######OpenITI# #META# URI: 1414ZakiNajibMahmud.KumidiyaArdiyya.Hindawi83848406 #META# Tags: literature #META# ID: 83848406 #META# Title: الكوميديا الأرضية #META# AuthorID: 64904748 #META# Author: زكي نجيب محمود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # عند سفح الجبل‏ # نفس عارية1‏ # الكوميديا الأرضية‏ # خيوط العنكبوت‏ # الكراهية الصامتة‏ # عروس المولد‏ # إلى سادتي الحكام‏ # أبناء الظلام‏ # عالم قلق‏ # نفوس فقيرة‏ # مصباح علاء الدين‏ # مقومات الحياة‏ # عزمات الإرادة‏ # هاروت وماروت‏ # رهان‏ # نظرة الطائر‏ # تمثال فيدياس‏ # الأفراد! الأفراد!‏ # آباء وأبناء‏ # سيئات الموتى‏ # ندوة الخميس‏ # ابتسامة الساخر‏ # أنتيجونا‏ # نشر القديم‏ # سلم القيم‏ # نموذج المتمدن‏ # الحس المشترك‏ # الفكرة الواضحة‏ # جناية الألفاظ‏ # مهمة الكاتب‏ # إعانة المجلات العلمية‏ # جناية الأدباء‏ # عند سفح الجبل‏ # نفس عارية1‏ # الكوميديا الأرضية‏ # خيوط العنكبوت‏ # الكراهية الصامتة‏ # عروس المولد‏ # إلى سادتي الحكام‏ # أبناء الظلام‏ # عالم قلق‏ # نفوس فقيرة‏ # مصباح علاء الدين‏ # مقومات الحياة‏ # عزمات الإرادة‏ # هاروت وماروت‏ # رهان‏ # نظرة الطائر‏ # تمثال فيدياس‏ # الأفراد! الأفراد!‏ # آباء وأبناء‏ # سيئات الموتى‏ # ندوة الخميس‏ # ابتسامة الساخر‏ # أنتيجونا‏ # نشر القديم‏ # سلم القيم‏ # نموذج المتمدن‏ # الحس المشترك‏ # الفكرة الواضحة‏ # جناية الألفاظ‏ # مهمة الكاتب‏ # إعانة المجلات العلمية‏ # جناية الأدباء‏ # | الكوميديا الأرضية # | الكوميديا الأرضية # تأليف # زكي نجيب محمود # | عند سفح الجبل # هو جبل شاهق، يعلو بقمته على مستوى السحاب، فلئن اعتاد أهل الأرض أن ينظروا إلى السحاب ~~منسابا فوق رءوسهم، فأهل تلك القمة العالية ينظرون إليه صاعدا أو هابطا تحت أقدامهم؛ إذ ~~لا يجاوز ثلاثة أرباع الجبل صعودا، حتى إذا ما كثف الغمام نظر الواقف هنالك، فإذا هو على ~~جزيرة ناتئة حولها بحر من دخان، تتدافع أجزاؤه في صمت، كأنه الموج الأخرس، يرتفع حينا ~~ويهبط حينا، وهو في معظم الحالات من الكثافة بحيث يستحيل على ساكن القمة العالية أن يرى ~~شيئا من السفح، وقليلا ما يصفو الفضاء فيتبدى سفح الجبل من أعلاه إلى أدناه، بصخوره ~~البارزة الغليظة، وشعابه الخشنة الممزقة. # فالقمة مشمسة طيلة النهار سماؤها صحو أبدا، وعليها قامت قرية صغيرة أمرها عجب؛ فهي ~~نظيفة البيوت نظيفة الشوارع، نعم إن شوارعها ملتوية كالأفاعي، تكاد لا تستقيم في موضع، إلا ~~أنها مرصوفة كلها، نظيفة كلها، وعلى جوانبها صفوف من المنازل الجميلة الأنيقة، مختلفة الطرز ~~منسقة البساتين، وأهل القرية على درجة ملحوظة من نظافة الثياب وسلامة الذوق، وإن يكن مما ms001 ~~يلفت النظر فيهم بدانة وترهل وبطء حركة. # ولست ترى هنالك خدما ولا دكاكين؛ فتعجب من أين تأتيهم حاجاتهم؟ ومن ذا يعاونهم على ~~تنظيف الشوارع والبيوت؟ ولذلك قلما تسمع في طرقاتها صوتا، ومن النادر أن ينبعث صوت من هذا ~~البيت أو ذاك، بل قليلا ما يصادفك في أنحائها رائح أو غاد، كأنهم جميعا قد قروا في ~~بيوتهم لا يبرحونها لنزهة أو عمل. # هكذا كانت الحال كما وصفها محدثي الرحالة، وكما بدت له عند أول صعوده ذلك الجبل إلى ~~قمته، ثم ما لبث أن التقى من أهل القرية برجل، قصد إلى لقائه بتوصية من صديق، حتى تبين له ~~- بهداية هذا الزميل - نشاط عجيب حاد عنيف داخل الجدران؛ ذلك أن هذه القرية كثيرة ~~النوادي، كثرة ليس لها نظير فيما نعرف من مدن الأرض الواقعة في مستوى البحر، ومن تلك ~~النوادي ما هو خاص، ومنها ما هو عام، لكن النوادي الخاصة هي التي كانت موطن النشاط العجيب ~~الذي أشرنا إليه، وهي صنوف مختلفة، منها النوادي السياسية، والاجتماعية والثقافية، ~~والرياضية وغير ذلك، بل قد يختص النادي الواحد بناحية غريبة واحدة لا يتعداها بنشاطه، فمن ~~أمثلة ذلك ناد لسباق الأرانب وناد لتدخين النرجيلة، وناد لصيد البط، وآخر لصيد الإوز ~~وهكذا. # وأخذ يصف لي محدثي الرحالة ما لقيه في نوادي القرية وهو بصحبة دليله، فهذا ناد سياسي، ~~تدخل من بابه الخارجي إلى البهو، فلا حركة ولا صوت، صمت شامل وهدوء جميل، حتى إذا ما ~~انفتح لك باب غرفة الاجتماع، جاءتك الأصوات كالرعود. ويقول محدثي: إن أول ما عجبت له عندما ~~دخلت مع دليلي متسللا على أطراف قدمي، أني رأيت أصحاب الأبدان السمينة والحركات البطيئة ~~والأطراف المسترخية، قد دبت فيهم حرارة المناقشة كأنها شعلة من نار؛ فالوجوه محتقنة، ~~والعيون محمرة، والأجسام متحفزة، والأطراف مرتعشة، وكانت كلمة «الشعب» أكثر الكلمات ~~ورودا في مناقشاتهم الحادة الحارة. وقد سألت نفسي عندئذ: أي «شعب» يا ترى يقصدون؟ لأنني ~~لم أجد في القرية شعبا بقدر ما وجدت سادة، أفيكون هذا المجتمع الغريب رأسا ms002 بلا بدن ؟ لكنني ~~لم أطل التفكير في هذا وما كنت لأستطيع أن أطيله؛ لأن شدة التحمس ترغم السامع إرغاما ~~على مسايرة الحديث، وهم يتراشقون فيه بالحجج كأنها الحجارة أو أشد صلابة، ويظلون كذلك حتى ~~يفوتهم أوان الغداء إن كان الوقت نهارا، وأوان العشاء إن كان الوقت ليلا، وهنا كذلك سألت ~~نفسي: من أين لهؤلاء الزاهدين في الطعام هذه الأبدان السمينة؟ لكنني مرة أخرى لم أطل ~~التفكير في هذا، وما كنت لأستطيع أن أطيله؛ لأنني إزاء تيار دافق من الكلام، يستحيل معه ~~لإنسان أن يقف لحظة واحدة يفكر أثناءها لنفسه في هذا أو ذاك مما عساه أن يستوقف نظره أو ~~سمعه. # ومضى محدثي الرحالة يقول: الحق أنهم في تلك الندوة السياسية التي زرتها، كانوا يناقشون ~~موضوعا ظريفا طريفا وهو: هل يستورد الإصلاح الدستوري «للشعب» - قلت إن كلمة «الشعب» ~~كانت كثيرة الورود - من فرنسا أو من بلجيكا؟ فالبضاعة الفرنسية - بما في ذلك الدستور ~~والقوانين - فيها جمال لكنها رقيقة إلى حد الهزال والضعف، والبضاعة البلجيكية على شيء من ~~متانة البناء، لكنها عسرة الهضم متعذرة القبول، و«الشعب» عندنا - هكذا روى الرحالة محدثي عن ~~خطباء الندوة السياسية على قمة الجبل - لا ترضيه الرقة الفرنسية ولا تقنعه الغلظة ~~البلجيكية. وقال قائل: لماذا لا تمزج عناصر من هنا بعناصر من هناك؟ فجاءت فكرة مزج العناصر ~~كالقنبلة الداوية؛ لأنها نقلت الحديث كله إلى موضوع جديد هو: هل يمكن للعناصر أن تمتزج؟ وأي ~~المقادير يجعل النسبة صحيحة مناسبة للمزج؟ ولبثوا في ذلك حتى انفض الاجتماع ليعود إلى ~~البحث مرة أخرى. # وزار محدثي الرحالة ندوة ثقافية في تلك القمة العالية التي لا تعكر صفو سمائها سحابة في ~~نهار أو ليل؛ لأن القمة تعلو على مستوى السحاب، وها هنا - بداهة - لم يجد صخبا ولا ضجيجا؛ ~~كان البهو صامتا، وانفتح الباب عن غرفة الاجتماع فإذا فيها صمت هامس، وكان موضوع الحديث ~~هو: ماذا يكون أساس الفن كله بما في ذلك الأدب؟ أيجعلون الفن للفن، أم يخدمون به «الشعب» - ~~كانت كلمة «الشعب» هنا ms003 أيضا دائرة على ألسنة المتكلمين في كثرة ملحوظة - وكانت كثرتهم ~~الغالبة مع «الشعب»، لا بد أن يصور المصور للشعب، وأن يعزف الموسيقي للشعب، وينشد ~~الشاعر شعره للشعب، وينحت المثال تماثيله للشعب، ويقيم المهندس المعماري عمارته للشعب. ~~وعبثا حاول منهم فريق ضئيل أن يبين للحاضرين أن القطعة الفنية مخلوق قائم بذاته. ولا يقال ~~عن المخلوق الذي كملت خلقته ماذا يحقق من أغراض؟ لأنه لا غرض من الكائن التام التكوين إلا ~~أنه كائن تام التكوين وكفى، هل تقول ما الغاية من هذه الفراشة؟ وما الغاية من هذا العصفور؟ ~~وما الغاية من هذه الوردة؟ كذلك لا ينبغي أن تقول ما الغاية من هذه القصيدة؟ وما الغاية من ~~هذه القطعة الموسيقية؟ وما الغاية من هذه الصورة أو التمثال؟ إنها جميعا كائنات خلقها ~~خالقوها فأحسنوا خلقا، وفي ذلك الكفاية. # لكن فكرة «الشعب» - كما قلت - كانت لها الغلبة والرجحان؛ ففي سبيل الشعب ما يخلق ~~الفنان. # وخرج محدثي الرحالة - كما روى - من الندوة الثقافية معجبا أشد إعجاب؛ لأن تبادل ~~الرأي قد تم في هدوء ورحابة صدر، أين منه ما شهده في الندوة السياسية من نيران مستعرة في ~~الأعين والوجوه والأطراف؛ وقصد لتوه ندوة اجتماعية ولم يشأ أن يرجئ الزيارة إلى يوم آخر ~~لقصر مقامه هناك، فقد كان لا بد له من الهبوط إلى السفح في صبيحة اليوم التالي. # وكانت الندوة الاجتماعية في منتصف نشاطها عندما زارها صاحبي، لم يشهد الحديث من أوله، لكن ~~المصادفة قد شاءت أن تكون أول كلمة يسمعها عند انفتاح الباب، هي كلمة «الشعب»، ولم يسعه ~~عندئذ إلا أن يعاود السؤال من جديد: أين يا ترى هذا الشعب الذي يشير إليه كل متحدث إذا ما ~~انفرجت شفتاه عن حديث مهما قصر؟ إنها - فيما رأى - قرية صغيرة كلها منسق نظيف، لا خدم ~~فيها ولا باعة ولا مارة إلا في القليل النادر، لكنه سرعان ما طرح هذا التيار الداخلي في ~~نفسه لينصت. # كان الخطيب الذي يتكلم في نحو الثلاثين من عمره، تميزه حركات بذراعيه وجذعه تتناسب ms004 مع ~~المعاني التي يعبر عنها في حديثه، وخلاصة كلامه أنه متألم لحال الشعب؛ لأن حياته ~~تكاد تخلو خلوا تاما من أسباب اللهو البريء، فهل عملت الحكومة في القرى على الترويح عن ~~هؤلاء العاملين منهوكي القوى؟ هل أعدت لهم شيئا مما يدفئ في الشتاء ويخفف عناء الحر في ~~الصيف؟ # وما إن خرج محدثي الرحالة - هكذا روى - من تلك الندوة، حتى سأل دليله في حذر وتلعثم: أين ~~الشعب هنا؟ فقال الدليل: الشعب؟ ليس هنا، إنه هناك، هناك عند سفح الجبل، ها هنا القمة، قمة ~~الصفوة الممتازة، ألم تصعد إلينا من سفح الجبل حيث أفراد الشعب يعملون ويقيمون؟ # فأجاب الرحالة في ارتباك واضطراب: نعم، نعم، رأيتهم هناك، لكنني ظننت أنهم ... # فسأل الدليل: ظننت ماذا؟ # فقال الرحالة: ظننتهم أفراد شعب لا ينتمي إلى هذه القمة وأهلها، كانت غفلة مني وكان سهوا ~~لأن العلاقة بين القمة والسفح واضحة، واضحة لا تحتاج إلى بيان؛ فما على السائر إلا أن يصعد ~~مجتازا حاجز السحاب فإذا هو في القمة المشمسة، أو يهبط مجتازا حاجز السحاب فإذا هو عند ~~سفح الجبل. # وفي ضحى اليوم التالي، هبط رحالتنا إلى السفح في طريق عودته، فكان أول من لقيه من الناس ~~امرأة عجوز متهدمة جلست على جانب الطريق، وأمامها صندوق خشبي صغير تناثرت على ظهره سبع قطع ~~من الحلوى، فأما المرأة فكومة من أسمال سوداء، تكاد لا تميز فيها رأسا من صدر، حتى إذا ما ~~رفعت وجهها، رأيت شيئا قريب الشبه بجماجم الموتى، غطاه جلد داكن متغضن، وكأنما كانت ~~ترتعش بجسدها كله رعشة متصلة، وأما حلواها فسل عنها أقذر الذباب. # ترى كم مليما تربح هذه المسكينة في يومها؟ أين تسكن وعلى أي كومة من التراب والحصى تضع ~~جنبها سواد الليل؟ ماذا تأكل؟ وكيف تغطي جسدها إذا ما اشتد برد الشتاء؟ أين وكيف تغسل ~~جسدها؟ ومن ذا يجيبها إن تأوهت من ألم كما شاء الله لعباده المرضى أن يتأوهوا كلما اشتد بهم ~~الألم؟ # وأبطأ صاحبي الرحالة خطاه أمام بائعة الحلوى، وهو يفكر في ms005 أمرها ، ويسأل نفسه هذه الأسئلة ~~عنها، فظنته المسكينة شاريا لبضاعتها، فقالت في أنفاس متقطعة واهنة: «حلاوة يا ~~زباين.» # قال الرحالة: بكم تبيعين القطعة يا أمي؟ # فقالت: القطعة بمليم. # قال: سأشتري منك حلواك كلها لأولادي. # وكأن «البائعة» لم تصدق قول «زبونها» فراحت - قبل أن تجمع له «البضاعة» - تدعو له ~~ولأولاده بطول البقاء، ناظرة إلى السماء، باسطة كفيها النحيلتين المعروقتين ~~المرتعشتين. # فقال لها صاحبنا وهو يدفع لها قرشا كاملا ثمن ~~حلواها - وحقها سبعة مليمات - لا تنسي يا أمي أن تطلبي من رب السماء رحمة بأولئك الذين ~~يرعون مصالحك فوق قمة الجبل، لقد رأيتهم هناك بعيني رأسي، يتحمسون لك ولا يدخرون من ~~وسعهم وسعا، فقد كانوا يتجادلون في نوع الإصلاح الدستوري الذي يستوردونه لك من فرنسا ~~وبلجيكا، وكانوا يتناقشون في هل يخلق الفنان فنه لنفسه أو يصوغه ويوجهه إليك، ورأيتهم ~~يبحثون كيف يهيئون لك مصيفا تستمعين فيه بهواء عليل حين تشتد الحرارة هنا في يوليو وأغسطس ~~... # فرفعت المرأة عينيها مرة أخرى نحو السماء، وبسطت كفيها، وقالت: «يا رب بارك لنا فيهم ~~أجمعين.» # | نفس عارية1 # «لا، إني لا أريد أن أكون سعيدا، لا أريد اطمئنان النفس وراحة البال، وإني لأسعى دءوبا ~~إلى الشقاء والعناء والتعب، وأبحث عن أسباب البؤس والنكد؛ كذب كله هذا الذي يكتبونه في ~~الكتب ويعظون به في المحافل عن طلب الإنسان لسعادة نفسه، إنهم لا يعلمون عن النفس الإنسانية ~~شيئا أولئك الذين يحسبون الناس جادين في طلب السعادة وراحة البال، ويظنونهم جادين حقا ~~في التماس الرفاهية والخير. # إني أريد لنفسي الألم، وأريده للناس؛ أريد لها ولهم أن يتعذبوا، ومنافق أنا مع سائر ~~المنافقين حين أدعي بهتانا وزورا أنني كاره حقا للألم ينزل بي، وبالناس، ويشتملني ~~ويشتملهم جسدا وروحا ... إنني لن أنسى أبد الدهر ذلك الطفل الذي رأيته مرة يبكي على لعبة ~~أفسدتها له أخته، فجاءت أمه تمسح له الدموع عن عينيه، وترضيه بحلو كلامها، فقال لها وهو ~~يدفعها عنه بيديه الصغيرتين غاضبا: عني لا تمسحي دموعي؛ لأنني أريد أن أبكي ولا ms006 أستطيع ~~البكاء بغير دموع ... لن أنسى أبد الدهر ذلك الطفل الذي أصاب من حقيقة النفس الإنسانية بفطرته ~~الشفافة، ما لم يصبه أصحاب الكتب والمواعظ الذين قد راءوا حتى أفسدهم الرياء، ونافقوا حتى ~~أنساهم النفاق أنهم منافقون. إن الإنسان يريد أن يتألم ويبكي، ويبحث في الخفاء عما يثير ~~فيه ذلك الألم وهذا البكاء، وكذب كله هذا الذي يقولونه ويكتبونه من أن الإنسان ينشد لنفسه ~~وللناس راحة وطمأنينة وسعادة. # أنظر إلى هذه القطعة من الحلوى، قد وضعت لي على المائدة منذ أمس، وهممت أن آكلها مرات ~~عدة في غضون النهار، ثم أمسكت لأنني آثرت لنفسي الحرمان ...» # بمثل هذه الدفعة العجيبة راح صديقي يحدثني عندما زرته فوجدته في داره وحيدا، فلا أمه ~~هناك ولا خادمته، وكانت الدار مغلقة النوافذ، والضوء فيها قبيل الغروب خافتا بين الظلام ~~والنور. # فتح لي الباب ولم يفرح للقائي كعادته؛ لأنه - فيما بدا لي - قد كان يريد الوحدة، بل لم ~~يكفه أن يكون في الدار وحيدا، فانتبذ من داره هذه الخالية ركنا أبعد ما تكون أرجاؤها عن ~~مصادر الضوء والصوت، كان في مستطاعه أن يضيء المصباح وأن يدير المذياع، لكنه لم ~~يفعل. # وجلست إلى جواره فيما هو أشبه بظلام الليل منه إلى ضوء النهار، لا أجرؤ على إضاءة هذا ~~المصباح لأني ضيفه، وليس للضيف أن يغير من أوضاع الدار التي تضيفه، أو أن يلاحظ عليها شيئا ~~إلا أن يكون استحسانا ومدحا. وظل هو إلى جانبي صامتا يفرك يديه، ويطقطق أصابعه، ولم ~~يمنعني خفوت الضوء من رؤية شفتيه الراجفتين وعينيه البارقتين وأطرافه المختلجة. # فقلت له: لست أراك في وحدتك هذه سعيدا. # فاندفع يجيبني متدفقا بالعبارة التي أسلفت بعضها: «لا، إني لا أريد أن ~~أكون سعيدا ...» # وانتهزت لحظة قصيرة وقف فيها تياره الدافق، وقلت: هل لك أن تذكر لي ما حدث لك اليوم حتى ~~أتعقب ثورتك هذه إلى أصولها؟ وسترى عندئذ أنها ثورة مؤقتة مرهونة بأسبابها، حتى إذا ما ~~زالت الأسباب، عاد إلى النفس هدوءها وصفاؤها؛ فالأصل في الإنسان أن يكون ms007 هادئا ساكنا ~~سعيدا، والشذوذ أن يضطرب ويشقى. # فقاطعني قائلا: هذا حديث شاعر يسبح في أحلامه الجميلة مغمض العينين، أولى لك أن تصيح ~~بالرياح: أن اسكتي يا رياح حتى يهدأ البحر فلا يموج، أو أن تهتف بالشمس ساعة غروب جميل أن ~~قفي يا شمس حتى لا يغيب عنا هذا الجمال ... إن مثيرات النفس قائمة لنا في كل خطوة من الطريق ~~وفي كل منعطف بها؛ سر هنا فهنا ما يثيرك، وسر هناك فهناك ما يثيرك، ومل نحو اليمين أو ~~مل نحو اليسار، تجد مثيرات النفس تتلقفك يمينا ويسارا، فماذا أنت صانع إذا أردت لنفسك ~~الطمأنينة والهدوء؟ بل ارجع إلى دارك وغلق من دونك بابها ونوافذها كما تراني أفعل الآن، ~~وستلاحقك المثيرات، حين تستعيد بالذاكرة ما رأيت وما سمعت، وحين تضيف إلى كل هذا الذي قد ~~رأيته وسمعته جديدا من عندك تسر به إلى نفسك. # فسألته: ماذا تعني؟ # فقال: ألم تلحظ في نفسك كيف تتوهم بخيالك أنك تتحدث إلى فلان أو علان، فيقول لك كذا فتقول ~~له كيت، ويفعل كذا فتفعل كيت، وما تزالان - في خيالك - تتخاصمان بالقول وتتقاتلان بالفعل، ~~حتى تنظر، فإذا أنت قد احتدمت في نفسك الثورة واشتد بك الغضب؟ # فقلت: كأنما عداوات العالم الواقع لم تكفنا فنزيدها بخيالنا عداوة، وكأنما مثيرات الدنيا ~~من حولنا لم تشبع نفوسنا، فألهبناها بأوهامنا حرارة وسعيرا. # فقال - وقد هدأ بعض الشيء - نعم ... لكن الخير كل الخير في أن تنكشف للناس هذه الخواطر ~~الدفينة، حتى يعلموا حقائق نفوسهم وما يدور فيها، إنك قد تقاتل خصمك في خيالك قتالا ينتهي ~~بك فعلا إلى غضبة حقيقية تندفع معها إلى الأخذ بالانتقام والثأر ... أليس جديرا بالناس ~~أحيانا أن يضعوا نفوسهم عارية أمامهم لا يحجب مكنونها حجاب، فلعل ذلك يفتح أعينهم على ~~حقائق يجهلونها فيحورون من سلوكهم بعضهم إزاء بعض بما قد يحد من هذه الضغائن والسخائم ~~التي يكتمونها في أنفسهم كارهين. # وصمت صديقي قليلا ثم قال: ولماذا لا أبدأ بنفسي؟ هذه هي نفسي أضعها أمامك عارية كما ~~وجدتها طوال ms008 ساعات العصر - لن أستحي من مكنونها وخبيئها مهما يكن خبيثا، فكل الناس هذا ~~الخبيث - لكنه الرياء يستر ويخفي ... # رأيت ظهر اليوم طفلا أمام الدار يلعب «بالنحلة» فيلف طرف الخيط حول نحلته الخشبية، ثم ~~يقذف بها، فتدور النحلة على سنها فوق بلاط الإفريز دورانا شديدا، لكن الطفل يخشى على ~~دورانها الفتور والضعف، فيظل يضربها بعذبة سوطه ضربا متلاحقا، حتى تدور ولا تكف عن ~~الدوران. وعدت إلى هنا، فما هو إلا أن تنزو بنفسي الخواطر المثيرة، إذ صورت لنفسي فلانا ~~وقد قذف بي على الأرض قذف الطفل لنحلته، وراح يلهبني بعذبات سياطه حتى أدور ولا أكف عن ~~الدوران لنفعه هو ومتعته، ولا عليه أن أدوخ وأتعب. # إنني تلك النحلة الدائرة لمتعة غيرها، أضرب بالسياط لئلا أقف فتنقطع متعة المتمتعين - لا ~~تقل إنه وهمك وخيالك؛ لأنه عندئذ لا فرق بين حقيقة وخيال، فانطلقت خواطري متلاحقة، ساعات ~~العصر سوداء قاتمة، كأنها أسراب الغربان تحوم في الهواء سابحة متعاقبة، ثم تدور دورتها ~~لتعود من جديد ... انطلقت خواطري السوداء متلاحقة فلا أرى الناس إلا معذبا بعضهم بعضا - ~~كذب ونفاق هذا الذي يكتبونه في الكتب ويعظون به في المحافل من أن الإنسان يرجو لغيره ~~الراحة والخير، فأنت مشاهد في كل خطوة تخطوها وفي كل ثنية ينعرج بك الطريق فيها، دليلا ~~شاهدا على أن الناس يمقت بعضهم بعضا ويوقع بعضهم ببعض الضر والأذى. # وخطر لي خاطر عجيب، وهو أن أمزق كتبا عندي تمتلئ صفحاتها بمثل هذا الكذب الذي يكتبه ~~الكاتبون على سبيل الوعظ والتقويم، أو لست أدري لماذا يكتبونه وهم يعلمون أنه كذب، أو ~~لعلهم لا يعلمون. # لكن خاطر التمزيق لم يكد يطوف برأسي، حتى اشتدت سرعة الخواطر الهدامة المشتعلة بالحقد ~~والانتقام؛ رأيت نفسي أنتظر حتى ينسدل ظلام الليل، فأتخفى تحت ستاره وأقصد إلى دار خصمي ~~الذي يبتسم لي رياء، والذي تصورته يضربني بعذبة سوطه لأدور كما كان الصبي يضرب نحلته على ~~بلاط الإفريز؛ أقصد إلى دار خصمي ذاك فأشعل فيها النار ثم أجري إلى التليفون القريب لأنادي ms009 ~~رجال المطافئ ، والعجيب أني استشعرت الراحة للصورتين معا: لصورة النار أشعلها انتقاما، ~~ولصورة الشهامة أبديها في محاولة الإنقاذ ... # قلت لصديقي: ليس عليك من بأس، فأنت خير حالا من شيطانة دوستويفسكي؛ لأنك هدمت وأصلحت، ~~أما هي ... # فسألني: وما شيطانة دوستويفسكي؟ # فقلت: هي «ليز» الفتاة التي أحبت «أليوشا» في قصة الإخوان كارامازوف، ثم أخذتها هذه ~~الدفعة الجامحة نحو ارتكاب الشر وإيقاع الأذى حتى بنفسها، فأرسلت إلى «أليوشا» - وهو الشاب ~~المتبتل الورع - فلما سألها: ماذا تريدين؟ قالت: أردت أن أعبر لك عن شوق شديد بنفسي، وهو ~~أن يتزوجني زوج ليعذبني ثم يخدعني ويفر عني هاربا، إني لا أريد أن أكون سعيدة. # فقال لها «أليوشا»: أتنشدين السوء؟ فأجابته: أن نعم، وما أنفك راغبة في إشعال النار في ~~بيتي، بحيث لا يدرك الناس الخطر إلا بعد فوات الأوان فيحترق كل شيء. # قال صديقي - وقد اطمأن نفسا أن يرى الناس في ذلك سواء: يظهر أن هنالك لحظات يحب ~~الإنسان فيها ارتكاب الشر وينزع إلى الجريمة، ليس الناس ملائكة ولا قديسين، لكن ما الذي دفع ~~«ليز» في قصة دستويفسكي أن تنزع إلى هذا الشر كله؟ # فقلت: لعله مرضها؛ كانت كسيحة ثم برئت، لكنها لم تبرأ كل البرء، فربما أشعلت العلة في ~~نفسها نار الحقد والرغبة في الانتقام. # قال: انتقام ممن؟! لقد أرادت أن تشعل النار في دارها هي، فهي الخاسرة. # قلت: نعم، هذا هو الإنسان وهذه هي طبيعته، يشتد به الضيق فيشق ثيابه ويمزقها، ويضرب ~~رأسه في الجدار ليتورم، بل قد يزهق نفسه بيديه ... لقد ضاقت «ليز» نفسا حتى طردت حبيبها ~~من الدار، وأغلقت الباب على إصبعها عامدة، ثم أخرجت إصبعها وهو ينز بالدم من أسفل الظفر، ~~فراحت تتأوه من الألم وتفرح في دخيلة نفسها أن أوقعت بنفسها ذلك الألم ... إنه الإنسان ~~وطبيعته، يضيق نفسا فينزل الأذى بالناس وبنفسه. # هنا قام صديقي وأنار مصباحه - وكان الظلام قد اشتد سواده - وعاد إلى مكانه منبسط الجبين، ~~كأنما اطمأن على نفسه من شذوذ ظنه بها، وقال: لو لم تكن «ليز» ms010 مريضة لما أحدثت شرا ولا ~~اقترفت إثما، فماذا أنت قائل فيمن نزل بهم المرض مضافا إليه عري وجوع وتشريد؟ # | الكوميديا الأرضية # يحكى أن شاعرا كان اسمه «دانتي»، عاش في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، قد كتب قصيدة ~~طويلة عظيمة أسماها له الناس من بعده «الكوميديا الإلهية»، طاف فيها بصحبة أستاذ له قديم من ~~الشعراء الأولين، هو «فرجيل»، طاف بالجحيم فوصف من شهده فيها من الآثمين، وما شهده ~~منصبا عليهم هناك من عذاب أليم. # ثم شاء الله - ولا راد لمشيئة الله إذا شاء - أن يبعث «دانتي» حيا شاعرا كما كان، ~~وأن يبعث معه «فرجيل» دليلا هاديا كما كان أيضا، وعادت لدانتي شهوته القديمة في وصف ~~الأهوال، فكان أن زار بلدا يقال عنه إنه بلد العجائب، حتى إذا ما رجع إلى بلاده عمد توا ~~إلى ما كان قد كتبه في حياته الأولى، وأدخل عليه تغييرا وتحويرا يناسب العصر الحديث، ~~مستفيدا بما علمته التجربة في بلد العجائب، وإدراكا منه بأن الشاعر الحق لا مندوحة له ~~عن مسايرة الزمن، لكنه هذه المرة أطلق العنان بنفسه على قصيدته، ولم يترك ذلك للأجيال ~~القادمة، كما قد فعل أول مرة، ثم اختار عبارة «الكوميديا الأرضية» عنوانا لقصيدته ~~الجديدة. # وهاك خلاصة وافية لوصف الجحيم في «الكوميديا الأرضية» كما كتبها الشاعر القديم ~~الحديث. # يقص علينا «دانتي» كيف سار في صحبة دليله «فرجيل» حتى بلغا باب الجحيم الأرضي، فقرأ على ~~قمة الباب هذه الأسطر الآتية مكتوبة بماء الذهب: «ادخلوا إلى مدينة الأحزان، ادخلوا إلى أرض ~~العذاب، ادخلوا بين من ضلت بهم السبيل إلى أبد الآبدين، فيأيها الداخلون انفضوا عن أنفسكم ~~- عند مدخلي - كل رجاء.» # ويدخل الرجلان فإذا بالجحيم هوة سحيقة في هيئة واد طويل مديد، رأسه عند مركز الأرض ~~وقدمه على حافة البحر، وجوانبه مدرجة درجات عراضا، وعلى هذا الدرج حشر الآثمون، ولا ~~يكاد الشاعران يدخلان أبواب الجحيم حتى يبلغا نهرا يسمى بنهر الأسف والأسى، وعلى شطه ألفيا ~~نفرا يريد العبور إلى الشاطئ الآخر، وكان العبور تحت إشراف حارس فظيع ms011 بشع يجذب الناس جذبا ~~قاسيا عنيفا، وعيناه تدوران في رأسه كأنهما حلقتان من نار، فلا يحتمل دانتي هذا المشهد ~~الرهيب، ويسقط في إغماءة لا يفيق منها إلا على صوت رعد يقصف قصفا شديدا، وعندئذ يعلم أنه ~~وزميله قد عبرا نهر الأسف والأسى، حيث انتهى بهما العبور إلى أولى حلقات الجحيم، وها هنا ~~وجدا عبدة المبادئ الذين أنهكوا قواهم وأضاعوا حيواتهم في سبيل مبادئهم؛ ولذلك فقد حق عليهم ~~الحرمان من نعيم الفردوس، وأخذت تلدغهم الزنابير في وجوههم وأعناقهم، فيصيحون من الألم، ولا ~~يعرفون إلى الطمأنينة والراحة سبيلا. ويجتاز الشاعران هذه المرحلة ليجدا أمامهما فريقا من ~~الآثمين المجرمين، وهو فريق أولئك الذين شغلتهم في الدنيا عقولهم عن إشباع شهوات أجسادهم، ~~وإذا بهؤلاء قد عصفت بهم ريح شديدة فأخذتهم الراجفة كأنهم الكراكي في العاصفة، وهنا يقول ~~دانتي: «ها هنا بدأت أسمع صيحات الحزن والأسى، فها هنا قد أتيت إلى حيث الأنات الشاكيات، ~~تقرع أذني فتؤذيها، إذ ها هنا قد أتيت إلى مكان خفت فيه الضوء وزمجرت رياح عواصف، كأنه ~~البحر مزقته العاصفة برياحها الهوج، وهبت في جنبات الجحيم رياح عاتية أخذت في سورة ~~الغضب تسوق أمامها هؤلاء الآثمين سوقا فتدور بأجسادهم حتى الدوار، وتدفعهم دفعا عنيفا ~~موجعا ... إلخ.» # وهنا سقط شاعرنا «دانتي» في إغماءة أخرى؛ لأنه رقيق الحس كسائر الشعراء، حتى إذا ما أفاق ~~ألفى نفسه في الحلقة الثالثة من حلقات الجحيم، في هذه الحلقة الثالثة أعد العقاب لمن ~~عف فلم يلحف في السؤال عن حقه لدى أصحاب السلطان، فشاهد الشاعران أولئك الخائبين الخاسرين ~~وهم يتمرغون في حمأة من الطين تحت وابل من المطر والثلج والصقيع، بينما وقف صف من كلاب ~~وحشية تنبح في وجوههم وتعوي وتمزق جلودهم تمزيقا بأنيابها ومخالبها. # وبعدئذ سار الشاعران إلى حيث الحلقة الرابعة من حلقات الجحيم، فوجدا جماعة كانت تشتغل ~~بالإصلاح فتفسد على غيرهم نعاسهم وأحلامهم؛ ولذلك حقت عليهم اللعنة ونزل العقاب، فرآهم ~~الزائران هناك يدحرجون جلاميد صخر عاتيات في اتجاهين متقابلين، ثم لا تلبث جلاميدهم أن يصدم ms012 ~~بعضها بعضا ، ويعود كل جلمود كما كان أول أمره، فينفجر الأشقياء المجرمون بالغضب من كثرة ما ~~نالهم من نصب وإعياء، ويلعن فريق منهم فريقا؛ لأن كل فريق يعتقد أن الفريق الثاني هو ~~الذي أتلف عليه ما صنع. # وينتقل الزائران إلى الحلقة الخامسة من حلقات الجحيم، وقد خصصت لمن أخذ زمانه بالدقة فلا ~~يؤخر موعدا، ولا يؤجل عملا إلى غد، ويغضب ويحزن إذا ما رأى من المستهتر تراخيا ~~وتفريطا، كان هؤلاء المغفلون يسكنون في الجحيم قاع بحيرة من وحل، يتنهدون فتنتفخ على سطح ~~البحيرة فقاقيع لا تلبث أن تنفجر، وقد قال منهم قائل حين أحس مرور الشاعرين إلى جانب ~~البحيرة: «كنا ذات يوم حزانا على الفوضى الضاربة في أرجاء البلاد، كنا رغم الهواء الحلو ~~الذي كانت تبهجه أشعة الشمس، نحمل في أجوافنا نفوسا مظلمة وضبابا ثقيلا؛ لذلك حق علينا ~~الحزن في هذا المكان القاتم.» # وبعدئذ وصل الشاعران إلى مكان الحلقة السادسة حيث أبصرا خلال الضباب الكثيف أبراجا ~~وقبابا متوهجة بألسنة اللهب، فقيل لهم إن هذا مدخل مدينة الشيطان، وكانت طائفة من الجن ~~قائمة على حراسة أبوابها، ويدخل الرجلان بابا فإذا هما يشهدان سهلا فسيحا ملأته أجداث ~~مكشوفة لا يسترها غطاء، تتأجج في كل منها نار تلتهمه؛ لأن صاحبه كان حرا في رأيه يعلنه ~~كيف شاء، فحقت عليهم جميعا هذه الفضيحة المنكرة لجرأتهم الشنعاء. # وبلغ الراحلان حدود الحلقة السابعة من حلقات الجحيم فهبطاها خلال شق من صخور ممزقة ~~الجوانب، حتى انتهيا إلى نهر من دماء وقف في لججه أولئك الحمقى الذين كانوا يتورعون في ~~حياتهم عن اعتراك الأحزاب السياسية، ويقفون في ركن هادئ يفكرون، أو يمضون في سبيلهم الجاد ~~ينشئون ويعلمون. # وكانت الحلقة السابعة ذات شقين، فدخل الشاعران شقها الثاني، وأبصرا فريقا آخر من ~~المغفلين الذين أخذتهم الغيرة في سبيل الضعفاء والمرضى والمعوزين، فهؤلاء قد انقلبوا في ~~الجحيم أشجارا جافة قصيرة، تتدلى منها ثمار مسمومة، وكان كلما انكسر فرع من شجرة تدفق ~~الدم كأنه ينصب من جسم مجروح، وذلك جزاء ما أحدثوه ms013 من قلق في نفوس كانت آمنة ~~مطمئنة. # وفي الحلقة الثامنة من حلقات الجحيم حشدت طائفة أولئك الذين كانوا لا يراءون ولا ينافقون ~~في عالم خلقه الله للرياء والنفاق؛ فحق على هؤلاء الكفار عقاب شديد، إذ غمسوا في حفرة ~~ملئت بقار يغلي، وقد يحدث الفينة بعد الفينة أن يعلو الآثم بظهره فوق سطح القار من لذع ~~الألم، ثم يختفي في سرعة أين منها لمحة البرق الخاطف. فكما تقف الضفادع من بركة الماء عند ~~حافتها، لا يبدو فوق الماء منها غير خياشيمها، كذلك وقف هؤلاء الآثمون في لجة القار، ولكن ~~سرعان ما يأتيهم الحارس فيغوص الجناة تحت الموج. # وقد شهد «دانتي» هنالك مشهدا رهيبا، إذ شهد أحد الجناة يطفو ويطيل الظهور على سطح القار ~~بعض الشيء، فجاءه الحارس وأمسك بخصلات شعره وجذبها جذبا شديدا، ثم ألقى به في عنف طريحا ~~حتى بدا له كأنه كلب من كلاب الماء. # وفي الحلقة التاسعة حشر أولئك المجانين الفدام البلهاء الذين استنصحوا في حياتهم ~~فنصحوا بالحق، فكل فرد من هؤلاء قد ألبسوه هناك قلنسوة ثقيلة من رصاص زخرفوه له بالذهب، ~~وكلما ثقلت القلنسوة على رأس المذنب حتى مال عنقه إلى صدره، ألهبه الحارس بسوطه على ظهره، ~~قائلا له: اعتدل فإن على رأسك طلاء من ذهب هو علامة الصدق في القول والإخلاص في ~~العمل. # وفي الحلقة العاشرة والأخيرة من حلقات الجحيم، شهد الشاعران - ويا هول ما شهدا - شهدا ~~فريقا من الناس أتوا في حياتهم أمرا إدا، واقترفوا جريمة هيهات أن تجد لها عند الله ~~غفرانا، هؤلاء هم الذين لم يتشفعوا بشفيع أو يتوسطوا بوسيط وعملوا في صمت، مع أن الله قد ~~أراد لهم أن يصيحوا ويملئوا الدنيا جلبة كلما خطوا خطوة أو نطقوا كلمة، فكان جزاؤهم في جهنم ~~أن ينزلوا في قاع الجحيم، وهو بحر من ثلوج تبدو فيه أشباح المعذبين كأنما هي ذباب يضطرب ~~في وعاء من البلور، وكتب عليهم هناك أن يقرض بعضهم عظام بعض من الجوع كما تفعل الكلاب ~~الجائعة، فهذا جزاء من يعمل ms014 صامتا معتمدا على نفسه، فلماذا خلق الله للناس آذانا إذا لم ~~يسمعوا بها صياح الصائحين، ولماذا خلق لهم قلوبا إذا لم ترق لشفاعة المتشفعين؟ # وكانت الكروب عندئذ قد أضاقت صدر «دانتي» وطلب من دليله أن يسرع به إلى حيث الفردوس ~~ونعيمه، فما هو إلا أن وجد مركبة مغطاة بالزهر، حملته مع زميله بين مروج من الخضرة اليانعة ~~والقصور الشامخة والأكل الطيب وطمأنينة النفس وراحة البال؛ فها هنا يقيم من رضي عنهم الله ~~من المنافقين أصحاب الشهوة المسعورة والكذب المبين والخداع والرياء. # وأفاق «دانتي» وهمس لزميله فرحا مستبشرا، فقال: ادع لنا الله أن يهدينا الصراط ~~المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم بهذا النعيم. # | خيوط العنكبوت # هذه الصديقة الفاتنة الثائرة لست أدري كيف أنجو من لحظها الساحر، فإني حيالها كالصيد ~~الذي يمرح في حبائل صائده ... عيناها اللامعتان الصافيتان هما البحر السحيق العميق يغري ~~ضحيته بهدوئه الساكن، فيغوص وراء اللآلئ والأصداف، وإذا هو في لحظة قصيرة بين المغرقين ... ~~فمن هاتين العينين تفيض خيوط رفيعة من الضوء، غزلتها ملائكة أو شياطين، وتظل الخيوط الرفيعة ~~اللألاءة فياضة تغمرني هنا وهنا وهناك، فما هو إلا أن أراني بين يديها مغلولا مسحورا فلا ~~اختيار ولا إرادة. # إنه لولا حبي لهذه الفاتنة لقلت إنها هي بعينها - بل بعينيها - تلك الأفعى التي قالت ~~عنها الأساطير ... قالت الأساطير إن ثعبانا رقد على بيضة باضها ديك، فخرجت من البيضة هذه ~~الأفعى المسحورة الساحرة، خرجت ذات رأسين، في كل رأس منها عين، فإذا هي نظرت ذات اليمين ~~برأسها الأيمن أو ذات اليسار برأسها الأيسر، فقل سلاما على من وقعت عليه نظرتها! إن أسير ~~نظرتها هو إلى الأبد مغلول مشلول مفقود الإرادة، والويل لمن حدج ناظريها بناظريه ... ~~وفاتنتي الثائرة هي هذه الساحرة، غير أن أسيرها ينعم بأسره في حبائلها المغزولة من ضوء ~~عينيها. # ليت شعري: هل أدركت هذه الفاتنة كم أضعف لجمال العينين؟ إنه ضعف أعزوه إلى ما في عيني ~~من علة وكلال ... كان «نيتشه» عليلا هزيلا، وكان ذات يوم واقفا ليشهد صفوف الجند ms015 تضرب ~~الأرض بأقدام قوية، وتهز الأذرع هزا عنيفا، وتبرز بصدورها بروز الشباب الفتي المتحدي، ~~فأوحى له هذا المنظر بما أوحى، وراح منذ تلك الساعة يتغنى «بالإنسان الأعلى» ويحلم بيوم ~~يزول فيه الضعف لتملأ مكانه قوة وفتوة، وكان ذلك كله حسرة على ضعفه وهزاله ... أفيكون عجبا ~~مني أن أنظر إلى العينين أول ما أنظر، وأن يأتيني من العينين أول الفتنة؟ فما بالك والعينان ~~قاتلتان فاتكتان تستحلان سفك الدماء في الأشهر الحرام؟ # ولقد اعتادت صديقتي الثائرة ذات العينين الساحرتين - إذا ما أرادت أمرا - أن تنظر إلي ~~بعينها هنيهة وهي باسمة صامتة، ثم تلقي أمرها، فإذا هو بين جنبي الحافز الذي لا تسكن ~~غمزاته حتى يكون لها ما أمرت به ... وقد التقينا منذ حين فسألتني: # لماذا أغمدت القلم في غطائه أشهرا طوالا، ورقدت رقدة أهل الكهف أو شبهها؟ لقد تغير وجه ~~الدنيا ودالت دولة وقامت دولة ... # قلت: وماذا تريدين؟ # فنظرت إلي بعينيها الواسعتين لحظة، ثم قالت: اكتب، اكتب في نقلة الناس من حال إلى حال. ~~فمضيت عنها، لا أدري كيف أهمل أمرها ولا كيف أنفذه، وعدت إلى مكتبي أقلب الصفحات لعلها ~~تلهمني بما أقول، أو أستلقي على الفراش متفكرا متأملا، لكنك تعلم كيف تكون الحال حين يجف ~~مداد القلم وينضب منه المعين، فتأمل عندئذ ما شئت، وفكر ما حلا لك التفكير، فلن ~~تنبت الأرض الجدباء شيئا إلا الحسك اليابس هنا وهناك. # قلت لنفسي: أخرج إلى الطبيعة النقية الفسيحة، فإلا يكن لك منها وحي فعافية، وكان الوقت ~~أول المساء، وكان القمر قد أوشك على الاكتمال، وكان الجو طريا رخيا لا برد فيه، فقصدت ~~إلى حضن الهرم الكبير، وهنالك جلست وحدي على صخرة عاتية، أنظر إلى الفضاء الذي غمره الضوء ~~الفضي، وإلى المدينة العظيمة الواسعة وقد لمعت مصابيحها التي تقاربت مع المسافة البعيدة، ~~حتى اختلطت كلها في سحابة خفيفة من الوهج الأصفر، ليس السكون شاملا، فأقدام هنالك أخذت ~~تطقطق على الحصى آنا بعد آن، وأصوات يعلو صداها على سفح الهرم، قد حسبها أصحابها همسا ~~خفيا ms016 فإذا هي موجات عريضة متتابعة من الصوت يصطدم بالصخر كما تصطدم أمواج البحر على رمال ~~الشاطئ في ليلة ساكنة الريح، ثم نق خفيف يقال لي عنه إنه فعل الصراصير، وخيل إلي أن ~~بعضه قريب مني، فنظرت إلى موقع الصخرة من الأرض، فلم أجد صرصورا بل وجدت عنكبا في خيوطه ~~المنسوجة هادئا كأنما أسكره ضوء القمر. # دنوت أتأمل نسيج العنكبوت بخيوطه الرفيعة الواهية ... واهية؟! سل الذبابة المسكينة التي ~~تتعثر أقدامها في تلك الخيوط أواهية هي؟ وهل كنت أستطيع أن أتصور حينئذ الفريسة إذا ما ~~وقعت في تلك الحبائل «الواهية» دون أن أتذكر موقفي إزاء الخيوط النورانية الرفيعة الدقيقة ~~السيالة التي تنبعث لي من عيني صديقي، فتوثقني كأنها أغلظ السلاسل التي صنعت من أصلب ~~الحديد؟! # لقد نسجت العنكبوت خيوطها «الواهية» هذه في شكل هندسي بديع لتحيا، وأقام «خوفو» هذا ~~الهرم الضخم الأشم ليموت! فأيهما أحكم يا أيها الإنسان المغرور! # وعدت إلى جلستي فوق الصخرة الكبيرة، وشخصت ببصري إلى القمر، فامتلأت عيني بخيال عجيب، ~~حاولت عبثا أن أصرفه عني فلم ينصرف، وظل ماثلا أمامي يحجب الواقع عني حتى صار هو الواقع ~~الذي عشت فيه ما جلست على تلك الصخرة العاتية في حضن الهرم ... رأيت القمر عنكبا ضخما قد ~~تدلت منه وأحاطت به شبكة من خيوط رفيعة دقيقة اتسعت وانتشرت حتى ملأت كل أرجاء الفضاء، ~~وعلى الخيوط الممتدة هنا وهناك رأيت ذبابا يمسك بتلك الخيوط صاعدا عليها في طريقه إلى ~~العنكبوت الضخمة الرابضة في قمة السماء، والذباب الصاعد متفاوت السرعة، فهذه تصعد في سرعة ~~كأنما هي تنزلق هابطة على سطح أملس وهذه مبطئة، وتلك متعثرة تتقدم حينا وتتأخر حينا ... ~~وكثيرا ما تلتقي ذبابتان في طريق واحد، ولا يكيفهما الخيط الواحد أن يصعدا معا جنبا إلى ~~جنب، فتتشابكان بالأطراف، وتظل كل منهما تدفع الأخرى إلى أسفل، هذه تنقلب على ظهرها مرة ثم ~~تستقيم على أرجلها لتسرع الخطى حتى تلحق بزميلتها التي ظنت أن قد خلا لها طريق الصعود، وما ~~تكاد تمسك بأطرافها الخلفية حتى تشدها ms017 شدة عنيفة توشك أن توقعها في الفضاء لولا مهارة ~~تسعفها فتتعلق بذراعيها وتتأرجح بجسمها في الهواء، محاولة أن تثني بدنها إلى أعلى رافعة ~~أرجلها الخلفية حتى تمسك بالخيط من جديد وتأخذ في الصعود مرة أخرى. # الذباب كله صاعد على خيوط العنكبوت، إن صعوده هذا يكلفه الجهد والمشقة والعناء، لكنه ~~مرح فرح بصعوده، ليس في ذلك من شك، إنه مرح واضح في الذبابة التي تسللت من الزحمة ~~الكثيفة عند أوائل الخيوط السفلى، فانفسح الطريق أمامها وحدها، ولم يعد بينها وبين العنكبوت ~~حائل، وهو مرح واضح كذلك في هذا الذباب المتقاتل المتعارك حين يضيق به الطريق، وتريد كل ~~واحدة أن يكون طريق الصعود لها قبل زميلاتها. # أنظر إلى الخيوط عند أطرافها السفلى، حيث أقلها يمس الأرض وأكثرها يرتفع عنها قليلا، من ~~أين جاءت هذه الألوف المؤلفة من الذباب المحتشد المتزاحم؟! لقد كان الهواء صافيا نقيا ~~عند أول قدومي إلى هذا المكان؟ أأكون يا رباه في حلم عجيب، أم إني في عالم مسحور؟ أم أنا ~~كما أنا واع يقظان؟ هأنذا ألمس الصخرة بأصابعي، وأخبط الأرض بقدمي، هذا هو الهرم كما ألفته ~~وعرفته، وهذه هي القاهرة العظيمة بأضواء مصابيحها كما رأيتها عندما استويت على الصخرة أول ~~مرة! ألا أن العين إذا توهمت فاللمس لا وهم فيه كما قال شكسبير على لسان ماكبث وهو يتلمس ~~الخنجر ... كلا، فإني في وعي ويقظة بشهادة الحواس كلها، وهذه الألوف المؤلفة من الذباب ~~المزدحم المحتشد عند أطراف الخيوط السفلى، حقيقة واقعة لا شك فيها، وهذه الشبكة التي تملأ ~~أرجاء الفضاء حقيقة لا شك فيها، والعنكبوت الرابض في قمة السماء ناشرا أطرافه المخيفة ~~حقيقة لا شك فيها ... # لكن الألوف المتزاحمة من الذباب ساعية إلى الصعود، ولما كانت الزحمة شديدة كثيفة، كان ~~يستحيل على ذبابة أن تمسك بأول الخيط - إن كان طرفه مرفوعا عن الأرض لا يمسها - إلا إذا ~~صعدت على أكداس من الذباب الساقط، فانظر نحو أطراف الخيوط السفلى تجد عجبا، إنه قتال لا ~~ينقضي بين الذباب، والذبابة الظافرة هي ms018 التي عرفت كيف تصرع كذا مائة أو كذا ألفا من ~~الزميلات، لتتخذ من أجسادها سلما ترتفع به إلى أول الخيط؟ فلو قد أمسكت بطرف الخيط، زالت ~~من أمامها أعقد الحوائل وأعسر العقبات، ولا يبقى بعد ذلك إلا ذبابات قليلات يعترضنها في بعض ~~الطريق ... # إنه طريق إلى العنكبوت الرابض هنالك في قمة السماء، يلتهم ما تتناوله أطرافه الممتدة من ~~الذباب الصاعد، لكن الطريق قد زين في أعين الذباب حتى بدا لها كأنه طريق المجد الذي لا ~~طريق إلى مجد سواه. # أمعنت النظر في المعركة الدائرة بين الذباب عند أطراف الخيوط السفلى، فأخذني دوار خفيف ~~حين امتلأت أذني بطنينها الممل القبيح، فأغمضت عيني بكفي وأدرت رأسي إلى أعلى حتى يخف هذا ~~الطنين البشع القبيح، فارتسمت أمام عقلي صورة واضحة، أجهدت نفسي بعدئذ لعلني أتذكر أين ~~رأيتها، حتى أدركت أنها صورة رسمها شاعر في قصيدة كنت قرأتها منذ حين بعيد. # هي صورة امرأة تعيش في كهف صخري معزولة عن الناس، فكانت تشعل لنفسها نارا وتجلس أمامها ~~مستدفئة وهي تغزل غزلها الرفيع الدقيق الذي يشبه خيوط العنكبوت، إنها امرأة عجيبة ولعلها أن ~~تكون ساحرة لأن لها وجه الفتاة الشابة وشعر العجوز الأشيب، وذات مساء طرق بابها زائر ~~غريب، فحيته بابتسامة ومضت في غزلها، وراحت تغني وهي تغزل، فيلمع الخيط في وهج النار ~~كأنه سلك الذهب، ولولا لمعة الضوء على الخيط لما رأته عينا بشر لأنه رفيع دقيق يشبه خيوط ~~العنكبوت، وجلس الشاب الغريب يرقب الخيط، ورأت فيه المرأة الساحرة نظرة المتعجب المشدوه، ~~فطلبت إليه أن يلفه حول يديه قائلة إنه خيط ضئيل دقيق رفيع، لكنه قوي شديد، وشخصت ~~المرأة بعينيها الزرقاوين البراقتين إلى الشاب الغريب وابتسمت له ابتسامة رقيقة لم يلحظ ~~فيها شرا، وتناول الخيط منها وأخذ يلفه حول يديه، ثم ضحكت المرأة الساحرة ضحكة شيطانية ~~فزع لها الشاب الغريب، وحاول أن يفك الخيط عن يديه، لكن هيهات؛ لأن الخيط قد نسجته يدان ~~سحريتان ... وعندئذ قامت المرأة فانتزعت من الشاب خصلة من شعره الفاحم، ms019 وقذفت بها في النار، ~~وصاحت والشعر يحترق: # أختاه! أختاه! اسمعي صيحتي! # أختاه! أختاه! تعالي واشمتي! # لقد وقع الشاب في خيطي الرفيع أسيرا. # ورفعت كفي عن عيني، فإذا السماء صافية رائقة، وإذا القمر ضاحك باسم، ينقش نوره الفضي في ~~أحجار الهرم، فأخذني فزع ونشوة في آن معا: فزع لما أوغلت فيه من عالم مسحور، ونشوة لأني ~~قد وجدت شيئا أكتبه قضاء لما أمرت به الصديقة الفاتنة. # وعدت مسرعا إلى داري، وما أويت إلى مخدعي إلا بعد أن وصفت كل الذي رأيت، وحملت الوصف ~~مكتوبا إلى صديقتي في صبيحة اليوم التالي، مغتبطا لما عساني واجد عندها من إعجاب ~~عودتني إياه كلما كتبت لها شيئا. # لكني ما كدت أفرغ من قراءة ما كتبت، حتى ضحكت فيما يشبه ضحك الساحرة قائلا: ما هذا يا ~~رجل؟ إن حديث العنكبوت والذباب قد سمعته منك منذ زمن طويل، أما يكون عندك من جديد؟ # فقلت لها وأنا في ربكة شديدة من الخجل: أقسم لك بسحر عينيك، إني لا أذكر من القصة ~~القديمة شيئا، وأن هذا الذي أرويه قد شهدته مساء الأمس رؤية العين. # فقطبت ما بين عينيها وقالت في صوت حالم: ماذا؟ أيكون الجديد قديما؟ أم أني أنا الأخرى ~~مثلك قد نسيت؟! # | الكراهية الصامتة # عجيبة هذه الكراهية التي قد يحملها الناس أحيانا بعضهم لبعض بغير سبب ظاهر معقول؛ فترى ~~رجلا وقد اتخذ موقف الكراهية والمعارضة من رجل آخر، مع أنهما بعد لم تصلهما صلة من حديث ~~أو عمل، لكنه يحس من نفسه استعدادا لرفض ما عسى أن يقوله هذا الآخر قبل أن يقوله؛ لأن ~~رفضه في الواقع منصب على شخصه، فإذا رأيته معارضا لأقواله مفندا لآرائه، فإنما جاء ذلك ~~عن كراهية لاحقة لكراهية سابقة، إنه قد بدأ برفضه للشخص ذاته ثم عقب على ذلك برفضه ~~لأقواله وآرائه كائنة ما كانت، فإن قال هذا عن شيء إنه أبيض رأى هو أنه أسود، أو قال ~~هذا عن شيء إنه أسود، رأى هو أنه أبيض، لا إخلاصا في التعبير عما يراه ms020 حقا وصدقا ، بل ~~رغبة في نبذ هذا الشخص الكريه بكل ما ينطق به من نبأ أو حديث. # وكثيرا ما تكون هذه هي نفسها العلاقة بين جماعة وجماعة أو بين جيل وجيل، فترى الكراهية ~~بينهما صامتة قائمة متحفزة متأهبة تتحين الفرص والظروف، حتى إذا ما سنحت لإحداها اللحظة ~~المواتية نفثت سمومها على الخصيمة الكريهة دفعة واحدة، كأنه سيل حبيس وجد الثغرة فاندفق. ~~إنك لتعجب أحيانا كيف تكفي الحادثة التافهة لإثارة حرب طاحنة بين شعبين، أو لإعلان ~~خصومة حادة بين أسرتين، والواقع أن قد كانت الكراهية بين الجماعتين قائمة وإن تكن صامتة، ~~ثم سنحت فرصة إعلانها، كأنها المرض الخبيث المزمن، يكمن حينا حتى ليظن بصاحبه الشفاء، فإذا ~~لفحة خفيفة من البرد تثير كوامنه وتشعل خوامده. # وبين أبناء الجيلين المتعاقبين تقوم مثل هذه الكراهية الصامتة العجيبة، فأبناء الجيل ~~المقبل - في أغلب الأحيان - ناقمون ثائرون على أبناء الجيل المدبر، الأبناء لا يعجبهم سلوك ~~لا بدآبائهم، والأدباء لا يرضيهم أدب شيوخهم، والمشتغلون بالسياسة يرون في القادة قوة رجعية ~~لا بد من زوالها، وكذلك آباء الجيل المدبر في أغلب الأحيان مستخفون بأولئك الصغار ~~الناشئين، حتى ليكاد يستحيل عليهم أن يتصوروا أن من هؤلاء المقبلين أحدا هيأه الله لملء ~~فراغهم، فلا الوالدون يرون في أبنائهم ما عهدوه في أنفسهم من متين الخلق وحميد الخصال، ولا ~~الأدباء يلمسون في أدب الناشئين شيئا ذا غناء وبال، ولا قادة السياسة يطمئنون إلى أن هذا ~~الشباب الغر قادر على تسيير السفينة بمثل ما سيروها. الجيل المقبل والجيل المدبر، كلاهما ~~ينظر إلى الركب، فإذا هو عند الأول سائر إلى أمام، وإذا هو عند الثاني منزلق إلى وراء ... ~~وهكذا ترى ثورة أولئك على هؤلاء، واستخفاف هؤلاء بأولئك، مظهرين للكراهية الصامتة القائمة ~~بينهما؛ الكراهية التي ترفض القول نتيجة لرفض قائله، ولا تنتظر حتى تسمع ما يقوله القائل ~~قبل أن تنتهي إلى رفض أو قبول. # هكذا قد تكره شخصا من الناس ولا تدري لماذا، أو لعلك تستطيع أن تدري لو أخذت في تحليل ~~الموقف على ms021 نحو ما يفعل علماء التحليل النفسي في أمثال هذه الحالات، فهم يزعمون أن للكراهية ~~سببا قد طمرته الأحداث فاختفى عن العين السطحية العابرة، لكنه لا يخفى على العين الفاحصة ~~التي تنبش حتى تزيح عن العقدة الدفينة ركام الحوادث، فتخرجها إلى ضوء الشمس من جديد. # وإلا فقل لي بربك ماذا ترى بيني وبين هذه البائعة الصغيرة لأوراق النصيب؟ إنها بنت في نحو ~~العاشرة من عمرها، كثيرا ما تطوف بأوراقها مشارب القاهرة، أراها مقبلة فكأنما رأيت الحية ~~الخبيثة تسعى، وأسمعها تنطق فكأن الصوت هو الفحيح الذي تقشعر له الجلود، إنها في أغلب ~~الحالات تجيء مصبوغة الشعر في أصفر فاقع لا يلائم وجهها، وقد ألبسها ذووها ثوبا ذا بريق ~~عجيب، شقوه لها - في أرجح الظن - من ستار نافذة قديم، وعلى قدميها حذاء أبيض خفيف، والوجه ~~بين هذه البقع اللامعة مطل وقد علته غلالة من قذارة لاصقة ببشرته ... يا إلهي من هذه البنت ~~الصغيرة حين تقبل ناظرة بعينيها الضئيلتين من ذلك الوجه الكريه! إذا رأيتها أشحت بوجهي أو ~~أسرعت إلى صحيفة أو كتاب أدس فيه عيني فلا أراها، وكثيرا ما ناديت أقرب خادم لأصب عليه ~~انفعال غضبي أن أذنوا لها بالدخول في مثل هذا المكان، فتتخلل صفوف موائده، ولا ترحم حتى هذا ~~الركن الهادئ البعيد الذي أحب عادة أن أختبئ في ظلامه ... إنها مسكينة تسعى إلى رزقها، وأنا ~~أعلم ذلك، لكني أعلم ذلك بعقلي، أما شعوري الذي لا حيلة لي فيه فهو شعور الكراهية الشديدة ~~التي يستحيل أن أجد لها سببا ظاهرا معقولا، اللهم إلا أن يكون السبب هو هذا الذوق البشع ~~الفظيع في طريقة لفها وطليها، لتبدو - في ظن من لفها وطلاها - «للذوات» بنتا من «الذوات» ~~أخنى الدهر على أهلها فترحم قلوبهم، وليتني ألتقي بذويها يوما؛ لأنبئهم أن أرحم القلوب ~~قمين أن ينقلب جلمودا من الصخر لهذه الكتلة المتحركة من الكذب والزيف. # إنها الكراهية الصامتة القائمة بين الناس أفرادا وجماعات، وليقل في تحليلها وتعليلها ~~أصحاب البحوث النفسية ما شاءوا من أسباب دفينة خبيئة؛ ms022 لأن ذلك لا يغير من الأمر شيئا، ~~فلا يزال الأمر الواقع هو أنك قد تحمل لهذا أو لذاك كراهية لغير ما سبب ظاهر، فتوحي لك ~~الكراهية أن تتخذ الأهبة لرفض ما يقوله الكريه قبل أن ينطق به، وإلى جانب هذه الكراهية التي ~~تحملها لبعض الناس، حب تحمله لبعضهم الآخر، يميل بك إلى قبولهم وقبول كلامهم وآرائهم، ~~كأنها في أذنك النغم الجميل، وعلى ذوقك العسل المصفى. # فكأنما تسير بين الناس وفي جعبتك عدة شعورية تقابل بها ما يقولونه وما يفعلونه بالقبول أو ~~بالرفض، لا لأنها مقبولة لذاتها أو مرفوضة لذاتها، بل لأنك تكره هنا وتحب هناك. إن من أقوى ~~اللمحات الفكرية التي قرأتها، لمحة لنيتشه، يقول فيها: إن منطق الناس لا يسير من المبررات ~~العقلية إلى إرادة أداء الأفعال التي تترتب عليها، بل يسير على عكس ذلك من إرادة أداء أفعال ~~معينة يشتهيها الفاعل بعاطفته، ثم يبحث لها بعد ذلك عن مبرراتها العقلية، أي أنك لا تقول: ~~إن عقلي يرى الصواب من الأمر كذا وكذا ولذلك فإني فاعل كيت وكيت، بل تقول: إني فاعل كيت ~~وكيت ولذلك فإن عقلي سيجد له من المبررات كذا وكذا. # العاطفة من حب وكراهية تأتي عند الناس أولا، ثم يأتي بعد ذلك قبول الآراء ورفضها في ظل ~~تلك العاطفة، وقد تخف هذه العدة الشعورية عند فرد حتى لا تبدو آثارها إلا لماما وفي لمسات ~~رقيقة، لكنها قد تشتد عند فرد آخر فتصبح عاطفة جارفة كعاطفة العاشق الولهان أو الوطني ~~المتحمس أو صاحب العقيدة الذي ملأه الهوس نحو عقيدته؛ وعندئذ تعمى العيون وتصم الآذان، فلا ~~يرى صاحب العاطفة ولا يسمع إلا ما يغذي فيه عاطفته تلك، فعين الرضى - كما يقول الشاعر - عن ~~كل عيب كليلة، ولكن عين السخط تبدي المساويا. # الملائكة في عين الكاره أبالسة وشياطين، وعبثا تحاول إقناع الكاره بتغيير رأيه فيمن ~~يكره، إلا إذا انتزعت أولا منظاره الأسود من فوق عينيه، أما أن يظل منظاره ذاك أمام ~~عينيه، ثم تحاول بعد ذلك أن تريه بياض ms023 الأشياء ونقاءها وطهرها، فأنت عندئذ كمن يحاول أن ~~يضع النقيضين معا، والظاهر أن الجماعات الإنسانية قد أدركت ذلك منذ زمن بعيد، فعولت ~~عليه في تربيتها لأفرادها، فالجماعة المعينة تريد لأبنائها أن يحبوا شيئا ويكرهوا شيئا، ~~فحسبها أن تلبسهم مناظير فوق أنوفهم باللون الذي تريد لهم أن يروه، وهي بعد ذلك على يقين من ~~أنهم سيساقون لمشيئتها سوق الأغنام للراعي. # ولعلك تلاحظ هنا أن الإنسان لا يرى زجاج منظاره، وإن يكن ينظر خلاله إلى كل شيء عداه، ومن ~~ثم لا يدرك المتعصب أنه متعصب، لا يدرك أبدا إلا إذا جاءته رحمة الله فخلع منظاره الملون ~~عن عينيه. فتعدد الآراء في الشيء الواحد هو في الحقيقة اختلاف في ألوان المناظير، لا في ~~الشيء ذاته، ولا في العيون التي تستطيع أن ترى الشيء على حقيقته لو مكن لها أن تراه مباشرة ~~وبغير منظار. # قد أنظر إلى الجماعة من الأصدقاء، وقد أستمع إليهم يديرون المحاورة حول موضوع، فيقول ~~الواحد منهم رأيا ليدحضه صديقه، فأهمس لنفسي عندئذ: ترى كم بين هؤلاء الأصدقاء من كراهية ~~صامتة لا تعلن عن نفسها؟ إن الحب محمود عند الناس؛ ولذلك فهم يسرعون إلى إعلانه إن كان ~~بينهم منه شيء كثير أو قليل، أما الكراهية فمرذولة ممقوتة؛ ولذلك فهي مضطرة إلى التستر في ~~صمت وراء أقنعة الرياء، نعم أسأل نفسي عندما تجلس جماعة الأصدقاء في حديثها يدحض بعضهم آراء ~~بعض: ترى إلى أي حد صدر الرافض للرأي عن صدق مخلص، وإلى أي حد صدر عن كراهيته المكنونة في ~~صدره، التي يحرص على إخفائها حرص تاجر المخدر على إخفاء بضاعته؟ # وإنما جاءتني هذه المقارنة بين الخبيئين؛ لأن كليهما قد يثري صاحبه من وراء الستار، ~~ولست أدري كم جمعت تجارة المخدر لأصحابها من ثراء، لكني أستطيع أن أدلك على طرف يسير مما ~~جاءت به الكراهية الدفينة على الكارهين من ربح نفسي موفور! فبمقدار كراهيتك للناس والأشياء ~~والأوضاع من حولك، تكون مقاومتك لها ومحاربتك إياها، ثم بمقدار هذه المقاومة والمحاربة يكون ~~التقدم بالحياة من ms024 حال إلى حال: كره الناس حكامهم الطغاة فقاتلوهم حتى ظفروا بحريتهم من ~~سياط طغيانهم، وكره الفقراء أن يتمتع الأغنياء بكل شيء من دونهم فطالبوا بالإصلاح حتى ~~رأينا الضرائب تجبى بكثرة على الأغنياء ليعيش الفقراء ... فهذه وأمثالها كراهيات منتجة، لكنها ~~أنتجت حين أعلنت عن نفسها، ولو لبثت على صمتها كامنة في النفوس لظلت على عقمها. # آه لو شقت الصدور وفتحت القلوب، لترى كم اختبأ فيها من عناقيد الحصرم المر - حصرم ~~الكراهية التي يحملها الناس بعضهم لبعض، ثم لا يكشفون! ورحمك الله يا «فرويد» حين وضعت ~~أصابع الناس على حقيقة هالتهم وأفزعتهم، وهي هذا العداء المستحكم بين الابن وأبيه منذ ~~الطفولة، ولو أدرك الآباء هذه الحقيقة على هولها كله، لساسوا أبناءهم بما يخفف حدة هذه ~~الطبيعة البشعة بدل أن يزيدوا النار لهبا وسعيرا ... هل تصدق أن هذه البسمات التي يتبادلها ~~الزوجان لا تخفي وراءها كراهية وضيقا؟ هل تصدق أن هذا الود يتقارضه الصديقان لا يطوي في ~~أحشائه غلا وحسدا؟ ... إنه البشر وإنها طبيعته. # وما كل طبيعي مقبول، فالطبيعي لماء النيل أن يأتي ممزوجا بالطين، لكننا ننقيه ونصفيه ~~في المواسير والصنابير قبل شربه، والطبيعي للطرقات أن تكون رمالا وأحجارا، لكننا نمهدها ~~ونرصفها ليسهل السير فيها ... فإن كان من الطبيعي للبشر أن تعكر الكراهية قلوب الناس ونفوسهم، ~~فلا بد من التنقية والتصفية والتمهيد والرصف حتى يتم التعامل بين إنسان وإنسان. # فلنعلن من الكراهية التي نحملها في صدورنا عما عساه أن ينتج خيرا بإعلانه، كهذه الكراهية ~~التي أعلنتها الشعوب ضد حكامها الطغاة، والتي أعلنها الفقراء على الأغنياء؟ أما ما عدا ذلك ~~فالخير في حبسه في الصدور، حيث تظل الكراهية هناك بين جدرانها صامتة، لا أثر لها ولا خطر، ~~اللهم إلا ضيق الصدور الحابسة وكتمة النفوس الكارهة. # | عروس المولد # أرسلت إلي قائلة: «لقد أعجبني كثيرا وصفك للكراهية الصامتة، حتى تمنيت لو استطاع «الحب ~~الصامت» أن يحظى من قلمك بمثل هذه اللفتة ...» وتمنيت بدوري لو استطاع قلمي أن يجيب الصديقة ~~الأديبة إلى طلبها، لكني أحسست في أعماق ms025 نفسي بأنني إذا ما أجريت قلمي في هذا الميدان، ~~تعثر وكبا، فلا أكون جديرا منها بإعجاب آخر. # ترى أين عساي أن أوجه النظر، لأبصر بالحب صامتا لا يفصح عن نفسه ولا يبين؟ إن ~~الناس إذا ما أحس أحد لأحد حبا، أسرع إلى إعلانه فرحا فخورا، كأنما وقع في ثنايا ~~الطبيعة الإنسانية على كنز نادر نفيس، إنهم إذا ما أثنى أحد منهم على أحد في غيبته، تمنى ~~لو بلغ هذا الثناء صاحبه؛ لأنه يعلم أن الفطرة البشرية قلما تجود بهذه اللحظات التي يثني ~~فيها إنسان على إنسان، ثناء صادقا مخلصا لا ملق فيه ولا رياء. # أتذكر يوم جاء أبوك إلى غرفتك ساعة الفجر يصلي - فما رأيته مقصرا قط عن أداء الصلاة منذ ~~شببت فوعيت حتى مات - أتذكر وقد أخذ يدعو لك في صوت جهير، وكنت عندئذ مستيقظا في فراشك، ~~لكنك ظللت مغمض العينين؟ أتذكره وهو ينبئك على مائدة الإفطار كيف دعا لك وبماذا دعا؟ فلما ~~قلت له إنك قد سمعت دعاءه؛ لأنك كنت بين اليقظة والنعاس، تهلل وجهه وانتشى نشوة لم ~~تفارقه طيلة يومه؟ إنه والد أحب ولده حبا خالصا، لكنه لم يطق أن يظل حبه خبيئا ~~صامتا؛ وانظر - إن شئت - كيف يفرح الآباء إذا ما جاءوا لصغارهم بالحلوى، انظر كيف يفرحون ~~فرحة مضاعفة إذا كانت الأمهات على مرأى منهم أو مسمع! إن الوالد حين يعطي صغاره الحلوى، ~~إنما يعطي أبناءه الذين يمحضهم الحب نقيا خالصا لوجه الله، لا شبهة فيه ولا شائبة، لكنه ~~مع ذلك يود لو رأت أمهم علائم حبه لهم، لأنه لا يريد للحب أن يمضي خفيا صامتا، غير ~~مرئي ولا مسموع. # كلا، لست أجد المكان الذي أقف فيه لأنظر فأرى الحب صامتا، وإذا فلا يجمل بي أن أجيب ~~الصديقة الأديبة إلى طلبها، فليس المهم أن يكتب الكاتب ليملأ الصفحات، إنما المهم أن يكون ~~صادقا فيما يكتب وليقل بعد ذلك من شاء ما شاء. # إنهم يقولون: إن الأدب خيال، وإنهم لصادقون، فلماذا لا تنسج بخيالك نسيجا ترضي به ms026 ~~الأديبة فيما طلبت، وترضي به غرور الناس في آن معا، حين تنبئهم بأن قلوبهم مفعمة بالحب، ~~بعض إزاء بعض؟ ماذا عليك أن تتخيل زيدا وقد أحب عمرا حبا لم يعلنه بإشارة أو عبارة؟ ~~... لا، إن خيال الأديب ليس معناه أن يطير في الهواء بلا جناح، والجناح الذي يطير به هو ~~الواقع الذي يلمسه ويراه. # إن «سرفانتيز» لم ينظر بعينيه إلى فارس بين من رأى من الفرسان، اسمه «دون كيشوت» فرآه ~~يصنع لنفسه خوذة من ورق، ثم يضرب الخوذة بسيفه فتمزقها ضربة السيف، فيعود إلى صنع خوذة أخرى ~~من الورق، ويأبى هذه المرة أن يضربها بسيفه خشية أن يمزقها، حتى يظل رافلا في خياله ~~الجميل، بأنه - كسائر الفرسان - يغطي رأسه بخوذة تحميه من ضربات الأعداء إذا ما التقى ~~بالأعداء في قتال ... إن «سرفانتيز» لم ير شيئا من هذا رأي العين، لكنه خلقه بخياله، وكان ~~معنى الخيال هنا أن العين يجوز أن ترى أشباهه في الحياة الواقعة، ولا أحسبنا - نحن المصريين ~~- بحاجة إلى غوص عميق في لجة الحياة الواقعة لنستخرج منها أمثلة شبيهة بهذا الذي وقى رأسه ~~بخوذة من الورق، موهما نفسه بأنه قد أصبح كسائر الناس الذين يضعون الخوذات الصلبة فوق ~~رءوسهم لتحميها. # ولم يكن «لير» ملكا حقيقيا من أصحاب العروش الذين عرفهم التاريخ وسجلهم في كتابه، بل ~~خلقه شكسبير بخياله ليصور ما يمكن أن تكون عليه حالة الوالد إذا ما قسم ملكه بين أبنائه أو ~~بناته قبل موته، معتمدا على حب الولد لوالده؛ فهذا «لير» قد قسم ملكه بين ابنتين من بناته ~~الثلاث، حتى إذا ما طرق باب الواحدة منهما بعد ذلك ليعيش في كنفها، ضاقت به أولا، ثم نهرته ~~ثانيا، ثم طردته ثالثا، فراح المسكين - من هول الصدمة - في الأرض العراء يهذي، وما لبث ~~هذيانه أن أصبح جنونا صريحا ... إن شكسبير لم ير ذلك بعينيه، لكنه خلقه بخياله خلقا، وكان ~~معنى الخيال هنا أيضا أن العين يجوز أن ترى أشباهه في أي زمان أو مكان. # فلئن كان الأدب خيالا، ms027 فهو هذا الخيال الذي يستمد من الواقع جناحه، فلا بد لي - إذا - ~~قبل أن أكتب في «الحب الصامت» أن أراه ... # يا لسعدي! وقلما شاءت لي الأيام سعدا! لقد وقعت عيناي ليلة المولد على مثل عجيب من الحب ~~الصامت، وإذا فسأكتب للصديقة الأديبة ما أرادت! # هذا صبي في العاشرة وقف أمام بائع العرائس - عرائس المولد - وقفة تفيض بالمعاني، وقف على ~~بعد ثلاثة أمتار أو نحوها، مثبتا ناظريه في عروس كبيرة، والأعجب من هذا أن راحت العروس ~~«الحلوة» بدورها تنظر إليه لا تزيح عنه البصر! ... والله لن أمضي في طريقي حتى أتبين حقيقة ~~هذا الغزل النادر، إن الصبي ينظر إلى معشوقته وعلى فمه ابتسامة خفيفة كلها هيام، والأعجب من ~~ذلك أن راحت العروس «الحلوة» بدورها تبتسم له في حنان ظاهر! من ذا يرتاب في أن العروس قد ~~وقفت هنالك على شرفتها العالية من دكان البائع تصوب نحو الصبي نظراتها وتبعث إليه ~~ابتسامتها؟ ألا إنهما عاشقان صامتان، لولا أن حبه هو قد كان ممتزجا باشتهاء الحبيبة، وأما ~~حبها هي فصادر منها عن عطف وإشفاق، ترى شهوته في عينيه ولعاب شفتيه، ويرى عطفها في ~~ابتسامتها ... # لكن أوجه الخلاف بين العاشقين الصامتين بعد ذلك فسيحة المدى، إنه صبي فقير وقف هناك في ~~هلاهيله رغم البرد الشديد، وقف مرتعش الأطراف تريد عضلاته الصغيرة أن يزحم بعضها بعضا ~~ليدفئ بعضها بعضا! ورأيته يرفع إحدى قدميه فيقف بها على أطراف أصابعها، ونظرت إلى القدم ~~المرفوعة فإذا آثار جرح كبير في عقبها، تعرفه جرحا بحواشيه القرمزية المنتفخة، وأما فجوة ~~الجرح نفسه فقد ملئت بالطين الجاف، كأنه بركان ثار وأرسل الحمم ثم خمد مؤقتا ليثور من ~~جديد بعد حين. لكن الصبي الولهان ظل واقفا هنالك يرتعش ويرقب معشوقته المشتهاة في شرفتها ~~العالية، إنها بادية الثراء، لبست ثوبا نظيفا جديدا لامعا، عليه «الترتر» اللامع ~~الساطع. # شعر الصبي ملبد فوق رأسه خشن بأوساخه غليظ، وشعر العروس ممشط ناعم مرسل، وجسد الصبي ~~ملطع ببقع بيضاء من ملح، وجسد العروس كله في حلاوة السكر ms028 وأشهى، شتان ما كان من فرق بين ~~العاشق الفقير ومعشوقته الثرية: إنه بقعة سوداء في محيط لامع من الأضواء المختلفة الألوان ~~والبريق، كان المكان كله يتوهج بالنور ليلة المولد، وكان الهواء كتلة من الصوت، فاختلط ~~الصوت بالضوء اختلاطا يكاد يخيل لك معه أنك ترى الضوء بأذنيك وتسمع الصوت بعينيك - إلا هذا ~~الصبي العاشق الولهان، فقد وقف وسط الضوء اللامع بقعة سوداء من فقر، ووقف وسط الصوت المدوي ~~قطعة ساكنة من ذل، ترتعش أطرافه من برد ديسمبر، وترتفع قدمه الجريحة تخفيفا للألم، ~~وذراعاه ضاغطتان على بطنه، إما طلبا لدفء أو دفعا لجوع، وقف هنالك بقعة سوداء ساكنة، ~~رافعا رأسه قليلا إلى أعلى، شاخصا ببصره إلى عروسه لا يتحول عنها يمينا أو يسارا ولا ~~يتقدم خطوة ولا يتأخر. # فأين ذلك كله من عروسه اللامعة من محيطها اللامع، المزدانة في اتساق مع ما حولها من زينة؟ ~~إنها وقفت هنالك تنظر إليه وتبتسم، لماذا لا تنزل الدرج ساعية إليه؟ إن الفقير والغنية ~~إذا تحابا، كان على الطبيعة أن تغير مجراها، فتخطب الأنثى ود الذكر؛ لأن الذكر هنا عاجز ~~مهيض الجناح منتوف الريش! لقد كان محالا على الصبي أن يتصور أن عروسه تلك المزدانة، قد ~~وقفت هنالك في بهرجها، أمة رقيقة معروضة في السوق للبيع، ولا تتحرك إلا بإذن صاحبها الذي ~~يتقدم لشرائها، كان محالا أن يطوف بباله أن هذه «الحلاوة» كلها تباع بمال، وأكثر من ذلك ~~استحالة على تصوره أن يكون بين الناس من يملك المال الذي يستطيع به الشراء! # كيف كان يمكن لصبي في فقره وخبرته أن يتصور أن عروسه تلك مما يؤكل؟ كيف يأكلها آكلوها؟ هل ~~يبدءون بالرأس أم يبدءون بالقدم؟ وهذا الشعر المنساب الناعم على رأسها، وهذا الثوب المزخرف ~~الجميل اللامع ... # طاخ! نزلت صفعة الشرطي على الصبي إذ هو شاخص ببصره إلى عروسه يحلم، والشرطي معذور؛ لأنه ~~مطالب بحفظ النظام، وليس من النظام في شيء أن يشتهي مثل هذا الصبي مثل تلك العروس، إن في ~~ذلك خلطا كريها لطبقات الأمة غنيها ms029 وفقيرها، وقد كان العشق منذ أقدم العصور مقيدا بقيود ~~الطبقات، فلا يكون عاشق من طبقة ومعشوقه من أخرى ... طاخ! صدمت ركلة الشرطي قدم الصبي ~~الجريحة، فجرى المسكين صارخا من الألم في صوت يشبه عواء الكلب الجريح، وظل يحجل على قدم ~~واحدة وهو يصيح، حتى أوى إلى فجوة باب مغلق خلف حظيرة الحلوى التي عرضت فيها عروسه، وجلس ~~هناك في الظلام باكيا، يهز جذعه إلى خلف وإلى أمام، ممسكا بقدمه الجريحة بين كفيه. # ونظرت إلى الصبي في ظلامه نظرة أخيرة، ثم نظرت إلى عروسه في زينتها وضوئها؟ نظرت ~~إليهما بعد أن فرق قانون الدولة بينهما إلى الأبد، فإلى الأبد سيظل حب الصبي لحبيبته ~~مكتوما في قلبه، وسيظل حب العروس لفتاها حبا صامتا، لكن ابتسامة الصبي قد حولها قانون ~~الدولة بكاء وأسالها على وجه البائس دموعا، وأما ابتسامة العروس فستبقى ابتسامة، وإن تبدل ~~معناها من عطف إلى سخرية، ستبقى لها ابتسامتها لأنها في السوق لا تباع بغير ابتسامة. # ومضيت في طريقي وأنا أحمل بين جنبي قلبا من حجر، وهل أدعي غير ذلك ما دمت قد رأيت ~~وسمعت، ثم مضيت في طريقي؟ وما هو إلا أن رأيت قوما تحلقوا يذكرون الله في ورع وتقوى، فهل ~~كان يسعني عندئذ إلا أن أتذكر «فيفيكا ناندا» - من رسل الإصلاح الديني في الهند - إذ يقول: ~~«أسمى الحقائق هي هذه: الله كائن في الأشياء كلها، إنها صوره الكثيرة ... إننا نريد عقيدة ~~دينية تعمل على تكوين الإنسان ... اطرح هذه التصوفات المنهكة للقوى وكن قويا ... ولنمح من ~~صفحات أذهاننا - في الخمسين عاما المقبلة - كل ما عدا ذلك من آلهة، جنسنا البشري هو الإله ~~الوحيد اليقظان، يداه في كل مكان، قدماه في كل مكان، أذناه في كل مكان، إنه يشمل كل شيء ... ~~إن أولى العبادات كلها هي عبادة من حولنا، ليس يعبد الله إلا من يخدم سائر الكائنات ~~جميعا.» # لم يكن يسعني وقد رأيت الذاكرين يذكرون الله بعد رؤيتي لذلك الصبي يتألم ويعوي، بكل ما ~~فيه: بقدمه الجريحة وبطنه الجائع، وجسمه ms030 المرتعش، وقلبه الولهان! لم يكن يسعني وقد رأيت ~~أولئك بعد هذا، إلا أن أذكر قول «فيفيكا ناندا» على نحو ما يتوارد الضدان في الذهن، والحق ~~أني ظللت أذكر ذلك الصبي المتألم الولهان، كلما طالعت الصحف ووجدت قصائد «الشعراء» تترى في ~~ذكرى المولد النبوي الكريم: ترى هل لهؤلاء «الشعراء» قلوب حساسة حقا كما يتوهمون ~~ويوهمون، أم أن قلوبهم - مثل قلبي - قدت من حجر، فيرون أمثال هذا الصبي المسكين ليلة ~~المولد، ثم يمضون إلى مكاتبهم الدافئة ينظمون و«يشعرون»؟! # ولكن مالي الآن ولهذا كله؟ لقد كتبت إلي صديقتي الأديبة متمنية لو استطعت أن أكتب عن ~~«الحب الصامت» كما كتبت عن «الكراهية الصامتة» وتمنيت بدوري لو استطاع قلمي أن يجيب، وحسبت ~~تحقيق أمنيتي هذه - في أول الأمر - محالا لاستحالة أن يكون في العالم حب صامت يقع عليه ~~البصر فيجري به القلم، ثم شاءت لي الأيام سعدا وقلما تشاء، فأطلعتني ليلة المولد النبوي ~~على حب صامت عجيب، سيظل إلى الأبد قائما بين صبي فقير عاشق وعروس من الحلوى. # | إلى سادتي الحكام # إلى السادة من أصحاب السلطان في هذا البلد أوجه الحديث ... لكن عفوا سادتي، فما قصدت ~~بهذا إلى الإساءة عامدا، فأنا عالم أتم العلم بأن سادتي لا يقرءون لأصحاب الفكر النظري ~~ما يكتبون، ومن ثم نجاح الأولين وإخفاق الآخرين؛ فهؤلاء قد أوصدوا من دونهم أبواب أبراجهم ~~وقطعوا الأسلاك التي تصلهم بالعالم الخارجي، وعاشوا في عزلة موحشة يقرءون ويكتبون، أما ~~أولئك السادة فقد خرجوا إلى حيث يضطرب الناس وتصطخب الحياة؛ ليحكموا الناس ويمسكوا بزمام ~~الحياة، فليس بهم حاجة إلى كاتب يوجه إليهم حديث النصح والهداية، وحسبهم في باب القراءة ما ~~قد طالعوه أيام الطلب في مدارسهم وكلياتهم في عهد الطفولة والصبا. # لم أقصد يا سادتي إلى الإساءة عامدا، حين زعمت أني أوجه إليكم حديثي هذا، فلست جادا في ~~استعمال هذه الكلمات، وإنما الأمر كله أحلام وأوهام، فالخيال والغرور كلاهما يصوران لي ~~أحيانا أني أكتب لقارئ، ثم سرعان ما يوغل بي الخيال ويشتط الغرور حتى أتوهم أن ms031 هذا القارئ ~~قد يكون من أصحاب السلطان، فأخاطبه كأنما أخاطب رجلا سميعا بصيرا من لحم ودم، والأمر كله ~~لا يعدو تخليط واهم وأضغاث حالم، وكما يقول «جولد سميث»: إذا كانت أحلام الحالم لا تضر ~~الناس فاتركوه يحلم كيف شاء. # أردت أن أقول يا سادتي: إني كنت أقرأ لأفلاطون قراءات مبعثرة هنا وهناك، فاستوقف نظري ~~حرص شديد من ذلك الشيخ القديم على أن ينبه قارئه على مر الأجيال إلى علاقة قوية شديدة بين ~~الخير والجمال، فقد أخذ يكرر في مواضع كثيرة أن الخير والجميل شيء واحد ... وفكرت لنفسي: ~~ترى ماذا يعني كبير الفلاسفة اليونان بقوله هذا؟ وانتهيت إلى تحليل أرضاني، تترتب عليه ~~نتيجة هي التي أردت أن أسوقها إلى سادتي الحكام في هذا البلد، وهي أن كل ما في هذا البلد ~~المسكين قبيح ذميم بفعل هؤلاء السادة أنفسهم، وعجبت أن يعنى السادة بالجمال في مساكنهم ~~الخاصة وفي ملابسهم ومآكلهم وشتى جوانب حياتهم الشخصية، ثم لا تمتد هذه العناية قليلا ~~لتشمل شئون الشعب الذي ألقى إلى أيديهم بزمامه ... # فماذا يعني فيلسوفنا بأن الخير هو نفسه الجمال؟ سأقص على القارئ خواطري كما وردت حين ~~أردت توضيح الفكرة لنفسي. قلت: اختر لنفسك مثلا أو مثلين مما يستحيل أن يختلف الناس في أنه ~~خير، فالصحة خير من المرض بغير شك، والغنى خير من الفقر بلا ريب، وإذا فلنمعن النظر في ~~هذين: الصحة والغنى، فهذان مثلان للخير يرضاهما الناس جميعا وعلى رأسهم السادة أصحاب ~~السلطان، فكيف تكون العافية جمالا؟ وكيف يكون المال جمالا؟ وقد عهدنا الجمال على ألسنة ~~الشعراء لا يكون إلا للزهرة والجدول والمرأة الفاتنة والقمر الوضاء والشمس وهي غاربة وما ~~إلى ذلك من ألوان الجمال؟ # ثم سألت نفسي قائلا: ألا يحسن بك أن تنتقل بنظرك إلى الأشياء الجميلة أولا؛ لعلك مدرك ~~عنصرا مشتركا بينهما، هو الذي يجعلها جميلة، بحيث تزداد جمالا أو تنقص بزيادة ذلك العنصر ~~فيها أو نقصه؟ وسرعان ما وقعت على الجواب الذي لست أشك في أنه كان ماثلا في ذهن أفلاطون ms032 ~~وهو يفكر في هذا الصدد؛ لأنه جواب أعتقد أن كل مفكر يوناني لم يكن يتردد في قوله لو سئل: ما ~~الجمال؟ وذلك هو احتفاظ الجسم بنسب معينه بين أجزائه؟ ففكرة تناسب الأجزاء والوقوف بالشيء ~~عند حد يرضاه الذوق والعقل معا، في غير إسراف في هذا الطرف أو ذاك، هذه الفكرة كانت تشغل ~~الفكر اليوناني حتى لتصادفك كلما قرأت لليونان شيئا. # جمال المرأة الجميلة هو احتفاظ أجزاء جسمها بنسب معينة، يعرفها في عصرنا هذا القائمون على ~~مسابقات الجمال، فللذراع طول وللساق طول ولكل جزء من أجزاء الجسد مقياس معين، ويكون جمال ~~المرأة بمقدار قربها من تلك المقاييس في أجزاء جسمها. ولكن من الذي يقرر هذه الأطوال ~~والمقاييس؟ تقررها التجربة والخبرة والملاحظة، فأنسب طول للذراع هو نفسه الطول الذي يجعل ~~الذراع في أحسن حالة تمكنها من الحركة السهلة، وأنسب طول للساق هو نفسه الطول الذي يجعل ~~الساق في أحسن حالة تمكنها من الحركة السهلة، وهكذا، فكأنما الذي يقرر لنا تلك الأطوال ~~والمقاييس هو مدى قدرة الأعضاء على أن تحتفظ لنا بالحياة والبقاء القوي السليم. # وبعد أن يتقرر لنا شرط الجمال البشري، يتقرر تبعا له شرط الجمال في كل شيء آخر؛ لأن ~~الإنسان بعدئذ يخلع نظرته الذاتية على الأشياء، فما دام الإنسان حين تتوافر لأعضاء جسده ~~النسب التي تجعلها أقدر على الحركة والاحتفاظ بالحياة، يكون في الوقت نفسه قد توافرت له صفة ~~أخرى هي التماثل (السيمترية)، إذا فليجعل التماثل مقياسا يقيس به جمال الزهرة وجمال ~~البناء وجمال الشعر وجمال الصفوف المنظمة من الجنود وما إلى ذلك. # وما دام الإنسان يتوافر لجسده شرط الجمال حين تتوافر له سهولة الحركة ويسرها، إذا ~~فليجعل من الحركة المنسابة مقياسا يقيس به جمال الجدول الجاري، وانطلاق الصوت وكل ما ~~يذكره بحركة الحياة النامية في جسده هو، كاحمرار الشفق عند غروب الشمس، وميسان الأغصان ~~وميلانها السهل مع هبوب الريح، وصوت حفيفها الذي يذكر بهمس العاشقين. # والخلاصة هي أن رأي الإنسان في جمال الأشياء مستمد في النهاية من رأيه في ms033 جمال جسمه، ~~وجمال جسمه مستمد من خبرته التي دلته على أن الحياة تكون أضمن بقاء حين تتوافر للجسم ~~نسب معينة بين أعضائه، فهذه النسب - إذا - هي عنده المرجع الأخير. ~~••• # وبعد أن قررت لنفسي ذلك في الأحكام الجمالية، عدت إلى المثلين اللذين أردت بحثهما من ~~أمثلة الخير المتفق عليه، مثل الصحة ومثل الغنى، وسألت: متى يكون الجسم صحيحا معافى؟ ~~يكون كذلك حين تلتزم عناصره نسبا معينة، فإذا زاد أو قل السكر أو الزلال أو الملح أو غير ~~ذلك عما ينبغي، اعتل الجسم، وكان شفاؤه في الحد من الزيادة إن كانت زيادة، أو في سد النقص ~~إن كانت قلة. # ومزاج الإنسان يختلف من ساعة إلى ساعة، فهو الآن في نشوة من نفسه، وهو الآن في غم وضيق، ~~لماذا؟ لأن «مزاج» العناصر يختلف من ساعة إلى أخرى، فإذا كانت نسبة «المزج» صحيحة كان ~~«المزاج» النفسي صحيحا كذلك، وإذا كانت نسبة المزج مضطربة كان المزاج النفسي ~~مضطربا. # فالصحة البدينة والصحة النفسية على السواء، هي في أساسها صحة النسبة بين العناصر، لكن ~~الجمال في الشيء الجميل إن هو - كما أسلفنا - إلا احتفاظ الأجزاء بنسب معينة كذلك، وإذا ~~فالجسم الصحيح هو كذلك جسم جميل؛ لأن الأساس في الحالتين واحد. ولما كانت الصحة خيرا ~~متفقا عليه، كان الخير والجمال شيئا واحدا، وكان الخير هو نفسه الجميل. # وننتقل إلى المثل الآخر من أمثلة الخير، الذي أردنا تحليله لتوضيح ما أردنا توضيحه، وهو ~~الغنى؛ فالمال خير متفق على خيريته عند الكثرة الغالبة من الناس، وحتى أولئك الذين ~~يذمونه ويجعلونه شرا، إنما يذمونه بالكلام ويسعون وراء جمعه بالفعل والعمل. # لكن الناس كذلك متفقون بما بينهم من فهم مشترك للأمور، على أن هنالك نسبة معينة لا بد ~~أن يراعيها صاحب الحاجات لإنفاق مقادير معينة من المال بين كسبه وإنفاقه، فإذا كسب مالا ~~ولم ينفقه لم يكن عند الناس موضع مدح، كذلك إذا أنفق مالا ولم يكسبه، بل ترى الناس يكادون ~~يحددون أنواعا معينة من العمل لكسب مقادير معينة من المال، ثم ms034 أنواعا معينة من المال ~~المكسوب، ولا يكون صاحب المال عندهم موصوفا بالخير إلا إذا حافظ على هذه النسب كلها بين ~~نواحي كسبه وأوجه إنفاقه جميعا، فرجل يمدح لأن معظم ماله من كسبه عن طريق العمل، ورجل ~~يذم لأن معظم ماله هو مال زوجته، وغني يمدح لأنه يجود بماله، وغني يذم لأنه ~~يبخل، وهكذا. # وهكذا يتوقف الخير المنسوب إلى المال على نسب مطلوبة في طريقة كسبه وطريقة إنفاقه على ~~السواء، وقد أسلفنا أن التناسب هو أيضا أساس الحكم بالجمال على الشيء الجميل، وإذا ~~فالخير هنا أيضا هو نفسه الجميل؛ لأن الأصل واحد في الحكمين. ~~••• # وأعود إلى السادة من أصحاب الحكم والسلطان، الذين أوجه إليهم الحديث فيما أوهمت نفسي، ~~فأقول: # أيها السادة، لقد اختل في أيديكم الميزان فاضطربت النسبة الصحيحة بين الأشياء والأوضاع، ~~فامتلأت البلاد بالقبح الذميم لأنها امتلأت بصنوف الشر، وقد أوضحنا لكم أن الشر هو القبح، ~~وأن الخير هو الجمال. # إنكم - فيما أرى - عشاق للجمال في كثير من صوره، تعشقونه في جميلات النساء، شأنكم في ذلك ~~شأن سائر الناس منذ كان على الأرض إنسان، وتعشقونه في الطعام الجيد، فقد ظهر لنا فيما ~~أسلفناه من تحليل أن الجودة في الشيء هي جماله، وإذا فالطعام الجيد هو كذلك طعام جميل، وقد ~~حباكم الله في هذه الناحية بحاسة حادة تميزون بها الجيد من الرديء، أعني الجميل من القبيح، ~~وتعشقون الجمال في الجبال الشمم المعشوشبة السفوح المثلوجة القمم، وإلا لما تجشمتم هذا ~~العناء المضني كل صيف في ارتياد سويسرا وغير سويسرا من بلاد الجبال، وتعشقونه في البحر ~~وشواطئه، وتعشقونه في أثاث منازلكم وفي ملابسكم ... وبقي يا سادتي شيء واحد لو عشقتم فيه ~~جماله صلح الأمر كله من أوله إلى آخره، ذلك هو العدل. # كان العدل أقوى مثل وأضخم مثل ساقه لنا أفلاطون - صاحب فكرة اتحاد الخير والجمال - ليوضح ~~به كيف يكون الاحتفاظ بالنسبة الصحيحة بين الأشياء جميلا، وما العدل عنده إلا هذا الاحتفاظ ~~بالنسبة الصحيحة بين الأشياء، فهلا أضفتم يا سادتي هذا الخير إلى ms035 سائر خيراتكم، فتضيفوا ~~بذلك جميلا آخر إلى قائمة الجمال الذي تعبدونه في كثير من صوره؟ # الظلم - أيها السادة - يملأ حولكم أركان البلاد، الظلم بمعناه الذميم، وهو اضطراب النسبة ~~بين الأشياء والأحياء، وبالتالي يملأ القبح جنبات هذا الوادي المبارك الذي أراد له الله أن ~~يكون جميلا، إنه لا تناسب يا سادتي بين المناصب وشاغليها، فصغير عندكم يملأ منصبا كبيرا، ~~وكبير يشغل صغيرا، ولا تناسب بين المرتبات والعاملين، فعامل منتج ضئيل الكسب، وخامل لا ~~ينتج عظيم الكسب، يستمتع بما لم يرد له الله ولا طبائع الأشياء أن يستمتع به من ~~طيبات. # العدل، العدل يا سادتي الحكام، فالعدل خير؛ ولذلك فهو جميل، وأنتم من عشاق ~~الجمال. # | أبناء الظلام # ينقسم العصر في تاريخ الأمة جيلين: جيل صاعد وجيل هابط، أما الصاعدون فهم أولئك الذين ~~لا يزالون من أعمارهم دون الأربعين أو نحوها، لا تزال خطاهم ترقى بهم - في حساب الحياة - من ~~درجة أسفل إلى درجة أعلى، وما تزال أبصارهم أثناء السير شاخصة إلى قمة تحجب عنهم نهاية ~~الطريق، فيحسبون أن ليست للطريق نهاية. كنت أتحدث إلى شاب في الخامسة والعشرين، جاءني ~~يستشير في أمر مستقبله، فقلت له إن الطريق الفلانية أضمن لك حين تبلغ الستين، فابتسم ~~قائلا: إن هذه الستين لا تطوف لي ببال، كأنما خلقت الشيخوخة لغيري من الناس، وكأنما يخيل ~~إلي أني سأعيش أبدا في شباب يتجدد له إهاب كلما أبليت منه إهابا. # قال لي ذلك، فذكرت من فوري كيف كانت حالي أيام الصعود، من عمل متصل فيه الجد والحرمان، ~~لا أبالي بنتائج عملي كيف تجيء، أتكون كسبا أم وبالا، فكنت أبذل من عافيتي وجهدي بذل ~~المسرف المتلاف، الذي ينفق الألوف بغير حساب، مستندا إلى رصيد لا يفنيه تبذير، كنت أعمل ~~الليل والنهار ثم النهار والليل، حتى لقد سألني أستاذ كبير كريم ذات يوم، حين رأى ما ~~أكتبه أكداسا تتلاحق حملا بعد حمل، على الرغم من عمل مضن لكسب العيش يطول ما طال ~~النهار. سألني: من ذا يعاونك في هذا كله من ms036 جماعة الجن؟ ... فوا أسفا، كأنما كنت أصب الماء في ~~إناء مثقوب، أو أبذر البذور في حقل يثمر الحنظل، لقد أكملت من عمري سبعة وأربعين عاما، ~~تركتني كالأسطوانة الجوفاء، فزرع ولا حصاد، وحركة ولا سير، وشيخوخة ولا نمو ... # وأما الهابطون فهم أولئك الذين قد جاوزوا قمة الأربعين وأخذوا ينحدرون على السفح خطوة ~~خطوة في سير وئيد، يرون النهاية بأعينهم هنالك في أسفل، لم تعد في الطريق قمة تحجبها، كانت ~~الأبصار إبان الصعود شاخصة إلى السماء، وهي الآن منحدرة إلى الأرض تتبين مواضع القدم. إنه ~~لم يعد في الرصيد المخزون ما يحتمل إتلافا وإسرافا. إن شمعة الضوء قد ذهب أكثر من نصفها؛ ~~فينبغي أن يحيطوا شعلتها بالحواجز الواقية حتى لا تتعرض للأنواء والعواصف، ذهب زمان ~~المخاطرة وجاء وقت الحذر، لم يعد في طريق الحياة غيب مجهول يستحق المقامرة والمغامرة، فكل ~~شيء قد وضح وانجلى عنه الدخان والقتام، ستكون كيت وكيت بعد كذا وكذا من السنين إن طال بك ~~أمد السنين ... # والعادة - إذا كانت حياة الأمة قوية سليمة - أن يسلم الجيل الدابر مصابيحه إلى الجيل ~~التالي عند قمة الجبل التي تفصل بين الصعود والهبوط، فتظل المشاعل الهادية عند القمة ~~العالية يتسلمها جيل بعد جيل، فتزيدها الأجيال المتعاقبة وهجا ونورا، وبهذا وحده يصعد ~~الصاعدون على ضوء فلا تزل لهم قدم في شعاب المرتقى، ويهبط الهابطون وقد خلفوا وراءهم مشاعل ~~الطريق، تطرح أمامهم الظلال التي تزداد طولا كلما أمعنوا في الهبوط، فيزدادون بطول ظلالهم ~~ثقة واطمئنانا بما صنعوا لمن جاء بعدهم في مراحل الطريق. # وإني لأستثني حياتنا السياسية وحدها، وأسأل بعد ذلك: هل حمل جيلنا الدابر في أيديه ~~المشاعل ليهتدي بضوئها الجيل الصاعد، أم أن أبناء هذا الجيل الصاعد يشرئبون بأعناقهم ~~عبثا، ويشخصون بأبصارهم سدى فلا يجدون أمامهم إلا ظلاما يتخبطون فيه على غير هدى؟ - ~~بعبارة أخرى: هل رسم الجيل الدابر لخلفه المثل العليا التي يترسمها في شتى جوانب حياته؟ ~~وقد استثنيت الحياة السياسية، لا لأني راض عنها كل الرضا، بل لأن رجال السياسة - إلى ms037 جانب ~~نقائصهم الفادحة وعيوبهم البشعة - قد رسموا المثل الذي نترسمه: وهو أن نعمل في سبيل تحرير ~~أنفسنا من الغاصب، وها نحن أولاء ماضون فيما دعونا إليه، وكأنما ينظر شبابنا فلا يرون ~~أمامهم أفكارا تنتظر التحقيق، إلا الأفكار التي يدعوهم الساسة إليها، فينصرفون بكل جهدهم ~~نحو هذه الغاية وحدها، ولا عجب، فلم يقم غير رجال السياسة بوضع غايات أخرى أمام الشباب إلى ~~جانب تلك الغاية، فيستحيل أن يقع اللوم كله على الشباب، إذا رأيناهم قد ذابوا في مجرى ~~الحياة السياسية ذوبانا يختل معه توازن الحياة. ~~••• # إنني رجل قد أصيب في عقله بمرض اسمه «تحديد المعاني»، فماذا يراد بعبارة «المثل ~~الأعلى»؟ لأنه من الخير - قبل المضي في حديثنا - أن نعلم في أي شيء يقوم الحديث. # المثل الأعلى فكرة يؤمن بها صاحبها وتشتد به الرغبة في تحقيقها، لكنها رغبة تختلف عن ~~رغبته في تحقيق راحته الشخصية ومتعته، فقد تكون لدي فكرة أن يكون لي منزل أملكه في نهاية ~~مراحل عمري لأتخذ منه مأواي الهادئ عندئذ، وقد تشتد بي الرغبة في تحقيق هذه الفكرة، لكنها ~~مع ذلك لا تكون «مثلا أعلى»، وقد تكون لدي فكرة أن أبلغ منصب الوزارة، وقد تشتد بي ~~الرغبة في تحقيق هذه الفكرة، لكنها أيضا لا تكون «مثلا أعلى» لماذا؟ لأن المثل العليا ~~أفكار نؤمن بها ونرغب في تحقيقها، ثم يشترط فيها إلى جانب ذلك ألا تكون قاصرة على العنصر ~~الشخصي، بحيث تصلح أن تكون موضع اشتهاء أبناء المجتمع جميعا، «فالمثل الأعلى» فكرة مرغوب ~~في تحقيقها، لكنها لا تتصل بذات الراغب اتصالا يحصرها في مصلحة تلك الذات وحدها، بل تصلح ~~إلى جانب ذلك أن تكون هدفا للجميع على السواء. # فإذا رغبت في أن يكون لدي ما يكفيني من الطعام، فليس ذلك «مثلا أعلى» أما إذا رغبت في ~~أن يكون لدى كل إنسان ما يكفيه من الطعام، ثم عملت على تحقيق تلك الرغبة بأية وسيلة مؤدية، ~~كان ذلك «مثلا أعلى»، وإذا رغبت في أن يعاملني الناس بالحسنى، لم يكن ذلك «مثلا ms038 أعلى »، ~~وإنما يكون كذلك لو رغبت في أن يعامل الناس جميعا بعضهم بعضا بالحسنى، ثم عملت على تحقيق ~~هذه الرغبة، وإذا رغبت في أن أكون عالما يتقصى في الطبيعة حقائقها، فليس ذلك «بالمثل ~~الأعلى» وإنما يكون كذلك لو رغبت في أن يكون العلم هو الأساس السائد في حياة الناس بحثا ~~وكشفا، أو عملا وتطبيقا، وإذا رغبت في أن أستمتع بنحو معين من ألوان الفن، كائنا ما ~~كان، عمارة أو نحتا أو تصويرا أو موسيقى أو ضربا من ضروب الكلام، فليس ذلك وحده «بالمثل ~~الأعلى»، ولا يكون كذلك إلا إذا تمنيت لهذا اللون المعين من الجمال أن يشيع تذوقه بين ~~الناس أجمعين. # ولا بد لي أن ألاحظ هنا، أن الأمر كله قائم على «الرغبة الشخصية» في نهاية الأمر، لكن ~~هذه الرغبة الشخصية لا تكون مثلا أعلى إلا إذا جاوزت حدود صاحبها بحيث تمناها صاحبها للناس ~~جميعا، ومن ثم تختلف «المثل العليا» في العصور المختلفة؛ لاختلاف أهل تلك العصور في ~~رغباتهم التي يسعون إلى تحقيقها تحقيقا شاملا، فيصح أن نقول عن عصرنا هذا إن الحرية ~~الفردية من بين مثله العليا لأن هناك من أبنائه من أرادوا لأنفسهم هذه الحرية الفردية ثم ~~أرادوها للناس أجمعين، لكن هذه الحرية الفردية لم تكن هي المثل الأعلى في كثير جدا من ~~العصور السابقة، حين كانت عضوية الفرد في جماعة، وانطماسه في أسرته أو في قبيلته، هي المثل ~~الأعلى المنشود، ولعل هذا المثل الأعلى الذي ينشد الحرية الفردية، هو نفسه الذي انبثق منه ~~مثل أعلى آخر لعصرنا، وهو أن تنمحي الحواجز التي تفصل بين الأمم، لتعيش الدنيا كلها ~~مجتمعا واحدا؛ لأن الفرد لا يتحرر حقا باعتباره فردا قائما بذاته، إلا إذا أزيلت عن ~~عاتقه الروابط المكانية التي تجعله تابعا بالضرورة لهذا الوطن أو ذاك. # نعم تتغير المثل العليا من عصر إلى عصر، فجمهورية أفلاطون كانت صورة للمثل الأعلى كما ~~أراده للناس في حياتهم الاجتماعية، وفي رأيي أنه يستحيل على كاتب معاصر أن يتمنى للناس مثل ~~هذا النظام، ms039 الذي لا يمنيهم إلا بالانتصار في الحروب الخارجية، وبتوفير الطعام في الداخل، ~~إنه مجتمع يخلو من البحث العلمي ومن الفنون، فأين هذا المفكر اليوم الذي يرسم لنا مثلا ~~أعلى لتحقيقه، فيرسم لنا حياة لا علم فيها ولا فن؟ الحقيقة أن هذه الجمهورية الأفلاطونية قد ~~أزاغت الأبصار عن حقيقتها قرونا طويلة، وحسبوها نموذجا لزمانها وغير زمانها، ولو أمدني ~~الله بقوة أحقق بها مشروعات كثيرة أتمنى أداءها، فسيكون من بينها تحليل هذه الجمهورية ~~تحليلا يبين مواضع النقص فيها باعتبارها مثلا أعلى يصلح لزماننا، كما يقع في وهم كثير ~~جدا من شبابنا الذين يتاح لهم أن يلموا بطرف منها - لكن ذلك لا ينفي إمكان صلاحيتها مثلا ~~أعلى لزمانها. ~~••• # ولنا في ضوء هذا التحليل أن نسأل: هل طافت برءوس الجيل الدابر أفكار، اشتدت بهم الرغبة في ~~تحقيقها، بحيث تصلح كذلك أن تكون موضع الرغبة عند الناس جميعا؟ # هل بينهم مثلا من أخذ ينادي بفكرة في النظام الاقتصادي على نحو مفصل بحيث تحمس لها ~~وراح ينشرها بكل وسيلة ممكنة؟ فإذا شخص الجيل الصاعد بأبصاره ليهتدي في هذه الناحية من ~~حياته، أفتراه واجدا عند الجيل السابق ما يهتدي به، بحيث يتحمس بدوره لهذا المذهب ~~الاقتصادي أو ذاك تحمسا بصيرا مستنيرا؟ # هل بينهم من جعل ينادي بطريقة معينة في المعيشة الفردية، يحياها هو أولا، وينشرها بكل ~~وسيلة ممكنة حتى يجد الجيل المقبل نماذج يتخير منها ما يشتهي؟ إن غاندي بطريقة عيشه كان ~~ينشر «مثلا أعلى» لأنه تمنى لنفسه وللناس، و«سارتر» برأيه في الوجودية ينشر «مثلا ~~أعلى»؛ لأنه كذلك يتمنى لنفسه وللناس، وقد تعمدت أن أضرب هذا المثل الأخير؛ لأني أعلم أن ~~كثيرين ممن يسيئون فهم وجودية سارتر، سيقولون: أين «العلو» في هذا المثل؟ فأجيبهم بأن أية ~~فكرة كائنة ما كانت، تصلح أن تكون «مثلا أعلى» ما دام صاحبها «يعيشها» ويحاول أن يشرك معه ~~الناس فيها، والفرض هو بالطبع ألا يتمنى الإنسان لنفسه إلا ما يراه مؤديا إلى الحياة ~~السعيدة. # أين بيننا «المدارس» الفكرية على النحو الذي نراه ms040 في الأمم الحية؟ ضع أمامك قائمة بعشرة ~~من أئمة الفكر في جيلنا الدابر، وحاول أن تصنفهم شيعا مختلفة من ~~فلسفات أو مذاهب في طرائق العيش، فلن تستطيع؛ ذلك لأن ~~تفكيرهم لم يقم على أساس المذهبية التي تصدر عن عقيدة وإيمان، وبالتالي لم يكن لديهم «مثل ~~عليا» بالمعنى الذي حددناه. # إننا أمة بغير مثل عليا، إن قادة الجيل الماضي - من غير رجال السياسة - لم يحملوا لمن ~~يجيء بعدهم المشاعل، فجاء هؤلاء وهم يتخبطون في الظلام. # | عالم قلق # ترى هل شهد التاريخ كله فترة اشتد فيها القلق كما يشتد في هذه الفترة التي يجتازها ~~العالم اليوم؟ لست أدري، فليس يعيش الآن على وجه الأرض إنسان واحد قرير العين مطمئن النفس ~~هادئ البال. # إنها فترة كفاح وجهاد وحرب وقتال؛ فالشعوب المغلوبة تحاول أن تقف على أقدامها، والشعوب ~~الغالبة تريد الثبات في مواقفها، والدول القوية بعضها مع بعض تصطرع ابتغاء السلطان والسيادة ~~... والغالب والمغلوب والسيد والمسود جميعا قد ضاقت نفوسهم، واكفهرت الدنيا من حولهم، فاشتدت ~~بهم الرغبة في شيء يؤمنون به - أي شيء كائنا ما كان؛ لذلك كثرت بيننا المذاهب الفكرية، ~~والمعتقدات السياسية، كثرة لا نحسب أن قد سبق لها نظير في عصور التاريخ الماضية. # فقد يحس الفرد منا إزاء ما شمل العالم من قلق واضطراب أنه لا ينبغي له أن يجلس أمام مسرح ~~الحوادث رائيا سامعا لا يعمل شيئا، وأن نفسه لا تستريح وضميره لن يرضى إلا إذا قام بنصيب ~~- لا بد مهما يكن ضئيلا - في إعادة البناء المنهار، لكنه إذا ما هم بالعمل أدرك من فوره ~~أنه لا بد له من جماعة ينضم إليها؛ لأن مجهود الفرد الواحدة هباءة لا تغني ولا تسمن، ولا ~~يبعد أن يقع على أقرب جماعة منه دون أن يفكر طويلا في هل تعمل هذه الجماعة التي ينضم إليها ~~في سبيل ما ينشده هو لنفسه ولسائر الناس، أم أنها تعمل في طريق يعكس له أهدافه المنشودة؟ ~~لكنه قلق يريد أن يعمل شيئا وحسبه ذاك؛ لأن النار قد أوشكت ms041 أن تأتي على الحياة كلها، ~~أخضرها ويابسها على السواء، فكثرت الأحزاب والهيئات والجماعات في أنحاء العالم كثرة - كما ~~أسلفت - منقطعة النظير. # إن النفوس القلقة تدفع أصحابها إلى العمل، تدفعهم إلى العمل السريع، فتراهم يغذون السير ~~ويحثون الخطى؛ لأن السير المتمهل لا يكفي والخطو البطيء مضيعة للفرض؛ ولذلك امتلأت أركان ~~الدنيا بالنظريات المتطرفة والمشروعات الجريئة، والانقلابات السريعة ... قل ذلك في الأمم وفي ~~الأفراد على السواء، إن الربح البطيء المطرد الثابت لم يعد يرضي النفوس المتعطشة العجلى، ~~انظر إلى عالم التجارة والأعمال تجد ألوفا من الناس ينزلقون على السفوح المثلوجة انزلاقا ~~سريعا، إنهم لا يقنعون بالخطوات الوئيدة على الأرض الصلبة الثابتة، فالحياة قصيرة المدى ~~والجو مكهرب من حولهم، ففيم الوقوف والتمهل والانتظار؟ إن السلامة لم تعد في التأني، فإلى ~~الغاية المنشودة انزلاقا، ولئن سقط في المعمعان رجل فإلى جانبه ألف رجل بالغون ~~المدى. # إن العالم اليوم في لهفة عجيبة يكتنفه الظلام، فينشد الضوء مهما يكن مصدره، فلكل صائح ~~أتباع أيا ما كانت صيحته، ولكل داع مستجيبون مهما تكن دعوته، لقد تقسمت الدعوات الكثيرة ~~سكان الأرض بصفة عامة، وأهل أوروبا المعاصرة لنا اليوم بصفة خاصة، فيها الآن مائة مذهب ~~ومذهب، هذا داع يدعو إلى الرجوع إلى حظيرة الدين فيستمع إلى دعوته فريق، وذلك داع يدعو ~~إلى طرح الإيمان الساذج والاستمساك بالعقل وحده فيستمع إليه فريق آخر، وذلك ثالث يهيب ~~بالناس أن عودوا إلى غرائزكم فأشبعوها؛ لأن الحياة الطبيعية هي أسلم الحياة، فيستجيب له ~~فريق ثالث، ثم هذه ديمقراطية وتلك اشتراكية، وهذه شيوعية وتلك ديكتاتورية عسكرية، وهلم ~~جرا ... ذلك كله لأن الناس قد ضاقوا ذرعا بما هم فيه، ويريدون التغيير؛ أي تغيير. # وكان مما زاد مرارة طعم الحياة في أفواه الناس، أنهم فتحوا أعينهم على الواقع، بعد أن ~~كانت أعينهم مغمضة لسبب أو لآخر، أقول لسبب أو لآخر؛ لأن السبب لم يكن واحدا بالنسبة للناس ~~أجمعين، إذ كان العالم حتى عهد قريب ينقسم قسمين رئيسيين، فإما أغنياء قد طفحت بيوتهم ~~بأسباب النعمة والرخاء، وإما ms042 فقراء يكدحون في سبيل لقمة العيش وخرقة الثياب، فأما الأغنياء ~~فقد ألهاهم التكاثر وأعماهم الغنى، فلم يروا من الحياة إلا مطاعم تفوح وصالونات تتألق، وأما ~~الفقراء فقد أشقاهم الكدح المتصل عن التفكير في أنفسهم أو في غير أنفسهم، فالدنيا كلها في ~~أعينهم فأس تضرب الأرض بياض النهار، وكوخ معتم سواد الليل، ومن ثم استقرت الحياة بهؤلاء ~~وأولئك، وبدا عليهم الرضى، أما اليوم، فمعظم الناس - في أغلب أنحاء الدنيا - طبقة متوسطة، ~~ليس لديها الثراء الذي يلهي ويعمي، ولا الفقر الذي يهلك ويحطم، فوقفوا بين بين، يعملون ~~ساعة وينظرون إلى ما حولهم ساعة، فتفتحت عيونهم على الواقع كما هو، فإذا الواقع علقم ~~وحنظل، وإذا الضرورة الملحة تقضي بتغيير ذلك الواقع المرير في أسرع وقت مستطاع ... فنشأت ~~بذلك عند الناس لهفة نحو انقلاب الأوضاع، ومن ثم كثرت الأحزاب والجماعات وتنوعت الآراء ~~والمذاهب. # ألا تسمعهم يصفون لك هذا العصر بأنه عصر السرعة؟ إنها ليست سرعة القطارات والطائرات وكفى، ~~بل هي السرعة التي انتابت النفوس في لهفتها على تغيير حالها؛ ولذلك تراه عصرا يتميز بكثرة ~~المعايير الخلقية والجمالية، إنه لا يستقر على معيار واحد يرضي الناس جميعا، لأنه عصر قلق ~~وتغيير، فهذا يأخذ بمعيار جديد، وذلك يظل مستمسكا بمعيار قديم، وثالث يأخذ بالقديم تارة ~~وبالجديد طورا، وكلهم مخلص فيما يأخذ به، فهم جميعا متفقون على شيء واحد، هو ضرورة تغيير ~~الأوضاع الراهنة لأنها لا ترضي أحدا. # إننا نعيش في عالم قلق، يفزع أهله أن تضيع من وقتهم لحظة سدى، لأنهم مسرعون، ~~متلهفون، يغذون السير ويحثون الخطى، وكان حتما أن يساير التفكير هذه السرعة ويماشيها، ~~فلم يعد الوقت يتسع عند الكثيرين لقصة طويلة يكتبها لهم أديب هادئ الفكر طويل البال؛ ~~لأن الأمر لم يعد تسلية ولهوا، بل هو جد وعزم وصرامة، وإذا فأجدى على أصحاب الفكر أن ~~يتجهوا بفكرهم نحو شيء آخر غير الأدب الذي خلق للفراغ والمتعة، فإن كان حتما أن يكتب لنا ~~أديب، فلتكن كتابته أقصوصة قصيرة للترام أو القطار، فإن أطال فليتجه بإنتاجه ms043 نحو السينما، ~~لنرى قصته ساعة استرخاء، بأقل مجهود ممكن ... لكن الله قد أراد لنفر من الناس أن يكونوا ~~أدباء على رغم هذا الصراخ كله وهذه العجلة كلها، فماذا عساهم يكتبون ليرضوا أنفسهم؟ إن ~~العالم من حولهم قلق مضطرب فوار، فإما أن يندفعوا في تيار الحوادث الدافق، فيكونوا من ~~رجال الصحافة لا من رجال الأدب بمعناه الصحيح، وإما أن يلتمسوا مرحلة أخرى من مراحل ~~حياتهم، كانت أنعم روحا وأهدأ محيطا، فلا عجب، إذا، أن نسمع أن كثيرين من أدباء أوروبا ~~اليوم قد انصرفوا نحو ماضيهم يؤرخونه ويسجلونه؛ لأنهم يجدون في ذلك الماضي حياة ~~مستقرة هادئة بعض الشيء، تصلح للتصوير الذي يرضي عشاق الجمال. # عالم قلق هذا الذي نعيش فيه، ينهار فيه بناء ليقوم مكانه بناء، ويندك فيه نظام ليحل محله ~~نظام، والدعوات فيه متلاحقة متتابعة، لا تكاد الدعوة منها تبلغ الأسماع حتى تنسخها دعوة ... ~~هل رأيت حركة الهدم والبناء من حولك في بلد كالقاهرة مثلا؟ فقد تغيب شهرين عن حي من ~~أحيائها ثم تعود لتجد عمارة شامخة أقيمت، أو لتجد بناء مألوفا لك قد أبيد، ففي كل حين، ~~بل في كل شارع، بل في كل ركن هدم وبناء، والسمة التي تسم الحركة كلها هي السرعة اللاهثة، ~~و«الهرجلة» التي لا تعبأ بشيء من ترتيب أو تنسيق. وهكذا ~~العالم كله الذي نعيش فيه اليوم، ففيه الهدم والبناء، ثم الهدم وإعادة البناء، يتلاحقان في ~~مثل هذه السرعة اللاهثة المحمومة، وهذه «الهرجلة» التي لا تجد الفراغ للروية والتأني؛ لعلها ~~توفق إلى شيء من ترتيب يدوم أو تنسيق يرضي. # لكن هذا العصر القلق الثائر الفائر المتغير المتحول، هو عصرنا الذي خلقنا له لنعيش ~~فيه، فلنضرب على نفس الأوتار التي يضرب عليها سائر العازفين، لتأخذنا حمى القلق التي أحذت ~~بسائر أنحاء العالم المتحضر، ولتهتز أعصابنا بما اهتزت به أعصابه من دعوات ومذاهب، وأفكار ~~ونظم، إن كان عالما مدججا بسلاحه فلنأخذ في التسلح، أو كان عالما جشعا فلندع الناس ~~إلى النهم الذي لا يشبع ... # حرام يا أصحاب الأقلام ms044 أن تهدهدوا الناس بأناشيد المخادع التي تجلب النعاس، بل أوقدوها ~~تحت الجنوب جمرات حتى تستيقظ العيون وتؤرق القلوب، في هذا العصر القلق المضطرب ~~اليقظان. # | نفوس فقيرة # الفقر صوره شتى ... # فمنها اليباب القفر الذي تلتهب رماله بوقدة الشمس، حتى لتنقلب حبات الرمل على سطحه جمرات ~~من نار، وتهب عليه الريح السموم فإذا هي ألسنة من اللهب تنفثها جهنم، هذا اليباب إذا ما شاء ~~له القدر يوما أن يصيبه شيء من المطر، غاص المطر في جوفه وغاب كأن لم يكن، فهو قفر كما ~~كان، لا زرع فيه ولا ضرع، إلا أشواكا تنشب على وجهه هنا وهناك فتزيده فقرا على ~~فقره. # ومنها الصخر الأجرد الذي صلد صدره وتصلبت أطرافه، فلا يتفجر جوفه عن قطرة أو نبتة، إذا ~~سال عليه الماء انحسر عنه لأنه مغلق أصم عبوس مخيف، فلا هو يخرج من جوفه شيئا، ولا هو ~~يفتح مغاليقه ليتقبل مما حوله شيئا، لا أمل فيه لمسافر ولا رجاء عنده لضال. # ومنها السماء لا تجود بالغيث، تيبس الأرض من تحتها وتتشقق، ويجف الزرع ويموت، وتشخص ~~الأبصار إليها ضارعة، وتصعد الدعوات إليها مسترحمة، لكنها كالحة مصفرة الوجه لا ~~تجود. # ومنها الوردة تذبل وتذوي، طار عنها الشذى وجف من عرقها الماء، تفركها بين إصبعيك فإذا هي ~~رماد تذروه الريح مع التراب والعفر، ومنها الجدول غيض ماؤه، تعبره ماشيا على قدميك، ~~فترن أصداء خطاك بين صخوره لخلائه وفراغه. # ومنها الجيوب تخلو من المال، فيمضي صاحبها بين أكداس الطعام في الدكاكين وهو جائع؛ لأنه ~~لا يملك أن يستجيب للمعدة تناديه ولبائع الطعام يغريه. # لكن لا اليباب القفر الذي تلتهب رماله بوقدة الشمس، ولا الصخر الأجرد الذي صلد صدره ~~وتصلبت أطرافه، ولا السماء اليابسة، ولا الوردة الذابلة، ولا الجدول غيض ماؤه، ولا الجيوب ~~الخالية من المال؛ بمستطيعة أن تعبر عن الفقر بأبلغ مما تعبر عنه النفوس الفقيرة! # فقيرة هي تلك النفوس التي يعيش أصحابها فيما نعيش فيه ولا تتأثر، كأنما تنظر العين ولا ~~ترى، وتسمع الأذن ولا تعي، وكأنما قد ms045 القلب من صوان، فتجري في شعابه «مجاري» الدماء، ~~لا تترك وراءها ثمرا ولا أثرا، كالماء يهبط على رمال اليباب البلقع فيغيض فيه بغير زرع، ~~أو يسيل على الصخر الأصلع فينحسر عنه ولا حياة! إن القلب الفقير عضلة تصلح لمبضع التشريح ~~ولا تصلح لريشة الشاعر، وصاحب النفس الفقيرة كالمذياع التالف، فيه المفاتيح والصمامات ~~والأسلاك، لكن الهواء من حوله يعج بموجات الصوت وهو أبكم، لا يلتقط ولا يذيع. # فقيرة هي النفس التي تنظر إلى باطنها فتجد خواء، فتمتد إلى خارجها لتقتني ما يسد لها ذلك ~~الخواء، وماذا تقتني؟ تتصيد أناسا آخرين ذوي نفوس أخرى لتخضعهم لسلطانها! إنها علامة لا ~~تخطئ في تمييز أصحاب النفوس الفقيرة من سواهم، فحيثما وجدت طاغية - صغيرا كان أو كبيرا - ~~فاعلم أن مصدر طغيانه هو فقر نفسه. إن المكتفي بنفسه لا يطغى، إن من يشعر في نفسه بثقة ~~واطمئنان ليس في حاجة إلى دعامة من سواه، وإذا فماذا أقول؟ أأقول إن الطغيان قد امتد ~~بجذوره في ربوع الشرق لجذب نفوسه أهله؟ # إي والله، لقد ضرب الطغيان بجذوره في ربوع الشرق منذ آماد بعيدة سحيقة، حتى أصبحت لفظتا ~~الشرق والطغيان مترادفتين أو كالمترادفتين، فهما تصادفانك متجاورتين متلاصقتين في كثير من ~~الآداب الأوروبية، لا! إني أرى الكلمة على شفتيك فلا تقلها! لا تقل دهشا: أي طغيان؟ لا تقل ~~إن لنا دستورا يجعل الناس سواسية ويحرم الطغيان، فالطغيان في دمائنا: الحاكم الشرقي طاغية، ~~والرئيس الشرقي طاغية، والوالد الشرقي طاغية، والزوج الشرقي طاغية، والموسر الشرقي طاغية - ~~طغاة هؤلاء جميعا؛ لأن في نفوسهم هزالا يعوضونه بمظاهر الاستبداد بسواهم ... قال أمامي وزير ~~مصري لست في حل من ذكر اسمه، قال ذات يوم وكنا في لندن، وكان مؤتمر سياسي منعقدا هناك، ~~وجاء مستر بيفن - وزير خارجية إنجلترا إذ ذاك - جاء إلى المؤتمر السياسي يمثل بلاده، مشيا ~~على قدميه، وليس وراءه ولا أمامه «زفة» تطبل وتزمر، فقال الوزير المصري على مسمع مني: كنت ~~أتصور في الديمقراطية الإنجليزية شيئا كثيرا، ولكني لم أكن مع ذلك أتصور أن ms046 يبلغ بها ~~المدى هذا الحد البعيد، أوزير خارجيتها يجيء إلى مؤتمر كهذا وسط الزحام راجلا؟ فكدت عندئذ ~~أصيح في وجه الوزير المصري قائلا: أستحلفك الأهل والولد يا معالي الوزير أن تذكر ذلك عند ~~عودتك إلى بلادنا، أن تذكر لأصحاب المعالي الوزراء؛ حتى يتذكروا شيئا منه وهم راحلون إلى ~~حمامات الاستشفاء للمتعة والتنزه، وحتى يتذكروا شيئا منه وهم عائدون من شطآن البحر وجنات ~~الأرض إلى بلادهم ليستأنفوا «العمل». # العظمة في الشرق معناها الطغيان، والطغيان من معانيه كسر القوانين، فيستحيل أن يكون ~~العظيم عظيما عندنا إن أطاع القانون، حتى لو كان هذا القانون من وضعه هو؛ لأن العبث ~~بالقيود هي عندنا الحد الفاصل بين السيد والمسود. فقل لي إلى أي حد تستطيع في الشرق أن تعبث ~~بالقانون والنظام، أقل لك في أي مرتبة أنت من مراتب المجتمع، فأعلاها منزلة أكثرها عبثا، ~~وأدناها أقلها. # ولعل هذه الفكرة قد بلغت أقصاها تطرفا، حين أرادوا أن يتصوروا كمال الله ومطلق سلطانه ~~وسيادته، فتصوروه فاعلا للمعجزات، والمعجزة هي إيقاف قانون من قوانين الطبيعة وتعطيله، ~~فلما كان الله أكمل ما يكون الكائن جبروتا وسلطانا، فلا بد أن يكون أقدر ما يكون الكائن ~~على تعطيل القوانين الطبيعية كيف شاء وحيث شاء، أما أن يكون كمال الله - كما تصوره سبينوزا ~~- هو أن تظل قوانين الكون قائمة مطردة، فذلك تصور بعيد جدا عن تصورهم لمعنى العظمة ~~والجلال. # فقيرة هي النفس التي لا تستطيع أن تقف موقف سواها، لترى ما ترى وتحس كما تحس، وهيهات ~~عندنا أن تجد صاحب النفس الغنية بخيالها الخصبة بشعورها؛ ذلك الذي في مقدوره أن يحس الألم ~~مع من يحسه، وينظر إلى الناس في ظروفهم. هل رأيت الأطفال في القرى كيف يجرون الجراء مشدودة ~~من أعناقها بالحبال، وكيف يمسكون الهررة من أذنابها ثم يجذبونها جذبا ويديرونها في قسوة ~~وعنف، والجراء تئن والهررة تموء مواء المتألم المستغيث، والأطفال يضحكون لأنين الجراء ومواء ~~الهررة، والآباء والأمهات يقهقهون لضحكات أطفالهم؟ إذا فاعلم يا سيدي أن هذه هي المدرسة ~~التي نتلقى ms047 فيها أول دروسنا في التعاطف والمشاركة الوجدانية بعضنا مع بعض. اعلم يا سيدي حق ~~العلم أن قصة الجراء والهررة المسكينة تتكرر حولك مائة مرة في اليوم الواحد، لكنها ليست هذه ~~المرة بين الأطفال من ناحية والجراء والهررة من ناحية أخرى، فيشد الأطفال الجراء من أعناقها ~~ويجذبون الهررة من أذنابها، بل هي الآن بين أصحاب النفوذ - أيا كان نوع النفوذ - وبين ~~العاجزين وأرزاقهم! # إننا يا سيدي أمة تحيا وفق الحكمة التي استنها لها شاعر من شعرائها الأقدمين، وهي «إنما ~~العاجز من لا يستبد»، بل إن الشاعر لم يخلق من عنده شيئا، إنما لاحظ أخلاقنا وسجل، فكم ألف ~~سنة لا بد أن تمضي قبل أن يجيء شاعر آخر يلاحظ أخلاقنا ويسجل، فإذا ما يسجله هو: «إنما ~~القادر من لا يستبد»؟ # كم ألف عام لا بد أن تمضي قبل أن يجد الطفل في القرية أبوين يربيانه على أن لا ينبغي أن ~~يعبث بآلام الكلاب والقطط؟ لو بدأنا هذه البداية، جاز لنا أن ننتهي إلى أن يعطف الإنسان منا ~~على الإنسان. # لقد تفضل أستاذنا الدكتور أحمد أمين بك فوجه إلي الحديث قائلا: «إن كل مدنية فيها ~~مزاياها وفيها عيوبها، ومزية المدنية الغربية بناء الحياة على العلم، ومن عيوبها خلوها من ~~الإنسانية» ... أحقا يا سيدي أن المدنية الغربية قد خلت من الإنسانية، تلك المدنية التي لا ~~يستطيع الإنسان في ظلها أن يفرك زهرة بين أصابعه على مرأى من الناس، ولا أن ينزع البذور عن ~~أمها؛ لأنها بمثابة الأجنة التي تضمن استمرار الحياة؟ تلك المدنية التي يستحيل على إنسان في ~~ظلها أن يوقع الأذى بقط أو كلب، حتى لقد أصبح ذلك «الضعف» فيهم مصدر كثير من تندرنا ~~وفكاهتنا؟ # سيقول القائل: لكنهم أقوام ترعى القطط والكلاب والإوز وتبطش بالأمم، فأقول ردا على ذلك: ~~إن الفعل الأول صواب والفعل الثاني خطأ، ولا تذهب السيئة بالحسنة، وقد شاركناهم في البطش ~~السياسي، ولم نشاركهم في العطف على الأحياء. # هل كان يمكن يا سيدي لهذا الغرب أن ينتج ما أنتجه من ms048 فنون وآداب لو كان خلوا من الشعور ~~الإنساني؟ كم عالما وكم عاملا وكم معملا في ربوع الغرب تقوم النهار والليل؛ لتخرج لنا ما ~~نخفف به البلاء عن مرضانا؟ أنصف الغرب يا سيدي، فهو نفسه الغرب قد تركز في قنينة الدواء ~~التي نبعث إلى الصيدلي في لهفة أن يسعفنا بها دفعا للألم. # فقيرة هي تلك النفوس التي لا يستطيع أصحابها أن ينظروا من وراء الأشخاص إلى حيث ظروفهم، ~~ولو قد فعلوا لاشتد بهم التسامح وشاع فيهم العفو والمغفرة، إنك - كما يقول الشاعر الإنجليزي ~~- لو عرفت كل شيء عفوت عن كل شيء، وهو يعني بذلك أنك لو ألممت بكل الظروف التي تحيط بمن ~~تعده آثما، أدركت موقفه على حقيقته بما فيه من مثيرات ودوافع، وعندئذ ستراك أميل إلى ~~المغفرة والتسامح، والإثم - كما يقول شاعر إنجليزي أيضا - من طبيعة البشر، أما الغفران فمن ~~صفات الله ... لكن أنى لنا العين التي تنظر إلى الظروف خلال الشخص الماثل أمامنا بجسده؟ أنى ~~لنا العين التي تنظر إلى «ع» - مثلا - فترى وراءه دارا ملئت أركانها وجحورها بالأنفس ~~البشرية المقعدة العاجزة، كلها تريد منه الطعام والدواء؟ إن «ع» موظف صغير، قد يعبس حينا ~~وقد يبتسم حينا، فإذا ابتسم ابتسمنا معه، وإذا عبس زجرناه على عبوسه؛ لأننا خلو من النفوس ~~العاطفة التي في مقدورها أن تنظر إلى العابس القانط، فتقول: لعل وراء ذلك ما يغفر. # فقيرة هي تلك النفوس التي تبطش بالأشياء والأحياء بطش الصبيان، فقيرة - يا أبا العلاء - ~~هي تلك النفوس التي لا تخفف الوطء؛ لأنها لا تدري أن أديم الأرض هو من هذه الأجساد. # | مصباح علاء الدين # ما أشقاني بهذه الذاكرة الضعيفة العاجزة التي توشك أن تبدد لي كل ما قد وعيت وخبرت في ~~أعوامي السوالف، فلا تبقي لي من ذلك شيئا، وإني لأعلم عن ذاكرتي هذا الضعف الشديد وهذا ~~الإسراف في تبديد الودائع، حتى لتراني أتحوط لها بكل ما يشير به علماء النفس من وسائل، ~~فأشدد الروابط بين أجزاء الشيء المحفوظ، وأضع تحته الخطوط، وأوضحه في ms049 هوامش الكتب برموز ~~وعلامات وملخصات، لكن هيهات للغربال أن يحفظ في جوفه ماء، تراني أقرأ الكتاب، فلا تمضي أيام ~~قليلة بعد الفراغ منه، حتى يذهب عني وتذهب كل آثاره، فلا عنوانه هناك ولا اسم كاتبه ولا شيء ~~من مكنونه، فالرأس بعده خلاء خواء كما كان قبله، فلا زيادة به إن لم يكن نقصان. # فكيف نرجو من مثل هذه الذاكرة المنكودة أن تستعيد ما أردتها أمس على استعادته مما قد ~~قرأته منذ ثلاثين عاما؟ أردتها أمس على أن تعيد لي قصة علاء الدين ومصباحه، وكنت قد قرأتها ~~منذ ثلاثين عاما، حين أخذنا - وكنا ثلاثة أشخاص - أخذنا ذات صيف نقرأ ألف ليلة وليلة، فكنا ~~نجتمع كل يوم في الصباح والعصر، في غرفة ريفية لم يكن يؤثثها غير الحصير على أرض تراب ~~كانت في منزل صديق لنا أيام الطفولة، لم يكن من حظه أن يختلف إلى معاهد التعليم، لكنه يحب ~~أن يسمع أنباء الصحف وأخبار الكتب يقرؤها له أصدقاؤه «التلاميذ»، وكنت أنا القارئ لهما في ~~أغلب الأحيان، ولم أكن بعد قد تبينت كل ما بعيني من قصر وضعف، فكنت أضع الكتاب على ~~الأرض وأنحني على صفحاته أقرأ لهما، حاسبا أن ذلك الوضع هو أكثر الأوضاع راحة لجسدي، ~~والحقيقة أن عجز العينين عن النظر الطويل هو الذي أوحى به واستلزمه، كنت أقرفص جسدي في ذلك ~~الوضع المتعب، وأقرأ بصوت عال كأنما أردت أن أسمع سكان القرية جميعا، وقد لازمتني عادة ~~القراءة العالية دهرا طويلا، حتى لقد شكا كثيرون من الجيران إلى أبي هذه الضجة التي ~~أحدثها في أركان البناء هزيعا طويلا من الليل، وفي كل ليلة، ولعل الزمان لم يكن بعد قد ~~هاضني حتى دفعني دفعا إلى الانزواء والانطواء وخفوت الصوت وخفض البصر. # أردت أمس أن أستعيد ذاكرتي ما استودعتها إياه من قصة علاء الدين ومصباحه، فلم أذكر أبدا ~~من ذلك شيئا، سوى أن علاء الدين كان يمسح مصباحه، لست أدري كيف، فإذا الجن خدم له يأتمرون ~~به، فينجزون له المستحيل، يبنون له القصور ms050 في لمح البصر ويمحونها في لمح البصر، ويأتون له ~~بابنة السلطان حبيبة طائعة إذا أرادها، ويطيرون به في السماء أو يهبطون به في فجاج الأرض، ~~وينشئون له المدن ويملئون له الكنوز ذهبا ولؤلؤا، ينجزون له كل ذلك إذا ما أشار لهم إشارة ~~خفيفة بيده أو لسانه. # والحق أني قد أردت ذاكرتي على أن تعيد لي قصة علاء الدين ومصباحه السحري، للتسلية لا ~~للجد؛ لأني لمحت فيه وفي قصته رمزا لطيفا لمن يظن أن الدنيا يتغير له وجهها بالرغبات ~~تطوف بين جدران رأسه، فحسبي أن أجلس هكذا على مقعدي وفي عقر داري، ثم أعبر بالكلام عن رغبتي ~~هذه أو رغبتي تلك، فإذا سحرة الأرض وعفاريت جوفها وجن سمائها كلهم خدم ينجزون لي ما اشتهيت ~~وما تمنيت. ماذا يضطرني إلى الجهاد الشاق وإلى العمل العنيف إذا كانت لمسة خفيفة للمصباح ~~السحري تكفيني لتحقيق ما أشتهي وأتمنى؟ والمصباح السحري قادر على الهدم كما هو قادر على ~~البناء؛ لأن رغبات الإنسان سالبة وموجبة معا، فالإنسان قد يرغب في أن يمحى شيء يضايقه، ~~كما قد يرغب في أن يخلق له شيء يشتهيه، قد يرغب الإنسان في زوال نظام كما قد يرغب في قيام ~~آخر ... ولمثل هذا كله ينفع مصباح علاء الدين. # وأي عجب بعد ذلك في أن تستهوينا قصته ونحن على عتبة الشباب: حيث الأحلام والآمال والشعر؟ ~~لئن كانت الرجولة الناضجة عملا منتجا، فالشباب الفج عاطفة جياشة، الأمل لا يتحقق إلا ~~بالعمل عند الرجل الناضج، لكن تكفيه قصيدة من الشعر عند الشباب الغرير، كم كانت لنا ونحن ~~على عتبة الشباب أمان وأحلام حققناها بمصباحك يا علاء الدين، أو تذرعنا لتحقيقها بطاقية ~~الإخفاء التي تيسر كثيرا جدا من الصعاب والعقبات، فسحقا لهذا النضج العقلي الذي لم يعد ~~يكفيه من ذلك شيء، وبات محتوما علينا بمقتضى أحكامه أن نجاهد جهادا شاقا ونعمل عملا ~~عنيفا إذا ما أردنا للأماني أن تتحقق ... فهكذا ينتقل الإنسان في مراحل حياته من شعر إلى نثر ~~ومن أحلام حلوة إلى واقع مرير . ~~••• # لكنني ms051 إذ التمست من قصة علاء الدين ومصباحه تسلية، فقد وجدت فيها الجد؛ لأنني ما كدت ألهو ~~بجانب المزاح منها حتى تبين لي جانب آخر، فلئن أشبع المصباح السحري خيال الشاب الحالم، فهو ~~كذلك كفيل أن يهدي الرجل الناضج العامل، إن هذا المصباح العجيب رمز إلى إمكان التغيير لمن ~~أراده، ليس في الدنيا بأسرها ما يستحيل على الإرادة الإنسانية إذا صممت ومضى عزمها، وكأنما ~~قصد علاء الدين إلى إعلان ذلك بقصة مصباحه السحري، إن الفساد ضارب في طول البلاد وعرضها، ~~لكنه يزول لصاحب الإرادة الذي لا يرى محالا أن تتغير الحال. # ماذا عسانا أن نصنع وماذا عسانا أن ندع؟ من أين نبدأ وإلى أين ننتهي؟ الوحل يملأ الطريق ~~في كل أرجائها فأين نلتمس سبيل النجاة؟ ... هذه وأمثالها أسئلة يلقيها السائلون المهتمون ~~بإصلاح الفساد، فيقف الناس إزاءها رجلين: رجل يلقي السلاح قنوطا ورجل يحمل العبء لأنه يؤمن ~~بالمصباح السحري وقدرته على محو الظلام مهما يكن حالكا. # والحديث ذو شجون ... فقد ذكرتني قصة علاء الدين ومصباحه بقصة صينية تقع منها موقع النقيض من ~~نقيضه، إذ يروى أن عالما في الصين قد صنع عربة تطير في الهواء كما تطير ذوات الجناح، ~~وتناقل الناس هذا النبأ العجيب حتى انتهى إلى مسامع الحاكم، فأمر الحاكم أن يؤتى له بذلك ~~الشيطان البشري ولعبته، فجاءه العالم يصطحب العربة الطائرة، ولم يجد سبيلا إلى شرح ~~أجزائها للحاكم؛ لأن هذا لم يكن على كثير ولا قليل من العلم بالآلات وفعلها، فطلب صاحب ~~العربة الطائرة إلى الحاكم أن يصحبه في رحلة جوية ليقطع شكه بيقين لا ريبة فيه، وصعد ~~الرجلان، فما هي إلا أن طارت بهما العربة العجيبة مع الطير في أجواز الفضاء، وهذا هو السحاب ~~قد بات دونهم بعد أن كان فوق رءوسهم، ثم هبطا إلى الأرض. أما العالم فملئ بالزهو والأمل، ~~وأما الحاكم فمرتعش مرتجف من هول ما رأى. الحق أنها معجزة قد تحققت على يدي هذا الشيطان، ~~لكنه بعد أن هدأ قليلا التفت إلى صاحبنا العالم، وقال له: ms052 هذا عجيب! عجيب جدا تحار معه ~~العقول، لكنه يجاوز بغرابته حدود ما أطلبه لشعبي! لا، إني لا أريد لبلادي بدعة كهذه مهما ~~تكن براعتها وإعجازها لأنها ستكون للناس عاملا من عوامل القلق بحيث تضطرب أوضاعهم اضطرابا ~~تتغير معه الأشياء والقيم، لا، لا، إني أريد لنفسي ولشعبي راحة البال ... ثم أمر بالعربة ~~الطائرة فتحطمت أوصالها وأجزاؤها، وأمر ذلك الشيطان البشري ألا يعود إلى مثل هذا في غد ~~قريب أو بعيد. # العربة الطائرة ومصباح علاء الدين رمزان يختلفان فيما يشيران إليه: القصة الأولى ترمز إلى ~~الجمود والرغبة في ألا يتغير من أمر الناس شيء، والقصة الثانية تشير إلى الإنشاء السريع ~~والمحو السريع، وترمز إلى إمكان التجديد والتغيير - وكل ما ندخله على قصة مصباح علاء الدين ~~من تحوير وتعديل حتى تناسب الرجولة الناضجة العاملة، بعد أن كانت خيالا يلهو به الشباب ~~الحالم، هو أن نجعل ذلك المصباح داخل نفوسنا لا خارجها، فنجعله في الإرادة الفعالة الماضية، ~~والعزم المصمم الذي لا ينثني. # إن للإرادة القوية لسحرا، هو بذاته ما نسبه علاء الدين إلى مصباحه؛ لأنها تستطيع أن تغير ~~كل شيء بمثل ما غير علاء الدين بمصباحه كل شيء. # لقد روي عن شاعر إيطالي بعد الحرب الكبرى الأولى أنه قال: # مات الماضي، قتلناه بأسنة الحراب # وهذا هو الحاضر فلنفتك به فتكا # حتى نقيم للمستقبل قوائم عرش مجيد # فيا ليت ما قاله الشاعر الإيطالي يتردد في أرضنا على كل لسان. # | مقومات الحياة # كان برناردشو في زيارة جار له عندما جاءه نبأ اغتيال غاندي، فقال - وقد تأثر للنبأ: «لقد ~~قلتها مرارا، إن الرجل الطيب دائما في خطر.» # وأذكر أني لما قرأت ذلك في حينه، جعلت أفكر لنفسي: من ذا يكون الرجل الطيب الذي تجيء ~~طيبته خطرا عليه؟ وأذكر كذلك أني لم أجد سبيل الجواب عن هذا السؤال ميسرا؛ لأنني كلما ~~قلبت في رأسي هذه الصفة أو تلك، مما عساه أن يحدد لي معنى هذه «الطيبة» المشئومة الخطرة على ~~صاحبها، وجدتها هي بذاتها صفة مطلوبة محمودة، ويستحيل - من ms053 الوجهة البيولوجية على الأقل - ~~أن تطلب الصفات التي تودي بأصحابها إلى التهلكة. # لكنه ما من شك في أن هنالك نوعا من «الضعف» ينعتونه في لغة الحديث الجارية «بالطيبة» - ~~ولغة الحديث في هذا مؤدية للمعنى المراد أبلغ الأداء، حين يصف لك الناس هذا الشخص أو ذاك ~~بأنه «رجل طيب» في نغمة صوتية خاصة، تبين لك على الفور بأن المقصود هنا، هو أن بالشخص ~~الموصوف سذاجة أو بلاهة أو سرعة تصديق، تجعله في خطر من الناس، وتجعل الناس في مأمن منه ... ~~لكن غاندي «الطيب» لم يكن هذا الساذج الأبله، فأين يكون العنصر المشترك بين الطيبة هنا ~~والطيبة هناك؟ # للهنود في ذلك قصة لطيفة ربما أنارت أمامنا بعض الطريق، فهم يحكون أن ثعبانا راح ينفث ~~سمومه في الناس هنا وهناك بلا حساب، فيلدغ من يستحق ومن لا يستحق بغير تمييز، حتى كانت ساعة ~~تحرك فيها ضميره، فندم على هذا الشر كله الذي يصيب به الناس أخيارا وأشرارا، وصمم على ~~التوبة، فقصد من فوره إلى راهب متعبد يستفتيه نوع الحياة التي يحياها ليرضى عنه الله ~~والناس، فأفتاه الراهب بأن يعيش كما يعيش هو، أعني أن ينتبذ من وجه الأرض مكانا معزولا، ~~فيكتفي بالقوت اليسير، بعيدا عن الحياة ومغرياتها، فعاد الثعبان يبحث لنفسه عن ركن مهجور، ~~ووجد بغيته في منطقة خلاء من العمران، وهنالك تحوى هادئ البال راضي النفس، لكن ذلك لم يدم ~~له طويلا، إذ جاءت جماعة من الصبيان تلهو، وأبصر أحدهم بالثعبان متكوما في ركن ~~الخرابة، فصاح صيحة الذعر وجرى وتبعه الباقون، ثم عادوا في اليوم التالي ليجدوا الثعبان على ~~حاله هناك، فأمسك صبي بحجر من بعيد وألقاه وجرى وتبعه بقية الإخوان، وعادوا في اليوم الثالث ~~ليجدوا الثعبان على استكانته، فألقوا عليه بدل الحجر حجرين، وأخذت القذائف تكثر في كل يوم ~~عن سابقه، حتى هان أمر الثعبان في أعينهم، واقتربوا منه في غير خوف، وراحوا يمطرونه وابلا ~~من حجارة كل يوم، فكادوا يرجمونه رجما يمزقه ويقضي عليه. # فلم يسع الثعبان إلا أن يعود ms054 إلى الراهب يستفتيه في هذا الموقف الجديد، فها هو ذا قد ~~تاب وأناب، وانزوى عن الناس واعتكف، لكن شرار الناس لم يتركوه، واعتدوا عليه بما لم يعد به ~~احتمال عليه، فماذا عساه صانع حتى لا يغضب الله والناس؟ فقال له الراهب: إنني لم أقصد ~~حين أرشدتك إلى طريق الهدى، أن تتلقى الاعتداء بغير عدوان يقيك آنا بعد آن، فلا بد لك في ~~الأسبوع مرة من نفثة تنفثها في الهواء؛ ليعلم هؤلاء الصبيان الأشرار أنك تستطيع - إن أردت - ~~أن تجيبهم إيذاء بإيذاء. # أقول: إن هذه القصة الهندية تنير أمامنا بعض الطريق في التفرقة بين «طيبة» و«طيبة» - بين ~~الطيبة التي ترضي الله والناس في غير ضعف ولا خطر، والطيبة التي تستعدي على صاحبها عوامل ~~الضر والأذى، فالطيب من الصنف الأول هو من لا يعتدي بادئا بالاعتداء، لكنه لا يسكت عن رد ~~اعتداء وقع عليه، والطيب من الصنف الثاني هو من لا يعتدي، ثم يسكت عن رد الاعتداء - وإذا ~~فلغة الحديث الجارية على صواب، حين تنعت الناس بالطيبة في نغمتين مختلفتين: نغمة تدل على أن ~~الشخص الموصوف على خلق قويم، لكنه في الوقت نفسه ذو لحم مر لا يسهل أكله التهاما، ونغمة ~~أخرى تدل على أنه إلى جانب استقامة أخلاقه يمكن أن يكون نهبا للطامعين. # إنني لا أحسن دراسة طبائع الحيوان، فلعلي لا أكون بعيدا عن الصواب إذا زعمت أن الليث ~~والذئب والحمل تمثل ثلاثة ضروب مختلفة من الطبائع في ميدان العدوان ورده، فالليث - فيما ~~أعلم - يرد الاعتداء إذا وقع لكنه لا يبادئ به، والذئب يصنع الصنيعين معا، فيبدأ بالعدوان ~~ويرد، والحمل لا يفعل هذا ولا ذاك، فلا اعتداء ولا رد اعتداء، ومن ثم وداعته التي ذهبت ~~بذكرها الأمثال، فإن كان لنا أن نختار من هذه الطبائع الثلاثة واحدا، فهو طبع الليث؛ لأن ~~الذئب شر والحمل ضعف، ففي الليث «طيبة» بالمعنى القوي - إن صح هذا التعبير - وفي الحمل ~~«طيبة» بالمعنى الضعيف، وأما الذئب فكله خبيث. # وأساس القوة في الطيبة القوية، هو أن مقومات ms055 الحياة الصحيحة تتوافر فيها، وأول هذه ~~المقومات للحياة، بل تعريف الحياة وتحديد معناها - في رأي هربرت سبنسر - هو استمرار ~~المواءمة بين ما يحدث في باطن الكائن الحي وما يحدث في محيطه الخارجي، الحياة - في صميم ~~معناها - هي أن يستجيب الكائن الحي لما يقع حوله، والموت هو أن تقف هذه الاستجابة للمؤثرات ~~الآتية من خارج، الكائن الحي يرد على المنبهات المحيطة به ردودا ملائمة ليوفق بين داخله ~~وخارجه، والجسم الميت تأتيه المنبهات فلا يتنبه ولا يجيب. # الفرق بين الفاعلية والقابلية هو نفسه الفرق بين الحياة والموت، الحي فاعل والميت قابل، ~~الحي يتلقى عوامل الجو - مثلا - من حرارة وبرودة، فيتخذ منها موقفا ملائما، وأما قطعة ~~الحجر الملقاة في الفلاة، فتتلقى هي كذلك عوامل الجو نفسها من حرارة وبرودة، فتفعل فيها ~~تلك العوامل فعلها من تفتيت وتحليل وتهديم وبعثرة، وهي إزاء هذا كله قابلة وكفى، لا حيلة ~~لها ولا سبيل. # والحياة - بهذا المعنى - تكون درجات يتفاوت بها الأحياء، فليس كل ما هنالك من فرق هو أن ~~يكون هذا حيا وهذا ميتا، بل هنالك فروق فسيحة بين الأحياء أنفسهم في نصيبهم من الحياة؛ ~~لأن هنالك فروقا فسيحة بينهم في القدرة على إجابات المنبهات الخارجية بما يلائمها، وها ~~هنا أيضا نرى في لغة الحديث الجارية بلاغة في الأداء، حيث تصف شخصا بأنه «مليء بالحياة»، ~~إذ أكواب الأحياء تتفاوت - كما رأينا - في مقدار ما بها من العصارة الحيوية، فكوب مليء إلى ~~حافته، وكوب فيه العصارة إلى نصفه أو ربعه، وثالث فارغ، يعد صاحبه بين الأحياء بهتانا ~~وزورا، حين يجيء أوان التعداد وإحصاء السكان. # بين اليقظة الواعية في طرف، والموت البارد في طرف آخر، هنالك حالات متدرجة من الغيبوبة ~~والنعاس، التي إن أدركت فيها الحواس شيئا مما حولها، فأخلاط مهوشة لا تغني شيئا من حركة ~~الجسم ونشاط الأعضاء، وسيأخذك العجب حين أزعم لك أن قلة ضئيلة من الناس هي اليقظانة ~~الواعية، وأما الكثرة الغالبة منهم ففي غيبوبة ونعاس، في وجوههم أعين مفتوحة، لكنها تنظر ~~ولا ترى. # والأمم ms056 في هذا كله كالأفراد سواء بسواء، فما الأمة إلا مجموعة أفرادها، وقد تشيع في هؤلاء ~~الأفراد يقظة للعالم من حولهم، فتكون أمتهم بذلك أمة حية، أو قد تشيع فيهم حالة الغيبوبة ~~فتكون أمتهم بذلك نعسانة غافلة، وفي إيقاظ الأمة النعسانة معنى النهوض، فإذا قلنا إن أوروبا ~~قد «نهضت» في القرن السابع عشر، حين تنبه فيها نفر من أبنائها إلى عالم الأرض والسماء، كان ~~معنى ذلك اعترافا منا بغيبوبة سابقة، شاعت في أبنائها، فأغمضت أعينهم وأصمت آذانهم عن ~~مشاهد الدنيا وأصواتها، وإذا قلنا إن مصر قد بدأت «نهضتها» في أول القرن التاسع عشر، كان ~~المراد بذلك أنها ظلت غافلة عن أحداث العالم الخارجي حتى ذلك الحين، ثم جاءها من أيقظها ~~ففتح عينيه. وإني لأذكر أستاذنا الجليل «...» وهو يحاضرنا أيام الطلب في الحملة الفرنسية على ~~مصر، بعلمه الغزير وفكاهته البارعة، كيف أخذ يرسم لنا صورة حية للمصريين عندئذ، وهم في ~~نعاسهم غارقون، حتى إذا ما جاءهم «نلسن» بأسطوله باحثا عن نابليون - لأن نابليون وهو في ~~طريقه إلى مصر، قد أخفى عن العالم هدفه المقصود - فسألهم: ألم يمر ببلادكم نابليون بمراكبه؟ ~~فقال له من أجابه: أي نابليون وأية مراكب؟ إننا لا ندري من أمر ذلك شيئا، نحن بلاد تتبع ~~السلطان ... إلى آخر الصورة الفكهة البديعة التي رسمها لنا أستاذنا عندئذ، ولم يطل بهؤلاء ~~الراقدين الغافلين زمن الانتظار، حتى جاءتهم الحملة النابليونية توقظهم، فعلموا عندئذ أن ~~أوروبا قد قامت بالثورة الفرنسية على قدم وساق، واتصلت مصر بذلك العالم الصاخب منذ ذلك ~~الحين، فقيل - وللقول مغزاه - إن مصر قد «نهضت» فاستيقظت من نعاسها، وهي ما تزال ماضية في ~~هذا النهوض المبارك، حتى تستكمل يقظتها ووعيها، فتكمل لها بذلك مقومات الحياة. # إن هذه الأحداث الدامية التي تقع في أرضنا اليوم هي من علائم البشرى؛ لأننا قد أخذنا نرد ~~على المؤثرات من حولنا بما يلائمها، فحياتنا القوية المليئة مرهونة بقدرتنا على الاستجابة ~~السريعة للمؤثرات الخارجية، استجابة نؤقلم بها أنفسنا على نحو يوفق بينها وبين العالم ~~المحيط بنا ms057 بكل ما فيه من خير وشر، إنه لا يجدينا شيئا أن ننكمش في قواقعنا الفكرية ~~والسلوكية، ظنا منا بأن تلك القواقع قمينة أن تصون لنا شخصية مستقلة متميزة قائمة بذاتها، ~~فلنفتح النوافذ والأبواب على مصاريعها للهواء، بل للزوابع والعواصف، حتى تتعادل درجة ~~الحرارة داخل الدار معها في الخارج، ولا يكفي أن نتلقى ونحن في قابلية الحجر الأصم، بل لا ~~بد أن نرد على العوامل الآتية في فاعلية نثبت وجودنا ونؤكد للعالم أننا جزء من جسمه ~~متنبه حساس. # | عزمات الإرادة # ما أسرع وما أهون أن تسري الفكرة الخاطئة في الناس، فلا يستطيع بعدئذ أن يشير إلى ~~بطلانها إلا فيلسوف كبير أو طفل صغير! ذلك لأن الحقيقة كثيرا ما تكون واضحة ناصعة جلية، ~~يراها كل ذي بصر لم يعمه الهوى، لكن إعلانها - مع ذلك - قد يحتاج إلى فيلسوف جريء أو طفل ~~بريء! # إن من أقاصيص «هانس أندرسن» قصة مشهورة معروفة، خلاصتها أن حاكما كان مولعا بالملابس ~~الجديدة، فأقبل ذات يوم على مدينته محتالان زعما له أنهما يحسنان نسج قماش رقيق جميل، فيه ~~ميزة عجيبة، وهي أنه يخفى على عيون العاجزين والبلهاء، ففرح الحاكم بما سمع، وأمرهما أن ~~ينسجا له ثوبا من هذا القماش العجيب؛ لأنه عندئذ يستطيع أن يميز في رجال حكومته بين ~~القادر والعاجز، وأن يعرف من ذا يكون من الناس عاقلا ومن لا يكون. # وأخذ المحتالان ما طلباه من مال، ثم أخذا يخبطان بالأنوال نهارا وليلا؛ ليوهما الحاكم ~~أنهما جادان في العمل، والحقيقة أنهما لا يعملان شيئا، وبعد أيام أرسل الحاكم وزيره إلى ~~النساجين ليرى كم نسجا، فأخذ هذان يلوحان بأيديهما في الفضاء، زاعمين أنهما يشيران إلى ~~قماش منسوج مزخرف، ولم ير الوزير شيئا، لكنه لم يجرؤ على إعلان ذلك حتى لا يوصم بالعجز ~~والبلاهة، وراح يؤيد المحتالين في جمال القماش وجودته. # وسرى نبأ القماش الجديد العجيب بين أهل المدينة، وأعلن الحاكم أنه سيسير بين شعبه في موكب ~~رسمي يوم يرتدي حلته الجديدة، فلما حان اليوم ذهب الحاكم مع حاشيته ms058 إلى مكان النسج، وخلع ~~ملابسه ليرتدي الثوب الجديد، وجعل النساجان يحركان ~~أيديهما في الهواء كأنما يلبسانه شيئا. إنه لم ير في الهواء ثوبا ولا شبه ثوب، لكنه لم ~~يجرؤ على إعلان ذلك فيوصف بالبلاهة والعجز، مع أنه صاحب جلالة وفخامة، وراح بدوره يبدي ~~إعجابه بما لبس، وينظر إلى نفسه في المرآة مزهوا فخورا. # وبدأ الموكب الرسمي، وسار الحاكم بين الناس «عاريا» إلا من أوهامه وأوهام شعبه، فمن ذا ~~يجرؤ على القول بأنه لا يرى شيئا؟ ... إلا طفل صغير كان يقف إلى جانب أبيه، فصاح لأبيه ~~قائلا: لكن الحاكم لا يرتدي شيئا! فنقلها أبوه إلى جاره، وهذا الجار إلى جاره، حتى ساد ~~الرأي بأن الحاكم عريان الجسد لا يرتدي شيئا. # والطفل الذي أخرج الناس من ضلالهم حين رأى الحقيقة الواضحة ببداهته الطبيعية التي لم ~~يفسدها الناس بأوهامهم، هو كالفيلسوف الذي يرى للناس رأيا واضحا يسيرا، فلا يكون فضله ~~عليهم هو أنه أدرك ما لا يستطيعون إدراكه، بل فضله هو جرأته في إعلان ما يدركه ويدركونه معه ~~... وأي عسر في أن يقال إن الإنسان من حقه أن يعيش حرا في رأيه وعقيدته؟ لكن إعلان هذا الحق ~~قد تلكأ مئات السنين إن لم نقل ألوفها حتى يعلنه الجريء في وجه الطغاة، أي عسر في أن يقال ~~إن الإنسان من حقه أن يأكل ما يشبعه ويكتسي بما يقيه؟ لكن إعلان هذا الحق قد تلكأ وما يزال ~~متلكئا ... وهكذا قل في بدائه كثيرة يراها كل إنسان، أو يستطيع أن يراها إذا أراد، لكنه ~~ينتظر أول ناعق. # وهل تصدق أن الأمر قد احتاج إلى فيلسوف من أضخم الفلاسفة ليقول للناس: «أنا موجود»؟! هل ~~تصدق أن وجود الفرد - على بداهته - قد تلكأ إعلانه حتى جاءه فيلسوف؟ لا، بل إننا حتى هذه ~~الساعة بحاجة إلى فيلسوف وفيلسوف وفلاسفة كثيرين؛ ليصيحوا في الناس بأن الفرد موجود وجودا ~~حقيقيا، وليس هو بالشبح أو الظل، ولا هو مجرد اسم يكتب بالمداد على شهادة الميلاد، أو ~~مجرد رقم يسجل في دفاتر هذا ms059 أو دفاتر ذاك، نحن إلى هذه الساعة بحاجة إلى فلاسفة كثيرين ~~ليقولوا إن الفرد موجود وجودا ماديا، وإنه من لحم ودم، وإن له بطنا يجوع وجلدا يشعر ~~بالبرد ويرتعش ... # لكن الفكرة قد تكون واضحة ناصعة جلية، ومع ذلك فلا يستطيع إعلانها إلا فيلسوف جريء أو طفل ~~بريء! # إنه ليروي عن مدام دي ستايل أنها طلبت من فيلسوف ألماني أن يلخص لها فلسفته في عشر دقائق، ~~فلما أجابها الفيلسوف بأن ذلك مستحيل لصعوبة الفكرة وكثرة تعقيدها قالت في اعتداد: «إن ما ~~لا أستطيع فهمه في عشر دقائق لا يكون عندي جديرا بأن يفهم»، وتلك بالطبع مبالغة منها، ~~لكنها مبالغة تفيدنا في لفت أنظارنا إلى مجرد إدراك ~~الحقيقة النظرية ليس دائما هو موضع الصعوبة، بل الصعوبة في الانتقال من رؤية الحقيقة إلى ~~إعلانها، أو بعبارة أخرى، الانتقال من الفكرة إلى العمل، وفي مضاء العزم يكون الفرق بين ~~إنسان وإنسان، وبين أمة وأمة. # ما كان أجدر ديكارت أن يقول: «إني أريد فأنا إذا موجود» بدل قوله: «إني أفكر فأنا إذا ~~موجود»؛ لأن جوهر وجود الإنسان عمل يريده وينجزه لا فكر يديره في رأسه، فالإنسان في حياته ~~أشبه ما يكون بالتائه في جوف غابة كثيفة، لا يدري كيف يكون الطريق إلى الخلاء المكشوف، وخير ~~له ألف مرة أن يعقد إرادته على خطة ينفذها، مهما طالت، كأن يسير مثلا ناحية الشمال أو ~~ناحية الجنوب بغير ذبذبة ولا تحول، من أن يظل واقفا في مكانه، أو أن يدور في دائرة مغلقة، ~~أو أن يبدأ طريقا لا يخطو فيه إلا خطوات قليلة، ثم يحاول طريقا ثانيا فثالثا ... # لقد رأيت منذ أيام قليلة مجموعة من أطفال صغار أربعة أو خمسة، ولا أدري ماذا أرادوا أن ~~يصنعوا، لكني لاحظت أنهم لم يعرفوا كيف ينجزون ما أرادوا، فسرعان ما اعتركوا وأخذ بعضهم يشد ~~بعضا من شعر رأسه أو أطراف ثوبه، في انفعال شديد، فلم يسعني إلا أن أرى في هؤلاء الأطفال ~~صورة مصغرة لنا، لكنها على كثير من دقة التصوير ms060 لحالنا، فلست أعلم كم قضينا من القرون لا ~~نعمل لأنفسنا شيئا، فلما نهضنا حديثا وأردنا أن نعمل، أرتج علينا، فأخذنا انفعال ~~الأطفال، وما لبثنا أن اعتركنا بعضنا مع بعض شدا للشعر وجذبا لأطراف الثياب؛ ذلك لأننا ~~نعرف ماذا يعمل، لكننا لا نملك الإرادة التي تنفذ، فلا عجب ألا تجد اختلافا بين أحزابنا ~~على الأهداف؛ لأن الأهداف «فكرة» لا يصعب على الطفل إدراكها، وهل يعجز الطفل عن إدراك ~~الفكرة البسيطة القائلة بأننا نريد أن نستقل عن المستعمر لنكون دولة ذات سيادة كاملة؟ ~~الفكرة بسيطة واضحة، بل والطريق إليها قد يكون «معروفا» كذلك؛ معروفا كفكرة، ولكننا حين ~~بدأنا نخطو نحو التنفيذ، حل بأبداننا شلل تراكم على مر العصور وطول القعود والركود، ~~فانتقلت الفاعلية من الأقدام التي تسير، إلى الحلوق تصيح والأذرعة تلوح في الهواء ~~وتضرب. # تنقصنا الإرادة، والإرادة لا تكون إلا في شخص يريد، ليس هناك «إرادة» سابحة في الهواء مع ~~السحاب، أو «إرادة» تسكن الكهوف مع الأشباح والأرواح، إنما الإرادة تراها في فرد يريد، فقم ~~الآن واعمل. إنه لتعجبني هذه الأسطر الآتية في رواية «ميديا» ل «كورني»، ولتلاحظ أن «كورني» ~~في مسرحياته قد جعل عظماءه هم أصحاب الإرادة التي تنفذ ~~وتمضي في غير ضعف أو لين، فهذه «ميديا» قد زال عنها كل ما تركن إليه حياتها، لكنها تستحفز ~~في نفسها العزيمة والثقة بالنفس: # الوطن ينبذك والزوج خائن. # فماذا بقي لك في هذه المحنة السوداء؟ # بقيت لي نفسي. # نفسي وحدها وفيها الكفاية. # ولا نحسبه من فعل المصادفات العابرة أن ينطق أديب فرنسي بهذه الأسطر في نفس الوقت الذي ~~يتحدث فيه فيلسوف فرنسي بمثلها، وذلك هو ديكارت، الذي لم يتردد في هدم كل شيء بشكه، وكأنما ~~ألقى على نفسه مثل السؤال الذي ألقته «ميديا» على نفسها: ها أنت ذا واقف بين ركام وأنقاض ~~فماذا بقي لك؟ فأجاب أيضا بمثل ما أجابت به «ميديا»: بقيت ليس نفسي، «فأنا موجود». # وتلك بعينها هي وقفات الأبطال في التاريخ الإنساني ~~كله: الأنبياء والمصلحون وزعماء الثورات وقادة الحروب ms061 الكبرى. فكل من هؤلاء كان ينطق بلسان ~~حاله ولسان أفعاله، وينطق في وجه الظروف القائمة قائلا: هذا هو كل شيء قد فسد من حولك، ~~فماذا بقي لك؟ وقد كان كل من هؤلاء يجيب لنفسه: بقيت نفسي، وما هو إلا أن يأخذ في التنفيذ ~~والعمل، البطل الحقيقي لا يملى عليه بل يملي، ومهما صغرت الدائرة التي يفرض فيها الإنسان ~~إملاءه وإرادته، فهو على كل حال أوفر حياة ممن يتلقى عن غيره، فلو كانت «جان دارك» رأت ~~رؤاها وسمعت أصوات قلبها ثم وقفت عند هذا الحد، لما كان منها بطلة ولا شبهها؛ لأن الزاعمين ~~والزاعمات بأمثال تلك الرؤى والأصوات لا يكاد يحصرهم العد في كل جيل من كل أمة، والناس ~~يسلكونهم - بحق - في عداد المخرفين، لكن الذي نقل «جان دارك» من هذه الدائرة الدنيا - ~~دائرة التخريف - إلى دائرة البطولة والعظمة النادرة، هو أنها راحت تعمل وفق أحلامها ورؤاها! ~~قالت لها الكنيسة: تعالي نحقق صدق دعواك، فأبت أن تذعن لقضاء الكنيسة؛ لأن جانب البطولة ~~منها قد أبى عليها أن تنصت لما يقوله الآخرون. # أول خطوات الرجاء - إذا - أن نطمئن إلى سلامة بناء الأفراد في قوة إرادتهم وقدرتهم على ~~العمل والإنجاز، أول خطوات الرجاء أن نبث في كل فرد عقيدة قوية بأن الإنسان أقوى ما في ~~الوجود، إنه أقوى من الوجود كله، هذا الإنسان الذي يبدو كأنه القصبة النحيلة تهزها الريح، ~~في يده العصا السحرية التي تتحكم في الطبيعة من أولها إلى آخرها، وما عصاه السحرية هذه سوى ~~عزيمة ماضية إلى هدفها بالعمل الدءوب. # | هاروت وماروت # كان من أساطير العرب أن كوكب الزهرة هو امرأة بغي تحولت نجما، وخلاصة الأسطورة كما ~~ذكرها «البلخي» هي ما يأتي: ~~«روي أن الله تعالى لما أراد أن يخلق آدم، قال للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا ~~أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ فلما خلق آدم وأظهرت ذريته ~~في الأرض الفساد، قالت الملائكة: يا رب، أهؤلاء الذين استخلفتهم في الأرض ؟ فأمرهم الله ms062 أن ~~يختاروا من أفاضلهم ثلاثة ينزلهم إلى الأرض ليحملوا الناس على الحق، ففعلوا. قيل وجاءتهم ~~امرأة فافتتنوا بها حتى شربوا الخمر وقتلوا النفس وسجدوا لغير الله سبحانه وتعالى، وعلموا ~~المرأة الاسم الذي كانوا يصعدون به إلى السماء، فصعدت، حتى إذا كانت في السماء مسخت ~~كوكبا، وهي الزهرة. قالوا وخير الملكان بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختاروا عذاب ~~الدنيا، فهما معلقان بشعورهما في بئر بأرض بابل، يأتيهما السحرة فيتعلمون منهما السحر.» ~~(الأساطير العربية قبل الإسلام، نقلا عن كتاب «عبقر» لصاحبه شفيق معلوف من أدباء ~~المهجر). # تلك هي أسطورة هاروت وماروت كما قرأتها، ولا بد لنا بادئ ذي بدء أن نغضي عما فيها من خلط ~~بين المثنى والجمع، إذ هي تبدأ بالحديث عن ثلاثة من الملائكة أرسلوا إلى الأرض، فتتحدث عن ~~هاروت وماروت وحدهما بصيغة المثنى، دون أن تذكر خبرا عن زميلهما الثالث. # قرأت هذه الأسطورة فوجدتها تصور حياتنا السياسية منذ ربع قرن أو يزيد، بل وجدتها تصور ~~كثيرا جدا من جوانب الحياة إلى جانب تصويرها للحياة السياسية. # فعناصر الأسطورة كما يرى القارئ هي أن تعيث ذرية آدم في الأرض فسادا، فيرفع الملائكة ~~شكاتهم إلى الله، فيختارهم الله لحكومة الأرض لعلهم يصلحون. فما يكادون يضطربون في الشئون ~~الأرضية حتى يتعرضوا لعوامل الإغراء، فيفسدون ويفسدون، ولا يكونون خيرا حالا من آدم ~~وذريته. # وهكذا الحال في حياتنا السياسية، فكلما أرادت الظروف لحزب سياسي أن يتولى أمورنا، قالت ~~الأحزاب الأخرى بلسان حالها متوجهة بشكاتها إلى ربها: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ~~... إلخ؟ # ويكون الحق إلى جانب هذه الأحزاب فيما قالت؛ لأن الحزب القائم على الأمر وذريته، تظهر فيه ~~عوامل الفساد حقا، وتنتشر في الأرض ألوان العبث على أيديهم ألوانا وأشكالا، فلا غرابة ~~أن تشمت الأحزاب المعارضة وأن تتوجه بسؤالها إلى الله: يا رب أهؤلاء الذين استخلفتهم في ~~الأرض؟! # وها هنا يأمر الله تلك الأحزاب المتأففة المتضجرة الغاضبة الشامتة، والتي ترى أنفسها ~~ملائكة أطهارا أتقياء إذا قيست إلى الحاكمين الفجار، يأمر الله تلك الأحزاب ms063 الغاضبة ~~الشامتة أن تختار من أفاضل رجالها نفرا تلقي بين أيديهم مقاليد الحكم، لعلهم أن يكونوا ~~الصالحين المصلحين، فينزل الملائكة المختارون إلى الأرض ليحملوا الناس على الحق، ثم لا ~~يلبثون أن تسري في دمائهم الشهوات الحيوانية الملتهبة العارمة، فتفتنهم عن أنفسهم فتنة ~~بعيدة المدى، لا يتورعون معها أن يسجدوا لغير الله، إنهم عندئذ لا يتورعون أن يسجدوا ~~للشيطان العابث بهم وبأحلامهم، وهو الشيطان الذي ما يزال بغوايتهم حتى يأخذ منهم كلمة السر ~~التي يصعد بها إلى السماء حيث يلمع ويسطع كما يلمع كوكب الزهرة في السماء ... وأما هم، ~~فيعلقون من شعورهم بين الأرض والسماء، فلا إلى الناس هبطوا واضطربوا معهم في شئون العيش ~~الشريف، ولا إلى السماء صعدوا ليعودوا مع الملائكة أبرارا أطهارا. # والتتمة التي لم تذكرها الأسطورة، هي أن تعود ذرية آدم إلى مكان القيادة مرة أخرى، وسرعان ~~ما تنشر الفساد في الأرض كما نشرته أول مرة. وهكذا دواليك حلقة بعد حلقة إلى يوم ~~الدين. ~~••• # هكذا تصور الأسطورة القديمة حياتنا السياسية الحديثة أبدع تصوير وأبرعه، لكنها إلى جانب ~~ذلك تصور كثيرا جدا من جوانب حياتنا الأخرى، فلنا في كل يوم من أمثال هاروت وماروت مئات ~~ومئات، ولنا في كل يوم من أمثال الزهرة كذلك مئات ومئات. # وهنا يجمل بنا أن نحدد للقارئ معنى «البغي» كما يجب أن نفهمه، فالبغي قد يكون رجلا ~~كما قد تكون امرأة، والصفة الجوهرية في البغي أن يبيع مثله العليا من أجل نفع عاجل، وقد ~~تكون هذه المثل العليا مبادئ خلقية تواضع عليها الناس، أو أهدافا فكرية أو فنية اتفقت ~~عليها كلمة العالم المتحضر كله، يبيع البغي هذا كله بثمن بخس من مال أو جاه، يبيع كل ما ~~لديه من عزة وكرامة ثمنا لصعوده، حتى إذا ما صعد البغي إلى منازل الكواكب المنيرة ~~اللامعة، لم يسأل الناس كيف كان وكيف أتيح له الصعود ومن أين جاءه النور الذي يلمع ~~به. # وفي حياتنا العامة، بل في حياتنا العلمية والفنية من أمثال هؤلاء البغايا كثيرون ، كثيرون ~~جدا، ms064 ففي مكان الرياسة قد ترى من ليس له رأس يفكر، وفي مكان العلماء قد تجد من لا يقوم ~~على علمه برهان واحد من آثاره، بل قد تصادف في مكان الصدارة من حياتنا الأدبية من سوف لا ~~يذكره الغد القريب بصفحة واحدة خطها قلمه ... كل هؤلاء كواكب نيرات في سمائنا، كالزهرة ~~اللألاءة كانت بغيا ثم مسخها الله كوكبا! ~~••• # كذلك رأيت في الأسطورة معنى آخر، يمس جانبا آخر من جوانب حياتنا العلمية ~~والسياسية. # ففي الأسطورة قد فسد الملائكة عندما نزلوا إلى الأرض، وتعريف «الملائكة» أنهم الكائنات ~~التي تعقل بغير أجساد، أعني أنهم الكائنات التي لها ما للإنسان من فكر، دون أن يكون لها ما ~~له من بدن، وسنتخذ «الأرض» هنا رمزا للحياة الدنيا بشئونها العملية، وبخاصة شئون ~~السياسة. # وفي ضوء هذا التفسير للكلمتين، نسأل هذا السؤال: هل يجوز لأصحاب العقل والفكر أن يشتركوا ~~في سياسة الجماعات اشتراكا عمليا؟ بعبارة أخرى: هل يجوز لأصحاب الفكر النظري أن يتولوا ~~مقاليد الحكم؟ # ولهذا السؤال جوابان: فأما هذه الأسطورة التي نحن اليوم بصددها، فتجيب جوابا واضحا، وهو ~~أن لا؛ لأن العقل الخالص إذا نزل إلى الأرض واضطرب في محيط الحياة العملية انحرف عن صوابه، ~~وضل ضلالا بعيدا؛ ذلك لأن الحياة العملية ستضطره اضطرارا أن يميل مع «الهوى» - والهوى ~~في الأسطورة غرام بامرأة بغي، لكن الأهواء قد تتعدد صنوفها - وشرط الفكر الخالص ألا يميل ~~مع الأهواء كائنة ما كانت، فيستوحي إملاء المنطق العقلي وحده دون أن يحب أو يكره، شرط ~~المفكر أن يقف من موضوع تفكيره على الحياد التام، فلا يبدي عاطفة هنا أو هناك، فإذا تناول ~~العالم الفكر وردة، انقلبت الوردة في يديه جسما يحلله إلى أجزائه كما يحلل الأوساخ ~~والأوحال، أما إن شمها فأعجبته بأريجها، فعندئذ يصبح فنانا ويخرج من دائرة العلماء أصحاب ~~الفكر الخالص والعقل المحايد. # وهيهات أن تشترك في عالم السياسة بفكرك وتظل محايدا لفكرتك فلا تحيد بدوافع العاطفة ذات ~~اليمين مرة وذات اليسار أخرى، ومن ثم كان فساد الملائكة في هذه الأسطورة ms065 عندما نزلوا إلى ~~الأرض ... # لكن للسؤال جوابا آخر قاله أفلاطون منذ زمن بعيد، فقد كتب «الجمهورية» ليقول فيما ~~يقوله: إن الحكم ينبغي أن يكون للحكماء، أي أن تلقى مقاليد الحكومة إلى أصحاب الفكر - وهم ~~عنده الفلاسفة - لأنهم أقدر من غيرهم على تفهم طبيعة الإنسان وقيادته. فكما أنك لا تلقي ~~بزمام السفينة إلا إلى ربان يعرف طبيعة البحر والجو ليجنب السفينة مواضع الخطر، فكذلك ~~سفينة الدولة ... إلى آخر ما قال. # ونحن نضع السؤال نفسه في صيغة أضيق مجالا، فنقول: هل يجوز لرجال الجامعة عندنا أن ~~يشتركوا في الحكومة؟ ونترك للقارئ أن يختار لنفسه أحد الجوابين، فأمامه ما قد أجاب به ~~أفلاطون، وما تجيب به أسطورة هاروت وماروت. # | رهان # هي عشرون جوادا أو ثلاثون، بعضها في حلبة السباق يلهث من الجري، وبعضها الآخر في الحظائر ~~يدس رأسه في المذاود ليطعم، أو يتمرغ على أرض لينة - بما فرشت به من الدريس - ليستجم ~~ويستريح، ثم يتبادل الفريقان من الجياد موضعهما، فتجيء الخيل المتسابقة إلى الحظائر فتأكل ~~من المذاود جيد العلف أو تسترخي على الأرض اللينة لتستجم وتستريح، وتذهب الخيل المستريحة ~~الطاعمة إلى حلبة السباق لتلهث من الجري، وهكذا دواليك حينا بعد حين. # وحول حلبة السباق وقفت ألوف البشر، متلاصقة الأجساد متدافعة بالمناكب، حتى لتحمر منها ~~الأعين، وتنتفض الأوداج، ويتصبب العرق. هذه الألوف من التعساء المناكيد، قد تأرقت جنوبها ~~على المخادع، لم يهنأ لها في ديارها طعام ولا شراب، فجاءت إلى حلبة السباق لتبذل من مالها ~~وجهدها ما تستطيع بذله وما لا تستطيع، رهانا على الجياد المتسابقة، حتى إذا ما أتمت الخيل ~~شوطها، أخذ يعلو في الثراء والجاه من يعلو، ويهبط فيهما من يهبط، وللمراهنين في كل يوم حظوظ ~~كتبت لهم في اللوح المحفوظ. # ارقب الوجود والأجساد في ذاك الزحام، واستمع إلى ما ينطقون به همسا وصياحا، حين تهتز ~~أقدارهم في كف القدر، معلقة بما هو أوهى من خيوط العنكبوت: هذا واحد قد مط عنقه مطا، ~~وشد أوتاره شدا، وشب على أطراف قدميه ، وأخذ يدور ms066 بناظريه خلال غابة من أعناق المتزاحمين، ~~لعله يتابع الجياد بناظريه وهي تدور، فتنبسط في وجهه الأسارير ثم تنقبض مائة مرة في الدقيقة ~~الواحدة؛ لأن حصانه الذي راهن عليه يتقدم تارة ويتأخر تارة، وهو مع الحصان في تقدمه وتأخره ~~يتأرجح انبساطا وانقباضا. # وهذا آخر يضرب الأرض بقدميه من قلق، ويضرب فخذيه بيديه، ويزفر آهات متتابعة، لكنها ~~مختلفات الصوت والمعنى، فآهة يزفرها مرة ليتوجع، وآهة أخرى يطلقها لينتشي؛ لأن حصانه هو ~~الآخر لا يخلي بينه وبين الأمل المتصل أو اليأس المتصل، فأخذ يؤرجحه بين اليأس ~~والأمل. # وهذا ثالث لا يكف عن الصياح إلى الجياد مناديا ~~لها بأسمائها، يستنهض فيها الهمم؛ لأن سنابكها تكتب له مقدار حظه، وكل ثنية ينثني بها هذا ~~الحصان أو ذاك، لها في حياته هو صدى، فقد ينثني حصانه قليلا ذات اليمين، فإذا معنى ذلك ~~أنه رئيس على أترابه منذ الغد، أو ينثني قليلا ذات اليسار، فيهبط منذ غده إلى مراتب ~~المرءوسين، وهلم جرا، فهو معذور إذا أجهد حلقه بالصياح هاتفا: «الله الله يا سموحة!» «شد ~~حيلك يا بلبل» ... # وللمراهنين في اختيار جيادهم مذاهب، فبعضهم يفضل أن يضع رهانه على جواد سباق، راضيا ~~بالكسب القليل المضمون؛ ذلك لأن الجواد إذا اشتهر بالسبق، كثر المراهنون عليه، وبالتالي قل ~~النصيب عند توزيع الغنائم، وبعضهم الآخر يؤثر لنفسه الرهان على جواد مغمور بعض الشيء، لأن ~~الحظ إذا أسعف هذا الجواد المختبئ وكان له السبق، فاز المراهن بربح موفور لقلة المراهنين، ~~وبعضهم يمسك العصا من وسطها - كما يقولون - حتى لا يفوته طرف اليمين ولا طرف اليسار، فيراهن ~~على النوعين في آن معا. # وأشهد أني عشت ما قد عشت من سنين، غافلا عن هذا النشاط العجيب الذي يستنفد جهود الألوف ~~من البشر، فقد كنت أحسب أن الناس جميعا ينفقون أيامهم كما أنفق أيامي على نحو بارد ممل ~~رتيب: عمل وأكل ونوم، فعمل وأكل ونوم، ثم عمل وأكل ونوم. لم أكن أدري أن هناك ألوفا من ~~البشر تغمض أعينها على أرق وتفتحها على قلق، من ms067 كثرة ما أضافت إلى حياتها من عوامل الأمل ~~واليأس، وأسباب الصعود والهبوط، بحيث لا يكون الواحد منهم في غده ما يكون في يومه، فهو في ~~كل يوم على حال. # وظللت على غفلتي حتى فتح عيني صديقي الطبيب البارع حين ذهبنا يوما إلى دار السينما، حيث ~~شهدنا فيها مباراة في الملاكمة جرت بين ملاكمين قيل إنهما مشهوران معروفان في العالم أجمع - ~~وإن كنت لم أعرف عنهما شيئا - وحول منصة المباراة جلست أو وقفت ألوف مؤلفة من ~~المتفرجين، على أشد ما يكون الناس تحمسا واهتياجا، فكانوا يقفون ويقعدون، ويلوحون ~~بأيديهم ويخبطون الأرض بأقدامهم ويصيحون على نحو عنيف مثير، كأنه يوم الحشر قد نفخ له في ~~الصور. # عندئذ ملت نحو صديقي أهمس في أذنه: كيف تبلغ حرارة التحمس عند هؤلاء الناس كل هذا ~~المدى؟ ألسنا مثلهم ننظر إلى اللاعبين فنرى ما يرون؟ لماذا - إذا - ننظر في هدوء وصمت، ~~وينظرون هم في هذه الضجة الكبرى؟ كيف يكون بين الناس كل هذه الفروق والمشهد واحد ~~أمامهم؟! # فضحك صديقي الطبيب البارع ضحكته الرزينة الهادئة، وقال: إن هؤلاء لا يتفرجون على الملاكمة ~~وكفى كما نفعل نحن، وإلا لما كان هناك كل هذا الفرق بيننا وبينهم، لكنهم قد راهنوا بأموالهم ~~على اللاعبين، فأصبح الأمر عندهم أمر كسب أو خسارة، ومن ثم هذا الهيجان العنيف وهذا التحمس ~~الشديد. ~~••• # وأشهد أني منذ تلك الملاحظة اليسيرة العابرة، التي قالها لي الصديق الطبيب، قد فهمت من ~~مجرى السياسة المصرية ما لم أكن أفهمه من تيارات ودوافع، وانكشف لي عن كثير من سرها الذي ~~ليس بالسر عند النابهين المتنبهين الذين تمتلئ عروقهم بدم الحياة ويشتعلون حرارة بوقدة ~~العيش، وإنما هو سر ينتظر الكشف عند الغافلين المغفلين الذين يجعلون أيامهم عملا وأكلا ~~ونوما. # في حلبة السياسة المصرية تجيء وزارة وتمضي وزارة، كالجياد رأيناها في حلبة السباق تجيء ~~وتمضي، وبين الوزراء يجيئون ويمضون، ما بين الجياد: فمنهم وزراء عاملون قائمون على الحكم، ~~يشبهون الخيل وهي تجري شوطها لاهثة من الجري، ومنهم وزراء متعطلون يقضون فترة ms068 الراحة، ~~فتراهم في الأندية والدور يطعمون وينعمون استجماما واسترخاء؛ استعدادا لدورتهم القادمة - ~~فثلاثون عاما من أعوام السياسة المصرية قد علمتهم أن الوزارة دورات متتابعة يتولاها فريق ~~بعد فريق، رضي الناس أو كرهوا. # أما الغافلون المغفلون فيقرءون خبر وزارة تجيء ووزارة تمضي، على نحو ما كنت مع صديقي ~~الطبيب أشهد الملاكمة، يقرءونه خبرا من الأخبار كما يقرءون - مثلا - أن مواعيد القطارات ~~الذاهبة إلى الإسكندرية قد تغيرت مع قدوم الصيف أو حلول الشتاء، فيترتب على ذلك تغيير يسير ~~جدا في حياتهم، أو لا يترتب عليه شيء قط إن لم يكونوا من أصحاب السفر والانتقال - وهم في ~~كلتا الحالتين يقرءون الخبر بجنان ثابت وأعصاب هادئة، ولا يكادون يفرغون من قراءته، حتى ~~يلقوا بالجريدة جانبا، ليمضوا فيما هم ماضون فيه من عمل وأكل ونوم. # وأما النابهون المتنبهون فليست هذه حالهم، فهم أشباه هؤلاء الألوف الذين شهدناهم حول حلبة ~~السباق يراهنون بجهدهم كله ومالهم كله على هذا الحصان أو ذاك، ثم يقفون بعد ذلك في تشوف ~~وتطلع وقلق وأرق وانتظار، ترى هل يكتب لهم في ميدان السباق صعود أم هبوط؟ ترى هل ~~يخرجون من الزحام ظافرين أم خاسرين؟ # ويختلف المراهنون في ميدان السياسة المصرية أحزابا على نحو ما رأينا المراهنين في حلبة ~~السباق يختلفون مذاهب: ألم تر فريقا من المراهنين على الجياد يفضل الرهان على جواد كسبه ~~قليل لكنه أكثر ضمانا من غيره لأنه سباق؟ وفريقا آخر يؤثر الرهان على جواد مغمور بعض ~~الشيء لكن كسبه غزير موفور إن صادفه التوفيق وحالفه النجاح. # فهكذا يتخير المشتغلون بالسياسة المصرية أحزابهم: هل يناصر هذا الحزب أو ذاك؟ أما هذا ~~الحزب فأشياعه كثيرون والرجحان في الكسب من ورائه قليل، وأما ذلك الحزب فأشياعه قليلون ~~واحتمال الكسب من ورائه كبير، وذلك الحزب الآخر لا رجال فيه، فطريق الوزراء لأعضائه ~~البارزين مفتوح. وهكذا يأخذ المشتغلون بالسياسة المصرية في المفاضلة بين حزب وحزب، ثم ~~يختلفون في اختيارهم باختلاف أمزجتهم وطباعهم، فمن الناس من يحب المغامرة الجريئة التي إما ~~رفعتهم إلى قمة ms069 الجبل الشاهق أو جاءتهم بالهلاك، كهؤلاء الذين نقرأ عنهم في الأساطير من ~~طلاب الكنوز المدفونة في الجزر البعيدة، تراهم يركبون في سبيل بغيتهم كل صعب، فإما كنز ~~يقعون عليه فتدين لهم الدنيا أو يهلكون، لكن الناس فيهم إلى جانب هؤلاء المغامرين من أذلهم ~~الحرص فأرادوا السير الهين السلس وإن أبطأ. # ورءوس الأحزاب المصرية على أتم علم بجوانب الموقف ما ظهر منها وما استتر، فهم يعلمون حق ~~العلم أن ليس الأمر بين الناس مرهونا باختلاف الآراء وتشعب الفلسفات، ليس الأمر عند ~~المشتغلين بالسياسة المصرية موقوفا على اختلاف المنهج، فوزارة تجيء لأنها اشتراكية والناس ~~قد صوتوا في الانتخاب للحكم الاشتراكي، أو لأنها محافظة على النظام الاقتصادي القديم ~~والناس قد أرادوا عند التصويت لهذا النظام القديم أن يبقى، إنما الأمر كله كسب شخصي ~~وغنائم، الأمر كله رهان في حلبة السباق: أي الجياد أقرب إلى أن يملأ جيوبي بالمال وجوفي ~~بالطعام فأراهن عليه ... وأدرك رؤساء الأحزاب المصرية ذلك أتم إدراك، فراحوا - كلما جاء الحكم ~~إلى فريق منهم - يغدقون على أنصارهم ألوان النعيم جزاء ما رهنوا، ولقاء ما بذلوا من جهد ~~جهيد في الصياح والهتاف والقلق والأرق. # والسعيد السعيد في هذا البلد هو من يهتدي في حلبة السياسة إلى الجواد الرابح، والشقي ~~الشقي هو من ربط مصيره بجواد خاسر. # | نظرة الطائر # يرتفع الطائر إلى السماء وينظر، فتكون نظرته واسعة المدى بعيدة الأفق، وأما الدودة فتنكفئ ~~بوجهها نحو الأرض زاحفة، فينحصر نطاق النظر عندها حتى لا يمتد إلى أبعد من أنفها. # ونحن في كثير جدا من أمورنا - أفرادا ودولة - أقرب إلى الدود الزاحف منا إلى الطير ~~المحلق في الفضاء، فترانا ننظر إلى «هنا» و«الآن» - على حد تعبير الإنجليز - أي ننظر إلى ~~مواضع أقدامنا وإلى اللحظة الزمنية القصيرة التي نجتازها، ثم نتصرف بما يرضي ذلك المكان ~~المحدود وهذا الزمن القصير العابر، بغض النظر عما يترتب على ذلك من نتائج فيما هو أبعد ~~قليلا من نطاقنا المكاني والزماني الضيق المحدود، ولا غرابة إذا أن ترانا ننقض غدا ما ms070 ~~أبرمناه اليوم، ثم نهدم بعد غد ما نبنيه في الغد؛ ذلك لأننا اليوم لا نفكر في غد أو بعد غد، ~~وفي غد ننسي اليوم ونتناسى ما يتلوه من أيام - كالتي نقضت غزلها، لولا أن التي كانت تغزل ~~غزلها لكي تنقضه، ثم تغزله مرة جديدة لتنقضه، وهكذا، إنما كانت تقصد إلى المماطلة حتى يعود ~~زوجها من سفره البعيد المجهول، تخلصا من خطابها الكثيرين الذين لبثوا ينتظرون قرارها، ~~وقد وعدتهم ألا تنطق بقرار حتى تتم غزلها، ثم قصدت ألا تتمه أبدا، فراحت تغزل وتنقض ما ~~غزلت، وهي عالمة بما تفعل مدبرة له، وإذا فمن الظلم على تلك المفكرة المدبرة التي ~~ترسم لنفسها الخطة وتأخذ في تنفيذها؛ من الظلم عليها أن نقيس أنفسنا بها حين نريد تشبيها ~~يصور حالنا، إذ نبني اليوم ما نهدمه بعد حين، عن غير تدبر ولا تفكير. # حين يرتفع الطائر إلى السماء لينظر، تعتدل في عينيه النسب بين الأشياء مقرونا بعضها إلى ~~بعض، فيرى على وجه الدقة ضآلة الضئيل وعظمة العظيم، إذ يرى - مثلا - كم يكبر هذا البناء ~~العالي ذلك الكوخ الصغير الوطيء؛ لأنه يراهما معا بنظرة واحدة فتسهل الموازنة والمقارنة، ~~أما إذا وقف ذلك الطائر على باب الكوخ ونظر، فسيخيل إليه أنه إزاء عمارة جبارة، أين هو ~~منها طولا وعرضا وارتفاعا، وسيحجب الكوخ عن عينيه ما وراءه من قمم عالية، فينقلب الكوخ ~~الصغير الوطيء في عينيه مثلا أعلى في الارتفاع والسمو. # إن إدراك النسبة الصحيحة بين الأشخاص والأشياء والأفكار نعمة كبرى، ليست تتوافر للناس ~~جميعا على السواء، فهذا قد تدق عنده «حاسة النسبة» بين الأشياء دقة تهديه إلى وضع الأمور ~~في نصابها الصحيح، وذلك قد تنعدم عنده تلك «الحاسة» انعداما حتى لتراه يكبر الصغير ~~ويصغر الكبير وهو لا يدري، وما أشبه هذين برجلين متساويين في الدخل، فأما أولهما فيوزع ~~ماله المكسوب على مقتضيات الحياة - ضروراتها وكمالياتها - توزيعا تراعى فيه النسبة ~~الصحيحة، فلا يضطرب له أمر، وأما الثاني فقد تتملكه الشهوة نحو شيء بعينه فيزيغ بصره عما ~~عداه، وينفق ms071 ماله كله في ناحية واحدة لأن عينه قد عميت عن سائر النواحي، فيختل التوازن ~~وتضطرب الحياة. # ولعلنا إذ نصف إنسانا بأنه «عاقل» في طريقة تصرفه في حياته، فإنما نريد بهذه الصفة أنه ~~ينظر إلى أموره الكثيرة نظرة الطائر؛ ليراها كلها في لمحة واحدة، فيتسنى له أن يوازن ~~ليقدر النسبة الصحيحة بين أحجامها، وعندئذ يقدم الأهم على المهم لأنه قد وقف الوقفة التي ~~تكشف له أين الأهم وأين المهم وأين ما ليست له أهمية فيحذف من قائمة الحساب. فالإنسان حزمة ~~من شهوات ورغبات، وليس من الحكمة أن تقتلع تلك الشهوات والرغبات اقتلاعا من أساسها، فتلك ~~هي النظرة القديمة التي استبدت بتفكير الإنسان عصورا طويلة، على اعتبار أن الشهوات ~~والرغبات هي من مقتضيات الجسد، والجسد منبوذ مكروه محتقر دنيء، بكل ما يتعلق به وبكل ما ~~يقتضيه، أما الصحيح فهو أن نضع هذا الجسد البشري موضع التقدير، وكدت أقول موضع التقديس. ~~ولكم عانى الناس ضروب العنت والإرهاق بسبب أن أجسادهم لم تكن هي موضع الاعتبار من أولي ~~الأمر؛ فلبثت تلك الأجساد تتضور من جوع، وتئن من ألم؛ لأن أصحاب الشأن مشغولون «بالمثل ~~العليا» التي هي وراء الأجساد وتزدري التفكير في الجوع والألم! لكن ذلك استطراد قد بعد بنا ~~عما أخذنا في تقريره، وهو أن الإنسان حزمة من شهوات ورغبات، ليس من الحكمة في شيء أن تجتث ~~وتقتلع، وإنما الحكمة هي في نسبتها بعضها إلى بعض نسبة صحيحة، فأشبع هذه الرغبة مني ~~ضعف ما أشبع تلك، إذا رأيت ذلك يحقق لي في النهاية اتزان الحياة وهدوءها واطراد رقيها. ~~ولست أستطيع إدراك هذا التناسب إلا إن وقفت من رغباتي جميعا موقف الذي يراها دفعة واحدة، ~~وتلك هي نظرة الطائر. # وما أكثر ما نصف بالجنون إنسانا، إذا حللنا وجه النقص فيه، وجدناه انحصار نظره في ~~نطاق ضيق من جوانب حياته، أو خضوعه خضوعا تاما لعاطفة واحدة أو فكرة واحدة فرضت نفسها ~~عليه فلم يعد يستطيع رؤية ما وراءها أو الإحساس بما عداها، فالذي ينصرف بكل شعوره ms072 نحو الحزن ~~على وليد فقده أو مال أضاعه، مجنون جنون الذي ينصرف بكل إنفاقه نحو الخمر غير آبه لما ~~يتطلبه العيش من رداء ومسكن وخبز وماء، وموضع الجنون هنا هو في النظر بين الدودة المنكفئة ~~بوجهها نحو الأرض فلا ترى أبعد من مليمترين أو ثلاثة، فتفوتها الدنيا الواسعة العريضة من ~~حولها. # و«العاقل» في نظرته إلى الأمور نظرة الطائر، يضيف المستقبل إلى الحاضر في اعتباره، وكلما ~~ارتفع الطائر الرائي ازداد الطول الزمني الذي يقع له في مجال رؤيته، واتسعت أمامه رقعة ~~المستقبل الذي لا بد أن يدخله في حسابه وهو يقضي في شئونه بهذا القرار أو ذاك، ومن هنا قيل ~~إن الموازنة بين الرغبات عند إشباعها وتفضيل بعضها على بعض، تحسب حساب المدة إلى جانب ~~حسابها للحدة، فقد تكون الرغبة الآن حادة شديدة ملحة تناديك بإشباعها إشباعا ~~سريعا، لكن أثر إشباعها لن يقيم معك إلا لحظة قصيرة ثم يمضي، بل قد تترك وراءها من ~~النتائج ما يسبب آلاما أضعاف أضعاف اللذة التي نجمت عن إشباعها، فمثل هذه الرغبة - عند ~~«العاقل» - يجب أن تفسح الطريق لرغبة أخرى أطول منها أمدا في بقاء الأثر وإن تكن أقل منها ~~حدة وإلحاحا في اللحظة الراهنة. # وكذلك الأمر في الدولة وسياستها، فقد توصف الدولة بأنها بعيدة المدى في سياستها أو قصيرة ~~المدى، والفرق بين الحالتين هو الفرق بين نظرة الطائر ونظرة الدودة: الدولة في الحالة ~~الأولى توسع من نطاق الرؤية حتى لتضع مئات السنين المقبلة في اعتبارها وحسابها، وهي في ~~الحالة الثانية تضع أنفها على الرغام وتنظر، فإذا اللحظة الراهنة ومقتضياتها هي كل ما هناك، ~~وأنا أترك للقارئ أن يحكم لنفسه بأي النظرتين تنظر الدولة في بلادنا: أهي من قبيل ما ينظر ~~الطير أم من قبيل ما ينظر الدود؟ # وكذلك تتحكم فينا نظرة الدود في علاقتنا بعضنا ببعض، فقد أوصينا برعاية ذوي القربى ورعاية ~~الجار، ولو سألنا: من هم ذوو القربى ومن هو الجار الذي تجب علينا رعايته؟ كان الجواب عند ~~الدودة غيره عند الطائر: «القربى» ms073 عند الدودة هي «القرب» المكاني الزماني، فلا قرابة إلا ~~لمن التصق بجلدك التصاقا ليدخل في نطاق نظرك الضيق، وإلا فلو بعد قليلا فلا سبيل إلى ~~رؤيته وإدراكه؛ لأن الوجه منكفئ نحو الأرض فلا يرى، وكذلك الجار هو من تمد يدك فتلمسه إلى ~~جوارك، لكن الطير حين يرتفع ويتسع نطاق إدراكه، تزداد في عينه المسافة من مكان وزمان، ويصبح ~~«البعيد» في الحقيقة «قريبا»، فذوو قرباه عندئذ يزداد عددهم، كما يزداد عدد ~~جيرانه. # إن أصحاب النظرة البدائية الإقليمية المحدودة هم الذين يحسبون القربى محصورة في الأسرة ~~وأفرادها، ويحسبون الجوار في تلاصق جدران المنازل، وإذا علوت بنظرك، أصبحت الأمة كلها من ~~ذوي قرباك، وأصبح الشعب كله جيرانك، ثم إذا ازددت ارتفاعا حتى تقرب من مواضع الآلهة، كان ~~ذوو القربى هم الإنسانية كلها، وكان الجيران هم أفراد البشر جميعا. # إنه لمما يستوقف النظر في هذا الصدد، أن الفلاسفة الذين كتبوا في الدولة المثلى، تفاوت ~~في أعينهم الحجم بتفاوت أزمانهم، فأفلاطون يرى الدولة المثلى في «مدينة» واحدة؛ لأنه لم ~~يكن يتصور أن التماسك الاجتماعي ممكن إذا اتسعت رقعة البلاد اتساعا يجاوز بها حدود ~~المدينة، وهو في ذلك بغير شك صادر عن تفكير عصره السياسي والأخلاقي معا، فكأنما الإنسان ~~عنده قد ضاق به الخيال حتى ليعجز عن مؤاخاة إنسان آخر في مدينة أخرى، وجاء «توماس مور» في ~~عصر النهضة الأوروبية فكتب في الدولة المثلى، وجعلها جزيرة لا مدينة؛ لأن الأفق الإنساني ~~كان قد اتسع بعض الشيء، ثم جاء بعد ذلك من الكتاب الأوروبيين - مثل أوجست كونت وصموئيل ~~بتلر - من جعل الدولة المثلى هي أوروبا جميعا بعد أن تتحد دولها كلها في دولة واحدة، وهي ~~دعوة شبيهة بما يدعو إليه فريق من ساسة هذا العصر. وأخيرا جاء «ولز» وكتب كتابا في الدولة ~~المثلى فجعل حدودها الكرة الأرضية بأسرها. وهكذا ترى الطائر يزداد ارتفاعا على مر الزمن، ~~فيزداد أفقه اتساعا. # أعتقد أننا نصيب إذا قلنا إن نظرة الطائر علامة من علامات التقدم والرقي، ونظرة الدودة ~~دليل على التأخر ms074 والبدائية. # ترى في أي مرحلة نحن من مراحل الطريق؟ # | تمثال فيدياس # في محاورة «هبياس الكبير» لأفلاطون، يدور نقاش بين سقراط وهبياس عن الجمال ما هو؟ ويستطرد ~~الحوار بينهما سؤالا وجوابا، حتى يبلغ موضعا يدور فيه الكلام على الصورة الآتية: # هبياس ~~: # لو كان، يا سقراط، كل ما يريده مني السائل عن معنى الجمال، أن أدله على شيء يخلع ~~الفتنة على كل الأشياء الفاتنة، بحيث يبدو الجميل جميلا إذا ما أضيف إليه ذلك ~~الشيء، فليس أيسر من الإجابة عن مثل هذا السؤال، ولا بد أن يكون السائل في هذه ~~الحالة غاية في السذاجة والفقر في ذوقه الفني؛ لأنك إذا أجبته عن سؤاله يقولك: إن ~~الجمال الذي يسأل عنه، إن هو إلا الذهب، أخرسه الجواب ولم يستطع أن يقيم له ~~اعتراضا؛ لأننا جميعا - فيما أظن - متفقون على أن الشيء إذا طلي بالذهب، حتى وإن ~~كان قبيحا قبل طلائه، فسيبدو جميلا بعد إضافة الذهب إليه. # سقراط ~~: # إنك لا تدري إلى أي حد تبلغ البدائية الجاهلية من صاحبنا السائل يا هبياس، ولا ~~تدري كم يتعذر عليك أن تقنعه! # هبياس ~~: # وماذا يضرك من أمثال هذا البدائي يا سقراط؟ إنه إذا لم يرض بقولة الحق، فسيكون ~~هو أضحوكة الضاحكين. # سقراط ~~: # لكنه مع ذلك سيكون أبعد ما يكون الإنسان قبولا لمثل جوابك هذا، وسيتناولني أنا ~~بلاذع تهكمه، قائلا: هل أصاب رأسك مس من جنون حتى لتظن أن «فيدياس» نحات رديء؟ ~~وعندئذ لا بد لي من الاعتراف له بأنني لا أظن مثل هذا الظن بفيدياس. # هبياس ~~: # وستكون في اعترافك هذا على حق يا سقراط. # سقراط ~~: # بالطبع، ومع ذلك فإذا ما اعترفت له بأن فيدياس فنان مجيد في فنه، سيقول لي على ~~الفور: «وهل تظن أن فيدياس لم يكن على علم بمثل هذا الجمال الذي تحدثني الآن عنه؟» ~~وعندئذ سأستفسره ما يريد بسؤاله هذا، وسيجيب قائلا: «لأن فيدياس حين نحت تمثال ~~«آثيني» لم يجعل عينيها من ذهب، إنما صنعها من عاج، ألم يكن الذهب (على رأيك ) ~~ليزيدها جمالا؟ ولا بد ms075 أن يكون خطؤه هذا في فنه راجعا إلى جهله بهذه الحقيقة التي ~~جئت تقررها لي اليوم، وهي أن كل شيء جميل إنما يستمد جماله من الذهب» - فبماذا ترد ~~اعتراضه هذا يا هبياس؟ # هبياس ~~: # ليس في ذلك شيء من عسر، سنقول إن فيدياس كان على صواب فيما فعل؛ لأن العاج أيضا ~~جميل. # سقراط ~~: # لكنه سيعود إلى السؤال قائلا: «ولماذا صنع فيدياس الحدقتين (في تمثاله) من ~~الحجر، فجاء الحجر والعاج على أتم ما يكون الانسجام؟ أم هل تقول إن الحجر الجميل هو ~~كذلك - كالذهب والعاج - شيء جميل؟ # هبياس ~~: # نعم إن الحجر حين يوضع في موضعه المناسب يكون جميلا، ولا مندوحة لنا عن الاعتراف ~~بجماله عندئذ. # سقراط ~~: # وإذا سألني إن كان الحجر يبدو قبيحا لو وضع في غير موضعه الملائم، فهل أوافقه أو ~~لا أوافقه؟ # هبياس ~~: # لا بد لك من موافقته يا سقراط. # سقراط ~~: # عندئذ سيجيبني قائلا: إذا فخلاصة حكمتك هي أن العاج والذهب يخلعان على ~~الأشياء جمالا على شرط أن يجيئا ملائمين، أما إذا أضفت إلى الشيء عاجا أو ذهبا ~~في غير ملاءمة فسيكون الشيء قبيحا برغم ما أضيف إليه من عاج أو ذهب؟» ... ~~إلخ. # وأحسب القارئ على أتم اتفاق مع هذه النتيجة التي انتهى إليها سقراط في هذا الجزء من ~~محاورته مع زميله هبياس عن معنى الجمال؛ إنه الملاءمة والتناسب، مهما تكن المادة التي بين ~~يديك، فالذهب في الموضع الخطأ قبيح، والحجر في الموضع الصواب جميل. # ليس الجميل جميلا ولا القبيح قبيحا في ذاته بغض النظر عما يحيط به من ظروف وملابسات، ~~فالشيء الواحد يكون جميلا هنا قبيحا هناك؛ لأنه هنا متفق متسق مع محيطه، وهو هناك متنافر ~~نشاز، وكثيرا ما يعاد تنظيم الأجزاء مع بقائها على عددها بغير حذف أو إضافة، فتصبح جميلة ~~بعد قبح، أو قبيحة بعد جمال. # وما جمال الشعر أو النثر الفني؟ إن هذا أو ذاك قوامه ألفاظ من القاموس، لكنه الوضع الصحيح ~~للفظة بالنسبة إلى ما يجاورها هو سر الجمال عبارة وتعبيرا ، والمشاعر نفسها قد تجمل ms076 أو ~~تقبح بائتلافها أو اختلافها مع المحيط، فالضاحك في مأتم قبيح كالباكي في عرس سواء ~~بسواء، وهذا هو نفسه معنى النشاز في أنغام الموسيقى، فالنغمة نشاز مرذول بالنسبة لما حولها ~~من نغمات، وربما كانت هي نفسها نغمة جميلة في موضعها المناسب، والقذارة مادة كأية مادة ~~أخرى، لكنها وضعت في غير موضعها الصحيح فأصبحت «قذارة» تشمئز منها النفوس، وهكذا وهكذا من ~~الأمثلة التي لا تنتهي، مما يقطع بصواب هذه النتيجة من معنى الجمال، وهي أن الشيء يستحيل ~~الحكم عليه في ذاته بجمال أو بقبح مجردا عن موضعه بالنسبة إلى سائر الأشياء. # وبديهي أن هذه الحقيقة الواضحة تظل حقيقة في صغار الأمور وكبارها على السواء، فليست ~~الأنظمة السياسية والاجتماعية بالشيء الذي يوصف بالجمال أو بالقبح، أو يوصف بالصواب أو ~~بالخطأ، مجردا عن الظروف التي يراد لتلك الأنظمة أن توضع في وسطها، فإذا كان من الحكمة أن ~~تعامل الطفل على أنه طفل وهو طفل، فمن الحكمة كذلك أن تعامل الجاهل على أنه جاهل وهو جاهل، ~~أما إذا طالبت الطفل أن يسلك سلوك الرجال، أو توقعت من الجاهل أن يتصرف تصرف العلماء، ~~فأنت متطلب من الأشياء ضد طباعها، وموقفك في كلتا الحالين خطأ قبيح. # إنني حتى هذه الساعة من حياتي ما أزال أعاني كلما عاودتني ذكرى طفولتي حين كنت أتصرف كما ~~يتصرف الأطفال بحكم طبائعهم المفطورة فيهم، فإذا بالصفعات تأتيني من حيث أدري ولا أدري، ذلك ~~أن والدي رحمه الله كان يريدني رجلا في سلوكي وأنا بعد في الخامسة من عمري أو نحوها، كان ~~يعطيني المال ويطلب مني أن أشتري له كذا بكذا وأعيد له بقية ماله، وكثيرا ما كنت أخطئ في ~~وصف ما حدث فينزل بي العقاب السريع، على الرغم من أني كنت أعود له ببقية ماله صحيحة كاملة. ~~لا، إنه لم يكفه مني أن أذهب إلى الدكان كالآلة الصماء فأشتري كذا وأعود له بكذا، بل لا بد ~~لي أن أبين له لماذا كان الحساب على نحو ما كان ، ولم يكن ذلك الحساب ms077 في مقدوري عندئذ، ~~وإذا فما أقبح - في رأيه - ألا أكون مثله في سرعة الحساب ودقته، وهيهات له أن يقتنع ~~بأقوال الوسطاء، بأن الطفل لا يطلب إليه ما يطلب إلى الرجل. # ولست أدري لماذا أحكم على أبي الآن بالخطأ، ولا أحكم بهذا الخطأ نفسه على دولة تتولى أمور ~~أمة في دور الطفولة، وتصر على أن تضع لها من الأنظمة السياسية والاجتماعية ما لا يتسق إلا ~~في أمة اكتمل نموها ونضجها، فتكون النتيجة المحتومة أن تعجز الأمة الطفلة عن هضم الغذاء ~~لأنه أكثر دسما مما تحتمله معدتها، وينتهي بها الأمر إلى حال من الذبول والموت، وقد أراد ~~لها ولاتها الحياة والنمو، أرادوا لها ذلك بنية حسنة طيبة، لكن الطريق إلى الجحيم قد يكون ~~مرصوفا بأطيب النيات. ~~••• # لكننا أمة دستورها في الجمال هو طلاء الشيء بالذهب، فحسب العين أن تقع من الشيء على ظاهر ~~لامع يخطف البصر ببريقه، وليكن بعد ذلك من حقيقة الباطن ما يكون، فما نزال نهتدي في كل ~~أمورنا بالقول السائر بأن «الجرن الكبير خير من شماتة الأعداء» - وليس يهمنا بعد ذلك في ~~كثير أو قليل أن يكون ذلك الجرن الكبير مليئا بالغلال أو خاويا ينعى من بناه. # | الأفراد! الأفراد! # إذا جعلت قصة «الوعاء المرمري» لأستاذنا الأديب الفاضل محمد فريد أبو حديد، موضوع حديثي ~~إلى القراء فلأنها قصة قد أثارت في نفسي كثيرا جدا من مشكلاتنا الاجتماعية والأدبية على ~~السواء. # إنها «قصة جهاد بطل وأمة - من حياة سيف ابن ذي يزن ~~بطل اليمن»، ولعل أديبنا الفاضل قد أراد بها اليوم أن تكون تحية منه يهديها إلى المجاهدين ~~في سبيل الحرية القومية بمثل ما جاهد سيف بن ذي يزن في تحرير بلاده من الحبشي الغاصب، لعله ~~أراد بكتابه هذا أن يكون تحية منه لشباب اليوم من المجاهدين، يهديها إليهم من ذكريات شبابه، ~~عندما كانت الثورة المصرية في عزها تلهب نفسه الحساسة بحرارة الإيمان والأماني، أيام أن ~~غمسته روحه الوطنية في بني قومه من أبناء الشعب في إحدى ندواتهم «البلدية»، حيث يعتلي ms078 ~~«الشاعر» منصة لينشد للسامعين قصة سيف بن ذي يزن ... ف «هذه القصة التي أكتبها اليوم بعد مضي ~~أكثر من ثلاثين عاما على تلك الأيام البعيدة ما هي سوى تحية أؤديها لذكرى اللحظات المجيدة ~~التي كنا نجاهد فيها بأنفسنا ونسخو فيها بأرواحنا، لا نسأل أحدا عليها أجرا ولا شكرا ... ~~ثم هي تحية للشاعر الذي ما زالت صورته ماثلة في الذكرى وإن كان اليوم يثوي في مضجعه الأبدي، ~~لا يذكر أحد أن أناشيده القوية الوثابة كانت تحرك قلوب طلاب الحرية نحو عزمات الغد الطالع ~~من ضمير الغيب ...» # وأول ما نذكره مما يعنينا الآن من هذا الكتاب النفيس هو أنه قصة أدبية، أجراها كاتبها على ~~قواعد الفن القصصي، وليس بذي وزن كبير في العمل الأدبي ~~أن يكون موضوعه منتزعا من التاريخ أو لا يكون، بل لا يجوز للناقد أن يحاسب الأديب على صدق ~~ما ورد في قصته من تاريخ، مستندا في محاسبته إياه إلى المدونات والوثائق؛ لأن صفة التاريخ ~~في القصة الأدبية عرض، والأصل فيها تصوير الأشخاص الذين تقوم القصة على أقوالهم ~~وأفعالهم. # فلا يكاد الناقد يسأل: هل صدق شكسبير - مثلا - صدقا تاريخيا في مسرحياته «هنري ~~الثامن» و«رتشارد الثالث» و«أنطون وكليوباترة» وغيرها من رواياته التاريخية - يكاد الناقد ~~لا يسأل هذا السؤال؛ لأنه يعلم أنه بصدد عمل أدبي أنتجه فنان، فالسؤال فيه إنما يكون: هل ~~رسم الفنان هذا الشخص أو ذاك رسما يجعله ذا طابع فردي متميز، كالذي يتسم به الأفراد ~~الأحياء الذين نصادفهم في الحياة ويصادفوننا؟ هل هذا الملك أو هذا العاشق أو هذا الخادم، قد ~~تكاملت في صورته العناصر تكاملا يتمم فيه بعضها بعضا، كما تتكامل الأجزاء في أي كائن ~~عضوي بصفة عامة، وفي أفراد الإنسان بصفة خاصة؟ # لقد أتاحت السينما منذ حين لألوف المتفرجين أن يشهدوا مسرحية «قيصر وكليوباترة» لبرنارد ~~شو، فشهدوا قيصر وكليوباترة على غير ما ألفوا سماعه عنهما من كتب التاريخ؛ لذلك كان النقد ~~الذي يدور على ألسنتهم هو هذا: إن الأديب قد أخطأ هنا لأن كذا قد حدث، ms079 وأخطأ هناك لأن كيت ~~لم يحدث ... كأنما قد قطع الأديب لهم عهدا على نفسه بأن يكون مؤرخا يحاسب بالوثائق والمراجع ~~والأسانيد. # إن بين العلم والفن فارقا لو جعلناه نصب أعيننا، ضاقت شقة الخلاف بيننا في تقدير الآثار ~~الفنية تقديرا نميز به غثها الزائل الفاني من سمينها الخالد الباقي، وذلك هو أن العلم ~~تعميم والفن تخصيص. العلم يبحث في أفراد من النوع الواحد، لا ليقف عند الأفراد في ذواتها، ~~بل ليسقط من حسابه المميزات الخاصة التي يتصف بها كل فرد على حدة، ويبقي العناصر المشتركة ~~التي تعم أفراد النوع جميعا دون تمييز بين فرد وفرد، فإذا قال العلم - علم النفس مثلا - ~~إن الإنسان من طبيعته جمع الأشياء وحيازتها، كان قوله هذا نتيجة ملاحظة عدد من أفراد الناس، ~~والتقاط الصفة أو الصفات التي يشتركون فيها، فإذا كان هذا الفرد معنيا بجمع المال، وذلك ~~معنيا بجمع الكتب القديمة، والثالث بجمع الآثار الخزفية، أسقط العلم ما يختلفون فيه مما ~~يجمع، وأبقى على المشترك بينهم وهو أنهم يجمعون ويملكون، أما الفن فيقف عند الفرد الواحد ~~ليبرز ما قد اختص به بحيث أصبح متميزا من غيره متفردا، ويكون نجاح الفنان بمقدار توفيقه ~~في الاهتداء إلى هذه الصفات الخاصة المميزة للحالة المفردة التي يصورها، وترتيبها على نحو ~~يبرز لنا في النهاية إنسانا معينا بذاته الفذة الوحيدة. # فالعلم والفن كلاهما يتناولان الأفراد الجزئية، أما العلم فيتناولها ليأخذ ما تشترك فيه ~~من صفات ثم يهملها، وأما الفن فيتناولها ليقف عندها من بدايته إلى نهايته. وعندي أن الشرق ~~بصفة عامة قد زاغ بصره عن الفردية التي تميز إنسانا من إنسان وحالة من حالة؛ ولذلك فقد ~~أفلت منه العلم والفن معا إلى أقوام آخرين تقف أنظارهم عند الفوارق بين الأفراد والأشياء. ~~ولقد عبرت عن رأيي هذا حين أخرج الأستاذ توفيق الحكيم مسرحيته «الملك أوديب» وقدم لها ~~بمقدمة طويلة يحاول فيها تعليل غياب المسرحية من الأدب العربي القديم، فقلت عندئذ إن رأيي ~~هو أن الأدب المسرحي - والقصصي أيضا - يستحيل قيامه بغير التفات ms080 إلى تميز الشخصيات الفردية ~~بعضها عن بعض، فلو نشأ الكاتب في جو ثقافي لا يعترف للأفراد بوجود، ويطمسهم جميعا في ~~كتلة واحدة من الضباب الأدكن، فلا سبيل أمام هذا الكاتب إلى تصوير الأفراد في قصة أو ~~مسرحية. والشرق كله قد طمس الفرد طمسا ولم يترك له مجالا يتنفس فيه، فالأفراد في الثقافة ~~الهندية كلها «مايا» - أي وهم لا وجود له - والموجود الحق عند الهنود هو الكون كلا ~~واحدا لا تفرد فيه ولا تكثر، وقل مثل هذا في الصين وفي كل بلاد الشرق بصفة عامة. ~~الحضارة الشرقية كلها تغفل شأن الفرد وتجعله جزءا من شيء أعم منه، فهو عند العرب جزء من ~~القبيلة، فلا وزن له إلى جانبها ولا قيمة له بالقياس إليها، وما كذلك اليونان؛ لأن الفرد ~~عندهم هو محور التفكير - حتى الآلهة عندهم أفراد لهم مميزاتهم ومشخصاتهم، ومن هذين ~~الاتجاهين المختلفين في الشرق والغرب، نشأت الديانات في الشرق، ونشأ العلم والأدب في الغرب؛ ~~لأن معظم الديانات أساسها التوحيد بين الظواهر المختلفة، وأما العلم والفن فأساسهما التمييز ~~بين تلك الظواهر - العلم يميز الأنواع والفن يميز الأفراد - وهكذا لم يعرف الشرق «أشخاصا ~~فردية» فلم يعرف مسرحية ولا قصة. # وأعتقد أن أكبر تطور طرأ على أدبنا في الفترة الأخيرة هو بداية الالتفات إلى الأفراد ~~وتصويرهم، وقد كان ذلك نتيجة - أو كان هو المقدمة لست أدري - لتطورات مماثلة في السياسة ~~والاجتماع، فالحكم البرلماني يستدعي تصويت الأفراد كل فرد بذاته، ونظام الأسرة قد أخذ يخلخل ~~الهواء بعض الشيء حول الأفراد لتظهر لكل فرد شخصيته، وبخاصة المرأة وعلاقتها بزوجها أو ~~أبيها، ورجال التربية يصيحون آنا بعد آن أن افتحوا أعينكم للفوارق بين الأفراد. # أقول: إن أكبر تطور طرأ على أدبنا في الفترة الأخيرة فيما أعتقد، هو بداية الالتفات إلى ~~الأفراد وتصويرهم، فالدكتور طه حسين يصور في «الأيام» إنسانا واحدا بذاته، هو نفسه، ~~والدكتور أحمد أمين يصور في «حياتي» إنسانا واحدا بذاته هو نفسه أيضا، والأستاذ توفيق ~~الحكيم يصور في مسرحياته أشخاصا أفرادا، والأستاذ العقاد يصور ms081 في «سارة» إنسانة واحدة ~~بذاتها، وهكذا «زينب» لهيكل، و«إبراهيم الكاتب» للمرحوم المازني، وهكذا. # وقد ادخرت الأستاذ فريد أبو حديد في كتابه الجديد «الوعاء المرمري» لأدير حوله بقية ~~الحديث، ف «الوعاء المرمري» ظاهرة جديدة تضاف إلى غيرها من أشباهها التي تدل على هذا ~~التطور الجديد في الأدب العربي ... العناية بالأفراد وتصويرهم في قصة أو مسرحية أو غير ~~ذلك. # لذلك كان أول ما عجبت له في «الوعاء المرمري» أن يعلن الكاتب منذ البداية على لسان الشاعر ~~المنشد، وهو يمهد لقصته التي ينوي إنشادها، مبدأ طمس الأفراد في عجينة الزمان، إذ يقول: «كل ~~فرد ... يحسب أنه يجرب ما لم يجرب أحد من قبله، ويدرك ما لم يدركه أحد غيره، يذوق الحب ~~فيحسب أن أحلامه الساحرة لم تخطر قط على قلب ... ولكن الزمان يرمقه باسما وينادي بصوت خفي ~~قائلا: هكذا كانوا دائما.» # لكن الأفراد لا يكونون «هكذا دائما» إلا إذا غضضنا النظر عن مميزاتهم الفردية التي تجعل ~~زيدا غير عمرو، فالمحب الذي يحسب أن أحلامه الساحرة لم تخطر قط على قلب، ليس مخطئا في ~~حسابه، وإنما أخطأ الحساب من ظن أن كل العاشقين سواء، بل أخطأ من ظن أن العاشق الواحد ~~شبيه بنفسه في كل حالاته، ولو كان العاشقون كلهم سواء لكفانا تعريفهم بأرقامهم كما تعرف ~~إدارة الجيش جنودها، أو وزارة المعارف المصرية تلاميذها. # إنه يستحيل علينا أن نفهم معنى الحرية التي نطالب بها جاهدين، ما لم يتقرر في أذهاننا ~~أولا أن الأفراد تفصلهم فواصل، فلكل منهم شخصه وكيانه، وإذا كانت الحرية المنشودة معنى ~~مجردا، فقد كان حسبنا منها أن تسجل في الكتب والقواميس، وكفى الله المؤمنين شر القتال، ~~لكنها حرية منشودة لأفراد، منشودة لزيد وعمرو وفاطمة، ولن يحاسب الله عباده «بالجملة» على ~~اعتبارهم جميعا «هكذا دائما» بل سيحاسبهم الله فردا فردا؛ لأن لكل فرد قائمة من أعمال ~~وأقوال تفرد بها - وهي نفسها عمل الأديب. # وقصة «الوعاء المرمري» زاخرة بأشخاص، تبينت في بعضهم الملامح الفردية وغمضت هذه ~~الملامح في بعضهم الآخر، فالحمد لله الذي ms082 جعل أستاذنا فريد يتسامح في تطبيق مبدئه الذي يمحو ~~الأفراد في غمرة الزمان، فيخرج لنا أشخاصا برزت فيهم الملامح والسمات، فجاءت كسبا للفن ~~بل كسبا للحياة ذاتها؛ لأنها تضيف إلى الأحياء أفرادا آخرين يضمن لهم التسجيل الأدبي طول ~~البقاء. # لقد أفلتت من أديبنا الفاضل عبارة وقفت عندها لحظة متمنيا أن تكون هي مبدأه في التصوير ~~الفني لأشخاصه، وذلك حين يروي عن «خيلاء» أحلامها وهي «تنظر إلى الأغصان تتأملها كيف ~~تتداخل، وكيف تتعانق، وإلى أشكال أوراقها وصور ثمارها، كان بعضها منسرحا لينا غضا ~~وبعضها معقدا جافا وبعضها يمتد بظله الوارف وبعضها يسمو بجذعه الفارع، حتى الأشجار لا ~~يشبه بعضها بعضا، وحتى الغصون لا تتساوى في هيئتها وإن كانت فروع شجرة واحدة ...» - فهكذا ~~يختلف الأحياء. # ومن الأشخاص الأحياء الذين خلقهم أستاذنا خلق فنان قدير، «أبو العيوق» - ربان السفينة - ~~ففي صفحات قلائل أتم له الأديب خلقته الكاملة بملامحها الفريدة، فهو الجبان «النتاش» ~~الثرثار الفكه، الذي ينطبع حديثه بطابع خاص، فيكرر عبارة «نسائي طوالق وسفني غوارق» كلما ~~هم أن يقرر شيئا يقسم على صدقه، كذلك وفق كل التوفيق في صورة «طليبة» الفتاة الشرود ~~التي تحب فتهب حياتها للحب وتكره فلا تبالي أين تندفع مع كراهيتها. # لكنهما شخصان ثانويان في القصة، والعجيب أنهما جاءا معا في السياق، كأنما كانت ربة ~~التصوير الفني تصاحب أديبنا عندئذ فتلهمه الصواب، ويتلوهما في جودة الخلق وسوائه «أبرهة» ~~الطيب المتدين الذي يلين قلبه لحب «ريحانة» رغم دهائه في السياسة وبعد طموحه، وقد كان ~~«للضحكة المزغردة» التي يضحكها حينا بعد حين، نصيب موفور في تحديد صورة الرجل، مما يدل على ~~أن التصوير الفني يعتمد على أتفه الخصائص وأعظمها على السواء، ومما تجدر ملاحظته أن «أبرهة» ~~هذا هو المغتصب الذي قام «سيف» لاسترداد بلاده من أسرته، والذي كان ينتظر من الأديب أن ~~يقصد في تركيبه إلى بث النفور منه عند القارئ، حتى يمهد النفس لاستقبال بطولة «سيف» ومع ~~ذلك فيستحيل على قارئ - فيما أعتقد - أن يخرج من القصة وهو كاره لأبرهة، ترى ms083 هل أراد أديبنا ~~شيئا فغلبته شخصية «أبرهة» فيما أراد، كما غلب «ملتن» أمام «الشيطان» في ملحمة الفردوس ~~المفقود حين أراد أن يصب الشيطان في صورة كريهة لتظهر بالمقارنة قوة الله وجلاله، فإذا نحن ~~في النهاية إزاء قوة تبهر النفس وتغري بالمحاكاة؟! # ويجيء بعد ذلك في درجة الجودة الفنية «خيلاء» حبيبة «سيف»، فهي الفتاة الطاهرة المتدينة ~~صاحبة الذوق الفطري في تفهم الأدب والفن، التي تحس بدافع المرأة في جوفها لكنها تجفل، ~~كأنما هي شبيهة بقديسة ترى الرجس في غرائز الإنسان. # ومن خير ما كسبناه بهذا الأثر الأدبي النفيس، أن الأستاذ فريد قد صور نفسه - عن وعي منه ~~أو غير وعي - صور نفسه الرقيقة المحببة إلى عارفيه جميعا، صورها في شخصية «أبي عاصم» - ~~«فأبو عاصم» هو «أبو حديد» في رصانة عقله وفي حبه للخير وفي طيبة قلبه وفي حبه للأسلاف ~~وتراثهم، بل وفي تعليمه للناشئة عن فطرة أبوية سليمة، حتى لقد عرفت كثيرا عن حياة أستاذنا ~~فريد - مما لم أكن أعرفه - من صورة أبي عاصم، فقد ارتعش قلبه للحب الطروب، وهو على شيء من ~~الوحشة واليأس مما حوله في عصرنا هذا الذي كتبت فيه الغنائم للصوص، ولم يعد به مكان ~~لأصحاب الفكر والأدب والعلم والحكمة، ولعله قد تعمد أن يضع لنا «نفيل بن حبيب» النفعي ~~الماكر، جنبا إلى جنب مع «أبي عاصم» كي يتم تصويره لنفسه في بطانة عصره هذا الذي نعيش ~~فيه. # وأما «سيف» و«ريحانة» و«مسروق» فقد كانوا جميعا أمام عيني كأنهم أجلسوا في صندوق من زجاج ~~قد ترى شفاههم متحركة بالكلام أحيانا، لكنك لا تسمع مما يقولون شيئا، فيتولى الكاتب عنهم ~~الكلام في كثير من الأحيان، وتشعر أنت كأنك في متحف أثري ومعك الدليل يشرح لك ما تراه من ~~تماثيل، فهؤلاء المساكين قد ضاعوا في غمرة الزمان الذي يجعل الناس «هكذا دائما»، فإذا ~~تذكرنا أن «سيفا» هو البطل الرئيسي الذي ملأ قلب الكاتب بادئ ذي بدء، وأراد تصويره قبل أن ~~يريد ذلك لأحد سواه، عرفنا فداحة الخسارة في فقده بين ms084 من أغرقهم التيار الذي يطمس ~~الأفراد. # قد كنت ألاحظ أشلاء متناثرة عن شخصية سيف، فكنت ألاحظ نفسه القلقة الهائمة السابحة في ~~خيالها، وألاحظ تردده الذي كان يقربه في مخيلتي من «هاملت»، وألاحظ احتقاره للذهب بالقياس ~~إلى أهدافه العليا، لكني لاحظت ذلك كله أشلاء متناثرة، ولا «شخص» هناك - وربما كان النقص ~~في إدراكي أنا لما بين الأشلاء المفككة من وحدة، أو لعله سوء الحظ الذي جعلني أبدأ منذ ~~الخطوة الأولى في مقارنته ب «هاملت» في قلقه وتردده ورغبته في الانتقام وغير ذلك، فتظل ~~المقارنة ماثلة أمام ذهني ليدفع ثمنها «سيف». ~~••• # لقد أجرى الأستاذ فريد على لسان المنشد في أول حديثه هذا المبدأ النقدي، الذي عبر به في ~~الحقيقة عن رحابة صدره ورجاحة عقله وطيبة نفسه وميله الشديد إلى التسامح، إذ قال المنشد ~~لسامعيه ... «سأنشدكم وأنشد ليلة بعد ليلة، ولكم أن ترضوا إذا أرضاكم ما يصدر عني، ولكم أن ~~تنكروا كما شئتم إن بدا لكم من ذلك ما لا يروقكم، لكم أن تصفقوا استحسانا أو تظهروا ~~استهجانكم بغير مداراة! فهذا حق لكم، أما أنا فما أقصد إلا أن أظهر ما عندي مما يهتز له ~~فؤادي وما أودعته ثمرة حياتي وأرسلت فيه عصارة روحي، فإذا وقع عندكم موقعه عندي زادت بذلك ~~سعادتي ...» # فإذا رأيتني قد أسرفت في استخدام هذا الحق الذي أبحته لقارئك، فاغفر لي ضلالا دفعني إليه ~~إيماني بحق الفرد في أن يعيش فردا مستقلا قائما بذاته، سواء كان ذلك في الحياة الواقعة ~~أو في القصة التي تصور تلك الحياة. # | آباء وأبناء # يحكى أن جماعة من القنافذ كانت تعيش معا في سفح الجبل، فلما جاءها الشتاء ببرده ~~المثلوج، وأخذتها في الليل رعشة تناولت منها المفاصل والعظام، اقترح عليها واحد منها أن ~~يجتمع شتيتها في كومة متلاصقة حتى يدفئ بعضها بعضا بحرارة أجسادها، لكن جماعة القنافذ لم ~~يكد يلتصق بعضها ببعض طلبا للدفء، حتى أحس كل منها وخز الإبر الحادة المسنونة التي تغطي ~~أجساد زملائه، فما هو إلا أن أفصحت كلها عن كظيم ms085 آلامها وطلبت أن تعود إلى مواضعها ~~المتفرقة، فلذعة البرد أهون من هذا الوخز الأليم، وعادت القنافذ فتفرقت كما كانت أول أمرها، ~~لكنها كذلك عادت فأحست زمهرير الشتاء يهز كيانها هزا عنيفا، وكأنما نسيت إزاء هذا البلاء ~~ما كان من ألم الوخز منذ قريب، فصاح بعضها ببعض ينشد كلها التلاصق مرة أخرى حتى يعود لها ~~الدفء، وعاد وخز الإبر وأنساها الألم الحاضر ألم الماضي، فضجرت وتفرقت مرة أخرى - ~~وهكذا دواليك: اقتراب وابتعاد واتصال وانفصال، إلى أن قال منهم قائل حكيم: خطؤنا في ~~المبالغة والإسراف، فإذا ابتعدنا أوغلنا في البعد حتى فقد كل منا دفء أخيه وتعرض للبرد ~~الشديد، وإذا اقتربنا أوغلنا في القرب حتى وخز كل منا جلد أخيه فأدماه، والحكمة هي في ~~اختيار الموضع الصواب بين الطرفين بحيث ننجو من الوخز دون أن نفقد دفء التقارب ما استطعنا ~~إليه سبيلا. # وحكاية القنافذ هذه تقفز إلى ذهني كلما سمعت بخلاف يدب بين أفراد الأسرة الواحدة، أو بين ~~جماعة من الأصدقاء ... فكأنما أراد الله لنا ألا نقع أبدا على هذا الموضع الصواب في علاقتنا ~~بعضنا ببعض، بحيث يبعد كل منا عن شئون الآخرين بعدا يتيح لهؤلاء الآخرين أن يشعروا ~~بشخصياتهم مستقلة قائمة بذاتها، وبحيث لا يكون ذلك البعد سببا في حرماننا من دفء العاطفة ~~التي يستمدها بعضنا من بعض. # وتبلغ هذه المأساة غايتها حين تقع حوادثها بين الآباء وأبنائهم. إنني لا أعتز بخبرة واسعة ~~في شئون الناس وأمور حياتهم من حيث الدخائل والتفصيلات؛ لأنني أعيش حياة أقرب إلى العزلة في ~~ركن هادئ لا يصطخب بكثير من الناس في تشابكهم واتصالهم، لكنني في حدود خبرتي الضيقة ~~القليلة، لم أكد أصادف أسرة مصرية واحدة لا يأكل أفرادها بعضهم بعضا، فكل ينهش لحم أخيه ~~حيا، ومع ذلك لا يجدون إلى التباعد سبيلا، فالتقاليد الشرقية تحتم أن يتكوم أفراد ~~الأسرة الواحدة حتى لا يكون بينها فرقة في أعين الناس، لكنها إذا ما تلاصقت على هذا النحو ~~الشديد ، أصابها ما أصاب القنافذ في اجتماعها: وخز أليم يدمي ms086 الجلود، وشر المأساة هو - كما ~~أسلفت - حين يكون هذا الوخز الأليم بين الوالد وأبنائه، فيستحيل على الوالد أن يرضيه ابتعاد ~~أبنائه عنه، إما لشدة في عاطفته الأبوية - ولا أظن ذلك - وإما لخوفه مما يقوله الناس لو ~~تفرق أفراد أسرته، وفي الوقت نفسه يستحيل على ذلك الوالد أن يبقي على شخصيات أبنائه سليمة ~~من الوخز، وقل مثل ذلك أيضا بالنسبة للأبناء إزاء آبائهم، فلا هم يحزمون أمرهم فيستقلون ~~بعيشهم حين تسعفهم القدرة الاقتصادية، ولا هم يظلون مع آبائهم تحت سقف واحد بحيث يحرصون ~~على جلود هؤلاء الآباء من التجريح والتمزيق. # وهنا تعود إلي ذكريات أعوامي الماضية، حين اكتملت رجولتي وأوغلت في الحلقة الرابعة من ~~عمري، ومع ذلك ظللت أساكن والدي في بيت واحد، وحرص كلانا جهد الاستطاعة ألا يتلقى الإساءة ~~من الآخر، فكان كل منا كأنه يلعب بالبيضة والحجر كما يقولون، لا يريد للحجر أن يكسر البيضة، ~~لكن ذلك محال على الطبيعة البشرية، ولما كان لوالدي - رحمه الله - ميزة أنه والد، فكثيرا ~~جدا ما صب على رأسي الإساءة تلو الإساءة على مسمع ومشهد من الناس، وكنت أكظم غيظي وأنطوي ~~على نفسي في غرفتي أمزق أعصابي تمزيقا، ولا يعود إلي هدوء النفس إلا بعد أيام، إني لا ~~أعلم أين قرأ والدي أو أين سمع فكرة أعجبته وصادفت في نفسه هوى، وهي أن الوالد يكرر نفسه ~~في أبنائه، فالابن نسخة من أبيه، وما دام الأصل موجودا فهذه النسخات لا ينبغي أن يعترف ~~لها بوجود، والحق أنه إذا كانت المقدمة صحيحة للزم أن تكون هذه النتيجة صحيحة أيضا؛ إذ ~~ما دمنا صورا مكررة له، فله هو القيمة كلها، وأما نحن فلا يلتفت إلينا إلا في ~~غيبته. # لكن المقدمة خطأ فاحش ونتيجتها خطأ أفحش، وهذا هو ما نريد أن نحفره حفرا في رءوس الآباء ~~عندنا، فلكل ولد شخصيته الفردة المستقلة القائمة بذاتها، وقد أعلنت الطبيعة ذلك إعلانا ~~صريحا يوم قطعت القابلة الحبل السري الذي كان يصل الجنين بأمه، ففصلتهما شخصين بعد أن ~~كانا شخصا واحدا. ms087 إن صميم الحياة في كافة الأحياء هو هذا التفرد، فيستحيل عليك أن تجد على ~~سطح الأرض من أقصاها إلى أقصاها ورقتين من أوراق الشجر متماثلتين كل التماثل، وانظر إلى ~~بصمات الأصابع كيف يستحيل تكرارها في شخصين على نحو يحقق التطابق التام، ليس الأمر في ~~الحياة والأحياء كالأمر في المصنع ومنتجاته، نعم إن المصنع يستطيع أن يخرج لك مئات الأحذية ~~أو مئات السيارات بحيث تجيء على تشابه تام أحيانا، لكن ذلك محال في كافة الأحياء من ~~الأميبا الوضيعة البسيطة إلى الإنسان. # لقد حدث لي أن اشتركت في مؤتمر لليونسكو في باريس عام 1947م، وكان بين الشخصيات الكبيرة ~~التي لقيتها هناك السيدة مرجريت ميد، وهي من أكبر العلماء العالميين في علم الأجناس ~~البشرية، كنت أسمع اسمها يذكر في المحاضرات مقرونا بالتبجيل والاحترام، وكنت أرجع إلى ~~كتبها رجوعي إلى الثقة، وكنت أتصورها سيدة عجوزا أربت على الستين، فلما رأيتها في ~~أربعينها ما تزال مليئة بالحياة، عجبت أن تجيء هذه السمعة العلمية العالمية كلها لهذه ~~المرأة التي لم تزل تعنى بنفسها وثيابها ... وتحدثت إليها، وكان مما حدثتني أن ذكرت لي ~~كيف جاءتها الدعوة وهي في أمريكا لحضور اجتماع اليونسكو بباريس، وكان لها طفلة في السادسة ~~من عمرها، فعرضت على الطفلة كلا من الصورتين: صورة مرافقتها إلى باريس (وهو أمر لم تكن ~~توده الأم) وصورة بقائها مع أبيها، وما زالت بها حتى اختارت طفلتها عن طيب خاطر أن تبقى ... ~~قالت لي الأم: إنها لا تذكر مرة واحدة أرغمت فيها طفلتها هذه على شيء، فما الإنسان - في ~~رأيها - إلا قوة اختيار لنفسه، وإنما أرادت هذه الأم العالمة لابنتها أن تنمو على إنسانية ~~كاملة. # لكن قل هذا لمعظم آبائنا يضحكوا منا، وحتى إن هم أرغموا على فعله أمام عناد أطفالهم، ~~فإنما يرغمون عليه إرغاما، ولا يصدر منهم عن عقيدة في تربية أبنائهم تربية سليمة. # لا يريد الوالد عندنا أن يعترف عن عقيدة بأنه هو شيء وكل ابن من أبنائه شيء آخر، ولو كان ~~ذلك صوابا، فلست أدري ms088 إذا لماذا يحصون السكان فردا فردا، ولا يحصونهم والدا والدا، ~~وهيهات أن تطمس وجود ولدك إلى جانب وجودك، ثم يسلم الأمر بعد ذلك من النتائج أخطر ~~النتائج. # فالولد الذي يبدأ هذه البداية البشعة، يريد أن يقرر ذاته حسب ما تملي عليه طبيعته ~~وغرائزه، فيمحوه أبوه محوا كأنه ظل من ظلاله، تراه يكبر على أحد أمرين: فإما هو عبد ذليل ~~لكل سلطان، أو هو ثائر ناقم على كل سلطان، وليست حياته في كلتا الحالتين بالحياة السوية ~~الهادئة السعيدة. # إنه سرعان ما تنتقل سلطة الوالد إلى سلطة الحاكم أو سلطة المستعمر أو ما إليهما، وعندئذ ~~يسهل على الحاكم أن يستبد ويطغى، أو يسهل على المستعمر أن يمرع ويمرح؛ لأن هذا أو ذلك ~~سيجد نفسه إزاء أفراد نشأوا على طاعة عمياء، وهل تعجب بعد ذلك أن يضرب المثل في الطغيان ~~بحكام الشرق، وألا يجد المستعمرون أيسر منالا من بلاد الشرق؟ إنهما وجهان لحقيقة واحدة: ~~هي طغيان الوالد بأولاده وابتلاع أشخاصهم في شخصه. # لكن هذه الطاعة العمياء قد تنتج كذلك النفوس الثائرة المحطمة لكل سلطان، التي تهدم ~~للهدم ذاته انتقاما لما أصابها أيام الطفولة، وإذا كثر أمثال هؤلاء تعذر السير الهين ~~المطمئن على المجتمع بصفة عامة. وأذكر في هذا الصدد أني صادفت طالبا قاطعني أثناء ~~المحاضرة ليعترض بما لم يكن له ارتباط قوي بما كنت أحاضر فيه، قاطعني ليبدي رأيا وهو ~~يرتعش من الانفعال الذي لا موجب له، والرأي متعلق بالله ومدى علمه وقدرته، فأسكته في غير ~~جواب، حتى إذا ما فرغت من المحاضرة، دعوته على انفراد لأسأله عن حاله في أسرته قبل أن ~~أستعيده سؤاله، وسرعان ما علمت أن العلاقة بينه وبين أبيه توشك أن تكون هي العلاقة بين ~~العدو وعدوه اللدود ... فثار الثائر على الأب الأصغر والأب الأكبر، وكل ما تشم فيه رائحة ~~السلطان الأبوي بغير تمييز. ~~••• # وبعد، فهذه خواطر في نوع واحد من أنواع العلاقة بين الناس عندنا، أثارتها في نفسي رسالة ~~جاءتني منذ أيام قليلة من قارئة مثقفة تخرجت في ms089 الجامعة فيما أرجح، تقرؤها فترتسم أمامك ~~صورة فتاة من مئات الضحايا، اللائي قد أرهف العلم فيهن الشعور وهذب منهن الحس، ثم عدن ~~إلى الحياة ليجدن أنفسهن في مجتمع منزلي قاس خشن غليظ. ولست أدري لماذا اختارت هذه ~~القارئة المجهولة أن تبعث برسالتها إلي؟ لعلها رجحت أن تجد في أذنا تصغي؛ لما يتسرب ~~مني آنا بعد آن من أخبار طفولتي، وهأنذا أترك كثيرا من آلامها المبثوثة في خطابها، وأثبت ~~هنا قليلا منها؛ ليرى القراء كيف تعيش هذه الفتاة المثقفة في دفع من المد والجزر. تقول: ~~... حينما علمت أن أبي يتهمني بضعف الشخصية وانعدام الإرادة، جثمت على صدري سنوات ~~حياتي الماضية بثقلها فحطمت روحي، لقد لاحظ أبي أخيرا هذا الضعف في شخصيتي وهو في ~~ذلك يلقي التبعة علي! إن مرحلة طفولتي وطفولة إخوتي جميعا لتتراءى أمام عيني ~~الآن بكل أحداثها ... ولكن ماذا أقول؟ ألم تكن كل هذه الأحداث كفيلة بأن تنتهي بي إلى ~~هذه النهاية؟! # لكني مع ذلك قد حاولت يوما أن أتناسى تلك الأيام وأن أبني حياتي من جديد، حاولت ~~أن أتشجع وأكون لنفسي شخصيتي، وقد كنت صادقة قوية الإيمان فيما عزمت عليه، لكنهم ~~لم يتركوني، فقد سدوا أمامي جميع الطرق حتى انهزمت أمامهم، لماذا ينسى أبي كل ما ~~فعل بنا؟ لماذا؟ إنه لا يذكر إلا أنه يجب أن نكون على ما يشتهي ولو كان ذلك هو ~~المستحيل ... # والآن قد ذهبت آمالي وأحلامي، لقد فقدت كل شيء، لقد فقدت الرغبة في الحياة، لم ~~يعد لي أمل ولا هدف، ولم أعد أسعى وراء غاية، كل ما أشعر به هو خواء وركود تام. إن ~~شيئا لم يعد يستثير اهتمامي، حتى كتبي وموسيقاي يا سيدي لم أعد أشعر بالرغبة ~~فيهما، إن حالتي أقرب ما تكون إلى الموت، إنني أسير بل أتعثر في ظلام، لا أعرف ~~لنفسي طريقا في الحياة، لقد سئمت كل شيء، بل وسئمت نفسي ... # ليتنا - يا فتاتي - نسترشد بحكمة القنفذ العاقل حين توجه بالنصيحة لزملائه القنافذ، وهي ~~أن نحسب على وجه الدقة ms090 كم تكون المسافة بيننا وبين سوانا من الأهل والأصدقاء، بحيث لا نحرم ~~من دفء العواطف الإنسانية في صلاتنا بهؤلاء وهؤلاء، وبحيث ننجو في الوقت نفسه من وخز ~~الإبر. # | سيئات الموتى # يقول شكسبير في رواية «يوليوس قيصر»، والقول هنالك يجري على لسان أنطون، في الخطبة ~~المشهورة التي ألقاها عند جثمان قيصر: # السيئات يقترفها الناس، فيمضي فاعلوها وتبقى. # وأما الحسنات فغالبا ما تدفن مع رفاتهم تحت الثرى. # أما أن تبقى السيئات بعد أن يمضي فاعلوها، فأمر من الوضوح بحيث لا أظنه موضعا للشك ~~والريبة، على أني تاركه الآن لأعود إليه بعد قليل، لكن الذي قد تخطئه العين العابرة، هو ~~ذهاب الحسنات في جوف الأرض مع رفات المحسنين. # وإني لأعترف أني قد لبثت حينا طويلا، أنكر على الشاعر العظيم رأيه هذا كلما ذكرت سطريه ~~السابقين، كنت أعجب كيف يقول إن حسنات المحسنين غالبا ما تدفن مع رفاتهم وتنسى، مع أن ~~الناس - فيما كنت أرى - ما ينفكون لاهجين بمآثرهم، مخلدين لذكرياتهم، بما يبنون لهم من ~~أنصاب وتماثيل، وما يكتبون عنهم من مقالات وكتب، وما يقيمون لهم من حفلات يحيون بها أسماءهم ~~كلما مضى على موتهم كذا عام ... ألا يكفي ذلك كله دليلا على أن حسناتهم لم تذهب - كما زعم ~~الشاعر - مع رفاتهم تحت الثرى، بل بقيت حية في ذاكرات الأحياء؟ # هكذا كنت أعجب لنفسي من قول الشاعر، حتى كان الأمس، حين جلست من داري في ركن دافئ ساعة ~~الغروب، أشرب الشاي في صمت وعلى مهل، سارحا بفكري فيما أساء لنا الأسلاف بما ألقوه على ~~ظهورنا من أعباء ثقال؛ أعباء التقاليد التي أقعدتنا عن الحركة الخفيفة والسير السريع؟ وكان ~~طبيعيا عندئذ أن تتوارد الخواطر، فتثب إلى ذهني عبارة شكسبير: «السيئات يقترفها الناس ~~فيمضي فاعلوها وتبقى، وأما الحسنات ...» # ولكني هذه المرة - ولأول مرة - وقفت وقفة المتأمل، بعد أن تعودت فيما مضى أن أوافق على ~~الشطر الأول وأرفض الشطر الثاني، موافقة ورفضا هما أقرب إلى الحركة الآلية منهما إلى ~~التفكير المتروي، لم أرض لنفسي هذه المرة أن ms091 تتعجل الإنكار والنفي، فالأرجح أن يكون ~~الشاعر الذي صدق القول في شطره الأول، قد صدق القول كذلك في شطره الثاني - فلأفكر من جديد: ~~أحقيقة تدفن الحسنات غالبا مع رفات المحسنين؟ # وكأنما أشرق علي هذه المرة ضوء جديد، إذ نظرت إلى الموضوع من ناحية جديدة، قلت لنفسي: ~~دع عنك ما يقيمه الناس لموتاهم المجيدين من تماثيل وما يكتبونه عنهم من كتب؛ لأن ذلك كله قد ~~يكون سدا من الإنسان لنقص أدركه في نفسه، فربما أدرك الإنسان في نفسه سرعة نسيان الجميل، ~~فعالج نسيانه هذا السريع بما يذكر ... إنه إذا ثبت أن طبيعة الإنسان تمنعه من الاعتراف ~~بالجميل لصاحبه، وتدفعه إلى طمس معالم الفضل الذي أسدى إليه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، إذا ~~ثبت ذلك في طبيعة الإنسان، إذا فلا شك في صحة قول الشاعر، بأن الحسنات كثيرا ما تدفن مع ~~رفات المحسنين، فلا يكاد المدين بفضل أن يهيل التراب على المتفضل؛ حتى يتناسى الدين ~~فينسى، وينسى الناس معه، وبذلك ترقد الحسنة مع رفات صاحبها في قبره إلى الأبد. # وحسبك وقفة لا تطول، لتدرك على الفور أن الطبيعة البشرية تأبى على الإنسان أن يعترف بفضل ~~أسدي إليه، فإن أخذنا أنفسنا بهذا الاعتراف، فلأننا قد أخذنا طبيعتنا بالتهذيب والتدريب، ~~وإذا فليس يحفظ الجميل إلا من اكتسب القدرة على قمع طبيعته والإمساك بزمامها ... ذلك لأن من ~~أعطى أقدر ممن أخذ العطاء، ومن أحسن أقوى ممن تقبل الحسنة، ولما كان الإنسان بطبيعته أميل ~~إلى إظهار جوانب قوته وإخفاء جوانب ضعفه، كان من العسير عليه أن يعترف بما بدا من عجزه حين ~~قبل المعونة ممن أعانه. # في العطاء قوة وفي الأخذ ضعف، حتى ليركع الآخذ أمام معطيه - حقيقة أو مجازا - وإذا ما ~~حدثه جاء حديثه خافتا، وبدت عينه «مكسورة» حسيرة ... إن من الكتب التي أقامت لي ركنا ~~ركينا من ثقافتي، قصة «راعي ويكفيلد» ل «أولفر جولد سميث». هذا الكتاب العجيب الفريد، الذي ~~ينفذ في الطبيعة البشرية نفاذا يصل إلى أعماقها، والذي له في كل صفحة، بل ms092 في كل فقرة، بل ~~في كل سطر من سطوره، ملاحظة صادقة في تحليل طبيعة الإنسان، في هذا الكتاب يقص عليك الكاتب ~~في سياق قصته، أن مسافرا التقى براعي ويكفيلد واستدانه قليلا من المال يرده له عند بلوغه ~~غايته، ثم حدث أن أقام الرجلان ليلة في نزل في الطريق، ودارت بينهما مناقشة احتد فيها ~~المسافر، فأخذ العجب من الراعي كيف استباح ذلك الرجل الجريء لنفسه أن يحتد معه في ~~المناقشة مع أنه مدين له بمال؟! # ولما كان العطاء قوة والأخذ ضعفا، كان عسيرا كل العسر على من به كبرياء، أن يضع نفسه ~~موضع الآخذ؛ لأنه يعلم أن ذلك سيصحبه اعتراف لغيره بالفضل، وفي ذلك ما فيه من جرح، ويزداد ~~هذا الجانب وضوحا، حين يحسن المحسن عن شعور بقدرته، فيثير في الآخذ إحساسه بنقصه وعجزه، ~~وقد يعطي المعطي عن شعور بالعطف على من أعطى، كما يفعل الوالد مثلا نحو ولده، وعندئذ يغلب ~~أن يبادله الآخذ عطفا بعطف. # وانظر الآن في قولهم: «اتق شر من أحسنت إليه»، أفلا ترى القول قد ازداد وضوحا ~~وبيانا؟ كم من مرة سألت نفسي حائرا: كيف يمكن أن يكون لمن أحسنت إليه شر أتقيه؟ لكنني ~~أرى الآن كيف يثير فيه شعوره بنقصه وعجزه شعورا بالمرارة نحو من أعطى، خصوصا إذا اختلط ~~العطاء بالمن، فعندئذ يستحيل على الآخذ ألا يحس نحو من أحسن إليه بالكراهية والمقت، ~~فلا يزول الشر ممن أحسنت إليه إلا إذا أعطيته الإحسان في عطف خالص، لا تكبر فيه ولا ~~شموخ. # ولولا أن سرعة نسيان الحسنة من طبيعة الإنسان، لما كان بالقائل حاجة أن يقول للناس: ~~«اذكروا حسنات موتاكم.» وإذا فلم يخطئ شكسبير كما ظننت، حين لاحظ أن الحسنات كثيرا ما ~~تدفن مع رفات المحسنين. ~~••• # والحق أني ما قصدت إلى الكتابة في الحسنات التي تذهب مع الموتى في قبورهم، وإنما أردت ~~الكتابة في السيئات التي يقترفها الناس فتبقى بعد موتهم على وجه الأرض حية تسعى ينوء ~~بحملها الأحياء بعد ذهاب أصحابها، وأعجب العجب أن ترى هذه ms093 السيئات الباقيات على وجه الزمن، ~~قد اكتسبت جلالا من جلال الزمن، فإذا هي في الأعين مقدسات مصونات تجريحها بغي ومسها ~~حرام. # كان لأسلافنا ظروف تحيط بهم، وكان لهم سلوك يستجيبون به لتلك الظروف، فوفقوا في حياتهم أو ~~أخفقوا بمقدار ما جاءت استجابتهم ملائمة لظروفهم. وقد مضى الأسلاف وجئنا، فأية قوة في الأرض ~~هذه التي تشدنا إلى سلوك أسلافنا، نستجيب لظروفنا بمثل ما استجابوا لظروفهم، تغيرت الظروف ~~أو لم تتغير، ووفق هؤلاء الأسلاف أو أخفقوا؟ # كانت لأسلافنا حرية الاختيار فاختاروا لأنفسهم وجهة النظر التي تسعدها وترضيها، وليست ~~هنالك قوة لا في الأرض ولا في السماء، تلزمنا باصطناع وجهة نظرهم إلا بمقدار ما تتفق ظروفنا ~~مع ظروفهم ... لكننا مشدودون إلى منظارهم شدا، لا نرى الأمور إلا بأعينهم، كأنما هم وحدهم ~~الرجال يشرعون ونحن الأطفال نعمل وفق ما شرعوا. لقد قام علماء النفس المعاصرون بتجارب على ~~الأطفال في لعبهم، فانتهوا إلى نتائج علمية في نفسية الطفل من حيث وجهة نظره إلى القواعد ~~الموضوعة للسلوك؛ فأما الصغار فيما دون العاشرة، فلو سئلوا: من الذي وضع لكم قواعد الألعاب ~~التي تلعبونها معا؟ أجابوا بأنهم وجدوها كذلك، ولا يجوز لهم أن يتناولوها بتحوير أو تبديل. ~~فإذا ما ضيق القائم بالتجربة عليهم سبل الفرار، وحاول أن يظفر منهم بجواب محدد عن واضع ~~القواعد التي يتبعونها في ألعابهم، قال بعضهم إنه الله، وقال آخرون إنها الحكومة، وقال فريق ~~ثالث إنهم آباؤهم أو أجدادهم ... حتى إذا ما تقدم هؤلاء الأطفال في أعمارهم قليلا، وجاوزوا ~~العاشرة إلى الثالثة عشرة أو نحوها، وأعيد عليهم نفس السؤال: من الذي وضع لكم قواعد الألعاب ~~التي تلعبونها معا؟ أجابوا عندئذ بأن واضعيها هم أطفال مثلهم، وأن في مقدورهم أن يغيروها ~~إذا شاءوا وكيف شاءوا. # وأظننا نستطيع أن نستخدم هذا المقياس نفسه في التمييز بين المجتمع في طفولته وفي نضجه: ~~فأبناء المجتمع الطفل ينظرون إلى أنواع السلوك التي يسلكونها في مواقف حياتهم المختلفة ~~نظرتهم إلى التراث المقدس الذي لا ينبغي بل لا يجوز أن يتناوله ms094 أحد بتغيير، وأما أبناء ~~المجتمع الناضج فيدركون أن الأمر لا قدسية فيه، وأن التغيير مرهون بمشيئتهم؛ لأن الحياة ~~حياتهم هم ولا بد أن يعيشوها على أكمل وجه مستطاع، فإن كان السلوك الموروث عن الآباء ~~صالحا لهم فأنعم به، وإلا فمن حقهم بل من واجبهم أن يغيروا منه ما شاءوا وما شاءت لهم ~~ظروفهم. وأظنك تستطيع أن ترى في وضوح، أن روح الاستبداد والطغيان أقرب إلى الشيوع في ~~المجتمع الأول، وأن روح الحرية والديمقراطية أقرب إلى السيادة في المجتمع الثاني؛ ذلك لأن ~~حرية التصرف حرام هناك حلال هنا. # إن احترام التقاليد الموروثة في ذاته أمر لا عيب فيه ولا غبار عليه، ما دمت آخذها أخذ ~~السيد المسيطر لا أخذ التابع المطيع، فها هي ذي أرقى الأمم تحافظ على بعض تقاليدها على شرط ~~ألا تعرقل لهم شيئا من سياسة أو تجارة أو صناعة أو تعليم أو غير ذلك من شئون الحياة، ~~وكثيرا ما تراهم - إذا وجدوا التقليد عائقا في سبيلهم - يبقون على صورته ويفرغون مضمونه ~~وفحواه، كأنما هم ينتزعون من الأفعى سمومها ليبقى لهم جمال ظهرها الأرقط. # ولست أول من يتكلم في جناية أسلافنا بما فرضوه علينا فرضا من وجهات نظرهم وأنواع ~~سلوكهم، فقد سبق إلى ذلك منذ زمن طويل أستاذنا الجليل أحمد أمين، حين فصل القول تفصيلا ~~في جناية الشعر الجاهلي على الأدب العربي ... لكنك تستطيع أن توسع من نطاق هذه الجناية حتى ~~تشمل كثيرا جدا من تفصيلات حياتنا، فعنهم أخذنا حب الظهور بكل ما له من ذيول، وعنهم ~~أخذنا الوضع الاجتماعي للمرأة بكل ما يستتبع من نتائج، وعنهم أخذنا غير ذلك وغير ~~هذا. # لكني أريد أن أترك تفصيلات ما جنوا به علينا؛ لأغوص إلى ما تحت السطح من أعماق، فهنالك في ~~العمق البعيد أم تفرعت عنها هذه التفصيلات كلها، وهي وجهة نظر معينة تصبغ كل شيء بلونها، ~~فورثناها عنهم كما هي وجعلنا ننظر، وإنما أقصد بذلك نظرة وصفها الشهرستاني في عبارة نقلها ~~عنه المغفور عنه الأستاذ مصطفى عبد الرازق في ms095 كتابه «تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية» (ص32) ~~إذ قال: «من الناس من قسم أهل العالم ... بحسب الأمم فقال: كبار الأمم أربعة: العرب، والعجم، ~~والروم، والهند، ثم زاوج بين أمة وأمة، فذكر أن العرب والهند يتقاربان على مذهب واحد، ~~وأكثر ميلهم إلى تقرير خواص الأشياء والحكم بأحكام الماهيات والحقائق واستعمال الأمور ~~الروحانية، والروم والعجم يتقاربان على مذهب واحد، وأكثر ميلهم إلى تقرير طبائع الأشياء، ~~والحكم بأحكام الكيفيات والكميات، واستعمال الأمور الجسمانية.» # ولو فهمنا عبارة الشهرستاني على أن العرب والهند من ناحية يمثلون ما يسمى بالشرق، وأن ~~العجم والروم من ناحية أخرى يمثلون وجهة النظر الغربية، كان مؤدى كلامه بلغة يألفها ~~قارئنا، هو أن أهل الشرق يميلون إلى الأحكام الكلية التي تطمس الفروق التفصيلية بين ~~الأجزاء، وأن أهل الغرب يميلون إلى الأحكام الجزئية التي تلحظ ما بين تلك الأجزاء من فروق، ~~والأولون روحانيون لا يستشهدون في أحكامهم بمشاهدات الحواس، والآخرون جسمانيون يحتكمون ~~في معارفهم إلى ما تدلهم عليه الحواس من مشاهدات. # ولو كان هذا هكذا، ثم لو كان الأسلاف قد ألبسونا منظارهم، فقد جنوا علينا الجناية التي ~~أودت بنا وستؤدي إلى مهوى الهلاك، فالبس المنظار الذي يطمس لك الفروق بين الأجزاء تجد ~~أفراد المجتمع قد أصبحوا في عينك عجينة واحدة، لا شخصية لزيد ولا فردية لعمرو، ولا وجود ~~لخالد، ومن ثم استبداد المستبد وطغيان الطاغية، ثم عد فالبس المنظار نفسه تجد النمل والبعوض ~~والذباب كلها حشرات، والصقر والغراب والعصفور كلها طيور، والجير والرمل والبازلت كله صخور، ~~وإذا فلا مشاهدات ولا تجارب ولا علوم، ثم عد مرة ثالثة والبس المنظار الموروث الذي يطمس لك ~~الخصائص الجزئية بين يوم ويوم وساعة وساعة، تر الزمان كله قد انحصر في امتداد من فراغ ~~وعدم؛ ومن ثم فلا تعلق بالدنيا الفارغة، ولنضع الرجاء في عالم آخر ... # فالجناية الكبرى التي جنى بها أسلافنا علينا، هي هذا المنظار الذي أورثونا إياه، ~~فاستمسكنا به وتشبثنا كأنما نفقت سوق المناظير، فلم يعد منظار سواه. # تعالوا نجرب منظار «العجم والروم» - على تعبير الشهرستاني ms096 - لتتبدل الدنيا في أنظارنا، ~~فالعجينة المطموسة تصبح أفرادا متباينة الصفات والخصائص، والكون الخلاء يمتلئ في أعيننا ~~ألوانا وأصواتا فيعمر خرابه، وهذه الحياة الزائلة الفانية تنقلب حياة خصبة مليئة تستحق أن ~~نعمل لها كأننا سنعيش فيها أبدا. # | ندوة الخميس # لو كان الله قد أتاح لندوة الخميس التي تنعقد في دار لجنة التأليف والترجمة والنشر كل ~~أسبوع، والتي لبثت على هذا النحو قرابة أربعين عاما، وكثيرا ما ضمت نفرا من أئمة الأدب ~~وقادة الفكر في مصر، بل وفي بعض الشقيقات العربية أحيانا؛ أقول لو كان الله قد أتاح لهذه ~~الندوة عاملين: عنصر المرأة المثقفة والقلم الذي يسجل، لكان لنا بذلك «صالون» أدبي قل أن ~~يكون له نظير، ثم لكان لنا كذلك ديوان من أخصب دواوين الأدب والفكر المعاصرين، فالحديث في ~~هذه الندوة يجري على غير نسق معلوم، ولا يتقيد المتحدثون فيه بشيء من التحفظ والتزمت ~~اللذين يلازمان الكاتب إذا كتب للناس؛ ولذلك تراهم يرسلون أنفسهم إرسالا، هو أصدق ما يعبر ~~عن خواطرهم ومشاعرهم، وهو بالتالي - لو رصده الراصد - مرآة لجانب حي من حياتنا الفكرية ~~والأدبية على السواء. # وسأسوق للقارئ هنا خلاصة لحديث الندوة يوم الخميس الرابع من شهر أكتوبر عام 1952م، ذاكرا ~~من أسماء المتحدثين أحرفها الأولى؛ لأني لم أستأذنهم في هذا النشر، على أنني إذا استطعت أن ~~أنقل أمهات الأفكار التي دارت في الحديث، فلست بمستطيع أن أبث خلال ذلك ما يسود المجتمعين ~~في هذه الندوة دائما من روح الفكاهة العابرة أحيانا، والساخرة أحيانا، فكأنما أنقل ~~للقارئ هنا «رأسا» بغير «قلب»، و«عقلا» بغير «وجدان». إنني أسوق هنا إطارا، وللقارئ أن ~~يملأه بما يسعفه به خياله من نبضات الحياة. # أ ~~: # زارنا في هذه الندوة أديب صيني منذ سنوات، وأراد أن يعلم شيئا عن الاتجاهات ~~الأدبية في مصر، فسأل عن كبار الأدباء الذين يكتبون الأدب «الكلاسيكي» - إذا صحت ~~هذه الكلمة - ثم سأل عمن يكتبون للجمهور ويتصلون به اتصالا مباشرا، وعجب وأسف ~~حين أنبأناه أن ليس بين أدبائنا من يتصل بالجمهور الشعبي هذا الاتصال ms097 المباشر الذي ~~يريد. # ت ~~: # إنه كان على خطأ؛ لأن الأديب الحق لا يتصل أبدا بغمار الناس اتصالا مباشرا، إن ~~هذا الاتصال المباشر مهمة الصحفي لا الأديب، وينبغي أن نفرق بينهما تفرقة ~~واضحة. # ح ~~: # لماذا لا نقول عن «م. أ» وأمثاله من «الصحفيين» إنهم هم الأدباء الشعبيون؟ إنهم ~~يكتبون في جرأة تلفت لهم أنظار الناس. # ن ~~: # ومن الذي هيأ لهم هذا الجو الذي يستطيعون أن يكتبوا فيه بهذه الجرأة التي تستوقف ~~لهم معظم الجمهور القارئ؟ الذي هيأ لهم هذا الجو هم أدباء ممن يعينهم الأستاذ ~~«ت». # أ ~~: # يظهر أننا قد وصلنا إلى شيء من التحديد، فالأديب يخلق الجو الفكري، والصحفي يكتب ~~في هذا الجو الجديد لجمهور القراء، فيتصل بهم اتصالا مباشرا. # ت ~~: # هذا صحيح، فالتأثير في الناس يتم على درجتين: الأديب يؤثر في الصحفيين ومن إليهم ~~من الكتاب، وهؤلاء يكون لهم التأثير المباشر، والأمر في ذلك شبيه بأستاذ الجامعة ~~الذي لا يتصل بتلاميذ المدارس الابتدائية والثانوية، إنما يخلق الشبان الذين يكون ~~لهم هذا الاتصال، وهذا الاتصال بطبيعة الحال يجيء في نفس الجو الفكري الذي نقله ~~الشبان عن أستاذ الجامعة. # ن ~~: # أظن أن هذا هو المقصود دائما «بتأثير» الأدب في الناس، أعني أن الأديب الكبير ~~دائما ينحصر تأثيره في الطبقة المستنيرة وحدها، ومن هذه الطبقة ينتقل الأثر إلى من ~~دونهم، فلا أظن - مثلا - أن برنارد شو يقرؤه الفلاح والعامل في إنجلترا. # م ~~: # وماذا تقولون في شكسبير الذي كان يعرض مسرحياته على طبقات الشعب رأسا، وفي هومر ~~الذي كان ينشد أشعاره في حلقات من الجماهير الدنيا؟ أليس ذلك دليلا على أن الأديب ~~بأعلى معانيه، قد يكون اتصاله بالشعب مباشرا وبغير واسطة؟ # ت ~~: # لا، ليس ذلك بدليل على هذا، فلئن كانت طبقات الشعب قد استمعت لهومر أو شكسبير، ~~فما ذاك إلا لأنه لم يكن لديهم من يستمعون إليه غير هؤلاء، ولو وجدت لهم الصحافة أو ~~ما يشبهها من الكتابة، لانصرفوا عنهم إليها - أتظن أن امرأ القيس حين كان يقول شعره ~~في الناس كان يفهم ms098 عنه من الناس إلا القلة المستنيرة؟ لقد كان الناس يقولون عنه إنه ~~مجنون! أتظن أن المتنبي ومثاله كانوا يهدفون بأشعارهم إلى غير حاشية الحاكمين؟ فإن ~~استمع الناس لما ينشده امرؤ القيس والمتنبي، فلأنه لم يكن هناك من يستمعون إليه عن ~~فهم، أما الآن فقد تغير الموقف، إذ وجد المقروء الذي يصلح للشعب إلى جانب الأدب ~~الرفيع، فاقتصر الأدب الرفيع على الطبقة المستنيرة، وقصد الشعب إلى حيث يفهم ~~ويتأثر. # ن ~~: # يخيل إلي أن «الطبقة المستنيرة» عبارة تريد شيئا من التحديد، من أهم أفراد هذه ~~الطبقة؟ # ت ~~: # نستطيع أن نقول إنهم خريجو الجامعات ومن إليهم. # م ~~: # أظن أن الأمر هنا لا يتوقف على التعليم الجامعي: فالطبقة المستنيرة هي أولئك ~~الذين يتغذون بالأفكار، فلا تناقض بين أن يكون الشخص بائعا في متجر أو عاملا في ~~مصنع، لكنه إذا ما فرغ من عمله التمس الأفكار النظرية في الكتب أو المحاضرات - ~~وأمثال هؤلاء كثيرون في أوروبا - وعندئذ نقول عنهم إنهم من «الطبقة ~~المستنيرة». # ن ~~: # ستيفن سبندر له مقالة في مجلة إنجليزية صدرت الشهر الماضي، يحاول فيها تحديد ~~الطبقة المستنيرة، ويكاد يشترط للداخل فيها أن يكون كاتبا؛ ليعبر بكتابته عن ~~فكره. # أ ~~: # وماذا يقول مثل هذا الكاتب الذي يعبر عن فكره؟ هل ينبغي أن ينصرف إلى الكتابة ~~فيما يصلح المجتمع، أم الأمر مقصور على مجرد التعبير؟ بعبارة أخرى: هل يجب على ~~الكاتب أن يلتزم حدود الأخلاق فيما يكتب؟ # ت ~~: # لا، لا شأن للأديب بالمعايير الخلقية، إنه يفكر ويعبر، ومقياسه الجمال وحده؛ ~~ولذلك تسمعهم يقولون لك عن بعض الأدباء إنهم كانوا في مجتمعهم كالأفاعي تنفث ~~السموم، أي أنهم كانوا يفتون في بناء المجتمع، ومع ذلك فهم أدباء، الحقيقة أن ~~الأديب الحق كالنحلة تعطيك الشهد، لكنها قد تلسع. # ن ~~: # إن مجرد ذكرنا لكلمتي «السموم» و«اللسع» يبين أننا ما زلنا متأثرين في تقدير ~~الأدب بمعيار المصلح الاجتماعي، والأدب الخالص لا يهدف إلى الإصلاح الاجتماعي ~~المباشر، ولا يقاس بمقياسه. # ت ~~: # هذا صحيح ، لكنك من ناحية أخرى تستطيع أن تقول إن ms099 الهدف في النهاية البعيدة هو هذا ~~الإصلاح المنشود، فحتى الذين يكتبون أدبا مكشوفا عن الشئون الجنسية، يريدون أن ~~يضعوا تحت أعين الناس حقائق قد أغمضوا أعينهم عنها على خطرها وأهميتها، هذا د. ه. ~~لورنس يرى الناس في إنجلترا قد أهملوا غرائزهم إلى حد الخطورة، فراح بكتابته في ~~تمجيد الغريزة الجنسية السليمة ينبه الناس إلى ما قد غفلوا ~~عنه. إن الرجل إذا ما تحفظ في طعامه تحفظا يؤذي ~~معدته بحيث لا تعود صالحة إلا لهضم «اللبن الزبادي» هو بحاجة إلى من يستثير شهيته ~~للطعام بالتوابل القوية، ولورنس كان في مجال الغريزة الجنسية عند الطبقة المستنيرة ~~أشبه شيء بالتوابل التي تحرك الغريزة السليمة. # ن ~~: # الغريب في هذا هو أن الطبقة المستنيرة في إنجلترا انتقلت في نظرتها إلى الأمور ~~الجنسية من النقيض إلى النقيض، كان «المستنير» في العصر الفكتوري (القرن 19) يستبشع ~~كل ما له اتصال بهذه الأمور من بعيد أو قريب، وأصبح «المستنير» في هذه الأيام أقرب ~~إلى العقيدة بأنها لا تقل ولا تزيد عن سائر ضرورات العيش التي لا ينبغي أن يكون ~~فيها شيء من الخجل، ولعل هذا الانتقال قد جاء بسبب ما كتبه لورنس ومن إليه. # أ ~~: # إن العرب لم يقولوا أدبا عن الطبيعة فيه جدة. # ز ~~: # لماذا تعيبون على العرب أنهم لم يقولوا عن الطبيعة جديدا والطبيعة نفسها لم تخلق ~~الجديد، فالأزهار العطرة ما تزال هي الأزهار العطرة ... # ش ~~: # أراك بذلك تخاف كلمة أذعتها عن الجديد والقديم. # ز ~~: # وهل من شك في أننا لا بد أن نبقي من القديم على الطيب؟ # ن ~~: # على شرط أن نحدد ما هو «الطيب» - ماذا نعده طيبا؟ # ز ~~: # هو المشهور المعروف بأنه كذلك، فشعر المتنبي «طيب». # ن ~~: # لا يكون طيبا إلا إذا وافق عليه الناقد الأوروبي الحديث بمعياره في فهم الشعر ~~وتقديره. # ز ~~: # أنا لا أنتظر الناقد الأوروبي الحديث ليحدد لي ما أطرب له - أنا أقرأ شعر المتنبي ~~وأطرب له، وفي هذا الكفاية. # ن ~~: # وإذا فلا بد أن تعطي هذا الحق لساكن الأدغال حين يطرب ms100 لضربات «الدربكة» لأنه هو ~~الآخر يستطيع أن يقول: إني أطرب لهذه الضربات وفي هذا الكفاية ... الأمر نسبي في كل ~~ما يتعلق بالمدنية إذا استثنيت العلوم وحدها، فما يعد «طيبا» هو ما يعده أهل ~~المدنية القائمة كذلك، وقد يتغير الأمر بعد كذا من السنين، فتعد عوامل المدنية ~~القائمة الآن علامة همجية عندئذ ... # أ ~~(وقد أمسك كتابا في يده) ~~: # هذا كتاب كتبه أوروبي عن «إقبال» فهل يكون ذلك إلا دليلا على أنه قدره حق قدره ~~بغض النظر عن عصره؟ # ن ~~: # وهذا ما أقوله، فالمتنبي شاعر يعد من يطرب له «متمدنا» لو وافق عليه نقدة هذه ~~المدنية القائمة، وإلا فهو ليس كذلك بالنسبة لهذه المدنية أيضا، فالقديم الذي ~~يستطيبه أصحاب الرأي من أهل العصر الحاضر، هو الذي يدخل في جملة العناصر التي لا ~~بأس في أخذها والإبقاء عليها. # أ ~~: # أنا أطرب للمتنبي وأعده شاعرا عظيما، و«نيكلسن» لم يعجبه شعر المتنبي، فماذا ~~تقول؟ # ن ~~: # الأقرب منكما إلى تشرب روح هذا العصر وذوقه في الأدب هو الذي يعبر برأيه عن رأي ~~العصر وذوقه. # د ~~: # قل لي، هل تطربك أنت موسيقى فاجنر؟ # ن ~~: # إذا لم أطرب لها فلأني لم أنشأ النشأة الصحيحة، فالعيب عيبي أنا، ولا أعد في هذه ~~الناحية بين المتمدنين؛ لأنني لو أصررت على أن الأمر متوقف على ما أطرب له، بغض ~~النظر عن أهل المدنية الحاضرة هل يطربون معي أولا يطربون، فلا بد كذلك أن أعطي أهل ~~الغابات هذا الحق نفسه حين يفضلون «الدربكة» على فاجنر. # أ ~~: # أو ليست «الدربكة» خيرا من موسيقى «الجاز» التي يطرب لها أهل هذا الزمان؟ # ن ~~: # ولو أخذ العالم المتمدن بهذه «الدربكة» نفسها لانتقلت إلى عناصر المدنية، الأمر ~~كما قلت اعتباري صرف، والعبرة بما يقوله أهل الخبرة الذوقية في كل عصر. # ز ~~: # لقد التقيت اليوم مع صديق قص علي قصة فتاة فرطت في نفسها فثار عليها أهلها، ~~وكان هذا الصديق ساخطا على هؤلاء الناس الذين يتدخلون في شأن الفتاة ، فهي وحدها ~~المسئولة عن نفسها ما دامت قد بلغت ms101 الحادية والعشرين؛ أي أنه يريد لنا أخلاق أوروبا ~~في ذلك. # ن ~~: # وما وجه الخطأ في ذلك؟ إن كانت هذه هي «أخلاق» المدنية الحاضرة، فهل يعيبها أنها ~~ليست «كأخلاق» المدنيات السابقة؟ إن المقياس هو ما يقرره أهل هذا الزمان لا أهل ~~الأزمان الماضية. # أ ~~: # وجه الخطأ هو أن هذا فساد محقق. # ن ~~: # الفساد هو ما يخرج على ما تواضع عليه أهل الزمن المعين، وقد يصبح فساد زمن صلاح ~~زمن آخر ثم يعود فسادا، وهكذا تتغير النظرة مع تغير ظروف العصر. الحكم على السلوك ~~بالصلاح أو الفساد في عصر ما، متوقف على هذا السؤال فيه: هل يسود هذا السلوك في هذا ~~العصر المعين أو لا يسود؟ # أ ~~: # وهل تريد أن يكون الشرق كالغرب فيما يسود وما لا يسود؟ # ن ~~: # ليست التفرقة بين شرق وغرب، وإنما تكون التفرقة بين من أخذ بنصيب من المدنية ومن ~~لم يأخذ. # وانفضت عند هذا ندوة الخميس. # | ابتسامة الساخر # كان يبتسم لي كلما رآني، وكنت أحس القشعريرة كلما ابتسم! فوا عجبا لابتسامة مسمومة تشيع ~~في النفس فزعا ورعبا! إن هنالك ابتسامة وابتسامة: هنالك ابتسامة الطفل التي لا تنطوي ~~أبدا على خبث وسوء، كلها براءة وسذاجة وطمأنينة ورضى، وهنالك ابتسامة تنفرج عنها الشفاه ~~«لتكشر» عن أنياب الشر والغدر. ترى هل كان ذلك ما قصد إليه «دانتي» حين وصف البسمات التي ~~يلاقيها أصحاب النعيم في الجنة بأنها بسمات الرضع الأبرار؟ # أتقول: إن هناك ابتسامة «يكشر» فيها صاحبها عن أنياب الشر والغدر؟ هل تعلم أن الضحك في ~~حقيقة نشأته «تكشير» مكبوت محبوس؟ إن الطبيعة لا تعرف الضحك والمزاح، إنها طبيعة متجهمة ~~عابسة، إن السماء لا تقهقه بالضحك وهي تزمجر بالرعود، والحيوان إذا ما التقى في الغابة ~~بحيوان، فإما هو لا يأبه به إذا لم يكن به حاجة إليه، وإما أن يكشر له عن أنيابه بانفراجة ~~في شفتيه، فلما أراد الإنسان على تطور المدنية أن يخفي تكشيرة الحيوان ويحبسها في صدره، نشأ ~~الضحك ، ولا يزال وجهه يتحرك في حالة الغضب أو الفزع ms102 بنفس العضلات التي يتحرك بها في حالة ~~البهجة والمرح! # ابتسامة الضاحك وتكشيرة الغاضب - في الطبيعة - صنوان، وهنالك الحالات التي يختلط عليك ~~فيها الأمر، فلا تدري أيهش لك الضاحك حقا بقلب خالص، أم يعبس لك بابتسامته ويتجهم، ~~كما تحير أبو العلاء في هديل الحمامة أهو بكاء أم غناء ... إن الهجاء في الأدب عبوس في هيئة ~~الضحك، أو ضحك يعبر عن عبوس، كان شاعر الهجاء عند العرب في حروبهم كحامل الرمح: هذا يقذف ~~برمحه، وذاك يرمي بضحكاته الساخرة، وكلاهما يفتك بالعدو على حد سواء. # الضحكات الساخرة في الأدب قذائف من اللفظ تلقيها على العدو كما ترميه برصاص البنادق؛ ذلك ~~لأنك في كلتا الحالين «مكشر» له عن أسنانك، ولا فرق بين أن تكون ضاحكا أو غاضبا. إن ~~ابتسامة الساخر لطمة على الوجه أو ضربة في الرأس، لعلها أفعل من ضربات العصي ولطمات ~~الأيدي. # ويغلب أن نلجأ إلى «قذائف» البسمات، حين يكون «العدو» داخل حدودنا ومن عشيرتنا، فعندئذ ~~يحسن أن نهاجمه بالضحك منه، ومتى يكون الرجل من أهل العشيرة عدوا؟ يكون كذلك إن شذ عن ~~المجموعة ونشر، فعندئذ تأخذنا الغضبة الممزوجة بالخوف من هذا الشذوذ الطارئ، إننا لا نريد ~~لحياتنا الآمنة أن تتغير، ونبرز أنياب الأذى لكل من يحاول إخراجنا عن مجرى حياتنا ~~المألوف. # ترانا نرسل الابتسامة الساخرة إلى كل «غريب» عن مألوفنا: نرسلها إلى من يتكلم بلهجة ~~مختلفة عما ألفنا سماعه، ومن يلبس ثيابا غريبة، ومن يأكل بطريقة غريبة، ومن ينتبذ في سكناه ~~مكانا بعيدا، أو ينحو في تفكيره نحوا غريبا، إن صاحب الفكرة الغريبة التي لم نألفها ~~حقيق منه بالمحاربة - بالقذائف الضاحكة - كمن يلبس على رأسه طربوشا أخضر، أو يتكلم في ~~القاهرة بلهجة الريف، أو يهجر المكان المعمور ليسكن في بيت في الخلاء بعيد عن مساكن الناس ~~... كل هؤلاء «غرباء» يبعثوننا على الضحك - أو بعبارة أخرى يحملوننا على العبوس، ما دام الضحك ~~والعبوس عند الطبيعة لغتين مترادفتين في الخوف والتخويف! وإنه لمن عبقرية اللغة أن تضغط في ~~لفظة «الغريب» معنيين يتلاقيان على ms103 اختلافهما الظاهر، «فالغريب» الذي يجيء إلينا من خارج ~~بلادنا، هو في الحقيقة «كالغريب» الذي يشذ عن أوضاع بلادنا بالخروج عليها، الأول «غريب» ~~بمعنى أنه أجنبي دخيل يدعو إلى الحيطة والحذر، والثاني «غريب» بمعنى أنه باعث على العجب؛ ~~لأنه منا وليس منا، وكلا «الغريبين» يتطلبان أن نكون منهما على أهبة المطاردة بالعبوس ~~الساخر أو بالعبوس المقنع بالضحك. # إننا بضحكات السخرية نسوي أرضنا حتى لا يكون فيها مرتفع ومنخفض، وننسق نغماتنا حتى لا ~~يكون فيها نشاز، فما نزال «بالغريب» عنا همزا ولمزا حتى يعتدل ويجري معنا في فلك واحد، ~~وإنه ليقلق الغريب أن يعلم أنه هدف لابتسامة الساخرين، وكثيرا جدا ما يشذ الشاذ وهو لا ~~يدري، حتى إذا ما لحظ الناس ينظرون إليه بابتسامة ساخرة، أخذ يتحسس ملابسه ويتلفت حوله ~~التماسا لما عساه أن يكون شاذا فيه فيصلحه، أما إن ابتسمنا للشاذ، فظل على شذوذه وهو ~~يعلم، فما أسرع ما نقلب له الابتسامة إلى «تكشيرة» حقيقية، وما أيسر هذا التحول فينا؛ لأن ~~حركة الوجه التي ابتسمنا بها، هي نفسها التي نكشر بها تكشيرة الغضب ... لكن أين هذا الذي ~~يضحك الناس من شذوذه فيصمد لضحكاتهم؟ إنه إذا استطاع فهو العظيم، أو من فيه بوادر العظمة، ~~وهل رأيت في التاريخ كله عظيما واحدا لم يكن موضع السخرية أول ظهوره، ثم صمد للسخرية حتى ~~اجتمع الساخرون أنفسهم تحت لوائه؟! # وليست ضحكات السخرية دائما موجهة نحو الجديد، بل هي أحيانا تصب «غضبتها» على القديم إذا ~~لم يعد هذا القديم مألوفا مرغوبا فيه، إننا نضحك من متعالم يستخدم لنا كلمات عربية قديمة ~~يستخرجها من القواميس كما تستخرج الأجساد المحنطة من القبور، ولن يصرفنا عن الضحك أن ~~اللفظ المهجور القديم صحيح بحجة القاموس، فلئن أفلح المتعالم مرة في حمل الناس على بعث لفظ ~~قديم، فقد أفلح الناس ألف مرة على رده إلى حظيرة الاستعمال المألوف ... إن الابتسامة الساخرة ~~ترتسم على الشفاه، لهي مقياس أدق مقياس لما ينبو عنه ذوق الجماعة، وأنت بعد ذلك حر في أن ~~تصانع هذه ms104 الجماعة لتعيش بينها هادئ البال، أو أن تخرج عليها متحديا، عالما بأن النقلة من ~~الابتسامة إلى العبوس، هي عند الناس أهون الهينات. # لست أدري لماذا يستبد «دون كيشوت» بتفكيري إلى هذا الحد البعيد، فكلما طافت برأسي فكرة، ~~ورد «دون كيشوت» على خاطري، فقد أراد «سيرفانتيز» أن يقلع أهل عصره عما أغرقهم إلى آذانهم ~~من حب للفروسية وتقدير لما كانوا يسمونه «شرف» الفرسان، فماذا صنع؟ خلق لهم بخياله «دون ~~كيشوت» هذا، يفعل نفس أفعالهم، لكنه عرف كيف يجعله باعثا على الضحك، وما دمت قد أضحكت ~~الناس من شيء، فقد خطوت أوسع خطوة إلى محوه، ومن هنا نفهم قول «بايرون» الشاعر الإنجليزي: ~~لقد أزال سيرفانتيز الفروسية عن أرض إسبانيا بابتسامة. # ابتسامات السخرية وخزات يخز بها الناس من أبناء الأمة الواحدة بعضهم بعضا، ليجتمع ~~شملهم على سلوك واحد وفكر واحد؛ ولذلك كانت الضحكات إقليمية تقف موجاتها عند الحدود ~~الجغرافية، فما يضحك الناس هنا لا يضحك الناس في بلد مجاور، ومن ثم كانت ترجمة النكتة من ~~لغة إلى أخرى أمرا متعذرا أو مستحيلا، فالنكتة محكوم عليها ألا تعبر حدود بلادها إلا في ~~القليل النادر، إنها لا تحمل جواز المرور، ولا يسمح لها بتغيير الجنسية، فما هو مصري - ~~مثلا - يظل مصريا، ولا يرحل أبدا عن أرض الوطن، لا بل قد تنحصر النكتة في جيل واحد من ~~أهل البلد الواحد، فنكتة أضحكت الناس منذ عشرين عاما أو ثلاثين قد لا تضحكنا اليوم، لتغير ~~الظروف. # وما كذلك البكاء! فللبكاء قوة يتخطى بها الحواجز والسدود، البكاء إنساني عام، فما يبكي ~~إنسانا في أقصى الأرض من طرف، يبكي زميله الإنسان في أقصاها من الطرف الآخر، وما قد أسال ~~الدمع في عهد مينا وخوفو لا يزال حتى اليوم قادرا على إسالة الدموع. إنه ليقال عن «ماكولي» ~~- وفي القول مبالغة جميلة - إنه كان يقرأ الإلياذة يوما وهو سائر في الطريق، فلما طالع موت ~~هكتور سحت عبراته على وجهه، فهل يمكن أن نسمع عن أديب آخر، أخذ يقرأ ملهاة لأرستوفان ~~وهو سائر ms105 في الطريق فإذا هو يضحك حتى يشق الضحك جنبيه؟! ~~••• # وإذا كان من علائم الشخصية القوية أن تصمد للهجمات الضاحكة يشنها عليك أبناء الأمة جزاء ~~خروجك على أوضاعهم، فماذا أنت قائل في رجل يجعل نفسه هو الضاحك الساخر بأبناء بلده ~~أجمعين؟ # فلعلك قد رأيت كيف يتفاوت الناس في روح الفكاهة، فمنهم من إذا ضحكت منه «مات في جلده» - ~~كما يقولون - ومنهم من يرد الضحك بضحك أقوى، وما يزال كذلك حتى يرتد سهم السخرية إلى نحر ~~الساخر الأول ... وهكذا يكون موقف الساخر العظيم من أمته: يشذ عن أوضاع الناس، فيسخر منه ~~الناس، فيرد السخرية بسخرية أمضى، حتى تنتهي المعركة، فإذا هو واقف وحده في الميدان، يضحك ~~ويسخر، وجموع الناس من حوله تضحك معه وتسخر، وإنما يضحكون عندئذ ويسخرون من ذوات ~~أنفسهم! # من أمثال هؤلاء الساخرين الأفذاذ فولتير، وسويفت، ودكنز، وشو ... ومنهم - وكدت أقول على رأس ~~الساخرين جميعا في العالم طرا - أديب ياباني أمره في السخرية عجب، هو «جيبنشا إيكو» - ~~هذا الذي أدقعه الفقر بين قومه، فهزأ ساخرا بالفقر وبقومه معا، لم يكن في بيته أثاث، فعلق ~~على جدرانه العارية صورا للأثاث الذي كان يشتريه لو استطاع! وفي أيام المواسم الدينية كان ~~يضحي للآلهة بصور فيها رسوم للقرابين التي كان يتقدم بها إلى هؤلاء الآلهة لو كان عنده ~~المال! # لم يكن «إيكو» يصيب من كتبه مالا، فكان رقيق الحال رث الثياب، وحدث مرة أن جاءه ~~الناشر يزوره في بيته، وكان هذا الناشر يرتدي ثوبا جميلا فاخرا، فما زال به الأديب ~~المتفكه حتى أغراه بالاستحمام - وكان اليوم عيدا - وما إن وقع الناشر في الفخ حتى لبس ~~صاحبنا ثيابه تلك الجميلة الفاخرة، وراح يزور بها كل من عرفهم من أهل وأصدقاء. # ولما كان «إيكو» في فراش موته، التمس من تلاميذه أن يضعوا على جثمانه قبل إحراقه بضع ~~لفائف أعطاهم إياها في وقار وجد، وجاءه الموت، وفرغ المصلون من تلاوة الدعوات، وأشعل الحطب ~~الذي أعد لإحراق جثته ، ووضعت اللفائف على جسده بين ألسنة النار، وإذا بها ms106 تحتوي على صواريخ، ~~أخذت تطقطق في مرح ونشوة، وراحت تنطلق في الهواء رسوما ملونة، فلم يسع الحاضرين إلا الضحك، ~~بعد أن كانوا من رهبة الموت في حزن وخشوع، كأنما أراد هذا الساخر العظيم أن يلطم الناس لطمة ~~قوية تؤلب عليهم ضمائرهم، التي أهملته حيا، وجاءت الآن تصطنع الهم والاهتمام أمام ~~جثمانه! # ابتسامة السخرية أداة في يد الأديب القادر، يصلح بها ما قد فسد عند الناس من طرائق العيش ~~والتفكير، ويكاد يستحيل ألا تسخر من جماعة إلا إذا كنت في أعماقك راضيا عن أسلوبها ... ولك ~~أن تسأل بعد ذلك: أين في أدبائنا الأديب الساخر؟ # | أنتيجونا # إلى أي الجانبين ننتصر إذا نشأ التعارض ونشب الصراع: أننتصر لذوي القربى من أبناء الأسرة، ~~أم للقانون الذي يمثل الأمة جميعا؟ # وكثيرا جدا ما ينشأ ذلك التعارض وهذا الصراع في صدور الأفراد؛ لأن كل فرد هو في الوقت ~~نفسه عضو من أسرة وفرد في أمة، وقد يحدث أن يجيء فعله مواتيا لصالح أسرته وأمته معا، لكن ~~قد يحدث كذلك أن يكون الفعل الذي يخدم صالح أسرته مناهضا لصالح الأمة، والفعل الذي يخدم ~~صالح الأمة مناهضا لصالح الأسرة، فإلى أي الجانبين ينبغي له أن يتحيز وينتصر؟ # أما من الوجهة النظرية فلا أحسب أن اثنين يختلفان، في الإجابة عن هذا السؤال، فالأمة ~~عندنا جميعا هي المجموعة الكبرى التي تحتوي في جوفها الأسر، وهي التي يجب أن تظل سواء ~~بقيت أو فنيت هذه الأسر أو تلك، فلا ضير علينا أن تزدهر أسرة أو تذوي، أو أن تولد أسرة أو ~~تموت، لكن علينا كل الضير إذا فقدت الأمة مقومات بقائها؛ لأن الخيط الذي يمسك الأفراد ~~وأسرهم في كل واحد، ينقطع عندئذ وينفرط العقد، وتنتثر الحبات فرادى، وبذلك نكون بمثابة ~~من يناقض نفسه؛ لأننا حين أقمنا من أنفسنا مجموعة كبرى أسميناها أمة، قد اعترفنا ضمنا أننا ~~في ظل هذه المجموعة وحدها نستطيع أن نعيش. وماذا أنت قائل في رجل يظل السنين ينبت شجرة ~~ويرعاها في سبيل أن يستمتع بظلها، حتى إذا ms107 ما نمت الشجرة وامتد ظلها، أمسك بيده الفأس ~~ليبترها عن أرضها زاعما لنفسه أن صالحه أحق بالرعاية وأولى؟ كأن صالحه الفردي لم يكن هو ~~المبدأ الأساسي والدافع الأول لاجتماعه مع غيره في حظيرة ~~أمة واحدة! # نقول إنه لا خلاف على ذلك من الوجهة النظرية، حتى إذا ما وجدنا أنفسنا أمام الموقف ~~العملي الذي يتطلب منا أن نسلك هذه السبيل أو تلك، فإما أن ننتصر لأبناء الأسرة التي ننتمي ~~إليها، أو أن نتحيز للأمة على حساب الأسرة، حين يكون بين صالح هذه وصالح تلك تعارض واختلاف، ~~فعندئذ يتعذر جدا على غير من قطعوا من المدنية شوطا بعيدا، أن يغضوا أطرافهم عن صوالح ~~أسرهم في سبيل مصلحة المجموعة الكبرى. # وإذا فذلك مقياس تستطيع أن تسبر به مدى ما نالك من تحضر وتمدن، هو مقياس تستطيع أن ~~تجزم به لنفسك إن كنت لا تزال بدائيا جاهليا في تكوينك النفسي، أم خطوت إلى أمام مع ~~خطو الزمن، وسأروي لك فيما يلي خلاصة لمسرحية أنتيجونا # 1 # التي أنشأها سوفوكليس ليصور بها هذا الصراع الذي ما ينفك ينشب في صدور ~~الأفراد حين يدعوهم الداعيان معا: داعي الأسرة وداعي الأمة، وحين يكون الداعيان على تناقض ~~وخلاف، سأروي لك هذه الخلاصة لتسأل نفسك بعدها: هل أشعر بالعطف على أنتيجونا التي آثرت ~~واجبها نحو أخيها على واجبها إزاء قانون أصدره الملك ليمثل به صالح الأمة، أم أشعر نحوها ~~بالسخط والغيظ؟ فإن وجدت نفسك عاطفا عليها راضيا عنها، فاعلم أنك إذا ما تزال في هذه ~~المرحلة الأولية البدائية بقلبك وشعورك، وإن ظننت في نفسك غير ذلك فإنك في حاجة إلى أن ~~تغير من نفسك، ليغير الله ما يحيق بأمتك من تهدم وتصدع وانحلال: ~~«إيثيوكليس» و«بوليتيس» أخوان قضيا معا في يوم واحد، أما الأول فقد أجيز لجثمانه أن ~~يوارى في التراب وأن يؤدى إليه من الواجبات الدينية ما يسر نفوس الموتى؛ لأنه جاد بنفسه ~~في سبيل وطنه، وأما الآخر فقد أمر الملك «كريون» - ملك ثيبة - ألا يدفن ولا يبكى، وأن ~~يترك ms108 نهبا لسباع الطير التي تتأهب لافتراسه؛ وذلك لأنه ناصر أعداء الوطن على وطنه. ويجيء ~~النبأ إلى أختهما أنتيجونا، فماذا تراها صانعة؟ إن رابطة الرحم التي تربطها بأخيها بولينيس ~~تقضي عليها ألا تترك جثمانه في العراء بغير أن يقبر أو تؤدى إليه فروض الدين، لكن هذا هو ~~أمر الملك - والملك هنا هو الدولة وأمره هو صالح الأمة - هذا هو أمر الملك صريح، بأن من ~~يحاول دفن ذلك الشقي الآثم، سيلقى أقصى أنواع العذاب وسط المدينة وبمشهد من ~~مواطنيه. # وتلتقي أنتيجونا بأختها أسمينا لتحمل إليها النبأ، ولتطلب إليها أن تعاونها على دفن ~~أخيهما: # أسمينا ~~: # ماذا؟! أي أنتيجونا التعسة! أتقدمين على ذلك رغم أمر كريون؟ # أنتيجونا ~~: # أله الحق أن يقطع ما يصل بيني وبين قرابتي؟ # أسمينا ~~: ~~... إن الذين يأمرون أشد منا قوة، وإن علينا أن نذعن لما يريدون ... # أنتيجونا ~~: ~~... افعلي ما تؤثرين، أما أنا فموارية أخي، فإذا أديت هذا الواجب، فما أجمل بي ~~أن أموت. ~~(وقامت أنتيجونا بما رأته واجبها نحو جثمان أخيها، فوارته التراب، ~~متعرضة بذلك إلى غضب الملك وعقابه، ولم يزل الحراس يبحثون عمن اجترأ على دفن بولينيس، ~~حتى علموا أنها أنتيجونا، فساقوها إلى الملك كريون.) # كريون ~~: # ماذا؟! أتظلين مطرقة إلى الأرض من غير أن تنكري ما تؤخذين به؟! ... # أنتيجونا ~~: # كلا، بل أنا أعترف به، وأنا أبعد الناس من إنكاره. # كريون ~~: # أجيبيني من غير محاولة، أتعلمين أني قد كنت خطرت مواراة بولينيس؟ # أنتيجونا ~~: # نعم، أعلم ذلك، وهل كان يمكن أن أجهله، وقد أعلن إلى الناس كافة؟ # كريون ~~: # وكيف جرؤت على مخالفة هذا الأمر؟ # أنتيجونا ~~: # ذلك لأنه لم يصدر عن «ذوس» ولا عن «العدل» مواطن آلهة الموتى، ولا عن غيرهما من ~~الآلهة الذين يشرعون للناس قوانينهم، وما أرى أن أمورك قد بلغت من القوة بحيث تجعل ~~القوانين التي تصدر عن رجل أحق بالطاعة والإذعان من القوانين التي تصدر عن الآلهة ~~الخالدين، تلك القوانين التي لم تكتب، والتي ليس إلى محوها من سبيل، لم توجد هذه ~~القوانين منذ اليوم ولا منذ أمس؛ هي ms109 خالدة أبدية، وليس من يستطيع أن يعلم متى ~~وجدت. ألم يكن من الحق علي إذا أن أذعن لأمر الآلهة من غير أن أخشى أحدا من ~~الناس؟ قد كنت أعلم أني ميتة ... ومن ذا الذي يعيش من الآلام في مثل هذه الهوة التي ~~أعيش فيها ثم لا يرى الموت سعادة وخيرا ... وقد كنت أتعرض لما هو أشد لنفسي إيذاء ~~لو أني تركت بالعراء أخا حملته الأحشاء التي حملتني. # وجعل الملك يبدي من دهشته لجرأة الفتاة، وجعلت الفتاة تبدي من فخرها لأدائها ~~واجبها، قائلة فيما قالت: «وأي مجد أحب إلي من أني قد واريت أخي؟»ويسألها الملك: ألا يخزيها أن تسلك سبيلا غير السبيل التي سلكها أهل ثيبة جميعا ~~حين أطاعوا أمره؟ فتجيبه: ليس هناك ما يحمل على الخزي إذا شرف الإنسان من يصل ~~الدم بينهم وبينه.ويلفت كريون الملك نظر أنتيجونا إلى أنها قد كان لها أخوان، لا أخ واحد، أحدهما ~~دافع عن وطنه فاستحق التشريف، وجاء الآخر يدمر وطنه فاستحق اللعنة، فكيف يسوغ لها ~~- إذا - أن تسوي بين الأخوين في المعاملة، فتجيبه أنتيجونا بأنها لا تفرق بين ~~أخويها، فكلاهما أخوها لأبيها وأمها، وإن الآلهة لتأمرها بتشريفهما جميعا.ولا يجد الملك بدا من أن يأمر بالفتاة فتلقى في كهف حتى تموت، لكن الأديب ~~الفنان سوفوكليس، يمضي في تعقيد الأمور، ليتبين مشاهد المسرحية كيف ينصب ~~البلاء على من يحاول العبث بتقاليد الناس؛ لأن التقاليد في عصره لم تزل أقوى من ~~قوانين الدولة، فهو ينتصر لأنتيجونا، راعية التقاليد على كريون مشرع القوانين، ~~فجعل «هيمون» بن كريون وخاطب أنتيجونا، يلقي بنفسه وراء حبيبته في كهفها، فيموتان ~~معا، وتسمع الملكة - زوجة كريون - أن ابنها قد لقى حتفه ثمنا لعناد أبيه، فتنتحر ~~حزنا عليه، فتنزل الكروب بالملك: «مثل سيئ ضرب للناس يبين لهم ماذا يجر الهوس ~~على الملوك أنفسهم.» # كريون ~~: # قودوني إلى مكان بعيد، أنا هذا الشخص المجنون! أي بني لقد قتلتك دون أن أريد، ~~ولقد قتلتك أنت أيضا أي أوريديس (الملكة) وا حسرتاه! لست أدري إلى أيكما أنظر، ms110 ~~ولا إلى أي جهة أتحول، لقد فقدت كل شيء، لقد ألح على رأسي قضاء لا يطاق. # رئيس الجوقة ~~: # إن الحكمة لأول ينابيع السعادة ... إن غرور المتكبرين ليعلمهم الحكمة بما يجر ~~عليهم من الشر، ولكنهم لا يتعلمون إلا بعد فوات الوقت وتقدم السن. # ونعود فنسأل القارئ: ماذا ترى من نفسك، وإلى أي جهة تميل؟ أتناصر أنتيجونا أم تناصر ~~الملك؟ إن انتصارك لأنتيجونا انتصار للأسرة على الأمة حين ينشأ التعارض بينهما، وانتصارك ~~للملك انتصار للقانون على حكم التقاليد - ما أحسبك إلا ذاهبا بعطفك وعاطفتك مع أنتيجونا؛ ~~لأنك - مثلي - قد نشأت في جو يقرب إلى قلبك الأهل بأشد وأقوى مما يقرب المواطنين ~~«الغرباء»، وقد يهون شر ذلك في مثلك ومثلي، لأن كلينا ليس من أصحاب الحكم، فإيثاره لجانب ~~على جانب ليس بذي خطر بعيد، لكن الطامة الكبرى حين يتأثر أصحاب الحكم بما نتأثر به - أنت ~~وأنا - من عواطف العامة والدهماء. # إنني أقول ما قاله كريون مدافعا عن وجهة نظره: «ليس من سبيل إلى أن تعرف نفس الرجل ~~وذكاؤه وأخلاقه إذا لم يجلس مجلس الحكم، ولم يوكل إليه تدبير الدولة وحماية قوانينها، أما ~~أنا فأعتقد، وقد اعتقدت دائما، أن ذلك الرجل الذي يكلف الحكومة وحماية القوانين فلا ~~يقف نفسه على النصح للدولة وتضحية كل شيء في سبيلها، بل يمنعه الخوف من ذلكم؛ أعتقد أن هذا ~~الرجل شرير ممقوت، ولا أستطيع إلا أن أزدري ذلكم الذي يؤثر منفعة الصديق على منفعة ~~الوطن.» # إنه لم يعد بد - كما قلت في موضع آخر - من تغيير قيم الأشياء والأوضاع، فما كان ~~صالحا لآبائنا لم يعد صالحا لنا؛ فقد كانت شدة الروابط الأسرية موضع فخر حين كانت الحياة ~~بدوية متنقلة بين أطراف الصحراء، فكان حتما على أبناء الأسرة الواحدة أن يتحدوا جبهة واحدة ~~أمام هجمات الأسر الأخرى أو القبائل الأخرى - والقبيلة أسرة كبيرة - أما اليوم فسبيل الخير ~~هو أن نخلخل الروابط الأسرية بعض الشيء، حتى لا يجد الرجل نفسه ملزما بحكم تربيته أن يؤثر ~~ذوي رحمه على سواهم حين ms111 يئول إليه زمام الحكم وتلقى في أيديه مقاليد الأمور، ويصبح قادرا ~~على الضر والنفع. # إنه لا تناقض بين أن تكون للأسرة المكانة الأولى عند الطفل، حتى إذا ما تم له النمو في ~~محيطها وخرج للناس رجلا، تصبح لأسرته المكانة الثانية، كما أنه لا تناقض بين أن يطعم ~~الرضيع من ثدي أمه، حتى إذا ما جاوز حدود الرضاعة التمس لرزقه موردا آخر. # إن بين أمثالنا التي تصور أخلاقنا مثلا يقول: «أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي ~~على الغريب» - صورة قوية موجزة للتكتل الأسري البغيض، ونريد أن يأتي الزمن الذي تقول فيه ~~أمثالنا: أن لا «غريب» بين أبناء الوطن الواحد، وأنني وأخي وابن عمي وأبناء الوطن جميعا ~~على من نوليه أمورنا فيؤثر «قريبا» على «غريب». # | نشر القديم # إني أتهم أدباءنا ومفكرينا بالجبن والخور، وأمام من يخورون ويجبنون؟ أمام سواد الناس ~~من الأميين وأشباههم! أتهم أدباءنا ومفكرينا بالجبن والخور أمام السواد، ولست أدري فيم ~~إذا حملهم للقلم إذا لم تكن مهمتهم الأولى أن يستحيل هذا «السواد» على أيديهم ~~بياضا؟ # أدباؤنا ومفكرونا يرتعدون خوفا ورعبا مما عسى أن يقوله الناس فيهم، كأن الله قد خلق ~~الطغام ليملوا على أصحاب الفكر ما يكتبون ويزجروهم عما لا يكتبون، ولم يخلق أصحاب الفكر ~~لكي يكونوا لهؤلاء الناس نبراسا يهتدون به ويرشدون. # سيطر هذا الخوف على أدبائنا ومفكرينا - لا أكاد أستثني من كبارهم أحدا - حتى لقد أصبح من ~~المألوف لقارئ أن يسأل قارئا كلما كتب الكاتب من هؤلاء الكبار مقالا أو أخرج كتابا يتمشى ~~مع عقيدة العامة ووجهة نظرها: أحقا يعتقد فلان هذا في صدق ما كتب؟ أصبح من المألوف أن ~~يسأل قارئ قارئا مثل هذا السؤال عما يكتبه كبار أدبائنا ومفكرينا مما يمالئون به سواد ~~العامة؛ لأن القراء قد أدركوا هذه الهوة السحيقة التي أصبحت تفصل بين ما يدور في باطن ~~المفكر وبين ما يخرجه للناس على الورق، وأصبح القراء في حيرة من أمر قادة الفكر فيهم: متى ~~يقصد هؤلاء القادة حقا إلى صدق ما ms112 يكتبونه ومتى لا يقصدون؟ # إن كانت فكرة الكاتب متمشية مع فكرة العامة، مضى فيها الكاتب من أول حياته الأدبية إلى ~~آخرها؛ لأنه ليس في طريقه خطر يحمله على انتهاج سبيل آخر، وأما إن كانت فكرة الكاتب متعارضة ~~مع رأي العامة، فهنا تلحظ الأعاجيب في سيرة الكاتب، فهو يبدأ حياته الأدبية بشيء لينتهي آخر ~~الأمر إلى نقيضه، ومن ثم سؤال القراء بعضهم بعضا، أحقا يعتقد الكاتب في صدق ما يروي؟ ~~دلني على مفكر واحد من أصحاب القلم عندنا، قد عرف بفكرة معينة تصدم عقيدة سواد الناس، ~~ثم ثبت عليها، وأخذ يكتب فيها دون أن يتحول عنها. # قد يبدأ الكاتب عندنا بشيء من الشجاعة فيعلن الرأي الذي يخالف ما قد ألفه الناس وتواضعوا ~~عليه، لكنه سرعان ما يعود بيسراه ليمحو ما خطته يمناه، ولا يتردد في تمزيق أوتاره جميعا ~~ليعيد مكانها وترا يبعث به النغم الذي يحلو وقعه في المسامع - لماذا؟ لأن المسكين يريد أن ~~يبيع بضاعته في سوق رائجة التماسا للقمة العيش، ألا قبح الله عيشا يكون العهر الأدبي ~~وسيلته. # على أن لقمة العيش إن كانت في أعين الناس مبررا كافيا لهذه الزندقة الفكرية، فماذا يبرر ~~أن نرى الكاتب قد أصاب ما يكفي جوفه وجوف أولاده من شبع وري، ومع ذلك يدس عقيدته بين ~~ضلوعه ابتغاء مجد شعبي أو شهرة رسمية؟ إني لأذكر بهذه المناسبة سطرين من الشعر الإنجليزي، ~~قالهما شاعر محزون في منتصف القرن التاسع عشر، إذ رأى واحدا من زملائه الشعراء قد اختطفته ~~من بين زمرتهم يد تشبه يد المنون في بشاعتها، وأعني به «تنسن» (على ما أذكر) حين اختاروه ~~أميرا للشعراء، وهو لقب كان يحتم على صاحبه أن يكون تابعا من توابع السلطان ... فقال ~~الزميل المحزون على فقد زميله سطريه المشهورين: # من أجل حفنة واحدة من الفضة قد تركنا، # تركنا ابتغاء شريط يلصق بسترته. # ومن يدري؟ لعل هذه المقدمة الطويلة قد أملاها علي الهوى؛ لأمهد بها لرأي جريء أريد أن ~~أفجأ به القارئ ثم أترك على الله بعد ms113 ذلك رزقي، فقد أردت أن أعبر في هذا المقال عن رأي ~~أراه وأومن بصدقه، وهو أن رجوعنا إلى الثقافة العربية القديمة بهذه النسبة الكبيرة البادية ~~فيما نكثر من نشره هذه الأيام من كتب العرب الأقدمين، هو أشبه شيء بالوباء يصيب نهوضنا ~~الفكري الذي لم يستقم بعد على قدميه، وربما أحدث هذا الوباء في عقولنا من الضر ما قد ~~يستحيل بعد اليوم زوال أثره والنجاة من شره. # أردت أن أقول: إن كثيرا جدا مما نقوم على نشره هذه الأيام من كتب العرب الأقدمين، لا ~~تساوي قيمته الورق الذي طبع عليه، وليت الأمر في ضرره يقف عند حد انعدام نفعه، بل إنه ليعيد ~~لنا جوا فكريا قد يضطرنا اضطرارا إلى تنفس هوائه حتى تمتلئ به رئاتنا وصدورنا، فنكون ~~عندئذ بمثابة من يعود بالزمان القهقرى، فلست أدري بأي حلق أصيح حتى تسمع الصيحة، فأقول: ~~إننا يا قوم في واد والدنيا المتحضرة في واد آخر. # والأمر أمر نسبة صحيحة بين الأشياء، فلو كان كل كتاب عربي قديم تقوم المطابع على إخراجه ~~واستنفاد الورق والحبر فيه، يقوم إلى جانبه ألف كتاب مما ينقل إلينا ثمار المدنية الحاضرة ~~والفكر المعاصر، لما كان هنالك موضع للشكوى، أما والمطابع منصرفة بمعظم مجهودها إلى شد ~~الأعناق إلى الوراء، حتى لنكاد نطالع كل يوم إعلانا جديدا عن كتاب آخر قديم كتب له النشور ~~وشهد النور بعد ظلمة القبور، فمن ذا يلومنا على آهة الحسرة نبعثها من أعمق أعماق النفس أسى ~~وأسفا؟ # الكتاب القديم تحفة نضيفها إلى المكتبة لنضيف بها صفحة الماضي إلى صفحات الحاضر، لكننا ~~نعيش على صفحات الحاضر ونتسلى بذكريات الماضي، اللهم إلا إذا كان المراد بنا أن تكون حياتنا ~~كلها أحلاما نستعيد بها مجدنا القديم، فتمضي الحياة الحاضرة تحت أنوفنا ونحن نيام ~~رقود؟ # ألست ترانا نجمع الآثار القديمة في متحف واحد أو متحفين أو عشرة، ثم نترك ألوف الألوف من ~~المباني بعد ذلك للسكنى والعيش؟ من ذا يريد أن يكون المتحف المصري داره التي ينام فيها ~~ويأكل ويعمل ms114 ويسمر مع أهله وأصدقائه؟! # لكن الذين يريدون أن يملئوا علينا رفوف المكاتب بالقديم المنشور هم كمن يريدون أن ينسونا ~~أمور عيشنا ويجعلون من المتاحف مضطرب حياتنا، لقد يكون من الخير أن تضع تمثالا في هذا ~~الركن أو ذاك من أركان دارك، أو تعلق صورة هنا أو هناك على جدرانها، على أن تستبقي لنفسك ~~معظم فراغ الدار للجلوس والحركة والأكل والنوم والطهي والغسل. # الكتاب القديم المبعوث من قبره هو كالكراسة القديمة نعثر عليها تحت الأثاث المخزون، ~~ونتصفحها فنجدها أثرا جميلا من آثار الطفولة، فهي الكراسة التي كنا نكتب فيها الحساب أو ~~الإنشاء ونحن في المدرسة الأولية، فنبتسم لها ابتسامة الإشفاق ونمسح عنها التراب ونضعها في ~~ركن من خزانة الكتب احتفاظا بذكرى يوم مضى، لكن الأمر ينقلب جنونا صريح إذا جعلنا هذه ~~الكراسة بعد ذلك شغلنا الشاغل، نقرأ ما فيها قراءة من يتوهم الجد في عمله. # ماذا يريد بنا هؤلاء الناس الذين يلوون وجوهنا وعيوننا إلى الوراء؟ ماذا يريدون للمهندس ~~الذي يبني العمائر والجسور ويرصف الطرق أن يقرأ ليقوم بما نحب له أن يقوم به من بناء ~~وتعمير؟ ماذا يريدون للطبيب الذي يسأل عن شفاء المرضى أن يقرأ ليؤدي ما نسأله عن أدائه؟ ~~ماذا يريدون للاقتصادي الذي نطالبه بتصريف بضائعنا في الأسواق العالمية وباستيراد حاجاتنا ~~من تلك الأسواق بأحسن الشروط، ماذا يريدون لهذا الاقتصادي أن يقرأ لكي يحقق لنا هذا الذي ~~نطالبه به؟ ماذا يريدون للزارع الذي نود له أن يملأ علينا المخازن غلة وثمرا أن يقرأ ~~لتتوافر لنا بحبوحة العيش ورخاؤه؟ أم هل يريد هؤلاء الناس لنا أن ننصرف عن هندستنا وطبنا ~~واقتصادنا وزراعتنا لنقرأ الوافي بالوفيات ونوادر المخطوطات وكتاب الإرشاد والمزهر وترجمة ~~ابن عساكر ...؟! ~~«لا، يا جاهل!» - الآن خيل إلي أن قراء كثيرين سيشفقون علي من هذا الجهل المطبق ~~الذي أبديه، وسيخاطبونني من بعد قائلين: «لا، يا جاهل! فما لنا الآن بالهندسة والطب ~~والاقتصاد والزراعة؟! هذه الكتب القديمة التي ننشرها إنما هي للثقافة والتثقيف ...» كأن الشرط ~~في «التثقيف» عندهم أن ms115 يمتلئ الرأس بما ليس ينفع الحياة في شيء من بناء الدور وشفاء ~~المرضى. # والحمد لله فقد رضيت لنفسي بالجهالة المطبقة إن كانت هذه الكتب هي أدوات الثقافة التي ~~أملأ بمكنونها رأسي! لو كان ما أريده فنا من الفنون، فقبل أن أقرأ هذه الكتب لا بد لي ~~أولا أن ألم بما يكتبه جهابذة الفن من أهل المدنية القائمة، ثم أعقب على ذلك إن شئت ~~بصفحة أقرؤها من صفحات الطفولة الماضية لأتسلى بلهو الماضي إلى جانب جد الحاضر، وإن كان ما ~~أريده أدبا من شعر أو نثر أو قصة أو مقالة أو ما شئت، فلا بد لي أولا أن أملأ جعبتي ~~بالزاد الذي يغذيني غذاء حديثا لأسير مع السائرين في ركبهم، ثم بعد ذلك ألهو ساعة أو ~~ساعتين بنوادر المخطوطات؛ وإنما ضربت المثل بالفن والأدب، وهما ما قد يظن أهل الظنون أن لنا ~~فيهما شيئا نفاخر به بين ما تفاخر به سائر الأمم، ولم أذكر شيئا عن العلوم التي لا أحسب ~~مكابرا يريدنا على ترك ما عند الغرب منها لنتزود بما قاله فيها العرب الأقدمون. # احكموا بيننا أيها المنصفون: هذا كتاب قديم نشره الناشرون، فيه - مثلا - طب قديم أو علم ~~نفس قديم، فكم من الزمن ينبغي أن أخصصه لمثل هذا الكتاب بحيث يكون في دراستي شيء من ~~الاتزان، فلا يطغي قديم على حديث؟ في رأيي أنه كلما أنفقت ألف ساعة فيما يقال عن الموضوع ~~عند الباحثين المعاصرين، يكفي أن أنفق ساعة واحدة في نظرة أنظر بها إلى ما قاله صاحبنا ~~القديم، ويكون ذلك على سبيل اللهو والتسلية الذي لا جد فيه - وإن كان ذلك كذلك فقد كان ~~ينبغي أن يصدر ألف كتاب فيها ثقافة حديثة كلما صدر كتاب واحد قديم - لكن انظر إلى ما تخرجه ~~لنا المطابع هذه الأيام واعجب. # إن كل أنواع العزلة شر على الحياة الخصبة المليئة، إلا إن كانت عزلة مؤقتة فيها استعداد ~~لما بعدها. وشر أنواع العزلة جميعا هي العزلة الفكرية عن سائر العالم، فليس الفكر طاحونة ~~تدور ms116 في الهواء ولا تطحن شيئا، إنما الفكر يدور في أبحاث علمية من طبيعة وكيمياء ونبات ~~وحيوان ونفس واجتماع واقتصاد وزراعة وتجارة وحرب، ونظم سياسية ونظم تربوية وغيرها، وفي كل ~~هذه الأمور يكتب المؤلفون من رجال الغرب عشرات الكتب تلو عشراتها، فهل نترك هذه الأكداس ~~الفكرية كلها، لننطوي على أنفسنا في جب مظلم مليء بالتراب، فننفض الغبار عن كتاب قديم ~~فيه - مثلا - أسماء الخيل عند العرب أو ذكر الأعشاب وطرائق تحضيرها والعلاج بها، ونهش ~~ونبش لهذا الكنز الثمين، ونروح نغدق عليه المال على فقرنا، والورق عل ما نحن فيه من مجاعة ~~ورقية، ونشغل به أصحاب التفكير والقراء في آن معا؟ والأمر - كما أسلفت - هو نسبة صحيحة ~~بين الأشياء، فلو أخرجت هذا الكتاب وإلى جانبه ألف كتاب - على أقل تقدير - مما ينقل إلي ~~ثقافة الغرب القائمة اليوم، والتي يسير العالم الآن على هديها، وعلى شرط أن تكون هذه الكتب ~~الألف موضع الجد والدراسة، وأن يكون ذلك الكتاب القديم الواحد بمثابة التحفة التي ننظر ~~إليها نظرة من لا يريد أن ينسى طفولته الدابرة. لو حدث هذا لما كان لنا على نشر القديم ~~ملامة وعتاب. # ماذا يكون مصير الأجيال الجامعية الناشئة حين تتلفت في عالم الكتب العربية لتقرأ، فلا تجد ~~على رفوفها إلا هذه الهياكل العظمية التي أخرجناها من قبورها ولففناها بورق أبيض ناصع، ~~وقلنا هاكم الأزاهر النضرة فاملئوا خياشيمكم بشذاها؟ مصيرهم محتوم، وهو أن يقبلوا عليها ~~بقدر ما في وسع شبابنا الجامعي أن يقبل على قراءة، وما هو إلا أن يظن هؤلاء الشباب أن ~~العلم هو هذا، وأن الدنيا هي هذه التي طالعوها على صحائف تلك الكتب، ولسنا في هذا التقدير ~~بمسرفين، فعلى بعد خطوات منا معاهد تأخذ بمثل هذه الدراسة، فعليكم بها وانظروا ما «العلم» ~~في جوها وبين أبهائها. # وهكذا سيمضي الغرب في طريقه وسنمضي: هو يشتغل بتفتيت الذرة، ونحن نعبث بتشقيق الشعرة، ~~هل هذه اللفظة قالها العرب مفتوحة أو مضمومة؟ وهل هذا الحرف في النص الأصلي فاء أو قاف؟ ~~سيمضي الغرب ms117 في طريقه وسنمضي: هو يحاول الصعود إلى ذرى السماء، ونحن نحفر الأجداث لنستخرج ~~منها الرمم. # لست أدعي أنني فريد قومي في هذا الرأي الذي أراه، فهم يعدون بالألوف أولئك الذين يضحكون ~~سخرية من هذا الإسراف في نشر الكتب القديمة؛ ودليل ذلك أنهم يعدون بالألوف أولئك الذين لا ~~يقرءون صفحة واحدة من هذه الكتب لو أهديتهم إياها بغير مقابل من مال، لكن أحدا من هؤلاء لا ~~يجرؤ على الجهر بهذا الرأي خوفا من العامة وأشباههم، إن رأي العامة هو أن للآثار العربية ~~قدسية لا ينبغي أن تدوسها قدم، فإذا كتب كاتب فليتغن بهذا اللحن أو فليصمت. # وهأنذا أبيع سمعتي العلمية بغير ثمن؛ لأن تسعة وتسعين قارئا من كل مائة سيتمتم لنفسه ~~قائلا عني: جاهل لا يعرف قيمة الدر النفيس. # | سلم القيم # ليست قيمة الشيء كائنة فيه جزءا منه، كما تكون عقارب هذه الساعة التي أمامي جزءا منها ~~يتصل وينفصل، إنما تنشأ قيمة الشيء عن علاقتنا به، فنحن الذين نجعل للأشياء قيمتها، مهما ~~يكن نوع تلك القيمة، اقتصادية أو خلقية أو جمالية، صادرين في تقويمنا للأشياء عن مصالحنا ~~الذاتية، فما يخدم لنا صالحا كان له من القيمة بمقدار ما يخدم؛ ولذلك ترانا ندرج الأشياء ~~المختلفة التي تشبع فينا حاجة أو غرضا، ندرجها في سلم متفاوت من القيم، حسب تفاوتها ~~في إشباعها لحاجاتنا وتحقيقها لأغراضنا. # لهذا قد تجعل للشيء قيمة في موضع معين أو سياق معلوم، حتى إذا ما تغير موضعه أو اختلف ~~سياقه، فقد قيمته، وكلنا قد قرأ إبان الطفولة قصة المسافر الذي انقطع به الطريق في ~~الصحراء، وقد فرغ منه الزاد وكاد الجوع أن يهلكه، فراح يخبط في سيره يمينا ويسارا حتى ~~وقعت عيناه على صرة ملقاة ظنها طعاما، فأخذته نشوة من الفرح ردت إليه الأمل في الحياة، ~~لكنه فتحها بيد مرتعشة ليجدها مليئة بالدر والجوهر، فألقى بمكنونها «النفيس» في يأس ~~وقنوط؛ إذ لم تكن لذلك الدر والجوهر عندئذ قيمة رغيف واحد من الخبز. # ويصدق هذا الكلام على القيم الأخلاقية والجمالية ms118 صدقه على القيمة الاقتصادية، فالفعل ~~فضيلة أو رذيلة حسب ما يقوم به ذلك الفعل في نهاية الأمر بتهيئة أسعد حياة ممكنة لأكبر عدد ~~ممكن من الناس، وليس في الفعل ذاته - كائنا ما كان - شيء يجعله فضيلة أو رذيلة بغض النظر ~~عن الظروف المحيطة به، حتى ليحدثنا علماء الأجناس البشرية بأنه ما من فعل يطوف بخيالك، إلا ~~وجدته هو نفسه فضيلة عند بعض القبائل وفي بعض العصور، ورذيلة عند قبائل أخرى وفي عصور ~~أخرى. # كان الرق فعلا مباحا فيما مضى فأصبح محظورا محرما، كانت الطاعة العمياء لولي الأمر ~~عبادة أيام بناء الهرم الأكبر، فأصبحت عبودية تضع الدساتير لها قيودا وحدودا، كان الثأر ~~واجبا لا مندوحة لأفراد الأسرة أو القبيلة عن أخذه بأيديهم عاجلا أو آجلا، فأصبح علامة ~~على الهمجية التي يقف في وجهها القانون، وهكذا وهكذا مما لا يكاد يحصيه عد من الأفعال ~~والأوضاع. # وحتى حين يحكم فريق من الناس في عصر معين على فعل بأنه خير، فهم لا يقصدون بالخير إلا ~~صورة الفعل كما تبدو حركاتها الجسدية في عين الرائي، بل يقصدون إلى ما يترتب على ذلك الفعل ~~من نتائج جالبة للعيش الرخي السعيد، وإلا فلن تجد فرقا في الصورة الحركية الظاهرة لفعل ~~الشجاعة وفعل الجبن: كلاهما مشي أو جري، الشجاع يمشي نحو عدوه أو يجري، والجبان يمشي ~~مبعدا عن عدوه أو يجري، لكن المشي أو الجري في الحالة الأولى ينتج نتائج نسعى إليها ~~ونرضاها، وهو في الحالة الأخرى يعود علينا بما لا نحبه أو نبتغيه. # كذلك قل في القيمة الجمالية: فالشيء الذي نقول عنه إنه جميل، قد يكون شديد الشبه جدا في ~~صورته الخارجية بالشيء الذي نقول عنه إنه قبيح؛ لأن جمال الجميل وقبح القبيح ليس كائنا في ~~الشيء ذاته، وإنما ينبعث من نظرتنا الذاتية لهذا وذاك، وإلا فما الفرق في الصورة بين ثدي ~~«جميل» على صدر فتاة ناهد، وبين ورم «قبيح» على عنقها؟ وما الفرق بين ماء الشلال الدافق حين ~~تنظر إليه ساعة التنزه، وبينه حين تنظر إليه ms119 وطفلك غارق فيه؟ لا فرق إلا ما تحدده أهواؤنا ~~ومصالحنا الشخصية الذاتية. # أهواؤنا ومصالحنا - إذا - هي التي تملي ما النفيس وما الخسيس في تقدير القيمة ~~الاقتصادية، وهي التي تملي ما الفضيلة وما الرذيلة في تقدير القيمة الخلقية، ثم هي كذلك ~~التي تقرر ما الجميل وما القبيح في تقدير القيمة الجمالية - هذا رأي من الوضوح بحيث تعجب ~~أشد العجب كيف وقع الخلاف في أمره بين رجال الفكر ونقدة الفنون، فمن هؤلاء فريق يزعم أن ~~فضيلة الفعل الفاضل، وجمال الشيء الجميل، كائن في الفعل نفسه أو الشيء نفسه، كما يكون ~~التربيع في الشيء المربع والتدوير في الشيء المستدير، وتترتب على ذلك بالطبع نتيجة من أخطر ~~النتائج، وهي ما كان فضيلة عند آبائنا وأجدادنا ينبغي أن يظل كذلك بالنسبة لنا وإلى أبد ~~الآبدين. # تعجب أشد العجب أن تجد هذا الفريق من رجال الفكر وأصحاب النقد الفني، ينظر هذه النظرة ~~الموضوعية في القيم، وإذا طالبت أحدهم أن يحلل لك الشيء موضوع الحكم إلى عناصره ليريك ~~عنصرا من بينها اسمه «فضيلة» أو عنصرا اسمه «جمال»، فلا يجيبك إلا بنظرة ازدراء؛ لأنك ~~تكون في رأيه «ماديا» ممقوتا ذميما، وأما هو «فروحاني» لا يريد أن يرى الفضيلة بعينيه ~~ويلمسها بيديه، أو أن يرى الجمال ويلمسه عنصرا مستقلا قائما بذاته على النحو الذي يرى ~~أو يلمس قطعة من النحاس أو الحديد، هو «روحاني» يكفيه أن يقول إن الفعل الفاضل فضيلته جزء ~~منه، وإن الشيء الجميل جماله جزء منه، ولا بأس عنده في أن تكون هذه «الأجزاء» من أفاعيل ~~السحر، نحكم بوجودها لكننا لا ندركها بحاسة من حواس «الماديين» الأجلاف الغلاظ. # ليقولوا في ذلك ما شاءت لهم مثاليتهم، وأما نحن فرأينا في قيم الأشياء والأفعال هو كما ~~أسلفنا: فالأفعال والأشياء في ذاتها محايدة، ونحن الذين تضطرنا ظروف العيش أن نفضل فعلا ~~على فعل، حين نرى أن الفعل المفضل أضمن الفعلين طريقا إلى الحياة السعيدة القوية لأكبر عدد ~~من أفراد المجتمع، أو من أفراد الإنسانية قاطبة إن شئت. # فإذا تغيرت ms120 ظروف العيش، تغير في إثرها - أو وجب أن يتغير - سلم القيم، فما كان في أعيننا ~~ذا قيمة قد يصبح ولا قيمة له؛ لأنه لم يعد هو وسيلة احتفاظنا بوجودنا - وإذا تغيرت ظروف ~~الحياة ولم يتغير في إثرها سلم القيم، كان الأرجح أن يظهر مصلح عظيم ينادي بالثورة أو ~~الانقلاب، وما الثورة أو الانقلاب عندئذ إلا تحوير في تقويم الناس للأشياء بحيث يجيء ~~التقويم متناسبا مع ما تقتضيه الظروف القائمة. # إنه من سوء حظ الإنسان في تاريخه، أن ظروف حياته المادية تتغير بخطى أسرع جدا مما ~~تتطور به طريقته في تقدير قيم الأشياء والأفعال والأوضاع، فتظل طريقة التقدير متلكئة حتى ~~تصبح كالثوب الضيق الممزق، ويصبح خلعه ضرورة محتومة، يراها صاحب النظر السليم وإن عارضه ~~فيها سواد الناس، فإن استطاع هذا أن يغير من وجهة نظر الناس حتى يدركوا ما أدركه، كان هو ~~المصلح الاجتماعي العظيم. # وأعتقد أننا في مثل هذا الموقف الآن: فظروف اجتماعية واقتصادية تغيرت واشتد بها التغير، ~~وسلم للقيم باق على حاله، وإذا فالثورة الحقيقية التي نريدها، هي أن نقلب هذا السلم ~~قلبا تتغير معه أوضاع درجاته بنسبة بعضها لبعض، وعندئذ نجد أن درجات سفلى ستعلو، ودرجات ~~عليا ستسفل. # كنا أمة زراعية رعوية، نشتغل بالزراعة اليدوية فنتخلق بأخلاقها، وإلى جانب ذلك ورثنا ~~أخلاق الرعاة البدو عن آبائنا العرب، فكان لنا من هذا المزيج الزراعي الرعوي أساس تقويمنا ~~لكل شيء، لكن الزراعة والرعي قد مستهما عجلات الآلات الصناعية، وللصناعة أخلاق غير أخلاق ~~الزراعة والرعي، فلا بد لنا من ثوب جديد ليلائم الجو الجديد. ~~••• # لم يعد بد في الحياة الجديدة من رفع قيمة العلم الطبيعي وخفض قيمة الوسائل الكلامية؛ ~~لأن آلات المصانع لا يديرها الشعر المقفى ولا النثر المسجوع، فإن كانت الإبل في حياة ~~البدو الرحل بحاجة إلى حداء الشاعر لتقطع الفلاة على حلو النغم، فإن القطار لا يستمع إلى ~~غناء ولكنه يريد قضبانا من حديد، والطائرة لا غنى لها عن محركات من الصلب الصليب، كان ~~آباؤنا العرب يتنافسون في عكاظ ms121 كل عام ليروا أيهم أشعر من أخيه ليتقرر بذلك أي القبائل أعلى ~~منزلة وأعز جانبا، لكن ميدان التنافس اليوم كائن بين مخابير المعامل وأنابيبها وغازاتها ~~وعناصرها؛ لأن الغلبة للسابق في إعداد الآلة، ولم تعد الغلبة كما كانت للشاعر المجيد ~~وعشيرته. # نفتح كيس البريد الوارد إلى «الثقافة» # 1 # فإذا نسبة الوارد هي عشر قصائد من الشعر مقابل مقالة واحدة، وبين المقالات ~~النثرية نفسها تجد نسبة البحوث الأدبية إلى البحوث العلمية عشرة إلى واحد أيضا. أعني أن في ~~كل مائة ممن يهتمون بالكتابة تسعين شاعرا وتسعة من الأدباء الناثرين وعالما واحدا، وربما ~~تطيب هذه النسبة الثقافية في قبيلة بدوية أو في قرية زراعية تجر المحراث بالأيدي، فتعمل ~~ساعة وتستريح خمس ساعات تستمع خلالها لما ينشده الشعراء من شعر، لكن العالم قد تغير، وقيم ~~الأشياء ينبغي كذلك أن تتغير تبعا له. # ولا يزال لواء الحكم معقودا عندنا - في أغلب الأحيان - للخطيب البليغ في تنميق اللفظ، ~~القدير في رفع الصوت وخفضه، لا للعالم الإحصائي في شئون الدنيا الجارية من حرب واقتصاد، ~~وحتى الكاتب الذي يكتب للناس في الصحف، تراه أميل إلى صب أسلوبه في قالب الخطابة الذي يؤثر ~~في النفوس الساذجة، أكثر منه إلى مراعاة الدقة والأمانة في رصد الحقائق. # ولم يعد بد في الحياة الجديدة من رفع قيمة العامل بيديه وخفض قيمة المفكر النظري الذي ~~يشطح بفكره في السماء ويأبى النزول إلى الأرض مع أبناء آدم وبناته، فالكفاءة العملية لا ~~«شهادة الكفاءة» النظرية هي مقياس التقدير، ومضى العهد وانقضى الذي كان فيه التفكير النظري ~~المجرد من القدرة على التطبيق من علامات التهذيب والسيادة. # ولم يعد بد في الحياة الجديدة من تغيير النظر إلى المرأة تغييرا كاملا شاملا، ولست ~~أقصر حقها على ما تطالب به من فتح الأبواب أمامها على مصاريعها لتعمل إلى جانب الرجل ~~وتنافسه، بل أزيد على ذلك نقطة أخرى أغفلها المطالبون للمرأة بحقوقها، وأراها جوهرية في ~~تكامل شخصيتها تكاملا يلائم روح العصر الجديد النشيط العامل، وتلك أن المرأة مسئولة عن ~~نفسها، ms122 وليس المسئول أخا لها أو والدا كما كانت الحال أيام القبيلة، حين كانت المرأة وعاء ~~يستولده الرجل ما شاء لنفسه من بنين وبنات. # عفة المرأة في الحياة البدائية هي الشغل الشاغل، وهي محور الأخلاق كلها، فإن سلمت كانت ~~الأخلاق بخير، مهما يكن بعد ذلك بين الناس من تقتيل وسرقة ونهب ورشوة وفساد؛ وذلك لأن ~~الغريزة الجنسية عندهم هي الهدف الوحيد الذي يحيون من أجله، وها نحن أولاء نسمع كل يوم ~~صراخا ينبعث من هنا وهناك خوفا من «المدنية الغربية» لأنها تهدم الأخلاق! و«الأخلاق» عند ~~الصارخين المستغيثين هي عفة المرأة ولا شيء غير ذلك، ظنا منهم أن المرأة عندنا أعف منها ~~عندهم، أما أن يكون من الأخلاق ألا تسرق أموال الدولة وأنت قيم عليها، وألا ترفع أنصارك ~~وأصهارك على حساب أصحاب الحق، وألا تجبن عن التصريح برأيك حين تشعر بأنه الحق، وألا تسكت ~~على ظلم تراه، وألا تسطو على العاجزين في طعامهم، حين تستبيح لنفسك أكثر مما ينبغي لك، ~~فيتبقى للعاجزين أقل مما ينبغي لهم ... إلى آخر هذه القائمة الطويلة العريضة من «الأخلاق» ~~بمعناها الصحيح، فليس ذلك كله عندهم بشيء مذكور ما دام «الحريم» مصونا في الخدور. # لكن لم يعد بد من إعادة النظر في سلم القيم، لنعيد الموازنة السليمة بين درجاته، ~~فنضيف إلى هذا «الخلق» الواحد الذي صببنا عليه كل اهتمامنا، عددا كبيرا جدا من ~~«الأخلاق» الأخرى التي ليس من اكتسابها بد. # ولم يعد بد في الحياة الجديدة أن تكون الفردية هي أساس كل تفكير سياسي واجتماعي، فليس ~~زيد زيدا لأنه عضو في أسرة كذا أو قبيلة كذا، بل إن زيدا زيد لأنه زيد، على أن زيدا ~~وعمرا وخالدا كلهم سواء في المادة الإنسانية وإن تفاوتت بينهم ألوان العمل وأقدار المال، ~~فإذا تكلمنا عن جماعة بلغة الحياة القديمة قلنا هذه قبيلة كذا التي يرأسها فلان، أما إذا ~~تكلمنا عن تلك الجماعة بلغة الحياة الراهنة وجب أن نقول: هذه جماعة قوامها فلان وفلان ~~وفلان. # وبعد، فربما أكون قد أخطأت في التطبيق ms123 هنا أو هناك، أما المبدأ الذي أردت أن أقرره - ~~وهو أننا في أشد الحاجة إلى تغيير نسبة القيم بعضها إلى بعض؛ ليكون لنا بذلك سلم جديد ~~نهتدي به - فلست أحسب أنني قد أخطأت في تقريره. # | نموذج المتمدن # يقول «لتن ستريتشي» - الأديب الإنجليزي الحديث - عن نفسه هذه العبارة: «أنا المدنية ~~التي تحاربون من أجلها.» # وقفت عند هذه العبارة متفكرا متدبرا، فكان أول ما استوقف نظري منها، هو أنها تطبيق ~~جيد لمبدأ فكري آخذ به، وأحاضر فيه، وأدعو إليه طلابي كلما سنحت لذلك فرصة مناسبة، وهو ~~مبدأ غاية في البساطة والوضوح، لكنه بعيد النتائج عميق الأثر، وهو كفيل لصاحبه أن يهديه ~~سواء السبيل في كثير مما يشغل الناس من خلاف واختلاف. # وخلاصة هذا المبدأ، هي أن كل كلمة من كلمات اللغة، تكون صوتا فارغا من المدلول، إلا إذا ~~كانت تدل على أفراد جزئية مما يمكن أن يشار إليه، أو يقع لحاسة من الحواس المعروفة، فلفظة ~~«كتاب» - مثلا - دالة على معنى؛ لأنني أستطيع أن أشير لك إلى فرد أو أفراد من الأشياء ~~التي أضمها جميعا في حزمة واحدة، وأطلق عليها كلمة «كتاب»، أما لفظة مثل «عدم» فهي بغير ~~معنى، ولا فرق بين أن تكتبها أو أن تخط مكانها خطوطا مهوشة كالتي يخطها الأطفال الصغار ~~على الورق؛ هي علامة مرقومة على الورق - أو موجة صوتية إن كانت منطوقة - لا دلالة لها بين ~~الأشياء، فليس هنالك الشيء المفرد الذي يمكنك أن تشير إليه قائلا: «هذا عدم»، إنك لا ~~تستطيع أن تشتري من السوق «عدما» تأكله أو تشربه، ولا أن تطلب إلى الخياط أن يخيط لك ~~«عدما» تتقي به برد الشتاء، وقل مثل ذلك أيضا في لفظة مثل «وجود» فمهما بحثت في عالم ~~الأشياء، فلن تقع بينها على شيء اسمه «وجود»، إنك ستقع على نهر وشجرة، وبناء وكتاب، ومقعد ~~وسيارة، ونملة وطائر، وكلها «موجودات»، لكنك لن تجد بين الأشياء شيئا قائما بذاته اسمه ~~«وجود ». # ولقد ضربت لك المثل بكلمتين الله أعلم كم ملأتا من صحائف وكم ms124 شغلتا من عقول، فما أكثر ما ~~كتب أو قيل في «الوجود والعدم»! مع أنهما لفظتان فارغتان جوفاوان ليس وراءهما شيء، فالأمر ~~كله غير ذي موضوع كما اعتاد الناس أن يقولوا اليوم. # كذلك ضربت المثل بهاتين الكلمتين؛ لأن أستاذنا العقاد، حيث تفضل مشكورا بنقد كتابي ~~«المنطق الوضعي» قال في سياق الحديث: «إن الإنسان يستطيع أن يجزم بحقيقة لا صورة لها في ~~الخارج على الإطلاق؛ لأنه يستطيع أن يقول: «إن العدم مستحيل»، ولا يمنعه من تقرير ذلك أن ~~المحسوسات خلت من شيء يسمى العدم أو شيء يسمى المستحيل.» ونحن نرد على أستاذنا في هذا ~~بقولنا: إن أمثال هذه العبارات ليس مما يجوز قوله ولا تقريره؛ لأن كلماتها فارغة من ~~الدلالة، ولنتصور مثلا عالما من علماء الكيمياء أو الطبيعة أو ما شئت من علوم، وقف أمام ~~مجمع علمي يقرر لزملائه «أن العدم مستحيل»، وزملاؤه ممن يسارعون إلى المعامل والأنابيب، ~~وممن يطالبون بإقامة التجارب، فأي تجربة يستطيع القائل أن يثبت بها لزملائه مثل هذا ~~الادعاء؟ ماذا يضع في الأنابيب وماذا يلاحظ ليقبل الدعوى أو يرفضها؟ ... فإن كانت العبارة ~~ليست مما يقوله العلماء، فمن إذا يجوز له قولها وهو آمن مطمئن؟ أولئك الذين لا يريدون أن ~~يسألوا عن معنى ما يقولون، فضلا عن أن يسألوا عن إثبات صدقه - هذه الألفاظ وأمثالها قد ~~اكتسبت «معانيها» من كثرة تكرارها، كررنا النطق بها، وتكرر سمعها، حتى توهمنا أنها كلمات ~~«مشروعة»، والحقيقة أنها أصوات أو علامات زائفة لا بد من حذفها. # لكن ذلك استطراد قد طال، فلعله يلقي لنا ضوءا على الكلمة التي نحن الآن بصدد الحديث ~~فيها، وهي كلمة «المدنية» - فهي الأخرى من الكلمات التي يقوم فيها الجدل ويعنف ويشتد، ~~فتراهم يسألونك: هل نأخذ بالمدنية الغربية أو لا نأخذ؟ وإذا أخذنا بها، فإلى أي حد وبأي ~~مقدار؟ أوليس الأصلح لنا أن نتمسك بمدنيتنا الشرقية؟ ومنشأ الإشكال كله لفظة غامضة لم ~~يحددوا معناها، «فالمدنية» - كأي كلمة أخرى - لا يكون لها معنى إلا إذا وجدنا في عالم ~~الأشياء أشياء بذواتها، ms125 نشير إليها بأصابعنا قائلين: هذا وهذا وذلك «مدنية»، وأنا أؤكد ~~للقارئ أنه لو أمسك بقلمه ومذكراته، وخرج إلى الشوارع، وتنقل بين المدن والقرى ليسجل قائمة ~~بالأشياء التي يعدها مدنية، لانحسم كل خلاف، لأنه لن يجد ما يسجله في قوائمه إلا ما يثبت له ~~أن مدنية العالم الحاضر في صميمها واحدة لا تعدد فيها، وما عداها قواقع من جهل وخرافة ~~خلفها جزر الأيام على شاطئ الحياة. # ولست أدري إن كان «لتن ستريتشي» حين قال عن نفسه: «أنا المدنية التي تحاربون من أجلها» قد ~~قصد إلى شيء من هذا التحليل الذي أسلفته لك، أي أنه قصد إلى أن الكلمة لا تكون ذات مدلول ~~ومعنى إلا بمفردات مسمياتها، وأنه لذلك أشار إلى نفسه على أنه هو الفرد الجزئي الذي يحدد ~~معنى كلمة «مدنية» ومدلولها، حين رأى أن في شخصه قد تجمعت عناصر، هي التي نريدها باستخدامنا ~~لهذه الكلمة - أقول إني لا أدري إن كان «ستريتشي» قد قصد إلى شيء من هذا، لكنه على كل حال ~~هو ما نطالب به إذا أردنا أن تكون الكلمة ذات مدلول ومعنى. ~~••• # وهنا ننتقل إلى الجانب الهام من موضوعنا، وهو: ماذا عسى أن تكون العناصر التي إذا ما ~~اجتمعت في شخص، استحق أن يوصف بالتمدن؟ # أول ما نذكره في الإجابة عن هذا السؤال هو أن هذه العناصر متغيرة مع تغير الزمن، فلكل عصر ~~«مدنيته» التي قد تعد همجية في عصر آخر، «فالمتمدن» في العصور الوسطى الأوروبية - مثلا - ~~هو المسيحي المتبتل المنقطع لصلاته وعبادته في الصومعة أو الدير، فلما جاءت النهضة تغيرت ~~عناصر «التمدن» وأصبح «المتمدن» رجلا آخر غير راهب العصور الوسطى. # وإنه لمما يقال في هذه المناسبة، أن «سير فلب سدني» (1554-1586م) كان عند الإنجليز إبان ~~نهضتهم نموذجا للرجل المتمدن بمقياس ذلك العصر، فقد كان شاعرا وناقدا وعالما وجنديا ~~محاربا ورجلا من رجال السياسة، فكان يصور بهذه العناصر في شخصه ما كان يصبو إليه الناس من ~~مثل أعلى في الرجل الواحد؛ لأنهم لم يعودوا عندئذ يرون المدنية - كما ms126 كان يراها أسلافهم ~~الأقربون - في المسيحي المتبتل الزاهد، بل أصبح مثلهم المنشود فنانا ينتج الفن أو يقدره، ~~أو عالما يدرس ظواهر الطبيعة، أو مغامرا يركب الصعاب، أو رجلا يستمتع بلذات الحياة، فإن ~~اجتمعت هذه الصفات لرجل واحد، فكان مشغوفا بالفن، محبا للعلم، مقاتلا باسلا، مغامرا ~~يمعن في ألوان الرياضة والصيد، عاشقا توافرت فيه شروط الحب كما يعرفه عشاق زمنه؛ كان ذلك ~~الرجل صورة للمثل الأعلى. وقد جاهد الأدباء في عصر النهضة أن يصوروا ذلك المثل الأعلى، ورأى ~~الناس أن هذه الصفات قد تجسدت وتجمعت في «سير فلب سدني» فجعلوه نموذجا يحتذى في ~~عصره. # وإننا لنضل سواء السبيل، إذا ما جاهدنا بدورنا في تصوير نموذج «للمتمدن» في عصرنا، ~~فالتمسناه في أبطال الماضي؛ فهؤلاء الأبطال أبطال في عصورهم، بمقاييس أهل زمانهم، وإني ~~لأجني على الشباب الذين يعيشون اليوم جناية كبرى، إذا رحت أزخرف لهم حياة الزهد والعصر ~~يريد المتعة بالدنيا والفرحة بالحياة، وأجني عليهم جناية كبرى إذا رحت أزخرف لهم حياة ~~التأمل النظري والعصر يريد الصناعة والنشاط والعمل. إنني يستحيل أن أجد للشباب نموذجا من ~~بين أبطال الماضي بكل عناصره، فذلك يكون بمثابة أن ندعوهم إلى العيش في غير عصرهم، والتمدن ~~بغير مدنيتهم. # ونعود من جديد فنسأل: ماذا عسى أن تكون العناصر التي إذا اجتمعت في شخص استحق أن يوصف ~~بالتمدن؟ # سأحاول الجواب موجزا في غير إطناب وتفصيل، ومعترفا منذ الآن أنه جواب أسوقه على سبيل ~~«الرأي» لا على سبيل الحصر والتوكيد؛ إذ الموضوع أخطر وأعمق من أن يفصل في أمره بمقال ~~يكتب في ساعة ليملأ بضع صفحات في كتاب. # وسأحاول الجواب على هذا النحو الموجز، مهتديا بالتقسيم الثلاثي الذي اشتهر في علم النفس ~~التقليدي، حتى أصبح عمودا من أعمدة هذا العلم، لا يثور عليه الثائرون إلا ليؤكدوه، وهو أن ~~كل حالة من سلسلة الحالات الشعورية التي تتألف منها حياة الإنسان الواعية، يمكن تحليلها إلى ~~جوانب ثلاثة: إدراك ووجدان ونزوع، فأنت في كل موقف من مواقف حياتك الشعورية الواعية، تدرك ~~شيئا ما ms127 أو فكرة معينة، ثم تحس إزاءها وجدانا معينا، ثم تتصرف بناء على ذلك حسب تربيتك ~~وتدريبك على الرد على المواقف المختلفة بألوان معينة من السلوك (وقد يكون الامتناع عن ~~السلوك في موقف ما، ضربا من التصرف). # ولا شك أنك قد رأيت كلمات «الحق والخير والجمال» متجاورة في كثير جدا من المواضع، كلما ~~أراد الكاتبون أن يعبروا بعبارة موجزة عن أحلام الإنسانية وأمانيها، فهذه الكلمات الثلاث ~~تستطيع أن تجعلها تعبيرا آخر للجوانب الثلاثة نفسها التي ذكرناها: «فالحق» هو ما ننشده في ~~حالات الإدراك، و«الجمال» هو ما نبتغيه في حالات الوجدان، و«الخير» هو ما نقصد إليه في جانب ~~السلوك. ~~(1) # وأهم ما يميز الإدراك عند «المتمدن» في عصرنا هذا، هو التقيد بالواقع، ~~وإدراك الواقع كما هو يتطلب القضاء على الخرافة بكل ما يتصل بها من لواحق ~~وأتباع، وللتخريف مظهران أساسيان في طريقة تعليلنا للحوادث والظواهر، الأول أن ~~نعلل حدوث الأشياء المحسوسة بأشياء غير محسوسة، والثاني أن نعلل شيئا محسوسا ~~بآخر محسوس، لكنه لا يرتبط معه ارتباطا يدل عليه طول الملاحظة ودقة التجربة، ~~فلو قلت مثلا إن المرض في جسم المريض سببه شيطان حال في الجسم، أو إن ~~السماء ترعد وتبرق لأنها غاضبة، فأنت مخرف من النوع الأول، ولو قلت إن السفر ~~يوم الأحد مشئوم، ونعيق الغراب نذير بالموت، فأنت مخرف من النوع الثاني - وفي ~~كلتا الحالتين أنت خارج بإدراكك للأشياء على منهج «المتمدن» في هذا العصر الذي ~~أبرز ما فيه هو العلم وما يؤدي إليه وما ينتج عنه. # حتى الآداب والفنون قد أصبح معيارها هو الواقع، ولا أقصد بذلك أن الأديب أو ~~الفنان يقف حيال الظاهرة المعينة موقف العالم الذي يحللها ويصفها بالمقاييس ~~والأرقام، بل أريد أن أقول إن الآداب والفنون في ميدانها - ميدان التعبير عن ~~النفس وما يدور فيها من مشاعر - أصبحت تنزع بقوة نحو إثبات الواقع بغير حياء ~~ولا خجل، فما قد كان يستحيي منه أسلافنا لا يتحتم أن يكون عندنا نحن كذلك موضع ~~استحياء؛ ومن ثم نرى اليوم أدباء لا ms128 يتورعون عن تصوير مجرى شعورهم كما هو، ~~فيكون بين ذلك رغباتهم الجنسية وانحرافاتهم الإجرامية وما إلى ذلك، ونرى اليوم ~~مصورين لا يجلسون أمام الشيء يصورونه كما يبدو، بل يصورونه كما يختلط بأفكارهم ~~في لحظة التصوير، فإذا جلست مثلا إلى طائر تصوره، وأثناء ذلك دق جرس شغل بؤرة ~~شعورك، وجب أن تدخل هذه الصورة الطارئة على نحو ما؛ لأنها جزء منك في اللحظة ~~التي أردت تصوير نفسك فيها، ومن هنا كان كثير مما نعده «خلطا» في التصوير ~~الحديث، وهكذا. ~~(2) # وأهم ما يميز الجانب الوجداني من «المتمدن» في عصرنا الحديث، هو التأثر بما ~~ينتجه رجال الأدب والفن المحدثون، فأنت متخلف عن عصرك ومدنيته إذا لم تأخذ ~~بنصيب - قليل أو كثير - في تقدير ما ينتجه هؤلاء الرجال من أدب وتصوير ونحت ~~وموسيقى وتمثيل ورقص وغناء، مهما يكن عملك وموضوع اختصاصك، فقد تكون طبيبا أو ~~مهندسا أو رجلا من رجال الأعمال، لكنك لكي تكون إلى جانب ذلك «متمدنا» ~~فلا بد من إضافة عنصر آخر، هو التمتع بنتاج الفنون. # أقول: إنه لا بد من أخذك بنصيب في تقدير هذه الأشياء كلها، ولا أحتم عليك أن ~~تحب كل ما تراه منها أو تسمعه، فلك أن تحب أو أن تكره، على شرط أن يكون حبك ~~وكرهك قائمين على معيار هذا العصر نفسه؛ لأن الآداب والفنون كلها تعبير عن ~~روح العصر، ويستحيل أن تتشرب روح العصر وتتمرد في الوقت نفسه على كل آدابه ~~وفنونه. # لقد رأيت أناسا هم في مكان القيادة من طليعة «المثقفين» عندنا، لا يعرفون ~~الألف والباء في أمهات الإنتاج الأدبي في العالم المتحضر الحديث، ولم يشهدوا في ~~حياتهم معرضا للتصوير أو النحت، وحتى لو شهدوا ذلك لما كان لهم فيه رأي ولا ~~فهم، فاذكر - مثلا - اسم «بيكاسو» في جماعة من «المثقفين» عندنا، وانظر كم ~~يعلمون عنه وكيف يقولون القول فيه. وأكرر القول بأنني لا أحتم على كل إنسان أن ~~يحب فن «بيكاسو »، فكثيرون من الأوروبيين لا يحبونه، لكنهم لكي يحبوه أو يكرهوه، ~~لا بد لهم ms129 أولا أن يمسوه ويعرفوه، ولا أقول شيئا عن الغناء والرقص؛ فتلك ~~عندنا فنون «حرام» ليس لأصحاب الوقار أن يأخذوا منها بنصيب كبير أو ~~صغير! ~~(3) # وأهم ما يميز السلوك عند المتمدن الحديث هو مقدرته على ضبط زمام نفسه؛ ~~فليس من اليسير عليك أن تثير فيه الغضب الذي ~~يطير بصوابه، وهو لا يغلو في مظاهر الفرح ولا مظاهر الحزن. فأنت «متمدن» بمقدار ~~ما يتصرف «الإنسان العاقل» فيك، لا ما يتصرف «الحيوان» منك. والحيوان منك هو ~~الغرائز تنطلق كما هي بغير ضبط ولا تعديل، وأعجب العجب أننا نفخر بسرعة ~~انفعالنا وشدة هيجان شعورنا، ونصف الأوروبي المتمدن في هذه الناحية «بالبرود» ~~لأنه لا ينفعل ولا يهيج! # كذلك من أميز ما يميز سلوك المتمدن الحديث طريقته في ملء فراغه، فهو متخلف عن ~~عصره إذا قضى فراغه نائما أو جالسا؛ لأن للفراغ في المدنية الحديثة ألوانا ~~من النشاط كثيرة معروفة، ليس منها النوم والقعود، فهي لعب وارتحال وتغيير لمجرى ~~الحياة المألوفة على نحو ما، بالقدر الذي تسمح به قدرة الناس المالية، على ~~تفاوتها، ويستحيل أن يبلغ الفقر بإنسان حدا يمنعه من المشي وطلوع ~~الجبل! # إن في خاطري الآن اسما أو اسمين لرجال أراهم بيننا أقرب الناس تمثيلا ~~للمدنية الحديثة في نزعتها العلمية وفي استمتاعها بألوان الفن، وفي ضبط النفس ~~عند السلوك، وفي ألوان النشاط عند الفراغ من العمل، لكني أمسك عن ذكر الأسماء، ~~وأكتفي بوضع القواعد، وللقارئ أن يطبقها على نفسه وعلى من حوله كيف ~~شاء. # | الحس المشترك # كثيرا ما تدل اللفظة من ألفاظ اللغة على طور من أطوار التاريخ الفكري، اجتازه أصحاب تلك ~~اللغة فيما مضى، أو لا يزالون في مرحلة اجتيازه الآن إذا كانت اللفظة ما تزال قائمة ~~بدلالتها تلك، فمثلا لفظتا «رحم» و«رحمة» في اللغة العربية، وما بينهما من تشابه، تدلان ~~على أن الرحمة في طور من أطوار التاريخ الفكري لأصحاب هذه اللغة، كانت مقصورة على ذوي ~~الرحم، وذلك أيام أن كانت القوانين الأخلاقية ملزمة للفرد إزاء بني أسرته أو قبيلته، وغير ~~ملزمة ms130 له بالنسبة إلى أفراد القبائل الأخرى، ولفظتا «نفس» و«نفس» تدلان أيضا بما بينهما ~~من تشابه على طور من أطوار التاريخ الفكري لأصحاب هذه اللغة، كانت العقيدة فيه سائدة بأن ~~النفس في الكائن الحي إن هي إلا الأنفاس التي يدخلها أو يخرجها شهيقا وزفيرا، ~~والعلاقة بنفسها قائمة بين لفظتي «روح» و«ريح». وهكذا تستطيع أن تستشف كثيرا من المذاهب ~~الفكرية لأمة من الأمم من خلال دراستك لألفاظها على هذا النحو. # ومن هذا القبيل لفظة # Sense # في اللغة الإنجليزية، فلهذه ~~اللفظة عند أصحاب هذه اللغة حتى اليوم معنيان، فهي قد تعني «الحس» بإحدى الحواس (كالبصر ~~والسمع واللمس)، وهي قد تعني كذلك «العقل» أو «المعنى العقلي» فتراهم يصفون لك الشخص، أو ~~العبارة، بهذه الكلمة ومشتقاتها؛ ليدلوا بذلك على أن الشخص ذو عقل حصيف أو خلو منه، وأن ~~العبارة ذات معنى يسيغه العقل أو خلو منه. # ولهذا الازدواج في معنى كلمة # Sense # في اللغة الإنجليزية ~~دلالة قوية في تاريخهم الفكري؛ لأن أبرز طابع يميز الفلسفة الإنجليزية منذ نشأت إلى يومنا ~~الراهن، هو اعتبارها الحواس مصدر المعرفة، فليس «العقل» عند كثير من فلاسفتهم إلا ما قد ~~أدركته «الحواس» أو ما تستطيع أن تدركه، فالإنجليز في تفكيرهم - حتى الفلسفي منه - أميل ~~الشعوب إلى التزام الأمر الواقع الذي تبصره الأعين وتسمعه الآذان، «فالحس» وحده وما قد يقع ~~له من مدركات هو كل المعرفة التي يعتد بها ويستند إليها، وكل تفكير لا يجد له ركيزة بين ~~المحسوسات، فهو حلم أو كالحلم الذي لا يغني ولا يسمن. # لا عجب إذا أن نرى المعنيين قد التقيا عندهم في لفظة واحدة ومشتقاتها، فإذا وصفوا ~~العبارة أو الفكرة بأنها # nonsence # كان المراد أنها عبارة أو ~~فكرة بغير مدلول، أو إن شئت فقل إنها عبارة أو فكرة لا اعتماد فيها على ما تدركه الحواس؛ ~~لأن لهذه الكلمة معنيين، فهي تعني «لا معنى» وهي كذلك تعني «لا حس» - أي ليس هنالك من ~~المدركات الحسية ما يجعل للعبارة معنى. # ولهم في هذا الباب عبارة ينفردون بها؛ ms131 لأنها تدل على صفة تميزهم من سائر الشعوب، وهي ~~عبارة # Common sense ~~، ومعناها الحرفي هو - في رأيي - أدق ~~ترجمة لها، وهو «الحس المشترك» أو قل «الفهم المشترك» ما دام «الحس» و«الفهم» عندهم شيئا ~~واحدا؛ لأن ما لا يحس لا يفهم، وما يفهم لا بد أن يحس، و«الحس المشترك» أو «الفهم ~~المشترك» هو ما يشترك الناس - كلهم أو معظمهم - في إدراكه على نحو معين، لا يختلف باختلاف ~~الأفراد. # وبديهي أنه كلما ازداد أفراد الشعب الواحد اتفاقا في ثقافتهم، ازدادوا قربا من الحس ~~المشترك؛ فهم يتفقون في أحكامهم على الأشياء بمقدار اتفاقهم في الثقافة واتحادهم في وجهة ~~النظر، والظاهر أن الإنجليز في هذا الاتحاد في وجهة النظر إلى الأشياء والحكم عليها، قد ~~بلغوا مبلغا قصرت من دونه سائر الشعوب، ومن ثم كان تفردهم بعبارة # Common ~~sense # حتى لقد نقلتها بقية الشعوب عنهم إما بنصها أو بأقرب ترجمة ~~لها. ~~••• # وإذا حللت المواقف التي يستخدم فيها «الحس المشترك» للحكم على سلوك الناس بالصواب أو ~~بالخطأ، وجدتها المواقف التي يهتدي فيها الإنسان إلى الحكم الصحيح دون أن يكون على وعي ~~بالمقدمات المنطقية التي يستند إليها في حكمه ذاك، فكأنما هو حكم صائب بالفطرة السليمة، ولا ~~يحتاج إلى سند من أدلة وشواهد؛ ترى الإنجليزي يحكم على هذا السلوك أو ذلك بأنه صواب، أو ~~بأنه خطأ، فإذا سألته: كيف عرفت ذلك؟ أجابك بقوله: «بالحس المشترك»، ثم لا يزيد على ذلك ~~شيئا. # ليس «الحس المشترك» هو سبيل الحكم على العادات والتقاليد، بل الحكم هنا للعادات والتقاليد ~~نفسها، فإذا لبست سيدة السواد لوفاة زوجها أو ابنها، ثم سئلت: لماذا تفعل ذلك؟ كان جوابها: ~~«هي العادة الجارية، أو هو التقليد السائد، في إظهار الشعور بالحزن»، وإذا فليس هذا مجال ~~الحس المشترك. # كذلك ليس «الحس المشترك» هو سبيل الحكم على المسائل العلمية، فالعالم الطبيعي - مثلا - ~~لا يحكم «بحسه المشترك» على الوزن النوعي للذهب أو مقدار الضغط الجوي على جبال الهملايا ، ~~والعالم الرياضي لا يحكم «بحسه المشترك» على مساحة الدائرة والجذر التربيعي ms132 للعدد 3؛ هذه ~~المسائل العلمية يرجع فيها إلى التجربة إن كان العلم من العلوم الطبيعية، وإلى التحليل إن ~~كان من العلوم الرياضية، والحكم في كلتا الحالتين مستند إلى مقدمات معروفة مذكورة، حتى إذا ~~ما سئل العالم الطبيعي: كيف عرفت أن الضغط الجوي على جبال الهملايا هو كذا، أظهر التجارب ~~التي قام بها هو أو غيره من العلماء لإثبات ذلك، وإذا ما سئل العالم الرياضي: كيف عرفت ~~مساحة الدائرة، بين الخطوات التي سار فيها تحليله حتى انتهى إلى ما انتهى إليه من نتائج. ~~لكن حين يكون الحكم مستندا إلى «الحس المشترك» فلا يكون صاحب الحكم على استعداد لإبراز ~~مقدماته التي استند إليها، وكل ما في وسعه أن يجيب به إذا ما سئل: كيف عرفت ذلك؟ أن يقول: ~~«بالحس المشترك»؛ فمثلا إذا سألت: لماذا ينبغي أن تخضع الأقلية لحكم الأكثرية؟ لم تجد لذلك ~~جوابا عند علم من علوم الطبيعة أو الكيمياء، وإنما حكمه عند «الحس المشترك». # وذلك نفسه هو ما يجعل لأحكام «الحس المشترك» أهمية كبرى في حياة الناس الاجتماعية؛ لأنه - ~~لسوء الحظ - لم يبلغ الإنسان في فهم نفسه فهما علميا إلا شوطا قصيرا؛ ولذلك ترى أحكامه ~~على أنواع سلوكه بالصواب أو بالخطأ كثيرا ما تعوزها الدقة العلمية، فلا بد له من الركون ~~إلى فطرته يحكم بها حكما سريعا نافذا حتى تسير عجلة الحياة، وإن عجلة الحياة لتزداد في ~~سيرها سهولة ويسرا كلما ازداد الناس قدرة على أحكام «الحس المشترك» في شتى المواقف، بحيث ~~لا يحدث بين الأفراد من الاختلاف والتصادم إلا حده الأدنى. ~~••• # وتستطيع بعد هذا التحليل أن تعلم لماذا تقع على معركة ناشبة بين الأفراد هنا في مصر كلما ~~خطوت خطوة، مع أنك قد تعيش الأعوام في بلد كإنجلترا ولا تصادفك معركة واحدة؟ تركب الترام ~~هنا فيندر جدا ألا تسمع اشتجارا بين الكمساري وراكب أو أكثر من راكب واحد، وتسير في ~~الطريق العام فيندر جدا ألا تشهد اختلافا في الرأي بين الشرطي والباعة، أو بين بائع ~~وشار، بل تدخل البيوت فيندر ms133 جدا ألا ترى ما يهولك من اتساع هوة الخلاف بين الزوج وزوجته، ~~وبين الوالد وأبنائه أو بين المخدوم وخادمه. الخلاف بين أفراد الشعب هنا يستوقف النظر ~~بحدته وشدته واتساع نطاقه: هو بين الرئيس ومرءوسيه، وبين صاحب الأرض أو العقار ~~ومستأجريه، وبين العمدة وأهل القرية، وبين رب الأسرة وأفرادها، وبين المدرس وتلاميذه، وفي ~~كل مجال يتصل فيه الأفراد بعضهم ببعض في شأن من شئون الاجتماع. # أقول: إنك تستطيع في ضوء التحليل الذي قدمناه «للحس المشترك» أن تجيب لنفسك عن سؤالك: ~~لماذا يقع كل هذا الخلاف بين أفراد المجتمع الواحد؟ فالجواب الصحيح هنا هو: لأنهم أفراد ~~بغير حس مشترك! إنهم لا يحكمون على الموقف الواحد حكما واحدا، فقد شهدت - مثلا - بالأمس ~~جنديا من جنود الجيش يركب سيارة عامة أجر الركوب فيها ثلاثة قروش، ولما كان للجندي حق ~~الركوب بنصف أجر، فقد كان عليه أن يدفع قرشا ونصف قرش، لكنه أبى إلا أن يدفع ما يدفعه في ~~السيارات الأخرى، وكان خلاف، وكان وقوف للسيارة، وكان غضب أخذ نطاقه يتسع حتى شمل ~~الراكبين جميعا، وما أظن أن موقفا كهذا يجوز أن يقع في بلد بين أبنائه «حس مشترك» أو «فهم ~~مشترك» للأمور. العلة كلها هي أننا نحكم بأحكام مختلفة على الموقف الواحد، ومن ثم يقع بيننا ~~ما يقع من ألوان التنافر التي أشرت إليها؛ التنافر في البيت والطريق العام والديوان وعربات ~~الترام والمتاجر وغيرها. # ليست الروابط بين الأفراد واستقرارها أمرا تافها يسيرا؛ لأنها هي عصب الحياة. إنك تعيش ~~- راضيا أو كارها - على صلات بغيرك، تعيش متصلا بأبنائك وإخوتك وجيرانك، وتعيش متصلا ~~برئيسك أو مرءوسك، وبالتاجر الذي تعامله، وبالشرطي في الطريق، وهكذا. فإن كان لك في كل صلة ~~من صلاتك تلك سبب للشقاء فانظر كيف تكون حياتك في مجموعها! وإنك لتعجب أن يكون بيننا هذا ~~الاختلاف كله وهذا الشقاء كله، ولا يكاد يقوم منا باحث واحدي يبحث «العلاقات الإنسانية» ~~بحثا علميا، في الوقت الذي تسير فيه الصلات الاجتماعية في بلد كإنجلترا على درجة من ~~التفاهم ms134 يحسد الإنجليز عليها بغير شك، ومع ذلك لا يزال يقوم من مؤلفيهم من يتناول ~~«الروابط بين الناس» بالبحث المفصل، وإني لأذكر في هذا الصدد كتابين يحضرانني الآن، ~~ولا بد أن يكون هناك سواهما مما لم أقع عليه: أحدهما كتاب بعنوان «العلاقات بين الناس» ~~لكاتبهم «لاندو»، والآخر كتاب لكاتب أمريكي هو «ستيوارت تشيس» وعنوانه «علم الروابط بين ~~الناس». # وقد يسأل سائل: ولماذا انعدم «الحس المشترك» بيننا؟ وأجيب جوابا سريعا بأن ذلك يرجع أول ~~ما يرجع إلى التباين الثقافي الواسع المدى، الذي تراه منعكسا في تباين الأزياء وتباين ~~المساكن والمآكل والمشارب. إنك تسير في البلد الأوروبي فيستوقف نظرك التشابه في المساكن حتى ~~لكأن كل إنسان يسكن بيتا لا يكاد يختلف في باب أو نافذة عن بيت زميله، وحتى لتظن أن لا ~~موضع بينهم لاختلاف الفقر والغنى، وتأكل في بيت الأسرة المتواضعة وفي بيت الأسرة الغنية ~~فيدهشك التشابه الشديد بين ألوان الطعام هنا وهناك وطريقة الأكل، حتى لتظن أن القوم كلهم من ~~طبقة واحدة، تخرجوا كلهم في معهد واحد. # أما نحن ...! # | الفكرة الواضحة # «ستيوارت تشيس» كاتب معاصر ومصلح وفيلسوف، يروي لنا عن نفسه قصة تستوقف النظر، لها ~~دلالة بعيدة المدى، خلاصتها أنه قد بدأ حياته العاملة مصلحا اجتماعيا متحمسا، لكنه ما ~~لبث أن وجد وسائل الإصلاح «بالكلام» لا تجدي فتيلا، فأخذه العجب: لماذا لا يتأثر الناس ~~بما يقوله وما يكتبه، مع أنه واضح صادق؟ وسرعان ما وجد لنفسه الجواب، وهو أن الأفكار التي ~~يظنها هو، ويظنها معه الناس واضحة، ليست كذلك، فلا بد له - إن أراد إصلاحا حقيقيا - أن ~~يبدأ بأبحاث تحليلية يوضح بها الألفاظ التي يكثر دورانها على الألسن، حينما يتحدث الناس عن ~~إصلاح حالهم. فاسمع إليه يقول: «لما كنت في سن الشباب، أحاول الإصلاح، أخذت أنظم ~~الاجتماعات، وأكتب النشرات، وألقي المحاضرات، وأرسم الخطط، وأنشر الدعاية على نطاق واسع في ~~حماسة حارة، لكن رجائي قد خاب، حين نظرت فوجدت أن الناس ما زالوا على حالهم، لم يتحولوا ~~قيد أنملة عما كانوا عليه ms135 حين بدأت حملتي، وكلما مضت بي الأعوام، ازددت يقينا، بأنني ~~فيما كنت أبذل فيه جهدي، إنما كنت أضيع وقتي سدى، فرسالتي - التي لا أزال أعتقد أنها ~~رسالة رحمة وإنسانية - لم تبلغ القلوب؛ إذ الطريق بيني وبين من أخاطبهم مغلق مسدود.» # وصادف هذا الذي قرأته عن «ستيوارت تشيس» هوى في نفسي؛ لأنني في أعوامي الأخيرة، قد تنبهت ~~في شدة وحماسة، إلى أن غموض الأفكار عند الناس هو أس البلاء، فالرءوس ملأى بالأشباح بسبب ~~ما فيها من أفكار غامضة، والتعصب لهذه العقيدة أو تلك قد أنزل بالناس الكوارث، بسبب ~~أفكارنا الغامضة، وحدة الغضب التي تأخذنا عند اختلافنا في الرأي، سببها الأفكار الغامضة، ~~ومجهودات المصلحين تذهب صيحة في واد بسبب الأفكار الغامضة، ولو وضحت الأفكار، لاختفت ~~الأشباح من الرءوس «المسكونة»، وزال التعصب للرأي والعقيدة تعصبا أعمى، وخف الغضب وهدأ ~~الانفعال حين يختلف الناس في وجهة النظر، ووجدت أقوال المصلحين أرضا خصبة صالحة للنماء ~~والإثمار. # فما هي الفكرة الواضحة؟ # أول ما أسارع إلى إثباته في الإجابة عن هذا السؤال، هو أننا كثيرا ما ننخدع بالإلف ~~والعادة، فنألف كلمة معينة ونعتاد قولها وسماعها، حتى ليخيل إلينا أنها فكرة واضحة، مع ~~أنها قد لا تكون من الوضوح في شيء، ولا تزيد على كونها «صوتا» مألوفا لأسماعنا، وإني ~~لأحسب أن ديكارت نفسه - وهو على رأس من نادوا في التاريخ الحديث بالتزام التفكير الواضح - ~~قد أخطأ هذا الخطأ الذي أشرت إليه، وهو أن يظن الكلمة المألوفة فكرة واضحة، بدليل أنه قد ~~جعل عبارته المشهورة «أنا أفكر» مقياسا للفكرة الواضحة، يصح أن تتخذ مقياسا لما ينبغي أن ~~يكون عليه الوضوح في غيرها من العبارات، أي أن الفكرة التي تبلغ عنده من درجة الوضوح ما ~~بلغته هذه الفكرة، تؤخذ على أنها هي الأخرى واضحة. # مع أن عبارته هذه تحتوي على كلمتين: كلمة «أنا» وكلمة «أفكر» هما أبعد ما تكون الكلمات عن ~~الوضوح، ومن ذا الذي يستطيع حتى اليوم أن يقول إنه قطع برأي يقيني جازم في حدود الشخصية ~~الإنسانية وعناصرها ms136 التي نجمعها جميعا تحت كلمة «أنا»، أو يقول إن «التفكير» قد عرف معناه ~~على وجه التحديد الذي لا إبهام فيه ولا غموض؟ - كلا، إنما خدع ديكارت بالإلف والعادة، فما ~~دامت كلمة «أنا» مألوفة، وما دامت كلمة «تفكير» معهودة مكرورة، فهما - في ظنه - واضحتان، ~~والعبارة التي تتألف منهما واضحة لا تحتاج إلى مزيد من بيان. # ولدي من التعليق على معنى الوضوح عند ديكارت كلام طويل عريض، لا أجد هنا مكانا ~~لذكره؛ لأنني لا أحب أن أدخل القارئ في مناقشة فلسفية قد لا يكون به ميل إليها، وكل ما ~~أردته هو التحذير من هذا الخطأ الذي سرعان ما يزل فيه الإنسان، حين يظن أن الفكرة واضحة، ~~ما دامت الكلمة المعبرة عنها مألوفة للأسماع. # إذا فمتى تكون الفكرة واضحة؟ # الفكرة الواضحة هي التي يمكن تحويلها إلى عمل، فكل فكرة لا تدلك بذاتها على ما يمكن ~~عمله، بحيث يكون هذا العمل هو معناها الذي لا معنى لها سواه، تكون «صوتا» فارغا، مهما ~~قالت لنا القواميس عنها. الفكرة الواضحة هي ما يمكن ترجمته إلى سلوك، وما لا يمكن ترجمته ~~على هذا النحو لا ينبغي أن نقول عنه إنه فكرة غامضة وكفى، بل ليس هو بالفكرة على الإطلاق، ~~وليس هنالك في الدنيا شيء اسمه «فكرة نظرية» لا شأن لها بالعمل والتطبيق؛ إذ الفكرة ~~النظرية هي الخطة التي يمكن تنفيذها، وما لا سبيل إلى تنفيذه عملا وسلوكا، ليس من الفكر ~~في شيء؛ ولذلك لا فرق بين الفكر النظري والفكر العملي إلا في الترتيب الزمني، فما هو الآن ~~فكرة عملية كان منذ حين فكرة نظرية، وما هو اليوم فكرة نظرية يمكن أن يصبح غدا فكرة ~~عملية ... «النظر» من جهة و«العمل» من جهة أخرى، طرفان لشيء واحد - هو الفكرة - ولا عبرة ~~بعد ذلك بالأسماء، فنحن نقول عنها اصطلاحا إنها «فكرة» حين نشير إلى طرفها الداخلي، ونقول ~~عنها إنها «عمل» حين نشير إلى طرفها الخارجي. # وفيما يلي أمثلة توضح ما نريد: ~~«الصلابة»: # في الجسم فكرة واضحة إذا كنت أعرف ماذا ms137 أعمل في الجسم لأتبين فيه ما ~~أسميه بالصلابة، كأن أحاول خدشه بأجسام أخرى كثيرة، فلا ينخدش، فأقول ~~عندئذ إنه «صلب» وأعد نفسي قد فهمت فكرة «الصلابة» فهما «واضحا» لأني ~~عرفت ما نوع السلوك الذي أسلكه حين أريد ترجمة الفكرة إلى عمل، أما إذا ~~وصفت شيئا بأنه «جميل» فلست أعرف ماذا أعمل بحيث يكون عملي هذا هو ما ~~أسميه في الشيء بالجمال، وإذا فالفكرة غامضة، أو قل إن «الجمال» ليس فكرة ~~على الإطلاق، وكل مناقشة في جمال الشيء أو عدم جماله عبث لا يؤدي إلى طائل، ~~فإذا رأيت الفلاسفة على خلاف لا ينقضي في تحديد معنى «الجمال»، فاعلم أن ~~ذلك لا يرجع إلى «صعوبة» في الفكرة، بل يرجع إلى أن أصحابنا يحاولون أن ~~يقبضوا الريح، إذ هم يناقشون في غير موضوع. # و«الثقل»: # في جسم من الأجسام فكرة واضحة؛ لأني أعرف ماذا أعمل في الجسم لأتبين فيه ~~ما أسميه ثقلا، وهو أن أزيل الحوائل التي تمنع سقوطه على الأرض، فإن سقط ~~كان «ثقيلا»، وكانت فكرة «الثقل» واضحة لأنها قد انتقلت إلى عمل منظور، ~~أما إذا قلت عن شيء ما إن له حقيقة وراء ظواهره المحسوسة، كأن أقول مثلا ~~إن الكهرباء شيء كامن وراء آثارها الظاهرة، كان قولي هذا هراء، بمعنى أنه ~~ليس «فكرا» على الإطلاق، دع عنك أن يكون فكرا واضحا؛ ذلك لأني لا أعرف ~~ماذا أعمل بحيث أتبين في الشيء حقيقته الخفية المزعومة. # الفكرة الواضحة مشروع لعمل يمكن أداؤه إذا شئنا، ولا شيء غير ذلك، حتى الأفكار الرياضية ~~مشروعات لأعمال يمكن أداؤها: لقد طلبت إلى خادمتي يوما أن تشتري لبنا بثلاثة قروش ونصف ~~قرش، وأعطيتها لذلك ورقة ذات عشرة قروش، فلما أردت حسابها، قلت لها: لقد اشتريت اللبن ~~بثلاثة قروش ونصف قرش، وكنت مدينا لك بقرشين، فهاتي أربعة قروش ونصف قرش، فبدا عليها ~~الاضطراب، فقلت: ضعي ها هنا ما تبقى لديك من القروش العشرة، فوضعت على المنضدة ستة قروش ~~ونصف قرش، قلت لها خذي منها قرشين كنت مدينا لك بهما، ففعلت ms138 وانتهى الإشكال. كانت العملية ~~الحسابية غامضة في ذهنها أول الأمر؛ لأنها لم تكن بعد قد تحددت على صورة سلوكية يمكن ~~إجراؤها عملا، وكانت العملية «واضحة» في ذهني لأني كنت أعرف كيف أترجمها إلى عمل. # ولئن كان بين الناس خلاف شديد في المذاهب السياسية والاجتماعية، فما ذاك إلا لأن الألفاظ ~~الشائعة في هذا المجال لم تتبلور أفكارا واضحة بعد، أعني أن الأفكار المتداولة لا يعرف ~~لها طريقة معينة محددة للتنفيذ، إننا نفهم كلمة «جمهورية» فهما واضحا إذا عرفنا ماذا نصنع ~~في المجتمع بحيث يجيء ما نصنعه شيئا هو الذي نسميه بهذا الاسم، لكن ألفاظا مثل ~~«ديمقراطية» و«حرية» و«شيوعية» و«اشتراكية» تعبر عن أفكار غامضة، ومن هنا كان الخلاف، بل ~~كان القتال؛ لأن الديمقراطية - مثلا - لا تكون فكرة واضحة إلا إذا عرفنا ماذا نعمل، وعلى ~~أي وضع نقيم الناس والحكومة، وبأي صورة تجري الصناعة والزراعة والتجارة، حين يكون هنالك ما ~~نسميه بالديمقراطية، وما دامت الفكرة غير محددة في طريقة تنفيذها، فليست هي بالفكرة ~~الواضحة، وقل ذلك في سائر أخواتها. # لكن قائلا قد يقول: إنك قد اخترت لأمثلتك أفكارا بسيطة مما يمكن أن يحقق رأيك في ~~الوضوح، لكن هناك أفكارا «عميقة» يستحيل أن ينطبق عليها هذا المقياس، والحق أني ما كتبت ~~هذا المقال إلا لأمحو كثيرا جدا من هذه الأفكار «العميقة» محوا. أيها القارئ الكريم: لا ~~يخدعنك هؤلاء «المتعمقون» لأنهم لا يفهمون لما يقولونه معنى، ثم يجاوزون بشرهم حدود ~~أنفسهم فيدفعونك في خلط يفسد عليك حياتك الفكرية والعملية على السواء، إنهم يريدونك أن ~~تكتفي من دنياك بالكلام، ولقد شبعنا كلاما حتى التخمة، ونريد العمل، نريد العمل، نريد ~~العمل. # فمثلا يقول لنا هؤلاء «المتعمقون» في تفكيرهم: كونوا يا أهل الشرق «روحانيين»، وتسألهم ~~عن معنى «الروحانية» التي يقصدون فلا تدري بماذا يجيبون، فإنني - كما قلت يوما في كلمة ~~ألقيتها - «لا أرى بين ضلالاتنا ضلالة أشد تضليلا من هذا الذي يكثر ترديده على ألسنة ~~المتكلمين وأقلام الكاتبين» - وهو أننا شعوب روحانية بالقياس إلى الغرب المادي. يقولون لنا ms139 ~~ذلك وكأنما يريدوننا أن نفكر ونعمل ونربي أبناءنا على هذا الأساس. ولست أتمنى شيئا بمقدار ~~ما أتمنى أن يتفضل علي فاضل من هؤلاء فيوضح لي ماذا يريدوننا أن نفعل وكيف يريدوننا أن ~~نفكر؛ لأني حاولت جهدي أن أرى كيف تأكل الشعوب الروحانية وكيف تشرب، كيف ترصف الطرق وتبنى ~~الجسور، كيف تقاوم أمراضها وتجري صناعتها وتجارتها، كيف تحارب أعداءها، بل كيف تلهو في ~~ساعات الفراغ، حاولت جهدي أن أفهم كيف تتم هذه الأشياء عند الشعوب الروحانية كي تجيء مخالفة ~~لما يصنعه الماديون في الغرب، فلم أفهم.» - فإذا كانت الفكرة «الروحانية» كما ترى، يستحيل ~~ترجمتها إلى سلوك، إذا فليست هي بالفكرة على الإطلاق، بل هي لفظة فارغة يجب حذفها حتى لا ~~تفسد علينا الحياة. إننا في صراع مع ما يسمونه غربا ولن نظفر من صراعنا بنصر إذا كانت ~~عدتنا كلاما لا يتحول إلى عمل. # وأحسب أن القارئ الذي اعترضني منذ حين، سيعود إلى اعتراضي قائلا: لكنها تعد بالمئات، ~~تلك الألفاظ التي نقولها دون أن يكون في مضمون معناها عمل ممكن الحدوث، ومنها ألفاظ عزيزة ~~جدا على نفوسنا، نحبها ونرددها في الصباح وفي المساء ... فأجيبه مطمئنا واثقا: إنها لغو ~~لن تتقدم به الإنسانية فترا ولا شبرا، إننا نعيش ونحيا بالأفكار القليلة الواضحة، أي أننا ~~نعيش ونحيا بالأفكار التي يمكن أن تتحول عملا وسلوكا، فأما تلك التي لا تغير من دنيانا ~~شيئا فشر يجب أن نتقيه. # إننا نريد العمل، نريد العمل، نريد العمل. # | جناية الألفاظ # أرأيت بوارج البحر ودبابات الأرض ومقاتلات السماء التي تنفث اللهب؟ أرأيت هذه المدمرات ~~كلها بما فيها من قوة الفتك والتخريب؟ إذا فاعلم يا سيدي أنها جميعا لا تكون شيئا ~~مذكورا إذا قيست في ذلك إلى كلمة واهنة ضعيفة من هاتيك الكلمات التي تخرجها أفواهنا في ~~موجة صوتية قصيرة ضئيلة، أو نجريها على الورق بقطرة من مداد، لو تجمعت على سن القلم ~~لأوشكت عين الرائي ألا ترى شيئا. # من هذه الموجة الصوتية القصيرة الضئيلة، أو هذه القطرة المجهرية من مداد ms140 قد تنطلق شياطين ~~البوارج والدبابات والمقاتلات وغيرها من وسائل التقتيل والتدمير، فمنها قد تفور الدماء في ~~العروق ويطير عن الرءوس صوابها فإذا الجماعات البشرية قطعان من كائنات تدفعها الغريزة كما ~~يندفع سيل الماء من أعلى الجبل مدفوعا بقوة الجذب دون أن يكون له في مسلكه اختيار؛ ألا إن ~~هذه الألفاظ التي نكتبها أو ننطق بها، لقماقم حبست في أحشائها الأبالسة والشياطين. # وقصة الألفاظ في هذا الصدد مأساة محزنة حقا، فهذه الألفاظ قد خلقها الإنسان خلقا، ~~وحسب أن قيادها بين يديه ورهينة لسانه، فإذا بالألفاظ على مر الزمن يتطور أمرها وتصبح ~~كالمردة الجبابرة، تمسك بزمام الإنسان راكبة فوق ظهره، فتنحرف به يمنة أو يسرة كما يشاء لها ~~عماها الذي لا يبصر سواء الطريق! # وكنت أود أن أسير مع القارئ في فصول هذه المأساة المحزنة سطرا بعد سطر، ليرى هول الجناية ~~التي تقترفها في حق الإنسان تلك المخلوقات التي ظاهرها وهن وضعف وباطنها طغيان وجبروت، ~~لكن هذه المأساة البشرية الكبرى أعقد جدا وأطول جدا مما يستطيع الكاتب أو القارئ أن ~~يقطع شوطه في مقالة واحدة أو بضع مقالات، فلا مندوحة لنا - إذا - عن القناعة بالخطوط ~~الرئيسية نرسمها أمام أبصارنا، لعلنا مستطيعون أن نترسم الصورة كلها بلمحات الخيال. # وأول ما نذكره في هذا السبيل، أن الكثرة الغالبة من ألفاظ اللغة التي نستخدمها للتفاهم، ~~هي في الحقيقة رموز بغير مدلول ولا معنى! وإذا كان الأمر كذلك، فنستطيع أن نتصور كلمة كلمة ~~(تقريبا) مما ينطق به الناس علامة نصبت في عرض الصحراء وكتبت عليها إشارة تدل على ماء ~~قريب، والحقيقة أن ليس هنالك في القريب أو في البعيد إلا سراب! # ولنضرب لك مثلا لما نريده: كلمة «إنسان»، إن العالم فيه أفراد، ولكل فرد اسمه الخاص، ~~فهذا زيد وذلك عمرو أو خالد، فإذا ناديت قائلا: «تعال يا زيد» جاءك رجل بعينه، وكذلك إذا ~~ناديت يا عمرو أو يا خالد، ولما كنت مضطرا في كثير جدا من الأحيان أن أتحدث عن هؤلاء ~~الأفراد جميعا دفعة واحدة، ولما ms141 كان ذكر أسمائهم جميعا يتطلب من الوقت والجهد ما لا طاقة ~~لي به، فقد اخترعت كلمة «إنسان» اختراعا؛ لكي تدل على هؤلاء الأفراد جميعا دون أن تكون ~~هي نفسها اسما لفرد منهم، فإذا ناديت: تعال يا إنسان! ما جاءك أحد لأنه ليس هنالك مسمى ~~لهذا الاسم المخترع. # فأول فصول المأساة إذا، هو أن كل لفظة نستخدمها في كلامنا (ما عدا الألفاظ التي سمينا ~~بها أفرادا جزئية معروفة) هي رمز ابتكرناه لسهولة التفاهم وسرعته، لكنه رمز لا يدل على ~~شيء، أعني أنه رمز لا يشير إلى شيء قط في عالم الأشياء. ليس الاسم أو الكلمة هو الشيء ~~المسمى، احفظ هذا المبدأ جيدا وانظر بعد ذلك إلى المصائب الكبرى التي تنزل على رءوس الناس ~~من جراء نسيانهم لهذا المبدأ الواضح البين. # فإذا أردت فهما للأمور من خلال ما يقال لك من عبارات وألفاظ، فلا سبيل إلى ذلك إلا أن ~~تدرب نفسك على النظر من خلال الألفاظ إلى الأفراد والأشياء الجزئية التي وراءها، فإذا ~~قلت لك مثلا: الشعب المصري جاهل، فقير، مريض، فقد يخيل إليك للوهلة السريعة الأولى أنك ~~فهمت المراد، لكنك في أغلب ظني لم تفهم شيئا، واعذرني في هذا الاتهام؛ لأنني أحكم بما قد ~~جرى عليه الناس من طريقة الفهم لما يكتب أو يقال. # فليس «الشعب المصري» إلا علامة سوداء أمامك على الورق، فإذا وقفت عند هذا الحد من ~~الرؤية، فأنت لم تفهم شيئا على سبيل اليقين، لكنك تأخذ في الفهم حين تقف أمام هذه العلامة ~~السوداء لتتخذها منظارا لا أكثر ولا أقل، هي منظار ترى خلاله عشرين مليونا من الأنفس ~~رجالا ونساء وأطفالا، حاول أن توقف هؤلاء العشرين مليونا أمام مخيلتك صفا طويلا يمتد ~~- مثلا - من منبع النيل إلى مصبه، ثم حاول أن تنقل بصرك في هذا الصف الطويل من هذا الرجل ~~(زيد) إلى هذه المرأة (هند) إلى ذلك الغلام (خالد) ... هؤلاء جميعا يا سيدي ناس، لكل منهم ~~مشاعر وخواطر من قبيل مشاعرك وخواطرك، وإذا عض الجوع واحدا منهم فهنالك ms142 فرد يتألم، وإذا ~~خاب رجاء واحد منهم، فهنالك فرد يتحسر ويحزن، ليس «الشعب المصري» بذي دلالة إلا إذا أدركت ~~إدراكا واضحا أن الكلمة في ذاتها ليس لها معنى، وإنما المعنى المراد هو الحزمة الضخمة من ~~الأفراد الأحياء الذي أسمينا كل فرد منهم باسمه الخاص، ويا ليتنا نستطيع - كلما أردنا أن ~~نتحدث عن الشعب المصري - أن نكتب قائمة طويلة بالأسماء كلها، فذلك أقرب إلى الفهم الصحيح ~~لما نريد. # فإذا قلت بعد ذلك عن هذا الصف الطويل من أفراد البشر، إنه «جاهل» فقد تحسب مرة أخرى أنك ~~قد فهمت المراد، لكنك هنا أيضا في أغلب الظن قد اكتفيت بالنظر إلى علامة سوداء خطت ~~أمامك على الورق، ولكي تفهم المعنى المراد على حقيقته، انظر خلال هذا المنظار إلى أمثلة ~~الجهل القائمة فعلا، عد إلى الصف الطويل من أبناء آدم الذي بلغ عشرين مليونا، عد إلى ~~ذلك الصف الطويل وانظر إلى الأفراد واحدا بعد واحد، فستجد لكل فرد مواقف وأقوالا، وستعلم ~~أن كثيرا جدا من تلك المواقف، وهذه الأقوال، لا يصور دنيا الواقع في شيء، وعندئذ فقط ~~سيتبين لك كم نسبة الجهل في الفرد الواحد، وكم نسبته في المجموعة كلها، وما أنواعه البشعة ~~الفظيعة. سيتبين لك يا سيدي أن معظم «المتعلمين» جهلاء؛ لأنهم في سلوكهم وفي أقوالهم وفي ~~عقائدهم يسيرون في واد والدنيا بأسرها تسير في واد آخر، سيتبين لك يا سيدي كم من أفراد ~~هذا الصف البشري يعيش في أوهامه، وعندئذ فقط ستعلم في شيء من الوضوح قولك عن «الشعب المصري» ~~إنه «جاهل». # وهكذا قل في طريقه فهمك لكلمة «فقير» وفي كلمة «مريض»، نشدتك الله ألا تكتفي بالنظر إلى ~~هاتين اللفظتين الصغيرتين في حيزهما الضئيل على الورق، ثم توهم نفسك أنك قد فهمت المراد. لا ~~يا سيدي، اخرج إلى الطريق وسافر إلى الريف وانظر إلى «الفقراء» فقيرا فقيرا، فكلمة «فقير» ~~لا معنى لها بعيدا عن هؤلاء «الأفراد الفقراء» الذين يطلق على كل منهم اسم خاص به، ~~فهذا «زيد» وذلك «إبراهيم» وتلك «فاطمة»، ثم ms143 اخرج إلى الطريق وسافر إلى الريف. أستغفر الله، ~~إنما أردت أن أقول تسلل إلى الجحور البشرية التي تملأ الأرض عن يمينك وشمالك؛ لكي ترى ~~«المرضى» مريضا مريضا، فليس لكلمة «المرض» معنى إذا لم يكن معناها هؤلاء الأفراد المرضى ~~الذين يطلق على كل منهم اسم خاص به في شهادة ميلاده! # أرأيت إذا كم تستغرق من الزمن وكم تنفق من المجهود لتفهم عبارة واحدة قصيرة، مثل «الشعب ~~المصري جاهل فقير مريض»؟ # لكنها جناية الألفاظ علينا، هي التي تخيل إلينا أننا بالنظر إلى الكلمة مكتوبة أو ~~مسموعة قد فهمناها! وأصل الجريمة هو كما أسلفت لك، الظن بأن الكلمة هي نفسها الشيء ~~المسمى، لكن احفظ جيدا هذا المبدأ الواضح البين، وهو: ليس الاسم هو المسمى، ليست اللفظة ~~هي الشيء ... الأسماء والألفاظ مناظير ينبغي أن ننظر خلالها إلى الأفراد الذين نتحسس بأيدينا ~~فنلمسهم، وننظر بأبصارنا فنراهم ... ~~••• # وذلك فصل واحد من فصول المأساة، وأما فصلها الثاني فهو تلك الكلمات المجرمة التي تثير ~~مشاعرنا فنأتي الكبائر، مع أنها في ذاتها، ليست بذات معنى! انظر إلى هذه الأمثلة من ~~الكلمات المجرمات: # إنسانية، دولة، ديمقراطية، حرية، أمة، دستور، مدنية ... إلى آخر أفراد «العصابة» إن كان ~~لهذه العصبة الآثمة من آخر. # فما كان أهون على رجل واحد أن يقوم فينادي بألوف الألوف من فتي الشباب ليقذف بهم في ~~جهنم الحرب إرضاء لشهواته هو؛ لأنه يريد أن يقود ويسيطر، ما كان أهون على ذلك الرجل أن ~~يقذف بألوف الألوف من الشباب الفتي القوي باسم «الدولة» - مثلا - أو باسم «الديمقراطية» ~~أو بما شئت من هذه الطلاسم السحرية! # وها هنا نريد لك أيها القارئ أن تحفظ مبدأ آخر حفظا جيدا، وهو أن مدلول الكلمة هو ~~الأشياء الجزئية المحسوسة التي تشير إليها، فإذا قيل لنا «الدولة» وأردنا أن نفهم فيجب أن ~~نسأل بدورنا: أين هي؟ لا بد أن أضع يدي عليها لألمسها، وأن أفتح عيني وأميل بأذني لأراها ~~وأسمعها، وعندئذ سترى أن الدولة مجموعة من أفراد، وليس في ذلك بأس، لكن البأس كل البأس ms144 في ~~أن تتوهم أنها كائن إلهي غيبي لا حق لنا في نقده ومناقشته الحساب. # وقد يقول القائلون: لكن هنالك من الألفاظ ما لا سبيل إلى الرجوع به إلى أشياء تلمس ~~بالأيدي وترى بالأعين وتسمع بالآذان، وإلا فماذا تريد أن تلمس في معرفتك لمعنى كلمة ~~«الديمقراطية» مثلا؟ والجواب على ذلك هو أننا بين أمرين لا ثالث لهما: فإما أنه من الممكن ~~أن نعثر في عالم الأشياء الواقعة المحسوسة المرئية على ما نسميه بهذا الاسم وأمثاله، ولو ~~بعد جهد وحصر انتباه ودراسة؛ فيكون لهذا الاسم وأمثاله معنى، وإما أن يكون ذلك مستحيلا ~~فلا تكون الكلمة عندئذ ذات معنى على الإطلاق، وتكون جريمة كبرى أن نستخدمها في إثارة ~~المشاعر، وما تستتبعه من تقتيل وتخريب وفتك ودمار. # حرام عليكم أيها الناس أن تحرصوا على «ألفاظ» حتى إن كان الثمن ألوف الألوف من الشباب ~~الفتي الحالم الآمل، فهاتيك الألفاظ موجات صوتية ضئيلة، أو هي قطرات من مداد سكبناها ~~على الورق في صورة معينة، أما هؤلاء الشباب فأفراد أحياء في أجوافهم قلوب ورئات ودماء ~~وأعصاب! ~~••• # لا عجب والله إن كانت للألفاظ قوة السحر عند الشعوب البدائية الأولى، فهذه اللفظة تشفي من ~~الحمى، وتلك اللفظة تهزم العدو في القتال، إلى آخر ما كان سائدا بين تلك الشعوب من أحلام ~~وأوهام. # اعلم أفادك الله أن اللفظة من ألفاظ اللغة إذا لم تدلك على مسمى تراه بعينيك فهي ~~لفظة فارغة، هي موجة صوتية كأي اهتزاز آخر يهتز به الهواء، أو هي نبش على الورق كأي نبش ~~يحدثه الطفل اللاهي، فاسأل - إذا أردت الفهم والتفاهم - عن الشيء أو الأشياء التي يراد ~~للفظة المستعملة في الحديث أن تشير إليها، فإذا وجدتها فالخلاف بينك وبين خصمك لن يطول، ~~وإلا فسيظل الخلاف في الرأي قائما إلى يوم الدين. # فما أكثر ما يطول النقاش بين فريقين حول كلمة، كالحرية مثلا أو كالديمقراطية أو الدولة ~~أو الأمة، وتكون علة الخلاف بينهما هي أن كلا منهما يقصد بالكلمة إلى معنى غير المعنى ~~الذي يقصد بها إليه ms145 زميله، فإذا جعلنا دستورنا في الفهم والتفاهم هو تحديد المسميات أولا؛ ~~المسميات التي نراها بالأعين ونحسها بالأيدي، انحصر مجال الخلاف وقصر أمده كما هي الحال بين ~~رجال العلوم مثلا. # والكارثة الحقيقية في أمثال هذا الخلاف الذي قد يؤدي إلى حرب وسفك دماء، أن يقوم الخلاف ~~على لفظة فارغة زائفة إن بحثنا لها عن مدلول في عالم الأشياء لم نجد شيئا. # راجع التاريخ في ضوء هذا الكلام، وانظر كم أودت الألفاظ الزائفة بأنفس البشر هباء! فكلمة ~~«جهاد» وحدها مسئولة عن سفك أنهر من الدماء لا يعلم إلا الله مداها، ولسنا بطبيعة الحال ~~ننكر استعمال هذه الكلمات وأمثالها، لكن الذي ندعو إليه هو أن يكون المتكلم والسامع على ~~بينة مما تشير إليه كل كلمة من تفصيلات في عالم الأشياء الواقعة. قل للشباب بملء فيك: ~~جاهدوا في سبيل الحرية، على شرط أن تكون أنت، وأن يكون الشباب على علم تام بالتفصيلات ~~التي نطلق على مجموعتها كلمة «جهاد»، وبالتفصيلات التي نطلق على مجموعتها كلمة «حرية»، ~~فعلينا منذ الآن بالتفرقة الدقيقة بين الألفاظ الحقيقية والألفاظ الزائفة كلما أردنا الجد ~~في الكلام والكتابة، وليسمح لي القارئ أن أعيد هنا ما قلته في كتابي المنطق الوضعي في هذا ~~الصدد، لعله يفيد: «الفرق بين اللفظة الحقيقية واللفظة الزائفة هو أن الأولى وراءها «رصيد» ~~من المسميات الجزئية، وأما الأخرى فليس وراءها شيء يشار بها إليه، فما أقرب الشبه بينهما ~~وبين الورقة النقدية الحقيقية بالقياس إلى الورقة النقدية الزائفة! فهاتان قد تكونان في ~~الصورة الظاهرة متساويتين، لكن الأولى حقيقية لأن هنالك «رصيدا» من الذهب أو ما إليه يجعل ~~لها قيمة «فعلية»، وأما الورقة الزائفة فليس وراءها مثل ذلك «الرصيد»؛ ولذا فهي لا تشير إلى ~~شيء وراءها من محفوظات «البنك» مما يجعل لها قيمة حقيقية. ~~«إن الكلمة لا ينفي عنها الزيف طول أمد استعمالها في التفاهم بين الناس، فإذا مضينا في ~~تشبيهنا الألفاظ الزائفة بالنقد الزائف، قلنا إن اللفظة الزائفة التي طال أمد استعمالها بين ~~الناس حتى ظنوا أن لها معنى، ms146 شبيهة بظرف مقفل ليس بداخله شيء، لكنه دار بين الناس مدة ~~طويلة على زعم وهمي، وهو أن فيه ورقة من أوراق النقد، فظلت له هذه القيمة في التعامل، ~~حتى تشكك في أمره متشكك، وفتحه ليستوثق أن له قيمته المزعومة، فلم يجد شيئا، بل وجده ~~فارغا ولا «قيمة» له.» # وهكذا قف إزاء الكلمات التي تراها مكتوبة أو تسمعها منطوقة، وانظر في عالم الأشياء ~~المحسوسة باحثا عن «رصيدها» فإن وجدتها كانت الكلمة ذات معنى وصالحة للتفاهم، وإلا فهي ~~فارغة زائفة، بل هي مجرمة آثمة. # | مهمة الكاتب # اللهم إني كفرت بالأقلام تكتب بالمداد، فمن لنا بعشرة آلاف قلم تنفث من أسنانها الحمم، ~~لعلها تلسع الجلود فتوقظ الرقود من سباتهم العميق، وتحفز الوقوف إلى الحركة والسير، وتستحث ~~السائرين ليسرعوا الخطى، عسى أن ندرك الركب، فقد بعدت المسافة جدا بين الرأس ~~والذنب. # كفرت بالأقلام تكتب بالمداد؛ لأن الكتاب عندنا قد ظلوا يكتبون ويكتبون، ولم يزل الناس ~~على حالهم غرقى في أوهاهم، فمهما وجهنا اللوم إلى كبار كتابنا على ممالأتهم الناس في كثير ~~مما كتبوه، حين جعلوا يمجدون لهم أمجادهم ويترنمون لهم بالأنغام التي تصادف هوى في نفوسهم، ~~فلا بد لنا إلى جانب اللوم أن نعترف لهم بالفضل في محاولتهم تغيير كثير من القيم السائدة، ~~التي أصبح قيامها محالا بين شعب أراد أن يتحضر، فمنذ ثلث قرن أو يزيد، أخذ كبار كتابنا ~~ينقلون إلينا معايير جديدة للأخلاق ونظم الحكم والتربية، ويعلموننا مقاييس جديدة نقيس بها ~~الآداب والفنون، ويلفتون أنظارنا إلى القواعد الصحيحة التي ينبغي أن نحكم بها على الأشياء ~~في هذا العصر الحديث. كتبوا وكتبوا، وما يزال الناس على حالهم فيما أرى، حدث تغير طفيف في ~~القشرة، أما اللباب فهو هو كما كان منذ قرون. # كنت أتحدث إلى أستاذنا العقاد منذ حين، فقلت له في سياق الحديث: إننا لا نتطور ولا ~~نتغير، كأنما قوانين التطور الاجتماعي التي تسري على سائر البشر لا تنطبق علينا، فقال ~~باسما: بل قل إن شئت إن القوانين الطبيعية نفسها توشك في ms147 أرضنا ألا تفعل فعلها ... وهو بذلك ~~يعني أن ما تتوقعه في أي بلد من بلاد الأرض قد لا يقع لك في هذه البلاد، فربما وضعت وعاء ~~الماء على النار متوقعا للماء أن يغلي، فإذا به ينجمد ثلجا، وبعبارة أعم، إن المقدمات ~~عندنا قلما تنتج نتائجها، والنتائج قلما تتفرع عن مقدماتها الصحيحة، انظر - مثلا - إلى ~~الخطة التي وضعناها منذ ربع قرن لمحو الأمية، حسبنا الحساب وقلنا سنفعل كذا وكذا، وستنمحي ~~الأمية بعد كذا من السنين، وتمضي السنون، وتسأل كيف الحال؟ فلا تجد من يعرف كيف يجيب؛ ليس ~~لك أن تعجب لحدوث شيء في أي زمان وأي مكان؛ لأن العجب إنما يكون لشذوذ يحدث وسط انتظام ~~واطراد فيستوقف النظر ويستثير العجب، أما إن كان الأصل في الأشياء هو أن لا نظام ولا اطراد، ~~فلا عجب ولا تعجب، إلا إذا شاء الله لجزء من الحوادث في ركن من البلاد أن يسير مؤقتا على ~~سياق منتظم من قانون معلوم! ليس في ذلك مبالغة أو إسراف، فالذي يلفت أنظارنا اليوم هو أن ~~نجد رجلا قد اؤتمن على عمل للشعب أو مال للدولة فأنجز العمل أمينا، أو أدى المال ~~كاملا. # ولعل كبار كتابنا قد أدركوا أنهم كانوا ينفخون في قربة مقطوعة حين كانوا يقصدون إلى ~~الجد فيما يكتبون، فانقلبوا إلى كتابة التسلية وإزجاء الفراغ، وشجعهم على ذلك أن بعض ~~الشركات المالية التي أرادت لها المصادفة أن تشرف على إصدار الصحف والمجلات، قد أغرتهم ~~بالمال، على شرط أن يكتبوا لها ما تطلب إليهم الكتابة فيه وبالمقدار الذي تطلبه، وبالكثافة ~~التي تقررها. والموضوع والمقدار والكثافة عند أصحاب تلك الشركات المالية، كلها أمور يقررها ~~الجمهور الشاري؛ إذ لا فرق عندها بين المجلات والصحف التي تنزلها إلى السوق، وبين رءوس ~~الماشية وقوالب الطين، والفول والعدس؛ كلها سلع تجارية، ولا بد فيها جميعا أن ينظر إلى ~~الشروط الصالحة للبيع والشراء ... # إذا فقد انصرف كتابنا الكبار عن الكتابة الجادة لسببين: الأول أنهم وجدوا كتابتهم لا ~~تغير من الأمر الواقع شيئا؛ فالناس هم ms148 الناس سواء كتب الكتاب أو لم يكتبوا، والثاني هو أن ~~زمام الكتابة لم يعد في أيديهم هم، بل انتقل إلى أصحاب رءوس الأموال الذين اختاروا لاستغلال ~~أموالهم تجارة الصحف والمجلات، ولك إن شئت أن تنظر إلى إنتاج هذا الأديب أو ذاك، فتأتي ~~بمجموعة من مقالاته التي أصدرها منذ عشرين عاما أو ثلاثين، ثم تقارنها بمجموعة من مقالاته ~~التي يكتبها هذه الأيام في المجلات التي أعنيها، وسترى الفرق واضحا: كان هناك جد وعزم ~~على تغيير عقول القراء، فأصبح هنا استهتار وعدم مبالاة بما يجري به القلم؛ لأن الأمر عنده ~~وعند صاحب المجلة لم يعد يزيد أو يقل عن صفحتين يكتبهما ليتسلى بهما القارئ حين لا تسعفه ~~للتسلية وسيلة أخرى. # لكن لو أخلص هؤلاء الكتاب لوجدوا أن مهمتهم لا تزال باقية على حالها، فهم لم يغيروا من ~~عقائد الناس شيئا، إذ لا يزال الناس في حالة شبيهة جدا بما كانت عليه أوروبا في العصور ~~الوسطى ... إن أميز ما يميز التفكير في العصور الوسطى هو الاستناد في الأحكام على الكتب ~~القديمة، فإذا قال قائل قولا وطالبه السامعون بالسند ارتد إلى الكتب القديمة يستخرج ~~الدليل، حتى إذا ما وجده اقتنع هو واقتنع السامعون على السواء، والنهضة الأوروبية التي جاءت ~~لتنفض غبار العصور الوسطى، كان معناها هو هذا: أن يرجع الناس في أحكامهم إلى ما تقوله ~~الطبيعة وما يقوله الواقع، وأن تكون وسيلتهم إلى ذلك هي عيونهم وآذانهم؛ لأن الله أرحم ~~جدا وأقدر جدا من أن يقصر العيون والآذان على عصر واحد ذهب ومضى ليكون الناس من بعده ~~صما عميا لا يسمعون ولا يبصرون. # لا يزال الناس عندنا في حالة شبيهة جدا بما كانت عليه أوروبا في العصور الوسطى، يؤمنون ~~بأفواه مفتوحة ولعاب سائل، فإذا تمنينا لهم شيئا، فهو أن يقيض لهم الله من أصحاب الفكر ~~وأرباب القلم مثل من أنعم بهم على عباده من الأوروبيين إبان نهضتهم، فلو استعرضت أوروبا ~~عندئذ بخيالك وجدت مفكريها وكتابها قد عقدوا عزما من حديد على تنظيف الرءوس وتجديد ms149 ~~النفوس؛ ليستقبل الناس عهدا جديدا، هو الذي نسميه اليوم بأوروبا الحديثة - فأين لنا من ~~علمائنا من يقوم بالدور الذي قام به جاليليو وكبلر ونيوتن إبان النهضة الأوروبية، ليلفتوا ~~أنظارنا إلى الطبيعة ندرسها، بدل الانطواء على أنفسنا مكبين على صفحات صفر معفرة ~~بالتراب؟ وأين لنا من فلاسفتنا من يدعو إلى ما دعا إليه ديكارت وبيكن أيام النهضة ~~الأوروبية، ليرسموا لنا منهاج التفكير الجاد الصارم، الذي لا يلين أمام عاطفة حتى يبلغ ~~الحق، وهو في سبيل ذلك يتشكك ويتثبت ويتحقق حتى لا ينخدع بإيمان السذج البلهاء؟ وأين ~~لنا من أدبائنا من يكتب بمثل الأقلام التي كتب بها سير فانتيز ومونتيني وشكسبير، ليهزوا ~~فينا الخيال هزا عنيفا، فترتسم الدنيا أمام أنظارنا في صورة جديدة؟ # لا، ليس بيننا العلماء وليس بيننا الفلاسفة، لا ~~صغار ولا كبار، وأعظم من يعظمون في أعيننا من هؤلاء هم «تلاميذ» حفظوا كثيرا أو قليلا مما ~~كتبه العلماء والفلاسفة في أوروبا التي نعوذ بالله من شيطانها الرجيم! إننا نتسامح في ~~استعمال الألفاظ إلى الحد الذي نقول عنده عن فلان إنه «عالم» حين يكون فلان هذا قد وعى ~~رأسه قائمة طويلة من الحقائق التي وصل إليها العلم، لكن «العالم» الحق ليس هو من وعى ~~وحفظ، إنما هو من عرف كيف يسأل الطبيعة سؤالا وكيف يجعلها تجيب له عن سؤاله بما يجري من ~~تجارب في أنابيبه ومخابيره، وليس بيننا من يعرف كيف يسأل الطبيعة سؤالا جديدا، ويجعلها ~~تجيب له عنه جوابا يذيعه في العالم المتحضر على أنه من كشفه هو ومجهوده هو. # لا، ليس بيننا العلماء وليس بيننا الفلاسفة، وكان يمكن أن يكون بيننا الأدباء، لكنهم - ~~واحسرتاه - قد انصرفوا عن مهمتهم إلى حيث الكلام الخفيف اللطيف، الذي يبيعونه لشركات الصحف ~~والمجلات، بيع التاجر الذي يراعي في سلعته ظروف العرض والطلب. # ولم يكن قد حان الوقت بعد لهؤلاء الكتاب أن يلقوا السلاح من أيديهم؛ لأننا لم نزل أمة في ~~عصورها الوسطى، تنتظر الانتقال إلى العصر الحديث على أيديهم، إنه لمما يستوقف النظر في ms150 ~~أمتنا أنها تنقسم قسمين: أقلية ضئيلة جدا في ناحية وأكثرية كبيرة جدا في ناحية أخرى، ~~وهي تنقسم هذين القسمين في كل شيء: في الثروة، وفي العلم، وفي التحضر بأسباب المدنية ~~الحديثة، فأقلية ضئيلة بلغ بها الغنى حد الإفراط، وأكثرية كبيرة مرغها الفقر في الوحل، ~~وأقلية ضئيلة بلغت من العلم شأوا، وأكثرية كبيرة نزلت من الجهالة إلى حد الأمية التي لا ~~تقرأ ولا تكتب، وأقلية ضئيلة تكاد تنخرط مع الأوروبيين في حضارتهم، وأكثرية كبيرة لم ~~تلمسها يد القرون التي تتابعت على الإنسانية في تاريخها الطويل. # إننا لم نزل أمة بدائية في احتكامنا إلى العواطف حيث ينبغي تحكيم العقل، فبالعاطفة نرفع ~~الحكومات ونخفضها، وبالعاطفة نرسم المشروعات وننسخها، وبالعاطفة نخالف الدول الأخرى ~~ونخاصمها، وبالعاطفة نملأ المناصب ونخليها، وبالعاطفة نؤيد ونعارض ونستحسن ونستهجن؛ أفتكون ~~هذه حالنا والكتاب عندما مشغولون بالكتابة الخفيفة لتسلية القراء وإثراء الشركات ~~الصحفية؟ # إننا لم نزل أمة بدائية تملأ الخرافة رءوسنا، نتشاءم ونتفاءل ونؤمن إيمان العجائز، واسمع ~~القصة الآتية واسخر: أقمنا ذات يوم حفلا نودع به راحلا ونستقبل قادما، وجلس على المائدة ~~أمامي رجل صناعته تدريس الفلسفة في الجامعة، فأخذ هذا الفيلسوف يقص علينا كيف يفعل الإيمان ~~الأعاجيب، قال: كان في شبرا شيخ تقي صالح، له مريدون كثيرون، وكنت أحضر جلساته أحيانا، ~~وقد أخذ يعلم تلاميذه كيف يقولون البسملة بإيمان، ثم يمشون بعد ذلك على سطح الماء فإذا هم ~~يدوسون بأقدامهم على مسطح أصلب من الحجر، وحدث ذات مرة لبائع فجل (ولست أدري لماذا وقعت ~~الواقعة لبائع الفجل وحده، ولم يقع مثلها لزميله الأستاذ الفيلسوف) من تلاميذ الرجل أن فرغ ~~من بيع بضاعته، وأراد الرجوع إلى داره في إمبابة، وسار على قدميه شوطا، ثم تنبه فجأة إلى ~~دروس أستاذه الشيخ، فوقف على شاطئ النيل، وأغمض عينيه، وقال بكل قلبه «بسم الله الرحمن ~~الرحيم» ثم مشى، فإذا هو الماشي من النهر على أرض يابسة! - هكذا قص علينا الفيلسوف قصته، ~~ولولا أنني أتمنى له السلامة لتمنيت عندئذ أن يقوم هو الآخر بالتجربة عينها؛ ms151 ليتخفف الشعب ~~من عامل من عوامل التخريف - وإن كان هذا شأن القمة العليا من طبقة «المثقفين» (؟!) فماذا ~~تكون حال الملايين من السواد؟ أفبعد هذا كله يلقي كبار كتابنا من أيديهم أقلامهم الجادة ~~كأنما قد فرغوا من مهمتهم، ولم يبق عليهم سوى أن يكتبوا ما تطلب إليهم شركات الصحف كتابته ~~لتسلية القراء؟ # ونحن لم نزل أمة بدائية في عقيدتنا بأن الإنسان ألعوبة في يد القدر، فتلك هي نظرة الشعوب ~~الأولى التي لم تكن تدري كيف يسقط المطر، ولا كيف ينبت الزرع، ولا من أين تمتلئ الأنهار، ~~ومن أين يجيء الأحياء، وإلى أين يذهب الموتى. إنها شعوب لم تكن تدري من ذلك كله شيئا، ~~فالتمست علة التغير في خيوط مستورة أطرافها في كف مارد جبار لا تراه العيون، أخذ يشد هذا ~~الخيط أو ذاك كيف شاء، ويعبث بالناس من حيث يشعرون ولا يشعرون، فاستضعفوا أنفسهم إزاء هذا ~~«القدر» المتخفي؛ إذ لا حيلة لهم بين يديه، لكن العلم أخذ يكشف للناس عن ألاعيبه، فيظهرهم ~~على خيوطه السحرية خيطا في إثر خيط، كما يفسر لنا الحاوي سر ما يبهرنا من فعله، والفرق ~~كبير جدا في تكوين الشخصية وبناء الأخلاق بين رجل هتك ستر «القدر» ورجل لا يدري من أمره ~~شيئا: الأول يشعر بالثقة والقوة، والثاني يخنع ويخضع. انظر إلى الناس من حولك، انظر إلى ~~عيونهم وقسمات وجوههم، تجد الاستكانة والمذلة قد ارتسمت في نظراتهم وعلى شفاههم، ولأمر ما ~~يسير المصري عادة مطأطئ الرأس يحف الأرض بقدمه حفا خفيفا، ويمشي الأوروبي مرفوع الرأس ~~يضرب الأرض بقدميه ضربا قويا، إنك قل أن تجد أوروبيا قد أسدل جفنيه على عينيه، بل هو ~~دائما ينظر وكأنما ستلفظ نظراته الشرر، بينما يندر أن تقع على مصري في مستطاعه أن ينظر ~~إليك بعين مفتوحة: عند الأول جرأة على الحياة وعند الثاني جبن وخوف؛ لأن الأول قد علموه أنه ~~سيد الكون، أما الثاني فقد لقنوه أنه ألعوبة في يد «القدر»؛ أفبعد هذا كله يترك الكتاب ~~أقلامهم الجادة ليكتبوا «الطقاطيق» الخفيفة التي ms152 تطلب إليهم الشركات الصحفية أن ~~يكتبوها؟ # لا، إنه لا تكفينا إزاء ذلك كله أقلام تكتب الجد بمداد على ورق، بل نحن في أمس الحاجة ~~إلى أقلام تنفث من أسنانها الحمم الذي يلسع الجلود ليستيقظ الرقود. # | إعانة المجلات العلمية # لوزارة التربية والتعليم جهود مشكورة في تشجيع الحركة العلمية والفنية في كثير من صورها، ~~تشجيعا لولاه لما استطاعت تلك الحركة - في أرجح الظن - أن تحقق هذا الذي حققته اليوم على ~~قلته وضآلته. # فهي تعين المدارس والجامعات إعانة مبسوطة الكف لا تدخر في ذلك وسعا، حتى لتدفع كل نفقات ~~الطالب في بعض المراحل التعليمية، وقسطا كبيرا من تلك النفقات في المراحل التعليمية ~~الأخرى، وهي تدفع مكافآت مجزية في تشجيع حركة الترجمة حتى لقد يبلغ ما تدفعه أجرا على ~~ترجمة الكتاب أحيانا مبلغا يزيد على ما يكسبه مؤلف الكتاب نفسه، وهي تبذل بذلا حميدا في ~~تشجيع المؤلفين بشراء بضع مئات من كل كتاب تقريبا، مما يعوض على المؤلف شيئا مما أنفقه ~~في تأليف كتابه من جهد ومال، وهي تعين الفرق التمثيلية الأجنبية والمصرية على السواء بألوف ~~الجنيهات كل عام، وهي كذلك تسخو على كثير من الجمعيات العلمية والنوادي الأدبية والاجتماعية ~~بمال كثير أو قليل، وهكذا وهكذا إلى آخر ما تنفقه الحكومة في هذا السبيل، وإذا فهي جهود ~~للحكومة مذكورة مشكورة مهما يكن بها من نقص هنا أو عيب هناك، إن لم تصلحه اليوم، فهي لا بد ~~فاعلة غدا، فحسبك من أصحاب الحكم في هذا الصدد أن تراهم قد ولوا وجوههم نحو الخير ~~الصحيح، فإن كان في خطاهم تعثر في أول الطريق، فالأرجح أن يعتدل بهم السير بعد ~~حين. # لكننا نرى أن وزارة التربية والتعليم قد غفلت عن إعانة المجلات العلمية إعانة تمكنها من ~~القيام بواجبها على نحو كامل، وهي بإغضائها عن هذا الجانب من البناء الثقافي بمثابة من ~~يصلح الأدوار العليا من البناء ويترك الأساس متداعيا منهارا، ولست أطلق الكلام هنا ~~إطلاقا عن غير وعي بمعناه، وإنما أعني هذا الذي أقوله بأدق ما يؤديه ms153 من معنى. # فالمجلات العلمية والأدبية هي حقل التجارب الذي يخرج لنا الكتاب والمؤلفين فيما بعد، فإذا ~~أنت محوته فقد محوت تسعة أعشار الفرصة التي تتهيأ للأقلام الناشئة، وبالتالي فقد محوت ~~تسعة أعشار المؤلفين في الجيل المقبل، ولست بذلك أعني أن المجلات العلمية مقصورة على أقلام ~~الناشئين، لكنها توشك أن تكون هي المجال الوحيد أمام هؤلاء، أما الكاتب الذي استقام واعتدل ~~وقويت ساقاه فيستطيع أن يتنفس في الكتب إن ضاقت أمامه المجلات التي تتناسب مع مكانته ~~العلمية والأدبية، وأنا أقول ذلك تفاؤلا مني بكبار كتابنا، وإلا فلو قلت ما أعتقده حقا ~~لقلت مرة أخرى ما أعلنته في مواضع عدة، وهو أن الكاتب عندنا في معظم الأحيان تستنفد مجهوده ~~المقالة الواحدة، وليس هو كالكاتب الأوروبي بمستطيع أن يستطرد مع فكرته حتى يملأ بها ~~كتابا، وإذا فإضعاف المجلات العلمية والأدبية عندنا معناه المباشر هو سد الطريق في وجوه ~~أصحاب القلم جميعا، صغارهم وكبارهم على السواء. # كانت المجلات والصحف عندنا هي المعمل الذي أخرج لنا قادة الفكر الذين نفخر بهم ونعتز، ~~والذين نخشى مخلصين أن يتركوا وراءهم فراغا يستحيل على الجيل التالي لهم أن يملأه، فلولا ~~الكتابة الصحفية لما كان لدينا العقاد والمازني وطه حسين وأحمد أمين وهيكل وغيرهم، وقد كدت ~~أقول توفيق الحكيم، وأنا أتحفظ بالنسبة إلى الأستاذ الحكيم لأنه على خلاف هؤلاء جميعا قد ~~بدأ أدبه الممتاز بالكتاب الكامل، ثم جرفه التيار العام، فعقب على الكتاب بالمقالة، وأتبع ~~مرحلة التمثيلية الكاملة ذات الفصول، بمرحلة التمثيلية ذات الفصل الواحد، التي تتناسب مع ~~الإخراج الصحفي، وهو لا شك سير في الطريق من آخره إلى أوله، لكنه يدل دلالة قوية على سيطرة ~~المجلة أو الصحيفة على أدبائنا، فكيف إذا تكون الحال لو عشنا في خلاء من مجلات وصحف أدبية ~~ممتازة؟ # فكر في قادة الأدب عندنا واحدا بعد واحد، واسأل: ماذا يستطيع فلان أن يكتب إذا امتنعت ~~دونه كتابة المقالة ؟ تجد جواب السؤال حاضرا في أغلب الحالات، وهو: لا يستطيع أن يكتب ~~شيئا؛ لأنه أضحل فكرا ms154 من أن يخرج فكره في كتاب متصل، وكم مر علينا من تجارب، سدت فيها ~~أبواب الصحف على كبار كتابنا، فسكتوا وطووا أقلامهم لأن الواحد منهم إما أن يكتب مقالة أو ~~لا يكتب شيئا، والكثرة الغالبة من نتاجنا الأدبي الذي يتخذ في النهاية صورة الكتب، إن هي ~~إلا مقالات جمعت في كتب، وليست هي بالكتب الأصيلة التي أنشأها منشئوها على أساس الكتاب لا ~~على أساس المقالة. # لست ها هنا ناقدا يشير إلى وجه من أوجه النقص في إنتاجنا الأدبي والعلمي، ولكني أصف هذه ~~الحالة لأنتهي إلى النتيجة التي تتفرع عنها، وهي أنه إذا انعدمت المجلات الأدبية والعلمية ~~فقد انعدمت بالتالي الفرصة الوحيدة التي يتنفس فيها كبار كتابنا، والتي تهيئ مجال المران ~~لصغارهم الناشئين. # قرأت في العدد الأخير من المجلة الإنجليزية «القرن التاسع عشر وما بعده» مقالا هو الذي ~~انبثقت منه فكرة هذا المقال الذي أكتبه، إذ قرأت تحت عنوان «حالة الجمعيات العلمية» (في ~~إنجلترا) ما يشبه البكاء على تدهور الجمعيات العلمية هناك بسبب قلة الإعانة المالية التي ~~تقدمها حكومتهم إليها. ويقول كاتب المقال متجها بقوله إلى رجال الحكومة: إننا في أثناء ~~الحرب الأخيرة قد حرمنا كثيرا من ألوان التسلية واللهو، حتى يتوافر مجهودنا كله للقتال، ~~ومع ذلك لم نجرؤ على تحريم سباق الخيل، وكانت حجة الحكومة عندئذ هي أن إغلاق حلبات السباق ~~يؤدي إلى تعريض تربية الجياد الكريمة لخطر جسيم، ولما كانت الحكومة حريصة على اتصال سلسلة ~~الجياد الكريمة حتى لا ينقطع حبلها، فقد أبقت على الدافع الأول إلى تربيتها والعناية بها، ~~ألا وهو السباق وحلبته. وبعد هذا التشبيه ينتقل الكاتب إلى حالة الجمعيات العلمية عندهم، ~~فيقول: أليست تحرص الحكومة على اتصال سلسلة رجال الفكر كما كانت تحرص على الجياد الأصيلة؟ ~~إنها لا بد حريصة على ذلك أشد الحرص، وإذا فلا مناص من صيانة الحلبة التي يؤدي وجودها إلى ~~وجود رجال الفكر، ويؤدي انعدامها أو ضعفها إلى انعدامهم أو ضعفهم، وما تلك الحلبة سوى ~~الجمعيات العلمية بما لها من مكتبات ومجلات ms155 وغيرها. # ويقول كاتب ذلك المقال أيضا: إن هنالك المجامع العلمية الرسمية، مثل «المجمع الملكي» ~~للعلوم الطبيعية والرياضية، و«المجمع العلمي البريطاني» للتاريخ والأدب والفلسفة والآثار، ~~هذه المجامع العلمية الرسمية تحظى برعاية الحكومة على الوجه الأكمل، لكن كيف السبيل إلى ~~إمداد تلك المجامع بقادة الفكر إن لم يكن لدينا «جمعيات» تكون بمثابة صفوف الشعب التي تخرج ~~منها هؤلاء القادة؟ هل تستطيع أن تظفر بالقادة دون أن يكون لديك المجال الذي يتخرجون فيه ~~ويتمرسون في ميدانه؟ فلا مناص لنا - إذا - من رعاية الجمعيات العلمية والأدبية حتى تخرج ~~لنا فيما بعد قادة المجامع. # وإن صح هذا القول مرة واحدة في إنجلترا، فهو صحيح ألف مرة بالنسبة لنا في مصر وسائر ~~بلدان الشرق العربي، ونحن ننظر إلى مجلاتنا العلمية والأدبية نظرتنا إلى «الجمعيات العلمية» ~~التي وردت في المقال الذي أشرنا إليه. # انظر إلى «المجمع اللغوي» عندنا - مثلا - هو يضم فريقا من القادة، تجد أعضاءه جميعا قد ~~بلغوا ما بلغوه بفضل المجلات والصحف التي هيأت لهم سبيل الكتابة في شبابهم وكهولتهم على ~~السواء، ولك أن تسأل بعد ذلك: ما مصير كتابنا الناشئين الذين يحملون بذور التفكير والكتابة، ~~إذا لم يجدوا أمامهم المجلات القوية التي تعينهم وتشجعهم على الكتابة والتفكير؟ أليس واجبا ~~محتوما على القائمين بالأمر أن يتعهدوا هذا المصدر حتى يضمنوا لحياتنا العلمية استمرارا ~~وازديادا في القوة والنماء؟ أم تراهم يحسبون أن الزمان قد وقفت دورته، وأن الحاضر هو ~~الزمان كله من أزله إلى أبده؟ # إن الصراحة هنا واجبة لأن الأمر في رأينا خطير غاية الخطر، فإذا استثنيت المجلات التي ~~تصدرها دور النشر الكبرى صاحبة رءوس الأموال الضخمة، وجدت سائر مجلاتنا الأدبية المحترمة ~~في طريقها إلى الانهيار والزوال، وما قيامها إلا تضحية كبرى من أصحابها، أين المجلات التي ~~شهدها شباب الجيل الماضي - والتي كانت ميدان قاد الفكر عندنا اليوم - السياسة الأسبوعية ~~والبلاغ الأسبوعي والرسالة في عنفوانها والثقافة في إبانها ؟ بل أين المجلة القوية التي لم ~~تشهد النور إلا حقبة قصيرة؛ مجلة الكاتب المصري؟ زالت كلها أو ms156 هي كالزائلة؛ لأن الحكومة لا ~~تعينها بالقدر الذي يمكنها من البقاء، ولا يكفي من الحكومة أن تعين بشراء بضع مئين من ~~أعدادها، بل لا بد هنا من السخاء في العطاء؛ لأن المسألة متعلقة ببنائنا الفكري من ~~أساسه. # لا ينبغي لوزارة التربية والتعليم أن تترك المجلات العلمية لعوامل العرض والطلب في السوق، ~~وإلا فلن يكون هناك مجلة علمية واحدة؛ لسبب بسيط، وهو أن السوق تتطلب مادة سهلة للتسلية، ~~والمجلات التي في مقدورها اليوم أن تعيش عيش الرغد والرواج هي التي تغذي ذلك الاتجاه في ~~السوق، غير آبهة بمثل أعلى لا بد من فرضه على جمهور القراء، فليس من الحكمة في شيء أن ~~تتركوا أصحاب الفكر لأبناء الشارع يسيرونهم كيف شاءوا، كما تتركون بائعي الصابون لعوامل ~~العرض والطلب في سوق البيع والشراء. # | جناية الأدباء # كانت أمسيات الصيف كثيرا ما تثقل على كاهلي، فلا أدري كيف أخلص من ساعاتها الطويلة ~~المديدة التي تسبق النوم؛ لذلك كنت أطيل التردد على السينما في دورها الصيفية المكشوفة، حيث ~~«أقتل» قتلا من مسائي ثلاث ساعات أو أربعا، ألهو فيها عن نفسي بما أرى على الشاشة، وكان ~~معظم الأفلام التي عرضت في تلك الدور المكشوفة التي قصدت إليها وقصد إليها ألوف كثيرة ~~جدا ممن هجروا ديارهم فرارا من حرارة الصيف، كان معظم هذه الأفلام عربي التأليف ~~والتمثيل. # وإني لأشهد الله أني ما عدت من هذه الأفلام العربية ليلة، إلا ضيق النفس بما قد رأيت، ~~آسفا لهذه الهاوية التي نعيش في ظلماتها فنا وذوقا وتمثيلا وإخراجا، ثائرا على ~~أدبائنا الذين غضوا أنظارهم عن هذه الصفحة البيضاء التي فتحت لهم صدرها رحبا ليملئوها ~~بنتاج أقلامهم؛ غضوا عنها أنظارهم، فانتهبها أصحاب الأذواق الفجة السقيمة، التي لا تميز ~~بين طيب وخبيث، أستغفر الله، بل لعلها تميز بين الطيب والخبيث تمييزا تستطيع به أن تمحو ~~الطيب كله وأن تثبت الخبيث كله. # ولست أقصد بالخبيث هنا خبيث الأخلاق كما قد تراءى لكثيرين ممن تعرضوا لنقد أفلامنا ~~العربية؛ لأني رجل لا أبالي في الإنتاج الفني ms157 بالأخلاق طيبها وخبيثها على السواء، بل لا ~~أكاد أفهم اللغة التي يتحدث بها الذين ينقدون الفنون على أساس الأخلاق، ماذا عساهم يريدون ~~بالخير الأخلاقي أو الشر الأخلاقي، حين يقولون في نقدهم لإنتاج فني إنه خير أو إنه شر؟ إن ~~الكاتب الذي يصور ملاكا رحيما تصويرا بارعا كالكاتب الذي يصور شيطانا رجيما ~~تصويرا بارعا ... أم تراهم يقصدون بكلامهم عن الخير والشر في الإنتاج الفني، ما يبثه هذا ~~الإنتاج في نفوس الناس من تعاليم؟ فالأدب الخير عندهم هو ما علم الناس أخلاقا تواضعنا ~~على اعتبارها رفيعة سامية، والأدب الخبيث عندهم هو ما علم الناس اخلاقا اتفقنا على ~~اعتبارها خسيسة دنيئة؟ لو كان هذا ما يقصدون إليه بنقدهم؛ إذن فالطامة أكبر، وفهمهم ~~للأدب أبعد جدا من الفهم الصحيح؛ لأن الأدب الذي يعلم الناس شيئا ليس من الأدب في ~~كثير، وربما كان من الأدب في قليل ضئيل، فلم يخلق الله الأديب - أو رجل الفن بصفة عامة - ~~أديبا أو فنانا ليقف من الناس معلما وواعظا، بل خلقه أديبا أو فنانا ليحاكي الطبيعة ~~في خلقها للكائنات، فيضيف إلى خلقها خلقا جديدا من نوع جديد ... لكني لا أريد استطرادا في ~~هذا، فما أكتب الآن لأوضح رأيا في طبيعة الفن، بل أكتب في خاطرة كانت تتردد على رأسي كلما ~~قصدت دارا من دور السينما التي تعرض أفلاما عربية. # أعود فأقول: إني لم أرد بالخبيث خبيث الأخلاق، حين ذكرت عن أصحاب الأفلام العربية أنهم ~~يثبتون على شاشتهم كل الخبيث ذوقا وفنا ولا يفسحون للطيب من تلك الصفحة البيضاء مكانا ~~كبيرا أو صغيرا. # فالله أعلم مني بطبيعة هذا الذوق الذي يبيح لصاحبه أن يحشر في القصة الواحدة - وفي كل قصة ~~مما تعرضه الأفلام العربية - كل ما تحويه الأرض والسماء من الحوادث الضخمة الغليظة، التي ~~تكفي كل حادثة منها عشرين قصة حتى يتم تحليلها ... فلا بد عند الكاتب الذي يكتب للسينما ~~المصرية، أن يكون في القصة الواحدة يتم وتشريد وزواج وطلاق وغدر وخيانة وتهتك في ~~المراقص والملاهي بالنسبة للأغنياء، وعفة وأمانة ms158 بالنسبة للفقراء، فلا أذكر أني رأيت فيلما ~~واحدا يخلو من شاب غني ذهب إلى مرقص فأحب راقصة بعد أن أراد العبث بها فردته عن العبث ~~الحرام، ولما أراد الزواج منها وقف له أبوه الغني حائلا بينه وبين من أحب، ثم لا بد أن ~~تكون هذه الراقصة قد لجأت إلى رقصها عن طلاق أصاب أمها، أو عن موت حرمها والدا، فاضطرت ~~إلى الكسب عن هذا الطريق ... وأنا أعيش في مصر كما يعيش هؤلاء الكتاب الذين يكتبون القصص ~~للسينما المصرية، ولا أعلم أين أجد ما يجدونه بهذه الكثرة من أمثال هذه الحوادث؟ فكم رأوا ~~من الشبان الأثرياء الذين تزوجوا من راقصات الملاهي رغم ذويهم؟ وكيف تقصوا أنباء هؤلاء ~~الراقصات فعلموا أنهن جميعا لاجئات من جوع وتشريد؟ وأن واحدة منهن لم تلجأ إلى الرقص عن ~~هواية وفن؟ لكن على رسلك! فإلى من توجه هذه الأسئلة؟ أتوجهها إلى أصحاب القصص ~~السينمائية العربية، زعما منك بأنهم أدباء يعلمون ماذا يصنعون، وهم أنفسهم لا يدعون ~~لأنفسهم هذا الذي تلصقه بهم رغم أنوفهم. # هل يعلم أصحاب هذه القصص التي تعرض على شاشة السينما، أنهم يصورون بقصصهم أغلظ الأذواق ~~الهمجية؛ إذ يقصرون تصويرهم على الحوادث الصارخة التي تتلاحق تباعا كأنها سيل من القنابل ~~المتفجرة؟ فصاحب الذوق الهمجي البدائي وحده هو الذي يميل إلى هذا الصراخ كله كي يصحو من ~~نعاسه، وهو وحده الذي لا يطمئن في ألوانه المختارة إلى الهادئ الخافت، ولا يطمئن في حديثه ~~إلى الصوت الخفيض، ولا تكفيه في حياته اللمسات الخفيفة. أما من أصاب شيئا من تحضر وتهذيب، ~~فتراه هادئ الطبع لا يرتاح إلى زعيق في الصوت أو ضجيج في الحركة أو صراخ في اللون، وحسبه ~~إشارة هامسة إذا أردت له يقظة والتفاتا، ولا أحسبنا من همجية الذوق بهذه الدرجة كلها التي ~~فرضها أصحاب الأفلام العربية. # إنه لا عجب أن نرى الأفلام العربية كلها صورة تكاد تكون واحدة لا جديد فيها، صورة واحدة ~~تتكرر، بحيث تستطيع أن تعلم في يقين أو شبهه أي الحوادث أنت ms159 راء على الشاشة قبل أن تعرض ~~القصة؛ لأن كل واحدة من هذه القصص تحيط بحوادث الدهر كلها، لا تدع منها شيئا إلى قصة أخرى ~~... وهل رأيت فيلما واحدا قد قصر نفسه على فكرة واحدة يعرضها بظلالها وأضوائها، كهذا الذي ~~نشاهده في الأفلام الأوروبية والأمريكية الجيدة؟ # لكن فيم هذا اللوم كله والنقد كله؟ إنما ينصرف اللوم إلى أدبائنا الذين جنوا على أدبهم ~~وعلى الناس جناية كبرى، إذ تركوا ميدان الشاشة السينمائية لسواهم من غير ذوي الفهم الأدبي ~~والذوق الفني، ولعلهم تركوا شاشة السينما لغيرهم؛ لأنهم نفضوا أيديهم من القصة والمسرحية ~~جملة واحدة - إذا استثنيا حالات قليلة تعد على أصابع اليد الواحدة - إن كبار أدبائنا ~~يكتبون ويكتبون، ولست أدري والله فيم يكتبون، إذا كنت تلتمسهم في ميدان القصة والمسرحية ~~فلا تكاد تعثر لأحد منهم على أثر، كأنما هم لا يعلمون - مع أنهم خير من يعلمون - بأن العالم ~~كله لا يكاد يعرف من الأديب الكبير إلا كاتبا للقصة أو منشئا للمسرحية. # أدباؤنا الكبار في شغل عن القصة والمسرحية بما يكتبونه للصحف اليومية والأسبوعية من ~~مقالات يذكرون فيها نتفا وعجالات عن السياسة والاجتماع، وإذا قلنا إنهم في شغل عن القصة ~~والمسرحية فقد أوشكنا أن نقول إنهم في شغل عن الأدب. # كيف يجوز لأدبائنا الذين هم في الطليعة، أن يزعموا لنا أو لأنفسهم أنهم يصورون آمالنا ~~ومخاوفنا إن كانوا لا يخلقون لنا بأيديهم أشخاصا تتجسد في سلوكهم هذه الآمال والمخاوف؟ هل ~~يجوز لأديب واحد من هؤلاء الكبار أن يدعي بأنه قد صور الرجل من الطبقة الوسطى الفقيرة ~~بمثل ما صوره ممثل لم يكن ينتمي إلى طائفة الأدباء، وأعني به المرحوم نجيب الريحاني؟ هل ~~يجرؤ أديب واحد من أئمة أدبائنا أن يدعي بأنه قد صور الفساد الذي كان، والذي نرجو ألا ~~يكون، في شخص أو أشخاص أحسن خلقهم وتصويرهم؟ # أليست فضيحة ثقافية كبرى أن تسألني: ما أبرز السمات التي تميز الأدب الإنجليزي اليوم، ~~فأجيب، وأن تسألني السؤال نفسه عن الأدب المصري فلا أستطيع الجواب؟ ... إنها فضيحة ms160 ثقافية؛ لا ~~لأني أعجز عن تحليل أدبنا المصري المعاصر فأعجز عن إخراج سماته وخصائصه، بل لأني أبحث - حين ~~أبحث - عن الأدب الممثل لنا اليوم في قصة أو مسرحية فلا أكاد أجد من ذلك شيئا، إنك إذا ~~أردت تحليل الأدب الإنجليزي أو الفرنسي - مثلا - لتستخرج خصاصه المميزة، فلا تستعرض الصحف ~~اليومية هناك التماسا لما تريد، بل تستعرض كتبا وقصصا ومسرحيات، فما الذي أستعرضه هنا من ~~كتب وقصص ومسرحيات لأخلص إلى الاتجاه العام الذي يشترك فيه كبار الأدباء عندنا؟ # إن أئمة الأدب في شغل عن الأدب بما لست أدري ماذا، وهيأت لهم شاشة السينما مجالا ~~فسيحا، إذا أرادوا حقا أن يتعقبوا حياتنا بالتصوير، وأن يعرضوا على الناس قطعا حية من ~~نفوسهم وما يختلج فيها من خواطر ومشاعر، لكنهم أجمعوا فيما بينهم - أو كادوا يجمعون - على ~~أن يتركوا هذا المجال الأدبي لغير الأدباء، فجنوا على أنفسهم وعلى الأدب وعلى الناس جناية ~~لا يمحوها عنهم إلا غفران من الله ورحمة. ms161