######OpenITI# #META# URI: 1414ZakiNajibMahmud.MinZawiyaFalsafiyya.Hindawi39091385 #META# Tags: philosophy #META# ID: 39091385 #META# Title: من زاوية فلسفية #META# AuthorID: 64904748 #META# Author: زكي نجيب محمود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفكر الفلسفي في مصر المعاصرة1‏ # من معاركنا الفلسفية‏ # نحن وقضايا الفكر في عصرنا‏ # الإنسان والرمز‏ # هذه الكلمات وسحرها‏ # قيمة القيم‏ # الأمانة التي حملها الإنسان‏ # تشابه الناس آفة عصرنا‏ # موقف ابن خلدون من الفلسفة1‏ # فلاسفة معاصرون‏ # مقومات الشخصية الإفريقية الآسيوية1‏ # الفكر الفلسفي في مصر المعاصرة1‏ # من معاركنا الفلسفية‏ # نحن وقضايا الفكر في عصرنا‏ # الإنسان والرمز‏ # هذه الكلمات وسحرها‏ # قيمة القيم‏ # الأمانة التي حملها الإنسان‏ # تشابه الناس آفة عصرنا‏ # موقف ابن خلدون من الفلسفة1‏ # فلاسفة معاصرون‏ # مقومات الشخصية الإفريقية الآسيوية1‏ # | من زاوية فلسفية # | من زاوية فلسفية # تأليف # زكي نجيب محمود # | الفكر الفلسفي في مصر المعاصرة1 # 1 # كان «تهافت الفلاسفة» الذي ألفه الإمام الغزالي في ختام القرن الحادي عشر ~~الميلادي، بمثابة الرتاج الذي أغلق باب الفكر الفلسفي في بلادنا، فظل مغلقا ما ~~يزيد على سبعة قرون، ولم ينفتح إلا في منتصف القرن الماضي، نتيجة لحركة شاملة استهدفت ~~نهوض الحياة الفكرية العربية من كل أرجائها، فنشأ علم، ونشأ فن، وتجدد أدب ~~وتجددت فلسفة. # وكان قوام الفكر الفلسفي - في هذه الحركة الشاملة - هو الدعوة إلى الحرية وإلى ~~التعقيل؛ أما الحرية فلا تكون إلا من قيد، والقيد الذي كان قائما عندئذ، بل القيد ~~الذي أخذ يزداد صلابة على مر القرون التي سادها الحكم التركي بصفة خاصة، هو قيد ~~الجهل والخرافة في فهم الناس للظواهر والأحداث، وهو أيضا قيد النص المنقول، الذي ~~يفرض نفسه على الدارسين فرضا، بحيث لا يكون أمام هؤلاء الدارسين من منافذ التفكير ~~المستقل، إلا أن يعلقوا على النص بشروح، ثم على الشروح بشروح، وهلم جرا. وهي ~~نفسها الحالة التي جاءت النهضة الأوروبية في القرن السادس عشر لتجدها جاثمة على عقول ~~الدارسين فكان التخلص منها والخروج عليها، هو نفسه معنى النهضة في لبها ~~وصميمها. # وأما «التعقيل» فهو أن نجعل احتكامنا إلى العقل دون النزوة والهوى. وإذا قلنا ~~«العقل» فقد قلنا أحد أمرين، أو الأمرين معا، فإما أن يستند الإنسان في أحكامه ~~إلى شواهد الحس والتجربة - وذلك إذا كان موضوع البحث ظاهرة خارجية من ظواهر ms001 الطبيعة ~~أو المجتمع - أو أن يستند الإنسان في أحكامه إلى سلامة الاستدلال في استخراج تلك ~~الأحكام من مقدماتها - وذلك حين يكون موضوع البحث فكرة نظرية - وقد يجتمع الطريقان ~~معا في بحث واحد بعينه، فنجمع شواهدنا من تجاربنا أولا، ثم نكون فكرة نظرية ~~نستدل منها ما يسعنا استدلاله من نتائج؛ ذلك هو سبيل العقل. وإذن فليس من العقل أن ~~نستند في أحكامنا إلى ما هو شائع بين الناس بحكم التقليد الموروث، لا سيما إذا كان ~~هؤلاء الناس قد صادفتهم من تطورات التاريخ أطوار أغلقت دونهم مسالك ~~النظر. # على أن الفكرتين - فكرة الحرية وفكرة التعقيل - مكملتان إحداهما للأخرى؛ لأنك ~~إذا تحررت من قيود الجهل والوهم والخرافة، كنت بمثابة من قطع من الطريق نصفه ~~السلبي، وبقي عليه أن يقطع النصف الآخر بعمل إيجابي يؤديه، كالسجين تخرجه من ~~محبسه، فلا يكون هذا وحده كافيا لرسم الطريق الذي يسلكه بعد ذلك، وكذلك المتحرر ~~من خرافة قد يقع في خرافة أخرى. ولهذا كان لا بد لتكملة الطريق على الوجه الصحيح، ~~أن تكون أمام المتحرر بعد تحرره خطة مرسومة يهتدي بها، وما تلك الخطة الهادية إلا ~~خطة «العقل» في طريقة سيره. فإذا قلنا: إن الفكر الفلسفي الحديث عندنا جاء متميزا ~~بالدعوة إلى الحرية وإلى التعقيل، فقد قلنا بذلك إنه كفل أمامنا سواء السبيل ~~بنصفيها: السلبي والإيجابي معا. # ولئن كانت العلوم المختلفة من طبيعة وكيمياء وطب وهندسة وغيرها، من شأنها كذلك أن ~~تكفل التحرر من الخرافة كما تكفل «تعقيل» السير إلى هدف، وكانت تلك العلوم قد ~~بدأت تفعل فعلها في حياتنا الفكرية منذ القرن الماضي أيضا؛ إلا أن الفلسفة أفعل ~~إيقاظا للعقل، لسبب بسيط واضح، وهو أن العلوم تقرر ما قد ثبتت عند العلماء ~~صحته، فلا يكون أمام الدارس إلا أن «يتعلم»، وأما الفلسفة فتضع دارسها دائما بإزاء ~~المسائل التي تثيرها موضع من يسأل قائلا: هل هذا صحيح؟ وفي سؤال كهذا بداية ~~التفكير النقدي الحر. ولا بأس في أن يتعارض مفكران، ما دام كل منهما يحاول ~~إقناع زميله ms002 بطريقة الحجة العقلية بأحد معنييها السابقين أو بهما معا: ~~بالشواهد الحسية، أو بالاستنباط السليم، أو بكليهما جميعا. فلا أحسبني مخطئا إذا ~~زعمت أن قيام الفكر الفلسفي على صورته الصحيحة التي تثير عند الدارس قوة التفكير ~~النقدي الحر المعقول (الحر من قيود الآراء المسبقة، والمعقول في خطة سيره ~~نحو الهدف المقصود)، هو من أوضح العلامات التي تشير إلى قيام نهضة فكرية، حتى ~~لأوشك أن أقول في هذا الصدد: دلني على نوع الفلسفة القائمة في بلد أو في عصر، ~~أقل لك أي بلد هو وأي عصر. وإنه ليبدو لي في وضوح أن الفكر الفلسفي عندنا قد ~~استقام على عوده منذ أواخر القرن الماضي، على أيدي «هواة» يتناولون الأمور تناولا ~~فلسفيا دون أن يتخذوا من الفلسفة ذاتها موضوع دراسة متخصصة، ثم أخذ يزداد ~~نماء، فيزداد جنوحا نحو الدراسة المتخصصة، في الجامعات، بل وفي بعض صفوف المدارس ~~الثانوية. وإن نظرة تحليلية إلى ما نشرته وما تنشره المطابع من مؤلفات فلسفية ~~وإلى سعة انتشار تلك المؤلفات بالنسبة إلى سواها، لتدل دلالة قاطعة على مدى ~~الفكر الفلسفي عندنا طولا وعرضا وعمقا؛ فهو فكر قد شمل الماضي بنشر تراثه، ~~والحاضر بعرض مذاهبه، والمستقبل بالتخطيط له، وهو فكر قد ترجم وألف في كل ميدان ~~من ميادين البحث الفلسفي، فصدرت كتب ونشرت فصول يتعذر حصرها، تناولت الفلسفة ~~الشرقية القديمة، والإسلامية، والغربية من يونانية ووسيطة وحديثة ومعاصرة؛ تناولتها ~~من حيث تواريخها وشخصياتها ومشكلاتها ومذاهبها. # ولم نكن في هذه الحركة الفلسفية الشاملة إلا مقتفين خطى أسلافنا ومنتهجين نهجهم ~~في فتح الأبواب والنوافذ جميعا ليجيء الهواء من شرق أو من غرب، من قديم أو جديد، ~~من مؤمن أو من متشكك، حتى التقت وجهات النظر المختلفة، وانصهرت وكان منها ما جاز ~~لنا أن نسميه بمذهبنا الفلسفي الخاص. لكن إذا كان هذا المذهب الفلسفي الخاص عند ~~المسلمين الأقدمين تلخصه عبارة واحدة هي «التوفيق بين النقل والعقل» فأحسب أن المذهب ~~الفلسفي الخاص عندنا اليوم تلخصه عبارة واحدة كذلك هي: «الجمع بين الحرية ~~والعقل». # 2 # ولقد ms003 حمل هذه الرسالة الفكرية في تاريخنا الحديث رجال من طرازين: هواة ومحترفون. على ~~أن «الهواة» كانوا أسبق من «المحترفين» ظهورا في الترتيب الزمني، حتى ليجوز لنا ~~القول بأنهم هم الذين مهدوا الطريق أمام محترفي الفلسفة ووجهوا انتباههم وأثاروا ~~اهتمامهم. ومع ذلك فالفريقان يختلفان جوهرا، اختلافا هو نفسه الاختلاف القائم بين ~~معنيين تفهم بهما الفلسفة، ساد أولهما في «حكمة» الشرق، وساد ثانيهما في ~~«تحليلات» الغرب. فالفلسفة بالمعنى الأول هي «فلسفة حياة»، والفلسفة بالمعنى الثاني هي ~~«فلسفة تجريد نظري». وبالمعنى الأول تكون الفلسفة في صياغتها أقرب إلى الصياغة ~~الأدبية، وبالمعنى الثاني تكون الفلسفة أقرب في أسلوبها إلى الصياغة العلمية. # ومن هؤلاء «الهواة» الذين مهدوا الطريق قبل ظهور الدراسة الفلسفية المتخصصة: ~~جمال الدين الأفغاني في رده على الدهريين، ومحمد عبده في شرحه لمفاهيم العقيدة ~~الإسلامية على أساس المنطق العقلي، وأحمد لطفي السيد في قيادته لحركة التنوير، # 2 # وطه حسين في إدخاله للمنهج العقلي في الدراسات الأدبية، وعباس محمود العقاد ~~في دعوته إلى مسئولية الفرد أمام عقله في فكره وعقيدته. على أن هؤلاء «الهواة» أنفسهم ~~ينقسمون فيما بينهم نوعين: أحدهما يجعل الدفاع عن الإسلام محور تفكيره، والآخر يجعل ~~هدفه الرئيسي الدعوة إلى قيم ثقافية جديدة. # كانت نظرية النشوء والارتقاء من أهم ما أنتجه العلم الأوروبي في القرن التاسع عشر. ~~وهي نظرية لا تصادف قبولا - للوهلة الأولى - عند من تغلب عليهم الثقافة الدينية، # 3 # فطفق هؤلاء يتساءلون: أين يكون الإسلام من هذه الدعوة؟ وكان أن أرسل كاتب ~~من فارس خطابا إلى جمال الدين الأفغاني (1838-1898م) يطلب منه أن يوضح له هذا ~~المذهب «الطبيعي» الذي أخذ يتردد صداه بين رجال العلم والفكر، فأجابه الأفغاني بأن ~~ألف رسالته في «الرد على الدهريين»، (والدهريون هم الماديون) لأن الأفغاني ~~قد رأى في هذا المذهب خطرا على العقيدة الدينية، وعلى الحضارة الإنسانية، مما يوجب ~~على المفكر المسلم أن يتصدى له. # ألف الأفغاني هذه الرسالة باللغة الفارسية، ونقلها إلى العربية الشيخ محمد عبده ~~مستعينا بأديب أفغاني (هو عارف أبو تراب)، وهي ms004 تنقسم قسمين: اختص أولهما ببيان ~~حقيقة المذهب الطبيعي ونشأته التاريخية، واختص ثانيهما ببيان أن الإسلام هو أفضل ~~الأديان. وليس يهمنا الآن مضمون الرسالة بقدر ما يهمنا منهاجها؛ وذلك لأننا وإن كنا ~~نراه قد عالج مسألة علمية - هي نظرية التطور - بغير العلم، إلا أنه كان يحتكم في ~~كل خطوة إلى ما ظن أنه حجة عقلية. مثال ذلك أن يحاول البرهنة على أن نظرية ~~التطور تقيم بناءها على أساس الصدفة، على حين أن نظام الكون نظام مدبر، ولا يجوز ~~عند العقل أن تلد المصادفات العمياء مثل هذا النظام المحكم. ومثال ذلك أيضا أن ~~يحاول البرهنة على أن نظرية التطور حين تجعل في النبات أو الحيوان جرثومة يكمن فيها ~~نبات أو حيوان كامل التركيب وهذا بدوره يحتوي جرثومة وهلم جرا إلى ما لا نهاية له، ~~فهي بذلك تجعل اللامتناهي ينتج عن المتناهي، وهو ما لا يجوز عند العقل. ومثال ذلك ~~أيضا قوله: «إذا سئل داروين عن الأشجار القائمة في غابات الهند والنباتات المتولدة ~~فيها من أزمان بعيدة لا يحددها التاريخ إلا ظنا، وأصولها تضرب في بقعة واحدة، ~~وفروعها تذهب في هواء واحد، وعروقها تسقى بماء واحد، فما السبب في اختلاف كل منها ~~عن الآخر في بنيته وشكله وأوراقه وأصوله وقصره وضخامته ورقته وزهره وثمره ~~وطعمه ورائحته وعمره، فأي فاعل خارجي أثر فيها حتى خالف بينها مع وحدة المكان ~~والماء والهواء؟ أظن ألا سبيل إلى الجواب سوى العجز عنه.» # على هذا النحو «العقلي» كان الأفغاني يعالج الأمور التي يراها مؤدية إلى تقوية ~~الإيمان الديني والقومي عند المسلمين، وإلى درء الخطر كلما رأي خطرا يتهدد ذلك ~~الإيمان. على أن الأفغاني كان أقوى تأثيرا بشخصيته ودروسه وأحاديثه منه بكتابته، ~~فكان في تاريخنا الفكري الحديث أشبه بسقراط في تاريخ الفكر الفلسفي عند اليونان، كما ~~كان تلميذه الشيخ محمد عبده أشبه بأفلاطون وقد استقر في «أكاديميته» ليدون ما ~~أحدثه أستاذه في العقول من أثر، فانظر - مثلا - إلى الإمام في مقالاته التي يثبت ~~فيها دورسا سمعها من الأفغاني، فيستهل ms005 إحداها (وهي عن فلسفة التربية) بقوله: في ~~ليلة الأحد الماضي (يشير إلى أول يونيو سنة 1879م) انعقد درس جمال الدين الأفغاني، ~~وانتظم في سلكه جمع غفير من نبهاء طلبة العلم وفضلائهم، ثم أخذ يبسط مضمون ما قاله ~~الأستاذ. وفي مقالة أخرى (عن فلسفة الصناعة) يبدأ الإمام بقوله: قد عاد حضرة الأستاذ ~~الفاضل، والفيلسوف الكامل، السيد جمال الدين الأفغاني إلى التدريس بعد فترة تزيد ~~مدتها عن سنة فابتدأ حفظه الله يقرأ شرح إشارات الرئيس ابن سينا في الحكمة ~~العقلية وهو كتاب جليل يحتوي من هذا العلم أصولا جليلة، غرست أصولها في بلاد المشرق ~~من مدة تقرب من ألف سنة، إلا أنها تنبت فروعها في المغرب، واجتنيت ثمارها لغير ~~غارسيها. إلا أن هذا السيد الفاضل قد جمع في تدريسه بين تدقيق الشرقيين وبسط ~~الغربيين، يجمع إلى الأصول فروعها، وإلى المقدمات نتائجها، وإلى المجملات ~~تفاصيلها، بانيا جميع أقواله على البراهين الثابتة والحجج القديمة. وحسبنا من كل ~~أقوال الأفغاني قوله بأن الدين الإسلامي يطالب المؤمنين به بأن يأخذوا بالبرهان في ~~أصول دينهم، وكلما خاطب خاطب العقل، وكلما حاكم حاكم إلى العقل. تنطق ~~نصوصه بأن السعادة من نتائج العقل والبصيرة، وأن الشقاء والضلالة من لواحق الغفلة ~~وإهمال العقل وانطفاء نور البصيرة. ~~••• # وكان هذا نفسه هو الأساس الذي أقام عليه الإمام محمد عبده (1849-1905م) فكره ~~الفلسفي، إذ كان أهم ما اهتم به هو أن يوضح العقائد الأساسية في الإسلام توضيحا ~~يبين استنادها إلى منطق العقل، فتراه في كتابه «الإسلام والنصرانية» يفصل القول ~~في الأصول التي يقوم عليها الإسلام، يجعل الأصل الأول لهذا الدين هو «النظر العقلي». ~~والنظر عنده هو وسيلة الإيمان الصحيح «فقد أقامك منه على سبيل الحجة، وقاضاك إلى ~~العقل، ومن قاضاك إلى حاكم فقد أذعن إلى سلطته، فكيف يمكنه بعد ذلك أن يجور أو ~~يثور عليه؟» (ط6، ص58)، ثم يجعل الأصل الثاني للإسلام «تقديم العقل على ظاهر الشرع ~~عند التعارض» وفي شرح ذلك يقول: «... إنه إذا تعارض العقل والنقل، أخذ بما دل عليه ~~العقل، ms006 وبقي في النقل طريقان: طريق التسليم بصحة المنقول مع الاعتراف بالعجز عن ~~فهمه، وتفويض الأمر إلى الله في عمله، والطريق الثانية تأويل النقل مع المحافظة على ~~قوانين اللغة، حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل» (المصدر المذكور، ص59). وعلى ~~هذا النحو راح الإمام يعدد بقية أصول الإسلام، لينتصر دائما لحكم العقل كلما ~~أشكل الأمر، مما يجعله هو ومدرسته الفلسفية امتدادا صريحا للمعتزلة. ولم يقتصر ~~الأمر عنده على ذكر مبادئ عامة، بل أخذ في مقالاته يطبق تلك المبادئ على موضوعات ~~خاصة، كالقضاء والقدر، وتعدد الزوجات، وإصلاح التعليم، والتمدن ... إلخ الخ. ونكتفي ~~هنا بمثل واحد لطريقته في التفكير على هذا المنهج، فنذكر مقاله عن «القضاء والقدر» ~~- وهو جانب من العقيدة الإسلامية كثيرا ما اتخذ حجة على تأخر المسلمين، كما ~~أنه كثيرا ما كان مقيدا لمن أساء فهمه من المسلمين - فيبين محمد عبده كيف أن ~~هذا الاعتقاد هو نفسه الاعتقاد في الرابطة السببية بين الحادثات، على أن الإنسان ~~قد يستطيع أن يرى من الأسباب ما هو حاضر لديه، لكن قد يمتنع عليه إدراك بقية ~~التسلسل السببي في تتابع الحوادث. وسواء أدركه أو لم يدركه، فليس في القول بقيام ~~الرابطة السببية ما يجوز أن يكون موضع اتهام، فقوام العلم نفسه هو هذه الرابطة في ~~وقوع الحوادث. ولا ضير علينا في أن نتصور الإرادة الإنسانية نفسها حلقة من حلقات ~~السلسلة السببية؛ إذ الإرادة متوقفة على إدراكنا لما يقع مما يؤثر في ~~حواسنا؛ أي أنها تنبني على علم بما هو حادث. وما هو حادث مرتب مدبر. # إننا إذا ما خلصنا الاعتقاد بالقضاء والقدر من شناعة الجبر، وجدناه اعتقادا ~~يحفز الإنسان على الجرأة والإقدام، ويخلق فيه الشجاعة والبسالة؛ إذ هو اعتقاد ~~يطبع الأنفس على الثبات، واحتمال المكاره ويدعوها إلى الجود والسخاء، بل ~~يحملها على بذل الأرواح في سبيل الحق، فانظر إلى هذا الاعتقاد الواحد لو أقمناه على ~~منطق العقل، كيف يؤدي بنا إلى حرية في مجال العمل، على حين أنه إذا أسيء فهمه ~~أدى إلى التواكل والخنوع. ms007 # هكذا تناول الإمام طائفة من المفاهيم الدينية بالتوضيح الذي يجعلها حوافز للنشاط ~~والعمل. فمن قبيل ذلك أيضا فكرة التعارض الظاهري بين إرادة الله الكاملة وعلمه ~~الكامل من جهة، وإرادة الإنسان من جهة أخرى؛ إذ يتساءل المتسائلون في هذا الصدد: ~~أتجوز للإنسان حرية يفعل بها ما يريد، حين يكون الله قد علم علما سابقا بكل ما ~~سيقع على طول الزمان؟ ويتصدى الإمام لهذا السؤال في كتابه «رسالة التوحيد» ليزيل عن ~~موضوعه ما يكتنفه من غموض، حتى لا يكون سببا في تعطيل قدرات القادرين على العمل ~~المنتج، فيقول في فصل عنوانه «أفعال العباد»: إن الله هو الذي قدر أن يجيء الإنسان ~~مفكرا مختارا في عمله على مقتضى فكره، وكون علم الله محيطا بما يقع من الإنسان ~~بإرادته لا ينفي أن يكون الإنسان حرا فيما يعمل وما يدع؛ لأن العلم السابق بما ~~سيقع هو كعلم صاحب القضاء في الدولة أن العمل الفلاني إذا وقع حلت بفاعله ~~العقوبة الفلانية، وإن ذلك ليكون معلوما عند فرد من الناس، ومع ذلك تراه يقدم ~~على عمله، فانكشاف الواقع للعالم لا يصح - في نظر العقل - ملزما ولا ~~مانعا. ~~••• # ومثل هذا الموقف الذي وقفه الإمام محمد عبده تجاه المفاهيم الدينية من حيث تحليلها ~~وتوضيحها لتظهر مسايرتها لأحكام العقل، ولتصبح عوامل على حرية الإنسان لا قيودا ~~تكبله، وقفه كذلك الأستاذ عباس محمود العقاد تجاه طائفة كبيرة من المفاهيم الأدبية ~~والسياسية والاجتماعية، فضلا عن تناوله لأصول العقيدة الإسلامية تناولا يسير به في ~~نفس الطريق التي سلكها من قبله محمد عبده؛ وأعني إقامة الحجة المنطقية على ما بين ~~تلك العقيدة وحرية الإنسان وكرامته من توافق تام. وإنه لمما يميز العقاد في ~~جدله قدرته على دقة التحليل وتبيين الفوارق اللطيفة بين الأفكار المتقاربة، ~~واستخلاص النتائج من مقدماتها. # ولقد حاول في مؤلفات كثيرة أن يبين كيف أن الإسلام يشجع بصفة خاصة، بل يفرض على ~~الناس فرضا، أن يحتكموا إلى العقل في أمورهم، وأن يكون الإنسان حرا مختارا في ~~حياته، مسئولا عن حريته تلك وعن ms008 اختياره أمام نفسه وأمام ربه. ففي كتابه «التفكير ~~فريضة إسلامية» يقول: إن للقرآن مزية واضحة هي التنويه بالعقل والتعويل عليه في أمر ~~العقيدة وأمر التبعة والتكليف، ولئن كانت كلمة «العقل» مختلفة المعاني، فقد ألم ~~القرآن، بهذه المعاني كلها، حتى تكون الدعوة إلى العقل شاملة له بكل معانيه، فهو ~~يشيد بالعقل حين يكون معناه الوازع الأخلاقي الذي يمنع عن المحظور والمنكر، ويشيد ~~به حين يكون المقصود به بعض العمليات الإدراكية كعملية إنشاء التصورات الكلية وعملية ~~ربط هذه التصورات الكلية في أحكام، وعملية استدلال النتائج من تلك الأحكام، وكذلك ~~يشيد القرآن بالعقل حين يكون معناه حكمة الحكيم ورشد الرشيد. وإذ يحض القرآن على ~~العقل بمعانيه تلك جميعا: العقل الوازع، والعقل المدرك، والعقل الحكيم، والعقل ~~الرشيد، تراه «لا يذكر العقل عرضا مقتضبا، بل يذكره مقصودا مفصلا على نحو لا ~~نظير له في كتاب من كتب الأديان». # وأما الدعوة إلى الحرية، فلم يترك العقاد بابا من أبواب الحياة والفكر إلا دافع ~~عن وجوب الحرية فيه. ويكفينا في هذا العرض السريع أن نذكر له رأيا تميز به، وهو ~~الرأي الذي جعل به الجمال والحرية شيئا واحدا، فالشيء جميل بمقدار ما هو حر ~~طليق من القيود التي تعوق حركة الحياة، فالماء الجاري أجمل من الماء الآسن، والوردة ~~التي تجري فيها الحياة أجمل من شبيهتها المصنوعة من ورق، والصوت الجميل هو الصوت ~~«السالك» والعضو الجميل هو الذي يجيء بالمقدار الذي يمكنه من أداء وظيفته ~~الحيوية، وهلم جرا. والأمة التي تعشق الجمال في الطبيعة وفي الفن لا بد محققة ~~لنفسها الحرية السياسية؛ لأن الجمال والحرية وجهان لحقيقة واحدة. ففي مقال ~~للعقاد عن «الحرية والفنون الجميلة» (نشر سنة 1923م) يقول إن حب الأمم للحرية ~~يقاس بحبها للفنون الجميلة ولا يقاس بما ينشأ بين ظهرانيها من صناعات وعلوم ~~نفعية تخدم مطالب العيش؛ ذلك لأن مطالب العيش محتومة على الإنسان لا قبل له ~~بردها، وأما حين يكون الإنسان غير مدفوع بقوانين الطبيعة حين يختار ما يختاره أو ~~يدع ما يدعه، فتلك ms009 هي الحرية بمعناها الصحيح، وهي حالة تتحقق حين يتعلق الإنسان ~~بالفن الجميل. # وفي مقال له آخر عنوانه: «في معرض الصور» (نشر سنة 1924م) يبين العقاد الصلة ~~الضرورية بين الحرية وبين القيود التي لا بد من قيامها ليتغلب عليها الإنسان ~~الحر، وإلا فبغير قيد فلا حرية، فانظر إلى بيت الشعر وتصرف الشاعر فيه: إنه ~~مثل حق لما ينبغي أن تكون عليه الحياة بين قوانين الضرورة وحرية الجمال، فهو قيود ~~شتى من وزن وقافية واطراد وانسجام، غير أن الشاعر يعرب عن طلاقة نفس لا حد ~~لها، حين يخطر بين كل هذه السدود خطرة اللعب، ويطفر من فوقها طفرة النشاط، ~~ويطير بالخيال في عالم لا قائمة فيه للعقبات والعراقيل. وأهم مؤلفات العقاد التي ~~يشيع فيها فكره الفلسفي: «الله» و«مطالعات في الكتب والحياة» و«الفلسفة القرآنية» ~~و«حقائق الإسلام وأباطيل خصومه» و«ابن رشد» و«ابن سينا». ~~••• # كذلك كان الدكتور طه حسين فيما كتب وما بحث، داعيا إلى الحرية الفكرية وإلى التزام ~~المنهج العقلي الصرف؛ حتى في البحوث التي قد تبدو غير خاضعة لذلك المنهج، فها هو ذا ~~يقول في كتابه «في الأدب الجاهلي» (ص67): أريد أن أصطنع في الأدب هذا المنهج الفلسفي ~~الذي استحدثه ديكارت للبحث عن حقائق الأشياء في أول هذا العصر الحديث. والناس جميعا ~~يعلمون أن القاعدة الأساسية لهذا المنهج هي أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه ~~من قبل، وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلوا تاما، والناس جميعا ~~يعلمون أن هذا المنهج الذي سخط عليه أنصار القديم في الدين والفلسفة يوم ظهر، قد ~~كان من أخصب المناهج وأقومها وأحسنها أثرا، وأنه قد جدد العلم والفلسفة ~~تجديدا، وأنه قد غير مذاهب الأدباء في أدبهم، والفنانين في فنونهم، وأنه هو الطابع ~~الذي يمتاز به هذا العصر الحديث. فكان الدكتور طه حسين بهذا الذي صدر به بحثه في ~~الأدب الجاهلي، كأنما يضع منهاجا لحياتنا الجامعية كلها، مؤداه أن يكون الباحث ~~موضوعي النظر، مستقلا حرا غير مقيد بالآراء السابقة التي قيلت في موضوع ms010 ~~بحثه، لا يميل مع الهوى، ملقيا بزمام بحثه إلى المنهج العلمي وحده، ولتكن النتائج ~~بعد ذلك ما تكون، فما كان اختلاف الرأي في العلم سببا من أسباب البغض، إنما الأهواء ~~والعواطف هي التي تنتهي بالناس إلى ما يفسد عليهم الحياة من البغض والعداء ~~(ص69). # ولكي يؤيد الدكتور طه حسين دعوته إلى ~~التعقيل، أخذ في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» يبين كيف كانت مصر طوال تاريخها ~~ذات مزاج عقلي خالص، بدليل تأثيرها وتأثرها باليونان الذين هم رمز للفكر المنطقي ~~الهادئ. وحسبنا في ذلك أن نعلم أن الإسكندرية كانت ذات يوم هي المقر الرئيسي ~~للثقافة اليونانية بكل ما فيها من فلسفة وعلم، يقول: «فمن المحقق أن الثقافة ~~اليونانية - على اختلاف فروعها وألوانها - قد لجأت إلى مصر فوجدت فيها ملجأ أمينا ~~وحصنا حصينا، وظفرت فيها من النمو والانتشار بما لم تظفر بمثله، حين كانت مستقرة في ~~أثينا أو في غيرها من المدن اليونانية الأوروبية أو الآسيوية» (19). # ولئن كانت مصر عقلية الطابع قبل الإسلام، فهي كذلك عقلية الطابع بعد الإسلام؛ لأن ~~الإسلام يساير العقل ولا يضاده، وإلا فكيف يكون قوام الحياة العقلية في أوروبا هو ~~اتصالها بالشرق الإسلامي، بحيث ينشأ في أوروبا عقل علمي خلق أوروبا الحديثة، ثم ~~نتصور مع ذلك أن الأصل الذي أمد أوروبا بثقافتها العقلية محروم من ذلك الطابع ~~العقلي نفسه. فهل يعقل أن تنشأ ثقافة في شرقي البحر الأبيض المتوسط «فلا تؤثر في عقول ~~أصحابها شيئا، فإذا أرسلوها إلى غرب هذا البحر خلقت أهل هذا الغرب خلقا جديدا؟» ~~(ص25). ومن المؤلفات الفلسفية للدكتور طه حسين «فلسفة ابن خلدون الاجتماعية» و«قادة ~~الفكر». # 3 # نشأت الجامعات فنشأت بأقسام الفلسفة فيها دراسات من نوع آخر غير ما قد عرضناه عند ~~متفلسفة المفكرين، فلم يعد الأمر هنا مقصورا على أن يصطبغ الفكر بصبغة فلسفية، ~~بل جاوز ذلك إلى البحوث الأكاديمية التي تناولت نشر التراث الفلسفي نشرا محققا، ~~كما تناولت نقل المذاهب الفلسفية الغربية قديمها وحديثها، نقلا اكتفى بالترجمة حينا ~~وأضاف إلى الترجمة تعليقا ونقدا ms011 حينا آخر. وأخيرا تناول التأليف في شتى ~~الموضوعات الفلسفية، تأليفا قد يقتصر على مجرد عرض الفكرة عرضا علميا، وقد يزيد ~~على ذلك بأن يجيء معبرا عن مذهب خاص يذهب إليه المؤلف. # ونبدأ بنشر التراث الفلسفي، لأنه بمثابة وضع الأساس الذي سيقوم عليه البناء الجديد؛ ~~فما من نهضة ثقافية إلا واقترنت بإحياء التراث القديم، كأنما يريد الأبناء أن ~~يستوثقوا من استقامة طريقهم؛ إذ هم سائرون على سبيل موصولة من أسباب الحضارة، ~~يسلم فيها الآباء ذخيرتهم إلى أبنائهم. وإن هذه العودة إلى الماضي لهي دائما دعوة ~~إلى الحرية الفكرية غير مباشرة، حتى ليصفوها في الحركات الأدبية «بالرومانسية»؛ ~~لأنها في صميمها خروج على مقتضيات اللحظة الراهنة والضرورة القائمة، ابتغاء الوصول ~~إلى ما هو أبقى على الزمن، وذلك فضلا عن أنه لا مندوحة لباحث عن مطالعة ما قد ~~تركه السابقون في موضوع بحثه. ونذكر فيما يلي طائفة من أهم ما نشر من التراث ~~الفلسفي الإسلامي. # فمن «الكندي» نشر الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة «رسائل الكندي الفلسفية» في ~~جزأين، (1950-1953م) وقد صدرهما ببحث مستفيض عن حياة الكندي وفلسفته، ثم قدم ~~لكل رسالة بمقدمة تحليلية لما تحتوي عليه الرسالة من مادة فلسفية، ونشر الدكتور ~~أحمد فؤاد الأهواني (1948م) «كتاب الكندي إلى المعتصم بالله». كما نشر «رسالة العقل» ~~(1950م) # ومن «الفارابي» نشر الدكتور عثمان أمين «إحصاء العلوم» (ط2، 1949م) وقدم له ~~بمقدمة عن حياة الفارابي وفلسفته، وعلق عليه بهوامش كثيرة. ومن «ابن سينا» ما تزال ~~تنشر أجزاء من كتاب «الشفاء»، تنشرها لجنة بإشراف الدكتور إبراهيم بيومي مدكور، وقد ~~نشر منه حتى الآن «المدخل» (1952م) و«المقولات» (1958م) وقام بالتحقيق في كليهما الأب ~~قنواتي، والدكتور الأهواني، والمرحوم الأستاذ محمود الخضيري، و«البرهان» وقد حققه ~~وقدم له الدكتور أبو العلا عفيفي (1956م)، وكذلك نشره الدكتور عبد الرحمن بدوي ~~(1954م). وحقق الدكتور الأهواني كتاب «السفسطة» (1958م)، وحقق الدكتور محمد سليم كتاب ~~«الخطابة» (1954م) وحقق الدكتور عبد الرحمن بدوي «فن الشعر» (1953م)، ونشر جزءان من ~~«الإلهيات» (1960م) حقق أولهما الأب قنواتي والأستاذ ms012 سعيد زايد، وحقق ثانيهما ~~الأساتذة محمد يوسف موسى، وسليمان دنيا، وسعيد زايد. # ونشر للدكتور محمد ثابت الفندي من مؤلفات ابن سينا رسالة في «معرفة النفس الناطقة ~~وأحوالها» (1934م). وحقق الدكتور عبد الرحمن بدوي «عيون الحكمة» (1954م). ونشر ~~الأستاذ عبد السلام هارون «الرسالة النيروزية» (1954م). # ومن الإمام «الغزالي» نشر الدكتور عبد الحليم محمود «المنقذ من الضلال» (1955م) ~~وقدم له، وحقق الأستاذ سليمان دنيا «تهافت الفلاسفة» (ط2، 1955م). # ومن «ابن رشد» نشر الدكتور عبد الرحمن بدوي «تلخيص كتاب أرسطوطاليس في الشعر» ~~و«تلخيص الخطابة» (1960م)، ونشر الدكتور أحمد فؤاد الأهواني «تلخيص كتب النفس» (1950م)، ~~وحقق الدكتور عثمان أمين «تلخيص ما بعد الطبيعة» (1947م)، ونشر الدكتور محمود قاسم ~~«مناهج الأدلة في عقائد الملة». # ومن «ابن عربي» حقق الدكتور أبو العلا عفيفي «فصوص الحكم» (1946م). # ومن «أبي حيان التوحيدي» حقق الدكتور عبد الرحمن بدوي «الإشارات الإلهية» ~~(1950م). # ومن «الكرماني» نشر الدكتور محمد مصطفى حلمي والدكتور (المرحوم) محمد كامل حسين ~~«راحة العقل» (1948م). # وكذلك قام الدكتور محمد مصطفى حلمي (1954م) بالتحقيق والتعليق والتقديم لكتاب «توفيق ~~التطبيق في إثبات أن الشيخ الرئيس من الإمامية الاثنا عشرية» تأليف علي بن فضل الله ~~الجيلاني. # ومن «مسكويه» حقق الدكتور عبد الرحمن بدوي «الحكمة الخالدة» (1952م) وللمبشر بن ~~فاتك نشر الدكتور عبد الرحمن بدوي «مختار الحكم ومحاسن الكلم» وقدم له بمقدمة ~~طويلة (وقد نال هذا الكتاب جائزة الدولة التشجيعية لسنة 1962م). # وحقق الدكتور علي عبد الواحد وافي «المقدمة» لابن خلدون. # وبالإضافة إلى النصوص السالف ذكرها، نشرت مترجمات قديمة؛ من ذلك «منطق أرسطو» وقد ~~نشره الدكتور عبد الرحمن بدوي كما نشر «فن الشعر» و«في النفس» لأرسطوطاليس و«كتاب ~~النبات» المنسوب إلى أرسطوطاليس. ونشر الدكتور أبو العلا عفيفي «مقالة اللام من كتاب ما ~~بعد الطبيعة» لأرسطو. وأعاد نشرها الدكتور عبد الرحمن بدوي. وللدكتور بدوي أيضا ~~مجموعات نشرها تحت عنوان «أفلوطين عن العرب»، و«أرسطو عند العرب»، كما نشر «معاذلة ~~النفس» لهرمس، و«الآراء الطبيعية» المنسوب إلى فلوطرخس، و«الخير المحض» لأبرقلس، ~~و«مسائل في الأشياء الطبيعية» لأبرقلس، و«حجج ms013 في قدم العالم» لأبرقلس، وكتاب ~~«الروابيع» لأفلاطون. ونشر الدكتور أحمد فؤاد الأهواني «إيساغوجي» لفرفوريوس. # وما تزال حركة نشر التراث الفلسفي قائمة، حتى ليرجى ألا يمضي وقت طويل قبل أن ~~نكون قد أخرجنا إلى النور كنوز الأسلاف. وعندئذ فقط يمكن للدراسة العلمية أن تقوم ~~على أساس صحيح. # 4 # وإلى جانب إحياء تراثنا القديم، قامت حركة قوية في ميدان الترجمة، فنقل إلى اللغة ~~العربية من المؤلفات الفلسفية الغربية والشرقية ما يكاد يشمل جوانب الفلسفة جميعا. ~~ونقول «يكاد» لأن هنالك ما يزال جوانب وأعلام لم تمسها حركة الترجمة بعد، أو ~~مستها مسا خفيفا، على أهمية تلك الجوانب وهؤلاء الأعلام. وحسبنا في هذا ~~الصدد أن نقول إن «كانت» و«سبينوزا» و«ليبنتز» و«هيجل» لم يترجم منهم شيء، وإن ~~«أفلاطون» لم يترجم منه إلا قدر ضئيل. # وكان في طليعة المترجمين الأستاذ (المرحوم) أحمد لطفي السيد؛ فقد ترجم من أرسطو ~~«علم الأخلاق إلى نيقوماخوس» (1924م) و«الكون والفساد» (1932م) و«علم الطبيعة» (1935م) ~~و«السياسة» (1947م). # وترجم كاتب هذا المقال محاورات الدفاع وأوطيفرون، وأقريطون، وفيدون، من محاورات ~~أفلاطون، وترجمت «المأدبة» مرتين، إحداهما للأستاذ محمد لطفي جمعة، والأخرى للأستاذ ~~وليم الميري (1954م). # وفي الفلسفة الإسلامية ترجم الدكتور أبو ريدة عن دي بور «تاريخ الفلسفة في ~~الإسلام». # وفي الفلسفة الحديثة ترجم الدكتور أبو العلا عفيفي عن وولف «فلسفة المحدثين ~~والمعاصرين» (1936م)، وعن كولبه «المدخل في الفلسفة» (1942م)، وترجم الدكتور عثمان ~~أمين عن ديكارت «التأملات في الفلسفة الأولى» (1959م)، وترجم الأستاذ محمود الخضيري ~~«مقال في المنهج» لديكارت، وترجم الدكتور الأهواني «البحث عن اليقين» لجون ديوي ~~(1960م)، كما ترجم كاتب هذا المقال كتاب «المنطق، نظرية البحث» لجون ديوي (1960م)، ~~وترجم له أيضا الأستاذ أمين مرسي قنديل «تجديد في الفلسفة» (1958م) ولوليم جيمس ترجم ~~الدكتور محمود حب الله «إرادة الاعتقاد» (1946م) والدكتور محمد فهمي الشنيطي «بعض ~~مشكلات فلسفية» (1962م). # ولبرتراند رسل ترجمت كتب كثيرة من أهمها «تمهيد للفلسفة الرياضية» ترجمة الدكتور ~~محمد مرسي أحمد (1963م) و«تاريخ الفلسفة الغربية» (1954م) ترجمة كاتب هذا المقال ~~و«مشاكل الفلسفة» ترجمة ms014 الدكتورين عطية هنا وعماد إسماعيل (1947م) و«فلسفتي كيف ~~تطورت» ترجمة الأستاذ عبد الرشيد الصادق (1959). ولخص كاتب هذا المقال كتاب رسل ~~(موجز الفلسفة) وجعل عنوانه «الفلسفة بنظرة علمية». # وترجم الدكتور عبد الحميد صبرة «نظرية القياس الأرسطية» تأليف أوكاشيفتش، والدكتور ~~مصطفى بدوي «الإحساس بالجمال» تأليف سانتياتا (1959م). # ومن أعمال المستشرقين ترجم الدكتور أبو العلا عفيفي «دراسات في التصوف الإسلامي» ~~تأليف نكلسون، والدكتور عبد الرحمن بدوي «التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية» وهو ~~دراسات لطائفة من المستشرقين. # الحق أن الحصر أو ما يشبه الحصر متعذر علينا في ميدان الترجمة الفلسفية وحسبنا ~~هذه النماذج القليلة لتدل على سعة الحركة وشمولها، وإن كنا ما نزال نتوقع لها أن ~~تمتد لتشمل ما لم تشمله بعد من أمهات النصوص. # 5 # على أنه إذا كانت حركتا نشر التراث والترجمة تدلان على أن الفكر الفلسفي عندنا ~~يريد أن يقيم بناءه على أسس علمية سليمة، فإن حركة التأليف الفلسفي تضيف إلى ذلك ~~دلالة جديدة، لأنها تكشف عن مذاهب الدارسين واتجاهاتهم، كشفا صريحا أحيانا، أو ~~متضمنا في طريقة الاختيار والعرض أحيانا أخرى. ولسنا نخطئ إذا زعمنا أنه ما من ~~مذهب رئيسي من المذاهب المعاصرة، أو من المذاهب التقليدية إلا وقد وجد له من بين ~~فلاسفتنا نصيرا؛ مما يدل أوضح الدلالة على أننا نتميز بما تميز به الفلاسفة ~~المسلمون قديما، من الاستماع إلى جملة الأفكار ليتخذ كل ما يتشيع له بعد أن ~~يصوغه صياغة يعبر بها عن فكره المستقل. لكننا على اختلافنا في وجهة النظر نلتقي ~~جميعا عند الطابع العام، وهو - كما أسلفنا - الجمع بين الدعوة إلى الحرية ~~والاحتكام إلى العقل. وسترى من بيننا من يبرز فكرة المذهب العقلي أكثر مما يبرز ~~فكرة الحرية الإنسانية، ومن يبرز فكرة الحرية الإنسانية أكثر مما يبرز فكرة ~~المذهب العقلي. سترى منا من يناصر المثالية ومن يناصر التجريبية، لكننا جميعا ~~نعبر عن جوانب مختلفة من موقف واحد، ومع ذلك فلا بد من الاعتراف هنا بأن هذه ~~العناصر الكثيرة ما زالت تحتاج إلى مزيد من صهر حتى تكون ms015 أفصح تعبيرا عن وجهة نظر ~~عربية خالصة. # ولعل يوسف كرم (1886-1959م) أن يكون في مقدمة أنصار المذهب العقلي من زمرة ~~المحترفين، وقد بسط وجهة نظره الفلسفية في كتابين هما «العقل والوجود» و«الطبيعة وما ~~بعد الطبيعة» (1959م). غير أنه لم يكن متطرفا في الأخذ بهذا المذهب، ولقد وصف هو نفسه ~~مذهبه الفلسفي بأنه عقلي معتدل؛ وذلك لأنه لم يرد من العقل سوى أن يكون أداة صالحة ~~للوصول إلى النتائج الصحيحة التي لا تتعارض مع مبادئ المنطق السليم، والتي تؤدي في ~~الوقت نفسه إلى الإيمان؛ لأن الإنسان - في رأيه - حيوان عاقل متدين، فلا هو بالكائن ~~الذي يتميز بالعقل وحده دون الإيمان، ولا بالإيمان وحده دون العقل، ولا تصلح حياته ~~إلا إذا اجتمع عنده يقين العقل من جهة وطمأنينة القلب من جهة أخرى. # لقد أخطأ المذهب التجريبي - في رأي يوسف كرم - حين جعل الحواس مصدرا وحيدا ~~للمعرفة، وذلك لأن «للإنسان قوة داركة متمايزة من الحواس، تدعى العقل، شأنها أن ~~تدرك معاني المحسوسات مجردة عن مادتها، ومعاني أخر مجردة بذاتها، وأن ~~تؤلف هذه المعاني في قضايا وأقيسة واستقراءات، فتنفذ في إدراك الأشياء إلى ما وراء ~~المحسوس، محاولة استكناه ماهيته، وتعيين علاقاته مع سائر الموجودات. ولما كانت ~~موضوعات العقل مجردة، كانت أفعاله التي ذكرناها مجردة كذلك، وبذلك يبطل المذهب ~~الحسي الذي يقصر المعرفة الإنسانية على الحواس، ويرمي إلى أن يرد إليها ويفسر بها ~~سائر المدركات» (من تصدير كتاب «الطبيعة وما بعد الطبيعة»). # وقد أخذ فيلسوفنا على نفسه خلال كتابه «العقل والوجود» أن يتقصى أنواع المدركات ~~التي كان يستحيل على الإنسان تحصيلها إذا هو اعتمد على تحصيل الحواس وحدها، فلئن كان ~~في مقدور الحواس أن تلم بظواهر الأشياء، فالعقل وحده هو المدرك لماهياتها، ~~وإدراك الماهية إنما يكون بتجريد المعاني عن مادتها، وذلك فضلا عن المجردات ~~الأخرى التي يدركها العقل عن غير طريق المادة، كأفكارنا عن الوجود والجوهر والعرض، ~~والعلية، والخير والشر، والحق والباطل، كما يدرك العقل أيضا نسبا وعلاقات ~~كثيرة، كالعلاقة الكائنة بين أجزاء الشيء الواحد، ms016 والعلاقات الكائنة بين الأشياء بعضها ~~مع بعض، وكالعدد والترتيب، فإدراك علاقات كهذه لا يكون بالحواس، لأن الحواس تدرك ~~الأطراف المتعلقة بتلك العلاقات نفسها، أضف إلى ذلك كله إدراك العقل - دون الحواس - ~~للمبادئ العامة التي تنبني عليها العلوم، وإدراكه للموجودات غير المادية كالنفس ~~والله. # هذه كلها ضروب من الإدراك العقلي، تثبت وجود العقل متميزا من الحواس وإدراكاتها، ~~لكن إثبات وجوده لا يكفي وحده دليلا على قيمة ما يدركه، وإذن فلا بد للفيلسوف من ~~خطوة أخرى يدحض بها مذهب الشك الذي يتشكك في صدق المدركات العقلية، حتى إذا ما فرغ ~~من إثبات الصدق لتلك المدركات، خطا خطوة أخرى ليثبت بها أن ذلك الصدق ليس ~~تصوريا بحتا، كما يقول أنصار المذهب التصوري الذين إن آمنوا بوجود العقل ~~وبمدركاته العقلية، فهم يقصرون ذلك الوجود وتلك المدركات على داخل العقل، وبذلك ~~ينكرون على الإنسان حق الخروج من عالم التصورات الداخلية إلى الوجود ~~الخارجي. # هكذا عارض يوسف كرم المذهب التجريبي الذي يحصر نفسه في الإدراكات الحسية وحدها، ~~كما عارض المذهب التصوري الذي يحصر نفسه في الإدراكات العقلية دون حق الخروج منها ~~إلى ما يقابلها من موجودات خارجية، ومن ثم فهو «عقلي» يثبت وجود العقل ووجود ~~مدركاته وصدق أحكامه، وهو أيضا «واقعي» يثبت وجود العالم الخارجي؛ ولذلك جاز له في ~~كتابه «الطبيعة وما بعد الطبيعة» أن يبحث في كائنات الطبيعة من جماد وحيوان وإنسان، ~~حتى إذا ما فرغ من ذلك انتقل إلى ما بعد الطبيعة ليقول إن العلم به يشتمل على ثلاثة ~~موضوعات كبرى؛ أولها: مبادئ المعرفة، وثانيها: المبادئ العامة للوجود، وثالثها: موضوع ~~الألوهية. ثم يفصل القول في هذه الموضوعات تفصيلا يعرض فيه لما قيل عند غيره من ~~أقدمين ومحدثين، وما يحب هو أن يطرحه من رأي جديد. # 4 ~~••• # كان يوسف كرم قد اعتزم إصدار مؤلف في «الأخلاق» يكمل به معالم مذهبه «العقلي ~~المعتدل» الذي يجمع بين المثالية والواقعية، بل يقال إنه كان قد فرغ من كتابة فصول ~~من ذلك المؤلف، لكن المنية عاجلته دون إتمام ما ms017 قد بدأ فيه، وكأنما أراد الله ~~لحركة التفكير الفلسفي في بلادنا أن تكتمل بناء، بحيث يكمل واحد منا واحدا، فأخرج ~~لنا الدكتور توفيق الطويل كتابا في «الفلسفة الخلقية: نشأتها وتطورها» (1960م) ~~استعرض فيه مذاهب الأخلاق على اختلافها منذ اليونان الأقدمين إلى يومنا الراهن، لينتهي ~~من هذا كله إلى اتجاه يختاره لنفسه، هو أقرب ما يكون إلى الاتجاه «العقلي المعتدل» ~~الذي اتجه إليه يوسف كرم في الجوانب الفلسفية الأخرى. ويطلق الدكتور الطويل على ~~اتجاهه هذا في الأخلاق اسم «المثالية المعدلة»، وفي تحديد مراده منها يقول (ص355 ~~وما بعدها): «يشارك الإنسان النبات في النمو والحيوان في الحس وينفرد دون جميع ~~الكائنات بالعقل، ومن أجل هذا كانت مزاولة التأمل العقلي أكمل حالات الوجود ~~الإنساني فيما قال أرسطو قديما ... والإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يقنع بالواقع، ~~ويتطلع إلى ما ينبغي أن يكون، يضيق بالسلوك الذي تسوق إليه الشهوات والعواطف، ~~ويكبر السلوك الذي يجري بمقتضى الواجب؛ فإننا لا نقول للحجر الهابط بفعل الجاذبية ~~إلى أسفل: ينبغي أن تتدحرج صاعدا إلى أعلى، ولا للوحش الذي يمزق فريسته: ينبغي أن ~~ترأف بها وترحم ضعفها، من أجل هذا كان صعودنا سلم الإنسانية، أو هبوطنا مدارج ~~الحيوانية، إنما يكون بمقدار حظنا من المثالية التي تعبر عندنا عما ينبغي أن ~~نكونه.» ~~«وتقوم المثالية المعدلة في تحقيق الذات بكل قواها الحيوانية، وهذا التحقيق ~~يتطلب الإلمام بحقيقة الطبيعة البشرية ومعرفة إمكانياتها، ووضع مثل إنساني رفيع ~~يكفل وحدتها ويضمن تكاملها، وفي ظله يشبع الإنسان قواه جميعها؛ الحسي منها ~~والروحي، بهداية العقل وإرشاده، وتتآخى الأنانية والغيرية، فيزول العداء التقليدي ~~بين توكيد الذات ونكرانها ...» # من هذا نرى كيف وقف الدكتور الطويل موقفا يجمع فيه بين طرفين لم يكونا ليتلاقيا ~~لولا قدرته على التوفيق بين الضدين؛ فقد كان المتطرفون من الحسيين - من جهة - ~~ينشدون أسس الأخلاق فيما يحقق للإنسان سعادته، وكان المتطرفون من العقليين - ~~من جهة أخرى - يلتمسون أداء الواجب الذي يأمرنا منطق العقل أو يأمرنا صوت الضمير ~~بفعله، سواء حقق هذا الأداء للواجب سعادة ms018 للفرد القائم به، أم لم يحقق، لكن لماذا ~~لا يكون أداء الواجب محققا للسعادة في آن معا؟ لماذا نفترض أن تحقيق القيم ~~الروحية العليا يتعارض مع الرغبات البدنية؟ ألا إن هذا الفصل بين ما هو روح وما ~~هو بدن لمن شأنه أن يفكك الطبيعة البشرية التي هي روح وبدن ، وأن يحدث من ~~الأمراض النفسية ما هو معروف، ومن ثم وقف باحثنا موقفه الوسط في الأخلاق، والتمس ~~السعادة في الفضيلة والمتعة في الواجب، فكان للحواس عنده دورها وللعقل دوره، فتلك ~~تشتهي وهذا ينظم لها طريقة الإشباع، بحيث لا تطغى سعادة الفرد على سعادة المجموع. # 5 ~~••• # لكن هذا الموقف «المعتدل» الذي لا يريد أن يمضي مع الحسيين إلى آخر شوطهم ولا ~~مع العقليين إلى آخر شوطهم، لا يقنع من كان مزاجه البت الحاسم في الأمور، فلئن ~~كانت الرءوس - كما قال وليم جيمس - صنفين: رءوس لينة ورءوس يابسة، الأولى تلاين ~~وتداور وتأخذ الأمور على هوادة وفي شيء من الاستسلام للعاطفة القلبية، على حين أن ~~الثانية تتصلب عند الحقائق، ولا يهمها إلا أن يرضى العقل بمثل الرضا الذي يرضاه ~~وهو يتناول مسائله العلمية المعملية، أقول: لئن كانت الرءوس تنقسم هذين القسمين، ~~كان الآخذون بالمذهب العقلي المعتدل هم من الصنف الأول، وكان إلى جانبهم في حياتنا ~~الفكرية نفر من الصنف الثاني، وبين من يمثلونه في تاريخنا الفلسفي المعاصر كاتب ~~هذا المقال. فهو في كتابه «نحو فلسفة علمية» (وقد ظفر بجائزة الدولة التشجيعية لسنة ~~1960م) وفي كتاب له آخر «خرافة الميتافيزيقا» (1953م) # 6 # يدعو دعوة صريحة إلى أن تتشبه الفلسفة بالعلم، لا بالمعنى الذي يجعل ~~الفلاسفة يشاركون العلماء في موضوعاتهم، فيبحثون في الفلك مع علماء الفلك، وفي ~~الطبيعة مع علماء الطبيعة، وفي تطور الأحياء مع علماء البيولوجيا وهكذا، بل إنه - على ~~نقيض ذلك - يحرم على الفيلسوف - من حيث هو فيلسوف - أن يتصدى للحديث عن العالم ~~حديثا إخباريا بأي وجه من الوجوه لأنه لا يملك أدوات البحث التي تمكنه من ذلك، ~~فليس هو منوطا بالملاحظة وإجراء التجارب ms019 حتى ينتهي بها إلى أحكام إخبارية عن العالم. ~~ولقد كان من مزالق فلاسفة التأمل أن ورطوا أنفسهم فيما ليس من شأنهم، إذ كانوا ~~يظنون أن الفكر الخالص وحده في وسعه أن يصف الوجود الخارجي، مع أن ذلك ~~محال. # ففيم - إذن - يريد صاحب هذه الدعوة أن تتشبه الفلسفة بالعلم؟ إنه يريد لها ذلك ~~بعدة معان أخر، أولها التزام الدقة البالغة في استخدام الألفاظ والعبارات، ~~فإذا كان العالم يحدد على وجه الدقة مصطلحاته العلمية، حين يتحدث عن ~~«الجاذبية» و«الضوء» و«الصوت» إلخ فكذلك ينبغي للفيلسوف أن يكون بهذه الدقة نفسها حين ~~يتحدث - مثلا - عن «النفس» و«العقل» و«الخير» ... إلخ. نعم إن الفلاسفة الذين ~~يستخدمون ألفاظا كهذه، يحددونها بتعريفات يشترطونها لها، لتفهم على ضوئها، ثم ~~يستنبطون من تلك التعريفات ما يجوز لهم بحكم مبادئ الاستنباط أن يستنبطوه، ولا غبار ~~على ذلك، لو كانوا على وعي كامل بأن نتائجهم التي ينتهون إليها مستندة في صدقها ~~إلى التعريفات التي اشترطوها بادئ ذي بدء؛ أي أن النسق الفلسفي عندئذ إن كان ~~صادقا، فصدقه رياضي بحت، معناه أن أوله متسق مع آخره، وأنه لا تناقض بين ~~أجزائه، لكن ليس من حقنا أن نخرج من حدود هذا النسق لنقول إنه يصور العالم ~~الخارجي كما يقول أصحاب الفلسفة التأملية عن بناءاتهم الميتافيزيقية، فإما أن يجعل ~~الباحث خطوته الأولى محققة على الواقع، وعندئذ يكون من حقه أن يزعم لأي ~~نتيجة تلزم عن تلك الخطوة الأولى بأنها مطابقة لما هو واقع، وإما أن تكون تلك الخطوة ~~الأولى تعريفا من عند المفكر لمفهومات يريد استخدامها، أو أن يكون مسلمات أخرى ~~يضعها المفكر بادئ ذي بدء، فلا يصبح من حقه بعد ذلك أن يزعم لأي نتيجة تلزم عن ~~تلك الخطوة الأولى بأنها تحمل عن العالم خبرا أو أنها تصوره بأي وجه من وجوه ~~التصوير. # ولكن ماذا يكون موضوع البحث الفلسفي الذي يراد للفيلسوف أن يتناوله بهذه الدقة ~~العلمية؟ # إنه - كما أسفلنا - لا يكون موضوعا مما تبحث فيه العلوم، بل يكون هو التشكيلات ~~الرمزية - من عبارات ms020 لغوية ورموز رياضية وغيرها - التي يستخدمها العلماء في صياغة ~~علومهم، فيحللوها تحليلا يخرج مضمراتها من الكمون إلى العلن الصريح، وهاهنا ~~يظهر في وضوح إن كانت منطوية على تناقض أو على عناصر من شأنها أن تجعل العبارة ~~بغير معنى علمي، أم كانت سليمة البنية المنطقية فيكون العلم كله سائرا على هدى. ~~وبهذا تصبح الفلسفة هي التحليل المنطقي، بدل أن يكون التحليل المنطقي جزءا من ~~الفلسفة. # وإذن فهذه «التجريبية العلمية» إنما هي دعوة إلى الأخذ بأحكام العقل الصارم في فهم ~~العبارات التي يجريها الكاتبون على أقلامهم، حتى يأخذهم سحر الألفاظ فيستعملوها ~~لأسباب أخرى غير قوتها الدلالية. على أن اللفظة في هذه الدعوة الجديدة لا تكون ~~لها قوة دلالية إلا إذا أشارت في نهاية التحليل إلى معطيات حسية أعطتها إيانا ~~كائنات فعلية في العالم الخارجي، اللهم إلا أن تكون اللفظة مستخدمة بتعريف ~~اشتراطي يعفيها من الوظيفة الإشارية، لكن التفكير عندئذ يكون مفهوما على أنه منحصر ~~في نسقه الداخلي ولا شأن له بدنيا الواقع. ~~••• # وإلى جانب هذه الدعوة إلى تحكيم العقل وحده - دون العاطفة - فيما يكون له صلة ~~بالوقائع الخارجية، وصلة بالتقريرات الموضوعية العلمية التي تقال عن تلك الوقائع، ~~تقوم في مجالنا الفلسفي دعوة إلى حرية الفرد، يقيمها صاحبها وهو الدكتور عبد الرحمن ~~بدوي على أساس من الفلسفة الوجودية. فلئن كانت التجريبية العلمية دعوة إلى «الفهم» ~~العقلي الواضح، فإن دعوة الدكتور بدوي هي إلى الإرادة الحرة التي لا تكتفي بمجرد ~~الفهم العقلي، بل تضيف إليه الفاعلية المنتجة النشيطة. # ففي كتابه «الزمان الوجودي» # 7 # يقسم الوجود نوعين: فزيائي وذاتي، الثاني وجود الذات المفردة، ~~والأول كل ما عدا الذات، سواء أكان ذاتا واعية أم كان أشياء. أما الوجود الذاتي ~~فوجود مستقل بنفسه في عزلة تامة من حيث الطبيعة عن كل وجود للغير ولا سبيل ~~إلى التفاهم الحق بين ذات وذات، إذ كل منهما عالم قائم وحده، وأما وجود الغير فلا ~~نسبة له إلى الذات إلا من حيث الفعل، والفعل ضرورة للذات؛ لأن الفعل تحقيق ~~لإمكانياتها، فلكي ms021 تحقق نفسها لا بد لها إذن أن تفعل، والفعل لا بد أن يتم ~~في وجود الغير وبواسطته؛ ولذا كان عليها أن تتصل بهذا الوجود المغاير. # يقول المؤلف (ص136-137): «إن الشعور بالوجود لا يكون قويا عن طريق الفكر المجرد؛ ~~لأن الفكر المجرد انتزاع للنفس من تيار الوجود الحي، وانعزال في مملكة أخرى ~~تذهب منها الحياة المتوترة الحادة، ولا يسودها فعل وحركة ...» والمؤلف حريص قبل كل ~~شيء على أن ينعم الإنسان الفرد بوجوده الحي الفعال. وما دام هذا الوجود متعلقا ~~بالحالة الوجدانية أكثر من تعلقه بالحالة العقلية، فإنه لا يتردد في إيثار الأولى ~~على الثانية. نعم إن لكل حالة عاطفية مقابلا فكريا، هو إدراكنا لهذه الحالة، ~~لكن ما أبعد الفرق بين هذا وتلك. ما أبعد الفرق بين التألم من حيث هو عاطفة وبينه ~~من حيث هو موضوع للمعرفة. # على أنه إن كانت الذات تحقق وجودها في العاطفة أكثر مما تحققه في المعرفة، ~~فإنها أكثر تحقيقا لوجودها في الإرادة منها في العاطفة، «إذ الإرادة قوة للوجود ~~الذاتي، وهذه القوة مصدرها الحرية التي للذات في أن تعين نفسها بتحقيق إمكانياتها، ~~فتختار من بين الممكن أحد أوجهه وتتعلق به ثم تحققه بواسطة القدرة.» (ص159). ~~لكن أي الممكنات تختار الذات المريدة لتحوله إلى فعل؟ إن الممكن لا نهاية له، ~~وقد يبدو بعض الممكنات مساويا لبعضها الآخر، ولو وقفت الذات حيرى بين المتساويات ~~لما همت بفعل؛ ولذا يتحتم عليها أن «تخاطر» باختيار ما تنفذه، فبالمخاطرة ~~وحدها تحقق الذات وجودها «أما الوقوف أمام التساوي والتذبذب بين حالي ~~التقابل الذي يتصف به كل وجود، فلن ينتهي بها إلا إلى عدم الفعل، وبالتالي عدم ~~تحقق إمكانيات وجودها. وهذه الحال الأخيرة نشاهدها عند أصحاب المعرفة الذين يختلط ~~عليهم حال الوجود المشكل، فإما أن يقول بالسوية وعدم الاكتراث، وإما أن يتذبذب ~~ويتمرد، وفي هذا وذاك لا ينتهي إلى تحقيق شيء. أما المخاطر، الذي يتعلق من أوجه ~~الممكن تعلقا يصدر في الغالب عن فعل لا معقول، فهو وحده الذي يستطيع أن يحقق ~~إمكانيات ms022 وجوده قدر المستطاع، ولا عليه بعد إن أخطأ ولم يصب نتيجة مرجوة، ~~فالمهم أنه حيي الوجود على الأقل في هذه التجربة، بدلا من التوقف العاجز الذي ~~لا يحيا فيه المرء غير عجزه وفراغ إرادته، بل وسلب حريته.» (ص160). # ولا شك أن الإنسان إذ يخاطر حرا باختيار ما يختاره من فعل، فإنما يتصدى ~~لمسئولية تتناسب مع قدر الخطر وجسامة الفعل الذي أقدم عليه. ولما كان الشعور ~~بالمسئولية مشروطا بحرية الاختيار، فإن الشعور بالحرية لا يتوافر في شيء قدر ما ~~يتوافر في المخاطرة. هكذا جاءت فلسفة الدكتور بدوي حافزا لنا على العمل الجريء، لنكون ~~أحرارا بقدر ما يكون في أعمالنا من جرأة. ~~••• # ولقد كانت حياتنا الفلسفية لينقصها شيء ~~كثير لو لم يقم فينا من يوجه دعوته إلى الاهتمام بالروح إلى جانب تلك الدعوات ~~التي أصرت على تحكيم العقل بالمعنى المعروف لهذه الكلمة في دنيا العلم والمنطق. ~~ولقد حمل هذه الأمانة الدكتور عثمان أمين، وأطلق على مذهبه اسم «الجوانية». # 8 # إشارة منه إلى التفرقة بين ما هو ظاهر وما هو باطن، فعنده أن الظاهر عرض ~~والباطن جوهر، أو هي تفرقة «بين الكمي والكيفي، بين الآتي والأبدي، بين المادي ~~والروحي. وبعبارة أخرى هي التفرقة بين موقف الإنسان حين ينظر إلى الناس والموضوعات ~~بعيون الجسم، فيشاهدها من الخارج، وكأنه «يتفرج عليها» وبين موقفه حين ينظر إليها ~~بعيون الروح فيشارك فيها ويعانيها من الداخل» (من مقالته عن «الجوانية الأخلاقية ~~عند الغزالي»). # ويقابل صاحب مذهب الجوانية بين ما هو «جواني» وما هو «براني». والأول طريق ~~الإدراك فيه هو الحدس، والثاني طريق الإدراك فيه هو الحواس، فيقول موجها الحديث ~~إلى من يقفون عند الظواهر «البرانية» ولا يعمقون في بواطن نفوسهم: يستطيع ~~«الوضعيون» أن يتشككوا في يقين الحدس كما يشاءون، ويستطيع «الواقعيون» أن ~~ينكروا حقيقة الغيب جازمين قاطعين، ولكنا نقول لهم ما قاله من قبلنا أفلاطون ~~والفارابي والغزالي وابن عربي وديكارت وكانط وهيجل ومحمد إقبال وياسبرز، وهو أننا لا ~~نريد منكم إلا أن تتدبروا الأمر بأيسر قدر من الجهد: ms023 انظروا إلى أنفسكم حين ~~تطلقون على الأشخاص والأفعال حكما أخلاقيا أو حكما تقويميا على العموم، ما ~~بالكم تصفون الفعل بصفات تختلف باختلاف فاعليه، مع أن الفعل في الظاهر واحد؟ ولماذا ~~يكون مسعى زيد إخلاصا رفيعا، ومسعى عمرو رياء وضيعا؟ أليس مرجع الأمر في الحكم ~~على الفعل بالحسن أو القبح إلى النية والباعث والقصد؟ أو ليست كل هذه أمورا ~~مطوية غير مرئية؟ ولكن أمام النظرة البرانية، أعني النظرة الواقفة عند ظواهر ~~الأمور، والتي تقيس الأشياء بمقاييس الكم والحاضر والمباشر، الكل أمامها واحد بلا ~~تفريق، ما دامت حركات الجوارح واحدة، وما دامت ألفاظ اللغة أو نغمات الصوت واحدة، وما ~~دامت الظروف الخارجية المصاحبة لتحقيق الفعل واحدة كذلك. أفليس الفرق بين الأفعال ~~كله في الداخل؟ وأليس الداخل كله غيبيا غير مرئي؟ (من المقالة المذكورة). # ويأخذ صاحب هذا المذهب الروحي على المسرفين في الإعجاب بالعلم الحديث أنهم قد ~~نسوا أن المعارف العلمية لا تكفي للحياة الإنسانية الصحيحة، وفاتهم أن تنمية القوى ~~الروحية في الفرد أهم من تنمية قواه الذهنية؛ إذ بغير الأولى لا يصل الإنسان إلى ~~النضج بمعناه الصحيح؟ فما نضج الإنسان إلا ذلك التطور الروحي الذي تمارسه ~~النفوس الصافية في حياتها، فتشعر حينئذ بأنها متآزرة، لا مع أهل الوطن الواحد ~~فحسب، بل مع جميع أفراد الإنسانية بصرف النطر عن اختلافهم في اللغات والأديان ~~والأجناس والأوطان (مقدمة كتابه «محاولات فلسفية» 1952م). ~~••• # على أن الاتجاه الروحي يظهر أقوى ما يظهر في «التصوف» حين لا يقتصر أصحابه على ~~اتخاذه موضوعا للدراسة فحسب، بل يصبح عندهم وجهة نظر ينظرون منها إلى الحياة ~~الفكرية كلها. ومن هؤلاء الدكتور محمد مصطفى حلمي فهو يقول في كتابه «ابن الفارض ~~والحب الإلهي» (1945م) (ص66 إلى 68): «إن الصوفية بأذواقهم الروحية وأحوالهم ~~النفسية، ربما كانوا أقدر من العلماء والفلاسفة على إدراك الحقيقة الخفية ومعرفة ~~الذات العلية، لا سيما أن العلماء يصطنعون منهجا تجريبيا قوامه المشاهدة الحسية ~~والتجربة الخارجية، والذات الإلهية ليست من المادة في شيء ولا سبيل إلى إخضاعها لهذا ~~المنهج التجريبي، وليس ms024 أدل على ذلك مما نلمسه في المذاهب المادية من عجز وقصور عن ~~الوصول من أمر الحقيقة الإلهية إلى حل يلائم طبيعتها ويبين خصائصها في غير ما ~~تشبيه، فنيوتن يفسر عالم المادة ودارون يفسر عالم الحياة، ولكن تفسيرهما من شأنه ~~أن يجعل هذا العالم أو ذاك خلوا من كل روحانية ...» ويمضي المؤلف في القول بأن ~~منهج العلوم القائم على المشاهدات الحسية والتجارب، إن صلح لدراسة الجانب المادي، ~~فهو لا يصلح للبحث فيما يجاوز مظاهر الكون، أي أنه لا يصلح للبحث في الذات الإلهية، ~~فإذا أريد البحث في هذه الذات الإلهية، كانت وسيلتنا هي الذوق الروحي، وهاهنا ~~يكون الفرق بين كل من العلم والفلسفة من جهة والتصوف من جهة أخرى «فالعلم ~~يؤسس القوانين المستندة إلى المشاهدة الخارجية والتجربة الحسية، والتي يفسر ~~بها أحداث الكون وظواهره دون أن يتجاوز هذه الأحداث والظواهر إلى ما وراءها، والفلسفة ~~تحاول أن تتعرف حقائق الوجود وحقيقة مبدعه ومفيضه عن طريق النظر العقلي ... أما ~~التصوف فإن له غاية أسمى من غاية العلم والفلسفة. إذ هو يرمي إلى الاتصال المباشر ~~بحقيقة الحقائق ويرمي إلى شيء آخر أبعد من هذا الاتصال، وهو الشعور بالاتحاد مع ~~هذه الحقيقة العليا.» # وعلى هذا الأساس فإنه يتعين على الصوفي - وكأنما يعنى المؤلف نفسه - «أن يكون ~~أسمى ما يكون عن عالم «المحسوس بما فيه من أحداث متغيرة، وظواهر متبدلة، وأعراض ~~زائلة وأن يترفع بقلبه وذوقه عن النظر إلى الأشياء بعين الكثرة التي لا يعرف ~~الماديون عينا غيرها يبصرون بها، وأن يتخذ سبيله إلى كشف الحقيقة من الإشراق ~~الذي ينبثق من أعماق الروح وقد صفت وتحررت من سجنها المادي.» وهكذا بلغ ~~المؤلف في كتابه عن «ابن الفارض» غاية المدى في امتزاج الكاتب بموضوعه في ميدان ~~التأليف الفلسفي. وإن هذه الحساسية نفسها بين الكاتب وموضوعه لتبدو في كتابه «الحياة ~~الروحية في الإسلام» (1945م). ~~••• # كان البحث في الفلسفة الإسلامية من أهم ما قام به رجال الفلسفة عندنا، ففي هذا ~~الباب أصدر الأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرازق (1885-1947م) كتابه ms025 «تمهيد لتاريخ الفلسفة «الإسلامية» # 9 ~~(1944م) الذي وقف فيه وقفة العالم المحايد، فهو يختفي وراء نصوصه ~~اختفاء من لا يريد أن يكون له ميل مرجح سوى ما توجبه النصوص، فالكتاب يشتمل ~~على بيان لمنازع الغربيين والإسلاميين ومناهجهم في دراسة الفلسفة، فالباحثون ~~الغربيون في طريقة عرضهم للموضوع تراهم وكأنما يقصدون إلى القول بأن في الفلسفة ~~الإسلامية عناصر أجنبية، ثم يأخذون في رد تلك العناصر إلى مصادرها غير العربية ~~وغير الإسلامية، موضحين أثرها الذي يرونه فعالا في توجيه الفكر الإسلامي. وأما ~~الباحثون الإسلاميون فيغلب عليهم أن يزنوا الفلسفة بميزان الدين، لكن مؤلف ~~«التمهيد» يتخذ لنفسه منهجا آخر في درسه لتاريخ الفلسفة الإسلامية، إذ «هو ~~يتوخى الرجوع إلى النظر العقلي الإسلامي في سذاجته الأولى وتتبع مدارجه في ~~ثنايا العصور وأسرار تطوره.» (من المقدمة) لأنه يري «أن البحث في تاريخ الفلسفة ~~الإسلامية يكون أدنى إلى المسلك الطبيعي، وأهدى إلى الغاية حين نبدأ باستكشاف الجراثيم ~~الأولى للنظر العقلي الإسلامي في سلامتها وخلوصها، ثم نساير خطاها في أدوارها ~~المختلفة من قبل أن تدخل في نطاق البحث العلمي، ومن بعد أن صارت تفكيرا فلسفيا.» ~~(ص101)؛ والنتيجة العامة التي يستخلصها القارئ من هذا الكتاب هي أن للمسلمين فلسفة ~~خاصة بهم، مطبوعة بطابعهم، لها بداياتها البسيطة وأدوار نموها وازدهارها. ~~••• # ونتيجة كهذه أيضا هي التي انتهي إليها الدكتور إبراهيم بيومي مدكور في كتابه «في ~~الفلسفة الإسلامية، منهج وتطبيقه»، فهو منذ مقدمة الكتاب يعيب على الباحثين في ~~الفلسفة الإسلامية أنهم يبدءون بفروض سابقة عن العقلية السامية مثلا، أو عن العرب ~~بصفة خاصة وطريقة تفكيرهم، وبذلك ينتهون إلى نتائج قد تكون صادقة بالنسبة إلى تلك ~~الفروض، لكنها هي وفروضها معا ربما كانت بعيدة عن الحق والواقع؛ ذلك لأن تلك ~~الفروض في الغالب «لم توضع بعد موضع دراسة كاملة، ولم تستمد من التفكير ~~الإسلامي نفسه في أصوله ومصادره، وإنما أملتها صورة مشوهة لما كان متداولا من ~~المخطوطات اللاتينية.» (ص4)، ويقرر الدكتور مدكور في توكيد صريح بأن «هناك فلسفة ~~إسلامية امتازت بموضوعاتها وبحوثها، بمسائلها ms026 ومعضلاتها، وبما قدمت لهذه وتلك من ~~حلول، فهي تعنى بمشكلة الواحد والمتعدد، وتعالج الصلة بين الله ومخلوقاته ... ~~وتحاول أن توفق بين الوحي والعقل، بين العقيدة والحكمة، بين الدين والفلسفة، وأن ~~تبين للناس أن الوحي لا يناقض العقل، وأن العقيدة إذا استنارت بضوء الحكمة ~~تمكنت من النفس وثبتت أمام الخصوم، وأن الدين إذا تآخى مع الفلسفة أصبح ~~فلسفيا كما تصبح الفلسفة دينية، فالفلسفة الإسلامية وليدة البيئة التي نشأت فيها ~~والظروف التي أحاطت بها، وهي كما يبدو فلسفة دينية روحية» (ص15). ويخصص المؤلف ~~كتابه لبحث طائفة من النظريات الفلسفية التي يظنها إسلامية خالصة، كنظرية السعادة ~~والاتصال، ونظرية النبوة. ~~••• # وللدكتور أحمد فؤاد الأهواني دراسات إسلامية ~~منوعة، تجدها مفرقة في كتبه، ففي كتابه «في عالم الفلسفة» # 10 ~~(1948م) فصل عنوانه «أمواج الفكر الإسلامي» يوضح فيه أولا كيف اندست ~~عناصر الثقافات «الفارسية والوثنية والمسيحية واليهودية إلى الفكر الإسلامي واندمجت ~~به، وتكون مع الزمن لون أو ألوان من الثقافة الإسلامية، هي مزيج من هذا الفكر ~~الأجنبي والآراء الإسلامية، وقد نجد لونا من الثقافة إسلاميا بحتا، وقد نجد لونا ~~آخر تغلب عليه النزعة اليونانية، وقد نجد لونا ثالثا يظهر فيه الطابع الفارسي ~~وهكذا» (ص54). # على أن الجديد في تناول الدكتور الأهواني لموضوع الفلسفة الإسلامية في هذا البحث، ~~هو تصوره لتاريخ تلك الفلسفة على أنه فكرات رئيسية تعاقبت واحدة في إثر واحدة، ~~جيلا بعد جيل، فقد تشغل الأذهان اليوم فكرة يدور حولها البحث والجدل، ثم يجيء ~~الغد بفكرة أخرى يدور حولها البحث والجدل، وهلم جرا. وهكذا جاء الفكر الفلسفي ~~الإسلامي موجات متلاحقة، على رأس كل موجة فكرة أساسية، أي أن الفلسفة الإسلامية - ~~على هذا التصور - لم تتناول موضوعات بعينها منذ بداية نشاطها إلى فتور ذلك النشاط، ~~مع اختلاف على مر الزمن في درجة النمو والنضج، ويجمل بنا أن نذكر أن المؤلف ~~حريص على أن يكون موضوع بحثه هو «الفكر الإسلامي» لا «الفلسفة الإسلامية» لأن ~~«تفكير المسلمين انصب على المسائل الفلسفية كما انصرف إلى المسائل العلمية.» ورءوس ~~الأفكار التي ms027 شغلت الأذهان على التتابع، والتي منها تكونت «أمواج الفكر الإسلامي» ~~هي: الكفر والإيمان، التشبيه والتجسيم، التشيع، القدرية، الإرجاء. # ومن الدراسات ذات الشأن في ميدان الفلسفة الإسلامية مؤلفات الدكتور محمد عبد الهادي ~~أبو ريدة عن «الكندي وفلسفته» (1950م)، «إبراهيم ابن سيار النظام» (1947م) وكتابان ~~للدكتور علي سامي النشار، هما «نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام» و«مناهج البحث عند ~~مفكري الإسلام» وقد حاول فيهما موفقا أن يبين أصالة المسلمين في التفكير ~~منهجا وموضوعا ومن الدراسات المقارنة التي تستهدف الهدف نفسه كتاب الدكتور ~~محمود قاسم «في النفس والعقل لفلاسفة الإغريق والإسلام وصلتها بالفلسفة اليونانية» ~~وكتاب الدكتور محمد البهي «الجانب الإلهي من التفكير الإسلامي». # على أن المشتغلين بالدراسات الإسلامية قد ~~انصرفوا بكثير من جهدهم إلى التصوف الإسلامي بصفة خاصة، يدرسونه دراسة علمية، ~~وينشرون نصوصه محققة ومشروحة. وإننا لنزداد تقديرا لجهود الباحثين في هذا ~~المجال، إذا علمنا أن العمل في هذا الميدان - كما يقول الدكتور أبو العلا عفيفي في ~~مقدمة كتابه «في التصوف الإسلامي» - «لا يزال في أول شوط من أشواطه، بالرغم من ~~الجهود العظيمة القيمة التي بذلتها طائفة من فضلاء العلماء الغربيين منذ أوائل ~~القرن التاسع عشر حتى اليوم.» وللدكتور أبو العلا دراسات كثيرة في التصوف، لكن محيي ~~الدين بن عربي كان أهم موضوع عني ببحثه ونشره وشرحه، حتى لقد أصبح فيه حجة ~~بين المشتغلين بالتصوف في الغرب والشرق على السواء. # وكذلك كان من الدارسين الذين خدموا التصوف الإسلامي بمؤلفاتهم ونشراتهم الأستاذ ~~سليمان دنيا وبخاصة عن الإمام الغزالي، وكذلك قل عن المرحوم الدكتور زكي مبارك، ~~والدكتور أبو الوفا التفتازاني عن ابن عطاء الله وابن سبعين. # ولو جاز لنا أن نلخص النتائج التي وصل إليها الباحثون في ميدان الفلسفة الإسلامية ~~بكل فروعها، في عبارة موجزة، لقلنا إنهم جميعا ينتهون إلى أن الفلسفة الإسلامية ~~متميزة بطابع مستقل، وليست هي مجرد أصداء شارحة لفلسفة اليونان أو ~~غيرها. # 6 # على أننا لم نذكر فيما ذكرناه من نشرات للتراث، ومن ترجمة للفلسفة الغربية، ومن ~~تأليف مذهبي وغير مذهبي، لم نذكر ms028 في كل ذلك جهودا ضخمة قام بها رجال الفلسفة في مصر ~~الحديثة، بما نشروه من مؤلفات وفصول أكاديمية في موضوعات اختصاصهم، فللدكتور عبد ~~الحميد صبرة جهوده في فلسفة العلوم، وللدكتور زكريا إبراهيم سلسلة مؤلفات، كل منها ~~يختص «مشكلة» بالبحث، كمشكلة الحرية، ومشكلة الفن، ومشكلة الإنسان، ومشكلة الفلسفة ~~نفسها. وهو في تأليفه ينزع منزع الفلسفة الوجودية بصفة عامة. وللدكتور يحيى هريدي ~~مؤلفاته في الفلسفة الحديثة والمعاصرة، وهو يحاول أن يخرج مما يكتب بوجهة نظر ~~خاصة يريد لها أن تكون مصطبغة بصبغة «عربية» متميزة. وللدكتور فؤاد زكريا بحوثه ~~عن نيتشه وسبينوزا وعن المعرفة والوجود. وكذلك يكتب الدكتور محمد فتحي الشنيطي عن ~~مختلف الاتجاهات الحديثة والمعاصرة من هيوم ووليم جيمس إلى كارل يسبرز. # وإن القصة لتطول بنا لو أردنا إحصاء كاملا أو شبه كامل. وإنني لعلى يقين من ~~أنني قد سهوت عن ذكر مؤلفات لها أعظم الأهمية في محيطنا الفلسفي، وعن ذكر ~~مؤلفين لا يقلون قدرا عمن ذكرناهم، لكنه فصل موجز نكتبه عن نشاطنا الفلسفي ~~الحديث، الذي إن اختلفت فيه الاتجاهات والمذاهب، فهو منصرف كله إلى تحقيق هدف ~~واحد، وهو أن يضمن للإنسان حريته، وأن يجعل منطق العقل مدار أحكامه. # | من معاركنا الفلسفية # 1 # أم المشكلات في حياتنا الفكرية هي محاولة التوفيق بين تراث الماضي وثقافة الحاضر، ~~فمن الماضي تتكون الشخصية الفريدة التي تتميز بها أمة من أمة، ومن الحاضر ~~تستمد عناصر البقاء والدوام في معترك الحياة؛ فالأمة العربية عربية بما قد ~~ورثته عن الأسلاف من عوامل، أهمها اللغة العقيدة ومواضعات العرف، وكذلك نقول إن ~~الأمة العربية قد استطاعت الصمود في دوامات هذا العصر الجارفة العنيفة، بمقدار ما ~~استطاعت أن تساير حضارة العصر في وسائله وتصوراته، وإنها لتقع بين ماضيها وحاضرها ~~في مأزق حرج، فإذا هي اقتصرت - من جهة - على فكر الماضي وطريق عيشه ووجهة نظره، ~~جرفها الحاضر في تياره، لأن له من الوسائل المادية ما لا قبل لها بدفعه، وإذا ~~هي اقتصرت - من جهة أخرى - على الحاضر وعلمه وفنه وسائر معالمه، ضاعت ms029 ملامح ~~شخصيتها، وانطمست فرديتها، ولم يعد لها وجود إلا كما يكون لقطرة الماء في ~~البحر المتجانس وجود متميز خاص. فهل من سبيل إلى التقاء الطرفين في مركب واحد، ~~يزيل ما بينهما من تباين وتضاد، ويؤلف بينهما في نسيج ثقافي متسق منسجم، ~~يكون هو ما نطلق عليه اسم الثقافة العربية المعاصرة؟ ذلك هو السؤال الذي ألقي في ~~حياتنا الفكرية منذ قرن أو يزيد، والذي كانت محاولة الإجابة عنه، إجابة مقنعة، هي ~~ميدان الصراع بين المفكرين بعامة، ورجال الفلسفة من هؤلاء المفكرين ~~بخاصة. # إن محاولة التوفيق بين تراث الماضي وثقافة الحاضر (أو ثقافة الغرب حاضرها ~~وماضيها على السواء) مشكلة بالنسبة إلى كل مجتمع متطور، فقد شهدناها عند العرب ~~الأقدمين في محاولتهم التوفيق بين العقل والنقل - بين فلسفة اليونان وأحكام الشرع. ~~وشهدناها عند مفكري الغرب إبان القرون الوسطى في قيامهم بالمحاولة نفسها التي ~~حاولها فلاسفة المسلمين. وشهدناها في النهضة الأوروبية حين حاول أعلامها الجمع بين ~~النهضة العلمية في عصرهم وبين التراث الكلاسيكي الذي ابتعثوه عن أسلافهم الرومان ~~واليونان، كما شهدناها في روسيا القرن التاسع عشر بين الثقافة السلافية وثقافة غربي ~~أوروبا؛ لكن محاولة التوفيق هذه أشد إشكالا وتعقيدا بالنسبة إلى الشعوب الآسيوية ~~والإفريقية - بما في ذلك الأمة العربية - التي ظفرت بحريتها حديثا من براثن ~~المستعمرين، وذلك لأن المشكلة قد أضيف إليها من العناصر ما زادها عسرا، فمن هذه ~~العناصر المضافة أن ثقافة العصر التي يراد التوفيق بينها وبين تراث الماضي، هي ~~نفسها ثقافة المستعمر، وإنه لعسير على النفس أن تقبل على ثقافة ارتبطت عندها بمن ~~استغلها واستذلها، واستهان بثقافتها وعقائدها. فإذا كان المستعمر كريها ممقوتا، ~~فكذلك كانت - عند معظم الناس - ثقافته المرتبطة به؛ إذ ليس من اليسير على الكثرة ~~الغالبة من الناس أن تقوم بعملية التجريد العقلية التي تفصل بين المستعمر وثقافته، ~~بحيث ترفض الأول وتقبل الثاني؛ ولهذا سرعان ما ارتبطت النزعة القومية من جانبها ~~السياسي الذي حاول الفكاك من قيود المستعمر ليظفر بالحرية والاستقلال، سرعان ما ارتبط ~~هذا الجانب السياسي من الحركة ms030 القومية، بالجانب الثقافي الذي حاول تثبيت الجذور المحلية ~~في تربة الأرض، لتعود إلى الأمة شخصيتها التي أوشكت على الضياع، فرأينا حركة إحياء ~~شامل لما كان قد اندثر - أو أوشك - من مقومات الحياة الماضية إبان قوتها، وفي ~~مقدمة هذه المقومات العقيدة الدينية، لا لأن هذه العقيدة هي في حقيقتها من أهم ~~أركان البناء الثقافي - إن لم تكن أهمها جميعا - فحسب، بل لأنه قد تصادف أن ~~عقيدة المستعمر في معظم البلاد الآسيوية والإفريقية مخالفة لعقيدة الشعب في هذه ~~الأمة أو تلك، كالإسلام في الشرق العربي، وكالهندوكية أو البوذية في الهند وبلاد الشرق ~~الأقصى، فكان من الطبيعي - إذن - أن تقترن الحركات الوطنية بالدعوة إلى إحياء العقيدة ~~الدينية وتنقيتها مما قد علق بها من أوشاب الخرافة في فترات الضعف السياسي ~~والتدهور الفكري. # إن الروح السائدة في البلاد المتحررة حديثا من قبضة المستعمر، يمكن تلخيصها ~~في هذا السؤال: كيف نرد لأنفسنا كرامتها، بإحياء ثقافتنا التقليدية والرفع من ~~شأنها، مع إقامة البرهان العملي - في الوقت نفسه - على كفاءتنا في ميدان التنافس مع ~~من كانت لهم السيادة علينا ظلما وعدوانا؟ فهذه السيادة المعتدية الظالمة كانت ~~ترتكز أولا وقبل كل شيء على ركيزة العلم والصناعة، وإذن لا بد لنا من هذه ~~الركيزة بكل ملحقاتها، لنستطيع الصمود في ميدان التنافس. وها هنا يعود سؤالنا الأول ~~من جديد: هل في ثقافتنا التقليدية التي نريد إحياءها وتقويتها ما يتعارض مع هذه ~~الركيزة التي نحن في أشد الحاجة إليها - ركيزة العلم والصناعة؟ # هنا كثر بيننا الخلاف وتشعب الرأي - فكان منا فريق يعلي من شأن الطابع ~~القومي الأصيل، على حساب الجوانب الأخرى جميعا إذا اقتضى الأمر ذلك؛ أي إنه يلوذ ~~بالثقافة الموروثة ليضمن لنفسه مقومات الشخصية المميزة الفريدة التي هي في ظنه ~~درع واقية من المعتدين. وفريق آخر كان همه الأول هو أن نلحق بركب الحضارة ~~العصرية، لأنه لو كان المستعمر قد وجد فينا ثغرة ينفذ منها، فتلك الثغرة هي ما ~~أعوزنا من العلم والصناعة، ولم نكن لنفلح في صده - بغير هذين العاملين ms031 - حتى ~~وإن تجمعت لدينا كل ثقافات الغابرين. لكن أيكون الصواب إما مع أنصار التراث ~~وحدهم، وإما مع أنصار الثقافة العصرية وحدهم؟ ألا يجوز أن يكون بين الطرفين وسط ~~يجمعهما في تركيبة جديدة؟ تلك وقفات ثلاث؛ طرفان ووسط بينهما، وهي الوقفات التي على ~~أساسها تفرق رجال الفكر الفلسفي عندنا منذ منتصف القرن الماضي، وإلى يومنا هذا، ~~حتى لنوشك أن نتعقب سير الحركة الفكرية خلال هذه الفترة في مراحل ثلاثية الجوانب؛ ~~فمن طرف إلى نقيضه إلى وسط يؤلف بينهما، على أن النقيض والوسط كانا دائما ~~يتخذان موقف المدافع عن الدين مما يظن أنه خطر عليه، سواء كان هذا الخطر ~~حقيقيا أو موهوما، وسواء كان آتيا من مفكر غربي يتحدث عن الإسلام مباشرة، أو من ~~فكر غربي عام يوصف بالمادية فيخشى خطره على العقيدة، أو حتى من مفكر عربي ينهج ~~نهج الغربيين في تفكيره، فينظر إليه بعين الريبة والحذر. # فأولى المعارك الفكرية معركة كان أحد طرفيها أنصار نظرية التطور والمذهب المادي ~~في القرن التاسع عشر، والطرف النقيض هو الرد على هؤلاء تفنيدا لدعواهم، ويتوسط ~~بين الطرفين وسط يحاول أن يبين ألا خوف على عقائدنا الموروثة من الفكر الجديد ~~الوافد. # وكانت المعركة الثانية أجلى وأوضح، لأن أحد طرفيها هجوم صريح على الإسلام من ~~مفكر غربي، وطرفها الثاني دفاع صريح، لكنه دفاع من يبدأ بالتسليم بصحة عقيدته، ~~فيقع إقناعه على المؤمن بها قبل المنكر لها. وأما الوسط فهو دفاع صريح كذلك عن ~~الإسلام، ولكنه هذه المرة دفاع الفيلسوف الذي يوجه إقناعه نحو المنكرين قبل أن ~~يوجهه نحو المؤمنين، لأنه اختار نقطة ابتداء محايدة، ثم أخرج منها ~~النتائج. # وكانت المعركة الثالثة أوغل في الفلسفة بمعناها الاحترافي؛ لأنها معركة حول وسيلة ~~المعرفة ماذا تكون؟ أتكون هي الحواس والتجربة بحيث نغفل في ميدان العلم ما لم ندركه ~~عن طريق المشاهدة الحسية والتجارب المعملية، أم تكون وسيلة المعرفة هي الحدس، أي ~~العيان الوجداني المباشر؟ وإنا لنلاحظ أن الفريق الأول يصب اهتمامه على العلم، ~~وأن الفريق الثاني يصب اهتمامه على ms032 الدين. الفريق الأول يوجه بصره نحو ~~ثقافة العصر، والفريق الثاني يوجه انتباهه نحو صيانة التراث. فهل يمكن أن نوفق ~~إلى موقف وسط يعطينا علم الغرب دون أن يكون ذلك على حساب العقيدة الموروثة؟ # وكانت المعركة الرابعة بين فريقين: أولهما يجعل للوجود الفردي في المكان والزمان ~~الأصالة والأولوية، وثانيهما يجعل الأصالة والأولوية للفكرة التي تسبق خلق الأفراد. ~~وتلك هي نفسها المعركة بين أنصار الفكر الحديث الذي يصاحب التفكير العلمي المعاصر ~~وأنصار الفكر الموروث. ومرة أخرى كذلك ينشأ السؤال: أليس هناك موقف وسط يصون فردية ~~الأفراد لكنه كذلك لا يضحي بالفكرة المطلقة السابقة على هؤلاء الأفراد؟ # ذلك موجز وسبيلنا إلى تفصيله. # 2 # إن حديثنا عن الصراع الفكري بين رجال الفلسفة في الأمة العربية إبان المرحلة ~~الأخيرة من تاريخها الحديث لتتعذر فيه الدقة لاختلافنا ابتداء على ماذا تكون ~~الفلسفة ومن هم رجالها؟ فلقد جرى العرف بيننا أن نسلك في جماعة المشتغلين ~~بالفلسفة رجالا من طرازين يختلفان جوهرا «اختلافا هو نفسه الاختلاف القائم بين ~~معنيين تفهم بهما الفلسفة، ساد أولهما في «حكمة» الشرق، وساد ثانيهما في ~~«تحليلات» الغرب، فالفلسفة بالمعني الأول هي «فلسفة حياة»، والفلسفة بالمعني الثاني هي ~~«فلسفة تجريد نظري»، وبالمعني الأول تكون الفلسفة في صياغتها أقرب إلى الصياغة ~~الأدبية، وبالمعني الثاني تكون الفلسفة أقرب في أسلوبها إلى الصياغة العلمية» (راجع ~~للكاتب «فلسفة وفن» ص6). ومن ثم فقد يصطرع رجلان على فكرة بعينها، ولكن من ~~زاويتين مختلفتين، إذ قد يكون أحدهما منصرفا إلى مجرد تحليل الفكرة وردها ~~إلى عناصرها الأولية، على حين يكون الثاني منصرفا إلى وزن هذه الفكرة واتساقها مع ~~بقية الأفكار السائدة في المجتمع، فيراها من هذه الناحية ضارة أو نافعة. وفي مثل ~~هذه الحالة لا يكون في الموقف صراع حقيقي بين الرجلين، بل ربما كان ما بينهما أقرب إلى ~~التعاون على أن يكمل أحدهما عمل الآخر، فالأول يلقي الأضواء على معنى الفكرة ~~ومحتواها، والثاني يصدر الحكم على صلاحيتها أو فسادها بالنسبة إلى حياتنا ~~العملية وإلى سائر معتقداتنا. # لقد كتب أستاذ ms033 جليل - هو في مقدمة المشتغلين بالفلسفة عندنا - كتابا بالغ ~~الأهمية في هذا الميدان، ذهب فيه إلى أن «الفقه» هو «فلسفة» إسلامية أصيلة، وقرأ ~~الكتاب كاتب هذه السطور حين صدوره منذ عشرين عاما، فأذهلته الفجوة العميقة بينه ~~وبين المؤلف في تصورهما للفلسفة ماذا تكون وكيف تكون، لكنه لم يجرؤ على ~~المعارضة العلنية لمكانة المؤلف في النفوس، فلجأ إلى مقال رمزي، لا أظن قارئا ~~واحدا قد التفت إلى مرماه، ولكن الكاتب في مقاله الرمزي ذاك - وكان عنوانه ~~«نملتان في الفلفل» (منشور في كتاب «شروق من الغرب») - قد عبر عن فكرته واستراح، إذ ~~أخذ يقص قصة نملتين تعلمتا القراءة، لتهتديا «بالعلم» إلى ما ليست تهدي إليه ~~الغريزة، وكان أن قرأتا على علبة بطاقة تقول إنه «سكر»، (كما قرأ صاحبنا على ~~غلاف الكتاب عنوانا يقول إنه «فلسفة») فدخلتا على هذا الزعم، وإذا بهما تعانيان ~~مما وجدتاه، أما إحداهما فقد وثقت ثقة - لا يأتيها الشك - فيما كتبه البقال ~~على جدار العلبة، وأما الأخرى فقد شكت على أساس ما رأته بعينيها وما طعمته ~~بلسانها، ودار بينهما حوار، لو زال عنه الرمز، لكان هو نفسه الحوار الذي يدور بين ~~أي رجلين من رجال الفلسفة عندنا عما يكتبان. أيكون فلسفة أم لا يكون؟ # لكننا في تعقب مواضع الصراع بين رجال الفلسفة في تاريخنا الحديث، سنجري مع العرف ~~المألوف، فنعد شبلي مشيل فيلسوفا، مع أنه هو نفسه - فيما أظن - يأبى على نفسه أن ~~يوصف بهذه الصفة، لأنه مؤمن بالعلم وحده، وأما الفلسفة «فإن كان لها بعض معنى ~~اليوم» - كما قال - «فإنها ستصبح مبتذلة في مستقبل الأيام، فالمستقبل اليوم للعلم، ~~وللعلم العملي وحده.» وسنعد الأفغاني فيلسوفا، كما نعد محمد عبده، وعباس محمود ~~العقاد، برغم اعتقادنا بأنه توسع في المعنى شديد، ذلك الذي يجيز أن نسلك هؤلاء ~~جميعا في زمرة «الفلاسفة» بالمعنى الذي تكتب به مؤلفات المؤرخين للفلسفة كما ~~تدرس في أقسامها بالجامعات. # نقول بعد هذا التمهيد، إن المعركة الفلسفية الأولى قد دارت رحاها حول نظرية ~~التطور والمذهب المادي في الفلسفة ms034 (وقد لا يلزم أن تكون بينهما صلة ضرورية؛ إذ قد ~~تأخذ بنظرية التطور في الأحياء دون أن تلتزم المذهب المادي الذي يرد كل شيء ~~إلى مادة، والعكس صحيح أيضا، فقد تذهب إلى أن الكون كله مادة، دون أن تأخذ بنظرية ~~التطور). أقول إن المعركة الأولى قد دارت رحاها بين نظرية التطور والمذهب المادي ~~في الفلسفة من ناحية، وبين المناصرين للعقيدة الدينية من ناحية أخرى، على اعتبار من ~~هؤلاء أن ثمة تناقضا بين هذه العقيدة وبين ما جاءت به نظرية التطور وما جاء ~~به المذهب المادي. # وكان الدكتور شلبي شميل، بكتابه «فلسفة النشوء والارتقاء» هو أول ناقل إلى اللغة ~~العربية للمذهب المادي على صورته التي سادت ألمانيا في القرن التاسع عشر، على يدي ~~«بختر»، كما نقل كذلك نظرية دارون في التطور. ولعله لم يفطن إلى الفرق بين أن ~~تناصر النظرية الداروينية من جهة، وأن تنكر كل ما عدا المادة من جهة أخرى. # وليس يهمنا أن نورد تفصيلات هذا المذهب المادي، أو تلك النظرية الداروينية في ~~التطور - فهما مما يمكن الرجوع إليه في مصادره - لكن الذي يهمنا هو كيف ~~قوبلت هذه الأفكار الغربية الحديثة عند مفكرينا لنرى مواضع الصدام بين ثقافة ~~العصر من جهة، وثقافة التراث من جهة أخرى. وإن الموقف بطرفيه ليتمثل في كتاب ~~«الرد على الدهريين» لجمال الدين الأفغاني. # والدهريون الذين يرد عليهم الأفغاني، برسالته هذه هم أصحاب الفلسفة المادية ~~التي أخذت تتناثر أنباؤها، وقد كتب الأفغاني رده باللغة الفارسية، ثم نقلها إلى ~~العربية الإمام محمد عبده، مستعينا في ذلك بأديب أفغاني. وإنما كتبها ليجيب بها ~~عن سؤال جاءه من رجل فارسي يستفسره حقيقة المذهب المادي الذي أخذ يشيع في الناس ~~«يقرع آذاننا في هذه الأيام صوت «نيشر - نيشر» (= طبيعة) ... ولا تخلو بلدة من جماعة ~~يلقبون بلقب «نيشري» ... ولقد سألت أكثر من لاقيت من هذه الطائفة ما حقيقة ~~النيشرية؟ وفي أي وقت كان ظهور النيشريين وهل طريقهم تنافي الدين المطلق؟ ... ولكن ~~لم يفدني أحد منهم عما سألت بجواب شاف كاف، ms035 ولهذا ألتمس من جنابكم العالي أن ~~تشرحوا حقيقة النيشرية والنيشريين بتفصيل ينقع الغلة ويشفي العلة ~~والسلام.» # ذلك هو موجز الخطاب الذي ورد إلى الأفغاني، فكانت رسالته «الرد على الدهريين» ~~هي الجواب، وقد قسمها قسمين. أولهما «في حقيقة مذهب النيشرية والنيشريين وبيان ~~حالهم»، والثاني في أن الدين الإسلامي أعظم الأديان، وهذا التقسيم كاف وحده للدلالة ~~على أن الخطر المخوف من ثقافة الغرب الوافدة، هو ما عساها أن تؤثر به في ديانة ~~المسلمين، لأن الحرص على نقاء هذه الديانة هو - فوق كونه من واجبات المؤمنين - ضروري ~~لتثبيت أركان القومية السياسية التي كان الأفغاني من طلائع دعاتها، وإلا لما اقتضاه ~~الرد على مذهب فلسفي معين، أو الرد على نظرية بيولوجية بعينها، دفاعا عن الإسلام ~~وبرهانا على عظمته بالنسبة إلى سائر الأديان. # نعم، إنه ليس من الإنصاف في شيء أن ننقد رسالة الأفغاني بنظرة الدارس العالم، سواء ~~كان ذلك في جانبها الذي يمس العلوم الصرف، أو كان في جانبها الذي يمس مذاهب الفلسفة ~~الأوروبية؛ لأننا لا نظن أن الأفغاني كان مزودا بعلم العلماء ولا بفلسفة ~~الفلاسفة في دقائقها وتفصيلاتها، إنما أخذ الموضوع أخذ «المثقف» العام، لا أخذ ~~الدارس المتخصص. وحسبنا في هذا أن نقرأ له ختام خطابه الذي أرسله ردا على خطاب ~~السائل الفارسي، إذ يقول: «... أرجو أن تكون (أي رسالة الرد على الدهريين) مقبولة عند ~~العقل الغريزي لذلك الصديق الفاضل، وأن تنال من ذوي العقول الصافية نظرة ~~الاعتبار.» فمن هذه العبارة يتبين أن الأفغاني قد وجه الحديث في رسالته إلى ~~فئتين من الناس، إحداهما أصحاب «العقل الغريزي» - ومنهم صاحب الخطاب - والأخرى أصحاب ~~«العقول الصافية» ونحن وإن كنا لا ندري على وجه الدقة ماذا يراد «بالعقل الغريزي» ~~عند الأفغاني (لأن لغة العلم الحديث تجعل العقل والغريزة ضدين، فالعقل منطق ~~مكتسب والغريزة فطرة موروثة) إلا أننا نأخذ العبارة على أنها تعني ما نسميه ~~اليوم «بالإدراك المشترك» الذي لا يحتاج صاحبه إلى تعلم متخصص، بل يكفيه أن ~~يشارك الناس في جوهم الثقافي العام. وكذلك لا ندري ms036 على وجه الدقة مراده ~~«بالعقول الصافية» سوى أن نرجح أنه يعنى بها عقولا صفت من «الغريزة» لتصبح ~~«منطقا» صرفا. لكن العقول المنطقية الخالصة في حد ذاتها لا تكفي للدلالة على نوع ~~الموضوع الذي تخصصت في دراسته، ولهذا لم يكن بين من خاطبهم الأفغاني برسالته أحد هو ~~بالضرورة ممن أجادوا دراسة الفلسفة المادية ولا دراسة النظرية الداروينية اللتين ~~تعرض للرد عليهما، والظاهر أنه قد اكتفى في ذلك كله بما عنده هو من «إدراك مشترك ~~عام» وبما عند قارئيه - على تفاوت درجاتهم - من ذلك الإدراك المشترك نفسه. # وأعود فأقول إنه ليس من الإنصاف أن نجد الأفغاني يتناول موضوعه تناول «الأديب» لا ~~تناول «العالم». نصر مع ذلك على نقده بنظرة العلماء المتخصصين، ولو فعلنا ~~ذلك لما ثبتت رسالة الرد على الدهريين لحظة واحدة أمام النقد، حتى وإن قصرنا ~~أنفسنا على علوم عصره، ودع عنك أن نضيف إليها ما قد وصل إليه العلم بعد ذلك، وإلا ~~فماذا يقول الأفغاني وهو يأخذ على أصحاب الفلسفة المادية اعتمادهم على «أحكام ~~الصدفة» إذا قلنا له إن «أحكام الصدفة» هذه - وهي نفسها قوانين الاحتمال - قد ~~أصبحت الآن قاعدة أساسية تنبني عليها العلوم الطبيعية، فضلا عن العلوم الإنسانية ~~جميعا، وشرح ذلك يطول؛ وماذا يقول الأفغاني الذي أخذ على أصحاب المذهب المادي بأن ~~مذهبهم يؤدي إلى تسلسل الأطوار إلى غير ابتداء وهو تسلسل غير متناه، «وغفل ~~أصحاب هذا الزعم عما يلزم من وجود مقادير غير متناهية في مقدار متناه، وهو من ~~المحالات الأولية.» هكذا يقول الأفغاني، فماذا لو أنبأناه بحقيقة يأخذ بها ~~الرياضيون اليوم، وهي إمكان «وجود مقادير غير متناهية في مقدار متناه»، ومثال ~~ذلك أن أي خط مستقيم محدد بطرفين معلومين متناهيين يمكن أن يتألف من ~~أجزاء، كل جزء منها فيه مقدار لا متناه من النقط، وبذلك يشتمل طول الخط ~~المتناهي على مقادير غير متناهية، وشرح ذلك أيضا يطول؛ وهل ترى رجلا أبعد عن ~~دراسة النظرية الداروينية من الأفغاني حين يقول: «وعلى زعم داروين يمكن أن يصير ~~البرغوث فيلا ms037 بمرور القرون وكر الدهور، وأن ينقلب الفيل برغوثا كذلك.» أو حين ~~يزعم أن داروين قد حكى عن جماعة أنهم «كانوا يقطعون أذناب كلابهم، فلما واظبوا على ~~عملهم هذا قرونا صارت الكلاب تولد بلا أذناب. كأنه يقول حيث لم تعد للذنب ~~حاجة كفت الطبيعة عن هبته.» # لا، لا ينبغي - بل لا يجوز أن يؤخذ رد الأفغاني كما تؤخذ ردود العلماء بعضهم ~~على بعض، لأنه رد خطابي صادر عن موقف وجداني رافض، ليخاطب به جمهورا هو بدوره ~~يقف موقفا وجدانيا رافضا بالنسبة إلى الثقافة الوافدة من الغرب الحديث، فلو ~~نظرنا إلى الموقف كله على أنه موقف وطني قومي ينشد التمييز من الغرب الهاجم ~~بعلمه وبقوته، فقد كسب الأفغاني ما أراد، لكننا لو نظرنا إليه على أنه رد ~~علمي على نظرية علمية، لما ترددنا في القول بأنه قد خسر المعركة، وترك النصر ~~لخصومه. # لكن لماذا نقف في حيرة أمام هذين الطرفين، وهنالك مخرج ممكن يكسبنا مضمون ~~الثقافة الغربية في هذا المجال، ويبقي لنا ما نحن حريصون على الإبقاء عليه من تراثنا؟ ~~وذلك الموقف الوسط هو ما حاوله إسماعيل مظهر في كتابه «ملقى السبيل» إذ أوضح بقدر ~~مستطاعه شيئين: أولهما أن ليس ثمة علاقة ضرورية بين المذهب المادي من جهة ونظرية ~~التطور البيولوجي من جهة أخرى، والآخر هو أن قبول النظرية التطورية عند دارون لا ~~يتنافى مع عقيدتنا في وجود الله وقدرته على الخلق، لأن سلسلة التطور إنما تبدأ من ~~الخلية الحية، وإذن فما تزال ثغرة الانتقال قائمة بين المادة الموات وظواهر ~~الحياة. # يقول مظهر: «إن نظرة واحدة في المذهب (الدارويني) كافية لأن تبعد عن العقول ما علق ~~بها من أثر القول بدهرية الذين يعتنقون مذهب النشوء، ... فالمذهب بعيد عن البحث في أصل ~~الحياة، ولا شأن له بالبحث في التولد الذاتي، ولا في القول بأن الحياة قوة مادية أو ~~غير مادية ... ذلك لأن المذهب مقصور على البحث في نشوء بعض العضويات من بعض، بعيد عن ~~البحث في الأصل الذي تستمد منه حياتها. من هنا ms038 تزاح أكبر عقبة تقف في سبيل ~~القول بأن المذهب بعيد عن مخاصمة الشرائع المنزلة، كذلك لا يمكن لمنصف أن يحمل ~~مذهب داروين في النشوء، تبعة ما سبق إليه بعض الباحثين فيه، وتوسعهم في مدلولاته ~~إلى حد القول بالمادية وإنكار الألوهية» (ص54). # وبهذه الوجهة من النظر، التي تجعل خلق الحياة - أصلا - أمرا خارجا عن نطاق النظرية ~~الداروينية التي تقتصر على تطور الأحياء بعد أن كانت ثمة حياة، تسقط دواعي ~~الاعتراك بين «الدهريين» من جهة وبين أصحاب «الرد على الدهريين» من جهة أخرى، لأنه ~~إذا كان الأولون قد خلطوا مسألة الألوهية بنظرية التطور فقد أخطأوا، وإذا كان ~~الآخرون كذلك قد ظنوا أن لنظرية التطور مساسا بمسألة الألوهية فقد أخطأوا، إذ يمكن ~~الجمع بين الطرفين دون أن يكون قبولنا لأحدهما مستتبعا بالضرورة رفضنا للآخر. # 3 # كانت المعركة الأولى بين ثقافة غربية حديثة وفدت إلينا على أقلام عربية آمنت ~~بها، قوامها الرئيسي جانب من علوم البيولوجيا - وأعني نظرية التطور - وجانب من الفكر ~~الفلسفي الذي ساد - مع غيره من مذاهب الفلسفة - أوروبا القرن التاسع عشر، وكان الجانب ~~المنقول هو المذهب المادي الذي شاع هناك نتيجة لانتصارات العلم في الحياة النظرية ~~والعملية على السواء، وقد كان يجوز أن ينقل عن أوروبا عندئذ فلسفات هيجلية مثالية ~~لم تكن أقل شيوعا من المذهب المادي، بل ربما كانت أوسع وأشمل. أقول إن المعركة ~~الأولى كانت بين ذلك الجانب من الثقافة الغربية الوافدة وبين قادة الفكر الإسلامي ~~عندنا، واتخذ الدفاع لنفسه وجهتين: إحداهما أن يبرهن بما يشبه الحجة العلمية ~~على أن النظرية البيولوجية المنقولة لم تكن على صواب، والأخرى تبين قوة العقيدة ~~الإسلامية بالقياس إلى غيرها من العقائد، فجاءت الوجهة الأولى من وجهتي الدفاع ضعيفة ~~لعدم إلمام المدافعين بالعلم الذي تصدوا لتفنيده. ثم جاءت الوجهة الثانية من وجهتي ~~الدفاع - على قوتها الذاتية - غير ذات نسب بموضوع النقاش؛ ولذلك كانت لغة الهجوم ~~الثقافي أرجح من كفة الدفاع. وأما المعركة الثانية فقد انقلب بها الوضع، لأن ~~ميدانها كان دينيا على الأغلب، إذ ms039 أخذ المهاجم يوازن بين الديانتين المسيحية ~~والإسلامية، فاضطر المدافع أن يرد على الموازنة بموازنة مثلها، فكانت الحجة ~~قوية في جانب الدفاع، وقد تبلور الهجوم في هذه المعركة فيما كتبه هانوتو في فرنسا من ~~جهة، وما كتبه فرح أنطون صاحب مجلة الجامعة في مصر من جهة أخرى، وكان أقوى من تولى ~~الرد على الرجلين هو الإمام محمد عبده، الذي أدار دفاعه على البيان بأن ما ~~اتهم به «الإسلام» باطل من وجهين: الأول أن شواهد التاريخ لا تؤيده؛ والثاني ~~أنه كلما صحت التهمة كانت واقعة على «المسلمين» بما أحاط بهم من ظروف أفقدتهم ~~لب عقيدتهم، لا على «الإسلام» من حيث هو عقيدة استطاع المؤمنون بها أن يعلوا إلى ~~ذروة العلم والعمل معا، هذا فضلا عن أن ما اتهم به المسلمون، يمكن مشاهدته في ~~المسيحيين كذلك، مما يدل على أن المسألة لا تتعلق بالعقيدة الدينية، إنما هي نتيجة ~~لظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية. # كان هانوتو في مقاله (نشر في جريدة «الجرنال» الفرنسية، وترجمه محمد مسعود إلى ~~العربية في جريدة المؤيد) قد أدخل في موازنته بين الديانتين موازنة أخرى ظنها ~~وثيقة الصلة بالموضوع، وهي الموازنة بين «الآريين» و«الساميين» ليخرج من المفاضلة ~~بتفضيل الأولين على الآخرين، فيتناول الأستاذ الإمام هذه النقطة بقوله إن الهند هي ~~منشأ الجنس الآري، وفيها ما فيها من التمايز الطبقي الذي يصم بالنجاسة فريقا كبيرا ~~من البشر، فهل جاءت هذه الخصلة إليهم من حضارة الساميين؟ ثم من أين وصلت المدنية ~~إلى أوروبا؟ أمن الشرق الآري أم من الأمم السامية؟ لقد حمل الإسلام إلى أوروبا بما ~~استفاد من صنائع الفرس، وسكان آسيا من الآريين، زحف عليهم بعلوم أهل فارس والمصريين ~~والرومانيين واليونانيين، نظف جميع ذلك ونقاه من الأدران والأوساخ التي تراكمت ~~عليه بأيدي الرؤساء في الأمم الغربية لذلك التاريخ، وذهب به أبلج ناصعا «إن أول شرارة ~~ألهبت نفوس الغربيين فطارت بها إلى المدنية الحاضرة كانت من تلك الشعلة الموقدة ~~التي كان يسطع ضوءها في بلاد الأندلس على ما جاورها. إنه لو صح الحكم ms040 على الأديان ~~بما يشاهد في أحوال أهلها وقت الحكم، لجاز لنا أن نحكم بأن لا علاقة بين الدين ~~المسيحي والمدنية الحاضرة، إذ يأمر الإنجيل أهله بالانسلاخ عن الدنيا والزهد فيها، ~~وليس ذلك هو الأساس الذي أقيمت عليه مدنية الغربيين، كلا. إن النظرة المنصفة لتدرك ~~على الفور أن الحضارة الإنسانية قد أخذ آريها من ساميها وساميها من آريها ولا ~~فرق بين هؤلاء وأولئك «فلا زالت الأمم يأخذ بعضها عن بعض في المدنية، لا فرق عندهم بين ~~آري وسامي متى مست الحاجة إلى تناول عمل، أو مادة، أو ضرب من ضروب العرفان. ~~وقد أخذ الغرب الآري عن الشرق السامي أكثر مما يأخذ الآن الشرق المضمحل، عن ~~الغرب المستقل».» # وينتقل الأستاذ الإمام من نقطة الآرية والسامية إلى لب المشكلة عنده، وهو الدين، ~~فقد زعم هانوتو أن ديانة التشبيه والتجسيم أفضل من ديانة التوحيد والتنزيه قائلا إن ~~الأولى ترفع الإنسان إلى منزلة الآلهة بينما تهبط الثانية بالإنسان إلى حضيض الضعف ~~والحيوانية، ثم أقحم مسألة القدر في هذه القسمة فجعل أتباع الديانة الأولى يؤمنون ~~بالإرادة الإنسانية الحرة، على حين أن أتباع الديانة الثانية يؤمنون بسلطان ~~القدر عليهم، فيرد الأستاذ الإمام على هذا الزعم بأنه لا دخل لنوع العقيدة - ~~مشبهة كانت أو منزهة - بالكلام في القدر، بل إن الأمر في هذا ليتفرع عن ~~الاعتقاد بإحاطة الله بكل شيء وشمول قدرته لكل ممكن، سواء كان صاحب هذا ~~الاعتقاد من أصحاب التشبيه أو من أصحاب التنزيه، «ولقد عظم الخلاف في المسألة بين ~~المسيحيين أنفسهم، وهم مشبهة في رأي مسيو هانوتو، وبدأ النزاع بينهم قبل الإسلام، ~~واستمر إلى هذه الأيام.» # ومع ذلك فليست جبرية القدر من الإسلام في شيء، إذ «جاء القرآن الشريف - وهو الكتاب ~~المنزل بالإسلام - يعيب على أهل الجبر رأيهم وينكر عليهم قولهم ... وأثبت الكسب ~~والاختيار في نحو أربع وستين آية، وما جاء به مما يتوهم الناظر فيه ما يخالف ~~ذلك، فإنما جاء في تقرير السنن الإلهية العامة، المعروفة بنواميس الكون.» نعم، لقد ~~«وجد بين المسلمين طائفة ms041 تعرف بالجبرية، ولكنها كانت ضعيفة ضئيلة يقذفها الحق، ~~ويطردها العقل، وينبذها الدين ... وغلب على المسلمين مذهب التوسط بين الجبر ~~والاختيار، وهو مذهب الجد والعمل.» إن هانوتو قد بنى حكمه على المسلمين في أخذهم ~~بالقدر، على ظنه أن الإسلام جاء ليقطع الصلة بين العبد وربه، «ولكنه وهم في ذلك، ~~فإن الإسلام أفضى بالعبد إلى ربه وجعل له الحق أن يقوم بين يديه وحده بلا واسطة ~~تبيعه رضاءه.» # أما الاتهام الذي وجهه صاحب مجلة الجامعة فيتلخص في قوله إن المسيحية كانت أكثر ~~تسامحا مع العلم من الإسلام، وإن الإسلام أكثر اضطهادا للعلم والفلسفة من ~~النصرانية، فأجاب الأستاذ الإمام عن ذلك بما نشر في كتيب صغير عنوانه «الإسلام ~~والنصرانية مع العلم والمدنية»، وأخذ يستعرض التاريخ كله، بل ويستشهد بالعصر الحاضر ~~نفسه، ليبين في جلاء أن الاتهام باطل من أساسه؛ أفلا يكفي أن الكاتب نفسه قد ~~استطاع أن ينشر في الإسلام ما نشره في مجلته، في بلد مسلم دون أن يتعرض له واحد ~~بأذى؟ # ثم يأخذ الأستاذ الإمام في القول المفصل، المؤيد بالشواهد، فلم يشهد الإسلام ~~قتالا نشب بين أصحاب المذاهب المختلفة لاختلافهم في الاعتقاد، فلم يقع قتال بين ~~السلفيين والأشاعرة مع الاختلاف العظيم بينهما، ولا بين هذين الفريقين من أهل السنة، ~~والمعتزلة - مع شدة التباين بين عقائد أهل الاعتزال وعقائد أهل السنة سلفيين ~~وأشاعرة - وكذلك لم يقع قتال بين الفلاسفة الإسلاميين لاختلافهم في الرأي. وإن تاريخ ~~المسلمين لمليء بالشواهد التي تدل على أنهم في مجال العلم لم يميزوا بين دين ودين، ~~واستفادوا من أهل العلم من النصارى النسطوريين ومن اليهود وغيرهم. # على أن مذهب الأستاذ الإمام في مقارنة الأديان بعضها ببعض هو أن يؤخذ كل دين ~~«ممحصا مما عرض عليه من بعض عادات أهله أو محدثاتهم التي ربما تكون جاءتهم من ~~دين آخر.» وعلى هذا المذهب طفق باحثا عن أصول الديانتين اللتين أجرى هانوتو ~~المقارنة بينهما - النصرانية والإسلام - فوجد أن الأصول التي تنبني عليها النصرانية ~~هي، أولا: اعتمادها على الخوارق في إقناع الأتباع ms042 بصحة الاعتقاد «ولا يخفى أن ~~خارق العادة هو الأمر الذي يصدر مخالفا لشرائع الكون ونواميسه.» ولما كانت العلوم ~~قائمة كلها على أساس التسليم باطراد العلية في ظواهر الكون، كانت العقيدة الآخذة ~~بانتفاء هذا الاطراد مضادة للأساس العلمي، ثانيا: أعطت النصرانية سلطة دينية ~~للرؤساء على المرءوسين في عقائدهم، مما ينفي أن يكون الفرد صادرا في عقيدته عن ضميره ~~«وهذا الأصل إن نازع فيه بعض النصارى اليوم فقد جرت عليه النصرانية خمسة عشر قرنا ~~طوالا .» وثالثا: تدعو النصرانية إلى التجرد من الدنيا والانقطاع إلى الآخرة «فماذا ~~يكون حظ صاحب الاعتقاد بهذا الأصل من النظر في أي علم والعلم لا دخل له في شئون ~~الآخرة والدنيا قد حرمت عليه؟» ورابعا: الإيمان بغير المعقول، «وهو عند عامة ~~المسيحيين أصل الأصول ... وهو أن الإيمان منحة لا دخل للعقل فيها، وأن من الدين ما ~~هو فوق العقل، بمعنى ما يناقض أحكام العقل، وهو مع ذلك مما يجب الإيمان به.» وهناك ~~أصل خامس يقصر نظر النصراني على ما ورد في الإنجيل مهما يكن الموضوع الذي يبحث فيه، ~~زعما منهم بأن الإنجيل حاو على كل معرفة يحتاج إليها البشر، حتى لقد «قال بعض ~~فضلائهم إنه يمكن أن يؤخذ فن المعادن بأكمله من الكتاب المقدس.» وأصل سادس ~~يحمل صاحب العقيدة على التفرقة بين المسيحي وغيره. # ويستطرد الأستاذ الإمام في تعقب آثار هذه الأصول في موقف المسيحيين من العلم كما ~~شهد التاريخ نفسه فلم يجد «في التاريخ ذكرا للعلم والفلسفة بعد ظهور المسيحية في مظهر ~~القوة لعهد قسطنطين وما بعده إلا في أثناء المنازعات الدينية، التي كان يفصل فيها ~~تارة بسلطان الملوك وأخرى بجمع المجامع، وثالثة بسفك الدماء، فتخمد شعلة العلم ~~وينتصر الدين المحض.» # ولكي تتم المقابلة ذكر الإمام أصول الإسلام وبخاصة ما له علاقة منها بالحث ~~على العلم - وهو موضوع النقاش - فالأصل الأول هو النظر العقلي لتحصيل الإيمان، وقد ~~«بلغ هذا الأصل بالمسلمين أن قال قائلون من أهل السنة: إن الذي يستقصي جهده في الوصول ~~إلى الحق ثم لم ms043 يصل إليه ومات طالبا غير واقف عند الظن فهو ناج. فهل يكون ~~ركون إلى العقل أوسع من ذلك وأقوى؟ والأصل الثاني للإسلام هو تقديم العقل على ظاهر ~~الشرع عند التعارض، فإذا تعارض العقل والنقل أخذنا بما دل عليه العقل. وأما ~~موقفنا إزاء المنقول فأحد اثنين: إما أن نسلم بصحته تسليما نعترف فيه بالعجز ~~عن فهمه وتفويض الأمر إلى الله، وإما أن نحاول تأويله تأويلا يجعل معناه متفقا مع ~~ما أثبته العقل؛ وإن هذين الأصلين من أصول الإسلام ليكفيان وحدهما للدلالة على موقفه ~~من العلم، الذي هو أظهر ما تظهر فيه الحجة العقلية.» (ويذكر الإمام من أصول الإسلام ~~ثمانية، ويتعقب آثارها بشيء من التفصيل من حيث مناصرة البحث العلمي والنظر ~~العقلي). # 4 # لم تكن الدعوى ونقيضها في هذه المعركة على المستوى الفلسفي بالمعنى الخاص لكلمة ~~«فلسفة» بل كانت على هذا المستوي بالمعنى العام للفلسفة، وهو المعنى الذي يتسع ~~ليدخل في رحابه الجدل الديني على نحو ما كان شائعا عند فرق المتكلمين. وعلى ~~أي حال فالذي يهمنا من الأمر هو ما حدث من صدام بين فكر وافد وتراث أصيل؛ كيف ~~كان وإلى أية نتيجة أدى. # إن لقاء التعارض بين هانوتو - وغيره - من جهة، والشيخ محمد عبده من جهة أخرى لم ~~يقتصر على فعل ورده بحيث ينتهي الأمر إلى صفر كأن لم يحدث تعارض ولا لقاء، بل ~~كان من أثره أن تنبهت أذهاننا - ابتداء من الشيخ نفسه - إلى وجوب أن نعيد النظر ~~إلى تراثنا الفكري وإلى السائد بيننا من عرف وتقليد، لنسلط عليه أشعة من تفكير ~~العصر الحديث - وهو في صميمه تفكير علمي - لنرى على أي وجه نوائم بين أنفسنا وبين ~~روح العصر بحيث يتكون من هذه المواءمة شخصية جديدة لا تفرط في ملامحها الأصيلة ~~ولا تغمض العين على ضرورات العصر الراهن. # وفي سبيل بناء هذه الشخصية العربية الجديدة نشبت صراعات فرعية بين رجال الفكر ~~عندنا، فمنها صراع هو استمرار لما قام به الشيخ محمد عبده من دحض لمفتريات خصوم ~~الإسلام، دفعا لكل ms044 شبهة عن صلاحية أصولنا الثقافية للبقاء، حتى وإن اقتضى أمر بقائه ~~ملاءمة تجذ الفروع وتبقي على الجذور. وكان عباس محمود العقاد هو فارس هذه الجولة، ~~يمتطي الجواد نفسه الذي امتطاه من قبله الشيخ محمد عبده، مع زيادة في محصول الثقافة ~~الغربية الجديدة وزيادة في التقريب بين الضدين ليلتئما في كيان عضوي واحد، على ~~أن الإضافة الحقيقية التي أضافها العقاد إلى الإمام محمد عبده والتي جعلته بمثابة ~~«التأليف» الذي يؤلف بين الدعوى ونقيضها في نتاج يحافظ عليهما معا ويعلو درجة، هي ~~أنه لم يسلك مسلك الأستاذ الإمام في اصطناعه لمنهج هو أقرب إلى منهج المتكلمين ~~الذين يولدون عن الأصول الدينية نتائجها دون أن يعرضوا لهذه الأصول نفسها، وبذلك ~~يقنعون بكلامهم من يتفق معهم على الإيمان بتلك الأصول. وأما المنكر لتلك الأصول ~~فيوشك ألا يكون الحديث موجها إليه؛ وأما منهج العقاد فهو منهج الفلاسفة الذين ~~لا يبدءون بفروض مسلم بصحتها، ليكون الحديث موجها إلى المؤمن والمنكر على ~~حد سواء. # يقول العقاد في فاتحة كتابه «حقائق الإسلام وأباطيل خصومه» إنه «لا محل للكلام على ~~فضل دين من الأديان ما لم يكن أمر الدين كله حقيقة مقررة أو ضرورة واضحة، ولا ~~معنى كذلك لأن نقصر الخطاب على المؤمنين المصدقين ولا نشمل به المتشككين ~~والمترددين بل المنكرين والمعطلين؛ لأن المتشكك والمعطل أولى بتوجيه هذا ~~الخطاب من المؤمن المصدق.» # ويبدأ العقاد بتحليل فكرة «الدين» نفسها - بغض النظر عن هذا الدين أهو هذا الدين أم ~~ذاك - ليرد عنها ما قد تفهم به من دواعي التشكك أو الرفض، حتى إذا ما انتهى ~~إلى نتيجة ترضي أصحاب الأديان جميعا وهي أن الدين ضرورة إنسانية، يعود فيتناول ~~أوجه المفاضلة بين الإسلام وغيره من الديانات ليجد في الإسلام كل ما يطلب من ~~عقيدة دينية، لكنه في هذا الكتاب وفي غيره (مثل كتابه «الفلسفة القرآنية» وكتابه ~~«التفكير فريضة إسلامية») يلح إلحاحا شديدا على وجوب احتكام الإنسان إلى عقله ~~الحر، وفي هذا الاحتكام تكمن نقطة الالتقاء بين تراثنا من جهة وقبولنا لحضارة ~~العلم ms045 الحديث من جهة أخرى. # لكن الذي يلفت النظر في هذا الصدد هو أن العقاد الذي ألح هذا الإلحاح كله على ~~الجانب العقلي في تفهم العقيدة والدفاع عنها، وفي وجوب اضطلاع الفرد بالتفكير العقلي ~~لأنه فريضة إسلامية، قد دخل في معركة جانبية مع الزهاوي في أهمية العقل بالنسبة إلى ~~أهمية الخيال والعاطفة، وذلك أن الزهاوي ذو فلسفة مادية علمية يؤمن بالعقل وقدرته ~~دون سائر القوى الإنسانية، فتصدى له العقاد مقيما له الحجة على أن الخيال ~~والعاطفة لازمان للإنسان لزوم العقل أو هما ألزم، فيقول مشيرا إلى الزهاوي «يريد ~~أن يعيش أبدا في دنيا تضيئها الشمس لا تغشيها سحب النهار ولا تنطبق فيها الأجفان ~~ولا تناجى فيها الأحلام. وليست دنيا الحقيقة كلها نهارا وشمسا ولكنها كذلك ليل ~~وغياهب لا تجدي فيها الكهرباء ... وقد خلق الخيال والبداهة للإنسان قبل أن يخلق ~~العقل ثم جاء العقل ليتممها ويأخذ منهما لا ليلغيهما ويصم دونهما أذنيه.» ~~لقد ظن الزهاوي - هكذا قال عنه العقاد في هجمته الناقدة - أن الإنسان لا يتصل ~~بالكون إلا عن طريق عقله، مع أن العقل وحده لا يكفي، فانظر إلى الزهاوي نفسه وهو ~~يعرض إحدى نظرياته الفلسفية التي أسماها بنظرية الدور، تر أن دفعة الحياة قد ~~حركته إلى الكلام قبل أن يستطيع إخضاع هذا الكلام لقواعد المنطق العقلي «علي أنه ~~بعد منطق لم يمتزج بالحياة في الصميم، لأنه يتعزى بالعلم، والحياة لا يعزيها أن ~~تعلم بأنها خالدة إنما يعزيها أن تشعر بالخلود.» # 5 # وننتقل إلى معركة ثالثة هي في صميمها معركة حول وسيلة المعرفة ماذا تكون؟ فمن المعلوم ~~أن في الفلسفة طريقين للنظر إلى هذا الموضوع، أحدهما يجعل طريق المعرفة بادئا من ~~داخل الإنسان متجها إلى خارجه، والآخر يجعله بادئا من خارج الإنسان متجها إلى ~~داخله. والمثاليون والعقليون هم من أنصار الطريق الأول، والتجريبيون ~~والعلميون هم من أنصار الطريق الثاني؛ الأولون يرون أنه لا بد من أصول ومقولات ~~مجبولة في فطرة العقل على أساسها، يمكن استنباط دقائق المعرفة كما تستنبط الرياضة ~~من مسلماتها ms046 دون حاجة منا إلى اللجوء إلى مشاهدات خارجية؛ والآخرون يرون أنه ~~لا معرفة ما لم نبدأ بتحصيل معطيات حسية تجيئنا عن طريق الحواس مرئيات ومسموعات ~~وملموسات إلى آخر ما قد تخصصت حواسنا في نقله إلينا عن العالم الخارجي، عالم ~~الأشياء، على أن من الفلاسفة من يحاول الجمع بين الطريقين في عملية المعرفة ليقول ~~إنه لا بد من مقولات العقل ومبادئه إلى جانب معطيات الحواس لكي يتم تحصيل ~~المعرفة، لكن المعول في تقسيم المذاهب الفلسفية في موضوع المعرفة ووسيلتها هو: ~~لأي جانب من الجانبين تكون الأولوية المنطقية؟ فمن جعل من الفلاسفة الأولوية للعقل، ~~كان من المثاليين أو العقلانيين، ومن جعل الأولوية للحواس، كان من ~~التجريبيين. # وفي هذا اختلفنا اختلافا يمكن النظر إليه النظرة الجدلية التي تقسمه إلى ~~دعوى ونقيضها ثم تأليف بينهما أو محاولة ذلك لولا أن الترتيب الزمني لهذه الأضلاع ~~الثلاثة لم يأت على هذا التتابع، بل جاءت مرحلة التأليف في ترتيب الظهور أسبق من ~~المرحلتين الأخريين. # أما ما سأجعله بمثابة الدعوى في هذه المعركة فهو المذهب التجريبي العلمي (الوضعية ~~المنطقية) التي ذهب إليها كاتب هذه السطور، ونشرها ودعمها بكل وسائل النشر ~~والتدعيم. فماذا يقول هذا المذهب - أو بتعبير أدق - هذا المنهج لأنه ليس مذهبا ذا ~~فلسفة إيجابية بقدر ما هو طريقة للنظر بالنسبة إلى كل ما تستخدم فيه اللغة ~~والرموز الأخرى، من مذاهب الفلسفة ونظريات العلم وغير هذه وتلك من ضروب القول ~~والكتابة. # يقوم هذا المنهج التجريبي على أساس تحليله للغة؛ كيف نشأت وعلى أي صورة تجري ~~في الاستعمال اليومي وفي الاستعمال العلمي وفي غير هذين من مجالات الخلق الأدبي. ~~وينتهي به التحليل إلى أن للغة ميدانين كبيرين تستعمل فيهما بطريقتين ~~مختلفتين، إحداهما هي حين تستخدم اللغة «لتشير» برموزها إلى أشياء العالم ~~الخارجي، والأخرى هي حين تستخدم في غير هذه العملية الإشارية كأن يراد بها إثارة ~~عواطف السامع أو إقامة بناء ذهني صرف تتسق أجزاؤه من داخل، ولكنه لا يعنى شيئا ~~في خارج، فإذا رأيت علم الضوء - مثلا - يقدم ms047 لي قولا في مسار الضوء؛ ما ~~سرعته، وكيف ينعكس أو ينكسر أو غير ذلك، كان مدار قوله هذا هو التطبيق الخارجي ~~ولذلك يتحتم أن يكون قابلا لهذا التطبيق الذي على أساسه نحكم بقبوله أو برفضه. ~~وكذلك قل في شئون الحياة اليومية، فإذا زعمت لك أن القطار السريع من القاهرة إلى ~~الإسكندرية يغادر القاهرة في تمام الساعة السابعة صباحا ليصل إلى محطة الإسكندرية ~~بعد ساعتين وربع ساعة، كان قبولك لزعمي هذا مرهونا بقياسه على الواقع الفعلي ، ~~وعندئذ فقط يتبين لك مدى ما فيه من صدق على ذلك الواقع، وبمقدار ما يكون في ~~الصياغة اللفظية من رسم لطريق التطبيق الفعلي يكون لها «معنى». على أن ما له «معنى» ~~قد يصيب وقد يخطئ فيكفي للعبارة أن تبين كيف يكون طريق تطبيقها على الواقع - سواء ~~وجدناها تنطبق أو وجدناها لا تنطبق - لنقول إنها ذات معنى. فمن حيث «المعنى» لا فرق ~~بين أن أقول إن الشمس تدور حول الأرض في أربع وعشرين ساعة، وأن أقول إنها تفعل ذلك ~~في مائتين وأربعين ساعة؛ لكل من هاتين العبارتين صورة معينة تهدينا إلى طريقة ~~المطابقة بينها وبين الواقع، لكن إحداهما سيتبين صدقها عند المطابقة كما سيتبين ~~كذب الأخرى. # وأما الميدان الثاني في استعمال اللغة فهو حيث ~~لا يقصد بها الإشارة إلى العالم الخارجي، بل يراد بها أثرها الوجداني أو يراد بها ~~إقامة بناءات ذهنية تقتصر على مجرد التصور ولا نزعم لها أنها تسمى جانبا أو ~~آخر من جوانب العالم، فالشاعر الذي يروي عن الليل أنه كموج البحر، لا يلفت نظرك إلى ~~شيء في محيطك الخارجي، تنظر إليه لتطابق بينه وبين ما زعمه لك، بل يلفت نظرك إلى ~~خبرة داخلية تحسها في شعورك. وكذلك الرياضي حين يبني نسقا رياضيا - كما فعل ~~إقليدس - لا يدعي أن نسقه هذا يشير بالضرورة إلى كائنات خارجية، إذ قد يخلو العالم ~~الخارجي من المثلثات أو من المربعات، ومع ذلك يظل نسقه الرياضي صحيحا؛ لأن صحته ~~قائمة على طريقة تكوينه لا على إشارته إلى مسميات ms048 في دنيا الأشياء. وقل هذا نفسه ~~بالنسبة إلى فريق من الفلاسفة يلجأ أفراده إلى ما يفعله الرياضي من حيث طريقة البناء، ~~وهو أن يبدءوا بحقائق معينة لا يدعون أنها مكسوبة بالمشاهدة الحسية، بل يقولون ~~إنها من إدراك الحدس، ثم يستنبطون من ذلك الإدراك الحدسي ما يمكن استنباطه من ~~نتائج. ومن مجموع هذه النتائج مرتبة «منسقة» يتكون البناء الفلسفي المعين، ~~فافرض أنك وقفت عند مرحلة بذاتها من هذا البناء تسأل كيف أستيقن من صوابها؟ فعندئذ ~~يحيلونك على المقدمات التي استنبطت منها لترى أن استدلالها كان استدلالا صحيحا، ~~وهكذا دواليك تحال في كل مرحلة إلى سابقتها، حتى تصل إلى نقطة الابتداء الأولى، ~~فتسأل الرياضي أو الفيلسوف الاستنباطي من أين جاءت؟ فيكون الجواب: هي مسلمة الصدق ~~لأنها مفروضة (بلغة الرياضيين) أو لأنها مدركة بحدس البصيرة (بلغة ~~الفلاسفة). # هذان هما الميدانان الرئيسيان للغة، وعليك حين تستخدم اللغة أن تكون على بينة في ~~أي ميدان من ميدانيها تستخدمها. أتشير بها إلى كائنات خارجية وعندئذ يتحتم عليك ~~الركون إلى تجربة الحواس، أم تقصر نفسك على البناءات الذهنية التصورية، وعندئذ لا ~~تطالب بالرجوع إلى تجربة الحواس وتكون ملزما بمراعاة مقاييس أخرى ملائمة لنوع ~~البناء التصوري الذي تقيم أركانه في ذهنك. # هذا هو ما يقوله المنهج الوضعي المنطقي أو التجريبي العلمي، وإنما سمي «وضعيا ~~منطقيا» لأنه أولا: يشترط لكل عبارة تدعي الإشارة إلى دنيا الأشياء أن يقوم ~~صوابها على تصويرها لتجربة الحواس، وهذا هو الجانب الوضعي من الموقف. ولأنه، ~~ثانيا: يكتفي بتحليل لغة العبارة نفسها، وهذا التحليل وحده كفيل بإرشادنا إن كانت ~~العبارة مقبولة من ناحيتها المنطقية أو غير مقبولة، وهذا هو الجانب المنطقي من الموقف، ~~فافرض مثلا، أنني زعمت لك عن «الروح» أنها «مادية» في جوهرها، فليس بك حاجة إلى ~~البحث عن روح تتناولها لترى إن كانت مادية أو لم تكنز. وحسبك في رفضك لهذا القول أن ~~تحلل هاتين الكلمتين، فإذا انتهى بك التحليل إلى أن كلمة «الروح» تطلق على ~~كائنات غير مادية، علمت على الفور أنه ms049 من التناقض - إذن - أن توصف بأنها مادية؛ ~~لأنني أكون عندئذ كمن يقول «اللامادي مادي» فرفضنا لهذه العبارة قائم على «المنطق» ~~وحده؛ منطق اللغة ومنطق الفكر. # تلك هي الدعوى، فكيف جاء نقيضها - أو نقائضها إذا جاز أن يكون للفكرة الواحدة أكثر ~~من نقيض واحد؟ جاءت تلك النقائض على مستويات مختلفة باختلاف أشخاصها في جدية ~~المأخذ وعمق التفكير، فمنها ما عارض به العقاد على أساس جدلي فيه متانة ~~الحجة، لكنها حجة مردود عليها، فمن أقوى ما اعترض به - وهو اعتراض شائع بين ~~أعداء الوضعية المنطقية - أنه إذا كان هذا المنهج يرفض في باب العلم كل ما عدا نوعين ~~فقط من القول، أحدهما قول تجريبي قياسه الواقع المحسوس والثاني قول فيه تحصيل حاصل ~~(كالمعادلات الرياضية) باعتبار أن ما عدا هذين النوعين من الكلام هو أقوال فارغة ~~من المعنى، إذن فالعبارة نفسها التي سيق بها هذا المذهب هي من قبيل الأقوال الفارغة؛ ~~لأنها لا هي من قوانين العلم الطبيعي (النوع الأول) ولا هي من قبيل العلم الرياضي ~~(النوع الثاني). لكن هذه الحجة مردود عليها بما يسمى «نظرية الأنماط المنطقية» ~~التي مؤداها أن العبارات اللغوية ليست من مستوى واحد، ومقياس الصدق في أحد هذه ~~المستويات ليس هو مقياسه في المستوى الآخر. مثال ذلك: افرض أنني حللت الجمل ~~اللغوية التي وردت في هذه الصفحة فوجدتها جميعا قد كتبت باللغة العربية، ~~فسجلت هذه الحقيقة عندي بعبارة إنجليزية أقول بها ما معناه «إن جميع العبارات على ~~هذه الصفحة عبارات عربية» أفيجوز أن يعترضني معترض بقوله: لكن حكمك هذا لو صح ~~لوجب أن يكون هو كذلك عبارة عربية؟ كلا؛ لأن حكمي هذا من «نمط» منطقي أعلى، يحكم ~~على ما دونه، ولا يخضع هو نفسه لحكم نفسه، وأمثال ذلك في الحياة كثيرة كثرة لا يجوز ~~معها أن يقع ناقد في مثل هذا الخطأ المنطقي، ومع ذلك فالذي وقع فيه كثيرون؛ فقد ~~أكتب بطاقة على صندوق كل ما فيه برتقال، لتدل البطاقة على محتوى الصندوق، دون أن ~~يطوف ببال ناقد أن ms050 يقول «لكن لو كان الوصف الموجود على البطاقة لما بداخل الصندوق ~~وصفا صحيحا لوجب أن يكون هو نفسه برتقالة من البرتقال.» نعم إن هذا هو الموقف ~~نفسه حين نحلل العبارات العلمية لنقول عنها آخر الأمر: العبارات العلمية كلها ~~إما عبارات وصفية تشير إلى الواقع المحسوس وإما عبارات تحليلية تنطوي على تحصيل حاصل ~~كمعادلات الرياضة، فلا يكون هذا الحكم العام نفسه خاضعا لقاعدة نفسه، بحيث أقول عنه ~~إن هذا الحكم لا هو من قوانين العلوم الطبيعية ولا هو من تحصيلات الحاصل إذن فهو خلو ~~من المعنى. # ويزيد العقاد على هذا الاعتراض اعتراضا آخر فيقول: «إن الإنسان يستطيع أن ~~يجزم بحقيقة لا صورة لها في الخارج على الإطلاق؛ لأنه يستطيع أن يقول: «إن العدم ~~مستحيل.» ولا يمنعه من تقرير ذلك أن المحسوسات خلت من شيء يسمى العدم أو شيء ~~يسمى المستحيل.» وردا على ذلك نقول إن مثل هذه الجملة هي - كمعادلات الرياضة - ~~تحصيل حاصل، وليست مما يصف الواقع، وصدقها كامن في أنها تكرر معنى واحدا ~~مرتين؛ وذلك لأنك لو سألت: ماذا تعني بكلمة «العدم»؟ لأجبت نفسك بأنه هو «ما لا ~~يكون» وإذا عدت فسألت وماذا تعني كلمة «المستحيل»؟ لأجبت نفسك هنا أيضا بقولك إنه ~~هو «ما لا يكون»، وإذن فترجمة الجملة بعبارة أخرى تصبح «ما لا يكون لا يكون» وهو قول ~~صحيح، لأنه تحليلي تكراري وشبيه بقولك 2 = 2 أو بقولك 1 + 3 = 4، وليس في هذا ما ينفي ~~ما ذهبت إليه الوضعية المنطقية في تحليلاتها لتقبل ما تقبله وترفض ما ترفضه. وهكذا ~~يمضي العقاد (راجع كتابه «بين الكتب والناس») في معارضات جدلية، تدل على ~~أخذه للقضية أخذا جادا لكنها لا تدل بالضرورة على أنه قد أصاب. ~~••• # ومن النقائض كذلك فصل خصصه الدكتور محمد البهي في كتابه «الفكر الإسلامي الحديث ~~وصلته بالاستعمار الغربي» - لا أقول «للرد» على الوضعية المنطقية؛ لأن الرد يتطلب ~~درجة من دقة التحليل لا أظنه قد درب على مثلها، بل أقول إنه خصص فصلا ألقي ~~فيه ما هو أقرب إلى ms051 الخطبة الحماسية التي أراد بها، وسأفرض فيه النية الحسنة لأنه ليس ~~ثمة ما يدعوه إلى غير ذلك، أراد بها أن يثير نفوس قرائه - لا أقول عقولهم، لأن ~~العقول تحتاج إلى منطق صرف، والخطب الحماسية لا تلتزم مثل هذا المنطق - نعم، أراد ~~بها أن يثير نفوس قرائه على طائفة من مواطنيهم. كان كاتب هذه السطور أحدهم بسبب كتاب ~~أخرجه وجعل عنوانه «خرافة الميتافيزيقا» ليقول به إنه إذا أراد المتكلم أن ~~يتصدى لقول علمي يتصل بالعالم الخارجي فليكن سنده تجربة الحواس ، لأن ما هو ~~مجاوز لمجال الإدراك الحسي سبيله آخر، وطريقة تصديقه طريقة أخرى، فإذا جاء فيلسوف ~~ميتافيزيقي يزعم لنا أن للبرتقالة «جوهرا» وراء لونها وشكلها وطعمها، كان من ~~حقنا أن نسأله أن يقيم لنا البرهان على أساس من تجاربنا نحن ما دمنا نحن الذين ~~نستمع إليه. # ويبدأ الدكتور محمد البهي حملة إثارة النفوس ~~منذ عنوان كتابه، إذ يجعل جزءا من هذا العنوان عبارة تقول إن هؤلاء المواطنين ~~الذين هاجمهم في دعاواهم الفكرية ذوو صلة بالاستعمار الغربي. ولست أظن أن مما ~~يشرفه ولا مما يشرف قراءه أن يجعل رجالا من أمثال طه حسين وعلي عبد الرازق ~~(وهما أيضا ممن خصص لاتهامهم فصولا من كتابه) أعوانا للمستعمر على تحقيق ~~أغراضه، ثم يتابع حملة الإثارة الانفعالية بالنسبة إلى كاتب هذه السطور بأن يجعل ~~عنوان الفصل الذي خصصه لمهاجمته «الدين خرافة» وكأنه يستنتج من عنده أن الخائن ~~الوطني الذي عاون الاستعمار بكتابه قد خرج كذلك على دينه. ألم يقل إن ~~الميتافيزيقا خرافة؟ إذن يكون الدين خرافة. وحتى إذا سلمنا معه أن هذه نتيجة ~~تلزم عن العنوان الأصلي للكتاب الذي يهاجمه، فلماذا لم يذكر هذا العنوان مكان بديله ~~الذي اختاره له؟ ألأن كلمة «ميتافيزيقا» لا تثير النفوس بمثل ما تثيرها كلمة ~~«الدين»؟ # وإن هذه البداية لتكفي لصدنا عن مناقشته فيما أورده من حديث؛ لأنها بداية من ~~لا يعتزم الدخول في جدال فلسفي نزيه. ومع ذلك فماذا قال؟ أخذ ينثر الأسماء الإفرنجية ~~يمينا ويسارا بالأحرف العربية تارة ms052 وبالأحرف الإفرنجية تارة أخرى، وهي أسماء ~~لفلاسفة ومذاهب، لا لأنها تصلح أن تكون ردا لما أراد أن يرد عليه، بل لأنها ~~تتعاون مع ما أثبته على غلاف الكتاب من أنه دكتور من جامعتي برلين وهامبورج ~~بألمانيا، دكتور من هناك في «الفلسفة وعلم النفس والدراسات الإسلامية» - كما أثبت على ~~غلاف كتابه - ولست أدري في الحق كيف اجتمعت هذه الفروع كلها في رسالة للدكتوراه، ~~ولم يكن ذلك ليكون من شأني لولا أنه يدلني على أنه لم يخصص نفسه للدراسة الفلسفية ~~التي تعينه على تتبع تحليلات الفلاسفة حين تجاوز هذه التحليلات حدود المفاهيم ~~الخطابية التي تستخدم في إثارة النفوس، ولا يهمها أن تتجه بالمنطق البارد نحو ~~العقول. وحسبنا من ضعف إلمامه بالحركات الفكرية في ميدان الفلسفة أن يخلط بين ~~«الوضعية المنطقية» وبين «المذهب الوضعي» الذي يقول به أوجست كونت، حتى لقد طفق يشرح ~~للناس هذا المذهب ويكيل له الضربات وهو يظن أنه يهاجم ما ندعو إليه. # إن في هذا الخلط وحده لفصل الخطاب، لكننا ~~على سبيل التفكه نذكر أن صاحب هذا الخلط الفكري بين وضعية كونت ووضعية شليك، ~~وفتجنشتين، وكارناب، ونيورات، الذين لم يخطر بباله أن يقرأ سطرا واحدا لواحد منهم، ~~أقول إن صاحب هذا الخلط الفكري العجيب هو الذي يأخذ على مؤلف «خرافة ~~الميتافيزيقا» أنه يردد فكر الغربيين باسم التجديد وأنه يردده «مشوها أو ~~محرفا»، ثم انظر إلى طريقة مؤلف «الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار ~~الغربي» في استدلال النتائج من المقدمات؛ فقد ذكر عبارة وردت في «خرافة ~~الميتافيزيقا» تقول: «نشأت الميتافيزيقا من غلطة أساسية ... وهي الظن بأنه ما دامت ~~هناك كلمة في اللغة فلا بد أن يكون لها مدلول ومعنى، وكثرة تداول اللغة ووجودها في ~~القواميس يزيد الناس إيمانا بأنها يستحيل أن تكون مجرد ترقيم أو مجرد صوت ~~بغير دلالة، لكن التحليل يبين لك أن «مئات من الألفاظ المتداولة» والمسجلة في ~~القواميس هي ألفاظ زائفة. وما أشبه الأمر هنا بظرف يتداوله الناس في الأسواق ~~مدة طويلة على أنه يحتوي على ورقة من ms053 ذوات الجنيه حتى يكتسب الظرف قيمة الجنيه ~~في المعاملات وبعدئذ يجيء متشكك ويفض الظرف ليستوثق من مكنونه ومحتواه وإذا هو ~~فارغ، وكان ينبغي أن يبطل البيع به والشراء لو تنبه الناس إلى زيفه من أول الأمر.» ~~يذكر المؤلف هذا النص من كتاب «خرافة الميتافيزيقا» ليستدل منه - واعجباه - ~~أن الكلمة [وهل كل حديثنا عن كلمة واحدة معينة يا دكتور بهي؟ أم هكذا أردت لها ~~أنت لتستدل من ذلك ما يتفق مع هواك لا مع النص؟] أن الكلمة التي يتداولها الناس ~~في كثرة لا بد أن تكون اسم الجلالة «الله» وإن لم يصرح مؤلف خرافة ~~الميتافيزيقا بذلك، ولنضرب عرض الحائط بعبارة «مئات من الألفاظ المتداولة» التي وردت ~~في النص - هكذا يقول لسان الحال عند الدكتور البهي - لأننا نحن - أولاد البلد - يفهم ~~بعضنا بعضا، ونفهمها من وراء السطور - وهي طائرة - ومحال أن يضحك على ذقوننا كاتب ~~مادي لعين كمؤلف «خرافة الميتافيزيقا» ... إنه يقول شيئا لكننا نفهمه على وجه ~~آخر لأننا لسنا من الغفلة بحيث يفوتنا ما يعنيه وإن لم يصرح به. وأستحلفك ~~بالله - أيها القارئ - لا تضحك إذا ما أنبأتك بأن مؤلف كتاب «الفكر الإسلامي ~~الحديث الذي يستنتج من نص كهذا نتيجة كهذه، هو نفسه الذي يقول عن صاحب «خرافة ~~الميتافيزيقا» إن كلامه هذا «لا يدل فحسب على قلة إدراك اللغة العلمية بل ~~يدل أيضا على أن «البتر» في النقل عن الغير يكاد يكون صفة من صفات التجديد في ~~الفكر الإسلامي الحديث عند هؤلاء المرددين.» (والمقصود بالمرددين عنده هم الدكتور ~~طه حسين والأستاذ علي عبد الرازق وكاتب هذه السطور الذي هو مؤلف «خرافة ~~الميتافيزيقا»). ورحمكم الله يا أصحاب العقول السليمة، فقد تولى الحديث عنكم الدكتور ~~محمد البهي وهو أستاذ أجاد «اللغة العلمية» إجادة تامة، وتنزه عن «البتر» الذي ~~يقترفه «المرددون» لما ليس يفقهون. ~~••• # ونترك هذه الوقفة الانفعالية التي لم يحسن صاحبها فهم ما يتصدى لنقده وبالتالي ~~لم يحسن النقد العلمي النزيه، واكتفى بإلقاء خطبة وجدانية يلهج فيها بخوفه ~~على الإسلام من طائفة مفكرة ms054 أسلمت كما أسلم ثم استخدمت واجبها الإسلامي في ~~التفكير، وأحبت وطنها كما أحب، ثم رأت أن ترتفع بمداركها العقلية إلى منزلة ~~أراد المستعمرون احتكارها لأنفسهم. نترك هذه الوقفة الانفعالية - إذن - لننتقل إلى ~~فيلسوف عربي دحض المذهب التجريبي الحسي كما يدحض الفلاسفة بعضهم بعضا؛ ~~بالحجة المنطقية الرصينة، لكن دحضه للمذهب التجريبي الحسي لم يجعله يتطرف ~~إلى نقيضه، وأعني المذهب المثالي الذي يحول الدنيا بأسرها إلى أفكار مجردة في ~~عقل مدركيها، وإنما هو يختار موقفا أشبه بموقف وسط بين الطرفين وهو أن يكون ~~العقل أداة الإدراك، لكن معقولاته لا تقتصر على نفسه بل إن وجودها في الذهن ~~ليدل على وجود الموجودات الخارجية. وذلك الفيلسوف العربي هو يوسف كرم، في كتابيه ~~«العقل والوجود» و«الطبيعة وما بعد الطبيعة». لقد أرسل يوسف كرم خطابا قصيرا إلى كاتب ~~هذه السطور بتاريخ 6 مايو (أيار) 1959م؛ أي قبيل وفاته بأيام (مات فجر الخميس 28 مايو ~~1959م)، يقول فيه: «تحية واحتراما وإعجابا بكثرة تآليفكم، وإن كان ما قرأته لكم ~~يحفر بيننا هوة سحيقة؛ فإن أول ما يقتضى من رجل العلم خلوص النية والجد في ~~البحث وهما متوافران، لكن وأنا مواصل قراءة «نحو فلسفة علمية» ومكرر الوعد ~~بالكتابة عنه، وأستطيع أن أقول - منذ الآن - إن الفلسفة التي تفرضونها هي الفلسفة ~~المادية، وإننا لن نتفق في الرأي، وسيبدو لكم هذا الاختلاف حين تطالعون كتابا لي ~~توشك دار المعارف أن تصدره واسمه «الطبيعة وما بعد الطبيعة»، وسيادتكم تثقون ~~طبعا أني كتبته بإخلاص.» # وصدر الكتاب بعد وفاته، وهذا هو نص التصدير الذي صدره به، لأنه يوجز القول ~~فيما جاء فيه وفي الكتاب الذي سبقه وهو «العقل والوجود» يقول التصدير: # أثبتنا في كتاب «العقل والوجود» أن للإنسان قوة داركة متمايزة من ~~الحواس، تدعى بالعقل، شأنها أن تدرك معاني المحسوسات مجردة عن مادتها، ~~ومعاني أخرى مجردة بذاتها، وأن تؤلف هذه المعاني في قضايا وأقيسة ~~واستقراءات فتنفذ في إدراك الأشياء إلى ما وراء المحسوس، محاولة ~~استكناه ماهيته وتعيين علاقاته مع سائر الموجودات. ولما كانت موضوعات ms055 ~~العقل مجردة كانت أفعاله التي ذكرناها مجردة كذلك، فأبطلنا المذهب ~~الحسي الذي يقصر المعرفة الإنسانية على الحواس ويرمي إلى أن يرد ~~إليها ويفسر بها سائر الكائنات. # وبعد إثبات وجود العقل بوجود موضوعاته ~~وأفعاله، عرضنا لقيمة الإدراك العقلي، فأدحضنا مذهب الشك المنكر لجميع ~~الحقائق حتى الحسية منها والهادم للعلم من أساسه، وأدحضنا المذهب التصوري ~~الذي، وإن آمن أصحابه بوجود العقل وبمدركات عقلية فهم يقصرون هذا الوجود على ~~داخل العقل، ويعتبرون هذه المدركات تصورات وحسب، فينكرون على الإنسان حق ~~الخروج من التصور إلى الوجود . وبعد إثبات بطلان تلك الدعاوي بينا تهافت ~~المذاهب الميتافيزيقية المبنية عليها ... # والآن نقصد إلى النظر في طبائع هذه الموضوعات وأن نبدي الرأي فيها ... آملين ~~... أن نقدم صورة سليمة للطبيعة بقوانينها وبموجوداتها، من جماد ونبات ~~وحيوان وإنسان، على هذا الترتيب التصاعدي الظاهر لأول وهلة. # ونقصد أخيرا إلى إتمام البحث الشامل، واستيفاء اليقين الكلي، بالصعود إلى ~~العلة الأولى للطبيعة أي لخالقها ومشرع قوانينها، المفارق لها، ~~العالي على موجوداتها ... # على أن الناقدين الناقضين للتجريبية العلمية التي اضطلع بعرضها والدفاع عنها ~~كاتب هذه السطور، لم يقتصروا على الأستاذ العقاد والدكتور البهي والأستاذ يوسف كرم ~~(في توسطه بين طرفي التجريبية والمثالية)، بل كان من بينهم كذلك الدكتور عثمان أمين ~~في كتابه «الجوانية»، ولكنني لا أنوي التعرض لما يقدمه في هذا الكتاب، ~~لأنني غير مؤهل لذلك؛ إذ يقول في التقديم «منذ البداية أرى لزاما أن أنبه إلى ~~أن هذا الكتاب الصغير لم يكتب إلا للقراء الجوانيين حقا، ومعنى هذا أن ~~القارئ الذي يقف عند حرفية الألفاظ وظاهر العبارات دون أن يحاول أن ينفذ إلى ~~فهم «ما بين السطور» لن يستطيع أن يصحبني في هذه الرحلة الفلسفية الطويلة؛ لأن ~~اللغة المقروءة أو المسموعة ليس في طاقتها أن تنقل كل ما يعتلج في نفس الكاتب أو ~~المتكلم، ما لم يصحبها من جهة القارئ أو السامع ضرب من «التهيؤ النفسي» أو ~~التأهب الوجداني ...» # ولما كنت - لحسن الحظ أو لسوئه - ممن يلزمون الكاتب بحرفية ألفاظه - ~~وإلا كان عابثا ms056 حين استخدمها - وكذلك لما كنت - لحسن الحظ أو لسوئه - ممن لا ~~يجدون «بين السطور» إلا بياضا لا يعني شيئا، ولما كنت أومن - لحسن الحظ أو ~~لسوئه - أن ما لا يستطيع الكاتب أن يجريه في «لغة مقروءة أو مسموعة» فليصمت ~~عنه، لأنه لا جدوى عندئذ من شغل أعين القراء أو آذان المستمعين برموز عاجزة ~~عن نقل ما أراد الكاتب أو المتكلم أن ينقله. أقول إني لما كنت هذا وهذا وذاك، ~~فسآخذ بنصح مؤلف «الجوانية» بألا أتبعه في رحلته الفلسفية الطويلة. # 6 # ودارت المعركة الرابعة حول موضوع لا تبلى جدته ولا يذهب عنه خطره، لأنه وثيق ~~الصلة بقضية فكرية هي من أهم ما يشغل الإنسان في حياته من قضايا، ألا وهي قضية ~~الحرية الإنسانية؛ ما مداها؟ أنجعل الفرد الإنساني كيانا مستقلا بذاته عن سائر ~~الذوات وسائر الأشياء، حتى لنجعل من كل فرد عالما قائما بذاته، فنضمن له أوسع ~~ما يمكن ضمانه من حرية، أم نجعله تجسيدا لحقيقة نوعية تشمله وتشمل سواه من ~~أفراد نوعه، وبذلك لا يجاوز أن يكون ممثلا لطبيعة معينة مفروضة عليه لا يملك ~~الفكاك من حدودها وقيودها؟ # وقد أخذت الفلسفة الوجودية الحديثة - على اختلاف صورها - بفردية الوجود ~~الإنساني، لتجيء ردا على طغيان الجماعة على الفرد وتحكمها في ضميره، وهو طغيان ~~كثرت أشكاله في عصرنا الحديث بما ظهر فيه من ضروب «الشمولية» التي تلغي وجود الأفراد ~~بالقياس إلى وجود «الكل» كما هي الحال في الأنظمة الشيوعية والفاشية والنازية. # وكان في مقدمة من اضطلع بالدفاع عن الوجود الفردي الحر الفعال، الدكتور ~~عبد الرحمن بدوي في كتابه «الزمان الوجودي»؛ فالوجود عنده نوعان «فزيائي وذاتي» الثاني ~~وجود الذات المفردة، والأول كل ما عدا الذات، سواء أكان ذاتا واعية أم كان أشياء، ~~وليس ثمة فارق ضخم بين وجود الغير كذوات واعية أو كأشياء جمادية، فكلاهما بالنسبة ~~إلى الذات المفردة من ناحية المعنى سيان، فالوجود الذاتي وجود مستقل بنفسه في ~~عزلة تامة من حيث الطبيعة عن كل وجود للغير، ولا سبيل إلى التفاهم الحق بين ms057 ~~ذات وذات، إذ كل منهما عالم قائم وحده. أما وجود الغير فلا نسبة له إلى الذات ~~إلا من حيث الفعل، ولذا لا تنظر إليه الذات إلا من هذه الناحية وتبعا لها ~~يتحدد موقفها بإزائه» (ص135). # إن الذات الإنسانية المفردة الفريدة التي لا تنظر إلى سائر الذوات الأخرى وسائر ~~الأشياء إلا من حيث هي وسائل تحقق لها إرادة الفعل، أقول إن هذه الذات الإنسانية ~~كائنة حتما في زمان متعين الحدود له أول وله آخر وله امتداد محدود بهذين ~~الطرفين، وهي خلال هذه الفترة الزمانية المحدودة لا تنفك محققة بأفعالها ما هو في ~~وسعها تحقيقه من إمكانات، لكن الإمكانات لا تحدها حدود، وأما الفعل المتحقق ~~فمحدود، ومن ثم كان سعادة الذات وشقاؤها؛ سعادتها بما تحققه، وشقاؤها بما لم ~~تحققه. إن مجرد قولنا إن الإنسان حر يتضمن بالضرورة أنه يختار من بين ~~الممكنات اللامتناهية أفعالا محدودة العدد؛ أي أن حرية الإنسان قاضية حتما على ~~الإنسان الحر بقصور في سعادته، لأن السعادة لا تتم إلا بالتحقق الكامل ~~لكل الإمكانات. وإذن «فالوجود شقي بطبعه، وسيظل شقيا؛ لأن الإمكانيات لا ~~متناهية واللامتناهي لا يمكن اجتيازه، فإذا كانت السعادة الكلية لن تتحقق إلا ~~بإحراز الكل، وإحراز الكل معناه اجتياز اللامتناهي، واجتياز اللامتناهي مستحيل، ~~فالسعادة الكلية - إذن - مستحيلة» (ص222). # ولا يزول عن الإنسان شقاؤه إلا بأحد طريقين. فإما أن يجتاز اللامتناهي وهذا ~~مستحيل عليه، وإما أن يبعد الإمكانات وهذا معناه إبعاد الفعل، وفي هذا محو لطبيعته ~~الأصيلة التي هي فعل قبل أن تكون أي شيء آخر. لقد حاول فلاسفة أن يحققوا ~~للإنسان سعادة كاملة فوضعوه في سرمدية لا تحدها حدود الزمان، لكنهم بهذا إنما ~~يضعونه في حياة خاوية لا معنى لها «وقد آن للإنسان أن يتخلص من كل هذه الأوهام ~~التي تقرر وجودا غير الوجود المتزامن بالزمان، فهذا واجب لا بد من أدائه إذا ~~كان لنا أن نعيد للإنسان معناه وقيمته؛ ولهذا فإننا نقرر هنا في صراحة تامة، وبلا ~~أدنى مواربة، أن كل وجود غير الوجود المتزامن بالزمان ms058 وجود باطل كل ~~البطلان، وأن السرمدية المضادة للزمانية وهم من أشنع الأوهام» (ص223). ~~••• # وهذه النتيجة الأخيرة هي التي تقتضي أن يرد عليها بما يخفف من حدتها ~~تخفيفا يلائم بينها وبين جونا الفكري العام، ولست أعرف من تصدى للرد الجاد ~~من مفكرينا سوى العقاد، لأنه، بعد أن حمد للوجودية تقريرها لحرية الضمير عند الفرد ~~الإنساني، أخذ عليها خلطها بين وجود الفرد والوجود كله، وظنها أنه لا مكان ~~لحرية الفرد إلا إذا ألغينا حقيقة النوع، على حين أن «وجود النوع الإنساني وجود ~~حقيقي صادق في الحس كصدق وجود الفرد أو أصدق. ووجود النوع الإنساني حقيقة ~~بيولوجية من حقائق اللحم والدم، وليس كما يقولون فرضا من فروض التصور في الأذهان، ~~ولا يتم كيان الفرد نفسه إلا إذا نضجت فيه الوظائف النوعية التي يتحقق بها وجود ~~النوع ... # واختلاف الأفراد في ملامح الشخصية لا ينفي التشابه بينهم في الخصائص النوعية ولا ~~يجعل كلا منهم عالما مستقلا بأخلاقه وآدابه ومواطن اختياره واضطراره» (بين ~~الكتب والناس، ص15-16). # وليس فيما كتبه العقاد رد مباشر على الدكتور بدوي، فضلا عن أنه لا يقع منه ~~موقع النقيض بل هو أقرب إلى من أراد أن يؤلف بين النقيضين لو كان هناك قول ينقض ~~ما ذهب إليه الدكتور بدوي في مذهبه الوجودي، أضف إلى ذلك كله أن العقاد يكتب عن ~~الوجودية على إطلاقها، وللدكتور بدوي وجوديته المتميزة من سواها. # لم تكن هذه المعارك الأربع هي كل ما شهده الميدان الفلسفي عندنا من معارك لكني ~~أراها أحق بالإثبات من سواها. # | نحن وقضايا الفكر في عصرنا # 1 # إنني لأقول قولا مكرورا معادا، إذا أخذت أتتبع الملامح الرئيسية التي تجعل ~~من هذا العصر عصرا فكريا متميزا من سواه، فمن ذا يريدني لأنبئه أن من ~~ملامح عصرنا، هذه القوة النووية الجبارة، التي فكت من عقالها، ولا يعلم إلا ~~الله، والعلماء، أين عساها أن تتجه بنا في طريق سيرها؟ ومن ذا يريدني لأنبئه ~~أن قد كتبت السيادة في عصرنا للعلم، وما يتفرع عن العلم من آلات وتقنيات؟ ms059 أو ~~لأنبئه بأن التفجر السكاني الرهيب قد أصبح علامة مميزة، ففي الوقت الذي ~~تهددنا فيه القوة الذرية بأن تمحو البشر محوا، يجيء هذا التفجر ~~البشري ليكون لها أبلغ جواب؛ أو من ذا يريدني لأنبئه عما يميز عصرنا من ~~ثورات تلاحقت فأيقظت قارتين جبارتين: آسيا وأفريقيا؟ لقد أوشكت الثورات في ~~يومنا أن تحل محل الحروب بالأمس، وبين البديلين فارق فسيح؛ فالثورات تنهض بها ~~شعوب، وأما الحروب فيغلب أن يشنها ساسة وحكام؛ الثورات لا تكون إلا من أجل ~~حرية، أو مزيد منها، وأما الحروب فما أكثر ما نشبت لتطمس حرية أو لتحد منها. ~~فلئن كان عصرنا هذا ما ينفك جاهدا في مقاومة الحروب، فهو كذلك عصر لا يدخر ~~وسعا في إثارة الشعوب المظلومة على ظالميها؛ إنه عصر ثورات؛ نعم، لقد سبقتها في ~~التاريخ ثورات مشهودة، كالثورة الأمريكية والثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن ~~عشر، لكن الثورة إذا قيست بعدد من يتأثرون بها، وبعمق ذلك الأثر ومداه، فإن ~~ثورات الأمس لا تقاس بثورات اليوم عمقا واتساعا. # 2 # لكنني لا أتحدث هذا الحديث، لأتقصى به ملامح العصر وسماته، فليس ذلك موضوعنا؛ ~~إذ السؤال هو عن الفكر وقضاياه، التي قد تكون تلك الملامح والسمات مصدرها. وإنه ~~ليجمل بنا أن نحاول عرض هذه القضايا الفكرية، كما نعيشها نحن ونحياها، لا كما نقرؤها ~~في الكتب نقلا عن سوانا، وإن يكن بيننا وبين سوانا - ونحن أبناء عصر واحد - من ~~وشائج الصلة، ما يوحدنا جميعا في مشكلات بعينها، تتفق مع سحنتها، ثم ~~تختلف في لون بشرتها من إقليم لإقليم. # وما قضايا الفكر هذه، إلا أسئلة ملقاة علينا، تتطلب منا جوابا، ولم ~~نستقر لها بعد على جواب؛ أما ما قد استقر عليه الجواب فليس هو بالقضية المثارة، ~~فمثلا، قد استقر الجواب على أن حقيقة الإنسان، وحقيقة العالم كله، تطورية لا ~~سكونية، فهي في صيرورة دائمة، فلم يعد أحد يسأل، بل لم يعد يجوز لأحد أن يسأل ~~إذا كان التطور حقيقة قائمة أو لم يكن، إنما الأسئلة المشروعة في هذا المجال، ms060 هي ~~أسئلة عن صورة ذلك التطور وخصائصه ماذا عساها أن تكون؟ أهي تسلسل في منطق الفكر كما ~~يقول هيجل؟ أم هي تسلسل في الطبيعة كما يقول ماركس؟ ... أهي حركة تشمل العالم والإنسان ~~كما يقول هيجل وماركس معا؟ أم هي حركة مقصورة على الإنسان وحده كما يقول سارت؟ # تلك وأشباهها هي الأسئلة المشروعة في هذا المجال، لا التطور من حيث هو ~~كذلك. # فما أهم القضايا التي تثار اليوم، وما تزال تنتظر منا الجواب؟ أولها - فيما ~~أرى - وأهمها وأعمها، قضية تسأل عن أيهما تكون له الأولوية في اعتبارنا: العلم أم ~~الحياة ؟ العقل أم الوجدان والحدس؟ الحقائق العامة المجردة أم الخبرة الخاصة ~~المباشرة؟ لقد انقسم الفكر - في عصرنا - حيال ذلك قسمين: أحدهما استقبل العلوم ~~الطبيعية، وما انتهت إليه من تطوير للحياة، تطويرا جعل للآلة وللتقنيات مكانة الصدارة. ~~أقول إن أحدهما قد استقبل هذه العلوم ومقتضياتها بالقبول والرضا، وكرس جهوده ~~لخدمتها ولدفعها إلى الأمام ما استطاع إلى هذا الدفع من سبيل، وأما الآخر فقد ~~ازور عنها وأشاح بوجهه رافضا، خوفا على ذات نفسه من الضياع. وإن العالم لتقسمه ~~هاتان النزعتان، اللتان هما في الحقيقة وليدتا أم واحدة، لكنهما - كقابيل ~~وهابيل - اختلفا هدفا ومسلكا. وفي وسعنا أن نقول - على وجه الإجمال - إن أمريكا ~~والشمال الغربي من أوروبا وكذلك شرقيها قد انصرفت إلى النزعة العلمية عن طواعية، على ~~حين اتخذت فرنسا وجاراتها موقف الاحتجاج والرفض، وأما نحن فقد تجاورت عندنا ~~النزعتان، تتنازعان حينا، وتتكاملان حينا آخر. # إن قصة النزاع بين العقل وغير العقل من جوانب الإنسان، قديمة قدم التاريخ، فآنا ~~هو نزاع بين العقل التقاليد، كما حدث لسقراط وآنا آخر هو نزاع بين العقل والتصوف، ~~كما حدث في احتجاج الغزالي على الفلاسفة، وآنا ثالثا هو نزاع بين العقل والوجدان، ~~كما حدث بين فولتير وروسو، وآنا رابعا هو نزاع بين العقل والدين، كما حدث في النصف ~~الثاني من القرن الماضي بصفة خاصة. ولم تكن هذه هي كل ألوان الصراع بين العقل ~~وغيره من جوانب الإنسان، وكأنما هذا ms061 العقل عدو للفطرة البشرية، وليس جزءا منها، ~~كأنه مفستو فوليس أقحم نفسه في حياة فاوست ليضلها ويفسدها. ومهما يكن من ~~أمر، فقد ظهر في أيامنا صراع جديد، هو بين العقل وخبرة الإنسان الباطنية المباشرة، أو ~~قل - إن شئت - بين العقل والحياة، بين العام والخاص، بين الكل والجزء، بين الجماعة ~~والفرد. # لقد شهد العالم - وما يزال يشهد - سيطرة للعلم تزداد قبضتها على الخناق، وإذا ~~قلنا العلم، فقد قلنا العقل، مما أخذ يغرينا أن نسلم الزمام للبحوث العلمية وما ~~تنتهي إليه من نتائج. مهما يكن أمر تلك النتائج؛ فالكلمة لأنابيب المعامل وقوائم ~~الإحصاء، وعلينا أن نسمع ونطيع، فكان من الطبيعي أن تنشأ فلسفة لتواجه هذا الوثن ~~الجديد، لتصيح في وجهه قائلة: لا، إنه إذا كان العقل أداة صالحة للتحليل ~~والتعليل، فما يزال الإنسان أغزر من أن تحيط أحكام العقل وتحليلاته بكل ما في ~~أعماقه وأغواره، إن قصارى العقل أن يقيس نتيجة إلى مقدمات، بحيث يتنبأ بأن ~~كذا سيحدث إذا توافر كيت، لكنه عاجز عن رؤية اللحظة الراهنة في تيار الوعي، مع ~~أن هذا التيار الباطني هو نفسه الحياة في سيالها الدافق، وكانت الوجودية هي هذه ~~الفلسفة التي جاءت لتعلن هذا التمرد الرافض. # على أن الوثن المعبود لم يتخذ في عالم الفلسفة صورة واحدة، بل ظهر بادئ الأمر ~~على الصورة الهيجلية، التي جعلت من العقل كائنا مطلقا لا تحده حدود، يسع في جوفه ~~كل شيء، فما الفرد الواحد فيه، إلا لحظة عابرة من لحظاته، كأنما هذا الفرد حرف في ~~قصيدة كبرى، لا يعنى شيئا إذا انعزل وحده، وكل معناه منحصر في موضعه من سياق ~~القصيدة، إنه ليس كيونس ابتلعه الحوت في جوفه، لأن يونس مآله الخروج من المحنة إلى ~~حيث ينفرد بشخصه من جديد، بل هو أقرب إلى الخلية الواحدة في الكيان العضوي ~~الكبير. # ثم اتخذ هذا الوثن المعبود لنفسه صورة أخرى، قلبت سالفتها رأسا على ~~عقبين، فقد كان الصنم في الحالة الأولى مستندا على رأسه، والقدمان إلى أعلي - ~~والرأس هنا رمز للفكر، ms062 والقدمان رمز للأرض وما تضطرب به من أوجه النشاط في ميادين ~~الزراعة والصناعة - أقول إن الصورة الجديدة جاءت لتقيم الوثن معتدلا على قدميه، ~~والرأس إلى أعلى، لتجعل أرض الواقع - هذه المرة - هي منبت الفكر، وتلك هي الماركسية ~~التي قرأت حقيقة الوجود بلمسات الأصابع كالمكفوف يقرأ بطريقة بريل، بعد أن كان يقرؤها ~~هيجل على لوح داخل رأسه، والعين مغمضة والأذن صماء، فمن ذا يلوم المتمرد؟ ~~والمتمرد هنا هو المفكر الوجودي، إذا ثار على الوثن، سواء على رأسه وقف، أم وقف على ~~قدميه؟ وإني لأقول ذلك راجيا أن أكون منزها عن الهوى، لأنني في عالم الفلسفة لا ~~إلى أولئك أنتمي ولا إلى هؤلاء. # ونحن، ما شأننا بهذا كله؟ لقد ألقت هذه المشكلة بظلالها فوق أرضنا، فانقسمنا بدورنا ~~إزاءها شعبا، لكن هذه المشكلة في موطنها الأصلي مرتبطة هناك بظروفها التي ~~ولدتها، وأما عندنا فالصلة مبتورة - أو هي كالمبتورة - بينها وبين تيار الواقع ~~الحي. فإذا كانوا هناك قد ضاقوا بالعلم وتقنياته، فتمردوا على العقل، ولاذوا بالوعي ~~الداخلي واستبطانه، فلأنهم شبعوا علما وصناعة، حتى أخذهم الحنين إلى حياة الانطواء ~~المتأمل. أما نحن - فعلى عكس ذلك تماما - طال بنا أمد الانطواء والتأمل، حتى ~~أصابنا منهما الدوار، وتخلفنا في العلم وفي الصناعة، تخلفا لم يكن يبرره ~~ماضينا العلمي المجيد، فلست في الحق أغفر لأي صوت منا يرتفع ليقول مع ~~المتمردين في الغرب: حسبكم علما وكفاكم عقلا؛ إذ نحن - بالنسبة إلى تاريخنا الحديث ~~- ما نزال على عتبة العلم والعقل نحبو. وإنني لعلى يقين - أو ما يقرب من اليقين - ~~أن يوما سيأتي، حين تتلاقى على أيدينا هذه الفلسفات المتضاربة، فكما عرف أسلافنا ~~الأولون كيف يوفقون بين العقل والإيمان، بين الرأس والقلب، سنعرف نحن كيف نوفق ~~بين العلم الحديث من جهة وخصوصية الحياة في الأفراد من جهة أخرى، ففيم اختيارنا إما ~~هذا أو ذاك، ونحن في أمس الحاجة إلى هذا وذاك معا؟ # ولنعبر بأنظارنا مسرعين على حياتنا الفكرية خلال خمسين عاما، فماذا نرى؟ نرى في ~~أول الطريق أجنبيا يستعمر أرضنا، ms063 وحاكما داخليا دخيلا يستبد بنا، نرى الفواصل ~~حادة بين أفراد الناس وطبقاتهم: بين الشعب والحكومة، بين الفقر والغنى، بين ~~الريف والمدينة، كما نرى الهوة سحيقة بين ثقافتين تتقسمان المجتمع، فقسم يعيش ~~مع القديم ولا جديد، وقسم يعيش مع الجديد ولا قديم، قسم يحيا حياة تسودها القيم ~~العربية الإسلامية الخالصة حتى لكأن الغرب لم يدق أبوابنا بحضارته، وقسم آخر ~~يحيا حياة أوروبية خالصة حتى لكأنه مقيم على أرض غير الأرض العربية، وكأنه لم ~~يرث تراثا ثقافيا ضخما كان ينبغي أن يميزه بطابع خاص. # ذلك ما كان في أول الطريق، فلم تكد الحرب العالمية الأولى تبلغ ختامها، حتى ~~انطلقت جهودنا الفكرية في كل ميدان، تريد شيئين في آن معا: تريد التحرر من ~~القيود أولا، ثم إقامة بناء جديد على دعامتين: ثقافة عربية أصيلة تبتعث، وثقافة ~~حديثة تستعار، بحيث يتلاقى العنصران في وحدة عضوية واحدة؛ وبعبارة أخرى. أردنا أن ~~نضفر خيطين في نسيج حياتنا: حرية وعلما. ولقد ركز بعضنا جهوده في الحرية ~~ينشدها في ميادين السياسة والأدب والحياة الاجتماعية، وركز بعضنا الآخر جهوده في ~~إثراء الحياة العلمية العقلية؛ لكن الطرفين قد التقيا في قلة من القادة، أخذت ~~تزداد وتتسع، حتى لنراها اليوم وقد كادت تصبح روحا سائدة، فلا نطلب مزيدا من ~~الحرية إلا مصحوبا بمزيد من علم وصناعة، ولا نزيد من العلم والصناعة إلا ~~وفي أذهاننا أن ذلك هو طريقنا إلى الحرية الصحيحة. # فلئن كان الموقف الفكري في أوربا وأمريكا يبرر أن يستقل فريق بفلسفة للعلم، ~~وأن يستقل فريق آخر بفلسفة للحياة الحرة، فموقفنا نحن يقتضي أن تندمج ~~الشعبتان في تيار واحد، وبذلك ينمحي الازدواج من حياتنا، فالفرد تجاه المجتمع، ~~يصبح فردا في المجتمع؛ والمحكوم تجاه الحاكم، يصبح محكوما هو نفسه الحاكم؛ ~~والعامل تجاه صاحب المال، يصبح عاملا هو نفسه صاحب المال؛ والريف تجاه المدينة يصبح ~~ريفا فيه وسائل المدينة، والقديم تجاه الجديد، يصبح جديدا قائما على أساس ~~القديم. # 3 # ومن القضايا الفكرية التي تتصل بما كنا نتحدث فيه، هذه القضية ذات الأثر ms064 البعيد ~~في مجال الأدب والفن، وهي: أنطوي الطبيعة في الإنسان، لنجعلها جزءا من إدراكه، أم ~~نسلك الإنسان في الطبيعة لنجعله ظاهرة من ظواهرها؟ إننا نعيش في عصر يسوده العلم، ~~ما في ذلك أدنى ريب، ولا تقوم للعلم قائمة ما لم يصغ الإنسان لما تقوله الطبيعة، ~~والأخيرة في العلم، إنما هي للوقائع الصلبة العنيدة، التي تقع في مجال البحث، ولا ~~قيام لنظرية مهما ارتفع قدرها إذا ظهرت واقعة واحدة تفندها، فلسنا نحن الذين ~~نضع للضوء والصوت والكهرباء قوانينها، بل لسنا نحن الذين نضع للإنسان قوانين إدراكه ~~وشعوره وسلوكه؛ ومعنى ذلك أنه كلما نما العلم ودقت تقنياته، صغر الإنسان وتضاءل ~~دوره، برغم أنه هو مشيد العلم وصانع التقنيات، ولست أدري إلى أي حد أصاب من قال ~~إن إله القدماء قد نزل عن مكانه لإنسان العصر الحديث، فلم يلبث إنسان العصر الحديث ~~أن نزل عن مكانه للآلة، تمسك بزمامه وتسيره. # لكن الذات الإنسانية المتذوقة الحساسة، قد هالها ما صنعه العقل حين صنع العلم ~~والآلة، فأرادت أن تعوض فقدها بكسب تحرزه في ميدان الفن والأدب؛ فلئن كانت ~~الطبيعة الخارجية قد فرضت نفسها علينا في مجال العلم، فلم يبق إلا أن نفرض أنفسنا ~~عليها في مجال الفن والأدب، بمعنى أن ينتج الفنان فنا لا يحاكي به الطبيعة في ~~شيء، فنا يسقط فيه ذاته على موضوعه إسقاطا كاملا، فنا يخلقه من عنده خلقا، ~~حتى لينظر إليه الناظر فلا يجد بينه وبين الطبيعة الخارجية شبها، بل يجيء إضافة ~~جديدة تضاف إلى كائنات الطبيعة، وليس هو بالتكرار لها في أية صورة من الصور، ~~وبذلك استطاع الإنسان أن يقول لنفسه، وللدنيا الطاغية من حوله: ها أنا ذا، لم يستطع ~~أن يمحوه من الوجود الذاتي الفردي علم ولا آلة، كلا ولم تغرقه موجة من موجات ~~الشمول الذي أراده هيجل في عالم الفكر، أو الذي أراده ماركس في عالم المادة. # لم يكن في هذه الحركة، التي أراد بها الفن أن يستقل بذاته عن الطبيعة الخارجية، ~~جديد بالنسبة إلى الموسيقى، فالموسيقى بحكم ms065 طبيعتها لا تلتزم أن تجيء تشكيلاتها ~~الصوتية محاكية لأي بناء صوتي في الطبيعة، وإنما كان الجديد في هذه الحركة ~~متصلا بفن التصوير وفن النحت وفن الشعر، فقد ألف الناس أن تكون اللوحة ~~الفنية صورة لشيء ما، وأن يكون التمثال المنحوت ممثلا كذلك لكائن من الكائنات، ~~يغلب أن يكون كائنا حيا، وأما فن الشعر فقد أصابته ذبذبة في تاريخه، إذ جعله ~~النقاد آنا تابعا لفن التصوير، وآنا آخر تابعا لفن الموسيقى، ففي الحالة ~~الأولى، كانوا يطالبون الشاعر بأن يجيء شعره «تصويرا»، وفي الحالة الثانية، كانوا ~~يطالبونه بأن يجيء شعره «نغما»، أو هم كانوا يطالبونه - إذا أرادوا الحيطة - بأن ~~يجيء شعره تصويرا منغما في آن معا. كأنما الشعر مقسوم له أن يكون أي شيء إلا ~~أن يكون شعرا. # فلما جاء عصرنا هذا الذي نحياه، بكل ما شاع ~~فيه من الضغوط على فردية الفرد، ولاذ الفرد عندئذ بجبل الفن يعصمه من ذاك الضياع. ~~استقل المصور بتكويناته اللونية عن موضوعات الطبيعة، ووضع على لوحته ما ~~يحقق ذاته هو، لا ما يخضع به لأي شيء خارجي يفرض عليه، وكذلك فعل النحات في ~~تماثيله، إذ جعل همه أن يصوغ مادته على أي نحو شاء، مما يراه متناسبا مع ~~طبيعة تلك المادة، ولا أحسب أن المصور أو النحات قد ضل بذلك جادة السبيل، إذ ليس ~~في اللون نفسه - الذي هو وسيط فن التصوير - ما يفرض علينا استخداما بعينه، كلا، ولا في ~~قطعة البرونز أو الرخام، ما يحتم علينا أن تصاغ على وجه دون وجه آخر، وإلى هنا ~~والأمر مقبول، لكن الشاعر أراد أن يلحق بزميليه المصور والنحات، بأن يرص ~~اللفظ على أي نحو شاء، وها هنا - فيما أرى - شيء من ضلال، لأن مادة الشعر - على ~~خلاف مادة التصوير ومادة النحت - فيها ما يحتم أن يرتبط اللفظ بمدلوله، لأن كل ~~لفظة هي بمثابة تعاقد اجتماعي بين الناس على طريقة استخدامها، أو لم يكن يكفي الشاعر ~~ليضمن لنفسه حريته واستقلاله عن ضواغط الدنيا المحيطة به، أن يبني لنفسه ما ms066 شاء من ~~قصور مسحورة يعيش فيها، ونعيش فيها معه، شريطة أن يحافظ لألفاظه على قوة التوصيل، ~~حتى نستطيع أن نتابعه وهما بوهم، وخيالا بخيال؟ انظر إلى فن العمارة كيف جدد ~~نفسه ليلائم عصره، فبنى العمائر والمطارات والفنادق وغيرها؛ بناها متأثرا بالعلم ~~الجديد، وبالحياة الجديدة، لكن الفنان لم ينس قط أن العمارة تبنى لتسكن، وأن ~~المطار يبنى ليصلح للطائرات، وهكذا ينبغي للشعر أن يجدد نفسه كيف شاء على ألا ~~ينسى أن مادته من لفظ، وأن اللفظ صنعه الناس ولم يصنعه الشاعر، أو قل صنعه الشاعر ~~فاستخدمه الناس فالتزم به الشاعر والناس جميعا، وقد صنع اللفظ ليرمز أو يشير، ~~لا ليكون صوتا بلا دلالة، فإلى هنا والشاعر مقيد ملتزم، وبعد ذلك هو حر ~~طليق. # ويجرنا هذا إلى قضية الالتزام في الأدب ~~والفن، وهي قضية يثار حولها الجدل، وتكثر فيها التحليلات والشروح، على أن أبسط ~~صورة لها هي هذا السؤال: هل يكتب الأديب لنفسه ما يشبع هواه؟ أو هو يكتب ليتناول ~~موضوعا مما يهم الناس في مشكلات حياتهم؟ وإنه ليجدر بنا في هذا الموضع من الحديث، ~~أن نذكر بأن سارتر - وهو من أهم من يرجع إليهم في موضوع الالتزام هذا - يخرج ~~الشعر من دائرة الالتزام التي يريدها للنثر وحده؛ ذلك أن اللغة لا تؤدي في الشعر ~~الدور نفسه الذي تؤديه في النثر، ففي الشعر تكون اللغة مقصودة لذاتها، لا لما تدل ~~عليه خارج حدودها؛ وأما في النثر فاللغة أداة بأدق معاني كلمة «أداة»، هي أداة تؤدي ~~لسواها، وليست هي بمقصودة لذاتها، ولذلك وجب أن يكون للنثر موضوع خارجي. فماذا يكون ~~الموضوع الذي يتناوله الكاتب إن لم يكن ماسا بحياة الناس ومشكلاتهم؟ # هذه خلاصة ما يقوله سارتر في كتابه «ما الأدب؟» لكن هنالك من يريد أن يوسع من ~~التزام الأديب ليشمل الشعر أيضا، بحيث لا ينظم شاعر ولا يكتب ناثر، إلا إذا أدار ~~نظمه أو نثره حول مشكلة مأخوذة من حياة المجتمع، كما أن هناك من يضيق مجال ~~الالتزام، بحيث يلغيه بالنسبة إلى النثر ms067 وإلى الشعر معا ... # هذا هو الوضع من الناحية النظرية، وأما من الناحية العملية، فإني أعتقد أن الأديب غير ~~الملتزم لم تشهده الدنيا لا في قديمها ولا حديثها؛ إذ أقل ما يقال في هذا الصدد، ~~أن الأديب الحق ملتزم بالصدق، سواء كان ذلك الصدق متصلا بموضوع خارجي يتناوله ~~الأديب، أو متصلا بحالة شعورية داخلية. وحسبه بالتزام الصدق التزاما، لأنه حمل ~~ثقيل، لا يقوى على الاضطلاع به إلا الصفوة الممتازة. # وحركة الفن الحديث مرتبطة بقضية أخرى من قضايا العصر، وأعني بها حركة اللامعقول في ~~الفن والأدب، بل إن عصرنا كله، بجميع اتجاهاته ونزعاته ليوسم باللامعقولية هذه، ~~تمييزا له من أعصر سلفت، كان العقل رائدها. لكن ماذا نعني بالعقل، حين نصف به ~~عصرا ولا نصف به عصرا آخر؟ الحق أن تعريف الأشياء والأفكار هو من أشد الأمور ~~عسرا، حتى حين تكون مألوفة متداولة، فما بالك إذا أريد لنا أن نعرف مفهوما هو في ~~ذاته متشعب الحنايا كمفهوم «العقل»، فما أيسر أن تسوق هذه الكلمة في الحديث، حتى ~~إذا ما وقفت عندها تطلب لها تحديدا، ألفيتها زائغة رواغة لا تكاد تمسك من ~~خيوطها خيطا بين أصابعك، حتى يفلت منك ويختفي. والأمر في هذا شبيه بموقفك من المدينة ~~التي تسكنها، تستطيع في يسر يسير أن تجوب خلال شوارعها ودروبها، فإذا قيل لك ~~ارسم لها خريطة تعذر عليك الأمر، ففي مفهوم العقل: ذكاء، ومعرفة، وإرادة، ونوازع، ~~ومشاعر، وإدراك بالحواس واستنباطات رياضية، وخيال، وتذكر، وعشرات الجوانب الأخرى، ~~مما يكون موضوعا علميا بأسره، هو علم النفس، فضلا عن الفلسفات التي عنيت ~~بتحديده وتحليله عن طريق الاستبطان والحدس والتأمل. ترى ماذا يراد من هذه العناصر ~~الكثيرة، حين يقال إن العصر الفلاني - كالقرن الثامن عشر في أوروبا مثلا - كان يسوده ~~العقل، وإن العصر الفلاني الآخر - كالقرن العشرين - عصر يسوده اللاعقل؟ # أظن أن أقرب شيء إلى الصواب، هو أن نجعل تحديد الهدف وطريقة الوصول إليه، علامة ~~تميز العقل من اللاعقل، فإذا رأيت رجلين في الطريق، أحدهما يعرف وجهته ويعرف ~~الطريق إليها ms068 ويسير وفق معرفته هذه، والآخر يخبط خبط عشواء - كما نقول - فلا هو يعرف ~~لنفسه هدفا، ولا هو بالتالي قد حدد لنفسه طريقا يسير فيه، أقول إننا إذا وجدنا ~~مثل هذين الرجلين، وصفنا أولهما بالعقل، ووصفنا الآخر باللاعقل، على أن طريق ~~السير العاقل، شرطه دائما أن تجيء الخطوات فيه مرتبة على نحو يجعل السابقة فيه ~~مرتبطة باللاحقة، كي ينتهي السير إلى الهدف المقصود. # ونعود إلى عصرنا هذا، فنراه عصرا قد شهد حربين عظميين، ونرجو ألا يشهد ثالثة، ~~برغم أنه يرهف لها السلاح؛ هي حروب استخدم فيها الإنسان كل ما قد بلغه من علم ~~وتقنية ومهارة، لغير ما هدف. إنه عاقل حين أنشأ العلم، لكنه مجنون حين ~~استخدمه. # ونراه عصرا يذهب فيه المحللون للنفس الإنسانية إلى أنها مسيرة بغرائزها، على ~~اختلافهم بعد ذلك في ماذا تكون الغريزة المسيطرة. ومعنى ذلك أن الإنسان إذ يتصرف ~~في مواقف حياته، وإذ يعامل الناس بالحب أو بالكراهية، فهو لا يتصرف على هدى خطة ~~مرسومة لتحقيق هدف معلوم، بل يتصرف للتخفيف عن نفس مكروبة بما احتبس فيها من رغبة ~~وشهوة. # ونراه عصرا قد سدت فيه وسائل التوصيل بين ذات وذات، حتى ليظن أن كل ~~فرد يعيش في نفسه ولنفسه، كأنما أفراد الإنسان جزر معزول بعضها عن بعض بخلجان من ~~الماء مستعصية على العبور، أو كأنما هم ذرات روحية كالتي قال عنها ليبنتز، كل ~~ذرة منها عالم قائم بذاته لا يفتح نوافذه على ما عداه؟ وإذن فلا تفاهم بين إنسان ~~وإنسان؟ أو فلنوسع من مجال القول بعض الشيء، فنقول إنه لم يعد التفاهم ميسورا ~~بين أمة وأمة، فكان ذلك من أعجب مفارقات هذا العصر، لأن وسائل الاتصال المادية ~~من إذاعة مسموعة ومرئية قد اشتد ربطها لأجزاء الأرض، فاشتد تباعد العقول ~~والنفوس، بدل أن يشتد قربها. # تجمعت هذه العوامل كلها، فلما جاء العلم وتطبيقاته، كاد يغرق الفرد في لجة لا ~~يملك فيها لنفسه أن يختار طريقه في دنيا العمل، ولا أن يختار سبيله في أوقات الفراغ، ~~ففر إلى عالم ms069 اللامعقول، ينشئ فيه أدبا لا تسلسل فيه بين علة ومعلول، بل لا ~~ارتباط فيه بين لفظ ومعنى، وينشئ فنا لا يعني شيئا خارج حدود ذاته، فعليك أن تنظر ~~إلى اللوحة لا تجاوزها إلى مدلول يشار إليه خارجها. وما بالك بعصر يقبل أن ~~يدار على المسرح حوار لا محاورة فيه، لأن العلاقة منبتة بين السائل ~~والمسئول. # لكن ذلك هو عصرنا، الذي قبل أن تجتمع فيه جمعية للأمم، يخطب فيها الأعضاء بما ~~يعبر عن رغبات شعوبهم، دون أن يكون الهدف تخاطبا أو تفاهما، وذلك هو عصرنا الذي ~~يئس من عالم الصحو فلجأ إلى عالم الأحلام. # 4 # إن هذا الموقف الذي تكثر فيه المقابلة بين الذات، والموضوع، بين الإنسان والعالم، لم ~~يعرف له - فيما أظن - مثيل في تاريخ الفكر كله، فلو اقتصر الأمر على تحليل يبين ~~علاقة الطرفين أحدهما بالآخر في تحصيل الإنسان لمعرفته بالعالم الذي حوله، لقلنا إنها ~~قضية قديمة، لكن الأمر يجاوز ذلك إلى حالة من الصراع والشعور بالقلق والغربة، كأنما ~~الإنسان قد أحس بأن هذا العالم ليس هو مسكنه ومأواه، بل هو العدو المتربص، ~~فأصبحت مهمته أن ينظر في طريقة الوقاية والدفاع. # إنني لا أعرف بين عصور التاريخ عصرا شعر فيه الإنسان بذاته بمثل ما شعر في عصرنا، ~~ولا استبد به القلق فيه، كما استبد به في عصرنا، وحسبك أن ترى كم ألف مقالة ~~وكتاب أخرجتها المطابع بكل لغة من لغات الأرض، يحلل فيها الإنسان نفسه. ما ~~الذي يجري بين جوانحها ويصطرع، كأنما الجراح قد حمل بين أصابعه مبضعه، ~~وتلفت فلم يجد أولى به من ذات نفسه. # لقد شهد تاريخ الفكر عصورا غنية بفكرها، شهدها في أثينا والإسكندرية ودمشق وبغداد ~~وقرطبة والقاهرة، وشهدها في النهضة الأوروبية وفي العصر الحديث منذ تلك النهضة. وما ~~أظننا واجدين في أي من تلك العصور، انشغالا من الإنسان بتحليل نفسه، كالذي نجده منه ~~اليوم، حتى لقد أصبحت مصطلحات التحليل النفسي بضاعة يتبادلها سواد الناس في ~~أحاديثهم الجارية، وحتى لقد وضعت طبيعة الإنسان نفسها موضع التشكك ms070 والتساؤل: أهي ~~عقل أم لا عقل؟ أهي وعي أم لا وعي؟ أهي الفكر المنطقي أم العقد المكبوتة والشهوات ~~الحبيسة؟ وإن مؤرخي الفكر المعاصر لا يذكرون أربعة أعلام صنعوا هذا الفكر كله، إلا ~~ويذكرون فرويد رسول اللاوعي، مع دارون في التطور، وماركس في الاشتراكية، وأينشتين في ~~النسبية. # وقد أوشك أن يخلو الميدان للنظرية الفرويدية في طبيعة الإنسان، لولا أن أخذت ~~فلسفات جديدة قوية تظهر، مؤكدة حقيقة الإنسان الواعية من جديد؛ فلم يكن الإنسان ~~يعرف لنفسه - قبل فرويد - تعريفا أرجح صوابا من التعريف الأرسطي بأنه الحيوان ~~الناطق، أي أنه - بين سائر الكائنات - هو الكائن المفكر العاقل الواعي؛ وحتى حين ~~اشتد الشعور الديني في عصر الإيمان - العصر الوسيط - جعل الفلاسفة همهم لا أن ~~يتنكروا للعقل المنطقي، بل أن يلتمسوا وسيلة للتوفيق بينه وبين العقيدة. وجاء العصر ~~الحديث ليستهله ديكارت بقولته المشهورة: أنا أفكر فأنا موجود، أي أن الوعي أو ~~الشعور أو الفكر أو العقل، هو شرط وجوده، فلو كان لا واعيا لما كان موجودا من حيث هو ~~إنسان، ثم توالى الفلاسفة من ديكارتيين في القارة الأوروبية أو تجريبيين في ~~إنجلترا وأمريكا، على هذا المنوال نفسه، وأيدهم في اتجاههم علم النفس التجريبي منذ ~~ظهوره، فالوعي - أو الشعور - هو الأساس عند وليم جيمس كما كان هو الأساس عند فنت. ولم ~~ينحرف بنا عن الطريق إلا فرويد وتابعوه، لكن الوقت لم يطل بنا مع انحرافه هذا، حتى ~~ظهرت - كما قلنا - فلسفات تعدل الميزان، أخص ~~بالذكر منها فلسفة الظواهر عند هوسرل، التي أرادت أن تبعد عن الرؤية كل ما هو طاف ~~في مجرى الوعي من موضوعات وحالات، لترى ماذا تجد وراء ذلك، فوجدت وعيا خالصا، وليس ~~وراء الوعي إلا وعي، وتلك هي حقيقة الإنسان وجوهره. وقد جاءت فلسفة سارتر لتنهل ~~بدورها من هذا المعين، فلم يجد سارتر في الإنسان - بعد كل تحليلاته في أغوار النفس - ~~إلا حالات من الوعي. # ولا أدع فرصة هذا الحديث عن الوعي، دون أن أشير إلى نقطة فرعية لها أكبر الخطر في ~~الفكر ms071 المعاصر، ألا وهي فكرة «الآخر»؛ فقد كان الفلاسفة من قبل على ظن بأن الإنسان ~~يمكنه الوعي بنفسه، مفردا، دون حاجة منه إلى شخص آخر، لا بل ربما دون حاجة منه ~~كذلك إلى الكون بأسره، قال سقراط للإنسان: «اعرف نفسك بنفسك»، كأنما ذلك في مستطاعه، ~~وكأنما اقتصار الإنسان على نفسه هو وحده كاف لمعرفته لتلك النفس. وكذلك قال ديكارت: ~~«أنا أفكر فأنا موجود.» كأنما وجوده متوقف على كونه، هو في حد ذاته، مفكرا، دون أن ~~نسأل: «مفكر في ماذا؟» ولكن معاصرينا جميعا، ممن تناولوا الوعي الإنساني بالتحليل ~~والدراسة، وجدوا أن الوعي لا يكون إلا وعيا بشيء، فمجرد اعترافنا بقيام الوعي أو ~~الفكر، يصبح في الوقت نفسه اعترافا بوجود ما نعيه أو ما نفكر فيه، أي أنه يصبح ~~اعترافا بعالم الأشياء والأشخاص. ومن هنا بات واضحا أن كلمة «أنا» التي جعلها ~~ديكارت محوره، لا يتم معناها إلا «بالآخر»، كما أصبحت معرفة الإنسان لنفسه، التي ~~أوصى بها سقراط مستحيلة إلا إذا أخذنا «الآخر» في اعتبارنا؛ لأن وجود الآخر شرط ~~جوهري لمعرفتي لذاتي. # وإني لأنظر إلى هذه الفكرة الغنية الخصبة، فكرة أن الذات المتفردة بخصائصها ~~الفريدة المميزة، تتضمن بالضرورة وجود الآخرين، ثم أنظر إلى تيار الفكر العربي ~~الراهن، فلا أجد فكرة واحدة تمثله بأجلي مما تمثله هذه الفكرة، فلو سئلت: ما ~~قضية القضايا في الفكر العربي المعاصر؟ لأجبت في غير تردد، إنها هي التماس الأساس ~~النظري الذي يضم الفرد المتميز إلى تضامن الجماعة، دون أن ينمو أحدهما على حساب ~~الآخر، فأولا - على المستوى الثقافي العام - مشكلتنا الفكرية الأولى، هي أن نحافظ ~~على كياننا الثقافي الخاص دون أن ننحصر فيه، بل نمد من أطرافه حتى يشمل أركان ~~الثقافة العصرية كذلك، بعبارة أخرى: مشكلتنا هي أن نخلق مركبا ثقافيا يتيح لنا أن ~~نقول: ها نحن، بكل خصائصنا ومميزاتنا، شريطة أن تتضمن الإشارة إلى أنفسنا، إشارة ~~إلى كل مقومات الحضارة العلمية الجديدة. # وانظر إلى قادة الفكر وأعلام الأدب في تاريخنا العربي القريب، تجدهم - في الكثرة ~~الغالبة - يحاولون ms072 هذه المحاولة: محمد عبده يعرض مبادئ الدين الإسلامي على نحو ~~يبين ألا تعارض بينه وبين العلم، لطفي السيد يبسط المبادئ السياسية بسطا ~~يقربنا من مناخ عصرنا، العقاد يشيع من مبادئ النقد الأدبي ما ينقلنا إلى تصور ~~جديد يتفق مع قيم العالم من حولنا، طه حسين يدرس الأدب على ضوء المناهج العلمية، ~~وأمين الريحاني وميخائيل نعيمة يشكلان بأدبهما الإنسان العربي الجديد، وغير هؤلاء ~~وأولئك كثيرون. ثم ها هم أولاء كتاب المسرحية والقصة جميعا، يدخلون على الأدب ~~العربي فنونا لم يألفها من قبل، فيستعيرون من الغرب القوالب الفنية ليملئوها ~~بمضمونات عربية محلية، وانطلق الباحثون في مجال الدراسة الفلسفية، يعيدون كتابة ~~الفلسفة الإسلامية ليبرزوا جوانب الأصالة فيها، ويسايروا مع ذلك تيارات الفلسفة ~~كلها السائدة في عصرنا، والمعبرة عن روح ذلك العصر. # جهود فكرية متلاحقة، منذ أول هذا القرن؛ وإلى يوم الناس هذا، تدور كلها حول إيجاد ~~الصيغة التي تحمل طابعنا العربي المميز، مقرونا بملامح العصر. # ذلك في المجال الثقافي بصفة عامة، فإذا انتقلنا إلى المجالات النوعية في حياتنا ~~الفكرية، ألفينا هذه الجهود نفسها تبذل، نحو أن نجمع بين «أنا» و«الآخر» في وحدة ~~واحدة، فثورتنا الاشتراكية تعبير قوي صادق عن هذا المبدأ، إذ المحور فيها هو هذا ~~الدمج بين الخاص والعام، دمجا تظل تشعر فيه ال «أنا» بنفسها لكنها كذلك تشعر أن ~~ليس لها كيان كامل إلا بأن يضم إليها «الآخر» وتضم إليه؛ نعم إن أنظمة ~~كثيرة قائمة في بلاد أخرى، قد غلبت طرفا على طرف، ولم نستطع إقامة الميزان معتدل ~~الكفتين، لكننا في محاولة دائبة نحو تحقيق هذا المثل الأعلى، وقد كان لا بد لنا ~~من المحاولة، لأن التبعة الفردية أمام الضمير وأمام الله جزء من تراثنا الروحي، ~~وينبغي أن تظل جزءا من طابعنا الشخصي المميز، كما ينبغي في الوقت نفسه أن تمتد هذه ~~التبعية حتى تشمل الأمة العربية، بل الأمة الإنسانية إذا استطعنا إلى ذلك سبيلا، ~~وبذلك يتسع نطاق «الأنا» إلى «نحن» التي تشمل الآخرين مع ذواتنا. # ولعل هذه الرابطة الوثيقة العميقة، ms073 بين «أنا» و«الآخر» - وهي رابطة تكمن في جذور ~~الثقافة المعاصرة كلها - أقول لعلها لا تتبدى في قضية من قضايانا الفكرية، ~~تبديها في قضية الوحدة العربية، فما تلك الوحدة في صميمها إلا توسعة من معنى ~~«الأنا» بالإضافة «الآخر» إليها، على أن هذا الآخر بدوره - ومن زاويته - هو «أنا» ~~تتسع هي الأخرى على الصورة نفسها. إن هذا الترابط بين الوحدات في كل واحد ~~يحتويها ويضيف إليها عمقا وأبعادا جديدة، أمر مألوف في الكائنات العضوية كلها، ومن ~~بينها آيات الفن على اختلافها. فالخلية الواحدة في جسمها العضوي، والبيت الواحد في ~~القصيدة والخط الواحد أو اللون في اللوحة الفنية، كل هذه وحدات تضاف إلى أخواتها ~~فتغزر وجودا، وتعمق كيانا، وتزداد خصوبة وغنى، دون أن تنقص في سبيل هذه ~~الزيادة شيئا. # وإن هذا ليصدق أيضا على مشكلة القومية والعالمية، التي يكثر عنها الحديث، حتى ~~ليقال أحيانا إن العصر عصر قوميات، فهاهنا قد يقال: وفيم تقسيم الإنسانية إلى ~~أقوام يتعصب كل منها لوجوده الخاص؟ وجوابنا عن ذلك هو نفس الجواب: إنني إذا ~~ضمنت أن تصان فرديتي، ثم تجيء الإضافة إضافة جديدة، تزيد من وجودي ولا تنقصه، فلن ~~أتردد عندئذ، في أن أفهم إنيتي على الوجه الذي يتسع للآخر، لكن ذلك يستلزم ~~أن يقف مني هذا الآخر كما أقف منه، لا أن يظهر التآخي ويضمر السيادة والسيطرة، ~~فتضيع مني حتى الأنا المعزولة في فقرها وضمورها. # ها نحن أولاء قد بسطنا طائفة من قضايا الفكر المعاصر، وأوضحنا موقفنا - نحن العرب ~~- منها: عرضنا قضية الصراع بين سيطرة العلم والصناعة والتقنيات وبين حريات الأفراد ~~وما تتعرض له من الضياع؛ وعرضنا قضية الموضوع الطبيعي وطغيانه وكيف لاذت النفس ~~الإنسانية بدنيا الفنون تحتمي بها، واقتضى ذلك أن نعرض لقضية الالتزام في الفن ~~والأدب، ولقضية المعقول واللامعقول، ثم جرنا هذا الحديث عن عودة الوعي إلى الظهور ~~على مسرح الفلسفة بعد أن انفرد به اللاوعي حينا. وبينا أن الوعي في تصورنا ~~الحديث يقتضي بالضرورة وجود الآخرين مع الأنا الواعية، وطبقنا هذه الفكرة الأساسية ~~على ms074 ثلاث من أهم قضايانا العربية: الأولى هي احتفاظنا بشخصيتنا الثقافية مع ضم ~~الثقافة الحديثة الواحدة إليها، والثانية هي جمعنا بين حرية الفرد الواحد مع ضرورة أن ~~يأخذ سائر المواطنين في اعتباره، والثالثة هي قضية الوحدة العربية، التي تصون لكل قطر ~~مميزاته، ثم تضع الكل في كيان واحد. # ألا أن الإنسان ليحيا، بقدر ما يشارك العصر في فكره، رافضا هنا، معدلا هنا، ~~وراضيا هناك. وإنا لنحمد الله أن نرى الأمة العربية قد استيقظت لعصرها، ترفض منه، ~~وتعدل فيه لترضى آخر الأمر بما تصنعه لنفسها بنفسها. # | الإنسان والرمز # لست أعرف حقيقة فلسفية انتقلت من ميدان الفلسفة المحترفة إلى سواد الناس وعامتهم، ~~بمثل هذا الانتشار الواسع الذي انتقلت به الحقيقة القائلة عن الإنسان إنه كائن متميز ~~بالعقل دون سائر الكائنات الحية. # غير أن الفلاسفة إذ يميزون الإنسان بهذه الصفة فإنما هم - في أغلب الحالات - يقصدون ~~بكلمة «العقل» تفصيلات خاصة يحددون بها مفهوم الكلمة في استعمالهم. ولعل من أشهر ~~العبارات التي قالها فيلسوف ليصف الإنسان من هذه الناحية، عبارة أرسطو: «الإنسان حيوان ~~ناطق» وهو يريد «بالنطق» هنا ذلك الجانب من الإنسان الذي يسمى «عقلا»، وهذا الجانب ~~عنده يتمثل في عمليات رئيسية ثلاث: # الأولى: # هي أن يستخلص الإنسان من خبراته الحسية الجزئية تصورات يكون كل ~~تصور منها دالا على نوع بأسره من أنواع الأشياء، ولهذا يطلق على هذه ~~التصورات اسم «المعاني الكلية». # والثانية: # هي ربط هذه التصورات الذهنية في قضايا تدخلها بعضها في بعض، أو ~~تفصلها بعضها عن بعض. # والثالثة: # هي استدلال قضايا جديدة من قضايا معلومة. # وقد كان محالا على هذه العمليات الثلاث، أن تتم بغير مبادئ وقوانين يجري العقل على ~~سننها، فهنالك ما يسمى عند أرسطو بقوانين الفكر الثلاثة؛ وهي: # قانون الذاتية (أو الهوية) الذي أعرف بمقتضاه أن الشيء المعين يظل ~~محتفظا بذاتيته وإن تعددت السياقات التي يرد فيها. # وقانون عدم التناقض الذي أعرف بمقتضاه؛ أن النقيضين لا يجتمعان في ~~شيء واحد في لحظة واحدة. # وقانون الثالث المرفوع الذي أعرف بمقتضاه أن الشيء ms075 إما أن يتصف بصفة ~~أو بنقيضها، ولا ثالث لهذين الفرضين. # وهنالك إلى جانب هذه القوانين الثلاثة ما يسمى بالمقولات، وهي الصنوف الأولية التي ~~لا تخرج عنها جميع الأحكام العقلية التي يصدرها الإنسان على أنواع الأشياء حين ينسب ~~بعضها إلى بعض. # مجموع هذه العمليات والقوانين والمقولات، هي التي يتميز بها الإنسان حين يقول عنه أرسطو ~~عبارته المشهورة، وهي أن «الإنسان حيوان ناطق» أي أنه كائن حي يتميز عن بقية الكائنات ~~الحية بعقله. # ولقد يخيل إلينا أن تمييز الإنسان بالعقل أمر هو من البداهة بمكان، لكن أقل ما ~~يقال في هذا الصدد، هو أن كلمة «عقل» في ذاتها لا تهم، إنما المهم هو تحليلها، فماذا ~~تعني؟ هاهنا تجد مواضع الاختلاف بين الفلاسفة قد ظهرت؛ فها هو ذا هيوم الفيلسوف الإنجليزي ~~في القرن الثامن عشر - جريا على سنة الفكر الإنجليزي في نزعته الحسية التجريبية - ~~يحلل العقل تحليلا آخر إذ يستل منه كيانه الذاتي، ويجعله حصيلة انطباعات حسية تجيء ~~متفرقة فرادي، ثم ترتبط عندنا بالقوانين نفسها التي تتكون منها العادات البدنية؛ فليس ~~هنالك فرق جوهري بين أن أكون فكرة العدالة - مثلا - وأن أكون عادة السباحة، فكلتا ~~الحالتين ربط بين مقومات بسيطة حتى يتكون منها بناء مركب، وإن تكن الحالة الأولى ~~ربطا بين انطباعات حسية، والثانية ربطا بين حركات سلوكية، ولو كان الأمر كذلك ~~لاستحال علينا أن نصف أية فكرة كائنة ما كانت بأنها ضرورة عقلية محتومة؛ إذ لا ضرورة ~~هناك، ما دام الأمر كله يرتد إلى بسائط تجتمع معا وكان يمكن لها ألا تجتمع. # وهنا نهض عمانوئيل كانت - عملاق الفلسفة الحديثة، كما كان أرسطو عملاق الفلسفة القديمة ~~- نهض ليرد إلى العقل كيانه ووجوده من جديد على صورة تشبه ما كان عليه أمره عند أرسطو، ~~وهو أن يجعل قوامه مبادئ أولية ومقولات فطرية. فإذا قلنا عن الإنسان إنه كائن ذو عقل، ~~أردنا بذلك أن إدراكه للعالم من حوله لا يقتصر على مجرد انطباع حواسه بألوان وأصوات ~~وما إليها، بل هو إدراك لا بد له من ms076 شيء آخر وراء هذه المحسوسات لينظمها ويرتبها ~~ويصل بينها بحيث تصبح معرفة علمية معقولة. ~~••• # هكذا كان المسرح الفلسفي موزعا طوال العصور بين مدرستين أساسيتين اختلفتا في تشخيص ~~الطابع الذي يميز الإنسان؛ فمدرسة تقول: إن ذلك الطابع هو العقل بمعنى المبادئ والمقولات ~~الفطرية الأولية، وأخرى تقول إنه هو العقل على شرط أن تفهم الكلمة بمعنى التجربة ~~الحسية. # وكانت المدرسة الأولى على وجه الإجمال تسمى بالمدرسة المثالية، وتسمى الثانية على وجه ~~الإجمال كذلك بالمدرسة التجريبية، حتى جاء إرنست كاسيرر (1874-1945م) وغيره من فلاسفة هذا ~~العصر القائم، فلفتوا الأمر لفتة جديدة لسنا ندري إلى أي مدى تمتد وتنتهي؛ وذلك حين ~~جعلوا مميز الإنسان لا يقتصر على العقل وحده مهما تعددت وظائفه المنطقية وتنوعت، بل ~~إن العقل النظري المنطقي نفسه إن هو إلا فرع واحد من فروع كثيرة تندرج كلها تحت طابع ~~آخر هو عند أصحابنا هؤلاء ما يميز الإنسان، ألا وهو القدرة على الرمز، أي أن يجعل من ~~شيء رمزا دالا على شيء آخر. # فما من نشاط إنساني ذي بال إلا والرمزية لبه وصميمه، كما سنفصل القول فيما بعد؛ ~~فالنشاط العلمي يرتد آخر الأمر إلى رموز، والفن والأدب قائمان على الرمز، وكذلك الدين ~~والأخلاق، وكذلك الحياة الاجتماعية في ترابط أفرادها، بل كذلك الفرد الواحد في صحوه وفي ~~نعاسه على السواء. # وإذا كانت هذه العملية الرمزية بهذا الخطر الخطير في حياة الإنسان، فهي جديرة بأن ~~يتناولها المفكرون بالبحث والتأمل والتحليل. # وسواء كانت الرموز في مجال الفن والدين، أو كانت في مجال العلم، فهي على كلتا الحالتين ~~ضرورة لا بد منها للتفاهم بين أفراد المجتمع الواحد؛ ولولا هذا التفاهم، أي لولا توصيل ~~الأفراد بعضهم لبعض ما يدور في أنفسهم من أفكار ومشاعر لما كان هنالك مجتمع بأي معنى ~~من معانيه، وهذا التوصيل محال بغير رموز متفق على مدلالوتها؛ ولئن كانت اللغة بطبيعة ~~الحال هي أهم هذه الوسائل الرمزية على الإطلاق، حتى لقد اتخذت طابعا مميزا للإنسان، ~~إلا أنها ليست هي الرموز الوحيدة المستخدمة في عملية ms077 التفاهم، فهناك إلى جانبها رسوم ~~وصور وإشارات وتماثيل واحتفالات ذات مراسم معينة، وشعائر وما إلى هذه الأمور الرمزية ~~كلها. # أقول: إنه بغير العملية الرمزية يصبح الاجتماع والاتصال بشتى أشكاله ضربا من ~~المحال، وذلك لأن الحالات الإدراكية والوجدانية التي تطرأ على الفرد الذي يريد أن ~~يعبر عنها للآخرين، هي على كل حال حالات تكمن في كيانه الداخلي، هي حالات كائنة خلف ~~جداره الخارجي الظاهر، إذا صح هذا التعبير، هي صور ذهنية أو نبضات قلبية، ويريد صاحبها ~~أن يخرجها في صورة مرئية أو مسموعة لتعرض أمام الآخرين، فكيف يكون ذلك بغير اختيار رمز، ~~كائنا ما كان؛ ليدل على ما قد كمن في الداخل من حالات؟ ~~••• # وهاهنا يفرقون بين ما يسمونه «علامات» وما يسمونه رموزا، ولا يزال الأساس الذي ~~عليه تتم التفرقة بين العلامات والرموز مختلفا عليه. وأبسط أساس للتفرقة بينهما هو أن ~~نقول إن «العلامة» هي الشيء الذي نتخذه مشيرا يدل على وجود شيء سواه، إما لأن ~~الشيئين قد وجدناهما دائما مرتبطين، كالدخان الذي يكون علامة على وجود النار، والبرق ~~الذي هو علامة على أن صوت الرعد وشيك الوصول، وانطباع قدم آدمية على الرمل ودلالته على ~~أن إنسانا قد وطئ المكان وهكذا، وإما لأن الناس قد اتفقوا اتفاقا على أن يكون أحد ~~الشيئين دالا على الآخر، كالنور الأحمر ودلالته في حركة المرور، وكثير جدا من كلمات ~~اللغة علامات متفق على مدلولاتها. وكذلك رموز الرياضة وبعض الإشارات البدنية ندل بها ~~على القبول أو الرفض وغير ذلك. # وأما الرموز بالمعنى الدقيق فهي تلك التي لا يكتفي فيها على مجرد الدلالة، بحيث يكون ~~هنالك الطرفان فقط: طرف العلامة الدالة من جهة، وطرف الشيء المدلول عليه من جهة أخرى، ~~بل يضاف إلى مجرد الدلالة شحنة عاطفية من نوع معين مقصود يراد لها أن تنزوي في ~~نفس الرائي أو السامع كلما وقع على رمز معين، فعلم الجمهورية العربية المتحدة - ~~مثلا - له ما لهذا الاسم من دلالة على البلد المراد الدلالة عليه، لكنه يضيف إلى مجرد ~~دلالة الاسم ms078 على مسماه ضربا من الشعور يراد له أن ينشأ في النفوس كلما وقعت العين ~~على ذلك العلم، وهذا يصدق على كثير جدا من تقاليد المجتمع وأوضاعه وشعائره التي يراد ~~بها أن تؤدي وظيفة رمزية، أعني أن تثير في أعضاء المجتمع ضربا معينا من المشاعر، ~~مقصود به صيانة المجتمع وتماسكه، كمشاعر التوقير أو القداسة أو الرهبة أو الخوف أو المرح ~~وغيرها؛ فالهلال رمز للإسلام والصليب رمز للمسيحية، فكأنهما كلمتان، لكنهما يزيدان على ~~كونهما مجرد كلمتين لكل منهما مدلولها المعين، إذ هما تضيفان إلى عملية الدلالة ~~موقفا شعوريا خاصا؛ والسواد والبياض في الحزن والفرح وكذلك البكاء والضحك، وإن يكن ~~الأولان رمزين اتفاقيين، والآخران رمزين طبيعيين، إلا أنها كلها رموز لها دلالة ~~العلامات الدالة أولا، ثم لها فوق ذلك بطانة من شعور ووجدان، الأصل فيها أن تربط الأفراد ~~في مجتمع متماسك بتنظيم السلوك تنظيما يزيل منه التضارب والتنافر؛ وإلا فلماذا اصطلح ~~منذ أقدم العصور أن يكون للقبيلة رمز خاص، كالطوطم والعلم. ولماذا اصطلح على أن يكون ~~للحاكم مظاهر خاصة، وأن يكون للقاضي رداؤه الخاص، وللخطيب منبره وسيفه، ولرجال الدين ~~شاراتهم ومسوحهم، وهكذا مما يعد بالألوف؟ إنها كلها رموز مقصود بها أن تثير في الناس ~~مشاعر ملائمة للمواقف المختلفة مما عساه أن ينتهي آخر الأمر إلى مجتمع متحد متسق ~~متفاهم. ~~••• # وننتقل الآن من إجمال إلى تفصيل، لنرى كيف أن مناشط الإنسان على تنوعها واختلافها كلها ~~رمزية الطابع، وسوف أستخدم فيما يلي كلمة «رمز» وحدها لتدل على «الرمز» و«العلامة» ~~معا، وذلك لسهولة استعمالها؛ سأبين كيف أن الرمز هو صلب الحياة الاجتماعية، ثم هو ~~صميم العلم والفن والأدب والدين والأخلاق. # أما أنه صلب الحياة الاجتماعية، فأمر بديهي واضح، إذ يكفي أن نذكر أن هذه الحياة ~~الاجتماعية مستحيلة بغير لغة، واللغة علامات ورموز. # إن اللغة وهي منطوقة مجموعة من أصوات، وكذلك وهي مكتوبة مجموعة من ترقيمات على الورق ~~وغيره، وفرق بعيد بعد ما بين السماء والأرض بين الكلمة أو العبارة من حيث طبيعتها وهي ~~أصوات منطوقة أو ms079 ترقيمات مكتوبة، وبين الحالات التي جاءت تلك الكلمة أو العبارة لترمز ~~إليها؛ وأين موجة «صوتية» أنطق بها، أو قطرة من مداد أخطها على الورق، أين هذه من ~~نشوة يحس بها صاحبها، أو حزن أو شبع أو جوع أو رضى أو سخط؛ بل أين الموجة الصوتية ~~المنطوقة أو الكلمة المكتوبة بقطرة من مداد، أين هذه من الشيء المادي الحقيقي المسمى ~~بها؟ فما أبعد الفرق بين النار الفعلية في العالم الخارجي وبين كلمة «نار» وبين الجنيه ~~الحقيقي الفعلي الذي أشتري به ثيابا وطعاما، وبين كلمة «جنيه» وهكذا وهكذا؟ # الحق أننا قد ألفنا استخدام اللغة إلفا شديدا حتى لنظن أن الكلمة هي نفسها الشيء ~~الذي جاءت الكلمة لتدل عليه، فنظن أن كلمة «كتاب» أو كلمة «منضدة» هي نفسها الكتاب أو ~~المنضدة؛ ومن نتائج هذا الإلف الشديد، أن نشأ خطأ كبير في فهم اللغة، وذلك عندما ترد ~~كلمات بغير مدلولات حقيقية فيتعذر جدا على معظم الناس أن يتصوروا كيف يمكن أن تكون ~~هنالك كلمات بغير مدلولات، ومن ثم يفرضون لها المدلولات فرضا حتى لو لم تصادفهم في ~~خبرتهم بالواقع. # اللغة - إذن - بكل ما لها من أهمية وخطر في الحياة الاجتماعية وبنائها، هي مجموعة من ~~علامات ورموز تختلف باختلاف الأمم، فلكل أمة مجموعتها الرمزية، وبغيرها يستحيل ~~التفاهم؛ وتستحيل الصلة بين الأفراد. والأمر سهل عندما نستخدم الكلمات للدلالة على ~~الأشياء الخارجية، لأن الكلمة والشيء كليهما يكونان من قبيل الكائنات المادية، وغاية ما ~~في الأمر ترانا نرمز بكائن مادي إلى كائن مادي آخر، لكن الأمر لا يكون بهذه السهولة كلها ~~عندما نستخدم الكلمات للدلالة على الحالات الشعورية الداخلية؛ فعندئذ تكون العملية ~~الرمزية عبارة عن تحويل ما ليس بمادة في طبيعته إلى ما هو مادي بطبيعته؛ إذ تحول حالات ~~الفرح والحزن والارتياح والغضب والحب والكراهية - وهي حالات نفسية - إلى كلمات تنطق أو ~~تكتب، والنطق هواء والكتابة مداد، والهواء والمداد كلاهما مادي، لكنك تضطر إلى ذلك ~~اضطرارا؛ إذ لا وسيلة لاطلاع سواك على حالاتك الداخلية إلا إذا عرضتها أمام ms080 عينيه ~~أو على مسمع من أذنيه، وهذا هو نفسه ما جعل أصحاب الوجدان العميق، كالمتصوفة مثلا، ~~يتشككون في قيمة ما يقال وما يكتب، إذ المهم في الحالة الوجدانية أن تمارس ~~وتعاني لكي تدرك، لكن ما حيلة الإنسان ولا وسيلة أمامه - إذا أراد توصيل حالته إلى سواه ~~- إلا أن يلجأ إلى الرمز؟ # وكثيرا ما يلجأ الإنسان إلى الرمز بغير كلمات اللغة، فيستخدم الألوان لتدل على ما ~~يريد الدلالة عليه. فاللون الأبيض - مثلا - قد يرمز به إلى النقاء والصفاء والطهر؛ لا ~~بل دقق النظر هنا في كلمة النقاء، أو كلمة الصفاء ، تجدها هي نفسها استخداما رمزيا ~~جاء ليدل على حالة عقلية أو نفسية معينة، وإلا فكيف تكون الحالة الداخلية منقاة؟ ~~مصفاة؟ هكذا نري أنه إذا كان المرموز إليه حالة باطنية، كان لا بد من تحويلها إلى صورة ~~مادية بينها وبينها شبه بوجه من الوجوه، فحالة الطهر - مثلا - شبيهة بالماء المصفى ~~أو بالغلال التي نقيت من الشوائب، وهذه وهذه شبيهتان باللون الأبيض الخالي من البقع ~~الملونة بألوان أخرى، تشبيه في تشبيه، أو قل: إنه رمز في رمز ولا مناص من ذلك. ~~••• # إن تعبير الإنسان عن حياته الخلقية والفنية، كان يصبح ضربا من المحال بغير عملية ~~الرمز؛ وحسبك أن تذكر ما شئت من صفات خلقية أو صفات جمالية، لتعلم أنها في حقيقتها ~~رموز إلى الحقائق، وليست هي الحقائق نفسها. # إننا نصف الفعل المعين أو الشخص الفاعل بأنه رفيع أو شريف أو سام، والارتفاع ~~والشرف والسمو كلها كلمات تصف حالات معينة من الأرض أو السماء. وكذلك قل في أضداد ~~هذه الصفات، كالدنيء والسافل والوطيء ... إلخ. فلماذا يكون الجبل أفضل من الوادي حتى نتخذ ~~من علو الأول، ومن انخفاض الثاني مثل هذه الدلالات الخلقية؟ إن الواقع في ذاته لا ~~يبرر ذلك، لكنها ضرورة الرمز؛ ففي أنفسنا مشاعر إزاء قيم معينة، ونريد إخراجها في ~~صورة مرئية أو مسموعة، مع أنها هي نفسها لا هي من المرئي ولا من المسموع، فلا حيلة ~~أمامنا إلا أن نرمز معتمدين في ms081 ذلك إلى شبه قريب أو بعيد بين المرموز به والمرموز ~~إليه. # وحسبك أن تنظر في كلمة رمزية واحدة، هي كلمة «الضوء» لترى كم استخدمها الإنسان، ~~وبأي الصور استخدمها، ليرمز بها إلى حالات داخلية أراد أن يعبر عنها؛ فالضوء في ذاته ~~ظاهرة طبيعية، كالهواء والماء والصخر والمطر والصوت والكهرباء، لكن الإنسان قد استخدمه ~~ليدل به على القداسة وعلى الفضيلة وعلى الذكاء وعلى الجمال؛ كما استخدم ضده الظلام ~~ليدل به على مهاوي الرذيلة وعلى الغباء وعلى القبح بشتى صنوفه وضروبه. يجوز أن يكون ~~الأساس في هذا الرمز هو القيمة البيولوجية للضوء ، فبغيره لا تكون حياة، ثم انتقل حب ~~الإنسان للحياة إلى حبه لعامل بقائها وهو الضوء، لكن مهما يكن الأساس، فالمهم عندنا ~~الآن هو عملية الرمز، حين لم يجد الإنسان وسيلة يعبر بها عن حالة شعورية إزاء ~~مواقف معينة سوى أن يتخير ظاهرة طبيعية ليرمز بها إلى الحالة الداخلية، أملا منه ~~في أن يكون هنالك شبه بين الخارج والداخل. # وإن مثل هذا الانتقال من مجال إلى مجال لشائع في كلامنا شيوعا شديدا، فمن تمتعنا ~~بدفء النار في الشتاء ننقل الأمر إلى علاقتنا بالأصدقاء حين تمتعنا متعة شبيهة بها، ~~فنقول عن العاطفة عندئذ إنها دفيئة؛ ومن تمتعنا بحلاوة الأشياء الحلوة على مذاق اللسان، ~~ننقل الأمر إلى غير هذا المجال، فنقول عن شخص إنه حلو الطباع، وهكذا. # واستمع إلى نقدة الفنون، كيف يصفون الآثار الفنية التي يتناولونها بالعرض ~~والتقديم؛ يقولون عن القصيدة أو عن الصورة: إنها رشيقة مثلا، أو إنها صارخة أو هادئة، ~~وبالطبع لا ينبعث من ألوان الصورة صراخ، كما أن كلمات القصيدة ليست فتاة تسير بخطى ~~خفيفة فتوصف بالرشاقة ... لكنه الرمز أمر محتوم على الإنسان ليعبر عن نفسه كائنة ما ~~كانت حالته النفسية التي يريد إبرازها إلى الخارج لتكون على مرأى من الناس ~~ومسمع. ~~••• # وننتقل من مجال اللغة وغيرها من الرموز التي نرمز بها إلى أشياء الواقع وإلى القيم ~~التي نقوم بها هذه الأشياء، فقد رأينا أن التفاهم في هذا المجال كله ms082 لا يكون بغير ~~علامات ورموز، ننتقل من هذا المجال إلى مجال طويل عريض واسع عميق، هو مجال الأحلام وما ~~يشبه الأحلام من أساطير وغيرها. # فلا أحسبنا نعدو الصواب إذا قلنا إن الإنسان يحيا بصحوه كما يحيا بنومه، وكذلك لا ~~نعدو الصواب إذا قلنا أيضا إنه يحيا بعقله الواعي، كما يحيا بعقله الحالم، لا بل إن بعض ~~علماء النفس ليربطون حقيقة الإنسان بأحلامه أكثر مما يربطونها بحياته الواعية. # فكيف نحلم وبأي شيء يكون الحلم؟ # أظنه لا داعي إلى إفاضة القول في هذا، فقد أصبحت نظرية الأحلام شائعة في شتى المستويات ~~الثقافية، كل يأخذ منها بحظه من الدقة والتفصيل، لكن ما ينبغي ذكره في سياق حديثنا ~~هذا هو الدور الذي يقوم به الرمز في أحلامنا. فالأشياء والأفعال التي نراها في الحلم، هي ~~بمثابة الكلمات نستخدم كل شيء منها، أو فعل لنرمز إلى ما نريد أن نرمز إليه، فليس ~~الحلم كالمقالة أو كالفصل من فصول الكتاب: قوامه كلمات وعبارات يتبع بعضها بعضا على ~~صورة يمسك فيها بعضها برقاب بعض إمساك النتيجة التي تتبع مقدماتها، فذلك هو أسلوب ~~الحياة الصاحية الواعية، وأما الحلم فتتابع من رموز أخرى غير رموز اللغة المألوفة، ~~فالبحر تراه في الحلم بمثابة كلمة أو جملة، وكذلك العصا، وكذلك الصعود أو الهبوط ... عالم كله ~~رموز. ولئن دخل التكلف والتصنع في حياة الإنسان الواعية، فحياة الأحلام هي الإنسان على ~~حقيقته وعلى طبيعته العارية التي لا تعرف نفاقا ولا رياء، فإن كان الرمز هو لب ~~الأحلام وصميمها، كان الرمز بالتالي هو لب الإنسان وصميمه. # وماذا تكون الأساطير التي لم يخل منها شعب من الشعوب إن لم تكن هي أحلام تلك الشعوب، ~~بل ماذا يكون الأدب في صميمه إلا أن يكون متنفسا كالأحلام سواء بسواء، يعيش فيه ~~الإنسان وفق طبيعته الذاتية؟ وأعتقد أن هذا هو المقصود حين يقال - كما قال كيتس - إن ~~الجمال حق، فالفن الجميل - كالشعر مثلا - مهما امتلأ بالصور الغريبة فهو حق؛ لأنه ~~كالحلم في إبراز حقيقة الإنسان، ولك بعد ذلك أن ms083 تنظر إلى الدور الذي قامت به وتقوم به ~~الأساطير. الأدب كله بصفة عامة، لتعلم كم يرتكز الإنسان على الرمز في حياته ~~اللصيقة بلباب نفسه. ~~••• # ونختم القول بكلمة عن العلم الصرف الذي قد يظن إنه أبعد ما يكون عن عالم الرمز، ~~وإذا هو لا شيء إلا رموز في رموز؛ فهذه هي الرياضة: حقيقتها أنها بناء من رموز لا أكثر ولا ~~أقل؛ فيبدأ العالم الرياضي - إقليدس في الهندسة مثلا - يبدأ بطائفة من رموز هي الكلمات ~~التي يؤلف منها تعريفاته ومسلماته، ثم يمضى بعد ذلك في استدلال مجموعات رمزية من ~~مجموعات رمزية أخرى؛ والحساب والجبر أمعن في عملية الرمز لأنهما يستغنيان عن الكلمات ~~بطائفة من علامات وأحرف، يظل العالم الرياضي يبني منها معادلاته ليستدل من ~~المعادلات معادلات وهلم جرا. ومعلوم أن البناء الرياضي كائنا ما كان، وهو نظام ~~متسق من رموز، يراعى فيه سلامة استدلال صيغة رمزية من صيغة رمزية، بغض النظر عن ~~مطابقة هذه الصيغ للواقع الخارجي أو عدم مطابقتها له. # فهذه المطابقة مع العالم الخارجي متروكة للعلوم الطبيعية التي هي في كثير من أجزائها ~~عبارة عن رياضة تطبيقية. وحتى هذه العلوم الطبيعية ترتد في النهاية إلى أرقام تقرأ على ~~مراقم ومقاييس، وإلى رسوم بيانية ولوحات فوتوغرافية وهلم جرا. # خذ أي قانون طبيعي شئت، خذ قانون الجاذبية - مثلا - تجده صياغة من رموز؛ نعم إننا ~~نستغل هذه الرموز في فهم الطبيعة وتسييرها، لكن هذا لا يجعلها شيئا آخر غير صياغة ~~رمزية. # وبهذه المناسبة أذكر عبارة قرأتها هي غاية في قوة التصوير لتطور التفكير الإنساني ~~على مر العصور؛ إذ قال صاحب العبارة: إن الأمر كله انتقال من طريقة في الرمز إلى ~~طريقة أخرى في الرمز أيضا؛ فقد كان البدائي يستخدم السحر والدعاء وما إليهما ~~ليحقق الظاهرة الطبيعية التي يريد تحقيقها، كإنزال المطر مثلا، وأما الإنسان المعاصر ~~فيستخدم صيغا رياضية للغاية نفسها. ونقصد بالصيغ الرياضية قوانين العلوم؛ فكلا الرجلين ~~أداته الرمز في تحقيق الهدف، وكلا الرجلين يتمسك بطريقته الرمزية لما دلته خبرته ~~على نجاحها، وكلا ms084 الرجلين يحاول الملاءمة بين نفسه وبين الطبيعة من حوله. فالبدائي يرشو ~~الطبيعة بالدعاء والثناء، ويمالئها بالتعزيم والسحر، والمعاصر العلمي لا يرشو ولا ~~يمالئ بل هو يمسك بمفتاحها لتنفتح له عن أسرارها، كلما أدار لها المفتاح بإرادته. فكلا ~~الرجلين يستعمل للطبيعة رموزا لكن الفرق هو أن البدائي يتصور أن لرموزه سلطانا ~~مباشرا على الطبيعة؛ وأما المعاصر العلمي فينظر إلى رموزه على أنها وصف للطبيعة وليست ~~هي بذات السلطان والإرغام. # فالإنسان رامز في شتى عصوره وفي مختلف نواحي نشاطه الفكري؛ وقد ازدادت هذه الحقيقة ~~وضوحا في عصرنا الحاضر، فاهتمت الفلسفة المعاصرة بالرمز ودلالته، وبخاصة الرمز اللغوي ~~في العلوم وغيرها، فهذا المبحث هو محور الاتجاه الفلسفي المعاصر الذي يطلق عليه اسم ~~الوضعية المنطقية، أو التجريبية العلمية؛ وما أكثر الكتب والأبحاث الفلسفية التي تنشر ~~الآن ولا شاغل لها إلا تحليل الرمز ومعناه، حتى لقد أصبح يقال - وبحق - إن الفلسفة هي ~~علم المعنى. # الرياضة رموز، وعلم الطبيعة رموز، والفلسفة تحليل للرموز، والتفاهم في الحياة اليومية ~~الجارية قائم على الرمز، وتقاليد المجتمع وعقائده إشارات رمزية، والأساطير رموز والتعبير عن ~~القيم الأخلاقية والجمالية لا يكون إلا بالرمز، والأدب قوامه الرمز بالتشبيه والتصوير، ~~والفن كله رموز؛ رموز صوتية في الموسيقى، ورموز لونية في التصوير، وأحلام الإنسان ~~رموز. # أفيكون عجيبا بعد هذا كله، أن نصف الإنسان بأنه الحيوان الرامز؟ # | هذه الكلمات وسحرها # 1 # أي شيء أدنى إلى الصواب من قولنا بأن شهادة الميلاد لا تكون إلا لمولود جديد، وأنه ~~إذا وجدت شهادة ميلاد بغير مولود فهي زائفة مزورة؟ وأي شيء أدنى إلى الصواب من ~~القول بأن الرمز لا يتم معناه إلا بوجود المرموز إليه، وأنه إذا وجد رمز بغير ~~مرموز إليه فهو إذن وسيلة خداع وتضليل؟ وأي شيء أدنى إلى الصواب من تقريرنا أن ~~الاسم لا يكون اسما إلا إذا وجد المسمى؟ وإذا كان ذلك كله صوابا فمن الصواب ~~كذلك أن كل كلمة في اللغة لا تسمى شيئا ولا تشير إلى شيء، هي كلمة زائفة مهما ~~طال بين الناس ms085 دورانها؛ فالفرق بين اللفظة التي ترمز إلى مسمى واللفظة التي لا ~~ترمز هو الفرق بين اللفظة التي «تعني» شيئا واللفظة التي «لا تعني»، وهو فرق شديد ~~الشبه بما يفرق ورقة النقد التي تستند إلى رصيد فتكون ورقة ذات قيمة حقيقية من ~~ورقة النقد التي لا تستند إلى مثل ذلك الرصيد فتكون ورقة باطلة. # إني لأقول مثل هذا الكلام الجلي الواضح، أقوله وأكتب فيه وأحاضر، ولا أخلو عندئذ ~~من خجل؛ إذ أراني أقول البدائه؛ لكن ما أشد عجبي أن ينهض كاتب فيقول لقرائه: ~~احذروا مثل هذا الكلام لأنه مود بما لنا من معان جليلة سامية بذلت الإنسانية في ~~بنائها جهدا جهيدا! وأن يتصدى كاتب آخر للمعارضة قائلا: إن مثل هذه الدعوة ~~تثير الريبة في صاحبها، وتدعو «إلى أكثر من علامة استفهام!» وأن يحاضر أستاذ جليل ~~في قاعة عامة لم يحسن اختيار زائريها فيقول، لمن لا تعنيهم الفلسفة في كثير أو ~~قليل: إن مثل كلامي هذا يصلح للغرب ولا يصلح للشرق! كأنما أراد بذلك أن يعفي أهل ~~الشرق من قيود العقل فيما ينطقون به وما يكتبون! # ولذلك فإني أطلب مغفرة القارئ إذا عدت إلى البدائه الواضحة أقولها وأكررها؛ ~~فمن ذلك أن الشيء لا بد أن يوجد أولا؛ حتى يجوز لنا بعدئذ أن نطلق عليه اسما ~~يسميه ويميزه مما عداه، وهذا هو بعينه الأساس الذي نقيم عليه تعليمنا اللغة ~~لأطفالنا؛ فأشير إلى شيء قائم على مرأى من الطفل قائلا له: «شجرة»، ولولا أن هناك ~~الشجرة التي أشير إليها لذهبت لفظتي عند الطفل عبثا؛ إنه في سذاجته وبفطرته ~~ينظر إلى طرفين: المسمى المشار إليه في طرف، والصوت الذي أنطق به في طرف آخر؛ ~~وعندئذ يقرن الشيء المرئي بالصوت الذي يسمعه، أو يقرن المسمى باسمه، أو ~~يقرن المرموز إليه بالرمز الذي يشير إليه، أقول: إنه يقرن هذا الطرف بذلك، ~~ثم يربط بينهما، حتى إذا ما نطق بالصوت وحده بعد ذلك كان كافيا لاستثارة الصورة ~~التي كان هذا الصوت قد ارتبط بها؛ وبهذا وحده يجوز لنا ms086 أن نقول: إن كلمة «شجرة» لها عند ~~الطفل معنى. # ويكبر الطفل، وتنمو حصيلته من الألفاظ، لكل لفظة منها شيء يقابلها في عالم ~~الأشياء، حتى إذا ما سمع بعد ذلك لفظة لم يكن قد سمعها من قبل سأل: ما معناها؟ ~~وهنا لا يكون أمام مرشده إلا أحد طريقين: فإما أن يشير له إلى الشيء الذي يسميه ~~هذا اللفظ الجديد، وإما أن يذكر له مرادفا من الألفاظ المعلومة له؛ ليتمم لنفسه ~~الدورة، بأن يستعيد صورة الشيء الذي عرف فيما مضى أن ذلك اللفظ المرادف ~~يعنيه. # فماذا لو صادف الناشئ كلمة لا يعرفها ، وسألنا: ما معناها؟ فلم نجد شيئا نشير له ~~إليه ليكون هو معنى هذه الكلمة المجهولة، ثم لجأنا إلى لفظ آخر يساويه، فسألنا ~~الناشئ من جديد: وما معنى هذا اللفظ؟ فنظل نبحث له عن ألفاظ مساوية، ويظل يسأل: ما ~~معناها؟ أفلا يجدر بنا عندئذ أن نتنبه إلى أن مثل هذه اللفظة التي لا تنتهي ~~بشرحها وتفسيرها إلى مسمى مشار إليه في عالم الأشياء هي لفظة بغير سند، وأنها إذن ~~زائفة لا تسمى شيئا؟ # وأمثال هذا اللفظ الزائف كثير، نديره بيننا في الحديث والكتابة، ونظن أننا قد ~~أفهمنا وفهمنا؛ حتى يعن لنا أن نقف منه موقف المدقق، فيتبين ساعتئذ أننا في ~~الحقيقة إزاء لفظ لا يعنى شيئا كنا أدرناه فيما بيننا على ثقة منا بعضنا ببعض، ~~وعلى عقيدة منا بأن الكلمة ما دامت مما يكتبه الناس ومما ينطقون به، فيستحيل ~~أن تكون قد خلقت عبثا، ولا بد أن يكون لها معنى! وشبيه بهذا أن يتداول جماعة ~~منا ورقة نقد زائفة أمدا من الزمان قد يطول، على عقيدة منهم بصدق قيمتها؛ حتى ~~تنتهي إلى من ينظر إليها نظرة الفاحص، فإذا هي مزورة؛ وقد تهتم الجماعة لهذا ~~اهتماما يحفزها إلى تعقب المجرم الأول الذي أنزل في السوق هذا الزيف، ولو ~~كشفوا عنه لسجنوه، فيا ليت نصيب مزور الألفاظ كان كهذا النصيب؛ ليستريح الناس ~~من مضلل وضلال! # 2 # إنني إذا قلت هذا صاحوا: «مادي لعين، ms087 يريد أن يقبل الكلمة إذا دلت، وأن ينبذ ~~الكلمة إذا لم تدل!» نعم؛ إنه لا يعجبهم أن نشترط للاسم أن يكون له مسمى خوفا ~~على آلاف الكلمات التي يتداولها الناس دون أن يكون لها مسميات تقابلها في عالم ~~الأشياء. فتراهم يسألونك مستنكرين: ماذا نحن صانعون بالكلمات التي تمس مشاعرنا وإن ~~لم يكن لها مدلولات محسوسة؟ ماذا نحن صانعون بالحب والكراهية والغضب والحرية ~~والمجد؟ أنقول ألفاظا كهذه أم نمحوها ما دامت مدلولاتها ليست شجرا من الشجر ولا ~~حجرا من الحجر؟ أين نذهب بآمالنا وآلامنا وحالاتنا النفسية كلها؟ هل نعبر عنها ~~أو نكم عنها الأفواه؟ # وهاهنا نفرق للقارئ تفرقة واضحة بين نوعين من الكلام حتى لا يختلط عليه الأمر: ~~فكلام يراد به وصف عالم الأشياء وما يتعاوره من أحداث، وآخر ينصرف به قائله إلى ~~داخل نفسه لا إلى خارجها. فإذا نطقت بعبارة من النوع الأول وقعت عليك تبعة ~~الإثبات، وأما إذا نطقت بعبارة من النوع الآخر فلا إثبات هناك ولا نفي. والعبارات ~~العلمية هي من النوع الأول، وأما العبارات الفنية فمن النوع الآخر. # هبني وقفت مع زميلي إلى جوار شجرة، فقلت عنها: إنها من أشجار التوت وعمرها ~~ستون عاما؛ وقال عنها زميلي: إن لونها يبعث البهجة في نفسه كلما رآها؛ فماذا ~~يكون الفرق بين عبارتي وعبارته؟ الفرق هو أنني أتصدى لوصف الواقع الخارجي الذي ~~لا دخل لمشاعري فيه؛ فلست أنا الذي جعلتها تثمر توتا، ولا أنا الذي ألزمتها أن ~~تكون بهذه الحداثة أو هذا القدم؛ إنني أصف بعبارتي وقائع ليست جزءا من نفسي؛ ~~ولذلك فأنا بمثابة من يدعي أمرا ينسبه للشجرة، والبينة على من يدعي، فلو ~~طالبني زميلي - ومن حقه أن يطالبني إذا أراد - بإثبات ما أقوله وجب أن تكون ~~لدي الوسائل التي يستطيع هو أن يشاركني فيها، والتي تثبت أنني قلت الحق عن ~~الشجرة التي وصفتها بما وصفت؛ وأما عبارة زميلي التي قال بها: إن الشجرة تبعث ~~البهجة في نفسه كلما رآها، فمن نوع آخر، هي عبارة لا صواب فيها ولا ms088 باطل، ولا إثبات ~~ولا نفي؛ إنه «يعبر» عن ذات نفسه ولا «يقرر» أمرا عن الشيء الخارجي؛ وإذن فليس ~~من حقي أن أطالبه ببرهان؛ وكيف يكون البرهان والأمر خاص به؟ إنه إذا كانت ~~الشجرة نفسها تبعث الكآبة في نفسي والبهجة في نفسه فلا تناقض هناك؛ لي عندئذ ~~شعوري، وله شعوره، لكن ما هكذا الأمر لو قلت عن الشجرة: إنها تثمر توتا، وقال ~~هو: بل إنها تثمر الجميز، أو قلت: إن عمرها ستون عاما، وقال هو: بل مائة؛ فها هنا ~~يكون بين قولينا تناقض، وعلى أحدنا أن يثبت للآخر صدق دعواه. # وأعود فأقول : إن «العلم» كله هو مما يقام على صدقه البرهان، وأما في «الفن» ~~فلا برهان على ما يقوله الفنان. ونحن إذ نقول عن قطعة فنية إنها «صادقة» فإنما نعني ~~«بالصدق» شيئا غير الذي نعنيه حين نقول عن نظرية في العلم إنها «صادقة»؛ فصدق ~~النظرية العلمية مداره الخارج، وصدق القطعة الفنية مداره الباطن. صدق النظرية ~~العلمية علاقة بينها وبين أحداث العالم الخارجي، وصدق القطعة الفنية علاقة بينها ~~وبين أصداء العالم الداخلي. صدق النظرية العلمية لا يحتمل إثبات نقيضها؛ فلو قال ~~عالم: إن الضوء يسير بسرعة كذا، وجب ألا يقول مرة أخرى: إنه يسير بسرعة أخرى ~~في الظروف نفسها؛ وأما صدق القطعة الفنية فيحتمل التناقض، بل ليس هو مما يخضع ~~لمبدأ التناقض أو عدمه؛ فلا حرج على الأديب - مثلا - أن يبتهج لشجرة التوت ~~يوما، وأن يكتئب لها يوما. وقد يكون صادقا في كلتا الحالتين؛ لكن الحرج كل ~~الحرج على العالم أن يقول عن الشجرة: إنها تثمر التوت؛ ثم يصبح ليقول عنها هي ~~نفسها: إنها تثمر الجميز! # وماذا أريد بهذا؟ أريد أن أقول: إنك إذا أردت أن تسلك سبيل الفن فيما تقول - ~~فقل ما شئت ما دمت تنصت إلى خطوات نفسك، أي أن الدنيا الخارجية لا تلزمك ~~شيئا، ولا تنهاك عن شيء. قف أمام الشجرة وقل - إن شئت - إنني أرى سحابة خضراء ~~سابحة في فضاء لا نهائي، وأنا من تلك السحابة قطرة راقصة؛ ms089 ولن يعترضك معترض ~~بأن الذي أمامك شجرة لا سحابة، وأنها مثبتة في الأرض بجذورها، وليست هي بسابحة ~~في الفضاء، وأنك قائم على قدميك فوق اليابس، ولست بقطرة ماء راقصة. لن يعترضك ~~معترض بهذا لأنك لم تزعم لأحد أنك تصف ما تري كما يصفه العالم إذا وصف. وأما إن ~~زعمت أنك إنما تصف ذلك العالم كما هو واقع فها هنا أنت مقيد بأشياء ذلك العالم ~~وحوادثه، ولا يجوز لك أن تقول عنه إلا ما تستطيع الإشارة إليه لمن يريد منك أن ~~تشير. # ونعود إلى هؤلاء الذين يسألوننا مستنكرين: إذا كنت تريد للفظ أن يشير إلى ~~مسمى محسوس، فماذا نحن صانعون بمشاعرنا والتعبير عنها؟ نعود إلى هؤلاء لنجيبهم ~~قائلين: إن الأمر مرهون بالدعوى التي يدعيها المتكلم: فهل يدعي أنه يصور ~~الخارج أو أنه ينفعل بما يدور في نفسه؟ إن كانت الأولى فلا مندوحة له عن جعل ألفاظه ~~رموزا تشير إلى وقائع محسوسة، وإن كانت الأخرى فهو حر من هذا القيد. # 3 # فالأمر إذن أمر رموز لغوية ومدلولاتها، فهذه الرموز إما أن نستخدمها أداة لتصوير ~~ما هو كائن في عالم الأشياء، (وهذه لغة العلوم وما يجري مجراها)، وإما أن ~~نستخدمها أداة للتعبير عما تختلج به نفس الإنسان من داخل، (وهذه لغة الفنون وما ~~يجري مجراها) ولا ثالث لهذين الفرضين. # فإلى أي ناحية يتجه الفيلسوف الميتافيزيقي بعباراته؟ هل يريد أن يصف بها ما ~~هو خارج نفسه أو يريد أن يعبر بها عما يدور داخل نفسه من مشاعر؟ لا يمكن أن تكون ~~الأولى لأنه يتحدث عن أشياء ليست هي بين ما يقع على حواسنا من أشياء. يحدثنا ~~- مثلا - عن «العدم» وكل ما في الدنيا «موجودات» ليس فيها «عدم»، ويحدثنا عن ~~«المطلق» من قيود الزمان وقيود المكان، وكل ما في الدنيا «مقيدات» بحدود ~~المكان والزمان، ويحدثنا عن «الخير» وعن «الجمال»، وكل ما في الدنيا كائنات ليس ~~بين عناصرها الكيمياوية أو الفيزيقية عنصر يسمى «خيرا» أو «جمالا». هكذا ~~يحدثنا الفيلسوف الميتافيزيقي عما ليس في الطبيعة، مع أن ms090 كل ما في الطبيعة ~~طبيعة؛ وإذن فهو - بمقتضى عباراته نفسها وموضوعاته التي يختارها لحديثه - لا يحدثنا ~~عما هو خارج نفسه. # إذن فهل يحدثنا عما يدور داخل نفسه من مشاعر وأحاسيس؟ لو قال ذلك لقلنا: لك ما ~~تشتهي من ذلك؛ فقل ما شئت، واستخدم ما أردت من ألفاظ وعبارات ما دامت غايتك هي أن ~~«تعبر» عن شعور ذاتي خاص، لكنك إذ تفعل ذلك لا يجوز لك أن تصف أقوالك بالصواب؛ ~~لأنه لا صواب في التعبير الذاتي؛ إنما يكون الصواب صفة تصف الكلام حين يصور ~~شيئا خارجيا. ويكون معناه عندئذ أن الصورة الكلامية تطابق الأصل ~~الخارجي. # لكن الفيلسوف الميتافيزيقي لا يقنع بأن يكون كلامه تعبيرا عما تجيش به نفسه هو، ~~بل يدعي أنه صورة وصفية للعالم الواقع خارج نفسه؛ مع أنه يعترف لك في الوقت نفسه ~~أنه لا يسوق الكلام معتمدا على خبراته الحسية؛ وتسأله: أنى لك - إذن - هذه ~~المعرفة عن كائنات ليست مما تقع انطباعاتها على حواسك؟ فيجيب بأنه يركن في ذلك ~~إلى عيانه العقلي. وهكذا يتذبذب فيلسوف ما وراء الطبيعة بين الخارج والداخل! # أما نحن أصحاب المذهب التجريبي في الفلسفة فموقفنا صريح؛ يقول القائل عبارته ~~فنسأله: هل هي منصرفة إلى شيء خارجي؟ فإن أجاب بالإيجاب سألناه من فورنا: أين ~~الخبرة الحسية التي تؤيد ذلك؟ فإذا عجز عن أن يشير لنا إلى كائنات حسية هي التي ~~تنصرف إليها عبارته التي نطق بها حكمنا على عبارته هذه لا بالبطلان فحسب، بل ~~بخلوها من المعنى؛ إذ «المعنى» هو هو بعينه الخبرات الحسية التي يرمز إليها ~~الكلام الذي نزعم له ذلك المعنى. # يقول أفلاطون - مثلا - إن هنالك عالما عقليا غير هذا العالم المحسوس، وإن ~~الأفكار المجردة تقوم في ذلك العالم العقلي، كما تقوم الجزئيات المحسوسة في هذا ~~العالم الذي نعيش فيه بأجسادنا. أو يقول هيجل - مثلا آخر - إن المطلق يعبر عن ~~نفسه في هذا العالم المحسوس وإنه كلما زاد عن نفسه تعبيرا ازداد هذا العالم ~~المحسوس، تقدما في طريق التطور. هذان مثلان مما يقول ms091 الفلاسفة ~~الميتافيزيقيون؛ فهل يراد بنا أن نقبل هذا الكلام رغم أنوفنا، أو لنا الحق أن ~~نسأل أولا: ما «معاني» هذه الألفاظ التي يستخدمونها؟ و«المعاني» لا تكون إلا خبرات ~~حسية ما دام الكلام منصرفا إلى العالم الخارجي، فأين هي الخبرات الحسية التي ~~يقدمها أفلاطون أو هيجل أو أضرابهما توضيحا لما يقولون؟ إذا لم يكن هناك شيء منها ~~فالكلام إذن فارغ لا يؤدي إلى شيء. # إنني لست أقل حرصا على مشاعر الإنسان وآماله ومثله العليا من هؤلاء الذين ~~يصيحون في وجهي دفاعا عنها، لكنني أفرق بين لغة العقل ولغة الشعور وهم لا ~~يفرقون . إن من يتحدث عما لا يقع في حسه (رؤية أو سمعا أو لمسا ... إلخ) ~~لا يتحدث بلغة العقل. وليس في ذلك رفع ولا خفض للغة المشاعر، بل الأمر أمر ~~تفرقة بين نوعين مختلفين من الكلام. والذي نريده وندعو إليه بكل قوة ~~يستطيعها اللسان والقلم هو أنه إذا كان المجال مجال علم فلا يجوز للشعور أن ~~يتسلل إلى سياق الحديث بألفاظه، أما إذا كان المجال مجال أدب وفن فاختر ما تشاء ~~من لفظ ما دام يثير في سامعك المشاعر التي تريد أن تثيرها فيه. لو كنت تتحدث عن ~~السماء بلغة الفلكي فلا تتحدث عن سمو وعظمة ومجد، ولو كنت تتحدث عن الزهرة ~~بلغة النباتي فلا شأن لك بالروعة والجمال، ولو كنت تتحدث عن القرية بلغة ~~الإحصائي أو الاقتصادي فلا تقل عنها: إنها ريف جميل هادئ؛ أعط ما للعقل للعقل وما ~~للشعور للشعور. # على أن «الرياضة» كثيرا ما تساق في هذا الصدد للدلالة على أن العلوم قد ~~تتحدث بما ليس يقع على الحواس من كائنات؛ فيقولون لك: أين النقطة الهندسية التي ~~ليس لها أبعاد؟ وأين الخط المستقيم الذي ليس له عرض؟ وأين الأعداد السالبة وكل ما ~~في الطبيعة موجود بالإيجاب؛ وهكذا وهكذا ... # لكنه اعتراض مردود عليه؛ ويكفي أن نتبين في وضوح حقيقة الموقف في العلم الرياضي ~~ليزول الاعتراض؛ فالعالم الرياضي لا يدعي أنه يقول عن العالم الخارجي شيئا؛ إنما ~~هو يفترض ms092 الفروض أولا (وقد تكون الفروض من محض خياله)، ثم يستدل منها ما ~~يترتب عليها من نتائج، فتكون هذه النتائج هي النظريات الرياضية؛ صدقها مرهون ~~بالفروض التي هي منتزعة منها؛ وإذن فالصدق في النظرية الرياضية صدق اشتقاق لا ~~صدق تطابق بين القول وبين الدنيا الخارجية؛ فسواء لدى الرياضي أن يكون في العالم ~~مثلثات أو لا يكون؛ لأن ذلك لا يؤثر في موقفه إزاء المثلث حين يستدل نظرياته عن ~~المثلث من الفروض الأولية التي فرضها، وسلم بصدقها جدلا. # فلو قدمت إلي نظرية هندسية وسألتني: هل هي نظرية صادقة؟ راجعت طريقة ~~استدلالها من مقدماتها ، ولا شأن لي بالعالم الطبيعي؛ أما إذا قدمت لي نظرية في ~~علم الطبيعة عن الضوء مثلا أو عن الصوت، وسألتني: هل هي نظرية صادقة؟ فإني أراجعها ~~على الطبيعة نفسها، على الضوء أو على الصوت، لأرى: هل هي مطابقة لما يقع في الخارج ~~أو غير مطابقة؟ # وخلاصة دعوانا هي هذه: لو أردت لعبارتك التي تنطق بها أن تحدثنا عن شيء في ~~عالم الطبيعة فلا مندوحة لك عن الاعتماد على خبراتنا الحسية، أما إن ضربت ~~بالخبرة الحسية عرض الحائط وجعلت مع ذلك تتحدث عن العالم وحقائقه، فقد جاء حديثك ~~بغير معنى. # 4 # ونعود إلى ما بدأنا به: خلقت ألفاظ اللغة لتشير إلى مسميات؛ فما ليس يشير منها ~~إلى شيء فإنه يكون لفظا بغير معنى. هذه حقيقة ناصعة الوضوح، لكن قوما من ~~المشتغلين بالفلسفة أو من هم في حكمهم لا يعجبهم منا أن نقول كلاما كهذا؛ إنهم ~~يريدون أن يخبوا خبا في ألفاظ لو طالبتهم أن يشيروا لك إلى مسمياتها في ~~دنيا الأشياء، استنكروا منك هذا الطلب المادي الخسيس؛ إنهم في رأي أنفسهم يسبحون ~~في عالم علوي، ولا يجوز لك أن تنزلهم على الأرض الصلبة التي يدوسها الناس ~~بأقدامهم؛ فإذا كان الناس مثلا يتحدثون عن «الشجرة» أرادوا هم أن يطيروا إلى «فكرة ~~الشجرة»، وإذا تحدث الناس عن «النهر كما يبدو من ظواهره» بحثوا عن «حقيقة النهر ~~الكامنة وراء الظواهر»، وإذا فكر الناس ms093 في الأشياء فرادى كما هي في عالم الواقع ~~المحسوس أصروا هم أن يكون حديثهم عن الكون في مجمله بغض النظر عن تفصيلاته؛ لذلك ~~تراهم إذا ما حدثتهم عن محمد وزينب من أفراد الناس، نفروا من مثل هذا الحديث؛ ~~لأن ما يهمهم هو «الإنسان بصفة عامة»؛ وعبثا تسترعي أنظارهم إلى أن «الإنسان ~~بصفة عامة» لا يجوع ولا يمرض؛ بل أنت إذا ما هممت باسترعاء أنظارهم إلى مثل هذا ~~التفكير الجزئي العملي المفيد صرخوا في وجهك سخطا على هذه المادية الدنيئة التي ~~تحارب أحلام الإنسان وأمانيه، وراحوا يكتبون عنك في المجلات والصحف، ويذكرونك في ~~المحاضرات العامة بأنك إنسان نشاز في نغمة سائدة فيها غموض حلو مستساغ! # ما الذي يغري هؤلاء الأفاضل بالتشبث بكلمات لا يعرفون لها معاني ولا مدلولات؟ ~~يغريهم بذلك أن هذه الكلمات لها في آذانهم سحر عجيب؛ إنه لا ضرورة عندهم أن تشير ~~الكلمة من هذه الكلمات إلى مسمى معلوم، بل يكفيهم أن يكون لها في المسامع هذا ~~الرنين اللذيذ الممتع ... وسحر الكلمات أمر قديم قدم الإنسان نفسه: فتاريخ ~~الكهنوت حافل بالكلمات التي تشفي العلل، وتفتك بالعدو، وتنزل المطر إذا يبست ~~السماء! # إنه كسب كبير للفكر العلمي الدقيق أن نضع نصب أعيننا مبادئ هي غاية في «البساطة» ~~واليسر والوضوح؛ أولها أننا نحن الذين خلقنا هذه الرموز خلقا؛ وإنما خلقناها أسماء ~~تطلق على مسميات، ولم نخلقها لنلهو بها ونعبث؛ فلا قداسة للفظة اصطنعناها ~~رمزا إلا بمقدار ما يكون للضوء الأحمر في حركة المرور من قداسة، أو بمقدار ما يكون ~~لعمود الخشب نقيمه في الطريق ليدل على اتجاه السير من قداسة. لا قداسة لرموز ~~خلقناها نحن خلقا لتقوم عندنا مقام مسمياتها، والرمز الذي لا يؤدي هذه ~~المهمة رمز زائف ينبغي أن نمحوه لئلا يختلط علينا الأمر بين الحق ~~والباطل. # ألفاظ اللغة - على اختلاف صورها وأوضاعها - قطع من مادة ولا روحانية في ~~الأمر؛ فاللفظة المكتوبة قطرة من مداد جفت على الورق، لا فرق بينها وهي مسكوبة ~~على الورق كلمة وبينها وهي في الزجاجة ms094 قطرة إلا الاتفاق الذي تواضعنا عليه بأن ~~تكون صورتها على الورق رمزا لا يقصد لذاته، بل يراد به مسماه الذي يتحتم أن ~~يكون شيئا مما عسانا أن نلاقيه في دنيانا وفي خبراتنا. وقد تتواضع الجماعات ~~المختلفة على أن تسكب المداد في صور مختلفة: يسكبه فريق من اليمين إلى اليسار على ~~صورة، ويسكبه فريق آخر من اليسار إلى اليمين على صورة أخرى، ولا فرق بين ~~الصورتين؛ لأن كلا منهما موضع اتفاق عند الجماعة التي اصطلحت عليها. # واللفظة المنطوقة كذلك قطعة من مادة هي هزة في الهواء؛ فقد يهتز الهواء بأوراق ~~الشجر ويحدث حفيفا ، وقد يهتز بماء الجدول فيحدث خريرا، وكذلك قد يهتز ~~لاهتزاز اللسان عند حركة الزفير فيحدث صوتا نختاره ونتفق على أن يكون هذا الصوت ~~رمزا نكتفي به حين نريد أن نتحدث عن مسماه؛ لكن هذا المسمى يتحتم أن يكون ~~مما قد وقع في دنيا السامع وفي خبراته، وإلا ذهب الصوت اللفظي عبثا. # اللفظة من ألفاظ اللغة حدث من أحداث الطبيعة؛ هي لمعة من الضوء أو نبرة من الصوت ~~يحلو لنا أن نتفق عليها وقد نغير ما اتفقنا عليه غدا أو بعد غد؛ هي حدث من ~~أحداث الطبيعة، ومسماها حدث آخر من أحداث الطبيعة، وكل ما في الأمر هو أنني ~~أخذت جزءا من مادة الطبيعة لينوب عن جزء آخر: فكلمة «شجرة» هذي التي تراها أمامك ~~ترقيما أسود، هي نفسها واقعة من وقائع العالم المحسوس، شأنها شأن الشجرة العينية ~~في ذلك، وقد اخترت واقعة لترمز إلى أخرى، لأنها أيسر استعمالا في عملية التفاهم؛ ~~الكلمة «صورة» ومسماها «مصور» فهل يجوز في دنيا التصوير أن تدعي أن أمامك ~~صورة لشيء معين، ثم تقول: إن ذلك الشيء لا وجود له؟ ماذا صورت إذن؟ # كسب كبير للفكر العلمي الدقيق أن يحاسب العالم نفسه هذا الحساب كلما استخدم ~~رمزا من رموز اللغة: إلام يشير هذا اللفظ؟ فإذا لم يجد بين الأشياء شيئا يشار ~~إليه به حذف اللفظ في غير وجل ولا خوف ولا حسرة. ولكني أقول ms095 هذا - كاتبا ~~ومحاضرا - فينهض الناقدون ليردوا هذه العادية عن الفلسفة في عصرها الذهبي ~~حين كانت ترسل الكلمات إرسالا بغير حساب؛ أو ليردوا هذه العادية عن مثل ~~الإنسانية العليا؛ كأنما الإنسانية - عندهم - لا تضع أمامها من المثل العليا إلا ~~صورا لا تفهم، ولا يكون إلى تحقيقها العملي من سبيل! # | قيمة القيم # شبه السفينة، نراها ماخرة عباب الماء عن قصد مرسوم وإلى هدف معلوم، يلطمها الموج ~~وتلطمه، يفور البحر من حولها أو يسكن، وتعصف بها الريح، أو تهدأ، لكنها في مجراها ~~ومرساها ماخرة عباب الماء عن قصد مرسوم وإلى هدف معلوم؛ وذلك بفضل ربانها الذي يلوذ ~~بمقصورته، قد لا تراه الأبصار الشاخصة، لكن السفينة تحس بزمامها في قبضته، يجريها هنا ~~ويرسيها هناك كيفما شاء ودبر. شبه هذه السفينة وربانها يكون الإنسان بما يغمر ~~رأسه من قيم، هي قيم يدركها بالفطرة حينا، وحينا آخر تبث في نفسه بثا، فإنك ~~لترى هذا الإنسان في صخب الحياة صاعدا هابطا ساخطا راضيا مستسلما أو ثائرا، فتدري ~~آنا وآنا لا تدري فيم سخطه ورضاه؛ لأن الشواهد المنظورة قد لا تكفيك للفهم ~~والتعليل، وذلك لأنها هي المعاني في رأسه التي تسيره، وإن شئت فقل إنها مجموعة ~~القيم التي تمسك بزمامه وتوجهه، ففهمه على حقيقته هو فهمها. # وإنهم ليقسمون هذه القيم ثلاثة أقسام كبرى تنضوي تحتها شتى المعاني التي تضبط ~~مسالك الإنسان في خضم حياته، وهي الحق، والخير، والجمال، في مقابل ثلاثة الأوجه التي ~~يحللون بها حياة الإنسان الواعية، وهي الإدراك، والسلوك، والوجدان. # ففي حياتك الواعية تدرك ما حولك بالسمع والبصر وغيرها من الحواس، فيحدث فيك هذا الذي ~~أدركته حالة شعورية تضعف أو تشتد وفق خطورة الموقف الذي يحيط بك، وبهذا الإدراك الذي ~~صحبه الشعور الذي يلائمه، تتصرف على النحو الذي يحقق لك ما تبتغي. أما الإدراك ~~فالفرض فيه أن يكون إدراكا صحيحا لا مضللا ولا مغلوطا حتى يجيء السلوك آخر الأمر ~~على أساس سليم. ومن هنا كانت قيمة «الحق» حياة الإنسان، إنه يريد أن يعلم ما هنا لك ms096 على ~~وجه الدقة واليقين. حتى لو وسوس له شيطانه بعد ذلك أن يكتم الحق في نفسه ليخفيه عن ~~الناس، أو أن يخدع الناس بالقول الباطل. أقول إنه حتى لو وسوس الشيطان للإنسان بالكذب، ~~فالكاذب نفسه يريد أن يكون هو على علم بالحق، لكننا إذا ما غضضنا الأنظار عن أصحاب ~~التضليل والكذب جاز لنا أن نعمم فنقول إن الإنسان بفطرته ينشد «الحق»، وعلى الحق ~~يبني علومه، وعلى علومه يبني حياته المادية كلها. # ذلك هو جانب الإدراك وما يلحقه من قيمة الحق، وأما جانب السلوك الذي ينتهي به المطاف، ~~فالغرض فيه أن يجيء سلوكا محققا لأهدافه؛ أي أن يجيء سلوكا سليما ملتزما سواء ~~السبيل. والمجنون وحده هو الذي يقصد إلى هدف ثم يتعمد أن يسلك السلوك الذي لا ~~يحققه. وإذا قلنا «سلوك صحيح» فقد قلنا «فضيلة»؛ فما الفضيلة إلا السلوك الذي دلت ~~خبرة الإنسان في تاريخه الطويل - لا الإنسان الواحد المفرد في حياته القصيرة - على أنه ~~خير ما يحقق الأهداف. وإذن فالإنسان بفطرته يقيس صواب السلوك بمقياس «الخير» الذي ~~يترتب على فعله. «فالخير» عند الإنسان قيمة ليس له عنها غناء حتى وهو يقترف الإثم ويفعل ~~الشر، لأنه حالة اقترافه الإثم يتمنى من صميم نفسه ألا يفعل سواه ما هو فاعل، وإلا ~~لضاعت عليه فوائد إثمه. وهل يريد سارق المال - مثلا - أن يتعرض له سارق آخر فيسلبه ~~ما قد سرق؟ هل يريد القاتل أن يقابله قاتل آخر فيقتله كما قد قتل؟ # هاتان - إذن - قيمتان تمليهما على الإنسان فطرته: قيمة «الحق» فيما يعلمه ويدركه، ~~وقيمة «الخير» فيما ينشط في سبيله، وبقيت قيمة ثالثة تقع وسطا بين الطرفين هي ما يطلقونه ~~عليه اصطلاحا بالنشوة الجمالية. فلئن كان بين الإدراك من ناحية والسلوك من ناحية أخرى ~~حلقة وسطى هي الحالة الوجدانية، فبغية الإنسان لنفسه أن تجيء هذه الحالة الوجدانية مما ~~يشيع فيه الطمأنينة والرضى، فتراه على هذا الأساس يختار ثيابه ومسكنه وأثاث مسكنه، ~~ويفتن الفنون صوتا ولونا ونحتا وعمارة. # هي قيم ثلاث تدور عليها حياة الإنسان ms097 دوران الرحى حول قطبها، وعنها تتفرع معان ~~يضحي الإنسان بنفسه ولا يضحي بها. وحتى إن رأيته يظهر ما ينقضها، وجدته في ~~حقيقة أمره يبطن غير ما يظهر، ومن هذه المعاني: العدل والسلام والحرية. # في قصة دون كيشوت المعروفة، كان هذا الفارس يسير ومعه تابعه «سانكو بانزا» في طريقهما إلى ~~برشلونة، فمرا بعصابة من اللصوص على رأسها كبيرهم «روك جوينار» فوجداه يقسم الغنائم ~~بين أفراد عصابته، فأوقفهم صفا وأمرهم أن يقدموا كل مسروقاتهم من ثياب وجواهر ~~نفيسة ومال، منذ أن اجتمعوا معا لتقسيم الغنائم في المرة السابقة. فلما صدعوا بأمره ~~وقدموا ما عندهم ، راح يقسمه بينهم قسمة عادلة، وما لم يقبل الانقسام من المسروقات، ~~قومه بالمال لتسهل عملية التوزيع العادل، غير متحيف هنا ولا مجحف هناك. ثم التفت ~~إلى دون كيشوت وقال: إنني إذا لم ألتزم القسطاس بين رجالي، تعذرت علي الحياة معهم، ~~وهنا دخل في مجرى الحديث «سانكو» المازح الساخر، فقال: «إنني إذا حكمت بما قد شهدت ~~الآن، لقلت إن العدالة شيء جميل ينبغي التمسك به حتى بين اللصوص.» وعندئذ أوشك ~~اللصوص أن يفتكوا بصاحبنا «سانكو»، لا لأنه أثنى على العدل، بل لأنه اجترأ فأسمى ~~اللصوص لصوصا. # هذه لمحة نافذة بارعة من «سيرفانتيز» فكأنما أراد أن يقول ما نحن الآن قائلوه، وهو ~~أن كيان الإنسان يهتز من أساسه إذا ما عرف أنه قد افتأت على قيمة عليا من القيم التي ~~لا حياة للإنسان بغيرها، فاللصوص - حتى في حالة كونهم لصوصا يقتسمون سرقاتهم علنا - ~~يؤذيهم أن يعلموا بأنهم لصوص! # وها هنا نضع أصابعنا على عجيبة من عجائب البشر، فبينما ترى كل جماعة من الناس على ~~إدراك تام ووعي كامل بأنه لا حياة لها إلا إذا روعيت العدالة بين أفرادها - كما قال ~~رئيس العصابة - تراها في الوقت نفسه تأبى أن تقوم هذه العدالة نفسها بينها وبين غيرها من ~~الجماعات! وإن الأمر في هذا لدرجات متفاوتة؛ ذلك أن الإنسان الفرد لا ينتمي إلى جماعة ~~واحدة، بل ينتمي إلى جماعات كثيرة تظل دائرتها تتسع ms098 وتتسع حتى تشمل الجماعة ~~الإنسانية كلها. وكلما ازدادت ثقافة هذا الإنسان الفرد واتسعت مداركه وانداح أفقه، ~~ازدادت بالتالي واتسعت دائرة الجماعة التي يريد أن تقوم العدالة فيها بينه وبين سائر ~~أفرادها. # وأضيق الدوائر الجماعية هي الأسرة، تتلوها مجموعة الزملاء في العمل، فأبناء المدينة ~~الواحدة، فأبناء الإقليم، فأبناء الأمة، فأبناء مجموعة الأمم التي ترتبط معا في تحالف، ~~فأبناء المجتمع البشري كله. وأضيق الناس نظرا هو الذي يريد للعدل أن يقوم ميزانه بين ~~أفراد أسرته، وأما ما بين أسرته وما عداها من صوالح متشابكة، فليختل ميزان العدل ما ~~دام خلله لكسبه وخسارة الآخرين. وأوسع الناس أفقا هو من لا يستقر له جنب على ~~فراش حتى يرى العدالة قد أخذت مجراها بين أفراد البشر أجمعين على حد سواء. وبين أضيقهم ~~نظرا وأوسعهم أفقا يقع الناس درجات. على أن النقطة الهامة فيما نحن الآن بصدد ~~الحديث فيه، هي أنه إذا اختلف الناس في الدرجة وحدها، فهم جميعا على اتفاق بأنه لا ~~حياة بغير عدل يوازن بين صوالح الأفراد. وموضع الاختلاف هو: ما حدود هؤلاء الأفراد الذين ~~لا تكون لهم حياة بغير عدل؟ # إن قصة طريفة لتروى عن طفل اصطحبه أبوه في روما أيام المسيحية الأولى حين كان ~~الشهداء الأولون، من رواد الدين الجديد، يلقى بهم في حلبة السباع على مشهد من ~~الجموع الوثنية، إذ رأي الطفل في الحلبة سباعا وجد كل منها مسيحيا ينهشه ليأكل، ~~إلا سبعا واحدا لبث ضائعا بغير فريسة. فقال الطفل لأبيه: مسكين هذا السبع الذي لا يجد ~~مسيحيا يأكله كزملائه السباع. ولم يكن الطفل على ضلال في عطفه على السبع المسكين، ما ~~دامت نظرته محصورة في نطاق الحلبة التي أمامه، فها هي ذي مجموعة من آحاد الحيوان اجتمعت ~~على غرض مشترك، والإدراك الفطري السليم يقضي بأن يسود بينها قسطاس. ولا يتجلى موضع ~~الخطأ إلا إذا وسعنا الدائرة إلى حلبة السباع داخل نطاق أوسع، فعندئذ نرى أن ما قد ~~عددناه عدلا داخل الحلبة، هو ظلم بالقياس إلى ما هو خارجها. فهو ms099 ظلم بالنسبة إلى جماعة ~~الشهداء من أبناء الديانة الجديدة. وأعود فأبرز النقطة التي تعنينا هنا بصفة خاصة، وهي ~~أن اختلاف النظر ليس قائما على قيمة العدل في ذاتها، بل على اتساع دائرة التطبيق أو ~~ضيقها. # أفتحسب أن قصة الطفل التي رويناها لك هي مزاح أو أقرب إلى المزاح؟ ما ظنك - إذن - ~~لو نظرت فوجدت شطرا كبيرا من السياسة الدولية قائما على الأساس نفسه؟ خذ مثلا ~~واحدا: الفرنسيون والجزائر. # 1 # فها هنا حلبة فيها سباع وشهداء، والمتفرجون هم الساسة من بلاد أخرى، ~~فكأنما هؤلاء يتفرجون على المجزرة، فلا يقول القائل منهم: مساكين هؤلاء الشهداء الذين ~~يفترسون افتراسا بغير عدل، بل يقول: مساكين هؤلاء السباع الذين لا يخلى بينهم وبين ~~الفرائس لينعموا في طمأنينة ودعة كما ينعم سباع آخرون. إنه لا خلاف هنا على ضرورة ~~العدل في حياة الناس، ولكن الخلاف قائم حول نقطة أخرى، هي: من تكون الجماعة التي يراعى ~~العدل بين أفرادها؟ # وننتقل من قيمة العدل إلى قيمة أخرى هي قيمة السلام والأمن وطمأنينة النفس، لأن ~~القيمتين مرتبطتان بأوثق رباط، حتى لتستطيع أن تعدهما وجهين لشيء واحد. # إن حياة السلم خير من حياة الحرب، لا ينازع في ذلك إنسان واحد، وحتى لو وجدت ~~إنسانا يقول لك عن الحرب إنها ضرورة لا مندوحة عنها، فهو لا يريد بهذا أن يجعل الحرب ~~أولى من السلام، بل إنه ليعلم أن السلام أولى، ولكنه بعيد المنال. بل إن رغبة الإنسان في ~~حياة مطمئنة لتسبق - منطقيا - رغبته في إقامة العدل؛ لأن الأولى أصل والثانية ~~فرع، فما أقامت الجماعة ميزان العدل بين أفرادها إلا لأنها تريد لهم أن يعيشوا في دعة ~~وبال مستريح. لقد كان زعيم اللصوص الذي ذكرنا لك قصته، على حق حين قال إنه لا حياة له ~~بين أفراد عصابته بغير عدل يقيمه بينهم. فالتعاون السلمي بين أفراد العصبة من جهة، ~~وبينهم وبينه من جهة أخرى هو الهدف. وأحسب أن تومس ~~هوبز # Thomas Hobbes ~~- الفيلسوف الإنجليزي في القرن السابع عشر - قد أصاب جانبا من ms100 الحق، ~~حين قال: إن الأصل في قيام مجتمع وعليه سلطان يحكمه، هو أن الأفراد في حالتهم ~~الهمجية لم ينعموا بحياة مطمئنة، إذ كانوا في حرب دائمة يفتك فيها بعضهم ببعض ~~وينهب فيها بعضهم بعضا، ثم أرادوا السلام فتهادنوا على مجتمع يقيم بينهم ميزان ~~العدل. # لا، إنه لا خلاف على ضرورة السلام، لكن الخلاف كل الخلاف هو أين تقع حدوده، فالأمة ~~الواحدة تقنع بالسلام داخل حدودها، وصاحب النظرة الواسعة لا يطمئن له بال إلا إذا ~~شمل السلام حياة البشر أجمعين، وفي كلتا الحالين لا غناء لنا عن هذه الواحدة من القيم ~~الإنسانية، ضاق مجال تطبيقها أم اتسع. # وأخيرا نختم القول بحديث قصير عن قيمة ثالثة لعلها أعز القيم الإنسانية كلها، ~~وأعني بها «الحرية»، فلا أحسب أن الدنيا بأسرها، وفي شتى عصور تاريخها، قد شهدت ~~إنسانا واحدا يخالفك في ضرورة هذه القيمة لحياة الإنسان. ومرة أخرى نقول إنه إذا كان ~~ثمة من خلاف، فهو خلاف على مدى اتساع نطاق التطبيق أو ضيقه، لا على ضرورة الحرية ~~نفسها لحياتنا، سواء ظفر بها فرد واحد أو ظفر بها الملايين؛ ذلك أنك قد تجد جماعات ~~تقصر الحرية على فئة قليلة منها، بل ربما قصرتها على فرد واحد، لكن هذا الفرد أو ~~تلك الفئة عندئذ يكونون على اعتقاد بأن ذلك أدعى إلى صيانة الضعيف من سطوة القوي، وهذه في ~~ذاتها قيمة إنسانية تستحق الصيانة والرعاية، فالحرية قبل أن تكون لفظا يقال ~~بالألسنة والشفاه، هي تهيئة الظروف المواتية لكل فرد أن يعبر عن طبيعته وعن ~~كيانه وعن وجوده في نوع العمل الذي يؤديه، وهو لا يكون في هذا بمأمن إلا إذا كفلته ~~رعاية قوية. # وهكذا تقلب البصر في مسرح الحياة الإنسانية، فتراها مرتكزة آخر أمرها على مجموعة ~~من القيم أو المعاني، لا تكون أبدا موضع اختلاف للرأي من حيث الأساس، وإن اختلف الرأي ~~عليها في الشرح والتطبيق. ولو نفذت ببصرك إلى أعماق النفوس، لألفيتها على عقيدة راسخة ~~بأنه لا بقاء بغير مجموعة القيم التي أدركتها بالفطرة السليمة ms101 حينا، أو بثت فيها ~~بالتربية القويمة حينا آخر. فإن اعوج السلوك الظاهر عن إملاء تلك المعاني الشريفة، لم ~~يحتج الأمر إلى تغيير في فطرة الإنسان، بل احتاج إلى تربية جديدة تنسق بين الظاهر ~~والباطن، فيسلك الإنسان عندئذ سلوكا سويا، يجمع الإنسانية كلها بمثل ما يجمع اليوم ~~أفراد الأسرة الواحدة. # | الأمانة التي حملها الإنسان # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها ~~الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ~~. # ماذا تكون «الأمانة» التي عرضت على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها ~~وأشفقن منها، وحملها الإنسان؟ لا بد أن تكون شيئا مما يميز الإنسان من سائر أجزاء ~~الكون في أرض أو سماء. وأول ما يرد إلى الخاطر من هذه المميزات التي يجوز أن يقال ~~عنها: إنها أمانة وكلت إلى الإنسان فحملها، الإرادة الحرة التي إن يكن صاحبها ~~معرضا للخطأ فيما يختار وما يدع، فهو كذلك قادر على اختيار الصواب، بل هو قادر على ~~أن يبتدع هذا الصواب ابتداعا، وعليه تقع التبعة في حالة الخطأ، وإليه يتجه ~~الثواب في حالة الصواب. ~~••• # فظواهر الطبيعة تحدث في اطراد، هو القانون الذي إذا ما استخلصه الإنسان الباحث بما ~~يشاهده منها وما يجريه من تجارب عليها، كان في مستطاعه أن يتنبأ على وجه الدقة ~~ماذا عساه أن يحدث في المكان الفلاني وفي اللحظة الفلانية لو أن كذا وكذا من الظروف قد ~~وقع؟ # فمثلا أين يقع هذا الحجر الملقى بقوة مقدارها كذا؟ ومتى يسقط المطر، ما دمنا قد ~~علمنا اتجاه الريح ومقدار الضغط وهكذا؟ ومتى تنكسف الشمس أو ينخسف القمر؟ فليس لهذه ~~الظواهر كلها مناص من الحدوث في مستقبلها على نحو ما قد حدثت في ماضيها، لا أنها «تريد» ~~شيئا وقد أرغمت على سواه، بل لأن «طبيعتها» هي أن تقع على نحو ما قد شاهدناه منها، ~~ولن يتاح لها أن تقف من نفسها موقف الناقد الذي قد يعدل من مجرى حياته المقبلة ~~على ضوء ما قد مر منها في تاريخه السالف. # نعم إن الطبيعة لا ms102 تخطئ لأن طريقها قد رسم لها رسما لا انحراف فيه ولا شذوذ هناك، ~~لكنها كذلك لا فضل لها في صوابها، فلقد أعفيت من حمل الأمانة؛ أمانة الاختيار الحر ~~الذي يتعرض للخطأ في محاولة فعل الصواب، فأراحت نفسها، وضمنت سداد خطاها، ودقة ~~سيرها، لكن فضل ذلك كله لسواها. وأما الإنسان، فهو وحده دون سائر الكائنات جميعا، ~~قد كتب له - أو كتب عليه - أن توضع الأمانة الكبرى بين يديه - أمانة الحرية - وعليه ~~تقع التبعة بعد ذلك. ولو سلب واحد من الناس هذه الأمانة التي وكلت إلى نوعه، ~~لارتد من فوره «شيئا» من الأشياء بعد أن كان إنسانا ، وذلك هو بعينه الفرق بين الحر ~~والعبد، فالعبد المملوك لسواه لا يملك تصريف أموره بنفسه، ولذلك فلا تبعة عليه إذا ~~أخطأ ولا فضل له إذا أصاب، إنما التبعة والفضل لسيده الذي يملكه ويحركه كما ~~يملك ويحرك سائر أدواته الأخرى. # وظواهر الطبيعة في الأرض أو في السماء، تتبع دائما أيسر الطرق وأسهلها وأخلاها من ~~الحوائل والعقبات؛ لأن الأهداف ليست أهدافها، فانظر إلى مجرى الماء كيف ينحدر في طريقه، ~~حتى إذا ما صادفه في الطريق حائل، دار حوله لينصرف إلى حال سبيله بغير عناء، وهو لا ~~يتصدى لهذا الحائل بالمقاومة إلا إذا لم يكن أمامه سبيل آخر، فمحال عليه أن يختار ~~المقاومة إذا كان له منها مناص، وما هكذا الإنسان، لأنه مؤتمن على الوديعة النفيسة - ~~وديعة الحرية - فله - إذا شاء - أن يختار طريق الصعاب حتى إن يسرت أمامه سبل ~~أخرى. # وكثيرا ما يكون في اختياره للمشقة دون الحياة الهينة اللينة سر كفاحه وسر ~~عظمته معا، فالإنسان وحده هو من في قدرته الطموح؛ لأنه وحده المستطيع أن يقول «لا»، ~~وأما سائر أجزاء الطبيعة فلا جواب لديها إلا «نعم». للإنسان أن يهبط من قمة الجبل إلى ~~أسفل الوادي، أو أن يصعد من أسفل الوادي إلى قمة الجبل، لأنه يستطيع - إذا ناداه قانون ~~الجاذبية - أن يمتنع عن تلبية النداء، وأما الحجر فذو طريق واحد مخطط مرسوم. # الإنسان وحده هو المغامر ms103 المخاطر، وأما الطبيعة فلا مغامرة فيها ولا مخاطرة ولولا ~~مغامرة الإنسان في عالم المجهول لما كان له الذي كان من ثقافة وحضارة. ولا تكون ~~المغامرة مغامرة إلا إذا تضمنت إمكان الخطأ وترجيح الصواب. فالرحالة الذي يخاطر ~~في محيط مجهول لم يسبقه إلى عبوره سواه، مغامر؛ لأنه وإن يكن يتوقع لنفسه التوفيق، ~~فهو أيضا يحتمل الهلاك. وهكذا قل في كل محاولات الإنسان توسعة آفاق علمه، بما في ~~ذلك الكشوف العلمية؛ لأن كل كشف علمي هو في الحقيقة مغامرة صغيرة أو كبيرة انتهت ~~بصاحبها إلى نتيجة موفقة، وكان يمكن أن يضل طريقه فيها فيخسر الوقت والجهد والمال ~~بغير جزاء، فلئن أملت على الإنسان طبيعته أو طبيعة العالم من حوله أن يسلك على صورة ~~معينة، فله أن يقول: وماذا لو سلكت على صورة أخرى؟ فلأفعل لأرى نتائج فعلتي. ولكن، هل ~~تقول كواكب السماء في أفلاكها: ماذا لو انحرفت بطريقي هنا أو هناك؟ هل يقول مثل ذلك، النهر ~~الدافق أو السحابة المزجاة أو الريح العاصفة؟ إن هذه كلها قد أبت حمل الأمانة ~~فاستراحت لكنها في الوقت نفسه لا تملك لنفسها زماما. # ولا تحسبن الناس في حمل هذه الأمانة سواء، بل إن منهم من يكاد يقف منها موقف ~~الطبيعة، فيأبى حملها ويشفق على نفسه منها، لكن منهم أيضا أولئك الذين يحملونها على ~~عواتقهم حمل الأبطال، فلا يفرطون في حريتهم مثقال ذرة، ولهم بعدئذ الثمرات ~~وعليهم الأخطاء. وكما يتفاوت الأفراد في مدى استعدادهم لحمل الأمانة، فكذلك تتفاوت ~~الأمم، ثم تتفاوت العصور، فمن الأمم من يغلب بين أفرادها إيثار السلامة والعافية على ~~ركوب المخاطر، وكذلك من عصور التاريخ ما سادته روح الاستسلام ومنها ما غلبت عليه ~~المغامرة في شتى ضروبها وصورها. وإذا قلنا ركوب المخاطر والمغامرة فقد قلنا ~~التصدي لحمل أمانة الحرية التي عرضت على أشياء الطبيعة وظواهرها - كما عرضت على ~~جماعات الناس الذين أرادوا لأنفسهم أن يكونوا أقرب إلى تلك الأشياء والظواهر - فأبين أن ~~يحملنها وأشفقن منها. # كان الإنسان في عصوره القديمة والوسطى قد اصطنع لنفسه ms104 منهجا فكريا - هو الذي صاغه ~~أرسطو في منطقه - راعي فيه أن يضمن عدم الوقوع في الخطأ تحت أي ظرف وبأية حال، فهو لا ~~يتصدى للأخذ بنتيجة ما إلا إذا كانت هنالك المقدمات قد سبقتها لتسوغ قبولها، ~~وكانت النتيجة المعينة لا تقبل إلا إذا انتزعت من جوف تلك المقدمات. وهكذا كان ~~التفكير إبان العصور كلها. حقائق تؤخذ مأخذ التسليم، ثم تستخرج منها نتائج، فتكون ~~هذه النتائج بدورها جديرة بالتسليم أيضا؛ لأنها هي هي نفسها تلك المقدمات وضعت في ~~صورة أخرى. لكن مثل هذا المنهج، إذا كان هو وحده وسيلتنا إلى العلم، فمؤداه أن ~~الإنسان قد استغنى به عن «الأمانة» التي كان قد تصدى لحملها، فلا علم في هذه الحالة ~~إلا في الظاهر وحده، وأما حقيقة الأمر فتكرار للمقدمة في النتيجة تكرارا يدور به ~~صاحبه في دائرة مغلقة لا تنتهي به إلى شيء جديد. # فمن مقتضيات «الأمانة» التي شرف الإنسان بحملها - بعد أن أشفقت منها السموات ~~والأرض والجبال - أن ننهج في العلم نفسه طريق المغامرة والمخاطرة في المجهول، محتملين ~~وقوعا في خطأ، مرجحين وصولا إلى الحق، وذلك هو طريق العلم التجريبي الذي لا يرضى ~~الدوران في جدل، إن يكن مضمون الصواب في استدلال نتائجه من مقدماتها، إلا أنه عقيم لا ~~يلد الجديد، فلقد كانت الوثبة فسيحة في التطور العلمي حينما ألقى الإنسان وراء ظهره ~~- وكان ذلك في القرن السادس عشر - فكرة كانت قد عفى عليها الزمان، ألا وهي أن يسير الباحث ~~العلمي في بحثه بالخطوات المؤدية إلى اليقين الذي لا يدنو منه شك ولا يأتيه باطل، ~~وذلك لأنه لو أراد الإنسان في المجال العلمي يقينا كهذا لما تحرك من مكانه، إذ لا فرق ~~بين هذه الحالة وبين إنسان يريد في حياته العملية ألا يتعرض لخطر كائنا ما كان، ~~فيتحتم عليه عندئذ ألا يبارح داره ليظل من الأخطار بمأمن أمين، كلا، إنه ليكفي ~~الإنسان في حالتيه العلمية والعملية على السواء أن يرجح الصواب ليأخذ في خوض ~~الغمار. # الإنسان - على خلاف الطبيعة في ذلك ms105 - هو الذي ينسج نسيج حياته بإرادته، وتلك هي الأمانة ~~التي عرضت عليه فحملها مسئولا، فلو تشابهت الظروف كلها أمام شخصين لجاز لأحدهما - ~~رغم ذلك - أن يختار من تلك الظروف ما ليس يختاره زميله، وبذلك يجيء أحدهما مختلف ~~التكوين والمزاج عن زميله، وكل منهما راع بني يديه رعية يرعاها على أي نحو شاء، وهو ~~المسئول أمام ضميره وأمام ربه وأمام الناس عما يفعل. أما ظواهر الطبيعة فلم تحمل ~~تبعة كهذه التبعة، ولذلك فلو تشابهت الظروف أمام ظاهرتين منها تشابها تاما، ~~لما وسع الظاهرتين إلا أن تجيئا على صورة واحدة. # قد يقال في هذا الصدد: لكن الله تعالى قد رسم للإنسان شرائع السلوك كما رسم لظواهر ~~الطبيعة طرائق السير، وعلى الجانبين أن يطيعا ما قد رسم لهما على حد سواء. لكنه لو ~~كان الأمر كذلك لما كانت هناك «أمانة» يحملها الإنسان وحده دون غيره من الكائنات، وإنما ~~الطاعة الواجبة نوعان: فطاعة عمياء - كما يقولون - وطاعة مبصرة، وصاحب الطاعة العمياء ~~يسير سيرته ولا يتاح له أن يسأل: من أين وإلى أين ولماذا؟ كلا وليس في وسعه العصيان ~~متحملا نتائج عصيانه. ~~••• # وأما صاحب الطاعة المبصرة العاقلة فيعلم لماذا هو فاعل ما يفعله، وفي مستطاعه أن ~~ينحرف لو أراد، وعليه تقع تبعة انحرافه ذلك. # إننا كثيرا ما نقرأ لكتاب يعيرون الإنسان بمملكة النمل أو النحل، قائلين إن ~~دقة النظام وحسن التعاون، والتضحية وغير ذلك من حسنات الحياة الاجتماعية قد ظهرت في ~~جماعات النمل والنحل ظهورا يصح أن يكون نموذجا للإنسان يحتذيه، ولكن فات هؤلاء ~~أن الفرق بين جماعة الإنسان وجماعة النحل أو النمل هو نفسه الفرق بين من حمل الأمانة ~~ومن لم يحملها؛ فالنحلة تسعى كما تسعى السحابة مدفوعة بقوة الريح، لا تدري من غاية ~~سعيها شيئا، ولا تستطيع أن تقول «لا» إذا أرادت العصيان، ومن ثم فلا فردية تميز ~~نحلة من نحلة. وكان من نتائج هذا كله ألا تطور في جماعة النحل، فخلية اليوم هي ~~نفسها خلية النحل منذ ألف ألف عام، وكيف يكون ms106 تطور والطريق مرسوم منذ الأزل ليظل ~~كما هو إلى الأبد، لأنه قد رسم منذ اللحظة الأولى كاملا في مواءمته لظروفه، لكن ما هكذا ~~الإنسان الذي ما ينفك يتطور في علومه وفنونه وطرائق عيشه، وذلك كله بفضل أناس ~~وقفوا إزاء النظام الذي وجدوه سائدا حولهم، ليقولوا «لا» وكان في وسعهم ذلك؛ لأنهم أصحاب ~~إرادة بناءة، هي التي ميزتهم منذ عرضت عليهم «الأمانة» فحملوها. # والإرادة البناءة هي الخلق والإبداع، ومن ثم كان الإنسان أقرب الكائنات إلى الله. ~~فلئن كان حقا أن كل ما في الكون من الكائنات هو آيات من صنع الله الخالق، إلا ~~أنه تعالى قد أودع من سره في الإنسان ما لم يودعه في غيره، فكأنما عرض - سبحانه ~~وتعالى - أمانته هذه على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يكن هن المجسدات ~~بأجرامهن لتلك الحقيقة الإلهية العظيمة، برغم عظم أجرامها، وذلك لأنهن غير مؤهلات ~~بحكم طبائعهن لمثل تلك الرسالة، وأما الإنسان ففيه من استعداد الطبع ما يؤهله ~~للتعبير عن حقيقة الله تعالى، فهو صاحب علم وصاحب فن ينشئهما بعقله وقلبه وروحه، ولا ~~غرابة بعد ذلك أن يكون هو الكائن الوحيد الذي يعرف معنى القيم الثلاث: الحق والخير ~~والجمال؛ فهو إذ ينشئ «العلم» ليصوغ به قوانين الطبيعة، يعرف أن علمه هذا هو «الحق» ~~وإلا لما استطاع أن يستخدمه، وهو إذ يبدع آياته الفنية من شعر وموسيقى وتصوير ونحت ~~وعمارة وزخرف، يرى في إبداعه ذاك «جمالا» يخلعه عليه من ذات نفسه التي أعدت على نحو ~~يحس الجمال ويخلقه، وكذلك يميز الإنسان في أنواع السلوك بين ما هو خير وما هو شر. ولو ~~كانت حياته ذات طريق واحد مرسوم لما ميز، بل لما كان معنى لخير وشر. # ألا إنها لأمانة كبرى حملناها بين جنوبنا وحقت علينا رعايتها: أمانة الحرية البصيرة ~~البناءة التي تفعل مختارة، وتحمل تبعة فعلها، والتي تنشئ صروح العلم والفن بما فيهما ~~من حق وجمال، لتحيا في تلك الصروح حياة خلقية تسعى إلى الخير. # | تشابه الناس آفة عصرنا # لهم الله أولئكم الأقدمون الذين ms107 طاروا على جناح الخيال بأساطيرهم، فإذا هم يشرفون من ~~عل على حقائق الحياة الخالدة، ثم يصورون تلك الحقائق في أساطيرهم تصويرا لا تبلى ~~له - مع مر الأيام - جدة، ولا تذهب عنه نضارة. فكلما تغير وجه الدهر - عصرا ~~بعد عصر، وحضارة في إثر حضارة - التمس الكاتبون في أساطير الأقدمين تأويلا جديدا، ~~يجعلها وكأنما خلقت خلقا لتصوير هذا الوجه الجديد، فانظر كم تأويلا ظفرت به أسطورة ~~«أوديب» من أدباء عصرنا، وكم ظفرت به أسطورة «بجماليون». وها أنا ذا أوجز للقارئ أسطورة ~~قديمة تصور لي وله آفة من آفات عصرنا، هي إصرار حضارة العصر على أن يتشابه الناس . ذلك ~~أنهم زعموا عن رجل يدعى «بروقرسطس» أنه كان صاحب فندق في طريق المسافرين، فكان كلما ~~نزل بنزله النازلون، أصر على أن يقد قاماتهم على قد أسرته، فإن كان النازل ~~أطول من سريره جذ ساقيه جذا حتى يتعادل الطولان، وإن كان أقصر مطه مطا حتى ~~تطول قامته ما طال السرير، فكان بهذا العناء من قبله، وبتلك الآلام يعانيها زبائنه، ~~يحقق مثله الأعلى، وهو أن يخرج الناس من عنده ذوي قامات متساوية؛ إذ لم يطق أن يرى ~~بينهم التفاوت الذي يطاول به بعضهم بعضا! # وحضارة عصرنا هي «بروقرسطس» ينشر من جديد، ليجذ الطوال ويمط القصار، حتى تتعادل ~~الرءوس، وكأنما صبت الأجسام في قالب واحد! ولقد ينعت عصرنا بنعوت كثيرة، فهو آنا ~~عصر الذرة، وآنا عصر الفضاء، لكنه كذلك ينعت بعصر الإنسان الوسط. ولا عجب فهو عصر ~~العلم التطبيقي بغير شك، فربما شهد العالم إبان تاريخه الطويل علما كثيرا، لكنه لم ~~يشهد تطبيقا لهذا العلم يتسلل به إلى كل ركن من كل بيت في المدائن والقرى، ~~كالتطبيق الذي يشهده عصرنا هذا. ومع تطبيق العلم يجيء الإنتاج الكبير، ومع الإنتاج ~~الكبير يجيء تشابه الناس في طرائق العيش تشابها أوشكنا به على يوم ينصهر فيه ~~العالم كله ثم ينسبك على صورة واحدة. وما ظنك بعالم يسافر فيه الناس بسرعة ~~الصوت ويتفاهمون فيه بسرعة الضوء؟ # كانت الشعوب إلى ما قبل ms108 عصر التطبيق العلمي الحديث، إذا تشابهت في علومها، فهي تتباين ~~بفنونها، فللهند عمارة وللصين عمارة أخرى، ولأوروبا عمارة ثالثة، ولأمريكا عمارة رابعة، ~~وهلم جرا، حتى لتتوقع إذا ما سافرت هنا أو هناك أن يصادفك طراز معماري يميز ~~المكان مما عداه، وربما كان هذا التباين راجعا إلى ظروف التربة أو المناخ أو طبائع ~~الناس أو ما لست أدري. أما اليوم، فطراز للناطحات يسري، ولعله يعم بعد حين، ~~أفتستطيع اليوم إذا ما وقع منك البصر على صورة بناء من ذوات الطوابق التي تعد ~~بالعشرات، ومن اللواتي بنيت على طراز الخطوط المستقيمة التي لا تنعرج هنا في شرفة ~~ولا تنثني هناك بزخرف، بل يقمن مكعبات هندسية ثقبت ثقوبا منظومة في صفوف، هي النوافذ، ~~كأنها أبراج الحمام، أفتستطيع إذا ما وقع منك البصر على صورة بناء كهذا أن تقول في أي ~~بلد هو؟ إنه قد يكون في القاهرة أو روما أو نيودلهي، لأنه بناء وليد التطبيق العلمي وليس ~~وليد الفن، والناس يختلفون فنا ويتشابهون علما. # لكنك ربما أمعنت النظر في الصورة لعلك واجد فيها ما يميز بلدها، من أزياء الناس ~~إذا كانت بها صور الناس، فهنا أيضا كان الناس يتباينون، فلمحة واحدة إلى إنسان واحد ~~وماذا يرتدي، تكفيك أن تقول عنه من أين جاء، وإلى أي شعب ينتمي، فقد كانت أذواق الناس ~~تتبدى في أزيائهم، ولكن بأي سرعة تتجاوب الدنيا اليوم ليعلم قاصيها من دانيها في ~~لحظة سريعة ماذا يكون بدع العام الجديد؟ إننا لنلاحظ في المحافل الدولية التي كثيرا ~~ما تنعقد هذه الأيام، نلاحظ زعماء الدول الناشئة مستمسكين بأزيائهم الوطنية، فنلمح من ~~هذا على الفور دعوة سياسية لأقوامهم أكثر مما نلاحظ رغبة حقيقية في تلك الأزياء؛ ~~لأن الزي القومي في عصرنا - عصر التشابه- يلفت الأنظار كما تلفتها لافتات ~~الإعلان. # واهبط في رحلتك ما شئت من مدينة في الشرق أو في الغرب، تجد فنادق على طراز واحد، ~~تقدم طعاما من طراز واحد، وشرابا واحدا هنا وهناك، فقد ذهب زمان كانت فيه لكل ~~بلد مميزاته من ms109 منزل ومن طعام ومن شراب، وحسبك أن تجد إعلان الكوكاكولا ولفائف التبغ ~~يسد عليك الطريق أينما وليت وجهك في السفر، ووسائل النقل في بلد هي وسائله في بلد ~~آخر، فها هنا وها هنا سيارات خاصة وسيارات عامة، وها هنا وها هنا دور للسينما تعرض ~~الأفلام نفسها في وقت واحد، ودور لسهرات اللهو تتبادل فرق الرقص والغناء، حتى ~~لتأخذك الحيرة إذا ما كثر بك الانتقال: أين يا ترى رأيت هذه الراقصة وأين سمعت هذا ~~المغني؟ فهل رأيت ما رأيت وسمعت ما سمعت في سان فرانسيسكو أو في طوكيو؟ # على أن هذا التشابه كله ليس هو الذي أردت الحديث فيه؛ لأنه في الحق لا يعنيني إلا ~~قليلا، وإنما الذي يعنيني هو هذه الموجة الجارفة التي تريد بنا تشابها في الثقافة، لا ~~فرق فينا بين صفوة وسواد، وهي موجة جاءت هي الأخرى نتيجة مباشرة للتطبيقات العلمية التي ~~وجدت سبيلها إلى خيام الصحراء وأكواخ الريف، كما وجدتها - على حد سواء - إلى دور ~~المدن وقصورها، إذا كانت قد بقيت فيها قصور. ففيما مضى كانت الصفوة تخاطب الصفوة، ~~وكأنما لم يكن للجماهير وجود، فالفنان الكبير ينتج فنه ليسمع الحكم من الناقد الكبير، ~~تماما كما ينتج العالم نظرية علمية فلا يهمه سوى أن يجد القبول عند زميله العالم، ~~وبالطبع ما زالت هذه هي حال العلم؛ لأنها يستحيل ألا تكون كذلك. وأما في ميدان الفن ~~والأدب فالأمر قد تبدل حالا بعد حال. # فالفن - أساسا - قد نشأ في وقت الفراغ، ليلهو به المستمتع في وقت فراغه أيضا، فما ~~كان للإنسان أن يفتن إلا بعد أن يسد حاجاته الرئيسية. وللفن بعد ذلك ما يفيض من ~~طاقة النشاط، فترقص الساقان بعد أن تستنفد الحاجة إلى السير، وينظم الكلام شعرا ~~بعد أن يفرغ الشاعر من قضاء أعماله في سوق البيع والشراء نثرا، وهكذا. ولئن كان نتاج ~~الفن وليد الفراغ فاستهلاكه هو وليد الفراغ كذلك، لكن أجهزة الفراغ قد باتت ~~متشابهة في كل أرض وسماء: الإذاعة الصوتية والإذاعة المصورة والسينما والصحف ~~والطبعات الرخيصة ms110 من الكتب. وليست العبرة كل العبرة بالجهاز نفسه وتشابهه هنا وهناك، ~~ولكن العبرة كلها هي في المادة التي ينقلها الجهاز لكي تجد القبول عند من يقتنيه، وها ~~هنا بيت القصيد ومربط الفرس. # تحولت الثقافة المنقولة على هذه الأجهزة سلعة تباع وتشترى كأي سلعة أخرى، فالإدارة ~~المشرفة على كل جهاز منها تريد لنفسها الكسب ولا تريد الخسارة، وتريد أن تجد ~~القبول والرضى ولا تريد أن تقابل بالرفض والنفور. إذن فلا مناص من أن تكون السلعة ~~المعروضة مما يرضي زبائنها، وإن هذا الرضى لتظهر آثاره فور تسلم البضاعة ~~المرسلة. لا، لم يعد صاحب الفن أو صاحب النغم أو صاحب الكلمة الأدبية مضطرا إلى ~~انتظار الأجيال القادمة لتحكم على عمله، وكم من فنان وأديب قد طوى الأجل قبل أن يسمع ~~القول الفصل في فنه وأدبه، بل إنه في عصرنا لينتج اليوم ليحكم عليه «الجمهور» غدا، ~~فإما موت له أو حياة، فيا ليت شعري هل كان تولستوي يتوقع لنظريته في النقد الأدبي ~~والفني أن يتسع مجالها إلى هذا المدى، عندما قال إن «الجمهور» وحده هو الناقد الحق، ~~فما يقبله من الأدب أو الفن هو وحده الأدب والفن؟ إن منتج الأدب والفن في عصرنا إذ ~~يطلب إليه أن يقدم طعاما لهذه الأجهزة فإنما يكون مفهوما أن يجيء إنتاجه مما ~~يرضى عنه جمهور السامعين أو المشاهدين، والجمهور واحد، وإذن فالإنتاج متشابه مهما ~~تعدد منتجوه. # وإنه لمما يلفت النظر أن القوامين على هذه الأجهزة قد وجدوا أن هنالك قسطا ~~مشتركا بين أذواق الشعوب المختلفة جميعا، فلم يترددوا في مخاطبة هذا القسط ~~المشترك، لتتسع معهم سوق البيع، فهم ما ينفكون يغربلون ويغربلون، ليبعدوا في كل ~~غربلة ما ليس يجد الاستجابة عند أكبر عدد ممكن من المستهلكين. وحاصل هذا كله هو أن ~~يتحدد القسط المشترك تحديدا واضحا، فتعد له المادة الصالحة مقدما، كما تعد ~~الثياب الجاهزة للابسيها. # وقد حدث تغيران كبيران في عصرنا، التقيا معا في تعميق هذا الاتجاه العام نحو توحيد ~~الصورة الثقافية وتثبيتها على «الأوساط»، أما أحدهما ms111 فهو زيادة عدد المتعلمين زيادة ~~سريعة، وأما الآخر فهو أن ظفر بالحرية عدد كبير من شعوب كانت سليبة الحرية زمنا ~~طويلا، فكان لهؤلاء وأولئك أثر ملحوظ في أن يكون لهم نصيب من الاستهلاك الثقافي؛ فكان ~~بالتالي محتوما على أصحاب المعايير أن يراعوا ذلك كله عند تشكيلهم للإنتاج الثقافي، بل ~~إن مراعاة هذه الأذواق الجديدة التي دخلت في الميدان، لتحدث أثرها بغير توجيه ~~مدبر، وانظر إلى مدارس الفن الحديث كلها ومدى تأثرها بالفن الإفريقي والفن الآسيوي ~~- في الموسيقى، وفي الرقص، وفي التصوير - كأنما استجاب الفن من تلقاء نفسه إلى الموقف ~~الجديد، فمال نحو فن تزول فيه الميزات الخاصة، وتعم فيه القواعد الأساسية بغض ~~النظر عن اختلاف الأقطار وتفاوت المستويات الثقافية. # وإن هذا الاتجاه نحو التوحيد الثقافي ليعد فرعا بين فروع أخرى لاتجاهات نحو ~~التوحيد أيضا في ميادين أخرى، ففي الميدان الاقتصادي اتجاه قوي نحو تقريب المسافة بين ~~الدخول الدنيا والدخول القصوى، حتى في البلاد الرأسمالية نفسها؛ ولم يعد أحد من ساسة ~~العالم أجمعين يغمض عينيه عن الفارق بين المحظوظ والمحروم، ليأخذ كل من طيبات ~~الحياة بنصيب. وفي الميدان السياسي اتجاه قوي نحو توحيد المصالح، فمن أجل هذا التوحيد ~~نشأت جمعية الأمم المتحدة، وانعقدت مئات المؤتمرات الدولية في كل شأن من شئون ~~الحياة، لتقريب وجهات النظر تقريبا ينتهي إلى اتفاق أو ما يشبه الاتفاق في مسائل ~~التعليم والصحة والعمل وغيرها. وفي الميدان الاجتماعي اتجاه قوي نحو إيجاد التوازن بين ~~الهيئات الداخلة في مجتمع واحد، فنقابات المهن والحرف تسعى للتوفيق بين المصالح، ~~ومسافة الخلف تضيق بين الرجل والمرأة، وبين المدن والريف، وبين العامل بيده والعامل ~~برأسه، والمثل الأعلى عند هؤلاء وأولئك جميعا هو أن تقرب المعايير كلها من نقطة الوسط ~~التي يلتقي عندها بنو الإنسان. # ويستحيل على كاتب أن يستعرض هذه الاتجاهات كلها نحو توحيد المصالح في نقطة الوسط ~~من مصالح الناس، إلا ويأخذه العجب من أن يساير هذه الاتجاهات نفسها صراع عنيف بين ~~المعسكرات السياسية قد يكون من أعنف ما شهد العالم ms112 من ضروب الصراع. نعم، إن مسرح ~~التاريخ لم يخل أبدا من شقاق يشق الناس شطرين كبيرين: اليونان والفرس، روما ~~وقرطاجنة، المسيحية والإسلام، الشرق والغرب، إلى آخر هذه الحركات الكبرى التي امتلأت ~~بأخبارها صحائف التاريخ. فإذا شهدنا اليوم صراعا بين الرأسمالية والشيوعية فلا يكون ~~موضع العجب أن يصطرع الناس على مذهب، وقد اصطرعوا على طول الزمن، إنما الذي نعجب له أن ~~يظل هذا التمزق قائما في مجال المذاهب السياسية في زمن أخذ فيه كل شيء آخر ينحو ~~نحو اتفاق وجهات النظر. وإنا لنستوحي التاريخ فيما عسى أن يتمخض عنه هذا الصراع ~~المذهبي فلا يوحي برأي ؛ لأن التاريخ قد شهد الرأيين معا: فإما أن ينتهي الصراع ~~بخضوع أحد الطرفين للآخر كما حدث في الصراع بين روما وقرطاجنة، أو أن ينتهي بتجمد ~~الطرفين معا لانتقال الانتباه إلى بؤرة أخرى، كما حدث في الخلافات العنيفة التي ~~نشبت بين العقائد. # وأعود إلى الموضوع الرئيسي الذي من أجله كتب هذا المقال، فأقول إن تيار التوحيد ~~جارف، يزيل الحواجز بين الأفراد وبين الطبقات وبين الأمم، في السياسة والاقتصاد ~~والاجتماع والثقافة. وكل هذا خير إلا إذا أطاح بالرءوس العالية في ميدان الثقافة، ~~فعندئذ هو في رأينا آفة تصيب عصرنا والعصور التالية؛ لأن كل هذه الاتجاهات العصرية هي ~~نفسها من إنتاج صفوة فكرية ممتازة، فإذا محونا الصفوة فمن ذا يشق الطريق وينير ~~السراج؟ إذا قضينا على برومثيوس فمن ذا يهبط من السماء وفي يده قبس البرق ليهتدي على ~~ضوئه الناس؟ لقد ألف الناس أن يستمدوا الهداية من أعلى: من السماء ومن الشوامخ. وإنا ~~لنلحظ اليوم تحولا هو الذي نشفق من نتائجه، وذلك أن القدر قد أخذ يعلو من أسفل ~~ولا يهبط من أعلى، فقد أوشك الناس أن يستغنوا عن توجيه الدعاء إلى السماء بالعناية ~~بالذرات والغدد والناسلات. أوشك الناس أن يستغنوا عمن يوجههم إلى ما يكونهم وقد ~~يكون كل ذلك خيرا إلا في ميدان العلم والفن، فهو ميدان إذا سويت أرضه ليتساوى ~~السهل والجبل، ويستوي الذين يعلمون والذين لا ms113 يعلمون، لم يعد بين الناس مهتد وهاد، ~~وضل السائرون سواء السبيل. # ونعود إلى «بروقرسطس» صاحب الأسرة ذات الطول المفروض، فنقول إنه لا عيب في أن ~~يجذ القصار ويمط الطوال ليتساوى الناس في شئون معاشهم، لكن العيب هو أن يمتد الجذ ~~والمط إلى عالم الفكر، فيوضع إطار لأصحاب الفكر ويقال لهم: في هذا الإطار فكروا. بل ~~ينبغي أن يترك هؤلاء فيتمددوا على الأسرة ما شاءت لهم أطوالهم، فهنا يجيء الرجل ~~أولا وسريره ثانيا، وبهذا تتفاوت الأطوال حتى يبلغ بعضها مسالك النجم في أطباق ~~السماء، وإن بقيت الكثرة فوق الأرض زاحفة على بطونها ابتغاء طعام وشراب . # | موقف ابن خلدون من الفلسفة1 # في الفصل الرابع والعشرين من «المقدمة»، وعنوانه: «في إبطال الفلسفة وفساد منتحلها» ~~يشرح ابن خلدون رأيه في الفلسفة، فيبدأ بعرض طبيعتها، ثم يعقب على ذلك ببيان أوجه ~~بطلانها؛ وأود - بهذه الكلمة الموجزة - أن أبين أن الطريقة التي دحض بها ~~الفلسفة من شأنها كذلك أن تدحض العلم الطبيعي. ولما كان ابن خلدون حريصا على المنهج ~~العلمي، فهو - إذن - ينقض نفسه بنفسه؛ ولكي يحقق غاية ثانوية بالنسبة إليه - ألا وهي ~~تفنيد الفلسفة - قد فوت على نفسه غاية أساسية له، وهي تأسيس المنهج القائم على ~~الاستدلال العقلي من مشاهدات صحيحة. # الفكرة الأساسية عند ابن خلدون - فيما نحن بصدد الحديث عنه الآن - هي أن ثمة ~~طائفتين من العلوم، لكل طائفة منها أداة صالحة لتحصيلها، هما العلوم العقلية والعلوم ~~النقلية. أما الأولى فأداة تحصيلها هي الحواس والعقل، وأما الثانية فسبيلها إلينا هو ~~الوحي. ويقع الخلط إذا نحن حاولنا أن نستخدم الأداة الأولى في المجال الثاني؛ يقول: ~~«اعلم أن العلوم التي يخوض فيها البشر ويتداولونها في الأمصار تحصيلا وتعليما هي على ~~صنفين: صنف طبيعي للإنسان، يهتدي إليه بفكره، وصنف نقلي يأخذه عمن وضعه. ~~والأول هي العلوم الحكمية الفلسفية، وهي التي يمكن أن يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره، ~~ويهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ومسائلها، وأنحاء براهينها، ووجوه تعليمها، حتى ~~يقفه نظره (أي يطلعه) ويحثه على الصواب من الخطأ ms114 فيها، من حيث هو إنسان ذو ~~فكر. والثاني هي العلوم النقلية الوضعية، وهي كلها مستندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي، ~~ولا مجال فيها للعقل، إلا في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول، بوجه قياسي، إلا أن ~~هذا القياس يتفرع عن الخبر بثبوت الحكم في الأصل. وهو نقلي، فرجع هذا القياس ~~إلى النقل لتفرعه عنه.» # 2 # إلى هنا لا اعتراض لأحد على تحديد المجال المخصص للعقل بالعلوم الطبيعية أولا، ثم ~~باستنباط النتائج التي تلزم عن المسلمات الموحى بها والمنقولة عن السلف في العلوم ~~الشرعية ثانيا؛ «وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه - كما يقول ابن خلدون عند حديثه عن علم الكلام # 3 ~~- «بل العقل ميزان» صحيح، فأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنك لا تطمع أن ~~تزن به أمور التوحيد، والآخرة، وحقيقة النبوة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما ~~وراء طوره؛ فإن ذلك طمع في محال. ومثال ذلك مثال رجل رأي الميزان الذي يوزن به ~~الذهب، فطمع أن يزن به الجبال». وهذا قول حق وجميل من ابن خلدون، وإن كنت أراه غير ~~موفق في التشبيه بميزان الذهب الذي يراد له أن يزن الجبال، لأن وزن الذهب ووزن ~~الجبال هما حقيقتان من صنف واحد، وليس بينهما من الفرق في النوع ما بين المعرفة التي ~~يحصلها العقل بوسائله. # لكن ابن خلدون قد تصور - في موضع آخر من «المقدمة»، وذلك عند حديثه في علم ~~الإلهيات، الفصل الحادي والعشرون # 4 ~~- أن العقل وإن يكن معزولا عن الشرع - على حد تعبيره - إلا أنهما قد ~~يتنافسان في مجال واحد، وعندئذ ينبغي - في رأيه - أن نقدم حكم الشرع على حكم العقل، ~~وأن «لا ننظر في تصحيحه بمدارك العقل ولو عارضه.» # ننتقل بعد هذه المقدمة إلى موضوعنا الرئيسي، وهو موقف ابن خلدون من الفلسفة، ثم ~~تعقيبنا على هذا الموقف؛ يقول - في الفصل الذي عقده لذلك - ما مؤداه أن قوما من ~~عقلاء النوع الإنساني قد زعموا أن الوجود كله، الحسي منه وما وراء الحسي، يدرك ~~بالأنظار الفكرية والأقيسة العقلية، وأن تصحيح العقائد الإيمانية ms115 إنما يكون بالرجوع ~~إلى النظر العقلي، وهؤلاء يسمون فلاسفة؛ وهؤلاء الفلاسفة قد وضعوا قانونا يهتدي به ~~العقل في نظره عند التمييز بين الحق والباطل وسموه بالمنطق. # وخلاصة رأيهم أن العقل هو الفيصل في الأمور، وأن طريقة العقل هي أن ينتزع المعاني ~~المجردة من الموجودات الحسية، فيجيء كل معنى مجرد صالحا لأن ينطبق على جميع ~~مفردات النوع الواحد «كما ينطبق الطابع على جميع النقوش التي ترسمها في طين أو شمع.» ~~وتسمى هذه المعاني التي جردناها من المحسوسات بالمعقولات الأوائل؛ ثم تجرد من تلك ~~المعاني الكلية معان أخرى أعم منها، ومن هذه المعاني الأخرى تجرد معان ثالثة، ~~وهلم جرا، إلى أن ينتهي التجريد بنا إلى المعاني البسيطة الكلية، المنطبقة على جميع ~~المعاني والمفردات الجزئية؛ ولا يكون منها تجريد إلى ما هو أبسط منها - إذ هي قمة ~~التجريد والبساطة - وهذه المجردات كلها إذا ما تآلف بعضها مع بعض، كان الحاصل هو ~~«العلوم» وهي تسمى بالمعقولات الثواني. # ويرى الفلاسفة أنه إذا نظر الفكر في هذه المعقولات المجردة - أي في العلوم - نظرة ~~تقوم على البرهان العقلي اليقيني، استطاع أن يتصور الوجود على حقيقته؛ ثم يزعم ~~الفلاسفة - هكذا يقول ابن خلدون - أن سعادة الإنسان مرهونة بهذا الإدراك العقلي للموجودات ~~كلها؛ وهو يستنكر هذه النتيجة التي يراها عجيبة، وهي أن يكون الإنسان قادرا - بحكم عقله ~~وحده - أن يصل إلى التمييز الخلقي بين الفضيلة والرذيلة، حتى «ولو لم يرد شرع» ~~يعينه على هذا التمييز. ولو صح هذا لاستغنينا بالعقل عن الشرع، وهو عنده ~~محال. # هذا هو موجز رأي ابن خلدون فيما تؤديه الفلسفة وما تنتهي إليه. وأما أوجه البطلان في ~~ذلك - كما يراها - فيمكن تلخيصها فيما يلي: ~~(1) # إن اعتماد الفلسفة على العقل وحده فيه قصور عما وراء ذلك من «رتب خلق ~~الله»؛ وفي اكتفاء الفلاسفة بالعقل شبه باكتفاء الطبيعيين بالأجسام ~~المادية وحدها دون العقل والنقل معا؛ فهؤلاء يعتقدون أن ليس وراء المحسوسات ~~شيء، وأولئك يعتقدون أن ليس وراء المعقولات شيء، فهما في قصور النظر ~~صنوان. # وشرح ذلك أننا ms116 في المجال الفلسفي نفرق بين ثلاث سبل للمعرفة، هي: ~~الحواس، والعقل، والحدس؛ فالمعرفة التي سبيلها الحواس هي تلك الانطباعات ~~التي تنطبع بها العين والأذن وغيرهما من أعضاء الحس، وهي ما يسمونه ~~بالملاحظة الخارجية، أو بالمشاهدة، التي هي ركن أساسي في منهج العلوم ~~الطبيعية؛ وأما المعرفة التي سبيلها العقل، فهي تلك التي نستخلصها ~~بالاستدلال؛ ولكن مم نستدل؟ إننا إما أن نستدل من المعلومات الأولية ~~التي جاءتنا عن طريق الحواس، وذلك هو ما يحدث في مجال العلوم الطبيعية؛ أو أن ~~نستدل من حقيقة كلية مفروضة ومأخوذة بادئ ذي بدء مأخذ التسليم، وذلك ~~هو ما يحدث في مجال العلوم الرياضية، أو ما يجري مجراها من علوم أخرى تقوم ~~على الاستنباط كالفقه مثلا؛ وأما المعرفة الحدسية فهي التي يحصلها ~~الإنسان بالعيان المباشر للحقيقة المدركة، فلا هو إدراك بإحدى الحواس ~~الظاهرة، ولا هو إدراك باستدلال عقلي يسير في خطوات ينتقل بها من ~~المقدمات إلى النتائج، ولكنه إدراك يتم بالمواجهة المباشرة التي ينكشف ~~بها الحجاب بين الذات المدركة والموضوع المدرك. # وهنالك طائفة من رجال الفكر من رأيها أنه محال على الحواس، وعلى العقل - ~~إما متفرقين أو مجتمعين - أن يصلا إلى إدراك الحقيقة في جوهرها؛ لأن ~~جوهر الحقيقة كيفي، ولا يدرك الإنسان الكيف إلا بوجدانه، وهو ما ~~يسمونه اصطلاحا «بالحدس»؛ فلئن كانت الحواس والعقل معا يدركان من ~~الأشياء ظواهرها، فالحدس وحده هو الذي يدرك الحقيقة من باطن. # وابن خلدون وهو من هذه الطائفة، وعلى أساس مذهبه في صدق المعرفة الحدسية ~~وحدها في الموضوعات التي تجاوز الظاهر، تراه يفند الفلسفة، على اعتبار أن ~~الفلسفة تقيم بناءها على العقل وأقيسته، مع أنها تتعرض لموضوعات لا تخضع ~~لهذا الإدراك العقلي القياسي؛ وهو نفسه الرأي الذي نادى به وسبقه إليه ~~الإمام الغزالي في تفنيده للفلسفة. # ولا يسعني في الحق إلا أن أعجب في هذا الصدد لقول القائل إن الفلسفة ~~تبني بناءها على أساس الأقيسة العقلية، ولذلك فهي باطلة من حيث إنها تستخدم ~~القياس العقلي فيما لا يصلح له؛ أقول إنه لا ms117 يسعني إلا أن أعجب لرأي ~~كهذا، لأن القياس العقلي لا يتم أبدا إلا بافتراض قيام مقدمة أو ~~مقدمات نقيس عليها لننتزع النتائج اللازمة عنها؛ فمن أين يأتي الفلاسفة ~~بمقدماتهم التي يبنون عليها أقيستهم العقلية هذه؛ إنهم يأتون بها إما عن ~~طريق الحدس لما يسمونه بالمبادئ الأولى - ذلك إن كانوا من زمرة الفلاسفة ~~المثاليين - وإما عن طريق المعطيات الحسية إن كانوا من زمرة الفلاسفة ~~التجريبيين، ومعنى ذلك أنه إذا اشترط مشترط أن يكون الحدس هو مصدر المعرفة ~~الحق، فهو باشتراطه هذا لا يهدم الفلسفة، ولكنه يتحيز لفريق من الفلاسفة ~~دون فريق. # نعم قد يكتفي الإنسان المدرك بوجدانه حقيقة ما . قد يكتفي بهذه الحقيقة ~~التي أدركها، وقد يدمج ذاته فيها، وعندئذ يقال عنه إنه من جماعة ~~المتصوفة؛ ولكنه أيضا قد لا يكتفي بذلك، بل يعود فيصب عليها عملية القياس ~~المنطقي لينتزع منها ما يترتب عليها من نتائج، وعندئذ يقال عنه إنه ~~فيلسوف، وفي ظني أنه لا يجوز لنا أن نرفض الأقيسة العقلية ونرميها ~~بالبطلان، إلا إذا رفضنا معها المبدأ الأول الذي أدركناه بالحدس بادئ ذي ~~بدء. ~~(2) # إن في تجريدنا للمعاني الكلية من الموجودات الحسية، ثم في زعمنا بعد ~~ذلك أن الأولى مطابقة للثانية - وهو «ما يسمونه بالعلم الطبيعي» - ~~لقصورا؛ إذ «إن المطابقة بين تلك النتائج الذهنية التي تستخرج بالحدود ~~والأقيسة - كما في زعمهم - وبين ما في الخارج، غير يقيني؛ لأن تلك أحكام ~~ذهنية كلية عامة، والموجودات الخارجية متشخصة بموادها. ولعل في ~~المواد ما يمنع مطابقة الذهني الكلي للخارجي الشخصي.» ويمضي ابن خلدون في ~~اعتراضه هذا حتى ينتهي إلى القول بأنه حتى لو سلم بانطباق المعاني ~~المجردة على الطبيعة الخارجية «إلا أنه ينبغي لنا الإعراض عن النظر فيها، ~~إذ هو من ترك المسلم لما لا يعنيه (أي ترك المسلم ما يعنيه إلى ما ~~لا يعنيه) فإن مسائل الطبيعيات لا تهمنا في ديننا ولا معاشنا، فوجب ~~علينا تركها.» # وهذه هي أهم نقطة أردت إبرازها؛ لأننا لو أبطلنا الفلسفة على أساس ~~أنها تجرد من المحسوسات ms118 معقولات، ثم تزعم أن هذه المعقولات مطابقة ~~للمحسوسات، مع ما بين الجانبين من فارق كبير؛ أقول إننا لو أبطلنا ~~الفلسفة على هذا الأساس، فقد أبطلنا بالتالي العلوم الطبيعية كلها، بما فيها ~~علم الاجتماع الذي أراد ابن خلدون أن يقيم بناءه. # نعم إن مشكلة العلاقة بين الصورة الذهنية من جهة ومادة الأشياء ~~العينية من جهة أخرى، هي مما قد اختلفت فيه مذاهب الفلسفة، اختلافا شطرهم ~~فريقين أساسيين: ففريق يرى أن المطابقة بين الصور الذهنية والأشياء ~~الخارجية أمر محال، لهذا الاختلاف بين الجانبين، الذي ذكر ابن خلدون شيئا ~~منه؛ وفريق آخر يذهب إلى أن الصور الذهنية إن هي إلا صور لمادة، فلو لم تكن ~~مادة لما كانت صور. # وقد كان من حق ابن خلدون أن يختار لنفسه تأييد الفريق الأول، دون الفريق ~~الثاني؛ لكنه لو فعل ذلك، لكان: أولا: آخذا بأحد الاتجاهات الفلسفية، لا ~~مبطلا للفلسفة على إطلاقها. وثانيا: لو فعل ذلك لقطع على نفسه الطريق ~~الذي يحقق له غايته الرئيسية، وهي أن يكون معدودا من علماء الاجتماع؛ ~~لأن العلم - كائنا ما كان موضوعه - يفرض - أساسا - أن قوانينه العامة ~~صالحة للتطبيق على الواقع، أي أن الصور العقلية مطابقة بوجه من الوجوه ~~لمادة العالم الخارجي. ~~(3) # والوجه الثالث من أوجه بطلان الفلسفة عند ابن خلدون، هو أنها تبحث أيضا - ~~إلى جانب بحثها في الموجودات الحسية - «في الموجودات التي وراء الحس، وهي ~~الروحانيات، ويسمونه العلم الإلهي، وعلم ما بعد الطبيعة.» مع أن هذه ~~الموجودات مجهولة في ذواتها «ولا يمكن التوصل إليها، ولا البرهان عليها، ~~لأن تجريد المعقولات من الموجودات الخارجية الشخصية، إنما هو ممكن فيما هو ~~مدرك لنا، ونحن لا ندرك الذوات الروحانية حتى نجرد منها ماهيات ~~أخرى، فلا يتأتى لنا برهان عليها إلا ما نجده بين جنبينا من أمر النفس ~~الإنسانية وأحوال مداركها.» # ومرة أخرى نقول إن ابن خلدون من حقه ~~أن يقول هذا كله بالنسبة إلى الموجودات الروحانية، لكنه إذ يقول ذلك عنها، ~~فهو يسلك نفسه بين فريق من الفلاسفة دون فريق، ولا ms119 يكون مبطلا للفلسفة على ~~إطلاقها؛ وذلك لأن الفلسفة قد سارت في أحد طريقين رئيسيين بالنسبة إلى هذا ~~الموضوع: فطريق منهما يؤدي بأصحابه إلى أن في مستطاع الإنسان إدراك هذه ~~الحقائق التي هي وراء الطبيعة، إدراكا يجعلون الحدس أداته، وهؤلاء هم ~~الفلاسفة المثاليون والفلاسفة العقليون جميعا؛ وطريق آخر يؤدي بأصحابه ~~إلى استحالة أن يدرك الإنسان إلا ما قد تنطبع به حواسهم من الموجودات ~~الخارجية، وأولئك هم الفلاسفة التجريبيون؛ وأكرر القول بأن ابن خلدون ~~من حقه أن يكون من هذا الفريق الثاني الذي ينكر قيام علم ما بعد الطبيعة، ~~دون أن يتنكر بهذا للفلسفة من حيث هي كذلك. ولئن كان من رأي ابن خلدون أن ~~إثبات الموجودات الروحانية لا يتعدى ما نراه كائنا في نفوسنا نحن، فمن ~~التجريبيين من يقول هذا بعينه، وكل ما في الأمر هو أننا لا يجوز أن ~~نجاوز مجال الإدراك الذاتي، لنزعم أن ما ندركه في ذواتنا إنما يدل ~~على ما هو موجود في الخارج حقا. # وليطمئن ابن خلدون؛ فقوله النافذ بأن تجريد المعقولات من الموجودات ~~الخارجية لا يكون ممكنا إلا فيما هو مدرك لنا، ولما كنا لا ندرك ~~الذوات الروحانية، فليس في وسعنا أن نجرد منها ماهيات أخرى. أقول إن ~~قوله النافذ هذا هو قطب الرحى من فلسفة «كانت»، وهو أساس الفلسفة الوضعية ~~كلها. ونريد بهذا أن نؤكد أن وجهة النظر التي أخذ بها ابن خلدون في هذا ~~الموضع، هي «فلسفة» وليست هي مما يبطل الفلسفة ويعلن فسادها. # غير أن وجه التناقض عند ابن خلدون، ~~أنه لم يثبت على موقف واحد إزاء تلك الكائنات الغيبية المجهولة لنا ~~بحكم كونها غيبية؛ فلو أنه قال لا حيلة لنا إزاءها إلا ما يقال لنا عنها ~~بطريق الوحي الذي يوحى به للأنبياء، لما كان في ذلك من بأس، لأنه عندئذ كان ~~سيحيلها إلى منطقة الإيمان وبذلك ينتهي أمرها؛ لكنه عز عليه ألا يجعل ~~للإنسان قدرة على إدراكها بأداة إدراكية خاصة بها، فيقول عن إدراك الفطرة ~~(في المقدمة السادسة) إن «للنفس استعدادا ms120 للانسلاخ من البشرية إلى ~~الملاكية، لتصير بالفعل من جنس الملائكة وقتا من الأوقات في لمحة من ~~اللمحات، فللنفس في الاتصال جهتا العلو والسفل، وهي متصلة بالبدن - ~~من أسفل منها - وتكتسب به المدارك الحسية التي تستعد بها للحصول على ~~التعقل بالفعل. ومتصلة - من جهة الأعلى منها - بأفق الملائكة ومكتسبة ~~به المدارك العلمية والغيبية.» # 5 ~~(4) # والوجه الرابع من أوجه بطلان الفلسفة عند ابن خلدون ما تذهب إليه من ~~أن السعادة مرهونة بالعلم علما عقليا بحقيقة الوجود؛ ومن رأيه أنها ~~متوقفة على «امتثال الإنسان ما أمر به من الأعمال والأخلاق» وإلا لما ~~كان للشرع مسوغ؛ ولابن خلدون في تحليل مصدر السعادة شرح طويل، لكن الذي ~~يلفت النظر فيه هو محاولته البرهنة على أنها لا تنبني على الإدراك العقلي، ~~إذ الإدراك العقلي معتمد أساسا على الإدراكات الحسية، وهذه بدورها نتيجة ~~لحياة البدن، فكيف تكون السعادة صادرة عن نشاط جسمي، مع أن شرطها هو مقاومة ~~الجسم ونشاطه؟ وهذا كلام لا يتسق مع عالم يجعل منهجه المشاهدة مصدرا ~~وتطبيقا. # على أن للفلسفة - في رأيه - بعد هذا كله ثمرة مفيدة، وتلك أنها تشحذ ~~الذهن في ترتيب الأدلة والحجج، لتحصيل ملكة البرهنة السديدة؛ «لأن نظم ~~المقاييس وتركيبها على وجه الإحكام والإتقان» - على حد تعبيره - هو شرط عملية ~~التفلسف بكل ما فيها من علوم طبيعية ورياضية؛ فلا بأس في دراسة الفلسفة على ~~شرط التحرز من مزالقها «وليكن نظر من ينظر فيها بعد الامتلاء من ~~الشرعيات والاطلاع على التفسير والفقه ولا يكبن أحد عليها وهو خلو ~~من علوم الملة، فقل أن يسلم لذلك من معاطيها.» # 6 # هكذا يختم ابن خلدون حديثه في الفلسفة، ولو صحت هذه النظرية ~~لذهبت الفلسفة وذهب معها العلم الذي كان ابن خلدون من أساطينه. # | فلاسفة معاصرون # كان الناشئ الإسباني الصغير قد تأثر بأبيه في إسبانيا أعمق الأثر ~~قبل أن يعبر المحيط مع أمه إلى أمريكا؛ ذلك أن الوالد كان يصطحب ابنه الصغير في ~~تنزهاته، ويحاول أن يبذر فيه بذور الأفكار الرئيسية التي كان يعتقد في صوابها، ms121 ~~فبذر فيه كراهية للتفكير التأملي الشاطح، وحبا للتفكير القائم على الوقائع ~~المباشرة، كما بث فيه - في نفس الوقت - حبا للشعر وتشككا في العقائد التي ~~يولدها الخوف من المجهول ثم تنزل من عقول الجاهلين كأنها الحق ~~اليقين. # فما أن ذهب ناشئنا إلى أمريكا وبدأ حياته الدراسية، حتى بدت منه بوادر النبوغ ~~وأمارات التفرد بخصائص تميزه من بقية الزملاء، فهو - على خلاف هؤلاء ~~الزملاء - يحب الدراسة الجادة في العزلة الهادئة، ولا يطمئن نفسا إذا ما ~~وجد نفسه في حشد من الناس، حتى تعرض بسبب هذا الشذوذ لسخرية الزملاء الذين لا ~~يرضيهم إلا أن يكون الكل سواء. لكن كان لفيلسوفنا الناشئ من حدة اللسان وغضبة ~~الثائر ما كفل له الوقاية من لذعات الساخرين. # فلما فرغ سانتيانا من دراسته الثانوية ودخل الجامعة - جامعة هارفارد - وجد الفرصة ~~سانحة لإشباع رغبتيه معا: رغبته في الدراسة الجادة، ورغبته في العزلة. وكان حتى ~~ذلك الحين يعاني صراعا في نفسه عن الموقف الذي يقفه إزاء الإيمان بالدين: أيتنكر ~~له ويتشكك فيه كما أوصاه أبواه؟ أم يفيء إلى ظله الوارف المريح؟ ولبث كذلك ~~حتى فرغ من الدراسة الجامعية، وعندئذ حدد لنفسه موقفا صريحا، ولم يعد - كما كان ~~من قبل على حد تعبيره هو - «واقفا من الكنيسة عند بابها.» لا يدخلها ولا يغادرها، ~~إنه الآن فقط استقر قراره: نعم إن الإيمان الديني - كما قال له أبواه - من وهم ~~الخيال، ولكنه خالف أبويه حين قال لنفسه: وماذا يعيب وهم الخيال؟ إن خلق ~~الخيال البديع أمر لا مندوحة لنا عنه، ما دمنا لا نخلطه بأمور الواقع فنظنه ~~منها. لا بل إن أمنيته أصبحت واضحة المعالم أمام عينيه، وهي أن يكف عن ~~الشطح فيما هو فوق الطبيعة، وأن يكف عن الغوص في جلبة الحياة الواقعة، ليلوذ ~~بعزلة يستطيع فيها أن يبدع بخياله صورا يعيش معها وفيها. وفي تلك الصور التي ~~خلقها وأبدعها جوانب فلسفته وأركانها. # لم يكد سانتيانا يظفر بالدكتوراه في الفلسفة من جامعة هارفارد - وكان من بين ~~أساتذته هناك وليم جيمس وجوزيا رويس ms122 - حتى عين بالجامعة نفسها محاضرا لمدة تسع ~~سنوات، فأستاذا مساعدا لمدة تسع سنوات أخر، فأستاذا لكرسي الفلسفة بالجامعة ~~بعد موت أستاذه جوزيا رويس. ولبث يشغل منصب الأستاذية حتى غادر هارفارد سنة 1912م، ~~وكان عندئذ قد أوشك على الخمسين. # لم يكن فيلسوفنا سعيدا إبان مقامه بهارفارد؛ فلئن أحب الدراسة لذاتها، فقد ~~كره التدريس، فتراه في القصة الوحيدة التي كتبها يقول عن بطلها إنه اضطر إلى ~~مهنة التدريس لأنه لم يجد صنعة أخرى يشتغل بها. ويقول أحد أشخاص القصة: «إنه ينبغي ~~للناس إما أن يتولوا تعليم أنفسهم بأنفسهم، أو أن يظلوا جاهلين، والكثرة الغالبة ~~منهم تفضل البديل الثاني.» وهكذا نظر سانتيانا إلى تدريسه بالجامعة نظرته إلى ~~الواجب الكريه الذي لم يكن له منه بد ليعيش أولا، وليدخر ما يعينه فيما بعد ~~على حياة العزلة. وفي ذلك يقول: «الحق أني كنت دائما على غير طبيعتي في التدريس ~~وفي المجتمع، ففي كليهما كنت أفتعل ما أقول افتعالا.» ولما كان فيلسوفنا ~~وحيدا لم يتزوج قط، وعاش حياة زهد لا ترف فيها ولا إسراف، فقد استطاع أن يدخر ~~ما يمكنه من الفرار من مهنته وهو لم يزل في سن صغيرة نسبيا، ذلك فضلا ~~عما أخذ يأتيه من أرباح من كتبه المنشورة. # ويروي أنه ذات يوم، بينما كان في غرفة المحاضرة يلقي درسه على طلابه، حانت منه ~~التفاتة خلال النافذة إلى الخارج، فنظر إلى طلابه وقال: «إنني على موعد مع ~~الربيع.» وخرج من قاعة الدرس بخطوات سريعة ولم يعد بعدها أبدا. سافر إلى أوروبا حيث ~~أقام حينا في أكسفورد (وكان ذلك إبان الحرب العالمية الأولى) وحينا آخر وأخيرا في ~~روما، وبين الحينين أخذ يتنقل هنا وهناك في ربوع أوروبا، وخلال فترات عزلته ~~الطويلة أخرج مؤلفاته الفلسفية الهامة التي منها يتكون مذهبه. فقبل مغادرته ~~لأمريكا كان قد أصدر كتاب «الإحساس ~~بالجمال # The Sense of Beauty ~~» عام 1896م (وهو مترجم إلى العربية) وكتاب حياة العقل # The Life of Reason # في خمسة أجزاء عام 1905م، وبعد ~~مغادرته لأمريكا أصدر مؤلفه ms123 العظيم «عوالم ~~الوجود # Realms of Being ~~». ومات جورج سانتيانا في سبتمبر عام 1952م، وكان عندئذ قد بلغ ~~من العمر تسعة وثمانين عاما. # فلسفة سانتيانا فلسفة طبيعية تفسر الطبيعة بنفسها؛ فهو يذهب - كما يذهب الفلاسفة ~~الواقعيون - إلى أن وعي الإنسان بشيء ما من أشياء العالم الواقع دليل على وجود ~~ذلك الشيء كما هو في ذاته خارج الذات الواعية له، فمعرفة الإنسان للشيء الذي يدركه ~~هي صورة تمثل ذلك الشيء تمثيلا صحيحا، على أن الإنسان إذ يتصل بالأشياء ~~ليدركها، فإنما يتصل بها اتصالا مباشرا لا تكون فيه حلقة وسطى بين الذات ~~العارفة والشيء المعروف، فإذا كنت - مثلا - أدرك هذا القلم في يدي وهذه الورقة ~~أمامي، فلا بد أن يكون القلم والورقة موجودين وجودا حقيقيا لا يجوز الشك ~~فيه. # فإذا سأل سائل - كما يسأل الفلاسفة: ومن ذا أدراك حين تعي مجموعة من الصفات ~~مجتمعة، كلون القلم وشكله وصلابته بين أصابعك، أن هذه الصفات إنما اجتمعت في ~~شيء خارجي له وجود مفارق لوجود أفكارك الكائنة في ذهنك أنت؟ أليس كل ما تعرفه ~~معرفة مباشرة هو خبرتك أنت التي هي في دخيلة نفسك؟ فما الذي يسوغ لك أن تجاوز ~~هذه الخبرة الداخلية المباشرة لتزعم أن شيئا خارجيا يقابلها؟ أقول إنه إذا سأل ~~سائل سؤالا كهذا، أجاب سانتيانا بما أسماها «الإيمان الحيواني» أو إن شئت فقل: ~~«الإيمان الفطري»؛ ففي كيان الإنسان الفطري مثل هذا الإيمان الذي يؤمن به أن ~~معرفته الداخلية صورة من عالم خارجي موجود وجودا حقيقيا، على اختلاف ما بين ~~الجانبين: فالجانب الداخلي وعي وعقل والجانب الخارجي مادة. # وقد يعود السائل المعترض فيسأل: هل كل ما في الذهن من أفكار يقابله وجود حقيقي في ~~العالم الخارجي؟ ألا يكون في رأس الإنسان أحيانا أفكار ذهنية صرف، لا يقابلها في ~~الخارج أشياء؟ وهنا يجيب سانتيانا: نعم إن أمثال هذه الحالات التي تكون فيها الأفكار ~~بغير مقابل خارجي لا شك في قيامها، ولكن ليس فينا من لا يفرق بين هاتين ~~الحالتين: حالة الفكرة التي يقابلها في الخارج ms124 شيء عيني، وحالة الفكرة التي لا ~~يقابلها شيء، ولولا الإيمان الفطري الذي ذكرناه، لما استطاع الإنسان أن يفرق بين ~~هاتين الحالتين عندما تكون الفكرتان داخل الرأس على حد سواء. # أما بفضل هذا الإيمان الفطري فترانا نفرق بين وجودين: وجود عيني يقابل ~~الأفكار ذوات المسميات الخارجية، ووجود ذهني لمدلولات الأفكار الأخرى التي نعرف ~~أن ليس لها مسميات خارجية. # والفرق الجوهري بين الوجودين: الفكري من جهة والفعلي من جهة أخرى، هو نفسه الفرق ~~بين ما كان أرسطو قد أسماه بالوجود بالقوة والوجود بالفعل؛ فالأول وجود بالإمكان فقط، ~~مستعد لأن يخرج إلى الفعل إذا ما توافرت الظروف المواتية، والثاني وجود متعين ~~متجسد في أشياء واقعة. وواضح أن الموجودات الممكنة أكثر عددا من الموجودات ~~الفعلية، لأن تصور العقل للممكنات لا نهاية له ولا حدود، وأما الموجودات الفعلية ~~فمقيدة بالواقع الكائن المتحقق، فكل موجود فعلى كان من قبل موجودا ممكنا، ~~ثم تحقق، ولكن ما كل موجود ممكن سيلتمس سبيله إلى التحقق الفعلي، ومعنى ذلك ~~أن العالم في صورته الواقعة ليس هو العالم الوحيد الذي كان يمكن أن يكون، بل هناك ~~عوالم أخرى لا نهاية لعددها، يمكن أن نتصور قيامها، وما العالم الفعلي إلا ~~واحد من تلك الممكنات، امتاز من دونها بكونه قد خرج من الإمكان إلى الواقع ~~المتحقق. # هناك إذن عالمان: عالم الممكنات وعالم ~~الأشياء المتحققة، وهذا العالم الثاني مسبوق دائما بالعالم الأول؛ إذ محال على ~~شيء أن يتحقق وجوده في العالم المادي إلا إذا كان قبل ذلك فكرة في عالم ما هو ~~ممكن، حتى إذا برزت إلى الوجود الفعلي حفنة من بحر الممكنات الزاخر، كان لنا ~~بذلك ما نسميه «بالحق»، فما «الحق» إلا الممكن الذي تحقق ظهوره بالفعل، ولكننا ~~قلنا إنه كان يمكن لغيره من الممكنات أن يظهر بدل هذا الذي ظهر فعلا وأصبح ~~«حقا». وإذن «فالحق» أمر عرضي لا تحتمه الضرورة العقلية المنطقية، وأعني بذلك ~~أنه لم يكن هناك ما يحتم أن يظهر هذا الذي ظهر دون سواه، أي أن ما نصفه ~~بأنه ms125 «الحق» كان يجوز ألا يحدث حدوثا فعليا، وعندئذ كان غيره هو الذي ~~سيوصف بأنه «الحق». # ونترك طائفة الممكنات التي تحققت في وجود فعلي لنسأل: وماذا عن بقية ~~الممكنات التي لم تتحقق؟ إنها هي التي يطلق عليها سانتيانا اسم «عالم الروح»، ~~لأنه هو العالم الذي يلوذ به الإنسان إذا لم يعجبه العالم المتحقق الواقع، ~~فقد يضيق الإنسان صدرا بهذا الذي حوله من أشياء ونظم، فأين يكون مأواه إلا أن ~~يلوذ بعالم يصوره بخياله ليعيش فيه؟ لكن من أين له العناصر التي ينشئ بها ~~عالمه الخيالي هذا، إذا لم تكن لديه ذخيرة الممكنات التي لم تتحقق في هذا الواقع ~~الكريه إلى نفسه؟ إن الإنسان ليبني لنفسه من هذه العناصر مثله الأعلى الذي - في ~~رأيه - لو تحقق لكان أجمل وأفضل من هذا العالم الفعلي الذي نعيش فيه، وما ذلك ~~المثل الأعلى المتخيل إلا «عالم الروح». # وواضح أن قيمة هذا العالم الأمثل - الذي يصوره الخيال - هي في مجرد ~~تخيله، لا في تطبيقه على الواقع، ولو طبق ونفذ لانقلب «حقا» واقعا، ولم ~~يعد «مثلا أعلى»، ولأصبح نثرا بعد أن كان شعرا. وما ذاك العالم المثالي ~~المتخيل إلا العالم الذي يلوذ به الإنسان من وطأة الواقع، وقوامه ما يرسمه ~~الإنسان لنفسه من شعر ودين، فماذا يصنع الشاعر سوى أن يصور لنفسه جمالا أصفى ~~وأنقى من أي جمال تصادفه عيناه على هذه الأرض؟ ولذلك تراه يضفي على الأشياء ~~أثوابا من عنده لتبدو على غير ما هي عليه في حقيقتها الواقعة، فالشفق رقائق من ~~ذهب، وجدول الماء فضة مذابة، والأرض المزروعة بساط من سندس. ثم ماذا يصنع ~~الدين سوى أن يصور عالما خيرا فيه من الخير ما هو أعظم وأسمى من كل خير في ~~هذه الدنيا الواقعة، فبالشعر يلوذ الإنسان بجمال يخلقه خلقا ليعوض له نقص ~~الواقع، وبالدين يلوذ الإنسان بخير يتمناه ليغنيه عن شر الواقع المشهود، ~~لكن لا ينبغي لهذا الإنسان الشاعر المتدين أن ينسى أن شعره ودينه هما من ~~عالم الممكنات لا من عالم الواقع، هما ms126 من المثل العليا المنشودة لا من دنيا ~~الحقيقة القائمة، هما من «عالم الروح» لا من «عالم الحق»؛ ولذلك فستظل هذه ~~المثل العليا من جمال ومن خير رموزا نهتدي بهديها، لا أشياء نداولها ونعالجها ~~في حياتنا اليومية. نعم إن في هذه المثل العليا غذاء لنفوسنا، وخصبا لحياتنا، ~~لكننا إذا زعمنا أنها «حقائق»، واقعة فعندئذ نحط من شأنها، وننزل بها من عالم ~~المثل الأعلى إلى عالم الواقع الأرضي، وعندئذ أيضا يصبح أمرها خرافة وتخريفا ~~بعد أن كان هدى ونورا. # الجمال والخير قيمتان منتزعتان من «عالم الروح» - عالم الممكنات. وأما الحق ~~فقيمة ثالثة تتعلق بما هو موجود وجودا حقيقيا، فلماذا نتطلب من الخير والجمال ~~أن يغيرا من طبيعتيهما ليصبحا من أموار الواقع؟ كأنما يراد أن ينقلبا «حقا» ~~بعد أن كانا «خيرا» و«جمالا»! على أن الخير والجمال إن تشابها في أن كليهما من ~~عالم الممكنات لا من عالم الواقع، فإنهما يعودان فيختلفان فيما بينهما اختلافا ~~بعيدا، فمدار الحكم الخلقي هو ما ينجم عن الفضيلة من نتائج مرغوب فيها، على حين ~~أن الحكم الجمالي لا يستهدف غاية سوى النشوة المباشرة. # ولهذا الاختلاف بين الخير والجمال، كان من غير الجائز أن نخلط بينهما خلطا يجعلنا ~~نتطلب من الجميل أن يكون كذلك خيرا، أو من الخير أن يكون كذلك جميلا. وما أكثر ~~ما نرى الفنان - وهو الذي يصور الجمال - على خلاف مع الأخلاقي، فترى هذا ينقد ~~ذاك قائلا إن فنه لا يؤدي إلى الفضيلة، فيرد الفنان بحق قائلا إن فنه لا ~~شأن له بمعايير الأخلاق، فللجمال قيمة وللخير قيمة، والقيمتان مختلفتان فيما ~~بينهما، كما أنهما في جانب معا يختلفان عن قيمة الحق في جانب آخر. وكذلك قل في ~~الخلاف الذي ينشأ من الخلط بين قيمتي الحق والخير، فإدراك الحق هو من شأن العلم ~~والعلماء؛ لأنهم يصورون الواقع كما يقع، لكن ما أكثر ما نسمع الأخلاقيين ينقدون ~~العلماء، قائلين إن علمهم مناف للفضيلة أحيانا، وذلك حين يرون نتائج العلم ~~مؤدية إلى دمار، وهنا يجيب العالم - بحق - قائلا إن ms127 علمه لا شأن له بالفضيلة. ~~وهكذا ترى كيف ينبغي لنا أن نفرق تفرقة واضحة بين القيم الثلاث، ولعل هذه التفرقة ~~أن تكون من أهم مهام الفيلسوف. ~~(2) ألفرد نورث وايتهد # 1 # كتب ألفرد نورث وايتهد يصف نشأته فقال ما فحواه: # ولدت في الخامس عشر من فبراير سنة 1861م في رامزجيت من مقاطعة كنت بإنجلترا، ~~من أسرة يشتغل معظم أفرادها بشئون التعليم والدين؛ وتلقيت تعليمي في مراحله ~~الأولى على النمط المألوف عندئذ. فاللاتينية تبدأ دراستها من سن العاشرة، ~~واليونانية من سن الثانية عشرة؛ ولو استثنيت أيام العطلة، لقلت إنني لبثت ~~حتى انتصف من عمري عامه العشرون لا أفوت يوما واحدا دون أن أقرأ بضع صفحات ~~من التراث اللاتيني واليوناني، فأستوعبها مضمونا ونحوا. وقد شملت دراستي لذلك ~~التراث - بالطبع - أعلام المؤرخين القدامى؛ وكانت دراستي للرياضة تتخلل ~~الدراسة الكلاسيكية هنا وهناك. # فلما أوشكت أن أكمل من العمر عشرين عاما، بدأت حياتي الجامعية كيمبردج، ~~ولبثت مقيما بها ثلاثين عاما. ومهما بلغت من القول فلن أسرف فيما أنا مدين ~~به لهذه الجامعة في الناحيتين الاجتماعية والعقلية على السواء. # كانت الدراسة في كيمبردج تقوم على أساس التخصص الضيق، فتخصصت في الرياضة ~~بجانبيها: الرياضة البحتة والرياضة التطبيقية؛ لكن قاعات الدرس لم تكن إلا ~~جانبا واحدا من تربيتنا الجامعية، فكانت جوانب النقص الناشئة عن ضيق ~~التخصص، تسد بأحاديث السمر التي لم تكن تنقطع بين الأصدقاء من الطلاب ~~والأساتذة. # ولم يكن الرباط الذي يجمع الأصدقاء في تلك الأحاديث هو تشابه الدراسة بينهم؛ إذ ~~كانت الجماعة الواحدة تضم أفرادا من كافة الدراسات، وكان حديثها يتشقق ~~ويتفرع ويتسع مداه، فيشمل السياسة والدين والفلسفة والأدب، مما حفزنا على ~~تنوع القراءة. وحسبي في ذلك أن أقول: إنني وأنا المتخصص في الرياضة، أوشكت أن ~~أحفظ عن ظهر قلب أجزاء كاملة من كتاب كانط «نقد العقل الخالص»، ولقد نسيت ~~اليوم ما كنت قد حفظته، لأن سحر كانط قد زال عني وشيكا؛ وأما هيجل فلم أستطع ~~قط في حياتي أن أمضي في قراءته، وأذكر أني قد بدأته ms128 بدراسة ملاحظاته التي ~~أبداها عن الرياضة، فأدهشني أن أجدها هراء في هراء، كان ذلك حمقا مني بغير ~~شك، لكنني لا أكتب هذا الذي أكتبه الآن لأبرهن على رجاحة عقلي. # وظفرت بالزمالة في كيمبردج سنة 1885م، ثم ازداد الحظ إقبالا، فعينت ~~محاضرا، ولبثت في التدريس بتلك الجامعة خمسة عشر عاما، وتركتها سنة 1910م ~~لأشغل منصب التدريس في جامعة لندن، حيث لبثت أربعة عشر عاما، منها عشرة أعوام - ~~من 1914م إلى 1924م - كنت خلالها أستاذا في الكلية الإمبراطورية للعلوم ~~والتكنولوجيا. # كان أول كتاب أخرجته هو: «رسالة في الجبر» الذي صدر سنة 1898م، فأدى صدوره ~~إلى انتخابي عضوا في الجمعية الملكية سنة 1903م، ثم جاء انتخابي زميلا في ~~الأكاديمية البريطانية بعد ذلك بنحو ثلاثين عاما (1931م) نتيجة لما كنت قد ~~أنتجته في ميدان الفلسفة. # ذلك أن برتراند رسل كان قد أخرج في عام 1903م الجزء الأول من كتابه «أصول ~~الرياضة» فرأي كلانا أن ما كنت أزمع أن يكون مادة الجزء الثاني من كتابي ~~«رسالة في الجبر» وما كان هو يزمع أن يكون مادة الجزء الثاني من كتابه «أصول ~~الرياضة» يلتقيان في موضوعات بعينها، فاتفقنا أن نشترك في إخراج مؤلف ~~واحد، وظننا أن سنة واحدة تكفينا لإنجاز العمل، لكن أخذ الأفق يتسع أمام ~~أبصارنا حتى لقد لبثنا ثماني سنوات أو تسعا قبل أن نخرج معا كتابنا «برنكبيا ~~ماثماتكا»، (ولنطلق عليه «أسس الرياضة» تمييزا له من أصول الرياضة الذي أخرجه ~~رسل وحده). وكان رسل قد التحق بكيمبردج طالبا في أوائل العشرة الأعوام الأخيرة من ~~القرن التاسع عشر، وقد استمتعت - كما استمتع العالم كله - بألمعيته، تلميذا لي ~~بادئ الأمر، فزميلا وصديقا. وكان عاملا قويا في مجرى حياتنا إبان مقامنا في ~~كيمبردج، لكننا اختلفنا بعدئذ في وجهة النظر - الفلسفية والاجتماعية معا - فأدى ~~اختلافنا ذاك إلى امتناع التعاون في عمل مشترك. # وفي سنة 1924م - وكنت قد بلغت الثالثة بعد الستين - شرفت بدعوة جاءتني ~~من جامعة هارفارد بالولايات المتحدة، أن أكون أستاذا بقسم الفلسفة فيها. # وظل وايتهد مقيما بالولايات ms129 المتحدة منذ ذلك الحين حتى وافته منيته سنة ~~1947م، وكان قد بلغ من عمره السابعة بعد الثمانين؛ فكانت تلك الفترة - ومداها ربع ~~قرن - هي فترة الإنتاج الفلسفي الناضج؛ لأنه وإن يكن قد أخرج وهو في أرض الوطن ~~مؤلفات هامة في التحليلات الرياضية المنطقية، إلا أن مذهبه الفلسفي لم يكتمل ~~بناؤه إلا وهو في أمريكا إبان المرحلة الأخيرة من حياته، فهناك أخرج كتابه الذي عرض ~~فيه لباب فلسفته، وهو: «التطور وعالم الواقع» (1929م) ومن مؤلفاته الأخرى ~~«العلم والعالم الحديث» (1926م) ومغامرات أفكار» (1933م). # ولو شئنا أن نصف مهمة الفلسفة من وجهة نظره، لما وجدنا عبارة أفضل من ~~عبارته التي يقول فيها: «الفلسفة هي محاولة التعبير عن الكون اللامتناهي بأداة ~~اللغة رغم قصورها.» # 2 # لم تكن فلسفة وايتهد تلقى من اهتمام الباحثين إلا قليلا، وذلك يرجع أولا إلى ~~الموجة المعاصرة في الفلسفة ، أعني تلك الموجة التي تمقت الميتافيزيقا مقتا ~~يجعلها لا تصبر على فيلسوف مثل وايتهد، إلا يكن شبيها بالفلاسفة ~~الميتافيزيقيين القدامى في مضمون بناءاتهم الفلسفية، فهو على كل حال ينزع ~~منزعهم في طريقة التناول، ويرجع ثانيا إلى العسر الشديد الذي يصادفه القارئ في ~~فهم فلسفته، وهو عسر مرده إلى مصطلحاته الجديدة التي أراد أن يسوق بها ~~فكره حتى لا يختلط معناه بمعاني الألفاظ الدارجة في الحياة اليومية؛ فنفر الناس ~~من دراسته بادئ ذي بدء نفورا أنساهم أنه هو شريك برتراند رسل في تأليف «أسس ~~الرياضة»، كما أنساهم أن كتاباته الميتافيزيقية الأخيرة إن هي إلا امتدادات ~~وتطبيقات للمنطق الرياضي الذي اشتغل به في الشطر الأول من حياته الفكرية، لكن ~~الأعوام الأخيرة قد شهدت تغيرا في موقف الدارسين إزاء وايتهد، فرأينا ~~المؤلفين والمعلقين يتجهون إلى ما كانوا قد أهملوه؛ وذلك لأنهم وجدوا في ~~كتاباته مناقشة دقيقة عميقة لكثير من المشكلات التي يهتم بها فلاسفة العلم في ~~يومنا الراهن، فلعله أن يكون من طليعة الفلاسفة الذين استخدموا المنطق الرمزي في ~~معالجتهم للمشكلات المجسدة التي تصادفنا في مجرى الخبرة. # لقد كان الظن بادئ ذي بدء ms130 أن وايتهد بدأ حياته الفكرية رياضيا؛ علمي ~~التفكير، لكنه انتهى آخر الأمر إلى شطحات ميتافيزيقية لا تمت بسبب إلى حياته ~~العلمية الأولى. لكن الأبحاث التي أخذت هذه الأعوام الأخيرة تترى عن فلسفته، ~~توضح كيف يتسق إنتاجه أولا مع آخر، فلا فرق بين علميته الأولى ~~وميتافيزيقيته الأخيرة في المبدأ والأساس، بل هما تعبيران عن فكر واحد متسق ~~مع نفسه. # والحق أن فيلسوفنا قد اجتاز مراحل ثلاثا يمكن تمييزها في مؤلفاته. # فمرحلة أولى اهتم فيها بالرياضة والمنطق الرياضي. ومرحلة ثانية نظر خلالها في ~~الفلسفة الطبيعية لينتهي إلى نتيجة عامة، وهي أن المفاهيم الرياضية والفيزيائية ~~جميعا يمكن تعقبها إلى جذورها الأولى في الأحداث التي تقع لنا في ~~خبراتنا. # ومرحلة ثالثة وأخيرة، هي المرحلة الميتافيزيقية التي بدأت بانتقاله من لندن ~~إلى جامعة هارفارد بالولايات المتحدة. وهذه المرحلة الأخيرة هي التي أثارت عليه ~~النقد وجلبت إليه إهمال الفلاسفة أول الأمر، لا سيما أولئك الذين ينزعون بفلسفتهم ~~نزعة علمية صارمة. # وسبيلنا الآن أن نعرض أهم أركان المذهب الفلسفي الذي جاء به وايتهد. # 3 # ونبدأ العرض بشرح فكرته عن المهمة الحقيقية التي يؤديها التفكير الفلسفي؛ ~~ورأيه في ذلك - كما شرحه في مقدمة كتابه «التطور وعالم الواقع» - هو أننا ~~بالتفكير الفلسفي نركب إطارا فكريا يصلح أن نفسر به كل ما عساه أن يقع ~~لنا في مجال الخبرة. فإن كان هذا هكذا، فلا فرق في المنهج بين الفلسفة والعلم؛ أليس ~~المنهج العلمي يقتضينا أن نبدأ بمعطيات المشاهدة، ثم نصوغ لها أفضل نظرية ~~ممكنة لتفسيرها، ثم نعود بهذه النظرية المفترضة إلى عالم الواقع لنلتمس لها ~~التطبيق على وقائع جديدة؟ فهكذا أيضا منهج التفكير الفلسفي عند وايتهد: حصيلة من ~~معلومات أولية، نغترفها من الخبرة المباشرة، نستوحيها في إقامة خير إطار ~~فكري ممكن، يفسر لنا ما قد عرفناه من ظواهر الوجود، ثم عودة بهذا الإطار الفكري ~~إلى حقائق أخرى في العالم نلتمس لها تفسيرا في حدود ذلك الإطار لعلنا نفلح. ~~وكل الفرق بين النظرية في العلم والإطار الفكري في الفلسفة، هو في ms131 درجة التعميم ~~والتجريد، فإطار الفلسفة أعم وأكثر تجريدا؛ إذ يراد أن يطبق على رقعة أوسع ~~من الرقعة التي يراد للنظرية العلمية أن تنطبق عليها. أما وجه الشبه بينهما ~~فهو - كما قلنا - ذلك المنهج عند كليهما؛ المنهج الذي يفرض الفرض، ثم يستنبط ~~منه نتائجه التي يتوقع لها أن تصدق على مشكلات الواقع الفعلي. # ولو تأملت هذا المنهج المقترح للتفكير الفلسفي، لنهض أمامك سؤال يريد ~~الجواب: # إذا كان الإطار النظري الذي نقيمه في رءوسنا لينطبق آخر الأمر على عالم ~~الواقع، مصوغا - كما يريد له وايتهد - في دقة الرياضة وثباتها وضرورتها، ~~أفيكون معنى ذلك أن العالم الخارجي التجريبي لا بد له أن يسكن على حالة واحدة، ~~فلا سير ولا تطور ولا إبداع، لكي يلتئم مع القالب الرياضي الذي تفرضه عليه ~~فرضا؟ # الحق أن وايتهد يجعلها صريحة، بأن إطار المنطق الخالص ينزل على الكون كأنه ~~قالب من حديد يحصر مجرى العالم بين جوانبه؛ وأن شبكة العلاقات الرياضية ~~الخالصة تفرض نفسها فرضا لا فكاك منه على عالم الأشياء؛ وهو يعد أسبقية ~~العلاقات المنطقية الرياضية على عالم الحوادث بمثابة المبدأ الأول في بنائه ~~الميتافيزيقي. # ومعنى ذلك أن الطبيعة مشيدة على نسق متصل الأطراف كهذه النسقات التي ~~نراها في الرياضة، أي أن الحادثات العابرات إنما يتصل بعضها ببعض على نحو ~~يربطها ويضمها في وحدة منطقية كالتي توحد بين أجزاء العلم الرياضي. ولكن لا ~~سبيل إلى إنكار ما يشع في العالم الطبيعي من جديد يخلق بعد أن لم يكن. ولولا ~~هذا الجديد لوقف العالم حيث هو إلى أبد الآبدين؛ لكنه يتقدم ويتطور بفضل ~~هذا الجديد الذي ما ينفك ينشأ ويظهر، فكيف إذن نوفق بين إطار منطقي رياضي ~~أزلي أبدي ثابت من جهة، وطبيعة متغيرة متطورة من جهة أخرى؟ # وإن وايتهد لعلى وعي كامل بما يبدو كأنه مفارقة، فيقول صراحة: إن للطبيعة ~~جانبين يبدوان وكأنما هما النقيضان المتعاندان، ومع ذلك فكل منهما جوهري لا ~~غنى عنه؛ أما الجانب الأول فهو التطور والتقدم الخلاق، الذي هو جانب ~~الصيرورة في الطبيعة، ms132 وأما الثاني فهو دوام الأشياء على صورها التي نعرفها ~~بها؛ فلا سبيل إلى فهمنا للطبيعة إلا بهذين معا: صيرورة الأشياء من جهة، ~~والثبات المنطقي لها من جهة أخرى؛ وإننا لنخطئ إذا نحن فصلناهما بحيث ننظر ~~إلى كل منهما على حدة، كأنما نقول إن الحق أحد أمرين فإما صيرورة وإما ~~ثبات. # نعم إنه لا سبيل إلى تفسير الطبيعة وأحداثها إلا بهذين المبدأين معا، فلا تفسير ~~- عند وايتهد - إلا إذا استطعت أن تضع الحادثة المراد تفسيرها في نسق واحد ~~يجمعها مع غيرها، لترى أين تقع تلك الحادثة بالنسبة إلى ما عداها؛ وإذن فقيام ~~الإطار النسقي النظري أمر لا مندوحة عنه، لنضع فيه كل حادثة ترد في ~~مجرى الخبرة ويراد فهمها؛ وإلا فكيف يكون فهم لحادثة منتزعة من محيطها؟ وإذا ~~قلنا إنه محال على كيان طبيعي أن يبتر عن كل ما عداه، فقد قلنا إنه لا بد ~~لنا من إطار فكري عام نضع فيه الأحداث المتناثرة فتفهم، وهذا الإطار الفكري ~~العام هو من شأن الفلسفة أن تبنيه. # لكن حذار أن نظن، كما ظن الفلاسفة السابقون، أن مثل هذا الإطار الفكري، الذي ~~تقيمه الفلسفة لتفهم به العالم، هو شيء مطلق أزلي أبدي لا يتغير ولا ~~يتبدل؛ كلا، فلا أمل لفيلسوف أن يبلغ هذا المدى؛ وأنى له أن يبلغه وهو ~~مقيد بقيدين: مقيد باللغة التي يصور بها إطاره الفكري، واللغة أبعد ما ~~تكون عن المطلق اللامحدود، ومقيد بخياله البشري المحدود؛ إذن فلنقنع بمبادئ ~~تكون - على أحسن الفروض - تقريبات ندنو بها من المثل الأعلى، ونظل ندنو بها ~~مهتدين بضوء خبراتنا بالعالم وما يجري فيه، فكلما اقتضت تلك الخبرة أن نغير ~~من إطارنا الفكري غيرناه. # ذلك أن البناء الميتافيزيقي الذي نقيمه لنفهم به الطبيعة، لا بد له أن ~~يفسر كل حقائق الخبرة الواقعة، فإن تعذر عليه ذلك، بدلناه بما هو أصلح ~~منه، تماما كما نفعل في مجال العلم: نفرض النظرية لنفسر بها الظواهر، فإما ~~فسرتها وإما عدلناها بما هو أصلح منها للتفسير؛ فهاهنا نلمس الفرق واضحا بين ms133 ~~وايتهد وبين أسلافه من الفلاسفة العقليين الذين يشبهونه في تطبيق الرياضة - أو ~~المنطق - على الطبيعة، أعني في تطبيق نسق من علاقات نظرية نقيمه بادئ ذي بدء ~~لنفهم به العالم. أقول إننا نلمس هاهنا الفرق واضحا بين وايتهد وأسلافه ~~العقليين، مثل ديكارت وإسبينوزا، فبينما هؤلاء يجعلون مبادئهم الأولى حقائق واضحة ~~بذاتها لا سبيل إلى الشك فيها أو إلى تعديلها، نرى وايتهد ينظر إلى مبادئه الأولى ~~وكأنما هي شيء سيق على سبيل الاختيار، فإما صلحت فأبقيناها، وإلا بحثنا عن ~~بديل لها أصلح منها. # 4 # الفكرة السائدة عن فلسفة وايتهد عند معظم شارحيه، هي أنه قد مال آخر الأمر نحو ~~الفلسفة الأفلاطونية؛ فلئن كانت نظرية المثل هي الركيزة الأساسية في فلسفة ~~أفلاطون، وهي نظرية تفصل بين عالمين: عالم النماذج الصورية التي هي أقرب إلى ~~الصيغ الرياضية في ناحية، وعالم الطبيعة المجسدة التي تحاول أن تقترب من ~~تلك النماذج في ناحية أخرى، فكذلك فعل وايتهد حين تصور إطارا رياضيا من ~~علاقات منطقية يفرض نفسه على أحداث الطبيعة؛ وإن الشبه بين الفيلسوفين ليشتد ~~عندما يحدثنا وايتهد عما يسميه «عالم الكائنات الأزلية» فها هنا لا تكاد ~~العين عند النظرة الأولى تفرق بين تلك الكائنات الأزلية عند وايتهد وبين المثل ~~عند أفلاطون؛ ففي كلتا الحالتين نتصور عالما كاملا كمالا رياضيا ومنطقيا، ~~نتصوره قائما منذ الأزل، ليجيء هذا العالم المادي المحسوس فيحاول بصيرورته ~~وتغيره وتطوره وتقدمه أن يدنو من ذلك المثل الأعلى الكامل ما استطاع إلى ~~الدنو من سبيل؛ أو إن شئت فقل إننا في كلتا الحالين نفرض وجود عالمين: ~~عالم الممكنات من ناحية، وعالم الموجودات الفعلية من ناحية أخرى؛ ففي العالم الأول ~~صور لما يمكن للأشياء أن تكون عليه لو بلغت حد كمالها، وفي العالم الثاني ~~موجودات فعلية بما فيها من نقص يبعدها عن الصورة المثلى. # لكننا لو نظرنا إلى فلسفة وايتهد هذه النظرة الأفلاطونية لسلبناه أخص ~~الخصائص التي تميز فلسفته بحيث تجعلها إحدى الفلسفات التجريبية التي تفسر ~~الطبيعة بالطبيعة ولا تلجأ إلى أي شيء خارج الطبيعة ms134 أو وراءها أو فوقها؛ ~~فالأمر على حقيقته هو أن وايتهد حين تحدث عن عالم لكائنات أزلية، فإنما ~~أراد به بنية من المنطق المجرد، اشتقها الفيلسوف من الحوادث الفعلية كما ~~تقع في الوجود الخارجي الفعلي، وما بين تلك الحوادث من علاقات. ألسنا نعيش في ~~عالم من أحداث متشابكة في مجرى متصل مكاني زماني؟ جرد من هذا العالم ~~صورة العلاقات التي تتشابك بها أحداثه، يكن لك الهيكل الصوري المجرد الذي ~~يمثل بنية العالم، والذي بوساطته يمكن فهم العالم وتفسيره. # فليست الكائنات الأزلية التي يحدثنا عنها وايتهد بالكائنات ذوات الخصائص ~~الكيفية، كفكرة الصلابة - مثلا - أو فكرة البياض وما إلى ذلك؛ بل هي كائنات ~~غير مخصصة بخصائص، لكنها ترتبط في بناء ذي علاقات معلومة، كما هي ~~الحال - مثلا - حين تبني نسقا رياضيا من ~~رموز ليست بذات مدلول، ومع ذلك فارتباطها مع غيرها في نسق علاقي واحد يجعل ~~لها نمطا معينا. وهكذا وايتهد ينظر إلى الخبرات البشرية، لا من أجل خصائصها ~~الكيفية، بل ليستخلص منها تركيبها الرياضي وبنيتها المنطقية، وهذه هي التي ~~يطلق عليها اسم الكائنات الأزلية؛ فهيكل العلاقات المجردة لا يتضمن ماهيات ~~الأشياء المرتبطة بتلك العلاقات؛ فلك أن تتصور ما شئت من أشياء ما دامت ترتبط ~~بتلك العلاقات الصورية؛ أي أنك لست ملزما بتحديد صفات معينة تميز بها ما ~~نسميه بالكائنات الأزلية، والشيء الوحيد الذي أنت ملزم به هو شبكة العلاقات ~~الرياضية المنطقية التي تصل تلك الأطراف بعضها ببعض، كائنة ما كانت طبيعة تلك ~~الأطراف؛ فالأمر هنا شبيه بالدالة الرياضية ذات الرموز المجهولة الدلالة، ~~مثل س، ص؛ فيجوز لك أن تضع مكان الرموز أي حقيقة شئت ما دامت تتسق مع ~~العلاقات التي تكون بنية الدالة؛ وفي اللحظة التي تضع مكان الأطراف ~~المجهولة حقائق معينة، تتحول تلك البنية الممكنة إلى كائن فعلي مكاني ~~زماني محدد المعالم معلوم الصفات. # وكما أن وايتهد - بكائناته الأزلية - لا يشبه أفلاطون بمثله، فهو كذلك لا ~~يشبه أرسطو بتصنيفه للأجناس والأنواع؛ لأن أرسطو أيضا يقسم ويصنف على ~~أساس الخصائص الكيفية للأشياء، ms135 وفي رأي وايتهد أن هذا فيه تفتيت للكون إلى ~~كيفيات مفككة معزول بعضها عن بعض، على حين أن جوهر العالم هو في العلاقات ~~الرابطة، لا في الكيفيات المربوطة؛ فأنت تفهم العالم، لا بأن تعرف أنه مشتمل ~~على ألوان وأصوات ... إلخ، مصنفة أنواعا وأجناسا، بل تفهمه بأن تعرف هيكل ~~العلاقات التي تربط متغيرات في بنية منطقية؛ فعندئذ تصبح الكائنات ~~العلاقية الصورية دالة على ما يمكن أن يكون في أية لحظة زمنية، لا على ما ~~هو موجود بالفعل في إحدى لحظات الزمان. # 5 # قلنا إن وايتهد يبحث في خبرته عن عناصر يستعين بها على إقامة بناء ميتافيزيقي ~~يشمل الكون كله، فما يصدق على الخبرة المباشرة، يصدق أيضا على الطبيعة ~~بكامل ما فيها من أحداث، وذلك هو ما انتهى به إلى نظرية من أهم جوانب فلسفته، ~~أطلق عليها كلمة من كلماته الاصطلاحية الكثيرة، التي تغمض المعنى على من لا ~~يفهمها، وهي كلمة Prehension # ومعناها على الدقة هو انتقال ~~الخصائص من حادثة ماضية إلى حادثة حاضرة، ثم توريث هذه الخصائص نفسها إلى حادثة ~~مستقبلة، وبهذا يتكون الرباط الذي يصل حوادث الماضي والحاضر والمستقبل في ~~خط واحد يظل ينمو ويزداد خصوبة على مر الزمن، لأن خصائص الماضي تظل ~~تتراكم بالانتقال والتوريث من حادثة إلى حادثة. ولست أدري بماذا أسمي هذا ~~كله في كلمة عربية واحدة تقابل الكلمة الإنجليزية، وأقترح مؤقتا كلمة ~~«التشرب» فالحاضر يتشرب الماضي ثم يسقيه للمستقبل فيشربه وهلم ~~جرا؛ لهذا ترى الخط السببي ممتدا متصلا في كل كائن، فهذه الشجرة وهذا ~~النهر وأنا وأنت امتداد من حوادث ماضيها يسبب حاضرها، وحاضرها يرسم طريق ~~السير لمستقبلها. # انظر إلى نفسك من داخل، لتنقل ما تراه في خبرتك إلى الطبيعة بأسرها؛ أفلا ترى ~~نفسك نابضة بالشعور نبضا يصل أمسك بيومك، ثم يمد يومك إلى غدك؟ إن من مثل ~~هذه الصلة تكونت فرديتك الواحدة رغم كثرة مقوماتها، وهكذا قل فيما ~~يسميه وايتهد «بنبضات الطبيعة» - وهو اصطلاح آخر عنده - نبضات الطبيعة التي ~~يراها متمثلة في سير الحوادث سيرا ms136 يكون مفردات الكائنات من جهة، ثم تجاوبها ~~بعضها مع بعض من جهة أخرى، فنرى الكائن العضوي يستجيب لبيئته كما نراه ~~حساسا يتلقى مؤثرات بيئته، وهي عمليات تدق فتصبح عند الإنسان إدراكا ~~حسيا وإدراكا عقليا، والأساس واحد في الجميع. # وفي الطبيعة ما يملي مثل هذا الرأي؛ «فنبض الطبيعة» باد في انتقال الطاقة من ~~حادثة إلى حادثة، فترى الإلكترون من كل ذرة يشع سيالا يؤثر به على ما ~~جاوره، كما هو باد في انتقال الأثر الحسي على أطراف أعصابنا، خلال الخيوط ~~العصبية، ثم يدور دورته منتقلا من جزء إلى الجزء الذي يجاوزه حتى ينتهي ~~إلى فعل يؤديه الإنسان، ففاعلية الطاقة الطبيعة هي نفسها الانفعال الحي الذي ~~يمارسه الإنسان في خبرة حياته، وفي هذا الانتقال - انتقال الأثر من ذرة إلى ~~ذرة ومن حادثة إلى حادثة - مفتاح نظريته في أن كل شيء كائن عضوي، ~~والطبيعة كلها كائن عضوي ، لا بالمعني البيولوجي لهذه الكلمة، لأن وايتهد لا يبني ~~فلسفته الطبيعية على أساس البيولوجيا، بل إن علم الطبيعة وعلم البيولوجيا معا ~~يتساويان في أنهما يعالجان أشياء لكل شيء منها تاريخ، أعني أن لكل شيء ~~امتدادا في الزمن، تتسلل فيه الحوادث ماضية وحاضرة ومستقبلة، ناقلة خصائصها ~~على الوجه الذي أسلفناه؛ ففي العالم الطبيعي - كما هي الحال في خبرة الإنسان مع ~~نفسه - ترى الموقف الحاضر حصيلة تاريخ ماض ~~وموجها لتاريخ مقبل. وهذا المذهب العضوي عند وايتهد بهذا المعنى الخاص، هو ~~الذي يصبغ فلسفته بلون هيجلي، وهو كذلك الذي يصل فلسفته بمذهب الجشتالت في ~~علم النفس، الذي يجعل الوحدة الإدراكية موقفا بأسره تتفاعل فيه عناصره على نحو ~~ما يحدث فيما يسمى بالمجال في علم الفيزياء. ~~••• # ونختم هذا العرض الموجز لفلسفة وايتهد بركن آخر من أركان فلسفته، هو الذي ~~يطلق عليه كلمة اصطلاحية أخرى من مصطلحاته الكثيرة، ألا وهي كلمة «مجتمع»، ~~ومعناها الخاص عند وايتهد هو أن الحادثات لا تظل مفككة فرادى، بل تتجمع ~~معا في كائنات، كالشجرة أو النهر أو الجبل أو الفرد من أفراد الإنسان والحيوان؛ ~~تتجمع مجموعة ms137 الحوادث في تاريخ واحد وفي خط سببي واحد، فيتكون منها كائن ~~واحد؛ فكل شيء في الطبيعة يحتفظ بذاتيته على امتداد فترة من الزمن قصيرة أو ~~طويلة، هو «مجتمع» باصطلاح وايتهد. فهذه المنضدة «مجتمع» أحداث، وكذلك هذا المقعد ~~وهذا القلم وذلك الطائر، كل من هذه الأشياء «مجتمع» لأنه خط تاريخي واحد من ~~أحداث تتوارث الخصائص المعينة حاضرا عن ماض، ومستقبلا عن حاضر، أو قل ~~إن كل شيء منها خيط يحدث بين أجزائه المتتابعة انتقال يسوده احتفاظ ~~النمط كله بذاتية واحدة تميزه؛ وهذا «النظام الاجتماعي» بين حوادث الشيء ~~الواحد - وهنا أيضا استعمل مصطلحا لوايتهد - أي هذا النظام الذي يجعل صلة من ~~نوع معين بين هذه الحادثة وتلك الحادثة من مجموعة الحوادث في الشيء الواحد، هو ~~الذي يخلع على الشيء واحديته ودوام ذاتيته، مما يجيز لنا أن ننظر إلى ~~هذه المنضدة - مثلا - فنقول إنها هي المنضدة نفسها التي رأيناها هنا ~~بالأمس. # يقول وايتهد إن مثل هذا «النظام الاجتماعي» بين أحداث الشيء الواحد، إنما ~~يتحقق إذا تحقق لخط الحوادث هذه الشروط: فأولا: أن تكون البنية الصورية ~~أو الهيكل العلاقي (أو الفورم) الذي نبني عليه حلقة من حلقات السلسلة التاريخية ~~للشيء المعين، هو نفسه «الفورم» الذي تبنى عليه سائر الحلقات، أو بعبارة أخرى ~~أن تدوم للشيء بنية صورية واحدة. ثانيا: أن تكون هذه البنية الصورية ~~المتشابهة في الحلقات كافة مستمدة في كل حالة من الخصائص التي تستمدها من ~~سائر أعضاء الخيط التاريخي بوساطة عملية التشرب التي أسلفنا ذكرها. وثالثا: أن ~~تؤدي الخصائص المنقولة من حلقة إلى حلقة إلى ثبات واتصال في ذاتية ~~الشيء. # فما الذي يجعلك تنظر إلى نهر النيل - مثلا - في أية لحظة من الزمن فتقول: ~~هذا هو نهر النيل، مع أنه سيال دافق من حوادث، وما ينفك يتغير ويتبدل بين ~~الغيض والفيض. # الذي يتيح لك ذلك هو أن تيار الحوادث الذي منه يتألف تاريخ هذا الكائن، ~~فيه تشابه في البنية الصورية عند كل حلقة من حلقات ذلك التاريخ، بحيث ~~تستطيع أن تقتطف أية ms138 حلقة منها في لحظة معينة فتقول عنها: إنها نهر النيل؛ ~~وإذن فالعلاقة وثيقة في التشابه الصوري، وفي التفاعل السببي بين الحلقات ~~المتتابعات، مما يجيز لنا أن نقول عنها: إنها كأعضاء المجتمع الواحد، وإن ~~بينها نظاما اجتماعيا شديد الشبه بالنظام الذي يجعل من شتيت الأفراد ~~مجتمعا واحدا ذا طابع مميز؛ وإن هذا القول ليصدق على كل شيء؛ يصدق ~~على الذرة الواحدة صدقه على الفرد من الناس، كل منهما مؤلف من أحداث ~~تجتمع معا على ترتيب خاص وفي بنية صورية معينة. ~~••• # من كل هذا الذي أسلفناه عن فلسفة وايتهد يتبين أنها تقوم على ركيزتين ~~أساسيتين، أخذت إحداهما من المنطق والرياضة الحديثين، وأخذت الأخرى من ~~علم الفيزياء الحديث. فمن المنطق والرياضة الحديثين أخذت طريقة البناء ~~الاستنباطي القائم على مسلمات مفروضة، يمكن أن تتبدل بغيرها لو أردنا ~~نتائج مختلفة؛ فذلك جانب واضح في فلسفة وايتهد حين يجعل مهمة التفكير الفلسفي ~~أن يضع إطارا فكريا ذا علاقات رياضية منطقية، ليفسر به حقائق الكون؛ فإذا ~~وجدنا لكل حقائق الخبرة مواضعها من ذلك الإطار النسقي، قلنا عندئذ إن ~~تفسيرنا للكون قائم على أساس صحيح، وإلا بدلنا بالإطار الفكري المفروض إطارا ~~آخر أصلح منه للتفسير؛ وهذان الشقان: الإطار الرياضي الثابت من جهة، ~~وتيارات الحوادث الدافقة في الطبيعة من جهة أخرى، هو الذي يفسر اجتماع ~~الخاصيتين معا في كل شيء: خاصية الثبات على ذاتية واحدة، ثم خاصية ~~التغير اللحظي في مجرى الحوادث. ومن علم الفيزياء الحديث أخذت فلسفة وايتهد ~~مبدأ التغير في الذرة، الذي تصبح معه كل ذرة خيطا من أحداث ~~متتابعة، فكأنما حقيقتها هي تاريخها، وليست هي بالحقيقة ذات السكون والدوام؛ ~~فأوحت هذه الفيزياء الذرية بالفلسفة التي تحل كل شيء إلى سلاسل من حوادث، ~~ولا ذاتية للشيء الواحد إلا ما يكون بين هذه الحوادث من بنية صورية ~~وعلاقات سببية. هي التي تجعل من أي كائن كائنا عضويا. ~~(3) جورج مور # 1 # ولد جورج مور سنة 1873م في إحدى ضواحي لندن، لأب طبيب عني أكبر عناية ~~بتربية أولاده، حتى لقد ms139 تولي بنفسه تعليمهم في المرحلة الأولى، فإذا ما أتم ~~الولد من أبنائه هذه المرحلة الأولية على يديه، أرسله إلى مدرسة عرفت ~~بمستواها التربوي الرفيع؛ وفي هذه المدرسة لبث جورج مور أعواما عشرة، من سن ~~الثامنة إلى الثامنة عشرة، ظهر فيها استعداده للدراسة الكلاسيكية من يونانية ~~ولاتينية، حتى لقد أوشك أن ينصرف إلى دراستها دون غيرها من مواد إلا قليلا من ~~فرنسية وألمانية ورياضية، وقد فرغ من دراسته الثانوية وهو لا يعرف كثيرا ولا ~~قليلا عن العلوم الطبيعية؛ مما جعله فيما بعد يتمنى لو لم يكن قد أنفق كل ~~الوقت الذي أنفقه في ترجمة مختارات من النثر الإنجليزي إلى اليونانية ~~واللاتينية، ومختارات من هاتين إلى اللغة الإنجليزية، ليجد فراغا من وقته ~~يملؤه بشيء من العلوم الطبيعية التي أغلقت من دونه. # وأيا ما كانت دراسته في المرحلة الثانوية، فقد دخل كيمبردج، وأنفق عاميه ~~الأولين في دراسة كلاسيكية كاد لا يجد فيها جديدا يضاف إلى ما كان قد ~~تعلمه في مدرسته الثانوية، لكن الجديد حقا خلال ذينك العامين، هو تلك ~~المجموعة الفذة من شباب الجامعة الذين رآهم يلتقون معا للمناقشة والحديث، فدأب ~~على الاتصال بهم والاستماع إليهم، مأخوذا مشدوها لذلك المستوى الرفيع الذي ~~كانوا يرتفعون إليه في أحاديثهم ومناقشاتهم، مما لم يكن لصاحبنا به عهد من ~~قبل، فهو يسمعهم يتحدثون في السياسة والأدب، والفلسفة وغيرها في براعة وفي ~~عمق وكذلك في جد لم يكن يتصور أن يكون في مناقشات شباب لم يزل في عهد ~~الطلب، فامتلأ فتانا نشوة وإعجابا. ولم يكن له إزاء ذلك إلا أن ينصت لهؤلاء ~~الزملاء في صمت، وأحس في دخيلة نفسه كأنما هو الريفي الساذج جيء به بغتة إلى ~~حيث الحضارة والثقافة، ولم يجد عنده ما يضيفه مما يقبل المقارنة بما يقوله ~~هؤلاء الزملاء، لا بل إنه قد أحس بالزهو أن قبلته تلك الجماعة واحدا منهم، ~~فكانت هذه أول مرة في حياته - كما يقول هو - يجد فيها نفسه على علاقة وثيقة حميمة ~~مع أفراد ذوي كفاية عقلية ممتازة، فكان ms140 لذلك ما كان في تحريك نفسه وتنشيط ~~عقله. # كان برتراند رسل أحد هؤلاء الطلاب، كان يكبر مور بعامين عمرا ودراسة، وله ~~يرجع الفضل في أن دخل مور ميدان الفلسفة؛ ذلك أنه حين سمعه يتحدث إليه ~~ويناقشه، قال إن له استعدادا فلسفيا يلفت النظر، وحثه على أن يكمل ~~العامين الباقيين له في الدراسة الجامعية، في طلب الفلسفة. وهنا يقول مور إنه ~~لم يكن قد سمع قبل ذلك أن الفلسفة مادة تدرس في الجامعات، إنه حين ذهب إلى ~~كمبردج لم يتوقع إلا أن يواصل دراسته الكلاسيكية، ليصبح بعد تخرجه ~~مدرسا لها في المدارس الثانوية. نعم إنه إبان مرحلته الثانوية كان قد درس ~~محاورة بروتاجوراس لأفلاطون، لكنه لم ينفعل قط لنوع المسائل الفلسفية التي ~~تثار في تلك المحاورة، وغير هذه المحاورة لم يكن جورج مور قد قرأ شيئا قط من ~~الفلسفة. # 2 # أما وقد ذكرنا أول لقاء بينه وبين برتراند رسل إذ هما طالبان في كيمبردج، ~~فيجمل أن نقف هاهنا وقفة قصيرة لنقص عن علاقة بين هذين الفيلسوفين ~~اللذين لا يكاد يذكر اسم أحدهما حتى يثب إلى الذهن اسم زميله، لأنهما معا ~~يعدان زعيمي مدرسة فلسفية معاصرة، هي مدرسة التحليل، حتى ليطلق أحيانا على ~~هذه المدرسة اسم مدرسة كيمبردج، لوجود هذين الصديقين في كيمبردج. # ترك برتراند رسل الجامعة سنة 1894م، وكان مور لم يزل في منتصف شوطه الجامعي، ~~لكن العلاقة كانت قد توثقت بينهما، فلبث مور مدى ستة أعوام بعد ذلك ~~دائم الاتصال بصديقه، يناقشان معا ما يعرض لهما من المسائل الفلسفية، إما ~~في كيمبردج عندما كان رسل يعاودها بالزيارة حينا بعد حين، وإما في منزل رسل ~~الريفي حين كان مور يعاوده بالزيارة حينا بعد حين. وكان الصديقان بطبيعة الحال ~~يؤثر أحدهما في الآخر بأفكاره ولفتاته، مما حدا برسل أن يعترف في مقدمة ~~كتابه «أصول الرياضة» بما هو مدين به لمور. ولعل هذا الاعتراف من رسل هو الذي ~~أوحى إلى كثيرين بالظن بأن مور كان أستاذا لرسل، وأنه أكبر منه سنا وأسبق ~~منه ms141 في الدراسة. وها هنا يحاول مور في تاريخ حياته الموجز الذي كتبه عن نفسه، ~~يحاول أن يؤكد أن الأفكار التي قصد إليها رسل عندما اعترف بفضل مور ~~عليه، قد تبين لهما معا - فيما بعد - أنها أفكار خاطئة، أي أن رسل لم يأخذ عن ~~مور - فيما يقول مور نفسه - إلا أخطاء على حين أن مؤلفات رسل قد كانت من ~~أهم ما أثار التفكير عند مور. فلئن كان رسل قد أثر تأثيرا بالغا في صديقه ~~بالاتصال الشخصي المباشر، إلا أن أثره فيه كان أبلغ وأعمق بكتبه التي ~~أنفق مور في دراستها وتحليلها وقتا أطول بكثير جدا - حسب اعترافه هو نفسه - ~~مما أنفقه في دراسة مؤلفات أي فيلسوف آخر على الإطلاق. # هذا ما يقوله فيلسوفنا مور عن تأثره برسل، فاسمع ما يقوله رسل عن تأثره ~~بمور. يقول ما معناه إنه بعد أن كان معجبا بكانت وهيجل وبرادلي في أول دراسته ~~الجامعية ، عاد فانفض عنهم جميعا لما تبين له أنهم على ضلال، «ولولا تأثير ~~جورج مور في تشكيل وجهة نظري، لجاء تحولي عن هؤلاء بخطوات أبطأ، فقد اجتاز ~~جورج مور في حياته الفلسفية المرحلة الهيجلية نفسها التي اجتزتها، لكنها كانت ~~عنده أقصر أمدا منها عندي، فكان هو الإمام الرائد في الثورة على الفلسفة ~~المثالية، وتبعته في ثورته، وفي نفسي شعور بالتحرر؛ فبعد أن كان برادلي يقول ~~عن كل الإدراكات الفطرية إنها ظواهر وليست من الحق في شيء، جئنا نحن لنقول إن ~~كل ما يقول الإدراك الفطري إنه حق فهو حق، ما دام هذا الإدراك الفطري غير ~~متأثر بفلسفة أو لاهوت.» # قلنا إن الصديقين لبثا على صلة دائمة ست سنوات بعد أن تخرج رسل من ~~الجامعة، لكن تلتها عشرة أعوام (1901-1911م) لم يلتقيا خلالها إلا نادرا، ~~ثم تلاقيا بعد ذلك في كيمبردج زميلين في التدريس. # 3 # قضى جورج مور ثمانية وعشرين عاما يدرس الفلسفة في كيمبردج (1911-1939م) وكان ~~من أهم الأحداث التي حدثت خلالها - فيما يروي مور في قصة حياته - لقاؤه ~~بفتجنشتين، الذي كان له ms142 فيما بعد أبلغ الأثر في توجيه مدرسة فلسفية معاصرة ~~نشأت في فينا، وهي ما أطلق عليها اسم «الوضعية المنطقية». كان فتجنشتين يستمع ~~لمحاضرات مور، فلمح الأستاذ في تلميذه نبوغا حمله على أن يقول: «سرعان ما ~~شعرت إزاءه أنه أبرع مني في الفلسفة بدرجة كبيرة، بل شعرت أنه كذلك أعمق ~~بكثير، وأنفذ مني بصيرة فيما ينبغي أن يكون عليه البحث والسير فيه.» ويمضي مور ~~في رواية قصته مع فتجنشتين فيقول: إنني لم أعد أراه في كيمبردج بعد سنة ~~1914م، حتى عاد إليها سنة 1929م، لكنني لما نشرت رسالته في فلسفة المنطق، ~~قرأتها، مرة بعد مرة محاولا أن أتعلم منها؛ فهي رسالة أعجبت وما أزال ~~أعجب بها إعجابا شديدا؛ نعم لقد وجدت فيها كثيرا مما لم أستطع فهمه، ~~لكنني كذلك - فيما أظن - قد فهمت منها أشياء كثيرة أراها تنير أمامنا الطريق ~~بضوء ساطع. ولما عاد فتجنشتين إلى كيمبردج سنة 1929م حضرت له محاضراته عدة ~~أعوام متلاحقة ، لم أزدد به خلالها إلا إعجابا فوق إعجاب؛ وأحسبه بغير ~~شك قد جعلني بتأثيره أتشكك في أشياء كثيرة كنت - لولاه - لأثبتها مطمئنا ~~لها. ولقد حملني على الاعتقاد بأن حل المسائل الفلسفية التي كانت تحيرني، إنما ~~هو مرهون باصطناع منهج أجاد هو استخدامه إجادة رائعة، وإنه ليسرني أنه هو ~~الذي قد خلفني في أستاذية الفلسفة بكيمبردج. # ولقاء آخر بشخص آخر يستحق الذكر، هو لقاء فيلسوفنا بأحد طلابه وهو ~~رامزي # F. P. Ramsey # الذي أبدى من المقدرة ~~والذكاء ما استوقف نظر الأستاذ، معترفا كذلك في صراحة أن التلميذ هنا أيضا ~~قد تفوق على أستاذه تفوقا جعل مور على شيء من القلق دائما أثناء المحاضرة ~~التي يكون رامزي أحد مستمعيها، خشية أن يزل في الخطأ أمام ذلك الذهن النافذ ~~المتوقد. ولقد كان يحلو للأستاذ أن يجتمع بالتلميذ على مناقشات لمسائل ~~فلسفية، حتى لقد تواعدا أن يتعاونا على عمل مشترك، لكن الموت عاجل ذلك ~~الشاب النابه قبل أن يبلغ الثلاثين. # ولا نختم الحديث عن حياة جورج مور قبل أن نذكر ms143 عنه جانبا هاما في تاريخ الفكر ~~الفلسفي الحديث، وهو توليه رئاسة تحرير مجلة «عقل» التي تعد من غير شك في ~~طليعة الطليعة من المجلات الفلسفية في العالم كله؛ وظل رئيسا لتحريرها منذ عام ~~1920 حتى ثقل عليه المرض الذي انتهي بموته (1959م). # 4 # لقد وردت عبارة في السيرة الذاتية التي كتبها مور عن حياته، تصلح - في رأيي- ~~أن تكون مفتاحا لموقفه الفلسفي كله، وهي العبارة التي يقول فيها: «إنني لا ~~أظن أن العالم أو العلوم كانت لتوحي إلي أية مشكلات فلسفية؛ أما ما قد ~~أوحى إلي بالمشكلات الفلسفية فهو أشياء قالها فلاسفة آخرون عن العالم وعن ~~العلوم؛ ففي كثير من المسائل التي أوحي إلي بها عن هذا الطريق، وجدت نفسي - ~~وما أزال أجد نفسي - مشغوفا بالبحث شغفا شديدا. وكانت هذه المسائل من ~~نوعين رئيسيين: النوع الأول منها مشكلات «تدور حول ما يكون الفيلسوف المعين ~~قد قصد إليه بشيء قاله، فماذا عساه يعنى - على وجه الدقة - بهذه العبارة ~~أو بتلك مما ورد في فلسفته؟ والنوع الثاني مشكلات تدور حول هذا السؤال: ماذا ~~يسوغ لهذا الفيلسوف أو ذاك أن يصف هذه العبارة أو تلك من أقواله بأنها حق؟ ~~أحسبني قد بذلت حياتي كلها محاولا حل مشكلات من هذين النوعين ~~المذكورين».» # أعتقد أن هذه العبارة الهامة التي قالها مور ليصف بها عمله الفلسفي ~~تكفيني - وتكفي كل كاتب يتصدى لوضع مور موضعه الصحيح من مجال النشاط الفلسفي ~~- مئونة البحث الطويل؛ فهو لم يبحث في العالم ولا في أي جزء منه بحثا ~~مباشرا. إنه لم يتورط في حكم يطلقه من عنده على الطبيعة أو ما وراء ~~الطبيعة، أو على الإنسان فردا أو مجتمعا مع غيره، إنه لم يتورط في رأي خاص ~~يدلي به في شئون السياسة أو الفن أو التاريخ مما ألفنا أن يتحدث فيه ~~الفلاسفة الآخرون، كلا بل إنه لم يتورط في تحليل القضايا العلمية تحليلا ~~مباشرا، بحيث يتناول ما يقوله العلماء - علماء الرياضة وعلماء الفيزياء بصفة ~~خاصة - ليصب تحليله على ما هو وارد في ms144 أقوالهم من مفاهيم وأحكام، أعنى أنه ~~لا هو قد واجه العالم الخارجي بظواهره مواجهة مباشرة وأدلي فيه برأي، ولا هو ~~تراجع خطوة فوقف وراء العالم الذي يتصدى للعالم وظواهره بالبحث المباشر، ~~بحيث جعل أقوال هذا العالم موضوعا لبحثه، بل إنه ترك مثل هذا التحليل - تحليل ~~أقوال رجال العلم - لغيره من الفلاسفة، أما هو فقد وقف وراء هؤلاء الفلاسفة ~~لينظر في معاني أقوالهم عن العلوم وعن العالم. فلو كان العالم هو الذي يصف ~~العالم بقوانينه وصفا مباشرا، ثم لو كان فيلسوف العلم هو الذي يحلل ما ~~يقوله العالم، فجورج مور هو فيلسوف الفلاسفة - كما يقال عنه أحيانا - لأنه ~~يصب تحليلاته، لا على العالم وظواهره ولا على العلماء وقضاياهم ومفاهيمهم، بل ~~يصبها على أقوال الفلاسفة باحثا عن معانيها التي قصد إليها أصحابها، حتى إذا ~~ما اطمأن إلى أنه قد فهم المقصود راح يسأل إن كان عند الفيلسوف ما يبرر له ~~الاعتقاد في صواب ما يقوله. # يتبين من هذا في جلاء أن كل ما يعمله «مور» هو «التحليل»، وليس هو أن ~~يضيف حكما جديدا عن جانب من جوانب العالم، أو عن قضية من قضايا العلم. عمله ~~هو التحليل من أجل فهم المعنى المقصود مما قد ورد على ألسنة الفلاسفة من ~~قبله وفي عصره. فتراه يقرأ كتابا من الكتب الفلسفية القديمة أو المعاصرة ليقف ~~عند فقرة أو عبارة أو كلمة، فيسأل عن معناها الذي يظنه المؤلف أمرا مفهوما ~~مسلما به، فإذا هو أمام تعقيد وغموض يقتضيانه أن يمضي في عملية التحليل، ~~حتى يزول التعقيد وينجلي الغموض، أو يصرح آخر الأمر أنه إزاء شيء غير مفهوم. ~~وما أكثر ما يقول الفلاسفة أشياء يظنونها واضحة وما هي بواضحة حتى تحل ~~وتشرح، ثم ما أكثر ما ينتهي التحليل والشرح إلى أن هؤلاء الفلاسفة إنما قالوا - ~~في حقيقة الأمر - شيئا بغير معنى. # والأداة التحليلية التي يستخدمها مور هي محاولته دائما أن يجد بدل العبارة ~~التي يتصدى لتحليلها عبارة أخرى تساويها معنى لكنها تكون أوضح منها؛ وذلك ~~لأن العبارة ms145 الثانية من شأنها أن تبسط ما كان قد تركز في العبارة الأولى، ~~ولهذا وجب أن تكون كلمات العبارة الثانية أكثر عددا من كلمات العبارة الأولى، ~~رغم تساويهما في المعنى. وأبسط مثل نسوقه لذلك هو أن نحلل العبارة القائلة: ~~«الحسن أخو الحسين» بقولنا: «إن الحسن والحسين اسمان أطلقا على ذكرين ~~اشتركا في الوالدين اللذين أنسلاهما، فوالد أحدهما هو والد الآخر، ووالدة ~~أحدهما هي والدة الآخر.» # 5 # ليست المشكلة عند مور هي ماذا نعرف؟ بل المشكلة هي: ماذا نعني بهذا الذي نقول ~~إننا نعرفه؟ ذلك لأنه يركن في تحصيل المعرفة إلى الذوق الفطري - وهذه هي إحدى ~~خصائصه المميزة - فالذوق الفطري، أو الإدراك الفطري، صادق فيما يهدينا إليه ~~من صنوف المعرفة. ولو جاءك إدراكك الفطري بمعرفة، كأن تعرف مثلا أنك موجود ~~وأنك ذو بدن وأنك تنتقل من مكان إلى مكان وهكذا، أقول إنه لو جاءك إدراكك ~~الفطري بمعرفة كهذه ثم سألت: أهي معرفة صادقة؟ كنت في رأي مور تسأل سؤالا غير ~~مشروع. ومع ذلك فما أكثر ما يسأل الفلاسفة أسئلة كهذه! أهذه المنضدة التي أمامي ~~وهذه الورقة وهذا القلم في يدي موجودة حقا؟ هل أنا اليوم هو نفس الشخص الذي ~~كنته بالأمس؟ هل أنا حر الإرادة في تحريك يدي حين أحركها بكتابة هذه ~~الأسطر الآن؟ وإذا كنت موقنا بوجودي، فهل أوقن كذلك بوجود الأشخاص الآخرين، ~~وبأن لهم مشاعر كمشاعري وخواطر كخواطري، وهكذا وهكذا. نعم ما أكثر ما سأل ~~الفلاسفة أسئلة كهذه يريدون أن يستوثقوا بها إن كان إدراكهم الفطري قد ~~صدقهم النبأ حين أنبأهم بهذه الأمور كلها. أما «مور» فموقفه آخر، وهو ~~أن السؤال لا يكون عن صدق ما يجيء به الإدراك الفطري؛ لأن هذا الصدق لا ~~ينبغي أن يكون موضع تساؤل، وإنما يكون السؤال عن تحليل المعرفة التي يجيء بها ~~الإدراك الفطري لنلم بعناصرها فنفهم مقوماتها ومدلولها فهما ~~صحيحا. # ويشرح مور وجهة نظره هذه في بحث عنوانه «دفاع عن الذوق الفطري» يقول فيه ~~إنه بالإدراك الفطري موقن بأن ثمة الآن جسدا بشريا ms146 - هو جسده - وأن هذا ~~الجسد قد ولد في لحظة معينة من الزمن الماضي، وأنه لم يزل منذ تلك ~~اللحظة موجودا وجودا متصلا، رغم تعرضه للتغير، فمثلا كان لحظة ~~ولادته أصغر جدا مما هو الآن؛ ولقد ظل هذا الجسد منذ ولادته حتى الآن إما ~~لصيقا بالأرض أو مفارقا لها على مسافة ليست بعيدة عنها؛ ولقد كانت هنالك منذ ~~ولد هذا الجسد، أشياء أخرى كثيرة، ذوات شكل وحجم في أبعاد ثلاثة، وأن هذا الجسد ~~قد كان على مسافات متفاوتة من هذه الأشياء، فبعضها أقرب إليه من بعض. ومن بين ~~الأشياء التي كانت تحيط به منذ ولادته فتكون بيئته، عدد كبير من الكائنات ~~البشرية، كل منها شبيه به في أنه (أ) قد ولد في لحظة معينة من الزمن ~~الماضي، (ب) وأنه قد لبث موجودا فترة ما بعد ولادته، وأنه (ج) كان في لحظة ~~زمنية منذ ولادته إما لصيقا بالأرض أو مفارقا لها مسافة ليست بعيدة عنها، وأعلم ~~كذلك بإدراكي الفطري أن كثيرين من هؤلاء الناس قد ماتوا واختفوا من الوجود، كما ~~أعلم أن الأرض التي نعيش عليها كانت موجودة قبل ولادتي بزمن طويل؛ وأنها شهدت ~~ناسا غيري ولدوا وماتوا قبل أن يولد جسدي، وأخيرا فإني أعلم أنني كائن بشري ~~أخذت تمر به الخبرات منذ ولادته، فيدرك بحواسه أشياء وما بينها من ~~علاقات. # هذه كلها أشياء عرفناها بالإدراك الفطري، معرفة لا يجوز أن تكون موضع تساؤل، ~~وإنما الذي يجوز - بل يجب - إزاءها، هو أن نوضح بالتحليل ما هو متضمن فيها، ~~ابتغاء الفهم الكامل لمدلولاتها. إن عبارة مثل قولنا: «لقد كانت الأرض موجودة ~~لعدة أعوام مضت.» حقيقة يشهد الذوق الفطري بصدقها، وليس وراء شهادته شهادة، ~~لكننا لو سألنا فلاسفة كثيرين: هل صحيح أن الأرض كانت موجودة لعدة أعوام ~~مضت؛ لما عدوه سؤالا بسيطا يجاب عليه بنعم أو بلا، أو يجاب عليه بقولنا ~~إننا لا نعرف الجواب الصحيح، بل تراهم يقولون: إن الإجابة تتوقف على معنى ~~الكلمات التي وردت فيه، مثل كلمة «الأرض» وكلمة «موجودة» وكلمة ms147 «سنين» فإذا كانت ~~معاني هذه الكلمات هي كذا وكذا فالجواب هو كذا، وأما إذا كانت معانيها هي كيت وكيت ~~فالجواب هو كيت. لكن مور - على خلاف أمثال فلاسفة كهؤلاء - يؤكد أن عبارة كهذه ~~هي نموذج الوضوح، لأنها مفهومة عند الإدراك الفطري، وهذا وحده فيه ما يكفي؛ وكل ~~من ساورته النفس بأن يتشكك في فهمه لعبارة كهذه، هو في الحقيقة شخص يخلط بين ~~مسألتين مختلفتين؛ الأولى هي: هل نفهم العبارة؟ والثانية هي هل نعرف تحليل ~~هذا الذي فهمناه؟ أي أنه هو الفرق بين إدراك المعني من جهة وإدراك عناصره التي ~~ينحل إليها من جهة أخرى، وهي تفرقة بالغة الأهمية؛ لأنه بينما يجعل فلاسفة ~~كثيرون الأمر الأول موضوع اهتمامهم، ترى مور ينقل مركز الاهتمام إلى الأمر ~~الثاني؛ فهو - مثلا - لا يسأل كما سأل ديكارت: هل حقا أنا موجود؟ بل هو يسأل ~~بدل ذلك: ما تحليل العبارة التي أقول بها إنني موجود؟ # والفرق - كما ترى - بعيد بين الوقفتين، فالذي يتشكك فيه الفلاسفة الآخرون ~~يجعله مور موضع تصديق لا شك فيه، والذي يؤمن بصدقه الفلاسفة الآخرون هو الذي ~~يجعله مور موضع شك وحافزا على البحث؛ فقد يتشكك الآخرون في صدق عبارة كهذه: ~~«قد ظلت هذه الأرض موجودة لأعوام كثيرة مضت.» ويتساءلون ما برهاننا على ~~صوابها؟ وهم في الوقت نفسه يطمئنون إلى الطريقة التي يحللون بها معناها كأنما ~~هم على فهم دقيق لعناصرها. أما مور فيعكس الوضع: فهو لا يشك في صدق العبارة ~~لكنه في الوقت نفسه لا يطمئن أبدا إلى تحليلها الصحيح كيف يكون وماذا عساه أن ~~يكون. # 6 # ويطبق مور مبدأه في قبول الإدراك الفطري على فكرة الخير فلا يتردد في ~~قبولها إذ يكفي أن الإنسان بإدراكه الفطري يعلم أن الخير موجود. # فإذا سألت عن «الخير» ما تعريفه، فستنتهي إلى أنه شيء بغير تعريف، لأنك لكي ~~تعرف الشيء، فلا بد لك من تحليله إلى عناصره البسيطة، أما إذا كان بسيطا ~~بطبيعته لا ينحل إلى ما هو أبسط، تعذر التعريف؛ فالبسيط يدرك بذاته إدراكا ms148 ~~مباشرا ولا يحتاج إلى سواه ليعين على توضيح معناه؛ لهذا يقول مور: إنني إذا ~~سئلت «ما هو الخير؟» لأجبت بقولي: «الخير هو الخير.» # وفي هذا ختام السؤال وختام الإشكال، أو إذا سئلت «كيف تعرف الخير؟ لأجبت ~~بقولي: «إن الخير لا تعريف له؛ لأنه فكرة بسيطة شأنها في ذلك تماما شأن اللون ~~الأصفر، فكيف تعرف اللون الأصفر لمن لم يره؟ إن ذلك محال، لأن اللون ~~الأصفر بسيط غير مركب، ويدرك مباشرة أو لا يدرك على الإطلاق؛ فكذلك الخير؛ ~~فالتعريف محال إلا على الأشياء المركبة، وأما الأشياء البسيطة فواضحة بذاتها ~~وليست بحاجة إلى تعريف».» # إنك تستطيع أن تعرف الحصان، لأن الحصان مؤلف من خصائص مختلفة كثيرة، ~~وتعريفه هو عبارة عن عد هذه الخصائص، أما إذا وصلت إلى الخصائص البسيطة وأردت ~~تعريف إحداها، فلن تجد ذلك مستطاعا، لأنها هي نهاية طريق التحليل والتعريف، فهي ~~أشياء تنظر إليها وتدركها، لا أكثر ولا أقل - وعند مور أن «الخير» هو من قبيل ~~تلك الأفكار البسيطة التي تدرك مباشرة وتدرك بذاتها، وليس وراءها ما هو أبسط ~~منها تنحل إليه وتعرف به؛ وهنا ينبهنا مور إلى غلطة وقع فيها الفلاسفة ~~الأخلاقيون، وهي أنهم إذا رأوا هذه الحقيقة البسيطة مقترنة دائما بصفة أخرى ~~ظنوا أن هذه الصفة الأخرى هي تعريف الخير، مثال ذلك أن يروا الخير مصحوبا ~~دائما بنشوة النفس أو سعادتها، فيقولون إن الخير هو السعادة، على حين أن ~~اقتران الشيئين لا يجعلهما شيئا واحدا. # 7 # هكذا كان مور نصيرا للذوق الفطري، أو الإدراك الفطري، في قبوله لما يراه ~~الإدراك الفطري حقا ورفضه لما يراه الإدراك الفطري باطلا. فإن قال الإدراك ~~الفطري إن في يدي قلما، كان هنالك يد وقلم على الرغم من كل ما يقوله ~~الميتافزيقيون عن صدق أو عدم صدق هذا القول؛ وكما أسلفنا، ليست الفلسفة عند مور ~~هي أن تسأل إن كان هنالك حقا يد وقلم أو لم يكن، بل مهمتها هي - بعد ~~قبولها لصدق ما يقرره الإدراك الفطري - مهمتها أن تبحث عما عسى أن ms149 يعنيه ~~ذلك بالتفصيل. فإن كانت المعطيات الحسية هي التي دلتنا على وجود القلم بين ~~أصابع اليد، سألنا ما طبيعة المعطيات الحسية، وما طبيعة الإدراك الحسي ~~وهكذا. # كذلك إن قرر لنا الإدراك الفطري أن في العالم خيرا، كان وجود الخير أمرا ~~لا ينازع فيه، وتصبح مهمة الفلسفة تحليل العبارة التي تقول «هذا خير» لا أن ~~تتشكك في صوابها. # وكان من أهم ما كتبه مور فصل بعنوان «دحض المثالية» يحلل فيه موقف ~~الفلاسفة المثاليين تحليلا يظهر بطلان مذهبهم؛ فهذا المذهب محوره الرئيسي ~~هو المبدأ القائل بأن وجود الشيء هو وقوعه في خبرة ذات ما. ولما كانت خبرة ~~الذات روحانية في طبيعتها وليست مادية، كان الوجود كله روحانيا في طبيعته ~~فيتناول مور مبدأهم هذا بالتحليل ليبين أنه ينطوي على تناقض؛ لأنه إذا كان هذا ~~المبدأ صادقا كما يزعم له أصحابه، فلا يخرج صدقه هذا عن أن يكون إما صدقا ~~تحليليا أو صدقا تركيبيا، (والصدق التحليلي هو الذي يقام عليه البرهان ~~بقانون عدم التناقض وحده؛ فيكفي أن يكون الشطر الثاني من الجملة متضمنا في ~~الشطر الأول منها، وألا يكون بين الشطرين تناقض، لنقول عن الجملة إنها صادقة ~~صدقا تحليليا. وأما الصدق التركيبي فهو ما لا يكتفى في البرهان عليه بقانون ~~عدم التناقض وحده، بل لا بد كذلك من صدق الجملة على الواقع). # نقول إن صدق هذا المبدأ إما تحليلي أو تركيبي بالمعني الذي حددناه الآن ~~لهاتين الكلمتين؛ فإن كان تحليليا، كانت كلمة «خبرة» وكلمة «وجود» ~~مترادفتين ولم يكن المبدأ دالا على شيء سواء أكان صادقا أم كاذبا، فذلك ~~شبيه بأن تكرر كلمة «الورقة» مثلا مرتين: فتقول الورقة الورقة، فلا يكون ~~ذلك دليلا على وجود ورقة أو عدم وجودها. وأما إن كان صدق مبدئهم تركيبيا، احتاج ~~الأمر إلى واقع موجود خارج الذات نفسها لنراجع المبدأ عليه فنعرف إن كان ~~صادقا حقا أو غير صادق، وما دام هنالك واقع خارج الذات، بطل أن يكون الوجود ~~منحصرا في الذات وحدها. # على أن هذه اللمحات القصيرة التي قلتها ms150 عن بعض الجوانب التي تناولها مور ~~بتحليلاته، ليست بذات نفع كبير؛ لأن أهم ما في فيلسوفنا هو طريقته في ~~التحليل، وليس هو هذه النتيجة المعينة أو تلك في الميتافيزيقا أو في الأخلاق أو ~~في غيرهما من موضوعات البحث الفلسفي. # 1 # ولد برتراند رسل سنة 1872م. وقد جاء في الترجمة الذاتية الموجزة التي كتبها ~~عن نفسه ما معناه: # ماتت أمي وأنا في الثانية من عمري، وكنت في الثالثة حين مات أبي، فنشأت في ~~دار جدي لورد جون رسل، ثم مات جدي، فتولتني بالتعليم جدتي، فكانت أقوى ~~أثرا في توجيهي من أي شخص آخر، وقد أرادت جدتي هذه لأولادها ولأحفادها أن ~~يحيوا حياة نافعة فاضلة، ولم يكن بها ميل أن ينصرف أولئك الأولاد والأحفاد في ~~حياتهم إلى ما قد تواضع سائر الناس على تسميته بالنجاح. وكانت بحكم عقيدتها ~~البروتستانتية تؤمن بضرورة أن يكون للأفراد أنفسهم حق الحكم على الأشياء، بحيث ~~يكون لضمير الفرد سلطة عليا. وكانت مكتبة جدي هي غرفة دراستي وموجهة ~~حياتي، فكان فيها من كتب التاريخ ما أثار اهتمامي: # وحدث حادث عظيم في حياتي عندما كنت في عامي الحادي عشر، وهو أني بدأت دراستي ~~لإقليدس، الذي لم يزل عندئذ هو المتن المعترف به في دراسة الهندسة، وأحسست ~~بشيء من خيبة الرجاء، حين وجدته يبدأ هندسته ببديهيات لا بد من التسليم بها ~~بغير برهان؛ فلما تناسيت هذا الشعور، وجدت في دراسته نشوة كبرى، حتى لقد ~~ظلت الرياضة بقية أعوام الصبا تستوعب شطرا كبيرا جدا من ~~اهتمامي. # وذهبت إلى كيمبردج في سن الثامنة عشرة، وكنت قد عشت حياة معتزلة إلى حد ~~بعيد؛ ذلك أني نشأت في داري على أيدي مربيات ألمانيات، ثم انتهى أمري بعد ~~ذلك إلى مربين من الإنجليز، فلم أخالط الأطفال إلا قليلا، وحتى إن ~~خالطتهم وجدتهم لا يثيرون من نفسي اهتماما بأمرهم. ولما كنت في عامي الرابع ~~عشر أو الخامس عشر، اهتممت بالدين اهتماما شديدا، وجعلت أقرأ مفكرا في ~~البراهين التي تقام على حرية إرادة الإنسان وعلى خلوده وعلى ms151 وجود الله. وقد ~~كان يشرف على تربيتي لبضعة أشهر أستاذ متشكك، فكنت أجد الفرصة سانحة ~~لمناقشته في أمثال هذه المسائل، لكنه طرد من عمله، ولعلهم طردوه لظنهم أنه ~~يهدم لي أساس إيماني، فإذا استثنيت هذه الأشهر التي قضيتها مع هذا الأستاذ ~~وجدتني قد احتفظت بفكري لنفسي، أدونه في يوميات بأحرف يونانية حتى لا ~~يقرأها سواي؛ لهذا كنت أشقى شقاء من الطبيعي أن يعانيه مراهق معتزل عن ~~الناس، وعزوت شقائي عندئذ إلى فقداني للإيمان الديني. # فلما ذهبت إلى كيمبردج انفتح أمامي عالم جديد من نشوة ليس لها حدود، إذ ~~وجدت للمرة الأولى أنني إذا ما صرحت بما يدور في خلدي من أفكار، صادف عند ~~السامعين قبولا، أو كان عندهم - على الأقل - جديرا بالنظر؛ وكان وايتهد هو ~~الذي اختبرني في امتحان الدخول، وقد ذكرني لكثيرين، فلم يمض أسبوع واحد حتى ~~التقيت بمن أصبحوا بعد ذلك أصدقاء العمر كله، وهم نفر يتميزون بقدرتهم ~~العقلية وتحمسهم وأخذهم الأمور مأخذ الجد، وكانوا يتناولون باهتمامهم ~~أمورا كثيرة خارج نطاق عملهم الجامعي، فيولعون بالشعر والفلسفة، ويناقشون ~~السياسة والأخلاق وشتى نواحي العالم الفكري، فكنا نجتمع أماسي أيام السبت ~~لندخل في مناقشات تطول حتى ساعة متأخرة من الليل، ثم نلتقي على إفطار متأخر ~~صباح الأحد، ثم نخرج معا للمشي بقية اليوم. # كان ماكتاجارت بين أصدقائي في كيمبردج وهو الفيلسوف الهيجلي الذي حملنا ~~بفطنته على دراسة الفلسفة الهيجلية، وقد علمني كيف أنظر إلى الفلسفة التجريبية ~~الإنجليزية نظرة ترى فيها فجاجة وسذاجة. وكنت أميل إلى الاعتقاد بأن هيجل - ~~وكذلك كانت بدرجة أقل - يتصف بعمق هيهات أن تجد له مثيلا في لوك وباركلي ~~وهيوم، بل هيهات أن تجد له مثيلا عند الرجل الذي كنت قد اتخذته لنفسي قبل ذلك ~~إماما روحيا، وأعني به جون ستيوارت مل. كنت في الثلاثة الأعوام الأولى من ~~حياتي في كيمبردج أكثر شغلا بالرياضة من أن أجد فراغا أقرأ فيه كانت أو هيجل، ~~أما في السنة الرابعة فقد انصرفت إلى الفلسفة باهتمامي. # وقد حدثت لي خلال عام 1898م ms152 أحداث جعلتني أنفض عن كانت وعن هيجل في آن ~~معا. من ذلك أني قرأت كتاب هيجل «المنطق الكبير» فكان رأيي فيه عندئذ - ولا يزال ~~هو رأيي إلى اليوم - أن كل ما قاله هيجل عن الرياضة كلام فارغ خرج من رأس ~~مهوش. كذلك حدث في ذلك العام ما جعلني أرفض براهين برادلي التي أراد بها أن ينفي ~~التكثر في الأشياء، لنفيه وجود ما بينها من علاقات، كما رفضت كذلك الأسس ~~المنطقية للمذهب الواحدي، وكرهت النظرة الذاتية التي تنطوي عليها فلسفة كانت، ~~ولولا جورج مور في تشكيل وجهة نظري لفعلت هذه العوامل فعلها بخطوات أبطأ؛ فقد ~~اجتاز مور في حياته الفلسفية المرحلة الهيجلية التي اجتزتها، لكنها كانت عنده ~~أقصر أمدا منها عندي، فكان هو الإمام الرائد في الثورة، وتبعته في ثورته وفي ~~نفسي شعور بالتحرر. لقد قال برادلي عن كل شيء يؤمن به الذوق الفطري عند ~~الناس إنه ليس سوى ظواهر، فجئنا نحن وعكسنا الوضع من طرف إلى طرف؛ إذ قلنا: ~~إن كل ما يقول عنه ذوقنا الفطري إنه حق فهو حق، ما دام ذلك الذوق الفطري ~~في إدراكه للشيء لم يتأثر بفلسفة أو لاهوت. وهكذا طفقنا - وفي أنفسنا شعور ~~الهارب من السجن - نؤمن بصدق الذوق الفطري فيما يدركه، فاستبحنا لأنفسنا ~~أن نصف العشب بأنه أخضر، وأن نقول عن الشمس وعن النجوم إنها موجودة حتى لو لم يكن ~~هناك العقل الذي يعي وجودها في خبرته، ولكن ذلك لم يمنعنا عندئذ من الاعتراف ~~أيضا بوجود عالم من المثل الأفلاطونية، فيه كثرة وليس يحده زمن، وهكذا ~~تغير العالم أمام أعيننا. # جاء عام 1900م فكان أهم عام في حياتي الفكرية، وأهم ما حدث لي فيه زيارتي ~~للمؤتمر الدولي للفلسفة في باريس، فقد كانت تقلقني الأسس التي تقوم عليها ~~الرياضة منذ اليوم الذي بدأت فيه دراسة إقليدس وعمري لم يزد على أحد عشر عاما. ~~ولما أخذت بعد ذلك في قراءة الفلسفة، لم أجد ما يرضيني عند (كانت) أو عند ~~التجريبيين، فلم أطمئن لقول «كانت» عن القضية ms153 الرياضية، إنها قبلية ~~تركيبية معا (أي أنها من عند العقل ومنطبقة على الواقع الخارجي في آن واحد) ~~ولا رضيت بما قاله التجريبيون من أن علم الحساب مؤلف من تعميمات جاءتنا ~~بها التجربة. وذهبت إلى ذلك المؤتمر في باريس، فتأثرت بما لمسته خلال ~~المناقشات من دقة عند «بيانو» وتلاميذه، وهي دقة لم أجدها في سواهم، فطلبت ~~منه أن يطلعني على مؤلفاته فاستجاب. ولم أكد أدرس فكرته دراسة شاملة حتى ~~رأيتها توسع نطاق الدقة التي ألفناها في علوم الرياضة، بحيث تشمل موضوعات ~~أخرى لبثت حتى ذلك الحين نهبا للغموض الفلسفي، وأضفت من عندي فكرة «العلاقات» ~~ولحسن حظي وجدت وايتهد راضيا عن منهج البحث الجديد مدركا لأهميته، فلم ~~نلبث طويلا حتى بدأنا نتعاون معا على تحليل موضوعات معينة كتعريف التسلسل ~~والأعداد ورد الحساب إلى أصول في المنطق. نعم كان «فريجه» قد أدى بالفعل ~~كثيرا مما علمناه، ولكننا في البداية لم يكن لنا بذلك علم ... وقد كانت ثمرة هذا ~~التعاون بين رسل ووايتهد كتابهما المشترك «أسس الرياضة» الذي يعد بحق فاتحة ~~عهد جديد في التحليلات المنطقية. وإذا قلنا ذلك فقد قلنا إنه فاتحة عهد جديد في ~~تاريخ الفلسفة الحديثة على الإطلاق. # 2 # فمن أهم النتائج التي وفق إليها برتراند رسل، تحليله للرياضة تحليلا يكشف ~~العلاقة بينها وبين المنطق، كشفا يزيل الغموض والألغاز اللذين كانا طوال العصور ~~الماضية يحيطان بطبيعة العلوم الرياضية، فمن أين يجيء لها اليقين؟ لقد كان ~~الفلاسفة العقليون والمثاليون فيما مضى يرون في يقين الرياضة أقوى سند ~~يستندون إليه في دعواهم بأن العقل وحده - دون الحواس - هو مصدر المعرفة ~~الصحيحة، وأن العلوم الطبيعية إذا شاءت لنفسها نتائج يقينية كنتائج الرياضة، ~~فعليها أن تتبع المنهج نفسه الذي تتبعه الرياضة، ألا وهو المنهج الاستنباطي ~~الذي يستولد من الحقائق العقلية نتائجها، ولا يلجأ إلى مشاهدة الحواس. # كان ذلك هو الموقف إزاء الرياضة ويقينها، حتى جاءت التحليلات الرياضية المنطقية ~~الحديثة - وفي طليعة أعلامها رسل- فأظهرت أن الرياضة لا تمت إلى العلوم ~~الطبيعية بشبه حتى تجوز المقارنة بينهما، ms154 إنما هي امتداد للمنطق الصوري، ~~فكلاهما بناء واحد يقوم على قاعدة واحدة، وهذا البناء صوري في طبيعته، أي أنه ~~يصدق لما بين أجزائه من اتساق وعدم تناقض، لا لما بينه وبين الخارج من ~~تطابق؛ فقد تبني - إذا شئت وإذا أسعفتك المقدرة الرياضية - عشرين بناء ~~رياضيا كل منها مستقل عن الآخر، وكلها صادق على حد سواء، لأن كلا ~~منها يخلو في داخله من التناقض مع أنه محال أن ينطبق من هذه البناءات العشرين ~~على الواقع الخارجي إلا بناء واحد على الأكثر. # وطريق السير عند أصحاب هذه التحليلات الرياضية المنطقية الحديثة، هو أولا: أن ~~يردوا فروع الرياضة كلها إلى حساب، ثم يردوا الحساب إلى العدد، ثم ~~يحللوا العدد إلى أصوله وجذوره، فإذا هذه الأصول والجذور ضاربة في أرض ~~المنطق، فما هو العدد عند برتراند رسل ومن ذهب مذهبه مثل «فريجه»؟ العدد تحليله ~~هو أنه فئة من فئات، فالعدد ثلاثة - مثلا - هو رمز نشير به إلى مجموعة كبيرة ~~نتصورها وهي تضم المجموعات الصغيرة التي قوام كل منها ثلاثة أعضاء ، أعني أنك ~~لو تصورت كل ما في العالم من ثالوثات، ثم حزمت هذه الثالوثات كلها في حزم ~~واحدة، كان لك بذلك فئة كبيرة تضم فئات صغيرة متشابهة في أن لكل منها ثلاثة ~~أعضاء؛ وإذا كان هذا هو تحليل العدد، إذن فالجذور الأولية التي يتألف منها هي ~~فكرة «الفئات» والفئات - وهي ما كانت تسمى في المنطق الأرسطي بالأنواع - هي من ~~مدركات المنطق الخالص، وهكذا نكون قد أزلنا الحاجز الذي يفصل المنطق عن ~~الرياضة، وجعلناهما امتدادا لشيء واحد؛ حتى ليصبح من الأمور الجزاف أن تختار ~~موضعا معينا ترسم عنده خطا وتقول: إن ما قبل الخط منطق وما بعده ~~رياضة، لأنه يجوز لك أن تضع الخط في أي موضع شئت من هذا الطريق الواحد الممتد من ~~نقطة الابتداء في المنطق إلى نقطة الانتهاء في الرياضة. # وما مؤدى هذا الاتصال بين المنطق والرياضة؟ مؤداه أن الرياضة تصبح كالمنطق ~~تحصيلات حاصل، ومن ثم فهي لا تتعرض للخطأ، لأن تحصيل ms155 الحاصل هو تكرار شيء واحد ~~مرتين، وليس فيه تورط بنبأ ينبئ به عن العالم الخارجي حتى يجوز لهذا النبأ ~~أن يصيب أو أن يخطئ؛ فأنت في المنطق إذ تقول: إن الدنيا غدا، إما أن تمطر ~~أو لا تمطر، فإنما تقول بذلك كل الاحتمالات الممكنة، بحيث يستحيل الخطأ بعد ~~ذلك، والخطأ مستحيل لأنك لا تورط نفسك في ~~حكم معين كأن تقول مثلا: إن الدنيا ستمطر غدا، فإذا جاء الغد ولم تمطر ~~كنت مخطئا. وكذلك حين تقول: إنه إذا كانت س مشمولة في ص، وص مشمولة في م، إذن ~~تكون س مشمولة في م، كان قولك هذا صادقا صدقا مطلقا؛ لأنك لم تفعل به سوى أن ~~عينت معنى الاشتمال، ولم تزعم زعما بعينه عن حقائق الوجود الخارجي، ولا كذلك ~~الأمر إذا ورطت نفسك في حكم معين على شيء بذاته من أشياء العالم، كأن تقول ~~مثلا إن النوع الإنساني مشمول في مجموعة الحيوان، فها هنا قد تجد من يؤيد ~~ومن يفند؛ وهكذا الحال في كل معادلة رياضية. فقولنا 2 + 2 = 4 لا يثبت ~~شيئا ولا ينفي شيئا في العالم الخارجي، بل إن هذا العالم الخارجي قد لا يكون ~~مشتملا على أربعة أشياء كائنة ما كانت، ومع ذلك يكون من حقك أن تقول هذه ~~المعادلة لأنها لا تفعل سوى أن تبين معاني الرموز المستخدمة فيها. # وإذا كان هذا هكذا فلم يعد يجوز للفلاسفة العقليين أن يحتجوا على الفلاسفة ~~التجريبيين بيقين الرياضة؛ لأن الفرق واسع بين طبيعة الرياضة من جهة ~~وطبيعة العلوم التجريبية من جهة أخرى، فبينما الأولى تحصيلات حاصل لا تقيد ~~نفسها بحكم معين عن العالم، تتصدى الثانية لأحكام محددة تطلقها على ~~العالم، وهي بعد ذلك إما أن تخطئ أو تصيب. # 3 # ولفيلسوفنا رسل نظرية في المعرفة يبني عليها كثيرا من أركان فلسفته؛ فالمعرفة ~~عنده نوعان: نوع يسميه المعرفة بالاتصال المباشر، ونوع آخر يسميه المعرفة ~~بالوصف. وأما الأولى فهي تلك المعرفة التي نحصلها بلمسنا للأشياء لمسا ~~مباشرا؛ فبياض الورقة التي أمامي الآن يأتيني بالرؤية ms156 المباشرة، وصلابة القلم ~~في يدي تأتيني باللمسة المباشرة، وطعم الحلوى في فمي يأتيني بالذوق المباشر، ~~وصوت العربات في الطريق الآن يطرق سمعي بطريق مباشر وهكذا. هذه كلها شذرات من ~~معرفة مباشرة، أو معرفة بالاتصال المباشر بيني وبين الأشياء التي أحسها ~~بحواسي، فإذا تناولت هذه المعطيات الحسية وركبت منها أشياء في ذهني. كان ~~هذا التركيب الناشئ معرفة بالوصف، فأنا أقول «ورقة» لكنني في الحقيقة لا أرى ~~ورقا ولا ألمس ورقا، إنما أرى لمعة بيضاء، وألمس ملمسا ~~لينا، فإذا أضفت هذه اللمعة الضوئية ~~المعينة إلى هذا الملمس اللين إلى غير ذلك من سائر المعطيات الحسية ~~التي تأتيني من مصدر خارجي معين، ثم أطلقت على التركيبة التي ركبتها اسم ~~«ورقة»، كان هذا الاسم في الحقيقة إنما يسمى تصورا أنا الذي أنشأته لنفسي ~~من المادة الخامة التي جاءتني متناثرة في معطيات حسية مباشرة، وإذن فهي ~~معرفة يدخلها استدلال، وليست هي بالمعرفة المباشرة، فكل معرفة مباشرة هي من ~~قبيل المعرفة الجزئية، لأن حواسنا - بالبداهة - لا تمس إلا موجودا مفردا ~~فريدا ماثلا أمام الحواس؛ وأما المعرفة الكلية بشتى درجاتها فمعرفة من الضرب ~~الثاني، وهي المعرفة بالوصف، فليس في وسعك أن تكون كلمة كلية مثل «ورقة» أو ~~«شجرة» إلا إذا كان لديك قبل ذلك حصيلة من معرفة جزئية حسية مباشرة، ثم ~~بنيت منها تركيبات في ذهنك، أسميت تركيبة منها «ورقة» وتركيبة أخرى «شجرة» ~~وهلم جرا. # ويؤدي هذا التحليل بنا إلى نتيجة خطيرة، وهي أن الكلمة الكلية ليست في ~~الحقيقة اسما واحدا يطلق على شيء بعينه كما قد يتبادر إلى الذهن، بل هي ~~رمز تكون في الداخل ولا يقابله شيء قط في الخارج؛ فليس في الخارج شيء ~~معين قائم في نقطة مكانية معينة وفي لحظة زمانية معينة، اسمه «شجرة» ~~على سبيل الإطلاق والتعميم، بل الذي في الخارج هو هذه الشجرة المفردة المعينة ~~وتلك الشجرة المفردة المعينة، وأما الكليات والتعميمات فمقامهما في ~~الذهن ولا وجود لها في الخارج؛ ومعنى ذلك أن كل كلمة كلية تظل تركيبة ~~صورية معلقة بغير ms157 مدلول حتى نعثر لها على الفرد الجزئي الذي ندركه ~~بالحس المباشر، فيحول الوجود الذهني الصوري إلى وجود فعلي واقعي. # الكلمة الكلية ليست اسما واحدا يطلق على شيء بعينه، بل هي عبارة وصفية ~~بأكملها ضغطت في كلمة واحدة، فقولك «إنسان» مساو لقولك: «كائن ما يتصف ~~بكذا وكذا من الصفات.» وهذه العبارة الوصفية قد تجد الفرد الذي يتمثلها ~~ويجسدها، فتتحول من مجرد ثوب خال بغير لابس إلى أمر واقع ملموس، أو ~~إلى فرد معين يلبس ذلك الثوب ويجسده. وهكذا يصبح المدار في مدلول ~~الكلمات ومعنى العبارات كلها هو عالم الحس وما فيه من أشياء ومن أفراد، فإن ~~وجدت هذه؛ كان للكلمات والعبارات مدلول ومعنى، وإلا فهي تظل صورة خالية ~~معلقة، وهذا هو معنى قول رسل: إن الكلمات الكلية رموز ناقصة؛ لأنها في ~~ذاتها لا ترمز إلى شيء، ولا بد لها أن تكمل بفرد نصادفه في عالم الأفراد ~~المحسوسة ليكمل معنى الرمز الناقص. # 4 # قلنا إنك إذا ما ركنت إلى حواسك في إدراك العالم من حولك، ألفيتك - في ~~حقيقة الأمر - لا تدرك «أشياء» مجسدة بل تدرك أحداثا متلازمة أو ~~متتابعة؛ فأنت لا تدرك «منضدة» و«مقعدا» و«ورقة» و«قلما» بل تدرك لمعات من ~~الضوء ونبرات من الصوت ولمسات من الصلابة أو الليونة وهكذا. أما ~~المنضدة بكتلتها وجسمها، والمقعد بكتلته وجسمه وهكذا، فكما أسلفنا، تركيبات ~~ذهنية نركبها في الداخل من تلك المعطيات الحسية الآتية من الخارج، فما لمعات ~~الضوء ونبرات الصوت ولمسات الصلابة «بأشياء» بالمعنى المألوف لهذه الكلمة، بل هي ~~أحداث، ومن هذه الأحداث يتكون العالم كما نعرفه. # وحلل المادة مهتديا بالفيزياء الذرية الحديثة، تجدها قد فقدت ما كان ~~يعزى إليها من تماسك وصلابة، لأنها قد ارتدت إلى ذرات، لا بالمعنى القديم ~~الذي كان يجعل الذرة أشبه بكرة صغيرة متصلبة مكتنزة اللحم والعظم، بل ~~بالمعنى الجديد الذي يجعل الذرة كهارب موجبة وكهارب سالبة، أو قل إنه يجعلها ~~إشعاعا ضوئيا يمتد على فترة من الزمن، فكأنما الذرة الواحدة قوامها سلسلة ~~أحداث يتلو بعضها بعضا، فهي بمثابة تاريخ ms158 متصل الحلقات متتابع الحوادث، ~~وليست هي بالشيء الذي يوجد كله دفعة واحدة في لحظة واحدة. # وهكذا الأمر في كل شيء: كل شيء هو خط من حوادث، أو هو سيرة وصيرورة، والذي ~~يجعله شيئا واحدا هو ما بين أجزائه المتتابعة من علاقات تتشابك على نحو ~~فريد، فأنت وأنا ونهر النيل والشمس والقمر، كل كائن من هذه الكائنات لا يوجد ~~كله دفعة واحدة؛ فالواحد منا هو سيرته وتاريخ حياته. إنه لم يكن كله ~~قائما ساعة الولادة، ولا هو كله قائم الآن، بل إنه نمو متصل وتطور ~~مستمر، هو تغير دائب هو تيار دافق من حالات وحوادث: هذه الدقات التي ~~يدقها قلبه، وهذه الأنفاس التي تتنفسها رئتاه، هذا الوقوف والجلوس والمشي ~~والجري والكتابة والقراءة، هذا الحزن والفرح والخوف والغضب والحب والكراهية، ~~هذه الصحة وهذا المرض، هذه الألوف من الحالات والحادثات هي أنت وهي أنا، وقل ~~شيئا شبيها بهذا في تاريخ النهر وتاريخ الشمس وتاريخ القمر. الشيء هو الأحداث ~~التي تكون تاريخه، ولهذا التاريخ مبدأ ومنتهى، وبينهما امتداد زمني يقصر أو ~~يطول ، كاللحن الموسيقي نصفه بالواحدية مع أنه لا يكتمل كله دفعة واحدة ~~في لحظة واحدة، بل هو نغمات تتعاقب على فترة من زمن، وأما الذي يجعله لحنا ~~واحدا رغم كثرة حوادثه وطول امتداده، فهو العلاقات المتميزة الفريدة التي ~~تصل تلك الأحداث من أولها إلى آخرها. وكذلك المسرحية تشتمل على ألوف الأحداث، ~~وتمتد في الزمن بضع ساعات ومع ذلك تكون مسرحية واحدة لما بين أجزائها من ~~علاقات توحدها في إدراكنا. # لقد أخطأت الفلسفة التقليدية حين توهمت في الأشياء دواما عنصريا، فظنت ~~أن الكائن هو هو دائما، وله جوهر ثابت، والذي أوهمها هذا الوهم أننا نطلق ~~على الشيء اسما واحدا، فانتقلت واحدية الاسم في تصورهم إلى واحدية ~~المسمى، لكن المسمى - كما رأينا - مهما يكن، ليكن ذرة صغيرة أو ليكن الأرض ~~بأسرها، إن هو إلا مجموعة حوادث، إن كانت لها ذاتية خاصة فبفضل العلاقات ~~الرابطة لهذه الحوادث، لا بفضل جوهر غيبي يكمن داخل الشيء ويكسبه ~~ذاتيته ms159 المفروضة. # 5 # وكون الأشياء مؤلفة من حوادث، فلا عناصر دائمة ولا ذوات ثابتة، قد أدى ~~بفيلسوفنا رسل إلى نظرية ميتافيزيقية فريدة في نوعها؛ فقد كان الفلاسفة فيما مضى ~~لا يعرفون إلا جوهرين، يردون الكون إليهما معا أو إلى واحد منهما، وهما ~~الروح والمادة، أما المثاليون فيعترفون بالروح دون المادة، ويفسرون كل ~~الظواهر المادية على أساس روحاني، إذ يجعلونها حالات من خبرة عقلية لذات عاقلة، ~~أو يجعلونها كيانات مجردة مفارقة لعالم الحس، وأما التجريبيون فيعترفون ~~بالمادة دون الروح، ويترجمون كل الحالات العقلية إلى معطيات حسية، ومعطيات ~~الحس طبعا شيء يتعلق بالجسد وحواسه. وهنالك إلى جانب أولئك وهؤلاء فلاسفة ~~يجمعون بين الجوهر، فيقولون إن الكون روح ومادة معا، كما أن الإنسان عقل ~~وجسم معا. # لكن رسل قد ذهب في ذلك مذهبا جديدا، أقامه على أساس تحليله للأشياء إلى حوادث؛ ~~وهو مذهب كان قد سبقه إليه وليم جيمس، ومؤداه أن قوام الكون هيولى محايدة، فلا ~~هي عقل فقط ولا هي مادة فقط، ولا هي عقل ومادة معا، بل هي مصدر محايد سابق على ~~العقل والمادة. وإنما تكون الحالة المعينة عقلية أو مادية بحسب الطريقة التي ~~ترتب بها الحوادث، فإذا رتبت على نحو ما، كانت مادة، وإذا رتبت على ~~نحو آخر، كانت عقلا. والأمر هنا شبيه بأن تكون لديك عشر خرزات مثلا، ترصها ~~على نحو، فتكون مربعا وترصها على نحو آخر، فتكون دائرة، لكن الخرزات نفسها ~~محايدة بالنسبة للتربيع والتدوير، والأمر أمر ترتيب وتنظيم. فافرض مثلا أنك ~~تتلقى شعاعا ضوئيا آتيا إليك من بقعة ملونة أمامك، فما الذي يحدث؟ يحدث ~~خط من حوادث يبدأ من مصدر الضوء ويسير في الطبيعة الخارجية حتى يصل إلى سطح ~~العين، ثم يستمر خط الحوادث عن طريق الأعصاب إلى المخ فتتم الرؤية. فإذا ~~كنا قد اصطلحنا على أن نسمي الشوط الذي تقطعه الحوادث خارج العين مادة، وأن ~~نسمي شوط الحوادث داخل الجسم الحي عقلا، فليس الاختلاف في الكيان الأصلي ~~الذي هو حوادث في كلتا الحالتين، لكن الاختلاف في سياق ms160 الحوادث وترتيبها، ولو ~~انتزعت حادثة واحدة على حدة ونظرت إليها مفصولة عن كل ما عداها، لما عرفت ~~أعقل هي أم مادة، تماما كما تنظر إلى اسم واحد مثل إسماعيل، فلا تدري أهو موضوع ~~في موضعه على أساس الترتيب الأبجدي أم على أساس الرتبة؛ لأنك لكي تحكم عليه ~~بهذا أو بذاك، لا بد لك أن ترى الاسم في قائمة مع أسماء غيره، لتحكم عليه في ~~سياقه؛ وهكذا الحكم على الحوادث في نسبتها إلى المادة أو إلى العقل، يحتاج إلى ~~سياق وترتيب يقررانه. # فهنالك وسيلتان لتصنيف الحوادث الجزئية، إحداهما أن تضم مجموعة الظاهرات التي ~~تعد أجزاء من تاريخ شيء معين، كالشمس مثلا، فتكون منها ما تسميه بالشيء ~~المادي؛ والأخرى أن تضم ظواهر الأشياء المختلفة عند التقائها في بؤرة واحدة ~~كالجهاز العصبي لفرد من الناس، فتكون منها ما تسميه بالحياة العقلية لهذا ~~الفرد؛ والظاهرات هي الظاهرات في كلتا الحالتين، ففي الحالة الأولى تفرقت حوادث ~~المصدر الواحد في عدة نقط مكانية، كالشمس تراها في كل نقطة مكانية بينها ~~وبين الشمس خط لا يحوله حائل، بدليل أنك إذا وضعت مرآة في أية نقطة تواجه ~~الشمس، التقطت صورتها، مما يدل على أنها كانت موجودة في الموضع الذي وضعت ~~فيه المرآة، فإذا أنت جمعت هذه الظاهرات الشمسية المتفرقة في مصدر واحد كان لك ~~بذلك الشيء المادي الذي تسميه شمسا. وأما في الحالة الثانية فتتجمع في ~~نقطة واحدة ظاهرات كثيرة جاءت من مصادر مختلفة، كأن تتجمع - مثلا - الأشعة ~~الآتية من الشمس الأشعة الآتية من نجوم أخرى، تتجمع هذه وتلك في بؤرة واحدة ~~تتقاطع عندها خيوط الأحداث المتعددة المصدر، فإذا تصادف أن كانت تلك النقطة ~~الواحدة التي يحدث التقاطع عندها مخا بشريا، كان لنا ما نسميه ~~عقلا. # 6 # ولبرتراند رسل - غير جوانب فلسفته في التحليلات المنطقية الرياضية، وفي نظرية ~~المعرفة وتحليل العقل والمادة - جهود معروفة في التربية والأخلاق والسياسة، لا بل ~~إن جمهرة القراء لا تعرف من رسل إلا ما كتبه في هذه الموضوعات، مع أنها ~~لم تشغله بصفة ms161 جادة إلا سنوات قلائل بعد الحرب العالمية الأولى، أملا منه ~~في إصلاح الإنسانية إصلاحا تتغلب به على الحروب القادمة، أما قبل ذلك وأما بعد ~~ذلك فهو فيلسوف بإنتاجه الفلسفي بمعني هذه الكلمة عند المحترفين. ومهما يكن من ~~أمر، فلو جاز لنا أن نلخص كتبه التي كتبها في التربية والأخلاق والسياسة في ~~كلمة، لقلنا إنها كتب تدعو إلى الحرية بأوسع معانيها وأعمقها. # إلا إنه لمن أشق الأمور وأعسرها أن نوجز القول هذا الإيجاز الشديد في ~~فيلسوف وكاتب لبث يخرج مؤلفاته متتابعة تتابعا سريعا أكثر من ستين ~~عاما، تطور خلالها فكره الفلسفي في كثير من المسائل، وكان آخر كتاب أخرجه هو ~~كتاب يشرح فيه تطور فلسفته. وقد كان لصاحب هذا المقال بعض الجهد في نقل فلسفة ~~برتراند رسل إلى العربية ترجمة وتأليفا، فألف عنه كتابا يوجز القول في مذهبه ~~الفلسفي، وترجم له تاريخ الفلسفة الغربية، وكتابا آخر أسماه رسل بالموجز في ~~الفلسفة، وأطلق عليه صاحب الترجمة العربية عنوانا آخر ليدل على حقيقة مضمونه ~~وهو «الفلسفة بنظرة علمية». هذا عدا فصول مطولة خصصها في كتبه الأخرى لشرح ~~هذه الناحية أو تلك من نواحي هذا الفيلسوف الخصب. والحق أنه ما كان لأمة ناهضة ~~أن تغفل عن فيلسوف يملأ الدنيا بصوته ويشغل الأذهان بفكره. ~~(5) تشارلس بيرس # من الفلاسفة من تقرأ لهم فتراك تنساب على بسيط هين لا تعترضه حزون، فيشوقك ~~السير، ولكنك إذا ما أكملت الشوط وجدت جعبتك تكاد تخلو من الجديد الذي يهزك ~~هزا. ومنهم من تقرأ لهم فتحس كأنما أنت تصعد الجبل الصعب، أمامك في كل خطوة عقبة ~~لا بد من محاولة اجتيازها قبل أن تمضي في الصعود، لكنك إذا ما بلغت نهاية الطريق، ~~ألفيت نفسك على قمة نقية الهواء، لا يشوب سماءها هذا الغبار الذي يكتنف حياة ~~الناس فوق الأرض. # ومن هذا القبيل الثاني من الفلاسفة «تشارلز ساندرز بيرس» # Charles Sanders peirce ~~(1839-1914م) الذي كان بمثابة أول فيلسوف ~~أمريكي يخرج على العالم بفكر جديد يبلور فيه الحياة العقلية كما تمثلت في القارة ms162 ~~الجديدة، فهو الذي خلق الفلسفة البرجماتية خلقا، ثم هو الذي بلغ بها غاية كمالها، ~~فإذا ما جاء بعده التابعان الكبيران اللذان سارا على نهجه - وأعني بهما وليم جيمس # Wiliam James # وجون ~~ديوي # John Dewey ~~- لم يسعهما إلا أن يتحركا في الإطار نفسه، برغم ما جاءا ~~به من تعديل وتحويل. # يقول الفيلسوف في مقال كتبه عن نفسه: # إنه منذ اللحظة الأولى التي استطعت فيها أن أفكر، وإلى هذه اللحظة التي ~~أكتب فيها هذه السطور - ولي من العمر ما يقرب من أربعين عاما - قد انصرفت ~~إلى التفكير في مناهج البحث التي يصطنعها الباحثون فعلا، والتي يمكنهم أن ~~يصطنعوها لو أرادوا لأنفسهم الكمال. أقول إنني قد انصرفت إلى التفكير في ~~مناهج البحث انصرافا لم يفتر لحظة واحدة. وقبل أن آخذ نفسي بهذه الدراسة، ~~كنت قد أنفقت عشر سنوات تحت التدريب في معمل كيماوي، فكنت على إلمام تام ~~بكل ما كان معروفا عندئذ في الفيزياء والكيمياء، بل كنت كذلك على إلمام ~~تام بالطريقة التي كان ينتجها أولئك العلماء الذين تقدمت المعرفة ~~العلمية على أيديهم، فحصرت انتباهي حصرا شديدا في المناهج التي تسير عليها ~~أضبط العلوم، واتصلت أوثق اتصال بطائفة من جبابرة العقول في عصرنا ~~بالنسبة إلى علم الفيزياء، بل إني قد أضفت إلى العلم إضافات جديدة - وإن ~~كنت لا أظنها ذات خطر كبير - في الرياضة وفي نظرية الجاذبية وعلم البصريات ~~والكيمياء والفلك وغيرها؛ ولذا فإنني مشبع من قمة الرأس إلى أخمص القدم ~~بروح العلوم الفيزيائية، وذلك فضلا عن الدراسة الواسعة التي تناولت بها ~~المنطق، فقرأت كل ما قد كتب في موضوعه مما يعد ذا أهمية في هذا ~~المجال ... وانتهيت إلى إقامة مذاهب منطقية في منهج الاستنباط وفي منهج ~~الاستقراء على السواء. # ويمضي بيرس في الرواية عن نفسه فيقول إنه عندما كان يدرس المدارس الفلسفية كلها، ~~ويتتبع طرائق الفكر عند أصحابها، كان إنما ينظر إليها من وجهة نظر الباحث العلمي في ~~معمله، يبحث عن الجديد الذي لم يعرف بعد، لا من وجهة نظر الفيلسوف اللاهوتي ms163 الذي ~~يتناول مادته وكأنما هي معصومة من الخطأ. ويروي لنا بيرس في هذا الصدد أنه أمضى ~~ساعتين من كل يوم خلال ما يزيد على ثلاثة أعوام، في دراسة كتاب «كانت» (نقل العقل ~~الخالص)، حتى لقد حفظ محتواه عن ظهر قلب. إلى هذا الحد البعيد قد ذهب بيرس في ~~دراسته للفلسفة الألمانية على وجه الخصوص، لينتهي إلى نتيجة، وهي أن معظم هذه ~~الفلسفة ليس بذي قيمة تذكر من حيث المنهج الذي يؤدي إلى فكر جديد. نعم إنها فلسفة ~~غنية بإيحاءاتها، حتى لتظهر الفلسفة الإنجليزية ذات الطابع التجريبي إلى جانبها ~~فقيرة ساذجة، إلا أن هذه الأخيرة مع ذلك أرسخ من زميلتها منهجا، إذا ما نظرنا ~~إلى المنهج على أنه الوسيلة المؤدية إلى جديد. ولأضرب لذلك مثلا فأقول إن من بين ~~النتائج التي كانت الفلسفة الإنجليزية قد وصلت إليها بمنهجها نظرية «ترابط الأفكار» ~~التي يعدها بيرس أهم نتيجة وصلت إليها الفلسفة في عصر ما قبل العلم. # واختصارا فإن بيرس يوجز موقفه الفلسفي فيقول: إن فلسفتي يمكن وصفها بأنها محاولة ~~فيزيائي أن يصور بنية الكون تصويرا لا يتعدى ما تسمح به مناهج البحث العلمي، ~~مستعينا في ذلك بكل ما قد سبقني إليه الفلاسفة السالفون. لكنني لن أصطنع في هذا ~~طرائق الميتافيزيقيين في الاستنباط الذي يقيمونه على فروض من عندهم، ويصلون به ~~إلى براهين يصفونها بالصواب القطعي الذي لا يتعرض للتعديل على ضوء ما قد تكشف ~~عنه البحوث العلمية فيما بعد. كلا، بل طريقتي هي طريقة العلم نفسها، وهي أن أقدم ~~صورة للكون على سبيل الافتراض الذي ينتظر الإثبات على أساس ما قد يتكشف لنا من ~~حقائق، ولذلك فهو يتميز أول ما يتميز بقابليته للصواب وللخطأ وفق ما تقدمه ~~المشاهدة لنا بعدئذ من شواهد. # أحسب أن أهم ما نميز به فلسفة بيرس هو أن نصفها بأنها فلسفة علمية، لكن هذه ~~الصفة بدورها تحتاج إلى تحديد، فما هي الخصائص التي اجتمعت في تلك الفلسفة لتجعلها ~~«علمية»، إلا أن صاحبها هو نفسه عالم في الفيزياء والكيمياء؟ أهي ms164 فلسفة تقدم لنا ~~النظريات والقوانين عن هذه الظاهرة من ظواهر الطبيعة أو تلك؟ كلا، فهي ما زالت كأية ~~فلسفة أخرى تحاول أن تجاوز حدود الظواهر الجزئية إلى حيث بناء الكون كله مأخوذا ~~جملة واحدة، لكن الذي يجعلها «علمية» لا «تأملية» هو أنها إذا ما نسبت إلى الكون ~~حقيقة ما، اعتمدت في ذلك على تأييد الوقائع التجريبية. وقد لا يجيء هذا التأييد ~~التجريبي على يدي الفيلسوف نفسه، بل قد يجيء به باحثون من بعده؛ ولذلك كان الطابع ~~العلمي يحتم أن تكون الفلسفة عملا مشتركا يتعاون على أدائه أكثر من شخص واحد. ~~وليست هي بالإنتاج العقلي الذي ينجزه من أوله إلى آخره شخص واحد بمفرده. وها هنا ~~تضع إصبعك على فارق من أهم الفوارق التي تميز بين الفلسفة العلمية المعاصرة كلها ~~- وما بيرس إلا واحد من أركانها - وبين الفلسفة التأملية كما قد عرفناها على أيدي ~~الفلاسفة الأعلام، من أمثال أفلاطون وأرسطو وديكارت وكانت وغيرهم. فقد كان كل من ~~هؤلاء يبني نسقه الفلسفي من الأساس إلى القمة، كأنما هو عمل فردي فني لا يجوز فيه أن ~~يشارك فيه أحد أحدا، فإذا جاء أرسطو - مثلا - ولم يعجبه البناء الذي أقامه ~~أفلاطون، أقام هو بدوره بناء آخر من الأساس إلى القمة كذلك، وهكذا دواليك. ~~فالفلاسفة هنا كالأهرامات المستقل أحدها عن الآخر، وليسوا هم كالطوابق في البناء ~~الواحد يكمل أحدها الآخر. # وإنه ليترتب على هذه التفرقة مميز هام مما يميز الفلسفة العلمية التي كان ~~بيرس من أعلامها، وهو ألا تجيء الفلسفة على نسق مختوم مقفل لا يقبل الزيادة ولا ~~التعديل، بل تكون كالعلم في كونها سيرا متصلا جديده بقديمه، بحيث لا يكون هناك ~~أمر يقال عنه إنه هو الكلمة الأخيرة؛ إذ إن البحث الجديد في المستقبل من شأنه ~~دائما احتمال أن يعدل من النتائج السابقة، وإذن فالحقيقة «المطلقة» مثل أعلى ~~ننشده ونقترب منه شيئا فشيئا، ولكنه ليس بالشيء الذي يتحقق في الواقع ~~المشهود. # كان الفيلسوف الميتافيزيقي التأملي يبدأ بحقيقة يصفها باليقين الذي لا يحتمل ~~الشك، ثم ms165 يستنبط منها كل ما يستطيع استنباطه من النتائج، حتى إذا ما اكتملت حلقات ~~الاستنباط كلها، كان له بذلك «نسقه الفلسفي» الذي يفسر به الكون جميعا، فإذا سألناه: ~~ومن أين جاءتك هذه الحقيقة الأولية الأولى التي بنيت عليها كل هذه النتائج؟ أجاب ~~بأنها جاءتها عن طريق «الحدس» أعني عن طريق العيان العقلي المباشر، أو إن شئت فقل ~~جاءته عن طريق اللقانة أو البصيرة، أما أصحاب الفلسفة العلمية - وفي طليعتهم ~~فيلسوفنا بيرس - فلا يضمنون لك أي يقين فيما يزعمون، إنهم يعلمون - كما علمهم ~~العلم الطبيعي في المعامل - أن كل حقيقة مرهونة بالتجارب التي تؤديها، أما أن ~~يكون للعقل الصرف لقانة تقذف بالحقائق من لدنها، فإذا هي اليقين الذي يسلم به ~~وتبنى عليه الأحكام، فذلك ما يرفضه الفلاسفة العلميون رفضا حاسما. # على أن الفلسفة العلمية المعاصرة ألوان وشكول، وأحد ألوانها هو الفلسفة ~~«البرجماتية» Pragmatism # التي أنشأها بيرس ثم ~~جاء من بعده من جاء من أبطالها، وهي فلسفة تصور العصر العلمي الذي نعيش فيه اليوم ~~بصفة عامة، وتصور الحياة العملية التي يعيشها الأمريكيون في مدينتهم الصناعية ~~الحديثة بصفة خاصة، وكلمة «برجماتية» مصطلح أوجده بيرس نحتا جديدا من أصل ~~إغريقي، ليدل بجدة اللفظ على جدة المذهب، وإلا فقد كان في وسعه أن يختار ~~كلمة أخرى من اللغة المستعملة ليشير بها إلى الجانب «العملي» «التطبيقي» الذي أراده. ~~(برجماتوس Pragmatos # باليونانية معناها الفعل أو ~~العمل). # ولعل السؤال الرئيسي عند بيرس - وعند فلاسفة غيره كثيرين - هو هذا: ما هي «الفكرة»؟ ~~إنه ما أسهل على الناس أن يقولوا إن لديهم «أفكارا» عن كذا وكيت، أفكارا سياسية ~~واجتماعية واقتصادية وغيرها؛ فمتى تكون «الفكرة» جديرة بهذا الاسم؟ ما طبيعتها؟ # هنا ستجد الفلاسفة أحزابا؛ ففلاسفة «مثاليون» يقولون إن «الفكرة» هي تصور ~~عقلي يشترط أن يكون متسقا مع بقية التصورات العقلية ولا شيء غير ذاك. أي إنه ~~لا يطلب من «الفكرة» في هذه الحالة أن تكون مقابلة لشيء في الطبيعة الخارجية، ~~وعندئذ تكون مجموعة الأفكار كالبناء الرياضي، البحت، يقام في العقل خاليا من ms166 ~~التناقض الداخلي بين أجزائه، لكنه لا يتوقف على كونه مطابقا لعالم خارجي. # وفلاسفة «واقعيون» لا يرضون بهذا التفسير، ويقولون إن «الفكرة» - مهما تكن - لا ~~بد أن تكون مطابقة لشيء ما موجود في عالم الطبيعة الخارجية، سواء كانت تلك ~~المطابقة تامة كصورة الشيء على صفحة المرآة، أو كانت مطابقة يدخل فيها شيء من ~~التباين بين الطرفين، كأن نقول - مثلا - إن ذوبان الثلج مطابق لحرارة موجودة ~~خارج قطعة الثلج المذابة. # وأما «البرجماتيون» فيلفتون الأنظار إلى هذا الأمر لفتة جديدة؛ إذ يقولون إن ~~الذي يحدد حقيقة «الفكرة» ليس هو «مقوماتها»، بل يحددها ما تستطيع أن «تفعله» في ~~دنيا الأشياء. فالفكرة أداة تطلب لما تؤديه، وليست هي كالصورة الفنية ننظر إليها ~~في ذاتها. الفكرة كمفتاح الباب، مثلا، ليس المهم فيه أن يكون مصنوعا من حديد أو ~~خشب، بل المهم فيه هو أنه يفتح الباب المغلق، فإذا لم ينفتح به باب لم يكن ~~مفتاحا مهما اتخذ لنفسه من صور المفاتيح. # عند البرجماتية، الذين هم على مذهب بيرس، أن الفكرة خطة العمل، وقيمتها في نجاح ~~تلك الخطة. هي كالخريطة التي قيمتها كلها مرهونة، لا بجمال ألوانها وحسن شكلها ~~وإحكام رسمها، بل بكونها أداة صالحة في يد المسافر يعرف بها أين النهر وأين الجبل. ~~ألا ما أكثر الناس الذين يحسبون أن في رءوسهم «أفكارا»، حتى إذا ما سألتهم: وماذا ~~تستطيع تلك الأفكار أن تؤديه في دنيا العمل؟ لم يحيروا جوابا؛ لأنها ليست في ~~الحقيقة أفكارا بالمعنى الذي يحدده البرجماتيون. بل ما أكثر الفلاسفة الذين ~~يتحدثون عما يسمونه «أفكارا» وهي في الحقيقة لغو لا ينفع ولا يشفع. وإذن ~~فمقياسنا هو: ماذا عساي أن «أصنع» بهذه الفكرة أو بتلك، وبهذا الذي أستطيع أن أصنعه ~~يتحدد «معنى» الفكرة. # فمذهب بيرس البرجماتي هو «قاعدة منطقية» لتحديد المعنى. وجدير بنا في هذا الموضوع أن ~~نفرق بين شيئين لأهمية هذه التفرقة في فهم الفلسفة المعاصرة، بل في فهم الفرق بين ~~برجماتية بيرس، وبرجماتية وليم جيمس، برغم كونهما من مدرسة فلسفية واحدة. والشيئان ~~اللذان ms167 أحب أن أفرق لك بينهما هما: «المعنى» من جهة، و«الصدق» من جهة أخرى، فإذا ~~كنت بإزاء جملة قالها قائل، مثل قوله «على سطح القمر جبال ووديان.» فهناك أمران ~~متميزان: أولهما أن يكون لهذا الكلام «معنى» مفهوم، وثانيهما أن يكون هذا المعنى ~~«صادقا» على الواقع. وبالطبع لا يتحقق «الصدق» على الواقع ما لم يكن للكلام معنى. ~~ولكن قد يكون للكلام معنى مفهوم دون أن يكون صادقا على الواقع. # وبعد هذه التفرقة الهامة نقول إن برجماتية بيرس هي نظرية في «المعنى» ولا شأن لها ~~بعد ذلك أصدق الكلام أم لم يصدق على الواقع. # فمتى يكون للعبارة «معنى» عند بيرس؟ # تكون العبارة عنده ذات معنى إذا ما كانت ألفاظها دالة على خبرة حسية يمكن اللجوء ~~إليها في عالم التجربة، وليس لأية لفظة من معنى سوى مجموعة تلك الخبرات الحسية ~~المتوقع حدوثها. فمثلا إذا قلت عن شيء إنه «صلب»، فما معنى الصلابة؟ معناها خبرات ~~نخبرها حين نستخدم ذلك الشيء في حياتنا العملية، فنراه يخدش غيره ولا ينخدش بغيره، ~~ونراه يكسر غيره ولا ينكسر بغيره وهلم جرا. اجمع هذه «الأفعال» الممكنة كلها في ~~قائمة ، يكن لك معنى كلمة «صلب» التي نصف بها الشيء الذي وصفناه بها. وأما إذا لم يكن ~~لكلمة ما مثل هذه الإجراءات العملية التي تحدد معناها، فهي عندئذ بغير معنى مهما ~~أكثر الناس من استعمالها في أحاديثهم. # وسأترك الأمر للقارئ، ليفكر لنفسه كم تتغير حياته الثقافية إذا هو حاسب نفسه ~~بهذا المعيار في «المعنى»، فكلما نطق بكلمة أو عبارة، سأل: ما هو «العمل» الذي ~~ينبني على مثل هذا القول - فعلا أو إمكانا - وإذا لم يجد لكلامه خطة منطوية على ~~عمل، فليوقن مع بيرس - ومعي - أنه كلام بغير معنى. ~~(6) وليم جيمس # ولد وليم جيمس # William James # في يناير من عام 1842م ~~بمدينة نيويورك، وكان أكبر إخوة خمسة من بينهم الأديب القصصي المشهور هنري جيمس. ولد ~~لأسرة مؤمنة بدينها مستمتعة بثرائها، لكنها كانت متعة الأسرة المثقفة ~~المهذبة، فراح أفرادها يطوفون بمراكز الحضارة في أوروبا، ms168 يحصلون الخبرة الواسعة ~~والعلم الغزير، وكان من نتيجة هذه الحياة المتنقلة أن تعلم وليم جيمس إبان مرحلته ~~المدرسية الأولى في عدد من المدارس المختلفة موقعا وطابعا، فدخل مدارس نيويورك ~~ولندن وباريس وجنيف. وأقل ما يقال عن هذا الترحل، من مدرسة هنا تتكلم ~~الإنجليزية، إلى مدرسة هناك تتكلم الفرنسية أو الألمانية، أنه ما بلغ سن شبابه إلا ~~وقد ألم بتلك اللغات جميعا إلمام الخبير بسرها، حتى إذا ما حان وقت الالتحاق ~~بالجامعة، كانت الأسرة قد عادت من ترحالها الطويل إلى أرض وطنها، فدخل صاحبنا جامعة ~~هارفارد # Harvard # بادئا بقسم الكيمياء، ثم ~~منتقلا منه إلى قسم التشريح ووظائف الأعضاء، مستقرا آخر الأمر على دراسة ~~الطب. # تخرج وليم جيمس من الجامعة طبيبا، وعين بأحد المستشفيات حينا، لكنه لم يلبث ~~أن شد رحاله مرة أخرى إلى أوروبا حيث أكمل دراسته العليا في الطب، فلما أن عاد ~~إلى هارفارد كانت قد خلت بالجامعة وظيفة مدرس لعلم وظائف الأعضاء فعين بها، ~~وهاهنا أخذ يلقي سيلا من محاضرات عن صلة ذلك العلم بعلم النفس. وهكذا لبث خمسة أعوام ~~خلص منها إلى تأسيسه لأول معمل لعلم النفس التجريبي في الولايات المتحدة الأمريكية، ~~وكانت أولى ثمرات هذه الدراسة الطويلة كتابه العظيم «أصول علم النفس» الذي يقع في ~~جزأين. وبعدئذ رقي أستاذا مساعدا للفسيولوجيا، فأستاذا مساعدا للفلسفة، ~~فأستاذا للفلسفة عام 1885م، وكان عمره عندئذ ثلاثة وأربعين عاما. # كان طبيعيا أن يتجه وليم جيمس منذ ذلك الحين نحو التفكير الفلسفي الصرف - ~~أعني أنه لم يعد يصرف كل عنايته إلى علم النفس - فأخرج كتابه «إرادة الاعتقاد» (وهو ~~مترجم إلى العربية). وفي عام 1901م دعي إلى أدنبرة ليلقي سلسلة محاضرات في الدين ~~والفلسفة، فكانت مجموعة المحاضرات التي ألقاها هي ما أصدره بعد ذلك كتابا بعنوان ~~«صنوف من التجربة الدينية». وفي عام 1906م ألقى ثماني محاضرات في مدينة بوسطن، ثم ~~أعادها بعد عام في جامعة كولمبيا، وهي التي تؤلف كتابه «البرجماتية». ولم يلبث بعد ~~ذلك أن ألقى سلسلة أخرى من محاضرات جمعها في كتابه ms169 «الكون المتعدد» وسلسلة أخرى ~~جمعها في «معنى الصدق» وأخرى في «التجريبية المتطرفة». وكان آخر كتاب له هو «بعض ~~مشاكل فلسفية» (مترجم إلى العربية)، مات ولم يكمله، فنشر ما كتب منه بعد موته. ~~وكان موته سنة 1910م عن تسعة وستين عاما. # لقد جاء كتاب «أصول علم النفس» نقطة تحول في تاريخ هذا العلم؛ ذلك أن علم النفس ~~قبله كان محوره تفتيت عملية الإحساس إلى سلسلة من انطباعات تنطبع بها الحواس، ثم ~~تترابط داخل الإنسان ترابطا قيل إن له قوانينه ~~التي تحكمه، فالأفكار يشد بعضها بعضا في الذهن كما يشد الحجر حجرا بقانون ~~الجاذبية. وكان مذهب الترابط بين الأفكار هذا أساسا هاما قامت عليه الفلسفة ~~الإنجليزية التجريبية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، على أيدي «لوك» و«هيوم». ~~فكأنما العقل بغير فاعلية خلاقة، وكأنما هو «لوحة بيضاء» - كما قال «لوك» - ~~ترتسم عليه الانطباعات الحسية وتتجاذب، ولا حيلة له فيما يتلقاه إلا أن يسجله ~~على صفحته تلك. أما العقل عند وليم جيمس فمختلف عن هذه الآلية الصماء، إذ هو عنده ~~أداة فعالة نشيطة، مهمته أن يوائم بين الكائن وبيئته مواءمة تعين صاحبه على ~~البقاء؛ فهو أداة بيولوجية - كسائر أعضاء الكائن الحي - لا تنفك تواجه المواقف ~~الجديدة الطارئة فترد عليها بما عساه أن يكتب النجاة والبقاء القوي لصاحب تلك ~~الأداة. # لكن هذا الوصف للعقل إنما ينطوي على نتائج خطيرة، لأن كلمة «العقل» بهذا تصبح ~~اسما لا على كائن روحاني قائم بذاته - بل على نمط معين من السلوك، وما الذي يؤدي ~~السلوك؟ هو الكيان العضوي نفسه، هو الجسد الحي. وإذن فقد زال الحاجز التقليدي بين ~~العقل والجسم؛ لأنه إذا كان العقل مجموعة سلوكية يرد بها الكائن الحي على بيئته، فهذا ~~السلوك هو نفسه الجسم السالك، وليس هناك جانبان: أحدهما غيبي يصدر الأوامر، والآخر ~~ظاهري مادي يصدع بما يؤمر به. كلا، بل هنالك كائن عضوي واحد لا يتجزأ، هو ~~الذي يسلك في بيئته على نحو معين. وهكذا تحطمت الثنائية التي شطرت الإنسان - بل ~~شطرت الكون كله - نصفين: ms170 فعقل في جانب وجسم في جانب آخر. # بل إن هذا القضاء على الثنائية سرعان ما انتهى به إلى رأي فلسفي ابتكره ~~ابتكارا ليجيء نتيجة متفقة مع تلك الوجهة من النظر، فأخذه عنه برتراند رسل # Bertrand Russell # وطوره ونماه، وأعني به فكرة ~~«الواحدية المحايدة» ويقصد بها أن العقل والجسم كليهما من عنصر مشترك، والذي يجعل ~~العقل عقلا والجسم جسما ليس هو اختلافهما في العنصر، فذلك روحاني وهذا مادي كما كان ~~يقال، بل الذي يجعلهما كذلك هو طريقة ترتيب العنصر الواحد، فإذا رتب على صورة كان ~~عقلا وإذا رتب على صورة أخرى كان جسما، كما يكون لديك حبات من الحصى ترصها ~~على نحو فإذا هي دائرة، وترصها على نحو آخر فإذا هي مربع، والحصى في كلتا ~~الحالين لم يتغير. # على أن الفكرة الرئيسية في فلسفة وليم جيمس، هي نفسها الفكرة الرئيسية عند أنصار ~~الفلسفة البرجماتية Pragmatism ~~، ألا وهي الفكرة الخاصة ~~بتحديد مفهوم «المعنى». فماذا الذي يجعل للعبارة ~~«معنى» على الإطلاق؟ جواب البرجماتيين جميعا هو أن ما يجعل للعبارة «معنى» ~~كونها ذات نتائج عملية تترتب على تنفيذها، أما إذا كانت أمامك عبارة لا تدري كيف ~~تحولها إلى تجربة عملية تحسها بحواسك، كانت تلك العبارة بغير معنى، ومن زعم ~~أنه يفهم لها معنى كان مهوشا مخدوعا. وإنه لمن حسن الحظ أن الناس في ~~حياتهم العملية وفي حياتهم العلمية على السواء إنما يجرون في التفاهم على هذا ~~الأساس نفسه، فإذا قلت لي مثلا: «في هذا الطبق شواء.» فهمت لقولك معنى لأنني ~~أعلم بخبرتي الحسية السابقة طبيعة الإحساسات التي تتأثر بها أعضاء الحس من شم ~~وطعم، بل من بصر ولمس، عندما يكون الشيء لحما مشويا. وكذلك في الحياة العلمية ~~حينما يقول عالم لزميله العالم: «إن في هذه الأنبوبة غازا قابلا للاشتعال.» فيفهم ~~الزميل كلام زميله؛ لأن وراء كل كلمة من هذه الكلمات رصيدا من خبرة حسية سابقة، ~~على ضوئها يفهم المراد. # لكن الإشكال يبدأ حين ندخل ميدانا ثالثا، لا هو حديث الحياة الجارية كل يوم ولا ms171 ~~هو حديث العلماء في معاملهم، بل هو ميدان عجيب يقال له «الفلسفة» أو ما يجري ~~مجراها من كلام يحدثك بكلمات لا تستند إلى رصيد من خبرة حسية سابقة، ومع ذلك ~~يطلب منك أن تقول إنك تفهم له «معنى»، كأن يقال لك مثلا إن لكل شيء ~~«جوهرا» خافيا عن الحواس كلها، هو الذي يكسب الشيء هويته. وهم بطبيعة الحال ~~لا يريدون بهذا «الجوهر» لونا ولا صوتا ولا طعما ولا رائحة ولا غير ذلك مما ~~تدركه الحواس من بصر وسمع وغيرها. فلو أردت إزاء هذا القول أن تكون برجماتيا، ~~وجب أن تسأل الزاعمين: ما هي النتائج العملية التي تقع في خبرة الإنسان بسبب ~~كون الشيء ذا «جوهر» والتي ما كانت لتقع لو لم يكن له ذلك «الجوهر»؟ كيف تتغير هذه ~~«البرتقالة» مثلا بين حالة أن يكون لها جوهر وحالة ألا يكون؟ فإذا قيل لك إن ليس ~~ثمة من فرق ظاهر في النتائج العملية التجريبية، فاعلم أن كلامهم إذن كان بغير ~~«معنى» على مذهب البرجماتيين. # إن هذه النظرية في «المعنى» من شأنها أن تحسم كثيرا جدا من أوجه الخلاف التي ~~تنشب بين الناس، فما أكثر ما يختلف اثنان على شيء، فيكون لكل منهما قول فيه يختلف ~~عن قول زميله، حتى إذا ما احتكما إلى التطبيق العملي ألفيا القولين ينطبقان على ~~صورة واحدة - وإذن فقد كانا قولين مترادفين رغم اختلاف اللفظ - أو ألفيا القولين ~~معا لا ينطبقان في التجربة العملية - وإذن فكلاهما باطل - أو ألفيا أحد القولين دون ~~الآخر ممكن التطبيق العملي، وإذن فهو وحده القول الصائب، فافرض ~~مثلا أن شخصين اختلفا فقال أحدهما إن العالم ~~قوامه مادة لا روح، وقال الآخر بل قوامه روح لا مادة، ثم أرادا أن يحتكما إلى ~~النتائج العملية التجريبية الحسية ليريا أيهما الصواب، فماذا يجدان؟ ماذا ~~يتوقعان للعين أن ترى وللأذن أن تسمع وللأصابع أن تلمس، ليكون القول صائبا أو ~~خاطئا؟ إنه لا نتائج عملية، فكل من الشخصين يأكل كما يأكل زميله ويشرب كما ~~يشرب زميله، ويمشي ويقرأ ms172 ويصح ويمرض. وإذا كان ذلك كذلك فقد كانت الموازنة بين ~~المادة والروح بغير «معنى». # إلى هنا يتفق البراجماتيون جميعا - ومنهم جيمس - في نظرية «المعنى»، لكن جيمس ~~يتفرد وحده من دونهم جميعا بنظرية أخرى يضيفها عن «الحق» أو «الصدق»؛ ذلك أن ~~العبارة ذات «المعنى» لا يتحتم أن تكون صادقة بل حسبها لتكون ذات «معنى» أن تكون ~~مفهومة على أساس ما عساه أن يصادف الحواس من خبرات لو كانت صادقة. ومن ~~البرجماتيين - مثل بيرس - من يكتفي بنظرية «المعنى» وحدها، ولا شأن له بأن تصدق ~~العبارة ذات المعنى بعد ذلك أو لا تصدق. أما وليم جيمس فيهتم أيضا «بصدق» الكلام ~~متى يكون وكيف يكون، فيقول إن العبارة تكون «صادقة» (لا مجرد كونها ذات معنى ~~مفهوم) إذا تصرفت على أساسها فلم تجد ما يعترض طريقك الذي يوصلك إلى غايتك. ~~والأمر في ذلك شأنه شأن الفروض العلمية ذاتها، فكيف يقرر العالم أن فرضه الذي ~~يفرضه ليفسر به ظاهرة معينة هو فرض صحيح؟ إنه يقرر ذلك على أساس أنه لا يجد ~~ما يعترض سبيله في تطبيقه وفي التصرف على أساسه، أما إذا وجد من الوقائع ما يند عن ~~ذلك، عرف أن فرضه باطل. فهكذا الحال في كل جملة تقولها عن أي شيء في حياتك ~~اليومية، فقولك - مثلا - عن منزل صديقك إنه يقع عند ملتقى شارع كذا بشارع كيت، هو ~~تماما كقول العالم إن بئرا للبترول تقع عند ملتقى ذلك الجبل بشاطئ البحر. كلا ~~القولين يكون صادقا لو تصرفنا على أساسه فنتجت لنا النتائج المرتقبة. # فليس «الحق» كيانا مجردا قائما بذاته ~~كذلك «الحق» الذي ظل يبحث عنه الفلاسفة والمتصوفة قرونا. بل ليس «الحق» صفة تصف ~~الجملة الصحيحة في ذاتها، حتى ولو لم يكن لها انطباق على واقع، بل «الحق» هو طريقة عمل، ~~هو طريقة أداء من شأنها أن تنجز أمرا وأن تحقق هدفا. والجملة التي لا يمكن جعلها ~~سلاحا في يدك تشق به هذا الطريق أو ذاك، هي جملة باطلة (هذا على فرض أنها جملة ذات ~~معنى ms173 مفهوم). وهكذا تصبح كلمة «الحق» وكلمة «النفع» مترادفتين، فنقول عن فكرة ~~إنها نافعة لأنها حق، أو إنها حق لأنها نافعة. والقولان في «المعنى» سواء، لأنهما في ~~طريقة التنفيذ التجريبي سواء. وفي هذا الصدد يقول جيمس تشبيهه المشهور وهو أن ~~الجملة المعينة من حيث كونها حقا أو باطلا، هي كالعملة النقدية من حيث كونها ~~صحيحة أو زائفة، فالعملة النقدية صحيحة ما دامت مقبولة في التبادل التجاري، فإذا ما ~~اعترض عليها معترض ذات يوم بحيث بطل استعمالها في البيع والشراء، أصبحت زائفة منذ ~~ذلك التاريخ. وكذلك القول المعين يظل صحيحا ما دامت له (قيمة فورية) أي ما دامت ~~له نتائج عملية تحقق الأهداف المنشودة حتى إذا ما أخذ يتعثر في التطبيق بدأ ~~بطلانه، وقد يظل إلى الأبد ناجحا في التنفيذ فيظل إلى الأبد قولا «حقا» أو ~~«صادقا». # لكن فيلسوفنا المتدين بحكم نشأته، الرقيق المهذب بحكم فطرته، العاطفي ~~الحساس بحكم نظرته، قد عرف كيف يستخدم معياره في «الصدق» ليبرهن به هو نفسه ~~على حقيقة وجود الله. أليس صدق العبارة المعينة مرهونا بنتائجها العملية في مجرى ~~التجربة ومجرى الحياة؟ إذن فهاك عبارة تقول إن «الله موجود»، وانظر إليها محتكما ~~إلى هذا المعيار نفسه ، تجد الفرق شاسعا بين سلوك من يؤمن بصدقها ومن لا يؤمن، ~~فالأول يكون عادة مستبشرا متفائلا مليئا بالأمل والرجاء، على حين يكون الثاني ~~متشائما يائسا ينظر إلى الدنيا وما فيها نظرة سوداء. فماذا تسمي هذا الفرق ~~في الحياة عند الرجلين إلا أن يكون «نتائج عملية» ترتبت على الأخذ بالجملة ~~المذكورة أو برفضها؟ وإذن فمن الوجهة البرجماتية الصرف، يقوم الدليل على صدق تلك ~~الجملة، لكن صدقها في هذه الحالة لا يكون مستندا بالضرورة إلى كائن موجود فعلا ~~خارج الإنسان، بل يستند إلى الطريقة السلوكية ونوعها، إذا ما اتخذت تلك الجملة ~~أداة هادية للعمل. وفي هذا يختلف وليم جيمس عن بقية زملائه البرجماتيين، اختلافا ~~حدا ب «بيرس» - وهو الذي استعمل كلمة برجماتية لأول مرة - أن يحتج على إساءة ~~استخدام هذه الكلمة على يدي ms174 جيمس، قائلا إنه سيتخذ لنفسه كلمة أخرى يسمي بها ~~مذهبه، وسيتوخى فيها أن تكون قبيحة ثقيلة على النطق حتى لا يخطفها الخاطفون ثم ~~يسيئون استعمالها، ألا وهي كلمة «براجماتيقية». فما كان بيرس يحب لمذهبه أن ~~يجاوز حدود العبارات العلمية ومعانيها إلى حيث العقائد التي مدارها الإيمان لا ~~المنطق. # لكن وليم جيمس بما وهبه الله من خفة روح وطلاوة حديث وسلاسة، ظل في دنيا ~~المثقفين غربا وشرقا هو اللسان المعبر عن المذهب البرجماتي، أو قل عن الفكر ~~الأمريكي كله، أمدا طويلا. ~~(7) جون ديوي # ولد جون ديوي # John Dewey # سنة 1859م وهي السنة نفسها ~~التي أصدر فيها «دارون» كتابه أصل ~~الأنواع # Origin of Species # الذي تستطيع أن تعده فاصلا بين عصرين ثقافيين، عصر ~~ثقافي قبله يتصور العالم سكونيا ثابتا، وعصر ثقافي بعده - يمتد حتى يومنا ~~الراهن - يجعل حقيقة العالم تغيرا وتطورا وحركة. وأحسب أن لو وضحت لنا هذه ~~الحقيقة الكبرى، فقد وضحت بالتالي المبادئ الأساسية التي تقوم عليها كل ثقافتنا ~~القائمة، وهي الثقافة التي تمثلت - كما أسلفت - في فلسفة جون ديوي. ولن يضيع وقتنا ~~سدى إذا ما وقفنا وقفة قصيرة لنلقي بعض الضوء على هذا الذي نقوله. # فالكثرة الغالبة من الفلاسفة فيما قبل القرن التاسع عشر، كانت تنظر إلى الكون ~~على أنه شيء أزلي أبدي ثابت على سنن بعينها، وما كان على الفيلسوف إلا أن يحاول ~~استخلاص الإطار الثابت الذي تجري الأحداث على مقتضاه، فلئن رأيت بعينك الأشياء ~~الجزئية متحولة متغيرة، فذلك خداع ووهم، وعمل العقل أن يزيح هذه الغشاوة ~~الخادعة، ليغوص إلى ما وراءها من حق لا يطرأ عليه تغير ولا تحول. ولكم ~~سمعنا أولئك الفلاسفة يقولون إنهم ينشدون (الحق) وراء هذه الظلال العابرة، ثم هم ~~بعد ذلك يختلفون فيما بينهم عن كنه ذلك (الحق) الثابت ماذا عساه أن يكون. وقد كان من ~~نتائج هذه النظرية السكونية أن تصور الناس أن لا سبيل إلى تغيير وتبديل في أوضاع ~~هي (بطبيعتها) هكذا، فالحيوان حيوان والشجر شجر والإنسان إنسان، لا بل إن هذا ms175 ~~الإنسان بدوره فيه - بحكم طبيعته الثابتة - أعلى وأدنى، إلى آخر النتائج البعيدة ~~المدى التي ترتبت على تلك النظرة، وهي نتائج إن يكن العلم الحديث قد أزال بعضها، ~~فما زلنا نستمسك ببعضها الآخر؛ إذ ما زلنا في عالم القيم - الأخلاقية والجمالية - ~~نحسب أن ثمة مثلا عليا متفقا عليها، محال أن تتغير إلا عند من طمس الله ~~فيهم البصر والبصيرة. فهكذا نقول حتى اليوم؛ نقول إن الفضائل الفلانية لا ينكر ~~فضلها إلا زنديق أو جاهل أو مخدوع، فكأنما رضي الإنسان لنفسه تحت ضغط العلم ~~وقوته أن يسلم له الزمام في مجال الظواهر الطبيعية، بل في كثير من الظواهر ~~الاجتماعية ذاتها، أما القيم الأخلاقية والسياسية والجمالية، فقد تشبث بالحرص ~~عليها، لا يدعها تخضع للنظرة العلمية الجديدة، ليظل الأخلاقي على معناه القديم ~~وليظل الجميل جميلا أبد الآبدين. # وجاء جون ديوي ثالث ثلاثة ضخام حملوا الفلسفة البرجماتية (العملية والعلمية) على ~~كواهلهم - والآخران هما (بيرس) و(وليم جيمس) - لكن هؤلاء الثلاثة جميعا، وإن اتفقوا ~~في الأصول، فقد كان لكل منهم لون يميزه. واللون الذي يميز ديوي من دونهم، هو ~~محاولته استخدام منهج العلوم عند التفكير في القيم، فينبغي أن تكون الصورة المثلى ~~التي نصور بها فضيلة من الفضائل - مثلا - بمثابة (فرض علمي) يخضع للتجربة ~~العملية، فإن ثبت صدقه على الواقع كان بها، وإلا وجب أن نصوغه صياغة أخرى ~~بحيث يحقق للإنسان حياة يبتغيها. وليست العبرة هنا بكل فرد على حدة، بل بمجموع ~~الأمة أو الإنسانية كلها، تماما كالفروض، لا تتحقق لفرد بعينه وكفى، بل لا بد ~~لها أن تتحقق لمجموعة العلماء المشتغلين بالفرع الذي جاءت تلك الفروض لتفسير ظواهر ~~تقع في مجاله. # ولنبدأ قصة فيلسوفنا من بدايتها؛ فنقول إنه قد ولد ونشأ في أسرة زراعية ريفية في ~~ولاية بأقصى الشمال الشرقي من الولايات المتحدة، ثم كتب له وهو في الجامعة أن يدرس ~~فلسفة هيجل # Hegel # ويتأثر بها، شأنه في ذلك شأن كل ~~دارس للفلسفة عندئذ بغير استثناء؛ إذ الموجة الهيجلية كانت إذ ذاك قد طغت على ~~كل ms176 ما عداها من موجات الفكر الفلسفي، سواء في القارة الأوروبية بما فيها إنجلترا، ~~والقارة الأمريكية. لكن الحظ قد شاء لفيلسوفنا أن ينتقل إلى شيكاغو في أوائل أعوام ~~نضج الرجولة، فما أشد ما لحظه من خلاف بين الحياة كما رآها في هذا الإقليم الأوسط ~~وبين الحياة كما عهدها في شرقي الولايات المتحدة الذي كانت قد استتبت أموره، ~~واستقرت على حال معينة، حتى لكأنه امتداد لأوروبا والعالم القديم. ففي شرقي ~~الولايات المتحدة - حيث ولد ديوي ونشأ - محافظة على القديم، وإيثار للسلامة والأمن، ~~وبعد عن المخاطرة والمغامرة، أما في هذا الإقليم الأوسط فقد رأى الثراء الطائل يجمعه ~~صاحبه في مثل اللمح بالبصر، وقد يفقده كذلك في مثل اللمح بالبصر! ها هنا مغامرة ~~ومخاطرة وجرأة وطموح. ولئن كان هذا كله ينتهي أحيانا بالإخفاق فهو في معظم الأحيان ~~ينتهي بصاحبه إلى نجاح. إن الحياة هنا «مقامرة» كبرى لا «يقين» فيها، لكنها ~~مقامرة تبنى على «ترجيح» الكسب، أوتحسب أن معلما جاء ليعلم أبناء قوم ~~كهؤلاء، كان لينظر إلى هذه الحياة الجارفة من حوله، التي تملؤها روح الابتكار ~~ويسودها الأمل فيما هو جديد، ثم يعلم النشء أن «الحق» واحد ثابت لا يتغير ولا ~~يتطور؟ أي حق هذا؟ أهو الحق في عالم التجارة أم الحق في عالم الصناعة؟ فقد ~~وفد جون ديوي على قوم لا يؤمنون بالجلوس الهادئ على كراسي ثابتة القوائم يدرسون ~~«نظريات» لا تسمن ولا تغني، بل يؤمنون «بالعمل» اليدوي وبالسعي الدءوب الذي لا يفتر ~~لحظة عن الإنتاج والخلق. # ألا ماذا كان لفيلسوف حساس لما حوله - وهذا هو ما كان قائما حوله - سوى أن يوائم ~~بين الفكر والعمل؟ أكان يجوز لفيلسوف يعيش وسط هذا النجاح المزدهر، أن يقول للناس: ~~ليكن مقياس الصواب عندكم هو ما قاله الأسلاف؟ أم كان لا بد له أن يتأثر بالواقع ~~وقوته فيقول: بل إن مقياس الصواب هو النتائج، فما كانت نتيجته نجاحا في حل ~~المشكلات العملية فهو الصواب. إن كل شيء في حياة الإنسان قابل للتغير، ولا مفر ~~من تغييره إن ms177 دعت الضرورة إلى ذلك التغيير، فلا يجوز لشيء - كائنا ما كان - أن يقف ~~حائلا في طريق الإصلاح الاجتماعي وتوفير العيش الرغد للإنسان العامل. نعم إنه لا بد ~~من تغيير قواعد الأخلاق ذاتها إن اقتضى الإصلاح هذا التغيير، وكذلك لا بد من تغيير ~~أسس السياسة والاقتصاد والتربية وكل شيء مما قد يظن به الدوام والثبات، في سبيل ~~تغيير الحياة تغييرا يجعلها أكثر ملاءمة لظروف العصر الجديد. # وإذا تصورنا الإنسان كيف ينبغي أن يكون في ظروف العصر الجديد، كانت الوسيلة لتكوينه ~~على الصورة الجديدة هي التربية، ومن ثم انصرف ديوي باهتمامه أول الأمر إلى «التربية» ~~يمعن النظر في أسسها وطرائفها، وما أظن أن معلما واحدا في شرق الدنيا أو في ~~غربها لم يتأثر بالمبادئ التربوية الجديدة التي أعلنها ديوي وأشاعها، والتي قلبت ~~وجهة النظر في هذا الميدان رأسا على عقب، فمهما اختلف المخالف له في تفصيلة هنا ~~وتفصيلة هناك، فما أحسب أحدا يماري في الأساس العميق، ألا وهو أن يكون محور العملية ~~التربوية هو «المتعلم» نفسه لا «مادة الموضوع» المدروس. وكان أول كتاب تربوي أخرجه ~~ديوي هو كتاب «المدرسة والمجتمع» (1899م) # School And ~~Society # الذي شرح فيه طرائقه التي كان يتبعها في مدرسته ~~التجريبية الملحقة بالجامعة، جامعة شيكاغو، حيث كان مبدؤه الأساسي هو أن يجعل من ~~تلاميذ المدرسة مجتمعا صغيرا يشبه المجتمع الكبير في حياته ونشاطه. ثم تلا ذلك ~~كتاب آخر هو «الديمقراطية والتربية» (1916م) # Democracy and ~~Education ~~- وهو مترجم إلى العربية - يبين فيه أن التربية هي ~~أن ننشئ الناشئ على سرعة المواءمة بين نفسه وبين بيئته، لا على أن يحافظ على ~~التقاليد القديمة مهما تكن آثارها على حياته العملية الجديدة. # على أن أهم موضوع أدار جون ديوي حوله الفكر، هو تحليل عملية الفكر نفسها؛ ~~«فالأفكار» ما طبيعتها وما أصلها؟ وكيف تطورت في عقل الإنسان من أصولها البيولوجية ~~والاجتماعية الأولية البسيطة حتى أصبحت ما أصبحت؟ وبعبارة أخرى كان «المنطق» هو ~~أهم ما خلفه لنا هذا الفيلسوف، فكما أن أرسطو قد خلف من ms178 بعده «منطقا» أقامه على ~~أساس المنهج الاستنباطي الرياضي الذي يصور طريقة اليونان ~~الأقدمين - وطريقة أهل العصور الوسطى المتدينة - ~~فقد كان ديوي في عصرنا الحاضر من بين من أقاموا «منطقا» جديدا يصور طرائق البحث في ~~العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية، وهو المنطق الذي أطلق عليه اسما فنيا هو ~~«نمط البحث»، قاصدا بكلمة «البحث» هنا أن ينخرط الإنسان في مسلك عملي يعالج به ~~موقفا مشكلا حتى ينفض إشكاله. # فلا بد لكي ينشأ عند الإنسان «فكر» على الإطلاق، من أن يكون هنالك موقف معين، ~~رتبت فيه الأشياء على صورة من شأنها أنها لا تحقق غرضا من أغراض الإنسان - صغر ~~ذلك الغرض أو كبر - وإذن فلا بد أن يلم صاحب المشكلة المعينة بعناصر الموقف ~~المشكل من حوله، ثم يديرها في رأسه محاولا أن يجد لتلك العناصر ترتيبا آخر، لو ~~رتبت به لانحل الإشكال. وبعدئذ يعود صاحب المشكلة إلى الموقف من جديد يحاول به ~~مرة أخرى إعادة ترتيب العناصر، وهلم جرا. معنى ذلك أن «الفكر» يستحيل قيامه ~~بغير «مشكلة» فعلية، أما أن تجلس على كرسيك وتتأمل في فراغ ثم تظن أنك ~~«تفكر»، فأمر لا يقبله البرجماتيون جميعا، بل إن «العقل» نفسه لم يعد عندهم كائنا ~~غيبيا قائما بذاته داخل الجسم، سواء نسبنا له التفكير حينا بعد حين، أو نسبنا ~~له التفكير في كل حين، كلا، إن «العقل» هو نفسه نمط من سلوك بدني نلاحظ فيه ~~أنه هو السلوك الذي يحاول أن يحقق هدفا بعينه في مواقف الحياة الفعلية. # لكن جون ديوي يعود فينفرد وحده دون سائر البرجماتيين بما يسميه هو «المذهب ~~الوسلي» (من وسيلة)، وشرحه باختصار هو أن ليس هنالك حقيقة قائمة بذاتها أبدا، بل ~~إن كل حقيقة إنما هي خطوة في طريق متسلسل طويل يؤدي في النهاية إلى «حل» ~~لمشكلة معينة. وهذا الحل الأخير نفسه يستحيل أن يكون حقيقة قائمة بذاتها، بل إنه ~~سرعان ما يصبح حلقة في سلسلة فكرية جديدة يراد بها حل إشكال جديد. فلو قلت لي ~~مثلا: «هذا قادوم.» - مشيرا إلى آلة ms179 معينة - فقولك هذا من الناحية المنطقية عند ~~ديوي ليس بذي بال، ما لم نكن في موقف يكون فيه القادوم وسيلة تؤدي إلى نتيجة ~~منشودة. أما أن أعرف أن هذا قادوم وكفى، ليس قبلها شيء ولا بعدها شيء، فما هو من ~~المعرفة في شيء. المعرفة هي معرفة وسائل لحلول، والحلول لا تكون إلا لمشكلات قائمة ~~فعلا. ومن هنا تستطيع أن تحكم على كل هاتيك الشطحات التي يشطح بها الشاطحون ويقولون ~~إنهم يفكرون! دون أن يكون قد صادفهم في حياتهم إشكال يقتضي بحثا وحلا! إن أمثال ~~تلك الشطحات ليست فكرا، بل هي دوران عقيم في دائرة من لفظ أجوف. # وقد بسط ديوي «منطقه البرجماتي» تفصيلا في عدة كتب، منها كتاب «المنطق» وكتاب ~~«البحث عن اليقين» # The quest For Certainty # وكلاهما مترجم إلى العربية، وكذلك منها كتاب «كيف ~~نفكر» # How We Think # وصفوة ما في هذه الكتب كلها أن «الفكرة» - أي فكرة - لا ~~تستحق أن تسمى بهذا الاسم ما لم تكن ذات علاقة وثيقة بموقف ماثل أمام صاحبها، ~~بأن تقدم له حلا مقترحا لما يكتنف ذلك الموقف من إشكال. ولكن ما الذي يدل ~~صاحبنا على أن «فكرته» صواب؟ يدله على ذلك أنه يطبقها فتنفع، وإذن «فمعنى» الفكرة ~~و«طريقة تحقيقها» شيء واحد، وما لا تطبيق له لا معنى له، فلسنا نحكم بأن الفكرة ذات ~~معنى، أو أنها فكرة صواب لمجرد احتكامنا إلى «عقل» نظري غيبي يقال إنه يسكن ~~رءوسنا، كلا، بل الحكم مرهون بالتطبيق وحده، وبعبارة أخرى لعلها أوضح، نقول إن ~~الفكر لا يكون فكرا إلا إذا كانت له علاقة وسلية بما ليس فكرا، كالسكين تقطع ~~غيرها، والمنشار يشق ما ليس بمنشار، والقلم يكتب شيئا ليس هو بالقلم وهكذا، فكذلك ~~كل فكرة هي أداة أو هي وسيلة تعالج شيئا سواها، تعالج موقفا خارجيا، أما أن ~~تظل الفكرة مستندة إلى فكرة أخرى، وهذه إلى ثالثة وهلم جرا، فطريق لا نجاوز ~~به حدود جمجمة الرأس من داخل، مع أن الفكر لا يكون فكرا إلا إذا جاوزت ms180 النظرية ~~حدود الرأس إلى حيث العمل. ~~••• # مات ديوي في اليوم الأول من شهر يونيو عام 1952م، عن اثنين وتسعين عاما، بعد أن ملأ ~~الدنيا بفكره، لأنه كان بذلك الفكر أقوى من عبر عن حضارة العلم والصناعة، حضارة ~~القرن العشرين. ~~(8) إرنست كاسيرر # ميدان الفلسفة المعاصرة تتقسمه معسكرات رئيسية أربعة، تختلف فيما بينها ~~اختلافات بعيدة المدى في الفروع، وتتحد كلها في الأصول العميقة. ومن هذه الأصول ~~العميقة المشتركة تتكون ثقافة عصرنا في اللباب والصميم، وما هذه الأصول ~~المشتركة التي نجد فيها مفتاح ثقافة عصرنا، إلا الثورة بأشكال مختلفة على فلسفة ~~كانت لها السيادة من قبل، وهي فلسفة هيجل. # مذهب هيجل # ومؤدي المذهب الهيجلي هو أن الكون كله. بجميع من فيه وما فيه، إن هو إلا ~~تعبير عن «روح» مطلق لا تحده حدود ولا تقيده قيود، فهذا «المطلق» ~~الروحاني في جوهره، إنما يتبدى ويكشف عن نفسه في مظاهر العالم التي ندركها ~~بحواسنا. فلئن كان العالم المحسوس متطورا من مراحل أدنى إلى مراحل أعلى، فما ~~ذلك إلا تطور في كشف «الروح المطلق» عن نفسه كشفا متدرجا، كأنما هو ~~الشريط المنطوي يبسط نفسه بسطا ليبدو منه ما قد كان خافيا. وليس الكون على هذا ~~المذهب بمختلف عن كائن عضوي حي واحد ذي رغبات وأهداف؛ ومعنى ذلك بعبارة ~~واضحة هو أن هذه الأفراد والمفردات التي تصادفها من حولك لا تزيد على وسائل ~~تخدم الكل في تحقيقه لأغراضه. # ثورة على مذهب هيجل، اتخذت صورا أربعا # وجاءت ثقافة القرن العشرين لتثور على فلسفة كهذه تطمس الأفراد طمسا لا يجعل ~~لها وجودا مستقلا بذاته، لكن الثورة اتخذت صورا عدة أهمها الأربع التي ~~أشرت إليها، والتي ازدهر كل منها في رقعة معينة من رقاع الأرض: # ففي إنجلترا سادت فلسفة «تحليلية» تفك المدمج إلى عناصره والكل إلى ~~أفراده، وعلى رأس تلك الفلسفة كان «مور» و«رسل». # وفي أمريكا قامت فلسفة «برجماتية» تجعل «الحق» في النتائج الناجحة في التطبيق، ~~أي أن «الحق» ليس كائنا أعلى من هؤلاء الناس في مشاكلهم التي تنشأ في ms181 مجالات ~~البحث العلمي والحياة اليومية. # وفي القارة الأوروبية - فرنسا بصفة خاصة - نشأت فلسفة تغوص في ذات الإنسان ~~الفرد غوصا تستكشف به كنهها. ومن ثم كانت الفلسفة الوجودية في فرنسا التي ~~تعلي وجود الأفراد وجودا خارجيا حقيقيا على الماهيات المجردة التي كان ~~يظن أنها تسبق هؤلاء الأفراد في وجودهم العيني، وتحدد لهم صورة ذلك الوجود ~~تحديدا مسبقا لا مناص لهم من الخضوع له. # وفي الروسيا سادت فلسفة ماركسية تثور على الفلسفة الهيجلية بصورة أخرى، وهي أن ~~تسلم بمذهبه الجدلي في تطور الكون المتماسك، لكنها تجعل ذلك الكل هو ~~مجموعة البشر في سيرها خلال مراحل التاريخ، بدل أن كان عند هيجل هو «الروح ~~الكلي المطلق». فالفلسفة الماركسية «جدلية» (أي أن سير التطور يجري من ~~«الموضوع» إلى «نقيض الموضوع» ثم إلى التآلف بين النقيضين، وهكذا دواليك). ~~أقول إن الفلسفة الماركسية «جدلية» كفلسفة هيجل، لكنها جدلية «مادية» تجعل ~~التطور منصبا على البشر وحياتهم الفعلية، لا جدلية «فكرية» تجعل التطور ~~منصبا على «العقل» وما يدور فيه. # ثورة على فلسفة كانت # أرأيت - إذن - كيف التقت هذه الفلسفات المعاصرة كلها في نبذها «للمطلق» ~~الذي أراد له هيجل أن يكون هو الحقيقة كلها، وفي اهتمامها بالفرد وحياته على هذه ~~الأرض؟ لكن هذا الاهتمام بالفرد البشري كما هو كائن فعلا، وكما هو يحيا ويفكر، ~~قد وجد سبيله أيضا في ثورة أخرى على «عمانوئيل كانت» بدل أن تخص هيجل ~~بغضبتها، ولذلك سمي أصحابها - وهم من الألمان - بالكانتيين الجدد، وهذا ~~المقال حديث في أحدهم وأشهرهم، وهو أرنست ~~كاسيرر # Ernest Cassirer # فكيف كان ذلك؟ # نشأة كاسيرر # ولد أرنست كاسيرر في مدينة برسلاو # Breslaw # بألمانيا عام 1874م لأسرة يشتغل عائلها بالتجارة، وكان الغلام في صباه مرحا ذا ~~خيال مبدع تبدى في ألعابه مع لداته، ولم تكن تبدو عليه في يفاعته علامات ~~تشير بأن مصيره إلى حياة التأمل الهادئ العميق، لكنه لم يكد يزور جده ~~لأمه الذي كان يعيش على غير مبعدة من برسلو حتى شهد في داره مكتبة ضخمة، لم ~~يكن له بمثلها ms182 عهد، فكانت صفوف الكتب أمام عينيه، وطريقة جده في الحديث ~~المثقف المصقول في مسمعيه، حافزا إلى حياة جديدة، كأنما قلب صفحة من ~~حياته وبدأ صفحة؛ فقد مضى عهد المزاح واللعب، وجاء عهد العمل الجاد، المتصل، ~~الذي سرعان ما أظهر منه في مدرسته طالبا لفت إليه الأنظار. # وحان حين دخول الجامعة فالتحق بجامعة برلين، وكان عمره عندئذ ثمانية عشر ~~عاما، وكان موضوع التخصص الذي اختاره بادئ الأمر هو القانون، ولم يكن اختياره ~~هذا إلا إرضاء لرغبة أبيه التاجر؛ ولذلك فلم يلبث فتانا أن استجاب لصوت في ~~دخيلة نفسه، وترك دراسة القانون لينصرف إلى الفلسفة وإلى الأدب والفن. انصرف ~~إلى هذه الدراسات وفي ذهنه مسائل أشكلت عليه كان يرجو أن يجد عنها الجواب ~~المقنع، لكنه - وا أسفاه - لم يجد في أساتذة برلين العمق الذي يبتغيه، فراح ~~يتنقل من جامعة إلى جامعة، من برلين إلى ليبزج، ومن ليبزج إلى هيدلبرج، ومن ~~هيدلبرج عائدا إلى برلين لما سمع أن محاضرا ناشئا هناك يجيد المحاضرة في ~~فلسفة كانت. # وسقطت من شفتي المحاضر المجيد في غضون حديثه عبارة كأنها وردت بغير قصد؛ ~~إذ قال: «إن أحسن المؤلفات عن فلسفة كانت هي بغير شك كتب هرمان كوهين (في ~~جامعة ماربورج)، لكنني لا بد أن أعترف بأنني لا أفهمها.» فماذا يصنع الفتى ~~كاسيرر إلا أن يسرع بعد المحاضرة إلى مكتبة فيشتري كتب كوهين هذا، ثم ينكب ~~عليها انكبابا لا يلبث معه حتى يقرر مغادرة برلين إلى ماربورج ليحضر على ~~هذا المؤلف النادر في فهمه وفي عمقه. وسرعان ما برز كاسيرر بين الطلاب، حتى ~~لقد قال كوهين في ذكرياته عنه: «إنني أحسست من فوري أنني بإزاء طالب أعلم من ~~أن يتعلم عني شيئا.» ذلك أن كاسيرر كان قد طالع في الفلسفة مطالعات ~~واسعة، ووهبه الله ذاكرة لا تضيع شيئا مما حفظت، فكان في مستطاعه أن ~~يتلو من الذاكرة صفحات بعد صفحات مما قد قرأه، لا في ميدان الفلسفة وحدها، ~~بل كذلك من الأدب الذي كاد ألا يترك من روائعه ms183 رائعة لم يقرأها بمثل هذا الحفظ ~~العجيب، ولم يكن هو الحفظ السلبي الذي يعي وكفى، بل هو الحفظ الإيجابي الفعال ~~الذي يستخدم المادة المحفوظة استخداما ينتهي به إلى خلق وإبداع. # كتابه: مشكلة المعرفة # جاوز كاسيرر الثلاثين بسنتين، وإذا هو يستوقف أنظار المشتغلين بالفلسفة في ~~أرجاء العالم كله بمجلدين يخرجهما في «مشكلة المعرفة» يستعرض فيهما - ~~استعراض المتمكن القدير - صورة الفكر الأوروبي كيف تطور حتى بلغ قمته في ~~فلسفة كانت. ومرت بعد ذلك خمس عشرة سنة فأتبع المجلدين بثالث يعرض فيه ~~ما بعد كانت. ثم لما رحل أخيرا إلى أمريكا (1941م) أعد مجلدا رابعا ~~يكمل به الرواية إلى آخر فصولها. # كتابه: الجوهر والأداء # على أن هذا المؤلف العظيم إن دل على علم غزير، فلم يكن هو المؤلف الذي ~~أخرج عبقرية الرجل في أتم صورها. وقد بدأت دلائلها القوية تظهر في كتاب ~~آخر أخرجه وهو في السادسة والثلاثين، عنوانه ~~«الجوهر والأداء»، فكان هذا الكتاب أول ما ترجم للفيلسوف إلى لغات كثيرة، منها ~~الإنجليزية والروسية. وخلاصة الفكرة هي أن حقيقة الإنسان ليست في جوهر ساكن، ~~بل في أداء حي فعال، وذلك أن الفلسفة قد لبثت ألفي عام من قبل ذلك تأخذ ~~بمنطق أرسطو في مدركات العقل، وهو منطق يبنى على أن العقل الإنساني إنما يصل ~~إلى المعاني الكلية بوساطة التجريد من الجزئيات المحسوسة. فمثلا: كيف يصل العقل ~~إلى الفكرة الكلية العامة «منضدة»؟ إنه يصل إليها بعد أن تدرك العين مناضد ~~مفردة، منها المربع ومنها المستطيل، ومنها ما لونه كذا وما لونه كيت، فيطرح ~~العقل من حسابه الجوانب المختلفة في مفردات المناضد، ليستبقي الجوانب المشتركة ~~وحدها فتكون هذه الجوانب المشتركة هي المعنى الكلي لكلمة «منضدة» وهو في ~~استعراضه لمفردات المناضد إنما يعتمد على أوجه «الشبه» التي تجعل منها أعضاء ~~من مجموعة واحدة. # وهنا يتدخل كاسيرر باعتراضه القوي: وكيف للعقل بادئ ذي بدء أن يعرف بأن ~~الشيء الأول الذي وقعت عليه العين هو من نوع الشيء الثاني الذي وقعت عليه ~~العين أيضا؟ إننا إذا قلنا إنه ms184 يعرف ذلك لما بينهما من «شبه» كنا كمن ~~يسير في دائرة مفرغة، لأن ذلك معناه أننا قد عرفنا النوع قبل أن نعرف ~~الأفراد، ثم إذا بنا نزعم أننا لم نعرف النوع إلا بعد أن رأينا الأفراد! ~~فلماذا - مثلا - لم أقارن المنضدة الأولى بمقعد أو بفنجان أو بقبضة من هواء؟ ~~لماذا قارنتها «بمنضدة» ثانية إلا أن يكون في العقل قدرة سابقة على الفاعلية ~~النشيطة التي تعرف كيف «تختار» الأشباه من الأشياء فتقارن بينها، وإذن فالعقل ~~حقيقته فاعلية وأداء قبل أن يكون جوهرا ذا كيان قائم بذاته. # وبعد أن بسط كاسيرر هذا الجانب في كتابه «الجوهر والأداء» أخذ يفرق تفريقات ~~دقيقة بين أنواع المدركات العقلية في شتى فروع العلم، فلكل علم مدركات ~~أساسية يقوم عليها بناؤه: للرياضة مدركات العدد، وللطبيعة مدركات المكان ~~والزمان والطاقة، وهكذا، فكيف تتغير البنية المنطقية في هذه المدركات من ~~علم إلى علم، فإذا ما انتقلنا - مثلا - من العلوم الرياضية ومدركاتها إلى ~~العلوم الفيزيائية ومدركاتها نكون قد انتقلنا من ضرب من الأداء العقلي إلى ضرب ~~آخر، وكذلك إذا انتقلنا من العلوم الفيزيائية إلى علوم الحياة وهكذا. وإنه ليقال ~~إن كاسيرر في تحليله هذا الدقيق العميق، كان أول من أدرك - في تاريخ الفكر ~~الإنساني - طبيعة المدركات العقلية في مجال الكيمياء. # جامعة هارفارد تعرض على كاسيرر أستاذية الفلسفة بها # ولكن هل كان هذا الإنتاج الفلسفي الممتاز ليغير من وضعه في بلده - ألمانيا - ~~شيئا؟ كلا! فأمر الحياة في هذا الصدد عجب من العجب، فالألسنة جميعا تنطلق ~~بتقديره والثناء عليه، حتى إذا ما كان الأمر أمر مناصب لم تتقدم إليه جامعة ~~واحدة بمنصب الأستاذية، وترك الرجل العامل الجاد العميق ينتج الفلسفة الجديدة، ~~وهو مغتبط بما ينتجه، والعالم من حوله مقدر لفضله، إلا أصحاب الكلمة في ~~توزيع المناصب على مستحقيها. وكم يذكر لنا التاريخ حالات يجيء فيها العرفان ~~والتقدير من غير الأهل. وهكذا كانت جامعة هارفارد بالولايات المتحدة أول جامعة ~~ترسل إلى كاسيرر تعرض عليه كرسي الأستاذية في الفلسفة. # كتابه الصور الرمزية # ومضت السنون ms185 بعد ذلك بما فيها من أحداث الحرب العالمية الأولى، والعشرة ~~الأعوام التي تلتها. وها هنا خرج كاسيرر على العالم بذروة عبقريته الفلسفية ~~كلها، وأعني كتابه «الصور الرمزية». وسنعود إليه بعد قليل. # تنقله بين الجامعات # فانتخب على أثر ذلك أستاذا فمديرا لجامعة هامبرج. ثم نشبت الحرب العالمية ~~الثانية، وهم بالهجرة من ألمانيا، فدعته جامعة إكسفورد أستاذا بها، وكذلك ~~جامعة جنبرج بالسويد. وبعد أن قضى فيهما حينا، عبر المحيط ملبيا دعوة جامعة ~~ييل # Yale # في الولايات المتحدة، ومنها إلى ~~جامعة كولمبيا بنيويورك حيث وافاه الأجل عام 1945م، بعد أن أصدر كتابا أخيرا ~~عنوانه «مقالة في الإنسان» (ترجم إلى العربية) لخص فيه معالم فلسفته ~~كلها. # بين كاسيرر والفيلسوف كانت # قلنا إن كاسيرر - كغيره من فلاسفة هذا العصر - يعبر عن ثقافة زمنه التي ~~محورها البعد عن التجريد، والتركيز على الإنسان في تعينه وفي وجوده الحي، ولكنه ~~- على خلاف فلاسفة العصر - قد جعل ركيزته «عمانوئيل ~~كانت # Kant ~~» الذي عني طول حياته بدراسته، ثم راح آخر الأمر ~~يعدل من نتائجه بحيث يجعلها أكثر ملاءمة لروح عصرنا. وشرح ذلك أن «كانت» ~~في كتابه «نقد العقل الخالص» كان قد اضطلع بتحليل العمليات «العقلية» الصرفة، ~~التي لا بد للعقل أن يقوم بها لكي يتاح له أن يبلغ الحقائق العلمية؛ ففي ~~مستطاع الإنسان أن يصوغ المعادلات الرياضية التي لا شك في يقينها، وكذلك في ~~مستطاعه أن يصوغ قوانين العلوم الطبيعية - كقانون الجاذبية مثلا - وهي أيضا ~~قوانين لا شك في يقينها من وجهة نظره، التي هي نفسها وجهة نظر علماء الطبيعة في ~~القرنين السابع عشر والثامن عشر. # رأي للفيلسوف ديفد هيوم # وكان تاريخ الفلسفة قد شهد فيلسوفا إنجليزيا - هو ديفد هيوم # David Hume ~~- شهده وهو يتصدى لليقين المزعوم ~~لقوانين العلم، ليخرج بنتيجة عجيبة، ألا وهي أن الحقائق العلمية ما دامت مستندة ~~إلى مشاهدات الحواس، فيستحيل منطقيا أن توصف باليقين؛ لأن ما تشاهده ~~الحواس قد كان يمكن عقلا أن يكون على صورة أخرى غير التي هو عليها بالفعل. فلئن ~~كان الحجر الملقى ms186 يميل نحو السقوط إلى الأرض بفعل الجاذبية كما تدل المشاهدات، ~~فليس عند العقل الخالص ما يمنع أن كانت تكون حال الأشياء على غير هذا الوضع، بحيث ~~نلقي بالحجر فيميل نحو الصعود إلى أعلى بدل الهبوط إلى أسفل، أي أن كل ما في ~~وسعنا إثباته هو أننا قد شاهدنا الأمور على هذا النحو المعين لا على نحو ~~سواه، وإذن فلا يقين ولا حتم يقضي بضرورة أن تجري الطبيعة هذا المجرى في كل ~~آن. # الفيلسوف كانت ينقض رأي هيوم # ولو صدق هذا الذي زعمه هيوم لاهتز بناء العلم كما كان أهل العلم ~~يتصورونه، فكان لا بد لفيلسوف آخر أن يأخذ هذا الزعم مأخذ الجد، ليكشف عما ~~قد يكون مدسوسا فيه من مواضع الخطأ. وكان هذا الفيلسوف هو عمانوئيل كانت، الذي ~~قال إن هيوم قد أيقظه من سباته الفكري. نعم، لو كانت الحواس بمشاهدتها هي ~~وحدها أبواب العلم الطبيعي، لوجب أن ننتهي إلى النتائج التي انتهى إليها هيوم، ~~لكن الأمر ليس كذلك، فالحواس تأتينا بالمادة الخام من أحاسيس تسلك إلينا هذا ~~الطريق أو ذاك، إذ تهجم الأحاسيس على العين والأذن والجلد وغيرها، فتصل إلينا ~~خليطا. ولو وقف الأمر عند هذا الحد لما كانت معرفة، لكن هنالك وراء الحواس ~~«عقلا» لا بد أن يكون قد جهز بمقولات - أو قوالب - تنصب فيها مادة ~~الإحساسات فتكون بذلك علما سويا، كما تنساق حروف المطبعة فوق صفحات الكتاب على ~~نسق معلوم فإذا هي معان لا مجرد أحرف مفككة متناثرة. ويخلص «كانت» ~~من هذا إلى أنه لا بد للمعرفة العلمية من جانبين: إحساسات تجيء إلى حواسنا من ~~خارج، ومقولات عقلية تنظم تلك الإحساسات، وهي مفروزة في نظرتنا من داخل، ولولا ~~الأولى لظلت المقولات فارغة من المضمون، ولولا الثانية لأصبحت الإحساسات كومة ~~مهوشة عمياء بغير معنى معقول. # كاسيرر يتمم رأي كانت # وجاء صاحبنا أرنست كاسيرر لا لينقض «كانت» بل ليضيف إليه ويتممه؛ فليس ~~الإنسان عقلا صرفا كما صوره «كانت»، وإلا لذهبت جوانب كثيرة من ثقافته ~~هباء مع الريح. فانظر إلى ms187 ثقافة الإنسان على طول التاريخ وفي كل مجتمع، تجدها ~~نسيجا من أشياء كثيرة لا غنى له عن واحد منها؛ فهو أن يكون بحاجة إلى الجانب ~~العلمي العقلي الذي اقتصر كانت على تحليله وتوكيده، إلا أنه كذلك بحاجة إلى ~~«الفن» وإلى «الأساطير» وإلى «اللغة» وإلى «التاريخ» وإلى «الدين» وإلى غير ذلك ~~كله من جوانب يستحيل عليه أن يحيا بغيرها، فهل شهدت شعبا واحدا - همجيا ~~كان أو متحضرا - عاش بغير فن؟ عاش بغير دين؟ عاش بغير أسطورة؟ عاش بغير ~~لغة؟ عاش بغير تاريخ يرويه؟ وليست هذه «علوما» تنصب في مقولات العقل الخالص، ~~وإذن فلا مناص من التسليم بأن فطرة الإنسان أوسع من مجرد العقل الخالص، وأنه ~~لا تفضيل في تلك الفطرة بين جانب وجانب، لأنها كلها مطلوبة لحياته وضرورية ~~لحضارته، وتلك الجوانب الكثيرة هي التي يطلق عليها كاسيرر اسم «الصور الرمزية» أو ~~قل إنها القوالب التي تصاغ فيها هذه المواد كلها، والتي يتخذ منها الإنسان ~~رموزا يهتدي بها في هذا المسلك أو ذاك من مسالك حياته. # كاسيرر فيلسوف واسع الاطلاع غزير العلم # وكانت المهمة الكبرى التي اضطلع بأدائها كاسيرر هي أن يحلل هذه الصور ~~تحليلا يستقصي فيها كل شيء حتى الجذور، ولبث في الفترة الممتدة بين عامي ~~1923م و1929م يعد المجلدات الثلاثة التي أصبحت آخر الأمر هي كتابه العظيم ~~«الصور الرمزية» الذي أفاض في تفصيلات الشواهد التي ساقها فيه إفاضة لم يكن ~~يستطيعها إلا رجل في مثل سعة اطلاعه وغزارة علمه، لأنه إذا زعم لك زعما عن ~~هذا الجانب أو ذاك من فطرة الإنسان الأصيلة، ساح بك سياحة طويلة في كل ما قد ~~شهده التاريخ من حضارات وثقافات، فكأنما الآداب كلها والأساطير كلها والديانات ~~كلها والعلوم كلها، والتاريخ كله ملك يمينه ورهن إشارته. # كاسيرر يضمن للإنسان الوحدة المتكاملة # أما بعد، فلئن كان التعصب لناحية واحدة من نواحي الإنسان وإهمال كل ما عداها ~~ضربا من الجنون، لا يرده إلى حكمة العقل إلا النظرة المتزنة التي تلحظ شتى ~~النواحي لتنسج منها نسيجا واحدا متكاملا ms188 يخلق من الإنسان وحدة متماسكة ~~البناء: عقلا وعاطفة، وروحا وبدنا، وصحوا وحلما، وحاضرا وماضيا، فإن أرنست ~~كاسيرر بين فلاسفة عصرنا هو الذي ضمن للإنسان هذه الوحدة المتكاملة بعد أن تجزأت ~~على أيدي سواه أشلاء متناثرة. # | مقومات الشخصية الإفريقية الآسيوية1 # ألفان من ملايين البشر يسكنون آسيا وأفريقيا، وهم الثلثان من سكان العالم أجمع، فمن ~~كل ثلاثة أفراد من الأسرة الإنسانية ينتمي اثنان إلى هاتين القارتين العظيمتين! ~~والكتاب من هذا الخضم البشري العظيم، هم قلوبه النابضة وعقوله المفكرة وألسنته ~~الناطقة، وأنتم - أيها السيدات والسادة - من هؤلاء الكتاب ممثلوهم! وإذن فالكلمة ~~الواحدة تنطقون بها، إنما هي كلمة ينطق بها هؤلاء الملايين على لسانكم، فأكرم بها من ~~كلمة وأعظم. # لقد يسألنا سائل - ونحن بصدد الحديث عن الشخصية الإفريقية الآسيوية ومقوماتها: أتكون ~~لهاتين القارتين الفسيحتين شخصية واحدة برغم ما تحتويان عليه من أوجه التباين؟ إنهما ~~لا تشتركان في ديانة واحدة، بل الديانات فيها متعددة، ولا تشتركان في نظام أسري ~~واحد؛ فمنها ما يوحد في الأزواج ومنها ما يعدد، ولا تشتركان في نظام طبقي واحد؛ ~~إذ الطبقات في بعضها صلبة الفواصل وفي بعضها الآخر لينة أو ممتنعة، ولا تشتركان في ~~مرحلة اقتصادية واحدة؛ لأن أقطارها تتفاوت من أعلى درجات الصناعة إلى أدنى درجات ~~الزراعة والرعي، ولا تشتركان في درجة واحدة من درجات التعليم ولا في لغة واحدة. أقول ~~إن سائلا قد يسألنا منذ بداية الحديث قائلا: هل تكون للقارئين شخصية واحدة برغم هذا ~~التباين كله؟ وجوابنا هو بالإيجاب. وفيما يلي بعض ملامح هذه الشخصية المشتركة. # فالقارتان تلتقيان في ماض واحد، وفي حاضر واحد، وفي مصير واحد. # أما ماضيهما المشترك فمنه القريب ومنه البعيد؛ وقريبه هو أن القارتين معا قد ~~لبثتا حينا طويلا من الدهر هدفا لمطامع المستعمرين، ولطالما وحدت المصيبة ~~بين المصابين. وكانت آسيا أسبق من أختها الإفريقية في هذه المحنة، فمنذ القرن الخامس ~~عشر، كانت الهند وكان الشرق الأقصى كله هدف الرحالة والمستكشفين، ليمهدوا الطريق ~~من بعدهم لأصحاب التجارة، وهؤلاء بدورهم يمكنون بعدئذ للساسة والحاكمين. ms189 ولم تكن ~~أفريقيا عندئذ إلا مرحلة وسطى تعترض الطريق، يطوفون بها من هنا ويدورون حولها من هناك، ~~لعلهم يصلون إلى الغاية المنشودة بأقل جهد وأقصر طريق. حتى كولمبس حين عبر المحيط ~~الأطلسي لم يعبره إلا ليلتمس طريقه إلى آسيا. # ثم جاء القرن التاسع عشر، وجاءت معه النتائج الفادحة التي تولدت عن الثورة الصناعية، ~~من حاجة أوروبا المنهومة إلى المواد الأولية - زراعية ومعدنية - وإلى الأسواق لمنتجاتها ~~الصناعية؛ وها هنا اتجهت الأبصار إلى أفريقيا؛ وتسابق القوم إلى خطفها، فلما أن ~~تضاربت مصالحهم، راحوا يقسمونها فيما بينهم كما تقسم الغنيمة الباردة، التي لم ~~يكسبها كاسبها بجهد مشروع. واشتركت في الغنيمة إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا ~~والبرتغال وبلجيكا وهولنده، وإن تكن إنجلترا قد خرجت من القسمة بنصيب الأسد لتفوقها ~~على زميلاتها في الصناعة والتجارة وفي القوة البحرية. ولعل هذه الجريمة المشتركة قد ~~أيقظت في المعتدين ضميرا به بقية من حياة، فراحوا يسوغون الفعلة لضميرهم بأنه واجب ~~الرجل الأبيض إزاء من لم يرزقهم الله جلودا في بياض جلودهم، وشاعت على أقلام ~~كتابهم عبارة «عبء الرجل الأوروبي» ليصوروا الأمر لأوهامهم تصويرا يخرجون به ~~حماة للحضارة الإنسانية، بدل أن تصمهم وصمة السرقة والاعتداء. # ذلك هو الماضي المشترك القريب لقارتي آسيا وأفريقيا، وأما ماضيهما المشترك البعيد فهو ~~أنهما أمدا العالم بدعامتين من دعائم المدنية، وهما دعامتا الفن والدين، فما من ~~عقيدة دينية اهتز بها وجدان البشر إلا وهاتان القارتان أصلها ومهبط وحيها، ثم ما ~~من فن إلا وجذوره نابتة في أرض هاتين القارتين. ولقد يطور الغرب هذا الفن أو ~~ذاك تطويرا يبعد به عن أصله الآسيوي والإفريقي، لكنه لا يلبث أن يعود تائبا إلى ~~أصله المتروك، كما هي الحال في عصرنا الحاضر بالنسبة إلى التصوير والنحت ~~والموسيقى. # وكما تشترك القارتان في ماض واحد: ماض سياسي قريب، وماض ثقافي بعيد، فهما كذلك ~~تشتركان في حاضر واحد، هو حاضر الكفاح ضد المستعمر، إثباتا لوجودهما وتثبيتا ~~لشخصيتهما. وإذا كانت المحنة قد وحدت بين القارتين، فإن الكفاح للتخلص من هذه ~~المحنة يزيد الوحدة ms190 بينهما قوة ووثوقا. أليس المستعمرون أنفسهم - على ما بينهم من ~~ضروب الخلاف التي قد تبلغ حد الحروب الطاحنة - يتحدون علينا كلما رأوا في وحدتهم ~~تلك ضمانا لبقاء الغنيمة في أيديهم؟ إذن فهل يكون غريبا أن نتحد من جانبنا في جبهة ~~واحدة استخلاصا لحقنا المنهوب؟ إن آسيا وأفريقيا في أعين المستعمرين شيء واحد، وبلاد ~~الغرب شيء آخر، وإلا فلماذا أجازوا لأنفسهم أن يستخدموا القنبلة الذرية على أرض ~~آسيوية ولم يستخدموها ضد ألد أعدائهم من الشعوب الأوروبية؟ إنهم فعلوا ذلك لعقيدة ~~راسخة في أنفسهم بأن الغرب غرب والشرق شرق، وما يجوز فعله هنا لا يجوز فعله هناك. ~~وإذا كان هذا شعورهم الموحد ضدنا نحن أبناء آسيا وأفريقيا، فهل يقابل منا إلا ~~بشعور موحد ضدهم؟ # إن أهل القارتين يشتركون اليوم في شعورهم بأن بلادهم قد أصبحت بلادهم! نعم إن في ~~هذه العبارة شيئا من المفارقة اللفظية؛ إذ لا يعقل أن تكون بلادهم بلاد سواهم، لكنها ~~الحقيقة المرة برغم ما فيها من تناقض في اللفظ والمعنى؛ فلم تكن البلاد الآسيوية ~~الإفريقية بلاد أهلها إلا منذ قريب، منذ خرج الآسيويون والإفريقيون من كفاحهم ~~ظافرين أو أوشكوا على الظفر. أما قبل ذلك فقد كانت بلادهم مرتعا خصيبا لسواهم، فكان ~~الدوح - كما قال شاعرنا - حراما على بلابله، حلالا على الطير من كل جنس. # كنا إلى عهد قريب شعوبا تعد بالجماعات كأنها القطعان، وتوزن بالموارد الطبيعية ~~كأنها من الحجر الأصم ؛ بل كان الساسة في الغرب يجتمعون معا على موائد المفاوضات ~~وأمامهم خرائط بلادنا، وفي أيديهم أقلام يخطون بها خطا هنا وخطا هناك، فكانت كأنها ~~أيدي القدر، تفتت الشعوب وتفتك بالأمم كلما رسمت من تلك الخطوط خطا. وإنه ~~لمما يروى عن بلفور صاحب الوعد المشئوم، أنه حين خط بقلمه على خريطة أمامه ما قد ~~أرادت نزواته أن ينزله على أرض فلسطين الحبيبة من مصير، سأله سائل: وماذا تنوي أن تصنع ~~بأهل هذا الإقليم المقتطع؟ فأجاب في دهشة مصطنعة سائلا بدوره: ألهذا الإقليم أهل ~~وفيه ناس؟ هكذا كنا إلى عهد ms191 قريب، فأصبحنا نعد أنفسنا بالآحاد، لأن كل فرد ~~منا له عندنا قيمة. لم يكن للفرد في قارتينا إلا حرية واحدة تركوها له، وهي ~~حريته الدينية، لا بل حتى هذه الحرية الواحدة كثيرا ما جعلوها موضع الأطماع، ~~فراحوا يحاولون تغييرها كلما أمكنهم ذلك؛ وأما سائر الحريات من اقتصادية وسياسية ~~واجتماعية فلم تكن قط من حقنا؛ فالاقتصاد في أيديهم، والسياسة لهم، والأوضاع ~~الاجتماعية من صنعهم، فهم الذين يرفعون وهم الذين يخفضون كيف شاءت لهم مصالحهم؛ ففي هذا ~~الميلاد الجديد تتشابه القارتان. # وكذلك تتشابه القارتان فيما قد خيم عليهما من جهل فرض عليهما فرضا، حتى إذا ما ~~استرخت قبضة المستعمر عنهما، فتحت المدارس والجامعات فتحا بالعشرات والمئات؛ فقد ~~تعمد المستعمرون - كل فيما قد وقع في براثنه - أن يهملوا التعليم كما وكيفا، ~~فلا المدارس يتناسب عددها مع تعداد الشعب، ولا مستويات التعليم ترتفع إلى حاجة العصر؛ ~~فقد كان يندر جدا أن يزيد التعليم في أي بلد إفريقي عن مستوى المدرسة الثانوية، فلم ~~يكن في الكونجو كلية جامعية واحدة، ولم يكن في أفريقيا الغربية الفرنسية مدرسة عالية ~~واحدة، ولا في نيجيريا مدرسة عليا واحدة، وهكذا. وإنه لمما يلفت النظر أن التعليم ~~العالي حتى إن وجد لم يوجه إلى الجانب العلمي الذي من شأنه أن يخلق الصناعة، بل ~~وجه كله تقريبا إلى الدراسات الأدبية، وحتى هذه الدراسات الأدبية لم توجه نحو ما من ~~شأنه أن يلهب الشعور القومي ، بل وجهت الوجهة التي تظهر الآداب الغربية بالقياس إلى ~~التراث الشعبي بمظهر العملاق. وكادت أبواب المدارس توصد في وجه المرأة، لأن ~~المستعمرين يدركون أتم إدراك مدى ما تصنعه المرأة المستنيرة في النهوض ببلدها. أإذا ~~وجدت بلاد آسيا وأفريقيا أن هذه الغشاوة تنزاح عنها معا، وأنها معا - كأنها على ~~اتفاق - قد أخذت تنهض ببنيها نهوضا قويا سريعا بفتح الجامعات والمدارس العليا، ~~وبتوجيه التعليم في الاتجاه العلمي الذي سيلد لها الصناعة فتخلق خلقا جديدا، ألا تكون ~~هذه الروح المشتركة رباطا يجمع أشتاتها في شخصية واحدة؟ # وأقول «أشتاتها» لأن المستعمر لم ms192 يغب عنه منذ اللحظة الأولى أن الوحدة إذا تماسكت ~~استعصت عليه، وهي تهون إذا تفككت أشتاتا؛ ولهذا جعل يقسم البلد الواحد أقساما، ~~والعصبة الواحدة أحزابا، حتى نظرت كل رقعة من الأرض إلى نفسها فإذا هي أجزاء متنافرة ~~برغم ما بينها من وحدة جغرافية واقتصادية وجنسية ولغوية وثقافية ومعاشية. ويا ليتهم ~~شطروا الجسم الواحد أشطرا ثم وقفوا عند هذا، بل راحوا يؤلبون كل شطر على الآخر، حتى ~~حركوا العصبية القبلية وشجعوا النزعات الانفصالية على نحو ما نشاهده اليوم في ~~مواضع كثيرة. ونحن إذا كنا نجتمع اليوم متضامنين، فإنما نرد اللطمة بلطمة ~~مثلها. # وإن حديث التضامن الآسيوي الإفريقي لينقلنا إلى سمة لعلها أبرز سمات هذا العصر ~~إطلاقا، كما أنها بغير شك أوضح ملامح الشخصية الآسيوية الإفريقية التي نتحدث عنها ~~الآن، فلنقف عندها وقفة قصيرة: # لقد قال وليم إدوارد دي بوا # Du Bois ~~- الكاتب الأمريكي ~~الزنجي - في أوائل هذا القرن «إن مشكلة القرن العشرين هي مشكلة الفاصل اللوني.» ~~ففهمت عبارته بادئ ذي بدء على أنها تعني مشكلة الزنوج في أمريكا على وجه التخصيص؛ ~~لكن الرجل كان أوسع أفقا وأغزر علما وأنفذ بصيرة من أن يجعل مشكلة الزنوج في أمريكا ~~هي مشكلة القرن العشرين كله؛ فالذي عناه بعبارته تلك هي أن مشكلة هذا القرن هي نهضة ~~الشعوب الملونة نهضة تهز قوائم العرش الذي تربع عليه أصحاب الجلدة البيضاء زمنا ~~ما؛ وهذا يذكرنا أيضا بنبوءة تنبأ بها قيصر ولهلم الثاني في مطلع الحرب العالمية ~~الأولى، حين قال إن أكبر صراع ستشهده البشرية حين ينشأ الصراع بين آسيا والغرب، بين ~~الأصفر والأبيض؛ إنها ستكون أفظع الأزمات التي حاقت بسكان الأرض، وإنها لوشيكة الوقوع؛ ~~فلو أضفنا - في نبوءة ولهلم الثاني - إلى آسيا أفريقيا، ثم أضفنا إلى اللون الأصفر ~~الأسود والأسمر، رأينا صدق نبوءة القيصر. # فلأول مرة في التاريخ اجتمعت الآسيوية الإفريقية في مؤتمر باندونج عام 1955م؛ لأول مرة ~~في التاريخ اجتمعت الدول نفسها التي حرص الغرب قبل ذاك على ألا يجعل لها نصيبا في ~~السياسة الدولية؛ فما ms193 الذي كان يربط بينها؟ إننا نجيب عن هذا السؤال بلسان الرئيس ~~سوكارنو؛ حيث قال عندئذ: «هذا أول مؤتمر دولي للشعوب الملونة في تاريخ البشر. إن ~~الروابط التي توحدنا أهم بكثير من الفوارق السطحية التي تفرق بيننا ... والذي ~~يوحدنا هو اتفاقنا جميعا على مقت التفرقة العنصرية.» إذن فالثورة الآسيوية الإفريقية ~~المشتركة هي في أعماقها ثورة على ما كان الغرب قد أراده لبني الإنسان من عدم المساواة. ~~لقد كان المجتمعون في باندونج يمثلون شعوبا احتقرت في قلب بلادها، وزحزحت إلى ~~الصفوف الخلفية من الجماعة البشرية، وصب عليها الاستغلال ونزل بها الاضطهاد، لا من ~~الوجهة السياسية وحدها، بل من الوجهة العنصرية كذلك؛ فجمع أهل اليابان وأهل الصين وأهل ~~إندونيسيا وأهل الهند وأهل الشرق الأوسط وأهل أفريقيا، جمعوا كلهم في عين الغربي في ~~مجموعة واحدة، قوامها اللون اللاأبيض؛ فما كان من هذه الشعوب كلها اليوم إلا أن تقبل ~~هذا التحدي، وتجعل من نفسها مجموعة واحدة بالفعل، على هذا الأساس العنصري نفسه، وبهذا ~~اجتمعت اجتماعها التاريخي في باندونج، اجتمعت تسع وعشرون دولة اختلفت مذهبا، لكنها ~~اتحدت عنصرا؛ وكان لهذا مغزاه السياسي العميق؛ فقد كانت سياسة الدول الغربية مدى ~~سبعة قرون استقرت على أساس أن التفاوت العنصري بين الغرب والشرق قد انحسمت فيه ~~الكلمة إلى الأبد، وأن تفوق الغربي لن يصبح موضعا لنزاع، وعلى هذا الأساس حيكت خيوط ~~العلاقات الدولية طوال هذا الأمد الطويل، وها هي ذي الدول الآسيوية والإفريقية قد اجتمعت ~~كلها معا في باندونج لتمحو من سجل السياسة الدولية آية وتثبت مكانها آية. # ثم تلا ذلك الاجتماع اجتماعات تضامنية أخرى بين دول آسيا وأفريقيا؛ ففي القاهرة عام ~~1957م اجتمعت أربع وعشرون دولة إفريقية آسيوية، وأيدت فيما أيدته مبادئ ~~باندونج. # وفي أكرا عاصمة غانا عام 1958م اجتمعت ثماني دول إفريقية مستقلة، فأكدت التعاون ~~فيما بينها عند النظر إلى المشكلات الدولية عامة وإلى مشكلات القارة الإفريقية بصفة ~~خاصة. وفي أديس أبابا عام 1960م انعقد مرة أخرى مؤتمر للدول الإفريقية المستقلة، ~~لتؤكد فيه هذه الدول من جديد ms194 تضامنها ومؤازرتها لقرارات باندونج. وفي الدار البيضاء ~~بالمغرب عام 1961م اجتمع أقطاب أفريقيا وتناولوا الموقف في الكونجو وغيره من الأحداث ~~العالمية الكبرى. فهذه كلها اجتماعات تدل على أن الشخصية الآسيوية الإفريقية قد أخذت ~~ملامحها تظهر واضحة، وعلى أن هذه الشخصية الموحدة ستتولى توجيه العالم إلى ~~المساواة وإلى العدل وإلي الحرية بمعناها الصحيح. # لقد أوضحنا كيف تتفق آسيا وأفريقيا في ماض واحد وكيف تتلاقيان في حاضر واحد، ~~وبقي أن نكمل الصورة ببيان يوضح التقاءهما في مصير واحد. # إن من أهم الظواهر المشتركة بين هاتين القارتين ما يقوم به المثقفون من ~~قيادة فكرية نحو مستقبل منشود. نعم إن المستنيرين في كل بلاد الأرض يتولون زمام ~~القيادة الفكرية، لكن موقفهم في قارتينا يلفت النظر ببعض الخصائص المميزة؛ بسبب ~~الفجوة التي كانت - وما تزال إلى حد ما - تفصل جماهير الشعب من جهة، والطبقات العليا من ~~جهة أخرى؛ فحيث لا تكون هنالك فجوة بين هذين الطرفين، تكون مهمة المستنيرين هي التنوير ~~العقلي والتهذيب الوجداني بطريقة لا يكون الدور القيادي فيها واضحا. أما حين يكون هناك ~~مثل هذه الفجوة، فإن المستنيرين يكونون مركز الحساسية أولا ثم مكان القيادة الظاهرة ~~ثانيا، هادفين إلى سد الفجوة الفاصلة بين طرفي الشعب الواحد. # وأمام المستنيرين في شعوبنا الآسيوية الإفريقية فجوتان من نوعين مختلفين؛ فالمسافة ~~بعيدة داخل البلد الواحد بين العلية والجماهير، والمسافة بعيدة كذلك بين البلد كله من ~~ناحية والعالم العلمي الصناعي الفني المتسلط من جهة أخرى، فلا مندوحة لها عن ~~قيادتين في آن واحد: إحداهما ترمي إلى التسوية بين المرتفع والمنخفض في الداخل، ~~والأخرى نهوض عام ليلحق البلد كله ببلاد سبقته فسيطرت عليه بسبقها. # وليس بد أمام المستنيرين منا - لكي يحققوا أهدافهم - من إشعال الروح القومية ~~بشتى الوسائل. ومن هذه الوسائل تركيزهم على إحياء التراث القومي، ليظهر لكل شعب مجده ~~القديم فيستحثه هذا على استرداد شخصيته وكرامته، ليصل طارفا بتليد. # وتلك نظرة إلى المستقبل تنظرها القارتان كأنما هما تنظران نظرة واحدة. وحين ~~يتحقق لها أملها يتحقق للإنسانية كلها أمل ms195 أخفق الغرب في بلوغه، ألا وهو العدالة ~~والسلام؛ لأن فوارق كثيرة؛ مما يسبب الظلم. والحروب ستزول؛ فستزول الفوارق العنصرية، ~~وفوارق الثروة بين قارات العالم، وفوارق العلم، وفوارق القوة بشتى ضروبها. # ولقد أراد الله للقارتين أن يظهر بين أبنائهما قادة يحسنون التعبير عن آمال شعوبهم، ~~ويحسنون القيادة نحو تحقيق تلك الآمال، فرأينا رجالا في مستوى أبطال التاريخ ينبغون ~~هنا وهناك دفعة واحدة كأنما هم والقدر على ميعاد. # هؤلاء الهداة البناة العمالقة يشتركون معا في بناء آسيا وأفريقيا بناء جديدا، يعيد ~~لها قيادة الحضارة. فمن بين سبعين قرنا من قرون التاريخ الحضاري، لبث زمام القيادة في ~~أيدي هاتين القارتين العظيمتين ما يقرب من خمسة وستين، ولم يفلت منهما الزمام ~~إلا مدى الخمسة القرون الأخيرة. أيكون حلما بعيد التحقيق - إذن - أن تعود القارتان من ~~جديد، وهما اللتان علمتا الإنسان أصول الحضارة وفروعها، فتعلمانه مرة أخرى ~~درسا نسيه فجلب عليه الكوارث بنسيانه، وهو أن المساواة بين البشر أساس لا بد من ~~إقامته أولا قبل أن يذوق العالم طعما للسلام؟ ms196