحمته الحاضر، والماضي سداه، فجاء ~~شعر البارودي في أدبنا الحديث - خصوصا وقد أخفقت الثورة العرابية التي كان الشاعر أحد ~~رجالها، واحتل المستعمر البريطاني بلادنا - جاء هذا الشعر القوي في أدبنا الحديث بمثابة ~~الخطوة الأولى في طريق طويل ما نزال نواصل السير فيه، على هداية مبدأ عام، هو أن تجيء ~~النهضة العربية على أساس يجمع بين الطابع القومي المتميز، وظروف العصر الذي نعيش ~~فيه. # وتمضي السنون - ويستدير القرن التاسع عشر، ليبدأ العشرون، فتزداد المقاومة شدة وظهورا ~~فيما تجري به أقلام المفكرين والأدباء، وحسبنا أن نجد في السنوات الأخيرة من القرن الماضي ~~وفي العشرة الأعوام الأولى من هذا القرن قاسم أمين، ومصطفى كامل، ومحمد فريد، ولطفي السيد، ~~وعبد العزيز جاويش، ومن الشعراء شوقي وحافظ، كانت حالة الضعف السياسي قد انتهت بالبلاد إلى ~~قبضة المستعمر، وخدعت طائفة من مفكري الغرب عن حقيقة الأمر، فنقلوا بأوهامهم ذلك الضعف من ~~السياسة إلى العروبة من حيث هي جنس، وإلى الإسلام من حيث هو دين، فكان لا بد للفكر ~~والأدب عندنا أن يتصديا لذلك؛ لأن التهمة إذا صدقت انفسح الأمل أمام المستعمر الفرنسي في ~~تونس والجزائر ولبنان وسوريا، وأمام المستعمر الإنجليزي في مصر والعراق، وأما إذا ردت ~~التهمة وظهر بطلانها، فقد انفسح الأمل أمام الأمة العربية أن تزيل عنها الكابوس الطارئ، ~~لتسترد مجدها، وتمضي قدما ms035 في طريقها، ومن هذا القبيل ما حدث بين دعوى هانوتو فيما يتصل ~~بخصائص الجنس الآري والجنس السامي، ورد الشيخ محمد عبده عليه لتفنيد دعواه، وكذلك ما حدث ~~بين دعوى رينان عن موقف الإسلام من العلم، وزعمه بأن الإسلام مضاد للعلم، ورد الأفغاني عليه ~~لتفنيد دعواه، وها هي ذي دعوى ثالثة لمتهجم آخر، يتصدى للرد عليها قاسم أمين. # ذلك أن داركور قد أصدر كتابا سنة 1893م عن المصريين، يصفهم فيه بالتأخر، ويأخذ عليهم ~~حجبهم للنساء عن موارد العلم وميادين الحياة، ثم لا يكتفي بذلك، بل يربط هذا كله بالعقيدة ~~الإسلامية، فرد عليه قاسم أمين سنة 1894م في كتاب عنوانه «المصريون» مدافعا عن وطنه وأهله، ~~معترفا بما قد شاب ذلك الوطن وأهله من عيوب محال أن ترد إلى الإسلام، وإنما هي أثر مباشر ~~للحكم الفاسد الذي نكبت به البلاد أمدا طويلا من الدهر، وقد كتب قاسم أمين كتابه هذا ~~بالفرنسية، ليتاح لمن قرأ داركور، من الفرنسيين أن يطالعوا الرد عليه، اقرأ هذه العبارة - ~~مثلا - من رده على الدوق داركور، لترى كيف رد التهمة عن أهله ردا يوقع خصمه فيما هو أشنع ~~منها: «يظهر أن مسيو داركور ينعي علينا عدم وجود الفوارق الاجتماعية عندنا، ويعيبنا لأنه ~~ليس من طوائفنا طائفة الأشراف بالمولد أو بغير المولد، وكل السكان الذين يقيمون في بلد ~~إسلامي هم متساوون أمام القانون بلا تفرقة بين أجناسهم ودياناتهم.» # على أن هذه المعركة القلمية بين الدعوى ونقيضها، قد حركت الكاتب العربي إلى النهوض بعبء ~~الإصلاح في ميدانه، حتى لا نغمض العين على نقص واضح، فكتب كتابه العظيم «تحرير المرأة» ~~(1899م) وأعقبه بآخر «المرأة الجديدة» (1900م) ليرد به على ما قد وجه إلى كتابه الأول من ~~نقد. # وإن ذكرنا لكتاب تحرير المرأة، ليستدعي ذكر جريدة المؤيد التي أنشأها الشيخ علي يوسف ~~(1863-1913م)، والتي ظهر فيها الكتاب فصولا امتدت على شهرين وهي نفسها الجريدة التي نشر ~~فيها عبد الرحمن الكواكبي (1849-1902م) كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» الذي هو ~~من أبرز الكتب التي عرفها ms036 الأدب العربي في العصر الحديث عن الحرية، يقول فيه الكاتب عن ~~الحاكم المستبد إنه «يتحكم في شئون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحاكمهم بهواه لا ~~بشريعتهم»، «والمستبد عدو الحق، عدو الحرية وقاتلهما، والحق أبو البشر، والحرية أمهم، ~~والعوام صبية أيتام نيام لا يعلمون شيئا»، «إن الاستبداد يضغط على العقل فيفسده، ويلعب ~~بالدين فيفسده، ويحارب العلم فيفسده»، «الحكومة المستبدة تكون طبعا مستبدة في كل فروعها، ~~من المستبد الأعظم إلى الشرطي، إلى الفراش، إلى كناس الشوارع»، «أقل ما يؤثر الاستبداد في ~~أخلاق الناس أنه يرغم الأخيار منهم على ألفة الرياء والنفاق - ولبئس السيئتان - ويعين ~~الأشرار على إجراء غي نفوسهم آمنين، حتى عن الانتقاد والفضيحة؛ لأن أكثر أعمالهم تبقى ~~مستورة يلقي عليها الاستبداد رداء خوف الناس من تبعة الشهادة.» # لم تكن هذه الدعوى الاجتماعية التي وجهها قاسم أمين لتحرير المرأة العربية بعيدة الصلة ~~بالدعوات السياسية التي أخذت منذ أوائل هذا القرن تشغل أصحاب الأقلام، فصاحب «تحرير المرأة» ~~هو نفسه الذي كتب عن جنازة مصطفى كامل يقول: «11 فبراير سنة 1908م يوم الاحتفال بجنازة مصطفى ~~كامل، هي المرة الثانية التي رأيت فيها قلب مصر يخفق، المرة الأولى كانت يوم تنفيذ حكم ~~دنشواي: رأيت عند كل شخص تقابلت معه قلبا مجروحا، وزورا مخنوقا، ودهشة عصبية بادية في ~~الأيدي وفي الأصوات، كان الحزن على جميع الوجوه ...» # وإن هذا لينقلنا إلى أدب سياسي جياش بالعاطفة، أنشأه قادة الحزب الوطني في جريدتهم ~~اللواء: مصطفى كامل، محمد فريد، عبد العزيز جاويش. # أما مصطفى كامل (1874-1908م) فهو - كما قال عنه لطفي السيد، برغم ما كان بين الرجلين من ~~اختلاف بعيد في وجهة النظر - «كان شعاره الوطنية، ووسيلة الوطنية، وكتابته الوطنية، وحياته ~~الوطنية، حتى لبسها ولبسته، فصار بينهما التلازم الذهني والعرفي فإذا ذكرت مصطفى كامل بخير، ~~فإنما تطري الوطنية، وإذا قلت الوطنية فإن أول ما يتمثل في خيالك شخص مصطفى كامل ... كأنما هو ~~والوطنية شيء واحد.» يكفينا منه هنا مثل واحد، نقبسه من خطبته الكبرى في الإسكندرية ~~(1907م): # تقولون يا أعداء مصر ms037 إننا لو أفلحنا لما نلنا هذا الاستقلال إلا بعد حين طويل، فنجيبكم ~~أنا لو سلمنا بقولكم لما جاز لنا أن نتأخر لحظة واحدة عن العمل؛ لأننا لا نعمل لأنفسنا، بل ~~نعمل لوطننا، وهو باق ونحن زائلون، وما قيمة السنين والأيام في حياة مصر، وهي التي شهدت ~~مولد الأمم كلها، وابتكرت المدنية والحضارة للنوع الإنساني كله؟ إن العامل الواثق من النجاح ~~يرى النجاح أمامه كأنه أمر واقع، ونحن نرى من الآن هذا الاستقلال المصري، ونبتهج به وندعو ~~له كأنه حقيقة ثابتة، وسيكون كذلك لا محالة ... # إننا وجهنا قلوبنا ونفوسنا وقوانا وأعمارنا إلى أشرف غاية اتجهت إليها الأمم في ماضي ~~البلاد وحاضرها، وأعلى مطلب ترمي إليه في مستقبلها، فلا الدسائس تخيفنا، ولا التهديدات تقف ~~في طريقنا، ولا الشتائم تؤثر فينا، ولا الخيانات تزعجنا، ولا الموت نفسه يحول بيننا وبين ~~هذه الغاية التي تصغر بجانبها كل غاية ... # بلادي ... بلادي ... لك حبي وفؤادي، لك حياتي ووجودي، لك دمي ونفسي، لك عقلي ولساني، لك لبي ~~وجناني، فأنت أنت الحياة، ولا حياة إلا بك يا مصر ... # هل خلق الله وطنا أعلى مقاما، وأسمى شأنا، وأجمل طبيعة، وأجل آثارا، وأغنى تربة، ~~وأصفى سماء، وأعذب ماء، وأدعى للحب والشغف من هذا الوطن العزيز؟ ... إني لو لم أولد ~~مصريا لوددت أن أكون مصريا. # ذلك قبس من تلك الخطبة السياسية الوطنية الرائعة، وهي التي نظم بعدها علي الغاياتي (صاحب ~~ديوان «وطنيتي» الصادر سنة 1910م) قصيدة وجهها إلى مصطفى كامل، يقول فيها: # اصدع بقولك إن أردت مقالا # فالقوم جندك إن دعوت رجالا # لم تدر مصر سوى حماك تؤمه # فترى به آلامها آمالا # وفي 1908م تولى عبد العزيز جاويش (1876-1929م) رئاسة تحرير اللواء، وكان للواء طابعه ~~الواضح في مهاجمة الاستعمار البريطاني، وفي إيقاظ الروح الوطنية، فكانت لجاويش في مهاجمة ~~الإنجليز مقالات حامية، وكلمات من نار، حتى قبل أن يتولى تحرير اللواء: «إن البلاد المصرية ~~أخذت منذ بدء الاحتلال المشئوم تتدلى في مهاوي الضعف والاضمحلال، وإنه لا منقذ لها سوى أن ~~يرفع الاحتلال ms038 يده الثقيلة المفسدة عنها.» ولكي تعلم ماذا أراد الكاتب أن يصنع بقلمه في ~~مقاتلة العدو، فاسمع ما يخاطبه به: «أيها القلم ... لو كنت سيفا لأغمدتك في صدور من ~~يحاربونك، أو سهما لأنفذتك في أعماق قلوبهم، ولو كنت جوادا لوجدت لك في ميادين النزال ~~مجالا للكر والفر ...» # وكان يقابل هذه الجذوة المشتعلة من الوطنية في جريدة اللواء، فكر منطقي هادئ في جريدة ~~«الجريدة» التي كان يحررها أحمد لطفي السيد (1872-1963م) إذ كان لطفي السيد - كما يقول ~~عنه العقاد - «ينظر إلى المسائل الفكرية والاجتماعية نظرة محيطة شاملة، توشك أن تتعادل فيها ~~جميع الجوانب والأطراف، ولكنه كان من أشد المفكرين اهتماما بما يعتقد فيه الخير ~~والصلاح.» # وحسب العشرة الأعوام الأولى من هذا القرن أن تكون قد شهدت فاجعة دنشواي (يوم الأربعاء 13 ~~يونيو سنة 1906م)، فليس كمثل الكوارث الكبرى شيء يوحد قلوب الأمة في قلب واحد نابض، ~~ودنشواي قرية في محافظة المنوفية، قدم إليها خمسة من الضباط الإنجليز لصيد الحمام، فأصيب ~~برصاصهم بعض الأهلين، فهاجم الناس أولئك المعتدين، فأصيب بعضهم ومات أحدهم، فثار العميد ~~البريطاني في مصر، لورد كرومر، وعقدت محكمة خاصة لمحاكمة المصريين، فقضت بإعدام أربعة من ~~الأهالي، وبالجلد وبالحبس على ثمانية، ونفذ الجلد والإعدام في دنشواي علنا، فكان لذلك رد ~~فعل عنيف في طول البلاد وعرضها، وانطلق الشعراء والكتاب ينظمون وينشئون بكاء ورثاء ~~ووطنية وإخاء. # قال إسماعيل صبري: # وأقلت عثرة قرية حكم الهوى # في أهلها وقضى قضاء أخرق # إن أن فيها بائس مما به، # أو رن، جاوبه هناك مطوق # وارحمتا لجناتهم ماذا جنوا؟ # وقضاتهم ما عاقهم أن يتقوا؟ # وقال أحمد شوقي: # يا دنشواي على رباك سلام # ذهبت بأنس ربوعك الأيام # شهداء حكمك في البلاد تفرقوا # هيهات للشمل الشتيت نظام # مرت عليهم اللحود أهلة # ومضى عليهم في القيود العام # كيف الأرامل فيك بعد رجالها؟ # وبأي حال أصبح الأيتام؟ # عشرون بيتا أقفرت وانتابها # بعد البشاشة وحشة وظلام # يا ليت شعري في البروج حمائم # أم في البروج منية وحمام؟ # نيرون ... لو أدركت عهد كرومر ms039 # لعرفت كيف تنفذ الأحكام # وقال حافظ إبراهيم: # جاء جهالنا بأمر، وجئتم # ضعف ضعفيه قسوة واشتدادا # أحسنوا القتل إن ضننتم بعفو # أقصاصا أردتم أم كيادا؟ # أحسنوا القتل إن ضننتم بعفو # أنفوسا أصبتم أم جمادا؟ # ليت شعري أتلك محكمة التفتي # ش عادت أم عهد نيرون عادا؟ # كيف يحلو من القوي التشفي # من ضعيف ألقى إليه القيادا؟ # تلك كانت المرحلة الأولى، وهكذا جاءت خلالها صورة المقاومة في الأدب، ثم جاءت المرحلة ~~الثانية التي امتدت فيما بين الحربين، وقد اتخذت المقاومة صورة أخرى، وهي الإشادة بالحرية ~~والدعوة إليها، حتى ولو لم يذكر المستعمر في سياق الدعوة ذكرا صريحا. # وقد ظهرت بدايات هذه المرحلة الثانية، حتى قبل أن تنتهي الحرب العالمية الأولى، كأنما ~~كانت بدايات تمهد النفوس تمهيدا مباشرا لثورة 1919م، وهي بدايات ظهرت أوضح ما تكون في ~~الشعر، ففي العشرة الأعوام الثانية من هذا القرن، ظهرت دواوين ثلاثة، عزفت كلها على وتر ~~واحد، إذ عزفت نشيد الفرد الإنساني وما يجب له من حرية وما يجب عليه من مسئولية إزاء نفسه، ~~وتلك الدواوين الثلاثة كانت هي الجزء الثاني من ديوان عبد الرحمن شكري (1913م) والجزء الأول ~~من ديوان المازني (1914م)، وقد قدم العقاد لهما، والجزء الأول من ديوان العقاد (1916م) وقد ~~قدم له المازني، فجاءت هذه الدواوين الثلاثة بمثابة إعلان لحقوق الإنسان الجديد، وإنهم - ~~هؤلاء الثلاثة الشعراء - ليؤمنون أن نهوض الأدب شرط لازم للنهضة القومية وللحرية الوطنية، ~~وأنه لا حرية ولا استقلال لإنسان هانت عليه نفسه حتى ليعجز عن الشعور بها، يقول العقاد في ~~مقدمته للجزء الأول من ديوانه: «ومن كان يماري في هذا القول فليراجع التاريخ، وليذكر أمة ~~واحدة نهضت نهضة اجتماعية فلم تكن نهضتها هذه مسبوقة أو مقرونة بنهضة عالية في آدابها» وقد ~~ظهرت بدايات شبيهة بذلك في ميدان الرواية متمثلة في قصة زينب 1914م للدكتور هيكل التي هي من ~~أولى بشائر الشعور بالمصرية الصميمة وحياة الطبقة العاملة في الريف، وهو الشعور نفسه الذي ~~جاءت رواية عودة الروح (1929م) لتوفيق الحكيم لتؤكده. # ويثور ms040 الشعب ثورته عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، مطالبا بحقه في الحرية من المستعمر ~~البريطاني، وتجري أنهر الصحف اليومية بأنهر من الأدب السياسي المشتعل بحرارة الثائرين، ثم ~~سرعان ما يصاحب هذا الأدب السياسي مقالات وكتب في ضروب الحرية وفي مراميها وأبعادها، فيكتب ~~العقاد في فلسفة الحرية وفي علاقتها بألوان الفنون جميعها، ويقول إن حب الأمم للحرية إنما ~~يقاس بحبها للفنون الجميلة «لأن الصناعات والعلوم النفعية مطلب من مطالب العيش تساق إليه ~~الأمم مرغمة مجبرة، وضرورة من ضرورات الذود عن الحياة تدفع إليها مغلوبة مسخرة ... وإنما تعرف ~~الأمم الحرية حين تأخذ في التفضيل بين شيء جميل وشيء أجمل منه، وتتوق إلى التمييز بين مطلب ~~محبوب ومطلب أحب وأوقع في القلب وأدنى إلى إرضاء الذوق وإعجاب الحس، ولا يكون ذلك منها إلا ~~حين تحب الجمال، منظورا أو مسموعا» (مطالعات في الكتب والحياة، ص54). # ويخرج سلامة موسى (1888-1958م) سنة 1927م كتابا عن «حرية الفكر وأبطالها في التاريخ»، ~~يقول عنه في صفحة الغلاف إنه «قصة الحرية الفكرية وانطلاق العقل البشري من قيود التقاليد ~~وفوز التسامح على التعصب، مع ذكرها ما لقيه الأحرار من ضروب الاضطهاد من أقدم العصور للآن.» ~~ثم يتلو على قارئه صفحات من استشهاد الأبطال في سبيل الحرية على اختلاف أنواعها: سياسية ~~ودينية وعلمية وغير ذلك، وهو يسوق أمثلته من اليونان القديمة ومن المسيحية ومن الإسلام ومن ~~العصور الحديثة في الغرب وفي الشرق على السواء. # وكان محمد حسين هيكل (1888-1956م) من الداعين إلى الحرية في كثير من معانيها، فألف ~~كتابا عن جان جاك روسو ليستمد من دعوة هذا الفيلسوف إلى الحرية دعوة يوجهها إلى العرب في ~~ثورتهم في سبيل الحرية، ويخرج صحيفة السياسة الأسبوعية (1926م) لتكون ملحقا أدبيا ~~أسبوعيا لصحيفة السياسة التي كان يشرف على تحريرها، وليتخذ منها أقوى أداة لنشر الثقافة ~~الجديدة التي أراد هو ومعاصروه أن يبذروا بذورها إرهاصا لعصر جديد، وكانت تلك البذور - في ~~رأي هيكل أول الأمر - بذورا غربية صرفا، ثم سرعان ما أفاق إلى خطئه، وصمم على أن ms041 يكون ~~للنهضة العربية أصولها الخاصة التي تستعير من الغرب ما تستعيره، لكنها لا بد إلى جانب ذلك ~~أن تستمد من ماضيها التربة الخصبة التي تستنبتها، يقول هيكل في ذلك: «حاولت أن أنقل لأبناء ~~لغتي ثقافة الغرب المعنوية، وحياته الروحية لنتخذها جميعا هدى ونبراسا، ولكني أدركت بعد ~~لأي أنني أضع البذر في غير منبته، فإذا الأرض تهضمه ثم لا تتمخض عنه، ولا تبعث الحياة فيه، ~~وانقلبت ألتمس في تاريخنا البعيد في عهد الفراعنة موئلا لوحي هذا العصر ينشأ فيه نشأة ~~جديدة، فإذا الزمن وإذا الركود العقلي قد قطعا ما بيننا وبين ذلك العهد من سبب يصلح بذرا ~~لنهضة جديدة، ثم رأيت أن تاريخنا الإسلامي هو وحده البذر الذي ينبت ويثمر، ففيه حياة ~~النفوس، يجعلها تهتز وتربو، ولأبناء هذا الجيل في الشرق نفوس قوية تنمو فيها الفكرة الصالحة ~~لتؤتي ثمرها بعد حين» (من مقدمة «منزل الوحي»). # الحق أننا لا نجد صفة نصف بها الحياة الفكرية في عشرينيات هذا القرن، أصدق من أنها كانت ~~حياة تمهد الأرض لبناء جديد يقام عليها حين تحين الفرصة المناسبة؛ ولذلك شغل الكتاب جميعا ~~في تلك الحقبة بالتنوير عامة وبالتنوير فيما يمس الحرية العقلية والفنية والسياسية بصفة ~~خاصة، وفي هذا النشاط التمهيدي لذلك العصر يقول إبراهيم عبد القادر المازني: «قضى الحظ أن ~~يكون عصرنا عصر تمهيد، وأن يشتغل أبناؤه بقطع هذه الجبال التي تسد الطريق، وبتسوية الأرض ~~لمن يأتون بعدهم، ومن الذي يذكر العمال الذين سووا الأرض، ومهدوها ورصفوها، ومن الذي يعنى ~~بالبحث عن هؤلاء المجاهدين الذين أدموا أيديهم في هذه الجلاميد، وبعد أن تمهد الأرض وينتظم ~~الطريق يأتي نفر من بعدنا ويسيرون فيه إلى آخره، ويقيمون على جانبيه القصور شاهقة باذخة، ~~ويذكرون بقصورهم وننسى نحن الذين أتاحوا لهم أن يرفعوها شاهقة رائعة، والذين شغلوا بالتمهيد ~~عن التشييد، فلندع الخلود إذن ولنسأل كم شبرا مهدنا من الطريق» (من مقدمة «حصاد ~~الهشيم»). # لقد كان لسان الحال في مجال الفكر والأدب إبان فترة التنوير والتمهيد التي أشرنا إليها - ~~منذ ما ms042 قبل نهاية الحرب العالمية الأولى بقليل وإلى نهاية الحرب العالمية الثانية - ناطقا ~~بأنه إذا كان الغرب قد استبد بأرضنا فطريق الخلاص له شعاب كثيرة، منها أن نتزود بعلمه ~~وثقافته لنفل الحديد بالحديد؛ ولذلك كان أبرز طابع يميز تلك الفترة هو نقل الفكر الغربي من ~~اليونان القديمة ومن بريطانيا وفرنسا الحديثتين، وكانت أداة النقل الأساسية - هي المجلات ~~أكثر مما كانت هي الكتب ، المجلات التي تصدر كل أسبوع مثقلة بحصيلتها المنقولة ترجمة ~~وتلخيصا وتعليقا ونقدا، فإذا كانت الصحف اليومية في المرحلة الأولى - كالمؤيد واللواء ~~والجريدة - قد حملت هذا العبء نفسه، ففي المرحلة الثانية تخصصت لها مجلات أسبوعية وشهرية، ~~أول ما نذكره منها مجلة السفور التي صدر عددها الأول سنة 1915م، وفيه أعلن صاحبها عبد الحميد ~~حمدي منهاجها، شارحا المواد بعنوانها، فقال في ذلك: # ليست المرأة وحدها هي المحجبة في مصر، ولكنها محجبة نزعاتنا وفضائلنا وكفاءاتنا ومعارفنا ~~وأمانينا، وكل شيء يبدو على غير حقيقته، فنحن أمة محجبة بحقيقتها، بادية منها ظواهر كاذبة، ~~وقد تبين للباحث أن هذه العلل ليست طبيعية في نفس الأمة، وإنما هي عوارض تزول بزوال ~~أسبابها. # واشتركت في تحرير «السفور» مجموعة من الكتاب، هي نفسها المجموعة التي سيشتد بأسها في ~~عشرينيات القرن وثلاثينياته، والتي ستكون هي الداعية إلى الأخذ بأسباب الفكر الغربي والثقافة ~~الغربية ليكون ذلك هو نفسه أفعل سلاح في استرداد حرياتنا المغتصبة من الغرب المغتصب، ففيها ~~كتب هيكل، وطه حسين، وعلي عبد الرازق، وغيرهم وكأنما جاءت مجلة السفور حلقة وسطى في سلسلة ~~ثقافية واحدة، أولها «الجريدة» برئاسة لطفي السيد، وآخرها «السياسة الأسبوعية» برئاسة هيكل، ~~وهي مدرسة فكرية يغلب عليها الطابع الفرنسي. # ولذلك قام خط آخر يوازي ذلك الخط ويوازنه، تمثل في مجلة البلاغ الأسبوعي واجتمع حوله من ~~الكتاب من كان يؤثر النهل من معين الثقافة الإنجليزية، وأشهرهم العقاد والمازني، كما تمثل ~~في مجلة العصور لإسماعيل مظهر والمجلة الجديدة لسلامة موسى، ثم نشأت في الثلاثينيات مجلتان ~~أخريان هما «الرسالة» أولا، و«الثقافة» ثانيا لتحدثا شيئا من الجمع بين الثقافتين ~~الغربية ms043 والعربية، تمهيدا لقيام شخصيتنا الثقافية الجديدة، التي سنتحدث عنها بعد قليل، ~~وفيهما ظهر أحمد حسن الزيات وأحمد أمين، الأول بأسلوبه العربي الرصين، الذي يعد في ذاته ~~علامة اعتزاز بالقومية العربية في أصولها وفروعها، والثاني بأسلوبه العلمي الواضح الذي يعد ~~علامة من علامات التبشير بعصر جديد، يرتكز على القديم ويفتح صدره للحديث. # وإنه لمما يميز هذه المرحلة الثانية كذلك، تلك النزعة الرومانسية التي غمرت الشعر، بل ~~وشطرا كبيرا من الكتابة النثرية، وتجلت بصفة خاصة في جماعة أبولو التي نشأت سنة 1932م ~~(وأخرجت مجلة باسمها سنة 1935م) وكان من أهم شعرائها؛ أحمد زكي أبو شادي، وإبراهيم ناجي، وعلي ~~محمود طه، فإذا تذكرنا أن كل حركة ثورية كبرى تصاحبها على الأغلب حركة رومانسية في الأدب، ~~تفك القيود بكل أنواعها: قيود الصياغة الشعرية، وقيود العاطفة الباطنية، عرفنا كم كانت ~~الحركة الرومانسية في الأدب العربي إبان عشرينيات القرن وثلاثيناته دالة على تيار المقاومة ~~العنيف، ومدى سريانه في نفوس الناس على طول البلاد العربية وعرضها كأنما هي صيحة واحدة ~~متعددة الأوتار والأنغام، صدح بها شعراء العروبة جميعا. # فهذا أحمد زكي أبو شادي (1892-1955م) في قصيدته «الضحايا» يعلن أن نداء الوطن يستوجب ألا ~~نفرط في حق مواطنيه، وألا نجامل الأولى نهبوا المواطنين نهبا، عن جشع لا يشبع وظلم لا ~~يرتدع: # وكل يوم ضحايا لا عداد لها # من غدرهم في جحيم البؤس والهون # أبعد هذا نصوغ الشعر زخرفة؟ # وبلغت الانفعالية الرومانسية أوجها في الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي (1906-1934م) خذ ~~قصيدته «نشيد الجبار» مثلا لهذه اللوعة التي تأكل صاحبها كمدا على ما قد حل به، وتطمح به ~~إلى السماء في دنيا الأمل والرجاء: # سأعيش رغم الداء والأعداء # كالنسر فوق القمة الشماء # أرنو إلى الشمس المضيئة هازئا # بالسحب، والأمطار والأنواء ~~••• # النور في قلبي وبين جوانحي # فعلام أخشى السير في الظلماء؟ # وإن القول ليطول بنا لو استطردنا نذكر أمثال هذه الجذوات المشتعلة بوطنيتها خلال المرحلة ~~الوسطى - فترة ما بين الحربين - التي هي الآن موضع الحديث. # وإنه لمن أبرز الملامح في ms044 الحركات الرومانسية كلها - وهي غالبا حركات للتحرر تعقب ~~الثورات السياسية أو تصاحبها - العودة بالذكرى إلى مجد الآباء، وهكذا كان الأمر في الأدب ~~العربي؛ لأنه إذا كانت الدعوة إلى الحرية تتحقق بشرح المبدأ من جهة، وبضرب المثال من جهة ~~أخرى، فأين يوجد المثال في أسمى صورة إذا لم يكن في أبطال العروبة والإسلام وهما في ذروة ~~المجد؟ من هنا رأينا أدباءنا جميعا يتجهون هذه الوجهة، فبدءوا بالحديث عن أعلام الشعراء ~~الأقدمين - وكان ذلك في العشرينيات - ثم انتقلوا إلى ميدان أوسع، فترجموا سيرة الرسول ~~والخلفاء الراشدين وعددا كبيرا من قادة المسلمين وأعلامهم، فكان ذلك أبلغ ما يقال في وجه ~~عدو البلاد، الذي جعل من أسلحة هجومه أن يستخف بالحضارة العربية وبالثقافة العربية جميعا، ~~وأن يدعي لنفسه الأصالة في مبادئ الحرية والديمقراطية والأخوة الإنسانية بين أفراد ~~البشر. # وتنتهي الحرب العالمية الثانية سنة 1945م، فتدخل حركة المقاومة - كما انعكست في الأدب - ~~مرحلة ثالثة، فلئن كان قوام المرحلة الأولى كتابة هي أقرب إلى الخطابة السياسية، قصد بها ~~استثارة الشعور الوطني، ثم كان قوام المرحلة الثانية رومانسية تنادي بالتحرر وفك القيود، ~~وتضرب أمثالها من أبطال التاريخ، فقد جاءت المرحلة الثالثة لتقيم البناء الثقافي الجديد على ~~نحو يبرز الخصائص القومية إلى جانب العناصر الحديثة، وها هنا تغيرت الأداة الأدبية ~~الأساسية، فبعد أن كانت الأداة هي المقالة، أصبحت القصة والمسرحية؛ وذلك لأنهما الوسيلتان ~~المواتيتان لتصوير المواقف والأشخاص: على أي نحو لا نريدها، وعلى أية صورة نريدها، وإن في ~~اختيار الأداة الأدبية الجديدة لدليلا واضحا على توحيد العنصرين في حياة واحدة: ما نأخذه ~~من الغرب وما نضيفه من أنفسنا، فلئن كنا قد أخذنا قالب القصة وقالب المسرحية من حيث هما ~~طريقتان للتعبير، فقد عرفنا كيف نملأ القالبين بمضمون محلي أصيل، غلب عليه - فيما بين 1945م ~~و1952م (سنة الثورة الاجتماعية الكبرى) - تصوير البؤس الذي أحاط بالناس، ثم شيء من الكفر ~~بالحضارة الغربية في ماديتها؛ لأن هذه المادية فيها كانت هي الدافع الأول نحو حركات ~~الاستعمار الأوروبي لشعوب الشرق، ولما كانت ms045 الحضارة الغربية المادية الحديثة قرينة العقل ~~وما ينتجه من علوم وتقنيات ومكنات، فقد انقلب هذا الكفر بالحضارة المادية كفرا بالعقل وما ~~يؤدي إليه، ودعوة إلى عودة الشرق إلى روحانياته التي ميزته إبان ازدهاره. # أما تصوير البؤس فقد كان في طليعة من اضطلع به الدكتور طه حسين في قصصه التي كتبها في تلك ~~الفترة: «شجرة البؤس» (1944م) و«جنة الشوك» (سنة 1945م) و«المعذبون في الأرض» (سنة 1949م)، ~~وكان قبل ذلك قد نشر قصته الأولى «دعاء الكروان» التي تسير في الاتجاه نفسه، فهذه القصص ~~كلها تستفز الأريحية لما يصيب الإنسان الحر في كرامته على أيدي طغاة ملئوا دروب الحياة ~~ومنعطفاتها، على أن هذا الإنتاج الأدبي الخاص، لم يحل دون أن يمضي عميد الأدب العربي في ~~دراساته التي قصد بمعظمها إقامة النماذج المثلى، لتكون المقارنة صارخة بين ما هو كائن وما ~~يمكن أن يكون، فقد كتب «الوعد الحق» (1950م) و«عثمان» (1947م) و«علي وبنوه» (1953م) و«الشيخان» ~~(أبو بكر وعمر بن الخطاب) (1960م)، فضلا عن دعوته القوية نحو تكافؤ الفرص بين المواطنين في ~~التعليم. # وأما الثورة على العقل - ما دام العقل هو ينبوع الحضارة المادية بكل تفريعاتها السياسية - ~~فقد اضطلع بها توفيق الحكيم في مسرحياته التي صدرت إبان الفترة التي نشير إليها، فأصدر ~~«سليمان الحكيم» (1943م) و«الملك أوديب» (1949م) وكلتاهما تبين أن العقل وحده لا يغني الإنسان ~~عن الحق شيئا. # وكان من أبرز معالم هذه الفترة - وأعني الفترة التي توسطت بين الحرب العالمية الثانية ~~وقيام ثورة 23 يوليو سنة 1952م - ما أصدره العقاد من كتب سياسية يقاوم بها استبداد الحكم، ~~وأخرى يصور بها النماذج الإسلامية الرفيعة، فمن المجموعة الأولى «هتلر في الميزان» (1940م) ~~و«فلاسفة الحكم في العصر الحديث» (1950م)، ومن المجموعة الثانية، وهي من أهم ما كتب الكاتب في ~~حياته الأدبية، عبقريات محمد (1942م) وعمر (1942م) والصديق (1943م) والإمام علي (1943م) ... إلى ~~آخر هذه السلسلة الطويلة التي شملت نحو خمسة عشر كتابا، أما طوال الخمسينيات، فقد أخذ يخرج ~~الكتاب إثر الكتاب، دفاعا عن الإسلام، حتى يبطل ms046 ما يدعيه المستعمر في هذا الميدان، مما ~~يتخذه ذريعة يبرر بها اعتداءه، ومن أهم هذه المجموعة كتب «الديمقراطية في الإسلام» (1952م) ~~و«الإسلام والاستعمار» سنة (1957م) و«حقائق الإسلام وأباطيل خصومه» (1957م) و«التفكير فريضة ~~إسلامية» (1957م) وغيرها. # وفي تلك الفترة نفسها ظهر عدد كبير من الأدباء الشبان، اشتد وعيهم بما كان في الحياة ~~السياسية حينئذ من فساد، وبما كان بينها وبين الاستعمار من صلات وروابط، وهم أنفسهم الشبان ~~الذين ظهرت في كتاباتهم بذور المعاني الاشتراكية التي جاءت ثورة 1952م لتخرجها إلى عالم ~~الوجود، وقد امتد الوجود الأدبي ببعض هؤلاء الشبان إلى يومنا هذا فأصبحوا من كتاب ~~الاشتراكية وشعرائها المرموقين. # ومن الكتاب الذين انعكست المقاومة في أدبهم نجيب محفوظ، الذي امتد إنتاجه في القصة من ~~الثلاثينيات إلى يومنا الراهن، ولعل قمة أعماله - من الزاوية التي ننظر منها الآن إلى الأدب، ~~وهي انعكاس الجهود التحررية على الأدب - أقول لعل قمة أعماله في هذا الميدان هي ثلاثيته ~~الكبرى: «بين القصرين» و«قصر الشوق» و«السكرية» ففي هذه الثلاثية صورة كاملة الدقائق ~~والتفصيلات لحياة المجتمع المصري كله خلال الفترة التي تقع بين الحربين، نرى فيها كيف تطور ~~مفهوم الوطنية عند الأجيال المتعاقبة، فالوطنية عند الجد الكبير كانت دفعا للتبرعات ودعاء ~~من الله بنصرة الزعماء، والوطنية عند ابنه الكبير هي توزيع للمنشورات السياسية ومشاركة في ~~المظاهرات حتى لقد لقي حتفه في إحداها، والوطنية عند ابنه الأصغر (كمال عبد الجواد) هي ~~العمل من أجل الشعب، بل من أجل الإنسانية المكافحة داخل الوطن وخارجه على السواء، ثم ننتقل ~~إلى الحفدة، فنرى مفهوم الوطنية قد ارتبط بالميدان الاقتصادي، فأعداء الوطن هم من يستغلونه ~~في هذا الميدان، لا فرق بين أجنبي ومواطن إذا كان كلاهما من المستغلين، ومن هؤلاء الأشخاص ~~جميعا، يهتم الكاتب - بصفة خاصة - بكمال عبد الجواد، الذي قال عنه «إنه يعكس أزمتي ~~الفكرية، وهي أزمة جيل بأسره.» # وتحدث أحداث كبرى تشد حولها الكتاب والشعراء جميعا، من أهمها قيام إسرائيل (1948م) ~~والعدوان الثلاثي على الجمهورية العربية المتحدة (1956م)، وثورة الجزائر، وغيرها من ms047 الثورات ~~التي شملت الوطن العربي كله من أوله إلى آخره، فتفجرت عيون الأدب نثرا وشعرا، لتنصب على ~~هذه المآسي الإنسانية الكبرى، كتبت القصص التي تصور روح الشعب الثائرة إزاء المستعمرين ~~والمستبدين والإقطاعيين، نذكر منها قصة يوسف السباعي «رد قلبي» وقصة إحسان عبد القدوس «في ~~بيتنا رجل» وقصة لطيفة الزيات «الباب المفتوح»، وكتبت المسرحيات التي تصور القوة الغاشمة ~~حين تنتهك حرمات العدل والحق، نذكر منها مسرحية عبد الرحمن الشرقاوي «مأساة جميلة» ومسرحية ~~ألفرد فرج «سليمان الحلبي» ومسرحية «اللحظة الحرجة» ليوسف إدريس ، ونظمت دواوين بأسرها ~~تعبيرا عن الشعور الوطني الفياض، نذكر منها ديوان «قاب قوسين» للشاعر محمود حسن إسماعيل، ~~وأعيدت ذكريات المآسي الماضية في شعر جديد، كحادثة دنشواي في قصيدة صلاح عبد الصبور «شنق ~~زهران» وقصيدة «أوراس» عن ثورة الجزائر لأحمد عبد المعطي حجازي، الحق أن ما كتب ونظم في ~~مأساة فلسطين وفي بطولة بورسعيد وفي معركة الجزائر ومعركة الكونجو وشتى ضروب المقاومة التي ~~يبديها الوطن العربي بخاصة وتبديها أفريقيا وآسيا بعامة - لا تكاد تقع تحت الحصر، فالموضوع ~~حاضر على أسنان الأقلام أيا كانت الصورة الأدبية التي تجري بها. # ومن الموضوعات التي تشغل الأقلام كذلك إبان هذه المرحلة الثالثة موضوع الوحدة العربية ~~والقومية العربية، وهو جانب إيجابي يستهدف إقامة بناء جديد على أسس سليمة، ولا يقف عند مجرد ~~الثورة الشعورية في مهاجمة الغاصب والمستعمر، فالدول العربية القائمة الآن - كما يقول ~~الباحث العربي الكبير ساطع الحصري - «لم تتكون ولم تتعدد بمشيئة أهلها ولا بمقتضيات ~~طبيعتها، وإنما تكونت وتعددت من جراء الاتفاقات والمعاهدات بين الدول التي تقاسمت البلاد ~~العربية، وسيطرت عليها» ويوجه ساطع الحصري اللوم إلى أولئك الذين ثاروا ليتخلصوا من ~~المستعمرين، حتى إذا ما ظفروا بشيء مما أرادوا، أصروا على أن تبقى لبلادهم الحدود التي ~~حددها بها المستعمرون لصالح المستعمرين: «ما أغربنا نحن العرب، لقد ثرنا على الإنجليز ~~والفرنسيين، ثرنا على من استولى على بلادنا واستعبدنا، وأثرنا الثورات الحمراء والبيضاء عدة ~~عقود من السنين، وقاسينا في سبيل ذلك ألوانا من العذاب والتضحيات، ولكننا ms048 عندما تحررنا من ~~نير كل هؤلاء، أخذنا نقدس الحدود التي كانوا قد أقاموها في بلادنا بعد أن قطعوا أوصالها، ~~ونسينا أن تلك الحدود إنما كانت هي الحبس الانفرادي والإقامة الجبرية التي فرضوها علينا، ~~لإضعافنا، وعزل قوى بعضنا عن أن تتحد بالقوى الأخرى» ومن أهم كتب الحصري في ذلك كتاب «آراء ~~وأحاديث في القومية والوطنية» و«العروبة بين دعاتها وخصومها». # قلنا: إن أدب المرحلة الأخيرة - فيما يتصل بمقاومة المستعمر - قد اتسم بطابع إيجابي ~~يبرز به خصائصنا الشخصية الفريدة، لكي نقف على أقدامنا ولا يجرفنا تيار الشمول، الذي يسود ~~فيه القوي ويضيع بين أمواجه الضعيف، وكان من أهم ما عني به الأدباء في هذا الاتجاه الإيجابي ~~البناء، استخراج أصولنا من لفائف التراث الشعبي، فأخذوا يتقصون الرسوم الشعبية والأغاني ~~الشعبية والأساطير الشعبية، حتى لقد صدرت مجلة فصلية بإشراف الدكتور عبد الحميد يونس، لنختص ~~في عرض التراث الشعبي وتحليله وتقويمه، ليفيد منه كتاب القصة والمسرحية كما يفيد منه ~~المصورون والنحاتون والشعراء، فإذا أضفنا إلى هذه الحركة حركة أخرى لبثت قائمة منذ فجر ~~نهضتنا في أول القرن وإلى يومنا، وأعني بها حركة نشر التراث العربي وتحقيقه، تبين لنا ~~الأساس العريض المكين الذي نريد أن نقيم على ركائزه المجتمع العربي الجديد، وعندئذ لا نقول ~~إن الجديد قد جاء ليعارض القديم ويدحضه، بل نقول إن الجديد قد جاء ليجد رواسيه في عروق ~~الماضي وشرايينه، وبهذا يتصل بنا تاريخنا ماضيا بحاضر، فلا تكون فترة الاستعمار في هذا ~~الطريق الطويل الموصول إلا بمثابة غشاوة طرأت حينا على الجسم عندما أخذته العلة وسرعان ما ~~اختفت حين استرد العليل عافيته وقوته. # | إرادة التغيير # إنه لمما توصف به الفاعلية الفلسفية أحيانا، هو أنها محاولات لتوضيح المفاهيم التي تقع ~~عند الناس بين الجهل التام والعلم التام، بمعنى أنها مفاهيم يتداولها الناس وهم على بعض ~~العلم بها، فلا هم يجهلونها كل الجهل ولا هم يعلمونها كل العلم، فتتناولها الفلسفة بالتحليل ~~والتوضيح لعلها تبلغ من معانيها مبلغ التحديد الدقيق الحاسم، فهذه المفاهيم التي تقع عند ~~الناس ms049 وسطا بين الغموض والوضوح، هي أشبه شيء بمدينة تراها على مبعدة فترى بروزا ممتدا في ~~الأفق، تتبين معالمه الرئيسية من بناء مرتفع هناك ودخان متصاعد هنا، فتكون مما تراه على ~~يقين أنك تقترب من مدينة، أما تفصيلاتها فلست منها على هذه الدرجة من اليقين، لكنك كلما ~~دنوت منها ازددت إلماما بتلك التفصيلات، فما قد كان يبدو لك من بعيد بقعة كبيرة بيضاء، قد ~~أخذ الآن يتبين في شيء من الوضوح أنه عمارة سكنية ارتفاعها عشرون طابقا، وتلك التي بدت لك ~~من بعيد لمعة ضوئية ساطعة، قد ظهر لك الآن أنها سطح من زجاج يغطي مصنعا ضخما. # وهكذا قل في كثير جدا من المفاهيم التي نتداولها في مجرى حياتنا الفكرية، بل وفي مجرى ~~حياتنا العملية، والتي نشعر أن الحياة - فكرية أو عملية - متعذرة بدونها، ومع ذلك فعلمنا ~~بها لا يكاد يتعدى علمنا بأن في الأفق البعيد مدينة كبيرة، وها هنا يكون عمل الفلسفة أن ~~تدنو بنا من تلك المفاهيم لنراها في تفصيلاتها ودقائقها، وكثيرا ما تأخذنا الدهشة أن نرى ~~من تلك التفصيلات والدقائق ما لم نتوقعه ولم يخطر لنا ببال، وعندئذ قد يحدث لمن أخذته ~~الدهشة أن يثور في وجه من أخذ بيده وأطلعه على دقائق ما كان يتصوره في غموض وإبهام، متهما ~~إياه بأنه يعقد البسيط، ويصعب السهل، ويغمض الواضح، والأمر في هذا شبيه بنا حين نستخدم ~~الورقة والقلم والمنضدة والمقعد في بساطة تخيل إلينا أن هذه أشياء أولية لا تحتاج إلى ~~تحليل، حتى إذا ما جاء عالم الفيزياء ينبئنا أنها في الحقيقة أشياء مركبة معقدة تنحل آخر ~~الأمر إلى عناصر قوامها ذرات مؤلفة من كهارب موجبة وكهارب سالبة وكهارب محايدة، إلى آخر هذه ~~القصة التي ترويها الطبيعة النووية؛ أخذتنا الدهشة، لكن العجب هنا هو أن الدهشة لا تنتهي ~~بأصحابها إلى اتهام علماء الطبيعة بأنهم يعقدون البسيط ويصعبون السهل ويغمضون الواضح، بل ~~ترى هؤلاء ينصتون في إعجاب، يريدون أن يعلموا ما لم يكونوا يعلمونه، على خلاف موقفهم في ~~الحالة الأولى، ms050 حين جاءهم الفيلسوف بتحليل يفكك لهم أوصال المفاهيم التي يتداولونها، فثاروا ~~في وجهه كأنهم كانوا يجدون النعمة في الفهم المبهم، ويخشون أن يفسد تحليل الفلاسفة عليهم ما ~~كانوا به ينعمون. # ولعل السر في اختلاف الموقفين: موقف الناس بإزاء التحليل الطبيعي الذي يفكك الأشياء ~~المادية إلى عناصرها الأولية، وموقفهم بإزاء التحليل الفلسفي الذي يفكك الأفكار العقلية إلى ~~مقوماتها البسيطة: هو أن النوع الأول من التحليل لا يمس نفوسهم، وإنما ينصب على أشياء لا ~~تمت لأنفسهم بصلة إلا صلة الأداة الجامدة بمن يستخدمها، وأما النوع الثاني من التحليل فهو ~~في الأعم الأغلب ينصب على جوانب من صميم النفس الإنسانية وقيمها: العقل والروح والذكاء ~~والتفكير والإرادة والعاطفة والانفعال والخير والشر والجمال والقبح والحق والباطل، إلى آخر ~~هذه القائمة الطويلة من التصورات التي يستحيل عليك أن تجد إنسانا واحدا يجهلها كل الجهل، ~~بدليل أنه ما من إنسان تكاملت له قدراته إلا وتصبح هذه التصورات جزءا من اللغة المتداولة ~~المشتركة التي ترد في حديثه دون أن يقف عندها متسائلا: ماذا تعني؟ إلا أن يكون فيلسوفا أو ~~سائرا في طريق الفكر الفلسفي. # و«إرادة التغيير» كلمتان صيغتا على صورة المضاف والمضاف إليه، تماما كما نقول «قراءة ~~الكتب» و«كتابة الخطابات» و«رؤية الشمس»، وهما كلمتان قد أصبحتا مما نتداوله في الحديث، لا ~~غناء لنا عنهما؛ لأنهما معا تكونان أحد المبادئ التي نستهديها في بناء حياتنا الجديدة، ~~وهما - سواء أخذناهما مفردتين أو موصولتين في عبارة واحدة - من ذلك الضرب من المعاني التي ~~أشرنا إليها؛ أعني ذلك الضرب من المفاهيم التي يكون الناس منها على درجة وسطى بين الجهل ~~والعلم، ومن ذا لا يستخدم كلمة «إرادة» وكلمة «تغيير» في حديثه الجاري، وهو على بعض العلم ~~بما تعني هذه الكلمة أو تلك؟ ليس من الناس من يجهلها كل الجهل، ولكننا نزعم أيضا أن قليلا ~~جدا من الناس هم الذين يعلمونهما كل العلم. # فماذا نعني بالإرادة؟ إنني لا أنوي أن أسوح بالقارئ في متاهات المذاهب المختلفة، وأوثر أن ~~أعرض الأمر من وجهة النظر ms051 التي أراني أميل إلى قبولها، فأنا أحد الذين يؤمنون ببطلان نظرية ~~«الملكات» التي كان أصحابها يظنون أن داخل الإنسان «قوى» لكل قوة منها كيان مستقل قائم ~~بذاته، فهذا «عقل» وتلك «نفس»، وهذا «ذكاء» وتلك «إرادة» كأنما هي جمهرة من الأشباح ازدحمت ~~في جوف الإنسان، لكل شبح منها عمله الذي يؤديه، وحتى إذا مرت به ساعة لا يؤدي خلالها ذلك ~~العمل، فهو ما يزال هناك مستريحا أو معطلا، ينتظر اللحظة التي ينشط فيها لأداء عمله. كلا، ~~لست من هؤلاء الذين يتصورون قوى الإنسان أشباحا قائمة بذواتها داخل الإنسان، تؤدي عملها ~~حينا ولا تؤديه حينا آخر، إذ إنني ممن يأخذون في فهم الإنسان بالنظرة «السلوكية» التي ~~تترجم أمثال هذه التصورات (عقل، نفس، ذكاء، إرادة ... إلخ) إلى نوع السلوك الذي يسلكه البدن ~~في مواقف الحياة المنظورة المشهودة، وبهذا يكون «العقل» نمطا معينا من السلوك يسلكه ~~الإنسان في مواقف بذاتها، وتكون «الإرادة» نمطا معينا آخر من السلوك، وهلم جرا، فلو ~~سألتني: ما العقل؟ أخذتك من يدك إلى إنسان يحاول أن يلتمس الطريق إلى هدف - كائنا ما كان ~~الهدف، وكائنا ما كان الطريق - وقلت لك: هذا الذي تراه من محاولة للوصول إلى هدف، هو مثل ~~من الأمثلة الكثيرة التي جاءت كلمة «عقل» لتضمها جميعا في حزمة واحدة. نعم إن أهداف الناس ~~كثيرة ومنوعة بتنوع الأفراد والمواقف والظروف، وبالتالي فإن المحاولات لتحقيقها تختلف ~~باختلاف تلك الأهداف، فالذي هدفه أن يشكل قطعة الحديد على صورة المفتاح، لا تجيء محاولته ~~شبيهة بمحاولة الذي هدفه أن ينسج من القطن قماشا، أو شبيهة بمحاولة الذي هدفه أن يقسم تركة ~~بين الوارثين ليعطي كلا ما يستحقه منها، لكن هذه كلها أمثلة تجسد ما نعنيه بالعقل؛ لأنها ~~أمثلة لمحاولات يقوم بها أصحابها بغية الوصول إلى هدف مقصود، وبهذا نفهم «العقل» من زاوية ~~السلوك المرئي المشهود وبهذا أيضا نفهم الصلة الوثيقة بين «الفكر» و«العمل»، فليس فكرا ما ~~ليس يتجسد في عمل، وليس عملا موفقا مسددا نحو غاية ما ليس يسير على فكرة مرسومة. ms052 # وهكذا قل في «الإرادة»، فإذا سألتني ما «الإرادة»؟ أخذتك من يدك إلى إنسان استهدف هدفا، ~~فلما سار إلى تحقيقه صادفته في الطريق معوقات، فراح يزيلها ليستأنف السير، إنه لا انفصال ~~بين «الإرادة» و«العمل» حتى ليصبح من اللغو أن تقول عن إنسان إن له «إرادة» لكنها لا تجد ~~العمل الذي تؤديه، وإلا كنت كمن يقول إنه يأكل ولا طعام، أو يشرب ولا ماء! الإرادة هي نفسها ~~العمل الذي يحقق الهدف ويزيل ما قد يحول دون تحقيقه، شريطة أن يكون الهدف هو هدفك أنت، وإلا ~~كنت آلة مسخرة في يد صاحب الهدف، إنك في العمل الإرادي أنت الآمر وأنت المأمور، بل إنه ~~لتشبيه مضلل أن نجعل منك آمرا ومأمورا، كما لو كنت جانبين أحدهما في الداخل - وهو ما يسمى ~~بالإرادة - والآخر في الخارج - وهو ما يوصف بأنه تنفيذ للإرادة - والصواب هو أنك وأنت تعمل ~~العمل الذي تسعى به إلى تحقيق أهدافك فأنت عندئذ بجميع سلوكك تجسيد للإرادة ~~وتنفيذها. # ولعلك قد لحظت فيما أسلفناه لك عن «العقل» من أنه هو السلوك الذي يبدأ بفكرة عما نريد ~~تحقيقه وينتهي بتحقيق تلك الفكرة بحيث تصبح كيانا مجسدا، وفيما أسلفناه لك عن «الإرادة» ~~من أنها هي كذلك السلوك الذي يبدأ بالصورة الذهنية التي يراد إخراجها وينتهي بتحقيقها بحيث ~~تصبح كيانا مجسدا، أقول لعلك قد لحظت في هذا القول عن العقل وعن الإرادة أن كليهما واحد، ~~ففي كلتا الحالتين فكرة وتنفيذها في عملية واحدة متصلة أولها رؤية للهدف قبل وقوعه وآخرها ~~وصول لذلك الهدف بعد أن صيرناه كائنا قائما بين الكائنات. # وهكذا الحياة الإنسانية وحدة عضوية قوامها فعل وحركة، لا فرق في ذلك بين تفكير العقل ~~وإرادته. # إنك إذ تنظر إلى الإنسان وهو ينشط بأي ضرب من ضروب النشاط: إذ تنظر إليه وهو يكتب خطابا، ~~أو يقرأ كتابا أو يأكل طعامه، أو يلعب الكرة أو الشطرنج، إذ تنظر إليه وهو يقيم الجدران ~~ويرصف الطرق ويبيع ويشتري ويتكلم ويسمع، إذ تنظر إليه وهو يمشي ويجري ويقف ويجلس ويضحك ms053 ~~ويبكي، لا يخطر ببالك أبدا أنك إزاء شطرين في كل عمل من هذه الأعمال التي تنظر إليها، ~~فتقول لنفسك: هذا شطر «الإرادة» وهذا شطر «تنفيذها»؛ لأنك تعلم من خبراتك مع نفسك أن ~~الإرادة هي تنفيذها، وأن الإنسان هو الكل العضوي الواحد الذي ينشط بهذا العمل أو ~~ذاك. # وإذا كانت الإرادة هي نفسها الفعل، فقد أصبح واضحا أن قولك «إرادة الفعل» لا يزيد شيئا ~~عن قولك «الإرادة» لأن هذه لا تكون بغير فعل، كما لا يكون الوالد والدا بغير ولد: ولا يكون ~~اليمين بغير اليسار، ولا يكون البعيد بغير القريب، ولا الأعلى بغير الأدنى ... كل هذه متضايقات ~~لا يتم المعنى لأحدها بغير أن تضاف إلى شقها الآخر. # ونخطو خطوة أخرى، فنقول إنه إذا كان لا إرادة بغير فعل، فكذلك لا فعل بدون تغيير، وسواء ~~كان التغيير الحادث ضئيلا أو جسيما فهو تغيير، إنك لا تفعل الفعل في خلاء، بل تفعل الفعل ~~- أي فعل كان - لتحرك به شيئا فيتغير مكانه ليتغير أداؤه وتتغير صلاته بالأشياء الأخرى: ~~كان الحجر على الجبل فأصبح هناك جزءا من الجدار، وكان الماء هنا في النهر فأصبح هناك في ~~أنابيب المنازل، كان المداد هنا في الزجاجة، فأصبح في جوف القلم، ثم انتثر على الورق كتابة ~~يقرؤها قارئ إذا وقع عليها بصره، وكانت الأرض يبابا فزرعت، وكان الحديد خامة من خامات ~~الأرض فصنع قضبانا ... كل إرادة فعل وكل فعل حركة وتغيير. # فقولنا «إرادة التغيير» لا يضيف شيئا إلى شيء، بل هو قول يوضح معنى الإرادة بإبراز عنصر ~~من عناصرها، وكان يكفي أن تقول عن الإنسان إنه إنسان حي لنفهم من ذلك أنه ذو وحدة عضوية ~~هادفة، وأنه في سيره نحو أهدافه كائن عاقل مريد، وأنه في إرادته فاعل، وأنه في فعله متحرك ~~ومحرك، ومتغير ومغير. # وتسألني: هل تريد أن الإرادة هذه هي حالها دائما وتلك هي خصائصها، فلا فرق بين حالة تكون ~~فيها مقيدة وحالة أخرى تكون فيها حرة؟ وأجيبك فأقول إنني أخشى أن يوقعنا وضع المشكلة على ~~هذه ms054 الصورة التقليدية القديمة في لجاجة لفظية لا تنفع أحدا ولا تشفع لأحد، فلكم بحث ~~الباحثون وكتب الكاتبون جوابا عن السؤال القائل: هل الإرادة حرة أو مقيدة؟ ومتى تكون ~~الإرادة حرة ومتى تكون مقيدة؟ ولذلك فإنني أفضل النظر إلى المشكلة من زاوية الأهداف ~~وتحقيقها لعلها تكون نظرة أجدى؛ فنقول إن الأصل في الإنسان - كما أسلفنا لك القول - هو أن ~~يكون كائنا عضويا هادفا بجميعه في فعل وحركة، لكن قد ينحرف الأمر إلى أحد احتمالين ~~آخرين ، أولهما أن ينشط الكائن العضوي لغير ما هدف، فيخبط في الأرض خبط الأعمى، وعندئذ لا ~~إرادة لأنه لا هدف، وعندئذ أيضا ينتفي سؤالنا هل الإرادة حرة أو مقيدة لأنها ليست هناك، ~~والاحتمال الثاني هو أن ينشط الكائن العضوي لهدف استهدفه سواه، وهنا أيضا لا إرادة؛ لأن ~~الإرادة هنا هي إرادة من استهدف الهدف، فلا إرادة للعبد الرقيق حين ينفذ لمولاه ما يريد، ~~ولا إرادة للبلد المستعمر (بفتح الميم) إذا أملى عليه المستعمر (بكسر الميم) ما يفعله وما ~~لا يفعله، فلا إرادة إلا في حالة واحدة، هي أن يكون النشاط مرهونا بهدف وضعه الناشط لنفسه، ~~أو وافق عليه، وفي هذه الحالة الطبيعية السوية يمتنع السؤال هل الإرادة عندئذ حرة أو ~~مقيدة، وإذا فليس التعارض الحقيقي هو بين الحرية والقيد، بل التعارض الحقيقي هو في أن يكون ~~ثمة إرادة أو لا يكون، وهي لا تكون إذا لم يكن هدف أو إذا كان هنالك الهدف لكنه هدف يستهدفه ~~غير القائم بالعمل. # على أن نقطة هنا لا بد من توضيحها، وهي حين لا يكون الهدف مقصورا على فرد واحد، إذ قد ~~تشترك جماعة بأسرها في هدف معين، تسعى إليه بكل أفرادها، حتى إن تنوعت الوسائل التي يتخذها ~~كل فرد على حدة، فها هنا تكون الإرادة مكفولة كما لو كانت إرادة فرد واحد، وهذا يذكرنا ~~بالإشكال الذي يتعرض له مؤرخو الفلسفة بالنسبة إلى مذهب إسبينوزا الذي يجعل الوجود كلا ~~واحدا يسير نفسه بنفسه، بحيث لا يملك أي جزء على حدة إلا ms055 أن يسير مع الكل في مساره ~~المرسوم، فهنا ينشأ السؤال: أيكون الإنسان في هذا المجموع المتكامل حرا أم يكون مجبرا ~~على السير مع سواه في الخط المرسوم؟ والجواب الأصوب هو أنه حر ما دام جزءا في الكل الذي ~~رسم الطريق لنفسه بنفسه ... وهكذا نقول بالنسبة للفرد الواحد في مجتمع وضع لنفسه بنفسه خطة ~~للعمل تحقيقا لأهداف محددة، فما دام الهدف قائما، وما دام الهدف من وضعه هو - مشتركا فيه ~~مع غيره - فهو في سعيه نحو الهدف كائن مريد. # إن من أهم ما نريد أن نقرره هنا - تمهيدا للنتائج التي سنستخرجها في الفقرة التالية من ~~المقال، هو العلاقة بين الفرد والمجموع، تلك العلاقة التي تضمن للفرد حريته، وفي الوقت نفسه ~~تضمن مشاركته للمجموع في رسم الأهداف، فما أكثر ما قاله القائلون بوجود التعارض بين أن يكون ~~الفرد منخرطا في جهد جماعي يساير فيه مواطنيه، وأن يكون - مع ذلك - حرا في التماس الطريق ~~الذي يراه ملائما له، والأمثلة كثيرة جدا على ألا تعارض بين الجانبين، إذا نحن فرقنا بين ~~شيئين: الإطار الذي يحدد قواعد السير، ثم خطوات السير في حدود ذلك الإطار، فهنالك قواعد ~~مشتركة بين لاعبي الكرة أو لاعبي الشطرنج، لا يسمح لأحد اللاعبين بالخروج عليها، ومع ذلك ~~فلكل لاعب كامل الحرية في أن يحرك الكرة أو قطعة الشطرنج حيث أراد في حدود قواعد اللعب - خذ ~~مثلا آخر: قواعد اللغة يلتزم بها كل كاتب بها أو قارئ لها، فليس من حق الكاتب العربي أن ~~ينصب فاعلا أو أن يرفع مفعولا به، لكن هل يعني هذا حرمان الكاتب من حريته فيما يكتبه وفق ~~تلك القواعد؟ إن لكل كاتب موضوعاته التي يعرضها، وأسلوبه الذي يعبر به عن نفسه، على أن يتم ~~ذلك كله في حدود المبادئ المشتركة ... لا، بل إن كل عبارة يخطها الكاتب إنما يلتزم فيها ~~بمبادئ كثيرة، دون أن يحد ذلك من حريته في اختيار مادتها وطريقة صياغتها، ففضلا عن قواعد ~~اللغة نحوا وصرفا، هنالك مبادئ المنطق يلتزمها بحكم طبيعته نفسها، ms056 فهو لا يجيز لنفسه - ~~مثلا - أن يقول إنه إذا أراد مسافر قطع المسافة التي طولها مائتا كيلو متر في ساعتين، ~~فيكفيه قطار يسير بسرعة عشرين كيلومترا في الساعة، أو أن يقول إنه إذا أرادت البلاد تنفيذ ~~خطة صناعية تكلفها مائتي مليون من الجنيهات، فيكفيها أن تجمع من المواطنين خمسين مليونا - ~~الكاتب حر فيما يقول، ما دام قوله ملتزما لطائفة من مبادئ اللغة والفكر، وهكذا قل في ~~المواطن الفرد بالنسبة للمبادئ والأهداف التي وضعها المجموع ، وكان هو أحد أفراد ذلك ~~المجموع، فهو حر في طريقة سيره وأسلوب حياته، على أن تجيء مناشطه ملتزمة للمبادئ ~~المقررة. # فرغنا حتى الآن من فكرتين: الأولى هي أن الإرادة هي نفسها العمل الذي يحقق الهدف المنشود، ~~وأنه حيث لا عمل فلا إرادة، وأن كل عمل إنما هو تغيير لأوضاع الأشياء، وإذن فنحن إذا قررنا ~~لشخص أو لجماعة «إرادة» فقد قررنا بالتالي أن هذا الشخص أو هذه الجماعة تعمل عملا تغير به ~~من أوضاع الحياة قليلا أو كثيرا، والثانية هي أنه لا تعارض بين حرية الفرد الواحد في ~~طريقة حياته، وبين أن يكون ملتزما بالأهداف والمبادئ والقواعد التي أقامها المجتمع الذي هو ~~أحد أفراده. # وبقي لنا أن نستنتج النتائج من هذه المقدمات: إنه إذا كانت كل إرادة هي إرادة تغيير، إذن ~~فليس السؤال هو: هل الإرادة التي أطلقت للشعب يوم انتصاره هي إرادة تغيير أو إرادة شيء آخر، ~~بل السؤال هو: ما دامت الإرادة التي أطلقت للشعب يوم انتصاره هي بالضرورة إرادة عمل وتغيير ~~(لأن هذا هو معنى الإرادة كما قدمنا) فما الذي نغيره؟ وما الهدف الذي من أجل تحقيقه نغير ما ~~نغيره؟ # إن القائمة لتطول بنا ألف ألف فرسخ، إذا نحن أخذنا نعد التفصيلات الجزئية التي يراد ~~تغييرها، كأن نحصر الأفراد الذين يراد لهم أن يصحوا بعد مرض، وأن يعلموا بعد جهل، وأن ~~يطعموا بعد جوع، وأن يكتسوا بعد عري، وكأن نحصر الطرق التي يراد لها أن ترصف، والحشرات التي ~~لا بد لها أن تباد، والأرض ms057 التي لا بد أن تزرع والمصانع التي لا بد أن تقام ... تلك ~~تفصيلات جزئية تعد بألوف الألوف، لكنها تندرج كلها تحت مبادئ محدودة العدد، ثم تندرج هذه ~~المبادئ بدورها تحت ما يسمى بالقيم أو المعايير التي عليها يقاس ما نريده وما لا نريده ~~لحياتنا الجديدة، فإذا أنت غيرت ما لدى القوم من معايير وقيم، تغير لهم بالتالي وجه الحياة ~~بأسرها. # ولا تكون إرادة التغيير قد نالت من حياتنا قيد أنملة إذا نحن لم نوحد في أذهاننا توحيدا ~~تاما بين العام والخاص، فتلك من أولى القيم التي لا بد من بثها في النفوس وترسيخها في ~~الأذهان، فنحن بما ورثناه من تقليد اجتماعي أحرص ما نكون على الملك الخاص، وأشد ما نكون ~~إهمالا للملك العام، فالفرق في أنظارنا بعيد بين العناية الواجبة بالابن والعناية الواجبة ~~بالمواطن البعيد، بين العناية بتنظيف الدار من داخل والعناية بتنظيف الطريق، الفرق في ~~أنظارنا بعيد بين المال نملكه والمال تملكه الدولة للجميع، بين العيادة الخاصة يديرها ~~الطبيب الذي يستغلها والمستشفى العام يديره الطبيب نفسه ولكنه يديره باسم الدولة، الفرق في ~~أنظارنا بعيد بين معنى «أنا» و«نحن» وبين «هو» و«هم»، فما زال الذي يشغلنا هو هذه الأنا ~~والنحن اللتان لا تعنيان أكثر من الأسرة وحدودها، وأما هو وهم اللتان تمتدان لتشملا أبناء ~~الوطن جميعا فما تزالان في أوهامنا تدلان على ما يشبه الأشباح التي لايؤذيها التجويع ~~والتعذيب. # ولا تكون إرادة التغيير قد نالت من حياتنا قيد أنملة إذا نحن لم نغير من معاني «الجاه»، ~~فلمن تكون الصدارة في المجتمع: المكدود المنهوك بالعمل أم صاحب البطالة والفراغ؟ فنحن بما ~~ورثناه من تقليد اجتماعي نرفع من شأن من استطاع العيش الرغد بالعمل القليل، ونخفض من شأن من ~~اضطره أكل الخبز إلى العمل المجهد الشاق، حتى لتخلع على أي رجل شئت منصبا رفيعا، فيقترن ~~في ذهنه المنصب الرفيع بكثرة المعاونين والمرءوسين والحجاب ... وانظر مليا في كلمة «حاجب» ~~لتعلم أن صاحب السلطان بحكم التقليد الاجتماعي يحتاج إلى من يحجبه عن الناس أو ms058 يحجب الناس ~~عنه، ولا فرق في الجوهر بين تقليد يرفع الإقطاعي على رءوس أرقاء الأرض، هؤلاء يفلحون الأرض ~~ويحملون الأثقال ويرعون الماشية، وذلك في حصنه المنيع محتجب عن الأنظار لا يدري الناس ماذا ~~يعمل وكيف يعمل، لا فرق بين هذا وبين صاحب المنصب الكبير الذي يقيم الحجاب بينه وبين ~~الناس. # ولا تكون إرادة التغيير قد نالت من حياتنا قيد أنملة إذا لم ننقل مواضع الزهو، فبدل أن ~~يزهى المرء بنفسه لأنه ليس مضطرا للخضوع للقانون كما يخضع له عامة السواد، يزهى المرء ~~بنفسه بقدر ما هو خاضع لقانون الدولة سواء جاء خضوعه هذا علانية أمام الملأ أو سرا في ~~الخفاء، فنحن بحكم التقليد الاجتماعي الذي ورثناه ما نزال نعلي من مكانة الذين لا تسري ~~عليهم القوانين سريانها على الجماهير، فإذا قيل - مثلا - يكون اللحم بمقدار أو يكون السكر ~~والزيت بمقدار، رأيت صاحب المكانة الاجتماعية قد ملأ داره ودور أقربائه وأصدقائه لحما ~~وسكرا وزيتا؛ لأنه لا يكون صاحب جاه - بحكم التقليد - إلا إذا كان في وسعه الإفلات من حكم ~~القانون. # الإرادة هي نفسها إرادة التغيير، ولا يكون التغيير لمجرد تبديل وضع بوضع بغير قيود ولا ~~شروط، بل يكون تبديل وضع أدنى بوضع أعلى، ومقياس التفاوت في العلو، إنما يقاس بعدد ~~المواطنين الذين ينتفعون بالوضع الجديد، «إن السؤال الذي طرح نفسه تلقائيا غداة النصر ~~العظيم في السويس هو: لمن هذه الإرادة الحرة التي استخلصها الشعب المصري من قلب المعركة ~~الرهيبة؟ وكان الرد التاريخي الذي لا رد غيره هو: إن هذه الإرادة لا يمكن أن تكون لغير ~~الشعب، ولا يمكن أن تعمل لغير تحقيق أهدافه.» # المهم في إرادة التغيير أن نعرف ماذا نغير من حياتنا وكيف نغيره، والذي نريد له أن يتغير ~~هو القيم التي نقيس بها أوجه الحياة، وكيفية تغييرها هي أن نختار لكل موقف معيارا من شأنه ~~أن يتحقق أكبر نفع وقوة وكرامة واستنارة وأمن لأكبر عدد من أبناء الشعب. # | وحدة التفكير # مشكلة صادفتها الفلسفة في كل عصورها، وعلى أيدي رجالها ms059 أجمعين، وهي مشكلة قد تبدو بعيدة ~~عن أرض الواقع، مع أنها - شأن سائر المشكلات الفلسفية - بهذه الأرض لصيقة اللمسة عميقة ~~الجذور، وأعني بها مشكلة الوحدة التي تضم في طيها كثرة كثيرة الأجزاء والعناصر، فما من شيء ~~حولك إلا وهو كثرة في وحدة: هذه المنضدة التي أمامي هي أجزاء صغرى تراكمت، وحالات كثيرة ~~تعاقبت حالة في إثر حالة، أو تعاصرت حالة إلى جوار حالة، وهذا النهر المتدفق بمياهه، ما زال ~~منذ أبعد العصور متجدد الماء، تتجمع فيه قطرات المطر ملايين ملايين، ثم تنساب تيارا واحدا ~~يندفق في البحر ليتصل السير والجريان، وأنت وأنا وكل كائن حي من نبات وحيوان، كتلة جمعت من ~~الأجزاء ما لا يكاد العدد يحصيه، لكن المنضدة التي أمامي «واحدة» والنهر العتيد «واحد» وأنت ~~وأنا وكل كائن حي كيان «واحد» - ولقد تمضي عنك هذه الحقيقة لا تأبه لها، حتى يجيئك فيلسوف ~~ينبهك إلى أن «واحدية الكثرة» مشكلة تريد النظر والتفسير، فكيف ترتبط كثرة الأجزاء والعناصر ~~في كيان واحد؟ # والأمر في هذه المشكلة كالأمر في سائر المشكلات الفلسفية، من حيث اختلاف الرأي وتعدد ~~الحلول، وحسبنا هنا أن نذكر اتجاهين رئيسيين شائعين يقسمان الفلاسفة مجموعتين: فاتجاه منهما ~~- وهو أكثر من الآخر شيوعا - يرى أصحابه أن لا مناص من افتراض وجود كائن يخفى على البصر، ~~ويكمن وراء الظواهر الكثيرة في الشيء الواحد، هو الذي - بواحديته وثباته - يخلع الواحدية ~~على الشيء مهما كثرت ظواهره، ويطلق الفلاسفة على هذا الكائن المختبئ وراء الظواهر البادية ~~اسم «الجوهر»، ولا فرق في ذلك بين شيء وشيء، فلئن كنا نعتقد أن الفرد الواحد من بني ~~الإنسان، يكمن في جوفه «روح» هو الذي يجعله فردا واحدا منذ ولادته وإلى أن يموت، بل وبعد ~~أن يموت، برغم كثرة أجزائه وكثرة حالاته وتعدد مراحله التي يجتازها في نموه وذبوله، فقد لزم ~~علينا أن ننظر النظرة نفسها إلى كل شيء آخر فيه واحدية تجمع ظواهره الكثيرة في كيان، وإنه ~~ليجوز لك في هذه الحالة - بعد أن تجعل لكل شيء جوهرا يضم ms060 أشتاته - يجوز لك في هذه الحالة ~~أن تفاضل بين جوهر وجوهر، أو ألا تفاضل، لكنك في كلتا الحالتين قد اخترت لنفسك طريقة الحل في ~~مشكلة الوحدة التي تضم في ردائها كثرة. # وأما الاتجاه الثاني في حل المشكلة، فهو ألا نفرض وجود كائن غيبي وراء الظواهر الكثيرة ~~ونحاول أن نرد الواحدية التي تجعل من الأجزاء الكثيرة شيئا واحدا، إلى شبكة العلاقات التي ~~تربط تلك الأجزاء بعضها ببعض، فحتى لو تشابهت الأجزاء الصغيرة وتجانست ، فهي من كثرة العدد ~~بحيث نستطيع أن نتصور - على أساس رياضي - ملايين التشكيلات الممكنة التي يجوز لتلك ~~الأجزاء أن تتشكل بها. # وسواء أأخذت بفكرة الجوهر أو بفكرة العلاقات في تفسيرك لواحدية الشيء الواحد، فالأمر الذي ~~يهمنا هو أنك - لا بد - باحث عن وحدة تضم الأشتات فيما تظنه كيانا واحدا، ليس لك في ~~ذلك اختيار، فمن الوجهة العملية لا تستطيع أن تستخدم الأشياء أو تنتفع بها إلا إذا تناولتها ~~من حيث هي وحدات، غاضا بصرك عما تحتويه تلك الوحدات من أجزاء تدخل في تركيبها، فالمناضد ~~والمقاعد والكتب والأوراق والأقلام والأشجار وأفراد الناس والمدن والقرى والأنهار والبحار ~~إلخ لا مناص من النظر إليها - في العمل والتعامل - على أنها وحدات، تقول - مثلا - إنني ~~أعيش في «القاهرة» ولا تبالي أن يكون هذا الاسم مطلقا على مجموعة كبرى من العناصر ~~والأفراد، يدخلها كل ساعة ألوف الناس ويخرج منها ألوف، وتبنى بها بيوت وتهدم فيها بيوت، ~~لكنها في العمل والتعامل قاهرة واحدة ... ومن الوجهة النفسية لا تستطيع إلا أن تنظر إلى نفسك ~~بكل ما فيها من ألوف الخبرات والتجارب على أنها نفس واحدة، ثم تعود فتخلع واحدية نفسك هذه ~~على سائر الأشياء، بل قد تخلع واحدية نفسك هذه على الكون كله فتجعله كونا واحدا على غرار ~~ما تحسه في نفسك من واحدية تضم حالات الخبرة والتجربة في تيار واحد، ... ومن الوجهة المنطقية ~~لا تستطيع أن تتحدث إلى سواك بجملة واحدة إلا إذا صغت كلماتك على نحو يوهم بواحدية الأشياء، ~~تقول - مثلا - قابلت أخي وكتبت ms061 مقالا، وتناولت الغداء، وفي كل جملة من هذه الأقوال توحيد ~~لما هو مكون من أجزاء كثيرة، ولو وقفت لتحلل كل وحدة إلى أجزائها قبل أن تنطق لتتفاهم، لما ~~نطقت بجملة واحدة لمن تريد أن تتحدث إليه، ... ومن الوجهة الأخلاقية لا يتاح لنا أن نحاسب ~~الناس على أعمالهم إلا إذا فرضنا في كل فرد منهم واحدية تجعل إنسان اليوم هو نفسه إنسان ~~الأمس، وإلا لما تحمل إنسان اليوم تبعة الفعل الذي أتاه بالأمس ، ... ومن الوجهة الجمالية محال ~~أن ينشأ في الأثر الفني جمال ما لم نلتمس في أجزائه وحدة تجعل منه كيانا واحدا، ... ومن ~~الوجهة السياسية لا يستقيم أمر إلا إذا سلكت مجموعة من الأفراد في أمة واحدة، وقد تتداخل ~~الوحدات السياسية، فما هو كل هنا قد يكون جزءا هناك، فالفرد الواحد كل من أجزاء، لكنه ~~يعود فيكون جزءا واحدا من كل أعم وأشمل هو الأمة، والأمة الواحدة التي هي مجموع أفراد ~~تعود فتصبح عضوا واحدا في وحدة سياسية أعم وأشمل وهلم جرا. # ومن أنواع الوحدة التي نوحد بها الأشتات لتستقيم لنا الحياة، وحدة التفكير التي نلتمسها ~~عند الشخص الواحد أو عند الأمة الواحدة، لنربط بها وحدات فكرية صغرى تتفرق في موضوعاتها وفي ~~وجهات النظر إلى تلك الموضوعات، لكنها على تفرقها وتباينها تنضم برباط لتكون حياة فكرية ~~واحدة، وإلا لما تكاملت لأحد شخصيته الفريدة التي تميزه من سائر الأفراد ولا تكاملت لأمة ~~خصائصها التي تفردها بين سائر الأمم. # وسر الوحدة الفكرية - فيما نرى - هو في غلبة أهداف على أهداف، فالإنسان كائن عضوي هادف، ~~يوجه نشاطه الحيوي نحو غايات بعينها، تصبح هي الخيوط الرابطة لأوجه النشاط على اختلافها، ~~فإذا وضعنا المعنى الذي نريده في جملة مركزة، مختصرة، قلنا إن وحدة التفكير هي في وحدة ~~الهدف، وإن ذلك ليصدق بالنسبة للفرد الواحد كما يصدق بالنسبة للأمة الواحدة، فإذا تعددت ~~الأهداف تعدد النقائض، بحيث أراد الشخص الواحد شيئين نقيضين فقد وقع في تفكك وتمزق، يريد ~~بعضه شيئا ويريد بعضه الآخر شيئا آخر، وليس ذلك ms062 بالنادر الحدوث، فما أكثر ما يريد الشخص ~~أن يأكل الفطيرة وأن يظل محتفظا بها في آن واحد - كما يقولون - لكنها تعد حالة مرضية أن ~~تتوزع النفس بين النقائض، وطريق الشفاء إنما تكون في أن يعرف المرء حقيقة نفسه ليعلم أي ~~النقيضين يريد. # نقول: إن سر الوحدة الفكرية هو في غلبة أهداف على أهداف، أو بعبارة أخرى هو في تركيز ~~الانتباه في غايات معينة وإقصاء ما يناقضها أو ما يعوقها عن مجال النظر ، وبغير تركيز ~~الانتباه في هدف محدد، يتعذر - بل يستحيل - على الإنسان أن يختار من مختلف العناصر التي ~~تعرض له في حياته ما يخدم الغرض المنشود، إذ كيف أختار الوسائل إلا إذا سبقت عندي الغاية ~~التي أتوسل إلى بلوغها بهذا أو بذاك من العناصر التي تعرض لي في الطريق؟ ولا تناقض في أن ~~ينشد الفرد الواحد سلسلة من الغايات يأتي بعضها في إثر بعض، فكلما حقق إحداها جعلها وسيلة ~~لما بعدها. # فإذا سئلنا: متى تتوافر «للفردية» شروطها - سواء كانت فردية إنسان واحد أو مجموعة أناسي ~~في أمة واحدة فريدة - أجبنا بأن أهم هذه الشروط التي تجعل من الفرد فردا هو أن يستهدف غاية ~~معينة واحدة في الوقت الواحد، فلسنا نعني بقولنا عن كائن إنه كائن عضوي واحد، إلا أن في ~~سلوكه توافقا بين الأجزاء يمكنه من أن يركز كيانه كله جملة واحدة في شيء واحد في الوقت ~~الواحد، إن الكائن العضوي وهو ينشط بعمل معين، لا يرى من نفسه إلا فعلا، دون النظر إلى ~~الأعضاء المتفرقة التي تتعاون في أداء هذا الفعل، خذ نفسك وأنت تنظر إلى شيء ما، فأنت لا ~~تعي عندئذ إلا فعل الرؤية، دون أن تدرك شيئا من العين التي ترى، بل الكيان العضوي كله ~~الذي هو أنت حين تنظر لترى، فليس في وعي الفاعل وهو يؤدي الفعل إلا حالة الانتباه إلى هدف ~~مقصود، وقد نستعين بعد ذلك بالتحليل العقلي لنعلم أن الانتباه الصرف هو الجانب الذاتي من ~~مجمل الموقف، وأن الشيء الذي نصب عليه انتباهنا ms063 هو الجانب الموضوعي، أما لحظة الفعل فالموقف ~~واحد؛ لأن الفاعل وفعله شيء واحد. # الحظ الفاعل المنتبه إلى موضوع فعله تجده قد اتخذ لجسده وضعا يلائم الفعل المقصود، بحيث ~~يجعل من الجسد كله أداة واحدة، حتى ليسهل عليك أن تنظر إلى شخص وتقول: إنه مستغرق في حالة ~~من الرؤية أو من الإنصات أو من التأمل؛ وذلك لأنك ترى من وضعه البدني ما يدلك على التركيز ~~في هذا أو ذاك، وبغير هذا التركيز يتعذر الانتقاء والاختيار لما هو في صالح الموقف الذي ~~يكون عندئذ مدار الانتباه، والانتقاء أو الاختيار إنما يتم بجانبيه الإيجابي والسلبي في آن ~~واحد، فالشخص المنتقي لهذا هو في الوقت نفسه مجتنب لذاك، فالشاخص ببصره إلى شيء يمعن فيه ~~النظر، تفوته رؤية بقية الأشياء، والمصيخ بأذنه إلى شيء يستمع إليه، يفوته سمع بقية ~~الأصوات، وهذا التفويت ضروري ضرورة العنصر المختار، وإلا فقد تختلط العناصر المواتية وغير ~~المواتية فيضطرب الأمر على الفاعل اضطرابا يشل قدرته على الأداء الناجح ... وإنه لسر للحياة ~~عجيب أن يستجمع كل عضو من أعضاء الإدراك بقية الكائن العضوي ليركزه بأجمعه فيما يبتغي، إنك ~~إذ تستغرق في سمع، تتعطل الرؤية أو تكاد، وإذ تستغرق في رؤية يتعطل السمع أو يكاد، ~~والاستغراق في فعل معين كالاستغراق في فكرة معينة، كلاهما يستقطب الكيان العضوي كله بحيث ~~لا يترك شيئا منه إلى سواه، وهل تستطيع - مثلا - أن تنوء بحمل ثقيل ثم تركز فكرك - في ~~الوقت نفسه - في مسألة تريد حلها؟ أو هل تستطيع أن تدقق النظر في كتابة صغيرة الأحرف، وأنت ~~تجري أو تقفز؟ كلا إنك لا تستطيع ذلك، لضرورة أن يتركز الكيان العضوي كله في عمل واحد في ~~الوقت الواحد (ما لم يكن العمل آليا لا يسترعي من صاحبه الانتباه). # وخلاصة القول هي إن وحدة التفكير لا تتحقق إلا بوحدة الهدف؛ لأن هذا الهدف الواحد ~~يقتضي بدوره أن نختار ما يوصل إليه وأن نجتنب ما يحول دون بلوغه، وفي وحدانية الهدف يكون ~~الانتباه المركز، الذي بغيره لا تتوحد الشخصية ms064 الإنسانية في كيان عضوي واحد، وإن في قولنا ~~عن شخص ما إنه مشتت الانتباه مقسم الجهود لقولا بأنه موزع النفس، مفكك الأوصال مفقود الوحدة ~~متهافت البنيان. # وحدة التفكير هي التي تجعل من الفرد الواحد فردا ومن الأمة الواحدة أمة، ومن العصر ~~الواحد من عصور التاريخ عصرا، فلولا أن أبناء العصر الواحد يلتقون عند مشكلات معينة ~~يحاولون حلها، وعند أسئلة معينة يحاولون الإجابة عنها، لما وجد العصر ما يميزه من سوابقه ~~ولواحقه، وإلا فعلى أي أساس نقول عصر اليونان الأقدمين والعصر الوسيط وعصر النهضة وعصر ~~التنوير إذا لم يكن ذلك على أساس أمهات المسائل التي عندها اجتمعت جهود المفكرين، فلما حلت ~~المسائل أو استنفدت فيها قدرات المفكرين، دون أن تحل، ثم نشأت مسائل أخرى تسترعي الانتباه، ~~كان ذلك بمثابة زوال عصر وحلول عصر جديد، إن الذي يتغير في تاريخ الفكر عصرا بعد عصر ليس ~~هو درجة الذكاء البشري بحيث نقول عن الأقدمين إنهم أقل ذكاء من الحاضرين، بل الذي يتغير هو ~~النقطة التي يتركز فيها الانتباه لكونها هي المشكلة القائمة التي تتطلب من القادرين حلا، ~~فإذا كان الأقدمون قد صرفوا انتباههم إلى العلم الرياضي حتى أنتجوا هندسة إقليدس ومنطق ~~أرسطو، ثم إذا كان المحدثون قد أولوا العلم الطبيعي عنايتهم حتى كشفوا عن الذرة وحطموها ~~فبنوا الصواريخ وأخذوا في غزو الفضاء، فإن الفرق بين الحالتين هو في موضوع الاهتمام لا في ~~درجة القدرة الفكرية، وموضوع الاهتمام هو بمثابة الهدف الواحد في العصر الواحد، وتركيز ~~الانتباه فيه هو بمثابة التفكير الموحد الذي يكسب العصر لونه وطابعه ومناخه العام، فليس ~~المناخ الفكري في القرن السابع - عند المسلمين الأوائل - شبيها به في القرنين التاسع ~~والعاشر، فبينما كانت مسائل الكفر والإيمان وحق الإمامة سائدة في الحالة الأولى، أصبحت ~~مسائل الفلسفة والعلم سائدة في الحالة الثانية، وليست هاتان الحالتان معا بشبيهتين من حيث ~~اللون الثقافي الغالب بالمناخ الفكري في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، حين خشي على ~~الثقافة الإسلامية من الضياع نتيجة لغزو التتار في الشرق وسقوط ms065 إسبانيا في أيدي المسيحية في ~~الغرب، فما لبث اهتمام الباحثين والمفكرين أن تعلق بإنشاء الموسوعات والقواميس التي تجمع ~~الثقافة الإسلامية وتصونها من عوامل الهدم والتخريب. # وإن عصرنا الراهن لقائم ماثل أمام أعيننا شاهدا على أن العصر إنما يتميز من سابقه ~~بمشكلاته الخاصة التي تجتذب انتباه المفكرين، وتجمع جهودهم وتوحد اهتمامهم، فيكون للعصر ~~بهذا كله طابعه الفريد، فلم يشهد التاريخ قبل هذا العصر عصرا أطل على الناس بقوته الذرية ~~الجبارة الماردة التي إما أن تميت الإنسانية، وإما أن تفتح لها أبواب حياة جديدة لا عهد ~~للناس بمثلها من قبل، ولم يشهد التاريخ قبل هذا العصر عصرا دق فيه الإنسان أبواب الفضاء ~~بما ينطوي ذلك عليه من نتائج الله وحده أعلم بمداها، لقد كان يحاضرنا في التاريخ ونحن طلاب ~~أستاذ صادق الحس نافذ البصيرة، فقال لنا ذات يوم وهو يحاضرنا عن رحلة كولمبس في كشف أمريكا: ~~إنها جاءت رحلة ذات نتائج خطيرة لم تظهر كلها بعد، وكان بذلك يرمي إلى ما قد تغير الحضارة ~~العلمية العملية الأمريكية من أسس الحضارة الإنسانية، فإذا صدق قول كهذا على رحلة كهذه كل ~~ما صنعته هو أن عبرت المحيط من يابس إلى يابس، فإنه يصدق ألف ألف مرة على رحلة أخرى يخرج ~~بها الراحلون عن نطاق الأرض كلها ليدنوا من أفلاك السماء، ونحسب كذلك أن لم يشهد التاريخ ~~قبل هذا العصر عصرا انشق فيه الرأي على نظم الحكم كيف تكون كما انشق عليها الرأي اليوم، ثم ~~لم يشهد التاريخ قبل هذا العصر عصرا اهتز بالثورات أشكالا وألوانا، فقد كانت خلافات ~~الملوك - ولا أقول الشعوب - تحل قديما بالحروب، وأما اليوم فالخلافات قائمة لا بين ملوك ~~وملوك، بل هي قائمة بين طبقة وطبقة وحضارة وحضارة؛ ولذلك فإنها تحل بثورات الشعوب على شتى ~~أنواع الفوارق، وهكذا تستطيع أن تلتمس ملامح عصرنا التي ما ينفك فلاسفة العصر وأدباؤه ~~يلتمسونها فيما يكتبون ويذيعون. # نريد أن ننتهي من هذا كله إلى سلسلة من الحقائق يترتب بعضها على بعض: فأولى الحقائق هنا ~~أن ms066 كل فرد في هذا الوجود هو كثرة في وحدة، ويترتب على هذه الحقيقة حقيقة ثانية وهي أن ~~الرباط الذي يربط الكثرة في وحدة واحدة هو - فيما نرى - تركيز الكائن الواحد اهتمامه ~~وانتباهه في هدف واحد، وعن هذه الحقيقة الثانية، تتفرع نتيجة، هي أن الطابع المميز لأي كيان ~~قائم بذاته هو الهدف الذي يصب عليه اهتمامه وانتباهه، يصدق هذا على الأفراد وعلى الأمم وعلى ~~عصور التاريخ. # وفي ضوء هذا الذي ذكرناه نزداد فهما لما نردده بألسنتنا وبقلوبنا عن عقيدة وإيمان من أن ~~الوحدة العربية صورتها وحدة الهدف (الباب التاسع من الميثاق) ووحدة الهدف هي وحدة التفكير، ~~ووحدة التفكير هي في أن يتجه كل الانتباه وكل الاهتمام إلى المشكلات المشتركة، فلئن اختلفت ~~الظروف السياسية في أجزاء الأمة العربية اختلافا جعل الثورة السياسية في جزء مختلفة عنها ~~في جزء آخر، إذ ربما كانت ثورة على مستعمر هنا وثورة على حاكم مستبد من أهل البلاد نفسها ~~هناك، فإن الظروف الاجتماعية في سائر أجزاء الأمة العربية سواء؛ لذلك كانت الثورة ~~الاجتماعية - بعد مرحلة الثورة السياسية - هدفا مشتركا، يتطلب تفكيرا مشتركا ~~موحدا. # إن وجود الوحدة العربية - مجرد وجود - أمر لا اختلاف عليه، «ويكفي أن الأمة العربية ~~تملك وحدة اللغة التي تصنع وحدة الفكر والعقل، ويكفي أن الأمة العربية تملك وحدة التاريخ ~~التي تصنع وحدة الضمير والوجدان، ويكفي أن الأمة العربية تملك وحدة الأمل التي تصنع وحدة ~~المستقبل والمصير» (الميثاق). # ولكن الذي يريد التحليل والتوضيح هو تحديد المشكلة التي نجعلها مدار الفكر والعمل، ونجعل ~~حلها هدفنا الأخير، وإنه لهدف يساعد على الوصول إليه «وضوح المسائل التي لا بد من ~~تحديدها تحديدا قاطعا وملزما في هذه المرحلة من النضال العربي» (الميثاق). # إن ثمة موازاة بين تكوين الفرد وتكوين المجتمع، حتى لنقول عنهما إنهما جملة واحدة كتبت في ~~الفرد بأحرف صغيرة وكتبت هي نفسها في المجتمع بأحرف كبيرة، وإنك لتستطيع أن تفهم الفرد على ~~غرار ما تراه في تكوين المجتمع، كما تفهم المجتمع على غرار ما تراه في تكوين ms067 الفرد، ويتوقف ~~أمر الأسبقية على نوع المشكلة المعروضة، وقديما فهم أفلاطون في جمهوريته - معنى العدل في ~~الفرد الواحد على ضوء فهمه لمعنى العدل في المجتمع؛ لأن هذا المعنى أوضح في العلاقات بين ~~أبناء المجتمع منه في العلاقات الداخلية الكائنة بين مقومات الفرد الواحد، لكننا هنا نعكس ~~الوضع لنفهم الجماعة على ضوء فهمنا للفرد الواحد، ولك أن تسأل نفسك: ما الذي يجعل مني فردا ~~متكامل التكوين موحد الشخصية؟ لتجد أن الجواب هو ما أسلفناه لك في تحليل مستفيض، وهو أن ~~الذي يجعلك كذلك وحدة الهدف وما تستتبعه بالضرورة من وحدة التفكير، وإذن فعلى هذا الأساس ~~نفسه يكون الجواب على من يسأل - إذا كان هناك من يسأل - ما الذي يجعل من الأمة العربية أمة ~~واحدة متكاملة التكوين موحدة الشخصية؟ إذ الجواب هنا أيضا هو: أن الذي يجعلها كذلك هو وحدة ~~الهدف وما تستتبعه بالضرورة من وحدة التفكير. # | يمين الفكر ويساره: ما معناهما؟ # إنني ها هنا لكمن يحمل في يده سراجا، ليدخل به غرفة مظلمة، تناثرت فيها الأشياء من كل ~~صنف: أثاث وثياب، وكتب، وعدد وآلات، فيجعل همه - أول الأمر - أن يصنف هذا المحتوى المختلط ~~بعضه ببعض، والمتداخل بعضه في بعض، وذلك بأن يضع الأثاث في أماكنه، ثم يجمع الثياب وحدها، ~~والكتب وحدها، وكذلك العدد والآلات، ليعود بعد ذلك إلى الثياب فيصنفها: القمصان هنا، ~~والمناديل هنا؛ وإلى الكتب فيرتبها: هنا الفلسفة، وهنا التاريخ؛ وهكذا، يفعل كل ذلك على ضوء ~~السراج، ليعلم أولا - ماذا تحتوي عليه الغرفة، قبل أن يتاح له اختيار هذا دون ذاك، فحسبه ~~الآن أن يعلم، ليجيء اختياره بعدئذ على بصيرة وهدى. # والحق أني لفي عجب أشد العجب، ممن يجدون في أنفسهم الجرأة على القذف بكلمات يحملونها أضخم ~~المعاني، بغير أن يكونوا على بينة - ولو إلى حد محدود - مما يقولون ويكتبون، ألا إن الإيمان ~~الذي لا ينبني على وضوح العقيدة التي نؤمن بها، لهو إيمان إن صلح على الإطلاق فلطائفة ~~من الناس لا تريد أن تشغل أنفسها بما قد يعوق سير ms068 الحياة العملية، لكن الحياة العملية ذاتها ~~تقتضي - دائما - أن يتمهل نفر إلى جانب الركب السائر، ليلقي الأضواء العقلية على الأفكار ~~نفسها التي اتخذها الركب السائر محاور الدفع والحركة، ولماذا؟ ليكون ذلك بمثابة النقد ~~الذاتي، الذي يصحح التصورات العقلية على هدى من تفصيلات التنفيذ العملي، وهكذا يسير الفكر ~~والعمل رأسا إلى كتف. # و«اليمين» و«اليسار» كلمتان أراهما يستعملان على نطاق واسع للتفرقة بين الأفكار والمواقف ~~والأشخاص: فهذه الفكرة من اليمين، وتلك من اليسار، وكذلك هذا الموقف وذلك، وهذا الرجل وذاك، ~~ولقد تساءلت - مخلصا لنفسي السؤال والبحث عن الجواب - ماذا يا ترى عساها أن تكون تلك ~~الصفات التي إذا ما توافرت في شخص أدخلته في زمرة اليمين أو في زمرة اليسار؟ ولما حاولت ~~الإجابة، وجدت الأمر أعقد من أن تجيء إجابة سريعة أطمئن إلى صوابها؛ ذلك لأنه لو كانت ~~التفرقة مقصورة على يمين في ناحية، ويسار في ناحية، لما كان للتقسيم مغزى عند من تعنيه ~~الآثار الفعلية للأفكار النظرية، لكنني ألاحظ أن ثمة صفتين أخريين - على الأقل - تلحقان ~~باليمين على أقلام الكاتبين، كما تلحق النتيجة بمقدمتها، وأن ضديهما كذلك يلحقان باليسار، ~~فإذا هم وضعوا رجلا في زمرة اليمين، وصفوه في الوقت نفسه بالرجعية وباللاعلمية في وجهة ~~النظر؛ لأن اليسار وحده - هكذا ألاحظ في الاستعمال الجاري - هو التقدمي وهو العلمي، وإذا ~~كان هذا هكذا، فليس الأمر من قلة الشأن بحيث نتركه يمضي بغير تحديد. # وأول ما قد ورد على ذهني عند محاولة النظر إلى هذه التفرقة بين يمين الفكر ويساره، هو أن ~~سألت نفسي: ترى هل يتخارج هذان القسمان تخارجا تاما، كما يتخارج الذهب والنحاس، فلا يكون ~~الذهب نحاسا ولا النحاس ذهبا، أو هما متداخلان، كما يتداخل الشعر والموسيقى في شيء واحد ~~بعينه - هو الأغنية - تداخلا يجيز لك أن تعد الأغنية شعرا إذا شئت، وأن تعدها موسيقى إذا ~~شئت لأنها شعر وموسيقى في آن واحد؟ ذلك أنه يقال - فيما يقال عن أوجه الاختلاف بين العلم ~~والفلسفة، عند من يمايزون بينهما في الأسس - إن قسمة ms069 الأنواع في العلم متخارجة، على حين أن ~~قسمتها في الفلسفة متداخلة، ففي العلم إذا قلت عن شيء إنه أوكسجين لم يعد يجوز لك أن تقول ~~عنه في الوقت نفسه إنه هيدروجين، لاختلاف الخصائص المميزة بين هذا وذاك، اختلافا يفصل ~~أحدهما عن الآخر فصلا تاما، وأما في الفلسفة، فإذا قلت عن شيء إنه موجود، فقد يجوز لك أن ~~تقول عنه في الوقت نفسه إنه معدوم؛ لأن الوجود والعدم يتداخلان في حالات تجمع بينهما في آن ~~واحد، هي حالات «الصيرورة» والتغير، بحيث يكون الكائن الواحد المتغير موجودا ومعدوما معا ~~... وأعود فأقول: إن أول ما قد ورد على ذهني عند محاولة النظر في هذه التفرقة بين يمين ~~الفكر ويساره، هو أن سألت نفسي: ترى هل يجعلون هذا التقسيم على أساس «علمي» يفصل اليمين عن ~~اليسار في الفكر فصلا كاملا، بحيث يصبح محالا على من اتصف بصفات الفكر اليميني أن يتصف ~~كذلك ببعض صفات الفكر اليساري، أو هم يجعلونه تقسيما على أساس «فلسفي» يجيز أن يجتمع ~~الضدان معا في كائن واحد؟ # وإنما اهتممت بهذا السؤال في بدء الحديث؛ لأن قسمة الفكر إلى يمين ويسار مرتبطة في ~~الأذهان ارتباطا وثيقا بموقفين متضادين في مجال الاقتصاد والاجتماع، فالاقتصاد الاشتراكي ~~من جهة، والاقتصاد الرأسمالي من جهة أخرى، بما يتبع هذا التقسيم من تصورين مختلفين للعلاقة ~~بين الفرد والمجتمع، الأول يسار والثاني يمين على سبيل الاصطلاح المتفق عليه، وإلى هنا تكون ~~القسمة مفهومة في المجال الاقتصادي والاجتماعي، لكن سؤالنا هنا هو: هل تمتد هذه التفرقة ~~عينها إلى سائر جوانب الحياة الفكرية، بحيث تشمل الفلسفة والعلم والأدب والفن؟ وهل تكون هذه ~~التفرقة عندئذ واضحة المعالم وضوحها في مجال الفكر الاقتصادي والاجتماعي؟ ألدينا من معرفة ~~الخصائص المميزة لليمين واليسار في نواحي الفكر، ما يجعلنا ننظر في فلسفة ابن رشد وفلسفة ~~الغزالي - وهما كما نعلم متعارضان - فنقول أيهما في اليمين وأيهما في اليسار؟ وما يجعلنا ~~ننظر في فن العمارة بمسجد ابن طولون، وفي هذا الفن في مسجد السلطان حسن - وهما متباينان ms070 - فنقول أي الفنين يمين وأيهما يسار؟ هل يعد زهير شاعرا تقدميا لأن شعره هادف، ويعد ذو ~~الرمة شاعرا رجعيا لأنه معني بتصوير ما يشاهده تصويرا لا يهدف من ورائه إلى شيء غير ~~جمال الصورة ... إنني لأعلم أيقن العلم بأن جماعة ستقرأ هذه التساؤلات ليأخذها الضحك الساخر من ~~هذا الكاتب الجاهل، الذي لا يحسن أن يلقي الأسئلة في مواضعها، أو ليأخذها الضيق من هذا ~~المفكر «الشكلي» - فهنالك من النقاد من لا يفترون عن رميي بهذه الصفة على أنها أشنع ما يعاب ~~به مفكر - الذي يهتم بالشكل الصوري للمسائل دون مضمونها الحي، وليغفر لي الله وليغفر لهم، ~~فدأبي هو التماس الوضوح، والوضوح قد يقتضي تعرية الأشكال عما يبهمها، ودأبهم هو أسلوب ~~الخطابة المؤثرة، حتى لو بنيت هذه الخطابة على غير معنى مفهوم، تتغير له حياة الناس من ملبس ~~ومأكل ... نعم قد تثير هذه التساؤلات ضحك من لا يؤرقهم غموض المعاني، وقد يقولون: لقد ذكرت ~~لنا يا رجل أناسا ممن لا يطوف ببالنا أن ندخلهم في تقسيماتنا؛ لأننا نوجه أنظارنا نحو ~~المعاصرين دون الغابرين، بل لعل الالتفات إلى الغابرين بكل ما قد تراكم عليهم من غبار ~~أصبحوا من أجله غابرين، هو في حد ذاته «رجعية» لا نرضاها، لكنني أستطيع أن ألقي الأسئلة ~~نفسها بالنسبة إلى رجال الثقافة المعاصرين، فأجدني في الحيرة نفسها: هل كان محمد عبده في ~~«رسالة التوحيد»، ولطفي السيد في «المقالات»، وطه حسين في «الأيام»، والعقاد في «سارة»، وتوفيق ~~الحكيم في «أهل الكهف»، من اليمين أو من اليسار؟ ماذا عن فن محمود سعيد في لوحاته ومختار في ~~تماثيله، هل كانا إلى يمين أو إلى يسار؟ ... أسئلة أطرحها - أمام نفسي وأمام القراء - استثارة ~~في نفسي وفي أنفسهم للرغبة في تحديد هذين المفهومين الخطيرين، لأنتقل إلى شيء من ~~التفصيل. # وأبدأ بالفلسفة فأقول إنها - كما هو معلوم عند دارسيها - تتخذ إحدى وجهتين رئيسيتين (لكل ~~منهما تقسيمات وفروع)، إحداهما «مثالية» والأخرى «تجريبية»، وأساس القسمة هو تحديد العلاقة ~~بين الإنسان العارف والشيء المعروف، فهل يعرف الإنسان ms071 حقيقة العالم بفكره المحض، أو أن ~~الحواس من بصر وسمع وغيرهما ضرورية في توصيله إلى تلك المعرفة؟ أما المثاليون فيقولون إن ~~الفكر البحت وحده كاف لإدراك الحق، وأما التجريبيون فلا يرون كيف يتم إدراك بغير الحواس ~~أولا، إن لم يكن أولا وأخيرا معا، وواضح أنك إذا أخذت بوجهة النظر الأولى، تحولت ~~الحقائق كلها عندك إلى «أفكار»، وإذا أخذت بوجهة النظر الثانية، تحولت تلك الحقائق إلى ~~«أجسام مادية» لأن هذه الأجسام وحدها هي التي يمكن أن تدرك بالحواس، لكنك لا تكاد تأخذ ~~بإحدى وجهتي النظر هاتين، حتى تطبق عليك حلقاتها حلقة وراء حلقة؛ لأنها جميعا نتائج يلزم ~~بعضها عن بعض، فلو أخذت بوجهة النظر المثالية، كان حتما عليك أن تأخذ بواحدية الكون؛ لأنه ~~إذا كانت الكائنات كلها هي «أفكار» في رأسك عنها، ثم إذا كانت هذه الأفكار، حين نضم بعضها ~~إلى بعض، تكون فيما بينها بناء متسقا موصول الأجزاء (ولا بد أن يكون الأمر كذلك، لأنه ~~لو رفضت فكرة من الأفكار أن تتسق مع سواها، كان معنى ذلك أن هنالك فكرتين متناقضتين عن شيء ~~واحد، كأن نقول عن شكل هندسي ما إنه مربع ومثلث معا، وهو محال) إذن فالوجود «واحد» وإن ~~تعددت أجزاؤه؛ لأن ذلك يكون كما تتعدد الأجزاء في الكيان العضوي الواحد، وأما لو أخذت بوجهة ~~النظر التجريبية فإنه يجوز لك عندئذ أن ترى العالم كثرة، لا يتحتم أن يكون بينهما رباط ~~يوحدها، إذ من أين يأتي الرباط، وأنت لا تدري عن العالم إلا إدراكات حسية كثيرة تجيئك من ~~حواس مختلفة: فهذه رؤية بالعين لشكل أو لون، وذلك سمع بالأذن وهكذا. # فكونك موحدا للعالم أو معددا، نتيجة تلزم عن اختيارك الأول لطبيعة «المعرفة» أهي عملية ~~عقلية بحت، أم هي عملية تبدأ بانفعال الحواس (والحواس أجزاء من مادة البدن)؟ لكن الأمر لا ~~يقف بك عند هذا الحد، بل إنه سرعان ما ينقلك إلى وضع الفرد الإنساني بالنسبة إلى المجموع، ~~فالتوحيد عند المثاليين يقتضيهم أن يجعلوا الفرد خاضعا للمجموع خضوع العضو الواحد ms072 في جسم ~~الإنسان للكيان العضوي في مجموعه، وعندئذ لا يكون الفرد حرا في اختيار موضعه من التخطيط ~~الفكري العام، الذي يشمله ويشمل معه سواه - ولك أن تراجع مثلا جمهورية أفلاطون، لترى كيف ~~يخضع الأفراد لما يخططه العقل - وأما التعدد عند التجريبيين فمن شأنه أن يؤدي بأنصاره إلى ~~القول بحرية الفرد الواحد مستقلا عن غيره؛ لأن المجتمع عندئذ لا يكون كائنا عضويا ~~واحدا، بل يكون مجموعة من أفراد تعاقدوا معا على العيش في حياة مشتركة. # هكذا تتسلسل النتائج عند هؤلاء وأولئك، ونحن نسأل - مخلصين - أيهما يمين وأيهما يسار؟ ~~أنجعل الفلسفة المثالية - بكل تفريعاتها - يمينا، والفلسفة التجريبية - بكل تفريعاتها كذلك - يسارا؟ إننا إذا تحدثنا بلغة السياسة فنظرنا إلى غربي أوروبا وأمريكا على أنه هو اليمين، ~~وإلى الروسيا والصين وما يتبعهما على أنه هو اليسار، أخذتنا الحيرة؛ لأن الفلسفة عند الفريق ~~الأول ليست كلها مثالية موحدة (بكسر الحاء) ولأنها عند الفريق الثاني ليست كلها تجريبية ~~معددة (بكسر الدال الأولى)، فعند الأولين: براجماتية، وواقعية، وتجريبية علمية (الوضعية ~~المنطقية)، ووجودية، وكانتية جديدة، وظاهراتية ... وليست هذه كلها فلسفات مثالية، ولا هي كلها ~~توحد الحقيقة الكونية في بناء واحد متسق مترابط الأجزاء، وعند الفريق الثاني مادية جدلية، ~~فهي مع التجريبيين من حيث هي فلسفة «مادية»، وهي مع المثاليين في توحيدهم للحقيقة، من حيث ~~هي فلسفة «جدلية» (لأن هذه الصفة فيها تربط المراحل بعضها ببعض ربطا يجعل الحقيقة تيارا ~~واحدا متصلا آخره بأوله). # أم نعكس الموقف فنعد الفلسفة المثالية يسارا، والتجريبية يمينا؟ إننا لو فعلنا لما ~~نجونا من الحيرة نفسها وهي أننا سنجد في اليمين السياسي بعض اليسار الفكري، وفي اليسار ~~السياسي بعض اليمين. # وأخلص من هذا كله إلى نتيجة أراها محتومة حتما، وهي أن ليس هنالك فواصل فارقة - في ميدان ~~الفلسفة - بين يمين ويسار. # أما أن يكون في «العلم» يمين ويسار، فذلك ما لست أعتقد أن يطوف لأحد ببال، وإلا لكانت ~~لفظة «العلم» هذه لعبة يلعب بها اللاعبون كيفما أرادوا دون أن يكون لها شيء من التحديد ms073 ~~الرادع، وهل يطوف ببالك - حين أتقدم إليك بقانون علمي يحدد مسار الضوء أو الصوت، أو يبين لك ~~تركيب الماء أو الهواء - أن تسأل: ترى هل هو من قوانين اليمين أو من قوانين اليسار؟ ... لا إن ~~ذلك ليمتنع على العقل أن يسأله، بل إنه ليمتنع على العقل كذلك أن يسأل سؤالا كهذا، حتى لو ~~كان القانون العلمي المعروض خاصا بالإنسان (كقوانين علم النفس مثلا) لأنه إذا ثبت ~~بالتجربة في أي جزء من أجزاء الأرض أن ذكاء الإنسان يمكن قياسه على النحو الفلاني، أو أن ~~العادات السلوكية يمكن أن تتكون بالطريقة الفلانية، فذلك إنما يثبت على الإنسان في كل جزء ~~آخر من أجزاء الأرض يسكنه إنسان. # أحسب ألا خلاف على ذلك، ولكن الخلاف قد يبدأ حين نترك «العلم» إلى «فلسفة العلم»، وهنا قد ~~يسأل القارئ: وما العلم وما فلسفته؟ فأجيبه جوابا شديد الاختصار، بقولي إن فلسفة العلم ~~محاولة «لتفسير» العلم - لا لتغييره ولا لإضافة شيء إليه أو حذف شيء منه - بل «لتفسيره» برد ~~قوانينه إلى الأصول الجذرية التي عنها انبثقت، فقد يقول قائل - مثلا - إن قوانين العلم تصف ~~العالم كما هو واقع، وقد يرد عليه آخر بقوله: كلا؛ لأن ما هو واقع فيه خشونة وتغير، على حين ~~أن القوانين العلمية مصقولة في صيغ رياضية ثابتة، وإذن فالقانون العلمي على هذا الاعتبار ~~يكون بمثابة الصورة الذهنية الكاملة، التي تصور ما «يمكن» لحالات الواقع أن تصل إليه - ~~افتراضا لا حدوثا فعليا، وقد يقول قائل وهو يفحص قوانين العلم وما تدل عليه: إنني ~~أستنتج منها أن يكون العالم الطبيعي مكونا من أجزاء كثيرة، ويسير نحو غاية مرسومة مدبرة، ~~وهكذا، وهكذا ... كل ذلك دون أن يتأثر صرح العلم نفسه بتغير أو بزيادة ونقصان؟ إن العلماء في ~~معاملهم لا ينتظرون حتى يتقرر لهم إذا كانوا يصفون الواقع الفعلي كما يقع، أو يصوغون صياغات ~~فيها اكتمال يبلغ بالواقع الحادث حد الكمال الصوري، بل هم ماضون في علمهم على ما يقتضيه ~~منهج البحث العلمي، بغض النظر عما يقوله عنهم ms074 «المتفرجون» من فلاسفة العلم. # هذه حقيقة هامة أنبه إليها الأذهان، ليتضح للقراء ما نحن بصدد توضيحه لهم، وهو أن العلم ~~نفسه لا يتغير بتغير الآراء في فلسفته، ففلسفته - كما قلنا - «تفسير»، والتفسير لا يغير من ~~«النص» شيئا، إذا جاز هذا التشبيه؛ وعلى ذلك فافرض أن فيلسوفين قد اختلفا في تفسير العلم، ~~وافرض أيضا أننا قلنا على أحد التفسيرين إنه تفسير «يميني» وعن الآخر أنه تفسير «يساري» ~~فما جدوى ذلك، وماذا عسى أن يحدثه من أثر في خبز الجماهير؟ هل يزيد هذا الخبز رغيفا أو ~~ينقص رغيفا إذا نحن فسرنا العلم بما يفسره به المثاليون أو بما يفسره به التجريبيون من ~~الفلاسفة؟ كلا، وإنما الذي يزيد من أرغفة الخبز أو ينقص منها، هو «العلم» نفسه، لا الطريقة ~~التي نفسره بها، إن فلاسفة العلم الطبيعي في اليمين الأمريكي قد يفسرونه على نحو، وفلاسفته ~~في اليسار الروسي قد يفسرونه على نحو آخر، لكن لا أولئك ولا هؤلاء، يقدمون شيئا من صواريخ ~~الفضاء في اليمين تارة وفي اليسار أخرى. # أتسألني: وماذا تكون الغاية من «فلسفة العلم» إذن؟ إنني أجيبك بأن الغاية هنا هي نفسها ~~الغاية عند كل محاولة للفهم والتوضيح، فهي تزيد الإنسان تمكنا مما يعرفه، وليس الفرق ~~كبيرا بين أن أختلف مع زميلي في «التفسير» الفلسفي لقوانين العلم، وأن يختلف ناقد أدبي مع ~~زميله في «تفسير» مسرحية للحكيم، أهي ترتكز على أزلية الزمن وأبديته أم لا ترتكز على شيء من ~~ذلك؟ ... اختلاف ينشب بين النقاد في مستواهم الفكري، دون أن يزيد العمل الأدبي بذلك الاختلاف ~~سطرا أو ينقص سطرا. # إن سؤالنا الأساسي المطروح للبحث هو: إذا كان التمايز الاصطلاحي بين ما هو يمين وما هو ~~يسار واضحا في مجال الاقتصاد والاجتماع، فهل لهذا التمايز نفسه امتداد في الفلسفة والعلم ~~والأدب والفن؟ ولقد بحثنا في مجال الفلسفة فلم نجد حدا فاصلا، وبحثنا في مجال العلم، ~~فقضينا بادئ ذي بدء باستحالة أن يكون هنالك حد فاصل بين علم يميني وعلم يساري، ورجحنا أن ~~تكون التفرقة ms075 في هذا المجال منصبة على ما يسمونه بفلسفة العلم، لكننا رأينا أنه حتى على هذا ~~الفرض، فليس هو بالاختلاف الذي يقيم مع الحياة العلمية نفسها شيئا قاعدا، أو يقعد منها ~~شيئا قائما. # هنالك أساس آخر يتخذه بعض الكاتبين للتفرقة بين يمين الفكر ويساره، لكنه في الحقيقة أوهى ~~من أن نقف حياله موقفا جادا، وذلك هو «علمية» التفكير، فلئن كان «العلم» نفسه مشتركا ~~بين اليمين واليسار، فإن استخدام «النظرة العلمية» عند التفكير في ميادين الإصلاح الاجتماعي ~~وغيرها من جوانب الحياة العملية، أمر يختص به - عند هؤلاء الكاتبين - أصحاب اليسار دون ~~أصحاب اليمين، وهو قول - في رأينا - عجب من العجب، فما هي أهم الصفات التي تجعل من نظرة ~~الإنسان إلى شئون الحياة نظرة علمية، لا نظرة تقوم على محض العاطفة والوجدان؟ في ظني أنها ~~صفات كثيرة ينبغي أن تتوافر في الفكرة لكي تكون «علمية» إلا أن أهمها - فيما له صلة بالحديث ~~الراهن - هو «إمكان التطبيق»، فالفكرة علمية إذا كانت تحمل في صلبها طريقة تطبيقها وتحقيقها ~~على أرض الواقع، وهي حلم من الأحلام إذا لم يكن ذلك التطبيق والتحقيق ممكنا؛ ولهذا كانت ~~هذه «العلمية» هي محك التفرقة بين يسار ويسار، لا بين يسار ويمين، وذلك لأن الحلم الاشتراكي ~~طالما راود قادة الفكر الإنساني منذ أقدم القدم، لكنه كان طوال القرون السالفة أقرب إلى ~~«الحلم» يحلم به صاحبه حين يتمنى لبني الإنسان حياة عادلة شريفة، وقد اصطلح على تسمية هذه ~~الأحلام بالطوباويات (يوتوبيا) التي معناها الحرفي «بلاد لا وجود لها على أرض الواقع»، فلما ~~جاء اشتراكيو عصرنا الحاضر، نفضوا أيديهم من أمثال هذه الأحلام التي إن جاءت تسلية لقارئها، ~~فهي لا تنفع الضعفاء والمعوزين كثيرا ولا قليلا، وراح هؤلاء الاشتراكيون يفكرون على أساس ~~«علمي» يجعل خطتهم المرسومة للمجتمع خطة قابلة للتحقيق والتطبيق، وبهذه «العلمية» تميز ~~اشتراكيو اليوم عن اشتراكيي الأمس، لكنهم بهذه «العلمية» وحدها لم يتميزوا عن أعتى النظم ~~الرأسمالية التي كانت قائمة مطبقة، ومعنى قيامها فعلا وتطبيقها فعلا هو أنها كانت منبنية ~~على ms076 أسس قابلة للتنفيذ، أي أنها أسس «علمية» بهذا المعنى الذي نبسطه. # وألخص الفائت في جملة واحدة قبل أن أستأنف المسير، إننا حين نفرق بين يمين ويسار، فإننا ~~قد نصطلح على أن تكون هذه التفرقة قائمة على أساس الحياة الاقتصادية والاجتماعية من حيث ~~مضمونها، ولكننا ما زلنا نطرح السؤال: هل لهذه التفرقة امتداد في نواحي الفكر الأخرى من ~~فلسفة وعلم وأدب وفن؟ وإذا كان ذلك كذلك فماذا يكون أساس التفرقة؟ # أما الفن والأدب فلعلهما أن يكونا مجالا خصبا لاختلاف النظر بين يمين ويسار؛ وذلك لأنه ~~إذا كان العلم هو العلم بغض النظر عن أشخاص منتجيه، فالعلاقة وثيقة في الفن والأدب بين ~~الآثار ومنتجيها، فلم ينتج قصة «كارامازوف»، إلا دستويفسكي، وقصة «الحرب والسلام» إلا ~~تولستوي، وقصيدة «الأرض اليباب» إلا إليوت، و«الأناشيد» إلا إزراباوند، وهكذا، إن أستاذ ~~الكيمياء في جامعة القاهرة قد يصل إلى النتائج نفسها التي وصل إليها أستاذ الكيمياء في ~~جامعة لندن أو هارفارد أو موسكو، لكن شخصا واحدا فقط هو الذي أنتج أو سوف ينتج مسرحية «يا ~~طالع الشجرة» وذلك هو توفيق الحكيم، وإذا كانت الصلة وثيقة العرى إلى كل هذا الحد بين الفن ~~والفنان، وبين الأدب والأديب، فإن سؤالنا عن العلاقة بين اليمين واليسار في الفن والأدب ~~يزداد أهمية؛ لأنه يجوز أن يصاغ على هذا النحو: إن الأديب أو الفنان ما دام شخصا بعينه ~~متفردا متميزا، ثم ما دام هذا الشخص المعين لا بد أن يكون ذا نظرة معينة في دنيا ~~الاقتصاد والاجتماع، تجعله اشتراكيا أو غير اشتراكي، أي تجعله - بحسب الاصطلاح الجاري - ~~من أهل اليسار أو من أهل اليمين، فهل يتحتم بناء على ذلك أن يجيء أدبه أو فنه مصطبغا بما ~~يدل على وجهة نظره الاقتصادية والاجتماعية؟ إن الأمر هنا مختلف عنه في حالة العلم والعالم؛ ~~لأنك لا تستنتج شخصية العالم من علمه، وأما في الفن والأدب، فالمفروض أن تكون ثمة رابطة بين ~~صاحب الأثر وأثره بحيث نستطيع أن نستنتج شخصه من أثره. # أحسب أن الطريق تتضح أمامنا ms077 معالمه إذا نحن حللنا الفن والأدب إلى شكل ومضمون - كما قد ~~اعتاد رجال النقد أن يحللوهما - لأننا لا نكاد نفصل بين الشكل الفني أو الأدبي ومضمونه، حتى ~~ندرك على الفور ألا علاقة بين الشكل من جهة وكون الفنان والأديب يساريا أو يمينيا في ~~الاقتصاد والاجتماع من جهة أخرى، فللشاعر أن يختار أي القوالب شاء، وللمسرحي أو القصاص أن ~~يختار الطريقة التي يبني عليها مسرحيته أو قصته، دون أن يكون لذلك أدنى علاقة بمذهبه في ~~الاقتصاد والاجتماع، وإذن يكون الفرق كله كامنا في المضمون الذي يسوقه الفنان أو الأديب في ~~إنتاجه، فالشاعر العمودي - مثلا - قد يكون اشتراكيا أو غير اشتراكي، وكذلك الشاعر غير ~~العمودي قد يكون هذا أو ذاك، بحسب ما نستشفه من ميوله ونزعاته في مضمون القصيدة، وكذلك قل ~~في القصة والمسرحية، غير أن الفن التشكيلي هو الذي يحتاج إلى شيء من الروية قبل الوصول إلى ~~حكم صحيح؛ وذلك لأن المصور التجريدي أو التكعيبي أو ما يجري مجراه من المدارس الحديثة ~~الكثيرة يحاول إسقاط «الموضوع» ليصب اهتمامه كله على اللون والخط والتكوين، كأنما قد أصبحت ~~اللوحة على يديه محايدة حيادا تاما بالنسبة إلى المذاهب الفكرية من سياسة واقتصاد ~~واجتماع، ومن ثم ينشأ السؤال: هل يجوز للفنان اليساري أن يحايد في لوحاته وتماثيله؟ إنه ~~إذا كان الجواب بالنفي (وليس من الضروري أن يكون)، تحتم إذن على الفنان التشكيلي ألا يتبع ~~هذه التيارات الفنية الكثيرة التي تلتقي كلها في تنحية «الموضوع» عن النشاط الفني، ولعل هذا ~~هو ما يميل برجال الفن في البلاد الاشتراكية إلى النفور من الفن التجريدي بكل أنواعه، ~~والتمسك بأن يكون التمثال أو اللوحة ذات «موضوع» يمكن تمييزه وإدراكه. # فإذا صح هذا، انتهينا إلى ما يحدد معنى اليمين ومعنى اليسار في الفكر، وفي الأدب والفن، ~~إذ جعلنا التفرقة منصبة على مذاهب الاقتصاد والاجتماع، ثم على مضمون الأدب دون الشكل، ثم ~~على مضمون الفن التشكيلي وشكله معا عند من يطالبون الفنان بأن يحمل فنه رسالة في الاقتصاد ~~والاجتماع، وأما عند ms078 غيرهم، فيجوز للفنان التشكيلي أن يكون يساريا في اقتصاده واجتماعه، ~~دون أن يتأثر فنه بذلك لا شكلا ولا مضمونا، وأما ما عدا ذلك من «علم»، و«علمية»، و«فلسفة» ~~تجعل النشاط التحليلي مدارها، فلست أراه مما يتغير بين يسار ويمين. # على أنني أتصور تشكيلات من الفكر كثيرة، كلها جائز الحدوث، فأتصور أن يكون الرجل ~~اشتراكيا في نظرته الاقتصادية والاجتماعية، فردانيا في أدبه وفنه، مثاليا أو ~~تجريبيا في فلسفته، إذ ماذا يمنع أن يكون المواطن الواحد اشتراكيا في نظرته الأولى، ثم ~~يحدث أن يكون شاعرا ينظم القصيد - أو لا ينظمه - في الحياة والموت، في الزوال والخلود، في ~~حياة الملائكة أو حياة الشياطين؟ أو أن يكون المواطن اشتراكيا في نظرته الأولى، ثم يحدث ~~أن يكون مصورا تجريديا أو سيرياليا أو تكعيبيا أو ما شئت أن يكون؟ هل هناك من تناقض ~~في أن أصحو مع الناس مشاركا إياهم في زراعة وصناعة، وفي إنتاج وتوزيع، ثم أنفرد وحدي في ~~حلم أشطح به مع خيال مبدع خلاق؟ ... تشكيلات من الحياة الفكرية تجعلنا نتردد مرتين قبل أن ~~نطلق الأحكام في الناس إطلاقا لا حيطة فيه ولا تحفظ. # | رجل الفكر ومشكلات الحياة # هنالك نفر من الشباب الكاتب، لا يعجبهم العجب ولا الصوم في رجب، إلا أن تكتب لهم على نحو ~~ما يكتبون، وأن تذهب معهم في مذاهب الفكر كما يذهبون، ولست أدري كيف تصطدم الفكرة بالفكرة ~~ليولد الصدام فكرة أعلى وأكمل، إذا لم تختلف في الرأي وجهات النظر؟ إن كل ما يطالب به ~~الكاتب هو أن يكون مخلصا لنفسه أمينا على فكرته، وقصاراه أن يبسط الفكرة بكل ما وسعه من ~~وضوح وإيضاح وفهم وإفهام، ولا عليه بعد ذلك أن تقع الفكرة من قارئها موقع القبول، بل لا على ~~هذا القارئ نفسه إذا هو لم يقرأ ما يتفق مع هواه، وإلا لما أحدثت القراءة في نفسه حوارا ~~داخليا وفاعلية منتجة، شريطة ألا يكون مصدر الاختلاف بين الكاتب والقارئ اختلافا في ~~معاني الألفاظ التي يستخدمانها؛ لأنه لو حدث ذلك لكان أحدهما ms079 في واد والآخر في واد، لا ~~يلتقيان ولا يتصادمان، إذا قال أولهما: هذا ثور، أجابه الثاني: إذن فاحلبوه! لأن الثور ~~عنده يعني البقرة، فلا المتكلم الأول قد أفهم ولا السامع قد فهم عنه، أما أن يتفق ~~المتحدثان - أو الكاتب وقارئه - على أن اللفظة الفلانية تعني كذا وكذا من العناصر التي تدخل ~~في مكونات الشيء الذي جاءت تلك اللفظة لتسميه، ثم أن يختلفا بعدئذ على الحكم الذي ينتهيان ~~إليه بالنسبة إلى ذلك الشيء المطروح أمامهما للبحث والنظر، فليس في مثل هذا الاختلاف بأس ~~ولا ضرر، بل إن فيه لخيرا ونماء، لأنه اختلاف قمين - مع المحاورة والجدل - أن يجمع ~~المختلفين على رأي مشترك. # إنني لو سئلت: ماذا ترى من الفوارق التي تميز كاتب اليوم من كاتب الأمس؟ لجاءتني الإجابة ~~مسرعة بأن أول ما يميزهما من فوارق هو أن كاتب اليوم ألصق من زميله بالخبرة الحية، كأنما هو ~~قد وضع أصابعه على عروق الحياة ليتحسس نبضها، ولا عجب أن رأينا كاتب اليوم يلجأ إلى القوالب ~~الأدبية التي من شأنها أن تجسد الحياة بشخوصها الناطقة المتحركة، وأعني القصة والمسرحية، ~~على حين أن كاتب الأمس كاد يقصر نفسه على «المقالة» لأن بضاعته التي يعرضها «أفكار» على شيء ~~من التجريد قليل أو كثير، وكل ما تتطلبه الأفكار من باسطها هو أن يتناولها بالتحليل ~~والتوليد حتى ينكشف مضمونها وفحواها، فلئن رأى كاتب اليوم نفسه مضطرا إلى الخوض في مواكب ~~الناس الأحياء ليرى ويسمع ويحس ويتأثر، ثم يخلو إلى نفسه ساعة ليصور ما قد رأى وسمع وأحس، ~~فإن كاتب الأمس كان في مستطاعه ألا يبرح غرفة مكتبه، مراجعه على رفوفها، والمصباح أمامه، ~~فيأخذ في القراءة والمراجعة، حتى إذا ما وقع على شيء يستحق أن يعرض على الناس، كانت له ~~القدرة على عرضه في مقالة يكتبها أو سلسلة مقالات تستوعب الموضوع إذا اتسعت رقعته وتباعدت ~~أطرافه. # فإذا قلنا عن رجل اليوم: إنه «كاتب» بالمعنى الأدبي الخالص لهذه الكلمة، كان الصواب أن ~~نقول عن رجل الأمس إنه «قارئ» ما دامت ms080 كتابته عرضا لمادة قرأها وأراد لغيره أن يقرأها ~~معه. # لكن هذه التفرقة لا تنصب إلا على أديب القصة والمسرحية من جهة، وكاتب المقالات التحليلية ~~العقلية من جهة أخرى، على أساس أن الأول له السيادة اليوم، والثاني كانت له السيادة أمس، ~~فها هنا يجوز القول عن أديب اليوم أنه - في المحل الأول - ينصت إلى أحاديث الدار والدوار ~~والمصنع والطريق، في الوقت الذي كان فيه كاتب الأمس يرجع إلى الكتاب والندوة وقاعة الدرس ~~وعزلة التأمل، كما يجوز كذلك أن نقول عن أديب اليوم إنه يمس «مشكلات الحياة» في حضورها ~~المباشر؛ لأنها مشكلات عملية تجري من حولنا يوما بعد يوم وساعة إثر ساعة، وعن كاتب الأمس ~~إنه كان يتعرض لمشكلات فكرية مجردة بعدت صلتها المباشرة عن واقع الحياة الجارية، بل إن رواد ~~الأدب القصصي والمسرحي في جيلنا الماضي - وهم أنفسهم الذين ما تزال لهم الريادة في القصة ~~وفي المسرحية بين أدباء اليوم - كانوا بالأمس يكتبون القصة أو المسرحية فيما لم يكن يتصل ~~بالحياة الجارية من قريب، ثم أصبحوا اليوم يكتبون وفي أذهانهم مشكلات الحياة اليومية كما ~~تلمسها الأصابع وتبصرها العيون. # لكن هل يعني هذا كله أن يوم الناس هذا قد خلا من كاتب المقالة العقلية التحليلية التي ~~تتناول موضوعاتها تناولا مجردا، يعمم القول ولا يخصصه، ويبعد بالتجريد وبالتعميم عن ~~المشكلات الحية كما تقع في المنزل والمصنع والطريق؟ كلا بل مثل هذا الكاتب موجود - كما كان ~~موجودا بالأمس - لأن وجوده محتوم بحكم وجود «الأفكار» التي تريد التحليل والتوضيح. # والخلاصة التي نريد أن نكتبها بالأحرف البارزة لتظهر للأعمى وللأعشى وللمبصر على حد ~~سواء - قبل أن نمضي في الحديث - هي اختلاف طريقتين في تناول المشكلات: طريقة «الأديب» ~~وطريقة «المفكر»، فبرغم أن الأدب الخالص قد يجسد فكرا في ثناياه، وأن الفكر قد يصاغ في ~~عبارة لها جمال الأدب وخصائصه، إلا أننا إذا ما تطرفنا هنا وهناك لنميز بين الطرفين رأينا ~~أنه حتى لو جعل كل منهما «مشكلات الحياة» المباشرة موضوعا له، لكان لكل منهما طريقته ~~الخاصة. # فالأدب ms081 تجسيد لما يجرده الفكر، والفكر تجريد لما يجسده الأدب، على أن الأدب والفكر كليهما ~~إذ يجيئان على مستوى رفيع - لا يجعلان من «مشكلات الحياة المباشرة»، موضوعا لهما؛ لأن ذلك ~~متروك للصحافة ولأصحاب التخصصات العلمية، فأما الأدب فيعالج تلك المشكلات بطرائقه الرامزة ~~الخفية، وأما الفكر فيعالجها بالتحليل والتعليل اللذين من شأنهما أن يطيرا عن أرض الواقع ~~المباشر إلى سماء التجريد. # لكن هناك نفرا من الشباب الكاتب، لا يعجبهم العجب ولا الصوم في رجب؛ لأنهم في اللحظة ~~نفسها يكرسون أنفسهم فيها «للفكر المجرد» يسوقونه في مقالات قصيرة أو طويلة، ويضطرون - ~~شأنهم في ذلك شأن عباد الله المفكرين - أن يعلوا عن تفصيلات المشكلات كما هي واقعة، أقول: ~~إنهم في تلك اللحظة نفسها، يوجهون اللوم لغيرهم من رجال الفكر، على تقصيرهم في تناول ~~«مشكلات الحياة»، وهل تكون للكاتب قيمة إلا بمقدار ما يواجه بفكره تلك المشكلات؟ هكذا يقول ~~شبابنا الكاتب الغاضب، ولست على يقين من أنهم إذ يقولون ذلك قد وقفوا لحظة ليسألوا أنفسهم: ~~إلى أية صورة تئول مشكلات الحياة عندما تصبح موضوعات للنظر عند رجل الفكر؟ إذ يجوز أن تبعد ~~الشقة - في الظاهر - بين ما يتداوله المفكرون في عصر من العصور من ناحية، وما يعانيه الناس ~~ويكابدونه في ساحات الأخذ والعطاء وأسواق البيع والشراء من ناحية أخرى، على حين يكون ~~الطرفان - في حقيقة الأمر - على صلة وثيقة أحدهما بالآخر، برغم اختلاف الصورة في حالة الفكر ~~عنها في حالة لواقع بتفصيلاته وكثرة عناصره المتشابكة. # إن «الحياة» التي يريد شبابنا الغاضب أن نقصر الفكر والكتابة على «مشكلاتها» لا تجيء في ~~واقع الأمر إلا مجسدة في «أحياء» كلهم أفراد، يلتقون أو يفترقون على صور وأشكال لا سبيل إلى ~~حصرها: أعضاء الأسرة الواحدة، والعمال في المصنع، والركاب في سيارة أو قطار، ومجموعة الناس ~~في السوق، والطلاب اجتمعوا في غرفة الدراسة وهكذا وهكذا، على أن هؤلاء الأفراد إذ يجتمعون ~~قد تتفق بينهم الأهداف والأساليب وإذن فلا اختلاف، أو قد لا تتفق فيقع الصراع إما على الهدف ~~ماذا يكون، ms082 وإما على الوسيلة كيف تكون. # وإني لأتصور «المشكلات» التي قد تقع للناس في حياتهم على نوعين رئيسيين، ثم يعود أحد هذين ~~النوعين فينشعب شعبتين: فأولا قد تكون مشكلات الناس «خاصة»، وقد تكون «عامة»، ولا أحسب ~~الشباب الكاتب الغاضب الذين يحثوننا على تناول «مشكلات الحياة» دون سواها، لا أحسبهم يريدون ~~منا أن نعالج بمقالاتنا مشكلات الناس الخاصة لنعرضها على الملأ - رضي أصحابها أو كرهوا - فنعرض للزوج وقد اختلف مع زوجته على شأن من شئون الحياة، أو نعرض ~~للجار وقد اعترك مع جاره، فتلك - على أبعد الفروض - صور مما قد تسرع إليه صحافة الخبر حين ~~تكون الصحافة لاهية في أمة عابثة، وهي نفسها المشكلات التي إذا مستها أصابع الفن بسحرها ~~حولتها إلى أدب من مسرحية وقصة، وفي كلتا الحالتين لا يكون لرجل الفكر - من حيث هو كذلك - ~~شأن بها في حد ذاتها، وأما المشكلات العامة التي تمس أبناء الإنسانية كلها، أو أبناء الوطن ~~الواحد جميعا، أو مجموعات ضخمة من هؤلاء وأولئك، فهي التي تنشعب شعبتين: إحداهما مشكلات هي ~~من شأن البحوث العلمية المتخصصة وحدها؛ لأنه لا حيلة «للفكر» بمعناه الأعم حيالها، فماذا ~~يصنع رجل الفكر في مواجهة الأمراض المتوطنة؟ ماذا يصنع في توسيع الرقعة الزراعية؟ ماذا يصنع ~~في تحسين الطرق وإقامة الجسور؟ لا شيء، وإذن فأحسب أن الشباب الكاتب الغاضب لا يريدون منا ~~أن نعالج أمثال هذه المشكلات، وإذن فقد بقي نوع واحد هو الذي يجوز، بل يجب أن يتناوله رجل ~~الفكر بكل ما أوتيه من قدرة على التحليل والتعليل والحل، وهو المشكلات التي تكون عامة من ~~جهة وتنصب على علاقات الناس بعضهم ببعض من جهة أخرى، فماذا تكون العلاقة الصحيحة بين ~~المواطن ومواطنه؟ بين المحكوم وحاكمه؟ بين المتعلم ومعلمه؟ ماذا تكون العلاقة بين الفرد ~~الواحد وبقية الأفراد؟ بين الأمة الواحدة وبقية الأمم؟ وهكذا وهكذا. # إن هذه العلاقات الإنسانية كلها تتمثل في مواقف الواقع المحسوس، إما على صورة حسنة أو على ~~صورة رديئة، لكن رجل الفكر إذ يتناولها يكاد لا يقف إلا ms083 لحظة قصيرة عندما قد وقع منها ~~بالفعل، ليجاوزه إلى ما وراءه من مبادئ، ليقبل بعضها ويرفض بعضها، غير أنه بإزاء مناقشة ~~المبادئ المجردة تراه وقد بعد عن أرض الواقع بعدا يوهم المشاهد المتعجل أنه - أي رجل الفكر ~~- قد شطح مع الخيال إلى أبراج عالية لا يكاد يسمع منها أنات المعذبين الذين يعانون في ~~حياتهم مشكلاتها ويكابدون أزماتها، انتظارا للفرج يأتيهم من حيث لا يعلمون. # تعالوا نطف بأبصارنا في تاريخ الفكر، لنرى كيف كانت وقفات المفكرين بإزاء مشكلات حياتهم؟ ~~لعلنا نهتدي إلى الوقفة الصحيحة، حتى لا يلوم أحد منا أحدا على أنه يبلبل خواطر الناس دون ~~أن يعالج لهم مشكلات الحياة التي يريدون لها حلولا على أيدينا. # هذا هو شيخ الفلاسفة سقراط يواجه مشكلة من أعوص «مشكلات الحياة»؛ وأعني بها طريقة ~~التوفيق بين واجب المواطن الصالح في إطاعة قانون دولته، وواجبه - في الوقت نفسه - في نقد ~~تلك القوانين ومحاولة تغييرها إذا وجد فيها مواضع نقص وضرورة تغيير، فهل يلجأ المواطن في ~~ذلك إلى التماس المؤامرات أو اصطناع وسائل العنف؟ أو هل يظل المواطن مطيعا للقانون حتى ~~يتمكن من إقناع مواطنيه بالحجة العقلية ليغيروا من أوضاعهم ما يراه معيبا فاسدا. # تناول سقراط هذه المشكلة الحية التي مست حياته هو مسا مباشرا، ذلك أنه وهو في سجنه ~~ينتظر الموعد المحدد لموته بجرعات مسمومة - كما حكم عليه رجال القضاء - جاءه تلميذه الغني ~~أقريطون يعرض عليه الفرار من الدولة وقوانينها الجائرة، بعد أن أعد له الطريق برشوة الحراس، ~~لكن سقراط - رجل الفكر - سرعان ما أسقط من الموقف تفصيلاته التي هو جزء منها، وارتفع ~~بالمشكلة إلى مستواها المجرد المطلق، الذي يصلح للإنسان كائنا من كان، مهما يكن مكانه ~~وزمانه، فانتهى به التفكير إلى أنه لا مناص للمواطن من إطاعة قانون دولته إلى أن يتاح له ~~تغييره - إذا استطاع - بالحجة والإقناع، وفي محاورة أقريطون الجميلة الرائعة، التي تصلح إلى ~~يوم الناس هذا أداة فكرية رادعة لمن يدبرون وسائل العنف للحصول على ما يريدونه لأنفسهم من ~~أوضاع أمتهم، ms084 في هذه المحاورة الجميلة الرائعة، يتخيل سقراط قوانين الدولة وقد تجسدت أمامه ~~تسائله وتحاسبه إذا هو فر من وجهها، كيف يجوز له أن يتمتع بحماية القوانين، ثم يخونها ويخرج ~~عليها غدرا؟ وهل تظل للدولة قوائمها ودعائمها إذا لم تعد لقوانينها قوة، وإذا قابلها ~~الأفراد بالعصيان كلما حكمت عليهم بما لا يحبون؟ # ها هنا كانت «مشكلة الحياة» خاصة برجل واحد في موقف واحد، لكنها تحولت عند رجل الفكر إلى ~~مشكلة عقلية نظرية صرف، حتى لينسى قارئ المحاورة أن البحث قد بدأ خاصا بشخص معين في موقف ~~معين؛ لأن هذا القارئ سيرى الماثل أمام عقله قضية عامة عن موقف المواطن كائنا ما كان موطنه ~~- تجاه قوانين دولته التي قد لا يكون راضيا عنها. ~~••• # ونسوق مثلا آخر من الفكر العربي القديم، فقد اعترضت رجال الفكر عندئذ المشكلة نفسها ~~التي تعترضنا اليوم - وهي كذلك من صميم «مشكلات الحياة» - وهي: هل نأخذ عن ثقافة اليونان أو ~~لا نأخذ اكتفاء بثقافتنا المنبثقة من ظروفنا الخاصة؟ كان السؤال عندئذ - كما هو اليوم - ~~حادا يتطلب الجواب الحاسم؛ لأنهم كانوا يجتازون عصرا - كعصرنا - تتدفق فيه التيارات ~~الثقافية من كل صوب، وبخاصة في ميدان التفكير الفلسفي، فعلى أية صورة تشكلت المشكلة عند ~~المفكرين؟ # إنها ما لبثت أن اتخذت صورا موسومة بالطابع النظري العقلي الذي ربما أنساك كيف بدأت؛ ~~لأنك ستحصر النظر في موضوع البحث النظري وكأنه هو الموضوع، فها هما ذان رجلان يجتمعان في ~~حضرة الوزير ابن الفرات (في منتصف القرن العاشر الميلادي) وهما أبو سعيد السيرافي الذي لم ~~يكن يؤمن بضرورة النقل عن ثقافة اليونان، وأبو بشر متى الذي كان يرى ألا مندوحة عن ذلك، ~~فبدأت بينهما مناقشة حول المنطق الأرسطي الذي كان أبو بشر متى من علمائه: هل ينفع المتكلم ~~باللغة العربية في شيء؟ ولم يكد أبو بشر يقول عن ضرورة هذا المنطق اليوناني للإنسان بغض ~~النظر عن لسانه؛ «لأنه آلة من آلات الكلام يعرف بها صحيح الكلام من سقيمه، وفاسد المعنى من ~~صالحه، كالميزان، فإني أعرف به ms085 الرجحان من النقصان» حتى طفق السيرافي يتدفق حججا يقيمها ~~على أن للغة العربية خصائصها المميزة، وصحة الكلام مرهونة بالإعراب من حيث اللغة، وبالعقل ~~من حيث المعنى، ودراسة المنطق الصوري لا تغني أحدا عن التجربة الواقعية الفعلية بحقائق ~~الأشياء المرتبط بعضها ببعض بتلك الصور التي يدرسها المنطق، وتشبيه المنطق بالميزان ناقص؛ ~~لأن من الأشياء ما لا يوزن بميزان، فإذا كان المنطق الأرسطي ملزما لأحد فهو ملزم للمتكلم ~~باللغة اليونانية التي على أساس تراكيبها قام ذلك المنطق، واختلاف اللغات بعضها عن بعض ~~يقتضي حتما أن تكون هنالك صور مختلفة في تركيب اللفظ الذي يعبر عن معنى معين، والمعاني ~~لا تكون يونانية ولا عربية إنما هي إنسانية عامة. # سهكذا تمضي المناقشة بين الرجلين، على نحو لو كان قد سمعه واحد من شبابنا الكاتب لغضب ~~متسائلا: ما هذا النقاش النظري الذي لا يطفئ ظمأ الظمآن ولا يشبع جوع الجوعان، لماذا لا ~~تصبان اهتمامكما على «مشكلات الحياة»؟ إلى أن ينبهه صديق هادئ بأن الجذور التي انبثق منها ~~مثل هذا النقاش النظري، هي من صميم مشكلات الحياة؛ لأنها تمس المصادر التي يجوز أو لا يجوز ~~للناس أن يغترفوا منها الفكر والثقافة. ~~••• # واختر ما تشاء من أمثلة لرجال الفكر في عصرنا، اختر مثالك من فلاسفة الوجودية في فرنسا، ~~أو من فلاسفة التحليل في إنجلترا، أو من فلاسفة البرجماتية في أمريكا، أو من فلاسفة المادية ~~الجدلية في روسيا، تجدك أمام نقاش نظري مجرد، لا يذكر لك شيئا عن زيد في حقله وما يلاقيه ~~هناك من مشكلات في ري الأرض وحرثها، ولا يذكر لك شيئا عن عمرو في مصنعه وما يعانيه هناك من ~~طرق الحديد وتشكيل القضبان، لكنه نقاش إما يغوص بك في أغوار عميقة من النفس الإنسانية ليظهر ~~ما كمن فيها من عوامل القلق والحيرة، لا نفس زيد ولا عمرو، لكنها «النفس» بمعناها المجرد ~~المطلق، وإما يدخلك في دقائق جملة لغوية يحلو لرجل الفكر أن يحللها ليضع تحت المجهر طرائق ~~الناس في لفتات تفكيرهم كيف تكون، وإما يرد ms086 لك كل شيء في حياتك إلى واقع مادي يتسلسل سيره ~~في حلقات متتابعة من التطور النامي، ولن تجد في أية حالة من هذه الحالات أن «مشكلات الحياة» ~~من أخذ وعطاء وبيع وشراء وطعام وشراب وثياب ومسكن قد حلت صعابها لا كثيرا ولا قليلا؛ لأن ~~الذي يحل هذه الصعاب هم أصحاب التخصصات العلمية في الزراعة والصناعة وتبادل السلع ونسج ~~الأقمشة وبناء البيوت، لكنها - برغم ذلك - مناقشات ينفذ أصحابها من خلال المشكلات الراهنة ~~إلى الأسس والمبادئ التي اندست في طواياها، لنعود هابطين مرة أخرى من تلك الأسس والمبادئ ~~إلى أرض الواقع فإذا هو مفهوم واضح، فنزداد بحياتنا وعيا ونزداد لمشكلاتها إدراكا. # وبعد هذا كله فإني أقرر أن رجل الفكر ملتزم أمام نفسه وأمام الناس، ملتزم بماذا؟ إنه ~~ملتزم بالخوض مع الناس في مشكلاتهم، ولكن ذلك يتم له بطريقة «المفكر» لا بطريقة «الأديب» ~~ولا بطريقة «العالم المتخصص» ولا بطريقة الصحفي الذي ينقل الخبر عن الشيء كما وقع، فلكل من ~~هؤلاء طريقته إزاء المشكلة الواحدة، ومن الخير أن يلتزم كل منهم الطريقة التي يحسن أداءها، ~~وقد يجتمع أكثر من طريقة واحدة في شخص واحد موهوب، فتراه يتعرض للمشكلة على صورة معينة هنا ~~وعلى صورة معينة هناك، كما يحدث لسارتر - مثلا - أن يعالج مشكلة ما بالفكر المجرد حينا، ~~وبالقالب المسرحي حينا آخر. # كل هؤلاء يلتزمون «الحق»، لكن معيار الحق متعدد الصور بتعدد طرائق القول، فلئن كان الحق ~~عند الصحفي - وهو ينقل للناس خبرا عن مشكلة من مشكلات الحياة الجارية - هو أن يرسم صورة ~~كلامية دقيقة التطابق مع تفصيلات الحادث كما وقع، فإن الحق عند الأديب - وهو يعرض للمشكلة ~~عينها في قصة أو مسرحية - هو أن يجيد تصوير أشخاصه في تفاعلهم حتى ولو لم يلتزم، بل لا ~~ينبغي له أن يلتزم تفصيلات الواقع كما وقع، والحق عند العالم المتخصص وهو يخطط للمشكلة ~~حلا، هو نجاح التطبيق، وأما صاحبنا المفكر فصورة الحق عنده هي دقة التحليل والتعليل الذي ~~يستطيع بهما أن يجاوز حدود الواقع إلى حيث المبادئ ms087 التي كانت كامنة وتجسدت في المشكلة ~~الجزئية التي وقعت، أو إلى حيث النتائج القريبة والبعيدة التي عساها أن تترتب على تلك ~~المشكلة. # خذ مثلا هذه المشكلة التي أعدها من أعقد مشكلات حياتنا الاشتراكية الجديدة، وأعني مشكلة ~~التوازن بين احتفاظ الفرد بكيانه المستقل المسئول وبين ضرورة أن يكون هذا الفرد على صلات ~~وثيقة بينه وبين سائر المواطنين بحيث ينصهر معهم في مجموع واحد متصل، وسل نفسك: كيف يمكن ~~لرجل الفكر أن يتناول هذه المشكلة إذا هو قصر نفسه على ظواهرها البادية في حياة الناس ~~اليومية، دون أن يتعمقها إلى أصولها وجذورها التي ربما ارتدت إلى الحياة القبلية الأولى؛ ~~ذلك أننا إذ نلاحظ سهولة أن ينصهر الفرد منا في أسرته، نلاحظ أيضا إلى جانب ذلك صعوبة أن ~~ينصهر ذلك الفرد نفسه في مجموعة المواطنين: من عرفهم منهم ومن لم يعرفهم على حد ~~سواء. # أفإن فلسفنا الموضوع وشرحنا كيف تتحقق ذاتية الشيء - أي شيء - بوجوه وبصفاته وبعلاقاته مع ~~سائر الأشياء، وأخذنا نوغل في الجانب الصوري الخالص، الذي يبين أن الكائن الواحد محال ~~تعريفه إلا بربط الصلة بينه وبين سواه، أقول أفإن فعلنا شيئا كهذا قيل لنا: على رسلكم، ~~واحصروا أنظاركم في مشكلات الحياة - ذلك هو ما يطالبنا به نفر من الشباب الكاتب! # | طراز من الفردية جديد # لو أن كل تغير يطرأ على الحياة الإنسانية، يستتبع في ذيله فورا نمطا جديدا من الفكر، ~~يساير ذلك التغير الظاهر على وجه الحياة، لما وقع الإنسان فيما يقع فيه دائما إبان مراحل ~~الانتقال الكبرى، من تعارض بين حياته الخارجية البادية أمام أعين الناس، وحياته الداخلية ~~التي يعيشها مع نفسه كلما فكر أو شعر، لكن أنماط الفكر الجديد قلما تساير تغيرات الحياة ~~المادية الظاهرة، برغم العلاقة الوثيقة بين الفكر من ناحية وعالم الأفعال في دنيا السلوك من ~~ناحية أخرى، إذ إن أنماط الفكر كثيرا ما تتلكأ خلف تغيرات الحياة الفعلية، جيلا أو جيلين ~~على أحسن الفروض، وقرنا أو عدة قرون إذا ما ساءت الحال بالناس، أو لعلنا نكون ms088 أقرب إلى ~~الدقة إذا نحن فرقنا في الأنماط الفكرية بين نوعين: القوانين العلمية في جهة، والقيم ~~والمفاهيم التي تكون عند الإنسان نظرته العامة إلى نفسه وإلى الدنيا من حوله في جهة أخرى، ~~فعندئذ نقول إن ما يطرأ على حياة الناس الظاهرة من تغيرات - كانتقالهم من الزراعة إلى ~~الصناعة مثلا - لا بد أن تسبقه وتصاحبه بحوث علمية هي التي يستعان بنتائجها على ذلك ~~التحول، لكن مثل هذا الانتقال من مرحلة حضارية إلى مرحلة حضارية أخرى، يستلزم بالضرورة ~~انتقالا آخر في الأسس والمبادئ، التي من خلالها ينظر الإنسان إلى العالم، والتحول في هذا ~~المجال هو الذي نقول عنه إنه كثيرا ما يبطئ، إلى الحد الذي يترك الناس وكأنهم يعيشون في ~~عالمين أو في زمانين: أحدهما هو الذي ينشطون فيه بأعمالهم المختلفة، والآخر هو الذي يقومون ~~فيه الأشياء والمواقف بقيم ومبادئ تنتمي إلى عصر ذهب وانقضى. # هذا الفارق الذي يفصل - في حياة الإنسان الواحد - بين قواعد حياته العملية من جهة، ومبادئ ~~حياته الخلقية والجمالية من جهة أخرى، أو إن شئت عبارة أخرى، فقل إنه الفارق الذي يفصل - في ~~حياة الإنسان الواحد - بين نظرته العلمية ونظرته الفلسفية، فبالنظرة الأولى يخضع للواقع ~~ويخضعه، وبالنظرة الثانية يجاوز دنيا الواقع الماثل إلى سواها مما قد يكون الزمن قد طواه في ~~جوفه؛ أقول إن هذا الفارق هو الذي يشار إليه عندما يوصف إنسان العصر الحاضر بالقلق ~~والضياع، فيقلقه أن يرى عقله في ناحية وقلبه في ناحية أخرى، ويلقي به في متاهات الضياع ألا ~~يجد بين يديه من القيم والمبادئ ما يؤمن به إيمانا لا يزعزعه أن يراه متنافرا مع حقائق ~~الواقع الذي يعيش فيه راضيا أو كارها. # وأمام هذين الشطرين: الحياة العلمية المتصلة بدنيا العمل والإنتاج من جهة، والحياة ~~الوجدانية المتصلة بعالم المبادئ والقيم من جهة أخرى، ليس لنا الخيار فيما نأخذ وما نترك؛ ~~إذ لا بد لنا - إن لم يكن بحكم العقل الصرف، فبمقتضى شواهد التاريخ - أن نبقي على ضرورات ~~الحياة العلمية العملية، ثم نقسر الشطر الآخر ms089 - شطر المبادئ والقيم - على أن يغير من نفسه ~~ليلائم الحياة الجديدة، والسعيد من الأفراد والأمم هو من جاءت معه هذه الملاءمة في أقصر أمد ~~مستطاع، حتى تزول المعوقات من طريق التقدم الحضاري. وإنه لجدير بنا في هذا الموضع من الحديث ~~أن ننبه الأذهان إلى أن «المبادئ» و«القيم» إن هي إلا أدوات للوزن والقياس - كالأقة والرطل ~~والمتر والياردة بالنسبة للأشياء المادية - فلا يزكيها إلا ملاءمتها للمرحلة الحضارية التي يجتازها الإنسان، مضافا إلى ذلك ملاءمتها لأن تكون حافزا يحفزه ~~إلى المرحلة التي تليها. # ونحن اليوم في مرحلة انشطار مخيف بين حاضر ماثل، واقع، ضاغط بكل ثقله على حياة العمل ~~والإنتاج، وماض متلكئ ببقاياه في أذهاننا، متمثلا في مجموعة من الأفكار، هي التي تؤلف لنا ~~وجهة النظر ... إننا نعيش مع «علم» القرن العشرين ب «فلسفة» تنتمي إلى قرون ماضية، أخشى أن ~~أرتد بها إلى القرن العاشر الميلادي، أو قبله بقليل أو بعده بقليل؛ هذا بالنسبة إلينا نحن ~~العرب، وإلى القرن السادس عشر بالنسبة إلى أوروبا، ذلك أن أوروبا في القرن السادس عشر كانت ~~قد اجتازت - تقريبا - مرحلة التفكير الوسيط إلى مرحلة علمية تمثلت في جاليليو ونيوتن من ~~الناحية العلمية، وفي فلسفة ديكارت من الناحية الفلسفية، وها هي ذي اليوم في دور اجتياز ~~لهذه المرحلة، بحيث أصبح لها من العلم الطبيعي ما جاوز علم نيوتن، ومن الفلسفة ما خرج على ~~فلسفة ديكارت، وأما نحن فحين دخلنا في عصر نهضتنا خلال السنوات المائة التي تمتد من أواخر ~~القرن الماضي إلى أواخر هذا القرن - إذ لم يبق من هذا القرن إلا ثلثه - كانت النظرة ~~الفلسفية التي تتحكم فينا هي نفسها التي سادت عصورنا الوسطى، بما فيها من ارتفاع وهبوط، ~~فإذا ما هم دارس منا أن ينقل المرحلة الديكارتية من التفكير الأوروبي، عد مجددا، فما بالك ~~بالذي ينقل ما بعد الديكارتية من نظرات وأفكار؟ # إن رجال الفكر عندنا واجبهم مضاعف، إذا قيسوا إلى رجال الفكر في بلاد أخرى سبقتنا إلى ~~النهوض بثلاثة قرون على الأقل، فلا جدال ms090 في أن «العلم» الذي نسايره هو علم القرن العشرين ~~بكل ما يقتضيه من تقنيات (تكنولوجيا) وتصنيع، لكن الذي قد يثير جدالا، هو: ماذا تكون ~~«الثقافة» التي نتثقف بها بحيث تتم الملاءمة بينها وبين العلم الحديث؟ بعبارة أخرى: ما هي ~~«الفلسفة» التي نشيع بها نظرة عامة تتفق مع عصر الطبيعة الذرية وعصر التصنيع؟ أغلب الظن ~~أننا مضطرون إلى امتصاص المراحل الفلسفية التي سبقت، لتتوافر لدينا «الأرضية» التي يمكن أن ~~نقيم عليها النظرة الفلسفية المعاصرة للعلم الذري؛ لأننا لو اكتفينا بهذه الفلسفة الأخيرة ~~دون مقدماتها التي تطورت عنها، فربما جاءت مبتسرة مبتورة يتعذر هضمها، وإذن فلا بد لنا ~~من دراسة المرحلة الديكارتية التي أزالت أسس العصور الوسطى ومناهجها، ومن دراسة المرحلة ~~الجديدة التي جاءت تحمل نظرة جديدة غير النظرة الديكارتية السابقة. # وخلاصة القول إن ثمة نظرات ثلاثا إلى العالم، انعكست في ثلاث مراحل فلسفية تعاقبت ~~على مر الزمن، أستطيع الآن أن أجازف بأوصاف تميزها، فأقول إن النظرة الأولى كانت توجه ~~اهتمامها إلى الكيف دون الكم، والنظرة الثانية كانت توجه اهتمامها إلى الكم دون الكيف، ~~والنظرة الثالثة (وهي نظرة عصرنا الراهن) تحاول الجمع بين الكم والكيف على نحو يجعل اختلاف ~~الكيف وليد اختلاف الكم؛ النظرة الأولى تتمثل في أرسطو، والثانية في ديكارت، والثالثة في ~~فلاسفة التطور المعاصرين - ماركس، بيرجسون، هوايتهد، صموئيل ألكسندر وغيرهم - فإذا سئل ~~أرسطو - مثلا - ماذا يميز الأنواع بعضها من بعض، ماذا يميز الإنسان من الحيوان، أو الحار ~~من البارد، أو الذكاء من الغباء، أو اللون الأبيض من اللون الأسود، أو حكومة الفرد من حكومة ~~يشترك فيها الشعب كله، أو ما شئت من هذا القبيل، أجابك بخصائص «كيفية» خالصة، كأن يقول ~~مثلا إن الإنسان يتميز من الحيوان ب «النطق» والحار يتميز من البارد ب «الجفاف واليبوسة» ~~وهكذا، أما إذا سئل أحد الديكارتيين مثل هذه الأسئلة، لجأ إلى «التحليل» الذي يفك كل فكرة من ~~هذه الأفكار إلى عناصرها البسيطة، لنرى بأية «نسبة» ركبت هذه العناصر بعضها على بعض بحيث ~~تكونت الفكرة المركبة ms091 آخر الأمر، فاختلاف الكيف مردود إلى زيادة النسب أو نقصها، وأما ~~فلاسفة التطور المعاصرون، فيجعلون الخصائص الكيفية وليدة الزيادة في الكمية أو النقص فيها، ~~لكنك إذا ما وصلت في الصعود (أو الهبوط) مرحلة كيفية جديدة، فلا سبيل إلى ترجمتها إلى كمية ~~من هذا العنصر أو من ذاك، لأنك ستكون عندئذ قد انتقلت إلى مستوى جديد. # النظرتان الأولى والثانية، النظرة الأرسطية والنظرة الديكارتية على السواء، تتفقان في ~~ثبات الخصائص التي تميز الكائنات على اختلافها، فخصائص الكائن المعين - وهي كيفية عند ~~القدماء، كمية عند الديكارتيين - ثابتة على طول الزمان، لا يطرأ عليها تغير، فالإنسان هو ~~الإنسان لا يغير من طبيعته اختلاف ظروفه، وأما النظرة الثالثة - وهي نظرة العصر الحاضر - ~~فتختلف عن الأوليين في إصرارها على مبدأ التغير الذي لا يدع الحقيقة الواحدة ثابتة على صورة ~~واحدة. # والنظرات الثلاث جميعا قائمات على قياس المماثلة والتشبيه في تصورها للعلم الطبيعي، ~~فالنظرة القديمة اليونانية تقيم علمها بالطبيعة على مشابهة بين العالم الأصغر (الإنسان) ~~والعالم الأكبر (الكون) فما يراه الإنسان في مجرى شعوره الداخلي، يخلعه على الطبيعة بأسرها، ~~ففي الطبيعة «عقل» لأن فيه «عقلا»، وللطبيعة غايات لأن له غايات، وهكذا، والنظرة ~~الديكارتية - نظرة عصر النهضة الأوروبية - تقيم علمها بالطبيعة على مشابهة بين صنعة الله في ~~خلقه وصنعة الإنسان للآلات، وأما النظرة الراهنة السائدة في عصرنا، فهي تقيم علمها بالطبيعة ~~على أساس المشابهة بين الطبيعة كما يدرسها العلماء، والتغيرات التي تطرأ على الحياة ~~الإنسانية كما يدرسها المؤرخون؛ أي أن للطبيعة سيرة وتاريخا كما أن للإنسان - فردا أو ~~جماعة - سيرة وتاريخا. # ولا شك أن نظرية التطور البيولوجي، وشيوعها في عصرنا، واتساع مجال تطبيقها، قد أكدت هذه ~~النظرة «التاريخية» لحقيقة العالم، ومن نتائج نظرة كهذه أن نصف بالتغيير المستمر كل كائن ~~وكل فكرة مهما تكن طبيعته أو طبيعتها، فلئن كان الأقدمون يقسمون الكائنات والأفكار قسمين: ~~أحدهما ثابت لا يطرأ عليه التغير، والآخر متحول متبدل، بل كانوا بالإضافة إلى هذا التقسيم ~~يجعلون الأفضلية للقسم الأول؛ لأنه وحده هو مجال البحوث ms092 العلمية - ما دام العلم يستهدف ~~القوانين الثابتة التي لا تتأثر بظروف المكان والزمان - وأما الكائنات المتغيرة - ومنها ~~المحسوسات بالبصر والسمع وغير ذلك - فلأنها لا تثبت على حال واحدة، فليست هي بذات أهمية ~~تذكر بالنسبة إلى التفكير العلمي بمعناه الصحيح ... أقول لئن كان القدماء قد قسموا الكائنات ~~هذا التقسيم، فإن النظرة المعاصرة تقتضي أن ندرج القسم الأول في القسم الثاني، لنجعل كل شيء ~~متغيرا متحولا متطورا. # نعم إن الأقدمين - شأنهم في ذلك شأننا - كانوا يرون بحواسهم أن الأشياء متغيرة، فهم ~~يتحركون بأجسادهم من مكان إلى مكان، ويزرعون الأرض فيكبر الزرع وتتحول عناصر التربة إلى ~~ثمر، ويتبخر الماء لينعقد في السماء سحابا، ومن السحاب ينزل المطر، وهكذا وهكذا مما يدور ~~حولهم من أحداث، لكن هذا التغير البادي أمام حواسهم، لم يصرفهم عن البحث «وراءه» عما هو ~~ثابت ذو دوام، فإن كانت هذه «الشجرة» التي أراها، تتعرض للتغير في ظواهرها، فإنني إنما أبحث عن حقيقة الشجرة الكامنة وراء تلك الظواهر، ولا بد أن ~~أقع في نهاية البحث على «جوهر» - هكذا كانوا يسمون الجانب الثابت الدائم من الشيء - لا ~~بد أن أقع على «جوهر» يدرك العقل وجوده، وإن لم تدركه الحواس، وما تقوله في الشجرة تقوله ~~في كل شيء آخر بما في ذلك الإنسان نفسه، فإذا كان ما يبدو للعيان منه حركة و«شكل» ولون وغير ~~ذلك من «ظواهر» فإن له بغير شك «جوهرا» ثابتا هو الذي ينبغي أن نبحث عنه وراء تلك ~~الظواهر، فإذا وجدناه كان هو حقيقته التي تخلع على شخصيته وفرديته طابعها الأصيل ~~الدائم. # وإن نظرة كهذه لمن شأنها حتما أن تؤدي إلى تصور «للفردية» قد يبلغ أقصاه في فلسفة ~~ليبنتز، الذي زعم أن جميع الكائنات «أفراد» مغلقة على نفسها، بحيث يصبح كل فرد - إنسانا أو ~~غير إنسان - وكأنه قلعة مصمتة الجدران بغير نوافذ تصل داخلها بخارجها، ومن أين تأتي النوافذ ~~إذا كان كل منا «جوهرا» قائما بذاته؟ أنت روح وأنا روح، أو أنت عقل وأنا عقل، أو أنت نفس ~~وأنا نفس، ms093 وكل منا ذو كيان مستقل لا يؤثر في غيره ولا يتأثر به، نعم إننا قد نبدو وكأن ~~أحدنا «يكلم» الآخر أو «يتعامل» معه في هذا الشأن أو ذاك، لكن هذا كله التقاء ظواهر بظواهر ~~وقد قلنا إن الظواهر متغيرة، ونحن - في رأيهم - نبحث وراءها عما هو ثابت دائم، وتستطيع أن ~~تصور لنفسك موقفا وصلت فيه «الفردية» - انبثاقا من الفلسفة القديمة والفلسفة الديكارتية ~~على السواء - حدها المتطرف، يجعل الناس مجموعة من الأشرطة السينمائية، كل شريط منها ملفوف ~~على قصة، وما على الأيام إلا أن تبسط هذا الشريط أو ذاك، فيخرج من جوفه ما كان كامنا فيه ~~من أحداث، دون أن يكون لبسط هذا الشريط أي أثر في القصة الكامنة في الشريط الآخر. # إن كلمة «فرد» نفسها - إذا ما أردنا تعريفا دقيقا لها، بناء على النظرة السابقة - تتضمن الاكتفاء الذاتي، وعدم الانقسام؛ لأن ما يعتمد على سواه إنما تنقص فرديته بمقدار ما ~~فيه من ذلك الاعتماد، ولم تكن كلمة «فرد» لتقتصر على أفراد الناس، بل إن كل ما يتألف منه ~~«نسق» مكتمل الأجزاء مكتمل البناء، فهو «فرد» بمعنى الاكتفاء الذاتي الذي أشرنا إليه، ومن ~~أجل هذا ظهر من الفلاسفة المثاليين - ومنهم هيجل - من يقول إنه ما دام الاكتفاء الذاتي لا ~~يتوافر إلا للكون في مجموعه، فليس ثمة إلا فرد كامل واحد، هو الكون، وما عداه من أفراد - هذا الرجل أو تلك الشجرة - ناقص الفردية بمقدار اعتماده على بقية الأجزاء. # لكن الموقف يتغير تغيرا عميقا شاملا، إذا تغيرت نظرتنا الفلسفية بحيث نرى في الأشياء ~~جانب التغير والتبدل والتطور، دون جانب الثبات والدوام، فعندئذ يمتنع البحث عن «جوهر» وراء ~~الظواهر، وتصبح حقيقة الشيء هي مجموعة ظواهره - لكن هذه الظواهر متشابكة، إلى الحد الذي ~~يستحيل علينا أن نفرد كائنا واحدا بمعزل عن سواه ونقول عنه إنه كيان واحد قائم بذاته، ~~فوجودك الجسدي نفسه متوقف على تفاعلك مع ما يحيط بك، تأخذ منه الهواء شهيقا وتخرجه إليه ~~زفيرا، تأخذ منه الماء لتشرب والطعام لتأكل، تأخذ من ms094 سواك اللغة التي تتحدث بها، فتجيئك ~~هذه اللغة مثقلة بحضارة وثقافة وفكر وشعور، إذا تكلمت فلسامع، وإذا كتبت فلقارئ، إذا طغيت ~~فعلى إنسان آخر ينصب عليه طغيانك، وإذا خضعت فلكائن آخر تخضع، وإذا تساويت فمع آخر تتعادل ~~كفتك وكفته، إنك لا ترى بالعين إلا إذا كان ثمة شيء يرى وكان ثمة ضوء يقع عليه بأشعته، ولا ~~تسمع بالأذن إلا إذا كان ثمة هواء يتموج، محال أن يكون لك فعل إلا إذا وجدته تفاعلا مع شيء ~~أو شخص سواك، هذه الفردية المزعومة التي توصف وكأنها حصن منيع مصمت الجدران، ينطوي على لب ~~في جوفه يستطيع أن ينعزل أو يستقل، هي وهم لا يمكن تصوره إلا على أساس فلسفة تفترض وجود ~~«الثابت» من خلف المتغير - وهي فلسفة سادت ذات حين، ولم تعد لها سيادة ولا شبه سيادة في ~~عصرنا الراهن. # إن لغة عصرنا في مجال التعبير العلمي، قد أضافت إلى نفسها ألفاظا تقابل بها هذا التصور ~~الجديد، الذي يتعذر عليه أن يتخيل «فردا» إلا وهو في «مجال»، إن علم النفس اليوم قد أصبح ~~«علما» بغير نفس؛ لأنه علم السلوك، والسلوك تفاعل بين السالك من جهة وما ينصب عليه السلوك ~~من جهة أخرى، إن نظرية الجشطلت في علم النفس الحديث تنفي أن يكون هنالك إدراك حسي إلا ~~«لتكوين» من أجزاء، وأما الجزء أو الجزيء فهو مطروح من حساب الإدراك، إن علماء الاجتماع في ~~عصرنا يتحدثون عن «الثقافة» التي تظلل بجوها مجموعة بأسرها من الأفراد، ولما كان الفرد ~~الواحد لا ثقافة له، فليس هو إذن بموضوع يطرح للبحث، الثقافة بحكم تعريفها نفسه حياة مشتركة ~~بين أكثر من فرد واحد، من عرف وتقاليد وأوضاع للعيش، ومن عقائد ومشاعر وأفكار: إنه لا «عرف» ~~بينك وبين نفسك، إنما العرف يكون بينك وبين الناس، ولا «تقليد» منك لنفسك؛ لأن التقليد يكون ~~منك تقليدا لسواك - ممن يعيشون معك أو ممن عاشوا قبلك - ومواضعات العيش تشترط عدة أطراف ~~يتم بينها الاتفاق على صور بعينها من الحياة، ما الذي يثير فيك ms095 شعور المرح حينا وشعور ~~الكآبة حينا، إلا أن يكون ذلك على صلة وثيقة بما نشأت عليه من روابط تربطك بالأشياء ~~والأشخاص؟ لا، إن الفردية كما تصورها فلاسفة الماضي، قد ذهبت حين ذهبت نظرة إلى الكائنات ~~تؤمن بالثبات دون التغير، وبالسكون دون الحركة، وبالسرمدية دون السير الانتقالي طورا بعد ~~طور وحالا بعد حال. # لكننا نضل سواء السبيل، إذا محونا فردية الماضي لنترك مكانها خلاء فارغا، فما يزال ~~«الفرد» مسئولا أمام القانون الوضعي وأمام قانون الأخلاق، فمن ذا تسأل إذا لم يكن هنالك ~~فرد معين توجه إليه السؤال؟ إذن لا بد من تصور جديد «للفردية» يحل محل تصور قديم، فإذا ~~كان التصور القديم قد جعل الفرد جبهة وحده تجابه من عداه، فإن التصور الجديد يجعله جزءا ~~مما عداه، فبدل أن نقول (مثلا) الفرد حيال المجتمع، نقول: الفرد في المجتمع، وبدل أن نقول: ~~الفرد بإزاء الطبيعة والبيئة، نقول: الفرد وهو جزء من الطبيعة ومن البيئة، لقد كان المفكرون ~~القدامى يتحدثون عن «الأضداد» وكأن كل «ضد» كيان قائم بذاته يواجه «الضد» الآخر فيقولون: ~~الحار والبارد، والرطب واليابس، والمرتفع والمنخفض، ومن هذا القبيل نفسه أن يقال الفرد ~~والمجتمع، لكن هذه الأضداد قد تحولت عند المفكرين المحدثين إلى حالات من حقيقة واحدة، ~~فالحار والبارد كلاهما «حرارة» ترتفع درجتها حينا وتنخفض حينا، والارتفاع والانخفاض ليسا ~~«شيئين» يواجه أحدهما الآخر ويضاده، بل هما درجتان من مقياس معين واحد نختاره، وكذلك قل في ~~الفرد والمجتمع، فليس هناك الفرد الذي يقف هنا، والمجتمع الذي يقف هناك، يواجه أحدهما الآخر ~~مواجهة الأضداد، بل هنالك جزء في كل، هل يجوز لك أن تقول عن أحد أضلاع المثلث إنه يواجه ~~ويضاد المثلث؟ لا؛ لأنه لا مثلث بغير ذلك الضلع الذي نتحدث عنه، وكذلك لا يكون الضلع ضلعا ~~إلا وهو منسوب إلى مثلث، ومضموم فيه إلى ضلعين آخرين، بحيث يكون من الأضلاع الثلاثة كيان ~~واحد. # ولئن صدق هذا القول عن الأفراد في أي عصر مضى، فهو أصدق ألف مرة بالنسبة إلى عصرنا ~~الراهن؛ لأنه ms096 عصر التجمع والتكتل بصفة خاصة، هو عصر «الشركات» في عالم التجارة، وعصر ~~«المصارف» في عالم المال، وهذه وتلك يملكها الشعب كله أو جزء كبير منه، وعصر «جمعية الأمم» ~~و«الاتحادات» في عالم السياسة، إنه لا يكاد يمضي يوم من عصرنا إلا وقد انعقد «مؤتمر» هنا أو ~~هناك من أنحاء الأرض، لا، بل إن عصر الفردية التي تحتكر لنفسها كل شيء قد انقضى حتى في عالم ~~الفكر والفن، فالبحث العلمي لا يقوم به «فرد»، بل تقوم به جماعة في معمل أو في معامل ~~متعاونة، والصحيفة اليومية أو الدورية لا يحررها «فرد» والإذاعة لا ينفرد بها متحدث واحد، ~~كان يمكن في عصر الزراعة اليدوية أن نتصور الزارع وحيدا في مزرعته يحرثها ويرويها ويبذر ~~فيها البذور ويتعهد نباتها ثم يحصد ثمارها، أما في عصر الصناعة - والزراعة تتحول إلى زراعة ~~بالصناعة - فلا يتم مصنع بعامل واحد، كان الفنان فيما مضى لا يبيع فنه في السوق، وإنما ينتج ~~الفن لشخص معين يرعاه، فكان يمكن عندئذ تصوره في حياة فردية إلى حد ما، أما اليوم فهو ~~بحاجة إلى جمهور ينفعل بفنه ليشتري ثمرات فنه، بل ماذا أقول في هذا العصر الذي ازداد فيه ~~التجمع والتكتل؟ أأقول ما قد قاله سواي من أنه حتى الجريمة في عصرنا هذا لم تعد فردية، ~~وإنما أصبحت نشاطا يتفق على القيام به «عصابة» بأسرها، لقد انهارت خصوصية الحياة الفردية، ~~لا لأن شيئا جميلا قد ذهب ليحل محله شيء قبيح، بل لأن ضربا من الحياة قد انقضى ليحل محله ~~ضرب آخر، ونظرة فلسفية معينة قد اختفت لتظهر مكانها نظرة فلسفية أخرى، كان السكن في عهد ~~الزراعة خاصا للأسرة الواحدة، فجاء عهد الصناعة وحياة المدن ليقيم العمارة الواحدة تسع ~~عشرات الأسر، كان الانتقال يتم للفرد الواحد بأن يمتطي ظهر دابة لا يشاركه فيه شريك، ثم ~~جاءت السيارة الخاصة لتحل محل الدابة، لكن روح العصر تحملنا بخطوات سريعة إلى أن تحل وسائل ~~الانتقال الجماعية، محل الوسائل الخاصة، فيكون القطار لمئات الركاب، والسيارة العامة لعدد ~~كبير ms097 من الناس دفعة واحدة، ولم يعد الفرد الواحد يلهو في ساعات فراغه بما يعجبه وهو منعزل ~~عما يشاركه الناس فيه؛ لأن وسائل اللهو من سينما وراديو وتلفزيون قد حتمت على الفرد أن ~~يشترك مع مئات أو مع ألوف في الطريقة التي يقضي بها وقت الفراغ ... أصبح هناك «الرأي العام» ~~الذي تكونه وسائل النشر المشتركة والأحداث المشتركة، مع أن «الرأي» كان لا ينسب إلا لفرد ~~واحد هو صاحبه. # كانت البناءات الفكرية فيما مضى بناءات فردية، بمعنى الفردية الذي كان يتسق مع روح ذلك ~~الماضي؛ ولهذا تستعرض تاريخ الفكر فتجدك أمام قمم، تقف القمة منها إلى جوار القمة الأخرى: ~~أفلاطون، أرسطو، كانت ... إلخ، وحتى إن سارت طائفة من المفكرين مع علم من هؤلاء الأعلام، فهو ~~سير التابعين لشيخ الطريق، لا سير المتعاونين على حل قضية واحدة كما يتعاون علماء التجارب ~~المعملية اليوم على مشكلة واحدة حتى يفض إشكالها، وكانت حركات الإصلاح الاجتماعي في أيدي ~~رواد أفراد، كما كانت الفتوحات العسكرية تدور حول مطامع هذا القائد العسكري أو ذاك: ~~جنكيز خان، هانيبال، الإسكندر، نابليون ... وكانت الكشوف والرحلات يجوبها أفراد، وهكذا في كل ~~منحى من مناشط الحياة، تجد «الفرد» ذا «الجوهر» الفريد الذي كانوا يعرفونه بعدم التعدد ~~والانقسام. # وتغير العلم، فتغيرت الفلسفة، فتغيرت نظرات الناس إلى العالم بما فيه من كائنات حية ~~وجامدة، فتغيرت معاني فكرات رئيسية أساسية، كان من بينها فكرة «الفردية»، فأصبح الفرد ~~مجموعة علاقات، بعد أن كان عنصرا فريدا كافيا لذاته بذاته، ومستقلا بنفسه عما عداه، ~~ولن يزول عن إنسان العصر ما يعانيه من قلق واغتراب وضياع، إلا إذا زالت مفاهيم الحياة ~~الماضية من محيط الحياة الراهنة، إنني أكرر - ولا أمل من التكرار - بأننا جميعا نعيش في ~~القرن العشرين بكثير جدا من مفاهيم القرن العاشر نعيش في عصر الصناعة والعلم، بمفاهيم ما ~~قبل الصناعة والعلم، ومن هنا يأتي التمزق والتفسخ والحيرة: نعيش في عالم ونفكر في عالم ~~آخر. # إنك ما تزال تسمع قائلا يقول عن الدافع الفردي وما أنتجه من ثراء ms098 للأفراد وللأمم وللعالم ~~أجمع، ووجه المغالطة الكبرى في مثل هذا القول، هو أن غزارة الإنتاج الصناعي وازدياد التقدم ~~الحضاري إنما يرجعان أساسا إلى الكشوف العلمية، التي خلقت تقنيات (تكنولوجيا) الآلات، وهذه ~~بدورها فعلت ما فعلت في تغيير وجه الحياة، فإذا جاء رجل الأعمال «الفرد» يقيم الصناعة ويجمع ~~من ورائها المال، فحقيقة الموقف عندئذ لا تكون أن ذلك الفرد قد صنع بدوافعه الفردية ما ~~صنع ، بل الذي صنع هو البخار والكهرباء والقوة الذرية، والذي عرف كيف تستخدم هذه الأشياء هو ~~عالم الطبيعة، والعلم جماعي دائما - كما ذكرنا - يتعاون على حل مشكلاته جماعات متعاونة من ~~الباحثين، إن كل ما فعله رجل الأعمال في هذه الحالة هو تغيير في توزيع الثروة التي تنتجها ~~الآلة، فبدل أن تكون تلك الثروة في عدد من الأكوام، تتجمع عنده في كومة واحدة، فالثروة ~~«القومية» لا تزيد على يديه، بل الذي يزيد على يديه هو ثروته، وهنا كثيرا ما يقع الكتاب ~~والشعراء في خطأ، فيظنون أنه ما دامت الآلات في عصر الصناعة قد أدت ما أدت إليه من تفاوت ~~بشع في التوزيع، فسحقا لهذه الآلات وعصرها، وما كان أجمل الزراعة في ريف هادئ، ربما تفاوتت ~~فيه الدخول، لكن حسب الناس عندئذ صلتهم بالطبيعة، وهي الأم الرءوم، هكذا قد يكتب الكتاب ~~وقد يتغنى الشعراء، في سبيل مقاومة الآلات والمصانع، لكن الذي يفوتهم في هذا كله، أن الآلات ~~ما هي إلا بمثابة القوة المخزونة، تطلقها من عقالها فتفعل لك الأعاجيب، كما أردت لها أنت، ~~لا كما أرادت لك هي، وليس الذنب ذنبها إذا اخترت لها أن تكدس المال في فرد واحد دون سائر ~~الأفراد. # أما بعد، فهل بعدنا عن موضوعنا الذي أردنا أن ندير حوله الحديث، وهو طراز الفردية الذي ~~يتفق وظروف عصرنا، التي من أهمها العلم والصناعة؟ فربما سبق إلى ظن القارئ أنني بما قدمته ~~أقول إن لا فردية بعد اليوم، وليس ذلك هو مبدئي، بل ولست أتصور كيف يكون ذلك؛ لأنني «فرد» ~~وأنا أكتب هذه الصفحات نفسها، لم ms099 أشرك معي أحدا في كتابتها، وأنا «فرد» حين أختار من الكتب ~~ما أقرأ، ومن المسارح ما أرتاد، ومن مطارح الطبيعة، أو من ندوات المدينة ما أقضي فيه وقت ~~الفراغ، فليس إذن سؤالي هو: هل تكون فردية أو لا تكون؟ إنما السؤال هو: بأي معنى نفهم ~~الفردية؟ # ولكي أجيب عن السؤال، رأيت ألا مناص من عرض فكرة الفردية كما كانت، حين كان ينظر إلى ~~الإنسان - وإلى غيره من الكائنات - من باطن لا من ظاهر، فيرى وكأنه «جوهر» ثابت يدوم ما ~~دامت الحياة، بل وإلى ما بعد الحياة، وأما ما يبدو لأعين الناظرين من سلوكه الظاهر المتغير ~~لحظة بعد لحظة، فكان يغض عنه النظر، باعتباره عرضا زائلا؛ ولذلك لم يكن ثمة تناقض بين أن ~~يكون الإنسان فردا، وأن ينعزل راهبا في صومعة، لا بل إن الفردية بمعناها ذاك، لم يكن ~~يؤكدها شيء بمقدار ما يؤكدها مثل ذلك الاعتزال الزاهد. # لكننا نغير النظرة إلى الإنسان وسائر الكائنات، فنجعل «الفرد» خطا متصلا من حوادث، كل ~~حادثة منها متصلة بغيرها بمجموعة من علاقات، وبهذا يكون الفرد تاريخا تتعاقب فيه الأحداث ~~بكل ما يربطها بمحيطها من روابط، فيصبح الفرد «مجموعة» صغرى مندمجة في مجموعات أكبر، ولا ~~تكون ثمة فردية إلا ويمكن ردها إلى «معية» (من كلمة «مع») بمعنى أنك لا تعرف فردا إلا إذا ~~عرفت مصاحباته ومتعلقاته، أي أنك لا تعرف فردا إلا مرتبطا بماض وحاضر ومستقبل، مرتبطا ~~بأسلاف أنسلوه وبأسرة تعايشه وتعاصره - والأمة أسرة كبيرة - مرتبطا بأهداف مقبلة يتعاون في ~~تحقيقها مع سواه. # علم جديد قوامه ذرة لا تفهم إلا على صورة مركبة من أطراف كثيرة وما بينها من علاقات ~~رابطة، وفلسفة جديدة تساير العلم الجديد، قوامها تذويب «الجوهر الفرد» إلى أحداث سلوكية، كل ~~حدث منها لا يفهم إلا وهو جزء من مجال، مرتبط بموقف، فيه ناس آخرون وأشياء أخرى يتصل بها ~~وتتصل به، واقتصاد جديد يتمشى مع العلم والفلسفة الجديدين، قوامه المشاركة في المصنع ~~والمتجر والمزرعة، ومجتمع جديد ينبني على ذلك كله، ويكون أقرب ms100 في صورته إلى الكائن العضوي ~~المرتبط الأجزاء والأعضاء، منه إلى كومة الغلال التي لا ترتبط فيه حبة بحبة أخرى إلا ~~بالتجاور في المكان، وفردية جديدة تجعل الفرد جزءا من نسيج المجتمع، كاللفظة الواحدة لا ~~يتم معناها إلا وهي في عبارة تشملها وتشمل غيرها في بناء محكم الروابط والصلات. # | الفرد، والمواطن، والإنسان # أما أن العالم قوامه - آخر الأمر - أفراد، فذلك ما لست أشك فيه لحظة واحدة، بل إنه ~~ليأخذني العجب كلما صادفت أحدا ممن يشكون فيه، حتى لتراني - عندئذ - أوقن بيني وبين نفسي، ~~أننا لا بد متحدثان عن أمرين مختلفين، بلغتين مختلفتين، وإن ذهب بنا الظن الواهم أن ~~موضوع الحديث واحد، وأن لغة التفاهم واحدة، فدفاتر المواليد وحدها شاهد حاسم بأننا - عند ~~الدولة وعند الناس - محسوبون أفرادا، لكل فرد منا اسمه الخاص، وساعة ميلاده الخاصة، من ~~والدين معلومين، وعلى كل فرد منا - بمفرده - تقع التبعة الخلقية أمام ضميره وأمام الله ~~وأمام الناس، عما يقول وعما يفعل، كما تقع عليه التبعة الجنائية أمام القانون، وإن المجتمع ~~ليكافئ من أبنائه الفرد المحسن من حيث هو فرد، ويعاقب الفرد المسيء من حيث هو فرد ~~كذلك. # فإذا كان الأمر بهذا الوضوح كله، فكيف - إذن - يقع في الرأي اختلاف؟ أغلب ظني أن موضع ~~الخلاف إنما هو في طريقة فهمنا لكلمة فرد، لا في طريقة سلوكنا الفعلي في مواقف الحياة ~~العملية، وحسبك - لكي تعلم أن أصحاب الرأيين جميعا متفقون على سلوك واحد - أن تجد هؤلاء ~~وأولئك معا يلجئون في نشر الرأي الذي يرونه، إلى الكتابة أو إلى الخطابة، أو إلى أية وسيلة ~~أخرى من وسائل النشر، مما يدل على أن كليهما سواء، في الرغبة في الاتصال بالناس، ولو كانت ~~«الفردية» معناها عند فريق منهما عزلة تفصل صاحبها عن المجتمع، لما لجأ إلى نشر رأيه في هذا ~~المجتمع نفسه، وبنفسه الطريقة التي يلجأ إليها الفريق الآخر. # إن ثمة اختلافا جوهريا بين منطق الفكر القديم ومنطق الفكر الحديث، في تصورهما «للفرد» ~~- وهو اختلاف لو ألقينا عليه الضوء، لأمكن أن ms101 تتقارب وجهتا النظر بين «الفرديين» وغير ~~الفرديين، فقد كانت الفردية قديما تعني ذاتا غير منقسمة، كأنما هي كيان قائم بذاته، لا ~~يعتمد في وجوده على سواه، حتى ذهب بعض الفلاسفة إلى أن هذه الفردية لا تتحقق ولا تكتمل إلا ~~في الوجود كله مأخوذا على أنه وحدة واحدة، ولكن من الفلاسفة كذلك من كان يعدد الذوات ~~المفردة دون أن يجد في هذا التعدد تناقضا، على أن هؤلاء وأولئك لتركيز اهتمامهم على النواة ~~التي يمكن تصورها مستقلة بذاتها، لم يوجهوا إلا قليلا من اهتمامهم إلى «العلاقات» التي ~~تربط الذوات بعضها ببعض، وإنه لمن الفوارق الرئيسية بين الفكر الحديث والفكر القديم، أن ~~الفكر الحديث كاد يرد كل شيء وكل فرد إلى مجموعة من علاقات، على خلاف الفكر القديم الذي كان ~~أميل إلى النظر إلى الشيء المعين أو إلى الفرد المعين وكأنه وحدة قائمة برأسها، خذ - مثلا ~~- فكرة «الذرة» قديما وحديثا، فربما اتفق مفكر قديم (مثل: ديمقريطس) ومفكر حديث على أن ~~العالم مركب من ذرات، لكن الاختلاف بينهما يبدأ حين تناقشهما في معنى «الذرة»، فعندئذ ~~تجد التصور القديم هو أن الذرة الواحدة كيان مصمت مستقل قائم بذاته، هي «جوهر فرد» كما كان ~~يقال، وأما التصور الجديد فهو - كما نعلم - يخلخل الذرة إلى كهارب سالبة وكهارب موجبة، أهم ~~ما فيها «العلاقات» التي تربطها بعضها ببعض. # هكذا نجد الفكرة عن «الفردية» قد تغيرت، فبعد أن كانت تدل على وحدات مستقل بعضها عن بعض ~~كيانا ووجودا، أصبحت تدل على «علاقات»، من مجموعها يتكون هذا الذي نسميه فردا، دون أن ~~يصح القول بأن الفردية قد زالت وانمحت، إذ الذي تغير هو المعنى الذي نفهم به الكلمة، وعلى ~~أساس المعنى الجديد، الذي نفهم به الفردية على أن قوامها علاقات، نجد أن «الأفراد» - أو إن ~~شئت فقل «المفردات» - تتفاوت سعة وضيقا، فإسماعيل الطالب بكلية الآداب «فرد»، ثم كلية ~~الآداب بكل طلابها «فرد»، ثم جامعة القاهرة بكل ما تضم من كليات مختلفة «فرد»، ثم القاهرة ~~بكل ما تزخر به من الأشياء ms102 والأحياء «فرد»، وهكذا وهكذا تستطيع أن توسع من نطاق «الفرد» ~~توسعة قد تنتهي إلى ضم الإنسانية كلها في حقيقة واحدة. # ولكي تفهم ما نعنيه بقولنا إن «الفرد» في التصور الحديث هو مجموعة علاقات، اختر من شئت من ~~أفراد، وحاول أن توسع علمك به لتلم بحقيقته، تجد أنك - عندئذ - قد أصبحت أمام شبكة متشابكة ~~الخيوط من علاقات، تمتد بك في كل اتجاه، فعلمك بهذا «الفرد » يزداد إذا علمت ابن من هو؟ ومن ~~أفراد أسرته؟ وأين يسكن؟ وماذا يعمل؟ ... إلى آخر ما يتصل به من أشخاص ومن أمكنة ومن أشياء، ~~إذا استطعت أن تصل في هذا كله إلى آخر. # إنها تفصيلات وتفصيلات لا أول لها ولا آخر، كل تفصيلة منها تنطوي على علاقة تربط «الفرد» ~~بشيء معين أو بشخص معين، أو بنقطة معينة من مكان أو بلحظة معينة من زمان، ومن مجموع هذه ~~التفصيلات يتكون «هذا الفرد»؛ لأن هذه التفصيلات هي تاريخ حياته، هي «سيرته» التي سارها ~~خطوة خطوة، ويوما يوما، لكن مجموعة التفصيلات التي تؤلف سيرة حياة، هي مجموعة فريدة ~~متفردة، يستحيل عمليا ونظريا، أن تتكرر مرتين في فردين على طول الزمان وامتداده وعرض ~~المكان واتساعه. # ومن هنا كان «تفرد» الفرد الواحد هو بما لا يشاركه فيه فرد آخر من حيث مجموعه الكلي، ولكن ~~من هنا كذلك كان ارتباط الفرد بسواه حتما وضرورة، إذ ما دامت حقيقة مجموعة «علاقات»، فلا ~~بد أن تكون هنالك أطراف أخرى يتعلق بها، وهذه الأطراف الأخرى قد تكون أشياء - فتكون ما ~~نسميه بالبيئة الطبيعية - وقد تكون أناسا من أهل وجيرة وأصدقاء وغير ذلك، ومن هؤلاء من هو ~~حي، ومنهم من مات فأصبح جزءا من تاريخه - ومن هؤلاء وأولئك تتكون بيئته الاجتماعية، ثم ~~تمتد البيئتان الطبيعية والاجتماعية إلى حدود معلومة فيكون الوطن، وإلى غير حدود فيكون ~~العالم وأسرته الإنسانية بأسرها. # كلام واضح وبسيط إلى حد السذاجة، لكنه يزيل أكثر الخلاف بين الرأيين في «الفردية» ~~و«الجماعية» فالقائلون بالأولى يقصدون ما في مجموعة العلاقات المكونة للفرد الواحد، من تفرد ms103 ~~لا يتكرر في سواها، والقائلون بالثانية يقصدون ما في قوام الفرد الواحد من علاقات تربطه ~~بسواه، والجانبان - كما ترى - مرتبط أحدهما بالآخر أشد ارتباط وأوثقه، ولقد كان هذا ~~الارتباط لتنفصم عراه، لو أمكن للفرد أن ينعزل انعزالا تتقطع معه كل صلاته بالآخرين، لكن ~~تصور هذه العزلة - مجرد التصور - أمر محال، وإذن تصبح المسألة تفاوتا في درجة التوشج ~~والتشابك، فمن الناس من تزداد وشائجه وصلاته، ومنهم من تقل في حياته هذه الوشائج والصلات، ~~على أن هذا التفاوت لا يعني إلا تفاوتا في غزارة الحياة وخصوبتها بين الأفراد. # فإذا اتفقنا على أن العالم قوامه أفراد - مع اتفاقنا على أن الفرد ينحل إلى شبكة من ~~علاقات تربطه بالأشياء والأحياء من حوله - فقد اتفقنا في الوقت نفسه على أن لكل فرد محلا ~~من مكان ولحظة من زمان، بهما تتعين حدوده ويتحدد وجوده، فليس منا من يعيش خارج مكانه ~~وزمانه، مهما شطح به الوهم وطار الخيال؛ لأن وهمه هذا أو خياله هو «حالة» نفسية أو ذهنية ~~قائمة راهنة، فهو دائما «هنا» و«الآن»، إذا أعاد الماضي بذاكرته، فقد أصبح الماضي عنده ~~«حاضرا»، وإذا تشوف المستقبل بخياله، فقد ارتد المستقبل «حاضرا» كذلك. # ومعنى ذلك أننا «محليون» ليس لنا من «المحلية» فكاك، فإذا تحدث منا متحدث، أو كتب كاتب، ~~جاء ما يتحدث به أو ما يكتبه مرتبطا بمحله الذي يعيش فيه، وبلحظته التي يحياها، والرابطة ~~هي اللغة التي يستخدمها في حديثه أو كتابته - على أقل تقدير - إن لم تكن كذلك هي المضمون ~~الذي تحمله تلك اللغة في طيها، لا، بل إن هذا المضمون نفسه ليتأثر باللغة التي تحمله تأثرا ~~شديدا؛ لأن اللغة ليست مجرد ترقيمات خاوية، بل هي أوعية مليئة بخبرة أصحابها على مر ~~تاريخهم، ومن هنا كانت ترجمة المضمون من لغة إلى لغة أخرى ضربا من المحال، اللهم إلا على ~~سبيل التقريب (وتخرج من هذا الحكم العام حقائق العلم التي تصاغ في رموز غير لغوية) وقل أية ~~جملة شئت، مهما بلغت بساطة مضمونها، ثم انقل هذا المضمون ms104 إلى لغة أخرى، تجدك قد اضطررت إلى ~~نقص هنا وزيادة هناك، مما تقتضيه «ثقافة» تلك اللغة الأخرى، قل مثلا: ~~ثم انقل هذا المعنى إلى الإنجليزية «الكتاب على المنضدة» # The book is on table ~~، تجد هنا كلمة دالة على «الكينونة» ~~- هي كلمة # is ~~- لا يناظرها شيء في التركيب العربي، ولكي تعلم خطورة هذه الإضافة التي قد ~~تبدو لك تافهة يسيرة، فلتعلم أن وراء هذه الكلمة من الدلالات الثقافية ما صدرت فيه - ولا ~~تزال تصدر - مؤلفات بعد مؤلفات، فما بالك إذا لم تكن الجملة المراد نقلها بهذه البساطة ~~كلها، وكانت مما يحمل في ألفاظه وفي طريقة تركيبه انفعالات وعواطف، أعني مما يحمل شعرا أو ~~عقيدة؟ # نعم إننا محليون، ليس لنا من المحلية فكاك، بحكم اللغة التي نتحدث بها، وما يتعلق ~~بألفاظها من مضمونات ثقافية تتصل بتاريخنا وبواقعنا، ولا غرابة أن تكون اللغة أقوى العوامل ~~جميعا، التي تتحدد بها «القومية»؛ لأنه إذا اختلف قوم عن قوم في اللغة، فقد اختلفا كذلك في ~~الحصيلة الثقافية التي ينظران بها إلى الحياة بأسرها، وسؤالنا الآن هو هذا: مع اعترافنا بأن ~~الترجمة من لغة إلى لغة أخرى هي دائما نقل على وجه التقريب فحسب، فهل يمكن لجماعة من الناس ~~أن تنقل ثقافتها إلى جماعة أخرى، عن طريق الترجمة، بحيث تصبح الثقافة المنقولة في لغتها ~~الجديدة مثيرة لاهتمام الجماعة المنقول إليها، وإذا كان الأمر كذلك، فما هي الشروط التي لا ~~بد من توافرها ليكون للثقافة المنقولة هذه القوة؟ ونعيد هذا بعبارة أبسط فنقول: هل يمكن ~~للفكر والأدب المحليين أن يصبحا فكرا وأدبا عالميين؟ ومتى يكون ذلك؟ # إنه ليبدو لي أن المسألة المطروحة هنا تكون أوضح ظهورا، إذا وضعناها في أصغر نطاق ممكن ~~لها، فنقول: متى يتحدث الإنسان عن نفسه، فإذا بحديثه هذا يثير اهتمام الآخرين، حتى وإن كان ~~هؤلاء الآخرون من بني قومه الذين يتكلمون لغته ويتثقفون بثقافته؟ أحسب أن اهتمام هؤلاء ~~الآخرين يتحرك لحديث المتحدث، إذا كان لهذا الحديث علاقة بحياتهم على أية صورة من الصور؛ ~~لأنه ms105 بغير هذه العلاقة، يصبح المتكلم وكأنه يتكلم بلغة يفهمها هو وحده، وإنما يكون لحديث ~~المتحدث علاقة بحياة السامع من أحد وجهين، أو من كلا الوجهين معا: أولهما أن يجيء الحديث ~~كاشفا عن حقيقة صاحبه، فيعلم السامع أي نوع من الناس يكون هذا المتحدث، ليعلم - بالتالي - ~~كيف يعامله في الحياة المشتركة بينهما، وثانيهما أن يجيء الحديث كاشفا للسامع عن حقيقة نفس ~~السامع ذاته، بحيث يخيل إليه أن المتحدث إذا تحدث عن إنسان ما، فهو إنما كان يتحدث في الوقت ~~نفسه عن السامع؛ لما بينهما من تشابه في الطبع والتكوين، ومن هنا نستطيع أن نصوغ التعميم ~~الآتي: إذا تكلم متكلم عن حالة محلية خاصة، ثم وجد الناس - من قومه ومن سائر الأقوام - أن ~~هذه الحالة برغم محليتها وخصوصها، هي حالتهم كذلك، فإن كلام المتكلم حينئذ يجاوز محليته ~~وخصوصه، ليصبح عاما مشتركا في كشفه عن جانب من طبيعة الإنسان، أنى كان وأينما ~~كان. # لقد يسهل على الإنسان أن يتحدث عن نفسه، أو عن سواه، حديثا يروي به ما شاء من أحداث، لكن ~~العسير هو أن يجيء حديثه هذا حاملا من دقائق الحياة الفردية ما يجاوز نطاق الفرد المروي ~~عنه، ليصبح ذا دلالة إنسانية عامة، فما أهون على الإنسان أن يروي عن أحد الأفراد أنه تزوج ~~من امرأة أحبها وأحبته، لكن ما أصعب أن يقع الراوي على حادثة يتزوج فيها الابن من أمه وهو ~~لا يعلم أنها أمه، وكل ما يعلمه أنها امرأة أحبها (قصة أوديب)، فعندئذ تمتلئ الحادثة ~~بالدلالة الإنسانية؛ لأنها تكشف عن طبع أصيل في جبلة الإنسان، وهو هذه العلاقة الغريزية بين ~~الابن وأمه، أقول: ما أصعب أن يقع الراوي على حادثة كهذه، إما من الواقع المحيط به، أو من ~~خلق خياله المنبني على علمه بسر الحياة الإنسانية، ذلك السر الذي قد يخفيه الواقع الظاهر ~~وراء أقنعة من التحريمات الاجتماعية، فها هنا لا تكون الحادثة المروية منحصرة في حدود ~~مكانها وزمانها، بل تجاوز تلك الحدود لتصبح كاشفة عن الطبع المستقر الراسخ بغض ms106 النظر عن ~~المكان والزمان. # وما أهون على الإنسان الراوية أن يروي عن أب يحب بناته حبا يحفزه إلى قسمة أملاكه بينهن ~~قبل أن يستوفي الأجل، ولكن ما أصعب أن يقع هذا الراوية على حادثة يرد فيها البنات على مكرمة ~~الوالد بمثل ما ردت بنات الملك لير على صنيعه (في مسرحية الملك لير لشكسبير) من نكران ~~للجميل نكرانا أبرز الطبيعة الإنسانية على حقيقتها، إن الراوية الذي لم يرزق موهبة الأديب ~~في قدرته على النفاذ إلى أعماق الطبيعة الإنسانية، قد يخدعه ما يدور على الألسنة من عبارات ~~مصكوكة جاهزة، يتناقل فيها الناس ما بين الوالد والولد من حب متبادل، لكن الأديب الموهوب ~~النافذ البصر، هو الذي ينفخ هذه القشور الظاهرة على السطح، لينظر إلى الراسخ وراءها، أهو حب ~~صاف أم هو حب مشوب بكراهية، وعطف مختلط بالمنافسة والحسد والنفور؟ أيا ما كانت الحال، فإن ~~من يكشف للناس عن هذا السر الإنساني الراسخ وراء السطح الظاهر، فإنما يكشف لهم عن حقيقة لا ~~تتقيد بمكانها وزمانها، بل تتعدى ذلك إلى التعميم الشامل الذي يكشف عن فطرة الإنسان من حيث ~~هو إنسان. # وما أهون على الإنسان الراوية أن يروي عن عالم فذ من علماء الطبيعة، كيف يعيش حياته ~~العلمية في وقار العلماء، حتى ليحسبه تلاميذه وخلصاؤه أنه إلى خصائص الملائكة أقرب منه إلى ~~خصائص البشر، لكن ما أصعب أن يقع هذا الراوية في حياة هذا العالم على حقيقة عجيبة، وهي ~~احتفاظه في مكتبته ببعض الكتب التي تخاطب الغريزة في أحط دركاتها، لينفس عن نفسه بها أثناء ~~خلوته (اقرأ قصة «العبقري والإلهة» لأولدس هكسلي)، ففي الكشف عن مثل هذا الضعف وأمثاله في ~~طبيعة البشر، ما يبصر الإنسان بحقيقة نفسه، كائنا من كان ذلك الإنسان، وإني لأذكر قصة ~~رواها لي صديق عن أستاذين من أجل أساتذته - ومن أجل من نعرف من أساتذة - خيل إليه عنهما، ~~حين لم يكن يراهما إلا في قاعات الدرس، وبين الكتب وفي غمار البحث العلمي، خيل إليه أنهما ~~صنف من الكائنات يستغني عما ms107 يضطر إليه سائر الناس من طعام وشارب، حتى كان ذات يوم، رآهما ~~معا - وكانا صديقين متلازمين - يمصان القصب في جانب من الطريق العام، فهاله ما رأى لأنه لم ~~يكن يتوقعه، لكنها الطبيعة الإنسانية بما تنطوي عليه من رفعة وانخفاض ومن قوة ومن ضعف، إذا ~~كشف لنا عنها كاشف، جاء كشفه هذا متخطيا لحدود المكان والزمان. # لماذا انتشرت حكايات ألف ليلة وليلة، في أرجاء العالم أجمع، لا تنحصر في عصر بعينه، ولا ~~في أمة بذاتها، ما لم تكن قد بسطت في حوادثها كثيرا مما تنطوي عليه النفس البشرية حين ~~تنساب في أحلاك يقظتها فيما هي محرومة منه؟ إن هذه النفس - لا سيما إبان المراهقة - إذا ~~كانت تعاني فقرا في العيش، وحرمانا من لذائذه، راحت تمزق بخيالها جدران القصور، لترى هناك ~~الموائد قد مدت بأشهى الطعام، والأماسي قد زخرت بأجمل النساء، فإذا وقع قارئ مراهق - بحكم ~~السن أو بحكم الطبع - على هذه السرحات التي لا تصدها حوائل، لا من المجتمع ولا من الطبيعة، ~~فبساط الريح ينقله أينما أراد، والخاتم السحري ينقل إليه كل ما شاء، فإذا هو يحيا حياة ~~يتمناها ولا يجدها، فإنه مستمتع بما يقرأ، بغض النظر عن الجنس والوطن واللغة والعصر الذي ~~يعيش فيه. # فتحدث كيف شئت عن نفسك، أو عمن حولك، حديثا تغترفه من الواقع الفعلي، أو من خلق الخيال، ~~فأنت بالضرورة «محلي» في نوع التفصيلات التي تسوقها، لكنك تجاوز هذه المحلية إذا كشفت للناس ~~عما لم يكونوا قد رأوه من أنفسهم، ثم يلمحون فيه الصدق بمجرد روايته لهم. # وليس الأمر في ذلك مقصورا على الأدب، بل إنه ليشمل سائر ضروب الفكر والفلسفة والسياسة ~~والفن، ولنبدأ حديثنا بالفن من تصوير ونحت، فلئن كان الأدب مرتكزا على اللغة، التي هي ~~بدورها مشحونة بالخبرة المحلية إلى الدرجة التي يتعذر نقلها كاملة إلى أية لغة أخرى، وبذلك ~~لا يتاح للأدب أن يتخطى حدوده المحلية تخطيا كاملا، إذ لا بد أن يبقى منه جزء لصيق ~~بأرضه وبأهله، فإن الفن التشكيلي من نحت وتصوير ms108 متحرر من هذا القيد؛ لأنه لا يحتاج من ~~متذوقه إلا إلى الرؤية المباشرة، وبلمحة بصرية نافذة، يجوز للفن المحلي أن ينتقل كاملا إلى ~~المتذوق من أي موطن جاء ومن أي عصر، إن كل صورة وكل تمثال مما تركه لنا الفنان المصري ~~القديم، يجسد الروح المصرية الفرعونية تجسيدا لا تخطئه حتى النظرة السريعة العابرة، فتنتقل ~~قيمه الفنية كلها إلى الإنسان الرائي، لا تحول دون ذلك حواجز المكان والزمان، وكذلك قل في ~~الفن الإسلامي، وما ينطبع به من طابع يميزه في كل جزء منه، وكذلك قل في كل فن أصيل، من فنون ~~الشرق والغرب والشمال والجنوب، فالحدود المحلية تذوب ذوبانا بحيث يصبح - بالإضافة إلى كونه ~~حاملا لكافة الخصائص المحلية - فنا يتذوقه كل إنسان، وهل حال شيء دون أن يستوحي الفن ~~الحديث الفن الأفريقي بكل ما فيه من بساطة ورمز وتجريد؟ ولك أن تقول ذلك وأكثر منه بالنسبة ~~إلى الموسيقى، فقد يكون العزف أفريقي المنشأ، فيرقص له الإنسان النشوان في كل مكان. # والفلسفة على ما فيها من موضوعية وتجريد يحررانها من قيود مكانها وزمانها، حتى ليصغي إلى ~~الفيلسوف سكان الأرض جميعا، وفي كل العصور بغض النظر عن موطنه وعصره، فإنها مع ذلك متأثرة ~~بمكانها وزمانها تأثرا يجعل الفلسفة في إنجلترا غيرها في فرنسا أو ألمانيا أو أمريكا أو ~~الروسيا، أريد أن أقول إن الفيلسوف برغم موضوعيته في النظر، متأثر بطابع قومه في التفكير، ~~ومع ذلك فلأنه يعكس في فلسفته خصائص العقل الإنساني من إحدى نواحيه، فهو مقروء في غير أرضه ~~وفي غير أمته، وإذن فالعبرة دائما هي في الوقوع على جذر عميق من جذور الفطرة الإنسانية، ثم ~~دقة التعبير عنه وصدق التصوير والتحليل، وذلك وحده كفيل للأثر الفكري أو الأدبي أو الفني ~~بأن يجاوز حدود الإقليمية إلى حيث الإنسانية كلها، مع احتفاظه بكل خصائص الإقليم. # وانتقل من مجال الأدب والفن والفلسفة إلى مجال الفعل، تجد الظاهرة نفسها، ولنأخذ مثلا من ~~ضروب الفعل ثورات الشعوب، فكم من شعب ثار داخل إقليمه على هذا أو ms109 ذاك من أوضاعه التي أثارت ~~فيه الغضب، ولكن ما كل ثورة تجاوز حدود إقليمها إلى غيره من الأقاليم؛ وذلك لأن من الثورات ~~ما ليس يحمل من القيم إلا ما يهم أهل إقليمه وحده، كأن يثور الثائرون على حاكم بعينه، حتى ~~إذا ما تبدل حاكم بحاكم انتهى الأمر، لكن من الثورات كذلك ما هو مترع بالقيم الإنسانية، ~~التي من أجل تحقيقها قامت، والقيم الإنسانية لا تخص إقليما دون إقليم ، فسرعان عندئذ ما ~~تطغى موجتها عبر حدود وطنها، لتجتاح غيره من الأوطان التي تتعطش للقيم الجديدة ذاتها، وكانت ~~تنتظر القيادة لتنفجر، ولا فرق في هذه الحالة بين أن تجيء القيادة الثورة من داخل أو من ~~خارج، وما الرسالات السماوية في الديانات إلا ثورات من هذا القبيل، جاءت لتستبدل قيما ~~بقيم، وضربا من الحياة بضرب؛ ولذلك لم تقتصر رسالة منها على إقليمها، بل امتدت كلها حتى ~~شملت رقعة فسيحة من الأرض، في هذا الاتجاه أو ذاك، وكذلك الحال بالنسبة للثورات السياسية، ~~فالثورة الفرنسية، والثورة الروسية، والثورة المصرية كلها من ثورات القيم، التي لا تكاد ~~تنبثق في مكان، حتى تجد الأشياع في كل مكان. # ليس في الجمع بين المحلية والعالمية سر ملغز، فسره مكشوف واضح، وهو العثور على أصل من ~~أصول الفطرة البشرية - في قوتها أو في ضعفها - من حيث الذوق، والشعور، أو منطقية الفكرة، أو ~~القيم، وفي كل حالة من هذه الحالات ينضح الكاتب أو الفنان أو السياسي أو ~~الفيلسوف، من بيئته المحلية، إذ لا يسعه غير ذلك، ثم يتوقف الأمر في عالمية الإنتاج على ~~مضمونه: فهل يمس فطرة الإنسان في أصل من أصولها؟ وإن الفطرة البشرية لهي من الخصوبة والغنى ~~بحيث لا يستنفدها الأدب والفكر في أمة واحدة أو في عصر واحد، فهي قد تعلو إلى معارج ~~الملائكة في روحانيتها وصفائها، وقد تسفل إلى مهاوي الشياطين في خبثها وخستها وشرها، وإنه ~~ليكفينا من المفكر أو الأديب لمحة صادقة واحدة، يضيء لنا لها جانبا مظلما من هذا العالم ~~الرحيب، فإذا ما فعل ذلك ms110 ووفق فيه، اجتاز من فوره حدود مكانه وزمانه ليرحب به العالم ~~أجمعين. # لكنني أتساءل ها هنا: لماذا نقرأ نحن هنا في الوطن العربي لأدباء العالم ومفكريه - ~~وبخاصة أوروبا وأمريكا الشمالية - أكثر ألف ألف مرة مما يقرأ ذلك العالم لأدبائنا ~~ومفكرينا؟ لماذا اجتاز أدبهم وفكرهم حدود المحلية ليصبحا أدبا وفكرا عالميين، ولم يجتز ~~هذه الحدود أدبنا وفكرنا، حتى ليقرأ بعضنا لبعضنا وكأننا نتهامس في غرفة مغلقة، لقد وفقنا ~~في ثورتنا السياسية والاجتماعية أن نجعلها ثورة إنسانية تتأثر بها بلاد كثيرة جدا في ~~إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، كأننا كنا نثور لهم ولنا في آن واحد، لكونها ثورة تقوم ~~على قيم ومبادئ، فلماذا يخوننا التوفيق في دنيا القلم؟ ألأن الأدب والفكر عندنا لم يستطيعا ~~لمسة الإنسان من حيث هو إنسان، واقتصرا على المواطن وعلى الفرد من جوانبهما التي لا تعمق ~~حتى تمس جذور الفطرة المشتركة العامة؟ أم أنها هي اللغة التي نكتب بها، والتي قلما تجد من ~~يترجمها إلى لغات أوسع انتشارا؟ إننا نحن الذين نترجم لأنفسنا من اللغات الأخرى إلى لغتنا ~~العربية، فهل يطلب منا كذلك أن نترجم لأنفسنا من لغتنا العربية إلى اللغات الأخرى؟ يخيل ~~إلي ألا مناص لنا من أن نفعل ذلك، برغم أن الأقرب إلى الطبيعي أن ينقل عنا الراغبون فينا، ~~كما هي الحال دائما في حركات النقل الثقافي صغراها وكبراها على السواء. # على أن ترجمة آثارنا الأدبية والفكرية ليست هي الوسيلة الوحيدة في إخراجنا من المحلية إلى ~~العالمية؛ لأن ثمة من الوسائل الأخرى ما يمكن اللجوء إليه، من أهمها نقل الفنون التي لا ~~يحتاج تذوقها إلى لغة تترجم أو لا تترجم، فثقافتنا المحلية التي فيها بعض القدرة على أن ~~تكون رسالة عالمية، مبثوثة في ثمرات التصوير والنحت، وفي عدد لا بأس به من الأفلام ~~السينمائية والتليفزيونية، حيث تكفي رؤية البصر، وفي بعض معزوفاتنا الموسيقية والغنائية ~~التي يكفي لتقويمها إنصات الأذن، وإذن فلزام علينا أن نعرض على العالم كل ما يمكن عرضه ~~لنحطم حواجز المحلية التي تحصرنا في نطاق ms111 أنفسنا أو تكاد. # إن من حقنا الطبيعي أن نثبت ذواتنا، في إنتاج يحمل خصائصنا المحلية، بكل ما فيها من ألوان ~~تميز الأفراد من حيث هم أفراد، وتميزهم من حيث هم مواطنون، لكن خطوة ثالثة وأخيرة لا بد ~~من اجتيازها لتكون لنا رسالة فكرية وهي أن تطلع العالم على ذلك الجانب من ذواتنا، الذي ~~يتجلى فيها «الإنسان» من حيث هو إنسان ذو فطرة عامة شاملة، وذو قيم ومبادئ تسعى إلى تحقيقها ~~الإنسانية في سيرها الدائب نحو الكمال، لا تعرف لنفسها في ذلك قيودا من مكان ولا حدودا من ~~زمان. # | من هو المثقف الثوري # استوقف نظري فيما قرأت منذ قريب، قولان مختلفان، لكنهما يلتقيان عند نقطة واحدة، فيها من ~~الخصوبة والثراء ما يوحي للفكر المتأمل بمعان كثيرة غزيرة، من بينها معنى قد يكون هو الفصل ~~الحاسم عند تحديدنا للمثقف الثوري من ذا يكون؟ فمتى يكون المثقف مثقفا وكفى، ومتى يكون ~~مثقفا وثوريا معا؟ أما أحد القولين فقد صادفته خلال قراءتي لديوان ابن عربي «ترجمان ~~الأشواق» الذي تولى فيه ابن عربي بنفسه شرح شعره، ليبين مراميه في الرموز التي لجأ إلى ~~استخدامها في ذلك الشعر، وقد أورد في غضون هذا الشرح حديثا للنبي عليه السلام يقول فيه: ~~«ما ابتلي أحد من الأنبياء بمثل ما ابتليت.» مشيرا بذلك - فيما يقول ابن عربي - إلى رجوعه ~~من حالة الرؤية - رؤية الحق - إلى دنيا الناس ليخاطب فيهم من ضل ليهديه سواء السبيل؛ أي ~~أن رؤية الحق لم تكن عنده هي كل الطريق، وإنما يكملها أن يغير الحياة على هذه الأرض بما ~~يجعلها تعلو إلى الكمال الذي رأى. # وأما القول الثاني فقد وجدته عند محمد إقبال، حينما عاودت قراءة كتابه «تجديد التفكير ~~الديني في الإسلام» إذ وجدته يستهل الفصل الخامس من هذا الكتاب بهذه العبارة: «صعد محمد ~~النبي العربي إلى السموات العلا، ثم رجع إلى الأرض، قسما بربي لو بلغت هذا المقام لما عدت ~~أبدا.» وهي عبارة قالها - فيما يحكي محمد إقبال - ولي مسلم عظيم، هو عبد القدوس ms112 الجنجوهي، ~~ثم يمضي إقبال في القول بأنه من العسير - في ظنه - أن نجد في الأدب الصوفي كله ما يفصح في ~~عبارة واحدة عن مثل هذا الإدراك العميق للفرق السيكولوجي بين نمطين مختلفين من أنماط الوعي: ~~أما أحدهما فهو النمط الذي تتميز به حالة النبوة، وأما الآخر فهو ذلك الذي تتميز به حالة ~~التصوف، ففي هذه الحالة الثانية - حالة التصوف - ترى المتصوف إذا ما بلغ شهود الحق، تمنى ~~ألا يعود إلى دنيا الناس، وحتى إذا هو عاد - كما لا بد له أن يعود - جاءت عودته غير ذات نفع ~~كبير للناس؛ لأنه سينحصر في ذات نفسه، منتشيا بما قد شهد، ولا عليه بعد ذلك أن تتغير أوضاع ~~الحياة من حوله أو لا تتغير، وأما في حالة النبوة فالأمر على خلاف ذلك؛ لأن مشاهدة الحق ~~يتلوها رجوع إلى الناس في دنياهم، لا ليقف النبي مما يجري حوله موقفا سلبيا غير مكترث، ~~بل ليغامر فيه بما يغيره التغيير الذي يخلصه من أوجه الفساد، ويصعد به نحو مثال الكمال كما ~~ارتسم في إدراكه الواعي لحظة الشهود. # إن إدراك الحق عند الصوفي هو غاية يوقف عندها، وأما عند النبي فهو بمثابة يقظة تصحو بها ~~كوامن نفسه، حتى لتتحول تلك الكوامن بين جوانحه إلى قوى تهز أركان العالم هزا ليستفيق من ~~سباته، فيبدل قيما بالية بقيم جديدة، فكأنما عودة النبي من حالة الشهود إلى حالة الفعل، هي ~~بمثابة مقياس يقيس شيئين في وقت واحد: يقيس مدى ما تنطوي عليه المثل العليا التي شوهدت في ~~حالة الرؤية الروحية، من قدرة على التطبيق والإصلاح، ثم يقيس مدى ما تستطيعه الإرادة القوية ~~والعزيمة الماضية من مواجهة الصعاب حتى تزيل حياة فسدت لتقيم مكانها حياة جديدة ~~منشودة. # هذان هما القولان اللذان صادفتهما فيما قرأت منذ قريب، واللذان يلتقيان عند نقطة واحدة ~~مشتركة، هي التفرقة بين رجلين: رجل يرى الحق فتكفيه الرؤية، ورجل يرى الحق فلا يستريح له ~~جنب حتى يغير الحياة وفق ما رأى. # ولئن كنت قد وجدت هذه التفرقة مقصورة ms113 على التمييز بين حالتي التصوف والنبوة، فلست أرى ما ~~يمنع من التوسع في التطبيق، بحيث نجعلها تفرقة بين المثقف الذي ينعم بثقافته ثم لا يغير من ~~مجرى الحياة شيئا، والمثقف الذي لا ينعم بثقافته إلا إذا استخدمها أداة لتغيير الحياة من ~~حوله، وفي هذه الحالة الثانية، يكون المثقف مثقفا وثائرا معا. # لكن هذه التفرقة تحتاج إلى مزيد من التحديد؛ لأن «الثقافة» كلمة خلقها من خلقها من صناع ~~الكلام ، لتنقلب على خالقها نفسه شيطانا مريدا تغالبه فتغلبه، فهو هو الذي صنعها، لكنه بعد ~~صنعها عجز عن تحديدها وتقييدها، وكلما حاول، وحاول الناس معه، أن يحددوها ويقيدوها، اتسعت ~~فيها رقعة الغموض واشتد الظلام، كأنها المارد الذي انبثق من قمقمه لينتشر دخانا يملأ صفحة ~~السماء قتامة وسوادا، لكننا - لكي نمضي في حديثنا الراهن - سنفرض أنها كلمة يقصد بها حصيلة ~~العلم والمعرفة التي حصلها الإنسان بالموهبة أو بالكسب أو بهما معا؛ وعلى هذا الاعتبار ~~يكون عالم الرياضة وعالم الكيمياء وغيرهما من رجال العلم أفرادا من زمرة المثقفين، كما ~~يكون المؤرخ والشاعر والفيلسوف، فهل يجوز لنا أن نقارن بين عالمين من علماء الرياضة، أحدهما ~~درس الرياضة ولم يطبقها في بناء الجسور، والآخر درسها ثم طبقها، أقول هل يجوز لنا أن نقارن ~~بين هذين العالمين، فندعو ثانيهما دون أولهما بأنه مثقف ثوري لأنه طبق ما قد تعلم، بمثل ما ~~نقارن بين فيلسوفين أو عالمين من علماء الاجتماع أو الاقتصاد، أحدهما عرف واكتفى، والثاني ~~عرف وطبق معرفته على مشكلات الحياة الجارية ليحلها، فنصف هذا الثاني - دون الأول - بأنه ~~مثقف وثوري معا؟ أحسب أن ثمة اختلافا ظاهرا بين الحالتين، حالة الرجلين من رجال الرياضة ~~والعلوم الطبيعية، وحالة الرجلين من رجال العلوم الإنسانية، بحيث تكون صفة «الثورية» حين ~~تضاف إلى المثقف، أكثر انطباقا على ميدان العلوم الإنسانية منها على ميدان العلوم ~~الطبيعية، فإذا صح هذا، كانت التفرقة التي أسلفناها، لنميز بها بين «المثقف» المكتفي في ~~ذاته بثقافته، و«المثقف الثوري» الذي يجاوز ذاته بثقافته ليمس بها مجرى الحياة من حوله، ms114 ~~تفرقة مقصورة - في الأعم الأغلب - على أصحاب الثقافة الإنسانية؛ لأنها هي التي تشتمل على ~~القيم، والقيم هي التي يصيبها التغير حين يقال إن ثورة قامت وغيرت وجه الحياة. # هذا - إذن - وجه من وجوه التحديد، لكنه وحده لا يكفي؛ لأن الذي يغير وجه الحياة وفق أفكار ~~مختزنة في رأسه، قد يغيره راجعا به إلى وراء، لا دافعا به إلى أمام، وأظن أن لا خلاف على ~~أن صفة «الثورية » حين تضاف إلى المثقف، إنما يراد لها أن تقصر على من يدفع الحياة الإنسانية ~~إلى الأمام، تقابلها صفة «الرجعية» لمن يريد من أصحاب المعرفة أن يرد الحياة إلى الوراء، ~~لكننا ما دمنا ننشد الدقة الدقيقة في استخدام كلماتنا، فلا بد لنا من البحث عن الفرق بين ~~«الأمام» و«الوراء»؛ لأن هذه التفرقة لا تكون مفهومة إلا بالنسبة إلى هدف معلوم، فإذا كان ~~هدفي - وأنا ساكن القاهرة - هو الوصول إلى الإسكندرية، فالسير إلى الشمال سير إلى الأمام، ~~والسير إلى الجنوب سير إلى الوراء، لكن قد يكون هدفي هو أسوان، فعندئذ يكون السير إلى ~~الشمال سيرا إلى الوراء، والسير إلى الجنوب سير إلى الأمام، وإذن فاستخدام «الأمام» ~~و«الوراء» لا يتم معناه إلا مقرونا بالهدف المنشود، فما هو الهدف الذي يجعل التغيير الذي ~~يحدثه المثقف في الحياة تقدما إلى الأمام، أو رجوعا إلى الوراء؟ يخيل إلي أن الفيصل هنا ~~هو مسار التاريخ، فلو وقعنا في مسار التاريخ على خصائص بعينها، كان تأييدها وتعميقها دفعا ~~بالحياة إلى أمام، وتعويقها دفعا بالحياة إلى الوراء، ويخيل إلي كذلك أن ثمة طائفة من ~~ملامح، لا اختلاف عليها، هي التي يجاهد التاريخ في تحقيقها، كالحرية لأكبر عدد ممكن من ~~الناس، والعلم لأكبر عدد ممكن من الناس، وهكذا ... لقد كان هنالك حرية دائما، لكن الفرق هو ~~في عدد من يتمتعون بها، وقد كان هنالك علم دائما، لكن الفرق هنا أيضا هو في عدد من يتاح ~~لهم تحصيله، والتاريخ سائر نحو توسيع الرقعة من فرد واحد إلى قلة إلى كثرة، إلى كل أفراد ~~البشر ms115 إذا كان ذلك مستطاعا، وبهذا يتحدد معنى «المثقف الثوري» فيما أرى: هو من أدرك مثلا ~~جديدة للحياة الإنسانية، ثم لم يقف عند مجرد الإدراك، بل حاول تغيير الحياة وفق ما أدركه، ~~شريطة أن يجيء هذا التغيير في الاتجاه الذي يسير فيه التاريخ، من حيث توسيع الرقعة البشرية ~~التي تتمتع بما كان مقصورا على القلة من جوانب القوة والحرية والعلم وسائر أوجه الكمال كما ~~ارتسمت في تصور الإنسان منذ أقدم عصوره. # على أن المثل الجديدة التي ترتسم في ذهن المثقف المعتزل فيكفيه ارتسامها، والتي يحاول ~~المثقف الثوري أن يجاوز بها حدود ذهنه إلى حيث العالم الخارجي؛ ليرغم هذا العالم على أن ~~ينقاد للمثل الجديدة وأن يتشكل على أساسها، ليست مجرد رغبات وأمنيات يرغب فيها المثقف لنفسه ~~ويتمناها لذاته، وإلا لما استحقت أن تسمى «مثلا» أي «نماذج» تحتذى، ولكم وددت في هذا ~~الموضع من الحديث أن كانت تكون لي القدرة في اللغة العربية لأجد لفظتين متقاربتين في الجرس، ~~متباينتين في المعنى، أقابل بهما كلمتين في اللغة الإنجليزية هما: # ideals، ideas ~~، فالأولى ~~«أفكار» ترتسم في ذهن صاحبها، والثانية «أفكار تتحول إلى نماذج» لصاحبها ولغير صاحبها على ~~السواء، وها هنا يكمن الفرق البعيد بين ما يتمناه الإنسان لنفسه ولحياته بحيث لا يعنيه أن ~~يتغير من الناس سواه، وبين ما يتمناه للناس جميعا، على تفاوت الدوائر في الاتساع، فأحيانا ~~يكون جميع الناس هم أبناء الوطن الواحد، وأحيانا أخرى يكون جميع الناس هم أفراد الأسرة ~~البشرية كافة، إن «الفكرة» لا تكون «مثلا أعلى» إلا إذا آمن بها صاحبها إيمانا يدعوه إلى ~~تطبيقها على نفسه أولا، ثم إلى العمل الجاد في تطبيقها على سائر الناس، فلو كنت - مثلا - ~~أتمنى لنفسي منزلا أملكه وأسكنه، كانت هذه فكرة مبطنة برغبة، وأما إذا تمنيت لكل أسرة على ~~أرض الوطن أن تملك مسكنا، فعندئذ تتحول الفكرة مثلا أعلى، وبعد ذلك قد أقف عند ارتسام ~~هذا المثل الأعلى في صفحة ذهني، لكنني قد أجاوز ذلك إلى محاولة التنفيذ والتحقيق بكل ما ~~عندي ms116 من إرادة مصممة، وها هنا أصبح «المثقف الثوري» الذي يرد المثل الأعلى بذهنه ويسعى إلى ~~تجسيده في الحياة الفعلية بإرادته. # وما أبعد ما يختلف به «المثقفون الثوريون» فيما يحاولون تطبيقه على حياة الناس من أفكار، ~~رأوها، ثم عاشوها، ثم هموا بتحويل مجموعة الناس على أساسها، وهاك بعض الأمثلة الموضحة ~~نسوقها من تاريخ الفكر الفلسفي بصفة خاصة: # سقراط هو مثلنا الأول، نسوقه نموذجا للمثقف الثوري الذي تتمثل فيه الخصائص التي بيناها ~~في الأسطر السابقة، هاله أن يرى الناس يسلكون في حياتهم على غير مبدأ، فما يفعله هذا عن ~~إيمان قد يفعل نقيضه آخر وعن إيمان كذلك، كأنما أمور العيش مرهونة بأمثال هذه النزوات ~~المجنونة الهوجاء، وكأنما أمور العيش هذه يستحيل عليها أن تنطوي تحت أحكام عقلية يتساوى ~~فيها جميع الناس على حد سواء، فهل يجوز لرجلين أن يذهب كل منهما على هواه في زوايا المثلث ~~كم يكون مقدارها؟ كذلك - فيما أعتقد سقراط - ينبغي أن تكون حالهم في أمور الحياة الجارية، ~~فإما أن تكون الفكرة صوابا، على أساس علمي عقلي، فيأخذ بها الجميع، وإما أن تكون خطأ ~~فيرفضها الجميع، تلك إذن هي الصورة التي ارتسمت في ذهن سقراط وكان يمكن أن يقنع بها ~~ويستريح، لكنه بدأ بنفسه أولا وأخضع تلك النفس إخضاعا، لا هوادة فيه، لأحكام العقل في كل ~~صغيرة وكبيرة من صغائر الحياة وكبائرها، وهنا أيضا كان يمكن أن يرضى بذلك ويستريح، لكن ~~صوتا قويا أخذ يدوي في فؤاده، ألا يستريح وألا يطمئن، حتى يحمل سائر الناس، على قبول ما ~~قد ارتسم في ذهنه، فطفق يجوب في الطرقات وبين المتاجر، ويطوف بالأصدقاء ويجتمع حوله ~~التلاميذ، يناقش ويناقش، ويحاور ويحاور، حتى يتبين له وللناس جميعا وجوب أن يكون زمام ~~الأمر كله لمبادئ العقل؛ أعني وجوب أن تؤسس الحياة على العلم، فلا نزوة ولا رغبة ولا عاطفة ~~أجدى على الإنسان من عقله، فلئن كانت التفرقة متعذرة بين نزوة ونزوة، ورغبة ورغبة، وعاطفة ~~وعاطفة، ففي ميدان العقل وحده لا يستوي الذين يعلمون والذين لا ms117 يعلمون، ها هنا يكون الفرق ~~واضحا بين الصواب والخطأ، بين الهدى والضلال. # غير أن الحياة بدفعة العاطفة سهلة ميسرة، وأما الحياة مقيدة بقيد العقل ولجامه فصعبة ~~عسيرة، ما أهون أن تحب شيئا فتأخذه وأن تكره شيئا فتنفر منه وتتركه، لكن ما أشق أن يصرفك ~~العقل عن شيء تحبه، وأن يرغمك العقل على شيء تكرهه؛ ولذلك جاءت دعوة سقراط إلى احتكام الناس ~~إلى عقولهم في أمور الحياة اليومية مضنية مرهقة، فما استراح الناس عندئذ إلا بعد أن جرعوه ~~السم ليموت وتموت معه دعوته، فينصرفوا من جديد إلى دفعة النزوة والهوى بغير وازع من العقل ~~ولا رادع من العلم، فلو كان سقراط «مثقفا» وكفى لنعم بفكرته وعاش، لكنه أبى إلا أن يكون ~~«مثقفا ثوريا» يحاول تغيير الناس وتبديل الحياة، فمات ضحية دعوته، لكنه مات سعيدا ~~برسالته. # ومثلنا الثاني للمثقف الثوري هو أفلاطون، ارتسمت في ذهنه صورة عقلية للدولة المثلى كيف ~~تكون بحيث تجيء دولة قائمة على دعامة العدل، وأخذ في محاورة «الجمهورية» يفصل القول في صورة ~~هذه الدولة العادلة، بادئا ببحث مستفيض - على طريقة المحاورة - عن معنى العدل الذي يريده، ~~متناولا بالتحليل معنى بعد معنى، وزعما في إثر زعم، حتى ينتهي إلى ما ظنه هو معنى العدل ~~المقبول عند العقل، وهو أن تتاح الفرصة لجميع الأفراد، بحيث يوضع كل فرد في المكان الذي ~~يلائم طبيعته واستعداده وقدراته، قائلا في ذلك إن الدولة هي فرد كتب بخط كبير، فما يكون في ~~الفرد الواحد يكون في الدولة، إلى آخر ما ذهب إليه من تفصيلات في رسم الصورة المثلى، مما ~~أحسبه قد بات معرفة شائعة عند أوساط المثقفين. # ولو اكتفى أفلاطون بهذه الصورة العقلية للدولة يتصورها ويرسمها كتابة مفصلة، لعددناه ~~«مثقفا» يرى «الفكرة» ويحللها ويصل إلى النتائج التي يطمئن إليها، فيسترخي ويستريح، لكنه ~~كان «مثقفا ثوريا» بالمعنى الذي حددناه، وهو أن يلتمس طريق التنفيذ لفكرته التي ارتآها، ~~فما أرسل إليه ديونيسيوس الشاب، الذي آل إليه الحكم في سرقوسا - بجزيرة صقلية - بعد أبيه، ~~أقول ما أرسل ms118 إليه هذا الحاكم الشاب يدعوه لتطبيق فكرته على دولته، حتى لبى الدعوة فرحا؛ ~~لأنه أراد أن يشهد فكرته مجسدة في حياة، ولكن الملك الشاب سرعان ما ضاق بالفلسفة وقيودها، ~~وكاد يبطش بالفيلسوف لولا أن الفيلسوف قد لاذ بالفرار عائدا إلى أثينا، وتمضي أعوام، ويعود ~~ديونيسيوس مرة أخرى إلى دعوة أفلاطون، ليحاول تطبيق فكرته محاولة ثانية، ويقبل فيلسوفنا ~~الدعوة برغم ما كاد يتعرض له من أذى في الدعوة السابقة؛ وذلك لشدة رغبته في أن يجاوز بفكرته ~~حدود ذهنه إلى حيث العالم الحي، لكن الذي حدث للحاكم الشاب من ضيق في الزيارة الأولى، عاوده ~~في الزيارة الثانية، وفر أفلاطون من تعذيب أوشك هذه المرة أيضا أن يناله من الحاكم العابث، ~~كما فر في الدعوة الأولى. # والحاكم الشاب هنا في ضيقه، هو كشعب أثينا في حالة سقراط حين ضاق الشعب بدعوته إلى الأخذ ~~بأحكام العقل دون نزوات الهوى، ففي كلتا الحالتين «مثقف ثوري» يدرك الفكرة، ولا يريد قصرها ~~على نفسه ليتركها حبيسة رأسه، بل يخرج بها إلى الحياة الواقعة، فيجد الناس على عناد وتشبث ~~بما ألفوه، فيكون الصراع وما يؤدي إليه الصراع من غلبة هنا أو هناك، فقد تكون الغلبة لصاحب ~~الفكرة فتتغير الحياة برغم عبيد العادات المألوفة، أو قد تكون الغلبة لهؤلاء على صاحب ~~الفكرة، فتختفي الفكرة حتى ينهض لها على مجرى التاريخ داعية جديد. # وفي ظني أن الغزالي - في تاريخ الفكر الإسلامي - هو خير الأمثلة التي تضرب للمثقف الثوري؛ ~~لأنه غير بفكره حياته وحياة الناس من بعده لعدة قرون، فليس الفرق بين «المثقف» و«المثقف ~~الثوري» فرقا في الكم، بحيث يكون الثاني أغزر إنتاجا من الأول، أو أكثر فكرا منه، بل هو ~~فرق في «الكيف» لأن الأول والثاني معا كليهما «يعلم» لكن الثاني وحده هو الذي ينقل العلم ~~إلى عمل وسلوك، فالجاحظ وأبو حيان التوحيدي يمثلان قمة ما وصل إليه «المثقف» العربي في ~~العصور القديمة، بمعنى الثقافة العام، الذي لا يتخصص في فلسفة أو لغة أو فقه أو نحو ذلك، ~~لكن لا ms119 الجاحظ ولا أبو حيان كان ثوريا في ثقافته؛ لأنك تقرأ لهما فتزداد «علما» لكنك لا ~~تدري كيف تغير من أوضاع حياتك وفق هذه الزيادة العلمية، وأما الغزالي فشأنه غير هذا؛ لأنك ~~تقرأ له، فإذا أخذت بوجهة نظره، كان لا بد لك من تغيير أسلوب الحياة والنظر، فها هو ذا ~~رجل يقول لك إن التجربة النفسية - لا المنهج العقلي - هي طريقك إلى رسم خطة الحياة، وإن ~~الحياة المثلى هي الحياة الروحية العملية في آن، فالروحانية بغير عمل خواء، والعمل بغير ~~روحانية جفاف ويأس، وألف الغزالي كتاب «الإحياء» ليبث به في «علوم الدين» حياة جديدة يتحقق ~~بها ما قد أوصلته إليه تجربة نفسية مارسها وعاناها. # ونعبر القرون لنصل إلى تاريخنا الثقافي الحديث، فنرى الأمثلة واضحة للمثقف المعتزل، ~~والمثقف الثوري، وأبدأ بجمال الدين الأفغاني، الذي هو «سقراط» حياتنا الفكرية الحديثة، يطوف ~~كما كان يطوف سقراط، ويجادل ويناقش كما جادل سقراط وناقش، ويخلق التلاميذ والأتباع كما خلق ~~سقراط تلاميذه وأتباعه، يشعل الروح كما أشعل، ويوقظ النفوس كما أيقظ، نعم إن رسالة الأفغاني ~~لم تكن هي رسالة سقراط، لكن الأداء واحد في الحالتين، كانت رسالة سقراط - كما أسلفنا - أن ~~يكون الاحتكام في أمور الحياة كلها إلى العقل في تجريده المنطقي الخالص، وكانت رسالة ~~الأفغاني أن يكون الاحتكام إلى القومية الدينية المفهومة على ضوء العقل، لا على ضلال ~~الخرافة، لكن طريقة الأداء عند الرجلين متشابهة، فكلاهما مثقف ثوري؛ لأن كليهما لم يكفه أن ~~«يعرف» لنفسه، بل أراد أن يعرف للناس من حوله. # ويجيء بعد الأفغاني إمامنا محمد عبده، فيكون هو «أفلاطون» حياتنا الفكرية الحديثة، فهو ~~تلميذ الأفغاني كما كان أفلاطون تلميذا لسقراط، وهو يستقر للكتابة والدرس والمحاضرة بعد ~~تطواف أستاذه الأفغاني، كما استقر أفلاطون للكتابة والدرس والمحاورة بعد تطواف أستاذه ~~سقراط، كان مستقر الإمام هو الأزهر، وكان مستقر أفلاطون هو الأكاديمية، كلاهما يتصور بعقله ~~حياة جديدة، ويجعل وسيلته إلى إقامتها تعليم الناس وتنوير العقول، لم يكن الإمام محمد عبده ~~يدرس ما يدرسه ليزداد فقها لنفسه، بل ms120 كان يفعل ذلك ليزداد فقها بما يغير دنيا الناس، كان ~~يفعل ذلك ليصلح وليبني ولينشئ وليعلم وليربي، لم يكن «مثقفا» وكفى، بل كان «مثقفا ~~ثوريا». # وقل هذا في قاسم أمين، وفي لطفي السيد، فالأمر فيهما أوضح من أن يحتاج إلى شرح وتوضيح، ~~الأول يكتب ليغير أوضاع الحياة بالنسبة إلى نصف الشعب، المرأة، والثاني يكتب ليؤصل حياة ~~سياسية على أصول ديمقراطية، كلاهما مثقف ثوري، يحصل العلم، لا ليضعه في رأسه كما توضع ~~الآثار في المتحف، بل ليتخذ منه أداة فعل وعمل وتطوير وتغيير. # إن التفرقة بين «المثقف» و«المثقف الثوري» هي نفسها التفرقة بين «العلم للعلم» و«العلم ~~للمجتمع»، نعم، إنه لا مراء في أن العلم في حد ذاته قيمة، فمن يعلم خير ممن لا يعلم، مهما ~~تكن مادة علمه، لكن العلم الذي من شأنه أن يعالج مشكلات الناس في حياتهم اليومية، فيه علم ~~وزيادة، فيه قيمة العلم مضافا إليها قيمة التطبيق، والحق أني - بحكم ما أذهب إليه في فلسفة ~~المعرفة بصفة عامة - لا أعترف بعلم لا تكون فيه قابلية التطبيق، بل لا أدري كيف يكون ذلك، ~~اللهم إلا في حالة واحدة، وهي أن يجعل الدارس من نفسه «ذاكرة» تحفظ ما قاله الأولون، ~~وعندئذ لا يكون ثمة «علم» بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، بل يكون في رأس الدارس «مكتبة» يرجع ~~إليها كما يرجع إلى الكتب المرصوصة فوق الرفوف. # العلم علم بشيء، ولا يتم لك مثل هذا العلم إلا إذا ألممت بذلك الشيء حلا وتركيبا، ومن ~~ثم تصبح لديك القدرة على التصرف فيه تصرفا تخدم به أغراضك؛ ولذلك قيل إن «العلم قوة» أعني ~~أن العلم «قدرة»، قدرة على تغيير جزء من العالم الخارجي - جزء كبير أو جزء صغير - تغييرا ~~يصيره بيئة صالحة لحياة أفضل، قدرة على أن أجعل من الماء مصدرا للري ولتوليد الكهرباء ~~وتسيير السفن، وعلى أن أجعل من الهواء أجنحة للطيران، وأسلاكا تنقل الصوت والصورة من مكان ~~إلى مكان، ليس العلم حالة بكماء خرساء، نقف بها إزاء الدنيا متفرجين لما يحدث، دون أن ms121 نغير ~~بها تيار الحوادث ونوجهه كيفما نشاء، فما لم يكن العلم «قوة» أو «قدرة» على إخصاب الأرض، ~~وإزالة المرض، وتنقية الماء والهواء، وتيسير الانتقال، وغير ذلك من إقامة جوانب الحياة، ~~فماذا يكون؟ # هذا ما أذهب إليه في فلسفة المعرفة بصفة عامة، حتى لأرفض «التأمل» بالمعنى الذي يركز ~~المفكر به فكره في لا شيء - وأعني لا «شيء» بالمعنى الحرفي لكلمة شيء - فكل علم متعلق ~~ب «شيء»، ب «ظاهرة»، ب «مشكلة» بموقف من مواقف الحياة، لنبقيه على حاله إذا كان صالحا ~~لأغراضنا، أو لنغيره بما يخدم تلك الأغراض، وإذن فعندي أن المثقف لا يتم تكوينه إلا بأن ~~يكون مثقفا يستخدم ثقافته في حياته، على أن أصحاب الثقافة يعودون بعد ذلك فيتفاوتون، فمنهم ~~من يقصر استخدام ثقافته على حياته الخاصة، ومنهم من يتأرق وكأنه يرقد على شوك، ما لم يستخدم ~~تلك الثقافة في رقعة أوسع من حياته الخاصة، رقعة قد تمتد حتى تشمل الوطن، وقد تمعن في ~~الامتداد لتشمل الإنسانية كلها، فعندئذ يكون مثل هذا الرجل أجدر الناس بصفة «المثقف ~~الثوري». # | ضوء على معنى الصراع الفكري # لا تكون الفكرة - كائنة ما كانت - إلا جوابا عن سؤال، إذ إنها لا تكون فكرة - بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة - إلا إذا جاءت حلا مقترحا لمشكلة قائمة، والمشكلة المعينة هي بمثابة ~~سؤال مطروح ينتظر الجواب، سواء صيغ هذا السؤال صياغة معلنة صريحة، أم ظل مضمرا في ذهن ~~صاحبه، فإذا قلت - مثلا - إن الحرية حق فطري للإنسان، كان ذلك إجابة عن سؤال يسأل: ما هو ~~مصدر الحرية التي يتمتع بها الإنسان؟ أو قلت: إن الشمس هي التي تعكس ضوءها على سطح القمر، ~~كان ذلك إجابة عن سؤال يسأل: من أين يأتي الضوء إلى القمر مع أنه بطبيعته جسم معتم؟ وهكذا، ~~وقديما بحث الفلاسفة في صنوف الأسئلة التي يمكن أن تسأل عن الشيء الواحد، وأطلقوا مصطلحا ~~خاصا هو كلمة «المقولات»، ويذكر أرسطو من هذه المقولات عشرا، وهو بذلك يعني أنك تستطيع ~~أن تسأل عن الشيء الواحد عشرة أنواع من الأسئلة، ms122 فقد تسأل عن جوهره بقولك: ما هذا؟ أو عن ~~كميته بقولك: ما لونه وما طعمه؟ إلى آخر الأسئلة العشرة التي ذكرها أرسطو منذ قديم. # وواضح أن لكل ضرب من ضروب السؤال لغة خاصة يجاب بها عنه، غير اللغة التي يجاب بها عن غيره ~~من الأسئلة، فإذا سألتك عن طول الجدار، توقعت منك أن تستخدم لغة العدد لا لغة الألوان ~~والطعوم، وإذا سألتك عن مكان شيء أو عن زمانه، كان لكل حالة لغتها الخاصة، هذا واضح، أما ~~الذي يحتاج إلى توضيح فهو أن «الصراع الفكري» بين رجلين أو جيلين من الناس، لا يكون إلا إذا ~~ألقى عن شيء معين سؤال معين، فأجاب كل من الرجلين إجابة غير التي أجاب بها الآخر، كأن تسأل: ~~ما مصدر الحرية التي يتمتع بها الإنسان؟ فيجيب أحد الرجلين بأنها فطرية تولد مع الإنسان، ~~ويجيب الآخر بأنها حق تمنحه له إحدى السلطات - في مثل هذه الحالة وحدها يكون الحكم بالصواب ~~على إحدى الإجابتين، مؤديا حتما إلى الحكم بالخطأ على الإجابة الأخرى. # لكن هذه الحالة هي واحدة من أربع حالات ممكنة الحدوث، ومن ثم يجيء الخلط ويقع الخطأ، ~~فهنالك حالة يطرح فيها سؤال معين، فإذا برجلين يجيبان عنه إجابتين مختلفتين، كل منهما صادق ~~إلى حد، باطل إلى حد، أي أن كلا منهما صواب بعض الصواب لا كله، وعندئذ يكون الجانب الذي ~~أصاب فيه الأول ليس هو نفسه الجانب الذي أخطأ فيه الثاني، فها هنا لا يكون بين الفكرتين ~~«صراع» لأننا قد نجمع الصوابين معا، ونبعد الباطلين معا، أي أن الإجابتين يمكن أن يتكاملا ~~وأن يتعاونا على تكوين الإجابة الصحيحة، خذ لذلك مثلا ما نشب - وما يزال ناشبا - بيننا من ~~خلاف في الرأي: هل نترجم العلوم - كالطب - إلى العربية أو لا نترجمها؟ قد يجاب عن هذا ~~السؤال بإجابتين متطرفتين، إحداهما تطالب بالترجمة العربية ترجمة كاملة تشتمل على كل ما يرد ~~في العلوم من عبارة ومن مصطلح، محتجة بأنه لا حياة للغة القومية إلا إذا حملت علوم عصرها ... ~~والأخرى تطالب ms123 بألا ترجمة في هذا المجال، وبوجوب أن تدرس العلوم في لغة أجنبية - ~~كالإنجليزية مثلا - هاتان إجابتان مختلفتان عن سؤال واحد، لكن الصواب في أي منهما قد لا ~~يكون صوابا كاملا، والخطأ في الأخرى قد يكون خطأ كاملا، بحيث يجوز أن يكون الموقف الأصح ~~هو الجمع بين جانب من هنا وجانب من هناك، كأن نقول - مثلا - إننا نترجم من المصطلح ما نجد ~~له ترجمة عربية وافية، ثم نعرب ما يستعصي على الترجمة وما يحسن تركه على نطق قريب من نطقه ~~الأصلي المشترك بين اللغات المختلفة (فالترجمة هي وضع لفظ عربي مرادف للفظ الأجنبي، ~~والتعريب هو وضع الصوت الذي تنطق به اللفظة الأجنبية في أحرف عربية) إنني هنا لا أؤيد ~~رأيا ولا أعارض رأيا، لكنني أعرض نوعا من اختلاف الرأي في مشكلة مطروحة، تتعاون فيه ~~الإجابتان المختلفتان، دون أن ينشأ بينهما ما يصح تسميته ب «صراع». # وهنالك حالة ثالثة من حالات الخلاف الفكري يكون فيها السؤال المطروح سؤالا واحدا ~~محددا، فتجيء عنه إجابتان يظن أنهما مختلفتان على حين أنك لو حللتهما، وجدتهما مترادفتين ~~متساويتين، وكل ما في الأمر بينهما هو أنهما وضعتا في عبارتين مختلفتين، ولا زلت أذكر ~~سؤالا ألقاه علي أبي إذ كنت غلاما، إذ سألني: أيهما تفضل؟ برتقالة مقشرة أم برتقالة بغير ~~قشر؟ فاندفعت مجيبا: أفضل برتقالة بغير قشر، فقال مازحا: ولماذا لا تأخذها مقشرة؟ فقلت: ~~لكي أضمن نظافتها، وعندئذ لفت ذهني إلى أن البرتقالة بغير قشر هي نفسها البرتقالة المقشرة، ~~والاختلاف هو في اللفظ لا في المعنى. # ومن أحدث الأمثلة في حياتنا الفكرية، على مثل هذه الحالة تلك المشكلة التي ما تفتأ تثار بين ~~فريقين من الكتاب، وهي: أنعد اشتراكيتنا اشتراكية عربية أم نعدها تطبيقا عربيا ~~للاشتراكية؟ فيجيب فريق بالإجابة الأولى حرصا على أن تكون اشتراكيتنا مطبوعة بطابعنا الخاص ~~المتأثر بظروفنا الخاصة، ويجيب الفريق الآخر بالإجابة الثانية حرصا على وحدانية المبدأ ~~الاشتراكي وعدم تجزئته، على أن الفريقين معا متفقان على أن الاشتراكية معناها بصفة عامة ~~عدم استغلال الإنسان للإنسان، ms124 وفي اعتقادي أن الإجابتين مترادفتان برغم ما يبدو على ظاهرهما ~~من تباين، فافرض - مثلا - أنني طرحت سؤالا عن القطن العربي ما طبيعته: أهو قطن عربي أم ~~نبات عربي للقطن؟ فأجاب مجيب بالصيغة الأولى وأجاب مجيب آخر بالصيغة الأخرى، فهل ترى بينهما ~~من خلاف في المعنى؟ كان اختلاف الرأي بين الفريقين عن الاشتراكية العربية ليكون ذا معنى لو ~~أن كل فريق منهما عرف مفهوم الاشتراكية تعريفا يخالف تعريف الآخر له، أما وقد اتفقا على ~~التعريف، بأنها هي عدم استغلال الإنسان للإنسان، ثم أراد كل منهما أن يميز التعريف العام ~~بصفة تجعله خاصا بحال معينة، وكذلك أراد كل منهما أن تكون صفة «العربية» هي المميزة، فأي ~~فرق بين أن تصف الاشتراكية بأنها عربية أو تصفها بأنها تطبيق عربي؟ المهم في كلتا الحالتين ~~أن ثمة فكرة عامة متفقا عليها، ومميزا خاصا يقيد الفكرة العامة، وهو أيضا متفق عليه، ~~فسيان بعدئذ أن تعبر عن هذا المعنى على هذا النحو أو ذاك ... هل مجلة الفكر المعاصر مجلة ~~عربية؟ أو هي تطبيق عربي لفكرة المجلات؟ هل تعد تماثيل مختار نحتا عربيا أو تعد تطبيقا ~~عربيا لفن النحت؟ # وهنالك حالة رابعة، لعلها أن تكون أعوص الحالات، وأحوجها إلى دقة التحليل وحسن التوضيح، ~~وأعني بها الحالة التي نتلقى فيها إجابتين مختلفتين من شخصين، على ظن منهما بأنهما يجيبان ~~عن سؤال واحد، ويعالجان مشكلة معينة مشتركة بينهما، على حين أنهما في حقيقة الأمر يجيبان عن ~~سؤالين مختلفين، كل منهما يتناول مشكلة غير المشكلة التي يتناولها الآخر، وسرعان ما تتعقد ~~الخيوط الفكرية وتتداخل فتتعذر الرؤية الواضحة، وإنما يوقعنا في مثل هذا الخلط، أن يقدم لنا ~~السؤال واحدا في صياغته اللفظية، لكنه في حقيقته يدمج سؤالين أو أكثر عن موضوعات مختلفة، ~~فلو أردنا سلامة السير في مثل هذه الحالة، لوجب منذ البداية أن نفك المدمج، لنضع كل سؤال ~~فرعي على حدة، وغالبا ما يحدث هذا الازدواج، حين ترد في السؤال المطروح لفظة ينقصها ~~التحديد، بحيث يستطاع فهمها على أكثر من وجه ms125 واحد؛ أعني أن تكون هذه اللفظة الواحدة بمثابة ~~لفظتين أو أكثر، كل لفظة منها تستقل وحدها بمشكلة قائمة بذاتها، فافرض - مثلا - أن المسألة ~~المطروحة هي عن «الحقيقة» ما سبيلنا إليها؟ فعندئذ ترى من الفلاسفة من يقول إن السبيل ~~إليها هو «الحدس»، ومنهم من يقول إن السبيل إليها هو «العقل» وآخرون يقولون بل السبيل إليها ~~هو «الحواس»، أفلا يجوز في هذه الحالة أن يكون سر الخلاف بين أولئك وهؤلاء أن كلمة ~~«الحقيقة» ينقصها التحديد، بحيث يندمج في هذه الكلمة الواحدة مشكلات عدة، فأخذ كل فريق من ~~الفلاسفة مشكلة غير المشكلة التي أخذها الفريق الآخر؟ إذا تبين ذلك، كان ما بينهم من اختلاف ~~هو أبعد ما يكون عن «الصراع»؛ لأن كلا منهم يلعب لعبته في ميدان مستقل. # تلك حالات أربع من اختلاف الرأي عند أصحاب الفكر، ألخصها لتكون مرئية للقارئ بنظرة واحدة، ~~فيسهل عليه أن يرى الزعم الذي نزعمه، وهو أن «الصراع الفكري» لا يتحقق إلا في حالة واحدة ~~دون سائر الحالات: ~~(1) # مشكلة يقترح لها حلان، بحيث إذا أصاب حل منهما تحتم أن يكون الآخر باطلا، وها هنا ~~يكون صراع فكري. ~~(2) # مشكلة يقترح لها حلان، لكن كل حل منهما لا يتناول من المشكلة إلا جانبا واحدا، وهنا ~~لا يكون صواب أحدهما نافيا لصواب الآخر؟ ~~(3) # مشكلة يقترح لها حلان، لكنهما لا يختلفان في المعنى وإن اختلفا في الصياغة اللفظية، ~~وهنا يكون صواب أحدهما هو نفسه صواب الآخر. ~~(4) # سؤال يدمج في صياغته أكثر من مشكلة واحدة، فيعالج أحد المفكرين مشكلة منها، ويعالج ~~مفكر آخر مشكلة أخرى، وهنا يكون لكل منهما صوابه أو خطؤه مستقلا عن صواب الآخر أو خطئه، ~~فلا صراع بينهما ولا ما يشبه الصراع. # وسبيلنا الآن إلى مزيد من الأمثلة، نأخذها من حياتنا الفكرية، توضيحا لهذه الحالات ~~الأربع. # لو نظرنا إلى الحياة الفكرية - كما ينبغي أن ينظر إليها - باعتبارها مرحلة نظرية لا بد ~~أن تلحقها مرحلة التنفيذ والتطبيق؛ أعني لو نظرنا إلى الحياة الفكرية، لا على أنها لهو ~~ومتاع لأصحابها، بل على ms126 أنها هي مرحلة التخطيط التي تنتهي بالتصميم ثم بالتنفيذ، وجدنا أن ~~الحالة الأولى من الحالات الأربع المذكورة - أعني حالة الصراع الفكري بمعناه الدقيق - هي ~~الحالة الوحيدة التي يؤدي اختلاف الرأي فيها إلى اختلاف في طرائق التنفيذ، وبالتالي فإن ~~اختلاف الرأي فيها معناه اختلاف فيما نغيره أو لا نغيره من أمور الواقع، ومن ثم تجيء ~~أهميتها وخطورتها بالقياس إلى زميلاتها، إذ لا يؤدي اختلاف الرأي في الحالات الثلاث الأخرى ~~إلى أي ضرب من ضروب التغيير على أرض الواقع، وإذن فهو - على أحسن تقدير - لا يعدو أن يكون ~~رياضة ذهنية يلهو بها أصحابها كما يلهو لاعبو الشطرنج، ولنضرب أمثلة من «صراعاتنا» الفكرية ~~الحقيقية والمزعومة ليتضح المعنى الذي نريد. # إن أقرب مثل حي نسوقه للصراع الفكري في أتم معناه، هو هذا الذي حدث ويحدث في حياتنا ~~الاقتصادية والاجتماعية منذ قيام الثورة، فقد كانت تلك الحياة قبلها تقوم على فكرة أو أفكار ~~أساسية، وجاءت تلك الحياة بعدها لتقوم على فكرة أو أفكار تنقض الأولى لتحل محلها، فإذا كانت ~~الفكرة السابقة تأخذ بالملكية الخاصة لوسائل الإنتاج الرئيسية، فإن الفكرة الجديدة تأخذ ~~بالملكية العامة لتلك الوسائل، وبين الفكرتين من الاختلاف ما يحتم الأخذ بإحداهما دون ~~الأخرى، فإما هذه وإما تلك، مع استحالة الجمع بين الفكرتين في شيء واحد بعينه، وإذن فقد ~~كان بين الفكرتين صراع، كانت الغلبة فيه للفكرة الجديدة، وهي غلبة لا تقف عند حد الرياضة ~~الذهنية، بل يكون لها طريقها إلى التطبيق والتنفيذ، بحيث تتغير الأمور على أرض الواقع ~~تغيرا يجعل لها صورة غير التي كانت، وبهذا يصبح لكلمة «ثورة» معناها العيني ~~المحسوس. # خذ مثلا ثانيا لمثل هذا الاختلاف الذي يحتم علينا أن نأخذ بأحد الطرفين دون الآخر، لما بين ~~الطرفين من تناقض يمنع الجمع بينهما في لحظة واحدة، الاختلاف على مبدأ التعليم، أيكون ~~واجبا على الدولة إزاء المواطنين بحيث تتكفل الدولة بنفقاته في كل مراحله، أم يكون من ~~الخدمات التي تباع لمن يملك المال لشرائها؟ ها هنا كذلك «صراع» بين الفكرتين؛ لأن قبول ms127 ~~الفكرة الأولى بالنسبة إلى مرحلة معينة من مراحل التعليم، يقتضي رفض الفكرة الثانية، فلو ~~فرض أن كان لكل من الفكرتين أنصار، كان بين الفريقين صراع فكري، وهنا نلاحظ للمرة الثانية ~~أن الصراع عندئذ إذا انتهى إلى انتصار فكرة على فكرة، كان معنى ذلك تغيرا حقيقيا في ~~دنيا الواقع. # وهاك مثلا ثالثا للصراع الفكري حين يتم معناه، قضية المرأة وحريتها حين أعلنها قاسم ~~أمين، فهل تخرج المرأة - التي هي من أوساط لم تكن تسمح للمرأة فيها بحقوق معينة - هل تخرج ~~تلك المرأة إلى حيث تظفر بحقوقها تلك، من سفور ومن تعليم ومن مشاركة في الأعمال العامة؟ هنا ~~تكون الإجابتان بالإيجاب والنفي إجابتين متعارضتين تعارضا يجعل صواب الواحدة منهما مؤديا ~~بالضرورة إلى خطأ الأخرى، ونلاحظ للمرة الثالثة أن مثل هذا الاختلاف الفكري مؤد إلى تبديل ~~صورة الحياة الواقعة إذا ما كتب النصر للفكرة الجديدة على الفكرة القديمة. # ومثل رابع وأخير للصراع الفكري بمعناه الذي حددناه له، تلك المشكلة التي ثارت في ~~أربعينيات هذا القرن عن الكتابة العربية: أنبقي عليها كما هي بأحرف عربية، أم نبدل هذه ~~الأحرف بأحرف لاتينية؟ ها هنا أيضا ترى كيف يجيء الأخذ بإحدى الفكرتين مبعدا للفكرة ~~الأخرى، وفي هذه القضية قد حدث أن كان النصر للفكرة القديمة فاختفت الفكرة الجديدة، فلبثت ~~صورة الواقع على حالها لم يصبها تغير. # ونستطيع أن نمضي في ضرب الأمثلة لما قد حدث في حياتنا الفكرية خلال هذا القرن من «صراعات» ~~حقيقية بين أفكار تتصل بهذا الجانب أو ذلك من جوانب حياتنا، وهي صراعات يتحتم فيها الأخذ ~~بأحد الطرفين المتصارعين دون الآخر، مع استحالة الجمع بينهما في مشكلة واحدة بعينها، وقد ~~كتبت الغلبة في معظم الحالات للفكرة الجديدة، فتغيرت الحياة فيما يتصل بالفكرة الغالبة، لكن ~~تلك الغلبة أحيانا لم تكن من نصيب الفكرة الجديدة، فظلت الفكرة القديمة غالبة سائدة، ~~وبالتالي لم تتغير الحياة في جانبها المتصل بتلك الفكرة، وهنا ينبغي أن نذكر حقيقة هامة، ~~وهي أن «التغير» في ذاته ليس هو المقصود، إنما المقصود ms128 هو التغير الذي يحدث تطورا وتقدما ~~ونموا، فإذا كانت الفكرة الغالبة في الصراع، محققة للتطور، كانت خيرا من زميلتها، بغض ~~النظر عن أيهما جديد وأيهما قديم. # أما الحالة الثانية من الحالات الأربع التي أسلفنا ذكرها، فهي حين يتناول كل من ~~المتجادلين جانبا من المشكلة المعروضة غير الجانب الذي يتناوله الآخر، وعندئذ لا يكون بين ~~الطرفين «صراع» بقدر ما يكون بينهما تعاون وتكامل، حتى ليجوز لنا ضم الصواب الجزئي الذي ~~أدركه أحدهما إلى الصواب الجزئي الذي أدركه زميله، ليكون لنا بذلك الضم الصواب كله، أو شطر ~~من الصواب - على أية حال - أكبر من كل من الصوابين على حدة، وقد ضربنا لذلك مثلا مشكلة ~~العلوم وترجمتها، فهل ننقلها إلى العربية أو نتركها على أصلها في أيدي طلابنا ودارسينا، ~~ونسوق الآن مثلا آخر أو مثلين. # فالمشكلة ما زالت قائمة، والنزاع ما زال محتدما، حول الفصحى والعامية بأيهما نكتب في ~~مجال القصة والمسرحية والشعر بصفة خاصة، وسؤالنا الآن هو هذا: أحقا نحن بإزاء طرفين نقيضين ~~لا يلتقيان؟ هل المسألة هي إما أن نكتب بالفصحى ولا عامية وإما أن نكتب بالعامية ولا فصحى؟ ~~ألا يجوز أن يكون هنالك موقف يجمع بين الفصحى في سياق والعامية في سياق؟ ماذا لو كتب متن ~~القصة - مثلا - بالفصحى وحوار العامة بالعامية؟ ماذا لو أخذنا من الفصحى بطرف ومن العامية ~~بطرف كالاقتراح الذي قدمه الأستاذ توفيق الحكيم؟ إن ما يقوله أنصار الفصحى لا ينقض بالضرورة ~~ما يقوله أنصار العامية، كلا ولا ما يقوله أنصار العامية بالذي ينقض ما يقوله أنصار الفصحى، ~~بدليل أننا قد رأينا بالفعل آثارا أدبية التقى فيها الطرفان على وجه من الوجوه. # وقريب من هذا مشكلة الشعر القائمة المحتدمة بين قديمه وحديثه، ويحلو للقائمين بها أن ~~يسموها «صراعا» كأنما لو نظم الشعر شاعر على النسق التقليدي تحتم ألا يقرضه شاعر آخر على ~~أي نحو شاء! نعم كأنما في العربية كلها شاعر واحد وهو إما أن يقول الشعر على هذه الصورة أو ~~على نقيضها! هب أن سائلا سألك: ms129 أتريد للناس أن يأكلوا اللحم أو الأرز؟ أفلا يكون الجواب: ~~أريد لهم أن يأكلوا اللحم والأرز ومائة صنف آخر غير اللحم والأرز إذا أسعفتهم جيوبهم ~~وبطونهم، ولقد شهدنا في هذه «المعركة» عجبا، إذ شهدنا شاعرا ينظم الشعر على صورته ~~التقليدية من وزن وقافية، ولأن شخصه محبب لدى أنصار الشعر الجديد، رأوا في شعره شعرا ~~جديدا - إنني أؤكد لقارئي أنني لا أكتب هذا مؤيدا لجديد أو قديم، بل أكتبه لأبين ألا ~~«صراع» في مثل هذه المشكلات؛ لأن الطرفين المتنازعين لا يزيح أحدهما الآخر، بل يأتي ليقف ~~إلى جواره، كأنما أنت صاحب منزل ذي ثلاث غرف فأضفت إليها غرفة رابعة. # ولقد شهدنا كذلك معركة عنيفة في عشرينيات هذا القرن وثلاثينياته بين أنصار الجديد وأنصار ~~القديم - وكان الجديد والقديم عندئذ معناهما على التوالي: الثقافة الأوروبية والتراث ~~العربي - وكان بيننا من انتصر للأولى انتصارا تاما، ومن انتصر للتراث العربي انتصارا ~~تاما، ولو كان المتقاتلون ذوي بصر وسمع، لرأوا بين ظهرانيهم - حتى في ساعة احتدام المعركة ~~- أدباء اجتمعت في قلوبهم وفي عقولهم أطراف الثقافتين معا، مما يدل دلالة قاطعة على أن ~~المسألة ليست إما هذا أو ذاك ولا اجتماع بين الجانبين، بل هي على صورتها الأصح: هذا وذاك ~~معا، فهل تعد طه حسين مثلا مشربا بالثقافة العربية وحدها أو تعده مشربا بالثقافة ~~الأوروبية وحدها؟ هل تعد العقاد من الفريق الأول أو من الفريق الثاني؟ وكذلك قل في هيكل ~~والمازني وغيرهما، وها هي ذي الأعوام قد كرت بنا إلى يومنا الراهن، فإذا الثقافتان اليوم ~~يتلاقيان في وحدة - إلا تكن قد تمت فهي في طريقها إلى أن تتم - بحيث يتكون منهما ما يصبح ~~ثقافة جديدة مطبوعة بطابعنا الحديث. # وكذلك ليس من ضروب «الصراع» الفكري أن تختلف العبارتان في اللفظ لكنهما تترادفان في ~~المعنى، وقد أسلفت لذلك مثلا هذا الخلاف الظاهري الذي تجري به أقلام طائفة من كتابنا اليوم ~~عن «الاشتراكية العربية» و«التطبيق العربي للاشتراكية»، وأريد الآن أن أزيد من الأمثلة ~~لعلها توضح ما نريد، فمن المشكلات القائمة ms130 بيننا اليوم مشكلة «الالتزام» في الأدب والفن، بل ~~وفي الفكر بصفة عامة، وإن الحديث في المشكلة ليوحي بأن هنالك فريقين: أحدهما يقول بوجوب ~~الالتزام ويقول الآخر بعدم وجوبه، على أن ثمة مسلمة متفقا عليها، وهي أن الالتزام لا يقصد ~~به الإلزام، بمعنى أن الحركة تنبع من داخل المفكر أو الأديب، ولا تفرض عليه من عوامل ~~خارجية، وإذن فقد انحصر الخلاف «المزعوم» في أن فريقا يقول: إنه لا بد أن يكون عند ~~الأديب أو المفكر هدف يلتزم بلوغه بالوسائل التي يراها، على حين أن الفريق الآخر يقول - في ~~زعم الزاعمين - إنه لا هدف هناك عند الأديب أو المفكر، ولذلك فلا وسائل معينة محددة، وتسأل ~~الزاعمين: ترى هل يمسك المفكر غير الملتزم - أو الأديب - قلمه، ويغمض عينيه، ويخبط بالقلم ~~على الورق كيف اختلجت الأصابع، كأنه قط وجد أمامه آلة كاتبة فراح يخبط على مفاتيحها بمخالبه؟ ~~فيكون جواب الزاعمين عن سؤالك هذا - فيما أظن - هو شيء كهذا: لا بل إن غير الملتزم هو من ~~يفكر للفكر نفسه، ومن يصنع أدبا للأدب نفسه، وفنا للفن نفسه ... أي أن الأهداف «داخلية» لا ~~«خارجية» - إن جاز هذا الوصف - ونحن نقول لهؤلاء: إن هذا هو التزام، ولا فرق - من حيث ~~«الالتزام» ذاته - بين أن يكون الهدف هو داخل الأثر الفكري أو الأدبي، أو خارجه، كلاهما ~~التزام لصاحب الأثر بما أراد أن يصنعه، فإذا كان هنالك بعد ذلك اختلاف بين قائل بأن الهدف ~~لا بد أن يكون خارج الأثر المصنوع، وقائل آخر بأنه إنما يكون داخلا في كيان الأثر ذاته، ~~فليس الاختلاف عندئذ على «الالتزام» وجودا وعدما، بل الاختلاف على موضع الهدف الذي يراد ~~التزامه، وإذن فلا فرق - من حيث الالتزام - بين عبارتين: إحداهما تقول إن الأدب هو للأدب، ~~وأخرى تقول إن الأدب للمجتمع، إذ العبارتان كلتاهما تقرران الالتزام على حد سواء وبمعنى ~~واحد، وإن اختلف فيهما الشيء الذي نلتزم به، وإنه لمما يزيد هذا الأمر وضوحا، أن القائلين ~~بأن الأدب الملتزم معناه التزام بمشكلات المجتمع، لا يفوتهم ms131 أن يؤكدوا بأن هذا الالتزام ~~بمشكلات المجتمع لا يعفي الأديب من أن يلتزم «أيضا» بما يوجبه الفن الأدبي من قواعد وأصول، ~~وحتى لو أخذنا بهذا التفسير، فإن الخلاف بين الفريقين لا يكون خلافا على وجوب الالتزام أو ~~عدم وجوبه، بل يكون على «عدد» الالتزامات، ففريق يقول إنهما التزامان: التزام بقواعد الفن ~~الأدبي أولا، والتزام بأن يكون المضمون هو مشكلات المجتمع ثانيا، على حين أن الفريق الآخر ~~يطالب بالتزام واحد، هو التزام بقواعد الفن الأدبي، ولا شأن لنا بعد ذلك بالمضمون ونوعه، ~~فإذا كانت هذه هي حقيقة الموقف، أفلا يكون الفريقان معا على اتفاق في فكرة الالتزام من حيث ~~هو كذلك؟ وإلا فأين هو الأديب الواحد أو الفنان الواحد أو المفكر الواحد، على طول التاريخ ~~الثقافي كله، الذي لم «يلتزم» في عمله شيئا ما؟ فإذا قال قائل هنا: لا، بل نريده أن يلتزم ~~كذا لا كيت، كان ذلك «إلزاما» لا «التزاما» ... وقد اعترفنا جميعا بأنه لا إلزام. # وأسوق مثلا آخر وأخيرا، لاختلاف الرأي الموهوم، حين تختلف العبارات في لفظها، حتى إذا ~~ما أمعنت النظر في مدلولاتها، ألفيتها تستهدف هدفا واحدا، والمثل الذي أسوقه هو اختلاف ~~القائلين بالفردية والاجتماعية، ففي ظني أنه لو ترك التقابل بين الطرفين هكذا مطلقا من ~~القيود، لأفرغناه من معناه، فالمعنى الحقيقي المقصود هو ألا ينشط الفرد في ميادين العمل ~~والفكر إلا بما عساه أن يخدم المجموع، لكن هذا نفسه لا ينفي أن يكون الفرد في نشاطه فردا، ~~وإنما هو مطالب بنوع معين من النشاط الذي يحقق به فرديته والذي يفيد المجتمع في الوقت نفسه، ~~إذ قد ينشط الفرد بما يهدم المجتمع، وإذن فليس الشرط هو ألا ينشط الفرد من حيث هو فرد، بل ~~الشرط هو أن يوجه نشاطه الفردي نحو خدمة الناس، افرض أن الفرد الذي نخاطبه بهذا الكلام ~~يحترف مهنة الحكم في لعبة الكرة، فكيف يمكن أن يمارس حرفته إلا من حيث هو فرد؟ لهذا فنحن لا ~~نطالبه بأن يحد من فرديته، بل نطالبه بأن يوجه ms132 نشاطه الفردي في أدائه لحرفته نحو هدف معين ~~يخدم اللاعبين جميعا، إن أشد أنصار الفردية تعصبا لرأيه، لا يطرح الناس من حسابه، بدليل ~~أنه يتكلم ليعبر عن رأيه ذاك، ويرسل كلامه إلى المطبعة ليطبع وينشر، وهو حين يتكلم وحين ~~يعمل على نشر كلامه، إنما يتوجه به نحو الناس، وإذن فالقائلون بالفردية والقائلون ~~بالاجتماعية، إنما يقولان شيئا واحدا، إذا كان المراد هو أن يكون النشاط الفكري أو العملي ~~ذا صلة بالمجتمع كله أو بعضه، ولا يكون بينهما فرق إلا إذا قصرنا معنى الفردية على النشاط ~~الذي يهدم المجتمع، ويعارض مصالحه، لكن من أين يتحتم هذا المعنى؟ وعلى كل حال، فلو كان دفع ~~المجتمع أو تعويقه هو موضع الحديث، كان لمثل هذا الاختلاف معنى، أما أن يكون المحوران هما ~~الفردية والاجتماعية، من حيث هما، فلا اختلاف هناك في حقيقة الأمر؛ لأن الفردية لا تكون إلا ~~في مجتمع. # وإن أغمض الحالات جميعا عن الرؤية، هي الحالة الرابعة - من الحالات التي أسلفنا ذكرها - ~~حين يكون لكل متحدث مشكلته التي يتصدى لها، وبرغم ذلك يظن المتحدثان أنهما يتصديان لمشكلة ~~واحدة بعينها، وأن أحدهما، إذا أصاب الرأي، تحتم أن يوصم زميله بالخطأ. # وأعيد القول مرة أخرى، بأن الخلاف لا يكون بين رأيين، إلا إذا كان الرأيان مما يتعلقان ~~بسؤال واحد، أي أنهما معا يندرجان في مقولة واحدة، فإذا سئلنا - أنت وأنا - عن جدران هذه ~~الغرفة، فقلت أنا إنها بيضاء، وقلت أنت إن ارتفاعها أربعة أمتار، فليس هذا الذي بيننا هو ~~خلاف في الرأي؛ لأنك بمثابة من يجيب عن سؤال غير السؤال الذي أجيب أنا عنه، أنت تتحدث عن ~~«الكيف» وأنا أتحدث عن «الكم» وهما مقولتان مختلفتان. # وحسبي هنا مثل واحد أسوقه لاختلاف الرأي المزعوم، حين لا يكون في حقيقة الأمر اختلاف؛ لأن ~~كل رأي من الرأيين متصل بمشكلة غير المشكلة التي يتصل بها الرأي الآخر، وليكن هذا المثل هو ~~اختلاف النقاد على مبدأ النقد الأدبي ماذا يكون؟ فها هنا تجد إجابات كثيرة، ناقد جعل مبدأ ~~البحث ms133 عما تحمله القطعة الأدبية من رسالة فكرية، وناقد آخر يجعل مبدأ البحث عن القالب الذي ~~صبت فيه تلك الرسالة إذا كان ثمة رسالة، وناقد ثالث، ورابع وخامس إلى آخر الصف الطويل، ~~ويزعمون أنهم مختلفون في مشكلة واحدة بعينها، وليس الأمر كذلك؛ لأن كلا منهم يهتم بشيء ~~غير الشيء الذي يهتم به الآخر، افرض أننا أربعة أصدقاء دخلنا معا مكتبة ليبحث كل منا عن ~~كتاب غير الكتاب الذي يبحث عنه الآخر: واحد يريد كتاب الوجود والعدم لسارتر، وآخر يريد كتاب ~~مبادئ الهندسة لإقليدس، وثالث يسأل عن الأيام لطه حسين ورابع يطلب ديوان العقاد، فهل يكون ~~بيننا خلاف على رأي؟ وهكذا قل في أربعة نقاد يتناولون قصة أو مسرحية، بمبدأ نقدي لكل منهم ~~غير المبدأ الذي يأخذ به زميله، فالقصة المنقودة هي الدكان الذي سيدخلونه جميعا، لكن لكل ~~منهم فيها مأربا، إن وجده كان خيرا وإلا فهو يخرج منها بغير زاد ... اختلفت المطالب، أي ~~اختلفت الأسئلة فاختلفت الإجابات بالضرورة، فلا صراع هناك كما قد يظن المغرمون بالصراع ~~الفكري، حيث يكون، وحيث لا يكون بغير تمييز. # | أزمة القيم في عصر الانطلاق # لا أريد أن هنالك أزمة قائمة بالفعل بين جديد القيم وقديمها، لكني أريد أزمة نقيمها ~~ونخلقها خلقا، فليس أهون على الإنسان من أن يحيا في عالمين: فعالم خارجي عام يضطرب فيه مع ~~الناس في أوجه النشاط والعمل، يحكمه في التعامل معهم مجموعة من القوانين واللوائح، وعالم ~~داخلي خاص يعيش فيه مع أهله وخلصائه، تضبطه معهم مجموعة من المعايير، قد تتفق وقد لا تتفق ~~مع معايير العالم الخارجي حيث سائر المواطنين الذين لا تربطه بهم صلة القربى القريبة أو ~~الصداقة الحميمة، فإذا كان مما يجوز له هنا أن ينفض نفسه نفضا بحيث يمدح ما يمدحه عن صدق ~~ويذم ما يذمه عن صدق، فلا يجوز له هناك أن يمدح أو يذم إلا ما يريده له الناس من مدح وذم، ~~وإذا كانت علاقته هنا مع أفراد أسرته ومع أصدقائه هي أن يقف الواحد منهم إلى ms134 جانب الآخرين ~~في صف واحد، أقدامهم كلهم دائسة على الأرض، ورءوسهم كلهم معتدلة القامة لا تنحني تحت حمل ~~يثقلها من أعلى، فعلاقته هناك مع سائر المواطنين في المكتب والمصنع والشركة والمصرف، بل وفي ~~الملعب وفي الطريق هي أن يقفوا في عمود رأسي، الواحد منهم على أكتاف من دونه، وإذا كان مما ~~لا يجوز له هنا أن يسرق الوقت والجهد والمال من سواه، فتلك كلها أمور جائزة له هناك، لا ~~يمنعه من أدائها إلا خشية العقاب. # نعم، ليس أهون على الإنسان من أن يعيش في عالمين، لكل عالم منهما قواعده وقوانينه، ويغلب ~~أن تكون القواعد والقوانين التي تضبط السلوك في العالم الخارجي العام هي تشريعات مسنونة من ~~صاحب السلطان، وأن تكون القواعد والقوانين التي تضبط السلوك في العالم الداخلي الخاص هي ~~مواضعات خلقية وعرف وتقليد، ويغلب كذلك أن تكون للأولى من ألوان العقاب المقررة ما يردع ~~الناس عن مجاوزة الحدود المشروعة، وألا يكون للثانية من ألوان العقاب إلا لذعات الضمائر ~~واستهجان الآخرين، وإنه لمن المألوف لهذا الازدواج أن يكون هو الحالة الطبيعية التي لا تثير ~~دهشة عند أحد (إلا أن يكون من المشتغلين بفلسفة الأخلاق) في العلاقات بين أمة وأمة أخرى، ~~كأنما ليس ثمة من ضير على الإنسان أن يعامل مواطنيه على نحو، وأن يعامل أبناء البلاد الأخرى ~~على نحو آخر، فالفعل الواحد المعين يفعله في بلده فيكون خيانة كبرى يستحق عليها الإعدام، ~~والفعل نفسه يفعله في بلد آخر فيستحق به من مواطنيه أوسمة التقدير ... أقول إنه من المألوف ~~لهذا الازدواج في القيم أن يكون هو الحالة الطبيعية بين أفراد أمة مع أفراد أمة أخرى، لكنه ~~لا يكون هو الحالة الطبيعية بين أبناء الأمة الواحدة إلا إذا كان في الأمر جانب خبيء يحتاج ~~لأن يكشف عنه الغطاء لتقع عليه الأبصار في ضوء النهار، وكشف الغطاء عما في أنفسنا من ازدواج ~~في القيم، من شأنه أن يحدث الأزمة التي أشرت إليها في أول المقال. # وأهم ما يحدث ازدواجا في القيم بين أبناء ms135 الأمة الواحدة، هو أن تكون تلك الأمة في مرحلة ~~انتقالية من مراحل نموها وتطورها، والمعلوم في مثل هذه الحالة أنه وإن تكن أسس التعامل بين ~~الناس منبثقة آخر الأمر من شبكة العلاقات الاقتصادية، فإذا تغيرت هذه العلاقات كان التغير ~~في أسس التعامل كلها لاحقا ضرورة وحتما، إلا أن التغير المادي الاقتصادي أسرع دائما من ~~نتائجه الخلقية، حتى لكثيرا ما يحدث أن يجيء التغير الخلقي بعد أسبابه من التغيرات ~~الاقتصادية بسنوات طوال، بل إنه قد لا يجيء، ويظل الإنسان في حالة قلقة بين ما يكسب به ~~العيش في عالمه الخارجي وبين ما يدخل الطمأنينة والسكينة على نفسه في عالمه الداخلي، لقد ~~سارت الإنسانية في تطورها من اقتصاد الرعي إلى اقتصاد الزراعة، ومن هذا إلى اقتصاد الصناعة، ~~وكان لها في كل طور من هذه الأطوار أخلاق تلائم المحيط الاقتصادي، لكن ما أكثر ما تخلف في ~~كل مرحلة من أخلاق المرحلة السابقة عليها؛ ففي مجتمعنا الزراعي هنا في مصر، كانت تسود - إلى ~~جانب ما تقتضيه حياة الزراعة من أخلاقيات - بقايا من مجتمع البداوة الرعوية احتفظ بها العرب ~~من عهد بداوتهم ونقلوها إلى المجتمعات التي كانت قد استقرت في زراعتها أمدا طويلا، وها ~~نحن أولاء في حالة انتقال من طور الزراعة إلى طور الصناعة، لكننا ما زلنا مثقلين بأخلاقيات ~~المجتمع الزراعي جنبا إلى جنب مع ما تدعو إليه الحياة الجديدة - بعلمها وصناعتها - من ~~أخلاقيات جديدة. # لقد استقرأ «روستو» في كتابه «مراحل النمو الاقتصادي» مراحل السير التي اجتازتها البلاد - ~~على اختلاف مكانها وزمانها - في تطورها الاقتصادي بما يستتبع ذلك من تطور اجتماعي وثقافي ~~وسياسي، فوجدها خمس مراحل، هي: المرحلة التقليدية، تتلوها مرحلة التحول، ثم مرحلة الانطلاق، ~~وهذه تتلوها مرحلة النضج، وأخيرا تجيء مرحلة الرفاهية على المستوى الحضاري الرفيع. # في المرحلة التقليدية الأولى، تكون أوضاع الحياة محددة ضيقة المجال، لكل شيء قيوده من ~~التقاليد والعرف، ولكل حركة طريقها المرسوم، حتى لا يجوز للسائر أن يمشي بأسرع ولا بأبطأ ~~مما ينبغي، ولا للضاحك أن يضحك بصوت أعلى ms136 مما يجب، العمل الرئيسي في هذه المرحلة زراعة، ~~والسلطان الحقيقي في أيدي ملاك الأرض، وصالح الأسرة في هذه المرحلة فوق صالح الأمة، ولكل ~~أسرة مستواها الطبقي، فلا يؤذن لأبنائها أن يشرئبوا بأعناقهم إلى ما هو أعلى ... ثم تسري أشعة ~~العلم في جسم الحياة - إما قليلا قليلا أو دفعة سريعة - فيتبع العلم صناعة تشغل بعض ~~الأيدي عن فلاحة الأرض، وتجعل المدينة مركز القوة دون الريف وقراه، بل إن حركة التصنيع لتمس ~~الزراعة نفسها، فإذا الحقل بمكانته وجراراته كأنه مصنع، وإذا القرية كأنها مدينة صغيرة، ~~وتلك هي معالم المرحلة الثانية: مرحلة التحول. # حتى إذا ما كملت عملية التحول، واستكمل المجتمع خلالها ملامح وجهه الجديد، دخل في مرحلة ~~الانطلاق، وفيها تتجدد خلاياه كلها لتلائم الحياة العلمية الصناعية الحضرية الجديدة، فتتغير ~~العلاقات الإنسانية بأسرها، وتتغير الحقوق والواجبات، تتغير قيمة العمل بالسواعد بالنسبة ~~إلى أصحاب الفراغ، وتتغير مهمة الحاكم بالنسبة إلى المحكوم، وتتغير العلاقة بين الرجل ~~والمرأة، بين أهل الريف وأهل الحضر ... يتغير كل شيء في مرحلة الانطلاق لتندفع الملامح ~~الجديدة التي نشأت في مرحلة التحول، حتى تبلغ مداها، وهذه هي المرحلة التي نقف اليوم على ~~مشارفها، لنجتازها في عدد من السنين يكثر أو يقل بحسب دوافع التطور، ثم لننتهي منها إلى ~~المرحلتين الأخيرتين: مرحلة النضج ومرحلة الرفاهية على مستوى حضاري رفيع. # وأوضح ما يلفت أنظارنا في مرحلة الانطلاق هذه، ازدواج القيم التي نعيش على هداها: فقيم ~~تخلفت من المرحلة الأولى (مرحلة العرف والتقليد) وصمدت عبر المرحلة الثانية (مرحلة ~~التحول) وقيم تقتضيها حياة العلم والصناعة: في الأولى تكون الأولوية لمن يملك على من لا ~~يملك، وفي الثانية تكون لمن يعمل على من لا يعمل؛ في الأولى تواكل واستسلام للقدر، وفي ~~الثانية اعتداد بحرية إرادة الإنسان، وتسليم بنتائج العلم؛ في الأولى تغليب للوجدان على ~~منطق العقل، وفي الثانية تغليب للعقل على مشاعر الوجدان؛ في الأولى تشويه للماضي بالتهويل ~~والخرافة، ثم الاحتماء بهذه الصورة المشوهة والتمسك بها لذاتها، وفي الثانية تنقية للماضي ~~ليكون في أيدينا سلاحا للحاضر ms137 وعدة للمستقبل؛ في الأولى شخصية ضائعة هضيمة لمن يلتهمها، ~~وفي الثانية تثبيت للشخصية واعتزاز بها في غير صلف أعمى؛ في الأولى قبول للواقع كما يقع ~~لأنه من صنع القدر، وفي الثانية تغيير للواقع عما وقع لأنه من صنع أيدينا. # أقول إن أول ما يلفت أنظارنا، ونحن على مشارف المرحلة الثالثة من مراحل السير: مرحلة ~~الانطلاق، ازدواج القيم، فنحن مشدودون اليوم بين قديم وجديد ، نعمل بأجسادنا على نحو، ونفكر ~~بعقولنا ونحس بقلوبنا على نحو آخر، كمن يعزف على القيثارة لحنا لكنه يغني لحنا آخر، نعم ~~إنها سنة الحياة أن يبطئ التغير الخلقي بحيث لا يلحق بالتغير المادي إلا بعد أمد قد يطول، ~~فواجبنا أن نستحث الخطى لنسرع نحو التئام الفجوة بين خارج الإنسان وداخله. # وحتى لا يكون حديثنا على مستوى التجريد والتعميم، ندعمه بأمثلة مجسدة معينة مما وقع لنا ~~في خبراتنا الحية، أمثلة تبين أننا نقول بألسنتنا ما لا نحس صدقه بقلوبنا، إذ نردد بالألسنة ~~معايير المرحلة الجديدة من مراحل حياتنا، لكننا ما زلنا معلقين في قلوبنا بمعايير أخرى ذهب ~~زمانها: # جاءني من مكتب حكومي خطاب يحدد لي موعدا في الساعة التاسعة من صباح يوم معين، وذهبت قبل ~~التاسعة ببضع دقائق لأكون حاضرا عند تمام التاسعة كما ذكر لي في الخطاب، لكنني وصلت لأجد ~~المكان خاليا من كل أثر للحياة والأحياء، وأصخت السمع فإذا صوت رجلين يتحدثان في غرفة ~~بعيدة، فسرت نحو مصدر الصوت مارا في ممر ضيق يفصل غرف المكاتب عن يميني ويساري، لا يقع ~~فيها البصر إلا على مناضد ومقاعد قد خلت من آهليها، ووصلت إلى مصدر الصوت فإذا خادمان ~~يسمران، وحييت استحياء؛ لأنني شعرت بالذنب الذي يشعر به من يخوض حرما مقدسا لم يكن من ~~حقه أن يخوضه، وسألت مستفسرا: أين عساي أن أذهب؟ وأبرزت لهما الخطاب الذي جاءني بتحديد ~~الموعد، وتناول أحدهما الخطاب وقرأ، وناوله لزميله ليقرأ، ثم رداه إلي، وأحدهما يقول - ~~والآخر يكرر قوله كأنه الصوت والصدى - هم يقولون التاسعة، لكنهم لا يقصدون التاسعة، هم لا ms138 ~~يحضرون قبل الحادية عشرة، فإذا كان وراءك مشوار فاذهب واقض حاجاتك ثم عد، وإلا فانتظر في ~~البهو الخارجي ... # آثرت أن أنتظر في البهو الخارجي، فجلست على مقعد كسيح القوائم معفر الأجزاء، إلى جوار ~~منضدة فرشت بقطعة من «الجوخ» الأخضر، ويا ليتها ما فرشت ... وبعد نصف ساعة جاء موظف ودخل غرفة ~~من الغرف التي تفتح على البهو الذي كنت أجلس فيه، فانتظرت حتى رأيته قد استقر في جلسته وشرب ~~قهوته، وبدأ يفتح الخزائن من حوله ليخرج من جوفها أوراقا، ثم استأذنت في الدخول ودخلت، ~~وأبرزت له الخطاب الذي جاءني وسألت: ترى هل أخطأت المكان أو أصبت؟ فنظر في الخطاب، وقال وهو ~~لا ينظر إلي: «بل أصبت، فانتظر حيث كنت، حتى يجيئوا» ... ترى من هم ... أولئك الذين لا يتحدثون ~~عنهم إلا بضمائر الغائب في نغمة كأنها توحي بأنهم سيهبطون علينا من عالم مجهول؟ ومر نصف ~~ساعة آخر، ودخل رجل يحمل حقيبة، لكنه كان زبونا مثلي - وإن يكن أحرص مني لأنه انتفع من ~~زمنه بساعة كاملة أضعتها أنا عبثا - وجلس على مقعد بجواري، وكأنه ألف أن يقصد إلى هذا المكان ~~لينتظر، وهكذا أخذت أنصاف الساعات وأرباعها تمضي، والقادمون يحضرون واحدا فواحدا، ويدخلون ~~الغرف المختلفة، وقاربت الساعة الحادية عشرة، وحالي هو كحالي منذ قدمت في الساعة التاسعة، ~~إلا مللا وسأما أخذت يزدادان معي حتى كدت أنفجر، وكنت عندئذ قد سمعت حديثا عالي النبرة ~~وضحكات صادرة عن قلوب خالية من الهموم، فرجحت من جرأة الحديث والضحكات أنها لا بد صادرة ~~عمن لا يخشون أحدا، وإذن فلا بد أن يكونوا «هم» الذين أشير إليهم بضمير الغائب ... وجررت ~~قدمي جرا في حذر، إلى حيث الغرفة التي انبعث منها الحديث والضحك، فإذا ثلاثة يجلسون على ~~ثلاثة مكاتب، وعليهم جميعا سمات الوقار والتهذيب، فأملت خيرا، ونقرت الباب نقرة خفيفة، ~~وحييت وسألت السؤال نفسه الذي سألته قبل ذاك مرتين، فما كان أشد دهشتي أن رد علي في عنف ~~شديد أحد الرجال الثلاثة، قائلا: من تكون أنت؟ فقلت: أنا فلان - قلتها ms139 في هدوء شديد، وشاء ~~لي حسن الحظ أن يكون اسمي معروفا له، وأن يكون قد قرأ لي شيئا ما، فانقلب غضبه رقة عذبة، ~~وراح يعتذر لي، معاتبا إياي: كيف لمثلي أن يجلس في البهو منتظرا، وكان ينبغي له أن يفصح ~~عن شخصيته فور قدومه، وأصر إصرارا شديدا على أن أجلس معهم قليلا، وأن يستضيفني بفنجان من ~~القهوة، ولعله أراد أن يعيد إلي الثقة في نفسي، ففتح موضوعا في الفلسفة زعم أنه يشغله منذ ~~زمن بعيد، وأراد أن ينتهز فرصة وجودي معهم ليستوضحني بما يزيل عنه الشك والقلق ... وبعد ذلك ~~فحص أوراقي التي من أجلها جئت. # انظر إلى هذه القصة العابرة وما قد تجسد فيها من قيم، تجدها كلها قيما هي نفسها قيم ~~المرحلة الأولى من المراحل الخمس التي أسلفت لك ذكرها، أعني مرحلة الاقتصاد الزراعي بكل ما ~~تحمله من صفات، وحسبي هنا أن أستخلص منها قيمتين اثنتين: الأولى هي قيمة الزمن، والثانية هي ~~قيمة التفاوت الطبقي بين المواطنين: أما عن الأولى فلم يكن في اقتصاد الزراعة فرق بين ~~الساعة التاسعة والساعة الحادية عشرة؛ لأن الزرع لا يختلف نموه إذا جاءه الري مبكرا ساعتين ~~أو متأخرا ساعتين، وهنا أذكر ملاحظة عجيبة كنت قرأتها منذ أمد بعيد في كتاب الاستعماري ~~الأكبر اللورد كرومر عن «مصر الحديثة» يقول فيها إنه على يقين من أن مصر لن تتحول في أي يوم ~~من الأيام بلدا صناعيا؛ وذلك لسبب عنده عجيب، هو أن الصناعة مرتكزة في أساسها وصميمها ~~على دقة التوقيت، على حين أن المصريين تنقصهم هذه الدقة، إن العامل الصناعي وهو واقف أمام ~~الآلة الدائرة ليضع فيها شيئا أو ليأخذ منها شيئا كل دقيقة مرة أو كل دقيقتين مرة، لا ~~يستطيع أن يغفل عنها قائلا للآلة: اصبري حتى أتهيأ لك، ومن ثم كان عنصر الزمن من أهم ~~الأمور في مرحلة الصناعة. # وأما عن القيمة الثانية: قيمة التفاوت الطبقي بين المواطنين، فقد كانت كذلك نتيجة طبيعية ~~في مرحلة العرف والتقليد التي سادها الاقتصاد الزراعي؛ لأن الزراعة ms140 بطبيعتها عندئذ كانت ~~تتطلب صاحب أرض يسود وجماعة من الفلاحين يفلحون له الأرض ويسادون، وليس من المعقول عندئذ ~~أن يتساوى في العرف سيد ومسود، فللسيد معاملة وللمسود معاملة أخرى دون أن يحس السيد أو ~~المسود شذوذا في هذا التفاوت، ولكم سمعت آذاننا في آلاف المواقف رجلا يظن أنه قد أهين، ~~فيسأل من وجه إليه الإهانة: أتعرف من أنا؟ وذلك لأنه لا يكفيه أن يكون مواطنا كسائر ~~المواطنين، وأن تكون المعاملة الاجتماعية قائمة على أساس المواطنة وحدها بغض النظر عمن تكون ~~أنت، ومن أكون أنا من حيث العمل الذي يؤديه كل منا. # هاتان قيمتان اثنتان استخرجناهما من موقف واحد: قيمة الزمن وقيمة التفاوت الطبقي، لندل ~~بهما على ما زعمناه، وهو أننا نعيش في مرحلة الانطلاق بعلمها وصناعتها، على قيم المرحلة ~~البائدة، ولن تستقيم الأمور وتتناغم جوانب حياتنا إلا إذا أحدثنا الثورة في القيم، كما ~~أحدثناها في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وإنها لثورة لا تتم لنا إلا إذا خلقنا - نحن ~~رجال الفكر والأدب - أزمة في نفوس الناس ليحسوا حدة التناقض القائم. # لكن رجال الفكر والأدب منا ليسوا - فيما أحسب - على تصور واضح بعد، ماذا تكون القيم ~~الجديدة التي يحللونها فيما يكتبون، ويجسدونها فيما ينشئون من قصص ومسرحيات، وينشدونها فيما ~~ينظمون من قصائد، ولأضرب لك على اختلافهم في تصور القيم الجديدة مثلا واحدا، إن عصر ~~الصناعة يقتضي حتما أن تزول الفوارق شيئا فشيئا بين القرية والمدينة، ذلك أن آلات ~~الصناعة ستدخل شيئا فشيئا إلى الزراعة كما دخلت في سواها، ووسائل التعليم والإعلام واحدة ~~هناك، فما يثقف فلاح المزرعة في القرية هو هو نفسه ما يثقف عامل الصناعة في المدينة، ووسائل ~~المواصلات أسرعت وازدادت، وطرق سيرها رصفت، بحيث اشتدت حركة الانتقال بين القرية والمدينة ~~شدة كادت تمزج الفريقين في جماعة واحدة كل يوم، إن الصحف التي تظهر في القاهرة تظهر في ~~اللحظة نفسها في معظم القرى، والخبر المذاع في القاهرة يذاع في كل ركن من كل منزل في طول ~~البلاد وعرضها في آن واحد ... أفلا ms141 يكون من الطبيعي والحالة هذه، أن تختفي قيمة قديمة كانت ~~تتغنى ببراءة الريف وتندب حظ المدينة من الشر والسوء، لتظهر قيمة جديدة لا تمتدح البراءة في ~~ريف (لاحظ جيدا أن البراءة هنا تنطوي على سذاجة) ولا تندب شرا وسوءا في مدينة؟ لقد كان ~~بعض السر في القيمة القديمة أن يرضى أهل الريف بما هم فيه من طريق للحياة مسدود، لئلا تنفتح ~~أعينهم على لذائذ العيش في المدينة، أما اليوم وقد سرنا في طريق يجعل القرية مدينة صغيرة، ~~فلم يعد ما يبرر أن يتغنى الشاعر بالريف دون المدينة، ولا يبرر أن يكتب القصصي فإذا هو يرسم ~~شخصيات الريف على أنها البريئة التي لم تفسدها المدنية بعد، هذه وجهة نظر أعرضها، قد تجد من ~~يعارضها من القراء ومن يؤيدها، فلا تكون معارضة المعارضين وتأييد المؤيدين إلا إثباتا لما ~~أزعمه، وهو أننا لسنا جميعا على تصور واضح بعد، ماذا تكون القيم التي ندعو إليها ونحللها ~~ونجسدها فيما نكتب. # فليس رجال الفكر والأدب منا على اتفاق بعد في الأهداف، نعم، إننا جميعا على اتفاق ما دام ~~الأمر أمر أحكام عامة مجردة، لكن اهبط من هذا التعميم والتجريد إلى حيث التفصيلات الجزئية، ~~تجدنا قد تفرقنا شيعا وجماعات، وهل منا - مثلا - من يعارض في أن تكون الاستنارة العقلية - ~~أعني التعليم بكل معانيه - من أولى القيم التي يجب أن نذيعها بكل قوانا؟ لكن سل هذا وهذا ~~وذاك: ماذا تعده وسيلة للتنوير العقلي؟ تجدهم قد تباينوا رجالا ثلاثة: فرجل يجد التنوير في ~~بعث القديم، وثان يجده في الاغتراف من غربي أوروبا، وثالث يجده في الاغتراف من شرقيها، ~~وربما وجدت رابعا يأخذ بالأحوط، فيقول: آخذ من كل شيء بطرف بحيث تجتمع لي الثقافة التي ~~تتناسب مع مشكلاتنا الخاصة وتحدياتنا الخاصة. # وأخلص من هذا كله بنتيجة هي أننا بحاجة شديدة إلى احتكاك الآراء بكل ما استطعنا من حدة ~~الجدل؛ لكي تتبلور في أذهاننا صورة متجانسة عن القيم المطلوبة للعصر الجديد، وعندئذ نصب ~~جهودنا في كل مقال وفي كل قصة وفي ms142 كل مسرحية وفي كل قصيدة من الشعر، وفي كل صورة أو تمثال، ~~نصب جهودنا في هذا كله لنوجد في صدور الناس أزمة نفسية يحسون بها ضرورة الانتقال في دنيا ~~القيم كما انتقلوا في دنيا العمل، حتى لا يستنيموا للازدواج القائم أمدا طويلا. # | بأي فلسفة نسير؟ # هي خطوات ثلاث يخطوها الإنسان - فردا أو جماعة - ليكتمل له النضج والوعي، وقد يقف عند ~~أولاها، أو عند ثانيتها، فلا يكون له من النضج والوعي إلا بمقدار ما خطا، أما الخطوة الأولى ~~فهي التي يخوض فيها غمار الحياة العملية: يزرع أو يصنع أو يتاجر فيما قد زرع أو صنع، يعلم ~~أو يتعلم، يجد أو يلهو، يخوض فيها غمار هذه الحياة العملية خوضا موفقا هنا مخفقا هناك ... ~~لأنه وقع هنا على الفكرة الصائبة، وأخطأها هناك، لكنه في كلتا الحالتين لا يستطيع أن يضع ~~إصبعه على الفكرة المنبثة في عمله، بل هو لا يعرف أن في تضاعيف عمله قد انبثت فكرة، تلك هي ~~الخطوة الأولى التي يلتف فيها الفكر في ثنايا العمل فلا يظهر قائما وحده، وأما الخطوة ~~الثانية فهي حين يعن للإنسان أن يسترجع تلك المناشط التي نشط بها في دنيا العمل، ليتأملها ~~لعله مستخرج منها ما كان قد انطوى فيها من أفكار، لقد أقام جدران بيته عمودية حتى لا تنهار، ~~لكنه لم يتنبه عندئذ إلى فكرة «الزاوية القائمة» التي تقع بين سطح الأرض والجدار، وكان قد ~~زرع القمح في أرضه، لكنه لم يفرغ عندئذ ليبحث في الزرع كيف يغتذي بعناصر الأرض وكيف ينمو ~~ويثمر، وربما كان قد مرض أثناء ذلك، بل ربما كان قد أدرك أن الذي أمرضه هو بعوضة حطت على ~~جسده، لكنه لم يخل لنفسه يومئذ ليستخلص العلاقة بين البعوضة والمرض، وأما الآن فقد عن له أن ~~يسترجع أوجه حياته العملية ليخرج منها الأفكار التي كانت مطوية فيها، حتى إذا ما تكاثرت بين ~~يديه وتنوعت أخذ في تصنيفها وتبويبها علوما علوما، فهذا علم الرياضة الذي يبحث في الخطوط ~~والزوايا والمثلثات، وهذا هو علم ms143 النبات الذي يبحث في الزرع كيف يتغذى وينمو، وذلك هو علم ~~الطب الذي يبحث في المرض وكيف يعالج، وبينما يكون الإنسان في هذه المرحلة التي يستخرج فيها ~~الأفكار من ثنايا الحياة العملية ليقيمها في عالم وحدها هو عالم العلوم، أقول إنه بينما ~~يكون الإنسان في هذه المرحلة الفكرية، ترى أقدار الناس قد تفاوتت درجات، فبعضهم يكفيه أن ~~نصنف الأفكار علوما، ولكن بعضهم الآخر قد تأخذه النشوة فيمضي في هذا التجريد - أعني ~~استخراج الفكرة من العمل الذي كانت تجسدت فيه - يمضي في هذا التجريد مرحلة أخرى وراء ~~العلوم، يتناول فيها تلك العلوم نفسها ليستخرج من مبادئها وقوانينها مبادئ أعم وقوانين ~~أشمل، فيكون عندئذ في مرحلة فكرية هي التي نسميها بالفلسفة. # بهذا تنتهي الخطوة الثانية من خطواتنا الثلاث (كانت الخطوة الأولى عملا مجسدا أخفى في ~~تلافيفه أفكاره، وكانت الخطوة التالية استخراجا لتلك الأفكار لتقوم وحدها وكأنما هي شيء ~~مستقل عن العمل الذي كانت تجسدت فيه) وتبقى خطوة ثالثة بغيرها لا تتم الدورة ولا يكتمل ~~النضج والوعي، وهي أن نعود إلى أعمالنا الأولى نفسها - فتيارها مستمر لم ينقطع - نعود إلى ~~زراعتنا وإلى صناعتنا، إلى علمنا وتعليمنا، إلى جدنا ولهونا، لكننا هذه المرة نعود إلى تلك ~~الأعمال وقد عرفنا كوامن أسرارها، فلا يصبح التوفيق والإخفاق مرهونا بالحظ الذي يواتينا ~~حينا ولا يواتينا حينا آخر، بل إننا هذه المرة نمسك بالزمام فنوجه تيار الحياة العملية ~~إلى حيث شئنا لا إلى حيث يقذف بنا الموج. # إننا إذ نكون في الخطوة الأولى، لا نفرق بين نظرية وتطبيق، فهنالك بين أيدينا مواقف ~~تتتابع علينا من بيئة تحيط بنا، وعلينا أن نرد عليها موقفا موقفا بما يلائمها، وهنالك ~~تكوينات اجتماعية نجد أنفسنا أطرافا في بنائها وعلينا أن نتفاعل مع بقية الأطراف تفاعلا ~~من شأنه أن يصون ذلك البناء، نجد أنفسنا - مثلا - أعضاء في أسرة، وأبناء في أمة، فنجد ~~أمامنا قواعد وضعها لنا أسلافنا لنسلك على هداها داخل تلك التكوينات لنصونها، فعلى الوالد ~~كذا وكذا من الواجبات نحو ولده، وعلى ms144 الولد كيت وكيت من الواجبات نحو والده، والزواج يكون ~~صحيحا إذا اتبعت فيه القواعد الفلانية وهكذا، ومن خرج على القواعد المرعية في معاملاته مع ~~أفراد أسرته أو أفراد أمته أو أفراد الإنسانية جمعاء، فهو معرض لعقوبات القانون إذا كان ~~خروجه مما نص عليه القانون، ومعرض لاستهجان الناس إذا كان خروجه مما لم ينص عليه القانون، ~~ولكنه متروك للأصول الخلقية تسيره وتتحكم فيه، وفي كل حالة من هذه الحالات «فكر» تقمص ~~سلوكا مجسدا، وقد يفيدنا فائدة كبرى أن نستخلص «الفكر» من قميصه السلوكي، لنضعه وحده، ~~فيكون لنا بذلك مبادئ القانون أو مبادئ الأخلاق، وعندئذ - كما أسلفنا القول - نكون قد ~~تركنا الحياة العملية الحية المتشابكة الخيوط، تركناها مؤقتا لندخل في دار أخرى لا فعل ~~فيها ولا تفاعل، وهي دار لو أمعنا في تسلق درجاتها كانت بذلك منزلا للفلسفة. # ولكم تسمع من الناس اتهامات يوجهونها إلى «الفيلسوف» لظنهم أنه قد ترك معترك الحياة ~~العملية في تفاعلاتها ومناشطها، وفي حلوها ومرها، كأنما هذا «الفيلسوف» قد لجأ إلى عزلته ~~لينسج ثوبا من هواء، وكأنما هو لم يعتزل وفي جعبته خيوط الحياة الواقعة، ليحاول أن يستخلص ~~منها هي نفسها «الفكر» المبثوث فيها؛ لأنه بغير هذا يكون محالا عليه وعلى سواه أن ينقد ~~الفكرة القائمة ليستبدل بها فكرة جديدة إذا رأى في الأولى نقصا يعاب، فالذين يحسبون ~~«الفلسفة» بعدا عن الحياة العملية، إنما يقتطعون الخطوة الوسطى من بين الخطوات الثلاث ~~التي أسلفنا ذكرها، ويبترون ما بينها وبين الواقع الذي عشناه في الخطوة الأولى والواقع الذي ~~نريد أن نعيشه في الخطوة الثالثة - في الخطوة الأولى كان الواقع مقبولا بغير نقد وتحليل، ~~وفي الخطوة الثالثة سيكون الواقع واقعا بمشيئتنا وإرادتنا وتخطيطنا وتصميمنا. # في الخطوة الثانية - خطوة التفكير المجرد الذي نصوغ به قوانين العلم ومبادئ الفلسفة - ~~ننزع الفكرة من دنيا المكان والزمان لنجعلها مطلقة من قيودهما، ففي المكان الفعلي والزمان ~~الفعلي أحجار تسقط ومياه تتدفق وهواء يهب، كل هذا نمارسه ونحن في مستوى الحياة العملية ~~(الخطوة الأولى)، لكن قد يعن ms145 لواحد منا أن يعتزل حينا لعله يصوغ قانون الحركة مهما يكن ~~الجسم المتحرك، حجرا كان أو ماء أو هواء، وإذا وفق فيما أراد، كان له - ولنا - بذلك «فكرة» ~~تحررت من قيود المكان والزمان؛ لأنها تنطبق على كل مكان، وكل زمان، تنطبق على أي حجر ساقط ~~وأي ماء دافق وأي هواء عاصف، فهل نقول لمثل هذا العالم الذي اعتزل دنيا الواقع حينا لعله ~~يجد لنا هذه الصياغة التي تصور الفكرة الكامنة في وقائع العالم، إنه رجل قد تركنا في واقعنا ~~النابض الحي ليعيش وحده في عالم مجرد، أليس الأصوب أن نقول إنه تركنا ليعود إلينا، تركنا ~~ومعه واقع بغير نظرية وسيعود إلينا بنظرية يجريها على الواقع، وما نقوله عن العالم نقوله عن ~~الفيلسوف مع اختلاف في درجة التجريد؛ لأن الفيلسوف كالعالم يبدأ من الواقع الذي تشابكت فيه ~~المادة بالفكرة، ثم يعتزل حينا ليفصل الفكرة عن مادتها، والتبعة بعد ذلك تقع على من يقف ~~عند هذا الحد من الطريق، إذ لا بد من استكمال الشوط، فنعود بالفكرة - بعد نقدها وتمحصيها ~~- إلى الواقع مرة أخرى فنجريه على غرارها، ونحن على وعي وصحو وإدراك لما نحن فاعلون. # إنه إذا اختلف الفلاسفة - وهم يختلفون - فليس الاختلاف منصبا على إدراكهم للواقع كما ~~يقع بل هو منصب على تأويله، أي أنه منصب على «الفكرة» التي استخرجوها من ذلك الواقع المشهود ~~المحسوس: فالفيلسوف - كسائر عباد الله - ذو بصر وسمع ولمس وشم وذوق، إنه كسائر عباد الله ~~يرى الماء الدافق في مدراه ويحس الهواء العاصف من حوله، إنه يجوع ويظمأ، إنه يعرف كيف تتكون ~~الأسرة في مجتمعه وعلى أي أساس تقوم الحكومة، إنه يعلم كثيرا من طرائق البيع، والشراء، ~~ويلمح كثيرا مما يحرك الناس في تفاعلهم بعضهم مع بعض، من حب وكراهية ورضى وسخط وسكينة ~~وغضب، بل إن الفيلسوف كسائر عباد الله يعيش ويعاني ويفرح ويحزن، وإذا نظر فيلسوفان (من ~~مذهبين مختلفين) إلى شيء معين من هذا كله، فسيتفقان - كما يتفق أي إنسانين آخرين - على ما ~~يريانه، فإذا كان ms146 ما يشخصان إليه بالبصر لونا أصفر، اتفق الاثنان معا على أنه المرئي لون ~~أصفر، وإذا كان ما يسمعانه صوتا زاعقا أو صوتا هامسا، فسيتفقان - كما يتفق أي إنسانين ~~آخرين - على ما يسمعانه، لا، لا، ليس اختلاف الفلاسفة على الوقائع المرئية المسموعة ~~المحسوسة، لكنهم إذ يختزنون هذا الواقع لينصرفوا إلى تحليله ابتغاء فصل «الفكرة» عن جسدها، ~~فها هنا يقع الاختلاف في طريقة التحليل وفي نوعية الفكرة التي ينتهي بهم التحليل إليها - ~~ولا تسلني قائلا: ولماذا أفصل الفكرة عن المواقف السلوكية التي تجسدت فيها؛ لأن الجواب قد ~~أسلفناه لك، وهو أننا نفصل الفكرة وحدها لنتمكن من نقدها، فإذا كان فيها تناقض أزلناه، وإذا ~~كان فيها قصور أكملناه! فانظر مثلا إلى الطريقة التي نصلح بها نظام الأسرة أو نظام المدرسة ~~أو نظام الحكم أو نظام التجارة أو ما شئت من نظم، فماذا نصنع؟ إننا نعيش على مستوى الواقع ~~في كل هذه الأمور، كلنا نشارك في أسرة وفي مدرسة وفي حكم وفي تجارة وفي غير ذلك من نظم ~~المجتمع الذي نعيش فيه، وفي كل نظام من هذه النظم تتشابك الفكرة مع مادة الواقع، لكننا - آنا بعد آن - نضع أمامنا «المبادئ» أو «الأسس» أو «الأفكار» التي تقوم عليها الأسرة ~~أو المدرسة أو الحكومة، لنرى هياكلها كيف أقيمت، وهل يراد لها التغيير وماذا يكون ذلك ~~التغيير، إنا ساعتئذ لا نضع أمامنا على منضدة البحث «أسرة» فعلية أو «حكومية» فعلية أو ~~«مدرسة»، بل نضع «فكرة» الأسرة أو «مبدأها»، وإذن فقد كان لا بد لنا من باحث يجعل همه ~~استخلاص الفكرة من لبوسها المادي، لنتمكن من نقدها ومن تعديلها ومن تبديلها حسب ما يحقق ~~أهدافنا. # وأعود فأقول إن الفلاسفة إذ يختلفون في مذاهبهم، فاختلافهم ليس على الواقع كما يقع، بل هو ~~على الفكرة التي يستخلصونها منه لينقدوها نقدا قد يؤدي إلى وضع فكرة جديدة مكان فكرة ~~قديمة، وإن اختلافهم ليرتد آخر الأمر إلى ما يأتي: هل الواقع يسبق فكرته؟ أو الفكرة تسبق ~~واقعها؟ أو أن الواقع والفكرة كليهما ms147 كائن واحد ذو وجهين تنظر إليه من هذا الوجه فإذا هو ما ~~نسميه واقعا، وتنظر إليه من ذلك الوجه فإذا هو ما نسميه فكرة؟ # فإذا تذكرنا أن الفكرة إنما تكون في رأس إنسان، وجدنا أننا لو قلنا إن الواقع يسبق فكرته، ~~كان معنى قولنا هذا أن الواقع مستقل بوجوده، يغير نفسه بنفسه، دون أن يكون للإنسان أقل أثر ~~في تحويره وتبديل مجراه، إذ كيف يحوره الإنسان ويبدله إذا كان قصاراه منه أن يجيء بعد وقوعه ~~ليعلم كيف وقع، إن الإنسان عندئذ يتخذ من الواقع الخارجي موقف المتفرج، ولا فرق بين درجة ~~عليا من التفكير أو درجة دنيا إلا أن الأولى فيها إدراك لما حدث أشد وأوضح مما في الثانية، ~~لكنهما معا متفرجان لا يغيران من الأمر شيئا، كمتفرجين في مسرح، أحدهما ناقد نافذ البصيرة ~~في الفن المسرحي، والآخر بريء ساذج، فسيعلم الأول - دون الثاني - أين يكمن سر القوة وسر ~~الضعف في التمثيل، لكن لا الأول ولا الثاني بقادر على أن يغير ما قد حدث، وذلك هو نفسه ~~الموقف حين نقول عن الواقع إنه يسبق فكرته، وبمثل هذا القول يأخذ فلاسفة المذهب الواقعي ~~بشتى تفريعاته، ومن تفريعاته مذهب المادية الجدلية التي تجعل الإنسان بالنسبة لتيار الواقع ~~كشاشة السينما، بالنسبة لشريط الفيلم، فهناك شريط الحوادث في الخارج يدور، سواء أكانت هناك ~~الشاشة التي تتلقاه أم لم تكن، ووجود الشاشة لا يغير من محتوى الشريط ولا من طريقة دورانه ~~شيئا؛ لأن للشريط مكنة مستقلة تقوم بدورها وتدور في حلقاتها بقوانين خاصة بها لا دخل ~~للشاشة فيها سوى أن تتلقى وتعلم وتتابع، ومن تفريعات المذهب الواقعي كذلك مدرسة الواقعية ~~الجديدة التي تزعمها برتراند رسل. # ذلك عن قول القائلين بأن الواقع يسبق الفكرة، وأما القائلون بأن الفكرة تسبق الواقع فهم ~~الذين اصطلحنا على تسميتهم بالفلاسفة المثاليين (بالنسبة لبعضهم) وبالفلاسفة العقلانيين ~~(بالنسبة لبعضهم الآخر) - والفرق بين أولئك وهؤلاء، هو أن المثاليين يجعلون الحقيقة كلها ~~أفكارا لا يلزم بالضرورة أن تخرج إلى حيز الواقع المجسد في أشياء ms148 ومواقف - كما هي الحال في ~~الرياضة مثلا - على حين أن العقلانيين وإن جعلوا الحقيقة كلها أفكارا عقلية إلا أن هذه ~~الأفكار عندهم تنعكس على الواقع، ويكون لها وجود خارجي مجسد هو قسيم الوجود الذهني المجرد - ~~على أن المثاليين والعقلانيين معا يتفقون على أن الفكرة العقلية هي الأساس وهي التي لها ~~الأولوية على تطبيقاتها المادية، ومن شأن الفكرة - كائنة ما كانت - أن تكون مبرأة من أوجه ~~النقص التي لا بد من حدوثها في عالم الأشياء، ففكرة الدائرة - مثلا - كاملة، وأما ~~الدوائر التي نرسمها في دنيا الواقع فلا مناص لها من أن تجيء على درجة بعيدة أو قريبة من ~~ذلك الكمال الصوري؛ لأن درجة كمالها مرهونة بجهاز الرسم، فكلما دق الجهاز اقتربت الدائرة ~~المرسومة من الكمال، وكذلك قل في كل فكرة أخرى، فقد تتصور لنفسك فكرة عن رحلة تقوم بها، ثم ~~تهم بتنفيذ الرحلة في دنيا الواقع، فإذا التنفيذ يصادفه من التفصيلات ما لم يكن في الفكرة ~~المخططة، وهذه الفجوة بين الفكرة في كمالها من جهة، والواقع في نواحي نقصه من جهة أخرى، هي ~~التي جعلت الفلاسفة المثاليين، والعقلانيين يتشبثون بقولهم أن لا علم ولا يقين ولا دقة إلا ~~لعالم الأفكار دون عالم الأشياء والحوادث، وأمثال هؤلاء الفلاسفة هم الذين يصدق عليهم إلى ~~حد كبير اتهام عامة الناس للفلاسفة عموما بأنهم ساكنو أبراج معزولة عن مجرى الأحداث. # ها هما - إذن - مجموعتان من الفلاسفة تقفان إحداهما من الأخرى على طرفي نقيض! الأولى تجعل ~~مادة الواقع الخارجي بقوانينها الذاتية التي تحركها هي كل شيء، والأخرى تجعل الأفكار ~~الذهنية في كمال تكوينها واتساق بنائها هي كل شيء، الأولى تجعل المادة هي الأصل وعنه تتفرع ~~العقول بأفكارها كأنما هذه ظل يساير تلك، والثانية تجعل العقول وأفكارها هي الأصل وعنه ~~تتفرع المادة كأنما هذه المادة بكل صلابتها ليست بذات وجود إلا من حيث هي فكرة في ~~أذهاننا. # لكن إلى جانب هاتين المجموعتين مجموعة ثالثة تجعل المادة والفكر طرفين لشيء واحد كأنهما ~~بطن اليد وظهرها، وهنا لا تكون ms149 الفكرة إلا تمهيدا لفعل، ولا يكون الفعل إلا ذيلا لفكرة، ~~وهنا أيضا تبطل الحقائق المطلقة، وتصبح كل حقيقة على درجة من الصواب بقدر تمهيدها للعمل ~~الذي جاءت لترسم له الطريق، فليست «الفكرة» هنا صورة مرآوية ترتسم على صفحة الذهن كما ترتسم ~~الصور في المرايا، منزوعا منها قوة الحركة وقوة الدفع، بل «الفكرة» هنا هي عزيمة وإرادة، ~~هي بداية تنفيذ وتحريك وتغيير. # قلنا: إنه مهما يكن المذهب الذي يريده الفيلسوف لنفسه، فهو لا بد أن يجعل الواقع ~~نقطة ابتداء لمسيره، لكنه - في هذه الحالة - الواقع الفج الخام الغفل الغشيم، الواقع الذي ~~يحياه الناس حين يكونون في المرحلة التي لا ينفصل فيها فكر عن عمل ولا عمل عن فكر، إذ يكون ~~«الفكر» في هذه المرحلة مجسدا في مواقف، لم يبلغ بعد أن يتجرد وحده في نظرية صورية متحررة ~~من تفصيلات مكان الوقوع وزمانه ... نعم لا بد للفيلسوف - مهما يكن مذهبه - أن يبدأ من هذه ~~القاعدة الدنيا، ليستخلص مما يرى ما قد اندس فيه من نظريات، وأفكار ومبادئ، ليضعها - وهي في ~~صورتها المجردة - موضع النقد والتحوير والتبديل، حتى إذا ما صقل لنفسه «فكرة» وسواها، عاد ~~بها - أو قدومها للناس ليعودوا بها - إلى عالم الواقع مرة أخرى، فأعملها في ذلك العالم ~~وأجراها في أحشائه ليتغير وجهه على النحو المرتجى. # أبدا لا يريد الفيلسوف أن يقف من العالم عند حد التأمل، بحيث يظل يدير الأمر في دخيلة ~~فؤاده، ثم لا شيء بعد ذاك، إذ لو فعل ذلك لما زاد على أن يشد العالم من خارجه إلى داخله، ~~وأن يكتفي بأن يكون هو على وعي وفي صحو ويقظة، فهو في هذه الحالة يتأثر ولا يؤثر، ويأخذ ولا ~~يعطي، نعم، إن ذلك قد يجعل منه هو إنسانا أكثر تهذيبا مما كان وأنفذ بصيرة، لكن وجوده بين ~~الناس يساوي عدم وجوده بالنسبة إليهم؛ لأن دنياهم لن تتغير بسبب ما قد يكون في رأسه من فكرة ~~أو مبدأ، على أن مثل هذا الفيلسوف الذي يحرص على أن تدور مكنة ms150 الفكر داخل رأسه دون أن يخرج ~~للناس طحنها ليقبلوه أو يرفضوه، لا أعرف له وجودا إلا فيمن أخذ دنياه مأخذ الهزل، وهؤلاء ~~هم الصغار. # وسؤالنا الآن هو هذا: كيف يختلف وقع الفكرة الفلسفية باختلاف المذاهب، وقد لخصنا هذه ~~المذاهب في ثلاثة: مذهب يجعل الأولوية للواقع المادي وأما الفكر فظل له وتابع، ومذهب يجعل ~~الأولوية للفكر الذي ينبع من طبيعة العقل ذاتها، وأما عالم المادة فظل له وتابع، ومذهب ذلك ~~يجعل الواقع والفكر في حوار، فلا فكر إلا ما له صلة بالواقع، ولا واقع إلا ما له صلة ~~بالفكر، ولا واقع ولا فكر معا إلا بما له صلة بالإنسان وحياته. # لو كان الفيلسوف واقعيا، بالمعنى الذي يجعله ينظر إلى الطبيعة ومجراها على أنها أمر ~~مفروغ منه ولا قبل لنا بتغييره، كان في رأيه أن كل ما في وسعنا هو أن نوائم بين أنفسنا وبين ~~الطبيعة وقوانينها، فكل حركة في جسد الإنسان نفسه هي جزء من تيار الحوادث المحتوم، لا يغير ~~منها أن يسر لها أو يحزن، فليسر ما شاء أو ليحزن، فذلك لن يغير من الأمر شيئا، وإذن ~~فالتفكير الإنساني في هذه الحالة مسألة ذاتية بحتة لا تخص إلا صاحبها؛ ولذلك يغلب على ~~الفيلسوف الواقعي أن يكون - في فلسفته - بمعزل عن دنيا العمل والنشاط، ولماذا يتدخل - ~~بفلسفته - في مجرى الحوادث وهو يعلم أن تيارها محتوم بقوانين الواقع، والخير كل الخير هو في ~~أن نخلي بين العلماء وبين هذا الواقع المحتوم المطرد، ليبحثوا لنا عن قوانينه فنفيد منها ما ~~استطعنا، وقصارى الإنسان أن يضبط نفسه ليمسك بزمامها، لأنه لن يستطيع أن يمسك بزمام القدر ~~ومصيره. # وأما صاحبنا الفيلسوف المثالي الذي يجعل الأولوية للفكرة النابعة من جوف الدماغ لتفرض ~~نفسها على الخارج، فأمره مختلف، لقد سبق لنا أن أشرنا إلى أن «الفكرة» - أي فكرة - هي ~~بطبيعتها مبرأة من أوجه التفاوت والنقص التي نراها عادة في الأشياء كما تقع فعلا، «ففكرة» ~~الحصان هي دائما أكمل من أي حصان نراه في دنيا الواقع، و«فكرة» الإنسان ms151 هي دائما كذلك ~~أكمل من أي إنسان نراه في دنيا الواقع، و«فكرة» الخط المستقيم أكمل من أي خط مستقيم نرسمه ~~في دنيا الواقع، و«فكرة» الحكومة، و«فكرة» الأسرة و«فكرة» المدينة كلها أكمل من قسائمها ~~التي تقع فعلا، ولا عجب في ذلك، إذ إننا في حالة «الفكرة» نحن الذين نطهو الأكلة على ~~مزاجنا، وأما في حالة الأمر الواقع فعلينا أن نتقبل أشياء تفرض نفسها علينا دون أن تكون هي ~~المرجوة المشتهاة - ففيلسوفنا المثالي يسوي لنفسه عالما فكريا، يراه دائما أكمل من أي ~~واقع، فيعيش فيه، كأنما هو ينتظر حتى يعلو الواقع إلى حيث يعيش، وحتى إن هم ونزل عن عالمه ~~الفكري ليصلح عالم الواقع ويغيره، فسيكون قياسه دائما إلى أفكاره المثلى ومعاييره الكاملة، ~~فيصعب عليه أن يملأ الفجوة بين الواقع في نقصه من جهة ومعاييره في كمالها من جهة أخرى، ~~وعندئذ إما أن ييأس ويلوذ مرة أخرى بعالمه الفكري، وإما أن يتعب الناس بغير طائل ~~قريب. # لكن الزميل الثالث الذي يجعل الأمر حوارا بين الفكر والواقع رجل عملي (ونحن نفرق بين ~~«العملي» و«الواقعي») لا يعجبه تطرف الواقعية من جهة، ولا تطرف المثالية من جهة أخرى، ~~فلماذا أجعل للواقع المحتوم كل هذا السلطان الذي يشل قدرة الإنسان على تغييره؟ ولماذا أجعل ~~للأفكار المثلى كل هذه الرفعة التي تعلو بها على الواقع الناقص فلا تفيده شيئا برفعتها ~~وكمالها؟ فهذه هي بيئة معينة أريد أن أحيا فيها، لكنها قد توافق أهدافي في جانب، وتعارض ~~أهدافي في جانب آخر، وأريد أن أغير الجانب المعارض بحيث يخدم تلك الأهداف، وإذن فلا بد ~~من تفاعل معها أقبل به ما أقبله وأرفض ما أرفضه لأغير ما أغيره! إنه لا جدوى في أن أركن إلى ~~شيء سواي أنا وبقية الزملاء في المجتمع ليغير لي ما أريد تغييره من البيئة التي نسكنها، ثم ~~لا جدوى في أن أخط للتغيير خطة فكرية مثلى معصومة من الخطأ ومن النقص، حتى إذا ما وجدت ~~تطبيقها محالا، انطويت على نفسي لأعيش في أحلامها؛ ولذلك لا ms152 جدوى في أن أفرض أن للأشياء ~~طبائعها التي لا تتغير، بل الجدوى هي في تناول المشكلات واحدة واحدة، لأدرس تفصيلاتها، ثم ~~أقترح لحلها فكرة تناسبها، وقد أعود إليها من جديد مرة بعد مرة، إذا كان الحل لا يأتي إلا ~~على درجات. # إن المعركة بيننا وبين الواقع دائرة الرحى، الأرض القاحلة يراد لها أن تزرع، والمادة ~~الخامة يراد لها أن تشكل وتصاغ، والطرق يراد لها أن تمهد، والترع أن تشق والمرض أن يعالج ~~والأمية أن تزال وغشاوة الجهل والخرافة أن تنقشع، ولن يغني إزاء هذه المعركة الدائرة الرحى ~~أن ينعزل الفيلسوف المثالي بفكره الذي لا يتعرض للخطأ، ولا أن ينظر الفيلسوف الواقعي إلى ~~الواقع على أن هذه هي طبائع الأشياء فيه فلا يتغير منه شيء إلا وفق قوانين الواقع المادي ~~نفسه، فالمثاليون سادة مترفعون، والواقعيون سلبيون متفرجون، مع أننا نريد الرجل الذي ينزل ~~معنا في المعمعة ومعه الفكرة التي تصلح سلاحا في القتال! قد يكون السيف أصلح هنا والمدفع ~~أصلح هناك، الطائرة النفاثة مطلوبة هنا والدبابة مطلوبة هناك ... أعني أن لكل مشكلة ظروفها ~~وطريقة علاجها المؤقتة، حتى إذا ما اتخذت وضعا أكثر ملاءمة عدنا إليها بطريقة علاج أخرى، ~~وهلم جرا، ليست الحياة كمالا ولكنها سير نحو الكمال، عند المثاليين مراهقة طال أمدها، ~~واحترام الواقع عند الواقعيين قناعة وعجز. # الفلسفة العملية هي فلسفة التجربة والخطأ، هي فلسفة النقد والإصلاح، هي فلسفة النظرة ~~النسبية إلى المواقف والمشكلات، فلكل موقف ما يناسبه ولكل مشكلة ما يعالجها، وعندئذ يكون ~~هذا وذاك هو «الحق» في هذه اللحظة، وقد لا يعود هو «الحق» غدا بالنسبة للموقف نفسه ~~وللمشكلة نفسها، فإذا كانت المشكلة - مثلا - هي مشكلة التعليم، واجهتها بما يناسبها الآن، ~~فأجعل التعليم الإلزامي إلى السن الفلانية، ودخول الجامعة بالنسبة الفلانية، ثم قد يتغير ~~الموقف غدا فأكون أكثر تقدما وأغزر ثراء، فأتناول المشكلة نفسها مرة أخرى بحل ~~جديد. # إن «الحق» حاصل ضرب بين طرفين، هما نحن والموقف الذي نريد أن نقبله أو أن نغيره، وأي فكرة ~~نقحمها على ms153 هذين الطرفين تفسد علينا الفاعلية والعمل، سواء أتينا بالفكرة من تراث موروث عن ~~الأسلاف أم جئنا بها من أمم تختلف ظروفها عن ظروفنا، وهذا هو معنى قولنا إن فلسفتنا نابعة - ~~أو يجب أن تنبع - من واقعنا، والفكرة المقحمة علينا من زمان غير زماننا، أو من مكان غير ~~مكاننا، حتى وإن كانت أكمل من فكرتنا الطارئة علينا، فهي بمثابة الفكرة عند الفلاسفة ~~المثاليين، يأخذونها لكمال بنائها، لا لصلاحيتها لمعالجة موقف بذاته يعترض طريقنا. # لكننا أمة ورثت فيما ورثته مجموعة من القيم العليا التي نحس في أعماقنا أنها قيم ثابتة ~~ودائمة ومطلقة من قيود المكان والزمان، فنقول عنها إنها قيم تصلح للإنسان من حيث هو إنسان، ~~بغض النظر عن مكانه وزمانه ومواقفه ومشكلاته، فهل هنالك تناقض بين قبولنا لتلك المعايير ~~الثابتة، المطلقة من جهة، وقولنا من جهة أخرى إن الحق يتغير بتغير الموقف الذي يصادفنا ~~والمشكلة التي نعالجها، فما قد يكون معيارا صالحا اليوم قد لا يصبح معيارا صالحا ~~غدا؟ # أحسب أن لا تناقض، وهذه نقطة تريد التوضيح، إن الإنسان في رحلة الحياة شبيه به في أي رحلة ~~صغيرة يرتحلها، فافرض أن رحلتك هي أن تعبر الصحراء حتى تصل إلى نقطة معينة على شاطئ البحر ~~الأحمر، فالهدف الأخير ثابت أمامك لا يتغير، ولكن أهدافا جزئية فرعية ستنشأ خلال الطريق، ~~فهذه حفرة عميقة أمامك، تريد اجتنابها، فعندئذ تحصر تفكيرك في طريقة اجتنابها قبل أن ~~تستأنف السير، وهنا تكون هذه المشكلة الجزئية هي وحدها التي تتحكم في منهج التفكير، ويكون ~~معيار صلاحية الفكرة هو نفعها في تجنيبك ما تريد اجتنابه، وكلما زاد نفع الفكرة زاد نصيبها ~~من الحق، لكن سواء كانت معالجتك لهذه المشكلة الطارئة سليمة أو معيبة، فهل يؤثر ذلك في هدفك ~~الأخير؟ كلا، فذلك هدف ثابت تضعه نصب عينيك كالبوصلة التي ترسم لك وجهة السير، دون أن تتدخل ~~في طرائق معالجتك لمشكلاتك الصغرى أثناء الطريق ... وهذا ما يعمله قبطان السفينة وما يصنعه ~~قائد الطائرة، وهو ما يصنعه قائد الجيش في المعركة حين ms154 يفرق بين «الإستراتيجية» و«التكتيك»، ~~فالأولى هي خطة القتال، والثانية هي معالجات المواقف الجزئية التي تنشأ أثناء تنفيذ تلك ~~الخطة. # هكذا الأمر بالنسبة إلى قيمنا الخالدة الثابتة من جهة، وقيمنا النسبية المتغيرة من جهة ~~أخرى، الأولى هي بوصلة السير، والثانية هي المعالجات الضرورية للمشكلات الطارئة. # ولو أننا فرقنا هذه التفرقة، فربما وجدنا أننا بحاجة إلى النظرات الفلسفية الثلاث في آن ~~معا، ولكن لكل نظرة منها مرحلة ومهمة غير مرحلة النظرتين الأخريين ومهمتيهما: فلكي نسير في ~~تغييرنا للمجتمع على هدى وبصيرة ووعي، لا بد لنا أولا من مرحلة واقعية نرصد بها ملامح ~~الواقع كما هي، دون أن نشوه الصورة بأوهام أو أحلام أو خيال، شريطة ألا نقع في غلطة ~~الفلاسفة الواقعيين حين يظنون أن للواقع طبيعته المحتومة، ويتلو هذه المرحلة مرحلة ثانية ~~نتأمل فيها الأفكار والمبادئ - على نحو شبيه بما يفعله الفلاسفة المثاليون - تلك الأفكار ~~والمبادئ التي توجهنا في طريق السير نحو تغيير الواقع الذي رصدنا ملامحه ولم نرض عنها ونريد ~~تغييرها، شريطة ألا نقع في غلطة المثاليين حين يظنون أن تلك الأفكار والمبادئ مبتورة الصلة ~~بعالم الواقع، وفي هذه المرحلة التأملية أيضا تجيء مهمة القيم الثابتة الخالدة التي ~~ورثناها ونريد الحفاظ عليها، إذ هي التي تشير إلى اتجاه السير، دون أن يكون لها شأن ~~بالمشكلات الفرعية التي نلقاها في الطريق، وثالثا وأخيرا تجيء المرحلة العملية التي نحصر ~~فيها انتباهنا في كل مشكلة فرعية على حدة، نبحث لها عن علاج مرهون بظروفها، دون أن نغير في ~~اتجاه سيرنا الذي رسمته لنا بوصلة القيم الموروثة في ثباتها وتجريدها وإطلاقها. # فلو سألتني بعد ذلك كله: أي مذهب فلسفي تختار؟ أجبتك سائلا بدوري: في أي مرحلة من مراحل ~~السير؟ فأنا واقعي في مرحلة رصد المشكلات، ومثالي في مرحلة تحديد اتجاه السير، وعملي تجريبي ~~في مرحلة معالجة المشكلات. # | قيادات الفكر المعاصر # ليس يرى شكل السحابة أو لونها صاعد الجبل وهو يخوضها، فكل ما يدركه عندئذ هو أن رؤية ~~الأشياء من حوله تزداد وضوحا أو تقل، وأنه ms155 يتبين مواضع خطوه على الطريق إلى مدى بعيد أو ~~إلى مدى قريب، حتى إذا ما اجتاز السحابة التي تكتنفه ثم نظر، رآها وقد تحدد شكلها وتميز ~~لونها بحيث يستطيع وصفها وهو على ثقة بصدق ما يقوله عنها. # وكذلك قل في مرحلة معينة من التاريخ حين يتحدث عنها أبناؤها الذين يعانون آلامها وينعمون ~~بطيباتها، فهؤلاء إذا تحدثوا عن عصرهم جاء حديثهم أقرب إلى التعبير عن ذوات أنفسهم، منه ~~إلى التقرير الموضوعي الذي يسجل الواقع كما يقع، بل إن أبناء المرحلة المعينة من مراحل ~~التاريخ، لا يكادون يتصورون الأحداث التي تتتابع حولهم صفحة من التاريخ سيكتبها اللاحقون ... ~~ترى ماذا تكون معالم عصرنا البارزة، التي لن يخطئها مؤرخ المستقبل إذا ما نظر وحلل؟ # هل نخطئ الحدس لو ظننا أنه سيصف عصرنا هذا - أول ما يصفه - بأنه قد كان مرحلة انتقال هائل ~~من حياة إلى حياة؟ من حياة أقيمت على أساس التفاوت بين البشر من حيث القوة والضعف والغنى ~~والفقر، بياض البشرة وسوادها، الأصول العرقية والأنساب، الذكورة والأنوثة، العقائد ~~والشعائر، وغير ذلك ... إلى حياة تقام على أساس المساواة مع التنوع، بل كانت مرحلة انتقال ~~هائل من حياة تقسم الناس في كل بلد واحد قسمة عمودية، فالأعلون هم من كانت حرفتهم رياضة ~~العقل، والأدنون هم من كانت صنعتهم استخدام البدن، إلى حياة تجعل جميع الناس في البلد ~~الواحد عاملين، سواء أكان العمل منصبا على فكرة نظرية أم كان منصبا على تطبيقها. # ولو رأى مؤرخ المستقبل هذه النقلة الفسيحة في عصرنا من نظرة إلى نظرة ومن حياة إلى حياة، ~~فسيرى كذلك أنها نقلة لم تهبط على الناس هبة من السماء ينعمون بها دون أن يكافحوا هم أنفسهم ~~في سبيل تحقيقها؛ إذ يرون أن عصرنا هذا قد كان عصر ثورات خارقة ثارت لتغير أوضاعا بأوضاع، ~~وأن هذه الثورات لم تكن لتمضي إلى أهدافها بغير مقاومة عنيفة ممن ارتبطت صوالحهم بالأوضاع ~~القديمة المراد تغييرها، وأن هذه الثورات وأضدادها لم تكن لتجري مجراها بغير أن يكون لكل من ~~الجانبين ms156 فلسفة نظرية يستند إليها في محاجة الطرف الآخر؛ ومن ثم نشأت صراعات مذهبية بين ~~الفريقين، ولا يكون العيش في جو الصراع الفكري مستقرا هادئا بل لا منجاة له من القلق ~~والتوتر. # فإذا كانت صورة عصرنا شيئا قريبا من هذا، فماذا نتوقع أن نجد في نشاطه الفكري إلا ~~اختلافا في وجهات النظر أشد ما يكون الاختلاف، حين يتناول أصحاب الفكر بأنظارهم مصير ~~الإنسان نتيجة لهذا الصراع؟ فأمام المسألة الواحدة نجد النظريتين المتناقضتين وجها لوجه: ~~فهذا هو العلم الذري قد أطلق صواريخه تدق أبواب الفضاء، فهل يكون من شأن هذا الغزو العلمي ~~لأسرار الكون أن يشيع في أنفسنا الطمأنينة أو القلق؟ هنا تختلف الإجابة بين متشائم ومتفائل: ~~هذا يرى أنه انقلاب علمي لا بد أن ينتج انقلابا في حياة الناس نحو الأفضل، وذلك - على ~~خلاف هذا - من رأيه أن التقدم العلمي الضخم وإن يكن قد غزا الفضاء الفسيح، إلا أنه بقدر ما ~~وسع لنا من آفاق الكون، قد ضيق علينا من آفاق النفس؛ لأنه أبعد الإنسان عن صلته الحميمة ~~بذاته. # فمن هم أولئك القادة الذين يمسكون بأزمة الفكر في عصرنا ليتجهوا به يمينا أو ~~يسارا؟ # لقد جرى العرف - أو كاد يجري - على أن تكون هنالك تفرقة بين من نطلق عليهم اسم ~~«المفكرين» - أو قادة الفكر - من جهة، والباحثين العلماء من جهة أخرى، ولعل أميز ما يميز ~~الطائفة الأولى هو أنهم جماعة استنارت فأرادت أن تنير، جماعة عرفت ثم جعلت همها أن تنشر ~~المعرفة في الآخرين، ولكن أي معرفة؟ إنها ليست المعرفة الأكاديمية التي تستند إلى تجارب ~~المعامل العلمية أو إلى الوثائق والمراجع، بل هي المعرفة التي تنبع عند صاحبها من الخبرة ~~الحية، ويكون لها أصداؤها في شعور الإنسان، وبالطبع لا تناقض هناك بين أن يجتمع في الرجل ~~الواحد أن يكون من أصحاب البحث العلمي على الصورة الجامعية، وأن يكون في الوقت نفسه من ~~«المفكرين» بمعنى الكلمة الذي نريده لها، لكن التمييز والتفريق بين الموقفين من شأنه أن ~~يزيدنا دقة ووضوحا فيما نحن ms157 بصدد الحديث فيه. # فالباحث العلمي على الطريقة الجامعية لا يعد من «المفكرين» لمجرد أنه مختص بدراسة الفلك ~~وطبقات الأرض، ولا بمجرد كونه ذا مهنة تقوم على أسس علمية، كالمهندس والطبيب والكيماوي ~~وغيرهم، بل لا بد لطائفة المفكرين من صفة أخرى وهي أن يجاوزوا حدود الاختصاص الدراسي إلى ~~حيث ينظرون إلى الكون وإلى الحياة نظرة شاملة تعتمد - إلى جانب اعتمادها على العقل المنطقي ~~واستدلالاته - على الإدراك الحدسي العياني المباشر، ومقتضى هذه النظرة أن تجيء ذاتية مرتكزة ~~على الخبرة الخاصة بصاحبها؛ ولهذا يتحتم أن تجيء نظرات «المفكرين» متصلة أوثق صلة بالحياة ~~الفعلية الجارية من حولهم، بأفراحها وآلامها؛ لأن الكاتب إذا نضح من خبرته الذاتية ~~المباشرة، جاءت كتابته - بالضرورة - تعبيرا عما قد تراكم في نفسه من آثار حياته بكل ما ~~فيها من متاع وحرمان، فإذا درست كتابا في الرياضة أو الكيمياء، لم تدر هل كان مؤلفه مقترا ~~عليه في الرزق أو من ذوي اليسار، لكنك إذا قرأت كتابا مما يكتبه «المفكرون» استطعت أن ~~تلتمس وراء الكتابة أي طراز من الناس كان كاتبه. # وإنه لمما يستحق الذكر هنا، أن «المفكرين» بالمعنى الذي حددناه، تختلف أقدارهم في الأمم ~~المختلفة، فليسوا هم دائما الطائفة التي تتولى زمام الريادة، ففي إنجلترا وفي فرنسا - ~~وفرنسا بصفة خاصة - تكون القيادة «للمفكرين» من رجال الأدب والفن والثقافة والفلسفة غير ~~الأكاديمية، وفي ألمانيا تترك القيادة الفكرية في أيدي أساتذة الجامعات، فقد ينبغ فيهم ~~الكاتب والشاعر والفنان، لكن الناس إذ يأتمون فإنما يأتمون بأصحاب التخصص العلمي، وفي ~~أمريكا تكون أولوية الرأي للخبراء؛ أعني للذين مارسوا العلم تطبيقا، وكأنما «المفكرون» ~~يعالجون شئون الحياة الإنسانية في مؤلفاتهم ورواياتهم ليسدوا حاجة المثقفين في ملء أوقات ~~الفراغ على المستوى الرفيع، لا ليرسموا لهم اتجاه السير، وزمام القيادة في روسيا متروك ~~لرجال السياسة، فهم يشقون الطريق ومن ورائهم يسير التابعون، وأما في معظم أرجاء الأرض بعد ~~ذلك - ومعظمها بلاد تحررت من مستعمريها منذ قريب: في آسيا وفي أفريقيا وفي أمريكا الجنوبية - ~~فالقيادة الفكرية غالبا ما تكون في ms158 أيدي قادة الثورات الذين كانوا هم العاملين على تحقيق ~~ذلك «التحرر» من قيد المستعمر، فاضطلعوا بعد ذلك بتحقيق «الحرية» بعد التحرر، والفرق بين ~~المرحلتين هو الفرق بين السلب والإيجاب: ففي المرحلة الأولى رفعت القيود، وفي المرحلة ~~الثانية تقام عمليات البناء؛ إذ لا معنى للحرية إلا أن تكون حرية الأداء والعمل. ~~«المفكرون» في إنجلترا يغلب أن يكونوا كتابا أحسوا أنهم المسئولون قبل غيرهم عن تغيير ~~المجتمع، فالمجتمع هناك قد كبلته تقاليده التي لم تعد صالحة لعصرنا؛ ولذلك وجبت الثورة ~~عليها لتتغير صورة الحياة، ولقد نجد من الساخطين من يقف عند السخط لا يعدوه إلى مقترحات ~~للبناء الجديد، ولكن القادة الكبار لا يكتفون بما يكتفي به الشباب الساخط، بل تراهم فيما ~~يكتبونه يصورون العلة ويقدمون العلاج، على اختلاف بينهم في تشخيص العلة وفي وصف الدواء، ~~فمنهم من يرى أن مكمن الداء عندهم هو الفجوة العميقة بين الفطرة الإنسانية من ناحية، ~~والسلوك المتكلف المتصنع من ناحية أخرى، وقد كانت هذه الفجوة عندهم هي التي تفصل بين ~~الهمجية والتمدن وبالغوا في ذلك حتى نتج ما هو معروف عنهم من نفاق يبطن شيئا ويظهر شيئا ~~آخر، أقول إن من قادة الرأي عندهم من يرى أن مكمن الداء هو في اصطناع ضروب من السلوك ~~الاجتماعي بعيدة بعدا شديدا عن الدوافع الفطرية، وإذا كان ذلك فالعلاج هو عودة الإنسان ~~إلى فطرته، ومنهم من يرى الداء كامنا في فتور الإيمان الديني؛ ولذلك فالعلاج هو في أن يقوى ~~هذا الإيمان في النفوس وبذلك نضمن تنظيم العلاقات الاجتماعية على أساس سليم، ومنهم من يرى ~~رأيا قريبا من هذا لكنه مختلف وذلك هو ضرورة أن تخفف وطأة العلم على حياة الإنسان بجرعة ~~كبيرة من التصوف، فإذا اجتمع في الإنسان عفة المتصوف وحضارة العالم كان هو الإنسان ~~الكامل. # فالمفكر الإنجليزي «ملتزم» نحو المجتمع التزاما غير مباشر؛ لأنه وإن يكن يحاول إصلاح ~~جوانب النقص برسم صورة كاملة، إلا أنه لا يفرض على نفسه أن يعالج المشكلات الفعلية القائمة، ~~فقد يفعل ذلك وقد لا ms159 يفعل، بل قد يتخذ موقفا فرديا انعزاليا سلبيا لعقيدة شائعة عند ~~كثيرين من مفكريهم أن الواحد منهم هو تجسيد للمدنية الإنسانية بأسرها، فعنه تؤخذ المعايير ~~وهو لا يأخذ عن أحد. # وأما المفكرون في فرنسا فهم أشد المفكرين «التزاما» حتى لقد أصبح التزامهم هذا خصيصة ~~تميزهم منذ عصر التنوير في القرن الثامن عشر، فلا يكاد يكتب كاتب شيئا إلا ونصب عينه هدف ~~يريد تحقيقه للإنسان الفرنسي على وجه الخصوص، ولقد نجد في كل بلد آخر - إلا فرنسا - شيئا ~~من الريبة تساور نفوس الناس نحو طائفة «المفكرين»، برغم أن «المفكر» الفرنسي أكثر من أقرانه ~~في سائر البلاد مسايرة لأحكام العقل، والاحتكام إلى العقل هو الذي من شأنه أن يثير ريبة ~~عامة الناس؛ لأن هؤلاء أميل إلى الأخذ بنوازع الوجدان. # واحتكام المفكر الفرنسي إلى عقله هو الذي يزيد من جرأته على التمرد ومع ذلك كله ترى الناس ~~يشخصون هناك بأبصارهم وقلوبهم إلى هداية «المفكرين» في شتى مشكلات الحياة: فردية واجتماعية ~~وسياسية على السواء؛ ولذلك رأينا عددا كبيرا من مفكري البلاد الأخرى يهجرون أوطانهم ~~ليعيشوا في فرنسا، ولينعموا بشيء من سلطان الفكر الذي يعلو هناك على كل سلطان. # ولا أظنني أجاوز الحق إذا زعمت أن مفكري إنجلترا وفرنسا معا يشتركان في قضية رئيسية ~~واحدة، يعالجونها من جميع أطرافها، وهي قضية الحرية التي يمكن أن يظفر بها الإنسان الفرد إذ ~~هو يعيش في جماعة سادها العلم واستحكمت فيها الصناعة، مما أضاع على الفرد حرية المبادأة، ~~فمتى وأين وكيف يتحقق له قسط من هذه الحرية في حياته؟ ~~••• # ليس «المفكرون» - بالمعنى الذي حددناه للكلمة - هم القادة في ألمانيا أو الولايات ~~المتحدة، فالعقل الألماني عقل منهجي دارس متعمق - يجب أن تؤخذ الأمور مأخذا صارما يتعقبها ~~إلى جذورها، ولا يكون ذلك إلا على أيدي الأساتذة الباحثين الذين لا يصدرون في أحكامهم عن ~~خواطر تعن لهم بحكم تجاربهم الشخصية في الحياة اليومية الجارية - فالخواطر التي من هذا ~~القبيل قد تصلح للتسلية عن طريق الصحافة، وأما ما هو هام وجاد فيترك ms160 أمره إلى الدراسة ~~الجادة المتعمقة، ومثل هذه الدراسة إنما تتم في الجامعات على الأغلب الأعم، لا في دور ~~الصحافة، ولئن كان لهذا الوضع حسناته من حيث دقة العلم، فله سيئاته التي من أهمها أن هؤلاء ~~الدارسين في العادة موظفون في معاهد تتبع الدولة، وإذن فيغلب عليهم أن لا يكون لهم شأن بمجرى ~~الأحداث؛ لأن الأحداث تتصل بالسياسة من قريب أو من بعيد، حتى لقد أجاب أستاذ جامعي في ~~ألمانيا ذات يوم وهو بصدد الاعتراف بأنه يستغرق نشاطه كله في بحوثه العلمية ولا يتدخل في ~~السياسة، أجاب هذا الأستاذ حين قال له قائل: لكن الأمور قد تتحرج فماذا أنت صانع؟ ألا تمتد ~~يدك للمساعدة إذا اشتعلت النار في منزلك؟ فأجاب بقوله كلا، إنني ساعتئذ أستدعي رجال المطافئ ~~لأنهم هم المختصون في إطفاء الحريق، وكذلك الأمر في السياسة والاقتصاد، لا يجمل بكل إنسان ~~أن يدعي القدرة فيهما؛ لأنهما يحتاجان إلى معرفة وتدريب - فإذا أردنا تعقب القيادة الفكرية ~~في ألمانيا فعلينا بما يكتبه الدارسون. # وأما الولايات المتحدة الأمريكية فتؤمن بالعمل والنجاح فيه إلى الحد الذي يجعلهم يحتكمون ~~في كل شيء إلى التجربة والتطبيق، أو بعبارة أخرى فهم يحتكمون إلى صاحب المهارة العملية في ~~الميدان المعين، لا إلى صاحب البحوث النظرية ولا إلى صاحب النظرات الحدسية في دنيا الأدب ~~والفن. ~~••• # ونوجه أنظارنا إلى روسيا فنذكر أول ما نذكر أن الكلمة الإفرنجية التي تعني «المفكرين» - ~~وهي كلمة # Intelligentsia ~~- كلمة روسية نشأت هناك في القرن الماضي، حين نفرت جماعة متمردة ~~ناقمة لتبذر بذور ثورة فكرية تمهد لانقلاب اجتماعي سياسي شامل، وهي جماعة قريبة الشبه في ~~المهمة التي اضطلعت بها بفلاسفة التنوير في فرنسا إبان القرن الثامن عشر، ولقد وفقت كلتا ~~الجماعتين فيما أرادت أن تحققه؛ فقامت الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر، وقامت ~~الثورة الروسية في أوائل القرن العشرين. # وبحكم الرابطة القوية في روسيا بين المفكرين والثورة، كان لا بد من اتصال الفكر بالشعب ~~اتصالا مباشرا، بمعنى أن تمتد جذوره في الأرض الروسية وله بعد ms161 ذلك أن يرتفع كيف شاء، نعم ~~قد كان في الروسيا في القرن الماضي جماعة أخرى من المثقفين أرادت وصل ثقافتها بأصول ~~يلتمسونها في غربي أوروبا، لكن هؤلاء لم يكونوا ليحدثوا في الشعب ثورة مهما علت ثقافتهم ~~واتسع مداها. # قامت الثورة الروسية وتغيرت أوضاع الحياة فيها وفق التصور الجديد، فأصبح من المفارقات ~~التي تلفت النظر أنه بينما يستبد القلق والضجر والرغبة في التغيير بأوروبا الغربية، ترى ~~الأمر في الروسيا على عكس ذلك يريد أن يستقر حتى يصلب عوده ويضرب في الأرض بجذوره، وكان ~~لهذا نتائجه في منحى الفكر، ففي الغرب يكثر الأفراد الشذاذ الذين يأبون التجانس مع محيطهم، ~~وفي الروسيا يشتد التجانس بين الأفراد حتى ليوشك الشذوذ الفردي أن يمتنع، ومعنى ذلك أن ~~نتوقع رومانسية في الأدب والفن في غربي أوروبا، وكلاسية في الروسيا، ذلك أن الثقافات في ~~سيرها يتناوب عليها الرومانسية والكلاسية واحدة بعد الأخرى في تتابع لا ينقطع، فرومانسية ~~إبان فترة التغير، وكلاسية إبان فترة الثبات، وفي فترات التغير يكثر ظهور الأفراد المتمردين ~~اللامنتمين إلى محيطهم وما يسوده من قيم، وفي فترات الثبات يقل ظهور هؤلاء الأفراد أو ~~ينعدم، ويسود التجانس بين أبناء المجتمع الواحد؛ لأنهم يلتقون جميعا على قيم واحدة؛ ولذلك ~~فزمام الفكر في الحالة الأولى قمين أن يتولاه أفراد، وزمام الفكر في الحالة الثانية يغلب أن ~~تتولاه الهيئات صاحبة السلطان. # وفي آسيا وفي أفريقيا موقف مختلف، فها هنا كان المستعمر لفترة من الزمن تقصر هنا وتطول ~~هناك، يفرض ثقافته على «الصفوة»، وبذلك انقطعت الصلة بين الفروع العليا والجذور، حتى كادت ~~الفروع تذوي والجذور تذبل لولا ما فيها من حيوية، وما إن ثارت هاتان القارتان ثوراتهما ~~العارمة التي أطاحت بالمستعمر - والثائرون غالبا من القلة المثقفة - حتى وجد الناس أنفسهم ~~فجأة حيال تبعات جسام في إقامة البناء الجديد، فمن ذا الذي يتم البناء؟ فلا عامة الشعب ~~لديها القدرة، ولا المثقفون الذين أشعلوا الثورات بادئ الأمر قد أعدوا للبناء، فكان حتما ~~أمام ضغط الموقف الناشئ أن تنتقل الريادة من جماعات ms162 «المفكرين» إلى قادة الثورات، وكان ~~بعضهم من المفكرين وبعضهم لم يكن، أعني أن تنتقل الريادة من ميدان الأدب والفن إلى ميدان ~~السياسة، فيكون الرائد سياسيا يخطط للتغيير الاجتماعي والاقتصادي، لا كاتبا يتصور أو ~~رساما يصور، بل ولا عالما باحثا قد ينعزل في بحوثه عن تيار الحياة المتجددة ... وعند هؤلاء ~~القادة في آسيا وأفريقيا نلتمس مصادر الفكر المعاصر . # وفي عالم اليوم، الذي تسوده وسائل الإعلام التي تنقل المعرفة من طرف إلى طرف بسرعة البرق، ~~يصعب القول أن في هذا الركن من أركان الدنيا كذا وفي ذلك الركن كيت؛ لأن الفكرة الواحدة ~~سرعان ما تدور حول الأرض فتعم أركانها جميعا في لحظة، إلا أننا مع ذلك نستطيع القول في ~~إجمال وتعميم أن الفكر المعاصر في أوروبا وأمريكا مشغول بإيجاد هدف واضح يعيش من أجله الناس ~~ويكافحون عن طواعية، وأما في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية فهو مشغول بالبناء والتصنيع ~~والتقدم العلمي وإدخال التقنيات الفنية لأن الهدف أمامه واضح، وهذه كلها هي وسائل تؤدي ~~إليه. # ولا تتم صورة الفكر المعاصر لمن أراد تصويرها كاملة، إلا إذا أدخل في حسابه أقطار الأرض ~~جميعا. # | روح العصر من فلسفة # ليس الحديث عن خصائص العصر وسماته البارزة من الهينات التي يسهل فيها أن تقول القول ~~فيصادف عند الناس قبولا خالصا؛ ذلك لأن نسيج الحياة كثير الخيوط، فيها المتشابه وفيها ~~المتباين، بحيث لا تكاد تصف العصر بسمة عامة حتى تصادفك شواهد نقيضها، فقرب المسافة بيننا ~~وبين معالم عصرنا يحول دون الرؤية الواضحة من جهة، ويميل بنا نحو النظرة غير المنزهة عن ~~أهوائنا من جهة أخرى، هذا على فرض أن الناس ما داموا يعيشون في فترة زمنية واحدة فهم ينتمون ~~جميعا إلى عصر حضاري واحد تتجانس فيه الخصائص والسمات، مع أنه فرض بعيد عن الصواب. # وإذن فلا مناص للكاتب وهو يصف روح العصر من نظرة ذاتية، قد يختلف عنه فيه كاتب آخر ينظر ~~بمنظار آخر، وعندئذ لا يعني تعدد وجهات النظر إلا أن الحق متعدد الجوانب، تنظر إليه من هنا ms163 ~~فإذا العصر يسوده العلم بنظرته الموضوعية، وتنظر إليه من هناك فإذا العصر يسوده «العبث» ~~و«اللامعقول»، أهو - يا ترى - عصر القوميات المستقلة، أم هو عصر التكتلات والأحلاف، وعصر ~~المؤتمرات الدولية وعصر جمعية تضم «أمما متحدة»؟ هل يغلب على عصرنا - كما يبدو في نتاج ~~الفكر والفن - رغبة في أن تكون الأولوية للجماعة على الفرد، أو تغلب عليه الرغبة في أن تكون ~~الجماعة وسيلة لسعادة الفرد وتحقيق ذاته؟ بل أنت لا تدري إذا كان الناس اليوم في اهتماماتهم ~~الفكرية أكثر انشغالا بتراث ماضيهم أم بإرسال البصر إلى بناء مستقبلهم؟ # إنك إذا جعلت رائدك في الحكم هو ما تنشره المطابع وما يعرضه أصحاب الفنون، وما يتحدث به ~~الناس في الندوات وحلقات الدرس، ألفيت عصرنا يضم كل صنوف البشر: ففي الأدب سلفي وثائر، وراض ~~وساخط، وفي الفلسفة تعد ألوان المذاهب بأكثر من أصابع اليدين مجتمعتين: برجماتية، وواقعية، ~~ووضعية، ووجودية، وظاهراتية، وكانتية جديدة، ومادية جدلية، ومثالية، وطبيعية، وشخصانية، ~~وحدسية ... فضلا عما ينشعب تحت هذه الرءوس من فروع. # لكننا - بعد هذا التمهيد - نحاول إبراز العناصر التي قد يصل فيها اختلاف الرأي إلى حده ~~الأدنى فأحسب أن لا اختلاف بين أصحاب الفكر المعاصر - إلا اختلافا جد يسير - على أن عصرنا ~~قد ساده العلم التطبيقي سيادة لم يسبق لها نظير، تمكن بها من التغلغل إلى كل ركن من أركان ~~حياتنا اليومية، فهو ماثل في وسائل النقل والانتقال، وفي الصناعة والزراعة وفي نشر الثقافة ~~والفنون، وفي ميادين العمل وساعات الفراغ. # فلقد تجد لكل عصر اهتماماته العلمية على اختلاف أنواع العلوم التي تشغل الناس في كل عصر ~~على حدة، لكنك لن تجد عصرا فيه «التطبيق» العلمي على شئون الحياة المادية والفكرية معا، ~~يدنو من عصرنا، حتى ليجوز القول بأن الحياة العملية قد تأثرت بالعلم في المائة السنة ~~الأخيرة أضعاف ما قد تأثرت به خلال ستين قرنا مضت قبل ذلك. # الحق أننا نقول ما يشبه اللغو لو مضينا نتحدث عن آثار العلم التطبيقي في حياتنا ~~الراهنة، فلننظر - إذن - فيما قد تأثرت به ms164 الفلسفة المعاصرة. # والفكر الفلسفي في كل عصر هو الذي يبرز الجذور العميقة الدفينة في الجو الثقافي السائد، ~~إذ ماذا تكون الفاعلية الفلسفية إذا لم تكن محاولة استخراج المبادئ المتضمنة في أوجه النشاط ~~السلوكي الظاهر؟ # وكلما تبدل لون النشاط كان ذلك دليلا على أن المبادئ المتضمنة قد تغيرت، لكنها تكون ~~مبثوثة مندسة في سلوك الناس، حتى إذا ما جاء المفكر الذي يحلل هذا السلوك تحليلا يغوص به ~~وراء السطح الظاهر البادي إلى حيث الجذور، كان هذا المفكر هو فيلسوف العصر، وقد تتعدد - بل ~~لا بد أن تتعدد - أوجه النشاط الظاهر، فعندئذ تتعدد المبادئ الأولى التي يكشف عنها ~~التحليل، ومن ثم تتعدد الاتجاهات الفلسفية في العصر الواحد، وإن يكن يجوز لهذه الاتجاهات ~~المتعددة بدورها أن ترتد إلى أرومة واحدة تتكشف فيها روح العصر كله. # ففي عصرنا هذا يسود علم، ولكن فيه أيضا أصوات تنبعث من هنا وهناك متمردة تعلن عصيانها، ~~وتود لو تخفف الناس في حياتهم من آثار العلم هذه التي يخشى أن تطمس فردية الإنسان، وإذا كان ~~هذا هكذا، فلا بد أن تتوقع قيام أكثر من مبدأ واحد في أغوار النفوس، وبالتالي قيام أكثر ~~من اتجاه فلسفي واحد، فاتجاه تصل فاعليته إلى الكشف عن المبدأ الأول للنشاط العلمي، واتجاه ~~آخر تصل فيه الفاعلية إلى الكشف عن مبدأ آخر يصدر عنه الإنسان المعاصر في تمرده وعصيانه ~~لينجو بشخصيته من الطوفان. # فماذا تكون الفلسفة التي تصب اهتمامها على النشاط العلمي لترده إلى جذوره الأولى؟ إنها هي ~~الفلسفة - بفروعها الكثيرة - التي اتخذت من «المعرفة العلمية» موضوعا لدراستها، بمعنى أنها ~~هي الفلسفة التي تحاول أن ترد هذه «المعرفة» إلى أصولها ومقوماتها، وأهم الاتجاهات المعاصرة ~~في هذا السبيل: الواقعية الجديدة، والبراجماتية، والوضعية المنطقية، وكلها متفق على ضرورة ~~أن تكون الصلة وثيقة بين «الفكرة» من جهة وتطبيقها على أرض الواقع من جهة أخرى، كأنما ~~الفكرة وهي في رأس صاحبها، وتطبيقها الفعلي أو الممكن على الدنيا الخارجية بأشيائها ~~ووقائعها، طرفا عصا لا يتصور فيهما قيام أحد الطرفين دون ms165 الآخر. # أما المذهب الواقعي فقد اشتدت موجته على الفكر المعاصر، حتى لتوشك أن تكون لفظتا «واقعي» ~~و«معاصر» مترادفتين في عالم الفكر، وإنما استمد هذا المذهب قوته من معارضته للفلسفة ~~المثالية، معارضة مؤسسة على مقتضيات التفكير العلمي، ومحور التضاد بين الواقعية والمثالية ~~هو: ما مصدر العلم وأين نلتمس شواهد صدقه؟ وعن هذا السؤال تجيب الواقعية بأن مصدره وقائع ~~العالم وحوادثه، وشاهد صدقه هو صلته بتلك الوقائع والحوادث، على حين أن جواب المثاليين في ~~الفلسفة يختلف، إذ يقولون في ذلك: إن مصدر العلم هو مبادئ فطرت في العقل الإنساني، وشاهد ~~صدقه هو ما ينبثق من تلك المبادئ، بحيث تجيء النتائج المنبثقة متسقة من الوجهة الرياضية مع ~~مقدماتها. # فالواقعية تعلي من شأن الحواس والتجارب، في معارضة المثالية التي كانت تنطوي في دخيلة ~~الذات تستمد من فطرتها كل ما أرادت من معرفة. # وكذلك البراجماتية جاءت معبرة عن نزوع عصرنا نحو العمل والتطبيق، إذ جعلت ما يترتب على أي ~~فكرة من آثار عملية هو نفسه المعنى الذي يكسب الفكرة قيمتها، فليست من الفكر في شيء فكرة ~~ترتسم في الذهن ولا يكون أمام صاحبها سبيل إلى تنفيذها، لا لقيام العوائق المادية التي تحول ~~دون ذلك التنفيذ، بل لشيء في طبيعة الفكرة المزعومة نفسها، يجعلها مقصورة على الذهن لا تخرج ~~منه إلى ضوء الواقع في صورة عمل يؤدى. # فقل لي ما مدى انتفاع «الإنسان» انتفاعا عمليا في حياته، بفكرة عندك تعرضها، أقل لك ما ~~مدى قيمتها من حيث هي فكرة بالمعنى الصحيح - على أن كلمة «الإنسان» هنا يراد بها المجتمع، ~~ولا يراد بها كل فرد على حدة. # ومع الواقعية والبراجماتية تسير الوضعية المنطقية في نفس الطريق، إذ تلتقي معهما في وجوب ~~الربط الوثيق بين الفكر من جهة والتجربة العملية من جهة أخرى، مع طابع خاص يميزها، هو ~~تفرقتها بين العلم الطبيعي والعلم الرياضي، تفرقة تجعل العلم الطبيعي وحده - دون العلم ~~الرياضي - مستندا إلى شواهد التجربة. # وبهذا يكون العلم إما علما طبيعيا قائما على التجربة، وإما علما رياضيا، ms166 صدقه في ~~طريقة بنائه، وأما ما لا يكون من هذا ولا من ذاك فلك أن تسميه بما شئت من أسماء، لكنه ليس ~~«علما». # هذه اتجاهات رئيسية ثلاثة في الفلسفة المعاصرة تستطيع أن تبلورها معا في وجهة نظر مشتركة ~~تقول عنها إنها تمثل روح العصر من أحد جوانبه وهي وجهة النظر التي تربط الفكر بالعمل، تصل ~~الإنسان بالواقع، توحد بين العقل والإرادة، فلم تعد القيمة للقابع في صومعته «يتأمل»، بل ~~عادت القيمة كل القيمة لمن يتبع الفكر بالتنفيذ؛ ولذلك تراها هي وجهة النظر المسيطرة اليوم ~~على ميادين النشاط في السياسة والتربية والاقتصاد والاجتماع. # ففي السياسة - وخصوصا في البلاد الناهضة التي همت بتغيير أوضاع الحياة فيها بأسرع ما ~~تستطيع - ترى هذه «العلمية»، وهذه «الواقعية» وهذه «الإرادة» ماثلة في وضوح، فالحرية التي ~~تنشدها هذه البلاد، يراد لها أن تكون حرية خلاقة لبناء مجتمع جديد، ولا يراد لها أن تظل ~~أغنية يتغنى بها الناس ومعاشهم باق على حاله. # وحسبنا في هذا الصدد مثال نسوقه من الميثاق الوطني، وذلك حين أكد أن النصر في معركة ~~السويس كان معناه الحقيقي استخلاص الشعب لإرادته، يصطنع بها الحرية، أي أن «الحرية» شيء ~~«يصنع» لا شيء «يقال» والإرادة - لا مجرد التأمل - هي أداة ذلك الصنع ... # وفي التربية كذلك تسود هذه النزعة نفسها التي تربط بين الفكر والعمل، وإذا قلنا: ~~«التربية.» فقد قلنا: «الجيل القادم.»، فلم يعد أساسه الاهتمام بالمادة العلمية من حيث هي، بل ~~أصبح الأساس هو أن يتحول العلم المدروس إلى فعل ينصب على مشكلات المجتمع، فأولا: لا بد ~~من نقل مركز الاهتمام إلى الفرد الإنساني نفسه الذي يتعلم ويتربى، بعد أن كان الاهتمام ~~بالمادة العلمية التي تلقن، وذلك بأن تهيأ الفرصة لإمكانات كل فرد من الناس أن تنمو وفق ~~طبيعتها وحدودها ليجيء في نهاية الأمر أصلح ما يكون استعدادا للقيام في المجتمع بما يلائم ~~طبيعته من عمل، وثانيا: لا بد من ربط الصلة القوية في كل ما يتعلمه المتعلم بين الدرس ~~والنظري والعمل التطبيقي، وما ليس له ms167 مجال في دنيا التطبيق على مشكلات الحياة الواقعة، لا ~~يكون له مجال في برنامج الدرس النظري. # وفي هذا يقول ميثاقنا الوطني عن هدفنا من التعليم إنه قد أصبح في ظل الثورة «تمكين ~~الإنسان الفرد من القدرة على إعادة تشكيل الحياة» ... # وتلك هي روح العصر من إحدى نواحيها. # وناحية أخرى شديدة الصلة بالأولى، وإن تكن تنقل بؤرة النظر من «المعرفة العلمية» وتحليلها ~~إلى «المجتمع البشري» وماذا تكون طريقة بنائه؟ وها هنا كذلك نجد للمسألة جذورا في أعماق ~~النفس عند أبناء هذا العصر، تحتاج إلى فكر فلسفي يخرجها من مكمنها الخبيء إلى ضوء العلن - ~~وتلك هي فلسفة المادية الجدلية، وهي التي قد تسمى ب «المادية التاريخية» أحيانا، ~~وب «الماركسية» أحيانا أخرى، لهذه النظرة الفلسفية جوانب متعددة، تتكامل كلها في نسق فكري ~~واحد، ومن أهم هذه الجوانب فكرة «المادية التاريخية» التي مؤداها أن الإنسان لا بد له ~~أولا من غذاء وكساء ومأوى قبل أن يتاح له المشاركة في الحياة العقلية والروحية من سياسة ~~وعلم وديانة وفن ... # ومن هنا كان النظام الذي يسود إحدى الجماعات في طريقة إنتاجها للسلع وتوزيعها وتبادلها، ~~وما يترتب عليه من نظام اجتماعي، ذا تأثير حاسم محتوم في تشكيل أوجه النشاط السياسية ~~والاجتماعية والثقافية، فإذا أردت أن تلتمس الدافع الأساسي إلى تحول المجتمع وتطوره، فلا ~~تلتمسه فيما قد تجمع لديه من معرفة، بل التمسه فيما قد وقع لهذا المجتمع من تغير في طرق ~~إنتاج السلع وتوزيعها، فإذا كان المجتمع - كائنة ما كانت صورته - هو كيان عضوي متكامل ~~الأجزاء في بناء واحد، فإن الرباط الذي يخلع عليه وحدته تلك هو نظامه الاقتصادي، ولئن كان ~~لكل عصر مجموعة أفكاره الرئيسية التي تسيره، فإن تلك الأفكار هي دائما أفكار الطبقة التي ~~تكون لها السيادة عندئذ، وهي أفكار تتلون بالضرورة بما يتفق ومصالح تلك الطبقة المسيطرة من ~~حيث طرق إنتاج السلع وتوزيعها، وإذن فمحال على التاريخ أن ينتقل من مرحلة إلى مرحلة إلا إذا ~~حدث تحول في تلك الطرق وحدث بالتالي تحول في الأفكار ms168 التي توحي بها الأوضاع الجديدة ~~... # فأمر التاريخ في سيره وفي تطوره مرهون بتغير مجموعة الأفكار الرئيسية، وهذه بدورها مرهونة ~~في تغيرها بتغير العلاقات الاقتصادية في إنتاج السلع واستهلاكها، ومن ثم جاءت عبارة «المادية ~~التاريخية» اسما للمذهب الذي نشير إليه، وأما تسميته ب «المادية الجدلية» فتجيء من النظر - ~~لا إلى الجانب التاريخي - بل إلى الجانب الوجودي «الأنطولوجي» من حقيقة العالم، فحقيقة ~~العالم «مادة» لا «روح»، فالمادة هي الأصل، وما عداها يشتق منها، لكنها ليست هي المادة ~~الجامدة الموات، ذات الخصائص السكونية السلبية، بل هي المادة التي ما تنفك دائبة التغير ~~مرحلة في إثر مرحلة، وكأنما هذه المراحل المتعاقبة «مجدول» بعضها في بعض في تيار واحد متصل؛ ~~ولذلك كانت حقيقة العالم «مادية» و«جدلية»: مادية في طبيعتها جدلية في تشابك خيوطها ~~وعناصرها، فقد كانت تستطيع تلك الحقيقة الكونية أن تكون مادية وساكنة، لا مادية ومتطورة، ~~حتى إذا ما رمزنا لها برمز «س» مثلا، ظلت س إلى الأبد هي س فلا تغير ولا زيادة ولا نقصان، ~~لكنها مادية ومتطورة، بحيث تتحول «س» لتصبح «لا-س» أي لتصبح شيئا غيرها، ولنا الآن أن ~~نسأل: هل يجري هذا التحول ذو الخطوات «المجدول» بعضها في بعض وفق قوانين، وماذا ~~تكون؟ # يقول أصحاب هذا المذهب إن قوانين ثلاثة تضبط سير المادة في تطورها الجدلي: أولها قانون ~~تحول الكم إلى كيف، وثانيها قانون صراع الأضداد ووحدتها، وثالثها قانون نفي النفي. # أما تحول الكم إلى كيف فمقتضاه أن التغيرات الكمية بالنسبة لصفة معينة ينتج عنها نشوء صفة ~~جديدة يستحيل ردها إلى الصفة الأصلية التي عنها نشأت ... # فالكائن البشري يزداد نموا من حيث الكم، فيصبح عند مرحلة معينة من الزيادة رجلا بعد أن ~~كان طفلا، بحيث يستحيل أن يرتد الكائن الجديد الذي نشأ من تتابع الزيادة في النمو إلى ~~الكائن الأصلي الذي كان، وبذرة الشجرة تتحول إلى شجرة، والواحد يزداد بالإضافة الكمية فيصبح ~~اثنين، بحيث تتغير خصائص العدد الجديد عن أن تكون مجرد مضاعفة لخصائص العدد الأول، وإلا ~~لقلنا عن صفة «الزوجي» ms169 التي تصف العدد، إنها هي صفة «الفردي» مكررة مرتين، واختصارا فإن كل ~~زيادة في صفة ما من شأنها - عند حد معين - أن تجاوز كونها مجرد زيادة كمية، لتصبح تغيرا في ~~الكيفية ذاتها - أي تصبح صفة أخرى متميزة في خصائصها من الصفة الأولى. # أما قانون صراع الأضداد ووحدتها فمؤداه أن كل شيء مركب في حقيقته من عناصر يضاد بعضها ~~بعضا، ومن ثم فهو دائما في حالة من التوتر تميل به نحو التغير والتحول ... # لأن الشيء المعين إذا ما كان مؤلفا من عنصر واحد متجانس لما كان في بنيته الداخلية ~~ما يدعوه إلى التغير، فنحن نخطئ فهم «الواحدية» في الشيء الواحد، إذا ظننا أنها التجانس ~~الذي يخلو من التناقض، وإذا رمزنا إلى شيء ما برمز، فلا ينبغي أن نقول إنه «س» وكفى بل نقول ~~إنه «س» و«لا-س» في وقت واحد، ومن هذا التدافع الداخلي بين النقيضين تنشأ الحركة، ومن ثم ~~ينشأ التغير، على أن تفهم الحركة أو التغير بأنها منبثقة من طبيعة الشيء نفسه، وليست هي ~~بالمفروضة عليه من خارجه، لقد كان يقال إن الأصل في الشيء أن يظل ساكنا حتى يحركه محرك، ~~فأصبح يقال إن الأصل في الشيء أن يظل متحركا حتى يرغمه عامل خارج طبيعته على الوقوف ~~والسكون ... يصدق هذا على كل شيء، وعلى كل فكرة، وعلى كل نظام اجتماعي على حد سواء. # فإذا كان صراع الأضداد داخل الشيء الواحد أو الحالة الواحدة يولد الحركة والتغير، ثم إذا ~~كان المضي في هذا التغير إلى حد معين يحتم أن يصبح الشيء شيئا سواه - لا من حيث الدرجة ~~وحدها بل من حيث النوع أيضا - فإن ذلك إن ضمن لنا سير التاريخ وتغير مراحله، فلا يضمن لنا ~~أن يجيء التغير إلى أرقى وأفضل وأعلى وأكمل. # وهنا يأتي القانون الثالث: قانون نفي النفي، الذي يقضي بأن ينتهي النقيضان المتصارعان إلى ~~وحدة يذوب فيها التناقض، وبزوال التناقض يصبح الوليد الجديد «أعلى» درجة من سابقيه؛ لأن فيه ~~ما كان فيهما، ثم أضاف إليه تآلفا بعد تعارض ms170 ... # لكن هذا الوليد المتآلف بدوره سرعان ما تنشأ فيه الأضداد وهلم جرا، وهكذا ترى العالم يسير ~~في مراحل مثلثة الخطوات، فحالة مثبتة ذات خصائص معينة، تتلوها حالة تنفيها بأن تتحول إلى ~~خصائص جديدة مختلفة كيفا، ثم يعقب هذا النفي نفسه حالة جديدة تنفيها، فتكون بمثابة نفي ~~النفي، وهنا نعود إلى «إثبات » جديد ارتقينا فيه عن «الإثبات» الذي بدأنا به السير. # وقد نسأل: من أين جئنا بهذه القوانين الثلاثة التي تضبط سير العالم، أهي تصورات ذهنية ~~أولية انبثقت من طبيعة العقل وفطرته، كما كان بعض الفلاسفة الآخرين يعتقدون في وجود مبادئ ~~فطرية في العقل يجري التفكير على مقتضاها؟ أم هي استدلالات انتزعناها من مشاهدتنا الخارجية ~~لمجرى التاريخ؟ والجواب عند الماديين الجدليين هو هذا، لا ذاك. # فليست مراحل السير الجدلي مقصورة على الفاعلية العقلية الصورية المنطقية وحدها - كما هي ~~الحال عند هيجل - بحيث يكون الانتقال من «فكرة» إلى «فكرة» بل هي مراحل في سير الواقع ~~المادي، كما نستطيع أن نستدله من شواهد التاريخ وتطور الجماعات. # وأصحاب هذا المذهب يصفون مذهبهم هذا بأنه الفلسفة العلمية بمعناها الصحيح، على أنهم حين ~~يصفونه ب «العلمية» فإنما يستخدمون هذه الكلمة لتعني «المادية» - وعلى هذا تكون «المعرفة ~~العلمية» هي الموقوفة على الواقع المادي وحده، مما ينتهي به إلى النتيجة القائلة إن كل ~~ظاهرة لا بد من ردها إلى أصلها المادي لتتم لنا دراستها دراسة علمية، فالحالات العقلية ~~والوجدانية ترد إلى ظاهرات فسيولوجية، وهذه بدورها ترد إلى أصول لا عضوية، وهكذا - على أن ~~أهم ما يعنى به أنصار المادية الجدلية هو ردهم للتاريخ إلى العناصر الاقتصادية، وبهذا تصبح ~~حقيقة الإنسان لا في وعيه بنفسه ولا في تأمله النظري الصرف - بل في «العمل» أي في نشاطه ~~الاقتصادي، لكننا لو تركنا هذا النشاط ينطلق على أساس الملكية الفردية، نشأت بالضرورة طبقة ~~تتجمع فيها رءوس الأموال وهي القلة القليلة، ويصبح معظم الناس أتباعا لتلك القلة يخدمونها ~~بعملهم وإنتاجهم، وبهذا يحدث لهذه الأكثرية «انسلاخ» يبعدهم عن نتائج عملهم، فيبعدهم عن ~~الحياة الطبيعية ms171 كما ينبغي أن تكون، ولا علاج لهذا إلا بأن تئول وسائل الإنتاج إلى ملكية ~~المجتمع كله، فينتج المنتج لصالح الجماعة كلها وعندئذ تتحطم الحواجز بين الطبقات، وتزول ~~الفوارق ليذوب الكل في طبقة واحدة. # تلك هي خلاصة الفلسفة المادية الجدلية، التي لا أظن أن مجتمعا واحدا في أرجاء الأرض ~~بأسرها، قد خلا من التأثر بها تأثرا صغيرا أو كبيرا، وإذن فهذه ناحية أخرى من روح ~~العصر. # لئن اختلفت الناحيتان الرئيسيتان اللتان ذكرناهما في أن الأولى تناولت روح العصر من جانب ~~«المعرفة العلمية» على حين تناولتها الثانية من جانب «التاريخ والمجتمع» بما ينطوي تحتها من ~~سياسة واقتصاد، فإن الناحيتين معا تتفقان في وجوب أن ينصرف اهتمام الفكر إلى العلم ومنهجه ~~وقضاياه وتطبيقه باعتباره أبرز معالم العصر إطلاقا، ومثل هذا التركيز على العلم وعلى العقل ~~وما يتبعهما من ظواهر كالتخطيط والتصنيع وانخراط الأفراد في عمل واحد مشترك وضعت لهم خططه ~~وأهدافه، لم يكن ليمضي بغير تمرد ممن يحرصون على فردية الشخصية الإنسانية، وتمييزها من سائر ~~ظواهر الطبيعة بالإرادة الحرة التي تختار لنفسها وتكون مسئولة عن اختيارها، ومن هنا نشأت في ~~بعض النفوس ثورة على العقل نفسه وعلى العلم وصرامة أحكامه، وكان لهذه الثورة أكثر من صورة ~~واحدة ظهرت بها، فهنالك من لاذوا بالتصوف دون العلم، وبالوجدان دون العقل، وهنالك الشكاك ~~الذين أخذوا يتشككون في قدرة العقل على الوصول إلى الحق، وهنالك الوجوديون الذين أصروا على ~~أن يكون الفرد - كل فرد - مسئولا عن اختياره، ولا تتحقق هذه المسئولية بغير حرية ~~اختيار. # نعم هنالك من لاذوا بالتصوف بمعناه الفلسفي، وأعني التنكر للعقل ومنطقه والركون إلى ما ~~يسمى اصطلاحا ب «الحدس»، وهو المعاينة بالروح معاينة مباشرة، ولعل أميز ما يميز الحدسيين ~~المعاصرين عن أسلافهم القدماء - فكثير جدا هم الفلاسفة الحدسيون في التاريخ، منذ أفلاطون ~~فنازلا على مدارج الزمن - هو أن القدماء كانوا يعدون حدسهم ضربا من الفاعلية العقلية على ~~حين ترى المحدثين إذ يلجئون إلى إدراكهم الحدسي، يعدون ذلك ثورة على العقل. # فهو عندهم من قبيل ms172 الفاعلية اللاعقلية القائمة على أساس الانفعال والتعاطف الوجداني ~~والرغبة، احتجاجا منهم على ما يرونه طغيانا للعقل وللعلم على حياة البشر. # ومن قبيل الثورة على العقل أيضا مذهب الوجوديين فيما يختص بطبيعة الإنسان وحقيقته، فلئن ~~كان في مستطاع العلم والعقل أن يحكم على «الأشياء» بأحكام عامة تضم أفراد النوع الواحد في ~~تعريف واحد، فما كذلك الإنسان لأن كل فرد يختلف بفرديته عن كل فرد سواه، بحيث يصنع كل فرد ~~حقيقته من مجموعة ما يصدره لنفسه من قرارات يلتزم تنفيذها بإزاء المواقف التي تعرض له، وليس ~~بنا حاجة هنا إلى ذكر الآثار البعيدة المدى في ثقافة عصرنا، التي أحدثتها الفلسفة الوجودية ~~في نظرتها إلى الإنسان وتحليل مواقفه ومشكلاته، وحسبك نظرة إلى الحركات الأدبية والمدارس ~~الفنية في العالم كله، لترى إلى أي حد أصبحت لفتة الأديب ولفتة الفنان إلى دخيلة نفسه ~~ليتصيد منها ما يخرجه للناس فردا مشخصا فريدا، فإن كان الناس على اختلافهم يتفقون عادة ~~على «الموضوعات» الخارجية، فهذه شجرة وتلك بقرة؛ أعني أنه إذا كان الناس يتفقون في حياة ~~الصحو فهم إنما يختلفون أشد الاختلاف حين ينطوون إلى دخائل نفوسهم كما يحدث لهم في ~~أحلامهم. # ومن هنا اتجه رجال الأدب والفن في حالات كثيرة إلى ما يشبه الأحلام من حياة ~~الإنسان. # وكان مما أيد الثائرين على العقل في فكرنا المعاصر، النظرية الفرويدية في التحليل ~~النفسي وغيرها من النظريات النفسية التي ردت نشاط الإنسان إلى مصادر خبيثة غير ظاهرة، ~~كالغرائز أو اللاشعور أو ما إلى ذلك؟ # فكم أديبا في القصة والمسرحية وكم شاعرا وكم مصورا جعل مادته الأساسية محاولة إخراج ~~هذه الكوامن الدفينة في حياة الإنسان لتظهر في الآثار الأدبية والفنية ظهورا يلقي الضوء ~~على حقيقة الإنسان! # وأحسب أن من الخصائص التي قد يتميز بها هذا العصر - نتيجة للعلم بكل جوانبه: الطبيعي ~~والاجتماعي والنفسي، أن أخذت تتسرب فكرة النسبية عند النظر إلى القيم وإلى الثقافات، فإذا ~~كانت العلوم الطبيعية والإنسانية على السواء لم تعد تأخذ بالقطعية الجازمة التي كان يظن ~~أنها تصف ms173 نتائج التفكير العلمي، وإذا كانت التحليلات النفسية قد مايزت بين الأفراد على نحو ~~لا تستطيع معه أن تقول: إن «أحلام» هذا أفضل من «أحلام» ذلك، فماذا ينتج عن هذه النسبية ~~في نظرة الإنسان إلا أن تتعادل الثقافات المختلفة في قيمها مهما تنوعت أشكالها، فأصبح الفن ~~الإفريقي كالفن الأوروبي أو الآسيوي من حيث الرتبة والقيمة، ولم يعد حرج أن يستوحي فن هنا ~~فنا هناك، فازداد اعتزاز الأمم المختلفة بتراثها وبتقاليدها وبفنونها الشعبية وبلغتها ~~وثيابها وطعامها وشرابها. # وهذه نتيجة تبدو - في ظاهرها - عجيبة، لا تتفق مع أمارات التوحيد التي تدل على أن العالم ~~- في نفس الوقت الذي تؤكد كل قومية شخصيتها المميزة - يسير نحو أن يكون مجتمعا دوليا ~~واحدا. # وإني لأتخيل راكب الصاروخ من صواريخ الفضاء التي تدور حول الأرض في بضع دقائق أتخيله، وقد ~~نظر إلى الأرض كلها فرآها من بعيد كالبندقة الصغيرة السابحة في فضاء الكون الفسيح، يسأل ~~نفسه متعجبا: أتكون هذه البندقة الصغيرة حاملة على ظهرها كل هذا التمزق والخلاف بين ~~شعوبها، ألا إن اليوم آت عما قريب، حين يتآخى المتخاصمون على صالح مشترك. # والحق أن هنالك من الدلائل ما ينبئ بهذا، فهو عصر يسوده العلم، ومن شأن العلم أن يوحد ~~الناس على منهاج واحد ونتائج واحدة، بل يوحدهم على أدوات للعيش واحدة تصدرها المصانع ~~بالأعداد الكبيرة، لتنتشر هنا وهناك، فلا يكون فرق بين حضر وريف، وكذلك هو عصر المؤتمرات ~~الدولية التي تلتقي فيها الشعوب جميعا على آراء ينتهون إليها في معظم الحالات ليتم تنفيذها ~~في كل أرجاء الأرض برضى من الجميع، وهنالك جمعية الأمم المتحدة التي إن كانت قد أخفقت في ~~مواضع فقد نجحت في مواضع أخرى، وبخاصة في ميادين الثقافة والتعاون الاقتصادي والاجتماعي ~~وما إلى ذلك. # لكن العجب الظاهر سرعان ما يزول عنا حين ندرك أنه لا يرجى للعالم إخاء صحيح إلا على أساس ~~الشخصيات المستقلة لأممه، بل لأفراده، وعندئذ تختفي هذه الظواهر التي لاكتها ألسنة ~~المعقبين على خصائص العصر من قلق وتمزق وشك وسخط. # | الماركسية منهجا ms174 # ليس يعبر عن روح العصر - من بين مذاهب الفلسفة القائمة - إلا تلك المذاهب التي تنتهي إلى ~~وجهة من النظر تجعل العالم في حركة دائبة لا تعرف السكون، وفي تغير دائم وتطور مطرد، لا ~~يستقر معهما على حال واحدة لحظتين، فالعالم اليوم ليس هو العالم الذي كان بالأمس، ولن يكون ~~هو العالم الذي سيصبح غدا، فالليل يعقبه النهار، والشتاء يتلوه الربيع، والوليد ~~ينمو، والبذرة تنبت، ومحال عليك أن ترى في هذا الكون الرحيب كائنا واحدا اعتزل وحده ~~وأفلت من مجرى هذا التيار الدافق: تيار التغير والتطور والسير والحركة ~~والنماء. # نعم إن العين المجردة قد تنظر إلى هذه الشجرة أو ذلك البناء، فيخيل إليها أنها بإزاء ~~شيء ثابت قد انغرس في مكانه لا يتحول عنه يوما بعد يوم، لكن الرائي لا ينخدع بهذا الثبات ~~الظاهر؛ لأنه يعلم أن الشجرة كانت بذرة ثم نمت على مر الزمن جذورا وجذوعا وفروعا وأوراقا ~~وثمارا، ويعلم أن البناء لم يكن قائما ذات يوم ولن يكون قائما بعد حين، فالتغير الذي قد ~~لا يتراءى للعين إلا بعد أن يتراكم، لا يقفز من العدم إلى الوجود بوثبة واحدة، بل هو في ~~تدرج بطيء لا ينفك لحظة واحدة عن الحدوث، وإن تعذرت على العين المجردة رؤيته لحظة ~~لحظة. # وليست فكرة التغير هذه بالأمر الجديد، الذي أدركه إنسان هذا العصر وغفل عنه أهل القرون ~~الماضية، بل هو مما أدركه الإنسان منذ كان إنسانا يفكر، وإن يكن إنسان هذا العصر يمتاز على ~~أسلافه بأن بين يديه علما للطبيعة يبين له أن قوام المادة ذرات دائمة الحركة، فلا صلابة ~~فيها ولا سكون بين أجزائها؛ ومن ثم سهل عليه أن يدرك فكرة التغير إلى أعماقها، ويبني عليها ~~تصوره عن العالم، أما أسلافه فكانوا يرون الحركة والتغير في الأشياء الظاهرة أمام حواسهم، ~~فيحاولون أن يجدوا وراء هذا الظاهر المتحرك المتغير جوهرا ثابتا؛ إذ لم يتصوروا أن تكون ~~هذه الحركة الدائبة والتغير المستمر هما حقيقة الوجود، فراحوا يبحثون عن تلك «الحقيقة» التي ~~لا يطرأ عليها ms175 التبدل والتحول، والتي إن خفيت عن البصر فقد تكشف عنها البصيرة. # والماركسية - شأنها شأن سائر المذاهب الفلسفية التي تصور عصرنا من مختلف جوانبه - هي ~~فلسفة تغير وتطور، وهي بهذا تعبر عن روح عصرنا، مع سائر المذاهب التي تجعل التغير والتطور ~~محورا وأساسا، وإنها لتحلل الطريقة التي يتم بها التغير من حال إلى حال، ولا تترك الأمر ~~على إجماله وإبهامه، وتلك الطريقة عندها هي ما يسمى بالمادية الجدلية عندما يكون التغير في ~~الطبيعة وكائناتها، وبالمادية التاريخية عندما يكون التغير في المجتمع البشري ونظمه ~~وأوضاعه. # على أن التغير هنا لا يقصد به مجرد التبدل حالا بعد حال، بل لا بد فيه من التطور ~~النامي الذي يجعل الخطوة اللاحقة «أعلى» من الخطوة السابقة؛ إذ لا يكون الفرق بين الخطوتين ~~فرقا في الكم وحده، بحيث يصبح الصغير كبيرا والقليل كثيرا وكفى، بل يكون انتقالا من ~~الأدنى إلى الأعلى انتقالا إلى ما هو جديد مختلف في النوع عن المرحلة التي تمخضت عنه ~~وأنتجته. # ولهذا التغير الذي يسير بالطبيعة نحو الأعلى، قوانينه التي تضبط سيره، ومن أولى مهام ~~الفلسفة الجدلية أن تستخرج هذه القوانين، ليمسك الإنسان بالزمام، ويتجه بالحركة فيما قدر ~~لها أن تسير فيه، حتى يجنبها المعوقات، ويهيئ لها سبل الإسراع نحو هدفها المقصود، وإن هذه ~~المهمة لتصبح أشد إلحاحا، حين يكون الأمر أمر الحياة الاجتماعية بكل ما فيها من تفصيل ~~وتعقيد، فهي تتطلب عناية الطرائق العلمية ودقتها حتى لا تترك في تخبطها الذي كانت تتلكأ به ~~في حنايا الطريق، ولا يضير الطريقة العلمية حين نطبقها على مشكلات المجتمع أن تخطئ أحيانا ~~خلال المحاولة، فيكفي الإنسانية ما قد عانته في القرون الطوال الماضية من كثرة اللغو اللفظي ~~الذي لا يشفع ولا ينفع، فالمجتمع لا يشفى من علله بالمواعظ، وإنما يشفى بالعلم نظرية ~~وتطبيقا. # ولعل ماركس أن يكون من بناة علم الاجتماع على الأسس المنهجية الصحيحة؛ لأنه أراد أن ~~يستخلص القانون الذي بمقتضاه يسير المجتمع في حركة التقدم، دون أن يلجأ في ذلك إلى الميل ~~والهوى، ms176 ولا إلى العاطفة والرغبة؛ لأن هذه كلها عوامل نفسية باطنية لا ينبغي أن يكون لها شأن ~~بقانون علمي يصاغ لحركة موضوعية خارجية، قانون يبنى على العلة والمعلول، وعلى إمكان ~~التنبؤ بما عساه أن يحدث في الواقع مستقبلا إذا توافرت ظروف بعينها. # هذا كله مقبول منه محمود له، لكننا نقف منه موقف الحيران المتسائل، حين نراه يقرن شيئين ~~متناقضين أحدهما بالآخر، فلا ندري كيف ينزع نتائجه من مقدماته، وذلك حين يضم هاتين الفكرتين ~~إحداهما إلى الأخرى في سياق واحد، وهما: فكرة التغير الذي لا بد للمجتمع أن يتطور به ~~صاعدا من أدنى إلى أعلى، في مراحل تجيء كل مرحلة منها بجديد لا يكرر ما قد كان قائما في ~~المرحلة السابقة؛ وفكرة الجبرية التي لا بد من افتراضها لو قبلنا مبدأ السببية الصارمة ~~في سير التاريخ، بحيث يتحتم للسبب أن ينتج نتيجته الضرورية التي تلزم عنه؛ لأن جبرية ~~التاريخ معناها أن الماضي كان يحمل الحاضر في جوفه، وأن الحاضر يحمل المستقبل، بحيث لو ~~حللنا أية لحظة من لحظات التاريخ، استطعنا أن نقرأ فيها كل ما هو آت على مراحل الزمن، ~~تماما كما يستطيع الفلكي أن ينظر إلى أجرام السماء في لحظة ما، فيقرأ فيها أن كسوفا للشمس ~~أو أن خسوفا للقمر أو غير ذلك من الظواهر الفلكية سيحدث حتما في الوقت الفلاني من مقبل ~~الأيام، ولو كان الأمر كذلك في سير التاريخ، لما كان هناك «جديد» ينبثق في مراحل التطور ~~الصاعد، فإحدى اثنتين: إما أن يكون التاريخ محتوم المسار، وبذلك لا يكون في خطواته «جديد» ~~يبديه، وإما أن يكون فيه «الجديد» يظهره مرحلة بعد مرحلة، وبذلك لا يكون محتوم ~~المسار. # إن «الحتمية» لا تتفق مع «إرادة التغيير»؛ لأنه مع الحتمية لا تكون إرادة من جانب ~~الإنسان؛ إذ لا يبقى لهذا الإنسان إزاء تطور التاريخ إلا أن «يتفرج» على ما يحدث له ~~وللمجتمع وللطبيعة على حد سواء، مع أننا نرى ماركس حريصا على ألا يقف الناس - والفلاسفة ~~منهم بوجه خاص - موقف المتفرج المتأمل، ms177 بل لا بد لهم أن يغيروا العالم، يقول: «لقد اكتفى ~~الفلاسفة بتفسير العالم بطرق مختلفة، مع أن المهم هو أن نغيره.» فكيف أغيره إذا لم يكن ~~هنالك احتمال آخر، وهو أن أتركه على حاله بغير تغيير؟ مع أن هذا الفرض الثاني ممتنع إذا كان ~~التاريخ محتوم الوسيلة محتوم الأهداف. # وهنا قد يقال إن تدخل الإنسان بإرادته في مجرى الأحداث مطلوب، لا ليحدث ما لم يكن ليحدث ~~من تلقاء نفسه، بل ليسرع في حدوثه، بأن يزيل من طريقه المعوقات ويضيف عوامل الإسراع؛ لكي ~~تصل إلى الأهداف المرجوة قبل أوانها الطبيعي، ولكنه قول يناقض بدوره زعما آخر زعمه ماركس، ~~وهو أن الأفكار والقيم ليست سببا يسبق وقوع الأحداث، بل هي نتيجة تتفرع عن ذلك الوقوع، ~~فإذا كان هذا هكذا، فبأي شيء تريدني أن أتدخل في سير التاريخ لأسرع من مجرى أحداثه، إلا ~~أن يكون ذلك بما أحمله في رأسي من أفكار وقيم؟ لكن الترتيب بين الفكر والواقع وأيهما يكون ~~أسبق من أخيه، يريد شيئا من التفصيل؛ لأنه نقطة أخرى نجد فيها شيئا من الخلط يدعونا إلى ~~الحيرة والتساؤل. # لكننا قبل أن ننتقل إلى هذه النقطة لمناقشتها نريد أن نعقد مقارنة بين «الحتمية ~~التاريخية» بمعناها الماركسي الذي أسلفناه، والذي أشرنا إلى التعارض بينه وبين أن يكون ~~للإنسان إرادة للتغيير يتدخل بها في مجرى الأحداث بأية صورة من الصور، أقول إننا نريد أن ~~نعقد مقارنة بين هذا المعنى الماركسي للحتمية التاريخية، وبين معناها في السياق الذي ~~وردت فيه في ميثاقنا، حين وردت في الباب السادس «في حتمية الحل الاشتراكي» عبارة تقول: «إن ~~الحل الاشتراكي لمشكلة التخلف الاقتصادي والاجتماعي في مصر - وصولا ثوريا إلى التقدم - لم يكن افتراضا قائما على الانتقاء الاختياري، وإنما كان الحل الاشتراكي حتمية تاريخية ~~فرضها الواقع وفرضتها الآمال العريضة للجماهير، كما فرضتها الطبيعة المتغيرة للعالم في ~~النصف الثاني من القرن العشرين» - ومضى حديث الميثاق بعد ذلك يفصل الظروف التي سادت، والتي ~~حتمت أن تكون الاشتراكية هي سبيلنا الوحيدة إلى هدفنا الجديد، ms178 وهو تحقيق الحرية ~~الاجتماعية. # فالحتمية هنا هي حتمية وسيلة لا بد منها لتصل بنا إلى هدف مقصود، وليست هي حتمية ممتدة ~~على مراحل التاريخ، ففي الحالة الأولى يكون العائق الذي يحول دون وصولنا إلى هدفنا عرضيا، ~~كان يمكن ألا يكون، وأما في الحالة الثانية فإن العائق الذي يحول دون وصولنا إلى هدفنا ~~ضرورة مكتوبة علينا منذ الأزل، لم يكن منها بد، في الحالة الأولى نشأت حتمية الوسيلة من ~~مصادفة حرمتنا الحرية الاجتماعية، فكان لزاما علينا أن نتصدى لها، وكان من الجائز ألا ~~يتسلل إلى حياتنا المستبدون والمستغلون والمستعمرون فلا ينشأ في حياتنا الحرمان الذي سلبنا ~~حريتنا الاجتماعية، وعندئذ كانت تختفي ضرورة الوسيلة نظرا لتحقق الهدف، وأما في الحالة ~~الثانية فالمزعوم هو أن تسلل المستبدين والمستغلين والمستعمرين إلى حياتنا أمر كان لا بد ~~من وقوعه بحكم حتمية التاريخ، وبالتالي كانت الوسيلة التي يلزم اتخاذها للوصول إلى الحرية ~~الاجتماعية المفقودة، لتكون هي الأخرى حتمية من حتميات التاريخ. # ومثل هذه المقارنة يصدق أيضا على الفرق في المعنى بين ما يسميه ماركس ب «حتمية الثورة»، ~~وما يرد في ميثاقنا تحت اسم «ضرورة الثورة»، فالحتمية في الحالة الأولى منظور إليها بنظرة ~~تخضع التاريخ كله بشتى مراحله لحتمية تحتم أن تتتابع المراحل على صورة معينة، وأن تكون ~~الثورة - ثورة الجماهير العاملة على أصحاب رءوس المال - إحدى تلك المراحل المحتومة، وأما ~~«الضرورة» التي نصف بها ثورتنا، فهي ضرورة نشأت بحكم ظروف طارئة كان يمكن ألا تقع، فقد كان ~~يمكن ألا يستعمرنا مستعمر يقهرنا، وألا يستغلنا المستغلون، وكان يمكن أن يطرد تقدمنا العلمي ~~الذي بدأناه في شباب أمتنا العربية، فلا نتخلف، لكن هكذا حدث - حدث أن استبد المستعمر ~~الدخيل واستغل المستغل وتخلفنا بسبب هؤلاء، فوجبت لذلك الثورة، لتحطم القيد، وليرفع نير ~~الاستغلال، ولنلحق بالمتقدمين في مضمار العلوم. # ذلك - فيما أرى - فارق هام بين الفلسفة الماركسية من جهة، وفلسفتنا الاشتراكية من جهة ~~أخرى: فهذه الأخيرة علاج لمشكلة قائمة، وأما تلك فتعتمد على نبوءة تاريخية نستدل بها مرحلة ~~لاحقة من ms179 مرحلة سابقة، الفلسفة الماركسية تخلط بين «التنبؤ العلمي» وبين «النبوءات ~~التاريخية» وتجعل هذه من تلك، مع أن التنبؤ في الحالة الأولى قائم على تجربة عينية محددة، ~~نعلم منها أنه إذا حدث كذا وكذا من الظروف، نتج كذا وكذا من النتائج، كأن تقول مثلا إنه ~~إذا توافرت في الجو الظروف الفلانية نزل المطر، فنحكم على ما سيحدث بناء على ما قد حدث، لما ~~بين الحدثين من تشابه وتجانس، وأما «النبوءة» التاريخية، فلا تجربة فيها ولا مشاهدة، إذ ~~ماذا تشاهد وماذا تجرب إذا كان المستقبل المرتقب في مراحل التاريخ الآتية، هو شيء مختلف عن ~~الماضي المنقضي من مراحل التاريخ التي انطوت صفحاتها؟ إنما النبوءة التاريخية قائمة على ~~«افتراض» أن التاريخ سيسير في خط معين معلوم، وهي لا تختلف كثيرا عن «قراءة الكف» حين ينظر ~~القارئ إلى خطوط في كفك فيتنبأ لك بكذا وكذا في مستقبلك، وذلك على «افتراض» أن خط الحياة ~~يسير على نحو معلوم، فالفرق الكبير بين الفلسفة الماركسية وبين فلسفتنا الاشتراكية في هذا ~~الصدد، هو أن الماركسية تقول للناس: «سيحدث» كذا وكذا ولا قبل لكم بتغيير هذا المصير ~~المحتوم، وأما فلسفتنا الاشتراكية فتقول لنا: لقد «حدث» بالفعل كذا وكذا من المواقف ~~والمشكلات، وفي وسعنا أن نغير ما حدث، الماركسية تجعل الإرادة الحرة بغير عمل تؤديه، وأما ~~فلسفتنا الاشتراكية فتترك المجال أمام الإرادة فسيحا؛ ذلك لأن الماركسية تصب حتمية ~~الحدوث على المشكلات نفسها بله طرائق علاجها، وأما فلسفتنا الاشتراكية فتقصر الحتمية على ~~وسائل العلاج؛ لأننا نواجه مشكلات قائمة بالفعل، تحتم علينا أن نسلط عليها إرادتنا بطرائق ~~فعالة لتزيلها من الطريق، الفرق بعيد بين رجل يعطيك نظرية مؤداها أن منطق التاريخ يحتم عليك ~~أن يجيئك المستقبل البعيد أو القريب بضائقة مالية أو بعلة مرضية لا قبل لك بردها، ورجل ~~يفتح عينك على ما هو قائم حولك بالفعل من أمثال هذه المشكلات، ليوجه انتباهك إلى ضرورة ~~حلها. # ونعود الآن إلى تحليل المنهج الماركسي في تناوله لمسألة الترتيب المنطقي بين الفكر ~~والواقع؛ لأننا نلمس ms180 في هذا التناول شيئا من الخلط والتناقض، فالنظرية الماركسية في ~~هذه المسألة تتلخص في أن الجانب الشعوري من الإنسان ليس هو الذي يحدد موضعه (أعني موضع ~~الإنسان) من الوجود الخارجي، بل إن موضعه من الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد جانب الشعور ~~منه، أي أن الجهاز العقلي كله بجميع ما فيه من خواطر ومشاعر وأفكار وعواطف ورغبات وقيم ~~جمالية وأخلاقية وغير ذلك، هو حصيلة نتجت عن المجتمع وطريقة تكوينه، وليس العكس هو الصحيح، ~~أي أن ذلك الجهاز العقلي من الإنسان لا أثر له في خلق المجتمع وطريقة بنائه، أو بعبارة أخرى ~~أقرب إلى الطريقة الهيجلية في التعبير، إن المجموع - متمثلا في الدولة أو في الأمة أو في ~~المجتمع على أية صورة من صوره - أسبق من أفراده، وهو أعلى منهم رتبة في درجات الحق والواقع، ~~على أن المقصود بالمجتمع في النظرية الماركسية، من حيث تأثيره على الأفراد وتشكيله ~~لأفكارهم ومعاييرهم، هو النظام الاقتصادي السائد في ذلك المجتمع، وما يقتضيه هذا النظام من ~~علاقات بين الأفراد. # لقد نشأ ماركس نشأة هيجلية - وهو في ذلك شبيه بالكثرة العظمى من فلاسفة عصرنا - فتأثر ~~بهيجل حتى وهو يثور عليه ويقلب آراءه رأسا على عقب، من ذلك تمييزه بين ما هو «حقيقي» وما ~~هو «ظاهري»، لكن بينما ذهب هيجل (وجميع الفلاسفة المثاليين من قبله ومن بعده) إلى أن عالم ~~الفكر هو الجوهر وهو الحقيقة، وأن عالم المادة هو العرضي وهو الظاهر، عكس ماركس الوضع ~~والترتيب، فجعل الجوهر والحقيقة في عالم المادة (أي النظام الاقتصادي السائد وبخاصة أدوات ~~الإنتاج) وجعل العرضي والظاهر في عالم الفكر أو العقل أو الشعور، أي أنك تستطيع أن تفسر أية ~~فكرة تريد، بردها إلى أصلها التي نشأت عنه من النظم الاقتصادية القائمة لا أن تفسر هذه ~~النظم الاقتصادية بردها إلى نظريات وأفكار في رأس الإنسان، وفي عبارة مختصرة نقول إن ~~النظرية الماركسية تعطي أولوية الوقوع للأوضاع المادية خارج الإنسان الفرد، وعنها ~~يتفرع ما ينبثق منها من أفكار ومشاعر كائنة ما كانت. # وليس من ms181 همنا في هذا المقال أن نناقش النظرية الفلسفية من حيث هي بل من حيث اتساقها ~~في منهج البحث، على أن أول ما يلفت نظرنا ونود أن نثبته - ولو على سبيل الفكاهة - أن ~~النظرية الماركسية «نظرية» أي أنها «فكرة» وقد جاء من جاء بعدها ممن آمنوا بصوابها، ~~فحاولوا أن يترجموها من «عالم الفكر» إلى «عالم التنفيذ والتطبيق»، وبقدر ما كتب لهم من ~~نجاح في ذلك، فهم قد وجدوا «فكرة» سبقت «النظام الاقتصادي» الذي يحاولون أن يخرجوه على غرار ~~تلك الفكرة، والحق أني إذا تصورت طائفة كبيرة من القيم والمعايير في حياة الناس قد نشأت ~~نتيجة لازمة لشبكة العلاقات الاقتصادية القائمة، ولنوع أدوات الإنتاج المستخدمة، فإنه لمن ~~المتعذر جدا علي أن أرى كيف تكون الحياة العقلية كلها نتيجة لتلك الأوضاع المادية ~~الخارجية؟ ففي هذه الحياة العقلية - مثلا - حساب وجبر وهندسة، وفيها علم بالضوء والصوت ~~والحرارة والمغناطيس والكهرباء، وفيها قياسات للأفلاك وأبعادها وسرعاتها ... فهل هذه «الحياة ~~العقلية» كلها نتيجة لزمت بالضرورة عن كون المجتمع القائم يصنع القماش بهذه الأداة أو تلك، ~~ويزرع الأرض بهذه الوسيلة أو تلك؟ # أريد للقارئ أن يتصور معي أن كارثة الحروب الذرية قد شاء لها القدر الأعمى أن تقع فتمحو ~~نظامنا الاقتصادي كله بما فيه من أدوات الإنتاج جميعا، ونظامنا الاجتماعي كله بما فيه من ~~أوضاع وتقاليد، ولم يبق إلا على طائفة من قوانين العلم في رءوس نفر من العلماء، أو في صفحات ~~الكتب أفلا يرى القارئ معي أنه من الجائز والممكن والمحتمل في هذه الحالة أن يهتدي الناس ~~بتلك المعرفة العلمية فيعيدوا النظام الاقتصادي في الصناعة كما كان؟ ... لكن اعكس الفرض وتصور ~~أن ما قد شاءت المصادفات المنكودة أن تمحوه، هو المعرفة العلمية في جميع مظانها وشتى ~~مصادرها، مبقية على ما هناك من مصانع وآلات، فماذا يكون المصير؟ إنه يكون كما تضع رجلا ~~يجهل كل شيء عن هذه المصانع كيف تدار وكيف تصلح، تضعه فيها وتقول له هاك! إنه لن يمضي إلا ~~وقت قصير، ثم تندثر الصناعة إلى ms182 غير عودة. # لو قال ماركس إن العلاقة بين الفكر والمادة علاقة متبادلة، لكان - فيما نرى - أقرب إلى ~~الصواب، فالواقع المادي يوحي بالفكرة، والفكرة بدورها تؤثر في الواقع وتعيد تشكيله، وإننا ~~لنرى هذه العلاقة المتبادلة بين الفكرة العقلية وتطبيقها المادي في جميع المستويات على ~~تفاوتها واختلافها، فكم من ثورة سياسية قامت، حين أثار الواقع الكريه أنفس الناس، فتبلورت ~~في رءوسهم فكرة، فثاروا ليخرجوها إلى الواقع، وهكذا يكون الترتيب: واقع ففكرة فواقع، ثم ~~واقع ففكرة فواقع، وماذا يكون البحث العلمي إلا السير على هذا الترتيب نفسه: واقع نشاهده ~~ونحلله، ففكرة تنشأ، فتطبيق جديد لها لنطمئن على صوابها، ثم ماذا يكون التخطيط لأي مستقبل ~~قريب أو بعيد، في الحياة الخاصة أو في الحياة العامة، إلا سيرا على هذا الترتيب: موقف ~~واقعي راهن، ففكرة لتغييره، فإخراج لتلك الفكرة إلى دنيا الواقع لتبدل الموقف القائم بموقف ~~واقعي جديد. # وها هنا كذلك يعن لنا أن نذكر فلسفتنا الاشتراكية كما تبلورت في الميثاق الوطني، إذ نجد ~~هذه العلاقة المتبادلة بين الفكر والتطبيق، بين الفكر والواقع، ركنا من أركانها، يقول وهو ~~في معرض «التطبيق الاشتراكي ومشاكله»: «... إن ذلك يكفل دائما أن يكون الفكر على اتصال ~~بالتجربة، وأن يكون الرأي النظري على اتصال بالتطبيق التجريبي، إن الوضوح الفكري أكبر ما ~~يساعد على نجاح التجربة، كما أن التجربة بدورها تزيد في وضوح الفكر وتمنحه قوة وخصوبة ~~تؤثر في الواقع وتتأثر به، ويكتسب العمل الوطني من هذا التبادل الخلاق، إمكانيات أكبر ~~لتحقيق النجاح ...» # إن ما نسميه ب «السياسة» إن هو إلا خطة للعمل في هذا الميدان أو ذاك، نرسمها لنقوم ~~بتنفيذها ابتغاء تغيير الواقع بواقع آخر أفضل منه فهي دائما «فكرة» يراد لها أن تهدي ~~السائرين في طريق التنفيذ، فلو أصررنا على أن الواقع الاقتصادي أولا فالفكر ثانيا، نتج عن ~~ذلك حتما أن تنتفي «السياسة» ويبطل أثرها، ويصبح محالا على قوم أن يغيروا ما بهم حتى وإن ~~غيروا ما بأنفسهم؛ أعني أنه يكون محالا عليهم أن يغيروا واقعهم حتى وإن تغيرت ms183 أفكارهم، ~~والواقع المشهود صارخ بما في ذلك من بطلان. # لقد يختلف الدارسون لماركس في فهم ما يريده بالنسبة إلى العلاقة بين الفكر من جهة والواقع ~~من جهة أخرى، أهو من الفلاسفة الواحديين الذين يردون كل شيء إلى أصل واحد (والأصل الواحد في ~~هذه الحالة هو المادة) أم هو من الفلاسفة الثنائيين الذين يردون الأشياء إلى أصلين، هما ~~المادة والعقل معا، فلو كان ماركس من الفريق الأول صراحة، لكانت ظواهر العقل كلها في رأيه ~~فروعا تتفرع عن أصل مادي، ولو كان من الفريق الثاني صراحة، لكان العقل (أو الروح) والمادة ~~عنده أصلين متساويين في درجة الأصالة، لا يتفرع أحدهما عن الآخر. # لكن ماركس يقف من ذلك موقفا فيه بعض اللبس، مما يجعل حكمنا على العلاقة بين الفكر ~~والواقع المادي في مذهبه أمرا محفوفا بالشكوك، فهو يقول «إن الديالكتيك في كتابات هيجل ~~يقف على رأسه، ولا بد لنا من أن نقلبه عقبا على رأس ليعتدل» ... ومعنى ذلك أن هيجل يجعل ~~الرأس (أي الأفكار) أساسا أوليا، منه تتفرع سائر الجوانب، وأما ماركس حين يطالب بأن نقلب ~~الوضع ليقف الديالكتيك على قدميه لا على رأسه - بحيث يكون الرأس إلى أعلى، فهو يريد بذلك أن ~~تكون الأفكار هي الفرع الذي يتفرع عن أصل، فالأساس هو مادة الواقع الصلبة، وأما أفكار الرأس ~~ففي الهواء كالطابق الأعلى من بناء مرتفع، ما لم يرتكز على أساس مكين في الأرض، لما كان له ~~وجود، وفي هذا يقول ماركس في العبارة نفسها التي أسلفنا منها شطرا، «أن الجانب الفكري ما ~~هو إلا الجانب المادي بعد أن انتقل إلى الرأس وترجم فيه إلى صورة أخرى» ... وليس من الواضح ~~هنا إذا كانت هذه «الصورة الأخرى» مما يمكن أن يستقل بنفسه، بحيث تكون لدينا نسختان، أو ~~صورتان كتبتا بلغتين مختلفتين، أم أن هذه «الصورة الأخرى» كان يستحيل لها أن توجد إلا إذا ~~سبقها الأصل الذي تفرعت عنه، بعبارة أخرى، هل يمكن للإنسان أن يكتفي بالقدمين الراسختين على ~~أرض الواقع، مستغنيا عن الرأس وما ms184 فيه من أفكار ما دامت هذه الأفكار ترجمة للصورة المادية ~~الواقعية؟ # الظاهر أن ماركس - وإن يكن يصر على أن تكون الأولوية للواقع المادي - إلا أنه يعلق أهمية ~~على الجانب الفكري بعد ذلك، على اعتبار أنه هو المستوى الذي تتم فيه الحرية بمعناها الصحيح، ~~كأنه يتابع هيجل في توحيده بين الحرية والروح ، وفي أن الإنسان لا يظفر بالحرية إلا من حيث ~~هو كائن روحاني، لا من حيث هو كائن من لحم ودم، برغم أن الأساس البدني لا بد أن يرسخ ~~ويستقر أولا، إن هذا الأساس البدني شرط ضروري يجب توافره قبل أن تكون هنالك حرية للجانب ~~الروحاني، وذلك الأساس البدني هو الجانب الذي يخضع لحتمية السببية وضرورة تتابع حلقاتها ~~ومراحلها على وجه معين لا يتغير، والمجتمع الذي ما يزال في مرحلة إشباع حاجاته المادية، ~~هو بمثابة من لا يزال في مضمار الضرورات البدنية التي تخضع للحتمية وللضرورة، لكن الهدف ~~الأسمى بعد ذلك هو أن نجاوز مستوى الضرورة إلى مستوى الحرية، وهذه لا تكون إلا في جانب ~~الروح، أو العقل، أو الفكر. # وإذا كان ذلك كذلك، إذن فمنهج الحتمية العلمية مقصور على جانب من الإنسان دون جانب، فهو ~~إن مكننا من إجراء النبوءات التاريخية لحياة المجتمع وهو في نشاطه الاقتصادي من إنتاج ~~واستهلاك، فهو لا يجاوز الحدود التي بها يكون حاضر الحياة الاجتماعية نتيجة حتمية لماضيها، ~~وأما حين يجاوز الإنسان بحياته نطاق الضرورة ليدخل نطاق الحرية (وهاتان التسميتان من عند ~~ماركس) فيبطل عندئذ تطبيق المنهج العلمي بحتميته؛ لأننا ها هنا لا نتعقب كل شيء إلى ~~أسبابه، إذ قد تنشأ إحدى الحالات العقلية الحرة عن غير سبب يسبقها ويحتم ظهورها. # وبعبارة أراها أكثر وضوحا، إن الأفكار صنفان: أفكار تجيء انعكاسات للحياة المادية ~~الواقعية - أعني للحياة الاقتصادية في الظروف القائمة من إنتاج واستهلاك - وأفكار أخرى ~~تتحرر من هذا القيد، والنوع الأول من الأفكار وحده هو الذي يجوز القول فيه بأنه خاضع ~~للحتمية العلمية وضروراتها، وهو وحده الذي يجوز أن يكون «أيديولوجية» تلزم صاحبها بالقبول، ms185 ~~وهو وحده الذي نعنيه حين نقول إن تاريخ الإنسان في حياته المادية وفي حياته الفكرية على ~~السواء، مسير بأوضاع حياته الاقتصادية ... فهل وقع ماركس في تناقض منهجي حين افترض نطاقا ~~للضرورة ونطاقا للحرية، وجعل الأول للحياة المادية والثاني للحياة الفكرية، ثم لم يفرق في ~~هذه الحياة الفكرية بين ما يجيء انعكاسا للأساس المادي، فيرتبط بحتميته وما يجيء إبداعا ~~أصيلا فيتصف بالحرية من روابط الحتمية وضروراتها؟ # بغير التعرض للجانب الموضوعي من النظرية الماركسية، أريد أن أحصر اهتمامي في منهج ~~السير من مقدمات النظرية إلى نتائجها؛ لأسأل: هل تلزم تلك النتائج حتما عن ~~المقدمات؟ # إنه ليجوز القول إن ماركس قد سار في تفكيره خلال خطوات ثلاث: ففي الخطوة الأولى يحلل طرق ~~الإنتاج في ظل الرأسمالية، ليجد أنها مؤدية - بما فيها من تنافس حر لا تضبطه ضوابط - إلى أن ~~تأخذ الأموال في التركيز على نفر قليل، يظل على مر الزمن يزداد قلة كلما صرع التنافس صرعاه ~~في ميدان التسابق، وهذا بدوره يزيد من عدد من لا يملكون مالا، وإن هذا الاتجاه المزدوج - ~~الإمعان في قلة من يملكون، وفي زيادة من لا يملكون - ليشتد كلما ارتقت وسائل الإنتاج، ~~وبالتالي شدة التنافس على توزيعه، وبالتالي كذلك سقوط من يسقط في ميدان التسابق، ليبقى ذلك ~~النفر القليل المالك، فكأن النتيجة المحتومة هي زيادة في ثروة الأثرياء، وزيادة في شقاء ~~الأشقياء، ومن الطبيعي أن تكون القلة الثرية هي الطبقة الحاكمة، وأن تكون الكثرة الفقيرة هي ~~الطبقة المحكومة. # وفي الخطوة الثانية يبين - بناء على النتيجة التي وصل إليها في الخطوة الأولى - ضرورة أن ~~يئول الأمر إلى طبقتين اثنتين: بورجوازية غنية حاكمة من جهة، وعمال فقراء محكومون من جهة ~~أخرى، فكأنما تحدث - بالتدريج - عملية استقطاب في المجتمع، بحيث تقسمه إلى هذين القطبين ~~وحدهما؛ لأن سائر الأفراد - إذ هم يخوضون معركة التنافس والتسابق، إما أن ينجحوا فينخرطوا ~~في جماعة الحاكمين الأثرياء، وإما أن يخفقوا فينضموا إلى المحكومين الفقراء، وأن طبيعة ~~الموقف عندئذ تحتم أن تتوتر العلاقة بين القطبين مع ضرورة ms186 أن يكون النصر عند الصدام للكثرة ~~العاملة المحكومة الفقيرة؛ وذلك لأنه بينما لا يتم وجود لصاحب المال إلا بوجود العامل الذي ~~يعمل لينتج له، فإن وجود العاملين المنتجين يمكن أن يتم بغير وجود صاحب المال، وإذا فمن ~~غير المتصور أن تنمحي الطبقة العاملة، لكن من المتصور أن تنمحي طبقة أصحاب رءوس الأموال، ~~ومن ثم كان النصر محتوما آخر الأمر للطبقة التي لا مناص من وجودها، على الطبقة التي يمكن ~~زوالها. # وأخيرا تجيء الخطوة الثالثة التي يرتبها على نتيجة الخطوة السابقة، فما دام صراع ~~الحاكمين الأغنياء المالكين لأدوات الإنتاج، والمحكومين الفقراء العاملين بتلك الأدوات ~~لصالح أصحابها، قد انتهى بانتصار حتمي للطبقة العاملة، إذن فالنتيجة هي قيام مجتمع لا طبقي ~~يتجانس أفراده، هو الذي يملك وسائل الإنتاج وهو كذلك الذي ينتج في آن معا، وتلك هي مرحلة ~~الاشتراكية. # ونحن نسأل: هل تجيء هذه الخطوات الثلاث في تسلسل منطقي يحتم علينا ضرورة الأخذ بكل خطوة ~~ما دمنا قد أخذنا بالخطوة التي سبقتها؟ إنه مع التسليم بما جاءت به الخطوة الأولى من أن ~~التنافس الحر في الاقتصاد الرأسمالي، لا بد مؤد إلى تراكم الثروة في قلة من ~~الناس من جهة، واتساع الشقاء والفقر في كثرة من الناس من جهة أخرى، نسأل: هل ينتج عن ذلك ~~حتما أن تختفي كل الطوائف إلا طبقتين اثنتين: طبقة البرجوازيين الأغنياء، وهي قليلة العدد، ~~وطبقة الجماهير العاملة التي تمتص سائر الطوائف الأخرى، أين نضع رجال العلم ورجال الفن في ~~هذا التقسيم؟ أين نضع المهنيين من أطباء ومهندسين ومعلمين وغيرهم؟ أين نضع أصحاب الملكيات ~~الزراعية الصغيرة؟ في ظني أن استقطاب الناس في محورين: فحاكم غني هنا ومحكوم عامل وفقير ~~هناك، قد يصور الموقف في محيط الصناعة وحدها، لكن ذلك لا يلزم عنه اختفاء طوائف أخرى في ~~بناء المجتمع ليست تندرج في ذلك المحيط. # وإذا سلمنا بصواب الخطوة الثانية في أن المجتمع لا مناص له من هذا الانقسام إلى ~~طرفين: صاحب أدوات الإنتاج وعامل مأجور، وأن النصر محقق للثاني على الأول، ms187 فهل يلزم حتما ~~أن تظل الطبقة العاملة التي هي عندئذ المجتمع كله، متجانسة تجانسا يخليها من الصراع؟ أليس ~~هناك - من الوجهة المنطقية الصرف، فضلا عن شواهد الواقع - احتمال بأن تسير هذه الطبقة ~~المتجانسة في نفس المراحل مرة أخرى، حتى وإن اتخذ السير صورة أخرى، وذلك بأن يعلو فريق على ~~فريق إن لم يكن بكثرة المال وبملكية وسائل الإنتاج، فبغير ذلك من عوامل الجاه والسلطان، ثم ~~سرعان ما تربط روابط المشاركة في المصلحة أفراد أولئك وأفراد هؤلاء؟ نقول إن ذلك محتمل وليس ~~مؤكد الحدوث وما دامت المقدمة الواحدة تؤدي بك إلى أكثر من احتمال واحد، فمن التحكم أن ~~تختار أحد الاحتمالات الكثيرة على أنه النتيجة المؤكدة. # فمهما يكن من أمر النظرية الماركسية من حيث موضوعها ومادتها، فأحسب أن بها ثغرات في ~~منهج استدلالاتها. ms188