######OpenITI# #META# URI: 1414ZakiNajibMahmud.FiMuftaraqTuruq.Hindawi63095024 #META# Tags: philosophy #META# ID: 63095024 #META# Title: في مفترق الطرق #META# AuthorID: 64904748 #META# Author: زكي نجيب محمود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # القسم الأول: فلول الظلام‏ # جذور التصدع‏ # ثلاثة أصوات‏ # نفوسنا صدئت فأصقلوها‏ # روحانيون نحن؟ وبأي معنى‏ # عصر الضمير الغائب‏ # أعجاز نخل خاوية‏ # هنالك آخرون!‏ ~~«وإذا الموءودة سئلت»!‏ # شبح اسمه الغزو الثقافي‏ # هذه الأجهزة وحرية الإنسان!‏ # أدرك السفينة يا ربانها‏ # عودة إلى تجويع النمر‏ # ردة في عالم المرأة «1»‏ # ردة في عالم المرأة «2»‏ # ردة في عالم المرأة «3»‏ # القسم الثاني: بشائر الفجر‏ # أنت تنفخ في رماد‏ # تعالوا نفكر بأبجدية جديدة‏ # نماء وانتماء‏ # مثقف يحاكم نفسه‏ # رسالة في زجاجة‏ # ثقافة السكون ... وثقافة الحركة‏ # جاهل بالسياسة يتحدث عنها‏ ~~«يانوس» بين عامين‏ # القسم الثالث: إشراقة الضحى‏ # بينات من الهدى‏ # من خصائص الفكر العربي‏ # حسبك من بستان زهرة‏ # صورتان من القرن الرابع الهجري‏ # والنقط كذلك تحت الحروف‏ # العقل الحر ما هو؟‏ # الكاتب ومستويات القراء‏ # ندوة في خطاب‏ # القسم الرابع: مصر تبحث عن نفسها‏ # قضية تستحق النظر‏ # نحو فكر أوضح‏ # مفتاح الشخصية المصرية‏ # مقدمة‏ # القسم الأول: فلول الظلام‏ # جذور التصدع‏ # ثلاثة أصوات‏ # نفوسنا صدئت فأصقلوها‏ # روحانيون نحن؟ وبأي معنى‏ # عصر الضمير الغائب‏ # أعجاز نخل خاوية‏ # هنالك آخرون!‏ ~~«وإذا الموءودة سئلت»!‏ # شبح اسمه الغزو الثقافي‏ # هذه الأجهزة وحرية الإنسان!‏ # أدرك السفينة يا ربانها‏ # عودة إلى تجويع النمر‏ # ردة في عالم المرأة «1»‏ # ردة في عالم المرأة «2»‏ # ردة في عالم المرأة «3»‏ # القسم الثاني: بشائر الفجر‏ # أنت تنفخ في رماد‏ # تعالوا نفكر بأبجدية جديدة‏ # نماء وانتماء‏ # مثقف يحاكم نفسه‏ # رسالة في زجاجة‏ # ثقافة السكون ... وثقافة الحركة‏ # جاهل بالسياسة يتحدث عنها‏ ~~«يانوس» بين عامين‏ # القسم الثالث: إشراقة الضحى‏ # بينات من الهدى‏ # من خصائص الفكر العربي‏ # حسبك من بستان زهرة‏ # صورتان من القرن الرابع الهجري‏ # والنقط كذلك تحت الحروف‏ # العقل الحر ما هو؟‏ # الكاتب ومستويات القراء‏ # ندوة في خطاب‏ # القسم الرابع: مصر تبحث عن نفسها‏ # قضية تستحق النظر‏ # نحو فكر أوضح‏ # مفتاح الشخصية المصرية‏ # | في مفترق الطرق # | في مفترق الطرق # تأليف # زكي نجيب محمود # | مقدمة # منذ نهاية الحرب العالمية الثانية (1945م) أخذ العالم يسدل ستارا على عصر ذهب زمانه، ~~ويتأهب لدخول عصر جديد؛ فقوائم ms001 الحياة كما عهدها الناس حتى ذلك التاريخ، بدأت تتشقق وتهتز ~~لتهوي، فلا العلم هو العلم، ولا السياسة هي السياسة، ولا الثقافة هي الثقافة، ولا شعوب ~~الأرض هي الشعوب التي عرفناها؛ فالعلم قد وثب وثبة جبارة لا عهد للتاريخ كله بمثلها، ويكفيك ~~أن تذكر صواريخ الفضاء ونزول الإنسان على أرض القمر؛ وأن تستحضر إلى ذهنك في عمق ويقظة ووعي ~~كيف أرغم العلماء قطعا من الحديد على أن تحسب وتفكر وتتنبأ، وأما السياسة فقد كانت مطمئنة ~~على وهم مريح، وهو أن في الدنيا سيدا واحدا وثقافة واحدة، والسيد الواحد هو الرجل الأبيض ~~في أوروبا وما تفرع عن أوروبا من البلاد الأمريكية، والثقافة الواحدة هي ثقافته، فالإنسان ~~في أي قطر من أقطار الأرض يكون مثقفا بمقدار قربه من ذلك النموذج الواحد الوحيد، وعلى سائر ~~الألوان من صفر وسود وسمر أن تحني رءوسها لحكم أصحاب الجلدة البيضاء؛ فتغير هذا كله بعد ~~الحرب العالمية الثانية، وتحررت الشعوب بشتى ألوانها، وذهبت عن ثقافة الرجل الأبيض سيادتها، ~~فأصبح لكل ثقافة قيمتها في ذاتها. # لكن هذه التغيرات الواسعة والعميقة، ليست مما يبدأ وينتهي في ثلاثة عقود من السنين أو ~~أربعة، بل لا بد لها من أمد طويل لكي تتسرب مضموناتها الجديدة إلى ملايين القلوب والعقول؛ ~~ولهذا كان من الطبيعي - لنا ولغيرنا من شعوب الدنيا - أن نعبر هذه الفترة في خطوات متعثرة ~~مترددة، ننشد هدفا لم تتضح كل معالمه! ومع ذلك فمن الطبيعي كذلك، أن خطأ الإنسان في نقل ~~أقدامه على هذه الأرض الملفوفة بالضباب، لا بد أن يقل شيئا فشيئا، وأن صوابه يزداد تبعا ~~لذلك شيئا فشيئا، كلما اقترب من هدفه الجديد، وتبينت معالمه أمام عينيه. # وفي هذا الكتاب لمحات كتبها كاتبها مستنيرا بمنطق عقله، مهتديا بنبض قلبه، مخلصا لنفسه ~~ولوطنه ولأمته؛ والكتاب أربعة أقسام؛ في أولها وقفات عند مواطن القصور في حياتنا؛ وفي ~~ثانيها تلمس لمنافذ الضياء المبشر باقتراب الفجر، وفي ثالثها تشوف لما يمكن أن يتحقق ~~لنا في ساعات الضحى، وأما ختامها فهو خاص بمصر، يحاول ms002 تحليل المرحلة الحاضرة من حياتها، ~~التي يمكن وصفها بأنها فترة تضارب فيها الرأي، وتعدد الهدف، وتناقض المذهب، وغمض ~~الاتجاه، فكأنما هي تبحث عن ذاتها وسط أنقاض التاريخ، مهتدية في بحثها بمفتاح شخصيتها ~~الأصيلة العريقة، وما ذلك المفتاح إلا أن يعود المصري فيكون - كما كان دائما - عاملا ~~عابدا. # وبالله التوفيق. # زكي نجيب محمود # القسم الأول # | فلول الظلام # | جذور التصدع # استبدت في الرغبة منذ حين ليس بقصير، في أن أعرض على الناس صورة تصورتها عن ~~الحياة الفكرية كما نحياها اليوم، لكنني أخذت أقدم يدا وأؤخر يدا، لا لأنني لم أكن ~~على ما يشبه اليقين فيما تصورته، بل لأنني خشيت أشواك الطريق، وهي أشواك تأتي من صعوبة ~~الموضوع وغرابته من جهة، ومن عسر معالجته على نحو يجد طريقه إلى عقول القارئين من جهة ~~أخرى. ثم أراد لي الله خيرا، فساق إلي طالبا في إحدى الكليات العلمية، يكثر من ~~القراءة ويحسنها، وهو طراز نادر بين طلابنا، جاءني ليسألني: هل يمكنه أن يتلقى عني ~~شيئا يفهم به فهما واضحا ماذا يراد بالفلسفة؟ وماذا يقرأ ليرتاد ذلك العالم ~~المجهول؟ # أجبت الطالب بقولي: لا، لن أقدم لك ما تريده جاهزا على طبق من فضة، بل سأعرض عليك ~~موضوعا يمس حياتنا الثقافية والفكرية في الصميم، وسنحاول تحليله معا، وفهمه معا، ~~تعاونني وأعاونك، حتى إذا ما انتهينا معا إلى نتيجة ترضينا، فعندئذ فقط سأجيب لك ~~عما جئتني لتستوضحه. فقال الشاب في فرحة وثقة بنفسه: لك علي ذلك. قلت: إذن فلنبدأ ~~من فورنا، والخطوة الأولى في الموضوع، هي أن نحاول معا الإجابة عن هذا السؤال الآتي: ~~افرض أن حياتنا اليومية العملية قد قذفت أمامنا بمشكلة يراد لها أن تحل حلا حاسما ~~وسريعا، ولتكن - مثلا - مشكلة «النسل» وضرورة ضبطه، أو «تنظيمه»، ثم طرحت المسألة ~~على أصحاب الرأي ليدلوا بآرائهم في حل المشكلة، وهي كما ترى مشكلة قومية، فتعال معي ~~نحصر «أنواع» الآراء التي يمكن أن يعرضها أصحاب الرأي هؤلاء. # قال الفتى: ماذا تعني ب «أنواع» الآراء؟ قلت: أعني الاتجاهات المختلفة التي ms003 يمكن أن ~~يتجه إليها المشاركون بالرأي. فأنا أريد لك أن تتبين الفرق بين اختلافات في الرأي تأتي ~~من الزاوية الواحدة، واختلافات أخرى تأتي بسبب أن زوايا النظر قد تباينت، فمثلا قد ترى ~~رجلين يتفقان على ضرورة تحديد النسل، لكنهما بعد ذلك يختلفان كيف يكون التحديد، وإلى أي ~~حد يكون؟ ثم قد ترى رجلين آخرين لا يتفقان منذ البداية على المبدأ نفسه، إذ يقول أحدهما ~~إن تحديد النسل لا بد منه، ويقول الآخر بأن مثل ذلك التحديد باطل من أساسه ولا يجوز ~~الأخذ به، فكلا الموقفين: موقف الاختلاف بين الرجلين في الحالة الأولى، وموقف الاختلاف ~~بين الرجلين في الحالة الثانية، أقول إن الموقفين كليهما يظهران اختلاف الرأي، لكن ~~«نوعه» في الحالة الأولى لا يشبه «نوعه» في الحالة الثانية، إذ هو في الحالة الأولى ~~اختلاف في ظل مبدأ مشترك، وأما في الحالة الثانية فلكل من الرجلين مبدأ يختلف به عن ~~مبدأ الثاني. # قال الفتى: فهمت ما تعنيه، والآن فلنحاول إحصاء «أنواع» الاختلاف كما أردت، وفي ظني ~~أننا قد وقعنا بالفعل على نوعين، فهناك فئة ترفض تحديد النسل لأنها ترفض المبدأ، ~~وبالتالي فليس لديها ما تقدمه من خطط ووسائل، وهنالك فئة أخرى تقبل المبدأ، وربما ~~تفرعت فيما بينهما بعد ذلك فروعا عند التفكير في الخطط والوسائل، فقلت له: نعم، لكن ~~إياك أن تحسب الفئة الأولى نفسها بمثابة النوع الواحد؛ لأنها هي الأخرى قد تتفرع بدورها ~~فروعا، كل فرع منها يقدم سببا مختلفا يعلل به رفضه للمبدأ، فهنالك من يرفضون مبدأ ~~التحديد على أساس ديني، وهنالك من يرفضونه على أساس اقتصادي، وهنالك من يرفضونه على ~~أساس صحي، وهكذا، لكن عد بنا إلى الفئة التي قبلت المبدأ، ثم تفرعت آراؤها تحت تلك ~~المظلة الواحدة، فهل لك أن تحللها إلى فروعها تلك؟ # قال الشاب: نعم، سأحاول التحليل ما وسعتني الحيلة، فيبدو لي أن تلك الفئة الكبرى ~~تنقسم بادئ ذي بدء قسمين: قسم منها تغلب عليه النزعة العلمية، بمعنى أن أفراده إذا هموا ~~بعرض وجهات نظرهم فهم ms004 يميلون إلى إقامة تلك الآراء على بحوث فيها دقة العلم، ومن هؤلاء: ~~الأطباء، وعلماء الاقتصاد، وعلماء النفس، وعلماء الاجتماع. وأما القسم الثاني فأفراده ~~من طراز آخر؛ لأنهم وإن يكونوا على استعداد لقبول ما يقوله العلماء بدقتهم العلمية، إلا ~~أنهم في الوقت نفسه يرون أن ما هو أهم من العلم ودقته في موضوع كهذا، هو الذوق الحضاري، ~~وقد جرى العرف أن يطلق على أمثال هذه الطائفة المفكرين. # قلت للطالب الشاب الساعي وراء المعرفة: يكفينا هذا القدر من التحليل، لنعود بأنظارنا ~~إلى تلك الأقسام والفروع التي ذكرناها، فنلقي على أنفسنا سؤالا آخر، يقع في مستوى أعلى ~~من المستوى الذي تحركت أفكارنا فيه حتى الآن، فلقد كنا حتى الآن نحصي أنواع الرأي التي ~~يحتمل ظهورها بين رجال الفكر عندنا، إذا ما طلب إليهم إبداء الرأي في مشكلة تلح علينا ~~أن نجد لها حلا، ألا وهي مشكلة النسل وضرورة تحديده، وبعد أن عرضنا عدة أنواع وما ~~يتفرع عنها، نريد الآن أن ننظر، لا في مجرد السرد والإحصاء، بل في أبرز الخصائص الفكرية ~~والثقافية التي تتميز بها تلك الأقسام والفروع، فماذا ترى في ذلك؟ فأجاب الشاب: أظن أن ~~فكرة الزمن يمكن أن تتخذ معيارا لتقسيم هؤلاء جميعا. سألته: وماذا تعني بفكرة ~~الزمن في هذا المجال؟ قال: إنما عنيت أن أصحاب الرأي عندنا يمكن تقسيمهم ثلاث فرق؛ بحسب ~~ما تراه كل فرقة منها زمن المثل العليا أين كان؟ أكان الماضي وما قد شهده من بطولات ومن ~~طموحات في كل ميادين الحياة، هو النموذج لنا اليوم فنحتذيه؟ أم يكون النموذج قائما في ~~مجرد تصور ذهني نتصوره نحن لما نريد لمستقبلنا أن يجيء عليه؟ أم لا هو الماضي ولا هو ~~المستقبل، بل هو تحت أقدامنا حيث نقف، أعني أنه في اللحظة الحاضرة وما تقتضيه، فلهذه ~~اللحظة مشكلاتها القائمة بالفعل، والتي تتطلب منا حلولا لها، فلا ينبغي لنا أن نبحث ~~عن تلك الحلول عند السلف، كما لا ينبغي أن ترجأ تلك الحلول إلى أن يتحقق لنا فردوس ~~على الأرض، ms005 وإنما الواجب هو حل تلك المشكلات هنا والآن. بما بين أيدينا من العلوم ~~وأدواتها. # أعجبت أيما إعجاب بهذه النظرة التحليلية النافذة إلى حقائق الأمور، وأبديت للشاب ~~إعجابي بعرضه للفكرة وتوابعها، ووافقته على أن خير ما يلقي لنا الضوء على أصحاب الآراء ~~المختلفة في الموقف الواحد بين رجال الفكر والثقافة عندنا، هو - كما قال الطالب - ~~اللفتة الزمنية عند كل جماعة منهم، فنحن - إذن - نستطيع القول بأن أصحاب الرأي عندنا ~~منقسمون إلى سلفيين أسقطوا من حسابهم فعل الزمن، وظنوا أن الماضي بحذافيره يمكن أن يمتد ~~وجوده كما هو الحاضر والمستقبل وإلى أبد الآبدين، فبالنسبة إلى السؤال المطروح بين ~~أيدينا في هذا الحديث، عن مشكلة النسل فهم كأنما يصيحون بلسان الحال ولسان المقال معا، ~~بأنه ما دام السلف لم ينظروا في مشكلة النسل إذن فهي لا يجوز أن نعدها نحن مشكلة في ~~يومنا؛ لأن اليوم لا بد أن يصب في قالب الأمس، أولئك هم جماعة السلفيين من أصحاب الرأي ~~عندنا، وأما الجماعة الأخرى فهي ما يمكن تسميتها جماعة النظرة المستقبلية، وهي جماعة من ~~المثقفين والمفكرين، تميل بهم اتجاهاتهم النظرية إلى أن ينسجوا نسيجا، بوحي مما ~~قرءوه أو ما فكروا فيه بأنفسهم لأنفسهم، يصور - أي النسيج النظري الذي نسجوه - ما ~~يرجون أن يروه متحققا في مستقبل بلادنا، ومثل هذه النظرة المستقبلية إما أن يقيمها ~~أصحابها على تحليل علمي للحاضر، وما ينتظر لهذا الحاضر أن يتمخض عنه من نتائج، وإما ~~عن رؤية بالبصيرة يجاوز بها أصحابها حدود التحليلات العلمية وقيودها، وفي كلتا الحالتين ~~نخرج ب «أمل»، ولكن الأمل وحده يترك لنا الحاضر كما هو بمشكلاته، وتبقى الجماعة ~~الثالثة، وهي تلك التي تعلق اهتمامها الأول على اللحظة الحاضرة، فالمشكلة المعينة - ~~كمشكلة النسل - هي مشكلة الأحياء في يومهم هذا، فلا مجد الأولين بذي نفع لنا فيها، كلا ~~ولا جنة المستقبل التي تصورها لنا الأحلام. # واتجهت إلى الشاب الطلعة الذكي الطموح، مكررا له إعجابي بصفاء فكره، ومقررا ~~موافقتي إياه على اختيار فكرة الزمن أساسا لتقسيم رجال الفكر والثقافة ms006 عندنا ، ومواقفهم ~~مما يعرضون له من قضايا، ثم أضفت له ما يأتي: لعلك تذكر أننا قد صعدنا بحديثنا عن مشكلة ~~النسل التي ضربناها مثلا نوضح به ضروب اختلاف الرأي بين أهل الرأي في مجتمعنا، أقول ~~لعلك تذكر أننا - حتى الآن - قد صعدنا بحديثنا ذاك درجتين، كانت الأولى حين بلورنا ~~الآراء المصطرعة المتناثرة في جماعات تمثلها، وكانت الثانية حين أدرجنا تلك الجماعات ~~تحت فكرة اخترناها لتكون أساسا للتمييز بين جماعة وجماعة، وهي فكرة «الزمن». وأريد منك ~~يا بني أن تفكر لنا في درجة ثالثة للصعود، وسيكون الصعود هذه المرة، من الأساس الزمني ~~الذي استخدمناه للتقسيم بين الجماعات المتنافرة، إلى الأصل البعيد الذي لا بد أن يكون ~~ذلك الأساس الزمني نفسه قد اشتق منه. # فبعد فترة قضاها الطالب العلمي النابه في التفكير قال: إن ثمة إطارا نظريا عاما ~~أراه صالحا لأن يكون هو ذلك الأصل البعيد الذي نبحث عنه، وهو تصور العلاقة بين ثلاثة ~~أطراف، هي: السماء من أعلى والأرض من أسفل، والإنسان فيما بينهما يتأرجح صعودا إلى ~~السماء وهبوطا إلى الأرض. # فلم يكد الشاب يطرح أمامي هذا الإطار العام، حتى أخذتني فرحة نشوانة يعرفها كل من ~~يربط سعادته بالقدرة على كشف الجديد في دنيا الأفكار، وقلت له: ألا إنه لينبوع غزير ~~الثراء هذا الذي وقعت عليه يا صاحبي، فلنتأمله معا لنرى كيف السبيل إلى استخدامه وما ~~نحن بصدد البحث عنه. # قال الفتى: لقد ازدادت الصورة وضوحا أمام عيني، فالإطار النظري العام الذي يحدد به ~~الإنسان نظرته إلى نفسه، والذي يجيء اختلاف الثقافات بعضها عن بعض، سواء أكان ذلك ~~بالنسبة إلى تعدد الشعوب، أو بالنسبة إلى تعاقب العصور، هو أن يكون لنفسه تصورا معينا ~~لوضع الإنسان في الكون، ووضعه بالنسبة إلى عالم الغيب، بما في ذلك من مصدر وحيه الديني، ~~الذي يمده بالعقائد والقيم المنظمة لسلوكه، وإنني لأرسم أمام ذهني الآن صورة لثلاث ~~درجات: عليا ووسطى ودنيا، وأتصور الإنسان هو في الدرجة الوسطى يضع قدميه على الدرجة ~~الدنيا، ويشرئب بطموحه نحو الدرجة ms007 العليا ، ويجيء اختلاف المواقف الثقافية - بين الشعوب ~~وبين أفراد الشعب الواحد أحيانا - من الطريقة التي نتصور بها وضع الإنسان بين تلك ~~الدرجات، فهناك إطار ثقافي عام يقيس قيمة الإنسان بمقدار استطاعته أن يهمل الدرجة ~~الدنيا بكل ما فيها ليعلو ما استطاع إلى الدرجة العليا، وهنالك إطار ثقافي عام آخر يرى ~~أن الجدوى الحقيقية، والمحك الأساسي الذي يبين قيمة الإنسان هو قدرته على أن ينصرف ~~باهتمامه إلى الدرجة الدنيا (التي هي هذا العالم الطبيعي الذي نعيش فيه) فيوغل فيها ~~بحثا ومعرفة بأسرارها، ومن ثم يتاح له أن يكون فيها سيدا يمسك بزمام الطبيعة، كما ~~يسيطر الفارس الجريء المدرب على جواده، مقيدا إياه باللجام والشكيمة، ليصرفه حيثما ~~شاء، وكيفما شاء له أن ينصرف، وكلا الإطارين الثقافيين اللذين ذكرناهما، على تضاد ما ~~بينهما؛ إذ إن أحدهما يبيع الأرض من أجل السماء، في حين أن الآخر يستدبر السماء لينكب ~~على الأرض. أقول إن هذين الإطارين كليهما، على تضاد ما بينهما، متشابهان في الأساس ~~العميق للرؤية، وهو عدم القدرة على الجمع بين اهتمام الإنسان بالسماء والأرض معا في ~~وقت واحد، ولنا بعد ذلك أن نتصور إطارا عاما ثالثا، لا هو يدير نفسه على محاور ~~الدين كما نزل، ولا هو يديرها على محاور الواقع الطبيعي كما يقع، وإنما هو يبني لنفسه ~~بيتا من أوهامه وأحلامه، كما ينسج العنكبوت فلا هو ينعم بما رسمته له السماء، ولا هو ~~يتقيد بواقع الأرض، ونحن إذ نقول ذلك عن الإنسان الحالم بحياته، نخرج - بالطبع - ذلك ~~الضرب من الأحلام التي تبنى على ضرورات الواقع وقوانينه؛ لأن مثل هذه الأحلام كثيرا ما ~~كانت أسسا لبناء حياة جديدة. # فرغ الشاب الموهوب من هذا البيان الرابع، فما وسعني إلا أن أزيده ثناء وتقديرا، ثم ~~توليت عنه الشرح والتعليق، فقد كان فيما قدمه تخطيط يشبه رسوم المهندسين بالخطوط ~~البيضاء على ورقات زرقاء، ظاهرها بسيط لكنها - برغم بساطتها تلك - تقام على أساسها أعقد ~~ناطحات السحاب وأدقها وأعلاها، نعم، لقد أنار لنا الطالب العلمي النابغة مصباحا، وعلى ms008 ~~ضوء ذلك المصباح، أستطيع أن أجيب عن أسئلة كثيرة: فمثلا، سؤال: ماذا يكمن في صميم ~~قولنا إن أوروبا «نهضت» في القرن السادس عشر، نهضة نقلتها من عصور مظلمة إلى عصور ~~مضيئة؟ جواب: الفكرة التي تكمن في صميم هذا القول، هي أن الأوروبي كان يهمل الأرض ~~وشئونها، لتستوعبه السماء وغيوبها فلما نهض نهضته تلك تحول ببصره من أعلى رأسه إلى ما ~~تحت قدميه، وعني بالدنيا ومشكلاتها فعمرت الأرض ولم تضار السماء. سؤال: ماذا يكمن في ~~صميم قولنا إن الحياة الفكرية والثقافية في مصر خلال مرحلتها الراهنة، تدفع المصري إلى ~~الخلف، بعد أن كانت تلك الحياة في الجيل الماضي تحاول دفعه إلى الأمام؟ جواب: تكمن في ~~صميم قولنا هذا فكرة مؤداها أن رواد الفكر والثقافة في الجيل الماضي كانوا يشدون أبصار ~~الناس إلى أرض الواقع الحي، بدل أن تستغرق كلها في النظر إلى أعلى، فجاء رواد الفكر ~~والثقافة في هذا الجيل، ليصرفوا أنظار الناس عن واقعهم وحقائقه، ونموذجهم في ذلك هو ما ~~كانت عليه مصر خلال القرون الثلاثة (16-19) التي اكتفى الدارسون فيها بتقويس ظهورهم على ~~صحائف يحفظونها اليوم لتسميعها غدا. سؤال: لماذا فشل التعليم (بالنسبة إلى ما يبذل ~~فيه من جهود المخلصين) في يومنا؟ جواب: للسبب نفسه، وهو إغماض العين عن الطبيعة وما ~~يبنى عليها من علوم، والاتجاه بمعظم الجهد نحو الإعداد لحياة آخرة. # ولو كان هنالك تناقض بين أن يمسك الإنسان بالحياة من طرفيها: أولاها وأخراها معا، ~~لقلنا إنهم معذورون في إيثار الخلود على الزوال، لكنه لا تناقض بل إنه لأساس مكين من ~~أسس العقيدة الإسلامية أن يحيا الإنسان حياته بأولها وآخرها، وفي هذه المناسبة أذكر ~~شيئا سمعته ممن لم أكن أتوقع أن أسمعه منه، حدث ذلك سنة 1936م حيث ذهبت من إنجلترا إلى ~~ألمانيا في رحلة سياحية مدة أسبوعين، وبينما نحن في سفينة تجول بنا في بحيرة هناك، ~~جاءني دليل المجموعة السائحة التي كنت أحد أفرادها، وعرف أني مصري مسلم، فاسمع ماذا ~~قاله ذلك الشاب الألماني في تعليقه، قال: ms009 إنني أتصور الكاثوليكية والبروتستانتية (في ~~المسيحية) والإسلام، وكأني أرى أمامي ثلاثة فروع من جذع واحد: الفرع الأوسط هو ~~الكاثوليكية في الجنوب الأوروبي، وهي للآخرة أكثر منها للدنيا، والفرع الثاني - فرع ~~البروتستانتية - يمتد في الشمال الأوروبي، وهو للدنيا أكثر منه للآخرة، والفرع الثالث - ~~وهو الإسلام - يمتد جنوبا عبر أفريقيا وآسيا، وهو للدنيا والآخرة معا في توازن ~~جميل. # واتجهت إلى زميلي طالب العلم، معترفا له بفضله ورجاحة عقله، وقلت: إننا الآن يا زميلي قد أصبح في مقدورنا إعادة النظر إلى حياتنا الفكرية والثقافية على ضوء المخطط ~~الذي وضعته بين أيدينا، فنرى تلك الحياة وكأننا ننظر إلى تفصيلاتها تحت المجهر، فهنالك ~~جماعة تتجه هي، وتشد الكثرة الكاثرة من الجمهور، نحو أن يكون المثل الأعلى هو أن نستجير ~~بالسماء وخلودها من الأرض وعوابرها النواقص الفانيات (ونحن هنا نتحدث من ناحية الفكر ~~والثقافة) ولو جاز لي أن أقدر بالأرقام نسبة تلك الجماعة ومن يسيرون في ركبها لقلت إنها ~~لا تقل عن تسعين من كل مائة في أفراد الشعب الراشدين، وهنالك جماعة أخرى تقع في النقيض، ~~لكنها قليلة، قليلة حتى ليستطيع عدها بالعشرات لا بالألوف ولا بالمئات، وديدنها ~~الاكتفاء بحياة الدنيا، مع تعميقها بالعلوم والفنون والإنتاج والثراء والعيش الرخي ~~المستريح، ولا يسير في ركاب هؤلاء أحد من جمهور الناس، وأما الجماعة الثالثة، فهي وإن ~~تكن أقلية ضئيلة من حيث عددها، فهي ذات صوت مسموع إلى حد كبير، وهي جماعة تحرص أشد ~~الحرص على أن يعيش الناس حياتهم كما أراد لهم الله أن يعيشوها، وأعني أن تجيء الحياة ~~بكل امتلائها على الأرض، وبكل ما يرضي الله، ابتغاء حياة الآخرة بما وعد فيها ~~المؤمنون، وليس الجمع بين الطرفين ممكنا فحسب، بل هو علامة من أبرز ما يميز عقيدة ~~الإسلام. # ولو كان المجتمع سويا في فكره وثقافته، لاتحدت «الرؤية» في الإطار العام، ثم انحصر ~~اختلاف الرأي تحت مظلة المبدأ المشترك، لكن مجتمعنا اليوم قد أصابه التواء، فتعددت ~~الرؤى، فتفسخت أوصاله، وتصدعت جدرانه، وكمنت جذور ذلك التصدع في أننا لم ms010 نتفق على الألف ~~باء، التي هي في هذه الحالة، ماذا يكون وضع الإنسان بالنسبة للإطار العام ذي الدرجات ~~الثلاث. # قلت للطالب النابه: لقد جئتني أول الأمر، تسألني هل يمكنك أن تتلقى مني بيانا لحقيقة ~~«الفلسفة» ما هي؟ وتساءلت إن كان في مستطاعك أن تكون على فهم جيد واضح للمراد بهذا ~~الاسم العجيب، الذي يتبادله الناس ليرفعوا قدره إلى أعلى عليين مرة، ثم ليهبطوا به إلى ~~أسفل سافلين مرة أخرى، فأرجأت جوابي عن سؤالك حتى نفرغ معا من محاورة نجريها لنستوضح - ~~معا - صورة حياتنا الفكرية والثقافية كما نحياها، ولم أرد أن يكون حوارنا في غير ~~موضوع، فاخترت لك مشكلة عينية من مشكلاتنا الحادة، وهي مسألة تحديد النسل وضرورته، وها ~~نحن قد انتهينا معا بعد صعودنا في المحاورة درجة بعد درجة، إلى نتيجة عامة ~~وشاملة. # ونعود الآن إلى سؤالك الذي جئت من أجله، وهو: ما الفلسفة؟ وجوابي هو أن الفلسفة منهج ~~فكري، يبدأ دائما من السطح الفكري الذي يعيشه الناس، ثم يأخذ في الغوص تحت هذا السطح، ~~ليصل آخر الأمر، إلى حقيقة عامة وشاملة تفسر ذلك الذي يجري على السطح - من جهة - وتشير ~~بالتالي إلى ما كان ينبغي أن يكون، والحوار الذي أجريناه اليوم معا، هو مثل متواضع ~~للفكر الفلسفي كيف يعمل. # | ثلاثة أصوات # هي ثمانية أسابيع لم تزد على ذلك يوما ولم تقل، قضيتها وراء البحر، أطلب الراحة ~~والعلاج: الراحة لمن لا يعرف كيف يستريح، والعلاج لما ليس منه شفاء، وماذا تكون ثمانية ~~أسابيع بالقياس إلى عمر طال بصاحبه نحو أربعة آلاف من الأسابيع؟ إنها كنصف الدقيقة ~~منسوبة إلى يوم ذي أربع وعشرين ساعة، إذن، فما كان ينبغي لها أن تغير من عادات حياتي ~~شيئا، ولكنها فعلت، وذلك عندي هو موطن العجب. # فقد كنت خلالها، إذا ما أردت أثناء ظلمة الليل، أن أضغط على مصباح النور المجاور ~~لمخدعي، مددت إلى المفتاح ذراعي اليمنى، فلما عدت إلى داري بالقاهرة، والتمست خلال ~~الليلة الأولى نور المصباح، مددت ذراعي اليمنى كما كنت أفعل هناك، ms011 ولبثت لحظة أتحسس ~~الحائط بأصابعي دون جدوى، فأسأل نفسي في عجب: أين ذهب مفتاح النور؟ ثم استيقظت الذاكرة ~~لتنبئني بأنني الآن قد بت في القاهرة، حيث تمد الذراع اليسرى إلى مفتاح الضوء. ونهضت من ~~فراشي إلى حيث أريد، فأنساني الشيطان مرة أخرى، واتجهت بخطواتي إلى اليمين، مع أن ~~الطريق إلى باب الغرفة يتجه نحو اليسار، وكان مصدر الخطأ هو تلك البقية الضئيلة الباقية ~~من حياة لم تدم أكثر من ثمانية أسابيع. # ولما أصبح بي الصباح، «تصفحت» الصحيفة اليومية، ولقد وضعت كلمة «تصفحت» بين الحواصر، ~~لألفت النظر إلى أنني إنما أردت الكلمة بمعناها الدقيق، فلعل هذه الكلمة لم تخلق في ~~اللغة إلا من أجلي ومن أجل أمثالي، الذين لا يستطيعون من القراءة - بحكم الضرورة - أكثر ~~من نظرة تلقى على الصفحة كلها، لعلها تلتقط منها عنوانا ضخما هنا، أو عنوانا ضخما ~~هناك، فقراءتي باتت تصفحا، ورحم الله أياما، لا بل أعواما تعد بالعشرات، لم يكن ~~يرضيني من قراءة ما أقرؤه، إلا أن أستوعب المكتوب لفظا لفظا، أم أقول قراءة تستوعبها ~~حرفا حرفا؟ وكنت إذا ما تبينت في المادة المقروءة أهمية خاصة، فعلت ما هو أكثر من ~~ذلك؛ إذ كنت أثبت في قطعة من الورق - وأحيانا على هامش الصفحة التي أقرؤها - كلمة تدل ~~على كل فكرة وردت خلال السطور، ثم أعيدها، وأترك الصفحة التي أمامي، وأشخص ببصري إلى ~~سقف الغرفة، لأعيد رءوس الأفكار التي وردت في السياق، فلم أكن أقرأ لأتسلى، بل كنت أقرأ ~~لأعرف. # ذهب هذا كله، وأصبحت قراءتي «تصفحا»، ولماذا أقول هذا؟ أقوله لأعلن به أنني أعترف ~~مقدما بأن ما سوف أذكره الآن، قد لا يكون صوابا، وأن تكون علة الخطأ هي أن قراءتي ~~للصحيفة اليومية التي أشرت إليها، لم تكن في الحقيقة قراءة يعول عليها، وإنما كانت ~~«تصفحا»، الأغلب فيه أنه يؤدي بصاحبه إلى الباطل أكثر مما يؤدي به إلى الحق. # نعم فقد أصبح بي الصباح الأول بعد غياب لم يطل أكثر من ثمانية أسابيع، فلما «تصفحت» ~~الجريدة اليومية، خيل ms012 إلي كأن فكرة لمعت أمامي، لم أدركها بمثل ذلك الوضوح الناصع ~~من قبل، وهي أن ثلاثة أصوات تنبعث من الصفحات، ولا أقول إنها أصوات «متنافرة» بل أقول ~~إنها كانت على الأقل - كما بدت لي - تستقل بعضها عن بعض، كأن كل صوت منها يتعمد ألا ~~يكون له شأن بالصوتين الآخرين، وتلك الأصوات الثلاثة هي: صوت «الدولة» فيما تنشره من ~~حقائق، وصوت «الجمهور» فيما يبثه من الأنين والشكوى، وصوت «الكتاب» الذي يخيل إليك ~~أنه آت من المريخ أو من زحل. # أما أول الأصوات - صوت الدولة - فهو بغير شك أضخمها جرسا وأعلاها نبرة، وأشدها ~~رنينا، وأميز ما يميزه هو ضخامة الأرقام التي يندر ألا تراها متصدرة في المقال، أو ~~في البيان، أو فيما شاء أصحابه أن يسموه (وأذكر القارئ بأنني لا أجاوز ببصري حدود ~~العنوان. بحكم الضرورة) فالأرقام هي بالملايين ومئات الملايين، وإذا تواضعت كانت عشرات ~~الألوف ومئاتها: فالمساكن الجديدة قد شيد منها كذا ألفا، والتليفونات التي تجيء على ~~الطريق هي كذا من عشرات الألوف، والأرض التي ينتظر زرعها بعد أن كانت جدباء هي كذا ~~مليونا من الفدادين، وهكذا قل في جميع نواحي الحياة صغيرها وكبيرها على السواء، ولست ~~أشك في صحة الأرقام المذكورة، لكني أقول إنها - بسبب صدقها - تبشر بما يشبه الجنة على ~~الأرض. # فإذا ما أدرت صفحة وما بعدها، جاءك الصوت الثاني، الذي لا بد أن يكون صاحبه قد غض ~~بصره عن أرقام الصوت الأول؛ لأن ذلك الصوت الثاني لا يسمعك إلا توجعا مما يلاقيه، ~~ومع التوجع ضراعة أن تمتد إليه أيدي الغوث لعله يظفر هو وعياله بأقل من القليل، لماذا؟ ~~ألم تصل إليه قطرات من ذلك الفيض الغزير الذي تعلن عنه الدولة بأرقامها، وهي أرقام لا ~~تعرف إلا الملايين ومئاتها، والألوف وعشراتها؟ أم أن مشكلات حياتنا قد أصبحت كالبحر ~~المحيط، وما وجوه الإصلاح إلا كاغترافنا من مائه بملعقة لنجففه، فإذا هو باق على حاله ~~بحرا محيطا؛ كنت ذات يوم أتحدث إلى واحد من أصحاب الأنين والشكوى، فقلت له خلال ~~الحديث: ms013 إنك يا صاحبي تنظر إلى صفحة من الكتاب وتترك الصفحة التي تقابلها، فتشكو مما ~~يزحم الطرقات من أكوام الرمل والزلط، وتترك ما يقابل تلك الأكوام من عمائر تقام، وتشكو ~~من غلاء اللحوم والفاكهة وغيرها من مواد الغذاء، وتترك ما يقابل ذلك من أن أحد الأسباب ~~التي أدت إلى ذلك، هو أن ملايين كانوا لا يأكلون فأكلوا، فنافسوك في الطلب، فارتفعت ~~الأسعار، وتشكو من قلة الأيدي العاملة داخل بيتك وخارجه، وتترك أن العلة إنما تعني أن ~~تلك الأيدي كلها تعمل وتكسب المال، حتى لم يعد يسيرا عليك أن تجد منها يدا خالية ~~لتسعفك. # لكننا الآن لسنا في مجال هجوم ودفاع، وكل ما يعنيني بهذه السطور التي أقدمها، هو أن ~~أبين للقارئ ماذا صنعت بي ثمانية أسابيع قضيتها وراء البحر، ولم تكن هذه أول مرة أقضي ~~فيها الأسابيع وراء البحر، بل هي عادة ألفتها منذ أعوام لا أدري كم يبلغ عددها، فما ~~الذي جعلني هذه المرة أقرأ الصحيفة اليومية، فكأنما أتبين فيها - للمرة الأولى - أن من ~~صفحاتها تنبعث ثلاثة أصوات، ولا يأبه صوت منها بالصوتين الآخرين، كأن كلا منها في ~~واد منعزل: فالدولة بصوتها الضخم القوي العريض مشغولة بملايينها في واد، والجمهور ~~بأنينه المتوجع في واد ثان، وأصدقاؤنا الكتاب في واد ثالث، وأقل ما أزعمه لتلك ~~الأصوات الثلاثة، هو أنها أبعد ما تكون عن أن تؤلف معا معزوفة موسيقية تستريح لها ~~الأذن. # كنت أحدثك عما وجدته في الصحيفة من توجع الجمهور وضراعته، وها أنا ذا أكمل لك حديثي ~~عن الصوت الثالث، وهو صوت الكتاب بمختلف صنوفهم، وحسبي أن أقول إنني رأيت انشغالا ~~بالآخرة أكثر من الانشغال بالأولى، ووجدت ما يشبه معركة قائمة: هل كان فلان يرجع بأصوله ~~الأولى إلى بلاد واق الواق، أو كان يرجع بتلك الأصول إلى جزيرة الشيطان؟ # ترى هل أزالت عني تلك الأسابيع الثمانية حجابا فوضحت الرؤية أمامي، أو أضافت لي ~~حجابا إلى حجب فضللتني؟ لقد جلست على مسمع من التليفزيون عشية ذلك اليوم، لأسمع ~~الأخبار، فكنت كمن أدرك ms014 للمرة الأولى أننا لا نقدم الأخبار مرتبة وفق أهميتها الموضوعية ~~الحقيقية، كما رأيت الناس يفعلون وراء البحر، بل نرتبها بمقدار قربها أو بعدها عن أصحاب ~~المناصب العليا، فمقابلات السيد رئيس الجمهورية، والأخبار المتعلقة بالوزراء وكبار ~~المسئولين، تسبق أنباء حرب اشتعلت نيرانها في أرض تهمنا، أو أنباء زلزال ارتجت له الأرض ~~فقضى في لمح البصر على عشرات الألوف من البشر، والله أعلم منا أين الصواب في ذلك وأين ~~الخطأ. لكن ذلك لا يمنع الإنسان من عرض رأيه على الناس، وهم أحرار في رفضه وقبوله، ~~ورأيي هو أن مقياس الصواب في هذه الحالة وأمثالها، هو أيهما أنفع أثرا في تربية الشعب ~~تربية إنسانية مرهفة الحس، يقظانة الضمير؟ وأحسب أنني إذا حرصت على تقديم الأهم قبل ~~المهم، يوما بعد يوم، وعاما بعد عام، كنت بذلك أقرب إلى تربية الشعب في سلامة ~~الإدراك، وفي رؤية النسب الصحيحة بين الأشياء والحوادث. # وإن ذلك ليغريني بذكر شيء، قرأته في صحيفة الصباح، وسمعته في تليفزيون المساء، وهو ~~شيء تعمدت بادئ الأمر ألا أتورط في ذكره أو الإشارة إليه، لكنني أحسست - حين حانت ~~لحظته المناسبة - بأن واجبي هو أن أقول الحق كما أراه، ولتشفع لي سني التي بلغت ما ~~بلغته، إن لم تكن النية الحسنة وحدها شفيعا كافيا، وإنما قصدت بهذا ما قرأته وما ~~سمعته عن «منحة» العيد للعاملين، بتوجيهات من السيد الرئيس، وإني لأستأذن السيد الرئيس ~~بكل ما عرفناه فيه من إخلاص ونزاهة وجدية وصدق، أستأذنه في أن أطرح السؤال الآتي: هل ~~نعمل على تربية الشعب تربية ديمقراطية صحيحة، وعلى بث روح العزة والكرامة والاعتداد ~~بالنفس، حين نعلن في مناسبات الأعياد عن «منحة» للشعب العامل، بأمر من رئيس الجمهورية؟ ~~من الذي يمنح من؟ ومن أي مال يمنحه؟ إنني - معاذ الله - لا أستهدف قطع الأرزاق، ولكنني ~~لا أستريح ضميرا حين أرانا نعيد صور الماضي الذي ثرنا عليه لنغيره، ذلك الماضي الذي ~~كان الحاكم فيه يقول للناس إنه «ولي النعم»، وواجبنا هو أن نمحو من الوجود محوا، كل ~~أثر ms015 يوحي للإنسان بأنه تابع يتلقى الصدقة من سيده، إذا أراد سيده أن يتصدق عليه، ومغفرة ~~إذا كنت على خطأ. # وأعود إلى الأصوات الثلاثة التي لا يلتقي صوت منها بصوت وكل في واد يهيم، إنك ~~إزاءها لا تعرف هل لك أن تتفاءل أو عليك أن تتشاءم؟ فإذا أردت تفاؤلا، فاقرأ صوت ~~الدولة بأرقامها، وإذا أردت تشاؤما فاقرأ صوت الجمهور، وإذا أردت أن تفقد هويتك وأن ~~تسبح في بحر النسيان وغياب الوعي، فاقرأ بعض ما يكتبه «الكاتبون»، صوت الدولة يضعك على ~~أرض تجري فيها أنهار العسل واللبن، وصوت الجمهور يملأ سمعك بالأنين، ويملأ قلبك بالحسرة ~~والأسى، ومع بعض الكرام الكاتبين لا تعرف أين أنت، ولا تدري وأنت معهم متى ~~ولماذا. # مع كل صوت من الأصوات الثلاثة خريطة لمصر، لكن خريطتها هنا ليست هي خريطتها هناك، ومن ~~يقصر رؤيته على خريطة واحدة منها، لم يعرف شيئا عن أهل الخريطتين الأخريين، فأنين ~~الخريطة الثانية لا تسمع أصداؤها في الخريطة الأولى، وأرقام الخريطة الأولى لا تعيها ~~الخريطة الثانية، وأما أصحاب الخريطة الثالثة فهم في عالم آخر، وعلى سبيل التفكهة ~~أروي ما قاله لي صديق كان أستاذا للجغرافيا الاقتصادية في كلية التجارة، وقد ورد في ~~كتاب له يدرسه طلابه، عن محصول البن أنه يهم الناس جميعا، من الزارع والتاجر إلى رجل ~~الشارع وسيدة الصالون وهي تحتسي قهوة الصباح، فجاءه طالب ليقول له مازحا: لقد بحثت يا ~~دكتور في كل خريطة عندي عن السيدة التي تحتسي القهوة في صالونها، فلم أجد لها ~~أثرا. # الفرق بعيد بين أن تتعدد الأصوات في جماعة من الناس، تعددا يجعل كل صوت منها مقطوع ~~الصلة بالأصوات الأخرى، وأن تتعدد الأصوات في جماعة أخرى تعددا لا يمنع أن تجيء تلك ~~الأصوات بمثابة التنويعات على لحن واحد، في الحالة الأولى تنتج عن الأصوات ضجة، وفي ~~الحالة الثانية تنتج عنها معزوفة موسيقية، في الحالة الأولى قد يمحو كل صوت أثر الصوت ~~الآخر، وفي الحالة الثانية يزداد كل صوت قوة بفعل الأصوات الأخرى، وفي الحالة الأولى ms016 ~~تجيء حركة المجتمع أقرب إلى حركة الذي يقفز قفزته إلى أعلى، ليعود إلى موضعه من الأرض ~~حيث كان، وفي الحالة الثانية تجيء حركة المجتمع شبيهة بحركة من يقفز قفزته إلى أمام، ~~حتى إذا ما عاد إلى موقع من الأرض، وجد نفسه قد تقدم بمقدار ما قفز. # المثل الأعلى لحياة المجتمع، هو أن يكون لكل فرد طابعه الخاص الذي يتميز به دون سائر ~~الأفراد، وأن يختلف بصوته (أي برأيه) ما شاء له فكره أن يختلف؛ لأنه إذا تشابه فردان من ~~البشر تشابها كاملا، كان أحدهما زائدة لا مبرر لوجودها، ولكن شريطة أن يجيء اختلاف ~~الأفراد، مماثلا لاختلاف الآلات الموسيقية مع مختلف العازفين في سيمفونية واحدة، فما ~~دامت الفرقة العازفة بكل أفرادها، تتبع «نوتة» واحدة، فاختلاف الأصوات عندئذ يكون قوة ~~ولا يكون ضعفا. # ولنقف هنا لحظة هادئة، نتأمل فيها هذه السمة التي هي من علامات الحياة السليمة ~~القوية، نتأملها على مهل؛ لأنها مفتاح مهم للطريق السوي، إذا ما أردنا لأنفسنا هداية ~~على الطريق، فحياة الناس في أمة بعينها، وفي أي مرحلة زمنية من مراحل تاريخها، إنما هي ~~مجموعة مركبة من مئات الألوف من الأمزجة والأفكار والأعمال والهوايات والقدرات والميول ~~والرغبات، ويستحيل ألا تجيء الحياة على صورة شديدة التركيب والتعقيد، ما دام لكل فرد من ~~أبناء تلك الأمة الواحدة اتجاهاته وملكاته واختياراته، ولكن هذه الكثرة الغزيرة من ~~مناحي الحياة وطرقاتها، كثيرا جدا ما تلتقي كلها في جذور واحدة، إبان العصر ~~التاريخي الواحد، بحيث يستطيع المؤرخ بعد ذلك، بشيء من نفاذ البصيرة، أن يصف ذلك العصر ~~بالصفة التي تميزه دون سائر العصور، وذلك - بالطبع - إذا كانت تلك الحياة - كما قلنا - ~~سليمة التكوين، واضحة الأهداف، سديدة الخطى، وأما إذا جاءت كثرة العناصر خليطا مهوشا، ~~لا يتفق العازفون فيه على لحن واحد، كان الناتج شيئا كالذي أصيبت به بابل القديمة، حتى ~~امتنع عليها أن يكون لها كيان موحد، يطرد سيره ويصبح له تاريخ. # إنه لأمر معروف مألوف، في تاريخ الحضارات، أو في تاريخ الفكر، أن يبحث ms017 الباحثون عن ~~الخصائص البارزة المميزة للعصور المختلفة، ولولا أن الحياة الاجتماعية، على الرغم من ~~تباين أفرادها فيما يعملون، يظل لها المحور الواحد الذي تدور عليه رحاها، أقول إنه لولا ~~ذلك، لتعذر أو استحال أن نميز عصرا معينا في حياة أمة معينة، أعني أن نميزه بصفة ~~تحدد معالمه، وفي هذه المناسبة أذكر أنه قد صدر منذ بضع سنين، سلسلة من الكتب ~~الإنجليزية يصور كل كتاب منها، الحياة الفكرية في أوروبا إبان قرن من الزمان، بادئة ~~من القرون الوسطى فصاعدة نحو عصرنا، ويكفي أن يقرأ القارئ عنوان الكتاب في تلك السلسلة، ~~ليعرف الروح التي سادت خلال القرن المعين الذي يتحدث عنه الكتاب، فكتاب العصور الوسطى ~~عنوانه «عصر الإيمان»، وكتاب القرن السادس عشر عنوانه «عصر النهضة»، ثم تتوالى ~~العنوانات مع القرون: «عصر العقل»، «عصر التنوير»، «عصر التطور»، وأخيرا «عصر ~~التحليل»، وهذا هو القرن العشرون، فإذا قرأت كتابا من تلك السلسلة، عرفت كيف تلتقي ~~مناشط الفكر كلها - في القرن الواحد - عند محور أساسي واحد. وبديهي أن واحدية المحور قد ~~نتجت عن واحدية الهدف عند الجميع. # وعلى هذا الأساس، أطرح السؤال الآتي أمام القارئ: بأي الخصائص نصف الحياة في مصر ~~إبان هذه الفترة من تاريخها؟ إنه إذا وجد الجواب الصحيح، كنا بخير ونسير على هدى، ~~وأما إذا وجد مناشطنا واتجاهاتنا أقرب إلى الخليط البابلي الذي لا يجد ما يوحده على صوت ~~واحد، ولغة واحدة، كان من حقنا أن نطالب بوقفة هادئة نراجع فيها أنفسنا، لعلنا نرسم ~~طريقا للسير، يترك المجال فسيحا لكل فرد أن ينشط بما يحقق ذاته، لكنه في الوقت نفسه ~~يربط الجمع برباط اللحن الواحد. # ولكن على فرض أنني كنت على صواب، حين قلت إن ثلاثة أصوات في حياتنا يزحم بعضها بعضا، ~~ولا يبالي صوت منها ما يصيح به صوت آخر، وبالتالي فإن حياتنا تلك قد جاءت بلا لون غالب ~~يميزها؛ لأنها حياة بغير هدف واضح، فماذا نحن صانعون؟ إنه لا يكفي أن نشخص المرض - وإن ~~يكن هذا التشخيص ذا أهمية بالغة إذا ms018 كان صادقا - بل لا بد كذلك من التفكير في العلاج، ~~فلو جاز لي أن أختم حديثي بإشارة سريعة إلى العلاج الذي أراه، توحيدا للهدف، وتوحيدا ~~للصوت، أو قل توحيدا للنغمات المتباينة في معزوفة واحدة، لقلت: إنه لا بد أولا من ~~الإيمان بوجوب المشاركة الفعالة في أسس حضارة عصرنا وثقافته، ثم صب هذه الأسس في قالب ~~الشخصية المصرية العربية، فإذا أدركنا تلك الأسس على حقيقتها، وأدركنا معها مقومات ~~الشخصية المصرية العربية، عرفنا كيف نقيم إطارا للتربية والتعليم على هذا الأساس، ~~وإطارا للحياة السياسية على هذا الأساس، وإطارا للفن وللأدب على هذا الأساس، وإطارا ~~للنظم الاجتماعية من الأسرة فصاعدا على هذا الأساس، وفي كل مجال من تلك المجالات، لا ~~بد بطبيعة الحال أن تتعدد شواغل الناس واهتماماتهم وأعمالهم، بمقدار ما يتعدد الأفراد، ~~لكن هذا التعدد سينطوي كله تحت مظلة واحدة، هي تلك الصيغة التي تصورناها وصورناها ~~وأقمنا مناشطنا على أساسها. # هي ثمانية أسابيع قضيتها وراء البحر، لم تكن أول مرة ولا عاشر مرة أقضي مثلها هناك، ~~لكنني هذه المرة دون سابقاتها، عدت فأحسست بعدها بأن في حياتنا تتزاحم الأصوات، مما ~~يكاد يبطل بعضها بعضا. # | نفوسنا صدئت فأصقلوها # كنت أنقل عيني في كراسات قديمة، ملأت صفحاتها على امتداد سنوات خمس، في مرحلة معينة ~~من مراحل حياتي، وهي مذكرات عن مقروءات مررت بها، إذ كنت إذا أعجبتني عبارة، أو ~~استوقفتني فكرة، أسرعت إلى إثباتها في تلك الكراسات، ومعظم ما أثبته منها قصير، لا تزيد ~~الواحدة منها عن سطر واحد أو سطرين، لكنني أهملت تلك الكراسات إهمالا أخرجها من حياتي، ~~حتى لقد نسيت أين وضعتها، وذلك لأني أدركت قلة جدواها، فلا هي مفهرسة ولا هي مبوبة، ~~فكيف لي أن أستخرج منها شيئا، إلا أن أظل أتصفح ما يقرب من خمسمائة صفحة، عسى أن تقع ~~العين على المدونة التي أبحث عنها؟ # لكنها موجة الملل التي غمرتني بالأمس، هي التي دفعتني إلى التقليب والتنقيب هنا وهنا ~~وهناك، وإذا بتلك الكراسات تظهر من خفائها، فكانت هي ما اخترته ms019 لأزيح به موجة الملل! ~~ورحت أقلب الصفحات، وأنقل العين، معجبا بهذه العبارات هنا، مبتسما لتلك الفكرة هناك، ~~ولقد كان جميع ما امتلأت به خمسمائة صفحة من قبسات مدونة، مغرقا عندي في بحر النسيان، ~~ولكنني - يا للعجب - برغم طول المدة على تلك القبسات، وعمق النسيان الذي غرقت في بحره ~~عندي، كنت كلما وقعت عيني على واحدة منها، تذكرت من فوري أين كنت قرأتها، فكأنني كنت ~~أوقظ النيام من رقادهم بلمسة أصبع. # ووقفت عند إحداها، وهي عبارة تقول: «حادثوا هذه النفوس، فإنها سريعة الدثور.» كأنما ~~أراد: أصقلوها وأجلوا الصدأ عنها. انتهت العبارة كما وردت في تلك المذكرات، وبلمعة ~~كلمعة البرق، تذكرت أنني نقلتها عن أبي حيان التوحيدي في كتابه «الإمتاع والمؤانسة»! ~~وقبل أن ألجأ إلى الكتاب لأبحث عن تلك العبارة في سياقها الذي وردت خلاله، وقفت بضع ~~دقائق أتساءل فيها عن كلمة «حادثوا» في قوله: «حادثوا هذه النفوس». ما معناها؟ لقد بدت ~~لي العبارة على شيء من الإبهام، وهنا أخرجنا الكتاب من مكمنه، وما هي إلا لحظة خاطفة ~~حتى تذكرت كل شيء عن ذلك المعنى، فكتاب «الإمتاع والمؤانسة» هو تسجيل لأحاديث دارت في ~~قصر الأمير، وأظنها كانت أربعين حديثا (أو نحو ذلك) دارت على أربعين ليلة، وكان الحديث ~~الأول الذي وقع في الليلة الأولى، يدور حول سؤال ألقاه الأمير على أبي حيان التوحيدي عن ~~خصائص الحديث الجيد، ما هي؟ فأخذت خواطر المتحدث تنساب متقاطرة خاطرا بعد خاطر، وكان ~~بينها تلك العبارة التي أسلفت ذكرها: حادثوا هذه النفوس فإنها سريعة الدثور. كأنما أراد ~~أصقلوها وأجلوا الصدأ عنها. # ويزداد المعنى لك وضوحا، حين تعلم أن جزءا كبيرا مما قاله أبو حيان التوحيدي في ~~تلك الليلة، كان منصبا على العلاقة في المعنى بين كلمة «حديث» بمعنى ما يدور بين ~~المتكلمين من حوار ونقاش وتبادل رأي، وهذه اللفظة نفسها (حديث) بمعنى: جديد، ليخلص ~~الحاضرون - بعد استطراد في الخواطر - إلى نتيجة هامة جدا في هذا الموضوع، وهي: وجوب ~~أن يأتي كلام المتحدث بما هو جديد، وإلا فالصمت ms020 خير له من الكلام، فحديث المتحدثين ليس ~~بذي نفع إلا إذا كان «حديثا» أي إلا إذا كان يحمل معنى جديدا لم يكن يعلمه ~~السامعون. # وبعد هذا التوضيح، فلنعد إلى الجملة التي كنت نقلتها في مذكراتي: «حادثوا هذه النفوس، ~~فإنها سريعة الدثور»، أي إن الضرورة الحيوية تقتضي أن نزود الناس في محادثاتنا إياهم ~~بما هو جديد، تتجدد به النفوس، إذ لو ظللنا نعيد لهم ونبدي في غمة رتيبة، أشياء ألفوها، ~~لأنهم سمعوها من قبل ذلك ألف مرة، فسرعان ما يعلو نفوسهم الصدأ، وينتابها البلى، ~~وواجبنا هو أن نصقلها ونجلوها من الصدأ الذي لحق بها، وذلك لا يكون إلا بجديد نقدمه، ~~وبتجديد في النفوس يترتب عليه. # وفي هذا الضوء، أرجوك أخلص الرجاء - يا قارئ هذه الكلمات - أن تركز انتباهك فيما يقال ~~لنا من «أحاديث»، وما يذاع فينا، وما ينشر علينا، وانظر كم في تلك «الأحاديث» ما هو ~~حديث، بمعنى الجديد؟ ومتى يكون الجديد جديدا بكل معنى هذه الكلمة؟ إنه لا يكفي في ~~الجديد الذي نطلبه أن يكون أي شيء غير مألوف، وإلا لكانت حركات اللاعبين في السيرك من ~~مشي على حبال مشدودة في الخلاء، ومن مداعبات للسباع والنمور، وما إلى ذلك، هي ذروة ~~العبقرية في حياة الناس؛ لأن فيها ما لم يألفه الناس في حياتهم المعتادة في البيت ~~والشارع؛ بل الجديد المطلوب هو ذلك الذي يغير حياتنا العملية أو الثقافية، إنه هو الذي ~~يبدل فينا نظرة بنظرة، إننا بغير شك قد تخلفنا على طريق الحياة المتحضرة المتطورة، كنا ~~في طليعة الطليعة على مدى قرون من الزمان، ولم يقتصر بنا موقع الريادة على مائة عام أو ~~مائتين، فما الذي أصابنا إن لم يكن فكرا فاسدا ملأ رءوسنا، وسلوكا عقيما قد شغل ~~حياتنا؟ وكانت أحاديث المتحدثين لنا في معاهد التعليم وفي أجهزة الإعلام، لتنتج فينا ما ~~ينقلنا من الضلال إلى الهدى، لو أن تلك الأحاديث قد التزمت معناها الذي أشار إليه ~~التوحيدي، وهو أن تكون «حديثا» أي أن تنقل إلينا الجديد الذي نتجدد به ms021 فكرا ~~وسلوكا. # وإنه ليخيل إلي أننا - وأعني الأمة العربية في مجموعها - متميزون بالنسبة إلى سائر ~~الأمم بحبنا للتحدث بعضنا مع بعض، «فالكلام» جزء حيوي جوهري في حياتنا، هو بالطبع حيوي ~~وجوهري بالنسبة إلى كل إنسان، عربيا كان أو غير عربي! ولكنه معنا يزيد عنه مع غيرنا، ~~ولا أدري إن كانت البيئة الصحراوية علة مباشرة لتلك الخاصة فينا. وفي هذه المناسبة، أحب ~~لك أن تلحظ بأن الصحراء هي موطن الأمة العربية كلها، ولا ينفي هذه الحقيقة الجغرافية أن ~~يتخلل تلك الصحراء الممتدة من الخليج العربي شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا، أقول إنه ~~لا ينفي صحراوية تلك الصحراء الفسيحة، أن تتخللها واحات خضراء بزرعها، بعضها صغير ~~متناثر هنا وهناك، وبعضها الآخر كبير يتمثل في وديان الأنهار، ومنها نهر النيل وواديه ~~الأخضر، فالصحراء هي التي أمدتنا بكثير جدا من طباعنا، التي ربما كان منها طبع ~~«الكلام» ليكون وسيلة - أهم وسيلة - في شغل أوقات الفراغ، وحين يبلغ ذلك الكلام ذروته ~~الفنية، يكون «أدبا» شعرا ونثرا، ومرة أخرى أقول إن البيئة الصحراوية، التي هي موطن ~~الأمة العربية كلها بصفة عامة، هي المسئولة عن شدة حبنا ل «الحديث» من حيث هو وسيلة ~~لتمضية الفراغ، كما أنها هي التي أدت - في الوقت نفسه - إلى أن يكون للشعر في حياة ~~العربي مكانة قد تعلو على مكانته في أي شعب آخر، وقد لحظ الجاحظ هذه الملحوظة عن الشعر ~~العربي ومكانته، وقال إنه كما تميزت الشعوب الأخرى بما يميزها، فاليونان ميزهم الكتاب ~~(أذكر أن هذه هي اللفظة التي ذكرها الجاحظ في هذه المناسبة، ليشير بها إلى «الفكر» ~~اليوناني) والفرس ميزتهم العمارة، والهند ميزها كذا، فالعرب قد تميزوا بالشعر، ~~ويرتب الجاحظ على ذلك نتيجته، وهي أنه بقدر ما يسهل على الشعوب الأخرى نشر ثقافتهم عن ~~طريق الترجمة، يصعب، بل يستحيل على العربي نشر ثقافته بين الآخرين، لتعذر نقل الشعر ~~بالترجمة (اقرأ ذلك في الجزء الأول من كتاب «الحيوان» للجاحظ). # أردت أن أقول إن اللغة - حديثا يتبادله السامرون، أو أدبا من شعر ms022 أو نثر فني - هي ~~في الصميم من الحياة العربية، جدا ولهوا، فلم يكن من قبيل المصادفة أن يجتمع معنيان ~~في كلمة «حديث»، فالحديث معناه الكلام، والحديث كذلك معناه ما هو جديد، فكان هذا الربط ~~بين المعنيين من عبقرية اللغة العربية؛ لأنه ربط صدر عن ضرورة تحتمها حياة الصحراء. ~~فساكن الصحراء، إذا لم يأته الجديد عن طريق الأحاديث، فقلما يأتيه من مصدر آخر، وفي ~~ضوء هذه الحقيقة الطبيعية والنفسية نسأل: هل يجوز لنا أن نضيع ألوف الساعات بعد ألوفها ~~في أحاديث فارغة، أو شبه فارغة، إذا قيست بما يغير فينا وجهات النظر؟ من أين يأتينا ~~التغيير نحو الأفضل والأرقى، إذا لم نكن نسمع من المتحدثين إلينا إلا كلاما مكرورا ~~معادا، كأن تيار الزمن قد قيل له: قف! فوقف وتجمدت حركته عند لحظة مرت عليها ~~قرون؟ # إن مما يقال على سبيل الفكاهة، ولكنها فكاهة يميزون بها بين بعض الشعوب في الغرب، أنه ~~إذا كان الفيل هو مدار الاهتمام، كانت طريقة الألماني أن يقرأ عنه في مراجع علوم ~~الحيوان، ليقدم عليه دراسة فلسفية، وكانت طريقة الفرنسي أن «يتفرج» عليه في حديقة ~~الحيوان، وكانت طريقة الإنجليزي أن يحمل معدات الصيد ويذهب إلى الفيل في موطنه ليصيده، ~~وكانت طريقة الأمريكي أن يأخذ صيد الإنجليزي ليتاجر فيه. ولقد أضفت من عندي إلى هذا ~~القول أن طريقة العربي هي أن ينظم فيه شعرا، أو أن يتحدث عنه مع خلانه في حلقات السمر، ~~فللحديث عندنا طلاوة وحلاوة، وليس في ذلك بأس، شريطة أن يلتزم معناه، وهو أن يحمل ~~الحديث في ثناياه ما هو حديث، ولابن الرومي بيتان من الشعر يبدأ أولهما بقوله: لقد سئمت ~~مأربي ... (ونسيت بقيته) ثم يأتي البيت الثاني فيقول: «إلا الحديث، فإنه، مثل اسمه، أبدا ~~حديث.» # وأعود إلى البيئة الصحراوية وما تبثه في أبنائها من طبائع، فنرى كيف أن اطراد الحياة ~~وظروفها، واطراد المناخ وحالاته، يجعل ساكن تلك البيئة دائم التطلع إلى حدث جديد يخفف ~~عنه سأم الرتابة، ومن ثم كانت أهمية «الجدة» فيما يطرأ ms023 عليه مما يفسر أن تجمع ~~اللغة العربية كلا المعنيين: الحدوث، والجدة، في لفظة واحدة، هي لفظة «حديث»، ولعل تطلع ~~العربي للحادث الذي هو في الوقت نفسه يحمل معه النبأ الجديد، هو ما جعل اللغة العربية ~~تضع «الفعل» قبل الفاعل في ترتيب مفردات الجملة الفعلية فنقول: «جاء زيد» أكثر مما ~~نقول: «زيد جاء»؛ لأن المجيء - مجرد المجيء - هو الذي يهم المترقب، أكثر مما يهمه من هو ~~الذي جاء، ولقد عبر التوحيدي عن هذا المعنى في حديث الذي أشرنا إليه، بقوله: «الحس ~~شديد اللهج بالحادث.» أي أن حواس المترقب، من بصر وسمع، شديدة اللهفة على ما يحدث في ~~الحياة الرتيبة من جديد يصاحبه بالضرورة شيء من التغير. # وفي هذه المناسبة سأله الأمير: ما الفرق بين الكلمات الثلاث: حادث، ومحدث، وحديث؟ ~~فقال التوحيدي ما معناه: إننا نستعمل كلمة «حادث» عندما يكون الموقف الذي نحن بإزائه ~~مفهوما بذاته، مستقلا عما سواه، وأما كلمة «محدث» فتستخدم عندما يرتبط الموقف الذي ~~نتحدث عنه في أذهاننا، بالشيء الذي كان مصدرا لحدوثه، ثم تستعمل كلمة «حديث» بمعنى ~~«جديد» عندما يكون الأمر وسطا بين الحالتين اللتين ذكرناهما، فالموقف الحديث، لا هو ~~مرتبط في الفهم حتما بموقف سبقه، ولا هو مستقل بذاته، وإنما هو مرتبط في الفهم عند ~~المتكلم والسامع كليهما باللحظة الزمنية، فهو حديث لأنه وليد لحظة حاضرة أو قريبة من ~~اللحظة الحاضرة، وعلى هذا فلا بد أن يكون ما هو حديث، قريب الولادة، أو قريب النشوء، أو ~~بعبارة التوحيدي: «قريب العهد بالكون، وله نصيب من الطرافة.» وها هنا وردت عبارة ~~التوحيدي التي أخذت منها عنوان هذا المقال، وهو قوله: «حادثوا هذه النفوس، فإنها سريعة ~~الدثور.» وكأنما أراد (ذلك السلف) أن يقول: أصقلوها، وأجلوا الصدأ عنها. # ولم يفت التوحيدي، في هذا الموضع من كلامه، أن يشير إلى منزلة ما هو «قديم» في ~~النفوس، بالقياس إلى ما هو حديث (أو جديد)، فقال إن ما هو حادث من شأنه أن يثير في ~~النفس شعور التعجب، وأما ما هو «قديم» فيثير الشعور ms024 بالتعظيم والإجلال، وكاتب هذه ~~السطور يضيف إلى قول التوحيدي هذا، ما يشرحه، أنه لما كان الشيء الحديث أو الجديد - ~~بحكم حداثته هذه - مغايرا لما ألفه الناس، كان لا بد له أن يلفت إليه النظر المقرون ~~بالدهشة، وبالتالي فهو يحرك الذهن نحو التفكير فيه، ومن هنا قال اليونان الأقدمون إن ~~الشعور بالدهشة هو الذي يحفز الإنسان إلى التفكير العلمي أو التفكير الفلسفي، فلو فرضنا ~~أن شعبا قضى على نفسه أن يوصد أبواب الجديد مكتفيا بما هو قديم موروث ومألوف، فالراجح ~~ألا يعرف شعب كهذا طريقه إلى الإبداع بكل جهاته: في العلم وفي الفلسفة وفي الأدب ~~والفن، وأما «القديم» فله منا كل تعظيم وإجلال؛ ولذلك حرصنا على بقائه وإقامة المتاحف ~~التي تعرضه على الأنظار، ليكون مصدر وحي في عملية الإبداع، ولنلحظ هنا تلك العلاقة ~~الوثيقة بين «القدم» والخلود لمبدعات السلف، فحتى لو كشفنا في باطن الأرض عن بقايا إناء ~~من الفخار، لبث حيث احتقرناه بضعة آلاف من السنين، فإننا نعظمه ونوقره ونصونه في ~~صندوق زجاجي داخل متحف الآثار. لماذا وهو مجرد إناء قديم من فخار؟ ذلك لأن «القدم» في ~~ذاته يكسب القديم قيمة فنية فيخلد بها، ولا عجب أن نجد رجال الفن حريصين على أن تكون ~~المادة التي يستخدمونها في مبدعاتهم قادرة على مغالبة الدهر، والذي استهدفته من هذا ~~الشرح الذي قدمته، تبيانا للفرق بين الجديد والقديم في نفس المتلقي، هو أن أوضح ما ~~ينبغي لنا أن نضعه إزاء قديمنا وجديدنا، فللقديم منا كل التعظيم وكل الإجلال، من حيث ~~هو باعثنا على الإبداع، وأما الجديد فهو الذي من شأنه أن يكون موضع تفكيرنا العلمي، أو ~~تأملنا الفلسفي؛ لأن القديم قد استنفد أغراضه مع أصحابه السالفين، علما ~~وفلسفة. # عندما طلب الأمير من التوحيدي أن يحدد له خصائص الحديث الجيد، وكان ذلك في مستهل ~~الجلسات التي اعتزم الأمير إقامتها في داره، ليتيح الفرصة للصحاب أن يستمعوا إلى علم ~~التوحيدي ومعرفته الواسعة، كان شرط «الجدة» محتوما، وقد عرضنا فيما أسلفناه أبعادا ~~مختلفة لتلك الصفة في ms025 الحديث الجيد، لكن ذلك الشرط لم يكن عند التوحيدي هو الشرط ~~الوحيد، بل أضاف شروطا أخرى في غضون حديثه، يلفت النظر منها قوله: «الحديث معشوق الحس ~~بمعونة العقل.» وهو قول يستحق منا وقفة متأملة، فأما أنه معشوق الحس فأمر واضح؛ لأنه ~~إذا لم يكن الحديث لافتا للأسماع، فما جدواه؟ إذا حدثنا محدث فكان في حديثه ثقيل الدم ~~كثيف الظل، وصممنا عنه آذاننا، فقد سددنا عليه الطريق إلى عقولنا، وذهبت كلماته لغوا ~~فارغا، لكن الذي يحتاج إلى بعض الشرح والتوضيح في عبارة التوحيدي، فهو قوله «بمعونة ~~العقل»، فماذا يصنع «العقل» في الحديث الجيد؟ # العقل في أخص خصائصه، وهي الخصائص التي من أجلها أطلقت عليه لغتنا العربية اسم ~~«العقل» أي «القيد» الذي يقيد خطواته ويحكمها، لنضمن به الوصول إلى غاية منشودة، أقول ~~إن «العقل» في أخص خصائصه هو «ترتيب» المقدمات مع النتائج التي تتولد عنها، وأرجوك أن ~~تتمهل في قراءتك لكلمة «ترتيب» هنا؛ لأن فيها لب العقل وصميمه، فالكلام، «اللامعقول» هو ~~الذي لا يلتزم ترتيب اللاحق مع السابق في سياق الحديث، وأظن القارئ على علم بما كان ~~يسمى بأدب اللامعقول، وكان من أمثلته مسرحية «يا طالع الشجرة» للأستاذ توفيق الحكيم، ~~فهو أدب جاء في عصرنا ليصور ما أصيب به الناس في عصرنا من انسداد في طريق التفاهم، ~~فالناطقون باسم هذا الشعب أو ذاك - في هيئة الأمم المتحدثة مثلا - إنما يتكلم الواحد ~~منهم، وكأنه يخاطب الهواء؛ لأن أحدا من الشعوب الأخرى لا يعنيه أن يسمعه السمع الذي ~~يتأثر به. # مرة أخرى أقول إن شرط «العقل» الذي يشترطه التوحيدي في الحديث الجيد والنافع، معناه ~~أن تجيء الأجزاء مرتبة على نحو يكون فيه الجزء اللاحق قائما على بينات وردت في الأجزاء ~~السابقة، ومثل هذا التسلسل مؤد حتما إلى نتيجة يخرج بها السامع، إما أن يأخذ بها، ~~وإما أن يعترض عليها، بأن يبين للمتكلم أين يقع موضع الخطأ في التسلسل المذكور. # ذلك هو جانب «العقل» في الحديث الجيد، مذاعا لتسمعه الأذن، أو منشورا على الورق ~~لتطالعه ms026 العين، ولا كذلك تكون الحال فيمن يتحدث حديثا يشبع به وجدانه، فها هنا لا يطلب ~~من المتكلم أو الكاتب مثل ذلك الترتيب، بل يكون المطلوب ترتيبا آخر مؤداه أن يتأثر ~~شعور المتلقي بالأثر الذي يراد له أن يتأثر به، ومن هذا القبيل يكون الشعر - مثلا - ~~فلسنا نطالب الشاعر بأن يرتب أفكاره مقدمات تتلوها نتائج، بل نترك له حرية الترتيب الذي ~~يراه كفيلا بإحداث الأثر المطلوب، وغاية ما يجوز اشتراطه في هذه الحالة هو أن يراعي ~~الشاعر - أو الفنان في أي فرع من فروع الفن والأدب - أن تجيء الأجزاء متصلا بعضها ~~ببعض، على نحو ما تتصل أعضاء الكائن الحي، وذلك لكي تتاح الفرصة بأن يتجمع الأثر في ~~بؤرة واحدة، فيبلغ في التأثير أقصى مداه. # لقد استطرد بنا الحديث حتى لأخشى أن نكون قد بعدنا عن قلبه إلى أطرافه، فقلب الموضوع ~~الذي نعرضه هو أن نروج لما هو جديد، مستندين في هذا الترويج إلى قطعة حية من التراث، ~~ومستندين فيه كذلك إلى دلالات اللغة العربية ذاتها، حين جمعت في كلمة «حديث» المعنيين ~~معا: الألفاظ التي نتحدث بها، والجديد الذي لا بد لتلك الألفاظ أن تحمله إلى المتلقي، ~~وإلا فقدت قيمتها، فقد سئل أعرابي: أتمل الحديث؟ فأجاب بذكاء قائلا: إنما يمل ~~العتيق. فكأنما أدرك الأعرابي المسئول ازدواجية المعنى لكلمة «حديث»، فإذا كان السائل ~~قد قصد بسؤاله جانب «الكلام» من معنى كلمة حديث؛ فقد آثر المجيب أن يبرز الجانب الآخر ~~المتروك، وذلك لأهميته وهو جانب «الجدة»، فأجاب بجوابه المذكور، وهو أن الذي يمل ~~إنما هو القديم الذي قتله التكرار. # وإني لأقولها في صراحة، ورزقي على الله، وهو أنني في كثير جدا مما يذاع أو يكتب، ~~في مجال الثقافة والتثقيف، والقيم والتقويم، كأني أشم رائحة العفن، حتى لقد زكمت الأنوف ~~وصدئت النفوس، وحق لنا أن نصيح بالدعوة التي أفصح عنها أبو حيان التوحيدي في حديثه مع ~~الأمير وجلسائه: قال السلف: حادثوا هذه النفوس، فإنها سريعة الدثور. كأنما أراد: ~~أصقلوها، وأجلوا الصدأ عنها. # | روحانيون نحن؟ وبأي ms027 معنى # شهد الله أني ما كتبت حرفا، أبتغي من ورائه شيئا إلى أن يحمل عني فكرة أريد لها أن ~~تبلغ القارئ، بلوغا يقنعه عقلا، أو يهزه قلبا، وشهد الله أني لم أكتب حرفا لأسعى من ~~ورائه إلى مال أو جاه أو شهرة، فهذه أمور - حتى لو سعيت إليها - فليست وسيلتها أن تنثر ~~لها قطرة من المداد في صحيفة أو كتاب، وإنما يتوسل إليها أصحابها بوسائل أخرى تقترن ~~بكتابة أو لا تقترن على حد سواء، وكل شأني مع الكلمة والقلم، هو أني وجدت أمتي - على ~~تدرج اتساعها مصرية وعربية وإسلامية - أمة ضعيفة بعد قوة، هزيلة بعد عز ومجد وسلطان، ~~متخلفة بعد إمامة وريادة، جاهلة بعد علم ومعرفة، مقعدة بعد قوة وفتوة ومغامرة، تابعة ~~بعد أن كانت في طليعة الدنيا، تحمل اللواء وتشق الطريق لها وللآخرين يجيئون من ورائها ~~تابعين، فسألت نفسي لماذا؟ ثم حملت القلم لأجعل أخوتي في الوطن يشاركونني السؤال، ~~ويحاولون معي أن نجد الجواب. # ونمد أبصارنا إلى ما وراء البحر، فنرى شعوبا أخرى تمسي في نشاط وتصبح في نشاط، لها ~~ساعة الضحى من كل يوم كشف علمي جديد، ولها ساعة الظهر من كل نهار برهان على قوة وجبروت، ~~ثم لها في ساعات الأصيل من كل يوم إبداع جديد، في الفن، في اختراق الآفاق، في الصناعة، ~~في الطب، في كل شيء يخطر لنا في بال أو في الخيال، أو لا يخطر. نعم، نعم، ولهم كذلك في ~~كل ساعة قتل وفتك وعنف وتخريب، يوجهونه إلينا نحن الضعفاء الكسالى والمساكين، أكثر ~~مما يوجهونه إلى أنفسهم. # ونسأل: لماذا؟ ماذا أصابنا؟ فلا نجد إلا الحيرة، أو الصمت الذاهل، ولكن ينطق لك مجيب ~~من تحت الغطاء ليقول لك: هم ماديون، ونحن روحانيون! وهنا يتحول السؤال ليكون: أحقا ما ~~تقولون؟ وبأي معنى يا ترى تكون تلك المادية الملعونة وهذه الروحانية المزعومة؟ # كلا، لا تغضب، فهو سؤال جاد لا هزل فيه، ومعذرة إذا وجدتي أسير بك ومعك نحو دقة في ~~التحليل، ربما لم تكن قد ألفتها، لكن ms028 الأمر هو أمر حياتنا، كرامتنا، وجودنا، فلا يحتمل ~~أن نمر عليه بلمسات على السطح، نستخدم فيها ألفاظا مبهمة وغامضة، قد لا يكون فيها من ~~القوة إلا تكرارها في أحاديثنا ألف ألف مرة كل دقيقة من نهار أو ليل. فترسخ فينا ~~لتكرارها، فنظنها من حقائق الكون الثابتة، كشروق الشمس مع الصباح، وغروبها مع ~~المساء. # روحانيون نحن؟ وبأي معنى؟ إننا إذا نزعم المعنى لأي لفظ مما نستخدمه في حديث أو ~~كتابة، فلا بد أن نكون على استعداد لبيان ذلك المعنى، إذا سألنا عنه سائل. على أن ~~«المعاني» ليست كلها من نوع واحد، بل هناك منها عدة أنواع، تختلف باختلاف الألفاظ ذوات ~~المعنى، وأهم تلك الأنواع ثلاثة: أولها هو أن يكون معنى اللفظ شيئا مجسدا محسوسا، ~~يمكنك الإشارة إليه، كأن تسألني عن معنى «تمثال نهضة مصر» فأصحبك إلى التمثال المقام ~~على الطريق المؤدي إلى جامعة القاهرة، وأشير إليه قائلا هذا هو معنى «تمثال نهضة مصر»، ~~والنوع الثاني هو معان تكون في أذهاننا تصورات عقلية لا هي مجسدة ولا محسوسة، فإذا ~~سألتني عن معنى «الحرية» ما هو؟ أجبتك بشرح يشرح ما «أتصوره» في ذهني عن الحرية. وبعد ~~ذلك قد نجد ذلك التصور مجسدا في أنماط سلوكية نراها في حياة الناس الفعلية، ويمكن ~~رؤيتها بالعين، وقد لا يكون لها وجود فعلي على الإطلاق، وفي هذه الحالة تكون الحرية ~~بالمعنى الذي أردته لها، مجرد وهم عندي أتخيله، دون أن يكون له تطبيق يجسده في دنيا ~~الواقع، وأما النوع الثالث من ضروب «المعنى» فهو ذلك الذي نجده في الحالات التي يكون ~~فيها الحديث عن كائنات ليس لها وجود في عالم الأشياء وإنما هي من محض الخيال، الذي لا ~~كان ذات يوم أمرا واقعا، ولا هو الآن كائن، ولن يكون أبدا متحققا في كائن من كائنات ~~الواقع الفعلي، مثل «هاملت» في مسرحية شكسبير، ومثل «طائر الرخ» في حكايات ألف ليلة ~~وليلة، وأمثال هذه الأسماء التي ليس لها مسميات في عالم الواقع، كثيرة الورود في ~~الروايات وما يشبهها من ms029 مبدعات الخيال، وفي هذه الحالات، أين نجد «معنى» تلك الأسماء؟ ~~الجواب: نجده في السياق الذي وردت فيه، فهذا السياق هو بمثابة العالم الطبيعي الذي نرجع ~~إليه كلما أردنا أن نتثبت عن شيء مما ورد فيه من أسماء وعبارات، فمثلا، إذا سألت ~~قائلا: هل صحيح أن هاملت قتل عمه؟ فأين نجد الإجابة عن سؤالك؟ في المسرحية المعروفة. ~~وهنا أرجو من القارئ أن يركز انتباهه، حتى لا تفلت منه هذه الحقيقة الهامة - الهامة ~~جدا في تكويننا العقلي - وهي أن هنالك أسماء كثيرة وكلمات لا حصر لعددها، ليس لها ~~معنى إلا فيما ورد عنها في الكتب التي هي مذكورة فيها، أي إنها لا تعني شيئا على ~~الإطلاق في دنيا الأشياء والكائنات. # إذا كنت قد صبرت معي خلال الفقرة السالفة، واستوعبت الأنواع الثلاثة ل «المعاني»، ~~فتعال ندقق النظر في «الروحانية» التي ننعت أنفسنا بها، ونتخذها تعلة نتعلل بها، كلما ~~تحركت ضمائرنا لتحاسبنا على حياة التخلف التي نحياها في طمأنينة ورضا؛ يقينا إن معنى ~~«الروحانية» ليس من النوع الأول الذي ضربنا له مثلا عبارة «تمثال نهضة مصر»، فليس ~~هنالك شيء قائم على الأرض، نشير إليه قائلين: تلك هي الروحانية، كما نشير إلى الهرم ~~الأكبر وجبل المقطم ونهر النيل، والأغلب كذلك أنها ليست من النوع الثالث، الذي يشمل ~~الأشياء التي تسمى كائنات من خلق الخيال، وردت في رواية أو قصيدة شعر، إنها ليست من ~~قبيل واق الواق، أو العنقاء، أو مصباح علاء الدين، وبقي لنا النوع الثاني من أنواع ~~المعنى، الذي قلنا عنه إن المعنى فيه يكون تصورا عقليا يمكننا شرحه للسائلين، وإما ~~أن يكون لذلك التصور تجسيد في عالم الواقع - كما يحدث أحيانا - وإما ألا يكون له مثل ~~ذلك التجسيد - كما يحدث أحيانا أخرى - وقد ضربنا مثلا لهذا النوع من المعاني كلمة ~~«حرية» ومثلها في ذلك كلمات كثيرة، وأحسب أن «الروحانية» هي من هذا القبيل، فهي تصور ~~ذهني لنمط معين من السلوك ومن وجهة النظر إلى الكون والإنسان، على أن ذلك التصور الذهني ~~قد يجد ms030 في عالم الواقع ما يجسده أو لا يجد. # فما هي العناصر الأساسية، التي نتوقع لها أن تكون مكونة لمفهوم «الروحانية» في ~~أذهاننا؟ لا بد أن يكون واضحا أمامنا - بادئ ذي بدء - أن اسم الروحانية منسوب إلى ~~الروح، وأن الإنسان في تصوره العقلي، إذا ما ذكر الروح، قابله بالجسد، فالإنسان يتصور ~~نفسه ذا جانبين: أحدهما مشتق من عالم المادة، والآخر آت إليه من حيث لا يدري أحد من ~~أمره شيئا، سوى الخالق سبحانه وتعالى، فالزاعمون بأنهم «روحانيون» في طريقة حياتهم، لا ~~بد أن يكون بعض ما يقصدون إليه هو دورانهم في حياتهم حول محور ذلك العنصر المجهول من ~~كيانهم البشري، أي «الروح»، وأما البدن وحاجاته فيكتفي في شئونه بالحد الأدنى الذي يضمن ~~للإنسان استمرار الحياة، من طعام وشراب وسائر ما هو خاص بالوجود البدني. # وأما عن حياة الروح، فأهم ما يرد عنها إلى الخاطر هو عبادة الله جل شأنه، وعلى الرغم ~~من أن العبادة في معظم أركانها تعتمد على الجسد، فالشهادة ينطق بها اللسان ومعه سائر ~~أجزاء الجهاز الصوتي، والصلاة وقوف وركوع وسجود ونطق، والصيام امتناع الجسد عن الطعام ~~وغير الطعام مما يتصل بحاجات الجسد، والحج طواف ووقفة على عرفات وعبارات تقال ورمي ~~للجمرات ... إلخ، وكلها يؤديها الجسد، أقول إنه على الرغم من أن الجسد أداة ضرورية لأداء ~~العبادات، إلا أنه في ذلك مجرد أداة، وأما الغاية فهي من شأن الروح التي لا يعرف أمرها ~~وسرها إلا ربها. # إلى هنا والتقسيم بسيط وواضح، وخلاصته أن من يزعم عن نفسه أنه روحاني، فإنما يعني أنه ~~لا يعنى بحياة بدنه إلا من حيث هو أداة، وأن عنايته تنصب على العبادات، وهو تقسيم، إذا ~~وسعناه، استطعنا أن نجعل شطريه - بدل قولنا جسد وروح - دنيا وآخرة، فالحياة الدنيا لا ~~بد منها، لكنها ليست مقصودة لذاتها، وإنما قصد بها أن تكون معبرا لما هو غاية في ~~ذاته، وأعني الحياة الآخرة، ومن هنا كان وصف الإنسان لنفسه بأنه «روحاني» يتضمن اكتفاءه ~~من شئون الدنيا بالحد الأدنى الضروري ms031 للبقاء، فهي - كما قيل عنها - دار مفر لا دار ~~مقر. # لكن تعال معي نمعن النظر أكثر فأكثر، فيما تتضمنه «العبادة» ومفهومها، إنها وإن تكن ~~في معظمها تتجلى في صورة حركات بالجسد، بما في ذلك ما ينطق به اللسان من كلمات وعبارات، ~~فإن هذا كله لا يكون شيئا إذا لم نجاوزه إلى دلالاته، وليس هنا الموضع الذي نتناول فيه ~~تلك الدلالات بالتفصيل، لكن الذي يهمنا منها في سياق حديثنا هذا هو ما تنطوي عليه ~~العبادات من «قيم» مطلوب لها أن تنتقل من مجرد كونها كلمات ينطق بها العابد، لكي تصبح ~~ضوابط للسلوك الفعلي الذي يمارسه ذلك العابد في حياته العملية اليومية، وقارئ كتاب الله ~~الكريم إنما يقرأ في كل آية من آياته عن قيمة من القيم العليا، التي من شأنها أن تجعل ~~من الإنسان الفرد إنسانا كاملا، وأن تجعل من ذلك الإنسان الفرد حين يواطن آخرين ~~ويشاركهم في وطن واحد وفي أمة واحدة، مواطنا كاملا، و«الروحاني» هو ذلك الذي يحيا ~~حياته وفق المعايير التي تفرضها تلك القيم. # فكم مرة يقرن الكتاب الكريم إيمان المؤمن بما يعمله من صالحات؟ وكم مرة يحض الكتاب ~~على الصدق والإخلاص والأمانة؟ كم مرة يدعو الكتاب إلى فك الرقاب وإطعام المسكين ورعاية ~~ذوي القربى؟ كم مرة يدعو الكتاب إلى الجهاد في سبيل الله؟ كم مرة ينادي بوجوب الرحمة ~~والعدل؟ كم مرة يشجع المؤمن على النظر في خلق الله والتعقل والحكمة والتدبر؟ فحياة ~~«الروحاني» هي حياة تجمع من هذا كله ما استطاعت قدرة البشر، لقد شاء لي الله في لحظة ~~مباركة أن ألحظ فارقا عظيما في مغزاه، بين تصور الإسلام للقيم الأخلاقية وتصور غيره ~~من عقائد ومذاهب، وهو أنه بينما «المثل العليا» عند تلك العقائد والمذاهب إنما هي ~~«نماذج» يتصورها الإنسان ليجعلها غاية يسير نحوها، مع استحالة أن يحققها هنا في هذه ~~الدنيا، أي إنه يتحتم بحكم الضرورة أن تكون هنالك فجوة بين المثل الأعلى من جهة وسلوك ~~الإنسان الفعلي من جهة أخرى، مهما بلغ ذلك السلوك من ms032 درجات الكمال ، ترى التصور الإسلامي ~~يدمج الطرفين معا فيما هو ممكن للإنسان أن يحققه، بمعنى أن سلوك المسلم الحق، هنا على ~~هذه الأرض، يمكن أن يتطابق مع ما هو مثل أعلى، ذلك لو أخلص المسلم لعقيدته، وصدق فيها، ~~وآمن بها على النحو الذي يصور به الكتاب الكريم جماعة المؤمنين، مفرقا بين من أسلم ~~مجرد إسلام، وبين من أسلم وآمن، وهذا هو «الروحاني» في حياته وفي رؤيته، وفي تعامله مع ~~الناس، إن الكتاب الكريم يشير إلى فرق بين من يقنع في حياته بمجرد «حياة» (بغير أداة ~~التعريف) وبين من يحيون «الحياة» (بأداة التعريف) كما ينبغي لها أن تكون. # وبعد أن رسمنا هذه الصورة الموجزة ل «الروحاني» فإنه من حقنا أن ننظر إلى صور من ~~الحياة الفعلية التي يحياها أولئك الذي يرفضون علوم العصر، وفنون العصر، وأدب العصر، ~~ونظم العصر لأنهم «روحانيون». أما أبناء العصر فماديون حقت عليهم اللعنات، وهنا أترك ~~لكل قارئ أن يراجع خبراته بمسالك الناس من حوله وفي دواوين الحكومة وفي الأسواق وفي أي ~~ميدان آخر يختاره للمراجعة والنظر، ليرى إن كان فيما يراه ويراجعه من «الروحانية» ما ~~يساوي أن نتخلف على طريق الحضارة، تاركين لغيرنا أن يكونوا هم العلماء، وهم ~~المبدعون. # أهو «مادي» من يفني حياته منقبا في الأرض، وغائصا في البحر، وطائرا في الهواء وما ~~يجاوز الهواء، ليزداد علما بخلق الله؟ وهل هي «الروحانية» أن نتربع على الأرض جلوسا، ~~في انتظار «الخواجة» ليخرج لنا من أرضنا بترولها وحديدها ونحاسها؟ أهو «مادي» ذلك الذي ~~صنع لنا «القمر الصناعي العربي» الذي ينتظر استخدامه بعد قليل، والذي إذا سمعت ما سوف ~~ينجزه للأمة العربية ذلك القمر الصناعي فكأنك سمعت المذهلات من سحر الساحرين؟ وهل ~~«الروحانية» هي أن نجمد كالمقعد الأشل، انتظارا لما يصنعه لنا ذلك «المادي» الملعون، ~~فننعم نحن بما صنع؟ أحقا تكون أجهزة كأجهزة الحاسبات الإلكترونية «مادية» وهي تؤدي ما ~~يؤديه «العقل» في دقة لا تستطيعها عقول البشر في حالتها الفطرية؟ إن جهازا من تلك ~~الأجهزة إنما هو عقل ms033 مجسد، فكر مجسد، علم مجسد، وليس هو قطعة من حجر الأرض ملقاة في ~~فلاة، أهي «مادية» تلك الأجهزة الدقيقة التي تصور للطبيب حنايا القلب في مريضه، وثنايا ~~أمعائه، ليقوم بالعلاج على بصيرة وهدى؟ متى، وأين، منذ كان على الأرض إنسان خلت حياة ~~الإنسان من استخدمه للآلات في زراعة أرضه وإقامة بيوته ونسج ثيابه؟ فهل تكون روحانية ~~إذا ظلت تلك الآلات على سذاجتها الأولى، وتنقلب «مادية» إذا زادها الإنسان لنفسه دقة ~~وتهذيبا؟ # أم يريد أولئك الذين يضربون الطبول وينفخون في الأبواق تنفيرا للناس من عصرهم ~~وحضارته، إني أسأل: أم يريد هؤلاء بالمادية تلك الفنون والآداب، من موسيقى وشعر، ~~وتصوير، وعمارة، التي قصارى جهودنا حتى الآن أن نحاكيها فنزداد بالمحاكاة غزارة وثراء ~~ونورا، فكيف بنا إذ كنا نحن الأصلاء المبدعين؟ كنت أتمنى للدعاة الذين يملئون علينا ~~الهواء صياحا، في محاربة العصر وعلوم العصر وفنون العصر، ويصدقهم الناس، كنت أتمنى لهم ~~ألا يجدوا أنفسهم مضطرين اضطرارا أن يستخدموا في صياحهم تلك الأجهزة والآلات والوسائل ~~التي هي «مادية» صنعها «الماديون» الأشرار، لكنهم يصيحون صياحهم في مذياع هو من صنع ~~الماديين، وفي تلفاز هو من صنع الماديين، أو هم ينشرون صياحهم مطبوعا بمطابع هي من صنع ~~الماديين، ويكتبون ما يكتبونه بأقلام هي من صنع الماديين، ويلبسون ثيابا نسجت بمكنات ~~من صنع الماديين، ويسكنون عمارات بنيت على طراز معماري هو من فن أولئك الماديين، أحلال ~~لنا أن نستخدم كل هذه الوسائل، وحرام على أصحابها أن يبدعوعها؟ اللهم سبحانك. # لا، لا، يا رجل - هكذا قد يصرخ في وجهي من يصرخ - ليست هذه الأمور المادية التي ~~نعنيها، وإنما نعني «الأخلاق»، ففي حياة تلك الشعوب المتحضرة بحضارة العصر - والعياذ ~~بالله - فوضى بين الرجال والنساء تأباها الأخلاق، وفي حياتهم خمر، وقنابل ذرية تفتك ~~بالبشر ... إلى آخر ما يقولون، فمن ذا يصدق أن حياة فيها من الفوضى الخلقية ما يزعمون ~~تستطيع أن تبلغ من العلم ما بلغوه، ومن الفكر والفن ما بلغوه، ومن النظام في شئون ~~الحياة اليومية ما بلغوه؟ ومع ms034 ذلك فليس الأمر بيننا هجوما ودفاعا، فعصرنا مثقل ~~بمشكلاته، فلماذا لا ننظر النظرة الصادقة ونعد العصر عصرنا ومشكلاته مشكلاتنا؟ # الوقفة الصحيحة التي ننادي بها، ليست رفضا للعصر وحضارته، على زعم أنه عصر الفوضى ~~الخلقية التي تتنافى مع تراثنا وتقاليدنا، بل هي وقفة نقبل فيها حضارة العصر بكل ~~مقوماته الأساسية ثم نحاول أن نضيف إليه من تراثنا وتقاليدنا بعدا إنسانيا خلقيا ~~يكمل وجه النقص فيه، فليس الرأي الصواب فيما بيننا وبين الغرب مبدع الحضارة القائمة، هو ~~أن نقول إما نحن وإما هم، بل الرأي الصواب هو أن نخلق صيغة حياتية جديدة تشمل مقومات ~~حضارتهم من علوم وصناعات ومنهج وفنون وطائفة صالحة من النظم السياسية والاجتماعية، كما ~~تشمل في الوقت نفسه مقوماتنا الخلقية وغيرها مما يشكل وجهة النظر وفلسفة الحياة. لا ~~ليس الصواب هو: إما نحن وإما هم، بل الصواب هو: نحن وهم في صيغة واحدة، بها لهما من ~~الخطأ أن نشير إلى مبدعي الحضارة الجديدة بضمير الغائب «هم»، والصحيح هو أن نستخدم ضمير ~~المتكلم الجمع «نحن»، وفي نحن هذه نضع كل ما يسلكنا في الحياة الحضارية بالصورة التي ~~ترضينا، وإلا كنا كمن يحكم مسبقا علينا بالعقم الذي لا يرجى منه مشاركة في إنتاج ~~علمي وفني وتكنولوجي نشارك به في إقامة البناء. # البديهية التي يفوتنا إدراكها هي أنه كان من الممكن أن يكون السلطان والتقدم ~~والازدهار ما يزال معقودا للمسلمين وفي تلك الحالة الافتراضية كان هذا العلم كله ~~والتقنيات كلها والفنون كلها، ليكون من إبداع مسلمين. فليس في إسلام المسلم ما يمنعه من ~~أن يكون هو الذي كشف عن أسس العلم الجديد ونهض بالصناعات الجديدة وصعد إلى القمر، وأنشأ ~~كل ما يتميز به العصر من سمات؛ أقول ليس في إسلام المسلم ما يمنع هذا، سوى ما أصاب ~~المسلمين من ضعف وتخلف حضاري تبعه ضعف وتخلف اقتصادي وسياسي حتى أصبح نهبا مباحا ~~لكل من أراد أن يغزو ويسيطر. إن أولئك الذي يهاجمون أسس الحضارة العصرية يوحون للناس ~~بأن مبادئ الإسلام وتلك الأسس نقيضان ms035 لا يجتمعان ، ومن هنا تشيع فينا دعوى أننا روحانيون ~~على سبيل الدفاع عن النفس في عجزها وقصورها. # لكن الروحانية بالمعنى الذي حددناه لها، والذي يجعلها متمثلة في العبادات أولا ثم ~~متمثلة في القيم الخلقية التي تسري في دنيا العلم والعمل لا تتناقض مع أن يكون الروحاني ~~عالما في ميادين العلم الطبيعي بكل فروعه ولا يتناقض مع أن يكون الروحاني هو الذي ~~ابتكر الحاسبات الإلكترونية وغيرها، بل العكس هو الصحيح؛ لأن الكشف عن أسرار خلق الله ~~من شأنه أن يزيد الروحاني روحانية أي - والمعنى واحد - أن يزيد العابد إخلاصا في ~~عبادته لله عز وجل، كما يجعل ذلك العابد نفسه ينقل الأسس الخلقية من ساعات العبادة ~~ليقيمها كذلك في ساعات العلم والعمل. # ولقد بدأت لك الحديث بعنوان جاء في صيغة سؤال: روحانيون نحن؟ وبأي معنى؟ والآن أترك ~~لك أنت أن تجيب. # | عصر الضمير الغائب # لست في الحق أدري، أكان هو «الوعي» الذي غاب عن الناس ثم عاد إليهم أو لم يعد، أم هو ~~«الضمير» الذي طمس ليختفي ولو إلى حين؟ أم أنهما - الوعي والضمير معا - يطفوان على ~~سطح حياتنا حينا، أحدهما أو كلاهما، ثم يتواريان حينا آخر، أحدهما أو كلاهما؟ هذه ~~الاحتمالات كلها ممكنة الحدوث! أي إنها قد تكون صحيحة ومتحققة، وقد لا تكون، إلا ~~احتمالا واحدا منها، وهو أن تكون ضمائر الناس في أرجاء العالم، ومصير جزء من العالم، ~~مستيقظة لما يقولونه ويفعلونه؟ مما ترى جزءا منه منشورا في الصحف وغير الصحف، وأما ~~التسعة والتسعون جزءا الباقية من المائة، فيدخرونها ليجعلوها موضوعات لأسمارهم كلما ~~اجتمعوا يسمرون. # وقبل أن أمضي في الحديث، قد يكون من المفيد لنا، أن نقف وقفة قصيرة شارحة، نبين بها ~~ما نراه فرقا بين «الوعي» من جهة و«الضمير» من جهة أخرى، فأما «الوعي» فهو إدراكنا لما ~~حولنا، فوعيك قائم في يقظتك، غائب في نعاسك، أو ما يشبه تلك الحالة غيبوبة الإغماء أو ~~التخدير، وإن الوعي ليغيب بدرجات تتفاوت عمقا، لكنه لا ينعدم إلا مع الموت، وأما ~~«الضمير» فشيء ms036 آخر ، فليس كل ذي وعي ذا ضمير حي بالضرورة، واسمه وحده يدل على شيء من ~~خصائصه، فهو دائما «مضمر» في صاحبه، كما تضمر تروس الساعة في غلافها، بحيث تحرك ~~العقارب لنراها في مواضعها من وجه الساعة، أما هي فتظل في مخبئها، ولست في حاجة إلى ~~القول بأنني قد أردت بهذا التشبيه أن أقول إن الضمير مؤلف من قطع معدنية - أو غير ~~معدنية - ركب بعضها مع بعض، وحفظت في ركن معين معلوم من الجسم، كلا، بل الأمر في بساطة، ~~هو أن أولئك الذين يتولون عملية التربية للإنسان، طفلا وصبيا وشابا، إنما يبثون ~~فيه يوما بعد يوم أن الفعل الفلاني جائز وأما الفعل الفلاني فلا يجوز، وهكذا حتى ينشأ ~~عند الفرد «ذوق» عام يستطيع به في كل موقف يعرض له، أن يحكم بما يجوز فعله وما لا يجوز، ~~على أن هنالك من يرون بأن هذه القدرة عند الإنسان على التمييز بين الجانبين، هي جزء لا ~~يتجزأ من فطرته، يولد بها، ثم تأخذ في الظهور كلما نما الإنسان واتسعت مداركه، وسواء ~~أكانت المسألة مرهونة بتربية الفرد على أيدي من يتولون أمر تربيته، أم كانت فطرة مغروزة ~~في جبلة الإنسان، فالنتيجة واحدة بالنسبة إلى ما يهمنا في هذا الحديث. # والذي يهمنا بالدرجة الأولى هنا هو أن الإنسان ينطوي في دخيلة نفسه على «دفة» كدفة ~~السفينة توجهها، أو قل إنه ينطوي على «رقيب» يجيز لصاحبه شيئا ولا يجيز له شيئا آخر، ~~لكنه رقيب - لسوء حظ الإنسان - يشبه مجلس الأمن في هيئة الأمم المتحدة، ليس لديه قوة ~~التنفيذ، فهو قد يقرر بأن فعلا معينا من دولة معينة، غير مشروع لها، ولا هو مقبول من ~~سائر الدول، فلا تأبه الدولة المعنية بالقرار، ويكتفي مجلس الأمن عندئذ بالأسف، وهكذا ~~يكون الضمير مع صاحبه، فهو يقرر له متى يصح الفعل ومتى يبطل، فإما اهتدى صاحبه بهدي ~~ضميره، وإما رفض أن يهتدي فيحيا وكأنه بلا ضمير، أو كأن ذلك الضمير قد غاب عن صاحبه إلى ~~حين، لا يدري كم يقصر ms037 أو يطول. # وأتحدث هنا عن العالم في مجموعه، ومصر جزء منه، فأقول إنه يجتاز مرحلة لعلها حتمت ~~بالضرورة أن يغيب عنه ضميره، أو أن هذا الضمير هناك، يأمر بالقبول وبالرفض، لكن أوامره ~~تذهب مع الريح إلى حيث لا يدري، وأرى أن بلادنا قد شاركت سائر الدنيا في كثير من غيبة ~~الضمير، أو من وجوده وجودا أشل، حتى ليخيل إلي أننا إذا أردنا أن نصف عصرنا هذا ~~بصفاته المميزة، لوجدنا قائمة طويلة من تلك الصفات، فهو عصر العلم الذي تصحبه تقنيات، ~~وهو عصر الفضاء وغزوه، وهو عصر الحرية لشعوب كثيرة كانت مقيدة بقيد المستعمرين، وهو عصر ~~كذا وعصر كيت، ثم هو عصر الضمير الغائب، ومن ثم فقد انطلقت الشياطين من قماقمها، ففي ~~كل يوم ألف من حوادث العنف، الذي يخطف الطائرات براكبيها، ويمسك بالرهائن الأبرياء، ~~ويلقي في الطريق بقنابل لا يعرف من الذين سيلقون بها حتفهم، إلى آخر ما أعرفه وما لست ~~أعرفه من أعمال العنف، إن كانت لها آخر، ولا عجب أن يكون هذا العصر كذلك عصرا للخوف ~~والقلق، والاغتراب وما يدور هذا المدار. # ولكن هذا العصر بكل ما فيه هو عصرنا الذي نعيش فيه، قد تعرض لما تعرض له بسبب كونه ~~عصرا انتقاليا بين حضارتين، إحداهما سادت إلى أوائل هذا القرن العشرين، والأخرى قد ~~يرجى لها أن تسود في القرن الحادي والعشرين، وعصور الانتقال الحضاري تشبه إلى حد ما ~~فترة المراهقة في حياة الفرد الواحد، إذ هي فترة تنقل صاحبها من الصبا إلى الشباب، فلا ~~هو صبي مع الصبيان يلهو كما يلهون، ولا هو شاب نضج واكتمل، يعمل في ميادين الإنتاج ~~كما يعمل الشباب، ومن هذه الطبيعة الانتقالية لتلك المرحلة، يتعذر جدا أن يحدد ~~المراهق معالم ذاته، بل ويتعذر ذلك التحديد على من يتولونه بالرعاية، وذلك لأنه - ~~بالفعل - يجتاز مرحلة يبحث فيها عن ذاته، أي إنه يبحث فيها عن خصائص - يختص بها - تتفق ~~مع قدراته وميوله من جهة ويتميز بها عن سائر الناس من جهة أخرى، ومثل تلك المرحلة ms038 ~~الرجراجة المتميعة التي لم يتبلور لها شكل بعد، ولا ظهر لها لون، نرى المرحلة الراهنة ~~التي تجتازها شعوب الأرض جميعا، في انتقالها من حضارة كانت، إلى حضارة أخرى بدأت ~~بشائرها ولم تكتمل بعد ظهورا. # لكن ما لنا الآن وسائر الدنيا وشعوبها، إن الذي يهمنا هو مصر في المقام الأول، فمصر ~~هي أنت وأنا، وولدك وولدي، إنها طعامنا وشرابنا ومأوانا، إنها ماضينا وحاضرنا ومستقبل ~~حياتنا، إنها ليست معنى من تلك المعاني النظرية المجردة التي تتبادلها أذهان مع أذهان، ~~كلما أراد المفكرون لأنفسهم شيئا من رياضة العقل، لا بل هي - مصر - رئاتنا وأنفاسها، ~~قلوبنا ونبضاتها، تقلنا فوق أرضها، وتظللنا بسمائها، فهذه الأرواح من جوها، وهذه ~~الأجساد من تربها، (كما قال أبو العلاء المعري) فلئن كانت مصر تشارك أرجاء العالم غيبة ~~ضميره، في هذه المرحلة الانتقالية من تاريخه، فليس حديثنا عن الأرجاء الأخرى في ذلك ~~شبيها بحديثنا عن مصر فيه؛ لأن حديثنا عن تلك الأرجاء البعيدة عنا، هو كحديثنا عن ~~القنابل الذرية التي أسقطت في ختام الحرب العالمية الثانية، على هيروشيما وناغازاكي، ~~نرويه خبرا من الأخبار، وأما حدثينا عن مصر فمتصل شريانه ووريده بنبض القلب وتنفس ~~الرئتين ... والضمير في مصر اليوم غائب غيابه في سائر أنحاء الدنيا. # وانعكس غياب الضمير عندنا في ظواهر كثيرة، منها أنه لم تعد في حياتنا قواعد ضابطة، ~~كبر الأمر أو صغر، فمثلا، بكم يكون الانتقال في إحدى سيارات الأجرة من الجيزة إلى ~~الزمالك؟ ثلاثة جنيهات في تقدير السيارة الأولى - من سيارتين متجاورتين - وبجنيه واحد ~~في تقدير السيارة الثانية، وبات محرما على طالب الانتقال أن يسأل: أليس في كل سيارة ~~عداد يضع القاعدة، ويضبط التعامل بين الناس؟ لا، لا، هذه العدادات وأمثالها من ضوابط ~~القانون قد أصبحت خرافة من خرافات الأولين ... وكم يكون راتب الجامعي إذا عمل في إحدى ~~الشركات، إنه ثلاثون أو أربعون جنيها عند إحداها، وثلاثمائة أو أربعمائة (وقد تبلغ ~~ألفا) عند الأخرى، فإذا سألت عن القاعدة الضابطة لهذه الرواتب هنا وهناك؟ أهي الخبرة. ~~وليس عند أحد ms039 من متخرجي العام الجامعي الواحد، خبرة يزيد بها على أخيه، أهي درجة ~~النجاح؟ لا أبدا، فالممتاز منهم قد يكون نصيبه العشرات، ومن دونه قد يكون نصيبه ~~المئات؟ إذن فما هو الضابط؟ كلا، محرم عليك هذا السؤال؛ لأن الحقيقة المقررة الآن هي ~~ألا قواعد ولا ضوابط، والمسألة كلها «شطارة» في شطارة! ولن أترك هذا الموضع من حديثي ~~قبل أن أزيدك علما بهذه «الشطارة» ما أصلها وما فعلها؟ إذ قد لا تعلم أن أصل اللفظة هو ~~أولئك الذين كانوا في الماضي يشطرون جيوب الضحايا لسرقة ما فيها؟ فالشاطر هو لص في أكثر ~~الحالات. # وكم تتقاضى «أمينة المنزل»؟ (وهذه التسمية عندي أفضل من قولنا خادمة وشغالة) إن أحدا ~~لا يدري أي رقم تنفرج به شفتاها عند النطق بالجواب، فالأمر في ذلك مرهون بالمصادفات، ~~إنه خمسون جنيها مرة، ومائة جنيه مرة أخرى، وأكثر من ذلك أو أقل من ذلك مرة ثالثة، فلم ~~يعد هناك «هامش» تنحصر فيه احتمالات التقدير، بحيث يكون فيه حد أعلى وحد أدنى، وكم سوف ~~يتقاضاني - يا ترى - نجار دعوته لإصلاح باب انكسر مفصله؟ اللهم إنه لا يعلم ذلك إلا أنت ~~يا علام الغيوب، أما نحن البشر فلا بد لنا من انتظار ما ينطق به النجار عند «النطق ~~بالحكم»، فقد يكون خمسة جنيهات، وقد يكون عشرين، وكم يكون هذا، وكم يكون ذلك؟ إننا لا ~~ندري شيئا - نحن البشر - قبل النطق بالأحكام؛ لأنه لا قواعد، وقد اختفت القواعد حين ~~غابت الضمائر عن أصحابها، فباتت حياتنا سفينة بلا سكان (وسكان السفينة في اللغة ~~هو دفتها) ومع غياب الضمائر وانقلاب السفينة، غاب الذوق، وغابت الرحمة، وتعرضت إنسانية ~~الإنسان نفسها للضياع. # ولولا غياب الذوق لما وقع ما حكاه لي صديق بيني وبينه أوثق الروابط، إذ حكى أن إحدى ~~جامعاتنا خارج القاهرة، اتصلت به ملحة عليه أن يستجيب لرغبة الطلاب في الاستماع إليه ~~محاضرا، وقد كان إلحاحها بالخطابات مرة، وبالهواتف مرة أخرى نتيجة لاعتذاره المتكرر، ~~وما كان اعتذاره إلا لضعفه في شيخوخته، ولكثرة معوقاته، لكنه لبى ms040 الدعوة آخر الأمر، ~~وسافر إلى هناك بسيارته وتم اللقاء بينه وبين الطلاب في محاضرة عامة وفي مناقشات سبقتها ~~ولحقتها، وبالطبع لم يكن له بد من قضاء ليلته في الفندق الذي دعي للمبيت فيه، فلما أصبح ~~عليه الصباح، وأراد العودة، أبلغه مضيف الفندق بأن خطاب الجامعة إليه، يحتم عليه ألا ~~يقدم إلى الأستاذ الزائر إلا طعام الإفطار فقط، وأظنه وضع تحت كلمة فقط خطين غليظين ~~لئلا تفلت من عين القارئ، وأما أن الأستاذ سافر على حسابه الخاص، وأما أنه بحكم الضرورة ~~كان لا بد له من غداء وعشاء، فذلك ما لم ترد الجامعة الداعية أن يؤخذ في حسابها، ذلك ما ~~حكاه لي الصديق، فلم يسعني ساعتها، إلا أن أصيح في وجه الهواء: يا ناس يا هوه اسألوا في ~~أقطار الدنيا جميعا، هل رأت أستاذا جامعيا، هرم وشاخ في أستاذيته ولبى الدعوة بعد ~~إلحاح ضاغط يعامل من إحدى الجامعات بمثل هذه المهانة والإهانة؟ فماذا نقول إلا أن ~~الضمائر قد غابت عن أصحابها؟ # ذلك عن الذوق الذي جف عوده وذوى، وأما غياب الرحمة فلا أطلب منك إلا أن تقرأ صحيفة ~~يومية واحدة، في يوم واحد، فأنت لا بد واقع فيها على عدة حوادث تكشف عن قسوة القلوب كم ~~بلغت بالناس، وعلى غلظ الأكباد وما قد وصل إليه التعامل بعضنا مع بعض، وقد كنا قبل الآن ~~نتوهم أن تلك الفظاظة يعرفها ناس في غير بلادنا، وأما في مصر فأبناؤها يحنو بعضهم على ~~بعض حنان الأشقاء في أسرة واحدة، ونعم، وألف نعم لقد كانت تلك هي مصر التي كانت ولم ~~يبق إلا دعاء ضارع إلى المولى عز وجل أن يعود بمصر إلى ذاتها، وإلا فهل عرفت مصر قبل ~~الآن فتاة تذبح خمسة أطفال، لتأخذ ما فوق أجسادهم من ذهب وفضة؟ # لا، استحلفتك الله ألا تقول: إن العيب هنا هو عيب الدولة التي لا تسن القوانين ~~الرادعة! ولست أملك في هذا الموضع من سياق الحديث، إلا أن أعيد بضعة أسطر من مسرحية ~~شكسبير «دقة بدقة»؛ إذ ms041 يقول فيها «الأمير» في مناسبة كهذه: # لقد أصدرنا من القوانين أشدها صرامة، ومن «اللوائح» أدقها تفصيلا، وأعددنا ~~لجوامح الخيل اللجم والشكائم لكننا أرخينا قبضاتنا أربعة عشر عاما فأصبحت تلك ~~القوانين واللوائح، وتلك اللجم والشكائم جميعا كالليث الهرم قابعا في عرينه ~~لا يخرج لصيده، أو قل إننا كالآباء الحمقى الذين يخزنون عصا التأديب الرادعة أو ~~هم لا يزيدون على التلويح بها أمام صغارهم يتوعدونهم العقاب ثم لا يعاقبون ~~فيجيء على العصا يوم محتوم، تصبح فيه مثارا للسخرية أكثر منها أداة للوعيد، ~~وهكذا القانون قد بات مجمدا كأن لم يكن ولما كانت الحرية تابعة للعدالة، فإذا ~~كانت عدالة، كانت الحرية مرغمة على الظهور. # وما دامت العدالة بيننا قد ذهبت مع اختفاء القانون. # رأيت الطفل الرضيع يصفع حاضنته. ~~«رأيت الحياة الكريمة قد تفككت منها الأواصر.» # لا يا صاحبي، نشدتك الله ألا تهيل على الدولة تبعات فوق تبعاتها. ~~(انتهى قول الأمير) # فإذا كان ما نطلبه من الدولة قوانين رادعة تزجر أصحاب الضمير الميت، فالقوانين هناك، ~~ولكنها - كما قال شكسبير على لسان «الأمير» في مسرحية «دقة بدقة» - كالليث الهرم، ~~رابضا في عرينه، لا يبرحه في سبيل صيده، ومع ذلك فالقانون لا يغني عن الضمير؛ فالإنسان ~~بالقانون «يخشى» ولكنه بالضمير «يختشي»؛ القانون صوت زاجر يأتي إلى الإنسان من خارجه ~~وأما الضمير فصوت زاجر من الداخل، القانون يفرض نفسه على الإنسان فرضا، بقوة الشرطة ~~والتهديد بالسجن أو التغريم؛ فأما الضمير فينبع تشريعه من نبع باطني في الإنسان نفسه، ~~وعقابه عذاب التأنيب، وثوابه الطمأنينة بالرضا، الإنسان أمام ضواغط القانون هو كالجماد ~~أو الحيوان أمام ضواغط السنن التي خلقت عليها، وأما أمام الضمير وأوامره فالإنسان ينفرد ~~في الكون سيدا يرتفع إلى رتبة الملائكة، ومع ذلك كله، فما أكثر ما يجد الإنسان في ~~قوانين الدولة ثغرات للمراوغة والهرب، وأما الضمير إذا رصد صاحبه، فأين منه الفرار ~~والنجاة؟ ونشدتك الله يا صاحبي مرة ثالثة، لا تلق بهمومنا على «الظروف»! إن حفر ~~الطريق، وما ألقي على قارعته من أكوام الحديد والرمل والزلط، ms042 ليست مبررا للكفر بالوطن، ~~لأن الوطن - وأقولها وأعيدها - هو أنت وأنا وهم وهن، الوطن هو نحن، وهل يكفر الإنسان ~~بنفسه ثم يحق له أن يعيش؟ لا، يا صاحبي، إننا نعيب زماننا والعيب فينا، كما قال أبو ~~العلاء، وليس الخطأ، أي عزيزي بروتس كائنا في طوالع نجومنا، بل الخطأ كامن في جوانحنا. ~~كما قال شكسبير أيضا في مسرحية «يوليوس قيصر». # عد ببصرك إلى السطرين الأخيرين من المقطوعة التي نقلتها إليك من «دقة بدقة»، تجد ~~شكسبير يفتح أعيننا على حقيقة هامة، وهي أن «العدالة» أصل، و«الحرية» فرع من فروعها، ~~فإذا قامت قائمة العدالة - كما قال - شدت وراءها الحرية شدا رغم أنفها، وذلك صحيح ~~وواضح لو تأملت قليلا؛ لأن العدالة أيا ما كان معناها (ويمكن فهمها بمعان كثيرة) ~~تتضمن وجود «الآخر»، وإلا فبين من تقيم التعادل الذي يوازن بين شتى الأطراف؟ إن ~~«العدل» هو اسم من أسماء الله الحسنى، وهو الذي يتضمن معنى التوازن بين قوى الكون التي ~~كانت لتصطرع ويهدم بعضها بعضا لولا أن «العدل» سبحانه وتعالى يقيم لها موازينها، وما ~~دامت العدالة تتضمن وجود «الآخر» فإن الحرية بعد ذلك إذا ما ظفر بها الإنسان، كانت حرية ~~مقيدة بوجود الآخرين، ولقد قلت في مناسبة أخرى، إن العلة التي ينتهي إليها التحليل آخر ~~المطاف، والتي تفسر ما أصابنا، وأصاب العالم كله بدرجات، هو أن كلا منا يتصرف وكأنه ~~وحده في هذا البلد الكريم، وكأنه ليس إلى جانبه «آخرون»، واللحظة التي يتبين وجود ~~الآخرين معه، هي نفسها اللحظة التي تقام فيها دعائم العدالة، ثم هي اللحظة كذلك التي ~~يستقيم له فيها ضمير، ويصدق هذا القول على مستوى الأفراد داخل الوطن الواحد، وعلى الدول ~~داخل العالم الواحد، على حد سواء. # إن تسلسل الحلقات يجري هكذا: عدل، فقانون وشرع، فضمير ينعكس على مرآته القانون ~~والشرع، وبهذا الاتساق يسير الإنسان - أنى سار - وفي صدره محكمة، إنه يسير وفي صدره ~~الرقيب والقاضي، وأما إذا تحطمت في أنفسنا تلك المرآة التي تعكس لنا على سطحها القوانين ~~والشرائع، غامت الرؤية ms043 أمام أبصارنا، واختلط علينا الأمر بين حق وباطل، فإذا ما اهتدينا ~~إلى الحق فبالمصادفة نهتدي، وإذا أضلنا الباطل فبالمصادفة نضل، لا، بل إنه إذا تحطمت في ~~أنفسنا مرآة الضمير، تحطمت معها الوحدة التي تجعل كلا منا فردا متماسك الشخصية، ~~تماسكا يجعل سلوكه مطردا على نسق واحد، ويجعل من يعاملونه على بينة من حقيقة أمره، ~~فيصبح كل شيء ممكنا، فلا يدري أحد بماذا يفاجئه هذا الشخص أو ذاك، وهذا الشيء أو ذاك، ~~ولا غرابة إن لعبت هذه الفوضى بخيال السابقين، فتصوروا للجن خاتما، إذا وجدناه وحككناه ~~على نحو أو على آخر، قدمت لنا الدنيا كل ما نريده، وتختفي كل الفوارق بين الجائز ~~والمستحيل. # وإنه ليبدو لي أن اللحظة التي ولد فيها «الضمير» لآدم - عليه السلام - ولبنيه من بعده ~~- هي اللحظة التي عصى فيها ربه هو وزوجه، فأكلا من الشجرة المحرمة، استجابة لوسواس ~~الشيطان هاتفا: ~~... يا آدم هل أدلك على شجرة ~~الخلد وملك لا يبلى ~~؟ # فأكلا منها ~~فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق ~~الجنة وعصى آدم ربه فغوى ~~. # وطرد مع الإنسان ضميره يفرق له بين الحق والباطل، مستلهما في ذلك الشرع والقانون ~~اللهم إلا إذا تنكبت به الطريق فطغى عليه عصر غام فيه الأمر على ذلك الضمير ~~فغاب. # | أعجاز نخل خاوية # قلتها يوما، وأقولها اليوم مرة أخرى، وهي أن مصر في مرحلتها التاريخية الراهنة، ليست ~~هي مصر التي عرفها التاريخ في معظم مراحله؛ كلا، ولا هي مصر التي سوف تكون - بإذن الله ~~- بعد حين لن يطول؛ إذ هي في عصر يتوسط بها بين مصرين: مصر التي عهدناها، ومصر التي سوف ~~نحياها، وحديثي هنا ثقافي حضاري قبل أي شيء آخر، فقد كانت مصر - من هذه الناحية - مثلا ~~رائعا للبلد الذي يعرف كيف يحافظ على الأصول ويغير في الفروع، فقد لبثت مصر هي مصر ~~دائما، دون أن يحول ذلك بينها وبين أن تنضو عن نفسها حضارة ذهب زمانها، لترتدي ثوب ~~حضارة جديدة، ومع الحضارة تأتي ثقافة، أو مع الثقافة تأتي حضارة - إذا ms044 شئت - فالعلاقة ~~بينهما هي علاقة الجسد والروح التي تحل فيه: الحضارة مجسدات والثقافة قيم وأذواق تسري ~~في عروقها. # فما فرغت مصر من عصرها الأول، الذي كانت فيه مبدعة الحضارة لنفسها ولغيرها، حتى أخذت ~~حضارات أخرى تتوالى عليها، فلا تكاد تتلقى حضارة منها حتى تمسك بزمامها وتنزل منها منزل ~~الصدارة، وهذا هو جانب من معنى عبارة نرددها بحق وصدق، إذ نقول عن مصر إنها «مقبرة ~~الغزاة»، فهؤلاء الغزاة ومعهم غزواتهم، يفنون في أرضها، لتحيا هي، وسر ذلك هو أن ~~الغزوات غالبا ما كانت حاملات لحضارات استحدثت، فتصادف في المصري إنسانا واثقا ~~بنفسه وبتاريخه، فيأخذ ما يتلقاه، ويتمثله، وسرعان ما يبرع فيه حتى ليحتل منه مكان ~~الريادة، كالذي حدث في حالات اليونانية والرومانية والمسيحية والإسلامية، وكالذي أوشك ~~أن يحدث شيء منه أمام الحضارة الحديثة وثقافتها، لولا نكسة انتكسناها، فولينا وجوهنا - ~~من الذعر - نحو ظهورنا، وكأننا هممنا أن نجعل سيرنا إلى الوراء. # والسؤال مطروح أمامنا جميعا، نسأل به: ماذا أصابنا؟ وهل يمكن أن نعود بالمصري إلى ~~حيث كان؟ إنه سؤال طرحته هيئات علمية، وطرحه أفراد، وحاول الجميع - مخلصين - أن يجدوا ~~الجواب، وكان السؤال يوضع - عادة - في هذه العبارة: كيف نحقق إعادة بناء الإنسان ~~المصري؟ وهي عبارة تتضمن أن خللا ما قد أصاب بناء المصري في شخصيته، فما هو؟ وكيف ~~نعالجه ليعود المصري سيرته الأولى؟ وكنت بين من حاولوا الإجابة أكثر من مرة، في أكثر من ~~مناسبة وكانت الإجابة في كل مرة تدور حول محور أساسي، هو أن مصر تجتاز اليوم مرحلة، هي ~~نفسها المرحلة التي يجتازها العالم كله، فتتعرض خلالها لما يتعرض له العالم كله، من ~~جهة، ثم تنفرد وحدها بظروف خاصة بها، من جهة أخرى، فأما الجانب الذي تشارك فيه سائر ~~أقطار الأرض، متقدمها ومتخلفها على السواء، فهو ذلك القلق الذي يسببه السير في طريق ~~مجهول، فعصرنا هذا - منذ ختام الحرب العالمية الثانية بصفة خاصة - هو عصر انتقال بين ~~حضارتين، عرفنا إحداهما؛ لأنها هي التي سادت الدنيا خلال القرن الماضي وأوائل هذا ms045 ~~القرن، وأما الحضارة الأخرى التي ننتقل إليها فلا نعرف عنها إلا بشائر ومقدمات، لكن ~~تفصيلاتها لم تزل مجهولة، انتقلنا من حضارة انعقدت فيها السيادة بلا منازع، للرجل ~~الأبيض الأوروبي والأمريكي، إلى حضارة بدأت كتابها بصفحة جديدة من حيث تلك السيادة ~~اللونية، ولم يعد أحد يجادل الآن في إزالة الفوارق بين الألوان، اللهم إلا أن تكون تلك ~~الفوارق مكتومة في الصدور، ونتج عن هذه الثورة اللونية ثورة أخرى حققت الحرية للشعوب ~~الملونة وغير الملونة، التي كانت مغلوبة على أمرها، وأصبح الجميع سواسية في عضوية الأمم ~~المتحدة، اللهم إلا بقية هامة ما زالت باقية في امتياز للدول الكبرى في مجلس الأمن، ~~وانتقلنا من حضارة تصنع الآلة ليستخدمها الإنسان في النقل وفي الانتقال، وفي الصناعة ~~والزراعة والحرب ... إلخ، إلى حضارة أخرى تصنع آلات أمهات تلدن آلات، وكان بين «الفراخ» ~~المتولدة ما حقق المذهلات، وماذا تقول في أجهزة تقوم بمعظم ما كان يتميز به العقل ~~البشري دون سائر كائنات الأرض والسماء؟ ثم ماذا تقول في أجهزة تغزو أجواز الفلك؟ لقد ~~كان بعض المشتغلين بالفكر الفلسفي (في بريطانيا على وجه الخصوص) إلى عهد قريب جدا، ~~إذا ما تناولوا موضوع «الممكن» و«المستحيل» ليروا خصائص كل من الحالتين، يضربون أمثلة ~~لما هو مستحيل، كان منها رؤية الإنسان للوجه الآخر من القمر، إذ من المعلوم أن القمر ~~يواجه الأرض بأحد نصفيه دون نصفه الآخر الذي يظل دائما مختفيا عن الأرض وسكانها، ولم ~~يكن يخطر لأحد منهم أن الإنسان على وشك أن يدور بمركبته حول القمر نفسه - فضلا عن ~~نزوله ليطأه بقدميه - فيرى بعينيه ذلك النصف الذي كان خافيا عن أبصارنا منذ كان في ~~العالمين قمر وأبصار. # نعم، إننا ننتقل إلى حضارة جديدة، قائمة على أسس جديدة، لم نعلم من حقيقتها وطبيعتها ~~إلا البشائر والطلائع، ومن أراد صورة مفصلة بعض الشيء عن تلك البشائر والطلائع، فليقرأ ~~كتابا ممتازا في ذلك أصدره الأستاذ الدكتور حازم الببلاوي بعنوان «على أبواب عصر ~~جديد»، وفي اجتيازنا لهذه المرحلة الانتقالية بين الحضارتين، لا مندوحة ms046 لنا - في مصر ~~وغير مصر من سائر أقطار الأرض - عن التخبط في الطريق؛ إذ انبهمت أمامنا الفواصل بين ~~الصواب والخطأ في كل الميادين، وإلا فمن منا يستطيع القول وهو موقن بما يقوله: ما هو ~~أفضل نظام للحكم؟ ما هو أفضل نظام في دنيا الاقتصاد؟ ما هو أفضل نظام للتعليم؟ وهكذا ~~يمكنك المضي بأسئلة كهذه عن كل وجه من وجوه الحياة الإنسانية، فإذا بك أمام عشرات ~~الإجابات المتضاربة، والسبب واضح، وهو أن الإنسان لم يعرف بعد طبيعة العصر الذي نحن في ~~حالة انتقال إليه، فكأننا نعيش على تجارب نجريها كل يوم تفشل تجربة فنجرب أخرى. # في هذا الضباب الحضاري - ويلحق به ضباب ثقافي - تشارك مصر بقية العالم، لكنها تعود ~~فتنفرد وحدها بظروف جديدة خاصة بها، لا أقول إنها ظروف تضيف إلى الضباب ضبابا أكثف، بل ~~هي ظروف فعلت بنا أكثر من ذلك؛ لأنها مالت بنا نحو أن نترك المسيرة الحضارية بضبابها ~~وصفائها، لننكص على أعقابنا قافلين إلى مولد التاريخ. # ثم لم تكفنا تلك الردة الحضارية العامة، فزدناها تخليطا وعسرا، بأن أقمنا أمام ~~الأبصار نموذجا جديدا للإنسان الناجح في حياته (والنجاح في قاموسنا القومي معناه منصب ~~كبير أو مال كثير) ويتلخص ذلك النموذج الجديد في برنامج سهل على من اتسعت حيلته، وهو ~~برنامج شعاره: أكبر ناتج ممكن، بأقل جهد ممكن، فلم يعد النجاح مكفولا لمن يحملون ~~الأثقال، ويحطمون الصخر، ويلهثون وتتفصد أجسادهم عرقا، لا، فتلك صور من الماضي، حين ~~كان الخبراء الحكماء يضحكون على الأبناء بقولهم: من طلب العلا سهر الليالي، أو ربما ~~بقيت تلك الحكمة الخالدة، مع تغيير في مضمون كلمة واحدة من كلماتها، هي كلمة «سهر» وكان ~~الذي أوحى بالشعار الجديد، أمثلة لا تعد ولا تحصى، لأفراد بلغوا ذروة الجاه، إذا قيس ~~الجاه بالمناصب ونفوذها، أو بلغوا ذروة من الثراء لم يكن أحد يسمع قبل اليوم بمثلها، ~~فثراء المصري حتى الأمس القريب، كان يقاس بعشرات الألوف أو بمئاتها، أما لغة الملايين ~~فلم تكن معروفة في اللغة العربية بأسرها، فالألف هو ms047 أقصى ما استعدت له لغتنا باسم خاص، ~~لا بل إن «الملايين» الدخيلة على حياتنا، قد كثرت حتى أهينت، فاختير لها اسم ~~الأرانب. # وإذا لم يكن العمل المنتج هو الذي يصل بصاحبه إلى «النجاح» بالمعنى الذي نعرفه له، ~~وهو مناصب النفوذ والثراء، فما هي الوسيلة في ظل الشعار الجديد؟ إنها وسيلة غاية في ~~البساطة، تتلخص في: الكلمة المناسبة، تقولها في اللحظة المناسبة، للشخص المناسب، فإذا ~~وفقت في ذلك، وجدت نفسك بين غمضة عين وانتباهتها، صاحب النفوذ الذي يهيمن ويسيطر ويكسب ~~المال، وما دام هذا هو النموذج القائم أمام الأبصار، فلا بديل أمام الشباب الساعي إلى ~~حياة ناجحة (بمعنى النجاح في قاموسنا القومي) سوى أن يتجه بمعظم جهده لا نحو مزيد من كد ~~وكدح وعناء في دنيا العمل، بل إلى البحث عن تلك «المناسبات الثلاث» التي هي: الكلمة ~~المناسبة، في اللحظة المناسبة، للشخص المناسب، وهو طريق يؤدي بنا حتما إلى اختلال ~~العدالة من جهة، وإلى ضعف الإنتاج (المادي والعلمي) من جهة أخرى، أما اختلال العدل، ~~فلأن من لا يستحق ستكون له السيادة على من يستحق، وأما ضعف الإنتاج بكل أنواعه، فلأن ~~الزمام حين تمسك به أيد غير قادرة، ضلت سواء السبيل، وأضلت، ثم هي فوق ذلك تحدث في ~~نفوس العاملين مرارة ويأسا واستهتارا وتراخيا. # كان ذلك أو ما يشبهه هو ما كنت أقدمه جوابا على السؤال المطروح، الذي نسأل به: ماذا ~~أصابنا؟ وهل يمكن أن نعود بالمصري إلى حيث كان. لكنني - في الحق - حين كنت أقول شيئا ~~كهذا، لم أكن أخلو من قلق باطني؛ لأنني لم أكن أجده قولا يشمل فئات الشعب جميعا، ~~فهنالك ملايين ممن لا يزالون يعملون «مصريين» كما كانوا، أو «مصريات» كما كن، فانظر ~~إلى المرأة المصرية، زوجة وأما، سواء أكانت في الريف أم كانت في المدينة، وقل لي كم ~~منهن قد انحرفن عن الجادة بمغريات المناصب والثراء. إن الأم المصرية في رعاية أبنائها ~~لا تعرف إلا شيئا واحدا، هو التضحية بكل ما يتعلق بشخصها في سبيل أطفالها ، وإذا ms048 قصرت ~~في التماس الطرق الصحيحة لقصور في تعليمها ودرجة وعيها، فليس الذنب ذنبها، ولا هو وليد ~~الظروف الجديدة بشعارها الجديد، ونسبة ضخمة من الرجال العاملين، لا يزالون على إخلاصهم ~~المعهود، وإذن فلعلها فئة لا تبلغ ربع السكان، هي التي أصابها السوء، ومع ذلك فهي حقيقة ~~لا ريب فيها، سواء أكان السوء مقتصرا على الربع أو ينقص عن ذلك أو يزيد، وتلك الحقيقة ~~هي أننا نشعر جميعا بأن مناخا جديدا يسودنا في حياتنا، هو ذلك الذي أشرنا إليه، فما ~~يزال السؤال قائما: لماذا؟ وكيف؟ # وخطرت لي خاطرة، مرت كلمعة البرق حتى كادت تفلت وتختفي مع أنها خاطرة تحمل إلي فكرة ~~جديدة، تزيل عني كثيرا من القلق الذي كان ينتابني كلما أجبت بإجابتي تلك عن السؤال ~~المطروح، لشعوري الغامض بأنها إجابة ناقصة، وخلاصة الفكرة الجديدة، هي أن المصري في هذه ~~المرحلة الزمنية من حياته قد أصابه انقسام فصل جانب «الفرد» من كيانه عن جانب ~~«المواطن»، وكان الناتج هو أنه ظل كما كان دائما «فردا» يتميز بما يتميز به من حسنات، ~~لكنه أصيب في جانب «المواطن» من شخصيته، فلم يعد ذلك المواطن الصالح الذي كان، ومعنى ~~هذا التحليل هو أن موضع الشكوى لا يشمل «المصري» بكل وجوده، بل يشمل المصري بجزء من ذلك ~~الوجود، وهو الجزء الذي «يواطن» به الآخرين من أبناء الوطن الواحد. # انظر إلى المصريين «أفرادا» في حياتهم الخاصة، بين ذويهم ومع أصدقائهم، تجدهم كما ~~تريد لهم أن يكونوا، وكعهدك بهم، أوفياء متعاونين يخلصون الود ويصدقون النصيحة، ثم انظر ~~إلى كثرة منهم في ميادين العمل والتعامل، تجدهم قد تهاونوا فيما عرفوا به من صفات من ~~تواد وتراحم وتعاون وإخلاص؛ العامل يريد الأجر الفادح بلا عمل، والزميل يراوغ ويخادع، ~~لا يزال المصريون على امتلائهم بالقيم المصرية الأصيلة وهم فرادى، أعني وهم في دنياهم ~~الخاصة، لكنهم في «المواطنة» قد أصبحوا وكأنهم أعجاز نخل خاوية، أو قل في اختصار: إن ~~المصري في حياته الراهنة «صادق» وهو فرد، «كاذب» وهو مواطن. # فإذا أجريت الحديث بلغة ms049 النقد الفني، قلت إن قصيدة الشعر التي كانت محكمة البناء ~~مبنى ومعنى ووزنا وقافية (والقصيدة هنا رمز للمجتمع المصري) قد انهار بناؤها، وفصلت ~~الشكل عن مضمونه، حتى أصبحت مجموعة مفردات وجمل لا نجد الوحدة العضوية التي تربطها معا ~~في وجود مشترك. هنا همست لنفسي: إننا لو عرفنا متى يكون الشاعر «صادقا» عرفنا بالتالي ~~متى يصدق المصري، لا في حياته الخاصة فحسب، بل كذلك في حياته التي يجتمع بها مع سائر ~~الأفراد، وأحسب أننا لا نبعد عن الصواب إذا قلنا إن الغاية التي يتعلق بها الشعر ويتعلق ~~بها الأدب بصفة عامة هي «الإنسان»، فالشاعر في حقيقته كشاف لطبيعة الإنسان التي قد تخفى ~~عن العين العابرة، وحتى حين يتعلق الشاعر بالطبيعة الجامدة، كالجبل، والنهر، وأنجم ~~السماء، فهو لا يتركها جمادا كما هي بل يبث فيها حياة مثل حياته، ليبادلها الحديث، ~~وليضفي عليها مشاعره وكأنها من الأناسي، حتى إذا ما تكاملت للشاعر العلاقة العاطفية ~~التي تربطه بما حوله، كان مطالبا بالصدق في التعبير، وليس الصدق المقصود هنا هو الصدق ~~العلمي الذي يحلل الشيء الواقعي إلى مقوماته وتفاعلاته الحقيقية كما تقع في دنيا ~~الأشياء، بل المطلوب هو صدق التعبير عما يجده في نفسه فعلا إزاء ما يجعله محورا ~~لشعره. # فهنالك ثلاثة مواقف مختلفة نحو أي شيء نريد التحدث عنه، وليكن هو «النيل» مثلا، ~~الموقف الأول هو موقف الجغرافي الذي يصف المجرى والمنبع والمصب وكمية الماء والبلدان ~~التي يمر عليها ... إلخ ... إلخ، وهذا هو موقف «العلم»، والموقف الثاني هو موقف الشاعر ~~الرديء الذي تراه ينعت النهر بأي صفة يراها هو جذابة، إلا أن يقول عنه إنه نهر وفيه ~~ماء، فقد يقول عنه إنه عسل أو لبن، يجري على أرض من زمرد وعقيق، فكل ما هو في الأسواق ~~أغلى ثمنا من الطين والماء، يكون عند الشاعر الضعيف الكاذب، أجدر بأن يصف به نهر ~~النيل، من أن يصفه بما هو على حقيقته من حيث هو ماء يجري على أرض من صخر وتراب. وأما ~~الموقف الثالث فهو موقف ms050 الشاعر الجيد الصادق، فالنيل أمامه مجرى ماء ينساب على الأرض، ~~لكنه - كأي شاعر حق - لا يدعه جمادا مواتا، بل يؤنسنه، أعني أنه ينفخ فيه من خياله ~~حياة الإنسان، ليحبه أو ليكرهه، ليزامله أو لينفر منه، أي إنه يصل نفسه به بروابط ~~مشاعره الحقيقية نحوه. # ولسنا نقول عن الشعر الجيد الصادق، ولا عن أي فن من الفنون على إطلاقها، شيئا ~~كثيرا، إذ نحن لم نذكر شرطا أساسيا جوهريا لا يكون الفن فنا بغيره، ولا الأدب ~~أدبا بغيره، ألا وهو «الصورة» أو «الشكل» أو «الإطار» أو «القالب» الذي يقيمه الفنان ~~أو الأديب ليضع بين جدرانه وحول دعائمه ما يريد أن يقوله. # وعلى ضوء هذا الذي ذكرناه عن قصيدة الشعر الجيدة الصادقة، نقول كذلك عن المجتمع السوي ~~القوي النابض بالحياة، كما نتمنى لمصر اليوم أن تكون، وكما كانت في عصور عزها ومجدها، ~~فأولا نريد لمجموعة المواطنين أن يكون بينهم من الروابط والصلات، ما يجعل منهم جميعا ~~وحدة حيوية واحدة، وكأنهم أجزاء من شجرة واحدة، تختلف أجزاؤها بعضها عن بعض، لكن ليس ~~لجزء منها غنى عن سائر الأجزاء، فليست جذور الشجرة هي أوراق وفروعها، ولكن لا حياة لتلك ~~الأوراق والفروع لو لم تكن هنالك الجذور التي تمدها بالبقاء وبالحياة، وثانيا لا بد أن ~~تكون صلة المواطن بالمواطن الآخر كصلة الشاعر بموضوعاته، أي أن ينظر إليه على أنه ~~«إنسان» وليس أداة صماء يستغلها لقضاء مصالحه، وثالثا يجب أن يكون المواطن صادقا في ~~التعبير عما يشعر به إزاء الآخرين كصدق الشاعر الجيد، حين يقر وجود موضوعه كما هو على ~~حقيقته، ثم يضفي عليه مشاعر من عنده كما يحسها، ولو توافرت لنا هذه الخصلة، لضمنا ألا ~~ينافق بعضنا بعضا في العلانية، ثم نتستر وراء جدراننا لنصب على الآخرين سيلا من ~~اللعنات. # قلنا إن المصري في مرحلته الحاضرة قد شطر نفسه شطرين: فرد جيد في ناحية، ومواطن سيئ ~~في ناحية أخرى، وقصدنا بالسوء تلك الصفات نفسها التي تجعل من الشاعر إزاء موضوعاته ~~شاعرا رديئا، ينظر إليها على غير ms051 حقيقتها أولا، ثم يكذب في التعبير عن مشاعره نحوها، ~~وذلك تماما هو بعض ما أصابنا إذ ننظر إلى من بأيديهم السلطان والجاه والمال على غير ~~حقائقهم أولا، ثم نكذب في التعبير عن مشاعرنا نحوهم، ولا نقول عنهم الحق كما نراه، إلا ~~ونحن بمعزل عنهم نتبادل الأحاديث مع ذوينا وخلصائنا. # ولو اقتصر هذا الانقسام الخطير في شخصية المصري وهو يجتاز المرحلة الراهنة من تاريخه ~~على ميدان السياسة، لقلنا إنه راسب من رواسب ذلك التاريخ، حين كان المصري ينطوي على ~~حياته الخاصة التماسا للأمان؛ إذ كان على يقين بأن رأيه في الشئون العامة، لا يعود ~~عليه إلا بالوبال إذا هو أغضب السلطان، لكن ذلك الانقسام الخطير الذي أشرنا إليه، قد ~~يكون له أصداء قوية الرنين في شتى المجالات الحيوية، كالتعليم والاقتصاد، بل والحياة ~~الدينية نفسها، بمعنى أن يحتفظ الفرد برأيه الحقيقي، لا يفصح عنه إلا في مجالسه الخاصة ~~- ذلك إن فعل - وأما في دنيا العلانية فهو إما يمسك لسانه ويزم شفتيه (وذلك أهون ~~الشرور) وإما ينطق بما يعلم أنه كذب اكتسابا للقبول والرضا، فكانت النتيجة أن بسط ذلك ~~الانقسام جناحيه العريضين على رقعة فسيحة من حياتنا، ففي دنيا العلم - مثلا - هنالك ~~زاوية منفرجة في شخص المتعلم، بين ما نقول عنه إنه تعلمه، وبين ما نعرفه أن يعلمه ~~حقا، وهنالك زاوية أشد انفراجا في حياتنا الاقتصادية والعملية، بين ما نقول إننا قد ~~أنجزناه، وبين ما نعرف أنه حقا قد تم إنجازه، وهكذا إذا أنت تعقبت أوجه حياتنا من ~~زواياها المختلفة، صدمتك تلك الزاوية التي هي منفرجة في أكثر حالاتها، بين ما نقول عنه ~~إنه حقيقة واقعة، وما نعرف حقا عنه أنه بالفعل لم يقع، وفي التحليل الأخير لجميع تلك ~~الحالات ستجد المصري الفرد لا يزال على أصالته الرصينة في حياته الخاصة، وأما في الحياة ~~العامة، فليس هو ذلك المواطن الذي ينظر إلى الوطن نظرته إلى بيته، وينظر إلى سائر ~~المواطنين نظرته إلى أبنائه وإخوته، هو في الحالة الخاصة مليء بمضمونه الإنساني، وهو في ms052 ~~الحالة العامة خاو أجوف وكأنه مع مجموعته أعجاز نخل خاوية. # وإذا كنت في هذا التحليل قد وقعت على الصواب، كان الطريق إلى العلاج مفتوحا أمامنا، ~~ومن أهم مداخل ذلك الطريق تهيئة الفرص الكثيرة التي تجمع مجموعات من المواطنين في عمل ~~واحد مشترك، فذلك من أقوى الوسائل التي تذكر الفرد بأنه - إلى جانب فرديته - مواطن ~~لآخرين، وهي فكرة كان الفقيه النافذ البصيرة «ابن تيمية» قد تنبه لها، مما جعله يؤكد ~~أن «الأمة» الواحدة إنما تصير كذلك بالمشاركة بين أبنائها في فعل واحد، وكان حديث ابن ~~تيمية هذا في سياق كلامه عن «الأمة الإسلامية» وما يمكن أن يوثق الروابط بين ~~أفرادها. # ولفت نظري خبر عابر قرأته منذ قريب، وهو أن تمثال الحرية المقام عند مدخل نيويورك قد ~~أصابه تلف، استدعى أن يعلن عن البدء في إصلاحه، وبالتالي عن منع زيارة الزائرين له، ~~وكانوا يعدون كل يوم بعشرات الألوف، يصعدونه بسلم داخلي من قدميه إلى تجويف الرأس، ~~والمهم هنا هو أنه تقرر أن ينفق على إصلاحه من تبرعات «الأطفال» الذين هم دون سن ~~العاشرة أو نحو ذلك، وكان يمكن للدولة أن تدفع من مالها، لكن أولي الأمر يتصيدون كل ~~مناسبة سانحة، فيتيحون الفرصة أمام مجموعات من أبنائها للمشاركة في فعل واحد؛ لأن ذلك ~~هو الطريق إلى تماسك أفراد الشعب في كتلة متجانسة متعاونة، وقد نقول: إن أمريكا حديثة ~~العهد، ومواطنوها جاءوا إليها من أركان الأرض جميعا، فهم بحاجة إلى مشروعات كهذه تقوي ~~بينهم الروابط، وأما نحن فما عذرنا؟ والجواب هو أننا - لأمر ما - قد أصابتنا العلة التي ~~لا بد أن تكون مؤقتة وعابرة، ولكن ما ضرنا لو استطعنا أن نسرع بأعجاز النخل الخاوية إلى ~~العودة لتمتلئ باللباب والثمر؟ # | هنالك آخرون! # اختلط في مكتبتي الفقيرة قمحها بشعيرها، ولم أعد أدري أين أمد أصابعي لأتحسس بها ~~كتابا أريده أو ورقة أبحث عنها، وما أكثر ما تكون الأصابع أيقن إدراكا من العين، ~~فالعينان - حتى وهما سليمتان - قد تخدعان الرائي فتوهمانه بوجود شيء ليس له وجود ، وأما ms053 ~~الأصابع فإذا أنبأت صاحبها بأنها لمست شيئا، فلا بد أن يكون ثمة شيء يلمس، انظر إلى ~~«مكبث» (في مسرحية شكسبير) حين أخذه الفزع بعد أن قتل الملك، ليجلس هو على العرش مكانه، ~~فأوهمه فزعه أنه يرى في الهواء خنجره الذي اغتال به ضحيته، فازداد فزعا على فزع، ونظر ~~إلى يديه وهو يمدهما نحن شبح الخنجر في الهواء، وقال مخاطبا أصابعه ما معناه: في وسعك ~~أنت أيتها الأصابع أن تقطعي الشك باليقين، فعيناي تريان شبحا لخنجري الملعون معلقا في ~~الهواء، ليذكرني بجريمتي المنكرة، فتحسسي أنت يا أصابعي وأنبئيني هل تلمسين خنجرا، ~~فلمستك هي التي لا تخطئ اليقين ... وأعود إلى ذكر مكتبتي التي اختلط غثها بثمينها، لأقول ~~إنه لا العينان تسعفان فيما أريد إخراجه من الرفوف، ولا الأصابع تهدي، فإذا تأزمت نفسي ~~وضاقت، أخذت أجذب من الخزائن مكنونها كيفما اتفق، لعل مصادفة عمياء تهديني إلى الضالة ~~المنشودة. # وذلك ما وقع لي منذ قريب، فقد أرقتني رغبة حامية في أن أعثر على بضعة أسطر كنت كتبتها ~~في دفتر من دفاتر المذكرات، وكانت الفكرة المعروضة في تلك السطور، هي أن العلم يتقدم في ~~عصرنا بسرعة تفوق الخيال أحيانا، ثم سيق مثل لذلك، العالم ج. ج. تومسن وولده، فقد كان ~~الوالد قد ترك حقيقة علمية معينة وهي على صورة يعلمها ويحفظها، فلما حدث أن التقى بابنه ~~- وهو كذلك عالم في الميدان نفسه الذي كان يعمل فيه أبوه - أقول إنه حين حدث أن التقى ~~الوالد بالولد وورد في حديث بينهما ذكر تلك الحقيقة العلمية المعينة، تبين أن الصورة ~~التي كان الوالد قد عرفها عنها أيام أن كان عاملا في ميدانه العلمي، قد تغيرت مع الزمن ~~القصير - وهو الفارق بين والد وولده - حتى لأوشكت أن تنقلب رأسا على عقب. # كان ذلك هو مدى ما حفظته لي الذاكرة من أمر تلك الحقيقة، لكن الرغبة اشتدت بي حتى ~~أرقتني، الرغبة في أن أراجع الحادثة في دقة أصلها، فأين أجدها؟ في أي دفتر يا ترى بين ~~دفاتر المذكرات؟ ها هنا ms054 دفعني اليأس إلى أن أبقر أكداس الخزائن لأخرج أمعاءها في ضوء ~~النهار. معى معى، وكالطفل الذي يبكي على شيء مفقود، فيلهيه عن ضالته وعن بكائه أن ~~يعثر على شيء آخر لم تدر به خواطره، كذلك كنت. # وذلك أن وقعت عيني على كراسة مكتبية (أجندة) لسنة 1967، جميلة التغليف إلى درجة تخطف ~~البصر، ملئت صفحاتها بفقرات مرقمة، فهمست لنفسي: ماذا تحمل هذه الكراسة في صفحاتها؟ ~~وهنا تركت أكداس الكتب والأوراق مكومة على أرض الغرفة، واستدرت لأستوي إلى مكتبي، ~~وأعددت عدساتي، وأضأت المصباح، وأخذت أقرأ، بادئا بالفقرة الأولى، فقرأت من أسطرها ~~الأولى ما يلي: # أهداني أحد الأصدقاء هذه الكراسة لتدوين المذكرات، قسمت صفحاتها تقسيما ~~يسير بها مع أيام سنة 1967، فلكل يوم صفحة كاملة، والكراسة مصقولة الورق، جيدة ~~الصناعة، مزخرفة الغلاف، صقلا وجودة وزخرفة تلفت النظر، فلم نألف لفترة ~~طويلة أن تعرض لنا أسواقنا كراسات بهذه الأناقة كلها، فلعلها جاءت إلى صديقي من ~~لبنان؛ إذ وجدت على صفحاتها ما يدل على ذلك ... وضعت الكراسة على مكتبي، وتركتها ~~تختفي حينا وتظهر حينا بين الكتب والأوراق، فهي آنا هنا وآنا هناك، هي على ~~السطح مرة، ومرة في القاع، ولطالما اعترضت طريقي وأنا أبحث عن ورقة أو كتاب، ~~فأنحيها بحركة عنيفة، كأنها هي المسئولة عن اختفاء ما أبحث عنه، وظلت هكذا طوال ~~العام - 1967 - الذي خلقت من أجله، ظلت هكذا كراسة خرساء، تضر ولا تنفع، تعوق ~~ولا تعين، لم أخط على صفحاتها حرفا، ولكني كذلك لم أجرؤ على إتلافها، وهي ~~الكراسة المصقولة أوراقها، المزخرف غلافها، المتقنة في صنعها. # فلما انتهى العام، وتهيأ الناس لاستقبال عام جديد، قلت لأنطقن هذه الصفحات الخرساء، ~~خلال العام الجديد، ولا بأس في أن أتأخر بها عاما عن موعدها، فهكذا عودتني حياتي في ~~كل مراحل عمري؛ إذ عودتني أن أتأخر عن الركب أعواما، ثم أظهر بعد أن تكون الفرصة ~~الملائمة قد لفها الظلام. # عند هذا الموضع من مذكراتي، قلبت أربع ورقات أو خمسا، ثم تابعة القراءة: # لئن كان الإنسان مخلوقا ساميا شريفا، بالنسبة ms055 إلى سائر المخلوقات جميعا، ~~فليس هو كذلك إلا في صفوة من أفراده، وفي لحظات محدودة من حياة هؤلاء الأفراد ~~هي لحظات الإبداع في الفكر والفن، وأما ما دون ذلك من أفراد الناس، ومن لحظات ~~لا إبداع فيها عند الصفوة الممتازة، فالحياة عندئذ هي عضل قوي أو ضعيف، ومعدة ~~تهضم الطعام أو لا تهضمه، وقلب يضخ الدم، ورئة تتنفس في صحة أو في مرض، فبينما ~~يعلو الفكر والفن بالمبدعين إلى منزلة تدنو من منازل الملائكة، تهبط الأبدان ~~بأصحابها إلى مرتبة واحدة مع الحيوان ... أقول ذلك وفي ذهني صورة مضحكة مبكية ~~لرجل من أصحاب الأبدان، رأيته في سيارة الطريق الصحراوي إلى الإسكندرية، اشترى ~~لنفسه تذكرتين ليريح بدنه الضخم على مقعدين، ثم شاءت الظروف النكدة لمسافر أن ~~يخطئ السيارة التي حجز مكانه فيها، فركب التي تليها، ولكنه لم يجد له مكانا، ~~فاتجهت الأنظار إلى صاحب المقعدين ليفسح مكانا للمسافر المخطئ المسكين، غير ~~أنه أصم أذنيه عن أصوات الرجاء. # إن مسلك ذلك الرجل ذي المقعدين، وقد جعل أذنا من طين وأذنا من عجين، حتى لا ~~يصل إلى سمعه شيء من أصوات الرجاء، أقول إن ذلك المسلك له اليوم أشباه في ~~مجتمعنا تعد بمئات الألوف، كأنما انقلبنا بين يوم وليلة شعبا لا يحب فيه أحد ~~أحدا، إلا أن تكون العلاقة علاقة القربى الوثيقة، فهل تقول إن الروح «الوطنية» ~~لم تتأصل في نفوسنا بعد، ونحن من نحن من أمة ترابط أبناؤها في وطن واحد منذ ~~آلاف السنين؟ وإذا لم تكن هذه هي العلة فماذا عساها أن تكون؟ # كان ذلك بعض ما قرأته في كراسة المذكرات التي وقعت عليها «مدشونة» بين أكوام الكتب ~~والأوراق، فقلت لنفسي: سبحان الله، فلقد جاءني خلال اليومين الأخيرين سؤال واحد موضوعا ~~في صورتين مختلفتين: قالت السائلة الأولى، بعد أن أخذت تقص علي روايات تجاوز حدود ~~الخيال، عن ضروب من الكراهية فيما يتعامل به الناس بعضهم مع بعض، هنالك في بنائنا ~~الاجتماعي الآن خلل، فقل لي أين موضعه؟ وقالت السائلة الثانية بعد شكاة ms056 تئن بالألم: ~~إننا اليوم أشبه برجل دب في أوصاله وجع لا يعرف مصدره، فهلا قلت لي أين مكمن الوجع؟ ~~وإذا أضفت إلى هاتين السائلتين عشرات من لقاءات عابرة، راح الملتقون فيها يرسلون ~~أحاديثهم إرسالا غير مدبر ولا مقصود، لكن تلك الأحاديث المرسلة لم تكن تلبث إلا قليلا ~~- في كل حالة - حتى تنعقد على محاولات للإجابة عن سؤال مضمر أحيانا صريح أحيانا، وهو ~~سؤال يقول: ماذا أصابنا بحيث أصبح أحدنا يأكل لحم أخيه ميتا فلا نكرهه! # وعندي أن ما أصابنا يمكن تلخيصه في جملة واحدة، وهي أن المصري في هذه المرحلة من ~~تاريخه فقد حسه بوجود «الآخرين»، فالفرد الواحد يتصرف - ما مكنته الظروف - وكأنه وحده ~~في هذا البلد، يريد أن يبتلع من المال أكثر مما يسع جوفه أن يبتلع، وأن يجمع في يده من ~~السلطان أكثر مما يقتضيه وجوده، فكيف حدث ذلك للمصري، وهو الذي عرف الانتماء إلى «أمة» ~~قبل أن يعرف ذلك سواه؟ كيف حدث للمصري أن يجعل من نفسه «فردا» أكثر جدا مما يجعل من ~~نفسه «مواطنا» «يواطن» آخرين، في بلد واحد، وهو الذي أدرك فكرة «الوطن» قبل أن يدركها ~~سواه؟ كيف حدث للمصري أن يسلك وكأنه لا يحمل في فؤاده «ضميرا» يضبط له ذلك السلوك ~~ويقيده، وهو الذي على يديه - كما يقول المؤرخ الأمريكي «بريستد» - لمعت الطلائع الأولى ~~من «فجر الضمير»؟ # لكن لا، مهلا، فعن أي مصري نتحدث؟ إن هذا الذي أثار حيرة السائلين، لا يصدق إلا على ~~قلة محدودة ممن قست عليهم ظروف المرحلة التي نجتازها اليوم، ولعلها تنحصر - بصفة عامة - ~~في متعلمين لم يتحقق طموحهم بسبب فجوة واسعة بين ما تعلموه وما كانت تريد لهم الحياة أن ~~يتعلموه؟ ولكن هل تصدق تلك الشكوى على المرأة المصرية من حيث هي أم تفني نفسها في رعاية ~~أطفالها؟ وإذا لم تكن تصدق عليها، فهذا هو نصف الأمة، ثم هل تصدق الشكوى على ملايين ~~الزارعين لأرضهم، كأن تلك الأرض ولد من أولاده، بل ربما ظفرت من عطفه بقسط أكبر، وإذا ms057 ~~لم تكن الشكوى تصدق على نسبة ضخمة من الزارعين، فهذه عدة ملايين من الأمة لم يصبها ~~السوء وتستطيع أن تضيف شرائح عريضة أخرى من بنائنا الاجتماعي لا تزال تحمل على كتفيها ~~أمانة الإخلاص. # ومع هذا التحفظ فليس فينا من لا يلحظ تحولا في وقفة المصري من سائر مواطنيه وقفة ~~فيها استغلال للآخرين، وفيها استغفال للآخرين، بل فيها ما يشبه الإنكار لوجود الآخرين، ~~وها هنا موضع «الخلل» - إذا استخدمنا اللفظة التي أوردتها إحدى السائلتين في سؤالهما - ~~وها هنا كذلك مكمن «الوجع»، إذا استخدمنا اللفظة التي وردت في سؤال السائلة ~~الثانية. # إذا كان هذا هكذا، فسؤالنا الضخم العويص، المعقد، هو الآن: ما الذي حدث في حياة ~~المصري فأفقده شعوره بالآخرين؟! الباحث الفاحص في طبيعة المصري وملامحها الكبرى، يستحيل ~~أن تخطئ عينه صفة التكافل الاجتماعي التي تميز المصري منذ أقدم عصوره، نعم إنه بغير قدر ~~من ذلك التكافل الاجتماعي لما وجدت أمة بأي معنى من معانيها، في مصر وفي غير مصر على ~~السواء، لكن هنالك الفرق الشاسع بين تكافل يفرضه القانون على المواطنين، وتكافل ينبثق ~~من طبائع الفطرة أو الثقافة الموروثة بغير حاجة إلى قوة القانون، فإذا رأيت ضروبا من ~~التكافل هنا وهنالك وفي كل مكان، فذلك في حد ذاته لا يجعل الكل سواء، لأن بعضهم يتعاطف ~~مع الآخرين بحكم المحكمة، وبعضهم لا ينتظر من المحكمة حكما ليتعاطف مع ذوي قرباه، ~~وجيرانه، وأهل قريته - ثم مع مواطنيه جميعا - وكانت مصر من هذا الضرب الثاني، إلى أن ~~حدث ما حدث في مرحلتنا الراهنة، فأصبحنا من أصحاب الضرب الأول، في أن تكون رعاية الفرد ~~للآخرين مفروضة بأحكام القانون، مع فرق بيننا وبين سوانا - ربما - وهو أن سوانا فيهم ~~كثيرون يحترمون القانون فينفذونه لا عن خوف، بل لأنه قانون وكفى، وأما نحن - أخشى أن ~~أقول - فمنا كثيرون يجعلون اهتمامهم الأول إزاء القانون، هو البحث عن ثقوب فيه تصلح ~~للفرار بين قيوده دون التعرض للعقاب. # أعود فأقول: إن سؤالنا العويص المعقد الآن، هو ما الذي حدث للمصري ms058 ليتحول هذا التحول ~~الغريب؟ قد تختلف في التعليل، وقد تتعدد العوامل التي أدت إلى التحول، لكنني أرى أن أهم ~~ما حدث في هذا الصدد، هو انعدام الصلة السببية (تقريبا) بين المواطنين وجهودهم ~~وقدراتهم وإنتاجهم من جهة، وما يصيبونه من جزاء من جهة أخرى، فإذا سألت عن مواطن: لماذا ~~وضع في خريطة حياتنا هذا الموضع؟ فقلما يجيئك الجواب الذي يقنعك حقا بأن جهوده ~~وقدراته وإنتاجه هي التي أدت به إلى ذلك، فهنالك ألف سبب وسبب قد تفعل في ذلك فعلها، ~~قبل أن يكون ل «الأحقية» اعتبارها؟ وحسبنا أن نعيد إلى الذاكرة تلك المفاضلة العجيبة ~~التي شغلت أذهاننا ذات يوم، بين أصحاب الكفاءة وأصحاب الثقة لأيهما يكون الأمر؟ وتنتهي ~~المفاضلة يومئذ بتفضيل من يوثق في إخلاصه على الكفء القادر؟ وكأن الكفاءة القادرة ~~تتعارض مع الإخلاص والولاء، والذي نود هنا أن نلفت إليه النظر، هو أن للكفاءة مقاييسها ~~المحددة الواضحة، وأما الثقة فمسألة ذاتية صرف، فإذا حق للسائل أن يسأل ما برهانك على ~~أن فلانا مهندس بارع، فلا يحق لك أن تسأل الواثق في إخلاص مساعديه: ما برهانك على أنهم ~~جديرون بالثقة؛ لأن الأمر هنا - إلى حد بعيد - يختلط بعوامل نفسية خالصة تؤدي إلى حب أو ~~إلى كراهية. # وضعت القيادات في أيدي المقربين بحكم إخلاصهم، سواء اقترن ذلك بالقدرة أو لم يقترن، ~~ثم ما هو إلا أن بات هدف الطامحين إلى الصعود، هو أن يكون الطامح من هؤلاء المقربين قبل ~~أن يكون من القادرين، فنتج عن ذلك نتيجة حتمية، وهي أن يصعد الصاعدون فوق رءوس ~~القادرين، حتى إذا ما بلغوا ذراهم كانت لهم السيطرة على توجيه الكفاءات إلى حيث يريدون ~~لها أن تتجه، لا إلى ما تقتضيه طبائع الأشياء والمواقف كما تراها المعرفة العلمية ~~والخبرة بتطبيقها. # فإذا تذكرنا بعد هذا كله أن العدل الاجتماعي لا يعني آخر الأمر إلا أن يجد كل مواطن ~~نفسه في الموضع الذي هيأته له فطرته وقدراته، عرفنا أمرين يتصلان بموضوع حديثنا: الأول ~~هو أننا أخلصنا لمبدأ العدالة الاجتماعية ms059 أكثر جدا مما نجحنا في تحقيق ذلك المبدأ، ~~والثاني - وهو المهم في الموضوع حديثنا هذا - أننا كثيرا جدا ما جعلنا الطريق إلى ~~بلوغ الأهداف التي يطمح إليها الطامحون، يقتضي بالضرورة أن يداس على أعناق «الآخرين»، ~~ومن هنا نشأ «نموذج» اجتماعي جديد، هو الذي أراه مصدر «الخلل» أو مكمن «الوجع» فيما ~~نشكو منه، وعلاج الأمر هنا - لحسن الحظ - بسيط ويسير وهو أن نعود إلى النموذج الاجتماعي ~~الذي لا يعطي مكانا لمواطن إلا إذا قدم من عمله وقدرته ما يبرر ذلك العطاء، وإذا حدث ~~هذا قلت حدة السعار في أن يأكل أحدنا لحم أخيه ميتا ثم لا نكرهه! # ومن بواعث حيرتي أن أجد في المرحلة الزمنية نفسها، التي تشهد هذه اللامبالاة القاسية ~~من الفرد نحو «الآخرين» - إذا ظنهم عقبات في طريقه - أقول إن المرحلة الزمنية نفسها ~~التي تشهد هذا، تشهد كذلك ميلا ملحوظا إلى التزمت الديني، أو التظاهر به، فكيف حدث ~~لهذين الخطين أن يتوازيا جنبا إلى جنب في وقت واحد؟ مع أن المسلم إذا ما شدد قبضته على ~~عقيدته الإسلامية، ازداد شعورا ب «الآخرين» لا من حيث هم وسائل تستغفل وتستغل، بل ~~من حيث هم غايات في أنفسهم، وانظر نظرة مدققة متعمقة إلى كل ركن من أركان الإسلام ~~الخمسة، تجده منطويا على ضرورة أن يتصور المسلم نفسه دائما، لا على أنه فرد مستقل ~~منعزل، بل على أنه كذلك عضو في جماعة. # فالركن الأول، وهو شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، يتضمن بمنطق ~~«الشهادة» نفسه الاعتراف بثلاث حقائق: الشاهد، والمشهود به، والمشهود أمامه، فأنا موجود ~~بحكم أني «أشهد»، والله سبحانه موجود وحده لا يشاركه في الألوهية إله آخر، بحكم منطوق ~~الشهادة، وثالثا أن «آخرين» موجودون، هم الأمة التي أنا عضو فيها، والتي أشهد أمامها ~~شهادتي لتكون معلنة، والركن الثاني من أركان الإسلام هو إقامة الصلاة، وفيها يحث الفرد ~~على أن يصلي مع «آخرين» جماعة، فإن تعذر ذلك طيلة أيام الأسبوع، أصبح الأمر فرضا عليه ~~يوم الجمعة، ليتحقق وقوفه أمام ms060 الله مع «الآخرين»، وكأن في ذلك عهدا مقطوعا من الفرد ~~أمام ربه، بأنه يقر بألا حياة له إلا منتسبا إلى هؤلاء، ومتآزرا معهم في صف واحد، ~~يستقبلون قبلة واحدة، والركن الثالث هو إيتاء الزكاة. فإلى من تزكي إن لم تكن زكاتك ل ~~«آخر»، وتأمل جيدا موقف «الزكاة»، فالزكاة تنمية بمعناها اللغوي، فأنت تنمو وتزكو ~~وتسمو حين تعين «الآخرين» على النمو والزكو والسمو، فهي ليست تبعة «اقتصادية» نحو ~~الآخرين فحسب، بل هي في الوقت نفسه تبعة أخلاقية وروحية، وكدت أقول «حضارية» ~~أيضا. # وأما الركن الرابع فهو صيام رمضان، ولست أعرف فترة زمنية يتكلم المسلمون خلالها لغة ~~حياتية واحدة، أكثر مما يفعلون في رمضان، فالأمة كلها كأنها على صلة هامسة كل فرد ~~بالآخرين، يأكلون معا ويمسكون معا، بل وكثيرا ما يتحدون في ألوان الطعام، فتزول ~~الحواجز كلها بين الفرد و«الآخرين» والركن الخامس وهو حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا، ~~ففكرة «الآخرين» أوضح من أن يشار إليها، على أن «الآخرين» هنا تتسع دائرتهم لتشمل ~~العالم الإسلامي كله. # فهل يكون المصري مصريا وهو يغض ناظريه عن «الآخرين» وجودا وحقوقا؟ وهل يكون ~~المسلم مسلما إذا فعل؟ # | «وإذا الموءودة سئلت»! # في سرحة من سرحات فكري، التي تعاودني كلما خلوت إلى نفسي، وإني لأخلو إليها ألف مرة ~~في النهار الواحد، شأن من فرغ وفرغت حياته من أثقالها، وهي السرحات التي كلما عاودت، ~~شطحت بذاكرتي في ذلك المستودع العجيب الرهيب، مستودع النفس وما حوته من مخلفات ماضيها، ~~أقول إنه في سرحة من تلك السرحات التي ينصرف فيها الإنسان إلى دخيلة نفسه، حتى لتصبح ~~العين وكأنها مغمضة عما حولها، والأذن وكأنها صمت لا تسمع الصوت، رأيتني وجها ~~لوجه مع تلك الفتاة، التي كنت قد التقيت بها على صفحات التاريخ، ولم أكد أنظر إلى شبحها ~~في ثوب أبيض كأنها القديسة في طهرها وصفائها، حتى تذكرت في وضوح ناصع، متى وأين التقيت ~~بها، ووقفت معها طويلا طويلا، إنها «هيبا شيا» الإسكندرانية، نذرت حياتها - على قصر ~~تلك الحياة - للفلسفة، فهي في ذلك ms061 فريدة في تاريخ الفكر، فذاكرتي الآن لا تسعفني باسم ~~آخر لامرأة ذكرها تاريخ الفلسفة على صفحاته، لكنها كانت كذلك فريدة في مصرعها على أيدي ~~رجال قساة غلاظ القلوب يحملون على أعناقهم رءوسا خاوية إلا من الهوس وأخلاط ~~الجنون. # كانت «هيبا شيا» هي التي جاءتني بها سرحة فكري هذه المرة، رأيتها ماثلة أمامي في ~~رزانتها الرصينة، ففتحت العين وأرهفت الأذن وكأنما سمعتها تقول: لقد دعوتني، فها أنا ~~ذا. # قلت: لا، لم أدعك، ولا توقعت قدومك، فربما استدعاك ما كنت أفكر فيه. # قالت: وفيم كنت تفكر؟ # قلت: في رجل الشارع، لكن دعينا الآن مما كنت أفكر فيه، ولنا إليه عودة، أما الآن فقصي ~~علي ما أصابك، إنني أعلم شيئا عنه، أضاع منه النسيان شيئا وأبقى شيئا. # قالت: وكيف عرفت ما عرفته عن مأساتي، وبيننا خمسة عشر قرنا، فأنا من أهل القرن ~~الخامس الميلادي، وأنت من أبناء القرن العشرين؟ # قلت: قرأت عن مأساتك فيما كتبه شيخ المؤرخين الإنجليز «إدوارد جيبون»، ذلك المؤرخ ~~الذي كان يكتب التاريخ بقلم الأديب، يرسم الصور بقلمه فتحيا ويحيا معها القارئ، فكان ~~قلمه للأحداث هو نشور لها بعد دثور. # قالت: كانت مأساتي مروعة دامية، وأعجب ما فيها أن جنايتي عند أولئك القساة هي اشتغالي ~~بالفلسفة وعلوم الرياضة، ولقد أوقعوا بي ما أوقعوه باسم الدين. # قلت: هيه يا فتاتي، حدثيني، فأمسنا يبدو كيومنا، والإنسان هو الإنسان لا يغيره ~~الزمان، حدثيني يا فتاتي عما حدث. # قالت: أراد بي ربي ألا ألهو مع اللاهيات فشغلت نفسي بالدراسة، ودفعني هواي إلى أن ~~تكون الفلسفة موضع حبي، ولعلك تعلم أن الفكر الفلسفي والفكر الرياضي قرينان؛ لأنهما ~~شبيهان في طريقة البدء وفي منهج السير. # وما أنا ذات يوم في ساعة الضحى، وبينما كنت منتقلة في عربة أطوي بها الطريق في مدينة ~~الإسكندرية، أنعم بزرقة البحر تحت زرقة السماء، والهواء منعش جميل، إلا وقد دهمت ~~العربة جماعة اشتد بهم الهوس والجهل معا، فحسبوني خارجة على الدين، فلا هم يعرفون ~~حرفا مما أدرسه، ولا هم يأخذون بكلمة ms062 مما يوصي به الدين، فانتزعوني من العربة ~~انتزاعا، وخلعوا عني الثياب عنوة وقسرا، ودفعوا بجسدي العريان على الأرض، وشدوني إلى ~~حبل، ثم جروني جرا على حصباء الطريق، حتى لقد تسلخ ونهش وكادت تظهر العظام مما كان ~~يكسوها، فلما بلغوا بي إلى حيث أرادوا، وجدت رؤساءهم في انتظاري، وأقاموا من أنفسهم ما ~~يشبه المحكمة الدينية لمحاكمتي. # وعبثا حاولت الكلام، فالبدن منهوك القوى، والطغاة لا يصغون، والحكم مقرر سلفا، ~~فانقضوا علي بالسكين ذبحا، وأشعلوا نارا، وأخذوا يكشطون ما بقي من لحمي بمحارات ~~مسنونة الأطراف، ويقذفون في النار بالأشياء شلوا شلوا، وبقطع اللحم قطعة قطعة، وكان ~~بعضها يلقى في اللهب وهو لم يزل يرتعش ببقية من حياة. # قلت: يا لهول المأساة، هل لك أن توجزي فلسفتك في عبارات قليلة، لأوازن بين الجريمة ~~والعقاب؟ # قالت: أتقول «جريمة» عن فكر فاحص باحث دءوب؟ لا، لا، إنه لا جريمة هناك، وما كانت ~~فلسفتي إلا صدى للفلسفة التي سادت الإسكندرية منذ نحو قرنين! فلقد كانت الإسكندرية - ~~ولا بد أن تكون على علم بذلك - نقطة التقاء الشرق والغرب في كل شيء، من تبادل السلع في ~~دنيا التجارة، إلى تبادل المذاهب الفكرية في دنيا الفلسفة، وكانت الإسكندرية كذلك، هي ~~التي رفعت لواء الفكر، بعد أن وهنت دون حمله مدينة أثينا، وكان قد جاءنا فيما جاءنا من ~~اليونان فلسفة أفلاطون، فأخذناها، لكننا طبعناها بطابع مصري أصيل، كشأن مصر دائما في ~~عصور قوتها، وماذا يكون الطابع المصري الأصيل، إن لم يكن هو التدين والتصوف؟ وهكذا ~~مزجنا الأفلاطونية اليونانية، بجرعة قوية من الدين والحس الصوفي، فكان لنا بذلك ما ~~يسمونه بالأفلاطونية المحدثة، وكان حقها أن تسمى بالأفلاطونية المصرية، والفضل في ~~إبداعها هو لذلك الأسيوطي «أفلوطين» الذي كان قد جاء إلى الإسكندرية من موطنه أسيوط في ~~صعيد مصر، جاء يطلب العلم واكتساب الحكمة، ولست أنا إلا تابعة من أتباعه. # قلت: الحق أني لا أجد في تلك الرؤية الفكرية ما يستحق العقاب. # قالت: أبدا، أبدا ليس فيها ما يعاب، فهي رؤية تؤكد وحدانية الله ms063 ودوامه ومشيئته، ~~بالنسبة إلى مخلوقاته المتعددة المتغيرة الفانية، ثم هي تقدم تفسيرا معقولا لخلق ~~الله للعالم، إذ تشبه ذلك بالشمس يفيض عنها الضوء. # قلت: لا تحزني يا فتاتي، فالذين - واللائي - اغتالهم الجهل والتعصب كثيرون في ~~التاريخ، وتحضرني الآن قصة ذلك المتصوف التقي الورع عبد الله بن حباب، الذي جاءت حياته ~~بعد حياتك بمائة عام أو يقرب منها إذ فاجأته جماعة من الخوارج بمثل ما فاجأتك الجماعة ~~المتهوسة التي رويت لي حكايتها. # قالت: ومن هم الخوارج، ومن هو عبد الله بن حباب؟ # قلت: لقد نزل على العالمين بعد عهدك بأقل من قرن واحد، دين الإسلام، وكان محمد - عليه ~~الصلاة والسلام - هو في ذلك نبي الله ورسوله، وبين أصحابه كان عبد الله بن حباب، الذي ~~بلغ من حبه للإسلام أن علق كتاب الله حول عنقه بخيط ليظل الكتاب على صدره، وأما الخوارج ~~فهم جماعة اجتمعت فيها متناقضات، فبينما هم يوصلون في عبادة الله ليلهم بنهارهم، حتى ~~لقد كانت جباههم تتقرح من كثرة السجود على الرمل والحصى، كانوا من غلظة القلب على من ~~يخالفهم في الرأي، بحيث لا يترددون في قتل المخالف، والنقطة الأساسية عندهم في اختبار ~~من يصادفونه من المسلمين، هي رأيه في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وهو الذي «خرجوا» ~~على طاعته، حين اعتقدوا أنه لم يلتزم كتاب الله في نزاع قام حول الخلافة، فمن وجدوه من ~~المسلمين مواليا لعلي، قتلوه، فاسمعي ما جرى من حوار قصير بين نفر من هؤلاء الخوارج، ~~وعبد الله بن حباب، وقد كان عبد الله هذا مع زوجته في داره، حين سمع صوتا آتيا من ~~الطريق، عرف منه أن رجالا من الخوارج، يجوبون الحي ليفتكوا بمن وجدوهم مخالفين لهم في ~~الرأي، فخرج عبد الله بن حباب ومعه امرأته، ليلوذا بالفرار حتى لا يصيبهما السوء، ~~لكنهما ما كادا يخرجان من دارهما، حتى أمسك بهما هؤلاء الرجال، ودار الحوار ~~الآتي: # الخوارج لابن حباب ~~: # إن هذا الذي في عنقك يأمرنا بقتلك. # ابن حباب ~~: # ما أحياه الله فأحيوه ، وما ms064 أماته الله فأميتوه. # الخوارج ~~: # ما القول في علي بعد التحكيم؟ # ابن حباب ~~: # إن عليا أعلم بالله، وأشد توقيا على دينه، وأبعد بصيرة. # الخوارج ~~: # إنك لست تتبع الهدى، إنما تتبع الرجال على أسمائهم. # وبعد هذا الحوار المقتضب القصير دفعوه هو وزوجته إلى شاطئ نهر قريب، فأضجعوه، فذبحوه، ~~ثم اتجهوا إلى امرأته الحبلى، فبقروا بطنها. # وكانت تلك الفظاظة والفظاعة وقسوة القلب وغلظة الكبد، هي أيضا باسم الدين، كالذي حدث ~~لك في مأساتك يا هيبا شيا. # إن رسالات السماء يا فتاتي إنما نزلت رحمة للعالمين، لكنه الإنسان وما يكمن في صدره ~~من غرائز الحيوان، هو الذي يضيق به الأفق فلا تقوى طبيعته على حمل الرسالة حتى وهو مؤمن ~~بها فيما يظن، فالجماعة التي اغتالتك على نحو ما فعلت، ربما جاءت لتتربص بك، بعد أن أدت ~~شعائر الصلاة في الكنيسة، إذ تقول رواية التاريخ، إن القديس كيرلس، راعي كنيسة ~~الإسكندرية وقتئذ، كان هو مدبر الاغتيال، صادرا في تدبيره ذاك عن إيمانه الديني كما ~~صورته له روح التطرف، وكذلك كان الخوارج الذين فتكوا بالصحابي الورع عبد الله بن حباب، ~~يصدرون في فعلتهم عن إيمانهم الديني كما صورته لهم روح التطرف، فالعلة - إذن - يا هيبا ~~شيا هي في التربية الدينية وعلى أي صورة ينبغي أن تكون. # وفي صفحات التاريخ عشرات الأمثلة بعد عشرات، أمثلة للجريمة حين تجيء عند مقترفها ~~نتيجة نية هي في حقيقتها نية طيبة؛ إذ ماذا أنت قائلة في سلوك يسلكه صاحبه، معتقدا أنه ~~إنما يتحرك بدافع من ضميره الديني، فمصدر الخطأ - كما ترين - هو في تربية لم تحسن ~~التوجيه، فتركت الناشئ ينشأ على خلل في موازين التقويم، فيحسب حسنا ما ليس بالحسن، ولو ~~حدثتك عما يحدث الآن في عصري الذي أعيش فيه، وهو كما تعلمين. يجيء بعد عصرك أنت بخمسة ~~عشر قرنا، أقول إني لو حدثتك عما يحدث في عالمي اليوم، من جرائم هي أبشع الجرائم، يصدر ~~فيها مقترفوها عن أسمى المعاني، إذ يصدرون عن العقيدة الدينية كما صورت لهم ~~وتصوروها، أو عن ms065 روح وطنية، أو غير ذلك من الدوافع النبيلة في ذاتها، لكنها كثيرا ما ~~توضع في غير مواضعها الصحيحة فيكون ما يكون، لو حدثتك عن ذلك لما صدقت أذنيك! ~~ويكفيني أن أذكر لك طرفا مما يحدث في بلد عربي حبيب، هو لبنان، فهل سمعت يا هيبا شيا ~~في عصرك وقبل عصرك عن بلد ينتحر كله باسم الدين؟ إنك لو أمعنت النظر في مأساة لبنان، ~~لرأيت أن كل شاب ممن يحملون السلاح، ويلقون بالقنابل، إنما هو ينطوي على معنى من ~~الإيمان أو من الوطنية، أو من الانتماء، لو أخذته مجردا وحده، وجدته معنى شريفا، ~~لكنه وضع في سياق مغلوط فأصبح شيئا آخر، لم تسمع الدنيا بأبشع منه، ثم انظري إلى ضرب ~~آخر من الانتحار الجماعي، في الحرب بين بلدين مسلمين يريد أحدهما أن يفني الآخر، ~~وانظري إلى ما يفعله الجيش الجمهوري في إيرلندا، يستحلون التقتيل والتخريب مدفوعين في ~~ذلك بمزيج من الدوافع الوطنية والدينية، وأما ما يحدث بدوافع السياسة في يومي هذا، ~~فقولي عنه ما شئت لأنك لن تعرفي كيف تبالغين في القول، حتى إذا تعمدت المبالغة، لأن ~~الواقع في جرائم السياسة يفوق كل خيال، حتى بين أبناء الوطن الواحد، ومكمن النكبة في ~~جرائم السياسة، هو في الخلط بين فكرة الغايات وما يؤدي إليها من وسائل؛ إذ يصور الجنون ~~القاسي لأصحابه، أنه ما دامت الغاية شريفة، فكل وسيلة هي بعد ذلك جائزة، حتى لو كانت ~~تلك الوسيلة هي أن تعذب إنسانا من البشر، فضلا عن أن ينال التعذيب جماعات من ~~مواطنيك، قد يعدون بعشرات الألوف أو بمئاتها. # أتعرفين يا هيبا شيا ماذا حدث بالأمس؟ لقد كنت قد ذكرت منذ قريب عن تعذيب الطغاة لشاب ~~عربي، وأن عيني قد دمعتا حين قرأت النبأ؛ لأنني إذ كنت أقرؤه، تخيلت أني هو ذلك الشاب ~~فيما لقي من إهانة وهوان على أيدي أعدائه، فجاءني كتاب من مؤلفه، ومع الكتاب خطاب فيه ~~بضعة أسطر قليلة تشيع فيها نبرة السخرية من رجع تدمع عيناه لحادثة كهذه، وحوله ما ms066 هو ~~أفجع وأبشع مما لقيه ألوف المواطنين من صنوف التعذيب، والكتاب المرسل هو سجل لبعض ما ~~عاناه مؤلفه، أو ما شهد غيره وهم يعانون، وهذا هو الكتاب في يدي، أقرأ عليك صفحة واحدة ~~من صفحاته، لتسمعي إلى أي حد بعيد يمكن أن تذهب قسوة مواطنين بمواطنيهم، تحت لواء ~~«الأهداف الوطنية العليا»، فاسمعي، ولن أقول لك متى كان هذا ولا أين؟ # قررت إدارة السجن ذات يوم ضرب جميع المعتقلين، فأصدر قائد السجن أمرا بصرف خمسين ~~عصا لكل معتقل، احتفاء بذكرى ... ولقد نفذت فينا العقوبة بصورة مخزية، فقد أمرنا ~~جميعا بربط عصابات على أعيننا، ثم الحبو على أرجلنا وأيدينا، شأننا شأن القرود ~~والكلاب، وأمرنا بالزحف هبوطا على درجات السلم إلى ساحة السجن، ثم طرحنا على ظهورنا، ~~وأمرنا برفع أرجلنا لنتلقى تحية الذكرى. # يسأل القرآن الكريم عن الموءودة إذا سئلت، بأي ذنب قتلت؟ وعلى هذا الضوء الهادي، ~~نسأل عن الذبائح البشرية في أرجاء العالم كله اليوم، بأي ذنب ذبحت، وعن المعذبين في ~~معتقلات العالم المتخلف وسجونه، يلقون من التعذيب ما يشيب له الولدان، بأي ذنب ~~عذبوا، وسيكون الجواب في هذا كله هو أنهم أصحاب رأي وعقيدة، وبعد هذا ترانا إذا ~~صرخنا بكل ما تحتمله الحناجر من صراخ، دعوة للناس أن يراعوا حقوق الإنسان، قيل لنا في ~~سخرية العابثين: ما الجديد في الدعوة إلى حقوق الإنسان، هذا شيء نعرفه من زمان، وهو ~~مسطور في تراثنا، فكأنما يطلب من الجائع ألا يشكو من الجوع؛ لأن أسماء الطعام مكتوبة ~~في الكتب. # أمسكت عن حديثي إلى هيبا شيا، لأنني لم أعد أرى صورتها ماثلة أمامي، وإذا بصوتها ~~يسألني: حدثني عما كان يدور في خواطرك، عندما استدعيتني من مخزون الذاكرة، فلقد قلت ~~لي لحظة ظهوري، إنك كنت تفكر في رجل الشارع، فكان هذا الخاطر عن رجل الشارع هو الذي ~~شدني من مخبئي، فما علاقتي برجل الشارع حتى ليكفيك أن تذكره فأستيقظ في ذهنك وأنجذب إلى ~~وعيك؟ # أجبتها قائلا: لا عليك من هذا، وإذا شئت الحق، فالصلة بينك وبين ms067 رجل الشارع لم ~~تكن عندي، بل سمعتها تتردد على ألسنة زملاء أعزاء، فهم الذين ربطوا بينك وبين رجل ~~الشارع. # قالت: كيف؟ # قلت: ألست موصولة بالفلسفة حتى لقد ذبحت من أجلها؟ فذكرك يذكر بالفلسفة، وذكر ~~الفلسفة عند الزملاء الأعزاء يذكر برجل الشارع، وهم يقولون في ذلك إن رجل الشارع يعيش ~~«الفلسفة»، إذن فهو فيلسوف مع الفلاسفة، وينتج عن هذه الرابطة ألا نعلم الفلسفة إلا ~~ورجل الشارع في أذهاننا. هذا ما يقوله الزملاء الأعزاء. # قالت هيبا شيا: لكنهم وقعوا في خلط شديد، أليس كذلك؟ # قلت: نعم، لقد خلطوا بين أطراف الموقف خلطا لم يكن يجوز الوقوع فيه؛ فالناس «يعيشون ~~الضوء» و«يعيشون الصوت» و«يعيشون الكيمياء» و«يعيشون النبات» ... نعم إن هذه الأشياء كلها ~~تقع في صميم حياتهم اليومية، لكن أحدا لا يجرؤ على القول إنه بناء على ذلك يجب أن ~~يكون لرجل الشارع مشاركة في علم الضوء، وفي علم الصوت، وفي علم الكيمياء، وفي علوم ~~النبات والحيوان، وحقيقة الأمر هي أن الطريق بين رجل الشارع والعلوم (ومن بينها الفلسفة ~~إبداعا ودراسة) هو طريق صاعد هابط، بمعنى أن موضوعات العلم إنما تأخذ مادتها مما هو ~~واقع، ثم تصعد العلوم بهذا الواقع إلى مستوى الدراسة النظرية التي لا يضطلع بها إلا ~~العلماء، ثم تهبط نتائج تلك الدراسة العلمية إلى دنيا التطبيقات العملية، أي إلى الدنيا ~~التي يعيش فيها رجل الشارع، فنحن إذ ننادي بوجوب أن تأخذ الفلسفة في اعتبارها دراسة ~~الأفكار الشائعة في دنيا الناس، محاطة بالغموض، فيكون من واجبات دارس الفلسفة أن ~~يتناولها بالتحليل والتوضيح، لا نعني بذلك أن يشارك رجل الشارع في الدراسة والتحليل، ~~العلماء وحدهم ينتجون العلم، ورجل الشارع يستخدم في حياته العملية ما أنتجوه. # قالت هيبا شيا: إن أصدقاءك الأعزاء قد ذبحوا الفلسفة ذبحا، أو قل إنهم خنقوها بتراب ~~الشارع. # فتلوت خاشعا: # وإذا الموءودة سئلت * ~~بأي ذنب قتلت ~~؟ وكانت هيبا شيا عندئذ قد اختفت من مخيلتي صورة ~~وصوتا، فتركت مقعدي، وأويت إلى فراشي لأدخل في نعاس الليل. # | شبح اسمه الغزو الثقافي # إنه ms068 لا يزورني إلا حينا طويلا بعد حين طويل، لكنه إذا فعل، بشرت نفسي بمحدث ~~يستولي على لب سامعه بسحر حديثه، ومع ذلك فكثيرا ما يلوذ بصمت مفاجئ لا أدري له سببا، ~~وذلك ما حدث في زيارته الأخيرة، وهي أخيرة لكنها وقعت منذ عامين أو نحو ذلك. # إنه في تلك الزيارة، جاء فاستوى على كرسيه بجواري، ولزم الصمت بعد تحية سريعة قصيرة ~~هامسة، فأخذت من جانبي أحييه ثم أحييه، وأرحب به ثم أرحب به، فيكتفي بهزة رأسه ووضع كفه ~~على صدره، مع ابتسامة مصنوعة، فبحثت في مخزون الدماغ عن أي شيء أقوله، لعلي أحرك فيه ~~شهوة الإجابة، فتنحل عقدة لسانه، قلت: إنني يا أخي كثيرا ما أقع خلال قراءتي، على ~~عبارة هنا وعبارة هناك، فيها من الغرابة عن المألوف ما يصدم، ولكن فيها كذلك من الحق ما ~~يوقظ، وعندئذ أنظر إلى العبارة مرقومة أمامي على صفحتها بمداد أسود، إلا أنها تتألق ~~أمام بصري وكأنها تحولت إلى أحرف من نور، أو هكذا يخيل إلي ساعتها، ولعل ذلك الوهم ~~العجيب في طبيعتي، إزاء عبارات كهذه، هو الذي يعين ذاكرتي على الاحتفاظ بها، وكأنها ~~احتفرت فيها بمسمار من نار. # هنا تحرك زائري حركة خفيفة على مقعده، وقال في اهتمام واضح: مثل ماذا؟ فقلت: مثل ~~عبارة وردت في سياق ما يعرضه الكاتب، تقول: «إنهم يقولون لماذا تستعبدون الناس وقد ~~ولدتهم أمهاتهم أحرارا، مع أن هؤلاء الناس قد ولدتهم أمهاتهم مكبلين بقيود من فولاذ، ~~هي قيود الغرائز التي لا حيلة لهم فيها، وقيود الظروف التي ترسم لهم معظم طريق الحياة ~~مقدما.» تلك عبارة، وأخرى وجدتها تقول: «لا تنصت إلى من ينصحك بأن تعامل الناس كما تحب ~~أن يعاملوك به، فقد فعلت ذلك ولقيت الوبال، فأنا أحب لنفسي أن يعاملني أصغر صغير وكأننا ~~متساويان في الصغر، أو متساويان في الكبر إذا أردت فعاملت كبيرا ذات يوم بنبرة في ~~الحديث قد توحي إليه بأننا متساويان صغرا مثل صغري، أو كبرا مثل كبره، فحزن لذلك ~~واغتم وبطش بي بعد ms069 ذلك بطش الأشداء لأعرف من هو ومن أنا، وكم تكون المسافة بيننا.» ~~وعبارات أخرى في مجالات أخرى، مثل قول الجاحظ في كتاب الحيوان: «إن القردة تشبه الإنسان ~~في ظاهر ملامحه وحركاته، ولكنها لا تشبهه في السريرة التي تبعثه على الوفاء، وأما ~~الكلاب فتشبه الإنسان من باطن، إذ تشبهه في بواعث سريرته ولا تشبهه في ملامح وجهه أو ~~حركات بدنه، ولذلك نضحك من القردة لأنها تحاكي الظاهر ولا تحاكي الباطن، ولا نضحك من ~~الكلاب؛ لأنها اختارت الباطن حين حاكت.» هذا هو معنى ما ورد عند الجاحظ، وضعته لك في ~~عبارتي لأنني لا أحفظ نص عبارته، وهكذا يا صاحبي فماذا ترى في أقوال كتلك؟ # تحرك زائري مرة أخرى في مقعده، وابتسم، لكن حركته هذه المرة لم تكن كسابقتها صادرة عن ~~قلق، بل جاءت لتعبر عن طمأنينة، كما لم تكن ابتسامته هذه المرة مصنوعة كسالفتها، بل ~~جاءت مطبوعة بطبعة الرضا الودود، ثم قال: لقد صدقت إنها عبارات كاشفة كأنها المصابيح ~~يتوهج الضوء في زجاجها، وهنا رأيته وقد اعتدل في جلسته، مسترخيا هادئا، استرخاء ~~المطمئن وهدوءه، فعرفت أنني مقبل على حلو الحديث، قال: # سأقص عليك قصة، هي - كالعبارات التي ضربت لي أمثلة منها - في ظاهرها من البعد عن ~~المألوف ما يصدم، ولكن فيها كذلك من الحق ما يوقظ! فلعلي ذكرت لك مرارا، ذلك الصديق ~~الذي ورث عن أبيه الثراء العريض، كما ورث منه كذلك ميلا إلى تحصيل المعرفة تحصيلا ~~دائبا متصلا، ومع ذلك فهو لم يصل عند ذلك التحصيل حد الإشباع، إن لم يكن قد زاده ~~نهما، وهو الصديق الذي قلت لك عنه إنه دائم السفر، لا يستريح من رحلة إلا ليأخذ أهبته، ~~ويعد عدته إلى رحلة أخرى، في كل مرة يعود إلي بزاد وفير، عما رآه وسمعه في طول أرض ~~الله وعرضها، ولقد جاءني هذه المرة بأغرب ما يروى وربما كان كذلك أصدق ما يروى في ~~دلالته الخافية لا في صورته الظاهرة. # زعم لي أنه مر بإحدى الجزر المجهولة في الجزء الجنوبي من ms070 المحيط الهادي، ذكر لي ~~اسمها، لكني نسيته لأنه مما ينسى لطوله وكثرة أجزائه، وأهل تلك الجزيرة - كما روى لي - ~~يرتدون ثيابا غريبة لكن الطيبة تشع نورا هادئا من وجوههم السمحة وعيونهم الوديعة، ~~ويبدو أن الجزيرة غنية بطيباتها مما يتيح لأهلها فراغا وراحة، ثم ما هو إلا أن سمعوا ~~صاحبي ينطق جملا متقطعة بلغته العربية غير المفهومة لهم، فأدركوا من فوهم أنها هي لغة ~~من جاءهم من الرحالة وأحبهم، وأقام معهم، فأسرعوا به ليلتقي بهذا الزائر الجديد، وإذا ~~بالرجل يمني عربي، استطاب الإقامة فأقام، وكان ذلك لصاحبي نعمة هبطت إليه من ~~السماء. # تلازم العربيان، وأخذ الزائر القديم يقص على الوافد الجديد عن أهل الجزيرة أغرب ~~القصص، وكان أغربها عن سلطان الجزيرة الذي يقيم وحده في برج مغلق عليه، أو لعله برج بلا ~~نوافذ وأبواب. # قال اليمني - واسمه حامد - لصديقي الرحالة: منذ بضعة أعوام ضجت هذه الجزيرة الهادئة ~~ضجة اهتز لها كل أبنائها، وذلك إثر حادث غريب، امتزج فيه الوهم بالواقع، واختلطت ~~الخرافة بالعلم الصحيح، وكانت نقطة البداية أن رأى السلطان - أو خيل إليه أنه رأى لا ~~في أحلام نومه، بل في عز صحوته، شبحا غريبا - لا ندري كيف وجد طريقه إلى داخل البرج، ~~والبرج مصمت كما ترى، وكان الشبح - فيما نقل عن رواية الرواة - شبحا لرجل، لا كالرجال ~~في عالم الإنسان، فهو أطول من أي رجل رأته العين، وأعرض كتفين، وأغلظ عنقا، ورأسه بلا ~~شعر، وله ثلاثة أعين في وجهه، وعين رابعة في أم رأسه، وأما عيون الوجه فاثنتان في ~~الصدغين والثالثة في جبهته. # فزع السلطان لرؤيته فزعا شديدا، وهم بصرخة المستغيث لولا أن كتمه الشبح بإحدى ~~راحتيه قائلا له: لا تخف يا صاحب الجلالة، سوف تجدني صديقا معينا. # السلطان ~~: # من أنت؟ ومن أين جئت؟ # الشبح ~~: # وماذا ينفعك من أكون؟ وماذا يفيدك من أين جئت؟ لكن الذي يهمك حقا هو أنني ~~جئتك منذرا بغزوة تقلب نعاسكم يقظة، وغفلتكم صحوة وحرصا. # السلطان ~~: # لم أفهم عنك شيئا! # الشبح ~~: # سل عراف المعبد في الجزيرة ms071 ينبئك الخبر اليقين. # واختفى الشبح، فجزع السلطان لاختفائه كما جزع لظهوره، ولما أصبح الصباح، أرسل في لهفة ~~مرتاعة يطلب من عراف المعبد أن يمثل بين يديه، ولكن - يا هول ما يسمع وما يرى - فقد عاد ~~إليه رسوله، لينبئه بأن العراف يصر على بقائه في معبده وعلى السلطان أن يذهب إليه إذا ~~كانت به حاجة، فلم يجد السلطان بدا من أن يقصد متخفيا إلى المعبد، وكيف كان ليعلن عن ~~نفسه أمام شعب الجزيرة، الذي لم يعهد قط في سلطانه إلا أن يبقى حصينا في برجه، وعلى كل ~~من أمر السلطان بمثوله بين يديه أن يصدع بالأمر بمن فيهم عراف المعبد؟ # قصد السلطان متخفيا إلى عراف المعبد وهو في صومعته ودار بينهما حديث: # السلطان ~~: # جئتك لأقص عليك نبأ عجيبا. # العراف ~~: # أعرف كل شيء، فقد فاجأك الشبح ليلة أمس. # السلطان ~~: # ومن أدراك؟ # العراف ~~: # أنسيت جلالتكم أنني العراف؟ # السلطان ~~: # قل لي أيها القديس، ماذا يكون ذلك الشبح المخيف؟ # العراف ~~: # إنه ليس مخيفا. # السلطان ~~: # إنك إذا رأيته وسمعته، فقد رأيت وحشا نبتت في رأسه قرون الشياطين، وله في ~~يديه وقدميه مخالب الذئاب وصوته ذو بحة كفحيح الأفاعي، أتوسل إليك أن تنبئني من ~~يكون؟ وماذا يعني نذيره لنا؟ # العراف ~~: # هون على نفسك الأمر يا صاحب الجلالة، فهو آت من بلد بعيد، جنسه ليس جنسنا، ~~وعقله لا يشبه عقولنا، وقد أطلقوا عليه اسم «الغزو الثقافي» وحق لهم أن يفعلوا ~~لأنه يكتسح ويغزو، لا بالدبابة والمدفع، ولكن بما يملكه من فكر وفن. # السلطان ~~: # اللهم احفظنا من كل سوء، وكيف جاء إلينا، والبحر يحيط بنا والسماء فوق ~~رءوسنا؟ # العراف ~~: # ومن ذلك البحر وهذه السماء جاءكم، فهو ساحر يسبح فوق البحر آنا ويغوص في ~~جوفه آنا، ثم هو يطير في الهواء بأجنحة كأنه من جماعة النسور. # السلطان ~~: # ولكن لماذا أطلقوا عليه، أو أطلق على نفسه، هذا الاسم المركب الذي لم يألفه ~~الناس اسما بين الأسماء؟ وهل سمعت - أيها القديس - باسم كهذا من قبل؟ # العراف ~~: # الذي أطلق عليه اسم «الغزو الثقافي» ms072 هو أنتم يا مولاي، هو أهل جزيرتكم ~~فاستملح هو الاسم حين سمعه، واصطنعه لنفسه، وكأنه عده ضربا من التحدي فقبل ~~التحدي، قذفتم له بالقفاز كما كان يفعل المتبارزون، فالتقط هو القفاز، هو في ~~الأصل كان اسمه «ثقافة» فقط، وكان وهو بهذا الاسم البسيط في صورة بشرية من لحم ~~ودم، فلما تحول على أيديكم وأيدي أهل الجزيرة، يا مولاي، من «ثقافة» إلى «غزو ~~ثقافي» تحول كيانه تبعا لذلك، ليتم التطابق بين الاسم والمسمى، فتحول من صورته ~~البشرية الأولى إلى صورته الشبحية الراهنة، وماذا كنتم تريدون له أن يفعل ما ~~دمتم قد جعلتموه شيئا لا وجود له بينما هو موجود في دنيا الوقائع ~~والحقائق. # السلطان ~~: # ماذا تعني بهذا الكلام الغريب؟ # العراف ~~: # أعني أن الموجود عندنا أو عند غيرنا هو ثقافة لا غزو فيها، فإذا أضفتم إليها ~~صفة الغزو، انتقلت هي بعد هذه الإضافة من الوجود إلى العدم! ومن هنا جاءت ضرورة ~~أن يتحول الجسم الحي إلى شبح كالذي رأيته ليلة أمس يا مولاي. # وبعد أن فرغ زائري من روايته لما قصه عليه صديقه الرحالة ضحك ضحكة هادئة وسألني: هل ~~خرجت من هذه القصة بشيء؟ قلت له: نعم، بالتأكيد فقد كنت أتابع ما نقلته عن صديقك، فأشعر ~~كأنني أتابع قصة الثقافة في مصر إبان تاريخها الحديث، أو على الأقل خلال فترات من ذلك ~~التاريخ، منها هذه الفترة الراهنة التي نجتازها اليوم. فأدهشت إجابتي الأخ الزائر دهشة ~~انفعل بها حتى أخرجته من هدوئه، فسألني بما يشبه الصياح، وهو يمد ذراعيه أمامه ويطوح ~~بهما ذات اليمين وذات اليسار مرة وإلى أعلى وإلى أسفل مرة أخرى قائلا في ذهوله: ماذا ~~تقول يا أخانا؟ أقص عليك خرافة عاشتها جزيرة نائية حينا من دهرها، فتجعلها أنت تصويرا ~~للثقافة المصرية في بعض مراحل تاريخها الحديث، كيف كان ذلك يا مولانا قل لي بربك كيف ~~كان ذلك؟ # قلت: اهدأ قليلا يا أخي، فليس الصياح برهانا ولا اضطراب الأعصاب يزيدنا شيئا في ~~توضيح المعاني، سأبين لك الآن كيف أن ما أسميته ms073 أنت بخرافة أهل الجزيرة هو في الوقت ~~نفسه تصوير لحياتنا نحن الثقافية اليوم، فلنفرض أن أحدا جاءني وأراد الاستعانة بي في ~~تفسير حلم له رآه في نومه، ثم أخذ يقص علي هذه القصة ذاتها التي رويتها لي عن الجزيرة ~~وأهلها نقلا عن صديقك الرحالة، فكيف كنت لأفسرها، كنت لأقول له شيئا كالآتي: أما ~~الجزيرة الصغيرة النائية، فترمز هنا للعزلة المميتة التي نحيا اليوم في ظلمتها، وأعني ~~بها عزلتها الثقافية؛ وذلك لأن المعول في الحكم على حياتنا الثقافية ليس هو تلك العشرات ~~القليلة من صفوة المثقفين الذين يتابعون تيارات الفكر والفن في العالم المتقدم، الذي ~~شاء له الله في هذا العصر أن يكون مبدع الحضارة الجديدة، والثقافة الجديدة معا، بل ~~المعول هو على ما ينشره أصحاب الصوت المسموع لجماهير الشعب ولتسعة أعشار المتعلمين ~~أيضا، فإذا رأيت هؤلاء جميعا في واد، وما يعج به العالم المتقدم في واد آخر، فاعلم ~~إذن أن خير تصوير لهذه الحالة هو جزيرة نائية في جنوبي المحيط الهادي لا تسمع عن أحد ~~ولا يسمع عنها أحد. # وأما سلطان الجزيرة - والحديث هنا عن حياتنا الثقافية بوجه عام - فهو يرمز إلى أولئك ~~الذين أمسكوا بزمام الجماهير، يكتبون للجماهير ويذيعون للجماهير، فتسمع الآذان جميعا، ~~وتقرأ الأعين القارئة، فذلك السلطان المتسلطن على عرشه، لم تكفه عزلة الشعب في جزيرة ~~فينعزل معه، بل أمعن في العزلة فسكن برجا مصمت الجدران، لا تبصر فيه العين بابا ولا ~~نافذة حتى لتعجب من أين يكون الدخول والخروج، اللهم إلا أن يكون السقف مفتوحا نحو ~~السماء. # وأما الشبح البشع المخيف، الذي هاجم سلطان «الثقافة» الشعبية، فليس هو في الحقيقة بذي ~~وجود وإلا لما كان شبحا، وإنما هو موجود في أوهام السلطان وأعوانه وأشباهه ومريديه. إن ~~الشبح إذا كان قد هدد السلطان بغزو وشيك لجزيرته فما ذلك إلا انعكاس للسمادير الهائمة ~~في تلافيف دماغ السلطان وأدمغة الحاشية، وصورة من الهلوسة التي تفزعهم بالنهار ويرونها ~~في كوابيس الليل، أما الموجود حقا عبر المحيط، والذي يتسلل إلى الجزيرة رغم ms074 أنف ~~الكارهين، فهو «ثقافة» تأتي لتنفتح الأبصار وترهف الآذان. # هنا قاطعني زائري بقوله: وما الذي يدعوهم إلى أن يظنوا بالثقافة «غزوا» إذا لم ~~يكونوا قد رأوا تلك الثقافة خطرا على حياتهم. # قلت له: نعم، لقد صدقت، فالثقافة العصرية بعلومها وفنونها وآدابها، هي بالفعل خطر على ~~«حياتهم»؛ لأنها تحمل من العلم ما لا يعلمون، ومن الفن ما لا يقدرون، ومن الأدب ما لا ~~يتذوقون، إن الأمر - يا سيدي - لا يزيد ولا يقل عن دفاع غريزي عن النفس تماما كما يفزع ~~الكائن الحي أينما كان، لأخف حركة غير مألوفة يحس بها، وقد فاجأته فتسري في بدنه رعدة ~~الخوف، وتفرز له الغدد المختصة ما تفرزه داخل جسمه وينسحب الدم من رأسه حتى ليصفر وجهه، ~~وذلك ليتجه ذلك الدم المنسحب إلى الأذرع والأرجل استعدادا إما لمواجهة القتال وإما ~~للفرار، هو أمر طبيعي يا أخي لا غرابة فيه ولا شذوذ، والسلطان و«حاشيته وأشباهه» في ~~حياتنا الثقافية قد حفظ أشياء حفظا أصم وهو مستعد لإخراجها كلما دعت الحاجة، ثم يطويها ~~في صندوقها انتظارا للحظة أخرى يطلب منه فيها إعادة تسميعها، ومن هذا يكسب رزقه ~~الحلال، فلماذا يعرض نفسه لخطر الجديد الوافد كائنا ما كان نفعه عند أصحابه؟ من هنا ~~رأيته يرى في أية «ثقافة» ترد إلى أرضه «غزوا». # قال زائري: ومتى، يا ترى، ولماذا أخذ أصحابنا هذا الموقف؟ أم كانت تلك هي الحال ~~دائما معنا ومع غيرنا؟ # أجبته قائلا: إنها حالة تنتاب الرءوس في مراحل الضعف، لكنها تختفي اختفاء تاما في ~~مراحل القوة، انظر إلى العرب الأوائل عندما بلغوا من القوة ما بلغوا في صدر الإسلام، ~~لقد فتحوا ثغورهم جميعا لكل ثقافة تأتي من خارج حدودهم، أيا ما كان مصدرها. وهي إن ~~لم تأتهم من تلقاء نفسها أتوا بها عامدين، جاءتهم «ثقافة» وأرسلوا رسلهم ليجيئوا لهم ~~بثقافة ولم يخطر لأحد منهم - إلا نادرا - أن يقول قائل منهم إنه «غزو ثقافي»؛ وذلك ~~لأنهم كانوا أصحاء أشداء لا يخشون على أنفسهم لفحة البرد ، أو حتى ضربات الصقيع. # ولماذا ms075 نطوي القرون القهقرى أكثر من ألف عام بحثا عن مثال لما قد كان بين الأسلاف، ~~إنه لتكفينا بضع عشرات من السنين، لنرسل أبصارنا إلى ساحة الرجال، فهذا هو الشيخ محمد ~~عبده يقرأ ما كتبه هانوتو ليرد عليه، ثم يسافر إلى إنجلترا ليلتقي وجها لوجه مع شيخ ~~فلاسفة بريطانيا في ذلك العهد، وهو هربرت سبنسر، ثم ها هم أولاء رجالنا في العشرات ~~الأربع الأولى من هذا القرن: قاسم أمين، لطفي السيد، طه حسين، العقاد، الدكتور هيكل، ~~سلامة موسى، أحمد شوقي، طلعت حرب ... إلى آخر ذلك الرعيل الرائد من أقوياء فتحوا لكل ما ~~عند العصر من فكر وأدب وفن، فتحوا له صدورهم وقلوبهم وعقولهم في غير خوف، فلا بارك الله ~~أنفس الجبناء. # وأعود إلى رؤيا الحالم الذي افترضت وجوده، وتخيلت أن تكون رؤياه التي جاءني بحثا عن ~~تعبيرها عندي، هي نفسها الصورة التي نقلتها إلي عن الجزيرة وأهلها والشبح الذي اسمه ~~«الغزو الثقافي»، فأقول: إن «عراف المعبد» الذي ورد ذكره في الرواية إنما يرمز إلى ~~الفئة المباركة التي «تعرف» الأمر على حقيقته، وأين تعرفه؟ إنها تعرفه وهي في المعبد، ~~تعرفه وهي مؤمنة بربها وبنفسها، تعرفه وهي على صلة بخالقها ومصورها وباريها، فهكذا ~~خلقها سبحانه فئة طموحة تريد أن تطير في الهواء بأجنحة النسور، أستغفر الله، بل تريد أن ~~تطير إلى ما هو أبعد من حدود الهواء، فتنطلق في أعماق الكون بأجنحة الصواريخ. # | هذه الأجهزة وحرية الإنسان! # في مجلة «مايند» (العقل)، التي هي بين المجلات الفلسفية من أرفعها مستوى، إن لم تكن ~~أرفعها جميعا، قرأت منذ بضع سنوات، مقالة في فلسفة الأخلاق، طرح فيها كاتبها سؤالا ~~طريفا يبعث على التفكير، والسؤال يكاد يفرض نفسه على العقل في هذا العصر فرضا. ~~فالعجيب هو ألا نلتفت إلى المشكلة التي يثيرها، حتى ينبهنا إليها كاتب كالذي نشر ~~المقالة المذكورة، وقد قصر ذلك الكاتب بحثه على جانب واحد من الموضوع، لكن قارئه سرعان ~~ما يجد مجال التفكير قد اتسع حتى شمل جوانب أخرى كثيرة في حياة الناس ms076 العملية والنظرية ~~على حد سواء. # والسؤال المحدد الذي ألقاه على نفسه وعلينا صاحب المقالة، هو عن مدى التبعية ~~الأخلاقية التي يتحملها إنسان على أفعاله، إذا كان ذلك الإنسان قد تعرض للعملية التي ~~يطلقون عليها اسم «غسل المخ» على أيدي أعدائه وهو أسير؛ و«المخ المغسول» - كما هو معلوم ~~لنا - عبارة يشار بها إلى الحالة العقلية والوجدانية والإرادية، التي تبث في الإنسان ~~بوسائل علمية، لتحل محل ما قد كان قائما عنده من قبل، فهذا الذي كان قائما يمحى ~~و«يغسل» فيصبح كأن لم يكن؟ فإذا كان الفرد المعين يفكر على نحو ما تربى في بيئته ~~وأمته الأصلية، وإذا كان ذا مشاعر خاصة نحو أشياء بعينها، بحيث يؤدي به ذلك كله إلى أن ~~يسلك في حياته سلوكا ذا صورة معينة، جاءت عملية «الغسل» فغيرت له هذا كله، لنضع مكانه ~~أي شيء آخر يريد صاحب الشأن أن يضعه؟ ويخرج المسكين - دون أن يدري - وإذا هو قد اتخذ ~~لنفسه «وجهة نظر» أخرى، فتكونت له - بالتالي - أفكار أخرى ومشاعر أخرى، فيحب ما كان ~~يكرهه قبل الغسل، ويكره ما كان يحبه، فإذا كان مواطنا أمريكيا - مثلا - وشارك في ~~حرب فيتنام، على عقيدة بأنه بجنه إنما ذهب ليحارب باطلا، ثم وقع أسيرا وتعرض لغسل ~~المخ بالطرق العلمية، انتهى به الأمر إلى يقين آخر فيما يختص بالحق والباطل، وإنما ضربت ~~هذا المثل لأنه مأخوذ من الواقع الفعلي، فكثيرون هم أولئك الذين قرأنا عنهم وعما قالوه ~~بعد عودتهم إلى وطنهم الأمريكي من حرب فيتنام وما أصابهم فيها من أسر، وكيف تغير إطارهم ~~الفكري والشعوري كله، نتيجة مباشرة لما أجري عليهم من عمليات سيكولوجية. # والسؤال الذي طرحه الباحث في مقالته المذكورة، هو - كما أشرنا - على أي أساس تقام ~~التبعة الأخلاقية، إذا كان الإنسان قد أصبح في حالة تجعله يريد إرادة غيره، إذ هو يريد ~~ما أراد له غيره أن يريده، فيفعل الفعل، ظانا أنه حر الاختيار لما يفعله، مع أنه في ~~حقيقة أمره، يفعل ما أريد له، ثم استطرد الباحث ليشمل بحديثه ms077 حالات التنويم المغناطيسي ~~كذلك؛ إذ المنوم بهذه الطريقة، يؤمر بفعل أشياء، فينفذها وكأنما هو ينفذ ما أراده ~~لنفسه، إلى أن تزول عنه آثار التنويم فيعود إلى وعيه. وخلاصة القول، فإن ذلك الكاتب - ~~وهو مشتغل بفلسفة الأخلاق - يسأل: هل يعد الفاعل في هذه الحالات مسئولا عما يفعل؟ ~~وصحيح أنه مع التقدم الذي حققه علم النفس في العصر الحديث، أصبح في حدود المستطاع بدرجة ~~أكبر جدا مما كان في مقدور الإنسان قبل ذلك، أن يشكل سلوك من أراد تشكيل سلوكه، وعلى ~~الصورة التي يريدها له، والتجارب على الحيوان في هذا المجال كثيرة وناجحة، ويكفي أن ~~نذكر في هذا الصدد ما يستطيعه مدرب الحيوان في «السيرك»، فلا الأسد يصبح بين يديه ~~أسدا، ولا الفيل يظل فيلا، بل كل يفعل ما رسم له المدرب أن يفعله. # على أن قارئ ذلك المقال، لا يكاد يفرغ من قراءته حتى تنفسح أمامه آفاق السؤال، إلى ~~الحد الذي يتعجب معه من ذلك الباحث أن يقصر الحديث على المخ المغسول في ظروف سياسية أو ~~عسكرية، مما يتكرر حدوثه في عصرنا؛ إذ ماذا تكون الثقافة الخاصة بأي شعب من الشعوب، إذا ~~لم تكن ضربا من صب النشء في قالب فكري وشعوري وإرادي، يضمن لذلك النشء أن يشبوا على ~~غرار آبائهم، فيتجانسون معهم فكرا وشعورا وسلوكا؟ حتى ليعد الخارج على النمط المألوف ~~الموروث «منحرفا» يستحق العقاب والتقويم، فإذا ما بلغت «التربية» بناشئ حد كمالها، ~~رأيته يفكر كما يفكر الآخرون، ويشعر كما يشعر الآخرون، ويسلك كما يسلك الآخرون، وهو في ~~كل ذلك يظن أنه حر الإرادة يختار لنفسه بنفسه فكره ووجدانه وسلوكه، مما يذكرنا بما قاله ~~«اسبينوزا» عن الحجر الملقى، لو كان ذا شعور ونطق، لقال إنه قد سار في مساره، وسقط على ~~الأرض حيث سقط، بحر إرادته وبمحض اختياره، ولو عرف حقيقة أمره لعرف أن اليد التي قذفت ~~به، هي التي رسمت له مساره وبقوة الدفع التي لا بد معها أن يسقط حيث سقط . # وإذا كانت الثقافة الإقليمية في مجموعها، تكون ms078 غلافا يحيط بعقل الإنسان ووجدانه ~~وإرادته، ليحميها من المؤثرات الخارجية التي قد تفتتها فتمحو معالمها، ولكنه في الوقت ~~نفسه غلاف يقيد حركتها ويكتم أنفاسها، فيحرم الإنسان الحبيس انطلاقة الإدراك وحرية ~~الإرادة، أقول إنه إذا كانت الثقافة الإقليمية تصنع ذلك الصنيع في أبنائها، فإن خطورة ~~الانغلاق تزداد فداحة، حين يحتفر الإنسان لنفسه داخل ذلك المعتقل الثقافي جحرا يلوذ ~~به، فعندئذ تزداد الظلمة ظلاما، ويزداد الغطاء كثافة، فيحجب عنه كل قبس من ضياء! ~~فيعيش الحبيس في أوهام كهفه وهو يظن أنه إنما يواجه الحق الذي لا ريب فيه، فالطريقة ~~التي يربى بها الناشئ، والأشياء التي يعاقب عليها أو يثاب، والمقارنات والمفاضلات التي ~~تجري أمامه، والتي تجعل شيئا أفضل من شيء - وفكرة أصح من فكرة وعقيدة أصدق من عقيدة - ~~وهكذا، تنتهي بذلك الناشئ إلى «وجهة نظر» على أساسها يصدر بعد ذلك أحكامه، بحيث يصعب ~~جدا أن تقنعه بأن ما عنده إنما هو «وجهة نظر» نشأ عليها، وكان يمكن أن ينشأ في ظروف ~~أخرى فتتكون له «وجهة نظر» أخرى. # الإنسان هو حصيلة ما يراه ويسمعه ممن يحيطون به، وذلك هو ما جعل ديكارت يتساءل - ~~عندما أراد أن يكون على يقين من صحة المعرفة التي جمعها على مدار أيامه - يتساءل: من ذا ~~أدراني بأن المعرفة التي جمعتها معرفة صحيحة؟ إن مقدارا كبيرا منها قد جمعته حين كنت ~~لا أملك القدرة الناقدة التي أمحص بها تلك المعرفة كلما تلقيت شيئا منها، ومن هنا ~~أخذ يفرغ رأسه من كل ما يحتويه، باحثا عن ركيزة يقينية يستند إليها فيما يعود إلى ~~قبوله أو إلى رفضه من تلك المعرفة التي جعلها موضع شك حتى يثبت له صوابها على أساس ~~مكين، وكان الإمام الغزالي قبل ذلك بخمسة قرون، قد وقف من علمه وقفة شاكة شبيهة بوقفة ~~ديكارت، باحثا - هو كذلك - عن ركيزة يستند إليها في يقينه بما يعود فيوقن به، وكلا ~~الرجلين بحث عن الركيزة المنشودة داخل نفسه، أي فيما يدركه إدراكا مباشرا غير قائم ~~على برهان، إذا ما استبطن ms079 شعوره من داخل، وكان الفرق بينهما هو أنه بينما رأى ديكارت ~~ركيزته في أنه «يفكر»، فقال مبدأه المشهور: «أنا أفكر فأنا موجود.» رأى الغزالي ركيزته ~~في أنه «يريد»، فإذا جاز لنا أن نصوغ مبدأه في عبارة ديكارتية، كان ذلك المبدأ هو: «أنا ~~أريد فأنا موجود.» # ولماذا أقول هذا؟ أقوله ليزداد القارئ إيمانا بما نزعمه له، وهو أن الإنسان إذا ما ~~ترك نفسه للمعرفة التي حصلها إبان طفولته وصباه وما بعدهما، دون أن يراجع تلك المعرفة ~~مراجعة نقدية تميز له ما كان صوابا فيها وما كان باطلا، أصبح وكأنه يقضي حياته في كهف ~~مغلق معتم معزول، أقامه له من تولوا تزويده بتلك المعرفة على امتداد حياته، ثم تركوه ~~حبيس ظنونه، التي قد يصدق منها ما يصدق ويكذب ما يكذب. وكما طرح الباحث الذي أشرنا إليه ~~في أول حديثنا هذا، سؤاله عن مدى التبعية الأخلاقية التي تقع على صاحب «المخ المغسول»، ~~فالسؤال نفسه يجوز طرحه بالنسبة إلى ما يفعله الإنسان مدفوعا بما لقنوه إياه منذ أخذ ~~يلثغ بالتحدث مع ذويه ومن يحيطون به جميعا. # وكان الإمام الغزالي، ثم كان الفيلسوف ديكارت، على حق حين أراد كل منهما أن يحذر ~~الناس من عدم التفرقة بين ما هو معرفة ظنية تحتمل الخطأ، ومعرفة أخرى أقيمت على منهج ~~يؤدي بصاحبه إلى معرفة صحيحة لا يأتيها شك من أي جهة من جهاتها، وحتى إذا كان المنهج ~~الذي يطالبان به عسير المنال في أغلب الأحيان، لأنه إذا تيسر تحقيقه في المجال العلمي، ~~فليس هو بذلك اليسر في المجالات الأخرى التي يكتفى فيها عادة بدرجة من الدقة أقل، أقول ~~إنه حتى إذا كان ذلك المنهج عسير المنال بكل دقته فلنقنع منه بما استطعناه، كما فعل ~~الدكتور طه حسين في كتابه عن الأدب الجاهلي، حين رسم لنفسه طريقا يعالج به موضوعه، ~~منتهجا منهج ديكارت، وهو أن يبدأ بالشك فيما يعرفه، والذي يعرفه في تلك الحالة هو أن ~~شعراء الجاهلية الذين روى عنهم التاريخ - كامرئ القيس مثلا - كان لهم وجود ms080 فعلي في ~~الفترة التاريخية التي نسبوا إليها، فبدأ الباحث بالشك في هذه الحقيقة حتى يثبت صدقها ~~على المنهج الذي فصله ديكارت، فهو إن لم يكن قد استطاع تطبيق المنهج بحذافيره، بادئا ~~من حقائق أولية تدرك في باطن النفس إدراكا مباشرا؛ لأن طبيعة الموضوع الذي يبحثه لا ~~يتيسر لها أن تنصاع لتلك الخطوات، فلا أقل من أن يأخذ من المنهج كل ما استطاع أخذه من ~~الحرص والحذر. ~~«غسل المخ» - إذن - اسم جديد لحقيقة قائمة منذ أن أقام الإنسان نظمه الاجتماعية، ~~فانخراط الفرد في جماعة ليكون عضوا فيها، يستلزم أن يعد بالتربية إعدادا يتنازل به عن ~~كثير من مقوماته الشخصية الخاصة لكي يتجانس مع الآخرين في عرف مشترك، فكل فرد - آخر ~~الأمر - هو بمثابة من ألبسوه منظارا ملونا باللون الذي تقرره الجماعة، لم يسع حامله ~~إلا أن يرى الأشياء زرقاء أو خضراء أو ما كان من لون المنظار، والمثل الأعلى في مجتمع ~~ما، هو أن يتجانس لون المناظير عند الأفراد، لكنه كثيرا ما يحدث لمجتمع معين أن ينقسم ~~على نفسه في الرؤية العامة، نتيجة لانقسامه في الثقافات التي يتشربها، وذلك هو ما ~~حدث لنا في مصر - وفي الوطن العربي بصفة عامة - حين اصطدمنا حضاريا بحضارة الغرب التي ~~هي حضارة العصر، فعندئذ تشعبنا شعبا تبعا للدرجة التي أتيح بها لكل فرد أن يغترف ~~من حضارة الغرب الجديدة، فأصبح منا من كاد يتحول كله تحولا يجعله غريبا خالصا في ~~رؤيته، ومنا في الطرف الآخر من كاد ألا يذوق قطرة واحدة من إناء الغرب، وبين الطرفين ~~تدرجت الظلال، على أنه كان من الممكن - إلى عهد قريب - أن نرى حياتنا الفكرية والثقافية ~~في مصر، وكأنها قد شطرتنا شعبتين، لكل منهما رؤية شديدة الاختلاف مع رؤية الشعبة ~~الأخرى، فإحداهما سلفية تقيس الحاضر بمقاييس الماضي، والأخرى عصرية مستقبلية تجعل حضارة ~~العصر وأسس ثقافته معيارا لها، لكن ذلك الانقسام قد أخذ - والحمد لله - يضيق انفراجه، ~~منذ أخذت جامعة الأزهر وضعها الجديد من جهة، وازدادت عناية الجامعات الأخرى بالتراث من ms081 ~~جهة أخرى، وإذا قلنا هذا كنا كمن يقول إننا قد اتجهنا نحو أن تكون مناظيرنا موحدة ~~اللون، لكن «اللون» ما زال قائما بطبيعة الحال، يجعل لنا رؤية تختلف كثيرا أو قليلا ~~عن رؤية الأوروبي أو الأمريكي - مثلا - اختلافها عن الروسي والياباني كذلك، وبقدر ما ~~تكونت مناظير الناس بحكم النشأة والتربية وظروف البيئة، يكون القيد الذي يحد من حرية ~~الفكر والشعور والإرادة. # وكان ذلك كله - في الشعوب الحرة - لا يحرم الأفراد من هامش عريض يترك للفرد ليحيا ~~في رحابه مطلقا من القيود، فيكون حرا في فكره، حرا في توجيه مشاعره، حرا في ~~إرادته فيفعل ما يحلو له أن يفعل، فهو إن تجانس مع سائر الأفراد في أمور حيوية تقتضيها ~~الوحدة القومية، يظل له جانب من حياته ينفرد بنفسه فيه، فيتميز عن سواه بفكره وبعاطفته ~~وبطرائق سلوكه، حتى أخرج لنا عصرنا هذا السيل من أجهزته التي هي نعمته ونقمته في آن ~~معا، وأخص بالذكر من تلك الأجهزة جهازين لو تركناهما يسيران في طريقهما بلا وعي منا، ~~لأجهزا على كثير جدا من حرية الإنسان، وأعني بهما الراديو والتليفزيون. # هما نعمة - كما قلت - أنعم بهما الله على بني آدم، فمن ذا في العصور السابقة كانت ~~أحلامه تستطيع أن تشطح في تهاويم الخيال، حتى تبلغ بها حدا يظن عنده الحالم أن ~~الإنسان - كل إنسان - سيمسك بين أصابعه بجهاز صغير، فإذا العالم كله في قبضة يده، يغمزه ~~بطرف أصابعه هنا، فهو في أمريكا يستمع إلى أهلها، ثم يغمزه أخرى هناك، فهو في روسيا أو ~~ما شاء من أطراف الأرض، أين من هذا خاتم سليمان ومصباح علاء الدين؟ أين منه قمقم الجن ~~الذي ينبثق أمام المحظوظ ليقول له: شبيك، لبيك، أنا عبد بين يديك؟ هي نعمة أنعم الله ~~بها على بني آدم في هذا العصر، عن طريق علمائه، ثم زادت الأعجوبة عجبا حين جاء الجهاز ~~الآخر: التليفزيون، فأضاف اللون ... اللون! اقرص على أذنيك لتصحو وتتنبه ... إنه اللون ~~ينتقل إليك عابرا آلاف الأميال، لترى ما تراه ملونا بالأخضر ms082 والأحمر والأزرق! فلماذا ~~- إذن - نستكثر من أولدس هكسلي أن يتنبأ بيوم تنتقل فيه الرائحة، فتجيئك الزهور ~~بأريجها؟ هي نعمة كبرى أنعم بها الله على الإنسان في هذا العصر عن طريق علمائه، وقل ما ~~شئت فيما نتج عن هذين الجهازين من معلومات تكدست بها رءوس الناس، من القابع في خيمته ~~هناك في جوف الصحراء، إلى ساكن المدينة. # لكنها نعمة لم يشأ لها الإنسان أن تكون له نعمة خالصة، يزداد بها الناس علما ومعرفة ~~وثقافة وتهذيبا، فمزجها بشر من طبعه حتى صارت على يديه، في بعض حالاتها، نقمة تضيع ~~معها تلك البقية التي كانت بقيت للفرد من حرية، ليفكر كيف شاء، ويشعر كيف أراد، ويسلك ~~كيف استطاب، فإذا كان للعلم في عصرنا فضل النعمة، فقد كان للسياسة في عصرنا أيضا إثم ~~النقمة، وذلك حين تخطط السياسة لنا ما تريدنا أن نراه وأن نسمعه، ويوما بعد يوم، ~~وشهرا بعد شهر، وعاما بعد عام، وإذا إرادات الناس قد «صنعت» لهم، وإذا أفكار الناس ~~قد حفظت في علب جاهزة، وإذا مشاعر الناس قد رسم لها الطريق، وإذا الجميع آلات تدور كما ~~يراد لها أن تدور. # أهي محض مصادفة عمياء ضلت طريقها في ظلمة عماها، أن نرى في هذا العصر ما لم يشهده ~~التاريخ كله، ولا شهد مثقال ذرة منه، أن يشهد هذا التقارب الذي جمع أطراف الدنيا في ~~جهاز صغير يمسك به الإنسان - كل إنسان وأي إنسان - وأن يشهد التقارب كذلك، بين شعوب ~~الأرض جميعا، وهي مجتمعة في هيئة الأمم المتحدة وفروعها وفي مؤتمرات تعقد كل يوم هنا ~~وهناك، على «القمم» تارة، وفوق السفوح طورا، حتى لقد قيل - بحق - إن الكوكب الأرضي قد ~~أصبح قرية ذرية، أقول: أهي مصادفة عمياء أن يشهد عصرنا هذا التقارب الشديد بين أجزائه ~~وأطرافه، ثم يشهد في الوقت نفسه، ما لم يشهده في أي عصر مضى من عصور التاريخ من التنافر ~~بين أبنائه؟ إنه ليحدث كل يوم، كل ساعة، كل دقيقة، أن تفتك جماعات الناس بعضها ببعضها ~~الآخر، غيلة وغدرا، ms083 بالقنابل، وبالحرائق، وبالخطف، وبكل ما يسع الخيال أن يتصوره من ~~وسائل، لماذا؟ لأن السياسة قد أرادت، أو لأن ألوان الجلود قد اختلفت، أو لأن العقائد ~~الدينية قد تباينت، أو من يدري؟ لعل يوما قريبا سيأتي لتفتك جماعات الناس بعضها ~~ببعضها الآخر؛ لأنهم لم يتفقوا مزاجا في ألوان الثياب وفي صنوف الطعام! # لا، لم يكن اجتماع هذين النقيضين في عصر واحد مصادفة عمياء، وإنما هي أجهزة الإعلام ~~وما تفعله بالرءوس، فإذا كان التقارب المعاصر بين شعوب الأرض ظاهرة أملاها «العقل» ~~ويرحب بها العقل، ويتمنى لها المزيد، فإن التنافر الذي يبث كل تلك العداوة بين الشعوب، ~~بل وبين أجزاء الشعب الواحد أحيانا، إنما هو ظاهرة أخرى تمليها النزوات والأهواء ~~والغرائز الحيوانية، وجاءت أجهزة الإعلام لتخدمها بتوجيه من رجال السياسة، فهذه الأجهزة ~~تعبأ بمواد مختارة، لتعبئ بدورها أدمغة الناس بما يشعل فيهم التحزب والتعصب وضيق الأفق، ~~ولا عجب أن القابض على هذه الأجهزة، قابض في الوقت نفسه على عقولهم وقلوبهم وعزائمهم ~~وكل ما هو حيوي في كيانهم، لذلك نرى أنه إذا حدث انقلاب في بلد ما، أول ما يفكر فيه ~~المنتصرون هو أن يحتلوا الإذاعة والتليفزيون؛ لن ذلك معناه الإمساك بزمام الجمهور فكرا ~~ووجدانا. # إنه لا حيلة للمتلقي من هذين الجهازين، إلا أن يتلقى، فالآذان مفتوحة لتسمع والأعين ~~مفتوحة لترى، إنه لا مناقشة ولا حوار، فحركة مرور الأفكار والمؤثرات النفسية تشبه حركة ~~المرور في اتجاه واحد، فالاتجاه واحد من الجهاز إلى العين أو إلى الأذن، ثم لا رجوع ولا ~~مراجعة، بل ولا مهلة للتفكير والتدبر، الأصوات والألوان تنزل على المتلقي كما ينزل ~~المطر على السائر في فلاة، ليس هنالك ما يحميه من شجر أو جدران أو أي ضرب من ضروب ~~العمران. # أول أركان الحرية هو النقد، أن تكون أمام المتلقي فرصة الفحص والتمحيص لما يتلقاه، ~~لتكون له - بالتالي - مبررات القبول ومبررات الرفض، أما أن تجيئنا البضاعة مغلفة بأغلفة ~~عازلة، تحول دون التحليل والتركيب والتقليب، ليتبين الجيد من الرديء، فمعناه أننا لا ~~نلبث أن ms084 نكون كالدمى في مسرح العرائس، يحركها من يحركها وهو في الخفاء، ومن هنا نلحظ ~~الفرق الكبير في تكوين الإنسان بين أن يكون مصدره الكتاب، وأن يكون مصدره هذه الأجهزة، ~~فالقارئ يتفاعل مع الكاتب، يسرع تقليب الصفحات، أو يقف ويتمهل عند جملة واحدة بضع ساعات ~~يناقش محتواها. إنه في الكتاب يملك زمام فكره وشعوره. أما والمصدر جهاز من هذه الأجهزة، ~~يصب في أذنك الصوت، وفي عينك الضوء، صبا متلاحقا، لا تملك له إيقافا ولا إسراعا ~~ولا إبطاء، ومحتوم عليك أن تقبل الجمل بما حمل، جيده مع رديئه، فمصير ذلك تبعية ~~وعبودية وتمزق وفراغ. # بدأت حديثي بتلك المقالة التي طرح فيها صاحبها مشكلة المسئولية الأخلاقية ماذا يكون ~~مداها عند من تعرض لعملية غسل المخ، بحيث أصبح إرادة غيره لا إرادة نفسه. أيظل مسئولا ~~عما يفعل؟ ثم استطرد معي الحديث، فرأيت أن الأثر المتروك في مخ مغسول بالمعنى الحديث، ~~يشبه الأثر المتروك في حالات أخرى كثيرة، وآخرها حالة المتلقي من الراديو ومن ~~التليفزيون سيلهما المنهمر. دون أن يكون له فيما يتلقاه حول أو قوة، فالنتيجة واحدة، ~~وهي أن ينتهي هو الآخر بمخ مغسول، ويصدق عليه السؤال نفسه الذي طرحه الباحث: هل تظل ~~لمثل ذلك المتلقي مسئوليته الأخلاقية كاملة كما كانت؟ فإذا سأل سائل: لماذا جعلت ~~المتلقي أمام الراديو أو التليفزيون مفقود الإرادة، وفي وسعه أن يبدل قناة بقناة، وموجة ~~بموجة، أو أن يغلق الجهاز ويستريح؟ والجواب على ذلك هو أن الانتقال من قناة إلى غيرها، ~~ومن موجة إلى موجة، إنما هو بمثابة استبدال سيد بسيد آخر، وأما إغلاق الجهاز فليس ~~شبيها بإغلاق الكتاب؛ لأنك تغلق الكتاب لتأتي بكتاب آخر، على حين أنه لا آخر نلوذ به ~~في حالة الإذاعة والتليفزيون. # وماذا تريد لنا أن نصنع؟ أريد أن نبقي لهذه الأجهزة على نعمتها وأن نلتمس وجها ~~للخلاص من نقمتها، ونقمتها أساسا هي تلك الحرية السلبية، وطريق الخلاص موجود، يتلخص في ~~أن نسمح لكل ضروب الفكر والاتجاه أن تعلن عن نفسها، فبدل أن تكون الخطة ms085 مرسومة على أساس ~~وحدانية الخط والهدف، ترسم على أساس تعدد الخطوط وتعدد الأهداف القريبة، التي تلتقي ~~جميعا عند هدف قومي واحد بعيد المرمى. # وهذا يستلزم أمرين: أولهما أن يكون المجلس الأعلى، المشرف على هيئة الإذاعة ~~والتليفزيون مستقلا في قراراته عن الحكومة استقلالا حقيقيا، لا استقلالا شكليا ~~يكتفي فيه بأنه مكتوب على ورق، فإذا هو استقل على هذا النحو، كانت هنالك فرصة أن يكون ~~محايدا، لا في مجال السياسة وحده، بل محايدا في شتى مجالات الرأي، وعندئذ لا يكون ~~للحكومة حق استخدام تلك الأجهزة أكثر مما يكون لأي مواطن ذي رأي فيه رجاحة الوزن التي ~~تبرر أن يظفر بحق التعبير عن رأيه عن هذا الطريق، وأما الأمر الثاني فهو عندي بمثابة ~~المبدأ الأساسي الذي تقام، أو ينبغي أن تقام عليه أجهزة الإعلام، وهو ألا تعرض المادة ~~التي تقدم في تلك الأجهزة على أنها هي وحدها الاتجاه الفكري الصحيح، وأما ما عداها ~~فضلال باطل؛ لأنها لو عرضت بهذه الروح، كانت بمثابة غسل لمخ المتلقي، غسلا يثير السؤال ~~الأخلاقي الذي أوردناه في أول هذا المقال، وهو: هل يكون صاحب المخ المغسول مسئولا من ~~الناحية الأخلاقية عما يقوله أو يفعله بعد ذلك طالما هو قد أصبح مصنوع الإرادة، أي إن ~~الفكر عنده هو فكر غيره، والإرادة عنده هي إرادة غيره؟ وإنما الطريقة الصحيحة والعادلة، ~~هي أن تعرض المادة التي تقدمها أجهزة الإعلام عرضا لا يوحي إلى المتلقي بأن يقول: هذا ~~صحيح، بل يوحي له أن يقول: هل هذا صحيح؟ فإذا ترك المتلقي مكانه من الجهاز الإعلامي، ~~ومثل هذا السؤال هو الذي يشغل ذهنه، كان بهذا قد وضع عقله ووجدانه وإرادته على أول ~~الطريق الذي ينتهي به إلى أن يكون حرا في فكره وفي اتجاه وجدانه، وفي إرادته التي ~~يختار بها بعد ذلك ما يفعله وما يرفض فعله. # أجهزة الإعلام في هذا العصر أدوات سلطانها على الناس جبار، ونحن الذين نصنع من ذلك ~~السلطان شيطانا يحيل المستقبلين بضرباته عبيدا، أو نصنع منه رسولا يبشر بالحرية، ms086 بل ~~ويزرعها زرعا في عقول الناس وقلوبهم. # | أدرك السفينة يا ربانها # كان من أهم ما اشتغلت به أقلام المفكرين خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر في ~~أوروبا - وفي إنجلترا وفرنسا على وجه التحديد - مسألة المجتمع وكيف نشأ أول ما نشأ. ولم ~~يكن الذي يهم هؤلاء المفكرين في ذلك هو مجرد التسلية بفكرة نظرية يلهون بها لهو من أراد ~~إزجاء فراغه في نشاط عقلي وكفى. # بل جاءت مشغلتهم تلك ردا مباشرا على أزمات سياسية قائمة بالفعل، مدارها العلاقة ~~بين الشعب والحاكم كيف ينبغي لها أن تكون؟ ولكي يجيبوا عن سؤال كهذا، لم يجدوا بدا من ~~الرجوع بالمشكلة إلى جذورها الأولى، باحثين عن الطريقة التي نشأت بها تلك المجتمعات، ~~خروجا بالإنسان من فطرة الحياة في الغابات أو الأحراش أو كيفما كانت البيئة المعنية ~~التي نشأ فيها مجتمع معين، ففي بحث هؤلاء المفكرين عن الطريقة التي نشأت بها المجتمعات، ~~خرجوا بالإنسان من فطرة الحياة في الغابات أو الأحراش أو كيفما كانت البيئة المعينة ~~التي نشأت بها تلك المجتمعات. كانوا في حقيقة الأمر إنما يبحثون عن الصورة الأولى التي ~~ارتبط بها محكوم بحاكم، وعلى ضوء تلك الصورة يمكن إقامة بناء فكري في فلسفة السياسة، ~~يبين للعقل كيف يتجه، حتى لا يكون كالطائر الذي يظل يصفق بجناحيه ولا يطير، إذ لا يجد ~~الهواء الذي يطير فيه. # وفي هذا الموضع من سياق الحديث. أراه مما يفيد القارئ أن أقارن له مقارنة سريعة بين ~~شعب يتوقد بجذوة الحياة، وشعب آخر تيبست أطرافه وجمدت دماؤه وتفحمت فيه جذور الحياة ~~وأصولها. وإذا كان شعب ما في الحالة الأولى توقعنا له نهوضا، أو استمرارا في نهوض ~~قائم، وأما الشعب الذي نلمح فيه عوارض الحالة الثانية أيقنا أن بينه وبين أن ينهض ~~نهضة حقيقية، تتبدل بها حياته حالا بعد حال، مسافات تقاس بما يشبه الأرقام الفلكية، ~~فكان الأمر قد أصبح معها ضربا من المحال، فمن العلاقات الدالة على أن شعبا معينا ~~يحيا الحالة الأولى ، ذلك الضرب من التوتر العقلي الذي يأبى ms087 على صاحبه إلا أن يتعقب ~~المشكلات المثارة أمام العقل، تعقبا يمضي به خطوة وراء خطوة حتى يضع أصابعه على ~~الينبوع، وقد يقتضي تحليل عقلي كهذا، أعواما بعد أعوام، وكتبا تؤلف، ومعارضات ~~ومناقشات قد تتولد عنها تيارات فكرية مختلفة يدوم جريانها في حياة الناس عصرا ~~بأكمله. # فانظر - مثلا - في القرون الأولى من تاريخ الفكر الإسلامي، حين كانت تنهض أمام الناس ~~مشكلة فكرية، كم كانوا يبذلون من جهة في سبيل حلها. # نضرب مثلا واحدا، وذلك حين رأوا في أول طريقهم أن فهم القرآن الكريم فهما يعتد به ~~يستوجب، بادئ ذي بدء، أن تعرف أسرار اللغة العربية، وهي اللغة التي نزل بها الكتاب، ~~فأخذوا يحيطون بأطراف الموضوع من جميع أقطاره! جمعا للمفردات اللغوية وتقعيدا لقواعد ~~النحو التي كان لا بد أن يستخلصوها مما بين أيديهم من صور التعبير وبحثا عن الشواهد ~~التي يستدلون بها على ما يزعمونه من قواعد وأصول، فكان أن جمعوا من الشعر الجاهلي ما ~~جمعوا ... إلى آخر تلك الجهود التي تذهل دارسيها، وما نقوله عن مشكلة اللغة ودرسها، نقول ~~مثله عن الجهود الفكرية المبذولة في ميادين الفقه وعلم الكلام وغيرهما، فهم في كل تلك ~~الميادين أصلاء أولا ومتعقبون إلى جذور الجذور ثانيا. فهي - إذن - حالة شعب حي متوقد ~~الحيوية، ولا كذلك شعب - ولن أقول لك أين تراه - لا هو أصيل في حلوله لما يعرض له من ~~مشكلات حياته العقلية، بل ينقل عن الآخرين نقلا غبيا ولا هو يريد أن يتعقب مشكلة ~~واحدة إلى جذورها، بل تكفيه النتائج يجمعها مختصرة عما ينقله. ثم يحيلها في ذاكرته إلى ~~محفوظات يتعامل بها. وذلك هو أحسن الفروض. # ونعود إلى موضوعنا فقد قلنا إن مشكلة العلاقة بين الحاكم والمحكوم كانت من أمهات ~~المسائل التي فرضتها ظروف الحياة العملية على رجال الفكر في إنجلترا وفرنسا بصفة خاصة، ~~خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، فقد حدث في إنجلترا - مثلا - أن قامت ثورة ضد ~~الملك شارل السادس (وكان ذلك في القرن السابع عشر) على أساس أن الملك مغتصب ms088 لحقوق ~~الشعب. والذي يهمني من ذلك في حدود حديثي هذا هو ماذا كان دور رجال الفكر إزاء تلك ~~الثورة السياسية بطرفيها، فالثائرون من الشعب في ناحية، والملك المثار عليه وأنصاره في ~~ناحية أخرى، هل أقفل المفكرون على أنفسهم أبواب بيوتهم طلبا للعافية وراحة البال؟ هل ~~اكتفوا من الأمر بعبارات موجزة يخطفونها خطفا من هنا وهناك؟ هل استندوا إلى وقفات ~~عاطفية يؤيدون بها هذا الطرف أو ذلك الطرف ثم استراحوا؟ لا، لا شيء من هذا، فذلك شأن ~~الشعب حين يريد لنفسه الموت، أما أولئك الرجال فقد أخذوا حياتهم بجدية من يحيا حياة ~~قوية ولا يتردد في أن يحمل تبعاتها. # كان هنالك منهم من رأى مناصرة الملك كما كان هنالك من رأى مناصرة الشعب الثائر، لكن ~~المهم هنا هو كيف تكون المناصرة بالنسبة لرجل يفكر؟ فالذي يرى أن حق القرار آخر الأمر ~~إنما يكون للحاكم وكذلك الذي يرى أن حق القرار إنما يكون - أول الأمر وآخر الأمر - ~~للشعب ممثلا في نوابه، أقول إن كلا الرجلين إذ يناصر من يناصره، لا بد له من إقامة ~~الرأي على دعامة فكرية، ولا تكون تلك الدعامة قائمة على أساس مكين ثابت، إلا إذا تعقب ~~الباحث مجتمعه إلى أصول أصوله، ليرى - كما أسفلت القول - هل في الطريقة التي نشأ بها ~~المجتمع ما يكشف عن الإجابة السليمة؟ # وكان «تومس هوبز» (في القرن السابع عشر) هو على رأس من تصدوا للدفاع عن حق الملك في ~~اتخاذ القرار النهائي، وأن ثورة الشعب التي تزعمها كرومويل لم تكن على حق في مهاجمته ثم ~~قتله؛ ولكي يوضح هوبز على أي الأسس أقام حكمه ذاك، أصدر كتابه المعروف «اللواياتان»، ~~وهو اسم لحيوان وهمي يبتلع في جوفه كل ما عداه، وقد نترجم هذا الاسم بعبارة «التنين ~~الجبار»، وفي هذا الكتاب تحليل مستفيض لما كان عليه أفراد الإنسان، وهم بعد على فطرتهم ~~الأولى، وقبل أن يلتئموا في مجتمع، ثم انتقل من ذلك التحليل إلى نتيجته، وهي أنه لا بد ~~أن قد تم اتفاق بين جماعة ms089 من الأفراد على أن يعيشوا معا بحيث يتنازل كل منهم عن جزء من ~~رغباته لكي يمكن التوفيق بين مختلف الأفراد، لكن من الذي يضمن لهم حسن التنفيذ؟ إنه لا ~~مناص من أن يوكل أمر ذلك إلى رجل قوي يستطيع أن يكون حكما عند نشوب اختلاف بين ~~الأفراد، وأن تكون له القدرة على ردع المتمرد، وبهذا بذرت البذرة الأولى لقيام الدولة، ~~ولقيام الملكية التي تتجسد بها فكرة الدولة، وإذا كان هذا هكذا، فما علينا بعد ذلك إلا ~~أن نستخلص ما يترتب على تلك النشأة من نتائج خاصة بتحديد العلاقة بين الملك والشعب، من ~~حيث الحقوق والواجبات. # وواضح أن وجهة النظر هذه مهما يكن من أمر ما تنطوي عليه من مبادئ نظرية، قد جاءت ~~مضادة للتيار التاريخي الذي كان يتجه بالناس نحو أن تكون السلطة للشعب لا للملك الذي ~~يحكمه. وهنا قدم مفكر آخر عملاق، هو «جون لوك» كتابه «الحقوق المدنية» (وهو الكتاب الذي ~~استوحاه في فرنسا جان جاك روسو بعد ذلك، كما استلهمته الثورة الأمريكية كذلك قبيل قيام ~~الثورة الفرنسية بقليل)، وكان التحليل النظري الذي أروده هذا الكتاب، بحثا عن نشأة ~~المجتمع كيف جاءت، قد انتهى إلى نتائج شبيهة في صورتها بما انتهى إليه كتاب «هوبز» ~~وأعني افتراض «تعاقد» بين الأفراد الذين منهم نشأ المجتمع، إلا أن «لوك» بنى على فكرة ~~التعاقد شيئا يختلف كل الاختلاف عما بناه «هوبز» على الفكرة نفسها؛ إذ وصل «لوك» إلى ~~وجوب أن يكون الرأي للشعب في وجود الملك نفسه أو خلعه؛ لأن الشعب هو الذي اختار ملكه ~~عند النشأة الأولى، فيظل للشعب حق الإبقاء عليه أو خلعه، وكانت فكرة «لوك» هي التي كتب ~~لها بعد ذلك أن تكون أدوم بقاء وأعمق أثرا. # ثم شهدت إنجلترا بعد «لوك» فيلسوفا آخر، كانت له مشاركة في بحث المسألة نفسها، مسألة ~~العلاقة بين الشعب وحاكمه كيف تكون صورتها، وهو «ديفيد هيوم» (في القرن الثامن عشر)، ~~وهو الذي قد أورد في سياق كلامه عن «التعاقد الاجتماعي» التشبيه بالسفينة وركابها ~~وربانها، ms090 فإذا كان ركاب السفينة قد ركبوها باختيارهم؛ فإنهم حين تصبح السفينة في عرض ~~البحر ملزمون بأشياء لم يكونوا ملزمين بها قبل ركوبهم، فالربان ومعه طاقمه (وهذا هو ما ~~يقابل الدولة) مسئولون عن تسيير السفينة إلى هدفها، وأما الهدف نفسه فقراره هو قرار ~~المسافرين، وهو متضمن في اختيارهم إياها لتكون وسيلة تحقق لهم ما يرغبون في تحقيقه، ~~وبهذه القسمة تتحدد العلاقة بين ربان السفينة وركابها، فلهؤلاء اختيار الهدف، واختيار ~~الربان ضمنا حين اختاروا السفينة، بحيث يصبح لذلك الربان ومعاونيه إذا ما أقلعت ~~السفينة قرار طريقة التسيير. # وأرى أن هذه الموازاة بين المجتمع - شعبا وحاكما - وبين السفينة - ركابا وربانا - ~~موازاة نافعة في توضيح نقاط كثيرة، وإن كنت في الوقت نفسه أتحفظ في قبول التشابه المطلق ~~بين الجانبين؛ فبينما الخط الفاصل بين المسافرين على السفينة من جهة، وربان تلك السفينة ~~من جهة أخرى، هو خط حاسم في فصله بين طرفين، فالمسافرون قرروا لأنفسهم أهدافهم والربان ~~ومعاونوه تعهدوا بتوصيلهم إلى تلك الأهداف، نجد الأمر بين الشعب والدولة ليس فيه هذا ~~الفصل الحاد بين الطرفين؛ لأن الذين يضطلعون بالحكم هم أيضا مواطنون يشاركون سائر ~~المواطنين في تحديد الأهداف، ثم ينفردون بعملية التخطيط والتنفيذ بغية تحقيق تلك ~~الأهداف، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الشعب ممثلا في نوابه، قد لا يتركون للهيئة ~~الحاكمة أن تنفرد بعملية التخطيط والتنفيذ، دون مراجعتها خطوة خطوة، ليطمئن الشعب على ~~سلامة السير. # لكن برغم وجود هذه الاختلافات بين طرفي التشبيه، فهو تشبيه يفيدنا كثيرا في التوضيح، ~~ومن الخير أن نركز انتباهنا على هذه التفرقة في عمومها، وهي أن الشعب هو الذي يحدد ما ~~الذي يريده، وأن الحاكم ومعاونيه (وهم من اختيار الشعب في معظم الحالات) هم الذين ~~يحققون للشعب ما أراده لنفسه، عن طريق نوابه، فهذه التفرقة من شأنها أن تدلنا دلالة ~~مؤكدة وسريعة إن كانت أمورنا تسير سيرا حسنا، أم هي مصابة بالعطب والعرج؛ إذ ما علينا ~~إلا أن نتجه بأنظارنا إلى الشعب أولا، لنرى هل هو حقا محدد ms091 الأهداف؟ # ثم نتجه بأنظارنا نحو الهيئة الحاكمة، لنرى إذا كانت تلك الأهداف في سبيلها حقا نحو ~~التحقيق، فإذا عبرنا عن هذا المعنى نفسه بلغة السفينة ركابا وربانا، قلنا إنه يلزم ~~توافر شيئين، وهما أولا أن يكون للركاب أهداف واضحة يريدون الوصول إليها، وثانيا أن ~~يكون الربان سائرا بالسفينة نحو تلك الأهداف. # والآن فسؤالنا هو: أصحيح أن ركابا على سفينتنا قد اكتملت لهم صورة واضحة محددة ~~ودقيقة إلى أن يريدون للسفينة أن تتجه بهم؟ فإذا نحن حللنا موقفهم في أمانة، فوجدناهم ~~لا يعرفون لأنفسهم هدفا يتجهون إليه، علمنا أن هنالك انفصالا خطيرا بين الركاب ~~والربان، وحق لنا أن نصيح به: أدرك السفينة يا ربانها. # أدركها يا ربانها، فراكبوها قد تناقضوا أهدافا وتعارضوا وسيلة واختلفت بينهم ~~المعايير، والسفينة بين هذا وهذا وذاك، في أي اتجاه عساها أن تسير، إنها سفينة القرن ~~العشرين بحديدها وخشبها ووقودها ودخانها، وأما المسافرون عليها ففيهم من كل قرن من قرون ~~الزمان أبناء، إنه لا ضير في أن تتعدد الاهتمامات والاتجاهات بين الأفراد، بل لا بد لها ~~أن تتعدد، وإلا انقلب هؤلاء الأفراد كالمصنوعات التي تخرجها المصانع مصبوبة في قالب ~~واحد، كالسيارات والطائرات والجوارب والأقلام وهي من طراز واحد، فكل واحد منها يغني عن ~~أي واحد، لكن اهتمامات الأفراد واتجاهاتهم مهما تنوعت وتباينت، فلا بد لها - إذا كان ~~المجتمع سويا سليما - أن تلتقي عند نقطة بعيدة، وتلك النقطة هي التي قد نطلق عليها ~~روح العصر، أو هدفه، أو فلسفته، أو غير ذلك من الأسماء التي تشير إلى الرباط الخفي الذي ~~يربط الكثرة الكثيرة التي تراها الأبصار عائمة على سطح الحياة اليومية الجارية، ولولا ~~ذلك الرباط الذي يجمع الكثرة البادية من اهتمامات الأفراد واتجاهاتهم في وحدة واحدة، ~~لما استطاع مؤرخ أن يؤرخ لأمة من الأمم؛ إذ كيف يؤرخ ما لم يجد في العصور المتلاحقة ما ~~يميز بعضها عن بعض؟ بل كيف يتاح له أن يشير إلى مرحلة زمنية معينة على أنها «عصر » من ~~عصور التاريخ في حياة تلك الأمة، ms092 فالعصر المعين إنما يكون عصرا قائما بذاته، متميزا ~~بصفاته، بالنسبة إلى ما سبقه وما لحقه، لكونه قد اشتمل على مبدأ تلتقي عنده مختلف ~~الاتجاهات والاهتمامات والأفكار والمذاهب. # في العصر الواحد المعين هنالك ساسة ينشطون اتفاقا أو اختلافا بعضهم مع بعض، وهنالك ~~رجال فكر يتجانسون أو يتعارضون، وهنالك رجال فن يبدعون فنا، كل في مجاله، لكنهم ~~بحكم طبيعة الإبداع الفني ذاته، لا بد أن يتفرد كل فنان بما يميزه عن كل من عداه، ~~وهنالك عمارات تقاوم وتجارة وصناعة وخدمات، هنالك تلك المناشط التي يأخذ كل فرد من ~~أفراد الشعب بطرف منها، مما قد يوهم الرائي أن الأمر كله إنما هو أفراد لكل منهم حياته ~~وشواغله وعمله ومزاجه وفكره، وليس ثمة ما يربط بينهم إلا رقعة جغرافية واحدة تجمعهم على ~~أرضها، لكن لا، إن ذلك التنوع الشديد من شأنه في الحالات السوية السليمة أن يلتقي عند ~~ينبوع واحد مبدأ واحد، هدف واحد، برغم أنه قد يكون هدفا بعيدا يجاوز الأهداف القريبة ~~التي تختلف باختلاف الأفراد. # وإذا لم يكن الأمر كذلك، فكيف تسنى للمؤرخين أن يقولوا عن أوروبا في عمومها، إنها ~~كانت في عصر النهضة إبان القرن السادس عشر، وفي عصر الإعلاء من شأن العقل إبان القرن ~~السابع عشر، وفي عصر التنوير بنشر المعرفة إبان القرن الثامن عشر وفي عصر سادته النزعة ~~التطويرية الدينامية إبان القرن التاسع عشر، وفي عصر تغلب عليه نزعة التحليل في هذا ~~القرن العشرين، بل انظر إلى مصر في تاريخها الفكري خلال القرون العشرة الأخيرة، ألا ~~تستطيع أن تميز في وضوح ثلاث مراحل كبرى، لكل منها طابعها واتجاهها، وهي مرحلة دار ~~نشاط العلماء فيها حول تجميع التراث وتبويبه وتنسيقه، وكانت نهايتها مع نهاية القرن ~~الخامس عشر، تلتها مرحلة حفظ لما هو وارد في كتب الأقدمين وشرحه وتلخيصه وتعليمه وهي ~~مرحلة انتهت مع بداية القرن التاسع عشر، ثم مرحلة ثالثة هي التي امتدت خلال القرنين ~~الأخيرين، التاسع عشر والعشرين، وهي التي نحياها اليوم ، وفيها نلحظ التصدع الذي جعلنا ~~أشتاتا تكاد ms093 لا تجد رباطا ثقافيا في كيان واحد ذي رؤية واحدة، على أن هذه المرحلة ~~الأخيرة قد جاءت على موجات تتفاوت فيها ظاهرة التصدع الثقافي قوة وضعفا، وكانت الوحدة ~~على أقواها في النصف الأول من هذا القرن، برغم الازدواجية التي كانت تكمن فيها، بين ~~اتجاه سلفي في ناحية، واتجاه غربي في ناحية أخرى، وأما تلك الوحدة الثقافية، أو ما يشبه ~~أن يكون وحدة ثقافية فهي على أضعف صورة لها في الفترة الراهنة التي نجتازها فبعد أن كان ~~الاختلاف بيننا في الجيل الماضي لا يعدو أن يكون «ازدواجية» في الاتجاه والرؤية، أصبحنا ~~اليوم موزعين على جميع أطياف الضوء؛ إذ تشقق كل فرع من ازدواجية الجيل الماضي قنوات، ~~وكل قناة خرجت منها ترع، وكل ترعة انبثقت منها جداول، فالاتجاه السلفي اليوم عدة أشكال، ~~والاتجاه الغربي عدة صنوف، فماذا أنت صانع بالسفينة يا ربانها؟ # إن أول ما تمليه البديهة علينا في هذا الصدد هو أن نخطط لتربية أبنائنا خطة تجمع ~~ناشئة الأمة جميعا تحت مظلة ثقافية واحدة لفترة من أعمارهم تطول أو تقصر بحسب قدراتنا ~~المالية، ولنفترض أننا قادرون على إقامة هذه التربية المشتركة حتى يبلغ أبناؤنا وبناتنا ~~سن الخامسة عشرة من أعمارهم، فإلى تلك السن يستقي كل الدارسين من ينبوع واحد وبطريقة ~~واحدة، ثم بعد ذلك تتفرع الدراسة بمن أردنا له أن يتابع دراسته، فروعا مختلفة في ~~المرحلة الثانوية، يكون بينها فرع يؤدي بأصحابه إلى الجامعات، وفرع يتخصص استعدادا ~~لجامعة الأزهر، وفروع للدراسة الثانوية التجارية، أو الصناعية أو الزراعية، فمهما تنوعت ~~بهم سبل الدراسة الجامعية، أو سبل العمل، فقد ضمنوا قبل ذلك اشتراكهم في جانب هام من ~~مكونات الرؤية الثقافية الموحدة. # ذلك ما كان ينبغي أن يكون، أما ما هو قائم بيننا اليوم في نظم التعليم، ففيه ما ~~يعمق الفجوات بين أبناء الشعب، ومن ذلك أن الخط الدراسي المؤدي إلى الأزهر يبدأ ~~استقلاله منذ اللحظة الأولى في حياة الدارس، بمعنى أن يخرج الشقيقان من بيت واحد . وهما ~~بعد على الدرجة الأولى من سلم ms094 التعليم، فإذا كان مقصودا بأحدهما أن يدرس آخر الشوط في ~~الأزهر ومقصودا بالآخر أن ينتهي به طريق الدراسة إلى إحدى الجامعات الأخرى، فإن ~~الشقيقين منذ اللحظة الأولى يختلفان اتجاها؛ فأولهما إلى مدرسة أولية تبدأ منها سلسلة ~~المعاهد الدينية، وثانيهما إلى مدرسة أولية من صنف آخر تبدأ منها سلسلة أخرى من حلقات ~~التعليم، فماذا نتوقع بعد ذلك، سوى أن يصبحا رجلين مختلفين في طريقة النظر إلى الأشياء ~~والأفكار وأنماط الحياة؟ وأعيد هنا سؤالي: أليس أول ما تمليه علينا البديهة في هذا ~~الصدد هو أن يتحد جميع أبناء الأمة وبناتها في تعليم واحد، إلى أن نصل بهم إلى نقطة ~~يحدث عندها التفريع، فتختلف بينهم التخصصات دون أن تختلف عندهم الأصول الأولى في تكوين ~~وجهة النظر؟ إنه إذا كانت الدراسة على برامج المعاهد الدينية هي الأصلح - في رأي رجال ~~التربية - فلتكن تلك الدراسة للجميع، وإذا كانت الدراسة في الخط التعليمي العام هي ~~الأصلح، فلتكن كذلك هي الدراسة للجميع. وأما أن نشق جمهورنا شقين، من بداية الطريق إلى ~~نهايتها، فذلك بمثابة من يشير إلى كل من الطائفتين، قائلا لها: أنت طائفة مختلفة عن ~~الطائفة الأخرى، وكان الأصوب أن نقدم إلى الناشئة جميعا ما يوحي لهم بقوة أنهم أبناء ~~أمة واحدة، لا بد أن تكون لها رؤية ثقافية واحدة. # ومع ذلك، فيا ليت الازدواجية الثقافية التي نخلقها بأيدينا خلقا، تظل ازدواجية ولا ~~يتسع بها الانشقاق والشقاق، والمخالفة والاختلاف، فكما يحدث لقطرة المداد تلقي بها في ~~إناء الماء فلا تظل محدودة بحدودها، بل إنها لتتسع وتتسع حتى تتناول بأثرها كل الإناء ~~وما فيه، كذلك يحدث في الازدواجية الثقافية حين تلقي بها في صفوف الجماهير، فتأخذ في ~~التفرع والتوسع حتى يكون لكل مجموعة من الناس رأيها واعتقادها، وتنتج لنا حالة كالتي ~~نحياها اليوم، ولولا عروق ممتدة في حياتنا من تاريخ مشترك طويل، لرأيت ما قد استحدث ~~فينا من أضداد ومتناقضات أشد وضوحا. # إن سفينتنا واحدة تحيط بها لجة خطرة من موج غاضب يتربص بها ليغرقها، ولا يحميها ms095 من ~~الخطر الداهم إلا أن تتوحد السفينة ركابا وربانا، فركابها يحددون الهدف المنشود، ~~وربانها هو السائر بالسفينة نحو ذلك الهدف، فإذا رأينا الهدف قد تشقق أهدافا متعارضة، ~~تتأرجح بها السفينة بين أمام ووراء وبين يمين ويسار؛ فهل نملك إلا أن نصيح صيحة الفازع: ~~أدرك السفينة يا ربانها! # | عودة إلى تجويع النمر # كنت في إنجلترا إبان الحرب العالمية الثانية دارسا، ولم تكن سني عندئذ هي متوسط ~~السن عند الدارسين، بل كانت تعلو فوق ذلك المستوى بعدة أعوام، إذ لم يشأ لي الله سفرا ~~بعد التخرج إلا بعد أن بلغت تلك السن المتقدمة بالنسبة إلى الآخرين، فلأمر ما، سارت بي ~~الحياة بمثل تلك الحركة البطيئة التي يصطنعونها بآلات التصوير، عندما يريدون للمشاهد أن ~~يرى على شاشات السينما أو التليفزيون حركة معينة بكل دقائقها وتفصيلاتها، كحركات ~~اللاعبين والمتسابقين، أو حركات الحيوان في معاركه أو في مناشط حياته، فتتحرك الأجسام ~~في بطء وتراخ، وكأنها مخدرة بنعاس ثقيل، وهكذا شاء لي الرحمن أن تسير مراحل حياتي، كل ~~مرحلة منها تجيء، لا لترحل عند انقضاء أوانها، بل «تتمطى بصلبها، وتردف أعجازها، وكأنها ~~تنوء بحمل ثقيل يحول بينها وبين خفة الحركة» - مستعيرا صور امرئ القيس في وصف ليله ~~الطويل - فكانت كل مرحلة تبدأ معي ثم لا تريد أن تخلي الطريق إلى ما بعدها، فيتقدم ~~السائرون وأنا مجمد القدمين، كأني ملصق بأديم الأرض، لا أتزحزح من مكاني إلا كما تتزحزح ~~السلاحف، ولم تكن تلك الحركة البطيئة نتيجة ضعف في الجهد، أو قصور في الهمة وبلادة في ~~الحس والإدراك، فقد كنت أيام الدراسة في طليعة المتفوقين، ثم أخذت بعد التخرج أبذل ~~الجهود فوق الجهود، لا كلل ولا ملل، ولا شكوى. # لا، لم تكن الحركة البطيئة في تعاقب المراحل، نتيجة لقلة الجهد المبذول، أو لبلادة ~~الذهن وقصوره، وإنما هي - في أرجح الظن - نتيجة لجهلي باللغة التي يتفاهم بها الناس في ~~بلادنا، ولست أعني بالطبع لغة القواميس، بل أعني تلك الرموز السحرية التي تنفتح لها ~~الأبواب للداخلين من قبيل «افتح يا ms096 سمسم» في قصة علي بابا، والأقدار بعد ذلك لا ترحم من ~~تلكأت قدماه على الطريق. # أوه! ذلك هو عصرنا، وهذه مصرنا، ونحن أبناؤه وأبناؤها. # إنني لم أمسك بقلمي لأكتب شيئا من هذا، بل أردت أن أقول إنني كنت في إنجلترا إبان ~~الحرب العالمية الثانية دارسا، وكانت الحرب قد بلغت تلك المرحلة التي كانت فيها ~~ألمانيا تقذف إنجلترا بقذائف كانوا يسمونها ف2، وهي قذائف لم تعد تجدي معها صفارات ~~الإنذار؛ لأنها تباغت الناس، فقد تكون في قاعة المحاضرات، أو في المطعم تتناول طعام ~~الغداء، أو ماشيا في الطريق، أو حيثما تكون، وإذا بالدوي الذي يصم الآذان، والذي ترتج ~~له الأرض والجدران رجا عنيفا، وإذا بالقذيفة التي أحدثته لا تبعد عنك إلا بضعة ~~أمتار، فإذا ما وقع هذا، ساد الصمت بضع ثوان، ثم مضى كل فيما هو فاعله، لا هلع، ولا ~~صوت، ولا حركة، ولا تبادل نظرات، ولا أي شيء من هذا كله أو ما يشبهه، ترى له أثرا على ~~أحد. # وكان بيني وبين زميل مصري موعد، ضربناه ليكون عند «القوس المرمري»، فهنالك كان مشرب ~~الشاي لأمثالنا، في «بيت الناصية»، وهو مكان اشتهر برخص أسعاره، مع فخامة في معداته، ~~فمثلنا لم يكن يقوى على أكثر من هذا كلما أراد طعاما أو شرابا؛ لأنه محدود بحدود ~~البنسات والشلنات، فما جاءت ساعة اللقاء، إلا وقذيفة من تلك القذائف المباغتة قد نزلت ~~على ميدان القوس المرمري، فاستحال اللقاء، وطافت برأسي فكرة، قلت لعل فكرة مثلها تخطر ~~لزميلي، وهي أن أنعرج إلى شارع «بارك لين» قاصدا إلى نادي الطلبة المصريين، وهو قريب ~~من هناك، وفي النادي وجدت مجلة الثقافة ملقاة على إحدى المناضد، فأخذت أتصفحها انتظارا ~~للزميل المرتقب. # وفي تلك المجلة قرأت مقالا رائعا، للمرحوم الأستاذ محمد فريد أبو حديد، كان له وقع ~~في نفسي، حال بيني وبين النوم في تلك الليلة، قبل أن أكتب مقالة من وحي ما كتبه الأستاذ ~~أبو حديد؛ لأبعث بها إلى النشر في مجلة الثقافة ، ولأبعث بها صباح اليوم التالي، وجعلت ms097 ~~عنوان مقالتي: «تجويع النمر»، وها أنا ذا أستأذن القارئ في نشر الجزء الأول منها، ~~تمهيدا للإضافة الجديدة التي عن لي اليوم أن أضيفها: # إنني مدين بساعة من أجمل ساعات التفكير للكاتب الفاضل الذي أدخل تعديلا على ~~نظرية التطور كما رآها «دارون»، فجعل الأناسي تنتمي إلى أصول عدة، لا إلى أصل ~~واحد، فالناس في رأي الكاتب الفاضل، منهم الكلب الذليل، ومنهم الخنزير القذر، ~~والفأر الجبان، والثعلب الماكر، والحمار العبيط، كما أن منهم الليث الهصور، ~~وإنه لمن الشطط والإسراف حقا أن نحاول التوحيد فيما أراد الله له اختلافا ~~وتباينا. # تلك لمسة عبقري لا شك في نبوغه، والرأي - فيما يظهر - حق لا ريب فيه، فليس ~~الأمر هنا خيالا شطح بالكاتب فطار به عن الواقع، أو شطح به الكاتب وهو من برجه ~~العاجي في عزلة عن الناس، بل هو مستمد من ذلك الواقع نفسه، ومن هؤلاء الناس، ~~ودنيا الواقع لم تختف، ولن تختفي إلى آخر الدهر، فإن شئت تحقيقا لما نزعمه ~~لك، فسر في الطريق مفتوح العينين، لا نطلب منك أكثر من هذا ولا أقل، على ~~أننا نشترط شرطا واحدا، وهو ألا تنخدع بالإهاب البشري الذي يلبسه الناس في ~~الطريق، بل احلل عراه بخيالك - ولا شك أن لك نصيبا من الخيال قل أو كثر - ~~وسترى في جوفه الكلب أو الخنزير أو الفأر أو الحمار، أو ما شاءت لك الظروف أن ~~تجد. # والساعة الجميلة التي أنا مدين بها لكاتبنا الفاضل هي ساعة استبطنت فيها ~~دخيلة نفسي أولا، ثم استعرضت بعدئذ فلانا وفلانا ممن أعرف من الناس، وحاولت ~~أن أتعقب كلا إلى عروقه الأولى ... لكنني ما إن بدأت النظر، حتى تبدى لي ما ~~أوقعني في حيرة، إذ خيل إلي أني حين كشفت عن دخيلة «فلان» و«فلان»، وجدت ~~في كل منهما أكثر من حيوان واحد، وكان النمر عنصرا مشتركا فيهما معا، ففي ~~الأول رأيت كلبا ونمرا، وفي الثاني وجدت فأرا ونمرا، وهنا أسقط في يدي، ~~ولم أدر بماذا أفسر ما أرى، فلا هو يجري مع دارون في ms098 جمع الناس تحت أصل واحد، ~~ولا هو يجري مع مذهب الكاتب الفاضل في تعدد الأصول، بل الأمر فيما أرى يقع ~~وسطا بين المذهبين، فأي هذه الثلاثة أختار لنفسي رأيا ومذهبا؟ # ولم تدم حيرتي إلا لحظة قصيرة، ثم استجمعت شجاعتي وقواي، وانتهيت إلى قرار: ~~فلماذا أضعف أمام دارون؟ ولماذا أضعف أمام الكاتب الفاضل صاحب التعديل؟ أليست ~~الحقائق أمامي جهيرة الصوت، لا تدع مجالا لريب مرتاب؟ أليس «فلان» أمام ناظري، ~~فيه الكلب والنمر في آن معا؟ ثم أليس «فلان» الآخر فيه الفأر والنمر جنبا ~~إلى جنب؟ إن سلامة المنطق تقتضي بأنه إذا تعارضت النظرية مع حقائق الواقع فلا ~~مفر من نسخ النظرية استمساكا بالوقائع المحسوسة، ولا بد عندئذ من إعادة ~~التفكير، بحثا عن نظرية أخرى تتفق مع حقائق الواقع، فلماذا لا أدلي بدلوي في ~~الدلاء، لعله يخرج إلى الناس بقليل من الماء؟ إذن، هاك ما انتهيت إليه: # ليس الناس جميعا فروعا من أصل واحد، كلا ولا هم بغير هذا الأصل الواحد، ~~فالناس جميعا يتفقون في شيء، هو النمر، ثم يختلفون في أشياء، هي شتى صنوف ~~الحيوان، فكل فرد من الناس في جوفه نوع من الحيوان، وإلى جانبه نمر، وهو يبدي ~~من هذين التوءمين، ما يقابل به المواقف على أتم وجه وأوفاه، فقد رأيت «فلانا» ~~في موقف بذاته كلبا ذليلا خافت الصوت خافض البصر، حتى إذا ما سنحت له الفرصة ~~المواتية «تنمر»، وكذلك رأيت «فلانا» الآخر ذات ساعة فأرا هزيلا ضئيلا ~~رعديدا جبانا، حتى إذا ما سنحت له الفرصة أيضا «تنمر». # هذا النمر الرابض في جلودنا، هو بيت الداء وأس البلاء، لو بعون الله أخرجناه، ~~ومن جذوره اقتلعناه، صلح من أمرنا ما فسد، واستقام من حياتنا ما اعوج، لو ~~أخرجنا من أجوافنا هذا النمر الضاري، لما وجد الكلب منا داعيا أن يذل، ولا ~~الفأر مبررا أن يجبن، لكن كيف السبيل إلى تحقيق هذه الأمنية، ودونها - فيما ~~يبدو - خرط القتاد؟ # مهلا، مهلا، فأصعب المسائل قد يزول بأسهل الحلول ... فإذا وجدت فيمن معك ~~نمرا مسلطا ms099 عليك، وأردت القضاء عليه لينزاح عن صدرك الكابوس الذي يقض لك في ~~الليل مضجعك، فالتجويع هو وسيلة القضاء على النمر، إن النمر يتغذى وينمو ~~ويترعرع، كلما أفسحت له أنت من مجال «التنمر»، أما إذا جوعت هذا النمر أينما ~~وجدته، خلصت من شره وخلص معك الوطن كله، وعملية التجويع أبسط من البساطة، فكلما ~~بدت عليه علامات «التنمر»، انسحب من غرفته، واتركه وحيدا بغير غذاء، وعندئذ ~~يأكل النمر بعضه حتى يقضي على نفسه القضاء الأخير، فيريح ويستريح. # ذلك ما رأيته وكتبته، أعني جزءا مما رأيته وما كتبته، بوحي من مقالة المرحوم محمد ~~فريد أبو حديد، ثم دارت الأيام دورتها، مرت أربعون سنة منذ ذلك التاريخ إلى يومي هذا، ~~والمشكلة في صميمها ما زالت هي المشكلة، ظاهر الناس غير باطنهم، الشوارع ملأى بالكذب، ~~لكن الأسلوب اختلف، فتحتم أن يختلف العلاج. # لم يعد في الصدور نمور كالتي كانت منذ أربعين عاما، وإلا فمن يتنمر على من؟ لقد قوي ~~الضعيف وضعف القوي، تبدلت المحاور، فبعد أن كان لأصحاب الرءوس ما يشبه السلطان على ~~أصحاب الأيدي، تغير الموقف، فارتفعت الأيدي وانخفضت الرءوس، لم يعد - في الحق - أحد ~~يستطيع أن يتنمر على أحد، وهذا في ذاته كسب كبير، لولا أن تبدل لون الحرباء لتتلاءم مع ~~الأرض الجديدة، على غرار ما نقوله عن الاستعمار مثلا، إذ نقول إنه بعد أن تعذر على ~~المستعمر أن يمارس السيطرة بجيوشه، غير الوسيلة، وجعلها «اقتصادا»، مما قد نفهم بعضه ~~ولا نفهم بعضه الآخر، ولكن بقي الاستعمار استعمارا كما كان، وكذلك نقول عن ظاهرة ~~التسلط التي تستبد بنا منذ لا أدري كم ألفا من السنين، فلكل عصر عندنا وسيلته في ~~التسلط، وكانت الوسيلة «تنمرا» عندما كنت شابا في الثلاثين، ثم أصبح التسلط اليوم ~~شيئا آخر، لكي يبقى جوهر التسلط قائما كما كان. # وصورته في عصرنا هذا صورة غريبة قد تخفى عن الأبصار، وأقرب تشبيه وجدته لها هو «ملاحظ ~~الأنفار»، فليس هدف المتسلط في يومنا هذا، هو أن يكون نمرا يمزق بأنيابه فرائسه من ms100 ~~الضعفاء، وإنما هدفه اليوم هو أن يقوم بدور «ملاحظ الأنفار»، بمعنى أن يعمل العاملون، ~~وهو هناك على رءوسهم يقف ليرى، حتى إذا ما فرغ العاملون من أداء ما اجتمعوا لأدائه، ~~نسب الفضل للملاحظ الذي وقف وفي يده عصا سحرية، تراها القلوب الراجفة ولا تراها ~~العيون. ~~«ملاحظ الأنفار» الجديد لا يتنمر كسلفه، بل قد تراه غاية في التهذيب والوداعة ونعومة ~~الحركة، لكنه بارع في التماس طريقة نحو موقع الرئاسة، حيث يجلس مراقبا متعقبا، ~~والعاملون من حوله يعملون وينتجون، ليكون هو آخر الأمر صاحب الفضل والمكانة معا، وفي ~~هذا المجال لا فرق بين عمل وعمل، فقد يكون ملاحظ الأنفار في مكانه التقليدي الذي ~~ألفناه، وهو أن يلاحظ فئة من عمال الزراعة أو من عمال البناء، ولكنه في يومنا هذا ~~قد يرتفع ليكون ملاحظا على علماء أو أدباء أو نفر من رجال الفن، وفي هذه الحالة ليس ~~المهم أن يكون هو نفسه عالما أو أديبا أو فنانا، إذ يكفيه أن يلاحظ ويراقب، وبقدرة ~~قادر يصبح هو العالم، وهو الأديب، وهو الفنان، وهو صاحب البلاغة والفصاحة، على أن ~~ملاحظي الأنفار هؤلاء، كثيرا ما يخدعون أنفسهم لئلا تثور عليهم ضمائرهم، فيوهمون ~~أنفسهم بأن الإدارة في هذا العصر الحديث أمر باتت له أهمية، تضعه في الصف الأول، فماذا ~~يعيب الرجل، إذا هو برع في إدارة الأنفار وتشغيلهم، حتى يستخرج منهم مكنونهم كله؟ إنه ~~في هذا الحالة شبيه بالعالم الذي يعرف كيف يستخرج كنوز الأرض من مناجمها، وحتى لو أضاف ~~الفضل لنفسه آخر الأمر، فذلك حقه؛ لأنه لولاه لما كان ما كان. # إنها مكيافلية من طراز جديد، ومكيافلي - إذا أردت أن تتذكر - سياسي ومؤرخ إيطالي، عاش ~~في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل السادس عشر، وقد ظفر بشهرته فيلسوفا سياسيا، ~~بكتابه «الأمير» الذي ألفه وأهداه إلى أمير فلورنسة، وفيه يحلل العوامل التي لا بد من ~~توافرها للأمير، إذا أراد الاحتفاظ لنفسه بالإمارة؛ ولقد كان محور التفكير في هذا ~~الكتاب، هو أن الوسائل تبررها الغايات؛ فكل وسيلة تنتهي بك ms101 إلى تحقيق الغاية التي ~~تنشدها، هي فعل مقبول، حتى لقد كان من أقواله في هذا المعنى، قوله: «إن الأمير الذي ~~يريد حفظ كيان دولته، لا بد له في كثير من الأحيان، أن يخالف الذمة والمروءة والإنسانية ~~والدين.» ولهذا أصبحت كلمة «مكيافلية» تعني في الاستعمال الجاري، الوصول إلى الغاية بأي ~~وسيلة تعين على الوصول، بغض النظر عن موقعها من موازين الأخلاق. # لكن المكيافلية الجديدة عندنا اليوم، والتي أشرت إليها منذ حين، تختلف قليلا عن ~~النموذج الأول؛ فمن الإنصاف لمواطنينا أن نقول إنهم في سعيهم للوصول، يندر أن يخالفوا ~~الذمة والمروءة والإنسانية والدين، إنهم في الحقيقة أخلاقيون إلى حد كبير، لكن الذي ~~ينقصهم هو مشاركتهم الأنفار؛ فليس شرطا لملاحظ الأنفار في البناء أو في تفريغ السفن، ~~أن يكون هو نفسه قادرا على أن يؤدي هذه أو تلك؛ وكذلك ملاحظو الأنفار في مجالات حياتنا ~~اليومية، بكل أنواعها؛ قد يتربع على عروشها من ليس بالضرورة عليما بأسرارها؛ لكنه ~~ملاحظ فقط، وهذا يكفل له - في مقاييسنا - أن تخلع عليه الصفات التي لا هي منه ولا هو ~~منها، تماما كملاحظ الأنفار. # على أن أنصار المكيافلية الجديدة عندنا يلتقون في نقطة جوهرية مع المكيافلية في ~~نموذجها الأول، وتلك النقطة هي ما أوصى بها مكيافلي أميره، بأن يحرص أشد الحرص على ~~التظاهر بما ليس فيه، مما قد يكون له قوة الجذب عند الجماهير؛ فمثلا ليس من الضروري أن ~~يكون رحيما رقيق القلب في حقيقته، فليعصف بالناس كما شاءت له نزواته ومصالحه الخاصة، ~~شريطة أن يفعل ذلك وهو متستر بقناع من هو رحيم رقيق القلب؛ لأن هذه الصفة هي مما يجذب ~~إليه الجمهور، وليكن في حقيقته بخيلا مقبوض اليد كيفما شاء، على شرط أن يبدو للناس ~~كريما، وهكذا؛ وأظن أن أنصار المكيافلية الجديدة عندنا، لم يفتهم هذا الدرس المفيد؛ ~~فملاحظ الأنفار إذا وجد أنفاره من العلماء، عرف كيف يظهر وكأنه أعلم العلماء؛ وإذا كان ~~أنفاره من رجال الفن، أتقن الظهور بمظهر العليم بأسرار الفن وخفاياه. # قال صاحبي الذي كنت ms102 أتحدث معه بهذا كله: كأني بك قد جعلت ظاهرة التسلط، التي تستبد ~~بنا، تظهر عند أصحابها في شكلين مختلفين: ففي المرحلة التي عشتها أنت في شبابك، كانت هي ~~النمور الرابضة بين الضلوع، تنتهز الفرصة لتنقض على الفريسة، وفي هذه المرحلة الراهنة، ~~أخذت شكل «ملاحظي الأنفار» الذين يستمدون مكانتهم من عمل غيرهم، فإذا كنت قد أحسنت ~~فهمك، كانت مصيبتنا في هذه المرحلة أفدح؛ لأن النمور - كما قلت - يمكن تجويعها، وأما ~~ملاحظ الأنفار، فكيف نتقيه؟ يا ليتك استطعت أن تستخدم طريقة التشبيه بالحيوان في هذه ~~الحالة الثانية، كما استخدمتها في الحالة الأولى لعلنا نهتدي. # قلت: إذا استخدمت طريقة التشبيه بالحيوان، أحللت «الثعالب» محل «النمور»؛ فالتسلط هو ~~التسلط في الحالتين، لكنه بينما كان افتراسا للضحايا عندما كانت الظروف السياسية ~~والاجتماعية تسمح بذلك، نراه اليوم قد أصبح «دهاء»، وأما العلاج في هذه الحالة فقد ~~نهتدي إليه من الطريقة التي كان يتبعها النبلاء في صيد الثعالب، وهي أن تصحبهم كلاب ~~الصيد، التي تشم رائحة الثعلب وهو على بعد بعيد، فتتعقبه مهما بلغ خفاؤه في ظلمات ~~الغابة، حتى تعود به قتيلا، وما دمنا قد ذكرنا الثعالب، فلا بد أن نذكر ما قاله ~~المتنبي عن ثعالب مصر أثناء زيارته لمصر؛ إذ قال ما معناه: إن أعين الحراس في مصر قد ~~غفلت عن ثعالبها، حتى امتلأت بطون تلك الثعالب بالعنب، ومع ذلك فكلما أتت الثعالب على ~~العناقيد الموجودة، أثمرت لها الكروم عناقيد أخرى، وهكذا دواليك، خيرات لا تفنى، وثعالب ~~ما فتئت متربصة تأكل الخيرات، وكأنه لا حراسة ولا حراس. # نظرت إلى الموقف في شبابي، فرأيت نمرا، واستطعت قتل النمر تجويعا بإهماله؛ وها أنا ~~ذا أنظر إلى الموقف في شيخوختي، فكأني أرى ثعلبا، وما زلت حائرا كيف أتقيه. # | ردة في عالم المرأة «1» # ما أبعد الفرق - في حياة المرأة المصرية - بين الليلة والبارحة! وليلتها التي أخذ ~~يتغشاها الغسق بظلامه، هي هذه المرحلة الراهنة من حياتها، وأما بارحتها التي تنفس ~~فيها صبح جديد، حسبناه يومئذ بشيرا لها بإشراقة الضحى، فهي تلك ms103 الأعوام الخمسون ~~التي امتدت من أول هذا القرن إلى منتصفه، كانت المرأة المصرية في بارحتها تتوثب ~~طموحا وكأنها أرادت أن تبلغ الأفق البعيد بقفزة واحدة، إنك لو رأيت المرأة المصرية ~~في الأعوام الأولى من بارحتها تلك، إذن لرأيت ما يشبه القوس المشدودة إلى صدر ~~راميها، وقد سنحت بالتحفز، حتى إذا ما ارتخت عنها قبضة الرامي، طارت حتى نافست نسور ~~السماء وصقورها، وبضربات منها سريعة متلاحقة، حطمت قيود الحريم، واستردت كرامتها ~~المفقودة وإنسانيتها الضائعة، أو قل إنها أوشكت أن تسترد كرامتها المفقودة ~~وإنسانيتها الضائعة، أو قل إنها أوشكت أن تسترد تلك المفقودة وهذه الضائعة، ثم ما ~~هي إلا أن رأيناها مجاهدة في كل ميدان، يعطونها القليل فلا يرضيها إلا ما يتكافأ مع ~~قدراتها، وقدراتها كانت في طليعة القدرات. # كانت تلك الوثبات الطموح سمة واضحة في بارحتها، وأما في ليلتها فقد فترت العزيمة ~~وما حسبناها تفتر بهذه السرعة الخاطفة، فلقد ضحك عليها من ضحك، وخدعها من خدع، ~~وكانت مأساتها أن جازت عليها الحيلة فصدقت أن دنياها ليست هي دنيا الناس، من علم ~~وعمل، وفن وأدب وفكر ورأي، وريادة وهداية وجهاد، صدقت أن «المرء» و«المرأة» بينهما ~~من التباين ما بين الروح والجسد، أو ما بين الطيران الطامح في صعوده، والقعود ~~المكبل بأغلال الكسيح، ضحك عليها من ضحك، وخدعها من خدع، فصدقت البريئة أنها حلية ~~يتملكها من يقتنيها، ومن حق هذا المقتني أن يلف حليته باللفائف، وأن يحفظها في ~~الخزائن، ونسيت أنها فرع من فرعين يتألف منهما «الإنسان»، ولقد تعمدت منذ أسطر ~~قليلة أن أستعمل كلمتي «مرء» و«مرأة»، بدل كلمتي رجل وامرأة، لعل البريئة تدرك كم ~~يتشابه الفرعان، حتى بعد أن يتفرعا من الأساس «الإنساني» المشترك، لكن البريئة ~~صدقت، وراحت تلف نفسها قبل أن يلفها مقتنيها، ولم نعد نسمع منها إلا حنينا إلى ~~العودة لتنخرط مرة أخرى في معتقل الحريم. # تعالوا نناقش الأمر فيما هو أهدأ من الهدوء، تعالوا نناقشه بأعصاب محكومة، لعلنا ~~نميز الحق من الباطل، وبعدئذ يكون لكل منا - مرءا ومرأة - أن ms104 يختار لنفسه طريق ~~حياته وهو أو هي على بصيرة ووعي بما يختار أو تختار، وسأكون في هذه الخطوة من خطوات ~~الحديث محدد الكلمات واضح المعاني، فليس يعنيني إلا أن نصل إلى حقيقة نستريح إليها، ~~وسأطرح هذه الخطوة من خطوات حديثي، على مرحلتين: ~~(1) # المرحلة الأولى عن تعليم المرأة وعملها: ~~(أ) # من حق كل مواطن بحكم الدستور أن يتعلم إلى آخر حد تمكنه ~~مواهبه (أو مواهبها) أن يصل إليه. ~~(ب) # من شأن التعليم الصحيح، أن يخرج المتعلم معدا لعمل ~~معين على أساس ما تعلمه. ~~«النتيجة»: من حق المواطن (أو المواطنة) أن يحصل على أكبر قدر مستطاع ~~من التعليم، وأن يشارك في دنيا العمل بما تعلمه. ~~(2) # المرحلة الثانية عن المرأة زوجة وأما لأطفال، وها هنا تنشأ المشكلة ~~المحيرة حقا، فكيف توفق المرأة بين واجباتها في العمل، وواجبات ~~الرعاية لأطفالها الصغار، وهذه هي المشكلة التي يحتج بها من يريدون ~~للمرأة أن تنسحب من ميادين العمل التي من أجلها تعلمت لتنحصر في دارها، ~~والرأي عندي هو أن يترك لكل امرأة على حدة حق الاختيار لنفسها في ضوء ~~ظروفها، فإذا اختارت أن تبقى في بيتها لتربية الطفل، كانت حرة في ~~اختيارها، وإذا اختارت ميدان العمل فواجب الدولة أن تيسر لها السبل ~~التي تكفل الرعاية للطفل؛ إذ لا يجوز لنا أن ننسى أن الطفل «مواطن» له ~~على الدولة ما لسائر المواطنين من حق الرعاية، فتنظم دور للحضانة في ~~كل مراكز العمل أو في مواطن السكنى. # الأساس عندي هو - إذن - ذو شعبتين: الأولى أن للمرأة كل الحق في أن تتعلم إلى آخر ~~قطرة تطيقها قدراتها الفطرية، وإذا قلنا إنها «تعلمت» فكأننا قلنا بالتالي إن لها ~~مكانا في دنيا «العمل» بمقدار ما تعلمت وبنوع ما تعلمت؛ لأن التعلم بكل صنوفه ~~ودرجاته، ليس كلاما يلقى به في الهواء على سبيل التسلية وإزجاء الفراغ، بل التعلم ~~في حقيقته تدريب على عمل يؤديه المتعلم، وأما الشعبة الثانية فهي أن المرأة إذا ما ~~تجاذبتها واجبات العمل من ناحية وواجبات أسرتها من ناحية أخرى، ms105 فلها هي وحدها حق ~~الاختيار لما تفعله حلا لإشكالها، وذلك في ضوء ظروفها الخاصة، مستعينة بكل ما يجب ~~على الدولة أن تعينها به من تيسيرات. # وليست المأساة التي جعلت الفرق بعيدا بين مرأة هذا الجيل ومرأة الجيل الماضي، هي ~~في أن أحدا يتدخل في شئون حياتها، فيحد من حقها في التعلم وحقها في العمل، أو يحد ~~من حرية اختيارها لميدان نشاطها: أيكون في دنيا العمل العام، أم يكون في أسرتها ~~الخاصة؟ بل المأساة أنها هي التي أخذت ترتاب في جدوى التعلم بالنسبة إليها - ~~والتعلم المهني بصفة خاصة - ثم زادت طينها بلة بأن أخذت تشك كذلك في مشروعية حقوقها ~~الإنسانية من حيث هي مواطنة كأنما يوسوس لها شيطان بأنها إنما خلقت - لا لتكون حرة ~~مسئولة أمام ربها وضميرها - بل لتكون تابعة لهذا، خاضعة لذاك، تتحجب إذا شاء لها ~~سيدها أن تتحجب، وتسفر إذا أمرها مولاها أن تسفر، فأين هي - إذن - من سالفتها في ~~جيلنا السابق، حين أخذت رائدات الحركة النسوية تشق جلاميد الصخر لتفسح للمرأة ~~طريقها إلى ضوء النهار، لكن ماذا نقول؟ فلعلها الموجة الرجعية العاتية التي تغرق ~~حياتنا الفكرية كلها اليوم، هي التي نثرت رذاذها في كل اتجاه حتى أصاب المرأة ما ~~أصابها، فلم تعد تذكر إلا أنها امرأة تتبع، ونسيت أنها كذلك إنسانة ترود. # إن من الأباطيل التي كثيرا جدا ما يزل فيها الإنسان بفكره، كلما كان الحديث ~~حديثا عن الرجل والمرأة في اقتسامهما للحياة، أن تذكر أوجه الاختلاف بين الجنسين ~~ثم ترتب على وجود اختلاف بينهما نتيجة تزعم بأن للرجل الحق في أن يملي، وعلى المرأة ~~واجب أن تطيع مع أن الاختلاف بين شيئين لا يدل بذاته على تفاوت في الدرجة بينهما، ~~فالتفاح والكمثرى مختلفان، لكن اختلافهما وحده لا يدل على أيهما أفضل من الآخر، ~~والأغلب في حالات كهذه أن يكون لكل من الطرفين ظروف بعينها يتفوق فيها على ~~الآخر. # نعم، بين الرجل والمرأة أوجه كثيرة من الاختلاف، لا نستند في ذكرها - لسوء الحظ - ~~على نتائج بحوث علمية ms106 إلا في القليل النادر، وأما في أكثرها فإنما نكتفي بالملاحظات ~~العابرة وبالانطباعات الذاتية، التي قد نصيب فيها وقد نخطئ، وربما يفيدنا في ~~موضوعنا هذا أن نذكر أمثلة واضحة لما بين الجنسين من ضروب الاختلاف؛ لأنه قد يتبين ~~لنا أن بعض تلك الاختلافات في صالح المرأة وبعضها في صالح الرجل، وإذا كان الأمر ~~كذلك وجب علينا بعد ذلك ألا نحكم بالتفوق لأحد الجنسين على الآخر حكما مطلقا، بل ~~نقيد حكمنا بما بين أيدينا من شواهد، في كل حالة على حدة، ولعله مما يسهل علينا ~~النظر والمقارنة أن نجمع الفروق الظاهرة بين الجنسين تحت رءوس ثلاثة: # أولها فروق في شخصيات الأفراد من حيث هم أفراد، وثانيها فروق في أساليب التعامل ~~في المجتمع، أي أن ننظر إلى الفرد الواحد، لا من حيث هو كائن قائم برأسه، بل من حيث ~~هو مواطن يتعامل مع آخرين هم سائر المواطنين، وثالثها فرق في موقف كل من الجنسين، ~~لا بالنسبة إليهما في الحياة الفردية، ولا بالنسبة إلى تبادل الأفعال وردود الأفعال ~~في حياة اجتماعية قائمة، بل فيما يجاوز ذلك كله إلى العمل على استمرارية الحياة ~~الإنسانية ذاتها. # وإذا نحن بدأنا المقارنة بين الجنسين من النقطة الثالثة، الخاصة باستمرارية ~~الحياة الإنسانية، وقعنا على اختلاف بينهما قد يكون هو المصدر الرئيسي - أو أحد ~~المصادر الرئيسية - التي منها يتفرع سائر ما قد نراه بين الرجل والمرأة من أوجه ~~التباين، وذلك لأن للمرأة دورا في جانب تلك الاستمرارية لا يقاس إليه دور الرجل، ~~وذلك واضح منذ أن يكون الجيل القادم أجنة في بطون أمهاتهم من بنات هذا الجيل، فمن ~~هذه النقطة الأولية تنبثق أهم خصائص المرأة فردا، وعضوا في مجتمع لأنها نقطة تحتم ~~عليها أن تميل إلى الحياة الآمنة، لتوفر للأبناء مناخا صالحا يتربون في أمنه حتى ~~يبلغوا النضج، ولا كذلك الرجل لأنه بحكم ضرورة أن يهيئ مقومات الحياة لهؤلاء ~~الأبناء قد يضطر إلى المغامرة، بل وإلى القتال، مما ينتهي بالمرأة والرجل إلى ~~مزاجين مختلفين في الأساس: المرأة تبسط جناحيها في ms107 هدوء على ما هو موجود ليظل ~~موجودا، والرجل يصفق بجناحيه ليطير. إن استقرار الحياة هو أساسا من صنع المرأة، ~~والثورة على الحياة لتغييرها هي أساسا من صنع الرجل، ومن هنا تولدت فروق فرعية ~~كثيرة في حياة كل منهما، من حيث هما فردان، ومن حيث هما عضوان في حياة اجتماعية، ~~فالمرأة في الحب أصدق وأعقل وأذكى، والرجل في الكفاح أقوى وأشجع وأكثر اندفاعا، ~~وتطول بنا قائمة المقارنات لو استطردنا، لكن ما يهمنا هنا هو أن الفروق بين الرجل ~~والمرأة موجودة غير أنها فروق لا تستلزم بالضرورة أن يتفوق منهما أحد على أحد، ~~وتبقى الحياة العقلية، التي بها يكون التعلم ويكون العمل، مشتركة ومتعادلة بينهما، ~~فيتفوق فيها فرد على فرد، لكن لا يتفوق فيها نوع على نوع، وحتى إذا نحن سلمنا بأن ~~أحدهما يتميز عن الآخر بقدرات معينة، كالذي كثيرا ما يقال عن الرجل من أنه أقدر من ~~المرأة على «الإبداع» في العلم والفن والأدب وغيرها، فإننا لا بد واجدون في النوع ~~الآخر امتيازا في ناحية أخرى تحدث التوازن، فإذا كان الرجل أقدر على إبداع الجديد، ~~فإن المرأة بدورها أقدر على المحافظة التي لولاها لما أمكن للحياة أن تدوم للناس ~~يومين متتاليين، إذا كان اليوم التالي سيجيء ليهدم ما بناه اليوم السابق باسم ~~الإبداع، فالخير هو أن يتقاسم شئون الجماعة عاملان متكاملان، أحدهما يسد نقص الآخر، ~~أحدهما هو عامل التجديد، الذي ما ينفك مسايرا للزمان في جريانه، وأما الآخر فيصون ~~ثبات الهوية الواحدة ودوامها حتى لا تنجرف مع تيار التغير، وذلكما هما الرجل ~~والمرأة، تماما كما يحدث لحياة الفرد الواحد، فهو في كل يوم، في كل ساعة، في كل ~~دقيقة، يستبدل في كيانه العضوي جديدا بقديم، إذ هو يلفظ الهواء الفاسد في شهيقه ~~ويحل محله بالزفير هواء جديدا، وإذ هو يفعل شيئا كهذا حين ترد الأوردة دما ~~فاسدا لتجيء الشرايين بدم جديد، وهكذا في كل مناشط البدن، صحو يهدم ونوم يبني، دون ~~أن يفرط الفرد خلال تلك التغيرات المتلاحقة في هويته، فهو ms108 يظل دائما فلانا ~~الفلاني بشخصيته الواحدة. # الحديث عن الرجل والمرأة وهما يتعاونان مرة ويتصارعان أخرى، يتفقان يوما ~~ويختلفان يوما، لم ينقطع منذ هبط آدم وحواء إلى هذه الأرض ليسعيا، ولا بأس في كل ~~ما قيل عنهما وما يقال، لا بأس في أن يفاخر الرجل بدوره وتفاخر المرأة بدورها، ~~طالما جاء هذا كله على سبيل المزاح، أما أن ينقلب المزاح إلى جد الحياة بحيث يصبح ~~الرجل آمرا والمرأة طائعة، ويجعل الرجل من نفسه سيدا وتجعل المرأة من نفسها ~~تابعة، فذلك هو «الوأد» بعينه، لولا أن الموءودة هنا ليست واحدة، بل هي الجنس بجميع ~~أفراده، وإذا كان عجبا أن يدعي الرجل لنفسه ما يدعيه، فأعجب منه أن تستجيب المرأة ~~بقولها آمين! وهذا هو ما نرى المرأة اليوم في سبيلها إليه، بعد كل ما صنعته أخوات ~~لها من بنات الجيل الماضي لترفع عنها نير الهوان. # المرأة اليوم تتبرع سلفا بحجاب نفسها، قبل أن يأمرها بالحجاب والد أو زوج، ~~فكأنها بذلك الحجاب الطوعي تقف على مئذنة لتصيح في الناس: ها هي ذي سلعة من عهود ~~الحريم لمن يشتري! وهل هي تدري - يا ترى - بأية سرعة سريعة يتحول حجاب الوجه ليصبح ~~حجابا للفكر كذلك؟ إنها إذا لم تكن تعلم ذلك، فهي إذن لا تعلم شيئا عن تأثير ~~الظاهر في الباطن، فالأمر في هذا الصدد لا يقتصر على أن يستتبع حجاب الوجه حجابا ~~للروح، كما يستتبع سفور الوجه سفورا للروح، بل يجاوز ذلك إلى كل ظاهر وباطن، ~~فالحركات الجسدية الظاهرة في الصلاة ركوعا وسجودا، سرعان ما تشيع في قلب العابد ~~ضراعة وخشوعا، ولعل هذا بعض ما تعنيه الآية الكريمة من أن الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر والبغي، فهي - بداهة - لا تفعل ذلك لمجرد حركات الجسد الظاهرة، بل نتيجة ~~لما يتولد عن تلك الحركات الظاهرة من شعور قلبي باطني فيه خشوع العابدين. # ولتغفر لي مواطناتي اللائي أخذتهن ردة إلى عهود الحريم، وامتلأت نفوسهن بوساوس ~~الشك في صلاحية المرأة لمشاركة الرجل مشاركة الأنداد في كل شيء: في العلم ms109 والعمل، ~~في الفكر والفن والأدب، في السياسة والحكم، في التجارة والصناعة، في المغامرة ~~والكفاح، نعم، لتغفر لي أولئك المواطنات - وهنالك منهن اليوم عشرات الألوف - إذا ~~قلت إنني كلما رأيت منهن واحدة انزلقت بضعفها - تطوعا - إلى هوة الماضي، تذكرت ما ~~كتبه شوبنهاور عن المرأة، سائلا نفسي: أيكون ذلك الفيلسوف الألماني قد أصاب الرأي ~~فيما وصف به المرأة؟ وسأعرض الآن مقتبسات مما كتبه في ذلك، راجيا من كل قارئة أن ~~تتلمس في نفسها رد الفعل، فإن وجدت نفسها غاضبة مما يدعيه شوبنهاور عنها وعن بنات ~~جنسها، كان الأمل كبيرا في أن تنفض عن عقلها ما غشاه لتعود إلى استئناف طريقها إلى ~~الحرية التي كانت سالفتها قد رفعت لها لواءها. # يبدأ شوبنهاور ما كتبه عن المرأة بقوله (ولنتذكر أن موقفه من المرأة كان رد فعل ~~للخصومة الغريبة التي نشأت بينه وبين أمه، فقد كانت أمه أديبة ذائعة الصيت، ولعلها ~~أحست شيئا من الغيرة حين وجدت نجم ابنها يزداد سطوعا كل يوم، فنشب بينهما خلاف ~~ذات يوم، أدى بالألم إلى أن تطرد الابن من دارها، فخرج الابن وهو يقول لها: إن ~~التاريخ لن يذكرك إلا من حيث كنت لي أما) وهاك بعض ما كتبه عن المرأة: # إن المرأة بحكم تكوينها لا تستطيع أن تضطلع بالمنجزات الكبرى، الجسمي منها ~~والعقلي على حد سواء، فرسالتها في الحياة منحصرة في الإنسال ورعاية الأطفال، مع ~~وجوب طاعتها للرجل وخضوعها له، فلقد أرغمتها طبيعتها على أن تسلك في حياتها سبيلا ~~مطمئنة وادعة، لا تصادف فيها ما يصادفه الرجل في حياته من التطرف في اللذة وفي ~~الألم كليهما، وإذا كانت الحياة قد ركنت إلى المرأة في أن تكون أداة تتعهد الصغار ~~في طفولتهم الباكرة، فمعنى ذلك أنها قد أعدتها إعدادا عقليا يلائم الغرض من ~~وجودها، فجاءت ضعيفة العقل، قصيرة النظر، حتى لكأنها طفل كبير لكي يتم بينها وبين ~~أطفالها شيء من التناسق، أو إن شئت فقل إنها مرحلة عقلية بين الطفولة والرجولة؛ ~~فالرجل هو الكائن البشري الحق، الذي قصدت إليه ms110 الحياة. # ومعلوم أنه كلما ارتفع الكائن الحي في درجات الكمال، كان أبطأ وصولا إلى مرحلة ~~النضج، فبينما المرأة يكتمل نضجها في الثامنة عشرة ترى الرجل لا يتم له النضج إلا ~~في الثامنة والعشرين، على أن نضج المرأة بعد أن يكتمل، لا يجعلها تحقق من القدرة ~~العقلية إلا قدرا محدودا، لا يمكنها من أن تنفذ إلى حقائق الأشياء؛ ولذلك كان من ~~السهل انخداعها بالظواهر، وتراها منشغلة بتوافه الأمور، دون الهام منها والخطير، ~~وكذلك تتميز المرأة بأنها تعيش في حاضرها فقط؛ لأنها تعجز عن الامتداد بفكرها إلى ~~الماضي وإلى المستقبل، فبالقوة العقلية وحدها يستطيع الرجل أن يحطم حدود الزمن التي ~~تقيد المرأة كما تقيد الحيوان. # ولعل هذه الخاصة في الرجل، وأعني قدرته على مجاوزة اللحظة الحاضرة إلى الماضي ~~وإلى المستقبل، حتى يضم الزمان من الأزل إلى الأبد بنظرة واحدة، هي التي كثيرا ما ~~تصيبه بانقباضة المهموم، وهي انقباضة لا تعرفها المرأة وهي تنعم بلحظتها الحاضرة، ~~غير حافلة بما قد يأتي به غد من ويلات وكروب، والمرأة في ذلك تشبه الحيوان الأجهر ~~(ضعيف البصر) الذي يرى ما هو قريب منه في دقة ووضوح، ولكن بصره لا يمتد إلى بعيد، ~~أي إن المرأة قد تستطيع أن ترى الحوادث الجارية حولها أدق مما يراها الرجل، لكنها ~~عاجزة كل العجز عن اجتياز الحاضر إلى وراء وإلى أمام، ولعل في ذلك يكمن السر في ~~إسرافها الذي قد يبلغ بها حد الحماقة والسفه. # كان هذا بعض ما أفاض القول فيه الفيلسوف الألماني في أواسط القرن الماضي، ولو ~~كانت المرأة على حقيقتها - وحقيقتها هي أنها «إنسان»- تتمثل في المرأة المصرية التي ~~أصابتها في أيامنا هذا نكسة ارتدت بها إلى ما قبل وثبتها التي شهدناها في امرأة ~~الجيل الماضي، لاستحقت ما قاله عنها ذلك الفيلسوف، فالذي نلاحظه في هذه المرأة ~~المرتدة هو أنها قد تتعلم، لكنها تتعلم غير مؤمنة بما تتعلمه، وقد تشارك في ميادين ~~العمل، لكنها غير مؤمنة بجدوى العمل . فهي آخذة في الضمور العقلي والوجداني إلى مصير ~~لا يعلمه ms111 إلا رب العالمين. # ثم تكتمل فصول المأساة، حين نرى الرجال يصفقون لها إعجابا بضمورها وذبولها ~~وعودتها إلى حياة الحريم، فإذا أراد الله بإحداهن خيرا، وجعلها تصمد على الكرامة، ~~وعلى حقها في الطموح من أجل نفسها ووطنها، ضاقت صدور الرجال وبكوا على خراب البيوت ~~وضياع الأطفال، فلقد جاءتني رسالة من قارئ يعاتبني على ما قلته في حوار إذاعي سمعه، ~~وهو أن للمرأة حقا مساويا لحق الرجل في التعليم وفي العمل، فأخذ القارئ الكريم ~~علي هذا الرأي، محتجا بما قد يصيب الزوج والأطفال من إهمال، ولكني لم أقل - ولن ~~أقول أبدا - إن هذه المشكلات الأسرية تترك بغير حل، بل لا بد من حلها بمشاركة ~~المرأة نفسها في ذلك الحل، على أن تجيء الحلول في إطار حق المرأة في العلم والعمل ~~وسائر ما نطالب به ل «الإنسان» من حقوق، على أن أبشع جوانب الردة في حياة المرأة ~~المصرية اليوم، ليس هو أنها تريد أن تتعلم إلى آخر المدى، فيمنعها أحد، لأن أحدا ~~لا يمنعها من ذلك، وليس هو أنها تريد أن تعمل بما تعلمته فيمنعها أحد؛ لأن أحدا لا ~~يقفل في وجهها أبواب العمل، وإنما الجانب البشع من تلك الردة، هو أن المرأة اليوم ~~تريد أن تجعل من نفسها وبمحض اختيارها، حريما يتحجب وراء الجدران، أو يتستر وراء ~~حجب وبراقع، وكأنها الفريسة السهلة تخشى أن تتخطفها الصقور، أما أن تحصن نفسها ~~بقوة الروح، وبالشعور بكرامتها إنسانة مستنيرة واعية، فذلك زمن أوشك على الذهاب مع ~~ذهاب رائدات الجيل الماضي. # ألا ما أبعد الفرق في حياة المرأة المصرية بين الليلة والبارحة، ففي بارحتها ألقت ~~بحجابها في مياه البحر عند شواطئ الإسكندرية، إيذانا بدخولها عصر النور، وأما في ~~ليلتها هذه فباختيارها تطلب من شياطين الظلام أن ينسجوا لها حجابا يرد عنها ضوء ~~النهار. # | ردة في عالم المرأة «2» # كانت قد جاءتني رسالة من قارئ، يسألني فيها عدة أسئلة في موضوعات مختلفة، تتصل ~~بالدراسات الفلسفية من قريب أو بعيد، فأحسست من الأسئلة أن صاحبها جاد ينشد علما ~~بأمور ms112 لم تكن ظروفه قد أتاحت له أن يدرسها في جامعة لأنه - كما قال - اضطر إلى ~~الوقوف في الطريق التعليمي عند نهاية الدراسة الثانوية، لكنه قرأ قراءة الدارسين، ~~حتى اتسع به المدى وبعدت الأعماق، وكان ذلك واضحا من الطريقة التي كتب بها رسالته، ~~وكذلك من الطريقة التي انتقى بها أسئلته وصاغها، وإني لأذكر كيف أرجأت الرد عليه ~~فترة طويلة، ترددت خلالها بين تلبية رجائه والكف عن تلك التلبية، وكان ذلك التردد ~~عندي لسبب واحد، هو أن أسئلته كانت تقتضي للإجابة عنها مادة علمية قد تثقل على ~~الكثرة الغالبة من القراء، لكنني آخر الأمر قررت أن أستجيب وأجيب؛ وذلك لأني رأيته ~~واجبا - كما قلت في فاتحة مقالتي تلك - إذ «التعليم» هو مهنتي ومهمتي؛ فلما طالعت ~~المقالة بعد نشرها، وجدت بها خطأ مطبعيا، تغيرت به كلمة «التعليم» فأصبحت ~~«القلم»، وباتت العبارة: «إذ القلم هو مهنتي ومهمتي»؛ فابتسمت لذلك الخطأ قائلا: ~~إنه خطأ كالصواب، أو هو - بعبارة أدق - خطأ فيه نصف الصواب، فبينما «التعليم» هو ~~مهنتي ومهمتي، كان «القلم» هو كذلك مهمتي، لكنه لم يكن قط مهنتي. # وأحمد الله حمدا كثيرا أن وقف القلم معي عند حد الهواية المهمة، ولم يكن أبدا ~~هو المصدر الأساسي الذي أرتزق منه لقمة العيش؛ لأنه لو كان كذلك لجاز لي أحيانا أن ~~أرعى رغبات «الزبائن»، فأقدم إليهم ما يحبون قراءته، لا ما يجب عليهم أن يقرءوه؛ ~~أما والكتاب في حياتي اهتمام شخصي، يلتقي فيه الواجب الاجتماعي والمزاج الذاتي في ~~آن معا، فقد أتيح لي بهذه النعمة التي أنعم الله بها علي، ألا أكتب كلمة واحدة ~~إلا إذا كنت مؤمنا بصدقها؛ على أن ما أؤمن بصدقه، قد لا يكون هو بالضرورة ما يراه ~~الآخرون صوابا؛ بل إنني إذا رأيت اليوم رأيا وجدت فيه الصواب، ثم جاءت لي الأيام ~~بعد ذلك بما يثبت خطأه، فإني لا أتردد لحظة في تصحيح نفسي، دون أن أشعر بأي حرج ~~أمام نفسي؛ فنحن بشر ، والبشر يصيبون آنا ويخطئون آنا، وحسبي أن أكون على أيقن ms113 ~~يقين، بأني أكتب ما أريد أن أكتبه؛ وأن الذي أكتبه هو ما أراه صوابا عند ~~كتابته. # ولما كان التعليم - كما قلت - هو مهنتي ومهمتي، فقد انعكس ذلك في كتابتي، كما لا ~~بد أن يكون قرائي قد لاحظوا؛ إذ تراني أحاول التوضيح ما أسعفتني قدرتي؛ وعندما ~~أكتب، تجري معي الكلمات في كثير من الأحيان، وكأنها كلمات موجهة إلى صديق جلس أمامي ~~لأبادله الحديث؛ فكلما ورد في حديثي شيء شعرت أنه قد يكون غامضا على السامع، عدت ~~إلى الفكرة المعروضة فوضعتها في عبارة ثانية، ثم في عبارة ثالثة إذا اقتضى الأمر ~~ذلك، وكذلك كثيرا ما تراني أضرب الأمثلة الموضحة للفكرة المعروضة، لكي أزيل عنها ~~غموضها، وأظل أسوق لها الحجة بعد الحجة، كأنني محام يدافع عن قضية يؤمن بصوابها، ~~على أن ذلك كله لا يعني أن ما يشغلني من قضايا، هو دائما ما يشغل كل إنسان من أعلى ~~السلم الثقافي إلى أدناه؛ ولا يعني كذلك - وهذا هو الأهم - أنني أقدم ما أعلم ~~مسبقا أنه يعجب القراء، فلست بقالا، ولا بائع خردوات أو تاجر أقمشة، أعرض في ~~دكاني البضاعة التي يقبل عليها الزبائن، بل إني أقرب إلى الطبيب الذي لا يبالي أن ~~يسقي مريضه الدواء المر إذا وجد فيه شفاءه من علته؛ لا، بل إني أكثر من ذلك، لأنه ~~إذا كان الطبيب لا يطب إلا للمرضى، فصاحب الفكرة حين يعرضها على الناس، إنما يطب ~~للأصحاء، فمن هو صحيح تظل أمامه الفرصة بأن يكون أصح مما هو عليه، وذلك هو طريق ~~الارتقاء؛ وقديما قال «إخوان الصفا» في «رسائلهم» - في الصفحات الأولى من تلك ~~الرسائل - حين أرادوا المقارنة بين الشريعة والفلسفة، إن الشريعة تطب للمرضى، أي ~~للذين بهم ميل إلى الانحراف عن جادة السلوك الصحيح فيصححوه؛ وأما الفلسفة فتطب ~~للأصحاء الذين يتطلعون إلى ما هو أسمى. # ولقد كتبت بالأمس القريب عما أراه من نكوص على الأعقاب في طائفة كبيرة من نساء ~~هذا الجيل وبناته، بالقياس إلى الطموح الذي تميزت به أمهاتهن في الجيل الماضي؛ ~~فجاءني بريد ms114 تحمل رسائله خلجات الغضب؛ وقرأت تلك الرسائل، بكل الاحترام، وبكل الحب ~~وبكل الإنصات العاطف والفكر المتأني؛ وكيف لا أفعل، وأصحاب الرسائل هم وهن إخوتي ~~وأخواتي، إنهم أهلي، أسرتي، عشيرتي ... لكنني أقولها بكل الصدق، وبكل الإخلاص، وبكل ~~الاحترام والحب، إنني لم أجد في تلك الرسائل جميعا ما يحملني على أن أغير حرفا ~~مما كتبته، ولو أعدت الكتابة لكررت ما قلته كلمة كلمة. # ولست أنوي هنا الدخول في تفصيلات أناقشها وأجادل فيها، فقد قلت ما عندي ولا أرغب ~~في أن أضيف إليه شيئا، ولا أن أحذف منه شيئا، لكنني أريد التعليق بملاحظات عامة ~~عن البريد الغاضب الذي تلقيته؛ لأنه - فيما أرى - تعليق واجب ومفيد: # أولا: # رضيت نفسي كل الرضا حين جاءت الكثرة الغالبة من الرسائل في أدب ~~حميد، لا يعتدي بسباب، ولا يخدش بسخرية، وذلك برغم المعارضة؛ وهكذا ~~في الحق ينبغي أن يكون الحوار في شعب هذبته ستون قرنا من حضارة ~~رفيعة؛ ولم يشذ عن ذلك إلا عدد أقل من القليل، استباحوا لأنفسهم ما ~~لم يكن يجوز لهم أن يقولوه؛ فلو تريث أي ممن كتبوا لي لتبين كم كان ~~الأجدر به أن يفكر أكثر من مرتين قبل أن يهاجم بالشتم أو بالسخرية؛ ~~لأنه لو كان للمهاجم أو الساخر أستاذ علمه، فالأرجح جدا أني كنت ~~ذات يوم أستاذا لأستاذه، إما بالفعل وإما بالإمكان؛ وماذا تقول عن ~~رجل، لو طرح من عمره العشرة الأعوام الأولى على أنها طفولة لاهية، ~~والعشرة الأعوام الثانية على أنها مراهقة حالمة، لبقي له نحو ستين ~~عاما، لو استثنينا منها ساعات النوم، لقلت فيما يقرب من الصدق ~~الكامل، إنه لم يضيع أسبوعا واحدا بغير دراسة وتحصيل وكتابة وضع ~~فيها ملاحظاته ومقارناته وتحليلاته عما درس وحصل؟ إنه لم يخطف ~~العلم والمعرفة خطفا، بل قضى السنين بين درس فيه الأناة والصبر، ~~وتدريس فيه الإخلاص والجد؛ ثم هو لم يسرع إلى الوثوق بعلمه قبل ~~أوانه، بل لبث أعواما وأعواما يتوارى وراء جدران التواضع لا يجرؤ ~~أن يقول: هاكم ما فكرت فيه، بل يقول ms115 هذا ما نقلته عن فلان؟ حتى شاء ~~له الله أن ينضج له عقل، ويتولد منه فكر، ولو كان لا بد للزاعم أن ~~يقدم «الشهادات» المؤيدة لزعمه، لتكاثرت الظباء على خراش - كما قال ~~الشاعر - فلا يدري خراش ما يصيد. # نعم، لو تمهل أي ممن هاجم وسخر، حتى يرى المسافة بينه وبين من ~~يهاجمه؛ لعرف أن أقل ما يمكن قوله على سبيل المقارنة، هو أنه إذا ~~قال الأصغر منهما قولا - في الموضوع المطروح - فهو خطأ يحتمل ~~الصواب، وأما إذا قال الأكبر والأعلم منهما قولا، فهو صواب يحتمل ~~الخطأ. # ثانيا: # كانت الكثرة الغالبة من تلك الرسائل الغاضبة، مرسلة من رجال، ~~وأوثر أن أترك لغيري تعليل هذه الظاهرة الغريبة؛ لكن الذي يهمني من ~~تلك الرسائل «الرجالية» هو أن أصحابها لم يقرءوا مقالتي التي جاءت ~~رسائلهم تعليقا عليها؛ بل اكتفوا بقراءة ما كتب عنها؛ وذلك واضح ~~من طريقة كتابتها؛ وعلى أية حال، فهذه الطريقة في الاكتفاء بملخصات ~~مبتورة، دون الرجوع إلى الأصول في اكتمالها، قد أصبحت هي العادة ~~السائدة في تعليمنا كله على اختلاف درجاته؛ كما أصبحت العادة ~~السائدة في حياتنا الثقافية كلها، ففقرة واحدة من مقالة تغني عن ~~قراءتها، وإشاعة تشيع عن كتاب تغني عن قراءة الكتاب، وإذا كان هذا ~~أمرا عجيبا في حد ذاته؛ فأعجب منه أن أولئك الذين يكتفون من ~~المقالة أو من الكتاب بلسمة خاطفة على طرف اللسان، لا يتحرجون من ~~أن يقفوا مما قد خطفوه خطفا، لا موقف الناقد فحسب، بل موقف ~~المهاجم المقاتل أيضا. # ولا علينا الآن من هذه القضية العامة الشاملة لحياتنا العلمية ~~والتعليمية والثقافية والنقدية جميعا، وحسبنا أن نحصر أنفسنا في ~~موضوعنا الراهن، فقد قلت إن الأغلبية الساحقة من أصحاب الرسائل ~~رجال، وإن معظم هؤلاء الرجال - كما وضح من رسائلهم - قد اكتفوا بما ~~كتب عن المقالة التي يهاجمونها بمثل ذلك الغضب، وأضيف الآن جانبا ~~ثالثا لعله أعجبها جميعا، فقد أوردت في مقالتي رأيا لفيلسوف ~~ألماني عن المرأة - هو شوبنهاور - وكان واضحا أني أوردته لأسخر ~~منه، وذكرت أنه ms116 إنما رأى رأيه ذاك، صدورا عن مرارة في صدره ترسبت ~~منذ نشب خلاف بينه وبين أمه؛ ومع ذلك أخذ السادة أصحاب الرسائل ~~يعنفونني، فلماذا - كما قالوا - أستمد شواهدي من رجال أوروبيين، ~~وكان أجدر بالكاتب المسلم أن يستمد شواهده من القرآن ~~الكريم؟! # هذه واحدة، والأخرى هي أنني في ختام مقالتي أشرت إلى امرأة الجيل ~~الماضي في نهضتها، قائلا إنها ألقت بحجابها في البحر عند شواطئ ~~الإسكندرية؛ وكانت الإشارة أوضح من الشمس لمن يعرفون شيئا عن ~~تاريخ الحركة النسوية في مصر؛ إذ من المشهور المذكور أن هدى شعراوي ~~عند عودتها من رحلة لها بالخارج - وكان ذلك عقب ثورة 1919م - ذهب ~~حشد كبير من النساء لاستقبالها في ميناء الإسكندرية؛ ولوحت لهن ~~الزعيمة وهي على ظهر السفينة، ثم ألقت ببرقعها في البحر قبل نزولها ~~إلى الشاطئ، فكيف فهم إشارتي تلك السادة أصحاب الرسائل؟ فهموها ~~على أنها إشارة إلى لابسات «المايوهات» على الشواطئ، وراحوا ~~يصرخون: كيف أعد مثل هذا العري إيذانا بدخول المرأة عصر النور؟ ~~وربما لو كتب الرسائل نساء، لما وقعن في هذا المطب؛ لأنهن أعرف ~~بتاريخ الحركة نحو تحرير المرأة. # ثالثا: # ذكرت في مقالتي شيئا عن تأثير ظاهر الإنسان في باطنه، بمعنى أن ~~يكون لحركات الأبدان، ولأنواع الثياب تأثيرها على الحالة الشعورية ~~الباطنية، فاستنكر أصحاب الرسائل هذا الذي ذكرته؛ وقد يكون لهم ~~عذرهم في ذلك، إذا كانوا لم ينتبهوا إلى الفرق بين النظر إلى شيء ~~معين في حقيقته الواقعة، والنظر إليه باعتباره «رمزا» يشير إلى ~~معنى مقصود، فالثوب الأسود هو ثوب كغيره من الثياب، لكن إذا لبسته ~~صاحبته لتعلن به حزنها على عزيز فقدته، كان من النتائج المتوقعة ~~عندئذ أن يحدث ذلك «الرمز» أثره في حالتها الشعورية الداخلية، ~~بأن يشيع في نفسها حزن حقيقي؛ وإنها لتقع في تناقض يلفت نظر ~~الرائي، إذا هي لبست ثوب الحداد ثم سلكت سلوك الضاحك المرح السعيد، ~~إن علم الدولة في حقيقته قطعة من قماش كأية قطعة أخرى؛ لكنها منذ ~~اللحظة التي ترسم عليها الرسوم التي تجعلها علما ms117 للدولة، يصبح لها ~~في نفوس أصحابها قيمة شعورية خاصة، بحيث إذا رأوا أحدا يعرضها ~~للإهانة فقد لا يكفيهم في عقابه شيء أقل من الإعدام؛ إن الوشاح ~~الذي يرتديه القاضي وهو على منصة القضاء، و«الروب» الذي يلبسه ~~أستاذ الجامعة في قاعة المحاضرات، أو وهو في لجنة لامتحان طالب ~~لإجازة الدكتوراة، مقصود به أن يشيع في نفس المرتدي شعورا خاصا ~~يتلاءم مع الوظيفة التي يؤديها؛ ولقد شهدت يوما منظرا لا أنساه ~~لبعد مغزاه، إذ شهدت فتاة كانت من قبل عاملة في خدمة أسرة معينة، ~~وكانت إبان تلك الفترة لا يسمح لها أن تصحب الأسرة المخدومة، إلا ~~وقد عصبت رأسها بمنديل من مناديل الرأس المعروفة، وكانت هذه هي ~~العادة المصطلح عليها في معظم الأسر أيام أن كانت للأسر خادمات، ~~وكان المقصود - بالطبع - هو أن يكون على رأس الخادمة ما يعلن للناس ~~أنها خادمة؛ والمشهد الذي رأيته هو إحدى تلك الفتيات وقد نزعت ~~منديلها ذاك بحركة عصبية في لحظة غيظ، وهي لحظة أنفت فيها أن تعلن ~~على الملأ حقيقة وضعها، إنه ليس في منديل الرأس عيب يعاب، بل هو ~~قطعة جميلة من ثياب المرأة المصرية، حين تتسق مع بقية الثياب، لكنه ~~حين يكون رمزا يشير إلى معنى بغيض، فإنه يثير النفس، وقد يدفع ~~لابسته إلى نزعه عن رأسها في غضب، كما فعلت تلك الفتاة عندما ~~استيقظ وعيها. # والأمثلة في حياتنا لا سبيل إلى حصرها، لأشياء تختلف معانيها وهي ~~مجرد أشياء لها طبائعها في واقع الأشياء، ثم وهي - بعد ذلك - ~~مستخدمة على نحو رمزي يشير إلى معنى؛ ولم يكن أحد ليعلق بكلمة ~~واحدة على قطعة من ثياب امرأة، اختارتها كما يختار أي إنسان ثيابه ~~التي تلائم ذوقه؛ لكن الموقف يتغير إذا أريد بقطعة معينة من ~~الثياب أن تكون رمزا له دلالته، وها هنا يبدأ السؤال. # لقد بدأت هذه الموجة المتحفظة مع شبابنا - ذكورا وإناثا - بعد ~~نكسة 1967م، ثم أخذت في التضخم والاتساع حين وجدت من ينفخ لها ~~النار؛ حتى أصبحت ظاهرة في حياتنا الاجتماعية، ولا ms118 أظن أن لها ~~شبيها في بلدان أخرى كثيرة، والظاهرة التي أعنيها هي أن يكون ~~الجيل الأكبر في معظم الأسر، أو قل في كثير منها، أقل نزوعا إلى ~~تلك المحافظة من الجيل الأصغر، ففي حالات كثيرة نرى الأم سافرة ~~وابنتها محجبة (بالمعنى الجديد لهذه الكلمة الذي هو غطاء معين على ~~الرأس، يراعى فيه أن يحقق المعنى الرمزي الذي أشرت إليه). وفي ~~حالات كثيرة أيضا ترى الوالد الحليق اللحية وابنه مرسلها على هذا ~~النحو أو ذاك، وإنها لمفارقة شديدة في أي مجتمع، أن ترى الجيل ~~الأصغر منه سلفيا بدرجة تزيد على الحد المألوف، وترى الجيل ~~الأكبر منه أقل سلفية - في ظاهره على الأقل - من أبنائه وبناته! ~~وإذا رأيت مفارقة كهذه كان من حقك أن تتأمل أبعاد الموقف في عناية؛ ~~لأنه يكون في هذه الحالة موقفا ضد طبائع الحياة السوية؛ إذ ~~المألوف من تلك الطبائع أن يميل الجيل الأكبر إلى الجمود، بينما ~~يبحث الجيل الأصغر عن أجنحة يطير بها إلى المستقبل قبل أوانه إذا ~~استطاع، أفليس هذا الوضع العجيب داعيا لسؤال، هو: ماذا حدث فأحدث ~~في حياتنا الاجتماعية تلك المفارقة؟ والذي حدث - أولا - هو هزيمة ~~1967م، فنتج عن تلك الهزيمة - ثانيا - شعور قوي بالإحباط واليأس ~~وانسداد الطريق أمام الشباب قبل سواهم، وظهر في الوقت نفسه - ~~ثالثا - نموذج اجتماعي نقل إلينا عن آخرين، فوجد ذلك النموذج ~~ترحيبا من الشباب اليائس؛ وقد نضيف عاملا رابعا، هو ثورات ~~الشباب التي عمت العالم وبلغت ذراها خلال الستينيات في أوروبا ~~وأمريكا بصفة خاصة، وفي أرجاء العالم بدرجات متفاوتة؛ فكان لتلك ~~الثورة العقلية والنفسية صداها في شبابنا؛ لكنه صدى جاء عندنا ~~ليعكس الترتيب الطبيعي للأوضاع كما هو شائع ومعروف؛ فبينما الشباب ~~الثائر في البلاد الأخرى، كان يحتج على أوضاع الحياة الراهنة وبطء ~~حركتها نحو المستقبل الجديد المأمول، رأينا ثورة شبابنا تحتج هي ~~الأخرى على أوضاع الحياة الراهنة، وتدعو إلى عودة بها إلى نموذج ~~السلف، ثم وجدت هذه اللفتة السلفية من يربطها للشباب بالدين، وهنا ~~تأتي النقطة الرابعة التي سأجعلها ms119 الأخيرة. # رابعا: # أوردت الرسائل في سياقها آيات قرآنية كريمة، يستشهد بها أصحاب ~~الرسائل، على أن فتور الهمة نحو العلم ونحو العمل في امرأة هذا ~~الجيل، وميلها نحو العودة إلى البيت، ونحو أن تتحجب - أو على الأقل ~~أن تضع على رأسها رمزا يشير إلى معنى الحجاب - هو أمر تحتمه ~~الشريعة الإسلامية، وأقول إنه لو كان ذاك صحيحا، لكنت أول الداعين ~~إليه؛ ولكن هل هو صحيح؟ أكانت تلك الشريعة معطلة حتى جاء شباب هذا ~~الجيل ليعيدها إلى الحياة؟ إنني مهما تواضعت في قدر نفسي، فلا ~~أظنني أصل بذلك التواضع درجة تحرمني من فهم الآيات الكريمة التي ~~سيقت في الرسائل شواهد على ما أراده أصحابها؛ فالقرآن الكريم ~~كتابهم وكتابي؛ وعند هذا القول أختم الحديث، ذاكرا قول الله - ~~سبحانه وتعالى: # قل كل يعمل على ~~شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى ~~سبيلا ~~. # | ردة في عالم المرأة «3» # كنت قد اعتزمت أن أمسك عن الكتابة إلى ما بعد الصيف! وذلك لأني شعرت بأن طاقتي قد ~~استنفدت إلى آخر قطرة فيها، فباتت الراحة أمرا يفرض نفسه علي فرضا، ولكن حدث ~~أمران أغرياني معا بأن أضع بين يدي القارئ كلمة قبل سفري إلى حيث أقضي أشهر الصيف ~~لأستريح، أما أحد الأمرين فهو ما استباحته أقلام عن شخصي، بما أعتقد أنه أبعد ما ~~يكون القول عن الحق وعن العدل، وأما الأمر الثاني فهو كثرة ما تلقيته من رجاء ~~استئناف الكتابة، وإنما تلقيت ذلك الرجاء من أفراد لا يربطني بأحد منهم إلا ما يربط ~~قارئا بكاتب، ولقد أحسست من نغمة كلماتهم - سواء جاءتني تلك الكلمات مسطورة في ~~رسائل أم جاءت منطوقة في أحاديث تليفونية - بأنهم ربما أخذتهم خشية بأن يكون انقطاع ~~كتابتي لم يكن بإرادتي. # ولأمر ما، وجدتني أردد لنفسي عبارة صيغت معي على غرار ما صاغ هاملت عبارته ~~المشهورة «أكون أو لا أكون؟ ذلك هو السؤال.» لكنني بدلت من كلماتها لتجيء مطابقة ~~لما كنت فيه، فأصبحت: «أكتب أو لا أكتب؟ ذلك هو السؤال.» ولم يكن الأمر مع هاملت ~~ومعي مجرد ms120 لعب بالألفاظ على سبيل التفكه، كلا، بل كان جادا فيه عمق الجد ~~ورزانته ورويته وهمومه وتبعاته، وذلك برغم الفارق البعيد في طبيعة الموقف بين هاملت ~~وبيني، فهاملت حين عاد إلى وطنه من غربته، وجد أن أباه قد مات، ثم أخذته الوساوس ~~بأن أباه إنما قتل غدرا بيد عمه، ليتزوج ذلك العم أرملة أخيه، وليتربع على عرش ~~الدنمارك مكان أخيه، فلما استيقن الأمير الشاب - هاملت - بأن أمه وعمه مسئولان عن ~~جريمة قتل أبيه، أخذته الحيرة الشديدة ماذا هو صانع إزاء موقفه ذاك المعقد العجيب؟ ~~وهنا وردت عبارته: «أكون أو لا أكون؟ ذلك هو السؤال.» بكلمات أخرى: «أأحيا أو لا ~~أحيا؟ تلك هي قضيتي.» وذلك لأن حياة الحي ليست مجرد شهيق وزفير بالرئتين، ونبض ~~القلب وامتلاء المعدة بطعام وشراب، وإنما حياة الحي - إذا هو اختار لنفسه أن يحيا - ~~إنما هي تبعات ثقال لا بد من حملها، منها واحدة تتصل بالموقف الذي وجد نفسه فيه، ~~وأعني وجوب أن يثأر لأبيه، بغض النظر عمن يقع عليه الثأر، فقد يقع في هذه الحالة ~~على عمه أو على أمه أو على كليهما، لأن المسألة هنا هي مسألة «العدل» قبل أي شيء ~~آخر، وماذا تكون الحياة بغير عدل تقام له الموازين؟ # وأما موقفي أنا، حين أخذت أردد لنفسي: أكتب أو لا أكتب؟ ذلك هو السؤال، فلم يكن ~~فيه قتل ولا ثأر، لكن كانت فيه حيرة كحيرة هاملت، لا بين لفظتين، بل هي حيرة بين ~~التصدي لتبعات الواجب مهما نتج عن ذلك التصدي من صعاب، وبين استرخاء خامل يضمن ~~لصاحبه الدعة والعافية وراحة البال، فإذا اخترت أن أكتب، لم يكن معني ذلك - عندي - ~~أن أسكب بالقلم قطرة مداد أنثرها في أسطر لا تغير من حياة الناس شيئا، إذا كانت ~~تلك الحياة - باعتراف هؤلاء الناس أنفسهم - مليئة بجوانب فيها من الضعف ما يوجب لها ~~أن تتغير، لا، إنني إذا اخترت الشطر الأول من اللامعادلة (أكتب أو لا أكتب) لم يكن ~~معنى ذلك عندي إلا أن أكتب جادا، وصادقا، ومخلصا، ms121 لأكشف من حياتنا عما هو مختل ~~معيب، ويريد له الناس أن يتغير، أو قل إنه كان يجب على هؤلاء الناس أن يريدوا له ~~ذلك التغيير، وأما إذا وقع اختياري على الشطر الثاني من تلك اللامعادلة - وهو ألا ~~أكتب - كان ذلك كفيلا لي بالسلامة والنجاة من الأذى، ولكنه في الوقت نفسه اختيار ~~يجردني من أخص خصائص الإنسان، ألا وهو الضمير الحي، الذي لا يأذن لصاحبه أن يستريح، ~~إذا هو أحس أن ثمة واجبا ينبغي له أن يؤدى لعل حياة الناس أن تصلح بأدائه. وأنا ~~أسأل القارئ هنا سؤالا، وأكتفي منه بأن يجيب عنه في سره، وهو: هل صادفت في بلدنا ~~مواطنا واحدا راضيا كل الرضا عما نحن فيه؟ وإذا كان جوابك بالنفي، قدمت إليك ~~سؤالي الثاني، وهو: من الذي تقع عليه التبعة في أن يبرز أمام الأبصار والعقول مواضع ~~الخلل، إن لم يكن هذا الابن أو ذاك من أبناء الوطن، وكل منا بحسب ما حباه الله من ~~قدرة على الرؤية وعلى تشخيص العلة، وعلى وصف العلاج والمشاركة في أدائه إذا استطاع؟ ~~وليس بي حاجة هنا إلى القول، ثم إلى تأكيد القول، بأن مواطنا ما، إذا هداه إدراكه ~~إلى فكرة ما تختص بالكشف عن مواضع الضعف في بنياننا القومي، توطئة لبحثها ~~ومعالجتها، ثم دفعه ضميره ألا يسكت عما رآه، فنشره بين الناس، أقول: إنه إذا رأى ~~مواطن منا رأيا وأفصح عنه، لم يكن معنى ذلك - بالبداهة - أنه رأي محتوم الصواب، ~~كما يكون الصواب محتوما في المعادلات الرياضية، وفي بعض العلوم الطبيعية، بل كان ~~ذلك معناه أن الرأي المطروح هو ما أسعفت به قدرات صاحبه، وبعد ذلك يكون لكل مواطن ~~آخر، إذا كان مؤهلا للبحث والنظر في المسائل العقلية، حق المحاورة والاقتراح، ~~والتعديل، فالحياة لنا جميعا وهمومها، إنما تقع بأثقالها على عواتقنا جميعا، وليس ~~الأمر في هذا حكرا لأحد دون أحد بحكم ارتفاع المنصب أو قوة الجاه. # وإذا كان هذا هو الضمير الحي وما يمليه على صاحبه، فما الذي جعلني أردد لنفسي تلك ms122 ~~العبارة: «أكتب أو لا أكتب؟ ذلك هو السؤال.» فيم كانت حيرتي، ما دام الأمر أوضح من ~~الشمس، وهو أن أي مواطن يهتدي إلى رأي يراه في إصلاح حياة الناس، ثم يدفعه ضميره ~~إلى الإفصاح عن رأيه ذاك ليكون ملكا للجميع يناقشونه ويفكرون فيه لعلهم واصلون به ~~إلى ما فيه الخير، أقول: فيم كانت الحيرة إذا كان ذلك هو حق لكل مواطن قادر، بل هو ~~واجب على كل مواطن قادر؟ # وجوابي هو: إن ما أوقعني في الحيرة، أو ما يشبه الحيرة، بين أن أكتب وألا أكتب، ~~هو ما قد حدث بالفعل، حين نشرت رأيا منذ قريب، ولم يصادف ذلك الرأي قبولا عند ~~طائفة من الناس، فلو كنا حقا نعرف للإنسان - أي إنسان وكل إنسان - حقه في حرية ~~التفكير والتعبير، لاكتفى أولئك الرافضون للرأي المعروض بأن يفندوه، أوبأن يرفضوه ~~في صمت إذا لم تكن لهم القدرة على إقامة الحجة دفعا لما يرفضونه، لكن الصورة التي ~~جاء عليها رفض الرافضين، أظهرت في جلاء كيف يمكن في أي وقت أن تهدر حقوق الإنسان ~~بيننا، فلم تكن صورة الموقف هي صورة مواطن يحاور مواطنا آخر في مسألة مشتركة ~~بينهما، لكونها مسألة تدخل في شكل البناء الاجتماعي، بل كانت صورة الموقف هي أقرب ~~إلى صورة الإعصار، أثاره المعارضون للرأي ونفخوا فيه، لعل صاحب الرأي يختنق به ~~فيموت. وحسبي هنا أن أذكر جانبا واحدا من تلك العاصفة، وهو جانب أذكره، لا سعيا ~~به نحو فائدة أرجوها لنفسي، بل أذكره بحثا عن حياة نحياها بحيث يأمن الإنسان ~~محصنا بحقوقه، وهي حقوق فرضتها الديانات على الناس، قبل أن يعود الإنسان إلى فرضها ~~من جديد، في الإعلانات الدولية عنها، والجانب الواحد الذي قلت إني سأذكره مكتفيا ~~به هو أن بعض خطباء المساجد، استحلوا أن يشهروا بي علنا في خطبة الجمعة ذاكرين ~~اسمي مشفوعا بصفات تدينه وتشينه، والسؤال الذي أطرحه على أصحاب الرأي من ~~المواطنين، وبصفة خاصة رجال القانون، هو هذا: هل يجوز قانونا، وحماية لحقوق ~~الإنسان، أن يتخذ خطيب المسجد ms123 من التشهير بمواطن معين باسمه، موضوعا لخطبته؟ ~~ولنلحظ هنا أن الدولة، ممثلة في إحدى وزاراتها، هي المشرفة على المساجد، أو على ~~أكثرها فيما أعلم، إنه لو جاء مثل هذا التغريض والتحريض مكتوبا في صحيفة أو كتاب، ~~لكان أمام المتهم فرصة أن يرد دفاعا عن نفسه، ولكن كيف يتاح له هذا الرد والدفاع ~~إذا جاء الاتهام على ألسنة خطباء المساجد، وأود أن أكرر القول بأنني لا أذكر هذا ~~الجانب من جوانب العاصفة، سعيا وراء نفع لشخصي، بل أذكره ليكون بمثابة موضوع مطروح ~~للنظر، من حيث هو موصول بمسألة حقوق الإنسان. # وقد كنت أرغب في أن أضيف إلى هذا الجانب الواحد من جوانب العاصفة جوانب أخرى، لا ~~تقل أهمية وخطورة عنه في موضوع حقوق الإنسان كذلك، لولا أن مجال الحديث لا يتسع، ~~فأقول على سبيل اللمح والإيجاز: هل من الحق والعدل أن تفتح الصحافة أبوابها لمن ~~أراد أن يتهجم ويسخر ويشتم ويهين؟ وأن تغلق تلك الأبواب دون من أراد الموافقة ~~والتأييد؟ ومرة أخرى أؤكد بأنني لا أستهدف بما أذكره هنا، فائدة لشخصي، بل الهدف هو ~~«حقوق الإنسان» وكيف تصان؟ وهل يجوز أن يصادر على حرية الرأي والتعبير عنه؟ لا سيما ~~إذا كان صاحب ذلك الرأي يحمل وراءه تاريخا طويلا شريفا نظيفا مجاهدا، ولا ~~يبتغي من جهوده مالا ولا جاها؟ أقول: هل يجوز أن يصادر على حرية الرأي؟ والتعبير ~~عنه في حالة كهذه؟ بأحكام تأتي من المناصب العليا؟ فتأتي إلى جمهور الناس وكأنها ~~أحكام القدر؟ أو أن الحق والعدل كانا يقتضيان أن تتكافأ أهمية المناصب العليا التي ~~أصدرت أحكامها مع دقة البحث والتقصي، والعناية في تحليل النص الذي هو مناط تلك ~~الأحكام، حتى تجيء الأحكام إلى جمهور الناس مستندة إلى تحقيق دقيق، فتعلو بذلك كلمة ~~الحق، وترسخ بذلك جذور العدل. # تساءل هاملت: أأكون حيا أو لا أكون؟ واختار الأولى - فوقعت عليه تبعاتها - ~~وللحياة الحرة الكريمة تبعات، وتساءلت أنا بطريقته، أأكتب أم أكف عن الكتابة؟ ما ~~دامت تلك هي العواصف التي تثار لتعصف بمن ms124 كتب؟ وأنا أعني أن تؤخذ عبارة «من كتب» ~~بحرفيتها؛ لأن الصورة التي كتبت داعيا لها، هي صورة قائمة بالفعل في مئات الألوف ~~من المواطنات، من الوزيرة، والسفيرة، وأستاذة الجامعة، فنازلا إلى صغار الطالبات ~~والعاملات، هي صورة متحققة بالفعل في تلك المئات من ألوف البشر الحي الذي تشهده ~~الأبصار، ومع ذلك لم يقل أحد في ذلك شيئا، فلا خطباء المساجد خطبوا، ولا الصحف ~~فتحت أبوابها لمن يهجم ويشتم، ولا المناصب العليا أنزلت أحكامها، لكن ذلك قد حدث ~~لأنني كتبته، نعم! لقد تساءلت أمام العاصفة: أأكتب أم أكف عن الكتابة؟ ولم يطل بي ~~التساؤل إلا قليلا، واخترت أن أكتب متحملا للكتابة تبعاتها. # وللكتابة تبعات، إذا أردتها، لا بمعناها الذي يبدأ بالقلم وينتهي بالقلم، بل ~~بمعناها الذي يبدأ بعقيدة وموقف وهدف، لينتهي ذلك كله إلى قلم يجريه على ورق، ومن ~~هذا المعنى تجيء التبعات، إذ الأرجح جدا أن يعرض الكاتب أفكارا ليست هي التي ~~سادت وتواضع عليها الناس فناموا واستراحوا، وليكن معلوما أن الإنسان بطبعه ينفر من ~~فكرة تغير من أوضاع حياته، إذا كانت تلك الأوضاع قد أراحت جنبيه، وهو بطبعه ~~يتجنب بواعث التفكير؛ ولا عجب أن رأينا أساطير الأقدمين تنسب التفكير - عادة - إلى ~~أصحاب الشر بكل صنوفه، أما الخيرون فهم الطيبون الذين يحيون بقلوبهم أكثر مما يحيون ~~بعقولهم، والسر في ذلك كله خوف الناس من الفكرة الجديدة تأتيهم لتغير من حياتهم ما ~~قد اطمأنوا إليه واستراحوا. # للكتابة المسئولة تبعاتها وهمومها، وقد اخترت أن أكتب، فإلى اللقاء بعد أشهر ~~الصيف، إذا شاء الله لنا لقاء. # القسم الثاني # | بشائر الفجر # | أنت تنفخ في رماد # أحقا يا مصر أنت كما يقول عنك بنوك اليوم؟ أحقا إننا نوجه إليك النداء فلا ~~تسمعين؛ لأن الموتى لا يسمعون؟ أحقا إننا إذا أردنا أن ننفخ في نارك لتنير كنا كمن ~~ينفخ في رماد؟ أحقا أصابك هرم ليس بعده عودة لشباب؟ اللهم لا! لكن هذا القول أو ما ~~يشبهه، هو الذي حملته إلي خمس رسائل في يوم واحد، وكانت الرسائل ms125 الخمس من خمسة أبناء، ~~تفاوتت أقلامهم، وتباعدت مصادرهم، لكنهم تلاقوا عند نقطة واحدة، هي التعجب من رجل مثلي ~~يحاول بقلمه ما أحاوله؟ ولو أوجزت ما قالوه في عبارة من عندي، لقلت إنهم مشفقون على هذا ~~الكاتب الذي يتوهم أن كلماته ستذهب إلى أبعد من الورقة التي خط عليها تلك الكلمات! لكن ~~لماذا؟ هكذا سألت نفسي غاضبا، ألأن كلماتي أضعف من أن تجاوز سن القلم؟ أم لأن آذان من ~~سيتلقونها بها صمم؟ أما إذا كانت الأولى فكيف إذن بلغت كلماتي أصحاب تلك الرسائل ذاتها؟ ~~وأما إذا كانت الثانية فبماذا تعلل أنهم نهضوا من فراشهم، وجلسوا إلى مكاتبهم، ونشروا ~~أوراقهم، وحملوا أقلامهم، ثم كتبوا إلي ما كتبوه، وأخرج كل من جيبه بضعة قروش ليشتري ~~بها طابع البريد الذي أرسل به الخطاب؟ # وأعود إلى الرسائل الخمس مرة أخرى، وأعيد قراءة بعض سطورها فأجد أن أصحابها كأنما ~~أرادوا أن ينفوا التهمة عني وعن أنفسهم جميعا، فلا الضعف في كلماتي، ولا الصمم في ~~آذانهم، إنما العلة في «مصر»، وكأن مصر هذه لا هي هم، ولا هي أنا، بل هي شيء كالمسرح ~~تدور عليه أحداث الرواية ونحن المتفرجون، والذي يلفت النظر في تلك الرسائل هو أن ثلاثا ~~منها قد لجأت إلى بيتي الشعر القائلين: # لقد أسمعت لو ناديت حيا # ولكن لا حياة لمن تنادي # فنارك لو نفخت بها أنارت # ولكن أنت تنفخ في رماد # وكل الفرق بين تلك الرسائل الثلاث في ذلك وهو أن اثنتين منها اكتفتا بذكر البيت ~~الأول، وأما الثالثة فذكرتهما معا. # تركت الرسائل أمام مبعثرة وأرسلت بصري - أو ما بقي منه - خلال زجاج غرفتي حيث النيل ~~ينساب في هدوء وشموخ وكبرياء، أتدري ماذا كانت أول صورة مرت بخاطري؟ إنها صورتنا ونحن ~~أطفال نلهو بعدسة زجاجية، نسلط عليها أشعة الشمس، فإذا ما تجمعت تلك الأشعة في بؤرة ~~واحدة، أحرقت السطح الذي تجمعت عليه، إذا كان قابلا للاحتراق كقطعة الورق مثلا؛ ولقد ~~حدث لي ذات يوم أن لهوت بالعدسة مثل ذلك اللهو، مسلطا أشعة الشمس ms126 على يدي فلسعتها ~~النار، ومثل تلك اللسعة أحسستها الآن، وكأن الرسائل الخمس حين اجتمعت في لحظة واحدة، ~~تجمع منها لهب كلهيب النار، ومن تلك الصورة الأولى استدعيت صورة تالية، هي صورة ذلك ~~المكان من قريتنا، الذي شهدنا أطفالا نلهو بالعدسة الزجاجية، حتى نحرق قصاصات الورق، ~~وقد نشوي جلودنا معها. وأخذت الخواطر تغترف من ذكريات القرية ما تغترف، فلعل تلك القرية ~~التي ولدت فيها، وقضيت بها بضعة الأعوام الأولى من حياتي، ثم إجازات الصيف كلما حانت، ~~أقول لعلها كانت هي المخبار المركز الذي شهدت فيه نماذج التفاعل بين الناس، وما أكثر ما ~~شهدته في ذلك المخبار، شهدت المحبة والعداوة، شهدت اللين والشدة، شهدت الرحمة والقسوة، ~~فإلى جانب صورة الولد يحتضن أباه ليلوذ به من دواعي الذعر، رأيت صورة الولد الذي قتل ~~أباه وهو نائم، انتقاما لنفسه من ظلم وقع عليه في قسمة الأرض بين إخوة منهم أشقاء ~~ومنهم غير أشقاء، وإلى جانب الفتاة تطيع والديها في غير تذمر، رأيت الفتاة تعصي والديها ~~اللذين أرادا إرغامها على زواج لا تريده، إلى الحد الذي ألقت معه بنفسها من سطح الدار ~~لتسقط وقد فارقت الحياة أو فارقتها، وإلى جانب الجماعات التي رأيتها تلتقي لتصلح بين ~~خصمين أو بين زوجين أو بين أسرتين، سمعت كذلك بجماعات جعلت مسلاتها تدبير المكائد. ~~وهكذا كان مخبار القرية أقوى الينابيع التي استقيت منها خبرتي بالناس؛ وربما لو كنت ~~سئلت وأنا بعد في سن المراهقة، أو بعدها بقليل: هل يمكن لهذه القرية بكل تناقضاتها أن ~~تأتي عليها لحظة معينة فإذا بها حقا قرية موحدة تضم أسرة واحدة وأهدافها واحدة؟ لأجبت ~~بأن ذلك بعيد الاحتمال، لكن استمع إلي في كلمة صدق أرويها. # إن قريتي تلك، التي ولدت بين أرضها وسمائها، وخبرت فيها ما خبرته على قصر الفترات ~~التي عشتها فيها هي ميت الخولي عبد الله، وهي من قرى دمياط. ولقد لبثت من قرى الدقهلية ~~حتى بلغت أنا من العمر خمسين عاما أو نحو ذلك، ثم اقتطع من الدقهلية جزؤها الشمالي ~~ليكون ms127 محافظة دمياط، وبهذا انتقلنا نحن من صدر حنون إلى صدر حنون؛ وقد تذكر قريتنا في ~~كتب التاريخ أحيانا باسم منية عبد الله، وحدث لي وأنا في العشرين تماما أن رغبت في ~~القيام ببحث علمي أرصد به تلك الثورات الكثيرة المتناثرة في أنحاء مصر، ضد الوجود ~~الفرنسي بمصر أيام حملة نابليون، ولجأت إلى أستاذنا المغفور له شفيق غبريال ليهديني إلى ~~المراجع التفصيلية في ذلك، فبينما أنا أقرأ وأسجل، وإذا بعيني - وا فرحتاه - تقع على ~~ثورة في الشمال الغربي من دلتا النيل، يقودها ويشعل نارها ويستبسل فيها أهل قرية تسمى ~~ميت الخولي عبد الله! # فهل تصدقني إذا أنبأتك كيف طفرت من عيني دمعة؟ أين إذن ذهبت ضروب التنازع بين أهلها، ~~التي لا بد أن قد كان منها يومئذ مثل ما هو فيها الآن؟ كيف اندمجت الجماعة في صوت ~~واحد، وهدف واحد، وجهاد واحد، وروح واحدة؟ فيا أصحاب الرسائل الخمس، تلك هي مصر وهي في ~~قريتها الواحدة كشأنها في واديها بأسره من شماله إلى جنوبه. # تلك واحدة وأخرى حدثت في الأعوام الأولى من الستينيات بفاصل زمني بين اللحظتين بلغ ما ~~يقرب من أربعين عاما، وكانت الدولة وقتئذ تحتفل بانتصارات مصر التاريخية، كل في ~~مناسبته، وبين تلك الانتصارات كان انتصارنا على الحملة الصليبية السابعة، التي جاءت إلى ~~مصر من جهة دمياط، وعندما أخذت الهيئات المختلفة ولجانها المتخصصة تعد في أوائل ~~الستينيات - كما ذكرت - للاحتفال بتلك الذكرى، كنت عضوا في لجنتين من لجان الفنون، ~~إحداهما لجنة المتاحف والأخرى لجنة المقتنيات الفنية، وكان لكل من اللجنتين دور في ~~الإعداد لذكرى انتصارنا ذاك؛ ففضلا عن اللوحات الفنية التي رسمها الفنانون لتلك ~~المناسبة، أردنا إعادة النظر إلى دار ابن لقمان بالمنصورة، وهو المكان الذي سجن فيه ~~الملك لويس التاسع بعد القبض عليه، فلما حددنا لأنفسنا يوما للذهاب إلى المنصورة في ~~سبيلنا إلى غايتنا المنشودة، رأيت لنفسي أن أقضي بضع ساعات أطالع فيها تفصيلات ما وقع ~~في تلك الحادثة التاريخية، وما كدت أقلب صفحة بعد صفحة حتى سبقتني عيني ms128 إلى سطر ورد فيه ~~اسم قريتي ميت الخولي عبد الله؛ فقفزت إلى ذلك الموضع لأعلم أنه بينما كان لويس التاسع ~~في طريقه من دمياط إلى حيث لا أذكر، ربما كان قاصدا إلى المنصورة، وأظنه كان ذاهبا ~~بسفينة في النيل، أخذته الحمى، مما اضطر معه معاونوه إلى نقله إلى أقرب قرية ليستقر بها ~~حتى يشفى، وكانت ميت الخولي عبد الله هي تلك القرية، وإلى هنا فلا فضل في ذلك للقرية ~~وأهلها، لكن فضلها وفضلهم يبدأ من هنا، وذلك أن الملك المريض قد شملته الرعاية ~~الإنسانية إلى آخر مداها، في المنزل الذي اختير له لينزل فيه، ولكن أهل القرية بينما ~~كانوا يضطلعون بذلك الواجب الإنساني الذي لا تفرقة فيه بين عدو وصديق، لم يفتهم أن ~~المريض هو نفسه قائد الحملة الصليبية التي جاءت غازية لبلادهم، وأنه إذا ما بلغ حد ~~الشفاء من مرضه، عاد فاستأنف غزوته، فدبروا وتدبروا في روية وذكاء وعلى مهل، ماذا هم ~~صانعون بذلك «الصيد» السمين؟ ولقد أحكموا خطتهم حتى إذا ما جاءت اللحظة المرتقبة، وجد ~~الملك لويس التاسع، نفسه - برغم جنوده وأعوانه - أسيرا في أيدي المقاومة المصرية، وسيق ~~إلى المنصورة حيث أودع دار ابن لقمان سجينا، إلى أن يقضى في أمره. قرأت ذلك فيما ~~قرأته يومئذ، وأنا أتأهب للذهاب مع الزملاء إلى المنصورة، وأرجو أن يلتمس لي القارئ ~~عذرا، إذا وجد هفوات في تفصيلات الرواية التي رويتها، فالذاكرة قد لا تسعف باليقين، ~~لكن جوهر الرواية هو ما أردته هنا، وهو فرحتي بقريتي فرحة دمعت لها عيني هذه المرة ~~أيضا، حين تمثلتها في تلك اللحظة التاريخية تدبر فتحكم التدبير وكأنها رجل واحد، ~~وقلب واحد، وضمير واحد، وهدف واحد، وليس أمامها من هدف إلا مصر وعزة مصر. # لم تكن قريتي في وقفتها عندما أسرت لويس التاسع سنة 1250م، وحينما تزعمت ثورة على ~~حملة نابليون بعد سنوات قليلة من وصولها، وكان وصولها في 1789م، إلى قرية من أربعة آلاف ~~قرية، تتشابه كلها في جوهرها الأصيل ، وإن اختلفت فيما بينها بعد ذلك ms129 في مصادر الرزق أو ~~في مظاهر السلوك، وذلك الجوهر الأصيل هو «مصر». ليكن بيننا من نوازع العيش ما يكون، لكن ~~انظر إلينا في لحظات الحرج، التي هي اللحظات التي عندها تتبدى الأمة على حقيقتها أمة ~~واحدة، لا اختلاف فيها بين إنسان وإنسان، انظر إلينا أيام الثورة العرابية، وانظر إلينا ~~أيام ثورة سعد زغلول، وانظر إلينا أيام ثورة 1952م، وانظر إلينا أيام حرب 1973م، نعم، ~~نعم، وانظر إلينا عند هزيمة 1967م، أما عن الثورة العرابية فقد سألت جدتي لأبي ذات يوم ~~مازحا: كيف تعرفين عمر ولدك الأكبر؟ قالت أعرف ذلك من أني كنت عندما أهدهده وهو في ~~عامه الأول، كنت أتغنى بقولي: «اللهم انصرك يا عرابي.» ومن هذه الإجابة الساذجة تظهر ~~لنا حقيقة كبرى، وهي أن موجة وجدانية واحدة شملت الشعب بأسره، حتى بلغت أما ريفية وهي ~~تغني لرضيعها، وتلك هي وحدة الشعب، في لحظة الحرج، وأما عن ثورة 1919م، فحسبنا تلك ~~الإجابات الساذجة أيضا، التي كان الساخرون بنا والناقمون علينا، يتندرون بها، وهي ~~الإجابات التي يرد بها الفلاح البسيط أينما كان، عندما يوجهون إليه السؤال أيام ~~الانتخابات للبرلمان: تنتخب من؟ فيجيب أنتخب سعد زغلول؛ فمهما كان لتلك السذاجة من ~~دلالات أخرى، فلها أيضا هذه الدلالة الصارخة، وهي أن موجة وجدانية واحدة تلف الأمة ~~كلها ساعة الحرج؛ وأما عن ثورة 1952م عند الإعلان عنها، ثم عن هزيمة 1967م وبعدئذ عن ~~حرب 1973م، فلست أطالبك أيها القارئ إلا بأن تلقي السؤال على نفسك أنت من باطن، لتسمع ~~منها الجواب. # نتلقى أنباء القتال بلاغا بلاغا عندئذ ستجيبك النفس بجواب هو هو الجواب الذي تجيب ~~به كل نفس مصرية على صاحبها إذا ما وجه إليها السؤال؛ وتلك هي مصر في وحدتها، في ~~جوهرها، في قدرتها الفائقة على نسيان كل شيء عند الساعات الفواصل، إلا شيئا واحدا هو ~~«مصر»، فيا أصحاب الرسائل الخمس، الذي حسبوني أنفخ في رماد، إنه هو ذلك الجوهر المصري ~~النفيس الكامن في صدورنا جميعا الذي نتوجه إليه بالخطاب كلما أردنا استنهاض ms130 ~~الهمم . # وأنتقل الآن من تلك الرسائل الخمس، التي عزفت كلها على وتر واحد، هو الوتر اليائس، ~~ذلك اليأس الذي تظلم الدنيا في وجهه، فلا يرى نارا ونورا، بل كل ما يراه هو الرماد، ~~أنتقل إلى رسالة سادسة أرسلها مهندس كان في رسالته بارع التصوير، لكنها براعة إن أنصفته ~~أديبا يحسن التصوير، فهي لا تشفع له مهندسا يقيم العمران، فقد قدم في رسالته صورتين، ~~يصور في إحداهما حالة اللامبالاة اليائسة التي شملت الناس، فيقول ما معناه: إن مجتمعنا ~~قد بات شبيها بجماعة من الناس جلسوا على مقهى كل منهم مشغول بمشغلته؛ واحد يشرب قدح ~~الشاي، وآخر يأكل الساندوتش، وثالث يتصفح جريدة اليوم؛ ثم يحدث أن يكون في المقهى زبون ~~آخر، بلغ به الضيق بمشكلات حياته أن جاء ومعه مسدس وأخرجه وصوبه نحو دماغه لينتحر، ~~لكن أحدا من الجالسين لم يأبه له، فجن جنونه من هذا الإهمال لشأنه فوجه مسدسه نحو ~~الآخرين ليفتك بهم بعد أن كانت نيته بادئ الأمر أن يزهق روح نفسه. تلك صورة، وأخرى ~~يصور بها سكان البيوت المتداعية في القاهرة وهي تعد بعشرات الألوف كيف يمسكون ~~قلوبهم بأيديهم كلما سار قطار، أو اهتز الهواء بأي عامل آخر خشية أن تنقض منازلهم فوق ~~رءوسهم، ثم يضيف السيد المهندس إلى صورته تلك رومانسية؛ إذ يضيف يأس المحبين من أن ~~يجدوا شققا تحميهم؛ ليقيموا فيها حياة زوجية هانئة سعيدة. # وعن الصورة الأولى، صورة المقهى وزبائنه وحامل المسدس، أقول للسيد المهندس: ما الذي ~~أثار الغيظ في صاحب المسدس الراغب في الانتحار حين رأى بقية الجالسين يستمتعون، كل منهم ~~بما يمتعه، أحدهم يرشف من كوب الشاي ما يرشفه، وآخر يطعم بما يأكله، وثالث يقرأ الصحيفة ~~... ماذا في هذه المجموعة الهانئة مما يثير الغيظ لأنهم لم يتحركوا لإسعافه عند تصويبه ~~لمسدسه نحو دماغه ... وهل صوب لينتحر أو صوبه لينقذه الآخرون؟ كنت أفهمك لو أنك جعلت ~~سائر المجموعة الجالسة رجالا ضاقت نفوسهم هم الآخرون وطفقوا يشكو بعضهم إلى بعض سوء ~~الحال. لكن العكس هنا هو ms131 الصحيح ، وهو أن الجالسين على المقهى كانوا آكلين شاربين قارئين ~~هانئين، ومعذرة يا أخي لو قلت لك إن تصويرك هذا هو في حد ذاته دليل على ظلم الشاكي من ~~حالة مصر الحاضرة أكثر منه دليلا على وجاهة الشكوى، وللأسف هذا هو ما أراه وأسمعه في ~~كثير جدا من معارض الشكوى في مثل هذا المجال. وأما عن الصورة الثانية التي قدمتها عن ~~البيوت المتداعية وأزمة الإسكان فأنا الذي أسألك وأنت مهندس: ما هو الحل الذي تراه يا ~~أخي؟ إن الظلام دامس، وهذا صحيح، ولكن لو وقف الناس جميعا يلعنون الظلام ولا يفعلون ~~شيئا، فواجب المهندس لكونه مهندسا، أن ينصرف بجهده بحثا عن مصباح يزيح به ذلك ~~الظلام. # حياتنا مليئة بالمشكلات، لكنها مشكلات لا تندرج كلها في صنف واحد، فمنها مشكلات ممكنة ~~الحل لولا أننا مقصرون في الإرادة أو في الجهد أو في حسن التدبير، وفي هذه الحالة إذا ~~زعق فينا زاعق منا حاثا على جمع العزيمة وبذل الجهد وإحكام التدبير، فلا ينبغي أن ~~يقال له: خل عنك، فأنت تنفخ في رماد، ومنها مشكلات عسيرة الحل، وتتطلب صبرا مقرونا ~~بالعمل الدائب على تذليل الصعاب، وفي هذه الحالة لا يجوز إثارة القلق والفزع؛ لأن ذلك ~~لا يحل من الإشكال شيئا، وأما الضرب الثالث من المشكلات فهو ذلك الذي يطلب المستحيل، ~~وهنا يكون العيب عيب الشاكي لا عيب المشكلة في ذاتها، وإنه ليبدو لي أن أصحاب الرسائل ~~الخمس البائسة يقعون في الضرب الأول، وأما المهندس فهو بمشكلة الإسكان يقع في الضرب ~~الثاني، وبمشكلة المجنون حامل المسدس يقع في الضرب الثالث، ولكن هؤلاء جميعا يا مصر: ~~من يئس منهم ومن شكا، من صرخ منهم ومن صمت، من تندر منهم ومن سخر، هؤلاء جميعا يا مصر ~~هم بنوك وهم مخلصون، فإذا جد جد وناديت سترينهم يفعلون ما فعلته قرية عرفتها وانتميت ~~إليها، حين أسرت ملكا فخما ضخما جاء بحملته ليغزو أرضها، وحين أشعلت ثورة على قائد ~~أفخم وأضخم جاء هو الآخر بحملته وفي حسابه أن يستهين ms132 بحرماتها ، فقري يا مصر عينا ~~بأبنائك؛ من رضي منهم ومن سخط، ومن رفع الصوت منهم ومن صمت، فهم جميعا بنوك وهم ~~مخلصون. # | تعالوا نفكر بأبجدية جديدة # هذا الكوكب الأرضي بيتنا، وذلك الكون الفسيح من حولنا كتابه مفتوح الصفحات أمام ~~أبصارنا، ولنا في بيتنا حق العيش كما نريد لأنفسنا أن نعيش، شريطة أن نحمل تبعات ما ~~أردناه، أمام ضمائرنا وبين يدي الخالق جل وعلا، يوم الحساب، ثم علينا أن نقرأ حقائق ~~الكون في صفحاته المفتوحة، ما وسعتنا القدرة، وما أسعفتنا الحيلة؛ وذلك لأن الحقائق لم ~~تفصح عن نفسها في تلك الصفحات، بل لجأت إلى الرمز والإيماء، وتركت للناس أن يقرءوها ~~كما يحلو لهم أن يقرءوا، وبالطريقة التي يطيب لهم أن يسلكوها، ولو كان المسطور في كتاب ~~الكون معلنا في وضوح صريح، لما اختلفت العصور المتعاقبة في قراءته، لكنها ~~اختلفت. # سار الإنسان على طريق الحياة، يطوي طريقه مرحلة بعد مرحلة، بدأه صيادا لطعامه، ثم ~~كان راعيا يتنقل مع قطعانه إلى حيث المرعى، ثم أصبح زارعا مستقرا عند زراعته، ثم ~~أمسى صانعا يشكل مواد الأرض على أي صورة يشاء، وكانت حقائق الكون معروضة أمامه على طول ~~الطريق بمختلف مراحله، ولكن كانت له في كل مرحلة طريقة يقرأ بها ما يراه ويسمعه، فلم ~~يكن إدراك صياد المرحلة الأولى، ليدرك الكائنات كما أدركها من بعده الراعي، ولا كان ~~متاحا للراعي أن يرى رؤية الزارع، ولا اقتضت ضرورات الزراعة من فلاح الأرض كل ما أصبحت ~~ظروف الصناعة تقتضيه من إنسان الصناعة في يومنا الراهن، وإذا شئت فقل: إن هذا الكون ~~قصيدة كبرى، تنشدها العصور واحدا بعد واحد، فيكون لكل عصر تأويله لما يقرؤه، وللشعر ~~قابلية التأويل على أوجه ليس لها نهاية، كان لكل مرحلة قيسها وليلاها، وكان قيس في كل ~~مرحلة يغني بما تطرب له ليلاه. # نعم، قد تداخلت تلك المراحل بعضها في بعض، فصياد الحيوان في المرحلة الأولى عرف كيف ~~«يصنع» لنفسه من الحجر سكينا، كما أن في عصر الصناعة هذا لا يخلو الأمر من ms133 صيد ، لكن ~~الحكم على العصور إنما يكون على أساس الغلبة والروح السائدة، وعصرنا - بغير شك - عصر ~~صناعة وعلوم، ولكن بطريقته الخاصة في صناعاته وعلومه، كان له أبجدية يفكر بها غير ~~أبجديات العصور السابقة، فهل علينا من حرج إذا دعونا من لم يتعلم تلك الأبجدية الجديدة ~~منا، أن يتعلمها عسى أن يفتح عليه الله فيدخل عصره من أوسع أبوابه، بعد أن كان خارج ~~الأسوار مقعدا، يقنع بالأصداء الغامضة تأتيه من ثقوب تلك الأبواب؟ # مأساتنا هي أننا لا نكاد نحيا في عصرنا إلا بجسومنا، وأما عقولنا فمتلكئة هناك مع أهل ~~عصور ذهبت وذهب زمانها، نعيش في عصرنا بأشباحنا وأما أرواحنا فهائمة هناك في أرض غير ~~أرض زماننا، وتحت سماء ليست هي السماء التي تظل زماننا، إننا بالنسبة إلى عصرنا نعيش ~~خارج أسواره، وحتى إذا أراد لنا الله عزيمة للدخول، أمسكنا بأيدينا المفتاح المغلوط ~~الذي لا تنفتح به الأبواب، تلك هي مأساتنا، وأما مأساة المأساة فهي أننا لا نشعر ببرودة ~~الغربة، ولا نحس لسعة الحرمان. # فهل تريد أن تعرف ماذا هناك داخل الأسوار وخلف الأبواب؟ اسمع يا سيدي - إذن - وصفا ~~أمينا، أستعين فيه بما رواه أولئك الذين يعلمون عن العصر وروحه واتجاهه ولفتاته ما لا ~~علم لنا به، ولكن قبل أن أسوق إليك ما أريد لك أن تعرفه، أراه لزاما علي أن أسبق ~~السياق لأقول إنه لا ينبغي لنا أن نأخذ عن الآخرين أخذ القردة حين يحاكون ما يرونه حركة ~~حركة، بل إن العصر كما يعرفه صانعوه من أهل الغرب، تنقصه جوانب لا بد من إضافتها إليه، ~~لكي يجيء الإنسان إنسانا سويا، ومن حسن الحظ أن تلك الجوانب المراد إضافتها إلى ~~إنسان العصر، لينجو مما أصابه من تمزق وقلق ويأس وميل إلى العنف والشر، هي هي نفسها ~~البضاعة التي بين أيدينا نحن أبناء الثقافة العربية كما ورثناها، ومن عجب أن ثقافتنا ~~العربية هذه، لم تعد تصلح وحدها لمن أراد أن يعيش في هذا العصر بظروفه المستحدثة من ~~علوم وصناعات، وكذلك ثقافة العصر كما ms134 تسود الغرب في يومنا، لا تصلح وحدها إذا أراد ~~الإنسان أن يحيا حياته سليم النفس متفائلا، وسأذكر تلك الجوانب التي أعنيها، بعد أن ~~أعرض الموجز الذي سوف أعرضه وصفا لروح العصر وجوهره. # فهنالك دعامتان أساسيتان، يقوم عليهما بنيان الحياة في عصرنا هذا، الأولى هي العلوم ~~بصورتها التقنية الجديدة (وسأتناولها بشيء من الشرح والتوضيح)، والثانية هي أن تقام ~~الأخلاق، وأعني معايير السلوك في تعامل الناس بعضهم مع بعض، على ما ينتج عنها من منفعة، ~~لا للفرد الواحد، بل للصالح العام (وسأتناول هذا الجانب أيضا بالإيضاح)، هاتان هما ~~الدعامتان الأساسيتان في بنيان الحياة العصرية، ونظرة واحدة إلى حياتنا - وحياة الأمة ~~العربية في جملتها - تكفي لنتبين منها أننا لا نحن نفكر بالمنهج الذي من شأنه أن ينتج ~~علوما من النوع الذي يتميز به عصرنا، ولا نحن نسلك في حياتنا العملية مسالك من شأنها ~~مراعاة المصلحة العامة. # ولنبدأ بشرح النقطة الأولى في إيجاز، فأقول: إن الحياة العملية في مراحل تاريخها، لم ~~تنهج نهجا واحدا امتد بها ومعها طوال ذلك التاريخ، بل كان ذلك النهج يتغير كلما تغيرت ~~طبيعة الموضوع الذي شغل به العلماء، كل مجموعة منهم في عصرها الخاص. نعم، إن ما هو حق ~~من الناحية العلمية هو حق دائما، وإذا لم يكن كذلك، فإنما يكون أصحابه قد تساهلوا مع ~~أنفسهم حين زعموا له الصواب على أساس علمي، لكن الذي حدث، والذي يحدث، وسيظل يحدث، هو ~~أن الإنسان في عصر ما، حين يصب فكره العلمي على موضوع معين فإنه - بالطبع - لا يلم إلا ~~برقعة ضيقة، هي رقعة الموضوع المعين الذي اختاره لبحثه، فهو لا يستوعب في لحظة واحدة كل ~~ما يمكن أن يكون ذا صلة بعيدة بموضوع بحثه؛ ومن هنا نرى نتائجه العلمية تتعرض للقصور، ~~عندما تأتي الأيام المقبلة بمشكلات تمس ذلك الموضوع الذي كان العلماء قد فرغوا منه في ~~عصرهم، وعندئذ لا يتسع أبناء الزمن الجديد إلا أن يعيدوا النظر، لعلهم يجدون نتيجة ~~علمية أوسع نطاقا في تطبيقها من النتيجة السابقة، بحيث تشمل ms135 النتيجة الجديدة ما كانت ~~شملته سالفتها، ثم تشمل كذلك الجوانب الأخرى التي استحدثت مع مر الزمن، فأرسطو أيام ~~اليونان القديمة، حين تحدث عن حركة الأجسام - مثلا - لم يكن قد شمل بنظرته تلك الجوانب ~~التي شملتها نظرة جاليليو بالنسبة لحركة الأجسام، وأيضا لم تكن نظرة جاليليو - بدوره - ~~قد شملت ما جاءت نظرة عصرنا الحالي لتشمله من حركة، إذا أضاف عصرنا إلى أسلافه، النظر ~~في حركة الكهارب داخل الذرة الواحدة، وهكذا كان أرسطو مصيبا، ولكن في دائرة بحثه، ثم ~~كان جاليليو مصيبا أيضا، ولكن في دائرة بحثه، وجاءت نظرة عصرنا لتصيب في دائرة أوسع ~~وأشمل، ومن يدري ماذا تكون نظرة الغد إلى الموضوع نفسه، حين تظهر ظواهر توجب على ~~العلماء أن يوسعوا رقعة النظر من جديد على أن العلم كلما وسع من مجال النظر، ليجيء ~~بفكرة علمية جديدة، تشمل ما لم تشمله الأفكار العلمية السابقة، قد يضطر إلى انتهاج منهج ~~جديد غير المنهج الذي كان أسلافه قد اصطنعوه في بحوثهم، حتى ليمكن القول - بصفة عامة ~~ومبسطة - إن العلم قد استخدم في تاريخه ثلاثة مناهج، كل منهج منها جاء في عصره ليسد ~~نقصا في المنهج الأسبق. ولاحظ بدقة أنني لا أقول إن منهجا ما كان «خطأ» في عصره وفي ~~مجاله؛ بل أقول إنه «قصر» دون أن يشمل رقعة أوسع، وإذا أردت تشبيها موضحا، فقل إن ~~الإنسان في رؤيته البصرية للأشياء، يستخدم عينيه المجردتين، ثم يتبين له أن عينيه لم ~~تريا إلا في حدود معلومة، إذ قد يكون هناك خارج المجال البصري، ما هو أبعد من أن تراه ~~العينان، وما هو أصغر من أن ترياه، فيستحدث نوعين من المناظير لتغطية أوجه النقص، نوعا ~~منهما يقرب البعيد (التلسكوب) ونوعا آخر يكبر الصغير (الميكروسكوب) فيرى الإنسان ما لم ~~يكن يراه، لكن هل يعني ذلك أن العين البشرية في مرحلتها الأولى قد «أخطأت» الرؤية؟ كلا، ~~فقد رأت ما رأته رؤية صحيحة، لكنها لم تكن كافية، وهكذا شأن المناهج العلمية حين يكمل ~~بعضها بعضا على تعاقب العصور. # أقول ms136 إن الإنسان قد عرف في مراحل تاريخه العلمي ثلاثة مناهج متعاقبة، أحدها صيغت ~~نظريته وقواعده على أيدي اليونان الأقدمين، وهو الذي يطلق عليه اسم منهج «القياس» بمعنى ~~أن الباحث فيه يستخلص نتيجة (لفظية) من مقدمات (لفظية كذلك)، وكان منهج القياس هذا هو ~~الذي أخذه العرب السابقون وهم في عز نشاطهم العلمي، من علوم اللغة، إلى الفقه، إلى ~~العلوم الطبيعية والرياضية، وهكذا لبثت السيادة المطلقة معقودة لمنطق القياس في مجالات ~~النظر العلمي، طالما كان مدار العلم «كلاما» من نوع أو من آخر، وطالما كان المطلوب من ~~العالم هو أن يستخرج كلاما من كلام، أعني أن يستخرج لفظا من لفظ آخر. # فلما جاءت المرحلة التي يسمونها ب «النهضة» الأوروبية، وكان ذلك في نحو القرن السادس ~~عشر، وجد المشتغلون بالعلم أن الذي أصبح مطلوبا هو قراءة ظواهر الطبيعة قراءة مباشرة، ~~لا أن يقرأ عنها في كتب الأولين، فأحسوا عندئذ بضرورة تقنين منهج علمي جديد، يقوم على ~~أسس مختلفة عن الأسس التي كان منهج القياس يقوم عليها، ففي مكان المقدمات اللفظية التي ~~كانت توضع في الصدارة، ليستخرج الباحثون مضموناتها، أصبح المطلوب هو «مشاهدة» ظواهر ~~الكون ذاتها، بالعين أو بما يساعد العين من مناظير مقربة أو مكبرة، وبذلك ولد منهج علمي ~~جديد، كان مداره هو الكشف عن مواضع الاقتران بين الظواهر، حتى إذا ما وجدت ظاهرتان ~~مقترنتين دائما إحداهما بالأخرى، عد هذا الاقتران بينهما قانونا من قوانين ~~الطبيعة، يستخدم في التنبؤ العلمي؛ لأنه إذا وقعت إحدى الظاهرتين؛ توقعنا حدوث ما ~~يقترن بها. # ودار الزمان دورته، وجاء القرن التاسع عشر، فجاءت معه رؤية جديدة للكون وظواهره، كما ~~جاءت معه «قدرة» جديدة، فأما الرؤية الجديدة فكان مؤداها أن كل شيء - جمادا أو حيوانا ~~- إنما هو كائن ذو تاريخ، أي أن حقيقته كامنة في تسلسل ما طرأ عليه وما سوف يطرأ عليه ~~من أحداث يتطور معها من حال إلى حال، وأما القدرة الجديدة، فهي اصطناع «الأجهزة» ~~العلمية في إجراء البحوث العلمية، إذ لم يكن الإنسان قبل ذلك قد ms137 استخدم من هذه الأجهزة ~~إلا القليل، بل الأقل من القليل، وماذا تصنع تلك الأجهزة؟ إنها تفعل ما تفعله الحواس ~~الطبيعية في جسم الإنسان، ولكن بدقة أكثر، وبهذا العنصر الإضافي الجديد، دخل العلم في ~~أكناف منهج جديد، وذلك هو أدق المعاني لكلمة «تكنولوجيا»؛ إذ هي كلمة تعني - حكما ~~بمقطعيها اللذين تتكون منهما - «علم بواسطة الأجهزة». ثم حدث أن كان من نتائج العلم ~~القائم على هذا المنهج، أن تمت صناعات آلية كثيرة، كالطائرة والسيارة والثلاجة وهلم ~~جرا، فانتقل استخدام كلمة «تكنولوجيا» من كونها اسما للمنهج الجديد، إلى كونها أيضا ~~اسما لمنتجات ذلك المنهج. # ولعلك بعد هذه الصورة الموجزة لتطور مناهج البحث العلمي، تستطيع أن تدرك بعض الأبعاد ~~التي نقصد إليها، حين نقول إن إحدى الدعامتين الأساسيتين لعصرنا، هي علوم قامت على ~~أجهزة وأدت إلى صناعة أجهزة. وننتقل الآن إلى الدعامة الخلقية، والتي قلنا إنها تركز ~~على «المنفعة» الناجمة عن الفعل، بشرط أن يفهم من هذه الكلمة تلك المنفعة التي تعم ~~فتخدم المصلحة العامة. # وكشأن الفلسفة في كل عصورها، تجيء دائما انعكاسا للمناخ الثقافي والحضاري السائد، ~~جاءت فلسفة الأخلاق عند القوم، أصحاب حضارة العصر بعلومها الجديدة وتقنياتها، جاءت ~~الفلسفة لتبلور روح عصرها، فقالت ما خلاصته: إن قيمة الفعل تقاس بنتائجه، لا بمصادره، ~~أي إنها تقاس بغده لا بأمسه، وهنالك عاملان يعملان على تشكيل الناس تشكيلا يتسق مع هذه ~~الوجهة للنظر، هما القانون من ناحية، والرأي العام من ناحية أخرى، فكلا هذين العاملين، ~~بما يقدمانه من ضروب الثواب والعقاب، ينتهيان بالفرد من الناس إلى أن يدرك كم هو في ~~حدود المستطاع أن تلتقي منفعة الفرد مع منفعة المجموع، إننا لا نطالب الأفراد بتضحية ~~منافعهم من أجل أحد، بل نطالبهم بأن «يتفهموا» مصالحهم على وجهها الصحيح، وإذا هي فهمت ~~على هذا الوجه الصحيح رأيتها متفقة آخر الأمر مع صالح المجموع، إذ ماذا يجدي كسب ~~الملايين عن طريق الجريمة، أو نهب حقوق الآخرين، إذا كان من شأن ذلك أن ينهدم البناء ~~الاجتماعي على رءوس ساكنيه، سواء ms138 منهم من كسب حراما ومن اغتصبت حقوقه ليتحقق ذلك الكسب ~~الحرام لأصحابه؟ إنه يجب أن يكون مفهوما أن الأثرة لا تتناقض مع الإيثار، وأن رعاية ~~الفرد لمصالح نفسه، قد تكون هي نفسها رعاية لمصالح الجميع، وإذا كان الأمر كذلك، وجب أن ~~تتجه تربية النشء في اتجاه هذا الهدف. # وقد تسألني: أليس العصر كما يعيشه الناس في الغرب هو أكثر من هاتين الدعامتين اللتين ~~ذكرتهما: دعامة العلوم وتقنياتها، ودعامة الأخلاق بالمعنى الذي يجعل قيمة الأفعال ~~مرهونة بنتائجها لا بمصادرها؟ وأجيبك: نعم، هي أكثر جدا من هاتين الدعامتين، فهنالك ~~فنون شتى من طراز جديد لم تعهده العصور السابقة، في الموسيقى، والتصوير، والشعر، ~~والرواية، والمسرح، والعمارة، وهنالك نظم سياسية واجتماعية واقتصادية قد لا تكون ~~استمرارا حرفيا لما كان قائما إبان القرن الماضي وما سبقه من قرون، لكن هذه الجوانب ~~كلها - إذا أمعنت فيها النظر - وجدتها نتائج تلزم بالضرورة عن قيام العلوم وتقنياتها ~~بصورتها الجديدة، وعن لفتة الأخلاق تلك اللفتة التي لا أقول إنها جديدة، وإنما هي لفتة ~~قائمة في الحياة العملية إلى حد كبير، ولا يلزمنا تجاهها إلا أن نوجه إليها ~~الأنظار. # إن تركيزنا على نتائج الأفعال، لا على مصادرها وأسانيدها، معناه أن نستوثق دائما، ~~كلما قمنا بضرب من ضروب النشاط، أو حكمنا على مناشط الآخرين، من أن ذلك النشاط مؤد ~~إلى تحقيق الأهداف، أهداف من؟ إنها - كما أسفلنا - أهداف صاحب الفعل بالنسبة لنفسه هو، ~~ولكنه بحكم تربيته، سيجعل تلك الأهداف الشخصية مؤدية إلى تحقيق الأهداف القومية، ومن ~~الذي يضع للقوم أهدافهم القريبة والبعيدة، وعلى أي أساس توضع تلك الأهداف؟ الجواب: ~~يضعها الشعب بالرأي المباشر، أو بالرأي محمولا على ألسنة نوابه، وأما على أي أساس ~~توضع، فها هنا تتبدى الفوارق بين شعب وشعب؛ إذ يعمل كل شعب على أن تكون أهداف حياته ~~متفقة مع تراثه الذي هو قوام هويته وشخصيته. # وعند هذه النقطة لا بد لنا من القول إننا إذ أشرنا إلى دعائم العصر الجديد بثقافته ~~وحضارته، لم نكن نعني أن نحاكي ما ms139 هناك محاكاة القردة - كما أسفلت القول - بل ينبغي ~~علينا ألا ننسى مقوماتنا نحن، دون أن نتنكر للإطار العصري لا لشيء إلا لأنه عصري، ~~والحق أن أمامنا في مجال الإضافة الشخصية مجالا واسعا، وذلك أن حضارة العصر وثقافته، ~~كما هما قائمتان بالفعل في أوروبا وأمريكا، قد ثبت أنهما يطغيان على نفوس الأفراد، حتى ~~ليكادان يطمسانها طمسا، ومن هنا أخذهم القلق والسأم وشعور الاغتراب؛ لكن من هنا أيضا ~~نشأ عند القوم أنفسهم ما يحدث التوازن المفقود، وذلك باصطناع الفنون في اتجاهاتها ~~الجديدة؛ لأنها بتلك الاتجاهات تبرز الاهتمام بالجانب الذاتي الصرف للفنان. وكذلك نشأت ~~الفلسفة الوجودية، لتقر في أذهان الناس حق الفرد في اتخاذ القرار، ليكون بحق إنسانا ~~حرا ومسئولا، فالفلسفة الوجودية بمعالجتها لبعض ما يترتب على سيادة العلوم ~~وتقنياتها، هي في الوقت نفسه برهان على قيام تلك السيادة، التي هي أبرز معالم العصر، ~~وفي هذا القول مني، رد على أولئك الذين يحتجون علي، كلما قلت عن فلسفة العصر إنها ~~أساسا فلسفة تخدم العلوم، بقولهم: وهل نسيت الفلسفة الوجودية التي ليس لها شأن بالعلم؟ ~~نعم هي هناك، وهي في ذاتها برهان سلبي على أنه عصر تسوده العلوم وملحقاتها. # وأخيرا قد أسمع صوتا يعاتب: أهكذا نحن كما وصفتنا، غرباء على العصر ومقوماته؟ أليس ~~فينا العلماء أشكالا وألوانا، ومنهم من بلغ من العلم حدا لا ينكره إلا جاحد؟ جوابي ~~هو: نعم وألف نعم لرجالنا النوابغ في مجالات العلم والفن جميعا، ولكن العبرة آخر الأمر ~~إنما هي بالجمهور، بالرأي العام، بالمناخ السائد، بوجهة النظر العامة، فعلماؤنا ~~النوابغ، ورجال الفن منا، على ارتفاع قدرهم، قد تراهم هم أنفسهم - خارج حدود علمهم ~~وفنهم - مع عامة الجمهور في الروح ووجهة النظر، وها هنا تكمن المأساة. # نريد أن نقرأ الحياة الجديدة بأبجدية جديدة، قوامها روح العلم الجديد ومنهجه الجديد، ~~ولن يكون لنا من عصرنا ذلك النصيب الذي يتناسب مع مجدنا ومكانتنا في التاريخ، إذا نحن ~~قنعنا بالحفظ والتسميع والتطبيق لما يبدعه الآخرون، نريد أن «نسهم» في الإبداع الحضاري ~~الجديد بسهم ms140 منظور ، وليس إسهاما أن ننقل عن القوم علومهم حتى ولو حفظناها حفظا عن ظهر ~~قلب، وأن ننقل عنهم أجهزتهم وتقنياتهم، حتى لو بلغنا الغاية القصوى من مهارة تشغيلها، ~~أو حتى مهارة محاكاتها ب «تجميع» للأجزاء نجريه على أرضنا؛ فإذا كانت الأبجدية التي ~~ألفناها هي أبجدية الحروف والكلمات والنصوص والمحفوظات والمسموعات، فإن الأبجدية ~~الجديدة قوامها أجهزة ومكنات وصناعات ومغامرات في كشف المجهول، وإذا كان أهل الغرب قد ~~قصروا في المحافظة على «نفوس» الأفراد و«قلوبهم» فدورنا نحن - ارتكازا على تراثنا ~~وعقائدنا - هو أن نعلمهم كيف يمكن المشاركة في مقومات العصر كلها، مع الحفاظ على ~~إنسانية الإنسان. # | نماء وانتماء # العلاقة اللفظية بين «نمى» و«انتمى» - حتى وإن لم تكن اللفظتان من أصل لغوي واحد - ~~تغريني بأن أقيم رباطا سببيا وثيقا بين شعور الكائن الحي بالانتماء لبيئة معينة من ~~جهة والعوامل التي ساعدته على النمو - من جهة أخرى - وبعبارة أخرى: أقول إن الكائن الحي ~~إنما ينتمي - بمحض فطرته - إلى حيث يجد الظروف مواتية لنمائه؛ وإذا كان الأمر كذلك فليس ~~انتماء المصري إلى مصر - مثلا - بحاجة منا إلى «وعظ» (كما نفعل الآن) بقدر ما هو ~~بحاجة إلى أن نوفر للمصري عوامل النمو والازدهار في بلده، فينتمي هو بعد ذلك مدفوعا ~~بفطرته. # ذلك أن انتماء الكائن الحي إلى بيئته أمر فرضته الحياة نفسها، ولا فضل لنا فيه؛ فلقد ~~استطاع علماء البيئة أن يضبطوا الرابطة بين أنواع الكائنات الحية وبيئاتها ربطا تمكنوا ~~به من أن يستدلوا أحد هذين الطرفين من الطرف الآخر، بمعنى أننا لو عرفنا تفصيلات البيئة ~~كان في وسعنا أن نستدل منها تفصيلات الكائن الحي الذي يعيش فيها، وكذلك لو عرفنا ~~تفصيلات الكائن الحي المعين كان في وسعنا أن نستدل منها في أية بيئة يحيا. # وإذا كان ذلك كذلك بالنسبة إلى صنوف الأحياء على اختلافها فهو يصدق أيضا على ~~الإنسان، لولا أن هذا الإنسان يضيف إلى تلك الرابطة الطبيعية بين البيئة وكائناتها ~~الحية - نباتا وحيوانا وإنسانا - عوامل تزيدها قوة ورسوخا؛ إذ هو يضيف إلى الألفة ~~الفطرية ms141 حبا واعيا يدفعه إلى خدمة وطنه ورعاية ذلك الوطن والقتال من أجل حمايته ~~والسعي إلى تقدمه ما استطاع إلى ذلك من سبيل. فالإنسان وحده - دون سائر الكائنات الحية ~~في علاقاتها ببيئاتها - هو القادر على «التضحية»، وهو على وعي بتلك التضحية من أجل وطنه ~~الذي نشأ فيه، أي إنه هو وحده القادر على أن يجعل الأولوية للوطن على المواطن لإدراكه ~~أن أبناء الوطن يولدون ويموتون، يجيئون ويذهبون، وأما دوام الوجود فهو للوطن الذي إليه ~~ينتمي هؤلاء الأبناء. # على أن هذا الانتماء إلى رقعة بعينها من الأرض، إذا كان أمره موكولا في جزء كبير منه ~~إلى الفطرة، التي قد لا تفرق في هذا الصدد بين إنسان وحيوان ونبات، فهنالك ضرب من ~~الانتماء ينفرد به الإنسان، وأعني به الانتماء الثقافي الذي يدخل به الفرد في مجموعة ~~متكاملة من الأفكار والقيم والأعراف والتقاليد، يحيا بها وتحيا به، فهل تظل - على مدى ~~أعوامه - تسري في حناياه، حتى تتحول عنده إلى وجود غير محسوس، كأنه الهواء يتنفسه وهو ~~لا يراه، ومن تلك المجموعة التي يسري كيانها في كيانه، يصبح الفرد منتميا إلى حيث ~~ينمو، كأن يصبح المصري مصريا، ثم تتسع دوائر انتمائه، كلما اتسع نطاق تلك المجموعة من ~~الأفكار والقيم والأعراف والتقاليد، ومن هنا يكون المصري في وقت واحد مصريا عربيا ~~إسلاميا أفريقيا إنسانيا، على أن ما أريد له أن يكون واضحا هو أن الإنسان حين ~~ينتمي إلى ثقافة بعينها، بما يصاحبها من قيم وأفكار، فهو إنما ينتمي إلى ما يزيده نماء ~~وازدهارا، مؤكدا العلاقة القوية بين تنمية الإنسان وانتمائه، فهو ينتمي إلى حيث ~~ينمو. # وعند هذا الموضع من سياق الحديث، أذكر سؤالا ورد إلي من قارئة جامعية، ألقت به على ~~ضوء خبرة كابدتها في التدريس، وكأنها أحست من خبرتها تلك، صعوبة أن يتشكل المتعلم على ~~نحو ما يريد له القائم بتعليمه، فتسأل في ختام رسالتها: من هو «المعلم» الذي نحن بحاجة ~~إليه، وما دوره في التنمية؟ وإنني لأجيب على هذا السؤال إجابة مجملة أولا ، ثم ms142 أنتقل ~~إلى تفصيلها. وأما الإجابة المجملة فهي أننا بحاجة إلى معلم قادر على تنمية تلميذه - أي ~~على تربيته - بحيث يؤهله لأن ينتمي إلى الدوائر المتدرجة التي نريد لأنفسنا أن ننتمي ~~إليها وهي دوائر - على تعددها وتدرجها - لا بد لها أن تتبلور في قطبين، أولهما هويته ~~القومية، وثانيهما هو العصر الذي يعيش فيه، وأنتقل بعد هذا الإجمال إلى تفصيل. # لقد أسفلت القول بأن الإنسان «ينتمي» إلى حيث «ينمو» وفي هذا الضوء يتحول السؤال ~~المطروح علينا ليصبح سؤالا كهذا: كيف نوفر ظروف النماء للمواطن لكي ينتمي؟ وكأني ~~بالسؤال وهو في هذه الصورة يرسم لنا طريق الإجابة؛ إذ ما علينا إلا أن ننظر في عالمنا ~~المحيط بنا، لنرى كيف تقدم من تقدم، وكيف تخلف من تخلف، فإذا ما وقعت على العناصر التي ~~تكفل لصاحبها صعودا على السلم الحضاري كان لنا في تلك العناصر نفسها ما يحقق لنا هدفين ~~في وقت واحد، هما: التنمية والعصرية معا، فيبقى علينا بعد ذلك أن ننظر في الطريقة التي ~~يتشرب بها أبناؤنا وبناتنا تلك العناصر دون أن تصاب هويتنا القومية بالمسخ ~~والتشويه. # فما الذي يميز - في عصرنا هذا - بلدا نما وارتقى وأسهم في إقامة الصرح الحضاري، الذي ~~هو نفسه «العصر»، بحيث إذا غابت تلك الخصائص المميزة عن بلد آخر، عد متخلفا أو - ~~على أحسن الفروض - عد واحدا مما يسمونها بالبلدان «النامية»، التي هي لا تزال في ~~طريقها تسعى نحو أن تنمو وترتقي وتسهم في البنيان الحضاري بنصيب. هنالك جوانب تميز ~~البلد الأرقى، ليست موضعا لاختلاف الرأي، من أهمها أن البلد الذي حقق النمو، هو ذو ~~«علم» وما يلحق العلم من تقنيات (تكنولوجيا)، وإن درجة العلم وتقنياته لتزيد مع كل بلد ~~دقة وتقدما، أو تنقص، بحسب درجات «النمو» المتفاوتة، وبهذا المقياس يكون البلد ~~المتخلف، أو الذي هو لا يزال في طريقه يسعى لينمو حتى يبلغ حدا يؤهله للدخول في عصره ~~أخذا وعطاء، أقول إن أهم علامة تميز بلدا كهذا، هي فقره، فيما يقدمه من «إبداعه» ~~إلى دنيا العلم والتقنيات، ms143 وأكرر «من إبداعه»؛ وذلك لأنه قد يكون في البلد المتخلف أو ~~«النامي» علم وعلماء لكنه - في هذه الحالة - علم منقول وعلماؤه حفظة لما ينقلونه عن ~~المبدعين؛ وكذلك قد تجد في مثل ذلك البلد المتخلف أو النامي عددا من أبنائه مهروا في ~~استخدام التقنيات العصرية، لكن تلك التقنيات هي من إبداع الآخرين، بل ويحدث في حالات ~~كثيرة، أن تكون تلك القدرة على تشغيل التقنيات، قد جاءت نتيجة للتدريب الذي تولاه ~~أولئك الآخرون. # وكذلك لا اختلاف في الرأي على فارق آخر يميز بلدا نما، عن بلد في طريقه إلى بلوغ تلك ~~الدرجة من النمو، وهو حالة «التعليم» كما وكيفا، ففي البلاد التي نمت بالفعل لا وجود ~~للأمية في أبنائها، وأما الأخرى التي هي في طريقها تسعى، ترى الأمية جاثمة على عقول ~~أبنائها بدرجات متفاوتة، تزيد هنا وتقل هناك، ذلك من حيث الكم، وأما من حيث الكيف، ~~فيمكن إيجاز الفرق بين النوعين، بقولنا إن التعلم عند الأولين ينتهي بالمتعلمين إلى ~~قدرة على الابتكار، وأما في النوع الثاني فيكاد يقف بالمتعلمين عند مجرد الحفظ الأصم ~~والمحاكاة. # وفارق ثالث بين المجموعتين، وهو فارق ربما يكون ناتجا عن صفة الابتكار التي ذكرناها، ~~هو أن بلاد النوع الأول، أسرع خطى في حركة التغير من بلاد النوع الثاني، فأبناء ~~المجتمعات الأولى لا يترددون كثيرا في تغيير ما يرونه في حياتهم معوقا للسير نحو ~~الهدف المقصود، في حين أن أبناء مجتمعات الصنف الثاني يوشكون أن يجعلوا لتلك المعوقات ~~أولوية على تحقيق الأهداف، وقد يبدو هذا القول منطويا على مفارقة تشكك في صوابه، لكنه ~~مع ذلك قول صحيح، وتظهر لنا صحته إذا ذكرنا أن تلك المعوقات، في كثير جدا من الحالات، ~~هي نفسها الرواسب التي بقيت من ماض ذهب زمانه ولكن تلكأ منه في نفوس الناس شيء من ~~قداسة وأريج، فإذا رأيت الناس يعارضون في تغييره، فاعلم أنهم لا يصنعون ذلك من حيث هو ~~حائل يحول دون التقدم، بل يصفونه من حيث هو ماض له في نفوسهم سحر وتمجيد . # وهذا ms144 نفسه ينقلنا إلى فارق رابع، بين من تقدم من الشعوب ومن جمد، وأعني به نظرة كل ~~منهما إلى تمجيد الماضي كيف يكون. أما الأولون فيرون أن ذلك التمجيد إنما يكون بالسير ~~على منهج الأسلاف، في أن يغيروا ويتغيروا ليسيروا من حاضر استنفد أغراضه إلى مستقبل ~~جديد، وأما الآخرون فيرون التمجيد في أن يبقى الماضي على حاله، ليكون الحاضر في نسخة ~~ثانية من ذلك الماضي، ثم ليجيء المستقبل نسخة ثالثة، وهلم جرا، وبعبارة أخرى أقول: إن ~~«الزمان» عند الصنف الأول من الجماعات لا بد أن يكون له معناه، ومعناه هو أن يجيء ~~اللاحق مختلفا عن السابق، وأما جماعات الصنف الثاني، فالأغلب فيهم أن يسقطوا من حسابهم ~~الزمان وفعله، فليس لديهم ما يمنع أن يظل كل شيء على صورته التي كان عليها إلى أبد ~~الآبدين. # وهذا الفرق بين الجماعتين، هو نفسه الفرق الذي نشأ حين تنبهت جماعات الصنف الأول إلى ~~فكرة «التقدم»، ولم تتنبه إليها جماعات الصنف الثاني، اللهم إلا أن تردد كلمة «تقدم» ~~وكأنها تردد لفظا أفرغ من معناه، وما معناه إلا أن يكون الحاضر - حتما - أفضل من ~~الماضي، وأن يكون المستقبل - حتما كذلك - أفضل من الحاضر. ولعله مما يثير دهشة من ~~تفوته دقة المعاني أن يقال له إن فكرة «التقدم» هذه حديثة حداثة أوروبا في صورتها ~~الجديدة، بعد النهضة، وأما قبل ذلك، فقد كان معيار الكمال عند الأوروبيين، كمعيار ~~جماعات الصنف الثاني اليوم، وهو أن يبحث عن الكمال فيما «كان» لا فيما سوف يكون. # ثم نضيف فارقا خامسا إلى الفوارق التي ذكرناها بين النوعين من الجماعات، وهو هذه ~~المرة فارق خاص بالفرد وموقفه من المجتمع الذي هو عضو فيه، وإنه لفارق تترتب عليه نتائج ~~كثيرة بعيدة المدى في أثرها على صورة الحياة، ومن أهم تلك النتائج صورة الحكم، والعلاقة ~~التي تصل الحاكم بالمحكوم، فبينما الرأي المأخوذ به في تسيير الحياة عند الصنف الأول من ~~الجماعات هو - في الأعم الأغلب - حاصل جمع الآراء التي بيديها أفراد الشعب، ويتمثل ذلك ~~الحاصل في ms145 عملية التصويت عند اتخاذ القرار، أو عند انتخاب من ينوبون عن الشعب في ~~المجالس النيابية، يكون الرأي المأخوذ به في تسيير الحياة عند الصنف الثاني هو - في ~~حقيقة الأمر - لرجل واحد، أو لعدد قليل من أصحاب النفوذ. # وبعد أن عرضنا طائفة من أوجه الاختلاف بين النوعين من الجماعات بين تلك التي تمت لها ~~التنمية بالفعل (والأمر هنا نسبي) من جهة، وتلك التي لا تزال في طريقها تسعى، من جهة ~~أخرى، فإن سؤالا يطرح نفسه علينا هو: أهي ضروب من الاختلاف، مستقل أحدها عن بقيتها، أم ~~هي ضروب من الاختلاف، لو تعمقناها لوجدناها تلتقي كلها عند جذر مشترك، أنبتها جميعا ~~كما تنبت فروع الشجرة من جذورها؟ والجواب عندي هو الترجيح بأن يكون البديل الثاني هو ~~الأقرب إلى الصواب. وإذا كان الأمر كذلك، فإن سبيل الإسراع لعمليات التنمية في البلاد ~~التي لم تقطع من طريق التنمية إلا شوطا قصيرا يكون أيسر منالا؛ إذ ما علينا في هذه ~~الحالة إلا أن نبدل من شجرة الاختلافات الثقافية جذرها، فتتبدل على مر الأيام فروعها. ~~والأرجح عندي أن يكون ذلك الجذر الذي منه انبثقت ضروب الاختلاف بين بلاد تقدمت وأخرى ~~تخلفت، إنما هو منهج النظر، سواء أكان ذلك في مجال التفكير العلمي، أم كان ذلك في ~~مجال الحياة على نطاقها الواسع والتبديل المطلوب إجراؤه في ذلك المنهج، ليلحق البلد ~~المتخلف بالبلد المتقدم، هو أن تستمد المعرفة من قراءة الطبيعة قراءة مباشرة، بدل أن ~~نقرأ ما كتبه السلف، فإذا وجدنا أنفسنا أمام مشكلة اجتماعية أو اقتصادية أو كائنا ما ~~كان نوعها، فالمنهج الصحيح هو أن نقابل تلك المشكلة في واقعها الحي لننظر في طريقة حلها ~~حتى إذا ما وصلنا إلى الحل، وسئلنا كيف عرفتم أن ذلك هو الحل الصحيح أشرنا إلى الواقع ~~الفعلي الذي استندنا إليه، بدل أن نأخذ حلولنا من كتابات تركها لنا الآباء، وأن نشير ~~إلى تلك الكتابات كلما أردنا إقامة الدليل على صحة ما نقدمه من حلول للمشكلات. # إلى هنا كان اهتمامنا فيما أسلفناه ms146 موجها نحو تحليل الخصائص الأساسية التي لا بد ~~من زرعها في عقولنا ونفوسنا، لكي يتاح لنا أن ننمو نموا ينبع من الباطن، ولا يقتصر ~~على كونه محاكاة آلية من الظاهر، وبقي علينا أن نسأل: وماذا عسانا أن نصنع لنتحول من ~~الداخل، تحولا نستبدل به اتجاها باتجاه، ومزاجا بمزاج، ومنهجا بمنهج؟ والجواب على ~~ذلك هو ضرورة أن يتغير كثير جدا من المضمون الثقافي والفكري الذي نحياه، وأن تكون ~~وسيلتنا إلى ذلك التغيير التعليم من ناحية والإعلام من ناحية أخرى. # ولا يكفي في هذا الصدد أن يقال لمعاهد التعليم ولوسائل الإعلام عليكما بالثقافة ~~والفكر الشائعين في حياتنا، فغيرا منهما لتجعلاهما وسيلتين للتنمية، ثم لتجعلاهما ~~- بالتالي - وسيلتين للانتماء؛ لأن الإنسان - كما أسلفنا - إنما ينتمي إلى حيث يجد ~~النماء، بل لا بد لنا أولا، أن نكون على بينة واضحة، ما الذي نعنيه بالثقافة وبالفكر، ~~حين نطالب لهما بوجوب أن يتغير منهما شيء كثير، عن طريق التعليم، ووسائل الإعلام؛ وذلك ~~لأن «الثقافة» و«الفكر» لفظتان من تلك الألفاظ، التي يستبيح كل إنسان لنفسه أن يخلع ~~عليهما ما شاء له من معنى، فيحق لنا بدورنا أن نتناولهما بالتحديد والتوضيح، لتظهر لنا ~~من تلقاء نفسها تلك العلاقة الوثيقة القائمة بين الثقافة والفكر من ناحية والتنمية بكل ~~جوانبها، من ناحية أخرى، وإذا قلنا عن بلد إنه ينمو ويزدهر، فقد قلنا كذلك إن ثمت ~~إمعانا من أبناء ذلك البلد في حب الانتماء إليه. # ولنبدأ ب «الثقافة» نحدد معناها في أوجز عبارة ممكنة، لنعقب عليها ب «الفكر» نحدد له ~~معناه، فنقول: إن الإنسان يتحرك في حياته العملية والنظرية معا، على درجتين تتواليان ~~صعودا، ويتوازى معهما طريق يأتي منه التوجيه الذي يهتدي به صاعد الدرجتين، وأما هاتان ~~الدرجتان، فالسفلى منهما هي التي يحدث عندها تجميع المعلومات المتفرقة عن المجال الذي ~~يقضي فيه الفرد المعين شئون حياته، وأما الدرجة العليا فهي التي يحاول عندها الإنسان أن ~~يستخرج من تلك المعلومات المتفرقة تعميمات وتبلغ هذه التعميمات ذروتها على أيدي رجال ~~العلوم عندما يستخرجون قوانين ms147 العلم التي على منوالها تحدث الأحداث. # لكن الإنسان بعد أن تجتمع لديه أكداس من المعلومات المتفرقة عن دنياه، ثم يجتمع لديه ~~كذلك عدد كبير من قوانين العلم في المجالات المختلفة، تواجهه مشكلة الاختيار بين ما قد ~~تجمع لديه من ذلك كله، فماذا يفعله وماذا يكف عن فعله، فهو - مثلا - قد عرف فيما ~~عرف، كيف يفجر البارود، وكيف يستخرج الطاقة من الذرة لكنه بحاجة إلى مقاييس تبين له متى ~~يجوز تفجير البارود، أو تفجير قنبلة ذرية، ومتى لا يجوز، فأين له بتلك المقاييس؟ ها هنا ~~يأتي دور الطريق الذي يوازي الدرجتين المتصاعدتين، ففي ذلك الطريق يوجد ما نسميه ~~بالقيم، وهي التي تحدد للإنسان ما يجوز له فعله بالمعلومات التي جمعها، وها هنا يكون ~~ذلك الشيء الذي نطلق عليه اسم «الثقافة». # على أن للثقافة جانبا ثانيا غير مجموعة القيم الهادية للإنسان في اختياره لما ~~يفعله، وأعني به جانب «الفكر»، الذي يقصد به طائفة من أفكار ذات طراز فريد، إذ هي أفكار ~~لا تندرج تحت أي علم من العلوم، ثم هي في الوقت نفسه ليست من نوع «القيم» التي نستمدها ~~من مصادرها الثلاثة الرئيسية، التي هي: الدين، والفن، والأدب، فهي أفكار من قبيل: ~~الحرية، والعدالة، والمساواة، والديمقراطية، الوطنية، التذوق الفني، فهي كما ترى معان ~~لها خطورتها البالغة في حياة الناس، ثم هي في الوقت نفسه مما يتعذر تحديده؛ ولذلك تعددت ~~فيها التأويلات عند مختلف المفكرين. # وإذا ضممنا مجموعة القيم إلى مجموعة الأفكار التي من هذا القبيل الذي ذكرناه، تكونت ~~من حصيلة الجمع بينهما ثقافة الفرد المعين، وفي هذه الحصيلة عند صاحبها، تكمن القوة ~~الدافعة له بأن يفعل شيئا معينا ويحجم عن فعل شيء آخر. # وفي ضوء هذه التحليلات، أعود إلى السؤال الذي وجهته القارئة الجامعية تسأل به عن نوع ~~المعلم الذي نحن بحاجة إليه، وماذا يكون دوره في التنمية؟ فأقول إن المعلم الذي يحقق ~~لنا آمالنا هو الذي يستطيع أن ينفذ إلى «الثقافة» الكامنة في أفئدة تلاميذه، والتي هي ~~مستقاة من حياتنا الجارية ms148 كما هي واقعة، أن ينفذ إلى تلك الثقافة الكامنة، فيغير منها، ~~في جانبيها جانب القيم وجانب الأفكار التي لها قوة التوجيه، بحيث يصبح ما يضمره الناشئ ~~في نفسه من تلك القيم والأفكار دافعا له نحو حياة عصرية في إطار هويته المصرية ~~العربية، فإذا تحقق له ذلك التغيير وجدنا شبابنا يتجه إلى الابتكار والإنتاج وعلمية ~~النظر وديمقراطية العلاقة بينه وبين مواطنيه - وذلك بحكم عصريته - ثم وجدنا ذلك الشباب ~~في الوقت نفسه مشدودا إلى قوميته، منتميا إليها بدفعة طبيعية؛ إذ التنمية والانتماء ~~صنوان، فهما بمثابة السبب ونتيجته. # إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فنسأل: ومن الذي يغير ما بأنفسنا؟ ~~وكيف؟ ونجيب: الذي يغيره هو التعليم والإعلام، وذلك بما يدخلانه من تعديلات في رؤيتنا ~~الثقافية؛ إذ هي تعديلات تتجه بنا نحو أن ننمو - بأوسع معاني التنمية، كما تتجه بنا - ~~بالتالي - نحو أن ننتمي. # | مثقف يحاكم نفسه # لست أومن بالخوارق، اللهم إلا ما يدخل منها في نسج الدين، واسم الخوارق يطلق على ما ~~يخرق قوانين الطبيعة كما رصدها الإنسان في علومه، أي إنني بعد أن أومن، أعمق إيمان ~~يستطيعه بشر، بكل ما قد أوردته مصادر عقيدتي الدينية من تلك الخوارق؛ فإنني لا أتبرع من ~~عندي بخارقة أخرى أضيفها، وأقول ذلك لأنني أعلم بأن التاريخ كله لم يعرف قوما اكتفوا ~~بما جاءتهم به أصول ديانتهم من معجزات جاوز بها أصحاب الرسالات حدود ما ألفه الناس من ~~ظواهر، فكانوا يضيفون من عندهم أشياء أبدعها لهم محض خيالهم، على وهم منهم بأنه كلما ~~زادت خوارق الطبيعة في عقيدة دينية، ازداد البرهان قوة على صدق تلك العقيدة، ويفوتهم ~~في هذا الصدد أن اطراد قوانين الطبيعة - لا خرقها - هو معجزة المعجزات، إلا ما شاء ~~الله. # لا، لست أومن بالخوارق يتبرع بها الخيال البشري مما يبدعه هو، ثم يزعم لها صدق ~~اليقين، لكن العقل وأحكامه - في ذلك وفي غير ذلك - شيء، ودفعة الوجدان للإنسان، وهو ~~مضغوط بعوامل المواقف في واقع الحياة شيء آخر، فربما أيقنت مع ms149 العلم الحديث بأن أحلام ~~الإنسان لا تنبئ بغيب لم يولد بعد، وإنما تعيد أصداء مما قد وقع بالفعل في حياة ~~الحالم، لكنني برغم يقيني ذلك؛ قد أجدني أميل بمشاعري - كلما رأيت حلما ذا مغزى - نحو ~~أن أقرأه قراءة مستقبلية، ولعلي بذلك لا أريد حرمان نفسي من قدرتها على اختراق حجب ~~الغيب، حتى لا أكون أقل شفافية من أنفس الآخرين. # ومن هذا القبيل ما حدث لي ليلة أمس، فقد جاءني في الحلم طيف صديق عزيز، توفي منذ بضع ~~سنوات، والحق أنه كان بيني وبينه تلك الرابطة التي يصفو معها إخلاص الأصدقاء، والفرق ~~بين صداقة وصداقة في ذلك الصفاء، هو أبعد مما بين القطبين، جاءني طيف ذلك الصديق الذي ~~عرفت في صداقته كيف يكون الصديق، فرأيته مكفهر الوجه، غاضبا عاتبا، وبادرني بسؤاله في ~~نبرة حادة، قلما عهدتها فيه أيام أن كان، قال: أين ذهبت بأوراقي التي تركتها عندك ~~وديعة؟ فسألته بدوري، والدهشة تملأ نفسي: أي أوراق؟ قال: ألا تذكر تلك الورقات القليلة ~~التي أعطيتك إياها لتتولى عني نشرها في الناس؟ قلت له: صدقني، إنني لا أذكر من كل ذلك ~~شيئا. قال: ألا تذكر حين زرتك في ساعة متأخرة من الليل، وأيقظتك من نعاسك؛ لأترك معك ~~غلافا أصفر، طالبا منك - وأنا في لهفة العجلان - أن تنوب عني في نشره في لحظة مناسبة؟ ~~لقد سألتني: وماذا به؟ فأجبتك بأني أحسست دنو الأجل، فأخذت أحاسب نفسي ماذا قدمت يداي ~~في حياة أشرفت على السبعين، ثم عن لي أن أخط ملامح سريعة مما دارت به خواطري في ذلك، ~~لعلها تنفع الغافلين. # سرحت بالذاكرة في الحلم، وطيف الصديق لم يزل هناك في غضبه وعتابه، ثم قلت: لعل ظلالا ~~خافتة تعود إلي الآن، وإذا كان غلافك الأصفر ما يزال بين أوراقي، فأعترف لك بأني لم ~~أقرأ ما فيه، ونسيته نسيانا تاما. فقال في صوت مرتفع: انهض الآن وابحث عنه. حاولت ~~التخلص، لكنه عاد إلى صياحه، وأخذ يهزني هزا شديدا: قم الآن، الآن، وابحث عن الغلاف ~~واقرأ ما فيه، ms150 وانشره إذا توسمت فيه ما ينفع الناس. وبهذا القول ذهب عني خدر النعاس، ~~واستيقظ وعيي دفعة واحدة، وها هنا شعرت وكأنني أمام قوة غيبية لا أملك ردها، ونهضت من ~~فراشي وكان الوقت بعد منتصف الليل بقليل، وليس من عادتي أن أترك فراشي قبل فلق الفجر، ~~مهما تكن الدواعي، أما هذه المرة، فقد أحسست بقوة دافعة، ولم يكن في وسعي إلا أن ~~أستجيب. # انتقلت إلى غرفة مكتبي، ووقفت أنكت رأسي بأصابعي، لعلي أعين الذاكرة على هدايتي إلى ~~مكان الغلاف الأصفر، ولبثت نحو ساعة، أنظر في ورقة هنا، وفي ورقة هناك، أقرأ واحدة ~~وأمزق أخرى، وأتسلل ببصري بين الأضابير بحثا عن غلاف أصفر، وشاء لي الله أن أفتح ظرفا ~~كبيرا منتفخا بما حوى، لأرى ماذا به، فإذا الغلاف الأصفر يلمع بين الأوراق. أخرجت من ~~الغلاف محتواه، وهو تسع ورقات صغيرة، وبعد أن قرأتها - وهي بغير عنوان - لم أجد أمامي ~~اختيارا إلا أن أحقق لصديقي بغيته بنشر ما كتبه، وربما كان آخر ما جرى به قلمه قبل أن ~~يدهمه المرض فالموت، وأضفت العنوان من عندي، وهو العنوان الذي تراه على رأس مقالتي هذه: ~~«مثقف يحاكم نفسه»، وهاك ما كتبه، أنقله كما وجدته، وقد لا أتفق معه في كل شيء، وحسبي ~~أن أشاركه في الاتجاه العام، كتب يقول: # لقد سمعتني أخاطب نفسي ذات ليل طويل أعتم، شبيه بموج البحر كليل امرئ القيس، ~~تغمرني منه موجة في أثر موجة، وكأنه موج لم تكن له بداية ولن تكون له نهاية، ~~وكأن ذلك الليل - مرة أخرى كليل امرئ القيس - قد أرخى سدوله علي بأنواع ~~الهموم ليبتلي، ولئن كنت لا أعرف شيئا عن هموم امرئ القيس ماذا كانت، فقد كنت ~~أعرف همومي في ليلتي تلك، وما همومي ليلتئذ إلا ضمير يتأرق، ويلهبني بعذابات ~~سوطه، جزاء وفاقا، على ما فرطت فيه أو أفرطت. # نعم، سمعتني أخاطب نفسي قائلا: ها قد دنوت من الأجل، فماذا صنعت - يا نفسي - ~~بعمرك الطويل؟ أعطاك الوهاب عقلا وقلبا وبيانا وقلما، فماذا فعلت بكل هذه؟ ms151 ~~انفتحت عيناك على حياة أكثرها نفاق وكذب، وستتركين الحياة وشيكا، وهي - كما ~~وجدتها - مليئة بالنفاق والكذب، وعيت - يا نفس - إذ وعيت على حياة خاملة راكدة، ~~وسترحلين والحياة كعهدك بها، خاملة راكدة، فماذا صنعت أنت بعمرك الطويل؟ رأيت - ~~يا نفس - أرباب الفكر والقلم، أول ما رأيتهم، يقيمون الشهرة على حبة من الجد ~~تجاورها حبات من الدجل، وستغمضين العين وأرباب الفكر والقلم كما وجدتهم أول ~~مرة، يقيمون الشهرة على حبة من هناك وحبات من هنا، فماذا صنعت أنت - يا نفس - ~~بعمرك الطويل؟ أعلم أنك تواضعت فتواريت، وكأنك لا تدركين أنك بين قوم لم يذكروا ~~التواضع مادة في دستورهم، فكان أن حسبت الصغار كبارا. وأنفقت عمرك عابدة ~~لأصنام وسترحلين - يا نفس - صغيرة تعبد الأصنام. # فأجابتني النفس قائلة: وماذا كنت تريدني أن أصنع؟ إنني كلما هممت ببذل الجهد ~~ردتني خيبة الأمل؛ إن بضاعتي - كما تعلم - هي كلمات، وقد أصبحت أشك في أن يكون ~~للكلمة تلك القوة التي زعمها من زعم، لقد قالها هاملت حين همس لنفسه مزدريا: ~~كلمات، كلمات، كلمات؟ وكأنه أراد أن يضيف إلى ذلك قوله: وماذا تجدي الكلمات؟ ~~فما أسهل علينا أن نتكلم، وكذلك ما أسهل على من نتجه إليه بكلامنا أن يضع ~~إصبعين في أذنيه. # فقاطعت نفسي قائلا لها: لا، لا تلقي بالتهمة على الكلمات وعجزها، وما هي ~~بعاجزة أن تصنع المعجزات، ليست الكلمات مدادا منثورا على ورق، بل الكلمات ~~أفكار، وبالأفكار شق الإنسان أجواز السماء حتى جاوز موقع الشمس، الكلمة فكرة ~~والفكرة وعي وإدراك وخلق، في البدء كانت الكلمة، رسالات السماء جاءت إلى ~~الإنسان في كلمات، الكلمات هي التي تفجرت في حياة الإنسان ثورات نفضت عنه ~~الغبار ليستقبل حياة جديدة، كانت الثورة الفرنسية هي كلمات فولتير وقد تفجر ~~بارودها، وكانت كل ثورة - صغيرها وكبيرها - بمثابة انفجار للقوة الكامنة في ~~كلمات، لقد كانت كلمات شهرزاد سحرا في مسمعي شهريار فأمسك عن سفك الدماء ~~ليستمع، الصلاة كلمات، والتسبيح كلمات، والشعر كلمات، والغناء كلمات، فبالكلمات ~~عبد العابد، وبالكلمات أنشد المنشد فانتشى واشتعل وجدانه ms152 ... لا يا نفس، ليس ~~العيب في الكلمات إذا جاءت من أفواه قائليها مشحونة بالصدق والعزيمة والنية ~~الخالصة لوجه الحق، وإنما العيب هو في كلماتنا نحن التي قالها فينا أصحاب ~~اللسان والقلم؛ لأنها في كثير من حالاتها جاءت باردة هامدة منافقة ~~كاذبة. # ومضيت في حديثي إلى النفس، مجيبا لها عن سؤالها: وماذا كنت تريدني أن أصنع؟ ~~كنت أريدك - يا نفس - أن تلتزمي ما تعاهدنا عليه منذ الصبا. # أتذكرين؟ أتذكرين ونحن معا في مطارح الغربة نتلفت حولنا، فنرى لكل فرد من ~~ملايين الأفراد قدرته وكرامته وعزة نفسه؟ أتذكرين يوم رأينا معا ذلك الصف ~~الطويل من الرجال والنساء، كل ممسك بصحنه في يده، يتقدمون خطوة بطيئة بعد ~~خطوة بطيئة ليصلوا إلى حيث وجبة طعامهم وشرابهم، فلمحنا في الصف خادما ~~ووزيرا، والخادم في دوره يسبق دور الوزير، فلا الوزير أقلقه أن يقف وراء ~~الخادم، ولا الخادم أخافه أن يقف أمام الوزير، أتذكرين؟ # أتذكرين ما قلته لك عندئذ: إنه حتى لو حدث في بلادنا أن رضي الوزير بموقفه ~~من الصف، لما رضي له الخادم، وإذا نحن ترجمنا هذا الكلام بمقياس أوسع، لقلنا ~~إنه حتى لو رضي صاحب السلطة في بلادنا بأن يلزم حدوده تجاه الشعب العامل، لما ~~رضي ذلك الشعب العامل إلا أن يفسح له الطريق. أتذكرين يا نفسي كيف تعاهدنا ~~عندئذ أن نحاول التغيير بكل ما في وسعنا من جهد وجهاد؟ فماذا صنعت، وها نحن قد ~~بتنا قاب قوسين من الأجل؟ إن شيئا لم يتغير، لا على يديك ولا على يدي أحد ~~سواك؟ فما تزال كتلة الشعب تعالج أمورها كما كانت تعالجها منذ أمد طويل. # ومرة أخرى أجابت النفس: وماذا كنت تريدني أن أصنع، فهل أزحزح الجبل؟ إنك ~~تعلم، كما أعلم، أن الخطوة الأولى في سبيل التغيير، هي أن يشعر الناس بوجوب أن ~~يتغيروا! فماذا أنت صانع إذا وجدت الناس قد ملئت صدورهم بفكرة قائلة إنه إذا ~~كان لا بد من تغير، فإنما يكون التغير بالسير إلى الوراء؟ # وهكذا ترى الناس في بلادنا أحد ms153 رجلين: فإما هو راض بما هو فيه، وإما يريد أن ~~يغير ما هو فيه، بالسير إلى الوراء! فالكمال كان في أمس، ولن يكون في يومنا أو ~~في غد! إنهم يسمون الرجوع تقدما، ويسمون اللاعقل اعتزازا بالتراث. # قلت لنفسي: يا نفسي لو كان الناس على صواب لما كان بنا حاجة إلى أصحاب فكر ~~وأرباب قلم، ففيم يعمل الفكر، وبماذا يجري القلم، إذا كان كل شيء على ما يرام ~~- كما يقول - وكانت الحالة «معدنا»، ولم يكن في الإمكان أبدع مما كان؟ إن ~~«الفكر» - بحكم تعريفه - هو حل للمشكلات، وإذا لم تكن مشكلات فلا فكر، فأنت - ~~يا نفسي - حين وصفت الناس بأنهم على ما هم عليه، كنت بمثابة من يضع أمامنا ~~مشكلة تريدين لها حلا، وهذا هو ما أردت أن أقوله حين سألتك ماذا صنعنا، وماذا ~~صنع المثقفون جميعا بكل ما قالوه وكتبوه، إذا بقيت مشكلتنا على حالها التي ~~كانت عليها بالأمس وما قبل الأمس؟ # قالت لي نفسي: إنك يا صاحبي تنحو علي وعلى نفسك باللائمة لهذا الجمود ~~الراكد الذي يغشى حياتنا، وتنسى ظروف التربة التي بذرنا فيها بذورنا، فبذورنا ~~وبذور سوانا من أصحاب البيان والقلم إنما تسقط على صوان أخرس وأصم، نعم إنه ~~صوان صلب عنيد، ولكنه بسبب تلك الصلابة فيه وهذا العناد، بات لا ينبت الشجر ~~الأخضر. # سألتها: وماذا تعنين بتلك التربة الصماء؟ # أجابت: أعني ما قلته لك مرارا، وهو أن أمتنا قد أصبحت أمة من الدراويش؟ ~~وأريد بالدروشة تلك الغيبوبة الثقافية التي تفقد صاحبها قدرته على دقة ~~التوازن بين الأولى والآخرة؟ ولم تصب مصر بفقدان التوازن هذا إلا بعد الفتح ~~التركي، وأما ما يزيد على ستين قرنا قبل ذلك التاريخ فلم تشهد من المصري إلا ~~متدينا عاملا، أو عاملا متدينا، كان المصري طوال عمره الطويل يتدين كما ~~يتنفس، فهو بناء للعمائر والهياكل متدين، وهو زارع لأرضه متدين، وهو نجار أو ~~حداد متدين، وهو عالم أو فنان متدين، إنه كان أي شيء في حياته العملية المنتجة ~~والدين بطانته، لم يكن الموقف ms154 في حياته موقف من يقول: إما عمل وإما دين، بل كان ~~العمل والدين وجهين لعملة واحدة، ولبث الأمر كذلك خلال الحضارات المتعاقبة التي ~~خاضها. كان كذلك - بالطبع - في عصره الفرعوني القديم، وكان كذلك يوم أن سقطت ~~الشعلة من أيدي اليونان فالتقطتها مصر، لتكون هي الفيلسوفة المتدينة وهي ~~العالمة المتدينة، وهكذا لبثت مصر تحمل كل حضارة تالية وفي قلب المصري إيمانه ~~الديني، ولما نشأ الأزهر الشريف في القرن العاشر الميلادي، ظل ستة قرون يؤدي ~~الرسالة المزدوجة: العلم والدين، وهو لا يفصل بين الحياتين: فهو عالم حين ~~يتدين، وهو متدين حين يخدم العلم، حتى لا يكون العلم من علوم الدين. # وجاء الفتح التركي، فما أسرع ما انفجرت الشعبتان وكأنهما لم يكونا فرعين من ~~جذع واحد، أو قل إن إحدى الشعبتين - شعبة العلم الأصيل - قد توارت، وبقيت شعبة ~~الدين، وأصبح المتخرج في الأزهر رجل دين، أكثر منه رجل دين وعلم مندمجين في ~~كيان واحد، فلما اقتحمت ديارنا حضارة الغرب وأطراف من ثقافته، منذ الحملة ~~الفرنسية فصاعدا، أخذنا ما جاءنا من الغرب من علوم وفنون وأفكار ونظم للتعليم ~~والحكم وغير ذلك، لكننا أخذناه حفظا وتسميعا، ومن هنا استقلت الشعبتان ~~إحداهما عن الأخرى، ودخلت ساحتنا صيغة زائفة باطلة، وهي الصيغة التي كانت تصول ~~بها: إما دين وتدين وإما علم حديث وحضارة حديثة، هذه صورة موجزة، يا صاحبي، كما ~~حدث، وهي الصورة التي نتج عنها الموقف الراهن، الذي هو: كتلة الشعب من الناحية ~~الثقافية في ناحية، ومعها رواد يسوسونها على ذلك الطريق، وقلة قليلة جدا ~~تشربت ثقافة العصر وحضارته من ناحية أخرى، فإذا كتب أفراد من هذه القلة القليلة ~~ما يكتبونه، فلن يجاوزوا بكتاباتهم حدود أنفسهم، إنهم لن يخترقوا بكتاباتهم ~~حاجز الصوت ليصلوا إلى آذان جمهور الشعب، وتلك هي التربة الصماء التي عنيتها ~~حين قلت - يا صاحبي - إننا نحن وأمثالنا نبذر بذورنا لتقع على صوان صلب أصم ~~وأخرس، فهو أصم بالنسبة إلينا، ولكنه مفتوح الآذان لآخرين، وهو كذلك أخرس ~~بالنسبة إلى اللغة التي تتكلمها تلك القلة ms155 القليلة التي أشرت إليها، لكنه ناطق ~~بالنسبة إلى لغة الآخرين. # قلت لنفسي: حقا لقد ألقيت لي الضوء فوضح الغامض، ولكن أنترك الأمر على هذه ~~الحالة؟ وإلى متى نتركه؟ وماذا نحن صانعون لو أردنا أن نغيره؟ # فأجابتني النفس قائلة: الآن قد تبدلت أدوارنا فبعد أن كنت أنا التي أسألك ~~ماذا كنت تريدني أن أصنع؟ ردا على لومك وتأنيبك أصبحت أنت الذي توجه إلي ~~السؤال: ماذا نحن صانعون في موقف قوامه جمهور عريض ورواده في ناحية وقلة قليلة ~~جدا تريد التغيير في ناحية أخرى؟ وها أنا ذا أحاول الجواب عن سؤالك، مكتفية ~~هذه المرة بنقطة واحدة ولكنها نقطة أساسية وجوهرية. # إنه لمن المفارقات التي تستوقف النظر أن نقول عن مصر اليوم إنها تبحث عن ~~ذاتها. فبحث الإنسان عن ذاته لا يكون إلا في فترة المراهقة حين يتأهب المراهق ~~للدخول في دنيا النضج بعد طفولة وصبا. وفي مرحلة المراهقة تتعدد المسالك ~~والبدائل أمام المراهق، ولذلك فهو يظل فترة مأخوذا بالتردد والحيرة ماذا يأخذ ~~وماذا يدع، وهو إذا ما وقع باختياره على طريق معين دون سائر الطرق يكون بمثابة ~~من رسم لنفسه الطريق لحياته المقبلة كلها؛ وشأن الأمم كشأن الأفراد حين يكتنفها ~~موقف متعدد المسالك والبدائل، وعلى الأمة أن تختار لنفسها مسلكا بذاته يحقق ~~لها ذاتها. ويقول مرة أخرى إنها لمفارقة تستوقف النظر أن نقول عن مصر العريقة ~~إنها في موقف من لا يزال يختار لنفسه في الحياة مسلكا يتميز به. # لكن شيئا من تلك المفارقة الغريبة يزول إذا تذكرنا أن ما يشبه المراهقة قد ~~يعاود الفرد الواحد ويعاود الأمة الواحدة كلما صادفته أو صادفتها صدمة قوية ~~ارتجت لها جدرانها، فها هنا يكون الفرد أو تكون الأمة بمثابة مراهق لا يزال في ~~أول الطريق، وعليه أن يختار أي طريق يسلك. وليس من شك في أن مصر حين اصطدمت ~~بحضارة الغرب الحديث وبشيء من ثقافته اهتز بنيانها لأنها وجدت نفسها أمام حياة ~~تختلف عن حياتها اختلافا شديدا، وكان أن ردة الفعل بموقف شاذ هو الموقف ms156 الذي ~~نحياه اليوم، وأعني به أنها أخذت من الشجرة الجديدة ثمارها ورفضت جذعها ~~وجذورها، أي إنها أخذت «نتائج» العلم و«نتائج» الصناعة و«نتائج» النشاط الفلسفي ~~والفكري ومبدعات الأدب والفن والأشكال الخارجية للنظم كلها: سياسية وتعليمية ~~واقتصادية، أقول إنها أخذت «نتائج» هذا كله ولكنها رفضت أن تحيا الحياة التي ~~تعتمل فيها العوامل لتنتج لصاحبها تلك النتائج. # إننا نحن وأمثالنا يا صاحبي حين نفكر فإنما ندعو الناس إلى اصطناع شيء رفضوه ~~وهو أن «يحيوا» الحياة التي من شأنها أن تنتج لهم علوما وصناعات وتقنيات ~~وآدابا وفنونا ونظما كالتي ينقلونها من الغرب معلبة جاهزة، ولقد رفض جمهورنا ~~وعلى رأسه رواده أن يحيا مثل تلك الحياة ومع ذلك فهو يقبل الثمرة منقولة إليه، ~~فإذا سألتني بعد ذلك وماذا عسانا صانعين؟ أجبتك بقولي: أكشف للمصري المعاصر عن ~~حقيقة ذاته التي امتدت معه أكثر من ستين قرنا ولم تغب عنه إلا إبان الفتح ~~التركي وما بعده، ترتفع عن ذلك المصري الحديث حيرته وتردده، فيعرف طريقه وهي ~~نفسها الطريق التي سار على منهاجها أكثر من ستين قرنا، وأعني طريق المتدين ~~العالم العامل. # قلت لنفسي: الآن قد ازددت وضوحا؛ لماذا ينسد الطريق بيننا نحن وأمثالنا ممن ~~يفكرون ويكتبون من جهة وبين جمهور الشعب ورواده من جهة أخرى، نعم لقد ازددت ~~وضوحا لكني كذلك قد ازددت قلقا؛ إذ بات واجبا علينا أن نبحث فيما يساعدنا ~~على كشف عناصر الذات المصرية الأصيلة لنضعها أمام أبصار الناس لعلهم يهتدون، ~~فماذا ترين يا نفسي؟ # قالت النفس متثائبة: لقد حان موعد النوم لنستريح، طاب مساؤك يا رفيقي. # كان ذلك ما حملته الورقات التسع الصغيرة التي تركها صديقي، ولقد وضعتها كما جاءت، ~~وإذا حق لي أن أضيف إليه جملة واحدة من عندي قلت: إن هذا الذي كتبه صديقي، هو ما تمنى ~~كثيرون أن يكتبوه. # | رسالة في زجاجة # كنت يومها أعبر الأطلنطي في باخرة لها من الضخامة والفخامة ما يجعلها قصرا عائما ~~على سطح الماء، بدأت رحلتها على موج هادئ، فكانت تبدو وكأنها من الرواسي الرواسخ، ms157 التي ~~تهزأ من الرياح العاتية، وسارت منسابة على بساط الماء ملكة فيها وقار السلطان ورصانة ~~الأصل الثابت العريق، وانتشر راكبوها في ثياب ملونة زاهية تدل على قدر من الثراء، ~~ولكنها كذلك - ببساطتها - تشير إلى ذوق مهذب رفيع، انتشر هؤلاء في أبهاء السفينة ~~وممراتها وعلى سطحها وفي غرفها، انتشروا في مرح مطمئن وسمر هامس. # وما هو إلا يوم يمضي، حتى تتبدل الحال غير الحال، فقد غضب محيط البحر غضبته التي لا ~~تقاس إليها تلك الغضبة المضرية التي أشار إليها الشاعر العربي القديم، وأصبحت السفينة ~~التي كانت بالأمس أرسخ من الجبال، لعبة خفيفة يتقاذفها الموج، فموجة ترمي وموجة تلقف، ~~لقد روعت ملكة الأمس الرزينة الرصينة الوقور، فباتت طفلة خائفة راجفة تبحث لها عن صدر ~~يحميها؟ وأين ذهب المسافرون؟ لم يعد منهم أحد يقف مستندا إلى السور ليرسل البصر إلى ~~الأفق البعيد الراقد بين السماء والماء، أو أحد يجلس على كرسيه الطويل ينظر إلى لا شيء ~~يتيح لفكره أن يتأمل؛ كلا ولا بقي في الأبهاء أو الممرات رفاق يلتقون في بشر ضاحك ~~ويسمرون؛ لقد اختفى جميعهم في قمراتهم كأنهم الفئران التي أحست برعشة الزلزال فأسرعت ~~إلى جحورها. أو قل إن ركاب السفينة جميعا، قد أصبحوا هم وسفينتهم الضخمة الفخمة، ~~وكأنهم بالنسبة إلى المحيط الغاضب - كما قال قائل - دود على عود. # ولأمر ما تذكرت عندئذ كريستوفر كولمبس، أأقول «تذكرت؟» لا، بل إن صورة كولمبس لم ~~تبرح خيالي لحظة إلا لتعود فتمثل ماردة نصب عيني وخيالي معا. إنني لم أعبر ذلك المحيط ~~مرة رائحا أو غاديا، إلا وكولمبس رفيقي في السفر؛ وأظل مع كل لمعة ضوء أو نبرة صوت، ~~أقول لنفسي: انظر كم صنع للدنيا رجل واحد بمغامرة جريئة واحدة، فلولاه لما كانت أمريكا ~~بمعناها الذي نعرفه لها اليوم، وذلك يعني أنه لولاه لما نشأت هذه المرحلة الحضارية ~~الجديدة، التي أصبحت هي «العصر» الذي يحياه الناس، لقد سمعت أستاذا للتاريخ في محاضرة ~~عامة يقول: «إن نتائج رحلة كريستوفر كولمبس عبر المحيط - وكان العرب يسمونه بحر ms158 الظلمات ~~- لم تكتشف كلها بعد.» فلئن كانت هذه الحضارة الصناعية العالمية التكنولوجية التي تعج ~~بها أرجاء الدنيا، هي النتيجة الأولى لتلك الرحلة، فإن نتائج هذه النتيجة لا يعلمها إلا ~~علام الغيوب، فإذا تصورنا أن الصاروخ الذي أنزل أقدام البشر لأول مرة على سطح القمر، ~~إنما قام برحلة خرقت الحجب، على نحو ما فعلت سفينة كولمبس حين عبرت المحيط، كان لنا أن ~~نتساءل ذاهلين: إلى أين تنتهي بنا نتائج ما صنعه رجل واحدة بمغامرة جريئة واحدة؟ # لا، إنني لم أعبر ذلك المحيط مرة إلا وذكرى تلك الرحلة الفريدة تملأ ما أمامي وما بين ~~جوانحي، فلا أمل من تكرار السؤال على نفسي: هل ترى كم يمكن ل «الواحد» أن يساوي؟ إن ~~الواحد ليس دائما هو الواحد الذي نعرفه، بل إنه - بنتائج فعله - قد يساوي ألفا، مائة ~~ألف، مليونا، مائة مليون، أو أذهب في سلسلة الأعداد ما شئت؛ وإذا كان ذلك هو شأن ~~كولمبس معي كلما عبرت المحيط، فقد كان شأنه معي في تلك الرحلة التي أروي لك نبأها أشد ~~وأعمق؛ وذلك أنني هذه المرة حين هاجت هائجة البحر على النحو الذي ذكرت وثبت إلى ذاكرتي ~~عن كولمبس حادثة معينة، وهي أنه - كما قرأنا - في إحدى رحلاته بين إسبانيا والأرض ~~الجديدة التي كشف عنها الحجاب (وأظنها كانت ثلاث رحلات) ماج البحر بموجه الغاضب بسفينة ~~كولمبس؛ كما فعل بسفينتنا؛ حتى أوشكت على الغرق، وكانت لدى كولمبس أسرار عن رحلته لا بد ~~أن ينقلها إلى ملك إسبانيا فجاء بزجاجة كبيرة ووضع فيها تقريرا بما كان يريد أن يبوح ~~به وختم على الزجاجة بسدادة قوية، وألقى بها في الماء، ويقال إن تلك الزجاجة قد عثر ~~عليها بعد ذلك بنحو ثلاثمائة عام، في موضع ما من الشاطئ الغربي لأفريقيا، وأذكر في هذه ~~المناسبة أن الرسائل التي ترسل في زجاجات يلقى بها في البحر لعلها تبلغ أصحابها، طريقة ~~معروفة - كما يبدو - لا سيما عند البحارة، فإذا ما تعرضت سفينة للغرق، فقد يكون بين ~~راكبيها من تشتد به الرغبة ms159 في أن يبعث بكلمة أخيرة إلى من يحب: زوج لزوجة، أو والد ~~لولده، أو حبيب لحبيبته يفعل ذلك وهو على شفا الغرق، ويعلم أن احتمال وصول الكلمة إلى ~~من أرسلت إليه أو إليها؛ احتمال بعيد التحقيق، لكن ماذا يصنع وليس أمامه إلا هذه ~~الوسيلة، ولقد علمت أن زجاجات كثيرة من هذا النوع توجد عند الشواطئ، إنها ضرب من ~~«الحمام الزاجل»، لولا أن الحمامة تعرف هدفها، وأما الزجاجة حاملة الرسالة فتظل تتأرجح ~~مع الموج، والله أعلم أين يدفع بها ذلك الموج، ومتى تصل إلى يد بشرية، ثم كيف لها بعد ~~ذلك أن تصل إلى غايتها المقصودة؟ لكن ما حيلة الإنسان ساعة الحرج؟ # استرجعت ذاكرتي هذه الصور وأشباهها عندما لعب الموج بسفينتنا «لعب الصوالج بالأكر» ~~(كما قال أحمد شوقي) فجاءت استجابتي أعجب مما توقعت لها؛ إذ مالت بي نفسي نحو أن أكتب ~~بدوري رسالة ألتمس لها زجاجة، ولكن لمن أكتبها؟ أكتبها لأخ مصري، هو أي مصري، وهو كل ~~مصري، وكان لهذا الاختيار ما يبرره، وهو أن كلمة حبيسة في صدري منذ سنين، لطالما أردت ~~لها الخروج إلى العلن؛ ولكن لا هي انبثقت من تلقاء نفسها رغم أنفي، بدفعة انفعالية من ~~تلك الدفعات التي عرفتها في نفسي طوال عمري، ولا أنا دبرت لها طريق الخروج، أو ربما كنت ~~أقرب إلى الصواب؛ إذ قلت إني كثيرا ما أخرجتها محجبة في ثنايا الكلمات، والجمل، ومع ~~ذلك فلتكن حقيقة الأمر ما تكون، وأهم من ذلك هو أني أخرجت ورقي وأمسكت بقلمي وأنا في ~~غرفتي من المركب، أميل معه حيث يميل، وأخذت أكتب: # أخي المصري في هذه المرحلة من تاريخنا، إن هذه الرسالة أكتبها إليك في جوف ~~سفينة يتربص بها الموت، فقد فغرت لها أواذي البحر أفواهها، وقد تبتلعها بمن ~~فيها، بضربة واحدة، وكذلك قد يريد لها الله نجاة فتنجو، ودعائي هو أن أتم هذه ~~الرسالة القصيرة إليك، وسوف أستودعها زجاجة كما فعل كثيرون غيري، فإذا بلغتك ~~كان خيرا، وإلا فقد شفيت نفسي من خاطرة تؤرقها منذ ms160 سنين، سأوجزها لك في ~~كلمتين، ثم أفيض فيها القول ما استطعت، وما سمحت لي السفينة وهي في محنتها، ~~وأما الخاطرة في إيجاز، فهي أن مصر لأول مرة في تاريخها الطويل قد عجزت عن ~~الإبداع الأصيل حضارة وثقافة، كما عجزت كذلك عن تمثل ما يبدعه الآخرون، ولم ~~يسبق لها قط أن أفلتت منها القدرتان معا في آن واحد، وتعليل ذلك قد يختلف ~~باختلاف الأفراد، لكنه - عندي - هو أن زمام عقولنا قد أمسكت به أيد لا تعرف ~~لها وجهة إلا الوراء، وليس لأصحابها من قوة الرئات ما يأذن لهم باستنشاق الهواء ~~البارد يأتيها من ناحية البحر، فنحن - من ناحية الحضارة والثقافة - أشبه بنا ~~نحن ركاب هذه السفينة، نترنح على حافة الموت، وطوق النجاة الوحيد هو أن يهدي ~~الله تلك الأيدي الممسكة بزمامنا العقلي، فتدير وجهها إلى أمام وتفتح النوافذ ~~والأبواب على مصاريعها ليدخل إلينا الهواء من جهة الشمال. # هل رأيت على طول التاريخ - يا أخي - إنسانا «تقدم» بخطوات إلى «الوراء»؟ هل ~~رأيت بين الكائنات الحية جميعا كائنا واحدا وضع له الله عينيه في قفاه؟ إننا ~~نريد مصر أن تتقدم، أليس كذلك؟ فتعال معي ننظر بنظرة فاحصة إلى هذه الفكرة ~~الهامة والبسيطة، وأعني فكرة «التقدم»، ثم نقارن ما نجده في معناها، بما يقوله ~~ويعمله كثيرون اليوم من أصحاب الصوت المسموع في دنيا الفكر والثقافة، إننا نقول ~~عن طالب العلم - مثلا - إنه تقدم في دراسته، إذا كان هو اليوم أغزر علما منه ~~بالأمس، ونقول عن مريض إنه تقدم في صحته، إذا كان في يومه أشد عافية منه عن ~~أمسه، ونقول عن أوروبا إنها تقدمت في القرن العشرين عما كانت عليه في القرن ~~العاشر، وهكذا تطرد معك جميع الأمثلة عن معنى «التقدم» لتلتقي كلها عند نقطة ~~واحدة، وهي أن تكون الحال في يومنا أفضل منها في أمسنا، على أننا نتحوط فنقول: ~~إنه قد يحدث أن يكون الإنسان في جانب من جوانب حياته على درجة معينة من ~~الارتفاع، ثم تصيبه نكسة فيهبط هبوطا حادا، لكنه يأخذ ms161 بعد ذلك في التقدم، ~~لكنه يظل رغم الخطوات التي تقدم بها، أقل مما كان عليه في أولى مراحله، ففي ~~موقف كهذا يجب علينا - عند المقارنة - أن نوازن لا بين الحالة الراهنة والحالة ~~التي سبقتها مباشرة، بل بينها وبين نقطة البداية التي نزعم لها ~~ارتفاعا. # وعلى ضوء هذا الذي قدمناه، نسأل: إذا كنا نريد حقا لمصر أن «تتقدم» وجب أن ~~نستهدف لها أن تكون اليوم أرفع درجة من أي مرحلة سابقة في تاريخها كله، وأن ~~نرفض رفضا حاسما أن يكون الماضي هو معيارنا الذي نقيمه أمام أبصارنا مثلا ~~أعلى لنحتذيه. فلا بد - لكي يتم للتقدم المنشود معناه - أن يكون علماؤنا اليوم ~~أعلى من علمائنا القدماء، وفقهاؤنا أفقه من الفقهاء الأقدمين، وكذلك قل في شتى ~~ضروب المعارف والفنون، فهل هذا هو ما يبثه فينا اليوم رواد الكلمة المسموعة ذات ~~الأصداء المدوية بين الجماهير؟ وما أدراك ما يومنا؟ إنه يوم يستطيع فيه صاحب ~~الكلمة أن يدخل على الناس جميعا بيوتهم، خلال قنوات جبارة حفرت في أجهزة ~~الراديو والتليفزيون. # ولست أريد للأقدمين وأعلامهم - إذا أردت ذلك - أن تصم عنهم الآذان وتدار لهم ~~الأكتاف، كلا، كلا، فلا أحياني الله ولا أنجاني من هذه العواصف التي ترج علينا ~~السفينة رجا وتدفعها إلى مهاوي الهلاك، بل الأقدمون هم الأجداد والآباء الذين ~~نحرص أشد الحرص على أن تكون سلسلة التاريخ موصولة بيننا وبينهم، وهي لا تكون ~~موصولة إلا إذا وقفنا في كل ميدان من ميادين الحياة موقفا يمكن تعقب خطواته ~~التي تطور بها من ذلك الماضي إلى هذا الحاضر، والفرق بعيد بين هذا القول وبين ~~قول آخر ينادي بأن يكون الأقدمون مثلنا الأعلى. # إن علة العلل في حياتنا العلمية والثقافية، وهي العلة التي أقعدتنا عاجزين عن ~~امتصاص حضارة عصرنا وثقافته، وذلك لأول مرة في تاريخنا الطويل، فما من حضارة ~~نشأت وارتفع بنيانها، إلا ونحن إما أن نكون المنشئين لها والرافعين لأركانها، ~~وإما أن يكون غيرنا قد أنشأها فتولينا نحن الارتفاع بها في إبداع مصري أصيل، ~~أقول إن العلة ms162 التي أعجزتنا هذه المرة، وأقعدتنا عن الاضطلاع بدورنا التاريخي ~~العظيم، هي أننا لبثنا في الفكر على منهج قديم، في حين أن حضارة العصر تتطلب ~~منهجا جديدا، وما أكثر ما ننخدع بالظواهر الحضارية الحديثة إذ نراها منتشرة ~~في أرجاء أرضنا، فنقول: انظر! ها نحن أولاء قد عاصرنا عصرنا إلى آخر صيحة فيه، ~~ويفوتنا الفرق الهائل الهائل الهائل بين أن تنشر الظواهر الحضارية على أرضنا من ~~حيث الكم، ثم لا تتبدل في كياننا العضوي خلية واحدة من حيث الكيف، فعندنا من ~~العلماء بدل العالم الواحد ما قد يبلغ عشرات الآلاف، في علوم الطبيعة والكيمياء ~~والرياضة وغيرها وغيرها، وعندنا المهنيون بعشرات الآلاف كذلك، أطباء ومهندسون ~~وغيرهم، وعندنا وعندنا، ولكن كل ما عندنا يتلخص (تقريبا) في الحفظ والتسميع، ~~وأبرع رجالنا هو من يتابع الجديد حفظا وتسميعا، فما الذي أدى بنا إلى ذلك ~~الموقف العجيب؟ الجواب عندي هو أن حضارة الغرب حين دقت علينا أبوابنا، وفتحت ~~علينا تلك الأبواب غير مستأذنة في الدخول، وفتحت لها المدارس والجامعات، وأرسلت ~~في سبيل تحصيلها البعثات في سيل لم ينقطع، أخذنا «نحفظ» هذا الوافد الجديد ~~حفظا؛ لأننا حافظنا على «المنهج» كما كان قائما في القرون الثلاثة السابقة ~~على هجمة الزائر الأوروبي الحديث، وتلك القرون الثلاثة السابقة هي على وجه ~~الدقة أظلم ما شهدته مصر في تاريخها العلمي، وكان السائد فيها هو ألا يزيد ~~«العلماء» شيئا على أن يحفظوا ما في بطون الكتب القديمة، والنابهون من هؤلاء ~~العلماء كانوا يضيفون إلى «الحفظ» شرحا لما حفظوه، مرة أخرى أقول: جاء العلم ~~الجديد إلينا عبر البحر، فقبلناه - أو اضطررنا إلى قبوله - لكننا ظللنا على ~~المنهج نفسه الذي كنا عليه قبل مجيء ذلك العلم الجديد، وأعني منهج الحفظ ~~والتسميع. # إنه لا رجاء لنا في تقدم مصر تقدما حقيقيا - يا أخي المصري - إلا أن ~~نستبدل بالمنهج القديم منهجا جديدا، خلاصته أن نواجه مشكلاتنا كما هي ماثلة ~~على أرض الواقع أو في سمائه، نواجهها لنقرأ تفصيلاتها على الطبيعة - كما يقولون ~~- حتى إذا ما شاهدنا ما ms163 شاهدناه وأجرينا في معاملنا من التجارب ما أجريناه، ~~تحددت طرق الحل لتلك المشكلات من وسائل الواقع ذاته، فالمشكلة كائنة في الواقع ~~الحي، وكذلك حلها يستمد من الواقع الحي، وأما إذا جعلنا ارتكازنا على حفظ ما في ~~الكتب وتسميعه، ثم اعترضتنا المشكلات على اختلاف أنواعها - علمية واقتصادية ~~واجتماعية وغيرها - لم نجد أمامنا من سبيل إلا أن نبحث عن الحل فيما حفظناه وما ~~نحن مستعدون لتسميعه. # أليس يلفت نظرك - يا أخي - أنه كلما اشتد حماسنا لإحياء ديننا الحنيف ~~وشريعته، كان أول ما يطالب به المطالبون - وربما كان هو كذلك آخر ما يطالبون به ~~- هو «الحدود» التي منها قطع يد السارق ورجم الزاني ... إلخ، فهل سمعت منهم أحدا ~~أراد أن يحيي الدين وشريعته، من ناحية أن ندرس ظواهر الطبيعة، والطبيعة هي «خلق ~~السموات والأرض» التي يأمرنا الكتاب الكريم أن نجعلها مدار التفكير، أي مدار ~~البحث العلمي المحقق الدقيق، لتبنى على نتائجه حياة جديدة، وهل العصر الحاضر ~~شيء غير هذا؟ # القرآن الكريم هو كتاب الله عند المسلم، والطبيعة بكل ظواهرها هي خلق الله، ~~فهل يكمل ديني إذا قرأت الكتاب الكريم، ولم أقرأ معه الكتاب الآخر، وهو هذا ~~الكون الفسيح بما فيه - ما استطعت إلى ذلك سبيلا - إنك قد تجد من علماء ~~المسلمين المجددين من يدعو الناس إلى هذا، وكأن المسألة منحصرة في دعوات ينادى ~~بها من المنابر، وإلا فلماذا لم يبدأ هؤلاء العلماء بأنفسهم، فيخرطون أنفسهم في ~~سلك الدارسين لجانب أو آخر من كائنات هذا العالم، في جماده ونباته وحيوانه؟ لقد ~~كنت سمعت من صديق لي، هو أحد هؤلاء العلماء المجددين، أن الإسلام يرحب بصعود ~~الإنسان إلى القمر (وكان ذلك الحديث عندما نزل أول رجل على سطح القمر) ثم ~~أنبأني صديقي ذاك أن فضيلة الشيخ ... الذي كان - رحمه الله - في طليعة الطليعة من ~~علماء الدين، قد قال في مسألة الصعود إلى القمر: أعطوني تذكرة أسافر بها في ~~صاروخ إلى القمر، تجدوني أول المسافرين، وهذا جميل منه بغير شك، لكني أقولها ~~مرة أخرى: إننا لا ms164 نريد للأمر أن يقف عند حد الكلام، فلو كنا جادين فيما ~~نقوله، لوجدت منا اليوم من يشتغلون بتلك العلوم وتطبيقاتها، جنبا إلى جنب مع ~~من يفعلون ذلك من بناة هذا العصر. # عندما أهل علينا القرن الخامس عشر الهجري، سألني سائل: كيف تريد للمسلم ~~الجديد أن يكون؟ فأجبته إجابة مستفيضة بما معناه أريد للمسلم الجديد في القرن ~~الخامس عشر الهجري أن يكون على غرار المسلم القديم في مستهل القرن الهجري ~~الأول، فإذا كان المسلمون الأولون قد انكبوا على كتاب الله الكريم قراءة ودراسة ~~- فلنأخذ عنهم في ذلك على الأغلب - بل ولنضف إليه ما وسعنا، ثم إلى جانب ذلك ~~فلنتجه - بمعظم جهدنا - لقراءة «خلق السموات والأرض»، كما أمرنا ربنا أن نفعل؛ ~~لأنه إذا كان الأولون قد صنعوا الكثير بالنسبة للكتاب الكريم فهم لم يصنعوا إلا ~~القليل بالنسبة إلى دراسة السموات والأرض، وإنني لأشعر بأنني عابد لله جل وعلا، ~~إذا قرأت كتابه، وعابد له سبحانه، إذا قرأت خلقه في الأرض وفي السماء، فعظمة ~~الخالق مسطورة بمداد خفي على صفحات الكون جميعا، وعلى العابد أن يفك الرموز ~~ليزداد بالله إيمانا على إيمان. # إن لكل امرئ ما نوى، والله أعلم بنيتي، ولست أجد ختاما لهذه الرسالة يا أخي ~~المصري، بل ويا أخي العربي، ويا أخي المسلم، أفضل من إعادة صرخة كنت صرختها قبل ~~هذا بقلمي، فقلت فيها: # هذه كلمة من القلب، أوجهها إلى أي مصري يصادفها، لأقول له: إنك أنت - يا أخي ~~- وأنا، وجارك، وجاري، ومن شئت من سائر عباد الله، هو آية من آيات الخالق - جل ~~وعلا - خلقه، وعدله، وسواه إنسانا، ليكون قبسا من نوره في هذه الدنيا، ~~وليكون مسئولا أمامه - سبحانه - يوم الحساب، فمهما يكن مقدارك بمقاييس الناس، ~~هنا، على هذه الأرض، فمقدارك عند الله، هو نفسه المقدار العظيم، الذي قسمه لمن ~~يحمل الأمانة بعد أن عرضت على السموات والأرض والجبال، «فأبين أن يحملنها ~~وأشفقن منها» فلو أدركت في نفسك هذه المنزلة السامية، عند من خلقك كما خلق ~~سواك ، أدركت الأعماق البعيدة البعيدة، ms165 التي تنطوي عليها تكبيرتك عند إقامة ~~الصلاة، وعند كل ركوع وسجود، الله أكبر، فليس غيره في هذا الكون الفسيح من هو ~~أكبر منك إلا هو، لقد قال المسيح - عليه السلام - لمن توارى استصغارا لنفسه، ~~ما معناه: لماذا تخفي سراجك تحت الغطاء؟ نعم، يا أخي، لقد أراد لك الله أن تكون ~~للنور، فلماذا تحجب عن الدنيا ما قد ألقى به ربك في قلبك من نور؟ إنه إذا خطرت ~~في رأسك فكرة صالحة، فأعلنها في الناس شعاعا شجاعا، لينضاف إليه شعاع وشعاع ~~وألف شعاع، ليصبح ذلك كله في حياتنا سراجا وهاجا يفيض بالنور، وإذا كان في ~~وسعك عمل تؤديه؛ فيصلحك ويصلحنا معك، فقم لساعتك وأنجزه، لينضم إليه عمل، وعمل، ~~وألف عمل، وإذا بأرضنا قد تبدلت غير الأرض، وإذا حياتنا قد تغيرت غير الحياة، ~~لا، لا تقل: ومن أكون أنا في هذا البحر، الزاخر من البشر، لا، لا تقل: إنني ~~عابر سبيل مع الغمار مغمور، لا تقلها، فأنت أنت خليفة الله في الأرض، حملت ~~رسالته لتؤديها، وليس هناك من هو أكبر، إلا ربك وربي، ورب العالمين! # تلك كانت رسالتي، كتبتها إلى أخي المصري، وخطر الموت محدق بالسفينة وراكبيها، والتمست ~~لها زجاجة استودعتها إياها، وأحكمت إغلاقها، وألقيت بها في المحيط، ترى هل تلقاها من ~~تلقاها؟ أو هي لا تزال تتأرجح مع الأمواج صاعدة هابطة في دنيا العدم؟ # | ثقافة السكون ... وثقافة الحركة # المصادفات فعلها عجيب، فكأنما الأحداث التي نطلق عليها اسم المصادفات نعني بهذه ~~التسمية أنها أحداث جاءتنا عمياء، فلم تكن تدري هي نفسها هل تقع أو لا تقع، وإذا هي ~~وقعت فأين تقع ومتى ولا على من من الناس تقع؛ أقول: كأنما تلك الأحداث التي نزعم لها ~~الحيرة والعمى، إنما هي في حقيقة أمرها مدبرة ومرسوم لها الطريق، ومحددة لها الأهداف ~~وكل ما في الأمر، هو أننا نحن البشر لا نعلم عن حقيقتها شيئا، ولو علمنا، لعرفنا ~~مصادرها ومساراتها وأهدافها. # ومن تلك المصادفات، أنني ذات يوم قريب، شغلت نفسي بسؤال ثم أخذت أبحث له ms166 عن جواب، ~~وكان السؤال هو: ما سر هذا الجمود الذي أمسك بأطرافنا، وكأنه سمر أقدامنا في مواضعها ~~من الأرض فلا تخطو إلى أمام؟ وما كنت لأسأل سؤالا كهذا، لولا أنني - في مثل هذا الأمر ~~- لا تخدعني ظواهر الأشياء عن بواطنها، إنك تنظر فترى ما حولك يعج بالحركة، فشوارع ~~المدينة غاصة بالمشاة والراكبين، ولا بد أن يكون لكل من هؤلاء غرض يسعى إليه، إذن فهو ~~في حركة نشيطة لا جمود فيها ولا ركود كما تظن أنت وتدعي؛ حتى ما جاء المساء، وجلست أمام ~~التليفزيون لتشهد الدنيا وأهلها وأحداثها، صدمتك ندوة يشارك فيها نخبة من علمائنا ومن ~~شبابنا، وإذا الموضوع الذي يحتد حوله الحوار ويحتدم هو الشوارب واللحى، هل نحفها أو ~~نتركها لتنمو على طبائعها، فعندئذ تدرك من هذا الذي يثقل صدور علمائنا وشبابنا بالهموم ~~كم يشل الجمود أطرافنا فلا نتحرك خطوة إلى أمام، برغم ما ملأ شوارع المدينة من ظواهر ~~النشاط والحركة. # وتنظر إلى الصحف والكتب التي تخرجها المطابع كل يوم فترى كلمات الكاتبين متدفقة أمام ~~عينيك أنهرا وبحورا، وليس هؤلاء الكاتبون بالمجانين الذي يدفقون المداد على الورق ~~بسنان أقلامهم كما اتفق، ثم يقولون للناس هاكم مقالة أو كتابا، بل لا بد أن يكون لكل ~~منهم ما يتدبره ويعنيه، لا، بل لا بد أن يكون كل منهم قد تأرق بما يزحم رأسه من معان ~~يريد تبليغها إلى الناس، حتى إذا ما قرأت أو سمعت وجدت بعض ما يشغلهم هو تعليم البنات، ~~أحلال هو أم حرام؟ وعمل المرأة أيجوز أم لا يجوز؟ نعم، إنك تنظر حولك فترى حركة ~~ونشاطا، ولكن شيئا ما يضربك آنا بعد آن ليوقظك من غفوتك، فلا تملك عندئذ إلا أن ~~تحس بأننا - بكل مقاييس التقدم في العالم الناهض - جامدون مسمرون عند مواضع أقدامنا حتى ~~ليتعذر عليك أن ترى فارقا حقيقيا بين عامة جمهورنا اليوم وعامة الجمهور كما كانت منذ ~~مائة عام، أيام محمد عبده، ومحمود سامي البارودي، وعبد الله النديم، وقاسم أمين، وإذا ~~كان ذلك كذلك فمن حقنا ms167 أن نسأل: لماذا؟ # هكذا كنت أسأل نفسي ذات يوم قريب، عندما زارني صديق عرفت فيه نموذجا نادرا، من حيث ~~قدرته البارعة على مزجه جد الأمور بهزلها. # قلت: من زمن لم نرك، فأين كنت؟ # قال ضاحكا: كنت أصعد الجبل. # قلت: جبل؟ أي جبل هذا الذي كنت تصعده، وقد أصبحت مثلي قعيدا أو كالقعيد؟ # قال: إنه جبل مرسوم على ورق. # قلت: قص علي قصتك، فهزلك يمتع مثل جدك. # قال: أخذني الملل حينا، فاهتديت في مكتبتي إلى خريطة مكبرة لجزء من جبال الألب في ~~الشمال الإيطالي، وهو جزء من الجبل يجذب إليه هواة الصعود، فنشرت الخريطة أمامي، وأمسكت ~~بقلم، وأمعنت النظر فيما هو منشور أمامي، فما أنا إلا وكأني، بالخيال الناصع، أمام ~~الجبل الحقيقي بصخوره، ووديانه وأشجاره وثلوجه، فأخذت أصعد السفح كما يفعل الهواة، وكل ~~عدتي خيال وقلم يشير إلى مواضع قدمي صخرة صخرة، كان يمكن أن أتعجل الأمر فأقول: ها أنت ~~ذا قد بلغت القمة، لكنني تريثت ممعنا في كل خطوة أخطوها أحس الصعاب كما يحسها صاعد في ~~الحقيقة، وإذا بلغت شقا في صخور الجبل، أخذني خوف من يخشى السقوط إلى القاع السحيق، ~~وهكذا قضيت ساعات طوالا، وعلى أيام متواليات، حتى أتممت الصعود، ولقد ساعدني على تلك ~~الرحلة الخيالية العجيبة دقة الخريطة في رسم تفصيلات الجبل، فلم يعد فرق بين الصورة ~~والجبل المصور إلا في الحجم. # قلت: ألا إنه لفتح من الله؛ هات لي يدك أصافحها مصافحة الشكور. # قال: ما هذا الذي تقوله؟ فتح من الله، لمن؟ وشكر، على ماذا؟ # قلت: لقد حللت لي بحديثك هذا لغزا كنت أشغل نفسي بحله، عندما جئت. # قال: إذن جاء دورك في الحديث، إنني منصت لما تقول. # قلت: شغلت بسؤال عن حياتنا، ما الذي جمدها فلم تعد تخطو خطوة إلى الأمام، برغم ما ~~قد يخدع عين الرائي من حركة ونشاط، كنت أبحث عن السر، وكنت لأمر ما، أحوم حول اللغة ~~التي نكتب بها ما نكتبه، ونذيع بها ما نذيعه؛ إذ كنت أشعر شعورا غامضا أن علة ms168 فقرنا ~~الفكري تكمن في اللغة كما نستخدمها وكما نفهمها، لكنني لم أضع أصابعي على موضع الداء، ~~إلا بإيحاء من روايتك التي رويتها عن صعودك للجبل فوق الورق. # قال: كيف كان ذلك؟ وضح. # قلت: لو كانت اللغة كما نستخدمها، وكما نفهمها، محكومة بالواقع في تفصيلاته، لكانت كل ~~عبارة منها بمثابة خريطة يسير على هداها السائرون، كان سؤالي الذي طرحته على نفسي هو: ~~لماذا نكتب لنغير وجه حياتنا، فلا يتغير منها شيء؟ والآن قد وجدت الجواب، وهو أننا ~~نكتب على نحو يؤكد السكون ولا يبعث على الحركة، وحتى إذا وجدنا بين أيدينا ما كتب ~~ليحرك، قرأناه قراءة السكون. # قال صاحبي ساخرا: وضح يا أخانا وضح! # قلت: أنت تعلم أن اللغة التي يستخدمها الإنسان - منطوقة أو مكتوبة - هي بمثابة عقله ~~ووجدانه قد ظهرا في عالم الأشياء بعد أن كانا كامنين، فاللغة هي حقيقة ذلك الإنسان وقد ~~أصبحت مجسدة ظاهرة، في صوت يتموج مع الهواء، أو في كتابة مرقومة على ورق، وأذن المتلقي ~~في الحالة الأولى هي التي تسمع، وعينه في الحالة الثانية هي التي ترى، ومعنى ذلك هو أنك ~~إذا وجدت في لغة المتكلم أو الكاتب خصائص تميزه، كانت تلك الخصائص هي نفسها ما يميز ~~حقيقته الباطنية من عقل ووجدان. # ولو أمعنت النظر فيما يقوله الإنسان أو يكتبه، لرأيت صنفين مختلفين من العبارة ~~اللغوية: فصنف منهما يتمثل في العبارة التي تصل إلى المتلقي، فتمده بمعرفة معينة، لكنها ~~لا تحمله على أن ينشط بعمل ما، كأن تقول لصديق لك ساعة لقائه: إنني سعد بلقائك، فيسمع ~~صديقك منك هذا التقرير الذي تصف به نشوتك الباطنية في لحظة اللقاء، لكنه موقف إدراكي لا ~~يترتب عليه أن يؤدي صديقك عملا، وأما الصنف الثاني من عبارات اللغة، فهو صنف من شأنه ~~أن يحرض المتلقي على فعل يؤديه، كأن تقول لصديقك ذاك الذي التقيت به إن غبارا علق ~~بردائه، فلا يكاد يسمع منك ذلك حتى يسرع بحركة يزيل بها ذلك الغبار. # وليست كل المواقف بهذه الدرجة من البساطة والوضوح، ms169 إذ قد تكون حقيقة الموقف اللغوي ~~بين المتكلم وسامع، أو بين كاتب وقارئ، على درجة من الخفاء والإضمار، ثم يأتي صاحب ~~التحليل فيصب فاعليته التحليلية على المركب اللغوي الذي يتناوله بالدراسة، فيكشف له ~~تحليله ذاك إن كان ذلك المركب اللغوي من الصنف الذي يتلقاه من يتلقاه، فلا يجد نفسه ~~مدفوعا إلى فعل يؤديه، أو كان من الصنف الثاني الذي من شأنه أن يحرك المتلقي إلى عمل ~~ما. على أن الأمر في هذه التفرقة لا ينحصر في المقارنة بين جملة من هذا النوع وجملة ~~أخرى من ذلك النوع، ولو كان الأمر كذلك لما اهتممنا به لكن هذه التفرقة قد يتسع مداها ~~ويتسع حتى يشمل كاتبا وكاتبا آخر في جملة ما يكتبانه، بل إنه ليتسع حتى يشمل ثقافة ~~بأسرها لشعب معين، مقارنة بثقافة أخرى لشعب آخر، وها هنا بيت القصيد. # فإذا قارنت مجمل القول الذي قيل أو كتب في مصر خلال الثلث الأول من هذا القرن، بمجمل ~~القول الذي نذيعه اليوم نطقا أو نثبته كتابة، وجدتني أحس بأن ذلك المجمل في الحالة ~~الأولى كان من شأنه أن يحفز المتلقي إلى حركة يؤديها بينما المجمل في الحالة الثانية ~~يقف بالمتلقي حيث هو؛ لأنه لا يرى نفسه مدفوعا إلى عمل يؤديه، ونضرب مثلا آخر على ~~نطاق أوسع مرحلتين من التاريخ الفكري في الأمة العربية، إحداهما أربعة قرون امتدت من ~~ظهور الإسلام إلى نهاية القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) والأخرى أربعة قرون ~~امتدت من القرن العاشر الهجري إلى الرابع عشر (السادس عشر الميلادي إلى العشرين)، فهنا ~~كذلك نرى الفرق واضحا بين حياة ثقافية كانت في مجملها تحرك أصحابها إلى ضروب من النشاط ~~مختلفة، في الحالة الأولى، وحياة ثقافية في الحالة الثانية، قد تعج بحركة الأجساد ~~وبالصراخ والضجيج، لكنها من الوجهة الفكرية تترك أصحابها في مواضعهم لا يتقدمون، إذا لم ~~نقل إنهم في أحيان كثيرة يدوسون أرضا زلقة فينكفئون إلى وراء. وأستأذن القارئ في ذكر ~~حقيقة عن شخصي وما أشعر به، عندما أقارن حالتي المحصلة من ms170 جملة ما أقرؤه مما يكتبه ~~أعلام الفكر في أوروبا وأمريكا، بحالتي المحصلة من جملة ما أقرؤه لأعلام القلم في الأمة ~~العربية بصفة عامة؛ إذ أجدني في الحالة الأولى وكأنني أستيقظ من سبات، أو أنتبه بعد ~~غفوة، وأما في الحالة الثانية فأحس بأنني أقرب إلى وقدة تنطفئ، واندفاعة تخمد، ورجاء ~~يخيب. # ولنعد إلى مصر بين مرحلتين: الثلث الأول من هذا القرن والمرحلة التي نجتازها اليوم، ~~ففي الفترة الأولى، من ذا يقرأ للشيخ محمد عبده ولا يجد في نفسه بعد ذلك ميلا نحو أن ~~يضع عقيدته تحت ضوء يظهر ما بينها وبين العلم الحديث من وشائج القربى، ومن ذا يقرأ ~~لقاسم أمين ولا يجد نفسه بعد ذلك وقد ازداد إيمانا بحق المرأة في التعليم وفي العمل، ~~ومن ذا يقرأ لأحمد لطفي السيد، ولا يكتسب بعد ذلك إيثارا للعقل على العاطفة والهوى، ~~عندما يكون مجال النظر مشكلة تمس السياسة أو التعليم أو ما إلى ذلك من شئون الحياة، ومن ~~ذا يقرأ لطه حسين ولا تشتد به الرغبة في أن تتحقق للإنسان العربي صيغة للحياة جديدة، ~~تندمج فيها الهوية العربية بمقومات الرؤية العصرية، ومن ذا يقرأ للعقاد ولا يجد نفسه ~~مدفوعا إلى هدف يحقق له فرديته الحرة المستقلة التي لا تنطمس معالمها أمام جبروت ~~خارجي، لكن انظر إلى ما نقرؤه اليوم، ماذا يفعل بك سوى أن تحمد الله على لقمة العيش إذا ~~وجدتها. # أريد للقارئ أن يفرق ين ضربين من النشاط والحركة، فهناك ذلك الضرب المألوف المعتاد ~~المكرر كل يوم على طريق ممهد مدقوق بأقدام السائرين، وأعني به تلك الحركة التي ينشط بها ~~الإنسان في أدائه لواجباته اليومية، والتي هي حركة قوامها عادات تكررت مع صاحبها حتى ~~صيرته كالآلة، يؤدي ما يؤديه وهو سارح الفكر مغمض العينين، كالزارع يحرث أرضه ويرويها، ~~وكالصانع يسوي الخشب ويقطعه ليجعل منه بابا أو نافذة، وكربة البيت تنظف البيت وترتبه ~~وتطهو الطعام، وكسائر العاملين حيث تكون الحياة رتيبة تجيء في يومها كما جاءت في أمسها ، ~~فمثل هذه الحياة لا ms171 فضل فيها لإنسان على حيوان، بل إن العكس يجوز أن يكون هو الصحيح؛ إذ ~~أين تجد الإنسان الذي تبلغ حياته العملية الرتيبة المكررة، في دقتها دقة النحل في ~~خلاياه ودقة النمل في بيوته، ودقة الطير في أعشاشه، في مثل هذه الحياة العملية الحيوية ~~قد يخطئ الإنسان سبيله، لكن الحيوان لا يخطئ. # ذلك - إذن - ضرب من الحركة التي ينشط بها الإنسان في أدائه لواجباته يوما بعد يوم، ~~لكنه ليس هو الضرب الذي نعنيه حين نأخذ على حياتنا الحاضرة ركودها وخمودها وعمقها ~~ومواتها، وأما الضرب الآخر، فهو ذلك الذي تراه حين يكون المجتمع فائرا بقوة الشباب ~~وفتوته، يلقي بنفسه في المجهول مغامرا حتى يرفع عن ذلك المجهول غطاءه الذي يخفي ~~حقيقته وطبيعته. إن روح المغامرة حين تشيع في جماعة ناهضة طامحة، إنما تعلن عن وجودها ~~في شتى الميادين؛ فهي بادية في طموح العلماء والباحثين، وهم يسعون - كل في مجاله - ~~نحو إضافة جديدة يضيفونها إلى العلم، وعندئذ لا تجد ذلك النوع من الرجال الذين نطلق ~~عليهم صفة العلماء، حين يكونون في حقيقتهم تلاميذ كبارا حفظوا الدروس ليلقوها على ~~الدارسين محاضرات أو مذكرات، أقول إن روح المغامرة حين تشيع في جماعة طامحة تراها بادية ~~في ألف صورة وصورة، فهي بادية في شباب يركب الصعاب ليحقق المحال، فهو يجوب البحر ويرتاد ~~الصحراء ويصعد الجبال؛ وإني لأعجب وتأخذني الحسرة، كلما تابعت شباب الغرب في طموحهم ~~الجريء، فمنهم من يغوص في البحر أياما بعد أيام ليرسم بدقة بالغة آثارا غارقة في ~~البحر منذ آلاف السنين، ومنهم من يعبر المحيط وحيدا في مركب صغير يعده لنفسه بنفسه، ~~ومنهم من يلف كوكب الأرض ماشيا على قدميه، ومنهم من ينفق أعواما في غابة استوائية ~~ليرقب صنفا معينا من الحشرات أو الزواحف أو الطيور إلى آخر تلك المغامرات إذا كان لها ~~عند هؤلاء الطامحين آخر، والأمثلة التي سقتها ليست من خيالي، ولكنها جزء مما تابعت ~~حدوثه في صيف واحد، بل وأضيف إليها مثلا آخر كان فريدا في نوعه، وهو أن القائمين ms172 على ~~التعليم في بريطانيا أخذوا في اختيار عدد من الدارسين الممتازين من طلاب المدارس ~~الثانوية، ليرسلوهم في رحلة تدريبية إلى منطقة القطب الشمالي مكلفين بالقيام ببحوث ~~استكشافية محددة، يجرون فيها على نهج المستكشفين الكبار، أقول إني لأعجب وتأخذني الحسرة ~~كلما تابعت مغامرات الشباب في الجماعات الطامحة لأني لا أملك في كل حالة إلا أن أرتد ~~بعين خيالي إلى شبابنا في معظمه، لأراه في ضعف ومسكنة منكمشا باهتماماته في تفاهات، ~~كأن يشغل نفسه بشوارب الرجال ولحاهم، متى تقص ومتى ترسل، وإذا قصت فكم مليمترا يبقى ~~منها، وإذا أرسلت فإلى أي الحدود. هما ضربان مختلفان من الثقافة والتثقيف، ضرب منهما ~~يميل بالناس إلى السكون والقعود والركود، والضرب الآخر يحث الناس على الحركة والمغامرة ~~والكشف عن الجديد، الضرب الأول ينتهي بأصحابه إلى مواقع التبعية الذليلة الضعيفة ~~الفقيرة المريضة، والضرب الثاني لا يدع أصحابه إلا وهم يشقون جلاميد الصخر صعودا إلى ~~الذرا: علما وأدبا وفنا وريادة وسيادة وثراء. وهل نعجب بعد هذا إذا رأينا أولئك ~~الطامحين المجاهدين المغامرين الكاشفين المنتجين، أحرارا في أوطانهم فلا انقلاب من أجل ~~الحكم، ولا اغتصاب، ولا اعتقال لمن يعارض ولا تعذيب ولا اختفاء للمتمردين في قبور تجمع ~~بقاياهم ألوفا ألوفا، وذلك لأنهم مشغولون بالبناء والكشف والإنتاج، وأما الهدم ~~والتخريب والجهل والرجوع إلى الوراء لياذا بالماضي ليحميهم من قسوة الحاضر، فأمور ~~متروكة لمن دب في أرواحهم هزال اليأس والضعف والمرض. # وبين أيدينا قرآن كريم لو عشناه لكانت الحرية لنا، والريادة لنا، والعدل فينا، وكل ~~مقومات الكرامة والرفعة والطموح البناء في نفوسنا. ولكن السؤال هو: كيف نعيشه؟ إننا ~~نقرؤه، نعم، ولكن هل نحياه؟ سأضرب لك مثلا واحدا أوضح به ما أريده. # وقفت طويلا طويلا عند الآيات الكريمة التي تقول: ~~... ألم ~~نجعل له عينين * ولسانا وشفتين * ~~وهديناه النجدين * فلا اقتحم العقبة * وما أدراك ما العقبة * فك رقبة ~~* أو إطعام في يوم ذي مسغبة * ~~يتيما ذا مقربة * أو مسكينا ذا متربة ~~... # فارتسمت في ذهني صورة مؤداها أن الحرية والعدل واجبان على المسلم بحكم ms173 ~~الكتاب، فالمعنى كما استخلصته هو هذا: إننا جعلنا للإنسان وسيلة يدرك بها الحق ووسيلة ~~يعبر بها للآخرين عن الحق الذي رآه، وهديناه ليرى صعوبتين تقفان في طريقه لكي يذللهما ~~ويقهرهما، لكنه وقف أمام تلك العقبة لا يحاول اقتحامها، وما هي العقبة التي نشير إليها، ~~هي أن تحرر من قيدت حريته وأن تطعم من حالت الظروف دون إطعام نفسه وأن ترعى من فقد ~~الوالد الذي يرعاه. # فالمحوران الرئيسيان هنا اللذان يحققان الحياة الكريمة، هما: أن يكون الناس أحرارا، ~~وأن تقوم بينهم عدالة اجتماعية تقضي بالتعاون بين أفراد الجماعة تعاونا لا يهمل معوزا ~~ولا ضعيفا عاجزا، لكن تحقيق ذينك المحورين ليس بالأمر اليسير؛ لأن في الإنسان من ~~غرائز الحيوان ما يميل به نحو التملك الذي يسلب من الآخرين حرياتهم، ونحو النهم الذي لا ~~يشبع حتى ولو حرم الآخرون، فتلك عقبة كامنة في غرائز الإنسان، ولا بد من تذليلها ~~بالتربية التي تجعل الرجحان في طبيعة الإنسان، للحرية له وللآخرين، وللعدالة ~~الاجتماعية، تقام بينه وبين الآخرين. # فهل يمكن لمسلم أن يعيش هذه الأسس ويحياها، ثم يسكت عن طغيان يسلب الناس حرياتهم، ~~ويغض بصره عن تفاوت بين الأفراد، تفاوتا يبيح أن يكون إلى جوار الجائع من يملك ~~الملايين؟ ليست المسألة هنا متروكة لاختيارنا، فإما جاهدنا نحو تحقيق الحريات وإما ~~سكتنا. كما أنه ليس متروكا لاختيارنا، فإما أقمنا عدالة بيننا وإما صرفنا عنها النظر. ~~بل الأمر هنا أمر عقيدة دينية تأمر وعلينا التنفيذ. تلك هي الصورة التي خرجت بها من تلك ~~الآيات الكريمة، لكنني أردت الرجوع إلى المفسرين لأرى ماذا يقولون، وإذا بي أجد تفسيرا ~~يصعب على عقلي قبوله، فأولا هو تفسير لا يستند إلى معاني الألفاظ التي أمامنا، وثانيا ~~- وهو المهم - هو تفسير ينتهي بنا إلى حياة السكون الخامد، لا إلى حياة الحركة الطامحة ~~إلى رفعة الإنسان وكرامته، فقيل في النجدين إنهما طريق الخير وطريق الشر، فمن أين تأتي ~~هذه التفرقة وكلاهما نجد، أي أن كلا منهما بمثابة المرتفع من الأرض الذي يقف حائلا ~~في ms174 طريق السائر، وكيف يتسق المعنى مع قوله تعالى بعد ذلك مباشرة «فلا اقتحم العقبة» ~~على أن الذي نريد لفت النظر إليه هنا بصفة خاصة، هو السؤال: وما أدراك ما العقبة، ثم ~~التعقيب على السؤال بما يجيب عنه، وهو أن العقبة التي لا بد من تذليلها هي أن الإنسان ~~الذي يتحكم في الرقاب يجب أن يفك تلك الرقاب، والإنسان الذي يملك الثراء يجب أن يؤخذ من ~~ثرائه لأجل الآخرين، لكن ماذا يفيدنا أن يقول لنا المفسرون إن العقبة هي جبل في جهنم، ~~ومن أين يأتي هذا المعنى، والذي أمامنا هو كلمة عقبة ثم توضيحها الذي ورد بعدها، وهو أن ~~العقبة هي أن نطلق للناس حرياتهم، وأن نقيم بيننا وبينهم تعاونا. # بين أيدينا كتاب كريم، إذا عشناه كنا نحن الأحرار، وكنا نحن العادلين، وكانت ~~حياتنا آخر الأمر هي الحياة القوية الوثابة الطموح. # | جاهل بالسياسة يتحدث عنها # أما الجاهل بالسياسة الذي - رغم ذلك الجهل - يجعلها موضوعا للحديث، فهو أنا فلست من ~~دنيا السياسة في كثير أو قليل، إنني - بالطبع - أعيشها كما يعيشها الملايين، لكنني لا ~~أملك القدرة على «تنظيرها»، فأنا أعيشها بمعنى أنني كسائر الناس، أنعم، أو أشقى ~~بالحوادث كما تجري، لكن ذلك لا يعني أنني أستشف تلك الحوادث لأرى وراءها كيف تجمعت أو ~~تفرقت لتنتج ما أنتجته، نعيما للناس في حياتهم العملية أو شقاء، وهل كان يمكن - ~~مثلا - ألا يشقى مصري بنتائج حرب 1967م، وألا ينعم بنتائج حرب 1973م. هكذا تتجمع ~~الحوادث أو تتفرق أمامي، كما يتجمع السحاب فجأة أو ينقشع فجأة، لكن رجال الأرصاد الجوية ~~هم الذين يعرفون لماذا حدث ما حدث، وماذا كانت مقدماته وماذا سوف تكون نتائجه، أما أنا ~~وأمثالي من سائر الملايين فيفاجئه المطر إذا نزل، وينعم بالشمس إذا أشعرته بالدفء في ~~فصل الشتاء. # الفرق بعيد بين أن يعيش الإنسان العادي ظاهرة ما، وبين العالم حين يستخرج من تلك ~~الظاهرة ما يكمن فيها من نظرية وقانون، فكلنا يعيش «الماء» يشربه، ويطهو به طعامه، ~~ويغسل به ثيابه ، لكن العلماء ms175 وحدهم هم الذين يعرفون مم يتركب الماء، وكلنا يتنفس ~~الهواء برئتيه، ويمشي على رجليه، ويهضم الطعام بجهازه الهضمي، لكن عالم وظائف الأعضاء ~~وحده هو الذي يعرف ماذا يحدث للرئتين إذ هما تتنفسان، وكيف تعمل عضلات الرجلين وما ~~هنالك من عظام ومفاصل، وعلى أي نحو تعمل المعدة والأمعاء حين يتم للإنسان هضم طعامه ... ~~ومثل هذه الفوارق، بين أن يعيش الإنسان إحدى حالاته البدنية أو العقلية، وبين أن يتناول ~~العلم تلك الحالات نفسها بالتحليل العلمي والتنظير. # وهذا الذي قلناه لنفرق به بين ممارسة الإنسان لحياته العملية في شتى أوضاعها من جهة، ~~وأن يستخرج العلماء منها «علما بنظرياته وقوانينه من جهة أخرى» أمر معروف، أو قل إن ~~معرفته لا تزيد عن معرفة الحروف الأبجدية إلا قليلا، ومع ذلك فقد صادفت موقفين منذ عهد ~~قريب، وجدت فيهما أعلاما في الدراسة العلمية، وأعلاما في الإبداع الفني، يتحدثون كما ~~لو كانوا يجهلون كل شيء عن تلك التفرقة بين الموقفين، فمنذ عهد قريب امتلأت أعمدة ~~الصحافة الأدبية بما أسموه الفلسفة ورجل الشارع، وأسهم في الحديث من يجوز له أن يسهم ~~فيه ومن لا يجوز له ذلك الإسهام لأنه لم يؤهل له، وكان مما لفت النظر حقا أن نقرأ ~~لبعض الأعلام في ميدان الدراسة الفلسفية، ما يفيد بأنهم يرون ضرورة أن يشارك رجل الشارع ~~في الفلسفة لسبب عندهم بسيط، وهو أن رجل الشارع «يعيش» فلسفته! ومنذ عهد قريب كذلك، ~~سمعت بعض الأعلام في مجال الإبداع الفني، يقولون ما معناه إن انعكاس البيئة المحلية في ~~عمل الفنان، أمر ليس بذي بال؛ لأنه أمر مفروغ منه، ولماذا هو عندهم مفروغ منه؟ الجواب ~~عندهم هو أن الفنان ورجل الشارع على حد سواء، «يعيشان» تلك البيئة، فالذي يجب أن ~~يمتاز به الفنان، هو أن يجاوز تلك البيئة لكي يصبح «عالميا»، وهكذا فات هؤلاء الأعلام ~~في الحالتين ذلك الفرق البعيد بين أن «يعيش» الإنسان حالة معينة، أو ظاهرة بذاتها، وبين ~~أن يخرج العالم ما يخرجه من تلك الحالات والظواهر «علوما»، أو أن يخرج ms176 الفنان منها ~~ضروب الفن جميعا. # لقد استطرد بنا الحديث، وكان موضوعنا الذي بدأنا به، هو ذلك الفرق بين أن «أعيش» ~~الحوادث الجارية، وأن أنعم بها وأن أشقى، وبين أن يكون لي القدرة على «التنظير» السياسي ~~الذي يخرج من تلك الحوادث نفسها ما قد أدى إلى حدوثها، وما لا بد أن ينتج عنها، ولقد ~~قررت عن نفسي في فاتحة هذا الحديث، أنني وإن كنت أعيش مع الناس أحداث حياتنا الجارية، ~~بنعيمها وشقائها، فلست بذي قدرة على عملية التنظير العلمي في مجال السياسة. # ولقد مررت في حياتي بخبرات مسست فيها مجال السياسة مسا رقيقا، جعلني أحمد الله ~~حمدا كثيرا على أنني نجوت من الخوض في تلك اللجج الرهيبة، وأقل ما أقوله في هذا ~~الصدد، هو أن رجال السياسة ينهجون في عملهم - وربما في حياتهم العملية كذلك - نهجا لم ~~يخلق له عقلي، فقد حدث في أوائل سنة 1946م أن اجتمعت هيئة الأمم المتحدة في أول اجتماع ~~لها بعد إنشائها، عقب الحرب العالمية الثانية مباشرة، بمدينة لندن؛ لأن مبناها في ~~نيويورك لم يكن قد تم إعداده، ثم حدث لإحدى الدول العربية ألا يكون لها من أبنائها من ~~سمحت الظروف بإرساله إلى لندن لحضور ذلك الاجتماع، إلا ثلاثة أعضاء، ممن يصلحون ~~لتمثيل بلدهم في اللجان المختلفة، وكان عدد تلك اللجان ستا، فأرسلت سفارة تلك الدولة ~~إلى السفارة المصرية بلندن، تطلب منها - إذا أمكن - اختيار ثلاثة مصريين من الموجودين ~~في إنجلترا، ليكونوا أعضاء في وفد تلك الدولة في أول اجتماع لهيئة الأمم المتحدة، وكان ~~أن اختارتني سفارتنا مع زميلين آخرين، ولبث انعقاد الهيئة الدولية ستة أسابيع، رأيت ~~خلالها مكنة السياسة كيف تعمل وهي في أعلى مستوياتها، وذلك أن ألمع النجوم في دنيا ~~السياسة من أرجاء الأرض جميعا، كانوا حاضرين، فكانت تلك هي المناسبة الأولى - وربما ~~كانت الأخيرة كذلك - التي «تفرجت» فيها على «السياسة» وهي على مقربة من بصري ~~وسمعي. # فماذا رأيت؟ إني لأطلب المعذرة والمغفرة ممن جعلوا السياسة عملا يرتزقون منه، أو ~~يسعون إلى المجد عن ms177 طريقه؛ لأن تلك «السياسة» كما رأيتها في ألمع نجومها يومئذ، لم تزد ~~في رأيي عن براءة الحواة، لأنه إذا أشكل على الحاضرين أمر، بحيث اختلفت في شأنه الدول - ~~وخصوصا القوية منها - فإن السعي كله إنما ينصب على إيجاد «صيغة» يرضى عنها الجميع، ~~فليس الذي حلوه بسعيهم هو المشكلة نفسها كما هي قائمة على أرض الواقع، بل هو الصيغة ~~اللفظية التي يرضى عنها جميع الأطراف، وجميع الأطراف إنما رضيت لأن الصيغة التي انتهى ~~إليها التفكير السياسي، لا تلزم أحدا بشيء! # وقد استمعت ذات يوم منذ أعوام قلائل، وبمحض المصادفة، إلى حديث في الإذاعة ~~البريطانية، أجراه مذيع مع لورد كارادن، وهو الذي صاغ لمجلس الأمن سنة 1967م، بعد حرب ~~العرب وإسرائيل، القرار رقم 242 الذي رضي به العرب - أو معظمهم - وإسرائيل معا، ومع ~~ذلك فنحن نعلم أنه هو نفسه القرار الذي لم يحل من المشكلة العربية الإسرائيلية شيئا ~~إلى اليوم، أقول إني استمعت إلى ذلك الحديث، وفيه سأل المذيع لورد كارادن: كيف وصلت ~~إلى صياغة ذلك القرار؟ فأجاب اللورد بما معناه: كان الأمر يسيرا، فقد سألت الجانب ~~العربي: ماذا تريدون؟ فقالوا: نريد الأرض، وسألت الجانب الإسرائيلي: ماذا تريدون؟ ~~فقالوا: نريد تأمين حدودنا، وبهاتين الإجابتين صنعت القرار، فأحد بنوده يطالب بعودة ~~الأرض المحتلة إلى أهلها، وبند آخر من بنوده يطالب بضرورة أن تكون حدود إسرائيل آمنة، ~~لكننا نسأل: أين هي - إذن - براعة السياسي البارع في هذا؟ والجواب هو أنه عرف كيف يصوغ ~~ألفاظ القرار صياغة يوافق عليها الطرفان، لكن هل حلت تلك الصيغة «البارعة» شيئا من ~~مشكلتنا كما هي قائمة على أرض الواقع؟ لا، لم تستطع ذلك، فقد وجدت فيها إسرائيل من ثقوب ~~متعمدة، يمكن أن تقول على أساسها إن المنصوص عليه هو أن تعيد «أرضا» حتى ولو كانت ~~مساحتها شبرا مربعا، وكان الظن عند الجانب العربي هو أن إعادة الأرض المحتلة إلى ~~أهلها، لا تحتمل إلا معنى واحدا، هو أن تعاد «كل» الأرض المحتلة. # ومن العجيب أن رئيس وزراء بريطانيا السابق، هارولد ms178 ولسن ، وقد كان زعيما لحزب العمال، ~~زار إسرائيل ولم يكن حينئذ في الحكم، فسئل هناك - ولعل ذلك السؤال قد جاء بعد اتفاق ~~سابق - سئل: هل تعني عبارة إعادة الأرض الواردة في القرار رقم 242، كل الأرض أو بعض ~~الأرض؟ فأجاب بقوله: لو كنا نعني كل الأرض لقلنا ذلك في القرار. # وتلك هي براعة السياسة كما يراها أصحابها، فتبقى المشكلات على حالها، وتنجح السياسة! ~~على غرار أن يقال في المجال الطبي: نجحت العملية الجراحية، ومات المريض. إنني خلال ~~الأسبوعين الماضيين، تابعت في الإذاعة البريطانية حلقات من مسلسل فكاهي، اسمه «نعم يا ~~وزير» (ولاحظ أن «الوزير» في هذا العنوان لم تسبقه كلمة للسيادة، فلم يجعلوا الاسم نعم ~~يا سيادة الوزير)، وهذا الاسم مشتق من أن الأمين في مكتب الوزير لا يجيب على شيء يقترحه ~~الوزير إلا بهذه العبارة «نعم يا وزير»، والمسلسل كله نقد حاد للوزارة، والحق أني لا ~~أعرف كيف كان مثل هذا النقد الجارح جائزا في الإذاعة، لكن هذا هو ما سمعته، والمهم ~~الذي أردت ذكره هنا، هو أنني سمعت في الحديث شخصين يتجادلان، ووردت فكرة «الدبلوماسية ~~البريطانية» التي عرفت بالبراعة، ما هي؟ فقال قائل منهما: هي أن نحطم ما هو سليم، ~~فجادله زميله في ذلك، مطالبا إياه بضرب المثل، فأجابه بأن ضرب له مثلا دخول بريطانيا ~~في الجماعة الأوروبية لتخريبها وإثارة العداوة بين أعضائها، فاعترضه زميله قائلا: إذا ~~كانت بريطانيا قد أرادت تخريب المجموعة، فلماذا دخلتها بادئ ذي بدء، فأجابه: دخلتها ~~لتخربها، فأنت لا تستطيع تخريب شيء وأنت بعيد عنه؟ فأعاد زميله السؤال مصطنعا الدهشة: ~~ولكن لماذا؟ فأجابه: لكي تكون هناك لبريطانيا تلك الدبلوماسية البارعة التي عرفت بها ~~خلال فترة طويلة من تاريخها. # إنني لأعترف بكل صدق أنني كثيرا ما حاولت مع نفسي، أن أحدد المعنى المقصود بكلمة ~~«سياسة» فلم أجد لنفسي جوابا مقنعا، وابدأ معي بما يسمونه بالسياسة الداخلية، فابحث ~~الأمر ما شئت، وافحص ما شئت، فلن تجد أمامك إلا مشكلات معينة مطروحة أمامنا تريد لها ~~حلولا، لكن تلك ms179 الحلول لن تكون أبدا عند «السياسي» إنما هي دائما عند رجل العلم في ~~كل ميدان على حدة، فإذا كانت المشكلة اقتصادية فحلها عند علماء الاقتصاد، وإذا كانت ~~مشكلة في التعليم، فحلها عند علماء التربية، وإذا كانت مشكلة تتعلق بالحالة الصحية، ~~فحلها عند علماء الطب بجانبيه الوقائي والعلاجي، وهكذا وهكذا، فإذا تولى العلماء في ~~ميادين اختصاصاتهم حل المشكلات التي تعرض لهم في تلك الميادين، فماذا يبقى ل «السياسي»؟ ~~ذلك عن السياسة الداخلية، وأما ما يسمونه بالسياسة الخارجية، فقرارات يتخذها «الكبار» ~~أو لا يتخذونها، وفي عباءة هؤلاء، يدور «الصغار» حول صياغات لفظية، تنزع منها الأشواك ~~التي تخز الجلود، ليبقى السطح الأملس الناعم، الذي لا يؤذي أحدا، فتوافق عليها الأطراف ~~المتنازعة، وكان الله يحب المحسنين. # إنني مؤمن بالعلم، أولا وآخرا، وتأسيسا على هذا الإيمان أعتقد أن ما لا تحله ~~العلوم من المشكلات بكافة أنواعها، لا تحله التعاويذ، وما يسمونه حلولا سياسية إنما هو ~~ضروب من التعاويذ، ولست أتمنى للمجتمع الإنساني شيئا إلا ما تمناه له فرنسيس بيكون ~~في كتابه الصغير، لكنه الكتاب العظيم الذي جعل عنوانه «أطلنطس الجديدة»، وهو ضرب من ~~«المدينة الفاضلة»، غير أنه تصور الدولة المثلى أن تكون قائمة على العلم من ألفها إلى ~~يائها، فبدل أن تكون حكومتها مؤلفة من وزارات كالتي ألفناها: وزارة الخارجية، ووزارة ~~الداخلية، ووزارة النقل، ووزارة التعليم ... إلخ، تكون وزارتها كالآتي: وزارة الكيمياء، ~~ووزارة الفيزياء، وهكذا يكون لكل فرع من فروع العلم وزارة تقيم الأبحاث العلمية التي ~~تحل بها المشكلات، وينتج عن ذلك فيما ينتج، أنه بدل أن تصب الحكومة سلطانها على البشر، ~~تصبه على الطبيعة وظواهرها، فتلجمها بالعلم، ويصبح الإنسان سيدا عليها بدل محاولته أن ~~يكون سيدا على أخيه الإنسان، وفيما يلي خلاصة شديدة الإيجاز للطريقة التي صور بها ~~«بيكون» دولته المثلى، دولة العلم: # بعد أن وصف الرحلة التي اتجهت بركابها نحو جزيرة أطلنطس نزل هؤلاء الركاب على الجزيرة ~~ليجدوا قوما غاية في البساطة والنظافة، وعرفوا من أهلها أن أروع ما في جزيرتهم هو ما ms180 ~~يسمونه «بيت سليمان» فما «بيت سليمان» هذا؟ إنه هو مقر الحكومة، لكنها حكومة ليس فيها ~~«سياسيون»؛ وذلك لأن مقاليد الأمور كلها في أيدي رجال العلوم، ولست ترى في «بيت سليمان» ~~على أرض «أطلنطس الجديدة» إلا مراكز للبحوث العلمية، وتلك هي الحكومة، وأبواب تلك ~~المراكز مفتوحة أمام أي فرد من أبناء الجزيرة، إذا كان لديه ما يبرر مشاركته في البحوث ~~العلمية، على أن مناصب الدولة، علياها ودنياها، موقوفة على من أثبت جدارة في البحث ~~العلمي على اختلاف ميادينه؛ إن حكومة الجزيرة هي بحق حكومة الشعب للشعب، تديرها الصفوة ~~الممتازة من العلماء: علماء الهندسة، والفلك، والجيولوجيا، والنبات والحيوان، ~~والكيمياء، والفيزياء، والطب، والاقتصاد، والاجتماع، والنفس ... إلى آخر قائمة العلوم، ~~ويعرض «بيكون» في كتابه صورة مفصلة لما شهده الزائرون للجزيرة من بحوث علمية قائمة في ~~كل ميدان من ميادين العلم، والهدف البعيد الذي تتجه إليه تلك البحوث، لا يقف عند حدود ~~المشكلات العارضة في حياة الناس، كما هي واقعة، بل إنها لتفعل ذلك ثم تجاوزه نحو ما ~~يكشف للإنسان عن سر الكون العظيم، وإنه لمما يلفت النظر أن أشياء كثيرة جدا مما شغل ~~به الباحثون في «أطلنطس الجديدة» بغية الوصول إلى الكشف عن أسرار الطبيعة، هو مما ظهرت ~~له نتائج فعلية تطبيقية في عصر الناس هذا، مما يشهد لفرنسيس بيكون بالبصيرة النافذة ~~والخيال الخارق، ولقد كتب ذلك الكتاب الصغير العظيم سنة 1624م، أي قبل موته بسنتين، ~~وكان آخر ما كتب. # أردت بهذا كله أن أقول إن الكشف عن الحقائق، وحلول ما يعرض لنا من مشكلات، هو من شأن ~~العلم لا من شأن السياسة، ولم يكن بيكون في كتابه «أطلنطس الجديدة» شاطحا بخياله في ~~عالم المستحيل، ولا كانت فكرته عن قيام حكومة العلماء حلما بعيد المنال، ففي حالات ~~كثيرة، حدث بالفعل عندنا وعند غيرنا، أن عين وزير هو من «العلماء» في المجال الذي ~~نيطت به وزارته، وأظن أن ما أسموه بالمعجزة الألمانية، والتي قصدوا بها إحياء ألمانيا ~~الغربية بعد أن خربتها الحرب العالمية الثانية تخريبا، ms181 ظن أن لن يكون لها قيام ~~بعده، إنما ترجع إلى جماعة «العلماء» الذين تولوا الحكم في ألمانيا الغربية بعد الحرب، ~~فكان كل منهم أعلم الناس بما يعيد الحياة إلى المجال الذي تولى شئونه. # وهنا أعود بحديثي مرة أخرى إلى السياسة والسياسيين، محاولا أن أعيد رسم الخريطة كما ~~يمكن أن أتصورها، لعلي أفهم ما لم أستطع فهمه من قبل، فليس الأمر كله - في الواقع ~~الفعلي - هو أمر وزراء يتولون بعلومهم رسم الطريق نحو ما هو أرقى وأفضل، إذ يبقى ~~السؤال: ومن الذي يحدد ذلك الذي عددناه أرقى وأفضل؟ بعبارة أخرى: إذا كانت حكومة ~~العلماء من شأنها شق الطريق المؤدي إلى تحقيق الأهداف، فمن الذي يضع للأمة أهدافها؟ وما ~~كدت أضع السؤال أمامي في هذه الصورة، حتى ازددت وضوحا لحقيقة الموقف، فالذي يضع ~~الأهداف هو - جمهور الشعب - في مجموعه. إن صدور الناس - عامة الناس - تنطوي على أمنيات ~~ورغبات يود الناس لو وجدوها محققة، والأمنيات والرغبات ليست تحتاج من أصحابها إلى ~~«علم»؛ إذ هي شعور مباشر بما ينقص حياتهم، فالجائع لا يحتاج إلى علم يبين له أنه جائع، ~~والمقيدة حريته لا ينتظر علوم الفلك والكيمياء لتشعره بأن حريته مغلولة بقيودها، وهكذا ~~تجيء الأمنيات والرغبات لتضطرب بها صدور الناس، علماء وغير علماء على السواء. # لكن القدرة على صياغة تلك الأمنيات والرغبات صياغة محددة تتخذ شكل «المبادئ» التي ~~يمكن قراءتها وتصورها بالعقل، قدرة لا تستطيعها إلا قلة قليلة، فلنا أن نقول عن هؤلاء ~~إنهم هم رجال السياسة، أو هم الأعلام من هؤلاء الرجال، لأن الكثرة الغالبة من المشتغلين ~~بالسياسة، لم يكونوا هم الذين استقطبوا ما يدور في أفئدة الناس من أمنيات ورغبات، ~~وصاغوها في مبادئ ونظريات، بل إن هذه الكثرة منهم تتبع ما صاغه لهم أعلام المفكرين في ~~ميادين الفكر السياسي. وعلى أية حال، فالنتيجة العملية هي أن من تميزوا بتصورهم النظري ~~الواضح للأمنيات والرغبات التي تموج في نفوس جمهور الناس غائمة غامضة، هم أنفسهم الذين ~~تصدق عليهم صفات «السياسي»، وهم بالتالي الذين يتقدمون لينوبوا ms182 عن الشعب في المجالس ~~النيابية. ولما كانت تلك الأمنيات والرغبات، التي يحسها أفراد الشعب ويعبر عنها نوابه ~~من السياسة، قد لا تكون على صورة واحدة عند الجميع، فمن الناس من هو أسرع من الآخرين ~~طيرانا إلى مستقبل جديد، ومنهم من هو أشد استمساكا من غيره بما هو قائم، أو حتى بما ~~قد كان قائما في الماضي، أقول إنه لما كان جمهور الناس ليسوا على صورة واحدة فيما ~~يتمنونه لحياتهم، نشأت «الأحزاب» ليعبر السياسيون في كل حزب منها، عن الصورة كما ~~يريدونها هم، أصالة عن أنفسهم، ونيابة عن جمهور الشعب الذي يشاركونه ذلك التصور، وكل ~~الفرق بين الجمهور ونوابه - نظريا - هو أن الجمهور يحس الرغبة إحساسا لا يستطيع ~~ترجمته إلى مبادئ وأفكار، وأما ساسته فذلك التعبير عما يحسونه هو في مستطاعهم. # بهذا الفهم رسمت الخريطة - كما تجلت - أمامي، وخلاصتها إطار قائم على دعامتين: دعامة ~~تحس الأهداف المنشودة وتعبر عنها، وذلك هو الجانب النيابي من الدولة، والدعامة الأخرى ~~هي أولئك الذين يناط بهم رسم الطريق إلى تلك الأهداف حتى تتحقق وتصبح حقيقة واقعة، وتلك ~~هي الحكومة التي أتمنى لها، كما تمنى بيكون في أطلنطس الجديدة، أن تكون كلها من ~~«العلماء» بأدق معنى لهذه الكلمة، أي إنني لا أعني بالعلماء من حفظوا مادة علمية ~~معينة، بل أعني بتلك الكلمة أولئك القادرين على البحث العلمي، بمناهج ذلك البحث التي ~~يعرفها العلماء المبدعون، وذلك لأن عضو الحكومة مطالب بما تطالب به مراكز البحث ~~العلمي، بالنسبة إلى ما سوف يجده في ميدان وزارته من مشكلات تريد الحل. # الشعب هو الذي يضع الأهداف التي يريد تحقيقها في حياته، وذلك عن طريق نوابه وسائر ~~القادرين على التفكير والتعبير من أعضاء الحزب المعين؛ إذ أهداف الشعب - كما قلنا - قد ~~تتعدد صورها، وبالتالي تتعدد الأحزاب، على أن نتذكر هنا أن اختلاف الناس إنما يقع على ~~الأهداف القريبة، التي هي بدورها وسائل تؤدي إلى هدف قومي بعيد وفي هذا الهدف القومي ~~ينبغي أن تلتقي آمال الأمة بكل أحزابها. # إنه كثيرا ما ms183 يقال إن الوزير رجل سياسي في المقام الأول، وله أن يستعين بمن يستطيعون ~~العون من «العلماء»، لكنني بهذا التصور الذي عرضته أقلب الترتيب، فالوزير «عالم» في ~~ميدان وزارته، ولكنه لا بد أن يستعين بالسياسي - من المجلس النيابي أو من خارجه - في ~~معرفة الأهداف التي يتمناها أفراد الشعب، فالأهداف - كما ذكرت - هي من حق الشعب، وأما ~~خطط تحقيقها فهي واجب العلماء، أو هي - في هذه الحالة - واجب الوزراء العلماء. # إنه ليلفت نظري فرق لغوي، أراه ذا دلالة مفيدة، بين الكلمة الإفرنجية، إنجليزية ~~وفرنسية، وقد يكون في لغات أوروبية أخرى كذلك، التي تقابل كلمتنا العربية «سياسة»، فذلك ~~الاسم عندهم يبدأ بمقطع معناه المدينة، ثم تمتد الإشارة طبعا إلى من يسكنون المدينة، ~~وهم الجمهور، وبهذا يكون معنى اللفظة عندهم هو: ما يتصل بحياة الناس، وأما الاسم العربي ~~«سياسة» فيثير عندي أسئلة كثيرة، أولها (وأنا هنا أسأل عما لست أعرفه) هل استعملت كلمة ~~سياسة أو سياسي في العصور العربية الأولى، وإذا لم تكن، فمتى دخلت باستعمالها المعروف ~~الآن؟ والسؤال الثاني - وهو أهم - هل يراد بالسياسي أن يقوم بما يقوم به من يسوس ~~الجياد، وبهذا المعنى يكون المراد بالسياسي «ترويض» الشعب على سلوك معين؟ أخشى أن يكون ~~هذا المعنى كامنا في نفوسنا، عندما استخدمنا هذه اللفظة فيما نستخدمها لتؤديه؛ لأنه لو ~~كان الأمر كذلك، لكان للسياسة عندنا عكس ما للسياسة عند شعوب أوروبا، فبينما هي هناك ~~تعني النظر فيما يتصل بحياة الناس، جعلناها نحن ترويضا للناس على ما ليس يرغبون فيه، ~~ومن يدري ربما كان من أجل هذا المعنى ل «السياسة» قال الشيخ محمد عبده - فيما روي عنه - ~~لعن الله السياسة وساس ويسوس وسائسا ومسوسا. # وللكاتب الناقد الفني «هربرت ريد» مقال عنوانه «سياسة بغير سياسيين» يرحب فيه ~~بالسياسة إذا جاءت راعية للشعب في أمور حياته، لكنه يرفض رجال السياسة الذين يحولون ~~المسألة إلى حرفة يكسبون منها المال والمجد، ويحيطونها بكهنوت يوهمون به الناس، أنهم ~~مستطيعون ما لا يستطيعه كثيرون. # وخلاصة الخلاصة، هي أني لو سئلت ms184 في دنيا السياسة: أي المذاهب تختار؟ لأجبت بأني ~~أختار كل اتجاه يجعل من رغبات الشعب أهدافا، ومن الحكومة علماء يحققون بمنهجهم العلمي ~~تلك الأهداف. # | «يانوس» بين عامين # «يانوس» اسم لشخصية أسطورية عند اليونان القدماء، ومن اسمه جاءت تسميتنا للشهر الأول ~~من السنة باسم «يناير»، كانوا يصورونه على هيئة رأس له وجهان: وجه منهما يلتفت إلى ~~اتجاه، والوجه الآخر يلتفت إلى الاتجاه المضاد! أما الوجه الأول فهو لشيخ تقدمت به ~~السن، فابيض شعره وطالت لحيته، وتغضن جلده، وشاخت النظرات في عينيه، وأما الوجه الثاني ~~فهو لشاب تسري في قسماته نضارة الزهر يتفتح من أكمامه، كله حيوية، نظراته تمتد إلى حيث ~~الأفق البعيد، وشفتاه تنفرجان قليلا عن ابتسامة المطمئن الفرح المستبشر، الوجه الأول ~~المكتهل المترهل المكدود هو الماضي، أدى رسالته وذهب، والوجه الثاني هو المستقبل ~~المأمول، إنه لم يولد بعد، فكيفما شكلناه يتشكل، فبينما الماضي قد خرج من أيدينا، وبات ~~أمرا مقررا يستحيل على أي سلطان أن يغير منه قلامة ظفر، إذ وقع ما وقع وانتهى الأمر، ~~ترى المستقبل ينتظر عند الباب لتأذن له بالدخول، فيجيئك كما تريد له أن أن يجيء. # دق أبناء الماضي لأنفسهم الطريق، ومهدوه، ومشوا على هدى مما دقوا مختارين أحرارا ~~مبدعين، ولا علينا - نحن أبناء الحاضر - أن نصنع مثل ما صنعوا، فندق لأنفسنا طريقنا كما ~~فعلوا، ونختار أحرارا كما اختاروا، ونبدع الجديد المبتكر كما أبدعوا، فليس ولاء الحاضر ~~للماضي هو أن يجعل من نفسه عبدا له، يتحرك كما تحرك وكلما، وينطق بما نطق وحيثما، ~~ويعيش كما عاش وكيفما، بل الولاء هو أن يلقف الحاضر من ماضيه الشعلة، ليضيء بها طريقا ~~جديدا لم تطأه قبل اليوم قدمان. برع الأسلاف في «س»، فلأكن مثلهم بارعا، ولكن في «ص»، ~~وبمثل هذه الإضافة تنضم «ص» التي أبدعناها إلى «س» التي أبدعوها، فيتاح لنا عندئذ أن ~~نقول للدنيا: انظري! إننا أمة تسير متواصلة الأجيال على درب الحضارة، ولها في كل عصر ~~نتاج بديع. # على أن هذا التقسيم إلى ماض وحاضر ومستقبل، إنما ms185 هو حيلة منطقية ابتكرها العقل ليسهل ~~عليه التفكير، أما من حيث الواقع الحي، فالثلاثة جميعا تلتقي عند الإنسان في لحظة ~~واحدة، هي اللحظة التي نسميها ب «الحاضرة»، وما هي في حقيقة الأمر بحاضرة كل الحضور، ~~ولا هي بغائبة كل الغياب، فهي أبدا تجر في أطرافها ذيولا من اللحظة التي سبقت، وتتأهب ~~متوترة مشدودة إلى اللحظة التي سوف تكون. إن ماضيك هو ما تراه ماثلا «الآن» في ذاكرتك، ~~ومستقبلك هو ما تتوقع حدوثه «الآن» كلما توقعت الغد وما بعد الغد، ولو كان في ماضيك ما ~~ليس يمثل قط أمام ذاكرتك «الآن»، إذن فليس هو بذي وجود بالنسبة إليك، وكذلك لو كان ~~المستقبل المزعوم لا نجد له أثرا قط فيما نتوقع له «الآن» أن يحدث فليس هو بذي شأن في ~~حياتك، فالقشة التي تدفعها الريح هنا وهناك، أو تتركها لتسكن حيث هي، ليس لها - في ~~ذاتها - ماض ومستقبل بالمعنى المعروف لهاتين الكلمتين في حياة الإنسان، فأنا هو من أنا ~~بكل الأبعاد الثلاثة مجتمعة في وعيي «الآن»: فلي من الماضي ما تستدعيه ذاكرتي منه، لا ~~أكثر ولا أقل، ولي من المستقبل ما أستطيع تصور حدوثه، ثم أعمل على ذلك الحدوث، وقد أنجح ~~في ذلك وقد أفشل بتأثير العوامل التي لا أملك زمامها، فالماضي والمستقبل مجتمعان في ~~رأسي معا، وهما مجتمعان الآن ما استطعت لهما جمعا، ومن هذه الناحية يكون الخيال عند ~~اليونان الأقدمين قد وفق في تصوره لشخصية «يانوس» بوجهين في رأس واحد. # إنه لا سلطان للماضي علينا، والعكس هو الصحيح؛ إذ نحن أصحاب سلطان عليه، نأخذ منه ما ~~نشاء، ونضيف إليه ما نشاء، ونعد له كما نشاء، هو ماضينا نحن، فهو لنا كالإرث يتركه ~~الآباء للأبناء، فيكون لهؤلاء الأبناء أن يستثمروه كيفما أرادوا، وليس في هذا القول شيء ~~جديد، فتأملوا الحياة وطباعها في كل شيء حي، تأملوها جيدا وعلى مهل، تأملوها في ~~الشجرة، في السمكة، في العصفور، فإذا بذرت الآباء بذرتها لشجرة الزيتون، تحتم أن تخرج ~~الشجرة الوليدة زيتونا، ولكنها إلى جانب ms186 هذا الحتم المحتوم، يترك لها أن تتصرف بما ~~يتلاءم مع الظروف الطارئة عليها، إذا هبت الريح، وإذا شح المطر، وإذا غابت عنها الشمس، ~~فهنالك في الكائنات الحية جميعا طبيعة لا أمل من تكرارها، ذكرتها في مناسبات كثيرة، ~~وأذكرها الآن، وسوف أذكرها كلما دعت إليها الدواعي، وهي أن كل كائن حي هو كائن فريد ~~متفرد، لا يشبه كل الشبه كائنا آخر حتى من أفراد نوعه، فالشجرتان من أشجار الزيتون ~~بينهما اختلاف في عدد الفروع واتجاهاتها، واختلاف في عدد الأوراق وتعريقاتها، فلماذا ~~كان بينهما ذلك الاختلاف؟ إنهما معا منخرطتان في الطابع العام، الذي هو «الإرث» الذي ~~ورثناه بحكم البذرة التي تركها الأسلاف - أسلاف الزيتون - لكن ترك لكل شجرة بعد ذلك أن ~~تكون لها حرية النمو داخل ذلك الإطار؛ إذ قد تصادفها عوامل لا بد أن تستجيب لها لتصون ~~بقاءها، غير العوامل التي صادفت أخواتها. وتأملوا جيدا وعلى مهل، كيف يحيا العصفور، ~~إنه عصفور بحكم «الإرث» الذي فرض عليه ولا حيلة له فيه، لكنه كذلك لا بد أن تكون له ~~التلقائية الحرة التي يستجيب بها للعوامل المفاجئة، وقد تقول: إنه أمام تلك العوامل ~~إنما يتصرف وفق ما تحتمه عليه غريزته، والغريزة هي الأخرى مفروضة عليه، لكن ذلك ليس ~~صوابا على إطلاقه، لأن غريزة الحيوان لا تلم بجميع التفصيلات التي قد تنشأ في عرض ~~الطريق. لقد روى لنا أحد العلماء الذين رصدوا سلوك الحيوان، أنه شهد أرنبا يطارده ثعلب ~~في حقل، وكان الثعلب يضيق على الأرنب مسالك الهرب، لكن الأرنب في جريه المذعور، رأى ~~«مسورة» فخارية في طريقه، تسعه ولا تسع الثعلب، فانحشر فيها وكمن في وسطها، فهل كان في ~~غريزة الأرنب «تعليمات» بأن يحتمي بمثل الطريقة التي لجأ إليها؟ إنها طريقة جاءته من ~~وحي اللحظة وما هو متاح فيها من وسائل. # وما هو في فطرة النبات والحيوان من تلقائية حرة - إلى جانب الفطرة الموروثة - متاح ~~مثله للإنسان مضاعفا ألف ألف مرة، فلا تناقض في أن يعيش الإنسان حياته في «إطار» ورثه ~~من السلف، ms187 على أن تكون له تلك التلقائية الحرة التي يبدع بها ما استطاعت قدراته أن ~~تبدعه، أما إذا أراد لنا ناصح، بأن نعيش حياتنا كما عاش السالفون حياتهم - بإطارها ~~وتفصيلاتها - كنا بهذه النصيحة نعيش حياتنا لغيرنا لا لأنفسنا، أو كالذي يشاهد ~~الرواية للمرة الألف، يعرف حوادثها معرفة لا تترك له مجالا لتوقع الجديد فضلا عن خلقه ~~وابتكاره. # كان الفكر القديم، بدءا من اليونان فصاعدا حتى نهضت أوروبا نهضتها الحديثة، يبني ~~علومه على أساس تقسيم الكائنات أجناسا وأنواعا، ويحدد لكل جنس ولكل نوع «تعريفا» ~~جامعا مانعا - إذا أمكن ذلك - بمعنى أنه تعريف يجمع للجنس أو للنوع كل خصائصه ~~الجوهرية، كما يمنع في الوقت نفسه دخول أجناس أو أنواع أخرى في دائرته فيصبح الأمر ~~خليطا، وكان ذلك الأساس الذي بني عليه الفكر القديم كافيا لخدمة العلم المطلوب ~~والممكن، لكن ذلك الأساس يتضمن أن تظل أجناس الكائنات وأنواعها على حالاتها أبد ~~الآبدين، فما دام «التفاح» - مثلا - هو بحكم التعريف كذا وكذا، فسيظل على طبيعته تلك ~~أبد الدهر وكأنه محال على العلم فيما بعد، أن يبتكر على تلك الطبيعة حذوفا وإضافات ~~تحولها إلى طبيعة من نوع آخر، كما حدث بالفعل، وعلى نطاق واسع، في دنيا النبات وفي دنيا ~~الحيوان كذلك، فهل كانت حكمة الحياة تقتضي أن نقول لعلماء النبات وعلماء الحيوان: كفوا ~~عن جهودكم، وخذوا علومكم هذه على نحو ما ورثتموها من أسلافكم؟ # ولست بغافل عما يعترض به في مثل هذا السياق من الحديث؛ إذ يسرع المجادلون بقولهم: ~~لا، يا أخي، فما لنا نحن وللعلوم، فالعلوم تتغير مع الزمن ما أراد أصحابها أن يغيروها، ~~أما «الإنسان» وحياته فأمر آخر، وها هنا يكون الدوام، ولدا عن والد، وحاضرا عن ماض، ~~لكن انظر إلى هذا الإنسان متمثلا في فنونه وآدابه! فهل زرت متحفا للفن، من تلك ~~المتاحف الكبرى، التي تصنف معروضاتها وفق عصورها ومصادرها، ففي هذه الغرفة - مثلا - ~~روائع التصوير من القرن السادس عشر، وفي تلك روائعه في القرن السابع عشر، وهلم جرا! ~~إذا كنت قد فعلت، ms188 فلا بد أن تكون قد لاحظت في أجلى جلاء، وأنت تعبر الغرف واحدة بعد ~~أخرى، أنك في الحقيقة إنما تعبر عصورا متعاقبة، كل عصر منها متصل مع سابقه بأواصر ~~القربى، لكنه كذلك مختلف عنه اختلافات تساير ما كان قد طرأ على حياة الناس من ظروف ~~جديدة، ويكفيك في هذا الصدد مثل واحد، فلقد كان التصوير قبل عصر النهضة الأوروبية ذا ~~بعدين، أي إنه لم يكن يجسم الشيء المصور بأبعاده الثلاثة، ولم يكن ذلك من الفنان عن ~~قصور فيه أو عجز، بل إنه فعل ذلك لأنه لم يكن ثمة ما يدعوه إلى مجاوزة البعدين اللذين ~~في حدودهما تنطبع المرئيات على عين الرائي، فلما جاءت النهضة الأوروبية، وجاء معها ذلك ~~الزخم الزاخر من مغامرات في البحر والبر، إذ طفق المغامرون يطوحون بسفنهم في البحار ~~المجهولة، كما أخذ الرحالة المغامرون يذهبون إلى أقاصي الدنيا، ويصعدون الجبال الوعرة، ~~فعندئذ أضيف إلى خيال الإنسان في تصوره للأشياء بعد جديد، هو العمق، فانعكس ذلك في ~~فن التصوير، بحيث أصبح المنظور مجسما بأبعاده الثلاثة، ولا عجب أن يعود فن التصوير ~~اليوم إلى قديم عهده في الاكتفاء بالبعدين؛ لأنه عصر أصبحت فيه المغامرة جزءا لا ينفصل ~~عن مألوف الحياة الجارية، وهكذا ترى الفن - كالعلم - لا يجمد في أحد عصوره على موروث ~~هبط إليه من عصر مضى، وإن يكن للفن «إطار» عام من أسس وقواعد يمتد به خلال العصور ~~جميعا. # وما قلناه عن الفن نقول مثله عن الأدب، وهو بدوره مساير لحياة الإنسان، يختلف معها ~~كلما اختلفت، وأظنه أمرا معروفا مألوفا للمشتغلين بدراسة الشعر العربي - مثلا - أن ~~لتاريخ ذلك الشعر «عصورا» لكل عصر منها مميزاته، فليس الشعر الأموي كالشعر الجاهلي، ~~ولا العباسي منه كالأموي، وكل ذلك معا مختلف عن الشعر الحديث في عصرنا الراهن، ولكن ~~الذي يلفت النظر حقا عند نقاد الشعر الأقدمين أنهم، على الرغم من مسايرتهم للظروف ~~الجديدة التي اقتضت تحولات في الشعر عصرا بعد عصر، ظلوا يطالبون الشعراء بالتزام ~~«إطار» موحد، هو ذلك الإطار الذي أقامه ms189 الشعر الجاهلي ، فإذا كانت «الجاهلية» مذمومة في ~~نواح كثيرة، فإنها لبثت في فن الشعر «نموذجا» تقاس إليه العصور التالية، والذي يهمنا ~~في سياق حدثينا هذا هو أن الشعر كذلك - مثل العلم - يتغير في تفصيلاته مع تغير العصور، ~~حتى وإن ظل ملتزما بإطار عام يضبط له أسس الفن وقواعده. # لا، لا، يا أخي - هكذا يعود المعترض إلى اعتراضه - ما لنا نحن وما للفن والأدب في ~~تغيراتهما مع تغير الحياة وظروفها؟ إننا نعني «الأخلاق» ولا يهمنا سوى «الأخلاق»، فقد ~~ترك لنا السلف من قواعد الأخلاق ما لا سبيل إلى الخروج عليه، وإني لأكرر هنا شيئا ~~كالذي قدمته في مجال العلم، وفي مجال الفن، وفي مجال الأدب، وهو أن متابعة الخلف للسلف ~~في الأخلاق، إنما تكون هي أيضا في «الإطار» لا في تفصيلات التطبيق؛ لأن هذه التفصيلات ~~متروكة للتلقائية الحرة التي قد تستلزمها الظروف الطارئة، وتحضرني هنا قصة كنت قرأتها ~~عن فقيه مصري عاش في القرن الثامن عشر بالقاهرة (ذهب النسيان باسمه)، وخلاصة القصة أن ~~تاجرا غنيا لم يكن له إلا ولد واحد صغير السن رأى أن يودع أمواله، عندما مرض وشعر ~~بدنو الأجل، عند ذلك الفقيه، طالبا منه أن يعطيه لابنه حين يبلغ الرشد، فلما بلغ الولد ~~تلك السن، كان قد أحاط به صحبة السوء، فرفض الفقيه أن يسلمه الوديعة، وشكا الولد إلى ~~الوالي، فجاء الوالي بالفقيه وأمره بأن يقدم المال لصاحبه، فأنكر الفقيه أن تكون لديه ~~وديعة، ومضت أعوام، ظل الفقيه فيها يراقب الوارث في سلوكه، حتى أيقن أنه قد أخذ بالنصح ~~واستقام، أسلمه وديعته، وسمع الوالي بالأمر، فاستدعى الفقيه ليسأله فيما كذب به عليه، ~~فقال له الفقيه: إنه إذا كان الوالي ظالما، حل الكذب عليه من أجل النجاة، وأنت ظالم ... ~~انتهت خلاصة القصة، فها هنا ناحيتان في الأخلاق، يخيل للسامع أن الفقيه قد تجاوزهما، ~~فهو أولا لم يؤد الأمانة في موعدها، وهو ثانيا قد استباح لنفسه الكذب والإنكار أمام ~~الوالي، لكننا إذا نظرنا إلى الموقف من وجهة نظر الفقيه، وهي ms190 وجهة النظر التي لا يرفضها ~~عاقل، رأينا أن الفقيه التزم «الإطار» في مراعاته لمبادئ الأخلاق، ثم ترك لنفسه حرية ~~التصرف داخل ذلك الإطار، تبعا للظروف المحيطة به. # وعلى منوال هذا الموقف الخلقي من ذلك الفقيه، نستطيع تعميم القول، فالأخلاق ملزمة في ~~إطارها، يجب علينا أن نراعيها بمثل ما صنع الأسلاف، لكن تفصيلات التطبيق هي التي لا ~~مناص من تغيرها تبعا لظروف الحياة الجديدة، ففي حياتنا العصرية قد اختلف معنى ~~«الشجاعة» في التطبيق عن معناها عند الفرسان الأولين، وقد اختلف معنى «الكرم» واختلف ~~معنى «العدالة»، عند النظر إليها من الناحية الاجتماعية، واختلف معنى «الطاعة» لولي ~~الأمر، واختلفت معان كثيرة أخرى، فما تزال القيم الأخلاقية هي هي كما كانت، لكن ~~تطبيقها في عصرنا اتخذ صورة جديدة، أو ينبغي لو أن يفعل. # اتجهت نحو «يانوس» صاحب الوجهين، ووجهت حديثي أولا، إلى الوجه الشامخ المكدود، وهو ~~الوجه الذي يمد البصر نحو العام الذي انقضى، وسألته قائلا: هلا حدثتني يا شيخ عما ~~أضناك من حياتنا في عامها الذاهب؟ فأجابني بقوله: هو كثير، كثير جدا يا رفيقي، لقد ~~كان قلبي يتحطم كل يوم لما أراه وأسمعه عن الازدواجية الرهيبة التي يعيشها أهلي، ولعلها ~~هي أس البلاء، لقد كنت أخبط كفا بكف كل يوم مائة مرة، كلما رأيت أو سمعت مصريا ~~رشيدا عاقلا، يعلن من الرأي من أحوال بلده غير ما يكتم، فهذا الذي يكتمه يظل في نفسه ~~حبيسا إلى أن يجد من يأمن لهم فيبوح بالسر، كيف - إذن - يعرف المسئول ماذا يريد الشعب ~~وبأي المشاعر يحس؟ إنه يا رفيقي بلدك وبلدي، وبلد ولدك وولدي، فلماذا نعامله وكأنه غاز ~~قاهر جاءنا من بعيد، فأخذنا نراوغه ونداوره لنقتص منه دون أن يدري بما نصنعه وراء ~~ظهره؟ وكان رجاؤنا في شبابنا؛ لأن الشباب هو المستقبل القريب، وإذا بكثرة غالبة من هذا ~~الشباب قد ألهاهم الهم والضعف عما يجري حولهم، فوضعوا على عواتقهم أجنحة ليطيروا بها ~~إلى عالم الغيب. # لقد كنت أتابع حينا بعد حين، تلك الحلقات المذاعة لشباب من ms191 هؤلاء، وكنت أستمع إلى ~~عروضهم، فأحس في ثنايا ما يقولونه حدة الذكاء، وسلامة النية، ولكن - وا ضيعتاه - كنت ~~أجد في مشكلاتهم المعروضة تهويمات هي أشبه شيء بتخاليط المحموم وهو في غيبوبته، وأسأل ~~نفسي: ألم يكن الأجدر بهؤلاء الشباب الأذكياء الأقوياء، ذوي القلوب الطيبة والنوايا ~~المخلصة، أن يجعلوا همهم الأول ضرب الصحراء لتخضر وتثمر، ودق الأرض لتخرج لنا كنوزها؟ ~~أما كان الأجدر بهؤلاء أن يجعلوا في مقدمة همومهم تلك الأمية البشعة المهينة التي تشل ~~الفكر والطموح في ثلاثة أرباع أمتنا؟ أما كان الأجدر بهم أن يصبوا قدراتهم تلك في ~~دراسة ظواهر الكون، فيكون منهم عالم الكيمياء، وعالم الفيزياء، وعالم النبات والحيوان؟ ~~إنها يا رفيقي قدرات مهدرة، أضل سبيلها من أضلها، حتى بات خيرة شبابنا مغلولا أشل، ~~يستهلك ولا ينتج لنا إلا حفنة من كلام! خذ يا رفيقي هذه الورقة واقرأ فيها ما يتوجع به ~~شاب مخلص لنفسه ولبلده، يقول عن نفسه إنه على وشك التخرج من كلية الطب في إحدى ~~جامعاتنا، اقرأ لتعلم كم تأخذ الحيرة بأعناق شبابنا، فإما تراه تائها في سمادير أوهامه ~~وتهويماته، يخلق منها المشكلات الفارغة، وتطاوعه وسائل الإعلام والنشر، فتذيع في الناس ~~- نيابة عنه - تلك الأباطيل، فإما أن تراه مشلولا بحيرته لا يدري ماذا يصنع بنفسه ~~ولنفسه، خذ واقرأ ما كتبه واحد من هؤلاء، إنه كتب يقول: # أنا شاب - مثلي في مصر ملايين - أقترب من الخامسة والعشرين من عمري، ومع ذلك ~~تراني أحس وكأنني في بلدي طفل يحبو، ولست أنا المسئول عن ذلك، إنني لا أشارك في ~~مناقشة قضايا بلدي، فمن المسئول عن عزلي وحرماني أن أشارك في حمل الهموم وحلها؟ ~~أستحلفك بالله أن تصارحني الرأي كما عودتنا: أأنا صادق الحس إذ أحس بتلك ~~العزلة، أم هي أوهام أعيشها وأتعلل بها؟ وسواء كانت هذه أم تلك، فها أنا ذا ~~أقرر صادقا رغبتي الشديدة في أن أجدني مشاركا، غير أني لا أجد لتلك المشاركة ~~سبيلا، فمن الذي يسد أمامنا الطريق؟ إنني أقرأ وأسمع عن جيلكم الكثير، عندما ~~كنتم ms192 في مثل شبابنا، فما الفرق بينكم وبيننا، لماذا نرى فيكم أبطالا مغاوير، ~~ونرى في أنفسنا أقزاما، أطفالا، عاجزين عن أن نصنع مثل الذي صنعتموه لبلدنا ~~ولأنفسنا؟ إنني يا سيدي لم أفقد الثقة في نفسي وفي أترابي من الشباب، لو وجدنا ~~السبيل، لكن ماذا نصنع وحالنا هي كما وصفت لك واقعها الذي أحسه في نفسي وأكاد ~~ألمسه بأصابعي، أريد أن أقرأ لك ما يصرف عني غمتي. # قرأت رسالة الشاب، التي أعطانيها الشيخ الذي هدته الحسرة للكثرة من شبابنا، التي ~~رآها خلال العام المنقضي، تهيم في التيه، فتحولت ببصري إلى الوجه الآخر من «يانوس»، إلى ~~الوجه الناضر بشبابه، الناظر إلى مقبل أيامه في العام الجديد، وسألته في لهجة الجاد ~~وجهامة المهموم: لقد سمعتنا أيها الشاب نلحظ ما نلحظه عن أندادك من شباب العام المنقضي، ~~فقل لي: ماذا أنت صانع بنفسك خلال العام المقبل، الذي نقف الآن على عتباته؟ فابتسم ~~الشاب ابتسامة المستبشر الواثق، وقال: ادع لي الله يا سيدي أن يوفقني فيما اعتزمت ~~أداءه، سأنفض عن نفسي ذلك الخمول العاجز، وسأحاول أن أصنع ما خلق الشباب لصنعه؛ لقد ~~سمعت منك رسالة الشاب الذي أرسل إلى شيخنا هذا الذي ترى وجهه ملصقا بقفاي، يسأله: دلني ~~ماذا أصنع لأشارك في حمل الأثقال التي أثقلت كاهل بلدي، لكنني لا أرى الحكمة في أن ~~تهتدي فترة الشباب بذكريات شيخ مهدود مكدود مضنى، ولن أقول لك الآن ماذا أنا فاعل، ~~لكنني بإذن الله سأصنع لبلدي ما يشبه المعجزات. # القسم الثالث # | إشراقة الضحى # | بينات من الهدى # كنت كمن وقع على كنز نفيس، حين وقعت على كتاب صغير للإمام الغزالي، عن أسماء الله ~~الحسنى، عنوانه «المقصد الأسنى في أسماء الله الحسنى»؛ ولم تكن فرحتي بذلك الكتاب عند ~~قراءته - وكان ذلك سنة 1968م على وجه التحديد - مقصورة على قراءة الشروح المضيئة التي ~~قدمها الغزالي لتلك الأسماء، فكثير مما قدمه في هذا السبيل كان يمكن تصوره قبل قراءته، ~~لكن الفرحة الكبرى التي أحسستها، قد كانت عندما عرفت منه لأول مرة أن ms193 أسماء الله ~~الحسنى ، فضلا عن كونها «صفات» باستثناء اسم الجلالة «الله» (وكنت أعلم عن ابن عربي أنه ~~استثنى اسمين، هما: الله والرحمن) فإن مجموعة الصفات المتمثلة في تلك الأسماء، هي صفات ~~لله عزل وجل، حين تؤخذ بمعانيها المطلقة؛ ثم هي في الوقت نفسه التي ينبغي للإنسان أن ~~يتحلى بها، وذلك حين تؤخذ بمعانيها النسبية المحدودة؛ فعندئذ هتفت لنفسي: إنه إذا كان ~~الأمر كذلك، كنا أمام بينات من الهدى، تقام عليها صورة كاملة متكاملة للأخلاق كيف ينبغي ~~لها أن تكون. # كانت فرحتي بذلك الكشف الجديد (جديد بالنسبة إلي) فرحة من ذلك النوع الذي لا ينقضي ~~بانقضاء لحظته، بل هي فرحة ما فتئت تعاودني كلما نشأ في حياتي موقف انبعث لي فيه من ~~فكرة الغزالي شعاع يضيء الطريق؛ وما أكثر ما ينشأ لنا السؤال، في حياتنا الراهنة هذه: ~~ماذا نريد للإنسان المصري، أو العربي، أو الإنسان أينما كان، ماذا نريد له من خصائص: في ~~فكره، وفي وجدانه، وفي سلوكه؟ ينشأ لنا هذا السؤال، كلما أردنا أن نخطط للتعليم، ~~وللإعلام، وللثقافة، وللتربية بصفة عامة، فتتخبط في الجواب؛ ولو أننا رسمنا هدفنا من ~~مجموعة الصفات التي أرادها الله - جل وعلا - للإنسان، متمثلة في الأسماء الحسنى ~~(تطبيقا لفكرة الغزالي) لأقمنا لأنفسنا الهدف المنشود. على أن ذلك الهدف لا تظهر لنا ~~صورته واضحة، إلا إذا استطاع ذوو العلم أن يستخرجوا من مجموعة الصفات «نسقا» يدرج ~~الأخص منها تحت الأعم، ليكون لنا بذلك تصور منهجي موصول الأجزاء بعضها ببعض! فيصبح ~~الطريق واضحا أمامنا، يسير على جادته السائرون؛ و«النسق» الذي أعنيه، هو ذلك الضرب من ~~ترتيب الأجزاء، الذي يشترطه، ويسعى إلى تحقيقه، منهج التفكير العلمي، وأظهر ما يظهر فيه ~~ذلك المنهج، هو علوم الرياضة، حيث يجب وجوبا أن تجيء كل خطوة من البناء الرياضي، نتيجة ~~لأزمة عما سبقها، ومقدمة ضرورية لما سيأتي بعدها، فإذا تم لنا بناء كهذا، عرفنا لكل جزء ~~من أجزائه موضعه الصحيح بالنسبة إلى الأجزاء الأخرى؛ وليكن معلوما أن مثل هذا البناء ~~النسقي للأجزاء. في ms194 منطق التفكير العلمي، قائم كذلك في كل كائن حي، من النبات فصاعدا ~~إلى الإنسان، فأعضاء الإنسان مرتبة بعضها مع بعض على هذه الصورة النسقية، إذ يمكن ~~استدلال وظيفة كل منها اتساقا مع الوظائف التي تؤديها سائر الأعضاء؛ وإذا جاز لي هنا ~~أن أستطرد قليلا، قلت إن تلك الرابطة النسقية، هي نفسها التي نطالب لها بأن تكون ~~أساسا للإبداع في الأدب والفن جميعا، إذ لا بد أن تتوافر في المعزوفة الموسيقية، وفي ~~قصيدة الشعر، وفي لوحة التصوير، وفي المسرحية، وفي الرواية، وفي العمارة، وهي هي نفسها ~~التي تسمى في ميدان النقد باسم «الوحدة العضوية». # ونعود بحديثنا إلى موضوعنا، وهو مجموعة الصفات المتمثلة في أسماء الله الحسنى؛ والتي ~~قلنا إنها خير ما يرسم لنا هدف الإنسان الكامل؛ على أنها إنما تكون أقرب إلى أداء هذا ~~الدور في حياتنا، إذا استطاع أصحاب العلم أن يرتبوها في بنيان نسقي بالمعنى الذي ~~شرحناه؛ نعم، إن الصفات وهي فرادى، يمكن الاهتداء بكل منها في مجالها، لكنها إذا ~~توحدت كلها في بناء نسقي واحد، فإنها تضيف إلى هدايتها لنا في مجالاتها المتعددة، ~~شعورا بالتكامل في شخصية الإنسان الذي يتلقى تربيته على هداها. # ولست أعرف أحدا من الأقدمين، أو من المحدثين، حاول مثل هذه المحاولة، ولكنني أعلم عن ~~نفسي - وقد يعلم عني القارئ كذلك - أنني محدود المعرفة جدا في هذا المجال؛ فقد يكون ~~هنالك من حاول ترتيب الأسماء على النحو الذي أسلفته، ولم يحدث لي أن صادفته في مطالعاتي ~~القليلة والمتقطعة؛ ومع ذلك فلا بد لي أن أشير إلى استثناء واحد وجدته عرضا؛ وهو أن ~~«الزبيدي» في شرحه لكتاب «إحياء علوم الدين» الذي هو الصرح الشامخ للغزالي، ذكر في سياق ~~شرحه أن بين صفات الله - عزل وجل - سبع صفات يمكن النظر إليها على أنها أصل تفرعت منه ~~سائر الصفات، وتلك الصفات السبع هي: القدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، ~~والبصر، والكلام، على أنه يعود فيرى بين هذه الصفات السبع نفسها، ما هو شرط لغيره، ~~فيقول إن صفة «الحياة» لا ms195 بد أن يكون لها في الذهن أسبقية على القدرة والإرادة؛ إذ لا ~~قدرة ولا إرادة إلا لحي، ومع ذلك فهو يستدرك استدراكا واجبا، وهو أن قولنا إن صفة ما ~~من صفات الله - عزل وجل - إذا ما قلنا عنها إن وجودها «متوقف» على وجود غيرها، فلا بد ~~أن يكون مفهوما أن «التوقف» هنا هو «توقف معية» (هذه هي عبارة الزبيدي) وليس توقفا ~~بمعنى أن صفة منها تقدمت على صفة؛ وذلك لأن صفات البارئ سبحانه وتعالى، كلها أزلية ~~يستحيل أن يقال عن إحداها إنها تقدمت بالوجود على أخرى. # وعلى ضوء هذا كله، أحسب أننا لا نجاوز الحدود المشروعة إذا نحن سئلنا: نحو أي هدف ~~نتجه بناشئتنا وشبابنا، إذ نتولاهم بالتربية والتعليم والتثقيف؟ فأجبنا بأن ذلك الهدف - ~~في بعض جوانبه - هو أن نصوغ مواطنا «حيا» «عليما» «قادرا» «مريدا» فلننظر - إذن - ~~إلى هذه الصفات عن كثب، مهتدين بشرح الغزالي لمعانيها؛ ولقد أسلفنا القول بأن تلك ~~المعاني تكون مطلقة حين تصف الله - عزل وجل - وتكون نسبية محدودة حين تصف الإنسان ~~المتحلى بها. # ونبدأ بصفة «الحياة»، التي - كما أشار إليها الزبيدي - لها أسبقية منطقية (لا أسبقية ~~وجودية) على سواها؛ فماذا تعني صفة «الحياة»؟ إنها - بداهة - لا تعني الجوانب التي ~~تلحق بالكائن الحي من طعام وشراب وتكاثر وما يدور مدارها؛ بل إن المعنى المقصود بها - ~~كما يحدده الغزالي - هو: الفعل، والإدراك؛ أما بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى، فالفعل ~~والإدراك يكونان مطلقين شاملين، لا تحدهما حدود، ولا يخرج عن نطاقهما شيء؛ وبعبارة ~~الغزالي: الحي المطلق هو الذي تندرج جميع الإدراكات تحت إدراكه، وجميع الموجودات تحت ~~فعله؛ حتى لا يشذ عن إدراكه مدرك، ولا عن فعله مفعول، وكل حي سواه تكون حياته قدر ~~إدراكه وفعله. # فماذا - إذن - عن الإنسان إذا أردنا له «الحياة» بهذا المعنى؟ إنه لا بد أن يكون ~~المحور هو أن نجعل منه إنسانا «مدركا» فعالا، ثم يكون التفاوت بين إنسان وإنسان ~~بمقدار ما بينهما من تفاضل فيما أدركه كل منهما، وفيما فعله كل منهما، وأقل درجات ms196 ~~الإدراك (والقول للغزالي) أن يشعر المدرك بنفسه، وبالطبع (والقول لكاتب هذه السطور) ~~يكون أقل درجات الفعل هو أن يوجه الإنسان فعله في الاتجاه الذي عرفه في نفسه حين ~~أدركها، فانظر أي نوع من الإنسان يتحقق لنا إذا نحن ربينا النشء والشباب على «حياة» ~~بهذا المعنى؟ حياة لا يخون فيها إنسان نفسه، حياة لا يخذل فيها إنسان طبيعة شعوره، حياة ~~يظل الإنسان يزيد فيها من مدركاته، ويزيد، ثم يزيد ما وسعته الزيادة، لا ليقف من ~~مدركاته موقف الأشل، بل ليحولها إلى فعل. # إن حياة الحي في دنيا البشر، لا تستحق اسمها إذا هي لم تكن في يومها أوسع إدراكا، ~~وأقوى فعلا، منها في أمسها، ثم لا تكون في غدها كذلك بالنسبة إلى يومها، فالحي المطلق ~~- سبحانه وتعالى - تحقق فيه منذ الأزل الإدراك كله والفعل كله، ولا كذلك تكون الحياة في ~~الإنسان، لأنها نسبية ومحدودة، ومن ثم كان حتما محتوما عليها أن تظل تنمو إدراكا ~~وفعلا، عصرا بعد عصر، إلى أن يشاء الله لها أمرا. # وإنه لمما يزيدنا فهما، في هذا الموضع من سياق الحديث، أن نذكر اسمين من الأسماء ~~الحسنى، يتصلان بما نحن الآن بصدده، وهما «النور» و«البديع»؛ ففي معنى «النور» كتب ~~الغزالي مؤلفا كاملا، هو كتابه «مشكاة الأنوار»، خصصه لشرح آية النور؛ فأقام ذلك ~~الشرح على أساس أن يكون النور هو المعرفة أو الإدراك، ثم جعل الإدراك يتدرج من الإدراك ~~بالبصر والسمع (وذلك هو المقصود بالمشكاة فيها مصباح)، فالإدراك بالعقل (وذلك هو ~~المصباح في زجاجة)، فالإدراك بالقلب (وذلك هو الكوكب الدري)، (يوقد من شجرة مباركة؛ ~~زيتونة، لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور)، وعلى هذه ~~البينة من الهدى يكون السير في كسب الإدراك بالنسبة إلى الإنسان: إدراكا للعالم المحيط ~~به، بالحواس، فاستخراجا للمعرفة العقلية في المبادئ العامة وقوانين العلم، ثم بلوغ ~~الحق في أسمى درجاته بالرؤية القلبية المباشرة، وتلك هي رؤية المتصوفة. # وفي هذا التدرج الإدراكي بالنسبة للإنسان يتاح لهذا الإنسان في كل ms197 درجة تالية أن يدرك ~~ما لم يدركه في الدرجة السابقة؛ وهنا يجيء المعنى المتمثل في اسم «البديع» - أي المبدع ~~- الذي يقول الغزالي في شرحه، بالنسبة للإنسان، إنه هو أن يختص ذلك الإنسان بخاصية لم ~~تعهد فيمن سبقه، ولا فيمن عاصره من الناس. # وإذا نحن ضممنا ما يتضمنه الاسمان «النور» و«البديع» فيما يختص بحياة الإنسان، من حيث ~~هو فرد، وكذلك من حيث هو نوع تمتد به مراحل التاريخ، رأينا كم هو مطالب بتوسيع مجاله ~~الإدراكي، ثم بأن يتحول إدراكه ذاك إلى فعل، ولن يكون ذلك التوسع في الإدراك كاملا في ~~معناه، إلا إذا «أبدع» الإنسان جديدا في كل مرحلة من حياته لتضاف إلى حصيلته في ماضيه، ~~وإلا إذا كان في كل مرحلة لاحقة أكثر نورا منه في المرحلة السابقة، وذلك كله لأنه ~~«حي». # ومن صفة «الحياة» ننتقل بحديثنا إلى صفة «العلم»، فهي - كالحياة وكسائر الصفات ~~المتضمنة في الأسماء الحسنى - تكون لله سبحانه وتعالى مطلقة لا تحدها حدود، وتكون ~~للإنسان نسبية محدودة، فكمال الله - عزل وجل - أنه محيط علما بكل شيء، ظاهره وباطنه ~~على السواء، وعلمه أزلي، ولا يغيب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وأما نصيب ~~الإنسان من العلم فهو محدود بحدود قدرات الإنسان على الإدراك، سواء أكان ذلك الإدراك ~~إدراكا بالحواس، أم كان إدراكا بالعقل؛ ولذلك فبينما علم الله كامل منذ الأزل، فإن ~~علم الإنسان يزداد مع الزمن؛ إذ يترتب على نقص علمه قابليته للزيادة النسبية، متجها به ~~نحو الكمال دون أن يبلغه، ونتج عن الفرق بين ما هو مطلق كامل، وما هو نسبي ناقص، أن كان ~~علم الله - سبحانه - منزها عن أن يكون إما كذا وإما كيت؛ لأن قيام الاحتمالات لا يكون ~~إلا فيما يشوبه نقص في الإحاطة الكاملة، على حين أن علم الإنسان كله خاضع لدرجات من ~~الاحتمال تزيد أو تنقص، ونتج كذلك من كون العلم الإلهي أزليا وكاملا، وعلم الإنسان ~~ناقصا وحادثا في مجرى الزمن، أن علم الله - سبحانه - لا يستفاد من الأشياء المعلومة، ~~بل ms198 الأشياء المعلومة هي المستفادة منه، على خلاف العلم البشري، فهو مستمد من الأشياء. ~~هذه كلها فروق واضحة بين علم الله وعلم الإنسان، لكنها فروق لا تمنع أن يكون الإنسان ~~مطالبا بحكم إيمانه الديني نفسه أن يزيد من علمه بالكائنات، وعلما بنفسه، ما وسعت ~~قدراته تلك الزيادة، ومهم جدا لنا في هذه المناسبة أن علم الإنسان هذا الذي نشير إليه ~~لا يقتصر على أن يظل الإنسان قابعا يكرر لنفسه هذه الحقيقة، مقروءة أو محفوظة، ألف ألف ~~مرة كل صباح من كل يوم، وإنما هو علم لا يتوافر له إلا وهو في المعامل أو في معاهد ~~العلم، أو في مراكز البحث أيا كان نوعها؛ يتفحص الأشياء التي تقع في مجال تخصصه ~~العلمي، ويدرسها ويستخرج قوانينها، فيسهم في زيادة الحصيلة العلمية في الحدود المتاحة ~~لطاقة البشر. # ومن صفتي الحياة والعلم، ننتقل إلى صفتي «القدرة» و«الإرادة»، فأما عن «القدرة» فنحب ~~أن نلفت النظر إلى أن المعنى يتضمن جانب التقدير الكمي؛ فالقادر ليس هو فقط الذي يستطيع ~~الفعل، بل هو الذي يستطيعه في إحكام وضبط لتفصيلاته، من حيث توقيت وقوعه في الزمان، ~~وتحديد مكان وقوعه، وبأي قوة يقع، وإلى أي النتائج يؤدي، وكل هذه تفصيلات تنضبط بأحكام ~~التقدير، وفي هذه المناسبة أود أن ألاحظ للقارئ ذلك الفرق في المعنى بين «القضاء» ~~و«القدر»، فلقد تعودنا أن نربطهما معا في عبارة واحدة، فنقول إن الحادث الفلاني قد ~~وقع قضاء وقدرا، لكن الفرق بين اللفظتين يلقي لنا ضوءا على معنى الضبط الكمي المتضمن ~~في صفة «القدرة»؛ وأقرب ما أوضح به الفرق بين «القضاء» و«القدر» هو أن أشير إلى الفرق ~~بين حكم يصدره القاضي، وبين تفصيلات التنفيذ التي يضطلع بها المكلفون بالتنفيذ؛ فحكم ~~القاضي «قضاء» بأمر، يأتي بعده تحديد لموعد التنفيذ ومكانه ووسائله، فالقول بأن الله ~~سبحانه وتعالى «قادر» يشمل ضمنا أنه إذ يقضي بأمر، فإنما يقضي وهو عالم بكل ما يحيط ~~بذلك الأمر من تفصيلات ونتائج. # وهذه «القدرة» المحكمة في حساب دقائقها ونتائجها، تكون كذلك صفة للإنسان، ولكن ms199 بدرجات ~~متفاوتة في ضبط الحساب، وليست هذه عند الإنسان كما هي عند الله سبحانه، من إحاطة لا ~~تغيب عنها صغيرة أو كبيرة؛ ومع ذلك فالإنسان مطالب بحكم عقيدته الدينية وإيمانه بالله ~~«القادر» مطالب بأن يكون قادرا ما استطاع أن يكون. # وهنا يأتي الحديث عن صفة «الإرادة» فالله - جل وعلا - مريد بإرادة مطلقة لا تقيدها ~~قيود، وأما الإنسان فهو كذلك مريد، ولكن إرادته تحدها حدود وتقيدها قيود. # والموصوف بالإرادة يكون مختارا فيما يفعله، غير مضطر إليه؛ إذ من لا اختيار له في ~~فعله فهو مضطر؛ ونحن إذا قلنا «إرادة» فكأننا قلنا في الوقت نفسه إن للمريد «قصدا» ~~يريد أن يتحقق؛ ومن هنا كانت إرادة المريد دائما اختيارا لقصد معين وحذفا لنقيضه أو ~~لضده، وهنا يأتي الفرق بين القدرة والإرادة؛ فالقدرة مستطيعة فعل هذا الضد أو ذاك، ~~ومستطيعة في هذه اللحظة من الزمان أو في تلك، وأما الإرادة فهي التي تختار بين الممكنات ~~المتاحة أحدها، وتختار بين الأوقات لحظة بعينها، هذا يكون بصورة مطلقة عند الله سبحانه، ~~ويكون بصورة منقوصة ونسبية عند الإنسان. # إننا في حدود الصفات الأربع التي عرضناها لو سئلنا: بأي هدف نربي الناشئ ونعلمه ~~ونثقفه؟ لكان الجواب: الهدف هو أن نخرج من ذلك الناشئ إنسانا تسري في عروقه حياة، ~~بمعنى أن يكون «فعالا دراكا» (بلغة الغزالي) ويكون ذا علم بما يحيط به ما أسعفته ~~في ذلك ملكاته، وذا قدرة بما تتضمنه القدرة من حسن التقدير، وصاحب إرادة تعرف كيف تختار ~~من الممكنات المتاحة لتتجه إليه بعزيمتها ... وكنا نستطيع أن نمضي بحديثنا حتى آخر الصفات ~~المتمثلة في أسماء الله الحسنى. # لكننا لا بد أن نذكر في ختام الحديث أن من أسماء الله - سبحانه وتعالى - أنه «واحد» ~~بمعنى أنه لا يتعدد، و«أحد» بمعنى أنه لا يتجزأ ولا ينقسم على نفسه، فإذا انعكست هاتان ~~الصفتان على الإنسان، محدودتين منقوصتين، كان الإنسان مطالبا بأن يكون موحد الشخصية: ~~عقلا، ووجدانا، وسلوكا. إن رسالة الإسلام هي التوحيد، وإذن فبالنسبة للإنسان يكون ~~التوحيد في بنيان كيانه ms200 أساسا وهدفا، فما يتجه إليه بقلبه ومشاعره يجب أن يكون ~~مسايرا لما يراه بعقله كذلك، ومنسئلا في فعله، وأحسب أننا لو أمعنا النظر في واقع ~~أفرادنا، لوجدنا شيئا آخر غير ذلك الكيان الموحد المنشود؛ إذ ما أيسر علينا أن نلبس ~~عدة وجوه، لنقابل كل موقف من مواقف الحياة بوجه يناسبه، ثم نسمي هذا الضعف والتمزق ~~لباقة وكياسة و«دردحة». # ألا إن الأخذ من هذا المعين الغني الغزير الفياض، ليطول بنا ما اتسع أمامنا الوقت ~~والجهد، على أننا مهما اغترفنا منه هداية لحياتنا، فسوف نكون على يقين من الصواب، بفضل ~~تلك البينات من الهدى. # | من خصائص الفكر العربي # 1 # إذا تحدثنا عن الفكر العربي وخصائصه، فينبغي أن يكون واضحا منذ البداية أن تمايز ~~الأمم في اتجاهاتها الفكرية لا يتضمن إنكارا للتجانس بين أفراد البشر جميعا في ~~فطرة العقل، فالعقل لا اختلاف في طبيعته بين إنسان وإنسان، لكن هذا التجانس إنما هو ~~في بنية العقل وإطار فاعليته، ولا شأن له بالمضمون الفكري الذي يملأ تلك البنية ~~وهذا الإطار، ونقصد ببنية العقل وإطاره تلك القوانين الفطرية التي يعمل العقل على ~~أسسها، وهي القوانين التي حددها أرسطو في ثلاثة: أولها قانون الهوية، الذي بواسطته ~~يستطيع العقل أن يدرك بأن شيئا معينا يراه الإنسان الآن، هو نفسه الشيء الذي رآه ~~بالأمس؛ وعلى قانون الهوية هذا يقوم علم الرياضة وتقوم علوم أخرى ومعارف لا حصر لها ~~في حصيلة الإنسان، والقانون الثاني هو أن النقيضين ليس بينهما وسط، فالشيء المعين ~~إما أن يكون هذا النقيض أو ذاك؛ لأنه لا ثالث بين هذين البديلين، كأن نقول عن اللون ~~إنه إما أن يكون أبيض، وإما أن يكون لا أبيض، وهنا نلفت النظر إلى الفرق بين ~~التناقض والتضاد، فأبيض ولا أبيض نقيضان ليس بينهما وسط، وأما أبيض وأسود فضدان، ~~وقد يكون بينهما وسط هو اللون الرمادي، والقانون الثالث هو عدم التناقض، بمعنى ~~استحالة أن يجتمع نقيضان معا في شيء واحد وفي لحظة واحدة. # تلك هي القوانين الثلاثة التي على أساسها يعمل ms201 العقل البشري، وهو متضمنة في ~~العمليات الفكرية التي ينشط بها العقل على تنوعها واختلافها، وهي التي لا ينفرد بها ~~عقل بشري دون سائر العقول، وأما المضمونات التي هي من تلك العمليات الفكرية بمثابة ~~اللحمة والسدى من قطعة النسيج، فهي التي تختلف من فرد إلى فرد، وتختلف بالتالي ~~باختلاف الشعوب؛ والأمر في هذا شبيه بقولنا إن أنوال الغزل والنسج واحدة عند البشر ~~جميعا، لكن المادة المغزولة المنسوجة هي التي تختلف من شعب إلى شعب، فواحد يغزل ~~الصوف وينسجه، والآخر يغزل القطن وينسجه، وأما الأنوال فهي واحدة في الحالتين، ~~وهكذا الحال في تجانس العقل بين الناس، ثم في اختلاف المضمون الفكري وتنوعه، ولولا ~~ذلك الاختلاف والتنوع في المضمون الفكري، لما استطعنا أن نميز الخطوط الفكرية عند ~~أمة كالأمة العربية، من تلك الخطوط عند أمة أخرى، كالفرنسية أو الهندية. # 2 # وأول ما يرد إلى الخاطر عند الحديث عن الفكر العربي وخصائصه هو طبيعة المكان الذي ~~يحيا فيه العربي، والذي يمارس العربي فاعليته ونشاطه بين جنباته، وذلك المكان هو ~~الصحراء الممتدة من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، تتخللها واحات خضراء، تصغر ~~حينا، وتكبر حينا آخر لتكون هي الأنهار ووديانها؛ فإذا عرفنا طبيعة ذلك الموطن ~~الصحراوي الذي هو مسرح الحياة والنشاط للأمة العربية جمعاء، استطعنا أن نضع أصابعها ~~على المعالم البارزة التي لا بد أن تكون هناك، مميزة للفكر العربي؛ وذلك لأن فاعلية ~~العقل لا تتحرك في فراغ، بل إنها محصلة التفاعل بين المكان وساكنيه. # وحسبنا في هذا المقام جانبان من طبيعة الصحراء في تفاعلها مع الإنسان، وهما ~~جانبان استخلصتهما ذات يوم، عندما كنت أقرأ وصفا لرحلة قام بها رحالة أوروبي عبر ~~الصحراء، فكان مما قاله أنه صادف في طريقه كومة كبيرة من علب الصفيح، كانت في الأصل ~~علبا حفظ بها الطعام لجيش أوروبي في معارك قتاله، وكان ذلك منذ عدة أعوام قبل ~~اليوم الذي شهدها فيه الرحالة، وهو يقول إن الذي استوقف نظره منها أنها كانت تلمع ~~تحت أشعة الشمس، وليس على صفيحها شائبة ms202 من صدأ كأنها خرجت من مصانعها لتوها. وأما ~~النقطة الثانية التي وقفت عندها حين قرأت وصف الرحالة لرحلته الصحراوية، فهي أنه لم ~~يكن في مستطاعه إذا ما أرسل بصره إلى الأفق البعيد، أن يميز بين المرئيات أيها أقرب ~~إليه من أيها، أي إن الامتداد الصحراوي من شأنه أن يمحو المسافة الفاصلة بين شيء ~~وشيء كالذي تراه العين عندما تنظر إلى نجوم السماء، فلا يكون في وسعها - بغير ~~استعانة بأجهزة العلم - أن تعرف بين نجمين أيهما أقرب إليها من الآخر. # وقفت عند هاتين الخاصتين من خواص الصحراء بالنسبة لساكنيها، فلم يكن عسيرا أن ~~أستدل منهما نتيجتين تظهران في تشكيل الفكر على مدى الزمن، عند أولئك السكان، أما ~~النتيجة الأولى فهي صفة الثبات والدوام، وأما النتيجة الثانية فهي صفة الإطلاق الذي ~~يتخلص من التغيرات النسبية في الأشياء، وبعبارة أخرى أقول إن ساكن الصحراء لا بد له ~~أن يخرج من خبرته في تفاعله مع بيئته بميل يميل به نحو ما هو دائم وثابت، لا يتغير ~~بتغير الأحداث الطارئة من لحظة في مجرى الزمن إلى اللحظة التي تليها؛ كما لا بد له ~~كذلك أن يخرج من خبرة حياته، بميل يميل به نحو مجاوزة الأحداث النسبية العرضية إلى ~~ما هو وراءها من وجود مطلق، لا فرق فيه بين بعيد وقريب؛ ومن هاتين النتيجتين نقول ~~عن الفكر العربي إنه نزاع نحو الفكرة الثابتة وراء المتغيرات، ونحو المبدأ المطلق ~~الذي منه تنبثق الكثرة النسبية في القواعد والتفصيلات؛ وعلى هاتين الخاصتين من ~~الفكر العربي سنقيم رؤيتنا إلى واقع الفكر العربي، كما وقع بالفعل إبان تاريخه، ~~لنرى في وضوح كيف تمثلت تانك الخاصتان في تشكيل الرؤية العربية. # ولعل الشاعر العربي القديم قد أجاد التعبير عن رغبة العربي العميقة مجاوزة ~~العوابر الزوائل، التماسا لما هو ثابت وصامد وأبدي وخالد، حين قال: # ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر # تنبو الحوادث عنه وهو ملموم # 3 # وتذكرنا هذه الوقفة العربية من التغير والثبات بوقفة اليونان الأقدمين، فهم كذلك ~~قد بدءوا تاريخهم الفلسفي ms203 بهذه القضية الفكرية ذاتها وهي البحث وراء الظواهر ~~المتغيرة عن الجوهر الثابت الذي لا يتغير، والذي يتجلى في تلك الظواهر المتغيرة، ~~لكن بين العربي واليوناني فرقا شاسعا من ذلك البحث عن الثبات والدوام وراء ما هو ~~ظاهر وعابر؛ وذلك أنه بينما اليوناني كان يجعل ذلك الثبات في مبدأ عقلي يفرضه هو ~~لنفسه، ليفسر على مقتضاه كل ما تشاهده حواسه من متغيرات، كان الثبات والدوام عند ~~العربي، هو الله - سبحانه وتعالى - الأحد الصمد الحي القيوم. # ومن هذا الاختلاف في نقطة البدء بين العربي واليوناني في الموقف الفكري لكل ~~منهما، فبينما اليوناني - ومن بعده الفكر الغربي كله - يتصور العلاقة بين المبدأ ~~الأول والمفردات التي تندرج تحته، على غرار ما يتصور النموذج الذي يضعه الصانع ~~ليخرج مصنوعاته على غرارها، وبالتالي تكون درجة الكمال في كل فرد وفي كل كائن مفرد، ~~متوقفة على الدرجة التي يقترب بها ذلك الفرد أو ذلك الكائن المفرد من النموذج الذي ~~كان ماثلا أمام الصانع، أقول إنه بينما كانت هذه هي الصورة التي تصور بها الفكر ~~اليوناني العلاقة بين المبدأ الأول ومفرداته، كان التصور عند العربي على خلاف ذلك؛ ~~إذ جاء تصوره هذا من حقيقة كون الله سبحانه وتعالى خالقا، وسائر الكائنات مخلوقات ~~له، ولقد ترتب على هذا الاختلاف أن جاز للفلاسفة في الغرب أن يغيروا ويبدلوا من ~~المبادئ الأولى التي يفترضونها أسسا تتولد عنها النتائج، في حين أن العربي ثابت ~~على تصوره؛ لأنه حقيقة أوحي بها إليه، وليست اختيارا من حقه أن يغير فيه، لكنه ~~إلى جانب هذا الاختلاف الجوهري بين الوقفتين كان هنالك بينهما من التشابه ما لا ~~يمكن إهماله، لأهمية ما ترتب عليه في التاريخ الفكري عند العرب والمسلمين، وهو أن ~~الإطار العام الذي يجعل الحقيقة العامة تأتي أولا، وتأتي بعدها مفردات الكائنات، ~~هو إطار مشترك بين الجماعتين، ومن هنا سهل على العقل العربي أيام الخليفة المأمون ~~أن يترجموا إلى العربية أهم جوانب الفلسفة اليونانية، وأن يتقبلوها، وأن يجروها في ~~شرايين الثقافة العربية بعد ذلك، وحسبنا ms204 أن نحلل الناتج الفكري عند عباقرة الفكر ~~العربي كالجاحظ، وأبي حيان التوحيدي، وأبي العلاء المعري، لنرى كم جاء ذلك الناتج ~~الفكري الجديد وليدا للعبقرية والعربية مطعمة بغذاء من الفلسفة اليونانية بعد ~~ترجمتها إلى اللغة العربية؛ ولو كان هناك تنافر في الإطار الفكري بين الفريقين لما ~~تقبل الذهن العربي تلك المادة الفكرية المنقولة إليه، كما لم تتقبلها ثقافات قديمة ~~أخرى، كالهندية والصينية مثلا، ولعل الشاعر الإنجليزي ردياردكبلنج، حين قال عبارته ~~المشهورة: «الشرق شرق، والغرب غرب، ولن يلتقيا.» كانت الهند ماثلة له أمام ذهنه، ~~بحكم حياته فيها؛ أما الشرق العربي فقد كان في كيانه العقلي ما يجعله قادرا على ~~تمثل الثقافة الغربية عندما نقلها هو بنفسه إلى نفسه من القرن الثالث ~~الهجري. # 4 # وإنه لمما يلفت النظر في التشابه بين اليوناني والعربي، نتيجة للتشابه القائم ~~بينهما في تركيبة الإطار الفكري، من حيث البدء بما هو حقيقة شاملة ومطلقة، ثم ~~النزول منها إلى الحقائق المفردة والجزئية، وذلك برغم اختلاف العربي عن اليوناني في ~~طبيعة نقطة البدء تلك، أقول إنه لمما يلفت النظر في التشابه بين الجماعتين أنهما ~~معا قد برعا في الفكر الرياضي براعة بلغت الغاية القصوى في ذلك الميدان، على خلاف ~~ما أبدياه من قدرة محدودة في العلم الطبيعي، وتعليل ذلك هو أن الفكر الرياضي ينصب ~~في الإطار المنهجي الذي رأيناه قائما عند اليوناني والعربي كليهما، وأعني الإطار ~~الذي يبدأ بما هو عام وشامل، نزولا إلى ما ينتج عنه من مفردات جزئية، فكذلك يكون ~~طريق السير في الفكر الرياضي، سواء أكان ذلك الفكر الرياضي في علوم الرياضة ذاتها ~~كالحساب والجبر والهندسة، أم كان في مجالات ثقافية وعلمية أخرى، تختلف موضوعا، ~~لكنها تتفق منهجا مع ذلك الإطار، كالفقه الإسلامي، وعلوم اللغة، وعلم الكلام، ~~فكلها يبدأ الفكر فيها مما هو عام، ليستخرج منه ما هو جزئي وخاص. # ولا غرابة - إذن - أن نجد المنهج العلمي، كما صاغه أرسطو في نظرية القياس، ~~ملائما للفكرين اليوناني والعربي على السواء؛ إذ تقتضي نظرية القياس الأرسطية، ~~التي نقلها العرب ms205 فيما نقلوه عن اليونان، بحيث أصبح علم المنطق شرطا أساسيا فيمن ~~يوصف بأنه مثقف أو فقيه أو عالم في أي ميدان من ميادين العلم، أقول إن نظرية القياس ~~الأرسطية تلك تقتضي أن يبدأ العقل بمقدمات مفروض فيها الصدق، ثم منها تولد النتائج ~~الصحيحة وفق قواعد معلومة ومحددة، يعرفها المناطقة ودارسو المنطق. # كانت السيادة المطلقة معقودة للمنهج القياسي، في الحياة الفكرية عند اليونان وعند ~~العرب على السواء، ومن ثم كانت لكليهما معا براعة الفكر الرياضي، وما يجري مع ~~الفكر الرياضي في فلك واحد، بل إنه عندما حدث لرجل ينبغ في العلم الطبيعي، عند ~~أولئك وهؤلاء معا، مثل أرشميدس عند اليونان، وجابر بن حيان عند العرب، فقد كان ذلك ~~الرجل لا يجد أمامه من سبيل إلا أن يصوغ علمه الطبيعي في قالب العلم الرياضي، بمعنى ~~أن يبدأ فيه بمقدمات عامة مسلم بصحتها بادئ ذي بدء، مع أن العلم الطبيعي محال له أن ~~يزدهر وينتج إلا إذا سار على منهج آخر، يبدأ فيه الباحث بما هو مفرد وجزئي، لينتهي ~~آخر الأمر إلى ما هو عام وشامل من قوانين العلوم، وذلك ما تنبهت إليه النهضة ~~الأوروبية في القرن السادس عشر الميلادي، فأنشأت إلى جانب المنهج الأرسطي القياسي ~~منهجا جديدا يصلح للبحث في ظواهر الطبيعة واستخراج قوانينها العلمية. # 5 # من حقنا أن نخلص مما أوردناه من أوجه التشابه ومواضع الاختلاف بين العربي ~~واليوناني إلى النتيجة الآتية، وهي أنهما إذا كانا متشابهين في إطار فكري تتجه فيه ~~حركة العقل من الكلي إلى الجزئي، ومن العام إلى الخاص، ومن المقدمات إلى النتائج، ~~فموضع الاختلاف الرئيسي بينهما هو أنه بينما الأولوية الأولى إنما تكون لمبدأ من ~~وضع العقل، فالأولوية الأولى عند العربي هي لحقيقة يتقبلها الوجدان، ثم يبدأ العقل ~~بعد ذلك في توليد النتائج منها. # وتتفق هذه الأسبقية الوجدانية عند العربي مع جذور فطرته، وما تلك الجذور إلا أن ~~العربي شاعر، إنه شاعر بالسليقة، ثم هو بحكم تلك السليقة الشاعرة يتميز في مقومات ~~شخصيته بما يتميز به كل ms206 شاعر عرفته الدنيا أو سوف تعرفه، ولعل أهم صفة تميز ~~الشاعر عن سائر عباد الله هي أنه بدل أن يعد نفسه ظاهرة من ظواهر الطبيعة، تراه ~~يؤنسن الطبيعة ليجعلها مندرجة مع الإنسان في وجدان واحد، إن الشاعر لا يرى غرابة في ~~التحدث إلى النجم والبحر والجبل، ولا يرى غضاضة في أن يجد أنسه مع شجرة وجدول ~~وعصفور، فالشاعر يخلع على الطبيعة الخارجية طابعه الداخلي، فينظر إلى كل شيء بمنظار ~~ذاته هو، ويقيس كل شيء بمعياره هو، فنتج عن هذه الوقفة الشاعرة نتيجتان خطيرتان في ~~حياة الفكر عند العربي؛ أولاهما: أنه إذا كانت عبقرية العربي هي في شعره، ثم إذا ~~كان محالا على الشعر أن ينقل إلى لغة غير لغته، ويظل محتفظا بكل قيمته، كان ~~العربي بهذا القدر نفسه مجهولا من الآخرين، فإذا عرفه الآخرون، لم يعرفوه على ~~حقيقته كاملة، ولقد ذكر الجاحظ هذه النقطة في المجلد الأول من كتابه «الحيوان» ~~وأفاض فيها القول، مشيرا إلى أننا قد يسهل علينا أن ننقل عن اليونان فلسفتهم ~~وعلومهم، وأن ننقل عن الفرس كذا وعن الهند كيت، لكنه محال على تلك البلاد أن تنقل ~~عنا أروع ما يمثلنا، وهو الشعر، وأما النتيجة الثانية فهي أن العربي بسبب رؤيته ~~الشاعرة يرى في الأشياء كيفها أكثر مما يسأل عن كمها، ولما كان إدراك الجانب الكمي ~~هو في الصميم من العلم الطبيعي، فالأرجح بناء على ذلك ألا يبرع العربي في علوم ~~الطبيعة، كما كان قد برع في علوم الرياضة، لا بل إنه - بحكم تلك الرؤية الشاعرة - ~~قد جبل على أن ينظر إلى كل ما يتصل بالطبيعة نظرة ازدراء؛ لأنها «مادة» من جهة وهو ~~مع الروح قبل أن يكون مع المادة، ولأنها «واقع» من جهة أخرى، والواقع كما توحي هذه ~~اللفظة نفسها، شيء وقع، أي هبط وسقط، ولم تعد له رفعة الحقائق الروحانية ~~وسموها. # وعلى ذكر الوقفة الشاعرة عند العربي، وأهمية الشعر في حياته الثقافية، لا بد لنا ~~من الإشارة إلى فروع تفرعت عن ذلك الأصل، منها أنه ms207 لما كان الشعر بطبيعته يتميز ~~بالعناية باللفظ وطريق سبكه، حتى ليمكن القول بأن الشعر جوهره في شكله لا في ~~مضمونه، أي إن المهم فيه ليس هو ماذا تقول، بقدر ما هو كيف تقول ما أردت أن تقوله، ~~وقد أشار الجاحظ أيضا إلى هذه الحقيقة عن الشعر، حين قال إنها ليست في المعاني؛ ~~لأن المعاني ملقاة على قارعة الطريق لمن شاء أن يلتقطها، أما سبك تلك المعاني في ~~الألفاظ المنتقاة لها، وفي الصياغة التي تنخرط فيها تلك الألفاظ، فذلك ما لا ~~يستطيعه إلا شاعر، أقول إنه لما كان الشعر ذلك هو جوهره، فقد وجد العربي نفسه ~~محكوما بفطرته الشاعرة، في شدة اهتمامه باللفظ، اهتماما كثيرا ما يصرفه عن ضرورة ~~أن تكون لذلك اللفظ دلالة تهدي الناس في دنيا الأشياء. # وكان مما تفرع أيضا عن اتجاه العربي بقوته نحو الشعر، أنه ازداد تمسكا بأن ~~يأخذ نماذجه العليا من التقليد، فالحكم على الشعر بالجودة مرهون بأن يجيء ذلك الشعر ~~على غرار ما نظمه فحول الشعر في الماضي، وإنه لمما يستوقف النظر حقا أنه بينما ~~اتجه المسلمون إلى الحط من شأن الجاهلية في كل جوانب الحياة، استثنوا الشعر، وجعلوا ~~مقياس الفحولة في الشعر ما نظمه نوابغ الشعراء في العصر الجاهلي، ولقد رأينا ~~الأصمعي حين أراد أن يحدد مقاييس الفحولة في الشعر، يتخذ شعراء الجاهلية سنده ~~ومرجعه، حتى غدا شاعر عظيم مثل ذي الرمة، مقصرا دون مرتبة الفحولة؛ لأنه لم ينظم ~~في كل أغراض الشعر التي نظم فيها كبار السابقين، فللشعر العربي عمود، وعلى الشاعر ~~أيا ما كان عصره، أن يعتصم بعموده. # 6 # قلنا إن نقطة البدء الأولى عند العربي، في شوطه الفكري، هي تلك الحقيقة الكبرى، ~~المطلقة من كل نسبية، الثابتة التي لا تتغير، الدائمة التي لا تزول، وقلنا إنه لا ~~يفرضها هو من عنده كما هو الشأن عند فلاسفة اليونان وهم يفرضون لأنفسهم مبادئهم ~~الأولى، بل إن العربي يتلقى تلك الحقيقة الكبرى وحيا، ثم يتقبلها بوجدانه إيمانا ~~وعقيدة، وقد ترتبت على هذا الموقف ms208 عدة نتائج من حياته الفكرية. # فالأحكام الخلقية عنده تهبط إليه من السماء أوامر تطاع، وليست هي - كما هي الحال ~~عند معظم فلاسفة الغرب - مأخوذة لنتائجها النافعة، أو لكونها تعمل على إسعاد الناس، ~~أو لأن الخبرة البشرية قد دلت على صلاحيتها، بل هي أوامر ونواه نزلت مع ما أنزل ~~على الأنبياء وحيا، يلتزم بها المؤمنون، حتى قبل أن يفحصوها من زوايا المنفعة ~~والسعادة وما ذهب هذا المذهب، وبهذه النظرة تكون القيم الأخلاقية عند العربي أمورا ~~مطلقة لا يقال عنها إنها نسبية بالقياس إلى مكان معين وعصر معين، حيث يجوز أن تتغير ~~كلما تغير المكان أو تغير العصر، وكذلك هي عند العربي حقائق موضوعية، وليست مرهونة ~~بميول ذاتية، وهي في موضوعيتها تلك أقوى رسوخا من الحقائق العلمية ذاتها؛ لأن هذه ~~الحقائق العلمية لا ضير علينا من تغييرها كلما ثبت بطلانها، وأما الحقائق الأخلاقية ~~فيتكيف لها الإنسان وهي لا تتكيف له ولظروف حياته. # ولسنا نشعر في ذلك كله بما يدعونا إلى تساؤل، لكن الذي قد يدعو إلى التساؤل ~~حقا، هو أن العربي لشدة تعلقه بموضوعية المثل العليا وإطلاقها من قيود النسبية؛ ~~يمد هذا الموقف حتى يشمل به الشعر، فهو في شعره لا يتغنى بامرأة بعينها في غزله، ~~حتى وإن وجه الخطاب إلى اسم معين، ولكنه في الحقيقة يخاطب المثل الأعلى للمرأة، ~~وهو إذ يصف جواده أو ناقته فهو لا يقف عند تفصيلات هذا الجواد المعين الذي هو جواده ~~ولا هذه الناقة المعينة التي هي ناقته؛ بل يصف المثل الأعلى للجواد أو للناقة، حتى ~~ولو لجأ إلى الكائن الفرد الذي بين يديه، وسيلة يتوسل بها للوصول إلى صورة المثل ~~الأعلى. # وكما تبدو منه تلك النزعة المشرئبة نحو الكمال في موضوعيته وفي تجريده وفي ~~مطلقيته، في ميدان الأخلاق، وفي مجال الشعر، فتلك النزعة أكثر ظهورا وأشد جلاء في ~~ميدان الفن، كالتصوير، إنه هنا لا يرسم «أفرادا» بتفصيلات الأفراد، سواء أكان ~~الكائن الذي يصوره إنسانا أم حيوانا أم نباتا؛ بل هو يصور «الفكرة المجردة» ~~بمعنى أنه ms209 يكتفي من الكائن الذي يصوره بالخطوط الخارجية لطريقة بنائه، وكأنه بذلك ~~يحاول أن يرسم، لا الجسد المجسد بحذافيره، بل «المعنى الذهني» لذلك الكائن، فانظر ~~إلى الرسوم على سجادة، أو فيما وردت فيه رسوم توضيحية من الكتب، تر شخوص الناس أو ~~الحيوان أو النبات أقرب إلى الأشخاص التخطيطية التي ذكرتها، لتوحي إلى المشاهد ب «الفكرة». # وقد نزداد وضوحا بالنسبة لهذه النزعة عند العربي في تفكيره إذا تأملنا اتجاهه في ~~الفن نحو الزخارف الهندسية، كالتي نراها - مثلا - على جدران المساجد وغيرها، أو ~~كالذي نراه من نقوش في الأواني وعلى الأبواب وغيرها، فها هنا نرى الفنان العربي ~~تجريدا في فنه قبل أن يسمع عصرنا الحالي بالفن التجريدي، وهل هنالك ما هو أمعن في ~~التجريد من أشكال هندسية؟ وهنا نلاحظ حقيقة بالغة الأهمية، وهي أن ميل العربي في ~~فنه إلى تكرار الوحدات، ويقابل ذلك من الشعر تكرار القافية، إنما يشير إلى ما ~~نتوقعه عند المشاهد، من أنه سيظل يتابع بعينه تلك الوحدات إلى نهاية الجدار، وها ~~هنا ينتقل من الواقع المحسوس أمامه، إلى دنيا الخيال فيظل يكرر الوحدة إلى ما لا ~~نهاية، إلى المطلق الذي لا تحده حدود ولا نهايات. # إن إدراك العربي للقيم الأخلاقية والفنية يختلف اختلافا بينا عن إدراك الغربي ~~لتلك القيم؛ وذلك أنه بينما يميز الفكر الغربي بين ما هو واقع مما هو مثل أعلى ~~ينبغي له أن يتحقق، تميزا يصل به إلى حد القول بأنه من طبائع الأمور أن يكون ~~محالا على ما هو واقع بالفعل مطابقا للمثل الأعلى، وإلا فقد المثل الأعلى ~~معناه، وكل ما يطلب مما هو واقع فعلي أن يجعل اتجاه تطوره وتقدمه نحو ما هو مثل ~~أعلى، حتى ولو لم يكن له قط أن يبلغه، أقول إنه بينما يفرق الفكر الغربي هذه ~~التفرقة بين ما هو كائن وما كان يجب أن يكون نرى الفكر العربي في مسألة القيم، ~~قائما على أساس أن ما هو واقع لا بد أن يجسد الكمال الأمثل؛ وأن ذلك الكمال لم ~~يخلق ms210 لكي يظل أملا معلقا في الهواء، بل خلق ليتحقق على أرض الواقع في الحياة ~~الدنيا، ربما كان هذا الاختلاف في الرؤية بين الفريقين، هو الذي مال بالعربي نحو ~~شيء من الزهد في ملاذ الحياة العابرة، وأغرى أبناء الثقافة الغربية بأن يعترفوا بما ~~هو محتوم على البشر من أوجه النقص، فعاشوا حياتهم على هذا الأساس. # وقد تتضح لنا هذه النقطة في المقارنة بين الرؤيتين إذا أمعنا النظر في بعض ~~الأسماء المتصلة بما نحن بصدد البحث فيه، في اللغة العربية وما يقابلها في اللغات ~~الأوروبية، فالأوروبي يستخدم لفظة «إيديال» للمثل الأعلى، وهي مأخوذة من الكلمة ~~التي معناها «فكرة»، أي إن المثل الأعلى لا يكون إلا في عالم الأفكار فحسب، كما ~~يستخدم كلمة «ريال» لتعني الواقع، وهي مأخوذة من كلمة لاتينية معناها «شيء» أي إن ~~ما هو واقع إنما يقتصر على الأشياء؛ ومعنى ذلك هو أن المقارنة بين ما هو واقع وبين ~~ما هو مثل أعلى هي مقارنة بين «الأشياء» من جهة و«الأفكار» من جهة أخرى، ولن تكون ~~الأشياء أفكارا، كما يستحيل على الأفكار المجردة أن تطابق واقعها تطابقا ~~تاما. # وأما في اللغة العربية فالأمر مختلف كل الاختلاف؛ إذ إن كلمة «مثل» أو «مثال» ~~تتضمن لغويا أن يكون المثل أو المثال أشياء في دنيا الواقع، وكل ما في الأمر هو ~~أن الشيء يكون «مثالا» لغيره من مفردات جنسه، إذا كان الكمال قد تحقق فيه، فالجواد ~~«المثالي» ليس مجرد فكرة ذهنية عن ذلك الجواد، بل هو جواد حقيقي فعلي مجسد بين ~~الجياد، إلا أنه أكمل من سواه، ولهذا فقد أصبح معيارا يقاس إليه سائر الجياد؛ ~~وكذلك كلمة «واقع» في العربية تتضمن معنى الهبوط أو الانحطاط إلى الأسفل، وإذن تكون ~~المقارنة - في العربية - بين «المثال» و«الواقع» مقارنة بين شيئين في عالم الحس، ~~أحدهما أكمل من الآخر، على خلاف ما رأيناه في الأسماء باللغات الأوروبية، إذ تدل ~~المقارنة هناك بين «الإيديال» و«الريال» على مقارنة بين أذهان وأعيان، أي بين فكرة ~~ذهنية من جهة وشيء من دنيا ms211 الحس من جهة أخرى. # وأظن أن الفرق اللغوي بين الحالتين يبين لنا ما قلناه عن الفرق بين رؤية العربي ~~ورؤية الغربي إلى «القيم»، فالعربي يرى أن القيم بكل سموها يجب أن تتجسد في الأشياء ~~والأفعال، في حين يرى الغربي أن ذلك مناف لطبائع الأمور؛ إذ من طبيعة الفكرة ~~الذهنية النموذجية أن تظل أمام الناس هدفا منشودا يقترب منه شيئا فشيئا، وأما ~~أن نتوقع للفكرة أن تتجسد بكل كمالها في أشياء وأفعال فذلك بمثابة أن نكلف الأمور ~~ضد طباعها. # 7 # وما دمنا نسوق الشواهد من المفردات اللغوية؛ لنستدل الفوارق المميزة للفكر ~~العربي، فذلك يستوجب منا وقفة قصيرة عند اللغة العربية وخصائصها؛ فما من شك في أن ~~لغة القوم هي المرآة العاكسة لما جبلوا عليه من لفتات الفكر والعاطفة وغيرهما من ~~ظواهر الحياة الشعورية واللاشعورية على السواء؛ فإذا رأينا اختلافات جذرية في خصائص ~~اللغة العربية عن خصائص لغة أخرى كالإنجليزية مثلا، تحتم أن تكون تلك الاختلافات ~~دالة على اختلافات تقابلها في التكوين الفكري والشعوري بصفة عامة عند ~~الأمتين. # وفي مستطاعنا أن نقع على مئات المواضع التي تشير إلى ضروب من الاختلاف بين اللغة ~~العربية واللغة الإنجليزية مثلا؛ فلماذا تحتم الإنجليزية أن تكون الجملة فعلية ~~دائما، في حين تجيز العربية الجملة الاسمية التي لا فعل فيها؟ ولماذا تضع ~~الإنجليزية الصفة قبل موصوفها، في حين نرى عكس ذلك من اللغة العربية؟ ولماذا يجيء ~~الفاعل قبل الفعل في الإنجليزية، في حين يكون الفعل سابقا للفاعل (غالبا) في ~~العربية؟ ولماذا يكون التقسيم في العربية إلى مفرد ومثنى وجمع، في حين تستغني ~~الإنجليزية عن المثنى؟ ولماذا؟ ولماذا؟ إلى آخر هذه المواضع التي تختلف فيها ~~اللغتان، وبالتالي يختلف الفكران في هذه الأمة عنه في تلك. وحسبنا هذه الإشارة إلى ~~اللغة ودلالتها على الفكر، فليس هذا المقام مقام القول الفصل في هذا ~~الموضوع. # 8 # وفكرة أخرى وأخيرة، نشير إليها إشارة قصيرة عابرة، وهي ما قد تميز به الفكر ~~العربي من توسط يجمع الطرفين المتباعدين في نقطة التقاء واحدة؛ فمن ms212 ينظر إلى التراث ~~الفكري عند أبناء الغرب في جملته، لا يخطئ أن يرى النزعة المنطقية العلمية غالبة، ~~ومن هنا ازدهر الفكر المجرد في مجال العلم ومجال الفلسفة معا؛ وأما من ينظر في ~~التراث الفكري عند أبناء الشرق الأقصى - كالهند والصين - فكذلك لا يخطئ أن يرى ~~النزعة الصوفية واضحة، ونعني بالنزعة الصوفية ضربا من الإدراك للحقيقة، لا ينبني ~~على المنطق العقلي واستدلالاته، بل ينبني على الإدراك الحدسي المباشر، أو قل على ~~إدراك البصيرة، أو إدراك القلب، أو الإدراك الوجداني، أو ما شئت من هذه ~~الأسماء. # لكن انظر إلى الفكر العربي في جملته أيضا، تدرك في وضوح قدرته الفريدة على جمع ~~الفكر المنطقي والرؤية الصوفية معا في كيان واحد، ولقد كانت الثقافة العربية هي ~~الوحيدة بين سائر الثقافات، وخصوصا بعد الإسلام، التي جمعت بين دفتيها في تمثل ~~كامل: فلسفة أفلاطون وأرسطو مضافا إليها علوم اليونان، وتصوف الهند وفارس، حتى بات ~~مألوفا لنا أن نطالع في تراثنا العربي الفارابي وابن سينا وابن رشد، جنبا إلى جنب ~~مع الحلاج وابن عربي وجلال الدين الرومي. # ولقد أعانتنا اللغة العربية على هضم الغذاءين معا، على ما بينهما من شقة واسعة ~~من التباين، ففي اللغة العربية طاقة وجدانية جعلتها مهيأة للشعر والتصوف؛ كما أن ~~فيها قدرة على بيان الفواصل الدقيقة بين مختلف المعاني، ساعدتها على التفكير العلمي ~~في أعلى درجاته وأدقها. # | حسبك من بستان زهرة # قال الغلام إذ بلغنا حافة بستان، كان الربيع قد فرشه ببساط من الزهر، الذي يخطف ~~الفؤاد ويخطف معه البصر، فألوان الزهور متسقة في اختلافها، هادئة الحركة برءوسها، بدفعة ~~خفيفة من الهواء اللطيف، وتحت شمس حانية، قال الغلام بشهقة المأخوذ: الله! ما أجمل ~~الزهور! فقلت له: نعم يا ولدي ما أجملها وأحلاها، لكنك لن تبلغ من حلاوتها وجمالها ~~مرادك، إلا إذا حصرت انتباهك في زهرة واحدة، تتأمل فيها صنعة الذي خلقها وبرأها ~~ولونها وسواها! إن معرفة الإنسان لحقائق الأشياء وأسرارها لن تأتيك إذا أنت رأيتها ~~ب «الجملة»، وإنما تأتيك طائعة إذا أفردت لها ms213 عنايتك واحدة واحدة، فلكل كائن على وجه ~~الأرض، صغيرا كان أو كبيرا، نباتا أو حيوانا أو إنسانا، شخصيته الفريدة المنفردة، ~~التي يختلف بها عن سائر أفراد نوعه، فكيف به اختلافا عن سائر الأنواع، حتى ليخيل إلي ~~يا ولدي، أن هذه الحقيقة المذهلة عن خلق الله، هي التي كان ينبغي أن تكون الدرس الأول، ~~منذ أول يوم يلتحق به طفل بمدرسة، ليتحقق ذلك الطفل فيما بعد، ماذا تكون «الديمقراطية» ~~بين أفراد الناس في الأمة الواحدة، حتى لا يطمس أحد أحدا، ولا يتعالى أحد على أحد، ~~لأن كل أحد من الناس، والزهور، والطيور، وحتى ديدان الأرض وخنافسها - إذا تأملته - ~~وجدته فردا فريدا، يختلف ولو قليلا عن سائر أفراد نوعه، ودع عنك اختلافه عن سائر ~~الأنواع. # وأما بعد، فهيا بنا، أنت وأنا، نوجه أنظارنا إلى زهرة واحدة، ولنغض البصر مؤقتا عن ~~بقية البستان، فرؤية المجموع دفعة واحدة تضيع معها حقائق الأفراد، انظر أولا إلى هذه ~~الزهرة التي أمامنا، في درجات لونها وأطيافه، فلو سألتك: ما لون هذه الزهرة؟ فقد تجيبني ~~متسرعا: إنها حمراء، لكن دقق النظر يا ولدي، تجد احمرارها هذا الذي أجملته أنت في كلمة ~~واحدة، إنما هو عدة درجات، وإنك لتظلم الزهرة إذا جردتها من تراثها اللوني الغزير، ولست ~~أدري إن كنت وأنت من أنت في سنك الصغيرة، تستطيع أن تفهم عني ما أقوله، إذا قلت لك إنه ~~ربما كان السر في تخلفنا بالنسبة إلى من تقدموا من شعوب عصرنا، هو أننا نعلم ~~أبناءنا حقائق الأشياء ب «الجملة» ولا نعنى بتربية العين والأذن وسائر الحواس، قف مع ~~نظيرك من شباب تلك الشعوب الناهضة في بستان كهذا، وانظر كم ترى عيناه منه وكم ترى ~~عيناك، كم تسمع أذناه من أصواته وكم تسمع أذناك، سيأخذك العجب يا ولدي، حين تخرجان ~~معا، فإذا بزميلك قد عرف الكثير، وأنت لم تعرف إلا أقل من القليل، وذلك لأن أهله عرفوا ~~كيف يربون منه العين والأذن، ليرى وليسمع، ما لا تراه أنت وما لا تسمعه، وأريد لك ms214 أن ~~تتنبه - قبل أن نترك لون الزهرة في غناه - إلى أن ذلك النسق اللوني بكل روعته وكثرته ~~إنما هو مأخوذ من هذا التراب الذي تحت قدميك، وأن أريج الزهر الذي تشمه فيها هو عطاء ~~هذا التراب الذي تطؤه بقدميك. # ولننتقل بأبصارنا إلى ورقات الزهرة وكيف رصت صفوفها، وكيف تدرجت أحجامها مع تتابع ~~تلك الصفوف، من الأكبر إلى الأصغر، ولكي أطلعك على بعض سرها العجيب، أروي لك حقيقة ~~عرفتها عن الأسس الرياضية الكامنة في ذلك الترتيب، فلقد وقفت مرة على نبأ يروي عن رجل ~~إيطالي من رجال الدين في العصور الوسطى، وكان الرجل ذا موهبة رياضية، واسمه فيبوناتشي ~~(في أوائل القرن الثالث عشر الميلادي) فدفعته موهبته الرياضية إلى النظر في أوراق وردة، ~~ليرى إن كان التدرج في مساحة الورقات، يجري على نسبة رياضية معينة، وما أشد فرحته إذ ~~وجد تلك النسبة، وضبط مقدارها، وإذا لم تكن الذاكرة قد خانتني، فقد وجد فيبوناتشي أن ~~النسبة بين الورقة في أي صف، وأي ورقة في الصف الذي يليه، هي (1: 1,618) أي أن اتساع ~~الورقة في الصف الأكبر يساوي اتساع الورقة في الصف الأصغر والتالي له مباشرة، أكثر ~~قليلا مرة ونصف المرة، ثم يأتي بعد ذلك ما هو أعجب، فقد فكر الرجل في أن يتعقب ظواهر ~~أخرى في النبات والحيوان، ليرى إن كان في تتابع أجزائها مثل تلك النسبة، فوجد النسبة ~~نفسها قائمة في القشور الخارجية لثمرة الأناناس، وفي خلايا النحل، وفي تناسل الأرانب، ~~ثم اسمع ما هو أعجب وأعجب، فقد اشتدت الرغبة عند الرجل في أن يتوسع في مجال التطبيق، ~~فبحث في فن العمارة الروماني متمثلا في روائعه، وإذا تلك النسبة قائمة كلما وجد وحدات ~~معمارية متدرجة الأحجام، ونظر في بحور الشعر الروماني، فوجد أن التفعيلات في بعض تلك ~~البحور، تتدرج أطوالها بالنسبة ذاتها، ولنا أن نضيف إلى تلك الحقائق حقيقة أخرى، وهي أن ~~أرسطو فيلسوف اليونان قد ذكر بأن هنالك نسبة رياضية معينة إذا توافرت بين أضلاع ~~المستطيل، كان ذلك المستطيل أحب إلى ms215 عين الإنسان من أي مستطيل آخر فيه نسب أخرى بين ~~أضلاعه، ولذلك أطلق عليه أرسطو اسم المستطيل الذهبي، وكانت تلك النسبة الذهبية هي نفسها ~~التي وجدها فيبوناتشي في طائفة كبيرة بحثها، من ظواهر الطبيعة نباتا وحيوانا، ومن ~~آثار الفن عمارة وشعرا. # والآن فانظر يا ولدي كم وجد رجل واحد في وردة واحدة، وقف عندها فاحصا باحثا مدققا، ~~ولو كان قد اكتفى بنظرة إلى البستان في جملته، بكل ما فيه من أشجار وأزهار وحشائش ~~وأعشاب، وشهق من الدهشة قائلا: الله! ما أجمله من بستان! كما فعلت أنت عند قدومنا إلى ~~هذا المكان، لما فرح بشيء مما رأى. # قف - يا ولدي - عند جزئية واحدة، من المجموعة التي أنت بصددها، وتعقب دقائقها ~~وأسرارها، تزدد علما أكثر ألف ألف مرة مما تزداده الآن بتلك النظرات السريعة الشاملة، ~~فسألني الغلام عند هذا الموضع من حديثي إليه قائلا: وهل كنت تفعل ذلك منذ طفولتك ~~وصباك؟ أجبته بقوله: لا، لقد كنت مثلك عندما كنت في مثل سنك، أنظر النظرات الخاطفة، ~~وأطلق الأحكام السريعة الشاملة، بل ظللت كذلك حتى أوغلت في مرحلة الشباب، وإني لأذكر ~~جيدا كيف كنت أزور متاحف الفن، إذ كنت أهرول في أبهاء المتحف وغرفه، أنظر هنا، أنظر ~~هناك، بل وأمشي أحيانا وكأن العينين مغمضتان عما حولي، ثم أزعم أني زرت المتحف ~~الفلاني، أما بعد أن تعلمت كيف أنظر، فقد أصبحت أزور المتحف من متاحف الفن، لأقضي ~~النهار كله في غرفة واحدة، وأذكر مرة رأيت لوحة من الفن الحديث، موضوعها شاطئ البحر في ~~الصيف، أغرتني بالجلوس أمامها متأملا دقائقها مدة ساعتين، ولو طاوعت نفسي لواصلت ~~الجلوس والتأمل، وذلك لأن اللوحة تكاد تشيع حولها برودة البحر ومرح المصطافين، على نحو ~~يدفعك دفعا إلى الشعور بأنك بالفعل في ذلك المكان، فأردت أن أتتبع مكونات اللوحة ~~واحدا واحدا، ومجموعة مجموعة، لعلي أقع على سر ذلك الإشعاع والنشوة. # إن الفرد من عامة الناس - يا ولدي - يعرف الماء والهواء والخضر والحديد والنحاس، يعرف ~~القطن والقمح والفول والعدس، يعرف ذلك كله، ms216 ويستخدمه في حياته العملية، لكن قارن معرفته ~~تلك بمعرفة العلماء في مجالاتهم المختلفة، تجد العالم يطيل الوقوف عند جزئية واحدة من ~~مجال بحثه، قطرة واحدة من الماء - مثلا - أو جزئية من جزئيات النحاس، ويظل يحلل ويحلل، ~~حتى يخرج للناس من ذلك التحليل بالعناصر التي يتركب منها الماء، أو بخصائص النحاس حتى ~~يصل فيها إلى عدد الكهارب المكونة لكل ذرة من ذراته، وإنك يا ولدي ترى الضوء كما يراه ~~العالم، وتسمع الصوت كما يسمعه، لكن انظر إلى العالم كيف يرى ويسمع، إنه يبحث ويبحث ~~حتى يصل إلى الأطوال المختلفة لموجات الضوء وموجات الصوت، ويقيس سرعة الضوء وسرعة ~~الصوت، أتدري ما نتيجة مثل هذه الرؤية الباحثة الفاحصة؟ إن العلماء وقد عرفوا من قطرة ~~الماء كيف تتركب، بأن في مستطاعهم أن يصنعوا الماء، وأن العلماء وقد عرفوا تفصيلات ~~الموجة الصوتية والموجة الضوئية، استطاعوا أن ينقلوا الصوت بالراديو، وأن ينقلوا الضوء ~~(اللون) بالتليفزيون. # قف طويلا عند الجزئية الواحدة من أي شيء تريد معرفته، حتى لو كان الأمر يتطلب منك في ~~النهاية أن تلقي النظرة الشاملة على الكيان في مجموعه، فإن علمك بالجزئيات التي دخلت في ~~إقامة ذلك الكيان، يجعلك فيما يشبه النور، انظر إلى الفرق بين رؤيتك لجسم الإنسان من ~~ظاهره، ورؤية العالم بتشريح ذلك الجسم تشريحا يعرف به المكونات الداخلية من أجهزة ~~مختلفة وكيف تعمل، وتفصيلات كل جهاز منها على حدة، وتفصيلات علاقاته بسائر الأجهزة. كنت ~~فيما مضى أقرأ كتاب الله مرة كل شهر - أقرأ جزءا كل يوم - ثم تعلمت كيف أقرؤه سورة ~~سورة، وآية آية، ويدهشك - يا ولدي - إذا بينت لك الفرق بين الحالتين، إن استطلاع ~~السطح لا يغنيك شيئا عن ارتياد الأعماق. وبمناسبة حديثي إليك عن المقومات الداخلية في ~~الجزئية الواحدة، أذكر لك يوما وقفت فيه طويلا طويلا عند سورة التين، وقصة ذلك بشيء ~~من التفصيل، هي أني صادفت في أحد أسفاري باحثة بريطانية مستشرقة، أو قل على وجه التحديد ~~إنها مستعربة، تدرس ما أمكنها أن تدرسه من اللغة العربية والفكر ms217 العربي ، والأدب العربي، ~~فلما عرفت أني مسلم، سألتني: أرجوك أن ترشدني إلى أي الأنبياء تشير كلمة «التين» في ~~سورة: والتين والزيتون، وطور سينين وهذا البلد الأمين؟ فقلت لها: إنني لا أعرف أنها ~~تشير إلى نبي. قالت: ولكن الأسماء الثلاثة التالية لها في القسم تشير كل منها إلى ~~نبي. فالزيتون إشارة إلى عيسى، وطور سينين إشارة إلى موسى، والبلد الأمين إشارة إلى ~~محمد (عليهم جميعا الصلاة والسلام)، قلت لها: إن الذي أعرفه هو أن مثل هذه الإشارة ~~إنما يقتصر على طور سينين؛ لأنه جبل موسى، والبلد الأمين؛ لأن المقصود به هو مكة ~~المكرمة، أما التين والزيتون فلا أعلم عنها ذلك. # وانتهزت أول فرصة مواتية، ورجعت إلى تفسير الطبري، فوجدته - كما توقعت - يقول عن ~~التين إنه التين الذي يؤكل، وعن الزيتون إنه الزيتون الذي يعصر، إذن فليس هو جبل ~~الزيتون الذي هو ذو شأن في حياة المسيح - عليه السلام - ولم أقف في تفسير الطبري عند ~~هذا الحد، بل أكملت قراءته إلى نهاية السورة، وهي سورة كنت قد عشت معها ساعات، أستبطن ~~معانيها وأعماقها قدر استطاعتي، فوجدت بين تفسير الطبري لها، ورؤيتي لها، اختلافا أبعد ~~ما يكون الاختلاف، وبالطبع حين يكون اختلاف في مجال كهذا، بين عابر سبيل مثلي، وبين ~~إمام كالطبري، تكون الأولوية لرأيه، ولكن تلك الأولوية لا تلغي وجودي، فما زلت أدهش لما ~~قاله الطبري عن معانيها، ولا أملك إلا أن أجعل الرجحان لرؤيتي، وإني إذ أستعين بالله ~~وأستغفره، سأعرض وجهتي النظر في إيجاز. # بعد أن أقسم الله سبحانه وتعالى، بالتين والزيتون، وطور سينين وهذا البلد الأمين، قال ~~جل شأنه: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ~~* ثم رددناه أسفل سافلين * إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ~~. # يرى الإمام الطبري أن «أحسن تقويم» معناه أعدل خلق وأحسن صورة، وأن «أسفل سافلين» هو ~~أرذل العمر، أي مرحلة الهرم التي تذهب فيها العقول ويحدث الخرف، أي إن مجمل المعنى هو: ~~لقد خلقنا الإنسان في أجمل صورة، ثم رددناه إلى قبح الشيخوخة ms218 إذا صحبتها حالة الضعف ~~العقلي، ويمضي الطبري في هذا الخط في تفسيره، فيكون معنى # إلا ~~الذين آمنوا ... # أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات تصان لهم صحتهم وقوة ~~شبابهم، وهؤلاء المؤمنون «لهم أجر غير ممنون»، أي إنهم ينالون أجرا غير منقوص؛ إذ هم ~~يظلون أقوياء على العمل. # وأستعين الله وأستغفره مرة أخرى، إذا قلت إن تفسيرا كهذا لا يصادف عندي قبولا، ولا ~~ما يقترب من القبول؛ لأنه يضيع علينا قوة المعنى الصحيح وعمقه واتساع آفاقه؛ وأول ~~الاختلاف بين الرؤيتين، هو في معنى «أحسن تقويم»، فلا أظن أن التقويم هنا يشير فقط إلى ~~الشكل الخارجي والصورة الظاهرة في جسم الإنسان، وإنما الإشارة هنا إلى ذلك الجهاز ~~الإدراكي القادر، الذي وضعه الله جلت قدرته، في الإنسان، فهنالك في باطن الإنسان قدرة ~~عاقلة أولا، تعرف كيف تستدل استدلالا صحيحا عما يعرض لها من أحداث ومواقف، ومع تلك ~~القدرة العقلية هنالك العواطف والمشاعر والمواهب المختلفة ثم الغرائز الحيوية، ذلك هو ~~«التقويم»، وبالطبع تعد الحواس الظاهرة والحواس الباطنة جزءا من ذلك التقويم، فليس ~~التقويم الذي خلق الله الإنسان عليه، والذي قدم له بقسم يشير إلى الأنبياء هو شكل ~~الجسم وصورته، بل هو «حشو» الجسم - إذا صح هذا التعبير - حشوه بكل ما فيه من قدرات. ~~ولنلحظ أننا حين نقول عن شيء ما إن «قوامه» هو كذا وكذا، فإنما نعني بذلك عناصره ~~و«مقوماته» فضلا عن أن «القيم» مشتق لفظها من الأصل اللغوي الذي تفرعت عنه كلمة ~~«التقويم». # وأهم ما نلفت النظر إليه هنا هو أن ذلك الجهاز الإدراكي والمحرك للإنسان وهو على ~~فطرته، يكون «محايدا» ويستطيع صاحبه أن يستخدمه في أعمال صالحات، كما يستطيع أن ~~يستخدمه في السوء، وإرادته ساعة اختيار هذا الطريق أو ذاك هي التي تجعله إما بين الذين ~~آمنوا، الذين يؤجرون أجرا لا يمن عليهم به؛ لأنهم يستحقونه (وإني لأعجب من تفسير ~~الطبري للأجر غير الممنون بأنه الأجر غير المنقوص). وإما تجعله بين الذين يردون أسفل ~~سافلين يوم الحساب. # استرسلت في حديثي ذاك، وكأنني نسيت الغلام ms219 الذي كان هدف الخطاب، وكنا عندئذ نجلس ~~في الحديقة على مقعد خشبي، فنظرت إليه لأجده قد أثنى عنقه إلى الوراء قليلا، ليسدد ~~بصره إلى شفتي، ليرى كيف يتحركان بعبارات، ربما فهم بعضها وغاب عنه المعنى في بعضها ~~الآخر، فلما لمحت ذلك في عينيه، قلت: لقد كنت أحدثك يا ولدي في ضرورة الوقوف عند جزئية ~~واحدة مما نريد أن نفكر فيه، لكي نحسن التصور والفهم؛ لأن أخذ الموضوع ب «الجملة» من ~~شأنه أن يضيع علينا رؤية الدقائق، فافرض - مثلا - أنك تريد أن تعرف بدقة ووضوح موقف ~~الأمة العربية في حالتها الراهنة، فلا يجديك كل الجدوى أن تسمع عن آلاف الملايين من ~~الدراهم أو الدنانير أو الدولارات أو الجنيهات، التي أصبحت تجري كالأنهار تحت أقدامنا، ~~لكن الصورة تكون أشد وضوحا، إذا أنت وقفت طويلا عند نبأ يقول إن شابا عربيا من ~~الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، قد أرغم تحت تهديد السلاح من جندي إسرائيلي أن يسير ~~على أربع - على اليدين والقدمين - نابحا كما تنبح الكلاب، فهل تصدقني يا بني، إذا قلت ~~لك إن عيني قد دمعتا حين قرأت النبأ؟ نعم، ولقد قرأت كذلك بعدئذ أن الحكومة ~~الإسرائيلية قدمت جنديها إلى المحاكمة؟ لكن ما حدث قد حدث، وإنه لمن أركان المنهج ~~العلمي أن واقعة واحدة تنفي زعما مزعوما، تكفي لرفض ذلك الزعم، حتى لو أيدته آلاف ~~الوقائع الأخرى، فانظر ماذا تجد، إذا سمعت منا ادعاءنا، عن الأمة العربية أنها - في ~~يومنا هذا - بخير، بدليل الملايين التي تجري كالأنهار تحت أقدامها، ثم سمعت عن هذه ~~الواقعة الواحدة، تحدث لشاب عربي واحد، فماذا أنت قائل؟ # إنه لسوء طوالعنا نحن البشر ألا يكون لنا ذلك الخيال القوي، الذي نتصور به حقائق ~~الناس في يأسهم وفي بؤسهم، ونحن على مبعدة منهم، وهل كان يمكن - لو كان للبشر مثل هذا ~~الخيال الناصع، الذي يرى الأحداث وبشاعتها، حين تحدث على غير مرأى من العين - هل كان ~~يمكن لإنسان أن يقدم على إقامة عمارة فوق أسس من الغش والخديعة، لتنقض ms220 على رءوس ~~ساكنيها؟ قف يا ولدي عند جزئية واحدة لتتصور وتفهم؛ لأنك إذا اكتفيت بالحقائق في ~~تعميمها وتجريدها، كنت كمن يسمع معادلة رياضية لا يعلم من رموزها إلى أي شيء تشير، قف ~~من قصة العمارات المنهارة عند ذلك الرجل الذي ترك زوجته وأولاده في المسكن «الجديد»، ~~وذهب ليؤدي صلاة الجمعة ثم عاد ليجد العمارة أنقاضا مكومة على جثث زوجته ~~وأولاده. # نعم إن «العلم» لا يكون إلا بالتجريد والتعميم واستخلاص الأحكام العامة من المعطيات ~~الجزئية المحسوسة، فعلم النبات - مثلا - يدرس هذه الزهرة التي بدأنا بها حديثنا هذا، ~~لا يدرسها ليقف عندها، بل ليستخرج منها القوانين العامة التي تصدق عليها وعلى جميع ~~أفراد نوعها، فإذا ما تحققت له تلك القوانين، نسي الزهرة وأهمل شأنها، لكن الإنسان - يا ~~ولدي - بقدر ما يريد «العلم» في تعميماته وتجريداته تلك، فهو كذلك مضطر أن يحيا حياته ~~اليومية العملية مع أفراد الناس ومفردات الأشياء، فأنت لا تتعامل مع «الإنسانية» أو مع ~~«الأمة»، وإنما تتعامل مع إسماعيل وأحمد وفاطمة وزينب، وأنت لا تتعامل مع «الدولة» أو ~~مع «الحكومة»، بل تتعامل مع هذا الموظف الواحد المعين الجالس إلى مكتبه يقرأ الصحيفة ~~ويقضم الساندوتش ويرفض إنجاز شئونك في مواعيدها. # أريد لك أن تفتح عينيك وأذنيك وقلبك وعقلك، حتى لا تفلت منك الأفراد والمفردات في ضجة ~~العبارات العامة المبهمة الغامضة، فإذا قيل لك - مثلا - إن «الهدف» الأسمى الذي يجب أن ~~نضعه نصب أعيننا جميعا هو قوة الوطن وازدهار الشعب، فانظر بدقة إلى «الوسائل» التي ~~تخطط لتحقيق ذلك «الهدف» النبيل، فإذا وجدت من الوسائل أن تكم الأفواه وتجوع ~~المعدات وتذل النفوس، فارفض أن يكون سمو الهدف مبررا لسفالة الوسيلة؛ لأن هذه ~~الوسيلة هي فلان الفلاني الذي خلقت له معدة لتأكل، ولسان ليتكلم، وعقل ليفكر وهو ~~حر. # لعلك قد سمعتني أوجه تهمة «السطحية» إلى كثرة غالبة من شباب هذا الجيل، حتى لقد ~~سألتني مرة قائلا: ماذا تعني بهذه الكلمة؟ لم أجبك ساعتها، لأني ظننتك عندئذ - وكان ~~هذا منذ عامين - أصغر من أن تستوعب ms221 الجواب، وها أنا ذا الآن أذكر لك أطرافا مما كنت ~~أعنيه، فلقد رأيت شبابا بالألوف - وأنت تعلم أن تعليم الشباب هو مهنتي - رأيتهم ~~يقرءون ما يقرءونه وكأنهم مسافرون في طائرة لا يرون من نوافذها تفصيلات الطريق، ~~فالرحلة تنتهي وهم لا يعرفون هل مروا على صحراء أو على أرض مزروعة؟ إنهم لم يدربوا على ~~الوقوف عند التفصيلات، فأصبحت تصنعهم العبارات المجوفة والألفاظ المفرغة من ~~معانيها. # أما أنت يا ولدي فأريد لك أن تفتح عينيك وأذنيك وقلبك وعقلك، فمن كل بستان يصادفك في ~~حياتك وفي دراستك، حسبك منه زهرة واحدة تمعن فيها وتجيد فحصها، ولك بعد ذلك، أو عليك ~~بعد ذلك، أن تقيم الصورة الكلية الشاملة للبستان، على أسس ثابتة من دراستك للمحتوى زهرة ~~زهرة، فإذا كان بستانك كتابا، فادرسه كلمة كلمة، ومعنى معنى. # | صورتان من القرن الرابع الهجري # والصورتان من دنيا الفكر والثقافة، أردت عرضهما على قارئ اليوم، لتأخذه معي حسرة على ~~زماننا وما أصابنا فيه، أو ما أصبناه نحن به، من تفاهة وضحالة وصغار. ومعياري في هذا ~~الحكم ليس هو الموضوعات التي تشغلنا في حياتنا الثقافية بقدر ما هو اهتمامنا، إلى أين ~~تتجه؟ وكيف؟ وبأي درجة من الشدة والشيوع؟ وليعذرني القارئ إذا أحس في صوتي نبرة التشاؤم ~~وخيبة الرجاء؛ إذ الحق - كما أراه - هو أني كلما قارنت اهتماماتنا الفكرية إبان ما ~~بعد منتصف هذا القرن، بما قد كان في حياتنا إما في الأعوام المائة والخمسين السابقة ~~مباشرة على هذه الفترة الأخيرة، وإما على أي فترة أخرى تختارها منذ القرن السابع ~~الميلادي إلى الخامس عشر، لما وجدتها - أي هذه المرحلة التي جاءت بعد منتصف القرن - ~~تقوى على المنافسة، وإذا صدقت هذه الرؤية، كان الأمر أخطر من أن نلهو به ونتبادل ~~النكات. # قد يكون بعض التعليل لهذه النكسة العقلية التي غمرتنا بموجتها، إنها في الحقيقة جزء ~~من نكسة شملت العالم كله اليوم، وذلك بالرغم من تقدم العلوم والتقنيات - في هذه الفترة ~~نفسها - تقدما نقف ذاهلين أمام قفزاته الواسعة، السريعة، الجبارة؛ وذلك لأن ms222 العلم ~~وتقنياته شيء، وما نسميه بالفكر والثقافة شيء آخر، فالعلم وملحقاته موضوعه الطبيعة، ~~يعرف سرها، ويستخرج قوانينها، ويلجمها لتصبح ملك يمينه، وأما الفكر والثقافة ففيهما ~~يكون الموضوع هو الإنسان، ولا تناقض بين أن يكون الرجل أكبر عالم شهدته الدنيا في علوم ~~الذرة - مثلا - وأن يكون في الوقت نفسه أسفل سافلين من حيث قيمه وأهدافه في حياته ~~وحياة سائر البشر، أقول إن النكسة أو النكبة في الفكر والثقافة موجة شاملة للعصر كله، ~~وما نحن فيها إلا جزء من كل. # وحسبنا أن نقول عن عصرنا، من ناحية فكره وثقافته، إنه في واقع الأمر لم يبدع شيئا ذا ~~بال، وإن كل جهوده في هذا الصدد، إنما هي تطوير لأفكار رئيسية أبدعها القرن الماضي، وقد ~~نضيف بضعة أعوام في هذا القرن، وهي أفكار كبار تمثلت في ثلاثة رجال ظهروا في منتصف ~~القرن الماضي، ورابع ظهر في أواخره، وأما الثلاثة فهم: دارون وفكرة التطور، وماركس ~~وفلسفة التاريخ، وفرويد وتحليله للإنسان، وأما الرابع فهو أينشتين وفكرة النسبية، هذا ~~صحيح بالنسبة إلى العالم كله، لكنه أكثر انطباقا علينا نحن؛ لأن العالم المتقدم إذا ~~كان قد فاته الإبداع الأصيل، واكتفى بتطوير ما أبدعه له رجال القرن الماضي، فنحن قد ~~فاتنا الإبداع الأصيل، وفاتنا معه مشاركة العالم المتقدم في ذلك التطوير. # ولم نكن بهذه الخيبة كلها خلال المائة والخمسين عاما، لا لأننا قد أبدعنا شيئا ~~قدمناه للعالم، كلا؛ إذ يبدو أن مثل هذه الريادة قد هجرتنا ولو إلى حين، بل لأننا كنا ~~ذوي اهتمام شديد بما يجري في سائر أنحاء العالم المتقدم، نتابعه خطوة خطوة، وأما في ~~مرحلتنا الراهنة فبيننا وبين هذه المتابعة أميال وفراسخ، وذلك بسبب واضح وبسيط، وهو أن ~~الممسكين - في دنيا الفكر والثقافة - ببوصلة الاتجاه وبدقة التوجيه، قد اختاروا لأنفسهم ~~ولنا، وجهة غير الغرب والشمال، فأخذوا يوجهون السفينة نحو ما اختاروه. # ومع ذلك فحتى لو سايرناهم في الوجهة والاتجاه معا، ثم جعلنا معيارنا في الحكم على ما ~~نحن فيه قائما على درجة الاهتمام - بغض النظر عن ms223 الموضوع - لوجدنا حياتنا الفكرية ~~والثقافية أدعى إلى اليأس. نعم لقد شهدنا في هذه الفترة الزمنية التي نتحدث عنها، من ~~مؤسسات لنشر الفكر والثقافة، ما لم نشهد مثله في الفترات السابقة، فهناك وزارة بأسرها ~~للثقافة، وهناك وزارة أخرى بأسرها للإعلام - وهو متصل بعملية التثقيف بسبب وثيق، ولدينا ~~مجالس للثقافة وما يدور حولها - كالمجلس الأعلى للثقافة، والمجلس القومي للثقافة، ~~ولكنني - كما أسفلت - إذا جعلت معيار الحكم جدية الاهتمام بما هو جاد، ثم إثارة ذلك ~~الاهتمام الجاد نفسه في مجموعة كبرى من الناس، لا مجرد تسديد خانات وتملق الجماهير، لما ~~ترددنا في صحوة نستيقظ بها من سباتنا قبل أن تتسع رقعة الخطورة والخطر. # ولقد أردت بهذه المقالة التي بين يديك أن أعرض لك صورتين أخذتهما من الحياة الفكرية ~~والثقافية لأسلافنا في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) لأبين لك كيف كانت الحال ~~عند هؤلاء الأسلاف. أما الصورة الأولى فتصور نوعا من التعاون الفكري بين عملاقين من ~~نوابغ الفكر والثقافة في تلك الفترة المختارة، قل أن تجد له نظيرا. والرجلان هما أبو ~~حيان التوحيدي وأبو علي مسكويه، أولهما جمع عددا كبيرا من الأسئلة التي يبحث لها عن ~~إجابات، ثم وجه أسئلته إلى زميله مسكويه ليجيب له عنها، وسنعود بعد قليل إلى التفصيل. ~~وأما الصورة الثانية فهي مناظرات قد لا نجد ما هو أقوى منها دلالة، على ما شهده ذلك ~~العصر - وهو يشبه ما يشهده عصرنا الراهن - من صراع فكري بين من يناصر فكرا منقولا عن ~~أوروبا (وأوروبا كانت في تلك الحالة هي اليونان) ومن يرفض ذلك الفكر المنقول اكتفاء ~~بما هو أصيل في الثقافة العربية. # ولنبدأ بعرض الصورة الأولى في شيء من التفصيل، وهي مأخوذة من كتاب «الهوامل والشوامل» ~~وعنوان الكتاب دال على موضوعه، فقد كان أبو حيان التوحيدي جمع عددا كبيرا من الأسئلة ~~التي أثارتها في رأسه مشاهداته وخبراته، وأطلق على تلك المجموعة اسم «الهوامل»، ومعنى ~~الهوامل الإبل التي يهملها صاحبها ويتركها لترعى منتشرة ومتفرقة، فلما وجه تلك ~~الأسئلة إلى مسكويه ليجيب عنها، جمع ms224 مسكويه أجوبته وأطلق عليها اسم «الشوامل»، ومعناها ~~حيوانات يوكل إليها ضبط الهوامل حتى لا تضل طريقها. # ولا بد لنا من أسطر قليلة نصور بها شخصية أبي حيان وشخصية مسكويه، فذلك - عندي - ~~يعين كثيرا على الفهم، بل إني كثيرا جدا ما أحاول أن أجسد من أقرأ عنهم وما أقرؤ ~~لهم، في أشخاص من حياتي الخاصة؛ لأزداد فهما ووضوحا. # فأبو حيان التوحيدي «مثقف» من أعلى طراز نعرفه اليوم من «المثقفين»، وأعني بهم هؤلاء ~~الذين يجمعون في أنفسهم جانبين: أولهما تلك «الحالة» من التهذيب ورهافة الحس، وهي حالة ~~يستمدها صاحبها من ثلاثة مصادر رئيسية، هي الدين والفن والأدب، ولو اكتفى الرجل بتلك ~~الصفة وحدها، لحق له أن يعد مثقفا بدرجة تعلو وتهبط بمقدار ما قد اكتسب من قيم ~~روحية وذوقية، لكن هنالك صفوة من الرجال (ولاحظ هنا أنني لست ممن يخشون استعمال كلمة ~~«الصفوة» وكأنها رجس). أقول إن هنالك صفوة من الرجال، تراهم يجمعون إلى اكتسابهم لتلك ~~الحالة الروحية الذوقية التي أشرت إليها صفات أخرى تتصل بالجانب العقلي، ومن أهمها حب ~~الاستطلاع، والدأب على السؤال ومحاولة استكشاف المجهول، وتوضيح الغامض وتحليل الموقف ~~المركب إلى عناصره، ورد تلك العناصر إلى أصولها وتعليل الظواهر النفسية والاجتماعية ~~أو محاولة تعليلها، ومن هؤلاء الصفوة من المثقفين كان أبو حيان التوحيدي، وسأبين لك بعد ~~قليل كم جاءت أسئلته التي استجوب عنها مسكويه - وكان عددها مائة وخمسة وسبعين سؤالا - ~~شديدة التنوع، مما يدل على سعة الأفق الذي كان يتحرك فيه أبو حيان بذهنه وحواسه ~~وانتباهه واهتمامه. # وأما مسكويه فقد كان من ذلك الصنف من الدارسين الذين يركزون أنفسهم في اتجاه واحد، ~~وحتى في هذا الاتجاه الواحد تجدهم على كثير من ضيق الأفق، ومحدودية المجال والرؤية، ~~فبينما كان أبو حيان عريض الثقافة مع لمسة قوية من الفلسفة، وحس مرهب للعبارة الأدبية، ~~كان مسكويه متخصصا في الفلسفة - إذا جازت صفة التخصص هذه على القدماء - بل إنه في ~~ميدان الفلسفة قد ضيق على نفسه المجال واختص بفلسفة «الأخلاق» دون سواها، ولم يدل ms225 ~~أسلوبه في الكتابة على درجة ملحوظة من الحس الأدبي. # فلماذا اختاره أبو حيان ليوجه أسئلته إليه؟ أغلب الظن عندي أنها لم تكن غزارة العلم ~~هي التي قصد إليها أبو حيان عند مسكويه، بل هي مكانة مسكويه العليا، وجاهه العريض، ~~وثراؤه، فضلا عما كان عند الرجل من علم، إن لم يكن غزيرا فهو علم يضعه في مكانة لها ~~جلالها ووقارها واحترامها، فقد كان مسكويه وزيرا بالإضافة إلى اشتغاله بالفلسفة؛ وأما ~~أبو حيان فكان ذا عوز، يلتمس العطاء عند من يستطيع عطاء، ودليل ذلك هو أنه - فيما يبدو ~~- لم يجد عند مسكويه بغيته من المال، وكان كل ما جاءه من مسكويه هو «الشوامل»، وأعني ~~الأجوبة على الأسئلة التي وجهها إليه. فنعته بالجهل وحصر اللسان، إذ قال عنه عبارة ~~اشتهرت بعد ذلك، فقال عنه إنه «فقير بين أغنياء، وعيي بين أبيناء» (ولاحظ هذه الكلمة ~~العجيبة «أبيناء» أي أصحاب البيان)، كان مسكويه أوسع شهرة، وأعز جاها، وأوفر مالا. ~~لكن أبا حيان التوحيدي كان أبعد نظرا، وأرحب فكرا وأنصع بيانا، جاءت كلها على فقر ~~وحاجة، ولقد كان الرجلان متقاربين في العمر، وإن يكن مسكويه يكبر أبا حيان ببضع سنين، ~~وعمر كلاهما إلى التسعين وما بعدها بقليل. # وأسوق لك بضعة أسئلة من «هوامل» أبي حيان، نقلتها كما اتفق لترى كم تنوعت اتساعا ~~وارتفاعا، فتجد فيها ما هو مسألة عويصة في التفكير الفلسفي أو اللغوي أو العلمي بصفة ~~عامة، كما تجد فيها أسئلة عن مشاهدات استوقفت أبا حيان من ظواهر الطبيعة أو من صور ~~الحياة الجارية. # كان السؤال الأول عن الفرق في اللغة بين «العجلة» و«السرعة»، وكان السؤال الثاني عن ~~مسألة نفسية خلقية معا، فهو يسأل لماذا حرص الناس على كتمان السر؟ أخذت أقلب النظر في ~~الصفحات فرأيت سؤالا عن الرعد والبرق، لماذا نرى البرق قبل أن نسمع صوت الرعد؟ ما ~~الدليل على وجود الملائكة؟ لم صارت مياه البحر ملحا؟ لم صارت الأنفس ثلاثا؟ ما ~~العدم؟ ما سبب من يدعي العلم وهو يعلم بأنه لا علم عنده؟ ms226 سؤال عن ذات الله وصفاته. ~~لماذا تكره النفس الاستماع إلى حديث معاد؟ سؤال عن النثر والنظم. لم يضيق الإنسان ~~بالراحة إذا توالت عليه؟ وهكذا. # وأما أجوبة مسكويه فنكتفي بذكر أجزاء من إجابته على سؤال طريف، يسأل فيه أبو حيان عن ~~العلة في أن البيت المهجور يتداعى أسرع من البيت المعمور بساكنيه، مع أن العكس كان ~~أولى؟ # قال مسكويه: «إن معظم آفات البنيان، يكون من تشعيث الأمطار، وانسداد مجاري المياه، ~~بما تحصله الرياح في وجه المآزيب ومسالك المياه التي ترد المياه إلى أصول الحيطان من ~~خارج البناء وداخله، وبما ينثلم من وجوه البنيان الكريمة، بالآفات التي تعرضها لحركات ~~الهواء والأمطار والبرد والثلوج. وربما كان سبب ذلك قصبة أو هشيما من بين الطين الذي ~~تطيره الأرواح (= الرياح) إلى مسالك الماء، فتعطف الماء إلى غير جهته، فيكون به خراب ~~البنيان كله. # فأما ظهور الهوام في أصول الحيطان، والعناكب في سقوفه وأخذها من الجميع ما يتبين أثره ~~على الأيام فشيء ظاهر، وذلك أن هذا الضرب من الخراب قبيح الأثر جدا، ينبو الطرف عنه، ~~ويسمج به البناء الشريف، وربما أغفل السكان بيتا من عرض البناء، إما بقصد أو بغير قصد، ~~فإذا فتح عنه، يوجد فيه من آثار الدبيب: من الفأر، والحيات، وضروب الحشرات، التي تتخذ ~~لها أكنة، بالثقب والبناء، كالأرضة والنمل، وما تجمعه من أقواتها، ومن نسج العنكبوت ~~وتراكم الغبرة على النقوش ما يمنع من دخوله ... إلخ.» # أما الصورة الثانية التي أردت تقديمها، فهي ليست كالصورة السابقة: الأسئلة كلها تجيء ~~من طرف، والأجوبة كلها تجيء من الطرف الآخر، وكان الحوار يجري مكتوبا على الورق، لا بل ~~لم يكن في الحقيقة حوار، وإنما كان استجوابا من أبي حيان إلى مسكويه، جمعت الأسئلة ~~كلها في كتاب هو «الهوامل»، وجاءت الأجوبة كلها في كتاب هو «الشوامل» دون أن يلتقي ~~السائل بالمجيب. وأما الصورة الأخرى التي أردت تقديمها فهي مناظرة بين رجلين، كلاهما ~~فذ في ميدانه، أمام جمهور من علية القوم في بغداد إبان القرن الرابع الهجري وأعلى ~~رجال ms227 الفكر والفلسفة واللغة فيه، وفرق آخر بين الصوتين: فالأولى التي أسلفناها، كان ~~قوامها شتيتا من موضوعات كلها مسائل عرضت لرجل واحد، هو أبو حيان التوحيدي، وأما ~~الصورة الثانية التي أنتقل الآن إلى عرضها فمناظرة حول موضوع واحد. # قامت المناظرة بين أبي سعيد السيرافي من جهة وأبي بشر متى بن يونس، من جهة أخرى. وأما ~~الموضوع فهو عن المنطق اليوناني الذي برع فيه أبو بشر متى، فهل يصلح ذلك المنطق، الذي ~~أقيم أساسا على طرائق البناء اللغوي عند اليونان، أقول هل يصلح ذلك المنطق إذا ما ~~نقل إلى قوم آخرين - ثقافة أخرى - ولغة أخرى، هي في هذه الحالة اللغة العربية؟ أو أن ~~ما يصلح للغة العربية من ضوابط، إنما هو النحو العربي لا المنطق اليوناني؟ إنه موضوع - ~~كما ترى - قد لا يثير اهتماما إلا عند الفئة القليلة المشتغلة بالفلسفة وعلوم اللغة، ~~لكني برغم ذلك أردت عرضه موجزا لسببين: أولهما أن الذي دعا إلى إقامة هذه المناظرة، هو ~~الوزير الفضل بن جعفر بن الفرات، وجعلها تقام في قصره ببغداد، ودعا إليها أصحاب المكانة ~~في دوائر الحكم وفي دوائر العلم جميعا، وإني لأسأل كم وزيرا في عصرنا هذا يضيف إلى ~~حبه للسلطة والحكم حبا آخر لمثل هذه المسائل العلمية الدقيقة العميقة الجادة؟ وإنما ~~أسأل هذا السؤال لألفت الأنظار إلى اتجاه «الاهتمام» ودلالته؟ فإذا رأيت الوزير في عصر ~~ما حريصا على أن يضع نفسه في قلب الحركة الثقافية عرفت أن الدنيا بخير، وأما إذا رأيت ~~الوزير في عصر آخر مستعليا على العلم والعلماء، والثقافة والمثقفين، أيقنت أن الدنيا ~~صائرة بأصحابها إلى دمار وموت. # تلك إحدى اثنتين، مما جعلني أقدم صورة مصغرة لما جرى في تلك المناظرة - كما أراه - ~~نموذج نادر لصور التصادم بين ثقافتين: أصيلة ووافدة، فقد نقل العرب فلسفة اليونان ~~يومئذ، ومنها علم المنطق كما صاغه أرسطو اليوناني، وكان لتلك الفلسفة المنقولة أثر ~~عميق في الفكر العربي، بل وفي الشعر العربي ذاته، لكن القلق أخذ يساور نفرا من علماء ~~العرب، خشية منهم أن ms228 يكون ذلك «الغزو الثقافي» (بلغة يومنا) موديا بثقافة العرب إلى ~~الضعف ثم الفناء، إن ذلك النفر لم ينظر إلى نقل الثقافة اليونانية إلى العربية على أنه ~~عامل قوة، بل رآه عامل تدمير، على نحو ما يرى بعضنا اليوم بالنسبة لما ننقله من ثقافة ~~الغرب وفكره وفنه، لكن بينما نحن اليوم نهاجم الناقلين بالتكفير والخيانة، ها نحن أولاء ~~نرى أسلافنا يلجئون إلى «مناظرات» علمية تقام في قصور الأمراء والوزراء ليكون القبول ~~أو الرفض قائما على معرفة لا على الشتم والتشهير والعدوان. # وبعد ذلك فلننظر إلى لب المشكلة بإيجاز، كلنا يعلم أن «النحو» هو مجموعة القواعد التي ~~تضبط سلامة التركيب اللغوي، وشكل المفردات الداخلة في ذلك التركيب، فإذا كنا نريد ~~جملة تشير إلى ورقة بيضاء، وقلنا هذه ورقة بيضاء، كان ترتيب المفردات هنا متفقا مع ~~قواعد النحو في وضع الصفة والموصوف، ويخرج على القواعد من يقول هذه بيضاء ورقة، وكذلك ~~تقتضي قواعد النحو - عند النطق بهذه الجملة - أن تكون كلمة «ورقة» مرفوعة بالضم، وأما ~~المنطق فكل من درسه منا يعلم أنه يستهدف الاستدلال الصحيح - إذا ما أردنا استخراج ~~جملة من جملة - أو معنى من معنى، وهو يمهد لعمليات الاستدلال الصحيحة بدراسات لضبط ~~القضايا (أو الجمل ذوات المعنى) والحدود التي تتركب منها تلك القضايا. # وكان العرب قبل أن ينقلوا إلى لغتهم فلسفة اليونان - وتتضمن المنطق - يعرفون لغتهم ~~ونحوها، ويعرفون كيف يستدلون استدلالات صحيحة، دون أن يقوموا بتنظير القواعد التي يضبط ~~بها استدلال نتيجة من مقدماتها (وهذا هو عمل المنطق). فلما درس الدارسون منطق اليونان ~~وأخذوا يعلمونه لمن أراد أن يتعلم، وكان من بين هؤلاء الفيلسوف أبو نصر الفارابي، ~~ومنهم صاحبنا أبو بشر متى بن يونس، الذي لم يكف في دروسه لتلاميذه عن قوله: «النحو مع ~~اللفظ، لا مع المعنى.» فكان مثل هذا القول يثير الغيظ في علماء اللغة والنحو، ومن هنا ~~تصدى له اللغوي النحوي أبو سعيد السيرافي، الذي كان بدوره يهاجم أبا بشر متى بن يونس، ~~متهما إياه بأنه لا يحق له ms229 الكلام في موضوع النحو العربي أو المنطق اليوناني؛ لأن ~~أولهما قائم على معرفة اللغة العربية، وثانيهما قائم على معرفة اللغة اليونانية، وأبو ~~بشر جاهل باللغتين جميعا. # أقيمت بين الرجلين تلك المناظرة التي أشرنا إليها، والتي حضرها عدد كبير من العلماء ~~وأصحاب الشأن. وساد شعور بين الحاضرين بأن الأمر ليس مجرد مقابلة بين نحو ومنطق، بل ~~الأمر في حقيقته مقابلة بين ثقافتين، ولأيهما تكون السيادة على الأخرى. والظاهر أن حكم ~~الجمهور كان قد أبرم قبل أن يبدأ المتناظران في الكلام، وكان ذلك الحكم المسبق في صالح ~~أبي سعيد السيرافي اللغوي، وضد متى بن يونس المنطقي، لماذا؟ لأن شخصية الأول تلقى ~~القبول منذ اللحظة الأولى، بقدر ما تثير شخصية الثاني نفورا، فالأول في الأربعين من ~~عمره، وأما الثاني فكان قد جاوز الخامسة والسبعين من عمره - وكان مخمورا دائما - ~~وأحيانا كان لا يعي ما يقول، فضلا عن الخسة التي كانت تبدو في سلوكه مع تلاميذه، إذ ~~كان لا يعطي ورقة إلى أحدهم إلا إذا دفع درهما، ولم يكن فوق ذلك كله حسن الهندام ولا ~~نظيف الثياب. # أما وجه الحق بينهما فهو - في رأي كاتب هذه السطور - مع أبي بشر متى بن يونس بلا ريب، ~~في أن نحو اللغة شيء، ومنطق العقل شيء آخر، وأقل ما يقال في هذا أن النحو خاص بلغة ~~بعينها، وأما المنطق فللفكر، للناس جميعا؛ ويستطيع المنطق أن يستغني عن ألفاظ اللغة ~~كلها - عربية وغير عربية - وأن يستخدم الرموز الخالية من المعاني، كما هو الشأن فيما ~~يسمونه اليوم بالمنطق الرمزي، أو بالمنطق الرياضي. # ومع ذلك فقد وقع الرجلان معا في خلط - كما يرى كاتب هذه السطور أيضا - ولو كانا ~~معا قد تنبها إلى موضع ذلك الخلط لما دارت بينهما المناظرة أساسا، وذلك أنهما لم ~~يفرقا بين المستوى «العلمي» والمستوى «الفلسفي» في الموضوع الواحد، فإذا كان موضوع ~~البحث هو «اللغة» كما هو الشأن في هذه الحالة التي بين أيدينا، كانت القواعد - نحوية ~~وغير نحوية - هي عند المستوى «العلمي»؛ لأنها بمثابة القوانين ms230 المستخلصة من الظاهرة ~~المبحوثة (والظاهرة المبحوثة هنا هي «اللغة»)، وذلك هو شأن «العلم» في أي ميدان من ~~ميادينه. وأما إذا جاوزنا تلك القواعد ذاتها للنظر فيما تنطوي عليه من «مبادئ» أي ما ~~تنطوي عليه من «صور أولية» وجدنا أنفسنا عندئذ في مجال «المنطق». فلو فرضنا - مثلا - ~~أن هنالك عند مختلف الشعوب مائة لغة. كان هنالك بالتالي مائة مجموعة من قواعد النحو؛ ~~لأن لكل لغة نحوها الخاص، ولكننا إذ نجاوز تلك المائة من مجموعات القواعد النحوية إلى ~~ما يكمن وراءها من أصول، أو مبادئ أو صور أولية، وجدناها جميعا تلتقي عند جذور مشتركة ~~واحدة من مبادئ الفكر، وتلك المبادئ المشتركة بينها هي بعينها علم المنطق. # فلو تنبه الرجلان - أبو سعيد السيرافي اللغوي وأبو بشر متى بن يونس المنطقي - إلى ~~هذه التفرقة بين ما هو «علم» للغة يختلف بين عرب ويونان، وما هو «فلسفة» - أي ما هو ~~مبادئ أولية - لما وجد الرجلان وجها للتناظر، فأبو سعيد يقف بنحوه عند «قواعد» اللغة ~~العربية، وأبو بشر يتحرك في المجال الأعمق، وهو المنطق الذي يضم قواعد اللغة العربية ~~وقواعد اللغة اليونانية وقواعد أي لغة في الدنيا، وإذا كان هذا هكذا، ففيم يتناظر ~~الرجلان، وكل منهما يتحرك في مجال غير الذي يتحرك فيه زميله؟ # أما بعد، فهاتان صورتان من الحياة الثقافية كما كانت بين العرب الأقدمين في القرن ~~الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، وأود لو سأل القارئ نفسه: أين من تلك الحياة، في ~~عمقها، وجديتها، حياتنا نحن الثقافية في اكتفائها بخلاصات مخطوفة، لا هي تغني من فقر، ~~ولا تسمن من هزال؟ # | والنقط كذلك تحت الحروف # في الأبجدية الإنجليزية حرفان فقط هما المنقوطان، والنقطة في كلتا الحالتين توضع فوق ~~الحرف، وهي تختفي كلما جاء ذلك الحرف «رأسا» (كما يصفونه) ويكون ذلك إما وحرف الرأس قد ~~جاء موضعه أول الكلام، وإما أن يكون هو الحرف الأول في أسماء الأعلام، والمهم عندي ~~الآن، في سياق هذا الحديث، هو أن حرفين اثنين فقط هما المنقوطان في تلك الأبجدية، وأن ~~النقطة في ms231 جميع حالاتها فوق حرفها، ومن هنا دأب أصحاب اللغة الإنجليزية على استخدام ~~العبارة التي ابتكروها لأنفسهم ولحروفهم وهي عبارة «وضع النقط فوق الحروف» إشارة منهم ~~إلى وجوب أن يكون الكلام واضحا وخاليا من اللبس، كما يكون الحرف المنقوط منقوطا، ~~خشية أن يلتبس أمره على القارئ إذا غابت عنه نقطته. # وجئنا نحن فنقلنا عبارتهم المجازية تلك، نقل مسطرة، حتى شاعت العبارة بين المتحدثين ~~والكتاب؛ فيقولون لك إنهم يضعون النقط فوق الحروف، ولكن ماذا لو كانت أبجديتنا ~~العربية تشتمل على ثلاثة حروف منقوطة تحتها لا فوقها، وهي الباء والجيم والياء؟ (واعلم ~~أيضا أن في أبجديتنا اثني عشر حرفا تجيء النقط فوقها) فلو أن الكاتب أو المتكلم الذي ~~نقل تلك العبارة المجازية عن الإنجليز، قد تنبه إلى أن موقف الحروف عندهم يختلف بعض ~~الشيء عن موقفها عندنا، لتحوط للأمر، والتمس طريقا يتيح له أن ينتفع بما عند ~~الآخرين، وذلك بأن يعدله تعديلا يتناسب مع ما عندنا، فبدل أن يقول أضع النقط فوق ~~الحروف، يكتفي بالقول أضع نقط الحروف؛ لتشمل ما فوقها وما تحتها جميعا. # قد ترى - وربما رأيت معك - أن المسألة هنا أتفه من أن تثير الاهتمام، لكنني لم أردها ~~لذاتها؛ بل أردت أن أتخذ منها رمزا أشير به إلى مواقف حضارية وثقافية لها أهميتها ~~وخطورتها، ومع تلك الأهمية وهذه الخطورة ترانا قد فعلنا بها ما فعلناه في نقط الحروف، ~~وأعني أننا نقلنا ما عند الآخرين إلى حياتنا نقل مسطرة وتجاهلنا ما كانت تقتضيه ظروف ~~حياتنا من وجوب التعديل، بمعنى أن ننتفع بما عندهم بعد أن نعيد صياغته قليلا أو كثيرا ~~بحيث يصبح شاملا لما هو عندنا أيضا. # ففي المناخ الفكري القائم في عصرنا هذا، سؤال مضمر كثيرا ما يحفز على التفكير، وقد ~~تختلف عنه الإجابات، وإن يكن معظم من تعرضوا للإجابة متفقين على رأي، هو نقيض الرأي ~~الذي كانت له السيادة المطلقة حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، والسؤال المضمر الذي ~~أشرت إليه خاص بالثقافة، ومعاييرها؛ فهل لكل عصر معين ثقافة «رفيعة » واحدة، ms232 وهي - عادة ~~- ثقافة الأقوى؟ أو أن الثقافة ليست كالعلم، فبينما العلم واحد للجميع، فلا فرق بين علم ~~الكيمياء أو الفيزياء عند الإنجليز وبينه عند الياباني أو المصري، ترى الثقافة تتعدد ~~صورها ومعاييرها بتعدد الشعوب، فالموسيقى أو التصوير أو الشعر عند الإنجليز ليست ~~كمقابلاتها عند الياباني أو المصري، وإذا كان ذلك كذلك فلا ينبغي بشعب أن ينقل ~~«الثقافة» في أي صورة من صورها، عن شعب آخر؛ فلكل شعب حياته بما يملأ ذلك؛ الحياة من ~~خبرات أسعدته أو أشقته؛ ولكل شعب رؤاه التي نظر بها إلى الكون وإلى الإنسان، وإلى عالم ~~الغيب، وغير ذلك وما «الثقافة» عند أي شعب إلا التعبير عن تلك الخبرات وهذه ~~الرؤى. # غير أن المعارضين لهذا التعدد الثقافي عند مختلف الشعوب؛ إذ يعترفون بوجود التعدد من ~~حيث هو حقيقة واقعة لا سبيل إلى إنكارها، تراهم يصرون على أن ذلك لا يمنع التفاوت - ~~ارتفاعا وانخفاضا - بين الثقافات المختلفة، فلئن كان لكل شعب موسيقاه - مثلا - إلا ~~أنه ليست كل موسيقى مساوية لموسيقى بيتهوفن وباخ وبرامز وشوبان؛ وليس السؤال المطروح ~~أساسا هو: هل تتعدد الثقافات في الواقع أو لا تتعدد؟ لأن تعددها أمر قائم يراه كل ذي ~~بصر، ويسمعه كل ذي سمع؛ بل السؤال المطروح هو: هل «تتساوى» تلك الكثرة الثقافية، أو ~~أنها تتفاوت بين الارتقاء والتخلف؟ وأهمية السؤال في صورته الثانية هي أنه إذا ثبت ذلك ~~التفاوت بين مختلف الثقافات، أصبح محتوما على كل شعب يريد التقدم، أن يأخذ الثقافة ~~الأرفع، وهو مغمض العينين. # أقول إنه حتى نهاية الحرب العالمية الأولى لم يكن أحد ليأخذه شيء من الارتياب، بأن ~~هناك بين الثقافات ما هو أعلى وما هو أدنى، وأن الأعلى هو ما يأخذ به الإنسان الأبيض ~~ساكن الغرب، فمن شاء من سائر الشعوب الملونة: الأسود منها والأسمر والأصفر، بكل درجات ~~الطيف التي تتراوح بها تلك الألوان، أقول: إن من شاء من تلك الشعوب الملونة أن يتقدم ~~فلا مندوحة له - في عرف الرجل الأبيض من أهل الغرب - عن الأخذ بمعاييره ، وإنه ms233 ليتقدم أو ~~يتخلف بقدر ما يكون في وسعه أن يتمثل ما يأخذه. # كان ذلك أيام أن كان هنالك اتفاق على قسمة الناس إلى سيد ومسود، والسيد هو الإنسان ~~الأبيض، والمسود هم سائر الناس من مختلف الألوان، لكن الموقف تغير تغيرا جزئيا بعد ~~الحرب العالمية الأولى، ثم صار التغير كاملا بعد الحرب العالمية الثانية؛ إذ فكت معظم ~~القيود الاستعمارية عن الكثرة الغالبة من الشعوب، وكان أول ما عنيت به الشعوب المتحررة ~~هو أن تتشبث بهويتها الخاصة، ولا تصان تلك الهوية الخاصة إلا بأن يتمسك الشعب بثقافته ~~هو التي ورثها عن أسلافه: في العقيدة وفي اللغة، وفي الفن، وفي الأدب، وفي كثير من ~~النظم الاجتماعية. # وكانت مصر - ومعها سائر أجزاء الوطن العربي - واحدة من مجموعة الشعوب التي فكت عن ~~نفسها الأغلال التي قيدها بها الاستعمار، ثم عملت على أن تسترد ما ضاع من معالم ~~شخصيتها، وما دام ذلك هو هدفها، فقد كان حتما عليها أن تحيي كل سمة من سماتها، كما ~~تبرزها الثقافة الموروثة عن السلف، على اختلاف بين رجال الفكر في مصر، اختلافا لم يطل ~~بينهم أكثر من عشرين عاما أو نحو ذلك، على حدود ذلك «السلف» ما هي؟ أنرجع بالسلفية إلى ~~العهد الفرعوني، أم نقف بها عند الفتح العربي؟ لكننا سرعان ما وعينا بأنه لا تناقض بين ~~الحالتين: فالأمر في هذا كالأمر في بناء من عدة طوابق، بني كل طابق منها في عصر من ~~العصور الحضارية التي توالت على مصر؛ فإذا سئلنا في أي طابق تسكنون؟ لما ترددنا في ~~الإجابة الصحيحة: وهي أننا نسكن في «العمارة» كلها بجميع طوابقها؛ لأننا نحن بناتها ~~ومالكوها من أدناها إلى أعلاها، فإذا أخذنا من غيرنا شيئا نراه نافعا لنا، كان لا بد ~~أن نراجع فيه ظروف «عمارتنا» التي نقيم فيها، بحيث يأتي الشيء المأخوذ متسقا وملائما. ~~وتوضيح ذلك سهل وميسور، إذا عدنا إلى المثل الذي بدأت به هذا الحديث، وهو مثل «وضع ~~النقط على الحروف» وكيف كان يجب تعديل هذه الصورة المجازية عند أخذها ms234 لتصبح «وضع نقط ~~الحرف» حتى تتناسب مع أبجديتنا العربية. # وتذكرني مسألة «النقط فوق الحروف» التي أخذناها عن أصحابها أخذ الأعمى، دون أن ~~ننتبه إلى الفوارق بين ظروفهم وظروفنا، تذكرني بمعان كثيرة جدا، أخذنا عنهم ~~«أسماءها» على ظن منا بأن تلك الأسماء التي نقلناها، ما دامت تعني عند أصحابها كذا ~~وكذا، فلا بد أنها ظلت على ألسنتنا نحن تعني نفس المعنى، مع أن ظروف حياتنا، وتسلسل ~~تاريخنا، تختلفان اختلافا بعيدا عن ظروف حياتهم وتسلسل تاريخهم، فيما هو ذو صلة بتلك ~~الأسماء ومعانيها، خذ مثلا لذلك مصطلح «القرون الوسطى» فهذا عندهم اسم يشير إلى فترة ~~تاريخية امتدت نحو عشرة قرون - من القرن الخامس بعد الميلاد إلى القرن الخامس عشر - وهي ~~فترة جاءت في تاريخهم «وسطى» بين تاريخهم القديم وتاريخهم الحديث؛ لأن تلك الفترة قد ~~اتسمت في بعض مراحلها بكثير من الجمود الفكري الذي يحبس أصحابه في أفق ضيق من نصوص ~~قديمة؛ فقد أصبح مصطلح «العصور الوسطى» هذا كثيرا جدا ما يطلق ليعني التخلف الحضاري ~~والظلام الثقافي معا، سواء أكان هذا الحكم على تلك العصور عادلا أو ظالما، فالمهم - ~~في حديثنا هذا - هو أنه إنما تدور به الألسنة في كثير جدا من الحالات لتشير به إلى ما ~~يوحي بالتخلف والظلام، فجئنا نحن لننقل عنهم هذا المصطلح، ونطلقه على تاريخنا، وكأن ~~تاريخنا وتاريخهم يتوازيان تقدما وتخلفا، مع أن تلك الفترة نفسها إذا كانت عندهم هي ~~فترة الظلام الفكري والتخلف الحضاري، فقد كانت في تاريخنا نحن هي فترة الإبداع الفكري ~~والتقدم الحضاري، وأشير هنا إلى الحضارة الإسلامية وهي في عز قوتها؛ إنك إذا ذكرت القرن ~~العاشر الميلادي - مثلا - فقد كدت بذلك تشير إلى زمن شهد الثقافة الإسلامية وهي في ~~أعلى ذراها، كما شهد في الوقت نفسه الثقافة الأوروبية وهي في حضيضها، فكيف - إذن - ~~يتأتى لقلم عربي أن يكتب عن «القرون الوسطى» وكأن الدنيا بأسرها شرقها وغربها سواء؟ لا، ~~إن ما يسمى بالعصور الوسطى عندهم، بالمعنى الذي ذكرناه، إنما هي وسطى عندهم، وهي ذروة ~~عندنا . # وعكس ms235 ذلك صحيح كذلك - إذا أردنا دقة التعبير عن المعنى الصحيح - أي إن القرون الثلاثة ~~التي امتدت من القرن الخامس عشر إلى القرن الثامن عشر كانت عندهم هي قوام تاريخهم ~~الحديث، بمعنى التقدم العلمي والازدهار الحضاري، ولكنها هي بذاتها التي جاءت في تاريخنا ~~نحن قرونا وسطى بمعنى التخلف والذبول. # وهكذا نستطيع أن نقع على معان أساسية في حياتنا الفكرية نقلنا عن الغرب «أسماءها» ~~ولم نستطع أن ننقل مع الأسماء معانيها الحقيقية عند أصحابها، وقد خطر لي الآن أن أضرب ~~مثلا ب «الديمقراطية» حين نقلنا عنهم لفظها، ثم أبت علينا نفوسنا أن ننقل مع اللفظ ~~مدلوله، لكني آثرت ألا يكون ذلك هو المثل الذي أسوقه هنا، اتقاء لوجع الدماغ، ولأضرب ~~مثلا آخر من ميدان الدراسة الفلسفية، فلماذا حدث أن استطاع الفلاسفة المسلمون الأوائل ~~أن يقدموا أعمالا كان لها قيمتها العظيمة، لا في العالم الإسلامي وحده، بل كذلك في ~~أوروبا، إلى الحد الذي جعلهم موضع دراسة في جامعاتهم هناك، كما كانوا هناك أيضا بين ~~الطلائع الفكرية التي انتهت بأوروبا إلى «النهضة»، ثم إلى الدخول في تاريخها الحديث؛ ~~ولماذا - في مقابل أسلافنا الأولين - لم يستطع دارسو الفلسفة منا، في عصرنا هذا أن ~~يقدموا عملا واحدا يسمع به ذوو الشأن في هذا الميدان، وأعني عملا يسهم به صاحبه ~~إسهاما إيجابيا ملحوظا في حركة الفكر الفلسفي المعاصر؛ ذلك لأنه قد يكون لنا أعمال ~~في إحياء الفلسفة الإسلامية القديمة يحب أن يطلع عليها المستشرقون. # السؤال مرة أخرى: لماذا أفلح الفلاسفة المسلمون القدماء في أن تكون لهم رسالة في ~~بلادهم وخارج بلادهم، ولم يفلح في ذلك خلفاؤهم اليوم؟ والجواب عندي هو أن الأولين عندما ~~نقلت لهم الفلسفة اليونانية، وجدوا فيها ما يمكن قراءته قراءة إسلامية؛ فيخرج لهم - ~~وللدنيا معهم - بهذه القراءة الجديدة شيء جديد؛ ولنشرح هذا القول شرحا موجزا، فنقول: ~~إنه إذا كان أفلاطون قد جعل «الخير» في بنائه الفلسفي هو الذروة التي يتجه إليها البناء ~~العقلي كله، ثم إذا كان أرسطو قد جعل «الصورة» المطلقة التي لا ms236 تشوبها أدنى شائبة من ~~المادة هي تلك الذروة التي تنجذب إليها جميع الكائنات في تطورها وسيرها نحو الكمال، فمن ~~الممكن للفيلسوف الإسلامي أن «يستبدل بفكرة» الخير عند أفلاطون وبفكرة «الصورة الخالصة» ~~عند أرسطو «الله سبحانه وتعالى في عقيدة الإسلام»، وما على الفيلسوف المسلم بعد ذلك إلا ~~أن يعدل ويبدل في البناء الفلسفي؛ تبديلات وتعديلات كبيرة أحيانا وصغيرة أحيانا، ~~فتصبح أمام فلسفة إسلامية تشيع فيها روح الإسلام، وبعبارة قصيرة نقول إن أسلافنا قد ~~زرعوا الفلسفة اليونانية في ثقافتهم فانزرعت، وتفرعت ونمت ثم أثمرت. # ولا كذلك موقفنا نحن المعاصرين لماذا؟ # لأن فلسفة الغرب منذ نهضته وإلى يومنا الحاضرة، قائمة على أساس آخر انبثق من الوجهة ~~الجديدة التي اتجه إليها الغرب في نهضته وبعدها، وأعني وجهة «العلم» والمعرفة العلمية، ~~فأصبح لزاما على الفلسفة أن تتجه بنشاطها الاتجاه نفسه، ولكن فيما يعنيها، فكان الذي ~~يعنيها هو: ما منهج الفكر إذا أراد ذلك الفكر أن ينتج معرفة علمية مضمونة الصدق؟ لهذا ~~لم تكن مصادفة أن رأينا عند بوابة العصر الأوروبي الحديث فيلسوفين جعلا شغلهما الأساسي ~~ضبط قواعد ذلك المنهج، وهما ديكارت في فرنسا، وفرانسيس بيكون في إنجلترا، الأول فيما ~~يختص بالمعرفة إذا كانت نابعة أساسا من داخل الإنسان، والثاني فيما يختص بالمعرفة إذا ~~كانت آتية إلى الإنسان من الأشياء الخارجة عنه حين يدركها بحواسه، ثم جاء التابعون وراء ~~ذينك الإمامين. # وجئنا نحن، ونقلنا ما كتبه فلاسفة الغرب في التاريخ الحديث والمعاصر، لكن ماذا عسانا ~~أن نصنع به إذا كانت الفلسفة عندهم دائرة - في الأعم الأغلب - على محور رئيسي هو ~~«العلم» وكيف نضبط حقيقة بنيته وخطوات منهجه؟ إننا لا نشارك في العطاء العلمي لا بكبيرة ~~ولا بصغيرة، فكل العلم الذي بين أيدينا هو علم الغرب، وليست جهود علمائنا في ميادينهما ~~المختلفة إلا تفريعات على فروع من البحوث العلمية، لقد زرع أسلافنا المسلمون فلسفة ~~الغرب في تربتهم الثقافية فانزرعت؛ لأن في تلك التربة ما يصلح لازدهار البذرة المنقولة، ~~وأما نحن اليوم فقد أردنا أن نزرع الفلسفة الحديثة ms237 في أرضنا فلم تنزرع؛ لأن أرضنا تخلو ~~من المشاركة في الإبداع العلمي، فإذا كانت فلسفة العصر قائمة على جذور المعرفة العلمية، ~~فلن تجد لها مناخا تنمو فيه على أرضنا. # ولعل هذا الموقف القلق هو الذي أوحى إلى المغفور له الشيخ مصطفى عبد الرازق، في كتابه ~~«تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية»، أن يقول ما قاله، وخلاصته أن نزن الفكر الفلسفي ~~بموازين الدين، ومعنى ذلك أن تتحول الفلسفة بين أيدينا إلى فقه الشريعة الإسلامية، على ~~أن نجعل الاجتهاد بالرأي أساسا لمنهاجنا. يقول في ذلك: ~~«هذا الاجتهاد بالرأي في الأحكام الشرعية هو أول ما نبت من النظر العقلي عند ~~المسلمين، وقد نما وترعرع في رعاية القرآن وبسبب الدين، ونشأت منه المذاهب الفقهية، ~~وأينع في جنباته علم فلسفي هو علم «أصول الفقه» ... إلخ.» (راجع صفحة 123 من الكتاب ~~المذكور) وتعقيب كاتب هذه السطور على وقفة الشيخ مصطفى عبد الرازق هذه هو أنها وقفة من ~~يئس من أن تكون لنا مشاركة حقيقية في فلسفة العصر التي هي - كما قلنا - فلسفة قائمة ~~أساسا على العلم في صورته الحديثة والمعاصرة من حيث البنية والمنهج؛ لأنه إذا كانت ~~فلسفتنا نحن لا تكون إلا شيئا كعلم أصول الفقه، فلماذا لا تسمى الأشياء بأسمائها ~~الصحيحة؟ لماذا نريد تسميتها باسم «فلسفة» (وهي كلمة أخذناها عن الغرب) ولا نسميها «علم ~~أصول الدين»؟ # ونعود إلى ما بدأنا به من حديث عن عبارة «النقط فوق الحروف» التي رأينا فيها رمزا ~~يدل على نقلنا عن الغرب كلامه نقلا أعمى، والصحيح هو أن ننقل ما ننقله (ولا بد لنا أن ~~ننقل العصر إلينا من كلام أصحابه) لنجعله يتكيف لظروفنا، فإن كانت لنا أيضا نقط تحت ~~الحروف، وجب أن نغير في الصيغة المنقولة لتتسق مع ما هو قائم عندنا، وما دام المثل الذي ~~طرحناه أخيرا هو الدراسة الفلسفية، فإننا حين ننقل عن القوم فلسفتهم ينبغي أن نحاول ~~نقل الشجرة كلها: العلم، ثم الفلسفة، أما إذا رفضنا النقل من الأساس فلنرفض العنوان ~~أيضا، حتى لا نقول عن بحث نقيمه ms238 في أصول الفقه إنه فلسفة. # كثيرة جدا هي مواقفنا التي يشوبها كثير أو قليل من الخلط الفكري، فأحيانا نأخذ عن ~~الغرب أسماء لننزع عنها مضمونها، ثم نطلقها على شيء عندنا مما قد يشبه ذلك المضمون لكنه ~~ليس إياه، وذلك خلط في التفكير، أو أن ننقل مضمونا فكريا ثم نعطيه من عندنا اسما ~~يوهمنا بأن المضمون المنقول هو من غرسنا؛ وذلك نفاق فكري، وثالثة الأثافي أن ننقل شيئا ~~ما نقلا أعمى، لا نراعي فيه ما يوجب تعديله عندنا، كما فعلنا في «وضع النقط فوق ~~الحروف». # إننا إذ ننادي بمبدأ «الأصالة والمعاصرة» ليكون محورا لنشاطنا الفكري بكل اتجاهاته ~~وفروعه؛ ابتغاء أن ننتهي بأنفسنا إلى مجتمع يحقق ذاته التاريخية وليساير عصره في وقت ~~واحد، فلسنا نعني بذلك أن نظل نردد هذا الكلام بغير تطبيق، بل إن تطبيقه ليتسع مداه حتى ~~يشمل الكبيرة والصغيرة من تفصيلات حياتنا، بادئين من الصورة المجازية الواحدة، إذا ~~وجدناها عند غيرنا، فأعجبتنا فنقلناها إلى العربية وعندئذ لا بد أن نحور فيها حتى ~~تطابق ظروفنا، إذا نحن وجدناها مختلفة عن تلك الظروف، كالمثل الذي سقناه وجعلناه محور ~~هذا الحديث، وهو قولهم: «نضع النقط فوق الحروف»، أقول إن مبدأ الأصالة والمعاصرة يبدأ ~~تطبيقه من تفصيلة جزئية كهذه ثم يصعد بنا ونصعد به إلى كبريات القضايا الفكرية، فإذا ~~نقلنا مذهبا سياسيا معينا؛ وجب تحويره حتى يطابق ظروفنا، وكذلك إذا نقلنا أشكالا ~~أدبية كالرواية والقصة والمسرحية والشعر المرسل، وأيضا إذا أردنا أن نسهم بقسط في ~~الفكر الفلسفي لعصرنا فلنأخذ إطاره العام - وإطاره العام في عصرنا هو الدوران حول ~~«العلوم» منطقيا وبنية وأسلوبا وهدفا - ثم نملأ ذلك الإطار العام بحشو من حياتنا ~~نحن، على نحو ما صنع الفلاسفة المسلمون الأولون، حين استغلوا الأفلاطونية والأرسطية في ~~النظر إلى العقيدة الإسلامية، إنهم لم يرفضوا فلسفة اليونان، ليقولوا شيئا كالذي قاله ~~المغفور له الشيخ مصطفى عبد الرازق، حين قال ما خلاصته: إن الفلسفة عند المسلمين ينبغي ~~أن تكون فقها للشريعة الإسلامية. لا، إنهم لم يقولوا ذلك، بل ms239 جعلوا الفلسفة الإسلامية ~~«فلسفة» لا «فقها» لأصول الشريعة؛ وكل ما في الأمر أنهم عرفوا كيف يخلصون إلى صيغة ~~جديدة تجمع لهم ولسائر الدنيا معهم فلسفة اليونان وأصول الدين الإسلامي. # إن فكر العصر، وأدبه وفنه، ونظمه، وعلومه، وصناعاته وكل شيء عنده، ليس محرما ~~علينا، بل هو حلال بلال على أن نملأ أطره بمضمون من حياتنا، بل وأن نحور تلك الأطر ~~ذاتها إذا احتاجت منا إلى تحوير، وكل ذلك يتم على غرار النموذج البسيط الذي عرضناه، ~~وهو أنه إذا كان أبناء الغرب قد قالوا عن عملية توضيح الكلام إنها كوضع النقط فوق ~~الحروف، إذ ليس في أبجديتهم من الحروف المنقوطة إلا حروف نقطتها تجيء في أعلاها، ~~فواجبنا - ما دامت هذه الصورة المجازية قد أعجبتنا - أن ننقلها ثم نحورها تحويرا ~~يتناسب مع حالة حروفنا، التي تجعل الحروف المنقوطة بالنقطة فوق الحروف أحيانا، وتحت ~~الحروف أحيانا أخرى، إنه مثل بسيط وتافه، لكنه يصلح لتوضيح المبدأ العام والمهم ~~معا. # | العقل الحر ما هو؟ # أستطيع أن أتصور الزاهد كيف يقنع من الزاد بما يطعمه من جوع، ومن الثياب بما يستره ~~ويرد عنه البرد، ومن المال بما يوفر له ذلك القليل من الزاد والثياب، لكنني لا أستطيع ~~أن أتصور زاهدا يقنع بقليل من حرية عقله إذا كان الكثير متاحا، وحتى حرية الأجساد ~~تأتي في درجات الضرورة، في منزلة دون حرية العقول، بمعنى أنه إذا تهددت الإنسان قوة ~~غاشمة، مطالبة إياه إما بالكف عن التفكير الحر، وإما بالزج بجسده في غيابة سجن، فإنه ~~لا يتردد في أن يصون لنفسه حرية عقله، حتى لو كان حرمان البدن من حرية الحركة ثمنا ~~لذلك، فالإنسان إنسان بفكره قبل أن يكون إنسانا بجسده، فإذا كنت أفكر كنت موجودا - ~~كما قال ديكارت - لكن قيام الجسد وحده، بكل أجزائه وجوارحه، لا يضمن لصاحبه وجودا ~~إنسانيا، إذا لم يكن مصحوبا بعقل يفكر. إن فاقد عقله لا يحسب ذا وجود إنساني، لا في ~~شريعة السماء ولا في شرائع الناس، ففي حرمانه من عقله المفكر حرمان من ms240 آدميته؛ إذ لا ~~يبقى فيه إلا مقومات الحيوان والنبات، وليس ثمة من فارق كبير بين عقل مفقود، وعقل موجود ~~ولكنه معطل عن أداء وظيفته بما يفرضه على نفسه من معوقات التفكير، وذلك أن تضيف إلى ~~كلمة «التفكير» صفة كونه حرا أو ألا تضيفها، لأن الحرية متضمنة في معنى عملية ~~التفكير، كما تتضمن الزيتونة زيتها، والوردة أريجها. # قال رفيقي الذي يتسقط لي الأخطاء وعثرات القلم: ولكن هل يكون العقل عقلا إلا وهو ~~مقيد بقيوده؟ فأجبته قائلا: تمهل يا صديقي فذلك هو نفسه ما أردت أن أضع له الضوابط ~~والحدود، وانظر إلى عبقرية اللغة العربية حين أطلقت عليه اسم «العقل» التي هي كلمة ~~معناها في اللغة «قيد»، وأظن أن جميعنا قد سمع بكلمة «اعتقال» أو «معتقل» وما يعنيان من ~~تقييد، فالعقل عقل بما يفرضه على نفسه من قيود تضبط له حركة سيره، لكن تلك القيود إنما ~~تنبثق من طبيعته، ولا تفرض عليه من سواه؛ لا، بل إن تلك القيود التي يفرضها العقل على ~~نفسه، بحكم فطرته إذ هو يؤدي عملية التفكير، إنما هي نفسها شرط لقيام الحرية العقلية ~~التي تقول إن الإنسان لا يكون إنسانا إلا بها، وماذا يكون اختلال العقل عند المجنون ~~إلا أن يكون تخلخلا في «الصواميل» المقيدة لخطوات التفكير عنده، تقييدا يجعل كل خطوة ~~لاحقة مرتبطة بالخطوة السابقة ارتباط النتيجة بالسبب، لكن هذا القول يريد منا شرحا ~~وتفصيلا، حتى نتبين آخر الأمر في جلاء، بماذا نطالب حين نطالب للإنسان بحرية عقله حرية ~~يذهب بها إلى آخر حدودها. # وقبل أن أخط حرفا واحدا فيما أنوي القيام به، أريد أن يكون واضحا للقارئ، وضوح ~~الشمس في سماء لا سحابة فيها، بأن «العقل» ليس وسيلة الإدراك الوحيدة عند الإنسان، ~~فهناك وسائل غير العقل، لكل وسيلة منها ميدانها الخاص، وحديثي هنا مقصور فقط على ~~«العقل» وهو يعمل في ميدانه، غير متعرض لغيره من الوسائل، ولا لغير ميدان التفكير ~~العقلي من سائر الميادين، ولقد وضعت هذا التحذير هنا، لعلي أنجو من اعتراضات تثار عن ms241 ~~غير فهم، نحن في غنى عن إثارتها، بل إني لم أهم بالكتابة عن العقل وتفكيره، إلا لأصل ~~إلى النتيجة التي أريدها، وهي الدعوة إلى حرية التفكير، حرية يكون لها معناها الصحيح، ~~وذلك لأني على يقين من أننا، عامدين متعمدين، نعمل على حرمان أنفسنا من جانب كبير جدا ~~من تلك الحرية العقلية التي هي لب الآدمية وصميمها، ونحن في ذلك الحرمان المتعمد، لا ~~نصدر عن نية سيئة، بل نصدر عن فهم منقوص والله أعلم. # وبعد هذا، أبدأ شرحي بالقول: إن للعقل طريقين اثنين، لا ثالث لهما، يلتزم منهما هذا ~~الطريق أو ذلك، بحسب الموضوع الذي يريد أن يفكر فيه، أما أحدهما فهو الطريق الذي يجعل ~~نقطة ابتدائه كلمات بعينها، وأما الآخر فهو الطريق الذي يجعل نقطة ابتدائه معطيات ~~تعطاها حواسنا الظاهرة أو حواسنا الباطنة. وعندما تقول عن الطريق الأول إن نقطة ~~الابتداء فيه «كلمات» بعينها، فإننا نعني كذلك شتى صنوف الرمز، مثل الأرقام أو الحروف ~~التي نستخدمها في علم الرياضة مثلا، وكذلك عندما نقول عن الطريق الثاني إن نقطة ~~الابتداء فيه هي معطيات الحواس - ظاهرة وباطنة - فإنما نعني كذلك تلك المعطيات التي ~~تستخدم لتحصيلها أجهزة مختلفة تساعد حواسنا المجردة كالمناظير بالنسبة لحاسة البصر، ~~ومكبرات الصوت بالنسبة لحاسة السمع، وهكذا. # في الحالة الأولى حين يجد العقل أمامه عبارة مركبة من كلمات أو من رموز الرياضة، ~~ويريد أن يصب عليها عمله الفكري، فليس أمامه إلا أن يستخرج من تلك العبارة مضامينها ~~التي تكمن في مفهومات رموزها. إن العقل في هذه الحالة لا يتبرع بفكرة من عنده، بل مهمته ~~هي أن يفض الأغلفة التي تستر المعاني داخل رموزها، فكما أنك إذا وضعت في طاحونة الغلال ~~قمحا، لم يخرج لك إلا دقيق القمح، وإذا وضعت في عصارة الخضر والفاكهة عنبا لم يخرج لك ~~منه إلا عصير العنب، كان الدقيق كامنا في حبات القمح، فظهر بعد كمون. وكان العصير ~~مختفيا في حبات العنب فخرج بعد اختفاء، وكذلك الحال في تركيبات اللفظ أو الرمز، يكمن ~~فيها ما ms242 يكمن من معان، والتفكير العقلي هنا معناه هو إخراج تلك الكوامن لنأخذ منها ما ~~نريد ونرفض ما لا حاجة لنا به، والتفكير الرياضي كله هو من هذا القبيل؛ لأننا نقدم له ~~بعبارات نفرض فيها أنها مأخوذة منا مأخذ التسليم، ومنها يبدأ العمل العقلي، وهو أن ~~يستخرج من ذلك الذي وضعناه في موضع الصدارة، ما يمكن اعتصاره منه، وهكذا قل في كل طريق ~~فكري أوله كلمات أو رموز، على أن تظل واضعا نصب عينيك حقيقة مهمة، وهي أننا نستطيع - ~~إذا أردنا - أن نغير ونبدل في تلك المقدمات الافتراضية كما نشاء، ولكن إذا فرضنا ما ~~فرضناه، وجب علينا بعد ذلك التزامه إلى آخر ما نجريه عليه من استدلالات تستولده مضامينه ~~المستترة في رموزه. # ذلك أحد الطريقين، وأما الطريق الثاني فهو حين يكون ما بين أيدينا، لا مركبات من ~~ألفاظ ورموز، بل «معطيات» تلقتها حواسنا من مصادرها، وفي هذه الحالة يكون طريق العقل ~~مختلفا عن طريقه في الحالة الأولى؛ إذ إن عمله في هذه الحالة الثانية، هو محاولة الكشف ~~عن الروابط التي عساها أن تكون قائمة بين مجموعة الأشياء التي رأيناها أو سمعناها، أو ~~أدركناها بأية حاسة أخرى من حواسنا؛ لأننا إذا عرفنا تلك الروابط، كنا بمثابة من وجد ~~تفسيرا يفهم به ما كان قد شاهده من ظواهر وأحداث، فافرض - مثلا - أن الذي شهدناه ~~وأخذنا نبحث عما يفسره لنا، هو أن السماء تمطر، فكل الذي نراه رؤية مباشرة في هذه ~~الحالة، هو قطرات ماء، فها هنا نبدأ في الكشف عن بقية المحسوسات التي بينها وبين تلك ~~القطرات صلة، كأن نرى العلاقة بينها وبين درجة الحرارة، وبينها وبين درجة الرطوبة، ~~وبينها وبين درجة ضغط الهواء، وبينها وبين اتجاه الريح، فإذا ما كشفنا عن تلك الروابط ~~جميعا، وجدنا أمامنا مجموعة من العوامل المتشابكة بعضها مع بعض، بدرجات معينة لكل ~~منها، وإذا نحن - بالتالي - أمام ما يفسر المطر تفسيرا عقليا، وأهمية مثل هذا ~~التفسير العقلي، هي أننا كلما وجدنا دلائل تدل على قيام تلك العوامل، تنبأنا ms243 بما يشبه ~~اليقين أن مطرا سينزل بالدرجة الفلانية من شدة ومدة. # هما - إذن - طريقان للعقل في فاعليته، كل طريق منهما يعتصر من المركبات اللفظية أو ~~المكونة من رموز - أيا كانت تلك الرموز - ما هو متضمن فيها من محتوى، كأن تحلل جملة ~~لغوية فتقول إنها تشتمل على كذا وكذا من المعاني، أو أن تحلل فكرة رياضية معينة، فتقول ~~إنها تنتج لنا كذا وكذا من الأفكار الرياضية، والطريق الثاني هو أن نشاهد بأية حاسة من ~~حواسنا ظاهرة ما، فنحاول تفسيرها بربطها مع ما قد يكون على صلة بها من ظواهر ~~أخرى. # وعلى ضوء هذا الذي أسلفت ذكره، عن سير العقل في أدائه لعمله، أنتقل بك الآن إلى ~~الخطوة التالية، وهي الخطوة التي تهمني وتهمك، والتي من أجلها كتبت هذه السطور، ألا ~~وهي: ماذا نعني حين نقول إن العقل لا بد فيه من قيد يضبط له اتساق الخطى؟ ثم - وهذا هو ~~عندي بيت القصيد - ماذا نعني حين نقول إن حياة العقل مرهونة بحريته؟ # أما عن سؤالنا الأول، الذي نسأل به عن معنى ضرورة أن يكون العقل مقيدا لكي ينتج، ~~فالجواب ظاهر مما أسلفناه عن الطريقين اللذين يسلكهما العقل في سره، وهو يختار هذا ~~الطريق أو ذاك بحسب طبيعة الموضوع المطروح، فإذا كان الموضوع المطروح يقتضي السير في ~~الطريق الأول، كان الذي بين أيدينا مركبا من ألفاظ اللغة أو من رموز الرياضة، أو ما ~~يجري هذا المجرى، فالعقل حين يحاول استخراج المضمونات المضمرة فيما هو بسبيل تحليله ~~وفهمه، لا بد أن «يقيد» نفسه بالنص الذي أمامه، لا يضيف إليه من عنده حرفا، فإذا كانت ~~العبارة التي بين أيدينا - مثلا - عبارة «سيادة القانون» وأراد «العقل» أن يستخرج منها ~~مضموناتها، لكي نفرق على هداها بين ما يجوز فعله وما لا يجوز، كان علينا أن نحلل معنى ~~«السيادة» هنا تحليلا تفصيليا ودقيقا، وبهذا التحليل التفصيلي الدقيق يكون في ~~مستطاعنا أن نعرف مجالات التطبيق، وطرائق ذلك التطبيق، وكثيرا جدا ما يكون أمر ذلك ~~كله غامضا علينا، ولا يزيل ms244 لنا ذلك الغموض إلا «العقل» وقدرته على التحليل بالصورة ~~التي ذكرناها، ففي هذا المثل الذي ضربناه، وأعني عبارة «سيادة القانون» قد نجده يسيرا ~~علينا أن نقول إنه بناء على هذا المبدأ ينبغي أن يطبق القانون على جميع أفراد الشعب ~~على حد سواء، ولكن الأمر لا يظل بهذه السهولة كلها إذا نحن رأينا أن يكون رئيس ~~الجمهورية رأسا للأسرة المصرية في الوقت نفسه، فالتحليل العقلي للعبارة المذكورة يجعل ~~للقانون سيادة على رئيس الجمهورية مثل سيادته على سائر المواطنين، لكن هذا القول لا ~~يصدق على الأسرة ورأسها، وذلك لأن المبدأ المذكور ليس هو المبدأ الذي يقوم عليه النظام ~~الأسري؛ إذ إن لرأس الأسرة سلطة الإملاء على سائر الأعضاء، دون أن يكون هذا الحق نفسه ~~مسموحا به لأي فرد من أفراد الأسرة على من هو رأسها، أي إن النظام الأسري مختلف من حيث ~~المبدأ عن النظام القومي، وعضو الأسرة له وضع معين طالما هو داخل الأسرة، ووضع آخر حين ~~ينظر إليه مواطنا بين سائر المواطنين في الأمة، فهو داخل الأسرة لا ينتخب رأس ~~الأسرة، لكنه خارج الأسرة ينتخب رئيس الجمهورية، وهذا التحليل يؤدي بنا إلى نتيجة ~~«عقلية» وهي أننا نقع في تناقض إذا عددنا رئيس الجمهورية رأسا للأسرة المصرية في الوقت ~~نفسه؛ إذ هو بحكم الصفة الثانية من حقه أن يملي على الأفراد ما يراه صالحا، في حين أنه ~~بحكم الصفة الأولى لا يحق له ذلك. # إننا في كل هذا الذي قدمناه من تحليل، إنما أردنا أن نقدم إلى القارئ مثلا لفاعلية ~~العقل، حين تكون تلك الفاعلية منصبة على مركب لفظي نريد استخراج مضموناته، وهو تحليل ~~يبين في الوقت نفسه ما نعنيه حين نقول بضرورة أن يكون العقل «مقيدا» بالنص الذي يخضعه ~~للتحليل وتوليد النتائج، وأما القيد الذي يقيد العقل في طريقه الثاني، الذي تكون نقطة ~~البدء فيه هي معطيات الحواس - لا مركبات لفظية - فهو أن يتقيد العقل بتلك المعطيات ~~ذاتها، بحيث يلتزم أمرين: أولهما أن يجيء تعليله الذي يفسر به ظاهرة ما ms245 ، شاملا للظاهرة ~~بكل تفصيلاتها فلا يعلل جزءا منها ويترك جزءا بغير تعليل، وثانيهما ألا يتبرع من ~~عنده بإضافة يضيفها إلى التعليل ما دام كافيا. ولقد ضربنا لك مثل المطر ومحاولة تعليله ~~بعدة عوامل مجتمعة، كدرجات الحرارة والرطوبة والضغط الجوي واتجاه الريح، فإذا كان في ~~ذلك ما يفسر وقوع الظاهرة تفسيرا كافيا، لم يعد من حق العقل أن يضيف إليه شيئا ~~آخر. # بهذا نكون قد أوضحنا ضرورة أن يكون العقل «مقيدا» لكي ينتج، فهو في طريقه الأول ~~مقيد بالنص الذي يحلله، وهو في طريقه الثاني مقيد بمعطيات حواسه (ومعها الأجهزة المعينة ~~للإدراك الحسي) فيما يختص بالظاهرة المطروحة أمام العقل لفحصها، ويبقى أمامنا ما هو ~~أهم، وأعني به «الحرية» العقلية ماذا تكون؟ لب هذه الحرية العقلية، الذي بغيره لا يكون ~~العقل عقلا، وبالتالي تهدر آدمية الإنسان، هو أن يستبدل بالمفروض مفروضا آخر؛ إذ تبين ~~له أن المفروض الأول لا يؤدي به إلى نتيجة تنفعه في حلول مشكلاته. لقد أسلفنا القول بأن ~~العقل يسير بفاعليته في أحد طريقين، أولهما هو أن يكون هنالك مركب لفظي يراد تحليله ~~واستخراج مضموناته، وطالما ذلك النص هو المفروض القائم، فالعقل مقيد به، ولكن ماذا لو ~~وجد العقل أنه نص لا ينطوي على شيء يقيد الإنسان؟ إنه لا مفر عندئذ من فرض نص آخر، ~~أعني اختيار مركب لفظي آخر غير الذي تصدى له العقل أول مرة، وفي هذا الاختيار ~~واستبدالنا بما لا يجدي فكرة أخرى نتوقع منها خيرا أكثر ولبابا أغنى، أقول إنه في ذلك ~~تكمن حرية العقل في أول الطريقين. # وليس استبدال الإنسان بمركب لفظي استنفد أغراضه، مركبا لفظيا آخر يتعلق به الرجاء ~~في حياة أفضل، أقول إن ذلك ليس بالأمر السهل ولا هو بالأمر التافه، بل قد يدهشك أن تعلم ~~أن جزءا ضخما من تطور الإنسان وتقدمه، خلال مراحل تاريخه، كان سره هو هذا التبديل ~~والتغيير في مركبات لفظية مسطورة للناس في صحائف قوانينهم ودساتيرهم وتراثهم، ثم أدرك ~~المصلحون أنه لا يرجى للناس خيرا إلا إذا ms246 بدلوا ذلك المسطور بمسطور آخر، فلئن كان ~~العقل مقيدا بالنص الذي يحلله، فما جدواه وجدوانا أن يظل يعيد ويبدي في نصوص استنفدت ~~أغراضها تبعا لتبدل الظروف مع مراحل الزمن؟ في حالة كهذه يتحتم على العقل الحبيس في ~~مركبات لفظية ذهب زمانها، أن يكسر الأغلال، لينتقل إلى بنيان جديد. # هكذا فعلت أوروبا أيام نهضتها، فلو أمعنت النظر في تلك النهضة التي غيرت وجه الحياة ~~بأسرها، لوجدت سرها يكمن في هذه العبارة الموجزة البسيطة: استبدال صحائف جيدة بصحائف ~~قديمة، فيظل للعقل منهجه وفاعليته، لكن المجال الذي يصب عليه هذه الفاعلية وذلك المنهج ~~هو الذي يتغير. إننا لو جمعنا جبابرة العقول التي شهدها التاريخ كله، منذ عرف التاريخ ~~إنسانا يستحق أن يؤرخ له، ثم حصرنا جهودهم العقلية في نصوص مستهلكة، لما أغنت تلك ~~العقول الجبابرة جميعا الإنسان المتخلف شيئا يتقدم به، فإذا سمعت عن شعب أنه ارتقى ~~درجة أو درجات، في نظامه الاجتماعي، في نظامه التعليمي، في نظامه الاقتصادي، في نظامه ~~السياسي، وفي أي نظام من نظم حياته، فاعلم أن ذلك الارتقاء إنما تحقق له بفضل عقل حر، ~~أباحت له حريته أن يستبدل بالقديم الذي أصابه عقم وجمود، جديدا يبشر بالرجاء. # ولقد حدث في تاريخ الرياضة حدث عظيم من هذا القبيل، وكان ذلك في القرن الماضي، فكانت ~~له نتائج يصعب جدا أن نقيس مداها، وذلك أن العقل البشري لبث قرونا وهو على ظن بأن ~~النسق الهندسي الذي أقامه إقليدس في العصر القديم، هو شيء يفرض نفسه على العقل فرضا ~~ولا خيار للعقل دونه، فجاء علماء الرياضة في القرن الماضي، وقالوا لأنفسهم: لماذا لا ~~نجرب فروضا أخرى غير المسلمات التي وضعها إقليدس واستنتج منها نتائجه؟ وكان ذلك ما ~~فعلوه، فكان أن فتح الله عليهم بعدة أنساق هندسية جديدة، ولم يعد الأمر حكرا لإقليدس ~~إلا في المجال الذي تصلح فيه هندسته، وأما الهندسات الجديدة لقد كان شأنها ما كان ~~بالنسبة للأبعاد الكونية البعيدة، وكذلك بالنسبة للأبعاد البالغة في الصغر داخل الذرة ~~الواحدة، وكان فتح الله ms247 على الناس عظيما يوم أن مارس العقل الإنساني حريته في أن ~~يستبدل فروضا بفروض. # ومن هذا القبيل نفسه في حرية العقل، أن يبيح ذلك العقل الحر لنفسه أن يستبدل بمبادئ ~~ثبت بوارها، مبادئ أخرى قد تكون أهدى للإنسان في حياته، إن كلمة «مبدأ» أو «مبادئ» لها ~~في القلوب رهبة وفي الآذان سحر، حتى ليفاخر الإنسان إنسانا آخر بكونه رجل «مبادئ» ~~وبأنه ثابت على مبادئه لا يغير منها شيئا، وهذا بالطبع شيء جميل وحميد، طالما كانت تلك ~~المبادئ مؤدية إلى نتائج تنفع الناس في حياتهم العملية، وإلا فلا مناص عندئذ من تحرر ~~العقل منها، ليستبدل بها ما هو أهدى سبيلا، إذ ما هو «المبدأ»؟ هو - بحرفية اللفظ - ~~نقطة نبدأ منها، ثم نسير وفق الخطوات التي تستخلص من ذلك المبدأ، ولكن ماذا إذا وجدنا ~~أنها خطوات مؤدية بنا إلى هلاك؟ إنه لا بديل أمامنا إلا أن نترك لعقولنا حرية الانتقال ~~إلى مبدأ جديد، فالمبادئ صنعها الإنسان لنفسه، وهو حر في أن يصنع سواها، وفقا لما ~~تقتضيه الحياة وازدهارها. # ذلك كله خاص بحرية العقل في طريقه الأول، الذي هو طريق نقطة الابتداء فيه «جملة» أو ~~عدة جمل، مسطورة في صحائف أو محفوظة في صدور الناس يتناقلونها بالتواتر. # وأما حرية العقل في طريقه الثاني، وهو الطريق الذي يسلكه عندما تكون نقطة الابتداء ~~معطيات تقدمها له حواسه الظاهرة أو الباطنة، فالأمر فيها شبيه بالأمر في حرية العقل وهو ~~في طريقه الأول، يستبدل - إذا لزم الأمر - مسطورا بمسطور، وذلك لأنه وهو بصدد معطيات ~~حسية جاءته عن ظواهر الطبيعة، ويريد قراءتها، لا بد له أن يلجأ إلى التجريب، فيقرؤها ~~على صورة معينة، فإذا أفلحت كان بها، وإلا فهو «حر» في أن يجرب قراءة أخرى، وأما إذا ~~ظل العقل حبيس قراءة واحدة لظواهر الكون ومشكلات الحياة، فاللهم أنت أعلم إلى أي هاوية ~~يسير. # قال رفيقي الذي يتسقط لي الأخطاء وعثرات القلم: لست أرى إلى أي شيء تهدف بكلامك ~~هذا، فقلت له: إن الذي أهدف إليه يا أيها العبد ms248 ، هو أن تكون حرا. # | الكاتب ومستويات القراء # جاءتني رسالة من الزميل الكريم الأستاذ الدكتور عبد الفتاح عثمان، يعلق فيها على ما ~~أكتبه، بدأها بقوله إن الأفكار التي أعرضها وبالطريقة التي أعرض بها، تثير اهتماما ~~شديدا بين أساتذة الجامعات وصفوة المثقفين، فهؤلاء هم الذين يستطيعون التفاعل مع تلك ~~الأفكار، وكثيرا ما جعلوا منها - كما شهد سيادته - موضوعا للمناقشة والجدل وتبادل ~~الرأي، وذلك لأنها أفكار، كما يقول هو عنها في رسالته، «تمس الجذور العميقة لمشكلات ~~إنسان هذا العصر، وخاصة في مجتمعاتنا النامية.» لكنه يستدرك فيضيف إلى ذلك قوله بأن ~~فيما أكتبه «تجريدا» يراه «عقبة أمام القارئ العادي»، وعلى ذلك تكون الفئة القادرة على ~~متابعة ما أكتبه قلة قليلة من الصفوة المثقفة، ممن قد يكونون أقل حاجة إلى الأفكار ~~المعروضة، من الكثرة غير القادرة على المتابعة، ويسألني سيادته - بناء على هذا - لماذا ~~لا أمزج المنهج العقلاني الديكارتي الذي أستخدمه، بالمنهج البراجماتي والمنهج الحسي ~~(هذه كلها كلماته) مما يجتذب «القارئ العادي»؟ # ولقد أتاحت لي رسالة الزميل الفاضل فرصة الكتابة في موضوع طالما فكرت في معاودة عرضه، ~~لأنني وإن كنت كثيرا ما تعرضت له في سياق ما أتناوله من موضوعات، إلا أنه لم يظفر ~~بحديث مستفيض خاص به، وأعني به علاقة الكاتب بفئات القراء، التي لا بد - بحكم ضرورة ~~الأمر الواقع - أن تكون فئات متدرجة في مستوياتها الثقافية، تدرجا يبدأ مما يقرب من ~~درجة الصفر، صعودا إلى ذروة «الصفوة الثقافية» التي أشار إليها الزميل في رسالته، فإذا ~~كتب الكاتب وجمهور القارئين على تفاوت درجاته هو الماثل أمامه، كان معنى ذلك أنه يتحتم ~~عليه الوقوف من الفكرة التي يريد عرضها، عند «المضاعف المشترك البسيط» (مستخدمين في هذه ~~العبارة لغة الحساب) فلا يبقى من الفكرة إلا أقلها، وبذلك يضيع علينا موضع الإشكال الذي ~~من أجله كتب الكاتب ما كتب، ولكنه في الوقت نفسه، إذا حرص على أن يعرض من الفكرة مواضع ~~الإشكال التي تستحق العرض، أفلتت منه الكثرة الغالبة من جمهور القراء، الذين هم على ~~تفاوت ثقافي ms249 واسع المسافة بين سكان الذروة وسكان السفح الأدنى، بعبارة أخرى موجزة، إن ~~الكاتب في مثل مجتمعاتنا، يتعرض للحيرة بين هدفين: فإما أن يخدم الفكرة المعينة وما ~~تقتضيه، وإما أن يخدم جمهور القراء بكل درجاته المتفاوتة، ولا سبيل إلى الجمع بين ~~الجانبين. # لأن الجمهور العريض إنما تكفيه من الفكرة قشورها الخارجية، بحكم قدرته المتواضعة التي ~~لا يستطيع بها مجاوزة تلك القشور، ذلك من جهة، ومن جهة أخرى فإن الفكرة المعينة لا تبدأ ~~في قوة فعلها من حيث التأثير في الناس لكي يغيروا من أنفسهم، ويحلوا رؤية جديدة محل ~~رؤية قديمة، إلا إذا عرضت بكل لبابها؛ فيصبح حتما محتوما على الكاتب أن يختار لنفسه ~~ما يتفق مع طبيعته وقدراته، فإما أن يختار جانب الفكرة فينحصر في القلة التي هي الصفوة ~~المثقفة - على حد تعبير الزميل صاحب الرسالة - وإما الجمهور العريض، فيعفي نفسه من ~~الأعماق ليسبح مع ذلك الجمهور على سطح الأحداث الجارية. وتحضرني الآن إجابة أجاب بها ~~كاتب في شئون الاقتصاد على مستوى رفيع، كان يكتب في صحيفة التايمز البريطانية (قبل أن ~~يعين سفيرا لبريطانيا في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان ذلك منذ بضع سنوات)، ~~وذلك أن رئيس التحرير سأله مرة على سبيل النقد لصعوبة ما يكتبه ذلك الكاتب: كم تظنهم ~~أولئك الذين يستطيعون قراءتك؟ فأجاب الكاتب في استعلاء: إنهم ثلاثة، لست أنت أحدهم! لكن ~~ما كان يكتبه ذلك الكاتب ولا يقرؤه قراءة الفهم إلا ثلاثة - على حد قوله الساخر - هو ~~الذي كان له الأثر في تغيير المسار الاقتصادي في بلاده. # وعند هذه النقطة - نقطة تغيير الاتجاه القائم بين أفراد الشعب - أنتقل مع الزميل ~~الفاضل صاحب الرسالة إلى صميم الموضوع، فأسأل ابتداء: لماذا يكتب كاتب؟ ولست ب ~~«الكاتب» هنا أعني ذلك النوع من الكاتبين، الذي لا بد أن قد كان ماثلا في ذهن الزميل، ~~حين اقترح علي في رسالته أن أقسم المقالة إلى أجزاء، بحيث يقع كل جزء منها تحت ~~عنوان فرعي كما هي العادة المألوفة في مذكرات التلاميذ؛ لأن مثل هذه الصورة ms250 مرغوب فيها ~~عندما يراد لدارس المذكرات أن «يحفظ» المادة المعروضة عليه ليدخل بها الامتحان؟ وأما ~~«الكاتب» الذي أعنيه (والذي قد لا أكون موفقا بحيث أكون مثلا له) فهو الذي تشبع ~~كتابته في قارئها نزوعا نحو أن يفكر وأن يسلك على غير ما ألف من قبل أن يفكر وأن يسلك، ~~فليس الأمر هنا أمر «نقاط» في الموضوع، بقدر ما هو «إيحاء» للقارئ باتجاه جديد؛ ولذلك ~~ترى «الكاتب» في كثير من الحالات، لا يبسط فكرته بسطا مباشرا، كما هي الحال حتما ~~ودائما في الكتابة العلمية، لا، بل إنه يبحث لفكرته عن إطار يعلقها عليه، كأن يلجأ إلى ~~حكاية من التاريخ، أو أسطورة، أو حلم، أو خيال قصصي، أو حوار بين شخصين أو عدة أشخاص، ~~أملا في أن يكون ذلك الإطار المختار معينا على إشاعة الانطباع المراد إشاعته في نفس ~~القارئ، فيكون له بمثابة الإيحاء الموجه إلى نمو فكر جديد وسلوك جديد، وما كذلك ~~الكتابة العلمية، فهذه تنقل إلى الملتقى «معلومات» محددة، يراد لها أن تعرف لذاتها، ~~ولا يراد بها أن «توحي» بشيء، ولذلك لا نقول عمن يكتب كتابة علمية، أيا ما كانت ~~المادة العلمية التي يكتب فيها، إنه «كاتب». # ونعيد سؤالنا مرة أخرى: لماذا يكتب «الكاتب»؟ جوابنا هو: إنه يكتب ليغير الاتجاه ~~السائد في فكر أو سلوك؛ ويندر جدا أن يعد كاتبا ذلك الذي يكتب ليؤيد ما هو قائم؛ ~~لأن ما هو قائم، قائم سواء كتب كاتب يؤيده أو لم يكتب، فإذا اتفقنا على هذه النقطة ~~المبدئية، التي هي أن معيار الارتفاع أو الهبوط في منزلة الكاتب، هو قدرة ما يكتبه على ~~إحداث التغيير في تفكير الناس، وميولهم، وسلوكهم، نتج لنا عن ذلك نتيجة مهمة في موضوع ~~حديثنا هذا، وهي أن معيار الجودة في الكتابة لا صلة له على الإطلاق بعدد من يقرءونها، ~~بل إني لأوشك أن أقول إن النسبة عكسية دائما بين مقدار الجودة في الكاتب، وعدد قرائه؛ ~~فقراء الجاحظ وأبي العلاء المعري وسرفانتيز وشكسبير، أقل بكثير من قراء الحكايات ~~البوليسية ms251 ، أو الجنسية، أو غير ذلك مما يغوص في تفصيلات من الحياة، دون أن يمس جوهر ~~«الإنسان» وراء تلك التفصيلات. # يكتب الكاتب ليغير، وهذا هو أهم المعايير التي تقاس بها الكتابة، شريطة ألا تكون ~~وسيلته إلى التغيير «وعظا»، فالوعظ لا يغير من واقع الأمر مثقال حبة خردل، ومن هنا ~~كان لأعلام الكاتبين على طول التاريخ أثرهم البالغ في نقل الناس من حال إلى حال، دون أن ~~تجد في شعر الشعراء منهم، أو في نثر الناثرين، جملة واحدة فيها نبرة الوعظ بما هو ~~مطلوب، اللهم إلا في حالة واحدة، هي حالة تكثيف المعنى إلى الحد الذي يجعل الجملة ~~المحتوية على ذلك المعنى حكمة يسهل حفظها ودورانها على الألسن. وفي هذه المناسبة أقول ~~إنه حدث سنة 1946م أن أقامت جامعة لندن لقاءات فكرية على نطاق واسع، كان الهدف منها أن ~~تلقى فيها سلسلة محاضرات عن الشرق الأوسط، خدمة لمن هم في سبيلهم من البريطانيين إلى ~~السفر إلى الشرق الأوسط، استئنافا للنشاط بمختلف صوره، بعد أن انتهت الحرب العالمية ~~الثانية. وقد اختير اثنان ليحاضرا في الأدب العربي، أحدهما يختص بالأدب العربي القديم، ~~وكان هو المرحوم محمد النويهي، والثاني يختص بالأدب العربي المعاصر، متمثلا في شاعر ~~معين أو كاتب، وكان ذلك الثاني هو كاتب هذه السطور، وقد اخترت لمحاضرتي «العقاد الشاعر» ~~لأنني كنت - ما أزال - أعتقد أن شعر العقاد يصور أهم اتجاه في حياة الأمة العربية في ~~ذلك العصر، ألا وهو الاتجاه نحو «الحرية»، لكن شعر العقاد كما رأيته وأراه، لا يمثل ~~اتجاهنا الجديد نحو الحرية، بمعنى أنه يدير حديثه عن «الحرية» صراحة ومباشرة، بل يفعل ~~ذلك بمعنى قوة «الإيحاء»، فقارئ ذلك الشعر لا بد له أن يخرج من قراءته مزودا بدفعة نحو ~~أن يسعى إلى تحقيق الحرية لشخصه وللآخرين معه، وذلك هو الأدب الرفيع وكيف يفعل فعله في ~~النفوس. # قلنا إن الشعب درجات متفاوتة في الغزارة الثقافية، وتبدأ تلك الدرجات مما هو شبيه ~~بدرجة الصفر، ثم تصعد إلى حيث يقدر لها أن تصعد، وقد ms252 تكون لكل درجة من تلك الدرجات ~~كتابة هي الأصلح لها؛ فإذا خاطبت الكتابة أصحاب الدرجات الدنيا من السلم؛ فهي تخاطب ~~«الشعب» متمثلا في هؤلاء؛ وكذلك إذا خاطب الكاتب بما يكتبه تلك القلة القليلة ذات ~~الغزارة النسبية من الثقافة، فهو إنما يخاطب «الشعب» أيضا ممثلا في تلك الفئة ~~القليلة. # إن كل ابن من أبناء الشعب، هو هو «الشعب» ممثلا في شخصه، وليس لأحد من الأفراد حق ~~يزيد على حق الآخر في كونه ممثلا لشعبه؛ وكل ما في الأمر هو أن أبناء الشعب يمثلونه من ~~جوانب مختلفة؛ تماما كما نقول عن اللوحة الفنية إنها متمثلة في ألوانها وخطوطها وطريقة ~~بنائها، فاللون هو اللوحة، والخط هو اللوحة، والتكوين هو اللوحة، وكل مقوم من مقوماتها ~~هو كسائر المقومات في كونه هو اللوحة عند النظر إلى مكانتها من الفن؛ وأذكر في هذا ~~الصدد إجابة أجاب بها العقاد على الوزير الذي كان يرأس المجلس الأعلى لرعاية الفنون ~~والآداب والعلوم الاجتماعية، وكان العقاد عضوا فيه، فلقد قال الوزير، ونظراته موجهة ~~إلى العقاد: إننا نريد ثقافة للشعب، لا ثقافة تنفرد بها الفئة القليلة، فأجاب العقاد ~~قائلا: إنني أنا الشعب بمقدار ما يكون أي مواطن آخر هو الشعب، على اختلاف ما بين أبناء ~~الشعب من الدرجة الثقافية لكل منهم، فأنا لست قادما من فرساي. # لكننا إذ ننفي أن يكون الانتساب إلى «الشعب» مقصورا على من قلت حظوظهم من الثقافة، ~~ونصر على أن تكون كل شريحة من المواطنين، من الذروة إلى السفح، هي «الشعب» لا بد لنا أن ~~نضيف إلى ذلك إضافة بالغة الأهمية في موضوع هذا الحديث، وهي أن الذي يستطيع أن يغير ~~اتجاه الشعب من هدف لم يعد صالحا، إلى هدف آخر استحدثته الظروف، هم تلك الفئة القليلة ~~التي تسكن الذروة من الهرم الثقافي؛ لأنهم هم وحدهم القادرون على استخدام أدوات ~~التغيير، من العلم والفن والأدب، وأما سائر الدرجات فهي تتلقى وقد تتغير بما تلقته أو ~~لا تتغير، وذلك متوقف على انفراج الزاوية بين مضمون ما تلقاه من ms253 جهة ، ووجدانها العميق ~~من جهة أخرى، على أن هذا كله لا يمنع من أن تكون الفئات التي منها تتألف أكثرية الشعب، ~~هي مصدر الوحي لتلك الفئة القليلة التي تعود بإنتاجها الفكري والأدبي والفني، فتحدث في ~~كثرة الشعب ما قد تحدثه من تغيير. # ماذا نعني عندما نقول إن لطفي السيد، وطه حسين، والعقاد، وأحمد أمين، ومن سار سيرتهم ~~من رجال التنوير في الجيل الماضي، كانوا عوامل قوية في إحداث بعض التغير في الاتجاه ~~الثقافي للشعب المصري، بل وللأمة العربية كلها؟ إننا لا نعني بذلك أن فلاح الحقل، وعامل ~~المصنع - وهم أغلبية الشعب - كانوا يقرءون لهؤلاء ما يكتبونه، وحتى لو كان في مستطاع ~~بعضهم أن يقرءوا لهم في موضوعات السياسة؛ لأن تلك الموضوعات كانت قد شغلت الناس إلى حد ~~كبير، فهل كانوا يقرءون لهم في الجانب الثقافي الذي كان بحق مناط التغير الاجتماعي ~~الذي حدث؟ هل كان أفراد الشعب بالمعنى الشائع لهذه العبارة، يقرءون للطفي السيد نزعته ~~الليبرالية، واتجاهاته الفلسفية؟ هل يقرءون لطه حسين ما كتبه عن أبي العلاء، والمتنبي، ~~وغيرهما من شعراء تناولهم طه حسين بالعرض والنقد على طراز جديد من التناول؟ هل كانوا ~~يقرءون العقاد في شعره وفي تراجمه وفي نقده الأدبي، وهل كانوا يقرءون أحمد أمين في ~~التاريخ العلمي الذي حلل به الحياة الثقافية عند العرب الأقدمين؟ كلا، إنهم بالطبع لم ~~يكونوا يقرءون شيئا من ذلك، ومع هذا فذلك هو نفسه الذي أحدث ما قد حدث في رؤية الشعب ~~من تغيير، فالقليل من عملية «التحديث» الذي تحقق لهم في حياتهم الفعلية قد جاءهم عن ~~طريق هؤلاء، فكيف حدث هذا التأثر بما لم يطالعوه؟ إنه حدث - كما يحدث مثله في كل الأمم ~~وفي كل العصور - على درجات، فهؤلاء الأعلام أثروا تأثيرا مباشرا في قلة قليلة قرأت ~~لهم، لكن أفراد هذه الفئة القليلة كثيرا ما يكونون أصحاب قلم، فتنعكس قراءاتهم فيما ~~يكتبونه، وهكذا تأخذ الدائرة في الاتساع كلما هبطنا من قمة الهرم الثقافي إلى ~~قاعدته. # فالكاتب الذي يكتب للفئة القليلة التي ms254 هي «صفوة المثقفين» (بتعبير الزميل الفاضل صاحب ~~الرسالة) عندما يعرض لفكرة يريد عرضها، سواء اختار لها طريقة الأدب الخالص في التصوير، ~~أعني أن يكون قد اختار لها أن تبث في قصة، أو أن تتوازى مع أسطورة أو حلم أو حوار، أم ~~اختار لها طريقة العرض المباشر الذي هو أقرب إلى الدراسات العلمية، فإنه - على أي ~~الحالتين - لا بد أن يمعن في تحليل الفكرة المعروضة، تحليلا يتعقب ما استطاعت قدرته أن ~~تتعقب من جزئيات صغيرة فرعية، هي التي منها تتألف الفكرة المعروضة، وأما تلك الفكرة ~~نفسها حين نأخذ في النزول من القمة إلى القاعدة، على أيدي كتاب أقصر قامة، فإنها ~~تفقد مع كل خطوة إلى أسفل بعض عناصرها وتفصيلاتها، حتى تنتهي آخر الأمر إلى رجل الشارع، ~~بعد أن تكون قد تجردت من كل تفصيلاتها وأصبحت أقرب شبها بالمحارة الجوفاء التي ذهب ~~عنها اللباب الحي. # ذلك فارق جوهري، أرجو أن أشد إليه الانتباه؛ لأنه هو الذي يبين وجه الاختلاف الرئيسي، ~~بين الكاتب الذي يخاطب صفوة المثقفين، والكاتب الذي يخاطب الجماهير العريضة عند قاعدة ~~الهرم؛ وهو أن درجة التحليل للفكرة المعروضة، تزداد كلما صعدنا في درجات الهرم الثقافي، ~~وتقل كلما هبطنا، فافرض - مثلا - أن الفكرة المراد عرضها، هي فكرة «المساواة» ففي هذه ~~الحالة سترى الفرق بعيدا، بين ما تقرؤه لكاتب الصفوة الثقافية عن «المساواة» وما تقرؤه ~~عنها لكاتب الجماهير، فهذا الثاني يكفيه أن يورد كلمة «المساواة» في سياق حديثه، ~~ويتركها هكذا كما هي، وكأنها محددة المعنى وواضحة لجميع قرائه، بل إن هؤلاء القراء من ~~جماهير القاعدة العريضة في الهرم الثقافي لا يتوقعون عن فكرة «المساواة» أكثر من اسمها، ~~على وهم منهم أنهم يفهمون معناها فهما واضحا، وأما كاتب الصفوة فيعلم علم اليقين أن ~~فكرة «المساواة» مركبة ذات تفصيلات كثيرة، ولا بد لفهمها من ضوابط تحدد المعنى ~~المقصود. # لأنك إذا أردت لفكرة «المساواة» دقة في التحديد نشأت لك مشكلات كثيرة تتطلب التفكير ~~وإمعان النظر، فإذا بدأت بالسؤال: مساواة بين من؟ وفي أي الجوانب؟ فقد ms255 يأتيك جواب متسرع ~~يقول: مساواة بين أفراد الناس جميعا، وفي كل جوانب الحياة، وهنا يكون من حقك أن تسأل ~~أسئلة كهذه: هل نكلف المريض بمثل ما نكلف به السليم؟ هل يكون للأطفال الصغار حق التصويت ~~النيابي؟ هل يكون للإناث ما للذكور في الميراث؟ هل؟ وهل؟ وأسئلة كثيرة كهذه لا تقع تحت ~~الحصر، وعند كل سؤال منها، يجد السامع نفسه مضطرا إلى وضع الضوابط التي تحدد المجال ~~الذي في حدوده تكون المساواة، وشيئا فشيئا يزداد ذلك السامع إدراكا بأن لكل فرد، وفي ~~كل مجال، ظروفا معينة تجيز له، أو لا تجيز له، أن يتساوى مع هذا أو ذلك من سائر ~~الأفراد؛ فمن هو دون الثامنة عشرة - مثلا - لا يتساوى مع بقية الناس في التصويت ~~النيابي؟ والمرأة لا تتساوى مع الرجل في المواريث، ومن لم يحصل من التعليم على درجة ~~معينة لا يتساوى مع من حصلوا على تلك الدرجة في دخول الجامعات، وهكذا وهكذا. # لكننا إذا وجدنا أنه - في كل مجال - لا بد من وضع الحدود التي تجيز أو لا تجيز ~~المساواة بين الناس جميعا، فسرعان ما يتبين لنا أن مثل هذه الاستثناءات ليست دائما ~~محل اتفاق عام وشامل، فإذا سألنا - مثلا - هل إذا تساوت كل الظروف بين شخصين، إلا في ~~اختلاف بينهما في اللون يتساويان؟ هنالك من الشعوب من يقول: لا؛ فاللون يؤخذ في ~~الاعتبار؛ وكذلك إذا سألنا؟ هل إذا تساوت كل الظروف بين رجل وامرأة، يتساويان بعد ذلك ~~في كل شيء؟ هنالك من يقول: نعم، وهنالك من يقول: لا، وهكذا تنفتح أبواب الخلاف في الرأي ~~أمام الناس، فما يراه بعضهم واجب المساواة، يراه آخرون غير ذلك. # إنني لم أقصد بهذه اللمحة التحليلية السريعة أن ألقي شيئا من الظلال على فكرة ~~المساواة بين الناس، بل أردت أن أوضح كيف أن ما يقبله القارئ العادي على علاته، يقف منه ~~المثقف من الصفوة وقفة تتطلب مزيدا من الدقة في وضع الضوابط التي تضبط المعنى المقصود، ~~وأحب هنا أن أوجه الأنظار إلى حقيقة هامة، ms256 هي أن الطغاة إنما يستندون في طغيانهم على ~~الألفاظ التي من قبيل: الحرية، المساواة، العدالة، الديمقراطية، يلقونها في الجماهير، ~~وهم يعلمون أن أحدا من تلك الجماهير لن يقف مع نفسه أو من غيره لحظة ليسأل عن تلك ~~المعاني في دقة تحديدها، ليعلم بناء على ذلك إن كان ما يعطيه له الطاغية فعلا مطابقا ~~لتلك المعاني، أو كان مجرد أسماء قذف بها في الهواء كيفما اتفق. وسؤالنا الآن هو هذا: ~~إذا كانت هذه المعاني وأمثالها في حاجة إلى من يحللها ويوضحها ليكون مع الناس معيار ~~التفرقة بين الصواب منها والخطأ؛ فمن الذي يضطلع بهذا التحليل والتوضيح؟ إنهم صفوة ~~المثقفين - الكاتبون منهم والقارئون - ومنهم تتسلل المعاني قطرة قطرة، حتى تصل إلى ~~جمهور الناس فتحركهم إلى التغيير المنشود، إذا اقتضاهم الأمر أن يغيروا من حياتهم ~~شيئا، وعلى هذه الصورة تحدث ثورات الشعوب. # وهنالك من ضروب الإنتاج الفكري والفني والأدبي ما قد يخيل إلى الرائي أنه في مستطاع ~~الجماهير، برغم كونه إنتاجا أبدعته الصفوة المثقفة كالموسيقى والشعر والرواية ~~والمسرحية والتصوير مما يغري السائل أن يسأل كل منتج لفكر أو فن أو أدب: لماذا لا تجعل ~~نفسك مفهوما للناس كهؤلاء؟ والذي يفوت السائل، هو أن القارئ العادي يتعذر عليه فهم ~~الرواية والمسرحية ومعزوفة الموسيقى واللوحة الفنية بغير ناقد يقوم له بعملية التحليل ~~واستخراج المضمونات الكامنة في العمل الأدبي أو الفني، وإذا لم تصل تلك المضمونات ~~الكامنة إلى عقل المتلقي وقلبه، لما وجد ما يحفزه على تغيير أو ثورة. # وكل منا ميسر لما خلق له، فمنا من خلق ليحلق في علياء السماء تارة، وليغوص إلى ~~غور الأعماق طورا، محللا ومعللا وباحثا وكاشفا، ومنا من خلق ليسبح في تيار الحياة ~~كما هي واقعة، لا يجاوز تفصيلاتها ومشكلاتها ساعة بعد ساعة ويوما بعد يوم، وبين أولئك ~~وهؤلاء من القنوات والدهاليز، ما يربطهما معا وجهين لحياة واحدة. # | ندوة في خطاب # جاءني خطاب مثقل بالأسئلة، وكأنه قد شارك في كتابته مجموعة كبرى من السائلين، لكنني ~~حين قرأت ما قدم به ms257 كاتبه نفسه، أحسست بأن الإجابة عن أسئلته واجبة؛ لأنه طالب علم ~~والتعليم مهنتي ومهمتي، فهو يقدم نفسه بقوله: «أنا شاب أبلغ من العمر تسعة وعشرين ~~عاما، لم تسعفني ظروفي الخاصة في إتمام مرحلة الدراسة الثانوية، ولكنني رغم ذلك أهوى ~~القراءة وأحبها ... وهي عندي أحب إلي من كل ما عداها في هذه الحياة، وحبي للقراءة، ~~وهوايتي لها، نابعان من اقتناعي بأثرها العميق في تكوين الشخصية وتقويم السلوك، ولو لم ~~يكن للقراءة هذا الأثر، لما كان هناك أمر بالقراءة في قول الله تعالى: # اقرأ باسم ربك الذي خلق ~~، والمشكلة التي تحظى ~~بكل اهتمامي وتشغل كل فكري الآن هي أنني لا أعرف ماذا أقرأ؟ ولمن أقرأ؟ وكيف أقرأ؟ ولقد ~~تفضلتم مشكورين بالإجابة على السؤالين الأخيرين من أسئلتي الثلاثة (في مقالكم المنشور ~~بالأهرام بتاريخ 15 / 5 / 1983م)، أما سؤالي الأول، فما زلت أتطلع إلى الإجابة عليه، ~~فهل أقرأ ما يتفق مع ميولي واهتماماتي؟ أو أن هنالك ما يجب علي قراءته بغض النظر عن ~~تلك الميول والاهتمامات.» # وبعد هذه المقدمة خصص صاحب الخطاب طلبه، فكتب سبعة أسئلة، تقع موضوعاتها في ميادين ~~مختلفة، راجيا أن أجيب له عنها، وسألبي رجاءه له ما أستطيع، لكنني أقول له: إن ~~أسئلتك هذه هي التي تحدد لك ما تقرؤه، فابحث عن المصادر التي تحدثك عنها، تكن قد أجبت ~~لنفسك على سؤالك السابق: ماذا أقرأ؟ وبعد، فها هي ذي أسئلته السبعة، سؤالا سؤالا، ~~والجواب الموجز عن كل منها. يقول في سؤاله الأول: «هاجم بعض علماء المسلمين القدامى، ~~كالغزالي، الفلسفة والفلاسفة، واتهم علماء آخرون الفلاسفة بالزندقة والإلحاد، فأرجو ~~التوضيح: هل هناك تناقض بين الدين والفلسفة؟ وما هي أوجه الاتفاق وأوجه الاختلاف ~~بينهما؟» # الجواب: لا، ليس هناك تناقض بين الدين والفلسفة، وبيان ذلك في إيجاز هو أن الفكر يكون ~~فلسفيا، كلما أراد أن يرد فكرة معينة، أو علما معينا، أو نظما اجتماعية معينة، أن ~~يردها إلى جذورها الأولى التي نبتت منها؛ مثال ذلك، أنه إذا كان «التاريخ» يصف الأحداث ~~كما وقعت، بل وربما ms258 يرجع بتلك الأحداث إلى أسبابها المباشرة، فإن «فلسفة التاريخ» هي ~~التي تحاول أن ترد الأحداث وأسبابها إلى ما يكمن وراءها من قوى دافعة، فإذا قال ابن ~~خلدون في «المقدمة» المعروفة له ما معناه أن الحضارة الإنسانية تولد وتنمو وتشتد قوتها ~~ثم تهرم وتشيخ وتذبل وتموت، كما هي الحال مع سائر الكائنات الحية؛ فذلك منه يعد فلسفة ~~للتاريخ؛ مثال آخر: إذا كانت «اللغة» هي هذا الذي نتكلمه ونكتبه، ثم تجيء «علوم اللغة» ~~كعلم النحو مثلا، وهو عبارة عن استخراج القواعد العامة التي على أساسها تتركب المركبات ~~اللغوية، فإن «فلسفة اللغة» هي ما يغوص إلى أعمق من ذلك، لنرى ماذا في الإنسان وفطرته، ~~مما يجعله ذا لغة؟ مثال ثالث: إذا كانت «الأخلاق» هي تلك المعايير التي يراعيها الإنسان ~~في سلوكه، بحيث يجيء ذلك السلوك مما يعده الناس فضيلة، فإن «فلسفة الأخلاق» هي الغوص ~~وراء تلك المعايير ذاتها لنرى كيف كان منشؤها، أو بعبارة أخرى: نسأل من الذي أمر ~~الإنسان بأن يفعل هذا وبألا يفعل ذلك؟ وهنا قد تتعدد الإجابات، لكنها جميعا - على ~~تعددها - تكون مذاهب مختلفة في «فلسفة الأخلاق»، وعلى ضوء هذه الأمثلة التي أوضحت لك ~~بها العمل الفلسفي في بحثه عن الجذور الأولى في أي ميدان يختاره، أنتقل بك إلى الدين ~~والفلسفة وهل بينهما تناقض، فبناء على ما قدمناه، إذا كانت الفلسفة قد اختارت ~~لفاعليتها الفكرية ميدان «التاريخ» أو «اللغة» أو «الأخلاق» أو «الجمال» أو ما شئت من ~~ميادين العلم والحياة، فعندئذ لا يكون لها مساس بالدين، وأما إذا اختارت ميدان الدين ~~نفسه ليكون موضوعها، فمهمتها إنما هي أن تحلل مفاهيم ذلك الدين وعقائده، بالطريقة التي ~~ذكرناها، إلى أن ينتهي بها التحليل إلى الكشف عن الجذور الكامنة وراء تلك المفاهيم ~~والعقائد، وها هنا قد يوفق القائم بالتحليل توفيقا يضعه في أعلى مراتب المؤمنين بذلك ~~الدين، وقد لا يوفق، فيصل إلى نتائج يعدها المؤمنون خارجة على روح دينهم. # الفلسفة أشبه شيء بعدسة مكبرة يستخدمها الفيلسوف ليرى ما هنالك في الميدان الفكري ~~الذي ms259 يختاره لرؤيته، وبالطبع لا يكون ما بين العدسة والشيء المرئي بها «تناقضا» حتى ~~إذا كانت لعيب في زجاجها قد أضلت صاحبها عن طريق الصواب، فالذي حدث في حالة كهذه هو خطأ ~~في الرؤية وليس تناقضا. # ولقد ذكر السائل في سؤاله «الغزالي» في هجومه على الفلسفة والفلاسفة، وأود أن أقول ~~هنا إن الغزالي حين أطلق على كتابه الذي هاجم به الفلاسفة اسم «تهافت الفلاسفة» فإنما ~~كان يرمي إلى فيلسوف واحد بالذات، هو أرسطو كما يتمثل في فلسفة ابن سينا، وأما ~~«الفلسفة» من حيث هي فلا أظنه قد شملها، وحتى لو زعم لنا أنه إنما هاجمها، فنحن لا ~~نصدقه في زعمه هذا؛ لأن الطريقة التي هاجم بها فلسفة أرسطو في ذلك الكتاب، هي هي نفسها ~~فلسفة تنهج نهج الفلسفة أينما ظهرت. # وأما الجزء الأخير من السؤال، وهو الجزء الذي يسأل عن الدين والفلسفة، أين يتفقان ~~وأين يختلفان؟ فجوابه في إيجاز هو ما يلي: إنما يتفقان، أو يتلاقيان، عندما تبحث ~~الفلسفة فيما وراء الطبيعة. فعندئذ تكون مسألة الألوهية واردة بالنسبة إلى الدين ~~والفلسفة كليهما، ويختلفان أو قل يستقلان أحدهما عن الآخر، أو لا، حينما ينصب البحث ~~الفلسفي على ميادين أخرى، كالذي تؤديه فلسفة العلم، وفلسفة الجمال، وفلسفة اللغة ... ~~إلخ. # وثانيا هما يختلفان في أن المبادئ التي تبنى عليها البناءات الفلسفية بشرية وتختلف ~~من فيلسوف إلى فيلسوف، ومن عصر إلى عصر، وأما الوحي الذي ينزل بالدين فهو - عند ~~المؤمنين بذلك الدين - ثابت لا يتغير من فقيه إلى فقيه، ولا من عصر إلى عصر آخر. # السؤال الثاني: ما هي القيمة التي تمثلها الفلسفة في حياتنا العلمية؟ وهل مصر - من ~~حيث هي دولة نامية - في حاجة إلى تدريس الفلسفة لأبنائها، كحاجتها إلى تدريس الطب، ~~مثلا، أو العلوم العسكرية؟ # الجواب: راجع إجابتنا عن السؤال الأول؛ لتزداد تبيانا للفلسفة ماذا تعمل، فقد أوضحنا ~~أن الفلسفة تحفر تحت الأساس الذي يقام عليه بنيان العلم، التماسا للجذور التي منها ~~انبثقت شجرة العلم، وذلك الأساس الذي تحفر تحته الفلسفة بحثا عن ms260 الجذور الأولية، يؤخذ ~~في المجال العلمي مأخذ التسليم، فمثلا يقوم علم الرياضة على أساس «العدد»، أي إن علم ~~الحساب مثلا يأخذ فكرة العدد مأخذ التسليم، ثم يبني فوقها عملياته من جمع وطرح وضرب ~~وقسمة وغير ذلك من العمليات الرياضية، فتأتي الفلسفة لتسأل: وكيف جاء العدد إلى عقل ~~الإنسان بادئ ذي بدء؟ ثم تأخذ الفلسفة في تحليلاتها إلى أن تصل بنا إلى الأوليات ~~العقلية الأولى التي أنبتت آخر الأمر فكرة العدد، وهنا قد تسأل: وما فائدة ذلك؟ ويكفيني ~~في الإجابة أن أذكرك بما يسمونه اليوم بالرياضيات الحديثة، فبعد أن مضى ما مضى من قرون، ~~وكان تعليم الرياضة على نحو ما ألفناه، أنت وأنا، تنبه علماء الرياضة إلى أن تعليم ~~الرياضة لا يجدي في عقل المتعلم كل جدواه، إلا إذا تعلمه عن طريق الأوليات المنطقية ~~الأولى، التي كانت هي الجذور العقلية التي أخرجت فكرة العدد وغيرها من الأفكار الرياضية ~~الأساسية؛ لأننا لو بدأنا تعليم الرياضة من وسط الطريق لم يستطع الدارس أن يعرف الحقيقة ~~كاملة ليفهمها؛ إن الأمر عنده يكون شبيها بمن يدخل المسرح والرواية قد انقضى نصفها. ~~ومن الذي نبه علماء الرياضة إلى أم الأسس التي كانوا يجعلونها نقط ابتداء في خطوط ~~السير، ليست في حقيقتها نقط ابتداء، بل هي محطة في وسط الطريق. كانت فلسفة الرياضة على ~~أيدي أعلامها في القرن الماضي هي التي كشفت لهم عن المخبوء الذي لم تكن أعينهم تراه، أو ~~قل إن أعينهم لم تكن بها يومئذ حاجة إلى أن تراه. # فالعمل الفلسفي يا أخي ليس لهوا تلهو به جماعة الصبيان، ولكنه تبيين للأصول التي ~~منها تفرعت ثقافة الناس التي يحيون في مناخها. خذ - مثلا - الحياة الدينية في صدر ~~الإسلام، فلم يلبث المسلمون - أعني رجال الفكر منهم - أن أخذهم حب المعرفة لتنكشف لهم ~~مضمونات المفاهيم الدينية الأساسية، فالمسلم «موحد لله» والإنسان العادي «يشهد ألا إله ~~إلا الله»، لكن الفيلسوف المسلم هو الذي يأخذه القلق العقلي حتى يتبين حقيقة المعنى في ~~مفهوم «التوحيد»، فيمضي في تحليلات فكرية، ms261 يلتمس بها الجذور والأصول الدفينة في جوف ~~الفكرة، ولك أن تجيب لنفسك عن سؤال يسأل: ما هو الفرق بين الدين الإسلامي حين يكتفى ~~منه بأفكاره عند أسطحها، والدين الإسلامي بعد أن يكشف فلاسفته عن تلك الخصوبة الغنية، ~~وذلك الثراء الغزير من الأبعاد الفكرية الكامنة في بطون كلماته، فيكون ذلك الفرق هو ~~الفلسفة وجدواها، وهي جدوى تكون الدولة «النامية» أحوج إليها، لتسرع في خطوات نمائها ~~العقلي، ثم تسألني: وهل حاجتنا إلى تدريس الفلسفة لأبنائنا هي كحاجتنا إلى تدريس الطب ~~والعلوم العسكرية؟ وفي هذا السؤال (وأمثاله كثيرة الورود في حياة الناس) مغالطة شديدة ~~الخطر على أصحابها؛ لأن «الحاجات» التي يحتاج إليها الإنسان في حياته ليست «طابورا» ~~نأخذ من مفرداته الأول فالأول، وإلا سألتك: هل حاجتك إلى عينيك أولى أو حاجتك إلى ~~أذنيك؟ هل ثمار الشجرة أحق بالعناية أو جذورها؟ يا أخي إذا كانت حياتنا العلمية شبيهة ~~بشجرة ذات جذور وجذع وغصون وأوراق وثمر، فليس في وسعك، ولا هو من حقك، كلا ولا هو في ~~صالحك، أن تبحث عن الأجدى من هذه الأجزاء والأجدر بالعناية، فالجذور في باطن الأرض ~~والأوراق والثمر فوق الفروع، كلها أجزاء، لولاها لما كانت الشجرة، وكلها حقيق بالعناية ~~والرعاية في وقت واحد، وهل تدهش إذا زعمت لك أن مصر إنما تخلفت عن مكانها في مواضع ~~الزعامة الحضارية للعالم، «ولقد استمر لها هذا الامتياز إلى القرن الخامس عشر»، أقول إن ~~مصر تخلفت عن مكانها ومكانتها، بحيث أصبحت - كما تقول في سؤالك - دولة «نامية» (أو ~~«نايمة» أو «متخلفة») حين ضاعت منها تلك الروح الفاحصة التي تشمل شجرة الحياة بأسرها، ~~جذورا وفروعا وثمارا. # السؤال الثالث: اللغة العربية - لغة القرآن الكريم - تمر بمحنة خطيرة، تتمثل في تدهور ~~مستواها بين المتكلمين بها من الشعوب العربية، فالعامية تتفشى بصورة خطيرة، حتى بين ~~أساتذة المعاهد والجامعات. فماذا ترى من سبل للنهوض بها؟ # الجواب: ليس عندي ما أجيب به أكثر مما عند أي عابر سبيل من أبناء اللغة العربية، ~~فماذا تكون سبل النهوض باللغة غير التعلم ثم ms262 الاستعمال كلاما وقراءة وكتابة ؟ لكن ~~الذي قد أضيفه، هو «طريقة» تعليم اللغة العربية؛ إذ لا بد أن تدخل في ذلك ثلاثة عوامل ~~لا أراها اليوم قائمة بالقدر الكافي: أولها أن يكون كل درس، في أية مادة من مواد ~~الدراسة، بغير استثناء، درسا في اللغة العربية كذلك، فدرس التاريخ - مثلا - درس في ~~التاريخ ولغته، ودرس الكيمياء هو درس في الكيمياء ولغتها، وهلم جرا، فيخرج الدارس في ~~نهاية الشوط، ولا فرق عنده بين أية فكرة علمية أو أدبية ولغتها الصحيحة التي يجب أن ~~تجري فيها، والعامل الثاني هو «تذوق» اللغة، وتلك مهمة تقع على دروس اللغة العربية أكثر ~~مما تقع على سواها، فليس اللغة هي مجرد مجموعة من رموز صماء جرداء تقضي للناس شئونهم في ~~دنيا التبادل والتعامل، بل هي كذلك، وفي الوقت نفسه، «فن» فيه تعبير، والتعبير هو ~~«عبور» ما هو في نفس المتكلم لكي يظهر للآخرين نطقا مسموعا، أو لفظا مكتوبا، بعبارة ~~أخرى، فإن المتكلم أو الكاتب، إنما ينقل روحه من حالة الخفاء إلى حالة العلن، فيما ~~يقوله أو يكتبه، وذلك هو المقصود حين يقال إن الإنسان هو أسلوبه: فبمقدار ما يوحي مدرس ~~اللغة العربية إلى تلاميذه بهذا التوحد الذاتي بين الإنسان ولغته، يكون حرص هؤلاء ~~التلاميذ في حياتهم المقبلة على أن يصونوا لغتهم من التفاهة والركاكة والضعف. وأما ~~العامل الثالث، فهو مكانة اللغة في انتماء المواطن إلى وطنه، فالعجيب الذي يلفت النظر ~~أن الإنسان العادي، الذي لا يرتفع إلى قراءة الأدب الرفيع وتذوقه، يأخذه الغضب إذا قيل ~~له مثلا إن المتنبي أو أبا العلاء المعري ليس من أسلافنا الذين نعتز بالانتساب إليهم، ~~فذلك الإنسان العادي يشعر بالعزة كلما قوي السلف الذي ينتمي إليه، وعلى رأس ذلك السلف ~~هم سادة الكلمة. ومرة أخرى أقول إن مدرس اللغة العربية إذا استطاع أن يبث هذه الروح في ~~تلاميذه، فإن هؤلاء التلاميذ سيكونون بعد ذلك ومن تلقاء أنفسهم، حريصين على ما بين ~~أيديهم من كنوز. # السؤال الرابع: لماذا لا تكتب في قضايا الوطن، ms263 ومشاكله السياسية والاقتصادية ~~والاجتماعية ؟ # الجواب: لو جاز لي أن أكون ذا رأي فيما أكتبه، لقلت إنني بذلت جهدا لا يعرف قدره ~~ومقداره إلا ربي وأنا، وكان ذلك الجهد متجها نحو خلق إنسان جديد، وأحسب أن لو تحقق لنا ~~شيء من صورة ذلك الإنسان العصري الذي يحتفظ مع عصريته بهويته، تحقق لنا بالتالي من ~~يحسنون معالجة القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعلى هذا الأساس أعتذر عن عدم ~~الإجابة عن السؤالين الخامس والسادس؛ لأنهما يتناولان قضايا من تلك التي يجب أن يترك ~~الحديث فيها لأربابها العالمين بشئونها. # السؤال السابع: كتبت في مقالك المعنون «سؤال عن الثقافة وجوابه» تقول: إن الثقافة هي ~~مجموعة من القيم السلوكية والفنية والذوقية، وهي التي توجه الإنسان في اتجاه سيره، ~~وفي ردود أفعاله، فليست الثقافة محصولا معينا من المعارف والمعلومات، بدليل أن ما ~~يعرفه مثقف هنا قد لا يعرفه مثقف هناك، بل هي الزهرة التي تخرجها تلك المعلومات ~~والمعارف، ثم ذكرت أن للثقافة مصادر ثلاثة، هي الدين والأدب والفن. # ولقد أفهم أن للدين أثرا في تشكيل وجهات النظر عند الناس، ولكني لا أفهم كيف يكون ~~للأدب، شعره ونثره، وللفن بمختلف فروعه، أثر في تشكيل وجهات النظر، فهل تتكرمون بمزيد ~~من الإيضاح؟ # الجواب: تسألني عن الفن والأدب كيف يشكلان سلوك المتلقي، فأقول: أما الفن بمختلف ~~أنواعه، الموسيقى، والتصوير، والنحت، والعمارة، فمهما اختلفت المذاهب في تحديد الصفة ~~المشتركة بين تلك الأنواع، والتي أتاحت للعقل أن يجمعها جميعا تحت اسم واحد، هو ~~«الفن»، فلا بد أن تتفق تلك المذاهب على أن الإبداع في الفن - كائنا ما كان نوعه - ~~يخرج في القطعة المبدعة تركيبا تترابط أجزاؤه بنسب معينة، يمكن تقنينها، ويكون الأساس ~~فيها هو أنها نسب من شأنها أن تحدث في نفس المتلقي حالة نفسية مقصودة، أراد الفنان أن ~~يحدثها، فضلا عن أن تلك النسب بين أجزاء القطعة المبدعة، هي نفسها التي نطلق عليها ~~اسم «الشكل» (أي الفورم) الذي بغيره لا يكون الفن فنا، فمثلا: هل يمكن أن تستمع إلى ~~موسيقى حربية دون ms264 أن تشعر بانفعال الحماسة التي تدفعك إلى الرغبة في المشاركة في ~~القتال؟ هل يمكن أن تتأمل صورة جرونيكا للمصور بيكاسو دون أن يأخذك الهلع من ويلات ~~الحروب؟ هل يمكن أن تمعن في تمثال نهضة مصر للمثال محمود مختار دون أن تأخذك العزة ~~بالانتساب إلى مصر، التي حاضرها يتمثل في الريفية التي اعتدلت قامتها وشمخت بأنفها ~~وألقت بنظرها إلى الأفق البعيد، وماضيها الذي يتمثل في أسد رابض؛ ينتظر من تلك الريفية ~~أن تمسه بأصابعها ليأخذ في النهوض، مستعيدا كل ما يرمز له من مجد مصر على مر العصور؟ ~~هل يمكن أن تنظر إلى فن العمارة فيما بقي لنا من معبد الكرنك، دون أن تحس وكأنك تنتفخ ~~من كبرياء لتتكافأ حجما وعظمة مع تلك العمد الرواسخ الشوامخ؟ إنه لمحال على إنسان ~~يتأمل قطعة فنية، دون أن تسري في عروقه تلك الروح التي أراد لها الفنان أن تسري، ومن ~~توالي النظر إلى مبدعات الفن تتكون عند الناظر رؤية معينة ينظر بها فيما بعد إلى مواقف ~~الحياة العملية. لقد كان أفلاطون في «الجمهورية» قد حرم الفنون، على اعتبار أنها ~~محاكاة لكائنات هي نفسها محاكاة بدورها للنماذج العقلية الأزلية، فلماذا نشغل الناس ~~بمحاكاة لمحاكاة؟ لكنه استثنى الموسيقى، واشترط أن تدخل في مقررات الدراسة كلها؛ لأنها ~~بما فيها من نسب متناغمة، لا بد أن تخلق في المتلقي ذوقا فيه ذلك التهذيب والاتساق ~~والتناغم؛ وما قد ظنه أفلاطون بالموسيقى وأثرها في سلوك الإنسان، يمكن أن يمد ليشمل كل ~~ضروب الفن؛ لأنها ليست في جوهرها «محاكاة» كما توهم عنها أفلاطون، بل هي في جوهرها ~~بناءات تتسم بالتناغم الموسيقي. # وأما عن الأدب، فالأمر فيه بالنسبة إلى تشكيله لسلوك الإنسان المتلقي، واضح؛ إذ ماذا ~~يكون الأدب بصنوفه كافة: الشعر، والرواية، والمسرحية، والمقالة الأدبية، إلا أن يكون ~~انعكاسات للتفاعلات البشرية؟ إنك تقرأ ديوان المتنبي - مثلا - فتنظر إلى الدنيا نظرة ~~ذلك الشاعر في كبريائه واعتداده بنفسه، وتقرأ شعر أبي العلاء المعري، فتنظر إلى الحياة ~~من أعلى لترى تفاهتها وعظمتها معا، كما فعل ms265 أبو العلاء؛ وتقرأ رواية نجيب محفوظ في ~~الثلاثية - مثلا - فترى مصر أمامك وهي في إحدى مراحل تاريخها، وترى «المصري» في أخص ~~خصائصه السلوكية والوجدانية، وحين ترى ذلك فأنت لا تراه وصفا مجردا، بل تراه تفاعلا ~~حيا بين مجموعة مصرية برجالها ونسائها وأطفالها وهمومها وأفراحها وأحزانها وشواغلها، ~~فيكاد يستحيل ألا تخرج من ذلك كله بحالة شعورية معينة فيها الرضا وفيها السخط معا، ~~الرضا عن بعض جوانب حياتنا والسخط على بعضها الآخر، فهل يمكن أن تعايش تلك الحالة ~~الشعورية الراضية الساخطة دون أن تتكيف لها ولو إلى حد محدود؟ لقد رأيت أنا في أكثر من ~~مناسبة، زوجات يرين وكأن أزواجهن لا يزالون يحيون على غرار النمط «الرجالي» الذي رأينا ~~صورته في شخصية «السيد عبد الجواد» وهو يتطلب من زوجته ما يتطلبه السيد من أمة اشتراها ~~بماله، والزوجة قد ربيت على أن تسعد بحياة الرقيق تلك، أقول إني رأيت في أكثر من ~~مناسبة زوجات يرين في أزواجهن بوادر تلك النزعة فيكتفين بقولهن ساخرات: «حاضر يا س السيد»، على نحو ما كانت تقول زوجة السيد عبد الجواد في رواية نجيب محفوظ، وكان الزوج ~~في كل حالة من الحالات التي شهدتها يستحيي من نفسه ويخجل من سلوكه، فماذا يعني هذا ~~التحول إلا أنه من تأثير الأدب وتصويره للتفاعل البشري ولأنماط رد الفعل كما هي واقعة، ~~فنرضى نحن أو نسخط، فينتج التعديل الاجتماعي نتيجة قريبة أو بعيدة لذلك الشعور بالسخط ~~على أنفسنا أو الرضا؟ # القسم الرابع # | مصر تبحث عن نفسها # | قضية تستحق النظر # إنني لا أتقدم هنا بفكرة نظرية، من تلك الأفكار التي هي أقرب إلى الرياضة الذهنية ~~منها إلى المشكلات العملية، بل أتقدم بفكرة تعاودني كلما عاودتني مسألة تحيرت في حلها ~~حلا حاسما، يزيل القلق من نفسي إزاءها؛ وهي مسألة لا تكتفي بأن تمس ظواهر الحياة ~~وقشورها ثم تمضي، وإنما هي مسألة ضاربة في حياتنا عند جذورها؛ وماذا تقول في مسألة تدير ~~سؤالها حول الذات المصرية في صميمها؟ إنه لا يكفينا أن تفض مشكلة كهذه، ms266 لها ما لها من ~~عمق التأثير في وجدان المصري، بعبارة عجلى نلقي بها لنستريح، وإلا فما كان أهون من أن ~~نقول عن المصري - وهو قول أكرره مرارا لنفسي عن نفسي - أقول ما أهون أن نقول عن ~~المصري، إنه يمتد بماضيه إلى العصر الفرعوني، ثم هو عربي، وهو بمصريته تلك وعروبته هذه، ~~جزء من الأمة الإسلامية، هذا قول سهل ومريح، وهو فوق ذلك قول نؤمن به، أو - على الأقل - ~~يؤمن به كاتب هذه السطور، إذ هو مقتنع من عمق قلبه وفؤاده أنه مصري عربي مسلم، ثم لا ~~يهمه بعد ذلك أن تضاف إلى هذه الأبعاد أبعاد أخرى، كالانتماء الأفريقي مثلا. نعم، هذا ~~قول سهل ومريح، ولكن ماذا لو حللنا هذه الصفات الثلاث - المصرية والعربية الإسلامية - ~~فوجدنا بعض العسر في أن نجعلها متطابقة كل التطابق بعضها مع بعض؟ إن كرامة عقولنا ~~تقتضينا ألا نقذف بشفاهنا كلمات لها من الخطورة ما لهذه الكلمات الثلاث، دون أن نكون ~~على وعي كامل بما هو مضمر فيها من معان، وإذن فهي قضية جديرة بالنظر المتأمل الدقيق، ~~لكي تطمئن قلوبنا، بأننا إذ نصف أنفسنا بهذه الصفات الثلاث، فنحن نعني ما نقوله ~~ونعيه. # إنه لمما يبعثنا حقا على ابتسامة الساخر، أن نجد أنفسنا بصدد سؤال نسأل به عن حقيقة ~~الهوية المصرية؛ لأن السؤال عن حقيقة الهوية، إذا جاز طرحه بالنسبة إلى شعوب قصيرة ~~التاريخ، فهو - فيما يبدو - لا يجوز طرحه على أقدم أمة في التاريخ، فمصر حين اجتازت ~~سبعين قرنا من الزمن، وخاضت خلالها حضارات تعاقبت عليها، لم يكن لها في كل مرحلة هوية ~~خاصة، اختلفت عن هويتها قبل ذلك وبعد ذلك، بل كانت هي هي مصر، مع زيادة في عمق الخبرة، ~~وفي رهافة الحس الحضاري عند أبنائها. إنها لم تكن في كل مرحلة جديدة يجيئها بها ~~التاريخ، تغسل عن جسدها غبار المرحلة السابقة، بل كانت كالذي يرتدي ثوبا جديدا يضيفه ~~إلى ثيابه، أو كانت مثل كرة الثلج التي شرح بها هنري برجسون فعل الزمن في الكائن الحي، ms267 ~~في أن تلك الكرة كلما تدحرجت على سفح الجبل، ازدادت كثافة الثلج في كيانها. إن اللحظة ~~الجديدة في حياة الإنسان، لا تمحو فعل اللحظات السابقات، بل تضيف إليها جديدا، فإذا ~~نحن أجرينا على المصري بحثا تحليليا بالمنهج «البنيوي» الجديد (الذي يروجونه هذه ~~الأيام، في النقد الأدبي وفي غيره مما يتصل بالإنسان وحياته وتاريخه) لخرجنا من البحث ~~ببنية مركبة، بقدر ما يتسع لذلك المحصول الحيوي الخبري الغزير، الذي امتصته مصر على ~~امتداد القرون، والذي كونت به هوية «المصري». # نعم، إنه ليبعث فينا ابتسامة الساخر، أن نجد مجال السؤال لا يزال مفتوحا أمامنا: من ~~هو المصري؟ أيدخل في عناصر هويته أنه عربي وأنه مسلم؟ وإذا كان ذلك كذلك فكيف كان؟ لكن ~~ما حيلتنا وفي الموقف الحاضر شيء من الخلط وتداخل العناصر بعضها في بعض حتى لتتعذر ~~علينا الرؤية الواضحة في كثير من الأحيان؟ # فمن حيث أنا مصري أراني معتزا بميراث أسلافي، منذ أول يوم شهدت فيه الأرض مصريا ~~يترك على تربتها آثار قدميه، وكيف لا أعتز بذلك الميراث ولم يكن المصري بما شيده لا ~~لاهيا ولا عابثا؟ إنه حكم، وديانة، وعمارة، وفن، وزراعة، ونصر في القتال، فلو كان قد ~~تسلل إلى دمائي من كل جانب من جوانب ذلك المجد أقل من خردلة، لكان فيما ورثته عن هؤلاء ~~الأسلاف ما يملأ نفسي اعتزازا بآبائي الأولين ... إلى هنا والقول منساب في سلاسة وسهولة ~~واقتناع، لكنني مسلم يتلو كتاب الله ويؤمن بكل ما جاء فيه، ومن بين ما جاء فيه أربعة ~~وسبعون آية عن فرعون، وفي كل آية منها إشارة إلى ضلالة من ضلالاته. # تلك إذن إحدى النقاط التي قد تثير القلق في نفس من أراد وهو مصري مسلم أن يظل فخورا ~~بإسلامه في تاريخه القديم، فهل يكفي لزوال ذلك القلق أن نقول إن الآيات الكريمة إنما ~~تعني فرعونا واحدا، هو فرعون موسى، (وأظن أنه هو رمسيس الثاني) جاءه موسى - عليه ~~السلام - بآيات الله فأبى وظلم، # وقال موسى يا فرعون ~~إني رسول من رب العالمين ms268 ~~، # قال ~~الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم ~~، # ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا ~~يعرشون ~~، # وإذ أنجيناكم من آل ~~فرعون يسومونكم سوء العذاب ~~، # كدأب ~~آل فرعون والذين من قبلهم كفروا ~~، # فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون ~~، أقول: هل ~~يزيل القلق من نفوسنا أن تكون آيات الكتاب الكريم، التي ورد فيها ذكر فرعون، إنما قصدت ~~إلى فرعون واحد، وأن سيئات هذا الفرعون الواحد، في مناصبته العداء لبني إسرائيل ~~وللرسالة الموسوية، لا تمحو حسنات الفراعين وما أقاموه من ركائز الحضارة الإنسانية ~~ودعائمها، على مدى أربعة آلاف عام؟ اللهم نعم، وبهذا أقنعت نفسي، وحللت هذه المشكلة ~~وأزحتها من الطريق. # لكن المشكلة الأعوص، هي ذلك التداخل المربك بين «العروبة» من جهة و«الإسلام» من جهة ~~أخرى، فواقع الأمر هو أن هذين المفهومين لا يتطابقان أحدهما مع الآخر تطابقا كاملا، ~~بل هما متداخلان، بمعنى أن العروبة والإسلام يتلاقيان معا في العرب المسلمين، وليس ~~العرب المسلمون هم كل المسلمين، ولا هم كل العرب، فمن العرب من هم غير مسلمين، ومن ~~المسلمين من هم غير عرب، وبعبارة أوضح نقول: إن هناك ثلاث فئات: فهنالك فئة العرب ~~المسلمين، وهنالك ثانيا فئة المسلمين الذين ليسوا عربا، كأبناء تركيا وإيران وباكستان ~~وإندونيسيا وغيرهم، وهنالك ثالثا فئة العرب من غير المسلمين، معظمهم يدين بالمسيحية، ~~كما في لبنان ومصر وغيرهما، فإذا قال المصري - مثلا - إنني أنتمي إلى العروبة وإلى ~~الإسلام معا، وجب أن يكون مفهوما أن الانتماء هنا له معنيان، وليس معناه في الحالة ~~الأولى مطابقا لمعناه في الحالة الثانية، فالمصري عربي بمعنى أنه يتجانس مع سائر العرب ~~في نمط ثقافي واحد متعدد الجوانب والفروع، وأما المصري المسلم فهو ينتمي إلى الأمة ~~الإسلامية بجانب واحد، هو جانب العقيدة الدينية، وليس من الضروري بعد ذلك أن تكون بقية ~~جوانب الحياة الثقافية مشتركة بين المصري والباكستاني أو الإندونيسي أو غيرهما من ~~المسلمين غير العرب. # إن درجات الانتماء لا تتدرج درجة درجة من درجات «الأهمية»، بل قد يكون أشد ما أنتمي ~~إليه التصاقا ليس ms269 هو أهم جانب من جوانب حياتي، فربما كانت عقيدتي الإسلامية - من حيث ~~الأهمية - أهم جوانب حياتي، لكن انتمائي لأسرتي، ولقريتي، ولوطني، وللعروبة، وللإنسانية ~~جمعاء، يجيء فيه ترتيب الدرجات على أساس آخر غير «الأهمية»، وقد يكون هذا الأساس هو ~~المشاركة الوجدانية، فهذه المشاركة الوجدانية بيني وبين أفراد أسرتي أقوى - بالطبع - من ~~المشاركة الوجدانية التي بيني وبين مسلم في الصين أو روسيا، دون أن يغير هذا الموقف ~~الوجداني من حقيقة كون إسلامي أهم جانب من جوانب حياتي. # فالمعاني كما ترى متداخل بعضها في بعض، ومن هنا كانت صعوبة التفرقة بينها، لكنها ~~صعوبة يجب أن تذلل، ليصبح تفكيرنا محددا وواضحا من حيث الانتماء، فنحن - من حيث ~~الانتماء - مصريون قبل أن نكون جزءا من الوطن العربي، ثم نحن عرب قبل أن نكون جزءا من ~~الأمة الإسلامية، وأكرر القول مرة أخرى، حتى لا يسوء الفهم، فأقول إن درجات الانتماء ~~هذه شيء، و«أهمية» الإسلام للمسلم شيء آخر، ولماذا يكون انتمائي للعروبة سابقا على ~~انتمائي للأمة الإسلامية؟ الجواب هو أن بيني وبين العرب نمطا ثقافيا كاملا بكل ~~جوانبه، في حين أن ما بيني وبين سائر الأمة الإسلامية هو جانب واحد من تلك الجوانب ~~المكونة للنمط الثقافي، ألا وهو جانب العقيدة الدينية. # وقد يكون الأمر بحاجة إلى مزيد من الشرح، لنتبين في وضوح ماذا نعني بالنمط الثقافي ~~الكامل، الذي يحتم أن أكون - أنا المصري - جزءا لا يتجزأ من الوطن العربي، ~~فأقول: # العروبة نمط ثقافي، من عاش حياته منخرطا فيه كان عربيا، بغض النظر عن عرقه، ومن ~~أهم المقومات التي يتألف منها ذلك النمط الثقافي، اللغة والدين وفلسفة القيم الأخلاقية ~~والجمالية، والأعراف والتقاليد، والدعائم الأساسية التي يقام عليها النظام الاجتماعي من ~~الأسرة وما يضبط العلاقات بين أفرادها من قواعد، إلى المجتمع القومي من حيث هو بناء ~~موحد، تسري في أنحائه ضروب من الروابط بين الأفراد، وهنالك في التاريخ العربي رجال، لم ~~يكن انتماؤهم العرقي عربيا، إذا جعلنا العروبة مقيدة بحدود جغرافية معينة، هي شبه ~~الجزيرة العربية، لكن أحدا منا ms270 لا يتردد في ضمهم إلى «العروبة» من زاوية الإطار ~~الثقافي الذي قضوا فيه حياتهم ونشاطهم وفكرهم وعقائدهم، وإلا فمن الذي يريد منا أن ~~يخرج من العروبة رجالا من أمثال البخاري والترمذي، وابن سينا، والغزالي، لكونهم ينتمون ~~إلى فارس من الناحية العرقية؟ وليست العروبة بدعا وحدها في كونها قائمة على نمط ثقافي ~~معين لا على انتماء عرقي، فها هي ذي الولايات المتحدة الأمريكية - مثلا - قد ضمت كل ~~أجناس الأرض من ناحية العروق، لكنها قومية واحدة برغم ذلك التنوع، بسبب الوحدة الثقافية ~~التي يحيون في إطارها، أو هم يحاولون جهدهم أن يحيوا في إطارها، لتتحقق لهم الروح ~~القومية في أقوى صورها. # العروبة - إذن - نمط ثقافي، تجيء اللغة في مقدمة عناصره، ونحن إذا قلنا إن العرب ~~يتكلمون اللغة العربية، فلسنا نعني أن اللغة العربية من حيث هي طريقة خاصة للتفكير ~~واستثارة المشاعر، وقد يوجد من يدرس اللغة العربية من غير أبنائها، دراسة تجعله ملما ~~بمعاني مفرداتها وطرائق تركيبها - كالمستشرق مثلا - فلا نعده منخرطا في «العروبة»؛ ~~لأن اللغة في هذه الحالة قد درست من الظاهر، كما تدرس الرموز الرياضية في معادلات ~~الجبر والحساب، لكنها تنغرس في دارسها على نحو يجعلها مدار فكره وشعوره. # قارن اللغة العربية باللغة الإنجليزية - مثلا - تجد بينهما ضروبا من الاختلاف ~~يستحيل ألا تكون انعكاسا لاختلاف أبناء هذه عن أبناء تلك في طريقة التفكير ووجهات ~~النظر واتجاهات الوجدان، خذ بعض الأمثلة، لماذا تقسم مفردات اللغة العربية أسرا ~~أسرا، كل أسرة منها ترتد إلى «الثلاثي» الذي انبثقت منه (وهنالك قلة من أصول رباعية) ~~بحيث يكفي العربي أن يلم بالثلاثي - مثل «ضرب» أو «كتب» - وأن يلم بطريقة استخراج ~~الفروع التي تنبثق من ذلك الينبوع، ليكون على علم باستخراج المشتقات التي يريدها في ~~المناسبات المختلفة، فما دام يحمل في جعبته الفعل «كتب»، أصبح يسيرا عليه أن يستخرج ~~منه أفراد الأسرة جميعا كاتب، مكتوب، كتابة، كتاب ... إلخ، وما كذلك اللغة الإنجليزية، ~~فالإنجليزي إذا عرف الفعل الدال على «كتب» لم يستطع استخراج الاسم «كتاب» لأن هذا ms271 الاسم ~~في لغته قائم بنفسه، وليس مشتقا من فعل «كتب»، ولذلك كان عليه أن يحفظه كما ورد، فهل ~~من شك في أن تجميع المفردات اللغوية تحت رءوسها الثلاثية، انعكاس للروابط الأسرية أو ~~القبلية، أو العشائرية في نظامنا الاجتماعي؟ فالمتكلم باللغة العربية من أبنائها يعيش ~~لغته في نظامه الأسري، ويعيش نظامه الأسري في لغته، فإذا وجدت جماعة من الناس، اختلفت ~~عروقها، لكنها التقت في لغة كهذه بكل دلالاتها، كانت تلك الجماعة منتسبة إلى قومية ~~واحدة. # ولماذا اكتفت اللغة الإنجليزية في التقسيم الكمي بأن جعلت الأسماء إما «مفردا» وإما ~~«جمعا» في حين جعلته اللغة العربية تقسيما ثلاثيا: المفرد، والمثنى، والجمع، لماذا ~~أفرد العربي للمثنى خانة، ودمجه الإنجليزي في خانة الجمع؟ فالكتابان عند العربي «مثنى» ~~وعند الإنجليزي «جمع»؟ هل يمكن لاختلاف كهذا ألا يعكس اختلافا بين الجماعتين في رؤية ~~الأشياء؟ فبينما العربي يساير تقسيمه الثلاثي والأبعاد الثلاثية الكائنة في المجسمات ~~كلها، وهي: الخط، والسطح، والكتلة، أو قل الطول، والعرض، والارتفاع، فاحتفظ بهذه ~~الحقيقة الثلاثية، ليظهرها في لغته تفرقة بين ما هو مفرد، وما هو مثنى، وما هو جمع. ~~والتقابل بين الأشياء وأبعادها، واللغة وأقسامها، تقابل له ما يبرره؛ لأن السطح ما هو ~~إلا خطوط تجاورت، والحجم ما هو إلا سطوح تتابعت، أقول إنه بينما للعربي هذه الرؤية، ~~فللإنجليزي رؤية أخرى. # ولماذا حرصت اللغة العربية على التفرقة الكاملة بين المذكر والمؤنث في كل لفتة من ~~لفتاتها، على حين اكتفت اللغة الإنجليزية في تلك التفرقة بمواضع دون أخرى، ففي العربية ~~إذا خاطبت رجلا بقولك «أنت» فتحت التاء، وإذا خاطبت امرأة كسرت التاء، أما في ~~الإنجليزية فضمير المخاطب مشترك ومعظم الأسماء في اللغة الإنجليزية لا تفرقة فيها بين ~~رجل وامرأة، فقولك «مدرس» و«كاتب» و«ممرض» وآلاف أخرى من هذا القبيل، وتنصرف إلى الرجل ~~والمرأة على حد سواء، فإذا كنت تقرأ صحيفة أو كتابا، ووجدت جملة إنجليزية معناها «قال ~~الطفل إن المدرس أعطاه كتابا»، لما عرفت أهو طفل أو طفلة، ولا عرفت أهو مدرس أو مدرسة، ~~لأن الأسماء ms272 وحدها في اللغة الإنجليزية لا تفرق، لكننا نعرف أن اللغة العربية تتعقب تلك ~~التفرقة بين المذكر والمؤنث في جميع أوضاعها، وفي المفرد والمثنى والجمع، فلكل من ~~القسمين طريقته الخاصة التي تذكره بها اللغة العربية، فهل يمكن ألا يكون هذا صدى ~~للتفرقة الحادة في حياة العربي بين الذكر والأنثى؟ وهكذا، وهكذا، تستطيع أن تجد عشرات ~~الجوانب الرئيسية في البناء اللغوي، الدالة على حقائق معاشة في حياة الإنسان العملية أو ~~الفكرية، مما يبرر لنا القول بأن جماعة الناس الذين يتكلمون اللغة العربية، هي جماعة ~~تحيا بدماء ثقافية واحدة، ولها رؤية مشتركة ترى بها العالم وما فيه، ويترتب على هذه ~~المشاركة أن تكون تلك الجماعة مكونة لقومية واحدة. # وما قلناه عن اللغة ودلالاتها، نقول مثله عن موقف الناس من فلسفة القيم أخلاقية ~~وجمالية واجتماعية، فإذا وجدنا جماعة تتميز دون سائر الجماعات بوقفة خاصة بها في وجهة ~~نظرها بالنسبة إلى مبعث القيم، كان لنا ما يبرر اعتبار تلك الجماعة مندرجة في نموذج ~~بشري واحد، ولنحصر حديثنا الآن في القيم الأخلاقية من وجهة النظر العربية، فلا بد لنا ~~بادئ ذي بدء من لفت الأنظار إلى حقيقة هامة، وهي أن الفوارق بين شعب وشعب في هذا ~~المجال، ليس هو أن شعبا يجعل فعلا ما فضيلة من الفضائل، في حين يجعله الشعب الآخر ~~رذيلة، كلا، فالإنسانية كلها تكاد تتفق على الرءوس الكبرى لما هو فضيلة وما هو رذيلة، ~~ولعل «الوصايا العشر» هي خير ما يلخص لنا أهم ما يلتقي عنده شعوب الأرض جميعا، فيما ~~يجب على الإنسان فعله أو عدم فعله في حياته الخلقية، فليس بين شعوب الأرض شعب يجيز ~~القتل بغير ذنب، ويجيز السرقة، ويجيز الكذب والغدر والخيانة وعدم الوفاء بالعهد ... كل ~~شعوب الأرض متفقة في هذا المجال، ولا يمنع هذا الاتفاق بينها أن يزل الأفراد هنا أو ~~هناك فيخطئوا. # أقول إن موضع الاختلاف الأساسي بين الشعوب في المسألة الخلقية، ليس هو في يقين ~~الفضائل الواجبة، والرذائل المنهي عنها، بل موضع الاختلاف بينها هو في «تعليل ms273 » ذلك ~~الوجوب أو هذا النهي، نعم كلنا متفقون على ضرورة الوفاء بالعهد، ولكن لماذا كان الوفاء ~~بالعهد واجبا خلقيا مفروضا على الإنسان؟ هنا نجد الإجابات عن هذا السؤال تختلف ~~باختلاف الثقافات التي تتميز بها الشعوب بعضها عن بعض، والذي يبرز ضروب الاختلاف هذه، ~~هم فلاسفة الأخلاق، فهؤلاء هم الذين يتعقبون الثقافات المختلفة إلى جذورها الأولى. فقد ~~نجد بعد البحث أن الشعب الإنجليزي يرى أن الوفاء بالعهد فضيلة؛ لأن خبرة الإنسان ~~الطويلة بالحياة قد دلت على أن وفاء الناس بعهودهم أضمن لقيام المجتمع وعلاقات أفراده ~~بعضهم مع بعض على أساس مكين ثابت، لكنك إذا أجريت مثل هذا البحث على جماعة العرب، لترى ~~وجهة نظرها في تعليل هذا الوجوب نفسه الذي يقضي على الناس بالوفاء بعهودهم، فربما وجدت ~~أن التعليل عندها هو أن ذلك من فروض الدين، وهكذا ترى تعديلات مختلفة عند الشعوب ~~المختلفة للظاهرة الخلقية الواحدة، ولست أريد أن أترك الحديث في هذه النقطة قبل أن أعيد ~~التوكيد بأن اختلاف الشعوب في المسائل الأخلاقية، ليس هو أن هنالك شعوبا متمسكة ~~بالأخلاق، وشعوبا أخرى متهاونة فيها، بل الاختلاف - كما قلت - هو في التعليل، وهو ~~اختلاف قلما يطرأ للإنسان العادي في حياته اليومية، لكنه يظهر على يدي من دأبه تعقب ~~الحقائق إلى أصولها الأولى. # فكما وجدنا المشاركة في لغة عربية واحدة، تتضمن أن يكون المشاركون ذوي رؤية واحدة في ~~موقفهم من العالم ومن الحياة، مما يبرر أن يعدوا أمة واحدة، فكذلك نقول إن المشاركة ~~في تعليل واحد للظاهرة الخلقية، مبرر آخر لاعتبار المشتركين أعضاء في جماعة واحدة، فإذا ~~اجتمع المبرر الأول والمبرر الثاني معا في جماعة بعينها، ازدادت الفكرة قوة، بأن تلك ~~الجماعة منتمية إلى قومية واحدة. # وليست اللغة العربية، ووجهة النظر الأخلاقية، هما وحدهما ما يربط أبناء الأمة العربية ~~في حقيقة واحدة، بل تضاف إليهما عوامل أخرى كثيرة، منها طريقتهم في قياس درجات الكمال ~~للأشياء، فما الذي يجعل حيوانا أكمل من حيوان، وشجرة أكمل من شجرة، وإنسانا أكمل من ~~إنسان؟ إذا بحثنا ms274 عن الجواب عند الفكر العربي، وجدنا هناك مقابلة بين «الفكرة» و«الشيء» ~~بمعنى أن الذهن البشري يتصور صورة معينة، أو تعريفا معينا، للشيء، ثم تقاس مفردات ~~الكائنات من حيث درجات كمالها، إلى تلك التعريفات العقلية لها، ليحكم على درجة كمالها ~~بدرجة اقترابها من النموذج النظري، تلك هي خلاصة الوقفة الأوروبية، أو قل الوقفة في ~~الغرب، وأما في الأمية العربية، فالوقفة مختلفة؛ لأن العربي - أيا كان موقعه من الوطن ~~العربي الكبير - لا يقيس الشيء المراد الحكم عليه إلى «فكرة» عقلية، بل يقيسه إلى شيء ~~آخر من جنسه، فالجواد يقاس إلى جواد أمثل، وقصيدة الشعر تقاس إلى قصيدة أخرى، الإنسان ~~إلى إنسان آخر اتفق الرأي على كماله، وهكذا. # ليست غايتنا مما أسلفناه، دفاعا عن وجهة لنظر وتجريحا لأخرى، بل أردنا ضرب الأمثلة ~~التي توضح ما زعمناه، وهو أن العروبة إن هي إلا انتماء إلى نمط ثقافي معين، وكان علينا ~~أن نوضح ما أردناه بهذه العبارة، ومصر في هذا النمط الثقافي الذي تتميز به العروبة، قد ~~تميزت به، وامتازت فيه، إذا كانت أقدر من سواها على تمثل تلك الرؤية بكل تفصيلاتها، ~~وعبرت عن ذلك بسلوكها وبما أبدعته من فكر وفن. # فلئن كانت الهوية المصرية أقدم وأرسخ وأوضح من أن تكون موضعا لسؤال، إلا أن هنالك ~~أمورا تثير شيئا من القلق عند من يريد لنفسه التيقن والدقة، وهي أمور تنشأ من تحليل ~~المفاهيم الثلاثة المقترنة وأعني المصرية، والعروبة، والإسلام، فالمصري المسلم الصادق ~~مع نفسه، يريد أن يطمئن على أنه ليس فيما ورد عن فرعون وقومه في الكتاب الكريم، ما ~~يستلزم انتقاصا لشعور المصري بالاعتزاز بأسلافه، ثم يريد المصري المخلص لنفسه كذلك، أن ~~يطمئن بأن المصرية والعروبة لا يتناقضان، بل إن الأولى تحتم الثانية، وأخيرا يريد ~~العربي أن يكون واضح الرؤية فيما يختص بانتسابه إلى العروبة والإسلام معا، ولهذا كله ~~عرضت ما عرضته هذا، لأن القضية تستحق النظر. # | نحو فكر أوضح # كنا في لجنة ثقافية، جماعة من المشتغلين بالفكر والفن والأدب، وحملتنا موجات هادئة ~~من حوار ms275 كان ينتقل بنا من موضوع إلى موضوع، لنجد أنفسنا أمام سؤال مطروح وأحسسنا جميعا ~~بأهميته وخطورته، فهو وإن يكن قد ألقى بنفسه أمامنا مدفوعا بتلك الموجات الهادئة في ~~تيار الحوار، كما ترى قطعة من الخشب أو من الورق، عائمة تتأرجح مع حركة الموج؛ إلى أن ~~تجد لنفسها مستقرا على رمال الشاطئ، إلا أنه - وأعني ذلك السؤال الذي جاء ليطرح نفسه ~~أمامنا - لم يكد يعلن عن وجوده حتى أدركنا جميعا مدى أهميته وخطورته، ومع ذلك فلست ~~أذكر أنه قد ظفر منا بأكثر من دقائق ملأناها بعبارات غامضة، ثم حان موعد انصراف ~~اللجنة فانصرفنا إلى بيوتنا؛ ولعل السؤال قد أخذ يلح علينا بعد ذلك ونحن فرادى؛ لأن ~~اللجنة لم تعد إلى طرحه أمامها مجتمعة. # فلقد حدث في ذلك الاجتماع أن ألقي على مائدة البحث بالكرة لتتقاذفها أيدي الحاضرين ~~في رفق ولين، وكان الموضوع الذي حملته الكرة الملقاة هو العلاقة القائمة بين ميادين ~~الفكر والفن والأدب في حياتنا الراهنة ما طبيعتها؟ وما نصيبها من القوة والضعف، أم تكون ~~تلك العلاقة مبتورة معدومة؟ فنحن ننتج موسيقى وننتج شعرا وننتج أدبا روائيا ~~ومسرحيا، وننتج فنونا تشكيلية وننتج فكرا، والسؤال هو: بأي الروابط والصلات تتوحد ~~تلك الثمرات في كيان ثقافي واحد؟ وذلك أنه لا بد في الحياة الثقافية السليمة السوية ~~لشعب من الشعوب في كل عصر معين من عصور تاريخه، أن تكون للحياة الثقافية وحدة عضوية ~~تربط أطرافها، ولا تخدعنك الفوارق البعيدة الظاهرة بين تلك الأطراف؛ إذ قد تتساءل: ~~وماذا عساه أن يربط بين الموسيقى والرواية؟ وبين الرواية والنحت والعمارة وبين هذا كله ~~وبين لوحات المصورين وأفكار المفكرين في شتى المجالات؟ لا، لا تخدعنك تلك الفوارق التي ~~هي في ظاهرها مختلفة بعضها عن بعض اختلافات بعيدة الآماد، وذلك لأن الشعب الواحد في ~~العصر الواحد، يستحيل ألا تجيء حياته مستقطبة حول مشكلاته الكبرى، وعندئذ نرى جوانب ~~تلك الحياة وكأنها كواكب المجموعة الشمسية تختلف فيما بينها لكنها جميعا تدور حول ~~الشمس بجاذبية واحدة، وإلا فهل يمكن لشعب يعاني ms276 من وطأة مستعمر خارجي أو من طغيان مستبد ~~داخلي - مثلا - ولا يكون ذلك الهم المشترك ضاغطا على منشئ الموسيقى وعلى الشاعر ~~والفنان والروائي والمسرحي ورجل الفكر؟ كل ما في الأمر من ضروب التباين بين هؤلاء ~~جميعا هو اختلافهم في الوسائل وما تقتضيه تلك الوسائل من ضرورات التعبير، كل وسيلة ~~منها في مجالها، وأما اللباب الكامن في عمق العمل الفني أو الأدبي أو العقلي فلا بد أن ~~يكون متشابها أو متقاربا عند الجميع، ذلك - بالطبع - لو كانت حياة الشعب المعين في ~~العصر المعين سليمة سوية وكانت المواهب عند أصحابها صادقة مع نفسها، مخلصة لوسائلها ~~وأهدافها. # تلك - إذن - هي الكرة التي ألقى بها من ألقاها وأخذ الأعضاء المجتمعون ينظرون بلمحات ~~سريعة إلى ضروب الإنتاج في مجالات الفن والأدب والفكر لعلهم يقعون بينها على وشيجة ~~القربى التي تضمها جميعا في أسرة واحدة يدور أفرادها في أفلاك مختلفة بالطبع، لكنها مع ~~ذلك تدور حول محور واحد فلما أن غامت الرؤية أمام أبصارهم وخيل إليهم أنهم في ~~الحقيقة إنما ينظرون إلى مفردات لا تربطها صلة الرحم، قال منهم قائل: ولماذا لا يكون ~~هذا التفكك الذي نراه بين المنوعات مما ينتجه رجال الفن والأدب والفكر في حياتنا أمرا ~~طبيعيا يشير إلى حقيقة قائمة بالفعل، وهي أن مصر تجتاز الآن مرحلة البحث عن ذاتها ~~الضائعة، ويوم أن تستردها يتحقق لنا من تلقاء نفسه ذلك الكيان الواحد الموحد الذي ~~نلتمسه في أعمالنا اليوم فلا نراه. # وعند هذه الوقفة انفضت اللجنة وانصرف الأعضاء، ولست أدري إن كان الموضوع ما زال ~~عالقا في وعيهم يناقشه ويحلله كل على انفراد، لكنني أعلم عن نفسي أنني منذ ذلك اليوم ~~شغلت نفسي - آنا بعد آن - بمشكلة فرعية هي فكرة «الذات» بالنسبة للفرد الواحد ~~وبالنسبة للأمة كلها ماذا تعني؟ إنه حتى ذروة الذروة من رجال الثقافة في حياتنا قد ~~قذفوا بالفكرة قذفا وكأنهم وصلوا بها إلى حل يستريحون إليه حين قالوا عن مصر إنها تبحث ~~اليوم عن «ذاتها»، فما هي في الحقيقة تلك «الذات» ms277 التي نبحث أو لا نبحث عنها؟ أم يا ترى ~~يجمل بنا أن نلف الغموض فيما هو أغمض منه ثم نأوي إلى مخادعنا لنستريح؟ إن فكرة البحث ~~عن ذواتنا هي بغير شك عالقة في مناخنا، وربما كان ذلك في ذاته دليلا على وجود نوع من ~~القلق في صدورنا نتأزم به، وتضطرب له نفوسنا باحثة له عن حل يزيحه عنا، لكن كان ينبغي ~~أن نتناول الفكرة - فكرة البحث عن الذات - بجدية واهتمام طالما هي كالسحابة المتجهمة في ~~سمائنا ولا نكتفي بمجرد ذكرها ذكرا عابرا في حديث مذاع أو في مقال مكتوب. # ولست أدعي أن ما سوف أعرضه هنا من رأي ورؤية في شأن ذلك الركن الغائب في حياتنا ~~الثقافية كلها، هو الصواب الذي لا يأتيه باطل، بل إنه مجرد رأي ومجرد رؤية نتجت عن ~~مداومة التفكير فيما قد زعمناه لأنفسنا في اجتماع اللجنة التي أسلفت ذكرها من أن العلة ~~في تفكك الأوصال في كياننا الثقافي اليوم إنما ترجع إلى أن مصر تجتاز مرحلة البحث عن ~~ذاتها، فقبل أن تحكم على قول كهذا بالصواب أو بالخطأ يجب أن نقف عند كلمة «ذات» لنعلم ~~ما قوامها؟ وإلا فكيف يتاح لنا الزعم بأن مصر تبحث أو لا تبحث عن «ذاتها» إذا لم نكن ~~على علم كاف بطبيعة تلك «الذات» التي هي موضوع البحث؟ # كانت الصورة التي وردت إلى خاطري واستعنت بها في الإجابة عن هذا السؤال هي أنني تصورت ~~دائرة من حبات القمح، أي إن محيط الدائرة هو من تلك الحبات موضوعة في تجاور وقلت لنفسي ~~إنه في حالة كهذه لو سئلنا: أين في هذا التكوين الدائري ما هو «ذات» وأين ما هو أعراض ~~لحقت بتلك الذات دون أن تكون جوهرها؟ فإن الجواب عن سؤال كهذا يكون أن الشكل الدائري في ~~هذه الحالة هو بمثابة «الذات»، أما كون محيط الدائرة حبات من القمح فهو حقيقة فرعية ~~لأننا نستطيع أن نستبدل بحبات القمح حبات أخرى من أرز أو ذرة أو شعير، بل أن نستبدل بها ~~خرزات ms278 أو صخرات أو أن نرسم مكانها محيطا بالطباشير أو ما شئنا فيبقى لنا «الكيان» ~~قائما كما هو ولا يتغير منه إلا ملحقاته وحواشيه، كما يغير إنسان معين ثيابه ويظل هو ~~هو الإنسان الذي كان قبل أن تتغير الثياب. وإذا كان ذلك كذلك خلصنا منه إلى نتيجة هامة ~~وهي أن «ذات» الشيء هي «الإطار» أو «الشكل» أو «طريقة ترتيب العناصر» وليس المضمون الذي ~~يجيء ليملأ ذلك الإطار ثم يذهب مع الزمن ليجيء مضمون آخر فيحل محله حشو لذلك ~~الإطار. # ويحسن بنا قبل أن ننتقل بحديثنا من هذه النقطة إلى التي تليها أن نزيد ما قلناه ~~وضوحا؛ إذ ربما يصدم القارئ أن يقال له إن «ذات» مصر التي نبحث عنها إنما هي مجرد صورة ~~مفرغة من محتواها الحضاري والثقافي؛ فلنضرب أمثلة توضح ما نريده: إذا طلب منا أن ~~نميز بين ما هو جوهري في المسرحية اليونانية القديمة ومسرحية شكسبير ومسرحية العصر ~~الحاضر، فهل نجيب على ذلك بأن نعرض مضمونات مسرحيات سوفوكليز ويوربيد ثم مضمونات ~~المسرحيات التي كتبها شكسبير ثم مضمونات عدد نختاره من مسرحيات عصرنا؟ أو أن نجيب بمثل ~~قولنا إن البطل في المسرحية اليونانية ترسم الأقدار مصيره والبطل في مسرحية شكسبير يرسم ~~مصيره تركيبه النفسي وطريقة سلوكه والبطل في المسرحية الحديثة ترسم الظروف المحيطة به ~~مصيره؟ إننا إذا رأينا أن الإجابة إنما تكون بمثل هذه الخصائص في التكوين لا بسرد ~~الحوادث الداخلية في مضمون المسرحيات ذاتها، كنا بمثابة من يقول إن المميز هو في ~~«الإطار» لا في المضمون الذي يملؤه. # وإذا طلب منا أن نوضح الفرق في نظام الحكومة بين بريطانيا والولايات المتحدة فهل ~~تكون الإجابة بأن نعين الأشخاص الذين يؤلفون الحكومة في كل من البلدين أو يكون بأن نشير ~~إلى الفوارق في «الشكل»، كأن نقول: إن بريطانيا ملكية والولايات المتحدة الأمريكية ~~جمهورية، ثم نأخذ في ذكر تفصيلات الشكل في الحكومة الملكية في الأولى وتفصيلات الشكل ~~الجمهوري في الثانية؟ إننا إذا أجبنا على هذه الصورة الثانية كانت إجابتنا دالة على أن ms279 ~~موضع السمة المميزة هو في الإطار لا في المضمون. # وإذا طلب منا أن نفرق بين الدولة الأموية من جهة والدولة العباسية من جهة أخرى، ~~فقلنا إن أهم فارق بينهما هو أن الدولة الأموية جعلت مبدأها «العروبة» بمعنى أن يكون ~~الحكم في أيدي عرب خلص، في حين جعلت الدولة العباسية مبدأها - ظاهريا على الأقل - ~~هو الإسلام بمعنى أن يشرك في الحكومة مسلمون من غير العرب كالفرس وغيرهم. وإذا كان ~~هذا الفارق أساسيا في التمييز بين الدولتين من حيث المبدأ كان المعول هو على «الشكل» ~~أكثر منه على ما يملأ ذلك الشكل من أشخاص معينين أو من أحداث معينة. # وإذا طلب منا أن نفرق بين «التصوير» في الفن المعاصر والتصوير في الفن كما عرفته ~~العصور السابقة، فقلنا إن المميز الأساسي هو أن الفنان المعاصر لا يلتزم بشيء بالنسبة ~~إلى ما هو واقع في الطبيعة الخارجية، بينما الفنان في العصور السابقة برغم رؤيته ~~الذاتية لما يصوره إلا أنه كان على درجة كبيرة من الالتزام بالأشكال كما هي في الواقع ~~الخارجي. وإذا نحن أقمنا التفرقة على هذا الأساس كنا بمثابة من يعول على الإطار أكثر ~~مما يعول على مضمونه؛ واختر لنفسك شخصين من أقربائك أو أصدقائك وحاول أن تلتمس الفوارق ~~بين الشخصية في أحدهما والشخصية عند الآخر، تجد أنك قد انتهيت إلى اختلاف بينهما في ~~الإطار أو في ترتيب الأولويات عند هذا وعند ذاك، كأن تقول - مثلا - إن أحدهما لا يهتم ~~بكسب المال اهتمامه بالراحة والمتعة، بينما الآخر يهلك نفسه في سبيل كسب المال - مهما ~~يصبه من عناء، وأنت في هذه الحالة تفرق بينهما على أساس الشكل لا على أساس الحوادث ~~الجزئية الفعلية في حياة كل منهما. # وأظنه قد بات واضحا ما أردته حين قلت إننا إذ نبحث عن «الذات» المصرية فالذي نبحث ~~عنه هو: كيف يكون ترتيب الأولويات بين مختلف القيم أكثر مما يكون القيم نفسها. لماذا؟ ~~لأننا إذا عولنا على «القيم» في ذاتها فالأغلب أن تجد التشابه شديدا بين شعوب الأرض ~~جميعا، ms280 وبهذا تضيع منا المعالم المميزة لشخصية هذا الشعب أو ذاك، فكل شعوب الأرض ~~تعتز بعقائدها الدينية، وكل شعوب الأرض تلتزم الانتماء إلى الأسرة وإلى الوطن، وفضلا ~~عن ذلك فإننا إذا أخذنا في اعتبارنا تاثير البيئة في أهلها وجدنا تشابها بين الشعوب ~~التي تسكن بيئات متشابهة وبين الشعوب التي تؤدي عملا متشابها كالمزارع أينما كان ~~والصانع أينما كان. # لكن الموقف يتغير إذا جعلنا البحث عن شخصية شعب معين منصبا على الإطار، كما قلت، لا ~~على ما يملأ الإطار من تفصيلات الحياة الفعلية، بمعنى أن ننظر كيف يرتب الشعب الذي ~~جعلناه موضع البحث، كيف يرتب أولوياته. # وهنا تبرز الفروق بين الشعوب واضحة، كما تبرز التطورات التي تطرأ على شخصية الشعب ~~الواحد في مراحل تاريخه، والمثل الذي نسوقه لذلك هو مثل مصر في التغيرات التي طرأت على ~~ملامحها في مرحلتها التاريخية الحاضرة، وهي نفسها التغيرات التي نعنيها حين نقول عن مصر ~~إن رؤيتها لذاتها قد اكتنفها ضباب ولهذا فهي في حالة البحث عن ذاتها، ومن ثم فقد كثرت ~~بيننا الأحاديث والمناقشات والدراسات حول ما أسميناه بإعادة بناء الإنسان ~~المصري. # فما الذي حدث للمصري بحيث دارت حوله الأحاديث بيننا وكثرت المناقشات والدراسات وقلنا ~~عنه إنه قد انبهمت أمامه معالم الطريق؟ الإجابة عندي بناء على التحليل الذي قدمته هي أن ~~تغيرا حدث في ترتيب الأولويات بين مختلف القيم التي أقام عليها ولا يزال يقيم عليها ~~المصري بنيان حياته، وأعني أن المصري لم يكفر اليوم بقيمة آمن بها بالأمس، بل القيم في ~~نسيج حياته هي هي، وأما التغير الطارئ فهو في «الإطار» الذي رتبت فيه تلك القيم، فبعض ~~القيم التي كانت لها المكانة العليا هبطت درجتها في سلم التقويم وبعضها التي كانت لها ~~مكانة أقل من أخواتها ارتفعت منزلتها وصعدت في سلم التقويم. # فمن أهم الخصائص المميزة للذات المصرية - ولقد سبقت لي الكتابة عنها في مناسبات كثيرة ~~- عمق الشعور الديني، وكان أن تبعه عند المصري اتساع النطاق الذي يتعامل فيه مع «الغيب» ~~إما بالإيمان الرشيد أحيانا، ms281 وإما بتهاويم الخرافة أحيانا أخرى؛ ثم يجيء بعد ذلك في ~~خصائص المصري قوة انتمائه الأسري وهو انتماء لا يقف معه عند حدود «الأسرة النواة» كما ~~يصفها كثيرون من كتاب الغرب اليوم، بمعنى الوالدين والإخوة، بل يوسع المصري من حدود ~~الأسرة التي يشتد به الانتماء إليها لتشمل كذلك أبناء العمومة والخئولة ومن يتصل بهم، ~~ثم يتميز المصري بحبه لأرضه ليس فقط من حيث هي أرض يزرعها، بل من حيث هي كذلك أرض يتصل ~~بها ولادة ونشأة وذوي قربى. ولقد تفرع عند المصري من عمق إيمانه الديني وقوة انتمائه ~~لأرضه وأهله حب يشبه الحب الصوفي للعمل الذي يؤديه، زراعة كانت أو صناعة أو غير الزراعة ~~والصناعة. وأعني بالحب الصوفي هنا حبا للشيء في ذاته ولذاته لا للأجر الذي يترتب ~~عليه، اللهم إلا إذا أريد بالأجر أجر من الخالق جل وعلا يوم يكون الحساب؛ فلم يكن زارع ~~الأرض في مصر يشقى وكل ما يملأ رأسه هو كسب الرزق آخر الأمر، بل كان يضاف إلى ذلك في ~~نفسه شيء من «العشق» للأرض والفخر بها إذا كثرت خيراتها، ولا بد لنا ونحن نذكر خصائص ~~المصري كما عرف بها من النظر إلى علاقته بالحاكم كيف كانت، فسواء استطاع المصري أو لم ~~يستطع منذ انتهى به عهد الفراعنة حتى هذا القرن العشرين أن يترجم الحاكم الأجنبي ليصنع ~~منه ابنا من أبناء مصر فهي حقيقة تاريخية تبقى قائمة، وهي أنه طوال تلك العصور تعاقبت ~~على مصر حكومات لم يكن الحكام فيها من أصلاب مصرية خالصة، ولذلك كان من الطبيعي أن ينظر ~~الشعب إلى حكامه أولئك مستخدمين العبارة الجميلة التي قالها في هذا الصدد سعد زغلول ~~«نظرة الطير للصائد، لا نظرة الجند للقائد»، ومن ثم كان الشعور الغالب على المصري ~~بإزاء حاكمه هو شعور الحذر المشوب بالخوف، ونتج عن ذلك الشعور انعدام المصارحة بين ~~الطرفين، فكل طرف منهما يحاور الآخر ويداوره ويراوغه ويمالئه، وإذا لزم الأمر وجاءت ~~الفرصة غدر به. # تلك هي بعض السمات البارزة في «الذات» المصرية كما ms282 عرفت خلال تاريخها الذي تلا عهد ~~الفراعنة، والذي حدث في عصرنا الحاضر وأسميناه انحرافا عن الذات المصرية الأصيلة ليس ~~هو أن زالت تلك الخصائص أو زال بعضها وبقي بعضها الآخر، بل هو أن تغير ترتيب الأولويات ~~بينها، فقلت أهمية ما كان له أهمية كبرى، وزادت أهمية ما لم يكن له في ترتيب الأهمية ~~إلا قدر قليل، وإذا نحن وفقنا إلى تحليل صحيح لما قد حدث من ارتفاع وانخفاض في سلم ~~القيم الذي عشنا على أساسه دهرا طويلا، كانت لنا بذلك صورة دقيقة للانحراف الذي ~~وقع. # وفي هذا أقول على سبيل الاجتهاد الذي لا أضمن له الصواب: إن من القيم التي هبطت درجة ~~أو درجات صفة حب المصري لأرضه، فقد زال جزء كبير من ذلك العشق الصوفي بين الزارع وأرضه، ~~وهل كان يمكن فيما مضى أن يرضى صاحب أرض في مصر أن «تجرف» أرضه لتتحول تربتها إلى ~~طوب للبناء؟ لقد كانت تلك التربة في إحساس المصري كأنها قطعة من جسده الحي. وهل كان ~~يمكن كذلك لزارع أن يهمل أرضه؟ تلك كانت تعد من الغرائب التي يتندر بها الرواة إن حدثت، ~~لكنها لم تكن تحدث لأن ما بين المصري وأرضه كان كالذي بين العاشق الصوفي وما يتعلق ~~به. # وضعف إيمان المصري بالعمل الذي يؤديه، فبعد أن كان الشعور السائد أثناء العمل هو ~~إشباع العامل ل «مزاجه الفني»، أصبح السائد شعورا بالملل. كان العامل أثناء أدائه لما ~~يؤديه يحس بكبرياء السيادة على المادة التي يخضعها لصنعته، فأصبح العامل أثناء أدائه ~~للعمل الذي يؤديه يحس بذلة من أكره على عمل يمقته. وأما صفة الانتماء الأسري فربما ~~يكون ما أصابها هو شيء من ضيق مجالها حتى كادت أن تنحصر بصاحبها في حدود «الأسرة ~~النواة». وفي مقابل القيم التي نزل قدرها على سلم الدرجات هنالك جوانب صعد قدرها واتسع ~~مداها، منها ذلك الجانب الذي قلنا عنه إنه قد يتبع الشعور الديني وهو يتبعه بصورة سوية ~~أحيانا وبصورة فيها انحراف أحيانا أخرى، وأعني به التعامل مع الغيب ms283 في شئون الحياة ~~الجارية، وعندما يتخذ ذلك التعامل صورته المنحرفة يجيء مشوبا بالخرافة، فتعلل ~~الأمور بغير أسبابها وتبث قوة فيما ليس بذي قوة، أو تنزع القوة مما هو قوي الفعل ~~والأثر؛ ومثل هذه الوقفة الشعورية المنحرفة قد ارتفعت في حياتنا عدة درجات لتأخذ لها ~~مكانا في الصدارة. # كذلك طرأ تحول في صلة الشعب بالحكومة، فلم تعد العلاقة بينهما علاقة الحذر المشوب ~~بالخوف، وهي العلاقة التي كانت فيما مضى تنتج في الناس رياء ونفاقا ومراوغة، فقد ~~زال كثير جدا من دواعي الحذر الخائف لا ليزول تبعا لذلك الرياء والنفاق والمراوغة ~~تجاه الحكومة، بل بقيت هذه الصفات كلها مع تغير في هدفها؛ إذ أصبحت وسيلة ناجحة في كسب ~~المنافع بعد أن كانت فيما مضى وسيلة لدرء الخطر. # وبهذه التغيرات في ترتيب القيم داخل إطارها طرأ على المصري ما طرأ من اختلاف. وهنا ~~ينشأ سؤال جديد ذو أهمية بالغة ولم أسمع به مثارا في حلقات البحث بين طائفة المثقفين، ~~وهو: أيكون علاجنا للتغير الذي طرأ على «الذات» المصرية هو بالضرورة «إعادة» لتلك الذات ~~إلى ما كانت عليه من قبل؟ بعبارة أخرى: أهو حتم محتوم أن يبقى الفرد الواحد أو الأمة ~~الواحدة على «الذات» بعينها وبعناصرها ومقوماتها مهما اختلفت الظروف فذهبت عن الناس حال ~~وجاءت إليهم حال جديدة؟ ألا يجوز أن نرى عند النظر الفاحص أن المصري إذ هو بحاجة يقينا ~~إلى أن تبث فيه روح غير الروح التي تسوده الآن، والتي لخصها لي أحسن تلخيص الأستاذ ~~الدكتور أنور عبد الملك ونحن نسمر بالحديث معا ذات يوم، إذ قال: إن مجمل ما طرأ على ~~المصري من تغير هو أنه بعد أن كانت تحركه عوامل من داخل بلده، أصبحت تحركه عوامل تمسك ~~بخيوطها قوى من خارج بلده. أقول إن المصري اليوم إذ هو بحاجة إلى روح جديدة تبث فيه، ~~فلا أظنها ضرورة محتومة أن يجيء ذلك عن طريق العودة به إلى ما قد كان لأن بعض ما قد كان ~~ربما لم يعد صالحا للحياة الجديدة ms284 التي نبتغيها. # | مفتاح الشخصية المصرية # كثيرا ما ألمح الفكرة بسرعة اللمح بالبصر، ألمحها وكأنها لمعة من الضوء، ثم أمعن ~~النظر في تلك الفكرة التي كنت لمحتها بتلك السرعة الخاطفة، أمعن فيها النظر لأستوثق من ~~صدقها، ومن عناصرها وأبعادها، وإذا بها تفلت من قبضتي كلما ازددت فيها إمعانا، فذلك ~~الوضوح الناصع الذي رأيته فيها عند اللمحة الأولى، يغشاه غموض الضباب شيئا فشيئا، ~~بنسبة مطردة مع إمعان النظر، فقد يكون هنالك من الحقائق ما خلق للبداهة وحدها، تدركه ~~بلمعة من البصيرة، حتى إذا ما أردت بعد ذلك تحليله وتوضيحه وتعليله، راوغك واختفى، ~~فأمثال تلك الحقائق ترفع عن وجهها الحجاب لمن أراد رؤيتها بوجدان قلبه، لكنها تتمرد ~~وتعصي وتحتجب لمن يصر على تشريحها لتوضيحها، فكأنما هي الرقائق التي توضع على القنوات ~~لعبورها، فهي تسمح بالمرور لمن يخفف عليها وطء قدميه، ويسير عليها وكأنه ريشة طائرة في ~~الهواء، وأما إذا ما دب عليها عابر بثقله الثقيل كله، انكسرت، فلا هو أتم عبوره، ولا هي ~~احتفظت بوجودها وكيانها. # فلقد سألني سائل منذ عدة أشهر هل تستطيع أن تحدد لي مفتاحا للشخصية المصرية؟ فما كدت ~~أقرأ السؤال في خطاب السائل، حتى لمع الجواب في ذهني بسرعة الضوء، وهمست به لنفسي ~~قائلا: المصري صانع مؤمن بالغيب، أو قل إنه صانع عابد. ثم أكملت قراءة الرسالة التي ~~بها ذلك السؤال، ونويت أن أجيب على السؤال ذات يوم، ولست أدعي بأنني خلال الشهور ~~الأربعة أو الخمسة التي انقضت، كنت لا أنقطع عن التفكير في الإجابة، بل هي لحظات كانت ~~تطفو بالفكرة على السطح، ثم تذهب اللحظة وتختفي الفكرة في زحمة الحياة، لكنني مع تلك ~~الوقفات المتقطعة كنت أحاول تركيز النظر على الإجابة الأولى، التي كانت قد لمعت في ذهني ~~فور قراءتي للسؤال، وهي أن مفتاح شخصية المصري، هو أن المصري صانع عابد، فكنت كلما ~~أمعنت في تركيز النظر في تلك الإجابة، أرى فكرتها تفقد نصوعها الأول، عندما أدركتها ~~بالبديهة الفطرية إدراكا مباشرا. # وأردت هذا الصباح ألا أترك الأمر للخواطر ms285 الخاطفة في اللحظات العابرة، فألقيت السؤال ~~على نفسي من جديد، وكأنه ورد إلي في بريد الأمس، وإذا بالجواب ذاته تعيده بديهتي: ~~المصري في صميمه هو صانع عابد، لكنني هذه المرة ألححت على الفكرة بالنظرة والتحليل، ~~فماذا تريد بقولك هذا عن شخصية المصري؟ وكانت الخطوة القصيرة الأولى على طريق التحليل ~~هي أن أستخرج ما هو مكنون في وصف للمصري بأنه «صانع» ووصفي له بأنه «عابد»، فالصفتان ~~مختلفتان إحداهما عن الأخرى، اختلاف رجلين يتجه أحدهما نحو الشمال، ويتجه الآخر نحو ~~الجنوب، وذلك لأن الصانع هو بحكم الضرورة يتعامل مع «الأشياء»، إذ ماذا هو صانع بصناعته ~~إذا لم يكن بين يديه «شيء» يصب عليه الفعل؟ كالأرض يزرعها، وقطعة الحديد يطرقها ويشكلها ~~مفتاحا للباب، أو رمحا للقتال، والحجر ينحته ويسويه ليقيم به بناء داره أو معبده، ~~فلكي يكون الصانع صانعا، لا مندوحة له عن الاتصال الحسي بشيء مادي يجعل منه موضوعا ~~لصناعته. # ولا كذلك «العابد» لأن جوهر العبادة - كالصلاة مثلا - هو تركيز الذهن في باطن النفس؛ ~~تركيزه في الحضرة الإلهية التي للعابد أن يستغرق انتباهه كله فيها، فبينما «الصانع» ~~ينظر إلى خارج نفسه، ينظر العابد إلى دخيلة نفسه، وبعبارة أخرى نتناول بها المعنى نفسه ~~من زاوية ثانية، نقول إن الصانع يمارس صناعته في عالم الشهادة، وأما العابد فيتأمل في ~~عبادته عالم الغيب، والإنسان في حالته الأولى - حالة كونه صانعا - يستخدم حواسه من بصر ~~وسمع ولمس وغير ذلك، كما يستخدم أجزاء بدنه كالذراعين والرجلين، بينما هو في حالته ~~الثانية - حالة كونه عابدا - يستحب منه أن يطمس على حواسه ما استطاع حتى لا ينشغل ~~بالأشياء المرئية بالعين والأصوات المسموعة بالأذن، كما يستحب منه كذلك ألا يحرك من ~~بدنه إلا الحد الأدنى الذي تتطلبه ضرورة الأداء، ولم يكن مصادفة أن يراعى في أماكن ~~العبادة خفوت الضوء والهمس بالصوت، والمشي على أطراف الأصابع من القدمين (ونحن هنا لا ~~نتفق مع من حرموا الذوق المرهف، فأخذوا يضيئون المساجد بمصابيح «النيون» بدلا من ~~إضاءتها بالشموع الحالمة). # فإذا قلنا عن المصري ms286 إن مفتاح شخصيته هو أنه «صانع عابد» كنا بمثابة من يقول عنه ~~«بلغة التحليل النفسي الحديث» إنه منبسط الشخصية ومنطويها في حياة واحدة، وفي اتزان ~~يعادل بين الكفتين، فمن حيث هو صانع يتعامل مع الأشياء، لا بد بالضرورة أن يكون من ~~الطراز البشري المنبسط الذي يخرج عن حدود ذاته، ليصل إلى الأشياء التي هي موضوع صناعته، ~~ومن حيث هو مؤمن بالغيب، متعبد لله، لا بد له بالضرورة كذلك، أن ينسحب من دنيا الأشياء ~~وصناعاتها، إلى حيث تقوم الصلة بينه وبين ربه؛ والتاريخ المصري الطويل، يمكن تلخيصه في ~~كلمتين: عبادة وصناعة، وفي كثير جدا من الأحيان، كانت الصناعة من أجل العبادة. فبناء ~~المعابد مثلا وما يلحق بها من صناعات وفنون إنما هي صناعة من أجل العبادة، ولما كانت ~~مصر، من ناحية الأديان، قد مارست عبادتها في العهد الفرعوني، وفي العصر المسيحي، وفي ~~عصرها الإسلامي، فقد اختلفت فيها صورة الشعائر الدينية من مرحلة إلى مرحلة، لكن الذي ~~بقي معها عميقا وراسخا، منذ أول تاريخها إلى اليوم، هو الإيمان الديني بجوهر معناه، ~~وأعني الإيمان بالله والغيب واليوم الآخر، وفي خدمة ذلك الإيمان قامت صناعات وفنون. على ~~أن الذي أعنيه بصفة خاصة من التقاء الصناعة بالعبادة في شخصية المصري، هو مجموعة الصفات ~~الخلقية التي تسري من عقيدته الدينية لتتحكم فيه وهو صانع. إننا لم نخطئ كثيرا في ~~دعوتنا الأخيرة إلى وجوب العمل على «إعادة» المصري إلى مصريته التي غاب عنها اليوم شيء ~~من جوهرها الأصيل، لا، لم نخطئ كثيرا في تلك الدعوة؛ لأن مصر اليوم بما قد أصابها من ~~شروخ في جدرانها، لم تعد مصر التي كانت، كلا، ولا هي مصر التي نرجو لها أن تكون بعد ~~حين، مصر اليوم هي مصر بين مصرين: إحداهما كانت وكانت أمجادها وأخلاقها، ومصر التي سوف ~~تكون بإذن الله، بأمجادها وأخلاقها، وأما مرحلتها الراهنة، فهي تشارك فيها الزعزعة ~~الانتقالية التي تسود العالم كله في انتقاله من حضارة ذهبت، وأسدلت عليها الستار حربان ~~عالميتان «1914-1918م» و«1939-1945م»، وفي مصر التي ms287 كانت، كان المصري وهو في دنيا ~~الصناعة - أعني دنيا العمل بشتى صوره - يتخلق بالصفات التي تمليها عليه عبادته لربه، ~~وليس هو من القليل النادر، حتى في يومنا هذا بكل ما أصابنا فيه، أن تسمع المصري يقول ~~للمصري إنه إنما يتعامل مع ربه أولا، قبل أن يتعامل مع المصري المخلوق، وربما يكون هذا ~~القول على لسان المصري اليوم مجرد ألفاظ أفرغت من معانيها، لكنها كانت مليئة بمعانيها ~~عندما كان المصري فيما مضى يقولها لمواطنيه وغير مواطنيه، إنه حقا وصدقا كان يتعامل ~~مع ربه بما يرضي ربه عنه، وبهذه الصلة الوثيقة بين العمل والعبادة كان المصري يحيا ~~حياته. # لقد شهدت طرفا من ذلك العهد الذي انقضى، والذي كان فيه العمل والعبادة في حياة ~~المصري يرتبطان بعروة وثقى، فكان المصري العامل - أيا ما كان نوع العمل - يجيد العمل ~~لوجه الله، وليكن ما يكون بعد ذلك مقدار أجره، وكلنا يعرف تلك العلاقة الصوفية بين ~~الفلاح وأرضه، إنه «يحب» أرضه كما يحب والديه وإخوته وأبناءه، إنه حين يحاول بجهده كله ~~وفنه كله أن يهيئ لأرضه أن تنتج كذا إردبا من القمح، أو كذا قنطارا من القطن، فالروح ~~التي تسري في كيانه عندئذ، ليست روح من «يبتز» من خصمه أكبر كسب مستطاع، بل هي روح ~~الوالد الذي تزداد فرحته بنجاح ولده في الدراسة بدرجات التفوق. # خرجت من مسكني ذات يوم منذ سنين، ففوجئت برجل يقف على بعد خطوتين من بابي، متكئا ~~بمرفقيه على حاجز السلم، ومتجها ببصره نحو الباب، فسألته ما الخبر؟ قال: إنني أنا الذي ~~دهنت هذا الباب بطلائه، وكأنني أنظر نحو صناعتي نظرة عاشق لمن يحب، مثل هذه العلاقة ~~الروحية بين الصانع وصناعته كانت مألوفة في الصانع المصري (ومرة أخرى أقول إنني قصدت ب ~~«الصانع» كل عامل أيا ما كانت صورة عمله) كان العامل يتقن العمل لذات الإتقان، كثر ~~أجره أو قل؛ وذلك لأن الإتقان من واجبات الدين، إنني أعلم عن بعض الكتب القديمة التي ~~قامت بطبعها مطبعة بولاق منذ أكثر من مائة وخمسين ms288 عاما، أعلم عنها خلوها من الأخطاء ~~المطبعية خلوا يكاد يكون تاما، فلما أن أعيد طباعة بعضها في أيامنا الراهنة هذه، ~~جاء فيها من الأخطاء المطبعية ما استوجب أن يلحق بها ملحق بقوائم التصحيح، ولا تسلني كم ~~كان يتقاضى مصحح التجارب الذي لم يخطئ في عمله. منذ ما يزيد على مائة وخمسين عاما، لا، ~~لا تسلني هذا السؤال، لأن الذي أعلمه عنه هو أنه كان «مصريا» ومعنى المصرية هو أن ~~يعمل وأن يتقن العمل، بغض النظر عن العائد؛ لأنه مصري مؤمن بالله، والإتقان لذات ~~الإتقان هو جزء من العبادة. # المصري صانع عابد، وعبادته تسري في صناعته - ذلك وهو في حالته السوية - وبالصناعة ~~ترتبط الأواصر بينه وبين دنياه، وبالعبادة تقوم الصلة بينه وبين السماء، إنه أقدم إنسان ~~على وجه الأرض أدرك أن يوم الحساب آت، ولقد رسم على جدران مقابره «ميزان» يوم القيامة، ~~ومن وعيه هذا بالرابطة بين العمل في هذه الدنيا، وبين التبعات التي تترتب عليه أمام ~~الله، ارتبط العمل عنده بأخلاقياته، إن المصري وهو على سجيته وفطرته، يخجله أن تعطيه ~~أجر عمله بطريقة مكشوفة، ولذلك ترى المعطي يضع الأجر في غلاف أو يضمه في قبضة يده ~~ليخفيه، وترى المتلقي يأخذ ما يأخذه مسرعا به إلى حيث يخفيه، مرجئا عملية العد ~~والمراجعة إلى مكان يتوارى فيه، والسر وراء ذلك كله هو أن أخلاقيات العمل في ضمير ~~المصري هي أن يكون العمل لذاته، وإتقان العمل من فروض الدين، وأن الأجر الحقيقي هو عند ~~الله، ولا دخل للجنيهات والقروش في هذا كله، وليس حديثي هذا عن مصر كما نحياها اليوم، ~~والتي هي - كما قلت - مصر بين مصرين، مصر كانت، ومصر سوف تكون بعون الله. # إن من رجال الفكر من يفرق في الناس بين نوعين: فنوع منهما يكون ذا عقل صلب، ونوع ~~آخر في عقله لين، بمعنى أن أصحاب العقل الصلب هم أولئك الذين يتقيدون بالواقع كما هو ~~واقع، بكل خشونته وغلظته وقسوته وصرامته، ومن هؤلاء يكون أصحاب المزاج العلمي، لأن ~~العلم يأخذ الواقع ms289 على علاته - كما نقول - فلا هو يحط من شأنه، قائلا عنه إنه «مادة» ~~ملعونة خسيسة، ولا هو يزخرفه ويزينه من أوهام الخيال؛ وأما أصحاب العقل «اللين»، فهم ~~أولئك الذين يرفضون الواقع كما يقع، ولذلك تراهم - مثلا - يجعلونه غير جدير بالعناية ~~كلها؛ إذ هو في حقيقته ليس أكثر من جسر نعبره لنصل به إلى الشاطئ الآخر، أو هو مجرد ~~مجموعة من رموز وعلينا أن نقرأ تلك الرموز على هوانا نحن، لا على هواه، وإلى هذا الفريق ~~ينتمي المتصوفة والشعراء، على أن هذين الضربين من «العقل»: ما هو «صلب» منها وما هو ~~«لين» لا ينفصلان أحدهما عن الآخر انفصالا تاما، بمعنى أن يكون هنالك فريق من الناس ~~لا يملك إلا «صلابة» العقل، وفريق آخر لا يملك إلا ليونة العقل، بل الصفتان تجتمعان في ~~كل فرد من الناس، بنسب متفاوتة، فلكل إنسان لحظاته الواقعية بكل ما في الواقعية من ~~صلابة وعناد، ولحظاته العاطفية، بكل ما في العاطفة من تلوينات وتحسينات أو تعديلات ~~للواقع، حتى يكون في صورة جديرة بأن تعاش، والأمر بعد ذلك هو أمر «نسبة» فأصحاب العقول ~~الصلبة «العلمية» هم من ترجح عندهم كفة الواقعية، وأصحاب العقول اللينة هم كذلك من ترجح ~~عندهم كفة الرؤية العاطفية. # وإذ نقول عن المصري إنه صانع عابد، فإنما نريد بذلك أنه - في مراحله التي يكون فيها ~~مصريا سويا غير منحرف عن تاريخه - ذو وقفة تتوازن فيها الصلابة واللين عند النظر ~~إلى الواقع، فآنا هو «الصانع» الذي لا بد أن يعالج الأشياء على واقعيتها، فللأرض عند ~~الزراعة طبيعتها، وللنحاس عند سبكه طبيعته، وهكذا، وآنا آخر هو المتدين العابد، الذي ~~يستقبل الدنيا بقلبه وعاطفته، لا بلسمة أصابعه. # المصري صانع عابد، يتعامل مع هذه الدنيا وكائناتها بحواسه وجوارحه، ويتعامل مع الغيب ~~بقلبه وإيمانه، هو واقعي في الحالة الأولى، صوفي في الحالة الثانية، هو مادي في أحد ~~جانبيه، روحاني في الجانب الآخر، ولقد ساعده على الجمع بين الجانبين في شخصية واحدة ~~متكاملة أنه نموذج بشري فريد، يجمع في صيغة حضارية ms290 واحدة خصائص فلاحة الأرض، وبداوة ~~الصحراء، ومجتمع المدينة، ولذلك جاءت تركيبة القيم الأخلاقية والجمالية في حياته، أبعد ~~ما تكون عن بساطة التكوين، فلو كان زارعا للأرض وكفى لكانت له خصائص الريف وحدها، ولو ~~كان يحيا حياة البدو وحدها لكانت له خصائص أهل الصحراء بلا شريك، ولو كان ساكن مدينة ~~فقط لكانت له في حياته قيم الحضر، ولكنه تلك الجوانب مجتمعة، وهي جوانب يمكن اختصارها ~~في اثنين؛ لأن الفلاحة والبداوة معا تلتقيان في الرؤية الرومانسية في بساطتها ~~وعاطفيتها، وأما حياة الحضر في المدينة فتغلب عليها النظرة الكلاسيكية بعقلانيتها ~~وترفها، والمصري صوفي عابد بالجانب الريفي البدوي من تكوينه، وهو عامل صانع فنان ~~بناء، بالجانب المدني من ذلك التكوين. وإذا استعرضت معظم شعوب الأرض، لما رأيت بينها ~~هذا الطراز الذي يضم بين جنبيه في آن واحد، التعامل مع الغيب وكأن الغيب هو وجوده كله، ~~ثم يتعامل مع أشياء الدنيا وكأنه ليس في وجوده إلا الدنيا وأشياؤها، فشعوب الغرب بصفة ~~عامة، يلهيها عالم الشهادة عن عالم الغيب، وفي شعوب الصحراء والسهول والمراعي والجبال، ~~ترجح عندها نظرة الشاعر على نظرة الصانع، وقليلة هي الشعوب التي تميزت - بحكم تكوينها ~~الحضاري نفسه - برومانسية الريف وكلاسيكية الحضر؛ إنه ليصعب علينا أن نباعد بين العناصر ~~المكونة للرؤية المصرية، بحيث نتصور المصري متميزا بعنصر منها فقط دون سائر العناصر، ~~فالفلاح وهو على أرضه يحرثها ويبذر لها البذور، ويرعاها ويرتقب حصادها، يتصف بكل ما ~~يتصف به الريفي من صفاء وصبر وأمل، حتى إذا ما أمسى عليه المساء، وجدته في القرية ~~مستمعا إلى حكايات عنترة وأبي زيد الهلالي، التي هي حكايات تصور المثل العليا في حياة ~~البداوة، وهو بين هذه وتلك يطوي بين جوانحه نظرة المتحضر في انخراطه مع سائر مواطنيه، ~~تحت حكومة مركزية موحدة، تظل بأجنحتها شعبا موحدا، له صناعته وعمارته وسياسته ~~وحروبه. # وأين تجد ذلك المصري الذي هو صانع وعابد معا؟ إنك تراه فيما صنعت يداه، تراه في كل ~~مسلة قدت من الصخر العتي بإزميل قوي عبقري جبار، وارتفعت برأسها ms291 نحو السماء وكأنها كلمة ~~دعاء في صلاة، إنك تراه في إخناتون يشهد أن الله واحد وراء كثرة الظواهر على الأرض وفي ~~السماء، إنك تراه في راهب الدير يزرع ويعبد الله في حياة واحدة، إنك تراه في المساجد ~~ومآذنها، التي لا تدري وأنت تشخص ببصرك إليها في روعة بنائها، أهي صلاة تجسدت في ~~عمارة، أم هي عمارة ذابت في صلاة، إنك تراه في ذلك الشيخ الذي قرأت عنه، من شيوخ ~~القاهرة منذ ثلاثة قرون، كان يؤذن للصلاة في مسجد ببولاق، ويقرأ القرآن بصوته الخاشع ~~الجميل، ويؤم المصلين، ويقضي بعض نهاره وليله في العبادة، وبعضها الآخر في خدمة ~~العاجزين من أهل الحي، وخصوصا المكفوفين منهم، يحمل عنهم العجين إلى المخبز، ثم يعود ~~إليهم بالخبز، ويشتري لهم حوائجهم من السوق، إنك ترى ذلك المصري الصانع العابد في كل ~~فلاح، في كل نجار وحداد وبناء، إنك تراه في نفسك أنت إذا استبطنتها وعرفت حقيقتها، ~~لكن إذا تلفت حولك اليوم فلم تجده، فلا تقل إن المصري ليس كما وصفت، بل قل إننا لا ~~بد أن نكون اليوم في مصر المؤقتة التي جاءت حلقة وصل بين مصرين: مصر التي كانت، ومصر ~~التي سوف تكون بإذن الله. # ولقد تعلم المصري من تركيبة كيانه بجانبيها الصانع والعابد، تعلم منها الشيء الكثير، ~~وحسبي أن يكون قد تعلم الدأب والصبر ورهافة الحس وروح السخرية ممن يتعلقون بالعابر ~~الزائل؛ لأن المصري بأعمق أعماقه متعلق بالخلود. # لرسول الله - عليه الصلاة والسلام - حديث شريف، خلاصة معناه أن الناس أربعة أصناف في ~~موقفهم من الغضب وسرعة إثارته وسرعة زواله، فهنالك نوع سريع الغضب سريع الفيء (أي زوال ~~الغضب)، ونوع ثان سريع الغضب بطيء الفيء، ونوع ثالث بطيء الغضب سريع الفيء، ونوع رابع ~~بطيء الغضب بطيء الفيء، وخير هؤلاء جميعا هو النوع الثالث، الذي هو بطيء الغضب سريع ~~الفيء. انتهى معنى الحديث الشريف. ولقد نظرت إلى المصري على ضوء هذا التقييم، فوجدت أنه ~~قد تعلم من حياته الصانعة المبدعة العابدة الطامحة إلى الخلود، تعلم من ms292 هذا كله أن يملك ~~زمام نفسه فيبطئ في الغضب، ثم تدفعه روح التسامح أن يسرع في الخروج من ثورة غضبه، فهو - ~~إذن - إنما يندرج في الفئة التي قال عنها رسول الله إنهم من خيرة البشر. ms293