######OpenITI# #META# URI: 1414ZakiNajibMahmud.HayatFikrFiCalamJadid.Hindawi30427513 #META# Tags: philosophy #META# ID: 30427513 #META# Title: حياة الفكر في العالم الجديد #META# AuthorID: 64904748 #META# Author: زكي نجيب محمود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # 1 - دستور في سطور1‏ # 2 - دستور الفكر بعد دستور السياسة‏ # 3 - الفيلسوف يؤيد الشاعر‏ # 4 - منطق العلم والعمل‏ # 5 - غد بعد أمس‏ # 6 - الفلاسفة يتشبهون بالعلماء‏ # 7 - كل الصيد في جوف الفرا‏ # 8 - تيارات أخرى معاصرة‏ # مراجع‏ # مقدمة‏ # 1 - دستور في سطور1‏ # 2 - دستور الفكر بعد دستور السياسة‏ # 3 - الفيلسوف يؤيد الشاعر‏ # 4 - منطق العلم والعمل‏ # 5 - غد بعد أمس‏ # 6 - الفلاسفة يتشبهون بالعلماء‏ # 7 - كل الصيد في جوف الفرا‏ # 8 - تيارات أخرى معاصرة‏ # مراجع‏ # | حياة الفكر في العالم الجديد # | حياة الفكر في العالم الجديد # تأليف # زكي نجيب محمود # | مقدمة # جاء المهاجرون إلى العالم الجديد من شتى الأمم في الدنيا القديمة، ~~فجاءوا مزيجا من ثقافات مختلفة، ولبثوا أمدا طويلا على اتصال ~~وثيق بأصولهم الأولى، حتى لقد ظلت تيارات الفكر الأوروبي المختلفة ~~تنساب إلى العالم الجديد غداة ظهورها، فكل صوت يرتفع في أوروبا كان له ~~صداه في أمريكا، ولم ير الأمريكيون في ذلك - أول الأمر - غضاضة؛ لأنه ~~إن كانت مقتضيات العقيدة الدينية قد حملتهم على الهجرة عن بلادهم ~~الأولى، وإن كانت مصالح الاقتصاد بعد ذلك قد أوجبت أن تحدد الهجرة، ~~وأن تقام الحواجز في عالم التجارة، فماذا يمنع أن تشترك الفروع مع ~~أصولها في الفكر، وأن تتبادل معها الرأي والنظر؟ لهذا ظلت أبواب العالم ~~الجديد مفتوحة على مصاريعها، تتقبل من ألوان التفكير كل ما تهتز به ~~أوروبا، على اختلاف مصادره وتعدد مذاهبه. # لكن المجتمع الجديد سرعان ما تميز بطابع جديد، ثم ما لبث هذا ~~الطابع أن أصبح معيارا تقاس عليه الواردات الفكرية، فيقبل منها ما ~~يقبل، ويرفض ما يرفض، ويعدل ما يراد قوله بعد تعديل، وأما هذا الطابع ~~الجديد المميز للمجتمع الأمريكي فهو - في اعتقادي - تلك «الفردية ~~الجماعية»، التي لا تغرق الفرد من الناس في خضم المجتمع، بل تحتفظ لكل ~~إنسان بفرديته المستقلة على الرغم من اشتراكه مع الآخرين في جماعة ~~واحدة يربطها الصالح المشترك، وإذن فهي جماعة أقرب إلى الشركة ~~التعاونية التي يحرص كل عضو فيها على استقلال شخصيته، ms001 وإن يكن في ~~الوقت نفسه حريصا أشد الحرص على ازدهار الشركة ونمائها، هي أقرب إلى ~~ذلك منها إلى الكائن العضوي الذي لا يجعل للعضو فيه وجودا إلا ~~بانطوائه تحت الكل الذي يحتويه، فالمجتمع الأمريكي في صميمه «كثرة» من ~~أفراد لا جسم واحد ذو أعضاء، غير أن تلك «الكثرة» ليست أشتاتا موزعة ~~الأهواء متباينة النزعات، بل هي كثرة تلتقي حباتها في عقد واحد يضمها ~~دون أن تضيع فردية الحبة الواحدة بهذا الالتقاء. # على هذا الأساس يتم قبول الأفكار أو رفضها أو تعديلها؛ فالفصل الأول ~~من هذا الكتاب فيه تصوير للفكر الأمريكي إبان العشرات الأخيرة من أعوام ~~القرن الثامن عشر، فكان الفكر حينئذ سياسيا في معظمه، يدور حول حقوق ~~الأفراد الطبيعية التي على أساسها أقيمت السياسة، وأقيم الحكم، ~~وأقيمت الحياة، بل على أساسها أقيمت العقائد الدينية نفسها؛ إذ كانت ~~الكثرة الغالبة من الأمريكيين من «البروتستانت المتزمتين» (البيورتان)، ~~وهؤلاء يعلون من شأن إرادة الفرد إعلاء يحفظ له حقوقه في أن يلتمس ~~لنفسه طريق النجاة الروحية، وحقوقه في أن يفكر حرا، ويعمل حرا، ~~وأن يحتفظ بثمرة عمله. وهكذا جاءت فلسفة عصر التنوير مؤيدة لهذه ~~المبادئ، إذ جعلت أساس المجتمع تعاقدا بين أعضائه، ولكل فرد حقوقه ~~الطبيعية في الحياة، وفي الحرية، وفي التماس العيش السعيد، وهي حقوق ~~فطرية لم يهبها أحد أحدا. # فلما أن جاء النصف الأول من القرن التاسع عشر انتقلت هذه الفردية من ~~ميدان السياسة إلى ميدان الفلسفة والأدب، وهنا نهض «إمرسن» و«ثورو» ~~وغيرهما يؤكدان استقلال الفرد على الرغم من صلاته ببقية أفراد البشر، ~~كانت الفلسفة السائدة في ذلك العهد هي الفلسفة الهيجلية المثالية، ~~انتقلت إلى إنجلترا عن طريق شعرائها، وبخاصة «كولردج»، وعن هذا الطريق ~~جاءت إلى أمريكا، لكنها لم تكد تنتقل إلى أمريكا حتى عدلت بما يلائم ~~وجهة النظر الأمريكية التي أشرنا إليها، فلم يعد الأفراد - كما تريد ~~لهم الفلسفة المثالية - مغرقين في «المطلق»، بل أصبح كل فرد - عند ~~«إمرسن» - ممثلا لذلك «المطلق» الهيجلي؛ أي إن كل فرد حقيقة قائمة ~~بذاتها، على ms002 الرغم من أنه إذ يشعر وإذ يفكر أو يعبر، فإنما هو «ينوب» ~~في ذلك عن الإنسانية جميعا إن كان صادق الشعور والتفكير والتعبير؛ ومن ~~هنا كان اهتمام «إمرسن» باعتماد الفرد على نفسه؛ وبالتالي اهتمامه ~~باعتماد أمريكا على نفسها في مجال الفكر والشعور، واتجه «ثورو» نفس ~~الاتجاه مع إسراف أدى به إلى أن يعتزل وحده في غابة ليعيش بمفرده ~~إنسانا معتمدا على نفسه. هكذا ترى الفلسفة المثالية قد جاءت إليهم من ~~ألمانيا، لكنهم حين أخذوا عنها فكرة الروح الكونية المطلقة الشاملة، لم ~~تسمح لهم أنفسهم بالانسياق إلى ما قد ساقت إليه أصحابها الأولين من دمج ~~الأفراد في واحدية كونية مطلقة، بل احتفظوا للأفراد بفرديتهم مع جعلهم ~~قلوبا شاعرة، وألسنة معبرة عن تلك الروح الكونية الشاملة، كما شرحنا ~~ذلك في الفصل الثاني وتبع ذلك - في النصف الثاني من القرن التاسع عشر - ~~موجة مثالية أخرى هي التي تسمى عادة ب «الكانتية الجديدة»، أخذها ~~فلاسفة العالم الجديد عن الفلسفة الألمانية أيضا - أخذوها عن كانت ~~وهيجل - لكنهم هنا أيضا قد صاغوها في قالبهم، وقد بسطنا ذلك في الفصل ~~الثالث؛ إذ بينا كيف جعل منها «باون» فلسفة مثالية ذاتية فردية، ثم ~~تولاها «جوزيا رويس»، فكان مثال الفيلسوف الأمريكي العظيم الذي يصوغ ما ~~يتلقاه من فكر على إطاره الخاص؛ فقد قرأ شوبنهور وتأثر به، لكنه ~~رفض تشاؤمه، وقرأ هيجل، وأخذ كثيرا من مبادئه المثالية، لكنه رفض ~~مذهبه التاريخي الذي يجعل سير الحوادث حتما لا مفر منه، كما رفض رأيه ~~القائل بسيادة الدولة سيادة مطلقة، ودرس «كانت» ولكنه صاغ من كل تلك ~~الفلسفات الألمانية المثالية فلسفة مثالية أمريكية توازن بين الحقيقة ~~المطلقة من ناحية، وبين الفرد وحريته من ناحية أخرى بميزان دقيق، ولا ~~عجب أن يسمي كتابه المشتمل على الجزء الهام من مذهبه «العالم والفرد»؛ ~~ففي كل خطوة يخطوها تراه حريصا على التأليف بين الفرد وسائر الأفراد، ~~أو بين الإرادة الواحدة وسائر الإرادات، أو بين المجتمع الواحد وسائر ~~المجتمعات، تأليفا يبقي على كيان الفرد الواحد من جهة، ثم ms003 يجعله جزءا ~~شريكا في البناء الكلي من جهة أخرى. # وفي الفصل الرابع والفصل الخامس معا بيان للحركة البراجماتية التي ~~ظهرت في أواخر القرن الماضي، ثم امتدت إلى يومنا هذا؛ إذ بسطنا لك ~~آراء أعلامها الثلاثة: «بيرس» و«جيمس» و«ديوي»، وهي فلسفة جاءت بمثابة ~~الثورة على التفكير المثالي الذي يباعد بين الفكر والعمل، فجعلت الفكر ~~والعمل وجهين لحقيقة واحدة؛ إذ جعلت معنى الفكرة هو نجاح تطبيقها، ~~وبهذا وصل الفكر الأمريكي الخالص إلى فلسفة أمريكية خالصة نشأة ~~وطابعا، فلئن كان الفلاسفة قبل ذلك يأخذون عن أوروبا، ثم يعدلون ما ~~يأخذونه بما يجعله ملائما لوجهة نظرهم؛ فقد جاءت البراجماتية نباتا ~~أمريكيا بذورا وساقا وفروعا، ولا غرابة - إذن - أن يعرف الفكر ~~الأمريكي الحديث عند العالم أجمع بهذه الفلسفة البراجماتية التي تعبر ~~عنه أصدق تعبير وأخلصه. # فلما تحطمت الفلسفة المثالية التقليدية على أيدي البراجماتيين، ~~تحطم معها التقليد الفلسفي كله، الذي كان يربط الفيلسوف بنمط معين ~~من التفكير، وهنا خرجت مذاهب واتجاهات جديدة، لم يكن لها جلال التفكير ~~التقليدي القديم، لكنها عوضت ذلك الجلال المفقود بروح علمية جديدة، ~~مالت بالفلاسفة نحو التشبه بالعلماء في طريقة معالجتهم لمشكلاتهم؛ من ~~حيث تعاون مجموعة الباحثين على حل مشكلة بعينها بدل أن يستقل كل ~~فرد منهم بإقامة بنائه الفكري الخاص، وسترى في الفصلين السادس والسابع ~~شرحا لتلك الاتجاهات الجديدة، كالواقعية الجديدة، والواقعية النقدية، ~~ثم الفلسفة الطبيعية، وعقبنا على ذلك بفصل ثامن وأخير، عرضنا فيه ~~اتجاهين من الاتجاهات المعاصرة عرضا موجزا، هما الوضعية المنطقية، ~~والدعوة إلى رجوع الفلاسفة إلى ما هجروه من «تقليد عظيم». # وقد اكتفيت في عرضي لمجرى الحياة الفكرية الفلسفية في العالم ~~الجديد، بالمعالم الرئيسية دون التفصيلات، راجيا أن يكون هذا الكتاب ~~صورة مجملة تتلوها صور جزئية في سلسلة من كتب، نفصل فيها ما أجملناه، ~~ونذكر ما قد أهملناه. # زكي نجيب محمود # الفصل الأول # | دستور في سطور1 # (1) جون لوك يضع الأساس # تستطيع أن تتعقب تاريخ الأمة خطوة وراء خطوة، دون أن ينتهي بك ~~السير إلى لحظة زمنية يكون في مستطاعك ms004 عندها أن تقول: هنا بدأ ~~تاريخ الأمة؛ لأن خيوط التاريخ تمتد إلى الوراء إلى غير بداية ~~معلومة، فإذا ما اتخذ المؤرخ بداية يبدأ عندها تاريخ أمة من ~~الأمم، فإنما يفعل ذلك جزافا، مستندا إلى أن هنالك قبل التاريخ ~~المدون تاريخا مجهولا لم يدون، يضم عناصره الغامضة، ويطلق عليها ~~«ما قبل التاريخ»، لكنك تستطيع - على سبيل التجوز اليسير - أن ~~تستثني من هذه القاعدة الولايات المتحدة؛ إذ جاء مولدها في يوم ~~معلوم، هو اليوم الرابع من شهر يوليو سنة 1776م، يوم أن أعلنت ~~استقلال نفسها عن إنجلترا، فجاء في إعلانها ذاك ما يلي: # إننا نؤمن بأن هذه الحقائق واضحة بذاتها، وهي أن الناس ~~قد خلقوا سواسية، وأن خالقهم قد حباهم بحقوق معينة هي جزء ~~من طبائعهم لا يتجزأ؛ منها «الحياة» و«الحرية» والتماس ~~«السعادة»، وأنه لكي يظفر الناس بهذه الحقوق، أقيمت فيهم ~~الحكومات، تستمد سلطاتها العادلة من رضا المحكومين، وأن ~~الحكومة - كائنة ما كانت صورتها - إذا ما انقلبت هادمة ~~لتلك الغايات، فمن «حق الشعب» أن يغيرها أو يزيلها، وأن ~~يقيم حكومة جديدة، تضع أساسها على مبادئ، وتنظم سلطاتها ~~على صورة، بحيث تبدو للناس تلك المبادئ وهذه الصورة أنهما ~~- على الاحتمال الأرجح - مؤديتان إلى أمنهم ~~وسعادتهم. # هذه أسطر قلائل، لكنها - كما قال «جفرسن» وهو الذي صاغ عبارتها ~~بقلمه - تعبر عن العقل الأمريكي، وقوتها مستمدة من تركيزها ~~لاتجاهات الناس في عصرها تركيزا يلخص روح عصر بأسره، هو عصر ~~الثورة الأمريكية، أو إن شئت فسمه عصر التنوير في أمريكا، وقد ~~كان التنوير فالثورة في أمريكا مقابلين في العصر نفسه لتنوير وثورة ~~في فرنسا، ففي هذه الوثيقة القصيرة من المبادئ الهامة ما يستوقف ~~النظر بغير حاجة إلى تحليل، فهي تنص على أن حقوق المساواة ~~والحياة والحرية والتماس السعادة هي أشياء واضحة بذاتها - أي ~~بديهيات - لا يحتاج صدقها إلى إقامة البرهان، وأنها حقوق مستمدة من ~~الله، وليست هي بالهبات يمنحها الحاكم إذا شاء، ويحبسها إذا شاء، ~~وهي جزء من طبيعة الإنسان وفطرته؛ بحيث يستحيل تصور الإنسان ~~إنسانا بغيرها، ms005 وأنه إن قامت بين الناس حكومة فلأن الناس أنفسهم ~~هم الذين أقاموها لتحافظ لهم على تلك الحقوق، وهم الذين يغيرونها ~~أو يزيلونها إذا هي قامت عقبة في سبيل تلك الحقوق ~~الإنسانية. # وتستطيع أن تمضي في تحليل هذه الأسطر القلائل ليتبين لك أنها ~~تتضمن ما يصح أن يكون مثلا أعلى للإنسانية جميعا، وفي ذلك يقول ~~«لنكلن»: «إنني ما أحسست قط بشعور - من الوجهة السياسية - لم أجده ~~نابعا من العواطف التي تبلورت في «إعلان الاستقلال» ...» # 2 # فمن أين استقت هذه الوثيقة عناصرها؟ إن مضمونها الفكري ~~لم يكن من ابتكار واضعيها، فها هو ذا «جفرسن» - وهو على رأس ~~المشتركين في إعلانها - يصرح قائلا وهو بصدد التعليق عليها: ~~«إنني لم أشعر بضرورة تدعو إلى ابتكار أفكار جديدة لم أسبق إليها.» # 3 ~~«جون لوك» هو مصدر التفكير ~~السياسي الذي ساد الولايات المتحدة إبان ثورتها، وليس هو بالمصدر ~~الذي نستنتجه استنتاجا مما كان يدور عندئذ على ألسنة الناس ~~وأقلامهم، بل هو المصدر الذي كان يتردد ذكره صراحة على أنه ~~المعين الذي استقى منه القادة مبادئهم بطريق مباشر، «فمن كتابات ~~«جون لوك» - قبل أي شيء آخر - استمد الأمريكيون سلاح الحجج التي ~~هاجموا بها الملك والبرلمان في حكمهما المتعسف، ولو كان هناك رجل ~~واحد يجوز أن يقال عنه إنه ساد الفلسفة السياسية في عهد الثورة ~~الأمريكية، فذلك هو «جون لوك»، إذ لم يكن الفكر السياسي الأمريكي ~~إلا تأويلا لما كتبه لوك»، # 4 # فماذا قال «جون لوك» مما جعل الأمريكيين أنفسهم يصفونه ~~بقولهم إنه «فيلسوف أمريكا»، وواضع الأساس لفكرها السياسي؟ # كان «جون لوك» - الفيلسوف ~~الإنجليزي الذي عاش بين عامي 1632م و1704م - في طليعة من استخرجوا ~~النتائج الفلسفية للعلم الحديث، وحللوا مضمون هذا العلم تحليلا ~~ينتزع مدلوله بالنسبة إلى السياسة والأخلاق والدين، ولعله مما يجدر ~~ذكره في هذا الموضع أن مهمة الفلسفة في صميمها هي هذا التحليل ~~للمبادئ العلمية؛ بحيث تستخرج من هذه المبادئ ما تنطوي عليه من ~~مضمون وفحوى، يتغير العلم السائد عصرا بعد عصر، فتتغير معه ~~الفلسفة؛ لأنها ms006 تحليل لمبادئ العلم، فإن تغير العلم تغيرت، كان ~~العلم السائد أيام اليونان الأقدمين هو الرياضة، وكان اليقين ~~الثابت هو معيار الحق ، فهل يسع الفلسفة إزاء ذلك إلا أن تبحث عما ~~يتضمنه هذا اليقين الثابت المنشود، والمتمثل في الرياضة، لتجد ~~أصوله الأولى في مبادئ عقلية مفارقة لهذا العالم المحسوس الذي هو ~~عالم الأشياء المتغيرة التي لا تثبت ولا تدوم؟ ثم جاءت النهضة ~~الأوروبية في القرن السادس عشر وما بعده، ليسود بمجيئها علم ~~الطبيعة الذي لم تكن له سيادة من قبل، بل أوشك ألا يكون له وجود ~~من قبل، وكيف يجوز لمن ينشد الحقيقة الثابتة الدائمة أن يجعل ~~الطبيعة المتغيرة المتحولة موضوع بحثه؟ لكن النهضة الأوروبية قد ~~غيرت من وجهة النظر، وجعلت الحواس مصدر العلم بعد أن لم تكن عند ~~اليونان الأقدمين إلا مصدر الظن والخطأ، كما جعلت بالتالي ظواهر ~~الطبيعة موضوع البحث بعد أن لم تكن شيئا جديرا بالعناية والعناء؛ ~~فشهدت النهضة الأوروبية من علماء الطبيعة من هم بين أقرانهم في ~~التاريخ كله ذوو مكانة ملحوظة، وعلى رأس هؤلاء «جاليليو» ~~و«نيوتن»، وأقام هؤلاء العلماء علما للطبيعة هو الذي ساد الفكر ~~الإنساني في القرون الثلاثة: السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر، ~~حتى جاءت نظرية النسبية في القرن العشرين، وجعلت تعدل من البناء ~~القديم لتقيم مكانه بناء جديدا على أساس جديد. # وليس العلم الطبيعي في ذاته هو موضوع اهتمامنا الآن، إلا بمقدار ~~ما نستعين به على معرفة النتائج الفلسفية التي نتجت عنه بالنسبة ~~إلى السياسة، ولئن كان «جاليليو» و«نيوتن» هما على وجه الخصوص من ~~نعني حين نتحدث عن علم الطبيعة في القرن الثامن عشر - وهو قرن ~~التنوير والثورة في أوروبا وأمريكا على السواء - فإن «جون لوك» ~~بصفة خاصة هو الذي استخرج من مبادئ علم الطبيعة كما أقامه ~~«جاليليو» و«نيوتن» نتائجها الفلسفية التي تعنينا. # وأهم ما نهتم له في طبيعة «جاليليو» و«نيوتن» هو التفرقة التي ~~فرقا بها بين نوعين من الظواهر: الظواهر كما هي في الأشياء ~~الخارجة عن الإنسان، والظواهر كما تقع في إدراك ms007 الإنسان، وينتج عن ~~ذلك تفرقة بين نوعين من «المكان»، ونوعين من «الزمان»، فالعلاقة ~~المكانية والعلاقة الزمانية بين الأشياء في الخارج ليست هي نفسها ~~القائمة بين صور الأشياء كما يحسها الإنسان بحواسه، بعبارة أخرى: ~~هنالك مكان مطلق موضوعي مستقل عن الإنسان، تتحرك فيه الأشياء ~~المادية، وهذا هو المكان، وهذه هي الأشياء التي يعنى ببحثها علم ~~الطبيعة، لكن هنالك أيضا مكان ذاتي نسبي هو الذي يقع في حس ~~الإنسان، وليس هو المقصود بالبحث عند علم الطبيعة، وكذلك قل في ~~الزمان. # يكون للأشياء عند الحس لون وطعم ورائحة، أما الأشياء التي يبحثها ~~علم الطبيعة، ويستقرئ قوانينها، فلا لون لها ولا طعم ولا رائحة، ~~والأشياء عند الحس تتغير قليلا أو كثيرا تبعا لتغير الأشخاص ~~ووجهات أنظارهم، أما الأشياء التي يبحثها علم الطبيعة، فهي مطلقة ~~تدوم على حال واحدة بالنسبة لكل إنسان؛ إذ يكون لها من الصفات ~~الرياضية والهندسية ما لا يتأثر باختلاف النظر عند مختلف ~~المشاهدين، وفيما يلي خلاصة لعبارة قالها «جاليليو» ليقرر بها أن ~~بعض الصفات - كالحرارة والطعم والرائحة واللون - هي في الإنسان ~~المدرك، لا في الطبيعة الخارجية، وإذن فلا يكون لعلم الطبيعة شأن ~~بها، قال جاليليو ما خلاصته: # 5 ~~«أريد أن أضع تحت الفحص هذا الذي يسمونه «حرارة» وسأجد أن فكرة ~~الحرارة كما هي عند الناس بعيدة بعدا شاسعا عما يقع في الطبيعة ~~الخارجية؛ إذ الحرارة ليست صفة ~~من الجسم الذي نصفه بأنه حار، فبينما أراني مضطرا بالضرورة، ~~إذا ما أردت أن أتصور قطعة من المادة، أن أتصور بين صفاتها ~~الكائنة فيها، أن لها حدودا تحدها، وشكلا معينا، وأنها ~~بالقياس إلى غيرها كبيرة أو صغيرة، وأنها في هذا المكان أو ذاك، ~~وفي هذه اللحظة الزمنية أو تلك، وأنها متحركة أو ساكنة، فهذه كلها ~~صفات يستحيل على أي خيال أن يتصور قطعة المادة بغيرها؛ إذ ~~يستحيل أن توجد قطعة المادة مستقلة عن هذه الظروف كلها، أما كونها ~~بيضاء أو حمراء، مرة أو حلوة، صائتة أو صامتة، زكية الرائحة أو ~~كريهتها، فلا أجد عقلي ms008 مضطرا إلى افتراض لزوم هذه الصفات لقطعة ~~المادة، فلولا حواسي، ولو كان الأمر لعقلي وحده أو خيالي وحده ، ~~لكان من الجائز ألا أعلم شيئا قط عن أمثال هذه الصفات؛ لذلك أرى ~~أن هذه الصفات، كالطعوم والروائح والألوان، ليست مما يصف الشيء ~~الخارجي نفسه، وإن هي - بالنسبة إلى ذلك الشيء - إلا أسماء لا ~~تدل على شيء فيه. # خذ قطعة من الورق، أو خذ ريشة ومر بها على أي جزء تشاء من ~~أجزاء جسدك، تجد لها - أينما مررت بها - صفة الحركة؛ بحيث لا تتغير ~~هذه الصفة في طبيعتها بتغير الموضع الذي تتحرك فيه، لكن ضع ~~الورقة أو الريشة بين عينيك أو في خياشيم أنفك، تثر فيك دغدغة لم ~~تكن تحسها حين كنت تحركها على أجزاء جسدك الأخرى، وبديهي أن هذه ~~الدغدغة فيك أنت وليست في الورقة أو الريشة. وأعود إلى فكرتي ~~الأولى، فأقول: إن من الصفات التي ننسبها للأشياء ما لا يكون في ~~الأشياء نفسها، بل يكون فينا نحن حين ندرك تلك الأشياء، ومن هذه ~~الصفات صفة الحرارة، فالجسم الذي يحدث فينا الإحساس بالحرارة - ~~وهو النار - ليس هو في حقيقته إلا عدد كبير من جسيمات ذوات أشكال ~~معينة، تتحرك بسرعات معينة، ولو أزيل جسم الإنسان بحواسه، لما ~~كانت الحرارة إلا لفظا بغير مدلول.» # للأشياء إذن نوعان من الصفات: صفات فيها وتكون جزءا من طبيعتها، ~~وصفات نحسها نحن، وليست جزءا من طبيعتها، الأولى كالشكل والحجم، ~~والثانية كالألوان والطعوم، وسؤالنا الآن هو هذا: ما العلاقة بين ~~الأشياء المادية التي تقع في المكان والزمان المطلقين الخارجيين ~~الرياضيين العامين، وبين الصفات النسبية الذاتية التي يكونها ~~الإنسان بحواسه عند إدراكه للأشياء، دون أن تكون تلك الصفات جزءا ~~من طبائع تلك الأشياء؟ بعبارة أخرى: ما العلاقة بين الإنسان ~~والطبيعة؟ # إنه سؤال سرعان ما يسوقنا إلى سؤال آخر، وهو: ما طبيعة الإنسان، ~~هذا الذي يخلق عالمه بنفسه ولنفسه، ألم نقل إن علم الطبيعة ~~النيوتوني قد فرق بين عالمين: فمن جهة هنالك العالم الطبيعي ~~الخارجي ذو القوانين الرياضية، الذي لا ms009 يتأثر بالناس وإدراكهم، ومن ~~جهة أخرى هناك العالم الذاتي الإدراكي المحس، الذي يخلق الصفات ~~خلقا من عنده، ثم يخلعها على الأشياء، فيعطيها لونا وهي بغير ~~لون، وطعما وهي بغير طعم، ورائحة وهي بغير رائحة وهلم جرا؟ إن ~~كان الدفء الذي يحسه الإنسان هو فيه لا في الشمس التي تحدثه، ~~وأريج الزهرة الذي يشمه الإنسان هو فيه لا في الزهرة التي تبعثه، ~~ولون البرتقالة الذي يبصره الإنسان هو فيه لا في البرتقالة التي ~~تسببه، فلنا إذن أن نسأل: ما طبيعة الإنسان؟ نعم إنه سؤال لا يهم ~~علم الطبيعة، بل يهم عالم النفس والفيلسوف، غير أن علم الطبيعة ~~يلقي ضوءا يعين على الجواب. # لو كان الإنسان ذرات مادية فقط - هكذا قال «جون لوك» - لما كان ~~العالمان اللذان قال عنهما جاليليو ونيوتن، ولكان هناك العالم ~~المادي الموضوعي الخارجي الرياضي وحده؛ إذ لو كان الإنسان كومة من ~~ذرات مادية، شأنه في ذلك شأن سائر الأشياء، فمن أين - إذن - تأتي ~~الصفات الذاتية كالألوان والروائح والطعوم، التي قال عنها جاليليو ~~ونيوتن إنها لا تكون في الأشياء الخارجية؟ لا بد أن يكون الإنسان ~~مغايرا في طبيعته لطبائع تلك الأشياء المادية؛ بحيث إذا تأثرت ~~طبيعته بطبائع الأشياء المادية، أحدث هذا التأثر الصفات التي قيل ~~عنها إنها تكون في الإنسان، ولا تكون في عالم الأشياء، فإن قلنا عن ~~الشيء كما هو في الخارج إنه عنصر مادي، أفلا يجوز أن نقول عن ~~الإنسان الذي يختلف بطبيعته عن طبائع الأشياء المادية، إنه عنصر ~~عقلي؟ هكذا استخرج «لوك» النتيجة الحتمية التي تلزم عن علم الطبيعة ~~النيوتوني، فكأنما «نيوتن» وهو يقوم بمشاهداته العلمية ليصل إلى ~~قوانين الطبيعة المادية، كان كذلك - ضمنا - يثبت نظرية شعورية ~~أخرى، وهي أن للإنسان عقلا يتأثر بالمؤثرات المادية فيخلق بعض ~~الصفات التي يعود بدوره فيخلعها على عالم الأشياء. # وها هنا نضع أصابعنا على نقطة الارتكاز التي منها يبدأ الأساس ~~الذي نبني عليه حق الأفراد في الحرية السياسية والدينية على ~~السواء؛ فعلى هذه النقطة ترتكز نظرية «لوك» في الدولة وفي ms010 الكنيسة ~~معا. # فلئن كان الإنسان عنصرا عقليا، بالقياس إلى دنيا الطبيعة التي ~~قوامها عناصر مادية، إذن فالإنسان إنسان بعقله أو بروحه، لا بجسده؛ ~~لأن الجسد هو كسائر الأشياء المادية عنصر مادي مثلها؛ فالجسم ~~يتحرك - كما تتحرك بقية الأجسام - وفق قوانين الحركة التي ~~استخلصها «نيوتن»، وهي قوانين لا تفرق بين أن يكون المتحرك حجرا ~~أو جسما حيا، أما العقل فعنصر مختلف، لا تسري عليه ما يسري على ~~المادة من قوانين الحركة، فإن قلنا - مثلا - إن الإنسان الفلاني ~~يملك كذا وكذا من الأشياء، كان المعنى الصحيح لقولنا هو أنه يملك ~~هذه الأشياء بعنصره العقلي، أما جسمه فلا يملك شيئا، بل جسمه هو ~~نفسه من بين الأشياء الممتلكة كقطعة الأرض التي يفلحها والدار التي ~~يسكنها؛ وهكذا يكون الفرد من الناس واحدا بعنصره العقلي، لكن ~~ممتلكاته كثيرة. # هذا العنصر العقلي وحده، الفريد في نوعه بالنسبة إلى ما يحيط به ~~من أشياء مادية، هو عنصر أولي بسيط التكوين لا يتجزأ، ولا ~~يتحلل كما هو الشأن في الشيء المادي؛ ولهذا استحال فساده ~~وتحلله بعد الموت؛ الموت يتناول الجسد وحده، وأما الروح فخالد لا ~~يموت، وواضح أن الدين إنما يعنيه هذا العنصر من الإنسان، هذا ~~العنصر العقلي المتفرد البسيط غير المتحلل، الذي يكتفي بذاته ~~ويستقل بوجوده إذا شاء؛ لأن وجوده لا يتوقف على وجود أي شيء ~~مادي، بل لا يتوقف على وجود أي عنصر عقلي آخر؛ فسواء أكان في ~~العالم سواي من أفراد البشر أم لم يكن فلن يؤثر ذلك في وجود عنصري ~~العقلي، بل سيظل هناك في روحانيته ووعيه لما يدور من حوله، وها هنا ~~ندرك لماذا وبأي معنى يقول «جون لوك» إن الدين فردي خاص، معينه في ~~نفسي، وأستنبطه من ذات نفسي، ويستحيل على إنسان آخر في الدنيا ~~بأسرها أن يهديني في الدين سراطا مستقيما إذا لم تهدني نفسي؛ إن ~~الاتصال بيني وبين سائر الناس، وبيني وبين الطبيعة إنما يكون ~~بواسطة الجسد وما فيه من حواس، أما العنصر العقلي في داخلي فهو ~~كائن قائم بذاته، ms011 يشعر بنفسه، ويوحي لنفسه، وهو الهادي وهو ~~المهتدي؛ يقول «جون لوك» في رسالته عن التسامح: «إن الطريق الضيق ~~الذي لا طريق سواه، والذي يؤدي إلى السماء، لا يعرفه القاضي بأفضل ~~مما يعرفه كل إنسان لنفسه؛ لذلك لا أستطيع أن أتخذ من هذا القاضي - ~~وأنا مطمئن - هاديا يهديني؛ لأنه قد يكون على جهل بالطريق مثل ~~جهلي، واليقين هو أنه أقل اهتماما بنجاتي مني بنجاة نفسي ... لهذا ~~كان روح الفرد من شأن صاحبه وحده دون سواه، ولا بد أن يترك وشأنه فيه.» # 6 # هكذا يكون الإنسان الفرد وحده دون سواه مسئولا عن عنصره العقلي، ~~يستوحيه وينصت إليه في إملاء عقيدته، وصواب العقيدة مرهون بما ~~يمليه العنصر العقلي ولا دخل لأحد سواه في الأمر؛ فأنت أنت الذي ~~يحكم بصواب عقيدتك أو ضلالها، ولا يكون بالاحتكام إلى سواك يفتيك ~~في أمر عقيدتك ما يجوز فيها وما لا يجوز؛ فانظر إلى هذه النتيجة ~~البعيدة المدى كيف استنبطت استنباطا من علم الطبيعة النيوتوني، ~~انظر كيف انتهت بنا التفرقة بين الطبيعة من جهة وإدراك الإنسان لها ~~من جهة أخرى، إلى الاعتراف بالضمير الإنساني مشرعا لصاحبه وحكما ~~له في صوابه وضلاله، وبهذا الأساس للتسامح الديني كما يريده «لوك» ~~إذ كيف تتدخل في عقيدة سواك وله ضميره ولك ضميرك؟ كيف يجوز للسلطان ~~المدني أن يتدخل في عقيدة أي فرد من الأفراد مع أن لهذا الفرد ~~عنصرا عقليا خاصا به لا يشركه فيه إنسان آخر سفل أو علا؟ بل ~~لا يجوز أن يقال للفرد إن كذا وكذا من أمر العقيدة الدينية هو رأي ~~الأغلبية فاتبعه؛ لأن آراء الآخرين وإن عدت بالألوف لا تغير من ~~الأمر شيئا. # وننتقل من الدين إلى السياسة، فنجد النتيجة عينها، أنه إذا ~~استحالت الصلة بين روح وروح، بين عنصر عقلي في فرد، وعنصر عقلي ~~آخر في فرد آخر، إذا استحالت الصلة بينهما، بحكم أن الصلة تكون ~~تماسا في المكان، والعنصر العقلي بغير مكان، كان المجتمع المدني ~~- كالمجتمع الديني - قوامه أفراد مستقل بعضهم عن بعض، كل فرد ms012 منهم ~~وحدة قائمة بذاتها، يمكن أن تقوم وحدها، حتى ولو انعدم الآخرون ~~جميعا، وجود الفرد لا يعتمد على أي وجود آخر، إذن فمن ذا الذي يحق ~~له أن يشرع لهذا الروح الفرد غير نفسه؟ إذا كانت شريعة العقيدة ~~الدينية نفسها - كما رأينا - لا بد أن تنبع من ذات الفرد، وإذا ~~كانت قوانين الطبيعة لا تسري على العناصر العقلية سريانها على ~~العناصر المادية كما قرر «نيوتن» في علمه عن الطبيعة، فما بالك ~~بالقوانين المدنية يضعها فرد مثلك أو أفراد؟ والنتيجة التي تنتج عن ~~هذا كله هي أن القوانين المدنية عرف يتفق عليه الأفراد، ولا يجوز ~~أبدا أن تفرض عليهم من الخارج فرضا بغض النظر عن رضاهم، ~~القانون المدني سنده الوحيد هو قبول العنصر العقلي في الإنسان، ~~ولما كان كل عنصر عقلي فردا مستقلا عن زميله، كانت أغلبية ~~الآراء هنا هي السند الذي يستند إليه القانون المدني، وهكذا يبنى ~~المجتمع بموافقة أعضائه فردا فردا، إذ ليس الفرد الواحد حجة على ~~زميله. # بهذا ننتهي إلى نظرية «جون لوك» في الدولة، وهي النظرية التي ~~بني عليها «إعلان الاستقلال» في الولايات المتحدة بناء مباشرا؛ ~~فإذا كان الإنسان الفرد بحكم طبيعته العقلية - كما رأينا - حرا ~~حرية مطلقة ومستقلا بذاته، فليس هنالك في طبيعة الإنسان ما يبرر ~~قيام الدولة إلا رضا الإنسان نفسه؛ أي إنه ليس جزءا من طبيعته أن ~~يتصل بغيره كما قد ذهب أرسطو وغيره حين زعم أن الإنسان اجتماعي ~~بطبعه لا بمجرد رضاه وموافقته، لا، ليس في طبيعة الإنسان ما ~~يستلزم اجتماعه بغيره سوى العرف، وإذن فليس للدولة سند يؤيد ~~وجودها سوى العرف كذلك، فهكذا اتفق الناس أن تقوم فيهم دولة تصون ~~حقوقهم، ومن هنا تنشأ المقدمتان الرئيسيتان اللتان استند إليهما ~~«إعلان الاستقلال» في الولايات المتحدة، وهما: ولد الناس أحرارا ~~وسواسية، وأساس الحكومة هو موافقة المحكومين على قيامها. # ولد الناس أحرارا وسواسية؛ لأن العنصر العقلي - في مذهب «جون ~~لوك» - يولد صفحة بيضاء، ثم تأتي الخبرات عن طريق الحواس، فتؤثر في ~~تلك الصفحة، وبذلك يبدأ ms013 الاختلاف بين الناس في مدى خبراتهم، لكنهم ~~من حيث الحالة الطبيعية متساوون، فلم يولد واحد منهم وفي عقله ما ~~ليس في عقل الآخر، وما دامت نظرية جاليليو ونيوتن في الطبيعة تجعل ~~الظواهر المحسة غير حقائق الاشياء؛ بحيث يحس الإنسان لونا وطعما ~~ورائحة ... إلخ، مما ليس في الأشياء، إذن فالطبيعة كما تقع في حس ~~الإنسان، إنما تقع على غرار واحد في الناس جميعا على السواء، لا ~~فرق بين الأبله والعبقري في رؤية اللون وشم الرائحة وسماع الصوت ~~وذوق الطعوم، ولد الناس سواسية في طبائعهم الواعية، فكل يدرك ~~ظواهر الأشياء كما يدركها زميله، وكل يخلع هذه الظواهر على ~~الأشياء كما يخلعها زميله، ولئن تفاوت شخص وشخص في القدرة، بحيث ~~ينبغ النابغ ويسقط الأبله، فليس هذا التفاوت في طبيعة العنصر ~~العقلي الروحاني، بل هو في أجزاء البدن المادية كتركيب المخ وما ~~إلى ذلك، وهكذا ينجم عن علم الطبيعة الحديث تصور حديث للإنسان، هو ~~الذي ذهب إليه «لوك»، وأخذه عنه قادة الثورة الأمريكية، وهو هذا: ~~ليختلف الناس ما شاءت لهم حظوظهم في تركيب المخ، وفي الطبقة ~~الاجتماعية، وفي الثراء، وفي درجة التعليم، وفيما شئت من نواحي ~~الحياة، لكن كل إنسان - رغم هذا التفاوت كله - هو ككل إنسان آخر ~~باعتباره إنسانا. # يقول «لوك» في مقاله عن «الحكومة المدنية» إنه ما دام الناس ~~بطبيعتهم سواسية أحرارا مستقلا بعضهم عن بعض، فلا يجوز أن يحرم ~~أحد من حالته الطبيعية ليخضع لقوة سياسية يملكها شخص آخر، وأن يكون ~~هذا الخضوع بغير إرادته، لكن هنا تنشأ المشكلة الكبرى التي ما فتئت ~~قائمة في تحديد العلاقة بين الفرد والدولة، فمهما حدت الدولة من ~~سلطانها فهو سلطان على كل حال، ولا يكون هذا السلطان إلا بتنازل ~~الفرد عن بعض حريته واستقلاله، فلماذا يتنازل الأفراد عن حقوقهم؟ ~~لماذا يتنازل الفرد عن الحقوق التي كان يتمتع بها في حالته ~~الطبيعية مع أنه كان عندئذ سيدا مطلقا على نفسه وعلى ملكه؟ جواب ~~ذلك هو أنه في الحالة الطبيعية كان غير المنتج يسطو - إذا استطاع ms014 ~~- على إنتاج المنتج فيسلبه إياه وقد يفتك به، فأراد الإنسان الحر ~~المستقل أن يتنازل للدولة عن بعض حريته واستقلاله ليحمي شخصه ~~وأملاكه من عبث العابثين. # وإذن فالمبرر الوحيد لوجود الحكومة هو حماية الملكية الفردية، ~~ويدخل الجسد في الملكية؛ لأن المالك الحقيقي هو العنصر العقلي من ~~الإنسان، فقيام الحكومة شر، لكنه أهون شرا من تعرض الجسد وسائر ~~الممتلكات المادية للنهب والتخريب، ليس قيام حكومة في الناس هو ~~الخير الأسمى، وإنما الخير الأسمى هي الحالة الطبيعية التي تخلو من ~~الحكومة إذا خلت كذلك من احتمال اعتداء الأفراد بعضهم على بعض، ~~وعلى ذلك فلا يدخل الإنسان عضوا في المجتمع الخاضع للدولة بسبب ~~كونه اجتماعيا بالطبع والضرورة، بحيث لا يكون له مناص من حياة ~~اجتماعية تمكنه من التعبير عن نفسه تعبيرا سياسيا وخلقيا ~~ودينيا، بل يدخل عضوا باختياره ليصون حقوقه، فإن لم يجد تلك ~~الحقوق مصونة كان له أن يخرج عن الجماعة ويثور عليها، ومن النتائج ~~الخطيرة لهذا الرأي ألا يكون من حق الدولة حرمان الفرد من ملكه ~~إلا بموافقته؛ لأن صيانة الملكية هي - كما قلنا - الغاية الأولى ~~والأخيرة من قيام الدولة. # ذلك هو «جون لوك» الذي اتخذه الأمريكيون في عهد ثورتهم فيلسوفا ~~لهم، بحيث جعلوا مذهبه أساس إعلان استقلالهم، فكيف كان صدى آرائه ~~في قادة الرأي عندئذ؟ سنختار للإجابة عن هذا السؤال رجلين: «تومس ~~جفرسن» و«تومس بين» وهما من أعلام حركة التنوير في الولايات ~~المتحدة عندئذ. ~~(2) «تومس جفرسن» وحقوق الإنسان ~~«لقد عاهدت الله أن أكون إلى آخر الدهر عدوا للطغيان في شتى ~~صوره، الطغيان الذي يستبد بعقل الإنسان.» هكذا قال «جفرسن» عندما ~~تقدم لرئاسة الجمهورية في الولايات المتحدة عام 1800م، فقاومه ~~المحافظون من رجال الدين لتطرفه في الدعوة إلى الحرية، فإذا جاز ~~لنا أن نختار من أقواله قولا يلخص حياته وفكره اخترنا له هذه ~~العبارة شعارا؛ لأن دفاعه عن حرية العقل كان مدار فكره وحياته، ~~وإنما يكون هذا الدفاع في ميادين ثلاثة: السياسة، والدين، ~~والتعليم. ~~(1) # فهو في السياسة يعبر عن روح عصره في ms015 النظر إلى ~~حقوق الإنسان كما يمكن أن يستدل عليها من فلسفة «جون ~~لوك» التي أسلفنا لك شرحها، وهي بدورها فلسفة ناتجة ~~عن علم الطبيعة في ذلك العصر كما يتمثل في «جاليليو» ~~و«نيوتن»، ولسنا بحاجة هنا إلى تكرار ما قلناه عن ~~حقوق الإنسان المستندة إلى فطرته وطبيعته، لا إلى منحة ~~يمنحها إياه ملك أو حاكم، وتلك بعينها هي نظرة «جفرسن» ~~وزملائه الذين قادوا الفكر والسياسة في الشطر الأخير ~~من القرن الثامن عشر، ونكتفي بذكر لمحات يختص بها ~~«جفرسن» وإن تكن في حقيقة أمرها شروحا وتعليقات على ~~النظرية الأساسية. # من ذلك أنه - كسائر أبناء عصره - يجعل للفرد حق ~~الثورة على الحكومة القائمة إذا هي قصرت في تحقيق ~~السعادة التي ينشدها في حياته، والتي من أجلها تعاقد ~~الأفراد على أن يجتمعوا وأن يقيموا على أنفسهم حكومة، ~~لكنه وقف إزاء هذا الحق - حق الثورة - موقفين؛ أحدهما ~~فيه تحفظ واعتدال، والآخر فيه تطرف ومبالغة، أما ~~الموقف الأول فهو موقفه في صياغة «إعلان الاستقلال»، ~~فكأنما أحس بضرورة القصد في القول إذا ما كان الأمر ~~وثيقة مكتوبة، أو إذا ما كان التعبير ليس تعبيرا عن ~~رأيه الشخصي وحده، بل تعبيرا عن الشعب كله؛ لذلك تراه ~~ها هنا لا يبرر الثورة على الحكومة - وإن تكن حقا ~~طبيعيا للناس - إلا إذا أفحشت الحكومة في خطئها ~~وضلالها، وأصرت على أن تمضي عنيدة في هذا الخطأ ~~والضلال، معرضة شعبها إلى فادح الخطر. # أما وهو يعبر عن رأيه الشخصي بعيدا عن الوثائق ~~الرسمية التي يتوخى فيها القصد والاعتدال والتحفظ، ~~فعندئذ يرسل القول في تطرف وحرارة عاطفة، فتراه ~~مثلا يقول: إن الثورة على الحكومة حينا بعد حين، هي ~~العلاج الناجع الذي يضمن أن تظل الحكومة سليمة ~~معافاة، «فاللهم لا تقدر لنا أن نظل عشرين عاما ~~بغير ثورة»؛ لأن «شجرة الحرية لا بد لها من الازدهار ~~حينا بعد حين مرتوية بدماء الشهداء ودماء الطغاة، ~~فالدماء هي المخصب الطبيعي لنمائها». # حق الثورة على الحكومة إن أخطأت هو من الحقوق التي ~~تترتب على النظرية السياسية التي ms016 تجعل الحكومة صنيعة ~~الشعب، وحرية الناس هي من حقوقهم الطبيعية التي هي - ~~كما أوردها «جفرسن» في وثيقة «إعلان الاستقلال» - ~~الحرية والحياة والتماس السعادة، لكن تلك الوثيقة لم ~~تقل إن هذه الثلاثة هي كل الحقوق الطبيعية، بل قالت ~~إنها بعض تلك الحقوق؛ لذلك ترى «جفرسن» يذكر حقوقا ~~أخرى في مواضع متفرقة كحرية الفكر وحرية الدين وحرية ~~الكلام وحرية تبادل الرأي، وحرية الصحافة وحرية ~~التجارة والحرية الشخصية، وهي كلها فروع للحرية بصفة ~~عامة كما وردت في «الإعلان». # وإلى جانب تلك الحقوق الفردية حقوق أخرى اجتماعية ~~ومدنية، كحق الملكية، لكن هذا الضرب من الحقوق مقيد ~~بالحد الذي يمكن الآخرين من التمتع به، ولم يفت ~~«جفرسن» أن يتنبه للجوانب التي تنتفي فيها حقوق ~~الإنسان؛ أي إنه لم يحصر فكره في الحقوق الإيجابية ~~وحدها، من ذلك قوله: ألا حق لأحد أن يعتدي على حقوق ~~سائر الأفراد، ولا حق لأحد أن يكون قاضيا في قضية هو ~~أحد أطرافها، ولا حق لأحد في أن يحتكر لنفسه شيئا ... ~~وهكذا. # ويطبق «جفرسن» نظرية الحقوق الطبيعية على الأجيال ~~تطبيقها على الأفراد سواء بسواء، معارضا بذلك كثيرين ~~من مفكري عصره في أوروبا، نخص بالذكر من هؤلاء «أدمند ~~بيرك» (1729-1797م) فمن رأي هؤلاء أن حياة الأمة تمتد ~~ما امتد الزمن، وبذلك وجب على الأجيال القادمة أن ~~ترتبط بفعل الأجيال السابقة، فيعارض «جفرسن» هذا ~~المبدأ، جاعلا لكل جيل الحق في تغيير ما قررته ~~الأجيال السابقة بأفعالها أو أقوالها؛ لأنه لو أخذنا ~~بمبدأ اشتراك الأجيال السابقة في تقرير حقوق الجيل ~~القائم، ترتب على ذلك أن تكون الأرض ملكا للأموات لا ~~ملكا للأحياء الذين يفلحونها ويعيشون عليها. # الأفراد القائمون الأحياء هم أصحاب الحق في تقرير ~~مصائرهم، وفي اختيار حكومتهم، إن لم يكن كل فرد بذاته، ~~فبالإنابة، وهنا تختلف الديمقراطية الحديثة عن ~~الديمقراطية القديمة - كما كانت عند اليونان مثلا - ~~إذ كان الفرد في الديمقراطية اليونانية يمثل نفسه، ~~وكان ذلك ممكنا حين كانت الدولة مدينة واحدة يمكن ~~لأفرادها الراشدين أن يجتمعوا في صعيد واحد، أما وقد ~~تناءت ms017 أطراف الوطن الواحد في العصور الحديثة، واستحال ~~أن يجتمع الأفراد جميعا، كان التمثيل بإنابة أفراد عن ~~أفراد، وعلى كل حال، فالحكومة تكون على أكمل حالاتها ~~حين تحصر نشاطها في أقل حد ممكن. ~~(2) # أما الحرية الدينية فتنبني - في رأي «جفرسن» - على ~~أن الحرية هي حق طبيعي للإنسان، فكما أنه لا يجوز أن ~~يستبد بها حاكم سياسي، فكذلك لا يجوز أن تنتقص منها ~~هيئة دينية، والذكاء الفطري عند الإنسان - إذا لم ~~تعطله العوامل الخارجية من دولة أو كنيسة - كاف وحده ~~أن يهدي الإنسان في مشكلاته الدينية، دون أن يكون في ~~ذلك بحاجة إلى كنيسة تمسك بزمامه، فحسب الإنسان - ~~في الرأي السياسي وفي العقيدة الدينية على السواء - أن ~~يرضي ضميره، وقد جاهد «جفرسن» وهو حاكم لولايته - ~~ولاية فرجينيا - في سبيل تقرير الحرية الدينية لأفراد ~~ولايته على النحو الذي يراه حقا لكل إنسان؛ لذلك سن ~~قانونا يحقق للناس هذه الحرية التي أرادها لهم في ~~عقائدهم، وكانت عبارة الاستهلال في هذه الوثيقة هي ما ~~يأتي: «لما كنت على يقين من أن الله تعالى قد خلق عقل ~~الإنسان حرا ...» فإذا سلمنا بأن حرية العقل هي جزء من ~~طبيعته كما خلقها الله، امتنع أن يكون لأي إنسان أن ~~يضع ما يقيد الفرد في استخدامه لعقله، فلا الحكومة ولا ~~الكنيسة لها أن تقيم الحواجز أمام الحرية العقلية عند ~~الفرد إلا إذا كانت حرية تفكيره مؤدية إلى إيذاء ~~الآخرين وإلى الحد من حرية التفكير عندهم «غير أني لا ~~أنزل بجاري أذى إذا قلت إن في الكون عشرين إلها، أو ~~قلت أن ليس هنالك إله؛ لأن مثل هذا القول لا يسلبه ~~مالا، ولا يكسر له ساقا.» وإذن فليس من حق الحكومة ~~أو الكنيسة أن ترغم أحدا على عقيدة دينية معينة، أو ~~أن تضطهد إنسانا بسبب عقيدته، بل الأمر على نقيض ذلك، ~~فواجب الحكومة هو أن تهيئ الظروف التي تمكن الناس ~~جميعا من حرية التعبير عن آرائهم الدينية، ومن تأييد ~~تلك الآراء بكل ما يستطيعون من حجة، دون أن تتأثر ~~بذلك ms018 حقوقهم المدنية. ~~(3) # عقل الفرد - إذن - هو مرجعه الوحيد في السياسة وفي ~~الدين، لا سلطان عليه في ذلك من حكومة أو من كنيسة، ~~فإذا قيل إن من الأفراد من ليست لهم هذه القدرة ~~العقلية المؤتمنة على هداية صاحبها طريق الصواب، كان ~~الرد على ذلك هو ضرورة تعليمهم لا التسليم بعجزهم، ومن ~~هنا تنشأ عند «جفرسن» عقيدته في وجوب تعميم التعليم ~~بين الناس؛ لتمكينهم من ممارسة حقوقهم الطبيعية في ~~تقرير مصائرهم بأنفسهم، ومع ذلك فالتاريخ - تاريخ ~~الملوك بصفة خاصة - شاهد على أن خطأ الشعب مهما يكن ~~ناقصا في تعليمه ليس أفدح خطرا من خطأ الحكومات ~~الوزارية والملوك، فليس هناك الأسرة الملكية التي ~~أنجبت أكثر من رجل واحد ذي إدراك سليم في كل عشرين ~~جيلا، والملوك هم على أفضل حالاتهم حين يتركون الأمر ~~في أيدي وزرائهم، لكن من هم هؤلاء الوزراء إن لم ~~يكونوا جماعة أسيء اختيار أفرادها؟ فإذا تدخل الملك ~~في عمل الوزراء كان ذلك ليزيد الأمر سوءا على ~~سوء. # إن «جفرسن» لا يريد بهذا كله أن يدعي بأن الناس ~~متساوون في قدراتهم العقلية؛ إذ لا شك أنهم في ذلك ~~يتفاوتون، لكن علينا أن نهيئ أمام الجميع فرصا ~~متساوية في التعليم، وللنابغ بعد ذلك أن ينبغ، ~~وللمتخلف أن يتخلف، فلكل طفل الحق في فرصة تعادل فرصة ~~زميله، بحيث تنمو مواهبه إلى أقصى حد مستطاع، بغض ~~النظر عن حالته المالية من فقر أو غنى، فلا يجوز أن ~~يكون التعليم حقا للأغنياء وحدهم، وبهذا التعليم ~~العام الذي لا يفرق بين فرد وفرد، سيظهر في كل جيل ~~قادته الجديرون بقيادته، وإذا شئت فقل عن هؤلاء القادة ~~إنها الصفوة، أو هي «الأرستقراطية»، لكنها عندئذ تكون ~~أرستقراطية المواهب، لا أرستقراطية الحسب والمال ~~والجاه، وعلى هذا الأساس أقام أسس التعليم في ولاية ~~فرجينيا - وهي وطنه - حين كان حاكما لها، وأنشأ جامعة ~~فرجينيا. # جهاد في سبيل الحرية العقلية، هذا هو ما عاهد الله - ~~كما قال - على أن ينفق حياته فيه: حرية العقل في ~~الفكر السياسي، وقد عبر عنها في ms019 «إعلان الاستقلال» ~~الذي صاغ عبارته، وحرية العقل في العقيدة الدينية، وقد ~~عبر عنها في القانون الذي وضعه في ذلك لولاية ~~فرجينيا، وحرية العقل في التعليم، وقد عبر عنها في ~~إنشائه لجامعة فرجينيا، ومن هذا كله نعلم لماذا - حين ~~سئل في أخريات سنيه: ماذا يريد أن يكتبوا له على شاهد ~~قبره من بين أعماله الكثيرة التي زخرت بها حياته ~~الحافلة المجاهدة المكافحة؟ قال: اكتبوا ثلاثة أشياء: ~~إعلان الاستقلال، وقانون الحرية الدينية، وجامعة ~~فرجينيا؛ فبالأول يزول استبداد الحكومة، وبالثاني ~~يتحرر العقل من سلطان الكنيسة، وبالثالث تصان ~~الحرية التي يكتسبها الناس في السياسة والدين. ~~(3) «تومس بين» والإيمان بالعقل # إنه لو جاز لنا أن نختار رجلا واحدا من رجال «التنوير» في ~~الولايات المتحدة إبان ثورتها في سبيل استقلالها، نقول عنه إنه ~~اللسان المعبر عن الحركة كلها، على الرغم من كثرة من ناصروها ~~وأشاعوا مبادئها؛ لكان هذا الرجل الواحد هو «تومس بين» لما حباه ~~الله من قدرة أدبية في عرض أفكاره، التي هي في جوهرها أفكار ~~العصر كله في أمريكا وفي أوروبا على السواء، بحيث استطاع بجمال ~~أسلوبه وصفاء عبارته أن يلتمس طريقه إلى قلوب الناس وعقولهم على ~~نطاق أوسع جدا مما كانت تكون عليه الحال لو اقتصرت تلك الأفكار ~~على صياغة فلسفية لا يسهل فهمها وقبولها عند أوساط الناس، فليس ~~فيما قاله «بين» من جديد إلا طريقة العرض. # وتستطيع أن تلخص مبادئ حركة التنوير - في أمريكا وأوروبا - في ~~حيز صغير، فأول ما تشير إليه الكلمة - كلمة «تنوير» - التي تركز ~~طابع الفكر في القرن الثامن عشر، هو إشارتها إلى قدرة العقل على حل ~~مشكلات الطبيعة والإنسان، بحيث لا يعود الناس بحاجة إلى مصادر ~~أخرى غير عقولهم تعينهم على تفهم ما يريدون أن يتفهموه، وكان ~~طبيعيا أن يشتد إيمان الناس إذ ذاك بعقولهم بعد ما شهدوه من ~~غزارة الإنتاج العلمي الذي تراكمت آثاره خلال القرنين السابقين ~~لعصرهم، وهما القرن السادس عشر والسابع عشر، فإن كان العقل قد ~~استطاع أن يكشف في هذه الفترة القصيرة عن هذه ms020 الأسرار الطبيعية ~~كلها، أفلا يستطيع على مر الزمن أن يكشف الغطاء عن سر الحقيقة ~~كلها؟ إنه لا حدود للعقل تلزمه بالوقوف عندها؛ فيكفيه أن يهتدي ~~إلى المبادئ الأولية، وله بعد ذلك أن يستخدم المنهج الرياضي في ~~استنباط ما لا نهاية له، ولا حصر من النتائج التي تترتب على تلك ~~المبادئ. فإن استغنى الإنسان بعقله عن كل معونة تأتيه مما وراء ~~الطبيعة، إذن فليتحول باهتمامه كله من السماء إلى الأرض، حيث ~~يعيش الإنسان، فسعادة الإنسان هي وحدها الهدف الذي يجدر بنا أن ~~نستهدفه، ونعيم الآخرة هو النعيم الذي نهيئ أسبابه للأجيال ~~المقبلة، والنجاة المنشودة ليست هي النجاة من خطيئة آدم، بل هي ~~النجاة بالإنسان مما هو فيه من جهل واستعباد. # اهتم «تومس بين» بالعلم الطبيعي ونتائجه - نظرا وتطبيقا - ولما ~~كان من أهم النتائج التي تترتب على طبيعة نيوتن الاعتقاد في اطراد ~~ظواهر الطبيعة اطرادا يمكننا من الكشف عن قوانينها؛ وبالتالي ~~إمكان التنبؤ بما سيحدث قبل حدوثه؛ فقد رأى «بين» أن الاحتكام إلى ~~الطبيعة هو خير معين لنا على فهم عالمنا الذي نعيش فيه، وما ~~الطبيعة إلا قوانينها التي فرضها الله على المادة لتسير بمقتضاها، ~~وإن شئت فقل هي القوانين التي يحكم الله بها ملكوته، فليس الاطراد ~~في حدوث الحوادث - الذي هو القوانين الطبيعية - من خلق العلم ~~واختراعه، فالعلم لم يصنع شيئا ولم يضف شيئا؛ إذ الطبيعة ~~بنظامها واتساقها واطرادها هناك، ومهمة العقل أن يعلن عنها، ~~وهل خلق نيوتن قانون الجاذبية من عدم؟ أم هو طريقة الله في تسيير ~~أجزاء الكون، كانت قائمة ثم انكشف عنها الغطاء؟ # ونخطو بعد ذلك خطوة، فنقول: إن اطراد القوانين الطبيعية ليس هو ~~طريقة الله في تسييره لأجزاء الكون فحسب، بل إن ما لا يدل على ~~مثل هذا الاطراد والنظام والاتساق لا يكون من صنع الله؛ ومن ثم ~~لا يجوز لنا قبول ما يسمونه بالمعجزات، فماذا تكون «المعجزة» إذا ~~لم تكن هي الحادثة التي تحدث على غير ما تستوجبه قوانين الطبيعة؟ ~~وإنه لمما يلفت النظر أننا دائما ms021 حين نقبل معجزة على أنها وقعت، ~~لا نعتمد في هذا القبول على مشاهداتنا الخاصة، بل ننقل عما شهد به ~~سوانا وليس معنى ذلك إلا أننا - إذا نحن آمنا بوقوع المعجزة - قد ~~انتقلنا بالإيمان من إيمان بالله إلى إيمان بهذا الشاهد الذي نقلنا ~~عنه نبأ المعجزة التي قيل إنها وقعت، الإيمان بالله هو إيمان ~~بنظامه في كونه، والإيمان بالمعجزة هو إيمان بأن ذلك النظام قد ~~اختل اطراده وأصابته فوضى، وإذا قرأنا عن معجزة فعلينا أن نسأل ~~أنفسنا: أيهما أرجح، أن تكون الطبيعة قد ضلت سبيلها المعتاد، أم أن ~~يكون الإنسان (الذي شاهد) قد ضل طريق الصواب؟ إن أحدا منا لم يشهد ~~قط في غضون حياته خروج الطبيعة عن مجراها، لكننا في الوقت نفسه ~~نسمح بأكاذيب كثيرة في هذا الصدد، فاحتمال أن يكون الشاهد قد أخطأ ~~الشهادة أرجح جدا من احتمال أن تكون المعجزة المزعومة قد وقعت. # 7 # ومن الإيمان باطراد النظام في الطبيعة يستنتج قانون الأخلاق، فلو ~~كانت الطبيعة مسيرة وفق طائفة من القوانين استنها لها الله الذي ~~يريد بخلقه خيرا، ثم لما كان الإنسان جزءا من الخلق من جهة، ~~وشبيها بالخالق من جهة أخرى، لزم أن يكون الإنسان في حالة كماله ~~مسيرا بقوانين أخلاقية تسير به نحو خيره، فكما أن للطبيعة ~~قوانينها، فكذلك للإنسان قانونه، وقانونه هو قانون الأخلاق، والعقل ~~في كلتا الحالتين هو كاشف الغطاء عن تلك القوانين التي ليست من ~~خلقه، وإن تكن من كشفه، فإذا أردت أن تعرف كيف ينبغي للإنسان أن ~~يسلك وأن يفكر في السياسة وفي الاقتصاد وفي العبادات، وفي كل جانب ~~من جوانب الحياة، فعليك بالعقل يكشف لك عما يحقق الاطراد والاتساق ~~والنظام، ولا تركن في ذلك إلى حكم تحكم به الحكومة، أو فتوى يفتي ~~بها رجال الدين. # وإذا عبرنا عن هذا المعنى نفسه بعبارة أخرى، قلنا إن العلم ~~بالإنسان وحقيقته يقتضي دراسته وهو على طبيعته قبل أن تفسده أنظمة ~~الحكومة ومؤسسات اللاهوت، إن بعض المؤرخين - مثل «إدمند بيرك» الذي ~~كان «بين» يعنيه في ms022 هذا السياق - حين أرادوا الدفاع عن حقوق ~~الإنسان، التمسوا أسانيدهم من التاريخ القديم، لكن البدء بأي فترة ~~من فترات التاريخ القديم هو اختيار جزاف، فلماذا لا تتعقب ~~الإنسان إلى أصوله الأولى، إلى حالته الطبيعية قبل أن ينشأ له ~~مجتمع، وقبل أن يتكون له تاريخ؟ لماذا لا ندفع نقطة الابتداء إلى ~~حيث كان الإنسان لا يتميز إلا بقلب واحد، هو أنه «إنسان» فلا حاكم ~~ولا محكوم، ولا أباطرة ولا ملوك، ولا سادة ومسودين؟ # 8 # فإذا وصلنا إلى الحالة الطبيعية ألفينا الإنسان وحقوقه قد خلقا ~~معا، ها هنا نصل إلى الأصل الإلهي لحقوق الإنسان ساعة خلقه، ساعة ~~أن خرج من يدي خالقه ذا حقوق متساوية ليس لفرد امتياز على فرد ~~آخر، إن الحقوق الطبيعية للطفل يوم ولادته هي نفسها الحقوق التي ~~كانت لأول إنسان شهد الوجود، الناس كما خلقهم الله لا يتميز بعضهم ~~من بعض إلا بأن منهم الذكور ومنهم الإناث، فالمساواة بين الأفراد ~~هي أقدم رأي سياسي وليست هي بالرأي الحديث، إذن فمثل هذه الحقوق ~~الطبيعية الأولية هي لكل إنسان لمجرد كونه إنسانا ذا وجود على وجه ~~الأرض، ومن الحقوق الطبيعية ما يستطيع الإنسان أن يحافظ عليه بنفسه ~~كحقه في حرية الفكر مثلا، لكن منها كذلك ما لا يستطيع وهو منفرد ~~أن يحافظ عليه، كالأمن وصيانة الأملاك، ومن أجل هذه تعاقد بإرادته ~~راضيا أن يكون عضوا في مجتمع، ورضي أن يستبدل حقا بحق، فبدل ~~الحق الطبيعي الذي تنازل عنه اكتسب حقا مدنيا يقوم مقامه، ~~وهكذا تكون الحقوق المدنية حقوقا طبيعية تم استبدالها، وما السلطة ~~المدنية إلا مجموعة الحقوق التي تنازلت عنها مجموعة الأفراد الذين ~~هم أعضاء مجتمع واحد. # 9 # وذهب «بين» إلى ما ذهب إليه «جفرسن» بأن الجيل الحاضر لا يرتبط ~~بسابق الأجيال، بل هو حر في ما يختاره لنفسه، نعم إن القوانين ~~التي يشرعها أحد الأجيال قد يجوز للأجيال التالية أن تستبقيها، ~~على ألا يكون معنى ذلك استحالة تغييرها، وغاية ما في الأمر أنها ~~تستبقيها؛ لأنها لا تريد أن تشرع ms023 قوانين أخرى تحل محلها، وعندئذ ~~تكون بمثابة القوانين التي تستنها لنفسها، فإذا قلنا عن قانون باق ~~لدينا من جيل سابق أنه لا يزال نافذ المفعول، كان معنى ذلك أن ~~هنالك موافقة ضمنية من الجيل القائم على بقائه، فكما أن لكل طفل ~~يولد نفس الحقوق التي كانت لأول طفل شهد الوجود، فكذلك لكل جيل ~~يأتي نفس الحقوق التي كانت لأي جيل مضى، غير أن عدم ارتباطنا ~~بقوانين أسلافنا لا ينفي أن يكون علينا واجب نحو من سيأتي بعدنا، ~~فتقرير حق يتضمن في الوقت نفسه فرض واجب يقابله؛ لأن كل حق لي ~~باعتباري إنسانا هو كذلك حق لسواي، وبذلك يصبح واجبا علي أن ~~أصونه لغير صيانته لنفسي، فهذا الواجب هو إلزام ملزم للناس على ~~تعاقب العصور. # وكذلك يأخذ «بين» بما أخذ به «جفرسن» من أن مساواة الناس في ~~حقوقهم لا تعني أنهم متساوون في مواهبهم، بل إن هذه المواهب ~~لتتفاوت، ويتبع التفاوت توزيع بين أفراد المجتمع، بمعنى أن تجد في ~~كل مجتمع ما يلزمه من مواهب متفرقة بين أفراده، لكنها تغير من ~~مواضعها بحيث تظهر في هذه الأسرة مرة، وفي تلك الأسرة مرة؛ إذ ~~المواهب لا تورث؛ وبالتالي لا تستقر في أسرة واحدة على مدى ~~الزمن، ومن يزعم التوارث للمواهب الفطرية فإنما يضعف الأساس ~~الإنساني الذي تقوم عليه الديمقراطية؛ لأنه بذلك يلتمس مبررا يبرر ~~الأرستقراطية، والتاريخ شاهد على أن القدرة العقلية لا ضابط لمكان ~~ظهورها، حتى ليرجح أن يكون النبوغ العقلي قد طاف بكل أسرة على ظهر ~~الأرض، وعلى هذا النظام الطبيعي في دوران الموهبة على مختلف الناس، ~~ينبغي أن يدور الحكم إلى حيث تظهر الموهبة بغض النظر عن أي عامل ~~آخر، وهذا كاف وحده برهانا على ألا يتوارث الحكم أسرة واحدة. # 10 # ومن تطبيقات «تومس بين» العجيبة لمبدأ المساواة في الحقوق ~~الطبيعية ما سماه بمبدأ العدالة الزراعية، ومؤداه أن مالك ~~الأرض لا حق له في توريث أرضه لأبنائه من بعده؛ لأن الله قد خلق ~~الأرض للناس جميعا يتوارثونها جيلا عن جيل، ms024 ففي الحالة الطبيعية ~~لم يكن يملك الأرض مالك فرد، بل هي ملك للجماعة كلها، وفي مثل هذه ~~الحالة لا يكون فقر مدقع لأي إنسان، لكنها كذلك لا تعين على إنتاج ~~من علم أو فن، # 11 # والمبدأ عند «بين» هو ألا يتدهور الإنسان عما كان ~~عليه في الحالة الطبيعية، وإذن فيجب أن تظل الأرض ملكا للجميع كما ~~كانت، وإلا لحدث لبعض الأفراد أن يكونوا من غير المالكين بعد أن ~~كانوا مالكين، نعم إننا لا نريد أن ننتزع الأرض من زارعيها، لكن ~~على هؤلاء أن يدفعوا إيجارا سنويا عن أرضهم للمجتمع، لأنهم ~~بمثابة من احتجز شيئا كان ملكا للجميع، فجعله ملكه الخاص، وإذن ~~فلا بد من تعويض أولئك الذين لا يملكون أرضا؛ لأنهم في حكم من ~~أجروا أرضهم التي كانوا يملكونها على المشاع في الحالة الطبيعية، ~~واقترح «بين» أن يأخذ كل من يبلغ الحادية والعشرين من عمره - ~~غنيا كان أو فقيرا - خمسة عشر جنيها تعويضا له عن أرضه ~~المفقودة، وعند سن الخمسين يتقاضى كل فرد عشرة جنيهات كل عام، ~~والذي يدفع هذه التعويضات هم مالكو الأرض الحاليين من الإيجارات ~~التي يدفعونها كل عام. # 12 # وقد كان «بين» - كما كان رجال التنوير جميعا - من أنصار الحرية ~~الفكرية والحرية الدينية، حتى ليغيظه أن يستعمل الناس كلمة ~~«التسامح» في هذا الصدد؛ لأنها كلمة تتضمن أن المتسامح صاحب فضل في ~~منح الحرية لمن يتسامح معه، وعنده أن «التسامح» هو كالتعصب سواء ~~بسواء من حيث إن كليهما ينطوي على طغيان، فالحرية في الرأي وفي ~~العقيدة الدينية حق طبيعي لا يجوز أن يكون موهوبا «بتسامح» ~~الواهب، وقد نشر «تومس بين» كتابه «عصر العقل» ليفرق فيه بين ~~اللاهوت الصحيح واللاهوت الزائف، أما الصحيح فهو المعتمد على العقل ~~وحده، وأما الزائف فهو الذي يلجأ إلى الخرافة، فأثار عليه رجال ~~الدين ورموه بالإلحاد، مع أنه في الحق لم يكن مناهضا للدين في ~~ذاته، وإن يكن مناهضا للمسيحية كما تصورها رجال الكنيسة عندئذ، ~~والفرق بينه وبين رجال الثورة الفرنسية عندئذ في هذا ms025 الصدد، هو أن ~~هؤلاء تنكروا للدين جملة واحدة، وأما هو فقد أبقى عليه على شرط أن ~~يترك أمره للعقل، يقول في ذلك: «إن عقلي هو كنيستي.» # 13 # فللناس أن يعتقدوا فيما يهتدون إليه من أمر دينهم ~~بعقولهم، لا أن يقسروا على الإيمان قسرا. # الفصل الثاني # | دستور الفكر بعد دستور السياسة # (1) «رالف والدو إمرسن» واستقلال الفكر # أعلنت الولايات المتحدة وثيقة استقلالها عام 1776م، فضمنت «إعلان ~~الاستقلال» مبادئها التي قررت بها حقوق الإنسان الطبيعية التي لا ~~فضل فيها لأحد على أحد، لكنها إذ وضعت - في تلك الوثيقة - للسياسة ~~دستورها، اعتمدت في مصادرها على الفكر الأوروبي بصفة عامة، وعلى ~~الفيلسوف الإنجليزي «جون لوك» بصفة خاصة، فكانت في ذلك بمثابة من ~~استقل بجسده ولم يستقل بروحه، وأين يكون استقلال الروح إذا كانت ~~أوروبا لا تزال تضع لها المبادئ وتخطط لها مناهج التفكير؟ # ولبث الأمر كذلك حتى جاء «رالف والدو إمرسن» # 1 # 1803-1882م. فكان - كما يصفه «بروكس أتكنسن» # 2 ~~- «أول فيلسوف أمريكي الروح.» ألقى خطابا عام 1837م ~~أمام الشباب المتخرج في جامعة هارفارد، بعنوان «العالم الأمريكي»، # 3 # فعد هذا الخطاب فيما بعد «إعلانا للاستقلال العقلي» ~~في الولايات المتحدة، جاء مكملا «لإعلان الاستقلال» السياسي الذي ~~سبقه بستين عاما، في هذا الخطاب التاريخي الخالد في تاريخ الثقافة ~~الأمريكية، يقول «إمرسن»: «إن يوم اعتمادنا على غيرنا، وتتلمذنا ~~الطويل على علم بلاد أخرى، يقترب من نهايته، إن الملايين من حولنا، ~~التي تندفع نحو الحياة، لا تستطيع أن تعيش دائما على البقايا ~~الذابلة من المحصول الأجنبي.» # 4 ~~«إنه لا بد لكل عصر أن يكتب كتبه» # 5 ~~«ينشأ الشباب الذليل في المكتبات، وهم يعتقدون أن من ~~واجبهم أن يقبلوا الآراء التي أدلى بها «شيشرون» و«لوك» و«بيكن»، ~~ناسين أن «شيشرون» و«لوك» و«بيكن» كانوا شبابا في المكتبات ~~(مثلهم) عندما ألفوا هذه الكتب؛ ومن ثم فبدلا من «الإنسان المفكر» ~~يكون لدينا قراء الكتب، فتنشأ طبقة المتعلمين من الكتب، الذين ~~يقيمون للكتب وزنا لأنها كتب، لا لأنها ترتبط بالطبيعة وتكوين ~~الإنسان ... ومن ثم يظهر أولئك ms026 الذين يردون كل مقروء إلى أصله، ~~ومصححو الكتب، والمولعون باقتنائها على اختلاف درجاتهم، الكتب خير ~~الأشياء إذا أحسن استعمالها، أما إذا أسيء فهي من شر الأمور، ~~فما هو الاستعمال الصحيح لها؟ ما هو الغرض الوحيد الذي تهدف إليه ~~كل الوسائل؟ ليس للكتب غرض سوى الإيحاء، وإنه لخير لي ألا أرى ~~كتابا من أن يضللني الكتاب بجاذبيته عن مجالي ضلالا مبينا، ~~أو أن أصبح تابعا بدلا من أن أكون صاحب رأي مستقل ... إنهم ~~يتطلعون إلى الوراء لا إلى الأمام، ولكن العبقرية تنظر إلى الأمام، ~~فالإنسان عيناه في مقدمة رأسه لا في مؤخرته.» # 6 ~~«إن أكبر فضل نعزوه إلى «موسى» و«أفلاطون» و«ملتن» هو ~~أنهم أهملوا الكتب والتقاليد كل الإهمال، ونطقوا بما دار في ~~خلدهم لا بما دار في خلد الناس، كل وفق ما أملاه عليه عقله.» # 7 ~~«لكننا اليوم رعاع، لا يقيم الإنسان لإنسانيته وزنا، ~~ولم يتعلم أن يلزم داره ليتصل بمحيطه الداخل، بل يرحل إلى الخارج، ~~يطلب كأسا من الماء من أوعية الآخرين، يجب أن نسير - في الفكر - وحدنا.» # 8 ~~«إننا نقلد ... نبني بيوتنا بذوق أجنبي، ونزين رفوفنا ~~بأدوات الزينة الغريبة عنا، وآراؤنا وأذواقنا وكفاياتنا تخضع وتتبع ~~الماضي والبعيد ... وما حاجتنا إلى تقليد النماذج الدورية والقوطية؟ ~~إن الجمال وراحة الفكر وعظمته وغرابة التعبير قريبة منها قربها من ~~أي إنسان آخر.» # 9 # هكذا طفق «إمرسن» يدعو إلى استقلال الفكر في قومه، لا، بل هكذا ~~طفق يدعو كل إنسان فرد إلى الاستقلال بفكره والاعتماد على نفسه، ~~والمرء إذا ما أنصت إلى صوت ضميره وأحسن الإنصات، جاءت فكرته - على ~~أصالتها - معبرة عن حق يمكن لأي فرد آخر أن يدركه، ذلك لأن ~~الفرد الواحد من الناس ليس في حقيقة أمره فردا مستقلا قائما ~~بذاته، بل هو ممثل للإنسانية كلها، إذ الإنسانية كلها حقيقة واحدة ~~متصلة شاملة، وإن تشعبت في رؤية العين أفرادا كأصابع اليد ~~الواحدة تشعبت، لكنها مع ذلك أصابع يد واحدة، فسعادة الإنسان في ~~فكره وفي عمله مرهونة بإدراكه لهذه الحقيقة العليا، وهي أنه ms027 حين ~~يفكر وحين يعمل، إنما يفكر ويعمل لا بالأصالة عن نفسه فقط، بل ~~بالنيابة عن الإنسانية كلها أيضا، إن هنالك «إنسانا واحدا» ~~يتمثل في كل فرد من أفراد الناس، فإذا عمل الفرد عملا، ~~«فالإنسان» الواحد العام هو الذي يعمل متخذا من ذلك الفرد المعين ~~وسيلة للأداء، وإذا نبغ فرد في علم أو في فن، فكذلك هو «الإنسان» ~~الواحد العام الذي نبغ، وإن يكن ذلك النبوغ قد ظهر في عالم الواقع ~~عن طريق ذلك الفرد المعين، «ولا بد لك أن تأخذ الجماعة كلها لكي ~~تجد هذا الإنسان كاملا، ليس الإنسان - الكلي العام - مزارعا فقط، ~~أو عالما فقط، أو مهندسا فقط، إنما هو كل ذلك.» # 10 # فإذا رأيت أفراد المجتمع الواحد قد تخصص كل منهم في ~~عمل بذاته، فهذا قسيس، وهذا عالم، وهذا سياسي، وذلك مزارع أو جندي ~~محارب، فاعلم أن ذلك المجتمع المجزأ الأفراد إن هو في حقيقته إلا ~~«إنسان» واحد، ذو عقل واحد، تفرع في هؤلاء الأفراد؛ ليعمل ما ~~يريد أن يعمله عن طريق أعضائه، وإذن فالمهمة واحدة، والهدف واحد، ~~والحياة واحدة، وإن يكن كل فرد قد أخذ منها بنصيب، لا ليكون ذلك ~~النصيب خاصا به مقصورا عليه، بل ليكون هو النصيب الذي يؤديه ~~بالنيابة عن بقية الأفراد، ولو نظر كل منا إلى نفسه على أنه وحدة ~~مستقلة لكان ذلك شبيها ببتر الفرع عن جذعه، أو شبيها بتقطيع ~~أوصال الجسم الواحد، بحيث يصبح كل عضو مبتور جزءا شائها في ذاته ~~مهما بلغ في عمله أو فكره من كمال، فكأنما الناس في هذه الحالة ~~يمشون على الأرض إصبعا وحدها، أو رقبة، أو معدة، أو ما شئت من ~~أجزاء البدن، فمهما يبلغ كل جزء في أداء عمله من الجودة والإتقان ~~فليس هو بالإنسان. # 11 # على هذا الأساس - لا على أساس الأنانية وحب الذات - يدعو «إمرسن» ~~قومه، بل يدعو كل فرد من الناس، أن يستقل بفكره وأن يعتمد على ~~نفسه، مستوحيا عقله، منصتا إلى صوت ضميره، لا يقلد ولا يتبع، ~~«فالعبقرية هي أن ms028 تعتقد في رأيك، وأن تعتقد أن ما هو صادق في قلبك ~~الخاص إنما هو صادق للناس جميعا، فانطق بعقيدتك الباطنية تكن هذه ~~العقيدة قولا معقولا للعالم أجمعين.» # 12 # وكم يحدث لكل منا أن يدرك الفكرة المعينة في عقله، ~~لكنه يمسك عن النطق بها استهانة بشأن نفسه، وإذا بهذه الفكرة ~~عينها تجيء إليه في أقوال النوابغ العظماء، وعندئذ يتقبل رأيه ~~الخاص صادرا إليه من غيره، فيأخذه شعور الخجل والصغار، بعد أن ~~كان من حقه الفخار والاعتداد بالنفس لو أنه عبر عما كانت نفسه ~~قد جاشت به في حينه. # انطق بما توحي إليك به نفسك الآن، فما دمت صادق التعبير عن ذلك ~~الوحي، أمينا في نقله وتصويره؛ فقد أحسنت تمثيل العقل الأكبر الذي ~~أنت جزء منه، قل ما يدور في عقلك الآن، ولا تخش أن يناقض قولا ~~قلته أنت بالأمس، فالفزع من وقوعنا في التناقض كثيرا ما يفقدنا ~~الثقة في أنفسنا، «هب أنك قد ناقضت نفسك، فماذا وراء ذلك؟ ... إن ~~الثبات السخيف على رأي واحد هو فزع العقول الصغيرة هو الفزع الذي ~~يخشاه صغار الساسة والفلاسفة ورجال الدين، أما الروح العظيم فلا ~~شأن له بمثل هذا الثبات، وإلا فكأنه يأبه لظله فوق الحائط، انطق ~~بما تفكر فيه الآن في ألفاظ قوية، وانطق غدا بما تفكر فيه غدا ~~في ألفاظ قوية كذلك، حتى إن ناقض كل ما قلته اليوم.» # 13 # لماذا ينقل الأمريكي فكر زميله في أوروبا أو في أي جزء آخر من ~~أجزاء العالم؟ بل لماذا يقلد أي فرد أي فرد آخر، وكل فرد ~~يمثل الحقيقة العليا التي يمثلها زميله سواء بسواء، وإن اختلف ~~الجانب الذي يمثلها فيه؟ «اعتمد على نفسك، ولا تقلد أبدا، لك في ~~هذه اللحظة رسالة جريئة عظيمة كرسالة إزميل «فدياس» الضخم، أو ~~مسطار المصريين، أو قلم «موسى» أو «دانتي»، ولكنها تختلف عن كل ~~هؤلاء، إن الروح الفنية الفصيحة ذات اللسان الذي له ألف شق، لا ~~يمكن أن ترضى بتكرار نفسها، لكنك لو استطعت أن تصغي إلى ما يقوله ms029 ~~هؤلاء الشيوخ أمكنك يقينا أن تجيبهم بصوت مرتفع كصوتهم؛ لأن ~~الأذن واللسان عضوان من طبيعة واحدة، فالزم دائرة حياتك الساذجة ~~النبيلة، وأطع قلبك، تستعد الدنيا القديمة مرة أخرى.» # 14 # ليس بين الأفراد من التفاوت بالقدر الذي يتوهمون ، «فالفروق بين ~~الناس في مواهبهم الطبيعية تافهة إذا قيست إلى ثروتهم المشتركة.» # 15 # كيف لا، ولكل عقل طريقته في التعبير عما يدور فيه ~~من حقائق نفسه، وكل عقل إنما يكشف عن سر نفسه، ولا يستطيع أن يكشف ~~عن سر عقل سواه «وهل تحسب أن حارس الباب أو الطاهي ليست له قصص أو ~~تجارب أو عجائب؟ كل فرد يعرف بقدر ما يعرف العالم، فجدران العقول ~~الساذجة مخططة كلها بالحقائق والأفكار، ولسوف تظفر ذات يوم بمصباح ~~وتقرأ المخطوط.» # 16 ~~«أنعم النظر فيما يستهويك في «فلوطارخس» و«شكسبير» ~~و«سرفانتيز»، تجد أن كل حقيقة يحصل عليها كاتب هي مصباح يسلط كل ~~ضوئه على الوقائع والأفكار التي كانت من قبل في عقله، ثم انظر إلى ~~ما يحدث بعد ذلك، ترى الحصير والمهملات التي كانت منتثرة في برجه ~~قد أصبحت أشياء ثمينة، فكل واقعة تافهة في تاريخ حياته الخاصة تمسي ~~وسيلة لإيضاح هذا المبدأ الجديد، وتعود إلى وضح النهار، وتستهوي ~~الناس جميعا بقوتها وسحرها الجديد، ويتساءل الناس: أنى له هذا؟ ~~ويظنون أن في حياته شيئا مقدسا، كلا، إن لديهم ألوف الوقائع التي ~~لا تقل عن ذلك قيمة، وما عليهم إلا أن يحصلوا على مصباح ينبشون في ~~ضوئه - هم كذلك - الطبقات العليا من ديارهم.» # 17 ~~«ليس «بيكن» أو «سبينوزا» أو «هيوم» أو «شلنج» أو ~~«كانت» أو غيرهم، ممن يعرضون عليك فلسفة عقلية، إلا مترجما ~~للأشياء التي في وعيك، والتي لك أنت كذلك سبيلك إلى رؤيتها، وربما ~~إلى التعبير عنها أيضا وترجمته محرفة قليلا أو كثيرا، فقل إذن ~~إنه لم ينجح في أن يرد إليك وعيك، بدلا من أن تنكب متخاذلا على ~~معانيه الغامضة، إنه لم ينجح، فدع الآن غيره يحاول، وإذا كان ~~أفلاطون لا يستطيع، فربما استطاع «سبينوزا»، وإذا لم يستطع ms030 ~~«سبينوزا» فربما استطاع «كانت»، وعلى أية حال فلسوف تجد بعد هذا ~~كله أن ما يرده إليك الكاتب ليس أمرا عويصا، ولكنه بسيط طبيعي مألوف.» # 18 # لما انطلق «إمرسن» يملأ مسامع قومه بهذه الدعوة إلى أن يستقل ~~الإنسان بفكره؛ وبالتالي إلى أن يستقل الأمريكيون بتفكيرهم، كان في ~~الحقيقة صادرا في دعوته تلك عن ثورة عميقة على رجال «التنوير» ~~والثورة، يقتلع الفلسفة التي بنوا عليها نظريتهم السياسية من ~~جذورها ويهدمها من أساسها، ألم يكن مصدر هؤلاء الساسة علم «نيوتن» ~~وفلسفة «لوك»؟ ثم أليس ذلك العلم وهذه الفلسفة قائمين على ~~المشاهدات الحسية والتجارب، فعلم الطبيعة يبنى على شهادة الحواس، ~~وفلسفة «لوك» تدور حول خبرة الحواس تحللها وتصنفها؟ ولكن ما ~~بالحواس يدرك الإنسان حقائق الأشياء، وإن أدرك بها ظواهرها، ~~وإنما يكون العلم بحقيقة الكون بوسيلة أخرى غير الحس، هي وسيلة ~~الحدس، أو العيان العقلي المباشر، وهل يدرك الإنسان ذاته بالبصر أو ~~بالسمع؟ كلا، إن الإنسان ليدرك ذاته وفحواها بالنظر الداخلي إلى ~~نفسه فيراها رؤية مباشرة، وهكذا يكون إدراك الحق كيفما كان. # هي نزعة مثالية سادت بعد الموجة التجريبية التي اشتملت التفكير ~~في النصف الثاني من القرن الثامن عشر؛ نزعة مثالية لم يقتصر أمرها ~~على أمريكا، بل فاضت من ينبوع المثالية الألمانية كما تدفق في ~~فلسفة «كانت» و«شلنج» و«هيجل»، وكان مجرى الفيض ذا شعبتين: فشعبة ~~منهما اندفقت في إنجلترا على يدي شاعرها «كولردج» (1772-1834م)، ~~واندفقت الأخرى في الولايات المتحدة الأمريكية على لسان شاعرها ~~«إمرسن»، وقد يكون أقرب إلى الصواب أن نقول: إن المثالية الألمانية ~~وجدت في الشاعر الإنجليزي «كولردج» مؤيدا ونصيرا، فقرأ ~~الأمريكيون ما كتبه «كولردج» وتأثروا به؛ ومن ثم أخذ تيار الفكر ~~بينهم ينحرف من تجريبية «لوك» التي سادت عصر التنوير والثورة إلى ~~مثالية الألمان بصفة عامة ومثالية «هيجل» بصفة خاصة. # ولم يكن هذا الاتجاه المثالي في فلسفة النصف الأول من القرن ~~التاسع عشر - في أوروبا وفي أمريكا على السواء - إلا جانبا من ~~النزعة الرومانتيكية التي اصطبغ بها الأدب والفكر بصفة عامة إبان ~~تلك ms031 الفترة، فلئن كان القرن الثامن عشر عصرا ساده تغليب العقل ~~ومنطقه في العلم وفي الفلسفة وفي الأدب جميعا، حتى لقد أطلقوا ~~عليه بحق اسم عصر «التنوير» وهم يقصدون بالكلمة اعتماد الإنسان على ~~عقله يعلل به كل ما أشكل عليه من جوانب الحياة والطبيعة؛ فقد ~~جاء القرن التاسع عشر في نصفه الأول ردا لفعل حركة التنوير، ~~فكانت الرومانتيكية في الأدب، وكانت المثالية في الفلسفة، وكانت ~~العودة إلى الإيمان في الدين، بل امتزجت هذه الاتجاهات كلها بعضها ~~ببعض، وأصبح مزيجها طابع ذلك العصر. # فالمثالية في الفلسفة إذا نظرت إليها من زاوية الدين، وجدتها ~~سخطا على النتائج التي ترتبت على المبادئ العقلية خلال حركة ~~«التنوير» مما يمس العقائد الدينية، إذ انتهت تلك الحركة إما إلى ~~إنكار صريح لتلك العقائد، كما حدث في فرنسا مثلا، وإما إلى ~~تنكر للعقائد التي تبنى على الخرافة والتصديق، ومحاولة إقامة ~~مجموعة أخرى من العقائد محلها تتفق مع المنطق العقلي، ومع العلم ~~ومع شهادة الحواس، فأراد المثاليون أن يركنوا إلى وسيلة أخرى ~~لإدراك الله والإيمان بوجوده غير وسيلة العقل والحس، فجعلوا الحدس ~~- أي العيان العقلي المباشر - وسيلة الاتصال بين الإنسان وربه، ~~فبهذا الإدراك الحدسي المباشر يجاوز الإنسان حدود الطبيعة المحسوسة ~~وحدود العقل وشروطه، بل يجاوز النصوص التقليدية والكنائس ونظامها، ~~يجاوز كل ذلك إلى الحق الكائن وراءها، أو إن شئت فقل إنه حق كائن ~~فوقها جميعا، فيستطيع الاتصال بالله صلة مباشرة، فيعرفه معرفة ~~اليقين، وبهذا تكون الطبيعة ونظامها من شأن العلم وأداته التي هي ~~العقل والحواس، وأما ما فوق الطبيعة، وهو الحق المطلق من قيود ~~الزمان والمكان، فيكون من شأن الدين، وأداته في الإدراك هي الحدس، ~~وإذا نظرت إلى المثالية في الفلسفة من زاوية السياسة وجدتها كذلك ~~تخدم الديمقراطية في أغراضها، ألم يؤسس قادة الثورة السياسية ~~مذهبهم في حقوق الإنسان على أن هذه الحقوق جزء من طبيعة الإنسان ~~يولد بها ولا يمنحها أحد لأحد؟ ثم ألم يبنوا طبيعية الحقوق ~~الإنسانية على أساس من فلسفة «لوك» في تحليل العقل الإنساني وطريقة ms032 ~~إدراكه للأشياء الخارجية كما فصلنا ذلك في الفصل الأول؟ فهكذا يفعل ~~أنصار الفلسفة المثالية أيضا؛ إذ يقولون إن إدراك الله بالحدس ~~المباشر جزء لا يتجزأ من طبيعة الإنسان، لا فضل فيه لأحد على ~~أحد، والناس جميعا في هذه القدرة سواء، فيكفي أن يكون الإنسان ~~إنسانا لتكون له القدرة على استخدام حدسه في الإدراك، وإذن فللناس ~~جميعا قيمة إدراكية واحدة متساوية، فهم من الوجهة الروحانية سواء؛ ~~وبالتالي فهم من الوجهة السياسية سواء كذلك. # كذلك إذا نظرت إلى المثالية الفلسفية من وجهة نظر الإصلاح ~~الديني، ألفيتها أداة نافعة، فالمثاليون - كالتجريبيين من قبلهم - ~~متفقون على أن الكنيسة لا بد أن تحطم قيودها الجامدة، أو يحطموا هم ~~قيودها المفروضة عليهم، فيحرروا أنفسهم من الاعتقادية الساذجة؛ ~~لأنه إذا كان الإدراك الحدسي هو مدار المثالية، أي إنه إذا كان في ~~مستطاع الإنسان بحكم طبيعته أن يحدس الله حدوسا مباشرا، فما ~~ضرورة الكنيسة ونظامها ورجالها لسلامة العقيدة؟ إن الصلة بين ~~الإنسان وربه صلة مباشرة قبل كل شيء، وكل ما يحول دون هذه الصلة ~~الإدراكية المباشرة فهو عقبة في سبيل الوصول إلى الحق جديرة ~~بالازدراء والإهمال، والعلم والكنيسة معا يحولان دون الحدس ~~وإدراكه للحقيقة المطلقة، أما العلم فلأنه يقيد الإنسان بقيود ~~المشاهدات الحسية والتجارب العلمية، وما ليس يطرد وقوعه من ~~الظواهر لا قيمة له في رأي العلم، وهذه القيود إنما تعطل إدراك ~~الإنسان بغير موجب، فماذا لو جاوز الإنسان بجناحي إدراكه الحدسي ~~حدود المشاهدات والتجارب واطراد الظواهر؟ وأما الكنيسة فهي ~~الأخرى تضع من أصفاد نظامها ما يستحيل معه التفكير الحر الذي ينفذ ~~إلى الحقيقة فيراها مباشرة كما ترى العين ضوء الشمس، وفي ذلك يقول ~~«ثورو» - الذي سنحدثك عنه بعد قليل: «لا بد أن تخرج من المسيحية ~~لتدرك ما في حياة المسيح من جمال ومغزى.» # لقد أخطأ رجال اللاهوت السابقون - في رأي المثاليين الذين نحن ~~الآن بصدد الحديث عنهم - أخطئوا حين ظنوا أننا ندرك وجود الله من ~~وجود مخلوقاته، فذلك لا يكون إلا اعتمادا على الحواس من جهة، ~~والعقل ms033 من جهة أخرى، أما وجود الله في رأي المثاليين فمفارق ~~للطبيعة مجاوز لحدودها، فلسنا بحاجة إلى حس أو عقل، بل نحن ~~بحاجة إلى حدس ندرك به وجود الله في الجوانب الإلهية التي في ~~طبائعنا، إن الإنسان شبيه الله ، فحسبك أن تحدس ذاتك لتدرك فيها ~~وجود شبيهها، وعندئذ يصبح الله موجودا وجودا حقيقيا يقينيا، ~~ولن تكون بعد ذلك بحاجة إلى كتاب أو إلى قسيس يهديك إلى ~~وجوده. # ها هي ذي نزعة دينية تقف موقفا وسطا بين طرفين، فلا هي ~~الاعتقادية الجامدة التي تنبني على اللاهوت القديم، ولا هي إلحاد ~~أو ما يشبه الإلحاد مما قد ترتب على حركة التنوير العقلي، والفلسفة ~~التي يقوم عليها هذا اللون الوسط من التدين هي المثالية ~~الألمانية، وخصوصا مثالية «هيجل» التي تولى نشرها في إنجلترا ~~شاعرها «كولردج»، ثم كان بين ناشريها في الولايات المتحدة شاعرها ~~«إمرسن»، فما هي مثالية «هيجل» في خلاصة قصيرة؟ # يبني «هيجل» (1770-1831م) فلسفته على فكرة «المطلق»، ومؤداها أن ~~الأفراد الجزئية التي نراها في الطبيعة المحسوسة من حولنا، إن هي ~~إلا صور تبدت فيها روح كانت في بداية أمرها مطلقة من قيود ~~المكان والزمان، أي إنها لم تكن تعلن عن نفسها في نقطة معينة من ~~المكان ولا في لحظة معينة من الزمان؛ لأنها لا مكانية ولا زمانية، ~~هي روح لم تبدأ في سلسلة الزمن بلحظة معينة، ولن تنتهي في سلسلة ~~الزمن عند لحظة معينة، بل هي أزلية أبدية، ثم أعلنت تلك الروح عن ~~نفسها في الطبيعة وكائناتها إعلانا كان في بداية أمره مقتصرا على ~~درجة دنيا من اللاشعور، ثم صعدت على درجات من التطور حتى عادت ~~فاستيقظت شعورا ووعيا في الإنسان، وستعود الروح المطلقة إلى ~~نفسها من جديد مدركة لنفسها إدراكا كاملا، وإذن فكل شيء في ~~الوجود هو تلك الروح المطلقة، أو ذلك العقل المطلق، قد عبر عن نفسه ~~على هذه الصورة أو تلك، كما يعبر الشاعر - مثلا - عن نفسه في ~~قصائد مختلفة تتفاوت في درجة الكمال، لكنها على تفاوتها تفصح عن ~~نفس ms034 قائلها، وكما تنظر إلى كل قصيدة في ديوان الشاعر، فترى خلالها ~~روح الشاعر، فكذلك تستطيع أن تنظر إلى كل كائن في الطبيعة من حولك: ~~إلى هذه الجبال والأنهار والأشجار والحيوان والإنسان، فترى في كل ~~واحد منها ذلك العقل المطلق قد بسط نفسه في كائن جزئي متعين، ~~وهكذا تكون الطبيعة بكل ما فيها عقلا مرئيا مسموعا - إن صح هذا ~~التعبير - ولا سبيل إلى فهم كائن جزئي إلا بنسبته إلى ذلك الكل ~~المطلق الشامل. # وقد تنظر إلى كائن جزئي، كهذه الشجرة أو هذا الطائر أو ذلك ~~الفرد من بني الإنسان، فيخيل إليك أنه كائن قائم بذاته مستقل ~~بنفسه، لكن أمعن النظر قليلا تجده في حقيقة أمره جزءا من كل، وأن ~~هذا الكل هو الكون بأسره، فكيف تدرك هذه الشجرة - مثلا - إدراكا ~~تاما إلا إذا أدركت علاقتها بالأرض التي تنبتها وتغذيها، ~~وبالماء الذي يرويها، وبالشمس التي تنميها؟ ثم كيف تدرك الأرض ~~والماء والشمس، كلا بدوره، إلا إذا أدركت علاقاته بسائر أجزاء ~~المجموعة الشمسية؟ والمجموعة الشمسية بدورها لا يتم العلم بها إلا ~~بعد العلم بما يصلها بسائر الكون من روابط وصلات، إن شأن الكائن ~~الجزئي في هذا الصدد كشأن النظرية الواحدة في سلسلة النظريات ~~الهندسية عند إقليدس، لا تفهم على حدة، بل لا بد لفهمها وإدراكها ~~إدراكا كاملا من إدراك الروابط المنطقية التي تصلها بما قبلها ~~وبما بعدها من نظريات، لا بد أن نعلم كيف جاءت نتيجة لسوابقها، ~~وكيف تكون مقدمة للواحقها، وبهذا يتكون من مجموعة النظريات نسق ~~واحد، لا يمكن فهم جزء من أجزائه إلا في ضوء العلم بسائر ~~الأجزاء، كما أن سائر الأجزاء لا يمكن العلم بها إلا مع صلتها بذلك ~~الجزء الواحد، وهكذا قل في الكون وأجزائه، الذي هو العقل المطلق قد ~~حقق نفسه وأعلن عنها، فالكون بشتى أجزائه نسق متصل، كل جزء من ~~أجزائه مرتبط بسائر الأجزاء، وإن بدا أمام العين منفصلا مستقلا ~~قائما بذاته، هذا الكل المترابط إن هو إلا كائن عضوي واحد، لم ~~توضع أجزاؤه وأعضاؤه وضع التجاور ms035 في المكان والتعاقب في الزمان، ~~دون أن يكون بينها فوق ذلك صلة عليا تربطها معا، كلا بل هي ~~كأعضاء الكائن العضوي الحي، متصل بعضها ببعض على نحو يجعل الكائن ~~كله متمثلا في كل عضو من أعضائه، وتجعل كل عضو مستحيل الفهم إلا ~~على ضوء الكل الذي يحتويه. # إن حصر الانتباه في كائن جزئي واحد على أنه وحدة مستقلة بذاتها، ~~قد يوهم الرائي أن الكون ينطوي على أضداد، حين يرى في جنبات الكون ~~من الحقائق الجزئية ما يعاند بعضها بعضا، لكن هذه الأضداد سرعان ~~ما يتبين لنا أنها في حقيقة الأمر أجزاء من كل متناسق، إذا ما ~~علونا بالنظر إليها بحيث رأينا كل ضد منها - لا هو جزئي مستقل قائم ~~وحده - بل رأيناه في صلاته بغيره، فعندئذ يتبين في جلاء أن كل ~~جزء موجود من أجل الكل وبسببه، ولكن على الرغم من أن الأجزاء كلها ~~ضرورية لا بد من وجودها، فإنها تقف إزاء بعضها موقف التفاوت ضعة ~~ورفعة في سلم التطور والترقي، المراتب السفلى منها تنتقل إلى ~~العليا، ولكنها لا تنمحي من الوجود في عملية الانتقال، وكل ما يحدث ~~لها هو التحول من صورة سفلى إلى صورة عليا، «إن كم الزهرة ~~يختفي إذا ما تفتحت الزهرة، فيخيل إليك أن بين الكم والزهرة ~~تضادا، ثم تجيء الثمرة بعدئذ، فتعلن بوجودها أن الزهرة صورة ~~دنيا من صور وجود النبات، وهكذا تنتقل حقيقة كل واحدة منها إلى ~~حقيقة الأخرى، وليست هذه الصور متميزا بعضها عن بعض فحسب، بل إن ~~الواحدة منها لتسحق الأخرى باعتبارها مضادة لها، ولكن طبيعتها ~~التي تسري فيها كلها تكون منها دقائق من الوحدة العضوية التي تتآخى ~~فيها، فلا تعارض إحداها الأخرى، بل إن الأمر بينها لا يقف عند حد ~~عدم التعارض، ولكن كلا منها يكون لوجوده من الضرورة ما للأخرى ~~تماما، ومن هذه المساواة بين الأجزاء في ضرورة وجودها تتألف ~~حياة الكل الذي يحتويها جميعا.» # هكذا يعرض العقل المطلق نفسه في الطبيعة على مراحل متعاقبة يرتبط ~~بعضها ببعض بنفس الروابط ms036 التي تصل أجزاء الفكر بعضها ببعض، ومن هنا ~~كان منطق العقل هو نفسه منطق الطبيعة، أو - بعبارة أخرى - كان ~~الفكر من جهة، والحقيقة الخارجية من جهة أخرى كائنا واحدا، ~~الثانية منهما تعبير عن الأولى، والأولى منهما متحققة في ~~الثانية ، إن الوحدة التي تربط الفكر من جهة والطبيعة من جهة أخرى ~~ليست هي مجرد الصلة بين طرفين، بل هي وحدة أعلى من الطرفين معا؛ ~~إذ لا ينبغي أن تعد الطبيعة وجودا آخر إلى جانب العقل الذي ~~يدركها؛ لأن الطبيعة هي جزء من حياة العقل نفسه. # على ضوء هذه الفلسفة المثالية الهيجلية تستطيع أن تفهم «إمرسن» ~~في شتى نواحيه، تستطيع أن تفهمه حين يتخذ من الحدس وحده وسيلة ~~الإدراك الحقيقي، إذ كيف تدرك العقل المطلق المتحقق في الطبيعة إذا ~~قصرت نفسك على حواسك ومشاهداتها، أو على عقلك وحجاجه، وتستطيع أن ~~تفهمه حين يقرر أن الفرد الواحد من بني الإنسان ليس في الحقيقة ~~فردا منفصلا بذاته، بل هو «العضو المنتدب» من قبل الروح المطلق ~~الذي نحن جميعا ممثلوه، فالزارع - مثلا - ليس زارعا لنفسه فحسب، ~~بل هو زارع «بالنيابة» عن الحقيقة الكلية التي نحن أعضاؤها، ~~ونستطيع أن نفهمه حين يتنكر لعلم الطبيعة في طريقة فهمه للطبيعة؛ ~~لأنه يقف عند الجزئيات الظاهرة، مع أن الطبيعة في حقيقتها تعبير ~~واحد متصل الأجزاء عن عقل مطلق يعبر عن نفسه فيها، وسبيل معرفة ~~ذلك هو حدس المتصوف لا منظار العالم، وتستطيع أن تفهمه حين يجعل ~~الفكر والطبيعة خطين متوازيين، فلا واقعة أو حادثة من وقائع ~~الطبيعة وحوادثها إلا ولها أصل يصورها في الفكر. # بعد أن أتم «إمرسن» دراسته الدينية في جامعة «هارفارد» عام ~~1829م، عين واعظا في الكنيسة التي كان أبوه راعيا لها - فهو ~~سليل أسرة عريقة من رجال الدين - لكنه سرعان ما تبين هوة سحيقة ~~تفصل بينه وبين سامعيه، كان قد قرأ المثالية الهيجلية كما نقلها ~~«كولردج» شاعر الإنجليز عندئذ، فتأثر بما قرأ، وأخلص لفكرته ~~التي انتهى إليها، فبعدت مسافة الخلف بينه وبين من يختلفون إلى ~~الكنيسة ms037 ليسمعهم الموعظة، فلم يجد بدا من الاستقالة؛ إذ استحال ~~عليه أن يوفق بين واجب مهنته وإملاء ضميره، فسافر إلى أوروبا ~~لعله مسترد بهذه الرحلة عافية لجسده العليل، وصحة لروحه التي ~~أحس كأنما هي ريشة في مهب العواصف، فقصد - فيما قصد إليه من ربوع ~~أوروبا - إلى إنجلترا حيث التقى بأبطاله في الفكر والروح؛ «كولردج» ~~و«وردزورث» و«كارلايل»، ثم عاد إلى وطنه الأمريكي بعد عام وهو ~~معافى البدن، مستقر الروح على هدف لم يعد يحيد عنه، وكانت الفكرة ~~الرئيسية التي كشف عنها الغطاء في نفسه - كشف عنها كشفا مستقلا ~~عن كل قراءة قرأها أو رأي استمع إليه - هي أن في مقدور الإنسان ~~أن يرى الله في أعماق قلبه، وأنه إذا أنصت الإنسان إلى ضميره بأذن ~~مصغية واعية سمع صوت الله في دخيلة نفسه، فإن كان ذلك كذلك فقد ~~أصبح واجبه أن يهدي الناس إلى ما اهتدى إليه. # ولم يكد يستقر به المقام عاما بعد عودته من أوروبا إلى بلاده، ~~حتى أخرج سنة 1836م كتابا صغيرا أسماه «الطبيعة» عبر فيه عن ~~هذا الكشف الروحي، ونشر من كتابه هذا خمسمائة نسخة غفلا من اسم ~~المؤلف، لكن الكتاب لم يصادف عند القارئين رواجا، رغم اللقاء ~~الجميل الذي تقبله به «كارلايل». # وفي العام التالي - عام 1837م - ألقى خطابه المشهور في هارفارد، ~~بعنوان «العالم الأمريكي» الذي توجه بالكلام فيه إلى قادة الفكر في ~~بلاده، ثم في العام الذي تلاه - عام 1838م - ألقى خطابه العظيم ~~«إلى المتخرجين في كلية اللاهوت» قصد به إلى القائمين بالوعظ ~~الديني، ويمكن القول بصفة عامة إن حياته الفكرية بعد ذلك جاءت ~~تعليقات وشروحا وتفريعات لما ورد في هذه الأعمال الثلاثة: كتاب ~~الطبيعة، والخطابين المذكورين. # والفكرة الرئيسية الأولى هي - كما أسلفا - أن الحدس - الاتصال ~~الروحاني المباشر - وسيلة إدراك الحقيقة المطلقة التي تعلن عن ~~نفسها في الطبيعة وكائناتها، كل حالة من حالات الإدراك الحدسي ~~قائمة بذاتها، تستمد صوابها من نفسها، لا تعتمد على مقدمات تسبقها ~~أو نتائج تلزم عنها، الإدراك الحدسي صوابه يقيني حتى إذا ناقض ms038 ما ~~سبقه وما تلاه، فمثلا عندما هجم في خطابه «إلى المتخرجين في ~~كلية اللاهوت» على المسيحية كما تظهر في الشعائر الكنسية والتقاليد ~~الدينية، طالبه رجال الدين عندئذ بالحجة التي تؤيده، فقال: لا حجة ~~عندي، بل لست أعرف كيف يمكن أن تتأيد الفكرة بالحجة، فهكذا أرى ~~الحق بحدسي، ومع ذلك فليس ما يراه الفرد الواحد في دخيلة نفسه ~~بحدسه بمقتصر - من حيث صدقه - على ذلك الفرد وحده، بل إن ما يهتدي ~~به الفرد الواحد من نظره إلى دخيلة نفسه صالح كذلك لهداية سائر ~~أفراد البشر، «إن الله يدخل إلى كل فرد من باب خاص.» # 19 ~~«والتفكير كالوحي يهبط على الرجل التقي.» # 20 # فقد يقول الإنسان لنفسه وهو يفكر في فكرة تراوغه وتفلت ~~منه: «سوف أمشي خارج بيتي وعندئذ ستتخذ الحقيقة صورتها وتتضح، ثم ~~تنطلق، ولكنك لا تعثر عليها، ثم يبدو لك أنك بحاجة إلى السكون ~~والجلسة الهادئة في المكتبة لتظفر بالفكرة، ولكنك تدخلها، فإذا هي ~~بعيدة عنك كما كانت، ثم ما هي إلا أن تظهر لك الحقيقة في لحظة ~~وعلى غير انتظار، إذ يظهر لك ضوء شارد، وفي وضحه يظهر لك المبدأ ~~الذي تنشده.» # 21 # وإذا ما أدرك الفرد الواحد صوابا، كان ذلك الصواب ~~صوابا عند كل إنسان آخر «فطبيعة كل فرد هي إعلان كاف له عن خصائص ~~زملائه، الصواب والخطأ عندي هما الصواب والخطأ عندهم.» # 22 # الفرد الواحد ممثل للبشرية كلها لو أخلص حدس نفسه والتعبير ~~عنها، فليس التمثيل النيابي في عالم السياسة - ذلك التمثيل الذي ~~يعتمد على عد الأصوات - بشيء يذكر إلى جانب التمثيل الروحاني ~~الذي يجعل فردا بعينه لسانا ناطقا معبرا عن زملائه في ~~الإنسانية، مع أن هذا النائب الروحاني الناطق المعبر عن البشرية ~~كلها يختار نفسه ولا يختاره أحد، وحسبه للظفر بهذا الشرف أن يحسن ~~النظر إلى طبيعة ذاته، وأن يحسن الإنصات إلى صوت ضميره؛ لأن ذلك ~~الصوت إن هو إلا صوت الله في صدره وفؤاده، إن المتأمل في نفسه، ~~الصادق في التعبير عنها، إنما يجاوز حدود ms039 نفسه إلى حيث الوجود في ~~قلبه وصميمه، يجاوزها إلى حيث الله «إن المتحمسين للدين ليتفقون ~~في نهاية الأمر مع أبرد المتشككين نفسا على أننا (في الخلق الفني ~~والإبداع الفكري) لا نأتي بشيء من عندنا، ومن نتاج عملنا، إنما كل ~~شيء من الله ... كل كتابة تهبط علينا بفضل من الله، وكذلك كل عمل ~~وكل ما نملك.» # 23 # ألا ما أكثر أن يريد الفرد شيئا، فإذا هو منتج ~~لشيء آخر «إن نتائج الحياة لم تحسب ولا يمكن حسابها، والأشخاص ~~الذين تتألف منهم صحبتنا، يتحدثون ويجيئون ويذهبون، ويصممون ~~وينفذون الكثير، وينجم عن كل هذا أي شيء إلا ما نتوقع من نتائج.» # 24 # يخطئ الفرد دائما إذا ما ظن أنه قد حسب لكل شيء ~~حسابه، فهنالك عقل كلي، ما عقول الأفراد إلا أجزاء منه، كل واحد ~~منا تجسيد لذلك العقل الكلي؛ فهو يستطيع أن يتصل بذلك الكل اتصالا ~~مباشرا ليستوحيه الحق، فإن فعل كان بذلك ممثلا لسائر الأفراد؛ ~~لأنه عندئذ إنما يحيا حياة العقل الكلي لا حياة عقله الفردي ~~باعتباره فردا مستقلا «إنني حين أقف على الأرض العارية ورأسي ~~مغموس في الهواء الطاهر مشرئبا إلى اللانهائي، تزول عني فرديتي ~~الوضيعة، وأصبح كإنسان العين شفافا، أصبح (بذاتي) لا شيء، لكني ~~عندئذ أشهد الحقيقة الكلية، وتدور في نفسي تيارات الوجود الكلي.» # 25 # يريد «إمرسن» للإنسان أن يدرس الطبيعة، لكن أي طبيعة يعني؟ ليست ~~هي الطبيعة التي قصد إلى دراستها «نيوتن»، الطبيعة الثابتة في ~~اطراد ظواهرها، والتي تسير في مجراها بغض النظر عن الإنسان، بل ~~الطبيعة التي يطويها الإنسان تحت سلطان شعوره الذاتي، هي طبيعة ~~الشاعر لا طبيعة العالم، هي الطبيعة بعد أن نضفي عليها أنفسنا ~~وحياتنا وفكرنا ومشاعرنا، هي الطبيعة التي نجدها مفرقة موزعة ~~مجزأة فننسقها كونا واحدا، بحيث نرى العلاقة بين الشمس الطالعة ~~وزقزقة العصفور، هي الطبيعة كما تلتقي فيها خيوط الإنسان الروحية، ~~فتكون ملكا له لا تلك التي يخضع لها الإنسان، ويكون ملكا لها، لو ~~نظر الإنسان إلى الطبيعة هذه النظرة التي تجعلها جزءا ms040 منه، أو إن ~~شئت فقل تجعله جزءا منها، فعندئذ يزول شعور الإنسان بانفصاله ~~عنها، ولا تصبح ثنائية بين الذات من جهة والموضوع من جهة أخرى، بل ~~تصبح الذات العارفة والموضوع المعروف شيئا واحدا متصل الوجهين، ~~عندئذ يشعر الإنسان شعورا حيا بما بينه وبين الطبيعة من وشائج ~~القربى، إن الطبيعة لا تبوح بسرها لمن يتناولها كما يتناول الجثة ~~الميتة يشرحها بمبضعه، بل تبوح بسرها الدفين لمن يقبل عليها ~~إقبال العاشق، إقبال من يريد أن ينمحي في أحضانها، فلئن كان العالم ~~يبحث في الطبيعة عن وجهها الموضوعي الثابت الذي لا يتغير على مر ~~الزمان، فالشاعر ينشد فيها وجوهها المتغيرة أبدا المتجددة أبدا، ~~فهذه الطبيعة الحية الدفاقة هي وحدها التي تعكس للإنسان حالاته في ~~حالاتها، تعبس لعبوسه وتفرح لفرحه. # وما كل إنسان بقادر على أن يصعد في إدراكه للطبيعة إلى هذه ~~القمة إلا بعد تدريب وتهذيب، فهنالك - على وجه الإجمال - درجات ~~أربع في علاقتنا بالطبيعة، تتفاوت فيما بينها انخفاضا وارتفاعا، ~~وكلما ازداد الإنسان روحانية في علاقته بالطبيعة صعد في تلك ~~الدرجات الأربع درجة بعد درجة، وأولى تلك الدرجات وأدناها هي ~~علاقة المنفعة، فمن الطبيعة نأكل ونرتوي ونصنع الثياب والمنازل، ~~وحتى في هذه الدرجة الدنيا تستطيع أن ترى أنه بغير الحب الإلهي ~~يكون محالا على الطبيعة أن تنفع وعلى الإنسان أن ينتفع؛ ذلك لأن ~~المنفعة لا تتم في كل حالة من حالاتها إلا بسلسلة طويلة من ~~تعاون الأجزاء واتساق الظواهر الطبيعية، بحيث تنتهي إلى النتيجة ~~المطلوبة لنفع الإنسان، فلا الشمس وحدها ولا الريح ولا المطر ولا ~~النبات ولا الحيوان وحده ينفع الإنسان، بل لا بد من اجتماع هذه ~~العناصر كلها متعاونة متناصرة متآخية «فالريح تبذر الحب، والشمس ~~تبخر ماء البحر، والريح تدفع البخار إلى الزرع، والمطر يروي ~~النبات، والنبات يطعم الحيوان.» # 26 # وكل ذلك ضروري لغذاء الإنسان. # وتأتي بعد درجة الانتفاع المادي درجة أعلى، هي أن أدرك ما في ~~الطبيعة من جمال، إنك قد تنظر إلى الثمرة نظرتك إلى الغذاء، لكنك ~~كذلك قد تنظر ms041 إليها نظرتك إلى الشيء الجميل قد سواه الله ~~وصوره، فأكمل التسوية والتصوير، ها هنا في هذه المرحلة تزداد ~~فاعليتك الخالقة؛ إذ تضفي على الطبيعة من نفسك كمالا من كمالها، ~~وجمالا من جمالها، وفي هذه المرحلة أخلاق وفيها تفكير، أما ~~الأخلاق ففي اتساق النغم بينك وبين مشاهد الطبيعة؛ إذ ستكون ~~العلاقة بينك وبينها أقرب شيء إلى العلاقة بين العازف والآلة التي ~~يعزف عليها، وهل الفضيلة إلا الجمال؟ كلاهما في الاتساق والتناغم، ~~الفعل الفاضل هو الذي يلتزم الحدود المعقولة، وكذلك الشيء الجميل، ~~وأما التفكير فهو في إعمال الإنسان فكره في هذا الجمال الذي يشهده، ~~الجمال والفضيلة والفكر كلها جوانب متصل بعضها ببعض، الحق والجمال ~~والخير ثلاثة خيوط من نسيج واحد، فبالحق ندرك ما ندركه، وبالجمال ~~نقدره ونعشقه، وبالخير نفعل الصواب الذي يمليه إدراكنا للحق، ~~وإحساسنا بحبه، وهذه النواحي الثلاث كلها متضمنة في إدراكنا ~~للطبيعة من الوجهة الجمالية؛ لأن إدراك الجمال وحده كاف لخلق ~~الفضيلة والكشف عن الحق. # والدرجة الثالثة في علاقة الإنسان بالطبيعة هي إدراكه لما بين ~~وقائعها وحوادثها من جهة، وفكره من جهة أخرى من تواز، فكل ما ~~يجري في الطبيعة له صورته في فكر الإنسان؛ إذ بين الأفكار والأشياء ~~تطابق تام كامل، بحيث يستحيل أن يكون هنالك فكرة بغير مدلولها في ~~الطبيعة، أو أن يكون في الطبيعة شيء دون أن تقابله حالة من حالات ~~الفكر والروح، والعقل - أو الروح - بصفة عامة تقابله الطبيعة ~~بصفة عامة، وإذن فهناك التقابل بين الكل الروحي والكل الطبيعي، ~~كما أن هنالك التقابل بين كل حالة هنا وحالة هناك، ولما كان ~~تسلسل الحالات العقلية هو نفسه تسلسل ظواهر الطبيعة، كان منطق ~~الفكر هو نفسه منطق الأشياء، لا فرق بين ما يحدث في العقل، وما ~~يحدث في الطبيعة الخارجية «قانون الأشياء هو كذلك قانون العقل ~~البشري، يكتشف الفلكي أن الهندسة - وهي تجريد مطلق للعقل البشري - ~~هي قياس حركة الكواكب، ويكتشف الكيميائي النسب والقواعد المعقولة ~~في المادة كلها، وليس العلم سوى كشف التشابه، والتطابق الذي يكون ~~بين الأجزاء ms042 التي تبدو متباينة متباعدة، وهكذا يلمح الصبي الدارس، ~~وهو تحت قبة النهار المستديرة أنه هو والطبيعة قد نشآ من جذر ~~واحد، أحدهما ورقة والآخر زهرة، سوف يرى أن الطبيعة تجابه الروح، ~~وتجيبها جزءا بجزء، أحدهما خاتم والثاني مختوم، جمالها جمال عقله، ~~عندئذ تصبح الطبيعة لديه هي مقدار ما يحصله ، وبمقدار ما يجهل من ~~الطبيعة يكون القدر الذي لا يملكه من عقله، وفي عبارة موجزة يصبح ~~المبدأ القديم: «اعرف نفسك» والمبدأ الجديد: «ادرس الطبيعة» في ~~النهاية مبدأ واحدا.» # 27 # وآخر الدرجات الأربع التي يتدرج فيها الإنسان مع ارتقائه في ~~علاقته بالطبيعة، هي درجة الرياضة الروحية التي يرتاضها الإنسان ~~عندما يتعلم من الطبيعة كيف تتسق الأجزاء في كل واحد متزن ~~متجاوب موصول الأطراف، عندما يتعلم أن الطبيعة على اختلاف ~~كائناتها، وتنوع مخلوقاتها إن هي إلا وحدة واحدة تستهدف غاية ~~وتسير نحوها، ألا إن بين كائنات الكون من أوجه الشبه ما يزيد ~~كثيرا على ما بينها من أوجه الاختلاف، إن كل شيء في جنبات ~~الطبيعة، من الحيوان الأدنى إلى الإنسان الأعلى، صارخ بقوانين ~~الصواب والخطأ، في الطبيعة وحدة وثيقة العرى، حتى ليستحيل أن تكون ~~بغير روح كلي واحد منبث فيها، تراه في الفكر ومنطقه كما تراه في ~~الأشياء وتسلسلها سواء بسواء. ~~(2) «هنري ديفد ثورو» # 28 # والفردية المتطرفة # كثيرا ما تبدأ الدعوة إلى مذهب فكري معين دون أن تكون مكنونات ~~هذا المذهب قد ظهرت كلها ظهورا واضحا عند الدعوة الأولى، فيجيء ~~الأتباع بعدئذ واحدا بعد واحد ليستخرجوا إلى وضح النهار ما كان ~~خبيئا كامنا، ويدفعوا بمبادئ المذهب خطوة بعد خطوة إلى آخر ~~نتائجها المنطقية، فإذا هذه النتائج تبدو غريبة حتى على أصحاب ~~المذهب الأولين أنفسهم؛ لأنهم حين أخذوا يدعون إلى مذهبهم هذا، لم ~~يكونوا قد تبينوا دفعة واحدة كل ما تنطوي عليه مبادئه. # فها هم أولاء بناة الدستور الأمريكي ومعلنو استقلالها قد اعتمدوا ~~على أساس من فلسفة «لوك» (انظر الفصل الأول) فقرروا أن للإنسان ~~حقوقا طبيعية، يتمتع بها بحكم فطرته، وهبها له الله ولم ms043 يهبها ~~سلطان حاكم؛ ولذلك فهي ملكه الذي لا يشاركه فيه إنسان، ومن تلك ~~الحقوق الطبيعية الفطرية - كما ورد في وثيقة «إعلان الاستقلال» - ~~حق الحياة وحق التماس السعادة، فإن كان الأفراد قد تنازلوا عن بعض ~~حقوقهم هذه للدولة، لقاء ما تتعهد به الدولة من صيانة الحقوق ~~التي احتفظوا بها لأنفسهم ولم يتنازلوا عنها فيما تنازلوا، فما ذلك ~~إلا بموافقتهم ورضاهم، هم الذين أقاموا الدولة باختيارهم، وهم ~~الذين يزيلونها إذا ما قصرت في أداء واجبها الذي تعهدت لهم بأدائه، ~~وقد كانت الحقوق التي تنازل الأفراد عن بعضها مما يمكن التنازل ~~عنه، لكن هنالك جانبا من الإنسان خاصا به، سيظل ملكا له، ~~يستحيل أن يشمله التنازل، وهو جانب الروح، أو العقل، فليس للدولة ~~كائنة ما كانت، بل ليس للكنيسة ذاتها، أن تحاسب الإنسان على حياته ~~الروحية وإدراكه العقلي. # فجاء بعد ذلك «إمرسن» مع زملاء له يتفقون معه في وجهة النظر، وإن ~~لم يكن لهم ما له من قوة التعبير، جاء بعد ذلك «إمرسن» وزملاؤه ~~المثاليون، فانتزعوا من هذا المبدأ إحدى نتائجه التي تلزم عنه، وهي ~~أن يكون للفرد - إلى جانب استقلاله السياسي - استقلال فكري، فلا ~~ينبغي لفرد أن يعتمد على فكر فرد آخر، وواجب الإنسان يقتضيه أن ~~ينظر في ثنايا ضميره ليدرك إدراكا حدسيا مباشرا ما عسى أن يوحي ~~إليه به ذلك الضمير، فيكون هو الحق، ولا يبطل هذا الحق حق آخر ~~يدركه الفرد نفسه في لحظة أخرى، ولما كان الفرد الواحد ممثلا ~~للروح الكلية الشاملة؛ فهو فيما ينطق به عن صدق وسلامة حدس، إنما ~~يفصح عن حقيقة تلك الروح الكلية من جهة؛ وبالتالي فهو يعبر عما ~~هو حق بالنسبة لسائر أفراد البشر من جهة أخرى، وبهذا يصبح ما هو ~~حق لفرد حقا لكل فرد آخر، وإن جاء إدراكه عن طريق فرد ~~واحد. # فخرج من هذه الجماعة المثالية أحد أعضائها هو «هنري ديفد ثورو» ~~ودفع بهذه المبادئ إلى نتائجها المنطقية، فإذا كان الفرد قد اتفق ~~مع زملائه على قيام الدولة، فمن حقه باعتباره ms044 فردا أن ينسلخ وحده ~~عن سائر الجماعة إذا أراد، فلا يخضع للدولة إذا لم تصادف عنده هوى، ~~الفرد على هذه الأرض مملكة وحده، هو بذاته وبمفرده سلطة لها ~~سيادتها، والمثل الأعلى هو ألا يقوم بين الأفراد حكومة، فإن ~~قامت، فلا بد أن تنحصر واجباتها في أقل حد ممكن من التدخل في ~~حياة الأفراد. # ولد «ثورو» عام 1817م في كونكورد من ولاية ماساتشوستس في إنجلترا ~~الجديدة - وهي الجزء الشمالي الشرقي من الولايات المتحدة - وهي ~~نفسها موطن «إمرسن»، وقد تميز ثورو منذ باكورة حياته بحب للطبيعة ~~عميق، واشتغل بالتدريس بعد تخرجه في جامعة هارفارد، ثم اشتغل ~~مساحا للأرض، ولم تكن واجبات عمله هذا تقتضي منه جهدا يستنفد ~~طاقته، فاستطاع أن يجد الفراغ للمحاضرة والتأليف، ولما أن نضجت في ~~رأسه فكرة الفردية المستقلة المتطرفة، أراد أن يعيش في فكرته فلا ~~يكتفي منها بمجرد القول والشرح، فانتبذ في غابات وولدن # 29 # مكانا قصيا، وأقام لنفسه كوخا صغيرا، حيث عاش ~~وحيدا في عزلة تامة مدى عامين كاملين، يقرأ ويكتب قراءة وكتابة ~~ملأتا كثيرا من وقته، وقد دعاه العيش المنعزل في حضن الطبيعة التي ~~أحبها، أن ينصرف بملاحظته إلى الحيوان بكافة صنوفه، حتى عرف عنه ~~الشيء الكثير، ووضع علمه ذاك في كتابه «وولدن، أو الحياة في الغابات»، # 30 # ومات عام 1862م وهو في الخامسة والأربعين من ~~عمره. # نقول: إن «ثورو» قد دفع فكرة استقلال الفرد إلى أقصاها، فقرر ~~أن يكون للفرد حق الخروج على الدولة في رسالة له عنوانها «مقالة ~~عن العصيان المدني»، # 31 # أخرجها بعد أن شهد أمته تنحرف عن العدالة والحق كما ~~رآهما، وذلك في حرب المكسيك، وفي مسألة العبيد، وفي معاملة الهنود ~~الحمر سكان البلاد الأصليين، فرفض أن يدفع الضريبة للحكومة، ليعلن ~~احتجاجه بصورة عملية، وسجن من أجل ذلك، فتقدم نفر من أصدقائه ~~ودفعوا عنه الضريبة، فأخلي سبيله، لكن بقيت المشكلة النظرية ~~قائمة، وهي: هل للفرد حق الامتناع عن دفع ضرائبه للحكومة إذا وجدها ~~قد انحرفت عن الحق والعدالة؟ في رأي «ثورو» أن ms045 للفرد هذا الحق؛ ~~لأنه منطو تحت سلطان الدولة باختياره، وعلى شروط معينة، ~~وباختياره يستطيع الانسلاخ عنها والخروج عليها إذا أخلت بشروط ~~التعاقد، بل إن «ثورو» ليرى ذلك واجبا على كل فرد يعتز ~~بفرديته ويعتد بروحه وعقله، ومن طريف ما يروى في هذا الصدد أن ~~«إمرسن» زاره وهو في سجنه لامتناعه عن دفع الضريبة، فسأله خلال ~~القضبان قائلا: «هنري! ماذا تصنع هناك داخل القضبان؟» فأجابه ~~«ثورو» بمثل سؤاله قائلا: «والدو! ماذا تصنع أنت خارج القضبان؟» ~~وهو يعني بهذا أن «إمرسن» بل وكل فرد آخر ممن يؤمنون بحقوق الإنسان ~~الطبيعية في حريته الفردية، لا يجوز له أن يستسلم لدولة تجنح عن ~~طريق الصواب كما يمليه الضمير الحر، وإن أدى به عصيانه إلى السجن، ~~وكتب يقول: إن الحياة الطليقة في ظل حكومة ظالمة هي السجن بعينه ~~لمن ينشد في الحياة عدلا. # كانت الولايات المتحدة عندئذ لا تأخذ بما تأخذ به البلاد ~~الأوروبية من ضرورة قيام جيش عامل، على أساس أن مثل هذا الجيش لا ~~تدعو إليه ضرورة وقيامه يقتضي نفقات كثيرة بغير موجب، فقال «ثورو»: ~~إن الاعتراض على قيام جيش في البلاد يمكن توجيهه كذلك إلى قيام ~~حكومة فيها. ثم استطرد يقول: إن الحكومة الأمريكية أفضل بعض الشيء ~~من حكومات العالم الأخرى؛ لأنها أقل من هذه الحكومات تقييدا ~~للناس، ومع ذلك فقد كان كل ما فعلته في سبيل التقدم سلبيا لا ~~إيجابيا؛ إذ كانت حسنتها الوحيدة أنها لم تقم حائلا دون التقدم، ~~أما ما قامت به البلاد الأمريكية من أعمال إنشائية فكله قد تم على ~~أيدي أفراد الشعب، ولا فضل الحكومة فيه، وقد كان يمكن لهذا الشعب ~~أن يزداد إنشاء ويسرع تقدما لولا أن الحكومة كانت تتدخل في ~~سبيله حينا بعد حين. # يقول «ثورو»: # 32 ~~«إنني لأرحب بكل قلبي بهذا الشعار: «أفضل الحكومات ~~حكومة تحكم في أضيق دائرة ممكنة.» ولكني أدفع هذا القول إلى ~~نتيجته، فأراه كأنما يصبح: أفضل الحكومات حكومة لا تحكم قط، فستكون ~~هذه حكومة الناس في المستقبل، حين يعدون أنفسهم ms046 لها. # ولن تقوم دولة حرة مستنيرة بالمعنى الصحيح إلا إذا اعترفت الدولة ~~بأن الفرد قوة عليا مستقلة في ذاتها تستمد منه كل ما لها من ~~قوة وسلطان. # إن القول بأن الفرد خلق ليعيش في مجتمع أكذوبة كبرى، والعكس هو ~~الأدنى إلى الصواب؛ فقد خلق المجتمع من أجل الفرد. # ويريد الناس أن يحتفظوا بما يسمونه سلامة المجتمع بأعمال العنف ~~كل يوم، فانظر إلى الشرطة، وما تحمل من عصي، وما تعده للناس من ~~أغلال! انظر إلى السجون والمقاصل! إننا نعطي الحكم للأغلبية لا ~~لأنها أحكم، بل لأنها أقوى ... وإني لأرى كثيرا من الناس - إن لم ~~أقل معظمهم - ضربا من الجثث المحنطة، لقد غادرتهم الحياة، ولكني ~~مع ذلك لا أرى أجسادهم تتآكل وتنقضي وتتحلل، إنهم لا يزالون ~~يحتفظون بصورة الأحياء، ولست أدري أين الملح الذي ينجيهم من ~~الفساد، ويمنع عنهم الدود! إن من الأجساد ما يسلم من الفساد بعد ~~الموت والدفن، فإن نبشت قبورهم بعد أعوام ألفيت أجسادهم طرية كأنها ~~ماتت بالأمس، وهكذا بعض من أرى من الناس، فلقد انطفأ فيهم سراج ~~الحياة منذ بعيد، ولكنهم لا يزالون يلبسون ما يشبه ملامح ~~الأحياء. # إني لأحسب أن هذا الشعب يطلب من الرجال أوساطهم إنه يطلب من ~~الآراء والأخلاق مألوفها، إنه لا يريد الأصالة والامتياز الواضح، ~~فلن تصادف في نفسه الرضا إلا إذا كنت شبيها بعامته.» # ويقول في عدالة القانون ما يأتي: # 33 ~~«أليس من الجائز أن يصيب الفرد وتخطئ الحكومة؟ هل يجب ~~أن نفرض القوانين على الناس فرضا، لا لشيء إلا لأنها صيغت على ~~هذا النحو، ولأن نفرا من الناس قد أقر صوابها، وهي ليست بالصواب؟ ~~هل ثمة ما يحتم على الفرد أن يكون أداة تنفذ عملا لا يوافق عليه؟ ~~أيريد هؤلاء المشرعون أن يقضوا على الصالحين من الرجال؟ ... اسمعي ~~أيتها الحكومات! إنك حين ألقيت القبض على أفذاذ الثائرين وجززت ~~رءوسهم فلم تفعلي بذلك شيئا سوى أن ارتكبت جرما شنيعا، وأما ~~رأس الشر فلم يصبه الأذى. # لا ينبغي أن تعلموا الناشئة احترام القانون بقدر ms047 ما يجب أن ~~تعلموهم احترام الحق ... إن النتيجة الطبيعية لاحترام القانون بغير ~~ما موجب هي أن ترى هذه الصفوف من الضباط والجنود تسير في نظام ~~عجيب فوق السهل والجبل إلى حومات القتال رغم إرادتهم، نعم ورغم ~~إدراكهم الفطري السليم، ورغم ما تمليه عليهم الضمائر، وذلك يجعل ~~سيرهم هذا شاقا عسيرا أشد ما يكون العسر والشقاء، إنه سير تلهث ~~منه القلوب.» # هكذا كان يكتب «ثورو» فتجيء كتابته قبسات من قلبه الحساس، ومدار ~~تفكيره - كما ترى - هو أن للفرد حق الثورة على الدولة، وله أن ~~يمارس هذا الحق حيثما وقع من الدولة ما ينفر منه ضميره، إن حق ~~الثورة لم يزل بزوال الثورة الاستقلالية التي قام بها الأمريكيون ~~جماعة في القرن الثامن عشر، إنه حق يظل قائما أبدا، والعجيب أن ~~«ثورو» في ثورته الفردية هذه على الدولة التي قال عنها إنها أجحفت ~~وضلت السبيل، لم يكن صادرا عن أذى لحق بشخصه أو ظلم أحاق بصالح ~~من صوالحه، إنما كانت ثورته لما لحق غيره من صنوف الإجحاف، كانت ~~ثورته في سبيل غيره، كالزنوج العبيد، وكالهنود سكان البلاد ~~الأصليين، وإذن فالأذى قد أحسه هو في لذع ضميره، كأنما هو لا ~~يقصر واجب مقاومة الفرد لحكومته على الأمور التي تمس مصالح ذلك ~~الفرد مسا مباشرا، بل يوسع من مداه، ويجعل المقاومة واجبة ~~حيثما وقع من الحكومة طغيان، بغض النظر عمن نال منه ذلك الطغيان، ~~وربما كانت المقاومة أوجب إذا ما نزل الطغيان ببلد أجنبي وقوم ~~غرباء. # ليس حق الفرد في الثورة على حكومته بقاصر على المقاومة ~~الإيجابية، بل هو كذلك في المقاومة السلبية، في رفض الولاء ~~للحكومة، فإذا حفزك ضميرك إلى الخروج على طاعة حكومتك، فلا يتحتم ~~عليك أن تنتظر حتى يوافقك جيرانك على موقفك لتتكون منكم أغلبية ~~تستطيع بقوتها أن تسقط الحكومة، بل عليك بالبدء بنفسك، ففيم ~~انتظارك من يؤيدونك من الناس إذا كان الله - متمثلا في صوت ضميرك ~~- إلى جانبك يؤيدك؟ هذا إلى أنه إذا كان الصواب في جانبك، فصواب ~~واحد هو الأغلبية ms048 بالقياس إلى الكثرة المخطئة، لا عجب أن تصبح ~~رسالة «ثورو» في العصيان المدني من الكتب الرئيسية التي أعجب بها ~~المهاتما غاندي حين أعلن مثل هذا العصيان في الهند على حكومة ~~المستعمر. # إن تطور التاريخ السياسي ليشهد في جلاء على أن الفرد يزداد ~~وزنا وأهمية، فمن الملكية المطلقة المستبدة التي تغرق الأفراد في ~~طغيانها إغراقا، تقدمت المدنية نحو ملكية مقيدة بإرادة الأفراد، ~~ثم إلى ديمقراطية جمهورية كالتي كانت قائمة في الولايات المتحدة ~~عندما كتب «ثورو»، لكن هذه الخطوة الأخيرة - على تقدمها في نظام ~~الحكم والاعتراف بقيمة الفرد - لم تكن تشبع «ثورو» ولا تحقق له ~~مثله الأعلى، إنما المثل الأعلى هو الذي يجعل كل فرد سيادة مستقلة، ~~في مستطاعه أن ينشق عليها فلا يتدخل في أمورها، ولا هي تحرجه وتضيق ~~عليه حر المسالك، وكلما ازداد عدد هؤلاء الأفراد الذين يستقلون عن ~~الحكومة، ويحسنون التصرف نحو جيرانهم من تلقاء أنفسهم وبغير إلزام ~~من القانون يزداد الطريق تمهيدا نحو تحقيق المثل الأعلى الذي هو ~~زوال الحكومة زوالا تاما. # وفيم حاجة الفرد إلى دولة ترعاه؟ ماذا عساها أن تعطيه مما ليس ~~عنده؟ أليس أعز ما يملك الإنسان هو روحه؟ ثم أليس الروح ملكا ~~خاصا لا تضيف إليه الدولة شيئا، ولا تستطيع أن تنتقص منه شيئا؟ ~~الروح المستقل بذاته لا يخشى على نفسه خطرا؛ وبالتالي فهو لا يحس ~~الحاجة إلى دولة تقيه الخطر، إن مثل هذه الحرية الروحية تنبع من ~~النفس، ولا تأتي من الخارج، إنها صناعة الفرد نفسه وليست هي بما ~~يحتاج إلى جماعة ليتم تكوينها، إن كانت حاجتي إلى الدولة هي أن ~~تيسر لي العمل والتجارة، فتلك حسنة لا أبيع حريتي واستقلالي في ~~سبيلها، إن من يطيع الدولة الظالمة من أجل حسناتها المادية عبد ~~رقيق يبيع روحه بمال وسلعة، أمن الحكمة أن أنتظر المشرعين في دور ~~الحكومة في العاصمة أن يسنوا لي شريعة حياتي وحريتي مع أنهم هم ~~العبيد الذين اشتروا الضلال بالهدى إذا اشتروا المناصب والمراكز ~~بالأنفس والأرواح؟ كلا، فأنا المشرع لنفسي، ولا ms049 مشرع لها ~~سواي. # وكسائر المتصوفة في شتى العصور، وفي مختلف الشعوب نبذ «ثورو» ~~بصوفيته زخرف الدنيا وزينتها، فلا المال يغنيه ولا الجاه يغريه، ~~وحسبه من الحياة روح فذ فريد يتصل بنفسه وبربه، وللحريصين على ~~الذهب والفضة أن يذلوا أعناقهم لواهب الذهب والفضة، ثم كسائر ~~المتصوفة في شتى العصور، وفي مختلف الشعوب، لم يكفه أن يتجرد من ~~حاجات الدنيا العابرة ليلوذ بنفسه وينجو، بل أراد بعد ذلك، وفوق ~~ذلك أن يتجرد من نفسه ذاتها؛ لينظر إليها كما ينظر إلى نفس ~~غريبة عنه، وعندئذ يبلغ الغاية من الإمساك بزمامها «ألا ما ~~أصلحها حكومة للفرد أن يحكم نفسه» وإنما يستطيع ذلك الحكم الذاتي ~~من استطاع أن ينسلخ عن ذاته ليرى أحداثها وخبراتها كأنما هو ينظر ~~إلى مسرح، وهل من شك في أنني مهما اندمجت في مشاعري فلا أزال أحس ~~بين جنبي جزءا مني يقف موقف المتفرج الناقد؟ إذن فهذا الجزء مني ~~وليس مني، إنه جزء من «أنا» وكأنه جزء من «أنت» يشهد في باطني ~~مسرحية حياتي. # 34 # هكذا لبثت الفردية الاستقلالية تدفع «ثورو» حتى انعزل بها عن ~~الناس انعزالا، فظنه الناس حالما شذ برأيه عن مألوف المجتمع، ولو ~~استثنينا مقالته عن العصيان المدني، لكانت بقية كتابته أبعد ما ~~تكون الكتابة عن التنسيق والتبويب، إنه لينثر أفكاره نثرا حسب ~~ورودها على خاطره، ومع ذلك فقد أدلى بالرأي الناضج فيما يشغل ~~المفكرين في يومه - وإلى يومنا - من أمهات المسائل، وجاءت مذكراته ~~تلك التي كتبها متناثرة على مدى اثنين وعشرين عاما، من الغزارة ~~بحيث امتلأ بها أربعة عشر مجلدا، فيها ما يشتهي القارئ من رأي ~~وحكمة؛ فيها رأيه في الطبيعة وما يدبرها من عقل حكيم، ورأيه في ~~الزمن وتغير الأشياء، وفي المعرفة مصدرها وحدودها، وفي الجمال ~~والفن، وفي الحق والباطل، وفي الخيال والواقع، وفي مشكلة الأخلاق ~~وحرية الإرادة وجبرها، وفي العواطف الإنسانية وما تؤدي إليه من ~~خير وشر، وفي المجتمع والدين، وفي القانون والعدالة، وفي الحياة ~~والموت والآخرة. # ولكن أنى لهذا الشاعر الفيلسوف تلك الثروة الفكرية ms050 الغزيرة؟ إنه ~~لم يستمدها من الكتب، ولم يستعبد نفسه لشخصيات الأعلام من ~~السالفين، نعم لقد طالع الأدب اليوناني والروماني وقرأ الشعراء ~~الإنجليز، فضلا عما عرفه من معاصره وصديقه وأستاذه «إمرسن»، ولكن ~~أين يقع هذا كله مما أنتج؟ إن مصدره الأول الأعظم هو سفر الكون ~~العظيم، هو هذا الريف الجميل الذي كان له فتنة وسحرا؛ فقد أراد أن ~~يتعقب سر الوجود في خدره ومكمنه، إن هذه الكائنات من حوله ~~لأنغام لأنشودة خافية عن الآذان، سافرة لذوي الشعور الحي الملتهب، ~~فليقصد إلى هذا النشيد في مصدره ومبعثه، لقد خلبه جمال الحياة ~~وسرها، حزنها وسرورها، جهلها وحكمتها، خيرها وشرها، حياتها وموتها، ~~فهو عليل هده المرض، ولكنه مع ذلك يأبى أن يؤمن بما ينتظره من ~~فناء، وكيف يفنى وهو الذي علمه التأمل في خلق السموات والأرض أنه ~~جزء من تلك القوة الروحية العليا التي خلقت العالم وأبدعته؟ # وههنا نضع إصبعنا على محور فلسفته ولباب فكره، كما أنه محور ~~الفلسفة المثالية كلها متمثلة في معاصريه من زملائه، فهذه الظواهر ~~التي تدركها الحواس رموز تصيح بأن وراءها قوة فعالة مدبرة، ~~والوسيلة إلى إدراكها هي الحدس أو العيان الروحي المباشر، فلئن كان ~~العلم بمشاهداته وتجاربه يحصر نفسه في الظواهر واطرادها، فالفلسفة ~~والشعر ينفذان خلال الظواهر بقوة الحدس، فيريان الحقيقة العليا ~~الواحدة الأزلية الأبدية، ماذا يريد العلم حين يعالج ظواهر الوجود؟ ~~يريد شيئا واحدا، ما يزال - ولن يزال إلى آخر الأبد - يجد في ~~تحصيله، وذاك أن يصف اطراد الظواهر ليصوغ قوانين اطرادها، إن العلم ~~ليسأل: كيف يحدث هذا الذي أرى؟ ثم ينطلق باحثا عن جواب ما سأل، ~~أما إن أردت أن تعرف «لماذا» يقع في الطبيعة ما يقع فسل غير العلم ~~والعلماء، سل الفيلسوف أو الشاعر «لماذا» يجبك الشاعر أو ~~الفيلسوف، قل للعلم: ما الإنسان، ولم كان؟ يزعم لك أن الإنسان آلة ~~من مادة تسيرها مؤثرات البيئة فتسير، أما الفلسفة المثالية، وإن ~~شئت فقل الشعور الفياض والحدس الصافي - كما تراهما في «إمرسن» وفي ~~«ثورو» - فترى أن وراء هذه ms051 الظواهر التي يقف عندها العلم، قوة عليا ~~توجه ما في الكون من مادة وطاقة إلى ما ينبغي لها أن تكون. # إن «ثورو» - مثل «إمرسن» - يرى أن الحياة بكل ضروبها تسيرها ~~نواميس معلومة مرسومة تشمل بسلطانها كل شيء، ولكنه يأبى أن يصف تلك ~~النواميس بالآلية العمياء؛ لأنه يؤمن أنها شاعرة بما تفعل، ويشرف ~~على فعلها قوة عليا تسع كل موجود في الوجود، فليست تلك القوة خالقة ~~لما في الكون وكفى، بل إنها لا تنفك مدبرة له ومنظمة. # انظر إلى «ثورو» وقد ارتقى قمة الجبل يرقب السماء وأفلاكها، ~~والأرض وأشجارها، ويلحظ الأطيار سابحة في الفضاء وصنوف الحيوان ~~ساعية رائحة غادية، فيحتدم في صدره الشعور القوي بوجود ذلك الروح ~~الأعلى الذي يعرف كل شيء؛ لأنه خلق كل شيء، بل هو هو كل شيء! ولقد ~~شهد على مسرح الطبيعة - فيما شهد - المعارك الحامية تنشب بين طوائف ~~النمل، ورأى أمهات الحيوان تقذف بصغارها للكلاب العادية وراءها ~~لتنجو بنفسها، ولكنه رغم هذا الجانب المعتم القاتم من الحياة يصيح ~~قائلا: «ومع ذلك فإني أومن بحكمتك يا رباه!» # 35 # لقد أخذ «ثورو» يجوس خلال الطبيعة ويجوب أنحاءها، إن الإنسان ~~تربطه بسائر الطبيعة أوثق الصلات، فلئن كان هذا الإنسان جزءا من ~~بناء اجتماعي فما ذلك من حقيقة حياته سوى عرض تافه، وأما لباب ~~حقيقته فهو أنه جزء من الطبيعة بأوسع معانيها، أليس الإنسان وليد ~~الأرض؟ ألا يأكل ما تهيئه الأرض من لحم وخضر؟ ألا يسكن شطآن ~~الأنهار ويسبح بسفائنه فوق متون البحار؟ ألا يستضيء بالشمس ~~ويتنفس الهواء، ويحدق بنظره في السماء ونجومها؟ إنه إذا عضو في ~~هذا الكون الفسيح، إنه جزء من الطبيعة لا يتجزأ. # وإذا كان الإنسان أخا لهذا النبات والحيوان وسائر ما في الوجود ~~من كائنات، فلماذا لا يسعد في حياته كما تسعد؟ إن «ثورو» متفائل ~~يحب أن يرى الأشياء كما هي، فهي على هذه الصورة القائمة جميلة ~~كفيلة بإسعاد الناس لو شاء الناس لأنفسهم السعادة، فلا تنفق حياتك ~~انتظارا للجزاء، لا تنظرن إلى الحياة جهادا مضنيا ms052 وعبئا ~~ثقيلا، بل استمتع بها ففيها سحر وفتنة وجمال، إن الحيوان والنبات ~~سعيد حين يقوم بما يقيم له الحياة، فهو سعيد حين يغتذي، وسعيد حين ~~ينمو، وسعيد حين يحس، فماذا يمنع الإنسان أن يسعد بوظائف الحياة في ~~نفسه؟ ماذا يمنعه أن يسعد بغرائزه حين يشبعها، وبحواسه حين ~~يتملى بها روائع الوجود؟ ولكن «ثورو» يجيل البصر في الناس من ~~حوله، فتشيع في نفسه الحسرة والأسى، إن هؤلاء الناس لتضل بهم ~~السبيل حين ينشدون السعادة لأنفسهم، إنهم يبحثون عنها في الثروة ~~العريضة والطعام الغزير، إنهم يطلبونها في أسباب الراحة والخمول، ~~فهم - إذن - يبحثون عن السعادة فيما يعطل الحياة ويعوقها، فوالله ~~لقد فشل المسعى وخاب الرجاء، فيأيها الإنسان احتذ النبات والحيوان ~~إن أردت عيشا رغيدا، أشبع غريزة الجوع بالقوت، ولكن لا تسرف، ~~وتدثر بالثياب، ولكن لا تكثر، واتخذ لنفسك المأوى، ولكن لا تغال ~~ولا تبالغ. # يقول «ثورو» في الطبيعة العاقلة ما يلي: ~~«ما أسرع ما تصلح الطبيعة ما يحدثه الإنسان فيها من عطب، إن ~~جذ الإنسان شجرة وخلفها جذعا داميا سارعت الطبيعة إلى نجدتها ~~بكل ما لها من فنون الكيمياء، لتستر ذلك الجذع الأبتر في رفق ~~بثوب جديد، وما تزال بها تضيف إليها اللفائف الخضراء، حتى تعود ~~آية تفتن عشاق الطبيعة من جديد. # إن هذه الأرض التي أطؤها بأقدامي ليست كتلة من جماد موات، إنها ~~جسد له روح، إنها كائن حي ... إن للطبيعة أمعاءها، إنها أم ~~الإنسانية، أبذر فيها البذور تترعرع نباتا، إن الطبيعة تبذل جهدها ~~لتطعم الإنسان، إنها تطعم العقل والجسم جميعا فتغذو الخيال كما ~~تغذي الجسد ... إنها ليست جميلة في عين الشاعر وحده، وليس الرائع من ~~آياتها غروب الشمس وقوس قزح وكفى، بل لأن تطعم وتلبس الثياب، وتأوي ~~إلى مأواك، وتصطلي دفء المدفأة، كل ذلك آيات روائع وبواعث على ~~الإلهام. # منك أيتها الأرض نشأت مفاصلي وعظامي، وأنا لك أيتها الشمس أخ ~~شقيق ... وإلى هذا التراب سيعود جسدي جذلان فرحا، سيعود إلى حيث بدأ ~~... إنني منك.» # 36 # هكذا نرى «ثورو» عميقا في ms053 روحانيته وتدينه، ومع ذلك فلم يبلغ ~~أحد ما بلغه «ثورو» من مهاجمة الكنيسة ونظمها وتقاليدها؛ لأن الروح ~~- في اعتقاده - تختنق في جو النظام والتدريب، إنه مسيحي بتقديره ~~الخالص لما في حياة المسيح من جمال وكمال، عقيدته لا تحتاج إلى ~~لاهوت وكهنوت، فحسب المؤمن أن يتبصر في السماء وألا يقيم ~~الحواجز الحائلة بين بصره وبين السماء، وما المذاهب الدينية ~~المختلفة إلا هذه الحوائل التي تعوق وصول الإنسان إلى ربه، المسيحي ~~الصحيح النفس لا يريد كنيسة يرتادها، بل ينهض بفرديته كما فعل ~~المسيح، وما حاجة السليم المعافى إلى كنيسة هي بمثابة المستشفى ~~لأرواح المرضى؟ إنها - كمستشفيات الأجساد - مليئة بالتدجيل ~~والخداع، إنه ينظر إلى مرتادي الكنائس نظرته إلى من اعتل ~~واسترخى، ولم يعد يؤدي عملا مفيدا، حتى ليعد الكنائس مهربا ~~للفارين من وجه الحياة النشيطة العاملة، ألا إن الفضائل كما يفهمها ~~الناس لأبعد الأشياء عن الفضيلة بمعناها الدقيق، خذ الإحسان مثلا؛ ~~فنحن - في رأيه - حين نحسن إنما نهدم أنفسنا، ونهدم من نحسن إليهم ~~على السواء؛ لأننا نهدر إنسانية من نعطيه إحسانا حين نحول بينه ~~وبين أن يكون إنسانا كاملا يعتمد على نفسه، ونهدر إنسانيتنا ~~كذلك؛ لأننا نغذي في أنفسنا غريزة السيطرة حين نعطي الفقير، وهل ~~تمتد يدك بالإحسان إلا مدفوعا برغبة خفية في أن تعلو غيرك ~~وتسيطر عليه؟ # لا بد لكل فرد - في رأي ثورو - أن يعمل كل يوم عملا كبيرا أو ~~صغيرا؛ لأن الترف والكسل معناهما الموت، وهذا العمل اليومي ~~المحتوم على كل فرد عمل عضلي يساهم به في وسائل التعمير، وليس ~~العمل الجسدي عنده بمقصور في نفعه على الجسد وحده، ولكنه وسيلة ~~لتهذيب الفكر الذي يجب أن يبلغ به صاحبه منزلة يستطيع معها أن ~~يندمج في الطبيعة ... وتلك هي العبادة. ~~«كم من الناس يظن بنفسه أنه يقوم بأعظم الخدمات؛ لأنه ينفق المال ~~في وجوه الإحسان، المال الذي كسبه سواه! هؤلاء الذين لا ينتجون ~~شيئا تراهم مترفين وهم أشد الناس إلحاحا في الطلب، وأعلاهم ~~صياحا بالشكوى حين لا يظفرون بما يشتهون ... إنهم ms054 يعلقون - كالمنهوم ~~- بالأحياء فيمتصون عصاراتهم امتصاصا، إن ثلاثة أو أربعة من هؤلاء ~~الأموات يعلقون بكل إنسان عامل، ثم يحسبون أنهم قد أدوا للمجتمع ~~أجل المآثر؛ لأنهم اعتمدوا في عيشهم على ذلك المسكين، وبعدئذ ~~تراهم يملئون الكنائس، فليس لديهم ما يعملونه سوى أن يرتكبوا ~~الخطيئة، ثم يكفروا عنها، فكيف تنتظر لهؤلاء المصاصين للدماء أن ~~يكونوا من السعداء؟» # 37 # سبيل النجاة من هذه القيم الفاسدة كلها هو تقويم الفرد ليعيش ~~حرا مستقلا، وإنه لناقم أشد النقمة على تربية الناس لأبنائهم ~~فيما يسمونه بالمعاهد أو المدارس، وكلها معاول تقوض الفردية ~~وتهدمها، بدل أن تقيمها وتبنيها، التربية في هذه المعاهد والمدارس ~~- كما يقول «ثورو» - مهزلة وأضحوكة، وحسبك منها أنها لا تعلم أحدا ~~كيف يكسب قوته! إنها تحشو الرءوس بالآراء النظرية التي ابتكرها ~~المجتمع، والتي لا تسمن ولا تغني من جوع، فلا حياة للإنسان إلا ~~باستخدام حواسه وجسده، ولكن الناس ممعنون في الخطأ، فتراهم ينشدون ~~الإصلاح، ولكن أي إصلاح يريدون؟ إنهم يسعون إلى الزيادة من ترف ~~الإنسان وراحته، ولكنه يوجه السؤال إلى هؤلاء المصلحين: ما غناء ~~الإصلاح في أسباب الحياة المادية إن ظلت نفس الإنسان على حالها؟ ~~ماذا يفيدنا تغيير وجه الأرض إن لم نغير ما بأنفسنا حتى تعتدل ~~عواطفنا وتستقيم؟ إنه ليستحيل على إصلاح مادي أن تقوم له قائمة إلا ~~إن سبقه إصلاح فردي باطني، ولكنا نعود فنقول: إنك إن قومت باطن ~~الإنسان، فما أتفه ظواهر الحياة المادية بعد ذلك! # الفصل الثالث # | الفيلسوف يؤيد الشاعر # (1) «بوردن باركر باون» # 1 # وتوكيد الذات الإنسانية # كان «إمرسن» وكان «ثورو» يعبران عن الاتجاه المثالي تعبير شاعر ~~ينطق لسانه بما يخفق به قلبه، فيجيء القول فياضا بالعاطفة جياشا ~~بالشعور، تقرأ لهما فتحس أنك إزاء لمعات من الضوء، وقبسات من ~~الإلهام، فعلى الرغم من أنهما كانا يصدران فيما ذهبا إليه عن أصول ~~من الفلسفة المثالية انتقلت إليهما - وإلى معاصريهما في أمريكا - ~~في الأعم الأغلب عن طريق ما كتبه الشعراء الإنجليز عندئذ - وبخاصة ~~كولودچ - عن الفلاسفة المثاليين من الألمان، وعن هيجل ms055 بصفة خاصة، ~~أقول: إنه على الرغم من أن «إمرسن» و«ثورو» كانا يصدران عن أصول من ~~الفلسفة الألمانية المثالية، إلا أنهما اكتفيا من تلك الفلسفة ~~بما أوحت به إلى نفسيهما، ولم يدرساها دراسة تفصيلية عميقة، كلا، ~~ولا هما قد أخذا نفسيهما بكتابة فلسفية منطقية تجعل من الفكر ~~نسقا مرتبط الأطراف متصل الأجزاء، أو - إن شئت - فقل إنهما تناولا ~~الفلسفة كما يتناولها الهواة لا كما يتناولها المحترف، فكان لا بد ~~أن تكمل الحركة الفلسفية المثالية بفلاسفة محترفين يضعون الفكرة ~~المقصودة في الأسلوب الذي ألفته الفلسفة، وهو الأسلوب الذي يوجه ~~الخطاب إلى العقل، ومنطقه لا إلى القلب ومشاعره. # والفلسفة المثالية - في اختصار - هي الفلسفة التي تحاول أن تبين ~~أن أي شيء يستحيل تصور وجوده إلا على صورة فكرية أو عقلية، أي إن ~~الأشياء التي نظن أنها مادية وقائمة خارج عقولنا، إن هي في واقع ~~الأمر إلا كائنات عقلية في رءوسنا، وكيف يمكن أن يكون الأمر غير ~~ذلك ما دمت لا أستطيع لأي شيء إدراكا إلا بعد أن يتحول إلى ~~فكرة في عقلي، وما دام قد تحول إلى فكرة فليس هو عندي بالشيء ~~المادي مهما دلت ظواهر الأمر على غير ذلك، فالحق أن الفلسفة ~~الحديثة كلها تدور حول هذه المشكلة، وهي: إذا كان الإنسان عقلا ~~وجسما، أو إذا كان الكون كله عقلا ومادة، ثم إذا كان العقل ~~والمادة مختلفين في طبيعتهما، فطبيعة العقل هي أن يفكر وطبيعة ~~المادة هي أن تشغل حيزا من مكان، فكيف يمكن للعقل أن يعرف المادة؟ ~~كيف يمكن للعقل أن يعرف الأشياء؟ كيف تكون الصلة بينهما مع أنهما - ~~كما رأيت - مختلفان اختلافا بعيدا؟ وفي الإجابة عن هذا السؤال ~~تجد من الفلاسفة من يحاول أن يبقي لكل من العقل والمادة طبيعته، ~~ثم يحاول أن يصل بينهما على نحو ما، ومنهم من يحاول أن يحول ~~أحدهما إلى طبيعة الآخر، فالماديون - من جهة - يقولون إن العقل في ~~الحقيقة إن هو إلا المخ والجهاز العصبي، ولما كان هذان من مادة ~~فالاتصال بينهما وبين الأشياء ms056 المادية الأخرى لا إشكال فيه، إذ ~~الأمر كله لا يزيد على ذرات مادية تتحرك في المكان، والمعرفة ~~نفسها ليست إلا اهتزازات في ذرات المخ والجهاز العصبي، والمثاليون ~~- من جهة أخرى - على عكس ذلك، يحولون المادة إلى عقل؛ إذ يقولون ~~إن ما نظنه مادة ممتدة هو في الحقيقة أفكار في عقول مدركيها، ~~المثالية لا تنكر وجود الأشياء كما هو شائع عنها، بل تقرر وجودها، ~~وغاية ما في الأمر أنها تجعل وجودها عقليا لا ماديا. # والمتدينون المؤمنون بوجود الله، والمرتفعون بقيمة الإنسان ~~ومكانته في الكون، حريون أن يكونوا في فلسفتهم من المثاليين؛ لأنهم ~~لا يريدون للعالم أن يكون كتلة من مادة بغير روح إلهي أعلى يحيط ~~بكل شيء علما، أي يجعل كل شيء فكرة معلومة، ولا يريدون للإنسان ~~أن يكون جسما كسائر الأجسام بغير عقل يدرك به نفسه، ويدرك به ~~الأشياء من حوله؛ ولذلك ترى الفلسفة المثالية أكثر شيوعا وأقرب ~~إلى القلوب من الفلسفة المادية العلمية، أو قل إنه كلما غمرت ~~الإنسان موجة علمية تهتم بالمادة وظواهرها، كان الأرجح أن يتلوها ~~رد فعل من فلسفة مثالية تؤكد الروح - أو العقل - وأصالته في ~~الكون عامة، وفي الإنسان خاصة، هكذا حدث في النصف الأول من القرن ~~التاسع عشر، فبعد التطرف إبان القرن السابق له في التمسك بالعلوم ~~الطبيعية وما يتفرع عنها، وفي الفلسفة التجريبية التي ترد علم ~~الإنسان كله إلى أصول حسية جاءت من هذه الحاسة أو تلك، قامت موجة ~~مثالية تعلي من شأن الروح الإلهي والروح الإنساني معا، ثم لم يكد ~~ينتصف القرن التاسع عشر حتى أخذت النزعة العلمية تظهر من جديد، ~~متمثلة في نظرية التطور التي تفسر الكون - لا بأنه من صنع خالق ~~خلقه دفعة واحدة، بل تفسره بتطور ينمو به على مر الزمن، وتفسر ~~الإنسان - لا بأنه كائن ذو مكانة فريدة في الكون إذا ما قيس إلى ~~سائر الكائنات، بل تفسره بأنه حلقة من حلقات التطور لا يختلف عن ~~سائر الحلقات إلا في ترتيب ظهوره، فكان حتما أن تنهض الفلسفة ~~المثالية ms057 مرة أخرى لتعود إلى توكيد الروح الإلهي والروح الإنساني ~~معا كما فعلت أول مرة، لكنها في المرة الأولى قد تعهدها هواة من ~~الشعراء، وفي المرة الثانية تولاها محترفون من الفلاسفة، وإنه ~~لمما يلفت النظر أن ذلك بعينه ما حدث في إنجلترا أيضا، ففي ~~إنجلترا - كما في الولايات المتحدة - تتابعت موجتان من الفلسفة ~~المثالية إبان القرن التاسع عشر، أولاهما في نصفه الأول، وثانيتهما ~~في نصفه الثاني، وفي إنجلترا - كما في الولايات المتحدة - تعهد ~~المثالية في المرة الأولى هواة من الشعراء، على رأسهم «كولردج» في ~~إنجلترا، و«إمرسن» في الولايات المتحدة، وتولاها محترفون من أساتذة ~~الفلسفة في المرة الثانية، أمثال «برادلي» و«جرين» في إنجلترا، ~~و«باون» و«رويس» في الولايات المتحدة، وعن هذين سندير الحديث، أما ~~«باون» فقد كانت النفس الإنسانية نقطة ارتكازه، وأما «رويس» فقد ~~جعل الروح المطلق، أو الله، محور تفكيره. # التجريبية هي الصفة الغالبة على الفلسفة الإنجليزية منذ عصر ~~النهضة الأوروبية حتى اليوم، فعلى الرغم من موجات مثالية تظهر في ~~مجرى الفكر الإنجليزي هنا وهناك، إلا أن الكثرة العظمى من فلاسفة ~~الإنجليز كانت تؤمن بالتجريبية، وبأن المعرفة مصدرها الحواس، ~~والعلم أساسه المشاهدة والتجارب، هكذا كان «بيكن» و«لوك» و«هيوم» ~~في القرنين السابع عشر والثامن عشر، ثم هكذا كان «مل» و«سبنسر» في ~~القرن التاسع عشر، ولو سلمنا مع هذا الاتجاه التجريبي بأن معرفتنا ~~بالعالم الخارجي قد جاءت إلينا عن طريق حواسنا، لنتج عن ذلك ~~بالضرورة أن نسلم كذلك بأن المعرفة تأتينا مجزأة، ويتلقاها عقل ~~قابل لا يسعه إلا أن يتلقى ما يعطى إليه كأنه آلة تصوير لا تملك ~~سوى أن تصور ما يبعثه إلى لوحتها الشيء المصور، نعم إنه لو كانت ~~الحواس وحدها هي مصدر علمي بالعالم الذي حولي، لكان علمي بالعالم، ~~بل علمي بالشيء الواحد، سلسلة من إحساسات يتبع بعضها بعضا، فلست ~~أعلم عن هذه المنضدة - مثلا - إلا حالات متعاقبات، جاءت كل حالة ~~منها إلى حاستي، بصرا كانت تلك الحاسة أو لمسا أو غير ذلك، في ~~لحظة معينة، ثم أعقبتها الحالة التي تليها ms058 في اللحظة التي تليها ~~وهكذا، وإذن فسيكون الأمر في معرفتي بالشيء، بل سيكون الأمر في ~~معرفتي بنفسي، كالأمر في شريط السينما حين يصور الشيء الواحد في ~~سلسلة من الصور متعاقبة. # لكن ذلك التفكك في معرفتي بشيء ما، إنما يأتي افتراضه من افتراض ~~ألا عقل وراء الحواس يتلقى ما يجيء منها ليتناوله بالتنظيم ~~والتجسيم - إن صح هذا التعبير - لو كانت حواسي وحدها هي التي تدرك ~~البرتقالة التي أمامي - مثلا - لاقتضى ذلك أن تكون البرتقالة في ~~ذهني أشتاتا من إحساسات: إحساس جاء عن طريق العين، وإحساس عن طريق ~~اللسان، وثالث عن طريق الأنف، ورابع عن طريق اللمس وهكذا، لكن لا، ~~ليس إدراكي للبرتقالة هو على هذا التفكك والتجزئة، فماذا يتناول ~~الأشتات في داخلي ليضم بعضها إلى بعض، بحيث تتكون منها «برتقالة»؟ ~~إنه عقلي الفاعل الذي لا يقف عند حدود القابلية لما يجيء إليه، بل ~~هو نشيط فعال ينظم أجزاء الخبرة في تيار واحد متصل، شيء كهذا هو ~~ما يقوله «باون»، مؤكدا لوجود الذات الإنسانية باعتبارها كائنا ~~قائما بذاته، غير الحالات الحسية الواردة إليها من الخارج، وإذن ~~فهنالك جانبان: الرسائل الواردة إلينا عن الأشياء المحيطة بنا، ~~والنفس، أو الذات، أو العقل الذي ينظم هذه الرسائل في معرفة ~~متصلة متماسكة متسقة الأجزاء، ولم يزد «باون» في هذا القول عن ~~عقيدة رجل الشارع حين يؤمن بأن له عقلا غير المعطيات الحسية، وحين ~~يؤمن كذلك أن هذه المعطيات الحسية - أو بمعنى آخر أفكارنا عن ~~الأشياء الخارجية - إنما تشير إلى أصول لها في العالم ~~الخارجي. # ولذلك فلا غرابة أن يطلق «باون» على فلسفته اسم «التجريبية ~~المثالية»؛ لأنها في الحقيقة تؤكد الذات العارفة من جهة، لكنها ~~تعتمد على الرسائل الحسية من جهة أخرى، وهو ما يذكرنا طبعا ~~بفلسفة «كانت»، لولا أن «باون» يأخذ على «كانت» أنه حصر قدرة الذات ~~العارفة على ظواهر الأشياء دون حقائقها في ذاتها، وذلك حد من ~~قدرتها لا يرضي «باون»، فما ليس يقع في وعي ما، لا وجود له، وكل ما ~~في الوجود من ms059 كائنات لا يخرج عن كونه إما ذاتا عارفة أو فكرة ~~معروفة للذات. # ولولا افتراضنا لوجود ذات أو نفس في الإنسان لانفرط وجوده إلى ~~سلسلة متتابعة من حالات لا رابط بينها، كخرزات العقد ينسل منها ~~خيطها الرابط، إذ ما الذي يجعل حالات الماضي جزءا مني إذا لم تكن ~~هناك نفس تمسكها بالذاكرة لتجعلها هي والحاضر معا مكونات لشخصي؟ ~~إنه لولا أن لي ذاتا قائمة مستمرة لما كنت اليوم نفس الشخص الذي ~~كان بالأمس، فهذا العنصر الذي يجعل مني إنسانا واحدا خلال ~~التغيرات هو ذاتي أو هو نفسي، لكن افتراض وجود النفس أو الذات في ~~الإنسان لا يستدعي أن نفترض مثل ذلك في الأشياء الجوامد، فليس هناك ~~ما يمنع من القول عن هذه المنضدة مثلا إنها حالات يأتي بعضها في ~~إثر بعض دون أن يكون هنالك نواة عنصرية باطنية تمسك بهذه الحالات ~~كلها لتجعل منها شيئا واحدا، وإذن ففي رأي «باون» أن افتراض وجود ~~النفس العنصرية في الإنسان محتوم علينا لما نراه في خبراتنا من ~~وحدة واتصال كانا يستحيلان بغير ذلك الافتراض، أما بالنسبة للأشياء ~~فليس ثمة ما يدعو إلى ذلك. # 2 # لكننا مع ذلك ترانا مدفوعين دفعا إلى افتراض الوحدة الذاتية في ~~الأشياء، فمن العسير على إدراكنا الفطري أن يعتقد بأن هذه المنضدة ~~التي أمامي ليست هي منضدة الأمس، فما الذي يحملنا على الظن بأن ~~الشيء يظل هو هو بعينه خلال التغيرات التي تطرأ عليه؟ يحملنا على ~~ذلك ما نخلعه من أشخاصنا على الأشياء، ففي ذاتي وحدة تجعل من ~~خبراتي الجزئية المفككة خبرة شخص واحد، فتراني أفترض في الشيء ~~المادي الذي أدركه ما أراه في نفسي؛ ومن ثم يقول «باون» إنه خلال ~~الذات يستطيع الإنسان أن يفهم الأشياء وترابطها، أرى في الأشياء ~~فاعلية؛ لأنني أرى في ذاتي فاعلية فأعكسها على الأشياء، وأرى في ~~الشيء الخارجي وحدة رغم تعدد ما يأتيني منه من انطباعات حسية؛ ~~لأنني أرى في نفسي تلك الوحدة فأخلعها على الشيء الخارجي ~~وهكذا. # ذات الإنسان الباطنية هي عالمه وهي ms060 نبراسه الذي يهتدي به في فهم ~~الأشياء، فهي عالمه؛ لأنه يستحيل على الإنسان أن يعرف ما ليس في ~~ذاته، وهي نبراسه؛ لأنه على مبادئ تكوينها يفهم تكوين الأشياء، لكن ~~إذا كان ذلك كذلك، فهل نقول: إن أفراد الناس المختلفين جزر منفصل ~~بعضها عن بعض، كل منهم محاط بجدران ذاته، ولا سبيل إلى ثغرة ~~ينفذ منها ليتصل بفرد آخر؟ لو كان الأمر كذلك لاستحال قيام ~~المجتمع؛ لأن المجتمع أساسه أن يتصل الأفراد بعضهم ببعض، وإذن فنحن ~~بين أمرين: فإما أن نعترف بعنصرية الذات الفردية وتكاملها ~~واستقلالها، وبذلك نجعلها مغلقة على نفسها مستحيلة الاتصال بغيرها، ~~وإما أن نقبل إمكان اتصال ذات بذات، وبذلك نحد من تكامل الذات ~~وتفردها واستقلالها، ويواجه «باون» هذا الإشكال فيلتمس المخرج في ~~القول بوجود ذات - أو روح أو عقل أو نفس - كلية كبرى، ما هذه ~~الذوات الفردية الجزئية إلا أجزاء منها، وبهذا الفرض نحل مسألتين ~~مشكلتين: الأولى أن نرد كثرة الأفراد إلى وحدة واحدة تجعل منهم ~~حقيقة واحدة، والثانية أن نجعل اتصال الذات الفردية بغيرها ممكنا ~~لاشتراكها جميعا في حقيقة واحدة شاملة، إن فاعلية الذات المفردة ~~- ذاتي أو ذاتك - إما أن تكون داخلية كأن تصب تفكيرها على نفسها، ~~أو أن تكون خارجية كأن تتصل بذات غيرها، وليست الفاعلية الداخلية ~~بإشكال؛ لأن الذات عندئذ لا تجاوز حدود نفسها، وتظل محتفظة ~~بفرديتها واستقلالها، لكن الإشكال هو في خروجها عن جدران نفسها ~~للاتصال بغيرها، فها هنا يقول «باون» إن افتراض وجود الذات الكبرى ~~- الله - التي نحن أجزاء منها يجعل هذا الذي نظنه اتصالا خارجيا ~~بين ذات وذات، يجعله فاعلية داخلية بالنسبة للذات الكبرى، وإذن ~~فلو نظرنا إلى الذات الكبرى الشاملة على أنها الحقيقة لما قامت في ~~وجهنا مشكلة خروج الذات عن نفسها كيف يكون، إن أفراد الناس يؤثر ~~بعضهم في بعض، بل وقد يعارض بعضهم بعضا، لكن هذا التضاد بينهم ~~وهذا الانفصال وهذا التجزؤ يذوب كله في عنصر واحد يحتويهم جميعا، ~~وما قد يبدو في عالم الجزئيات تضادا إن هو في ms061 حقيقة الأمر إلا ~~اتساق لو نظر إليه من أعلى، نظرة ترى تفصيلات الوجود كلها دفعة ~~واحدة في كل واحد. # الكون كله - إذن - عقل واحد كبير، عقول الأفراد أجزاؤه، ولولا ~~أننا نواجه بعقولنا الفردية عقلا إذ نواجه الكون، لما أمكن أن ~~ندرك فيما ندركه ارتباطا منطقيا هو بعينه الارتباط الذي نراه ~~قائما بين أفكارنا، أي إنه لو لم يكن الكون عقلا، وكان من عنصر ~~مختلف عن عنصر العقل لاستحال على العقل الإنساني أن يفهم ظواهره ~~وأحداثه؛ إذ كيف له عندئذ أن يفهم ما ليس بينه وبينه شبه؟ # انظر إلى جارك تجد جسما ماديا يتحرك وينطق ويسلك سلوكا تراه ~~بعينك فترى فيه نظاما وتلمس له هدفا وغاية، «فتستدل» من ذلك أن ~~له عقلا يحركه بهذا السلوك نحو تلك الغاية، إنك لم تشهد عقله ~~بعينيك، لكنك تستدله استدلالا مما ترى فيه من سلوك وحركة، وهكذا ~~قل في الكون بأسره: ترى فيه حركة بين أجزائه، ثم ترى في الحركة ~~نظاما واتساقا يهدفان إلى غاية، أفلا تستدل من ذلك أيضا أن وراء ~~هذا الجسم المادي الكبير عقلا كبيرا؟ لو أخذك في هذا العقل ~~الإلهي شك، فحري بك كذلك أن تتشكك في عقل جارك؛ لأن طريقة ~~الاستدلال في كلتا الحالتين سواء. # ولئن كان عقل الفرد الواحد قادرا على إدراك جانب من الكون ~~إدراكا يمكنه من فهمه، فالعقل الكلي قادر على إدراك الكون كله ~~مثل هذا الإدراك، الكون كله نسق عقلي مرتبط الأجزاء، كل جزء يعتمد ~~على سائر الأجزاء وهو في الوقت نفسه ضروري لها، ولكن الفرد الواحد ~~من الناس لا يستطيع أن يرى النسق بأسره دفعة واحدة، وإنما يستطيع ~~ذلك العقل الكوني. # هكذا ترى أن مجرد تسليمك بوجود عقلك أنت، يؤدي بك حتما إلى ~~التسليم بعقل شامل يحيط بالوجود كله؛ لأن كل جانب صغير مما ~~يدركه العقل الفردي دال على أن في هذا الجانب اتساقا عقليا، ~~وفي ذلك إشارة إلى أنه لو رئيت الجوانب كلها معا لتبين أيضا ~~ما بينها من اتساق عقلي، لكن رؤيتها معا ms062 تتطلب عقلا أزليا ~~أبديا؛ لأنها لانهائية بغير حدود، وإذن فلا بد أن يكون هنالك ذلك ~~العقل الأزلي الأبدي العليم بكل شيء، وعلى هذا النحو نفسه تستطيع ~~أن تقيم البرهان على أن الذات الإلهية الكبرى ليست علما مطلقا ~~فحسب، بل هي كذلك خير مطلق وجمال مطلق، استدلالا من الخير الجزئي ~~والجمال الجزئي اللذين يدركهما الفرد في نفسه ؛ لأنه إذا كان علم ~~الإنسان الجزئي بأحد جوانب الكون دليلا على وجود حق يشمل الكون ~~كله، فميل الإنسان إلى الخير الجزئي المحدود بحدود فرديته، وحبه ~~للجمال الجزئي المقيد بقيود خبرته، يشيران إلى خير مطلق يسعى إليه ~~الكون كله، وإلى جمال مطلق سابغ على الكون كله. ~~(2) «جوزيا رويس» # 3 # والمثالية المطلقة # على أن فيلسوف المثالية غير منازع في أمريكا، بل قد يكون فيلسوف ~~المثالية الأول في النصف الثاني من القرن التاسع عشر إطلاقا، هو ~~«جوزيا رويس» (1835-1916م) الذي كان أستاذا للفلسفة في «هارفارد» ~~ونزع نحو المثالية عن دراسة دقيقة عميقة، ثم أنتج فيها عن أصالة ~~وابتكار، ولئن كان «باون» قد جعل اهتمامه الأول بالذات الفردية، ~~فقد أدار «رويس» فلسفته حول «الذات المطلقة» التي تستغرق الذوات ~~الفردية كلها، بل تستغرق الوجود كله في وجودها؛ فهو يذهب إلى أن ~~«الكون بأسره، بما في ذلك عالم الطبيعة، هو في حقيقته كائن حي ~~واحد، هو عقل أو هو روح واحد عظيم» # 4 # وليس في هذا القول - من وجهة نظره - شطح في الخيال، بل ~~هو النتيجة المحتومة للتفكير الدقيق فيما تنطوي عليه وقائع الخبرة ~~البشرية، والفروض التي يبني عليها العلم بناءه، ويطلق «رويس» على ~~هذا الروح الواحد العظيم أسماء مختلفة؛ فهو «الله» وهو «المطلق» ~~وهو «مفسر العالم» وهو «اللوغوس (أو الكلمة)» وغير ذلك من الأسماء، ~~وبديهي أن فيلسوفا يرى أن قوام الكون عقل محيط بكل شيء، أو نفس ~~كبرى شاملة، يبدأ بحثه عن ذلك العقل الأكبر بالنظر إلى ما يشبهه في ~~تكوين الإنسان، أي إنه يبدأ بحثه بالنظر إلى ذات الإنسان الشاعرة، ~~أو عقله، أو روحه، أو نفسه، أو ما ms063 شئت من الأسماء التي تطلق على ~~ما ليس بجسد في تكوين الإنسان. # إن الإنسان ليعتمد في ذاته الشاعرة على الذاكرة وعلى الخيال، ~~لكي يجعل من تلك الذات كائنا واحدا رغم تعدد خبراتها، فلولا ~~الذاكرة لما استطاع الإنسان أن يحتفظ بشيء من ماضيه، ولا نحصر ~~وجوده الشعوري في إدراك اللحظة الحاضرة الراهنة، ولما كان الإدراك ~~الراهن يتغير لحظة بعد لحظة ؛ فهو إذن - لو اقتصر على الإدراك ~~الحاضر وحده - إنسان جديد في كل لحظة زمنية، ولا يكون بين حالاته ~~المتتابعة خيط يربطها، يربط الماضي بالحاضر، ليكون من السلسلة ~~إنسانا واحدا بعينه وذاته، كذلك إذا لم يستطع الإنسان أن يفرق ~~بين ما يتخيله وبين إدراكه الحسي الحاضر لاستحال عليه الإدراك ~~والسلوك؛ إذ لو كان لا فرق عندي بين غرفة - مثلا - أتخيلها ~~وغرفة أراها فعلا وأجلس فيها، لما عرفت كيف أتصرف إزاء الأشياء ~~تصرفا يحفظ لي ذاتيتي العاقلة، فلولا القدرة على التخيل لانحصر ~~الإنسان في لحظته الراهنة - كما هي الحال في الذاكرة - فأنا أدرك ~~ما أدركه الآن من أشياء العالم الخارجي، ثم أدخره بالذاكرة، ثم ~~أستعيده تخيلا، وبذلك تتكون خبرتي على مر الأيام، وبغير ادخار ~~الخبرة الماضية واستعادتها تخيلا، لما زادت معرفة الإنسان عما ~~يراه في اللحظة الراهنة وحدها. # لكن هذه الذاكرة وهذا الخيال - وضرورتهما للحياة العقلية ضرورة ~~محتومة كما رأيت - يجاوزان الحس الراهن، وبذلك تتكون في الشيء الذي ~~أدركه إدراكا حسيا وحدة ما كانت لتتكون لولاهما، فلولا أنني ~~بالذاكرة احتفظت بصورة مكتبي هذا كما رأيته أمس، وبالخيال أتصور ~~هذا الذي رأيته، لما استطعت حين أرى مكتبي نفسه الآن أن أقول: إنه ~~هو هو الشيء الذي رأيته بالأمس، وبفضل الذاكرة والخيال أيضا تتكون ~~وحدة الذات العارفة - كما تكونت وحدة الشيء المعروف - لأنه ~~لولاهما أيضا لكان إدراك كل لحظة زمنية قائما وحده لا يرتبط ~~بإدراك الماضي، وبذلك ينفرط عقد الخبرة، بل لا يبقى منها أبدا إلا ~~حالة واحدة، هي حالة اللحظة الراهنة، ولنا أن نسأل الآن: ما طبيعة ~~هذا الرباط الذي يربط ذاتي العارفة الشاعرة ms064 في وحدة واحدة، ويربط ~~الشيء المعروف كذلك في وحدة واحدة؟ أهو كائن داخلي غيبي قائم في ~~جوفي؟ كلا، هكذا يجيب «رويس»، إنما هو نوع من العلاقات بين أجزاء ~~الخبرة، يجعلها إذا ما ارتبطت على هذا النحو، ذاتا شاعرة ~~بذاتيتها ووحدتها واتصال وجودها. # هذه العلاقات نفسها التي تصل أجزاء الخبرة بعضها ببعض بحيث تجعل ~~منها نسقا واحدا هي ما نسميه في الإنسان الفرد بالذات أو العقل ~~أو الروح، ولأضرب مثلا يوضح الفكرة للقارئ، فأقول: إذا رصصت ~~كرات صغيرة من الحجر على هيئة دائرة، ثم سألت نفسك: ما الذي جعل من ~~هذه الكرات الكثيرة دائرة؟ أهناك - إلى جانب الأحجار - دائرة، أم ~~أن الدائرة هي نفسها الكرات، تكونت حين ارتبطت الكرات بعلاقات من ~~طراز معين؟ هكذا قل في «الذات»، فليست هي شيئا مستقلا عن أجزاء ~~الخبرة التي تأتي فرادى، بل هي العلاقات التي ترتبط بها تلك ~~الأجزاء على صورة معينة؛ بحيث يتألف منها نسق فريد يكون من ~~طبيعته أن يشعر بنفسه، وليس الأمر في هذا مقصورا على ذات الإنسان ~~الفرد، بل هو كذلك الأمر في الذات المطلقة - أو الله - فالله ذات ~~أو عقل أو روح؛ لأن هنالك بين عناصر الكون الأكبر علاقات من نفس ~~الطراز، تجعل ذلك الكون الأكبر وحدة واحدة شاعرة بنفسها، فالنسبة ~~بين كل فرد منا وبين الذات المطلقة هي نفسها النسبة بين خبرة ~~اللحظة الواحدة في حياة الفرد الواحد، وبين مجموعة خبراته التي ~~يتصل بعضها ببعض على نحو يجعل منها ذاتا واحدة، الكون كله عقل ~~واحد كبير شامل؛ لأن أجزاءه تكون نسقا، كما أن الإنسان الفرد ~~ذات واحدة؛ لأن أجزاء خبرته تكون نسقا، وكما أن الذات الإنسانية ~~هي على هذا الاعتبار «مجتمع» من أجزاء مرتبطة على هذه الصورة ~~النسقية الفريدة، فكذلك الله «مجتمع» قوامه أجزاء الكون كلها، وقد ~~اتسقت أيضا على نمط فريد. # لكن الذات الإنسانية على وحدانيتها، تفرق في نفسها بين الذات ~~التي تعرف والذات التي تعمل، والبحث في هذين الجانبين منها هو ~~موضوع أول كتاب كتبه «رويس»، وهو ms065 الكتاب الذي أطلق عليه اسم ~~«الجانب الديني من الفلسفة»، # 5 # فهو في مقدمة الكتاب يفرق في الدين بين وجهين، ~~فالدين من جهة يشرع تشريعا خلقيا؛ أي إنه يضع نظرية للفعل ~~والسلوك، وهو من جهة أخرى يعين حدود الإيمان؛ أي إنه يضع نظرية ~~للمعرفة، فكأنما هو بهذين الوجهين يجيب عن سؤالين: كيف ينبغي أن ~~أسلك؟ وماذا أعرف؟ وقد اختار «رويس» أن يبحث في كتابه هذين ~~الموضوعين على التوالي بحثا يقيمه على ضوء مثاليته التي شرحنا ~~أساسها. # أما كيف ينبغي أن يسلك الإنسان، فجوابه هو أن المثل الأعلى في ~~الأخلاق أن يقوم بين مختلف الإرادات اتساق وتناغم وانسجام، هذا ~~المبدأ صواب بالنسبة للفرد الواحد، وبالنسبة للمجتمع، وبالنسبة ~~للكون كله جملة واحدة، ففي الفرد الواحد إرادات متضاربة - هي ~~رغباته - فقد تريد إرادة منها شيئا تنفر منه إرادة أخرى، والأخلاق ~~المثلى في هذه الحالة هي أن ينسق الإنسان بين هذه الإرادات ~~المتضاربة في وحدة واحدة تجعل منها أجزاء متعاونة على تحقيق هدف ~~منشود، وقل ذلك نفسه بين أفراد المجتمع الواحد، فلكل من هؤلاء ~~الأفراد إرادته، والأخلاق الاجتماعية العليا هي أن يتصرف الإنسان ~~بحيث تتسق إرادات الأعضاء جميعا في تيار واحد ينتهي إلى هدف ~~واحد، وهذه بعينها هي الأخلاقية الإلهية؛ إذ ينسق الله بين أجزاء ~~الكون كلها على نحو يجعل كل ما فيه متعاونا على تحقيق هدف واحد، ~~وقد صاغ «رويس» مبدأه الأخلاقي على غرار ما فعل «كانت» في العبارة ~~الآتية: «اعمل بقدر مستطاعك كما لو كنت أنت هو أنت وجارك في آن ~~واحد، فانظر إلى حياتيكما كأنما هي حياة واحدة.» # 6 # وهو مبدأ - كما ترى - يعبر بصورة أخرى عما عبر ~~عنه المبدأ الديني بقوله: «أحب لجارك ما تحب لنفسك.» ومعنى مبدئه ~~في ضوء مثاليته هو أن يسلك الإنسان إزاء جاره سلوكا يقوم على ~~افتراض أنه هو وجاره لم يعودا شخصين جزئيين منفصل كل منهما عن ~~الآخر، بل اندمجا في وحدة تنسق بينهما مع الإبقاء على كل ~~منهما، أليس ذلك هو نفسه ما تعمله ذات ms066 الفرد إزاء كل جزءين من ~~أجزاء خبرتها؟ أليست تنسق هذين الجزءين على نحو يجعلهما داخلين في ~~وحدة أعم منهما وأشمل، مع الاحتفاظ بهما معا؟ فهكذا أيضا يكون ~~الأمر بين الفردين من الناس، بل بين كل أفراد الناس، أن يعمل ~~الإنسان إزاء سائر الناس كما لو كان هؤلاء الناس أجزاء من ذات ~~واحدة، فيزيل ما بينهم من تضارب لينخرط الكل في وحدة ذاتية ~~واحدة. # وقد كان هذا الاتساق بين إرادات الأفراد ليستحيل لولا أن بينها ~~أصلا مشتركا ووحدة تجمعها، وإذن فلا بد لك من «بصيرة أخلاقية» ~~تنفذ بها إلى صميم الإرادة لترى ما طبيعتها التي تجعل مختلف ~~الإرادات أشباها، وعلى ذلك فالحياة الأخلاقية لا تكتمل إلا بهذه ~~«البصيرة الأخلاقية» جنبا إلى جنب مع المبدأ الذي أسلفنا ذكره، ~~إنه محال علي أن أنفذ هذا المبدأ الذي يقتضيني أن أوفق بين ~~إرادتي وإرادة جاري بحيث أجعل منهما إرادة واحدة، إلا إذا كانت ~~لدي القدرة على إدراك العنصر المشترك بين الإرادتين لأستبقيه ~~وأحذف عناصر الاختلاف، وإدراك العنصر المشترك بين الإرادات إنما ~~يكون بما يسميه «رويس» بالبصيرة الأخلاقية، والبصيرة الأخلاقية عند ~~الناس تتفاوت قوة وضعفا، فإذا ما بلغت درجة الكمال في نفاذها ~~وقوة إدراكها كانت هي البصيرة الأخلاقية التي يتصف بها الله، والتي ~~بواسطتها ينسق مختلف الإرادات في العالم كله دفعة واحدة ليكون منه ~~عالم واحد ذو هدف واحد، فما قد يراه الإنسان المحدود تضاربا في ~~اتجاهات أجزاء العالم، هو في الحقيقة اتساق من وجهة نظر الله الذي ~~يرى كل شيء بلمحة من بصيرته الأخلاقية، فيجعل من كل شيء وجودا ~~واحدا وحياة واحدة. # ولا بأس - بناء على هذه الوجهة للنظر - في أن تختلف جماعات ~~البشر في قواعدها الأخلاقية ما دمنا في النهاية نستطيع أن نضع تلك ~~المختلفات في نسق واحد، كما تساق الألحان المختلفة في نغم واحد، ~~وهكذا يقف «رويس» في «الأخلاق» موقفا وسطا بين مذهبين كانا ~~دائما على طرفي نقيض؛ فقد كان الفلاسفة ينقسمون فريقين إزاء ~~«الأخلاق» ماذا يكون أساسها؟ أتكون مطلقة؛ بحيث تصلح ms067 لكل إنسان في ~~كل مكان وزمان، أم تكون نسبية؛ بحيث يصلح لفريق ما لا يصلح ~~لفريق آخر؟ ويمكن وضع هذا الاختلاف نفسه في صورة أخرى فنقول: ~~أيكون مدار الأخلاق على أداء الواجب الذي يقتضيه المبدأ الثابت ~~الذي لا يتغير، مهما تكن الظروف، ومهما تكن النتائج، أم يكون ~~مدارها على النتائج المترتبة على الفعل، فما تترتب عليه السعادة ~~يكون فضيلة، وما يترتب عليه الشقاء يكون رذيلة؟ هاتان هما وجهتا ~~النظر الأساسيتان في فلسفة الأخلاق، فاستطاع «رويس» أن يوفق ~~بينهما، فالأخلاق مطلقة ونسبية في آن واحد؛ لأن الفرد أو الجماعة ~~قد تتصرف وفق ما تقتضيه ظروفها - وهذه هي النسبية - كل على شرط أن ~~يتكون من مختلف الإرادات ومتضارب الاتجاهات والرغبات كل متسق تتكون ~~منه حياة كونية واحدة - وهذه هي الناحية المطلقة - كذلك استطاع ~~«رويس» أن يوفق بين أن يكون أساس الأخلاق هو طاعة المبدأ، وأن يكون ~~أساسها هو النظر إلى النتائج، بأن جعل الفرد الواحد أو الجماعة ~~الواحدة تتصرف على مبدأ أخلاقي تصرفا يجعل نتائج ذلك التصرف عند ~~الأفراد المختلفين أو الجماعات المختلفة متسقة غير متضاربة، كأنما ~~الكل كائن واحد. # هكذا ينظر «رويس» إلى الأخلاق نظرة اجتماعية لا فردية، إذا طالبت ~~جاري بحقوق وطالبني بحقوق، فما ذاك إلا لأننا معا قطرتان من محيط ~~واحد، وإذا ما حقق كل منا للآخر حقوقه، فما ذاك إلا لأن هناك كلا ~~نريد أن نتسق فيه، فليست الغاية من الحياة الأخلاقية أن يخدم بعضنا ~~بعضا باعتبارنا أفرادا، بل غايتها هي توحيد الكثرة في واحد، ~~وتنسيق التضارب في كل متعاون، قد ينصرف أحدنا إلى تقديم العلم، ~~وينصرف الآخر إلى عالم الفن، وينصرف ثالث إلى الخدمة السياسية، وكل ~~هؤلاء وغير هؤلاء إنما يفعلون ما يفعلونه لا من أجل أنفسهم كأفراد، ~~بل من أجل الوحدة الكلية العليا التي تحتويهم جميعا وتستخدمهم ~~جميعا لتحقيق إرادتها الكلية الواحدة، إن الإرادة الواحدة المطلقة ~~لا تضيق بكثرة الإرادات الفردية؛ لأنها تضمها جميعا تحت لوائها، ~~ولا تضيق بتنوع الأهداف وتباين الغايات بين الأفراد؛ لأنها تجعل ms068 من ~~هذه الغايات والأهداف كلها نهيرات تصب في مجرى واحد عظيم، هو ~~مجراها نحو الغاية الكونية الواحدة، إنها لترحب بكل اختلاف وتنوع ~~بين الناس ليتحقق كل ضرب من ضروب الحياة الممكنة، وبهذه الإمكانيات ~~كلها يقوم بناء واحد لكون واحد متسق منسجم متناغم. # 7 # ومن البحث في «الأخلاق» وكيف ينبغي للإنسان أن يسلك، ينتقل ~~«رويس» إلى الجزء الثاني من بحثه، وهو «المعرفة» ها هنا يهتدي ~~الفيلسوف بمبدأ في وجوب الشك؛ لكي يبلغ اليقين، فعلى الرغم من أن ~~الدين هو موضوع بحثه، فهو لا يرى مانعا، لا بل يراه واجبا أن ~~يلجأ إلى منهج الشك، فنحن بالشك لا ننقض الحق في ذاته، وإن كنا ~~ننقد ما يعتقد الناس أنه الحق، أعني أننا ننقد أفكارنا نقدا يميز ~~صحيحها من باطلها، ولعل أهم طابع يميز التفكير الفلسفي هو أن تشك ~~حتى يدفعك الشك إلى آخر مداه، وإذا بهذا الشك نفسه يلد لك اليقين ~~المنشود. # ذلك أن مجرد اعتراف الإنسان بإمكان الخطأ هو في ذاته دليل على ~~ضرورة الصواب، فلأن يشك الإنسان في صواب أفكاره التي يحملها في ~~رأسه عن العالم الخارجي، يتضمن الاحتمال بأن تكون تلك الأفكار ~~خاطئة، ثم يتضمن بالتالي أنه لا بد أن يكون هنالك فرق بين الفكرة ~~الصائبة والفكرة الخاطئة، ولو لم يكن هنالك هذا الفرق لما كان لشك ~~الإنسان معنى، فإذا ما تبين فيما بعد أن أفكارنا عن العالم صحيحة، ~~كان ذلك برهانا قاطعا على أن هنالك هذا الفرق الذي أشرنا إليه ~~بين ما هو صواب وما هو خطأ، وإلا لما عرفنا كيف نثق بعد البحث أن ~~فكرة من أفكارنا صواب، وكذلك يقوم نفس البرهان القاطع على وجود ~~الفرق بين الفكرة الصائبة والفكرة الخاطئة لو أننا انتهينا من بحث ~~أفكارنا إلى أنها خاطئة، أريد أن أقول: إننا إذا شككنا في صحة ~~أفكارنا، ثم إذا علمنا بعد البحث أن أفكارنا صواب أو أنها خطأ، ففي ~~كلتا الحالتين برهان على أن هنالك ما يميز الخطأ من الصواب، وإذن ~~فهذه في ذاتها بين ms069 أيدينا حقيقية ضرورية مطلقة لا يتطرق إليها ~~الشك؛ لأنها نتيجة تنتج لنا من كلا الطريقين معا: من طريق إثباتنا ~~لما نعرف، ومن طريق إنكارنا لما نعرف، فليس صوابا - إذن - ما ~~يزعمه الزاعمون بأن المعرفة البشرية كلها نسبية، وأنه ليس هنالك من ~~الحق ما هو مطلق لا يتغير صوابه بتغير الظروف؛ لأنه لو كان الحق ~~يتغير من إنسان إلى إنسان آخر، لما وجدنا عبارة يتفق كل إنسان ~~على صدقها الضروري، لكن ها نحن أولاء قد استولدنا عبارة من عملية ~~الشك نفسها وهي: «أن هنالك فرقا بين حالتي الصواب والخطأ»، إن أشد ~~منكر للحق المطلق لا بد أن يثبت ذلك الحق المطلق من إنكاره نفسه؛ ~~لأنه سيقول عبارة كهذه: «ليس هنالك حق مطلق.» وستكون هذه العبارة ~~عنده حقا مطلقا، فكأنما هو يقول - إذن: «أن ليس هنالك حق ~~مطلق إلا عبارة واحدة هي قولنا بأنه ليس هنالك حق مطلق.» # 8 # وما دام فيلسوفنا قد اطمأن إلى الأساس، اطمأن إلى أن الوصول ~~إلى الحق المطلق ممكن؛ فقد أخذ بعد ذلك يبحث عما عساه أن يكون ~~حقا في علمنا بالكون، فمن ذلك أنه يرى استحالة أن يكون العالم قد ~~نشأ في الواقع نشأة مادية أول الأمر، ثم أنشأ بعد ذلك عقولا ~~تدركه؛ لأن العالم والعقل الذي يدركه وجهان لحقيقة واحدة ومحال ~~تصور أحدهما بغير الآخر، محال أن يكون هنالك شيء ما دون أن يكون ~~معه في الوقت نفسه ذات تعرفه، ولو كان صوابا أن المادة قائمة أو ~~يمكن أن تقوم بذاتها مستقلة عن أي عقل يدركها، فكيف يمكن لإنسان ~~أن يدرك هذه الحقيقة؟ كيف يمكن لإنسان أن «يعرف» (والمعرفة حالة ~~عقلية) بأن هنالك شيئا خارج عقله موجودا وجودا مستقلا بغض ~~النظر عن إدراك عقله له أو عدم إدراكه؟ إن مجرد كون الشيء موضوعا ~~لحكمك بأنه كذا وكذا، يجعله فكرة في عقلك، # 9 # وفي هذا نقد لكل من يزعم بأن في العالم جوانب يستحيل ~~على الإنسان إدراكها، ففيه نقد ل «كانت» ومذهبه القائل بأن الإنسان ~~يعرف ms070 من الأشياء ظواهرها، أما «الأشياء في ذاتها» فمستحيلة ~~الإدراك، وكذلك فيه نقد ل «هربرت سبنسر» في رأيه القائل بأن وراء ~~العالم الطبيعي جانبا مستحيل على الإنسان معرفته، كل هذه مزاعم - ~~في رأي «رويس» - تنقض نفسها؛ لأن مجرد حكمك على أي شيء، مهما يكن ~~نوع ذلك الحكم، هو في ذاته دليل على أن ذلك الشيء قد أصبح جزءا من ~~فكرك. # ومن البراهين التي يسوقها «رويس » على مثاليته، يسوقها ليؤيد بها ~~أن العالم عقل مطلق، ونحن الأفراد بعقولنا أجزاء من ذلك العقل ~~المطلق المشترك بيننا، أقول: إن من براهينه على ذلك برهانا قويا ~~رغم سهولته، فأولا كيف أعرف أن ما أمامي الآن منضدة؟ إني أعرف ذلك ~~- كما أسلفنا القول - بإدراكي الحسي الحاضر مضافا إليه إدراكاتي ~~السابقة التي احتفظت بها في الذاكرة، والتي أستطيع استعادتها ~~وتصورها تخيلا؛ أي إنني حين أعرف أن هذه منضدة لا أعتمد فقط على ~~إدراك اللحظة الحاضرة، بل لا بد من مجاوزتها إلى خبرة الماضي ~~أستعين بها لأعرف ماذا أمامي، وإلا فلو اكتفيت بإدراكي الحسي ~~الحاضر وحده لما كان هنالك فرق بيني وبين الطفل الرضيع، وهو ينظر ~~إلى المنضدة، ولا يعرف ماذا يرى، وإذن فلا بد من الاستعانة في ~~إدراكي للأشياء بالمحصول المدخر في نفسي من خبرات الماضي، فافرض ~~أنني وإياك قد نظرنا إلى منضدة بعينها، واختلفنا على شيء فيها، ~~كأن نختلف - مثلا - على نوع الخشب الذي صنعت منه، أما أنا فأقول ~~إنها من خشب الزان، وأما أنت فتقول: إنها من خشب البلوط، فكل منا ~~إنما يستمد حكمه من خبراته الماضية، أي يستمده من داخل نفسه، من ~~حصيلته الفكرية التي لا يراها أحد في الدنيا سواه، وإذن فنحن إذ ~~نختلف فيما بيننا، إنما نقيم اختلافنا على أساس أن هنالك - خارج ~~عقلك وعقلي - حقيقة موضوعية، هي المنضدة ذات الطبيعة المعينة، ~~لكننا يستحيل أن نلتقي على موضوع مناقشتنا إذا لبث كل منا ~~مقتصرا على عقله الفردي وحده؛ لأن كلا منا عندئذ سيكون بمثابة ~~المغلق على نفسه بين جدران برجه، ولا سبيل ms071 إلى الالتقاء بين ~~المتناقشين، إذن لا بد أن تكون المنضدة الخارجية وأنت وأنا جميعا ~~أجزاء من شيء واحد يحتوينا، وبذلك يمكن لنا أن نلتقي معا على ~~موضوع لا هو جزء من عقلك ولا جزء من عقلي، فنحن الثلاثة فكرات في ~~عقل مطلق، وعندئذ تكون المنضدة في حقيقتها الموضوعية فكرة في ~~العقل المطلق، يمكن لي ولك أن نصحح عليها أفكارنا عنها. # ويميز «رويس» بين نوعين من المعرفة؛ المعرفة بالإدراك المباشر، ~~والمعرفة بالوصف، فأنا أعرف بياض الورقة التي أمامي بإدراكي ~~المباشر لها، وأحس الألم في ضرسي بإدراكي المباشر له، وهكذا أحس ~~جمال الشيء الجميل كما أدرك الخير في الفعل الفاضل، وأما المعرفة ~~بالوصف فهي تلك التي نعبر عنها بكلمات اللغة وعباراتها، إن ~~المعرفة بالإدراك المباشر محال نقلها من شخص إلى شخص، إذ كيف ~~يمكنك أن تنقل إلي ألما تحسه، أو جمالا تراه، أو لونا ينطبع ~~على شبكية عينك أو ضغطة على أصابعك؟ فماذا تصنع لو أردت أن تنقل ~~إلي خبراتك هذه؟ إنك عندئذ تلجأ إلى كلمات تقولها، لكن الكلمات ~~ليست هي إحساسك المباشر، وإذن فالمنقول إلي منك ليس هو خبرتك ~~المباشرة كما خبرتها، بل رموز لفظية تشير إليها، وتدل عليها فقط، ~~حاول مثلا أن تنقل إلى من تتحدث إليه، خبرتك المباشرة عن صديق ~~تحبه، فماذا في وسعك سوى أن تمضي في وصفه جهد استطاعتك، فتذكر له ~~طوله ووزنه وعمره ولون بشرته، وطريقة نطقه بالكلام، وطريقة مشيته، ~~وتناوله الطعام، وأنواع الثياب التي يرتديها وهكذا وهكذا، لكن ~~يستحيل أن تستنفد هذه «الأوصاف» صديقك، بل سيظل في نفسك منه جوهره ~~وصميمه، سيبقى في نفسك منه ذلك الجزء الذي جعله عزيزا لديك، وجعله ~~فردا متميزا بطبيعته، سيبقى ذلك الجزء مستحيلا على الوصف ~~بالكلمات. # وهكذا قل في سائر المدركات، فلكي يتبادل الناس المعارف بينهم، ~~تراهم يلجئون إلى وصف ما يمكن وصفه مما يعلمونه، على أن يبقى ~~دائما في نفوسهم مما يعلمونه جزء، هو إدراكهم المباشر الذي يحسونه ~~من الشيء موضوع علمهم، دون أن يستطيعوا نقله إلى سواهم. ms072 يختار ~~الناس في تبادلهم العلم بالأشياء، جوانبها التي يمكن قياسها، ويمكن ~~وصفها، ومن ذلك يتكون «علم» بالعالم من هذه الجوانب الممكنة ~~الوصف وحدها، لكنه بالبداهة «علم» مجرد، جردناه من الأشياء، ولم ~~نستنفد به الأشياء من كل أقطارها ونواحيها، لقد جردنا من الأشياء ~~بعض جوانبها، وتركنا في أنفسنا منها جوانب، جردنا منها «الظواهر» ~~التي تخضع للعدد وللقياس وللوصف وللتحقيق بالمشاهدات العلمية ~~والتجارب، ولا بأس في ذلك على شرط ألا ننسى أبدا أن هذا الذي ~~نقوله عن الأشياء بعضنا لبعض إنما يمس ظواهرها التي يمكن وصفها، ~~ولا يتناول البتة صميمها ولبابها وجوهرها، فكل ذلك يقع في النفس ~~وقوعا مباشرا، ونقله محال، والعلوم الطبيعية على اختلافها من هذا ~~النوع من المعرفة الذي يتناول من الأشياء ما يوصف ويترك منها ما ~~يستحيل نقله؛ ولذلك فهي تتناول من الأشياء ظواهرها التي يمكن ~~تصنيفها وقياسها ومشاهدتها وإجراء التجارب عليها. # نعم إن عالم الوصف - وهو العالم الذي تجعله العلوم موضوع بحثها - ~~عالم حقيقي واقع، وليس وهما ولا خداعا، لكنه مع ذلك ليس هو كل ~~الحق، بل ليس هو أهم جانب من جوانب الحق؛ إذ هناك إلى جواره جانب ~~آخر، هو الجانب الذي نتلقاه في أنفسنا بإدراكنا المباشر، ويستحيل ~~علينا نقله بالعبارات اللغوية، فكما قلنا في مثال صديقك الذي تحبه ~~وتعزه، إذا ما أردت «وصفه» للآخرين، فلن يسعك إلا الوقوف منه عند ~~الجوانب التي يمكن وصفها، وأما «شعورك» بمنزلته في «نفسك» فشيء ~~سيظل إلى الأبد ملكا لك محال أن يشترك معك فيه أحد آخر، وهكذا قل ~~في كل شيء، فاللون الأخضر الذي ينطبع على عيني عند رؤية الشجرة لا ~~يمكن نقله إلى سواي؛ لأنه إدراك مباشر، وكل ما أستطيعه في علم ~~الطبيعة إزاءه هو أن أقيس موجته الضوئية التي منها يتكون انطباعي ~~الحسي باللون الأخضر، لكن طول الموجة الضوئية شيء يختلف كل ~~الاختلاف عن الإحساس باللون كما يقع عند الشخص المدرك، فكأنما ~~العلم عند قياسه لطول الموجة الضوئية التي تكون إحساسي باللون ~~الأخضر، إنما يقف عند «ظاهرة» تصاحب ms073 إحساسي باللون، ولا يتناول ~~الإحساس اللوني نفسه، فهو يأخذ أقل الجانبين أهمية، ويترك أكثرهما ~~تكوينا لخبرتي، وأمسهما بنفسي، فلا شأن لخبرتي ونفسي بالموجات ~~وأطوالها، إنما الخبرة النفسية خبرة بألوان. # عالم الوصف هو عالم العلم، وهو حقيقي إلى الحد الذي يمتد إليه، ~~حقيقي في المدى الذي يتناوله، والمدى الذي يتناوله هو مدى الظواهر ~~التي نكشطها كشطا ونجردها تجريدا من السطح، ليبقى اللباب بعيدا ~~عن تناوله ، فلا بد من تقدير العلم بقدره الصحيح، فلا نقص ولا ~~زيادة، ومن سبيل الإسراف في تقديره أن نظن أنه يقول الحق كله عن ~~العالم، أو يمكنه أن يقول ذلك الحق كله، مع أننا قد رأينا أنه بحكم ~~اعتماده على الوصف، فلا بد أن يتقيد بالجوانب التي يمكن وصفها ~~دون الجوانب التي تكون في صميم خبراتنا، ومع ذلك فوصفها ~~محال. # لكن ماذا نحن صانعون إزاء هذه الخبرة الخاصة التي تقع لكل منا ~~على حدة، والتي لا يمكن نقلها بعضنا إلى بعض بوسيلة الوصف ~~والتعبير، هل نيأس من الاشتراك فيها معا؟ لا، لا يأس، فهنالك ~~الطريق إلى ذلك، لكنه ليس طريق الوصف، أي ليس طريق العلم، وإنما ~~طريقه هو الفلسفة التي تكشف لنا أننا في الحقيقة لسنا أفرادا ~~مستقلا أحدنا عن الآخر، بل نحن أجزاء من نفس كلية تطوينا جميعا ~~في جنباتها، أجزاء من «المطلق» أو الله، فإذا ما أدركنا ذلك، عرفنا ~~أننا خلال هذا الاشتراك في عقل واحد كبير، يمكن لأحدنا أن يدرك ~~إدراكا مباشرا ما يستقر في عقل الآخر، فما قد يطوف بخبراتنا ~~الذاتية الخاصة، مما قد نظنه عابرا يأتي ثم يمضي، هو جزء لا يفنى ~~من مجموعة الخبرة الكونية الكبرى، وإذن ففي اتصالنا بالحقيقة ~~الكونية وسيلة إلى إدراك ما نريد إدراكه، من الحقائق الذاتية التي ~~يعز على العلم ولغة العلم أن تكشفه لنا. # 10 # إن كانت علاقة العقل المطلق، أو الله، بعقول الناس الأفراد، هي ~~أن هذه العقول الجزئية أجزاء من ذلك العقل الكلي؛ بحيث تستطيع أن ~~تنساب فيه، فتطلع على ما كان يستحيل عليها ms074 أن تدركه في عالم ~~الحواس، فما علاقة الله بالعالم الطبيعي؟ علاقته به هي نفسها ~~العلاقة القائمة بين عقل الإنسان الفرد وجسده، فلنا أن نسأل الآن: ~~كيف يتصل عقل الإنسان بجسده لنقيس على ذلك علاقة الله بالعالم ~~الطبيعي؟ فالجسد بحركته وسلوكه يعبر عن الذات العاقلة، لكنه يعبر ~~عنها في الجوانب التي يمكن وصفها، ويمكن للآخرين مشاهدتها، يعبر ~~عنها في الجوانب التي يمكن خضوعها للقياس، أما بقيتها المضمرة ~~فمكنونة مصونة لصاحبها وحده، يدركها بالتأمل في نفسه، فإن أحسست في ~~نفسي عزما وإرادة على القيام بعمل ما، ثم أديت ذلك العمل، فالطرف ~~البادي لأنظار المشاهدين هو الطرف الخارجي، طرف العمل الذي أديته، ~~وأما الطرف المضمر في نفسي، الدفين في ذاتي، الذي لا يراه أحد ~~سواي، فهو جانب العزم والإرادة، فإن جاء مشاهد ووصف ما رآه مني، ~~فإنما يصف الجانب الظاهر، ويستحيل عليه أن يتغلغل إلى الجانب ~~الباطن ليراه فيصفه، إلا أنه يستطيع أن يستدل ما خفي عنه مما ظهر ~~له، قياسا على ما يراه في نفسه هو، ولولا هذا القياس على نفسه لما ~~استطاع أبدا أن يلم أقل إلمام بما دار في نفسي إزاء ذلك العمل ~~الذي أديته. # وعلى هذا القياس تكون علاقة الله بالعالم الطبيعي الظاهر، فهذا ~~العالم هو الجسد الكبير الذي يعبر الله عن نفسه فيه، لكننا مهما ~~دققنا النظر فيما نرى، فلن نرى إلا التعبير الظاهر من حركة ومادة؛ ~~لأن الطرف الباطن هو - كما هي الحال في ذواتنا الجزئية - مستحيل ~~على المشاهدين من خارج، وعلى هذا الاعتبار تكون الطبيعة كلها جسما ~~حيا في طيه روح، ألست ترى من جارك جسدا يتحرك فتستدل على أن ~~وراءه روحا تحركه قياسا على روحك التي تحرك جسدك؟ نعم، تفعل ذلك ~~في غير تردد؛ لهذا الشبه الشديد الذي تراه بين سلوكه وسلوكك، ~~لكنك كلما رأيت الكائن يبعد بنوع سلوكه عن نوع سلوكك، تأخذ في ~~التردد، ثم في رفض أن يكون لذلك الكائن ما لك من روح، فقولك ~~بوجود روح في الحيوان استدلالا من سلوكه أعسر ms075 عليك من قولك بوجود ~~روح في زميلك الإنسان، لكنه مع ذلك جائز، ثم تزداد الصعوبة بالنسبة ~~للنبات، فها هنا تراك أكثر ترددا في القول بوجود روح فيه كما هي ~~الحال فيك؛ لأن سلوك النبات قد بعد جدا عن نوع السلوك الذي يسلكه ~~الإنسان، ومع ذلك فهو قول ليس بالمستحيل على كثير من الناس، ~~حتى إذا ما جئنا إلى الجماد ~~وجدت نفسك رافضا كل الرفض أن يكون في الصخرة أو قطعة الحديد روح، ~~كذلك الروح الذي تدركه في ضميرك إدراكا مباشرا؛ لأن أساس ~~الاستدلال هنا قد انهار، فلا شبه بينك وبين الصخرة أو قطعة الحديد ~~في السلوك الظاهر؛ ومن ثم فليس فيهما ما تراه في نفسك من ذات ~~شاعرة واعية، لكن ألا يجوز - كما يقول «رويس» - أن يكون الفرق ~~راجعا إلى اختلاف في سرعة التتابع الزمني أو بطئه، بحيث نقول عن ~~الشيء أنه يشبهنا في سلوكه إذا رأيناه في تتابع حركته تتابعا ~~زمنيا يقرب مما نراه في سلوكنا، كما نقول عن الشيء إنه لا يشبهنا ~~حين يسرع فيه ذلك التتابع أو يبطئ؟ # 11 # ألا يجوز أن يكون سلوك الإنسان - عادة من عاداته مثلا ~~- شبيها بدورة الأرض كل يوم مرة حول نفسها، أو كل عام مرة حول ~~الشمس، لكننا إذا ما رأينا بطء الحركة في أداء الطبيعة لعاداتها ~~بالقياس إلى سرعتها في أداء الإنسان لعاداته كالكلام والمشي، تعذر ~~علينا أن ندرك وجه الشبه بين الإنسان في سلوكه والأرض في سلوكها، ~~وعلى كل حال، فليس حتما أن نفترض أن في كل شيء مادي، كهذه ~~المنضدة أو هذه القطعة من الصخر أو الحديد، روحا خاصا به، لكي ~~نقول عن العالم الطبيعي إنه جسد حي، بل يكفي أن نفترض أن هذه ~~الأشياء أجزاء من جسم أكبر، والجسم الأكبر هو الحي، وإن لم يظهر ~~ذلك في أجزائه، والخلاصة هي أن الكون الأكبر - كالإنسان الأصغر - ~~جسد وروح، فأما الجسد فهو عالم الطبيعة، وأما الروح الذي يبث في ~~الجسم حركته ويسير به هنا أو هناك؛ فهو لله. # ولما ms076 كان «المطلق» (أو الله) مشتملا على كل شيء، فلا يمكن - ~~بداهة - أن يحده شيء خارج نفسه؛ ومن ثم فهو الذي يختار لنفسه ~~طريق فعله، أي إنه حر، لكن حريته هذه التي تعني ألا شيء خارج نفسه ~~يقسره ويضطره إلى فعل معين، أقول: إن حريته هذه ليس معناها بالطبع ~~ألا تجري الحوادث على نظام مطرد، وليس ثمة في الطبيعة كلها مكان ~~للمصادفة، وبعبارة أخرى فإن الكون حر في كليته مجبر في أجزائه، ~~وأما الإنسان فهو - عند رويس - كذلك مجبر بذاته (فالإنسان صورة ~~مصغرة للكون) أي إنه حر إذا ما نظرنا إليه من ناحية نفسه الجوهرية ~~التي تجعل منه فردا متميزا عن كل فرد سواه، لكنه من ناحية ~~ظواهره السلوكية التي هي تعبير عن تلك النفس الباطنية، خاضع ~~لقانون السببية كأي ظاهرة أخرى من ظواهر الطبيعة، ونعود ~~إلى التفرقة التي فصلناها ~~فيما أسلفنا، التفرقة بين جانبي الإنسان: جانب ذاته التي لا يدركها ~~أحد سواه، وجانب جسده الذي هو مكشوف للمشاهدة الخارجية، فنقول: إن ~~الجانب الأول - وهو الذي يخلع على الإنسان قيمته الروحية - حر في ~~اختياره؛ ولذلك فهو مسئول عن أفعاله، وأما الجانب الثاني فجزء من ~~الطبيعة التي تخضع في سيرها لقوانين السببية والاطراد، ولذلك فهو ~~الجزء الذي يمكن أن يخضع للبحث العلمي، فلك أن تعيش حرا إذا أنت ~~أبرزت من نفسك فرديتك المتميزة التي لا يشاركك فيها إنسان آخر، ولك ~~أن تعيش عبدا إذا أنت أهملت ذلك الروح الفريد من شخصك، بحيث أصبحت ~~جسما يتحرك في المكان وفق القوانين الطبيعية كما تتحرك سائر ~~الأجسام. # ولما كان «رويس» يهتم كل هذا الاهتمام بالشخصية الإنسانية؛ فهو ~~يؤكد خلود الأفراد ولا يغرقهم في «المطلق» على الرغم من أنهم جزء ~~منه؛ إذ يعتقد ألا تناقض بين أن تبدأ الذات الفردية وجودها في ~~الزمان - أعني ألا تكون أزلية - وبين أن يكون وجودها قائما إلى ~~الأبد، فكل فرد إن هو إلا وجه متعين من أوجه الحياة الإلهية ~~المطلقة، ويضرب لذلك مثلا جيدا يصور ما يريد، وهو مثل يسوقه ms077 من ~~الأعداد، فمن داخل سلسلة الأعداد اللانهائية تستطيع أن تستولد ~~سلاسل، كل منها لانهائي أيضا، ومع ذلك فكل منها له طابع فريد ~~يميزها، كما يتبين مما يأتي: # 1 # 2 # 3 # 4 ~~... ~~... # إلى ما لا نهاية # 2 # 4 # 8 # 16 ~~... ~~... # إلى ما لا نهاية # 3 # 9 # 27 # 81 ~~... ~~... # إلى ما لا نهاية # 5 # 25 # 125 # 625 ~~... ~~... # إلى ما لا نهاية # 7 # 49 # 343 # 2401 ~~... ~~... # إلى ما لا نهاية # فالسلسلة العددية الأولى - المكتوبة فوق الخط - وهي سلسلة ~~الأعداد الصحيحة كلها، لانهائية وهي التي نصور بها هنا «المطلق» ~~الذي يشتمل على كل شيء، وكل سلسلة مما تراه مكتوبا تحت الخط، هي ~~كذلك سلسلة لانهائية، ومع ذلك فهي أولا مشتملة في السلسلة الأولى، ~~وثانيا تتميز بطابع فريد يجعلها وحدة قائمة بذاتها، ~~وكل واحدة من هذه السلسلات ~~العددية المكتوبة تحت الخط نمثل بها فردا من أفراد الإنسان، وواضح ~~من هذا ألا تناقض بين أن يكون الأفراد أجزاء من المطلق، وأن ~~يكونوا قائمين إلى الأبد بفرديتهم المتميزة. # 12 # ولفلسفة «رويس» جانب طريف ختم به تفكيره الفلسفي، وهو الجانب ~~الذي تراه في كتابه «فلسفة الولاء»، # 13 # فهو يذهب في هذا الكتاب إلى أن الولاء في ذاته خير ~~أسمى، بغض النظر عن القضية التي تتخذها موضع ولائك، ومع ذلك فمن ~~وجهة نظر الحياة الكلية، ينبغي أن نحدد ما يكون حقيقا بولاء ~~الإنسان، وهذا - في رأي «رويس» - لا بد أن يكون شيئا مما ينسق ~~أكثر من حياة واحدة في وحدة، فما يستحق من الإنسان ولاءه ينبغي ~~أن يكون شيئا يحتفظ له بذاتيته المستقلة من ناحية، ويدمجها في ~~ذات أعلى منها من ناحية أخرى، وهو يبسط فكرته فيقول: إن العلاقة ~~بين أي اثنين - شيئين أو شخصين أو عقلين - يستحيل أن تكون تامة ~~التناغم والاتساق؛ ولذلك فاقتصار الصلة على اثنين مصدر للخطر؛ لأنه ~~سيحدث بينهما تضارب في المصلحة، أو احتكاك يؤدي إلى التنافر، وإذن ~~فنواة الجماعة المتسقة هي الثلاثة لا الاثنان، ففي الثالوث يمكن ~~للعضو الثالث أن يزيل ما قد يحدث ms078 بين الاثنين الآخرين من سوء في ~~التفاهم، وعلى ذلك فنواة المجتمع ثلاثة، وهو يسمي مجتمع الثالوث ~~«بمجتمع التأويل»؛ لأنه قائم على أساس أن العضو الثالث يؤول أو ~~يفسر لكل من الاثنين الآخرين قصد زميله، حتى لا يقع بينهما خلاف، ~~وإن شئت فسمه «بمجتمع الوساطة»؛ إذ يتوسط كل بين الزميلين ~~الآخرين ليمنع بينهما أسباب التنافر، وفي الحياة أمثلة كثيرة ~~«لمجتمع الوساطة» هذا، فمثلا إذا قام في العالم معسكران يتقاتلان، ~~وقامت بينهما «محكمة العدل الدولية»، فهذا مجتمع فيه وساطة، ولولا ~~العضو الثالث فيه لما انتهى القتال بين الطرفين المتحاربين، وكذلك ~~قل في كل محكمة، فهي بالإضافة إلى المدعي والمدعى عليه، تكون ~~«مجتمع وساطة»، وقد علق «رويس» آمالا كبارا على هذا المجتمع ~~الثلاثي في استقرار الحياة الإنسانية وطمأنينتها لو أقام الناس ~~مجتمعهم على أساس هذه الفكرة؛ لأنه عندئذ سيكون دائما ~~بين كل طرفين طرف ثالث يمنع ~~الشحناء والتصادم، فكأنما يصبح الثلاثة حياة واحدة، ولما كان ولاء ~~الطرفين للطرف الوسيط، ثم ولاء هذا الوسيط لفكرة الولاء ذاتها، هو ~~الأساس الذي ينبني عليه حسن التفاهم بين الثلاثة جميعا، كان هذا ~~الولاء الذي يدمج مجموعة الأفراد في حياة واحدة هو القمة التي ~~انتهى إليها «رويس» بفلسفته. # الفصل الرابع # | منطق العلم والعمل # (1) العلم يسود # قد كان يستحيل أن يندفع التفكير الفلسفي إلى حد التطرف في ~~المثالية - كما رأيت عند جوزيا رويس - في بلد هيأته الظروف للعمل، ~~وفي زمن غمره فيض من الإنتاج العلمي، دون أن يأخذ هذا التفكير في ~~العودة إلى تطرف آخر يمعن فيما أخذت به العلوم من مبادئ التجارب ~~العملية، فلئن كانت الفلسفة قد لبثت خلال عصور طويلة خادمة للدين ~~- كما قيل عنها - فقد آن لها أن تخدم سيدا آخر، هو العلم، الذي ~~كتبت له السيادة في عصرنا الحديث، ولعل الفاصل بين مرحلتين ~~متتابعتين من مراحل التفكير الفلسفي، لم يبلغ قط من الاتساع ~~والعمق، ما بلغه الفاصل بين المرحلة الحديثة التي بدأت في النصف ~~الثاني من القرن الماضي، وبين المراحل السابقة جميعا، # 1 # وإنما الفارق ms079 الجوهري بين العهدين هو هذه النظرة ~~العلمية التي شملت الحياة الإنسانية في شتى جوانبها. # وليس الأمر في ذلك مقتصرا على أن طائفة من النتائج العلمية قد ~~انتهى إليها العلماء، وما أدت إليه تلك النتائج من تغير في أوضاع ~~الحياة، بل كان أهم من هذا وذلك، أن ازداد اعتماد الناس على العلم ~~والعلماء في حل مشكلاتهم على اختلاف ضروبها، وازداد بالتالي إقبال ~~الناس على الدراسة العلمية، ولا غرابة في هذا التحول السريع، بعد ~~أن تحول وجه الحياة كلها نتيجة للانقلاب الصناعي ولواحقه؛ إذ ~~أصبحت ملايين الناس صناعا في المدن بعد أن كانوا زراعا في ~~الريف، واشتد الاهتمام بموارد الطبيعة وطرائق استغلالها ~~واستخدامها، فلم يكن بد من تغيير أساسي شامل لأنظار الناس، ولم ~~يكن بد كذلك من أن ينعكس هذا التغيير في مذاهب الفلسفة ~~ومناهجها. # فإذا أردت فكرة واحدة رئيسية يجوز لك أن تتخذها محورا لما أصاب ~~الفلسفة من تغير في العصر الحديث، تغيرا هو إلى الثورة أقرب منه ~~إلى التطور، فقل إنها الانتقال من البحث عن «العنصر الثابت» إلى ~~البحث عن «مبدأ الصيرورة»، ذلك أن الكثرة الغالبة من الفلاسفة فيما ~~مضى كانوا يؤمنون بأن وراء هذا التغير البادي في ظواهر الطبيعة ~~عنصرا أو عناصر ثابتة دائمة لا تتحول ولا تتبدل، وجعلوا همهم ~~البحث عن ذلك العنصر الثابت أو العناصر الثابتة، فهذا الإنسان - ~~مثلا - ما ينفك متغيرا في أحواله وأطواره فهو طفل وشاب وكهل ~~وشيخ، وهو آنا صحيح البدن، وآنا مريض، لكنه مع ذلك يحتفظ بذاتية ~~واحدة مستمرة رغم ما ينتابه من تغير، وإذن فعلينا أن نزيح هذا ~~الغشاء المتبدل لنكشف وراءه عن حقيقته الثابتة، من روح أو نفس أو ~~عقل أو ما شئت من أسماء، وقل هذا في كل شيء؛ في المنضدة والشجرة ~~والنهر والجبل، بل قله عن الكون بأسره جملة واحدة باعتباره كائنا ~~واحدا ... هكذا كانت الفلسفة فيما مضى - إلا استثناءات قليلة جدا ~~- تبحث عن الثبات وراء التغير، أما اليوم فقد جاءها العلم بفكر ~~جديد - وعلى رأسه فكرة التطور - جعل ms080 هذا التغير نفسه هو طبيعة ~~الأشياء وحقيقتها؛ ومن ثم أقلعت عن البحث عما ليس له وجود، ~~وطفقت تجاري العلم في وجهته، وتوازيه في منحاه، فتجعل التغير ~~والتطور والسير والترقي مدار بحثها. # ولك أن تصف هذا الانتقال بالفلسفة من مجال البحث عما هو ثابت ~~إلى مجال النظر فيما هو متغير بحكم طبيعته، لك أن تصف هذا ~~الانتقال بعبارة أخرى، فتقول: إنه انتقال من اللاهوت وما يجري ~~مجراه إلى العلم وما يدور مداره؛ فقد كان اللاهوت يغض النظر عن ~~الظواهر المتغيرة ليبحث فيما هو ثابت وراء هذا التغير، فوراء الكون ~~المادي المتغير إله ثابت، ووراء جسم الإنسان المتغير روح ثابت، ~~ووراء أي شيء مادي متغير عنصر ثابت وهكذا، وكانت هذه «الثوابت» ~~أعلى منزلة من ظواهرها المتغيرات، بل كثيرا ما انتهى الأمر ~~بالفلاسفة إلى إنكار وجود هذه المتغيرات إنكارا يبطل وجودها، حتى ~~لا يتصف بالوجود إلا ما هو حق مطلق لا يتغير مع تغير المكان ~~والزمان. # ذلك كان أمر اللاهوت وما اقتضاه من تفكير فلسفي مثالي على مر ~~العصور، ثم جاء العلم الحديث، وفي مقدمته فكرة التطور، فلم يعد ~~هنالك ما هو «ثابت»؛ لأن الطبيعة كلها تغير دائم وتطور دائب، لم ~~تعد تستطيع - كما كنت تستطيع فيما مضى - أن تصنف الكائنات أجناسا ~~وأنواعا؛ بحيث يظل التقسيم إلى الأبد قائما؛ وذلك لأن الكون ~~متطور تتغير أجناسه وأنواعه؛ فقد كان الإنسان - مثلا - يعد نوعا ~~قائما بذاته لا صلة بينه وبين سائر الكائنات من حيث التقسيم، فإذا ~~هو الآن حلقة من حلقات التطور في عالم الحيوان، وكذلك كان الإنسان ~~نوعا قائما بذاته من حيث اتصافه بالعقل والذكاء مما لا يتصف به ~~كائن سواه، وإذا هذا الإنسان اليوم بعقله وذكائه ظاهرة طبيعية ~~تنساب في مجرى الطبيعة بما فيها من شتى الظواهر، فإن كان للإنسان ~~ذكاء عقلي يتميز به، فما ذاك إلا وسيلة بيولوجية يتصل عن طريقها ~~ببيئته ليحيا، كما لكل كائن حي آخر وسيلته التي يتصل بها مثل هذا ~~الاتصال. # حل العلم محل اللاهوت سيدا تخدمه الفلسفة ms081 وتتبعه، فأصبحت شارحة ~~للعلم بعد أن كانت مؤيدة للدين، وبات «المعمل» ومناهجه ونتائجه ~~ميدان الفلسفة كما هو ميدان العلوم؛ العلوم تجري التجارب وتنتج ~~النتائج، والفلسفة وراءها تحلل وتشرح وتستخرج المضمون وما يقتضيه ~~بالنسبة إلى الحياة الإنسانية، بعد أن كان «الدير» أو ما يشبهه من ~~أبراج وصوامع ملاذ الفلسفة كما كان ملاذ الدين؛ فالدين يستلهم ~~الوحي والفلسفة من ورائه تسنده وتؤيده، قد أصبح المعمل هو ميدانها، ~~فلا غرابة أن يقول «بيرس» - الذي سنحدثك عنه في هذا الفصل بعد ~~قليل: إن الفكر في عصرنا هذا العلمي العملي لم يعد بحاجة إلى ~~السكون والظلام اللذين كان يستعين بهما فيما مضى، بل أصبحت حياته ~~مرتبطة بتجارب المعامل التي تقام في وضح النهار. # 2 # هذه الفلسفة العلمية العملية، التي يطلق عليها اسم الفلسفة ~~البراجماتية، قد أصبحت طابعا يميز التفكير الأمريكي حتى ليرتبط ~~بها هذا التفكير على أقلام الكتاب وألسنة المتكلمين في أرجاء ~~العالم ارتباطا يجعل الواحد منهما دالا على الآخر، فإن قيل «فكر ~~أمريكي» وثب إلى الأذهان صفته البراجماتية، وإن قيل «فلسفة ~~براجماتية» ورد على الخاطر معها الفكر الأمريكي ورودا مباشرا، ~~وساعد على هذا الارتباط بين الموصوف وصفته - فضلا عن أنها فلسفة ~~نشأت في الولايات المتحدة وتعهدها أعلام من أبناء تلك البلاد - ~~أنها كذلك جاءت صورة تصور وجهة الثقافة الاجتماعية هناك، فليس في ~~الولايات المتحدة بين الطبقات كل ما تراه في غيرها من فوارق ~~وفواصل؛ إذ إن مكانة الفرد في المجتمع لا يحددها ما قد هبط إليه ~~من أسلافه من ثروة أو جاه، إنما المقياس الذي يعلو به الفرد أو ~~يهبط هو ما أنتجه إذن فالأساس هو العمل، هذا إلى أن العمل لم يعد ~~هناك منفصلا عن القدرة العقلية كما كانت الحال في شتى عصور ~~التاريخ، بحيث لا تستطيع وأنت في أمريكا أن تقسم الناس قسمين، فهذا ~~مفكر وذلك عامل؛ لأن المفكر هناك إنما يفكر في مجال عمله، والعامل ~~يطبق في عمله نظرات فكره، وبهذا اشتدت الصلة بين نشاط العقل من ~~جهة، وعمل اليدين من ms082 جهة أخرى، ولم تعد التفرقة قائمة - كما كانت ~~- بين الرأس واليدين، ففريق من الناس يحيون برءوسهم وفريق آخر ~~يعيشون على كدح أيديهم، هذه التفرقة التقليدية التي برزت واضحة في ~~جمهورية أفلاطون، والتي لا يزال أثرها واضحا في كثير جدا من ~~أقطار العالم، وسايرت المدارس في أمريكا هذا الاتجاه، فأصبح كل ~~متعلم تقريبا يمزج إلى حد كبير بين حياته العقلية ونشاطه البدني، ~~ولم تعد الأبراج العاجية ملاذ الفلاسفة هناك، بل نشأ فلاسفتهم من ~~ميادين العمل؛ إذ نشئوا في مزرعة أو مصنع أو سوق للتجارة، حتى ~~إذا ما تحدث الواحد منهم عن هذه الأشياء، جاء حديثه عن خبرة ~~شخصية، لا نقلا عن كتب قرأها في الزراعة أو في الصناعة أو في التجارة، # 3 # فإذا جاز أن نعد اعتزال الفلاسفة في أبراجهم ضربا من ~~الأرستقراطية العقلية، وامتزاجهم مع سائر عباد الله في ميادين ~~العمل نوعا من الديمقراطية، فلا شك أن الفلسفة البراجماتية - على ~~هذا الاعتبار - تصبح انعكاسا للديمقراطية السياسية في مجال ~~التفكير النظري. # على أن هذه الفلسفة البراجماتية ليست في حقيقة الأمر نباتا ~~جديدا منقطع الصلة بالماضي، فها هو ذا أحد أعلامها «وليم جيمس» - ~~وسنحدثك عنه في الفصل التالي - يقول عنها على غلاف العنوان نفسه ~~الذي يصدر به كتابه فيها إنها «اسم جديد لطريقة قديمة في ~~التفكير.» فماذا يعني؟ أكان التفكير فيما مضى مصطبغا بنفس الصبغة ~~العلمية العملية التي تميز الفلسفة البراجماتية؟ وإن كان الأمر ~~كذلك فأين الجديد؟ أم هي جدة في الاسم وحده، أما الطريقة فقديمة ~~كما هو ظاهر المعنى في عبارة «وليم جيمس»؟ الجواب على ذلك يردنا ~~إلى الفلسفة الإنجليزية التي كانت بغير شك وثيقة الصلة بالاتجاهات ~~الفكرية في الولايات المتحدة، حتى لقد ظلت هذه الاتجاهات صدى لها ~~قبل أن تتمخض عن لون أمريكي صريح، وطابع متميز فريد. # فالوجهة السائدة بين فلاسفة الإنجليز: بيكن ولوك وباركلي وهيوم ~~ومل، هي الاعتماد على الخبرة الحسية، أي على التجربة كما تأتي بها ~~الحواس مما تشاهده وتتأثر به، وإذن فلا جديد من هذه الناحية، أعني ms083 ~~أنه لا جديد في انصراف المذهب البراجماتي إلى عالم الواقع كما ~~يتبدى في خبراتنا الحسية، لكن الجديد هو في استبدال النظر إلى ~~المستقبل بالنظر إلى الماضي، التجريبية الإنجليزية تلتفت إلى ~~الوراء، إلى الماضي، والبراجماتية الأمريكية تنظر إلى الأمام إلى ~~المستقبل، ذلك أن الفيلسوف الإنجليزي عندما أراد تحليل المعرفة ~~الإنسانية، شغل نفسه بردها إلى أصولها، وبالنظر في كيفية اتصالها ~~بتلك الأصول؛ إذ راح يحلل العلاقة بين الأشياء الخارجية، وما تطبعه ~~على حواسنا من آثار وبين حصيلتنا من المعرفة التي تنشأ عن ذلك، أما ~~المذهب البراجماتي فيربط معارفنا بعالم التجربة، لا من حيث النشأة، ~~بل من حيث النتائج، فالفيلسوف الأمريكي إذ يقف أمام عبارة تعبر عن ~~واحدة من أفكارنا، لا يسأل - كما يسأل زميله الإنجليزي: كيف نشأت؟ ~~وكيف جاءت؟ بل يسأل نفسه: ما النتائج التي تترتب على هذه الفكرة في ~~عالم الواقع؟ # وإنه لمما يلفت النظر أن التجريبية الإنجليزية قد اتجهت نحو ~~«النتائج» في مجالين من مجالات التفكير: في مجال العلوم، وفي مجال ~~الأخلاق، لكنها لم تتجه هذه الوجهة في بقية التفكير النظري، فجاءت ~~البراجماتية الأمريكية لتكمل هذا النقص، وتجعل النظر إلى النتائج ~~مبدأ شاملا لميادين الفكر جميعا، نعم كان النظر إلى «النتائج» ~~العملية رائد الباحث في العلوم، فلم يكن مقياس «الفرض» العلمي الذي ~~يفرضه العالم في محاولته تفسير ظاهرة طبيعية، إلا ما يترتب على هذا ~~«الفرض» من نتائج، فإن وجدت النتائج المترتبة على الفرض مطابقة لما ~~يحدث في الواقع، أصبح «الفرض» نظرية علمية مأخوذا بها، وكذلك كان ~~النظر إلى «النتائج» العملية رائد الفيلسوف الأخلاقي في إنجلترا - ~~بصفة عامة - كما هي الحال مثلا في مذهب المنفعة الذي أخذ به ~~«مل»، ومؤداه أن الفعل يكون فضيلة أو رذيلة حسب ما يترتب عليه من ~~نتائج تسعد الناس أو تشقيهم، والفعل الذي ينشأ عنه أكبر مقدار من ~~السعادة لأكثر عدد من الناس هو الفعل الفاضل، وإذن فلا تستطيع - ~~وأنت إزاء فعل تريد الحكم عليه من الوجهة الخلقية - لا تستطيع أن ~~تطلق هذا الحكم على الفعل، ms084 إلا بعد النظر إلى نتائجه التي ستترتب ~~في عالم الواقع على أدائه، فإذا كان النظر إلى «النتائج» العملية ~~في عالم الواقع هو مقياس الحكم على الفروض العلمية، ومقياس الحكم ~~على الأفعال حكما خلقيا، فلماذا لا يكون هو نفسه مقياس الحكم ~~على الفكرة كائنة ما كانت؟ لماذا وأنت إزاء فكرة ما، تريد الحكم ~~عليها بصواب أو بخطأ؟ لا تنظر إليها من حيث نتائجها، فإن أنتجت ~~عملا تصلح به حياة الإنسان كانت فكرة صائبة، وإلا فهي فكرة خاطئة، ~~هذا هو أساس الفلسفة البراجماتية - الفلسفة العلمية العملية - التي ~~هي طابع الفكر الأمريكي الحديث، فإذا كانت «البراجماتية» اسما ~~جديدا لطريقة قديمة؛ فذلك لأن الطريقة كانت متبعة - ولا تزال ~~متبعة - في ميدان العلوم، وفي ميدان الحياة اليومية، ثم أمسك ~~الفلاسفة عن تطبيقها في مجال تفكيرهم النظري، فالطريقة قديمة كانت ~~- ولا تزال - قائمة، وأما الجديد فهو تعميمها على كل ضروب الفكر، ~~والفضل في هذا الجديد هو أولا ل «بيرس» الذي وضع الأساس، ثم ل ~~«جيمس» و«ديوي» اللذين سارا على نهجه بعد شيء من التعديل عند كل ~~منهما، وسنكمل هذا الفصل بالأول؛ لنقصر الفصل التالي على ~~الآخرين. ~~(2) «تشارلز ساندرز بيرس» # 4 # واصطناع المنهج العلمي # هو مثل من الأمثلة الكثيرة التي يعترف فيها الناس بالفضل بعد أن ~~يمضي عن الحياة صاحب الفضل، فما أكثر هؤلاء الذين يجزيهم معاصروهم ~~إهمالا بنبوغ، حتى إذا ما انقضت أعمارهم، تنبه أبناء الجيل ~~التالي أو الأجيال التالية لما كان المعاصرون قد أهملوه وغمروه، ~~فاعجب لهذا المفكر المبدع الفريد يتعذر عليه أن يجد منصبا علميا ~~في جامعة إلا مرة واحدة بعد إخفاق تلاحق مرات عدة، ولا علة لذلك ~~إلا أنه جدد وابتكر، ولم يذهب مع سائر أصحاب الفكر فيما ذهبوا ~~إليه، ولد عام 1839م لوالد كان نجما لامعا في الرياضة والفلك في ~~أمريكا، فكان هذا الوالد الرياضي أول عامل وأقوى عامل في توجيه ~~«بيرس» وجهة التفكير العلمي الدقيق، حتى إذا ما شب درس في جامعة ~~هارفارد علوم الرياضة والطبيعة، واشتغل معظم حياته باحثا علميا ms085 ~~يبتكر الجديد، ويشق لنفسه في الفكر طريقا فريدا، فكانت الثمرة ~~هذا الإنتاج الذي بدأ مدرسة فكرية جديدة، أخذت تضرب بجذورها، حتى ~~أصبحت تنشر اليوم ظلها على الولايات المتحدة باسم الفلسفة ~~البراجماتية، بل أخذت تمتد بفروعها خارج بلادها فيؤيدها المؤيدون، ~~ويحترمها الناقدون، وجمع إنتاجه في مجلدات ستة هي «مجموعة أبحاثه» # 5 # ينقصها البناء الذي يضمها في نسق واحد، وإن لم ~~تعوزها غزارة الفكر وأصالته. # لم يكن «بيرس» شعبيا في كتابته؛ ولذلك فهو يعسر على القارئين ~~ممن لم يأخذوا أنفسهم بفهم مصطلحاته التي خلقها لنفسه خلقا ~~ليبعد بألفاظه عن استعمالها في الحياة اليومية، إنه يريد الدقة في ~~تفكيره وتعبيره، لكن الألفاظ السارية في الشئون الجارية معيبة ~~بالغموض، فلو نقل هذه الألفاظ باستعمالاتها اليومية استحال عليه ما ~~أراد لفكرته من دقة وتحديد؛ لذلك اضطر إلى صياغة ألفاظ خاصة به، ~~روعي فيها أن تكون «غليظة»، حتى لا يستسيغها عامة الناس، فتسري ~~بينهم فتعود إلى الغموض من جديد، وخير مثل يساق توضيحا لهذا الميل ~~فيه، هو استعماله لكلمة «البراجماتية» نفسها التي شاعت بعد ذلك ~~اسما لمذهبه؛ فقد كان السؤال الرئيسي الذي ألقاه على نفسه ليحاول ~~الإجابة عنه هو هذا: ما هي «الفكرة»؟ متى يجوز لك أن تسمي ~~العبارة «فكرة» ومتى لا يجوز؟ ولما انتهى إلى أن «الفكرة» هي ما ~~«تعمله»، أي هي في نتائجها العملية المترتبة عليها، خشي أن يستعمل ~~اللفظة الجارية الدالة على هذا المعنى، وهي لفظة # practice ~~، فصاغ لنفسه كلمة ~~قريبة منها؛ لتدل على ما يريد، ولتكون اصطلاحا خاصا من مجال ~~بحثه الخاص، وهي كلمة # pragmatism ~~، ~~ولكن هل أنجاه هذا الحرص كله مما خشي الوقوع فيه؟ كلا، بل جاءه ~~البلاء من رجال الفكر قبل أن يجيئه من سواد الناس؛ ذلك أنه حين ~~ابتكر مذهبه هذا ابتكارا - وسنورد تفصيله فيما بعد - وابتكر له ~~اسمه كذلك، إنما كان محوره الرئيسي هو أن يجعل كل تفكير يجري على ~~أساس ما يجري في معامل العلوم الطبيعية، ولما كانت «الفكرة» في ~~المعمل لا تقبل إلا إذا كان لها ms086 نتائج عملية يشاهدها كل من أراد أن ~~يشاهد؛ فقد جعل هذا نفسه هو مبدأ نظريته في المعرفة؛ فالمعرفة - ~~كائنة ما كانت - لا تستحق هذا الاسم إلا إذا كانت لها نتائج عملية ~~يمكن لكل إنسان أن يشاهدها إذا أراد، لكن مذهبه هذا الجديد، باسمه ~~هذا الجديد، لم يكد يتناوله سواه من أنصار المذهب أنفسهم، مثل ~~«جيمس» و«ديوي» حتى حوروه، وجعلوا النتائج العملية التي تترتب على ~~«المعرفة» لتكون «معرفة» جديرة بهذا الاسم مما يكون له أثر على ~~الشخص ذاته صاحب المعرفة، فيكفي أن يقول صاحب الفكرة عن فكرته إن ~~لها أثرا نفسيا في حياته لتكون فكرته هذه مقبولة على أساس ~~المذهب البراجماتي، كأن يقول قائل مثلا إن عقيدته في الله ذات أثر ~~عملي في حياته؛ لأنها تجعله أكثر تفاؤلا، وأشد إقبالا على صعاب ~~الحياة ومشكلاتها، فتكون عقيدته تلك مقبولة من الوجهة البراجماتية؛ ~~لأنها عقيدة ذات نتائج محسوسة في حياته العملية، لكننا إذا أخذنا ~~بهذا التعديل، جعلنا المعرفة ذاتية فردية نسبية، وهو ما لم يرده ~~«بيرس» الذي أصر على أن يكون مقايس الفكرة - أي فكرة - هو نفسه ~~مقياس العلم للفكرة العلمية، وهو أن تكون عامة للناس لا ذاتية ~~فردية، وأن يشهد الجميع نتائجها لا أن يكتفي في ذلك على صاحبها، ~~رأى «بيرس» أن حرصه الشديد في البعد عن الألفاظ الجارية في ~~الحياة اليومية لم ينقذه من تحريف أغراضه؛ إذ هكذا - كما رأيت - ~~أخذ عنه أنصار مذهبه كلمته، لكنهم استخدموها فيما لم يرد هو أن ~~يستخدمها فيه، فلجأ إلى تعديل الكلمة بإضافة حروف زائدة إليها، ~~بحيث أصبحت # pragmaticism # لعلها ~~بذلك «أن يكون لها من القبح ما يصرف عنها الخاطفين (اللصوص).» # 6 # ويدور المذهب البراجماتي عند «بيرس» حول محورين أساسيين، ~~يلتقيان في النهاية عند نقطة واحدة، وهما مشكلة «المعنى»، ومشكلة ~~«الاعتقاد»؛ أما الأولى فهي محاولة الإجابة عن هذا السؤال: متى ~~يكون للكلمة أو للعبارة «معنى»؟ وأما الثانية فهي تجيب عن هذا ~~السؤال: إن كان لدي اعتقاد معين بأن هنالك في العالم الخارجي شيئا ~~ما ذا ms087 صفة معينة، فما التحليل الصحيح لمثل هذا الموقف؟ ~~«معنى» الكلمة أو العبارة هو مجموعة ما يمكن للإنسان أن يؤديه من ~~أعمال مسترشدا بالكلمة أو العبارة، وما ليس يهدي إلى عمل معين ~~فلا معنى له، فالأفكار - أي الكلمات والعبارات - إما أن تكون خططا ~~للسلوك العملي، أو لا تكون شيئا على الإطلاق، فإذا وجدت فكرة - ~~مهما يكن من أمرها - لا تدلك على أنواع السلوك الذي تسلكه في عالم ~~الواقع، فاعلم أنها فكرة باطلة، أو قل إنها ليست شيئا، وإنه ~~لمما يلفت النظر بالنسبة إلى ما يصادف الإنسان في حياته الفكرية ~~من مشكلات، أن بعض هذه المشكلات لا يجد سبيله إلى الحل مهما تقدمت ~~المعرفة البشرية، على حين أن بعضها الآخر مصيره إلى الحل إذا ما ~~توافرت للإنسان المعرفة الكافية لحلها، فلننظر إلى المشكلات التي ~~من النوع الأول - وهي المشكلات الفلسفية التأملية - لعلنا ندرك ~~السر في تعذر حلها، خذ مثلا لذلك مشكلة كهذه: هل العقل والمادة ~~عنصران مختلفان، أم أن أحدهما يمكن رده إلى الآخر؟ أو مشكلة كهذه: ~~هل الروح خالدة أم فانية؟ وسل نفسك لماذا استعصى أمثال هذه ~~المشكلات على الحل بالرغم مما أنفق فيها الفلاسفة من جهود؟ أكان ~~ذلك لأن الإنسان عاجز في علمه عن مواجهتها وحلها، أم لأن المشكلات ~~التي من هذا القبيل بحكم طبيعتها مستحيلة على الحل، لا لأنها أصعب ~~من أن يستطيع الإنسان حلها، بل لأنها ليست بمشكلات حقيقة، لأنها ~~ليست بذات أفكار، وكل ما فيها كلمات لا تحمل معنى؛ لأنها لا ترسم ~~سلوكا؟ وأول ما ينبغي أن تتنبه إليه في هذا الصدد هو أن المشكلة ~~الحقيقية هي ما يحتمل الحل يوما ما، إن لم يكن اليوم فغدا أو بعد ~~مئات السنين، أعني أنه لا بد أن يكون الحل ممكنا، أما أن تكشف لنا ~~إزاء مشكلة مزعومة أن حلها مستحيل بحكم طبيعتها، فعندئذ لا يجوز ~~أن نكتفي بالقول عنها إنها مشكلة عسيرة، بل يجب إخراجها من عداد ~~المشكلات الحقيقية؛ لأنها ليست منها، وإن تكن قد اتخذت صورة ~~المشكلات ms088 الحقيقية بأن وضعت على هيئة سؤال يتطلب الجواب، فمتى ~~نحكم على مشكلة مزعومة بأنها «زائفة»؟ نحكم عليها بالزيف إذا لم ~~يكن موضوعها مما يدخل في حدود الخبرة البشرية فعلا أو إمكانا، ~~ونضع هذا بعبارة أخرى، فنقول: إن المشكلة الزائفة التي يجب ~~اطراحها هي التي تدور حول كلمات ليست بذات معنى؛ لأنها لا ترسم ~~سلوكا، فمعنى الكلمة هو السلوك الذي يترتب عليها ولا معنى لها غير ~~ذلك، فماذا في وسعك أن تعمله إزاء العقل والمادة لتعلم إن كانا ~~عنصرين مختلفين أو لم يكونا؟ وماذا في وسعك أن تعمله لتعلم إن كانت ~~الروح خالدة أو فانية؟ وعلى أي وجه يتغير السلوك إذا كان العقل ~~والمادة عنصرين مختلفين أو متفقين؟ وماذا يكون نوع الآثار العملية ~~المشاهدة في عالم الواقع حين تكون الروح خالدة، ثم كيف تتغير تلك ~~الآثار العملية المشاهدة حين تكون الروح فانية؟ واضح ألا سلوك ~~يقابل أمثال هذه المشكلات؛ وبالتالي فلا معنى، وإذن فهي مشكلات ~~زائفة. # إن الناس يتفقون على المعنى المفهوم من «صلابة» الماس - مثلا - ~~لأنهم يشتركون معا في مشاهدة السلوك الذي تعنيه كلمة «صلابة» وهو ~~أن الجسم «الصلب» يخدش بقية الأجسام، وهو لا ينخدش بها، هذا سلوك ~~تستطيع أنت ويستطيع كل إنسان أن يؤديه، وهو أن يمسك بقطعة المادة ~~الصلبة، ثم يضغط بها على مادة ثانية فثالثة وهكذا، ويكون هذا ~~السلوك الظاهر هو نفسه «معنى» كلمة «صلب» حين نصف الماس ~~بالصلابة، ولك أن تسأل الآن: لماذا لا يتفق الناس على معنى كلمات ~~مثل «حرية» و«ديمقراطية» وما إلى ذلك من كلمات، اتفاقهم على معنى ~~كلمة «صلابة»؟ والجواب هو أن المعنى يتحدد حين يتحدد نوع ~~السلوك المترتب على أمثال هذه الكلمات، وما دمنا لم نحدد بعد مثل ~~هذا السلوك، بالنسبة لكلمة من الكلمات فستظل بغير معنى. # والعبارة تكون ذات معنى لو كانت كل كلمة فيها مما يمكن تحويله ~~إلى سلوك وعمل، فإذا وقعنا من عبارة على كلمة لا ندري ماذا يكون ~~السلوك الذي هو معناها، فسدت العبارة بأسرها وأصبحت كلاما خاليا ms089 ~~من الدلالة، لا فرق في ذلك بين أي عبارة تقولها وبين العبارة التي ~~يقولها عالم الطبيعة في معمله، فهذا العالم الطبيعي في معمله إذا ~~ما استخدم كلمة - وحدها أو في عبارة - كان لا بد أن يكون ثمة ما ~~يقابلها من إجراءات عملية تؤدى، فلو استخدم - مثلا - كلمة «ثقل» ~~أو «سرعة» أو «انعكاس الضوء» أو ما شئت من كلمات، عرف ماذا يعمل ~~إزاء الشيء المتصف بالثقل أو بالسرعة أو بالانعكاس، وهكذا الأمر في ~~كل كلمة، وكل عبارة يجوز النطق بها في أي موقف من مواقف الكلام ~~الذي يراد به التفاهم بين الناس، ونعود الآن إلى سؤالنا الأول: متى ~~تكون المشكلة التي يراد حلها مشكلة حقيقية؟ والجواب هو: تكون كذلك ~~لو أمكن أن يخضع حلها للتجارب العملية، أعني أن يكون جوابها سلوكا ~~يؤدى في عالم الواقع، وإلا فهي مشكلة زائفة. # الكلمة من كلمات اللغة، أو العبارة من عباراتها، هي بمثابة إرشاد ~~لما يمكن عمله، وما لا تكون كذلك لا يجوز أن تكون جزءا من اللغة ~~ذات المعنى، هكذا يجب أن نعرف الكلمات، فلا يكون تعريف الكلمة ~~بكلمات أخرى، وهذه بأخرى، بحيث نظل ندور في كلمات ونوهم أنفسنا ~~بأننا قد «عرفنا» معنى الكلمة المراد تعريفها، كلا، إنما تعريفها ~~هو الخطة السلوكية التي هي منطوية عليها، «فحوى الكلمة أو العبارة ~~إنما يقع بأسره في حدود دلالتها على ما يمكن أداؤه في الحياة السلوكية.» # 7 # وهي بغير معنى إذا لم يكن لها مثل هذه الدلالة ~~العملية، وهذا المقياس العملي بعينه هو الذي نقيس به العبارة - لا ~~من حيث معناها فحسب - بل من حيث كونها صوابا أو خطأ، فالعبارة من ~~عبارات اللغة لا بد أن يكون شأنها شأن أي فرض علمي، بحيث يمكنك ~~إزاءها أن تقول: لو كانت هذه العبارة صادقة لترتب عليها كذا وكذا ~~في دنيا العمل والسلوك والتجارب، ثم تنطلق إلى هذه الدنيا ~~التجريبية لترى هل يترتب عليها ما توقعته فتكون صحيحة وإلا فهي ~~باطلة، لكن هب أنك إزاء عبارة يطلب إليك وصفها بصواب ms090 أو بخطأ، ~~مع أنها لا تدلك على نتيجة واحدة عملية يمكنك الرجوع إليها لتفصل ~~بها بين حالتي الصواب والخطأ، فهل يسعك عندئذ إلا أن تخرج مثل هذه ~~العبارة من حدود الكلام المفهوم؟ # ولما كان معنى العبارة هو ~~نفسه ما يترتب عليها من عمل، نتج عن ذلك أن العبارتين إذا اختلفتا ~~لفظا واتحدتا في العمل الذي يترتب عليهما، كانتا متحدتين في ~~المعنى على الرغم من اختلافهما في اللفظ، والعكس صحيح أيضا، وهو ~~أنه إذا اتفقت عبارتان في اللفظ، ثم ترتب على كل منهما عمل يختلف ~~عن العمل الذي يترتب على ~~الأخرى، كانتا مختلفتين في المعنى، وإن اتحدتا في اللفظ، ومن أنفع ~~الأمثلة التطبيقية التي نسوقها لذلك، هذه الاختلافات التي تقوم بين ~~المذاهب الفلسفية، والتي كثيرا ما تكون اختلافا في اللفظ فقط مع ~~اتحادها في الجانب السلوكي، وإذن فلا اختلاف؛ وبالتالي فلا إشكال، ~~مثال ذلك هذه المشكلة القائمة بين الواقعيين والمثاليين حول طبائع ~~الأشياء، فهل للشيء الخارجي وجود مستقل عن الذات العارفة، أم أن ~~وجوده ليس إلا ما تعرفه الذات عنه؟ يقول الواقعي إن للشيء وجودا ~~مستقلا خارج الإنسان سواء عرفه هذا الإنسان أو لم يعرفه، ويقول ~~المثالي إن الشيء موجود في إدراك الإنسان له، ولو لم يكن هنالك ~~العقل الذي يدرك الشيء لما كان لهذا الشيء وجود، وبعبارة أكثر ~~تفصيلا وتحديدا، يفرق الواقعي بين نوعين من صفات الأشياء ~~الخارجية، فمنها صفات توجد في الشيء ذاته بغض النظر عن وجود الذات ~~المدركة له، كشكله وحجمه، وهذه هي ما تسمى بالصفات الأولية، لكن ~~هنالك إلى جانبها صفات ثانوية، كاللون والطعم، لا تكون في الشيء ~~ذاته، بل تتكون عند من يدرك الشيء، فالشيء كما هو في الخارج لا لون ~~له ولا طعم، وإنما اللون والطعم من صنع حواسنا، وأما المثالي فلا ~~يفرق في ذلك بين صفات أولية وثانوية، ويجعلها جميعا من صنع العقل ~~المدرك للشيء. هذان رأيان مختلفان عن طبيعة الشيء الخارجي، أهو ~~قائم بذاته في الخارج مستقلا عن الإنسان، أم أن وجوده متوقف ms091 على ~~وجود العقل المدرك؟ فكيف نفصل بين هذين الرأيين من حيث الصواب ~~والخطأ؟ لو كان الأمر كلاما في كلام لما انتهينا إلى نتيجة حاسمة ~~ولو لبثنا نناقش الأمر إلى يوم الدين، لكن طبق القاعدة البراجماتية ~~في المعنى، وهي أن تسأل عن نوع السلوك الذي يترتب على قول الواقعي ~~ونوع السلوك الذي يترتب على قول المثالي إزاء شيء معين، فماذا عسى ~~أن أجد من النتائج العملية في هذه المنضدة التي أمامي إذا صح قول ~~الواقعيين عنها، ثم ماذا عسى أن أجد فيها إذا صح قول المثاليين ~~عنها؟ ما هو الاختلاف في التجربة العملية بين الرأيين؟ إنه لا ~~اختلاف، وإذن فالرأيان - على اختلافهما في اللفظ - متحدان في ~~المعنى. # وننتقل الآن من مشكلة ~~«المعنى» إلى مشكلة «الاعتقاد»، والمشكلتان مرتبطتان على كل حال ~~إحداهما بالأخرى، وتؤديان إلى نتيجة واحدة، فما المقصود حين تقول: ~~إن لديك فكرة أو اعتقادا بأن كذا وكذا صواب؟ يجيب «بيرس» أن ~~المقصود ها هنا هو أن لديك عادة سلوكية معينة أنت شاعر بوجودها، ~~وتستطيع ممارستها إزاء هذا الذي تقول عنه إنه صواب «... فالفكرة التي ~~تظن بها الصواب تأويلها هو ما أنت على استعداد للقيام به من عمل إزاءها.» # 8 # ولنضرب لذلك مثلا يوضح ما يريده «بيرس» بهذا التحديد ~~لمعنى الاعتقاد أو الفكرة، هبك قد رأيت على أرض الغرفة شيئا ~~«اعتقدت» أنه ثقل من أثقال الحديد التي يحملها الرياضيون، فما معنى ~~هذا «الاعتقاد» الذي نشأ لديك إزاء الجسم المعين الذي رأيته؟ معناه ~~طائفة من القواعد تضبط بها سلوكك إزاء ذلك الجسم، فلو أردت السير ~~على أرض الغرفة مارا به، وجب أن تدور حوله أو تخطو من أعلاه حتى ~~لا تعثر قدمك عليه فتقع، وإذا أردت حمله، فلا بد أن تستعد لذلك ~~استعدادا عضليا يتناسب مع ثقله المنتظر، وهكذا، هذه «النتائج ~~العملية» التي تترتب على «اعتقادك» بأن ما أمامك ثقلا من حديد، هي ~~نفسها مغزى ذلك الاعتقاد ومضمونه ومعناه، وقل هذا في كل «اعتقاد» ~~لديك عن العالم الخارجي، وما فيه من أشياء، ms092 فلا يكون «الاعتقاد» ~~جديرا باسمه إلا إذا كان دالا على أنماط من السلوك العملي حيال ~~الشيء الذي يتعلق به ذلك الاعتقاد، لكن افرض أن قائلا زعم بأن على ~~أرض الغرفة «شيطانا» لا تراه العيون، ولا تمسه الأيدي، ولا تعثر ~~به قدم السائر، ولا يمكن حمله من مكانه، ولا زحزحته، ولا ينعكس ~~عليه الضوء الساقط، فما هو السلوك الذي يقتضيه «اعتقاد» كهذا ممن ~~يسير على أرض الغرفة، إنه لا سلوك؛ وبالتالي فليس «الاعتقاد» بذي ~~معنى. # ويرتبط «بالاعتقاد» الشعور «بالشك»؛ لأنهما حالتان متصلة إحداهما ~~بالأخرى، ذلك أنك لو «اعتقدت» في أمر معين، ثم سلكت إزاءه حسب ~~اعتقادك فيه، فوجدت ما يعطل هذا السلوك أو يغيره على أي وجه من ~~الوجوه، «شككت» في اعتقادك الأول الذي كان باعث ذلك السلوك أو ~~بعبارة أخرى، يحدث الشك كلما وجدنا اختلافا بين السلوك الواقع ~~والسلوك المتوقع، أما إذا كان السلوك الذي توقعناه هو نفسه السلوك ~~الذي أجريناه، فيظل اعتقادنا الذي بعثنا على السلوك قائما، ونعود ~~إلى ثقل الحديد الذي سقناه مثلا، فلو «اعتقدت» أو ظننت أن ما ~~أمامك ثقلا ثقيلا من حديد، وأردت حمله، تأهبت لذلك بما يتناسب ~~مع ذلك الاعتقاد، لكن افرض أنك حملته على هذا الظن، فإذا هو أخف ~~جدا مما توقعت، فماذا يحدث لشعورك إزاءه؟ ستأخذك الدهشة أولا، ~~ثم يأخذك «الشك» في صواب ما اعتقدته حين اعتقدت أنك مقدم على حمل ~~ثقل من حديد؛ ومن ثم تغير من اعتقادك لتتخذ إزاء الشيء اعتقادا ~~آخر يتناسب مع العادات السلوكية المطلوبة للتصرف حياله، كأن تعتقد ~~- مثلا - أنه جسم مصنوع من ورق، أو من خشب، أو نحو ذلك، ويترتب ~~على العقيدة الجديدة قواعد سلوكية جديدة، فلا تضعه في النار إذا لم ~~ترد له احتراقا، ولا تقذف به من النافذة إذا شئت ألا يصيبه كسر أو ~~عطب وهكذا، وها هنا نضع أيدينا على مبدأ منهجي خطير، وهو أن الباعث ~~على التفكير العلمي والبحث المجدي هو الشعور بالدهشة الذي ينتابنا ~~حين تدلنا المشاهدة على أن ظاهرة معينة من ms093 ظواهر الطبيعة لم تجر ~~معنا في خبراتنا على النحو الذي توقعناه لها، فعندئذ فقط نشك فيما ~~كنا قد اعتقدناه حيالها، ونحاول أن نعتقد في أمرها اعتقادا ~~جديدا، يتضمن نمطا سلوكيا جديدا. # ومؤدى هذا الذي أسلفناه من حيث حالة الشك، هو أن الشك لا يكون ~~شكا حقيقيا إلا إذا كنا إزاء موقف لم ينجح فيه السلوك الذي ~~سلكناه على عقيدة معينة لدينا، فتحتم أن نشك في هذه العقيدة، وأن ~~نبحث لها عن بديل، بحيث يقتضي هذا البديل سلوكا يتفق مع الموقف ~~الذي نحن بصدد التصرف حياله، وها هنا مكان مناسب لمناقشة «ديكارت» ~~في شكه المشهور الذي عرفت به فلسفته، أكان شكه ذاك قائما على أساس ~~حقيقي مشروع، أم كان شكا مفتعلا زائفا، لقد بدأ «ديكارت» بزعمه ~~أنه «يشك» في وجود الأشياء الخارجية، و«يشك» في وجود عقول فيمن ~~يشاهد من الناس، وهكذا، لكنه وهو في حالة «شكه» في وجود المقعد ~~الذي أمامه - مثلا - كيف تصرف إزاءه بحيث كان هذا التصرف مختلفا ~~عن تصرفه، وهو في حالة «اعتقاد» بوجود المقعد؟ إنه لم يحدث له أن ~~سلك نحو المقعد بما توقع أن يكون سلوكا ناجحا على افتراض أن ~~المقعد موجود وله صفات معينة، ثم وجد شيئا غير الذي توقعه، كأن ~~وقع على الأرض حين أراد الجلوس، مما كان يبرر له بحق أن «يشك» في ~~صواب اعتقاده الأول، أنه لا اختلاف إطلاقا في عاداته السلوكية ~~إزاء العالم الخارجي بين حالتي اعتقاده وشكه، كان قبل شكه وأثناء ~~شكه وبعد زوال الشك عنه يتصرف بمثل ما كان يتصرف أولا، وإذن فلم ~~يكن ديكارت يشك إلا بالقول دون العمل؛ فهو بهذا يكون شكا ~~مفتعلا زائفا. # الغاية التي قصد إليها «بيرس» من نظريتيه في «الاعتقاد» ~~و«المعنى» هي أن تسري قواعد البحث العلمي على الفلسفة، فلو أخذ ~~عالم طبيعي بنظرية معينة، واعتقد في صدقها كان معنى هذا الاعتقاد ~~أن ما نتوقعه منها في السلوك العملي هو نفسه ما يصادفنا في ~~خبراتنا، ثم لو أراد متشكك أن يشك في صدق تلك ms094 النظرية، كان أساس ~~هذا الشك أنه يجد في التجارب العملية ما يختلف مع ما نتوقعه من تلك ~~النظرية، وعندئذ يقع عبء الإثبات على المتشكك؛ فهو الذي نطالبه ~~بأن يبين أين يجد الناحية العملية التجريبية التي تخالف ما نتوقعه ~~على افتراض صدق النظرية، فإذا كان هذا في ميدان العلم، فلماذا لا ~~يكون هو نفسه منهج التفكير كذلك في ميدان الفلسفة؟ لماذا يسمح ~~الفيلسوف لنفسه أن يقول قولا لا يمكن أن تترتب عليه نتيجة عملية، ~~ومع ذلك يحسب أن لقوله معنى؟ أين يكون المعنى إذن؟ ثم كيف يتشكك ~~الفيلسوف في اعتقاد معين حين لا يكون في الحياة العملية حالة ~~تدعوه إلى هذا الشك؟ أين يكون موضع الشك إذن؟ نعم، إنه لا «معنى» ~~لقول، ولا أساس «لاعتقاد» إلا إذا كان ذلك المعنى أو هذا الاعتقاد ~~هو نفسه خطة سلوكية يمكن أداؤها، وما ليس كذلك فلا هو بذي «معنى» ~~ولا هو بالفكرة التي يجوز أن تكون منا موضع «اعتقاد» هذا هو لباب ~~المذهب البراجماتي عند «بيرس». # ويفيض «بيرس» القول في الفرق بين حالتي «الشك» و«الاعتقاد»، وفي ~~الطرائق المختلفة التي يسلكها الناس في تثبيت اعتقاداتهم؛ # 9 # لأنه يستحيل عليهم أن يعيشوا في حالة شك مستمر، ولا ~~بد لهم - لكي يضطربوا في حياتهم العملية ونشاطها - من اعتقادات ~~ثابتة عندهم، ليتصرفوا على أساسها. # وأول ما يقال في الموازنة بين حالتي «الشك» و«الاعتقاد» هو أن ~~موضوعهما واحد، ينتقل الإنسان في علاقته به من حالة الاعتقاد إلى ~~حالة الشك، أو من حالة الشك إلى حالة الاعتقاد، حسب ما تقتضيه ~~نتائج سلوكه إزاءه؛ فالعبارة الواحدة المعينة التي «أعتقد» في ~~صوابها، هي نفسها التي «أشك» في صوابها، لو رأيت أن سلوكي على ~~أساسها لا يمضي في طريقه كما توقعت له أن يمضي، وبين حالتي الشك ~~والاعتقاد فرق عملي وفرق في الشعور؛ فأما الفرق العملي فهو أننا ~~نربط حالة الاعتقاد بالعمل الذي يتضمنه ذلك الاعتقاد، أما حالة ~~الشك فلا يترتب عليها عمل، وأما الفرق بينهما في الشعور فهو أن ~~الإنسان قلق في ms095 حالة الشك مطمئن في حالة الاعتقاد، فإذا ما أخذك ~~الشك في حقيقة شيء معين، كان ذلك حافزا مثيرا لك أن تستقصي ~~الصواب في أمره، حتى تصل فيه إلى اعتقاد ما، وعندئذ فقط يزول عنك ~~القلق الذي انتابك مع الشك، معنى ذلك بعبارة أخرى، هو أننا ونحن ~~في حالة من حالات الشك، لا نحب أن تدوم بنا هذه الحالة، ونسعى إلى ~~تغييرها، وأما إذا كنا في حالة من حالات الاعتقاد، فالعكس هو ~~الصحيح، أي إننا لا نحب لهذه الحالة أن تزول ونسعى نحو تثبيتها ~~ودوامها، ورغبة الانتقال من حالة الشك إلى حالة الاعتقاد هي التي ~~يطلق عليها «بيرس» اسم «البحث»؛ # 10 # لأن الدافع إلى البحث العلمي دائما هو أن يصطدم أحد ~~اعتقاداتنا بحقيقة الواقع، فيزول اليقين عن ذلك الاعتقاد، ونصبح ~~إزاءه في حالة شك، فنحاول أن نجد اعتقادا آخر مكانه يصلح أساسا ~~لسلوكنا حيال الواقع سلوكا ناجحا، وعلى كل حال ففي رأي «بيرس» أن ~~ما يهتم له الإنسان أولا وقبل كل شيء، هو أن يرسو بفكره إلى حالة ~~اعتقاد، بغض النظر عن صواب هذا الاعتقاد أو خطئه، «وأحسن الحالات، ~~هي حالة نظن فيها أن اعتقادنا صواب». # وأيسر الوسائل التي يلجأ إليها الناس في تثبيت اعتقاداتهم إزاء ~~مشكلة بعينها، هي أن «يتشبثوا» باعتقادهم في كل مرة تثور فيها ~~المشكلة، حتى تتكون لديهم عادة الإجابة عن المشكلة على النحو الذي ~~اعتقدوا فيه، وفي مثل هذه الحالة ترى «المتشبث» يرفض الاستماع إلى ~~أي جواب آخر، فليس الناس بطبيعتهم مدفوعين إلى بلوغ الحق اندفاعهم ~~إلى الوصول إلى حالة اعتقادية يريحون بها أنفسهم؛ ولذلك فهم ~~يصمون آذانهم عن كل ما يخالف اعتقادهم، حتى لا يعكروا صفو ~~الطمأنينة العقلية التي استراحوا لها، ولولا أن الناس في المجتمع ~~الواحد لا ينفكون يتبادلون الرأي، ويؤثر بعضهم في بعض، لظل الفرد ~~الواحد على اعتقاداته لا يغير منها شيئا إلا عند الضرورة العملية ~~القصوى، لكن الناس - كما قلنا - يراجع بعضهم بعضا، ويعدل بعضهم ~~بعضا، بحيث يستحيل على الفرد منهم أن يحتفظ ms096 باعتقاداته الخاصة ~~أمدا طويلا، ومن هنا كانت وسيلة «التشبث» بالرأي وسيلة ناجحة بعض ~~النجاح لا كل النجاح، وإلى أمد معين لا إلى غير نهاية؛ ولذلك ~~يتحتم أن يبحث الناس عن وسيلة أو وسائل أخرى لتثبيت ~~اعتقاداتهم. # فلأن الإنسان لا يعيش بمفرده، بل يعيش عضوا في مجتمع يتبادل ~~أفراده الرأي، كانت الحاجة أمس إلى اعتقادات جماعية ثابتة، منها ~~إلى اعتقادات فردية ثابتة؛ وهنا تأتي الوسيلة الثانية من وسائل ~~تثبيت الاعتقاد، وهي الاستناد إلى سلطان معين، كسلطان التقاليد، ~~أو سلطان الثقات من الأقدمين وغير ذلك، والاستناد إلى سلطان معين ~~في تثبيت الاعتقاد هو نفسه «التشبث»، وغاية ما في الأمر أن الأول ~~خاص بتثبيت الاعتقاد الجماعي، والثاني خاص بتثبيت الاعتقاد الفردي، ~~ومهما يكن من أمر فلا حيلة أمام المجتمع إذا أراد أن يجتمع أفراده ~~على اعتقاد معين سوى أن يلجأ إلى سلطان رادع، مهما أدى ذلك إلى ~~العسف بالأفراد، وما أكثر ما شهده التاريخ من تعذيب وإرهاب وقسوة، ~~بل من قتل أولئك الذين سولت لهم نفوسهم الخروج على ما أرادت ~~الجماعة لأفرادها أن يعتقدوا فيه، «هكذا كانت الوسيلة منذ أقدم ~~العصور للمحافظة على المذاهب الصحيحة من دين وسياسة.» # 11 # ولما كان من العسير على المجتمع أن يستخدم سلطانه هذا ~~في مراقبة كل اعتقاد تفصيلي مما عسى أن ينشأ في رءوس الناس، انصرف ~~باهتمامه نحو العقائد الرئيسية وحدها يصونها ويرعاها. # على أنه قلما يخلو مجتمع من فئة قليلة لا يرضيها أن تثبت ~~عقائدها بإحدى الوسيلتين السابقتين، فلا يرضيها مجرد «التشبث» ~~الأعمى، ولا طاعة «السلطان» مهما كان نوعه، فأمثال هؤلاء إذا ما ~~ساورتهم الشكوك في معتقداتهم. لجئوا إلى مراجعة بعضهم بعضا؛ لعل ~~أحدهم يقيم البرهان الذي يقنع الآخر، ومن أمثال هؤلاء تتألف - ~~عادة - طائفة الفلاسفة التي يكفيها أن ترضى من الوجهة النظرية ~~العقلية عن صواب الاعتقاد المعين، حتى وإن اضطرتهم ظروف الحياة ~~الاجتماعية ألا يتصرفوا على أساس ما اعتقدوه صوابا. # لكن خير الوسائل جميعا في تثبيت الاعتقاد، هي الوسيلة العلمية ~~التي تجعل صواب ما نعتقد ms097 في صوابه أمرا يشاهده كل من أراد أن ~~يشاهد، فليس الأمر هنا حجاجا عقليا أو لفظيا بين جماعة من ~~الناس فيما بينهم، كما هي الحال حين يناقش الفلاسفة الميتافيزيقيون ~~بعضهم بعضا، بل الأمر هنا مرجعه التجارب العملية التي تجعل الفكر ~~عملا كما ينبغي له أن يكون، الطريقة العلمية وحدها هي التي تخرج ~~بالفكرة من مجرد كونها اعتقادا ذاتيا عند أحد الأفراد، لتجعلها ~~حقا عاما للناس أجمعين، كل الطرائق السالف ذكرها «التشبث» ~~و«الاستناد إلى السلطان» و«الحجاج النظري»؛ كل هذه طرائق تحصر الحق ~~في مكان معين أو زمان معين أو جماعة معينة، لكننا إذا أردنا له ~~أن يجاوز هذه الحدود ليكون عاما شاملا، لم يكن لنا إلى ذلك ~~وسيلة سوى اصطناع المنهج العلمي، فلن تكون الفكرة واضحة إلا إذا ~~استطاع أكثر من فرد واحد تحويلها إلى عمل، بحيث يأتي تطبيقها في ~~كل حالة على صورة واحدة، فعندئذ يكون لها معنى واحد عند ~~الجميع، ولا يتغير معناها بتغير الأفراد أو الشعوب أو بتغير مكانها ~~أو زمانها، هكذا يتفاهم العلماء المشتغلون في معمل واحد بعضهم مع ~~بعض؛ إذ يجتمعون جميعا في فهم الفكرة على طريقة تطبيقها، وهنا ~~يقول «بيرس»: لو استطعنا أن ننشئ «مجتمعا معمليا» - أي مجتمعا ~~يقوم في التفاهم على نفس المنهج الذي يقوم عليه العلماء في المعمل ~~- لانتهينا إلى معنى «الحق» في غير تنازع أو خلاف. # الفصل الخامس # | غد بعد أمس # (1) «وليم جيمس» ومعيار النجاح # الانتقال من الفلسفة التقليدية - واقعية كانت أو مثالية - إلى ~~الفلسفة البراجماتية هو انتقال من أمس إلى الغد، فبعد أن كان أساس ~~الحكم على قول ما بالصدق أو بالبطلان هو الرجوع إلى الأصل الذي بعث ~~على تقرير ما يقرره القول، أصبح الأساس هو النتائج التي تترتب ~~عليه، فالكلام صواب أو خطأ، والنظرية من نظريات العلوم حق أو باطل، ~~بمقدار ما يعين ذلك الكلام أو هذه النظرية على ترسم طريقنا في ~~الحياة العملية، لا بمقدار تطابقه مع الواقعة التي يصورها، أو ~~اتساقه مع غيره من الأفكار، وفي بيان الفرق ms098 بين نظرة الفلسفة ~~التقليدية من جهة، ونظرة الفلسفة البراجماتية من جهة أخرى، لا ~~تمييز في ذلك بين الشعبتين الرئيسيتين اللتين منهما تتكون الفلسفة ~~التقليدية على اختلاف ألوانها، وهما الواقعية أو التجريبية، ثم ~~المثالية، فالقول صادق عند الأولى إذا طابق العالم الخارجي على ~~نحو ما، أي إنه نسخة من أصل موجود خارج الإنسان، وسواء جاءت هذه ~~النسخة طبق أصلها - كما تذهب الواقعية الساذجة - أو أصابها تحوير ~~في العقل - كما تذهب الواقعية النقدية - فأساس الحكم على كل حال هو ~~علاقة بين الفكرة التي نشأت عند الشخص العارف وبين الشيء المعروف ~~الذي هو حقيقة قائمة بذاتها مستقلة بوجودها - سواء صادفه العقل ~~الذي يعرفه أو لم يصادفه - وإذن فتحقيق القول إنما يكون «بالرجوع» ~~إلى ذلك الأصل الخارجي، وأما المثالية على اختلاف مذاهبها، فهي وإن ~~خالفت الواقعية في رأيها بوجود الشيء المعروف خارج الذات العارفة، ~~بأن جعلت وجود الشيء قائما في العقل الذي يعرفه، إلا أنها - ~~كالواقعية - تحقق صدق الفكرة المراد تحقيقها «بالرجوع» إلى شيء ~~سابق على وجودها، وهو في هذه الحالة مجموع الأفكار الأخرى، لترى ~~هل هنالك بينها وبين تلك الأفكار اتساق فنقبلها، أو تناقض ~~فنرفضها. # وجاءت البراجماتية لتغير وجهة النظر من أساسها، فبدل الالتفات ~~إلى ما «كان» عند تحقيقنا لفكرة ما، نلتفت إلى ما «سيكون»، بدل ~~الالتفات إلى الماضي السابق على نشأة الفكرة المراد تحقيقها، نلتفت ~~إلى المستقبل الذي سيعقب وجود الفكرة ويتلوها؛ فهي صواب إن كانت ~~نتائجها مما يسعف ظروف حياتنا العملية ويفيدنا في حل مشكلاتنا، وهي ~~خطأ إذا لم يكن لها مثل هذا الأثر، هذه اللفتة الجديدة عنصر ~~مشترك بين البراجماتيين جميعا، ثم يعودون فيختلفون في تفصيلات ~~أخرى تميز أحدهم من الآخر، وقد أسلفنا لك القول - في الفصل السابق ~~- عن «بيرس» الذي شق للناس هذا الطريق الجديد في منطق التفكير، ~~وسنحدثك في هذا الفصل عن زعيمين آخرين سارا في هذا الاتجاه مع ~~تعديل هنا وتبديل هناك، وهما «جيمس» و«ديوي». # و«وليم جيمس» بين هؤلاء جميعا هو الذي ينظر إليه العالم على أنه ms099 ~~نموذج الفيلسوف الأمريكي، وعنوان الفلسفة الأمريكية؛ فهو أكثر منهم ~~شيوعا، وأوسع منهم في سائر أنحاء العالم سيرورة وذيوعا، ترجمت ~~كتبه - كلها أو بعضها - إلى كل لغات العالم المتحضر، ويرجع ذلك إلى ~~عوامل عدة؛ فقد جاءت حياته (1842-1910م) في الفترة التي استكملت ~~فيها الولايات المتحدة استقلالها الفكري، ولم تعد تابعة من توابع ~~الفكر الأوروبي، أضف إلى ذلك ما أتيح له من إلمام بكثير من ~~اللغات الأوروبية، ومن ثراء يمكنه من التجوال والسفر، فلبث يتنقل ~~في ربوع أوروبا يحاضر، ويخالط الناس فيجذبهم بحديثه وخفة روحه، ولا ~~شك أن شيوع الفكرة الجديدة مرهون إلى حد كبير بشخصية قائلها، ~~فها هو ذا زميله «بيرس» يدعو إلى الفكرة ذاتها، فلا يكاد يلتفت ~~إليه أحد من أبناء وطنه أنفسهم، لطريقة اختياره لألفاظه وعباراته ~~التي كان يتعمد فيها ألا تجري مع مألوف الناس في حديثهم اليومي، ~~ولصرامة شخصيته التي لم تجعل طريق الاتصال بينه وبين غيره سهلا ~~ميسرا، فإذا أضفت إلى ذلك في «جيمس» أن فكرة «البراجماتية» التي ~~كان يتحدث فيها ويكتب ويحاضر، كانت في ذاتها جديرة بالاهتمام ~~لخطورتها، أدركت كم صادف عند أصحاب الفكر في العالم كله من نجاح ~~وتوفيق. # وقد عرف «جيمس» أول ما عرف باشتغاله بعلم النفس، وقد أخرج فيه ~~كتابه العظيم «أصول علم النفس» من جزءين كبيرين، فكان نقطة تحول ~~وانتقال في هذا العلم من عصر إلى عصر، فعلم النفس قبل كتابه كان ~~محوره ترابط الإحساسات والأفكار ترابطا آليا، قائما على أساس ~~من فلسفة التجريبيين الإنجليز، وعلى رأسهم «لوك» و«هيوم»، فالفكر ~~عند هؤلاء مصدره الانطباعات الحسية، وهذه الانطباعات تأتي أشتاتا ~~فرادى، ثم تتلاقى في الداخل أفكارا، لكن كيف تتلاقى؟ تتلاقى ~~بالتداعي بعضها مع بعض، فهذه الفكرة أو هذا الانطباع الحسي يدعو ~~زميله لما بينهما من شبه أو تضاد أو غير ذلك من قوانين الترابط ~~التي فصلوا القول فيها، والتداعي أو الترابط يحدث من تلقاء نفسه، ~~كما يحدث التجاذب بين الذرات المادية مثلا، فكأنما العقل قابل لا ~~فاعلية فيه، ساكن بغير حركة، أو كأنه ms100 «لوحة بيضاء» - كما قال «لوك» ~~- ترتسم عليه الانطباعات وتتجاذب، ولا حيلة له فيما يتلقاه إلا أن ~~يسجله على صفحته تلك، أما بعد كتاب «جيمس» فقد بدأ علم النفس عهدا ~~جديدا؛ لأنه جعل العقل أداة فعالة نشيطة، ومهمته هي كمهمة أي عضو ~~آخر من أعضاء الكائن العضوي الحي، وهي أن يكون أداة للمواءمة بين ~~الكائن وبيئته مواءمة تعين الكائن الحي على البقاء؛ فهو إذن أداة ~~بيولوجية تطورية، لا تنفك تواجه الجديد من مواقف البيئة الخارجية ~~وظروفها، فترد عليها بما يحفظ لصاحبها حسن البقاء ودوامه، وبهذا ~~التفسير يكون «العقل» كلمة نسمي بها نمطا معينا من السلوك الحي ~~النشيط المفيد، لا مجرد مرآة قابلة تمر أمامها أشياء الطبيعة ~~وحوادثها، فترتسم على صفحتها كما ظن السابقون، ولعلك تلاحظ أن هذا ~~التفسير للعقل يزيل الحاجز التقليدي بين العقل والجسم؛ لأنه إذا ~~كان العقل ضربا من السلوك، فهذا السلوك هو نفسه الجسم السالك ~~الفاعل المتصرف، وليس هنالك آمر ومأمور، وحاكم ومحكوم، بل هنالك ~~كائن عضوي واحد يسلك في بيئته على نحو معين، وإذا كان هذا هكذا ~~فقد تحطمت الثنائية التي شقت الإنسان - والكون بصفة عامة - ~~جانبين: فعقل هنا وجسم هناك، أو نفس هنا ومادة هناك، تلك الثنائية ~~التي سادت الفلسفة الحديثة كلها منذ «ديكارت»، وها هنا بذرة المذهب ~~الفلسفي عند وليم جيمس، فعلى الرغم من أنه حاول في كتابه «أصول علم ~~النفس» ألا يخلط العلم بالفلسفة، إلا أنه - بطبيعة الحال - لم ~~يستطع تخليص ذلك العلم من وجهة نظره العامة التي كانت أساس علم ~~النفس عنده، وستكون أساس فلسفته أيضا. # والمحور الرئيسي في فلسفة «جيمس» هو رأيه في «المعنى» - معنى ~~اللفظة أو معنى العبارة - فماذا «نعني» بهذه الكلمة أو تلك، وبهذه ~~العبارة أو تلك؟ إن لكل كلمة معناها الخاص، وكذلك لكل عبارة، لكن ~~ما هي الصفة المشتركة بين كل ذي معنى، بحيث نستطيع أن نقول عن تلك ~~الصفة المشتركة أنها «المعنى» الذي يجعل الكلمة المعينة أو العبارة ~~المعينة ذات مدلول، ونظريته في «المعنى» لا تختلف في جوهرها ms101 عن ~~نظرية «بيرس» التي أسلفنا لك القول فيها - في الفصل السابق - فهما ~~معا يذهبان إلى أن «معنى» فكرة من الأفكار، المعنى الذي يجعل ~~الفكرة مفهومة وذات دلالة، هو النتائج العملية التي تترتب على ~~الفكرة في خبراتنا، فإذا قلت - مثلا: «قد انطفأ غليوني» كان ~~«معنى» ذلك أن «أتوقع» نتائج معينة في خبرتي، كأن أتوقع ألا أحس ~~طعم التبغ إذا جذبت أنفاسي خلالها، وألا يحترق إصبعي إذا وضعته ~~في وعائها، وهكذا وهكذا، فهذه كلها خبرات ستكون مختلفة في حالة ~~انطفاء الغليون عنها في حالة اشتعاله، وقد لا يكون في هذا الكلام ~~جديد بالنسبة إلى طريقة فهمنا لكثير من عباراتنا في الحياة ~~اليومية وفي معمل العلوم الطبيعية على السواء، ففي هذين المجالين ~~ننصرف - في كثير من الحالات - إلى النتائج المترتبة على القول ~~لنفهم معناه، لكن الجديد فيه هو القول بأنه لا معنى للعبارة إلا ~~هذه النتائج، هذا جديد، بل يستوقف النظر ويستثير الدهشة لو أمعنت ~~في مضمونه، فأنت في حياتك اليومية، حتى إن فهمت العبارة على أساس ~~نتائجها، قد تظن أن للعبارة معنى غير هذه النتائج العملية كأنما ~~النتائج العملية تأتي عرضا، وقد لا تأتي ويظل للجملة معنى، فكم ~~ألف ألف عبارة نقولها، ونتوهم أن قد فهمنا لها معنى، فإذا سئلنا ~~عن النتائج العملية التي تترتب عليها في خبراتنا لم نجد شيئا، ومع ~~ذلك نصر على أنها ذات معنى مفهوم، لكن هذه النظرية الجديدة في ~~المعنى، نظرية «بيرس» و«جيمس» على السواء، تذهب إلى أنه لا معنى ~~للعبارة إلا نتائجها العملية في خبراتنا البشرية، وإذا لم يكن ~~ثمة في خبراتنا من نتائج تترتب على جملة معينة، لم يكن لتلك ~~الجملة معنى، بل كانت لغوا فارغا لا يدل على شيء، وإن خيل ~~إلينا غير ذلك. # هذه النظرية في «المعنى» تقضي على الخلافات اللفظية التي كثيرا ~~ما تنشب بين المختلفين بغير داع يدعو إليها، إما لأن ما يختلفان ~~عليه ليس بذي معنى على الإطلاق، وإما لأنهما يعنيان شيئا واحدا، ~~وهما لا يعلمان، بحكم أن كلا منهما ms102 يقول كلاما غير الكلام الذي ~~يقوله زميله، فيتوهمان أن اختلاف اللفظ يستتبع حتما اختلاف ~~المعنى، مع أنه قد يكون المعنى واحدا في القولين، إذا كانت نتائج ~~القولين واحدة، فإذا قلت مثلا عن منضدة إن طولها متران، وقال ~~زميلي عنها إن طولها ليس مترين على وجه الدقة، لكنها تقرب من ~~المترين قربا لا تستطيع أدوات القياس التي بين أيدينا أن تكشف ~~عنه، فهذان قولان ظاهرهما اختلاف، لكن حقيقتهما اتفاق في المعنى؛ ~~لأنه لا اختلاف من حيث النتائج العملية بين القول الأول والقول ~~الثاني؛ فأنا وزميلي على حد سواء سنستخدم أدوات القياس التي بين ~~أيدينا، وسيجد كلانا أن ما يعمله الأول هو نفسه ما يعمله الثاني، ~~وليس في خبرة زميلي نتيجة واحدة سيختلف بها عن النتائج التي ستقع ~~لي في خبرتي بسبب اختلاف قوله عن قولي في طول المنضدة، فلو اشترى ~~لها غطاء، واشتريت لها غطاء، فسيكون ما يعمله - من حيث طول الغطاء ~~- مطابقا لما أعمله، وهكذا، وإذن فقد انحسم الخلاف بيني وبينه في ~~النتائج العملية؛ وبالتالي قد انحسم الخلاف بيني وبينه في معنى ما ~~قاله وما قلته، على الرغم مما كان ظاهرا بين القولين من ~~اختلاف. # وكذلك قد ينشأ الخلاف بين متنازعين على ما ليس له معنى على ~~الإطلاق، حين يكون الحكم في المعنى على النتائج العملية التي تقع ~~في خبراتنا، فافرض - مثلا - أني قلت لزميلي إن «أرواحا» تسكن هذه ~~الغرفة، ونفى زميلي هذا القول، فما هي النتائج العملية التي تكون ~~في خبرتي ولا تكون في خبرته بناء على إثباتي لشيء هو ينفيه؟ لا ~~شيء؛ لن أمسك بيدي ما لا يستطيع هو أن يمسكه، ولن أرى بعيني ما لا ~~يستطيع هو أن يراه، ولن أشم ولن أسمع ما لا يستطيع أن يشمه أو ~~يسمعه، لو اختلفنا على وجود خيط مشدود فوق أرض الغرفة بين الجدارين ~~المتقابلين، فأنا أزعم وجوده وهو ينفي، لكان هنالك اختلاف في ~~السلوك المترتب على عقيدتي وعقيدته؛ فقد أخطو فوق الخيط محاولا ~~ألا أتعثر فيه لعلمي بوجوده، وقد ms103 لا يحسب هو حسابا لذلك فيتعثر ~~ويقع، ها هنا اختلاف في النتائج العملية، وهو الذي يدل على أن ~~كلامي وكلامه كان لهما «معنى»، وهكذا قل في كل عبارة نقولها، فهي ~~بغير معنى ما لم يترتب عليها نتيجة أو نتائج في خبراتنا البشرية ~~العملية، وهذه النتائج هي وحدها معنى العبارة الذي لا معنى لها ~~سواه، ومن التناقض أن تقول عن جملة - كائنة ما كانت - إنك قد فهمت ~~معناها ولو أنها لا تغير شيئا من خبرتك السلوكية بين حالتي نفيها ~~وإثباتها. # إلى هنا يتفق «جيمس» مع «بيرس»، لكن «جيمس» يختلف عن «بيرس» في ~~المزاج؛ وبالتالي فهو يستطرد في النظرية استطرادا يختلف به عن ~~«بيرس»، وحين أقول هنا إن اختلافهما في «المزاج» قد أدى إلى ~~اختلافهما في الرأي، فإنما أستخدم نظرية ل «جيمس» نفسه، حين قال إن ~~الناس نوعان؛ ففريق ذو عقل «ناشف» أو «صلب»، وفريق آخر ذو عقل ~~«لين» أو «رخو»، العقل الأول معاند والعقل الآخر مطاوع، وبين ~~الفلاسفة هذا الاختلاف نفسه، فالفلاسفة أصحاب العقول اللينة أو ~~المطاوعة هم العقليون المثاليون المتفائلون المتدينون ~~الواحديون الاعتقاديون القائلون بالإرادة الحرة، وأما الفلاسفة ~~أصحاب العقول الناشفة أو المعاندة فهم التجريبيون الماديون ~~المتشائمون الآخذون بشهادة الحواس وحدها، العازفون عن الدين، ~~المتشككون، القائلون بأن العالم كثرة لا واحد، وقد كان «بيرس» من ~~أصحاب العقول الناشفة المعاندة، أما «جيمس» فقد جمع الطرفين في ~~شخصه؛ إذ كان في طبيعته جانب العالم وجانب الفنان في آن واحد؛ ~~ولذلك تراه في بعض نواحيه من أصحاب العقول المعاندة، ذلك حين يحتكم ~~إلى التجربة والحس وما إلى ذلك، لكنه في نواحيه الأخرى ذو عقل لين ~~مطاوع، ومن هذه النواحي رأيه في الدين وفي وجود الله، وهنا أحد ~~مواضع الاختلاف بينه وبين «بيرس» في نظرية المعنى؛ فبينما يتفق ~~الاثنان على أن الجملة لا تكون ذات معنى إلا بمقدار ما لها من ~~نتائج عملية تقع في خبراتنا البشرية، ترى «جيمس» يستطرد بالنظرية ~~فيخرج بها عن حدودها، إذ يجعل أن جملة مثل «الله موجود» ذات معنى، ms104 ~~وشرح ذلك عنده كما يأتي: إن وجود الله يستحيل بالطبع إثباته إذا ~~احتكمنا إلى خبراتنا العملية؛ لأننا لا نراه ولا نسمعه ولا نمسه، ~~وإذن فلا يجوز أن يكون ذلك طريق إثباته، ومع ذلك فهنالك طريق غير ~~مباشر إلى إثبات المعنى لهذه الجملة إذا رجعنا في ذلك لا إلى ~~النتائج الحسية المباشرة، بل إلى النتائج العامة التي تحدث في وجهة ~~نظر المؤمن بصدقها، فالذي يؤمن بأن الله موجود يختلف شعوره في ~~حياته عمن لا يؤمن بذلك، فتراه مثلا متفائلا قوي الرجاء؛ ~~وبالتالي فهو مستبشر بحياته فرح مطمئن، على خلاف زميله المنكر؛ إذ ~~يغلب أن يكون هذا متشائما منقبض النفس معدوم الرجاء والأمل، وهذا ~~الاختلاف في وجهة النظر كاف وحده أن يجعل للجملة معنى لما لها من ~~نتائج. # ولا يسوق «جيمس» هذا المثل جزافا، بل يجعله تطبيقا لمبدأ عام، ~~نلخصه فيما يلي: هنالك حالات تقطع فيها الشهادة بالصواب أو بالخطأ، ~~وعندئذ لا إشكال في قبولها أو رفضها، لكن هنالك أيضا حالات كثيرة ~~جدا تمتنع فيها هذه الشهادة الحاسمة، فماذا يكون موقفنا إزاءها؟ ~~يرى «جيمس» أنه في مثل هذه الحالات نأخذ «بأنفع» الفروض، ويكون ~~النفع هنا هو هو بعينه صدق الفرض الذي أخذنا به، فانظر إلى هذا ~~السؤال مثلا: هل الحياة تستحق منا أن نحياها؟ إننا لا نملك ما ~~يعيننا على الإجابة الحاسمة عن مثل هذا السؤال، فسواء أجبت ~~بالإيجاب أو بالنفي، جاز لمعارضك أن يسألك لماذا كان الإيجاب أو ~~كان النفي، دون أن تجد ما تقنعه به، فليس محالا على إنسان أن يرى ~~لنفسه أن الحياة لا تستحق منه أن يحياها، والعجيب أن مثل هذا ~~المتشائم قد ينتهي به رأيه هذا في حياته إلى نوع من الحياة هو ~~بالفعل لا يكون جديرا بالعناية أو الرعاية، ومن جهة أخرى قد تجد ~~من يقنع نفسه بأن الحياة تستحق أن يحياها، وتراه بفضل قراره هذا ~~يجعل حياته بالفعل حياة جديرة بالعيش، وهكذا ترى أن الاعتقاد ~~بالصواب في مثل هذه الحالة قد خلق الصواب فعلا، فيكفي ms105 أن تأخذ ~~بوجهة نظر معينة - في أمثال هذه الحالات التي يمتنع فيها القطع ~~بصواب أو بخطأ - لتحدث لك هذه الوجهة من النظر نتائج عملية في ~~حياتك تجعل رأيك صوابا، هذه هي النظرية التي يعرضها «جيمس» في ~~مقالته المشهورة التي عنوانها «إرادة الاعتقاد»، وهو يقصد من ~~العنوان نفسه أن الاعتقاد في الحالات التي لا تحسم فيها الشواهد، ~~إنما يتوقف على إرادة الإنسان المعتقد، فاعتقد - إن شئت - وسيكون ~~لعقيدتك أثرها في حياتك؛ وبالتالي ستكون عقيدة ذات معنى ومغزى ~~ودلالة حكما بمقياس البراجماتية نفسها. # وهذا ينتقل بنا إلى نظرية «جيمس» في الحق، أو في الصدق، صدق ~~العبارة التي نقولها، فمتى تكون العبارة صادقة؟ يجيب «جيمس» بأنها ~~تكون كذلك إذا تصرفت على أساسها فلم تجد ما يعترض غايتك، فالصدق أو ~~الحق هو هداية في السلوك لا أكثر ولا أقل، ألم نقل إن «المعنى» - ~~مهما كانت الكلمة أو الجملة - هو ما ترتب على الكلمة أو الجملة من ~~نتائج؟ وكلمة «الحق» أو «الصدق» لا تشذ عن هذه القاعدة العامة، ~~معناها هو نتائجها، فكل ما يؤدي إلى النتائج المرجوة «حق»، وكل ما ~~لا يؤدي إلى مثل هذه النتائج «باطل»، الأمر في ذلك شأنه شأن الفروض ~~العلمية نفسها، فكيف يقرر العالم في معمله أن فرضا ما صحيح؟ ~~يقرر ذلك بعد أن يرى النتائج التي تنتج عن الفرض، فإذا وجده ~~مطابقا في نتائجه تلك لكل وقائع الظاهرة التي جاء الفرض ليفسرها، ~~كان عنده فرضا صحيحا وإلا فهو باطل، فهكذا الأمر في كل عبارة ~~نقولها، هي بمثابة فرض علمي نفرضه، ويكون تحقيقه مرهونا بانطباقه ~~على الواقع، وليس في طبيعته شيء يجعله صوابا أو خطأ غير نجاحه أو ~~فشله في تفسير الواقع. # وهذا القول نفسه يمكن التعبير عنه - كما عبر عنه جيمس - ~~بعبارة أخرى، فنقول: إن الحق هو ما كان الاعتقاد فيه أفضل من ~~إنكاره، أفضل بالنسبة إلى طرائق سلوكنا في الحياة العملية الواقعة، ~~«الحق» أو «الصدق» هو ما تسلك على مقتضاه فلا تجد من الحوادث ما ~~يعترض سبيلك أو يناقض ms106 اعتقادك، «الحق» أو «الصدق» هو ما ينجح من ~~حيث الثمرة العملية التي يثمرها العمل بمقتضاه، ليس «الحق» صفة ~~آسنة راكدة لاصقة بالعبارة التي نصفها بهذا الوصف، بل هو قابلية ~~العبارة لأن تكون أداة للسلوك وخطة للعمل، فإن كان فيها ما يهدينا ~~إلى العمل الناجح فهي «حق» وإلا فهي باطل، ومن هنا قال «جيمس»: إن ~~«الحق» أو «الصدق» لا يكون في الجملة قبل النزول بها إلى معترك ~~الحياة والعمل، بل هو «يطرأ» عليها عندئذ «فتصبح» حقا أو صدقا ~~حين ألمس أثرها الناجح في ميدان السلوك، فالحوادث العملية وحدها هي ~~التي تجعلها صادقة أو باطلة. # 1 # كلمة «الحق» وكلمة «النفع» مترادفتان، فنقول عن فكرة إنها نافعة ~~لأنها حق، أو إنها حق لأنها نافعة، والقولان في المعنى سواء؛ ~~لأنهما في النتائج العملية سواء، أو قل إن شئت أن «الحق» و«النفع» ~~طرفان لخيط واحد، أحدهما داخل العقل والآخر خارجه، فعندما تكون ~~الفكرة في أول سيرها نحو التحقيق، نصفها بكلمة حق، حتى إذا ما خرجت ~~إلى عالم الخبرة عملا، وصفناها بأنها نافعة، # 2 # وفي هذا الصدد يقول «جيمس» تشبيهه المشهور الذي يوضح ~~الفكرة بوضوحه، لكنه في الوقت نفسه كان موضعا سهلا للنقاد ~~يهاجمونه منه، إذ يقول: إن الخبرة هي «القيمة الفورية» # 3 # لما نصفه بأنه حق، تشبيها للعبارة الصادقة بالسلعة ~~المطروحة في السوق، قيمتها ليست في ذاتها، بل فيما يدفع فيها من ~~ثمن، فأثار هذا التشبيه نقد المهاجمين، فكيف ينزل «جيمس» - في ~~رأيهم - بالحق إلى هذه الدرجة من المادية التي تجعله سلعة من ~~السلع؟ أما «جيمس» فقد فرح بتشبيهه هذا وعده توفيقا في التعبير ~~الأدبي، وراح يستخدمه ويوسع من مدى تطبيقه، فقال في مناسبة أخرى ~~إن الفكرة تظل صادقة ما دام لم يعترضها معترض ممن نعاملهم على ~~أساسها؛ فهي كالذي يعامل الناس معتمدا على حسابه في البنك، ~~فالفكرة كورقة النقد تصلح للتعامل إلى أن يعترضها معترض بحجة أنها باطلة، # 4 # وما دامت الفكرة سارية نسلك على أساسها فنحقق بسلوكنا ~~ما نبتغي من نتائج فهي فكرة ms107 صواب. # مقياس النجاح في النتائج العملية، الذي جعله «جيمس» مقياس ~~«الحق»، هو نفسه معيار الأخلاق، فالذي يجعل الفعل فضيلة هو أنه فعل ناجح، # 5 # فإذا استعرضت مختلف المواقف التي يقول عنها الناس إنها ~~من الفضيلة أو من الرذيلة ألفيت فيها جميعا عاملا مشتركا، هو ~~وجود الإنسان الذي يعي بشعوره ما في الموقف المعين من قيمة ~~خلقية إن خيرا وإن شرا، وإذن فلأن يكون الفعل خيرا؛ فذلك ~~لأنه كذلك في نظر واحد أو أكثر من الناس، ولو خلا العالم من البشر ~~لبقي العالم غير موصوف بخير أو شر، ومعنى ذلك أن تقدير الإنسان ~~للفعل عنصر جوهري في اعتبار قيمته الخلقية، وعلى أي أساس يكون هذا ~~التقدير إن لم يكن على أساس إشباع الفعل لرغبات الإنسان، هذا معيار ~~لا يقتصر تطبيقه على الفرد الواحد، بل يمتد ليشمل البشر أجمعين، ~~وهو في الوقت نفسه يجمع في مضمونه أنظار الفلاسفة على اختلاف ~~مذاهبهم، فلنفرض أن فعلا معينا قد أشبع رغبة فرد دون سائر ~~الأفراد، فماذا يكون الحكم فيه؟ يجيب «جيمس» قائلا: إنه لا تفضيل ~~لرغبة على رغبة، فالرغبات - من حيث هي رغبات - سواء، وإذن فلا أساس ~~للمفاضلة بين الأفعال إلا بمقدار ما تحققه من رغبات، فأكثر ~~الأفعال تحقيقا لها أكبرها قسطا من الفضيلة، وهذه الحالة نفسها - ~~حالة الصراع بين الرغبات المختلفة - قد تكون في الفرد الواحد، ~~وعندئذ تكون القاعدة الخلقية الواجب اتباعها، هي نفسها القاعدة ~~التي تتبعها مجموعة الأفراد، وهي تغليب الفعل الذي يشبع الرغبة ~~الأقوى، على أن نفهم «الأقوى» بمعنى الأمد الطويل، وما قد يظهر فيه ~~من نتائج للفعل الذي أديناه، الفضيلة بهذا المعنى هي إشباع ~~الرغبات، والفضيلة المثلى هي إشباع الرغبات جميعا، ولما كان هذا ~~محالا، كان الأفضل دائما هو الأكثر إشباعا لأكبر قدر مستطاع من ~~رغباتنا. # وليس بخاف على «جيمس» أن هذه النظرية في الأخلاق من التعميم، ~~بحيث لا تصلح وحدها هاديا في السلوك إذا ما نشأ موقف معين، وكان ~~على الإنسان فيه أن يختار طريقا للعمل، لكنه لا يجد وسيلة ms108 لتخصيص ~~ما يعمل في كل موقف على حدة، فالأمر متروك للإنسان الفرد عندئذ؛ ~~لأنه سيكون أدرى بالظروف التفصيلية المحيطة به، وعلى كل حال فليس ~~من شأن الفلسفة الخلقية أن «تعظ»؛ فهي معنية بالمبادئ العامة ~~وحدها، وعلى غيرها تقع مهمة التطبيق. # حسبنا هذا المقدار من «براجماتية» جيمس - لكن البراجماتية منهج ~~وليست فلسفة إيجابية ذات نتائج معينة، فهل هو من فلاسفة المناهج ~~وكفى؟ - إذ قد يقتصر الفيلسوف على منهج التفكير دون أن يكون له هو ~~نفسه تفكير خاص يقوم على أساس هذا المنهج - أم أن له فلسفة قائمة ~~على منهجه؟ # لوليم جيمس فلسفته الخاصة التي يطلق عليها اسم «التجريبية المتطرفة» # 6 # عنها يقول في مقدمته التي يقدم بها كتابه «معنى الحق» # 7 # ما يأتي: «تتألف التجريبية المتطرفة أولا من ~~مصادرة، ثم من حقيقة أقررها، وأخيرا من نتيجة عامة.» # 8 # أما المصادرة (والمقصود بكلمة «مصادرة» فرض يفرضه ~~الباحث ويصدر به بحثه ويطالب القارئ بأن يسلم بصحته؛ فهي في ذلك ~~شبيهة بالبديهية) فهي أن كل مناقشة فلسفية يجب أن تنحصر في ~~موضوعات مما يقع في الخبرة البشرية، قد يكون في الكون ما لا يقع ~~للناس في خبراتهم، لكن حديثنا عنه عندئذ يصبح بغير معنى، إن ~~«جيمس» لا يدعي أن وجود الشيء متوقف على خبرتنا به، لكن الذي ~~يدعيه هو أن الشيء لا يكون مفهوما لنا، وذا دلالة في حديثنا عنه، ~~إلا إذا كان جزءا فعليا أو ممكنا من أجزاء الخبرة ~~الإنسانية. # تلك هي «المصادرة» التي لو وقف عندها لكان على اتفاق مع ~~التجريبية الإنجليزية؛ لأن رجال هذه المدرسة - لوك وباركلي وهيوم - ~~هم أيضا يرون أن ما يستطاع معرفته هو وحده الذي يقع في حدود ~~خبرات الإنسان، وعبثا نتحدث إذا لم يكن حديثنا عن شيء خبرناه ~~فعلا، أو كان في الإمكان أن نخبره، لكن «جيمس» لا يقف عند حدود ~~هذه المصادرة وحدها، بل يمضي فيقرر حقيقة هي التي ميزت تجريبيته ~~وجعلتها تجريبية «متطرفة» - كما أسماها - وهي أننا حين ندرك أشياء ~~العالم بالخبرة المباشرة، فإنما ندرك ms109 الأشياء وما يربطها من ~~علاقات، فالعلاقات القائمة بين الأشياء هي - كالأشياء نفسها - مما ~~ندركه في عناصر الموقف الذي يتاح لنا أن ندركه، وليست هي - كما كان ~~الظن - من صناعة عقولنا، # 9 # كلا ولا هي شيء خارج عن طبيعة الموقف جاءه من أعلى، بل ~~هي جزء منه لا يتجزأ، يدركه الإنسان إذ يدرك الموقف بكل ما فيه ~~من عناصر؛ أشياء وعلاقات، والقارئ الذي لم يألف مشكلة العلاقات في ~~الفلسفة قد لا يقدر خطورة هذه الحقيقة التي يقررها «جيمس»؛ إذ ~~يقرر أن «العلاقات» تدرك في الخبرة المباشرة كالأشياء المرتبطة ~~بتلك العلاقات سواء بسواء، ولكي أعينه على تقدير هذه الحقيقة ~~أستطرد فأقول : إن الفلاسفة ينقسمون قسمين رئيسيين؛ المثاليون من ~~جهة، والواقعيون من جهة أخرى، أما المثاليون فهم الذين يجعلون ~~حقائق الأشياء في كونها أفكارا في عقولنا، أي إن الشيء المعين ~~موجود إذا كان له فكرة في رأسي، وإلا فلا وجود له، وإن كان الأمر ~~كذلك، فمجموعة الأشياء - أي الكون كله - هي بالتالي مجموعة أفكار ~~في عقل الإنسان أو في عقل الله، فكيف تكون العلاقات بين الأفكار؟ ~~إنها ليست علاقات مكانية؛ فالفكرة لا تكون على يمين الفكرة أو على ~~يسارها - مثلا - لكن العلاقات بين الأفكار تكون في تضمن بعضها ~~لبعض، والاستدلال على بعضها من بعضها الآخر وهكذا، وبهذا تكون ~~مجموعة الأفكار بمثابة نسق واحد أو بناء واحد، تستطيع من كل فكرة ~~أن تعلم فكرة أخرى؛ لأنها نتيجة تلزم عنها، أو لأنها مقدمة ~~تقتضيها، وهكذا تظل تنتقل من فكرة إلى فكرة بالاستدلال وحده، حتى ~~يكتمل لك النسق كله، إذن فمن فكرة واحدة - أي فكرة شئت - تستطيع ~~أن تستدل على سائر الأفكار جميعا، الأمر في ذلك كالأمر في ~~نظريات الهندسة - مثلا - حيث تستطيع من أي نظرية شئت أن ترجع ~~قافلا إلى مقدماتها أو تتقدم سائرا إلى نتائجها حتى يكتمل لك ~~البناء كله، فكأن كل نظرية واحدة تحمل في جوفها مجموعة النظريات، ~~بعضها كامن فيها؛ لأنه مقدماتها، وبعضها الآخر كامن فيها أيضا؛ ~~لأنه نتائجها، وفي مثل هذه ms110 الحالة لا بد أن يكون النسق كله وحدة ~~واحدة، علاقة الكل بأجزائه هي علاقة الكائن العضوي بأجزائه ... وما ~~شأن «العلاقات» بهذا كله؟ شأنها هو أن المثاليين - بناء على رأيهم ~~هذا - يجعلون العلاقات التي تربط الأشياء بعضها ببعض أجزاء من ~~طبيعة الأشياء نفسها، داخلية فيها وليست تأتيها من الخارج لتربط ~~شيئا بشيء؛ لأن علاقة الشيء الواحد بسائر الأشياء هي نفسها جزء ~~متمم لطبيعة ذلك الشيء، ولولاه لما عرفت حقيقته كلها، فمثلا إذا ~~قيل لك عن «أ» إنه والد «ب» فأين ترى علاقة «والد» هذه التي تربط ~~الشخصين «أ» و«ب»؟ عند المثاليين أن هذه العلاقة تراها بتحليل ~~طبيعة «أ» وحقيقته ، وعندئذ ستجد أن جزءا من تلك الحقيقة أنه ~~«والد»، فالعلاقة إذن داخلية فيه، وليست جزءا من المشاهدة التي ~~تأتي عن طريق الحواس. # وأما الواقعيون فيرون رأيا غير هذا؛ إذ يرون أن الأشياء التي ~~ندركها موجودة وجودا خارجيا مستقلا عن عقولنا وما فيها من ~~أفكار؛ فهي موجودة سواء صادفها العقل الذي يدركها أو لم يصادفها، ~~وإذا كان الأمر كذلك، فعلمي بها متوقف على ما أشاهده منها، لا على ~~استدلال عقلي، فإذا رأيت شيئا يقع قبل شيء، قلت إنه وقع قبله؛ ~~لأني شاهدته هكذا، لا لأني وجدت الأول يستتبع بالضرورة حدوث الثاني ~~كنتيجة له، ولما كان العالم يأتي في التجربة الحسية أشياء مختلفة ~~كثيرة مرتبطة بعلاقات مختلفة كثيرة كذلك، وجب أن أقول: إنه عالم ~~«متعدد»، وليس هو بالوحدة الواحدة كما يظن المثاليون، وأن هذا ~~التعدد لا يكون الجزء منه دالا على الجزء الآخر دلالة حتمية كما ~~يظن المثاليون أيضا، بل الأمر موكول إلى الخبرة، فإن وجدت جزءين ~~متلازمين قلت إنهما كذلك، وإلا فلا أستدل على وجود الواحد من وجود ~~الآخر ... وما شأن «العلاقات» وإدراكها بذلك؟ شأنها هو أن الخبرة ~~الحسية - كما يقول التجريبيون - تأتي في الحقيقة مفككة إلى الذهن، ~~والذي يربطها بعضها ببعض هو الإنسان المدرك، يربطها على مقتضى ~~قوانين يسمونها قوانين تداعي الأفكار أو ترابطها. # فإذا ما جاء «جيمس» ليقول: إن الإنسان يدرك ms111 العلاقات إدراكا ~~مباشرا مع الأشياء نفسها المرتبطة بتلك العلاقات، يكون قد سار ~~بتجريبيته خطوة أخرى بعد التجريبية الإنجليزية التي قصرت المشاهدة ~~على «الحالات» المتقطعة المتجزئة وحدها، ثم جعلت العلاقات التي ~~تربطها تتم في الداخل ولا تأتي مع بقية المدركات من خارج - ومن ثم ~~كانت تجريبية «جيمس» تجريبية «متطرفة» - وبعد هذه الحقيقة التي ~~يقررها عن العلاقات، تجيء النتيجة التي ينتزعها منها، وهي أن ~~العالم هو ما يجيء في الخبرة، وليس هنالك ما يدعو إلى إضافة شيء من ~~عندي لبنائه أو تدعيمه، يجيئني العالم في خبرتي قائما في بنائه ~~مدعما بروابطه، إذ يجيئني بعنصريه؛ الأشياء والعلاقات التي تربط ~~تلك الأشياء في وقائع؛ فقد كانت مسألة العلاقات هي نقطة الضعف في ~~التجريبية الإنجليزية التقليدية؛ ولذلك كانت أيسر نقطة يهاجمها ~~منها أنصار الفلسفة المثالية؛ إذ كانت هذه الفلسفة تسأل المذهب ~~التجريبي قائلة: إذا كان الإدراك أمره أمر حالات تأتي متقطعة عن ~~طريق الحواس المختلفة، فما الذي يوجد العلاقات بين أجزائه؟ هذا ~~مصباح على منضدة - مثلا - وهكذا أراه مرتبطا بالمنضدة بعلاقة ~~«على»، لكن العين لا ترى «على»، بل ترى «مصباحا - منضدة»، فكيف ~~وبأي الوسائل أدرك «على» التي ليست بين المحسوسات؟ أقول: إن هذه ~~كانت أيسر نقطة للهجوم على المذهب التجريبي من جماعة المثاليين ~~الذين ينكرون الكثرة، وينكرون خارجية الأشياء، فجاء «جيمس» واعترف ~~للمثاليين بوجاهة نقدهم وصوابه، لكنه أعاد بناء المذهب التجريبي ~~نفسه ليقابل هذا النقد، بأن جعل العلاقات جزءا يدرك بالخبرة ~~المباشرة كأي جزء آخر، وبهذا أصبحت التجريبية مذهبا أوفى وأكمل ~~وأقدر على مواجهة الهجوم. # 10 # لكن موضوع العلاقات، وجعلها جزءا من الخبرة المباشرة، ليس وحده ~~يكون «التجريبية المتطرفة»، بل يقوم إلى جانبه موضوع آخر، أبعد منه ~~أثرا في توجيه الفلسفة المعاصرة، ألا وهو فكرة «العنصر المحايد» ~~الذي لا هو بعقل ولا هو بمادة، إنما العقل والمادة كلاهما ~~اشتقاقان من مصدر محايد، ولشرح ذلك أقول: إن هذه المنضدة التي ~~أمامي تبعث موجات ضوئية في كل مكان يمكن أن ينبعث الضوء منها إليه، ~~وفي أي نقطة ms112 من هذا المكان يمكن رؤية المنضدة، وإذن فلو سألت: أين ~~المنضدة؟ أجبت: هي في كل هذه النقط المكانية على السواء، فاجمع كل ~~«الظواهر» الموجودة إمكانا في أرجاء هذا المكان، تكن لك المنضدة، ~~فلو وقفت في نقطة مكانية من هاتيك النقط التي تنبعث إليها ظواهر ~~المنضدة، تكون لديك منها صورة حسية، ومن الظواهر الخارجية مضافة ~~إلى الصورة الحسية التي كونتها عنها تكون حقيقة المنضدة، فليس ~~الفرق بين الشيء الخارجي الذي جرى العرف بأن نسميه بالمنضدة، وبين ~~الصورة الحسية، وهو فرق بين مادة في الخارج وعقل في الداخل، بل كلا ~~الجانبين - الخارج والداخل معا - متكون من مصدر واحد هو ~~الظواهر المنبعثة في نقاط المكان، تنظر إليها من خارج فإذا هي ~~الحقيقة الخارجية، وتنظر إليها من داخل، فإذا هي الفكرة الداخلية، ~~وخلاصة القول هي أن المادة لم تعد «مادية»، ولا أصبح العقل «ذاتا ~~روحانية» كما كان يقال، بل انحلت المادة إلى ظواهر متناثرة ففقدت ~~صلابتها، وانحل العقل إلى حالات إدراكية ففقد ذاتيته، والجانبان ~~معا صادران عن عنصر محايد. # 11 # ويتفرع عن «التجريبية المتطرفة» نتيجة هي العقيدة بأن العالم ليس ~~وحدة، بل هو متعدد المحتوى، وقد عبر «جيمس» عن هذا المذهب ~~التعددي في كتابه «عالم متكثر» # 12 # أي إن العالم قوامه كائنات كثيرة لا كائن واحد، فكما ~~أنه يرى أن المظهر الواحد من مظاهر الشيء المعين قد يكون جزءا من ~~الشيء الذي اصطلحنا على أن نصفه بالمادية والموضوعية، أو أن يكون ~~جزءا من الإدراك الحسي لشخص مدرك؛ ومن ثم فهو حالة من مجموعة ~~الحالات الشعورية لذلك الشخص، وهي المجموعة التي اصطلحنا أيضا على ~~أن نسميها عقلا، فكذلك المدرك الحسي الواحد قد يكون حالة شعورية ~~في أكثر من عقل واحد؛ إذ قد يكون المدرك الحسي لهذه المنضدة - ~~مثلا - حلقة من حياتي الشعورية، وحلقة من حياتك الشعورية، ثم ما ~~هو أكثر من هذا، إذ قد يكون المدرك الحسي المعين جزءا من الحياة ~~الشعورية لفرد من الناس، ويكون في الوقت نفسه جزءا من الحياة ~~الشعورية لعقل أشمل ms113 من عقل ذلك الفرد، بحيث يشمل كل هذا العقل ~~الفردي بجميع حالاته، مضافا إليه مدركات أخرى، وعندئذ يكون ~~المدرك - أو الفكرة - حالة من حالات عقل أصغر، وحالة من حالات ~~عقل أكبر، فيكون لها بذلك وضعان مختلفان، مع أنها هي هي الفكرة ~~نفسها، ومن هذا ينفسح أمامنا المجال لاحتمال أن يكون العالم كله ~~محتوى في عقل واحد كبير احتواء الأدنى في الأعلى يشمل كل العقول ~~الفردية، بحيث يكون كل إدراك من إدراكات العقول الفردية إدراكا في ~~العقل «الإلهي» الشامل، وعندئذ تتكون لدينا فكرة عن «إله» يختلف ~~عن الفكرة التي تكونت عنه في الديانات التقليدية، وكذلك تختلف عن ~~الفكرة التي تكونت عنه في الفلسفات الآخذة بمبدأ وحدة الوجود؛ وذلك ~~لأن هذا الإله الذي هو عقل يشمل سائر العقول، ليس منفصلا عن الكون ~~انفصال الخالق عن خلقه كما تصورت الديانات التقليدية، كلا ولا هو ~~حال في الوجود كله كما تصورت فلسفة وحدة الوجود، ولكنه إله بينه ~~وبين سائر العقول الفردية قسط مشترك، هو الاشتراك في إدراكات ~~بعينها، لكنه في الوقت نفسه يتميز بفردية مستقلة، كما يتميز كل فرد ~~من الأفراد الصغرى بفرديته المستقلة، فالصورة - كما يتخيلها ~~«جيمس» - هي أقرب إلى سلم متدرج من عقول؛ فعقل أكبر من عقل؛ لأنه ~~يدرك إدراكاته ثم يزيد عليها، ثم عقل ثالث أكبر من هذا العقل، ~~فرابع أكبر وهكذا دواليك صعودا، دون أن يتحتم أن يكون هنالك عقل ~~مطلق يسع كل شيء، فالعقل الأعلى فيه كل ما في الأدنى مع الاحتمال ~~دائما بأن يكون هناك ما هو أعلى. # ولعل ما حدا بوليم جيمس إلى مثل هذه الفكرة التي تجعل العقول ~~متصاعدة، دون أن تضيع في ذلك شخصية العقل الفردي، هو أنه أراد أن ~~يحتفظ لكل فرد إنساني بإرادته المستقلة، لتقع عليه مسئوليته ~~الخلقية، إنه لو جعل في الكون إلها يشمل كل شيء، وتنمحي فيه ~~الأفراد، لتورط فيما تورطت فيه الديانات التقليدية والفلسفات ~~الموحدة للوجود، وهو مشكلة الشر؛ فلو كان هنالك مثل هذا الإله ~~الشامل، للزم أن يكون مسئولا ms114 عن كل ما يقع، والشر بعض ما يقع، ~~فإما أن نقول: إن الله عندئذ مسئول عنه، أو إنه عاجز عن درئه، ~~و«جيمس» يفضل البديل الثاني، ويكون العجز هنا معناه أن الله لا ~~يشمل كل شيء في الوجود، بل إن هنالك إلى جانبه سائر العقول ~~والإرادات، التي وإن تكن أدنى منه وأصغر في سعة الإدراك، إلا أنها ~~موجودة مسئولة عما تصنع، فهذا الافتراض يجعل لكفاح الأفراد نحو ~~الخير معنى؛ لأنه يجعل في مستطاع الأفراد تغيير ما هو كائن إذا كان ~~شرا ليصبح أفضل مما هو وأكمل ... ولا تسل «جيمس» قائلا: ما ~~برهانك؟ لأنه لا برهان، فهذه حالة من الحالات الكثيرة التي قال ~~عنها إنه حيث لا يكون برهان يثبت أو ينفي، فعلينا بالاختيار ~~اختيارا إراديا متعمدا لعقيدة يكون من شأنها أن تفسح مجال ~~الأمل في حياة أفضل. # 13 ~~(2) «جون ديوي» # 14 # وتغيير القيم # هو ثالث ثلاثة عمالقة خلقوا الفلسفة البراجماتية خلقا، وأشاعوها ~~في أرجاء العالم طرا بحيث لم يعد في وسع مثقف ألا يتابعهم في ~~نتائجهم متابعة القبول أو متابعة الرفض والإنكار، وهؤلاء الثلاثة ~~هم «بيرس» و«جيمس» و«ديوي»، على أنهم وإن ذهبوا جميعا مذهبا ~~واحدا من حيث الأصول، إلا أن كلا منهم قد انشعب به في اتجاه ~~يميزه عن زميليه، والصفة المميزة ل «ديوي» هي محاولته استخدام منهج ~~العلوم في التفكير في القيم - الأخلاقية والسياسية والجمالية ~~وغيرها - تفكيرا قد ينتهي إلى تغييرها تغييرا يناسب ظروف الحياة ~~الحاضرة، أو بعبارة أخرى هي اتخاذه من الفكر «ذريعة» # 15 # للعمل على نحو يحقق للإنسان ما يبتغيه في مجتمع صناعي ~~ديمقراطي كالمجتمع الذي نعيش فيه اليوم، أو على الأصح كالمجتمع ~~الذي تعيش فيه الولايات المتحدة في عصرها الراهن. # ولم يكن «ديوي» براجماتيا منذ أول نشأته، بل تأثر في أولى ~~مراحله بالفلسفة الهيجلية، ولم يكن له بد من ذلك؛ لأنه لم يجد ~~حوله إلا أساتذة يذهبون في الفلسفة هذا المذهب، فأخذ عنهم، ثم أخذت ~~ظروفه تتطور حتى اتخذ لنفسه طريقة البراجماتي بقية حياته، وقد كانت ~~الأعوام ms115 التي شكلته من الوجهة الفلسفية تشكيلا حاسما، وهي ~~الأعوام العشرة الممتدة من 1894م إلى 1904م (ولد ديوي عام 1859م ~~ومات عام 1951م)، وذلك حين كان رئيسا لقسم الفلسفة في جامعة ~~شيكاغو، وحين قام بتجربة في التربية على نطاق واسع، أجراها على ~~مدرسة ملحقة بالجامعة، فعندئذ نفض يديه من الفلسفة الهيجلية، ~~وبدأ في وضع الأساس لوجهة نظره التي التزمها منذ ذلك الحين، وهي ~~التي يطلق عليها - كما قلنا - اسم «المذهب الذرائعي»، وهو مذهب ~~شديد الشبه بما كان يدعو إليه «وليم جيمس» في ذلك الوقت نفسه باسم ~~«الفلسفة البراجماتية». # وإنه لمما يعيننا على فهم وجهة النظر التي أخذ بها «ديوي» أن ~~نذكر لمحة من حياته تلقي ضوءا شديدا على أصول تفكيره، ذلك أنه ~~ولد ونشأ في ولاية «فيرمونت» في الشمال الشرقي، في منطقة ريفية ~~هادئة يعيش أهلها على الزراعة، ولهم كل ما تقتضيه الزراعة من أخلاق ~~المحافظة على القديم، وإيثار السلامة والأمن والدعة على المخاطرة، ~~وما إلى ذلك، ثم انتقل في رجولته إلى ما يسمونه في الولايات ~~المتحدة «بالغرب الأوسط»، وهو إقليم نزح إليه المغامرون من أهل ~~الشرق - أعني شرقي الولايات المتحدة - الذي كان أول ما عمره ~~الوافدون من أوروبا، حتى ازدحم، فماذا شهد «ديوي» في الغرب الأوسط ~~خلال ستة عشر عاما أقامها هناك؟ شهد حياة اقتصادية تختلف ~~اختلافا بعيدا عن حياة موطنه الزراعي الذي نشأ فيه؛ إذ رأى ~~الثراء الطائل يجمعه صاحبه في مثل اللمح بالبصر، وقد يفقده كذلك في ~~مثل اللمح بالبصر، رأى الناس تغلب عليهم المغامرة والمخاطرة، وأميل ~~إلى العمل الحر الجريء منهم إلى العمل المستقر الثابت الآمن؛ لأن ~~هذا الاستقرار وهذا الثبات وهذا الأمن يكلفهم الخضوع لقوانين ~~الحكومة المطردة، ويكلفهم بالتالي الحد من أصالة التفكير وقدرة ~~الابتكار، كانت الحياة هناك - كما شهدها «ديوي» - معرضة للخطر، ~~ولكن بلوغ النجاح فيها كان كبير الاحتمال، فلم يكن الناس ينشدون ~~اليقين في حياتهم، ومن هنا انعكس الأمر على تفكير «ديوي» حين أخرج ~~فيما بعد كتابه «طلب اليقين» ليهزأ من طلب اليقين في ms116 حياة الفكر ~~وحياة العمل على السواء، كان أهل الغرب الأوسط جميعا ممن نزحوا ~~حديثا، فقلما تجد أسرة هناك عندئذ امتدت إقامتها أكثر من جيل ~~واحد أو جيلين، وقد نزحوا من كل فج من فجاج الأرض، فكأنما جاءوا ~~جميعا لا يحملون بين جنوبهم إلا شيئا واحدا، وهو أن يخاطروا ~~ويغامروا، فمن ذا كان يعبأ عندئذ هناك بالتقاليد الموروثة أو ~~بأصول الثقافات القديمة؟ نظر الجميع إلى أمام لا إلى وراء، مؤمنين ~~بأن النجاح أكبر احتمالا من الإخفاق. # ذلك هو طراز القوم الذين ذهب «ديوي» بينهم ليعلم أبناءهم في ~~جامعة شيكاغو، فأي شباب تتوقع له أن يختلف إلى الجامعة؟ شباب ~~كالآباء، يريدون العلم الذي يعين على العمل، يريدون الفكر الذي ~~يرسم طريق النجاح، إنهم لم يكونوا كالشبان الذين ألفتهم جامعات ~~أوروبا، بل الذين ألفتهم جامعات الجهة الشرقية من الولايات المتحدة ~~نفسها، جاءوا وفي رءوسهم تقدير للثقافة في ذاتها، كلا؛ فقد تغيرت ~~معهم وجهة النظر، وجاءوا ينشدون العلم الذي يكون قريب الصلة بما هم ~~مقبلون عليه من حياة عملية سريعة الخطا، لم يكونوا يريدون - ~~بالطبع - دراسة اللاتينية أو الإغريقية أو غيرهما من الدراسات ~~النظرية البحتة التي هي في الحقيقة مخلفات الثقافة الأرستقراطية ~~القديمة، التي كانت تصلح لأهل الفراغ من أبناء الطبقات الثرية، ~~أمثال هذه الدراسات لم يعد بذي نفع في مجتمع ديمقراطي كل أبنائه ~~قد خلقوا للعمل، وللعمل الجاد، فإن كان طلاب الجامعات القديمة ~~ينشدون النظريات التي يدرسونها وهم جالسون على مقاعدهم؛ فقد جاء ~~هؤلاء إلى الجامعة يريدون العمل بأيديهم، فإذا ما كان الموضوع مما ~~لا يقتضي عملا مباشرا، فليكن إذن شديد الصلة بما يعمل. # فكيف يجيء تيار الفكر في رأس فيلسوف حساس لما حوله من ظروف، إن ~~كانت هذه الظروف هي التي تحيط به؟ هل يمكن أن يتجه بفكره إلى غير ~~العمل؟ هل يمكن أن تدفعه هذه الرغبات الجامحة من حوله نحو النظر ~~إلى المستقبل، ثم يلتفت رغم ذلك إلى الماضي؟ كلا، وهكذا كان الأمر ~~مع «ديوي»، تشكك في قيمة التقاليد كلها، كالتقليد ms117 الذي جرى بين ~~المفكرين الأمريكيين الأولين من أن للإنسان حقوقا طبيعية كانت لهم ~~قبل اجتماعهم في مجتمع، وكالعرف الذي يقضي بالرجوع إلى السابقات في ~~أحكام المجتمع أو أحكام القضاء، وكالاعتقادات الدينية في صورها ~~الجامدة، بل والافتراضات العلمية التي قد تكون قائمة على غير أساس ~~يبرر قيامها، إن كل شيء في حياة الإنسان قابل للتغير إن دعت ~~الضرورة إلى تغييره، ولا يجوز أن يقف شيء - كائنا ما كانت قيمته ~~وقداسته - حائلا في مجرى الإصلاح الاجتماعي وتوفير العيش الرغيد ~~للإنسان العامل، لا بد من تغيير قواعد الأخلاق إن اقتضى الإصلاح ~~هذا التغيير، ولا بد من تغيير أسس السياسة والاقتصاد والتربية وكل ~~شيء مما قد يظن به الدوام والثبات، في سبيل تغيير الحياة تغييرا ~~يجعلها أكثر ملاءمة لظروف العصر الجديد. # وماذا تكون الفلسفة إن لم تكن - كما يصفها «ديوي» - تعبيرا ~~عقليا عن الصراع الداخلي الذي يسري في ثقافة العصر؟ مهمة الفلسفة ~~هي أن تتعقب خيوط هذا الصراع إلى أصولها لتضع أمام النظر مصادر ~~القوى التي تتجاذب عقول الناس، فيسهل بذلك تشخيص الداء ووصف ~~الدواء، والحق أنك إذا أمعنت النظر في أي فلسفة شئت، فمهما كانت ~~هذه الفلسفة في ظاهرها منعزلة عن تيارات الحياة العملية، فستجدها ~~في الحقيقة معبرة عما تنطوي عليه تلك الحياة في عصرها من مبادئ ~~أساسية يسير الناس في نشاطهم العملي على مقتضاها، شعروا بذلك أو لم ~~يشعروا، فهكذا كانت فلسفة أفلاطون وفلسفة أرسطو - مثلا - دفاعا ~~في صميمها عن المثل العليا التي كانت هدف المدنية اليونانية ~~يدافعون عنها إزاء هجمات الشكاك، فلولا تلك الهجمات الانقلابية ~~لكان من المحتمل ألا ينشأ سقراط مدافعا عن القيم الأخلاقية ~~الثابتة، أو ألا ينشأ أفلاطون ليقيم الحجة على وجود عالم فكري ~~ثابت رغم ما قد يبدو للعين من صيرورة وتغير، أو ألا ينشأ أرسطو ~~ليستهدف الغاية نفسها في الأخلاق وغيرها، ثم انتقل إلى العصور ~~الوسطى الدينية، وانظر ما مهمة الفيلسوف عندئذ، كان همه الأول ~~والأخير أن يدافع عن العقيدة الدينية السائدة بسند من ~~الفلسفة. # لكن مهمة ms118 الفيلسوف وإن تكن دائما تعبيرا عقليا عما تنطوي ~~عليه حياة الناس من مبادئ، إلا أنها قد لا تكون دائما دفاعا عن ~~النظام القائم، كما كانت الحال في أعلام الفلسفة اليونانية ~~والفلسفة الوسيطة؛ لأنه قد يحدث أن تأخذ حياة الناس في التغير ~~والانقلاب، وأن تأخذ مبادئ حياتهم - بالتالي - في التحول والتبدل، ~~وعندئذ يقوم الفيلسوف بمهمته نفسها، مهمة التعبير العقلي عن ~~المبادئ التي تنطوي عليها حياة الناس، فإذا هي فلسفة تدعو إلى وجوب ~~الانقلاب والثورة؛ لأنها فلسفة جاءت في عهد انقلاب وثورة، هكذا ~~كانت فلسفة «ديكارت» مثلا عند خروج أوروبا من عصرها الوسيط إلى ~~عصرها الحديث، حين دعا الناس إلى تغيير منهج التفكير، وهكذا أيضا ~~«ديوي» الذي لم يسعه إلا أن يكون بفلسفته داعيا إلى تغيير القيم؛ ~~لأن الحياة التي أحاطت به كانت تسير بالفعل نحو هذا التغيير، «فلو ~~استطعنا أن نحدد الأهداف التي ارتسمت في تصوره، والوسائل التي ~~رآها موصلة إلى تلك الأهداف، استطعنا فهم فلسفته، وعندئذ نرى كيف ~~تتكامل آراؤه التي أدلى بها في ميادين مختلفة فيما بينها اختلافا ~~بعيدا، لكنها مع ذلك تتكامل في نظرة واحدة شاملة لما عساه أن ~~يحقق التقدم في مجتمعنا ... وأول ما تعنى به فلسفة ديوي من ~~أهداف هو مشكلات الديمقراطية الأمريكية.» # 16 # وليس من شك في أن أول حجر يوضع في بناء الديمقراطية هو التربية ~~التي تؤدي إلى ذلك؛ ومن ثم كانت التربية أحد ميادينه الأساسية التي ~~خلق فيها وابتكر، ففي عام 1899م أخرج كتابه «المدرسة والمجتمع» ~~يشرح فيه طرائقه التي كان يتبعها في مدرسته التجريبية الملحقة ~~بالجامعة، وكان مبدؤه الأساسي هو أن يجعل من تلاميذ المدرسة ~~مجتمعا صغيرا يشبه المجتمع الكبير في حياته ونشاطه، فيهيئ ~~للتلاميذ المواد الخامة المختلفة ليصنعوا منها أشياء تتناسب مع ~~قدراتهم، وخلال هذه الصناعة يتعلمون ما يتعلق بها من علوم، ثم ~~تلا ذلك كتاب آخر في التربية أخرجه عام 1916م، هو «الديمقراطية ~~والتربية» يبين فيه أن التربية هي العملية التي تعين الجماعات ~~الإنسانية على استمرار وجودها، لا بمجرد المحافظة ms119 على التقاليد ~~القديمة مهما يكن نوعها، بل بسرعة المواءمة بين نفسها وبين بيئتها، ~~فتغير من نفسها بما يقتضيه تغير البيئة. # فلو أردت عبارة واحدة قصيرة تلخص لك صميم فلسفة «ديوي» فهاك ~~هذه العبارة: «إن التطبيق العام لمناهج العلم في كل ميدان ممكن من ~~ميادين البحث، هو الوسيلة الوحيدة القادرة على حل مشكلات ~~الديمقراطية الصناعية.» # 17 # هذه هي النتيجة التي انتهى إليها «ديوي» بكل فلسفته ~~على تنوع ميادينها، وهي أن نصطنع المنهج العلمي في كل موضوع ~~نفكر فيه، لا فرق في ذلك بين اقتصاد أو تربية أو دين أو أخلاق أو ~~سياسة، ففلسفته إذن هي في حقيقتها «منهج»، لا يعنيه أن يقدم للناس ~~حقائق بعينها بقدر ما يعنيه أن يقدم لهم منهجا يطبقونه في كل ~~موضوع، وهو إذا ما بحث موضوعا معينا، فإنما يبحثه أولا وقبل كل ~~شيء على أنه «مثل» يطبق عليه منهجه في البحث، فما عناصر هذا ~~المنهج؟ # كان كتاب «وليم جيمس» في أصول علم النفس (صدر 1890م) هو الضوء ~~الذي اهتدى به «ديوي» أخيرا في تشكيل منهجه وخطته في التفكير ~~والبحث، فلم يكن ذلك الكتاب مجرد كتاب في علم النفس كسائر الكتب، ~~بل كان فاصلا بين عهدين في ذلك العلم، إذ اعتبر «العقل» نمطا ~~معينا من السلوك، يعالج به الإنسان بيئته على نحو يعينه على ~~الحياة، فالعلامة الدالة على وجود «العقل» في أية ظاهرة سلوكية هي ~~أن نلحظ فيها استهدافا لغايات مستقبلة، واختيارا للوسائل المؤدية ~~إلى بلوغ تلك الغايات، # 18 # واستخراج مكنون هذه العبارة - ومكنونها طويل عريض عميق ~~غزير - هو الأساس الذي أقام عليه «ديوي» منهجه وبنى عليه ~~تفكيره. # وأولى النتائج التي تترتب على هذه العبارة، هي أن «العقل» سلوك ~~ذو طابع معين، وليس هو بالكائن الروحاني الغيبي الذي يختلف عن ~~الجسم الحي الفعال، كما هو الرأي عند الفلسفة المثالية، وعند ~~«ديوي» نفسه في مرحلته الأولى؛ لأنه كان إبان تلك المرحلة - كما ~~أسلفنا - هيجلي الاتجاه في فلسفته، وثانية النتائج التي تنتج من ~~العبارة نفسها هي أن القيم والغايات ms120 التي بمقتضاها يعمل الإنسان ~~ويسعى، إما أن تكون جزءا لا يتجزأ من طبيعة العالم الخارجي ~~نفسه، بحيث يجيء الإنسان فيدركها، ثم يعمل على تحقيقها، أو أن تكون ~~من خلق الإنسان، يخلقها لتكون له وسائل يوائم بها بين نفسه وبين ~~العالم الطبيعي أو المجتمع الذي يعيش فيه، وهي على كلا الفرضين ~~ليست شيئا سابقا بوجوده على وجود العالم الطبيعي أو المجتمع، بل ~~تنشأ نتيجة لازمة لاتصال الإنسان بمحيطه اتصالا يظهر فيه كفاحه ~~واختياره وأسلوبه في معالجة المواقف الجزئية التي تعترضه أثناء ~~الحياة الجارية، وثالثة النتائج التي تستخلص من العبارة المذكورة، ~~وربما كانت أهم النتائج أن الإنسان إذا ما نشط حيال بيئته من طبيعة ~~ومجتمع، فإنما يكون المستقبل هو رائد نشاطه، أي إن معنى نشاطه هذا ~~لا يكون إلا بالنظر إلى ما يتولد عنه من نتائج من شأنها أن ~~تغير أوضاع الأشياء تغييرا كبيرا أو صغيرا، يكون سببا في ~~إزالة مشكلاته التي اعترضت سبيله، وما دام الأمر كذلك، فالنتيجة ~~الرابعة هي أن ليس هنالك قيم ثابتة على الزمن، لا تتغير مهما ~~تغيرت الظروف والمواقف، إنما القيم ملازمة للحياة في تغيرها، فكلما ~~تغيرت هذه، تغيرت تبعا لها تلك؛ إذ ماذا عسى أن تكون هذه القيم - ~~في الأخلاق أو في السياسة أو غيرهما - إن لم تكن أدوات يستخدمها ~~الإنسان في سلوكه؟ # وهنا نصل إلى صميم فلسفته، فلسفة «الذرائع»؛ وهو اسم أطلقه ~~«ديوي» على اتجاهه البراجماتي الخاص، الذي اختلف به عن زميليه ~~«بيرس» و«جيمس»، وإن يكن في اتجاهه ذاك أقرب إلى «بيرس» منه إلى ~~«جيمس»؛ فقد كان من رأي «بيرس» أن الأفكار الكلية إن هي إلا عادات ~~سلوكية اعتادها الإنسان ليتصرف بها في المواقف العملية التي تشير ~~إليها تلك الكلمات، فكأنما الفكرة الواحدة من هذه الأفكار الكلية ~~هي بمثابة خطة تضبط السلوك وتوجهه، وهكذا ارتأى «ديوي» حين جعل ~~الأفكار «ذرائع» تتذرع بها في توجيه السلوك وضبطه توجيها وضبطا ~~يحقق للإنسان غاياته المنشودة، فمهما تكن الفكرة، فهي تتضمن ~~خطة للعمل، وإذا لم تكن كذلك فهي ليست ms121 من الفكر في شيء، وكما أن ~~هذا العمل المتضمن في الفكرة هو معناها، فهو نفسه كذلك طريقة ~~تحقيقها التي نميز بها الفكرة الصائبة من الفكرة الخاطئة، فأما ~~الصائبة فهي التي إذا ما سلكنا وفق الخطة العملية التي ترسمها، ~~انتهى بنا ذلك السلوك إلى ما نبتغي، وأما الخاطئة فهي التي لا تؤدي ~~خطتها العملية إلى الغاية المقصودة، وإذن فتحقيق صواب الفكرة لا ~~يكون في الخلاء، إنما يكون في نسيج الواقع، هذا الواقع الذي لا ~~نراه دائما متفقا مع أهدافنا، فنلجأ إلى تغييره بما يتفق مع ~~صوالحنا، تغييره بماذا؟ تغييره بأفكارنا، فإذا لم تكن هذه ~~«الأفكار» أدوات أو ذرائع تعين على ذلك فهي لغو باطل، وخطأ فاحش أن ~~نفرق بين ما هو نظري وما هو عملي من جوانب حياتنا؛ إذ يستحيل فصل ~~«الأفكار النظرية» عن «تطبيقها العملي»، ثم تظل مع ذلك أفكارا ~~توصف بالصواب والحق، فالفكر والعمل طرفان لخيط واحد، أو جانبان من ~~شيء واحد، أحدهما مكمل للآخر، ومتصل به اتصالا وثيقا، ليست ~~علاقة الفكر بمقصورة على زميلاتها من أفكار؛ بحيث يبدأ الأمر ~~وينتهي داخل الرأس بغض النظر عن الواقع الخارجي، بل الفكرة خيط من ~~نسيج خيوطه مزيج محتوم من أفكار في الداخل وحوادث طبيعية في ~~الخارج. # ولا تفكير إلا إذا اعترضت الإنسان مشكلة تتطلب الحل، أعني أنه ~~لا تفكير إذا لم نجد حقائق الواقع متعارضة مع تحقيق أغراضنا على ~~وجه من الوجوه، فعندئذ نقف حيال ذلك الواقع «لنفكر» كيف نغير ~~من أوضاع عناصره وأجزائه، بحيث يتخذ الوضع الذي يخدم أغراضنا، لا ~~تفكير إذا ظل الإنسان سابحا في «فكره» بعيدا عن دنيا الحوادث ~~الخارجية؛ لأنه عندئذ يكون حالما أو كالحالم، ويسوق «ديوي» لذلك ~~مثلا مشهورا، جاء في كتابه «كيف نفكر»، # 19 # مثل من يمشي خلال الغابة قاصدا إلى غاية معينة ~~ليبلغها في وقت معين، ثم تعترضه قناة، فإن كان عبور القناة ممكنا ~~بقفزة واحدة، فلا تفكير؛ لأنه لا إشكال، لكن يبدأ التفكير حين ~~تنهض أمامه المشكلة: كيف يعبر القناة ما دامت القفزة ms122 الواحدة لا ~~تكفيها؟ أيخوض بثيابه في الماء إن كان الماء ضحلا؟ أيبني جسرا من ~~فروع الشجر؟ هل يترك غايته المنشودة ويقفل في طريقه راجعا؟ إلى ~~آخر هذه الأسئلة التي يظل يلقيها على نفسه وهو واقف أمام القناة ~~«يفكر» ماذا عساه صانع للتغلب على هذه المشكلة التي اعترضت ~~طريقه، وواضح أن الفكرة التي تنشأ عندئذ لا بد أن تكون ذات علاقة ~~وثيقة بالموقف الراهن الماثل أمامه، ولا بد لها أن ترسم خطة واضحة ~~التفصيلات لما ينبغي عمله، فإن لم تكن كذلك لم تكن شيئا، وواضح ~~كذلك أن الفكرة التي تطرأ لذلك السائر الذي يريد أن يعبر قناة ~~معينة في ظروف معينة، إنما يكون تحقيقها عملا وفعلا هو معناها ~~وهو وسيلة اختبار صوابها في آن واحد، أي إنه لا تمييز بين أن يكون ~~للفكرة «معنى» وأن تكون «صوابا»، وبعبارة أخرى لا نحكم على ~~الفكرة بأنها صواب على أساس معيار عقلي خالص، منفصل عن دنيا العمل، ~~بل نحكم بصوابها بالاحتكام إلى تنفيذها، وهكذا ينشأ الفكر وينمو ~~مصاحبا لنشأة مشكلة عملية أولا، ثم لتتابع حلقات من أفعال مؤدية ~~إلى الغرض المقصود، وبعبارة ثالثة، الفكر لا يتم فكرا إلا إذا ~~ارتبط بما ليس فكرا، لو ظل الفكر دائرا حول نفسه، بأن ينتقل من ~~فكرة في الرأس إلى فكرة في الرأس ثم إلى ثالثة فإلى رابعة، فلن ~~يكون جديرا باسمه، وإنما يكون الفكر فكرا حين يمتد إلى ما وراء ~~حدوده النظرية إلى حيث العمل والتنفيذ. # وما «المنهج العلمي» إلا الطريقة التي يستخدمها الإنسان في خروجه ~~من دائرة الفكر المحض إلى دنيا العمل، فكيف يتم هذا؟ يتم ~~بالاستنباط وبالاستقراء في آن معا، فأنت إزاء المشكلة تفرض فرضا ~~معينا تظن أنه ممكن التنفيذ، وأنه بتنفيذه سيزيل المشكلة التي ~~اعترضت سبيلك، وتنفيذه يقتضي بالطبع أن تستخلص منه النتائج ~~التفصيلية التي تترتب عليه، وذلك هو الاستنباط، وعندئذ تخرج إلى ~~الدنيا الخارجية بغية التنفيذ وفق تلك التفصيلات التي تحددت بفضل ~~الفرض الذي فرضته معينا لك في موقفك، وها هنا ستصطدم بالوقائع ms123 ~~ذاتها والحوادث ذاتها، فتراها بالعين وتلمسها باليدين، وعندئذ ~~تدرك إدراكا عمليا قائما على المشاهدة وعلى التجربة إن كان ~~فرضك الأول صوابا، بمعنى أنه مؤد إلى الغاية المنشودة، أو لم ~~يكن، وهذه هي مرحلة الاستقراء في حل المشكلة، ولا تتم عملية ~~التفكير إزاء مشكلة من المشكلات إلا إذا أجرينا التجربة العملية ~~على الفرض الذي فرضناه حلا لها، وتمت التجربة بالنجاح ~~المطلوب. # ومرحلة «الفرض» - أي مرحلة «الحل المقترح» - هي التي يسميها ~~«ديوي» فكرة، وإذن «فالفكرة» هي اقتراح قدمه الإنسان لنفسه لحل ~~مشكلة معينة من مشكلات حياته، حين يكون ذلك الاقتراح لا يزال ~~معلقا ينتظر التنفيذ؛ وبالتالي ينتظر الاختبار، وبديهي أن مثل هذه ~~«الفكرة» لا توصف بأنها «حق» إلا إذا كانت دليلا هاديا يسدد ~~خطا صاحبها في مرحلة السلوك، أي في مرحلة التنفيذ، فصوابها هو في ~~هدايتها لصاحبها، وليس صوابها صفة لاصقة بها بغض النظر عن أثرها ~~في مجرى السلوك والعمل «فالحق هو ما يهدينا هداية موفقة، القدرة ~~المحققة في مثل هذه الهداية الموفقة هي على وجه الدقة ما نعنيه ~~بكلمة الحق»، # 20 # وهنا نلاحظ الفرق البعيد بين هذا المعنى «للحق» وبين ~~ما جرى به التقليد عند الفلاسفة السابقين، الواقعيين منهم ~~والمثاليين على حد سواء؛ فقد كان صدق الفكرة عند هؤلاء جميعا ~~صفة ننعت بها «كائنا» ساكنا لا حركة فيه ولا فاعلية؛ إذ ننعت بها ~~شيئا قائما برءوسنا، فنقول عن ذلك الشيء إنه صادق أو إنه حق إذا ~~كان صورة صحيحة لأصل في الخارج - وهؤلاء هم الواقعيون - أو إذا ~~كان متسقا مع سائر ما يحتويه العقل من أفكار - وهؤلاء هم ~~المثاليون - أما عند «ديوي» وزملائه البراجماتيين، فالصدق أو الحق ~~صفة ننعت بها «صيرورة» وحركة وسيرا وفعلا، الحق صفة «سكونية» عند ~~أولئك، وهو صفة «حركية» عند هؤلاء، ويقتضي هذا الرأي الجديد في ~~طبيعة «الحق» ألا يكون سابقا على الإنسان وخبرته، لم يكن هنالك ~~قبل الإنسان ومشكلاته ونشاطه في حل تلك المشكلات «حق» أزلي، إذ كيف ~~يكون ولا إنسان هناك ولا إشكال ولا نشاط لحل ms124 ذلك الإشكال؟ ثم جاء ~~الإنسان ونشأت مشكلاته، فنشأت مع ذلك حلوله لها، فكان الحل الموفق ~~منها «حقا» ومن مجموعة هذه الحلول الموفقة لمجموعة المشكلات ~~العملية في الحياة الإنسانية يتألف «الحق»، ولعلك تلاحظ أن هذا ~~الاختلاف بين الرأي التقليدي في «الحق» وبين الرأي الجديد، يتضمن ~~اختلافا في الأساس الاجتماعي والأخلاقي على السواء؛ فقد كان ~~المجتمع قديما مؤلفا من سادة يأمرون ورعية تؤمر؛ وبالتالي فهو ~~مؤلف من فئة تفرض معيار الحق فرضا، وما على الناس إلا أن يقيسوا ~~أفكارهم إلى ذلك المعيار المفروض، فإن طابقته كانت صوابا وإلا فهي ~~خطأ، وهذه حالة من يريد أن يحافظ على النظام القائم لا يتناوله ~~بالتعديل والتبديل، وهي حالة تستتبع ألا تقع على السواد من أفراد ~~الناس تبعة خلقية؛ إذ التبعة كلها واقعة على السيد الآمر الذي سن ~~القانون وشرع المعيار، أما النظرة البراجماتية فتفترض عدم الثبات ~~في القيم والمعايير، وتفترض - بل تستوجب - ضرورة تغييرها لتلائم ~~الظروف القائمة، وإذن فكل فرد مسئول أمام المشكلة التي تعترضه، ~~مسئول عن حلها حلا موفقا، فيكون هذا الحل الموفق هو الصواب ~~والحق؛ «فاعترافنا بأن الحق هو نجاح التنفيذ، وليس يعني إلا هذا، ~~إنما يضع على الناس تبعة، هي أن ينفضوا أيديهم من الاعتقادات ~~الجامدة في السياسة والأخلاق، وأن يخضعوا أعز معتقداتهم للاختبار ~~العملي الذي يجعل النتائج مقياس الحق، وأن هذا التغيير في وجهة ~~النظر ليتضمن تغييرا في مركز السلطة وفي وسائل اتخاذ القرارات في ~~حياة المجتمع.» # وفي هذه النقطة الأخيرة تتبين إحدى أوجه الاختلاف بين «ديوي» ~~و«جيمس» كما يتبين الاتفاق بينه وبين «بيرس»، فهم جميعا متفقون ~~على أن النتائج الناجحة الموفقة هي ما نعنيه بصفة «الحق» أو ~~«الصدق» أو «الصواب» التي نصف بها فكرة معينة، لكن «جيمس» يجعل ~~نجاح النتائج مرهونا بالفرد الواحد، وإن يكن يفضل أن يكون ما يرضي ~~الفرد الواحد مرضيا في الوقت نفسه للناس جميعا، لكن الأساس هو ~~أن تصادف الفكرة في نفس صاحبها رضا من حيث نتائجها في حياته ~~العملية؛ ومن ثم كان رأيه الخاص بصواب ms125 عبارة مثل «الله موجود»؛ لأن ~~الفرد المعتقد في صوابها ستتغير وجهة نظره إلى الحياة وطريقة ~~سلوكه، ومن هنا يكون صدقها له، مهما يكن أمرها عند سائر الناس، ~~وأما «بيرس» و«ديوي» معا فيجعلان نجاح النتائج مرهونا ~~«بالمجتمع»؛ أي مرهونا باتفاق الأفراد، فلا فرق عندهما بين المنهج ~~العلمي عند مجموعة العلماء في المعمل، وبينه عند مجموعة الأفراد في ~~المجتمع، حتى لقد كان المثل الأعلى عند «بيرس» هو أن يتكون في ~~الحياة «مجتمع معملي» أي مجتمع كالذي ينشأ حين يجتمع العلماء على ~~مشكلة معينة يتعاونون معا على حلها، فهل ينفرد العالم في ~~معمله بالنتيجة التي ترضيه هو بغض النظر عن زملائه، أم يتحتم ~~عليه أن يعرض نتيجة تجاربه على الزملاء العلماء ليقروه على نجاحها ~~في حل المشكلة التي هي موضوع البحث؟ النجاح المقصود إذن عند «بيرس» ~~وعند «ديوي» هو نجاح بالنسبة لمجموعة الأفراد. # 21 # وكما يختلف «ديوي» عن الفلسفات التقليدية في معنى «الحق» بأن ~~جعله متغيرا مع تغير الظروف العملية بعد أن كانت تلك الفلسفات ~~تجعله ثابتا رغم تغير الظواهر، فكذلك يختلف عنها في حقيقة الطبيعة ~~ذاتها؛ لأنها عنده متغيرة الحوادث، وكانت عندهم - أو عند أغلبهم - ~~حقيقة ثابتة، # 22 # فالفيلسوف - في رأي «ديوي» - إذا ما تنكر للحوادث في ~~تغيرها الدائب، انتظارا منه للحق الثابت، فإنما يقطع الصلة بينه ~~وبين الكون الذي يزعم أنه موضوع تفكيره وتحليل عملية التفكير على ~~النحو الذي أسلفناه، هو في ذاته دليل على أن قوام الطبيعة حوادث ~~تطرأ ويتغير مجراها؛ إذ ما دام التفكير لا يكون إلا بتغيير عناصر ~~الموقف الذي نفكر فيه، فالعالم إذن طبيعته تسمح بهذا التغير، ولا ~~يقين هناك ولا ثبات؛ لأننا في كل موقف وعند كل مشكلة ننتظر نتائج ~~الخطة التي ننفذها، غير موقنين بنجاحها، حتى إذا ما نجحت كانت ~~صوابا أو أخفقت كانت خطأ. # خذ هذا المنظار وانظر به إلى بعض المشكلات الإنسانية الكبرى، ~~وكيف كان يتناولها الفلاسفة الأقدمون، وأولها مشكلة الأخلاق: فمتى ~~يكون الفعل فضيلة؟ إنك لو استثنيت المذهب المنفعي في الأخلاق - وهو ms126 ~~مذهب «بنثام» و«مل» في إنجلترا - الذي يقيس أخلاقية الفعل بنتائجه ~~في حياة الإنسان، وجدت الكثرة الغالبة من سائر المذاهب الفلسفية ~~تضع للفضيلة معيارا فرض على الحياة الإنسانية من خارج، فالمعيار ~~آنا يكون دينيا هبط من السماء كالوصايا العشر مثلا، فإذا كان ~~الإنسان لا ينبغي له أن يقتل أو أن يسرق، فلأن أمرا نزل إليه من ~~السماء بألا يقترف إثما كهذا، والمعيار آنا آخر يكون عقليا، ~~فيقول لك الفيلسوف الذي يسند الأخلاق إلى حكم العقل - مثل «كانت» - ~~إن الفعل يكون فضيلة؛ لأن منطق العقل يقره، بمعنى أنه لا يقتضي من ~~النتائج ما ينقض بعضه بعضا، فالقتل - مثلا - رذيلة وإثم؛ لأنه لو ~~عم الناس جميعا لما بقي هناك من الناس قاتل، وإذن فسيفنى الفعل ~~نفسه، أي ينقض نفسه بنفسه وهكذا، لكن هذه المذاهب في الأخلاق تغض ~~النظر عن حياة الإنسان بتفصيلاتها، كأنما الإنسان حقيقة مجردة ~~قائمة في الفراغ، وليس متصلا بأقوى الوشائج مع بيئته وظروفها، كيف ~~تنمو الشجرة إلا باتصالها بتربة الأرض وضوء الشمس؟ الشجرة النامية ~~جزء من كل عضوي لا يمكن تصورها وحدها معزولة مفصولة عن سائر الظروف ~~التي تحيط بها، وكذلك الإنسان حين يعمل ويسلك في حياته، وإذن ~~فيستحيل الحكم على أفعاله إلا وهي منبعثة من ظروف معينة وفي محيط ~~معين وإزاء مشكلة معينة؛ ولذلك لا يمكن أن تستقل «الأخلاق» علما ~~قائما بذاته لا يتصل بسائر العلوم؛ لأن الأفعال الإنسانية التي هي ~~موضوع البحث عند «الأخلاق» هي تعبير عن الطبيعة البشرية التي ~~تتعاون على دراستها وفهمها طائفة من علوم، لا علم واحد بذاته، ~~ودارسة هذه الطبيعة البشرية واجبة، لا لنعرف ما هي، ثم نقف بعد ذلك ~~بأيد مكتوفة على صدورنا، بل ندرس الطبيعة البشرية - كما ندرس أية ~~ظاهرة أخرى - لنمسك بزمامها ونعرف كيف نغيرها لتلائم بيئتها ~~وظروفها، وإذا كان هذا هكذا، فالأمر في «الأخلاق» إنما يتخذ موقفا ~~وسطا بين طرفين؛ فلا هو يتنكر للحوادث الجزئية المتغيرة حبا منه ~~لمثل أعلى يتصف بالثبات والدوام على مر الزمان واختلاف المكان - ~~كما يفعل ms127 المثاليون - ولا هو يقبل الواقع كما هو ليخضع له دون أن ~~يغير منه - كما يفعل الواقعيون، ولكنه يتناول هذا الواقع نفسه ~~بالتغيير ليسير به نحو قيم خلقها الإنسان لنفسه بوحي من ظروفه، ~~وتلك هي «الأخلاق» التجريبية كما فهمها «ديوي»، وهي - في رأيه - ~~الأخلاق التي تحقق للإنسان حريته؛ إذ لا معيار له في أخلاقه إلا ~~حياته ومشكلاته هو وطريقته هو في حل تلك المشكلات حلا موفقا ~~ناجحا، ثم هي الأخلاق التي تحقق للإنسان ديمقراطيته بمعناها ~~الصحيح؛ لأن مبدأه الأول سيكون استعداده لتغيير ما يحتاج إلى تعديل ~~وتبديل في حياته الاجتماعية، وليس هو الطاعة العمياء لسابقة مر ~~زمانها وانقضى، وهبطت إلينا في ثوب من العرف أو التقليد. # 23 # المثل الأعلى للمجتمع الديمقراطي هو أن يتعاون الناس معا كما ~~يتعاون العلماء في المعمل، فالقاعدة الأولى هي - إذن - «الإخاء» ~~بمعنى التعاون، ومن هذه القاعدة تتفرع «الحرية» و«المساواة» فليست ~~هاتان حقين طبيعيين من حقوق الإنسان كما زعم قادة الثورة وحركة ~~التنوير في آخر القرن الثامن عشر، أي إنهما لم ينشآ إلا بعد تكوين ~~المجتمع، وبعد قيام التعاون بين أفراده، فالإنسان «حر» في مجتمع ~~ديمقراطي يتعاون أفراده على قدم «المساواة»؛ ولذلك وجب أن يكون ~~الاعتماد الأول في مثل هذا المجتمع الديمقراطي، على الجمعيات ~~التطوعية لا على الحكومة، فلا ينبغي أن تجاوز الحكومة بنشاطها حدود ~~تنظيم تلك الجمعيات بحيث لا تتضارب وسائلها وغاياتها، أما فيما عدا ~~ذلك فالجماعة تحدد أهدافها ووسائلها، ثم يتعاون أفرادها في سبيل ~~تحقيق تلك الأهداف تعاونا يتبعه الحرية والمساواة بين هؤلاء ~~الأفراد، يتبادلون الخبرة بما يعين بعضهم بعضا، كما يفعل العلماء ~~في المعمل إزاء مشكلة معينة. # وهذا التعاون هو الدين في جوهره، فالإيمان الحق إنما هو إيمان ~~بالكشف عن الحقيقة التي تحل ما يعترض الإنسان من صعاب، الإيمان ~~الحق إيمان بمنهج يساير التفكير ويساير الحياة العملية مسايرة ~~تعمل على ازدهار تلك الحياة ورخائها، لا إيمان بحقيقة ثابتة كمل ~~تكوينها وعرفناها بالوحي معرفة لا تقبل التغير ولا النمو، # 24 # و«الله» هو هذه العلاقة بين ms128 الإنسان ومثله العليا، ~~يحاول تغيير أوضاع الحياة على مقتضاها، # 25 # ليس للدين مثل عليا خاصة به ولا منهج للتفكير خاص به، ~~إنما هو روح تسري في مواقف الإنسان كلها إزاء خبراته، هو الروح ~~الذي يصطنعه إذ هو فرد متعاون مع إخوان له في مجتمع واحد، يريد ~~أن يبلغ وإياهم هدفا واحدا، ليس الدين في «الكنيسة» إنما هو في ~~مواجهة المشكلات وحلها. # الفصل السادس # | الفلاسفة يتشبهون بالعلماء # (1) الواقعية الجديدة # كان غرور الإنسان منذ أقدم عصوره قد خيل له امتيازا لنفسه عن ~~سائر الكائنات؛ فهو ذو عقل وبقية الكائنات لا عقول لها، فإن كان ~~يبدو في رأي العين واللمس أنه جسد كسائر الأجساد، فذلك جانب منه ~~ظاهر، وأما جانبه الآخر الخفي، جانبه الحقيقي؛ فهو عقله أو نفسه أو ~~روحه، أو ما شئت من هذه الألفاظ التي تتفق على الإشارة إلى ما ليس ~~بجسد من حقيقة الإنسان، وإذن فالإنسان في حقيقته عنصران مختلفان: ~~جسم يشترك في طبيعته مع ما في الطبيعة من أجسام، وعقل يمتاز به من ~~سواه، ثم وسع الإنسان رقعة هذا التخيل الذي أوهم به نفسه عن ~~طبيعته، حتى شمل به الكون كله، بحيث جعل هذا الكون أيضا ذا ~~عنصرين: طبيعة مادية، يكمن فيها أو وراءها أو فوقها عقل كبير ~~يسيرها ويدبرها كما يسير عقل الإنسان جسده ويدبره. # هكذا لبث الإنسان قرونا طويلة يعتز بنفسه إذا قيست إلى سائر ~~الكائنات، وبكوكبه الأرضي إذا قيس إلى سائر الكواكب؛ إذ لبث ~~يتوهم طوال تلك القرون أنه في هذا الكون سيد مكرم، من أجله خلق ~~العالم، وحول أرضه تدور الكواكب. # ثم جاء العلم الحديث، فلم يزل به خطوة بعد خطوة، كاشفا له عن ~~حقيقة نفسه، مزيحا لهذه الغشاوة عن عينه، حتى أوشك آخر الأمر أن ~~يقنعه بأن أرضه كوكب كسائر الكواكب، وبأنه هو نفسه ظاهرة طبيعية ~~كسائر الظواهر، وبدأت مجهودات العلم في هذا السبيل ب «كوبرنيق» (في ~~القرن السادس عشر) الذي أثبت أن الشمس - لا الأرض - هي مركز ~~المجموعة الشمسية، حولها تدور أجزاء تلك ms129 المجموعة ومن بينها الأرض، ~~وإذن فالأرض مسكن الإنسان هي كغيرها جرم يدور حول الشمس، لا ~~يزيدها شرفا عن غيرها أن الإنسان يسكنها. # فأخذ الإنسان بعد هذه الضربة العلمية لغروره، يعزي نفسه ويغذي ~~غروره بأنه وإن زالت عن الأرض مكانتها الممتازة بين سائر أخواتها ~~الكواكب، فلا يزال الإنسان بين سائر الكائنات التي تسكن تلك الأرض ~~صاحب امتياز وسيادة، وهنا جاءت الخطوة العلمية الثانية على يدي ~~«دارون»؛ إذ أوضح له بنظريته في التطور أنه كغيره من الكائنات ~~الحية حلقة في سلسلة التطور، وأنه كغيره من تلك الكائنات نتيجة ~~لعوامل الانتخاب الطبيعي الذي يمحو ما ليس يصلح للبقاء في هذه ~~المعركة الدائمة بين الطبيعة من ناحية، وبين صنوف الكائنات الحية ~~من جهة أخرى. # فاستمسك الإنسان بآخر حصن له في الاعتداد بنفسه، وراح يقنع ~~نفسه بأنه وإن تكن العوامل الطبيعية قد أمدت كل ضرب من ضروب ~~الأحياء بالوسيلة التي تعينه على دوام البقاء؛ فقد كانت الوسيلة ~~التي اختصت بها الإنسان هي أرقى الوسائل؛ إذ وسيلته في معركة ~~البقاء هي العقل، بينما وسائل الكائنات الأخرى في تلك المعركة ~~ذاتها هي الغرائز، وها هنا جاءت الضربة العلمية الثالثة على يدي ~~«فرويد» الذي أزاح آخر ما بقي لنا من قناع الوهم؛ إذ بين لنا كيف ~~نصدر في سلوكنا عن اللاشعور لا عن العقل، وإن خيل إلينا أن سلوكنا ~~ذاك صادر عن عقل ومنطق. # هكذا انتهى العلم إلى «تطبيع العقل» - إن صحت هذه العبارة - أي ~~إلى جعل «العقل» جزءا من الطبيعة وظاهرة من ظواهرها، فأزال بذلك ~~تلك الثنائية التي ظلت شغل الفلسفة الشاغل منذ «ديكارت» الذي شطر ~~الإنسان شطرين؛ فعقل طبيعته التفكير من ناحية، وجسم طبيعته ~~الامتداد من ناحية أخرى، ولو جاز لنا أن نلخص أهم مجهودات ~~الفلاسفة في هذه العصور الحديثة منذ «ديكارت» إلى يومنا هذا في ~~عبارة واحدة موجزة قصيرة، لقلنا إنها مجهودات منصبة حول مشكلة ~~«المعرفة» التي تترتب على هذه الثنائية التي شقت الإنسان ~~نصفين، فما وسيلة العقل إلى معرفة عالم الأجساد، أي عالم الأشياء، ms130 ~~أو الطبيعة، إذا كان العقل على هذا الاختلاف كله عن موضوع معرفته؟ ~~كيف يتصل العقل بالمادة ليعرفها؟ # لكن وجهة النظر الحديثة إن تكن قد انتهت إلى «تطبيع العقل» - كما ~~قلنا - فقد اقتضى ذلك بالبداهة إلى «تعقيل الطبيعة» في الوقت نفسه؛ ~~إذ أين نذهب بهذه الظاهرة ذات الطابع الخاص المميز، ظاهرة السلوك ~~المعين الذي اصطلحنا على تسميته «عقلا»، أين نذهب بهذه الظاهرة إن ~~لم ندمجها في ظواهر الطبيعة الأخرى، باعتبارها واحدة منها، وبذلك ~~نكون - بفعلة واحدة - قد جعلنا العقل طبيعة، كما جعلنا الطبيعة ~~محتوية على عقل، واذكر ما أسلفناه لك في الفصل السابق من المذهب ~~البراجماتي الذي جعل الفكرة عملا، واذكر كذلك نظرية «وليم جيمس» ~~فيما أسماه بالتجريبية المتطرفة، التي كان من أجزائها رده العقل ~~والمادة إلى أصل واحد محايد لا هو بالعقل ولا هو بالمادة، بل يرتب ~~على نحو فيكون عقلا، ثم يرتب على نحو آخر فيكون مادة. # وإنما نقول ذلك كله لنقرر به أثرا من آثار سيادة العلم في ~~عصرنا الحديث على التفكير الفلسفي، لكن الأثر الأكبر للعلم الحديث ~~على الفلسفة الحديثة - في رأيي - ليس هو في اصطناع الفلسفة لفكرة ~~معينة وانتهائها إلى رأي بذاته، بل هو في انتهاج الطريقة العلمية ~~في التفكير، بعد أن كان للفلسفة طريقتها الخاصة بها، كان الفيلسوف ~~فيما مضى وحدة فكرية قائمة بذاتها - مهما تكن علاقته بسابقيه ~~ومعاصريه ولاحقيه - لأنه كان دائما يستهدف بعمله الفلسفي إقامة ~~بناء كامل، ونسق شامل يسع كل شيء، ويفسر كل شيء، فكان يتخذ لنفسه ~~مبدأ يدركه بالحدس، ثم يستنبط من ذلك المبدأ نتائجه، ثم النتائج ~~التي تترتب على هذه النتائج، وهكذا، حتى يتكامل البناء من سقفه ~~الأعلى إلى أرضه السفلى، وإذا بهذا البناء فيه عن كل جوانب الوجود ~~ما يفسرها في ضوء ذلك المبدأ، حتى إذا ما جاء فيلسوف آخر، ولم ~~يعجبه هذا البناء، أقام لنفسه بناء آخر من سقفه الأعلى إلى أرضه ~~السفلى، ليسع هو الآخر كل شيء ويفسر كل شيء على ضوء مبدأ جديد، ~~وهلم جرا. # لكن ms131 ما هكذا العلماء، فإن كانت الخاصة المنهجية للفيلسوف هي أن ~~ينفرد ببنائه، فخاصة العالم هي أن يتعاون مع زملائه العلماء، كل ~~يضيف شيئا، وإن يكن هدف الفيلسوف أن يجعل الكون كله موضوع بحثه ~~دفعة واحدة، فهدف العالم هو أن يقتصر - مع زملائه في البحث - على ~~جزء واحد أو مشكلة واحدة، ولا عجب أن كان المكان المختار ~~للفيلسوف، المكان الذي يختاره ويفضله أثناء قيامه بعملية التفكير، ~~مكانا معزولا، كالدير أو ما يشبهه، وأن يكون المكان المختار ~~للعالم معملا يلتقي فيه مع زملائه، وكان السكون وكانت الظلمة من ~~موحيات التفكير عند الفلاسفة، فأصبحت الحركة وأصبح النور من لوازم ~~التفكير عند العلماء. # وأراد الفلاسفة المحدثون أن يتشبهوا - من حيث المنهج - ~~بالعلماء، فلم يطمع الواحد منهم في أن تخرج من رأسه الحكمة كلها ~~كاملة التكوين كما خرجت «منيرفا» من رأس «زيوس» في أساطير اليونان، ~~بل ما هو أكثر من ذلك، لم يطمع واحد منهم في أن ينفرد بنفسه في وضع ~~كتاب في موضوع بحثه، حتى لقد أصبح الطابع الذي يميز التأليف ~~الفلسفي في العصر الحاضر أقرب جدا إلى أن يتعاون جماعة من ~~الفلاسفة على إخراج كتاب واحد في موضوع واحد، كل منهم يتناول ~~الموضوع من ناحية خاصة على أن يكون بين الجميع أساس مشترك، هو ~~وجهة النظر. # ومن الأمثلة على هذا الاتجاه العلمي في منهج البحث عند الفلاسفة، ~~جماعة «الواقعيين الجدد»، ففي عام 1910م اجتمع ستة من الفلاسفة الأمريكيين؛ # 1 # ليضعوا فيما بينهم أساسا يتفقون عليه جميعا، ثم ~~يتعاونون معا على بناء فلسفة واقعية على ذلك الأساس المشترك، ولما ~~كانت واقعيتهم التي اتفقوا على أساسها جديدة؛ فقد أسموها بهذا ~~الاسم، ثم عرفوا به في الكتابات الفلسفية المعاصرة، ولم يلبثوا ~~بعد بضعة اجتماعات عقدوها للمناقشة والمباحثة والدرس، أن أصدروا - ~~في يوليو سنة 1910م - بيانا أطلقوا عليه هذا العنوان: «برنامج ~~ومنصة أولى لستة من الواقعيين»، # 2 # ومضى بعد ذلك عامان، فأخرج هؤلاء الستة أنفسهم كتابا ~~تعاونوا عليه، جعلوا عنوانه: «الواقعية الجديدة» # 3 ~~- دراسات تعاونية في الفلسفة ms132 - فكان هذا الكتاب ~~المشترك هو بداية تسميتهم في دوائر البحث الفلسفي، حتى يومنا هذا ~~باسم «الواقعيون الجدد». # لم يكن معنى اشتراكهم هذا اتفاقا بينهم على كل التفصيلات، ولا ~~كان معنى اختلافهم في التفصيلات اختلافا كذلك على المبادئ، بل ~~كانوا على اتفاق من حيث المبادئ، ثم ظهرت بينهم اختلافات تفصيلية ~~لم تمنع أن يكون بينهم وحدة مشتركة في وجهة النظر، وماذا يكون ~~موضوع البحث عندهم إلا هذا الموضوع الذي شغل الفلاسفة في العصور ~~الحديثة كلها، وأعني به «المعرفة»؛ عندما يعرف الإنسان شيئا، ~~فهنالك عارف ومعروف، فما العلاقة بينهما؟ أمن الضروري في تحديد تلك ~~العلاقة المعرفية بين الطرفين أن ندرس الطرفين ذاتيهما أم يجوز ~~الاكتفاء ببحث العلاقة دون الإيغال في بحث العارف على حدة والمعروف ~~على حدة؟ # أخذ الواقعيون الجدد بهذا الرأي الثاني، وهو أن البحث في ~~«المعرفة» إنما يقتصر على تحليل «العلاقة» الكائنة بين الشخص ~~العارف والشيء المعروف، وهم في تحليلهم لتلك العلاقة قد دمجوا ~~ثلاثة من المذاهب الفلسفية في مذهب واحد. # فأما المذهب الأول فهو الذي كان قد شاع في إنجلترا عندئذ على ~~يدي «جورج مور» وعرف باسم «فلسفة الحس المشترك» # 4 # التي تعتمد على خبرة الإنسان المباشرة في حياته ~~اليومية، فما ينبئ به «الحس المشترك» هو صحيح، ولسنا بحاجة إلى ~~إثبات صحته بالبراهين أيا كان نوعها، فهذه الدواة أمامي وهذا ~~القلم في يدي، ولو تركت القلم إلى جانب الدواة على المنضدة، وخرجت ~~من الغرفة لا أراهما ولا أمسهما، فسيظل القلم والدواة موجودين على ~~الرغم من غيابي وعدم إدراكي لهما، هذا هو ما ينبئني به «الحس ~~المشترك» وهو نبأ صحيح، فإن جاء مذهب مثالي بعد ذلك يحاول أن يبرهن ~~لي على أنهما ليسا موجودين إلا باعتبارهما فكرتين في رأسي، كان ~~كاذبا في دعواه، وكان كاذبا في برهانه على السواء، ودليل الكذب ~~عندي هو نبأ «الحس المشترك» الذي لا يحتاج إلى دليل، وكذلك إن جاء ~~مذهب واقعي يعترف معي بوجود القلم والدواة على الرغم من عدم إدراكي ~~لهما أثناء غيابي عن ms133 الغرفة، كان صادقا في دعواه كاذبا في ~~برهانه؛ لأنها دعوى لا تحتاج إلى برهان، فبين التجريبيين الإنجليز ~~«باركلي» - في أول القرن الثامن عشر - الذي يدير مذهبه على مبدئه ~~المشهور «وجود الشيء هو في إدراكه» أي إن ما لا يدرك لا وجود له، ~~لكن هذه الواقعية الجديدة تأخذ بغير ذلك؛ إذ تأخذ بأن الشيء ~~الموجود موجود بغض النظر عن إدراكنا أو عدم إدراكنا له، فإذا كنت ~~وأنا أدرك الدواة أمامي على وعي بما أدرك، أي إنه إذا كان الوعي ~~عنصرا من عناصر الموقف الإدراكي، فليس معنى ذلك أنه إذا غاب هذا ~~العنصر زالت بقية عناصر الموقف كلها، بل قد يغيب عنصر الوعي؛ ~~وبالتالي يمتنع الإدراك، ومع ذلك يظل الشيء المدرك على حاله ~~موجودا كما كان، ولئن كانت حالة الإدراك تحدث تغييرا ما فإنما ~~يقع هذا التغيير في الشخص المدرك؛ إذ يصبح على وعي بما لم يكن على ~~وعي به. # وأما المذهب الثاني من المذاهب الثلاثة التي أدمجها الواقعيون ~~الجدد في فلسفة واحدة؛ فهو الاعتراف بالوجود الضمني للمعاني الكلية ~~جريا على المبدأ الذي أخذ به أفلاطون في «نظرية المثل»؛ فالمشكلة ~~كما رآها أفلاطون، صاحب هذا المبدأ، يمكن وضعها كما يلي: خذ - ~~مثلا - فكرة «العدالة»، فلو سألنا أنفسنا «ما العدالة؟» كان من ~~الطبيعي للإجابة عن هذا السؤال أن نستعرض أمثلة من العدالة، ~~فنستعرض هذا الفعل العادل وهذا وذاك، لكي نستخرج منها ما هو مشترك ~~بينها، فيكون هذا المشترك هو معنى «العدالة»؛ لأنه من غير المعقول ~~أن نطلق اسما واحدا على هذه الأفعال المختلفة دون أن يكون بينها ~~جانب مشترك هو الذي يبرر لنا أن نسلكها جميعا تحت ذلك الاسم ~~الواحد هذا الجانب المشترك هو «العدالة» نفسها، «العدالة» الخالصة ~~قبل مزجها بعناصر أخرى لتكون هذا الفعل العادل أو ذاك، وقل هذا في ~~كل اسم كلي آخر، حيث ينطبق الاسم الواحد على مسميات كثيرة؛ لأنها ~~مشتركة في طبيعة واحدة أو جوهر واحد، وهذا الجوهر الواحد، أو ~~الفكرة الواحدة التي تلبس السياقات المختلفة، التي هي الجزئيات ms134 ~~المسماة باسم واحد، هي ما يسميه أفلاطون «بالمثال» - فمثال ~~«العدالة» أو «فكرتها» موجودة وجودا ليس هو بذاته وجود الجزئيات ~~التي تسمى بها، ولما كانت تلك «الفكرة» متمثلة في الجزئيات ~~الكثيرة المتصفة بها، فهي ليست جزئية مثلها، بل «كلية» تنطبق على ~~أمثلة كثيرة؛ وبالتالي ليست هي مما يدرك بالحس كما تدرك الجزئيات، ~~كلا ولا هي متغيرة كما تتغير الجزئيات - هذا هو المبدأ الأفلاطوني ~~في الأفكار الكلية، أو المعاني الكلية، هي موجودة، لكن وجودها من ~~نوع يختلف عن وجود الجزئيات، ولنسم وجودها ذاك «وجودا ضمنيا» ~~تمييزا له عن وجود الجزئيات الذي هو وجود علني ظاهر، # 5 # والواقعيون الجدد من رأيهم أن المعاني الكلية موجودة ~~«وجودا ضمنيا» حتى في حالة عدم تفكيرنا فيها وإدراكنا لها ~~ووعينا بها، على غرار ما قالوه عن الأشياء المحسوسة أنها تكون ~~موجودة حتى في حالة غيابنا عنها وعدم إدراكنا لها، أي إن وعينا ~~للحقيقة ليس شرطا لازما لوجودها، في ذلك يقول «مونتاجيو» أحد ~~الواقعيين الجدد: «إن حقيقة كون 7 + 5 = 12 يمكن تفسيرها تفسيرا ~~كاملا بتفسيرنا لطبيعة السبعة وطبيعة الخمسة وطبيعة الاثني عشر، ~~وليس هذا التفسير بمعتمد إطلاقا على طبيعة الوعي (بهذه الحقيقة).» # 6 # والمذهب الثالث من المذاهب التي اندمجت على أيدي الواقعيين ~~الجدد، هو أن إدراكنا للشيء الذي ندركه إنما يأتي مباشرة ولا يأتي ~~عن طريق حلقة وسطى تقع بيننا وبينه؛ وذلك أن الواقعية التقليدية - ~~واقعية «لوك» مثلا - كانت تفترض ارتسام صورة ذهنية للشيء الذي ~~ندركه بحواسنا، ثم يكون فعل التفكير على هذه الصورة الذهنية، فكأن ~~الصورة الذهنية حلقة وسطى تقوم بين الشيء المدرك من ناحية، والعقل ~~المدرك من ناحية أخرى، ومذهب الواقعية الجديدة التي نحن بصددها ~~الآن، هو أن الإدراك إنما يجيء مباشرا، فلا وساطة بين المدرك ~~والمدرك، ومن هذا تنتج نتيجة هامة، وهي ألا فرق بين الشيء كما هو ~~في حقيقته الخارجية، وبينه كما هو في وعينا إذا ما أدركناه؛ لأننا ~~بإلغاء الوساطة بيننا وبينه؛ فقد ألغينا بالتالي احتمال أن يكون ~~الشيء في حقيقته الخارجية ms135 مختلفا عنه في شعورنا به، كان «لوك» - ~~وكذلك كان «ديكارت» - يذهب إلى أن عملية إحساسنا بالشيء تغير منه، ~~كما تغير حرارة الشمس قطعة الشمع بإذابتها، فإذا ما أدركت عقولنا ~~تلك الصور الحسية التي رسمها الإحساس للأشياء المدركة، فإنما هي ~~تدرك شيئا مختلفا عما هو في الحقيقة كائن خارج عقولنا، فنحن - ~~مثلا - ندرك اللون والطعم على نحو يختلف عما كان مبعثا للإحساس ~~الذي أحدث هذا اللون أو الطعم، وباختصار كان «لوك» يعتقد أننا ندرك ~~«تأثير» الشيء فينا، لا الشيء نفسه، وأما الواقعية الجديدة فمذهبها ~~هو أن الإدراك يكون للشيء نفسه، على أن أنصارها قد اختلفوا ~~اختلافا بينا في هذا الجانب من الموضوع. # تلك هي الاتجاهات العامة عند الواقعيين الجدد، وسنحصر الحديث ~~الآن في واحد منهم، هو أشهرهم، ولعله أبرزهم وأقدرهم في آن واحد، ~~وهو «بري» # 7 # الذي بسط وجهة نظره في بحث مشهور عنوانه «حرج التمركز الذاتي» # 8 # يهاجم به المذهب المثالي وما ينحو نحوه، في قوله بأن ~~وجود الشيء معتمد على إدراكنا له، أو إدراك العقل له، أيا كان ~~ذلك العقل، وبغير هذا الإدراك العقلي للشيء لا يكون له وجود، فيرد ~~«بري» على ذلك قائلا: نعم إنه محال على إنسان بشري أن يدرك شيئا ~~معينا بحواسه أو بفكره دون أن يكون إدراكه هذا قائما بالنسبة ~~لشخصه، إنه لا خلاف في ذلك مهما يكن المذهب الذي ينتمي إليه ~~الفيلسوف، فلا اختلاف في الرأي هنا بين واقعي ومثالي؛ لأننا نقول ~~بديهية إذ نقول: إن الإنسان وهو مدرك لشيء ما، يكون مدركا لذلك ~~الشيء في علاقته به، وكيف يكون الأمر غير ذلك، ما دام الإنسان وهو ~~مدرك للشيء بحواسه أو بفكره، تكون الحواس حواسه هو والفكر فكره ~~هو؟ لكن سؤالنا هو هذا: هل يقتضي ذلك أن يكون «وجود» الشيء متوقفا ~~على كونه مدركا عند فرد أو أكثر من الناس؟ ألأننا لا نستطيع أن ~~نتحدث بعضنا مع بعض إلا في حدود أفكارنا التي في رءوسنا عن الأشياء ~~التي أدركناها، أو بعبارة أخرى، لا نستطيع ms136 تبادل الحديث عن ~~الأشياء إلا إذا حولناها إلى أفكار في رءوسنا، نستنتج بالضرورة ألا ~~وجود للأشياء إلا على صورة أفكار في رءوسنا؟ كلا، فكل ما في وسعنا ~~استنتاجه من ذلك هو أننا لا نستطيع «ذكر شيء إلا بعد أن يتحول ~~عندنا إلى فكرة»، لكن ذلك لا يعني البتة «ألا وجود إلا لأفكارنا»، ~~فالتمركز في الذات إنما يتناول «الفكر» لا «الوجود الشيئي»، فعن ~~«الفكرة» نقول بغير شك إنها لا تكون إلا بإدراكنا لها، أي لا توجد ~~إلا بتفكيرنا فيها؛ لأننا عندئذ لا نقول في الحقيقة شيئا أكثر من ~~تكرارنا للموضوع الواحد مرتين، فكأننا نقول: «لا يكون التفكير إلا ~~إذا حدث التفكير»، أما عن «الوجود» بالنسبة للشيء الذي هو موضوع ~~التفكير، فالأمر جد مختلف؛ لأنه يكون موجودا إذا أدركناه، ويكون ~~موجودا إذا لم ندركه على حد سواء . # 9 # إن «بري» ليرفض أن يسلم بأية وجهة من وجهات النظر، يكون من ~~شأنها أن تعلق وجود الشيء على علاقة الإنسان به، ومن هنا وجه ~~النقد كذلك إلى المذهب الپراجماتي، إلى الحدود التي يكون فيها هذا ~~المذهب صنو المثالية في تعليق الوجود على الإنسان المدرك؛ فهو لا ~~يقبل - مثلا - من البراجماتية أن تقول - والقول هنا لوليم جيمس - ~~إن معرفتنا تخلق الواقع، # 10 # على اعتبار أن الواقعة المعينة لا تعني إلا ما ~~استخدمها به استخداما يحقق صالحي، لكن «بري» لا يرضى عن مثل هذا ~~الاتجاه الذي إذا سار فيه صاحبه إلى آخر الشوط، انتهى به الأمر إلى ~~نسبية مطلقة لا تترك حقيقة واحدة ثابتة في ذاتها، فستتغير الحقائق ~~العقلية بالنسبة لتغير الناس واختلاف مواقفهم وظروفهم - ولا يمانع ~~«بري» في هذه النسبية # 11 ~~- وستتغير كذلك طبائع الوقائع الخارجية نفسها، أي ~~سيتغير الوجود الخارجي، بتغير الأشخاص واختلاف أنظارهم وأفكارهم ~~ومصالحهم، وذلك ما لم يقبله «بري» بحال من الأحوال. # إلى هنا لم نقل شيئا عن «بري» سوى ما وجهه من نقد إلى ~~المثالية والبراجماتية على السواء، وكان مدار نقده لكلتيهما هو ~~إصراره على أن يظل للشيء الخارجي وجوده المستقل ms137 عن معرفة الإنسان ~~إياه، لكن ل «بري» رأيا إيجابيا إلى جانب نقده السلبي، ويبدأ ~~«بري» عرض مذهبه الإيجابي هذا - كما هي العادة عند الكثرة الغالبة ~~من فلاسفة العصور الحديثة - بالبحث في نظرية المعرفة، # 12 # ومنها يستطرد إلى عرض مذهبه الواقعي الجديد، وما مشكلة ~~المعرفة - في رأيه - إلا تحديد «العلاقة بين عقل ما وبين ذلك الذي ~~يتصل بذلك العقل على أنه موضوع معرفته»؛ # 13 # فأول ما نلاحظه بين طرفي العلاقة - أي بين العقل ~~العارف من ناحية والشيء المعروف من ناحية أخرى، بين العقل والشيء ~~المتصل بالعقل - هو أن «العقل» عامل في كل منهما، وإذن فخير ~~سبيل نسلكه في تحليل الموقف الذي نحن بصدد تحليله، هو أن نبدأ ~~بمعرفة ماذا عسى أن يكون المقصود بهذا العامل - الذي هو العقل - ~~المشترك بين الطرفين المرتبطين أحدهما بالآخر في حالة المعرفة؛ ~~لأننا لو حددنا المعنى المقصود «بالعقل»، ثم طرحنا هذا المعنى من ~~الطرفين، تبقى لدينا الطرف الخارجي - طرف الشيء المعروف - مطروحا ~~منه عامل العقل، فيكون لدينا بذلك حقيقة الشيء الخارجي مستقلا عن ~~علاقة العقل به أثناء عملية الإدراك. # ولمعرفة «العقل» طريقتان تقليديتان، كان يلجأ الباحث إلى إحداهما ~~أو إلى كلتيهما حسب وجهة نظره، فإما أن تستبطن نفسك وتلاحظها من ~~داخل لترى ماذا هناك مما نسميه عقلا - وعندئذ تكون الملاحظة ~~ذاتية خاصة مقصورة على صاحبها وحده - وإما أن تنظر إلى الطبيعة أو ~~إلى الناس من خارج كيف يسلكون فرادى أو مجتمعين، فإذا ما شاهدنا ~~الطبيعة كيف يطرد سيرها، والناس كيف يتصرفون على نمط معين هو الذي ~~نسميه تصرفا عاقلا، كان لنا بذلك معنى «للعقل» كما يشاهد من ~~الخارج الظاهر، وعندئذ تكون المشاهدة موضوعية عامة يشترك فيها كل ~~من أراد، وواضح أن هاتين الطريقتين في البحث عن «العقل» لا ~~تؤديان إلى نتيجة واحدة في كلتا الحالتين؛ لأن ما يمكن مشاهدته ~~في الداخل بالتأمل الباطني شيء يختلف كل الاختلاف عما يمكن ~~مشاهدته في الخارج بالملاحظة الخارجية، حتى لترى من المفكرين من ~~ينكر على هذه المشاهدات الخارجية الظاهرة في ms138 حركات الطبيعة وسلوك ~~الإنسان، أن تكون هي نفسها «العقل»، بل هي «ظواهر» تدل على عقل ~~كامن في الباطن، وهو الذي يعبر عن نفسه بهذه «الظواهر» والرأي ~~الذي يتقدم به «بري» في هذا هو اعتبار الجانبين معا، وفي وقت ~~واحد، «عقلا» وعندئذ يكون العقل ذا جانبين، تنظر إليه من جانبه ~~الباطن، فإذا هو هذا الذي تدركه في نفسك وأنت تتأملها، وتنظر إليه ~~من جانبه الظاهر فإذا هو هذا السلوك الذي نراه، شأنه في ذلك شأن ~~الدرع المحدب من جانب والمقعر من جانب آخر، دون أن يكون معنى ~~اختلاف الجانبين أن الدرع درعان، إنما هو درع واحد ذو مظهرين، وإذن ~~فلا الذي نلاحظه في بواطن أنفسنا إذ نحن نفكر هو العقل كله، ولا ~~الذي نلاحظه خارج أنفسنا من نتيجة التفكير هو العقل كله، بل العقل ~~هو هذا وذاك معا، وتستطيع بادئا من أحد الطرفين أن تستدل الآخر، ~~فمن مكنون العقل تعرف ما السلوك الذي ينتج، ومن الناتج السلوكي ~~تعرف ماذا كان في مكنون العقل من مضمون، وليس الطرفان بمختلف ~~أحدهما عن الآخر من حيث العنصرية كما كان الظن قديما، بل ما في ~~الداخل وما في الخارج يتألفان من عناصر بعينها، اختلف ترتيبها في ~~كلتا الحالتين، كانت مرتبة على نحو فكانت عقلا من الداخل، ثم كانت ~~مرتبة على نحو آخر، فكانت عقلا من الخارج، وأما عناصر التكوين ~~نفسها فمحايدة، لا هي عقلية خالصة ولا طبيعية خالصة. # 14 # ولما كان الناس على اختلاف فيما بينهم من حيث اهتمامهم كان كل ~~منهم مسوقا بميله الخاص إلى ناحية معينة من بيئته، فترى أحدهم ~~مشغوفا بما لا يطرأ على زميله ببال، وفي مقدور الباحث دائما أن ~~يلاحظ إلى أي ناحية من البيئة يتجه فرد معين باهتماماته ورغباته، ~~ومنها يسير مستدلا ماذا يكون في باطن نفسه من تفكير، على أنه ~~مهما اختلف الناس في ألوان نشاطهم الفكري، فهم على كل حال أفراد من ~~نوع واحد هو النوع البشري، والنوع البشري - كسائر أنواع الأحياء ~~الأخرى - تريد له الحياة أن ms139 يبقى؛ ولذلك زودته بما يعينه على ~~البقاء، فهذه الاهتمامات المختلفة والرغبات المتباينة عند الأفراد، ~~إنما تلتقي جميعا في أرومة واحدة، هي حفظ بقاء النوع، ثم تتفرع ~~فروعا يقابل كل منها طبيعة في الفرد الواحد أن يحفظ ذاته وبقاءه، ~~أريد أن أقول إن كل فرد من الناس - بما يبديه من أوجه النشاط - ~~يستهدف غرضين في آن واحد؛ حفظ بقائه هو، وحفظ بقاء النوع الذي هو ~~أحد أفراده، فلو جمعت هذه الرغبات إلى الوسائل التي تتخذ لتحقيقها ~~كان لك بذلك ما نسميه «عقلا»، فعقل الفرد الواحد هو ميوله ورغباته ~~واهتماماته - وكلها في النهاية يرمي إلى حفظ بقائه وبقاء نوعه - ~~مضافا إليها الوسائل التي تحققها، ولما كان محالا أن تفصل بين ~~النشاط العقلي وبين الشيء الذي هو موضوع ذلك النشاط، كان ذلك الشيء ~~جزءا من العقل حين يكون موضوعا لنشاط العقل - وعندئذ يكون ~~«فكرة » - لكن هذا الشيء نفسه لا تستنفد وجوده هذه العلاقة وحدها؛ ~~إذ قد يكون بينه وبين شيء آخر علاقة أخرى، وإذن فلا بد من ~~الاعتراف له بوجود مستقل عن كونه موضوعا لمعرفة عقلية في لحظة ~~معينة، وبعبارة أخرى فإن الشيء الواحد المعين قد يكون «فكرة» ~~آنا، وشيئا ماديا آنا آخر، بل هو في اللحظة الواحدة المعينة ~~قد يكون «فكرة» بالنسبة إلى العقل الذي يدركه، و«شيئا» بالنسبة ~~إلى أشياء أخرى بينه وبينها ضروب أخرى من العلاقات. # على هذا الاعتبار تكون «المعرفة» علاقة قائمة بين العقل والشيء، ~~وذلك هو نفسه الأساس الذي يقيم عليه «بري» نظريته في القيم # 15 ~~- القيم الخلقية والجمالية - فقيمة الشيء هي في علاقته ~~بفرد معين، وقوامها قدرة الشيء على حفز الإنسان على نحو ما، وقد ~~تكون القيمة موجبة أو سالبة؛ فهي موجبة لو كان للشيء قدرة جاذبة، ~~وهي سالبة إذا كان فيه ما ينفر، ولا تكون الجاذبية أو النفور ~~دائما على صورة بعينها، فللجاذبية صور مختلفات وكذلك للنفور، على ~~أن المجموعة الأولى تتفق في عنصر مشترك، وكذلك المجموعة الثانية، ~~وإذن فلا يكمل وجود «القيمة» إلا بوجود الطرفين معا: ms140 الشيء ~~والشخص، أي إن القيمة لا تكون في الشيء وحده دون وجود الشخص الذي ~~ينجذب إليه أو ينفر منه، وكذلك لا تكون القيمة في الذات وحدها دون ~~وجود الشيء الذي يجذب أو ينفر، على أن موضوعية القيمة وواقعيتها ~~تزداد حين نعلم أنه ليس حتما على الشخص المعين أن يكون هو نفسه ~~المنجذب إلى الشيء أو النافر منه؛ لكي يحكم لذلك الشيء بقيمته، بل ~~حسبه أن يعلم أن للشيء ذلك الأثر في غيره من الناس، وذلك كما تحكم ~~على الرصاصة بأنها قاتلة دون أن تكون أنت قتيلها، وهكذا يجعل «بري» ~~من القيمة وإدراكها في الأشياء، ضربا من «المعرفة» كسائر ضروبها، ~~فيجعل لها جانبها الذاتي وجانبها الموضوعي بنفس المقدار الذي يجعله ~~لهذين الجانبين في حالات «المعرفة»، فأنا «أعرف» أن للشيء الفلاني ~~قيمة جمالية - مثلا - سواء جاءت هذه المعرفة عن طريق اتصال الشيء ~~بذاتي ، أو اتصاله بشخص آخر، وهكذا يصبح في مقدورنا أن نعلم أن ~~لشيء ما قيمة معينة بمجرد ملاحظة سلوك الآخرين إزاءه، أي قبل أن ~~نمارس نحن أنفسنا قيمته بالنسبة إلى ذواتنا، فمقياس «القيم» - إذن ~~- عام وواقعي، وليس هو بالذاتي الخاص. ~~(2) الواقعية النقدية # 16 # بنفس الروح العلمية التي اجتمع بها الواقعيون الجدد، والتي تتلخص ~~في تعاونهم على موضوع البحث كما يتعاون العلماء في المعمل إزاء ~~مشكلة واحدة، بدل أن ينفرد كل منهم ببنائه الفلسفي الخاص، وفي أن ~~يتناولوا المشكلات الجزئية واحدة بعد واحدة، دون أن يشطح بهم ~~الطموح الواهم - كما شطح بالفلاسفة الأقدمين - إلى تناول الكون كله ~~دفعة واحدة موضوعا لبحثهم، كأنما ذلك في حدود المستطاع، أقول: إنه ~~بنفس هذه الروح العلمية التي اجتمع بها أنصار الواقعية الجديدة، ~~اجتمعت جماعة أخرى من الواقعيين الذين رأوا في عمل زملائهم شيئا ~~من السذاجة في التحليل، حتى لقد نعتوهم بهذه الصفة - صفة السذاجة - ~~فذهبت في الكتابات الفلسفية مميزا لهذا النوع من الواقعية التي لا ~~تمعن في النقد والتمحيص إذا ما تعرضت لتحليل «المعرفة»، وأما هذه ~~الجماعة الجديدة فقد وصفت نفسها بأنها «نقدية» أي إنها ms141 أكثر دقة في ~~عملية التحليل. # تألفت هذه الجماعة من سبعة فلاسفة في الولايات المتحدة، # 17 # تعاونوا على البحث المشترك، وخصوصا في الفترة الواقعة ~~بين عامي 1916-1920م، وكزملائهم أعضاء «الواقعية الجديدة» في ~~تعاونهم على مؤلف مشترك، أخرج هؤلاء أيضا مؤلفا اشتركوا فيه ~~جميعا، عنوانه «مقالات في الواقعية النقدية»، # 18 # ثم أضافوا إلى هذا العنوان الرئيسي عنوانا فرعيا ~~يعبر عن روح التعاون، وهو «دراسة تعاونية لمشكلة المعرفة»، وقد ~~كان الاتفاق بين هؤلاء - كما كان بين أولئك - منصبا على موضوع ~~البحث ووجهة النظر الأساسية، لا على التفصيلات التي ذهب كل منهم ~~فيها مذهبه الذي قد يختلف فيه مع بقية الزملاء، فكان مما اتفقوا ~~عليه جميعا أنه في بعض حالات المعرفة يمكن التمييز بين الشيء ~~المعروف وبين الحالة الشعورية التي تكون عندئذ وسيلة للشخص العارف ~~في معرفة ما يعرفه عن ذلك الشيء، فلئن كانت «الواقعية الجديدة» قد ~~تنكرت تنكرا تاما لكل انقسام بين العارف والمعروف في حالة ~~المعرفة، وأصرت على أن تجعل الموقف كلا واحدا لا تمييز بين ~~طرفيه؛ فقد عادت «الواقعية النقدية» إلى الاعتراف بهذه الثنائية ~~التي يمكن التمييز فيها بين الشخص العارف من ناحية والشيء المعروف ~~من ناحية أخرى، لكنها إذ اعترفت بإمكان هذا التمييز، حرصت ألا ~~تجعل الشخص العارف منحصرا في معرفته وفي حالته الشعورية بحيث يقال ~~- كما تقول المثالية - إن كل ما يعرفه ذلك الشخص هو نفسه، وألا ~~سبيل أمامه إلى معرفة ما في العالم الخارجي من أشياء، وذهبت إلى ~~أنه على الرغم من أن الإنسان يتصل بالشيء الذي هو موضوع معرفته في ~~حالة معينة، عن طريق حالته الشعورية - سواء كانت هذه الحالة ~~الشعورية إدراكا حسيا أو إدراكا عقليا أو تذكرا لإدراك ماض ~~- إلا أن هذه الحالة الشعورية المتوسطة بين الطرفين لا تحجب العقل ~~العارف وراء ستار، بل إنه ليتصل بالشيء الخارجي ذاته، ومعنى ذلك هو ~~القول بأن الشيء المعروف موجود في الخارج، وتجيء معرفتي إياه ~~فتبصرني بهذا الوجود، دون أن تكون معرفتي هذه هي الخالقة له ~~المنشئة لوجوده، بل ms142 هو موجود وجودا مستقلا سواء صادفه الشخص ~~المدرك أو لم يصادفه، أضف إلى هذا أن ما أعرفه عن الشيء حين أعرفه ~~إنما هو كل حقيقة الشيء، وليس الأمر هنا - كما ذهب «كانت» - ~~مقصورا على إدراك الظواهر وحدها، دون الجوهر، أو ما أسماه «كانت» ~~«الشيء في ذاته»، المعرفة الإنسانية إذا ما ألمت بشيء ألمت به ~~كله ظاهره وخافيه، ولا تفرقة بين ما هو عرض وما هو جوهر. # وعملية المعرفة في كل حالاتها تبدأ عند بداية معينة، دون أن تكون ~~هذه البداية نفسها جزءا من العملية المعرفية، كما يبدأ حل المشكلة ~~بوجود مشكلة دون أن تكون المشكلة نفسها جزءا من الحل، وهذه ~~البداية هي ما اصطلح الواقعيون النقديون على تسميته «بالمعطى»، # 19 # وها هنا نصل إلى صميم المذهب الواقعي النقدي، وهو ~~التمييز بين الشيء المعروف وبين «المعطى» الذي يبعثه ذلك الشيء ~~إلى الإنسان، فتبدأ به عملية المعرفة، هذا «المعطى» هو بطبيعة ~~الحال حلقة شعورية وسطى تقع بين الشيء من ناحية ومعرفة الشخص له من ~~ناحية أخرى، خذ مثلا إدراكي لهذا المصباح القائم أمامي، كيف ~~أدركه؟ يأتيني منه انطباع على عيني، وهذا هو «المعطى»، وعندئذ ~~أبدأ في «تفسير» ذلك الانطباع بأنه مصباح، فالمعطى نفسه ليس جزءا ~~من عملية التفسير، كلا ولا هو المصباح القائم في الخارج، إنما هو ~~حلقة الاتصال بيني وبين الخارج، وهنا أجد مواضع النقص في تحليل ~~«الواقعيين الجدد» أو «الواقعيين السذج» - كما أطلق عليهم زملاؤهم ~~النقديون - لأنهم قالوا إن الإنسان حين يدرك شيئا إنما يتصل به ~~مباشرة بلا وساطة كائنة ما كانت، كأنما المصباح الذي أدركه الآن ~~يدخل في رأسي بأكمله، مع أن الأمر يصبح - بعد التحليل - واضحا وهو ~~أن ما أدركه عن المصباح صورة تصوره وتمثله، أو هو «المعطى» أو ~~«المعطيات» التي يعطيها إياي المصباح، فتكون عندي نقطة ابتداء ~~لعملية معرفتي له. # فمن رأي الواقعيين النقديين أنه لا بد من التمييز في عملية ~~المعرفة بين «المعطيات» التي هي «حاضرات» في العقل، وبين «الأشياء» ~~التي ليست بحاضرة في العقل إلا ms143 عن طريق الإنابة أو التمثيل؛ إذ ~~ينوب عنها «معطياتها»، لكن هذا معناه اعتراف ببعض جوانب المذهب ~~المثالي؛ لأنه اعتراف بأننا في حالة المعرفة نجاوز حدود الخبرة ~~المباشرة؛ لأن الخبرة المباشرة هي معطيات، ثم نجاوزها إلى ما ليس ~~فيها، لنقول: إن وراءها حقائق هي الأشياء الخارجية، لا، بل إنا ~~لنذهب إلى ما هو أبعد من ذلك في التجاوز لحدود خبراتنا المباشرة ~~إذا ما تعرضنا لأي تفكير علمي من شأنه أن يصوغ القوانين العامة، ~~فليس ما نخبره من الأشياء «قوانين عامة»، إن كل ما نخبره هو خبرة ~~جزئية في لحظة جزئية هي اللحظة الحاضرة، فإذا توقعت ما سيحدث في ~~المستقبل في ظروف معينة، وكذلك إذا تذكرت ما قد حدث في الماضي، ~~فأنا في كلتا الحالتين لا ألتزم حدود خبرتي الجزئية المرتهنة ~~باللحظة الجزئية الحاضرة، بل أجاوزها إلى ما ليس منها. # ومع ذلك فهم لا يودون أن يخلطوا بين أنفسهم وبين المثاليين؛ ~~لأنهم واقعيون يعترفون بوجود العالم الخارجي مستقلا عن عقل ~~الإنسان وأفكاره، ولا يوافقون على تفرقة المثاليين - وبصفة خاصة ~~عمانوئيل كانت - بين الشيء من حيث ظواهره المدركة، والشيء في ذاته ~~الذي هو مستحيل على الإدراك، لا يوافقون على هذه التفرقة، ويجعلون ~~كل شيء جزءا من هذه الطبيعة؛ العقول المدركة والأشياء المدركة ~~على السواء؛ وبالتالي ليس هنالك ما يصح أن يقال عنه إنه وراء ~~الطبيعة أو فوقها أو مفارق لها بأي وجه من الوجوه. # وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار الواقعيين النقديين - أو بعضهم على ~~الأقل - من «الطبيعيين» الذين جعلوا محور تفكيرهم هو المبدأ القائل ~~بأن قاموس الطبيعة محيط بكل شيء، وعلى رأس هؤلاء «جورج سانتايانا»، ~~لكني أوثر أن أفرد للحديث عن هذا الجانب فصلا خاصا، هو الفصل ~~التالي، لأهمية الفكرة في الفلسفة الأمريكية المعاصرة. # الفصل السابع # | كل الصيد في جوف الفرا # (1) «جورج سانتايانا» وعوالم الوجود # كل شيء في جوف الطبيعة، هذه هي الدعوى التي تتردد على أقلام ~~الفلاسفة - وعلى أقلام كثير من الأدباء - خلال النصف الأول من ~~القرن العشرين، فإن كان الإنسان جسما ms144 من ناحية، وعقلا من ناحية ~~أخرى، فكلتا الناحيتين من مقومات الطبيعة على حد سواء، إنه ليس ~~هناك ما يبرر البتة أن تجاوز الطبيعة بحثا عما يفارقها لنفسر به ~~الطبيعة وما يجري فيها، فالطبيعة تفسر نفسها بنفسها، الطبيعة هي ~~الحقيقة الشيئية برمتها، ليس وراءها شيء وليس فوقها شيء، وبهذه ~~النظرة تتخلص من التفكير الثنائي الذي كان يشطر الكون شطرين؛ مادة ~~وروح، كما يشطر الإنسان شطرين؛ جسم وعقل، فسم ما شئت بما شئت من ~~أسماء، لكنك لن تجاوز بأسمائك ومسمياتك مجال الخبرة، والخبرة بكل ~~مجالها في الطبيعة لا تعدو حدودها، تكوين الأشياء وفسادها كلاهما ~~من ظواهر الطبيعة، الولادة والموت كلاهما طبيعي، وكذلك الثبات ~~والتغير، قسم الإنسان ما أردت من تقسيم، قل إنه جسم وعقل، أو قل ~~إنه جسم فقط وما العقل فيه إلا ظواهر سلوكه، أو قل إنه عقل خالص ~~وما الجسم إلا أداة، فهذه الوحدة الواحدة التي هي الإنسان، أو هذه ~~الأقسام كلها التي هي الإنسان، هي الطبيعة في وجه من ~~وجوهها. # وما دام الأمر كذلك فالمنهج العلمي هو منهج التفكير كله مهما يكن ~~موضوع التفكير؛ إذ ليس هناك ما يستحيل على هذا المنهج، فما العلوم ~~إن لم تكن نظرا إلى الطبيعة من هذه الناحية أو تلك؟ وأي موضوع ~~تتناوله بالبحث سيكون أيضا نظرا إلى الطبيعة من إحدى نواحيها، ~~والمنهج الذي يصلح هنا يصلح هناك، فليس لما اصطلحنا على تسميته ~~بالموضوعات العلمية امتياز خاص على سائر الموضوعات من حيث طريقة ~~البحث، كلها أجزاء من خبرة الإنسان، ولا فرق بين خبرة وخبرة من حيث ~~علاقتها بالإنسان وقابليتها للبحث والنظر، لكن ماذا نعني بالمنهج ~~العلمي؟ نعني به أساسا أن يكون موضوع البحث مما قد يشترك في ~~ملاحظته أكثر من فرد واحد؛ فهو علمي وعام، وليس بالغيبي الكامن ~~في ذات الفرد الواحد، لا يدركه إلا صاحبه دون سواه؛ ولذلك فليس من ~~المعرفة ما هو بحكم طبيعته مقتصر على فرد واحد في رؤيته وإدراكه، ~~ليس منها ما يراه الصوفي بحدسه أو ما يراه الإنسان في ms145 استبطان ~~ذاته، وليس منها ما يقوم على الإيمان - إن كان مبعث الإيمان ~~ذاتيا - وليس منها ما يستند صدقه إلى سند من سلطة دون أن يكون ~~قابلا للتحقيق بعيدا عن ذلك السند. # لك أن تنظر إلى الطبيعة على أنها مادة وحركة، ولك أن تنظر إليها ~~على أنها سيال من حوادث، لك أن تقول: إن الطبيعة لا تقصد إلى غرض ~~معين، أو إنها تنحو نحو غاية مقصودة، وإن فيها من القيم ما يشعر به ~~الإنسان من خير أو جمال، لكنها ستظل هي الطبيعة كما كانت، وكما ~~ستكون إلى الأبد، إن الطبيعة في واقعها لا تتغير بنظرة الإنسان ~~إليها، ولا بالقيمة التي يلصقها بها؛ فقد يختار الناظر إليها نظرة ~~العالم، أو قد يختار نظرة الفنان، أعني أنه قد ينشد فيها الباحث ~~ما هو حق، أو قد ينشد فيها ما هو خير أو جميل، لكن هذه النظرات ~~المختلفات كلها لن تجعل من الطبيعة شيئا آخر غير ما هي عليه، ~~فالعالم والفنان معا يتغذيان بغذاء مصدره واحد، وإن اختلف الغذاء، ~~وها نحن أولاء نعرض عليك من هؤلاء الطبيعيين من اختار نظرة الشاعر، ~~لكنه مع ذلك «طبيعي»، بل سرعان ما أصبحت كتبه مرجع الطبيعيين ~~جميعا، وهو «جورج سانتايانا». # كان «سانتايانا» (1863-1953م) شاعرا وأديبا ناثرا وفيلسوفا، ~~ولد في إسبانيا ونشأ وتربى في أمريكا، وظفر بأستاذية الفلسفة في ~~جامعة هارفارد، وهو في الفلسفة واقعي، غير أنه التفت بالواقعية ~~لفتة خاصة هي هذه التي أطلقنا عليها اسم «الفلسفة الطبيعية»؛ فهو - ~~كسائر الواقعيين في عصره - يدير فكره حول نقطتين رئيسيتين هما: أن ~~الأشياء التي هي موضوعات المعرفة الإنسانية موجودة وجودا خارجيا ~~مستقلا عن تلك المعرفة؛ وأن تلك الأشياء الموجودة - موضوع ~~المعرفة - لا يتحتم أن تكون كائنات عينية، بل قد يكون وجودها مما ~~اصطلحنا على تسميته بالوجود الضمني. # 1 # فهو يذهب - كما يذهب كذلك كثير من الواقعيين # 2 ~~- إلى أن وعي الإنسان - أو شعوره أو عقله - إنما يدله ~~على حقائق الأشياء التي يعيها، كما هي في ذاتها خارج نفسه، وليس ~~وعيه ms146 إياها، أو معرفته لها، مما يغير من تلك الحقائق أو يحورها أو ~~يبطلها؛ فمعرفة الإنسان للشيء الذي يدركه صورة تمثل ذلك الشيء ~~تمثيلا صحيحا، على أن الإنسان إذ يتصل بالأشياء ليدركها، فإنما ~~يتصل بها اتصالا مباشرا لا تكون فيه حلقة وسطى بين الجانب العارف ~~والشيء المعروف اللهم إلا المعطيات الحسية، نعم يتصل الإنسان في ~~عملية المعرفة بالعالم المعروف اتصالا مباشرا، فيدرك فيه ما ~~يحتوي عليه من خصائص وحقائق، يدرك اللون كما هو واقع، ويدرك الشكل ~~كما هو واقع، ويدرك اطراد وقوع الحوادث كما يقع، فإن أدرك الإنسان ~~في شيء ما لونه الأزرق كانت الزرقة صفة في الشيء لا إضافة أضافها ~~الإنسان من عنده خلال عملية الإدراك، وإن أدرك في شيء ما أنه مثلث ~~أو مربع، كان التثليث أو التربيع صفة في الشيء المدرك، وإن أدرك أن ~~الأشياء تتجاذب على اطراد معين يصوره قانون الجاذبية، كان هذا ~~الاطراد المدرك جزءا من الطبيعة، وهكذا، هذه الصفات وهذه ~~الخصائص وهذه الطبائع كلها هي ما يسميه «سانتايانا» بالجواهر # 3 ~~- جمع جوهر - ولما كانت هذه «الجواهر» لا بد لها من ~~سنادة أو ركيزة تستند إليها لتظهر، تحتم افتراض وجود عنصر مادي # 4 # ليكون مسرحا - إن صحت هذه الكلمة في هذا السياق - ~~تظهر عليه تلك الصفات والخصائص والطبائع، فلا بد - مثلا - من مادة ~~تتلون بالزرقة ليدرك الإنسان اللون الأزرق، ولا بد من مادة تتشكل ~~على هيئة المثلث ليدرك الإنسان هذه الصفة، وهكذا إلى آخر ما يدركه ~~الإنسان في عالم الطبيعة من ضروب المعرفة. # فإن سأل سائل: ومن ذا أدراك حين تعي مجموعة من الصفات مجتمعة ~~كاللون الأزرق وشكل المثلث إلخ أن هذه الصفات المجتمعة إنما اجتمعت ~~في شيء خارجي له وجود مفارق لوجود أفكارك في ذهنك؟ إن الإنسان إذ ~~يعرف ما يعرفه إنما يكون على وعي بخبرته الخاصة التي هي في طوية ~~نفسه، فما الذي يبرر له أن يقرر للشيء الخارجي وجودا مستقلا ~~بحيث يكون ذلك الشيء الخارجي مقابلا لتلك الخبرة الخاصة الباطنية؟ ~~إن سأل سائل ms147 سؤالا كهذا - وهكذا يسأل المثاليون - أجاب ~~«سانتايانا» بما أسماه «الإيمان الحيواني»، # 5 # ففي كيان الإنسان الطبيعي هذا «الإيمان» بأن معرفته ~~الداخلية صورة من عالم خارجي موجود، على اختلاف ما بين الجانبين، ~~فالجانب الداخلي وعي وعقل، والجانب الخارجي مادة. # إنه لا بد من الركون إلى مثل هذا «الإيمان» لكي نفرق بين حالتين ~~مختلفتين من حالات الإدراك؛ أما أولاهما فحالة نثق فيها بأن ~~«الجوهر» - أو إن شئت فقل «الفكرة» - الماثل في أذهاننا هو كذلك ~~متجسد في شيء عيني خارجي، وأما الثانية فحالة تعلم فيها أن ~~«الجوهر» الماثل في الذهن ليس متجسدا في شيء عيني خارجي، كما هي ~~الحال في المدركات العقلية وفي التصورات الخيالية وما إلى ذلك، ~~فليس منا من لا يفرق في خبرته بين هذين النوعين من حالاته ~~الإدراكية الشعورية، فكيف نعلل هذا الفرق بين الحالتين إذا نحن ~~لم نفترض في الحالة الأولى وجود عالم خارجي يقابل أفكارنا، ثم ~~نفترض في الحالة الثانية أن الموقف الشعوري قاصر على أنفسنا، وليس ~~له امتداد في عالم الأشياء؟ وإذا كان ذلك كذلك فكيف يجوز الافتراض ~~في الحالة الأولى إذا لم نركن فيه إلى «إيمان» بأن العالم الخارجي ~~موجود إلى جانب ذواتنا المدركة الواعية؟ إذن فهذان نوعان من ~~الوجود؛ وجود عيني ووجود ضمني؛ الأول يكون له أصول خارج الذهن وصور ~~لتلك الأصول داخل الذهن، والثاني يكون مقتصرا على التصور الذهني ~~وحده دون أن يكون لذلك التصور طرف فعلي مقابل له في عالم الطبيعة، ~~على أن الوجودين معا سيظلان موجودين حتى إذا انمحت من وجه الأرض ~~كل العقول الإنسانية، فستظل الشمس - مثلا - جزءا من الطبيعة، ~~أدركها الإنسان أو لم يدركها، وستظل «فكرتها» موجودة وجودا ~~ضمنيا، حتى إذا لم تكن قد ظهرت بعد في عالم الطبيعة الظاهر، وهذا ~~المربع المرسوم أمامي سيظل هناك سواء وقع في إدراكي أو لم يقع، ~~وكذلك ستظل «فكرة» المربع موجودة وجودا ضمنيا سواء بقيت على وجه ~~الأرض مربعات مرسومة أو انمحت، وإذن فالتفرقة بين «الوجود الفعلي» ~~و«الوجود الضمني» ستظل قائمة حتى ولو ms148 لم يكن هناك العقل الإنساني ~~الذي يدركها. # ونقول هذا الذي قلناه بعبارة أخرى؛ إذ نقول: إن هنالك ما لا ~~نهاية له من حقائق موجودة وجودا ضمنيا، أي وجودا ممكنا، وإن ~~بعض هذه الحقائق قد سلك سبيله إلى الوجود الفعلي في هذه التشكيلات ~~التي ندركها في عالم الطبيعة، والتي قوامها خصائص وصفات ائتلفت ~~معا في مجموعات معينة هي هذه الأشياء التي نصادفها في خبراتنا، ~~أي إن ما هو ممكن أكثر جدا مما هو كائن بالفعل، فليس هنالك ما ~~يحتم أن تكون الكائنات الموجودة فعلا هي وحدها الموجودة، وأن يكون ~~التقاؤها على النحو الذي تلتقي عليه هو الطريقة التي لا طريقة ~~سواها لظهور تلك الكائنات، بل كان «يمكن» أن تكون الأشياء على غير ~~ما هي عليه الآن، بأن تخرج مجموعة أخرى من الحقائق الضمنية أو ~~الحقائق الممكنة، بدل هذه المجموعة التي خرجت بالفعل، أريد أن أقول ~~إن العالم الموجود الآن ليس هو العالم الوحيد الذي يمكن تصوره، إذ ~~يمكن تصور كائنات أخرى تجيء على ترتيب آخر، ويطرد فيها حدوث ~~الحوادث على نحو آخر، وسؤالنا الآن هو هذا: على أي أساس برز إلى ~~الوجود الفعلي هذا العالم الراهن من مجموعة العوالم الممكنة التي ~~لا نهاية لعددها؟ # وليس هو بالسؤال الحديث الجديد، بل هو سؤال ألقاه على نفسه ~~«ليبنتز» - في القرن السابع عشر - وأجاب عنه بقوله: إن الله قد ~~اختار هذا العالم الفعلي من بين الممكنات؛ لأنه «أفضل» الممكنات ~~كلها، أي إنه «لم يكن في الإمكان أبدع مما كان»؛ ولذلك وقع اختيار ~~الله على هذا الذي «كان»، أي إن مبدأ الاختيار هو مبدأ «خلقي» من ~~قبل الخالق الذي خلق واختار، ثم هو سؤال سأله كذلك الفيلسوف الحديث ~~«وايتهد» - وسيرد ذكره في هذا الفصل بعد قليل - وأجاب عنه بقوله: ~~إن مبدأ اختيار ما هو فعلي من بين الممكنات مبدأ «عقلي»؛ لأن هذا ~~العالم الواقع هو أقرب عالم يمكن تصوره إلى منطق العقل، وأما ~~«سانتايانا» فيجيب عن السؤال نفسه بجواب آخر هو الذي ميز فلسفته ~~بأنها ms149 فلسفة طبيعية مادية رغم كل ما اتصف به من شاعرية وروحانية، ~~وذلك أنه جعل مبدأ اختيار العالم الفعلي الواقع من بين العوالم ~~الكثيرة الممكنة لا هو بالمبدأ الخلقي كما ظن «ليبنتز» ولا هو ~~بالمبدأ العقلي كما ذهب «وايتهد»، بل هو مبدأ مادي صرف. # وكيف يمكن أن يكون هذا العالم الموجود قد خرج إلى الوجود دون ~~سواه من الممكنات؛ لأنه يمثل مبدأ خلقيا؟ كيف يتفق هذا التفسير ~~مع خبراتنا التي منها أن العالم يفيض بما ليس من الأخلاق في شيء، ~~ففيه الآلام، وفيه الشقاء، وفيه الشر، وفيه التناحر والتقاتل؟ إن ~~العالم في مجرى حوادثه لا يعبأ بالأخلاق ولا شأن له بها، فليس ~~ثوران البركان وإغراق سكان الإقليم المجاور بحممه سببه أن هؤلاء ~~السكان قد اقترفوا الإثم، ويراد عقابهم على ما اقترفوا، وليس حلول ~~المجاعة بقوم وفتكها بهم سببه أنهم ضلوا سواء السبيل، والغيث لا ~~يسقي أرض من أقاموا للعدل ميزانه وحدهم، بل هو يسقي أرض الظالم ~~والعادل على السواء، فإذا اعتقدنا في العالم غير هذا كنا بمثابة من ~~تنكر لخبرته، فأدرك شيئا، واعتقد شيئا آخر، كلا ولا يجوز أن نفرض ~~لتفسير حدوث العالم الواقع دون سائر العوالم الممكنة وجود مبدأ ~~عاقل سابق على وجود هذا العالم، نعم إن حوادثه لتتسق مع مقتضيات ~~عقولنا، بحيث تستطيع هذه العقول أن تفهمه، لكن هذه العقول نفسها قد ~~جاءت خلال ظهور العالم نتيجة من نتائجه، وظاهرة من ظواهره، فإن كان ~~في مستطاعها فهم مجراه ومسيره؛ فلأنها جزء منه، فالعقل إذ يفهم وإذ ~~يعرف لا يقسر ظواهر الطبيعة على سلوك معين يتفق مع طرائقه في ~~الفهم والمعرفة، بحيث يجوز لنا أن نقول: إن العالم قد جاء وفق منطق ~~العقل، إنه لا يخلق سير الحوادث خلقا على نمطه وغراره، بل هكذا ~~وجدت الطبيعة وهكذا جاءت سننها، وبعدئذ يجيء العقل - الذي هو جزء ~~منها - فيدرك المبادئ التي تسري في ظواهرها، والتي على مقتضاها ~~تسير وتجري، ولو جاءت الطبيعة على واقع آخر ونظام آخر، ثم أنتجت ~~عقولا فيما أنتجت، ms150 لفهمتها تلك العقول عندئذ على نحو ما تفهم ~~عقولنا عالمها الذي أنتجها. # كلا، بل الطبيعة مادة تسير إلى غير غاية، فلا هي غايتها تحقيق ~~مبدأ خلقي، ولا هي تجري نحو هدف يقره منطق العقل ويقتضيه، وهذه ~~الحقيقة المادية التي هي الطبيعة هي نفسها الأساس الذي عنه صدرت ~~الحياة وصدر الوعي، ولولاها لظل الوجود كله من صنف واحد، هو وجود ~~«الجواهر» أو الأفكار الممكنة التحقيق، دون الوجود الآخر، وهو وجود ~~تلك الجواهر بعد أن لبست صورة حقائق فعلية، بل لم يكن الأمر ليقف ~~عند هذا الحد لولا وجود الطبيعة المادية، إذ لولا هذه لما وجد ~~العقل الذي يدرك تلك الأفكار الممكنة التحقيق، وإذن كانت تلك ~~الأفكار لتظل قائمة في «دنيا الممكنات» دون أن تجد سبيلها إلى ~~التحقيق ودون أن تجد العقل الذي يدركها في دنياها تلك. # وبينما يترك «سانتايانا» لعلماء الطبيعة أن يقرروا بأبحاثهم ~~التجريبية ماذا عسى أن تكون طبيعة المادة، فإنه يدلي برأيه في ~~خصائصها العامة، فيقول: إنها زمانية مكانية، وإنها ممتدة ومؤلفة من ~~أجزاء كل جزء منها منفصل عن زميله، وإن تكن بين هذه الأجزاء ~~علاقات تربطها بعضها ببعض، غير أن تلك العلاقات ليست جزءا من ~~طبيعتها، بل هي علاقات تتغير، وذلك مساو لقولنا إن أجزاء المادة ~~تتحرك، ولا تستقر في مكان بعينه، وكلما تحركت تغيرت بالتالي ~~مجموعة العلاقات التي تصلها بعضها ببعض، بل قد تغير حركتها تلك من ~~خصائصها الذاتية، وإذن فالمادة سيال متدفق دائم الحركة، دائب ~~التغير، وتوزيع أجزائها على المكان والزمان ما ينفك يتغير، فينشأ ~~عن هذا التغير تكون الأجسام والحوادث، وما قد يتركب من الأجسام ~~والحوادث من تركيبات مختلفة التكوين منوعة البناء. # هذه التكوينات التي تحدث بسبب تحرك المادة، إنما تتخذ صورا ~~معينة قد تعاود الحدوث مرة بعد مرة، أعني أن سيال الحوادث في ~~الطبيعة المادية قد يجري على نسق معين آنا بعد آن، فإذا حدث مثل ~~هذا التكرار في وقوع النسق الواحد، كان ذلك قانونا طبيعيا، ومن ~~هذا الاطراد في وقوع الحوادث، وإمكان صياغته ms151 في قوانين، أمكن ~~التنبؤ بما سيحدث في ظروف معينة بناء على ما اطرد عليه وقوع ~~الحوادث فيما مضى في مثل تلك الظروف، دون أن يكون هذا الاطراد ~~«ضروريا» يقتضيه منطق العقل اقتضاء لا مفر منه؛ ذلك لأن كل نسق ~~من الحوادث، أو كل سلسلة منها تكون وحدة، إنما تحدث - إذ تحدث - ~~حدوثا تلقائيا بغض النظر عن أن تكون مسبوقة بأشباه لها أو غير ~~مسبوقة، وهذا معناه «ألا ضرورة في العلاقة القائمة بين السبب ~~والمسبب، وألا يقين بأن القانون (الطبيعي) ثابت»، # 6 # فليس لأية حادثة مبرر لوقوعها من حادثة غيرها، أي إن ~~الحادثة المعينة لا تقع لأن شبيها لها قد وقع، أو لأن أي شيء آخر ~~غيرها قد حدث، وليس هناك في حكم العقل ما يمنع أن يقف هذا الاطراد ~~الملحوظ في وقوع الحوادث، بحيث يجيء المستقبل فيقطع الشبه بالماضي، ~~لا، بل إن هذا بعينه هو ما يحدث، ولولا ذلك لما كان هناك خلق جديد ~~ولا تطور، فما أكثر ما تجيء الواقعة أو الحادثة أو الشيء جديدا كل ~~الجدة، بحيث يكون فريد نوعه، وبحيث لا يكون له في كل ما وقع في ~~الماضي من شبيه. # وما الكائنات الحية إلا مثل من أمثلة التكوينات المادية التي ~~تحدث من تجمع الأجزاء المادية على إطار معين، فكأنما الخصائص ~~«العضوية» كائنة في الطبيعة مستعدة لأن تظهر فعلا بعد أن كانت ~~موجودة إمكانا، إذا ما تجمعت أجزاء المادة على النحو الذي يمكنها ~~من الظهور، وماذا يميز الكائن الحي من خصائص لا تكون في المادة ~~الجامدة؟ يميزه أنه قادر على الاحتفاظ بوجوده عن طريق التغذي ~~بموجودات أخرى، كما أنه قادر على تكرار نمطه بالتناسل، وكذلك ~~يميز الكائن الحي أنه مستطيع أن يصلح بنفسه ما فسد من تكوينه، ولا ~~كذلك المادة الجامدة، فلا هي تقتات على غيرها ليدوم بقاؤها، ولا هي ~~تكرر نمطها بالتناسل، ولا هي قادرة على أن تصلح بنفسها ما قد يفسد ~~من نظام تكوينها وتركيبها وهاته القدرات في الكائن الحي هي ما نطلق ~~عليه اسم ms152 «النفس»؛ # 7 # فالنفس هي مجموعة وظائف الأعضاء والحوافز والدوافع ~~التي تجتمع في الكائن العضوي، والتي بفضلها ينشط ذلك الكائن، ~~ويمارس ما يمارسه من صلات مختلفات بمحيطه الطبيعي الذي يتحرك فيه، ~~وإذن فالنفس هي هذه المجموعة المادية المعينة - التي هي الجسد - ~~وقد عبرت عن حقيقتها في نشاط وفاعلية وعمل. # غير أن الأحياء على اختلاف ضروبها وإن اتفقت في «النفس» - أي في ~~قدرتها على الاحتفاظ بحياتها، وعلى تكرار نمطها، وعلى إصلاح نفسها ~~بنفسها - إلا أن منها ما يعود فيتميز عن بقيتها بالوعي الذي يعي به ~~أنه كائن حي ذو خصائص معينة وألوان من النشاط معلومة، فالشجرة ~~تتغذى كما يتغذى الإنسان، وتكرر نمطها كما يكرر الإنسان نمطه، ~~وتصلح عطبها كما يصلح عطبه، إلا أنها لا تكون على وعي - كما يكون ~~الإنسان على وعي - بأنها تقوم بهذا الذي تقوم به، هذا الوعي في ~~الإنسان هو ما يسميه «سانتايانا» بالروح أو بالعقل، فليس الروح أو ~~العقل - إذن - شيئا قائما بذاته، بل هو ظاهرة من ظاهرات الجسم ~~الحي نفسه، يتصف بها حين يتصل بمحيطه وبظروفه على نمط سلوكي ~~معين. # انتهى بنا التحليل حتى الآن إلى وجود عالمين؛ عالم الممكنات (وهو ~~الذي أطلق عليه سانتايانا عالم الجوهر أو الأفكار)، # 8 # وعالم المادة # 9 # التي تمكن بعض تلك الممكنات من الظهور الفعلي، لكن ~~هذا الانتقال نفسه من عالم الإمكان إلى عالم الواقع في الطبيعة ~~المادية، يخلق لنا عالما ثالثا هو ما يسميه «سانتايانا» بعالم «الحق»، # 10 # وهو ذلك الجزء من عالم الجوهر - عالم الممكنات - الذي ~~خرج إلى عالم الواقع الفعلي؛ ولذلك كان «عالم الحق» هذا عالما ~~عرضيا كالوجود نفسه، وأعني بذلك أنه لم يكن هناك ضرورة عقلية ~~تقتضي أن يخرج من عالم الممكنات هذا الجزء الذي خرج فعلا دون سائر ~~أجزاء الممكنات التي لم تخرج وظلت على حالها عالما ممكنا، ~~فالوجود كله عرضي بمعنى أنه قد كان يجوز ألا يحدث؛ وبالتالي يكون ~~«الحق» عرضيا بمعنى أن ما قد تحقق في عالم الواقع قد كان يجوز ~~ألا يتحقق، وأن ms153 يتحقق سواه من بقية الممكنات التي لم تقع، وإذن ~~فقد أخطأ الفلاسفة المثاليون جميعا حين ظنوا أن ثمة مبادئ عقلية ~~قبلية ضرورية شاملة صدقها محقق ويقينها ثابت، أخطئوا إذ ظنوا ذلك؛ ~~لأن الوجود كله بما فيه من عقول وما يترتب عليها من مبادئ الرياضة ~~والمنطق - دع عنك مبادئ الأخلاق والميتافيزيقا - قد جاء عرضا، وقد ~~كان يمكن ألا يجيء. # تلك إذن ثلاثة عوالم في الوجود كما تصوره «سانتايانا»: عالم ~~الممكنات، وعالم المادة، وعالم الحق، وأما رابع تلك العوالم، وبه ~~يكمل البناء الفلسفي للفيلسوف؛ فهو «عالم الروح» # 11 # فما هو؟ ألم نقل فيما سلف إن بعض الممكنات، أو بعض ~~«عالم الجوهر» يتحقق في عالم الواقع الفعلي دون بعضه الآخر؟ إذن ~~فافرض أن الإنسان لم يعجبه هذا العالم الواقع، وصور له خياله مثلا ~~أعلى كان يتمنى لو أن العالم جاء على غراره، فمن أين له العناصر ~~التي ينشئ بها تلك الصورة المثلى؟ إنه لا شك يستمدها من الممكنات ~~التي لم تجد سبيلها إلى عالم التحقيق، يستمدها من عالم الجوهر في ~~جوانبه التي لم تخرج من حيز الإمكان إلى حيز الواقع، من هذه ~~العناصر يبني الإنسان لنفسه مثلا أعلى لو تحقق لكان عالما أجمل ~~من هذا العالم الذي نعيش فيه، وأكثر خيرا منه، لو تحقق هذا العالم ~~المثالي لحقق معه أحلام الإنسانية وغاياتها التي قد يستحيل تحقيقها ~~في عالم الطبيعة كما هو قائم، ذلك العالم المثالي هو «عالم الروح»، ~~لكن الإنسان إذ ينتقي لنفس العناصر التي تكون له في خياله عالما ~~أمثل وأكمل من عالمه الواقع، فإنه لا ينسى - أو لا ينبغي له أن ~~ينسى - أنه عالم قد استمد كماله من خدمته لأغراض الإنسان، وتحقيقه ~~لغاياته وأحلامه وأمانيه، ولو أن نوعا آخر من أنواع الأحياء تخيل ~~عالما يتخذ منه مثلا أعلى، لتخيل شيئا آخر غير ما تخيل الإنسان، ~~فلكل نوع مصالحه ولكل نوع أغراضه. # وعلى ذلك فليس كمال العالم المتخيل كمالا مطلقا، بل هو كمال ~~نسبي، هو كمال بالنسبة للإنسان، وفضلا عن ذلك فإن ms154 قيمة ذلك العالم ~~الأمثل هي في مجرد تخيله لا في تطبيقه تطبيقا عمليا، ولو كان ~~كماله في تطبيقه وتنفيذه لانقلب واقعا لا مثلا أعلى، ولأصبح ~~نثرا بعد أن كان شعرا؛ ذلك لأن الأحلام لا يزيد من سحرها أن ~~تتحقق، فلا الخير يزيد في خيريته، والجمال يزيد في جماله بأن نخرج ~~ذلك العالم المتخيل بخيره وجماله من عالم العقل إلى عالم الواقع، ~~لا، بل لعل الفكرة تكون أنقى، وهي في عالم الجوهر الخالص منها، وهي ~~في عالم الواقع؛ لأنها عندئذ تكون صفاء لا تكدره غشاوة النقص التي ~~لا بد أن تغشي حوادث العالم الطبيعي، فلماذا لا نكتفي بأن تطمح ~~الروح إلى ذلك العالم الخيالي، فترسم لنفسها صورتها المثلى، بل ~~ولها أن تتصور كذلك أن ذلك المثل الأعلى قد تحول إلى عالم حقيقي ~~واقع؟ إنها إن فعلت كان لها بذلك عالم هو بعينه العالم الذي يحاول ~~الشعر كما يحاول الدين أن يرسمه، وماذا يصنع الشاعر سوى أن يصور ~~لنفسه جمالا هو أصفى وأنقى من أي جمال على هذه الأرض؟ وماذا يصنع ~~الدين سوى أن يصور خيرا هو أعظم وأسمى من كل خير في هذه الدنيا؟ ~~الشاعر يصور لنفسه جمالا كاملا في صورة يخلقها بخياله، والشعور ~~الديني يصور لنفسه خيرا كاملا في إله يعبده، لكننا لا ينبغي لنا ~~أبدا أن ننسى أن صورة الجمال في الشعر، وصورة الخير في الدين إن ~~هي إلا صور في عالم الخيال لا عالم الحقيقة؛ لأن مادة الطبيعة لا ~~تسعف أمثال هذه الصورة الخيالية بوسائل الظهور العيني والتحقيق ~~الفعلي؛ ولذلك فستظل هذه المثل العليا الخيالية رموزا نهتدي ~~بهديها لا عناصر من عناصر الواقع الذي نعامله في حياتنا اليومية، ~~نعم إن أمثال هذه الصور الخيالية لتغذي نفوسنا، وتزيد من خصوبة ~~حياتنا، لكننا إن زعمنا لأنفسنا أنها موجودات حقيقية، فعندئذ نحط ~~من شأن القيم العليا التي جاءت تلك الرموز الخيالية لترمز إليها، ~~ويصبح الأمر خرافة وتخريفا بعد أن كان مثلا أعلى واهتداء ~~بصيرا. # ومع ذلك فإنا نلاحظ أن الفلسفة والدين ms155 كليهما لا ينفكان يحطان ~~من شأن هذه القيم العليا بأن يحاولا خلط المثل العليا بالواقع، ~~إنهما بذلك يحولان الشعر نثرا والحلم حقيقة، إنهما لا يرضيان بأن ~~يجعلا من الله رمزا صافيا في خيال الإنسان، وصورة للخير الكامل ~~كما صورته الروح، ويصران على أن يلقيا به في مضطرب الحياة اليومية ~~بأوشابها ونقائصها؛ وذلك بأن يجعلاه كائنا متعينا وشخصا حيا، ~~إنهما بذلك ولا شك يحولانه من روح إلى مادة، لكنهما يغطيان هذا ~~الخزي منهما بمجرد اللفظ الأجوف حين يقولان إنهما يتحدثان عن وجود ~~روحاني حين يتحدثان عن الله، إنهما لا يفرقان في حديثهما هذا بين ~~ما هو جوهري وما هو عرضي من الأمور؛ لأن جوهر ما يؤديان بصنيعهما - ~~رغم كل ما يزعمانه - هو أنهما قد هبطا بالإله من عالم الوجود ~~الضمني - الوجود العقلي - إلى عالم الوجود العيني - الوجود الفعلي ~~- فنزلا به من مرتبة المثل الأعلى إلى مرتبة الواقع، والعجيب أنهما ~~لا ينكران ذلك، بل يزهوان بما يصنعان. # 12 # وها هنا يأتي دور العقل الإنساني وما يصنعه بذكائه، فمن مهامه أن ~~يزيل عنا هذا الخلط بأن يهدينا إلى الصواب، والصواب هو أن نفرق بين ~~القيم المختلفة ولا نجعلها جميعا من صنف واحد وطراز واحد، ~~فقيمة «الحق» إنما تتجسد في عالم الطبيعة، فما هو «حقيقي» موجود ~~وجودا فعليا، لكن ما كذلك قيمتا الخير والجمال، فهاتان قيمتان ~~من عالم الروح لا من عالم الطبيعة المتحقق؛ إذ الخير والجمال ~~كلاهما تصوران يتصورهما الإنسان بخياله ليرسم مثلا أعلى يستريح ~~له في أحلامه ما داما لا يتحققان في دنيا الواقع، إن الإنسان لتتم ~~راحته النفسية من حيث الخير والجمال إذا هو جعلهما موضوع تأمل ~~وتفلسف، لكن راحته النفسية من حيث الحق لا تتم إلا إذا وجد الحق ~~متمثلا في الواقع، وهكذا ترى أن ما يكفي في حالة الخير والجمال لا ~~يكفي في حالة الحق، والعكس صحيح، فلماذا إذن تتطلب من الخير ~~والجمال أن يغيرا من طبيعتيهما ليصبحا واقعا من الواقع كأنما يراد ~~بهما أن ينقلبا «حقا» بعد أن ms156 كانا «خيرا» و«جمالا»، وكذلك كما ~~أن الخير ليس حقا، والجمال ليس حقا، فالخير والجمال معا وإن ~~اتفقا في كونهما معا مما تتعلق به الأوهام والأحلام دون الواقع، ~~إلا أنهما يختلفان اختلافا بعيدا بعد ذلك؛ ولهذا كان من العبث ~~والخلط وسوء الفهم أن تتطلب من «الجميل» أن يكون كذلك «خيرا» أو ~~من «الخير» أن يكون كذلك «جميلا»، وما أكثر ما نرى الفنان - وهو ~~الذي يصور الجمال - على خلاف شديد مع الأخلاقي، فترى هذا ينقد ~~ذاك بأن فنه لا يؤدي إلى الفضيلة، فيرد الفنان - وهو على حق - بأنه ~~لا شأن له في فنه بالفضيلة، وكذلك قل فيما ينشب من خلاف بين «الحق» ~~الذي تنشده العلوم، وبين الفضيلة التي يريدها الأخلاقيون، فترى ~~هؤلاء يتهمون العلم في بعض نتائجه بأنه هادم للأخلاق، لكن العالم ~~قد يجيب - وهو على حق - بأنه لا شأن له في بحثه العلمي بالفضيلة، ~~وهكذا ترى كيف تفترق هذه القيم الثلاث، ويجب أن تفترق؛ لأنها ~~مختلفة الأصول، ومن الخلط توحيدها وإهمال ما بينها من فروق. # لكن الإنسان بعقله لا بد له - من جهة أخرى - أن يتبين كذلك أنه ~~على ما بين عالم الجوهر وعالم الخبرة الفعلية من فوارق، فهما قد ~~ينطبقان في بعض النواحي، بحيث يتحقق أحدهما في الآخر، وعندئذ ~~يتبين أنه لا استحالة - كما أنه لا ضرورة - في أن تكون دنيانا دنيا ~~حق ودنيا خير ودنيا جمال في آن معا، ليس مستحيلا، كما أنه ليس ~~ضروريا، على هذا العالم الذي نعيش فيه أن يحقق جزءا من أمانينا ~~في الخير والجمال، وإن كنا لا نقصر خيالنا على الحدود التي يحققها ~~لنا عالم الواقع من هاتين القيمتين، بل نمده إلى حيث عالم الجوهر، ~~وهو عالم الممكنات، لنجد فيه بقية ما يشبع فينا المثل ~~الأعلى. # أسمى ما يسمو إليه العقل في أدائه لمهمته هو أن يحقق الاتساق ~~والانسجام بين الأجزاء المختلفة في خبرته من حيث إيجاد التعادل ~~والتوازن بين القيم المختلفة، وذلك بأن يستحضر أمام الفكر أكبر عدد ~~ممكن من ممكنات عالم الجوهر، ms157 دون أن يقع بينها تعارض وتناقض، فها ~~هو ذا عالم الطبيعة قد حقق بعض تلك الممكنات دون بعضها الآخر، ~~لكن حتى في هذا الجانب الذي حققه قد لا يخلو فيه الأمر من متناقضات ~~ومفارقات، وسمو العقل هو في أن يسمو بخياله ويعلو، بحيث يضيف إلى ~~فكره - فوق ذلك الذي حققته دنيا الطبيعة المادية - أفكارا أخرى، ~~وأن يذيب من المجموعة كلها التي اجتمعت له كل ما بينها من دواعي ~~التعارض، وبمقدار ما يوفق في تجميع عدد كبير من الأفكار - الممكن ~~منها والمتحقق - وفي تنسيق ما تجمع لديه تنسيقا يجعله وحدة ~~متناغمة، تكون منزلته من السمو، فتراه - مثلا - يوفق بين الدين ~~والفلسفة والعلم، بأن يجعل الدين والفلسفة ضربين من ضروب الشعر، لا ~~وسيلتين من وسائل الوصف العلمي لما هو واقع؛ ولذلك فهما لا يصلحان ~~لتفسير العالم تفسيرا صحيحا، لكن ذلك بالطبع لا يعني الحط من ~~شأنهما، إنما يعني تحديد مجاليهما، وما مجالاهما إلا رسم المثل ~~العليا التي يحلم بها الإنسان ولا يجدها متحققة في العالم الواقع، ~~فإن يكونا غير قائمين على أساس يجعلهما من العلوم، فهما قائمان على ~~أساس آخر يدخلهما في مجال الشعر الرفيع، والعاقل هو من لا يتخذ من ~~إخفاقهما في مجال سببا لانتقاص ما لهما من قدر كبير في مجال ~~آخر، وكذلك قل في التفسير العلمي الذي يفسر العالم تفسيرا صحيحا، ~~لكنه لا يتمشى مع مثل الإنسان الأعلى في الأخلاق، فلا يجوز أن يتخذ ~~هذا النقص الخلقي فيه سببا للحط من شأنه في مجال التفسير العلمي الصحيح. # 13 # تلك خلاصة لفلسفة «سانتايانا» - وهو فيلسوف أمريكي بالإقامة ~~والإنتاج، وإن لم يكن أمريكيا بالمولد والجنسية - هي خلاصة ~~كتابيه العظيمين «حياة العقل» # 14 ~~(1905-1906م) و«عوالم الوجود» # 15 ~~(1927-1940م) مضافا إلى هذا الأخير مقدمته التي خرجت ~~في كتاب مستقل هو «التشكك والإيمان الحيواني» # 16 ~~(1923م) وهو كما ترى فيلسوف طبيعي بمعنى أنه يدخل كل ~~شيء في جوف الطبيعة، على الرغم من هذه الروحانية الشاعرة التي تشع ~~من أفكاره، فكأنما هو من هؤلاء الناس ms158 الذين يرون بالعقل شيئا، ~~ويحسون بالقلب شيئا آخر، فيبالغون في تلبية نداء العقل ليخفوا ~~بهذه المبالغة خفقات القلوب. ~~(2) «ألفرد نورث وايتهد» # 17 # والبناء العضوي # وهذا فيلسوف آخر - مثل سانتايانا - أمريكي بالإقامة والإنتاج، ~~وإن لم يكن أمريكيا بالمولد والجنسية، ولكن «وايتهد» - على خلاف ~~سانتايانا - لم يكن أمريكيا بالنشأة والسيرة أيضا؛ لأنه لم ~~يرتحل إلى أمريكا ليتولى منصب الأستاذية في هارفارد إلا بعد أن بلغ ~~الثالثة بعد الستين من عمره في وطنه إنجلترا، حيث أتم مدة عمله ~~أستاذا بجامعة لندن، وبعدئذ وجهت إليه هارفارد دعوة ليكون ~~أستاذا بها، وهنالك لبث حتى وافته منيته عام 1947م، وكان قد بلغ ~~من عمره السابعة بعد الثمانين، وإذن فهي أربعة وعشرون عاما قضاها ~~«وايتهد» في الولايات المتحدة، لكنها كانت هي الفترة الأخيرة من ~~عمره، فكانت بالتالي فترة الإنتاج الفلسفي الناضج؛ لأنه وإن يكن قد ~~أخرج وهو في أرض الوطن مؤلفات هامة في التحليلات الرياضية المنطقية ~~- مثل كتاب «أسس الرياضة» الذي اشترك فيه مع برتراند رسل، وأخرجاه ~~معا في أربعة أجزاء - إلا أن مذهبه الفلسفي لم يكتمل بناؤه ولم ~~يلتمس سبيله إلى التعبير إلا وهو في أمريكا، حيث أخرج كتابه الذي ~~عرض فيه لباب فلسفته، وهو كتاب «التطور وعالم الواقع»، # 18 # فنحن إذ نذكر «وايتهد» في كتاب يستعرض حياة الفكر في ~~أمريكا، فإنما نعتمد في ذلك على تاريخ إنتاجه الفكري وعلى تأثيره ~~في الاتجاهات الفلسفية أيام إقامته هناك، وإلا فهو كذلك حلقة من ~~تاريخ الفلسفة الإنجليزية المعاصرة، ومرحلة هامة من مراحل الفلسفة ~~الأوروبية الحديثة بوجه عام. # وكما يساورني التردد في نسبة «وايتهد» إلى تيار الفكر الأمريكي، # 19 # فكذلك يساورني تردد آخر في إضافته إلى «سانتايانا» ~~في فصل واحد يتحدث عن الاتجاه نحو إدخال كل شيء في عالم الطبيعة؛ ~~لأنه وإن يكن شديد الشبه بسانتايانا في اعتباره لعالم الواقع ~~تحقيقا لجزء يسير من الممكنات، وفي نظرته إلى الممكنات على أنها ~~كائنات عقلية أبدية، إلا أنهما يختلفان في نواح رئيسية أهمها هي ~~أن «سانتايانا» قد اعترف - مع الفلسفة التقليدية ms159 - بوجود عنصر مادي ~~وبأن الحوادث إن هي إلا أعراض تطرأ على ذلك العنصر، على حين أن ~~«وايتهد» - كسائر التطوريين في العصر الحديث - قد استبدل بالعنصر ~~الثابت تيارا من صيرورة وتغير، لكن حسبنا بين الفيلسوفين شبها ~~يبرر ضمهما معا في اتجاه واحد، أن كليهما قد تخلص من الثنائية ~~التقليدية بين العقل من ناحية، والطبيعة من ناحية أخرى، فمزجاهما ~~معا في كون واحد، وجعلا العقل جزءا من الطبيعة غير مفارق لها، ~~وهكذا انتهيا إلى «تطبيع العقل» أو إن شئت فقل «تعقيل ~~الطبيعة». # بدأ «وايتهد» حياته العلمية رياضيا من الطراز الأول، وعالما ~~من علماء الطبيعة؛ ولذلك جاءت أولى أعماله الفلسفية الكبرى متأثرة ~~بتلك الدراسة الأولى، وذلك بأن تعاون مع «رسل» - كما أشرنا - في ~~إخراج مؤلف ضخم في منطق الرياضة، يعد بداية عهد جديد في الدراسة ~~المنطقية، ولسنا نبالغ إذا قلنا إن لهذا المؤلف، وأعني به «أسس الرياضة» # 20 # أبعد الأثر وأعمقه في توجيه تيار الفكر الفلسفي كله في ~~هذه العشرات الأربع الأخيرة من أعوام القرن العشرين؛ إذ وجه ذلك ~~الفكر الفلسفي نحو التحليل على نموذج ما ورد في «أسس الرياضة» من ~~تحليلات، ولو جعلنا للفلسفة المعاصرة صفة واحدة غالبة لقلنا إنها ~~الانتقال من «التأمل» الميتافيزيقي إلى «تحليل» القضايا العلمية، ~~ثم استطرد «وايتهد» بعد هذه البداية فتناول علم الطبيعة بنظرة ~~الفيلسوف، فأخرج في ذلك «أصول المعرفة الطبيعية» # 21 # و«فكرة الطبيعة» # 22 # و«العلم والعالم الحديث»، # 23 # ثم كتابه الرئيسي في مذهبه الفلسفي وهو «التطور وعالم الواقع»، # 24 # وأخيرا «مغامرات أفكار»، # 25 # فكان بهذا المحصول الفلسفي من قادة الحركات المعاصرة ~~في الفلسفة، التي يغلب عليها الاتجاه الواقعي بصفة عامة، على ~~اختلاف التفريعات التي ذهب إليها مختلف الفلاسفة، لكن هنالك مميزا ~~فريدا يطبع «وايتهد» دون سائر الواقعيين على اختلافهم، وذلك أن ~~الكثرة الغالبة من هؤلاء قد اتخذت الواقعية مذهبا بعد أن غاصت إلى ~~آذانها في دراسة الفلسفة المثالية التي كان لها السيادة في أواخر ~~القرن التاسع عشر، في إنجلترا وفي أمريكا على السواء، فجاء اتخاذهم ~~للواقعية مشوبا ms160 بروح التعصب ضد المثالية، شأن المرتد من عقيدة ~~قديمة إلى أخرى جديدة، فتراه يسرف في مناصرة هذه العقيدة الجديدة ~~إسرافا يميل به إلى غض النظر عن كل ما في العقيدة القديمة من ~~حسنات، كأنما يخشى أن يعود إلى خطيئة الماضي، فيدرأ عن نفسه هذا ~~الخطر بمضاعفة جهاده في سبيل الرأي الجديد، ومن أجل هذا تلمس في ~~مؤلفات الواقعيين المعاصرين كثيرا من التزمت في واقعيتهم، فهم أشد ~~اهتماما بعدائهم للمثالية منهم بالتماس الحق لذاته فيما يكتبون، ~~أما «وايتهد» فقد دخل ميدان الفلسفة عن طريق الرياضة والعلم ~~الطبيعي، فلم يكن به حاجة إلى تزمت أو تعصب، ولذلك تراه يسترسل ~~وراء فكرته التي يحللها، لا يعبأ إلى أي نهاية يسوقه البحث، فلتكن ~~نهايته واقعية خالصة أو ممزوجة ببعض العناصر المثالية أو كائنة ما ~~تكون؛ لأنه لا يقصد إلى نتيجة بعينها، بل ينشد الحق كما يراه. # 26 # وأول ما نذكره عن رأيه في الطبيعة هو أنه يجعل حقيقة الشيء في ~~طريقة تركيبه لا في المضمون الذي يملأ ذلك التركيب، فمثلا حقيقة ~~الهرم - والمثل من عندي - ليست في صخوره التي بني منها، بل في ~~إطاره أو في صورته أو في هيكله؛ لأنه يظل هرما إذا أقمناه من خشب ~~أو حديد أو أية مادة أخرى ما دامت طريقة التركيب أو هيكل البناء لم ~~يتغير، غير أن «التركيبات» التي هي الأشياء التي تتألف منها ~~الطبيعة ليست دائمة على حال واحدة، بل هي في تغير دائم وحركة ~~دائبة، بحيث يصبح ذلك التغير أو هذه الحركة جزءا من طبيعتها، ولو ~~حللنا هذه «التركيبات» إلى عناصرها الأولية، وجدناها مؤلفة مما ~~يسميه «وايتهد» «بالحوادث» أو «العوابر»، # 27 # و«الحوادث» - كما هي مستعملة في الفلسفة المعاصرة - ~~معناها سلسلة الحالات التي تكون تاريخ الشيء، فهذه المنضدة - مثلا ~~- لا تنفك باعثة إلى مشاهديها لمعات مختلفات من الضوء وأشكالا ~~مختلفة لسطحها وهكذا، ومن مجموع هذه الحالات التي يراها عليها ~~مشاهدوها في لحظات الزمن المتتابعات، أو بعبارة أخرى، من مجموع ~~هذه «الحوادث» تتألف حقيقة المنضدة في الواقع، ms161 وفي هذا التحليل ~~يتفق «وايتهد» مع كثير من زملائه الواقعيين، لكنه يتفرد دونهم ~~بقوله إنه وإن يكن تحليل الشيء ينتهي بنا إلى مجموعة من «حوادث» ~~إلا أن هذه المجموعة نفسها لا تكون هي الشيء الذي نحلله إلا إذا ~~ظلت محتفظة بهيئة معينة أو بتركيبة معينة، أي إن تحليل الكل ~~إلى أجزائه ووحداته وإن كشف لنا عن مقومات ذلك الكل، إلا أنه يبطله ~~ويفسده ويغير من حقيقته؛ لأن الكل ليس مجرد كومة من وحدات، بل هو ~~هذه الوحدات حين تكون على تركيب خاص، وهذا التركيب الذي يكون عليه ~~الشيء هو حقيقته وجوهره. # من ذلك نفهم لماذا سميت فلسفة «وايتهد» بفلسفة البناء العضوي؛ ~~لأن كل شيء وكل موقف وكل واقعة هي في حقيقتها بناء ذو هيكل معين، ~~ولو تغير هيكلها ذاك لتغيرت شيئا آخر، حتى وإن بقي لها كل ~~مقوماتها كما كانت؛ فالأمر في كل شيء كالأمر في الكائن العضوي، ليس ~~هو مجرد كومة من خلايا أو مجموعة من أعضاء، بل هو فوق هذا «تركيبة» ~~خاصة تنتظم هذه الأجزاء وتجعل بينها علاقات معينة، فالوجود كله ~~كائن عضوي، وكل شيء فيه كذلك كائن عضوي بهذا المعنى الذي أسلفناه، ~~ذلك أن الوجود مؤلف من «كائنات فعلية»، # 28 # كل منها له وضعه الخاص في مجموعة الكائنات، بحيث ~~يتكون من ترتيب هذه الكائنات في أوضاعها المعينة لها بناء عضوي، ~~ويعبر «وايتهد» عن المعنى نفسه بلغته الاصطلاحية، فيقول: إن كل شيء ~~في الكون هو «مجتمع»، وإذن فالكون مجموعة «مجتمعات»، «وليس المجتمع ~~مجرد مجموعة من كائنات نطلق عليها اسما يدل على فئتها»، # 29 # وهنا نقطة الاختلاف بين «وايتهد» وزملائه الواقعيين: ~~فهل هذه المنضدة - مثلا - مجرد مجموعة من معطيات حسية - أو حوادث ~~- يتلقاها مشاهدوها؟ يجيب معظم الواقعيين المعاصرين أن نعم، ويجيب ~~«وايتهد» بأنها - كأي مجتمع آخر - لا تقتصر حقيقتها على عدد ~~أفرادها، بل هي كذلك طريقة بناء هذه الأفراد في كائن عضوي. # ونريد أن ننبه قارئنا في هذا الموضع من سياق الحديث، إلى أن ~~«وايتهد» عسير القراءة، فيصعب جدا ms162 حتى على من مارسوا القراءة ~~الفلسفية زمنا طويلا أن يدركوا معنى عباراته في سهولة ويسر؛ ~~وذلك لأنه يستخدم لغة اصطلاحية، فلو علمنا معاني مصطلحاته لزال ~~كثير جدا من صعوبة فهمه، وإنما أقول ذلك هنا لكي يأخذ القارئ هذه ~~المصطلحات التي أوردناها في الفقرة السالفة بمعانيها عند «وايتهد» ~~لا بمعانيها في اللغة الجارية أو في لغة العلوم الأخرى، فعبارة ~~«كائن عضوي» ليس المقصود بها هو معناها في علم الحياة، بل المقصود ~~بها هو أن تكون بين أجزاء الشيء المعين أو الموقف المعين علاقات ~~ذات هيكل خاص، ولفظة «مجتمع» ليس المقصود بها مجتمعا من أفراد ~~الناس كمألوف استعمالها، بل المقصود بها هو مجموعة الوحدات التي ~~منها يتألف شيء معين أو موقف معين، بحيث يكون بين تلك الوحدات من ~~العلاقات ما يجعلها بناء عضويا. # وننتقل الآن إلى نقطة ثانية رئيسية في فلسفته، وهي أن الطبيعة ~~ليست فقط مقامة على أساس عضوي، بل هي كذلك في تغير دائم وتطور دائب ~~وسير لا يقف، فالكائن العضوي إذ ينشط بحركات متتاليات وفاعلية ~~مستمرة، لا يكون مصدر ذلك النشاط وهذه الفاعلية فحسب، أعني أنه لا ~~يكون هو في جانب ونشاطه في جانب آخر، بل إن مناشطه كلها وفاعلياته ~~كلها هي هي نفسها الكائن العضوي؛ إذ سيكون بينها من العلاقات ما ~~يجعلها كذلك، بعبارة أخرى نقول: إن الشيء - كائنا ما كان - أو ~~الطبيعة بأسرها باعتبارها كلا واحدا هي عبارة عن مجموعة نشاطها، ~~ولو جاز لي أن أسوق مثلا يوضح الفكرة من نغمة الموسيقى، لقلت إن ~~كل شيء، بل والطبيعة بأسرها ككل واحد هي كنغمة اللحن الموسيقي ~~مؤلفة من حركات صوتية، بحيث تكون هذه الحركات هي نفسها النغمة، ~~فليست النغمة شيئا وحركات الصوت شيئا آخر، بل إن هذه هي تلك، ~~كذلك قل في كل شيء، وفي الطبيعة بأسرها، إنه فاعلية متصلة، أو نشاط ~~مستمر، على ألا نفهم من ذلك أن النشاط منبعث من مصدر ثابت قائم ~~وحده قد ينشط، وقد يفتر عن نشاطه، بل هو هو نفسه ذلك النشاط ms163 أو تلك ~~الفاعلية. # ذلك هو المبدأ الأساسي في فلسفة «وايتهد»؛ العالم تغير وتطور ~~وحركة وعمل وسير، وهل يمكن لفيلسوف مثله نشأ في جو من علم الطبيعة ~~الحديث أن يقول غير هذا؟ فهذا العلم الحديث - كما تعلم - قد حلل ~~المادة إلى ذرات، والذرة إلى كهارب سالبة وكهارب موجبة، أو قل إلى ~~إشعاعات ضوئية متحركة أبدا، ليست هذه المنضدة التي أمامي جسما ~~صلبا بالمعنى الذي كنا نعرفه للأجسام الصلبة، بل هي خلية كبيرة من ~~أشعة تتحرك بسرعة كسرعة الضوء، وإذن فالطبيعة كلها قوامها هذه ~~الحركة الدائبة؛ وبالتالي فقوامها تغير وتطور لا وقوف وسكون، وأخص ~~خصائص هذا التغير في الطبيعة هو أنه يخلق الجديد، أعني أن الأجزاء ~~لا تتحرك مجرد حركة تنتقل بها من مكان إلى مكان، بل إنها لتتحرك ~~وتنشط ليتكون منها دائما «تركيبات» جديدة كل الجدة لم يسبقها شبيه ~~في ماضي الطبيعة؛ ومن ثم يكون التطور، بل يكون الترقي ~~والتقدم. # ولهذا التطور في الطبيعة خصيصتان، هما «الامتداد» و«الهدف»؛ فهو ~~«ممتد» في المكان وفي الزمان معا، بمعنى أن حركة التغير تسري في ~~نطاق مكاني معلوم ، وعلى فترة زمنية معينة، وحركة التغير هذه ~~لا تسير إلى غير غاية، بل تقصد إلى «هدف» يراد تحقيقه، فالطفل - ~~مثلا - في تغيره الدائم من حالة إلى حالة إنما يسير بتغيره هذا ~~نحو أن يكون رجلا، وهكذا قل في كل شيء. # الحق أنه ليتعذر علينا أن نتبين في فلسفة «وايتهد» واقعية صريحة، ~~أو مثالية صريحة، بل لعله تعمد أن يمزج هذه بتلك حتى تجيء نظرته ~~أعلى وأشمل من كل من المذهبين مأخوذا على حدة؛ فمثلا لو كان ~~واقعيا خالصا لذهب مع الواقعيين إلى القول بتعدد الكون ~~وتكثره، فهكذا يذهب الواقعيون إذ يرون أن العالم ليس وحدة واحدة، ~~بل هو مجموعة مشتملة على كثرة من أشياء، كما تدل على ذلك خبراتنا، ~~ولو كان مثاليا خالصا لذهب مع المثاليين إلى أن الكون وحدة على ~~الرغم مما قد يبدو من تعدد أشيائه وتكثرها، لكن «وايتهد» يجمع ~~الرأيين معا في رأي، فيقول: ms164 إن الكثرة التي تأتينا مع تجاربنا ~~بالواقع كثرة حقيقية، لكنه مع ذلك يصر على استحالة أن يستقل شيء ~~بذاته، بحيث يستغني بكيانه عن بقية الأشياء، وكثيرا ما وجه النقد ~~إلى الواحديين من قبله؛ لأنهم لم يدفعوا بواحدية العالم إلى ~~نهايتها القصوى؛ إذ كانوا يكتفون بأن يجعلوا الأشياء كلها معتمدة ~~في وجودها على وجود الله، لكنهم لم يجعلوا وجود الله كذلك معتمدا ~~على وجودها، أما هو فيرى الوجود المستقل الذي يكفي نفسه بنفسه ~~محالا على أي كائن مهما يكن؛ فهو مستحيل على الله استحالته على ~~أصغر ذرة من ذرات الوجود، وهو مستحيل على الأفراد استحالته على ~~الأمم، وهو مستحيل على الأشياء استحالته على معاني الألفاظ ~~والعبارات، فيستحيل أن تفهم شيئا من هذه جميعا وهو قائم وحده، بل ~~لا بد - لكي تفهمه - أن ترى نسبته إلى بقية الأشياء، بحيث تراها ~~جميعا في صحبة واحدة «كل منها في حاجة إلى بقيتها». # كل شيء في الوجود، أو كل «كائن فعلي» - كما يحب «وايتهد» أن يسمي ~~الأشياء - هو بحاجة في وجوده إلى سوابق وأسلاف، كلها تتجمع فيه، ~~ومع ذلك تراه يبرز في الوجود فردا فريدا ليس له شبيه مما سبقه ~~أو عاصره، حتى إذا ما تكامل بناؤه وكيانه واكتمل نموه ونضوجه، ~~استقر في الوجود مقوما من مقوماته، وعضوا من أعضائه، ليجيء من ~~بعده فيتشربه كما كان هو قد تشرب أسلافه، ليكون بدوره فردا في ~~الوجود فريدا، وهكذا دواليك، وانظر إلى الطبيعة كلها هذه النظرة ~~التي تراها وهي في سيرها تنمو، تجدها في كل مرحلة من مراحلها تهضم ~~في كيانها كل ما قد سلف، ثم تتفرد بعد ذلك في مرحلتها الراهنة ~~تفردا يميز هذه الحالة من كل سالفاتها، فكأنما الطبيعة في تشابك ~~أجزائها تجعل من الكثرة وحدة، ثم تضيف عند كل مرحلة في سيرها إلى ~~تلك الوحدة واحدا، أي إنها تضيف - عند كل مرحلة في سيرها - إلى ~~سالف تاريخها فصلا جديدا أو حالة جديدة، وهذا هو ما نعنيه إذ ~~نقول: إن من خصائص الطبيعة الهامة عند ms165 «وايتهد» أنها في سيرها تقصد ~~إلى «هدف»؛ فهدفها دائما هو خلق الجديد، الجديد الذي يهضم القديم ~~كله، ثم يزيد بما يجعله جديدا، فقوة الخلق هذه - خلق الجديد - هي ~~عند «وايتهد» المبدأ الذي تنطوي عليه حركة التطور، فما قوام الكون ~~إلا مخلوقاته، كل مخلوق منها فريد، تمثلت في فرديته تلك القوة ~~الخالقة التي ما تنفك ساعية نحو خلق الجديد، على ألا نفهم من ~~ذلك أن هذه القوة الخالقة شيء غير مخلوقاتها التي تمثلت فيها، أي ~~إنها ليست شيئا خارجيا بالنسبة إلى مخلوقاتها، بل هذه هي نفسها ~~تلك، فلو تصورنا انعدام هذه الكائنات المجسدة للقوة الخالقة لتبع ~~ذلك انعدام هذه القوة أيضا، وقوة الخلق هذه إنما تتمثل في ~~مخلوقاتها، أو مجسداتها، أو «الكائنات الفعلية» أو «العوابر الفعلية» # 30 # على حد سواء، فهذه الكائنات أو هذه «العوابر» هي ~~قوام العالم بكل ما فيه، ليس وراءها شيء وليس فوقها شيء، هي ~~الحقيقة التي لا حقيقة بعدها، وهي وإن تكن متفاوتة القيمة والأهمية ~~ومتباينة النشاط والفاعلية، إلا أنها جميعا سواء من حيث تجسيدها ~~للمبادئ التي تجسدها. # 31 # وقد حان الحين لنا أن نسأل: ما هذه «الكائنات الفعلية» أو ~~«العوابر الفعلية» التي يرى «وايتهد» أنها قوام العالم، وأنه لا ~~فرق بين واحدة منها وواحدة من حيث تمثيلها للمبادئ العامة التي ~~على سننها تجري الطبيعة، حتى لقد أسرف في ذلك وقال: «ألا فرق بين ~~الله - وهو أيضا «كائن فعلي» - وبين أتفه نفثة من نفثات الوجود في ~~أرجاء المكان الخالي القصي البعيد»؟ # 32 # وجواب «وايتهد» عن هذا السؤال هو: الكائنات الفعلية ~~التي هي قوام الوجود هي حالات من خبرة، انظر إلى نفسك وأنت على وعي ~~بما يحيط بك تجد في نفسك سيالا من «الخبرة» - أعني وعيك بما تدرك ~~- بما يقع تحت إدراكك، فهذه «الخبرة» التي تتتابع في نفسك «قطرات»، # 33 # قطرة في إثر قطرة، هي قوام العالم، ليس قوام العالم ~~ذرات من مادة، ولا وحدات من روح، ولا مجموعة من عناصر، بل قوامه ~~«قطرات من خبرة»، كل «كائن ms166 فعلي» هو نبضة خبرية يدرك بها النابض ~~بخبرته وجود ذلك الكائن الفعلي إدراكا مباشرا. # وإذ تتتابع «نبضات» الخبرة أو «قطراتها»، يشعر الكائن صاحب تلك ~~الخبرة بشعورين في وقت واحد: يشعر بفرديته التي يتفرد بها في ~~تلك الخبرة الخاصة، ثم يشعر بأنه رغم فرديته إن هو إلا جزء تجاوره ~~أجزاء أخرى، بحيث يدخل معها في نسيج واحد هو الوجود، وهنا يستعمل ~~«وايتهد» اصطلاحا آخر من اصطلاحاته الكثيرة، وهو لفظة «التشرب» # 34 # أو «الهضم» أو «الامتصاص» أو ما يكون له معنى شبيه ~~بهذا، ليعبر به عن احتواء الفرد للكل الذي حوله وإدخاله معه في ~~عملية تطورية واحدة، في هذه الوحدة التي تدمج الفرد بغيره من ~~الكائنات، يكون الفرد «ذاتا» شاعرة بما حولها، وتكون تلك الكائنات ~~بمثابة الموضوعات التي تتناولها تلك الذات بخبرتها، وإذن فالموقف ~~الذي نسميه «خبرة» يتألف من مركز ذاتي فردي خاص من جهة، وأشياء ~~خارجية موضوعية عينية علنية من جهة أخرى، الأول يكون هو الذات ~~الخابرة، والثاني يكون هو الجانب المخبور، والجانبان معا يكونان ~~وحدة لا تقبل الانقسام، هي التي تمثل قطعة من الحياة وهي في حالة ~~التجاوب مع سواها من حقائق الوجود، وفي هذا التجاوب بين الذات ~~ومحيطها تكون العلاقة أشبه شيء بانسياب تيار من الخارج إلى الداخل، ~~من الموضوع إلى الذات، وكذلك من الماضي إلى الحاضر؛ لأن كل ما هو ~~«هناك» مما ينساب تياره إلى «هنا» إنما هو سابق في الزمن - مهما ~~كانت فترة الأسبقية بالغة القصر - أي إنه ماض بالنسبة إلى حالة ~~الخبرة به، وبهذه النقلة من الماضي إلى الحاضر من حيث الزمن، ومن ~~الخارج إلى الداخل من حيث المكان، تتم عملية الخبرة التي تدمج ~~الفرد بمحيطه، وهكذا ترى «وايتهد» في تحليله للوقف الشعوري أو ~~الموقف الخبري، بدل أن يذهب إلى ما ذهب إليه «كانت» من حيث خلع ~~الإنسان لذاته على ظواهر الأشياء التي يدركها فيصوغها على قوالب ~~تلك الذات ووسائلها، يجعل خبرة الذات وليدة العالم الخارجي ~~وصنيعته، إن الذات في حالة خبرتها بمحيطها الخارجي لتخلق نفسها ms167 ~~بنفسها أثناء عملية الخبرة نفسها، فلا هي كانت هناك قائمة قبل ~~ممارستها لخبرتها، ولا هي من خلق عامل خارجي عنها، وما يحدث هو ~~هذا: هنالك كثرة من أشياء تحيط بمن سيتناولها بخبرته، فإذا ما ~~تناولها خابر بخبرته جعل من كثرتها تلك وحدة؛ لأنه سينظر إليها من ~~وجهة نظر واحدة، ويلاحظ أن توحيدها على هذا النحو في خبرته هو ~~تكوين فريد، لا تكرار له أبدا في أي خبرة أخرى، ويلاحظ كذلك أن ~~صاحب هذه الخبرة هو الذي يقرر ما الأجزاء التي سيضم بعضها إلى بعض ~~في خبرة واحدة متماسكة، بحيث تصبح وإياه جزءا من كل عضوي، وبحيث ~~تحقق له غاية منشودة. # إننا في العادة نتصور الثبات في أنفسنا حتى إن تصورنا التغير ~~الدائب في الأشياء التي ندركها، لكن «وايتهد» - كما رأيت - يجعل ~~الداخل والخارج معا في تغير لا ينقطع فلا ينفك ما حولنا يتغير، ~~وكذلك ما تنفك الذات المدركة تتغير، فإذا كانت الأشياء الخارجية لا ~~تظل لحظتين متتابعتين على حالة واحدة، فكذلك الذات المدركة لا ~~تثبت على حالة إدراكية واحدة لحظتين متتابعتين، كان هرقليطس - ~~وهو من فلاسفة اليونان السابقين على سقراط - يذهب مذهب التغير في ~~الأشياء، وقد صور ذلك في عبارته المشهورة: «إنك لا تعبر النهر ~~الواحد مرتين.» ومعناها أنك حين تعبر النهر للمرة الثانية يكون ~~نهرا آخر، فليس الماء هو نفسه الماء الذي كان، وجاء «وايتهد» فوسع ~~من المبدأ نفسه، بحيث شمل الذات أيضا، حتى ليصح أن يقال عنها ~~عبارة شبيهة بتلك، فنقول: «إنك لا تفكر الفكرة الواحدة مرتين.» أو ~~«إنك لا تمارس الخبرة الواحدة مرتين.» # 35 # لأنك في كل لحظة تتغير ذاتا بتغير موضوع إدراكك، ~~وهكذا يكون العالم - ذاتا وموضوعا - خلاقا أبدا جديدا ~~أبدا، لا يدوم على حال واحدة لحظتين متتابعتين. # لكن الشيء إذ يتغير - كما نقول - تغيرا لا يقف تياره فهو إنما ~~يفعل ذلك باطراحه لصفات واكتسابه لصفات أخرى هذا بديهي؛ إذ لو ~~دامت للشيء صفاته لما طرأ عليه تغير، فلنا إذن أن نسأل: ومن أين ~~للشيء المتغير ms168 صفاته الجديدة التي بها يتغير؟ إن تفسير ذلك محال، ~~إلا إذا افترضنا وجود تلك الصفات وجودا كامنا، لا بد أن تكون ~~هنالك كل الصفات الممكنة، وأن يكون وجودها «أبديا»؛ لأنها هناك ~~منذ الأزل وستظل هناك إلى الأبد، حتى يتسنى للعالم أن يلبس منها ~~ثوبا ويخلع ثوبا في تطوره الذي لا يقف لحظة، وفي تغيره الدائب ~~الذي لا يفتر ولا يني، وإذن فهذا أفلاطون يتحدث من جديد! إذ لا فرق ~~بين القول بوجود أشياء وجودا أزليا أبديا، وبين «المثل» ~~التي جعلها أفلاطون قائمة كذلك في وجود أزلي أبدي، لتظل الأشياء ~~الجزئية تخلق على غرارها، # 36 # أو قل كذلك إنه أرسطو يتحدث من جديد حديثه عن الوجود ~~بالقوة والوجود بالفعل، فما هو موجود الآن بالفعل كان موجودا - ~~قبل ظهوره - بالقوة، وهكذا يتحدث «وايتهد» إذ يقول: إن عملية ~~التطور إن هي إلا عملية اختار متصل التركيبات وصفات كانت موجودة ~~بالقوة، فأصبحت باختيارها موجودة بالفعل، ولعلك أيضا تدرك الشبه ~~الشديد هنا بين «وايتهد» وبين «سانتايانا» حين قال إن هناك عالما ~~للممكنات - أسماه بعالم الجوهر - يتحقق بعضه فيكون هو العالم ~~الفعلي الواقع. # الفصل الثامن # | تيارات أخرى معاصرة # (1) الوضعية المنطقية # سميت هذه الحركة الفلسفية المعاصرة بهذا الاسم؛ لأن أنصارها ~~«وضعيون» بمعنى أنهم - كالعلماء - يريدون للإنسان أن يقف بفكره عند ~~الحدود التي يستطيع عندها أن يقيم علمه على تجاربه وخبرته، وأن ~~يثبت صدق أقواله إثباتا يستند إلى الملاحظة الحسية، وإذن فلا ~~يجوز له أن يجاوز بشطحاته التأملية هذه الحدود، بحيث يزعم ما ليس ~~في وسعه أن يستند فيه إلى الخبرة الحسية، وإلى هنا لا جديد في هذه ~~الحركة؛ لأن «الوضعية» بهذا المعنى بدأت بصورة جادة منذ «كانت» ~~و«أوجست كونت» اللذين كان من رأيهما كذلك ألا يعدو الإنسان - إذا ~~ما تحدث عن العالم وما فيه - ظواهر الأشياء كما تقع له في خبرته، ~~لكن هذين الفيلسوفين كليهما قد ظن أن وراء تلك الظواهر المشاهدة ~~حقائق ليس في وسع الإنسان أن يدركها بأدواته الحسية، فكأنهما أرادا ~~أن يقولا إن قدرة ms169 الإنسان على معرفة الكون محدودة، وإنه لو كان ~~مركبا على نحو آخر لجاز أن يكون في مستطاعه إدراك ذلك الجانب ~~الغيبي الذي يجاوز عالم الحس والشهادة، أما هؤلاء «الوضعيون ~~المنطقيون» فيذهبون إلى غير هذا؛ إذ يعتقدون أن الأمر هنا ليس ~~عجزا من الإنسان كما هو الآن، بل إن استحالة الحديث عن تلك ~~الحقائق المزعومة وراء عالم الحس استحالة «منطقية» بمعنى أن كل ~~عبارة يقولها قائل عن تلك الحقائق الغيبية المزعومة، لو حللناها، ~~وجدناها فارغة من المعنى؛ لأنها استخدمت ألفاظ اللغة في غير ما ~~وجدت له تلك الألفاظ، فكأنما المشكلات الفلسفية كلها، تلك المشكلات ~~التي قيل عنها إنها مستعصية على الحل لعجز في قدرة الإنسان ~~الفكرية، إن هي في حقيقة الأمر إلا ~~«أشباه مشكلات»، وليست ~~بالمشكلات الحقيقية، هي «أشباه مشكلات»؛ لأنها تضع المشكلة ~~المزعومة على هيئة سؤال يتطلب الجواب، فإذا لم نجد للسؤال جوابا، ~~قلنا إنه سؤال عسير، فوق مقدور الإنسان أن يجيب عنه، مع أن الأمر ~~كله لا يزيد على خلط في استخدام العبارات اللغوية خلطا يوهم بأن ~~السؤال المطروح سؤال كهذه الأسئلة التي يلقيها العلماء على ~~أنفسهم، والتحليل المنطقي لأمثال هذه الأسئلة كفيل أن يفضح مواضع ~~هذا الخلط، وهو بالتالي كفيل أن يمحو هذه المشكلات المزعومة من ~~قائمة التفكير الجاد المنتج؛ ولهذا كانت الفلسفة عند الوضعيين ~~المنطقيين تحليلا صرفا، لا تقول من عندها شيئا، بل تترك للعلماء ~~حق الحديث عن العالم بما لهم من أدوات الملاحظة والتجارب العلمية، ~~وعلى الفيلسوف واجب واحد، هو أن يحلل العبارات اللغوية التي ~~يستخدمها هؤلاء العلماء - أو غيرهم - تحليلا يقوم على منطق اللغة ~~ذاتها، وبذلك يفرقون بين ما يجوز قوله وما لا يجوز. # 1 # ولعله من الخير أن نذكر في إيجاز كيف نشأت هذه الجماعة من ~~الفلاسفة المعاصرين؛ لأن نشأتها تلقي ضوءا قويا على اتجاهها؛ ~~فقد نشأت أول أمرها في فينا عاصمة النمسا؛ ولذلك أطلق على أنصارها ~~الأولين اسم «جماعة فينا»، ولا يزال هذا الاسم دالا على أنصار ~~الحركة؛ لأن كثيرين من هؤلاء الأنصار ms170 الأولين لا يزالون هم قادة ~~الحركة في الولايات المتحدة بنوع خاص، كان في جامعة فينا تقليد ~~تراعيه؛ وهو أن يكون البحث الفلسفي فيها مناصرا للفلسفة ~~التجريبية، ومنصرفا باهتمامه إلى العلوم الطبيعية، وبدأ هذا ~~التقليد في تلك الجامعة منذ أن شغل «إرنست ماخ» # 2 # كرسي الأستاذية لفلسفة العلوم في الفترة الواقعة بين ~~سنة 1895م وسنة 1901م، فحدث سنة 1922م أن أسندت الأستاذية في هذا ~~القسم من الجامعة إلى «مورتس شليك» # 3 # الذي ولج ميدان الفلسفة من باب العلوم الطبيعية، كسائر ~~أسلافه، لكنه تميز من هؤلاء الأسلاف بإلمامه التام بالفلسفة، وقد ~~كان أسلافه لا يعرفونها معرفة الخبير، وسرعان ما تكونت حول ~~«شليك» جماعة من المشتغلين بالعلوم الطبيعية والرياضة، والمهتمين ~~في الوقت نفسه بالدراسات الفلسفية، نخص بالذكر منهم «وايزمان» # 4 # و«نوراث» # 5 # و«فايجل» # 6 # و«كارناب» # 7 # و«كرافت» # 8 # و«كاوفمان» # 9 # و«جيدل». # 10 # كونت «جامعة فينا» حلقة فلسفية على النمط الحديث الذي يجعل البحث ~~الفلسفي تعاونا كما هي الحال بين جماعة العلماء الذين يتعاونون ~~على حل مشكلة بذاتها، ولم يكن الأمر فيها أمر فلسفة من الطراز ~~التقليدي الذي يتلقى فيه الأتباع آراء أستاذهم، تعاونت هذه ~~الجماعة على التحليل، بحيث لم يكن رئيسهم «شليك» أبرز الأعضاء، ~~فكلهم ممن نبغ في مجال العلوم الطبيعية أو الرياضة، وكلهم قادر ~~قدرة زميله، فلا يبقى إلا أن يدور بينهم البحث على تعاون ومساواة، ~~وقد كان «فتجشتاين» # 11 # على اتصال بهم وإن لم يشاركهم في اجتماعاتهم، فكان له ~~في توجيههم أعمق الأثر. # لبثت «جامعة فينا» في فينا نفسها حينا، وجعلت تزداد نشاطا ~~باشتراك أعضائها في المؤتمرات الفلسفية وبإصدارها لمجلة خاصة بهم؛ ~~حتى حدث عام 1938م أن ضمت النمسا إلى ألمانيا وتلا ذلك من أحداث ~~السياسة العالمية ما تلا، فانحلت تلك الجماعة وتفرقت، أما ~~«وايزمان» و«نوراث» فقد ذهبا إلى إنجلترا؛ وأما «فايجل» و«كاوفمان» ~~و«جيدل» و«كارناب» فقد رحلوا إلى الولايات المتحدة، أضف إليهم من ~~قادة الوضعية المنطقية ممن لم يكونوا في فينا نفسها، ولكنهم رحلوا ~~كذلك إلى الولايات المتحدة بمناسبة الحرب العالمية ms171 الثانية «رايشنباخ» # 12 # و«فون ميزس»، # 13 # وهؤلاء وأولئك جميعا هم الآن على رأس حركة فلسفية ~~عميقة نشيطة في الولايات المتحدة، قوامها التحليل الفلسفي للقضايا ~~العلمية. # والوضعيون المنطقيون على اختلاف نزعاتهم يجمعون على نقط رئيسية ~~أهمها أربع، حتى ليجوز لنا أن نقول عن هذه الموضوعات الأربعة ~~المشتركة بينهم إنها أهم ما يشغل أنصار هذه الحركة اليوم في ~~الولايات المتحدة، وقد ذكرنا من هذه النقط اثنتين: الأولى هي أن ~~مهمة الفلسفة تحليل لما يقوله العلماء، وما يقوله الناس في حياتهم ~~اليومية، لا تفكير تأملي ينتهي بالفيلسوف إلى نتائج معينة يصف بها ~~الكون وما فيه، والثانية هي نتيجة ترتبت على النقطة الأولى، وهي ~~حذف الميتافيزيقا من مجال الكلام المشروع؛ لأن التحليل - تحليل ~~عباراتها الرئيسية تحليلا منطقيا - قد بين أنها عبارات خالية ~~من المعنى، أي إنها ليست بذات مدلول، حتى يصح وصفها بالصواب أو ~~بالخطأ، وأما النقطة الثالثة فهي اتفاقهم على نظرية «هيوم» في ~~تحليل السببية تحليلا يجعل العلاقة بين السبب والمسبب علاقة ~~ارتباط في التجربة، لا علاقة ضرورية عقلية، أي إننا إذا شاهدنا في ~~تجاربنا شيئين «أ» و«ب» متصلين دائما، حدث بينهما ارتباط في ~~أذهاننا، بحيث إذا حدثت بعد ذلك «أ» توقعنا أن تحدث معها «ب» كما ~~حدثت معها في الخبرات السابقة، لكن لا ضرورة هناك تقتضي حتما أن ~~يتبع حدوث «أ» حدوث «ب»، فالأمر كله احتمال وترجيح، لا ضرورة ~~ويقين، وبهذه النظرة تغير الرأي في القوانين العلمية كلها؛ إذ ~~أصبحت هذه القوانين قائمة على درجة كبيرة من الاحتمال، لا على ~~أنها يقينية حتمية، وبعبارة أخرى أصبح العلم الطبيعي قائما على ~~نفس الأساس الذي يقوم عليه الإحصاء، فإن دل الإحصاء على أن ظاهرة ~~معينة مرجحة الوقوع في ظروف معينة، كان ذلك قانونا علميا، مع ~~أنه لا يقين هناك؛ إذ ما يدل الإحصاء على أنه يقع غالبا قد يحدث ~~أحيانا ألا يقع. # وهنا ننتقل إلى النقطة الرابعة والأخيرة مما يتفق عليه الوضعيون ~~المنطقيون جميعا، وهي أن قضايا الرياضة - وكذلك قضايا المنطق ~~الصوري - تحصيلات حاصل ms172 لا تضيف عن العالم الخارجي علما جديدا، ~~فالقضية الرياضية مثل قولنا 2 + 2 = 4 إن هي إلا تكرار لحقيقة ~~واحدة برمزين مختلفين، فالرياضة معادلات، والمعادلة معناها أن ~~جانبيها متساويان، أي إن ما عبرنا عنه برمز معين في ناحية، نعبر ~~عنه هو نفسه برمز آخر في ناحية أخرى؛ ومن ثم قيل إن قضايا ~~الرياضة كلها تحليلية، أو تكرارية، وإذن فهي تحصيل حاصل؛ إذ إني ~~أحصل في الشطر الثاني من المعادلة نفس الشيء الذي حصلته في الشطر ~~الأول منها، ولا يغير الموقف أن يكون ما حصلته في الشطر الأول ~~مرموزا له برمز معين، وأن ما حصلته في الشطر الثاني مرموز له ~~برمز آخر، لكنه يساويه، تلك نتيجة خطيرة انتهت إليها تحليلات ~~الوضعية المنطقية؛ لأنها تفسر يقين الرياضة، فالرياضة يقينية؛ ~~لأنها لا تقول شيئا، وعلى عكس ذلك العلوم الطبيعية، فقوانينها ~~احتمالية؛ لأنها تتعرض لوصف العالم الواقع؛ ومن ثم جاز أن ~~تتعرض للخطأ في وصفها. ~~(2) عودة إلى «عمود الفلسفة» # 14 # لعلك قد لاحظت في معظم الاتجاهات الحديثة والمعاصرة محاولات ~~للخروج على الطريق التي ألفته الفلسفة طوال القرون؛ البراجماتيون، ~~والواقعيون، والطبيعيون، والوضعيون المنطقيون، وغير هؤلاء وأولئك ~~يحاولون ألا يتقيدوا بمألوف التقاليد الفلسفية في وجهة النظر، فكان ~~من الطبيعي أن يقوم فيلسوف أو فلاسفة ليصدوا هذا التيار الجارف نحو ~~التجديد، ولينادوا بالعودة إلى السبيل التي سارت عليها الفلسفة ~~عصورا طوالا، كأنما يريدون أن يقولوا: ماذا يعيب القديم حتى ~~نندفع بكل هذا التهور نحو الجديد؟ إن «التقاليد العظيمة» التي سادت ~~الفلسفة «منذ أفلاطون إلى هيجل» لجديرة بالرعاية والتقدير. # ولم يكن هؤلاء الداعون إلى الأخذ بوجهة النظر التقليدية في ~~الفلسفة على رأي واحد في كل التفصيلات، بل هم لا يجتمعون معا إلا ~~على هذه الدعوة، ثم بعد ذلك يفترقون فلكل سبيله ولكل مذهبه، ~~وهم إذ يجتمعون على الدعوة إلى الأخذ بالنظرة التقليدية، فإنما ~~يعنون على وجه التخصيص تلك النظرة التي تحاول أن ترى للكون معنى ~~مفهوما، إن الفلاسفة على مر التاريخ لم يتفقوا على مذهب بعينه حتى ~~يقال ms173 إن الأجدر بنا أن نعود إلى الأخذ بذلك المذهب، لكنهم كانوا - ~~مع اختلاف مذاهبهم - يحاولون تفسير الكون تفسيرا يخرجه من الفوضى ~~والخبط العشوائي، ويجعله مكانا معقولا يستحق أن يكون مسكنا ~~للإنسان، وأن يكون من صنعة الله الذي لم يرد بخلقه أن يسير على غير ~~هدى، وفي ذلك يقول «ولبر إيربن» # 15 ~~- الذي سنحدثك عنه في هذا القسم لنتخذ منه مثلا ~~لهؤلاء الداعين إلى الأخذ بالتقاليد الفلسفية القديمة المجيدة - ~~يقول: «إنه منذ أفلاطون حتى هيجل، كان طابع الفلسفة التي ما انفكت ~~قائمة على مر السنين، هو فكرة معقولية العالم، وهي معقولية ترتد ~~إلى ما وراء عالم الحس والظاهر.» # 16 # أحس «إيربن» بأن العالم ذو معنى ومغزى، وأنه له هدفا معقولا ~~مقصودا، لكنه تلفت حوله فرأى ضروبا من العلم، وألوانا من ~~الدراسات كلها يدور حول محور واحد، وهو أن العالم مجموعة من ~~الظواهر تأتلف أو تختلف، دون أن يكون وراءها معنى أو أمامها هدف، ~~حتى الذات الإنسانية قد تفككت - على يدي علم النفس الحديث - حالات ~~يعقب بعضها بعضا، وإذا كان هذا هو الشأن في الطبيعة وفي الإنسان، ~~فأين تكون «القيمة» في هذا الوجود؟ إن كان كل ما هنالك ظواهر تحس ~~بالبصر أو بالسمع أو بغيرهما من الحواس، إذن فلا وجود «للقيم»؛ لأن ~~«القيم» - قيم الأخلاق والجمال - ليست من نوع الظواهر التي تحس، ~~وبغير «القيمة» لا يكون لأي شيء معنى مفهوم، يقول «إيربن»: «إن ~~عالم الواقع كما نحياه وكما نعرفه، لا يصبح عالمنا إلا إذا صيغت ~~خبراتنا عنه في مقولات القيمة، إننا نوجه أنفسنا في العالم على ~~هدى من علاقة «فوق» و«تحت»، و«يمين» و«شمال»، و«أكثر» و«أقل»، ~~لكننا كذلك نوجه أنفسنا - إلى جانب تلك العلاقات - بعلاقات ليست ~~دونها خطرا، وهي علاقات «أعلى» و«أدنى» و«أفضل» و«أسوأ».» # 17 # لقد كان «كانت» قد فرق بين العقل والأخلاق من حيث أصل الإدراك ~~وطبيعته؛ إذ قال إننا إذ ندرك ظواهر الطبيعة إدراكا معقولا ~~مفهوما، فإنما نصوغ مدركاتنا الحسية في قوالب - أو مقولات - فطرية ~~في عقولنا، وبهذا وحده تكتسب معناها، ms174 فلولا هذه المقولات التي هي ~~جزء من طبائعنا، لجاءتنا الإحساسات من العالم الخارجي أشتاتا ~~مهوشة، لكننا بتلك المقولات نصوغ الأشتات في تماسك ووحدة، ونخلق من ~~الهائش اتساقا ومعنى، لكنه لم يمد هذا الأساس ليشمل عالم القيم ~~أيضا، فليس لدينا - بناء على وجهة نظره - مقولات فطرية ندرك بها ~~ما في الأشياء من قيم، بعبارة أخرى ليس «العقل الخالص» أو العقل ~~النظري هو المنوط بإدراك القيم، إنما نضطر إلى هذا الإدراك ~~اضطرارا بحكم أوضاع الحياة العملية، أي إنه إذا كان إدراك الطبيعة ~~من شأن «العقل النظري»، فإدراك القيم من شأن «العقل العملي»، ويحلل ~~«إيربن» وجهة النظر الكانتية هذه، لينتهي إلى إزالة التفرقة التي ~~أقامها «كانت» بين العالمين؛ عالم الطبيعة وعالم القيم، ويجعلهما ~~معا معتمدين في إدراكهما على مقولات فطرية في طبيعة الإنسان؛ إذ ~~يجعلهما معا داخلين في نطاق العقل النظري، أو العقل الخالص؛ فهو ~~الذي يدرك «الشيء» كما يدرك «القيمة» على حد سواء، هو الذي يدرك ~~الزهرة ويدرك جمالها في آن معا، وهو الذي يدرك الإحسان ويدرك ما ~~فيه من فضيلة في وقت واحد، فالشيء وما له من قيمة جانبان متصلان ~~لا ينفصلان في عملية الإدراك، والأداة التي بها ندرك أحد الجانبين، ~~هي نفسها الأداة التي ندرك بها الجانب الآخر. # و«القيمة» التي يدافع عن وجودها «إيربن» قيمة مطلقة، أعني أن ~~وجودها لا يتوقف على صالح الإنسان، إنها ليست هناك بالنسبة إلى ~~الإنسان وحده، أو بالنسبة لفريق من الناس هنا أو هناك، في هذا ~~العصر أو ذاك، بل قيمة العالم موجودة فيه، لذلك لم يوافق، بل لم ~~يفهم دعوى البراجماتيين والتطوريين حين زعموا أن قيم الأشياء إنما ~~تكون بالنسبة لنفع تلك الأشياء وأهميتها في حياة الإنسان، وعلى هذه ~~الدعوة يرد «إيربن» ردا مفحما إذ يقول: إن في هذا الكلام مغالطة ~~الدور؛ لأنه كلام يجعل النتيجة سببا، ثم يجعل السبب نتيجة، إذ ~~لماذا يكون لما ينفع الحياة قيمة؟ هكذا نسأل البراجماتيين وأنصار ~~التطور البيولوجي، ولا أحسبهم إلا مجيبين الجواب الأوحد الذي لا ~~جواب سواه؛ ms175 وهو لأن للحياة قيمة، إذن فقد افترضنا منذ البداية وجود ~~«القيمة» أي إنها كانت هي «المبدأ» الذي على أساسه يحكم بعد ذلك ~~على مختلف الأشياء بالصواب أو بالخطأ، فما يخدم تلك «القيمة» ~~الأولية - قيمة الحياة لذاتها - هو الصواب، وما لا يخدمها هو ~~الباطل، وهكذا إذ يجعل البراجماتيون وأصحاب التطور القيمة نسبية، ~~يكونون في الوقت نفسه قد افترضوا افتراضا سابقا بوجودها وجودا ~~مطلقا. # ويسوقه هذا إلى البحث في نظرية المعرفة من أساسها؛ ليرى هل يمكن ~~أن ينفصل الحق والباطل في معارفنا عن معيار قيمي، وما هو إلا أن ~~ينتهي إلى نظرية ميتافيزيقية عرف بها بين الفلاسفة المعاصرين، ~~ومؤداها أن تحليل المعرفة مؤد حتما إلى التوفيق بين المثالية ~~والواقعية؛ لأن أصولها تمتد إلى ما وراء نقطة الاختلاف بين هذين ~~المذهبين؛ ذلك أن تحليل المعرفة لا بد أن يؤدي في النهاية إلى أن ~~ثمة ذواتا شاعرة على صلة بعضها ببعض لتنقل الذات الواحدة إلى ~~الذات الأخرى ما تعرفه، لكن هذا التبادل في المعرفة هو في ذاته ~~تبادل في القيم أيضا؛ لأن المعرفة لا تكون صوابا إلا إذا كان في ~~صوابها قيمة، ولكي يتفق اثنان يتبادلان المعرفة على صواب ما، فلا ~~بد بالتالي أن يكونا متفقين على القيمة التي هي أساس ذلك الصواب، ~~هذا الأساس لتبادل المعرفة بين الناس قائم سواء كان المتبادلان ~~للمعرفة من أنصار الواقعية، أو أنصار المثالية، أو خليطا من هؤلاء ~~وأولئك، وإذن فالبحث في نظرية المعرفة وردها إلى أصولها الأولى، ~~سرعان ما يجاوز بنا حدود الاختلاف الناشب بين المثاليين ~~والواقعيين؛ ومن ثم إطلاقه على فلسفته اسم «ما وراء المثالية ~~والواقعية». # ورأيه في المعرفة يتلخص في هذه المبادئ الثلاثة الآتية: أولا: ~~لا يمكن دراسة الفاعلية التي تحدث أثناء عملية المعرفة دراسة ~~علمية؛ لأن العلم ذاته إن هو إلا ضرب من المعرفة التي تقتضي تلك ~~الفاعلية، فإن كانت الفاعلية العقلية مفروضة كأساس أولي للمعرفة ~~العلمية، فكيف يمكن أن نخضع تلك الفاعلية نفسها للمعرفة العلمية؟ ~~ثانيا: لا بد أن يكون موضوع المعرفة شيئا ms176 آخر غير التفكير نفسه، ~~أعني أن التفكير نفسه يستحيل أن يكون موضوعا لمعرفة حقيقية، لكننا ~~إذا ما عرفنا شيئا وجب أن يكون هنالك سبيل لانتقال تلك المعرفة من ~~عقل إلى عقل، وهذا الانتقال محال بغير افتراض سابق، وهو أن من ~~يتبادلون المعرفة قد تم اتفاقهم على قيم معينة. وثالثا: إن نظرية ~~المعرفة تضرب بجذورها الأولى إلى ما وراء نقط الاختلاف بين ~~الواقعية والمثالية؛ لأن كلا المذهبين قائم على أساس التبادل ~~والتفاهم والاتفاق على القيم التي بغيرها لا يكون تفاهم ولا تبادل لفكر. # 18 # على أن هذه النقطة الأخيرة بحاجة إلى تفصيل؛ لأنها - كما قلنا - ~~قد أصبحت صفة مميزة ل «إيربن» بين الفلاسفة المعاصرين، وبخاصة بعد ~~أن أخرج سنة 1949م كتابه الذي جعل عنوانه «ما وراء الواقعية ~~والمثالية» فماذا يعني على وجه الدقة؟ يريد أن يقول: إن الصراع بين ~~الواقعية والمثالية هو صراع بغير موجب، وأن الفلسفة التقليدية ~~الخالدة قد استطاعت أن تعلو على وجهتي النظر هاتين بنظرة تشملهما ~~معا، فليست الواقعية في ذاتها أو المثالية في ذاتها «معرفة» حتى ~~يجوز أن يصطرع أنصار هذه مع أنصار تلك، أعني أنهما لا يختلفان على ~~حقيقة بعينها أو واقعة بذاتها حتى يمكن فض ما بينهما من خلاف ~~بأي من مناهج البحث، فلا المنهج التجريبي ولا المنهج العقلي ~~بقادر على أن يحسم موضع النزاع؛ لأن موضع النزاع ليس هو مما يقع ~~في مجال الخبرة حتى ينحسم بالمنهج التجريبي، ولا هو مما يقع في ~~مجال التفكير العقلي - كالرياضة مثلا - حتى ينحسم بمنهج ذلك ~~التفكير. # وإذن ففيم يختلف هذان المذهبان؟ الحق أن كلا منهما هو طريقة ~~للنظر إلى «المعرفة» وقد ينظر إلى الأمر الواحد بعدة طرق مختلفة، ~~على ألا تكون تلك الطرق متناقضة بعضها مع بعض، وإن صح أن يكون ~~هناك اختلاف حقيقي فهو ذلك الذي يقع بين الواقعية والمثالية ~~كليهما من جهة وبين المذاهب الطبيعية من جهة أخرى؛ لأن هذه ~~الأخيرة - على خلاف ذينك المذهبين - لا تعترف بشيء اسمه «المعرفة» ~~بصفة عامة شاملة، إنما الأمر ms177 عندها ينحل إلى «معارف» جزئية أو ~~معلومات، ومن مجموعة هاته المعارف أو المعلومات تتكون «المعرفة» - ~~أما ذانك المذهبان - الواقعية والمثالية على السواء، فهما على ~~العرف التقليدي في الفلسفة يعتقدان بأن «المعرفة» بصفة عامة موضوع ~~للتفكير، وهو مختلف عن المعارف المتفرقة، ثم هما بعد ذلك يبحثان ~~في: كيف أمكن تحصيلها، وما مصدرها، وما حدودها، إلى آخر هذه ~~المباحث التي شغلت الفلاسفة في العصر الحديث بصفة خاصة. بعبارة ~~أخرى، الواقعية والمثالية كلاهما يعلو على المعارف الجزئية التي ~~تراها متمثلة في قضايا العلوم المختلفة وقوانينها، هما يعلوان على ~~هذه المعارف الجزئية لينظرا إلى «المعرفة» باعتبارها حقيقة مجردة ~~غير هذه الحقائق المفردة المتعينة التي تقول كل منها شيئا بعينه ~~عن عالم الطبيعة أو عالم العقل، وإذن فلا اختلاف بينهما من حيث ~~الأساس، وإن اختلفا في التقدير، كلاهما يذهب إلى أن الإنسان «يجب» ~~أن يعرف، # 19 # وهما بتقرير هذا «الوجوب» إنما يجعلان للمعرفة «قيمة ~~خلقية» تكون قائمة قبل أن يبدأ الإنسان في تحصيل معارفه الجزئية ~~المتفرقة، إنه يبدأ في هذا التحصيل صادرا عن «وجوب»، أي صادرا عن ~~«قيمة» فها هنا يتفق المذهبان، هما متفقان على المبدأ القيمي ~~الأولي قبل أن يفترقا مذهبين: واقعية في ناحية، ومثالية في ناحية ~~أخرى؛ ومن ثم كانت تسمية «إيربن» لكتابه «ما وراء الواقعية ~~والمثالية». # | مراجع # مراجع عامة # ADAMS, G.P., and Montague, W.P., ~~Contemporary American Philosophy. # BALW, Joseph, Men and Movements in ~~American Philosophy. # TOWNSEND, H.G., Philosophical Ideas ~~in the United States. # مراجع خاصة مرتبة حسب فصول الكتاب # KOCH, A., and Peden, W., The Life ~~and Selected Writings of Thomas ~~Jefferson. # CLARK, H.H., Thoman Paine. # RUSK, R.L., Life of Ralph Walds ~~Emerson. # KRUTCH, J.W., Henry David ~~Thoreau. # THOREAU, Walden; or Life in the ~~Woods. # EMERSON, ~~Essays. # وقد نقله إلى العربية الأستاذ أمين مرسي قنديل. # وقد نقل الأستاذ محمود محمود مختارات كثيرة من أهم مقالات إمرسن، ~~بعنوان «مختارات من إمرسن». # BOWNE, Borden Parker, ~~Metaphysics. # ROYCE, Josiah, The Religious ~~Aspects of Philosophy. # ROYCE, ms178 Josiah, The Spirit of Modern Philosophy. # ROYCE, Josiah, The Conception of ~~God. # ROYCE, Josiah, The World and the ~~Individual. # ROYCE, Josiah, The Philosophy of ~~Loyalty. PEIRCE, Charles Sanders, Collected Papers (6 Vols.). # BUCHLER, Justus, Charles Peirce’s ~~Empiricism. PERRY, Ralph Barton, The Thought ~~and Character of William ~~James. # JAMES, William, Pragmatism. # JAMES, William, The Will to ~~Believe. # JAMES, William, A Pluralistic ~~Universe. # JAMES, William, Essays in Radical ~~Empiricism. # JAMES, William, Varieties of ~~Religions Experience. # SCHILPP, Paul A., (editor) The Philosophy of John Dewey. # DEWEY, John, How to ~~Think. # DEWEY, John, School and ~~Society. # DEWEY, John, Human Nature and ~~Conduct. # DEWEY, John, Freedom and ~~Culture. # وله ترجمة عربية بقلم الأستاذ أمين مرسي قنديل. # DEWEY, John, A Common ~~Faith. # DEWEY, John, Art as ~~Experience. # DEWEY, John, Ethics (with James ~~Tufts). # DEWEY, John, Experience and ~~Nature. # DEWEY, John, The Quest for ~~Certainty. # DEWEY, John, ~~Logic. # MONTAGUE, W.P., The Ways of ~~Things. # LOVEJOY, A.O., The Revolt Against ~~Dualism. PERRY. R.B., Present Philosophical ~~Tendencies. # SELLAR S.R., W., Critical ~~Realism. # SCHILPP, Paul A., (editor) The Philosophy of George ~~Santayana. # SANTAYANA, G., Scepticism and ~~Animal Faith. # SANTAYANA, G., The Life of ~~Reason. # SANTAYANA, G., Realms of ~~Being. # WHITEHEAD, A.N., Process and ~~Reality. # WHITEHEAD, A.N., Adventures of ~~Ideas. # WHITEHEAD, A.N., Science and the ~~Modern World. # URBAN, W.M., The Intelligible ~~World. # URBAN, W.M., Beyond Realism and ~~Idealism. ms179