######OpenITI# #META# URI: 1414ZakiNajibMahmud.FiTahdithThaqafaCarabiyya.Hindawi85141539 #META# Tags: philosophy #META# ID: 85141539 #META# Title: في تحديث الثقافة العربية #META# AuthorID: 64904748 #META# Author: زكي نجيب محمود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # رحلة صيف‏ # تحولات‏ # تشابه الأجزاء ووحدة الهدف‏ # ثقافة التغيير‏ # هيكل البناء‏ # لمسة الواقع‏ # صورة جديدة لأفكار قديمة‏ # أفكار تحيا وأفكار تموت‏ # خصوصية الثقافة ما مداها؟‏ # غابت الفكرة عنا‏ # إذا جهالهم سادوا‏ # ناقد الفكر وناقد الأدب‏ # لك الله يا علوم الإنسان!‏ # الأفكار كالأشجار تنمو‏ # اللغة ملتقى الثقافتين‏ # الفكر العربي وتحديات العصر‏ # حرية لم يعرفها الأقدمون‏ # أنجعل التراث كنزا نحن حراسه؟!‏ # هذه ثقافتنا من رجالها‏ # الكتيبة الخرساء‏ # فجوة بين واقع ومثال‏ # هي جملة ينقصها الفعل‏ # وفيك انطوى العالم الأكبر!‏ # اللغة ... هذا المخلوق العجيب! (1)‏ # اللغة ... هذا المخلوق العجيب! (2)‏ # وصولا إلى حرية وعدالة‏ # بلاغة الصمت‏ # الفكر الإسلامي وآفاقه الجديدة‏ # تخليص وتلخيص (1)‏ # تخليص وتلخيص (2)‏ # تخليص وتلخيص (3)‏ # مقدمة‏ # رحلة صيف‏ # تحولات‏ # تشابه الأجزاء ووحدة الهدف‏ # ثقافة التغيير‏ # هيكل البناء‏ # لمسة الواقع‏ # صورة جديدة لأفكار قديمة‏ # أفكار تحيا وأفكار تموت‏ # خصوصية الثقافة ما مداها؟‏ # غابت الفكرة عنا‏ # إذا جهالهم سادوا‏ # ناقد الفكر وناقد الأدب‏ # لك الله يا علوم الإنسان!‏ # الأفكار كالأشجار تنمو‏ # اللغة ملتقى الثقافتين‏ # الفكر العربي وتحديات العصر‏ # حرية لم يعرفها الأقدمون‏ # أنجعل التراث كنزا نحن حراسه؟!‏ # هذه ثقافتنا من رجالها‏ # الكتيبة الخرساء‏ # فجوة بين واقع ومثال‏ # هي جملة ينقصها الفعل‏ # وفيك انطوى العالم الأكبر!‏ # اللغة ... هذا المخلوق العجيب! (1)‏ # اللغة ... هذا المخلوق العجيب! (2)‏ # وصولا إلى حرية وعدالة‏ # بلاغة الصمت‏ # الفكر الإسلامي وآفاقه الجديدة‏ # تخليص وتلخيص (1)‏ # تخليص وتلخيص (2)‏ # تخليص وتلخيص (3)‏ # | في تحديث الثقافة العربية # | في تحديث الثقافة العربية # تأليف # زكي نجيب محمود # | مقدمة # الحديث عن الحياة الثقافية لشعب من الشعوب، هو كالحديث عن قارة ~~فسيحة الأرجاء. تنوعت فيها المشاهد وتباينت الأجواء، فهنا منطقة ~~توعرت فيها الجبال، وهناك سهول انبسطت أرضها في استواء، وهذه منطقة ~~كثر ماؤها واخضر زرعها، وتلك صحراء يباب لا ماء فيها ولا زرع ... فماذا ~~عسى أن يكتب الرحالة عن تلك القارة إذا أراد أن ينقل عنها صورة ~~أمينة، لا سيما إذا استهدف من تصويره ذاك، أن يهيئ عقول أهلها ~~ليغيروا منها ما ينبغي أن يتغير، لكي يصبح التقدم الحضاري ممكنا؟ ~~إنه مضطر إلى ms001 تنويع الوقفات وزوايا النظر، ما تنوعت أمامه أجزاء ~~الأرض التي يهم بوصفها والتحدث عنها، ليكون لكل موضع وموقع حديثه ~~المناسب، على أن يخرج قارئه آخر الأمر بصورة موحدة، لم يمزقها ~~تنوع الوقفات والزوايا. # وهذا هو ما لجأ إليه مؤلف هذا الكتاب؛ فموضوع حديثه هو «الثقافة ~~العربية» في حاضرها. وأين فيها ما لا بد له أن يتغير إذا أرادت الأمة ~~العربية أن يكون لها نصيبها العادل في مشاركة هذا العصر فيما ينجزه ~~وفيما يعانيه؟ # إن عصرنا يتحدانا في كثير من قضاياه، فإما نحن مهيئون للتصدي ~~لما يتحدانا به، وإما هلكنا تحت ضرباته، لأنه يضرب الضعفاء بقبضات ~~من القنابل النووية التي لا تبقي ولا تذر؛ فأول ما نحصن أنفسنا به ~~لنواجه عصرنا، هو أن تسري في عروقنا روح المحافظة على الهوية الوطنية ~~القومية حتى لا تنجرف في تيار غريب يودي بها إلى الفناء، لكنها في ~~الوقت نفسه روح أعدت نفسها لتتغير فيما يجوز لها أن تتغير به ~~وهي صامدة، حتى تجد لنفسها موضعا في زمانها، ومن هنا تبرز لنا مشكلة ~~عصية كثر فيها الكلام جادا ولاهيا، وأعني مشكلة المواءمة بين ~~موروثنا الحضاري والثقافي من جهة، وما تقتضيه الحياة العصرية من ~~تحولات من جهة أخرى؛ وفي هذا الكتاب محاولات للحل، أهمها أن نفرق ~~بين إطار ثابت ومضمون متغير؛ فالإطار هو بمثابة المبدأ أو المبادئ ~~الثابتة، التي منها يتكون جوهر الهوية الوطنية والهوية القومية، وأما ~~المضمون المتغير فهو ظروف التطبيق التي تتشكل بأشكال العصور ~~المتعاقبة، فليست صور الحياة العملية ثابتة على حالة واحدة برغم ~~تغير الحضارات. # وبماذا تغير عصرنا عن سوالفه، إذا لم يكن قد تغير في رؤيته العلمية ~~للكون؟ إنه لم يعد «العلم» علما على صورة ألفها الماضي من فجر ~~تاريخه وإلى أمسه القريب: وأهم وجه للاختلاف هو دور «الأجهزة» في البحث ~~العلمي من ناحية، وإنتاج الآلات بالكثرة الهائلة المتنوعة التي ~~نراها. حتى لقد أصبحت أصابع العصر في آلاته وأجهزته جزءا لا يتجزأ من ~~حياة كل فرد يعيش على الأرض. كائنا ما كان ms002 موقعه؟ إن عصرنا قد حاول ~~وهو يحاول ما يزال أن يقرأ الطبيعة قراءة جديدة؛ فهل يجوز لإنسان ~~يبتغي لنفسه مكانا ومكانة أن يقف خارج الصف، لا يمد يدا ولا يفتح ~~عينا، في انتظار ما يتصدق عليه به الآخرون من «العلم» الجديد ونتائجه، ~~ثم يتوقع في الوقت نفسه أن يكون له بين الناس وزن وقيمة؟ فالتحول ~~من الأعصار في صفحات الكتب القديمة، أي الكون وظواهره، لنقرأها في ~~مواجهة مباشرة، هو الخطوة التي لا بد منها، لنتحول - بالتالي - ~~من جمود إلى حركة، من ركود إلى نهضة، من موت إلى حياة. وليست هذه ~~دعوة إلى إحراق تراثنا أو إلقائه في اليم، كلا وألف مرة كلا؛ ~~لكن ذلك التراث هو ماضينا، هو سلفنا، هو جزء من هويتنا، لكننا يجب أن ~~نفرق فيه بين ما يدرس ويصان حفاظا على «التاريخ»، وبين ما ~~يدرس ويصان لأنه لا يبلى بعوامل الزمن، كالأدب شعرا ونثرا، ~~وكفقه الفقهاء وعلم علماء اللغة العربية، وغير ذلك مما تظل مشكلاته ~~واردة مهما تغيرت عليه صور الحياة مع تغير العصور. # وإن مؤلف هذا الكتاب ليزعم بأن الأمة العربية قد غابت عنها مهمة ~~هذا العصر، حين انصرفت باهتمامها عن المشاركة الإيجابية في حياة ~~العلم المعاصر، مكتفية بما يأتيها منه نقلا عن علماء الغرب، وبهذا ~~التقصير وضعت نفسها موضع الضعيف، الذي يتعرض لسيادة الغرب القوي ~~عليه؛ ولقد تفرع عن هذا الموقف المتخاذل بالنسبة إلى المشاركة في ~~دنيا العلم الجديد، نتيجة لا تقل عنه فداحة، وهي أن أفلت «الواقع» من ~~أبصارنا، فقلما يدري دراية العارفين بما يدور حوله من أحداث ~~ومغزاها. ولذلك فما أكثر ما جاءتنا الدواهي مباغتة وكأنها ولدت ~~لساعتها. مع أنها محصلة تطورات طويلة الأمد، كانت تحدث ونحن غرقى في ~~سباتنا وأحلامنا. # إنه إذا خرج القارئ من قراءة هذا الكتاب بشيء من التساؤل عما قد ورد ~~فيه من مشكلات ومعالجتها، كان الكتاب قد حقق للمؤلف رجاءه ~~فيه. # وما توفيقنا إلا بالله. # زكي نجيب محمود # يناير 1988م # | رحلة صيف # أما الصيف فهو صيف هذا العام ms003 «1986م»، وأما الرحلة فهي تبدأ، وتسير ~~وتنتهي، داخل الرأس، وصاحب الرأس جالس في غرفة الكتب بمنزله، الغرفة ~~مغلقة الزجاج، وخزائن الكتب تدور مع الجدران، وقد أصبحت تبدو أمام ~~صاحبها وكأنها ألسنة خرساء أصابها الخرس عندما حيل بين صاحبها ~~وبينها، فالغرفة صامتة إلا من صوت المروحة الكهربائية في حفيفها ~~الخافت، وكأن ذلك هو أول صيف يقضيه أخونا في القاهرة منذ فترة طويلة، ~~فهو لعدة سنوات خلون - قد تبلغ العشرات - كان يقضي صيفه بعيدا، ويرجع ~~قعوده هذا العام لأسباب بعضها عام وبعضها خاص، إلا أنه لم يشعر في ذلك ~~بضيق، لأنه استبدل بحركة جسده من مكان إلى مكان سكونا هادئا ~~وسكينة، كان في جلسته تلك طوال ساعات النهار، يبدو وكأنه جمد كما ~~يتجمد الماء ثلجا في شتاء بارد، لكنه في دخيلة نفسه لم يكن بكل هذا ~~الجمود البارد، إذ كانت تطوف به الحادثة العابرة، فتشد وراءها شريطا ~~طويلا من صور الماضي. فلو أن صاحبنا أراد أن يفرغ على الورق شرائطه ~~تلك ما كانت تحويه، لملأت له بغرائبها ونفائسها مجلدات، لقد كان أشبه ~~شيء بالتلفاز، يضغط على مفتاح من مفاتيحه، فتنهمر أمامه حياة دافقة ~~بأشخاصها وبأحداثها، فإذا أحس الملل، ضغط على مفتاح آخر لينفتح له ~~عالم آخر، فكان في كل مرة كأنه ارتحل رحلة كتلك الرحلات التي كان ~~يتحرك بها في أصياف أعوامه الماضية، وكثيرا جدا، ما كانت نقطة البدء ~~في رحلاته تلك شيئا يتذكره عندما تقع عينه على ظهور الكتب المرصوصة ~~في خزائنها، فالفكرة الفلانية تقفز إلى ذاكرته إذا ما رأى عنوان الكتاب ~~الفلاني، وما إن تطوف الفكرة المعينة، حتى تتقاطر الذكريات، في تسلسل ~~مرتب حينا، ومضطرب حينا. ولقد قص علي صاحبي إحدى رحلاته تلك، ~~فرأيت في روايته ما ينفع الناس ... قال: # في جلستي تلك، الساكنة الهادئة، لمحت على ظهور الكتب ما ذكرني ب ~~«النظام» (بالفتحة المشددة على النون، وكذلك على الظاء) ذلك ~~المفكر الإسلامي السابق لعصره في فكره، ولقد كان معاصرا للجاحظ، وكان ~~كلاهما عندئذ في البصرة، وقال عنه الجاحظ - والجاحظ ms004 هو من هو - قال ~~عنه: «كان الأوائل يقولون، في كل ألف سنة رجل لا نظير له، فإن كان ~~ذلك صحيحا، فهو النظام.» ... واستطرد صاحبي في روايته عن إحدى رحلاته ~~الداخلية، فقال: لست أدري ما الذي أورد «النظام» إلى ذاكرتي، أما ~~وقد ورد، فيا له من شريط طويل من أفكار يصاحبها انفعال حينا بعد ~~حين، وذلك أني تخيلت أن ذلك «النظام» قد بعث ليحيا معنا حياتنا ~~الفكرية اليوم، وأخذ يعرض أفكاره التي كان عرضها في حياته الأولى وهو ~~في البصرة إبان القرن الثالث الهجري «التاسع الميلادي» فما وسعني ~~عندما تخيلت ذلك، إلا أن أتخيل معه حربا علمية شعواء، ربما ذهبت معه ~~إلى حد أن يرميه الغاضبون بالخروج على الدين كما يعرفونه، أو بما ~~هو دون ذلك بقليل ... فقد أخذت أفكاره تتوارد إلى خاطري، وعند بعضها ~~كنت أضرب كفا على كف، قائلا لنفسي: يا سبحان الله، فمثل هذا الذي ~~قاله «النظام» قد يقوله اليوم قائل، فلا يقابل عند بعضهم إلا ~~بالسخط وبالزراية، إذ يرونه أثرا من آثار «غزو ثقافي» غزانا به الغرب ~~الملعون. والحق إنه لعجب من عجب يدعو إلى إعجاب ليس وراءه إعجاب، ~~أن نرى عند ذلك المفكر الإسلامي القديم أفكارا هي من أهم الأفكار ~~الأساسية التي تبنى عليها ثقافة الغرب في يومنا هذا، أو هي - على ~~الأقل - إحدى وجهات النظر، ولعلك تعلم عني أن منها أفكارا قد ~~جعلتها بين الركائز التي أقمت عليها وجهة النظر التي صنعتها أو ~~اصطنعتها لنفسي، فما وجدت في كثير من الحالات إلا نفورا ~~وتنفيرا. # نعم، يا صديقي، وسأروي لك شيئا مما توارد إلى ذهني، مما كان ~~«النظام» العظيم قد أخذ به ودافع عنه، لترى معي كم هو قريب مما يأخذ ~~به العبد الفقير لله، فلم يلق إلا إعراضا حتى من زملائه ذوي ~~الاختصاص: ألم تسمعني أكرر مرارا، ولا أمل من التكرار، بأن معنى ~~الكلام إنما يتحدد بالتطبيق، فإذا وجدنا عبارتين اختلفتا في اللفظ، ~~ولكنهما اتحدتا في التطبيق، عددناهما مترادفتين، برغم اختلافهما في ~~اللفظ، وكان مما ms005 يترتب على ذلك، أنه إذا كانت هناك عبارة لا نتصور ~~لها تطبيقا، لا بالفعل ولا بالإمكان، حكمنا عليها بأنها كلام يخلو ~~من المعنى؟ وإنك لتعلم كم من السخط الغاضب قد جرت به أقلام ~~المعارضين، خوفا على كلام يعرفه هؤلاء المعارضون، بل هو رأسمالهم ~~الفكري، أن يجري عليه مثل هذا الحكم، وفاتهم أن القول هنا مقصور على ~~ما هو مندرج في دائرة العلم، وأن لغير العلم من أقوال أحكاما ~~أخرى ... وبعد هذا فلتنظر معي - يا أخي - في أول فكرة عرضها «النظام» ~~وكانت عن «الإرادة» من حيث هي صفة من صفات الله عز وجل، وصفة كذلك من ~~صفات البشر، مع الفارق بأن تكون إرادة الله مطلقة وإرادة الإنسان في ~~حريتها نسبية ومقيدة بظروفها، فقال «النظام» وهو في معرض الحديث ~~عن الإرادة الإلهية إنه لا يجوز وصفها بأنها قادرة على فعل الشر، ~~ولما كان هناك من ردوا على هذا بقولهم: بل هو قادر على فعله ولكنه ~~لا يفعله، فيجيب «النظام» على ذلك بما مؤداه: لا فرق في المعنى بين ~~القولين، لأن المعول في دنيا الأشياء، فيتحول عندئذ إلى «فعل» ~~وإن المعنى هو الفعل الذي ينتج، وما دام الشر في كلتا الحالتين لا ~~يقع، كان القولان متساويين برغم ما قد يبدو على لفظهما من تناقض ... ~~فتخيل معي يا صديقي، كم يكون الانقلاب في حياتنا الفكرية اليوم - على ~~جميع مستوياتها - لو أنها دارت حول هذا المبدأ المنهجي، وهو أن كلامنا ~~لا يكون ذا معنى إلا إذا أمكن وقوعه فيما يتضمن في طي كلماته ~~«فعلا» يمكن أداؤه وإلا فهو كلام بغير معنى، وهو مبدأ قد جف المداد ~~على سن قلمي من كثرة ما رددته، فكان يقال في رفضه إنه قول منقول عن ~~أصحاب الحضارة المادية القائمة، وها أنا ذا أبتعثه اليوم حيا من فكر ~~«النظام» العظيم. # ثم مضيت يا صديقي في سلسلة خواطري، فلم تشأ تلك الخواطر التي انسابت ~~حرة، لم أقيدها بقيد من إرادتي، أقول إن تلك الخواطر الحرة لم تشأ ~~أن تترك ذكرياتي عن ms006 «النظام» فانتقلت بي إلى فكرة أخرى عنده، كفيلة ~~وحدها أن تجعله اليوم بيننا معاصرا في مقدمة المعاصرين، ودع عنك أن ~~نضيفها إلى سابقتها التي أسلفناها ... وأما هذه الفكرة الثانية فتجعل ~~«الحركة» - وليس السكون - أساسا لكل الوجود، ولكل موجود في ذلك ~~الوجود، جسما كان أم كان عقلا أو إرادة، وانتبه أيها الصديق جيدا ~~إلى معنى هذا القول، فقد كان السائد الشائع في كل حياة فكرية عرفها ~~الإنسان قبل ذلك - اللهم إلا استثناءات أقل من القليلة - أن يكون ~~«سكون» الأشياء فيما يرى رجال الفكر، هو الأساس، بمعنى أننا إذا ~~وجدنا الأشياء في حركة، وجب علينا أن نبحث عن علة تلك الحركة. ولقد ~~لبثت تلك الفكرة مستقرة في العقول، حتى أوائل القرن الماضي في أوروبا، ~~حين طويت من تاريخ الفكر الإنساني صفحة، ونشرت صفحة أخرى، تقول: ~~لا، بل الأصل في الكون وكائناته، أن يكون من جنس «الحياة» لا من جنس ~~الجماد والموت، ومن هنا قيل إن الأصل في كل شيء هو أنه في حركة دائمة، ~~فإذا رأيناه ساكنا، وجب أن نسأل، ما الذي أحدث فيه ذلك السكون، وهذا ~~الانقلاب الفكري الذي جاء فاتحة لعصر جديد، تفصل بين ما هو «حديث» ~~وما هو «معاصر» هو الذي كان «النظام» العظيم قد سبق إليه، لكننا نترك ~~هذه المبادئ الأساسية من ميراثنا الفكري، لنشغل أنفسنا بما من شأنه أن ~~يميت الحي، وأن يجمد المتحرك، والفرق بعيد يا صديقي بين الموقفين: ~~موقف يعترض السكون، وموقف يعترض الحركة، لأن الحركة تغير، وانظر - ~~مرة أخرى - إلى مدى الانقلاب الذي يحدث في حياتنا الفكرية الحاضرة، ~~إذا نحن استبدلنا بمبدأ يدعونا إلى جمود الموت، مبدأ يحثنا على حركة ~~الحياة! فبدل أن نجعل مثلنا الأعلى صورة الحياة عند الأسلاف وكأن ~~الزمن لم يكن، وكأن كل شيء ينبغي له أن يسكن حيث كان، يصبح مثلنا ~~الأعلى أن نجد كل شيء في حياتنا الحاضرة قد تغير عن الصورة التي كان ~~عليها بالأمس القريب، ودع عنك صورة الأمس البعيد، وأرجوك - يا أخي - أن ~~تلحظ جانبا هاما، ms007 وهو ثبات «الإطار» وتغير «المحتوى» وذلك لأنك قد ~~تسأل: إذا كان كل شيء يتغير في يومه عنه في أمسه، فما الذي يربط ~~الأبناء بالآباء والأجداد؟ وهنا تجيء فكرة الإطار الثابت والمضمون ~~المتغير، ولكي أقرب الفكرة إلى ذهنك، خذ أية صيغة رياضية مثل «5 ~~+ 2 = 7» فهذه صورة ثابتة، لماذا؟ لأنها صورة مفرغة لا تحتوي على شيء ~~يملؤها وهي على استعداد لأن تتلقى أي امتلاء يناسبها، فقد يكون ذلك ~~الامتلاء تفاحات، أو كتبا، أو أحجارا، أو عصافير، وهكذا تكون الحال ~~فيما هو ثابت على العصور بين أجداد وأحفاد، فالأجداد يتركون لأحفادهم ~~«مبادئ» للعيش، ملئوها هم بضرب من الحوادث ... وللأحفاد أن يملئوها بضرب ~~آخر من الأحداث، لكن ليكن مفهوما أن تلك «المبادئ» لا يصدق عليها ~~اسمها هذا، إلا إذا كانت بالغة التجريد، كالتجريد الذي نراه في ~~الحقائق الرياضية. # ولقد ظننت يا صاحبي أن رحلة خواطري تلك قد بلغت نهايتها، لكنها لم ~~تكن قد فرغت من ذكرياتي عن «النظام» العظيم، القديم المعاصر معا، ~~فما لبثت في رحلتي تلك طويلا حتى وجدت قطاري قد انتقل بي في فكر ~~«النظام» إلى فكرة أخرى، لو قلت عنها إنها من صميم المناخ الفكري في ~~القرن العشرين، لما أخطأت، وهي فكرة خاصة بتعريف «الإنسان» فما هي ~~حقيقة «الإنسان»؟ يجيب النظام بأنه ليس إنسانا ببدنه، بل هو إنسان ~~بنفسه وبعقله وبسائر تلك الجوانب التي تجعله كائنا مفكرا مريدا، ~~إلى هنا ولا جديد يميزه عن سابقيه، لكن الذي يميزه حقا، ويجعله ~~معاصرا لنا حقا، هو الطريقة التي يفهم بها أسماء «النفس» و«العقل» ~~و«الإرادة» وغيرها، والتي هي أسماء من هذا القبيل، فالاتجاه السائد ~~قبله، وهو نفسه الاتجاه السائد دائما بين سواد الناس، هو أن كلمة ~~«نفس» أو «عقل» أو ما إليها تشير إلى «كائن» معين في جوف الإنسان كما ~~هي الحال في «الذراع» و«الأنف» و«القدم» ... إلخ، لكن حقيقة الأمر هي أن ~~كل اسم من تلك الأسماء يشير إلى «وظيفة» يؤديها الإنسان بغير عضو ~~معين، وحتى لو تحدد لها عضو أو مجموعة أعضاء ms008 ، فالإشارة إنما هي ~~«للوظيفة» أشبه شيء بالقيثارة ونغماتها، وهذا ما يقوله «النظام» ... ~~وإن هذا القول لهو فرع من رؤية فلسفية عامة، هي بين الرؤى الأساسية ~~التي تميز عصرنا هذا الذي نعيش فيه، وأرجوك يا أخي أن تتأمل هذا ~~المعنى جيدا وعلى مهل، وألا تأخذه من سطحه متعجلا، فالرؤية العامة، ~~وهي التي ذكرها «النظام» في وضوح صريح هي أن حقيقة أي شيء إنما هي ~~مجموع «ظواهره» ولا شيء يكمن وراء تلك الظواهر، ومرة أخرى أرجوك يا ~~صديقي أن تتدبر هذا القول على مهل، متذكرا أن قائله القديم هو ~~مفكر عربي مسلم، في القرن الثالث الهجري وهو أن حقيقة أي شيء إنما هي ~~مجموع ما «يظهر» لك منه، وهل يكون ذلك الظهور إلا لعين ترى، أو لأذن ~~تسمع، أو لما شئت من حاسة تحس؟ وحتى لا يفوتك من الأمر جانب هام ~~أذكرك بما أسلفته لك، من أن أي قول لا يكون له معنى إلا إذا كان مما ~~يمكن أن يتحول إلى فعل، والقول الذي لا يتوافر فيه هذا الشرط، يكون ~~قولا بغير معنى ... هذا ما أسلفته لك مما قاله «النظام» ومما يقوله ~~فلاسفة العلم في عصرنا، وها أنا ذا أضيف إليه الإضافة الجديدة التي ~~ذكرتها لتوي نقلا عن «النظام» وهي أن حقيقة أي شيء إنما هي مجموع ~~«ظواهره» أعني ما تحسه منه حواسنا، إذن تكون النتيجة التي ننتهي ~~إليها هي أن أي قول لا يكون له معناه، إلا إذا كان ذلك المعنى ~~مجسدا في «ظواهر» تحسها الحواس ... وهو ما جف ريقي من تكراره مريدا ~~به إلجام سيول الكلام التي تتدفق من الأفواه ومن الأقلام غير مشيرة ~~إلى «ظواهر» فتصيح في وجهي صرخات غاضبة، تقول: بخ، بخ، يا أيها ~~المارق! # ولم يشأ قطار ذكرياتي عن «النظام» العظيم، أن يقف بي هنا، بل أراد ~~مني شيئا من الصبر مسافة أخرى يقف بعدها، لا لأن ثراء «النظام» ~~يكون قد نفد، فهو غزير غزير، وكانت الفكرة الأخرى التي لم ترد تلك ~~الرحلة أن تنتهي إلا بها ms009 ، هي أعجبها في سبق النظام للفكر «الحديث» ~~وهذه المرة لا أقول «المعاصر»، أقول إن تلك الفكرة الأخرى هي قول ~~«النظام» إننا لو حللنا «آدم» عليه السلام، لوجدنا فيه كل أفراد ~~البشر الذين هم بنوه وبناته! وهو قول قاله بنصه بعد ذلك «ليبنتز» في ~~القرن السابع عشر الميلادي، وربما أخذت هذا القول من ظاهر حروفه، يا ~~صديقي، فسألتني: وماذا في هذا؟ وأي عجب في أن تتوارد الفكرة عند ~~«النظام» و«ليبنتز» (وبينهما ثمانية قرون) بل أي عجب في أن تتوارد ~~الفكرة عند ألف مفكر؟ أليس أفراد البشر هم نسل آدم عليه السلام؟ وأليس ~~النسل مستمدا من الناسل؟ ... لكنك تدرك غزارة المعنى، حين تنتقل ~~من الحديث عن آدم وبنيه، من حيث هم أبدان، إلى ما يوازي هذه الحقيقة ~~في دنيا «الأفكار» وعندئذ تجدك أمام مذهب يدعو إلى التأمل، وهي ~~نقلة انتقلها «ليبنتز» ولم ينتقلها «النظام» ولا ندري إن كانت في ~~رأسه ولم يقلها، أم كانت غائبة عنه، وأعني بها أن تكون هنالك فكرة ~~«أم» وأن تكون كل أفكار البشر بعد ذلك نسلا تولد عن تلك الفكرة ~~الأم، فإذا ما انتقلنا من هذا التعميم إلى تخصيص، وأخذنا على سبيل ~~المثال أية فكرة معينة نختارها، كأن نقول - مثلا - إن المثلث زواياه ~~تساوي زاويتين قائمتين، وجدنا أن كل ما فعلناه هو أن حللنا ~~الموضوع الذي نتحدث عنه وهو «المثلث»، وأن تعريفه يحتوي على هذه ~~الحقيقة التي نذكرها عنه، وأننا لم نضف شيئا جديدا بعبارة أخرى، ~~يكون الموضوع بمثابة «الأم» التي أنسلت ما قيل عنها، ولا جديد. # ولم يرد سيل خواطري في رحلتي تلك، أن يترك هذه النتيجة دون أن ~~يستخرج مغزاها، ومغزاها هام جدا، وخطير جدا، بالنسبة إلى حياتنا ~~نحن الفكرية اليوم، وهو مغزى لو أوضحناه نكون قد وضعنا أصابعنا على ~~سر خفي من أسرار تخلفنا الفكري، وذلك أن العالم كله، عربا وغير ~~عرب، كان على ظن بأن الفكر الصحيح لا يكون كذلك ... إلا إذا جاء ~~«توليدا» لنتائج من أصولها، أي أنه كان محتوما على المفكر ms010 أن يصب ~~فاعليته العقلية على فكرة سابقة وجاهزة ليستولدها نتائجها، وكان ~~الله يحب المحسنين ... وهذا هو المقابل الفكري لقولنا إننا إذا حللنا ~~آدم «عليه السلام» وجدنا فيه كل بنيه وبناته إلى يوم الدين، ومثل هذا ~~الظن قد أدى بتاريخ الفكر البشري منذ بدايته المعروفة إلى أوائل ~~عصرنا (فيما عدا استثناءات بطبيعة الحال) إلى أن يتخذ الفكر العلمي ~~كله صورة الفكر الرياضي، بمعنى أن يضع المفكر بين يديه بادئ ذي بدء، ~~مجموعة من حقائق مسلم بصوابها، ثم يأخذ بعد ذلك في «توليد» نتائجها ~~من أجوافها وأصلابها. # وجاء عصرنا الراهن، والتفت لأول مرة إلى حقيقة صارخة، وهي أن الأفكار ~~ليست كلها من طراز واحد، بل هي نوعان: نوع منها «يتولد» عن أفكار ~~سابقة، ونوع آخر يستخلص من «الواقع» لا من أفكار أخرى، وعرف الغرب ~~الجديد هذه الحقيقة، فلم يعودوا يخلطون بين النوعين، فحقائق ~~يستخرجونها من أقوال السابقين، وحقائق أخرى يستخرجونها من تجارب ~~يجرونها على كائنات الطبيعة نفسها، لكننا نحن، في مصر، أو في الوطن ~~العربي، قد وقفنا عند الظن الأول، وهو أن كل الصيد في جوف الفرا، أي ~~أن كل أفكار الإنسان، وإلى يوم القيامة، مستولدة من أفكار ~~السابقين. # سألت صاحبي: أكانت تلك الوقفة هي نهاية رحلتك الفكرية يومئذ؟ # فأجابني قائلا: كلا فقد استدار بي القطار في اتجاه آخر، لم يكن ~~مقطوع الصلة بما كان سائرا فيه، فقد وجدتني أرتد بالذاكرة إلى ~~وراء، متمنيا أن أصل في طريق حياتي إلى وراء الوراء، تمنيت أن أعرف ~~ذلك الرضيع الذي كنته أول ما كنت: ماذا كان يرى وماذا كان يسمع؟ إنني ~~الآن حصيلة ما قد كان ... فما هو ذلك الذي كان؟ لكنه مطلب فوق المستطاع ~~وما لبثت أن وجدت سيل خواطري يتركز عند الفتى في سن الخامسة عشرة ~~من عمره، قد بلغ من حياته الدينية حد التطرف، وأعني أنه مزج الحق ~~بالخرافة لفترة من الزمن، إنه في تلك السن كان حريصا كل الحرص ~~على أن يصلي المغرب والعشاء في المسجد ليحضر دروس شيخ وقور ms011 رزين كان ~~اسمه «أبو قرين» (القاف مضمومة والراء مفتوحة) وكانت دروسه فيما بين ~~المغرب والعشاء كان نحيل البدن، أسمر اللون، داكن السمرة مغضن، ~~التجاعيد في وجهه، وكان أنيق الثياب نظيفها، وبالطبع لم أكن أفرق ~~يومئذ فيما يقوله بين حق وخرافة: فكنت أصدقه في كل ما يقوله، لا ~~فرق عندي في درجة الصدق بين ما يذكره عن الفروض والسنن والنوافل في ~~الصلاة وبين ما يرويه على أنه حديث شريف يقول: «الباذنجان لما أكل ~~له.» أي أنك إذا اتجهت إلى الله بدعاء وأنت تأكل الباذنجان استجاب ~~الله لدعائك. لا لم أكن أفرق في درجة الصدق بين قول وقول، مما كان ~~يرويه لنا الشيخ أبو قرين في دروسه، وكانت محصلة هذا كله عندي أن ~~خرج ذلك الفتى ذو الأفق الضيق في فهمه لحقيقه دينه، ولست أنساه وهو ~~في غمرة تلك الموجة، حين ناقش أحد أصدقائه في حدة بلغت حد التشنج ~~بأنه لا يجوز لمسلم قراءة شيء آخر وكتاب الله موجود ... ومن عجب ~~المصادفات حينئذ، أن ذهب يؤدي صلاة الجمعة في المسجد، فإذا بشيخ يقف ~~عند باب المسجد بعد الصلاة يخطب بصوت قوي يهز الأسماع قائلا: هل ~~أدلكم على كتاب تقرءونه فيغنيكم عن قراءة أي شيء ما عداه؟ ماذا ~~تقرءون يا سادة حين تقرءون صحيفة أو مجلة أو كتابا؟ إنكم تقرءون عن ~~التوافه الزوائل، فهل أدلكم على كتاب هو وحده «الكتاب» تقرءونه ~~فلا تقرءون سواه؟ ... وقف الفتى يسمع ويتحرق شوقا ليسمع عن الشيخ ما ~~يهتدي به إلى كتاب واحد يغنيه عن سائر الكتب والمجلات والصحف، وأعجب ~~العجب أنه، وهو الفتى الذي كان منذ حين يعترك مع صديق له، بأنه لا ~~يجوز لمسلم أن يقرأ شيئا وكتاب الله موجود، لم يدرك أن الشيخ الخطيب ~~كان يستهدف تلك الغاية نفسها، ووقف الفتى يرتقب في شوق أن يسمع عن ~~الشيخ ما يهديه وإذا الشيخ يفصح آخر الأمر عما يعنيه، ففرح الفتى ~~فرحة غامرة إذ رأى أنه كان - إذن - على حق في نقاشه الحاد مع ~~صديقه. # وشاء الله ms012 سبحانه وتعالى للفتى الطموح أن يجتاز بأمان تلك المنطقة من ~~عمره، بما كانت تضطرب به من موج الانفعال الغشيم، لينتقل بعدها إلى ~~مرحلة اشتدت فيه الدفعة نحو التحصيل العلمي والثقافي، يأتي به من ~~كل اتجاه، فأخذت آفاق النظر تتسع أمامه وكان من أهم النتائج ~~المباشرة لنظرته الجديدة، أن أشرقت عليه حقيقة بسيطة، ولكنها مع ~~بساطتها كفيلة وحدها أن تنقل الإنسان من حال إلى حال، وتلك هي أن ~~الشيء لا يعرف بذاته وهي قائمة وحدها مستقلة برأسها، وإنما يعرف ~~بذاته وبغيره معا. إن المفتاح لا يعد مفتاحا إلا إذا فتح الباب ~~المقفل، فإذا هو لم يفتحه لم يكن مفتاحا، وليست الذراع الشلاء ~~ذراعا برغم احتفاظها بشكل الذراع ولا يعرف عنها عجزها إلا بعد ~~الاحتكام إلى شيء سواها، ولا تنكشف لنا طبيعة الحجر، أصلب هو أم رخو، ~~إلا إذا صادمنا بينه وبين جسم آخر، وهكذا قل في كل شيء ... وهكذا قل ~~في جملة من اللغة يقولها قائل، فإذا هي لم تحدث تغيرا ما عند ~~سامعها لم تكن شيئا مذكورا، حتى وإن كانت سليمة البناء أمام قواعد ~~النحو، فقد خلقت اللغة لتكون أداة يتغير بها الناس وليغير هؤلاء ~~الناس العالم الذي حولهم، وأما الجملة التي تقال أو تكتب ولا ~~يتغير بها شيء، كأن يعرف بها الإنسان ما لم يكن يعرفه، ثم لا تكون ~~المعرفة معرفة إلا إذا كانت أداة تغيير، أقول إنها إذا لم تفعل شيئا ~~من ذلك تحول النطق بها إلى موجات هوائية لا تحمل شيئا ... # والقرآن الكريم كتاب الله لمن أسلم وآمن، أنزل للناس «ليغيروا» ~~برسالته ما ينبغي أن يتغير من حياة الإنسان، وكيف يجيء ذلك التغيير ~~إذا لم تكن العلاقة وثيقة بين آياته الكريمة من جهة، وعالم النفس وعالم ~~الأشياء من جهة أخرى، ثم كيف تتم العلاقة بين الطرفين إذا لم أكن ~~على بعض العلم بكل من الطرفين، فأفهم آيات الله ما وسعني الفهم، ~~ثم أعرف الأشياء من حولي ما وسعتني المعرفة كذلك، فإذا تطابق ~~الطرفان كان خيرا وإذا لم ms013 يتطابقا عدت إلى عالم الأشياء أغير ~~فيه ما أغيره حتى يتم التطابق، يقول الله - عز من قائل: # قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ... # فما هي ~~«كلمات ربي» التي إذا أردنا ذكرها كتابة، وكان البحر مدادا، وكان شجر ~~الأرض أقلاما، لنفد هذا قبل أن نفرغ من تلك الكلمات ... إنها هي حقائق ~~هذا الكون العظيم وكائناته، ولكي تعرف كم هي كلمات ربي في آياته ~~الكونية، خذ أبسط كائن تقع عليه يداك، خذ ورقة واحدة من أوراق الشجر، ~~وحاول أن تكتب وصفا دقيقا لكل ما فيها، لعروقها المخطوطة عليها، ~~لعناصرها الداخلة في تكوينها، لطريقتها في الاغتذاء والارتواء ~~والتنفس، إلى آخر ما هو متعلق بها من حياة وموت، وانظر كم تكتب ~~لتستكمل ذلك كله عن ورقة واحدة من أوراق الشجر، فماذا أنت صانع ~~بملايين الملايين من سائر الكائنات وملايين الملايين من السدم ومن ~~النجوم ومن الكواكب؟ وما معنى ذلك؟ معناه أنك لن تكون على فهم بآيات ~~الكتاب الكريم، إلا بمقدار ما أنت على علم به من حقائق الأشياء، ~~فكلما ازددت علما بخلق الله ازددت بالله إيمانا، إذن، فلم يكن ~~الفتى المراهق على حق فيما جادل به صديقه، حين زعم له أن قراءة ~~القرآن الكريم تغني عن كل قراءة أخرى، كلا ولا كان الشيخ الخطيب ~~عند باب المسجد على حق، حين نادى في الناس بأن كتاب الله وحده يغني ~~عن كل مكتوب آخر، فالعلم بحقائق الأشياء التي تحيط بنا؛ العلم ~~بالحجر، والشجر، والماء، والهواء، والضوء، والكهرباء، وكل ما خطر لك ~~وما لم يخطر، أقول إن العلم بهذا كله هو بدوره وسيلة علم أوفى بمعاني ~~آيات الكتاب الكريم ... # وسألت صاحبي لما أخذته لحظة صمت: أكانت هذه نهاية رحلتك؟ # فأجاب بقوله: لا ... إنها لم تكن، فلقد استطرد بي قطار الخواطر، ~~لأتبين بعد ذلك لماذا حدث لي أن اخترت لنفسي تحليل الأفكار طريقا ~~في منهج التفكير، فربما جاء ذلك حين أدركت في وضوح أن «الفلسفة» في ~~حقيقة أمرها، إنما هي ms014 منهج لتحليل الأفكار بغية توضيحها، إنها لا ~~تحتكر لنفسها موضوعا معينا خاصا بها كما يفعل كل علم من مجموعة ~~العلوم، إذ هي بمثابة عدسة مكبرة توضح لك من الدقائق الخافية ما أردت ~~له وضوحا، ولا شرط لها بعد ذلك أن يكون الموضوع الموضح منتميا إلى ~~هذا الميدان أو ذاك، ولعلك قد رأيت طائفة من أدوات التحليل العقلي ~~التي أنتهجها، وذلك حين عرضت عليك سلسلة الخواطر التي وردت إلى ذهني ~~منبثقة من تذكري للمفكر العربي الإسلامي إبان القرن الثالث ~~الهجري، وفي مدينة البصرة، وهو «النظام» العظيم ... تلك - يا صديقي - ~~كانت رحلتي التي ارتحلتها في دخيلة نفسي، ذات يوم من أيام الصيف، ~~وكانت رحلاتي في الأحيان الماضية حركة في أرجاء المكان، وأما رحلتي هذه ~~فكانت جولة في آناء الزمان بينما كنت جالسا على مقعدي هذا، في غرفة ~~أقفلت نوافذها وسادها سكون، إلا من حفيف مروحة كهربائية تساعدني على ~~حر الصيف، وهي رحلة كما رأيت؛ بدأت بمراهق يؤمن إيمان السذج، ~~وانتقلت إلى شاب عرف قدر العلم ومنهاجه، ثم انتهت بشيخ ينعم بشيء من ~~علم يضيئه إيمان ... # | تحولات # لو أني سئلت: ما الذي تراه أبرز صفة تميز اتجاه الفكر في عصرنا؟ ~~لأجبت في غير تردد قائلا: إنها إحلال «التغير» محل «الثبات» في ~~فهمنا للأشياء، فبعد أن كان الظن بالشيء المعين - كل شيء وأي شيء - ~~هو أنه ذو حقيقة ثابتة، يجب البحث عنها إذا أردنا معرفته للانتفاع به ~~في حياتنا، وأن تلك الحقيقة الثابتة تطرأ عليها تحولات عارضة، لكنها ~~لا تغير من حقيقته شيئا، أصبح الرأي هو أن تلك التحولات هي هي ~~نفسها حقيقة ذلك الشيء، إلا أن الإنسان يربطها من عنده برباط ~~يوحدها في كيان واحد، وذلك لقيامها معا - على تعددها وتفرقها - ~~بوظيفة واحدة. خذ مثلا لذلك مدينة القاهرة وسنعود إلى أمثلة أخرى ~~كثيرة؛ فمدينة القاهرة كيان له تاريخ ويحرص الخيال البشري على أن يبقى ~~لذلك الكيان حقيقته دون أن يأخذ في حسبانه أن ينقص سكان القاهرة أو ~~يزيدون، أن تقام بها المشيدات الجديدة ms015 أو لا تقام، فقد كانت هي ~~القاهرة منذ نشأت، وستظل هي القاهرة ما شاء لها الله أن تبقى، لكن ~~اقترب بعينيك نحو هذا الكائن الواحد، وانظر كم هو في الحق كالبحر ~~يموج بالناس وبالأحداث وبالأشياء وبالحركة الحية، فأينما وجهت البصر ~~وجدت مفردات وأفرادا، يطرأ عليها التغيير كل يوم، بل كل ساعة، ~~وما هو أدنى من الساعة! فليس هنالك إلا عناصر تقترب وتبتعد وتتلاقى ~~وتفترق، ولولا خيال الإنسان الذي يمسك بتلك الكثرة في وحدة واحدة، ~~لما كانت إلا سيرورة دائمة، وكان الفكر قديما ينزع إلى أن يجعل وراء ~~تلك الكثرة المتحولة محورا ثابتا يكون هو المعنى الحقيقي ~~«للقاهرة»، ويريد الفكر في اتجاهه الراهن، أن يرى الشيء على كثرته ~~البادية وتحولاته يوما بعد يوم، على أن هذه التفرقة لا تعني أن ~~الفكر في الحالة الأولى ينكر على التفصيلات وجودها، أو أن الفكر في ~~الحالة الثانية ينكر الإطار الوظيفي الواحد الذي يضم تلك التفصيلات ~~فيما يشبه الوحدة الواحدة. # ويقيني هو أن القارئ قد يأخذه الضيق عند هذه التفرقة هامسا لنفسه: ~~وماذا يعود إلينا من أمثال هذه اللجاجة العقلية التي لا تغير من الأمر ~~شيئا: فالقاهرة هي القاهرة في كلتا الحالتين على حد سواء؟ وردا ~~على مثل ذلك الهامس لنفسه بقول كهذا، أقول: كلا فقد أخطأ معك الحساب ~~يا سيدي، والفرق بين الحالتين واسع، وأثره في النتائج العملية بعيد ~~عميق، ولكي أوضح ذلك أسوق لك مثلا آخر؛ طفلا يربيه أولو أمره على ~~أساس التصور الأول، أو يربونه على أساس التصور الثاني، وفي ~~وسعنا أن نوسع المجال في هذا المثل، ليشمل عملية التربية والتعليم ~~كلها في بلد معين مثل مصر؛ إذ يتولى جيل الكبار جيل الصغار - من ~~الطفولة إلى الشباب - بالتربية والتعليم، فماذا يكون الفرق بين تربيتهم ~~وتعليمهم على التصور الأول، ثم على التصور الثاني؟ ولعلك تذكر ما قد ~~أسلفناه من أن التصور الأول يجعل للطفل أو للناشئ أو الشاب «حقيقة» ~~محددة ومعينة، على أساسها تكون التربية ويكون التعليم، وأما ما تتعرض ~~له تلك الحقيقة ms016 الثابتة من تغيرات وتحولات، فأمر يجب أن يغض عنه ~~النظر، في حين أن حقيقة الطفل أو الناشئ أو الشاب بناء على التصور ~~الثاني؛ إنما هي تلك التغيرات والتحولات نفسها، فإذا نحن غضضنا عنها ~~النظر فقد غضضنا النظر عن الإنسان الحي الذي بين أيدينا بكل ما فيه؛ ~~وإذا تمت عملية التعليم على أساس التصور الأول، أخرجت إنسانا ~~«مصنوعا» كما يخرط الخراطون قطع الحديد أو الخشب، وأما إذا تمت عملية ~~التعليم على التصور الثاني، كان علينا أن نقابل تحولات الفطرة البشرية ~~في كل فرد حي لتقابل كل حالة بما هي في حاجة إليه؛ نعم إن ملايين ~~التلاميذ والطلاب ينخرطون في قوالب المخرطة، فيقتلون في أنفسهم ما ~~يقتلونه من أجل المخرطة التعليمية ومقتضياتها، لولا أننا نشاهد آنا ~~بعد آن، صاحب موهبة في اتجاه معين، تكون موهبته أقوى من مخرطة ~~التعليم، فتشق عليها عصا الطاعة وتخرج إلى حيث تتنفس وتنمو ~~وتزدهر. # أرأيت يا سيدي كم هو بعيد ذلك الفرق بين أن تنظر إلى الإنسان بمنظار ~~الرؤية الأولى - رؤية الثبات - وأن تنظر إليه بمنظار الرؤية الثانية - ~~رؤية التحول -؟ فليس الناشئ الذي يرسله أبوه إليك لتتولاه تربية ~~وتعليما، قطعة من الخشب تقاس أبعادها بالمسطرة طولا وعرضا ~~وارتفاعا؛ وإنما هو قطعة من حياة فوارة متغيرة متحولة، لا تسكن على ~~حالة واحدة لحظتين متتاليتين، إنه ينمو ويحس ويدرك ويعقل ويثور ~~ويهدأ، وهو في هذه التحولات المتصلة لا يحيا حياته كلها على وتيرة ~~واحدة. ولما كان يتعذر علينا أن نسايره في تحولاته تلك لحظة ~~لحظة، اختصرنا على أنفسنا الطريق، فقسمنا حياته الدراسية ثلاث مراحل ~~أساسية؛ مرحلة للتعليم الابتدائي، ومرحلة للتعليم الثانوي، ومرحلة ~~للتعليم العالي في الجامعات والمعاهد وما إليها، فماذا نحن صانعون إزاء ~~هذا التتابع؟ أيكون التعليم كله على نهج واحد، لا يختلف باختلاف ~~مراحله، اللهم إلا في طول المادة المدروسة وقصرها، أو في غزارتها ~~وضحالتها؟ أما أصحاب الرؤية الأولى فالجواب عندهم بالإيجاب حتى لو ~~أنكروا ذلك، لأن أفعالهم القائمة تفضحهم، وإلا فما هو الفرق الأساسي ~~بين طالب يدرس ms017 الجيولوجيا أو علم النبات أو الكيمياء أو التاريخ أو ~~الجغرافيا في المدرسة الثانوية وبينه وهو طالب يدرس تلك المواد في ~~الجامعة؟ أم نقول إنها هناك «دروس» وهنا «محاضرات»؟ أما أصحاب النظرة ~~الثانية فهم يرون الطالب وقد تحول إنسانا آخر مرحلة بعد مرحلة، ~~ولذلك فهم يرون أن يتبدل النهج في كل مرحلة بما يناسبها، فإذا كان ~~الطفل في المرحلة الابتدائية يناسبه أن تقدم له المعلومات المختلفة ~~بغير قوانينها، فالتلميذ في المدرسة الثانوية يكون مهيأ لأن يتلقى ~~المادة العلمية مصوغة في قوانينها، أو مبادئها، أو أحكامها العامة، دون ~~أن يطالب بشيء أكثر من ذلك، ثم يأتي طالب الجامعة إنسانا آخر ذا ~~طبيعة أخرى، وهنا تجيء صورة ثالثة، لا هي مجرد عرض لطائفة من ~~المعلومات، ولا هي مجرد ذكر لقوانين العلوم في ميادينها المختلفة بل هي ~~أن يكون طالب الجامعة «باحثا» صغيرا يرشد إلى الطريق التي يضيف ~~فيها إلى العلم شيئا جديدا. وربما دهش القارئ أن يراني بهذا الطموح ~~كله لطالب الجامعة، لكن المدقق في تحولات الطبيعة البشرية يلحظ ~~فيها هذا التتابع في المراحل، فانظر - مثلا - كيف يتدرج الإنسان في ~~استخدامه للغة - بصورة طبيعية خالصة - ففي المرحلة الأولى يلتقط ~~مجموعة من أجزاء لغوية يستخدمها مفردة ومركبة مع من يتبادل معهم ~~الكلام والتعامل، ثم ينتقل بعد ذلك حين يدرس اللغة، إلى معرفة «قواعد» ~~التركيب اللغوي، ويظل يعلو في تلك القواعد ما ارتفعت به درجات ~~التعلم، وأما مرحلته الثالثة فهي أن «يبدع» مركبا لغويا معينا: ~~شعرا إذا كان شاعرا، أو أدبا نثريا في أية صورة من صوره إذا كان ~~موهوبا لها؛ وهكذا ترى مراحل التحول الأساسية: جمع للمعلومات بغير ~~قواعدها وقوانينها، ثم إلمام بتلك القواعد أو القوانين، وأخيرا تجيء ~~مرحلة المبدع المبتكر في الميدان نفسه الذي كان قد جمع عنه ~~المعلومات أولا، وقواعدها وقوانينها ثانيا. # كل شيء في هذا الوجود - إنسانا وغير إنسان - وهو في حقيقته سيرورة ~~متحولة أبدا من حال إلى حال، فما يكاد الكائن المعين يتخذ حالة ~~ما، حتى يتغير متنقلا إلى حالة ms018 تليها، وهكذا تكون حقيقة الكائن في ~~صيرورته للحاضر إلى جديد ينتقل إليه، إنها سيرورة وصيرورة في آن واحد، ~~فهو سيرة متحركة، يصير بها إلى وضع جديد، انظر إلى شجرة في تاريخها، ~~منذ تضع لها بذرتها في الأرض، تجدها تحولات مستمرة، إنها في يومها ~~غيرها في أمسها، وسوف تكون في غدها غيرها في يومها، إنها تنمو دون أن ~~تلحظ عيناك نموها يوما بعد يوم، إنها تسقط أوراقا وتضع أوراقا، ~~إنها تتنفس الهواء شهيقا وزفيرا كما نفعل، وإن يكن زفيرنا نحن هو ~~شهيقها، إن حياتها قصة طويلة عريضة، لا أعرف كم مجلدا يمتلئ ~~بتفصيلاتها لو أننا رصدنا تغيراتها جميعا، بكل خلاياها وأليافها ~~وأوراقها وأزهارها وثمارها، تعريا في الشتاء واكتساء في الربيع، ~~تناميا في عهد القوة، ثم تفانيا في مرحلة الشيخوخة المؤدية بها إلى ~~موت. # إن الذي يخدعنا بثبات الأشياء برغم تحولاتها المتدفقة عوامل ~~كثيرة؛ منها بطء التحول بحيث لا تدركه عين إلا بعد أن يتراكم، ومنها ~~اللغة التي اصطنعناها نحن أنفسنا لأنفسنا، لكننا سرعان ما تغيب عنا ~~حقيقتها؛ فنحن نألف في التعبير باللغة عن الأشياء، أن نذكر اسما ~~معينا يشير إلى شيء ما، كالاسم: «جمال» - مثلا - ثم نسند هذا الاسم ~~إلى ما أردنا أن نسنده إليه، فنقول: إن في هذه الزهرة: «جمالا»، وفي ~~شروق الشمس «جمالا»، وكذلك في غروبها، وفي البحر جمال، وفي الصحراء ~~جمال، في الجبال جمال، وفي حقول الزرع جمال، وهكذا ثم ما هو إلا أن ~~نتصور بأن «الجمال» يمكن أن يكون شيئا قائما بذاته، ثابتا في ~~معناه حتى وإن طرأت عليه تغيرات مع تغير الأحداث، ومن هنا ينشأ في ~~تصورنا جانبان: «الجمال» في ثبات طبيعته من ناحية، والتغيرات التي ~~تطرأ مع تغير الأشياء المنسوبة إليه من ناحية أخرى. ولما كانت ~~طبيعة اللغة تفرض علينا هذا الانقسام، وذلك لأن اللغة في ذاتها تقسم ~~الموضوع الواحد الموحد أقساما بحكم انقسامها إلى كلمات، فالوردة ~~الجميلة كائن موحد، لكن اللغة بحكم الضرورة تجعل للوردة كلمة، ~~ولجمالها كلمة أخرى، فسرعان ما نظن نحن أن ms019 هنالك شيئين: وردة، وجمالا، ~~وكما نقول عن شجرة إنها نامية، ونحسب أن الشجرة شيء وأن نموها شيء ~~آخر. # الأمر في كل شيء شبيه بالأسرة وأفرادها على امتداد فترة معينة من ~~الزمن؛ فنحن إذ نشير إلى أسرة بذاتها قد نتوهم أنه ما دام، «الاسم» ~~واحدا، فلا بد أن يكون مسماه واحدا كذلك، لا تعدد فيه ولا ~~تنوع، في حين أن ما نسميه «أسرة» هو مجموعة قد يبلغ أفرادها مئات ~~فيهم كبار وصغار، وفيهم رجال ونساء وفيهم أجداد وآباء وأحفاد، وفيهم من ~~سافر ومن فقد، وفيهم من مات ومن هو وليد رضيع، وهكذا، وما نقوله عن ~~كلمة «أسرة» وما تشير إليه، ينبغي أن نقول مثله على كثير جدا من ~~أسماء الأشياء وما تعنيه؛ إذ الرغبة في التبسيط وحدها هي التي تجعلنا ~~نختصر الواقع المعقد بكثرة عناصره وتشابكها وتحولاتها، حتى لنظن ~~أن ما هنالك في دنيا ذلك الواقع إنما هو وحدات من كائنات كل وحدة منها ~~كيان موحد، قائم برأسه مستقل بذاته، حتى وإن ربطته الروابط بغيره من ~~سائر الوحدات، فنقول هذه شجرة، وذلك نهر، وهنا سوق، وهناك مدرسة ~~إلخ. # ولعلك تستطيع الآن أن تكون لنفسك فكرة تقريبية عما يتعرض له ~~الإنسان المتعجل في أحكامه، حين يطلق حكما ما عن شيء يظنه ~~«مفردا» و«ثابتا»، وإذا هو في حقيقته حشد مزدحم بأفراده وعناصره ~~وأجزائه فما أيسر على ذلك المتعجل أن يحكم على «شعب» معين بأنه على ~~خلق أو على غير خلق، على علم أو على غير علم، كأن ذلك «الشعب» فرد ~~واحد من الناس، وليس عدة ملايين من أفراد، قد يكون فيهم من هو على خلق ~~ومن هو على غير خلق، من هو على علم ومن هو على غير علم ... لا بل إن ~~الحكم المنصف المتأني على الفرد الواحد ليس بالأمر اليسير، وهل ~~يكون يسيرا أن تحكم على كاتب - مثلا - بأنه يجانب الحق في «كل» ما ~~يكتبه، حين يكون ذلك الكاتب قد أخرج للناس خمسين كتابا؟ أليس من ~~الجائز أن يكون قد جاوز الحق ms020 في إحدى فقرات صفحة من صفحات كتاب واحد، ~~ولم يجاوزه في مئات الألوف من فقرات وردت في سائر الكتب؟ لكننا ~~كثيرا ما نتعجل الأحكام، متأثرين بالوهم الذي يحول الكثرة في ~~أذهاننا إلى واحد، ويحول الكائن المتغير في أذهاننا إلى كائن ثابت، ~~ولسنا نريد - بالطبع - أن نقول إن كل من أراد أن يتحدث عن شيء في ~~حياته اليومية الجارية، لا بد له من مثل هذه الوقفة التي تحلل ~~الأشياء إلى عناصرها المتغيرة؛ لا فالحياة العملية الجارية لا يراد ~~لها كل هذه الأناة وهذه الدقة، وإنما الذي نريده هو أن من يتصدى ~~لفهم الوقائع فهما دقيقا، والحكم عليها حكما صحيحا، مطالب بمثل ~~هذه الدقة والأناة. # وإن الأمر ليزداد صعوبة، حين ننتقل في أحاديثنا من موضوعات صغيرة ~~محدودة في مكانها وزمانها، لنتناول موضوعات اتسعت آفاقها وتباعدت ~~أطرافها وتطاولت أزمانها، كأن نتحدث عن «الحضارة» وعن «الثقافة» وعن ~~«التراث» وعن «الفن» و«الأدب» و«العلم» وما هو من هذا القبيل الواسع. ~~إنك قد تصادف من الناس من يجمع حضارة الغرب في هذا العصر في حكم ~~واحد، كأن يصفها - مثلا - بأنها «حضارة مادية» وكأن الذي بين يديه ~~قطعة صغيرة من ورق يقول عنها إنها معوجة الأطراف وملوثة ببقع من ~~مداد، وكأن الذي بين يديه ليس «حضارة» شملت «عصرا» ففيها علوم، ~~وفنون، ونظم، وألوف الألوف من ضروب النشاط في كل ميدان، ومن أبنائها ~~من هو على طريق الخير ومن هو على طريق الشر، فيهم الأطباء الذين ~~يخففون آلام المرضى وفيهم المعلمون، وفيهم من يعين العاجز ~~والمحروم، ولكن منهم كذلك السفاحون، واللصوص، وقساة القلوب. # على أن الذي يعنيني هنا - في المقام الأول - ليس هو كثرة العناصر ~~التي نخطئ فنجملها في حكم واحد سريع وكأنها عنصر واحد بسيط، بل الذي ~~يعنيني هو صفة «التحول» من حيث هو جزء لا يتجزأ من طبائع الأشياء ~~فليس في هذا الكون الفسيح شيء واحد يثبت على حالة واحدة ولو للحظة ~~سريعة من لحظات الزمن، فكل شيء في تحول دائم لا يسكن ولا يجمد كل نجم ms021 ~~من نجوم السماء كل شمس من شموسها، كل كوكب، كل ذرة صغيرة مما لا ~~تدركه الجماهير، إنما هو يتحول أبدا، يتغير أبدا، فإذا قصرنا ~~الحديث على أرضنا وعالمها، قلنا كذلك إنه ما من شيء، من الذرة إلى ~~الجبل، من الخلية الأولية إلى الفرد من أفراد الإنسان إلا وهو أقرب إلى ~~تيار دافق بموج التحول والتغير، لحظة سريعة في إثر لحظة سريعة ~~فإذا سألنا: وما الذي يجعلنا - والحال هي كما وصفنا - نميز الأشياء ~~والكائنات بعضها من بعض؟ فنقول هذا هو زيد، وذلك هو عمرو، وهنا ترى نهر ~~النيل، وهناك ترى جبل المقطم، وتلك هي الشمس؛ وبعد غيابها مع الغروب ~~يظهر القمر، فإذا لم يكن في شخص أو في شيء ثبات يقيمه على حالة ~~الدوام النسبي فكيف يتاح لنا تمييز هذا من ذاك في عالم الكائنات؟ ~~والجواب هو في الإطار الذي في حدوده تحدث التحولات، فخلية النحل ~~واحدة بإطارها لا بأفراد النحل فيها، ومصر وطن واحد بإطارها التاريخي ~~وليس بأفراد أبنائها، لأن هؤلاء الأبناء يموتون ويولدون، وتبقى مصر ~~في إطار تاريخها وهكذا قل في كل شيء. # وأعجب ما في صفة «التحول»، التي هي صفة تحدد حقيقة العالم وما ~~فيه، أن ذلك التحول لا يستند إلى متحول، وأنه يصعب على الخيال ~~البشري أن يتصور تغيرا بلا متغير، وتحولا بلا متحول؛ لكن ذلك هو ~~كذلك، وكثيرا ما يشبهون الأمر بالنهر وجريانه، إنها اللغة - ~~أقولها مرة أخرى - هي التي توهمنا بأن تركيب الأشياء يماثل ~~تركيبها، فإذا قلنا - مثلا - الماء يجري في نهر النيل حسبنا أن الماء ~~الذي يجري شيء غير نهر النيل الذي فيه يجري ذلك الماء، لكن الواقع لا ~~يعرف إلا ماء يجري، ولنا نحن أن نسميه بالنيل أو بأي اسم شئنا، ~~وذلك الماء الجاري على أرض الواقع، والذي ليس في واقع الأمر سواه، إنما ~~هو في معبر دروب، حتى ليستحيل على موضع واحد منه أن يبقى على ما هو ~~عليه لحظتين متعاقبتين، فإذا وضعت يدك في النهر، ثم سحبتها ، ثم ~~وضعتها مرة أخرى، ms022 فأنت هذه المرة تضعها في ماء آخر غير الماء الذي ~~وضعتها فيه أول مرة؛ ولعل أول من تنبه إلى هذه الحقيقة في طبائع ~~الأشياء، هو الفيلسوف اليوناني القديم «هرقليطس» - وكان هو الذي عبر عن ~~هذه الحقيقة بعبارته التي اشتهرت من بعده، وهي قوله: إنك لا تضع قدمك ~~في النهر مرتين. لكن «هيرقليطس» حين لمعت في رأسه تلك الصورة، كانت ~~كلمعة البرق التي تبرق بها سحابة غير ممطرة، سرعان ما تدفعها الريح ~~فتنقشع، أما فكرة «التحول» حين يقولها قائلوها في عصرنا هذا، فإنما ~~يقولونها تعبيرا عن رؤية كاملة شاملة للعصر كله بجميع ما فيه، فهي ~~قراءة جديدة للكون وكائناته، نبعت من فكر جديد ومن علم جديد، وليس ~~ذلك - بالطبع - لأن الكون وكائناته قد تغيرت حقيقته التي كان عليها، بل ~~لأن الإنسان هو الذي تغيرت نظرته بما أصابه من تقدم في علومه، ~~أقول: إنه ليصعب جدا على الخيال البشري أن يتصور كيف يكون تغيره ~~بلا متغير، أو «تحول» بلا متحول؟ وإن كاتب هذه السطور ليكاشف ~~القارئ، بأنه كان برغم علمه بهرقليطس وفكرته القديمة عن طبيعة ~~«التغير» إلا أنه لم يكن قد تنبه أول الأمر إلى كل ما يترتب على ~~تلك الفكرة من نتائج، ولذلك لم تكن قد نشأت له المشكلة التي تريدنا أن ~~نتصور «تغيرا» دون أن نفترض وجود ما يتغير، حتى كان ذات يوم في ~~أواسط الأربعينيات فوقع على كتاب عن «التغير» لمؤلفه «ولدون كار»، ~~وكان أهم ما ألح عليه المؤلف في كتابه ذاك شرحه لفكرة التغير ~~الذي لا يستتبع أن يكون هنالك شيء معين يطرأ عليه ذلك التغير، ~~فالأمر هو أمر تغير مطلق، وذلك هو الكون وحقيقته؛ وكأن الذي أوقف ~~كاتب هذه السطور، عندما فوجئ بتلك الإضافة الفكرية التي لا مفر منها ~~إذا قبلنا العلم في صورته الجديدة، أقول: إن الذي أوقف كاتب هذه ~~السطور عندئذ، هو أن يجد لنفسه مخرجا يصون للروح بقاءها، وثباتها، ~~وخلودها، ولم يلبث أن وجد لنفسه ذلك المخرج، وهو أن كل ما يقال عن ~~التحولات ms023 المتغيرة على النحو الذي قدمناه، إنما هو خاص بذلك ~~الجانب من الوجود الذي يخضع للنظر العلمي ومناهجه، ولكن في الوجود ما ~~ليس من هذا القبيل، وفي هذا الصدد تذكر الروح جوهرا قائما ~~بذاته. # تحولات، تحولات، تحولات، هي كل ما ينتهي إليه تحليلنا، لما ~~نعرفه من أشياء قريبة منا أو بعيدة عنا، وفي هذا الخضم العظيم ~~المتلاطم بأمواج التعبير، تتميز الأشياء بثباتها الشكلي على أساس ~~الأطر التي في حدودها تنشأ علاقات بين الأطراف، وكل لحظة في ذلك ~~التيار الدافق إنما يميزها ويحددها موقعها في سلسلة المتتابعات ... ~~ولكن بأي معنى نفهم معنى «التقدم» في بحر التحولات هذا، التقدم هو ~~الانتقال من البساطة إلى التركيب، ومثل هذا الانتقال يكون في التركيب ~~العضوي البيولوجي بالنسبة إلى عالم الحيوان ثم يضاف إليه التركيب ~~الثقافي بالنسبة إلى الإنسان، فما هو أشد تركيبا في ثقافته أكثر ~~تقدما مما هو أبسط. # والعجيبة التي تلفت النظر في هذا الصدد هي أن الإنسان إذا ما ترك ~~نفسه على سجيتها وجد نفسه أكثر انجذابا إلى بساطة الماضي منه إلى ~~تركيب الحاضر وتعقيده، كأنما الذي يعنيه ليس هو «التقدم» بل هو راحة ~~البال، إلا إذا أخذته يقظة في عقله وضميره، وتذكر أنه «إنسان» وقد ~~خلق إنسانا ليتحمل تبعة الإنسان كما أرادها له خالقه سبحانه وتعالى: ~~وتبعة الإنسان ليست في أن يحيا حياة سائر الحيوان، بل هي أن «يعمر» ~~الأرض وهو لا يعمرها إلا بما يخلص إليه من علم، يأتيه إذا ما ~~تفكر في خلق السماوات والأرض كما أمر أن يفعل، إلا أنها سجية ~~الإنسان أن يسترخي خالي البال إذا استطاع، وهنا ترى بساطة الماضي تشد ~~إليها خياله شدا، بل إنه ليوهم نفسه أن تلك البساطة الأولى هي التي ~~عرفت الفضيلة، والخير، والجمال، وكل شيء مما عساه يصنع من زمانه عصرا ~~ذهبيا. # وفي هذا السياق، نذكر بين من نذكرهم من دعاة إلى العودة بالإنسان ~~إلى العصر الذهبي الذي هو عصر البساطة والنقاء في خيالهم، أقول إني ~~أذكر في هذا السياق نموذجا له مكانته ms024 العالية، هو الشاعر الروماني ~~القديم «أولد» الذي خلدته قصيدته التي جعل عنوانها «تحولات»؛ ~~بمعنى درجات الهبوط في تاريخ الإنسان من عصره الذهبي الأول، إلى العصر ~~الفضي الذي تلاه، فإلى العصر النحاسي فعصر الحديد؛ وأخذ الشاعر يتخيل ~~كيف هبطت حياة الإنسان مع هذا التدرج درجة درجة ... أحلام شاعر يحلم ~~بالماضي. # ولكن ماذا أردت أن أقوله بهذا كله؟ أردت أن أقول إن الذين يحلمون ~~بأن تعاد صور الماضي في حياة الإنسان الحاضر إنما هم يكلفون الأشياء ~~ضد طبائعها، كمن يتطلب في الماء جذوة نار (كما قال الشاعر) لأن ~~«التحول» هو طبيعة الأشياء وصميمها، على أن حياة الماضي - كأي شيء آخر ~~- لم تمت ولن تموت، إلا أنها خيوط تدخل مع غيرها على كر الأعوام، ~~في نسيج واحد، فلا الماضي يستطيع البقاء بذاته محصنا من التغير، ~~ولا الحاضر يستطيع البقاء بذاته مديرا ظهره إلى الماضي، فهذه كلها ~~صور يخلقها خيال الشاعر، ليشيد بجانب ويسخط على جانب. وأما واقع ~~العلم والتاريخ، فهو أن حياتنا لن تبلغ نضجها في ظروف حاضرنا، إلا إذا ~~جاءت حلقة في سلسلة التحولات، بحيث يكون قوامها نسجا تتداخل فيه ~~خيوط ما مضى وخيوط ما حضر. # | تشابه الأجزاء ووحدة الهدف # هذا حديث عن حياة الثقافة العربية في مرحلتها الراهنة، لكنه حديث ~~سألجأ فيه إلى الطريقة التي نسمع عنها في الحروب، وأعني طريقة الالتفاف ~~حول العدو لمحاصرته، حتى لا يبقى أمامه منفذ إلا التسليم. إني أرانا ~~في حياتنا الثقافية نسير سير المتخبط في ظلام دامس، فرأسه يخبط في ~~الجدار مرة، وقدمه تتعثر في قطع الأثاث مرة أخرى، وتكون الصدفة ~~النادرة عندئذ، هي أن يجد نفسه أمام الباب المفتوح، فيعرف طريقه إلى ~~النور. لكن هذا الرأي قد لا يقع من آخرين موقع الرضا، أو ربما اتفق ~~معي بعض هؤلاء في مجمل الرأي، لكنهم يرفضون أن يكون طريق النجاة هو ~~ما أراه، وربما كانت أفضل وسيلة للإقناع هي وسيلة الالتفاف الذي ينتهي ~~إلى حصار يبرز عناصر المشكلة وحلها. # الأصل في الحياة الثقافية السوية، في شعب ms025 معين يعيش في عصر ~~معين، هو أن تتعدد القنوات، وتتنوع، لكنها برغم تعددها وتنوعها ~~«تتشابه» لكي تتلاقى آخر الأمور عند هدف واحد، يكون هو الهدف الذي ~~تتجه إليه قلوب الناس، سواء استطاع بعضهم، أو لم يستطع بعضهم الآخر، ~~أن يفصحوا عما أرادوه. والقنوات المتعددة المتنوعة التي أشرنا ~~إليها، هي العلم، والفن، والأدب، وكل ما يمكن أن يكون هناك من وسائل ~~التعبير، فبأي معنى نريد لتلك القنوات «المختلفة» أن تجيء ~~«متشابهة» إذا أردنا أن نظفر بحياة ثقافية سوية ومعافاة؟ وهنا نبدأ ~~بحركة الالتفاف الأولى، بالوقوف عند «التشابه» ومعناه. # ولو كان التشابه المقصود تشابها في الملامح الظاهرة، لما كان في ~~الأمر إشكال، لكن الأمر في تشابه القنوات الثقافية ليس كذلك، وإلا ~~فكيف تتشابه الملامح الظاهرة بين قانون في علم النبات - مثلا - ~~وبين معزوفة موسيقية، أو لوحة تشكيلية، أو قصيدة من الشعر، أو رواية؟ ~~لا بد - إذن - إذا كنا نزعم تشابها بين متنوعات كهذه، أن نبحث له ~~عن معنى وراء الملامح الظاهرة، فماذا عساه أن يكون؟ ... تأمل هذه ~~الظواهر الطبيعية الثلاث: حجر يسقط على الأرض، دوران الأرض حول الشمس، ~~حركة المد والجزر في مياه البحر، إنها ظواهر - كما ترى - مختلفة أشد ~~ما يكون الاختلاف، لو كان الأمر أمر ملامح تظهر للعين، لكنها مع ذلك ~~متشابهة كلها فيما قد يخفى على العين، إذ هي تتشابه في كونها حركات ~~تحدث بفعل جاذبية الأجسام بعضها لبعض؛ فالحجر يسقط بجذب الأرض، والأرض ~~تدور حول الشمس بجذب الشمس، وماء البحر يتحرك مدا وجزرا بجذب القمر، ~~فالحركة في الحالات الثلاث هي من نوع واحد، ومن ثم يكون ما بينها من ~~تشابه. # ليس المعول في التشابه الخفي قائما على التماثل بين الملامح ~~الظاهرة، بل هو قائم على التماثل في «الوظيفة» أو في «الأداء» أو في ~~«الغاية» بين الشبيهين، ومن هنا تكون الوردة على شجرة الورد أقرب ~~شبها بالبرتقالة على شجرة البرتقال، منها بوردة صنعت من ورق، لأنه ~~بينما الوردة الحية والبرتقالة الحية كلتاهما تتغذى وترتوي وتنمو ، ~~وبذلك تكونان معا في ms026 تيار الحياة، محققين للحياة غايتها، تقع وردة ~~الورق في عالم آخر، هو عالم الجماد والموات، وإدراك التشابه الخفي قد ~~يستعصي على غير ذوي البصائر لكنه هو التشابه الذي نراه في كائنات ~~الكون جميعا، حين ندرك واحدية الكون برغم تعدد كائناته وتنوعها ~~فيما يظهر للعين، ومن هنا قال من قال: دلني على من يدرك التشابه ~~بين الأشياء، وأنا أتبعه تبعية التلميذ لرائده. # إن من هذه المسائل التي قد لا تخلو من صعوبة، حتى على القادرين من ~~أهل العلم، ذلك التشابه الذي لا بد أن يكون قائما بين أية فكرة ~~وتطبيقها، كيف يكون وكيف نفهمه؟ فافرض - مثلا - أن على ورقة أمامك ~~رأيت العدد 4 مكتوبا، ثم رأيت إلى جانب الورقة أربعة أقلام، أو أربعة ~~كتب، فأنت عندئذ تكون بين شبيهين، فالرقم 4 والكتب الأربعة بينهما ما ~~بين فكرة وتطبيقها، ولا بد - كما قلنا - أن تكون هنالك موازاة بينهما ~~بصورة ما، وإلا لما كانت إحداهما تجسيدا للأخرى، ومثل هذا التشابه ~~هو الذي يربط «العلوم» من حيث هي مجموعات من القوانين، وبين دنيا ~~الوقائع والأحداث. وألتقي بهذا في مسألة العلاقة بين «النظرية» ~~و«التطبيق» لأنها تنطوي على صعاب ليس هذا مكانا لذكرها فضلا عن ~~شرحها، وحسبنا بما ذكرناه أن نكون قد صورنا نوع التشابه الخفي بين ~~الأشياء، لأنه هو النوع الذي نطالب بأن يكون قائما بين قنوات الحياة ~~الثقافية، برغم تعددها وتنوعها، وذلك إذا أردنا لتلك الحياة ~~الثقافية أن تكون سوية وسليمة، فنجد تشابها يصل إلى حد الهوية ~~الواحدة، بين ما تقوله الموسيقى، والتصوير، والعمارة، والنحت، والشعر، ~~والرواية، والمسرحية، والمقالة، ويضاف إلى ذلك أن نجد ذلك كله متجها ~~مع روح العلم في عصره في اتجاه واحد. # تلك - إذن - كانت حركة الالتفاف الأولى حول موضوعنا، وأما الحركة ~~الثانية فهي أن ننظر إلى «الشعب» الذي في حياته تنشأ الحياة الثقافية ~~التي نحن الآن معنيون بعرضها وتحليلها، فنسأل: ماذا عساها أن تكون، ~~تلك الروابط التي تربط كذا مليون من أفراد الناس في شعب واحد؟ وهو ~~سؤال تختلف عنه ms027 الإجابات، فقد يقال إنه العرق المشترك، أو يقال إنه ~~التاريخ المشترك، أو يقال إنه الأرض المشتركة، أو يقال إنها الثقافة ~~المشتركة، وهكذا ... وبالطبع قد يكون المشترك بين أبناء الشعب الواحد، ~~هو كل تلك العوامل، أو بعضها، وأن الروابط لتزداد غزارة كلما كثرت ~~الأصول المشتركة بين أبناء الشعب الواحد، على أن هناك عوامل أخرى ~~طارئة في حياة الشعب، من شأنها - إذا ما وقعت - أن تزيد من قوة تلك ~~الروابط كحرب تنشب مع عدو فيتكاتف أبناء الشعب بدرجة أكبر مما ~~يحدث في الحياة المعتادة، أو أن تحل بالبلد كارثة من كوارث الطبيعة، ~~كالزلازل وثورات البراكين أو الأوبئة أو ما إلى ذلك، لأنه في أمثال تلك ~~النكبات الجماعية، يغلب على الناس أن يشتركوا في «فعل» معين ~~يتقاسمونه ويتعاونون على أدائه، وفي هذا ما يبث في الجماعة شعورا ~~بالوحدة، وكأن الجماعة قد أصبحت فردا واحدا. # إن للحياة الثقافية معنى يجعلها صفة لا يوصف بها الفرد الواحد، ~~بقدر ما توصف بها جماعة معينة من الناس، كالشعب الواحد، أو حتى ~~كمجموعة شعوب متقاربة تتكون منها قومية واحدة. وذلك لأن الحياة ~~الثقافية متعددة الفروع، وكأنها الفروع في جذع شجرة واحدة، وليس من ~~الممكن لفرد واحد أن يجمع في شخصه كل تلك الفروع بدرجات متساوية أو ~~متقاربة، بحيث يكون عالما، وفنانا، وأديبا، بما تشتمل عليه كل واحدة ~~من تلك الصفات من فروع، وفروع الفروع. إذن، فالذي يحمل الحياة الثقافية ~~المكتملة هو شعب بأسره أو مجموعة شعوب موحدة الاتجاه والمزاج، ولقد ~~كان الشاعر الإنجليزي المعروف «ت. س. إليوت» من أصحاب هذا الرأي. وقد ~~فصله تفصيلا في كتاب له عن الثقافة ومعناها. # إلا أن الشعب الواحد، كالشعب المصري مثلا، أو مجموعة الشعوب ~~المتقاربة، كالأمة العربية بمختلف شعوبها، إذا ما قلنا عنها إنها ~~موحدة الثقافة، فلسنا نعني بذلك أن جميع الأفراد متساوون في الأدوار ~~التي يؤدونها في تلك الحياة، إذ إن منهم من تضطرب صدورهم بالمشاعر ~~المعينة، أو بالاتجاهات المعينة، ولكنهم لا يملكون القدرة على ~~الإفصاح عما شعروا به، أو عما ms028 رغبوا فيه، وهؤلاء يكونون - عادة - سواد ~~الشعوب، وإلى جانب هؤلاء قلة تشعر الشعور نفسه، وترغب الرغبة نفسها، ~~ثم هي فوق ذلك تملك مواهب التعبير بالنغمة، أو باللون، أو بالكلمة، أو ~~بمنهج البحث العلمي الذي يستخرج حقائق الأمور، ومحصلة ما ينتجه هؤلاء ~~هي الحصاد الثقافي العيني الذي يرجع إليه إذا ما أردنا الكشف عن شعب ~~معين منعكس في ثقافته. # فنحن إذا ما أردنا في موضوع حديثنا هذا الذي بين أيدينا، أقول إننا ~~إذا أردنا أن نحكم على حياتنا الثقافية الراهنة حكما منصفا، وجب ~~علينا أمران: أولهما: هو أن نكون على علم كاف بما قد أنتجته تلك ~~القلة المنتجة للحصاد الثقافي في الفترة التي نريد الحكم لها أو ~~عليها، وأما الأمر الثاني فهو أن يكون لدينا تصور معقول لما كان ~~ينبغي أن يحققه ذلك الحصاد ... لكي نقيس الأمر الواقع إلى المثال. ~~ولكن من أين يأتينا ذلك المثال الذي نقيس عليه الأمر الواقع؟ أهو مرهون ~~بنزوة الكاتب؟ إن السماء لا تمطر «مثالا» يلزمنا بكماله، ولكنه ~~التاريخ، تاريخ الثقافات عندما تبلغ ذراها في عصور معينة، وبلوغها ~~تلك الذرى هو في ذاته حكم ثقافي يستند صوابه إلى إجماع الرأي عبر ~~العصور، أو ما يقرب من الإجماع، فمن الذي يجادل في رفعة الحياة ~~الثقافية في أثينا «بركليز» أو في بغداد «المأمون» أو في باريس «لويس ~~الرابع عشر»؟ # وهذه - إذن - حركة الالتفاف الثانية حول موضوعنا، فكما أردنا بالحركة ~~الأولى أن نلتمس رباط «التشابه» بالمعنى الوظيفي الذي حددناه، وأعني ~~رباط التشابه بين قنوات الإنتاج الثقافي على تعددها وتنوعها، قد ~~أردنا بالحركة الثانية أن نلتمس روابط الوحدة بين أبناء الشعب الواحد، ~~وهي وحدة تهتز بها أوتار القلوب جميعا، لكنها أوتار تهتز في صمت ~~عند الكثرة الغالبة من جمهور الناس، ويكون لها صوت مسموع عند القلة ~~المنتجة للحصاد الثقافي في ذلك الشعب، وننتقل الآن إلى الحركة ~~الالتفافية الثالثة، حول موضوعنا ... # وقد نجعلها الأخيرة، لنتناول بعد ذلك حصادنا في إجمال يمكننا من ~~الحكم ... وأما الحركة الثالثة التي أعنيها فهي أن أذكر ms029 للقارئ بعض ~~الأمثلة لعصور ثقافية مضت، وربما استطعت أن أوضح له بالأمثلة، ما ~~الذي يجب أن نتوقعه من حياة ثقافية سوية ناضجة وتستحق ~~البقاء؟ # أول ما يرد إلى خاطري هو الثقافة التي جاءت حضارة مصر القديمة ~~تجسيدا لها ... وإنه لمن العسير أن نتحدث عن عدة آلاف من السنين، ~~وكأننا نتحدث عن جيل واحد من الناس، أو جيلين، ولكن هكذا صنعت بنا ~~دراسة التاريخ على مناهج الغرب الحديث، الذي أراد لنفسه أن يكون هو ~~«التاريخ»، وأما ما عداه فهو بالنسبة إليه كالهوامش والملحقات ~~بالنسبة إلى فنون الكتب، فترى مؤرخي الغرب الحديث، بناء على تلك ~~الرؤية الظالمة، قد قسموا التاريخ إلى ثلاثة أقسام: قديم، ووسيط، ~~وحديث ... ثم أوهمهم ذلك التقسيم أن الأقسام الثلاثة متعادلة في ~~الوزن، فنسوا - وكدنا ننسى معهم - أنه بينما «الحديث» الذي هو موضع ~~اهتمامهم، عمره أربعة قرون، فإن «القديم» يزيد عمره عن خمسين قرنا، ~~ولم تكن تلك القرون الخمسون كالأرض اليابسة لا حياة فيها ولا ثقافة ~~ولا حضارة، بل كانت عامرة بكل هذا، في غزارة وثراء يبعثان على دهشة ~~وذهول. ويكفي أن قد كان فيها مصر الفراعنة! ... أقول: إنه على الرغم من ~~هذا العمر الطويل لتلك الثقافة المصرية التي تجسدت في حضارة مصر ~~القديمة، مما لا بد أن يكون قد جاء منقسما إلى مراحل طويلة لكل مرحلة ~~منها خصائصها المميزة لها، فإننا بحكم الانطباع المبهم الذي تركته في ~~أنفسنا دراسة التاريخ على رؤية الغرب الحديث، نتحدث عن ذلك التاريخ ~~الطويل وكأنه جيل واحد من الزمن أو جيلان، وبناء على هذه النظرة ~~الخاطفة؛ انظر إلى الآثار التي خلفتها حضارة أجدادنا، فلا يساورني ~~شك في أن ما أراه إنما هو صورة لثقافة موحدة الهدف، وبين جوانبها ~~المختلفة رباط «التشابه» الخفي الذي حدثتك عنه، وإذا قلنا إن مثل ~~ذلك التشابه قائم بين التمثال المنحوت والمسلة والصورة على جدار ~~المدفن، والمعبد وكل ما تقع عليه العين من أثر ... إذا قلنا ذلك، فقد ~~قلنا بالتالي إن هنالك «روحا» مشتركة عاشها القوم في حياتهم، ومن ms030 تلك ~~الروح الواحدة انبثقت حياة ثقافية بشتى جوانبها، فكن - أيها القارئ - ~~على أية درجة شئت من الإلمام بالتاريخ المصري القديم ... فإنك على أي ~~الحالات، إذا ما عرضت أمامك قطعة كبيرة أو صغيرة من الفن المصري ~~القديم فلن تخطئ عيناك أنها كذلك، لأن روح ذلك العصر - على امتداده - ~~روح واحدة تميز بها كل عمل أنتجه فنان. # وإنه ليبدو لي في وضوح، أن تلك الروح المشتركة الواحدة المسيطرة على ~~شتى صنوف الإبداع إنما هي روح من أخذ حياته مأخذ الجد وروح من يشعر ~~من عمق نفسه وقلبه وعقله بأنه ما دام قد خلقه الله إنسانا؛ فعلى ~~عاتقه تقع مسئولية الحياة المنتجة المبدعة، فانظر - إن شئت - إلى ~~أي تمثال نحته أزميل فنان مصري قديم، تجد الحجر ناطقا بالرزانة ~~والرصانة وحكمة الحياة، إنك ترى عادة في كل تمثال، ابتسامة خفيفة على ~~الشفتين، لا أقول إنها ابتسامة الساخر ممن ينشغل بدنيا الزوال عن ~~عالم الخلد، بل أقول إنها ابتسامة إشفاق ممن لم يدرك لحياته ~~واجباتها، وهي واجبات أوجبتها عقيدة دينية قبل أن توجبها إرادة حاكم ~~... قلب ناظريك فيما شئت أن ترى من آثار الثقافة المصرية القديمة ~~مجسدة في آثارها تجد بساطة القوة، أو قوة البساطة، فلا زخارف أكثر ~~مما يجب، ولا زوائد ولا ثرثرة أو ما يشبه الثرثرة، وإنما هو حجر ~~مستقيم الخطوط واضحها: في الهرم، وفي المسلة، وفي عمد المعبد ~~وجدرانه، وانظر إلى الرسوم فوق الجدران، ملونة أو غير ملونة تجد قوة ~~الخط وبساطته، إنها قوة الواثق بنفسه وبساطة من لا يشعر في باطنه شعور ~~النقص، فيغطيه بزخارف فارغة ... لقد أردت أن أقول إنها آثار تنطق ~~بثقافة تشابهت فيها الأجزاء، واتحد فيها الهدف. # وننتقل من ثقافة مصرية أصيلة أنطقت الحجر بأزميلها، إلى ثقافة عربية ~~أصيلة، أخرجت بالقلم عبقرية الكلمة، ولنأخذ مثلا لها تلك الذروة التي ~~بلغتها في عصر المأمون وامتداد صداه في القرن الرابع الهجري متداخلا ~~في القرن الخامس «العاشر الميلادي والحادي عشر»، وإذ نلقي بأبصارنا على ~~ذلك الامتداد الزمني نبحث عن الهدف الواحد ms031 الكبير المتضمن في النتاج ~~الثقافي إبان تلك الفترة، متسائلين في الوقت نفسه عما إذا كانت صنوف ~~ذلك النتاج، على تعددها وتنوعها، تتغيا ذلك الهدف، وكأن بينها اتفاقا ~~مضمرا على السير معا في موازاة بعضها مع بعض، تجاه الغاية المقصودة ~~عن عمد أو غير عمد، وأحسب أن النظرة الفاحصة لن تجد عندئذ عسرا في ~~رؤية تلك العلامات المميزة للثقافة عندما تكون سوية ومسددة ~~الخطى. # وفي ظني، أن مفتاح تلك الفترة التي حددناها، هو أن الوجدان العربي قد ~~اتسعت آفاقه ليشمل «الإنسان» على إطلاقه بغير تمييز في مكان أو زمان، ~~فنحن نعلم كيف فتحت الأبواب والنوافذ على مصاريعها لتستقبل كل ~~الثقافات الأخرى، من شرق ومن غرب، ثم سرعان ما نسجت الخيوط جميعا في ~~رقعة واحدة غير عابئة من أين جاءت لحمتها أو جاءت سداها، والمهم هو أن ~~يجيء النسج الجديد جديدا، مطبوعا بطابع عربي أصيل، على أن الباحث ~~الفاحص في خصائص تلك النظرة الموسوعية الشاملة، التي استهدفت إنسانية ~~الإنسان بغض النظر عن الفواصل التي قد تميز شعبا من شعب، كان محورها ~~الداخلي هو احترام «العقل» والإيمان بقدراته ومداه، فإن شئت أن ترى هذه ~~الخصائص العامة المجردة التي ذكرتها، لأميز بها عصر الازدهار في تاريخ ~~الثقافة العربية، فانظر إلى طائفة من أمهات المبدعات العلمية والأدبية ~~والفلسفية والثقافية بوجه عام، التي صدرت عن أصحابها إبان تلك الفترة، ~~خذ الجاحظ من الثالث الهجري، والتوحيدي من الرابع الهجري، ممثلين ~~للحركة الفكرية بصفة عامة: وخذ الفارابي وابن سينا ممثلين للفكر ~~الفلسفي وخذ أبا الحسن الأشعري ممثلا للمتكلمين، وخذ المتنبي وأبا ~~العلاء ممثلين للشعر، وخذ إخوان الصفا ممثلين لحركة التنوير بصفة عامة، ~~وعبد القاهر الجرجاني ممثلا للنقد الأدبي ... وحاول أن تستخرج الجانب ~~المشترك في هؤلاء جميعا، واسأل: هل لديهم هدف يشتركون فيه؟ وهل أضمر ~~في أصلاب أعمالهم وجه للشبه بينهم؟ وأما أنا فالجواب عندي هو: نعم ... ~~كانت ثقافة هادفة، وهدفها إنسانية الإنسان كائنا من كان، بغير تعصب ~~ولا تمييز، وكان وجه الشبه الخفي الكامن في أعمالهم هو إكبار ms032 العقل ~~البشري، بكل معنى تتضمنه هذه العبارة ... فإذا أخذت «العقل» بمعنى ~~الاستدلال في عالم الفكر المجرد، وجدته عند الفلاسفة وأشباههم وإذا ~~أخذته بمعنى مراعاة الدقة الهندسية في بناء الأثر الفني أو النقدي، ~~وجدته عند كبار الشعراء والنقاد، وإذا أخذته بمعنى التسامح في العقيدة ~~وعدم التعصب عند أصحاب العقائد الأخرى، وجدته عند إخوان الصفا ومن سار ~~سيرتهم ... والخلاصة هي أنك واجد في ذلك العصر نموذجا رائعا للحياة ~~الثقافية حين تتوافر فيها الشروط التي ذكرناها وهي أن تتشابه الأجزاء، ~~وأن يتحد الهدف. # وإذا أردت مثلا ثالثا لعصر ثقافي متكامل، فانظر إلى فرنسا في ~~القرن السابع عشر، وهو الذي يسمونه «عصر العقل» وقلب نظرك في كل ~~ما يعن لك من أوجه الحياة، تجد أثر النظرة العقلية واضحا، فالفلسفة ~~في ذروة العقلانية على يدي ديكارت، والفن هو طراز «الباروك» الذي ~~تراعى فيه نسقية الإجراء، والأدب تقام بناءاته وكأنها بناءات ~~هندسية، كما ترى في مسرحيات «راسين» و«كورني»، وكذلك يقال عن الموسيقى ~~و«كاتب هذه السطور من العوام فيما يختص بالجانب النظري من ~~الموسيقى.» # وقد يأتيني صوت محتج من هنا أو من هناك قائلا: إنك يا أخي قد ~~وعدت في مستهل حديثك أن مدار حديثك هذا هو حياتنا الثقافية في ~~الفترة الحاضرة، فما الذي يطوح بنا إلى بعيد فتضرب لنا الأمثلة من ~~مصر الفرعونية ومن عرب القرن الرابع الهجري، ومن فرنسا القرن السابع ~~عشر؟ ألا اقتربت من زماننا ليسهل التصور والفهم؟ واستجابة لهذه ~~الرغبة أسوق مثلين من حياتنا الحديثة والمعاصرة: الأول هو موجة ~~الثلث الأخير من القرن الماضي، وكان من أهم أعلامها: الشيخ محمد عبده، ~~وقاسم أمين، وقد نذكر شبلي شميل، والثاني هو فترة ما بين الحربين ~~العالميتين في هذا القرن العشرين، وكان من أهم أعلامها لطفي ~~السيد، وطه حسين، والعقاد، والدكتور هيكل، فإذا أمعنت النظر في الموجة ~~الأولى ألفيت الهدف واضحا، وهو مواكبة العصر وما يقتضيه من جهاز ~~فكري واجتماعي: محمد عبده يدعو إلى تخليص العقيدة الإسلامية مما ~~نسبه إليها الأميون من خرافة، وشبلي شميل يقدم ms033 صورة متطرفة ~~للفكر في الغرب، وما يستتبعه من تغيير في وجهة النظر، وقاسم أمين يدعو ~~إلى تحرر المرأة من قيود فرضت عليها؛ فحدت من نشاطها، فهؤلاء ~~الأعلام - كما نرى - قد اختلفوا مزاجا وميدانا لكنهم تشابهوا هدفا ~~ومعدنا. # وأما موجة ما بين الحربين العالميتين، فالمعالم فيها أوضح لقرب ~~عهدها، فهم بدورهم قد اختلفوا في كثير، إلا أنهم قد اتحدوا جميعا عند ~~هدف واحد هو «التنوير» الذي يؤدي إلى تغيير وجهة النظر الراكدة، ~~لتتجه نحو ما هو أقوى وأوسع وأكثر ملاءمة للعصر الذي نعيش فيه، ~~ووجه الموازاة بينهم - مع اختلافهم في المادة والمنهج - واضحة، فكلهم ~~ينطوي على قلق من أوضاع ثقافية واهية وداعية إلى القعود والخمول ~~والتخلف، وكلهم يوجب لتلك الأوضاع أن تتغير. # وبعد أن فرغنا من حركات الالتفاف حول الموضوع، مستهدفين أن نضرب ~~حوله حصارا من تعريفات نحدد بها ما نعنيه بالمفاهيم الرئيسية التي ~~استخدمناها، وضاربين أمثلة كبرى وصغرى من تاريخ الثقافة قديما ~~وحديثا، عندنا وعند غيرنا، أقول إننا بعد أن قدمنا هذا كله، ندعو ~~إلى توجيه الأنظار إلى حياتنا الثقافية الراهنة، في مصر خاصة، وفي ~~الوطن العربي عامة، لنرى من قرب مدى نصيبها من عوامل القوة أو الضعف، ~~ومن أجل التحديد، نفترض أن المقصود بالمرحلة الراهنة هو الفترة التي ~~امتدت من هزيمة 1967 حتى اليوم، وسيكون مفتاحنا في الحكم هو نفسه ~~المفتاح الذي استخدمناه فيما أسلفناه؛ وأعني به أن نسأل سؤالين: ~~أحدهما عن الهدف البعيد الواحد، أهو قائم أو أم هو غائب، والثاني هو ~~عن مقدار التشابه الموجود بين الميادين المختلفة من علم إلى فن ~~وأدب وما يتفرع عنها. # ونبدأ بالسؤال الأول: أنستهدف جميعا هدفا بعيدا واحدا؟ وإن ~~كنا نفعل، فما هو ذلك الهدف المتبقي؟ إننا لا نحتاج إلى أكثر من ~~لفتة قصيرة وسريعة، لنرى أننا - منذ الأساس - على تمزق بين رؤيتين؛ ~~سلفية ومستقبلية، تمزقا لم نشهد له مثيلا منذ أول نهضتنا في ~~أوائل القرن الماضي، فالمشهود اليوم هو أكثرية غالبة تدعو إلى ارتداد ~~إلى السلف ، وأقلية باتت خافتة الصوت، ms034 تحاول أن تذكر الناس بأن الله ~~سبحانه وتعالى حين خلق للإنسان عينيه في جبهته، أراد له أن يكون النظر ~~متجها في الأساس إلى أمام، وأنه إذا ما اقتضت الحال أن يتلفت خلفه، ~~فما ذلك إلا ليؤمن خطواته السائرة إلى الأمام، خشية أن تكون وراء ~~ظهره أخطار تهدده وتفاجئه، وإمعانا في هذا التمزق الذي أصابنا ~~من حيث وجهة السير، أراد أنصار السلفية ألا يجعلوها تفرقة زمنية بين ~~ماض وحاضر، بل أضافوا إليها أبعادا أخرى، كأن جعلوا الاختلاف بين ~~الفريقين اختلافا بين مؤمن وزنديق، لا لأنهم حقا يعتقدون في صدق ~~هذه الدعوى، بل لأنهم يعلمون أن هذه هي اللغة التي تجد طريقها إلى ~~إفهام الجمهور، ثم لم يكفهم ذلك، فأضافوا بعدا آخر فيه لمسة من ~~السياسة، إذ جعلوا الفرق بين الجماعتين فرقا بين من يرفض الغزو ~~الثقافي الذي يهدد هويتنا الوطنية والقومية بالدمار، وبين من ~~يرحب بذلك الغزو كأنه يناصر الأعداء على قومه. # نعم، قد يقال - وهو قول حق - بأن الدعوة السلفية بكل ما أضيف ~~إليها من أبعاد، إنما هي أشبه بالحرب الكلامية التي لا تؤثر في شيء ~~من أسس الحياة العملية، فحتى أصحاب الدعوة أنفسهم يعيشون كما يعيش سائر ~~الناس، من حيث الإفادة بكل ما أنتجه «الغزاة» من ثمار العلم في إقامة ~~البيوت والجسور ورصف الطرق وأجهزة العلاج للمرضى. ووسائل النقل، وغيرها ~~وغيرها، والعجيب في أمرهم هو أنك إذا واجهتهم بهذه البداءة الواضحة، ~~أجابوا بأنه ليس هذه الجوانب الحضارية ما يريدون، وإنما هم يريدون ~~جانب «الأفكار» كأن تلك الأفكار قد خلقت للزينة، ولم تخلق لتجد ~~سبيلها إلى التجسيد فإذا بها إذا ما تجسدت، كانت هي آخر الأمر ما ~~ينعمون به من نتاج حضاري يغمر حياتهم الشخصية من ألفها إلى يائها ... ~~ولا علينا، فالمهم في موضوعنا، هو أننا اليوم لا نلتقي على هدف، وأن ~~اختلافنا هذا يبدأ معنا من أساس الأساس فصاعدا، وهو اختلاف إلا يكن ذا ~~أثر إيجابي في حياتنا العملية، فلا أقل من أنه ذو أثر سلبي مميت، ~~وذلك حين ms035 يصيب شبابنا بضعف الهمة وخيبة الأمل. # وأما عن السؤال الثاني ... الذي نسأل به عن مدى الموازاة بين مختلف ~~فروع الفاعلية الثقافية بين من ينتجون لنا ثقافة، فأغلب ظني أننا ~~إذا ما دققنا النظر في ميادين الإنتاج الثقافي، فقد نجد قليلا من ~~تلك الموازاة المنشودة، وأما الأكثر والأغلب فهو أن كل جنس من ~~الأجناس الثقافية شاطح وحده في واد خاص به، يغلب أن يكون متأثرا ~~تأثرا فرديا مع اختلاف الأفراد في مصادرهم الفكرية. ولكي أيسر ~~عليك طريق النظر، أقترح عليك أن تنظر إلى البنيان الثقافي وكأنه عمارة ~~ذات ثلاثة طوابق تعلو كلما ارتفعت درجة التجريد النظري في كل منها، ~~فأول الطوابق وهو الطابق اللاصق بأرض الواقع هو طابق الأدب والفن، ~~يتلوه طابق العلوم، ويتلو هذا طابق الفكر ذي الطابع الفلسفي من حيث ~~تجريد الأفكار وتعميمها، ولكي أيسر عليك طريق النظر مرة أخرى، ~~أقترح عليك أن تصور تلك الطوابق الثلاثة في ثلاثة أشخاص؛ هم مثلا؛ ~~أديب معين يقرض الشعر أو يكتب الرواية، ثم ناقد معين يعرض بالنقد ~~إنتاج ذلك الأديب، ثم رجل معين من رجال الفكر المائل نحو التجريد، ~~يوضح أسس الفلسفة الجمالية التي تحدد المبادئ العامة لما يجوز ~~أن يعد أدبا أو فنا، فإذا صورت لنفسك الموقف بهذه الصورة ~~المجسدة بقي عليك أن تسأل هذا السؤال: هل هناك في مناخنا الثقافي ~~العام، ما يجعلنا نتصور مقدما في أي اتجاه يبدع الأديب العربي؟ ~~ثم في أي اتجاه يمارس الناقد الأدبي أو الفني عمله النقدي؟ ثم هل ~~هناك في مناخنا الثقافي العام خطوط رئيسية انتزعناها من مقومات هويتنا ~~التاريخية ترسم لنا الخطوط العامة للذوق الفني؟ إنك لن تجد إزاء هذه ~~الأسئلة كلها، إلا اتجاهات فردية صرف، كل يتجه متأثرا بما قرأ، ~~مما يؤيدنا في الزعم بأن حياتنا الثقافية الراهنة تفقد المقومين ~~للحياة السوية في هذا الصدد، فلا هي تعرف لنفسها هدفا، ولا المشتغلون ~~بها يتجاوبون بعضهم مع بعض في إطار مشترك، بحيث تختلف وسائط الإبداع ~~صوتا ولونا وكلمة، ولكن تبقى بين أيديهم معان ms036 مشتركة يعرضونها، ~~فإذا الشعب المتلقي قد أصبح ذا رؤية وطنية أو قومية موحدة، ومعلومة ~~الملامح والقسمات. # | ثقافة التغيير # كتبت ذات يوم مقالة جعلت عنواها، «ثقافة السكون وثقافة الحركة» ~~بينت فيها بعض الفوارق الهامة والخطيرة بين ثقافة وثقافة، فهنالك ~~ثقافة تحرك صاحبها إلى عمل، وأخرى تميل بصاحبها نحو ركود بليد، حتى ~~وإن بدا في ظاهر الأمر كما لو كانتا متشابهتين. وأذكر أني بدأت ~~حديثي ذاك بمثل ضربته: رجلين تقابلا بعد أن فرقت بينهما ~~الأيام، فقال أحدهما للآخر: الحمد لله أن رأيتك، ثم أردف قائلا: إن ~~شيئا من الغبار قد علق على ثوبك عند الكتف. فهذان قولان: أما ~~أولهما فلم يكن فيه ما يحرك سامعه إلى فعل يؤديه، حتى وإن كان قد ~~أشاع في نفسه السرور، وأما القول الثاني فقد استجاب له سامعه استجابة ~~سريعة، بأن أخذ ينفض عن ثوبه الغبار الذي قيل له إنه قد علق به، فلو ~~أننا وسعنا نطاق المثل الأول لنجعله نموذجا لثقافة شاملة لجوانب ~~الحياة كلها عند شعب معين في عصر معين، لوجدنا الحاصل بين أيدينا ~~شعبا لا يجد في نفسه دافعا يحفزه إلى عمل يؤديه حتى وإن أحس ~~في دخيلة نفسه بسعادة المطمئن القانع الراضي، وأما إذا وسعنا نطاق ~~المثل الثاني ليشمل المناخ الثقافي كله عند شعب معين في عصر معين، ~~رأينا صورة أخرى، هي صورة شعب يدأب كل فرد من أفراده على فعل ~~ينجزه! # وأظنني قد زعمت في تلك المقالة أن الذي يسودنا نحن، في هذه المرحلة ~~من حياتنا، هو ضرب من ثقافة السكون، إذ نرى كثرة غالبة من صناع ~~الحياة الثقافية في شعبنا، قد اتجهوا - بطريق مباشر أو بطريق غير ~~مباشر - إلى عرض ما كان عند السلف، وشرحه، والتعليق عليه بالتمجيد، ~~وبالحث على الاقتداء به، وها هنا تكمن مغالطة قد تفلت من رؤية ~~القائل والسامع معا، فنحن إذا تركنا الأمر عند هذا الحد، فقد يسأل ~~سائل متعجبا: وما العيب في ذلك؟ ما العيب في أن يعرض علينا العارضون ~~ما قاله الأسلاف في مواقف حياتهم ms037 لعلنا نحن أن نهتدي به؟ ووجه ~~المغالطة هنا، هو أن مواقف الحياة الجارية كما يحياها الناس بالفعل ~~لا تتكرر، فكل موقف حياتي لفرد معين من الناس، أو مجموعة معينة ~~منهم، هو فريد نوعه إذا نحن أخذناه بتفصيلاته كما وقع، إن التاريخ لا ~~يعيد نفسه إذا ما كان المقصود به تفصيلات السلوك البشري في مواجهة ~~الأحداث، وإنما هو يعيد نفسه لو كان المقصود هو «مبادئ» السلوك أو ~~«قوانينه»، والفرق بعيد - بعد الثرى عن الثريا - بين أن نطالب ~~الناس بمحاكاة أسلافهم في تفصيلات مواقفهم السلوكية، وبين أن نترك لهم ~~حرية التغيير في تلك التفصيلات، ما دام «المبدأ» مصونا؛ فانظر - ~~مثلا - إلى الفرق بين أن نطالب المرأة اليوم بأن يجيء ثوبها على ~~غرار ما كان الثوب عند سالفتها، وبين أن نترك لها حرية التصرف شريطة ~~أن تراعي «مبدأ» الاحتشام في ظروف الحياة الجديدة، أو انظر - وهذا مثل ~~آخر - إلى الفرق بين أن تطالب الناس بأن يفهموا عن «الربا» ما كان ~~يفهمه السلف، برغم التغير الشديد في تفصيلات الموقف الاقتصادي، فبعد ~~أن كان الدائن والمدين شخصين يواجه أحدهما الآخر، ويعلم الدائن عجز ~~المدين وشدة حاجته، أصبحنا أمام موقف جديد لا صلة فيه بين دائن ~~ومدين، فالدائن شخص يضع ماله في مصرف، والمدين شخص مجهول يبني عمارة - ~~مثلا - أو ينشئ مصنعا، فيقترض من المصرف ما يعينه على إتمام ~~مشروعه، وواضح من ذلك أن العلاقة الشخصية قد غابت عن الموقف غيابا ~~تاما، وهي علاقة لو كانت قائمة لوجب علينا أن نضيف إلى الموقف ما ~~تقتضيه تلك العلاقة من تعاطف بين من يملك ومن لا يملك. وإذا شئت ~~مثلا ثالثا فانظر إلى السفر الطويل وما كان يحدثه للمسافر من مشقة ~~وعناء مما اقتضى أن يكون للمسافر أحكام خاصة في فروض العقيدة الدينية، ~~وقارن ذلك بمسافر اليوم، وهو مطمئن في الطائرة على مقعد وثير، ~~يقدم له طعامه وشرابه كما يشتهي ويرسل نفسه في نعاس، متكئ الرأس ~~على وسادة لينة كما يريد، لكن هذا التغير البعيد في تفصيلات ~~المواقف ms038 الحياتية، إذا جاز أن تتغير الأحكام فهو يظل مستوجبا أن ~~تبقي «المبادئ» الأساسية ثابتة، ففي العلاقة بين الدائن والمدين، وهما ~~في الموقف الجديد طرفان مجهولان، إلا أن «مبدأ» العدالة ضروري في تحديد ~~نسبة الربح الذي يتقاضاه الدائن عن وديعته في المصرف، والربح الذي ~~يتقاضاه المصرف من المدين، والذي يحدد حد العدالة هنا هو الموقف ~~الاقتصادي العام، في كل فترة زمنية معينة، بحسب ما يراه خبراء ذلك ~~الميدان، وفي حالة المسافر وما يجب عليه في أدائه لفروض دينه، يكون ~~الاحتكام إلى مبدأ الراحة وجودا وعدما، فالاستمرارية التاريخية بين ~~سلف وخلف في الأمة الواحدة، أو قل في أصحاب ثقافة معينة، أمر لا ~~بد منه، وإلا لما جاز أن نصف الأمة الواحدة بالوحدانية، ما دامت هي ~~في يومها، شيئا آخر غيرها في أمسها، إلا أن تلك الاستمرارية ~~التاريخية لا تكون في تفصيلات المواقف، وإنما تكون في مبادئها. # ولعل مشكلة الثبات والتغير، في هذه الدنيا التي نعيش فيها، أن تكون ~~بحاجة منا إلى مزيد من إيضاح؛ إنها في يومنا هذا، وبالنسبة إلينا ~~نحن بصفة خاصة، تقع في صميم الصميم من مشكلاتنا الحيوية واليومية، ~~فالسؤال مطروح علينا في كل لحظة من حياتنا، حتى ليسد علينا منافذ ~~الهواء، وهو: هل نترسم خطى الأقدمين أو نجدد؟ هل نلتمس حلول ~~مشكلاتنا فيما قال السلف وأثبتوه في دفاترهم التي جمعناها وأسميناها، ~~«تراثا» أو نلتمس تلك الحلول في وقائع الحياة العملية، نستقرئها ~~لتنطق لنا بالجواب الصحيح؟ فمثلا هناك الآن في حياتنا العملية نساء ~~يعملن خارج بيوتهن جنبا إلى جنب مع الرجال، وقد تنشأ مشكلات خاصة ~~بالعمل من جهة، وبشئون الأسرة الداخلية من جهة أخرى، فأين نبحث عن ~~حلول تلك المشكلات؟ أنبحث عنها في الكتب؟ أم نبحث عنها في عناصرها ~~الفعلية الواقعة أمام أبصارنا؟ فإذا نحن اخترنا البديل الأول حرصا منا ~~على توثيق الروابط بيننا وبين أصولنا، جاءنا السؤال يصرخ في وجوهنا: ~~كيف تغمضون أعينكم عما هو واقع وكأنه لم يقع؟ وإذا نحن اخترنا البديل ~~الثاني، كان السؤال هذه المرة: وماذا ms039 يبقى من الهوية القومية إذا تفككت ~~العرى بين اليوم وأمسه؟ ومعنى ذلك كله، هو أننا مطالبون بأمرين في ~~وقت واحد: مطالبون بأن يكون في حياتنا حبل ثابت متصل، ومطالبون في ~~الوقت نفسه بأن نعطي لجديد عصرنا حقه الكامل من الاهتمام حتى ولو ~~كان ذلك على حساب العروة الرابطة بيننا وبين أسلافنا؛ فقد عاش هؤلاء ~~الأسلاف حياتهم، ومن حقنا كذلك أن نعيش حياتنا. # فلا غرابة - إذن - أن تحتل مشكلة «الثبات» و«التغير» المكانة ~~الأولى بين ما عرض لأئمة الفكر في العالم أجمع، وعلى امتداد العصور: ~~فما الذي هو ثابت لا يتغير، بل ولا يجوز لأحد أن يغيره؟ وما الذي ~~يتغير من أمور الدنيا - بل وينبغي له أن يتغير؟ وقد اتسع السؤال مع ~~الفلاسفة - كعادتهم - ليعمموه على الكون بأسره، لكن تلك التوسعة ~~تزيد الأمر وضوحا ولا تضيف غموضا إلى غموضه، وقد انقسم الرأي بينهم ~~ثلاثة اتجاهات: فمنهم من رأى عنصر الثبات جوهرا يتعذر على العقل أن ~~يتصور إمكان زواله، فلولا ذلك الثبات لما كنت أنت هو أنت ولا أنا هو ~~أنا، ولا القاهرة هي القاهرة ولا الكون هو الكون، إلا أنهم ذهبوا ~~بالفكرة إلى حدها الأقصى - أحيانا - حتى لقد أنكروا «التغير» ~~باعتباره مناقضا للعقل، زاعمين أنه وهم تتوهمه الحواس في إدراكها ~~للأشياء، ومنهم من ذهب إلى نقيض ذلك، بأن جعل التغيرات في أي كائن ~~حقيقته التي لا حقيقة له سواها، فما الشيء من الأشياء إلا سلسلة طويلة ~~من حالات يعقب بعضها بعضا، وأما أصحاب الرأي الثالث فربما كانوا أصحاب ~~الجواب الصحيح - على الأقل بالنسبة لمشكلتنا الخاصة التي عرضناها، ~~وأعني مشكلة الجمع في بنائنا الثقافي بين حاضر يحترم الواقع الذي بين ~~يديه، ولكنه كذلك يتمسك بالماضي الذي هو ضمان لا بد منه إذا أردنا ~~لهويتنا الذاتية ألا تنحل وتنهار - وذلك الرأي الثالث هو أن «الثبات» ~~و«التغير» يسيران معا، فأما الثبات فهو من شأن «المبادئ» أو «الأطر»، ~~وأما التغير فهو من شأن الحالات التفصيلية التي تندرج تحت تلك ~~المبادئ ، أو التي تملأ تلك الأطر، وقد ms040 نجد في علوم الرياضة في ~~صورتيها: «البحتة» و«التطبيقية» مثلا جيدا يوضح المعنى المقصود، ~~خذ شكل «الدائرة» فإذا اتجهت ببصرك إلى دنيا الأشياء المتغيرة، ~~وجدت الشكل الدائري متمثلا في كثير جدا مما تراه: فرغيف الخبز ~~المستدير، وقطعة النقود المستديرة، ومنضدة مستديرة، وحديقة ~~مستديرة، ودوائر مرسومة على الورق، وهكذا لكن تلك الأشكال الدائرية ~~كلها ليست متساوية في دقة الدائرة، ويغلب أن يكون بعضها أدق ~~دائرية من بعضها الآخر، وقد يعن لأحدنا أن يسأل نفسه إزاء هذا ~~التغير في درجات الدقة، قائلا: إذا نحن رتبنا الأشياء ترتيبا ~~تصاعديا بحسب دقتها، فأين نصل إلى ذروة الدقة التي ليس فوقها ما ~~هو أدق منها؟ وعندئذ يجيء الجواب الصحيح، وهو أن تلك الذروة لا ~~تتمثل قط في شيء بعينه، وإنما تتمثل في «التعريف» العقلي للدائرة، ~~وعلى أساس ذلك التعريف يمكننا ترتيب الأشياء الدائرية بحسب تدرجها ~~في الدقة صعودا أو هبوطا؛ ومثل ذلك المعيار العقلي، في حياة الناس ~~العملية - هو ما أسميته فيما أسلفت ب «المبادئ» أو ب «الأطر»! ~~فالمبدأ أو الإطار، تصور عقلي ذو ثبات، لكنه في الوقت نفسه حقيقة ~~مفرغة من تفصيلات الحياة، ثم نأتي حياة الناس العملية بما يملأها من ~~أحداث، فنقيسها - ارتفاعا أو انخفاضا - بذلك المعيار الرياضي ~~المفرغ، وهو «المبادئ» أو «الأطر» أو «الأنماط». # والذي بيننا وبين أسلافنا، من حيث الحياة العملية، وأين يجب، وأين ~~لا يجب، أن تكون أشكال سلوكنا متطابقة مع ما كان منها عند أسلافنا، ~~هو شيء كهذا؛ فنستطيع القول بأن ثقافات الشعوب قد تميز بعضها من ~~بعضها، بأن كلا منها قد رتب المبادئ بأولويات تختلف عما رتبها ~~به سائر الثقافات، فحتى لو اتفق الناس جميعا على ما يصح أن يكون ~~«مبدأ» أو «صورة» لحياة الإنسان فإن الشعوب بعد ذلك تعود فتختلف في ~~ترتيب درجاتها، وللشعب المصري، أو قل للأمة العربية في مجموعها، ~~صورة خاصة بها في ترتيب المبادئ، وبالتالي فإن لها موقفا ثقافيا ~~متميزا، فالثابت بيننا وبين أسلافنا هو تلك المبادئ، والمتغير هو ~~تفصيلات المواقف والأحداث التي تملأها. ومن ms041 هنا تنشأ نتيجة هامة ~~جدا، أرجو من القارئ رجاء مخلصا ألا يدعها تفلت منه، وهي أنه ~~ما دام المعيار الحياتي أو الثقافي مشتركا بيننا وبين أسلافنا، ~~فالمفاضلة بيننا وبينهم ليست أمرا مقطوعا به مقدما؛ إذ من هو ~~منا أكثر تحقيقا لتلك المبادئ الأولية يكون أفضل من الآخر، وقد ~~نجد بعد المراجعة، أن أسلافنا كانوا أفضل منا في مواضع، وأننا ~~اليوم أفضل منهم في مواضع، فمثلا ربما وجدنا الأسلاف أقدر منا ~~على المبادرة والإبداع، ووجدنا أنفسنا أكثر شعورا بحقوق الفرد في ~~التعلم، والعمل وحرية الاختيار. # على أنه لا جدوى من إحياء الحاضر لمبادئ السلف، إذا اقتصر الأمر - ~~كما يحدث كثيرا في حياتنا الآن - على «تسميع» تلك المبادئ كتابة ~~وخطابة وإذاعة، فلمن شاء أن يقدم إلى الناس ألف ألف قول مأثور من ~~أقوال السالفين كل يوم، لكنه لن يغير بذلك شيئا من سلوك فرد ~~واحد، لأن السلوك مجموعة عادات، ولا يتغير إلا أن تتكون عند الناس ~~عادات جديدة لتحل محل عادات قديمة، وتغيير عادة لا يتم في لحظة، ~~كما نضغط على مفتاح فتضاء مصابيح الكهرباء، وإنما هو بمثابة تربية ~~جديدة، تقوم على سلوك تتجسد فيه تلك المبادئ المراد لها أن تكون ~~موصولة بين الماضي والحاضر، ولا يتم ذلك على الوجه الأكمل إلا إذا زرعت ~~تلك المبادئ على أرض الظروف الجديدة، وذلك هو ما يحتاج منا إلى ~~تفكير هادئ يتدبر على مهل كيفية التنفيذ. # كان قد أنبأني صديق يكثر من زيارة اليابان بحكم عمله، بأن الياباني ~~عرف كيف يعمل في المصنع نهارا وكأنه مواطن في أي بلد صناعي من بلدان ~~الغرب، حتى إذا ما عاد إلى منزله مساء اغتسل وكأنه يزيح عن جسده حياة ~~النهار المستعارة، وارتدى ثيابه اليابانية، ومارس حياته المنزلية ~~ممارسة الياباني الأصيل، الذي لم يكن يعرف شيئا عن المصانع الحديثة ~~وآلاتها، ولكنني دون أن أبدى معارضة أو تساؤلا عما سمعته من ذلك ~~الصديق، حدثتني نفسي بأنه يبعد أن تكون صورة الحياة عند الياباني ~~الجديد على هذا النحو، الذي يشطر الحياة ms042 شطرين. كأن أحدهما لا صلة ~~له بالآخر، ولو كان الأمر كذلك لما أفلحت اليابان الجديدة بالدرجة التي ~~أفلحت بها حتى لقد نافست أعتى شعوب الغرب علما وصناعة، ومحال أن ~~يستقيم لها الأمر، ما لم تدمج الشطرين في وقفة موحدة. فحياة المنزل ~~تمتد بروحها اليابانية إلى حياة المصنع وحياة المصنع تمتد ~~بدقتها العلمية إلى حياة المنزل. # ثم ما لبث أن وجدت ما يؤيد فكرتي، وذلك أن أتيح لي فترة طويلة، ~~الاطلاع على مجلة فصلية تصدر عن اليابان، وربما كان الذي يصدرها ~~هناك هيئة رسمية، وهدف تلك المجلة هو أن تعرض موجزا لما ترى أنه أهم ~~ما أنتجه الفكر الياباني خلال ثلاثة أشهر. كنت أتابع تلك المجلة ~~واسمها مترجما إلى العربية هو «الصدى» وهي تنشر ما تنشره ~~باللغة الإنجليزية، فكان من أنفع ما قرأته فيها تلك الموضوعات الخاصة ~~بحياة الياباني الجديد، معروضة في صورة بحوث علمية إحصائية، ومن تلك ~~الموضوعات عرفت بدقة بالغة، كيف انتقلت الروح الأسرية كما عرفتها ~~التقاليد اليابانية العريقة، التي تدور حول مبدأ التعاون إلى أقصى ~~مداه، وهو مدى تختفي فيه فردية الفرد ولا يبقى إلا الجماعة مأخوذة في ~~رابطة واحدة، فنقلت هذه الروح إلى جماعة العاملين في المصنع، وأصبح ~~العامل يحس شعور «الانتماء» إلى مصنعه، بكل القوة التي يحس بها ~~شعور الانتماء إلى أسرته، فنجاح المصنع الذي يعمل به هو نجاح شخصي ~~بالنسبة إليه، دون تكلف في ذلك أو نفاق أو كذب ... ولعل أغرب ما ~~قرأته في تلك المجلة مما يتصل بهذا المجال ذلك البحث العلمي الذي ~~أجراه من أجراه ليصل به إلى تصور محدد عن فكرة «الإبداع» عند ~~الياباني، وإذا بالإبداع لا يكاد يكون له معنى عند الياباني إذا كان ~~ذلك الإبداع منسوبا إلى فرد معين؛ فالإبداع الفردي أمر غير معروف ~~هناك، لا بل إنه مستنكر من الناحية الأخلاقية عندهم. ولقد كان ذلك ~~البحث مؤسسا على مجال العلم والصناعة ولا أدري ما قولهم عن الإبداع ~~في الأدب والفن. # الخلاصة التي أردت عرضها هنا، هي أن مبادئ السلف ms043 لا تحيا في حياة ~~الخلف، إلا إذا ملئ وعاؤها المجرد بمادة حياتية مأخوذة من صميم ~~الواقع الجديد ومشكلاته، وخذ - مثلا - فكرة «العرض» (بكسر العين) في ~~الأخلاقيات العربية ومنها مصر بطبيعة الحال، فنحن نعلم كم لتلك الفكرة ~~في حياتنا من قوة لا تعبأ بالقوانين الوضعية إذا عارضتها، وما معنى ~~«العرض» الذي له في حياتنا ما يشبه التقديس؟ قد يظن بعضنا أن المعنى ~~مقصور على شرف المرأة، ولكن معناه الحقيقي التاريخي، هو مجموعة ~~الأشياء التي يعد الفرد نفسه مسئولا عنها لأنها تقع في حماه، وربما ~~كانت قطعة الأرض التي يملكها أو ربما كان الجار، أو ربما كانت الأسرة ~~في مجموعها أو الوطن والمواطنون جميعا، أو بيوت الله، بين الأشياء ~~التي تدخل في مجال «العرض» الذي يدافع عنه الإنسان بروحه إذا اقتضى ~~الأمر. فافرض معي الآن أننا أردنا إحياء هذا المبدأ ليسترجع في حاضر ~~حياتنا كل قوته التي كانت له في الماضي، فماذا نصنع إلا أن نعمل على ~~تربية الأفراد تربية تدخل في نفس الفرد استعدادا للتضحية في سبيل ~~ما قد نشأناه على أنه «عرضه» الذي يجب أن يصان؟! ~~«الثقافة» بمعناها الذي يجعلها طابعا يميز شعبا من سائر الشعوب ~~هي ضرب من ضروب «الأدوات» التي يستعين بها الصانع فيما يصنعه، فهل ~~تقول عن فأس الفلاح - مثلا - إنه حلية يتزين بها الفلاح؟ هل تقول عن ~~منشار النجار إنه أداة يتزين بها؟ وهكذا الأمر في «الأفكار» التي ~~تستحق اسمها هذا، إنها أدوات عيش، أدوات عمل، وإن لم يكن ذلك الجانب ~~واضحا فيها أمام العين. ولكي تفهم هذا، خذ فكرة علمية عن حياة ~~النبات، أو عن كيمياء التفاعل بين عناصر الطبيعة، أو حتى كفكرة ~~الجاذبية بين الأجسام والأجرام، وانظر في أي منها: ما الذي أكسبها ~~أهميتها إلا أنها أداة نستخدمها في الزراعة، أو في الصناعة، أو في ~~تشييد المباني؟ إن «الفكرة» - كل فكرة وأي فكرة - هي أشبه «بروشتة» ~~الطبيب، تأخذها لا لتحفظها وتتغنى بألفاظها أو تضعها في إطار ~~لتعلقها على جدران غرفتك، بل تأخذها لتصرفها دواء ms044 من الصيدلي ليكون ~~ذلك الدواء وسيلة مرجوة للشفاء، وأما إذا زعم لك زاعم عن جملة ~~معينة بأنها تحمل «فكرة» ثم لم تجد قط طريقة تتحول بها تلك الفكرة ~~المزعومة إلى «عمل» فاعلم موقنا بأن الجملة المقدمة إليك كانت من ~~قبيل اللغو الفارغ، وها أنا ذا أوسع لك في المجال فأقول - لا عن ~~فكرة واحدة بعينها، بل عن مجموعة الأفكار التي تتكون منها ثقافة شعب ~~- إنها في مجموعها إنما تقاس قيمتها بما تستطيع به أن تعيننا على ~~السباحة في بحر الظروف المحيطة بنا بل وأن تعيننا على ما هو أكثر من ~~ذلك، وهو أن نكون شركاء في صناعة ذلك البحر من ظروف الحياة الجديدة. # وإذا كان ذلك كذلك في حقيقة «الثقافة» التي يعيش في إطارها شعب، أعني ~~إذا كان مقياس قبولها أو تعديلها حذفا وإضافة هو صلاحيتها لأن تجعل ~~ذلك الشعب أقوى وأعلم وأغنى وأرهف شعورا، أقول إذا كان ذلك كذلك، كان ~~الأمر نفسه منطبقا على ما نأخذه نقلا عن أسلافنا من «مبادئ» إذ ~~يصبح واجبنا نحو أنفسنا هو أن نملأ الصور المجردة المفرغة لتلك ~~المبادئ بمضمونات جديدة تصلح أن تكون في أيدينا أدوات عمل، وإنتاج ~~وقدرة على مواجهة عصرنا وظروفه. # وليس التطور الثقافي في حياة الإنسان ترفا من الترف الذي يخضع ~~لاختيار الناس، فإما قبلوه وإما رفضوه، بل هو قانون حتمي من قوانين ~~الحياة، وذلك لمن أرادوا لأنفسهم حياة. لقد كان للمفكر الفرنسي «تيار ~~دي شاردان» كل الفضل في أن سلط الأضواء الكاشفة الهادية على هذا ~~الجانب من حقيقة التطور، فبعد أن كان الفكر العلمي في هذا الصدد، ~~متجها نحو النظر إلى التطور على أنه مسألة بيولوجية توضح التسلسل ~~في الكائنات الحية بادئة من الخلية الأولى فصاعدة إلى الإنسان، نشأ ~~سؤال مضمر في عقول الباحثين هو: ثم ماذا؟ هل نتوقع من الحياة أن ~~تخرج من الإنسان إنسانا أعلى يتميز ويتفوق على الإنسان كما هو ~~الآن، فبين «دي شاردان» في تفصيل وعمق، كيف أن التطور البيولوجي ~~بالنسبة للإنسان قد وقف عند ms045 هذا الحد، إلا أنه شق لنفسه طريقا آخر، ~~هو التطور الثقافي، فإذا كان الأمر على امتداد الدهر - فيما مضى - قد ~~جعل الكائن الحي يتطور ليقابل ما استحدث له في بيئته من عوامل، فقد ~~استبدل الإنسان بالتطور البيولوجي في تركيب الجسم، تطورا ثقافيا ~~يقابل ما هو جديد في دنياه، فلا يعقل - بالطبع - أن يستجيب الإنسان ~~وهو في عصر «الرعي» - للطبيعة من حوله - بمثل ما كان يستجيب به في عصر ~~حياته الأولى في الغابات والأدغال والكهوف، كما لا يعقل أن يستخدم ~~ردود الفعل ذاتها التي كان يستخدمها في حياة الرعاة، بعد أن تغير ~~مسرح العمل وأصبح زراعة تقتضي الإقامة الثابتة على أرضه المزروعة، ثم ~~لا يعقل بالدرجة نفسها أن يحافظ الإنسان على أنماط سلوكه التي نجح بها ~~في عصر الزراعة ليجعلها مناط سلوكه في عصر الصناعة الذي هو عصرنا، فلكل ~~مرحلة من تلك المراحل ثقافتها الصالحة لها. ولقد أسلفنا أن ثقافة ~~الجماعة الإنسانية ليست لهوا يلهو بها أفرادها، بل هي في آخر مطافها ~~«أداة» يعاش بها ليضمن الناس حياة فيها القوة والغنى والارتقاء. ولقد ~~سبق لكاتب هذه السطور، أن كتب حين شاعت فينا الدعوة إلى «أخلاق القرية» ~~ليلفت الأنظار إلى أن أخلاق القرية إن هي إلا الأخلاق التي أفرزتها ~~حضارة الزراعة - على الوجه الذي كانت الزراعة تؤدى به، أما وقد دخلت ~~الدنيا حضارة أخرى، هي حضارة الصناعة بالصورة التي باتت مألوفة لنا، ~~فقد أصبح حتما على الإنسان أن يغير من قواعد سلوكه، بحيث يمكننا ~~القول إن «المدينة» وأخلاقها لا بد لها اليوم أن تحل محل «القرية» ~~وأخلاقها، وليس الفرق هنا بين «مدينة» و«قرية» فرقا في اتساع الرقعة ~~وعدد السكان، بل الفرق هو في نمط الحياة من نواح كثيرة، فبعد أن كانت ~~«المدينة» فيما مضى «قرية» كبيرة صار هدفنا اليوم هو أن نجعل من ~~«القرية» مدينة صغيرة. # ولست أري أن التحولات في أخلاقيات السلوك تبعا للتحولات ~~الحضارية، يتناقض مع رغبتنا في أن تجيء حياة الخلف على «مبادئ» السلف، ~~لنضمن استمرارية التاريخ واستمرارية الهوية ms046 الوطنية أو القومية، لأن ~~المبادئ الأولى التي تقام عليها الحياة أوسع شمولا وأكثر تجريدا من ~~«القواعد» السلوكية المتغيرة بتغير الزمان والمكان؛ فمثلا كانت ~~حياة القروي في عهد الزراعة اليدوية لا تتطلب دقة التوقيت بالدقيقة ~~والثانية، وأما حياة المصانع في العصر الجديد فتتطلب ذلك، ولكن كلا ~~الموقفين لا يمس مبادئ الأخلاق بالمعنى المعروف لهذه ~~العبارة. # وواقع الأمر هو أن حياتنا تتغير بالفعل نحو ثقافة جديدة تتناسب ~~مع مقتضيات عصرنا الجديد - عصر الصناعة التكنولوجية - فالقرية لم تعد ~~هي القرية التي عرفتها أجيالنا الماضية، حتى لقد اقتربت من أن تصبح ~~مدينة صغيرة، والمصانع الكبرى التي أنشئت هنا وهناك في أنحاء البلاد، ~~تضم عشرات الألوف من العمال تحت سقف واحد، يتقاسمون فيما بينهم ~~عملا واحدا يؤدي بهم إلى منتج واحد، فكان أن نشأت بهذه التجمعات ~~الصناعية الجديدة، التي لم يكن للدنيا عهد بها في كل ما مضى من ~~تاريخها علاقات بشرية جديدة غيرت من صورة الحياة الاجتماعية تغييرا ~~لا تخطئه عين، وتغيرت كذلك في عصرنا وجوه كثيرة أخرى، فليس البناء ~~التعليمي هو البناء التعليمي منذ قرن، وتغير نظام الحكم؛ فليست ~~جمهورية اليوم كملكية الأمس. وتغيرت صور التعبير في مجالات الأدب ~~والفن، فلا الشعر هو الشعر، ولا الرواية أو القصة أو المسرحية عرفتها ~~عصورنا الأدبية فيما مضى، ولا الفن التشكيلي تصويرا ونحتا وعمارة هو ~~نفسه الذي عهده أسلافنا ... لكن ذلك التغير كله لم يحقق لنا رؤية ~~عصرية، لماذا؟ لأنه يجيء من حياتنا كما تجيء القشرة الخارجية التي لا ~~تمس الكيان الداخلي إلا بقدر محدود، وأما الذي يتحكم في الكيان ~~الداخلي بشكل ملحوظ فهي الدعوة إلى أن نصب حياتنا في قوالب ~~القدماء، فوقعنا بهذا في ازدواجية رهيبة، لا نعرف حيالها أين الصواب ~~وأين الخطأ، وقد كان الأمر ليختلف اختلافا شديدا، لو اتسقت ~~الأصوات واتجهت كلها نحو هدف ثقافي واحد، يمس حياتنا الجديدة في ~~الصميم. # إن للناقد الإنجليزي المعاصر «هربرت ريد» كتابا عنوانه «إلى الجحيم ~~بالثقافة» والكتاب مجموعة مقالات في النقد، أولها وأطولها هي المقالة ~~التي جعل ms047 عنوانها عنوانا للكتاب. وفي تلك المقالة يبين «ريد» وجوب ~~أن تكون «الثقافة» في شعب معين، سارية في أصلاب الحياة الاجتماعية، ~~وألا تستقل بذاتها وكأنها كيان قائم برأسه، لا شأن له بتيار ~~الحياة، ولقد كان هذا الدمج التام بين الثقافة وحياة الناس - فيما ~~يقول «ريد» - هو الشأن في كل عصور التاريخ الماضية، فلم يكن الفنان ~~التشكيلي يرسم لوحاته، أو ينحت تماثيله ليرضي مزاجه الخاص، ثم ~~ليبيع مبدعاته في الأسواق لمن يشتري، بل كان يصنع فنه ليخدم به ~~معبدا أو غير المعبد من معالم الحياة العامة، وكذلك كان الشاعر ~~والكاتب والعارف، وأما في عصرنا فقد انحرفت «الثقافة» عن مجراها ~~التاريخي، حتى لنراها في حالات كثيرة تسير في طريق بينما يسير زخم ~~الحياة في طريق آخر، وهذه الثقافة التي تسلخ نفسها عن التيار ~~التاريخي، هي التي أشار إليها «هربرت ريد» في عنوانه: «إلى الجحيم ~~بالثقافة». # وإني لأشعر آسفا، بأن هذه الصيحة الغاضبة من ذلك الناقد القدير، ~~تكاد تفرض نفسها على قلمي، كلما نظرت إلى حياتنا الثقافية، فوجدتها ~~مفرقة الأهداف وبأن هدفا من تلك الأهداف وربما كان أقواها وصولا ~~إلى جمهور الناس، هو أن نلغي وجودنا الخاص، لننخرط في قوالب السلف ~~وكأنه لا زمن ولا تغير في حياتنا مع ذلك الزمن ... # | هيكل البناء # والبناء الذي نريد أن نتحدث عنه، هو البناء الثقافي من حياتنا، ~~وحقا أن صورة الشيء - أي شيء - لا تكتمل في الأذهان، ولا يكون لها ~~رسوخ، ولا يسهل على الذاكرة استعادتها، إلا إذا تصورنا هيكل ~~بنيانها على أي الخطوط وأي الركائز يقام، تماما كما نتبين قوام ~~الكائن الحي من هيكل عظامه: لقد كنت في أسفاري الكثيرة شديد الولع ~~بمعرفة المدن التي أقيم فيها؛ فكان أول ما أبحث عنه في مدينة حللت ~~بها، هو خريطتها؛ أنشرها أمامي لأمعن النظر إمعانا طويلا في ~~شوارعها وميادينها كيف تتقاطع أو تتوازى؟ وأظل هكذا حتى ترتسم الصورة ~~في مخيلتي؛ وبعد ذلك أقسم المدينة أقساما، لأخصص قسما لكل يوم ~~من أيام إقامتي، لأتجول في أرجائه سيرا على الأقدام، ms048 ووقوفا بما ~~يستحق الوقوف عنده من معالم المدينة، وبهذا كنت أغادرها وقد ~~رسخت لها في ذاكرتي صورة هيهات لها أن تمحى. # وهذا الذي كنت أفعله في زيارة المدن، أو غير المدن مما يزار، أفعله ~~هو نفسه - أو ما يماثله - إذا قرأت كتابا، أو مقالا، أو أردت ~~الخروج بفكرة محددة عن كاتب معين في كل ما كتبه وقرأته له، وهو أن ~~أبحث عن «الهيكل الفكري» الذي كساه الكاتب لحما بما ذكره من ~~تفصيلات؛ فإذا لم أقع على هيكل يبين أصلاب الفكرة المعروضة ~~وشرايينها، عرفت أنها «دردشة» دردش بها الكاتب ليزجي فراغا ~~وليهيئ لقارئه فرصة لإزجاء فراغه، ولكن لا هو يملك فكرة يريد ~~عرضها، ولا قارئه خارج منه بفكرة تبقى معه حينا يقصر أو يطول. # وفيما أنا بصدده من محاولات أمس بها حياتنا الثقافية الراهنة، ~~طالبت نفسي بالبحث عن «هيكل» للبناء الثقافي كما أتمناه للوطن ~~العربي بعامة ولمصر بخاصة كي يسهل علي الفهم وبالتالي يسهل الإفهام. ~~ولم أكد أطالب نفسي بهذا حتى شاء لي الله رب العالمين، ولسبب لا ~~أدريه ولا أتبينه، شاء لي أن يجري لساني بقول الله في كتابه ~~الكريم: ~~... والسماء وما بناها * والأرض وما طحاها * ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها ... # فما أنا إلا أن نقرت ظهر المكتب بإصبعي، ~~هامسا في فرحة الظافر: «هذا هو البناء الثقافي الكامل وهيكله» ثم ~~انتقلت بعد ذلك إلى تحليل وتفصيل. # إنك إذا استعرضت الأنماط الثقافية التي عاشها الإنسان هنا وهنا ~~وهناك، من أرجاء الأرض وفي مختلف الحضارات، رأيت طرفين يروح بينهما ~~الإنسان في ثقافته ويجيء، وهما السماء بكل ما ترمز إليه، والأرض وما ~~تتعلق به ويتعلق بها من ظواهر الكون. وأما السماء فترمز بها إلى ~~الديانات بعقائدها وتشريعاتها وأخلاقياتها، وأما الأرض والكون كله معها ~~فنرمز بها إلى ميادين العلم والعمل على اختلافها، وبين هذين القطبين ~~يعيش الإنسان، فيه بدن من طينة الأرض وجنسها، وفيه روح هي بمثابة همزة ~~وصل بينه وبين السماء وما تعنيه، وعلى أعمدة هذا الهيكل وقوائمه، ~~رأينا ثلاث صور للإنسان ms049 في حياته الثقافية: كان خيرها صورة يتوازن ~~فيها الإنسان بين طرفي السماء والأرض، فهو عابد لله وهو في مجال ~~دينه، وهو أيضا عابد لله وهو في دنيا العلم والعمل فوق هذه الأرض، ~~وأما الصورتان الأخريان، فهما ضربان من التطرف، فإما أن يستغرق ~~الإنسان طاقة حياته متعلقا بالسماء وما ترمز إليه مهملا شئون ~~الأرض بل مزدريا لها محقرا من شأنها، وإما أن يتعلق بالأرض التي ~~هي دنياه علما وعملا، فإذا كان التطرف بالصورة الأولى وصفوا حياة ~~الإنسان الثقافية في جملتها بأنها «روحانية» وإذا كان التطرف ~~بالصورة الثانية وصفوا حياة الإنسان الثقافية عندئذ بأنها «مادية»، ~~وإننا لنجد الصور الثلاث جميعا في كل نمط ثقافي عرفه الإنسان: فهناك ~~من الناس من يتوازن بالجمع بين الطرفين وهناك منهم من يتطرف إلى ~~أعلى، ومنهم من يتطرف إلى أسفل، إلا أن العصور التاريخية وكذلك الشعوب ~~المختلفة قد يغلب على العصر المعين منها، أو الشعب المعين، صفة ~~غالبة تميزه: اتزانا أو تطرفا هنا أو تطرفا هناك. ولو أننا ~~وجهنا أنظارنا نحو ما هو كائن بين «السماء وما بناها» و«الأرض وما ~~طحاها» من كائنات أخرى غير الإنسان، من نجوم وكواكب وذر ونبات وحيوان ~~لما وجدنا فيها ذلك التذبذب بين هذا وذاك الذي نراه في الإنسان؛ لأن ~~الخالق جل وعلا قد ألهم تلك الكائنات جميعا خطا واحدا تسير فيه، ~~وكان الإنسان وحده دون سائر الكائنات هو الذي ألهمت نفسه اختيارا ~~بين قدرتين فإما فجور إذا أراد، وإما التقوى إذا أراد، وعليه آخر ~~الأمر يقع الحساب فيما يختار، ومن هنا رأيناه قد اضطرب بين تطرف ~~واتزان. # ونحن إذ نستخدم صفتي «الاتزان» و«التطرف» بشقيه، لا نطلق ~~الأسماء جزافا، فإذا تذكرنا في وعي وفهم، أن من بنى السماء هو من ~~طحا الأرض، وهو الذي سوى النفس الإنسانية على نحو ما سواها، كان لنا ~~كل الحق في أن نصف بالاتزان إنسانا عرف كيف يجمع في نفسه على التقوى ~~سماء وأرضا في وقت واحد ، بمعنى أن يجمع في ثقافته دينا وعلما ~~وعملا، بأقدار تجعل ms050 الأركان الثلاثة عمدا تحمل معا سقفا واحدا، ~~وإذا كان اتزان النفس يكمل للإنسان بهذا الجمع المتعاون، نتج عن ذلك ~~أن يكون الاكتفاء بجانب واحد دون الجانبين الآخرين، أو بجانبين دون ~~الثالث، موقفا منقوص البناء معرضا للانهيار. # وفي هذا الإطار نستطيع الحكم على ثقافتنا وثقافات غيرنا، بما يتجه ~~نحو الكمال منها وما يتجه نحو النقص والتشويه. ونظرة عجلى إلى شريط ~~الحضارات وثقافاتها قد توضح لنا - على ضوء الهيكل الذي قدمناه - بأن ~~الحضارة الفرعونية توازنت فيها الثقافة مع بعض الرجحان نحو السماء، ~~فقد امتلأت أرضهم بالصناعة والفن والتشييد والحرب ونظام الحكم، إلا ~~أن الدين كان هو دافع هذا النشاط كله، وكذلك توازنت الحضارة العربية ~~في ثقافتها في عصر المأمون في القرن التاسع الميلادي وامتداده إلى ~~القرن الحادي عشر الميلادي، لأننا إذا أخذنا رسائل إخوان الصفا في ~~موسوعيتها علامة على نزعة الحياة الثقافية عندئذ وجدنا اهتمام ~~القوم قد انصب على كل فروع العلم على حد سواء، لا فرق في ذلك بين ~~علوم طبيعية وعلوم دينية، لكن الحياة الثقافية في أوروبا إبان ~~عصورها الوسطى (من القرن الخامس إلى القرن الخامس عشر) قد تطرفت نحو ~~السماء لدرجة ملحوظة، والحياة الثقافية في الدولتين العظميين في ~~عصرنا هذا قد تطرفت نحو الأرض بدرجة ملحوظة كذلك. # تلك أمثلة مختارة بمقياس كبير، فإذا ضيقنا مقياس الرسم لننظر إلى ~~مساحات محدودة في دنيانا نحن الثقافية وفي زماننا الحديث منه ~~والمعاصر؛ قلنا إن عناصر حياتنا الثقافية قد توازنت خلال الفترة ~~الممتدة من أواخر القرن الماضي وإلى نهاية النصف الأول من هذا القرن، ~~ففي كل فرد من الأعلام الذين حملوا عبء الثقافة على عواتقهم تجد ~~الجمع بين التأثر بموروثنا الثقافي والتأثر بتيارات الفكر في ~~الغرب في توازن يلفت النظر، في حين أن الفترة الراهنة التي نجتازها ~~وبصفة خاصة خلال السبعينيات والثمانينيات تشهد انحرافا واضحا نحو ~~السماء في تكرارية وببغائية تكاد تخلو من لمعة الذكاء. # وهذه الفترة الأخيرة هي التي تهمنا بالدرجة الأولى ، لأنها هي ~~الفترة التي نتنفس هواءها، وهي الفترة التي نعنيها ms051 حين نشكو من حالة ~~التعليم والإعلام والثقافة، فإذا سألنا بل ولا بد لنا أن نسأل: ماذا ~~نحن صانعون؟ كان الجواب - فيما أظن - واضحا في ضوء الهيكل البنائي ~~الذي رسمناه، فالذي ينقصنا هو أن ننظر إلى السماء وإلى الأرض معا، ~~نظرتنا إلى العقيدة من جهة والجهاد في سبيلها من جهة أخرى، ويكون هذا ~~الدمج بين الطرفين هو المضمون الإنساني الذي يتمثل في كل فرد من ~~أبناء الشعب، شريطة أن يتسع بنا أفق النظر حين ننظر إلى الجهاد ~~المطلوب بحيث يكون «العلم» بكل فروعه بحثا وتحصيلا وتطبيقا فريضة ~~من العقيدة تتطلب الجهاد في سبيلها، وكذلك قل عن دنيا العمل بكل ~~جوانبها من صناعة وزراعة ومهنة وحرفة، فهذه كلها فروض تفرضها العقيدة ~~الموحى بها من السماء، وينبغي الجهاد في سبيلها. ويتوازى مع العقيدة ~~والجهاد في سبيلها بالعلم وبالعمل نشاط إبداعي في عالم الفن والأدب ~~ليحمل في طيه انعكاسات ما تموج به نفس المواطن العربي من هذا ~~كله. # على أن الآيات الكريمة حين أشارت إلى النفس الإنسانية في ترددها ~~بين السماء والأرض أشارت إلى ازدواجية تلك النفس بين فجور وتقوى؛ بمعنى ~~أن في فطرتها ما يمكن أن يميل بها نحو هذا وما يمكن أن يميل بها نحو ~~ذاك، وبهذا يقام المعيار الذي نميز به بين من حسنت تربيته ~~وثقافته وتعليمه، وبين من ساءت فيه هذه الجوانب، إذ ماذا يصنع المربي ~~فيمن يربيه، والمعلم فيمن يعلمه، وصانع الثقافة فيمن يتلقى ~~صناعته، ماذا يصنع هؤلاء إذا لم تكن حصيلة صناعتهم إنسانا يقوى فيه ~~الجانب المتجه به نحو التقوى بمقدار ما يضعف فيه الجانب المتجه به ~~نحو الفجور؟ وربما كان هذا الموضع من حديثنا هو المناسبة الصالحة ~~للفت الأنظار إلى حقيقة هامة شديدة الصلة بعصرنا، وهي أن ~~«العلم» محايد حيادا تاما بالنسبة إلى التقوى والفجور، أي إلى ما ~~فيه خير الإنسان وما فيه الشر للإنسان، وإنما يأتي الخير والشر نتيجة ~~لحسن استخدام ذلك العلم أو لسوئه؛ فالعلم في ذاته قوة وعلى الإنسان أن ~~يتزود منها ما استطاع ms052 أن يتزود، ثم تأتي التربية، وتأتي الثقافة ~~لتزرعها في الأفئدة إحساسا بالحدود التي تقيد استخدامنا لقوة العلم ~~التي اكتسبناها، فإذا كان العلم قد كشف السر عن ذلك المارد الجبار، ~~الذي هو تلك الذرة الشيطانية التي صغرت حجما حتى لتدق فلا ترى ~~بأعظم المجاهير، ولكنها انطوت على قوة تثير فينا الدهشة والذهول، فها ~~هنا يكون على العلم أن يستخلص قوانين ذلك المارد الصغير الكبير، ثم ~~يكون على التربية والثقافة من ناحية أخرى أن تبث القيم الإنسانية ~~في صدور الناس ليتعلموا متى وإلى أي حد يجوز ذلك الاستخدام، ومتى ~~وإلى أي حد لا يجوز ولقد نجح عصرنا في تحصيل العلم ونشره ولكنه فشل ~~في زرع الضوابط القيمية في الصدور. # الانحراف الذي يميل بأصحابه إلى تطرف إما إلى أعلى وإما إلى أسفل ~~مصدره دائما هو خطأ الظن بأن ثمة تنافرا بين السماء والأرض بحيث ~~تجمعهما مصلحة واحدة، فإذا رجحت كفة السماء خفت حتما كفة الأرض، ~~وإذا علا شأن الأرض وشواغلها انخفضت حتما شئون السماء، فلكم شهدنا ~~في أمور الحياة الجارية كيف أن المتطرفين في الدين وكذلك من كان ~~الاشتغال بالدين مورد أرزاقهم ومكانتهم بين الناس، كيف أن هؤلاء ~~جميعا يغارون أشد الغيرة على الدين، من أي نجاح يصيبه المشتغلون ~~بأمور هذه الدنيا علما وثروة وجاها، وغير ذلك مما لا يتصل ~~بالحياة الدينية اتصالا مباشرا كأنما الطرفان في رأيهم نقيضان لا ~~يجتمعان معا في نجاح واحد، فلقد سمع كاتب هذه السطور أستاذا جليلا ~~وهو يتحدث إلى جماهير الناس مستخفا بالعلم ونتائجه استخفافا ~~عجيبا، فلما كان حديثه دائرا حول أولئك الذين أتعبوا أنفسهم عبثا ~~ليصعدوا إلى القمر أمسك بمنديل من الورق أخرجه من علبة أمامه ورفعه ~~بيده ليقول، إن هذه الورقة أنفع من كل ما صنعوه في ذلك السبيل، وفات ~~الشيخ الجليل عندئذ أنه وهو يعلن هذا الرأي العجيب ربما كان حديثه ~~ذاك يذاع بواسطة قمر صناعي ليستمع إليه ثلث سكان الأرض في لحظة ~~واحدة ، والأقمار الصناعية هي إحدى النتائج الفرعية التي تفرعت عن ~~العمليات ms053 العلمية التي أدت بالإنسان إلى بلوغ القمر ليمشي على سطحه ~~بقدميه لأول مرة منذ خلق الله تعالى الكون وما فيه، وكذلك سمع كاتب ~~هذه السطور بأذنيه أستاذا جليلا يقول للناس في معرض حديثه عن عجز ~~الإنسان وقصوره، وكان العلماء في بلد من بلاد الأرض قد أذاعوا في قومهم ~~نذيرا بأن بركانا على أرضهم وشيك الانفجار، يقول للناس إن هؤلاء ~~العلماء قد ضلوا سواء سبيلهم حين ظنوا بأنفسهم القدرة على التنبؤ ~~بالغيب ... والأمثلة لا آخر لها، لما يقوله المتطرفون في الدين أو ~~المشتغلون به إذا ما نجح العلم في كشوفه ومغامراته، وهم يقولون ما ~~يقولونه غيرة على الدين من أن تحيط به شكوك؛ بسبب ما وفق إليه ~~العلم من رفع للأستار عن بعض السر المكنون في جنبات هذا الكون ~~العظيم، وعكس ذلك قائم عند بعض المشتغلين بالعلم، وذلك بالنسبة إلى ~~موقفهم إزاء الدين، فلأنهم يرون اختلافا شديدا في منهج الإنسان بين ~~الحالتين: حالة إيمانه الديني وحالة بحوثه العلمية، فبينما هو في ~~الحالة الأولى يؤمن أولا بما يؤمن به ثم يبحث ويحلل ذلك الذي آمن ~~به وذلك إذا كان من القادرين على البحث والتحليل والراغبين فيهما، أقول ~~إنه بينما الإنسان في حالة إيمانه الديني يؤمن أولا ثم قد يحلل ~~ويعلل ما قد آمن به، فإنه في حالة النظر العلمي يبدأ بالتحليل ~~والتعليل لعله ينتهي آخر الأمر بما يؤمن أنه صواب، وحين يشعر بعض ~~المشتغلين بالعلم بهذا الفارق المنهجي بين الحالتين تأخذهم خشية ~~الخلط بينهما؛ إذ ربما كان الخسار في هذا الخلط واقعا على العلم ~~وأصحابه. # والفريقان كلاهما: رجل الدين في غيرته على الدين من نجاح العلم، ورجل ~~العلم في حرصه على أن يسلم البحث العلمي من سرعة التصديق في نتائج ~~معينة قبل استيفاء البحث المدقق الغامض أقول: إن الفريقين كليهما ~~خاطئ في ظنونه، لأن لكل منهما جانبا يدير حوله اهتمامه، لكن ~~الجانبين معا يصنعان إنسانا واحدا ويصنعان كونا واحدا ويؤمنان ~~بإله واحد ، وكيف يكون ذلك؟ إنه يكون ويتضح أمام العقل وضوحا ناصعا ms054 ~~إذا نحن فرقنا - في كل ظاهرة مما نتناوله بالبحث والنظر - بين ~~«الفعل» و«المفعول». وخذ مثلا يوضح لك ذلك؛ يصاب الإنسان بجرح ~~فيشير عليه الطبيب بدواء؛ فيندمل الجرح، وهنا قد يقول رجل العلم (علم ~~الطب في هذه الحالة) إنه العلم ونجاحه فيخاف رجل الدين أن يكون في ذلك ~~القول انتقاص من قدرة الله فيحتج قائلا: بل هو الله سبحانه هو ~~الشافي: وسر الخلاف بينهما هو أنهما لم يفرقا بين «الفعل» ~~و«المفعول»؛ فالتئام الجرح مفعول أدى إليه الدواء، ولكن لماذا كان ~~لذلك الدواء «فعله»؟ لماذا تتصرف أنسجة الجلد بمثل ما تتصرف به حين ~~وضع عليها الدواء؟ قد يستسهل مجيب أن يجيب على ذلك بقوله إنها ~~«طبائع الأشياء» لكن المؤمن بالله يفضل أن ينسب ذلك «الفعل» إلى فاعل ~~هو الخالق جل وعلا الذي جعل للأشياء تلك الطبائع، إذن لا تناقض بين ~~رجل العلم هنا ورجل الدين، فالأول عني ب «المفعول» أي بالظاهرة التي ~~نتجت وأصبحت شيئا مرئيا للعين وأعني «الجرح» في هذه الحالة، ورجل ~~الدين اتجه بنظره إلى «الفعل» وفاعله. # فالعلم في كل ميدان من ميادينه يدير بحثه حول «الظاهرة» المعينة ~~التي هي موضع بحثه، ولا يفوتك هنا كلمة «ظاهرة» ومعناها، فالعلم ~~مجاله ما يظهر من حقائق الأشياء. # وأما ما وراء الأسطح الظاهرة من قوى تؤدي إلى ظهورها، فليس ذلك من ~~شأنه وهو في لحظة البحث العلمي، وانحصار العلم فيما «يظهر» أو في الذي ~~يمكن استدلال وجوده من ذلك الظاهر، أمر لا يشين العلم ولا يعيبه ولا ~~يؤخذ دليلا على عجزه، فعجزه أو قدرته إنما يكون داخل مجال اختصاصه ~~وهو «الظواهر» وقوانين العلم جميعا، إن هي إلا صيغ دقيقة تصاغ ~~برموز الرياضة أحيانا وبألفاظ من اللغة، وذلك بحسب مادة الموضوع ~~صياغة يراد بها أن يتنبأ الإنسان في دقة ما عساه يحدث في عالم ~~«الظواهر» إذا ما توفرت عوامل معينة، وواضح أن أية «ظاهرة» كالمطر، ~~أو الزرع، أو الريح، أو المرض، أو ما شئت، إنما هي «مفعول» تدركه ~~حواسنا لكنه نتج عن «فعل» خاف ms055 لا تدركه الأبصار فتؤمن به البصائر ~~والقلوب. # وأستجمع ما قلته ليصبح واضحا أمام القارئ: فلقد حاولنا أن نفهم ~~الحياة الثقافية أينما وقعت في ضوء «هيكل» نظن أن على أضلاعه ~~وركائزه يقام لتلك الحياة الثقافية بناؤها، وكان الهيكل الذي قدمناه ~~هو السماء في أعلى والأرض في أسفل والإنسان بينهما صاعدا هابطا بما ~~وضعه فيه خالقه من إرادة حرة الاختيار بين طيب وخبيث، فالسماء ~~هنا رمز للوقفة الدينية الإيمانية بكل ما يتفرع عنها من فروع، والأرض ~~رمز لها والكون كله معها، وذلك هو ميدان العلم والعمل، ثم زعمنا أن ~~الفرد من الأفراد أو الشعب من الشعوب أو العصر من العصور يأخذ طابعه ~~الثقافي من إحدى وقفات ثلاث إزاء هذا البناء الهيكلي: وقفة تميل نحو ~~السماء ولا تجعل للأرض قيمة إلا بالحد الأدنى، وأخرى تميل نحو هذه ~~الحياة الأرضية وما يلتف بها ولا تفرغ لما هو غيب إلا بالحد ~~الأدنى كذلك، ووقفة ثالثة تتوازن فيها الجوانب، وسبيل ذلك عندها هو ~~ألا تفهم السماء والأرض أو قل الغيب والشهادة أو إن شئت فقل الآخرة، ~~والأولى أقول إن الوقفة الثالثة لا تفهم أيا من هذه الثنائيات إلا ~~على أن كل واحدة منها هي حقيقة ذات طرفين، ويستحيل على الإنسان أن ~~يحيا أحد الطرفين إلا وهو موصول بالطرف الآخر فلا آخرة إلا وهي مسبوقة ~~بالأولى، ولا ظواهر يضعها العلم موضوع بحث إلا ووراءها غيب شاء لها أن ~~تظهر كما ظهرت ... وبهذا المقياس المكتمل الناضج المتمثل في الوقفة ~~الثالثة يكون حكمنا على حياتنا الثقافية في هذه المرحلة من تاريخنا، ~~وفي أية مرحلة سبقت خلال ذلك التاريخ. # لكننا ونحن بصدد الحكم على حياة ثقافية في إحدى مراحلها عند ~~شعب معين، وأذكر أن موضوع حديثنا هذا منصب في المقام الأول على ~~حياتنا نحن في مرحلتنا التاريخية هذه، أقول إننا إذا أردنا حكما كهذا ~~وأردنا لهذا الحكم أن يكون منصفا ما استطعنا وجب علينا النظر في ~~تفصيلات الجوانب المختلفة التي تتألف منها حياة الناس الثقافية، سواء ~~أكانت نزاعة نحو السماء ms056 أم نحو الأرض أم نحو التوحيد بين الطرفين. ~~ولكي تقدم صورة تبين تفصيلات حياتنا الثقافية الراهنة سعيا وراء حكم ~~منصف لها أو عليها أراني مضطرا إلى الاستعانة بهيكل بنائي آخر داخل ~~الهيكل الذي أسلفت الحديث عنه، وأما هذا الهيكل الفرعي الذي أحاول به ~~أن أضم التفصيلات الكثيرة في رسم قليل الخطوط فهو أن أدعوك لنتصور ~~سلما من ثلاث درجات وأقيمت على جانب السلم سنادة يستند إليها ~~الصاعد أو الهابط. # وأولى هذه الدرجات من أسفل تمثل المتفرقات الأولية التي يعرف كل ~~فرد قليلا أو كثيرا منها، فكل فرد يعرف شيئا عن السلع المعروضة في ~~الأسواق وأسعارها، وشيئا عن الأحزاب السياسية القائمة وصحفها، وشيئا ~~عن مدارس التعليم ومعاهده وجامعاته، وشيئا عن القرية والفلاح والأرض ~~الزراعية وما أصابها، وشيئا من الكرة ومبارياتها، وشيئا عن حياة ~~المرأة ومشكلتها بين القرار في البيت أو الخروج إلى العمل وهكذا ~~وهكذا؟ تلك المعارف المتفرقة عن هذا وهذا وذاك يكتب عنها ويذاع ~~ويتحدث عنها الناس بعضهم مع بعض، ومن هنا كان لكل فرد من أبناء ~~الشعب نصيب منها قل ذلك النصيب أو كثر. # تلك كانت أولى درجات السلم المعرفي من أسفل، فإذا كتب لك أن ~~تكون من الصاعدين إلى الدرجة التي تعلوها وجدت هناك بدل المعلومات ~~المتفرقة التي صادفتك في الدرجة الدنيا، علوما يحاول كل علم منها ~~أن يضم أشتات المتفرقات في قوانين عامة تضمها، فللاقتصاد قوانينه ~~العلمية، وللسياسة نظرياتها وللتعليم مناهجه، وللزراعة قواعدها العلمية ~~وهكذا. # ثم تصعد في السلم إلى الدرجة الثالثة والعليا وهي في حقيقتها درجة ~~تفعل في «علوم» الدرجة السابقة عليها ما كانت تلك الدرجة السابقة نفسها ~~قد فعلته في متفرقات المعلومات التي شهدتها الدرجة الأولى من أسفل ~~السلم، فكل درجة إنما تستخلص من سابقتها تصميمات توجزها ~~وتكشفها، فقد رأينا كيف عملت «علوم» الدرجة الوسطى على تقنين المعارف ~~المتفرقة التي حصلناها في الدرجة السفلى، وها نحن أولا، نقول ~~القول نفسه عن الدرجة العليا بالنسبة إلى ما دونها؛ إذ هي تستخلص من ~~قوانين العلوم ونظرياتها «وجهة ms057 نظر» عامة وشاملة، تبين حدود الرؤية ~~التي في إطارها نريد للإنسان أن يرى حياته في كل فرع من فروعها، وهذه ~~«الرؤية» العامة والشاملة هي من حياتنا بمثابة الدستور الذي تتفرع ~~عنه القوانين، ولهذا ترى الصاعدين إلى الدرجة الثالثة من درجات ~~السلم يشغلون أنفسهم بأفكار عامة، لا هي من صميم العلوم ولا هي من ~~صنف المعلومات المتفرقة، هي أفكار بمثابة الخرائط التي تبين طرق ~~السير أمام السائرين أو بمثابة المناظير التي تظهر للعين ما كان قد ~~خفي عليها من حقائق الأشياء، وتلك الدرجة الثالثة من درجات السلم ~~هي التي تجد عندها الفكر الفلسفي في معنى من معانيه أو قل تجد عندها ~~«الحكمة» التي من شأنها أن تحكم خطوات الإنسان على الطريق. # إلا أن تلك الدرجات الثلاث بكل ما اختصت به كل منها، إن تكن قد ~~لخصت لنا صورة لحياة المعرفة - في الفرد الواحد، وفي مجموعة الشعب - ~~تلخيصا أوضح معالمها، إلا أنها قد تركتنا ومعنا سؤال جائز، وهو هذا: ~~إذا كانت تلك هي صورة البناء المعرفي للإنسان، فبماذا - إذن - يختلف ~~شعب عن شعب؟ والجواب هو أن ثمة سنادة أو قل بطانة تقوم عليها «هوية» ~~الشعب الواحد، قوامها - عادة - مجموعة مختارة من المبادئ والقيم، وهي ~~التي مثلناها بسنادة (درابزين) في جانب السلم بدرجاته الثلاث، يستند ~~إليها الصاعد أو الهابط فمهما تكن الدرجة التي يقف عندها الفرد في ~~حياته، فهو يستند إلى محصول من المبادئ والقيم تبين منها الواجب ~~والجائز والممتنع والمصادر الأساسية التي يستمد منها تلك المجموعة ~~من المبادئ والقيم هي الدين والأدب والفن والتقاليد والأعراف. # ولقد تولت مؤسسات في الدولة أو في المجتمع العام أمر العناية بكل ~~درجة من الدرجات الثلاث ومعها السنادة التي يتكئ عليها الصاعدون - ~~سواء كنا على وعي بهذا التقسيم أو على غير وعي - فأما درجة ~~المتفرقات من المعلومات والمعارف فهي مهمة وزارة الإعلام بأجهزتها ~~المختلفة، إذن يكون أساس الحكم على عملها نجاحا أو إخفاقا هو: كم ~~يعرف متوسط الفرد من أبناء الشعب عن جوانب حياته؟ وأما الدرجة الوسطى ms058 ~~وفيها «علوم» تقنن المعارف المتفرقة، فشأنها موكول إلى وزارتي ~~التعليم العام والتعليم العالي، بما يتبعهما من مدارس ومعاهد وجامعات، ~~ويكون أساس الحكم عليها نجاحا أو إخفاقا، كم من «العلم» حصل ~~الطالب، وكيف جاء ذلك التحصيل؟ وأما الدرجة الثالثة من درجات السلم ~~وهي التي تتكون فيها للشعب وجهة نظره، ويضاف إليها جزء مما تؤديه ~~السنادة التي هي متكأ السائرين، فأمر ذلك هو لوزارة الثقافة إذن يكون ~~الحكم عليها بالنجاح أو بالفشل مؤسسا على ما أدته أو تؤديه في ~~خلق «رؤية» قومية موحدة، في إطارها يعلم العالمون ويسلك ~~السالكون. # وبعد الحكم على هذه الهيئات نجاحا وإخفاقا تضم معا في نسج واحد ~~هو نسج الحياة الثقافية التي نعيش اليوم في ظلها ننظر إليها خلال ~~البناء الهيكلي العام ذي الوقفات الثلاث بالنسبة للسماء والأرض ~~والإنسان بينها؛ لنرى أي وقفة منها تسود حياتنا، فنكون بهذه الأحكام ~~المؤسسة على منهج للنظر قد ألمحنا بالحقيقة كما هي واقعة؛ فإذا رأينا ~~بها خللا أصلحناه. # فإذا سألتني: وما أحكامك في هذا كله؟ أوجزت لك الجواب كما يلي: ~~وأبدأ بالهيكل الفرعي ذي الدرجات الثلاث وسنادتها، فأقول بأن الدرجة ~~الأولى من أسفل التي قلت عنها أنها في رعاية وزارة الإعلام وهي الدرجة ~~التي تعرض فيها على الناس معلومات متفرقة عن جوانب حياتنا؛ فظني ~~هو أن حصيلة الفرد المتوسط منها منقوصة ومشوهة، وعلة النقص والتشويه ~~فيها هي حرص المشرفين عليها أن يلتمسوا طريق السلامة والعافية فاجتنبوا ~~كل ما عساه يسيء إلى هذا ويؤذي مشاعر ذاك، وأما الدرجة الوسطى وفيها ~~«العلوم» النظامية بمدارسها ومعاهدها وجامعاتها فهي تخرج لنا - بصفة ~~عامة - شبابا كأنهم جسدوا بأشخاصهم «المذكرات» التي حفظوها، فلا ~~اكتمال ولا ابتكار ولا مغامرة ولا نقد ولا طموح، وأما الدرجة الثالثة ~~من درجات السلم التي تقع في رعاية وزارة الثقافة والتي كنا ~~نتوقع منها وحدة الرؤية ووحدة الهدف فلا أظن أننا في كل تاريخنا ~~الماضي قد تمزقنا بين عدة رؤى وعدة أهداف كما تمزقنا اليوم. وإني ~~لأشهد بأنه إذا كان في الهيكل جانب على ms059 شيء من السواء فهو في سنادة ~~المبادئ والقيم (من الوجهة النظرية)، فهذه تجد نصيبا موفورا من ~~التعبير عنها فيما يذاع وينشر من أدب وفن؛ فإذا نقلنا هذا كله ~~مجتمعا إلى الهيكل البنائي العام وجدتنا أبعد ما يكون الناس عن ~~الوقفة المتوازنة بين سماء وأرض بين دين ودنيا بين علم وعقيدة، ~~وأقرب ما يكون الناس إلى تطرف أصم وأعمى. # | لمسة الواقع # كان الوقت يوما من أيام الصيف، في سنة 1947، وكان المكان محطة ~~فكتوريا بلندن، حيث كنت عند نقطة البدء من طريق عودتي إلى مصر، ولم ~~تكن الطائرة يومئذ هي الوسيلة التي يلجأ إليها مسافر أول ما يلجأ، ~~وإنما كان الطريق المعتاد لمن يسافر من لندن إلى القاهرة، هو أن يأخذ ~~القطار إلى ميناء دوفر على الشاطئ الجنوبي من إنجلترا، ومن هناك يركب ~~سفينة تعبر به بحر المانش (كما يسمى بالفرنسية) أو بالخليج ~~الإنجليزي (كما يسمى بالإنجليزية) وكانت تلك السفينة تتجه إلى ~~ميناء كاليه على الشاطئ الشمالي من فرنسا، ومن هناك يكون القطار - أو ~~القطارات - إلى ميناء مرسيليا في الجنوب الفرنسي، وأخيرا يركب المسافر ~~إلى مصر سفينة تعبر به البحر الأبيض المتوسط إلى ميناء الإسكندرية ... ~~ففي ذلك اليوم حين كنت في محطة فكتوريا في ساعة مبكرة من الصباح، ~~كانت تلك هي نقطة البدء من طريق السفر إلى أرض الوطن، وعندئذ جاءني ~~يلهث موظف من مكتب البعثات المصرية. ومعه برقية وردت من مصر تقول: ~~يطلب من فلان المرور بباريس في طريق عودته، لحضور المؤتمر الفلاني ~~الذي تنظمه «اليونسكو». وفي مزيج من الدهشة والحيرة والفرحة، ~~عاونني ذلك الموظف على إلغاء إجراءات سفري لأعود إلى مسكني في لندن، ~~مستأذنا صاحبته في إقامتي يوما آخر، أعددت فيه نفسي إعدادا ~~جديدا، لأرسل إحدى حقيبتي الاثنتين شحنا إلى القاهرة، ولأضع في ~~الأخرى ما يلزمني من ثياب وغير ثياب في أيام إقامتي بباريس. # علمت عند أول وصولي إلى باريس أن الموضوع الأساسي في المؤتمر هو عن ~~«الثقافة »: أهي ثقافة واحدة للإنسان أيا كان موطنه؟ أم هي ثقافات ~~تتعدد بتعدد ms060 الشعوب والأوطان؟ والحق أن تلك كانت أول مرة أسمع فيها ~~بمشكلة كهذه، وذلك أني كنت حتى ذلك اليوم، على يقين ثابت بأن ~~الحضارة الأم هي في كل عصر حضارة واحدة، يفرزها من هو في ذروة السلطان ~~الفكري بين الشعوب، ومن تلك الحضارة الأم في عصر معين، تنبثق أشعة ~~تضيء أرجاء العالم بدرجات تتفاوت بتفاوت قدرات تلك الأرجاء، ومع ~~الحضارة الأم تقوم ثقافتها، وأظن أن الفرق واضح بين المعنيين: ~~فالحضارة هي المنشآت والنظم، وأما الثقافة التي تصاحب تلك الحضارة ~~فهي الجانبان الفكري والوجداني اللذان يؤثران في تشكيل تلك المنشآت ~~والنظم، ثم يعود فيتأثر بها، كانت الثقافة العربية الإسلامية هي ~~الثقافة - من فكر ووجدان - التي تولدت عنها حضارة عربية إسلامية لها ~~منشآتها ونظمها التي تحمل طابعها. # ثم عادت تلك النظم والمنشآت بدورها لتؤثر في ترسيخ الطابع المميز ~~لتلك الثقافة وتعميقه، ومن ذلك المصدر العربي الإسلامي، انبثقت الأشعة ~~في سائر الأرجاء، فلما مالت شمسها نحو غروب، كانت الظروف التاريخية ~~في سبيلها إلى إقامة مصدر جديد، هكذا كان الرأي عندي يوم حضرت مؤتمر ~~باريس سنة 1947، وهو أن المصدر الحضاري الثقافي واحد في كل عصر من عصور ~~التاريخ، فثقافة واحدة تقترب منها أو تبتعد عنها سائر الثقافات، ~~وكذلك حضارة واحدة للعصر الواحد، فلما وجدت السؤال مطروحا: أهي ~~ثقافة واحدة للجميع، أم هي ثقافات تختلف باختلاف الشعوب؟ لم يكن لي ~~بد من التفكير العميق في طبيعة هذه المشكلة لأرسم لنفسي طريق السير ~~في مناقشات المؤتمر. # فما هو المقصود بواحدية الثقافة أو تعددها؟ إن اللغة - مثلا - هي ~~في صميم البناء الثقافي، فهل يعقل أن تعني واحدية الثقافة واحدية ~~اللغة التي يستخدمها العالم أجمع؟ وإذا كان الجواب بالنفي، تبع ~~تعدد اللغات تعدد الآداب من شعر ونثر ... وعلى هذا الغرار يمكن ~~السؤال عن واحدية الفن وواحدية العرف الاجتماعي والتقاليد وغير ذلك ~~مما يكون مقومات ذلك الشيء الذي نسميه «الثقافة» عند شعب من ~~الشعوب، إذن فالتعدد الثقافي بديهية تفرض نفسها، إلا أنك سرعان ما ~~تلح عليك فكرة أخرى، لا تلغي ms061 ذلك التعدد الذي ذكرناه، بل ~~تجاوره، وهي أن نوعا من الواحدية الصورية لا بد من قيامه بالنسبة ~~للجميع في العصر الواحد، وذلك لأن العصر المعين - عادة - يدور حول ~~محور رئيسي، كالدين أو الفن أو العلم، وذلك المحور الواحد البارز هو ~~الذي يشع في شتى الجهات ليحدث في الناس أينما كانوا، نقطة ~~التقاء مشتركة في الذوق العام، فإذا كان المحور الأساسي هو العلم ~~التكنولوجي - مثلا - كما هي الحال في عصرنا، أخذ كل شعب على وجه ~~الأرض من ذلك الاتجاه بنصيب. بل أخذ كل فرد رشيد من أفراد شعب بنصيب ~~من إشعاعات ذلك المحور ونتائجه المادية والعقلية على حد سواء. # بهذه الخطوط العريضة حددت موقفي في مؤتمر باريس ... بالنسبة إلى ~~السؤال المطروح: فكان الجواب المبدئي عندي على ذلك السؤال هو: إنها ~~ثقافات تتعدد شكلا وروحا، لكنها كذلك تتحد في جذر من جذورها، ~~وهو ذلك الذي يعكس روح العصر ممثلا في حضارته الأم، وما يسبقها ~~ويلحقها من ثقافة تلائمها، وتلك الحضارة الأم في عصرنا هي حضارة ~~الغرب، ومحورها الرئيسي هو العلم وما يتصل به من منهج النظر، وبهذه ~~الثنائية المعيارية تحدثت وضربت الأمثلة، فإذا أردنا الحكم على ~~الثقافة الهندوكية في عصرنا - مثلا - قبلنا جوانبها الأصيلة في ~~الموسيقى والتصوير والنحت، ورفضنا تقديس البقر، وإذا أردنا الحكم على ~~الثقافة العربية في صورتها الراهنة، قبلنا فنونها وأدبها وتصورها ~~الديني، ورفضنا تواكلها ورفضها للروح العلمية في منهاج النظر. وهكذا ~~تحدثت في ذلك المؤتمر على نحو شد انتباه الحاضرين. # ولقد حدث لي - بمحض المصادفة - أن جلست مع عضو بريطاني من أعضاء ~~المؤتمر، وأخذنا نتحدث حديثا حرا، قد يمس شئون المؤتمر من قريب ~~أو بعيد، وقد لا يكون ذا صلة بالمؤتمر وشئونه، وفي غضون هذا الحديث، ~~قال محدثي إنه قد استخلص من كلامي وطريقة سلوكي، أنني رجل يصب ~~اهتمامه على «الأفكار» ولا يوجه اهتمامه إلى «الأشخاص» وصمت قليلا، ~~ثم قال: إنك تحيا داخل رأسك في فكر أكثر جدا مما تعيش مع سائر الناس ~~في واقع، فكانت تلك اللمحة التصويرية ms062 عن شخصيتي، جديدة علي كل الجدة، ~~إذ لم أكن قد فكرت قبل ذلك قط في عناصر شخصيتي، ولو كنت قد فعلت ~~فربما لم أكن لأقع على هذه الصورة. على أني منذ تلك اللحظة شغلت ~~بالأمر، رغبة أكيدة مني في معرفة نفسي على حقيقتها، وكان من أهم ما ~~عرض لي أثناء انشغالي بذلك التحليل، هو أني ذات لحظة سألت نفسي ~~قائلا: إذا صدق محدثي ذاك في تصويره لشخصي، أفتكون الصورة مقصورة ~~علي وحدي؟ أم هي - يا ترى - صورة تمثل، بوجه عام، شخصية العربي ~~و«المصري بالتالي» أينما رأيته؟ ومنذ تلك اللحظة تحولت القضية عندي ~~إلى مشكلة، تعترضني كلما فكرت في تحليل الوقفة العربية، وأحسبني قد ~~انتهيت آخر الأمر، إلى أن «العربي» يحيا في رأسه أكثر جدا مما يحيا ~~في الواقع الذي يحيط به، وحتى لا يدهش القارئ لحكم كهذا، أسرع ~~فأنتبه بأن «الكلام» بضاعة تتعلق بالرأس، قبل أن تكون موصولة بواقع، ~~فربما دارت الألسنة في الأحلاق بسيل وراء سيل من الكلام دون أن تكون ~~في ذلك الكلام قوة تقلقل حجرا واحدا من موضعه على أرض الواقع، وبعد ~~هذا التوضيح، أعود فأقول إنني خلال تفكيري فيما قاله عني ذلك ~~المتحدث؛ وسعت السؤال لأسأل: ألا تكون هذه سمة من سمات الشخصية ~~العربية؟ إنها إذا كانت نكون قد وضعنا أصابعنا على مفتاح لما ينبغي ~~أن نؤديه في سبيل تغيير الثقافة العربية وتحديثها. # لكن لا بد من التفرقة بين حالتين لابتعاد الإنسان عن تفصيلات ~~الواقع، إحداهما مشروعة وضرورية لأي تفكير علمي مهما كان ميدانه، ~~والأخرى مرفوضة لأنها أقرب إلى الهذيان. فأما الحالة الأولى المشروعة ~~والضرورية، فهي تلك التي يستخلص فيها الإنسان أحكاما عامة من ~~التفصيلات الجزئية التي تجري بها الحياة اليومية على أرض الواقع، وإذا ~~قلنا ذلك فقد قلنا إن من فعل ذلك قد ابتعد عن وقائع الحياة، لكنه لم ~~ينفصل عنها، فافرض - مثلا - أننا قلنا عن الإنسان العربي إنه ذو ~~أنفة وكبرياء ، شديد الميل إلى إكرام الضيف ونجدة الملهوف، فهذا قول ~~فيه تعميم لما يجري ms063 في حياة الناس، والناس أفراد: إبراهيم وعمر وزيد ~~وخالد، والتعميم لا يذكر أحدا بذاته من هؤلاء، كلا ولا يذكر موقفا ~~بذاته مما قد مورست فيه صفات الشمم والكبرياء وإكرام الضيف، بل إن أي ~~تعميم لا بد أن يعلو على تلك الأفراد والمفردات، ليصوغ في عبارته ~~العامة ما هو مشترك بينها، لكنه برغم ابتعاده عن جزئيات الواقع، فإنه ~~يستطيع أن ينزل إليها ليذكرها إذا ما طلب منه أن يبين الشواهد على ~~صدقه، وأحسب أنني فيما أكتبه من أفكار مجردة، إنما أتحرك في تعميمات ~~من هذا القبيل، وهو أمر لا مناص منه في أي تفكير ينزع منزع العلم، ~~وأحسب كذلك أن ذلك العضو البريطاني في مؤتمر باريس الذي لاحظ على شخصي ~~بأنه موجه الانتباه إلى «الأفكار» التي في رأسه، وليس إلى «الأشخاص» ~~من حوله، كان يقصد فيما يقصد إليه ذلك الضرب العلمي من الارتفاع عن ~~تفصيلات الواقع، الذي يظل في الوقت نفسه على صلة ضمنية بذلك الواقع، ~~يعود إليه إذا ما اضطر إلى العودة إليه للمراجعة أو لذكر الشواهد على ~~صدق ما يذهب إليه. # وأما الحالة الثانية من الابتعاد عن الواقع، وهي الحالة التي زعمت ~~بأنها قد أصبحت خاصة من خصائص الثقافة العربية في تاريخها الحديث ~~والمعاصر، فهي حالة فيها «انفصال» عن وقائع الحياة الجارية، فسيل ~~الكلمات الذي يتدفق من الأفواه، أو تجري به الأقلام، كثيرا جدا ما ~~يجيء مبتور الصلة بحقائق الدنيا كما هي حادثة وواقعة؛ ولذلك ~~فكثيرا ما تباغتنا الأحداث الجسام دون أن نكون منها على قليل أو ~~كثير من تدبر وتوقع وحساب. والعجب أنك إذا وجهت أنظارهم إلى ما يسود ~~شعوب الغرب وحكوماته من تدبير وتخطيط وتحديد للأهداف ورسم للوسائل، ~~أجابوك في استعلاء بأن ذلك لأن تلك الشعوب مادية تنشغل بالدنيا ~~وأمورها ولا يعمر قلوبهم إيمان كالإيمان الذي يعمر قلوبنا. فإذا كنت ~~قد أسلفت القول بأن مثل هذه الغيبوبة العقلية تضع أصابعنا على موضع ~~أساسي من مواضع القصور والضعف، مما ينبغي الإشارة إليه لمعالجته ~~وتعديله ابتغاء تطوير الثقافة العربية ms064 وتحديثها، فإنما قصدت بذلك تلك ~~الحالة الثانية التي «تنفصل» عن أمور الواقع، وليس الحالة الأولى التي ~~«ترتفع» عن الواقع بتجريده وتعميمه، دون أن تنفصل عنه. # إننا إذ نريد للثقافة العربية أن تسودها لفتة إلى دنيا الواقع، ~~تنزلها من السطح في عالم الوهم واللغو، بالكلمات، فإنما نريد لها ما ~~تمليه الفطرة السلمية على كل كائن حي، إنسانا وغير إنسان، فليس ~~توثيق الصلة بوقائع الأرض، هو الذي يحتاج إلى عزيمة الإرادة، بل إنه ~~الانفصال عن مجرى الواقع المحيط بنا، هو الذي يحدث بعزيمة من صاحبه، ~~يلجم بها نفسه كما نلجم الجواد لتجمد حركته، وفي هذه المناسبة أذكر ~~مثلا ساقه مفكر في العصور الوسطى من التاريخ الأوروبي هو «بوريدان» ~~في سياق حديثه عن إرادة الكائن الحي وكيف تختار بين البدائل المعروضة، ~~وكان المثل الذي ضربه، حمارا جائعا علقت أمامه حزمتان من الدريس، ~~إحداهما إلى يمينه والأخرى إلى يساره، وروعي أن تكون المسافة بين كل ~~من الحزمتين وبين الحمار متساوية تماما، كما روعي كذلك في الحزمتين ~~أن يتساويا حجما ليكون السؤال بعد ذلك هو: هل يستطيع الحمار أن يتحرك ~~نحو إحدى الحزمتين ليأكل؟ وإذا استطاع ذلك فكيف استطاعه؟ وما الذي ~~يدفعه إلى الحركة إلى حزمة اليمين دون حزمة اليسار أو إلى حزمة اليسار ~~دون حزمة اليمين؟ إنه إذا كان الاختيار دائما مؤسسا على مبررات، ~~فليس عند الحمار مبرر يسوغ له الحركة إلى إحدى الجهتين دون ~~الأخرى، مما نتوقع له أن يصيب الحمار جمود عن الحركة فالموت جوعا، ~~ويعرف هذا المثل في الكتب باسم «حمار بوريدان» ... لكن إن كان ذلك هو ~~نوع التفكير الذي يلغو به إنسان في عصر من عصور ضعفه، فالحمار على ~~الطبيعة أعقل من ذلك، لأن فطرته وحدها كفيلة له أن يتحرك بلا تردد ~~نحو إحدى الحزمتين ليأكل مهما يكن من أمر التساوي في المسافة والحجم ~~والشكل، فهذه لجاجات إنسان جفت الحياة في شرايينه، ولم يبق له إلا ~~أن يهذي بكلام فارغ، ينفصل به عن حرارة الحياة الصاحية ~~الواعية. # إن دنيا الواقع ms065 بكائناتها الحية وأشيائها الجامدة، متحركة أو ثابتة، ~~هي حقائق لها طبائعها وخصائصها، وهي في الوقت نفسه دنيانا التي نعيش ~~فيها، ومحتوم علينا، ونحن نتعامل مع تلك الحقائق أن نأخذ في اعتبارنا ~~أنها موجودة، ومعها تلك الطبائع والخصائص، ولن يزول وجودها لمجرد أننا ~~قد غضضنا عنها أبصارنا وازدريناها، فلا بد من التعامل معها وبها، ~~تعاملا يلائمنا لننتفع بها بل ولنغير منها ما نريد تغييره ~~استنادا إلى علمنا بما نتميز به من طبائع وخصائص، إن الذي يجيد ~~سياسة الجياد هو الذي يعرف طبع الجياد، لكن ثقافتنا الأصيلة تحتوي على ~~ترفع عن «الواقع» كأنما معايشة بواطن نفوسنا تكفي وحدها لاجتلاب ~~القوة والمعرفة وكرامة الإنسان. ولا يفوتنا في هذا المقام أن نقارن ~~الكلمة العربية «واقع» التي نشير بها إلى ما هو كائن في محيط الأشياء ~~من حولنا، أن نقارنها بنظيرتها في لغات الغرب، وهي «ريالتي» (ومعناها ~~الحرفي «الأشياء») لنرى أن في الاسم العربي ما يشير إلى الوقوع من ~~أعلى إلى أسفل، أو الأغلب، وليست من ذوات الروح، في حين أن الاسم غير ~~العربي يشير إشارة محايدة، فلا صعود ولا هبوط بل هي «أشياء» وكفى، ~~نتعامل معها وبها على النحو الذي تمليه علينا ضروراتها. # واكتساب الناس قدرة الحس «بالواقع» ليس هنة هينة، بل هو أمر يحتاج ~~إلى تربية للنشء منذ الصغر على لفتة خاصة لما حولهم، وحتى في بلاد ~~الغرب المتقدمة، قد يشطح التفكير المجرد ببعضهم إلى اتخاذ موقف نظري ~~يتغاضى عن الواقع، لكن قوة الرأي العام الثقافي سرعان ما ترده. ~~وتحضرني الآن حادثة طريفة في تاريخ الفكر الإنجليزي ... وقد ذاع أمرها ~~لشدة طرافتها وبساطتها مع قوتها إلى حد أنها كثيرا ما ترد في ~~أكثر المؤلفات الفلسفية وقارا، وهي حادثة وقعت بين الدكتور جونسون ~~الذي لا نبالغ إذا قلنا عنه إنه كان في دنيا الثقافة والأدب في ~~بلاده، إبان القرن الثامن عشر، وبين مرافقه «بوزويل» الذي سايره ~~مسايرة الظل لصاحبه، وكانت الجلسة اليومية لجونسون في مقهى بلندن ومعه ~~«بوزويل» ومن جاء من المريدين، وفي عهدهم ms066 ذاك، كان على رأس الفكر ~~الفلسفي في إنجلترا الفيلسوف «باركلي» الذي جاءت فلسفته على شيء كثير ~~من الشذوذ بالنسبة للمعروف المألوف عن مسار الفكر الإنجليزي، فبينما ~~المسار العام هو أن تستند أية فكرة، مهما كان موضوعها، على رصيد ~~حسي من كائنات الواقع، جاء «باركلي» ليبني فلسفته على أن ذلك الواقع ~~نفسه لا سبيل إلى بلوغه أذهاننا إلا أن يتحول من واقعيته المادة ~~ليكون «فكرة»، إذن، فليس لدى الإنسان من دنياه إلا «أفكار» في رأسه، ~~فدار النقاش ذات يوم بين «جونسون» و«بوزويل» إذ هما جالسان في المقهى ~~المذكور مع سائر الرفاق، حول ذلك، الذي كان يكتبه «باركلي» عن إنكار ~~الواقع المادي، تحويلا له إلى أفكار في رءوسنا، فلم يكن من جونسون إلا ~~الرفض، فسأله «بوزويل» قائلا: ولكن ما وسيلتك إلى دحض حجته؟ وكان هناك ~~حجر ضخم على الأرض أمامهم؛ فرفس جونسون الحجر بقدمه، قائلا: «هذه هي ~~وسيلتي لدحض حجته.» أي إن وجود الواقع المادي في شتى كائناته لا ~~يحتاج إثباته إلى حجة نظرية، لأنه يصدم أجسادنا بصلابة وجوده. # والذي يلفت النظر بالنسبة إلى مناخنا الثقافي العام، مصريا كان ~~بصفة خاصة، أم كان عربيا بصفة عامة، هو أنه لا اتساق بين مواقفنا ~~العينية في مجرى حياتنا اليومية، وبين موقفنا من حيث «الرؤية» العامة ~~لما يجب أن يكون عليه الإنسان في وجوده الدنيوي؛ فبينما نحن في ~~المواقف الحياتية الجزئية على صلة وثيقة بالأشياء وطبائعها، ترانا في ~~تصورنا للمثل الأعلى نحث أنفسنا على الترفع عن تلك الأشياء ~~وكأنها دنس ونجاسة! فالمصري «مزارع» متمرس يعرف أسرار أرضه وأسرار ~~زرعه، لا معرفة مضببة بالغموض، بل هي معرفة بالحقائق الواقعية في ~~تفصيلات تفصيلاتها، ولم تكن تلك حالته في قرن واحد من الزمان أو ~~قرنين، بل هي حالته خلال دهر يقاس بعشرات القرون، فكيف يعقل وحالته ~~هي هذه في ملامسة الأرض ومعايشتها؛ يمسي معها ويصبح معها، ومع ذلك ~~إذا فرغ من عمله، وخلا إلى نفسه تعلق بمجردات، لا هي من نبات هذه ~~الدنيا، ولا هي بقادرة على رصف ms067 الطريق في هذه الحياة أمام السالكين؟ ~~فإذا توجهنا بالنظر إلى «العربي» - مصريا وغير مصري - غلبت علينا ~~الصحراء وبداوتها، وهنا أيضا يأخذنا العجب من تناقض نراه بين ~~مواقفنا العينية في حياتنا اليومية الجارية، وبين الإطار النظري الذي ~~نقيم فيه تصوراتنا عن المثل الأعلى، فالبدوي قد اضطرته حياة البداوة ~~أن يكون مرهف الحواس لتفصيلات العالم المحيط به، إنه يجيد مراقبة ~~النجوم، لأنها هي مصابيحه وهو مسافر عبر الفلاة، ويجيد النظر إلى ~~تفصيلات الطريق، بحقائق نجاده ووهاده، وهو يعلم أين يتجه لينتجع ~~بإبله وغنمه، إلى حيث الماء والعشب، إنه يعرف جيدا متى تهب الريح ~~ومن أين، سواء أكانت حارة تتقى أم باردة ترتقب، وأعجب من هذا أن ~~من أميز ما يميز الشعر العربي، تلك اللقطات الحسية الدقيقة، مما عسى ~~أن تراه العين أو تسمعه الأذن، وكل هذه شواهد على أن العربي البدوي ليس ~~بغافل عن دقائق ما حوله، لكنه إذا خلا إلى نفسه في ساعات تأملاته، ~~تعلق خياله بمجردات يتنصل بها من رجس هذه الدنيا في واقع كائناتها ~~وأشيائها. # وليست المؤاخذة هنا منصبة على أن العربي، مدفوعا بثقافته ~~الأصيلة، يلوذ بصورة مجردة تمثل له الحياة كما كان ينبغي لها أن ~~تكون، كلا، لأن ذلك من علامات الصحة لا من علامات المرض، إذ لا مجال ~~لشك عند عاقل، بأن الحياة المكبلة بقيود الواقع كما يقع، لا بد أن ~~يصيبها نقص كثير أو قليل، لما يعلق بها من عناء الطريق ومن غبار ~~العواصف، فمن الخير أن يلوذ المتعب بواحة يستريح إليها، تتحقق فيها ~~صورة الحياة في كمالها، حتى ولو كانت تلك الصورة من محض الخيال، لكن ~~موضع المؤاخذة في البناء الثقافي في حياة العربي هو ميله إلى التعامل ~~مع الواقع بأطراف أصابعه، محاولا أن يتنصل من العيش فيه، كما يتنصل ~~الإنسان من وزر اقترفه وأسف على اقترافه، ومفاخرته بأنه إنما ~~يحيا للروح ومعانيها ومراميها وخلودها، لا لهذه الدنيا بمائها وهوائها ~~ونارها وترابها، والوقفة الصحيحة هي أن نسد الفجوة بين الطرفين، ~~فليست الأرض وما عليها من ms068 صنع الشياطين بل هي مخلوقة لله سبحانه ~~وتعالى، لا تختلف في ذلك عن السماء ومصابيحها. ولو أننا ترفعنا عن ~~الأرض وما تحمله فوق ظهرها أو في أحشاء بطنها، لما بقيت أمامنا ~~سبيل لنكون مستخلفين فيها بأمر من الله جل وعلا، بالعمل وبالتعمير ~~وبمعرفة الله عن طريق معرفتنا لما خلق، أرضا كان هذا الخلق أو سماء أو ~~ما بين أرض وسماء. # إننا لو حللنا وقفة العربي إزاء عالم الأشياء والأحداث الواقعة في ~~محيطه، وجدنا لنا وقفة من يخرج من رأسه تصورا يختاره من مخزون ~~تصوراته، ليلقي به على تلك الأشياء أو الأحداث، ثم يحاول بعد ذلك أن ~~يقيم تصرفاته على هذا الأساس، فإما انصاعت له دنيا الواقع ~~بالمصادفة، وإما تأبت عليه وعاندت. وقد كان الأصوب والأسلم والأدنى ~~إلى النجاح، أن يبدأ بدراسة ما يقع حوله دراسة تفصيلية ثم يبني على تلك ~~الدراسة خطة العمل، إلا أن مثل هذا المنهج في رسم خطة السير، يحتاج ~~إلى تدريب منذ النشأة الأولى، لأنها هي نفسها الخطة التي تمليها ~~النظرة العلمية المستندة إلى حقائق الواقع، فللتفكير طريقان، لكل طريق ~~منهما مجاله الذي يصلح له، طريق يبدأ سير التفكير فيه من داخل الإنسان ~~فخروجا إلى الأشياء، وطريق ثان يبدأ فيه السير من الخارج حيث الأشياء ~~قائمة كما هي قائمة، فدخولا إلى الداخل، ويكون الطريق الأول أصلح ~~للسير، عندما يكون الرأس قد ثبت فيه بالفعل أفكار ومعتقدات من حيث ~~يدري صاحبه ومن حيث لا يدري، وكثيرا جدا ما يجيء الزلل من أن ~~المخزون الفكري قد بث في الإنسان أيام أن كان أصغر سنا وأقل قدرة ~~على تحليل ما يتلقاه من الآخرين ونقده، ولذلك كان من الطبيعي في ~~البلاد ذات التاريخ الطويل الذي حمل إليها على أمواجه عبر الزمن ثقافة ~~قديمة، دون أن تتعرض لنهضات فكرية تحدث فيها بعثا فكريا جديدا، ~~أن تجد «المثقف» فيها هو من «حفظ» في ذاكرته مجموعة ضخمة من مأثورات ~~أسلافه، وبهذا «المحفوظ» تراه يدخل في عالم الأشياء والأحداث، دخول من ~~جاءنا ومعه الأحكام ms069 مسبقة وجاهزة يفصل بها بين المقبول والمرفوض، ~~ويقيس بها الصواب والخطأ، ويرسم على أساسها خطة سيره وهو في سبيله إلى ~~مواجهة الحياة ومشكلاتها، وذلك كله قبل أن يتناول تفصيلات الموقف ~~المحيط به ليعلم منها ماذا يصلح لها وماذا لا يصلح. # ولا كذلك شعب حديث التكوين، أو شعب قديم في التاريخ لكنه نهض واستيقظ ~~فوعى حقائق الدنيا في طورها الجديد، ففي كل من هاتين الحالتين، ~~ينعكس طريق السير، فبدل أن يبدأ الإنسان من داخل نفسه، حيث المحفوظ من ~~المأثور على أسلافه، مما بدأ في حفظه منذ طفولته، أقول إن الإنسان ~~الناهض الواعي لما هو جديد، بدل أن يبدأ طريقه الفكري من محفوظاته، ~~يجعل نقطة البدء على أرض الواقع ذاته، ولا أحسبني مسرفا في القول إذا ~~زعمت أن صميم النهضة الأوروبية التي أخرجت الغرب من عصوره الوسطى ~~اللاعلمية في نظرة الناس إلى حياتهم ومشكلاتها، وإلى ظواهر الكون ~~وفهمها وتقنينها، كان في مثل هذه النقلة الفكرية التي أشرت إليها ~~وأعني أن يبدأ طريق التفكير من دراسة الوقائع هناك على ظهر الأرض، ~~المرئي بالعين المسموع بالأذن، فدخولا بحصيلة الدراسة إلى داخل ~~الإنسان، حيث الإرادة في اختيارها الحر، وفي عزيمتها الماضية، فتقرر ~~ماذا هي صانعة بذلك الواقع الخارجي المدروس: أنتركه على حالته إذا كان ~~نافعا؟ أم نغيره أو نمحوه محوا إذا كان مرفوضا؟ أقول إن صميم ~~النهضة الأوروبية التي أخرجتها من عصورها الوسطى، هو أن الفكر في الغرب ~~أخذ يبدأ طريقه من دراسة الواقع، بعد أن كان في مثل الحالة التي ~~يحياها الفكر العربي حتى اليوم، وهي أن تبدأ رحلته من مأثورات مما ~~قاله السلف، محفوظة ومحفورة في الذاكرة بمسمار، فخروجا بذلك المأثور ~~الموروث المحفوظ إلى عالم الأشياء ليطرح عليها ظله، حاسبا بذلك أن ~~الظل سيقوى وحده على زحزحة الجبال! ~~... قال السامع: اضرب لي مثلا لهذه الصورة التي زعمتها عن الفكر ~~العربي في يومنا هذا. فأجبته قائلا: ترى هل تكفيك - يا ترى - المشكلة ~~العربية التي أنساها قيام إسرائيل: كيف عالجتها الأمة العربية؟ فلقد ~~مضت أربعون ms070 عاما، ولك أن تنظر ماذا صنع كل من الجانبين: الجانب ~~المقتحم المعتدي، والجانب المعتدى عليه، علما بأن إسرائيل هي ~~«الغرب» في صورة مصغرة، ووراءها يؤيدها الغرب الكبير في أمريكا ~~وأوروبا؛ فنحن في هذا أمام موقف فيه اعتداء من ناحية، ومقاومة للعدوان ~~من ناحية أخرى، وهمنا الآن هو أن ننظر إلى ناحيتنا لنرى ماذا صنعنا ~~في أربعين عاما من المقاومة؟ لقد انتهينا إلى وطن عربي تمزقت ~~أجزاؤه كما لم تتمزق في أي وقت مضى من تاريخها. فهل كان يمكن لهذا ~~التجزؤ أن يحدث لو أن الغرب يحبون ثقافة تدرس خارج جلدها، لتكون على ~~استعداد من داخلها على مقابلة الضربة بضربتين؟ ولقد شاء الله سبحانه ~~أن يبلونا لنتبين حقيقتنا أمام الأزمات، فأنعم على الأمة العربية وهي ~~في قلب محنتها بسلاح سائل كان يستطيع أن يحدث غصة في حلوق ~~الأعداء يشرقون بها حتى يطلبوا منا النجدة، فكان في أيدينا ساعتها أن ~~نبيع ونشتري حتى تزول عنا الغمة، لكننا لم نصدر في أفعالنا عن ~~دراسة موضوعية للواقع، واتجهنا بأبصارنا نحو أجوافنا نخرج منها ~~مكنونها؛ فبدأت حرب كلمات حتى اختنقنا نحن بكلماتنا وتمزقنا في ساحة ~~الحرب الكلامية هذه شيعا وأحزابا، في حين أخذ المعتدي ينظر إلى ~~حقائق ذلك الواقع الأليم ويدرسها ويقيم على الدراسة الواقعية أسبابا ~~للقوة فوق أسباب. # قال السامع: وماذا تريدنا أن نصنع؟ # قلت: أريد أن نعكس اتجاه السير، فنبدأ طريقنا بلمسة الواقع. # | صورة جديدة لأفكار قديمة # هن أفكار ثلاث كانت للإنسان - ولم تزل - هي كبرى قضاياه، فتذهب به ~~الأيام وتجيء. وهو عندها، يغزلها خيوطا وينسجها ثيابا، فإذا تبدلت ~~عصوره واحدا بعد واحد، تبدل معها، فبعد أن كان في عصر مضى يغزل ~~خيوطه من هذه قبل تلك تراه، وقد جاءه عصر جديد، يغزلها من تلك قبل هذه، ~~فالأفكار الثلاث جميعا هي محاوره التي يدور حولها، لا غناء له عنها ~~مجتمعة وفرادى، وذلك لأنه لا يصطنعها اصطناعا، ولا يتكلفها أو ~~يدعيها لأنها صادرة له عن فطرته، ولا حيلة له في فطرة صنعت له ولم ms071 ~~يصنعها لنفسه، وأما تلك الأفكار الثلاث، التي تلازمه ما نبض له قلب ~~وتنفست رئتان، فهي فكرته عن إله خلقه وسواه، وفكرته عن كون يعيش ~~فيه، وفكرته عن نفسه. وحول هذه الأقطاب الثلاثة تدور به الرحى: دينا ~~وعلما وأدبا وفنا. ومما يقوله ويؤمن به عن تلك الميادين الثلاثة. ~~في عصر معين من عصور تاريخه، ينسج له نسيج، هو الذي يقول عنه في ~~ذلك العصر المعين إنه «ثقافته». # لكن الإنسان في دورانه حول تلك الأقطاب الثلاثة، تتغير وجهة نظره ~~في ترتيبها، فمن أيها يبدأ؟ وإلى أيها ينتهي؟ # على أن مدار الحكم هنا لا يكون الأولوية «في القيمة». وإنما تكون ~~الأولوية لمنطق السير في تتابع خطواته، وتشبيه ذلك أن تكون ذاهبا من ~~منزلك إلى المسجد، فتختار هذا الطريق مرة لأنه أقصر ويناسب وقتك ~~الضيق، ثم تختار ذلك الطريق مرة ثانية لأنه أهدأ، وقد تختار طريقا ~~ثالثا في مرة ثالثة، لتمر في طريق عودتك على صديق مريض تعوده، ومن ~~هذا القبيل ما يحدث حين تأخذ الإنسان حيرة، في هذا العصر أو ذاك بأي ~~الأفكار الثلاث يبدأ وبأيها ينتهي؟ أيبدأ من فكرته عن خالقه وخالق ~~الكون معا، بمعنى أن يوجه اهتمامه الأول والأكبر إلى ما قد ورد في ~~كتاب عقيدته الدينية، ليكون ذلك هو مصدر الضياء الذي على هداه يفهم ~~الكون ويفهم نفسه؟ أم يأخذ ذلك الكتاب - في أول الأمر - من ناحية ~~التدين والتعبد، مرجئا ناحية المعرفة والفهم حتى يدرس نفسه ويدرس ~~الكون معا، وعندئذ فقط يكون أقدر ما يكون معرفة وفهما لحقيقة ~~الخالق الذي خلقه وخلق الكون جميعا؟ والحق أن ثمة فرقا بعيدا بين ~~الحالتين: حالة تعرف بها نفسك والكون على ضوء ما ورد في تعاليم الدين ~~ومبادئه، وحالة أخرى تعرف فيها تلك التعاليم والمبادئ؛ على ضوء ما ~~تدرسه دراسة متعمقة عن نفسك وعن ظواهر الكون معا؟ ولعلك قد لاحظت في ~~هذا الذي بسطناه، أننا قد أدرنا الحديث وكأنه ليس هناك إلا طرفان: الله ~~(سبحانه وتعالى) ثم الكون والإنسان مجتمعين معا في طرف آخر. ms072 لكن ~~حيرة الترتيب تعود هي نفسها بين هذين العنصرين: الكون والإنسان، فيكون ~~السؤال في هذه الحالة هو: أندرس الإنسان مرورا بدراسة الكون؟ أم ندرس ~~الكون مرورا بدراسة الإنسان؟ # والإجابة عن هذه الأسئلة، في أي عصر من العصور هي التي - فيما يظن ~~كاتب هذه السطور - تحدد العصب الأساسي فيما يطلق عليه بعد ذلك اسم ~~ثقافة ذلك العصر. وغني عن البيان، أن أمثال هذه الأسئلة لا يلقيها ~~الناس بعضهم على بعض مقدما، لكي يبدءوا خطوات السير في طريق حياتهم ~~العملية، بعد أن تتقرر الإجابة بأغلبية الأصوات إنما هي - أعني ~~الإجابة - وأسئلتها تكون مضمرة في طبيعة الحياة التي أصبح الناس ~~يعيشونها بحكم ظروف قامت ولم يعد في الأمر خيار للناس أحبوا تلك ~~الظروف الطارئة أم كرهوها، تاركين مهمة التحليلات النظرية للموقف ~~الجديد، لمن كان لهم مزاج وقدرة تميل بهم نحو أن ينتبذوا من صخب ~~الحياة العملية ركنا هادئا، يراجعون فيه ما هو كائن على أرض الواقع، ~~ليردوه إلى أصوله ومنابعه؟ فإذا ما عرضوا على الناس نتائج تحليلاتهم ~~تلك وجدوا أنفسهم أوضح فهما لحياتهم، فإن رأوها تستوجب التعديل ~~والإصلاح بدلوها وأصلحوها. # إننا في هذه المرحلة الحاضرة من حياتنا، نكثر الحديث المشوب بالقلق ~~عن ثقافتنا وإلى أي وجهة نريد لها أن تتجه؟ وحتى أصحاب النظرة ~~العجلى، يستطيعون أن يروا ثلاث وجهات للنظر متفاوتة القوة متفاوتة ~~الذيوع، فوجهة منها، وهي الأوسع انتشارا بين الناس، وإن لم تكن ~~بالضرورة أقواها حجة وأنضجها فكرا، لا تتردد في دعوة الناس إلى أن ~~يحيوا في حاضرهم ثقافة هي نفسها الثقافة التي استظل بظلها أسلافهم ~~في التاريخ العربي الإسلامي على وجه التحديد، فإذا أحاطتهم حياتهم ~~القائمة بمشكلة كانوا على يقين من أنفسهم، بأنهم واجدون الحل الأفعل، ~~بين ما خلفه لنا أولئك الأسلاف، فهناك سوف نجد السؤال وجوابه، على ~~نحو ما يفعل التلميذ الصغير وهو يراجع دروسه استعدادا للامتحان، فإذا ~~لم يكن السؤال ذاته موجودا في مخلفات السلف ، بحثنا عن سؤال يشبهه ~~لنقيس الشبيه إلى شبيهه، ووجهة نظر ثانية، هي أقل الوجهات ms073 الثلاث ~~قبولا وانتشارا بين الناس كما أنها في الوقت نفسه في - رأي هذا ~~الكاتب - أضعفها حجة وأبعدها عن الصواب وهي وجهة نظر يميل أصحابها إلى ~~أخذ ثقافتنا الآن بضاعة جاهزة من منتجات الغرب الحديث والمعاصر، ~~تماما كما نفعل عندما نستورد منه الطيارات والسيارات، وكأننا أمة ~~خرجت صباح اليوم لأول مرة من العدم. وأما وجهة النظر الثالثة فتقع ~~وسطا بين الطرفين؛ بمعنى أنها تريد لنا حياة ثقافية تظل معها السحنة ~~العربية بعامة - والمصرية بخاصة - سليمة من الأذى، على أن نلتمس لتلك ~~الثقافة بعض غذائها من الغرب، وذلك فيما يمس نبض الحياة المعاصرة. ~~ولا أظن أن ذلك طلب منا للمحال؛ لأنه أمر وقع في حياتنا بالفعل، ~~في بعض جوانب حياتنا، وعند نفر من أعلامنا، ولم يبق إلا أن نعمق ~~ليشمل جوانب الحياة بأسرها وأبناء الشعب جميعا في رؤيتهم العامة ~~للدنيا وأهلها وأحداثها. # وأغلب ظني هو أننا إذا ما أمعنا النظر في هذا الاختلاف بين وجهات ~~النظر الثلاث، وجدنا أنها في أساسها أنما تختلف على أولويات الترتيب ~~بين المحاور الثلاثة التي قدمناها، فأصحاب وجهة النظر الأولى يرون ~~أن نبدأ بمعرفة الدين في مصادره وأصوله لكي نفهم الكون والإنسان على ~~أساسه، وأصحاب وجهة النظر الثانية، جريا على نموذج الثقافة الغربية ~~القائمة، يرون أن العلم بالكون والإنسان يهيئ لنا النضج الفكري ~~والروحي معا، الذي يعيننا بعد ذلك على أن نكون أقدر على فهم ديننا ~~فهما لا يتصادم مع أسس الحياة، كما تفرضها ظروف عصرنا. وأما أصحاب ~~وجهة النظر الثالثة، وهي التي تلتمس لنفسها طريقا وسطا يجمع الطرفين ~~ولا يرفضهما، فالظن عند أصحابها - أو هكذا يرى كاتب هذه السطور - أن ~~الأولوية إنما تكون للإنسان؛ نربيه على أسس تستثمر فطرته كما هي ~~واقعة، وكما خلقها خالقها ومصورها وباريها؟ على نحو ما يرعى الزارع ~~طبيعة النبات الذي يتعهده، فالأولويات لا يقررها هو للنبات، بل ~~النبات هو الذي يمليها عليه. وكذلك يكون الإنسان في نشأته ونموه؛ له ~~في كل مرحلة من مراحل عمره حاجات تتطلب الإشباع فيتولاها ولي ~~أمره ms074 بما هي في حاجة إليه دينا كان، أو علما أو بحثا عن نفقة نفسه، ~~حتى إذا ما اكتمل له النمو الناضج، عرف كيف يكون عالما مع الدين أو ~~كيف يكون متدينا مع علم بحسب ما تقتضيه وقفته من دنياه. # وقبل أن أضع بين يدي القارئ مقارنة بين دنيانا اليوم وما نستوجبه، ~~وبين دنيا أسلافنا في التاريخ العربي الإسلامي (وأتعمد أن أضع هذا ~~التحفظ لأن لكل بلد من الوطن العربي أسلافا آخرين يؤخذون أيضا ~~في الاعتبار عند تكويننا لوجهة نظر معينة) أفضل أن أسوق مثلا ~~مأخوذا من غيرنا، لنرى كيف يحدث الانتقال الثقافي عند الشعوب، ~~استجابة لتغير ظروف الحياة، فكيف تحولت أوروبا من ثقافة عصورها ~~الوسطى إلى ثقافة عصورها الحديثة، فالمعاصرة؟ فلقد تم لها ذلك ~~التحول خلال ما يقرب من قرنين، هما الخامس عشر والسادس عشر، فما ~~الذي كان قبل ذلك وما الذي أصبح بعده؟ ونعود إلى الأفكار الثلاث الكبرى ~~التي ذكرناها: الله والكون والإنسان، فنرى أن ما قد حدث هو - أساسا - ~~تغير في ترتيب تلك الأفكار في بناء الحياة الثقافية، فقد كان الترتيب ~~خلال العصور الوسطى كلها (امتدت من القرن الخامس إلى القرن الخامس عشر) ~~يعطي الأولوية المطلقة للدين ورجاله، حتى لقد كانت الأكثرية ~~الغالبة من العلماء، من رجال الدين؟ كما كانت الأكثرية الغالبة من ~~موضوعات البحث مما يتصل بالفكر الديني من قريب، بل وكانت الأكثرية ~~الغالبة من مراكز البحث العلمي في الأديرة، وترتب على هذا المناخ ~~العام أن تنحصر شئون الدنيا - من ناحية البحث العلمي - في أقل حيز ~~ممكن؛ إذ لماذا يعنى الباحثون العلماء بدنيا الناس هذه، إذا كانت هذه ~~الدنيا بكل ما فيها شيئا مزهودا فيه، لا يزيد على أن يكون معبرا ليس ~~منه بد كل أمره هو أن يوصل الإنسان إلى لقاء ربه؟ ولا عجب ألا ~~يجد المنقب لآثار العصور الوسطى في ربوع أوروبا، إلا عمارة الكنائس ~~والأديرة وإلا فنونا من تصوير ونحت يتصل كلها - أو معظمها - ~~بموضوعات دينية مأخوذة من الكتاب المقدس، وهكذا قل في شتى ms075 جوانب ~~الحياة الثقافية من رجال أعلام ومؤلفات وتيارات لفكر الفلسفي وغيرها، ~~وأظن أن ذاكرتنا نحن في الشرق الإسلامي، تحفظ جيدا معاناة أمتنا ~~وبلادنا - في تلك العصور الوسطى - من الحروب الصليبية التي شنها ~~علينا ملوك أوروبا بدفعة من الروح الدينية الضيقة الأفق إبان تلك ~~الفترة من تاريخ أوروبا. # لكن القلق أخذ يسري في نفوس الناس وأخذت الرغبة في الانطلاق تشتد ~~بهم شيئا فشيئا حتى رأينا الإنسان الأوروبي عندئذ يغامر هنا وهنا ~~وهناك وطلبا لمعرفة هذا العالم الذي إنما خلق ليعيش فيه، فغامر في ~~المحيطات المجهولة عندئذ ليكشف عما وراءها ويكفي أن نذكر من تلك ~~الرحلات رحلة كرستوفر كولومبس، التي انتهت إلى كشف القارة الأمريكية، ~~وكلنا يعلم كم نتج عن ظهور تلك القارة - أو القارتين - من أثر في ~~تغيير وجه الحضارة الإنسانية كلها بعد ذلك، ولست أنسى تلك المحاضرة ~~العلمية التي سمعتها في شبابي حين قال المحاضر في سياق حديثه: إن ~~نتائج رحلة كولومبس عبر المحيط الأطلنطي لم تظهر كلها بعد، قاصدا بذلك ~~إلى أنه ما دامت حضارة الولايات المتحدة الأمريكية هي نتيجة ذلك الكشف ~~الجغرافي ثم ما دامت هذه الحضارة العلمية الجديدة لم تستكمل شوطها ~~بعد إذن تكون رحلة كولومبس ما زالت منطوية على مجهولات فيما قد ينتج ~~عنها. # ولم تكن انطلاقة الإنسان الأوروبي من سجن الحياة في عصوره الوسطى ~~مقصورة على مغامرات المغامرين في البحار حول الكرة الأرضية شرقا ~~وغربا بل جاوزت ذلك لتكون انطلاقة شاملة لم تترك مغلقا خارج الإنسان ~~وداخله إلا حاولت كشف الستار عن أسراره ما وسعها ذلك، فانطلق ~~الفلكيون نحو السماء يرصدونها، وانطلق المفكرون نحو جوف الإنسان ~~لعلهم يرفعون عنه خبيئة الغطاء الذي يخفيه؟ ولو تتبعت مؤلفات ~~الفلاسفة الأوروبيين خلال قرنين في ذلك الزمان، لوجدت بينها عددا ~~ملحوظا خصصه أصحابه للبحث المفصل في حقيقة العقل الإنساني؛ كيف ~~يدرك ما يدركه، وإلى أي مدى يستطيع أن يدرك، وما هي جوانب القصور ~~في إدراكه . وأظنها مجموعة من المؤلفات الكاشفة عن حقيقة الإنسان من ~~داخل، ستبقى لها مكانتها العليا ms076 في كل ما أنتجه الإنسان بعد ذلك في ~~هذا الصدد، ولا أقول «قبل ذلك»؛ لأن غاية الباحثين قبل ذلك فيما يختص ~~بحقيقة الحياة الإنسانية من الداخل لم تجاوز الأوليات الأولى التي ~~تنقصها الدقة كما ينقصها الشمول. # هكذا كان الإنسان حبيس فكره الديني قبل نهضته، وهكذا انطلق في كل ~~اتجاه ليخرج من جدران محبسه ثم أخذ يبني بعد ذلك خلال القرون الأربعة ~~التي باءت بعد نهضته حتى يومنا هذا، أخذ يبني هذا البناء الحضاري ~~العلمي الشاهق الذي نراه اليوم فتغير ترتيب الأفكار الثلاث الكبرى في ~~هذه الانتقالة الحضارية الثقافية بل إنها انتقالة حدثت نتيجة للتغير ~~الذي طرأ في نفوس الناس عن ذلك الترتيب. والذي أريد له أن يكون واضحا ~~في أذهاننا كل الوضوح، هو أن المسألة لم تكن إهمالا للدين، بل هي ~~ترتيب جديد للطريق الفكري وخطواته بحيث يضمن للإنسان أن يكون على ~~معرفة بالدين أدق وأوضح، وعلى معرفة بنفسه وقدراتها، وعلى معرفة ~~عالية بالكون وما فيه. فالسؤال الكامن هنا هو هذا: أيكون الدين طريقنا ~~إلى العلم بأنفسنا وبالكون وكائناته، أم يكون هذا العلم طريقنا إلى ~~إيمان ديني أكثر استنارة وأشد حيوية وأوسع أفقا؟! # تلك هي صورة موجزة لما أحدثته انطلاقة الإنسان الأوروبي في نهضته ~~مما أدى إلى انتقاله من مركب ثقافي كان يعيشه في عصوره الوسطى إلى ~~مركب ثقافي آخر هو الذي يعيشه بصفة أساسية حتى اليوم، وكان جوهر ~~الحركة الانتقالية، كما أسلفنا، تغييرا في ترتيب المحاور الثلاثة ~~الأساسية في البناء الثقافي، والحق أني أحس في نفسي أني أكتب هذه ~~الكلمات بشيء من القلق خشية أن يتعجل قارئها فيسيء فهمها، فلعل الفكرة ~~ما زالت في حاجة إلى مزيد من الشرح؛ حتى لا يتسرب إلى ذهن قارئ ظن بأن ~~أولوية فكرة على أخرى بين الأفكار الكبرى الثلاث؛ معناها أولوية في ~~القيمة الذاتية وليس الأمر كذلك، على الأقل بالنسبة لهذا السياق الذي ~~نتحدث فيه. افرض، مثلا، أنك تدرس شجرة الإنسان ووشائج القربى ~~لأسرة ما، فعندئذ الجد والجدة هما اللذان منهما بدأ التسلسل؟ ms077 وإن هذا ~~التسلسل ليتدرج معك أبناء فأحفادا، فأبناء أحفاد ثم أحفاد هؤلاء ~~الأحفاد، وهكذا تتوالى درجات التسلسل إلى أن تبلغ الغاية التي يكفيك ~~الوقوف عندها؟ فماذا أنت قائل لمن يسألك: أيهما أجدى في دراسة شجرة ~~الأنساب هذه، أن نبدأ من الجدود إلى أحفاد الأحفاد؟ أم نبدأ من هؤلاء ~~الأحفاد صعودا إلى الجدود؟ فبماذا تجيب، ألا يكون جوابك هو أن أمر ~~الأولوية هنا متوقف على ما يهدف إليه الباحث: أيهدف إلى رد الفروع ~~إلى جذورها؟ أم يهدف إلى تعقب الجذور إلى فروعها؟ فأولوية البدء لا ~~تعني شيئا بالنسبة إلى الأهمية والقيمة الذاتية؟ وكذلك الحال في ~~الأولوية بين المحاور الثلاثة التي قلنا إنها تشكل الإطار الذي ~~يقام عليه البناء الثقافي لجماعة معينة في عصر معين، فمن المألوف ~~عند من أراد رسم صورة تبين العلاقات الرابطة بين مختلف المكونات ~~العقلية التي منها تتألف المعرفة أن يرسم تلك الصورة على شكل هرم ~~قاعدته عريضة ثم تتسلسل الدرجات صعودا مع ضيق في الاتساع، حتى يبلغ ~~الذروة في نقطة صغيرة المساحة عظيمة القيمة، وذلك لأن هذه الذروة هي ~~بمثابة المبدأ الأعلى الذي تتوالد منه سائر أفكار الإنسان درجة بعد ~~درجة حتى تصل آخر الأمر إلى التفصيلات الجزئية على أرض الواقع ~~المحسوس، فلو سئلنا هنا أيضا، كما سئلنا في شجرة الأنساب لأسرة ما، ~~لو سئلنا هنا: أتكون الأولوية في تحصيل المعرفة للمبدأ العام الذي ~~ينسل سائر الأفكار بكل درجاتها؟ أم تكون تلك الأولوية في التحصيل ~~للأفكار التفصيلية ليصعد منها الدارس درجة بعد درجة حتى يصل إلى ~~المبدأ العام المجرد الذي يضمها جميعا؟ وأحسب أن الجواب هنا هو ~~كالجواب في المثل السابق وهو أن الأولوية تتوقف على نوع الدارس ~~وهدفه، دون أن يكون لتلك الأولوية أي أثر على أهمية الموضوع وقيمته ~~الذاتية. # وبعد هذا التوضيح فلنتجه بأبصارنا نحو حياتنا الثقافية، لنرى كيف ~~يقوم بناؤها في إطار الأفكار الثلاثة الكبرى ثم كيف نريد له أن يكون؟ ~~وأحسب أن الأمر في ذلك أوضح من أن يثير الجدل؟ فإذا كانت الدعوة ms078 إلى ~~ثقافة سلفية هي الغالبة، كانت أولوية الترتيب بالتالي، هي أن الفكرة ~~الدينية يجب أن تأتي أولا وعلى هديها تكون صورة العلم وصورة ~~الإنسان؟ وما دام ذلك هو كذلك، كان بناؤها الثقافي - كما هو قائم ~~بالفعل - على مبعدة بعيدة عن الصورة التي اقتضاها روح هذا العصر ممن ~~هم بناة حضارته إذ إن هؤلاء البناة - كما أسلفنا - قد كانوا على ~~ترتيب يشبه ما هو قائم عندنا اليوم ثم أبدلوا به ترتيبا آخر يبدأ ~~هنا من الكون ودراسته وحينا آخر بالإنسان ودراسة مقوماته لينتهي السير ~~في كلتا الحالتين إلى رؤية دينية تبنى على نور المعرفة. وإنه لسؤال ~~ألقاه في أوروبا العصور الوسطى، أيام كانت في مخاض التحول إلى عصرها ~~الحديث وهو: هل يعرف الإنسان ليؤمن، أو هو يؤمن ليعرف؟ وهكذا - في ~~اختصار شديد - يكون الفرق بين من يريد تحديثا لحياتنا الثقافية ~~الراهنة وبين من يريد بها سلفية. فالأول هو بمثابة من يقول: لا بد لي ~~أن أعرف ليجيء إيماني على أساس بصير، وأما الثاني فهو بمثابة من يقول: ~~بل لا بد لي من إيمان أولا؛ لكي تجيء المعرفة بعد ذلك في حدود ذلك ~~الإيمان. # فإذا أردت أن تتخذ لنفسك موقفا تطمئن إليه من هذين الموقفين ~~قارن بين رجلين وهما يتلوان قول الله سبحانه وتعالى قل لو كان البحر ~~مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي. فأما أول ~~الرجلين فقد قرأ الآية وحفظها ثم خرج بما حفظه إلى الكون الفسيح ~~تأمل ظواهره. وأما الرجل الثاني فقد أتيح له أن يدرس دراسة علمية ~~دقيقة لبعض تلك الظواهر كظاهرة الضوء أو الكهرباء أو المغناطيسية أو ~~الجاذبية أو أتيح له أن يدرس مثل تلك الدراسة العلمية لظاهرة من ~~ظواهر الحياة في النبات أو في الحيوان أو في الإنسان نفسه، فمثل هذا ~~الرجل الدارس من سيرى في كل نقطة من نقاط هذا الكون اللامتناهي ~~كلمة من كلمات ربه تملؤه بالتعظيم والإجلال والخضوع لخالق هذه ~~المعجزات. إن عالم النبات مثلا لو تقصى جزئيات نبتة واحدة ms079 صغيرة ~~كيف تتغذى وكيف ترتوي وكيف تنمو وكيف تدفع عن نفسها الأخطار التي قد ~~تهدد وجودها، لوجد ذلك العالم في تلك النبتة الصغيرة من كلمات ~~ربه ما يحتاج مجلدا ضخما يشرح شيئا من تفصيلاته، فانظر إلى الفرق ~~بين الرجلين: الرجل الأول الذي حفظ الآية الكريمة وخرج بها إلى الكون؛ ~~فلا يكون في وسعه إلا أن يعلم بأن الله سبحانه وتعالى خالق قادر ~~عليم دون أن نعلم تفصيلة واحدة فوق ذلك الموقف المبهم المجرد؟ وأما ~~الرجل الثاني بعد أن يزود نفسه بتفصيلات ظاهرة كونية واحدة وما فيها ~~من أعاجيب تثير الدهشة والذهول، فإنه إذا ما عاد إلى الآية الكريمة، ~~أحس أعماقها، فحقا إنه لو كان وراء البحر سبعة أبحر كلها مداد لنفد ~~المداد قبل أن ينفد الحديث عن كلمات ربي. # وقد يقوم في ذهن قارئ هذه السطور سؤال يسأل به: أينتظر المؤمن حتى ~~يتزود بالعلم ثم يبدأ في الإلمام بدينه أصولا وفروعا؛ وجوابنا عن ~~سؤال كهذا هو أن نؤكد وجوب التفرقة بين أمرين: أولهما أن يتلقى ~~المتدين عقيدته إيمانا منذ طفولته الواعية وأن يتعلم طرق العبادة ~~ويمارسها، كل جانب منها في موعده المناسب، وأما الأمر الثاني فهو ~~استخلاص حياة ثقافية من ذلك الدين، بالإضافة إلى ما نستخلصه من مصادر ~~أخرى، ونحن في هذا الحديث، إنما نتناول الدين - والمصادر الأخرى - من ~~حيث هو مقوم من مقومات البناء الثقافي. # كان أسلافنا الأولون في التاريخ العربي الإسلامي يجعلون اهتمامهم ~~الأول في نشاطهم الفكري لموضوعات تفرعت لهم عن العقيدة الدينية ~~ذاتها، ولم يكن لهم من ذلك بد لأنهم وجدوا أنفسهم أمام دين جديد آمنوا ~~به، وحسبنا أن نستعرض مدارس الفكر ماذا كانت، وفي أي الموضوعات كسبوا ~~فاعليتهم العقلية، ولنا في هذا الصدد أن نأخذ بما ذكره الإمام الغزالي ~~في كتابه «المنقذ من الضلال» عن تلك المدارس إذ قال إنها أربع: ~~الفلاسفة والمتكلمون والباطنية (ويسميهم التعليميين) والمتصوفة، ~~فأما الفلاسفة فكلنا يعلم أن طريقهم في التفكير هو أن يوازنوا بين ما ~~ورد في فلسفة اليونان الأقدمين، وبين ms080 ما جاء به الإسلام في مبادئه ~~وعقائده، ليروا إن كان ما بينهما اتفاقا أو اختلافا، وذلك ليخلصوا ~~لأنفسهم برؤية فلسفية عربية إسلامية، فإذا كان هذا هكذا، فلماذا لا ~~يصنع فلاسفتنا اليوم صنيع أسلافهم لكنهم في هذه الحالة لا بد أن ~~يضيفوا إلى فلسفة اليونان القدماء، ما استحدث بعدهم من فلسفات في ~~الغرب الحديث والمعاصر، ومعنى ذلك قصور الدعوة السلفية عن إشباع الحاجة ~~عندنا نحن العرب في يوم الناس هذا، وأما عن جماعة المتكلمين فقد كان ~~هدفهم هو أن يقيموا الأدلة العقلية على موضوعات وردت في العقيدة ~~الإسلامية مثل وجود الله ووحدانية الله، والصفات الإلهية وعلاقتها ~~بالذات كالعلم والإرادة والعدل وغيرها والقضاء والقدر، وهكذا. فتلك ~~الموضوعات وما يشبهها كانت هي الشغل الشاغل لجماعة المتكلمين، ونحن ~~اليوم نسأل السؤال الذي ذكرناه فيما قدمناه وأجبنا عنه، نسأل أيهما ~~أوصل بالمؤمن إلى الصورة الواضحة: أن نبحث في يومنا هذا تلك الموضوعات ~~ذاتها التي أشبعها القدماء بحثا أم نجعل طريقنا إلى فهمها معرفة علمية ~~دقيقة وواسعة بما في هذا الكون العظيم من كائنات، وعندئذ تتسع ~~آفاقنا بمقدار ما درسنا لنفهم عن علم الله سبحانه وقدرته ووحدانيته ~~وغير ذلك من صفاته سبحانه وتعالى فهما أدق وأعمق. وما قلناه عن جماعة ~~الفلاسفة وجماعة المتكلمين في أقسام الغزالي الأربعة، نقول ما يشبهه ~~عن «التعليميين» «جماعة الباطنية» من المتصوفة، فكل تلك الجماعات في ~~الحياة الفكرية عند أسلافنا بحثت عن المعرفة في الموضوعات الدينية ~~بادئة بها ومنتهية بها، فهل نجيء نحن في عصرنا لنكرر الشيء نفسه ~~أو أن الطريق الأمثل بالنسبة لعصرنا أن نصل إلى الهدف ذاته عن طريق ~~آخر؟ # إن أولئك الذين يتمنون لنا أن تجيء حياتنا الثقافية اليوم صورة ~~كربونية من حياة أسلافنا يفوتهم أن هؤلاء الأسلاف أنفسهم لم يكونوا ~~على رأي واحد، بل اعتركوا بعضهم مع بعض فتكونت منهم فرق (جمع فرقة) ~~على نحو ما نتشعب نحن اليوم تيارات ومدارس، فاقرأ - مثلا - كتاب ابن ~~رشد «مناهج الأدلة في عقائد الملة» لترى صورة حية عن مجادلاتهم بعضهم ~~مع ms081 بعض، فكما يدلك عنوان كتابه نرى ابن رشد يستعرض مناهج التفكير عند ~~جماعات المتكلمين من معتزلة وأشعرية وغيرهما، كما يتناول كذلك مناهج ~~المتصوفة ليبين في جلاء ناصع كيف أن أولئك وهؤلاء قد ضلوا سواء ~~السبيل منهجيا حينما تناولوا عقائد المسلمين بالبحث والتدليل، وكان ~~من طريف ما ذكره ابن رشد في هذا الكتاب - وكان ذلك قرب نهاية الكتاب - ~~أن تلك الجماعات كلها قد انحرفت عن ظاهر النص القرآني الكريم قليلا ~~أو كثيرا؛ وقال ما معناه: إن الموقف يشبه أن يكون طبيبا ماهرا قد ~~ركب دواء يصلح لشفاء علة يمرض بها كثيرون؛ فيجيء مريض معين ليجد ~~أن الدواء العظيم لم يلائم حالته الخاصة؛ فيدخل تعديلا في تركيب ~~الدواء بحذف بعض عناصره التي ظن أنها هي التي باعدت بينه وبين ~~الشفاء، فلا يلبث أن تلتف حوله جماعة تأخذ عنه هذا التعديل إلى أن ~~تسوق الأيام مريضا آخر من هذه الجماعة الجديدة، لا يجد ملاءمة بين ~~مرضه الخاص وبين الدواء المعدل فيلجأ بدوره إلى تعديل التعديل ~~ويخرج إلى الناس بوصفة جديدة وتبعه فيها من يتبعه وهكذا دواليك. وذلك ~~بعينه هو ما قد حدث - هكذا يقول ابن رشد ما معناه - للجماعات الفكرية، ~~ثم يقول في آخر عبارته تلك ما نصه: وأول من غير هذا الدواء الأعظم ~~هم الخوارج ثم المعتزلة بعدهم ثم الأشعرية، ثم الصوفية ثم جاء أبو ~~حامد (الغزالي) فطم الوادي على القرى، واستطرد ابن رشد في حديثه عن ~~الغزالي ليبين كيف أخطأ السبيل وكلنا نعرف شيئا عن تلك المواجهة ~~الفكرية بين الرجلين حتى لتعد نموذجا فريدا لليقظة العلمية ~~الثقافية، كيف يكون الأخذ والرد بين رءوس الأمة القوية، وذلك برغم أن ~~الرجلين الإمام أبو حامد الغزالي والفيلسوف ابن رشد كان بينهما في ~~الزمن بضع عشرات من السنين، فقد ألف الغزالي كتابه المشهور تهافت ~~الفلاسفة ليبين فيه كيف أن فلسفة اليونان متمثلة في أرسطو وانعكست ~~عند العرب في ابن سينا إنما هي كالبناء المتداعي لما تشتمل عليه من ~~متناقضات وتمضي بضع عشرات من السنين بعد ms082 موت الغزالي في المشرق ~~الإسلامي ليظهر ابن رشد في المغرب الإسلامي - في الأندلس - فيخرج ~~بدوره كتابه «تهافت التهافت» قاصدا أن يبين أن المتناقض المتداعي ~~بناؤه هو أبو حامد الغزالي في مؤلفه، وليس هو أرسطو اليوناني كما ~~انعكست صورته في كتب ابن سينا. # فمن من هؤلاء المتعاركين في ساحة الفكر بين أسلافنا، هو من يريد ~~أصحاب الدعوة إلى ثقافة سلفية أن يعودوا إليه أو أن يعيدوه حيا ~~إليهم؟ كلا إنه عصر جديد لنا لا بد أن نعيشه قولا وتعديلا؟ ولكن ~~ذلك يقتضي بحكم الضرورة أن تكون لنا في ترتيب الأفكار الثلاث الكبرى ~~صورة جديدة. # | أفكار تحيا وأفكار تموت # كائنات كسائر الكائنات، تحيا وتموت: منها ما يولد ميتا، ومنها ما ~~تمتد به الحياة حينا، ومنها ما كتب له الخلود، إنها كسائر ~~الأحياء، تريد لنفسها الأجواء، الصالحة لبقائها، فبعض الأحياء يسبح ~~في الماء، وبعضها يزحف على يابس الأرض أو يمشي على أرجل، وبعضها الآخر ~~مجنح يطير في جو السماء؛ وإنها لكالجياد في مضمار السباق، فجياد ~~تسقط في بعض الطريق، وجياد حرة كريمة تصمد إلى آخر الشوط؛ والعجب هو ~~من إنسان لا يطيب له العيش إلا مع أفكار أصابها الإعياء في بعض ~~الطريق فماتت، فتعفنت، أو حنطت لتبقى هياكلها هامدة في توابيتها ~~على سبيل الذكرى. # وأما الأفكار التي هي كالطير الذي يضرب الهواء بأجنحته القوية، ~~مخترقا طريقه فوق رءوس الزمن، محتفظا في يومه بقوته التي كانت ~~له في أمسه، قريبه وبعيده، والتي سوف تكون له في غده، وما بعد الغد، ~~وربما إلى آخر الدهر، فهي الأفكار التي ألقت عن ظهورها أثقال اللحظة ~~العابرة، ولم يبق من الفكرة القوية إلا إطارها؛ وبذلك تخففت من ~~أحمال الحجر والحصى، ليبقى الجوهر الثابت؛ ومن ثم استطاعت أن تطير عبر ~~الزمان بهياكل تأخذ من كل عصر لحمه ودمه فتكتسي بما يلائم ذلك العصر؛ ~~حتى إذا ما أدبرت أيامه عادت الفكرة القوية فخلعت عن هيكلها ذلك الحشو ~~المؤقت لتنتقل إلى عصر جديد فيمتلئ إطارها بمضمون جديد، وهكذا ~~دواليك عصرا بعد ms083 عصر على طول الزمن. # الأفكار القوية بحياة متجددة، هي كالغرف في فندق ممتاز، يشغلها ~~الزائرون زائرا بعد زائر؛ فيراها كل زائر وكأنها جديدة بنت يومها، ~~بنيت الآن من أجله هو، وذلك لأنها تنقي جدرانها وأثاثها من ضرورات ~~الأمس، لتستقبل يوما جديدا له ضروراته الجديدة؛ وإذا لم يعجبك تشبيه ~~الأفكار الشريفة بغرف الفنادق تخلو وتمتلئ، ثم تمتلئ لتخلو، محتفظة ~~لنفسها بشروط الدوام؛ فانتقل معي إلى ميادين العلم؛ تجد ما شئت من ~~أمثلة، فيها ما قد رأيناه في غرف الفنادق التي يتوالى عليها النزلاء، ~~من صفات تجعلها صالحة في يومها بما صلحت به في أمسها، وما سوف تصلح ~~به في غدها؛ وابدأ فخذ المثل من أية حقيقة في أي علم من علوم ~~الرياضة؛ ولنجعل مثلنا الذي نختاره بسيطا ليكون واضحا، فخذ هذه ~~المعادلة العددية: 3 + 4 = 7؛ فهي - كما تعلم - حقيقة لا يغير من صدقها ~~طول الزمن، كلا ولا يغير من صدقها تغير المكان؛ فما الذي أكسبها ~~هذه الحصانة؟ الذي أكسبها تلك الحصانة التي ضمنت لها البقاء، أنها لم ~~تثقل هيكلها بمضمون معين، قد يوجد اليوم ولا يوجد غدا؛ فالأمر ~~فيها يشبه الملابس الجاهزة، يلبسها من جاءت على قده؛ فهي لم تشترط ~~مادة معينة يكون منها الثلاثة ويكون منها الأربعة أيضا، حتى يمكن أن ~~يكون حاصل جمعها سبعة؛ إذ هي تصلح على أفراد الناس، وعلى الأنهار، وعلى ~~حبات البرتقال، وعلى أي نوع شئت من أنواع الكائنات؛ وهي في كل حالة ~~من حالات استعمالها، تفرغ نفسها من كل ما قد ملأها قبل ذلك، لتضع نفسها ~~بين يديك؛ هيكلا خالصا بإطاره، لتملأه أنت بما عندك من أشياء وغير ~~أشياء. # وهذا الذي قلناه عن الصياغات الرياضية بشتى أنواعها، نقول ما يقرب ~~منه، عن أي قانون علمي في أي ميدان من ميادين البحث في ظواهر الطبيعة: ~~فقوانين العلوم الطبيعية هي الأخرى صور مفرغة من مضموناتها العينية، ~~لكي يملأها كل بمضمونات مما يقع له في بيئته ؛ فإذا قلنا مثلا ~~إنه مع ارتفاع الأرض تقل درجة الحرارة، فنحن قد ms084 تركنا تفصيلات ~~المكان؛ أين؟ وما نوع الارتفاع؟ فقد يكون ارتفاعا على قمة جبل في ~~كينيا، وقد يكون ارتفاعا في عمارة شاهقة في القاهرة، وقد يكون ~~ارتفاعا في طائرة فوق الصحراء؛ وإذا قلنا إن العصا المغموسة في ~~الماء تبدو للعين مكسورة، فقد تركنا كل تفصيلات الموقف مكانا وزمانا ~~وعصيا وأعينا؛ وإذا قلنا إن السلعة إذا زاد المعروض منها في السوق ~~على طلب الناس، مال سعرها نحو الانخفاض؛ فقد أسقطنا من الحساب ذكر ~~تفصيلات الحدوث: أي سلعة؟ وأي ناس؟ وهكذا قل في كل فكرة ~~علمية. # بل إن ذلك القول نفسه يصدق على أي حكم عام - حتى ولو لم يكن مأخوذا ~~من دنيا العلوم، وكان تكثيفا لخبرة بشرية في شيء مما يتصل بحياة ~~الإنسان؛ وهو ما نسميه «بالحكمة» فإذا قال المتنبي: «إذا رأيت نيوب ~~الليث بارزة، فلا تظنن أن الليث يبتسم» قاصدا بذلك أن يقول إن ~~المظاهر كثيرا ما تخدع الناس عن الحقائق التي تكمن وراءها، فهو إنما ~~يقدم بذلك فكرة تدوم ما دامت حياة، لأنها استخرجت من تفصيلات الواقع ~~العيني ما يشبه أن يكون إطارا مفرغا، ليملأه كل إنسان بمادة من ~~الحياة التي حوله. # هذا ما قصدت إليه حين قلت إن الأفكار الخالدة التي تحيا مع الناس ~~على امتداد الزمن؛ هي «صور» أو «أطر» مفرغة من مادتها، وتفريغها هذا ~~يتدرج مع درجات قابليتها للبقاء؛ فأكثرها تجريدا وتفريغا أكثرها ~~بقاء وأوسعها شمولا؛ وكلما زادت فيها مقادير الحشو المادي الذي ~~يربطها بمكان معين أو بزمان معين، كانت أسرع إلى الزوال سرعة ~~تتناسب مع حشوها؛ فإذا قلت - مثلا: «الناس يرتدون الثياب.» فقد قلت ~~حقيقة إنسانية على كثير جدا من التجريد، ولذلك فهو قول يكاد يصدق ~~على كل مجموعات البشر أينما كانوا وأنى كانوا؛ لأنك تركت فكرة ارتداء ~~الثياب مطلقة من القيد الذي يحدد صورتها؛ ولكن زد هذه الصورة بما ~~يقيدها، كأن تقول عن الناس إنهم يلبسون ثيابا من صوف الغنم، فعندئذ ~~ترى أن دائرة الصدق التطبيقي قد ضاقت؛ وبالتالي فلم يعد للفكرة كل ~~ما كان ms085 لها من الدوام والشمول؛ وعلى الأساس نفسه، إذا قلت بأن النساء ~~يراعين الحشمة في ثيابهن، كانت الصورة أقدر على البقاء، مما لو قلت ~~إن النساء يراعين في الثوب أن يكون على طول معين وسعة معينة، لأن ~~هذا التقييد في الوصف يضيع على الفكرة بعض صلاحيتها للدوام، ~~وهكذا. # على أن الفكرة التي يتوافر لها قدر كاف من «الصورية» فيكون لها - ~~بالتالي - قدرة على الصمود عبر الزمن، تتطلب شرطا آخر كي تتم لها ~~هذه القدرة على البقاء، وذلك أنها يجب أن تقع على تربة اجتماعية ~~تمكنها من الوجود ومن النماء؛ ولنأخذ مثلا فكرة «الحرية» فبادئ ذي ~~بدء لا بد من ملاحظة أن فكرة «الحرية» إنما هي فكرة إطارية - أو ~~صورية - إلى حد كبير، وهي ذات مضمون معين إلى حد صغير؛ فمهما ~~بحثت عن تعريف يبين حقيقة «الحرية» فأنت مضطر آخر الأمر إلى الوقوف ~~عند درجة معينة من التجريد؛ فقد تقول - مثلا - إن الحرية هي فك ~~القيود، فيبقى السؤال: أي قيود؟ وهنا ترى كيف أن الأمر قد ترك لكل ~~موقف وظروفه، ولكل عصر وقيوده؛ فقد يقف الأمر عند حد تفك فيه ~~الرقاب، بمعنى ألا يكون بين الناس رق، بحيث لا يملك إنسان إنسانا ~~آخر ملكيته للماشية والأثاث؛ لكن إلغاء الرق لا يتضمن بالضرورة ~~إلغاء التفاوت الاقتصادي والاجتماعي - الذي يقسم الناس طبقات - ثم ~~يستتبع ذلك أن يكون إنسان في حاجة ماسة إلى إنسان آخر يمده ~~بأسباب العمل والعيش، حتى لو أدى ذلك بالأعلى أن يستغل الأدنى وأن ~~يستذله؛ وهكذا تبقى «الحرية» فكرة مرهونة بظروف تطبيقها، يملؤها كل ~~عصر - وكل مجتمع - بما عنده من تفصيلات الثقافة العامة التي يعيشها؛ ~~ومن هنا رأينا شعوبا كثيرة ترفع لواء الحرية في حياتها، ثم تنظر فإذا ~~أنت أمام أنماط من الحياة ملئت بالقيود أشكالا وألوانا، وهكذا ~~الحال في فكرة الديمقراطية وما إليها من أفكار إطارية تتنوع فيها ~~أنماط الحشو الفعلي الذي يملأ ما بين جدرانها من فراغ ؛ لكن هذا ~~التنوع الشديد في مضمونات الفكرة، لا يحجب الرؤية أمام البصائر ms086 ~~القادرة؛ لأنه ما دام هنالك «تعريف» نموذجي للفكرة - كفكرة «الحرية» - ~~وهو أن تفك عن الإنسان قيوده، فيصبح في حدود الإمكان النظري أن ~~نرتب التنويعات الكثيرة في أشكال التطبيق، ترتيبا يبين أي الشعوب ~~اقتربت بحريتها من التعريف، وأيها ابتعد، وذلك بالطبع بعد أن نحلل ~~«القيود» وأنواعها، إذ قد يكون القيد غلا من حديد في الأيدي ~~والأقدام، وقد يكون فقرا شديدا بجماعة من الناس، يدفعهم إلى الحاجة، ~~ومن ثم يدفعهم إلى الخضوع، وقد يكون جهلا بما للإنسان من حقوق، وقد ~~يكون مجموعة من التقاليد الحديدية التي تكتم الأنفاس، وهكذا. # خذ فكرة «الديمقراطية» في معظم أقطار «العالم الثالث»؛ فالديمقراطية ~~- كالحرية - فكرة إطارية يختلف فيها الحشو المضموني، من بلد إلى بلد، ~~ومن عصر إلى آخر، والذي أمدها بالدوام هو صوريتها هذه؛ إذ يكفي ~~لتعريفها أن يقال إن الأمر يكون شورى بين الناس، أو بعبارة أخرى تشيع ~~اليوم، أن يكون صنع القرار متروكا للشعب، ما دام القرار ماسا بجانب ~~من جوانب الحياة المشتركة بين الناس؛ لكن هذه الصورة العامة المجردة، ~~إذا لم تجد تربة اجتماعية تخلو من التقاليد التي قد تحول دون أن تكون ~~تلك الشورى على وجهها الصحيح ممكنة الحدوث، وفي هذه الحالة يظل ~~الناس يقولون عن حياتهم إنها تجري تحت مظلة «الديمقراطية» بغض النظر عن ~~تلك الحوائل التي تجعل لزيد من الناس رأيا أرجح من رأي عمرو، لأنه ~~أغنى، أو لأنه أقوى أسرة، أو أعلى منصبا، أو غير ذلك؛ ولقد بلغ بنا ~~خلط فكري كهذا إلى حد أن نصيح بالديمقراطية ثم نقول في الوقت نفسه ~~إننا نأخذ بتقليد يجعل الأمة «أسرة» ويجعل رئيس الدولة أبا لتلك ~~الأسرة؛ وبهذا الخلط ضاعت من أبصارنا الحدود الفاصلة بين طبيعة الحياة ~~الاجتماعية «داخل» الأسرة، وطبيعة تلك الحياة «خارج» الأسرة؛ فداخل ~~البناء الأسري لا ديمقراطية في صنع القرار، وذلك بحكم طبيعة التركيب ~~الأسري؛ ففي الأسرة والدان وأبناء كبار وصغار، ولا ضير في أن يؤخذ ~~رأي الأعضاء جميعا إزاء مشروع معين، حتى إذا ما جاءت لحظة «القرار» ~~كان الأمر ms087 لواحد فقط، هو رب الأسرة كما اعتاد الناس أن يصفوا الوالد؛ ~~تلك هي طبائع الأمور؛ وإنك لتجد هذه الصورة نفسها في الجيش وهو في ~~ميدان القتال، أو في السفينة وهي في عرض البحار؛ كل هذه الحالات لا ~~ديمقراطية فيها بحكم طبيعة تكوينها، وإن تكن مما يلجأ صاحب الأمر فيها ~~إلى «الشورى» فكما قد يلجأ الوالد في الأسرة إلى استطلاع آراء زوجته ~~وأبنائه، كذلك قد يلجأ قائد الجيش في ميدان القتال إلى استطلاع ضباطه ~~وجنوده، أو قد يلجأ ربان السفينة إلى استطلاع آراء معاونيه؛ أما ~~«القرار» في هذه الحالات كلها، فمتروك لمسئول واحد؛ ومعنى هذا أن هذه ~~كلها ضروب من النظم لا ديمقراطية فيها عند صنع القرار. # وأما «خارج» الأسرة، عندما يكون الأمر أمر مواطنين ووطن، فلا بد من ~~ديمقراطية القرار؛ في كل هيئة تتولى شأنا من الشئون العامة، فحتى لو ~~فرضنا أن والدا وولده اجتمعا معا عضوين في مجلس الشعب، أو في مجلس ~~إدارة إحدى المؤسسات، أو فيما يشبه ذلك، فعندئذ لا تكون للوالد ~~أبوة في الرأي على ابنه، لأنهما قد أصبحا «خارج» الأسرة، وإزاء موضوع ~~وطني عام؛ وقد نذكر ونحن في هذا السياق من الحديث، أن القرآن الكريم، ~~في تحديده للعلاقة بين الولد ووالده، قد بين هذا الفرق بين أن يكون ~~حيال مسألة أسرية، وعندئذ تصبح طاعة الولد لولده واجبة، وأن يكون ~~الموقف متعلقا بالدين وعقائده وفروضه، فها هنا ترتفع الطاعة عن الولد، ~~وإن بقي عليه واجب الرعاية والعطف؛ فما بالك - إذن - أن يحدث خلط في ~~حياتنا السياسية، يؤدي بنا إلى الجمع - عن غير وعي - بين أن يكون رئيس ~~الدولة منتخبا من الشعب (وانتخابه هذا نوع من «القرار») وأن يكون هذا ~~الرئيس نفسه، وفي الوقت نفسه، على علاقة مع الشعب توازي علاقة رب ~~الأسرة مع سائر أعضائها؟ لست أشك هنا في حسن النوايا، ولكنني أشك في ~~وضوح المعنى عندما نستخدم كلمة «ديمقراطية» وكلمة «أسرة» على النحو ~~الذي يخلط بينهما في صورة أخذ القرار. # وإنما أردت بهذا الاستطراد أن أوضح ms088 أمرين: أولهما أن أفكارا ~~«كالحرية» و«الديمقراطية» هي من الأفكار المزودة بما يعين على دوام ~~قيامها مثلا عليا في حياة الناس، لأنها - كما قلت - أقرب إلى ~~«الإطار» منها إلى تعيين المضمون؟ وأما الأمر الثاني، فهو أن تلك ~~الأفكار وأشباهها، لا تحيا وفق نموذجها الأسمى إلا في مجتمعات خلت من ~~قيود أخرى قد تعرقل تساميها. # وأريد أن أتوسع مع القارئ في الفكرة التي طرحتها عن الأفكار ~~الإطارية، التي حاولت أن أوضح بها الصفة التي يجب أن تتصف بها ~~الأفكار التي تصمد على الزمن؛ أقول إني أريد الآن أن أتوسع قليلا مع ~~القارئ لعلنا نزداد إيضاحا ووضوحا؛ إذ قد تكون الإضافة، التي ~~سأضيفها، ذات نفع كبير في إلقاء ضوء على مشكلة تراثنا وضرورة إحيائه، ~~ليكون جزءا لا يتجزأ من حياتنا الثقافية اليوم؛ وأما تلك الإضافة التي ~~أردتها، فهي أن «إطارية» الفكرة التي يراد لها أن تدوم، إنما هي صفة ~~تمتد حتى تشمل «الأسماء» التي يطلقها الإنسان على مجموعات الأشياء ~~المتشابهة، كاسم «نبات» الذي يطلق على أسرة ضخمة من الكائنات، التي ~~وإن اختلف بعضها عن بعض، إلا أنها جميعا ترتبط بمثل ما يرتبط به ~~أفراد الأسرة الواحدة؛ واسم «حيوان» واسم «منزل» واسم «نهر» و«مدينة» ~~و«نجم» و«إنسان» وسائر «الأسماء» التي تشتمل عليها لغة من اللغات؛ بل ~~إن كل لفظ من ألفاظ اللغة قد يعد «اسما» بمعنى من معاني هذه ~~الكلمة؛ إذ ما يقول عنه علم النحو إنه «فعل» أو إنه «حرف» فهو إنما ~~يسمى شيئا ما، ففعل «يمشي» مثلا، يشير إلى حركة معينة نعرفها، ~~ونعرف أنها هي التي يشار إليها بذلك اللفظ؛ والحرف «في» وإن يكن حرفا ~~في علم النحو، إلا أنه أيضا اسم نشير به إلى «علاقة» معينة تربط ~~شيئين، كأن أقول إن القلم «في» جيبي، وإذا كان هكذا، جاز لنا أن نقول ~~إن كل لفظة من ألفاظ اللغة، هي - فوق صفتها الخصوصية - اسم نسمي به ~~شيئا، أو حركة، أو علاقة. # والآن فلننظر كيف تتم لأبناء اللغة الواحدة عملية التسمية هذه. ~~هنالك إجابات كثيرة ms089 عن هذا السؤال، يكفينا منها الآن، بالنسبة لما نحن ~~بصدد الحديث فيه، أن نقول: إن كل اسم في اللغة إنما هو تلخيص لحياة ~~طويلة مارس فيها أبناء اللغة خبرات كثيرة في تعاملهم مع المحيط الذي ~~يعيشون فيه. وهم إذ يمارسون حياتهم العملية، إنما يمارسونها مع أشياء ~~مفردة، أو مواقف مفردة؛ فكل ما هو موجود في دنيا الواقع مفردات، لكنه ~~يتعذر، بل يستحيل استحالة تامة، على أي إنسان أن يحتفظ في ذاكرته ~~بمفردات الحياة العملية التي عاشها مفردا؛ فكم من مفردات النبات، وكم ~~من مفردات الطير والحيوان، وكم من مفردات الجماد، وكم من أفراد ~~الإنسان! فماذا هو صانع - إذن - إزاء هذا الخضم الذي لا ينتهي عند ~~حد؟ إنه بقدرة عقلية في فطرته، يجمع بفاعلية ذهنية معينة، المفردات ~~المتشابهة، ويكون منها بخياله أسرة واحدة، يطلق عليها اسما ~~واحدا، فيتعارف الناس على هذا الاسم ليستخدموه؛ إلا أنهم حين يلخصون ~~نوعا بأسرة من الكائنات في اسم واحد، يضطرون إلى تجاهل الخصائص ~~الكثيرة التي يختلف فيها أفراد النوع الواحد من الكائنات، فلكل شجرة ~~خصائصها دون سائر الشجر، ولكل نهر، ولكل جبل، ولكل مدينة، فما الذي ~~يبقى من الخصائص، لنضمه معا بخيالنا في صورة واحدة، ونطلق عليه ~~اسما واحدا نتعارف عليه؟ إن الذي يبقى هو أقرب إلى «إطار» أجوف، ~~أضلاعه تنم عن الخصائص الجوهرية الهامة، وأما الحشو المضموني الذي ~~يملأ ذلك الإطار، والذي لا يكون الكائن كائنا بدونه، فيسقط من الحساب؛ ~~ومعنى هذا كله أن أسماء اللغة الواحدة (وكل مفردات اللغة هي بوجه من ~~الوجوه أسماء) إنما تستطيع البقاء على مر القرون، تنتقل خلالها من ~~جيل إلى جيل، بفضل كونها إطارية البناء. # وتترتب على هذا التحليل نتيجة بالغة الأهمية والخطورة، فيما ~~يختص بموقف أي إنسان من التراث الثقافي الذي ورثه عن أسلافه، وتلك ~~النتيجة هي أننا اليوم، وإن كنا نتكلم اللغة العربية التي تكلمها ~~أسلافنا، ونستطيع قراءة ما كتبوه وخلفوه لنا ميراثا من فكر وأدب ~~وغيرهما مما تحمله الصفحات المكتوبة؛ إلا أنه من المرجح جدا أن ms090 ~~تكون الدلالات اللفظية قد تغيرت مع تغير العصور، فكلمة «منزل» - ~~مثلا - أو كلمة «مدينة»، أو أي كلمة أخرى من ذوات الدلالة الحضارية، ~~لا بد أن تكون قد تغيرت في معناها الحقيقي الذي ترمز إليه، لماذا؟ ~~لأن أبناء كل عصر، يفهمون الاسم المعين، على أساس مفرداته العينية ~~الموجودة في الواقع الخارجي، فالقاهري يفهم كلمة «منزل» على صورة ~~تختلف عما يتصوره منها ساكن الريف، ودع عنك ما كان يتصوره منها ~~عربي عاش منذ عشرة قرون؟ ولهذا وجب علينا - ونحن نقرأ لأسلافنا ما ~~خلفوه لنا - أن نقف وقفات طويلة، خصوصا إذا كنا إزاء فكرة لها ~~صداها في حياتنا العملية، لنتبين ما الذي كانت تعنيه لفظة معينة ~~عند أبناء فترة زمنية معينة؛ إذ المشترك بيننا وبينهم هو صورة ~~«الاسم» وأما «المسمى» بهذا الاسم فيتعرض لاختلافات هينة حينا، ~~شديدة حينا. وإننا لنلاحظ أن مخرجي الروايات في المسرح أو السينما، ~~يعنون بهذا الجانب الاجتماعي المتغير، حين يعدون ثياب الممثلين، ~~أو يعدون قطع الأثاث؛ فلا خلاف بيننا وبين السلف في أي عصر من ~~التاريخ العربي، على الاسم «كرسي» أو «منضدة» أو «جلباب»، ولكن يبدأ ~~الخلاف والاختلاف بين أبناء العصور، حين ننتقل من الأسماء إلى ~~مسمياتها. # إن معاني الاسم الواحد في اللغة الواحدة، إذا كانت تبدو وكأنها ~~مشتركة بين أبناء تلك اللغة على تعاقب عصورهم، إلا أن الأشكال التي ~~تتجسد فيها تلك المعاني تختلف اختلافات بعيدة بين عصر وعصر في ~~كثير جدا من الأحيان؛ لقد شاء لي الحظ الحسن ذات صيف أن أشهد وأن ~~أسمع على شاشة التلفزيون في إنجلترا، فنان النحت العظيم هنري مور، وكان ~~ذلك في مناسبة عيد ميلاده الثمانين (سنة 1978م) والذين يعرفون الطريقة ~~التي يقيم بها «مور» منحوتاته؛ يعلمون كم هي تختلف عن فن النحت كما ~~كان معروفا من قبل؛ فلقد كان المألوف أن ينحت الفنان صورة إنسان، أو ~~فارس على جواده والحربة في يده، وما شاكل ذلك؛ فجاء هنري مور ليقدم ~~كومة من «كراكيب» حجرية، مستند بعضها إلى بعض بصورة ما في عمل ms091 ~~نحتي معين، فهذه كرة ضخمة من حجر، يستند إليها حجر ضخم أسطواني الشكل، ~~وأسفلها قرص من الحجر به ثقب كبير، وهكذا؛ فسأله المذيع: بم تفسر ~~الاختلاف البعيد في منحوتاتك عن فن النحت كما عرفه فنانو عصر النهضة ~~الأوروبية؟ فجاء الجواب مثيرا للعجب، أذهل المذيع، وأذهلني، كما لا ~~بد أن يكون قد أذهل سائر من يشهدون ويسمعون، إذ أجاب الرجل قائلا: إنه ~~لا اختلاف بيني وبين رجال النهضة؟ ولكن كيف ذلك وعين الرائي ترى بينكما ~~بعدا بعيدا؟ قال: إن المعول عليه في الفن هو «الشكل التكويني» ~~(أي «الفورم») وأنا أراعي «الفورم» بنفس الدقة التي راعى بها رجال ~~النهضة «الفورم» في منحوتاتهم؛ إذن فالمسألة هي «اسم» لغوي ومعناه في ~~عصرين مختلفين، فلا اختلاف بينهما على الاسم «فورم» ولكن الاختلاف ~~هو فيما يشير إليه بهذا الاسم. # ولعل هذه أن تكون هي اللحظة المناسبة التي ننتقل عندها بالحديث إلى ~~الشعر العربي في بعض صوره الجديدة؛ إننا إذا كنا ندير كلامنا حول ~~«تحديث الثقافة العربية» فلا شك في أن أولى الموضوعات باهتمامنا، يجب ~~أن يكون «الأدب»؛ والشعر هو من الأدب بمثابة الزهرة من الشجرة. ولماذا ~~الأدب؟ لأن جوهر النسيج الثقافي في كل زمان وفي كل مكان ليس هو ~~«المعلومات» المعينة التي يعرفها أفراد الأمة المعينة، وإنما جوهر ~~الثقافة هو ما بث في حياة الناس من قيم تضبط لهم الفوارق بين ~~الحسن المقبول والقبيح المرفوض؛ ومصادر تلك القيم كثيرة، ولكن الأدب ~~عموما والشعر خصوصا هو من أهم تلك المصادر؟ وذلك لأن الموضوع ~~الأساسي للأدب شعرا ونثرا، هو «الإنسان» فحتى إذا تحدث الأديب عن ~~شيء يبدو وكأنه يتحدث عن الطبيعة، إلا أن الجوهر الكامن لا بد أن ~~يكون في نهاية الأمر علاقة الإنسان بما هو موضوع للحديث؟ إنه إذا كان ~~«العلم» يطبعن الإنسان (أعني يجعله كأي ظاهرة أخرى من ظواهر الطبيعة) ~~فإن الأدب، والشعر منه بصفة خاصة، يؤنس الطبيعة؛ أعني أنه يبث ~~فيها من حياته حياة، وكأن ما فيها هم مخلوقات بشرية يتبادل معهم الشاعر ~~اللفتات والومضات ms092 والمشاعر. # والشاعر العربي المعاصر يشارك جدوده الشعراء كنيتهم، فهو «شاعر ~~عربي» وهم «شعراء عرب». وبديهي - إذن - أن يكون في هذا النسب الثقافي ~~بينه وبينهم رابطة تشبه التي بين فرد من أسرة معينة مع بقية ~~أفرادها؟ ولتختلف فردية كل فرد بطابعها المميز عن بقية الأفراد في ~~الأسرة الواحدة، إلا أن ذلك لا ينفي أن تظل الرابطة التي تربطهم ~~جميعا في أسرة واحدة، قائمة، وإلا انفرطت حبات العقد ولم تعد ~~عقدا! فماذا عساها أن تكون تلك الرابطة؟ إننا لو عثرنا عليها كنا ~~بمثابة من عثر - في الوقت نفسه - على معيار نقدي فاصل بين من يجوز له ~~الدخول في زمرة الشعراء العرب ومن لا يجوز له ذلك؟ وقد يسارع قارئ ~~فيقول: لماذا لا تكون تلك الرابطة التي تبحث عنها هي «اللغة العربية» ~~ولا شيء إلا هذا، بحيث يكون لأبناء كل عصر في التاريخ العربي، أن يقول ~~الشعر على أي نحو أراد، وحسبه أن تكون اللغة العربية هي وسيلة الأداء. ~~ونحن نصحح هذا السائل، فنقول أولا: إن هناك بيننا من يقول شعره في ~~عامية مصرية، زاعما أن هذه عنده هي «اللغة العربية» إذن تكون عبارة ~~«اللغة العربية» - كما استخدمها صاحب السؤال - بحاجة إلى تحديد. ~~وثانيا: إذا كان استخدام «اللغة العربية» وحده هو الفيصل، فلماذا لا ~~يدعي المتكلم باللغة العربية أي ضرب من ضروب الكلام أنه شاعر؟ فإذا ~~احتج علينا صاحب السؤال بقوله: كلا، بل نحن نتحدث عن الشعر، ~~وللشعر شروطه في طريقة الكلام، أجبناه بأنه ما دام قد أدخل نفسه في ~~«شروط» ينبغي لها أن تتحقق ليكون الكلام شعرا، فقد عرض نفسه ~~لسؤال أهم، وهو: وماذا تكون تلك الشروط، التي تحت مظلتها يقف الشاعر ~~العربي المعاصر مع سائر الشعراء العرب في مختلف العصور؟ # أما أنا فالجواب عندي، عن سؤال يسأل عن الرابطة التي تربط أسرة ~~الشعراء العرب حديثهم مع قديمهم، برغم اختلافات العصور، واختلافات ~~الشعراء الأفراد في كل عصر واحد، أقول: إن جوابي عن هذا السؤال، جواب ~~يثير الذعر في الكثرة الغالبة من المعاصرين ms093 ومن الشعراء بين هؤلاء ~~المعاصرين بصفة خاصة؟ وذلك لأن الجواب عندي هو أن يلتزم الشاعر العربي، ~~كائنا ما كان عصره، وكائنة ما كانت مميزاته الفردية، أن يلتزم «عمود ~~الشعر» ... ألم أقل لك أنه جواب يثير الذعر، لكن ذلك الذعر يزول معظمه ~~إذا تمهلنا بضع دقائق لنعرف ما هو «عمود الشعر» الذي دار حوله لغط كثير ~~حتى بين القدماء أنفسهم: فلسوء حظنا نحن قراء الشعر ومتذوقيه، أن ~~يساء فهم هذه العبارة إساءة أساءت إلى الشعر العربي لا سيما في عصرنا ~~هذا؟ إذ يسبق ظن خاطئ إلى كثيرين بأن المقصود بعبارة «عمود الشعر» هو ~~التزام الوزن والقافية. ولما كان شعراؤنا الجدد لا يميل بعضهم إلى ~~هذا الالتزام، فهو يرفضه، «ليبرطع» بالألفاظ وسطورها كما شاء له هواه ~~ثم يقول للناس هاكم شعرا «عربيا»! # لكن عمود الشعر هو أساس مركب من سبع صفات، ذكرها وشرحها ~~«المرزوقي» في مقدمته التي قدم بها شرحه ل «ديوان الحماسة» الذي هو ~~مجموعة المختارات التي اختارها أبو تمام مما عده أجود الشعر؟ وسأنقل ~~عبارة «المرزوقي» بنصها، لأختم بها حديثي، تاركا للقارئ خصوصا إذا ~~كان شاعرا، أو ناقدا للشعر، أن يتدبرها جيدا، وإنني لعلى يقين ~~بأنه واجد في هذه الصفات السبع مأخوذة معا، أفضل إطار ممكن، يستطيع ~~كل فرد أن يتميز فيه بفرديته، لكنه إطار يضمن لفكرة «عمود الشعر» أن ~~تدوم على امتداد الزمن، رباطا أوثق رباط بين الأفراد في أسرة الشعر ~~العربي، وهذه هي عبارة «المرزوقي» في تحديد الصفات السبع: ~~«إنهم كانوا يحاولون شرف المعنى، وجزالة اللفظ واستقامته، والإصابة ~~في الوصف، ومن اجتماع هذه الأسباب الثلاثة، كثرت سوائر الأمثال، وشوارد ~~الأبيات، ثم المقاربة في التشبيه، والتحام أجزاء النظم وتخير ~~الوزن، ومناسبة المستعار منه للمستعار له، ومشاكلة اللفظ للمعنى وشدة ~~اقتضائها للقافية، حتى لا منافرة.» # لكم تمنيت أن يتسع المكان لأصب على هذه العبارة المعيارية ~~المكثفة تحليلا شارحا، كان من شأنه أن يطرد الفزع عن نفوس الشعراء، ~~ففي هذا المعيار ما يضمن للشاعر العربي الجديد، أن يكون «شاعرا ~~عربيا» وأن ms094 يكون «جديدا». # | خصوصية الثقافة ما مداها؟ # تعالوا نبدأ حديثنا من الصفر، لعلنا نستطيع السير معا، خطوة بعد ~~خطوة، حتى ننتهي إلى نتيجة نلتقي عندها، وعندئذ يمكن النظر في القضية ~~المعروضة على نحو عملي مفيد، والقضية هي - كما ترى - عن تحديث ~~الثقافة العربية وكيف يكون؟ # فهنالك شيء اسمه «ثقافة عربية» كان قائما، ولم يزل قائما، وسيظل ~~أبد الدهر قائما! على أن هذا الاسم المطلق العام، إنما هو اسم يشير ~~إلى مجموعة من ثقافات إقليمية، تشترك كلها في جوهر مشترك، ثم تعود ~~فيتميز بعضها عن بعض بخصائص فارقة، فهناك ثقافة مصرية «أو قل وادي ~~النيل» وثقافة تعم الهلال الخصيب، وثالثة تضم بلاد الخليج، ورابعة ~~تشترك فيها بلاد المغرب العربي، وهكذا على سبيل التعميم والتقريب، لا ~~على سبيل الحصر والتفصيل، فهذه كلها «تنويعات» في نغمة الثقافة ~~العربية، كما تتعدد التنويعات على اللحن الواحد، فمثلا: هنالك شعر ~~عربي حديث، إلا أن هذه العبارة إنما تغير إلى مجموعات من شعر شعراء ~~ينتمون إلى أقطار مختلفة من الوطن العربي الواحد، ومحال ألا يجد ~~الباحث المدقق، فروقا تميز الشاعر في العراق من الشاعر في مصر، أو ~~في لبنان، أو غيرهما من أجزاء الوطن العربي، وتستطيع أن تعمم هذا ~~المثل حتى تصل إلى نسيج ثقافي كامل في كل قطر عربي، مجموعها هو ما ~~نسميه بالثقافة العربية في يومنا هذا. # وإنني لأزعم أمرين: أولهما أن النسيج الثقافي في بلد ما، أو عند ~~فرد معين، إنما هو «الأداة» التي بها يعيش الإنسان كيفما يعيش، فإذا ~~رأيت صورة الحياة العملية قد اختلفت بين شعبين، أو بين فردين، فاعلم ~~يقينا أن ذلك الاختلاف مرده إلى اختلاف فيما نطلق عليه اسم ~~«الثقافة»، أيا ما كانت العناصر التي تتألف منها «الثقافة»، ذلك هو ~~أحد الأمرين، وأما الأمر الثاني فهو زعمي بأن الثقافة العربية كما هي ~~قائمة اليوم، بينها وبين عصرها تنافر، كما يكون التنافر بين قفل ~~ومفتاح ليس مفتاحه ، فالقفل قفل والمفتاح مفتاح، لكن هذا المفتاح لا ~~يصلح لذلك القفل، ولا ينفعنا في شيء ms095 - والحالة هذه - أن نقول عن ~~مفتاحنا إنه من ذهب، أو مما هو أنفس من الذهب، اللهم إلا إذا أردنا ~~لذلك المفتاح أن يوضع في متحف من متاحف الجواهر الكريمة والمعادن ~~النفيسة، وما قد صنع منها مما يعد في دنيا الفن والصناعة روائع من ~~الروائع، وكذلك لا ينفعنا شيئا أن نقول عن القفل أنه قطعة من الحديد ~~الخسيس الصدئ، لأن الأمر ليس هو أمر مقارنات ومنافسات بين نفيس وخسيس ~~في سوق المعادن، بل الأمر هو أمر باب للحياة مغلق دوننا ونريد أن ~~ينفتح لنا لنستطيع الدخول، فقيمة المفتاح الذي في أيدينا - وهذا هو ~~الموقف وطبيعته - هي أن يكون قادرا على فتح القفل الذي أغلق باب ~~«العصر» في وجوهنا، ولو كنا في غنى عما وراء الباب، لقلنا نعم ~~ونعام عين، فمفتاحنا الذهبي في أيدينا، ستبقى له نفاسة معدنه ما ~~بقيت على الأرض حياة وأحياء، لكننا لسنا في غنى عما وراء الباب، ~~وإلا لما مددنا أيدينا إلى أصحاب الدار راجين أن يفتحوا بابهم ~~المغلق ولو بمقدار ما نشتري من منتجاتهم - ومن علومهم، ومن أفكارهم ~~ونظمهم - ما يتصدقون علينا به في أسواق البيع والشراء. # بهذه الصورة تتضح عناصر المشكلة الحقيقية التي نواجهها في حياتنا ~~الثقافية العربية كما هي قائمة؛ فموضع الإحراج والحيرة هو: أنبقي على ~~مفتاحنا الذهبي النفيس وإلى الجحيم بالعصر وأبوابه الموصدة؟ أم ~~نخزن هذا المفتاح في ذاكرة التاريخ، ونلتمس لأنفسنا مفتاحا يفتح ~~لنا أبواب هذا العصر، حتى ولو كان مفتاحا من أخس الحديد؟ فإذا كانت ~~الأولى أبقينا على حياتنا الثقافية كما هي في قصورها، وإذا كانت ~~الثانية، أخذنا من ثقافة العصر ما نطعم به ثقافتنا لنجري في ~~شرايينها دماء الحياة. إنه إذا لم يكن أمامنا إلا هذان البديلان، كان ~~الموقف عصيا على من أراد اختيار بديل منهما دون الآخر، فمن ذا الذي ~~يريد أن يتشبث بمفتاح لا يفتح له بابا مغلقا، لمجرد كونه مفتاحا ~~من ذهب؟ ومن ذا الذي يريد أن تنفتح له الأبواب بلا شرط ولا قيد، حتى ~~لو انفتحت تلك ms096 الأبواب على حياة تلغي وجوده ليصبح عدما من العدم؟ ~~لقد صور القدماء مثل هذا الموقف المربك بثور هائج جاء مهاجما ~~بقرنيه الفاتكين، فماذا يصنع من هو في خطر هذين القرنين، إذا كان ~~رجلا قويا، إلا أن يمسك ذلك الثور الغاضب من قرنيه، يمسكهما بقبضة ~~يديه في ثبات، حتى يجد لنفسه منفذا بين القرنين فينجو. ولقد أطلق ~~القدماء على قرني الثور في مثل هذه الحالة، اسم «قرني الإحراج»، وهو ~~تصوير لموقف من وجد أمامه بديلين وكلاهما مر، وطريق النجاة عندئذ ~~إنما يتحقق بالمرور الماهر بين القرنين. # فهل من طريق أمامنا للنجاة من خطر البديلين اللذين ذكرناهما، فيما ~~يتصل بحياتنا الثقافية، وهما: إما ثقافتنا التقليدية وحدها، برغم كونها ~~لا تقوى على مواجهة العصر وقضاياه، وإما ثقافة الغرب العاهر وحدها برغم ~~كونها تضيع علينا خصائصنا وتاريخنا وكل ما يحقق لنا هوية وطنية ~~وقومية متميزة؟ أقول: هل من طريق أمامنا للنجاة من هذا الإحراج؟ الجواب ~~هو بالإيجاب؛ إذ كل ما نريده ليسعفنا بالخلاص من الحرج والحيرة، هو أن ~~نقف بالجانب التاريخي المعروف، الذي منه تتكون الخصوصية الثقافية ~~المميزة لنا، أن نقف بذلك الجانب عند الحد الضروري، لا نزيد عليه، ~~لنفسح بقية المجال للجانب الآخر المستعار من حياة جديدة نشأت ونشأت ~~معها حضارة جديدة تسرى في أصلابها روح ثقافية جديدة، وأن هذا الجمع بين ~~الجانبين في ساحة واحدة، ليحمل معه بعض الضرر إذا كان جمعا يكتفى ~~فيه بمجرد التجاور المكاني، فهذا إلى جوار ذاك، دون أن يندمجا معا في ~~نسيج واحد، وإنه كذلك ليكون جمعا فيه البعث والنهوض، إذا عرفنا كيف ~~نضفر الخيطين في حبل واحد، والذي حدث في حياتنا بالفعل، هو أن جاورنا ~~بين المصدرين، ولم نستطع مزجهما معا في حياة طبيعية واحدة، ومن هنا ~~كان الضعف والمرض - بل والموت أحيانا - ومن هنا أيضا يتبين لنا ~~طريق التحديث الثقافي؛ أين يكون وكيف يكون؟ # إنك أينما وجهت النظر في جوانب حياتنا، عملية ونظرية، رأيت هذا ~~التجاور بين أصيل ووافد دخيل، فأما هذا الدخيل الوافد للمنفعة ms097 ~~العملية، وأما ذلك الأصيل فللحياة الوجدانية ذات العمق العميق في ~~القلوب. وابدأ بمعاهد العلم والتعليم كالجامعات، فهناك مادة علمية في ~~شتى ميادين التخصص، تؤخذ من أحدث مصادرها في الغرب المعاصر، هناك ~~الأجهزة المتطورة في معامل الكليات العلمية، وهنالك المراجع التي ~~تمثل آخر ما وصل إليه الباحثون في الغرب، لكن هذا كله لا يزيد عند ~~الدارس - كما هو لا يزيد عند الأستاذ - على قشرة تكسو سطح الذاكرة، ~~لتكون جاهزة للاستعمال إذا ما خرج ذلك الدارس إلى دنيا العمل، فالطبيب ~~في طبه، والمهندس في ميادينه، والحقوقي في مواضعه من المحاكم وغيرها من ~~مجالات القضاء، وهكذا إلى آخر التخصصات العلمية، لكن حك جلود ~~هؤلاء جميعا، لا أقول إلى عمق عميق، بل يكفيك أن تجاوز قشرة رقيقة ~~على سطح الجلد، لتجد سذاجة التصديق لأي شيء مما ينتقض العلم ويتناقض ~~مع أحكام العقل، وهناك تحت ذلك السطح الرقيق، تذوب الفوارق حقا بين ~~الطبقات والأفراد، ويكاد الجميع أن يتلاقوا معا على حالة من سلبية ~~القبول لما يعرض عليهم، ما دام العارض رجلا مؤهلا في حفظ ما هو ~~مخزون في صحف الأولين. # واترك معاهد العلم والتعليم إلى ميادين الإعلام والثقافة، فعندئذ ~~ترى تجاوزا آخر من صنف فريد، فالمذيع على استعداد نفسي بأن يلعن ~~حضارة الغرب وثقافته ألف لعنة، ويعوذ بالله منهما كما يعوذ بالله من ~~شيطان رجيم، ومع ذلك فهو يفعل ذلك كله في مذياع أو في تلفاز صنعهما له ~~ذلك الغرب الملعون، والطبيب والمريض كلاهما على استعداد نفسي أن ~~يستنزلا غضب السماء على حضارة الغرب وثقافته، ومع ذلك فكلاهما يستسلم ~~راضيا، ولكنه غير شاكر، للأجهزة الطبية التي صنعها الغرب، وللعلم ~~الطبي الذي أبدعه الغرب. وانتقل إلى «المبدعين» في دنيا الأدب ~~والفن؛ تجد ما هو أدهى وأمر، فالمبدع في أدب الرواية - مثلا - على ~~أتم استعداد نفسي بأن يملأ وعاءه الروائي بالتمرد على حضارة الغرب ~~وثقافته، وينسى أن أدب الرواية في ذاته - بالمعنى الخاص الجديد ~~«للرواية» - مأخوذ من ثقافة الغرب، فأدبنا العربي قد عرف «الحكايات» ~~لكنه لم يعرف ms098 أدب الرواية بالمعنى الذي يكون فيه تصوير النماذج ~~البشرية تصويرا تحليليا مستفيضا، يكشف عن حقيقة الإنسان في سر ~~سره المخبوء. والأمر واضح في الأدب المسرحي، فإنه لمما يثير ~~العجب، أن نبذل جهدنا لنثبت أن في تراثنا الشعبي مسرحا، وبذلك فلا ~~نكون مدينين للغرب بشيء في هذا الصدد، وفي هذا الوقت نفسه ترانا لا ~~نقيم مسرحا له قيمة في عالم الأدب والفن، إلا إذا أجريناه على سنن ~~الفن المسرحي كما عرفه الغرب، وكما نقلناه عنه. # وندير البصر إلى حياة الجمهور في شتى درجاته، فنرى ذلك التجاور بين ~~الحياتين ظاهرا في وضوح: فالريفي في قريته، قد أدخل في بيته كثيرا ~~من أجهزة الحضارة العلمية الجديدة، لكنه مع ذلك لا يزال هو الريفي في ~~رؤيته وفي أحكامه، لم يختلف عن أبيه وجده، بل ربما ساء سبيلا، لأنه ~~فقد البساطة البريئة، ولم يعوضها بمزيد من معرفة وعلم، وإننا لنبلغ ~~ذروة الملهاة في تجاوز المصدرين، إذا ما جلسنا أمام مذياع أو تلفاز، ~~لنستمع إلى أحد ممن اختاروا الحياة في صحف التراث موردا للعيش، ~~فهناك حقا ترى الزاوية قد انفرجت حتى بلغت مائة وثمانين درجة، بين ~~حياة فعلية يعيشها الرجل في بيت حديث العمارة، وطب حديث، ونظم ~~حديثة في التعليم، وفي الحكم، ووسائل نشر حديثة في الصحافة وغيرها مما ~~تنشره مطابع حديثة جاوزت بما تصنعه شطحات الأحلام، إلى آخر الأعاجيب ~~التي أنتجتها حضارة العلم الجديد، ومع ذلك كله، فالرجل على استعداد ~~نفسي كامل، بأن يفتح نيران مدافعه على ذلك الغرب الخبيث الشيطاني ~~الملعون. # وإنا لنلحظ مثل هذه الازدواجية الثقافية المريضة في معظم بلدان ~~العالم الثالث التي تحررت من مستعمريها حديثا، فقد دفعها الغيظ ~~المكتوم إلى التمسك بكثير من ملامح حياته الوطنية، إذا ما كان ~~المجال مجال لقاءات على المستوى الدولي، كاجتماعات هيئة الأمم ~~المتحدة، حيث ترى الممثلين لتلك البلدان وقد ارتدوا ثيابهم الوطنية، ~~وقدموا وجبات من طعامهم الوطني في حفلات العشاء التي يقيمونها، ~~وهكذا، وكل ذلك شيء محبب إلى النفس ولا عيب فيه، لكن الأمر إذا ms099 ما ~~جاوز تلك الظواهر، ليمس نبض الحياة الحقيقي، كأن يخلص المواطنون ~~لوطنهم بالأفعال لا بالأقوال، فيخلصون في العمل والإنتاج، ويخلصون في ~~التفكير والتعبير، وجدت لديهم شيئا آخر. ولست عالما من علماء ~~الاقتصاد لأعرف لماذا يظل هذا العالم الثالث في حالة دائمة من الفقر ~~والعوز، فإذا قيل إنه الغرب الشيطاني مرة أخرى، هو الذي يبتز ~~مواردنا الطبيعية بأبخس الأثمان، ليبيعها لنا مصنوعة بأغلى الأسعار، ~~كان جوابي هنا: إن شيطنة الأبالسة لا تنال إلا غير المؤمنين؛ فلو ~~آمنا حقا بواجبنا نحو أوطاننا وأقوامنا، لاختلفت معنا سبل العمل ~~وطرائق التفكير. # لقد قدمت ما قدمته مجازفا، لأنني على أيقن يقين بأن القارئ ~~المتعجل - وقارئنا يغلب عليه أن يتعجل القراءة - سيقفز بأطراف البصر ~~بين ملامح السطور، ليصرخ آخر الأمر بأن هذا كاتب متعصب للغرب في ~~صمم وعمى، فمثل هذا القارئ المتعجل لا يريد أن ينصف في أحكامه، ~~وإلا فلا تعصب هنا ولا ما يشبه التعصب، وإنما الذي بين أيدينا ~~تحليل وتصوير: كيف تخلفنا عن ركب الحياة ولماذا؟ فإذا كان أمر ذلك ~~مرهونا دائما بالنسيج الثقافي الذي يكسو حياة الناس في عصر معين، ~~جاء سؤالنا الرئيسي: وما سبيلنا إلى تحديث حياتنا الثقافية تلافيا ~~للنقص وعلاجا للمرض، شريطة ألا يجيء شيء من ذلك ليشوه ملامح كياننا ~~أو ليمحوها، بل لنلتمس الموضع الصحيح الذي نكتفي عنده بمقوماتنا ~~التاريخية، لنكمل البناء بإضافات تدخلنا في العصر الجديد، لا بشراء ~~أجهزته وآلاته، وترديد أفكاره العلمية ترديد الببغاء، فنفكر بآذاننا ~~وليس بعقولنا، بل بالإيمان الحضاري الثقافي الذي لا يكذب ولا ينافق، ~~والذي يحقن ثقافة قومه التقليدية بما تزداد به قوة وفاعلية وإبداعا، ~~فإذا كنت متعصبا لشيء، فلمثل هذا الخلق الثقافي الجديد، الذي يقام ~~على أسس الهوية القومية، ثم يضيف إليها غذاء عصر لا يشبه ما قد سبقه ~~من عصور. # ولكن كيف تتم لنا هذه التغذية التي تخرج من ثقافتنا خلقا جديدا، ~~مع محافظته على جوهره؟ إن جواب هذا السؤال يقدم نفسه بما يصنعه علماء ~~الزراعة وهم ينتجون نوعا جديدا من ثمرة معروفة، ms100 فهم ينتجون ~~برتقالا من طراز جديد، ولكنه برتقال، وينتجون قطنا أو قمحا أو ما ~~شئت، من نوع جديد ولكنه قطن أو قمح أو ما شئت، وهكذا قل في كثير جدا ~~من أنواع الأحياء وكيف يخرج منها علماؤها طرزا جديدة، أقوى وأغنى ~~بصفاتها مما كانت عليه أسلافها، دون أن يفقد النوع جوهره، فلا يصبح ~~الجواد الكريم قردا ممسوخا، كلا ولا يتحول القرد ليصبح جوادا ~~كريما. # ولا علينا مما يحدث في عالم النبات وعالم الحيوان، ولنعد بحديثنا ~~إلى الإنسان وثقافته، ونسأل مرة أخرى: كيف تتحول ثقافة معينة إلى ~~صورة أقدر وأقوى وأهدى سبيلا، دون أن يمسخ ملمح من جوهرها الأصيل؟ ~~وأبدأ بأن أطمئن القارئ بأن هذا الذي تسعى إلى خلقه، قد تحقق ~~بالفعل في كثيرين من أعلامنا، بحيث نجد الواحد منهم عربيا ومسايرا ~~لعصره من عمق أعماقه، وكل الذي بقي علينا أن نحققه، هو أن يتسع بنا ~~مجال التطبيق، حتى يصبح هذا النموذج الثقافي متمثلا في عامة ~~الجمهور، بدل أن يظل مقصورا على أفراد. # ثم أنتقل بعد هذا التنبيه، لأبين كيف يتم التحول المطلوب على ~~نطاق أوسع ليشمل الجمهور في طريقة تفكيره وفي أسلوب عمله، فأقول: إنها ~~«المعرفة» ثم مزيد من المعرفة، فهي الوسيلة التي لا تسبقها وسيلة أخرى، ~~ليتحقق لأفراد الشعب اكتساب الشخصية الجديدة التي تصمد فيها خصائص ~~الهوية المصرية، العربية، ويضاف إليها بالدمج العضوي، خصائص تقتضيها ~~الحياة الحديثة في عصر العلم ... معرفة ماذا؟ معرفة الإنسان العادي ~~لدقائق الأشياء التي حوله مما يقع في مجال عمله، ومعرفة «الآخرين» ممن ~~يواطنونه، ومن هم خارج حدود الوطن؛ فالعالم تستمد صلاته ~~بالوسائط المستحدثة حتى ليستحيل على إنسان أن ينعزل حتى إذا أراد. ~~وأخيرا معرفة الفرد لنفسه على نحو موضوعي ولو إلى حد محدود. وإذا ~~أردت أن تتبين كم هي قليلة ومهوشة وخاطئة، تلك الحصيلة المعرفية ~~التي يحصلها متوسط الفرد في شعبنا، فاستمع إلى الكثرة الغالبة ~~منهم، كيف يتحدث المتحدث منهم عن أي موضوع يطلب إليه التحدث ~~فيه، فعندئذ تسمع لعثمة ولجلجلة وكلمات متقطعة، لينتهي ms101 الحديث آخر ~~الأمر بمضمون ضحل قلما ينفع أحدا أو يشفع لأحد. وقارن هذا الفقر ~~الشديد في محصول المعرفة عند الفرد العادي - بل ومن هو فوق العادي - ~~قارنه بما تسمعه في إذاعات أجنبية حين يدور حوار بين مذيع وشخص ~~آخر - قد يكون عابر سبيل - لترى كيف ينطق الكلام، وكيف تغزر المعاني ~~التي يحملها هذا الكلام، ويتم كل ذلك بغير لألأة أو لجلجة أو لعثمة ~~إلا قليلا، لماذا؟ لماذا نعلل الفرق بين متحدث هنا ومتحدث هناك، ~~سواء أكان موضوع الحديث متصلا بتخصص المتحدث، أم كان حديثا ~~عابرا في موضوع عام؟ علة هذا الفرق الشاسع الذي لا يدرك مداه إلا ~~من تعمد أن يقارن فتدق ملاحظته، أقول إن علة ذلك الفرق هو أننا ~~هنا لا نعرف، وأنهم هناك يعرفون؛ يعرفون «الأشياء» ويعرفون «الآخرين» ~~ويعرفون «أنفسهم» ومصدر تلك المعرفة عندهم، ملاحظة واعية لما حولهم من ~~جهة، وقراءة لا تنقطع من جهة أخرى. وإذا قلنا «قراءة» فقد قلنا ~~اكتسابا لمشاهدات القادرين على المشاهدة والتحليل والاستدلال، ليضاف ~~ذلك إلى ما قد حصله الفرد من واقع حياته تحصيلا مباشرا. # وربما كان القسم الثالث من أقسام «المعرفة» التي ذكرناها، وأعني ~~معرفة الإنسان لنفسه معرفة موضوعية، لا يكتفي صاحبها بمجرد استبطان ~~ذاته؛ ليرى ماذا يحدث فيها من أفكار ومشاعر ودفعات الغرائز، أقول: ~~ربما كانت معرفة الإنسان لنفسه على هذا النحو الموضوعي، هي المجال الذي ~~تنبت فيه ما أسميناه «بالخصوصية الثقافية» فلكل إنسان - كائنا ما ~~كان موطنه، وكائنا ما كان عصره الذي يعيش فيه - تركيبة من معرفة ومن ~~عقيدة، يتجاوب بها مع مكانه وزمانه ومع من يتعامل معهم من سائر الناس، ~~وتلك التركيبة الخاصة هي التي تحمل خصوصية موقفه، وهي التي تحدد ~~«رؤيته» إلى العالم الخارجي، في ماضيه وفي حاضره وفيما يرجى ~~لمستقبله، فللمصري هذه التركيبة الخاصة به، يضاف إليها جانب يجعلها ~~تركيبة أوسع نطاقا تسلك المصري مع مواطنيه في الوطن العربي الكبير، ~~ثم قد تتسع التركيبة لتشمل ما هو أوسع وهكذا. أريد أن أقول إن ~~الخصوصية الثقافية لشعب ما ms102 ليست شيئا جامدا يتساوى فيه يومه مع ~~أمسه وغده، بل هي كيان تتسع فيه الدوائر ما اتسعت آفاق الحياة. # والسؤال الهام في هذا الصدد هو: أصحيح أن الخصوصية الثقافية لشعب ~~معين، قد تتعرض لخطر الانهيار إذا هي انفتحت أبوابها لتنفذ منها ~~عوامل خارجية آتية من ثقافات أخرى؟ يبدو أن مثل هذا الظن هو السائد في ~~مصر وسائر أقطار الأمة العربية اليوم، ولذلك يكثر القول الدال على ~~فزع، عما يسمونه «غزوا» ثقافيا يهدد خصوصية الثقافة العربية، ~~إنه لو صدق هذا الظن لما عرفت الدنيا شيئا اسمه «لقاء الثقافات» ~~وماذا يكون هذا اللقاء بين الثقافات إن لم يكن تأثيرا وتأثرا، ~~يحدث بها التبادل بين تلك الثقافات أخذا وعطاء، وانظر إلى شتى ~~أنواع الفن في عصرنا هذا، لترى كم أخذ الفن في الغرب من شعوب إفريقيا: ~~في التصوير، وفي النحت، وفي الموسيقى والغناء، وانظر إلى أرجاء ~~العالم كله، لترى كيف أن فن العمارة في صورته الحديثة يكتسح المدن ~~والقرى، والأمثلة على ما قد شهده التاريخ من لقاءات بين ثقافات ~~مختلفة، لا تكاد تعد أو تحصى دون أن تمحى بذلك خصوصيات الشعوب، مما ~~يدل على أن تلك الخصوصية يكفي لصمودها أن يصمد فيها خصائص جوهرية ~~قليلة، لا تتسع لتشمل كل أطراف الحياة. # لقد تعاقبت في تاريخ علم الفلك نظرتان - أو نظريتان - عن الأرض ~~وعلاقتها بسائر أجزاء الكون بصفة عامة ومن بقية أجزاء المجموعة ~~الشمسية بصفة خاصة، وكانت النظرة الأولى لبطليموس، وهو من علماء ~~الإسكندرية في عهدها القديم، يقول فيها: إن الأرض ثابتة، وهي في مركز ~~الكون، حولها تدور كل نجومه وكواكبه، وأما الثانية فكانت لكوبرنيق، وهو ~~من علماء الفلك في عصر النهضة الأوروبية، وقد عكس بها الصورة التي ~~تصورها بطليموس، ولا تزال نظرة كوبرنيق هي المأخوذ بها إلى اليوم ~~وخلاصتها؛ أن ليست الأرض إلا كوكبا كسائر الكواكب في المجموعة ~~الشمسية، وكلها على حد سواء يدور حول الشمس. وإنني لأذكر هاتين ~~النظرتين، لا من حيث هما حقيقتان عن الأرض في تاريخ علم الفلك، بل ~~لأنهما ms103 تدلان في الوقت نفسه على نموذجين من التفكير البشري، فهنالك ~~أقوام تأخذهم العزة بالأنانية وحب النفس؛ فلا يتصورون أنفسهم إلا ~~كالقطب تدور حوله الرحى، فإن كان في الدنيا أقوام سواهم، فلا بد أن ~~يكونوا دونهم خلقا ومجدا وإنسانية، ولكن هنالك كذلك أقوام ينظرون إلى ~~أنفسهم - لا على نظرة بطليموس، بل على نظرة كوبرنيق - فيرون أنهم مع ~~غيرهم من البشر سواء، ولا يكون فرق بين شعبين إلا بالقدرة وبالعلم ~~اللذين يجعلان من شعب يتحلى بهما معا بين خصائص أوفر مالا، وأشد ~~قوة وسلطانا. وواضح بين هاتين الوقفتين أن أصحاب النظرة الأولى - ~~التي تنطوي على ذاتها، وتنكفئ على ثقافتها الخاصة وتاريخها الخاص - هم ~~الذين يخشون على خصوصيتهم الثقافية أن تأتي إليها عوامل خارجية، ~~فتثقب جدرانها، وتطير مع الهباء هباء. إنها أوهام الضعف والمرض، ~~وتظاهر بالثقة بالنفس، يخفي وراءه شعورا بالعجز والخواء. # ومعرفة الإنسان لنفسه معرفة «موضوعية»، تبين له أين مواضع القوة ~~وأين مواضع القصور، هي التي تخرجه من أوهامه عن حقيقة ذاته، وقد تكون ~~هذه فرصة مناسبة ألاحظ عندها أن المتعقب لما ينشر من نتاج ثقافي - ~~شعرا ونثرا - في أرجاء الوطن العربي اليوم يرى في وضوح، كيف وإلى ~~أي حد بعيد، نخدع أنفسنا عن أنفسنا، حتى لتجيء أفكارنا وأشعارنا أقرب ~~إلى أحلام اليقظة منها إلى الرؤية إلى واقع الأمر من خارجه لكي نراه ~~على حقيقته: علما وجهلا، قوة وضعفا، ويكفيك في ذلك أن تقرأ الشطر ~~الأكبر من شعر شعرائنا المعاصرين لتعلم كم فيه من نظرة تتجه إلى ~~باطن، وكم يتجه إلى خارج بحجة أن الشعر تعبير عن «ذات» الشاعر، ~~وهو قول إن يكن صحيحا في بعض الشعر الجيد إلا أنه لا يصدق على أجود ~~ما أنتجه الإنسان من شعر، فعمالقة الشعر - والأدب كله - هم أولئك الذين ~~عرفوا كيف تنصلوا من ذوات نفوسهم، ليوجهوا بصائرهم نحو حقيقة ~~«الإنسان». # تلك - إذن - هي معرفة الإنسان لحقيقة نفسه، وهي إحدى معرفات ثلاث ~~ذكرناها فيما أسلفناه، لنقول إن تحديث الثقافة العربية مرهون بتحصيلها، ~~وأما الضربان الآخران، فأحدهما ms104 هو معرفة الإنسان - ما وسعت قدرته - ~~لحقائق الأشياء من حوله، خصوصا في المجال الذي تقع فيه حياة الفرد في ~~عمله، وأما الضرب الآخر فهو معرفة الجمهور لما يجري في حياة الآخرين ~~إننا في كل ذلك نجهل أكثر من كثير، ونعلم أقل من قليل وهو نقص مرده ~~إلى التربية الأولى، وإلى التربية الثانية، وإلى التربية الثالثة، ففي ~~الأولى؛ لا يجد الطفل في سنيه الأولى أسرة ترهف حواسه لترى ~~ولتسمع، فمن ذا الذي يعرف أن عين الطفل يجب أن تدرب على رؤية ~~التفصيلات في كل شيء مما حوله، وأن أذنه يجب أن ترهف لتسمع تفصيلات ~~الصوت المسموع؟ وأما التربية الثانية في المدارس فهي أضل سبيلا، لأن ~~القائمين عليها لا يعرفون لأنفسهم مهمة يؤدونها إلا أن يحفظ تلاميذهم ~~مجموعة من ملخصات مبتورة، وكان الله يحب المحسنين، وتركت تربية ~~العين وتربية الأذن وغيرهما من حواس الإدراك، لعبث المصادفات! وأما ~~التربية الثالثة وهي التي مصدرها أجهزة الإعلام، فأصحابها مشغولون عن ~~تربية الأفراد في هذا الاتجاه، بمقطعات من المشاهد والمعلومات، لا يذهب ~~نفعها في حياة الناس إلى أبعد من حركة الظل يظهر خافتا ثم لا يلبث أن ~~يزول. # لقد أتيح لي ذات يوم بعيد، أن أقرأ الكلمات التي ألقاها أعضاء ~~مؤتمر ثقافي دولي، ضم بين أعضائه هؤلاء، نفرا من أعلام الفكر في ~~عدد كبير من أقطار الدنيا وفيهم بعض أعلام العرب، فكان أشد ما ~~استوقف نظري عند المقارنة، أن علماء الغرب وأدباءهم، أقاموا نتائجهم ~~على «تفصيلات» مدروسة، وأما نظراؤهم العرب فكانت كلماتهم أميل إلى ~~التعميمات المجردة الباهتة. وأذكر أني همست لنفسي يومئذ قائلا: إن ~~أولئك «يعلمون» وهؤلاء «لا يعلمون». # إن أوعية رءوسنا هي كالخاوية من معرفة التفصيلات، وذلك بالنسبة إلى ~~المجالات الثلاثة التي ذكرناها، فمتوسط الفرد منا لا يعرف إلا النذر ~~اليسير عن الأشياء التي في محيطه، وعن حقيقة الحياة عند الآخرين، وعن ~~أنفسنا، ولذلك ترى كاتبا يكتب ولا يقول شيئا ، ومتحدثا يتحدث ولا ~~يترك عند سامعه أثرا، فلو عملت قنوات التعليم والإعلام على تعبئة ~~الأوعية ms105 الخاوية بما عساه أن يتبلور في «وجهة نظر» تعم أفراد الشعب ~~برغم تفاوت درجاتهم بعد ذلك، فربما ارتفعنا ثقافة، وازدادت خصوصيتنا ~~الثقافية - في الوقت نفسه - حرارة وعمقا. # | غابت الفكرة عنا # الواحد من عصور التاريخ هو - في أغلب الحالات - فكرة كبرى واحدة، ~~تكون من الحياة الثقافية الطويلة العريضة العميقة لذلك العصر، ما يكون ~~القطب من الرحى، فقد تطير الأفكار بأصحابها هنا وهنا وهناك، تتعدد ~~موضوعات ويتعدد الرأي وقد تتنوع مبدعات الأدب شعرا ورواية ~~ومسرحية ومقالة، كما تتنوع مبدعات الفن أنغاما في الموسيقى ~~وألوانا في التصوير، وقد تتكاثر الاتجاهات متقاطعة أو متوازية، في ~~ميادين التعليم والسياسة والاقتصاد والحكم، نعم، قد يحدث هذا الثراء ~~كله في العصر الواحد، حتى ليتعذر على العين أن ترى كيف يمكن أن ~~تنعقد ألوف الآلاف بين الخيوط في عقدة واحدة؟ وأما المتعقب الصابر ~~لتلك الخيوط، فهو لا بد منته بها إلى مصدر واحد، هو «الفكرة» الكبرى ~~والواحدة، التي هي من هذه الأشتات الثقافية كلها كبرج المنارة يرسل ~~الأشعة في كل اتجاه، وأبناء العصر - بعدئذ - يتفاوتون درجات في مدى ~~استجابتهم لتلك «الفكرة» المحورية الوضاءة؛ منهم من ينشغلون بأمرها، ~~حتى ليمسون معها ثم يصبحون، ومنهم من يعاودون النظر إليها لحظة ثم ~~يجعلونها وراء ظهورهم، ومنهم من يحيون ويموتون وهم لا يعلمون عنها ~~شيئا، كأنها لم تكن هناك، ويترتب على هذا التفاوت بين أبناء العصر ~~الواحد، تفاوتهم كذلك في غزارة الانتماء إلى عصرهم، وبهذا المقياس أنظر ~~إلى الأمة العربية في عصر الناس هذا، فأراها وكأنما هي فيما يشبه ~~الغيبوبة عن «الفكرة» التي نسج العصر من خيوط ضيائها. # وقبل أن أحدثك حديثا مفصلا عما أراه «فكرة» محورية كبرى ~~لثقافة عصرنا ليتبين من ذلك موضع القصور في حياتنا نحن، منسوبة إلى ~~شواغل عصرها، يحسن أن أضع بين يديك في إيجاز صورة لعلها أن تكون ~~مألوفة عند الكثرة الغالبة من قرائنا، وأعني صورة الحياة الثقافية في ~~«العصر» الإسلامي العربي إبان قرونه الأولى التي هي فترة الإبداع ~~والقوة، وسوف ترى من تلك الصورة، ما كنت ms106 أعنيه، حين قلت إن للعصر ~~الواحد «فكرة» كبرى واحدة تكون لعصرها ما يكون القطب من الرحى؛ إذ هي ~~تشع نورها في كل اتجاه، وفي كل اتجاه يتلقاها الأيقاظ من أبناء ~~العصر (لأن النيام في سباتهم العميق لا يشعرون) يتلقاها الأيقاظ، لا ~~ليتساووا أمامها أو يتشابهوا، كلا فبحكم الاختلافات الفارقة بين ~~أفراد الناس، يتحتم أن يختلفوا كذلك في قدراتهم وفي وجهات أنظارهم ~~عندما يتلقون ما يتلقونه. # وكانت رسالة الإسلام نفسها - بالطبع - هي «الفكرة» الكبرى، التي ~~تستطيع أن تقول - في غير إسراف ولا مجاوزة لحدود الحقيقة - إنها (أي ~~تلك الفكرة الكبرى) قد لبثت طوال القرون منذ صدورها، هي الموضوع ~~المحوري الذي دارت حوله العقول كلها، والقلوب كلها، فما من علم واحد، ~~أو فرع من علم، إلا وهو متصل من قريب أو من بعيد بما نزلت به رسالة ~~الإسلام، فدوائر بحث أقيمت لدراسة اللغة العربية من شتى أوجهها ~~وذلك بغية مزيد من الفهم الصحيح للقرآن الكريم، ومدارس أقيمت للفقه ~~الإسلامي اختلفت مناهجها واتجاهاتها من إقليم إلى إقليم، وذلك في ~~محاولات مخلصة لاستخراج الأحكام الصحيحة من آيات الكتاب الكريم، ~~وجماعات متفرقة هي جماعات «المتكلمين» (أي الباحثين في كلام الله) ~~كان شغلها الشاغل دراسة المفاهيم الإسلامية الهامة كالعلاقة بين الذات ~~الإلهية وصفاتها، وكفكرة التوحيد والقضاء والقدر، وإرادة الإنسان من ~~حيث هي مخيرة أو مسيرة مجبرة، وغير ذلك من أمهات المسائل في ~~العقيدة الإسلامية، ثم هناك مجموعة الأفراد الأفذاذ الذين هم «فلاسفة» ~~المسلمين الذين اختلفوا بما اختلفت شخصياتهم الفردية لكنهم اتفقوا ~~جميعا على المهمة التي يؤدونها، وهي أن ينظروا في «الحكمة» وما ~~جاءت به نقلا عن القدماء (والمقصود بها الفلسفة اليونانية) أو الشريعة ~~الإسلامية من جهة أخرى ليروا أين يتلاقى الجانبان وأين يفترقان، ~~ونضيف إلى تلك المدارس والجماعات كلها صنوفا أخرى من الفروع التي ~~تندرج تحت هذا الاسم الواسع الفضفاض وأعني اسم «الثقافة» كالمؤلفات ~~والدواوين التي خلفها لنا «المتصوفة» وكذلك كتابات منوعة كثيرة مما ~~يأتي تحت عنوان «الأدب» وغير ذلك، كله موصول بالفكرة الكبرى التي هي ms107 ~~محور العصر وثقافته بجميع أطرافها. # ولو أنك استعرضت الصورة بلمحة تجمع لك عدة قرون في إطار واحد، ~~لكان الذي تراه من ضروب الاختلاف في الرأي أكثر مما تراه في الصورة ~~من ضروب الاتفاق، فالتيارات المذهبية متصارعة في كل ميدان، ~~والاختلافات الفردية بين العلماء ورجال الفكر أكبر من أن تخطئها عين ~~الرائي، ومع ذلك فهم جميعا أبناء «عصر» واحد، لأنهم يفكرون ويشعرون ~~ويكتبون في ضوء فكرة كبرى واحدة هي رسالة الإسلام. # وقبل أن أنتقل بالقارئ بعد الصورة الموجزة التي قدمناها للعصر ~~الإسلامي العربي في مرحلته الأولى مرحلة الإبداع والقوة، والتي امتد ~~بها الزمن نحو تسعة قرون، أقول: قبل أن أنتقل بالقارئ من تلك الصورة ~~إلى صورة عصرنا نحن، أريد أن أوضح فكرة عظيمة الأهمية في هذا ~~السياق من الحديث، توضيحا يجنبنا الوقوع في الخلط والخطأ، وهذه ~~الفكرة هي أنه حين يتحرك تيار الزمن بالناس من عصر إلى عصر يليه، ~~وإلى العصور التالية بعده وحين يتبدل بهذا الانتقال محور التفكير ~~والإبداع ليصبح محورا آخر، فلا يكون معنى ذلك أن العصر الذي انقضى ~~زمنه وانقضى معه المحور الذي كانت تدور حوله حركة العقل والشعور، قد ~~تبخر من الوجود وانطوى في هوة العدم، بل يكون معناه هو أن حصيلته ~~الثقافية بقضها وقضيضها قد تحولت إلى عادات رسخت جذورها في حياة ~~الناس العملية والنظرية معا، وما جاءت به العصور التالية من قضايا ~~جديدة إنما أتى ليضاف إلى مقومات الإنسان، ولو لم تكن هذه هي حقيقة ~~الأمر في العصور المتوالية لكان الإنسان في كل عصر جديد يبدأ من ~~الصفر، ولم تكن الحياة البشرية لتنمو قيد شعرة حتى ولو دامت ملايين ~~السنين، وربما كانت الصورة المصغرة التي توضح هذا الذي قدمناه، هي ~~صورة الحياة في الفرد الإنساني الواحد؛ إذ ينتقل به العمر في مدارجه! ~~فما قد عرفه وشعر به الطفل إبان طفولته يظل معه ليضيف إليه ثم ليكون ~~هذا وذاك معا عدته في حياته، عملية كانت أم نظرية. ولقد أشار ~~«ألفرد نورث هوايتهد» إلى هذه الفكرة في ms108 كتابه «مغامرات أفكار» لكنه ~~أشار إليها في صورة أخشى أن يضل بها القارئ في الموضوع الذي نحن ~~الآن بصدد الحديث فيه، وذلك أن «هوايتهد» يقول إن الحصيلة الثقافية ~~لعصر ما، تنتقل عند الإنسان في عصوره التالية من الشعور إلى اللاشعور، ~~يريد بذلك أن يقول إن الفكرة المعينة التي تتكون في بؤرة التفكير ~~الواعي من حياة الناس وهم يحيون خلال عصر معين، لا تنعدم فيما يلي ~~بعد ذلك من عصور، بل هي إلى الأبد قائمة هناك في صلب الكيان البشري، ~~ومن ثم يتقدم الإنسان ويرتقي عبر حضاراته وثقافاته المتتابعة، لكن ~~هذا القول من «هوايتهد» - برغم صدقه - إلا أن صدقه منقوص بمعنى أنه ~~يصلح لحالات من ماضي الإنسان ولا يصلح لحالات أخرى. ولقد كان المثل ~~الذي ضربناه للقارئ فيما أسلفناه، هو صورة الحركة الثقافية في العصر ~~الأول من تاريخ العرب المسلمين، ولسنا نريد بذلك أن نقول ولا هو صحيح ~~إذا قلناه بأن حصيلة ذلك العصر الأول قد انتقلت في كياننا من منطقة ~~«الوعي» إلى منطقة «اللاوعي» حتى ولو كان ذلك اللاوعي موجها لحياتنا ~~ومؤثرا فيها، بل الذي نريد أن نقوله والذي هو صحيح وواقع، هو أن ما ~~قد كان محورا للنشاط الفكري في ذلك العصر الأول فيه من القضايا ما ~~يمكن طرحه اليوم، كما أن فيه من القضايا ما أشبعه الباحثون بحثا ولم ~~يعد فيه زيادة لمستزيد، والنوعان من القضايا ضروريان لنا اليوم في ~~حياتنا الواعية، إلا أنه قد جاءت الحياة الجديدة في العصر الجديد ~~بمحور آخر، ولم يعد موضوع تلك القضايا - على ضرورتها - هو المحور ~~الذي يجب أن نعطيه من عنايتنا بقدر ما نريد أن نحيا في زماننا، وإذا ~~أصررنا على ألا نفعل كان الخسار علينا، وكان الكسب للأعداء؛ فأولئك ~~الذين ما ينفكون ينسبون مواضع التقصير في حياتنا من جهل وفقر وضعف ~~إلى الاستعمار، كان ينبغي بأن يطالبوا بأنفسهم، بالرجوع خطوة أخرى في ~~عملية التعليل ليسألوا أنفسهم هذا السؤال: ولماذا استطاع المستعمرون ~~أن يحققوا غاياتهم بمثل تلك السهولة التي حققوها بها ms109 حتى أصبحنا ~~جميعا على ما نحن فيه؟ ولو أنهم سألوا أنفسهم هذا السؤال لوجدوا ~~الجواب بارزا يكاد يفقأ العين، وهو أننا أدخلنا أنفسنا في سبات ~~حضاري ثقافي عميق، حتى غابت عنا فكرة العصر، فغاب عنا الوعي بالحياة ~~وحقائقها. # فما هي فكرة عصرنا الكبرى التي ترشد السالكين وكأنها في سماء عصرنا ~~هي النجم القطبي يهتدي به المسافرون في مجاهل البيد أو في ظلمات ~~المحيط؟ إنها فكرة الطامحين إلى استعانتهم بالعلم على تسخير الكون، ~~ليزداد الإنسان الحر حرية تضاف إلى حريته، فالإنسان القوي موجود ~~دائما، حتى في العصر الحجري كان هناك الإنسان القوي بالقياس إلى سواه، ~~لكنه على مر الدهور دهرا وراء دهر من قرون هذا الزمان استبدل في ~~ممارسته لقوته مجالا بمجال. وينفعنا في سياق حديثنا هذا أن نحصر ~~انتباهنا في جانب واحد هو جانب التسلط والسيطرة، وفي هذا المجال ~~كانت الصورة الأولى لتسلط الأقوياء هي أن يتحكم القوي في رقاب ~~الضعفاء من قومه، ولبثت تلك الصورة على بشاعتها حتى أراد الله لمن أراد ~~لهم أن ينعموا بالحرية، ألا يصبوا سلطانهم على ذويهم لينعم أفراد ~~الشعب جميعا بقدر من الحرية، وأن ينصرف صاحب القوة بتسلطه نحو ~~الشعوب الأخرى إذا وجد فيها ما يلزمه ضعفه بأن يخضع لمن هو أقوى، ثم ~~دارت الأعوام بالناس حتى جاء عصرنا القريب، الذي لم يزد طوله على نصف ~~قرن مضى بالنسبة إلى الموضوع الذي نتكلم الآن فيه، وهو موضوع حرية ~~الشعوب قويها وضعيفها على السواء، فاتجه القوي بقوته ليسيطر بها ليس ~~على قومه هو كما كانت الحال في المرحلة الأولى، وليس على غير قومه من ~~ضعاف الشعوب كما كانت الحال في المرحلة الثانية بل على ظواهر الكون من ~~حوله، وإن في هذا الميدان الفسيح لمتسعا للجميع. # وبالطبع لم تكن هذه أول مرة في تاريخ الإنسان، يستثمر فيها هذا ~~الإنسان معرفته لطبائع الأشياء في تسخيرها لمنافعه، بل إنه استطاع ذلك ~~منذ شهدته الدنيا إنسانا، فقد استخدم منذ أقدم عصوره تربة الأرض ~~وحرارة الشمس وقوة الريح وغير ذلك ms110 في شئون حياته العملية، لكن التاريخ ~~لم يشهد في أي عصر من عصوره ما يمكن أن يقارن بجزء من ألف ألف جزء ~~من قدرة الإنسان في عصرنا القائم على تسخير القوى الكامنة في كائنات ~~هذا الكون، فالأمر في هذه القدرة يتناسب طردا مع اتساع علم الإنسان ~~بطبائع تلك الكائنات، وأن علمه بهذا في يومنا هذا لهو السمة الأولى ~~بين السمات التي تميز عصرنا من كل ما سبقه من عصور، وتلك حقيقة لم ~~تعد في حاجة إلى أن تذكر، لكننا نشير إليها هذه الإشارة السريعة، ~~لنذكر النتيجة الهامة التي تترتب عليها بالنسبة للإنسان وهي نتيجة ~~قلما ينتبه إليها بالقوة الكافية، ألا وهي أن كل مثقال ذرة في ~~زيادة السيطرة على ظواهر الطبيعة زيادة مؤسسة على زيادة علمه ~~تقابلها حتما زيادة في حرية الإنسان، فالحرية بمعناها الصحيح إنما هي ~~قدرة الإنسان على التصرف في المجال الذي هو حر فيه. وإننا لنخلط ~~خلطا خطيرا بين «التحرر» من القيود والحرية في العمل، نخلط بين ~~هاتين الحالتين حتى لنظن أنهما اسمان على مسمى واحد، مع وضوح ~~الفرق بين الحالتين، فإذا حطمت الأغلال عمن هو مقيد بها، تحرر ~~ذلك المقيد من قيده لكننا لا نعلم عنه شيئا بعد: أيكون «حرا» في ~~حياته العملية أم لا يكون؟ إذ الأمر هنا مرهون بأن يمارس عملا يحسنه ~~لعلمه بدقائقه فيكون بذلك ذا حرية تتناسب قدرا مع مقدار مرانه ~~ومهارته. كان العبد في أيام الرق يطلق سراحه بإذن من مالكه ~~فيتحرر من عبوديته، وأما أنه يصبح بعد ذلك حرا أو لا يصبح، فذلك ~~متروك لظروفه فيما يستطيع فعله أو لا يستطيع، فمن الجائز - مثلا - أن ~~تحول بعض التقاليد دون أن يؤدي العمل الذي يريد أن يؤديه لمهارته في ~~أدائه، وفي هذه الحالة يكون مفقود «الحرية» مع أنه قد «تحرر» من ~~عبوديته؟ # ولهذه التفرقة أهميتها البالغة بالنسبة لنا ولأمثالنا ممن ~~«تحرروا» من المستعمر الأجنبي، ومع هذا التحرر يلبث مفقود الحرية ~~في علاقاته مع ذلك المستعمر نفسه أو من يماثله، وذلك لأننا ms111 لا نكسب ~~«العلم» الذي يمكننا من تسخير الظواهر الكونية كما يملكها هؤلاء، ~~فنظل في حاجة إليهم على نحو ما يعتمد الطفل العاجز على ولي أمره، ~~فهؤلاء السادة بعلمهم وسلطانهم على عالم الأشياء، صنعوا وسائل ~~الانتقال السريع، وصنعوا أسلحة القتال وصنعوا أجهزة الطب والجراحة ~~وصنعوا وصنعوا، وكان ذلك كله على أساس من «علم» بالعالم وما فيه من ~~سر مكنون، وبقينا نحن وأمثالنا متحررين ولكن بغير «علم»، ~~وبالتالي فنحن لا نشارك في شيء من ذلك الذي صنعه هؤلاء، ولو كنا في ~~غنى عنه لاكتفينا وحمدنا الله على التحرر من ربقة المستعمرين، ~~لكننا في حاجة إلى كثير مما صنعوه بعلومهم ومهاراتهم ولا سبيل أمامنا ~~- إذن - إلا أن نشتري منهم ما يسمحون لنا بشرائه من تلك الأجهزة التي ~~لم تعد الحياة ممكنة إلا بها، ومعنى ذلك في عبارة بسيطة وصحيحة أنهم ~~هم وحدهم الأحرار وأننا ما زلنا في قبضات أيديهم، تحررنا أو لم ~~نتحرر على حد سواء. # فالعلم الذي يمكن الإنسان من تسخير الطبيعة لصالحه ليس ترفا ~~يتظاهر به صاحبه أمام الناس، وإنما هو آخر الأمر كفيل بحرية الإنسان ~~إزاء الطبيعة وظواهرها وكائناتها. لو ترك الإنسان محكوما كسائر ~~الأشياء بقانون الجاذبية لظل مسمرا على سطح الأرض، اللهم إلا أن ~~يقفز مرتفعا مترا أو ما يقرب من المتر، فقوة جذب الأرض لجسده قيد ~~يغله، وأما من استطاع بعلمه أن يطير عن سطح الأرض آلاف الكيلومترات؛ ~~فهو حر بمقدار ما طار، وهكذا قل في كل الحوائل التي تحد من قدرة ~~الإنسان ثم يكسب الإنسان علما فيزيلها، هل كان ليستطيع أن ينفذ ~~ببصره وراء الحجب ليرى قلب المريض بقلبه، أو أمعاء العليل بأمعائه، ~~لكنه اليوم قد «علم» فاستطاع وأصبح حرا في هذا المجال بمقدار ما ~~استطاع، وقل هذا في ألوف الحالات التي كان الإنسان حيالها قبل علمه ~~عاجزا، ثم علم فاستطاع، وعكس ذلك صحيح كذلك؛ وهو أن من لا يعلم لا ~~يستطيع ، فيفقد من الحرية بمقدار ما عجز. # ومع ذلك فأمانة القول تقتضينا أن نقول عن أولئك ms112 الذين علموا فصنعوا؛ ~~فأصبحوا أمام قيود الطبيعة أحرارا بمقدار ما علموا وما صنعوا عادوا ~~فوجدوا حياتهم قد جاءتها القيود من أبواب خلفية لم تكن ظاهرة لهم أول ~~الأمر، وذلك أن حياة العاملين في هذا المجال أو ذلك من مجالات العمل ~~في الحضارة العلمية الصناعية التي هي حضارة عصرنا إنما هي حياة تنتج ما ~~تنتجه من أجهزة وآلات ومركبات وروافع وجرارات إلى آخر تلك القائمة ~~الطويلة التي لم يعد لها آخر، لكنها في الوقت نفسه تدمر نفسية ~~صانعها، لماذا؟ لأن الإنسان خلق بفطرته يريد أن يعرف طريقه من أين؟ ~~وإلى أين؟ وإلا بات كمفقود الذاكرة الذي يسير كما تسير السحابة في ~~سمائها وهي لا تعلم في أي اتجاه تسير ولماذا. فصانع هذه الحضارة ~~العلمية الصناعية مكتوب عليه أن يؤدي عملا معينا هو في حقيقته ~~تفصيلة صغيرة من تفصيلات مشروع كبير، وهو إذ ينجز تلك القضية الصغيرة ~~لا يعرف عنها الوظيفة التي يراد لها أن تؤديها في ذلك المشروع الكبير، ~~وأخذت هذه المواقف المبتورة تتراكم في أنفس العاملين حتى أصبحت ~~حياتهم اليومية جحيما، لأنهم باتوا آلات من الآلات، بل وإن العلم ~~بقفزاته الجريئة كل يوم دائب على أن يصنع الأجهزة التي تؤدي ما كان ~~يؤديه العاملون من البشر، جهازا بعد جهاز، ومن ثم نشأت لهم علل ~~وأمراض تستعصي أحيانا على العلاج: كالقلق والاغتراب واليأس والضجر، ~~فكثرت الأمراض النفسية كثرة لم يسبقها مثيل فيما مضى. # فهل ترك أبناء الحضارة العلمية الصناعية مشكلتهم الإنسانية تلك بغير ~~حل؟ كلا بل عالجوها علاجا «ثقافيا» وهو أن يتجه الإبداع في ~~الفنون والآداب اتجاها آخر غير الذي كان، وبكل اختصار نقول عن هذا ~~الاتجاه الجديد: إنه قد ترك للفنان أو الأديب حرية أن يبني نتاجه من ~~محض إبداعه، بغير شرط يشترط عليه أن تكون هناك صلة ظاهرة بينه وبين ~~الواقع الخارجي، فلئن كان «العلم» قد وثق الروابط بينه وبين الطبيعة ~~الخارجية متجاهلا «نفسية » الوسيط البشري الذي يعمل في ميدان الصناعة، ~~وهو في الحقيقة، الميدان الذي يتلاقى فيه العلم ms113 بنتائجه، فها هي تي ~~صور الفن والأدب وسائر صور الإبداع البشري قد انطلقت في طريق يعوض ~~على الإنسان ما فقده؛ إذ أصبح في دنيا الإبداع يبني لنفسه عالما ~~خاصا به، متحديا ذلك العالم الخارجي الذي لا حيلة له فيه، والذي ~~هو المجال الذي جعلت فيه السيادة للعلم والتصنيع. # ونعود بعد هذه الرحلة الطويلة إلى حياتنا نحن الثقافية، لنرى أين ~~موقعها من ذلك كله، فأول ما يلفت أنظارنا فيها هو هذه الحقيقة ~~الصارخة، وهي أنها ما زالت كما كانت ثقافات العصور السابقة جميعا، ~~ثقافة لا تنتهي بأصحابها إلى معرفة بدنيا «الأشياء» وإنما تكتفي من ~~أصحابها هؤلاء بأن يقفوا عند «الكلمة» منطوقة مسموعة حينا مكتوبة ~~مقروءة حينا آخر، فهي ثقافة تبدأ بالحروف وتسير طريقها في عالم ~~الحروف لتنتهي آخر الأمر مع الحروف، ويستطيع المثقف بهذه الثقافة ~~أن يقضي عمره كله سابحا في كلمات يقولها وكلمات يسمعها، وكلمات ~~يكتبها وكلمات يقرؤها وكان الله يحب المحسنين، وقد تقول هنا: لكننا ~~يا أخي نزرع الأرض وننجر الخشب ونبني البيوت وننقش النحاس ونلوي الحديد ~~... نعم، إننا نفعل كل ذلك، نفعله بمهارات كسبناها على مر الزمن، ~~كالمهارات التي كسبها النحل في خلاياه، وكل الفرق بين الحالتين هو أن ~~النحل يصنع ما يصنعه مدفوعا بغرائزه، وماذا تكون الغريزة إلا عملا ~~أتقنه نوع من الأحياء وتوارثه على امتداد ألوف الألوف من السنين، وأما ~~زارع الأرض والنجار والبناء والحداد في مجتمع لم يتسلل إليه شيء من ~~مبدعات العلم الحديث، فهم يتناقلون «عادات» لا غرائز، ومهارات ولدا ~~عن والد، وصبيا عن «معلم» كانت أدوات الزراعة - مثلا - كالمحراث ~~والشادوف، وغيرهما التي يستخدمها الزارع المصري إلى وقت قريب جدا ~~هي نفسها الأدوات المرسومة على جدران المعابد في آثار الفراعنة، والذي ~~تغير منها - وقد تغير شيء كثير - هو كله آلات استوردناها من صانعيها ~~هناك، عند أصحاب الحضارة العلمية الصناعية التي هي حضارة العصر. وإنه ~~لشيء محمود أن نطور حياتنا بما صنعه سوانا ما دمنا بعد عاجزين عن ~~صناعته إبداعا منا لكننا في الوقت نفسه ms114 نتجاهل الحق؛ إذا لم نتذكر ~~أن الذي اشتريناه من صناعة الآخرين هو نتيجة لزمت عن «ثقافة» ~~معينة سادت حياتهم ولا ينتسب إلى «ثقافتنا» نحن بسبب من الأسباب؛ إذن ~~فنحن لا نخطئ إذا زعمنا بأنه برغم الأجهزة والآلات والصناعات التي - ~~بحمد الله - أخذت تملأ حياتنا، فإن ثقافتنا ما زالت - كما كانت - في ~~مجملها كلاما في كلام، لا يؤدي بنا إلا إلى مزيد من كلام، والكلام في ~~ذاته لا عيب فيه، لكن العبرة هي فيما يحمل سامعه أو قارئه على ~~فعله، فإن هو حمل المتلقي على اكتساب لموقف من يعلم ليغير وجه ~~الأرض بعلمه، فذلك خير، وأما الكلام الذي يتلقاه المتلقي قاعدا ~~فيظل على قعوده لم يزد على حالته السابقة إلا أن تأوه بآهات ~~الإعجاب لما سمع؛ فذلك هو ما تفعله بنا التركيبة الثقافية التي ~~نعيشها؛ ويظل وجه الأرض بعد الذي سمعناه أو قرأناه كما كان وجه ~~الأرض قبل ذلك. # ومرة أخرى قد تقول شيئا كالذي قلته على حياتنا العملية من زراعة ~~وصناعة وغيرهما إذ تقول: لكننا يا أخي ننشط بفن جديد، وبأدب جديد، ~~وليس أمرنا كله «كلاما» من الصنف الذي تعنيه. ومرة أخرى كذلك أجيب ~~بأن ذلك كله خير والحمد لله، فلأن نحتذي حذو أصحاب الحضارة الجديدة في ~~فنونهم وفي آدابهم خير من أن نغلق نوافذنا ونتربع على أرض بيوتنا ~~لا نشهد النور، إلا أنك في هذه الحالة تتجاهل حقيقة ضخمة ضخامة الجبل، ~~وهي أن الفن والأدب في صورهما الجديدة، إنما جاءا هناك رد فعل ~~يعالجان به ما قد نتج عن حياة الإنسان في حياة العلم والصناعة من ~~آثار ضاغطة على فطرته، ولقد نقلنا نحن من تلك الحياة العلمية ~~الصناعية سطحها الظاهر، قلدناه تقليدا، ولم تعتمل به نفوسنا من ~~الداخل؛ ومن هنا فلم نمرض بأمراضها من ناحية؛ ولا نحن من ناحية أخرى ~~نعمنا بالحرية الحقيقية التي لا تكون إلا بحياة تلجم ظواهر الطبيعة ~~إلجاما، لتحركها كيف شاءت، فإذا جاء الفنان التشكيلي عندنا مثلا ~~ليسير على نهج مدارس الفن الحديث، جاء فنه ms115 بالتالي مبتور الصلة ~~الحيوية بطريقة حياتنا وتفكيرنا، وكذلك إذا جاء الشاعر الجديد عندنا، ~~ليتحول بالشعر إلى ما يشبه أحلام اليقظة عند يائس أو محروم، كان ~~شعره أيضا مبتور الصلة الحيوية بطريقتنا وموقفنا من مسالك ~~العيش. # ولست أخلو من العجب كلما قرأت لأديب من أدبائنا شكواه من أمراض ~~العصر، كالقلق والاغتراب والتمزق؛ لأنني على يقين من أننا لم نمارس ~~حياة العلم والصناعة بعد، على نحو ما يمارسها أهل الغرب؛ لأنهم هم ~~الذين تعتمل نفوسهم بالولادة والإبداع، وأما نحن فنأخذ الناتج ~~استعارة أو شراء، فنعيش ذلك العلم وتلك الصناعة من السطح، لا من ~~الجذور التي تمس الأفئدة فتهزها من الأعماق. # نعم، إن لكل عصر واحد، فكرته الكبرى الواحدة، وفكرة هذا العصر ~~مدارها علم، فتسخير للطبيعة بذلك العلم، فشعور بالحرية التي يشعر بها ~~من تصادفه العقبات فيقهرها ليمضي في طريقه، وتلك الفكرة الكبرى هي ~~محور النسيج الثقافي في العصر القائم، ولا ندخل نحن عصرنا هذا، إلا ~~بمقدار ما نطعم حياتنا الثقافية بما يضيف إلى خصائصها الجوهرية، جوانب ~~أخرى. تعمل على أن تؤدي تلك الحياة الثقافية بأصحابها إلى «فعل» فيكون ~~مقياس المعنى دائما ما يحدث في حياة الإنسان العملية من شيء يصنع ~~ويعاش معه وبه؛ أما إذا جمدنا على الوضع الثقافي الراهن - الذي جوهره ~~كلام ينتهي بالقاعد إلى أن يظل على قعوده أو ينام - فستبقى ثقافتنا - ~~كما هي الآن - كلاما في كلام. # | إذا جهالهم سادوا # بيت من الشعر حفظته، لا أدري منذ كم من عشرات السنين، ولعل الذي ~~أبقاه في الذاكرة هذا الزمن الطويل، هو أني كثيرا ما كنت أردده، ~~إنني حتى اليوم لا أعرف من هو قائله، # 1 # ربما كان أبا العلاء، لأنه معطر بعطره، إلا أن القول ~~الجميل لا يعتمد في بقائه على بقاء اسم قائله، بل هو يستقل بذاته ~~كائنا له حق الحياة، ومن هنا جاءت قوة الفن بشتى صوره؛ فالأثر الفني ~~الخالد أقوى من صاحبه الذي أبدعه، وفيم العجب؟ إن الفنان إنسان يمرض ~~ويموت، وأما فنه فإذا كانت له مقومات ms116 الفن الرفيع؛ كانت له بالتالي ~~مقومات الدوام، مهما كان العصر وأهله؛ إذ الفن الرفيع فيه ما يرتفع به ~~عن حدود المكان وحدود الزمان، لماذا؟ لأن ما يشتمل عليه مكان معين أو ~~زمان معين هو جزئيات وتفصيلات مما لا يلبث أن يحيا حتى يموت، ولا يكاد ~~يوجد حتى يفنى؛ فليست أحداث اليوم هي أحداث الأمس، كلا، ولن تكون ~~هي أحداث الغد؛ فهذان حبيبان قد أذواهما الحب، وذلكما عدوان قد ~~أحرقتهما الكراهية، وثالث هناك شغله المال وكسبه وجمعه، ورابع كاد ~~يهلكه الجهد في سبيل الصعود إلى مقاعد الحكم، وغير أولئك وهؤلاء، فأين ~~كانوا بالأمس؟ وأين يكونون غدا؟ لكن إذا ما وقعت موهبة عبقرية في فن ~~من الفنون؛ في التصوير، أو في الشعر، أو في أدب المسرح والرواية، إذا ~~ما وقعت موهبة عبقرية في ضرب من هذه الضروب من دنيا الفن والأدب، على ~~ذينك العاشقين، أو العدوين، أو ما وقعت عليه من أفراد الناس وهم ~~في المعترك، وأثبتت تلك الواقعة المفردة في قصيدة من الشعر، أو في ~~لوحة من لوحات الفن التشكيلي، أو غير ذلك من فنون، بقي المنتج الفني أو ~~الأدبي، ما بقي على وجه الأرض إنسان؛ وذلك لأن الفنان أو الأديب، من ~~شأنه أن يقع على الجوهر الباقي من الواقعة الفردية الزائلة، فلئن كانت ~~الواقعة الواحدة في كيانها الفردي شيئا يزول، فقد يكون منطويا في ~~ثناياها «معنى» يخلد ما خلدت البشرية، لأنه في هذه الحالة، يكون ~~«معنى» إنسانيا مطلقا وعاما، لا تتوقف صحة وجوده على وجود ~~الأفراد الذين يجسدونه في مسالكهم الفردية؟ ومن هنا نفهم شيئا من ~~المعنى الذي أراده أرسطو، حين قال عن «الشعر» (ولعله يقصد كل ضروب ~~الفن والأدب): أصدق من «التاريخ». فبينما التاريخ يحكي عما حدث ذات يوم ~~ما، نرى الشعر يثبت عن حقيقة الإنسان ما هو باق مع الإنسان في كل ~~يوم. # وهذا بيت من الشعر، حفظته منذ لا أدري كم من السنين ؟ كنت أردده لنفسي ~~آنا بعد آن، حتى رسخ في الذاكرة، لكنني لست الآن على ms117 يقين من دقة ~~إدراكي لأبعاد مغزاه، وتلك هي خاصة أخرى من خصائص الشعر، فهو ليس صياغة ~~تشبه ما يصوغه رجال العلم من رموز عددية أحيانا، ومن حروف الأبجدية ~~أحيانا أخرى، قاصدين بذلك ألا يحمل كل رمز إلا معنى واحدا، ~~يتساوى في إدراكه كل رجال العلم في عالم اليوم والأمس والغد. لا، ~~ليس ذلك هو ما يصنعه شاعر بالألفاظ حين يصوغها؛ إذ تستطيع القول بأن ~~عظمة الشعر يتفاوت قدرها بين مختلف الشعراء، بتفاوت هؤلاء الشعراء في ~~قدرتهم على اختيار اللفظ والصياغة، بحيث يمكن لكل قارئ أن يخرج ~~لنفسه بمضمون، ليس هو بالضرورة المضمون الذي يخرج به قارئ آخر، لأنه ~~إذا كان رجل العلم يتناول موضوعه من ناحية «الكم» فالشاعر يتناول ~~موضوعه من جانب «الكيف». العلم يدرس الطبيعة، حتى لو كان ما يدرسه هو ~~«الإنسان» إذ هو في هذه الحالة ينظر إلى الإنسان من حيث هو جزء كسائر ~~أجزاء الطبيعة، وأما الشعر فموضوعه «الإنسان حتى إذا تناول أي جزء من ~~أجزاء الطبيعة، فهو يتناوله وكأنما هو مثله «إنسان». العلم ~~«يطبعن» الإنسان والشعر «يؤنسن» الطبيعة، فالهدفان مختلفان ~~أشد اختلاف، والوسيلتان أشد اختلافا. # وإنما أردت أن أقول إن هذا البيت من الشعر، الذي حفظته وكثر ما ~~رددته، لست الآن على يقين من أن إدراكي لكل جوانب معناه كان هو هو ~~الإدراك في مراحل حياتي جميعا، فماذا أرى من معناه اليوم؟ إنني ~~أرجح أن يكون هذا البيت في محفوظات الكثرة الغالبة من القراء؛ ما ~~ييسر المشاركة في الحديث، فهو بيت الشعر الذي يقول: # لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم # ولا سراة إذا جهالهم سادوا # ولنبدأ معا بشيء من تحليل اللفظ في ظاهره، قبل أن نتعرض لما قد ~~ينطوي عليه ذلك اللفظ من أبعاد، فاللفظة المحورية هنا هي «سراة» (بفتح ~~السين) وسراة أي شيء «أعلاه»، فذروة الجبل سراته، وظهر الجواد سراته، ~~وهكذا. # على أن القاموس الوسيط يضيف إلى ذلك، أن سراة الشيء قد يراد بها ~~«وسطه» وقد يراد بها أيضا «معظمه»، وبناء على ذلك، فإذا ms118 قلت: «سراة ~~الشعب المصري»، كنت تشير إلى متوسط أفراده، أو إلى معظم أفراده، وهما ~~معنيان - كما ترى - قريبان أحدهما من الآخر، إلا أن سياق البيت الذي ~~نعرضه الآن للتحليل يقضي بأن المعنى المقصود من كلمة «سراة» هنا هو ~~الجانب «الأعلى» من الشيء الذي يكون موضوعا لحديثنا، فإذا قال الشاعر: ~~«لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم»؛ فأول ما يتبادر إلى الذهن، هو أن ~~الشاعر قد قصد بذلك أن يقول إنه لا بد للناس من قيادة، أو ريادة، أو ~~زعامة، أو صفوة، تهديهم سواء السبيل، وإلا ضربت «الفوضى» في حياة الناس ~~بخلطها وخليطها وتخليطها، حتى لتنمحي الحدود الفواصل بين الأشياء ~~والأفكار؛ فلا يدري أحد أيها يكون أيها! # إذن فاللفظة الثانية التي تستحق من تحليلنا وقفة، لأهميتها في البيت ~~الذي نعرضه؛ هي كلمة «فوضى»، وإني لأعلم أنها كلمة كثيرة الدوران على ~~ألسنة الناس، لكن ذلك وحده لا يضمن لنا أن يكون معناها واضحا، حتى ~~لأولئك الذين يكثرون استخدامها في أحاديثهم الجارية، فمتى يكون الأمر ~~«فوضى»؟ أظن أن معنى الفوضى يتضح بضوء يلقى عليه من ضده، وضده هو ~~«النظام»، ومرة أخرى نعيد السؤال: ومتى يكون في موقف ما «نظام»؟ أيسر ~~إجابة، وأوضحها، وأدقها، هي أن «النظام» في موقف ما، أو بين مجموعة ~~مفردات، هو قدرتنا على وصفه بكلمة واحدة، أو بعبارة واحدة قليلة ~~الكلمات، في حين أنه لو دبت الفوضى في ذلك الموقف نفسه، أو في مجموعة ~~المفردات ذاتها، لأخذت أجزاؤها مواضع، بحيث يتعذر، أو يستحيل وصفها ~~وصفا صحيحا ودقيقا، اللهم إلا إذا كلفنا ذلك كتابة مجلد ضخم أو ~~ربما عدة مجلدات. ونسوق إليك أمثلة موضحة: خذ حفنة من الحصى، وانثرها ~~على الأرض كما اتفق، ثم حاول أن تصف أوضاع الحصوات بعضها بالنسبة إلى ~~بعضها الآخر، فانظر كم يقتضيك الأمر من قياس للمسافات التي بين الحصاة ~~والحصاة، وقياس الزوايا التي تنحرف بها كل حصاة عن كل حصاة أخرى في ~~المجموعة، لكن اجمع تلك الحصوات مرة أخرى، ثم رصها على الأرض على ~~هيئة «مربع» ms119 فعندئذ تكون هذه الكلمة الواحدة، أعني كلمة «مربع» قادرة ~~على وصف مجموعة الحصوات في أوضاعها، فهذه الحالة الثانية، هي حالة ~~«نظام» بينما كانت الحالة الأولى حالة «فوضى». # خذ مثالا ثانيا؛ مجموعة ضخمة من كتب وأوراق، في مكتبة خاصة أو ~~عامة، ما الفرق بينها وهي في «نظام» وبينها وهي «فوضى»؟ الفرق هو أنها ~~في الحالة الأولى قد رتبت وفق قاعدة معينة، كأن توضع كتب الأدب ~~في مكان، وكتب العلوم في مكان، وكتب التاريخ في مكان ثالث، وهلم ~~جرا، ثم يزداد النظام نظاما إذا وضعت قاعدة فرعية لكل مجموعة فرعية، ~~ففي كتب الأدب نفرق بين شعر ونثر، وفي كتب الشعر نفرق بين قديم ~~وحديث، وبين عربي وغير عربي، وهكذا في سائر المجموعات، وأما إذا غاب ~~النظام وقامت الفوضى، فتكوم الكتب كما اتفق، فيتعذر على صاحب ~~المكتبة نفسه أن يخرج لنفسه كتابا بعينه؛ لأنه يكاد لا يعرف لأي ~~كتاب مكانا إلا عن طريق المصادفات، وانظر إلى هاتين الحالتين، ~~باحثا عن الفرق الأساسي بين ما هو «نظام» وما هو «فوضى» تجده - كما ~~أسلفت لك - كامنا في سهولة الوصف بكلمات قليلة، إن لم يكن بكلمة ~~واحدة في حالة النظام، وبصعوبته في حالة الفوضى؛ لأنك مضطر في هذه ~~الحالة أن يجيء وصفك لها، مجموعة قوائم تفصيلية بأسماء الكتب ~~ومواضعها، وحتى هذا يتعذر فعله إذا كانت المكتبة مكومة أكواما على ~~الأرض، وليست مرصوصة في خزائن أو فوق رفوف. # وخذ مثلا ثالثا وأخيرا، نظام الكون، فكائنات هذا الكون العظيم، ~~رغم لا نهائية عددها؛ قد صيغت في «نظام» بعضها مع بعض، حتى ليذكر ~~المفكرون هذا النظام برهانا بين البراهين على وجود الخالق سبحانه ~~وتعالى، كلما أرادوا على ذلك الوجود برهانا عقليا يؤيدون به صلابة ~~الإيمان، فماذا نعني ب «النظام» في هذه الحالة؟ إننا نعني الشيء نفسه ~~الذي عنيناه في المثالين السابقين، وهو إمكان الوصف بكلمات قليلة، في ~~حين أننا لو افترضنا غياب النظام عن الكون فاختلط حابله بنابله؛ ~~لاستحال استحالة قاطعة أن يوصف، حتى لو خصصت للوصف ملايين ~~المجلدات ms120 لرصد أجزائه وجزئياته، أقول: ماذا نعني بالنظام عندما نصف به ~~الكون؟ وأجيب: إن الذي نعنيه هو أن لكل أسرة من الظواهر «قانونا» ~~يستطيع البحث العلمي استخلاصه، وإن هو لم يستطع إلى اليوم، فهو - من ~~الناحية النظرية - مستطيع يوما ما، في مستقبله القريب أو البعيد. ~~وقانون الظاهرة المعينة، كالضوء، أو الكهرباء، إنما هو عبارة قصيرة، ~~لكنها تصدق على ما لا نهاية له من حالات الوجود الفعلي لتلك الظاهرة، ~~وحتى لو كانت للظاهرة الواحدة عدة قوانين، فمن الممكن دائما أن ~~تنسق تلك المجموعة تنسيقا يجمعها تحت «مبدأ» علمي واحد. ثم ما هو ~~أكثر من ذلك؛ فنحن إذ نرى بين أيدينا علوما كثيرة: الفلك، والفيزياء، ~~والكيمياء، وعلوم النبات والحيوان والإنسان، وحين نرى كذلك أن كل علم ~~من تلك العلوم يقام على عدة قوانين لا قانون واحد؛ فإننا نشعر بالقلق ~~العقلي، ونأخذ في محاولات تحليلية، طويلة وعريضة، وعميقة، نستهدف بها ~~البحث عن حقيقة واحدة، تلتقي فيها تلك الأشتات جميعا، وتكون تلك ~~الحقيقة الواحدة - إذا وقعنا عليها - بمنزلة الأم التي أنسلت تلك ~~الفروع جميعا، أو بمنزلة الينبوع الواحد، الذي تتدفق منه المياه كلها، ~~قبل أن تعود فتتفرع فيما بينها فروعا، وفروعا للفروع، فإذا ما تحقق ~~للباحث هدفه هذا، سميت تلك الحقيقة الواحدة الأولية - عادة - باسم ~~«المبدأ الأول»، وسمي العمل الفكري الذي اضطلع به الباحث ~~«فيلسوفا» وسمي البحث نفسه في هذه الحالة باسم «فلسفة»، وتلك هي ~~المهمة الأولى والهامة والمميزة للفلسفة في أي عصر من عصور تاريخها، ~~أعني محاولة جمع ما يبدو أشتاتا من ظواهر تحت مبدأ واحد، يوحده ~~ويفسره في آن معا. وبعبارة أخرى متصلة بما نحن بصدد الحديث عنه وهو ~~«النظام» ومعناه، لكي تتضح لنا بالتالي طبيعة «الفوضى» ومعناها، ~~نقول إن نظام الكون، الذي هو من الأدلة على وجود الله سبحانه؛ إن هو ~~إلا أن وضعت أجزاء الكون وجزئياته، على سنن معلومة من قوانين، ~~وهذه القوانين إن تعددت؛ فهنالك المبدأ الواحد الذي يوحدها جميعا، ~~وهو مبدأ إذا عبرنا عنه بكلمات؛ كانت العبارة قصيرة قليلة ms121 ~~الكلمات. # وبعد هذا الذي بسطناه، فلنقرأ بيت الشعر الذي ندير حوله الحديث بقول ~~الشاعر: «لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم، ولا سراة إذا جهالهم ~~سادوا.» فأول بادرة عند القارئ - فيما أظن - هي أن يقرأ هذا البيت من ~~منظور سياسي؛ فيكون المعنى هو أن حياة الناس لا تصلح إلا إذا أمسك ~~لهم زمامها حاكم مطلق السلطان، يكون في جماعة الناس ما يكون الرأس من ~~البدن؛ لأنه إذا ترك الأمر للجماهير وحدها، بحيث لا يكون فوقهم من هو ~~أعلى؛ كان محتوما أن تتنافر المصالح بتنافر الأفراد. وقد يقرأ البيت ~~من منظور اجتماعي، تكون فكرة الطبقات الاجتماعية ووجوب تفاوتها قدرا ~~هي الفكرة الغالبة، فيكون المعنى هو أن حياة الطبقات الدنيا من المجتمع ~~لا يصلح حالها إلا إذا تركت السيادة «للعلية» (بكسر العين وسكون ~~اللام) الصفوة أو الطبقة الأرستقراطية، سواء أكانت أرستقراطية ثراء ~~ومولد أم كانت أرستقراطية علم ومعرفة، لكن مثل هذه الطبقة تختفي في ~~مجتمع تطفو فيه جماهير الشعب على السطح؛ إذ الأرجح في تلك الجماهير أن ~~تسودها جهالة بحقائق الأشياء، وبالتالي فهي أقرب إلى أن تضل سواء ~~السبيل. # لكنني أتحدث هنا عن الحياة «الثقافية» وطرائق تحديثها؛ فلا المنظور ~~السياسي بشاغلي، ولا المنظور الاجتماعي من وجهة نظر سياسية، وإنما هو ~~المنظور الثقافي الذي قرأت منه هذا البيت من الشعر، فكان المعنى هو ~~أنه لو تركت جماعة المثقفين غير مهتدية بمبدأ ضمني يكمن في نتاجهم؛ ~~لجاءت التركيبة الثقافية في جملتها أقرب إلى كومة من الخيوط، لم ~~تنسج على نول لتكون قماشة متصلة تصلح أن يقد منها ثوب يرتديه ~~من يرتديه؛ فالمبدأ الضمني هنا هو بمنزلة «السراة» أو القمة التي ~~يتجه إليها الصاعدون، وفكرة «المبدأ» في هذه الحالة، تترادف مع فكرة ~~«الهدف»، فالشرط بأن يكمن في نفوس الذين ينتجون ثقافة «مبدأ» واحد، ~~رغم تعدد المجالات التي منها تتكون حياة ثقافية كاملة؛ هو نفسه ~~الشرط بأن يكون أمامنا «الهدف»، نعمل على تحقيقه، أو بعبارة أخرى، أن ~~نلتزم في سيرنا «خطة» ولو على سبيل التقريب، لا ms122 تضيق الخناق على أصحاب ~~المواهب، وإذا لم يكن مبدأ، أو هدف، أو خطة، فماذا يبقى إلا أن تتقاطع ~~الخطوط، وتختلط السبل، ويصبح أمرنا «فوضى» لا نستطيع معها أن نصف ~~حياتنا الثقافية بصفة تبين اتجاهها، فمثل هذا الوصف لا يتحقق لشيء - ~~أي شيء - إلا إذا كان على شيء من «النظام» بالمعنى الذي أسلفنا شرحه ~~لهذه الكلمة، فمع «النظام» يسهل التقنين، ويسهل الوصف في كلمات قلائل ~~محددة المعنى واضحة الدلالة. # وإنني لأبعد رجل عن أن يجعل في الحياة الثقافية سلطة تملي، ~~وجمهورا يتلقى ما يملى عليه، فليس الذي يدور بخاطري، هو أن تجيء ~~الخطة الثقافية هابطة علينا من وزارة الثقافة أو غيرها من أنظمة ~~الحكم؛ فما هذه الهيئات الحاكمة إلا وسائل لتيسير السبل أمام المواهب ~~المبدعة، ولكن الذي أعنيه هو أن الحياة إذا استقامت سوية لأبنائها، ~~وجدت هؤلاء الأبناء وقد تحركت ضمائرهم متجهة نحو أمل معين تتمناه ~~لشعبها، ولولا هذه الحاسة الفطرية؛ لما وجدنا الشعوب تتميز فعلا ~~بأنماط معينة من الذوق والرؤية ورسم الأهداف، ومن هنا جاءت صور ~~التعبير بشتى أدوات الثقافة: الأنغام، والألوان، والكلمات، وغيرها من ~~وسائل متميزة بطابع خاص في كل جماعة من الناس، فيكون لها موسيقاها ~~وأغانيها، وتصويرها، وشعرها، وأدبها، وهكذا. على أن تلك الخصوصية ~~الثقافية للشعوب، وإن حافظت على جوهرها الأصيل، فهي لا تتنافى مع ~~التأثر بما يحيط بها من ثقافات الشعوب الأخرى، والتأثير ~~فيها. # والآن فلنضيق مجال القول، وبدل أن نتحدث عن «الحياة الثقافية» وعن ~~«الشعوب» بمعان مطلقة، نحصر انتباهنا في مجال واحد يعد مجالا من ~~مجالات الإبداع الثقافي. ولأبدأ بالفكر الفلسفي في الوطن العربي ~~المعاصر، كيف يجيء؟ وكيف يكون إذا قسم لنا أن يكون لنا شيء من فكر ~~خاص يحمل هذا الطابع الفلسفي في منهجه وفي هدفه؟ فهذا الضرب من الفكر ~~إن هو - بكل اختصار - إلا تعقب المفاهيم ذات الأهمية الخاصة في ~~حياة الناس في عصر معين، وبالطبع تختلف هذه المفاهيم المحورية من ~~عصر إلى عصر، فليس ما يسود عصرا قريب عهد بدين جديد آمنوا به، ms123 هو ~~نفسه ما يسود عصرا آخر قريب عهد بعلم جديد تفتحت به قرائح ~~العلماء، وذلك التباين بين العصور لا يتنافى مع أن تكون هنالك معان ~~كبرى شغلت الإنسان منذ كان إنسانا، وستظل تشغله ما بقي إنسانا، ~~كفكرة الخلق، وفكرة المصير بعد الموت، فماذا يصنع صاحب فكر يميل ~~بطبعه نحو نهج التفكير الفلسفي، سوى أن يلتقط ما يلفت نظره من المفاهيم ~~الشائعة بين جمهور الناس، فيحللها ويؤصلها، وإنه وهو في طريقه نحو ~~التحليل والتأصيل؛ ليصب الضوء شيئا فشيئا على ما تعنيه الفكرة ~~التي يتناولها بالتشريح. ولا بد لنا من القول هنا، بأن الجمهور وحده ~~إذ يتداول فيما بين أفراده مفهوما من تلك المفاهيم المحورية في عصره، ~~مستحيل على قدراته العامة أن تدرك المعنى الواضح لذلك المفهوم. على ~~أن مثل هذا التشريح للمعاني بغية توضيحها لا يجيء مع كبار ~~الفلاسفة مجزأ، وإنما هو يستهدف آخر الأمر إقامة بناء فكري كامل ~~وشامل، يصور جسم الحياة كما هي قائمة، ويبين في الوقت نفسه ماذا على ~~الناس أن يصنعوه بتلك الحياة لتكمل بعد نقص. # ومن هو على طريق التفكير الفلسفي - بهذا المعنى الذي قدمناه - من ~~أبناء الوطن العربي، تضطره المفاهيم التي تلح عليه بأن يلتزم ~~بتشريحها وتوضيحها، فهي في حياتنا العربية كثيرة جدا، خطيرة جدا، ~~شديدة الغموض في أذهان الناس، ومع ذلك الغموض تراهم يتقاتلون من أجلها ~~في حرارة وكأنهم حقا يعلمون على أي شيء هم يتقاتلون! وفي الصدارة ~~يأتي مفهوم «العروبة» والصعوبة الشديدة في رسم الخط الواضح بين ~~«العروبة» و«الإسلامية»؛ إذ هو من الغموض بحيث تجد من لا يستسيغ منك أن ~~تقول أمامه إننا ننتمي إلى «عروبة»؛ فيعترضك بقوله إنما الانتماء يكون ~~للأمة الإسلامية في طولها وعرضها. ولو أن الخلط بين هذين المفهومين ~~مقتصر على الجانب النظري والجدلي فقط، لهان علينا الأمر، وقلنا إنها ~~شقشقة لسان لا تغني عن الحق شيئا، ولكنه خلط يضرب في صميم حياتنا ~~السياسية والعملية ، حتى لقد جاز لبلدان «عربية» أن تحارب في صفوف بلدان ~~«إسلامية وغير عربية» بلدانا عربية ms124 أخرى، وليس شأني هنا هو السياسة، ~~فلست من رجالها، ولكن شأني هو وضوح المفاهيم المحورية في حياتنا أو ~~غموضها. # وهنا ألقي بسؤال على القارئ، وسوف يرى أن الإجابة ستكون في أيدينا ~~مفتاحا لمشكلة من أعقد مشكلاتنا الثقافية المعاصرة، وذلك السؤال هو: ~~إذا حدث أن ظهر بيننا صاحب منهج فلسفي في تحليل المعاني، وأن ذلك ~~الرجل قد حلا له أن يصب منهجه ذاك على مفهومي «العروبة» ~~و«الإسلامية» فهل يحسن به أو يقبح به أن يستعين بما قد يكون بعض ~~فلاسفة العرب قالوه في طرائق تحليل الأفكار؟ إذا جاء جوابك بأن ذلك ~~الأخذ الثقافي بين الشعوب هو أمر لا ضير فيه، بل إنه لخير كل الخير، ~~يضيف إلى إحدى الثقافات، دون أن يمس جوهرها الأصيل، أقول: إذا جاء ~~جوابك على هذا النحو؛ إذن فكأنك أشرت علينا بوجوب الأخذ والعطاء بين ~~مختلف الثقافات، وتكون قد ألقيت درسا على قوم يرفعون علينا ~~عصيهم إرهابا؛ حتى ننكمش في حدود جدراننا، لا نفتح فيها نافذة ~~ولا بابا. # وكنت أود أن أسوق بعد مثل الفكر الفلسفي، مثلا ثانيا من الفن، ~~وثالثا من الأدب؛ لأوضح كيف أن بعض عناصر «المبدأ» الضمني، الذي ~~نريد له أن يكون ماثلا أمام صناع الثقافة في أمتنا، يجب أن يكون ~~ضرورة الأخذ والعطاء بين الثقافات، غربيها وشرقيها على السواء، دون أن ~~نخشى في سبيل ذلك طغيانا على هويتنا الوطنية والقومية معا. # وأما أهم عنصر مما نريد له أن يكون «المبدأ» الهادي في إبداعنا ~~الثقافي، على اختلاف مبادئه؛ فهو أن نتصور بوضوح ناصع، مقومات ~~المواطن الذي نسعى إلى بنائه بمبدعاتنا، ماذا عساها أن تكون؟ إن ~~الوالد الذي يتولى ولده بتربية منسقة تنتهي به إلى غاية منشودة، ~~إنما يؤدي ما يؤديه، والصورة المثلى قائمة نصب عينيه، وإلا لما ~~عرف ماذا يكون صوابا وماذا يكون خطا في تنشئته لولده، وكذلك الحال ~~بالنسبة إلى بناة الصرح الثقافي في بلادنا؛ فلن تتيسر لهم هداية ~~السير على جادة الطريق، إلا إذا تمثل في وجدانهم صورة لما ~~يريدون تحقيقه بما ms125 يبدعونه قطرة قطرة، معزوفة معزوفة، قصيدة قصيدة، ~~رواية رواية، مقالة مقالة. # ولست أرى صورة نهتدي بها في إنتاجنا الثقافي خيرا من مواطن فيه ~~كل مقوماته الوطنية والقومية الأساسية، بحيث يكون مصريا لا شائبة في ~~مصريته، عربيا لا ريبة في عروبته، ثم إنسانا يعيش مع سائر الناس في ~~أرجاء الدنيا، يحمل معهم هموم العصر للمشاركة في حلها، كما يحمل معهم ~~عبء التقدم، بمشاركة فعالة تحس بها الدنيا؛ ليصيح زهوا بملء ~~فيه: ها أنا ذا، وهكذا كان أبي. # | ناقد الفكر وناقد الأدب # الأدب شأنه معروف في حياتنا الثقافية، حتى إن اختلفنا في تصور ما ~~هو متوقع منه أن يؤديه، وأما ناقد الفكر فلا أظن أن أمره معلوم ~~لأحد، وهو إن كان معلوما لقلة من المثقفين؛ فأرجح أن يكون ذلك ~~العلم عند من يعلمونه مشوبا بضباب الغموض، إلى حد يكاد يجعله علما ~~كالجهل، لا ينفع أحدا، وهنا قد يعجب قارئ لهذه التفرقة بين فكر ~~وأدب، ولا سيما ونحن لا ندخل «العلوم» فيما نسميه «فكرا»، كما ~~يعجب لهذا الذي نزعمه عن غياب ناقد الفكر من حياتنا، أو هو موقف ~~يشبه الغياب، فكيف يستقيم هذا الظن والأقلام كما نراها تصطرع محمومة ~~في كل مناسبة تسمح لحرب الكلمات بين رجلين؟! أمور في حاجة إلى ~~توضيح. # فأما عن التفرقة بين ما هو «فكر» وما هو «أدب»؛ فأساسها أن الأدب لا ~~يعد أدبا إلا إذا أقامه مبدعه على «شكل» مقنن؛ فحتى لو كان ~~ذلك الأدب منطويا على فكرة؛ فهي فكرة - في هذه الحالة - مقدمة إلى ~~متلقيها بطريق غير مباشر؛ فالفرق واضح بين مقال يبين فيه صاحبه ~~انخفاض مستوى المعيشة في بلد فقير ورواية يقدمها أديب كل ما فيها ~~أشخاص يتفاعلون بعضهم مع بعض في حياة مشتركة، وقد لا ترد فيها كلمة ~~«فقر» مرة واحدة، لكن الصورة التي يتلقاها القارئ تصرخ بالفقر، وكذلك ~~الفرق واضح بين مقالة تحليلية تبين ملامح «الغيرة» ومسرحية تقدم ~~لنا تلك الغيرة مجسدة في سلوك يتفاعل به السالكون، وقد يسأل سائل: ~~وماذا أنت قائل في ms126 شعر «الحكمة»؟ أليست الحكمة أدخل في باب «الفكرة»؟ ~~بلى، ولكن الذي جعل شعر الحكمة شعرا هو أولا: أنها تجيء منضوحة من ~~خبرة الشاعر في حياته، وإذن فهو يقدم إلينا قطعة من نفسه، وثانيا: ~~هي تجيء إلى قارئها محكومة بضوابط الوزن الشعري، وهو فرق كالفرق بين ~~المشي والرقص؛ فليس مجرد المشي فنا، ولكن الرقص فن، مع أن الأمر في ~~الحالتين متشابه، وهو أنه سير بالرجلين؛ فالفرق هو بين سير مطلق ~~من القيد وسير مقيد بإيقاع، وهكذا تكون الحال بين حكمة تقدم ~~منثورة، لا يخضع التركيب اللغوي فيها إلا لقواعد النحو، وحكمة تقدم ~~شعرا فتخضع لقيد مقنن، هو الوزن. # ذلك هو الأدب، فماذا عما نسميه «فكرا» ولا نضع فيه العلوم بمختلف ~~أقسامها؟ إن التحديد القاطع هنا أصعب منه في حالة الأدب وفي حالة ~~العلم، وكأني «بالفكر» وسط يقع بين ذينك الطرفين، فإذا كان ~~الفارق الأساسي بين «العلم» من جهة و«الأدب» من جهة أخرى؛ هو أن العلم ~~يعمم القول فيما يبحث فيه، وأما الأدب فهو يبرز «التفرد» الذي ~~ينفرد به الشخص أو الموقف، الذي يكتب عنه الأديب أدبا؛ فرجل العلم قد ~~يضع في مخابيره المعملية قطعة معينة من الفحم، لا ليقف عندها هي من ~~أجل ذاتها، بل ليصل من خلالها إلى حكم علم على كل الفحم الذي هو من ~~قبيل القطعة المبحوثة، وأما قيس وهو يتحدث عن ليلى؛ فإنما يتحدث عن ~~ليلى وحدها، لا تشاركها امرأة أخرى فيما يحكيه عنها، وقد تسأل هنا ~~قائلا: ولكن أليس الشخص الذي يرسمه الأديب هو في الوقت نفسه نموذج ~~بشري عام؟ انظر - مثلا - إلى «هاملت» ألا تراه صورة نموذجية للمثقف ~~في حيرته؟ بلى، إلا أن من معجزات الفن الرفيع؛ أنه وإن يكن يوغل في ~~فردية الفرد الذي يصوره فهو في الوقت نفسه يقيم نموذجا ما، يشمل ~~نوعا من الناس، لكن هؤلاء إنما يقتربون قليلا أو يقتربون كثيرا من ~~النموذج، دون أن يظهر للنموذج نفسه توأم يطابقه في كل تفصيلة من ~~تفصيلات وجوده، فصوت أم كلثوم يقلده كثيرون ms127 - اقترابا أو ابتعادا - ~~لكنه من غير المحتمل أن يتكرر بذاته في شخص آخر. # قلنا إن العلم يعمم أحكامه، من جهة، والأدب يخصص صوره في ~~أفراد لا تتكرر، من جهة أخرى، ثم قلنا إن «الفكر» يشبه أن يكون ~~وسطا بين هذين الطرفين؛ ففيه تعميم قريب من تعميم الحقيقة العلمية، ~~وفيه صلات تربطه بالذات الإنسانية في تفردها، وخذ فكرة «الحرية» - ~~مثلا - إنها ليست من حقائق العلم؛ فلا هي فيزياء ولا هي كيمياء، ولا ~~هي مما يندرج مصطلحا في أي علم من العلوم، وليست هي في الوقت نفسه ~~قطعة من أدب؛ لأنك إذا تحدثت عن «الحرية» وجدت حديثك مختلفا عن شعر ~~الشاعر ورواية الروائي، لكنها رغم ذلك كله، موصولة بما هو عام، وبما هو ~~خاص في آن واحد، فقل عنها: «الحرية حق لكل إنسان.» تجد في قولك هذا ~~تعميما يقترب من أحكام العلم، ثم تجد فيه، في الوقت نفسه، وترا ~~منغوما يهز القلوب، ومجموعة المعاني التي نطلق عليها اسم «فكر» هي ~~من هذا القبيل: ديمقراطية، إخاء، مساواة، عدل، رحمة، تعاون، ذوق، جمال، ~~فضيلة، حق، ... إلخ. # فتستطيع أن ترى في كل معنى من هذه المعاني وأمثالها؛ ما يكون لنا مما ~~نسميه «فكرا» أو المجال الخاص من مجالات القول، الذي لا هو علم صريح ~~ولا هو أدب صريح. أقول إنك تستطيع أن ترى في كل فرد من أفراد هذه ~~الأسرة؛ خاصة مشتركة بينها جميعا، وهي أن المعنى الواحد منها أوسع ~~جدا من أن تكون له الحدود الفاصلة التي تحدده، وقد يبدو للرائي، ~~للوهلة الأولى، أنه محدد ومفهوم، لكنه كلما اقترب منه وجده أشد ~~روغانا من الزئبق، ولا عجب أن تجد للحرية ألف صورة وصورة، ~~وللديمقراطية ألف شكل وشكل، وهكذا قل في سائر أفراد هذه الأسرة ~~العجيبة، وذلك لأن كل معنى منها واسع عميق في مضمونه، سعة المحيط ~~وعمقه، فخذ منه ما تشاء، ويتعذر أن يقوم واحد من المختلفين حجة ~~على أحد؛ فهذا حر وذلك حر، مع أن صورة الحياة مختلفة بينهما، وذلك ~~شعب ديمقراطي وذلك ms128 شعب ديمقراطي، وصورة التركيب في كل منهما بعيدة عن ~~صورة التركيب في الآخر. وأعجب العجب أن هذه المجموعة من المعاني، التي ~~هي مجال «المفكر»؛ هي التي في سبيلها تشن الحروب بين الشعوب لاختلاف ~~هذه الشعوب حول الزاوية التي يرى منها شعب ما معنى من تلك المعاني، ~~كالحرية أو الديمقراطية أو المساواة، عن الزاوية التي نظر منها شعب ~~آخر؛ فلم يعرف التاريخ حربا شنت بسبب اختلاف على حقيقة علمية، ولا ~~حربا شنت بسبب اختلاف على طريقة نظم شعر أو بناء الرواية، ولكنه ~~عرف حروبا لا حصر لعددها، بسبب اختلاف على «فكرة» من تلك الأسرة ~~الكريمة؛ أسرة الأفكار. # ذلك إذن هو عالم «الفكر» وموقعه بين عالمي «العلم» و«الأدب»؛ فهو ~~أغمض الثلاثة جميعا، لكنه هو أخطرها في تكوين وجهات النظر، التي منها ~~يتألف بعض الملامح في هويات الأمم والشعوب، ولكل من هذه الأطراف ~~الثلاثة - العلم والأدب والفكر - مبدعوه، ثم متلقوه، ثم ناقدوه. ~~ومبدعو العلم هم العلماء في مجالات العلم المختلفة: الرياضة، ~~والطبيعة، والعلوم الإنسانية أو الاجتماعية، ومبدعو الأدب هم الشعراء ~~والروائيون والمسرحيون وكتاب المقالة الأدبية والرسائل ... إلخ (ولم ~~أذكر «الفن» لأن ما يقال عن الأدب في هذا السياق يصدق على الفن ~~كذلك). وأما مبدعو «الأفكار»؛ فهم جماعة «المفكرين»، وذروتهم هم ~~الفلاسفة، وأساس التفرقة هنا بين «ذروة» وسفح؛ هو درجة التعميم ~~والتجريد في البناء الفكري المعروض، وكذلك لكل طرف من هذه الأطراف ~~الثلاثة نقاده. على أن ما يلفت النظر هنا هو أنه بينما لا ينقد ~~الناتج العلمي إلا عالم؛ فإن الذي ينقد الناتج الأدبي، أو الناتج ~~الفكري، لا يشترط فيه بالضرورة أن يكون هو نفسه أديبا أو مفكرا، ~~ولذلك أمكن أن يختص بالنقد في هذين المجالين «نقاد»، ولا يكونون ~~شيئا آخر إلا أنهم «نقاد»، وعند هذه الملاحظة نرتد بالقارئ إلى ما ~~بدأنا به هذا الحديث، وهو أن حياتنا - نحن - الثقافية قد عرفت نقاد ~~الأدب، ولكنها تكاد لا تعرف شيئا عن نقد الفكر، ما هو؟ وكيف يكون؟ ~~ومن ثم كثرت بيننا في هذا المجال التخاريف، ms129 والفهلوات، وكل صنوف ~~الادعاء والجهالة والضحالة، والثرثرة الفارغة دون أن يتنبه عليها ~~أحد، أو ينبه عليها أحد. ولماذا نعجب - إذن - وتلك حالنا في هذا ~~الجانب من حياتنا الثقافية، أن يظفر بجوائز الدولة، وبمقاعد الرئاسة، ~~وبأضواء الشهرة؛ من لم يكن ليجد سبيلا إلى أعين الناس وآذانهم - ~~ودع عنك عقولهم وقلوبهم - لو كان في حياتنا نقاد فكر، كما كان فيها ~~نقاد أدب وفن. # وبين هذين الضربين من النقد أوجه اختلاف، لا تجعل بينهما من ~~العلاقة إلا ما يكون بين أبناء العم في الأسرة الواحدة، ولم أقل ما ~~بين الإخوة الأشقاء؛ لأن نقد الأدب ونقد الفكر فرعان لا يولدان من ~~والد واحد، ولكنهما يلتقيان عند الجد القريب، وأحيانا عند الجد ~~البعيد؛ إذ ليس الهدف فيهما واحدا، كلا، ولا خطوات السير فيهما ~~متطابقة، فماذا يريد ناقد الأدب؟ وكيف يحقق ما أراده؟ وماذا يريد ~~ناقد الفكر؟ وما أدواته ووسائله في تحقيق غايته؟ # لن أطيل الوقوف عند ناقد الأدب؛ لأن المادة المنشورة والمقروءة حول ~~هذا الموضوع قد شاعت وذاعت حتى بلغت معظم الآذان في من يهمهم ~~الأدب ونقده، وحسبي أن أقول إن السؤال الذي يطرحه ناقد الأدب على نفسه ~~- سرا أو علانية - هو شيء شبيه جدا بسؤال يطرحه صائغ الذهب أو ~~الأحجار الكريمة، كلما أراد أن يعرف كم من الذهب في قطعة زعم لها ~~أنها من ذهب، أو إلى أي مقدار يكون هذا اللؤلؤ حرا، أو هذا الماس ~~ماسا، والزمرد زمردا، إنها لتعد بعشرات الألوف؛ تلك التركيبات ~~اللفظية التي تنشر في الناس ويقال عنها إنها شعر، أو إنها رواية، أو ~~ما شئت من صنوف الأدب. ومهمة الناقد الأولى هنا هي كمهمة المصرفي الذي ~~يسأل عن «النقود»: أصحيحة هي أم زائفة؟ وكالمصرفي، لا بد لناقد الأدب ~~أن يتصور قاعدة أو قواعد، يستخدمها في تمييز الأدب الحر من الأدب ~~«التقليد»، وأن تلك القواعد عند الناقد المتمرس لتنغرس في كيانه ~~حتى تكاد تتحول لتكون جزءا من فطرته، أو كأنها قد أصبحت حاسة أخرى ~~تضاف إلى حواسه، لكن شيئا من ms130 إمعان النظر يظهرها ويبينها حتى نراها ~~«قواعد» كما كانت في مرحلتها الأولى من حياة الناقد. ولست أنسى جلسة ~~في لجنة رسمية كانت تناقش مستقبل الحياة الأدبية عندنا، فورد ذكر ~~النقد الأدبي بطبيعة الحال، وما كدت أنطق بكلمة «قاعدة» يرتكز عليها ~~حكم الناقد، حتى صاح عضو كانت له مكانته، قائلا: لا، لا قواعد! هذا ~~تقييد للمواهب! الموهبة لا تعرف «القواعد»! يا سبحان الله! كيف - إذن - ~~يكون أي حكم في الدنيا على أي شيء يراد الحكم له أو عليه إلا أن ~~تكون هناك «قاعدة» صريحة أو مضمرة؟! # ونقاد الأدب - على وجه الإجمال - صنفان: صنف منهما يقف عند النص ~~الأدبي ذاته لا يجاوزه، يشبعه تحليلا من كل وجوهه؛ ليعرف كيف ~~ركبت الكلمات فكانت ما كانت من فروع الأدب، وإلى هذا الصنف ينتمي ~~معظم نقاد الأدب في تراثنا العربي. # وأما الصنف الثاني فالناقد فيه «يخترق» النص الأدبي ليرى ما وراءه، ~~وأحيانا يكون هذا الذي وراءه «نفس» المبدع الذي أنتج الأثر المنقود، ~~وأحيانا أخرى يكون «الحياة الاجتماعية» التي أحاطت بذلك المبدع وقت ~~إبداعه، وأحيانا ثالثة يكون ذلك الماوراء المنشود هو احتمال أن يكون ~~الأثر المنقود نافعا للناس، وواضح أن وقوف الناقد عند النص، هو أصعب ~~الوسائل النقدية، وأحوجها إلى دراسة علمية؛ لأن البحث عما «وراء» النص ~~مجال فسيح للتخمين الذي قد يضل، دون أن تجد البرهان الحاسم الذي ~~تقيمه على ضلاله، ولذلك كان مثل هذا الشطح في عملية النقد الأدبي ~~مغريا لكل ذي جهالة يريد أن يكون ناقدا! # على أنه سواء أكان الناقد ممن يأخذون أنفسهم بالوقوف عند النص الذي ~~بين يديه أم ممن يجاوزون النص بحثا عما وراءه؛ فلا بد في كلتا ~~الحالتين أن ينفذ إلى الفكرة الخبيئة في الأثر المنقود. والفرق بين ~~الجماعتين في هذا هو أن جماعة النص تستخرج الفكرة الخبيئة من النص ~~نفسه، وأما جماعة «الماوراء» فكثيرا ما تلجأ إلى حدس البديهة. ولسنا ~~بهذا نقول إن مهمة المبدع هي أن يعرض فكرا كلا، لأنه لو فعل ذلك ~~صراحة، سقط إنتاجه من ms131 حساب الأدب بمقدار ما فعل، وإنما الفكرة المبثوثة ~~في النص الأدبي يستخلصها الناقد استخلاصا من صورة الحالة الإنسانية ~~المعينة التي صاغها المبدع في أثره الأدبي، وإذا لم يجد الناقد أن ~~فكرة كامنة في الحالة المعروضة؛ كان من حقه أن يتهم القطعة المنقودة ~~بالسطحية والتفاهة، وأمثالها لا يكتب لها دوام. # على أن نقاد الأدب لا يتحركون جميعا في فلك واحد، بل هي أفلاك ~~ثلاثة متدرجة في الصعود، أدناها أن يكون مدار الناقد عملا أدبيا ~~معينا، ديوانا من الشعر أو رواية، أو مسرحية معينة، أو ما شئت مما ~~تخطه الأقلام وتخرجه المطابع. وحتى هذا الفلك الأدنى، فيه فرق شاسع ~~بين ناقد وناقد، فهنالك من لا يزيد جهده على مراجعة الكتاب الذي ~~يقدمه، مراجعة تجيء أقرب إلى إعلان مفصل عن ذلك الكتاب بتعريف ~~القراء عن مضمون مادته مع شيء من التقويم إيجابا أو سلبا، ولكن هناك ~~أيضا من يعلو في تناوله للكتاب الذي ينقده، حتى لكأنه يعرض نظرية ~~نقدية بأسرها مجسدة في تعليق واحد على كتاب واحد. وأما الفلك الذي ~~يتلو ذلك صعودا، فهو الذي لا تجيء معه الأعمال الأدبية المفردة إلا ~~أمثلة يوضح بها فكرة يعرضها، وها هنا يكون محور البحث عند الناقد ~~نوعا أدبيا في جملته: أدب الرواية، أو الشعر، أو المسرح أو غير ~~ذلك؛ لأن لكل مرحلة زمنية ظروفها التي كثيرا ما تنعكس على كل فرع ~~من تلك الفروع، فتوجهها في طريق مختلف عما كانت تسير فيه خلال ~~مرحلة زمنية سابقة، فقد يجعل الناقد حديثه عن «الشعر» المعاصر أو ~~«الرواية خلال السبعينيات» أو ما هو شبيه بذلك، والأغلب في هذه الحالة ~~أن يحتاج الأمر إلى دراسة قد تبلغ أن تكون أكاديمية المستوى، وأن ~~يضطلع بها أساتذة الأدب في الجامعات، أو طلاب الدراسات العليا ~~فيها. # ويبقى الفلك الثالث الذي هو أعلاها، وهنا لا العمل الأدبي الواحد هو ~~مدار الحديث، ولا النوع بأسره من أنواع الأدب، بل يكون المدار هو ~~البحث عن «مبدأ» واحد، تنبثق منه شتى القواعد في مختلف وسائل ~~الإبداع؛ ms132 إذ هو مبدأ يراد به أن يبرز الجوهر الذي به يكون الإبداع ~~إبداعا، كائنا ما كان الميدان الذي تحقق فيه هذا الإبداع، وعند هذه ~~المرحلة نكون قد دخلنا فلسفة النقد، أو فلسفة الجمال الفني، وهو فرع من ~~فروع الدراسة الفلسفية. # ذلك كله عن ناقد الأدب، مما قد يعرف القراء المهتمون بالأدب ونقده ~~كثيرا منه؛ لأنه قد صادف أقلاما كثيرة عنيت بعرضه، حتى في الصفحات ~~الأدبية من الصحف اليومية، فماذا عن نقد الفكر؟ # أول ما نذكره عن ناقد الفكر، ما يميزه من ناقد الأدب أن هذا الثاني ~~مقيد بميدانه، وميدانه هو «الأدب» وأما الأول فيحمل في يده عدته ~~النقدية ليعملها في أي فكرة يريد نقدها، كائنا ما كان الميدان الذي ~~تنتمي إليه، فقد يقرأ لناقد أدبي كلاما عن «التجديد» في الشعر، فيقف ~~هنا متسائلا: ماذا يراد بكلمة «التجديد»؟ أو قد يقرأ لكاتب سياسي ~~كلاما عن «العدالة الاجتماعية» فيقف متسائلا: ماذا تعني «بالعدالة» ~~أولا؟ ثم ماذا تعني تلك العدالة وهي موصوفة بصفة تقيد مجالها؟! ~~وأعني صفة كونها «اجتماعية»، وهكذا يتخطى ناقد الفكر حدود التقسيم ~~الموضوعي، الذي يجعل لكل موضوع واحد مجالا واحدا. ويقيم على ذلك ~~الميدان علماء متخصصون في موضوعه، إلا أن الباحث المتخصص في موضوع ~~معين لا مفر له من أن يقبل طائفة من المعاني قبول التسليم؛ لكي يجعل ~~من تلك «المسلمات» سقالات يعتمد عليها في إقامة بنائه. والغرض في ~~تلك الأفكار أو المعاني، المقبولة من الباحث قبول التسليم؛ ألا تكون ~~مؤدية به إلى تناقض في آخر المطاف فينهار بناؤه من أساسه. وهنا تجيء ~~الحاسة اللاقطة عند ناقد الفكر، فيتناول ما يتناوله بالتشريح، لعله ~~يلقي الضوء على مكونات فكرة معينة، حتى إذا ما وجدت متسقا بعضها ~~مع بعض قبلت، أو وجدت حاملة في جوفها لعناصر ينقض بعضها بعضا فترفض، ~~وعندئذ يجب أن يعاد التفكير في البناء الذي كان مقاما على ~~أساسها. # ومن أهم الأدوات التحليلية التي يستخدمها ناقد الفكر أداة يبحث بها ~~عما إذا كانت الفكرة المعينة تحمل في جوفها ما ms133 يشير إلى «معنى» أو ~~لا تحمل، وإذا كان لها معنى فما هو؟ وذلك لأن هنالك في اللغة التي هي ~~في حقيقة أمرها «فكر» صاحبها متكلما أو كاتبا، أقول إن هناك في ~~اللغة كلمات بغير معنى بعضها يبلغ من الخطورة أن يعيش الناس في عالم ~~من الوهم، ينسجونه بأنفسهم ليصبحوا هم أول ضحاياه، فمن عاش في الوهم ~~عن غير وعي منه بأن ثمة فجوة بين ظنونه من جهة، وبين حقائق الواقع من ~~جهة أخرى، كان فريسة هينة لمن شاء أن يأكل، وأنت إذا بحثت لفكرة ~~معينة عن «معناها» فلا بد أن تتجه ببحثك هذا نحو شيء خارج تلك ~~الفكرة ذاتها؛ لأن معناها هو ذلك الشيء الذي تشير إليه. # ومثل ذلك البحث هو من أهم ما يفعله ناقد الفكرة، إنه يسأل نفسه: ماذا ~~تعني؟ أي إلى أي شيء تشير؟ لكنه قبل أن يهم بالبحث عن ذلك الشيء ~~المشار إليه خارج الفكرة يجب عليه أولا أن يحللها إلى عناصرها، ~~كما يحلل الكيماوي مادة ليرى من أي العناصر تكون، والأرجح جدا أن ~~تكون الفكرة المعروضة للبحث مركبة من عدة عناصر ونحن لا ندري، ~~ونستخدمها في أحاديثنا وكأننا نتحدث عن كائن محدد معلوم، حتى إذا ~~ما اطمأن ناقد الفكرة إلى مكوناتها، بدأ توجيه بصره نحو ما «تعنيه» ~~تلك العناصر، أي نحو ما تشير إليه، وهنا قد ينتهي به الأمر إلى واحدة ~~من حالات أربع: الأولى أن يجد ما يشار إليه بالفكرة: شيئا، أو صورة ~~من صور السلوك، أو أي مشار إليه من أي نوع آخر، وعندئذ تكون الفكرة ~~ذات معنى وأنها فكرة صحيحة بوجود معناها ذاك في دنيا الحقائق، والحالة ~~الثانية، هي أن يتأكد ناقد الفكرة من طبيعة ما تشير إليه، لكنه ينظر ~~إلى ما هو واقع بالفعل فيجده على غير تلك الصورة، وعندئذ تكون الفكرة ~~ذات معنى، إلا أنها خاطئة في تصويرها للواقع: كأن تقول - مثلا - إن ~~عدد الجامعات المصرية أربعون جامعة؛ فهذه فكرة لها معنى، ولكنه يخطئ ~~بالنسبة إلى حقيقة الواقع، وكلتا هاتين ms134 الحالتين نراهما في حياة ~~الناس الفكرية حتى وهي حياة سوية؛ لأن الأولى منهما مقبولة منطقا ~~وواقعا معا، والثانية منهما مقبولة منطقا ومرفوضة واقعا، وعندئذ ~~يسهل تصحيح الخطأ بمراجعة ما هو واقع. # أما الحالة الثالثة من تلك الحالات الأربع؛ فهي أن يجد ناقد الفكرة ~~أنها تنطوي على تناقض، لأن العناصر الكامنة فيها يعارض بعضها بعضا، ~~وعندئذ لا ندري أي عنصر من تلك العناصر نريد. مثال ذلك حين قلنا إن ~~رئيس الجمهورية هو في الوقت نفسه في موقع الوالد من الأسرة المصرية، ~~فهذه الصورة تحمل عنصرين متناقضين: أن يكون الرئيس قابلا للعزل ممن ~~انتخبوه إذا هو لم يحقق لهم ما انتخب من أجله، أو أنه غير قابل للعزل ~~شأنه شأن أي والد من أسرته، أو حين قلنا إن الصحافة سلطة رابعة؛ ~~لأنها إذا كانت رابعة كانت الإشارة إلى السلطات الثلاث المعروفة وهي ~~التشريعية والقضائية والتنفيذية، لكن هذه الثلاث تشترك كلها في أن ~~لها سلطة؛ أي قوة تطبق بها ما تريد تطبيقه؛ فواحدة تشرع، وثانية ~~تقضي بناء على تشريعها، وثالثها تنفذ ما قضى به القضاء، فأين تقع ~~الصحافة في هذا المسلسل؟ هنا يقال إن المسلسل الذي تقع فيه هو عناصر ~~الهيئة التشريعية، لكن تلك العناصر بوصفها ناقدة حددناها بخمسة، ~~وإذن تكون الصحافة سلطة سادسة وليست رابعة. ومصدر الخطأ كله هو الجملة ~~الشهيرة التي قالها كارلايل في منتصف القرن الماضي عن الصحافة ~~الإنجليزية بأنها هيئة رابعة (ترجمت الكلمة التي استخدمها في هذا ~~السياق خطا حين ترجمت بكلمة سلطة) وكانت صفة كونها «رابعة» منسوبة ~~إلى العناصر الثلاثة المكونة للبرلمان الإنجليزي: اللوردات، ورجال ~~الكنيسة، وعامة الشعب. وهكذا استخدامنا فكرة فيها لبس لا يمكننا من ~~معرفة الشيء الذي نعنيه. وأما الحالة الرابعة والأخيرة؛ فهي أن يحلل ~~الناقد فكرة، فيجدها بحكم تكوينها اللفظي نفسه لا تحمل معنى على ~~الإطلاق؛ أي أنه يجد استحالة منطقية في أن تشير إلى أي موجود بين ~~الموجودات العقلية، أو بين الموجودات التي يمكن أن يتحقق لها وجود، ~~كأن نقول مثلا إنك وجدت دائرة ms135 مربعة، وربما اعترضت على هذا المثل ~~قائلا: وهل يعقل أن يقول قائل قولا كهذا؟ فأجيبك بأن أولئك الذين ~~يتحدثون عن تحضير الأرواح وعن الأشباح يرونها بين القبور أو حيثما ~~يرونها، أو ما يشبه ذلك من ضروب الكلام. إذا أنت حللت ما يقولونه؛ ~~وجدته يضع أضدادا محال عليها أن تتلاقى بحكم تعريفها ذاته، وظني هو ~~أن في حياتنا أمثلة كثيرة من هذا القبيل، فهذا الصنف من المركبات ~~اللفظية التي تتنافر أجزاؤها، يمكن إدراجه فرعا من فروع الحالة ~~الثالثة التي أسلفناها. # ناقد الأدب يبث في نقده تقويمه الخاص للأثر الأدبي المنقود، وأما ~~ناقد الفكر فلا يزيد عمله النقدي على أن يكون عدسة مكبرة، تكشف دخائل ~~الفكرة وعناصرها، على نحو ما ينظر العالم بمجهره إلى ماء يظن فيه ~~النقاء، وإذا هو يكشف عن حشد من الجراثيم لا ينكشف للعين المجردة، ~~فإذا ما تبينت عناصر «الفكرة» الموضوعة تحت الفحص لناقد الفكر؛ عرف ~~من أي نوع من الأنواع الأربعة هي، أهي من حوامل المعنى وصادقة على عالم ~~الواقع أم هي من حوامل المعنى لكنه مخطئ بالنسبة إلى عالم الواقع أم ~~هي تحمل في جوفها عناصر متناقضة فلا ندري كيف السبيل إلى فهمها حتى ~~تكون ذات نفع لنا؟ أم هي من ذلك الصنف السرطاني الخبيث الذي تساق فيه ~~تركيبات لفظية تشبه حوامل الأفكار ولكنها في حقيقتها خلو من أي معنى ~~فتحدث في الناس أوهاما بأنهم «يعرفون» وهم لم يعرفوا شيئا؟ # وناقد الأدب وناقد الفكر كلاهما من أقوى عوامل التحديث في ثقافتنا ~~العربية إذا هما تعقبا نواتج الأدب والفكر بالنقد الموضوعي النزيه ~~والمهتدي بعلم صحيح، ولقد شاء لنا الله أن يكون بيننا نقاد ~~للأدب، مهما يكن بهم من قصور؛ فمنهم جاء بعض الضوء، فاستنارت الحركة ~~الأدبية ولو إلى حد محدود، ولكنه لم يشأ أن يظهر فينا حدا أدنى ~~من نقاد الفكر، فغرقنا في ضباب الغموض يحيط بنا من كل جانب فتدور ~~على ألسنتنا وأقلامنا أسماء التيارات والمذاهب والمعاني، لكننا قلما ~~نعرف لاسم من تلك الأسماء الضخمة حدوده ms136 وقيوده وأعماقه ~~ومراميه. # | لك الله يا علوم الإنسان! # الكرة الحيرى بين أقدام اللاعبين لم تعد تعرف لنفسها والدا تنتمي ~~إليه؛ فكل يريدها لنفسه، وكأنها قطعة الحلوى تنازعتها جماعة من ~~الصغار اللاعبين، مع أن المسكينة تحمل معها شهادة ميلادها، تبين لمن ~~أراد بيانا، من هي، وإلى أي أسرة تنتمي، فاسمها «علوم»، وهي تنتمي ~~إلى أسرة «العلم». وإنما أعني تلك المجموعة من الدراسات العلمية التي ~~يطلق عليها اسم «العلوم الإنسانية». # لقد حكم عليها بالتشرد فلا تعرف لها نسبا؛ فهي في الجامعات ~~تخصص لها كلية أو كليات، ينعتونها آنا بأنها «آداب» كما هي الحال ~~في مصر وفي سائر الأقطار العربية، وآنا آخر بأنها «فنون حرة» كما هي ~~الحال في كثير من بلدان الغرب، وهكذا، حتى جاءتنا أيامنا هذه بأعجب ~~نعت من نعوتها، وذلك حين تحركت في حياة الأمة العربية موجة تحرص على ~~الخصوصية المتميزة للمسلم العربي، فقال أصحابها عن مجموعة العلوم التي ~~موضوعها «الإنسان»: إننا نريدها علوما إسلامية، قوامها مادة إسلامية، ~~ومنهج البحث فيها هو منهج السلف من المسلمين. # مسكينة هذه المجموعة البائسة من أسرة «العلم»! فحتى رجال الاختصاص ~~في تقسيم العلوم وتبويبها، كثيرا جدا ما أخذتهم الحيرة: أيجعلونها ~~علوما قائمة وحدها ليكون لها منهج خاص في بحثها أم يضعونها حيث ينبغي ~~لها أن توضع مع سائر العلوم الطبيعية ليكون بحثها قائما على المنهج ~~ذاته الذي ينتهجه الباحثون في بقية العلوم الطبيعية التي من شأنها أن ~~تبحث في «الظواهر» أي فيما «يظهر» من الأشياء إذ لا فرق بين ظاهر يظهر ~~لنا من نبات أو ضوء أو هواء وظاهر آخر يظهر لنا في سلوك الإنسان فردا ~~كان أو مجتمعا مع إنسان آخر؟ ولا غرابة أن ترى المسئولين عن العلم ~~وعن الثقافة في مصر، حين أقاموا مجلسا أعلى للآداب والفنون، اختاروا ~~أن توضع العلوم الاجتماعية معهما، فذلك عندهم أصوب من أن توضع تلك ~~العلوم مع بنات عمها - إن لم تكن شقيقاتها - العلوم الطبيعية ~~والرياضية في «أكاديمية العلوم»، بل إن الحيرة إزاء تلك المجموعة ~~البائسة من ms137 العلوم لتمتد بنا إلى التردد بين أن نطلق عليها اسم ~~«العلوم الاجتماعية» وأن نطلق عليها اسم «العلوم الإنسانية»؛ فمرة نقول ~~عنها هذه الصفة، ومرة نقول عنها تلك، وكأن الصفتين مترادفتان، وما هما ~~بمترادفتين؛ لأنها وهي «إنسانية» قد تبحث في تركيبة «الفرد» الإنساني ~~الواحد وهو غير مجتمع بغيره، وأذكر أن العلماء الذين عنوا بتقسيم ~~العلوم، يفرقون بين الاسمين، فإذا قيل «علوم إنسانية» (وهم في هذه ~~الحالة يكتفون بكلمة «إنسانيات» دون كلمة «علوم») أدرجوا مع ما ~~يدرجونه تحت هذا الاسم: الدين والفن، وأما إذا قيل «علوم اجتماعية» ~~فالأغلب ألا يضيفوهما. # ولعلك قد صادفت في حياتك الدراسية، حينا بعد حين، أسئلة تثار حول ~~هذه العلوم «اجتماعية» كانت في حسابهم أو «إنسانية»، تسأل عن «التاريخ» ~~- مثلا - أهو علم أم فن أم هو علم وفن معا؟ وعن الجغرافيا: أهي أقرب ~~إلى العلوم أم إلى الآداب؟ وعن الدراسة الأدبية - كالنقد الأدبي - أهو ~~عملية تستند إلى علم أم إلى ذوق؟ وعن «المنطق» ماذا فيه من علم؟ وماذا ~~فيه من فن عملي؟ وعن علم النفس أهو فرع من فروع الفلسفة أم هو فرع من ~~فروع العلم؟ وأما عن دراسة «الفلسفة» فحدث ولا تتحرج في حديثك، عن ~~التخبط في نسبتها التي تحدد انتماءها، حتى لقد انتهى الأمر في ~~ذلك برجل من أئمة الفكر الفلسفي في عصرنا، هو برتراند رسل، أن يقول ~~عنها إنها أرض محايدة بغير مالك. # هكذا انبهمت المعالم، وغمضت الرؤية، حتى كثرت الألسنة، وتعددت ~~الآراء، وأصبح الأمر في فوضى التفاهم، أقرب إلى المحنة التي أصابت أهل ~~بابل، حين تعذر بينهم التفاهم لتعدد اللغات، وعلى ذلك فلم يكن ~~شذوذا يلفت النظر، أن تنهض من علمائنا جماعة تزداد اتساعا وقوة ~~يوما بعد يوم، تدعو إلى أن تكون لنا صورة إسلامية خاصة، من العلوم ~~الإنسانية، ولم لا؟ - هكذا أتصورهم يسألون - أليس موضوع البحث في تلك ~~العلوم هو «الإنسان»؟ وأليس للإنسان تميزه الشخصي الذي يمايز بينه ~~وبين الإنسان الآخر إذا ما جاء كل منهما منتميا إلى ثقافة غير الثقافة ~~التي ينتمي ms138 إليها الآخر، وإلى عقائد دينية ومعتقدات اجتماعية غير ~~العقيدة والمعتقدات التي ينتسب إليها الآخر؟ ودع عنك ما يختلف به ~~الإنسان عن الصخر والحديد والماء، والهواء والنبات والحيوان: فإذا كان ~~هذا هكذا في ما يخص الشخصية الإنسانية المتفردة بخصائصها دون من عداها ~~وما عداها؛ فلماذا لا تكون لحياته في خصوصيتها وتفردها علوم إنسانية ~~تختلف عن علوم إنسانية تبحث في حياة أخرى لها بدورها خصائصها ~~ومميزاتها؟ # وهذا ظاهره حق، طالما بقيت الفكرة عن العلوم الإنسانية، أو ~~الاجتماعية، على غموضها الذي هي عليه عند الكثرة الغالبة من الناس، ~~وحتى المسئولين منهم، لكن لماذا نترك تلك الفكرة على غموضها؟ أهو قدر ~~محتوم على تلك البائسة المسكينة دون أخواتها أو بنات عمها من سائر ~~«العلوم»؟ وإن تلك الفكرة لتسطع بضوء الوضوح لو أننا بدأناها بالخطوة ~~الأولى الصحيحة، وهي أن العلوم الإنسانية «علوم» تخضع لما يخضع كل قول ~~آخر أراد له صاحبه أن يندرج في زمرة العلم؛ فما علينا إلا أن نحدد - ~~ما وسعنا التحديد - أهم الخصائص وأبرز الملامح التي تجعل العلم علما ~~متميزا عن غيره من ضروب القول الأخرى، فإذا ما فرغنا من ذلك التحديد، ~~سهل علينا بعد ذلك أن نضع العلوم الإنسانية في موضعها الصحيح ما دامت - ~~بحكم اسمها - علوما من العلوم. # إن من أهم ما يميز الفكرة العلمية كائنا ما كان موضوعها، أن تتجرد ~~من الميل والهوى، فحتى صاحبها الذي كشف عنها الغطاء وأعلنها في الناس ~~لا بد له أن ينفصل عنها؛ فلا صلة بينها وبين ذاته الشخصية، ولا ~~علاقة لكرامته ومكانته بصواب فكرته تلك أو خطئها؛ لأنها منذ لحظة ~~إعلانها تصبح بين أيدي المختصين من علماء ميدانها، يفحصونها، ~~ويمحصونها، ويقبلونها أو يعدلونها أو يرفضونها؛ إذ هي ملك عام، ولم ~~تعد مقتصرة على صاحبها، وهذه الجوانب كلها في الفكرة العلمية - ~~وأكرر قولي: كائنا ما كان موضوعها - هي التي نقصد إليها حين نشترط على ~~أي فكرة علمية أن تكون «موضوعية»؛ لأنها «وضعت» بين أيدي المختصين، ~~ولأنها متصلة «بموضوع» خارج حدود الذات بميولها ومشاعرها ورضاها ms139 ~~وسخطها، وحبها وكراهيتها. # ومن هنا لم يعد يجوز لها أن تتجنس بجنسية من كشف عنها وأذاعها. ~~نعم، لصاحبها أن يفخر بها ويفاخر، ولأمته أن تزهو بابنها، وأن ~~تجعله جزءا من تاريخها، لكن ذلك الفخر والمفاخرة، والزهو والمباهاة، ~~بالنسبة إلى صاحب الفكرة في حياته، وإلى وطنه وأمته في حياته وبعد ~~مماته، لا يتعارض مع كون تلك الفكرة العلمية قد أصبحت ملكية إنسانية ~~عامة، لا تنتمي إلى وطن خاص، ويدخلها تاريخ العلم أينما كتب في صفحاته ~~ذاكرا مكان ظهورها أو غير ذاكر؛ لأنها قد باتت ملكا للجميع. # وموضوعية الفكرة العلمية واستقلالها بوجود خاص بها منفصل عن وجود ~~صاحبها؛ توجب عليها أن تكون مصوغة في دقة بالغة، حتى تتجنب أي ~~لبس أو غموض؛ لأنها لا تدري من من العلماء سيتناولها بالفحص ~~والتمحيص ومن من الناس بعد ذلك سيتناولها بالتطبيق؛ إذن لا بد أن ~~تجيء من دقة الصياغة ما يضمن لها أن تفهم حتى لو عرضت على من عرضت ~~عليه بعد عدة آلاف من السنين، وما يضمن لها كذلك أن تجد سبيلها إلى ~~التطبيق في حياة الناس العملية، وهل يمكن للإنسان أن ينفذ صيغة ~~مكتوبة ولا يفهم ماذا تعني؟ وهذه الخصائص التي تنقل الفكرة العلمية من ~~الخصوصية الذاتية والإقليمية إلى العمومية الموضوعية والدائمة؛ هي ~~نفسها الخصائص التي تحتم على الفكرة العلمية أن تخلو خلوا تاما ~~مما عسى أن يكون إدراكه مقصورا على صاحبها دون عامة الناس؛ فقد يكون ~~صاحبها ذاك ممن رفعت عنه الحجب وكشفت له الحقائق، على نحو تميز ~~به دون غيره، ثم عبر عما رآه بتلك المواهب النادرة، فعندئذ قد تكون ~~لكتابته قيمة رفيعة باعتبارها شعرا أو ما يدور في فلك الشعر، لكنها ~~بتلك القيمة الذاتية كلها لا تحمل «تأشيرة الدخول» التي تسمح لها ~~بالانضمام إلى دنيا العلوم؛ إذ أقل ما يقال عنها في هذه الحالة أنها ~~بحكم خصوصيتها تلك لا تستسلم لجماعة العلماء إذا ما أرادوا اختبارها ~~بمخابير العلم. # ومن شأن الفكرة العلمية - وأكرر مرة ثالثة قولي: أيا كان موضوعها - ~~ألا ms140 تذكر ما تذكره لحلاوة في اللفظ يسر مسامع قرائها، أو أن تجعل ~~غايتها التسرية عن هموم قارئها، بما تورده من نكات وقفشات خفيفة ~~الظل محببة إلى النفوس، لا، بل غايتها دائما هي أن تعطي الناس صيغة ~~تعين على حل مشكلة، أو نوع بأسره من المشكلات، في زراعة، أو صناعة، ~~أو نقل، أو سياسة، أو ما شئت من جوانب الحياة العملية ونظمها. # ولهذا كان من أهم خصائصها القدرة على أن يستعين بها من شاء على ~~التنبؤ بالحدث قبل وقوعه وعلى التصرف في ذلك الحدث حين يقع؛ لأنها ~~ما دامت قد وصفت بأنها «علمية» فإن ذلك يتضمن الاعتراف بصدقها ~~اعترافا أيدته المراجعات والاختبارات، وعلى أساس ذلك الصدق فيها ~~يعول عليها الإنسان في تسيير حياته وهو مطمئن. وهنا لا بد من شرح ~~سريع لنقطة أرجح لها أن تنشأ عند القارئ، وهي أن الحقيقة العلمية ~~سرعان ما يظهر بطلانها، فيذهب زمانها وتحل محلها فكرة أخرى، وهذا ~~صحيح، ولكن في حدود يجب أن يكون القارئ على علم بها، وهي أن ما يبطل ~~فكرة علمية ليس هو أنها قد خلت من صحتها، بل هو أنها تصح على مجال ~~معين؛ فلما أن تبين للعلماء فيما بعد أن مجال التطبيق أوسع مما كان ~~يظن أول الأمر، حاولوا أن يجدوا فكرة علمية أخرى تصح في المجال ~~الأوسع، مع بقاء الفكرة القديمة - إذا أردنا لها البقاء - شريطة ألا ~~ننسى أنها مقيدة بمجالها المحدود. # تلك هي بعض الملامح البارزة في طبيعة الفكرة العلمية - أيا كان ~~موضوعها وهو قول أكرره الآن للمرة الرابعة - فما سر إلحاحي على هذه ~~التوسعة في فهم الفكرة العلمية وطبيعتها؟ سر ذلك ليس سرا، وإنما ~~هو علني مذاع، معلوم لمن يهمه أن يعلم، وذلك أن تعريف «العلم» مؤسس ~~على منهجه، وليس على نوع الموضوع المطروح للبحث؛ فلا فرق بين أن يكون ~~موضوع البحث العلمي سرعة الضوء وقوانين انعكاس أشعته أو انكسارها، وبين ~~أن يكون موضوع البحث هو تذكر الإنسان لما يتذكره ونسيان ما ينساه، ~~فلماذا يتذكر وكيف وإلى ms141 أي مدى، ولماذا ينسى، وكيف، وبعد كم من ~~الزمن، أو أن يكون موضوع البحث هو الفوارق الطبقية في المجتمع، كيف ~~نشأت ولماذا نشأت، وهل يمكن لها أن تزول أو أنها قد تزول صورة من صورها ~~لتعاود الظهور في صورة أخرى، أو أن يكون موضوع البحث هو التضخم المالي ~~وارتفاع الأسعار. ولقد قصدت بهذه الأمثلة الثلاثة الأخيرة أن يكون ~~أولها من مجال علم النفس وثانيها من مجال علم الاجتماع، وثالثها من ~~مجال علم الاقتصاد، وهي العلوم الثلاثة التي تكون أهم ما في «العلوم ~~الإنسانية»، لأقول: إنه لا فرق بين البحث الطبيعي في ظاهرة الضوء ~~والبحث الإنساني في المشكلات التي ذكرتها من العلوم الإنسانية ~~الثلاثة، اللهم إلا درجة الدقة في النتائج، وأما «المنهج» العلمي في ~~أخص خصائصه؛ فهو محقق فيها جميعا، وإلا لما استحق أن يكون ~~«علما» ذلك الذي لا يحقق شروط المنهج العلمي، الذي لا وطن له؛ فهو ~~ليس منهجا خاصا بالغرب دون الشرق، ولا بالشرق دون الغرب، ولا ~~تنفرد به أمة دون سائر الأمم؛ فهو هناك لمن يأخذه ابتغاء أن يكون ~~مشاركا في موكب العلم. # وعند هذا المنعطف من حديثنا، نبدأ في النظر الفاحص الهادئ الموضوعي ~~إلى ما قد ارتفعت به الأصوات في أرجاء الوطن العربي منذ قريب، ثم أخذت ~~تلك الأصوات تتزايد ارتفاعا، وتزداد مع ارتفاعها حرارة وحماسة، وهو أن ~~يكون للعربي المسلم علومه الإنسانية الخاصة به لتحمل في طياتها خصائص ~~الثقافة العربية الإسلامية وخصوصيتها، وأصحاب هذه الدعوة يعلنون صراحة ~~أننا ونحن نأخذ عن الغرب تلك العلوم الإنسانية؛ فإنما نكون قد عرضنا ~~أنفسنا لغزو ثقافي من ذلك الغرب، وسرعان ما تنمحي قسماتنا وملامحنا ~~وننجرف بقوة ذلك التيار العنيد حتى نسقط في هوة العدم، وماذا يريدنا ~~هؤلاء السادة أن نفعل لكي تكون لنا علوم إنسانية خاصة بنا، عربية ~~إسلامية، إنهم يريدون شيئين - فيما يبدو - أولهما ألا تكون مراجعنا في ~~البحث العلمي هي ما كتبه في موضوعات العلوم الإنسانية علماء الغرب، وأن ~~تكون مراجعنا هي مراجعنا نحن؛ فنرجع إلى ما كتبه ms142 أعلامنا: الإمام ~~الغزالي، والفقيهان ابن تيمية وابن القيم، والفيلسوف والفقيه الإسلامي ~~ابن حزم، وفيلسوف العلوم الاجتماعية ابن خلدون. هذه قائمة من الأسماء ~~التي رأيتها منشورة في الصحف نقلا عن توصيات الملتقى الفكري ~~الإسلامي، الذي انعقد في الجزائر خلال الأسبوع الأول من سبتمبر 1986م. ~~والأغلب أن تكون تلك القائمة قد أرادت بتلك الأسماء ضرب المثل لمن يمكن ~~الرجوع إليهم في العلوم الإنسانية عندما تكون تلك العلوم عربية ~~إسلامية، وأما الشيء الثاني الذي يدعو إليه السادة أصحاب هذه الدعوة ~~فهو - بالبداهة - أن تنصب أبحاثنا العلمية في مجال العلوم الإنسانية ~~على واقع حياتنا نحن؛ حتى لا تؤخذ علومنا من واقع الحياة عند آخرين، ~~على أن السادة أصحاب الدعوة يضيفون الشريعة الإسلامية وفقهها فيما ~~يسمى بالعلوم الإنسانية، أو هكذا قرأت في بيان الندوة ~~المذكورة. # ولنا على هذا كله وقفة شارحة وناقدة، وجل من لا يخطئ ولا يسهو، ~~وأبدأ - أولا - بحذف الجوانب التي يذكرها أصحاب الدعوة إلى علوم ~~إنسانية في ثوب عربي إسلامي، ولم يكن هنالك ما يوجب أن يضيفوها إلى ~~مطالبهم وأهدافهم؛ لأنها جوانب مفروضة، ولا ينازع في وجوبها أحد، فهم ~~يضيفون إلى العلوم الإنسانية دراسة الشريعة الإسلامية؛ فهل يمكن ~~للشريعة الإسلامية إلا أن تكون إسلامية الموضوع وإسلامية المراجع؟! ~~فحتى لو كان الدارس لها مستشرقا لا هو عربي ولا هو مسلم؛ فإنه لا يجد ~~سبيلا أمامه إلا أن تجيء دراسته آخر الأمر إسلامية الموضوع وإسلامية ~~المصادر. # وقد تسألني قائلا: وما العيب في أن تضاف دراسة الشريعة الإسلامية ~~في سياق دعوة الدعاة إلى «أسلمة» العلوم الإنسانية؟ وأجيب بأن ذكرها ~~يوهم القارئ بمزيد من قوة الدعوة ومزيد من ضعف خصومها، دون أن يكون ~~هنالك من حجة حقيقية على تلك القوة، أو على هذا الضعف؛ ما قد يصرف ~~العقل العادي عن رؤية صحيحة لطبيعة الحوار. # تلك واحدة، ومسألة أخرى نريد حذفها من قائمة ما يطالب به أصحاب ~~الدعوة، وهو وجوب أن تبنى الأبحاث العلمية في العلوم الإنسانية على ~~واقع الحياة في الأمة العربية الإسلامية؛ فذلك أمر مفروض ms143 مقدما، وليس ~~له بديل آخر نخشاه، فهل يمكن لباحث عربي، يريد البحث في مشكلات ~~«المراهقة» - مثلا - (في ميدان علم النفس) فلا يجعل الأفراد الذين ~~يدير حولهم بحثه أفرادا من هذا المجتمع؟ هل يمكن أن يسافر إلى ~~النرويج أو إلى اليابان ليجري بحثه هناك على مراهقين ومراهقات من ~~هذا الشعب أو ذاك ثم يعود إلينا قائلا: هاكم بحثا عن سن المراهقة في ~~بلادنا؟ وأقسام علم النفس في جامعاتنا لا تنفك باحثة عن طريق ~~الدارسين دراسات عليا في جوانب من ميدانها العلمي، معتمدة في جميع ~~الحالات على «عينات» مأخوذة من مجتمعنا؛ لأنه لا بديل لهذا الطريق. ~~ومرة أخرى نقول، إن إضافة هذه البدهية العلمية قد تضيف في وهم القارئ ~~قوة للدعوة وضعفا لخصومها دون أن تقام هذه الأحكام على مبرر ~~مقبول. # وبعد هذا الحذف، نتجه بأبصارنا نحو لب المشكلة المعروضة للنظر، ~~وأعني الدعوة إلى «أسلمة» العلوم الإنسانية التي هي أساسا علوم ثلاثة ~~قد تنبثق منها فروع، والعلوم الثلاثة موضع النظر هي: علم النفس، وعلم ~~الاجتماع، وعلم الاقتصاد. وعلينا أن نلحظ أنها - منطقيا - يجب أن ~~ننظر إليها وهي على هذا الترتيب التنازلي؛ لأن النتائج العلمية التي ~~يصل إليها علم النفس هي المسلمات الأولية التي يقيم عليها علم ~~الاجتماع بناءه، إذ هو يبني تصوراته على حقائق في طبيعة الإنسان، ~~أمده بها علم النفس، ثم يأتي بعد علم الاجتماع علم الاقتصاد؛ لأنه ~~إذا كان الأول يعنى بالتفاعل بين الناس في حياة مشتركة فإن علم ~~الاقتصاد يركز على ضرب واحد من ضروب ذلك التفاعل، وهو الضرب الخاص ~~بالإنتاج في شتى ميادينه وبتوزيع ذلك الإنتاج. # وأول ما ألحظه في دعوة «الأسلمة» لهذه العلوم، هو أن السادة الدعاة - ~~فيما يبدو - ينظرون إلى تلك العلوم الإنسانية من زاوية «التلميذ» الذي ~~يدرس مادة من تلك المواد؛ فيكون السؤال الرئيسي عنده وعند القائمين على ~~تعليمه هو: أي الكتب يقرأ؟ وعندئذ يجيء جواب السادة الدعاة قائلا: ~~اقرأ ما كتبه الأعلام من أسلافنا العرب المسلمين، بدل أن تستنفد قواك ~~في قراءة علماء الغرب ms144 فيصيبك بهذا الانحراف غزو عقلي ونفسي، يوهمك ~~بأن علم الغرب هو كل شيء، أما نحن فلا شيء، لكن انظر إلى الموقف من ~~ناحية «الباحث العلمي» لا من ناحية «التلميذ» الدارس لما قد تم إنتاجه ~~من نتاج العلوم، انظر من ناحية ذلك الباحث الذي يريد أن يضيف إلى ~~العلم جديدا، ويجد لمشكلات الحياة داخل مجالات تلك العلوم حلولا لم ~~يسبقه إليها أحد، أفنقول لمثل هذا الباحث - في علم النفس أو الاجتماع ~~أو الاقتصاد: اقرأ الإمام الغزالي، وابن تيمية، وابن القيم وابن خلدون؟ ~~نعم، إنه لا بد أن يقرأ عند هؤلاء ما له صلة بموضوع بحثه؛ ليبدأ من ~~حيث انتهوا، إذ هو يحيل الأمر إلى عبث، إذا هو بدأ من حيث بدءوا، فلم ~~يفعل بذلك سوى أن يجعل نفسه وكأنه نسخة بشرية من مؤلفات هؤلاء ~~العلماء، ثم ما هو أهم من ذلك، وهو أن البحث العلمي الأصيل في العلوم ~~الإنسانية أو غير الإنسانية مما له علاقة بكائنات الدنيا؛ يجب أن ~~ينصب مباشرة على تلك الكائنات، وإلا لما جاءت بجديد، فهل نقول للباحث ~~العلمي الذي يريد أن يعرف الأسس النفسية التي يقام عليها «التعلم» ~~اقرأ في ذلك عند ابن تيمية وابن القيم؟ أو أن نتائجه يجب أن تقام على ~~بحث تجريبي يلتزم أصول المنهج التجريبي أيا كان موضوعه؟ والحق أننا - ~~في هذه النقطة - إنما نضع أصابعنا على سر الأسرار وعلى عمق الأعماق، ~~بالنسبة إلى التخلف العلمي والنهوض منه، وذلك لأن التخلف العلمي في ~~بلد ما، أو في عصر ما، ليس إلا أن تدور الحركة العلمية والتعليمية ~~كلها حول «كتب» الأقدمين، تقرأ وتشرح وتلخص وتحفظ، فيصبح من ~~أجاز هذه الأشياء «عالما»، عالما بماذا؟ إنه عالم بما في كتب ~~الأقدمين وليس عالما بحقائق الواقع الجديد في ميدان علمه. # ومع ذلك فلننظر إلى العلوم الإنسانية الثلاثة الأساسية علما علما، ~~لنرى هل يمكن أن يكون العلم منها علما وافيا بما نريده منه، إذا ~~نحن اكتفينا بقراءة «الكتب» أو ما إلى الكتب مما أصدره قدماء أو ~~محدثون؟ قد ms145 يكون ذلك كافيا «للتلميذ» الدارس، ولكن هل يظل كافيا ~~بالنسبة إلى «العلماء». # ولنبدأ بعلم النفس، وأول سؤال أطرحه على الدعاة إلى «أسلمة» العلوم ~~الإنسانية هو: بأي منهج علمي تريدون للعالم العربي المسلم أن يجري ~~بحثه العلمي في الظاهرة النفسية التي يختار البحث فيها؟ كأن يختار - ~~مثلا - عوامل التوافق بين الفرد والجماعة التي يعيش بينها فردا فيها، ~~وإنني لأعيد هنا ما قد أسلفته، من أن تعريف العلم مؤسس على منهجه ~~وليس على نوع الموضوع الذي يتناوله الباحث بذلك المنهج؛ إذ الموضوعات ~~العلمية تتعدد وتتنوع، وأما منهج البحث العلمي فواحد من حيث ~~المبادئ الأولية. وأعود فأسأل السادة أصحاب الدعوة إلى «الأسلمة»: بأي ~~منهج تريدون لعلم النفس الإسلامي أن يبحث؟ فإذا كان الجواب هو أن ~~المنهج لا يكون إلا ذلك الذي أقرته الخبرة التاريخية الطويلة؛ أي إنه ~~هو المنهج التجريبي الذي يفحص «العينات» المختارة في حدود الموضوع ~~المطروح للبحث، فحصا معروف الخطوات والتفصيلات الإجرائية، ثم تحسب ~~النتائج بعملية «إحصائية» رياضية (وعلم الإحصاء علم قائم بذاته يدرسه ~~الباحث في ميدان علم النفس أو لا يدرسه فيستعين بأحد علمائه). أقول: ~~إنه إذا كان هذا هو الجواب؛ إذن يكون العالم الباحث عالما باحثا ~~بغض النظر عن عقيدته الدينية، وبغض النظر أيضا عن المادة التي ~~وردت في كتب السالفين أو في كتب المعاصرين، إلا إذا جاء ذلك على سبيل ~~المقارنة التي يريد بها الباحثون عادة، أن يبينوا أين «الجديد» الذي ~~أضافوه؟ وأما إذا سألنا السادة أصحاب الدعوة إلى علوم إنسانية إسلامية: ~~ماذا يكون منهج البحث عندئذ فيما ترون؟ فكان جوابهم هو أن يعيد ~~الباحث دراسة التراث الخاص بموضوعه، ليحاول جهده أن يستخلص منه ~~أحكاما فيما أراد أحكاما فيه؛ وقعنا في أحبولة التخلف الذي يبدي ~~في قديمه ويعيد، وتسير الدنيا بالناس إلى جديد ونحن هناك في ظل ~~التراث ننعم بالنسيم العليل! حتى إذا ما جد بنا الجد في مسألة ~~تؤرقنا، وأردنا لها حلا أرسلنا نستدعي «الخبراء الأجانب». # ولم يعد لدينا الكثير نقوله في العلمين الآخرين: علم الاجتماع، ~~وعلم ms146 الاقتصاد، ويكفي أن نشير إلى بدهيات في غنى عن أن يشار إليها، ~~ومنها أن مشكلات الحياة الإنسانية تتجدد عصرا بعد عصر؛ فالذي كان ~~يتحدى الباحث العلمي كابن خلدون فيما يختص بالتفاعل الاجتماعي، ليس ~~هو ما يتحدى الباحث العلمي اليوم، فقد كان من أبرز ما عرض لابن خلدون ~~- مثلا - ذلك الصدام الذي لم ينقطع بين بداوة تنبثق من الصحراء ~~وحضارة زراعية فيما يحيط بتلك الصحراء، فهل لا تزال مسألة كهذه ~~تتطلب كل الجهد من علماء الاجتماع اليوم؟ أو أن موضوعات أخرى قد ~~استحدثت ليست أقل أهمية منها كالتناقض الكامن بين النزعات الوطنية ~~الإقليمية وطموح الإنسانية إلى «أمم متحدة» يتكون من اتحادها أسرة ~~بشرية واحدة؟ ومثل ذلك يقال عن ميادين البحث في علم الاقتصاد، فلو ~~تبينت طبيعة «العلم» على حقيقتها لأصحاب الدعوة إلى «الأسلمة» ~~لسلموا هم، وسلمت معهم علوم الإنسان. # | الأفكار كالأشجار تنمو # صدر لي سنة 1960م كتاب صغير بعنوان «الشرق الفنان»، كان حلقة من ~~سلسلة ثقافية أخرجتها وزارة الثقافة يومئذ، ولقد عرضت في ذلك الكتاب ~~صورة لجوهر الثقافة العربية، بمقارنتها بكبرى الثقافات التي شهدها ~~التاريخ، وكان تصوري للأمر هو أن التاريخ قد شهد ثقافتين عظيمتين، ~~إلى جانبي الرقعة العربية التي تميزت دونهما بخصائص انفردت بها، أما ~~تانك الثقافتان؛ فكانت إحداهما هي ثقافة الشرق الأقصى من جهة الشرق، ~~وكانت الأخرى هي ثقافة اليونان القديمة من جهة الغرب، وهذه هي نفسها ~~التي أصبحت فيما بعد بمنزلة الجذور التي انبثقت منها ثقافة الغرب، في ~~أوربا أولا، ثم في أمريكا الشمالية بعد ذلك، وكان الأساس الذي ~~اتخذته لهذا التقسيم، هو وسيلة الإدراك الأساسية في كل من الثقافات ~~الثلاث: الشرق الأقصوية، واليونانية، والعربية، كما تجلت تلك الوسيلة ~~الإدراكية في الناتج الثقافي المتوارث في كل منها، فواضح أن المأثور ~~الثقافي في الشرق الأقصى، كان أهم ما فيه كتب الديانات في ذلك الجزء ~~الفسيح من العالم، وهي كتب تقرؤها فتقرأ ما يشبه الأدب، شعرا ~~ونثرا؛ فهو كلام ينبع من صميم القلب، وينضح من خبرات إنسانية دافئة ~~وأصيلة، وموجه ms147 مباشرة نحو الإنسان في حياته الأخلاقية، وكيف ينبغي ~~له أن يقطع رحلة الحياة في دنياه، وإذن فقد كانت الوسيلة الإدراكية ~~الأولى عند أصحاب تلك الثقافة هي نفسها وسيلة الشاعر، والأديب، ~~والصوفي، والفنان. وواضح كذلك أن ثقافة اليونان القديمة - إذا أخذنا ~~جانب الفكر الفلسفي والعلمي من تراثها - كانت مؤسسة على منطق العقل، ~~كما يتجلى ذلك المنطق العقلي في عمليات استدلالية، توضح فيها فروض ~~لتستخرج منها نتائجها، عن طريق المنهج القياسي الذي صاغ أرسطو نظريته ~~بكل تفصيلاتها، وهو المنهج الذي نقله العرب عن اليونان، فيما نقلوه من ~~تراث اليونان القديمة، وأصبح ذلك المنطق من أبرز الملامح التي كان ~~يتميز بها المثقف العربي، أيا كان ميدان تخصصه فوق ذلك، وجاءت ~~الثقافة العربية وسطا بين ذينك الطرفين، لا بالمعنى الذي يجعلها ~~تأخذ قبضة من تلك وقبضة من هذه، لتؤلف بينهما، فإذا هذا الذي ~~ألفته هو ثقافتها العربية، بل بالمعنى الذي يجعل لها بادئ ذي بدء ~~وقفتها الخاصة، استخلصتها من موقعها ومن طبيعة إقليمها، فمكنتها تلك ~~الوقفة الخاصة من أن تستخدم وسيلتي الإدراك السالف ذكرهما - إحداهما ~~عند شعوب الشرق الأقصى والأخرى عند الإغريق - كما مكنتها من أن تضفر ~~تينك الوسيلتين في جديلة واحدة، بحيث أصبح كل عربي ذا رؤية ~~يكون بها صوفي الاتجاه آنا، وعقلي الاتجاه آنا آخر، فإذا نظرت إلى ~~الموقف كله في جملته، بنظرة ترسلها من عل، وجدت الشاعر وصاحب ~~النزعة العقلية، قد اجتمعا في العربي، ووجدت كذلك أن كلا من ~~الاتجاهين، قد امتد وارتفع إلى ذروته في شامخ بعد شامخ؛ فهنا ~~المتصوف، أو الشاعر العملاق، وهناك الفقيه أو العالم في مجال من ~~مجالات العلم، ولولا أن معدة العربي قادرة على هضم الناتج الصوفي، ~~وقادرة في الوقت نفسه على هضم الناتج العقلي؛ لما استطاع العرب وهم في ~~مجدهم أن ينقلوا عن الهند تصوفها، وعن اليونان فلسفتهم وعلومهم؛ ~~ليمزجوا هذه الحصيلة كلها، مضافة إلى ما عندهم من دين وشعر، فإذا كل ~~هذا يتمثل في كتابات الكتاب، وفي نقد النقاد، وفي فقه الفقهاء (من ~~حيث ms148 منطق القياس)، بل في شعر الشعراء كذلك، وحسبك أن تقف عند رجل ~~واحد كأبي العلاء المعري؛ لترى صورة تلك المحصلة الثقافية في ~~أوجها. # هذه خلاصة ما عرضته سنة 1960م في كتاب «الشرق الفنان». والحق أني لم ~~أكن يوم أن عرضت ما عرضته في ذلك الكتاب الصغير؛ أفكر، بل لا أحلم ~~بألا تمضي بعد ذلك التاريخ بضع سنوات لم تزد على عدد الأصابع في يد ~~واحدة حتى رأيتني في شغل شاغل لتنمية ما بدأته موجزا ومكثفا، ~~بالنسبة إلى الثقافة العربية وخصائصها، فأخذت أقلب الموضوع باطنا ~~لظاهر، وظاهرا لباطن؛ كي أستوعب من تفصيلاته ما وسعني ذلك، إذ رأيت ~~في تلك الخاصة الفريدة التي تميزت بها الثقافة العربية خير أساس ~~يصلح لأن يقام عليه تصور كامل وشامل لما يجب أن تكون عليه الثقافة ~~العربية في عصرنا هذا، فكما جمعت تلك الثقافة في تاريخها الماضي ما ~~عند الشعوب التي إلى يمينها والتي إلى يسارها على حد سواء؛ تستطيع أن ~~تفعل ذلك اليوم، وإلا فما الفرق بين أن يأخذ العرب الأولون عن اليونان ~~علومهم وفلسفتهم ليهضموها ثم لينشئوها بعد ذلك نتاجا جديدا يقدمونه ~~إلى العالم وبين أن ننقل نحن اليوم ما عند أوربا وأمريكا من علوم ~~وفلسفات لنهضمها ثم لننشئ مبدعات في ميادينها نسهم بها مع سائر ~~العالم المتقدم في بناء الصرح الحضاري والثقافي؟! إن اليونان ~~القديمة كانت للعرب الأولين هي «الغرب»، وإن بلاد الغرب في عصرنا هي ~~لنا بمنزلة اليونان عند أسلافنا، لكن أسلافنا كانوا أصحاء أقوياء، لم ~~يخافوا على رئاتهم من تيار الهواء يأتي من النوافذ المفتوحة، وأما نحن ~~اليوم فبنا ضعف وهزال، نخشى عواقب الهواء والنور، فنغلق دوننا الأبواب ~~والنوافذ، لنجتر ظلاما نزداد به ضعفا على ضعف، وهزالا فوق هزال، ~~وناشدتك الله لا تقل: لكننا يا أخي ننقل عن الغرب في يومنا علومه ~~وفلسفته، على نحو ما صنع قدماؤنا مع قدمائه، وإلا فماذا ترانا نقدمه ~~لطلابنا في الجامعات إذا لم يكن هو ذلك الذي نقلناه كل منا في ~~ميدانه؟ ناشدتك الله لا ms149 تقل هذا؛ لأنك ربما علمت أنت أكثر مما أعلمه ~~من أن المعول آخر الأمر إنما هو على قبول ما قد نقلناه قبولا ~~مخلصا من أعماقنا، ثم هضمه هضما يسمح له بالسريان في عروقنا ليكون ~~جزءا منا، ثم الإبداع على أساسه إبداعا نشارك به في بناء عصرنا، ~~وأنت تعلم أكثر مما أعلم أننا نقلنا لطلابنا ما نقلناه ليحفظوه في ~~الذاكرة حفظا أصم، كما حفظناه نحن من قبلهم؛ ليعدوا أنفسهم فيما بعد ~~«علماء» بالذي حفظوا، كما عددنا أنفسنا «علماء» بالذي حفظنا، «وكان ~~الله غفورا رحيما». # أعيد القول بأنني حين وضعت تصوري لجوهر الثقافة العربية في ذلك ~~الكتاب الصغير، لم أكن أعلم أنني عندئذ إنما وضعت لنفسي خطة سير في ~~رحلة بدأتها بعد ذلك التاريخ بسنوات قلائل، وهي رحلة بذلت فيها كل ~~ما استطعت من جهد في سبيل أن أصور لنفسي وللناس صورة لحياة ثقافية ~~جديدة، ينسج فيها جديد مع قديم نسجا لا يشوبه تنافر أو ~~نشاز. # وفي هذا الجو الفكري الذي أعيشه مع نفسي - على الأقل - جاءني كتاب ~~عنوانه «الوسطية العربية - منهج وتطبيق» للأستاذ الدكتور عبد الحميد ~~إبراهيم، على أن الذي بين يدي هو الجزء الأول الخاص «بالمذهب»، ~~ولو كنت ذا بصر قارئ لانكببت عليه؛ لأرى ماذا يقول المؤلف الفاضل في ~~موضوعه هذا، ترى أيكون موضوعه هو نفسه الموضوع الذي يشغلني التفكير ~~فيه والكتابة عنه مدة تقرب من عشرين عاما؟ ولا يزال في نفسي شيء من ~~«حتى» كما قال العالم العربي القديم، الذي بذل ما بذله من جهود كان ~~يتعقب بها كلمة «حتى» في شتى معانيها وأوضاعها، ومع ذلك لم يبلغ ~~منها ما يحقق رجاءه، فقال قولته المذكورة، إذ هو يلفظ أنفاسه ~~الأخيرة: «أموت وفي نفسي شيء من «حتى».» أم كان للأستاذ الدكتور عبد ~~الحميد إبراهيم هدف آخر ووسائل أخرى؟ ولما عز على نفسي أن أضع ~~الكتاب مع أسرته في خزائن كتبي، يأسا من قراءته استعنت بمناظيري ~~لأقرأ من الكتاب صفحة أو صفحتين؛ أذوق بهذا القليل حسوة من البحر ~~لعلي أعلم كيف ms150 موقعه على اللسان، فكان مما وجدته في تلك الحسوة ~~الخاطفة عتاب غاضب يوجهه إلي من لست أدري من، فيقول ما معناه: ~~إن بعض الكتاب يصرخ بأن يكون لنا فكر مستقل، ثم يقف عند حد ~~الصراخ، وعلة موقفهم هذا فيما يرى صاحب «الوسطية العربية» هي أنهم ~~يناقشون الفكر العربي من خلال القوالب الغربية؛ لكي يثبتوا أن لنا - ~~كما للغرب - «وجودية» و«اشتراكية»، وما إلى ذلك من مذاهب وأفكار، ثم ~~يقول المؤلف الفاضل عن كتابه هذا: إنه لأول مرة يتقدم مؤلف إلى ~~الناس بمذهب متكامل لفكر عربي، منتزع من البيئة العربية، وتطبيقات ~~على الممارسة اليومية، وفي مجالات الفن، والأدب، والمنهج، ثم ينبئنا ~~المؤلف عن أولئك الذين يتوجه إليهم بالعتاب؛ إن منهم من يتعجب لما ~~نستعمله من مصطلحات جديدة لم يألفها، ويضرب لنا أمثلة لتلك المصطلحات ~~الجديدة فيقول: إنه يقول «الحكمة» فيما يقولون عنه «الفلسفة»، ويقول: ~~«الوحدة التركيبية» عما يقولون عنه «الوحدة العضوية»، ويقول «مدارس ~~الخط العربي» بدل قولهم «مدارس الفنون التشكيلية» وإنه يستخدم مصطلح ~~«الغربة» بمفهومه الإسلامي، بدل مفهومه وهو يشير إلى غربة الآلة، ~~ويستعمل عبارة «الدفع بين الناس» بدل عبارة «الصراع الطبقي» ... إلخ. ~~وبعد أن ساق لنا المؤلف هذه الأمثلة لما بينه وبين ناقديه من اختلاف، ~~يختتم الفقرة التي جاهدت حتى أتممت قراءتها، بقوله: «وقد يثير هذا ~~المنهج ريبة البعض، وكأنه مكتوب علينا أن تكون لنا فلسفة مثل فلسفتهم، ~~وفكر مثل فكرهم.» # اكتفيت بهذه الأسطر القليلة من مقدمة الطبعة الثانية لكتاب «الوسطية ~~العربية»، ولقد اكتفيت بها مجبرا لا مختارا، وهي بالطبع بضعة أسطر ~~لا تجيز لأحد أن يصدر حكما على كتاب، ودع عنك أن يكون للكتاب ~~قيمته بين الكتب، وأن تكون لمؤلفه مكانته بين المؤلفين، لكنها مع ~~ذلك أسطر أمدتني بشعاع من الضوء كشف لي عما يصح أن يكون وجهة نظر ~~المؤلف، ووجهة نظر جماعة ممن خاصموه، فيما يقال عن الثقافة العربية ~~وخصائصها، إذا ما تناولناها بالمقارنة مع ثقافة عصرنا، وهي وجهة نظر ~~تبعد عما أراه في هذا الموضوع، بزاوية تنفرج إلى ms151 مائة وثمانين درجة، ~~فيكون معنى ذلك ألا لقاء في الرأي بيني وبين صاحب «الوسطية العربية» ~~ولا بيني وبين خصومه، إذا كان الرأي عند هؤلاء الخصوم هو ما أشار إليه ~~المؤلف في الأسطر القليلة التي طالعتها من مقدمة كتابه. # فماذا يقول المؤلف عن نفسه وعن خصومه؟ إنه ليبدو لي أنه وخصومه ~~جميعا قد تصوروا مجموعة الأفكار التي تتألف منها ثقافة أمة معينة، ~~وكأنها مجموعة من قطع «الزلط» وضعت في صندوق، يمر عليها الزمن كما ~~يمر، وتبقى كل قطعة منها بعد ألف عام كما كانت قبل ألف عام، غير ~~مدركين أن كل فكرة لها أهميتها في بناء ثقافي معين، إنما هي ~~بمنزلة خطة سلوكية كثفت في كلمة واحدة، أو في جملة واحدة. ومعنى ذلك ~~هو أن الفكرة وإن احتفظت باسمها؛ فإن مضمونها يتغير لينمو مع نمو ~~الحياة الاجتماعية التي من أجلها كانت تلك الفكرة قد أنشئت بادئ ذي ~~بدء. ومهما يكن من أمر فلنعد إلى الأسطر القليلة التي نقلتها عن ~~مقدمة «الوسطية العربية» محاولين أن نستخرج منها صورة حية لما يقول ~~المؤلف عنه إنه منهجه في النظر إلى موضوع الثقافة العربية، وكذلك لما ~~يظنه منهج من خاصموه الرأي، فأتخيل كما لو كان المؤلف قد وضع أمامه ~~صندوقا امتلأ بقطع «الزلط» كل قطعة منها تشير إلى فكرة من بناء ~~الثقافة العربية، وكذلك فعل خصومه، وأمامهما على الجانب الآخر من منضدة ~~الحوار، جلس من يمثل الغرب المعاصر وثقافته، وقد وضع هو الآخر صندوقه ~~المليء بأحجار الزلط، التي هي أفكار ثقافة قومه، ويبدأ الحوار: فيقول ~~ممثل الخصوم لصاحب الثقافة الغربية المعاصرة: هات ما عندك، فيجيبه: ~~عندي في النقد الأدبي شيء اسمه «الوحدة العضوية» فيرد عليه العربي من ~~فئة الخصوم: «الوحدة العضوية» عندنا، وقد سبقناكم إليها بثمانية قرون، ~~وإنه إذ يقول ذلك، يرفع بيده «زلطة» يخرجها مما في صندوقه، وهنا يسرع ~~صاحب «الوسطية العربية» فيقول مصححا: لا، بل إنها في صندوقي تسمى ~~«الوحدة التركيبية»، وينتهي بذلك الشوط الأول من المباراة، ويبدأ الشوط ~~الثاني: يقول العربي من ms152 جماعة الخصوم لمن جاء يمثل الغرب المعاصر: هات ~~ما عندك، ويجيب هذا بقوله: عندي شيء اسمه «الفن التشكيلي» ويؤكد له ~~العربي أن الفن التشكيلي موجود كذلك في الثقافة العربية، وهنا يسرع ~~صاحب «الوسطية العربية» مصححا مرة أخرى قائلا: نعم هو عندنا، لكننا ~~لا نعترف لكم باسمكم هذا، ونسميه «مدارس الخط العربي». وهكذا تمضي ~~أحداث اللقاء الثقافي بين تراثنا العربي وثقافة الغرب المعاصر؛ ~~فالمسألة إذن - عند صاحب «الوسطية العربية» - هي مسألة حرب بين ~~الفريقين حول أسماء، ثم يعود الفريق العربي فينقسم على نفسه ~~مجموعتين: المؤلف في ناحية وجعبته مليئة بأسماء عربية وردت في ~~مراجعنا، وخصوم المؤلف في ناحية ثانية يأخذون الأسماء نقلا عن الغرب ~~بعد تعريبها، وكأنه لا اختلاف قط في «المضمون» الثقافي ذاته بين ما هو ~~سائد في عصرنا، وما كان سائدا في عصور التراث العربي، وكأنه كذلك لا ~~تغير ينمو به ذلك المضمون، كلما تغيرت صور الحضارة وألوان ~~نشاطها. # ولنضرب أمثلة توضح كيف تصمد الفكرة المعينة «بعنوانها»، وأما ~~مضمونها فما ينفك متغيرا متحولا عصرا بعد عصر، على أن يبقى خيط ~~رابط، يصل تلك المضمونات المتغيرة في عقد واحد، ما دام كان للفكرة ~~المعينة جوهر واحد، خذ - مثلا - فكرة «المسرحية» في صور الإبداع ~~الأدبي، إنها نشأت بصورتها المعهودة لنا، عند اليونان الأقدمين، ثم دام ~~لها البقاء إلى يومنا هذا، لكنها وإن بقيت بجوهرها - وجوهرها هو أن ~~تتجسد فكرة معينة في عدة أشخاص يتفاعلون معا في حوار وحركة من خلاله ~~تتجلى الفكرة أمام المشاهدين - أقول إنها وإن بقيت بجوهرها؛ فقد ~~تغير مضمونها من حيث «المبدأ» فبينما المبدأ الكامن وراء تصاريف ~~الزمن مع الناس هو «القدر» من وجهة نظر العصر اليوناني، فقد أصبح ~~«المبدأ» في عصر النهضة الأوروبية هو أن ما يصيب الإنسان في حياته، ~~إنما هو نتيجة مباشرة لتركيبته النفسية؛ أي إن قدر الإنسان نابع من ~~داخله، وليس هابطا عليه من خارج، ثم تغير «المبدأ » مرة أخرى في ~~عصرنا هذا وأصبح الإنسان فيما يصيبه من نجاح أو فشل، لا هو من ms153 تدبير ~~القدر، ولا هو نابع من نفسية الفرد وحدها، بل هو مرهون في المقام ~~الأول بالظروف الاجتماعية وضغوطها؛ «فالمسرحية» على إطلاقها قائمة عبر ~~العصور، إلا أنها تتغير من حيث مبادئ تركيبها بتغير العصور. # خذ مثلا آخر: فكرة «الصناعة»، فقد كان الإنسان صانعا منذ كان ~~إنسانا، يقد السكين من الحجر، ويقيم مأواه من أغصان الشجر، ~~ويغطي جسده بجلود الحيوان؛ فالصناعة من حيث هي تشكيل الإنسان للمادة ~~التي حوله .. تشكيلا يسد به حاجاته الطبيعية، ودامت الصناعة من فجر ~~الوجود الإنساني إلى يومنا هذا، ولكن انظر كيف تغير مضمون المعنى ~~عصرا بعد عصر، فهل يجوز في هذه الحالة أن نجادل عصرنا، وكأننا لسنا ~~جزءا منه قائلين لأهله: لئن كانت عندكم صناعة فقد سبقناكم إليها منذ ~~عشرات القرون؟ # وخذ مثلا ثالثا، فكرة «الحرية»، أو إن شئت فخذ «حقوق الإنسان» في ~~مجموعها، وعد بها إلى منضدة الحوار التي تخيلناها فيما أسلفناه، ~~فعلى جانب من المنضدة جلس من يمثل عصرنا، وفي صندوقه ما يرمز إلى حقوق ~~الإنسان في عصرنا، لا من ناحية المواثيق الدولية وحدها، بل من حيث ~~التطبيق الفعلي في دنيا الحياة اليومية الجارية، وعلى الجانب الآخر من ~~المنضدة جلس صاحب «الوسطية العربية» وجلس بجواره من يمثل خصومه من ~~العرب، فأحسب أنه كلما أخرج الغرب المعاصر من صندوقه حقا من حقوق ~~الإنسان، كالحرية السياسية، والحرية الاجتماعية، وحق الحياة، وحق العمل ~~وحق الاعتقاد ... إلخ؛ أسرع الجانبان من الفريق العربي بالقول بأن كل ~~ما ذكره من حقوق الإنسان في بلاده وفي ظل ثقافته وحضارته، قد سبقه ~~إليه العرب، ولا سيما بعد أن نزلت رسالة الإسلام، وكل الفرق بين جانبي ~~الفريق العربي في مثل هذا القول، هو أن من يخاصمون صاحب «الوسطية ~~العربية» سيسمون الأشياء بترجمات عربية للأسماء التي يستخدمها ~~أبناء الغرب المعاصر، وأما مؤلف «الوسطية» فيستنكر ذلك، ويستخرج لتلك ~~المعاني أسماءها العربية من بطون المراجع التي تحمل الثقافة الموروثة ~~عن السلف ! # ترى، هل أدرك الجانبان من الفريق العربي أننا لو صدقناهم فيما ~~يذهبون إليه من أن كل ms154 ما يقدمه الغرب المعاصر من أفكار قد سبقناه إليه ~~بعدة قرون؛ إذن فلا نكون بحاجة إلى شيء من بضاعته؟ ولو سلمنا بذلك ~~لما أمكن أن نتقدم إلى الأمام خطوة واحدة. وكيف يكون التقدم أو ~~التغيير نحو ما هو أصلح لظروف جديدة طرأت؟ # أقول: كيف يكون ذلك التغيير ممكنا ونحن ننكر ابتداء أن يكون قد ~~جد في الدنيا جديد غير مذكور في مراجعنا التي تحمل ميراثنا الفكري؟ ~~وحتى لو ظن أحدهم أن ثمة اختلافا بين محصولنا الثقافي ومحصولهم، ~~قال: إننا لا ينبغي لنا أن نفكر في قوالب الغرب، فلنا نحن قوالبنا ~~ولهم قوالبهم، فكأنما وضعنا أمامنا زجاجتين مغلقتين، في إحداهما خل ~~وفي الأخرى زيت؛ حتى لا يختلط زيت بخل. # جانب كبير من الخطأ في هذا كله راجع إلى غلطة أولى هي الوهم بأن ~~الفكرة المعينة تظل هي هي في مضمونها، ما دام اسمها يظل قائما، ~~فالعلم هو العلم، والشعر هو الشعر، والحرية هي الحرية، والشجاعة هي ~~الشجاعة، والإقدام هو الإقدام، وهلم جرا. ومن هذا الموقف المغلوط، ~~كلما قال لنا عصر جديد: نريد علما؛ أجبناه: العلم عندنا من قديم، ~~ونريد إقداما، قلنا: الإقدام من خصائصنا منذ أول التاريخ. لكن ~~«الفكرة» المعينة - كائنة ما كانت - تنمو في أبعادها ومراميها، وتزداد ~~غزارة في مضمونها، كلما طال بها عمرها في جريانها على ألسنة الناس ~~وأقلامهم. قارن ما كان الناس يسمونه «علما» في القرن العاشر ~~الميلادي مثلا، بما يسميه الناس «علما» في القرن العشرين، وانظر ~~إلى شجاعة السيوف والرماح عند الأقدمين، وقارنها بشجاعة الرأي عند من ~~يريدون برأيهم الجديد أن يغيروا وجه الأرض ليتغير الإنسان، وقس ~~«إقدام» فارس مبارز بإقدام رجل يضع نفسه في صاروخ مغلق، يشق به ~~الفضاء إلى ما لم يكن يطوف لإنسان بخاطر .. اللهم إلا في كوابيس أحلامه ~~.. جوهر المعنى قائم، لكن صورته تتغير مع تغير الحياة وظروفها، ~~تماما كما يحدث للإنسان الفرد، حين تظل هويته قائمة ، رغم تغير أفكاره ~~ومشاعره وكل جوانب حياته باطنا وظاهرا، زيد هو زيد، وخالد هو خالد، ~~منذ ms155 أن كان وليدا رضيعا، حتى أصبح شيخا هرما، لكنه في كل مرحلة من ~~مراحل حياته مختلف أشد اختلاف عنه في مرحلة سابقة، أو في مرحلة ~~لاحقة، وهكذا الحال في حياة «الفكرة» المعينة؛ إذ هي تصمد بجوهرها ~~وباسمها عبر القرون، فإذا قال لك قائل من أبناء عصرنا: إننا نعيش اليوم ~~في عصر يعرف بحرية الإنسان، فلا تقل متعجلا: أمسك لسانك؛ فقد كان ~~أسلافنا منذ قرون يعرفون ويعترفون للإنسان بحريته، فقبل أن تسرع ~~بجواب كهذا، حلل مضمون «الحرية» التي كانت، ومضمون «الحرية» التي ~~يريدها هذا العصر للإنسان. وأقل ما أذكرك به هو حرية الإنسان من ~~قيود الطبيعة المادية؛ لأن كل زيادة في علمنا بظواهر الطبيعة، من ضوء ~~وصوت وكهرباء ومغناطيس وجاذبية وغير ذلك، هي في الوقت نفسه زيادة في ~~حرية الإنسان، هكذا يجب أن نقرأ «الأفكار»؛ فلكل عصر قراءته للفكرة ~~المعينة، بناء على زيادة محصوله من المعرفة. # ألا ما أكثر ما حاولنا تحديد الملامح الأساسية التي تجعل الإنسان ~~معاصرا لعصره، وذلك لأن انتماء الإنسان إلى عصره، أو إلى وطنه، أو إلى ~~أمته، أو إلى عقيدته، مسألة تريد شيئا من الروية ودقة التحليل، ~~والذين يحسبونها هنة هينة، في مستطاع كل ذي إدراك أن يحيط بها ~~علما، هم في وهم؛ لأنهم وقفوا عند كلمة «انتماء» وأخذوا يبدون فيها ~~ويعيدون، دون أن يطالبوا أنفسهم بتحديد الجوانب التي من مجموعها يكون ~~«انتماء» وفي غيابها يمتنع الانتماء. أقول إنها كانت محاولات لم تنقطع، ~~منذ فترة طويلة، بحثا عن هذا الانتماء «للعصر»؛ فالذي يجعل من ~~المنتمي «معاصرا» ما هو على وجه الحقيقة؟ خصوصا ونحن في بحثنا عن ~~خصائص «المعاصرة» لم نرد في لحظة واحدة أن تجيء تلك المعاصرة على ~~حساب انتماء المواطن المصري إلى وطنه، وإلى قومه وإلى ديانته. # وها هي ذي قد سنحت فرصة جديدة، برزت فيها أمام أبصارنا سمة مهمة من ~~سمات الانتماء بوجهيه: الانتماء إلى الوطن وهويته الثقافية، والانتماء ~~في الوقت نفسه إلى عالمنا في عصره الراهن. ولأضرب مثلا بشاعر يريد ~~أن يحقق لنفسه انتماءها ms156 من الجانبين مجتمعين، فالشرط الضروري ~~لتحقيق ذلك هو أن يكون على دراية وثيقة وكاملة بالشعر العربي في تاريخه ~~كله، وعلى دراية بنبض الحياة في عصره، وعندئذ فقط يجيء شعره حلقة من ~~سلسلة تاريخه القومي، كما يجيء في الوقت ذاته جزءا لا يتجزأ من حياة ~~العصر الذي هو واحد من أبنائه، وقل شيئا كهذا في الفنان، والمفكر، ~~وكل من يتصدى للتعبير بشتى صوره وأشكاله؛ فالانتماء هو أن يكون ~~المنتمي على حس بماضيه وحاضره معا، في المجال الذي يعنيه، ويجب أن ~~يكون منتميا داخل حدوده. # وموضع العلة في حياتنا الثقافية العربية الحاضرة، هو أننا جعلنا ~~للماضي رجالا يحيون فيه ويدافعون عنه، وللحاضر رجالا يحيون فيه ~~ويدافعون عنه، وكأنما الأمر هو إما هذا وإما ذاك، وكأن الطرفين ضدان ~~لا يجتمعان في شخص واحد! وحقيقة الأمر هي أنه لا فكر، ولا فن، ولا ~~أدب، مما يستحق أن يسمى باسمه؛ إلا إذا كان المفكر، أو الفنان، أو ~~الأديب، على وعي بتاريخ المجال الذي يبدع فيه، وعلى وعي كذلك بنبض ~~الحياة من حوله؛ فعندئذ يأتي الناتج جديدا، ولكنه يأتي كذلك حاملا ~~من سمات قومه ما يميزه عن قرينه في أمة أخرى، فالفكرة الجديدة لا ~~تكون أبدا إلا تطويرا لفكرة، والفن أو الأدب لا يولدان إلا من ~~أرحام فن أو أدب، وهكذا يتحقق الوجود لما يصح أن يسمى بفكر ~~عربي، أو فن عربي، أو أدب عربي؛ لأنه مرحلة من تاريخ معين، من جهة، ~~ولأنه مرحلة جديدة في ذلك التاريخ، من جهة أخرى. # | اللغة ملتقى الثقافتين # كنا في شبابنا نملأ أوعيتنا الثقافية من البحور السبعة، لا نبالي ~~أن يكون هذا الذي ملأنا به الوعاء يحمل فوق رأسه بطاقة «العلم» من أي ~~فرع من فروعه، أو يكون ذلك الذي اغترفناه في وعائنا شعرا وأدبا ~~ونقدا، نذهب إلى معارض الفن، بقوة الدفع التي نذهب بها إلى دار الكتب ~~العامة في باب الخلق بالقاهرة، فإن تكن مقررات الدراسة الرسمية قد ~~احتلت من نشاطنا العلمي والأدبي مكان الجذع من الشجرة؛ فقد كثرت ms157 في ~~تلك الشجرة فروعها، وغزرت أوراقها وأثقلتها الثمار والأزهار، وقد ظننت ~~أن كل شاب في مرحلة الدرس أو ما بعدها هو ذلك الإنسان الذي لم يعرف ~~الفواصل الحادة التي تفصل جزءا من المعرفة الإنسانية عن سائر الأجزاء، ~~إلى أن أرسل إلي صديق أديب وناقد مرهف الذوق فيما ينتجه، وما ~~يعرضه، من رائع الشعر والنثر معا، عشر نسخ من كتاب أخرجه عن شعراء ~~الطبيعة من الأقدمين ومن المحدثين، راجيا أن أعينه في بيعها، والحق ~~أن حيرتي أمام هذا الطلب المفاجئ كانت شديدة، وربكتي بهذا التكليف كانت ~~أشد؛ لأنه عمل يتنافى مع طبيعتي، ويكفي أنه منطو على شيء من ذل ~~الرجاء، وليس في طبعي ذرة تدفعني إلى أن أقف من أحد موقف الرجاء ~~وذله، إلا أن ذلك الجانب من كياني يمكن أن أرضيه وأستجيب إليه بلا ~~مشقة ولا عسر، ما دام الأمر أمرا يخصني في حدود حياتي الخاصة، ~~أما أن يكون التكليف آتيا من صديق؛ فذلك شيء آخر، مهما يكن في أدائه ~~من حيرة وارتباك. # وأراد لي الحظ العاثر أن يكون أول من ألتقيه مدرسا للرياضة في إحدى ~~المدارس الثانوية إذ ذاك، وكانت الصلة التي تربطني به لا ترتفع إلى ~~حد الصداقة، ولا تنخفض إلى حد الجهل به، وبعد أن حييته تحية لا ~~بد أن أكون قد بالغت فيها بعض الشيء تمهيدا للقذيفة التي انتويت ~~رميه بها، عرضت عليه نسخة من ذلك الكتاب، ذاكرا له الظروف التي ~~أوقفتني منه موقف البائع وهو المشتري، فتناول الرجل الكتاب وقرأ ~~عنوانه، وسألني وهو في ما يشبه الذهول: ما هذا؟! فقلت له: إنه كما ~~ترى، كتاب وثمنه عشرة قروش، فعاد الرجل إلى دهشته، واتجه ببصره إلى ~~يمينه مرة، ثم قبل أن يعود به ليواجهني مواجهة العاتب الغاضب، قال: ~~كتاب يا أخي؟! وفي الشعر؟! قلت: نعم، إنه كتاب وفي شعر طائفة مختارة من ~~الشعراء قالوه عن الطبيعة وما فتنوا به منها ، فعاد إلى سؤالي في ~~استنكار واضح: «أنا علمي!» أتكون قد نسيت من أنا وماذا كانت دراستي؟! ms158 ~~«أنا علمي!» ورد لي الكتاب وانصرف. # وعندما يشاء الله لعبد من عباده أن يزداد علما وخبرة يدبر له ~~المصادر؛ إذ لم يكن قد مضى على ذلك اللقاء أكثر من أيام معدودات، حتى ~~التقيت زميلا كانت بيني وبينه صلة كالتي كانت بيني وبين مدرس ~~الرياضة، وأعني أنها صلة لم ترتفع لتكون صداقة، ولم تنخفض لتكون لا ~~شيء، فلما تبادلنا بأطراف الأحاديث بيننا، جاء ذكر مسألة معقدة يعرفها ~~كل من درس الفلسفة اليونانية القديمة؛ فقد ذهب أحد فلاسفتهم الأولون ~~إلى أن الكون في حقيقته ثابت وساكن لا حركة فيه، وإذا أوهمتنا حواسنا ~~- كحاسة البصر - بأن الأشياء متحركة ومتغيرة؛ فما ذلك إلا وهم، لو ~~سلطنا عليه منطق العقل؛ لأظهر لنا ما قد احتوى عليه ذلك الوهم من ~~تناقض مرفوض، ولكي يوضح مذهبه هذا؛ ضرب أمثلة، كان بينها المثل ~~الذي عرض به تلك المسألة الغريبة التي أشرت إليها، فهو يقول في ذلك ~~المثل: افرض أن «أخيل» (وهو البطل اليوناني الوارد ذكره في إلياذة ~~هومر) اتفق مع سلحفاة على أن يجريا في سباق، ولما كان «أخيل» معروفا ~~بسرعة الجري والسلحفاة معروفة بالبطء الشديد؛ سنفرض كذلك أنه اتفق معها ~~على أن تبدأ هي جريها، من نقطة أمام النقطة التي يبدأ منها هو بمسافة ~~طولها مائة من الأمتار (أو غير الأمتار من وحدات القياس)، ثم سنفرض ~~كذلك أن سرعة أخيل عشرة أمثال سرعة السلحفاة، فهل يلحق بها أخيل أو ~~يستحيل عليه ذلك اللحاق؟ إننا لو حكمنا خبرتنا المستمدة من ~~حواسنا في حياتنا اليومية، لما ترددنا في أنه سيلحق بها ثم يسبقها، ~~وما في ذلك أدنى شك إذا كان الحكم موكولا لحواسنا وما قد ~~خبرته فيما مضى من تجارب حياتنا، لكن اعرض المسألة على العقل ~~الرياضي الصرف؛ ينبئك بأن ذلك اللحاق ضرب من المحال! كيف؟ الجواب هو ~~أن «أخيل» إذا ما قطع المسافة بين النقطة التي بدأ منها، والنقطة التي ~~بدأت منها السلحفاة - وقد فرضنا أنها مائة متر - تكون السلحفاة قد ~~تقدمت عشرة أمتار؛ لأننا فرضنا كذلك أن ms159 سرعته عشرة أمثال سرعتها، ولما ~~يقطع أخيل تلك الأمتار العشرة، تكون السلحفاة قد قطعت مترا، فإذا قطع ~~أخيل ذلك المتر، تكون السلحفاة قد تقدمت عشر المتر، وهكذا إلى ما لا ~~نهاية، إذن فرغم أن المسافة بينهما ستظل تتناقص وتتناقص؛ فإنها - ~~رياضيا - لن تنعدم، بحيث يلحق أخيل بالسلحفاة ثم يسبقها، فماذا نحن ~~قائلون بناء على ذلك عن خبرة الحواس التي تؤكد لنا أن ذلك اللحاق ~~مقطوع به؟ الجواب هو، على ضوء المذهب الذي عرضه ذلك الفيلسوف اليوناني ~~- وهو «بارمنيدس» - من أن الكون في حقيقته ثابت وساكن، الجواب هو - إذن ~~- أنه إذا تعارض الحكم بين ما تنبئنا به حواسنا، وبين ما يقضي ~~به المنطق العقلي، كان الصواب لحكم العقل، وكان الوهم المضلل في ~~جانب الحواس. # قلت لزميلي الذي أشرت إليه، حين وردت هذه المسألة القديمة المعروفة ~~في سياق حديثنا: هل تعلم أن تلك المشكلة الرياضية قد لبثت مستعصية ~~الحل على علماء الرياضة جميعا، فلم يجدوا لها حلا يبين لنا موضع ~~«المغالطة» فيها، حتى جاء عصرنا الحديث هذا، فوقع أحد علماء الرياضة ~~منذ مائة سنة فقط، أو ربما أقل من ذلك على الحل، وهو حل يستند إلى ~~التفرقة بين نوعين من «العدد»: الأعداد الطبيعية التي نعرفها جميعا، ~~وتعد بها الأشياء، والأعداد «اللامتناهية» كما تتمثل في النقط ~~التي يتألف منها خط مستقيم مثلا، وهي تفرقة لم تكن معروفة فيما مضى؛ ~~إذ كان الظن هو أن العدد صنف واحد. وهنا أوقفني زميلي حتى لا أستطرد في ~~الحديث، قائلا: من أين لك هذا الكلام؟ ولم تعرضه علي؟ ألست تعلم ~~أنني «أدبي»؟! وإني لأعجب منك وأنت «أدبي» مثلي؛ فتطرق موضوعات هي من ~~شأن «العلمي»! فأضفت له جملة واحدة لذت بعدها بالصمت؛ إذ قلت له: ~~إنني أدرس الفلسفة، وهذه مسألة عرضت في سياق دراستي. # إننا جميعا نعيش حياتنا الثقافية على نحو ما ترص الكتب المختلفة ~~جنبا إلى جنب فوق الرفوف، فإذا وضعنا كتابا في الهندسة إلى جوار ~~كتاب في علم النبات، وإلى جوار هذا وضعنا كتابا في الطب، ms160 وبجانبه كتاب ~~في التاريخ، وبجواره ديوان من الشعر، انطوى كل كتاب منها بين جلدتيه، ~~لا شأن له، ولا يريد أن يكون له شأن بما امتلأت به صفحات جاره، فكأننا ~~من الناحية الثقافية أرخبيل من آلاف الجزر الصغيرة، يجمعها أنها في ~~مكان واحد، ويفرق بينها بحر يحيط بكل منها فيعزلها عن أخواتها: ~~فالمهندس جزيرة، وعالم النبات جزيرة، والطبيب جزيرة، والمؤرخ جزيرة، ~~والشاعر جزيرة، وكان الله في عون الجميع، إذا تصايحوا على قضية مشتركة ~~ليتفاهموا. # لقد أهلكتنا الثنائيات ومزقت وحدتنا: الريف والمدن، الفقر والغنى، ~~الأمي والقارئ، المدارس المدنية والمعاهد الدينية، السلفية ~~والمستقبلية، ولم نكن في حاجة إلى مزيد، لكننا أضفنا داخل شريحة ~~المتعلمين ثنائية أخرى: العلمي والأدبي، ولو أطلقنا عليهما اسمين ~~تعارفت الدنيا عليهما؛ لجعلنا أنفسنا على شيء من الصواب، وذلك أن ~~نطلق على النوع الأول من الدراسة «العلوم الطبيعية والرياضية» وعلى ~~النوع الثاني «العلوم الإنسانية» أو «العلوم الاجتماعية»؛ لأن قسمتنا ~~لميادين التعليم إلى «علمي» و«أدبي» فيها خطأ وفيها تشويه وفيها إغراء ~~«للعلمي» أن يتنصل من الإلمام بأي شيء مما يظن أن «الأدبي» ~~ملم به؛ فالذي يفوته علينا هذا التقسيم هو إدراكنا للحقيقة ~~التي هي أن التعليم الجامعي كله «علمي»، فليس بين دراسات الدارسين إلا ~~ما هو «علمي» قائم على مناهج البحث العلمي، ولنتذكر في وضوح أن كلية ~~«الآداب» لا تدرس «أدبا» من حيث هو أدب؛ لأن الأدب نفسه حين يكون ~~موضوعا للدراسة في أقسام اللغات، فإنما يدرس دراسة علمية قائمة على ~~طرائق الدراسة العلمية كأي موضوع آخر، فالعلم يعرف بمنهجه لا ~~بموضوعه؛ إذ قد تختلف الموضوعات المطروحة للبحث، فتكون ظاهرة الضوء أو ~~ظاهرة الصوت، أو ظاهرة الكهرباء، أو طرق المحاسبة وطرق الإدارة، أو ~~الكيمياء أو النبات أو الحيوان، أو كائنا ما كان الموضوع، لكنه يكون ~~«علما» إذا خضع البحث لشروط البحث العلمي كما حددتها الخبرة العلمية ~~على امتداد العصور، ولا يشذ عن هذا التعميم أن يكون موضوع البحث ~~العلمي شعرا أو رواية أو مسرحية أو أي ضرب من ضروب الفن، وكذلك ms161 لا ~~يشذ عن هذا التعميم أن يكون الدين موضوعا للبحث العلمي، وفي هذه ~~الحالة لا يؤخذ الدين من حيث هو عقيدة يؤمن بها الباحث؛ إذ قد يكون ~~الباحث في دين الإسلام - مثلا - من ليس مسلما. # ومرة أخرى نبرز هذه الحقيقة المهمة، وهي أن العلم علم بمنهجه في ~~البحث وليس بموضوعه؛ لأن أي موضوع يمكن إخضاعه لمنهج العلم يصبح ~~موضوعا علميا. وعلى هذا الأساس تكون الموضوعات التي تدرس في جميع ~~الكليات التي درجنا على وصفها بأنها كليات أدبية، أو ما هو أسوأ من ذلك ~~بعدا عن الصواب، وهو أن تصفها بأنها كليات «نظرية» مع أن الدراسة ~~«النظرية» هي نفسها الدراسة العلمية التي تبدأ من «نظرية» وتنتهي إلى ~~«نظرية» في مجال بحثها، أقول إنه على هذا الأساس تكون جميع الدراسات ~~«علمية» رغم اختلاف موضوعاتها، واختلاف الكليات التي تقوم بتدريسها. ~~وأما «الأدب» فهو مخلوق يبدعه من وهبه الله موهبة إبداعه، بغض النظر ~~عن دراسته الجامعية وغير الجامعية ماذا كانت؛ فالشاعر قد يكون طبيبا ~~مثل إبراهيم ناجي، وقد يكون مهندسا مثل علي محمود طه، وقد يكون من ~~رجال القانون أو من رجال الجيش، أو من أي ميدان آخر من ميادين الدراسة ~~والعمل، وكذلك قل في أديب الرواية، والقصة، والمسرحية، ثم كذلك قل ~~في فنان الموسيقى، أو التصوير، أو النحت، أو التمثيل، أو أي فن ~~شئت. # فالعلمي الذي ملأ لي شدقيه بالاستنكار والغضب، قائلا: «أنا علمي.» ~~حين عرضت عليه كتابا في الشعر، والأدبي الذي سالت الدهشة من عينيه، ~~حين أخذت أحدثه عن مشكلة فكرية وردت فيها فكرة العدد، قائلا: «أنا ~~أدبي.» كلاهما من رواسب حياة ثقافية نعيشها، اختلطت فيها الأفكار ~~وانبهمت المعاني؛ ف «العلمي» لا يريد أن تكون له صلة بالأدب، على ظن ~~منه أن الأدب من شأن دارسي الآداب و«الأدبي» يفزع إذا أبصرت عيناه أو ~~وقع على أذنيه أي شيء فيه رائحة العلوم الطبيعية أو الرياضية ، في حين ~~أن أهم شرط يجب توافره في أي إنسان يريد لنفسه أن ينخرط في زمرة ~~المثقفين، كثر ms162 نصيبه من ذلك أو قل؛ هو أن يكون - بين صفات أخرى - ~~على دراية متخصصة في موضوع ما، ثم يكون في الوقت نفسه على دراسة ~~هيكلية باتجاهات الموضوعات الأخرى التي لا تقع في اختصاصه ويتولاها عنه ~~آخرون؛ فالطبيب المثقف مطالب - فوق إلمامه الواسع بالطب - بأن ~~يلم بالخطوط الرئيسية التي تسير عليها فنون عصره وآدابه وسياسته ~~واقتصاده ... إلخ، والشاعر مطالب - فوق إلمامه الواسع بتفصيلات الفن ~~الشعري - بمعرفة الاتجاهات الأساسية في دنيا العلوم والسياسة ~~والاقتصاد، وغير ذلك من مقومات الحياة الفعلية والوجدانية ~~والعملية. # لكن هذا جانب واحد من جوانب الموقف الثقافي أينما كان، أضيف إليه ~~في عصرنا جانبا آخر يثير القلق عند من يهمهم حياة الإنسان وتهذيبها ~~والارتفاع بها إلى أعلى ما يمكنها الارتفاع إليه، وأعني بذلك الجانب ~~الآخر المضاف، مشكلة الفجوة التي تفصل التخصصات الدراسية بعضها عن ~~بعض، ولا سيما أن عصرنا هذا قد اتسعت آفاقه العلمية، وغزرت ~~أعماقها؛ حتى لتضيق ميادين التخصص على الأفراد القائمين بها ضيقا ~~شديدا، فيعيش المتخصص العلمي حياته كلها باحثا في فرع صغير واحد ~~من فروع علم واحد، دون أن تمتد له جسور الاتصال بالفروع الأخرى حتى ~~في دائرة العلم الواحد الذي ينتمي إليه، وبهذا الانحصار الشديد في ~~ميادين التخصص العلمي، أصبح العالم الواحد في عزلة عن نبض الحياة ~~الاجتماعية وكأنه ليس منها، كالممثل المسرحي الذي يحفظ بعض كلمات ~~يلقيها في أوانها، دون أن يكون على علم بالمسرحية في مسارها: كيف ~~بدأت، كيف سارت، وإلى أي خاتمة تنتهي. وتزداد خطورة هذه العزلة العلمية ~~بين رجال العلم إذا عرفنا أن الأمر قد يتناول مستقبل البشرية بأسرها، ~~فعالم الطاقة الذرية يستخرج قوانين القوة النووية، وهو لا يدري في أي ~~الظروف يستخدمها من يستخدمها بعد ذلك! أيستخدمها في توليد الكهرباء ~~وإدارة المصانع أم يستخدمها في تدمير هيروشيما وناجازاكي بكل سكانهما ~~وكأن هؤلاء السكان أعشاش من النمل؟! # إن الحقيقة الضخمة الناصعة التي يتجاهلها نظام التعليم اليوم في ~~العالم كله؛ هي أن انقسام الدراسة العلمية إلى تخصصات كثيرة، ينعزل ~~بها موضوع البحث ms163 هنا عن موضوع البحث في القسم المجاور، فضلا عن ~~الأقسام التي تبعد عنه كثيرا أو قليلا؛ إنما هو انقسام صنعه ~~الإنسان تيسيرا للبحث العلمي ودقة نتائجه، إذ إن مجال التخصص كلما ~~اتسع كان اتساعه هذا - بحكم الضرورة - على حساب العمق، وبالتالي ~~كانت النتائج العلمية أميل إلى دمج التفصيلات بعضها في بعض، فيقل ~~علمنا بحقيقة الواقع في واقعيته الفنية بتفصيلاتها، ويصحب هذا أن ~~تقل قدرتنا على التحكم في ذلك الواقع، كل هذا صحيح بالنسبة إلى ~~ضرورة تقسيم المعرفة العلمية إلى أكبر عدد ممكن من التخصصات ~~الفرعية، لكن تلك الضرورة نفسها هي التي تعود فتطرح علينا السؤال ~~الخطير، الذي هو اليوم مطروح بين أيدي رجال الفكر جميعا، وبصفة خاصة ~~أمام رجال التعليم والتربية من هؤلاء، والسؤال هو: كيف نبني الجسور بين ~~تلك التخصصات؛ لتستقيم حياة الإنسان وتتكامل، علما بأن الكون الخارجي ~~في حقيقته لا يقسم نفسه إلى غرف؛ ليحصر في كل غرفة منها ظاهرة واحدة ~~من ظواهره، وإنما هو كون واحد، تتناسق في أصلابه ظواهره، لا تنعزل ~~واحدة منها عن واحدة، وما تلك العزلة التخصصية إلا وسيلة اصطنعها ~~العلم ابتغاء دقة النتائج، والشأن في هذا كالشأن في جسم الإنسان ~~الحي: فيه بصر، وفيه سمع، وفيه رئتان، وفيه قلب، وفيه معدة، وفيه عظام ~~... إلخ، يتخصص في طب كل جزء من هذه الأجزاء فرع خاص من فروع علم ~~الطب، لكن هذا التفريع في التخصص الطبي لا يعني انقساما في الإنسان ~~ذاته؛ فهو فرد واحد، متصل الأجزاء، كل جزء منها متعاون ومتجاوب مع ~~سائرها. # فالسؤال المطروح بين أيدي رجال الفكر جميعا وفي أرجاء العالم كله، ~~فيما يمس هذا الذي نتحدث الآن عنه، هو: ماذا أضيف من الموضوعات ~~الدراسية لأصحاب هذا التخصص العلمي أو ذاك لكي أحصل على «إنسان» ~~متكامل؟ ولكي نيسر على أنفسنا طريقة النظر بحثا عن جواب لهذا ~~السؤال؛ يحسن أن نضم دراسات العلوم الطبيعية والرياضية في مجموعة ~~واحدة، رغم ما بين أجزائها التخصصية من تباين وتمايز، وأن نضم ~~أجزاء العلوم الإنسانية، أو العلوم ms164 الاجتماعية، في مجموعة واحدة كذلك، ~~وهو تقسيم شائع في دنيا التعليم، والتعليم الجامعي بصفة خاصة، وبذلك ~~يصبح أمام قارتين من حيث طبيعة الموضوع المدروس: قارة منهما موضوعها ~~«الطبيعة» كما وكيفا، والقارة الأخرى موضوعها «الإنسان» كما ~~وكيفا كذلك؛ فكلتا القارتين في دنيا الدراسة قائمة على أساس العلم ~~ومنهجه - كما أسلفنا القول - إلا أنهما تختلفان في الموضوع الأساسي ~~المطروح للبحث، وقد ينتهي هذا الاختلاف بينهما في «الموضوع» إلى تخريج ~~نوعين من الثقافة: ثقافة علمية الطابع، وأخرى إنسانية الطابع، فبينما ~~مدار الثقافة الأولى هو الكشف عن حقائق الكائنات اللاعاقلة واللامريدة ~~(إذا كنا على صواب في زعمنا عن الطبيعة بأنها خلو من الوعي العاقل ومن ~~الإرادة)، نجد المدار في الثقافة الثانية هو الكائن العاقل المريد، ~~وذلك هو «الإنسان». ويلحق بهذه الثقافة الثانية، بالإضافة إلى «العلوم» ~~التي تبحث في حقيقة الإنسان، كعلوم النفس، والاجتماع، والاقتصاد، ~~والسياسة، والقانون، أقول إنه يلحق بهذه العلوم في هذا المجال الثقافي، ~~نشاط من نوع آخر، هو ذلك النشاط الإبداعي في الإنسان، الذي يخرج للناس ~~فنا، ويخرج لهم أدبا، ومثل هذا التقسيم الثنائي للثقافة هو الذي ~~أغرانا بأن نقسم المتعلمين منا قسمين: «العلمي» و«الأدبي». ولقد ~~بلغ الفصل بين القسمين في أوهامنا، من الحدة درجة سوغت «للعلمي» أن ~~ينفر من أن تكون له صلة بالشعر، كما سوغت «للأدبي» أن يفزع من ~~الصيغ الرياضية إذا وجدها في سياق الحديث، بل إن هذا التقسيم ~~الثنائي للثقافة هو الذي أغرى رجلا من أعلام العلم والأدب معا في ~~إنجلترا، وهو «سي بي سنو» (وله لقب «سير»)؛ أن يخرج إبان ~~الخمسينيات كتابا ذاعت شهرته عند صدوره، بل ولا تزال أصداؤه تتردد ~~إلى اليوم، وهو كتاب عنوانه «الثقافتان». وعلى الرغم من نبوغ «سنو» في ~~العلم وفي الأدب معا (أدب الرواية بصفة خاصة)؛ فإنه في كتابه ذاك أخذ ~~يتعقب عصور التاريخ الفكري، ليصل إلى نتيجة هي أن تقدم الإنسان ~~مرهون بثقافته العلمية، وأما ما ليس بعلم من أدب وغيره؛ فقد يمتع، ~~ولكنه لا يدفع السائر خطوة إلى الأمام. ولقد ms165 كان كاتب هذه السطور على ~~هذه العقيدة قبل أن يعلم بوجود هذا الكتاب ومؤلفه، لكن عقبته تلك لم ~~تكن لتستتبع عنده تقليلا من شأن الأدب والفن وما إليهما، بل على العكس ~~على ذلك، كان رأيه ولا يزال (أعني كاتب هذه السطور) أنه لا حضارة بغير ~~فن وأدب؛ لأن ذلك مساو لقولنا إنه لا حضارة بلا «إنسان»، غير أن ~~فكرة «التقدم» الحضاري تنصب أساسا على مدى قدرة الإنسان على فرض ~~سلطانه على الطبيعة. # ولا علينا الآن من هذا التفريع في موضوع الحديث، فسؤالنا مقتصر ~~بالدرجة الأولى على «الثقافتين»، هل نتركهما لتنفرج بينهما زاوية ~~التباعد انفراجا ينعزل فيه من هو «علمي» عمن هو «أدبي»؟ إننا لو ~~فعلنا؛ لتعرضنا إلى تفتيت الوحدة التي تجعل من الإنسان إنسانا ~~متكاملا، ثم تعرضنا بالتالي إلى الخطر الذي هو أخطر ما يهدد ~~الإنسانية بأسرها في عصرنا، وأعني أن ينفلت العلم من قيود «القيم» ~~التي هي في الصميم من حقيقة الإنسان وطبيعته ومثله العليا وأهدافه، ~~إذن ماذا عسانا فاعلين إذ نحن نربي شبابنا ونعلمهم لكي تضيق الفجوة ~~عنده بين الثقافتين؟ كثيرون جدا هم رجال الفكر في بلاد العالم، ~~الذين طرحوا هذا السؤال ثم حاولوا الجواب. ولئن تكن إجاباتهم قد جاءت ~~مختلفة؛ فإن معظمها دار حول محور واحد، وهو أن نضيف مادة من مواد ~~الدراسات الإنسانية، كالتاريخ أو علم الاجتماع، إلى مواد الكليات ~~العلمية، كما نضيف مادة من ميدان العلوم إلى مناهج الدراسات الإنسانية ~~على اختلاف كلياته. # وكاتب هذه السطور - بكل التواضع الواجب أمام رواد الحركات الفكرية ~~في العالم - يرى نفسه على شك في أن تكون تلك الوسيلة المقترحة مؤدية ~~إلى الهدف المنشود، والهدف المنشود هو تعميق الإنسية في من درسوا ~~العلوم الطبيعية والرياضية في مرحلة الجامعة؛ لأن تلك العلوم منصبة ~~على غير الإنسان من حيث هو إنسان؛ إذ هي حتى في الحالات التي يكون ~~الإنسان موضوعها، كما هي الحال في علم وظائف الأعضاء، والتشريح ~~وغيرهما؛ لا ينظر إلى الإنسان إلا كما ينظر إلى أي مادة أخرى من ~~المواد ms166 التي يتناولها العلماء بالبحث، ويكمل هذا الهدف بالنسبة إلى ~~دارسي العلوم هدف مشابه بالنسبة لدارسي العلوم الإنسانية؛ إذ يقترح ~~في هذه الحالة أن نعمل على إثارة اهتمام الإنسان العادي بدنيا ~~الأشياء، وتزويده بنظرة علمية تمكنه من الرؤية الموضوعية للمشكلات ~~التي تعرض له في طريق حياته اليومية كما تقع له، أقول إن مثل هذا الهدف ~~المزدوج لا يتحقق بإضافة مادة من الدراسات الإنسانية إلى دارسي ~~العلوم، ومادة من الدراسات الطبيعية والرياضية إلى دارسي الإنسانيات؛ ~~لأن تلك الإضافة المقحمة ستبقى - في أرجح الظن - رقعة منعزلة دخيلة ~~لا تندمج مع غيرها في تكوين الشخص ووجهة نظره. # وإنه ليبدو لي أن هنالك موضوعا قد غفل عنه رجال الفكر في معالجتهم ~~للمشكلة التربوية المطروحة، مع أنه يكاد يفرض نفسه فرضا على العقل، ~~ألا وهو «اللغة»؛ فالفارق الحاسم بين الإنسان وغيره من الكائنات، هو ~~أنه ذو «لغة»، لا بمعنى الإشارات المبهمة التي قد نراها في بعض أنواع ~~الحيوان حين يصيح فرد ليتنبه بقية أفراد نوعه على خطر داهم - أو ما ~~هو من هذا القبيل - ولكن قصدت «اللغة» بالمعنى الذي نعرفه في لغات ~~البشر؛ فلغة الإنسان هي «فكره»، وأرجو أن تلحظ أني لم أقل إنها أداة ~~تنقل «فكره»، بل إنها هي هي «فكره»، وهي هي «وجدانه»، وهي هي كل حياته ~~اللاحيوانية، ولك أن تقول إن ما يكتبه الكاتب أو يقوله المتكلم إنما ~~هو «عقله» وقد ظهر من مكمنه إلى العلانية، وذلك إذا كان الموضوع من ~~موضوعات العقل، وكذلك هو «وجدانه» وقد تجسد في موجات الصوت أو في ~~الكتابة المرقومة على ورق. واختصارا فلغة الإنسان هي نفسه، هي شخصه ~~هي حقيقته، فإذا بقيت بقية غير منطوقة طواها في أحشائه؛ فذلك ما لا ~~يدخل في الحساب عندما ننظر إليه باعتباره عضوا في مجتمع. # فإذا أضفت إلى هذا كله، حقيقة أخرى، هي أن اللغة التي كتب بها ~~أسلافنا ما كتبوه وخلفوه لنا هي أقوى صلة تربطنا بهم في استمرارية ~~تاريخية؛ استطعت القول بأن من قرأ صفحة من تراث الآباء، فقد ms167 طالع ~~عقله وأحس مشاعره، وبالتالي فقد عاش معه بمقدار ما قرأ، على أن ~~كتابات السلف ليست كلها سواء في إظهار لفتات عقولهم ونبضات قلوبهم، ~~وإنما هي درجات تتفاوت بتفاوت كاتبيها، فإذا أحسنا اختيار ما يقرؤه ~~طلاب العلوم، وما يقرؤه طلاب الإنسانيات؛ زرعنا بذلك في أفئدتهم ليس ~~فقط إحساسا بانتمائهم إلى خط تاريخي واحد مع هؤلاء السلف، بل إننا ~~لنزرع كذلك في تلك الأفئدة تعاطفا إنسانيا يجاوز حدود الوطنية ~~والقومية؛ ليشمل صلة الإنسان بالإنسان أينما كان. # على أن «اللغة» في عصرنا الحاضر قد ظفرت بكثير جدا من اهتمام ~~العلماء، فأخضعوا هذه الظاهرة البشرية العجيبة للدراسات العلمية ~~البالغة في دقتها حد العلم الرياضي، فكشفوا لنا كثيرا من سر ~~اللغة الذي يجعلها هي وصاحبها مدمجين في هوية واحدة، ولذلك فيمكن ~~عرض هذا الجانب التحليلي العلمي بين مقررات الكليات العلمية، ليتحقق ~~للدارس هدفان في مقرر واحد: منهج علمي أدق ما يكون المنهج، ثم كشف ~~للغطاء عن ظاهرة هي ما هي في حياة الإنسان! على أنني لا أملك إلا أن ~~أصرح هنا بأننا ما دمنا قد اقترحنا «اللغة» وسيلة تقرب الدارسين ~~جميعا بعضهم من بعض، وتصل عصرنا بماضيه وتبث روحا إنسانيا في ~~الإنسان، فلا بد أن يتذوق تلك اللغة في حسوة يحتسيها من رحيقها، ~~وهو «الشعر»؛ لأنه من شجرة اللغة زهرها وعطرها. # | الفكر العربي وتحديات العصر # إنما يكون العصر عصرا بأفكاره المحورية، التي حولها تدور الرحى، ~~وتظل تلك الرحى في دورانها تطحن ما تطحنه، وتهمل ما تهمله؛ فيبقى ~~حبيس قشرته كما كان، حتى إذا ما فرغ الوعاء من المادة المراد طحنها، ~~قيل عن ذلك العصر إنه يجر أذياله ليختفي، وتكون عندئذ قد ظهرت في ~~الأفق بشائر عصر جديد. على أن العصر الواحد إذا امتد أجله انقسم في ~~داخله إلى مراحل متمايزة بخصائصها تمايزا يكاد يجعل كل مرحلة منها ~~بمثابة عصر جديد، يختلف عن سابقه، كما يختلف عن لاحقه، بأفكار محورية ~~تميزه. # فالعصر عصر بفكرته، أو بفكراته الكبرى، التي تكون بدورها كالينابيع ~~تنبثق فروعها من أصولها. ms168 ولنضرب مثلا لذلك: تاريخ الفكر الإسلامي في ~~قرونه الأولى؛ فبعد أن جاء نصر الله لدين الإسلام، كان الكتاب الكريم ~~هو نفسه الموضوع الأساسي الكبير، الذي انكبت عليه عقول العلماء، ~~وقلوب الشعراء، وجهود الفقهاء، وتأملات المفكرين، وإذن فقد دخل ~~الناس عصرا فكريا جديدا، وقد انقسم من داخله إلى مراحل متمايزة؛ ~~فالقرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) محور دراسات تستهدف آخر الأمر ~~فهم القرآن الكريم حق الفهم، فكان أن شغل باللغة العربية علماؤها، ~~وشغل باستخراج الأحكام الشرعية فقهاؤها، ثم انتقل التاريخ بالناس إلى ~~مرحلة أخرى داخل بنية العصر العظيم، وهي مرحلة الأخذ عن الثقافات ~~والحضارات الأسبق ظهورا، حتى إذا ما امتلأت الأوعية بما أريد لها أن ~~تمتلئ به انتقل التاريخ بالناس نقلة جديدة إلى مرحلة جزئية أخرى من ~~مراحل العصر العظيم، وكان الوقت عندئذ هو القرن الرابع الهجري (العاشر ~~الميلادي)، وهنا كانت الفكرة المحورية التي دارت حولها الرحى، هي ~~الوصول بمرحلة الازدهار إلى تخليق الزهرة، فكانت مبدعات الفكر والشعور ~~كلها تتجه نحو ناتج فكري أو أدبي، يسري في أوصاله كل ما قد عرفته ~~الإنسانية من قبل، مكثفا في زهرة واحدة أو مجموعة من زهور، وهكذا ~~أخذت عصور صغرى داخل العصر الكبير تنتقل بالناس من مناخ ثقافي خاص إلى ~~مناخ ثقافي آخر مختلف بخصوصيته. # ونسوق مثلا آخر، يبين كيف تتمايز العصور بأفكارها المحورية، ~~والمثل هذه المرة سيكون بمثابة التمهيد الذي يأخذ بأيدينا مباشرة إلى ~~موضوع هذا الحديث؛ إذ هو مثل منصب على فكر الغرب في تاريخه الحديث، ~~ونحن هنا - في استخدامنا لكلمة «الحديث» - نفرق بين ما هو «حديث» في ~~تاريخ الغرب، وما هو «معاصر»؛ فالحديث هو على وجه التقريب ما امتد من ~~عصر النهضة الأوروبية في القرن السادس عشر إلى نحو منتصف القرن الماضي ~~(التاسع عشر)، ففي الغرب الحديث اختلفت الأفكار المحورية مع تعاقب ~~القرون، فبينما كانت في السادس عشر وثبة رومانسية تتطلع إلى مغامرات ~~الكشف عن غوامض الكون، من رحلات في بحار الظلمات، إلى جولات في اليابس ~~المجهول، وصعود إلى قمم الجبال التي ms169 لم تكن قبل ذاك إلا وسائل رعب ~~وخوف، إلى دوران بالبصر في كواكب السماء ونجومها؛ جاء القرن السابع عشر ~~بعقلانية محكمة الشكائم، لا تريد لأوهام الخيال أن تطيش برزانة العقل، ~~ثم جاء القرن الثامن عشر ومحوره شعلة الإنارة والتنوير، لعل الناس، ~~بمزيد من معرفة لحقائق الحاضر وحقائق الماضي؛ ينهضون بحياتهم ~~الاجتماعية إلى مزيد من حرية وإخاء ومساواة، فلما أن توسط القرن ~~التاسع عشر، مع امتداد يشمل القرن العشرين، دخل الناس في عصر جديد، هو ~~الذي سنورد بعض خصائصه في شيء من التفصيل بعد حين. # لقد أردنا بهذا الذي قدمناه، أن نرسخ في الأذهان فكرة مبدئية، هي أن ~~العصر إنما يكون عصرا بأفكاره المحورية التي ينسج منها المناخ ~~الثقافي العام لذلك العصر، حتى إذا ما رسخ هذا المبدأ، اتجهنا بالأذهان ~~نحو السؤال الذي طرحناه بين أيدينا، الذي يسأل عن العلاقة بين الفكر ~~العربي من جهة، وتحديات العصر الراهن من جهة أخرى، فما نكاد نتجه ~~بالنظر إلى السؤال حتى تملي علينا البداهة أن طريق السير نحو الجواب ~~لا بد أن يبدأ بخطوتين: أولاهما أن نبين في إيجاز ما نعنيه بعبارة ~~«الفكر العربي»، وثانيتهما هي أن نبين في إيجاز كذلك ما نعنيه بعبارة ~~«تحديات العصر»؛ إذ يبدو لنا واضحا أن مجرد النظر إلى هذين المدلولين ~~سيجيء ناطقا بالجواب عن ماهية الجوانب من أفكار عصرنا، التي تثير ~~القلق في أصحاب الفكر العربي. # فما الذي نعنيه بقولنا «الفكر العربي»؟ واضح أننا ما دمنا نذكر الفكر ~~العربي في موقفه من تحديات هذا العصر؛ فالمقصود هو الفكر العربي في ~~عصرنا الراهن؛ أي في الفترة التي تمتد نحو مائة عام، من ثمانينيات ~~القرن الماضي، إلى ثمانينيات هذا القرن، وهي فترة امتزجت فيها، منذ ~~بدايتها بل وما قبل بدايتها، سياسة الغرب مع ثقافته وأصول حضارته، فنتج ~~عن هذا المزيج في نفوسنا مزيج آخر، لعله هو المفتاح الذي يبسط أمام ~~أبصارنا صورة واضحة لحياتنا الفكرية كما هي قائمة الآن، وأعني بذلك ~~المزيج الذي يملأ صدورنا، ذلك المزيج بين كراهية تنفر ms170 من الغرب ~~لسياساته الطامعة المغتصبة، مع إدراكنا بضرورة الأخذ عن أصول حضارته ~~وشيء من عناصر ثقافته، ومن هنا ترانا نأخذ ما نأخذه أخذ الكاره ~~المكره، حتى لنود أن يتم ذلك الأخذ والأعين منا مغمضة، فنتج عن ~~ذلك ضرب من الازدواجية في الفكر العربي المعاصر، فمن جهة ترانا نعلن ~~في صراخ استمساكنا بموروثنا عن القديم الأصيل، ولكننا من جهة أخرى ~~نعبئ معاهدنا وجامعاتنا بعلوم الغرب، كما نعبئ أسواقنا بمنتجات ~~الغرب، من أجهزة وآلات، وغيرها من مصنوعات العصر ومبدعاته. # إذن، فلنقف قليلا عند هذا المفتاح الذي يفتح لنا مغاليق حياتنا ~~الفكرية كلها، ماذا كانت جذوره، ومتى بدأت ظواهره؟ في إيجاز شديد، ~~أقول: إن مراحل الإبداع الفكري في العالم العربي، كانت قد بلغت ختامها ~~عند ابن خلدون، ثم جاء بعد ذلك سلطان الحكم العثماني، ولأمر ما اقترن ~~ذلك الحكم، في القرون الثلاثة التي امتدت من السادس عشر الميلادي إلى ~~التاسع عشر، بجمود في حياتنا أدى بها إلى عقم في إبداع شيء جديد، ~~فانكفأ العلماء في شتى مراكز العلم من أرجاء الوطن العربي، على اجترار ~~القديم، فتناولوه حفظا، وشرحا، وتلخيصا، فلما فتحت أبوابنا على ~~دقات الحملة الفرنسية بقيادة نابليون، وكانت في صحبة تلك الحملة جماعة ~~من رجال العلوم الطبيعية الحديثة، كما كان في صحبتها مطبعة عربية، ~~كانت أول مطبعة شهدتها المنطقة العربية؛ وجدنا أنفسنا عند نقطة على ~~الطريق، قسمتنا شعبتين من الناحية الفكرية، وإنه لمما يصور لنا ~~لحظة الانقسام تصويرا مجسدا؛ أن نذكر كيف كان هؤلاء العلماء ~~الفرنسيون يوجهون الدعوة لعلمائنا في ذلك الحين، مجموعة بعد مجموعة؛ ~~ليعرضوا عليهم نماذج من أعاجيب العلوم الجديدة، كالكهرباء والمغناطيسية ~~وغير ذلك، فكان رد الفعل على معظم علمائنا، هو الدهشة أمام تلك ~~الأعاجيب، إلا أن أحدهم ضاقت نفسه بالألاعيب المعروضة عليه؛ فسأل ~~الفرنسيين: هل لديكم بعلومكم هذه القدرة على أن تكونوا من أهل الخطوة؟ ~~بمعنى أن يكون الواحد منكم هنا الآن، ثم يكون في الوقت نفسه هناك في أي ~~بلد بعيد يختاره؟ فأجاب العلماء الفرنسيون بالنفي، فقال الصوفي ms171 المصري: ~~لكن ذلك في مستطاعنا بفضل علمنا الروحاني، وكانت تلك هي اللحظة ~~التاريخية، التي بدأنا ننشق جماعتين عندها؛ فجماعة أقبلت فيما بعد ~~على مصادر العلم الجديد، وجماعة أخرى أدارت ظهرها للعلم الجديد ومصادره ~~والتزمت طريقا واحدا هو طريق السلف فيما ورثناه عنهم من ~~مؤلفات. # لكن الذي يلفت النظر، أن هاتين الجماعتين، على اختلافهما في مضمون ~~المعرفة التي يحصلها كل منهما، كانتا معا على اتفاق في التزام منهج ~~واحد في التحصيل، فأما أنصار السلفية الفكرية؛ فقد أخذوا عن الماضي ~~مضمونا ومنهجا، وأما أنصار العلم الجديد؛ فهم إذا اتجهوا باهتمامهم ~~إلى ما أبدعته حضارة العصر من علوم، ظلوا مقيدين بمنهج السلف، ~~وأعني بالسلفية هنا، القرون الثلاثة التي سبقت الحملة الفرنسية؛ أي ما ~~بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، وأهم ما يميز ذلك المنهج هو - كما ~~أسلفناه - الحفظ، والشرح، والتلخيص، بغير إضافة مبتكرة. # والآن فلنعد ومعنا صورة هاتين الجماعتين في اتفاقهما على منهج ~~«الحفظ» والتكرار، رغم اختلافهما على مضمون ما يحفظونه ويكررونه، ~~أقول: لنعد الآن، ومعنا هذه الصورة، إلى ما ذكرناه، من أن الفكر ~~العربي، منذ أواخر القرن الماضي، قد امتزج في تكوينه عنصران، في علاقته ~~بالغرب: عنصر منهما هو شعور بالكراهية للغرب في سياساته الطامعة، ~~وثانيهما هو شعور بضرورة الأخذ عن أصوله الحضارية والثقافية، لكنه أخذ ~~الكاره المكره، فإذا دمجنا هذا الموقف، الازدواجي، إلى الجماعتين ~~اللتين انقسمنا بهما في التحصيل الفكري إلى طريقين، واحد منا ينهل من ~~علوم الغرب الجديد، والآخر ينهل من تراث السلف بعيده وقريبه، رأينا ~~صورة الفكر العربي المعاصر بعناصرها الأساسية؛ فهو فكر لا يزال في ~~مجموعه يلتزم منهج الحفظ والشرح والتلخيص، وبالتالي فهو فكر يوشك أن ~~يخلو من الأصالة المبدعة للجديد المبتكر، ثم هو في هذا الإطار ~~المنهجي، يعود فيتشعب شعبتين: شعبة تحفظ نتاج المعاصرين من أهل ~~الحضارة الجديدة، وشعبة أخرى تحفظ نتاج أسلافنا القدماء، على أن صورة ~~الفكر العربي المعاصر، بعناصره تلك، لا تكتمل لنا إلا إذا غلفناها ~~بغلاف صحوة دينية، صحونا بها منذ أواخر القرن الماضي، ms172 ليس فقط لأن ~~في قوة الإيمان الديني قوة لنا، بل كذلك لأن قوة وعينا بعقيدتنا ~~الدينية هي أفعل وسيلة نصون بها هويتنا الفردية والقومية من أن ننجرف ~~تحت المؤثرات الغربية المتجسدة فيما نعانيه من عدوان قوى الغرب، ~~وفيما ننقله مضطرين عن حضارة الغرب. # وننتقل الآن إلى الشق الثاني من السؤال المطروح، وأعني تحديات العصر، ~~فماذا نعني ب «العصر» وتحدياته؟ إنني إذا ما حاولت النفاذ ببصيرة ~~التحليل خلال الحياة المعاصرة، بكل ما يملؤها من أشتات وتفصيلات، ~~لأصل إلى الجذر العميق، الذي منه تنبعث وتنتشر تلك الأشتات ~~والتفصيلات التي يعيش الناس في غمرة موجها ساعة بعد ساعة ويوما بعد ~~يوم؛ فلست أجد ما هو أعمق من فكرة التطور وما يتبعها من إيمان بضرورة ~~التغير، ثم ما يتبع ذلك من حتمية التوجه بالنظر نحو المستقبل، فإذا ~~التفت الناس وراءهم إلى ماضيهم - وهي ضرورة محتومة - فإنما يكون ذلك ~~لاستلهام ذلك الماضي، من أجل أن يعرف الناس كيف يقدرون لأقدامهم ~~مواضعها الصحيحة ليطرد بهم التقدم، مع استمرارية الخط التاريخي ~~بينهم وبين أسلافهم. لكن هذه العبارة الوصفية الموجزة تحتاج إلى شيء من ~~الشرح والتحليل. # ليست فكرة «التطور» وما يتبعها من نتائج في حياة الإنسان، النظرية ~~والعملية على السواء، بالفكرة الجديدة، التي لم يسمع بها تاريخ الفكر ~~إلا في عصرنا هذا؛ فلقد سبق لها أن وردت هنا وهناك آنا بعد آن، لكن ~~الفرق بعيد بين فكرة تظهر عابرة وتختفي، لا تكاد تترك وراءها أثرا، ~~وبين أن تجيء تلك الفكرة نفسها لتسود عصرا بأكمله، وتوجه الإنسان ~~في حياته العلمية والعملية معا، فإذا قلنا عن فكرة «التطور» إنها - ~~فيما يرى كاتب هذه السطور - أعمق الجذور في وجهة النظر المعاصرة، فإنما ~~نعني أن لها سيادة تتحكم بها في تشكيل الرؤية، مهما تكن طبيعة ~~الموضوع المطروح للنظر؛ فلا يكاد أحدنا يهم بالتفكير في أمر من أمور ~~حياتنا، تفكيرا يريد له أن يكون علمي المنهج بمعنى من معاني هذه ~~العبارة؛ حتى يجد نفسه قد بدأ باستعراض المسألة منذ نشأت، ليرى كيف ~~«تطورت» ms173 في مراحل نموها، أو في مراحل تقلصها وانكماشها، وإن هذا ~~الموقف ليتضمن عقيدة يضمرها الباحث في نفسه، مؤداها أن كل ما يحتوي ~~عليه هذا الكون، بل الكون نفسه مأخوذا بجملته؛ ليس ثابتا على صورة ~~واحدة، بمعنى أن يكون الشيء في يومه، كما كان في أمسه البعيد، وكما سوف ~~يكون في غده البعيد، لا بل هو «متطور» أبدا، متغير أبدا. # وإذا أردت توضيحا للفرق بين الرؤية العصرية، والرؤية كما كانت فيما ~~مضى؛ فربما وجدنا التوضيح إذا قلنا إن الإنسان فيما مضى، كان ينظر إلى ~~الوجود والموجودات بنظرة «الرياضي»، في حين أنه ينظر اليوم بنظرة ~~«المؤرخ»، فالحقيقة الرياضية، كقولنا عن «المربع» إنه قائم الزوايا ~~متساوي الأضلاع؛ حقيقة لم تتغير منذ الأزل، ولن تتغير إلى الأبد، ~~فالمربع ذو حقيقة ثابتة، هكذا كان، وهكذا هو كائن وسوف يكون، وذلك لأن ~~أمره مرهون ب «التعريف» الذي عرفناه به، فإذا وجدنا شكلا هندسيا لا ~~تتوافر فيه عناصر ذلك التعريف؛ قلنا إنه ليس مربعا، وأما الحقيقة ~~التاريخية فهي على خلاف ذلك؛ لأن «التاريخ» يتضمن امتدادا زمنيا طال ~~أو قصر، فالكائن من الكائنات - أيا ما كان - إنما هو «سيرة» قوامها ~~أحداث تتابعت، فإذا أردت أن تصوره، لم يكن سبيلك إلى ذلك هو أن تورد ~~«تعريفا» له، كما هي الحال في المربع والمثلث والدائرة، بل سبيلك إلى ~~ذلك هو أن تذكر «أطواره» التي اجتازها منذ نشأ وحتى المرحلة التي ~~بلغها، وقل هذا الشيء نفسه في كل جوانب الحياة الإنسانية، فكيف نشأ ~~المجتمع وكيف تطور؟ كيف نشأ نظام الحكم وكيف تطور؟ كيف نشأ نظام ~~التعليم وكيف تطور؟ كيف نشأ الشعر وكيف تطور؟ كيف نشأت العمارة وكيف ~~تطورت؟ وهكذا ... وهكذا ... خذ ما شئت من جوانب الحياة، تجد أنك إذا أردت ~~استيفاء الحديث عنه؛ كنت مضطرا إلى تعقبه منذ نشأ لتنظر بعد ذلك ~~كيف تطور. # رؤية عصرنا إلى الأشياء، والكائنات الحية، والنظم، والعلوم ، والفنون، ~~وإلى أي موضوع نطرحه للبحث؛ هي رؤية تاريخية، بعد أن كانت الرؤية فيما ~~مضى يغلب عليها الرؤية الرياضية، ms174 بمعنى أنهم فيما مضى كانوا يبحثون في ~~كل شيء عما أسموه «جوهر» ذلك الشيء، وجوهره هو «تعريفه»، تماما كما ~~تبحث عن تعريف المثلث وتعريف المربع، وما دمت قد وقعت على ~~«التعريف»؛ فقد وقعت على ما هو ثابت على امتداد الزمن، فحتى إذا تغيرت ~~أوجه الحياة بعد ذلك تغيرات ترصدها العين، قيل إنها إنما تغيرت في ~~العوارض الزائلة، أما جوهرها فثابت، لا فرق فيه بين ما كان وما ~~يكون. # وإذا كانت فكرة «التطور» هي في صميم الصميم من رؤية أبناء هذا العصر؛ ~~عرفنا أن «التغير» أمر محتوم، إذ كيف يتطور الوجود بكل موجوداته ولا ~~يتبع ذلك أن تتغير صور الحياة وتتغير معها مسالكنا إزاءها وردود ~~أفعالنا لمثيراتها؟ لقد حدث للفيلسوف اليوناني القديم «هرقليطس» أن ~~رأى هذه الرؤية بلمحة من بصيرته النافذة، فتصور عالم الأشياء وكأنه ~~نهر دفاق المياه وقال في ذلك قولته الشهيرة: «إنك لا تضع قدمك في ~~النهر مرتين.» مريدا بذلك أنك إذا وضعت قدمك في ماء النهر مرة، ثم ~~رفعتها لتضعها مرة أخرى؛ كان الماء في النهر غير الماء في المرة ~~الأولى، لكن فكرة هرقليطس ذهبت خطفا كما جاءت خطفا، ولو أنها قيلت في ~~عصرنا؛ لكانت معبرة عن العصر كله، فالأوضاع السليمة السوية قد أصبحت ~~في عصرنا هي الأوضاع التي ما تنفك تتغير مع تغير الظروف. # إننا قد نجد مفتاح الحقيقة في الفرق بين وجهة النظر في الماضي ووجهة ~~النظر اليوم، في تصور العلماء للذرة، ففي كل العصور حاول العلماء تحليل ~~الطبيعة إلى أصغر وحداتها؛ إذ إن مثل هذا التحليل الذي يرد موضوع ~~البحث إلى وحداته أو إلى عناصره الأولية، هو جانب مهم من المنهج ~~العلمي، فلما كان بحث علماء الطبيعة فيما مضى عن الوحدات الصغرى؛ أي ~~الذرات التي من تجمعاتها تتألف الأشياء، تصوروا الذرة جسما مصمتا ~~لا ثقوب فيه ولا حركة، في حين أن الذرة في تصور عصرنا هي كون صغير ~~قوامه كهارب تتحرك في أفلاكها، كما هي الحال - مثلا - في كواكب ~~المجموعة الشمسية، فما الذرة إلا حركة، ms175 إنها إشعاع، بل إن الحركة فيها ~~تتميز ب «الحرية»! أي إن المبدأ الحاكم فيها ليس هو مبدأ الحتمية، بل ~~هو مبدأ «اللاحتمية»؛ لأن العلماء لم يجدوا تلك الكهارب في انتقالها من ~~فلك إلى فلك محكومة بقانون حتمي صارم. ومن هذه الحقيقة عن طبيعة ~~الذرة الصغيرة، وهي أنها حركة دائمة، وتغير دائم؛ نستطيع أن نصعد إلى ~~المتطور نفسه بالنسبة إلى المركبات الكبرى، أشياء كانت أو كانت مواقف ~~ونظما اجتماعية. # تلك هي رؤية عصرنا من أساسها، فإذا أدركناها حق الإدراك؛ عرفنا ~~النتيجة التي تلزم عنها، وهي أن اتجاه السير لا بد أن يكون نحو ~~«مستقبل» ما، وأن الماضي قد مضى، وأقصى ما يستطيعه هو أن يرجع إليه ~~ليساعدنا على فهم حاضرنا كيف جاء، وفهم مستقبلنا وكيف ينبغي له أن ~~يجيء، وإذا شئت فانظر حولك، تجد - أينما وجهت النظر - سرعة محمومة في ~~تغير الأوضاع بكل صنوفها: علم يتغير كل يوم، لا ينسخ ماضيه، بل ~~بالإضافة إليه نظم سياسية تدول ونظم سياسية تقوم قوائمها، ثورات لا ~~تنقطع أسبابها، بعضها رأسي يبدأ في إقليمه وينتهي في إقليمه، وبعضها ~~أفقي يمتد ما امتدت أقطار الدنيا، فيشمل فئات من البشر تتشابه ~~ظروفها وإن تباعدت أوطانها، كالعمال، والشباب، والمرأة، وهكذا. إن كل ~~شعوب الأرض في يومنا يأخذها قلق على المصير، سواء أكانت الشعوب ممن ~~تقدم أم كانت ممن تخلف؛ فمن تقدم تقلقه سرعة التقدم حتى ليفزع ~~على سلامة مصيره، ومن تخلف يقلقه بطء خطواته نحو أن يلحق بالركب؛ ~~فالمستقبل هو ملتقى أنظار الجميع، ثم يأتي في هذا الإطار حنين الإنسان ~~إلى ماضيه، ولا سيما إذا كان ذلك الماضي - مثل ماضينا - ساطعا ~~بأمجاده. # أما وقد رسمنا صورة مركزة لما يسمى بالفكر العربي، ورسمنا ~~معها صورة أخرى موجزة لما نسميه بالعصر؛ فقد بقي علينا أن ننقل ~~أبصارنا بين الصورتين، ولن نلبث إلا لحظة قصيرة حتى تتبدى لنا عوامل ~~التحدي ومصادره؛ فالعصر يتحدى الفكر العربي، يتحداه أن يظل مستمسكا ~~بمنهج الدوران في قديمه، ثم يطمع في قوة حربية، لا أقول: يقهر ms176 بها ~~آخرين، بل أقول قوة يصون بها نفسه من قهر الآخرين له ولأرضه، يتحداه ~~أن يظل ثابتا على احتكامه إلى وجدان قلبه في مسائل لا يحلها إلا ~~منطق عقله، ثم يطمع في منافسة الممسكين بزمام العلم الجديد على ~~السيادة فوق هذا الكوكب الأرضي بأي صورة من صورها، يتحداه إذا هو ~~انطوى على نفسه من الناحية الفكرية، وترك رحاب الكون الفسيحة لغيره ~~يجول فيها ويصول بعلومه وصواريخه وغزواته، ثم يتوقع في الوقت نفسه أن ~~يكون عابدا لله حق عبادته، مدركا لقيمة الإنسان وكرامته إدراكا ~~صحيحا، وإذا هو فعل؛ فما أسرع ما يجد نفسه في زمرة الأذيال ~~والأتباع. # لكن عصرنا إذا تحدانا، مستظلا بمظلة العلوم وتقنياتها، وما ~~يتبع ذلك من قوة الصناعة، وقوة السلاح، وثراء المال، وارتفاع مستوى ~~العيش ... إلخ؛ ففي مستطاعنا - بدورنا - أن نتحداه، مستظلين بمظلة ~~الأخلاق وقيمها، لا لأن سادة العصر بغير أخلاق، بل لأنهم اضطروا تحت ~~مظلة العلم والصناعة إلى أن يجعلوا الأولوية في تلك الأخلاق لما هو ~~نافع آخر الأمر بنتائجه هنا في هذه الدنيا، في حين أننا ما زلنا - من ~~الوجهة النظرية على الأقل - نجعل الأولوية في قيم الأخلاق لما هو ~~مؤد بنا آخر الأمر إلى حسن الثواب في الآخرة؛ ففي مستطاعنا أن ~~نتحدى سادة العصر بعلمه وصناعته أن يبينوا لنا كم ينعم الإنسان في ظل ~~العصر بنعمة الطمأنينة! وكم يشقى بالقلق! إنه إذا كان العاملون في ظروف ~~هذا العصر، كثيرا ما يأخذهم الشك في قيمة ما يعملونه، فيسألون ما جدوى ~~أن نمسي لنصبح فيما كنا عليه بالأمس؟! يأخذنا تعب وعناء في ساعات ~~العمل، الذي لا يعرف كل عامل على حدة لما يعمله رأسا ولا ذنبا، ~~فننام الليل لنستريح، ثم يعود الصباح لنعود إلى تعب وعناء، وهكذا تدور ~~بنا العجلة أو العجلات لا ندري من أين تدور، ولا إلى أين ندور، أقول إن ~~العاملين في ظروف العصر إذا ما رأوا أنفسهم يسألون على هذا النحو؛ ~~فالمؤمنون منا حق الإيمان لا يسألون؛ لأن الغاية التي من أجلها ~~يعملون ms177 تستحق تعبها وعناءها، ألا وهي رضا الله سبحانه وتعالى، وما ~~يصحب ذلك الرضا من جنة ونعيم. # لكن سؤالا هنا يفرض نفسه علينا، وهو: أهو محتوم للفجوة التي يتباعد ~~بها الفكر العربي وفكر العصر أن تظل قائمة ولا سبيل إلى التئامها؟ ~~الجواب عندي هو بالنفي القاطع؛ فليس هناك ما يمنع صاحب العلم وتقنياته ~~من أن يضيف إلى حياته إيمانا صحيحا باليوم الآخر، ولا ما يمنع صاحب ~~الفكر العربي بعناصره القائمة من أن يضيف إلى حياته كل علوم العصر وما ~~يتبعها من ضوابط المنهج، ومن نتائج تتبدى في أجهزة المعامل وآلات ~~المصانع وتقنيات الحياة العملية، محتفظا في الوقت نفسه بما هو عليه ~~من إيمان، وإنه ليبدو أن سد الفجوة بين الطرفين أقرب إلى أن تقع ~~مهمته علينا نحن، وقلوبنا يعمرها إيمان بدين يحضنا حضا على العلم ~~بأسرار الوجود. # | حرية لم يعرفها الأقدمون # كان مما احتفظت به الذاكرة عن «كليوبطره» ما قاله عنها شيكسبير: ~~قدرتها على أن تبدع من أنوثتها الخصيبة امرأة جديدة في كل يوم. ومن ~~ذلك الثراء الغزير، استطاعت أن تفتن قادة الرومان، وعلى هذا المنوال ~~نفسه، أقول عن «الحرية» أضعاف أضعاف ما قاله شيكسبير عن «كليوبطره»؛ ~~فلهذه الحسناء، التي يطلقون عليها اسم «الحرية» ألف وجه ووجه، لكل ~~وجه منها فتنة خلابة، تهون في سبيلها التضحية بالنفس والنفيس معا، ~~وإنها لمن الخصوبة والغنى ما عظمت به عن أن تكشف أسرارها دفعة واحدة ~~في عصر واحد، فإن لها في كل عصر جديدا تبديه. فلقد عرف أقدم ~~الأقدمين عن الحرية شيئا وغابت عنه أشياء، ولبث الإنسان في كل عصر من ~~عصوره الكبرى - إذا أسعده الحظ - يكشف من معاجمها معنى جديدا يقاتل ~~في سبيله حتى يظفر به، ليفرغ أحفاده لمعنى آخر يجاهدون بدورهم نحو ~~بلوغه؛ فهنالك منذ قديم الزمان كان هناك رق يملك فيه الإنسان إنسانا ~~كما يملك الأرض والأغنام، وكلنا يعلم كم ألح الإسلام على فك ~~الرقاب؛ فأبسط حريات الإنسان أن يكون حرا في جسده، يملكه هو ولا ~~يملكه عنه سواه، وهذه الملكية ms178 من الفرد لبدنه، إذا ما تحققت له ~~استلزمت ضربا آخر من الحرية، وأعني حرية الإرادة، بمعنى أن يكون من حق ~~الإنسان أن يختار لنفسه طريقا بين البدائل المتاحة؛ لأنه بغير هذا ~~الحق لا تقع تبعة الفعل على فاعله، وإنني لأذكر كم أخلصت لنفسي ساعات ~~فوق ساعات، محاولا أن أقع على منفذ واحد أنفذ منه إلى أولئك القدماء ~~- وتبعهم كثيرون من المحدثين - الذين يسلبون الإنسان إرادته الحرة؛ ~~ليجعلوا المشيئة لله وحده - سبحانه - وليجعلوا الإنسان مخلوقا ~~مجبرا على فعل ما قد أريد له أن يفعله. ولقد كان هذا الموضوع ~~موضوع الإرادة في الإنسان بين حريتها وجبرها، من أبرز المشكلات التي ~~تعرض لها رجال الفكر الديني في العصر الأول من تاريخ المسلمين، ~~وخصوصا من يسمون بعلماء «الكلام»، و«الكلام» هنا مقصود به كلام ~~الله جل وعلا، وكانت من أشد الجماعات الكلامية غلوا في جبرية الإنسان ~~فرقة «الجهمية» - نسبة إلى رائدها جهم بن صفوان - فإذا سئل هؤلاء، أو ~~من سار على دربهم بعد ذلك: كيف إذن تقع التبعة على مخطئ؟ كان بعض ~~جوابهم هو أن معنى «العدل» الإلهي مختلف عن معناه في حياة البشر، وليس ~~لإنسان أن يسأل بعد ذلك؛ حتى لا يخوض في مجهول، لكن «الجهمية» ومن ~~تابعوها قديما وحديثا، لم تكن - والحمد لله - هي وحدها صاحبة ~~الكلمة، بل كان معها صوت آخر ينقض قولها، وهو صوت جماعة «المعتزلة» ~~الذين عرفوا باتجاههم العقلي في فهم ما يعرض لهم من مشكلات، وقد ~~نادوا بحرية الإنسان في إرادته عندما يختار هذا الفعل دون ذاك، ومن ~~هنا وقعت عليه تبعة فعله وحق عليه الحساب يوم يقام الميزان، وإذا ~~وجدت جماعة المعتزلة مشارا إليها في الكتب أحيانا باسم «القدرية»؛ ~~فاعلم أن المقصود بهذه الكلمة هو أن «قدر» الإنسان في يديه، فهو الذي ~~يختار الفعل بإرادته الحرة، ومن ثم يصبح «للعدل» يوم الحساب معناه ~~الواضح المفهوم. ولا غرابة أن يفاخر المعتزلة خصومهم بقولهم عن ~~أنفسهم: «نحن أهل توحيد وعدل.» والحق أني لا أجد عسرا في التوفيق بين ~~أن تكون ms179 المشيئة في كل شيء لله سبحانه وتعالى، وأن تظل للإنسان إرادته ~~الحرة في التنفيذ، وأذكر أني في مناسبة سابقة طرقت هذا الموضوع، ~~وضربت مثلا بمسافر في سيارة، يقول لسائقه: أريد السفر إلى الإسكندرية، ~~ثم يترك السائق بعد ذلك لينفذ تلك المشيئة على أي نحو يراه ملائما، ~~وهو - بالطبع - مسئول عما يختار، ولست أريد لهذه الفرصة المناسبة أن ~~تفلت، دون أن أشير إلى الآية الكريمة التي تقول: # إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # وقد كتبت عنها في استفاضة يوما ما؛ لأقول إن أقوى ما يرد على الذهن ~~من معنى للأمانة في هذه الآية هو إشارتها إلى حرية الإنسان إرادة ~~واختيارا؛ فالفرق الواضح بينه وبين السموات والأرض والجبال هو أن هذه ~~جميعا لا إرادة لها، وهي تسير وفق قوانينها التي أريدت لها؛ ~~ولذلك فهي لا تخطئ في سيرها، وبالتالي فهي لا توضع موضع الحساب ~~والجزاء ثوابا وعقابا، وأما الإنسان فقد حمل هذه «الأمانة»؛ أمانة ~~أن تكون له الإرادة الحرة في اختيارها، التي تتعرض للخطأ، ومن هنا ~~يكون الحساب على وزرها. وإذا كانت الآية الكريمة قد وصفت الإنسان في ~~ختامها، بناء على تصديه لحمل «الأمانة» الصعبة؛ بأنه ظلوم جهول، ~~فذلك لهول ما أقدم عليه، وإذا نحن فهمنا كلمة «ظلوم» من جانب إشارتها ~~إلى «الظلام» - والجذر اللغوي واحد في الظلام والظلم - كانت الإشارة ~~هنا إلى أن الإنسان في قبوله لحرية الاختيار، التي قد تخطئ كما قد ~~تصيب، فإنما أقدم على نتائج مظلمة مجهولة لا يستطيع التنبؤ بها قبل ~~وقوعها على سبيل القطع واليقين. # ولم تكن الحرية بعد عبودية الرق، وحرية الإرادة في الاختيار بين ~~البدائل المتاحة؛ الجانبين الوحيدين اللذين أدركهما السابقون من ~~جوانب الحرية، بل عرفت من جوانب الحرية ضروب كثيرة على مر التاريخ، ~~وفي الأقطار المختلفة؛ إذ قد يدرك قوم هنا معنى جديدا من معاني ~~الحرية، لا يدركه قوم هناك، فإذا أخذنا أهل الأرض في مجموعهم؛ قلنا ~~إنهم أدركوا ما نسميه ms180 اليوم بالحرية السياسية، بمعنى ألا يحكم البلد ~~بلد آخر، وأن يكون داخل البلد الواحد حق لأبنائه الراشدين في أن ~~يختاروا من يتولى زمام أمورهم. وعرفوا حرية الإنسان في الحركة من مكان ~~إلى مكان آخر، وعرفوا حرية الإنسان في العمل الذي يؤديه، وعرفوا حرية ~~الفنان في صياغة مبدعاته، وحرية الأديب - شاعرا وناثرا - في اختيار ~~العبارة التي يعرب بها عما يريد الإعراب عنه، وعرفوا الحرية من الجوع، ~~وعرفوا فوق ذلك كله الحرية من الخوف، وهنا تجمل بنا وقفة قبل أن ~~نمضي في سبيلنا، فقليلون هم الذين تنبهوا على عظمة الحرية حين تكون ~~منصبة على الجوع وعلى الخوف، فقد لا يكون بين الفاتكات بحرية ~~الإنسان ما هو أفتك من أن يجوع وأن يخاف! وفي القرآن الكريم أكثر من ~~موضع واحد قرنت فيه هاتان الوسيلتان: الجوع والخوف، من حيث هما ~~أداتان من أشد ما يكرث الإنسان من كوارث! فإذا لم يكن من فضل لله على ~~الإنسان إلا أنه قد أطعمه من جوع، وآمنه من خوف؛ فمن أجل هاتين ~~النعمتين وجبت عليه عبادة الله. # حريات كثيرة عرفها القدماء والأقدمون، وحريات كثيرة أيضا لم ~~يعرفوها، إحداها هي التي سأقصر بقية حديثي على عرضها؛ فهي ضرب من ~~الحرية لا أظنه قد وضح أمام الأبصار والبصائر، وتبلورت معالمه في ~~صياغة مبينة، إلا منذ منتصف القرن الماضي، ولذلك يمكن القول عن ذلك ~~الضرب الجديد من حرية الإنسان .. ملمحا مهما من ملامح هذا العصر ~~وثقافته. والخلاصة التي أقدمها بين يديك لأعود بعد ذلك فأتناولها ~~بالتحليل والتوضيح؛ هي أنه لما كان محالا على «العقل» أن يبدأ فعله ~~من فراغ، بل لا بد أن تكون هناك ركيزة ما يرتكز عليها لتتحرك فاعليته ~~في العملية الاستدلالية التي هي مهمته التي يتميز بها دون سائر القوى ~~الإدراكية في طبيعة الإنسان، فإن تلك الركيزة إما أن تكون مأخوذة مما ~~كان الناس قد عرفوه من قبل ، فتوضع تلك المعرفة في مستهل الطريق ~~الفكري؛ ليستند إليها «العقل» في انتقاله منها إلى نتيجة تترتب عليها، ~~وإما لا يكون ms181 هناك في معارف الناس ما يصلح أن يكون نقطة ابتداء، فيضع ~~«العقل» من عنده فرضا يفرضه؛ ليكون هو الركيزة في الانتقال الاستدلالي ~~إلى النتائج التي تترتب على ذلك الغرض. # إلى هنا تؤخذ على رجل الفكر مؤاخذة في طريق سيره، فإذا كنت - مثلا ~~- على أهبة السفر من القاهرة إلى الإسكندرية بالسيارة، وأردت مسبقا ~~أن أعرف الزمن الذي تقتضيه رحلتي تلك، كانت ركيزتي الأولى في العملية ~~العقلية هي أن أستند إلى ما كان الناس قد عرفوه قبل ذلك عن طول المسافة ~~بين القاهرة والإسكندرية، ثم أضيف إليها ركيزة ثانية مما قد عرفته عن ~~سيارتي، وهي أنها تجري وهي في أمان نحو ثمانين كيلو مترا في الساعة، ~~ومن هذه البداية يبدأ «العقل» سيره، فيقسم طول الطريق على سرعة ~~السيارة، فتجيء النتيجة التي أريدها مسبقا قبل الرحلة، وهي أن وصولي ~~إلى الإسكندرية سيكون - بإذن الله - بعد نحو أربع ساعات. # ولكن قد تعترض العقل حالات ليست فيها معرفة سابقة للإنسان؛ فها هنا ~~يفرض هو من عنده فرضا أو فروضا تصلح أن تكون مرتكزا للوثوب إلى ~~النتائج التي يبحث عنها، ومن أهم الأمثلة التي تساق في مثل هذه ~~الحالة، ما فعله الرياضي العملاق «إقليدس» (وهو من أهل الإسكندرية في ~~عهدها القديم) حين أقام بناءه الرياضي في علم الهندسة، وليس فينا واحد ~~لم يدرس في المدرسة الثانوية قليلا أو كثيرا من هندسته تلك في فروضها ~~وفي نظرياتها، فلقد بدأ إقليدس إقامة بنائه، بأن فرض فروضا من ضروب ~~ثلاثة، رأى أنها تكفي لتعينه على أن يستدل منها نتيجة - هي النظرية ~~الأولى في البناء الهندسي عنده - فنتيجة ثانية، فثالثة، حتى اكتمل له ~~ما أراد، على أنه كلما استدل على نتيجة من تلك النتائج، أضافها سندا ~~يستند إليه في سيره الاستدلالي بعد ذلك مع الإسنادات الأولى التي كان ~~قد افترضها بادئ ذي بدء. # أعيد القول مرة أخرى حتى لا يفلت الخيط من أيدينا، فأقول: إن ~~«العقل» البشري محال عليه أن يتحرك في مهمته الاستدلالية - وتلك هي ~~مهمته الأولى - إلا إذا ms182 كان أمامه منذ البداية سند يرتكز عليه، وذلك ~~السند يؤخذ مما قد عرفه الناس من قبل، فإن لم يجد، فرض من عنده ~~فروضا يتحرك منها. أرأيت سباح الماء الماهر؟ إذ يقف على لوح خشبي ~~نصب على ارتفاع معين من حوض الماء، فيقفز على طرف ذلك اللوح قفزات ~~خفيفة، ثم تشتد به قفزة أخيرة يهتز لها اللوح الخشبي، فيرتفع بها ~~جسده؛ ليكون ذلك أول طريقه إلى الهبوط بحسمه إلى الماء، غاطسا فيه أول ~~الأمر ثم سابحا على سطحه بعد ذلك. إذا كنت قد رأيت ذلك في سباح ~~الماء؛ فقد رأيت معه «عقل» الإنسان وهو يتهيأ للتفكير في موضوع ما، ~~فبادئ ذي بدء تكون سنادة مجهزة للقفز عليها قفزا من شأنه أن يعين على ~~الغطس في صميم الموضوع المطروح، حتى إذا ما تمت تلك الحركة الأولى؛ ~~انسابت مراحل الاستدلال بعد ذلك مرحلة مشتقة مما سبقها، إلى مرحلة ~~تجيء بعدها متولدة منها، وهكذا. لكن الإنسان في معظم تاريخه العقلي ~~فيما مضى لم يلبث أن أخذه النسيان بأنه هو هو نفسه الذي اختار لعقله ~~الركائز التي يقفز منها إلى النتائج، وسرعان ما ظن، ثم تحول ظنه إلى ~~اعتقاد، بأن تلك الركائز العقلية، إنما هي حق في ذاتها، بل هي بين سائر ~~الحقائق أيقنها يقينا؛ ومن ثم قيد نفسه بها، لا يجيز لنفسه أن ~~يخرج عنها أو عليها، ونعود إلى هندسة «إقليدس» فهي خير مثل يوضح لنا ~~ذلك. # اختار إقليدس فروضه التي أراد لها أن تكون وسيلة الوثوب إلى النتائج، ~~فاختار عددا من تعريفات حدد بها معاني المصطلحات المهمة التي ينوي ~~استخدامها، كالنقطة والخط، والسطح ... إلخ، ثم اختار عددا آخر من ~~الحقائق الرياضية، المأخوذة أساسا من علم الحساب؛ ليجعلها بمنزلة ~~«البدهيات» في علم الهندسة، وأخيرا اختار مجموعة ثالثة من الحقائق ~~المتصلة بعلم الهندسة ذاته؛ ليعفيها من ضرورة أن يقام برهان على ~~صحتها، ولتكون هي في الوقت نفسه مقياسا تقاس به صحة ما عسى أن يولده ~~من نتائج، وتسمى هذه المجموعة الثالثة «بالمصادرات»؛ إذن فهذه ~~مجموعات ms183 ثلاث من فروض وضعها إقليدس لتكون وسيلته إلى القفز، كما رأينا ~~اللوح الخشبي وسيلة لقفز السباح إلى الماء. ولأن إقليدس كان نابغا ~~عملاقا في الفكر الرياضي، عرف كيف يقع على فروض تتيح له الانتقال ~~إلى عدد كبير من نظريات الهندسة، ثم عرف كيف يختار فروضا، إذا ~~انسلت نتائجها جاءت تلك النتائج مطابقة للواقع الفعلي في العالم ~~الحقيقي، فمثلا، إذا كانت إحدى النتائج التي تولدت له من تلك ~~الفروض، تقول: إن المربع المنشأ على وتر مثلث قائم الزاوية يساوي ~~مجموع المربعين المنشأين على الضلعين الآخرين (وهي نظرية رقم 9 ~~والمعروفة باسم نظرية فيثاغورث) فليست هذه النتيجة مجرد نتيجة نظرية ~~تولدت عن فروض نظرية، وإنما هي ما نجده مطابقا للواقع المكاني، إذا ~~نحن اقتطعنا مساحة من الأرض - مثلا - وراعينا فيها أن تكون على شكل ~~مثلث قائم الزاوية؛ فعندئذ نجد أن مربع طول الوتر مساويا لمجموع ~~مربعي الضلعين الآخرين، بل إن هذه الحقيقة الرياضية عن المكان، هي التي ~~مارسها المصريون القدماء، كلما أرادوا أن يعيدوا تقسيم الأرض الزراعية ~~بعد أن ينحسر عنها فيضان النيل؛ فكانوا يأتون بحبل يعقدونه اثنتي عشرة ~~عقدة، إلى مسافات متساوية، ثم يمدونه على جانب الأرض المراد تحديدها، ~~بحيث تكون ثلاث عقد في جانب، بعدها يميلون بالحبل مسافة أربع عقد، ثم ~~يميلون بالمسافة الباقية وقدرها خمس عقد، حتى يلتقي طرفا الحبل، فيكون ~~الحبل قد كون مثلثا قائم الزاوية، يضمن لصاحب الأرض أن قائمة ~~الزاوية عند الركن تعيد تخطيط الأرض إلى نظامه، فعل ذلك المصري ~~القديم، لكنه لم يعبأ بالأساس الرياضي الكامن فيه، وهو ما أقام عليه ~~البرهان الرياضي النظري فيثاغورث أولا، ثم ورد في هندسة إقليدس حلقة ~~من حلقات بنائه الهندسي. # من أجل هذا التطابق بين فروض إقليدس من جهة، وحقيقة المكان الفعلي من ~~جهة أخرى؛ ظن أن فروضه لم تكن مجرد فروض قابلة للتغيير، بل هي «حقائق» ~~رياضية، وحقائق طبيعية في الوقت نفسه، إذا ما أردنا التطبيق. وإذا كان ~~ذلك كذلك، إذن فالعقل ملزم بقبولها على أنها «حقائق»، ولبث ms184 الأمر ~~قائما على هذا النحو طوال القرون الماضية، حتى كان القرن التاسع عشر ~~عند منتصفه، فتساءل علماء الرياضية: أصحيح هي حقائق أم أنها فروض يمكن ~~أن نستبدل بها سواها؟ فإذا كانت الأولى؛ كانت هندسة إقليدس هي وحدها ~~التي تهندس للمكان، وأما إذا كانت الثانية؛ كان في مستطاع علماء ~~الرياضية أن يقيموا أي عدد شاءوا من الهندسات، بأن يغيروا من تلك ~~الفروض ويفرضوا سواها، وكلما وضعوا مجموعة جديدة من فروض خرجت لهم ~~هندسة جديدة، وفي هذه الحالة تكون صحة أي بناء رياضي كامنة فيه؛ أي إن ~~العمليات الاستدلالية فيه عمليات لا خطأ فيها، وبهذا يكون البناء ~~الرياضي صحيحا، وليست صحته مرهونة بانطباقه على أي واقع كان. # وهنا أشرقت على العقل البشري حقيقة كبرى كانت لها أصداؤها وأبعادها ~~في كل مجال آخر من مجالات الفكر، ألا وهي أن «العقل» حر في الأسناد ~~التي يختارها ليستند إليها في استخراج نتائجه، والفيصل الوحيد الذي ~~يميز بناء فكريا عن بناء آخر؛ هو ما يعود به على حياة الإنسان من ~~قدرة في السيطرة على ظواهر الكون، فيلجمها ويسخرها فيما يدفع المسيرة ~~الحضارية إلى أمام. # لقد لبث «العقل» البشري خلال العصور الماضية، مستسلما لحالة من ~~الطمأنينة والرضا، وكأن لم يكن فوق رأسه سقف من قضبان الحديد، لا يؤذن ~~له بأن ينفذ إلى ما وراءها، وكأنما قد حكم عليه أن يظل حبيس تلك ~~القضبان، فله أن ينشط ما شاءت له قدراته، على شرط ألا يجاوز بنشاطه سقف ~~الحديد، وما ذلك السقف إلا موانع وضعها هو فوق رأسه طواعية واختيارا، ~~ثم نسي أنه هو صانعها وواضعها، فتوهم أنها «حقائق» لا حيلة له فيها ~~ولا مندوحة له عن قبولها، ويقنع بأن يستخرج منها ما يمكن استخراجه من ~~أفكار وأحكام، فمرة تكون تلك القضبان أعرافا وتقاليد ورثها عن أسلافه، ~~ومرة ثانية تكون مجموعة من «مبادئ» سارت عليها حياة السابقين؛ فحسب ~~أنها ثابتة على الدهر مهما تغيرت بالناس ظروف الحياة، ومرة ثالثة تكون ~~مجموعة من النظم الاجتماعية اكتسبت على مر الزمن جلالا ms185 يوشك أن يبلغ ~~عند أصحابها مبلغ التقديس. # وها نحن أولاء قد عرضنا عليك فيما أسلفناه كيف وقع علم هو أكثر ~~علوم الإنسان دقة، وأعني علم الرياضيات بمختلف صورها، في أحبولة المحبس ~~تحت سقف الحديد، إذ جرى العرف فيه على أن ثمة حقائق رياضية لا مفر ~~من التسليم بها، لأنها بدهيات تفرض نفسها على العقل فرضا، فلم يجرؤ ~~أحد، بل لم يفكر أحد في إمكان رفضها وإحلال غيرها محلها؛ لأنها في ~~حقيقتها لم تزد على كونها «فروضا» فرضت لتصبح عملية التفكير ممكنة، ~~إلا أنها «فروض» وليست «حقائق» فيمكن لمن فرضها أن يفرض سواها، فإذا ~~قلنا إن حقيقة كبرى، هي أسطع ضوءا من شمس الظهيرة في سماء صافية؛ قد ~~أشرقت على الإنسان في أواسط القرن الماضي، وكان ذلك على أيدي أفراد ~~أفذاذ من علماء الرياضة، وخلاصتها أن «مسلمات» البنى الرياضية ~~ليست أكثر من فروض يمكن أن تستبدل بها فروض سواها، فيخرج الإنسان ~~نظريات في الرياضة غير التي كانت؛ فنحن إذ نقول - مثلا - إن مجموع ~~زوايا المثلث يساوي زاويتين قائمتين؛ فإنما يصح هذا القول على «فرض» ~~بأن السطح الذي رسم عليه المثلث سطح مستو، وأما إذا كان السطح ~~منحنيا، محدبا أو مقعرا، اختلفت مقادير تلك الزوايا، فإذا كان ~~هذا هكذا في العلوم الرياضية ذاتها؛ فما بالك إذا كان الأمر أمر أفكار ~~تولدت للإنسان من عرف وتقاليد أو ما إليها من معايير أورثها السلف ~~للخلف؟! إنه لا بأس في عرف وتقليد يربطان صور الحياة الحاضرة بالحياة ~~الماضية، شريطة ألا يكون ذلك على حساب التقدم العلمي والحضاري؛ إذ ما ~~أكثر ما تكون تلك الموروثات مما يتناقض مع حقائق العلم، أو مع أوضاع ~~حضارية جديدة. ويكفي أن نذكر - مثلا - أن مخالطة ذوي القربى بمريضهم ~~كانت عرفا جاريا بيننا إلى وقت قريب، وربما كانت لا تزال قائمة في ~~بعض الجماعات حتى اليوم. # ولكي نزيد الفكرة وضوحا؛ لا بد أن نذكر بأن موقف العقل العلمي ~~حيال الموضوع المطروح أمامه للبحث، يختلف باختلاف ذلك الموضوع، فهناك ~~طريقان رئيسيان: أولهما ms186 أن يكون موضوع البحث متصلا بما هو موجود في ~~عالم الواقع المحسوس، كأن يكون مشكلة خاصة بالزراعة أو بالصناعة، أو ~~بظاهرة الخماسين، أو بظاهرة فيزيائية أو كيميائية، وما يجري هذا ~~المجرى؛ ففي هذه الحالة يندر أن يقع الباحث العلمي في المحظورات التي ~~أشرنا إليها، لأن مرجعه دائما هو الواقع نفسه، فإذا انتهى به البحث ~~إلى نتيجة لا يراها مطابقة لما هو واقع في عالم الحس؛ لم يكن له بد ~~من مراجعتها وتصحيحها. وأما الطريق الثاني في دنيا البحوث العلمية، فهو ~~ذلك الذي لا تكون نقطة البدء فيه مأخوذة من واقع حسي، بل تؤخذ من ~~«تعريفات» يفرضها الباحث نفسه لطائفة من المعاني التي ينوي تناولها في ~~بحثه، ثم يقيم على تلك «التعريفات» قوائم بحثه العلمي، فافرض - مثلا ~~- أن علماء النفس قد أقاموا أبحاثهم عن الشباب المنحرف، على أساس تعريف ~~«للانحراف» بأنه الخروج على ما قد ساد في أغلبية المواطنين، وأن علماء ~~التربية قد أقاموا خطة التعليم كلها على أساس أن تخرج «المواطن ~~الصالح» مع تعريفهم المبدئي «للصلاحية» على أنها الانتماء للنظم ~~القائمة على أرض الوطن، وأن خبراء الحياة السياسية قد أقاموا هيكل ~~الدولة على أساس مبدأ «الحرية» مع تعريفهم «للحرية» تعريفا يجعلها صفة ~~لمجموع الشعب، لا للفرد الواحد من أبناء ذلك الشعب، وهكذا، إلى أن نجد ~~أنفسنا تحت سقيفة صنعت كلها من معان وقيم ومبادئ، صيغت كلها ~~وفق «تعريفات» رآها من رآها من رجال الفكر والعلم والسياسة، فماذا ~~يكون موقف الناس من تلك المظلة الثقافية التي كتب عليهم أن يعيشوا ~~حياتهم في ظلها؟ إنهم لو حرصوا على أن يظلوا ذاكرين أن تلك المظلة ~~إنما هي من صنعهم، بما قد ارتأوه من «تعريفات» للمعاني والقيم ~~والمبادئ؛ لما دخل ديارهم شر إذ هم في هذه الحالة على استعداد بأن ~~يغيروا تلك السقيفة الثقافية بسواها، إذا ما تغيرت ظروف الحياة بحيث ~~لم تعد السقيفة الأولى صالحة، لكن الذي حدث طوال العصور الماضية، هو أن ~~كان الناس دائما على وهم بأنهم إنما يستظلون بمظلة من ms187 «حقائق» لا ~~سبيل لرفضها أو الشك في صحتها؛ فهي هناك فوق رءوسهم، وإذا هم زعموا ~~لأنفسهم حرية فكر أو حرية اعتقاد؛ فإنما يكون ذلك فيما هو تحت السقف، ~~وأما السقف نفسه فباق فوق رءوسهم، أحبوا ذلك أو كرهوا. وكان النموذج ~~العقلي لهذا التركيب متمثلا في بنية العلم، والعلم الرياضي بصفة ~~خاصة، ولعلها مناسبة هنا أن نذكر القارئ بأن الرياضة ومنهجها لبثت ~~أمام العلماء بمختلف تخصصاتهم العلمية مثلا أعلى يقاس عليه أي بحث ~~علمي مهما كان موضوعه؛ لأن الرياضة وحدها هي التي بلغت من الدقة ما ~~يستحيل على الشك في صوابه، فكان على هذه الوجهة من النظر - هي الأخرى - ~~أن تنظر إلى انقلابات القرن الماضي في دنيا العلوم؛ لتتبادلها أيدي ~~التصحيح، فللعلوم الطبيعية منهاج، وللعلوم الرياضية منهاج آخر، ولا ~~يجوز الخلط بينهما، أو أن تؤخذ إحدى المجموعتين نموذجا ~~للأخرى. # إذن فقد جاء القرن الماضي، في نصفه الثاني؛ ليقوم عوجا في ~~البنية الثقافية كلها، وأهم ما يهمنا من ذلك التقويم في حديثنا هذا هو ~~أن فتحت الأعين واسعة لترى الفرق بين ما هو «فروض» فرضها الإنسان ~~استجابة لظروف أحاطت به، في حياته العلمية أو في حياته العملية، وبين ~~ما هو «حقائق» واقعة لا سبيل إلى دحضها أو التنكر لوجودها. فأما ما ~~هو «فروض»؛ فنحن لا نستخدم هذه الكلمة في هذا السياق بالمعنى الديني ~~عندما نتحدث عن الفروض الدينية، بل نستخدم كلمة «الفروض» بمعناها في ~~مناهج البحث العلمي، حين يبدأ الباحث بافتراض فكرة ليختبرها، فإذا ~~وجدها تصدق على التطبيقات العملية في دنيا الوقائع؛ احتفظ بها، وإلا ~~فإنه يغيرها بفكرة أخرى تكون أصلح منها وأصدق. # ونعود إلى سياق حديثنا فنقول: إن ما هو في بنائنا الثقافي من قبيل ~~الفروض فلا ينبغي أن يكون ملزما لنا بأي وجه من الوجوه، إلا بمقدار ~~ما نراه صالحا للتطبيق في حياتنا اليومية الجارية، فإذا تغيرت ظروفنا ~~بحيث فقدت تلك الفروض شيئا من صلاحيتها؛ فلا جناح علينا في تغييرها، ~~وأما ما هو «حقائق» فثابت حتما بما فيه من قوة ms188 الحق وصلابته. # وبعد هذا فانظر إلى الثقافة العربية كما هي قائمة اليوم، كم فيها من ~~قضبان الحديد فوق رءوسنا، ومن قيود في الأرجل وأغلال في الأيدي، بحيث ~~تسير الدنيا من حولنا ولا نسير، فلو أن تلك العوائق كلها من قبيل ~~«الحقائق» التي لا قبل لنا بردها ورفضها؛ لقلنا: اللهم حوالينا ولا ~~علينا، اللهم إنه لا حول ولا قوة إلا بك يا رب العالمين، لكن الكثرة ~~الغالبة من تلك العوائق في حياتنا الثقافية، إنما هو في أساسها من قبيل ~~«الفروض» التي افترضها السابقون استجابة لظروفهم، وكان لهم في ذلك الحق ~~كاملا، فما الذي يلزمنا نحن بفروض افترضها آخرون لزمن آخر؟ أليس ~~لنا مثل ذلك الحق كاملا في أن ننسج لأنفسنا عريشة جديدة من «تعريفات» ~~حديثة للمعاني وللقيم وللمبادئ .. فنستجيب بها استجابة صحية لحياة ~~جديدة؟! # | أنجعل التراث كنزا نحن حراسه؟! # لست أذكر على وجه اليقين أي مسألة كانت تلك التي ثارت فأثارت رجال ~~الفكر والأدب فينا؟ حتى لقد انقسموا حزبين، في معركة اصطرعت فيها ~~الأقلام لفترة من الزمن، فجاءني من جاءني ليسأل في سخرية ملحوظة ~~قائلا: علام الضجة الكبرى علام؟ فأجبته: شهد الله أنها معركة في غير ~~معترك؛ فحقيقة أمرها ناصعة بوضوحها، فكل ما هنالك في الحزبين ~~المتحاربين حول قديم وجديد هو أن خلط الفريقان معا بين الوسائل ~~وغاياتها، فأما حزب القديم فقد تحولت الوسيلة بين يديه فأصبحت غاية ~~يوقف عندها، وأما حزب الجديد فقد خيل له أن الجديد الذي هو غايته ~~يمكن أن يتحقق له بغير وسيلة تؤدي إليه، ولو أن الفواصل تبينت بين ~~غاية ووسيلة لهذا القتال؛ لوضح الأمر ورضي الحزبان معا. # قال الصديق الساخر: وكيف كان ذلك؟ ها أنا ذا مصغ أنتظر الجواب قلت: ~~الجواب يا أخي طويل عريض، فيه أصول وفروع، ولأبدأ لك بتشبيه بسيط إلى ~~حد السذاجة لعله يفتح لنا بابا للدخول؛ فافرض أن مائدة الغداء قد ~~أقيمت لأسرة تعدد أفرادها وتنوعوا، وعلى المائدة من ألوان الطعام ~~صنوف وأشكال؛ فها هنا تكون نقطة البدء التي تؤدي بالآكلين ms189 إلى ~~نتيجتين: إحداهما قريبة والأخرى بعيدة، فأما النتيجة الأولى القريبة ~~فهي ما يصيبه الطاعم من لذة الطعام، وأما النتيجة الثانية البعيدة فهي ~~أن يتحول الطعام ليصبح غذاء لكل خلية من خلايا البدن، ثم يعود ذلك ~~البدن الناشط بكل أجهزته، فيترجم ذلك إلى عمل لا نستطيع التنبؤ به ~~عندما جلس الطاعم على مائدة الطعام، فقد يكون عملا علميا يؤديه عالم ~~وهو في مكتبته أو في معمله، أو يكون معزوفة موسيقية، أو قصيدة من ~~الشعر يبدعها شاعر. وبهذه المناسبة أذكر أني، وأنا الشاب الصغير، زرت ~~صديقا يوم عيد، وهناك وجدت المرحوم علي الجارم، ولم أكن رأيته قبل ~~ذاك، وإن كنت بالطبع قد سمعت عنه وسمعت شعره؛ فقد كان الأستاذ الشاعر ~~من أقرباء صديقي ذاك، ورأيت الأستاذ الجارم يأكل لوزة، فانطلق لساني ~~قائلا: ترى ماذا يكون بيت الشعر الذي ستعمل هذه اللوزة على إبداعه؟ ~~وضحك الأستاذ الجارم، ربما لجرأة الشاب وبساطته. هكذا تكون النتيجة ~~البعيدة لما طعمه الطاعمون على مائدة الغداء: قلما يتحرك بفكرة ~~مسطورة على ورق، أو فأسا يضرب بها زارع يفلح أرضه، أو حركة ينشط بها ~~جندي في ساحة القتال، إلى آخر أوجه الحياة البشرية التي ليس لها آخر، ~~فكأن أفراد الأسرة التي حدثتك عنها، وهم على مائدة الغداء يأكلون؛ ~~كانوا يفعلون فعلا يتعدى بمفعولين، فهل تذكر ما تلقيته من دروس ~~النحو في مرحلة التعليم الابتدائي حين تلقيت درسا عن الفعل اللازم ~~والفعل المتعدي؟ فالفعل اللازم له فاعل ولكنه لا يستتبع مفعولا، كأن ~~تقول قام زيد، وأما الفعل المتعدي فله فاعله بالطبع، لكنه بعد ذلك ~~يستتبع مفعولا واحدا أحيانا، كأن تقول ضرب الوالد ولده، أو مفعولين ~~كأن تقول: أعطى الوالد ولده كتابا. # وتشبيها بالفعل الذي يستتبع مفعولين نقول: إن طعام الطاعم ينتج له ~~في حياته نتيجتين: إحداهما لذة الطعام عند الأكل، والأخرى نشاط يتولد ~~عن تغذية الجسم؛ فيبدع به صاحبه إبداعا لم يكن هو نفسه يستطيع أن ~~يتنبأ به ساعة استوائه إلى مائدة الطعام، وهكذا الحال مع التراث ~~ووارثيه. # إننا نتحدث ms190 عن التراث ألف ألف مرة في النهار الواحد، وكأن الذي في ~~حسابنا ونحن نلوك هذه الكلمة في أفواهنا أنه ما دامت هي كلمة واحدة - ~~وأعني كلمة تراث - إذن لا بد أن يكون هناك في عالم الكائنات كائن ~~واحد نستطيع أن نشير إليه بأصابعنا قائلين: ذلك هو التراث، لكن تلك ~~الكلمة الواحدة إنما نسير بها إلى عالم ضخم الله وحده أعلم بمداه: ~~مئات الملايين من الصفحات المكتوبة، مضافة إلى ما ليس في وسع أحد أن ~~يحصيه، من الأفكار، ومن العادات، ومن المباني ومن المأثورات؛ ما يترتب ~~عليه آخر الأمر مناخ ثقافي عام يعيشه كل فرد من أفراد الأمة المشاركة ~~في ذلك التراث دون أن يكون بمستطاع كل فرد أن يحدد عناصره، فالمصري ~~يعيش مصريته، والعربي يعيش عربيته، بحيث لا يتعذر على الرائي أن يقول ~~عن شخص يراه: هذا مصري، وذلك عربي، أو على الأصح هذا هو مصري ~~عربي. # ولكي نيسر على أنفسنا الأمر بعض الشيء؛ سنقصر حديثنا فيما يخص ~~التراث على ما هو مكتوب، كان السؤال هو كيف نرى العلاقة بين تلك ~~المجموعة الضخمة من الكتب أو ما يشبه الكتب وبين حياتنا العملية الآن؟ ~~وإن سؤالا كهذا لهو بالفعل مطروح في سمائنا وعلى أرضنا طرحا كثيفا ~~يكاد يسد علينا مسالك التنفس، وكأنه سؤال ذو معنى قريب يصل إلى ~~أفهامنا لمجرد النطق به! والحق أن هذا التراث أقرب شبها إلى قارة ~~فسيحة الأرجاء، فيها جبال وسهول ووديان، وما يشغل سكان الجبال مختلف ~~عما يشغل أهل السهول والوديان، فلنقل - مثلا - إن الشعراء والأدباء ~~والنقاد والفلاسفة والمتكلمين والمتصوفة يسكنون الذرى، وإن علوم ~~الفقه وعلوم اللغة وعلوم الكيمياء والفيزياء والرياضة هم أهل السهول، ~~وأما الوديان ففيها المؤرخون والرحالة ورواة الحكايات، فإذا كان هذا ~~هكذا أو ما يشبهه؛ فماذا نعني حين نصرخ لأنفسنا اليوم قائلين: التراث! ~~التراث! يا قوم، عليكم بتراث أسلافكم؛ ليجري رحيقه في دماء حياتنا ~~الحاضرة؟! أيمكن أن يكون ما نعنيه هو أن يحيي كل مثقف منا في نفسه ~~كل هذا الخضم الطامي؟ هذا ms191 محال لأنه كمن يقول لظامئ اشرب ماء المحيط ~~بأكمله! إذن فالمقصود المعقول هو أن يكون كل ذي اختصاص منا على شيء ~~من العلم بما خلفه أسلافنا في مجال تخصصه، ومع ذلك فالأمر في هذا ~~يختلف اختلافا بعيدا بين مجال ومجال؛ فلئن كان الشاعر العربي المعاصر ~~- مثلا - مطالبا بأن يكون على أوسع علم وأدق علم بالشعر العربي في ~~مختلف عصوره، لكي يتشرب روح الفن الذي يرى موهبته متجهة إليه، ويريد ~~أن يكون صفحة من تاريخه؛ أقول: لئن كان مثل هذا الاستيعاب مطلوبا في ~~الشعر والأدب والنقد، وكذلك في علوم اللغة وما إليها وعلوم الدين؛ فإنه ~~ليس كذلك في علوم الكيمياء والفيزياء والفلك والرياضة والطب وما إليها؟ ~~وكذلك نقول إنه إذا كان علماؤنا اليوم في مجالات الطبيعة والرياضة ~~والطب والهندسة وما إليها مطالبين بأن يكونوا على شيء من تذوق الشعر ~~العربي والموسيقى وبقية جوانب الفن؛ ليتسنى لهم أن يتجهوا بحياتهم ~~الوجدانية نحو المشاركة الصحيحة العميقة الحية مع قولهم، فليس معقولا ~~أن نطلب من رجال الأدب والفن منا أن يكونوا على دراية بما أنتجه ~~أسلافنا في علوم الفيزياء والكيمياء والرياضة، اللهم إلا إذا صدر أحدهم ~~في ذلك عن ميل خاص. ومن جهة ثالثة نقول: إن موقف الشاعر العربي المعاصر ~~من شعر أسلافنا، ليس هو كموقف عالم الكيمياء أو الفيزياء المعاصر، من ~~قرينه في تاريخ أسلافنا؛ فبينما يراد للشاعر المعاصر أن يكون على درجة ~~من التجانس الذوقي مع الشاعر القديم، لأن اللغة بينهما واحدة ولأن ~~الوجدان العربي فيه خيط ممتد معنا عبر العصور؛ فلا ينبغي لعالم ~~الفيزياء أو الكيمياء أو ما إليهما في عصرنا هذا، أن ينخرط مع مثيله من ~~الأسلاف في منهج واحد، أو في نتائج علمية بعينها، وذلك لأنه بينما نحن ~~إذ نصف الشعر - أو أي ضرب آخر من ضروب الأدب والفن - بأنه قديم أو بأنه ~~جديد؛ فإننا لا نعني ما نعنيه إذ نصف كتابا في الكيمياء - مثلا - ~~بأنه قديم أو بأنه جديد، وعلة ذلك واضحة، وهي أن الآية من آيات الأدب ms192 ~~والفن قد تكون قديمة بزمان إنتاجها، لكنها رغم ذلك خالدة باقية لكل ~~عصر بعد عصرها، ولا كذلك العلوم الطبيعية وما لف لفها؛ فالقديم فيها ~~هو قديم في تاريخ إنتاجه وقديم كذلك في درجة صحته، واختصارا بأن الأدب ~~والفن لا يلغي جديدهما ما قد سبقه، وأما في مجال العلوم فالجديد ~~كثيرا جدا ما يلغي القديم. # والمحصلة من هذا كله، هي أن الدعوة إلى إحياء التراث واجبة في ذاتها، ~~لكننا في الوقت نفسه يجب أن نكون على علم بما نعنيه، والذي ينبغي له أن ~~يكون هو ما نعنيه بتلك الدعوة؛ هو: أولا أن يكون كل ذي مجال خاص ~~مسئولا عن مجاله في هذا التراث، وثانيا أن تختلف الصلة بين جانب ~~الشعر والأدب والفن من جهة، وجانب العلوم من جهة أخرى، وثالثا - وهو ~~أهم ما أردت أن أبرزه - ألا يكون هدفنا من إحياء تراثنا والاتصال به ~~أن نعيده في ذاكراتنا حفظا، ثم نقف عند هذا الحد؛ لأننا لو فعلنا ذلك ~~لقتلنا الماضي وقتلنا الحاضر معا، فأما قتل الماضي؛ فلأنك إذا أعدت ~~معلومة في سياق مختلف عن السياق الذي قيلت فيه، فربما أدى ذلك إلى ~~السخرية منها لشدة بطلانها في غير عصرها، وأما قتل الحاضر؛ فذلك لأننا ~~لو خرجنا إلى الدنيا مزودين بعلوم القدماء فربما أعدنا قصة أهل الكهف ~~حين استيقظوا من سباتهم الطويل، وذهبوا إلى المدينة بما لديهم من نقود، ~~أنكرتهم المدينة إنكارا دفعهم إلى العودة إلى كهفهم ليستسلموا إلى ~~الموت. # لا، ليس المراد بإحياء التراث أن ندفن في ثنايا صفحاته، مغمضين ~~العين عما تعج به الحياة من حولنا، بل المراد يختلف باختلاف القول، ~~فإذا اختصرنا وقلنا إن تراثنا إما أدب وإما علم؛ كان المراد من إحياء ~~التراث الأدبي هو أن يكون مصدر وحي لرجال الإبداع الأدبي، حتى نضمن ~~استمرارية تاريخية في كل جنس من أجناس الأدب والفن، ولماذا نريد أن ~~نضمن ذلك؟ إننا نريده لأن الأدب والفن هما النفس الإنسانية وقد خرجت من ~~مكمنها في الحشا وتموضعت في عالم الأشياء الظاهرة لتراها ms193 الأعين أو ~~لتسمعها الأذن، فنحن إذا كنا حريصين على بقاء هويتنا الوطنية ~~والقومية؛ كنا حريصين كذلك على أهم العوامل التي تعمل على بقاء تلك ~~الهوية بمنجى من التحلل والضياع، وأبرز تلك العوامل هو الذوق ~~الفني. وأما المراد بإحياء العلوم التي أنتجها أسلافنا فشيء آخر؛ لأن ~~الاستمرارية التاريخية هنا مختلفة المعنى؛ إذ تدخل فيها حلقات التاريخ ~~العلمي أينما نتج للعلماء ناتج جديد في مجال العلم، فنحن نقول في مجال ~~الفن والأدب: هذا شعر عربي، وفن عربي، وأما في مجال العلوم؛ فلا نقول ~~هذه فيزياء عربية، بل نقول هذه هي الفيزياء بالنسبة إلى العالم كله حتى ~~لو كان العلماء الذين أنتجوها ينتمون إلى أوطان بعينها؛ إذن ماذا ~~عسانا فاعلين بما نحييه من تراثنا العلمي؟ يبدو أن كل ما نجنيه من ~~ذلك الإحياء هو رفع الروح المعنوية عند العلماء العرب في أيامنا هذه ~~كما تقول لشاب مات عنه أبوه وهو طفل، إن أباك كان شهيرا في مهنة ~~الطب؛ لعل هذا القول يثير العزم في قلب الشاب ليسطع نجمه في سماء الطب ~~في جيله الحاضر سطوع أبيه في سماء الطب في جيله، وأما المادة العلمية ~~ذاتها فمختلفة بين الجيلين بحكم طبيعة العلم في نموه عصرا بعد عصر، ~~فالعلم في مسيرته تلك يصحح نفسه، على خلاف الأدب والفن؛ إذ فيهما لا ~~مكان لتصحيح عصر أخطاء عصر آخر، فالشاعر العظيم عظيم ما امتد الزمن. ~~هو - إذن - استلهام الحاضرين للسالفين وليس حفظ الحاضرين لما تركه ~~السالفون، وكيف يكون ذلك الاستلهام؟ الله في ذلك أعلم، لكنه يحدث، ~~ولحدوثه شواهد لا يحدها إحصاء؛ فقد يقرأ صاحب الموهبة كتابا، أو حتى ~~صفحة واحدة من كتاب، وإذا به وقد انقدحت في رأسه فكرة عمل جديد ينهض ~~لإنجازه، ولا تكون بينه وبين ما قرأه أي صلة ظاهرة، أو قد تكون الصلة ~~ظاهرة ولكنها أوهى من أن تبشر بإنتاج مبتكر ضخم. وخذ أمثلة كذلك ~~نسوقها عفو الخاطر، وإني لأرجو القارئ بأن يتذكر صورة المائدة التي ~~أسلفتها قائلا عنها إن أسرة كثيرة الأفراد الذين ms194 تنوعت خطوطهم في ~~طرق الحياة العملية، قد جلسوا إليها يطعمون، ثم ذكرت لك عندئذ أن لهذا ~~الفعل نتيجتين إحداهما قريبة مباشرة والأخرى بعيدة وغير مباشرة، على ~~نحو ما نقول في علم النحو عن بعض الأفعال إنها تتعدى بمفعولين، ~~وهكذا استلهام التراث؛ فكما يطعم الطاعم طعاما يلتذ به أولا، ثم ~~يتحرك بعد ذلك بتأثيره في حيوية نشاطه ناشطا في مجال عمله أيا كان ~~ذلك العمل؛ كذلك قارئ قطعة موروثة عن السلف يعجب بها عند قراءتها، ثم ~~تسري حيث تسري في كيانه، فإذا هي قوة خفية تدفعه إلى إبداع ثمرة ~~جديدة. # جاءت إلى أبي العلاء المعري رسالة من ابن القارح فيها أخبار من هنا ~~وهناك عن شعراء وفقهاء وفلاسفة وزنادقة كتبت على الطريقة الاستطرادية ~~التي نألفها عند أدباء العربية الأقدمين، وقد وردت فيها لمحة عن المعري ~~نفسه جاء فيها قوله عنه: «... إن رسائله (أي رسائل أبي العلاء) لو صدرت ~~عن رجل كتبه حوله يراجعها لكانت عجيبة، فكيف بأبي العلاء وهو يعتمد ~~على ذاكرته؟!» فكتب أبو العلاء ردا على رساله ابن القارح، فهل تدري ~~ماذا كانت رسالته تلك؟ إنها هي رسالة الغفران التي تعد في الأدب ~~العربي كله درة من دراته، ثم هي الرسالة التي أثبت بعض علماء التاريخ ~~الأدبي في الغرب أنها كانت ملهما مباشرا للشاعر الروماني دانتي في ~~آيته الأدبية الخالدة «الجحيم»، وأريد للقارئ أن يعلم بأن جحيم دانتي ~~مختلفة عن غفران أبي العلاء اختلافا لا حد لمداه، وكل ما بين ~~العملين من تشابه هو أن كليهما صور زيارة لأهل الجنة وأهل النار ممن ~~ماتوا وصعدت أرواحهم إلى حيث أقيم لها ميزان الحساب، وكان ما كان من ~~جزاء، إلا أن أبا العلاء كاد يقصر زيارته على الشعراء فشعراء الجنة هم ~~الذين أجادوا القول وشعراء النار هم الذين كانت لهم سقطات استحقوا ~~عليها العقاب. وقد أظهر أبو العلاء علمه التفصيلي الواسع بشعراء ~~العربية الذين سبقوه؛ إذ أخذ يناقش أولئك في مواضع الجودة من شعرهم، ~~كما يناقش هؤلاء في مواضع الرداءة التي أوردتهم ms195 نار الجحيم. أما دانتي ~~فأوشك في «الجحيم» أن يقتصر على أهل النار وحدهم ممن أساءوا في حياتهم ~~الأولى، وكانت جحيمه درجات متفاوتات من العذاب كما كان هذا العذاب ~~صنوفا مختلفة أيضا؛ فلكل سيئة من السيئات الكبرى درجتها ونوع ~~عذابها، والذي يهمنا الآن مما ذكرناه هو أن نتأمل طريقة الإحياء كيف ~~تجيء، فماذا قرأ أبو العلاء في رسالة ابن القارح بحيث تنقدح له فكرة ~~رسالة الغفران؟ وماذا قرأ دانتي في رسالة الغفران لتتولد له الجحيم؟ ~~لكن هكذا يوحي عمل بعمل، وهكذا يرجى لمن يراجعون تراثنا أن تلمع في ~~رءوسهم لمعات تلد الجديد الذي قد يصعب أحيانا إلا على خاصة الخواص أن ~~يجدوا العلاقة بين مصدر الإلهام وما أثمره ذلك الإلهام من نتاج ~~جديد. # ولعل كثيرين منا ما زالوا يذكرون قصة وردت في كتب المطالعة في ~~المرحلة الابتدائية من مراحل التعليم، وهي قصة رجل يملك قطعة من الأرض ~~الزراعية، ولكنها أهملت لما أصابه مرض أقعده عن العمل، وكان للرجل ~~بنون لا يميلون إلى فلاحة الأرض؛ فلم يواصلوا عمل أبيهم في أرضه، ودنت ~~من المريض ساعته فجمع بنيه هؤلاء حول سريره، وقال لهم اسمعوا يا ~~أبنائي؛ فسأطلعكم على سر أخفيه عنكم، لكنني الآن أحس أن رحيلي قد ~~اقترب، ولا بد أن أكاشفكم به، والسر هو أني خبأت في أرضنا كنزا ~~نفيسا من الذهب دفنته على عمق؛ حتى لا ينكشف أمره لأحد، قال ذلك وأسلم ~~الروح، فما كان من أولاده إلا أن أخذوا ينكتون الأرض نكتا لعلهم ~~يعثرون على الكنز المخبوء، ولكنهم لم يعثروا من ذلك على شيء، ثم ما هو ~~إلا أن تنبه أحدهم، فقال لإخوته: أرجح ظني أنه لا كنز مما تتصورون، ~~وإنما أراد لنا أبي بهذه الحيلة أن نحرث الأرض، وما دمنا قد حرثناها؛ ~~فماذا يبقى لزرعها سوى أن نبذر البذور وتسقى؟ إذن فهيا يا أشقائي؛ ~~فحصاد الزرع موسما بعد موسم وعاما بعد عام هو الكنز الموعود. وإني ~~لأتخيل صحائفنا الموروثة عن آبائنا لو أن ناطقا نطق بلسانها لقال لنا ~~نحن ms196 أبناء اليوم: لقد خبأت في هذه الصحائف كنزا بل كنوزا فابحثوا ~~عنها، فلو صنعنا صنيع أولئك الأبناء؛ لقرأنا ثم قرأنا، ودرسنا ثم ~~درسنا، ما قد ورد في تلك الصحائف، كل منا في مجاله، حتى تشرق علينا ~~الفكرة الصحيحة، وهي أن الكنز الحقيقي هو ما سوف نتوجه إلى إبداعه ~~نتيجة لما قرأناه ودرسناه. # كان الفيلسوف الألماني العظيم عمانوئيل كانط الذي يمكن القول عن ~~مكانته في تاريخ الفلسفة إنه إذا كان أرسطو قديما قد ساد الفكر من ~~بعده لعدة قرون، فإن كانط قد كانت له سيادة كهذه على من جاء بعده، ~~فكأنما دار الفكر الإنساني حول قطبين؛ أرسطو قديما وكانط حديثا، ~~فماذا صنع هذا الفيلسوف الكبير؟ إنه أدرك ما يدركه كل واع، بأن علمي ~~الطبيعة والرياضة يأتيان للإنسان بعلم صحيح، حتى إذا ما نظرنا إلى ~~المبحث الثالث وهو الميتافيزيقا؛ أي ما وراء الطبيعة، وجدناه قد وضع ~~بين أيدينا ضربا من المعرفة، أقل ما يقال فيها هو أن ما يقبله منها ~~هذا الإنسان من رجال الفكر قد يرفضه ذلك الإنسان؛ ما يدل على أنها ~~معرفة لا تقطع بيقين. ولما كان ذلك المبحث الثالث - أعني ما وراء ~~الطبيعة - هو ما يشغل به الفكر الفلسفي بصفة خاصة فقد أراد كانط أن ~~يتعقب العلة التي تجعل نتائج ذلك المبحث معرضة للخلاف والاختلاف، وكان ~~المنهج الذي اختاره لمهمته تلك هو أن يتوفر - أولا - على تحليل ~~مستفيض للكيفية التي يعمل بها العقل في مجال العلم الطبيعي والعلم ~~الرياضي، وكأنه يسأل ما الذي يجعل نتائج هذين العلمين مقطوعا ~~بصحتها؟ حتى إذا ما وقع على جواب نقله إلى المجال الثالث، وهو المجال ~~الذي يبحث فيه مسائل الميتافيزيقيا أو ما وراء الطبيعة، لكنه بعد أن ~~أضنى نفسه في أشق عمل اضطلع به فيلسوف من حيث تحليلاته الدقيقة ~~العميقة للعقل الإنساني، وكيف يعمل حين تكون فاعليته منصبة على ~~موضوع في علوم الرياضة أو في علوم الطبيعة؛ أمعن النظر فيما قد وصل ~~إليه تمهيدا للانتقال به إلى البحث فيما وراء الطبيعة، أشرقت عليه ms197 ~~الفكرة العظيمة وهي أن الميتافيزيقا هي هي نفسها تلك التحليلات التي ~~مارسها على عمليات العقل حالة انشغاله بعلم الرياضة وبعلم الطبيعة، ~~وليس هناك شيء مستقل بذاته يصح أن يكون موضوعا لعلم ثالث. بعبارة ~~أخرى فإن ما يطلق عليه اسم الميتافيزيقا إنما هو - أو يجب أن يكون - ~~تحليل للعلم كما هو معروف في المجالين الأولين، إذن، فها هي تي قصة ~~أخرى نأخذها من تاريخ الفكر في أعلى ذراه تشبه شبها قويا قصة ~~الأبناء الذين حرثوا الأرض بحثا عن كنز مدفون فتبين لهم أن الكنز ~~المنشود هو عملية الحرث نفسها تمهيدا لزرع جديد. # ومن هذه الأمثلة التي قدمناها تستطيع أن ترى كيف يحدث للإنسان أن ~~يتخذ وسيلة ما ليبلغ بها غاية وراءها، فإذا به قد وجد غايته في تلك ~~الوسيلة نفسها، شريطة أن يتوجه بها وجهة جديدة ما كانت لتخطر لأحد ~~على بال. # وعلى ضوء هذه الحقيقة انظر إلى الثقافة العربية كما هي كائنة؛ تجد ~~جماعتين في طرفين متضادين (وجماعة ثالثة تتوسطهما نترك أمرها الآن) ~~فإحدى تينك الجماعتين تدعو إلى إحياء التراث، والأخرى تجهل ذلك ~~التراث بل تتنكر له، فأما الجماعة الأولى فموضع الخطأ في موقفها هو ~~أنها قرأت ما قرأته من كتب التراث: في علوم اللغة والفقه والفلسفة ~~والأدب والنقد وغيرها، فتوهمت أن تلك هي رحلة الحياة الفكرية قد ~~انتهت بهم إلى غايتها التي لا غاية بعدها، ثم جاوزوا الحد فنادوا بوجوب ~~العودة بحياتنا إلى صورة يكون فيها ذلك الماضي هو حاضرها؛ فهم بهذا ~~الذي توهموه بمنزلة من وقف عند الوسيلة، وكأنها هي نفسها الغاية فلا ~~هم توجهوا بها وجهة جديدة، ولا هم جاوزوها إلى مرحلة أخرى بعدها، فهم ~~في ذلك كراكب قطار لبث في موضعه من القطار لا يبارحه، وكأن ذلك ~~القطار لم يكن وسيلة توصيل إلى شيء آخر غير القطار، وأما الجماعة ~~المتطرفة الثانية فقوامها أفراد من رجال ونساء تعلموا ما تعلموه في ~~معاهدهم وجامعاتهم، فكان كل ما تعلموه منقولا عن علم الغرب وفنه ~~وأدبه، ولولا أن لغة هؤلاء ms198 هي اللغة العربية لانقطعت كل صلة تصلهم ~~بالثقافة العربية، وحتى هذه اللغة التي بقيت لهم يندر جدا أن ~~يتقنوا منها ما يقترب بهم من لغة عربية صحيحة، وبهذا تكون هذه الجماعة ~~بمنزلة من بلغ غاية بغير وسائلها، فجاءت تلك الغاية كالمسخ الذي لم ~~تكتمل أعضاؤه، ولن يرجى من هؤلاء أن يثمروا ثمرة يحسبون بها على ~~الثقافة العربية، وهاتان هما الطائفتان اللتان تقتتلان فيما يسمى ~~بالمعارك بين قديم وجديد كلتاهما تمضي بها الحياة لا تترك خلفها ما ~~يصح أن يكون إضافة تزدهر بها الثقافة العربية وتنمو. # والأمل في ازدهار ونماء معقود على جماعة ثالثة اهتدت بفضل الله إلى ~~موقع وسط، لا بمعنى أن نصلح بين خصمين بحل وسط يتنازل فيه كل ~~طرف منهما عن شيء من خصائصه التي يتمسك بها، بل بمعنى أن يتوجه ~~بوحي من التراث وجهة جديدة تشيع فيها روح عصرنا بهمومه ومشكلاته ~~وتقدمه ونجاحه، فكما عرفت الثقافة العربية في ماضيها رجالا من أمثال ~~الجاحظ وأبي العلاء تقرأ لهم فإذا بك تقرأ ثمرة عربية تغذت شجرتها ~~من كل ما عرفته الإنسانية حتى عهدهم من معارف وأذواق، فكذلك نجد اليوم ~~في هذه الجماعة الثالثة من يقدم لنا مثل تلك الثمرة العربية الجديدة، ~~فما الذي ينقصنا إذن؟ ينقصنا أن هذا الذي تحقق في أفراد الجماعة ~~الثالثة يتسع به المدى ليصبح هو الرؤية الشعبية السائدة في الأمة ~~العربية طولا وعرضا حتى إن اختلف الأفراد بعد ذلك تفاوتا في درجات ~~الصعود. # | هذه ثقافتنا من رجالها # عندما أعددت نفسي صباح اليوم، لأكتب هذه الكلمات عن تحديث الثقافة ~~العربية؛ قفزت إلى ذهني من ظلمات الماضي البعيد صورة لم أكن أريدها، ~~ولا هي مما يتصل بموضوع الثقافة العربية وتحديثها بسبب قريب أو ~~بعيد، وتلك هي صورة قيصر، في مسرحية «يوليوس قيصر» لشكسبير حين أخذ أحد ~~أصدقائه المخلصين يصرفه عن الذهاب إلى مبنى الكابتول؛ خوفا عليه من ~~نبوءة عراف تنذر بالخطر! فرده قيصر في عنف، قائلا له: عني، أو ~~تزحزح الجبل! تركت قلمي حيث كان، وطالبت نفسي ms199 أن تبحث عن الخيط - حتى ~~لو كان خيطا واهيا - الخيط الذي ربط في خواطري المنسابة، بين قيصر ~~في عناده الراسخ رسوخ الجبل، وبين ما كنت هممت بكتابته. رحت أتحسس ~~دخائل نفسي من جهة، وأتحسس ما اعتزمت أن أدير حوله هذا الحديث من ~~جهة أخرى، حتى بدت أمامي رابطة يحتمل أن تكون هي الخيط الذي جذب قيصر ~~في صلابته حتى مثل أمامي في سيل خواطري، وذلك أني كنت اعتزمت أن ~~أبرز ما يغلب على المصري - وعلى العربي بصفة عامة - من حب السيطرة ~~والتسلط، حتى لو كانت السيطرة سيطرة على أشباح، وكان التسلط ~~تسلطا على ذوي قرباه، وهذا الميل القوي فينا نحو سيطرة وتسلط، هو ~~نفسه الذي أمدنا بالقدرة على الرضوخ والإذعان؛ لأن الخاضع لمن هو ~~فوقه بدرجة يعوض كرامته ما قد فقدته بخشوعه ذاك، يعوضها بأن يلزم ~~من هو دونه بدرجة أن يذل له ويخشع، ولست أنسي خادمة نشأت معنا ~~منذ طفولتها، وكانت على درجة من البساطة والاستقامة والإخلاص، بحيث ~~كان محالا على خيالي أن تجد الوقت الذي تستأسد فيه أو تتنمر، ~~وللحقيقة أقولها صادقا، إن أحدا من أسرتنا لم يكن يبدي في معاملتها ~~تكبرا ولا تجبرا، ربما لأن طبيعة البنية لم تكن لتستثير في أحد ~~الرغبة في تكبر وتجبر، حتى إذا ما جاء يوم اضطررنا فيه أن نستخدم ~~معاونة أخرى تختص بالوقوف على حاجات أمي في مرضها (عليها رحمة الله) ~~أرادت فتاتنا الأولى أن تكون لها على الثانية إدارة وإمارة على صورة لم ~~يتوقعها أحد، إذن فالظاهرة مغروزة فينا جميعا، تختفي مجبرة، فإذا ~~زالت العوائق خرجت من مكمنها، أو قل إنها مغروزة في طبيعة البشر ~~جميعا، إلا أن أقواما عرفت كيف تهزمها بثقافة عامة يعيش الشعب كله ~~في ظلها، وأقواما أخرى - ونحن منهم - عجزت عن تحقيق ذلك؛ لأنها في ~~حقيقة أمرها لم ترد له أن يتحقق مكتفية بكلام عن «المساواة» تقوله ~~وتعيده، لكنها لا تريد له أن يجاوز حدود الكلام. # كان في نيتي - إذن - أن أدير جانبا من هذا الحديث، ms200 حول رغبتنا ~~الجامعة في التسلط بعضنا على بعض، من استطاع منا أن يضع نفسه في ~~مكان يمكنه من ذلك التسلط، وإذا كان هذا هكذا، فلا تحديث للثقافة ~~العربية إلا إذا اتجهت بجهودها، إبداعا وغير إبداع، نحو أن تبث في ~~الناس روحا جديدة، من حيث القيم الإنسانية، وعلاقة الإنسان ~~بالإنسان، ولا يقلل من ضرورة هذه الجهود، أن تكون تلك القيم وهذه ~~العلاقة بين الناس، واردة في كتاب الله الكريم، وفي الأدب العربي كله ~~شعرا ونثرا؛ لأن ذلك كله لم يزحزح العربي عن طبعه الراسخ رسوخ ~~الجبل. # وهنا نجد التعليل الذي ربما يفسر لماذا قفزت إلى ذاكرتي عبارة قيصر ~~«عني أو تزحزح الجبل.» فكأنما تخيلت رغبتنا الكامنة في تسلط بعضنا ~~على بعض جبلا من ثوابت الجبال وأردت أن أقول لنفسي: من أنت، وماذا ~~يكون جهدك المبذول إزاء ذلك الجبل الرابض ربوض الوحش فوق ~~صدورنا؟ # فلما حملت القلم لأكتب، بعد أن استراحت نفسي للتعليل الذي فسرت به ~~ورود قيصر إلى تيار خواطري، دون أن أستدعيه وجدتني أمام خاطر آخر لم ~~أكن قد دبرت أمري لظهوره ثم لم أستطع له دفعا، والحق أني رحبت به؛ ~~لأنه فتح لي بابا لم أكن قد فكرت في أن أدخل منه إلى موضوعي الذي ~~أتحدث فيه، وذلك أني كنت يوما ما تلقيت فيما تلقيته من بريد ~~مذكرات كتبها صاحبها عن بعض خبراته في شبابه، بل بعد أن اجتاز مرحلة ~~الشباب، ولعله أرسلها إلي ظانا أني قد أكون وسيطا لنشرها؛ فهو ~~بالطبع لا يعلم عني أنني أسير وحدي في واد غير ذي شباب ينفتح ~~عليها أو تنفتح عليه، إلا أنني حفظت مذكراته تلك مع ما أحفظه من ~~أوراق، لا حاجة لي بها، ولكن يصعب علي تمزيقها، ربما لصلة حميمة ~~بيني وبين مضمونها، وربما لجودة أسلوبها وعمق فكرتها. وأذكر أني إزاء ~~تلك المذكرات، قد حرصت على حفظها لسبب آخر أضيفه إلى تلك الأسباب، ~~وهو أن كاتبها قد أعلن في عنوانها أنه كتبها في مناسبة يوم ميلاده؛ ~~إذ أثارت فيه تلك ms201 الذكرى هذه الذكريات. # جئت بها من حيث اختزنتها وأعدت قراءتها فإذا هي في الصميم مما ~~أردت أن أعرضه على الناس، وهو أن من أراد أن يراجع نتاجنا الثقافي ~~الذي نعيش حياتنا في ظلاله؛ فلا بد له أن ينفذ ببصره إلى طبائع ~~الرجال الذين صنعوه وأبدعوه، ليرى إن كان هؤلاء الرجال قد وضعوا أنفسهم ~~وعقولهم حقا على الورق، صادقين منزهين عن الهوى، أو أنهم أظهروا ~~للناس شيئا وأخفوا عنهم شيئا آخر هو الذي يحيون على أساسه، فإذا ~~كانت الثانية، عرفنا لماذا هم يكتبون ويكتبون، ومع ذلك لا يكاد ~~يتغير من أسس الحياة عند جمهور الناس شيء بدافع مما كتبوه؛ لأن هذا ~~الذي كتبوه - إذا صدق الغرض الثاني - إنما كتبوه في غير صدق مع ~~أنفسهم، وإنما هي بضاعة تقدم في أسواق الفكر والأدب؛ لأنها نافذة ~~غير كاسدة، ومن ثم فهي بضاعة تعود عليهم بالمال، والشهرة، والمناصب، ~~ورضا جمهور الناس. لكنها مع ذلك كله تمضي بغير أثر في استحداث ~~التغيير المطلوب، وما الذي تغيره إذا كانت قد جاءت لتكون مرآة تعكس ~~ما يستريح له الناس؟! # قال فيما قال صاحب المذكرات: ... لم أكن حدثا، ولا حديث عهد بالقلم، ~~ولم أكن قصير الدراسة ولا قليل التحصيل، حين جلست لأول مرة مع جماعة ~~ممن يضعون أنفسهم، ويضعهم الناس، في مكان الريادة من حياتنا الثقافية ~~فرأيت من سلوكهم عجبا! لقد كنت أتخيل قبل أن أراهم حكما بالهالات ~~الساطعة التي تحيطهم بها كل وسائل الإعلام، كنت أتخيل أن كل واحد ~~منهم هو المشار إليه بقول الشاعر: «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته» ~~فلما اقتربت منهم؛ وجدت ما يدعون إليه من حقوق الإنسان في واد وما ~~يحيونه مع الناس بالفعل في واد آخر، ينادون في الناس بأعلى ~~أصواتهم: المساواة، المساواة. وأما إذا كان الأمر أمر موقف عملي هم ~~أطراف فيه؛ فوجدتهم وكأن لهم على الناس سيادة بالحق الإلهي الذي كان ~~لملوك العصور الماضين، خصوصا إذا كان الواحد منهم ذا منصب له نفوذ ~~وسلطان؛ فها هنا ينتقل ذلك النفوذ المتسلط - بقدرة ms202 قادر - من علاقته ~~بالناس وهو يمارس منصبه، إلى علاقاته بهم في دنيا الحياة الجارية، فحين ~~جلست مع جماعة منهم لأول مرة وكان بينهم من كان مثلي من غير ذوي ~~المناصب، ولكنهم أصحاب علم وفكر وأدب، رأيت كيف يكون الصلف الغاشم ~~والكبرياء الحمقاء؛ فأصحاب الجاه منهم يتبادلون أطراف الحديث أخذا ~~وعطاء، حتى إذا ما تقدم بالرأي أحد من صنف غير صنوفهم؛ نظروا إليه ~~نظرات متعالية في صمت، حتى إذا ما فرغ الدخيل من عرض رأيه؛ عادوا هم ~~إلى ما كانوا فيه، وكأن أحدا لم ينطق بشيء. # ولست أنسى مواقف شهدتها من «المثقفين» أصحاب النفوذ المتسلط ~~(فهؤلاء صنف من البشر قائم بذاته)، شهدت تلك المواقف فأذهلتني - هكذا ~~كتب صاحب المذكرات - فقد أرسلت إلي يوما ما هيئة رسمية تضطلع ~~بترجمة ما ترى وجوب ترجمته من مراجع علمية أو من عيون الأدب في شعوب ~~أخرى، أرسلت إلي كتابا علميا كان قد قام بترجمته ومراجعته ~~أستاذان فاضلان، أحدهما من أصحاب المناصب الذين أشرت إليهم. وكانت ~~طريقة تلك الهيئة في ترجمة ما تعمل على ترجمته، أن يطلع «فاحص» على ما ~~قد تمت ترجمته ومراجعته، ولم يكن «للفاحص» أي حق من الحقوق فلا اسمه ~~يذكر على الكتاب كما يذكر اسم المترجم واسم المراجع، ولا هو ~~يتقاضى مكافأة مالية على فحصه تزيد على مكافأة الحضور جلسة واحدة من ~~جلسات إحدى اللجان؛ فالمسألة كلها - إذن - هي خدمة في سبيل الثقافة، ~~لكي نسير بها في طريق مستقيم، إلا أنني أردت - كعادتي - أن أؤدي ذلك ~~الواجب الثقافي على أكمل وجه مستطاع، فأثبت ما قد لحظته من تجاوزات في ~~ترجمة المصطلحات العلمية، بل أكملت ترجمة فقرات استعصت على المترجم ~~وعلى المراجع فتركوا مواضعها بياضا! فما إن علم صاحب المنصب بما قد ~~ورد في تقرير «الفاحص» حتى استحل لنفسه توجيه لذعات جارحة إلى الفاحص ~~بلغت حد الإهانة التي لا تجوز في التعامل بين إنسان وإنسان، ولم ~~يكن هناك من حجة يستند إليها إلا أنه صاحب نفوذ وسلطان، فكيف يجترئ ~~مجترئ على تصويبه؟! وكأن ms203 المادة الأولى في دستورنا الثاني هي: أنا ~~مهم بمنصبي؛ إذن أنا معصوم من الخطأ! والعبرة في هذه الرواية هي أن ~~الدعوة النظرية إلى احترام الحق شيء وتطبيق الدعوة على أصحاب المناصب ~~الحاكمة شيء آخر. # واستطرد صاحب المذكرات يقول: إنني كلما قرأت قول الله تعالى في ~~كتابه الكريم: # لا يسمعون فيها لغوا ~~ولا كذابا ~~(سورة النبأ) أو قوله تعالى: # لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما ~~* إلا قيلا سلاما سلاما ~~(سورة الواقعة)؛ إلا أحسست وكأن هامسا من نفسي يهمس لي: ألا يكون في ~~هذا الذكر الحكيم ما يلفت أنظارنا إلى سوء الحياة الدنيا حين تسوء ~~فتسري فيها أضداد تلك الحالات من النعيم في جنة الخلد؟ فإذا كان هنا ~~لغو وتأثيم وكذاب (الكاف بالكسرة والذال بالفتحة المشددة) فهناك ~~لا يسمع أصحاب الجنة شيئا من ذلك، فما اللغو الذي هو هنا وليس هناك؟ ~~إنه هو الكلام إذا فرغ من المعنى، أو الكلام إذا قيل في غير موضعه ~~المناسب، وماذا يكون «معنى» الكلام إذا لم يكن احتواؤه على ما يرشد ~~السامع إلى خير يفعله مصلحا به حياته وحياة الناس معه؟! وعلى هذا ~~الضوء فانظر إلى القناطير المقنطرة مما تجري به أقلامنا ونزعم له أنه ~~ثقافة وتثقيف، وقل لي: كم فيه مما يعمل على تغيير حياتنا إلى ما هو ~~أصلح؟ وأخشى أن تراجع كثرة غالبة مما يكتبه الكاتبون، وينطق به ~~المذيعون، أدخل في باب «اللغو» منها في باب الكلام الذي يحمل في ~~طيه معنى! وما «التأثيم»؟ أليس هو التقاذف بالتعييب والتجريح؟! ومرة ~~أخرى فانظر إلى حياتنا الثقافية وكم فيها من تعييب وتجريح! بل من طعن ~~وتقتيل، وأخيرا يجيء «الكذاب» أو المكاذبة بمعنى أن يكذب كل ~~فريق فريقا آخر؛ فتكون الحصيلة كذبا في كذب (انتهت ~~المذكرات). # وقفت طويلا عند هذه الكلمة الأخيرة من المنقول عن تلك المذكرات، ~~وهي «الكذب» في ثقافتنا وعند فئة كبيرة من مثقفينا، وإنها لتهمة ~~تستحق الروية والنذير، فماذا تعني؟ # الثقافة صفحتان: صفحة معيشة بالفعل، في عادات وتقاليد ونظم ~~وقوانين، وغير ذلك مما نراه ms204 مجسدا في حياة الناس يوما بعد يوم، وساعة ~~بعد ساعة؛ فللأسرة روابط تنظم التعامل بين أفرادها، حتى إذا ما ~~انحرف عنها والد أو ولد؛ عرفنا أنه قد أخطأ سواء السبيل، وللمولود صور ~~من الاحتفال بقدومه، وللموالد صورها وصخبها، ولأولياء الله الصالحين ~~كراماتهم وشفاعاتهم، وللمواسم المختلفة طقوسها وللموت رهبته، ولإحياء ~~ذكرى من ذهب عنا سبل نعرفها جميعا؛ فنعرف كيف نعزي المحزون، وكيف ~~نتقبل العزاء، وهكذا، وهكذا، إلى ما ليس له آخر من تلك الأوضاع، التي ~~لقيناها جميعا منذ الطفولة والتي نعرفها جميعا ويعامل بعضنا بعضا ~~على أساسها. # تلك هي الثقافة المعيشة بالفعل، وإلى جانبها «ثقافة» تجري ألفاظا ~~بين الشفاه وعلى الأقلام وأنغاما على أوتار العازفين وغناء وألوانا ~~على لوحات المصورين ومسرحا، ووسائل إذاعة مرئية ومسموعة، وهكذا إلى ~~آخر ما نعرفه من منتجات الفن، والأدب، وقبلهما يجيء علمنا بالعقيدة ~~الدينية عقيدة وشريعة، وهو علم يتجدد ويتسع بما يكتبه أو يذيعه ~~العلماء في هذا المجال، وإذا نحن عددنا جوانب «الثقافة» في صورتها، ~~وهي في الكلمات والأصوات والألوان؛ فالأصوب ألا نذكر «العلوم» لأنها ~~صنف قائم بذاته، فبينما يجوز للشعوب، بل للأفراد من أبناء الشعب ~~الواحد، أن يختلفوا قليلا أو كثيرا فيما هو «ثقافة»؛ فلا يجوز لأحد ~~أن يختلف فيما هو «علم» ثبتت صحته بمناهج البحث العلمي، ومع ذلك ~~فهنالك جانب مستصفى من مجال العلوم ليضاف إلى ما هو «ثقافة»، وأعني ~~به أمرين: أولهما أن يتشرب «المثقف» من العلم «نظرته» العامة عند ~~رؤية الأشياء والمواقف، والمقصود بتلك «النظرة» إحكام الرابطة بين ~~الأسباب ومسبباتها؛ إذ «الخرافة» ما هي إلا خلل يصيب الإنسان في ~~إدراكه للروابط السببية على حقيقتها، وأما الأمر الثاني فهو أن يكون ~~«المثقف» على وعي باتجاهات العلم في عصره، فلئن ترك تفصيلات ذلك العلم ~~لرجاله المتخصصين؛ فإنه مطالب بأن يعرف صورة تقريبية تبين له في ~~أي اتجاه يسير العلم في عصره، تانكم إذن صفحتان للثقافة صفحة معيشة، ~~وأخرى منطوقة مرقومة مرسومة، والفرق بينهما هو - أو ينبغي له أن يكون - ~~فرق في طريقة الإخراج، وليس ms205 في طبيعة المضمون؛ ففي الحياة السوية تجيء ~~الثقافة المعيشة منطوية على مجموعة من قيم وأفكار، هي نفسها القيم ~~والأفكار التي يعرضها الدين والفن والأدب والاتجاه العام لعلوم العصر، ~~وفي الوقت نفسه تجيء الثقافة المنطوقة والمرقومة والمرسومة مشيرة إلى ~~صور من الحياة المعيشة كما هي قائمة بالفعل. # ففي فترات الحياة المستقرة، يغلب أن يكون بين الصفحتين تناسق يجعل ~~كلا منهما تعبيرا عن الأخرى وموازية لها؛ فالثقافة المعيشة تجسد ~~القيم والتصورات التي ينشغل بها رجال الفكر والأدب والفن، وكذلك ~~هذا الذي يشغل هؤلاء إنما يكون ضربا من المرآة التي تنعكس عليها صورة ~~الحياة كما هي قائمة، أو قل إنها تكون بمنزلة الصدى الذي يردد ~~تموجات الحياة كما هي واقعة في دنيا الناس، على أن ذلك الاستقرار ~~الذي يؤدي إلى تناغم بين الصفحتين ليس هو بالضرورة استقرار على ~~ارتفاع؛ إذ قد يكون استقرارا على انخفاض وجمود، وقارن - إذا شئت - ~~صورة الحياة العربية في القرن العاشر الميلادي بصورتها في القرن الثامن ~~عشر، فبينما نرى قوة الدفع وتوثب الطموح في الحالة الأولى، حياة ~~واقعية وحياة فكرية وأدبية؛ نجد صورتها في الحالة الثانية راكدة وكأنها ~~يوم واحد يتكرر! فالفرق بعيد بين الحالتين ولكنهما معا حالتان من ~~حالات الاستقرار في تصورات الناس لحياتهم وما ينبغي لها أن ~~تكون. # وأما إذا كانت الفترة التاريخية فترة تحول وتغير وقلق وتأهب ~~كالتي تكون في فترات الانتقال الحضاري من عهد إلى عهد؛ فإن العلاقة ~~بين الثقافة وهي معيشة والثقافة وهي صور من التعبير تفقد تجانسها ~~واطرادها. ولما كنا نحن الآن في مرحلة من هذا القبيل المضطرب، ~~والأمر في هذا لا يقتصر على مصر أو على الأمة العربية، بل يعم ~~العالم كله بدرجات؛ فواجبنا هو أن نتدبر خطأنا على حذر. # وأول ما يلفت النظر في حالة كهذه هو أن جماعة المنتجين للصور ~~الثقافية من فكر وفن وأدب ينقسمون ثلاثة أقسام تتناحر علانية أو لا ~~تتناحر لكن كل قسم يحيا في مجاله الذوقي المغلق على نفسه، وكأنه ~~ليس في الدنيا سواه، فهنالك الفريق ms206 الذي يستطيب ما هو قائم، والذي هو ~~في الوقت نفسه ما قد ألفه الجمهور العريض، وإن رضا هذا الفريق عما ~~يسود الجمهور، إما أن يكون عن رغبة مخلصة في الثبات، وإما أن يكون ~~ضربا من ضروب النفاق الاجتماعي، وفي هذه الحالة يكون منتج الثقافة ~~على عقيدة حضارية معينة، وربما يعيشها هو وأسرته في حياتهم العملية ~~لكنه إذا أخرج للناس نتاجا ثقافيا أخرجه ليتجه به مع سواد الناس ~~في تيار واحد. وإن كاتب هذه السطور ليرجو أن يكون مخطئا في تصوره، ~~ولكنه إذا تصور شطرا كبيرا من نشاطنا الثقافي الآن وقبل الآن بنحو ~~جيل كامل، فإنما الصورة التي تتكون له هي صورة فيها مثل هذا النفاق ~~الاجتماعي بدرجة يظنها واضحة ولا يخطئها البصر، ولعل في ذلك ما ~~يفسر لنا لماذا ننتج ثقافة بشتى قوالبها، ثم ننتج وننتج، حتى إذا ~~ما أردنا قياس التقدم الحقيقي في جمهور الشعب؛ وجدناه أقل من أن ~~يذكر، والذي أعنيه بالتقدم الحقيقي هنا هو مقدار ما تتحول به ~~«وجهة النظر» عند الفرد العادي من أفراد الشعب، وجهة النظر التي في ~~إطارها يكون لنفسه فكرة عن الإنسان وقيمته، وعن الكون الذي هو البيت ~~الكبير الذي يقضي ذلك الإنسان حياته في رحابه. # قلنا إن مبدعي الناتج الثقافي في فترات القلقلة الحضارية، ومنها ~~هذه الفترة التي يجتازها العالم كله اليوم انتقالا بنفسه من حضارة ~~ختمت عمرها بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية إلى حضارة جديدة ~~هي الآن في حالة إرهاصات ومخاض لولادتها، وهي إذا كانت مرحلة تعم ~~العالم كله اليوم؛ فمصر والأمة العربية جزء من هذا العالم في تحولاته ~~واضطرابه، وفي مثل هذه الحالة المضطربة يتجه فريق من مبدعي الناتج ~~الثقافي نحو أن تؤيد ما قد ألفه الناس، وقد يكون مبدع الثقافة في هذا ~~مخلصا مؤمنا بصدق ما يقوله؛ حتى لتراه يعيش حياته العملية على غرار ~~ما يتصوره وما يصوره للناس في مبدعاته، ولكنه أيضا قد يكون ~~منافقا وكاذبا ابتغاء منفعة يسعى إلى تحصيلها، وذلك حين يؤمن في ذات ~~نفسه بضرورة ms207 التغيير، بل يعيش في حياته الخاصة على صورة التغير ~~المرتجى، لكنه إذا كتب للناس أيد لهم ما هم غارقون فيه، وإلى جانب ~~هذا الفريق المؤيد للأمر الواقع - بشعبيته: المخلصة والمنافقة - هنالك ~~فريقان: أحدهما يدعو إلى التغيير في جرأة لا يبتغي من ورائها إلا أن ~~ينقل للناس ما يظنه صوابا وخيرا، والأغلب في الجماعة الأولى أن ~~تكون سلفية ترى مثلها الأعلى في صورة الماضي البعيد، والأغلب في هذه ~~الجماعة الثانية المطالبة علنا بضرورة التغيير أن تكون مستقبلية ~~الرؤية، وحتى إذا هي رأت وجوب استحضار ماضينا في وعينا وفي وجداننا فلا ~~بد أن يكون ذلك توسلا بذلك الماضي؛ ليزيدنا عزما على رؤية ~~مستقبل يتفق مع هويتنا القومية، حتى لا نجعل من أنفسنا أمساخا شائهة، ~~ولا بد أن نلاحظ هنا، أن الجماعة الأولى المؤيدة لما عليه جمهور ~~الناس بما يتضمنه ذلك عادة من سلفية النظر؛ يسهل عليها الاستيلاء على ~~ألباب الناس، فصوت تلك الجماعة يبلغ من أعماق الجماهير وقلوبهم ما لا ~~يبلغه صوت الجماعة الثانية المنادية في جرأة بضرورة أن تتغير صورة ~~حياتنا؛ لتكون أكثر ملاءمة لعصرها. # وإلى جانب هاتين الجماعتين تقوم فئة ليست بالقليلة لا تتجه ~~بنشاطها الثقافي نحو أولئك ولا نحو هؤلاء، بل تشطح وحدها في وديان من ~~الفكر ومن الفن ومن الأدب، لا هي متصلة بماضينا، ولا هي متصلة ~~بمستقبلنا، وإنما هي على الأغلب مستوحاة من أفكار الآخرين وفنونهم ~~وآدابهم دون بذل الجهد الإبداعي الذي يطوع تلك الروافد تطويعا، ~~ويجعلها متجانسة مع نسيجنا القومي. # تمنيت لو أني وضعت بين يدي القارئ عشرة أسماء من اللوامع ذوات ~~الصدى في حياتنا الثقافية اليوم؛ لأجسد له في أشخاص أصحابها تلك ~~الفئات الثلاث التي ذكرتها، لكنني أمسكت عن ذلك؛ حتى لا تظن بي ~~الظنون، وما ابتغيت إلا الحق والخير، فأترك للقارئ أن ينتقي لنفسه من ~~الأسماء ما يراه ممثلا لكل فئة منها؛ حتى يكسو الفكرة المجردة التي ~~عرضتها لحما ودما، ولكني أذكره بأن الفئة الأولى، وهي التي ~~تساير مزاج الجمهور العام، والتي هي على ms208 الأغلب سلفية الطابع؛ تنشطر ~~شطرين: شطر مخلص فيما يقول إخلاصا حبيسا فيما درسه وحفظه، وهو الآن ~~جاد في تسميعه أمام الناس، لكنه كذلك إخلاص من يتنكر لضروب القول ~~الأخرى؛ لأنه يجهلها، فكيف يخلص لما يجهله؟! وإذن فلو أنه علم أكثر ~~مما يعلم؛ لاتسع نطاق إخلاصه. وأما الشطر الثاني من الفئة الأولى ~~فمنافق كاذب، يعتقد في شيء ويصارح الناس بشيء آخر، وهو أخطر جماعة ~~في حياتنا؛ لأنها تضم نفرا من أصحاب السيرورة في أوساط القراء على ~~نطاق واسع يقرأ لهم الناس ما يكتبونه ويصدقونه ولا يرتابون في حسن ~~نواياهم. # إنه لا لوم على مخلص ينشر في الناس ما يؤمن بأنه الصواب، لكن ~~اللوم كل اللوم إنما يقع على من يضمر لنفسه رأيا ويعرض على الجمهور ~~رأيا آخر، فلو استيقظت الضمائر عند هؤلاء؛ لسرنا نحو تحديث ~~الثقافة العربية شوطا بعيدا بقفزة واحدة. # | الكتيبة الخرساء # هما بيتان من شعر أبي العلاء المعري، ما أكثر ما همست بهما لنفسي، ~~عن عمد حينا إذا استلزم مني ذلك طبيعة الموقف الذي يواجهني، وعن ~~غير عمد حينا آخر بقوة العادة وتكرارها، فلو قلت إني قد همست لنفسي ~~بهذين البيتين أكثر من ألف مرة على مر السنين؛ لما غلوت في ~~التقدير، فكيف إذن أراني اليوم وقد جرى بهما اللسان عفو الخاطر وكأنني ~~أتبين من معناهما ما لم أكن قد تبينته فيما مضى بكل هذا الوضوح؟! أو ~~قل إن موضوع الثقافة العربية في حاضرها هو الذي يسبق غيره إلى فكري، ~~فتراني أقرأ ما أقرأه تحت هذا الضوء؛ فلا عجب أن تنطق لي المادة ~~المقروءة بمعان تتصل بالثقافة العربية، لم تكن لتنطق بمثلها لو أن ~~الذي يشغل فكري سياسة أو اقتصاد أو غيرهما مما يصح أن يعرض للفكر من ~~موضوعات، وهذه في حد ذاتها حقيقة إنسانية لها شأنها، قد يأتي منها ~~الهدى مرة، ويأتي الضلال مرة، وأعني ذلك الميل في فطرة الإنسان نحو أن ~~يقرأ الوقائع بما يتفق مع فكرة مسبقة تشغله، فيرى في تلك الوقائع ما ~~ليس يراه قارئ ms209 آخر، تملأ رأسه فكرة أخرى، فكل يغني على ~~ليلاه. # لا علينا، ولننصرف إلى ما نحن فيه؛ فللمعري بيتان من الشعر، ~~سأضعهما بين يديك بعد أن أقدم شيئا من الشرح ليظهر معناهما واضحا ~~عند قراءتهما، وأول نقطة أتناولها بالتوضيح هي نظرية «الإمامة» في ~~الفكر الإسلامي؛ فكلمة «الإمام» معروفة لنا جميعا، نقولها ونكتبها، ~~ونصف بها الرجال، دون أن نشغل أنفسنا بما وراءها من معان مضمرة، بل ~~قد لا يكون من يستعملها على قصد متعمدا أو غير متعمد، بأي معنى ~~مضمر فيها، سوى أن من نصفه بالإمامة رجل ذو علم يهتدي به لنفسه، ~~ويهدي الآخرين، لكن هنالك مذاهب إسلامية تبنى على أساس نظرية خاصة ~~في «الإمامة»، ولا سيما عندما يكون الحديث منصبا على ما تزعمه تلك ~~المذاهب من «إمام منتظر» يظهر بعد اختفاء فيظهر الحق على يديه، ~~وأيا ما كان الأمر بالنسبة إلى ذلك الإمام المنتظر؛ فقد اكتسبت فكرة ~~«الإمامة» قوتها منذ صدر الإسلام، وذلك حين نشأ السؤال عمن يكون له ~~الحق في تفسير ما استعصى على الناس تفسيره من آيات الكتاب الكريم، ولم ~~يكن ثمة موضع لسؤال كهذا أيام الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه كان ~~المرجع الفاصل في ذلك، ولكن ماذا بعد موت الرسول؟ قال قائلون إنه كما ~~نزل القرآن الكريم وحيا على النبي عليه الصلاة والسلام؛ فلا مفر من ~~أن ينزل تفسيره وحيا كذلك، لأن التفسير إذا ترك للاجتهاد؛ فقد ~~تتعدد اتجاهاته، وبهذا التعدد تكثر صور الإسلام بين المسلمين، لكن ~~من ذا الذي يتلقى الوحي بالتفسير كلما استعصى أمر بين المسلمين؟ هنا ~~كان الجواب عند هؤلاء بأن من ينزل عليه مثل هذا الوحي لا بد أن يكون ~~إماما معصوما، ولمثل هذا الإمام الملهم بوحي من الله سبحانه ~~وتعالى تكون أحقية الخلافة وأحقية الحكم. # تلك - إذن - نقطة أولى مما سوف يراه القارئ واردا في بيتي المعري. ~~وأما النقطة الثانية فخاصة بجمهور الناس، فإذا سأل سائل: أنسلب ~~المؤمنين جميعا إلا واحدا حق الاجتهاد في فهم آيات الكتاب الكريم ~~مهما أوتوا من العلم؟ فيبدو ms210 أن الإجابة عن هذا السؤال إذا جاءت من ~~أصحاب النظرية الخاصة بالإمامة المعصومة هي بالإيجاب، فكأنهم يقولون: ~~إن ثمة رجلا واحدا ينطق بالحق عن وحي يوحى إليه، وأما سائر الناس ~~فيجب عليهم الصمت اكتفاء بما يقال لهم من «الإمام»، ومن هنا أشار أبو ~~العلاء في بيتيه، بقوله «الكتيبة الخرساء»؛ فهنالك قائد واحد هو ~~«الناطق» وأما من عداه من عباد الله فجمهور أخرس. # وأما النقطة الثالثة مما أريد أن أقدم به بيتي أبي العلاء؛ فهي ~~عن «العقل»، إذ يقيم أبو العلاء مقابلة بين «الإمام» من جهة، و«العقل» ~~من جهة أخرى، فلأيهما يلقي الإنسان بزمامه؟ هل يقف أمام ما عساه ينشأ ~~له في حياته من مشكلات وقفة من ينتظر الحل ينطق له به «إمام» أو إنه ~~يعمل فيه عقله مجتهدا لإيجاد الحل المطلوب؟ ولقد كان ينبغي ألا يكون ~~سؤال كهذا واردا على مسلم، وإلا فلماذا كان الإسلام آخر الديانات ~~ظهورا؟ أكان ذلك لأن حياة الإنسان بعد ظهور الإسلام لن تتعرض لأي ~~أمر مشكل لم يرد له حل في آيات الكتاب الكريم أم أن حياة الإنسان ~~تفرز مشكلاتها جديدة مع كل يوم جديد؟ ولقد كان المستحدث من تلك ~~المشكلات فيما قبل الإسلام نزل من أجل حله رسالات الرسل على تعاقب ~~العصور، فأما وقد نضج العقل الإنساني؛ فقد جاء القرآن الكريم بحلول ~~لطائفة كبيرة من مسائل الحياة التي عرضت للناس في مناسباتها، ثم أمر ~~الإنسان بأن يركن إلى عقله بعد ذلك، كلما جد له في حياته جديد، ومن ~~هنا كان الإسلام آخر الرسالات، فإذا كان الخيار بين «إمام» و«عقل» لم ~~يتردد المعري في أن يقع اختياره على «العقل» أداة إرشاد لصاحبه، ما ~~أصبح به صبح أو أمسى مساء. أما بعد، فهاك البيتين: # زعم الناس أن يقوم إمام # ناطق في الكتيبة الخرساء # كذب الزعم لا إمام سوى العق # ل مشيرا في صبحه والمساء # وحديثنا هو - كما تعلم - حول حاضر الثقافة العربية، فلو قرأت هذين ~~البيتين، حين تكون منشغلا بموضوع الثقافة العربية؛ فبأي الصور ~~تجيئك هذه ms211 القراءة؟ إنني لا أعرف بماذا تجيب، وأما أنا فكما حدثتك ~~فيما أسلفته لك وجدتني كأنما أقرأ البيتين لأول مرة، رغم أني قد ~~همست بهما لنفسي قبل ذلك ما يزيد على ألف مرة، وذلك لأني قرأتهما ~~بهداية من الموضوع الذي يشغل فكري الآن، وهو حاضر الثقافة العربية، ~~فكانت الصورة التي وثبت منهما إلى ذهني، هي صورة جمهور عريض أخرس، أو ~~كالأخرس، لا يعرف كيف ينطق، ولا بأي شيء ينطق، فيتنازعه رجلان: ~~أحدهما يضطلع بدور يشبه دور «الإمام المعصوم» الذي حدثتك عنه عند ~~طائفة من مذاهب الإسلام، والآخر يؤدي دورا يشبه دور العقل حين يصدر ~~أحكامه على الأشياء والمواقف. فأما أول الرجلين فسنده في اجتذاب ~~الجمهور هو محفوظات ينقلها إليه عن مؤلفات السابقين ممن كانت ~~- ولا تزال - لهم مكانتهم في قلوب المسلمين، وأما ثاني الرجلين فسنده أمور ~~الواقع الحاضر، وكيف أنها في حاجة إلى نظر جديد وحل جديد، وإلى أي ~~الرجلين - يا ترى - قد انجذب جمهورنا؟ لقد تغيرت معه وجهة الجذب ~~بتغير المراحل الزمنية من هذا القرن، وإذا أردت وصفا عاما لاتجاه ~~الجمهور، يقبل الاستثناء هنا وهناك، فقل إن رجل العقل كان أشد جذبا ~~له في المرحلة الأولى، ورجل المحفوظات المأثورة أشد جذبا له في ~~المرحلة الثانية: فهل كان تغير الجمهور في الجذابة بين المرحلتين ~~راجعا إلى وعي زاد فيه هناك ونقص هنا أو نقص هناك وزاد هنا؟ أرجح ~~الظن أن الأمر في تغيره بين المرحلتين يرجع إلى ظروف اجتماعية ~~واقتصادية أضفت قوة على رجل العقل إبان المرحلة الأولى، وإلى ظروف ~~أخرى حلت محل الأولى أضفت قوة على صاحب المحفوظات في المرحلة ~~الثانية، وأما كتلة الجمهور في ذاتها، رغم التزايد المتصل في أعداد ~~المتعلمين بها، فإذا أخرجت من حسابك القدرات النوعية المكسوبة ~~لأصحابها، بالتعليم في المدارس أو بالتدريب بين الحرفيين؛ أقول إن كتلة ~~الجمهور ذاتها، بعيدا عن مجالات العمل المهني أو الحرفي، فهي في حالة ~~من «القصور الذاتي» الذي نسبه «نيوتن» إلى الأجرام المادية المتحركة ~~أو الساكنة، إذ قال إن كل جسم ms212 يظل على حالته من حركة أو سكون حتى ~~يصادف عاملا خارجيا يغير من اتجاه حركته، أو يبث فيه الحركة بعد ~~سكون، أما الجسم نفسه ففيه «قصور ذاتي» لا يستطيع معه أن يغير نفسه ~~بنفسه، ليس الأمر في ذلك مقصورا على شعب دون شعب آخر، فالجمهور العام ~~في كل شعب أميل جدا إلى المحافظة على قديمه المألوف، إنه يفضل ~~السير على طرق دقتها قبل ذلك أقدام السائرين، فذلك عنده أفضل من ~~المغامرة في طريق جديد قد يباغت المسافر بمفاجآت، ولقد صب المصري ~~خبرته الخاصة بالمفاضلة بين قديم معروف وجديد مجهول في المثل السائر: ~~«من ترك قديمه تاه.» فالجمهور أينما كان محافظ بطبعه، يتردد ألف مرة ~~قبل أن يغير من رتابة حياته شيئا، وربما كان له في ذلك حكمته ~~المستفادة من خبرات الزمن وتقلباته، فلو أن «الجديد» الذي يبشر به ~~أصحابه مضمون الصواب مأمون النتائج؛ لحق اللوم على جمهور يرفضه، ~~ولكن من ذا الذي يضمن له ذلك؟ فما أكثر ما يبشر المجددون بفكرتين ~~متعارضتين فأيهما يكون الصواب؟ وانظر إلى الأحزاب السياسية ~~المتعارضة، حتى في أكثر بلدان العالم تقدما، تجد حزبا منها يبشر ~~بفكرة يراها خيرا كل الخير للناس، في حين يبشر الحزب الآخر بنقيضها، ~~حزب يرى الخلاص الاقتصادي في تأميم المشروعات الكبرى، وحزب آخر يراه ~~في الملكية الخاصة لتلك المشروعات! حزب يرى ضرورة الحرب مع أعداء ~~الوطن، وحزب آخر يفضل السلام والمسالمة! انظر كم يختلف الرأي في ~~المرأة الجديدة وحقوقها! فما الذي نريد من جمهور الناس قبوله وهو ~~مطمئن؟ وحتى أولئك الذين يخلصون الدعوة إلى وضع اجتماعي جديد لا ~~يتسرع هو نفسه في تطبيق دعوته تلك على حياته الخاصة، إلى أن يستقر ~~ذلك الجديد في حياة الناس. # من هنا كان الشبه بين كتلة الجمهور، وكتلة الصخر، من حيث إن كلتيهما ~~مقيدة «بالقصور الذاتي» شبها واردا من بعض الوجوه فكلتاهما تحافظ على ~~الوضع الذي هي فيه من حركة أو سكون، حتى تصدمها العوامل الخارجية ~~فتغير لها وضعا بوضع، كأن تتحرك بعد سكون، أو ms213 أن تسكن بعد حركة، أو ~~نغير من اتجاه حركتها، إلا أن الفرق الكبير بين الحالتين، الذي هو فرق ~~ذو مغزى بعيد، هو أن كتلة الحجر يجيئها التغير بفعل عامل خارجي ليس ~~منها، كالكرة المقذوفة نحو وجهة معينة يعترض سيرها لاعب فيضربها ضربة ~~تغير من وجهة السير. وأما كتلة الجمهور، فهي وإن لم تكن قادرة من ~~تلقاء نفسها على تغيير شيء من أوضاع حياتها؛ فالذي يحدث فيها ذلك ~~التغير المطلوب عامل من أفرادها، وها هنا تجب علينا وقفة متأنية؛ لأننا ~~الآن أمام مسألة تمس التعليم من أساسه كما تمس الثقافة في صميمها، ~~وأعني بها مسألة «المواهب» في من هم ذوو موهبة وهبهم إياها ربهم الذي ~~خلقهم وبراهم وسواهم، ولم يعد يحق لأحد إنكار موهبة إلهية على ~~موهوب؛ إذن «فالكتيبة الخرساء» التي أشار إليها أبو العلاء، وإن تكن ~~خرساء في مجموعها؛ فإن منها هي قد يخرج فرد «ناطق»، وإن ما ينطق به ~~ليزداد ارتفاعا في الصوت، وانتشارا في الأرجاء حتى يبلغ من الناس ~~مبلغه، فيأخذ الجمهور عندئذ في التحول عن قديم نحو جديد، على أن ~~الينبوع الدفاق الذي استقى منه ذلك الابن الناطق من أبناء الكتيبة ~~الخرساء؛ إنما هو تلك الكتيبة الخرساء نفسها، والفرق بينها وهي في ~~خرسها وبين ابنها الموهوب الذي ارتفع صوته هو الفرق بين من يكتم الألم ~~ومن يبوح، أو بين من يخفي آماله ومن يفصح عنها ويعلنها، وكأنه هو ~~نفسه الفرق بين كتاب في جماعة أمية لا تقرأ المسطور على صفحاته؛ فيظل ~~ذلك المسطور رموزا مكتومة الصوت، حتى يقيض الله لتلك الأمة ذاتها ~~ابنا من أبنائها؛ فيقرأ لهم كتابا بصوت مسموع، وبهذا يصبح السؤال ~~الأهم في حياتنا هو: من ذا الذي يخرج لنا من جمهورنا الصامت أصحاب ~~المواهب ليغيروه؟ أو قل إنهم سيخرجون ما قد كمن في صدورهم من ~~ألم ومن أمل؛ لتصير على ألسنتهم وعلى أقلامهم دعوة صريحة مفهومة ~~الكلمات والجمل. # وإنهم لكثيرون أولئك المفكرون من علماء التربية من نادوا بأن يكون ~~الهدف البعيد من العملية التعليمية ms214 كلها هو فرز أصحاب المواهب من أبناء ~~الأمة؛ لأنهم هم من تلك الأمة عقلها وقلبها معا، فكأننا في العملية ~~التعليمية من وجهة نظر هؤلاء أمام تل من الرمل والحصى، يشتمل في رمله ~~وحصاه على جواهر تبعثرت في جوفه، ونريد أن نغربل عناصره كلها لكي نقع ~~على تلك الجواهر، وما عملية الغربلة هذه إلا تعليم المواطنين جميعا، ~~للكشف عن المواهب المخبوءة فيهم، فنرعاها حق رعايتها. وإذا نحن آخر ~~الأمر في أمة لها من أبنائها علماؤها وفنانوها، وأدباؤها ومحاربوها، ~~وكل صنف من الرجال الهداة إلى طريق النهوض والتقدم. لكننا اليوم ~~نتطلب تعديلا ضروريا في هذه الرؤية؛ إذ هي رؤية تجعل تعليم عامة ~~الناس من أبناء الشعب وسيلة وليس غاية في ذاته، والصواب هو أن يكون ~~التعليم حقا للجميع، على ألا ننسى فوق ذلك أن الرعاية الخاصة حق ~~لأصحاب المواهب. # وحديثنا هذا هو حديث عن الثقافة العامة والنهوض بها، فأين هذا الهدف ~~مما أسلفناه؟ وتكمن الإجابة في تصورنا «للثقافة» العامة ما طبيعتها وما ~~دورها في نهضة نريدها لأمتنا، وما أكثر ما تحدثنا عن «الثقافة» ~~ومعناها ودورها فيكفينا في هذا السياق أن نجتزئ من ذلك البحر الواسع ~~الغامض قطرة واحدة هي التي نستعين بها على بسط ما نريد توصيله إلى ~~القارئ، وتلك القطرة الواحدة هي أن الثقافة ليست مجموعة معينة من ~~معلومات، من جمعها في وعائه كان «مثقفا» بدليل أنك قد تجد مثقفا هنا ~~يعرف من المعلومات: أ، ب، ج، ومثقفا هناك يعرف منها: د، ه، و، ومع ~~هذا الاختلاف بينهما فيما يعرفانه، يحسبان على الثقافة! فماذا يكون ~~العامل المشترك إذن الذي يدور مع «الثقافة» وجودا وعدما؟ فإذا وجد ~~ذلك العامل وجدت وإذا غاب غابت؟ إنه - آخر الأمر - حالة من الحساسية ~~تمكن صاحبها من قبول ما يقبله ومن رفض ما يرفضه، فورا وبغير تدبر ~~أو تردد، وإنها لحساسية تشيع في الشعب المعين شيوعا قد يختلف فيه ~~الأفراد قليلا هنا أو قليلا هناك، لكنها بوجه عام مناخ مشترك ~~يتنفسه المواطنون جميعا؛ فالفرد من أفراد شعب ms215 معين، كالمصري أو ~~الفرنسي أو الإنجليزي ... إلخ، له طريقته الخاصة في كيف يحزن وكيف يفرح، ~~وكيف يجامل شخصا آخر أو لا يجامله، وهكذا وهكذا، عندما كنت في بعثتي ~~الدراسية في إنجلترا جاء مبعوث مصري من إحدى الكليات العلمية بالجامعة، ~~فما إن علم بأن أستاذته سيدة، ولم يألف بعد في مصر أن تكون الأستاذية ~~لامرأة؛ حتى اضطرب اضطرابا عكر عليه صفو حياته، وكان يطلب إلغاء ~~البعثة والعودة إلى مصر، فإلى هذا الحد تبلغ «الحساسية» الثقافية في ~~الشعوب! # ومن هذه الزاوية نقول: إن استقامة حياتنا بعد عوج لا بد أن ~~تسبقها عوامل تشيع في الناس «حساسية» جديدة لما يقبلونه وما يرفضونه، ~~ومهما تباينت تلك العوامل في مختلف الظروف المحيطة بالناس، فإن أهم ~~مصادرها هي تلك المصادر الأساسية نفسها التي تستقى منها «القيم» ~~فيما يجوز فعله وما لا يجوز، وهي: الدين، والفن، والأدب، والأعراف ~~والتقاليد التي يتوارثها أبناء الشعب جيلا عن جيل، وقد تأخذك حيرة ~~التساؤل هنا فتقول: لكن إذا كانت هذه هي المصادر التي تنتج عنها ~~الحساسية الثقافية؛ أفليست هذه العوامل ثابتة في الشعب الواحد إلى ~~حد كبير؟ إذن كيف يتاح لشعب أن يغير مناخه الذوقي لينتقل من عصر ~~إلى عصر؟ وللسؤال وجاهته، وفي الإجابة عنه لا مفر لنا من درجة من ~~الغموض، إلا أنه في مستطاعنا مع ذلك أن نقول: إن تلك المصادر التي ~~ذكرناها هي - لحسن الحظ - مما يصاغ في وسائط مرنة تقبل أن تضيق وتقبل ~~أن تتسع، وليس فيها تلك الدقة الحادة الباردة التي تجدها في مصطلحات ~~العلوم الفيزيائية والكيميائية - مثلا - أو في العلوم الرياضية. ~~ولأضرب لك مثلا واحدا من عنصر واحد مما يدخل جزءا في التركيبة ~~الثقافية عند المصري، وهو شعور المصري بالفخر لأنه من شعب «طيب»، ~~ولذلك فالمصري حريص - في الظاهر على الأقل - أن يكون «طيبا» في ~~تعامله مع الآخرين، وإذا وجد في شعوب أخرى لونا آخر من السلوك الصارم ~~ازدراه وعف عنه، فمن ذا الذي يستطيع أن يحدد لي في شيء من الدقة ~~ما يراد بكلمة ms216 «طيب» عندما نفاخر بها - نحن المصريين - ونجعلها صفة ~~مميزة لشعبنا دون كثير من الشعوب الأخرى؟ وإنني لأصرح هنا عن نفسي، ~~إنني - لأمر ما - شغلت نفسي بالبحث عن تعريف محدد لهذه الصفة ~~الأساسية بين صفاتنا الوطنية، ولعل ما حرك رغبتي في الوصول إلى تحديد ~~المعنى المقصود هو ما قد أصاب شعبنا في مرحلته الأخيرة من تنافر ملحوظ ~~بين أفراده، بل ما هو أكثر من مجرد التنافر؛ لأن التنافر قد يسود بين ~~الأفراد في جماعة دون أن يستتبع بالضرورة نهشا ينهشون به الأبدان ~~والنفوس بغير داع مرئي أحيانا، بل لمجرد إثبات الذات وشطارتها ~~وتفوقها ونجاحها. # ومع ذلك نصر على قولنا إن شعب مصر شعب طيب! ثم مع ذلك أيضا، أراني ~~أحس إحساسا قويا بأنه وصف صحيح، ومن هنا - فيما أظن - جاء الدافع ~~إلى البحث عن تعريف مقنع لهذه الصفة فينا التي أصبحت أحسها ولا ~~أراها، وآخر ما اهتديت إليه في هذا السبيل هو أن طيبة المصري تعني ~~شيئين - بين أشياء أخرى ربما - وهما: ميله إلى التسامح مع من أنزل به ~~الأذى، واستعداده لخدمة غيره بلا مقابل، بل كثيرا ما يرفض المقابل ~~إذا قدم إليه ليجعلها خدمة لوجه الله. # هل تراني قد بعدت بهذا الاستطراد عن موضوع الحديث؟ لا، لست أظن ~~ذلك، فحديثنا قد انتهى بنا إلى أن الثقافة التي إذا تغيرت تغير معها ~~الشعب نحو السير في اتجاه جديد؛ ليست مجموعة معينة من معلومات ~~تحفظ، بل هي «حساسية» عامة مرهفة تعين صاحبها على التفرقة الفورية ~~بين المقبول والمرفوض، فإذا قلنا عن حياتنا - نحن - الثقافية بأنها ~~تغيرت اليوم تغيرا واضحا عما كانت عليه في الشطر الأعظم من النصف ~~الأول من هذا القرن؛ فالمقصود هو أن تلك الحساسية العامة قد تبدلت ~~اليوم عما كانت عليه بالأمس، فبات مرفوضا عند الناس ما كان بالأمس ~~مقبولا، ومقبولا ما كان مرفوضا، ولقد حددنا فيما أسلفناه محور ذلك ~~التغير، حين قلنا إن الدعوة بالأمس كانت تميل بالناس نحو الإعلاء من ~~شأن «العقل» فأصبحت دعوى اليوم تشد الناس نحو ms217 المحفوظات عن صحائف ~~السابقين، فبالأمس كان تفكيرا وهو اليوم ذاكرة. # وانتقالنا من محور التفكير الحر إلى الذاكرة المقيدة بما حفظت، ~~معناه انتقال من الآفاق الرحبة إلى الغرف المغلقة، فبينما حساسية ~~الأمس كانت ترحب بانطلاقة المغامرة الحضارية، أصبحت حساسية اليوم تنفر ~~من تلك الانطلاقة الحرة، ويسعدها أن ترانا في الطريق إلى أغلال ~~تشدنا إلى رؤية الأشباح: أقول ذلك وفي ذهني صورة للكهف الشهير في ~~التشبيه الذي قدمه أفلاطون ليصور به أولئك الذين يديرون ظهورهم ~~إلى الحقائق قانعين بأن يروا ظلالها معكوسة على جدار الكهف الذي سجنوا ~~أنفسهم فيه؛ فهو كهف مفتوح على الطريق العام وأما ساكنوه فقد قيدوا ~~أنفسهم بجلسة تجعل ظهورهم إلى ناحية الطريق الخارجي ووجوههم نحو ~~الجدار الخلفي من الكهف فيمر الناس وتمر العربات وتقع الأحداث في ~~الطريق العام وتلقي بظلالها خلال فتحة الكهف لتسقط على الجدار الخلفي؛ ~~فلا يرى ساكنوه من تلك الحقائق إلا ظلالها، وبهذه الظلال الباهتة ~~يقنعون ويسعدون. # فما أحوجنا - إذن - إلى نور يبدل لنا حساسية ثقافية بحساسية! بحيث ~~يجيء النسج الثقافي الجديد حاثا على العلم بحقائق الكائنات لا ~~بظلالها دافعا إلى اختراق الآفاق وليس إلى انكفاء على مواضع الأقدام، ~~وعاملا على قوة نسود بها لا على ضعف نذل به ونخشع، وماذا تكون في ~~ذلك النسيج الثقافي لحمته وسداه؟ إنه الدين أولا وثانيا وثالثا، ~~الدين الذي يفتح الأبصار على عظمة الكون وعمق أسراره، وليس الذي يغمض ~~الأعين إلا على أسطر يحفظها الحافظون حفظا أصم، الدين الذي يعرف ~~للإنسان كرامته لأنه إنسان وكفى، قبل أن تضاف إليه صفات تعلو به في ~~مراتب المجتمع أو تسفل، وليس الدين الذي يتقرب به صاحبه إلى كل ذي ~~سلطان، الدين الذي يعلي كلمة الحق في أي ميدان من ميادينها مهما أوذي ~~في سبيلها وما عليه إزاء هذا الإيذاء إلا الصبر مع مواصلة التمسك ~~بما هو حق، وليس الدين الذي ينافق بوجهين فوجه منهما أمام القوي ووجه ~~أمام الضعيف. # وتأتي مصادر الفن والأدب على اختلافها، فهي وإن تكن عند المبدع ~~فيضا يفيض ms218 عن موهبة؛ فإنها لا تؤدي بنا إلى بعيد إذا هي لم تكن للناس ~~مرآة ومصباحا في آن معا، فبعضها يعرض على الناس صورتهم كما هي؛ ~~ليتبينوا أين فيها القبح وأين الجمال، ثم ينهض بعضها الآخر نحو إلقاء ~~الأضواء الكاشفة على طريق الحياة القوية العلمية المريدة المستبشرة؛ ~~ليعرف الناس إلى أي غاية يقصدون. نريد حساسية ثقافية جديدة لا تقتل ~~مواهب أبنائها، بل تعنى بها وترعاها، فبهذه المواهب وحدها تنطق ~~الكتيبة الخرساء. # | فجوة بين واقع ومثال # في الفلسفة الأوروبية المعاصرة - والإنجليزية منها بوجه خاص - تيار ~~فرعي يكاد يكون مجهولا جهلا تاما بين صفوة المثقفين عندنا؛ وذلك ~~لأنه لم يجد من الدارسين من يخرجه من مراجعه الجامعية، ليعبر به ~~الأسوار إلى دنيا الثقافة غير المتخصصة حتى وهي في ذروتها؛ مع أن ~~الفكرة الأساسية التي أراد ذلك التيار الفرعي ترويجها قد تكون ألزم ~~لنا، بما يميزنا من خصائص في طريقة التفكير والتقدير، من أفكار أخرى ~~كثيرة، حسن حظها على الأقلام، فشاعت بيننا شيوعا لم يقف بها عند صفوة ~~تحسن الفهم، بل تجاوزتها إلى من هم دون ذلك تحصيلا وتدقيقا. # فلعلك تعلم أنه لما كان «العلم» - والعلم الطبيعي بوجه خاص - منذ ~~النهضة الأوروبية، وما زال حتى اليوم؛ هو أبرز خاصة من خصائص أخرى ~~كثيرة تميز العصر الحديث كله، بما فيه هذه المرحلة المعاصرة، ثم كانت ~~الفلسفة في معظم حالاتها، إنما هي آخر الأمر تحليل للوجود الثقافي ~~القائم في عصرها، علما كان أو دينا، أو غير ذلك من المحاور الأساسية ~~التي تعلق بها الفكر الإنساني، فقد كان «العلم» ومنهجه - أو من ~~مناهجه - هو أهم مشغلة شغلت بها الفلسفة في هذا العصر؛ فما الذي كانت ~~- وما زالت - تبحث عنه في حياة العلم؟ إنه إذا جاز لنا أن نلخص ~~البحر في فنجان؛ قلنا إن السؤال الأساسي الكامن وراء جهود الفكر ~~الفلسفي خلال القرون الأربعة الأخيرة، هو هذا : ما الذي يثبت لنا أن ~~ما يقدمه العلم صحيح صحة لا يأتيها البطلان؟ ولقد اقتضت الإجابة عن ~~هذا السؤال تحليلات لكل ms219 ما يتعلق بالعملية العقلية بسبب من الأسباب؛ ~~فالعقل ما هو؟ والعقل كيف يعمل؟ والعقل ما حدوده التي لا يستطيع ~~مجاوزتها؟ وإلى أي حد يمكن للعقل أن يصل إلى يقين؟ وهل العقل - يا ~~ترى - هو حقا العامل الأساسي في إدراك الإنسان لما هو حق أو أن ~~هناك من وسائل الإدراك ما هو أصدق منه كالحدس أو البصيرة والقلب أو ما ~~يوحى به إلى الإنسان وحيا؟ # وهكذا أخذ رجال الفكر يقلبون الموضوع من كل نواحيه؛ ليكونوا آخر ~~الأمر على بينة من قيمة الحقيقة العلمية: أهي مما يوثق في صدقه أم ~~هي أقرب إلى الوسيلة المؤقتة تدوم ما دام لها نفع في التطبيق ثم تمضي ~~إلى خزائن التاريخ؟ # وتقليب الموضوع على هذا النحو الواسع والعميق، قد أدى ببعض هؤلاء ~~الباحثين إلى التنكر للعقل من أساسه، من حيث هو أداة أولى في إدراك ~~العلم الصحيح، نعم إنه هناك بين الأدوات التي جهزت بها فطرة الإنسان، ~~لكنه يجب أن ينتظر دوره في العمل؛ إذ ليس هو الذي يكشف لنا عن «الحق» ~~بادئ ذي بدء؛ إنما هي قوى أخرى في طبيعة الإنسان، أمده بها خالقه ~~سبحانه، فهي التي تبدأ بذلك الإدراك للحق في جملته، وفي بداهته، ~~وعندئذ فقط يتقدم «العقل» ليؤدي دوره؛ ودوره هو تحليل ذلك المجمل ~~الذي أدركته بداهة الفطرة (على اختلاف الفلاسفة بعد ذلك في تخصيص ~~الجانب الفطري في ذلك ماذا يكون) والقيام بعمليات استدلالية تخرج من ~~تلك البداية المدركة نتائجها التفصيلية التي تترتب عليها. # وكان التيار الفرعي الذي أشرت إليه في مستهل الحديث أحد التيارات ~~التي لم ترد لمنطق العقل التحليلي أن يكون هو الجذر الأول في شجرة ~~الإدراك؛ وإنما ذلك الجذر الذي لم يسبقه شيء في عملية الإدراك هو ما ~~أسموه أصحابه «بالحس المشترك»؛ فهو «حس» لأنه مستمد من هذه الحاسة ~~أو تلك، وهو «مشترك» لأن كل إنسان - ما دام سوي البدن والحواس - ~~يطابق كل إنسان آخر فيما يدركه، فإذا كنا عشرة أشخاص - مثلا - ~~نتجه بأبصارنا نحو بقعة من اللون الأصفر، فلن ms220 نجد منا واحدا يقول ~~إنه لا لون هناك، أو إنه لون غير الأصفر؛ تلك هي البداية الفطرية لكل ~~إدراك، وهي بداية لا شأن للعقل بها، ومنها يبدأ العقل فاعليته، إذ قد ~~يأخذ في تعقب الخطوات والمراحل التي تبدأ من وقوع البصر على ما وقع ~~عليه؛ ليرى كيف تتم العملية الإدراكية بعد ذلك: وقوعا على شبكية ~~العين، فسيرا في العصب البصري، فوصولا إلى المركز المختص بها من ~~مراكز المخ، وعبورا بعد ذلك من المخ إلى الأعضاء والأطراف التي تتحرك ~~في جسم الإنسان المدرك، لتؤدي ما طلب منها أن تؤديه؛ كأن يتحرك ~~جهاز النطق فتقول: تلك بقعة صفراء، أو أن تمتد الذراع لتمس ~~بأصابعها تلك البقعة الصفراء، مستطلعة كيف يكون ملمسها، وغير ذلك من ~~نشاط بدني يجيء نتيجة ما أدركه المركز المختص في المخ. هذه ~~التحليلات أو ما يشبهها هي من عمل «العقل»، لكنها - كما رأيت - لم تكن ~~هي نقطة البدء في خط السير؛ إذ كان البدء حسا مشتركا نادى بأن ~~هنالك بقعة صفراء. # وما معنى ذلك؟ معناه كبير وبعيد وعميق، وهو أنه ليس من حق «العقل» أن ~~يشك في صحة ما يثبته الحس المشترك. وقد تسأل: وهل هناك من يجادل في ~~وجود بقعة صفراء إذا قال الحس المشترك إنها هناك؟ والجواب هو نعم، ~~هناك من رجال الفكر الفلسفي من يريد أن يبدأ مما هو قبل ذلك الحس ~~المشترك، من مدركات عقلية خالصة، هي التي تمكن ذلك الحس من أداء ~~وظيفته أو لا تمكنه، والكلام على هذا يطول. # وعلى هذا السند الذي قدمناه .. نستند فيما نحن ذاكرون هنا عن الثقافة ~~العربية وتحديثها: وذلك أننا إذا ما أدرنا الأبصار هنا وهناك، فيما ~~ينتجه مبدعو العناصر الثقافية عندنا، ارتدت إلينا تلك الأبصار قائلة: ~~إن في حياتنا الثقافية ازدواجية من نوع خطير؛ لأنها ازدواجية بين ~~«الواقع» و«المثال»، كيف ذلك؟ وماذا تعني؟ أعني أن في رءوسنا جميعا - ~~منتجا لثقافة أو متلقيا لها - صورة عما «ينبغي» أن يكون، وقد ~~يكون مصدر هذا الانبغاء عقيدة دينية أو سياسية، ms221 أو عرفا اجتماعيا، ~~أو تقليدا موروثا عن السابقين، أو تصورا مفروضا علينا ممن بيده ~~السلطان، يجب علينا أن نتصور الوقائع في إطارها، لكن أمور الواقع ~~الفعلي لا يلزم دائما، وبحكم الضرورة، أن تجيء على تلك الصورة التي ~~ينبغي لها أن تكون، وها هنا يجيء منتج الناتج الثقافي ليجد أمامه ~~هذين الطرفين: هنالك «مثال» مرغوب فيه، وهنالك واقع فعلي لا حيلة لنا ~~فيه، وهو واقع لم يقع على غرار المثال المطلوب، فماذا يختار محورا ~~لإبداعه الثقافي؟ أيصور هذا الواقع الناقص كما يقع في نقصانه أم ~~يصور المثال زاعما أنه هو الذي رأته عيناه واقعا في حياة الناس؟ ~~وكأن الذي ارتدت به الأبصار التي أرسلناها تستطلع حقيقة الأمر في ~~الحياة الثقافية - منتجا ومتلقيا - هو أن الهوى، أو الخوف، أو ~~تصيد الرضا عند الجمهور أو عند صاحب السلطان أو عند كليهما إذا ~~تصادف أن يتطابقا على رغبة واحدة؛ يميل بمنتج ابتغاء أن يصور لنا ~~واقع الناس وكأنه هو المثال المرجو وقد تجسد وتحقق، فمثلا، أيقول ~~«المثال» إن الريفي صاف نقي لا رذيلة فيه بل إنه لا يعرف للرذيلة ~~طريقا إلى أن توقعه الأحداث في مصيدة «المدينة» وشرورها؟ إذن فليكن ~~ذلك هو ما تصوره الرواية: ريفي على الفطرة المستقيمة، يذهب إلى ~~المدينة فما هو إلا أن يتحول شيطانا فاسقا فاجرا ضالا، أيقول ~~«المثال» إن العاملين بسواعدهم فلاحة وصناعة قد صنعوا من معدن ~~أصيل نفيس لا يكذب ولا يغش ولا يخذل الجار والصديق على عكس من لوثتهم ~~المدارس والجامعات بوباء الحضارة العصرية في انحرافها وشرها؟ إذن ~~فلتعرض على الناس مسرحيات ومسلسلات ومقالات وأحاديث تبين لهم كم هو ~~نقي طاهر معصوم فلاح الأرض وعامل الحرفة اليدوية! وكم هو مصنوع زائف ~~فلان حامل الشهادات العلمية! وإنها لتعرض على الناس أمثلة من فداحة ~~الخسران الذي لحق بهؤلاء الذين تحضروا فسكنوا المدن بعد القرى، ثم ~~سكنوا في المدينة شوارعها المرصوفة متنكرين للأزقة والحارات، رغم ما ~~فسدت به أخلاق الناس من أهل الشارع المرصوف، وما استقبلت به الأخلاق ~~الأصيلة بين ms222 أهل الحارة والزقاق! # أيقول المثال عن أبطال السلف إن الواحد منهم إذا ما تعقبت حياته ~~الخاصة والعامة وجدته فضيلة كله لا تشوبها نقيصة واحدة ووجدته علما ~~خالصا صحيحا لا خطأ فيه ووجدته جوهرة نقية لا شية فيها لا باطنا ~~ولا ظاهرا؟! فإذا كان هذا ما يقوله «المثال» عن بطولات السابقين، إذن ~~فليكتب أدباؤنا عنهم تراجم يصورونهم استقامة بلا عوج وصوابا بلا ~~خطأ، وقوة بلا ضعف؛ وكذلك لينظم عنهم الشعراء، وليتحدث عنهم ~~المتحدثون. # وهكذا يتحرك المبدعون للثقافة فيما يبدعونه مستلهمين مثلا ~~عليا خلقتها الأماني ونسجتها الأقلام، وأما الواقع كما يقع فلا شأن ~~لهم به، أما الضعف البشري الذي لا بد من شيء منه في أقوى الأشياء، ~~أما التعرض للخطأ الذي لا بد أن يصيب أعلم العلماء، أما غواية ~~العاطفة والغريزة، التي لا بد أن تنال بمغرياتها حتى من هم أكثر ~~الناس عفة وترفعا، أما الصغائر الصبيانية التي تعاود الكبار آنا ~~بعد آن وهم في مباذل حياتهم الخاصة، أما كل هذه الشوائب؛ فيكاد مبدعو ~~الثقافة عندنا أن يغضوا عنها الأبصار، ويتلقى المتلقي صورا من ذلك ~~الكمال في حيوات السالفين، ثم ينظر إلى نفسه، وإلى من يعرفهم من ~~معاصريه، فإذا هم جميعا يزلون في الخطأ رغم علمهم، ويسقطون في ~~مزالق الضعف رغم قوتهم، وتغريهم العاطفة أو الغريزة بغوايتها رغم ~~صلابتهم، فمن ذا الذي يلومه بعد هذه المقارنة إذا فقد الثقة بنفسه، ~~وبعصره ومعاصريه، وارتد بالحنين كله وبالشوق كله إلى حياة السلف في ~~صفائها ونقائها، إلا يكن بسلوكه الفعلي؛ فلا أقل من أن يكون ذلك ~~بالخيال، فينتج عن هذا ما لا بد له أن ينتج من فجوة واسعة وعميقة، ~~بين واقع ومثال. # والحق أن شيئا من هذا قد ورثناه جاهزا من أسلافنا: العربي القديم - ~~ولا يختلف معك الأمر إذا قلت: المصري القديم - يختلف في تكوينه النظري؛ ~~أي في طريقة رؤيته إلى الكون والإنسان عن اليوناني القديم، الذي منه ~~انبثق الغرب كما نراه اليوم في وجهة نظره؛ فأما العربي القديم، ~~فلكونه يسكن الصحراء؛ فقد أمدته ms223 هذه الصحراء بأسلوب النظر، فما ~~الذي أمدته به الصحراء؟ إنك لست في حاجة إلى كاتب وكتاب ليعطيك ~~الجواب؛ بل ارجع إلى نفسك إذا ما وقفت على مشارف الصحراء، شاخصا ~~ببصرك إلى السماء وآفاقها؛ فهنالك التجانس في اللوحة المرئية، رغم ما ~~قد يعتور سطح الأرض من كثبان الرمل تعلو وتهبط؛ فالسماء امتداد لوني ~~واحد، والأرض امتداد لوني واحد، والاثنان يتلاقيان في أفق بعيد، ~~يتراجع أمام المسافر كلما تقدم إليه، وهنالك الصمت الذي لا تسمع فيه ~~الآذان إلا صمتا، وهنالك الرتابة التي تكرر نفسها يوما بعد يوم، فما ~~الذي يخرج به ابن الصحراء إذا ما توالت عليه الأعوام؟ أليس الذي يخرج ~~به هو «اللانهائي» الذي لا يعرف النهايات؟ هو «اللامحدود» الذي لا يعرف ~~الحدود؟ نعم، هو ذاك؛ فلا يلبث ساكن الصحراء مع انطباعه هذا؛ حتى يجعل ~~ذلك اللانهائي، اللامحدود؛ هو نفسه الإطار العام الذي يقيم عليه ~~مقومات حياته العملية، من أخلاق تضبط له سلوكه، ومن أدب ومن فن ~~يعكس فيهما ذاته نفسه، فأما الأخلاق ومعاييرها الضابطة؛ فهي متشابهة ~~بين شعوب الأرض جميعا، فالفضائل عند هذا هي نفسها الفضائل عند ذاك، ~~والرذائل عند ذاك هي نفسها الرذائل عند هذا، ولكن الفرق بين عربي ~~الصحراء وغربي الغابة والسهل والجبل هو أنه بينما هذا الغربي يعرف ~~للإنسان مواضع نقصه وعجزه وضعفه؛ فيجعل قيم الأخلاق بمنزلة مثل ~~عليا، يتشوف إليها الإنسان في حياة نقائصه، لعله يزداد بتلك الرؤية ~~استقامة ورشدا، مع اعتراف أهل الفكر والنظر منهم، بأن نزول المثل ~~الأعلى ليتجسد في الناس على أرضهم هو ضرب من المحال، عمليا ~~ونظريا على السواء؛ فهو محال من الناحية العملية بشهادة ما نراه ~~واقعا بالفعل في حياة الناس الجارية، ثم هو محال من الناحية النظرية؛ ~~لأنه لو كان ما هو قائم بالفعل هو نفسه ما كان ينبغي له أن يكون؛ لفقد ~~هذا «الوجوب» معناه، ولفقدت كلمة «الأعلى» التي تصف بها «المثل ~~الأخلاقية العليا» معناها؛ فما هو غاية الغايات لا يكون هو نفسه ~~الوسيلة فيما يسعى إليه الإنسان بحياته. ms224 # ومن هنا رأينا أدب الغرب وفنون الغرب تقدم إلينا الفرد الإنساني ~~في خضم حياته العملية ممزوجة فيه الكمالات مع النواقص والشوائب، ولا ~~كذلك العربي القديم - والعربي الحديث من بعده وعلى غراره - في رؤيته ~~للمثل الأعلى في أي ميدان من ميادينه، أخلاقا وغير أخلاق؛ إذ هو لا ~~يرى ما يمنع أن ينزل ذلك المثل الأعلى ليمشي على أرض الناس بقدميه، ~~ومعنى ذلك أن نطالب الفرد الإنساني في حياته الفعلية؛ ليس فقط بأن ~~يشخص ببصره إلى الكمال الخلقي في غاياته البعيدة، مهتديا لا ~~متقمصا إياه؛ إذ إن تقمصه للكمال المرجو محال على طبيعته الناقصة، ~~بل أن نطالب الفرد الإنساني في حياته الفعلية بأن يجسد الكمال ~~الخلقي في تلك الحياة. # وانظر في هذا الضوء إلى الأدب العربي الأصيل، وإلى الفن العربي ~~الأصيل، تجد أن الأدب إذا صور ما أراد تصويره؛ فالأغلب أن يصور ~~المثل الكامل من خياله وليس الكائن الناقص فيما يراه من مخلوقات على ~~الأرض؛ فالشاعر يمدح من يمدحه، وكأن ممدوحه ذاك قد تمثلت فيه القيم ~~الأخلاقية العليا، ولم تعتورها فيه نقيصة واحدة، والشاعر يهجو من ~~يهجوه، بأن يأتي بما ينتقض صورة المثل الأعلى نقضا كاملا، أما أن ~~يكون الكائن البشري مزيجا من كمال ونقص، فيرجح الكمال في من يمدحه ~~الشاعر، ويرجح النقص في من يهجوه؛ فذلك أمر بعيد عن رؤية العربي ~~الأصيل. # وانظر إلى الفن العربي الأصيل - حيثما وجدت فنا - وأقول ذلك لأن ~~العربي قد صب معظم طاقته الفنية في فن الكلمة، وأعني الأدب شعرا ~~ونثرا، فلما اتجه نحو فن التصوير، على الجدران، أو مختلف المصنوعات، ~~كالسجاد، والنحاس، والخشب، والفخار، وجدناه بين اثنتين: فإما هو متجه ~~بفنه نحو تكوينات هندسية، وإما هو متجه به نحو رسوم من النبات ~~والحيوان والطير، ومن الإنسان أحيانا، مراعيا أن تجيء الصورة مجردة ~~من تفصيلات الأبدان، ومكتفية بالخطوط الخارجية التي تعطيك الإطار ~~خاليا من أعضائه وأجزائه، وكأنما أراد الفنان العربي بنزوعه إلى ~~التجريد في كلتا الحالتين: حالة الرسوم الهندسية، وحالة الخطوط ~~الإطارية الخالية من تفصيلات مضمونها، ms225 أقول إن الفنان العربي في كلتا ~~الحالتين، كأنما أراد أن يصور «أفكارا» عقلية وروحانية، وليس أبدانا ~~وأشياء مجسدة في موادها الأرضية؛ فإذا أمعنت النظر في رؤية الفنان، ~~التي يعلو بها على ما هو كائن بالفعل في دنيا الناس؛ مقارنا إياها ~~برؤية الشاعر في تصوره وتصويره للمثل الأعلى من خياله لا من الواقع؛ ~~ومقارنا إياها كذلك برؤية الأخلاقي الذي لم يجد ما يمنع أن يتوحد ~~ما «يجب» أن يكون فيما هو كائن بالفعل؛ رأيت بين يديك نموذجا لوجهة ~~النظر العربية الأصيلة، وقد انعكست في الأدب شعرا ونثرا، وفي الفن ~~زخارف ورسوما، وفي الأخلاق دمجا للمثل الأعلى في الكائن المتحقق ~~وجودا على الأرض. # لكن الواقع الفعلي الذي تراه الأعين وتسمعه الآذان هو أن الناس بشر ~~فيهم نقص البشر، يتمنى لنفسه علوا ثم يقصر دون العيش على نحو ما ~~تمنى، فما الذي أنتجته هذه المفارقة في ثقافتنا معيشة أو مصورة في ~~مبدعات الفن والأدب؟ إنها أنتجت فينا ازدواجية قل أن تجد لها ~~نظيرا في ثقافة أخرى، نعم، إنها قد توجد في كل ثقافة أخرى آنا بعد ~~آن، تبعا لتغير الظروف الاجتماعية في فترات التاريخ، كالازدواجية أو ~~النفاق الاجتماعي الذي يقال عن الحياة الإنجليزية في العصر الفكتوري؛ ~~أي إبان القرن الماضي في حكم الملكة فكتوريا، حين انفرجت الزاوية بين ~~ما يدعو إليه الناس في حياتهم الأخلاقية وما كانوا يحيونه بالفعل؛ ~~ولذلك يسهل علينا أن نلحظ ما يشبه الثورة في الفكر والأدب هناك بعد ~~الحرب العالمية الأولى، إذ أخذ رجال الفكر والأدب يلحون على وجوب ~~الشجاعة الاجتماعية؛ ليستطيع الفرد أن يعلن ما يحياه، وأن يحيا ما ~~يعلنه، وأما الموقف في الرؤية العربية - قديمها وحديثها المحاكي ~~لقديمها - فهي عن مبدأ تعلن ما هو أعلى وأمثل، ثم عن ضعف بشري يعيش ~~مزيجا بين أعلى وأسفل، فينتج أن يعيش الناس على وجهين: أحدهما يكتبه ~~الكاتبون ويتفنن به رجال الفن، ويشيد به أصحاب الفكر، وأما الوجه ~~الآخر فهو الذي يحيونه بالفعل في خفاء؛ فالواجهة الثقافية معيشة ~~ومكتوبة ومرسومة هي ms226 «عال العال»، وما وراء الواجهة حياة مليئة بضعف ~~البشر. # كان ما ساعد الثقافة العربية في عهدها السابق، على أن يكتب الكاتب ~~شيئا ثم بعد ذلك يحيا شيئا آخر، يبعد كثيرا أو قليلا عن الصورة ~~المكتوبة (أو المنطوقة) دون أن يأخذه القلق من المفارقة بين الموقفين؛ ~~هو أن تلك الثقافة في صورها التعبيرية، لم تلجأ إلى الأجناس الأدبية ~~التي من شأنها أن تصور الإنسان على حقيقته وعلى دوافع طبيعية، كأدب ~~الرواية وأدب المسرح (بالمعنى الذي يفهم به اليوم ذلك الأدب)؛ فهاتان ~~الصورتان من الإبداع الأدبي لا تتحرجان من تصوير الإنسان كما هو، ~~كمالا ونقصا، وعظمة وخسة، فإذا انحرف الأديب عن صدق التصوير، لم ~~يفلت من النقاد. وأما في التقليد العربي المراعى في أدب «الحكايات» ~~(وهي مختلفة عن أدب الرواية والقصة بالمعاني المألوفة اليوم) مثل ~~حكايات ألف ليلة وليلة؛ فقد روعي ألا تنتهي الحكاية إلا بعد أن يجد ~~المستقيم في أخلاقه ثواب ما استقام، وأن يلقى المنحرف عقاب ما انحرف، ~~بغض النظر عن حقيقة الحياة العملية في ثوابها وعقابها. ولقد حدث لي ~~يوما ما أن شاركت في لجنة رسمية تنظر في شئون الأدب، فسمعت عضوا ~~فاضلا يبدي رأيه في وجوب أن تراعى القيم الدينية في كل أدب ينتجه ~~أديب، فتوجهت إليه أطلب الشرح لأستنير، وسألته: افرض أن روائيا ~~مثل أديبنا نجيب محفوظ يصور لنا حياة الناس في حارة قاهرية من ~~حواريه، وكان بين هؤلاء الناس سكير، أو لص يقطع على المارة طريقهم، فما ~~الذي تقترحه عليه في هذه الحالة؟ أتقترح أن يسقط من حسابه كل من انحرف ~~عن الخلق القويم فلا يمتد إليه بقلمه أم تقترح عليه أن يتناول هؤلاء ~~على أن يؤدبهم علنا صونا لأخلاق القراء حتى لا يتأثروا بمن ~~انحرف؟ ولست أذكر بدقة ماذا كان جواب العضو الفاضل، لكنني أذكر جيدا ~~أن فجوة كانت هناك، تباعد رؤيته إلى الأدب عن رؤيتي، فبينما رأيت في ~~الأدب كشفا عن طبائع الناس كما هي واقعة؛ رأى سيادته في الأدب تعليما ~~وتقويما، أو بعبارة ms227 أخرى، لقد رأيت أن يربط الأدب «بالواقع»، ورأى ~~هو أن يعلو الأدب بعرض المثل. # إن الأدب العربي كما هو قائم بيننا الآن: قد خطا - بغير شك - خطوات ~~بعيدة على الطريق الصحيح، وذلك بفضل لجوئه إلى الأشكال الأدبية ~~الجديدة، والمأخوذة عن الغرب، كالرواية، والقصة، والمسرحية، فهذه كلها ~~أشكال لا يدري الكاتب كيف يقيمها، دون أن تكون مادته الخاصة أفرادا ~~بتفرد شخصياتهم، ومواقف بتفرد عناصرها؛ أعني أنها أشكال تلزم ~~الأديب إلزاما، بأن يعرض نماذجه البشرية والواقعية؛ بحسناتها ~~وسيئاتها، لكن الأمر لا يخلو، لا، بل إنه ليزدحم بأمثلة تبين كم ~~يحن أديبنا الجديد إلى تقاليد كانت مقبولة إلى حد ما في الشعر كما ~~كان وفي النثر كما كان، لكنها لم تعد مقبولة في الأشكال الأدبية ~~الجديدة التي اصطنعناها؛ وذلك أننا كثيرا جدا ما نجد أديب الرواية ~~وأديب المسرحية يشيع في الرواية أو في المسرحية تبشيرا سياسيا، أو ~~دينيا أو قوميا، وكأن الذي يكتبه هو من قبيل «المنشورات» الدعائية، ~~فيحكم ذلك على أدبه بالسقوط. نعم، إن للأديب مذهبه وعقيدته الدينية، ~~ووطنه، وهنالك الوسائل لعرضها بكل ما أراد من إخلاص وقوة، كوسيلة ~~«المقالة» السردية (وهي شيء غير المقالة الأدبية)، أما إذا تصدى ~~للأدب في أي شكل من أشكاله؛ تحتم عليه أن يتنصل من مذهبه، ~~وعقيدته، ووطنيته، ليفرغ إلى شيء واحد، هو دراسة الإنسان على طبيعته ~~وحقيقته، كما يظهر في تفاعلاته مع الأشخاص الآخرين، ومع المواقف التي ~~يقف إزاءها وهو على طريق الحياة، فيما يرسمه من حياة في روايته أو ~~مسرحيته. وحقا قد وفق كثيرون من أدبائنا اليوم في بلوغ التصور ~~الأدبي الصحيح، سواء من أجاد التحليل والتصوير بعد ذلك، ومن قصرت به ~~موهبته دون إدراك المدى. ولا أريد أن أترك هذا السياق، دون أن أثبت ~~الرأي ذاته في شعر شعرائنا اليوم، فلقد وقعوا كذلك في إدراك الهدف ~~الصحيح، وهو أن يكون الأدب تصويرا للواقع لا تبشيرا بالمثال، إلا ~~أنهم كذلك كان منهم من وفق إلى الشكل الصحيح مع الهدف الصحيح، ~~ومنهم من قصر دون ذلك. ms228 # وما الذي يدعو ثقافتنا بكل أشكالها إلى النفور من «الواقع» والجنوح ~~نحو «المثال»؟ أهو السبب نفسه الذي تأثر به العربي القديم؟ وأعني به ~~تأثره بالصحراء في طلاقتها ولا نهائيتها، أم هو سبب آخر استحدث له ~~مع الزمن؟ وإنني لا أميل إلى إلقاء التبعة على قوة السلطان من جهة، ~~وضغط الرأي العام من جهة أخرى، وعلى أي الحالتين، فهو «الخوف» ومعه ~~«الطمع» اللذان يفعلان في نفوس الأدباء فعلهما؛ فيصوروا في أدبهم ما ~~لا يرونه، لا في حياتهم هم، ولا في حياة الناس؛ فأما الخوف من الأذى ~~فيأتي من ذوي سلطان أو من غضبة الرأي العام، والرأي العام في ذلك أعنف ~~وأشد تأثيرا؛ فلئن كان ذوو السلطان حريصين على مذاهب سياسية بعينها، ~~يريدون لها الظهور علانية فيما تكتبه الأقلام؛ فإن الرأي العام يريد ~~أن يرى التقليد الأدبي قائما من حيث الإشادة بالمثال في كماله، وغض ~~النظر عن الواقع في نقصه. ولما كانت قوة المذاهب السياسية تظهر ~~وتختفي، في حين أن التقليد الأدبي راسخ بطيء الزوال؛ كانت غضبة الرأي ~~العام أقسى على الأديب وأفعل، وحتى أعلامنا الكبار في الجيل الماضي وفي ~~هذا الجيل الحاضر؛ قد يأخذهم الإخلاص للإبداع الأدبي، فيلتزمون واقع ~~الحياة كلها في الجنس الأدبي الذي يكتب فيه، ولكنهم في كثير من ~~الحالات «طمعوا» في رضا الرأي العام، بالإضافة إلى ما كان يساورهم من ~~«خوف»؛ فأداروا ظهورهم لما بدءوا به، وتفرغوا للأداء الأدبي على صورة ~~تزيل عنهم ذلك الخوف، وتحقق لهم عند عامة الجمهور «حسن السير ~~والسلوك». # | هي جملة ينقصها الفعل # كنت وصديقي في غرفة المكتب من منزلي، فلقد تفضل بزيارتي بعد غياب ~~طويل، ربما امتد به أكثر من عشرين عاما، وللمصادفات أحيانا لعبة ~~تجيدها إذا هي رسمت خطتها لاثنين لا تريد لهما لقاء، فواحد منهما ~~يجيء ليجد الآخر قد ذهب منذ قليل، أو هو قد يذهب فإذا الآخر قد جاء بعد ~~ذلك بقليل. ويبدو أن الروائي الإنجليزي «توماس هاردي» (في أواخر القرن ~~الماضي) قد التقط هذه المكيدة التي كثيرا ما تحبكها ms229 المصادفات في حياة ~~الناس، فعول عليها في بنائه الروائي، فيدوخ الحبيب في البحث عن ~~مستقر حبيبته بعد أن غابت عنه في زحمة الحياة، ويقضي في البحث عنها ~~أعواما، حتى إذا ما اهتدت قدماه آخر الأمر حيث تقيم في بلد بعيد، ~~وقرع بابها خرج له من ينبئه بأنها كانت تسكن هنا، ولكنها رحلت أمس إلى ~~حيث لا يدري! # وكنت يوما ما بعيدا، قرأت لناقد يأخذ على هاردي مبالغته في ~~معاكسات الصدف، ولكن حياتي علمتني أن «هاردي» كان أصدق لمحا ~~بطبيعة الحياة من ناقده. # وأيا ما كان الأمر، فقد شاءت لنا المصادفات - أنا وصديقي الذي ~~أحدثك عنه الآن - شاءت لنا أن أسافر حين يعود هو من سفر، أو أن يسافر ~~حين أعود! وأخيرا حدث هذا اللقاء وجلسنا جلسة طويلة في غرفة المكتب ~~من منزلي، ولما كانت خبرات حياتنا الماضية متشابهة إلى حد كبير، ~~فقد وردت مشكلة التعليم في غضون الحديث، وتناولنا أطرافها أخذا ~~وردا. # لم نرد تفاؤلا، ولم نرد تشاؤما، ولكننا نضحنا القول من وعاء ~~خبرة طويلة بشبابنا في قاعات الدرس، فالتزمنا الوقائع كيف وقعت، ~~وبالطبع لم يكن حديثنا أكثر من حديث بين صديقين حميمين يجري من هنا ~~إلى هناك، ومن هناك إلى هنا كما اتفق، فلا خطة للسير، كلا، وما كان ~~ينبغي لها أن تكون، لكن ذلك السمر الحر لم يمنع أن تكون مشكلة التعليم ~~موضوعا بيننا يدور حوله الحوار! وجاءت لحظة بدا فيها كأنما طرق ~~الكلام قد سدت في وجوهنا! ومضت بيننا هنيهة صامتة، نقرت بعدها ~~بأطراف أصابعي على ذراع مقعدي، وقلت، وكأني أشد القول من بئر عميقة ~~القرار، قلت هذه الكلمات الثلاث، ولم أدر للوهلة الأولى لماذا قلتها، ~~وهي: اسم، وفعل وحرف! قلتها هامسا. # قال صديقي ضاحكا: ما هذا الذي تحدث به نفسك؟ فأعدت النطق ~~بالكلمات الثلاث، لكنني أحسست بها هذه المرة وكأنها أضاءت بمعناها! ~~فلما عاد إلي صديقي ليسألني: ولماذا ذكرت هذه الكلمات الآن؟ قلت له: ~~ألا تعرفها؟ قال: كيف لا أعرفها وهي أول ما تعلمناه؟! وذلك حين ms230 قيل ~~لنا منذ اللحظة الأولى في طريقنا الدراسي: الكلام اسم وفعل وحرف. وهنا ~~استطردت قائلا: تعال معي نتأمل هذا التقسيم جيدا، فيخيل إلي ~~أنني أرى في ثناياه قبسا من نور، لعله يضيء أمامنا وجه النقص في ~~تعليمنا! بل ربما في حياتنا كلها بصفة عامة! إن لغة الناس إنما هي ~~انعكاس لحقائق الأشياء في دنيا الواقع، وذلك من وجهة النظر الخاصة التي ~~تميز قوما تحيط بهم بيئة معينة، من قوم آخرين تحيط بهم بيئة أخرى، ~~إلا أنه على تعدد الأقوام وبيئاتهم ولغاتهم؛ فإن علماءهم جميعا، ~~حين تناولوا جسم اللغة بالتحليل والتشريح، اتفقوا على هذه الأصناف ~~الثلاثة في مفردات اللغة: ففيها أسماء تشير إلى الكائنات، فهذا جبل، ~~وذلك نهر، وتلك شجرة، وهلم جرا، لكن تلك الكائنات لم تخلق لتسكن ~~في مكانها، بل هي في حركة، والحركة فعل، ومن هنا كانت في اللغة مجموعة ~~ضخمة من المفردات جاءت لتشير إلى الكائنات من حيث هي أشياء، لكل شيء ~~منها طبيعته التي تلازمه، سواء أكان ساكنا أم كان متحركا فاعلا، بل ~~جاءت لتشير إليها في حالات نشاطها وحركتها وفعلها، متأثرة بما حولها ~~أو مؤثرة فيه، وذلك هو ما يؤديه الفعل من الأقسام الثلاثة التي ~~ذكرناها، وأما القسم الثالث، الذي أسميناه «بالحرف» فإنما أريد ~~لمفرداته أن تشير، لا إلى الأشياء التي سميناها بأسمائها، ولا إلى ~~«الأفعال» التي تنشط بها تلك الأشياء في تيارات وجودها، بل أريد ~~لمجموعة المفردات التي ندرجها تحت قسم «الحرف» أن تشير إلى «العلاقات» ~~التي لا بد أن تكون هناك لتصل الأشياء بعضها ببعض، فإذا قلنا: ~~«التفاحة» في «الطبق»، عرفنا العلاقة بين شيئين، هما التفاحة ~~والطبق. # الكلام - إذن - اسم نسمي به الشيء، وفعل نصف به حركته، وحرف ندل ~~به على العلاقة بين شيء وشيء، وتتعدد الأسماء بتعدد الكائنات، ~~وتتعدد الأفعال بتعدد ضروب الحركة، وتتعدد الحروف بتعدد ~~العلاقات بين الأشياء، وهكذا ينتهي بنا الأمر إلى أن يكون حولنا وجود ~~معقد النسج، فقابلناه نحن بلغة تعقد نسجها خيوطا لتجيء صورة تطابق ~~ما تصوره. # قال صديقي ms231 وشفتاه منفرجتان عن ابتسامة عرفتها فيه وعرفت ماذا يعني ~~بها، قال: ثم ماذا؟ # فأجبته قائلا: صبرا، إنني لم أكمل حديثي؛ وأود أن أضيف إلى ما ~~ذكرته، أنه وإن يكن «الفعل» في الجملة التي يرد فيها يدل على حركة ~~الحدوث فيما يحدث، كأن نقول عن أطفال إنهم «يلعبون» في فناء المدرسة؛ ~~فإن المتأمل لما نعده «اسما» - كائنا ما كان المسمى - مثل: ~~قط، طائر، كتاب، ملعقة، منضدة، وما إليها من أسماء، أقول إن المتأمل ~~لأي اسم من هذه الأسماء يجده منطويا على فعل ما، وفي ظني أن من ~~يعرف اسما من تلك الأسماء؛ فإن معرفته تلك لا تكتمل إلا إذا شملت ~~معرفته بالطريقة أو الطرق التي يدخل بها الشيء المسمى بذلك الاسم ~~في حياة الإنسان، كأن يعرف ماذا عسانا فاعلين بذلك المسمى في ~~حياتنا العملية أو الفكرية، وإذا لم يكن الأمر كذلك؛ فما الذي دعا ~~الإنسان بادئ ذي بدء أن يطلق اسما على شيء لم يدخل في حياته بأي ~~وجه من الوجوه؟ فالذي أريد أن أقوله باختصار، هو أن اللغة بكل جملة ~~يقولها إنسان؛ إنما هي وثيقة الصلة بفعل ما يؤديه إنسان ما من أبناء ~~تلك اللغة، فإذا وجدت في كلام الناس، أو فيما يكتبونه، عبارة أو ~~عبارات، لا تؤدي بطبيعتها إلى عمل يؤدى، أو سيؤدى، أو يمكن عقلا ~~وخيالا أن يؤدى؛ فاعلم أنها لغو فارغ. # فقال صديقي، وشفتاه لم تزالا منفرجتين عن تلك الابتسامة المداعبة: ~~إنني ما زلت أسألك: ثم ماذا؟ لقد كنا نتحدث عن التعليم ومشكلته في ~~بلادنا! فما شأن هذا باللغة وأسمائها وأفعالها وحروفها؟ ما شأن هذا كله ~~بما كنا نتحدث فيه؟! # قلت له: العلاقة وثيقة يا صاحبي؛ فعملية التعليم في بلادنا تملأ رءوس ~~الطلاب بمجموعات من ألفاظ اللغة مفردة ومركبة، ولا فرق في ذلك بين أن ~~تكون المادة العلمية المدروسة، من الطب أو من الفلسفة أو التاريخ، أو ~~القانون أو ما شئت، وكان المفروض في ذلك المخزون اللفظي الضخم أن يخرج ~~إلى دنيا العمل والتطبيق، والذي يحدث هو ms232 أن بعض الدارسين يحققون ذلك، ~~وكثرة غالبة منهم لا تحققه، ومن هنا جاءت مشكلة التعليم في بلادنا؛ ~~إننا نعلم الطلاب مادة علمية صحيحة، لكن معظم الطلاب لا يتعلمون، ~~بمعنى أنهم لا يخرجون مشحونات أدمغتهم إلى دنيا الحياة العملية ~~الجارية، فإما أن تكون علة ذلك في الطريقة التي علمناهم بها، وإما أن ~~تكون في الطريقة التي عالجوا بها ما قد تعلموه. # وهنا حانت مني التفاتة غير مقصودة، إلى ظهر مكتبي، فرأيت عليه ~~أطلسا جغرافيا وفوقه موسوعة. إنه لمن النادر أن أرجع إلى تلك ~~الموسوعة، وأندر منه أن أراجع الأطلس الجغرافي في شيء، لكن هكذا شاءت ~~المصادفات أن يجتمع الاثنان على ظهر مكتبي، فلما رأيتهما لمعت في ~~رأسي فكرة أوضح بها لصديقي ما أردت أن أقوله، فقلت: # انظر يا صديقي إلى هذا الأطلس الجغرافي، وإلى الموسوعة من فوقه، فأما ~~الأطلس ففيه ما يصور لنا الكوكب الأرضي وما عليه، وأما الموسوعة ~~ففيها ما يصور العقل الإنساني وما يحتوي عليه من علوم ومعارف، ولاحظ ~~أن كليهما «صورة» لما يمثله، وليست الصورة هي نفسها الشيء الذي جاءت ~~تلك الصورة لتصوره؛ فليس ما تراه على صفحات الأطلس هو بذاته عالم ~~الأرض التي نعيش عليها، كلا، ولا الذي نراه على صفحات الموسوعة هو ~~نفسه العلوم والمعارف حين تؤدي أدوارها في حياة الإنسان، فانظر - مثلا ~~- إلى خريطة «مصر» في الأطلس؛ تر النيل خطا رفيعا متعرجا، ~~والقاهرة نقطة سوداء صغيرة في موضعها المعروف، لكن النيل الحقيقي ~~ممتلئ بالماء، وعلى سطحه تسير السفن مبحرة ومقبلة، والقاهرة ~~الحقيقية ليست نقطة صغيرة ترسمها سن القلم، إنما هي تزدحم باثني ~~عشر مليونا من البشر، وتنهض فوق أرضها ما لست أحصيه من شوارع وعمارات ~~وجسور ووسائل للمواصلات؛ إنها عالم زاخر بالحياة، ودع عنك الآن ما ~~تضطرب به صدور ساكنيها من مشاعر الفرح والحزن، والرضا والسخط، ~~والانفراج والضيق، فما أبعد الفرق بين نقطة المداد السوداء على ~~الخريطة وذلك البحر الطامي من أمواج البشر! وهكذا الشأن في الموسوعة، ~~فها هنا حروف وكلمات وجمل وفقرات، وكلها ترقيمات ms233 سوداء على ورق، لكن ~~هذه النقوش المنقوشة بمداد المطابع، إنما جاءت «لتصور» فكرا وعلما ~~ومعرفة بالكائنات، والفرق بعيد بعد الأرض عن السماء، بين ترقيمات ~~منقوشة تراها العين على صفحات من ورق وما جاءت لتصوره من «فكر»؛ ~~فالفكر الحي ليس شيئا يخزن، بل هو فاعلية تنسكب في فعل يغير ~~الدنيا ويقلقل الجبل من مربضه؛ لتصبح أحجاره مساجد ومعابد ومطارات ~~وعمارات، وغير ذلك من ضروب الفعل الذي هو كامن في تلك الأحرف المرقومة ~~على أوراق تلك الموسوعة. # والآن يا صديقي، تصور مجموعة من الديدان قد تسللت إلى أوراق ~~الأطلس والموسوعة، وأكلتها حتى امتلأت بها بطونها، فهل نقول: إن تلك ~~الديدان ما دامت قد حوت في أجوافها صور الكوكب الأرضي وما ينهض على ~~سطحه من جبال أو يجري من أنهار؛ فقد حوت بذلك كوكب الأرض وما عليه، وما ~~دامت تلك الديدان قد ملأت بطونها بما سطر على صفحات الموسوعة من ~~علوم ومعارف؛ فقد سيطرت بذلك على تلك العلوم والمعارف؟ وعفوا يا ~~صديقي، فما أردت بأبنائنا وشبابنا سخرية، أستغفر الله، فهم هم، أملنا ~~في مستقبل نرجوه، لكن صورة الديدان وهي تأكل الورق وما عليه، على ~~بشاعتها، قريبة الشبه بطلابنا حين يخرجون من جامعاتنا وقد «حفظوا» ~~أو قل «احتفظوا» أو «اختزنوا» في صناديق رءوسهم شيئا مما تلقوه ~~سامعين أو قارئين. وكنت أتمنى أن يقف الخطر عند هذا الحد من سوء ~~الحال، إلا أن الحال أسوأ في حالات كثيرة جدا، وذلك حين يتحول ~~المسموع أو المقروء إلى أخلاط عجيبة من اللفظ، فيفقد اللفظ كل ~~معناه، ومع ذلك فالطالب لا يلحظ أنه قد كتب كلاما بغير معنى، ومن لا ~~يصدق هذا فليراجع أوراق الإجابة عند امتحان الطلاب، ثم نغض النظر ~~عن هذا كله، ولنفرض أن صورة سوية من لفظ مفهوم هي التي خرج بها الطالب ~~من جامعاته؛ فهل تقول عنه إنه قد «تعلم» شيئا، إلا بمقدار ما يكون ~~قادرا على تحويل ذلك المحفوظ إلى «فعل» يجريه في دنيا الناس ~~لتتغير به نحو الأفضل والأنفع والأرقى، وإلا كان ms234 كمن سكن في جوف هذا ~~الأطلس الجغرافي، فظن أنه يمرح فوق الكوكب وما يحمل على ظهره، وسكن ~~كذلك في قلب هذه الموسوعة فحسب أنه هو الذي أقام الحضارة بكل ما ~~يتجسد في عمرانها من علم وفكر وفن. # الفرق بعيد بين من يعيش في حصن مغلق الجدران، قوامه مفردات من ألفاظ ~~اللغة، ومركبات من تلك المفردات، وإما أن يبقيها مكتوبة في صحائفها، ~~وإما أن ينقل بعضها ليحفره على ألواح ذاكرته، ولا فرق في هذه الحالة ~~بين أن تكون المادة الفكرية المرصودة في تلك القمائم شعرا أو نثرا، ~~فقها أو نحوا وصرفا، من علوم الفلك والجبر والحساب، أو من علوم ~~الكيمياء والضوء والنبات، أقول إن الفرق بعيد بين من يعيش في برج ~~مصمت قوامه مخزونات لغوية في الكتب أو في جماجم الرءوس، وبين إنسان ~~آخر عنده ما عند الأول، لكنه يخترق به جدران الحصن، ليحيا به في دنيا ~~الأشياء، والأحداث والمواقف؛ فالأول يمكن وصفه بأنه أشبه بمن يتمتم ~~بجملة ينقصها «الفعل» بمعنى أنها جملة جمدت على نفسها كقطعة الحجر! لا ~~تحمل صاحبها على سلوك يسلكه في دنيا الواقع؛ ليحقق به لنفسه وللناس ~~نماء وازدهارا، وأما الثاني، الذي يحصل ما يحصله من معارف ~~وعلوم مصوغة في أبدانها اللغوية أو الرقمية أو ما شاءت لها طبيعتها من ~~رموز؛ لا ليقف عندها مكتفيا بها، بل ليخترقها إلى عالم التطبيق، ~~وإني لأزعم - يا صديقي - أن مصدر العجز كله في نظم التعليم في بلادنا، ~~هو أنها تخرج شبابا من نموذج الإنسان الأول، الذي يقضي حياته في ~~محفوظاته، وعلى الآخرين من أبناء النموذج الثاني أن يتولوا عنه شئون ~~الحياة العملية في إطار العصر وحضارته. # وربما احتاج هذا التعميم الذي أطلقناه إلى شيء من القيود؛ إذ ربما ~~كان ما يصدق على الكليات التي يسمونها كليات «نظرية» لا يصدق على ~~الكليات التي يسمونها «عملية»، فقد تكون هذه الكليات العملية قد ~~أعدت إعدادا يتيح للمتخرجين فيها أن يخوضوا ميادين العمل، وألا ~~يقفوا عند مجموعات من محفوظات محنطة، وأن هذه الصفة مقصورة ms235 على بعض ~~الكليات «النظرية»؛ لأن بعضها الآخر شأنه شأن الكليات «العملية» من حيث ~~تخريجها شبابا مستعدا بما قد تعلمه أن ينزل به إلى ميادين العمل، ~~رغم أن موادها الدراسية تدور حول محور الإنسان في حياته الاجتماعية. ~~وإذا كان الأمر كذلك، كان العيب الذي ذكرناه مقصورا على قلة قليلة من ~~الدراسات التي لا يعلم دارسوها أنفسهم أين وكيف يكون لها تطبيق أو ما ~~يشبه التطبيق. # ولست أشك في وجوب هذا التحوط؛ حتى لا نندفع وراء تعميمات جوفاء، ~~ومن ذا الذي لا يعلم أن كثيرا جدا من شئون الحياة العملية، من طب ~~وهندسة، واقتصاد وتشريع وتعليم وغير ذلك، من جوانب الحياة، لا في مصر ~~وحدها، بل على امتداد الوطن العربي طولا وعرضا، ثم إلى كثير مما ~~يجاوز حدود الوطن العربي؛ إنما يضطلع به من تخرجوا في نظام التعليم ~~المصري؟ فإذا كان ذلك كذلك فأين يكون موضع القصور؟ ولماذا نقول إن ~~الموقف كله شبيه بمن حفظ جملة ينقصها الفعل أو بمن عاش داخل صفحات ~~الأطلس الجغرافي وفوقه موسوعة، فظن أنه أمسك بزمام الأرض وما عليها ~~والعقل وما حوى؟ # وها هنا نشير إلى خيط رفيع يفصل بين حالتين قد تتشابهان في الظاهر، ~~أما في حقيقة الأمر؛ فهما مختلفتان اختلافا بعيدا، خذ مثلا رجلين ~~من رجال الطب، كلاهما تخصص في جراحة القلب، ومهر في استخدام المناظير ~~وغير المناظير، وفي نقل جزء من شريان في موضع آخر من الجسم، ليوضع ~~مكان شريان في القلب أصابه عطب، خذ هذين الرجلين مثلا، وافرض أن ~~أحدهما هو الذي صمم فكرة المنظار، والذي قام بالتجربة الأولى في نقل ~~جزء شرياني من موضعه إلى موضع آخر من الجسم المريض، فلما نجح هذا ~~كله على يديه، جاء الثاني وسار على إثره خطوة خطوة، فكلا الرجلين ~~بعد ذلك يتساويان في إجراء عمليات القلب الناجحة، ولكن هل يتساويان في ~~الجوهر التعليمي، الذي أدى بالأول إلى إبداع طب جديد وجراحة جديدة، ~~والنظام التعليمي الذي أدى بالثاني إلى أن ينتظر حتى يفرغ الأول من ~~إبداعه، لينقله ms236 ويدرسه، ويمهر فيه؟ ووسع هذه الصورة حتى تمتد لتشمل ~~أوجه الحياة كلها؛ تجدك أمام مجموعتين مختلفتين من الناس: الأولى ~~ترتفع ببنيان الحضارة، بالجديد الذي تبدعه في شتى ميادين الحياة ~~علما وعملا، في حين تنتظر الثانية بخيرة أبنائها ممن خرجتهم ~~الكليات «العملية» ليكون قصارى جهدها أن تنقل عن الأخرى ما تحاكيه! ~~وبهذا نكون قد عدنا إلى «حفظ» ما أنتجه الآخرون! وكل ما في الأمر هو ~~أن بعضنا يحفظ ويخرج بما حفظه إلى عالم التطبيق، وبعضنا الآخر يحفظ ~~أيضا، ثم يكتفي بذلك المحفوظ دثارا يتلفع به. # كانت أوروبا في عصورها الوسطى يغلب على حياتها الفكرية نموذج التخزين ~~في رءوس «العلماء» بمحفوظات من أقوال ورثوها من أسلافهم، وكانوا ~~يخزنون ما يخزنونه في رءوسهم، لا ليعيشوا به، ولا ليزرعوا به ~~وليصنعوا به ما قد تتطلبه الحياة العملية من صنائع، بل هم يخزنونه ~~لفظا ليدوروا في دوامته، فيولدوا قولا من قول، ويخرجوا جملة من ~~جملة، وكان القادرون على مثل هذا الدوران في عالم اللفظ المحفوظ هم ~~«العلماء»، فلما استيقظت أوروبا من ذلك السبات، سمعت رجلا يصيح بهم ~~قائلا: «العلم قوة» وربما حسبوه قاصدا بعبارته تلك شيئا من بلاغة ~~التعبير، لكن الرجل قد أراد المعنى الحرفي الدقيق بعبارته؛ فالعلم ~~علم بما يستطيع الناس به أن يصنعوه، وليس من العلم في شيء ما لا ~~يعينك على استخراج القوانين التي تجري ظواهر الطبيعة بمقتضاها، لتملك ~~زمامها وتسخرها لصالح الإنسان، وبهذا يصبح للعلماء «قدرة» على ~~إلجام الأشياء وتشكيلها على نحو ما يريدون لها أن تكون؛ العلم «قوة» ~~أين منها قوة الحديد والنار؟! كان الصوت البشري لا يبلغ الأذان إلا ~~بضعة أمتار، فجاءت قوة العلم لتجعله مسموعا في شتى أرجاء الأرض، بل ~~في كواكب السماء، وكانت العين لا ترى إلا ضوءا يجيئها من مجال لا ~~يجاوز بضعة كيلومترات، فجاء العلم بقوته ليمكن العين البشرية من أن ~~تبصر ضوءا يبعد مصدره عنها بما مسافته أربعة عشر ألفا من ملايين ~~الوحدات التي تسمى كل وحدة منها بالسنة الضوئية؛ أي ما يقطعه الضوء ms237 ~~في سنة، وكانت ... وكانت ... ثم جاءت قوة العلم فصارت ... وصارت ... # العلم قدرة على فعل ما لا يستطيع غير ذي علم أن يفعله في تسخير ~~القوى الكونية لصالح الإنسان ثم تتلو هذه الدرجة درجة أدنى، يمثلها ~~من ليس في وسعه المبادأة بقوة العلم، فيأخذ تلك القوة نقلا عمن كشف ~~عنها، وهناك في أدنى درجات السلم تجد أولئك الذين ينقلون عن سواهم ~~علما بمجموعة لفظية لا تسخر صوتا ولا ضوءا ولا كهرباء، وتلك هي ~~الحالة التي لخصتها بقولي إنها جملة ينقصها الفعل؛ أي إنها معرفة لا ~~تنفع في أن يفرض الإنسان سلطانه على الأشياء. # قال صاحبي، ولم تكن شفتاه هذه المرة منفرجتين عن ابتسامة ~~المداعب، بل كانتا مزمومتين زمة الجد، قال: ما زلت أسألك يا ~~صديقي: ثم ماذا؟ إن في كلامك ما يفيد ويقنع، ولكننا كنا نتحدث عن ~~مشكلة التعليم في بلادنا، فماذا تريدنا أن نفعل لإنقاذ التعليم من ~~مشكلته التي هي عجزه عن تخريج «المتعلمين» فضلا عن إضافته إلى ~~المتعلم «ثقافة»؟ # أجبته قائلا: إن حجر الزاوية فيما يخرج تعليمنا من مشكلته هو أن ~~ندرب المتعلم في كل مراحل تعليمه وفي كل مادة يتعلمها وفي كل ~~يوم وفي كل درس، أن نعلمه كيف يبحث عما وراء الكلمات التي يسمعها من ~~معلمه أو من أستاذه أو الكلمات التي يقرؤها في كراسته أو في مذاكرته ~~أو في كتابه، أن يبحث وراء الكلمات أينما وقعت له، عما وراءها مما ~~جاءت تلك الكلمات لتشير إليه، وأعني ألا يقف عند الكلمات وكأنها محطة ~~الوصول كما هي محطة القيام، فإذا قويت عنده عادة أن يبحث وراء أي ~~لفظ عن معناه شريطة أن يفهم المعنى على أنه حقيقة من حقائق الدنيا؛ ~~جاءت الكلمات لتشير إليها؛ أقول إنه إذا قويت عنده هذه العادة، اعتاد ~~في الوقت نفسه إهمال ما ليس وراءه فعل، ولتكن المادة المدروسة ما تكون؛ ~~فهي مطالبة بأن ترشد من يتعلمها إلى ما يفعله وكيف يفعله، في عالم ~~الأشياء حتى الدراسات التي قد نتوهم أول الأمر أنها «نظرية» ms238 - كما ~~يسمونها - فهي في آخر الأمر لو أحسن تعليمها انتهت بصاحبها إلى ~~«فعل» يغير به وجه الدنيا إذا أراد واستطاع، فإذا هي لم تفعل كانت ~~عبثا في عبث، قد يظن - مثلا - أن موضوعا كمبادئ الأخلاق وما يقام ~~عليها من تحليلات واستدلالات هو مسألة «نظرية» نقرأ عنها ثم نطوي ~~الكتاب وكأن أمرا لم يقع، ولا أمرا يراد له الوقوع؛ لكننا في ذلك لم ~~نكن في حاجة لفيلسوف أخلاقي مثل أرسطو أن ينبهنا منذ الصفحة الأولى من ~~كتابه «الأخلاق» على أن الخلق الفاضل إنما هو سلوك يدرب عليه ~~الإنسان؛ حتى يصبح عادة، وليس مجرد نظرية تقال أو تكتب، فالفضائل ~~«عادات» يربى عليها من يعتادونها؛ أي إنها فعل وليست كلاما في كلام، ~~وإذا أردت مثلا آخر من دنيا الأدب والفن؛ فاعلم أن قصيدة الشعر ~~الجيدة إذا عرفت بعد تدريب كيف تقرؤها بحيث تحس بنفسك وكأنما أنت في ~~جلد الشاعر نفسه ترى بعينيه، وتسمع بأذنيه، وينبض قلبك بما ينبض به ~~قلبه؛ فعندئذ تصبح، على الأقل في أثناء الفترة التي تقضيها مع ~~الشاعر، تصبح وكأنك إنسان آخر هو الشاعر، وبالطبع سترتد إلى نفسك ~~بعدها، ولكن بعد أن تكون قد رسخت فيك لفتة وجدانية لم يكن لك بها عهد ~~من قبل! وتتكرر اللفتات، ويضاف بعضها إلى بعض، فإذا أنت غير ما كنت ~~في رهافة الحس. # قلت لصاحبي: أظنني قد ذكرت لك ما قاله «هيوم» حين أراد أن يؤكد ~~رأيه بأنه لا خير في كلام إذا لم تكن فيه طبيعة المعرفة العلمية؛ إذ ~~قال عبارته المأثورة: خذ كتب المكتبة كتابا كتابا واسأل مع كل كتاب ~~منها: أهو يحتوي على شيء من علوم الطبيعة؟ فإذا كان الجواب بالنفي، ~~فاسأل: وهل هو يحتوي على شيء من علوم الرياضة؟ فإذا كان الجواب بالنفي ~~مرة أخرى فقل: إذن ألق به في النار. # لكنني، يا صديقي، لا أريد هذه الصيغة من القول، وأريد تعديلا لها، ~~يصلح أن يكون مفتاحا لنظام تعليمي منتج، وهو هذا: خذ كل ما تسمعه أو ~~تقرؤه في مجال ms239 الدرس، واسأل نفسك: هل هو مما ينتهي بالإنسان إلى «فعل» ~~يرتقي به الإنسان؟! فإذا جاءك الجواب بالنفي، فصم عنه أذنيك وأغمض ~~عنه عينيك. # | وفيك انطوى العالم الأكبر! # من قرأ شيئا لأبي العلاء المعري في تدبر وتأمل، وارتفع معه ~~إلى حيث يرتفع بنفسه حتى ليوشك أن يجاوز الشمس؛ أدرك كم هو فريد متفرد ~~في تاريخ الثقافة العربية من أقدم قديمها إلى أحدث حديثها! وهو إذ ~~ينفرد وحده في ذروة الذرى، إنما يستقطب في شخصه خصائص العقل العربي ~~والوجدان العربي في آن معا؛ وليس في ذلك تناقض؛ فكثيرا ما يضع ~~النوع الواحد من أنواع الكائنات الحية، بل من صنوف الجماد، يضع خلاصته ~~في صفوة منه؛ ما يذكرنا بقول الشاعر الذي قال عمن أراد مدحه وتمجيده ~~إنه وإن يكن إنسانا من الأناس؛ فإنه يفوقهم، فهو في ذلك شبيه بالمسك ~~يتكون من دم الغزال، لكنه مع ذلك أرفع شأنا من الدم الذي تكون ~~منه: # فإن تفق الأنام وأنت منهم # فإن المسك بعض دم الغزال # وهكذا أرى المعري بالقياس إلى سائر النفائس من بدائع الثقافة العربية ~~جميعا؛ ففيه تحققت صفوة الصفوة من ثقافة كان لها مجدها وقوتها، ~~ولكنها رغم هذه القوة وذلك المجد، أو قل إنها بسبب هذه القوة وذلك ~~المجد؛ فتحت ذراعيها إبان القرن الثالث الهجري على وجه الخصوص (التاسع ~~الميلادي) ترحيبا بالضياء يأتيها من شرق ومن غرب، وكان مع الضياء ~~غذاء؛ فاقتات المثقف العربي بذلك كله على درجات تتصاعد ما تصاعدت في ~~الأفراد مواهبهم وقدراتهم، حتى إذا ما انحنى القرن الرابع الهجري ~~بأواخره ليدخل الخامس؛ ظهر ذلك العملاق الجبار أبو العلاء المعري؛ ~~ليبلغ من تلك الدرجات الصاعدة أعلاها؛ ومن تلك القمة السامية أرسل ~~البصيرة - ولا نقول البصر - ليجوب بها أقطار السماء وأرجاء الأرض، ~~ولينفذ بها إلى سر الحياة في الإنسان وما هو أخفى من السر؛ فمرة يعلو ~~به ومرة يسفل به ، ولا غرابة، ففي الإنسان أحسن تقويم، وفيه ما يهوي به ~~إلى أسفل سافلين؛ وهكذا شاء له ربه، وسبحان الله رب العالمين. # وفي ms240 إحدى لحظات تمجيده للإنسان، قال المعري متجها بقوله إلى ~~الإنسان، صائغا كلماته في نبرة العاتب: أتزعم عن نفسك وعن الناس معك، ~~أنك في هذا الكون العظيم هباءة صغيرة أو أقل من الهباءة شأنا، في حين ~~أنك إذا ما وزنت قدرك بميزان صحيح، وجدت ذلك الكون العظيم الذي قرنت ~~نفسك إلى أطرافه المترامية، فرأيت فيها صغرا وضآلة، أقول أنك إذا ما ~~أحسنت الميزان، لوجدت ذلك الكون بكل عظمته إنما هو جزء منك منطو ~~فيك: # أتزعم أنك جرم صغير # وفيك انطوى العالم الأكبر؟ # وما أحوج الثقافة العربية في زماننا هذا إلى ألف ألف بوق من أضخم ~~مكبرات الصوت ليقرع الأسماع بهذا السؤال المهذب العاتب؛ لأن زماننا ~~هذا قد نكب في ثقافته بنكبات، كان أنكبها أن توافر عليها نفر من ~~أبنائها، يمسون مع الناس ويصبحون، في إيهامهم بأن الإنسان فوق هذه ~~الأرض، صغير، تافه، عاجز، لا عزم له ولا إرادة! فإذا شذ منا واحد ~~فانطلق مشاركا في فض الأسرار الكونية بالبحوث العلمية، قالوا له: ~~مكانك! فالعلم لله وحده جل وعلا؛ وإذا تحركت فيه العزيمة لينشئ ~~ويبني، صرخوا في وجهه قائلين: الزم حدك يا ابن آدم، فالإرادة في كل ~~ذلك لله وحده، سبحانه وتعالى؛ وبقول من هنا يتبعه قول، وبصرخة من ~~هناك تتلوها صرخة، استطاع هؤلاء السادة أن يشيعوا مناخا كثيف الضباب ~~يكاد يعمي بصر السائر عن رؤية قدميه؛ وكأن ثمة تناقضا أن يريد ~~ربنا - جلت قدرته - أن تكون للإنسان إرادته حتى يقام ميزان العدل ~~لحسابه على ما قدمت يداه من أفعال، يوم أن يكون حساب؛ وكأن هنالك ~~منطقا يمنع أن يكون لله العليم علم سابق بقدرة الإنسان على أن يعلم؛ ~~ونجح السادة إلى حد ملحوظ، في أن يصغر الفرد منا أمام نفسه؛ فقعد ~~متربعا على الأرض، لا حول له في تسيير سفائن العالم، منتظرا حتى ~~يتولى قيادتها سوانا، فمن لنا بمن يعيد فينا صيحة أبي العلاء ~~المريرة في عتابها اللائم: أتزعم أنك جرم صغير، وفيك انطوى العالم ~~الأكبر؟! # وعلينا - حقا - أن نقف هنا ms241 وقفة لنسأل: كيف انطوى العالم الأكبر ~~في هذا الجرم الصغير، الذي هو الفرد الواحد من أفراد الناس؟ .. واضح أن ~~«الانطواء» لا يراد به أن يتكور العالم ويتقلص في حبة صغيرة ~~يبتلعها الطاعم مع طعامه؛ وإذن فالأمر في هذا الانطواء، انطواء العالم ~~الأكبر في جرم صغير هو الإنسان، منصرف إلى أحد وجهين: فإما طريق ~~«العقل» وإما طريق «الوجدان»؛ في الحالة الأولى يتحول العالم الأكبر ~~إلى أفكار عنه، والأفكار - بالطبع - دنياها هي عقل الإنسان الذي ~~استخلصها لنفسه مما قد شهده في الكون من حوله؛ وفي الحالة الثانية ~~يتحول العالم الأكبر إلى «مشاعر» استثيرت مما عاناه الإنسان في ~~تعامله مع كائنات العالم، ومما خبره من ممارساته، نفعا وضرا، ~~ولذة وألما. وقد نستطيع رؤية الموضوع من وجه ثالث؛ هو التشابه في ~~التكوين بين الكون من جهة، والإنسان من جهة أخرى؛ تشابها حدا برجال ~~الفكر في تاريخنا الفكري، وفي ذلك التاريخ عند سوانا، أن يستخدموا ~~هاتين العبارتين: «الكون الأكبر» و«الكون الأصغر»، مشيرين بالعبارة ~~الأولى إلى «الكون» الخارجي، وبالعبارة الثانية إلى الإنسان؛ وفيم ~~يتشابهان؟ إنهما يتشابهان في جوانب كثيرة، أهمها أن في كل منها ~~جسدا وعقلا، أو قل: مادة وروحا؛ وأن يكون للعقل وللروح أن يوجها ~~وأن يعقلا ما يتصل بالجسد في ماديته؛ وكذلك هما يتشابهان في ~~واحدية البناء رغم كثرة العناصر المكونة له؛ فألوف الملايين من ~~الأجزاء - في كل منهما - منخرطة كلها في نسق واحد، يتجاوب فيه كل ~~جزء من أجزائه مع كل جزء آخر؛ ولقد اهتدى مبدعو الفن والأدب من هذه ~~النسقية المتساندة المتآزرة بعضها مع بعض؛ في أن جعلوها مبدأ يحتكم ~~إليه في تمييز الجيد من الرديء من مبدعات في ذينك المجالين؛ وهو ~~ما أصبحنا نطلق عليه في عالم النقد اسم «الوحدة العضوية». # على أن الصلة الفريدة التي تجعل للإنسان مكانته الممتازة في هذا ~~الكون العظيم، هي - كما أراها في تواضع شديد - «الوعي» الذي يعي به ~~نفسه، ويعي به من هذا العالم المحيط به، ما يمكنه من أن يحتويه طي ~~نفسه، وكأنه خاطرة ms242 من خواطرها؛ وهنا نستطرد في القول قليلا؛ لنلقي ~~الأضواء الشارحة على هذه العبارة المجملة؛ فما من قارئ للقرآن الكريم، ~~أو منصت لآياته، إلا ويحفظ الآية الكريمة: # الله نور السماوات والأرض ... ~~(إلى آخر آية ~~النور)؛ لكن المعنى الذي يسبق إلى ذهن القارئ أو السامع لكلمة «النور» ~~هو - في أغلب الحالات - ذلك المعنى المأخوذ من الخبرة اليومية ~~المباشرة؛ وأعني النور كما نراه في ضوء المصباح، أو القمر، أو الشمس، ~~أو غيرها من مصادر النور التي نعرفها ونألفها؛ ولكن ذلك - في رأي ~~الكاتب - فهم للكلمة يضيق معناها وأبعاد مغزاها؛ ويكفي أن نتذكر ~~حقيقة موضوعية، هي أن الكون «معتم» في عين المسافر الذي يخترقه ~~مسافرا بين أرجائه؛ ذلك على فرض أن مسافرا كهذا أمكن أن يكون له ~~وجود؛ فنحن نرى أشعة الضوء، لا وهي في طريقها آتية من مصدرها إلى حيث ~~تسقط، بل نراها بعد أن تسقط على سطح فتنعكس عليه؛ فالقمر يضيء بسقوط ~~أشعة الشمس على سطحه، وكذلك يضيء سطح الأرض بالطريقة نفسها، ثم تنعكس ~~الأشعة على الأجسام التي حولنا فتضيء فنراها، وأما إذا وجهت النظر ~~إلى تلك الأشعة وهي في طريق انتقالها؛ فلن ترى شيئا، وحتى لو نحينا ~~هذه الحقيقة جانبا؛ تبينت لتا حقيقة أخرى عن الضوء كما هو، وهي أنه ~~ظاهرة طبيعية كسائر الظواهر، فهنالك إلى جانب ظاهرة الضوء، ظاهرة ~~الصوت، وظاهرة الكهرباء، وظاهرة الحرارة، وظاهرة المغناطيس، وظاهرة ~~الجاذبية، وهلم جرا. # لكن انظر إلى كلمة «النور» (في آية النور) من زاوية أخرى، هي نفسها ~~الزاوية التي نظر منها الإمام الغزالي في كتابه «مشكاة الأنوار»؛ تجد ~~أنها إنما تعني «الوعي» المنبث في أرجاء الوجود كله، الذي يتصف به ~~الإنسان كغيره من الأحياء، بل الأشياء كذلك، ثم يتميز دونها جميعا ~~بإضافة بعد آخر، هو أنه واع بوعيه؛ فإذا كانت الشجرة على شيء من ~~الوعي بعناصر التربة التي تحيط بجذورها، فتنتقي منها ما تنتقي، وتهمل ~~منها ما تهمل، وإذا كان الحيوان من أي نوع من أنواعه، على شيء كثير ~~من الوعي بما يحيط به، ms243 فينتفع بما ينتفع به طعاما ومأوى، ويتقي ما ~~يتقيه مما توحي إليه طبيعته بأنه مهلك لحياته؛ فلا النبات ولا الحيوان ~~على وعيهما ذاك على علم من درجة أعلى، يعلمان به أنهما على ذلك الوعي؛ ~~وأما الإنسان فهو وحده الذي يعي ما يعيه، ثم يضيف إلى ذلك وعيا ~~أعلى، وهو وعيه بأنه على ذلك الوعي؛ ولماذا أفضنا القول في هذه ~~التفرقة بين الإنسان وغيره؟ إننا قصدنا بذلك إلى شرح يوضح كيف يدرك ~~الإنسان هذا الكون إدراكا واعيا، يصبح به الكون كله في طوية نفسه ~~نبضة من نبضاتها؛ وبهذا المعنى نزداد فهما لقول أبي العلاء: إن العالم ~~الأكبر ينطوي بجميعه في وعي الإنسان؛ ومن هنا نراه في الشطر الأول من ~~البيت الذي أسلفنا ذكره: «أتزعم أنك جرم صغير؟» يدهش أن يرى الإنسان ~~يقلل من قدر نفسه، مع تلك القدرة القادرة التي وهبه إياها من خلقه ~~فسواه فعدله، وسبحانه من خالق؛ فهل يسمع أولئك الذين ما ينفكون ~~يذيعون فينا اليوم دعوة إلى وجوب اصطناع الضآلة والصغر؟ # ولا ينبغي لنا أن نترك هذه النقطة إلى سواها، دون أن نعود إلى ~~«النور» في آية النور؛ لنقول إن الله جل وعلا هو «نور السموات والأرض» ~~بمعنى أن علمه شامل لكل ما في جنبات الكون من قدرات عالمة، وإن ~~إدراكه محيط بكل ما في العالم الأكبر من قدرات مدركة؛ وذلك أننا نخطئ ~~مرة أخرى إذا نحن قصرنا القدرة الإدراكية على الكائنات الحية وحدها ~~فوق هذا الكوكب الأرضي، ونخطئ خطأ أفحش إذا نحن قصرنا قدرة الإدراك ~~الواعي على الإنسان وحده، وإلا فانظر إلى ما شئت أن تنظر إليه من ~~أجزاء الوجود وظواهره، ومن أصغر ذرة فصاعدا إلى الشموس والسدم، فماذا ~~ترى؟ ألست ترى أن كل شيء منها يجري على نسق مقنن ومطرد إلى ~~الدرجة التي تمكن الإنسان - إذا واتاه التوفيق - من استخراج القانون أو ~~القوانين التي ينضبط بها أي شيء معين في حركته؟ وكل تنظيم من هذا ~~القبيل، في أي شيء أو مجموعة أشياء، إنما يشير إلى «عقل» ms244 فيها ~~ووراءها: وإذا كان هذا هكذا في كل موجود في الوجود، صغر أو كبر، ثم ~~في كل مجموعة من الموجودات، كالمجموعة الشمسية مثلا، ثم في مجموع شامل ~~يضم تلك المجموعات في نسق واحد كبير، أفلا نقول إنه «وعي» إدراكي شامل ~~للكون من جهة، مبثوث في كل وحدة من الوحدات من جهة أخرى؟ # الله نور السماوات والأرض ~~(صدق ~~الله العظيم)، ولو كان المقصود «بالنور» هنا، هو ذلك الضوء الذي يأتينا ~~من الشمس والقمر والمصابيح وألسنة النار؛ لما احتاج الأمر إلى شرح ~~المعنى بأمثلة من المشكاة والنبراس والزجاجة والكوكب الدري ~~والزيتونة التي يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار. # إنه - إذن - هو الإدراك الواعي يملأ الكون، في كل جزء من جزئياته، ~~ويبلغ ذروته في الإنسان بالقياس إلى سائر الكائنات المخلوقة؛ وفي هذا ~~التمييز نجد جانبا من معنى تكريم الله سبحانه وتعالى للإنسان، فإذا ~~كان ذلك الإدراك الواعي في الإنسان هو «النور»؛ عرفنا الأساس الذي ~~تقام عليه حركة «التنوير» إذا أردناها، ولقد كان هو الأساس الذي قامت ~~عليه بالفعل حركات التنوير التي شهدها التاريخ، والتاريخ الحديث بصفة ~~خاصة؛ فالمحور الذي يدور حوله «التنوير» أينما حدث أو يحدث، هو أن ~~تنكشف للإنسان حقيقة نفسه أولا، وعن هذا الطريق تنكشف أمامه حقائق ~~العالم من حوله. ونسوق إليك بعض الأمثلة للتوضيح؛ وأول مثل يفرض نفسه ~~علينا، هو سقراط في اليونان القديمة؛ إذ هو الذي صاغ المبدأ القائل ما ~~معناه على وجه التقريب: «أيها الإنسان، اعرف نفسك.» وكان ما دعاه إلى ~~هذه الصيحة هو أن من سبقوه من فلاسفة اليونان اتجهوا بأنظارهم نحو ~~العالم الخارجي ليردوا ظواهره المتباينة إلى «مبدأ» واحد مشترك؛ ~~فأراد سقراط أن يعكس مسيرة الفكر، فبدل أن تبدأ من خارج الإنسان لتنتهي ~~إلى دخيلة نفسه، أراد لها أن تبدأ من دخيلة النفس متجهة إلى الخارج ~~حيث العالم وظواهره: لماذا؟ لأن أهم ما كان يهتم به - هو وسائر ~~الفلاسفة اليونان تقريبا - هو موضوع «الأخلاق»، فكان الهدف من كل ~~تفكير في رأيه، هو أن يصل إلى ms245 أساس «عقلي» لنميز به بين ما هو صواب ~~وما هو خطأ في السلوك البشري؛ فإذا أردنا - مثلا - أن نعرف متى يكون ~~الفعل المعين «عدلا»؛ وجب أولا أن أبحث عن «تعريف» العدل ما هو؟ ~~وهذا التعريف إنما يوصل إليه بالعقل المحض، وهكذا قل في شتى أوضاع ~~الحياة؛ فنقطة البدء الصحيحة «تعريفات» عقلية محددة وواضحة، تقام ~~عليها الحياة الإنسانية في شتى جوانبها. ولاحظ أن الوصول إلى ~~«التعريف» العقلي لأي معنى من المعاني، قد يقتضينا أن نتناول بالتحليل ~~أقوال الناس عن معنى معين، ماذا يفهمون منه؟ ومثل هذا التحليل ~~سينتهي بنا حتما إلى الكشف عن مواضع التناقض والغموض في تلك الأقوال، ~~ومن خلال ذلك نصل إلى التحديد الصحيح الواضح للمعنى المعين الذي نريد ~~تحديده وتوضيحه، ومن هذه النقطة نبدأ بناء حياتنا الفردية والاجتماعية ~~على حد سواء، وإذا تحقق لنا ذلك؛ سرنا في حياتنا على «نور» وكان ~~السعي نحو أن يسلك الناس على نحو ما أردنا لهم أن يسلكوا ~~«تنويرا». # والمثل الثاني الذي أسوقه توضيحا «للتنوير» هو ما صنعه أبو حامد ~~الغزالي بنفسه، ليحاول بعد ذلك أن يحمل الآخرين على صنعه. وفي إيجاز ~~شديد (وإذا أردت تفصيلا فاقرأ للغزالي كتابه الفذ «المنقذ من ~~الضلال») أقول: إن الغزالي، بينما هو يقوم بالتعليم في بغداد، أحس ~~بقلق شديد يأخذه، وذلك حين طرح على نفسه سؤالا، ولم يجد نفسه قادرا ~~على جوابه؛ وكان السؤال هو: إنني في دروسي هذه، أسوق البراهين على وجود ~~الله، من آيات القرآن الكريم، فكأنما أقدم براهيني إلى مؤمنين مقدما ~~بتلك البراهين، لكن كيف بي إذا تقدمت ببراهيني هذه إلى من ليس مؤمنا ~~برسالة الإسلام وكتابه؟ إن البرهان الصحيح يجب أن يقام على أساس من ~~فطرة الإنسان ذاته، مؤمنا بالإسلام أو غير مؤمن؛ ومن هنا أخذته ~~الحيرة، والقلق؛ فخرج من بغداد مرتحلا إلى غير هدف، متنقلا من مكان ~~إلى مكان ، وعقله في خلال ذلك لا يهدأ ولا يفتر بحثا عن الأساس ~~المنشود، فلما أن وجده عاد إلى بغداد مطمئن النفس ليستأنف التدريس؛ ~~وكان ms246 الأساس الذي وجده هو أن يلجأ الإنسان إلى دخيلة نفسه، ليرى ما ~~الذي يحدث فيها عندما يهم «بخلق» فعل من أفعاله؛ وعندئذ تكون رؤيته ~~لحقيقة ما يحدث مقامة على إدراك مباشر لا برهان عليه؛ لأنه في غير ~~حاجة إلى برهان، وهكذا أيضا تكون وسيلتنا إلى إدراك وجود الله سبحانه، ~~برؤية صوفية مباشرة وليس بالعقل ومنطقه في إقامة الدليل على ما هو ~~بحاجة إلى دليل، وبهذا أصبح الغزالي في «نور» اليقين، وانفتح أمامه ~~طريق «التنوير» للآخرين. # والمثل الثالث الذي أقدمه توضيحا للنور والتنوير في حياة الناس ~~الفكرية هو «ديكارت» الفيلسوف الفرنسي المعروف، وأحسب أن أمره معلوم ~~للكثرة الغالبة من القراء؛ إذ هو صاحب المبدأ الشهير: «أنا أفكر؛ إذن ~~أنا موجود.» فلئن كان الغزالي من قبله قد حيرته الحقيقة «الإيمانية» ~~عن وجود الله تعالى، فإن الذي أدخل الحيرة في نفس ديكارت هو الحقيقة ~~«العلمية»، لكن اختلاف موضوع الحيرة عند الرجلين لم يمنع أن تجيء ~~الوسيلة إلى إزالة الحيرة عندهما متشابهة أشد التشابه؛ حتى لنحسب ~~ديكارت في خطواته المنهجية قد أخذ عن الغزالي خطواته من حيث الأساس، ~~فكلا الرجلين قد داخلته حالة من الشك فيما كان يظن أنه الطريق الصحيح، ~~وكلا الرجلين لم يقصد بذلك الشك المنهجي المتعمد أن يهدم ما يعلم ~~أنه الحق، بل قصد إلى مراجعة الأسس التي بنيت عليها أحقية ذلك الحق، ~~وكل الفرق بينهما - إذن - هو أن صحة وجود الله كانت هدف الغزالي، بينما ~~كانت صحة الحقائق العلمية، كائنا ما كان موضوعها، هدف ديكارت. وكما ~~نعلم جميعا، لجأ ديكارت إلى تفريغ جعبته من كل ما كان يعرفه من قبل؛ ~~لأنها معرفة تلقى أكثرها عندما لم يكن في سن تسمح له بنقد تحليلي ~~لما يتلقاه، وها هو ذا قد أزاح البناء كله؛ ليقيمه من جديد على ~~أساس موثوق بصحته، شريطة أن تكون نقطة البدء صحيحة صحة يقينية ~~مطلقة؛ لنضمن أن ما يستدل منها بعد ذلك استدلالا منطقيا صحيح كذلك؛ ~~وما هو إلا أن أشرقت عليه تلك الحقيقة الأولية البسيطة التي ms247 يستحيل ~~استحالة قاطعة أن يأتيها الباطل من أي قطر من أقطارها؛ ألا وهي أنه ~~يحس في دخيلة نفسه إحساسا مباشرا أنه في تلك الحيرة من الشك، وماذا ~~تكون تلك الحالة الشاكة إلا ضربا من «التفكير»؟ ثم هل يمكن ~~منطقيا أن يكون تفكير بغير «أنا» التي تفكر؟ فها هي ذي - إذن - نقطة ~~البدء في طريق اليقين: «أنا أفكر - إذن - أنا موجود.» ومن هذه البداية ~~أخذ يخرج النتائج واحدة في إثر واحدة، حتى تكاملت له القضايا التي ~~تبرهن على وجود العالم، ثم على وجود الله، وهكذا أصبح ديكارت من ~~مشكلته على «نور»، وكان نشره لما ارتآه ضربا من ضروب ~~«التنوير». # ونكتفي بهذه الأمثلة الثلاثة، التي عرضناها لنوضح بها ما أردناه ~~بقولنا إن جوهر التنوير كامن في أن يكشف الإنسان عن حقيقة نفسه. ولكي ~~لا نقف في هذه النقطة المهمة من موضوع حديثنا، عند عبارات مجردة قد لا ~~يصل مغزاها إلى أفهام الناس؛ يجمل بنا أن نترجمها إلى وقائع يسهل ~~إدراكها؛ فما الذي نريده على وجه الدقة من قولنا إن تنوير الإنسان ~~المصري، أو الإنسان العربي الذي يشمل المصري وغير المصري من أبناء ~~الأمة العربية، أقول: ما الذي نعنيه بقولنا إن تنوير العربي في مرحلته ~~الراهنة معناه أن تنكشف له حقيقة نفسه؟ إننا إذا أردنا فهم عبارة كهذه، ~~يتحتم علينا أن نضع هذا العربي في معمعان مشكلاته الحاضرة؛ لنرى كيف ~~تجيء ردود أفعاله على المثيرات التي تعترضه وتتحداه؛ إذ «النفس» التي ~~نسعى إلى الكشف عن حقيقتها لا ترى إلا وهي مجسدة في صور السلوك ~~الفعلي، الذي يستجيب به العربي لما يحيط به من وقائع وأحداث؛ فهل نجده ~~- مثلا - يدقق في حساب العوامل وتحليلها قبل أن يهم بردود فعله ~~ليضمن أن تجيء نتائج فعله مأمونة العواقب؟ هل نجده على تطابق بين باطنه ~~الذي يضمره من ناحية وظاهر سلوكه من ناحية أخرى ؟ هل نراه حريصا على ~~إثبات وجوده بما ينبغي أن يثبت به وجود أي إنسان؟ ألا وهو أن يلقي ~~بزمام حياته آخر الأمر إلى ms248 إحكام عقله، ما دام كان الموضوع المطروح مما ~~يتعلق بالحياة العامة المشتركة بين الناس جميعا، وليس أمره مقصورا ~~على حياته الخاصة وما يكتنفها من عواطف وميول ومن غرائز وشهوات، إلى ~~آخر هذه الصفات، التي من مجموعها تتعين شخصية الإنسان. # إننا بمثل هذا الوصف التحليلي لشخصية العربي في حياته اليوم، وهو وصف ~~يمكن الحصول عليه بدقة علمية، إذا استخلصناه من البحوث العلمية التي ~~يضطلع بها فعلا أبناؤنا من الباحثين في الجامعات ومراكز البحوث، أقول ~~إننا بمثل هذا الوصف التحليلي لشخصية العربي الآن يسهل على أولي الأمر ~~عندئذ أن يتبينوا مواضع القصور التي أدت إلى ما نحن فيه من تخلف، ~~وهزيمة، وضعف، وتمزق، وبالتالي فهم في هذه الحالة المستنيرة أقدر ~~على رسم الطريق نحو النهوض، إن مسالك الناس في الحياة العملية لا تأتي ~~من فراغ، وإنما هو انعكاس لما شحنت به الأدمغة والأفئدة، من أفكار ~~ومن مشاعر تختلف باختلاف المواقف؛ فهذا مرغوب فيه، وذلك مرغوب عنه، لا ~~لشيء في ذاته بقدر ما يكون ذلك الموقف الانفعالي أو العاطفي نتيجة ~~الشحنة الثقافية التي عبأت الرءوس والقلوب، والكشف عن ذلك كله هو ~~«النور»، وهو «التنوير»، وهو الشرط المبدئي الضروري لأي تغيير نريد له ~~أن يتحقق في حياتنا. # وليس من شك في أن ذلك النور قد أبصرته البصائر عند أفراد أعلام من ~~عظمائنا في مجالات الفكر والعمل، لكن الجماهير العريضة في الوطن العربي ~~العريض هي أبعد ما يكون الناس عن ذلك النور؛ إذن فهم أحوج ما يكون ~~الناس إلى التنوير. ولنا أن نسأل: وما الذي وضع الغشاوة على أبصار ~~الجماهير؟ وجوابي في اختصار، هو أن أدمغتهم وقلوبهم معا، قد تولى ~~شحنها من وجد منفعته في أن تعيش تلك الجماهير في أوهامها، وبذلك ~~انسدت أمامهم وسائل الرؤية التي يرون بها واقع الدنيا على حقيقتها؛ ~~فسرعان ما أصبحوا أسهل الفرائس انتهابا لمن هم سادة العصر علما ~~وسلطانا. # وماذا عسانا أن نصنع إزاء ذلك، إذا حسنت نوايانا نحو ~~الإصلاح؟ # الإجابة في كلمتين: «تحديث الثقافة» التي تزرع في الرءوس ms249 وفي ~~الضمائر؛ بمعنى أن نزود الإنسان العادي بمجموعات الأفكار والقيم، ~~التي تصلح أن تكون له وسائل نجاح في ظروف الحياة الراهنة. ولسنا بذلك ~~نعني، ولا نحن نريد، أن نقحم زرعا غريبا على نفوس تعافه وترفضه؛ بل ~~إن السياسة الثقافية الجديدة من واجبها أن تتلمس في الروح العربية ~~الأصيلة تلك المواضع التي تتقبل الزرع الجديد، ولعل ذلك أن يكون ~~أهم مهمة يضطلع بها، أو يجب أن يضطلع بها، رجال الفكر والفن والأدب ~~جميعا؛ فليكن جمهور الأمة العربية بمنزلة كتلة المرمر حين يتولاها ~~فنان النحت ليخرج منها رأسا بشريا في ملامحه حكمة وهدى وتفاؤل، ~~وكما يصنع النحات، حين يتصور بخياله ذلك الرأس داخل كتلة المرمر، ثم ~~يبدأ بضربات إزميله بناء على ذلك التصور، فيزيل الزوائد من كل ~~الجوانب، حتى يبرز الرأس المنشود وتظهر ملامحه كما أرادها الفنان؛ ~~فالفنان هنا لم يفرض على المرمر ما ليس مرمرا، وإنما ترك المرمر على ~~طبيعته، واستخرج من تلك الطبيعة ذاتها ما أراد، وهكذا علينا أن نفعل، ~~نحن رجال الفكر والفن والأدب في الأمة العربية، نستخرج من جوهر العربي، ~~بكل ما فيه من أصالة، تلك الصورة الثقافية الجديدة، التي تعينه على ~~أن يعيش في عصره هذا، لا تابعا كما هي حاله الآن، بل متبوعا كما كان ~~في عصور مجده الخالد. # | اللغة ... هذا المخلوق العجيب! (1) # لقد جاوز الشيخ ثمانين عاما من عمره، ومع ذلك فهو ما يزال يذكر في ~~وضوح، كوضوح النهار المشمس، ما يزال يذكر ذلك الطفل الذي بدأ به حياته ~~هذه، التي طالت حتى شاخت، يذكره في سن الرابعة، أو ربما جاوزت ~~الرابعة بقليل، وهو يختلف كل صباح إلى كتاب الشيخ ربيع في قريته، إذ ~~كان الطفل مع أسرته، التي لم تكن قد غادرت بعد ريفها إلى المدينة، ولم ~~يكن بين الدار والكتاب إلا بضع خطوات، فالحارة واحدة، تنفتح على النيل، ~~ثم تنسد بعد عدد من الأمتار يقع بين العشرين والثلاثين، وعند ~~نهايتها التي تنسد عندها كانت الدار، وعند فتحتها على النيل كان ~~الكتاب. # وفي الكتاب ms250 كان يتعلم أحرف الهجاء، وأعداد الحساب، وقبل ذلك، وفوق ~~ذلك، وبعد ذلك؛ كان يحفظ بعض قصار السور من القرآن الكريم، وكان ما ~~يحفظه من القرآن هو أوضح معالم الساعات التي كان الطفل يقضيها في ~~الكتاب كل يوم، ولا عجب أن أرى شيخ الثمانين، إذا ما استعادت له ~~الذاكرة حياته طفلا؛ لا يكاد يذكر من خبرة الكتاب شيئا مما كان ~~يقرؤه أو يكتبه - على لوح الأردواز - من أحرف الهجاء وأعداد الحساب، ~~وأما ما كان يحفظه ويعيده أمام الشيخ ربيع من آيات القرآن الكريم؛ فهو ~~باق في ذاكرته في وضوح ناصع، وكيف ينسى وقع النغم القرآني في مسمعيه ~~وهو في تلك السن الصغيرة وقعا يظل مأخوذا به، فيردد الآيات ما بقي ~~له من صحو النهار؟ ومن يدريني الآن هل كانت تلك الفتنة بإيقاع النغم ~~القرآني تختفي عنده في نعاسه أو كانت تواصل ظهورها في أحلامه؟ لم يكن - ~~بالطبع - يفهم من معاني اللفظ الذي يردده شيئا؛ فلا الشيخ ربيع قال ~~له كثيرا أو قليلا من تلك المعاني، ولا كان في قدرته أن يدرك هو ~~شيئا منها، لا، بل لا أظنه كان يدرك أن للآيات الكريمة التي كان لها ~~في أذنيه ذلك الإيقاع الأخاذ معاني يعرفها أو لا يعرفها. # وكان من أوقع محفوظه يومئذ من القرآن الكريم تأثيرا، ومن أكثره ~~ترديدا منغما، الآيات: # والعاديات ضبحا ~~* فالموريات قدحا * ~~فالمغيرات صبحا * فأثرن به ~~نقعا * فوسطن به جمعا ... # كان ~~يصعد درج الدار، ثم يهبط الدرج، ثم يصعد، وعند كل درجة منها - صاعدا ~~أو هابطا - يضغط على مقطع من تلك الآيات الكريمة، ويدب بقدمه دبة ~~قوية، وكأن تلك الضربات عنده كانت تفعل فعل الطبلة في المعزوفة ~~الموسيقية، فكان التنغيم يجري معه في أثناء صعوده الدرج واحدة واحدة، ~~هكذا: «والعاديات ضب...حا فالموريات قد...حا فالمغيرات صب...حا» ... ~~إلخ. # وكبر الطفل وأصبح على عتبة الشباب، فشاء له الله أن يلتقي بعض أقرانه ~~في المدرسة، ممن يتبارون في حفظ الشعر، ولست أعني المحفوظات المقررة، ~~بل سمع أقرانه هؤلاء يتبارون فيما سمعهم يقولون إنه ms251 «المعلقات» ... ما ~~تلك «المعلقات» يا ترى؟ تساءل الفتى وسأل، حتى انتهى به الأمر إلى أن ~~يحصل على «المعلقات» مشروحة، وشيخنا صاحب الثمانين لم يعد يذكر جيدا، ~~أكانت المعلقات السبع كلها أم كان بعضها فقط هو الذي وقع عليه ليقرأ ~~وليحفظ لعله يتبارى مع الأقران ندا مع أنداد؟ ومرة أخرى فتن الفتى ~~بإيقاع اللفظ، دون أن يفهم من معناه إلا أقل من القليل، رغم أنه قرأ ~~الشروح في هوامش الكتاب. # وبلغ الشاب عامه العشرين وما بعده، وأخذ يتابع أعلام المفكرين ~~والأدباء، في النصف الثاني من عشرينيات هذا القرن وما بعد ذلك، ~~يتابعهم مقالة مقالة، وكتابا كتابا، وإن شيخنا صاحب الثمانين، ~~ليذكر شبابه ذاك، وكيف ظل حريصا أشد الحرص على إيقاع النغم في ~~كلمات الكاتب، يلتمسه أنى وجده، لكنه في تلك السن كان قد تنبه على ~~أن إيقاع اللفظ المقوم لم يعد يكفي، بل لا بد له أن يحمل مضمونا ~~يتناسب وزنا مع حلاوة الإيقاع، حتى لقد أخذ يراجع محفوظه من القرآن ~~الكريم عندما كان طفلا مأخوذا بنغم آيات كريمة لا يفهم لها معنى ~~ومحفوظه من «المعلقات» وهو على عتبة شبابه، أخذ يراجع ذلك كله باحثا ~~عن «المعنى» ليكتمل الكمال، ولقد دهش دهشة ارتج لها فؤاده ~~ارتجاجا، عندما علم أن الآيات الكريمة التي أخذ يتغنى بها مأخوذا ~~بنغمها، ويقسمها تقسيما موسيقيا يصعد به درج الدار ويهبط: ~~«والعاديات ضبحا، فالموريات قدحا ...» أقول إن دهشته كانت شديدة، حين ~~اطلع في نضج شبابه على معناها، الذي هو تصوير معجز لهجمة الفرسان على ~~العدو، آخذا له على غرة ساعة الفجر، فالجياد تضبح بأنفاسها الحرى ~~بعد طول الطريق، وحوافرها من شدة وقعها على حصباء الطريق تقدح منه ~~الشرر، حتى إذا ما أغارت عند فلق الصبح على مكمن الأعداء، وأثارت ~~نقع الغبار الذي غامت به السماء، كان فرسانها قد توسطوا جماعة ~~الأعداء . # ومضى الشاب يطوي بساط حياته عاما بعد عام، إذ هو يزداد مع الأعوام ~~تحصيلا وتدبرا لما حصله، فهو لم يرد لنفسه قط أن يكون مجرد وعاء ms252 ~~يمتلئ بما قاله فلان وما كتبه علان، ولا يزيد بعد ذلك على أن يعيد على ~~نفسه وعلى الناس ما قالوه وما كتبوه، وإنما أراد لنفسه أن يخرج بوجهة ~~للنظر يبتدعها ابتداعا، أو يتبناها وأن شيخ الثمانين ليظن - مهتديا ~~بذاكرته - أن تلك الوجهة الخاصة للنظر، كانت قد بدت له في أفق الفكر ~~كالشبح الذي ينتظر أن يأتيه الغذاء ليمتلئ ولتجري في عروقه الدماء كي ~~تنشط أجهزته بنبض الحياة، على أن تلك الوجهة من النظر، التي اصطنعها ~~الشاب لنفسه وهو في ثلاثينيات عمره، لم يتفجر بها الهواء كأنها ~~الصاعقة انشقت لها السماء لتظهر فجأة، وكأنها منيرفا - إلهة الحكمة ~~عند اليونان الأقدمين - قد خرجت من صدفتها كاملة التكوين، بل جاءت تلك ~~الوجهة من النظر لصاحبنا الشاب، وكأنها الزهرة تولدت فوق غصنها، بعد ~~أن استعدت لولادتها الشجرة في نموها البطيء على امتداد ~~السنين. # أوتذكر ما حدثتك به عن طفل الرابعة أو نحوها كيف أخذ إيقاع اللفظ ~~القرآني بمسمعيه أخذا حتى ملأ عليه نفسه؟ ثم هل تذكر كيف كان الشاب ~~الذي خرج من جوف ذلك الطفل منشغلا بالمعلقات السبع، يكرر أبياتها ~~مباهيا أقرانه بما يحفظه منها؟ حتى إذا ما تدرجت الأعوام بذلك ~~الشاب الصغير، ليرتفع بتحصيله إلى درجة النضج، فأخذ يبحث فيما يقرؤه عن ~~«المضمون الفكري» في تضاعيف اللفظ، دون أن يفقد اهتمامه لحظة واحدة ~~باللفظ وحسن انتقائه وجمال تركيبه، حتى لقد كان ذلك عنده مقياسا يقيس ~~به الكاتبين في تفاوت درجاتهم ارتفاعا وانخفاضا، فإذا كنت تذكر كل ~~ذلك عن صاحبنا في مراحل عمره طفلا وشابا، فلن يدهشك - إذن - أن ~~نقول عنه، حين انتقل به الشباب إلى مرحلة الرجولة، وحين تكونت له ~~رؤية خاصة في مرحلتها الشبحية الأولى، إنه جعل إدمان النظر في «اللغة» ~~بمنزلة النخاع من الهيكل العظمي لتلك الرؤية، فإن أمر اللغة لمن ~~يتدبرها لعجب من عجب ! إنها ليست «وسيلة» تنقل «الفكر» من إنسان إلى ~~إنسان في عصره، أو يجيء عبر الأجيال، بل هي هي الفكر ذاته، وليست هي ~~عند الشاعر أو الكاتب ms253 الأديب بمنزلة «الأدوات» التي تتم بها عملية ~~التعبير، بل هي هي الشعر، وهي هي الأدب؛ لأنها هي مضمونها. # نعم، إن أمر اللغة لمن يتدبرها، عجب من عجب، فهل تعلم أن هذا الكون ~~العظيم يستحيل على خيال البشر أن يلم من عظمته إلا بمقدار خردلة؟ وإلا ~~فكيف لخيال بشري أن يتصور هذا الذي يقوله رجال العلم حين يقولون إن ~~في وسع المناظير الضخمة التي ابتدعها العلم الآن أن تتلقى الضوء ~~الذي انبعث من نجم يبعد عن أرضنا بمسافة قدرها أربعة عشر ألف مليون ~~من السنين الضوئية؟! # تدبر - أيها القارئ - هذا القول ما وسعك التدبر؛ فالضوء ينساب ~~بسرعة قدرها ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية الواحدة، فانظر كم يقطع ~~من الكيلومترات في الدقيقة التي هي ستون ثانية، ثم كم يقطع في الساعة ~~الواحدة التي هي ستون دقيقة، ثم كم يقطع في اليوم الواحد الذي هو أربع ~~وعشرون ساعة، ثم كم في السنة؟ وما يقطعه الضوء من مسافة بتلك السرعة ~~الهائلة خلال سنة كاملة، يسمونه بلغة العلم سنة ضوئية، فكم تكون ~~المسافة التي يقطعها ضوء آت إلى مناظير العلم اليوم من نجم يبعد ~~عنا أربعة عشر ألف مليون سنة ضوئية؟! أفي وسع الخيال البشري أن ~~يتصور تلك الأبعاد؟ ومع ذلك، فما تلك الأبعاد إلا جزء من كل، الله ~~تعالى أعلم بمداه؛ لأن المسافة التي أشرنا إليها في ذهول، إنما هي ما ~~استطاعت مناظيرنا اليوم أن تلتقطه، وستستطيع مناظير الغد أن تلتقط ما ~~هو أبعد، إلا أن الكون سيظل رغم ذلك أوسع وأعظم من أن نحيط علما ~~بأبعاده، وسيبقى علم ذلك عند خالق الكون سبحانه. # ولأعد بك بعد هذه اللمحة الخاطفة عن عظمة الكون؛ لأعيد عليك سؤالي: ~~هل تعلم أن هذا الكون العظيم يسوده صمت لا صوت فيه؟ فللصوت في هذا ~~الكون العظيم - في حدود علم الإنسان - مصدر واحد هو الكوكب الأرضي! لكن ~~الأصوات المنبعثة من هذا الكوكب، إنما هي صنيعة آذان الأحياء ذوات ~~السمع؛ إذ الذي يطرق تلك الآذان إنما هو موجات من هواء ms254 صامت، وفي ~~الآذان وأعصاب السمع يتحول ذلك الهواء الصامت إلى «صوت»، ومع ذلك، ~~فهذه الحقيقة - على غرابتها - تستدعي وراءها ما هو أغرب، وأعني به أن ~~تلك الأصوات التي تنشأ عند الحيوان السامع، أو التي تنطق بها صنوف ~~الحيوان، إنما هي - جميعا - أخلاط متقطعة، أين هي من ضرب آخر من ~~مركبات صوتية أخرى تقتصر على الإنسان وحده وهي المركبات التي نجمعها ~~معا لنطلق عليها اسم «اللغة»؟! فحين نطق أول ناطق بشري «بكلمات» ~~و«جمل» أرسلها لتتلقاها أذنان عند إنسان آخر، كان ذلك الصوت الدال ~~المفهوم الدلالة، هو الصوت الوحيد الذي شق أجواز الكون الراقد في ~~صمته الرهيب، فلم يعرف الكون من «الكلام» إلا كلام الله سبحانه وتعالى، ~~أنزله على من اصطفاهم من أنبيائه ورسله، وإلا كلام البشر على هذا ~~الكوكب الأرضي. وربما قال هنا قائل إن لبعض الحيوان لغته الخاصة، ~~كالنمل والطير، لكنني أستخدم لفظ «اللغة» أو لفظ «الكلام» ليدل على هذا ~~الذي نراه مركبا من كلمات ركبت في جمل، يمكن أن تعرض على العقل ~~فيستدل منها نتائج، أو تعرض على الوجدان فيستجيب الإنسان بما يستجيب به ~~من مشاعر وسلوك. # تميز الإنسان عن سائر كائنات الدنيا بأنه «تكلم»، ثم استطاع على مر ~~الزمن أن «يكتب» ما يقوله كلاما، حتى لقد كانت قدرته على «الكلام» هي ~~نفسها التعريف الذي يحدد طبيعة الإنسان دون سائر الأحياء، ولكن عم ~~يتكلم؟ إن كلامه هذا إنما هو مجموعات صوتية، مقطعة حينا، موصولة ~~حينا، ولما عرف كيف يرقم تلك الأصوات كتابة، لم تكن هذه الكتابة في ~~واقعها المادي إلا حفرا بالإزميل على الحجر حينا، وسكبا لخيوط من ~~المداد على ورق حينا آخر، وهكذا أخذت تختلف معه المواد التي يرقم ~~عليها كتابته، كما أخذت تختلف معه المواد التي يستخدمها في ذلك ~~الترقيم، على أن الذي يجب ألا تفلت منا ملاحظته، هو أن اللغة في كلتا ~~الحالتين: منطوقة في مجموعات صوتية مسموعة، أو مرقومة بنوع من المادة ~~على نوع آخر من المادة، أقول إنها في كلتا الحالتين أشياء ترى ~~بالعين ms255 أو تسمع بالأذن، شأنها في ذلك شأن سائر الأشياء في هذه الدنيا ~~كالأشجار والقطط والعصافير، لكننا ما إن نسمع وصفا للغة كهذا الوصف ~~الذي يجعلها مجرد مجموعات «أشياء» حتى نفزع، تفزع أنت كما أفزع أنا، ~~قائلين: لا، محال أن تتحول حقيقة اللغة حتى لا يصبح ثمة فرق ~~يميزها من أكوام الرمل والحجارة، وإذا كان ذلك هو شأنها، ففيم ~~جعلناها تعريفا للإنسان، يعلو به على سائر كائنات العالمين؟! أكان كل ~~امتياز الإنسان حين اخترق بصوته الناطق باللغة صمت الكون هو أنه أصدر ~~بحنجرته لغلغات من الصوت التي يلغو بها الرضيع أم كانت كل ثقافاته ~~المدونة بضروب الكتابة المختلفة مجرد تشكيلات من خيوط الحبر سكبتها ~~أقلام على أوراق؟ # لا، إن العقل لينفر من قول كهذا؛ لأنه لو صدق وصفا للغة، لانتفى ~~وجود العقل نفسه، لكن ماذا نقول وذلك الوصف حقيقة تشهد بها الأذن فيما ~~تسمع كما تشهد بها العين فيما ترى؟ وهل تسمع الأذن حين تنصت إلى كلمات ~~ينطق بها متكلم إلا صوتا؟ وهل ترى العين على الصحائف المقروءة إلا ~~تشكيلات من خيوط المداد؟ إلا أننا - أنت وأنا - إذا ما سئلنا أسئلة ~~كهذه، أسرعنا بالرد قائلين: نعم لكن تلك الأصوات المنطوقة، وتلك ~~التشكيلات المرقومة على صفحة الكتاب، إن هي إلا «رموز» أردنا بها أن ~~نرمز إلى وقائع وأشياء وحالات وكائنات، بحيث يكون هذا كله هو «معنى» ~~تلك الرموز الصوتية المنطوقة، أو الرموز المرقومة على الورق وغير ~~الورق. فإذا بلغنا بالحديث هذا الحد، كنا قد بلغنا صميم الصميم من ~~حقيقة الإنسان؛ إذ الإنسان في أدق تعريف أتصوره له، هو أنه الحيوان ~~الرامز، فهو حين نطق بالكلمات فشق بصوته صمت الوجود الأبكم، كان قد ~~عرف كيف ينيب عن حقائق ذلك الوجود أصواتا تدل عليها وتغني عن ~~شهودها، وبهذه الوثبة الجبارة فك عن نفسه قيود المكان المعين والزمان ~~المعين، فإذا أراد الحديث عن الشمس - مثلا - لم تعد به حاجة إلى أن ~~ينتظر شروقها؛ إذ يستطيع أن يتحدث عنها وهي غاربة، مستعيضا عنها ~~باسمها، وإذا أراد ms256 أن يتحدث عن البحر وهو في قلب اليابس، لم تكن به ~~حاجة إلى الانتقال من مكانه إلى حيث البحر؛ فاسم البحر يغني عنه في ~~كلامه مع الآخرين. # لكن العقل اليقظان قلما يترك نفسه ليستريح؛ فهو أبدا يثير ~~المشكلات ويطرح الأسئلة، وهو أبدا يحاول أن يجد الحلول لمشكلاته، ~~والأجوبة عن أسئلته، فإذا رأيناه في هذا الموضوع الذي نحن الآن بصدد ~~التحدث عنه - وهو اللغة وحقائقها وأسرارها - إذا رأيناه قد انتهى إلى ~~موقف يستريح له، وهو أن اللغة التي كرم الله تعالى بها الإنسان ~~ليست مقصورة على أصوات أي أصوات، وترقيمات أي ترقيمات، بل يشترط فيها ~~أن تكون تلك الأصوات والترقيمات رامزة إلى «حقائق» حتى لو لم تكن تلك ~~الحقائق مرئية في ساعتها للعين، ولا هي مسموعة بالأذن، أقول إن العقل ~~ما يكاد يبلغ هذا الحد الذي يرضيه، حتي يثير سؤالا، هو: وما طبيعة ~~العلاقة - يا ترى - التي تصل الرمز اللغوي بما يرمز إليه من حقائق ~~الوجود؟ # وقبل أن نجيب عن هذا السؤال، يحسن بنا أن نلقي بين يدي القارئ ~~بمشكلة لها صلة بهذا السؤال المطروح؛ إذ قد تكون هذه المشكلة ~~الاعتراضية تمهيدا مفيدا يعين على دقة الفهم، عندما نأتي إلى ~~السؤال الأهم الذي طرحه العقل على نفسه، عن العلاقة بين اللغة التي ~~يتداولها الناس كلاما وكتابة، وبين الحقائق التي جاءت تلك اللغة ~~لتشير إليها، وأما المشكلة الاعتراضية التي أشرت إليها؛ فقد تبدو لك ~~غريبة للوهلة الأولى، لكنك لا تلبث أن ترى جديتها وأهميتها، وهي هذه: ~~ترى هل جاءت اللغة في مفرداتها وفي طرائق تركيبها متجانسة في طبيعتها ~~مع الحقائق الموضوعية التي جاءت تلك اللغة لتتحدث عنها أو أن اللغة - ~~مفردات وطرائق تركيب - مجرد اصطلاح اتفق عليه الناس فيما بينهم وكان ~~يمكنهم أن يتفقوا على سواها؟ إنني أعلم أن أي قارئ لهذا السؤال سيرد ~~من فوره متعجبا كيف ألقاه من ألقاه، والأمر واضح بأن الأمر كله مرهون ~~بالاتفاق الصرف بين أصحاب اللغة المعينة على مفرداتها وطرائق تركيبها، ~~وكان ذلك - على الأقل - عند ms257 أصحابها الأولين، ثم جاء الخلف فسار على ~~درب السلف، ويكفي أن نعلم بأن اللغات تختلف باختلاف الشعوب والأمم، ~~فللشجرة - مثلا - اسمها عند العربي، واسمها عند الإنجليزي واسمها عند ~~الصيني، وهكذا وكلها أسماء اختلف فيها الصوت عند النطق، كما اختلف فيها ~~الترقيم عند الكتابة؛ ما يدل على أن كل مجموعة من الناس كان لها ~~اتفاقها الخاص، وإلا فلو كان في طبيعة اللفظة اللغوية ما هو مشابه ~~ومتجانس مع الشيء الخارجي الذي جاءت تلك اللفظة اللغوية لتشير إليه؛ ~~لاقتضى ذلك أن يجيء اسم «الشجرة» واحدا عند جميع الشعوب. # ذلك هو الظن عند الوهلة الأولى، وهو عند كاتب هذه السطور ظن صحيح عند ~~الوهلة الأولى وعند الوهلة الأخيرة على السواء، إلا أن المسألة رغم ذلك ~~أعقد من أن تتسرع برأي فيها، وحسبنا أن نذكر القارئ المسلم على ~~وجه الخصوص، أن الله سبحانه «علم آدم الأسماء كلها» وإذا كانت ~~«الأسماء» هنا إشارة إلى اللغة كلها، بما فيها من طرائق تركيب تلك ~~الأسماء في جمل «وليلحظ القارئ أن التفكير يبدأ عندما تتركب الأسماء ~~في جمل»؛ فإن اللغة عندئذ لا تكون اتفاقا بين الناس كما يشاءون، ~~فإذا رأى راء منا أن اللغة اتفاق بشري ولذلك هي تختلف عدة لغات بين ~~مختلف الشعوب؛ فيلزم أن يفهم ذلك الرائي قول القرآن الكريم بأن الله ~~تعالى علم آدم الأسماء كلها، على أنه يعني تعليمه طريقة إيجاد اللغة ~~واستخدامها، ولقد شغل المفكرون من أسلافنا العرب بهذه المسألة، وكان ~~الرأي عند الكثرة الغالبة منهم أن اللغة «توقيف» (هذه هي الكلمة التي ~~استعملوها) بمعنى أنها موحى بها من عند الله، على أن أقلية منهم قد ~~رأت الرأي الآخر، الذي يرى اللغة اتفاقا اصطلح عليه أصحابها، ومن أبرز ~~هؤلاء «ابن جني». # وقبل العرب طرحت المشكلة بين فلاسفة اليونان، وخصص لها أفلاطون ~~محاورة بأسرها، هي محاورة أقراطيلوس (وأشار إليها في محاورات أخرى)، ~~وقد ترجم العرب هذه المحاورة فيما ترجموه من الفلسفة اليونانية، وكانت ~~وجهة النظر التي طرحها أفلاطون في تلك المحاورة هي أن اللغة ms258 قد اشتقت ~~من حقائق الأشياء، وقد حرص أفلاطون على أن يورد وجهة النظر الأخرى على ~~لسان «هرموجنيس» الذي كان يحاور «إقراطيلوس»، وكانت الحجة القوية ~~التي عرضها إقراطيلوس ليدل بها على أن اللغة ليست مجرد اتفاق حر ~~بين الناس، قوله بأنها لو كانت مجرد اتفاق؛ لجاز للناس أن يغيروا من ~~اتفاقهم مرة بعد مرة هكذا بغير ضابط، وأن يغيروا فيما يغيرونه، ليس ~~المفردات فقط، بل أيضا قواعد تركيبها، وبالتالي تفقد اللغة وجودها من ~~حيث هي حقيقة تدوم كأي حقيقة أخرى تبنى على العقل، الحق أن ما ~~يقال عن مشكلة اللغة: أهي تتغير بتغير الأمزجة عند الأجيال ~~المتعاقبة أم هي حقيقة تستند إلى طبائع الأشياء الثابتة؟ يقال عن ~~شتى ميادين الفكر المتصل بحياة الإنسان، فمثلا، خذ مجال الأخلاق: ~~أنتركها لما يتفق عليه الناس حتى لو تغير جيلا بعد جيل أم لا بد ~~لها من مبادئ ثابتة تدوم عبر الأجيال؟ أو خذ نظام الأسرة: أنتركه ~~للاتفاق العارض أم نقيمه على أسس ثابتة؟ وهكذا، فإذا قلنا في هذه ~~المجالات إنها لا بد أن تقام على أصول قوية وثابتة؛ وجب أن نقول ~~الرأي نفسه بالنسبة إلى اللغة، لكي نضمن رسوخها على قوائم ثابتة ودائمة ~~من قوانين وقواعد تنضبط بها صياغة المفردات وطرائق تركيب تلك المفردات ~~في جمل، وهذا معناه أن اللغة ليست مجرد اتفاق بين أصحابها تتغير مع ~~تغير الزمن والظروف، ولعل الموقف الأصوب - في رأي كاتب هذه السطور - ~~أن نترك مفردات اللغة لتتغير تغيرا بطيئا مع اختلاف الأوضاع ~~الحضارية، وأن يكون الثبات والدوام مقصورين على طرائق التركيب، ما ~~الذي تجيزه قواعد اللغة وقوانينها، وما الذي لا تجيزه، دون أن يكون ~~للناس رأي في ذلك، فمثلا، تقضي قاعدة اللغة العربية أن الجملة ~~المركبة التي يبدأ مقدمها بكلمة «كلما» ألا تتكرر هذه الكلمة في ~~تاليها، فتقول: «كلما ازداد عدد السكان مع ثبات الموارد؛ انخفض مستوى ~~المعيشة.» ولا نقول: «كلما ازداد عدد السكان مع ثبات الموارد؛ كلما ~~انخفض مستوى المعيشة»؛ فها هنا تكون المسألة مسألة تتعلق «بالصورة» ms259 ~~التي يجري عليها البيان، بغض النظر عن طبيعة المفردات الواردة في تلك ~~الصورة، هل أصابها تغير في معناها وفي طريقة استعمالها أو بقيت على ~~حالها منذ عرفت في أول مراحل تاريخها؟ وخذ هذا المثل الآتي على سبيل ~~الجد والفكاهة معا: كانت عربات السكة الحديدية في مصر تحمل على ظاهرها ~~هذه العبارة: «سكة حديد الحكومة المصرية» وتحمل إلى جوارها العبارة ~~الإنجليزية الدالة على المعنى نفسه، لكننا إذا تعقبنا ترتيب الكلمات ~~في العبارتين؛ وجدناها في الإنجليزية تجري هكذا: مصرية حكومة حديد ~~سكة، وهكذا اختلفت اللغتان في «الصورة» رغم اتفاقهما في المفردات؛ ما ~~يبين أن روح اللغة إنما تكون في طرائق التركيب، لا في المفردات من حيث ~~هي كذلك. # كنا قد طرحنا على أنفسنا سؤالا عن العلاقة التي تصل رموز اللغة بما ~~ترمز إليه، ثم تركناه معلقا لنستطرد في توضيح مشكلة أخرى رأيناها ~~ضرورية للتمهيد الذي يجب أن يسبق الإجابة عن ذلك السؤال، وكان التمهيد ~~- كما رأيت - خاصا بمنشأ اللغة: فهل فرضت على الإنسان من خارجه أو ~~كان هو الذي اصطلحها لنفسه؟ ثم ما مدى وجوب الثبات في اللغة؟ وإلى أي ~~حد يجوز للأجيال المتعاقبة أن تغير فيها؟ وها نحن أولاء نعود إلى ~~سؤالنا الأول، وله - عندنا - أهمية قصوى، والسؤال هو: إلى أي شيء ترمز ~~اللغة؟ بعبارة أخرى: إذا أردت أن تعرف عن مادة تقرؤها، أو عن كلام ~~تسمعه، أنه ذو «معنى»؟ ولو كان الناس لا يتكلمون ولا يكتبون إلا ~~لفظا دالا على معنى؛ لما كان هنالك إشكال، لكنهم لا يفعلون ذلك في ~~كثير جدا مما يقولونه أو يكتبونه؛ ما يوجب علينا أن نضع الضوابط ~~الضرورية التي تجعل للغة معنى يراد له أن ينتقل إلى من يتلقى تلك ~~اللغة سمعا بأذنيه أو قراءة بعينيه، على أن رموز اللغة في الحالة ~~الأولى تكون موجات من هواء، وتكون في الحالة الثانية ترقيمات بمادة ~~معينة كالحبر أو غيره، على مادة معينة أخرى كالورق أو غيره، والجواب ~~في إيجاز، هو أن علاقة الرمز اللغوي بما يرمز إليه ms260 تجيء في مجال ~~التفكير العلمي على صورة، وفي مجال الأدب - شعرا ونثرا - على صورة ~~ثانية، وأما في أحاديث الناس الجارية، أو كتاباتهم غير المتخصصة؛ ~~فالصورتان تتداخلان بحيث يصعب التحليل إلا على من يمعن النظر في أناة ~~وصبر، وفي حديثنا التالي تفصيل لهذا الإيجاز. # | اللغة ... هذا المخلوق العجيب! (2) # صنع الإنسان كلماته ليكون سيدها، فلم تلبث أن أمسكت هي بزمامه، حتى ~~صار لها تابعا! فلقد أنشأت كل جماعة من الناس لغتها لتكون وسيلة وصل ~~بين أفرادها، لكن تلك اللغة التي هي صنيعة الناس، سرعان ما جعلت لهم من ~~نفسها سجنا هيهات أن يفلت من جدرانه وقضبانه إلا قلة قليلة شاء لهم ~~ربهم أن يكون لهم هم السلطان على اللغة التي أبدعوها، فإذا سألت عن أحد ~~من عامة الناس: ما حدود علمه؟ وجب أن يكون الجواب: إن حدود علمه هي ~~نفسها حدود كلماته، وأما إذا سألت عن أحد من تلك القلة القليلة التي ~~أنعم الله عليها بمواهب الإبداع - في العلم أو في الأدب شعرا ونثرا - ~~ما حدود علمه؟ # كان الجواب هو: أنه هو الذي يضع لنفسه الحدود؛ لأنه إذا لم تسعفه ~~اللغة القائمة بأدوات التعبير عما يريده، أضاف إليها من عنده جديدا ~~يخدم به أغراض نفسه، فتسير بقية الناس بعد ذلك على دربه. # هذه اللغة العجيبة تحمل في جوفها كل ضروب الصيد، ينطق بها الناطق ~~لتكون نارا تشوي الأنفس والأجساد، فإذا هي النار التي أراد لها أن ~~تكون، أو ينطق بها لتكون نورا يهدي إلى سواء السبيل، فإذا هي النور ~~الذي ابتغى لها أن تكون. إن كلمات ينطق بها إنسان قد تجعل منه وليا ~~من أولياء الله الصالحين، وكلمات أخرى ينطق بها إنسان آخر قد تجعل منه ~~زنديقا فاسقا! إن كلماتنا كالبذور نبذرها لتنبت كل كلمة منها نباتا ~~من جنس ما قد انطوت عليه في جوفها : فشهدا بشهد، وحنظلا بحنظل: # ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة ~~طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في ~~السماء (24) تؤتي أكلها كل حين ~~، وانظر ~~أيها القارئ إلى ms261 قول الله تعالى في هذه الآية الكريمة: # أصلها ثابت وفرعها في السماء ~~؛ لتعلم أن طيب ~~الكلام هو الذي يخدم حياة الناس هنا على هذه الأرض وفي هذه الدنيا، ~~وذلك هو «الأصل الثابت»، ثم ينفع صاحبه عند إقامة الميزان يوم الحساب، ~~وذلك هو الفرع الذي في السماء. # ومثل كلمة ~~خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ~~ما لها من قرار ~~، وأريد للقارئ مرة أخرى أن يقف ~~طويلا عند قوله تعالى: # اجتثت من فوق ~~الأرض ~~؛ ليعلم القارئ أن ما ليس له جذور في حياة الناس ~~هنا على هذه الأرض وفي هذه الدنيا، لن يكون له أثر في الميزان. # إنك لترى أبناء الشعب الواحد متفرقين أفرادا، تفصل بينهم فواصل ~~المكان وفواصل الزمان؛ فهذا الفرد هنا وذلك الفرد هناك، وفرد كان ~~بالأمس وفرد كائن اليوم؛ فتسأل: أين الروابط التي جعلت من هؤلاء ~~الأفراد - على تفرقهم - شعبا واحدا؟ والجواب هو: اللغة قبل أي شيء ~~آخر؛ فاعجب لخيوط من هواء تشد الناس بعضا إلى بعض، فإذا هي بينهم ~~كروابط الفولاذ! إن هذه الكلمات التي تصل ناطقا بسامع، أو تصل كاتبا ~~بقارئ، ما هي في حقيقة أمرها إلا نفوس طارت من أعشاشها لتبلغ غاياتها، ~~إنها كالحمام الزاجل يعرف إلى أين يطير؛ وذلك لأن كلماتك - منطوقة أو ~~مكتوبة - هي نفسك انطلقت من محبسها بين الضلوع؛ نعم فآلة التصوير تقدم ~~قسماتك في بعدين، في حين أنها في حقيقتها ذات ثلاثة أبعاد! وأما ~~كلماتك - علمت أو لم تعلم - فهي صورة نفسك بكل أبعادها. # إننا إذ نقول هذا عن اللغة في قدرتها على إخراج ما استتر من خفايا ~~النفوس، لتعبر بها عبورا من السر إلى العلن؛ فإنما نغض النظر مؤقتا ~~- عامدين - عن لغة العلم، التي إذا ما بلغت ذروتها من الدقة؛ أفرغت ~~نفسها إفراغا تاما من كل ما هو ذو شأن بالنفوس وما تخفيه ، حتى ~~ليصبح محالا على الفاحص أن يستشف شخصية العالم من رموزه العلمية، ~~وإن شئت فانظر إلى صفحات من كتاب في الرياضة، أو في الكيمياء، أو في ~~أي ms262 فرع من فروع الفيزياء، وحاول أن تستنتج من رموزه شيئا عن ملامح ~~الشخصية عند العالم صاحب الكتاب: أهو منقبض النفس أم هو في حالة من ~~المرح والتفاؤل؟ أهو ذو سخاء وعطاء أم هو قابض يده إلى عنقه؟ لكن ~~الحديث عن لغة العلم وضبطها أمر قد نتناوله في موضع آخر من هذا ~~الحديث. # أما الآن فأنظارنا موجهة إلى اللغة «المعبرة» وقدرتها العجيبة التي ~~قد لا يتنبه عليها إلا من تعمد الوقوف عندها متأملا، وإنه ليبدو ~~لي الآن أن الإنسان حين عرفوه (بتشديد الراء) بأنه الناطق، تمييزا ~~له من الحيوان الأبكم، الذي هو حتى إذا صرخ صرخاته المسموعة، أو حتى ~~إذا غرد تغريدا تطرب له آذاننا، كما يفعل الكروان والبلبل؛ فهو يظل ~~إلى البكم أقرب منه إلى حالة الإفصاح، لأن المعول في التفرقة ليس ~~الصوت مجرد الصوت، وإنما هو أن يجيء الصوت «معبرا» عما هو كامن في ~~طوايا النفوس، أقول إنه ليبدو لي الآن أنهم حين عرفوا الإنسان بأنه ~~الحيوان «الناطق» كان المقصود بالنطق قوة «التعبير» بالإضافة إلى غيره ~~من الصفات كالتفكير، أو ما شئت؛ وأرجو من القارئ أن يلتفت إلى معنى ~~«العبور» المضمر في كلمة «تعبير»؛ فلقد أصبح الإنسان إنسانا بلغته ~~التي اصطنعها ليجعل منها وسيلة «عبور» ينتقل بها مكنون نفسه إلى ~~الآخرين، وإلا فلو أن كل فرد إنساني قد لبث مغلقا على سره، بحيث ~~يصبح أفراد الناس كالجزر الصماء في المحيط العظيم، كل جزيرة منها ~~استقلت عن الأخريات، أقول لو أن مثل هذه العزلة الموحشة كانت هي ~~قدر الإنسان، ثم أضيفت عزلته تلك إلى الصمت الرهيب الذي يلف في ~~عبوسه جسم الكون الهائل الذي يحيط به؛ إذن لأصبحت حياة الإنسان مساوية ~~لموته، أما الذي أجرى فيه الحياة مع غيره فهو لغته «المعبرة». # فنحن - إذن - إنما نوجه اهتمامنا الآن إلى اللغة وهي أداة «تعبير »، ~~مرجئين الحديث عن لغة العلم التي يراد لها - عمدا - أن تشير ولا ~~تعبر؛ فنقول إن أفراد الناس يتفاوتون تفاوتا شديدا في قدراتهم على ~~أن تجيء كلماتهم مجنحة ms263 لتستطيع بأجنحتها تلك أن تطير مرتين: إحداهما ~~وهي تطير حاملة مكنون النفس من مخبئه ليظهر إلى الناس، والثانية إذ هي ~~تطير عبر المكان البعيد، وعبر الزمان المديد، لتبلغ مسامع الناس في ~~أوانها وفيما يلي أوانها من عصور تتوالى إلى ما يشاء لها الله أن ~~تتوالى. أقول إن أفراد الناس، رغم اشتراكهم في لغة واحدة، فهم يتفاوتون ~~في القدرة على أن تجيء عبارتهم «ناطقة» حقا، «معبرة» حقا، مفصحة ~~حقا عن حقيقة «الإنسان» كما هو متمثل في الفرد المتكلم. إن كلمات ~~الأفراد قد تتشابه ظاهرا كما يتشابه الطير، ولكن تفاوتها البعيد بعد ~~ذلك يظهر عند الطيران، فكما أن في عالم الطير نسورا وعقبانا تشق ~~الفضاء كأنها الرماح أطلقتها أيدي الفرسان، وبغاثا من الطير لا يكاد ~~يعلو عن سطح الأرض، مكتفيا لقوته بفتات ذابل تناثر هنا وهناك؛ ~~فكذلك في الناطقين باللغة الواحدة من تضمن كلماته بقاء الخلود، ومنهم ~~من تفنى كلماتهم على شفاههم قبل أن يموج بها الهواء. # وموضع العجب الذي لا ينقضي، هو أن كلمات اللغة، وطرائق تركيب تلك ~~الكلمات في جمل، بعد أن صاغتها جماعات الناس، ليستعان بها في ~~الإشارة إلى الأشياء التي قد يدور عنها حديث بين متكلم ومخاطب، أخذت ~~تلك الكلمات نفسها - على امتداد تاريخها - تعبأ بمضمونات تمس ~~مشاعر الإنسان، حتى لقد تضاءلت قيمة الوظيفة الإشارية منها، وارتفعت ~~قيمة ما قد أضيف إليها من مشاعر الإنسان بما كابد وما عانى، وعندئذ ~~أصبحت أداة صالحة «للشعر»، كما أصبحت قادرة، بأجنحتها المكتسبة، على ~~الطيران عبر المكان وعبر الزمان، على النحو الذي ذكرناه. وإذا كنت قد ~~استخدمت كلمة «الشعر» هنا، مشيرا بها إلى اللغة التي اكتسبتها خبرات ~~الحياة أجنحة تمكنها من العبور والطيران، فإنما قصدت بكلمة «الشعر» كل ~~عبارة تجاوزت وظيفة اللغة الأولى والأساسية، وهي «الإشارة» إلى مسميات ~~في دنيا الأشياء، وهي نفسها الوظيفة التي يقف عندها، ويكتفي بها ~~«العلم»؛ فالعلم يقول الكلمة المعينة ليشير بها إلى شيء معين، ~~ويرفض أن يزاد عليها معنى أو ينقص منها معنى؛ حتى يضمن لها دقة ms264 ~~الأداء. وأما «الشعر» (بالمعنى الواسع لهذه الكلمة) فيكاد يسقط من ~~حسابه الجانب الإشاري من الكلمات، ليطير بمضمونها الشعوري المضاف إلى ~~حيث تستطيع موهبته أن يطير؛ ومن هنا كان الشعر في لغة ما، هو زهرتها، ~~أو قل هو موضع العبقرية فيها. # ولكي أوضح ما أعنيه؛ افرض أنك وجدت في غرفة مجموعة الأشياء الآتية: ~~سيف، ورمح، وورقة، وقلم، وسئلت: هل تعرف أسماء هذه الأشياء؟ فإنك لا ~~شك مجيب: نعم، إني أعرف أسماءها فهذا سيف وهذا رمح، وهذه ورقة، وقد ~~يسمونها كذلك «قرطاسا»، وهذا قلم، لكن سائلك ربما مضى معك في ~~الحديث، وأخذ يسأل: وهل تعرف ما تسميه «خيلا»؟ وتقول أنت: نعم، ~~أعرف الخيل، وهكذا يسألك عن مسميات «الليل» و«البيداء» وهكذا أيضا ~~يجيء جوابك بأنك تعرف معانيها جميعا، فإلى هنا لا يكون سائلك ولا تكون ~~أنت قد جاوزتما الوظيفة «الإشارية» للكلمات؛ فأنتما تعرفان لكل كلمة من ~~الكلمات المعروضة مسماها، وتلك هي اللغة في أولها وأساسها، لكن اقرأ ~~بعد ذلك قول المتنبي: # الخيل والليل والبيداء تعرفني # والسيف والرمح والقرطاس والقلم # اقرأ هذا البيت، وكلماته هي نفسها الكلمات التي عرفت مسمياتها في ~~دنيا الأشياء أضيف إليها كلمة واحدة، هي «تعرفني»، وبهذه الإضافة ~~اليسيرة، تنتقل معرفتك بقائمة الأسماء المذكورة إلى فلك آخر من أفلاك ~~السماء؛ فلم يعد يراد بالخيل أن يكون خيلا، ولا بالليل أن يكون ليلا ~~... إلى آخر الأسماء الواردة في القائمة المذكورة، بل تحولت كل هذه ~~الأشياء من حالة كونها جمادا لا يعقل ولا يشعر ولا يعرف، إلى حالة ~~كونها كائنات عاقلة شاعرة عارفة، تستطيع أن تميز إنسانا يجيد ~~استخدامها من إنسان يجهل طبائعها، وانظر إلى دخيلة نفسك عندئذ؛ تجدها ~~لم تعد تعنى بتلك الأشياء في ذاتها، بل انتقل انتباهها إلى «الرجل» ~~الذي ملك بقدراته زمام تلك الأشياء جميعا. تأمل نفسك جيدا؛ تجدها قد ~~ارتفعت عن دنيا «الأشياء» وأسمائها، إلى عالم آخر، هو عالم «القيم» ~~التي تميز الإنسان من سائر الكائنات، ثم تعود فتميز إنسانا من إنسان، ~~وهي - هنا - قيم الشجاعة، والمغامرة، والفروسية والشعور ms265 المرهف، ~~وفوقها جميعا قيمة القدرة على «التعبير» عن هذا كله. ومن أجل تلك ~~القدرة السامية، وهي نفسها التي تميز بها المتنبي شاعرا؛ عرفه ~~القرطاس وعرفه القلم، فإذا أمسك بقلمه عرف القلم أن قد أمسكت به ~~أصابع شاعر، وإذا جرى القلم على القرطاس عرف القرطاس أنه في ذمة من ~~يعرف كيف يكتب اللفظ الشريف، وهكذا ترى أن اللغة لم تعد وظيفتها أن ~~«تشير» إلى مسميات، بل انتقلت إلى فلك أسمى هو فلك الخبرة الإنسانية ~~بكل ما تكابده وتعانيه، وهي نفسها الخبرة التي تجمع في العمل الأدبي ~~الواحد وظيفتين قد تبدوان وكأنهما نقيضتان، وهما: أن يكون في العمل ~~الأدبي خصوصية صاحبه الفرد المفرد الفريد، وأن يكون فيه في الوقت نفسه ~~إنسانية الإنسان أينما كان وأنى كان. # والكاتب كالشاعر، لا يستحق نعته كاتبا، كما لا يستحق الشاعر نعته ~~شاعرا، إلا إذا جاءت الكلمات على قلمه «تعبيرا»؛ وأظننا قد عرفنا ~~الآن أن صميم التعبير هو «العبور» بالسر الإنساني من الخفاء إلى العلن، ~~ولقد كثر الخلط بيننا اليوم؛ فلم نعد نفرق بين العبارة يجري بها قلم ~~«الكاتب»، أو بيت للشعر ينبض به قلم الشاعر، وبين ما يرويه ناقل الخبر، ~~أو ما يعترك به المدافع عن سياسة ضد سياسة، أو من يبين لنا كيف نحول ~~الجنيه إلى دولار .. كل هذه أمور تقع في صميم حياتنا، وإذا لم يكتب ~~عنها خالد، فلا بد أن يتولاها بالكتابة عمرو؛ هذا صحيح، لكنها عندئذ ~~تكون كتابة فيها وظيفة «الإشارة» إلى الأشياء والمواقف، تزول بزوالها ~~وتبقى ببقائها، أما أدب الكاتب وشعر الشاعر فشيء آخر يريد أن يكون في ~~الموسيقى الكونية قيثارة، يريد أن يغوص في خصوصية ذاته ليخرج منها ~~الاسم ومسماه، ليبلغ بها ذلك العالم الكامن وراء الأشياء، من إرادة ~~تريد، وعقل يدبر، وقلب يتعاطف ويرحم. # لكن عصرنا - أقول لك الحق - قد اختار أن يضيف إلى كل حسناته من علم ~~ومغامرة؛ سيئة أخشى أن تذهب حسناته، وأعني بالسيئة ذلك الطوفان من ~~الكلمات التي تهدر بها المطابع، تهدر بها وتصرخ بها وسائل ms266 الصوت ~~والصورة، تهدر بها وتصرخ بها، حاملة للناس ما يرتفع بأقدارهم مرة، وما ~~يهبط بتلك الأقدار ألف ألف مرة، وربما كان من أجل هذا الصخب الفارغ، ~~قال «كافكا» يوما ضاقت فيه نفسه: إنني أكثر احتراما لنفسي صامتا مني ~~متكلما. # ولكن ماذا عن «العلم» ولغته أنت يا أيها الداعي إلى العلم في صبحك ~~ومسائك؟ نعم، فلننتقل الآن إلى العلم ولغته، بعد أن قلنا ما قلناه ~~عن شعر «الشاعر» وكتابة «الكاتب»، وقبل أن أنتقل بك إلى تحديد الفارق ~~الأساسي بين المجالين، أريد أن أجنبك خلطا قد تقع فيه، بين ما هو ~~«علم» وما هو «لغو» لا يعني شيئا، ولا ينفع الإنسان في شيء؛ فلا هو من ~~قبيل الشعر والأدب من حيث أنسنة الإنسان، ولا هو علم من حيث الإحاطة ~~بالقوانين التي تجري عليها ظواهر الكون ليستطيع الإنسان أن يلجم تلك ~~الظواهر ليسير بها حيث يشاء؛ فطوفان الكلمات التي أشرت لك إليه منذ ~~بضعة أسطر معظمه لغو فارغ، وأقله «علم» و«أدب» و«شعر»، فبماذا ~~تتميز الصيغة اللفظية عندما يحق لنا أن ندرجها في زمرة الحقائق ~~العلمية؟ # الفرق بعيد بين اللغة العلمية من جهة، ولغة الشعر والأدب، ولغة ~~الحياة الجارية من جهة أخرى؛ وأول فرق أشير إليه، لنفرغ منه فروعه ~~المهمة، هو أنه بينما اللغتان الأخيرتان، وأعني لغة الشعر والأدب ولغة ~~الحياة الجارية، تستخدمان اللفظ بجانبيه: الإشاري والتعبيري؛ أي ~~إنهما إذ تراعيان - بالطبع - أن يجيء الكلام مشيرا إلى الجانب ~~المقصود من جوانب الواقع، وذلك حين يكون الحديث حديثا عن واقع معين؛ ~~فهما كذلك يستعملان اللفظ بشحنته الشعورية التي يكون ذلك اللفظ قد ~~اكتسبها بالاستعمال على امتداد الزمن. وإن هاتين اللغتين: لغة الشعر ~~والأدب، ولغة الحياة الجارية؛ لتتفاوت عند الناس درجات القوة أو الضعف ~~فيهما بمقدار ما يحملانه من تلك الشحنة الشعورية التي أشرنا إليها. ~~وأما اللغة العلمية، ولا سيما في العلوم التي تقدمت من حيث الدقة، ~~كالفيزياء والكيمياء؛ فالمثل الأعلى عندها هو أن يتجرد الرمز العلمي من ~~كل أثر للشحنة الشعورية، حتى ليفضل رجال العلوم ms267 أن يصطنعوا رموزا ~~يجعلونها لغة لهم في المجال العلمي؛ لتجيء تلك الرموز خالية من آثار ~~الاستعمال اليومي في حياة الناس الجارية، وإذا هم لم يستطيعوا ذلك - ~~كما هي الحال غالبا في العلوم الإنسانية، كعلوم الاقتصاد، والاجتماع، ~~والنفس - فلا أقل من تعريف الألفاظ الأساسية الواردة في غضون العلم ~~المعين، تعريفا يحدد المراد منه تحديدا دقيقا؛ والغاية من ذلك ~~التحديد هي أن يخلو اللفظ مما علق به من ميراث الوجدان التي بطبيعتها ~~قد تختلف باختلاف الأفراد؛ كي يكون الباحثون جميعا في مجال علمي ~~معين على اتفاق تام بالمعاني المقصودة من مصطلحات مجالهم. # ويتفرع عن ذلك التحديد لمعاني الرموز أو الألفاظ المستخدمة في ~~العلوم؛ فرق آخر بالغ الأهمية في التمييز بين لغة العلم في ناحية، ~~ولغة الشعر والأدب، ولغة الحياة الجارية معا، في ناحية أخرى؛ وهو أنه ~~بينما الناس في هاتين اللغتين، يأخذون الكلمات بمعانيها الانطباعية، ~~أي إنهم يكتفون بمجمل المعنى كما يبدو في ظاهره؛ ترى العلماء في شتى ~~مجالات العلوم يحللون الأشياء المسماة بتلك الكلمات تحليلا يدعوهم ~~إلى أن يستبدلوا باللفظة المعينة مما يستعمله الناس رموزا أو ألفاظا ~~أخرى تتعدد بتعدد العناصر الجزئية التي انحل إليها الشيء الذي ~~أخضعوه للتحليل، فمثلا: لا بأس في لغة الشعر والأدب، وفي لغة الحياة ~~الجارية على السواء، في أن يسمى الماء باسمه «ماء»، أما في دنيا ~~العلم؛ فإنهم يحللون الماء، فيجدونه مؤلفا في كل ذرة مائية منه، من ~~ذرتين من ذرات الهيدروجين، وذرة واحدة من ذرات الأوكسجين، فيلخصون ~~هذا التركيب ويقولون - بدل كلمة «ماء» - «2 يد أ»، وتكون هذه الصيغة هي ~~ما يستعمله العلماء كلما أرادوا أن يقولوا «ماء». # ولعلك تلحظ أن موضع الاختلاف بين كلمة «ماء» في لغة الشعر والأدب ~~والحياة الجارية، وبين الصيغة: «2 يد أ» في لغة العلم؛ هو أن الاسم في ~~الحالة الأولى يبرز «الكيف»، أي إنه يهتم بوقع الشيء على الحواس، ~~بينما هو في الحالة الثانية يبرز «الكم»؛ أي المقادير المحددة من كل ~~عنصر من عناصر الشيء، وواضح أن من يكفيه ms268 أن يقول عن الماء إنه «ماء» لا ~~يهتدي بهذه التسمية إلى الطريقة التي «يصنع» بها ماء، أما الذي يشير ~~إلى الماء يقوله «2 يد أ» فهو في الوقت نفسه يرسم الطريق أمام من يريد ~~صناعة الماء؛ إذ ما عليه إلا أن يحصل على الهيدروجين من مصادره، وعلى ~~الأوكسجين من مصادره وبتجربة علمية يدمج هذا بذاك فإذا بين يديه ~~«ماء» بعد أن لم يكن. # إن لغة الشعر والأدب، ولغة الحياة الجارية معا، قد درجتا على أن ~~تضيفا إلى التركيب اللغوي إضافات وزوائد، لها معانيها في مجرى الشعور ~~الباطني عند الإنسان المتكلم، ولكن ليس لها ما يقابلها في وقائع ~~الدنيا الخارجية؛ ولذلك يستغني عنها رجال العلم عندما يصوغون علومهم في ~~لغة علمية؛ فمثلا، لا بأس عند الأديب، وعند الإنسان في حياته الجارية، ~~أن يقول: ألا ما كان أسعدها من لحظة عندما التقيت صديقي! فالحالة ~~الواقعة هنا، التي تكتفي بها الصياغة العلمية هي: «التقيت صديقي»: وأما ~~سائر الكلمات الواردة في الجملة الأولى فلها أهميتها ولها معناها، ~~لكنها أهمية ومعنى يتصلان بدخيلة المتكلم في ذات نفسه، لكنها بغير معنى ~~بالنسبة إلى عالم الواقع الذي حدث في خارج الإنسان، والذي هو مجال ~~النظر العلمي. # ومما يترتب على الفرق بين النوعين: لغة الشعر والأدب ولغة الحياة ~~الجارية من جهة، ولغة العلم من جهة أخرى؛ أن الكلام في الحالة الأولى ~~يجيء متداخل الأجزاء متشابك الخيوط، حتى لقد ترى كلاما تظنه جملة ~~واحدة، تقبلها معا، أو ترفضها معا، أما في الحالة الثانية فالأغلب أن ~~يجيء الكلام مفصل الأجزاء؛ حتى يمكن الحكم على كل جزء على حدة بالصواب ~~أو بالخطأ، دون أن يمتد ذلك الحكم ليشمل الأجزاء الأخرى. وأسوق لذلك ~~مثلا هذه العبارة: «مات ملك المدينة الفاضلة أمس»؛ فها هنا يغلب على ~~السامع من عامة الناس أن يأخذ الجملة وكأنها خبر واحد أوردته جملة ~~واحدة، يقبلها معا أو يرفضها معا؛ وأما صاحب النظرة العلمية فيحلل - ~~أولا - هذا المركب اللفظي إلى الجمل التي يشتمل عليها، ففيها: ~~(1) هنالك «مدينة فاضلة»، وقد ms269 يكون ذلك وحده زعما باطلا، وقد يكون ~~خبرا صحيحا و(2) لهذه المدينة الفاضلة ملك، وقد يكون ذلك صحيحا وقد ~~لا يكون، فربما كان هناك بالفعل «مدينة فاضلة» لكن الذي يحكمها ليس ~~ملكا؛ و(3) وهذا الملك مات، وربما صدق هذا الخبر أو كذب، و(4) وأن ~~موته حدث أمس، وأيضا هنا نقول إنه ربما صح أن ملكا كهذا كان بالفعل ~~موجودا، وإنه حقا قد مات، لكنه موت وقع في تاريخ غير الأمس. # ذلك نموذج مصغر يبين لك كيف يتلقى الخبر المعين من لم يدرب ~~على تحليل علمي للحقائق، وكيف يتلقاه صاحب النظرة العلمية؛ فالأول ~~متأثر بلغة الحياة الجارية والثاني متأثر بلغة العلم. # والكلام في لغة العلم يطول إذا أردنا إحاطة شاملة لكل خصائصه، وأطول ~~منه كلام يطمع صاحبه في إحاطة شاملة لخصائص اللغة عندما تكون شعرا، أو ~~أدبا من أدب النثر، وإحاطة شاملة لكل خصائص اللغة الجارية في حياة ~~الناس اليومية. ولئن كانت «اللغة» - أيا كانت صورتها - في حد ذاتها ~~ظاهرة تدعو إلى العجب إذا ما تأملناها؛ فلعل أعجب ما فيها هو أنها ~~تستعصي على التحليل الكامل الشامل، لأننا إذا ما حاولنا مثل ذلك ~~التحليل، تحللت أنسجة اللغة بين أصابعنا، وفقدت الصفة التي من أجلها ~~كانت لغة. والأمر في هذا يشبه أن تعبر خندقا على ألواح رقيقة من ~~الخشب، فأنت تعبر سالما إذا خطوت على الألواح الخشبية في خفة، كالتي ~~أرادها أبو العلاء المعري حين خاطب السائر على أديم الأرض بقوله: «خفف ~~الوطء ...» وأما إذا ركبت رأسك، وأصررت على أن تخبر طبيعة الألواح ~~الخشبية الرقيقة على حقيقتها، فأخذت تقفز عليها بجميع ثقلك؛ فلا عبرت ~~أنت الخندق، ولا بقيت الألواح. # | وصولا إلى حرية وعدالة # لم تكن هذه أول مرة، ولا كانت المرة العاشرة، التي وقفت فيها عند ~~آيات كريمة في «سورة البلد»، مرهفا كل ما أملك من قوة الإدراك والفهم، ~~وفي كل مرة كنت أجدني أمام صورة كاملة متكاملة الأطراف لمجتمع ارتفعت ~~ثقافته فارتفعت حياته، إلا أن الصورة كما وردت في جملة الآيات ms270 الكريمة، ~~مكثفة تشد قارئها نحو العمق، أكثر جدا مما تسير به نحو الطول ~~والعرض، ومتروك للقارئ أن يعمق من عمقها؛ ليعود فيتسع بالمعنى، ليرى ~~كيف يمتد فيشمل حياة الإنسان في مجتمع كبير، تتشابك فيه الصلات ~~والمعاملات بين أفراده، نعم، لطالما تأملت المعنى في هذه الآيات ~~الكريمة من سورة «البلد»: ~~... ألم نجعل له ~~عينين * ولسانا وشفتين * وهديناه النجدين * ~~فلا اقتحم العقبة * وما أدراك ~~ما العقبة * فك رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيما ذا مقربة * ~~أو مسكينا ذا متربة ... ~~. # ولقد كان مما دعاني إلى طول الروية أمام هذه الآيات الكريمة؛ أنني ~~رأيت فيها صورة لم تكن هي التي رآها المفسرون، ورأيت كذلك أن الصورة ~~التي ارتسمت في ذهني من هذه الآيات الكريمة ترسم قواعد البنيان لحياة ~~الإنسان في مجتمع قوي سليم أوضح مما يرسمه تفسيرها الشائع، وأستغفر ~~الله إن كنت على خطأ، وربما كان محور الاختلاف في الفهم والرؤية، هو ~~معنى كلمتي «النجدين» و«العقبة»، على نحو ما سوف أبينه. # وردت إشارة في الآيات الأولى من سورة «البلد» إلى من كثر ماله، ~~ولكنه لم ينفق منه بما كان ينبغي له، ومع ذلك فهو يدعي أنه أهلك مالا ~~كثيرا، حاسبا أن أحدا لم يره على حقيقته، وبعد تلك الإشارة جاءت ~~الآيات الكريمة التي ذكرناها في الفقرة السابقة، وفيها استنكار لموقف ~~ذلك الثري المغلولة يده إلى عنقه: # ألم نجعل ~~له عينين * ولسانا وشفتين * وهديناه النجدين * ~~فلا اقتحم العقبة ... # فيقول الطبري في تفسيره: ~~«عينين يبصر بهما حجج الله عليه ...» و«لسانا يعبر به عن نفسه» ~~و«شفتين نعم من الله» و«النجدين أي الطريقين؛ طريق الخير وطريق الشر» ~~و«العقبة قيل إنها جبل في جهنم»، وأما كاتب هذه السطور، العبد الفقير ~~لله سبحانه وتعالى، والعارف بفضل الأئمة العلماء، والطبري أحدهم بلا ~~أدنى شك في ذلك، أقول إن كاتب هذه السطور لم يسعه إلا أن يعاود ~~الوقوف عند هذه الآيات الكريمة؛ لعله يجد في كلماتها مبررا لمثل ما ~~ذهب إليه الطبري، فضلا عن قصور ما ذهب إليه، في أن ms271 تتكامل أمام الذهن ~~صورة مترابطة الأطراف، يهتدي بها من يشاء له الله تعالى أن يهتدي؛ ~~فلماذا يشير الطبري إلى «العينين» بأنهما تبصران حجج الله على ذلك ~~الثري المقبوض اليدين؟ وكان الأقرب أن يجعل «العينين» تبصران كما تبصر ~~الأعين؛ فتريان خلق الله ليستمد صاحب العينين علما وعبرة، كما سأبين ~~بعد قليل، ثم لماذا لم يربط «اللسان» ب «الشفتين» في جهاز واحد - كما ~~هما على الحقيقة - وهو جهاز النطق باللغة بكل ما يترتب على هذا المعنى ~~من نتائج بعيدة المدى في هذا السياق الذي نحن الآن بصدده؟ وعلى أي أساس ~~معقول ومقبول - بالنسبة إلى سياق الكلام الذي بين أيدينا - يجعل ~~«النجدين» مجرد طريقين ثم يجعل طريقا منهما يشير إلى الخير وطريقا ~~آخر يشير إلى الشر؟! إن «النجد» هو مرتفع من الأرض وهو ما نسميه ~~بالمصطلح الجغرافي المعروف «هضبة»، ويقابل النجد «الوهد» الذي هو الأرض ~~المنخفضة، فهل هو من حق المفسر أن يحذف من معنى اللفظة المعينة أهم ~~جانب من جوانب معناها ثم يقيم تفسيره بعد ذلك على الجانب المتبقي على ~~نقصانه؟! إن من يفهم كلمة «النجدين» مطروحا من معناها «الارتفاع» مع ~~خشونة الحجر وغلظته؛ يكون قد فوت على نفسه مفتاحا مهما يعينه على ~~فهم السياق كله فهما أصح وأنفع، وأخيرا يجيء أعجب ما نعجب له في ~~تفسير الطبري، وذلك عندما يقول عن «العقبة» قيل إنها جبل في جهنم! كيف ~~ذلك والآيات الكريمة التي تلتها مباشرة قد فسرتها بما يقطع بالمعنى ~~المقصود؛ إذ تقول: # وما أدراك ما ~~العقبة ... ~~، وهو سؤال يعقبه جوابه، الذي هو أن العقبة ~~(التي لم يستطع ذلك الفتى البخيل اقتحامها) إنما هي أن تفك رقاب ~~العبيد ليصبحوا أحرارا، وأن يقدم العون إلى المعوزين في يوم المجاعة، ~~ولماذا يكون هذان الأمران «عقبة» يصعب اقتحامها على كثيرين؟ ذلك ما ~~أرجئ الجواب عنه لأضعه في مكانه من الصورة المتكاملة المترابطة، التي ~~تصورتها للمجتمع الإنساني الكامل، بناء على مجموعة الآيات التي ~~ذكرناها من سورة «البلد». # والآن فلنعد لنبدأ من البداية، فلقد أشير إلى ذلك ms272 الثري القابض يده ~~عن الإنفاق فيما ينفع الناس، بهذه الآيات: # ألم ~~نجعل له عينين * ولسانا ~~وشفتين * وهديناه ~~النجدين # فها هنا تستطيع أن تلمح مقدمتين، ونتيجة ~~تنبني على هاتين المقدمتين، وأما المقدمتان فهما أن وهب الإنسان ~~جهازين، بينهما رباط وثيق يجعل الجهاز الأول منهما مؤديا بالضرورة ~~إلى الجهاز الثاني، وهما على التوالي جهاز الإبصار - بالمعنى المباشر ~~للكلمة - وجهاز اللغة؛ فالبصر أداة بين أدوات أخرى، هي أعضاء الحس، ~~ولعل أهمها في الوظيفة التي تؤديها، وما تلك الوظيفة إلا «إدراك» ~~الإنسان لما يحيط به؛ فلم يكن في وسع الإنسان أن يخطو في حياته خطوة ~~واحدة، إلا إذا كان على معرفة ما، بالمحيط الذي يتحرك فيه، وإلى هنا ~~يتساوى إنسان وحيوان، فلكل كائن حي مما له القدرة على الحركة في ~~أرجاء المكان بمختلف اتجاهاتها (ومن هنا نستثني النبات لأنه مقيد ~~الحركة بالنسبة إلى الحيوان والإنسان؛ إذ الغالب فيه أن تمتد جذوره إلى ~~أسفل، وفروعه إلى أعلى، مع التزامه موضعا بذاته)؛ أقول إن لكل كائن حي ~~مما وهب القدرة على الحركة في مختلف الاتجاهات؛ أدوات يدرك بها ما ~~حوله ليعرف كيف يتجه وإلى أين يتجه، وتلك الأدوات الإدراكية هي ~~«الحواس» التي فيها حاسة البصر. # لكن الإنسان والحيوان إذا تساويا إلى هذا الحد؛ فإن الإنسان ينفرد ~~بعد ذلك بدرجات متصاعدة من الإدراك، يقف دونها سائر الحيوان، وتبدأ ~~تلك الدرجات الإدراكية المتصاعدة في حياة الإنسان بالقدرة على «النطق» ~~مستعينا بجهاز عضوي خاص، أهم أجزائه اللسان والشفتان، وليس المراد ب ~~«النطق» هنا مجرد أصوات حيوانية، كالتي يصيح بها الحيوان والإنسان ~~معا في لحظات الذعر أو لحظات الرضا، بل المراد هو النطق الذي صيغت ~~أصواته في «كلمات»، وهنا تتحقق للإنسان المعجزة الإلهية التي صيرته ~~إنسانا، وقد أحسن من أراد تعريف الإنسان تعريفا يبين جوهره المميز، ~~فقال إنه «الحيوان الناطق» بمعنى أن فيه كل ما في الحيوان من صفات ~~أساسية كالاعتدال، والنمو، والتناسل، والحركة، ولكنه أضاف إليها ~~جانبا تميز به وانفرد، وذلك أنه نطق باللغة، واللغة تتعدد إلى لغات، ~~إلا ms273 أن اللغات البشرية جميعا تتلاقى في أساس مشترك هو القدرة ~~الفطرية التي تتشكل بعد ذلك أشكالا مختلفة هي اللغات. وقد تسأل: وما ~~هي طبيعة تلك القدرة الفطرية في الإنسان؟ وأجيبك بأنها القدرة على ~~«الرمز»؛ أي أن ينيب المتكلم عن الشيء الغائب «رمزا» يقوم مقامه في ~~تبادل الحديث، وبهذه القدرة الرامزة اتسعت آفاق الحياة الإنسانية؛ ~~فانتقلت من محدودية الحيوان في مكانه وزمانه، وفي الأشياء التي تقع في ~~دائرة إدراكه الحسي، إلى انطلاق لا تحده الحدود؛ إذ أصبح في ~~مستطاع الإنسان أن يستعين برموز اللغة، فيستحضر بين يديه ما ليس ~~حاضرا، مما كان، ومما سوف يكون، ومما هو كائن خارج دائرة إدراكه ~~الحسي. # ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد، ولكنه يجاوزه إلى آماد، الله أعلم ~~بأبعادها، إذا عرفنا عن «اللغة» حقيقة أخرى جوهرية، والعجب أن نجدها ~~إلى يومنا هذا موضع خلاف بين المشتغلين باللغة ومنطقها وطبيعة أدائها ~~لما تؤديه، وتلك الحقيقة هي أن اللغة هي نفسها «الفكر» فإذا تكلم إنسان ~~فقد فكر في حدود ما تكلم، وإذا فكر - حتى وهو صامت فيما يبدو للناس - ~~فقد تكلم بمقدار ما فكر، وحاول أن تستبطن ذاتك وأنت تفكر في «صمت» تحس ~~بحركات في جهاز النطق، هي نفسها الحركات التي لو ارتفعت فيها الدرجة ~~لأصبحت كلاما مسموعا، ولن أطيل الوقوف عند هذه النقطة رغم أهميتها ~~البالغة؛ لأنني على شيء من العلم بما يتفرع عنها من اختلافات في ~~الرأي. # وبعد هذا فلنقرأ معا قول الله عز وجل: # ألم ~~نجعل له عينين * ولسانا ~~وشفتين ... # ومعناه ألم نخلقه إنسانا مزودا بأدوات ~~تكشف له عما حوله ليتدبر أمره معها، كما زودناه فوق ذلك بجهاز كامل، ~~يحول به المادة الخامة التي جاءته عن الأشياء المحيطة به، إلى «فكر» ~~مجسد في لغة؟ لكننا نلحظ في الآية الكريمة أن القول يشير إلى مفرد ~~غائب، يدل على ذلك ضمير الهاء في كلمة «له»؛ فالمقصود - إذن - هو رجل ~~واحد ولننظر خلاله إلى النوع الإنساني كله، وهنا أجد نفسي مضطرا إلى ~~الحديث مرة أخرى عن ms274 اللغة وأداتها هنا اللسان والشفتان، وحديثي عن ~~اللغة هذه المرة منصب على خاصة من أعجب خواصها، ولعلها كذلك تكون من ~~أبعدها دلالة ومغزى، وتلك هي أن اللغة المعينة عند شعب معين، وإن ~~تكن لغة واحدة يشترك فيها كل المتكلمين بها؛ فإن الحصيلة اللغوية التي ~~استخدمها فرد معين في حياته يستحيل أن تتكرر كما هي في فرد آخر، ~~وأكرر كلمة «يستحيل»؛ حتى ينتبه القارئ على الفردانية اللغوية، التي ~~كأنما هي إعجاز من الإعجاز. إن الأمر في هذا يشبه أن يقيم ملايين ~~الأفراد حول محيط مائي واسع، وكل فرد من هؤلاء الناس، يملأ إناءه من ~~المحيط، فإن يكن المصدر واحدا؛ فإن لكل صاحب إناء نصيبه من الماء ~~الذي ليس هو بعينه نصيب أحد آخر سواه. وبتشبيه آخر، افرض أننا زودنا ~~كل مولود بشري بشريط للتسجيل الصوتي، ليسجل عليه كل ما ينطق به صاحبه ~~طوال حياته - أو حتى خلال يوم واحد - ثم قمنا بمقارنة نجريها بين ~~أشرطة الأفراد، لنرى كم تتشابه وكم تختلف؛ فإننا عندئذ لواجدون في كل ~~شريط فردانية، بحيث يكون محالا أن نجد شريطين متطابقين؛ فاللغة عند ~~الجميع واحدة وحياتهم مشتركة بينهم، ومع ذلك فالمركب اللغوي الذي ~~عاش به فرد معين يستحيل أن يطابق مركبا لغويا عاش به فرد آخر، لا ~~في عصره فقط، بل في كل العصور التي تكلمت اللغة نفسها في أي مكان ~~على الأرض. # هي فردانية عجيبة، يتميز بها الفرد عمن سواه، ربما أكثر مما يتميز ~~ببصمة إبهامه، ومع ذلك فاللغة المشتركة تظل لغة واحدة وإن تعددت صور ~~تركيباتها بين الأفراد، تعددا يبلغ عدد الأفراد، وإذا كانت لغة ~~الإنسان هي فكره، وفكره هو لغته التي نطق بها أو كتبها؛ فإن ذلك لا ~~ينفي وحدة قاموسها، ووحدة قواعدها في التركيب. وعند هذا التوحد يجتمع ~~أبناؤها لغة وفكرا ، على أن التنوع الشديد في صور التركيبات ~~اللغوية، عند مستعمليها، إنما يبلغ أبعد مداه عند مستوى التعامل بين ~~الناس، حتى إذا ما أخذنا في الصعود باللغة إلى مستويات أعلى، من حيث ~~التعميم ms275 والتجريد، كمستويات التفكير العلمي بدرجاتها المتصاعدة؛ أخذ ~~ذلك التنوع تضعف حدته، وتضيق زاويته لنصل إلى درجة نجد عندها علماء ~~الفرع الواحد، على اتفاق في صيغ القول المتصل بمجال فرعهم ~~العلمي. # ولنعد - مرة أخرى - إلى الآية الكريمة: # ألم ~~نجعل له عينين * ولسانا ~~وشفتين # لنعلم منها مقدار ما لا بد أن يكون ذلك الغني ~~المقبوض اليدين على ماله، قد تفرد به قولا وفكرا، ولنعلم كذلك ما ~~لا بد أن يكون بينه وبين غيره من أفراد الناس من نقط التقاء، تجعل ~~منهم قوما، أو قبيلة، أو أمة، وهنا ننتقل بحديثنا إلى الآية الكريمة ~~التالية على ذكر العينين واللسان والشفتين، وهي: # وهديناه النجدين # وتذكر ما قلناه عن «النجد» ~~الذي هو مرتفع من الأرض، قد يصعب الصعود إليه من بطون الوهاد، والنجدان ~~هنا هما هدفان للإنسان إذا أراد لنفسه حياة كريمة رفيعة المقام، فإن ~~يكن في الصعود إلى ذينك الهدفين مشقة؛ فهي مشقة في سبيل الصعود ~~إلى ما هو أعلى، والسعيدة السعيدة من الأمم هي الأمة التي تشق ~~طريقها إلى قمة النجد، والشقي الشقي هو شعب خائر الهمة، يعجز دون ~~اقتحام العقبة، ولست أرى كيف تكون العقبة «جبلا في جهنم» كما ورد في ~~تفسير الطبري، ثم ماذا يفيدنا في حياتنا أن نجعلها كذلك، إنما العقبة ~~هي كما جاء في الآيات التاليات: أن تفك الرقاب المغلولة بأغلال ~~العبودية - بشتى صنوفها وأشكالها - وأن يتعاون الناس، قادرا مع ~~عاجز، وقويا مع ضعيف، وغنيا مع فقير، للتغلب على مشاق الحياة ~~وصعابها، لكن لماذا يكون هذان الهدفان الساميان «عقبة» تستعصي على ~~الاقتحام؟ والجواب هو أن ذلك يكون إذا ما جعل الإنسان السيادة لغرائزه، ~~وللغريزة اندفاعها الذي لا يحده إلا عقل يحكم، وأخلاق تضبط، ومن تلك ~~الغرائز الطاغية، حب التملك، وحب المال، لما يتضمنه من قوة ~~وسيادة، فمن ملك رقيقا، وكانت السيادة في كيانه متروكة للغريزة، صعب ~~عليه أن يحرر عبيده، ومن امتلأت خزائنه بالمال، وأحس به قوة وسيادة، ~~صعب عليه كذلك أن ينفقه في سبيل حياة كريمة بينه وبين آخرين. ms276 # تعالوا نستجمع معا عناصر الصورة التي تناثرت بين أيدينا في الفقرات ~~السابقة، لنرى كيف قدمت مجموعة الآيات الكريمة من «سورة البلد» لوحة ~~متماسكة مترابطة الأجزاء واضحة الأصول والفروع لحياة الإنسان في مجتمع ~~سليم، فقد جاءت مقدمة الصورة في إشارة إلى خلل في جسم المجتمع القائم، ~~مما يستوجب التغيير في سبيل الإصلاح، وكان الخلل مجسدا في صورة رجل ~~كثرت أمواله وامتد ثراؤه، ولضعف في تكوينه الخلقي؛ اختار الرجل أن ~~يعيش بين الناس منافقا بوجهين، يقبض يده على ماله بوجه، وبوجه آخر ~~يعلن في الناس أنه أهلك ماله في سبيلهم، ولو أننا حددنا حدود ذلك ~~الرجل الواحد، لنجعل منه أمة بأسرها؛ لوجدناها أمة مفككة العرى ~~متناثرة الأفراد مفرقة القوى. # ذلك - إذن - موضع الداء، ومن هذه النقطة تبدأ خطوط الصورة في ~~التتابع والتكامل، وأول خط فيها وجوب أن يجمع الإنسان من أطراف ~~«المعرفة» بجوانب محيطه الذي يحيا فيه ويعيش فردا من أبنائه، ولقد ~~أمده خالقه سبحانه وتعالى بالوسيلة التي يتوسلها في تحصيله لما ~~يستطيع تحصيله من إحاطة بالكون من حوله، وما ذلك الكون إلا الدار التي ~~خلق الإنسان ليسكنها ما دام حيا، والوسيلة هي الحواس وفي مقدمتها ~~العينان تبصران وتعودان إلى المبصر بهما بأنباء الدار، لكن تلك ~~الأنباء إذ تأتي بها العينان وبقية الحواس، كل حاسة في مجالها؛ فهي ~~تأتي انطباعات على العين المبصرة، وإلى هنا لا تكون «معرفة»؛ فلا فرق ~~في بداية المرحلة بين أن تقع الصورة على عين إنسان، أو عين حيوان، أو ~~على عدسة زجاجية في آلة التصوير، فلكي تصبح الصورة المرئية «معرفة»؛ ~~فلا بد لها أن تتحول إلى «فكرة»، وللفكرة طبيعة تختلف عن طبيعة ~~الانطباع الضوئي على شبكية العين، والجانب الجوهري من طبيعة الأفكار، ~~هو اصطناعها لجسم لغوي؛ أي أن تتجسد في لفظة أو في مجموعة ألفاظ ، ~~ومن هنا تظهر لنا معجزة «اللسان» مستعينا بشفتين، ولكن حذار أن نقع ~~في خطأ شائع عن العلاقة بين الفكرة ولفظها، وذلك أن خيال الإنسان ~~يصور لصاحبه - على سبيل التشبيه، لا على سبيل ms277 الأمر الواقع - أن ~~ألفاظ اللغة تشبه الأواني الفارغة، ثم تجيء الأفكار فتصب فيها، وذلك ~~تصوير قد يبسط الأمر ليسهل فهمه، لكنه بعد ذلك يضلل الناس ضلالا ~~بعيدا ... فالفكرة هي لفظها، واللفظ هو فكرته، كالشمس وضوئها، والوردة ~~وأريجها، والزيتونة وزيتها، والسكر وحلاوته، والحنظل ومرارته، وبهذا ~~التصور الصحيح نرى معجزة «اللسان والشفتين»؛ إذ هما ينطقان لفظا ~~فينطقان «فكرا». # خطوط الصورة حتى الآن هي: خلل في البناء الاجتماعي يتطلب الإصلاح، ~~فلو أراد الإنسان لنفسه صلاحا؛ فأولى وسائله إدراك لما حوله «ليعرف»، ~~ولكي يكمل لتلك المعرفة كيانها؛ وجب أن تتجسد في لفظ أعد له جهاز ~~من لسان وشفتين، ثم نستطرد في مجموعة الآيات الكريمة؛ لننتقل إلى الخط ~~التالي من خطوط الصورة، وهو هداية الله للإنسان في استخدامه لأفكاره ~~تلك التي حصلها وعبر عنها بلفظ اللغة. وقبل أن نمضي في سبيلنا أريد ~~التنبيه على نقطة مهمة خاصة بهداية الله، وهي نقطة برزت أهميتها ~~وخطورتها في عصرنا هذا على وجه التحديد، وهي أنه لا جناح على الإنسان ~~في تحصيل ما استطاع من أفكار، توضح له طبائع الأشياء من حوله؛ ~~فالأفكار محايدة لا خير فيها ولا شر، وإنما تبدأ خيريتها أو شريتها ~~عند التطبيق: فماذا يصلح منها للتطبيق الفعلي في حياة الإنسان وماذا لا ~~يصلح؟ وإذا صلحت للتطبيق فكرة ما؛ فكيف يكون تطبيقها وإلى أي مدى؟ هذه ~~أسئلة لا تجيب عنها «المعرفة» التي حصلناها؛ فالإنسان إزاءها بحاجة ~~إلى هداية الله، ومن هنا نجد التسلسل في خطوط الصورة التي رسمتها ~~مجموعة الآيات الكريمة التي ذكرناها من «سورة البلد» بعد أن أشارت إلى ~~خط «المعرفة» تحصيلا بالحواس التي في مقدمتها حاسة البصر، عقبت ~~عليها بالخطوة التي لولاها لما كانت المعرفة المحصلة إلا حالة ~~خرساء، وتلك هي مرحلة «النطق» باللغة، وأداة ذلك هي اللسان مستعينا ~~بالشفتين، فها هو ذا الإنسان قد حصل ما حصل من أفكار، ثم ماذا؟ إلى أين ~~يتحرك بتلك الأفكار؟ وكيف؟ إن الأفكار المحصلة في ذاتها لا توجه ~~صاحبها فيما يختص بما «يجوز» فعله وما لا يجوز، ms278 ولذلك لا يكون للإنسان ~~في هذا الموقف إلا هداية الله، فجاءت الآية الكريمة في موضعها لتقول: # وهديناه النجدين ~~؛ فمن حصيلة المعرفة التي جمعها الإنسان ~~على نحو ما أسلفنا، يهديه الله سبحانه إلى فكرتين تستحقان السعي في ~~سبيل أن تتحققا، حتى لو كان ذلك السعي عسيرا وشاقا، والفكرتان هما ~~«الحرية» و«العدل»، نعم، إن دون تحقيقهما وعورة في الطريق؛ فهناك نجاد ~~يصعد إلى أسطحها الصاعدون، وليس الطريق إلى الفكرتين سهلا منبسطا ~~منسابا يسيرا، بل هو هضاب في اجتيازها عناء، فكأنما لكل فكرة من ~~الفكرتين: «الحرية» و«العدل» وعورة طريقها المؤدي إليها: فأما أصحاب ~~النوايا الطيبة الذين آمنوا بآيات الله، فقادرون بإيمانهم ذاك على ~~اجتياز «النجدين»، وأما من ساءت نيته وخبثت طويته، من أمثال ذلك الرجل ~~الغني المنافق، الذي سيق في السورة مثلا لما أصاب المجتمع من خلل ~~وفساد؛ فيصعب عليهم اجتياز «العقبة» فلا هم راغبون في حرية يكون من ~~شأنها أن تفك رقاب من كانت تملكه أيمانهم من عبيد، ولا هم يريدون في ~~الناس عدلا يقتضيهم أن يطعموا «يتيما ذا مقربة، أو مسكينا ذا ~~متربة». # هذه - إذن - صورة إسلامية لمجتمع إنساني سليم، لا أظن أن امتداد ~~الدهر يغير منها شيئا، كلا، ولا في وسع العقل أن يتصور ظروفا ~~معيشية يمكن أن تطرأ على بلد ما في ظل حضارة ما، كائنا ما كان ~~البلد، وكائنة ما كانت صورة الحضارة، بحيث يقول الناس إنه لم يعد يصلح ~~لهم مجتمع يشترط على أبنائه «علما» بالدنيا وواقعها، وأن يتجه ذلك ~~العلم بهداية الله نحو إقامة بنيانهم على دعامتي «حرية» الإنسان، ~~و«عدالة» بين الناس؛ ومن ثم كان من حقنا أن نقول إن الإسلام عقيدة ~~تصلح لكل مكان ولكل زمان، على اتساع رقعة المكان، وامتداد طول ~~الزمان. # إلا أن صلاحية «الصورة» لا يلزم عنها بالضرورة أن يسير الناس دائما ~~على نهجها؛ لأن في جوف الإنسان حيوانا كامنا، هو الغرائز، إذا رفعت ~~عنها الشكائم جمحت، وإذا نحن حملنا بيميننا ذلك المعيار الإسلامي في ~~بناء المجتمع، ثم رفعنا بيسارنا صورة المجتمع ms279 الراهن الذي نعيش اليوم ~~فيه؛ وجدنا الهوة سحيقة بين المثال والمثل، ففي حياتنا مثل ذلك الخلل ~~الذي تجسد في المنافق الذي أشير إليه في «سورة البلد»، والذي كان ~~هو المناسبة التي استدعت توضيح الخطوط الرئيسية في بناء مجتمع سليم؛ ~~فمهما يكن في مجتمعنا الحاضر من صفات - والحديث هنا منصرف إلى مصر، ~~وإلى الوطن العربي الكبير، على حد سواء - أقول إنه مهما تكن الخصائص ~~الأخرى التي تميز أبناء هذا الوطن في هذا العصر؛ فهنالك صفة عمت ~~وشاعت بحيث لم تعد تخطئها عين، وهي صفة تلتقي فيها الخطوط الرئيسية ~~التي رسمتها مجموعة الآيات الكريمة التي ذكرناها من «سورة البلد»؛ فرغم ~~قيام الخلل الذي يوجب التغيير والإصلاح، فلا نحن حريصون على «علم» ~~بالدنيا التي نعيش فيها على حقيقتها، لا تحصيلا بمشاهدات الحواس ولا ~~صياغة بلغة اللسان، ولا نحن على استعداد أو قدرة على تحمل المشاق ~~بالنوايا الطيبة لنجتاز «العقبة» فنحقق في الناس «حرية» صحيحة، ~~و«عدالة» صحيحة، على أن تقام كلتاهما على «معرفة» صحيحة بحقائق ~~العالم. # فأما «المعرفة» الصحيحة بحقائق العالم، فتحتاج إلى نوافذ مفتوحة على ~~الدنيا وما فيها، لكنك إذا طالبت بفتح النوافذ، زعق الزاعقون في فزع: ~~بل أغلقوها حتى لا يكون علينا غزو ثقافي يطيح برءوسنا من فوق أعناقها، ~~وكأننا قطيع من البله نفتح أفواهنا ليسيل لعابها، فيملأها الغزاة ~~ترابا مسموما ونحن لا ندري! وإذا شئت عجبا فاعجب لمن يصيحون صيحات ~~مذعورة كهذه، زاعمين لأنفسهم معرفة بما عند الآخرين من أفكار مسمومة، ~~أليس من حقنا أن نسأل هؤلاء: ومن أدراكم بسمومها إلا إذا كنتم قد ~~طالعتموها؟ وإذا كان ذلك كذلك فلماذا لا يكون لغيركم حق المطالعة كما ~~كان لكم؟ فنتجت عن الموقف في مجمله حياة ثقافية منقوصة ومغلوطة ~~ومهوشة، وأصبحت صورة العالم الذي هو منشئ حضارة عصرنا وصانعها ~~وناشرها، تبث في عقول الناس كما كانت الجدات يصورن لأحفادهن ~~الصغار عالم العفاريت! # وأما «الحرية» فقد أشارت الآية الكريمة إلى نوع منها كانت تتطلبه ~~ظروف عصر ساد فيه الرق، إذن تكون «الحرية» المطلوبة في ms280 ضرورة ملحة، هي ~~تحرر العبيد من أصفاد الرق التي كانت تغل رقابهم، لكن المطلب يتسع ~~ويتنوع مع اختلاف الظروف في مختلف الظروف؛ فإنه إن لم يكن بيننا رق ~~بذلك المعنى البدني الذي عرفه القدماء فبيننا صور أخرى تحمل جوهره ~~وطابعه؛ إذ ماذا يكون جوهره وطابعه إلا إلغاء إرادة إنسان، ليريد له ~~سواه؟ ومثل هذا الإلغاء لإرادات الناس؛ لتسري عليهم غصبا وقسرا ~~وقهرا إرادة صاحب الإرادة، في حكومة، أو في ميدان من ميادين العمل، أو ~~في مجال من مجالات التفكير. وليس هذا الضرب من الطغيان بالشيء النادر ~~في مجتمعاتنا اليوم، وحتى إذا لم يقترف مثل هذا الإثم أفراد طغاة؛ فما ~~يسمونه «بالرأي العام» كفيل بأن يهوي بضربات سياطه على كل من ~~يخالفه في أمر يعده ذلك الرأي العام أمرا له خطورته في حياته التي ~~ألف العيش في ظلها. # وأما فكرة «العدالة» الاجتماعية؛ فقد ركزت مجموعة الآيات الكريمة على ~~فرع من فروعها، وهو «التعاون بين الأفراد»، تعاونا يضيق الفجوة بين ~~غني وفقير، وإنني لأرجو في هذا الموضع من الحديث أن ألفت النظر إلى ~~جانب القوة من تلك الفكرة كما صورتها الآية الكريمة، وهو أن ذلك ~~التعاون المطلوب والمفروض، بني على أساس حرية الأفراد. والفرق بعيد ~~بين مجتمع يتعاون أبناؤه أحرارا وعن إيمان بما يعملون، ومجتمع آخر - ~~كمجتمعاتنا الحاضرة - إذا ما أراد تعاونا بين الناس صاغ له القوانين ~~الملزمة مهددة بعقاب العصاة، إنه لا ضير في ذلك إذا استعصى على ~~الناس أن يصدروا فيما يفعلونه عن وازع الأخلاق، لكن الكرامة ~~الإنسانية تكون أقرب إلى كمالها حين يجيء التعاون بإرادة حرة من ~~المتعاونين. ~~«يقول أهلكت مالا لبدا، أيحسب أن لم يره أحد»؛ تلك كانت العلة، ~~وموضع من مواضع الخلل، فكان لا بد من إقامة بناء اجتماعي جديد ركائزه : ~~معرفة صحيحة بالعالم، ولغة تصوغ تلك المعرفة علما، ثم هداية من الله ~~توجه الإنسان أن يتخير من ذلك العلم فكرتين، يقيم عليهما بناءه ~~الجديد، هما «الحرية» و«العدالة» متمثلة في تعاون حر، وأما عن ~~العلة فما أشبه ms281 الليلة بالبارحة، وأما عن قوائم البناء الجديد فها هي ~~تي تقدم نفسها، فهل من مريد؟! # | بلاغة الصمت # من المفارقات العجيبة، التي ليس في وسعنا إلا أن نقف أمامها ~~حائرين، أن نجد في عصرنا هذا، الذي هو - من الناحية العقلية - عصر ~~«التحليل» بلا منازع له من أي عصر آخر في هذه الصفة المميزة، لأنه ~~إذا جاز لنا أن نلخص اتجاهات التفكير العقلي في تاريخه كله، أن ~~نلخصها في صفحتين؛ لجعلنا إحداهما للكون وكائناته، والأخرى للغة التي ~~حدث بها الإنسان نفسه عن تلك الكائنات، ففي صفحة الكائنات، لا أظن أن ~~عصرا مضى ينافس عصرنا فيما بلغه من دقة التحليل لطبيعة تلك ~~الكائنات، وذلك حين ردها إلى ما دون الذرة ودون الخلية، وفي صفحة ~~اللغة، لا أظن كذلك أن عصرا مضى ينافس عصرنا في تحليل اللغة، لا أظن ~~كذلك أن عصرا مضى ينافس عصرنا في تحليل اللغة إلى جذور جذورها، وإلى ~~أصول أصولها، من حيث هي ظاهرة عامة شملت البشر جميعا، ومن حيث هي فروع ~~تفرعت لتصبح لكل جماعة لغتها، حتى لقد بلغت تلك التحليلات من الدقة ~~التفصيلية حدا جعلها تنافس الرياضة العليا، وحتى اضطرت جامعات ~~كثيرة في أنحاء العالم المتقدم أن تجعل محور الارتكاز في دراسة اللغة، ~~ذلك الجانب الذي يسمونه «لغويات»، وذلك بعد أن كان «الأدب» هو محور ~~ارتكاز في الدراسة الجامعية. أقول إنها مفارقة عجيبة؛ أن نجد نفرا من ~~أعلى أعلام الفكر في عصرنا قد رأوا أنفسهم بعد المضي في تحليل الفكر ~~الإنساني متمثلا في لغته، أشواطا بعيدة، رأوا أن النهاية التي لا بد ~~أن يلوذ بها الإنسان ليعرف حقيقة نفسه - وبالتالي حقيقة الإنسان - هي ~~«الصمت» الذي هو في هذه الحالة أبلغ من الكلام. # والحق أنك إذا تأملت الموقف - بعد الدهشة التي أخذتك للوهلة الأولى ~~- وجدت أن الأمر لا جديد فيه من الناحية العملية؛ إذ تجد حالات ليست ~~بالقليلة لعمالقة من أفراد الناس أرادوا أن يتقصوا حقيقة ما يشعرون ~~به، في أنفسهم وفي العالم من حولهم، ثم أرادوا أن يضعوا ms282 ما قد رأوه في ~~لغة لينقلوه إلى سائر الناس، فتبينوا كم هو محال من المحال أن توضع ~~تلك الرؤى في أي لفظ، كائنة ما كانت بلاغته؛ فلاذوا بالصمت، وفي مقدمة ~~هؤلاء العمالقة الذين لاذوا بالصمت لعجز اللغة عن أداء ما أرادوا ~~تأديته، جماعة المتصوفة على اختلاف أوطانهم ولغاتهم، وعلة ذلك العجز ~~هي أن الخبرة الصوفية حالة يشعر بها الصوفي، كشعوره بأنه من الله ~~سبحانه وتعالى في حالة شهود، أو في حالة حب، أو حتى في حالة حلول، ~~وأمثال تلك الحالات هي مما يدركه صاحبها إدراكا باطنيا مباشرا، ~~وهي فوق ذلك غير قابلة للتحليل، في حين أن اللغة أقيمت على أساس تحليل ~~الأشياء التي نرمز إليها، وهي لا تستطيع غير ذلك؛ لأنها مجموعة جمل، ~~وكل جملة مجموعة كلمات، وكل كلمة مجموعة حروف؛ فاللغة إذن مؤلفة من ~~صور، كل صورة منها مركبة من أجزاء، فالذي يقابلها ويناسبها في دنيا ~~الواقع، حقائق مركبة بدورها من أجزاء، لتأتي الصورة متقابلة مع الشيء، ~~الذي تصوره، فمثلا إذا أردت أن أصف لك موقفي وأنا أكتب هذه السطور، ~~قلت لك: إنني جالس إلى مكتبي، الورقة أمامي، والقلم في يدي، فإذا ~~أمعنت النظر في هذه العبارة، وجدت فيها عددا من الكلمات يقابل ~~عددا من الكائنات الموجودة في هذه الحالة التي أصفها، ويضاف إلى تلك ~~الكائنات عدد من «العلاقات» التي تصلها بعضا ببعض، فهنالك من أسماء ~~الكائنات: أنا، مكتب، ورقة، قلم، يد، وهنالك من العلاقات الرابطة ~~بينها: إلى، أمام، في، وذلك التقابل بين الواقع من جهة، واللغة التي ~~تصوره من جهة أخرى، هو الذي يجعل للجملة اللغوية معناها. # لكن ماذا أنت صانع في الحالات التي لا تقبل التحليل إلى مفردات ~~وأجزاء؟ كيف يمكن أن تصورها في لغة يستحيل عليها بحكم طبيعتها إلا ~~أن تكون مجزأة؟ فافرض - مثلا - أنك في حالة «حب» وهي حالة تشبه ~~الحالة التي يكون عليها الصوفي بالنسبة إلى الله سبحانه، بدليل أن ~~الصوفي كثيرا ما يلجأ في التعبير عن حالته بشعر يتغزل فيه بمعشوقة ~~بشرية، أقول: ms283 افرض أنك في حالة «حب» فكيف تضعه في مجموعة مجزأة من ~~كلمات وحروف في حين أنها «حالة» تسري في كيانك سريانا لا تعرف أين ~~أوله وأين آخره وأين أجزاؤه؟ ومن هنا كان محالا على من «يعاني» حالة ~~كهذه أن يصورها لمن لا يعانيها، وصدق الشاعر العربي الذي قال: # لا يعرف الشوق إلا من يكابده # ولا الصبابة إلا من يعانيها # وهنا يعجز اللسان وتعجز اللغة، وتكون للصمت بلاغته. # تلك - إذن - حالة عرفها الإنسان منذ نطق باللغة، أو منذ كتبها وأدرك ~~قصورها في الحالتين نطقا وكتابة؛ فهي تصلح لمواقف معينة تكون ~~التجزئة فيها أمرا مستطاعا، ولا تصلح لمواقف أخرى، هي الحالات ~~الوجدانية على اختلافها، اللهم إلا على سبيل التقريب، وتضاف إلى ~~الحالات الوجدانية حالات الإدراك المباشر بحاسة من الحواس، وإلا فهل ~~تستطيع - مثلا - أن تصف للآخرين كيف طعم الخبز على لسانك؟ هل تستطيع ~~أن تصف لهم كيف رائحة الوردة في أنفك؟ إنه لا بديل في وسعك، إلا أن ~~تعطي لقمة خبز لمن تريد له أن يعرف طعم الخبز، وأن تعطيه وردة ~~ليشمها، إذا أردت له أن يعرف شذاها، كما أنه لا بديل لمن أراد أن ~~يعرف الحب إلا أن يحب. # لكن الجديد الذي أضافه عصرنا، إلى الحالات التي لا تجدي فيها اللغة، ~~والتي يجب أن نركن فيها إلى الصمت وبلاغته؛ هو أمور تبدو وكأنها من ~~قبيل الأشياء الداخلة في حدود ما تستطيعه اللغة، والتي ليست من قبيل ~~الحب الصوفي، أو الحب البشري، أو حتى من قبيل طعم الخبز ورائحة الوردة، ~~إنما هي أشياء من واقع الحياة العملية التي يتبادل فيها الناس كلمات ~~اللغة مفردة ومركبة ليتم بينهم تفاهم عليها، وإذا هي في حقيقة ~~أمرها مستعصية على اللغة وقدراتها وحدودها، ومن هنا تجيء دعوة ~~الدعاة في عصرنا إلى وجوب الصمت فيما لا تجدي فيه كلمات، فلا أظن ~~أني بحاجة إلى أن أعيد إلى ذاكرتك تلك الموجة الأدبية التي شغل بها ~~الناس منذ بضع سنوات، والتي أطلق عليها اسم أدب «العبث» حينا، واسم ~~أدب ms284 «اللامعقول» حينا آخر، وقد كان الأساس الذي جاءت تلك الموجة ~~لتعبر عنه؛ هو أن قنوات التفاهم بين الناس مسدودة، فالمتكلم يتكلم، ~~ويرد عليه السامع، لكنك تحلل الموقف لترده إلى حقيقته، فإذا بك ترى ~~متكلما في واد من الفكر والمعنى، وسامعا في واد آخر من الفكر ~~والمعنى، إذن فلا المتكلم يخاطب أحدا، ولا السامع منصت إلى أحد، ~~فأهل هذا العصر، في تبادلهم الأفكار بعض مع بعض، محمولة تلك الأفكار في ~~بطون كلمات وجمل، لا يفهم أحد منهم عن أحد شيئا، وإن خيل إليهم ~~غير ذلك، ولماذا؟ وهل هو أمر مقصور على عصرنا أو أنه جزء من طبائع ~~الأمور؟ لست أدري، لكن الأمر في عصرنا أوضح من أن يغض عنه النظر، ~~والنكبات التي تترتب عليه أفدح من أن يسكت عنها، وربما كانت علة ~~ظهور هذه الظاهرة في عصرنا بأوضح مما ظهرت به في العصور السابقة، هي ~~أنه بينما كانت قلة قليلة من الناس مسموعة الكلمة في العصور السابقة، ~~فكانت تقول كلمتها، بأي معنى تريده لتلك الكلمة، وعلى سواد الناس بعد ~~ذلك أن يطيعوا، ترانا في هذا العصر، وقد زعمنا لأنفسنا حق الحرية ~~متساويا بين شعوب الدنيا وأفرادها، ولكن كلما جاء موقف للتطبيق؛ ~~تلاعبنا بمعاني الألفاظ، كل يفسر الكلمة ذات الشأن في الموقف ~~المعين بما يحقق له أغراضه، ومن هنا جاء انعدام التفاهم ظاهرة من ~~ظواهر عصرنا، تضخمت حتى استحقت أن ينشأ لها لون خاص من ألوان الأدب، ~~هو أدب العبث، أو أدب اللامعقول. # ولم يقتصر الأمر على لون خاص من الأدب ينشأ بسبب انعدام التفاهم بين ~~الناس، بل ربما كانت هناك وقفات فكرية أخرى، مما نراه في عصرنا، ذات ~~علاقة بالظاهرة نفسها؛ فهنالك كثيرون من القادرين على تعميق أفكارهم، ~~والوصول بها إلى درجة من الدقة لا يألفها جمهور القارئين، أرادوا أن ~~يتعقبوا قدرة اللغة على التوصيل، ليحددوا أين يجوز الكلام وأين يجب ~~الصمت، فتناولوا الموقف من أساس أساسه، وهو: ما حقيقة العلاقة بين ~~اللغة من جهة والعالم من جهة أخرى؟ ولعلي أحسن ms285 التصوير، إذا زعمت ~~بأن هؤلاء المفكرين، الذين طرحوا على أنفسهم سؤالهم عن العلاقة بين ~~اللغة والعالم، قد عادوا إلى الناس بإجابات ثلاث، هي نفسها التي ~~تتحدد بها الفواصل الحقيقية بين ثلاثة نماذج من تيارات الفكر، في ~~عصرنا وفي غير عصرنا على حد سواء. # كانت الإجابة الأولى هي أن الإنسان في معظم حياته الفكرية أو ~~العقائدية، قد يظن - مخطئا - أنه إنما يواجه عالم الأشياء ذاته مواجهة ~~مباشرة، حين يفكر أو حين يعتقد، وحقيقة الأمر هي أنه لا يتعامل إلا مع ~~كلمات اللغة التي يظن واهما أنه إنما بناها على «وقائع»، في حين أنه ~~سجين تلك الكلمات منذ تعلم كيف ينطقها وكيف يكتبها ويقرؤها، فهو في ~~حياته الفكرية ينقل لفظا من لفظ، ويخرج لفظا من لفظ، وهكذا يظل يدور ~~في دوامة اللغة كلما فكر، ظانا أن تلك الألفاظ التي يدور في دوامتها، ~~إنما هي «الأشياء» أو هي «الوقائع» التي بنى عليها أفكاره وعقائده، ~~وإذا كنت أنا أعيش في برج مغلق قوامه ألفاظ وعبارات، وإذا كان جاري ~~هو الآخر يعيش في برج مغلق من ألفاظ وعبارات، كل منا ينضح من وعائه ~~ليقول أو يكتب، فأين نلتقي؟ إنه لا لقاء، ومن ثم كانت معارك الكلام ~~التي لا تنتهي في الصحف وفي الكتب وفي الإذاعات، والواقع لا يتغير منه ~~شيء، وأعني «الواقع» الذي تدور تلك المعارك الكلامية حوله، وذلك لأن ~~الواقع إذا تغير منه شيء، فإنما يتغير بفأس تشق الأرض فتنزرع قمحا ~~وقطنا، ويتغير بمنشار يقطع الخشب، ومسمار يدق لتوصل قطع الخشب ~~فتصبح مقعدا للجلوس، ومن هنا كان هنالك فرق بعيد بين معرفة نظرية ~~يراد بها أن تطبق على الأشياء بحيث يكون ذلك التطبيق هو معيار ~~صدقها، ومعرفة نظرية تظل طوال عمرها معرفة نظرية، هي التي تقيس صدق ~~نفسها بنفسها، وفي هذه الحالة يصدق قول القائلين بأن الأمر يتحول ~~بأصحاب تلك المعرفة ليكون أبراجا مصمتة جدرانها من ألفاظ وجمل، ولكل ~~برج ساكنه الذي يتوهم أن كلماته هي دنيا الناس ما دامت هي ~~دنياه. # وكانت الإجابة ms286 الثانية عن السؤال: ما العلاقة بين اللغة والواقع؟ ~~إجابة أكثر دقة؛ لأنها لم تقدم نفسها إلا بعد أن تحددت بدقة بالغة ~~طبيعة «اللغة» من ناحية، وطبيعة «العالم» من ناحية أخرى، ولم يفتها في ~~ذلك التحديد أن تكون على بينة من نفسها، بأنها إنما توجه اهتمامها ~~إلى مجال «العلوم» دون أي مجال آخر من مجالات الحديث، وذلك لأن المعنى ~~المراد من مفهوم كلمة «العالم» قد يختلف بين أن يكون اهتمامنا موجها ~~نحو الفكر العلمي، وبين أن يكون اهتمامنا موجها نحو مجال آخر مما ~~يصح الحديث عنه أو البحث فيه. # كان أصحاب هذه الإجابة الثانية على إلمام تام بعلوم الطبيعة وعلوم ~~الرياضة؛ ولذلك جاءت كتاباتهم مركزة مكثفة تحللها رموز علمية ~~كثيرة، ولذلك كله جاءت كتاباتهم عصية الفهم على غير الدارسين، ~~وسأحاول هنا أن أقدم صورة مصغرة وواضحة بقدر المستطاع، لما قالوه في ~~موضوع العلاقة بين اللغة والعالم، فأما «العالم» عندهم فهو مجموع ما هو ~~كائن في الواقع؛ أي إنهم يحذفون منه - ما دمنا في مجال التفكير العلمي ~~- كل المعاني والأفكار المجردة التي لا تخضع في مراجعتنا لصدقها، ~~للخبرة التجريبية المشتركة بين الناس، ولما كان ما هو كائن في الواقع ~~لا يكون إلا فردا مفردا، كهذا الرجل، وهذا النهر، وهذا القمر وتلك ~~الشمس. أي إن أي فكرة لها تعميم في معناها، لا تعد من نوع الكائنات ~~الفردة المفردة، بحكم كونها تصدق على أفراد كثيرة في وقت واحد، فإذا ~~صادفتنا فكرة لها مثل ذلك التعميم، كقولنا «كتاب» أو «شاعر» أو «فضيلة» ~~وأردنا البحث عن مدلولها في العالم الواقع؛ وجب علينا أولا أن نذكر ~~فردا واحدا معينا من أفرادها، ليكون هذا الفرد هو الذي نبحث عنه في ~~عالم الواقع؛ لأن هذا العالم - كما أسلفنا - ليس فيه إلا أفراد ~~ومفردات، فإذا قيل لك إن أي كتاب إنما تطبع الكلمات عليه بالحبر، ~~وأردت أنت أن تتثبت من صدق هذا الكلام، فلا سبيل إلا أن تتناول كتابا ~~واحدا معينا ليكون موضعا للفحص، وإذا قيل لك إن الشاعر ينظم ms287 كلماته ~~في وزن معين، ولا يجريها سائبة كما يفعل الناثر، فسبيلك إلى ~~التحقق من هذا، هو أن تخرج من خزانة كتبك ديوانا لشاعر واحد معين، ~~فتراجع كلماته كيف نظمت، وهكذا، فالتحقق من صدق المعنى العام ~~المجرد محال إلا عن طريق أفراده، وإذا لم تجد فردا مما يندرج تحت ~~ذلك المعنى العام وجب عليك تعليق الحكم بصدق ذلك المعنى أو ~~بكذبه. # ذلك هو «العالم» عند أصحاب الإجابة الثانية، وأما «الفكر» فليس سوى ~~العبارة اللغوية التي تشير بها إلى واقعة معينة من وقائع العالم، ~~وهذا يقتضي: أولا أنه لا معنى لقول قائل إن لديه فكرة في ذهنه ولكنه ~~عاجز عن التعبير عنها بألفاظ توضحها؛ وذلك لأن ما ليس يخرج للناس في ~~لغة يسقط عندهم من حساب الأفكار، وثانيا أن العبارة اللغوية التي لا ~~تجد لها واقعة من وقائع هذه الدنيا، بحيث يكون هنالك التماثل الكامل ~~بين تركيبها اللفظي من جهة، وبين تركيب الواقعة المشار إليها من جهة ~~أخرى، تعد قولا بغير معنى؛ تانك - إذن - إجابتان مما أجاب به رجال ~~الفكر في عصرنا، حين عرضت لهم مشكلة «اللغة» ومتى تعني شيئا، وكيف ~~تعنيه، كانت الإجابة الأولى تذهب بنا إلى أن الإنسان إنما هو حبيس ~~لغته التي صنعها، فهو يظل يدور في سجنها متوهما بأنه يخترقها إلى ~~حيث حقائق العالم، وكانت الإجابة الثانية على غير ذلك، فهي اعترفت بأن ~~الإنسان على صلة بالعالم عن طريق لغته، شريطة أن يجيء استخدام اللغة ~~مقيدا بقيود، وبعد ذلك تأتي إجابة ثالثة، لعلنا أشرنا إليها عرضا ~~فيما أسلفناه، وهي أن حقيقة الإنسان التي يعتد بها، ألا وهي حياته ~~الوجدانية، بل حياته الإدراكية التي تقع فيها المدركات على حواسه ~~وقوعا مباشرا، كالذوق والشم، لا تستطيع اللغة أن تنقل إلى الآخرين ~~شيئا منها ، إلا على سبيل التقريب والإيحاء. # ونعود بعد هذا العرض لأهم تيارات الفكر المعاصر، عن مدى قدرة اللغة ~~التي يتبادل بها الناس أفكارهم ومشاعرهم، مدى قدرتها على نقل ما يراد ~~منها نقله، من متكلم إلى سامع، أو من ms288 كاتب إلى قارئ، ودع عنك أن يكون ~~الكاتب من أبناء عصر مضى منذ مئات السنين أو آلافها، وأن يكون القارئ ~~من أبناء هذا العصر، أقول: نعود بعد هذا العرض، إلى ما بدأنا به حديثنا ~~هذا، عندما أشرنا إلى مفارقة عجيبة تلفت النظر، وهي أنه بينما هو عصر ~~تتدفق فيه الكلمات كالشلالات الهادرة، من وسائل الإعلام والإعلان، ~~وفي أنهر الصحف، وعلى صفحات الكتب، تتدفق الكلمات ملايين ملايين، من ~~أفواه الخطباء في المحافل الدولية والمحلية، وفي أحاديث الناس التي ~~يلقونها في الهواء، أو يسجلونها على أشرطة. نعم إنه بينما هو عصر لم ~~تشهد الدنيا عصرا قبله يشبهه أو يقترب منه في كثرة مطبوعاته بسبب ~~الأجهزة الكثيرة التي تساعد على الطبع والنشر، نجد من رجال الفكر فيه ~~من يدعو إلى وجوب «الصمت» كلما وجد المتكلم أو الكاتب أن اللغة عاجزة ~~عن التوصيل! وإنها لعاجزة بالفعل عن التوصيل في حالات كثيرة، كما ~~يتضح ذلك من الإجابات الثلاث التي أوردناها فيما أسلفناه، وهي إجابات ~~اختلف بها أصحاب الفكر في عصرنا، عندما طرحوا على أنفسهم سؤالا عن ~~العلاقة بين اللغة ودنيا الأحياء والأشياء، ولم تقتصر الدعوة إلى وجوب ~~الصمت كلما عجزت اللغة، على المتصوفة كما كانت الحال في العصور ~~الماضية، بل امتدت فشملت بعض فلاسفة العلم، فعندهم أنه إما قول علمي ~~نقوله فيعلم الناس به ماذا يفعلون بناء عليه، وإما الصمت عن الكلام، ~~وهو قول قريب المعنى مما كان «هيوم» في القرن الثامن عشر قد قاله ~~ليميز به ماله معنى مما ليس له معنى من الكلام؛ إذ قال ما معناه: خذ ~~الكتب الموجودة كتابا كتابا، واسأل نفسك عن كل كتاب: أهو في شيء من ~~علوم الطبيعة؟ وإذا كان الجواب بالنفي، فاسأل: وهل هو في شيء من علوم ~~الرياضة؟ وإذا كان الجواب بالنفي مرة أخرى، فألق به في النار. وفي ~~عصرنا أصدر فتجنشتين كتابه المركز العسير، «رسالة منطقية فلسفية» ~~وترجمه إلى العربية صديقي الأستاذ الدكتور عزمي إسلام، يحدد فيه ~~تحديدا قاطعا متى يكون للكلام معنى، وليعلم القارئ ms289 أن الرأي يكاد ~~يجمع على أن فتجنشتين هذا قد جاء في عصرنا فاتحة لفكر جديد يلائم ~~عصر العلم، ولقد جعل آخر سطر في كتابه ذاك يقول ما معناه: «حيثما عجزت ~~عن الكلام، وجب عليك الصمت.» مريدا بذلك أن يقول: إنه إذا لم تكن ~~عبارتك مشيرة إلى شيء من واقع العالم الخارجي؛ فخير لك وللناس أن ~~تسكت، لأن ما تقوله في مثل هذه الحالة، هو خال من «المعنى» (إذ معنى ~~الجملة المعينة هو الواقعة التي تشير إليها تلك الجملة)، بل لا ينتهي ~~الضرر عند خلو كلامك من المعنى، وإنما يجاوزه ليصبح مصدر تضليل ~~للناس، حين يظنون قيام المعاني وهي غير قائمة. # وإذا نحن نظرنا إلى الحياة الفكرية في الوطن العربي اليوم، باحثين ~~فيه عن علة تخلفه؛ فربما وجدنا تلك العلة في حقيقة أن الفكر ~~العربي كما نراه الآن، إنما يندرج معظمه - وأوشكت أن أقول يندرج جميعه ~~- تحت وجهة النظر الأولى بين وجهات النظر الثلاث التي أوردناها، فوجهة ~~النظر الأولى عندما أراد أصحابها أن يحللوا العلاقة بين «اللغة» التي ~~تجري بها أقلام المفكرين، وبين عالم «الواقع» تقول إن تلك العلاقة ~~مبتورة أو تكاد، لأن هؤلاء المفكرين يدورون في دوامة الكلمات، لا ~~يخترقونها إلى مواقف الحياة الفعلية كما هي واقعة في الشارع والبيت ~~والمصنع والحقل ودواوين الحكومة، فهم يعارضون فكرة بفكرة، أو يردون ~~فكرة إلى فكرة، أو يرجعون بفكرة إلى مصدرها من الكتاب أو الكتب التي ~~وردت فيها، وهكذا وهكذا؛ ما يجعل رجل الفكر يعطي حياته متنقلا من ~~ورقة إلى كتاب، ثم إلى شيء يكتبه أو يذيعه في الناس، فهو كمن يحيا في ~~بيت من ورق، ولذلك فهو لا يحس الحياة الخارجية، أو ظواهر الكون، إلا ~~عن طريق كلمات مسطورة، فإذا كانت تلك الكلمات قد كتبها في الأصل من ~~عركوا الحياة وتأملوا ظواهر الكون؛ كان الفكر العربي اليوم يقتات من ~~موائد من حملوا عنه مشقة الخوض في عباب الأحداث والظواهر، فلا هو ~~مبدع فيما يكتبه، مقيما إياه على أساس الخبرة الحية، ولا هو ms290 ~~أخلص لنفسه بحيث أرغم نفسه على الصمت حين لم يجد في خبرته المباشرة ~~ما يقوله للناس. # ومأساة المآسي في حياتنا الفكرية، أننا نتصدى لمن يدعو إلى وجوب أن ~~يكون لكلامنا «معنى» حين يجيء هذا الكلام في دائرة عن واقع الحياة ~~والعالم. وقد أشرنا إلى أن المعنى يتحقق للكلام حين يشير إلى وقائع ~~قائمة أو ممكنة الوقوع، ولست أريد بهذا أن أقول إن «كل» كلام ذي قيمة ~~يجب أن يكون من هذا الطراز، كلا، وألف مرة كلا، فلا يقول قولا ~~كهذا إلا مجنون، بل إن ذلك الشرط مشروط فقط، عندما يكون زعم القائل، ~~وتوقع المتلقي لقوله، مؤسسين على أن القول يتصل بما هو واقع، ولكن ~~هنالك إلى جانب هذا الضرب من الكلام العلمي، أو ما هو جار مجرى الكلام ~~العلمي؛ ضروبا أخرى من القول لها طبائعها المختلفة ومعاييرها ~~المختلفة. ويكفي أن أسوق الشعر مثلا، علما بأن الشعر الجيد، بطريقته ~~الخاصة في استخدام اللغة، إنما هو الذي يرتفع باللغة إلى ذروة عبقريتها ~~- كما شرحنا ذلك في موضع سابق - لأن الاستخدام «العلمي للفظ» يجرده ~~من كل شحنته حتى لا يبقى منه إلا «رمز» يشير إلى معنى مقصود، في حين ~~أن الشعر يفعل نقيض ذلك، فهو بغض النظر عن الوظيفة الإشارية، فقد تقوم ~~أو لا تقوم، ولكنه يحيي من اللفظ مكنوناته الوجدانية التي حصلتها ~~خبرات الإنسان من معاناته الحية على امتداد السنين ... نريد أن نقول: ~~إنه إذا عجز المتحدث عن حياة الناس الواقعة أن يقول كلاما ذا معنى؛ ~~فللصمت بلاغته. # | الفكر الإسلامي وآفاقه الجديدة # أبدأ الطريق من بدايتها، وأسأل: متى يكون الفكر فكرا أصيلا؟ ثم متى ~~يكون هذا الفكر فكرا إسلاميا؟ وأجيب في إيجاز فأقول: إنه لا «فكر» ~~إلا أن تكون هناك «مشكلة» حقيقية اعترضت السائر في سبيله، فأوجبت عليه ~~أن يجد لها حلا، ليتسنى له استئناف السير؛ فليس «الفكر» الأصيل، إذا ~~استحق هذا الاسم، ترفا يلهو به الإنسان تسرية عن همومه العابرة، أو ~~إزجاء لفراغ ثقل على نفسه؛ كلا، ولا هو فاعلية يبعثرها ms291 مع الهباء ~~لا يبالي أن تجيء له تلك الفاعلية بحاصل نافع أو لا تجيء بشيء؛ فما ~~أكثر الذين يحيون حياة شبيهة بالحياة الفكرية في ظاهرها؛ لأنها حياة ~~تنقضي بين الكتب والدفاتر، وتمتلئ بأفكار تحفظ لتروى كلما حانت لهم ~~فرصة لروايتها، لكن حياة كهذه إن تكن في أغلب حالاتها وسيلة شريفة من ~~وسائل كسب الرزق، أو المنصب، أو الشهرة وقوة الجاه؛ إلا أنها حياة ~~قلما يفتح لها التاريخ صفحاته، لأنها - في الأغلب - تمضي وكأنها لم ~~تكن؛ لأن الإنسان لا يتقدم بها وقد يتأخر. # وفوق هذه الدرجة تأتي درجة أعلى منها، لكنها - مع ذلك - لا تعلو حتى ~~تبلغ أن تكون «فكرا أصيلا»، وتلك هي المرحلة التي تنصب فيها فاعلية ~~العقل بفكر على فكر؛ بمعنى أن يقف المفكر من مفكر آخر موقف الشارح، ~~أو المؤرخ، أو المؤيد، أو المعارض، أو غير ذلك من سائر الحالات، التي ~~ينحصر فيها الفكر في حدود فكر قائم. نعم، إنها ضرب من النشاط العقلي ~~الذي قد لا يكون لنا عنه غنى؛ إذ هو المجال الذي يجول فيه «العلماء» ~~و«المعلمون» و«المتعلمون»، لكنه رغم ضرورته العلمية والتعليمية؛ لا ~~يرقى إلى منزلة الفكر الأصيل، الذي يتصدى «للمشكلات» التي تنشأ على ~~أرض الواقع الفعلي في حياة الناس، عصرا بعد عصر، وكدت أقول يوما بعد ~~يوم. وإن هذه المشكلات الحية التي تلح على من استشكلت عليه أن يجد ~~لها حلا؛ لتتعدد بتعدد المواقف وأصحابها من أفراد الناس، وهي من ~~صنوف تكاد تستعصي على الحصر والعدد، ومع ذلك فيمكن - بل لا بد لنا - ~~أن نصنفها في مجموعات متجانسة، هي التي تكون عندئذ «قضايا» العصر ~~المعين، التي تتحدى العقل، فيظهر لها من القادرين رجال يتناولونها ~~بفكر يذيب عقدتها، وينتهي بها إلى حلول تفض عنها مواضع إشكالها . ~~ومن تلك المشكلات ما يغلب عليه الجانب العملي، ومنها ما يغلب عليه ~~الجانب النظري، إلا أن الصنفين معا يجتمعان في حياة الناس الفعلية ~~على المدى القريب أو المدى البعيد. # وواضح أن مثل هذا الفكر يكون «إسلاميا» أو لا يكون، ms292 بمقدار ما تكون ~~المشكلة المعروضة موصولة «بالإسلام» عقيدة وشريعة، ولا أقول موصولة ~~«بالمسلمين»؛ لأن حياة الإنسان كائنة ما كانت ديانته أوسع من تلك ~~الديانة، فله معدة تهضم الطعام، ورئتان تتنفسان، وله بيوت يبنيها ~~وشوارع يرصفها، وجسور يقيمها، وغير ذلك من جوانب حياته، التي هي جوانب ~~«محايدة» بالنسبة إلى المعتقدات الدينية، اللهم إلا في بعض تفصيلاتها: ~~كأن يحرم على الإنسان وضع طعام محظور في معدته، لكن ذلك لا ينفي القول ~~في جملته أن الفكر الإسلامي إذا وجدناه يستمد إسلاميته من كونه ~~يعالج مشكلات تبعث من أصول العقيدة وتشريعها؛ فإن التفرقة تظل قائمة، ~~بين مفكر «أصيل» يتصدى للمشكلات الحية ذاتها، ومفكر «تابع» يجري فكره ~~على فكر أصيل، حافظا نصوصا، أو شارحا لها، أو باحثا في محتواها، ~~أو معلما لها في عملية من عمليات التعليم. # ونسوق أمثلة نوضح بها طبيعة الفكر الإسلامي الأصيل؛ وهي أمثلة ~~نستمدها من الحياة الفكرية عند المسلمين الأوائل، في أول خطوة لتلك ~~الحياة على طريقها الطويل: ومن تلك الأمثلة يتبين لنا، كيف ينبع ~~الفكر الأصيل من مشكلات حقيقية تنبض بالحياة، فلا هي متكلفة ولا ~~متصنعة، ولا هي منقولة عن آخرين، بحيث نرى عقدتها قد استعصت على ~~أصحابها الأصليين، فنقلها بعد ذلك من نقلها؛ لا لأنها متصلة بمواقف ~~أشكلت عليه، بل لأنه يدرس جانبا من «تاريخ» السابقين، وهي دراسة لا ~~نشك في ضرورتها وأهميتها، لكنها ليست من جنس الموقف الأصيل، الذي ~~تصدى فيها الفكر لمشكلة حية تخز جلود الناس بشوكها؛ فعندما نشب قتال ~~حول الخلافة، بين «علي» - كرم الله وجهه - و«معاوية» - رضي الله عنه - ~~ووقعت في سبيل ذلك موقعة «الجمل» وموقعة «صفين»؛ سفكت دماء غزيرة من ~~دماء المسلمين من الجانبين، فمن هذا الموقف النابض بالحياة، تحركت ~~الضمائر لتسأل سؤالا نابعا من صميم ذلك الواقع، ومتصلا بأوثق صلة ~~بالعقيدة وشريعتها؛ وذلك السؤال هو: على من تقع التبعة في تلك الدماء ~~الطاهرة التي سفحتها سيوف المتقاتلين وقسيهم ورماحهم؟ وإذا استطعنا ~~تحديد التبعة ومن يحمل عبئها، فماذا يكون حكم الإسلام فيه؟ لقد كان ms293 ~~الناس أمام فريقين من المسلمين يتقاتلان؛ ومحال أن يكون كلاهما على ~~صواب، وإلا لما تقاتلا، فلا بد أن يكون أحد الفريقين - على الأقل - ~~على خطأ في هذا القتال، وإذا عرفناه فقد عرفنا من كان سببا في قتل ~~المسلمين؛ فماذا يكون حكم الإسلام في مثل هذا الذنب الذي هو من كبائر ~~الذنوب؟ وهنا ذهب بعضهم بهذا السؤال إلى الحسن البصري وهو في حلقة ~~الدرس مع الدارسين، وألقوا بسؤالهم، فما هو إلا أن نطق «واصل بن عطاء» ~~بالجواب الذي ارتآه، وهو أن من تقع عليه التبعة في ذلك القتال، لا هو ~~مسلم خالص، ولا هو كافر خالص، وإنما هو مسلم عاص وهي منزلة تقع بين ~~المنزلتين، فلما لم يقع هذا الرأي موقع الرضا من الحسن البصري ونفر ~~من الحاضرين؛ انتحى واصل بن عطاء ناحية أخرى من المسجد، وتبعه بعض ~~الدارسين، فقال الحسن البصري قولته المعروفة: «قد اعتزل عنا واصل.» ~~وبهذا أطلق اسم «المعتزلة» على تيار فكري إسلامي كان له قدره العظيم ~~في تاريخ الفكر الإسلامي، فانظر إلى «الفكر الأصيل» كيف ينشأ؛ فهنالك ~~المشكلة الحقيقية الني نبتت من أرض الواقع الفعلي، وهنالك القلق الذي ~~تتأرق به الضمائر حتى تجد الحل الذي يزيح العبء عن الصدور، وهنالك ~~الفكر ينفذ بشعاعه في قلب المشكلة؛ ليجد الحل الذي يعيد الطمأنينة إلى ~~النفوس القلقة، ولكي يزداد الوضوح وضوحا؛ فلنقارن وقفة واصل بن عطاء، ~~وهو يعمل الفكر ليجد الحل في مشكلة قائمة وحادة وشائكة، بنا نحن ~~اليوم، حين ندرس ما قاله واصل؛ فنحن في هذه الحالة لا نفكر، بل نقتات ~~على فكر وجدناه ودرسناه. # وإذا قرأت عن الحياة الفكرية في البصرة إبان القرن الثاني الهجري؛ ~~لرأيت صورة رائعة للفكر الإسلامي الأصيل، بالمعنى الذي حددناه لهذه ~~العبارة فيما أسلفنا ، ولست أريد بهذا أن أصفه بالصواب أو بالخطأ؛ إذ ~~هو صراع بين وجهات نظر متضادة، فإذا صدقت واحدة منها؛ كان لا بد ~~لضدها أن يكون على غير الصواب، وإنما أردت القول بأن الصورة التي ~~تشهدها توضح لك كيف ومتى نقول ms294 عن فكر إنه أصيل، ونقول عنه فوق ذلك ~~إنه فكر إسلامي، لارتباطه بالعقيدة وشريعتها، رغم ما تصطرع به الآراء ~~في ذلك؛ ففي مدينة البصرة إبان القرن الثاني، نرى كيف يتشعب الفكر ~~أحزابا حول الموضوع الواحد، وكانت خلافة علي لم تزل هي رأس الموضوع. ~~ثم كان الرأي الذي أدلى به واصل بن عطاء في من تقع عليه تبعة الدماء ~~التي أهدرت في موقعتي «الجمل» و«صفين» ماثلا أمام الأذهان، بين ~~القبول والرفض؛ فهنالك حزب أطلقوا عليه اسم «العثمانية» انتسابا ~~للخليفة عثمان بن عفان، وتأييدا لوجهة النظر التي تدين عليا - كرم ~~الله وجهه - في أنه تساهل عامدا في البحث عن قتلة عثمان، وقام ضد ~~ذلك الحزب العثماني حزب آخر، يشايع عليا ويؤيده، ثم إلى جانب هذا ~~وذاك، قام حزب ثالث محايد تميز أفراده بالزهد، وهو حزب الخوارج، ~~الذي خرج على الناس برأي سياسي في شروط الصلاحية للخلافة، وفي حق ~~المسلم في أن يخرج على الحاكم إذا أخطأ. وإلى جانب تلك الأحزاب ~~الثلاثة، التي يمكن اعتبارها سياسية فيما أثار همها واهتمامها، ~~رأينا فرقة «المعتزلة» تعلن عن رأيها في حرية الإرادة التي على أساسها ~~يصبح الإنسان مسئولا عما يفعل؛ فتقاومها فرقة «الجهمية» (سميت ~~باسم زعيمها جهم بن صفوان) وهي جماعة أنكرت على الإنسان تلك الحرية في ~~إرادته إنكارا تاما؛ لأنه مجبر بمشيئة الله في كل ما يفعل، ولا ~~اختيار له في شيء. # فإذا وضعنا هذا النموذج أمام أبصارنا، ولم يفتنا منه جوهره، الذي ~~هو تسليط الفكر في حرية كاملة على المشكلات التي تفرزها الحياة ~~الواقعة، والتي تتأرق لها الضمائر التماسا عند أصحاب الفكر لحل أو ~~حلول تزيح عبئها عن ضمائرهم، أقول؛ إذا وضعنا هذا النموذج أمام ~~أبصارنا، وسألنا: ماذا ينبغي أن يكون عليه الفكر الإسلامي في عصرنا ~~هذا؟ أفيكون جوابنا عن هذا السؤال هو أن نبدي ونعيد في تلك المسائل ~~ذاتها التي اصطرعت حولها الآراء والمذاهب في البصرة خلال القرن الثاني ~~الهجري؟ أم الصواب هو أن نقول: إن ما ينبغي لنا أن نفعله بفكرنا ~~الإسلامي ms295 اليوم هو أن نصنع بمشكلات حياتنا مثل الذي صنعه الأوائل في ~~مشكلات حياتهم فلا نتكلف المسائل ولا نتصنع الصعوبات ولا نعيد ~~مشكلات السلف وندعي أنها هي هي مشكلاتنا؟ إذن فالخطوة الصحيحة الأولى، ~~على الطريق الصحيح، هي أن نسأل أنفسنا صادقين مخلصين: ما معوقات ~~السير التي تقيد خطانا في عصرنا؟ وماذا تكون حلولها من منظور إسلامي؟ ~~بمعنى أن تجيء تلك الحلول غير متعارضة ولا متناقضة مع العقيدة ~~وشريعتها، وهنالك فرق بين أن نبحث عن تلك الحلول فيما بين أيدينا من ~~كتب السلف، وبين أن نصب فاعليتنا العقلية الخاصة على المشكلات التي ~~تعترضنا، مراعين ألا تجيء نتائجها الفكرية غير متعارضة مع أصول ~~العقيدة والشريعة، وبمثل هذه الوقفة وحدها يمكن القول بأن لنا ما ~~يصح أن يطلق عليه اسم «الفكر الإسلامي»؛ لأن الفكر في هذه الحالة ~~هو فكرنا، والمشكلة مشكلتنا، وليس للسلف علينا درجة تبيح أن تنقل ~~عنهم المسائل وحلولها؛ لأن لنا مسائلنا وينبغي أن تكون لنا حلولها. إنه ~~لمن الخير أن نرسم خطا فاصلا نفرق به بين ما نصفه بأنه «فكر ~~إسلامي» من جهة، وبين ما يصح وصفه بأنه فكر «المسلمين»؛ فالدائرتان ~~متداخلتان إلى حد قد يؤدي بنا إلى شيء من الغموض، فعلى الرغم من أن ~~الفكر الإسلامي قد اضطلع بمعظمه مسلمون؛ إلا أن المسلمين قد كان منهم ~~إلى جانب ذلك علماء ذوو فكر إنساني عام لا يتقيد بصفة تقصره على ~~ديانة دون ديانة أخرى؛ فبينما الفكر الإسلامي، كما أسلفنا، هو الفكر ~~المتعلق بالعقيدة الإسلامية وشريعتها، نرى للمسلمين فكرا في شتى ~~نواحي العلم والمعرفة، مما لا يختص بالعقيدة والشريعة، وليس فيه من ~~الإسلامية إلا إسلام صاحبه؛ فعالم الرياضة، وعالم الفلك، وعالم ~~الكيمياء، وعالم البصريات، بل نستطيع أن نضيف أنواعا أخرى من ضروب ~~الكتاب، كالرحلات، ونقد الأدب، وعلم الحيوان وعلم النبات، وغيرها، كل ~~ذلك ضروب من العلم وضروب من المعرفة قام بها مسلمون، حتى لقد أصبحت ~~جزءا مهما فيما نسميه بالتراث العربي، إلا أنه لا يندرج فيما ~~نسميه بالفكر الإسلامي، أو قل إنه ms296 لا ينبغي له أن يندرج، حتى لا ~~نتعرض بعد ذلك للخلط بين مجال ومجال، وهو خلط يحدث فعلا، ويسوقنا ~~إلى مطالبة المفكر المسلم، الذي يجول بفكره في مجال علمي محايد، بأن ~~يلتزم بما لا يلزم في منهجه العلمي. # فما الموضوعات التي تناولها السلف مما نعده فكرا إسلاميا؟ ~~لعلنا نستضيء بهم فيما يجب علينا فعله اليوم إذا ما أردنا فتح ~~آفاق جديدة لفكرنا الإسلامي تتناسب مع حياتنا في هذا العصر الذي نعيش ~~فيه. سنضرب أمثلة لما تناوله السلف من مسائل كونت ما نسميه بالفكر ~~الإسلامي عندهم، وأول ما نذكره من تلك الأمثلة، طائفة كبيرة من ~~المفاهيم التي وردت في القرآن الكريم، فكانت بمنزلة عمد يقوم عليها ~~البناء الديني؛ فرأى مفكرو السلف أن يتناولوا تلك المفاهيم بالتحليل، ~~ليبرزوا منها جوهر المعنى، وبالطبع لا نتوقع أن يتفقوا جميعا على ~~نتائج بعينها؛ إذ الأمر موكول إلى قدرة الباحث الفاحص على تحليل ما ~~أراد تحليله من تلك المعاني، ومن هنا تفرقوا شيعا ومذاهب في الموضوع ~~الواحد: فهنالك - على سبيل المثال - من فرق «المتكلمين»: المعتزلة، ~~والأشعرية، وأهل السنة، وهنالك الظاهريون والباطنية، وهنالك فروع وفروع ~~للفروع؛ حتى لقد اقتضى الأمر من مؤرخي الفكر أن يؤلفوا كتبا توضح ~~الفوارق الدقيقة بين فرقة وفرقة في فهم كل منهما للمعنى المعين الذي ~~تناولته بالشرح والتحليل. # وفي مقدمة تلك المبادئ الأولية في الإسلام، التي وقع عليها اهتمام ~~الفكر الإسلامي؛ «وجود الله» عز وجل، وإقامة البراهين على ذلك الوجود، ~~والمعنى المقصود «بالوجود». ويتبع ذلك صفة «الواحدية» و«الأحدية»؛ ~~فالله سبحانه وتعالى «واحد» «أحد» فماذا نفهم من كل من هاتين ~~الصفتين؟ فبينما «الواحدية» تتجه إلى الجانب العددي من حيث إن الله ~~سبحانه وتعالى واحد لا شريك له؛ نجد «الأحدية» تتجه إلى ائتلاف ~~الصفات في الذات الإلهية؛ فلله سبحانه وتعالى صفات يذكرها لنا الكتاب ~~الكريم، منها أسماء الله الحسنى، لكن «أحدية» الله تقتضي ألا يكون بين ~~تلك الصفات تناقض ولا تضاد ولا إلى نوع من أنواع التعارض، ولنلحظ ~~في هذا الصدد أن بعض تلك الصفات، ms297 التي هي مطلقة لا تحدها حدود؛ حين ~~تنسب إلى الله جل وعلا تكون في البشر في صور مقيدة بحدود. ثم ما ~~هو أهم من ذلك، وهو أنها قد يتعارض بعضها مع بعض في الذات الإنسانية ~~الواحدة؛ كأن تتعارض الإرادة - مثلا - مع القدرة، فيريد الفرد ~~الإنساني أكثر مما هو قادر عليه، أو يكون في قدرته ما هو أكثر مما ~~يريده، وهكذا، وبمقدار هذا التنافر بين الصفات في الإنسان تتعرض ~~أحدية التكامل في كيانه. ولقد كانت صفات الله سبحانه وتعالى، وعلاقتها ~~بذاته الإلهية؛ موضوعا من أهم ما شغل به الفكر الإسلامي عند القدماء، ~~وكان محور الإشكال في ذلك هو صعوبة التوفيق بين واحدية الذات وتعدد ~~الصفات؛ فكيف تفهم تلك الصفات في تعددها بحيث تظل «الوحدانية» ~~على كمالها المطلق؟ # ومن الصفات التي احتلت في الفكر الإسلامي مكانة متميزة صفة ~~«العدل»، وهي منسوبة إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأنها صفة وثيقة الصلة ~~بحرية الإرادة عند الإنسان أو جبرها. ولقد تميز «المعتزلة» بالإصرار ~~على أن يكون الإنسان حر الاختيار فيما يفعله أو ما ينصرف عن فعله؛ ~~لأنه إذا لم يكن كذلك تعذر علينا تصور «العدل» في محاسبته على ~~فعل كان مجبرا بمشيئة إلهية سابقة على فعله، وهو موقف عارضته ~~«الجهمية»، الجهم بن صفوان وأتباعه، إذ الإنسان في رؤيتهم مسير في ~~كل دقيقة وجليلة مما يقول أو يفعل، حتى إذا ما أشير إلى «العدل» ماذا ~~يكون معناه عندئذ، من حيث هو صفة لله عز وجل؛ قالت الجهمية بوجوب ~~الفصل بين معنى العدل منسوبا إلى الله سبحانه وتعالى، والعدل منسوبا ~~إلى الإنسان. وكانت صفتا «التوحيد» و«العدل» من أهم ما تميز ~~المعتزلة بوقفة خاصة إزاءهما، مختلفين في تلك الوقفة عن سائر ~~الفرق، حتى لقد كانوا يقولون عن أنفسهم: «نحن أهل توحيد ~~وعدل.» # وتعرض الفكر الإسلامي عند الأقدمين لمسائل أخرى كانت في تقديرهم من ~~كبريات المسائل؛ من أهمها فكرة «الإمامة» ومسألة «خلق القرآن»؛ فأما ~~«الإمامة» فقد نشأت فكرتها نابعة من ضرورات الحياة التي عاشها الأولون ~~بالنسبة إلى دينهم، وخلاصتها هي ms298 أنهم تساءلوا، بعد موت النبي عليه ~~الصلاة والسلام، من ذا يكون المرجع الحاسم الذي يرجع إليه إذا ما ~~استشكل عليهم أمر في فهم الكتاب الكريم؟ إنهم إذا تركوا ذلك لاجتهاد ~~العلماء؛ جاز أن تتعدد وجهات النظر، فلا يدري أحد عندئذ من الذي ~~وفق إلى الصواب، ومن الذي فاته التوفيق؛ إذن، فلا بد أن يكون ~~للمسلمين «إمام» معصوم، يوحى إليه بالمعنى الصحيح، ولا بد كذلك أن ~~تتسلسل هذه المنحة الإلهية في إمام جديد كلما مات إمام. ولقد تعلق شيعة ~~«علي» - كرم الله وجهه - بفكرة الإمامة هذه؛ فوصلوها بالإمام علي وبنيه ~~من بعده، مع اختلافهم بعد ذلك في تخصيص الفرع المعين من أولئك البنين، ~~الذي يختص بالإمامة. # تلك مسألة، ومسألة أخرى رجت الفكر الإسلامي رجا عنيفا عند ~~السلف، وأعني بها مسألة «خلق القرآن»؛ وشرح ذلك في إيجاز هو أن تساءل ~~من تساءل عن القرآن الكريم قائلا ما معناه في إيجاز: إن القرآن كلام ~~الله، ولا يعقل أن يخلو وجود الله سبحانه من كلامه إلى أن حان وقت ~~نزوله على محمد عليه الصلاة والسلام؛ إذن تنتج لنا نتيجة ضرورية، وهي ~~أن كلام الله أزلي مع أزلية الله سبحانه وتعالى، أو بتعبيرهم: هو ~~«قديم» بقدم الله سبحانه وتعالى. وأخذ بهذا الرأي من أخذ، لكن كان ~~هنالك من رجال الفكر الإسلامي من عارضه، وخصوصا من فرقة «المعتزلة»؛ ~~إذ رأوا قدم القرآن، أو أزليته؛ إنما تنصرف إلى «الفكرة»، ولا تنصرف ~~إلى الحروف والكلمات والجمل التي نزلت بها آيات الكتاب الكريم، بل إن ~~هذه «حادثة» - وهذه هي الكلمة التي استخدموها - أي إن اللغة المعينة ~~التي تجسدت فيها «الفكرة» إنما خلقت خلقا عند نزول الوحي بها إلى ~~النبي الكريم. ولقد كانت ترجح هذه الكفة مرة ، وتلك الكفة مرة، مع ~~اختلاف الرأي عند الخلفاء؛ فإذا كان الخليفة من أنصار «قدم» القرآن ~~أراد لهذا الرأي أن يكون له الرجحان، وكذلك إذا كان الخليفة مؤيدا ~~للمذهب الثاني، وهو أن القرآن مخلوق وحادث، أراد لمذهبه أن تكون له ~~الصدارة. # بتلك المسائل وأمثالها ms299 نسج مناخ الفكر الإسلامي عند الأوائل، وهنا ~~أود أن أعود بالقارئ إلى «التعريف» الذي أسلفت ذكره في أول هذا ~~الحديث، وأعني تعريف المعنى المقصود بكلمة «فكر»، وكذلك تعريف المعنى ~~المقصود بكلمة «إسلامي» حين نصف بها ذلك الفكر، ولم يكن الأمر في هذين ~~التعريفين اعتسافا، مما يسهل علينا رفضه لنحل محله تعريفين ~~آخرين؛ بل هما تعريفان مأخوذان من المادة اللفظية ذاتها التي صيغت بها ~~لفظة «فكر» ولفظة «إسلامي» صفة لذلك الفكر؛ فلا بد أن يكون «الفكر» ~~بمعناه الأوفى، إيجادا لحل تنفك به عقدة استعصت بادئ ذي بدء، ثم ~~لا بد كذلك، لكي يكون ذلك الفكر «إسلاميا»؛ أن يكون منصبا على ~~مسائل متصلة بعقيدة الإسلام وشريعته، فماذا نقول لزاعم منا إذا زعم ~~أن المشكلات التي تعرض لها الفكر الإسلامي عند أسلافنا ما تزال هي هي ~~المشكلات التي بقيت لتتحدى رجال الفكر الإسلامي في عصرنا وفيما يلي ~~عصرنا إلى أبد الآبدين؟ وإذا كان أمرها كذلك، فما الذي أنجزه الأولون ~~إذن؟ أليست المسألة المعينة إذا وجد حلها أو حتى إذا تعددت منها ~~الحلول الممكنة تكون قد انتقلت بذلك من دائرة المجهول إلى دائرة ~~المعلوم؟ فإلا تكن قد بلغت الحد الحاسم من الحل؛ فلا أقل من أن تكون ~~قد خف عنها بعض إشكالها، ما يستدعي أن يتجه الفكر الإسلامي في عصر ~~جديد إلى الانتقال نحو أفق جديد من المشكلات والرؤى، ربما يكون ذلك ~~العصر الجديد قد استحدثها للمسلم، استحداثا يقتضيه أن يقوم بالمهمة ~~نفسها التي اضطلع بمثلها أسلافنا الأولون في عصرهم أو عصورهم. # وتلك هي حقيقة الواقع التاريخي كما وقع؛ فقد جاءنا عصرنا بجديد ~~يحتم على القادرين من أبناء الأمة الإسلامية أن يواجهوه، وماذا صنع ~~الفلاسفة المسلمون الأولون غير هذا؟ لقد وجدوا بين أيديهم «حكمة» ~~نقلها الناقلون إلى اللغة العربية عن اليونان الأقدمين فدفعتهم طبيعة ~~العقل دفعا، إلى النظر فيما كان لديهم من «شريعة» وهذا الذي نقل ~~إليهم من «حكمة»؛ ليروا أين يكون اللقاء أو لا يكون؟ وحسبنا أن نقرأ ~~هذا العنوان لكتاب من مؤلفات ms300 «ابن رشد» وهو: «فصل المقال فيما بين ~~الشريعة والحكمة من اتصال»؛ لنعرف في أي اتجاه اتجهت به اهتماماته ~~وهمومه، فما الجديد الذي جاءنا به هذا العصر؟ أو ما هي أمثلة منه مما ~~لا بد لنا إزاءه أن يكون لنا فكر إسلامي في موضوعه؟ # نستطيع في جملة واحدة قصيرة أن نوجز الجديد الذي جاء به هذا ~~العصر، أو قل الجديد الذي جاء له هذا العصر؛ بحيث أصبح قطبا تدور ~~حوله الرحى، مهما اختلف نوع الغلال التي توضع فيها لتخرج طحنها، وتلك ~~الجملة الواحدة القصيرة الشاملة، هي أن عصرنا هذا قد جاء ليقرأ كتاب ~~الكون على نطاق أوسع جدا وأعمق جدا مما فعل ذلك في كل ما عرفه ~~التاريخ البشري قبل هذا مما يتجه به في هذا الاتجاه؛ وقراءة كتاب ~~الكون مؤداها أن يكشف القارئون عن قوانين الظواهر الكونية التي تتبدى ~~في كل أرجائه، وهي بالطبع لا تتبدى للإنسان دفعة واحدة وفي واحد، كلا، ~~ولا هو بقادر على أن يكشف عن القوانين التي تطرد عليها تلك الظواهر ~~التي يكون على وعي بوجودها؛ فالطريق إلى الغاية القصوى في هذا السبيل ~~طريق طويل، يقترب الإنسان من غايته خطوة قصيرة بعد خطوة قصيرة، لكنه ~~لن يبلغ آخر المدى ما بقي في الكون إنسان باحث، إلا أن في هذا السير ~~الوئيد على طريق المعرفة بقوانين الظواهر الكونية؛ ما يكفي ليجعل ~~عصرنا متميزا عن كل ما سبقه من عصور. نعم، كان للإنسان «علم» ~~بالأشياء، يقل هنا ويكثر هناك، منذ أن نشأ وعرفت له الدنيا سعيه ~~الحثيث في سبيل معرفته لدنياه، إلا أن ذلك العلم السابق كله - ربما ~~نستثني أمثلة لا تبلغ أصابع اليد الواحدة عددا - قد وضع ثقله على غير ~~الكون وقوانينه التي تسير ظواهره على مقتضاها، وكان الجانب العلمي ~~الذي مهر فيه السابقون هو العلوم الرياضية بشتى فروعها؛ وذلك لأن ~~الفكر الرياضي لا يتطلب من صاحبه نظرا إلى الكون وما فيه؛ إذ يقام ~~على فروض يفرضها الرياضي وهو جالس في داره. # فلسنا نبعد عن الصواب مقدار ms301 إصبع واحدة إذا قلنا إن العلم الطبيعي ~~بكل فروعه - وإذا قلنا العلم الطبيعي فقد قلنا محاولة الكشف عن ~~قوانين الظواهر الكونية - قد ولد منذ أربعة قرون أو ما يزيد قليلا، ~~وجاءت له حصيلة في تلك الفترة الوجيزة غيرت حياة الإنسان على الأرض ~~تغيرات لا حدود لأعماقها، ولم يكن لعلماء المسلمين - بصفة عامة - ~~مشاركة في هذه اللفتة العلمية الجديدة من تاريخ الإنسان، لماذا؟ لأن ~~قراءة الظواهر الكونية لاستخراج قوانينها، ثم استخدام تلك القوانين في ~~حياة الإنسان، تحتاج إلى منهج بحثي غير المنهج الذي كان قبل ذلك في ~~النظر العلمي، عندما كان ذلك النظر مؤسسا على الفكر الرياضي، الذي ~~هو فكر يبدأ مما هو مسلم به، ليستولد النتائج التي كمنت فيه، وتلك ~~صفة لا تقتصر على علوم الرياضة وحدها - من حساب وهندسة وجبر - بل ~~تمتد لتشمل ضروبا أخرى من المعرفة العلمية التي إن لم تكن من تلك ~~العلوم الرياضية في موضوعها ورموزها؛ فهي قائمة على منهج واحد معها. ~~وأما العلوم الطبيعية فشيء آخر موضوعا ومنهجا، ولقد كان لعلماء ~~المسلمين الصدارة عندما كان النهج الاستنباطي لم يزل قائما، لا ~~ينافسه منهج آخر، ومن ثم رأينا بينهم من نوابغ العلم نفرا لمعت ~~نجومه وما تزال تلمع على صفحات التاريخ، سواء أكان ذلك في العلوم ~~الرياضية بمعناها المباشر أم في العلوم الأخرى التي تصطنع المنهج ~~الرياضي في طرائق استدلالها، كالفقه الإسلامي وغيره، فلما أن ولد ~~العلم الطبيعي الجديد، ليقرأ به العلماء كتاب العالم بمنهج جديد؛ قصر ~~المسلمون دون اللحاق بالركب في عهده الجديد، فلم يشاركوا فيه إبداعا ~~وكشفا وإنتاجا، واكتفوا - على أحسن الفروض - بالنقل عن أصحاب العلم ~~الجديد نتائجهم التي يصلون إليها ويثبتونها في مؤلفاتهم، ثم ~~يجسدونها في صناعاتهم؛ وربما كان هذا القصور من جانب المسلمين، ~~ليكون غير ذي وزن، لولا أن نتائج العلم الجديد أصبحت هي المصدر الأساسي ~~للقوة والثراء والمعرفة؛ فلم يلبث تاريخ الإنسان طويلا حتى سجل في ~~كتابه أن العالم الإسلامي كله تقريبا قد وقع في قبضة أصحاب العلم ~~الجديد بمنهجه البحثي ms302 الجديد. # فماذا نريد للفكر الإسلامي أن يصنع إزاء هذا الموقف المرفوض؟ إننا ~~نريد شيئين: أولهما أن ينصت جيدا لصوت القرآن الكريم وهو يحث ~~المسلم على معرفة الكون، وماذا تكون تلك المعرفة في اكتمالها إلا أن ~~تكون هي المعرفة العلمية بظواهر الكون - التي منها تولد العلوم التي ~~نسمع عنها - ويدرسها أبناؤنا في الجامعات، لكننا لا نشارك في صنعها، ~~كعلوم الفيزياء من علم للضوء وعلم للصوت وعلم للكهرباء وهكذا، كل ما ~~يحتاجه العالم الإسلامي من علماء الفكر الإسلامي - في هذا الصدد - هو ~~البيان بأن كتاب الله يأمر المسلمين القادرين على العلم بالكون ~~وظواهره، وأن طاعة المؤمن لما قد أمر به الله هو عبادة. وأما الشيء ~~الثاني الذي نتطلبه من علماء الفكر الإسلامي في هذا السبيل، فهو أن ~~تتجه دعوتهم نحو أن يدخل المسلم عصره هذا، مقبلا عليه بعقله وقلبه، لا ~~رافضا أو نافرا، لكنه في الوقت نفسه، إذا ما دخل عصره مشاركا في ~~بنائه ونشاطه، سيجد ما يكمن في أصلابه من عوامل الضعف التي تنعكس ~~آثارها فيما نراه من ألوان الشقاء في حياة الإنسان النفسية والعملية ~~على حد سواء؛ ما أدى إلى علل يعرف بوجودها وبضراوتها رجال الفكر ~~المعاصر جميعا، ويذكرون منها: القلق، والتمزق، واليأس، والعنف، ~~والاغتراب، وما إلى ذلك من قائمة طويلة. وها هنا سيجد المسلم في أجلى ~~وضوح كيف يمكن أن يكون علاج ذلك كله في جوهر العقيدة الإسلامية، ولكن ~~كيف؟ # إن رسالة الإسلام الأولى هي «التوحيد»؛ التوحيد بجانبيه «الواحدي» ~~و«الأحدي» معا؛ فأول شروط الإسلام شهادة ألا إله إلا الله، فليس لله ~~سبحانه وتعالى شريك في ملكه. # إذن، فهذا جانب من التوحيد يشير إلى الناحية العددية منه، وأما ~~الجانب الآخر، الذي يتجلى في قوله تعالى: # قل ~~هو الله أحد ~~؛ فيشير إلى أحدية تظهر في اتساق الوجود ~~الإلهي، وعدم انقسامه على نفسه، ومن ثم كان سبحانه وتعالى هو «الله ~~الصمد» الذي يصمد وجوده الواحدي من الأزل إلى الأبد، ذلك هو الأساس ~~الأول في عقيدة المسلم، وهو أساس إن لم يتناوله الفكر ms303 الإسلامي بالشرح ~~الطويل الواسع العميق، ظل عقيدة في قلب المؤمن، لا يكاد يطير لها ~~أثر في صور الحياة العلمية التي يحياها. وأما إذا استخرجت أعماقها ~~ليراها من آمن بها، اختلف معه الشأن اختلافا جوهريا؛ ومن تلك ~~الأعماق، أن يشعر المسلم المؤمن حقا برسالة دينه، بأن وحدانية الله ~~وأحديته تتجلى في الكون العظيم بأجزائه وظواهره، كما تتجلى في ~~الفرد الواحد من الناس إذا جاء سويا في تكوينه، وتتجلى - نتيجة ~~لتكامل الأفراد إذا تحقق - في المجتمع الذي هم أعضاؤه، أسرة كان أم ~~شعبا أم أمة بأسرها، فأما واحدية الكون العظيم وأحديته، اللتين هما ~~انعكاس لصفات خالقه بديع السماوات والأرض؛ فلن يراهما إلا العلماء ~~الدارسون؛ وإن هؤلاء ليرونها بمقدار ما علموا ودرسوا؛ وذلك أن العين ~~المجردة في براءتها وسذاجتها، إذ ترى فيما حولها تلك الكثرة الهائلة ~~من الأشياء وعناصرها، تحسب أن تلك الكثرة تعدم ما يوحدها، حتى إذا ~~ما أخذت العين تبصر الأمر وتعلمه على حقيقته؛ وجدت كل شيء مرتبطا ~~بكل شيء، ولا يتسع مجال القول هنا لتفصيل ذلك، وهو موضوع يقع في صميم ~~الفكر الإسلامي في آفاقه الجديدة. ولما كانت تلك الوحدة الضامة ~~للكائنات جميعا في كون واحد، إنما هي وحدة توصف على سبيل التقريب ~~والتشبيه، بأنها وحدة «عضوية» بين الأجزاء؛ أي إنها وحدة تشبه الوحدة ~~في الكائن الحي، ثم هي وحدة تبلغ ذروة تساميها في الإنسان، رغم أنه ~~أشد الكائنات تركيبا لعناصر وجوده، وقل هذا - بالتالي - على صور ~~المجتمعات التي يكون فيها الإنسان الفرد عضوا من أعضائها. # فإذا عرفنا أن الكثرة الغالبة من علل العصر ومواضع قصوره، ترجع آخر ~~أمرها إلى تفسخ في «وحدة» الإنسان فردا ومجتمعا، بحيث لم يعد الفرد ~~الواحد متكامل الرؤية؛ لأنه لم يعد قادرا على جمع المختلفات في كيان ~~واحد، فهو في دخيلة نفسه منقسم على نفسه، يعمل ما ليس يدري له أولا ~~من آخر، فلماذا يعمل ما يعمله؟ وإلى أي نتيجة ينتهي؟ إنه يعجز عن ~~الجواب، وهو موقف إذا اتسع؛ أصبح موقفا يشمل الحياة بأسرها: فلماذا ms304 هو ~~يسعى؟ وإلى أي شيء يسعى؟ إنه يعجز عن الجواب، إلا الذين آمنوا إيمانا ~~بصيرا؛ فهم الذين يوحدون الأطراف التي تبدو متباعدة متنافرة، وإذا هي ~~توحدت أمامهم؛ ظهر معناها، فمن ذا الذي يستطيع الوصول إلى أعماق هذه ~~الفكرة، أكثر مما يستطيعه مفكر إسلامي بنيت عقيدته الدينية أساسا ~~على مبدأ التوحيد؟ على أن الأمر في ذلك، إذا ما جعله الفكر الإسلامي ~~الجديد هدفا من أهدافه؛ فلا يقتصر على مؤلفات تؤلف لتوضع في ~~خزائن الكتاب، بل لا بد أن يتسرب مضمونها قطرة قطرة إلى «التربية» ~~في الأسرة، وفي المدرسة، وأن يسمع ويشاهد مجسدا فيما يذاع في الناس من ~~عوامل التثقيف. # لقد أدار عصرنا حياته الفكرية على محور مشترك بين مختلف التيارات ~~الثقافية في العالم، وأعني في أقطار العالم التي هي مسئولة قبل غيرها ~~عن توجيه العصر في مساره الذي يسير فيه؛ وذلك المحور المشترك، الذي ~~يظهر لنا واضحا من شتى المذاهب الفكرية، حتى وإن بدت في ظاهرها ~~مختلفة بعضها عن بعض، هو أن «الإنسان» يجب أن يكون هدفا أسمى، ~~بإنسانيته التي هي ما هي كما يعرفها كل فرد منا في ذاته؛ ومن هذا ~~المدخل يمكن للفكر الإسلامي أن يدخل رائدا وهاديا، بادئا بسؤال عن ~~حقيقة هذا الإنسان ما هي؟ فإذا استلهم المفكر المسلم أصول عقيدته، وجد ~~للإنسان صورة ينبغي أن يعرفها العصر، كلما جعل «الإنسان» هدفا للبنيان ~~الحضاري كله، وللأنشطة الثقافية بأسرها. ومرة أخرى نكرر الشرط الموجب ~~لأن يعمل الفكر الإسلامي على التسلل بنتائج فكره هذا، في مجالات ~~التربية والتثقيف؛ ليتحول الفكر المجرد إلى عادات سلوكية في حياة ~~الجيل الناشئ. # لقد كان محمد إقبال، بكتابه «تجديد الإسلام» نجما من ألمع النجوم ~~بريقا في سماء الفكر الإسلامي الحديث؛ ولعل أبرز حقيقة مما أورده في ~~ذلك الكتاب هي دور «العقل» في حياة المسلم، كما أرادها له القرآن ~~الكريم؛ فلقد كان الإسلام هو الديانة الوحيدة التي أحالت الإنسان إلى ~~«عقله» فيما تستحدثه له الحياة من مشكلات، ومن هنا كان الإسلام آخر ~~الرسالات الدينية؛ لأن الرسالة ms305 بعد ذلك أصبحت المنوط بها عقل الإنسان، ~~وإذا أخذنا باحتكام الإنسان إلى عقله، فقد اعترفنا ضمنا بضرورة ~~احتكامه إلى «العلم» بما يكشفه عن حقائق العالم بمنهجه في البحث، وهو ~~منهج فصلت القول فيه الكتب المختصة بهذا الجانب من الفكر العلمي، ~~وحسبنا هذه اللفتة «الإقبالية»؛ لنتجه بالفكر الإسلامي نحو آفاقه ~~الجديدة. # | تخليص وتلخيص (1) # ثقافة الفرد الواحد، وثقافة الشعب الواحد، وثقافة العصر الواحد؛ ليست ~~بالكائن البسيط الذي تستطيع أن تشير إليه بإصبعك لمن تحدثه، قائلا ~~له: تلك هي ثقافة هذا الفرد من الناس، أو ثقافة هذا الشعب، أو ثقافة ~~هذا العصر، بل هي أشبه بنسيج تشابكت خيوطه وتقاطعت وتلاحمت، حتى ~~ليتعذر على من اضطلع بتحليلها إلى عناصرها أن يميز بين خيوطها خيطا ~~خيطا، وإذا فرضنا أن مثل ذلك التحليل قد وجد من القادرين قادرا قد ~~استطاعه؛ فإنه بقدر ما استطاع أن يحققه من فك الخيوط ليميزها ~~خيطا من خيط، يكون قد بعد ما أصبح بين يديه من أجزاء عن «الثقافة» ~~التي لا يتوافر لها كيانها إلا وهي منسوجة الخيوط في حياة موحدة، كما ~~تتوحد الخيوط في الثوب! فإذا كنا قد جعلنا الثقافة العربية موضوعا ~~لأحاديثنا المتفرقة، وتناولناها من أطراف متعددة، فما كان ذلك إلا كما ~~يكون الأمر في كل بحث عن حقائق الأشياء؛ إذ لا بد في كل حالة من تلك ~~الحالات أن يحلل الشيء المدروس إلى عناصره التي يتألف منها، ما ~~استطاع الباحث أن يبلغ من هذا التحليل، حتى إذا ما عاد إلى تركيب ~~العناصر ليعود الشيء المدروس إلى تركيبته التي كان عليها، كان ضوء ~~العلم قد أضاء دخيلته وحقيقته أمام كل ذي بصر أراد أن يرى ليعلم، فنحن ~~إذ نشرب الماء لا نبالي أبسيط ذلك الماء أم مركب؟ إلى أن يهم رجل ~~من رجال العلم، فيسلط عليه أشعة البحث، فإذا الماء مركب من عنصرين ~~تفاعلا واندمجا فأصبحا قطرة ماء، فتسألني: وماذا كسبناه من ذلك ~~التحليل ما دام الماء في أفواهنا هو الماء قبل التحليل وبعده؟! والجواب ~~هو أن ذلك الماء ms306 الذي تشربه، لو كان ملوثا بما ليس من طبيعته؛ لما ~~أدركت تلوثه حق الإدراك، إلا بعد أن تكون قد تحققت من العناصر ~~التي يتركب منها الماء الخالص، وعندئذ يصبح في مستطاعك أن تحدد ~~الشوائب التي أضيفت فتزيلها. # وهكذا قل في الحياة الثقافية للفرد، أو للشعب، أو للعصر، فإذا ظل ~~الناس يتنفسون تلك الحياة شهيقا وزفيرا، دون أن يكونوا على علم ~~بحقيقة ما يتنفسونه من حيث عناصره التي دخلت في تركيبه؛ لما استطاعوا ~~قط أن يعرفوا مواضع الضعف من تلك الحياة ليعالجوها أو ليبتروها، ~~وهنا يلزم التنبيه على أن ما قد أصبح موضع ضعف في ثقافة ما، ربما ~~كان هو هو نفسه الذي كان يوما مصدر قوة، ثم تغيرت عليه الظروف فأصبح ~~مرضا بعد أن كان عافية، إنك لا تؤاخذ الطفل على قضاء يومه في اللعب، ~~بل إنك لتحضه عليه إذا تراخى فيه وأهمله؛ لأنك تعلم أن اللعب للطفل ~~وسيلة تنمو بها قدراته، حتى إذا ما كبر طفلك وبات شابا، ثم رأيته ~~يواصل حياة الطفولة، بأن يجعل من اللعب مشغلته طول يومه، أخذك القلق ~~وعملت على تقويمه وعلاجه. # وماذا يكون المعيار الذي نعلم به أن ثقافة ما قد دب فيها خلل في ~~موضع من نسيجها أو في أكثر من موضع؟ إن هذا المعيار المنشود بسيط ~~وواضح، أشد ما تكون معايير الظواهر بساطة ووضوحا، ألا وهو مدى لياقته ~~لظروف الحياة القائمة! ومعنى «اللياقة» هنا هو القدرة على تسخير ~~الأشياء والمواقف والأحداث، تسخيرا يجعلها مطية لنا، نبلغ بها منازل ~~العلم، والقوة، والثراء والكرامة، والحرية ... إلى آخر تلك الغايات التي ~~ينشدها كل إنسان معافى، ولا يغفل عن طلبها إلا إنسان مريض؛ فثقافة ~~الفرد من الناس، أو الشعب من الشعوب، أو العصر من العصور، إنما يراد ~~لها أن تكون أداة لبلوغ ما كان في المستطاع بلوغه من درجات الصعود، ~~فإذا وجدت إنسانا تتعثر خطاه، ويأخذه اضطراب وربكة، إذ هو في موقف ~~معين؛ فاعلم أن «ثقافته» التي تراكمت فيه قطراتها قطرة قطرة من حيث ~~يدري ولا ms307 يدري لم تكن هي الثقافة التي تعد صاحبها لمثل ذلك الموقف؛ ~~فثقافة الفرد من الناس، أو الشعب من الشعوب. هي كالدفة من السفينة، ~~إذا غابت فقد تسبح السفينة على سطح الماء كما يشاء لها تيار الماء ~~واتجاه الريح، وليس كما يشاء لها صاحبها وراكبها، وإنها لصورة مألوفة ~~لنا، نتفكه بها في أحاديثنا، ونمثلها على مسارحنا، وهي أن نضع ~~إنسانا في غير مألوفه لنرى ربكته، كأن نضع ريفيا في مدينة، بل ~~نتخير له من المدينة أسرة مرهفة التحضر في مسالكها، وعندئذ نرى ~~كيف يتخبط الريفي في معالجته للأشياء من حوله، وفي ردود أفعاله ~~للمواقف التي تنشأ له وهو لم يألف أشباها لها، فنراه عندئذ لا يتحرك ~~حركة، ولا ينطق بكلمة، إلا وجد الحركة في غير سبيلها، والكلمة في غير ~~سياقها؛ وإذا هو بهذا كله قد أصبح هدفا للنكات الساخرة، وباعثا على ~~الضحك. # وليس الفارق بعيدا بين ذلك الريفي البريء وهو في محيط لم يعد ~~بثقافة تهيئه للعيش فيه عيش صاحب الدار في داره، يعرف كيف يتحرك في ~~غرفها وأبهائها، وكيف يستخدم كل ما فيها من الأدوات وقطع الأثاث، ~~أقول إن الفارق ليس بعيدا بين ذلك الريفي وهو في غير محيطه، وبين شعب ~~أهمل نفسه حتى تخلف عن ركب الحياة، فإذا اضطرته ظروف حياته أن يوضع ~~في المواضع التي تقدمت من ركب الحضارة، أدرك كم هو أعزل من «ثقافة» ~~تمكنه من مواجهة محيطه مواجهة القوى القادر، وإن المسافة الحضارية ~~بينه وبين طليعة الركب؛ لتتبين له ليعرف كم هي بعيدة، كلما نشأ بينهما ~~موقف للتصادم، كحرب تشتعل فلا تكاد تقوم أول شرارة منها حتى يظفر ~~بالنصر ذلك الذي وجه دراسته نحو العلم الصحيح، الذي يخرج به أسلحة ~~الحرب جنبا إلى جنب مع ما يخرجه من آلات المصانع، أو أن ينشأ بينهما ~~تنافس اقتصادي في أي صورة من صوره فإذا بذلك الذي أهمل نفسه حتى تخلف ~~عن الركب؛ يرى بعينيه كم يجهل هو وكم يعلم منافسوه! # واضح لنا - إذن - أن علامة «الثقافة» الصحيحة هي ms308 قدرتها على أن تكون ~~أداة لحياة قوية مزدهرة قادرة على أن تكون لها الهيمنة في الظروف ~~المحيطة بها. وبهذه الدرجة نفسها من الوضوح نقول عن «الثقافة» ~~المعافاة، إنها هي التي لا تتجمد عروقها حتى يشل حاملها أو يموت ~~بتصلب الشرايين؛ ففي الثقافة الصحيحة مرونة تتكيف بها كلما تغيرت ~~من حولها ظروف الحياة، ولو كانت تلك الظروف المستحدثة هي مما ينحدر ~~بالإنسان إلى مهاوي الضعف والجهل والفقر؛ لقلنا عن الثقافة الصحيحة ~~إنها هي التي تقاوم تلك الظروف المستحدثة، ولكن ماذا لو كان ~~المستحدث عاملا على زيادة في العلم وفي القدرة وفي الارتفاع بمنزلة ~~الإنسان ارتفاعا يقربه مما أراده له خالقه سبحانه وتعالى من كرامة ~~وتكريم؟ من هنا وجب على الثقافة الصحيحة أن تجيء وفي أصلابها دوافع ~~تدفع حامليها على تقبل التغيير، كلما ضاقت أثوابهم الحضارية عن ~~أبدانهم؛ فليس يراد لصاحب ثقافة ما أن يكون عبدا لثقافته تلك، يحرسها ~~لتدوم على حالها حتى إن دب فيها الضعف والمرض، بل يراد للمثقف ~~ثقافة معينة أن يكون منها ما يكون الإنسان من أدوات عيشه، يبدلها ~~بما هو أصلح، إذا تغيرت الظروف وظهر فيها ذلك الأصلح. # وما التغيير الذي نطلبه؟ ما البوصلة التي تبين لنا الاتجاه الصحيح ~~حتى لا نضل الطريق ونحن في محيط الماء أو في فلاة من الصحراء؟ إننا ~~إذا تأملنا حياة الإنسان الثقافية بصفة عامة، وعلى امتداد تاريخها ~~وعريناها عن تفصيلاتها الكثيرة لنخلص إلى هيكلها المجرد؛ وجدنا ذلك ~~الهيكل وكأنه مؤلف أساسا من سماء وأرض وبينهما إنسان، والسماء هنا ~~رمز نرمز به للدين، والأرض رمز نرمز به للكون الطبيعي الذي في رحابه ~~يقضي الإنسان حياته منذ يولد إلى أن يموت، وأما الإنسان ففي فطرته ما ~~يتجانس به مع مادة هذا الكون؛ لأن له جسدا خلق من طينة الأرض! وكذلك ~~في فطرته ما يسمو به إلى شفافية الملائكة؛ لأن له روحا إذا آمنت بالله ~~حق الإيمان كانت كمن نفض عن نفسه ثقل المادة وكثافتها وظلامها، وعلى ~~هذا الهيكل جاءت العصور الثقافية؛ فعصرا يكون ms309 المثل الأعلى للإنسان في ~~حياته هو أن يزدري الأرض ويعف عنها؛ أملا في حياة آخرة فيها نعيم ~~الخلد مرضيا عنه عند ربه، لكنه إذا ازدرى الأرض فقد ضاعت من يديه ~~العلوم ومعها معرفته بأسرار الكون، وضاعت الدوافع الحضارية كلها؛ إذ لا ~~يكون ارتقاء الإنسان عندئذ مرهونا بارتقاء حضارته، بل يكون الارتقاء ~~معتمدا على العبادة والزهد في الحياة الدنيا بكل ما فيها، لكن عصرا ~~آخر قد يجيء وإذا بالمثل الأعلى يتغير محوره؛ فبعد أن كان تطلعا من ~~الإنسان إلى السماء عابدا وزاهدا، يصبح وعيناه مع قدميه على هذه ~~الأرض، يحرثها ويزرعها، ويستخرج معادنها من بطنها، ويقيم المدن وتعج ~~به الحياة حركة وصناعة وحروبا وسعيا إلى القوة بشتى ~~صورها. # ولقد خيل للإنسان أن المناخ الثقافي الذي يسود هذا العصر أو ذاك لا ~~يخلو أن يكون على إحدى الصورتين: فإما هو مناخ صلح بالتقوى ~~وبالتجرد من شواغل الدنيا، وإما هو مناخ تشغله الدنيا عن الآخرة. ~~واصطلح الناس على أن يصفوا الصورة الأولى ب «الروحانية»، وأن يصفوا ~~الصورة الثانية ب «المادية»، والسعيد من الناس هو من وفقه الله إلى ~~رؤية أخرى تكاد تفرض نفسها فرضا لبداهتها، وهي أن يجمع الإنسان بين ~~دين ودنيا، وليس هذا الجمع - بالنسبة للمسلم على الأقل - جمعا بين ~~ضدين لا يلتقيان بحكم طبعهما، إلا كما يتجاوز ضد مع ضده دون أن ~~يندمج فيه، بل هو جمع يجعل أحد الجانبين سبيلا للوصول إلى الجانب ~~الآخر، وصولا يحقق الصورة الأفضل والأمثل، فعن طريق هذه الدنيا، ~~والعلم بكائناتها وظواهرها؛ يزداد الإيمان بالله جل وعلا، غزارة ~~وعمقا، فإحساسك بعظمة الله إذا رأيت الضوء، أو نظام الأجرام السماوية، ~~أو أدركت قوة الكهرباء؛ يزداد إذا عرفت من هذه المخلوقات كلها تفصيلات ~~وجودها ، وقوانين سلوكها حين يتفاعل بعضها مع بعض، إن إيمان المؤمن ~~بوحدانية الله سبحانه وتعالى وأحديته؛ يقوى ويبصر إذا عرف الدارس ~~عن طريق «العلوم» كيف تتألف كائنات هذا الكون، فيكمل بعضها بعضا، حتى ~~لكأن الكون على سعته الواسعة وكثرة كائناته وتعدد قواه؛ كائن واحد ~~موحد ms310 الأعضاء متكامل الوظائف، وحتى لكأنه كذلك بمنزلة مخلوق عاقل، ~~جسده هو مادته التي نراها، وعقله هو نظامه في كل جزئية منه، ثم في ~~مجموعه نظام مكننا عن طريق «العلوم» أن نستخرج «القوانين» العلمية ~~التي على سننها تسلك العناصر وتتفاعل. وماذا يكون هذا الموقف الثقافي ~~من الدنيا والدين الذي يجعل العلم بالدنيا سبيلا إلى عمق الإيمان ~~الديني؟ إذا لم يكن هو الموقف الذي ينبغي لنا بأن نجعل منه مثلنا ~~الأعلى في حياتنا الثقافية حين ننشط فيها أفرادا وشعبا، وحين نخطط ~~لها، وحين نبثها بثا في نفوس الناشئة ونحن نتولاهم بالتربية ~~وبالتعليم في مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا! # وقريب جدا من الهيكل الذي صورنا به أنماط الحياة الثقافية، في ~~مختلف الشعوب ومختلف العصور، تصوير آخر ربما ازددنا به فهما للمعنى ~~المقصود؛ فمن ينظر إلى التاريخ الثقافي بمختلف مراحله نظرة يغوص بها ~~تحت السطح وصولا إلى أعمق الجذور؛ وجد ثلاثة محاور قوامها أفكار كبرى ~~ثلاث، هي التي كانت في جميع الثقافات، بمنزلة الأنوال التي تنسج ~~عليها حياة الناس الثقافية بكل تفصيلاتها، لم يختلف في ذلك شعب عن شعب، ~~أو عصر عن عصر، وتلك المحاور الثلاثة، هي: الله، والكون، والإنسان، ~~وفيها ينشأ الدين والعلم ونوازع الإنسان التي تدفعه هنا تارة وهناك ~~طورا، فإذا كنا نتعقب ثقافات الشعوب وثقافات العصور، فنلحظ بينها ~~اختلافات تميز بعضها من بعض؛ فإنما ذلك يرجع إلى اختلاف الترتيب الذي ~~تجيء به تلك المحاور في فعلها وتأثيرها، فقد يكون الدين تارة هو نقطة ~~البدء، وعليه يترتب النشاط العلمي، وما يتصل به من اهتمامات عملية، ~~وكان هذا الترتيب هو الذي يخلع على حياة الإنسان صورتها العامة، فإذا ~~كان الترتيب على عكس ذلك، بأن تكون الأولوية في اهتمامات الناس إلى ~~العلم بالكون وظواهره وإلى شئون الحياة العملية بناء على ذلك العلم؛ ~~جاء الدين وقد ازداد في نفوس الناس نورا على نور، ففرق بين من يأخذ ~~عقيدته الدينية إيمانا لا يصحبه فهم لحقيقة ما آمن به، وبين أن يستعين ~~المؤمن بعلمه بسر الكون وعظمته، في إدراكه ms311 لعظمة الخالق جلت ~~قدرته، وربما كان ذلك جانبا من جوانب المعنى في قول الله سبحانه ~~وتعالى: # إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء ~~، فمن يعلم عظمة الكون، عن طريق دراساته ~~العلمية لظواهر هذا الكون وقوانينها، هو أعرف بجلال الله وعلمه وقدرته، ~~ممن لا يعلم. # فالشعوب تختلف في مناخها الثقافي، والعصور تختلف في ذلك المناخ، ~~باختلافها في تحديدها للفكرة التي توضع موضع الأساس من البناء، بحيث ~~تجيء الأفكار الأخرى فروعا تستمد منها القوة والثراء، وذلك رغم ~~اتفاق الجميع على المحاور الأساسية التي عليها يقام البناء، وإذا كان ~~ذلك كذلك، فإن الذي توجبه ثقافة عصرنا في هذا الصدد؛ هو أن نجعل ~~الدراسة الدينية تبنى، في بعض وجوهها، على العلوم الكاشفة عن قوانين ~~الكون ونظامه، وذلك لا ينفي أن تبدأ مع الطفل بتلقينه العقيدة وأركان ~~العبادة، إيمانا لا يشترط فيه السؤال: لماذا؟ وكيف؟ حتى إذا ما شب ~~ذلك الطفل، مراهقا، فشابا، وحصل ما حصله من علوم؛ عدنا به إلى ~~إيمانه بما كان قد آمن به، ليعيد فيه النظر مستعينا بما قد حصله من ~~علوم. # وانظر في ضوء ما ذكرناه، إلى الواقع الفعلي في حياتنا الثقافية، تلحظ ~~ثلاثة أنماط أساسية، يختلف بعضها عن بعض، ثم تجيء بينها درجات ~~متدرجة، تأخذ من هذا النمط شيئا، فهناك جماعة حصلت علوم الدين من ~~كتب الدين، ولا شيء أكثر من ذلك؛ فألمت بمحتوى تلك الكتب إلماما لا ~~يترك كبيرة ولا صغيرة مما ذكر فيها، بل إنها لتسوي بين الكبيرة ~~والصغيرة؛ فيختلط عندها ما هو أهم بما هو مهم وبما هو قليل الأهمية، ~~وهنالك جماعة أخرى تقع من الجماعة الأولى موقع الضد من ضده، وهي ~~جماعة درست العلوم الدارسة لظواهر الكون، ولم تقرأ شيئا، ولم تسمع ~~شيئا عما ورد في كتب الدين، فإذا كانت الجماعة الأولى قد حفظت الدين ~~نصوصا وردت في كتب، ولم تتزود بعلوم العالم لتضيف إلى تلك النصوص ~~المحفوظة أبعادا وأعماقا؛ فإن الجماعة الثانية قد اقتصرت على علوم ~~العالم، لتطبقها على هذا العالم في ظواهره، دون أن ms312 تنقل ضوءها إلى ~~نصوص الدين، وبين الجماعتين جماعة ثالثة، قليلة العدد، استطاعت أن تقف ~~الوقفة الصحيحة؛ فنظرت إلى نصوص الدين من مناظير العلوم، ففتح الله ~~عليها برؤية مضيئة بعيدة الآماد، واسعة الآفاق، فلو أن رؤيتها تلك، قد ~~أتيح لها أن تتسع لتكون هي طابعنا الثقافي العام؛ لجاءت حياتنا ~~اليوم على خير ما نتمنى، لكن الله لم يرد لنا مثل هذا ~~التوفيق. # وإن هذا لينقلنا إلى ما كان ينبغي لنا أن نستهدفه بجدية وعزيمة ~~مصممة على بلوغ الهدف المنشود، منذ بزغت شمس نهضتنا الحديثة في ~~أوائل القرن الماضي، وإلى يومنا هذا، وهو أن نعمل على نسج حياة ~~ثقافية جديدة، فيها من هويتنا القومية التاريخية معالمها الجوهرية، ~~التي هي روح التدين أولا، والتكافل الأسري على نطاق الأسرة الصغيرة، ~~وعلى نطاق الأسرة الكبيرة، التي هي الأمة بأسرها، في آن واحد، ثم ~~حرارة الانتماء إلى الوطن، أرضا وشعبا وثقافة، ومع تلك المعالم ~~الرئيسية تندمج صفات أخرى نستمدها من عصرنا، وأهمها علوم هذا ~~العالم، وهي العلوم التي أشرنا إليها، وقلنا باكتسابها، يمكن النظر ~~إلى نصوص الدين، فإذا هذه النصوص تضاء بضوء جديد، ويظهر من مضامينها ~~ما لم يكن قد ظهر، وتلك هي الدعوة إلى الأصالة والمعاصرة معا، وهي ~~دعوة ما فتئت تتردد إلى أقلام الرواد، منذ الطهطاوي وحتى يومنا ~~الراهن، لكننا نظلم أنفسنا لو زعمنا بأن الدعوة إلى الأصالة ~~والمعاصرة لبثت ما يزيد على مائة وخمسين عاما محدودة بالحدود التي ~~بدأت بها؛ لأنها - كأي فكرة أخرى تسري في تيار الحياة الثقافية - تنمو ~~مع الزمن، فكل جيل يعاود عرضها بصورة جديدة، فيها مزيد من تفصيل، ~~ومزيد من وسائل التطبيق، وأقول ذلك تعليقا على ما قرأته منذ قريب، ~~لبعض أئمة حياتنا الفكرية، متعجبين كيف نظل ندعو مثل هذه الدعوة ~~وقد سبقتنا إليها أقلام في الجيل الماضي وما قبله، بل إنها دعوة - كما ~~قالوا - ورد ذكرها في بعض آيات الكتاب الكريم، وإننا لنسأل هؤلاء ~~الأفاضل: وهل أفلحنا في تحقيق ما قاله السابقون علينا ولذلك يكون قد ~~وجب علينا ms313 السكوت؟ أترون أن المسألة مجرد تأدية واجب، وأن ذلك الواجب ~~هو «فرض كفاية»، بمعنى أنه ما دام قد اضطلع به فرد، سقط عن بقية ~~الأفراد؟ والحق أنه لا هذا ولا ذاك، وما يزال مجال القول واسعا أمام ~~القادرين. # على أن الذي هو جدير بالنظر حقا في هذا المجال، هو التأكيد بأن ~~الدعوة في حياتنا الثقافية إلى أصالة ومعاصرة معا، هي ألا يكون ~~المعنى المقصود مجرد الجمع بين هذين الجانبين في رأس واحد، فإذا فتح ~~باب التراث وجد ذلك الرأس ما يصدمه، وإذا فتح باب المعاصرة كان عنده ~~ما يحكيه، كلا، بل المراد إيجاد صيغة عربية موحدة، تغطي مجال ~~الحياة الجديدة، التي هي - أو يجب أن تكون - حياة عربية وحياة مهمومة ~~بهموم عصرها في آن واحد، وهي صيغة تحققت بالفعل في أفراد، لكنها لم ~~تصبح بعد رؤية شعبية، بحيث تتمثل في كل فرد من أفراد الشعب، مع ~~تفاوت الدرجات بين الأفراد، كما هي متفاوتة بالفعل في نواح أخرى ~~كثيرة. ولا أريد لهذا السياق من الحديث أن ينتهي قبل أن أثبت دهشتي من ~~رأي نشره واحد من أصحاب الرأي فينا، يقول به عن الدعوة إلى صيغة تجمع ~~الأصالة مع المعاصرة، إنما هي دعوة رجعية؛ لأن الذي نريده هو معاصرة ~~فقط. سبحان الله! وما شاء الله! يا أخانا: ولماذا لم يقل هذا القول ~~فرنسي أو بريطاني أو روسي أو ما شئت من بلاد الله التي هي في مقدمة ~~العصر؟ لماذا حرص كل واحد من هؤلاء على أن يكون هو العصر مع بقائه على ~~هويته المتميزة؟ فالفرنسي يظل فرنسيا بما يميزه والبريطاني يظل ~~بريطانيا بما يميزه وهكذا؟ # وإن هذا ليفتح أمامنا بابا واسعا يدخلنا إلى موضوع لم يتنبه ~~العالم على أهمية النظر فيه، بمثل ما تنبه على ذلك بعد الحرب ~~العالمية الثانية حين ظفرت الشعوب بحريتها واستقلالها، في إفريقيا وفي ~~آسيا بصفة خاصة، وهو موضوع تعدد الثقافات؛ فبعد أن كان الرأي قبل ~~ذلك، هو أن الدنيا ليس فيها ما يستحق البقاء إلا ثقافة واحدة، ms314 هي ~~ثقافة أوربا في مجمل صورتها المشتركة بين مختلف البلاد ~~الأوروبية، وعلى بقية العالم أن تحاول النقل منها، فيصبح الفرد ~~أو الشعب المعين مثقفا بمقدار ما اقترب من النموذج الأوروبي، ~~فلما انتهت الحرب العالمية الثانية ودخلت الشعوب المغلوبة على ~~أمرها، في حياة جديدة من استقلال وما يتبعه من حقوق الإنسان؛ سرعان ~~ما شاع في الناس مبدأ جديد، هو أن لكل ثقافة الحق في الوجود، مساوية ~~في ذلك أي ثقافة أخرى، إلا أن هذا التعدد الثقافي لا يغلق الأبواب ~~دون التفاعل بين الثقافات، وهي أبواب لبثت مفتوحة أمام الجميع في كل ~~مراحل التاريخ، فما الذي يوصدها اليوم في وجوه الناس؟ وبهذا التفاعل، ~~وما يشتمل عليه من أخذ وعطاء، يمكن لأي ثقافة أن تضيف إلى جسدها ~~عروقا جديدة بمحض اختيارها، بحيث لا يكون في الأمر غزو ثقافي ولا ~~غزاة. # إنه لا وضع لشاك ليشك في أن الحياة الثقافية لشعب من الشعوب، ~~تعلو وتهبط مع سائر جوانب الحياة لذلك الشعب علوا وهبوطا، تلك حقيقة ~~تلزم لزوما مباشرا، من قولنا إن ثقافة الإنسان هي محصلة نشأته ~~وتربيته، بحيث تصبح له وكأنها هي دفة السفينة في مسالك حياته ~~العملية؛ فإذا اختلف الأفراد، أو اختلفت الشعوب في ردود أفعالها إزاء ~~الحادثة المعينة الواحدة، فذلك لأن كلا منهم أو منها، موجه ~~بثقافته، ولا أظننا نخطئ إذا قلنا إن تلك المحصلة الثقافية الموجهة ~~لصاحبها، إنما هي جزء من الضمير؛ إذ الضمير ما هو إلا الرواسب ~~المضمرات في النفس، نتيجة لخبرات الإنسان التي يجمعها منذ طفولته ~~الباكرة عما هو صواب فيثاب أو خطأ فيعاقب. # وإذا كان ذلك كذلك؛ كان من حقنا أن نستخلص نتيجة عن الثقافة ~~العربية، لماذا كانت حافزة إلى قوة الإيمان، وقوة العلم ، وقوة السيطرة ~~وغيرها من ضروب القوة، حين كانت الأمة العربية قوية بالنسبة إلى غيرها ~~من الأمم، ولقد دامت لها تلك القوة - بصفة عامة - حتى القرن الخامس عشر ~~الميلادي (التاسع الهجري)، ثم لماذا ضعفت تلك الثقافة من حيث ~~ارتفاعها بحامليها، منذ ذلك الحين وإلى يومنا ms315 هذا، وهي نفسها الفترة ~~التي شهدت انحدار الأمة العربية في مكانتها بالنسبة إلى غيرها، وإلى ~~شعوب أوربا بصفة خاصة؟ أليست العلاقة السببية واضحة في كلتا ~~الحالتين، بين الشعب وثقافته قوة وضعفا؟ وإننا لنسأل هنا سؤالا ~~ينبعث من هذا الذي نقوله عن ضعف الثقافة العربية في تاريخها الحديث، ~~وهو: ما الذي تكسبه تلك الثقافة من تفاعلها مع ثقافة عصرها تفاعلا ~~حيا؟ وجواب ذلك يتضمن في ما يتضمنه نقطة نراها ثورية وجوهرية، وهي ~~أن علة كبرى من العلل التي أضعفت الأمة العربية وثقافتها معا، هي أنه ~~أحدثت لنفسها عزلة عن دنيا الواقع، وتقوقعت في ماضيها الثقافي ~~الموروث، مكتفية به، فأدخلت نفسها بهذا في عالم من صفحات مرقومة ~~بكلمات، والعلماء في هذه الحالة هم من حفظوا ذلك المرقوم على الورق. ~~ولما كان الواقع الصلب العنيد لا ينتمي أمام كلمات كتبها كاتبوها في ~~كتب، بل سيحتاج إلى من يتصل به اتصالا مباشرا يعالجه بما تقتضيه ~~صلابة الحجر والحديد؛ فقد أصبحت الثقافة العربية وحاملوها غير ذوي أثر ~~في مجرى الأحداث، وركبت الجواد وأمسكت بعنانه أمم أخرى تقيم ~~حياتها وعلمها وعملها على أساس الوقائع المرئية المسموعة والملموسة، ~~فكان لها العلم وكانت لها الصناعة، والقوة في الحرب، والسيادة في ~~السلام، فإذا نحن تفاعلت ثقافتنا بثقافتهم؛ فالأرجح أن ينتقل إلينا شيء ~~من تلك النظرة الواقعية، التي تخرجنا من صوامع الحروف والكلمات، ~~فنستعيد شعاعا من مجدنا الماضي، نستعيده علما وعملا، وريادة ~~ومكانة، وليس جعجعة وصخبا يثيران الضحك عند من أراد أن يضحك، ~~والبكاء عند من تضطره حسرته على نفسه أن يبكي. # إنه لا خوف على هويتنا من مثل هذا التفاعل الإيجابي الحي؛ فالورد ~~يظل وردا رغم ما يدخل عليه علماء النبات من عوامل تحدث فيه خصائص ~~جديدة لم تكن فيه، والجياد الكريمة تظل جيادا كريمة إذا ما أدخل ~~علماء الحيوان تحسينات في نسلها، وقد يعجب منا قارئ، متسائلا: ~~أليس لدينا علماء يتابعون العلم الجديد خطوة خطوة؟ أليس فينا الأطباء ~~البارعون والمهندسون المهرة؟ أليس منا كذا؟ وأليس منا كيت؟ مما ms316 ~~يقرب الشبه بيننا وبين رواد الحضارة العصرية؟ نعم لنا كل ذلك، ~~ولكنه كله يدور بنا في وعاء من ثقافة مريضة، فينتج عن هذه الازدواجية ~~الغريبة أن تكون لنا واجهة لا تخلو من ملامح العصر، ووراء الواجهة عقول ~~ما زالت تقتات جميع زادها بين صفحات القدماء، فأما الواجهة فنحن فيها ~~مقلدون تقليدا ظاهرا بغير قلب، وأما فيما وراء الواجهة فنحن فيه ~~مقلدون للسلف بكل قلوبنا، ومن هذا كله نشأت ثقافة عربية شائهة ~~الملامح، بردت حرارة الحياة في عروقها. # | تخليص وتلخيص (2) # الفرق واضح بين مجموعة الناس في مطار، ومجموعتهم في مسرح؛ فالمجموعة ~~الأولى، وإن تكن فكرة السفر تربطهم، فإن أهداف السفر عندهم متفرقة؛ فلا ~~يدري أحد منهم عن أحد إلى أين وجهته، وأما المجموعة الثانية، فهي وإن ~~يكن أفرادها قد جاءوا من مصادر متفرقة، لا يعرف جار عن جاره شيئا، ~~فإنهم يتجهون جميعا بأبصارهم، وعقولهم وقلوبهم إلى هدف واحد، وهو ~~تتابع الأحداث على خشبة المسرح؛ في المجموعة الأولى كثرة من أفراد لا ~~يتكون منهم كيان عضوي، وتعريف الكيان العضوي الذي يضم عدة أعضاء ~~مختلفة الوظائف هو أن تلك الأعضاء تتكامل بعضها مع بعض؛ كي تحقق معا ~~وجودا واحدا، كما هي الحال في أعضاء الكائن الحي. ولأن صفة «العضوية» ~~غائبة في المجموعة الأولى؛ فالهدف عند أحد المسافرين لا يرتبط بالضرورة ~~بالهدف عند مسافر آخر. وأما في المجموعة الثانية؛ فالمشاركة بينها في ~~هدف واحد يصبغ عليها صفة من صفات الكائن العضوي، وإن يكن لا يزال ~~تنقصها صفات أخرى مما هو قائم في الكائن العضوي الذي هو في مرتبة من ~~«العضوية» أعلى، كالإنسان مثلا في مجموعة أعضائه؛ وذلك لأن الكائن ~~العضوي الأعلى يتميز بأن وجود عضو من أعضائه معتمد في أدائه لوظيفته، ~~على وجود الأعضاء الأخرى. وأما رواد المسرح؛ فهم رغم اتفاقهم في ~~الهدف وفي التوجه نحو ذلك الهدف، فوجود أي منهم ليس متوقفا على ~~وجود الآخر. # وهذه المقارنة بين المجموعتين تصور لنا فرقا من الفروق التي ~~تختلف بها ثقافة قد اكتملت في بنائها، والاكتمال ms317 هنا درجاته نسبية ~~بالطبع، بالنسبة إلى ثقافة أخرى لشعب آخر، انعدم فيها التوحد الذي ~~يكفل لها شيئا من صفات التكامل العضوي، أو أن ذلك التوحد قد ضؤل ~~حجمه حتى كاد ينعدم، ففي الحالة الأولى - حيث يتكامل البناء - تجد ~~القنوات الثقافية على كثرتها وتنوعها قد استهدفت كلها هدفا واحدا ~~مضمرا في حياة الناس، وفي أفكارهم ومشاعرهم. وأما في الحالة الثانية - ~~حيث التشتت والتنافر - تتقاطع الأهداف، حتى ليتعذر على من أراد أن ~~يعرف عن الشعب أين يتجه أن يتبين صفة تحقق له ما أراد؛ لأن ~~الحياة الثقافية في هذه الحالة تكون أقرب شيء إلى برج بابل كثرت فيه ~~الألسنة فاستحال التفاهم. # فأول شرط يفرضه العقل لصحة الحياة الثقافية في شعب معين، أو في عصر ~~من عصور التاريخ؛ هو أن نجد في تلك الحياة الثقافية السليمة نقطة ~~التقاء تكون هي الهدف المشترك الذي يسعى إليه مبدعو الثقافة على اختلاف ~~قنواتهم؛ إنه هدف توحي به آمال الشعب والأمة. ولما كان مبدع ~~الثقافة في لون من ألوانها هو أحد أفراد ذلك الشعب، تميز بموهبة ~~تعينه على الملاحظة النافذة إلى صميم الحقائق والطبائع؛ فإنه كغيره من ~~المواطنين يحس تلك الآلام والآمال، ثم يزيد على غيره من المواطنين ~~بالقدرة على الرؤية ثم على صياغة ما قد رآه، بالوسيط الذي هو موهوب ~~فيه، فالألحان للموسيقى، والكلمات للشاعر، والألوان للمصور، وهكذا، ~~إنه هدف لا تصدر به الأوامر السلطانية، كلا، ولا هو مما يقحم على ~~الناس إقحاما؛ ولو أن قوة خارجية أرغمت جماعة من الناس على التزام ~~غاية بعينها، ليست هي الغاية التي تحقق آمالها وتعالج لها آلامها؛ ~~لكان ذلك هو الغزو الثقافي الذي يتحدثون عنه، وموضع «الغزو» هنا هو ~~«الإلزام» بشيء مقحم على ما تضطرم به صدور الناس، أما أن يتولى ~~المبدعون في أمة إبداع الأشكال التي يطالعها الناس فيطالعون أمانيهم ~~ومخاوفهم وجوانب النقص فيهم وجوانب النضج والكمال؛ فذلك هو الإبداع ~~الصحيح كثقافة جيدة وسليمة، حتى لو حدث أن تأثر المبدع بتيارات في ~~الفكر أو في الفن والأدب ظهرت ms318 عند شعوب أخرى، وصح لها أن تتفاعل مع ~~جذور الثقافة المحلية؛ لينتج ذلك التفاعل بنيانا أقوى وأعتى مما كان ~~معهودا للناس من قبل. # ثقافة الشعب المعين، في العصر المعين، لا يستقيم لها بناء إلا ~~إذا أضمرت في ثناياها هدفا مشتركا يستهدفه كل مبدع في أي مجال من ~~عالم الفن والأدب، والفلسفة والفكر، وغير ذلك مما ينتجه المبدعون، ~~فيتلقاه من يتلقاه؛ ليشعر بالطمأنينة والرضا إن رأى مكنون نفسه قد ~~وجد طريقه إلى الظهور، أو يتلقاه في شيء من القلق؛ إذ يرى بين يديه ~~ناتجا غريبا عنه. ووحدانية الهدف - إن وجدت - تخلع طابعها على ~~عصرها؛ حتى ليطلق على ذلك العصر اسمه ليتميز به دون سوابقه ولواحقه؛ ~~فطابع القرن الرابع الهجري في الثقافة العربية الإسلامية كان هو النزعة ~~الإنسانية التي عنيت بالإنسان من حيث هو إنسان، بغض النظر عن عرقه ~~وعقيدته؛ فلم يكن ثمة من بأس على كاتب أو شاعر أن يأخذ بعض أفكاره من ~~اليونان أو من الهند أو من غيرهما، ليسلك تلك الأفكار في عمله وكأنه هو ~~منشئها وصاحبها، ولولا هذا الأفق الرحب؛ لما رأينا إخوان الصفا يجمعون ~~في رسائلهم ما يصور الثقافة الإنسانية بكل جوانبها، كما عرفتها ~~الإنسانية حتى ذلك التاريخ، ثم لما رأيناهم في مستهل تلك الرسائل ~~يقدمون رأيهم بوحدة الديانات. وانتقل معي بذاكرتك إلى أوربا في ~~القرن السابع عشر، وهو ما يسمونه بعصر العقل؛ لترى كيف علت ضوابط ~~العقل على كل ناحية من الحياة الثقافية، ففي الفلسفة كان ديكارت، وفي ~~العلم كان نيوتن، وفي المسرحية الشعرية كان راسين الذي يلتزم دقة ~~البناء الشعري وكأنه يعالج نظرية هندسية، وفي العمارة كانت استقامة ~~الخطوط، وهكذا. ولماذا بلغت مراعاة المبدعين لضوابط العقل إبان ~~ذلك القرن؟ كان ذلك ليجيء الرد على العصور الوسطى حاسما؛ إذ كان ~~لإيمان القلب في تلك العصور طغيان واضح على العقل وضوابط منطقه. # بل إن الشعب المعين كثيرا ما تتميز ثقافته بطابع يميزه عبر ~~العصور غير مقتصر على عصر واحد وظروفه الخاصة، إلا بجانب من جوانبه، ~~يتركه ليتغير ms319 مع تغير الأيام؛ وأما الجانب الآخر، الذي هو محصلة للسمات ~~الثابتة، فجعله قائما وثابتا، ومن ذلك الجانب الثابت تستمد الشعوب ~~سحنتها الثقافية التي يعرفها بها الآخرون؛ فقط ننظر - نحن العرب - ~~إلى أوربا، فنظن أنها كتلة واحدة متجانسة في ثقافتها؛ وإنها لكذلك ~~بالفعل في أسس من أسسها، وأما فيما عداها؛ فلكل شعب من الشعوب ~~الأوروبية مميزه الخاص في طريقة التفكير، خذ مثلا: فرنسا، ~~وإنجلترا، وألمانيا، وانظر إلى الفرق بينها في رؤاها الفلسفية، فإذا ~~جعلنا ديكارت ممثلا لفرنسا، وهيوم ممثلا لبريطانيا (فهو أسكتلندي) ~~وكانط ممثلا لألمانيا؛ لوجدنا العقل الرياضي في دقة استنباطه للنتائج ~~اليقينية من مقدماتها اليقينية، طابع الفكر الفرنسي؛ ووجدنا الركون ~~إلى الحواس في اكتساب المعرفة ركونا مطلقا، طابع الفكر البريطاني، ~~ووجدنا الجمع بين المعطيات الحسية ومبادئ العقل ومقولاته، ثم الغوص ~~في تلك المبادئ والمقولات غوصا نادر المثال في تاريخ الفلسفة كله، ~~طابع الفكر الألماني؛ فالفرنسي تهمه سلامة العملية الاستدلالية ~~العقلية، حتى لو توافرت له وهو بين جدران بيته، والبريطاني لا يقنع إلا ~~إذا أحس الطبيعة ذاتها إحساسا مباشرا ببصره وسمعه وسائر حواسه، ~~والألماني لا يريحه إزاء المفاهيم التي قد تؤخذ بغير تحليل، كمفهوم ~~«العقل» مثلا، إلا أن يطحن دقائقها طحنا ليردها إلى أصولها ~~فتفهم فهما صحيحا. وكانت تروى عن تلك الشعوب الثلاثة «نكتة» ~~توضح اختلاف طبائعها بعضها عن بعض؛ فقيل: إن الفرنسي إذا أراد أن ~~يعرف الفيل رآه في حديقة الحيوان من وراء القضبان، والألماني إذا أراد ~~أن يعرف الفيل لجأ إلى المراجع في المكتبة ليقرأ ما قاله عنه العلماء، ~~وأما البريطاني فإذا أراد أن يعرف الفيل ذهب إلى الغابات ~~ليصيده. # فليس عنتا أن نطالب لثقافتنا العربية اليوم بهدف مضمر مشترك، ~~يكون هو في الوقت نفسه مؤشرا دالا على الطابع العام الذي تتميز به ~~هذه الثقافة؛ فإذا بحثنا عن ذلك الهدف المشترك ولم نجده؛ كان ذلك ~~دليلا على أن جهودنا الثقافية مبعثرة، لا تنتهي بنا إلى بناء متكامل، ~~أو بحثنا فوجدنا هدفا غالبا على معظم المنتجين للثقافة، لكنه قد ~~استمد ms320 من الماضي أصوله وفروعه، مسقطا من حسابه هذا العصر الذي نعيش ~~فيه؛ أدركنا كم ضل بنا الطريق، حتى أصبحنا في زماننا غرباء، والأرجح ~~أننا واجدون - بعد البحث وإمعان النظر - أننا في هذه المرحلة التي ~~نجتازها اليوم ممزقون؛ فبعضنا يلوي عنقه إلى الماضي وكأنه لا ~~حاضر، وبعضنا يركز بصره على موطئ قدميه، وكأنه لم يكن لنا تاريخ، ~~وبعضنا الثالث يحاول أن يكون ماضيا حاضرا معا، ولعل هذه الفئة ~~الثالثة أن تكون معقد الأمل في مستقبل الثقافة العربية. # على أن الهدف الواحد المضمر، الذي هو عندنا شرط إذا أريد لثقافة ~~شعب أن تكون صحيحة البناء، لا ينبغي له أن يكون أي هدف كما اتفق؛ بل ~~يجب أن يضاف إلى شرط وجوده شرط آخر يحدد نوعه، وذلك أن مستقبلية ~~الهدف تكاد تكون جزءا من تعريفه، فإذا قال لنا قائل إن هدف حياتنا ~~الثقافية هو أن نعود بتلك الحياة إلى الوراء؛ استنكرنا قوله هذا، ~~لشعورنا بالتناقض الداخلي في استخدام الألفاظ استخداما يعكس معناها؛ ~~فليس هدفا ما يرد صاحبه إلى ماضيه، لأن اتجاه السير عندئذ يكون ~~مضادا لطبائع الأشياء وطبائع الأشياء توجب أن تكون دائبة التغير، ~~كما توجب ألا يكون تغيرها ذاك مطلقا أيا ما كانت وجهته؛ بل لا ~~بد أن يتجه تغيرها نحو أن يكون تطويرا لها، بحيث تعلو طورا بعد ~~طور، ومقياس العلو هو أن يكون الانتقال من البساطة إلى التركيب، وهذا ~~التركيب معناه «تعدد الوظائف» التي يؤديها الكائن في سيره ~~المتعالي؛ فيكون الكائن وهو في درجته الأعلى أكثر قدرة على مواجهة ما ~~يصادفه من مشكلات، أو بعبارة أخرى أن يكون أقدر على التحكم في طبيعة ~~بيئته، وهذا معناه - بالنسبة للإنسان - أن يكون الإنسان أوسع علما ~~بظواهر الكون، وأدق معرفة بقوانينها، وأن يكون - بالتالي - أقدر على ~~إلجام تلك الظواهر إلجاما بقسرها على التشكل فيما يخدم مصالح ~~الإنسان. # كل هذا يحتم ألا يكون هدف السير بالحياة الثقافية نحو ما هو أقل ~~علما، وأقل قوة؛ بل أن يكون الهدف نحو مستقبل تزيد فيه حرية الإنسان، ms321 ~~ومن أهم صور هذه الحرية تحرره من قيود الطبيعة، وهو ما يتحقق ~~بالتقدم العلمي، وأن تزيد فيه كذلك معرفة الإنسان لنفسه، وللآخرين، ~~إلى جانب معرفته بظواهر الكون، ومن هذه المعرفة المتعددة الأطراف يكون ~~«الوعي»، وإن إيجاد مثل هذا الوعي في أفئدة الناس لهو دائما الغاية ~~المنشودة من حركات «التنوير» حيثما كانت. # وهنا سؤال يطرح نفسه علينا، وهو: كيف يتوحد الهدف الثقافي على هذا ~~النحو ومعلوم أن للثقافة قنوات شديدة الاختلاف بعضها عن بعض؟ فأين ~~ألحان الموسيقى من العمارة؟ أين كلمات الشاعر من حجر النحات؟ أين ~~العلوم الطبيعية من أنظمة الحكم؟ فما الذي يمكن أن يوحد بين تلك ~~القنوات على اختلافها؟ وجواب هذا يكمن فيما يكون من تشابه وظيفي بين ~~النظائر؛ فما الذي يجعل الخريطة الجغرافية متقابلة مع رقعة الأرض التي ~~تصورها؟ إنهما من حيث المادة مختلفان. # فالخريطة ورق والأرض المصورة بها جبال وسهول ووديان، لكنهما رغم ~~هذا الاختلاف وغيره، متناظرتان، بمعنى أن طريقة التركيب، والنسب ~~بين العناصر في ذلك التركيب؛ يجعل كل نقطة، أو خط، أو لون، في الخريطة، ~~مقابلا لشيء مشار إليه في رقعة الأرض المصورة بها، مثل هذا التناظر ~~يمكن قيامه بين قنوات الثقافة على اختلافها، وعندئذ يكون مدار ذلك ~~التناظر، هو نفسه الهدف المقصود، فافرض - مثلا - أن هدفنا الثقافي هو ~~إيجاد مواطن عربي جديد يجمع في تكوينه أن يكون عربيا في هويته، بمعنى ~~أن تجيء هويته حاملة لأهم ما تميزت به هوية العربي في تاريخه؛ وأن يجيء ~~في الوقت نفسه مسلحا بما تتطلبه الحياة المتفوقة في عصرنا! عصر ~~العلوم والتقنية؛ فها هنا يجب أن يخرج المتلقي للنواتج الثقافية ~~المختلفة بمؤثرات تعده لأن يعتز بعروبته، وبأن يتزود في الوقت ~~نفسه بزاد العصر؛ فالإنسان محصلة ما ينطبع به من مؤثرات، في الأسرة، ~~وفي المدرسة وفي الحقل والمصنع وغيرهما من ميادين العمل؛ إنه يظل ~~يتلقى اللمعات من هنا وهناك، حتى يجد نفسه آخر الأمر هو من هو، فإذا ~~كانت الصورة المستهدفة هي أن يكون المواطن العربي إنسانا حرا، ~~محكوما بعقله، ms322 واعيا لما يدور حوله، وجب أن تتجه به القنوات ~~الثقافية المختلفة نحو هذه الغاية. # وينشأ لنا سؤال آخر، ربما كان أكثر الأسئلة إلحاحا على ضمائرنا ~~اليوم؛ وهو سؤال يثير مشكلة العلاقة بين حاضرنا وماضينا، فإذا كان ~~مما يقطع العقل بصوابه أن تتكيف الشعوب لضرورات الأوضاع الحضارية ~~المستحدثة، كلما أفلت الشمس عن إحدى الحضارات؛ لتشرق ومعها بوادر ~~حضارة جديدة، ثم إذا كان مثل هذا التكيف يقتضي - بالضرورة - تغيرات ~~وتحويلات فيما يفكر فيه الناس وفيما يستجيبون به من صور السلوك، لما ~~يصادفهم من أحداث يوما بعد يوم؛ حتى لكأنه يصيح في وجوههم مهددا: ~~إما الاستجابة وإما الفناء؟ أقول: إذا كان هذا التغير المستمر حتما ~~محتوما على الأحياء، أفرادا وجماعات؛ فما الذي يبقى من الماضي ليضمن ~~للناس استمرارية حاضرهم بسالفهم؟ وربما سألتني: أهو قدر مكتوب على ~~الإنسان أن يربط حاضره بماضيه؟ فيكون الجواب على سؤالك هو: إنه ليس ~~قدرا محتوما، بل هو طبائع الأحياء، وإذا أنت أنكرت على شيء طبيعته ~~فقد أنكرت وجوده؛ أفيسأل سائل: أهو قدر كتب على السماء أن تكون ~~زرقاء؟ أهو قدر على ماء المحيطات أن يكون ملحا أجاجا وعلى ماء ~~الأنهار أن يكون عذبا فراتا؟ إن أمثال هذه الأسئلة - في حكم العقل - ~~إنما تتخذ صيغة السؤال فيظنها الغافل أسئلة بالمعنى المنطقي للسؤال، ~~وحقيقة الأمر في حاضر الإنسان وماضيه هي أن مجرد التصور بأن لحظة ~~الحاضر الراهن يمكن أن تكون مبتورة الصلة بما سبقها، هو ضرب من المحال؛ ~~فالإنسان لا يولد ولادة جديدة في كل لحظة من تيار الزمن؛ إنه يولد مرة ~~واحدة، ليحيا ما يحياه ويموت، ولا تمضي بعد مولده بضعة أشهر، حتى يلثغ ~~بكلمات يسمعها ممن حوله؛ فهل يقال له عندئذ: لا، لا، لا تردد ما ~~تسمعه من كلمات، واخلق لنفسك بنفسك رموزا صوتية تتعامل بها مع ~~الآخرين؟! فإذا فرضنا إمكان أن تتحقق له هذه المعجزة، فكيف يتم ~~التفاهم بينه وبين الآخرين إذا كانت الرموز التي أبدعها لنفسه مقصورة ~~عليه لا يعرفها الآخرون؟ إذن فاللغة أمرها محتوم بحكم ms323 طبائع الأمور، ~~وليس بحكم أوامر تصدر لها من آمر، أن يتناقلها جيل عن جيل، ورغم ما ~~يطرأ عليها من إضافات وحذوف؛ فإنها تبقى في مجملها هي لغة السالفين، ~~وإذا قلنا اللغة فقد قلنا كذلك شيئا كثيرا عن طرائق التفكير، وما ~~نقوله عن استمرارية اللغة نقوله عن استمرارية كثير جدا من قواعد ~~السلوك، ونظم الحياة الاجتماعية، فضلا عن تفصيلات أخرى كثيرة عن ~~الطعام، والثياب، وغيرها، ولك أن توسع الدائرة شيئا فشيئا؛ لتشمل ~~العقائد، والفن، والأدب، وسائر أركان الحياة الثقافية، وهكذا تتحتم ~~استمرارية على مدى الأجيال؛ فلا يكون سؤالنا - إذن - هل نبقى على تلك ~~الصلة بيننا وبين أسلافنا؟ بل يكون: ما الجوانب التي تبقى على شيء من ~~الثبات النسبي بيننا وبين أسلافنا تضمن لنا أن نكون شعبا واحدا ~~ممتدا مع الزمن؟ ثم ما الجوانب القابلة للتغير التي لا ضير على ~~شعب أن يغير منها كلما تغيرت عليه الحضارات؟ # لكننا بعد أن قررنا حتمية الاستمرارية بين حاضر وماض في حياة ~~الناس، لا نكون بذلك قد حللنا شيئا من المشكلة العصية التي تواجهنا، ~~كلما وجدنا في مواقف حياتنا العملية، تلك الازدواجية الحضارية ~~الثقافية؛ وهي أن نجد لكل موقف مشكل، أسلوبين في معالجته؛ ففريق ~~منا يصر على أن ننقل من تراثنا أسلوب أسلافنا فيما يشبه موقفنا ~~الراهن، وفريق آخر تملي عليه بدهية تفكيره أن يكون أسلوب الحل من ~~وحي الظروف المستحدثة، ومثل هذا التنازع بين الفريقين يمتد حتى ~~يشمل الحياة برمتها أو يكاد، ومن هنا ترانا ننشق على أنفسنا ~~جماعتين - على الأقل - نطلق عليهما صفات تحدد طبيعة الاختلاف ~~بينهما، كأن نقابل بين السلفيين والمجددين، أو بين الرجعيين ~~والتقدميين، أو غير ذلك من ثنائيات. # فإذا جاز لفريق ثالث أن يتدخل وسطا بين الضدين، قائلا بالإبقاء على ~~الثوابت وتطوير المتغيرات - وكاتب هذه السطور واحد من هؤلاء - وجب على ~~هذا الفريق الثالث أن يبين لنا ماذا يكون «الثابت» من جسم الثقافة ~~العربية، وماذا يكون «المتغير»، والإجابة التي يتقدم بها عن هذا ~~السؤال تدور حول التفرقة بين شيئين، هما: ms324 «المبادي» و«الحشو» أو ~~«المضمون الخبري» (من كلمة «خبرة») الذي يجيء محمولا مع مجريات ~~الأحداث في تيار الزمن؛ فهذه الأحداث الطافية، لا تترك متناثرة ~~فرادى، تجتمع وتفترق بحسب دفعات التيار في نهر الحياة الجارية؛ بل إن ~~الإنسان عندما يتلقاها ويدمجها في حياته العملية يدرجها تحت «مبادئ» ~~قبلها قبولا مضمرا حينا، وقبولا واعيا وصريحا حينا آخر، وهو إذ ~~يدرج تلك الأحداث تحت المبادئ يتاح له عندئذ أن يدرك إن كان الحدث ~~المعروض متفقا مع روح ثقافته أو متنافرا مع تلك الروح؛ فالثابت في ~~التاريخ الثقافي لشعب ما (والثبات هنا ثبات نسبي، وإلا فلا دوام في ~~هذا الكون إلا لوجه ربك) أقول إن الثابت هو «المبادئ»، وأما ما عساه ~~يندرج أو لا يندرج تحت تلك المبادئ؛ فأحداث متغيرة، فإذا قلنا - ~~مثلا - إن مبدأ من مبادئ الثقافة العربية الإسلامية أن يتكافل أفراد ~~المجتمع، بحيث يعين القادرون من بهم مسغبة وعوز، بسبب عجز في ~~أبدانهم، أو بسبب قحط عام أعقبته مجاعة؛ فمبدأ «التكافل» لا بد أن ~~يبقى قائما عبر العصور، لأنه ملمح مهم من ملامح الثقافة العربية ~~الإسلامية. أما كيف يكون عون القادرين للعاجزين؛ فأمر يتغير بتغير ~~أشكال الحياة؛ فإذا رأى السابقون من أبناء الصحراء أن يكون العون في ~~صورة مكيال معين من الغلال، فقد تتخذ المشكلة في عصور تالية، وفي ~~بلاد غير صحراوية، شكلا آخر، كأن تكون توفير الدفء في شتاء البلاد ~~القارسة ببرودتها، أو تيسير المواصلات لعامل لا يملك وسيلة الانتقال ~~من مسكنه إلى مكان عمله، وهكذا، مما يستحيل أن ينحصر في قائمة محددة ~~معلومة مسبقا، تبين ما سوف يكون العاجزون بحاجة إليه، بعد كذا ألف ~~من السنين، تظهر فيها حضارات، وتختفي حضارات؛ لكن «المبادئ» قد تظل ~~ثابتة في إطارها العام المجرد، القابل لأن يمتلئ بما يصلح له من مضمون ~~الأحداث. # فالأمر في «المبادئ» و«مضموناتها» قريب الشبه جدا بالأمر في ~~الصيغ الرياضية وما يلائمها من ضروب التطبيق على مادة الأشياء في عالم ~~الطبيعة، خذ مثلا بسيطا، العدد 4 فأنت بغير شك تحمل في ms325 ذهنك صورة ~~لهذا العدد، ومتى تصدق هذه الصورة الرياضية المفرغة على الأشياء ومتى ~~تستعصي؟ وهذه الصورة الرياضية لا تشترط نوعا خاصا من المعدودات ~~لتصدق عليه، ولكن الذي تشترطه هو أن تكون المعدودات ملائمة لإطارها ~~الرباعي؛ فليكن المعدود أربع برتقالات، أو أربعة كتب، أو أربعة رجال، ~~أو ما شئت من أربعات الأشياء، وهكذا ترى ثباتا في الصورة الرياضية، ~~وتغيرا في معدوداتها، وهكذا أيضا تكون الحال بين «مبدأ» معين، ~~وحالات الواقع، التي يصدق عليها ذلك المبدأ. # أما أولئك الذين يوهمهم حبهم وإخلاصهم للسلف، بأن إعادة حياتهم إلى ~~عصرنا لنعيش على نهجها، لا من حيث «المبادئ» فقط، بل كذلك من حيث ~~المضمون الكيفي لتلك المبادئ؛ فهم إنما يتطلبون محالا، وهو محال ~~بحكم منطق العقل ذاته، فضلا عن مجافاته لمجرى التغيرات الحضارية، ~~ولماذا هو محال من جهة المنطق العقلي؟ هاك جواب ذلك مشروحا في ~~إيجاز: # اللغة هي أهم وسيلة للتواصل بين أفراد الشعب المتعاصرين؛ كما أنها ~~أيضا أهم وسائل التواصل بين الأجيال المتعاقبة في ذلك الشعب الواحد؛ ~~فالمتعاصرون من أبناء الشعب المعين مشتركون جميعا في واقع معين؛ ~~فإذا ما أرادوا التفاهم حول ذلك الواقع المشترك، تبادلوا وسائل اللغة ~~التي يشيرون بمفرداتها ومركباتها، إلى أجزاء الواقع الذي يعيشونه؛ فهم ~~يعرفون - مثلا - معنى كلمة «طعام» وكلمة «إفطار» وكلمة «ساعة» وكلمة ~~«سيارة»؛ فإذا قال عامل لزميله «ركبت السيارة العامة بعد تناولي طعام ~~الإفطار؛ لأكون في مكان العمل الساعة الثامنة.» فهم السامع على وجه ~~الدقة ما أراد أن ينقله إليه المتحدث، وأعني «بالدقة» هنا أن عملية ~~الفهم لم تقتصر على مجمل المعنى، بل تتسع لتشمل تفصيلاته؛ فهو يعرف ~~ماذا تكون أنواع الطعام التي تكون منها عادة وجبة الإفطار، وماذا تعني ~~كلمة سيارة عندما تكون سيارة عامة للجمهور، وماذا يعني تحديد الزمن ~~بأنه الساعة الثامنة، هل هو شديد التبكير في الصباح، أو هو وقت يتسع ~~للفراغ من أعمال الصباح قبل مغادرة العامل منزله إلى مكان عمله، لكن ~~هذه العبارة نفسها إذا وجدناها في أثر قديم من آثار التراث؛ لاستحال ms326 ~~على القارئ أن يكون صورة دقيقة عما حدث لقائلها، إذ لا ندري على ~~وجه قريب من الدقة ماذا كان يعني أهل القرن العاشر الميلادي مثلا في ~~مصر، بكلمة «إفطار» وبكلمة «سيارة» وماذا كان الشكل العام للأعمال ~~وأمكنتها ... إلخ ... إلخ. # فمفردات اللغة وإن تكن ثابتة على صورتها؛ فإنها اكتسبت معانيها من ~~الحالات الواقعية التي يعيشها الناس، فلا «مصباح» أهل القرن العاشر ~~الميلادي هو مصباحنا اليوم، ولا «القلم» هو على صورة القلم الذي نكتب ~~به اليوم، ولا بنيان المنزل هو كالبنيان الذي نتخذ منه مساكن اليوم، ~~ولا أي شيء مما تتحدث عنه اللغة، هو اليوم على صورة ما كان بالأمس، ~~مع بقاء اللغة، من حيث مفرداتها وطرائق تركيبها ثابتة أو فيما يقرب من ~~الثبات؛ فمن أين - إذن - يستمدون معرفتهم عن حياة الأسلاف ليحاكوها ~~- أولئك الذين يجعلون من تلك المحاكاة مثلهم الأعلى؟ أليس مصدرهم هو ما ~~يقرءونه في مراجع التراث؟ فهل في مستطاعهم أن يترجموا تلك المادة ~~المقروءة إلى كائنات الواقع المعاش، في العصر الذي كتبت فيه العبارات ~~المقروءة؟ وإذا كان ذلك مستحيلا عليهم، بحكم ثبات اللفظة المعينة مع ~~تغير مدلولها في تفصيلاته، فمن أين تأتيهم النماذج التي يحاكونها؟ لا، ~~إنه لا مفر من أن تكون الصور المجردة والمفرغة من مضامينها، ~~كالمبادئ، والأسماء الكلية في اللغة، هي محاور الثبات، في استمرارية ~~التيار التاريخي بين الماضي والحاضر، مع تغير المضمونات الكيفية عصرا ~~بعد عصر، وإني لأدعوك - أيها القارئ - إلى التأمل في كثير مما يدور ~~عليه اختلاف الرأي بين سلفي ومجدد؛ لترى إلى أي حد يقوم اختلافهما ~~على الخلط بين المبادئ المجردة التي يجوز عليها الثبات، ومضموناتها ~~التي لا بد لها أن تتغير. # | تخليص وتلخيص (3) # ترى هل نصيب إذا زعمنا أن أعمق أساس مما أقمنا عليه بناءنا ~~الثقافي هو تلك الزاوية التي انفرجت بين تصوراتنا الداخلية من جهة ~~وواقع الدنيا وأحداثها من جهة أخرى؟ إننا إذا أردنا أن نلخص العلة ~~التي تفسر عددا كبيرا من ظواهر حياتنا الفكرية والأدبية؛ لما وجدنا ~~ما هو أصدق من ms327 القول بأن ثمة فاصلا بين ما نتوهمه في أنفسنا وبين ~~حقائق الأشياء والحوادث التي نظن أننا نتعامل بها ومعها في حياتنا ~~العملية. # فالكاتب في كثير جدا من الحالات التي يزعم فيها لنفسه وللناس أنه ~~إنما يصور حقائق الناس الأشياء، بل حقائق التاريخ، يكتب عما ينبغي أن ~~يكون من وجهة نظره متوهما أنه بذلك إنما يكتب عن الحقيقة الواقعة أو ~~التي يظن لها أن تقع في ميقاتها المحتوم، وإن هذا الخلط بين وهم ~~وحقيقة ليحدث معنا في كل ميدان نتعرض للحديث عنه. فأذكر أني ذات يوم ~~كنت أراجع تفسير المفسرين لقول الله تعالى: # فويل للمصلين * الذين هم عن ~~صلاتهم ساهون ~~؛ فأول ما صدمني أن أجد مفسرا من ~~أعظم المفسرين مكانة قد أخذ يروي عن معنى الويل فيقول إنه كذا وكذا من ~~الأهوال التي أخذ يصفها بالتفصيل مما هو مقدر في جهنم لذلك الآثم ~~الذي تتحدث عنه الآيات الكريمة، فدار سؤال في نفسي من أين أتى هذا ~~المفسر بذلك المعنى لكلمة ويل؟ ما مصدره في كل هذه التفصيلات التي جعل ~~يرسم بها الصورة التي رسمها؟ وعن لي عندئذ أن أراجع هذا المعنى ~~نفسه في مواضع أخرى من الكتاب الكريم ورد فيها كلمة ويل، وإذا به ~~يتخيل صورة مختلفة في كل موضع من مواضع الكلمة مما ازددت به إلحاحا ~~على سؤالي الأول: من أين أتى المفسر بتلك المعاني التصويرية؟ ولماذا ~~لم يلتزم معنى الويل كما تحدده معاجم اللغة؟ أفليس من حقنا في هذه ~~الحالة أن نقول إن المفسر قد وضع خياله فيما يود للآثم أن يعاقب ~~به في كل حالة على حدة؟! # ومثل هذا يقع إذا كتب كاتب عن السلف في أي مجال من جوانب حياتهم؛ ~~فهو يكتب وفي ذهنه فرض مسبق بأن حياة السلف صواب كلها فضيلة كلها؛ ~~فلا خطأ فيهم ولا انحراف، ولو أن الكاتب الذي يروي عن الأسلاف أدرك منذ ~~البداية أنه ما دام يتحدث عن بشر - إذن - فلا بد أن تكون الصورة ~~مزيجا من قوة وضعف ومن صواب وخطأ، ms328 على أن الرجل العظيم ترجح فيه ~~القوة والصواب، ثم تتغير النسبة بين الجانبين، كلما هبطنا في أقدار ~~الرجال، حتى نصل إلى من ترجح فيه كفة الضعف والخطأ، فتخرجه من زمرة ~~العظماء، وبهذا التصوير الحي الأمين نلتزم جانب الحق من جهة ونؤثر في ~~القارئ أثرا أعمق وأصدق. وانظر كم كتب الكاتبون عن أعلام السلف وكم ~~بقي القارئ على حالة لم تغير الصور التي عرضت عليه منه شيئا! وذلك ~~لأنه - دون أن يعي - أحس بأنه يقرأ وعظا ولا يقرأ تاريخا ولا ~~أدبا، والوعظ لا يغير من سامعه أو قارئه لا كثيرا ولا ~~قليلا. # بل انظر إلى ما يكتبه كتابنا اليوم كلما أرادوا تصوير حياتنا ~~متمثلة في أفرادها؛ تجد هؤلاء الكتاب وكأنما هم قد أخذوا على أنفسهم ~~عهودا بألا يذكروا الريفي إلا بالخير الذي لا تشوبه ذرة من الشر ~~وخبثه؛ لأن الشر وخبثه - في معاجمهم الحديثة - مكانه أبناء المدن! ~~وفيم العجب؟ أليس التعليم قد ارتفعت نسبته في المدينة عنه في القرية؟ ~~ثم أليس التعليم ومعه النظافة والتمدن مصدر البلاء؟ ولعل سر هذه ~~النظرة الغريبة هو تفسير خاطئ للثورة الاجتماعية الأخيرة، وهي ثورة ~~أرادت - بحق وعدل - أن تضيق الفجوة بين فئات الشعب فاقتضى ذلك - ~~بالضرورة - أن تأخذ بأيدي العاملين الكادحين فترفع عنهم بعض الظلم الذي ~~أحاق بهم. ولما كان هؤلاء العاملون الكادحون في الأعم الأغلب على ~~درجات متواضعة من العلم ومن الثراء؛ وقعنا في خلط عجيب حين أخذ ~~كتابنا يصورون من هم أجهل على أنهم أنقى سريرة ممن هم أعلم! ومن هم ~~أفقر وأضعف على أنهم أعرف بواجبات الشهامة والشجاعة وواجبات الوطنية ~~الصادقة والأريحية الخالصة من أولئك الذين سكنوا المدينة ونالوا حظا ~~من التعليم ونصيبا من الثراء! وتتبع - إذا شئت - أفلام السينما ~~ومسلسلات التلفزيون، كلما نشأت مواقف منها مقارنة بين من يمثل ~~البساطة والسذاجة والجهل، ومن يمثل تهذيب الحضارة وسعة المعرفة وطموح ~~الارتقاء. # على أن الفجوة بين الوهم والحقيقة، في حياتنا الفكرية والثقافية، ~~إنما تبلغ أوسع حالاتها كلما تعرض متحدث أو كاتب لحضارة هذا ms329 ~~العصر، الذي كان ينبغي أن يكون عصرنا من الناحية الفكرية والثقافية كما ~~هو عصرنا بالفعل من حيث موقعه وموقعنا من التاريخ الزمني، فما أسرع ما ~~نكيل على الغرب وأهله كل ما وسعته اللغة من صفات التحلل والتهتك ~~والرجس والفسق والدنس، وكأن الناس هناك يعيشون في مواخير الدعارة، ~~وليسوا هم الذين بلغوا من آفاق العلم ما بلغوه وأبدعوا في الفن والأدب ~~ما أبدعوه، وأقاموا من النظم الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية وغيرها ~~ما أقاموه! إننا بالطبع لا نريد أن نجعل منهم ملائكة، ولكننا في الوقت ~~نفسه لا يحق لنا أن نجعلهم من زمر الأبالسة والشياطين، على أن ما ~~يكشف افتراءنا هو أن من يهاجمون حضارة الغرب وأهلها تراهم في اللحظة ~~ذاتها التي يوجهون فيها ذلك الهجوم يحيطون أنفسهم من ألف حياتهم ~~العملية إلى يائها بما أمدتهم به تلك الحضارة مما صنعه أهلها هؤلاء ~~الذين نرميهم بما نرميهم من لعنات! ولو قال الكاتب لقارئه كلمة صدق ~~لكان له عند ربه ثواب من توخي الحق؛ حتى لا يضل قارئه سواء ~~السبيل. # لقد كان من حقنا - بداهة - أن نحصن هويتنا تحصينا يصونها؛ حتى لا ~~تنجرف فيما يشوه قسماتها، فلا تصبح هي ما هي؛ لأنه لو حدث ذلك ~~لشقينا بنقمتين نقمة من فقد نفسه، ونقمة من انقطعت الصلة بينه وبين ~~ماضيه، فليس العيب - إذن - هو في الحفاظ على جوهر ذواتنا، بل العيب هو ~~في أننا أخطأنا الطريق المؤدي إلى تحقيق ما أردناه؛ فحسبنا أن سبيلنا ~~إلى ما نبتغيه، وهو أن نظل على قوميتنا وعلى عقيدتنا وما تمليه ~~علينا من مبادئ نقيم عليها صور الحياة، أقول إننا حسبنا أن سبيلنا إلى ~~ذلك هو أن نكيل السباب إلى بناة الحضارة العصرية، بدل أن نلتمس ~~لأنفسنا بكل ما يميزنا من خصائص مكانا في حضارة عصرنا ودورا نؤديه ~~في بنائها، وفي التصدي لمعالجة أوجه النقص في تلك الحضارة. # كان للوقفة المغلوطة التي وقفناها من حضارة العصر وثقافته عندما ~~أردنا أن نأخذ الحيطة صونا لذواتنا من الضياع، أقول إن تلك الوقفة ~~المغلوطة ms330 قد ترتبت عليها نتائج خطيرة تهدد حياتنا بالضعف والانهيار، ~~وأسوق لك مثلا واحدا، ولكنه مثل جسيم في خطورته؛ إذ هو يشبه أن يكون ~~مثلا لمن أخذته عزة بإثمه فألقى بنفسه في مهلكة، والمثل الذي أسوقه هو ~~تلك الدعوة التي تزداد كل يوم تضخما واتساعا وارتفاع صوت، حتى ~~ليوشك باطلها أن يقع موقع الحق في نفوس سامعيها، وهي الدعوة إلى أسلمة ~~العلوم الإنسانية التي فيها - وفي مقدمتها - علم النفس وعلم الاجتماع، ~~وعلم الاقتصاد؛ فأصحاب الدعوة - بكل نية حسنة - يقولون للناس: لماذا ~~نأخذ هذه العلوم التي تدور موضوعات بحثها حول الإنسان في طرائق حياته ~~عن علماء الغرب في تلك الميادين مع أن لنا نحن - عن الإنسان وحياته ~~ومبادئه وقيمه - مصادرنا الدينية والعلمية، فأما المصادر الدينية فهي ~~ملزمة لنا بحكم العقيدة الدينية، وأما المصادر العلمية التي ورثناها عن ~~أسلافنا فهي أعظم قدرا وألصق بنا مما كتبه علماء الغرب والمعاصرون ~~منهم بوجه خاص، شيء كهذا يقوله أصحاب الدعوة إلى أن تكون علومنا ~~الإنسانية علوما إسلامية! وفي هذا القول خطأ منطقي يظهر من مجرد النظر ~~بدقة في عبارة علوم إسلامية وتبين ما تنطوي عليه من تناقض بحيث يرفضها ~~العقل حتى قبل أن يجاوزها إلى مجالات العلوم التي تعنيها، والتي منها ~~علوم النفس والاجتماع والاقتصاد، وأول ما نذكره على سبيل التوضيح هو ~~هذه البديهة الآتية: إن العلوم الإنسانية «علوم» أفرأيتم ما هو أيقن ~~يقينا من هذه الجملة؟ ويقينها مستمد من ذاتها على نحو ما يكون الأمر ~~في أية جملة رياضية؛ ففي الجملة المذكورة - كما في أي جملة رياضية - ~~نوع من تكرار المبتدأ في الخبر، فإذا كان قولك عن المثلث إنه سطح تحيط ~~به ثلاثة أضلاع يفرض نفسه على العقل فرضا لأنه تحصيل حاصل - كما ~~يقولون - فكذلك يكون موقفنا بالنسبة إلى قولنا العلوم الإنسانية علوم ~~هو شبيه بقولنا أشجار الزيتون أشجار، أو قولنا أسماك البحر أسماك، فإذا ~~اتفقنا على أن العلوم الإنسانية «علوم»؛ انتقل بنا الحديث على الفور ~~إلى البحث عن الخصائص الضرورية التي لا بد من ms331 توافرها في أي علم يريد ~~أن يسلك في زمرة العلوم، وليس هنا موضع الإفاضة في تلك الخصائص، لكن ~~يكفينا منها واحدة، وهي المحايدة بالنسبة إلى الجوانب الذاتية من حياة ~~الإنسان؛ أي إن الحقيقة العلمية تظل هي هي الحقيقة العلمية بغض النظر ~~عما قد يختلف فيه الأفراد، أو تختلف فيه الشعوب؛ إذ لا تتغير الحقيقة ~~العلمية بتغيير الأجناس والألوان والديانات والأعراف والتقاليد، ~~والأذواق؛ فهذه كلها أمور بالغة الأهمية لحياة الإنسان إلا أنها رغم ~~ذلك ليست مما يرد في مجال العلوم، على أن ذلك لا ينفي أن اختلاف ~~الثقافات بين الأفراد والشعوب قد يؤدي إلى اختلاف في تطبيق تلك ~~العلوم؛ فالعلم النووي - مثلا - قد خلص إلى القوانين الطبيعية التي ~~على أساسها يمكن استخراج القوة الذرية، لكن ذلك العلم إذ يعرض نتائجه ~~على الناس لا يكون من شأنه أن يملي عليهم مجالات خاصة لاستعمالها، ~~والذي يحدد هذه المجالات للناس هو ثقافتهم، أو قل هي أخلاقهم؛ فلقد ~~رأت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1945م أن تنهي حربها مع ~~اليابان بإسقاط قنبلة ذرية على هيروشيما وأخرى على ناجازاكي، فوقفت ~~الحرب، ومن الجائز جدا ألا ترى هذا الرأي دولة أخرى في حربها مع ~~عدوها، محرجة من أن تنزل هذا الدمار كله على سكان المدن، وذلك هو ~~معنى قولنا إن العلم موضوعي؛ أي إن الذي يجعله علما هو منهج خاص ~~ينصب على موضوع البحث دون أن يتدخل الإنسان بميوله وعقائده، وأما في ~~أي مجال يجوز تطبيق نتائج العلم، وفي أيها لا يجوز ذلك؛ فليس ذلك من ~~شأن العلم ذاته، وإنما هو أمر موكول لضوابط أخرى في حياة ~~الإنسان. # تلك - إذن - واحدة في فهمنا لعبارة علوم إنسانية، وأما النقطة ~~الثانية؛ فهي أن هنالك فرقا بعيدا بين ما نتوقع أن يؤديه طالب ~~العلوم الإنسانية وبين ما نتوقع أن يؤديه العالم من علماء العلوم ~~الإنسانية، فبينما نحتم على الطالب أن يراجع الكتب الأساسية القائمة ~~بالفعل في الموضوع الذي يدرسه من موضوعات العلوم الإنسانية بما في ذلك ~~- بالطبع - ما هو موجود ms332 في المكتبة من مؤلفات أسلافنا؛ فليس ذلك بالضبط ~~هو ما يضطلع به العالم الباحث في موضوع مما يندرج في أحد العلوم ~~الإنسانية، فقد يرى ضرورة ذلك وقد لا يرى؛ لأن تلك العلوم قد أصبحت ~~اليوم تقيم بحوثها على الواقع الطبيعي للظاهرة التي هي موضوع البحث، ~~فعلماء النفس - وأعني العلماء الذين يضيفون إلى العلم جديدا - لا ~~يستخرجون القوانين العلمية الجديدة الخاصة بسلوك الإنسان من بطون كتب، ~~سواء أكان مؤلفوها من أسلافنا أم كانوا من الغرباء وأسلافهم، وإنما ~~تستخرج الإضافة العلمية الجديدة من التجارب العلمية التي تجرى على ~~عينات بشرية يختارها الباحث العلمي بناء على ما تقتضيه ضرورات بحثه؛ ~~فواضح - إذن - أن سؤال السائل عما يقوم به عالم النفس من تجارب علمية، ~~وإحصاءات ... إلخ؛ ليس هو: هل قدم لنا ذلك العالم نتائج إسلامية؟ بل ~~السؤال هو: هل قدم نتائج عملية قائمة على منهج علمي سليم؟ # وأما النقطة الثالثة التي أذكرها تعليقا على دعوة الدعاة بأن نجعل ~~العلوم الإنسانية علوما إسلامية؛ فهي أن العلوم الإسلامية هي علوم ~~وليست إسلاما، من حيث إن الإسلام دين، إنني لأرجو القارئ أصدق رجاء ~~وأخلصه؛ أن يركز انتباهه فيما نعرضه عليه إنقاذا له من خلط فكري ~~غرقنا فيه حتى رءوسنا أشكالا وألوانا. مرة أخرى أقول: إن العلوم ~~الإسلامية ليست إسلاما، بل هي علوم، والفرق بعيد بين الحالتين؛ ~~فالإسلام دين يقع منا موقع الإيمان، وما دمنا نظل بالنسبة للدين في ~~دائرة الإيمان؛ فليس ثمة مجال للتصويب والتخطيء، وليس ثمة موضع للنقد ~~أو لتعدد الآراء. # فكل مسلم يؤمن بأن الله واحد أحد، وفي حدود هذه الصيغة الإسلامية - ~~أو ما شئت من العقائد الإيمانية عند المسلم - يتساوى جميع المؤمنين؛ ~~فلا يصحح أحد منهم لأحد شيئا، ولكننا في حدود الصيغة الإيمانية لا ~~نكون قد جاوزناها إلى علم يقام عليها، فإذا فعلنا ذلك، فأولا قد ~~تتعدد ميادين العلوم التي تقام عليها، فربما اختار باحث أن يبحث في ~~المفردات اللغوية وطريقة تركيبها في الصيغة المعينة، وقد يختار باحث ~~آخر أن يستخلص من منطوق الصيغة ms333 الإيمانية ما يجب على المؤمن بها من ~~سلوك يسلكه في حياته العملية، وقد يختار باحث ثالث أن يجري مقارنة ~~تحليلية بين وحدانية المسلم وبين وحدانيات أخرى كفكرة الخير عند ~~أفلاطون أو فكرة الصورة الخالصة عند أرسطو، وأمثال هذه المقارنات قام ~~بها الفلاسفة المسلمون الأوائل، وهكذا، وهكذا. # وواضح أنه وإن يكن كل مسلم يؤمن بوحدانية الله وأحديته؛ فليس كل ~~مسلم بقادر على أن يجاوز الصيغة الإيمانية إلى النظر فيها نظرا ~~عقليا علميا تحليليا، بل ليس كل مسلم قادر على مثل ذلك النظر ~~العقلي العلمي فيما قد آمن به براغب فيه، على أن الراغبين القادرين ~~على النظر العلمي الذين يجاوزون الصيغ الإيمانية إلى تحليلها على منهج ~~التحليل العلمي قد يتفقون في النتائج التي توصلهم إليها عقولهم ~~وعلومهم، وقد يختلفون، وعندئذ لا ضير في اختلافهم؛ لأنهم لم يعودوا ~~وهم في مجال علم ملزمين بالاتفاق كما كانوا ملزمين وهم في دائرة ~~الإيمان؛ فالإسلام عند المسلم هو الإسلام من حيث هو دين لا يختلف فيه ~~مؤمن عن مؤمن، أما صيغ الإيمان الإسلامي حين ينتقل بها العلماء إلى ~~مجال البحث العلمي، فهي في هذا الوضع الجديد موضوع للبحث العلمي، ومن ~~ثم يجوز للباحثين أن يختلفوا في النتائج والأحكام، كالفقهاء وهم ~~يستدلون الأحكام الشرعية من النص القرآني الكريم، أو علماء اللغة حين ~~يدرسون ويستدلون أسرار بلاغة القرآن الكريم، لا بل في الأمر ما هو أكثر ~~من اختلاف الباحثين، وهو أنه من الممكن أن يكون الباحث العلمي في نص ~~إيماني من غير المسلمين؛ لأن البحث العلمي في نص إسلامي ليس هو نفسه ~~الإسلام من حيث هو دين. # فماذا يريد الدعاة إلى أسلمة العلوم الإنسانية أن يقولوا؟ # إنه إذا كان المراد هو أن نختار من الكتاب الكريم آيات ينظر إلى ~~نصوصها نظرة التحليل العلمي لاستخراج الأحكام المستنبطة فيها والخاصة ~~بميدان معين من ميادين العلوم الإنسانية كعلوم النفس والاجتماع ~~والاقتصاد؛ فذلك جهد علمي مشكور على أن يكون واضحا أن العلم الإسلامي ~~الذي يخرجه مثل ذلك البحث هو علم يجوز لأصحابه ms334 الاختلاف فيما بينهم ~~حول نتائجه وأحكامه، ثم ما هو أهم من ذلك، وهو أن يكون كأي علم آخر ~~يقبل أن يضاف إليه ما قد استحدث من نتائج علمية عبر الزمن؛ فلقد ~~أوضحنا للقارئ أن العلوم الإسلامية كلها هي علوم يقبل الاختلاف على ~~نتائجها، وليست هي إسلاما لا يقبل فيه من الناحية الإيمانية اختلاف ~~المؤمنين. # إن حياتنا الثقافية كانت لتحيا في صورة أقوى نبضا وأفعل أثرا، لو ~~أتيح لها نقاد الفكر كما قد أتيح لها نقاد الأدب، وليس الناقد في ~~الحالة الأولى مرادفا في الوظيفة مع الناقد في الحالة الثانية؛ ~~فنقاد الأدب، رغم اختلاف مدارسهم بحيث كان منهم من جعل هدفه هو ~~اختراق النص الأدبي إلى ما وراءه، والذي وراءه هو إما نفسية مبدع ~~القطعة الأدبية المنقودة، وإما الحياة الاجتماعية التي أحاطت بذلك ~~المبدع، وكان منهم كذلك من يجعل هدفه النص الأدبي ذاته يحلله ليرى كيف ~~ركبت أجزاؤه وتسلسلت لكي تكون مؤثرة على نحو ما تؤثر. أقول إن نقاد ~~الأدب على اختلاف مدارسهم قد اضطلعوا بواجبهم - قديما وحديثا - على ~~نحو ربما كان عاملا فعالا في ترشيد الإبداع الأدبي، وأما الفكر ~~العربي الحديث؛ فقلما وجد نقدا فكريا رشيدا، بل إن نقد الفكرة ~~عملية غير معلومة ولا مفهومة للكثرة الغالبة منا؛ إذ قد يظن أن ~~المقصود بنقد الفكر أن يبين صحة الفكرة المعينة أو خطأها، وإذا كان ~~ذلك هو ما يؤديه ناقد الفكر فهو موجود في حياتنا بكثرة لا نريد لها ~~مزيدا؛ فنحن - ما شاء الله - لا نوصى لهجوم بعضنا على بعض ~~بالتصويب والتخطيء، لكننا إذ نفعل ذلك لا نفعله على أساس التحليل الذي ~~يبين كيف ركبت جملة معينة تركيبا يجعلها مستوفية لشروط ~~المعرفة العلمية أو غير مستوفية لها ، فإن كانت الثانية رفضت الجملة من ~~الأساس دون حاجة منا إلى الدخول في مضمونها لنتفق عليه أو نختلف، ولن ~~أدخل في نفسك الفزع بأن أحدثك عن مقدار ما تجري به أحلامنا من أقوال ~~لو حللنا تركيبها قبل أن نلتفت إلى معناها لسقطت ميتة عند ms335 أول ضربة ~~من مشرط التحليل. ولما غاب نقد الفكر من حياتنا تقريبا؛ غابت بغيابه ~~حساسية القارئ التي تميز له معقول الكلام من غير المعقول، حتى جاز أن ~~تشيع فينا بكل اليسر دعوة لأن نجعل العلوم الإنسانية علوما إسلامية ~~على أن تفهم عبارة العلوم الإسلامية على أنها هي نفسها دين ~~الإسلام. # إننا حتى ونحن نقسم أنفسنا - وكثيرا جدا ما نفعل - إلى من ~~نطلق عليهم أنصار القديم، ومن نطلق عليهم أنصار الجديد، لا نقف لحظة ~~واحدة متأنية متروية لنسأل أنفسنا ما الذي نعنيه بهذه اللافتات ~~التي نرفعها إيذانا بحرب فكرية بين الفريقين؟ فماذا فعل نصير القديم ~~وماذا فعل نصير الجديد مما استحقا به أن يقفا في معسكرين ~~متقاتلين؟ ألا يجوز أن نجد أن الخلاف بينهما هو في الحقيقة لا خلاف ~~وإن كلا منهما قد اكتفى بنصف الطريق دون نصفه الثاني؟ وإذا كان هذا ~~هو هكذا؛ علمنا أن الرجلين متكاملان؛ أي أنك لو جمعت واحدا من ~~أنصار القديم إلى آخر من أنصار الجديد، لوجدت حاصل الجمع هو الحياة ~~الثقافية التي نسعى إلى استحداثها، ولم يعد منها ناقص إلا ضرورة أن ~~يجتمع النصفان في كل فرد على حدة؛ ليتفاعلا ولينتجا بالتفاعل حاصلا ~~ثقافيا جديدا، فالمسألة كلها بين الرجلين هي خلط منهما معا بين ~~الوسيلة والغاية؛ فالأول منهما إذا اكتفى بدراسة التراث ووقف عنده يجب ~~أن يعلم أنه قد اكتفى بالوسيلة ووقف عندها، لأن التراث ضروري من حيث هو ~~مصدر إلهام نستوحيه إبداعا غير مسبوقين فيه من حيث هو نهايات يوقف ~~عندها، وكذلك الثاني منهما إذا اكتفى بلحظته الحاضرة يجب أن يعلم بأنه ~~كمن أراد أن يستغني بالغاية عن وسيلتها؛ فهذه اللحظة الحاضرة لا تقف ~~وحدها في خلاء الزمن، بل هي حلقة من سلسلة، ولا بد أن تكون كذلك ~~تأخذ عما قبلها لتضيف، ثم تخلي الطريق لما بعدها. والعجيبة في نصير ~~اللحظة الحاضرة أنه يثور على قديمه معبرا عن ثورية باللغة العربية، ~~واللغة العربية لم يصنعها هو في لحظتها الراهنة، بل تلقاها ثمرة ~~جاهزة من ms336 سالفيه؛ لتضيف قوة إلى قوتها، ويتركها لمن يجيء بعده أكثر ~~نبضا بالحياة - ذلك لو استقامت لنا حياة ولغة. # أما وقد وردت الإشارة إلى اللغة في سياق الحديث؛ فالكلام عنها في ~~حياتنا الثقافية الراهنة - إذا أردنا أن نتقصى أوضاعها من جميع ~~أطرافها - هو كلام يطول حتى لتضيق صفحاتنا هذه عن استيعابه، فحسبنا ~~بضع إشارات موجزة سريعة؛ فاللغة العربية قد تتطلب حراستها إلى جماعة ~~قد تكون لها من الفضيلة أقصى حدودها، لكن إدراكهم لما تحيا به اللغة ~~إدراك محدود، فقصروا اهتمامهم على مفردات اللغة فهذه الكلمة صحيحة وتلك ~~الكلمة مغلوطة، وفاتهم أن اللغة لغة بمركباتها وأساليبها أكثر جدا ~~مما هي لغة بمفرداتها، فهذه - إذن - واحدة! # والثانية أنه بينما يعلمنا التاريخ أن ازدهار اللغة في جميع الأمم ~~والشعوب من ذوات التاريخ الأدبي قد كان صنيعة أدبائها؛ فالأديب شاعرا ~~أو ناثرا يتميز فيما يتميز به بحس مرهف تجاه اللفظ حتى لتراه يبدع ~~بموهبته لفظا لم يكن قائما فيصبح بفضله لفظا صحيحا إضافة إلى ~~اللغة، أقول إنه بينما كان الأديب - والشاعر بصفة خاصة - هو الوصي ~~المؤتمن على لغته، أصبحنا في هذه الفترة الحاضرة من حياتنا، وإذا ~~بالأديب فينا داعية إلى تحطيم اللغة! موهما الناس بأنه إنما يحطم ما ~~يحطمه منها تجديدا وثورة على الركود، والله يعلم إنما عبثت أصابعه ~~بتلك الجوهرة لجهله بنفائسها. # والعبث هنا أنواع؛ فتارة تقام الضجة حول قضية المفاضلة بين العامية ~~والفصحى وكأنهما ندان في الأدب، وتارة يكون العبث في أقلام تستعين ~~بالله وتكتب فيما تظنه فصحى، وتقرأ فتقرأ ركاكة في اللفظ يصرخ منها ~~الذوق وأغلاطا فواحش تصطك لها الأسنان! ومع ذلك فالأقلام الكاتبة ~~كان يحملها أدباء، وإذن فتلك هي الثانية. # والثالثة هي أنه بينما علماء اللغة في كل أقطار الأرض التي تقدمت ~~العلوم بها وفيها قد أخذوا يصبون على لغاتهم أضواء تحليلية كاشفة من ~~صنوف لم تعهدها علوم اللغة من قبل، وجاءت الملاءمة بين تلك التحليلات ~~اللغوية الجديدة وبين عصرنا العلمي بأجهزته الحاسبة في أن تلك ~~التحليلات قد هيأت اللغة - ولكل ms337 لسان لغته - وتحليلاتها لكي تصبح ~~صالحة للدخول في الأجهزة الحاسبة (الكمبيوتر) على صورة جعلت الترجمة من ~~لغة إلى أخرى في تلك الأجهزة ممكنة بدرجة مذهلة من الدقة؛ ففي بضع ~~ثوان تخرج لك عدة صفحات مترجمة من الروسية إلى الإنجليزية مثلا! وذلك ~~بفضل تحليل اللغة المترجمة إلى اللغة المترجم إليها! واستعمالات لغوية ~~أخرى كثيرة باتت في حدود المستطاع بفضل العلوم اللغوية في صورتها ~~الجديدة. ويكفيك في ذلك أن تلم بشيء مما فعله رجل واحد في هذا ~~السبيل هو نوام تشومسكي! فكم من علماء اللغة العربية قد دفعه حبه للغة ~~إلى إضافة علمية كهذه تدخل لغتنا في عصرنا، ولو من بعض الوجوه وإلى حد ~~محدود، وتلك - إذن - هي الثالثة. # وأما الرابعة فهي أن اللغة العربية - ككل اللغات الغنية الأخرى - ~~فيها الطاقة لأن تكتب بها العلوم كأدق ما تكون الكتابة العلمية، ~~وفيها الطاقة كذلك لأن يكتب بها الأدب في كل مستوياته حتى يبلغ ذروة ~~الشعر! والفرق الجوهري بين الحالتين هو أن اللغة في الحالة الأولى ~~تشير إلى موضوعات التفكير إشارة محددة ومباشرة دون أن يكون فيها أقل ~~قدر من الإيحاء، في حين أن اللغة في الحالة الثانية إيحائية إلى آخر ~~حد مستطاع، وليس من أهدافها عندئذ أن تشير إلى الهدف المقصود إشارة ~~مباشرة. والتمرس باللغة واستعمالها الصحيح يعين من يستخدمها على ~~التفرقة بين طريقة استخدامها عندما يكون المجال مجال تفكير علمي، ~~وطريقة استخدامها عندما يكون المجال مجال الأدب شعرا أو نثرا! لكن ~~المتعقب للغة العربية اليوم لا يخطئ أن يرى الخلط والتخليط والقصور ~~والعجز حتى لتبدو لغتنا الغنية القادرة وكأنها فقدت قدرتها على دقة ~~العلم ونحن في مجال العلم، كما فقدت قدرتها الإيحائية في التعبير ~~الأدبي ومنه في مجال الأدب! # وأما الخامسة؛ فهي أن اللغة خلقت في الأصل إما لكي تشير، وإما لكي ~~تعبر: فهي تشير عندما يكون الموضوع في الخارج، وهي تعبر عندما يكون ~~الموضوع حالة من حالات الباطن، فإذا وجدت جملة لا هي استطاعت أن تشير ~~لقارئها إلى شيء ظاهر، ولا ms338 هي استطاعت أن توحي لقارئها بالحالة النفسية ~~المراد إثارتها فيه؛ حق لك أن تسقطها من الحساب، لأنها وإن تكن ~~اصطنعت شكل اللغة؛ فإنها في واقع الأمر ليست من اللغة في شيء. وأترك ~~للقارئ أن يدقق النظر في كثير جدا مما أصبحت تجري به الأقلام ليرى ~~كم فيها محسوب على اللغة بالحق! وكم منها محسوب عليها بالباطل! وسأكتفي ~~بتلك النقاط الخمس فقد ذكرتها على سبيل التمثيل مما تشقى به لغتنا ~~اليوم على أيدينا ولو كان المراد حصرا علميا لأطراف المأساة؛ لمضيت ~~أذكر السادسة والسابعة والثامنة وما شاءت لي الحقيقة من عدد. ms339